Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي

أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
باب ماجاء في بر الوالدين
...
بسم الله الرحمن الرحيم
أبواب البر والصلة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
1 ـ باب ما جاءَ في بِرّ الْوَالدَيْن
1959ـ حدّثنا محمد بن بَشار، اخبرنا يَحيَى بنُ سعيدٍ، أخبرنا بَهْزُ بنُ حَكيِمٍ، حدثني أَبي عن جَدّي قال: قلت: "يا رسولَ الله، مَنْ أَبَرّ؟ قال: أمّكَ، قال: قلت: ثُمّ مَنْ؟ قال: أُمّكَ، قال: قلت: ثُمّ مَنْ؟ قال أُمكَ، قال: قلت: ثُمّ مَنْ؟ قال: ثُمّ أَبَاكَ ثُمّ الأقْرَبَ فالأقْرَبَ" .
ـــــــ
أبواب البر والصلة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
"باب ما جاءَ في بِرّ الْوَالدَيْن"
قال في النهاية: البر بالكسر الإحسان، وهو في حق الوالدين وحق الأقربين من الأهل ضد العقوق وهو الإساءة إليهم والتضييع لحقهم، يقال بر يبر فهو بار وجمعه بررة. قال: والبر والبار بمعنى، وجمع البر أبرار وهو كثيراً ما يخص بالأولياء والزهاد والعباد انتهى.
وقال في القاموس: البر ضد العقوق بررته وأبره كعلمته وضربته. وصلة الرحم كناية عن الإحسان إلى الأقربين من ذوي النسب والأصهار والتعطف عليهم والرفق بهم، وقطع الرحم ضد ذلك، يقال وصل رحمه يصلها وصلا وصلة.
قوله: "أخبرنا بهز" بفتح موحدة وسكون هاء فزاي "ابن حكيم" أي ابن معاوية بن حيدة القشيري البصري "حدثني أبي" أي حكيم "عن جدي" أي معاوية ابن حيدة وهو صحابي نزل البصرة ومات بخراسان "من أبر" بفتح الموحدة وتشديد الراء على صيغة المتكلم أي من أحسن إليه ومن أصله "قال أمك" بالنصب، أي بر أمك وصلها أولاً "قلت ثم من" أي ثم من أبر "ثم الأقرب فالأقرب" أي

(6/21)


وفي البابِ عن أبي هريْرَةَ وعبدِ الله بنِ عَمْرٍو وعائِشةَ وأبي الدّرداءِ.
وبَهْزُ بنُ حَكيِمٍ هُوَ أبو مُعَاوِيَةَ بنِ حَيْدَةَ القُشَيْرِيّ.
وهذا حديثٌ حسنٌ.
وقد تكلّمَ شُعْبَةُ في بَهْزِ بنِ حكيمٍ، وهو ثِقَةٌ عند أهلِ الحديثِ، ورَوَى عنه مَعْمَرٌ وسفيانُ والثّوْرِيّ وحَمّادُ بنُ سلَمةَ وغيرُ وَاحِدٍ من الأئمّةِ.
ـــــــ
إلى آخر ذوي الأرحام. قال النووي: فيه الحث على بر الأقارب وأن الأم أحقهم بذلك، ثم بعدها الأب ثم الأقرب فالأقرب. قالوا: وسبب تقديم الأم كثرة تعبها عليه وشفقتها وخدمتها انتهى. وفي التنزيل إشارة إلى هذا التأويل في قوله تعالى: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً} فالتثليث في مقابلة ثلاثة أشياء مختصّة بالأم، وهي تعب الحمل ومشقة الوضع ومحنة الرضاع.
قوله: "وفي الباب عن أبي هريرة" أخرجه البخاري ومسلم "وعبد الله بن عمرو" أخرجه النسائي والدارمي مرفوعاً: لا يدخل الجنة منان ولا عاق ولا مدمن خمر. وله في هذا الباب أحاديث أخرى "وعائشة" أخرجه البغوي في شرح السنة والبيهقي في شعب الإيمان، "وأبي الدرداء" أخرجه الترمذي في باب الفضل في رضا الوالدين.
قوله: "وهذا حديث حسن" وأخرجه أبو داود.
قوله: "قد تكلم شعبة في بهز بن حكيم وهو ثقة عند أهل الحديث" ، قال الذهبي في الميزان: وثقة ابن المديني ويحيى والنسائي، وقال أبو حاتم: لا يحتج به، وقال أبو زرعة: صالح، وقال البخاري: يختلفون فيه، وقال ابن عدى: لم أر له حديثاً منكراً، ولم أر أحداً من الثقات يختلف في الرواية عنه، وقال صالح جزرة بهز عن أبيه عن جده إسناد أعرابي. وقال أحمد بن بشير: أتيت بهزاً فوجدته يلعب بالشطرنج، وقال الحاكم ثقة إنما أسقط من الصحيح لأن روايته عن أبيه عن جده شاذة لا متابع له عليها. وقال أبو داود: هو حجة عندي.

(6/22)


2 ـ باب
1960ـ حدّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ، أخبرنَا عبدُ الله بنُ المُبَارَكِ عن المَسْعُودِيّ عن الوَلِيدِ بنِ الْعَيْزَارِ عن أبي عَمْرٍو الشّيْبَانِيّ عن ابنِ مسعودٍ قال: سألْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: "يا رسولَ الله، أَيّ الأعمالِ أَفْضَلُ؟ قال: الصّلاَةُ لمِيقَاتِهَا ، قلت: ثُمّ ماذَا يا رسولَ الله؟ قال: بِرّ الْوَالِدَيْنِ، : قلت: ثُمّ ماذَا يا رسولَ الله؟ قال: الجِهَادُ في سَبِيلِ الله، ثُمّ سَكَتَ عَنّي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ولو اسْتَزَدْتُه لزَادَني".
ـــــــ
"باب"
قوله: "عن الوليد بن العيزار" بن حريث العبدي الكوفي ثقة من الخامسة.
قوله: "أي الأعمال أفضل" قال الحافظ: محصل ما أجاب به العلماء عن هذا الحديث وغيره مما اختلفت فيه الأجوبة بأنه أفضل الأعمال أن الجواب اختلف لاختلاف أحوال السائلين بأن أعلم كل قوم بما يحتاجون إليه، أو بما لهم فيه رغبة أو بما هو لائق بهم، أو كان الاختلاف باختلاف الأوقات بأن يكون العمل في ذلك الوقت أفضل منه في غيره، فقد كان الجهاد في ابتداء الإسلام أفضل الأعمال لأنه الوسيلة إلى القيام بها والتمكن من أدائها، وقد تضافرت النصوص على أن الصلاة أفضل من الصدقة، ومع ذلك ففي وقت مواساة المضطر تكون الصدقة أفضل، أو أن أفضل ليست على بابها، بل المراد بها الفضل المطلق أو المراد من أفضل الأعمال فحذفت من وهي مرادة انتهى. "قال الصلاة لميقاتها" وفي رواية الصحيحين: لوقتها، وفي رواية لهما: على وقتها، وفي رواية الحاكم والدارقطني والبيهقي: في أول وقتها. قال النووي في شرح المهذب: إن رواية في أول وقتها ضعيفة انتهى "قلت ثم ماذا؟" قال الطيبي: ثم لتراخي الرتبة لا لتراخي الزمان، أي ثم بعد الصلاة أي العمل أفضل؟ "قال بر الوالدين" أي أو أحدهما. قال بعض العلماء: هذا الحديث موافق لقوله تعالى: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} وكأنه أخذه من تفسير ابن عيينة

(6/23)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وقد رواهُ الشّيْبَانيّ وَشُعْبَةُ وغيرُ واحدٍ عن الوَلِيدِ بنِ العَيْزَارِ. وقد رُوِيَ هذا الحديثُ من غيرِ وَجْهٍ عن أبي عَمْرٍو الشّيْبَانيّ عن ابنِ مسعودٍ. وأبو عَمْرو الشّيْبانيّ اسمُه سَعْدُ بنُ إِيَاسٍ.
ـــــــ
حيث قال: من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله، ومن دعا لوالديه عقبهما فقد شكر لهما، كذا في الفتح "الجهاد في سبيل الله" قال ابن بزبزة: الذي يقتضيه النظر تقديم الجهاد على جميع أعمال البدن لأن فيه بذل النفس، إلا أن الصبر على المحافظة على الصلوات وأدائها في أوقاتها والمحافظة على بر الوالدين أمر لازم متكرر دائم لا يصبر على مراقبة أمر الله فيه إلا الصديقون "ثم سكت عني رسول الله صلى الله عليه وسلم" هو مقول عبد الله بن مسعود "ولو استزدته" أي النبي صلى الله عليه وسلم، يعني لو سألته أكثر من هذا "لزادني" في الجواب.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. وفي المرقاة: روى الدارقطني والحاكم وابن خزيمة وابن حبان والبيهقي عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة لأول وقتها، قال الحاكم والبيهقي في خلافياته: صحيح على شرطهما.
قوله: "وقد رواه الشيباني" هو سليمان بن أبي سليمان أبو إسحاق الشيباني، وقد تقدم هذا الحديث بشرحه في باب ما جاء في الوقت الأول من الفضل

(6/24)


3 ـ باب الْفَضْلِ في رضَا الْوَالِدَيْن
1961 ـ حَدّثنا ابنُ أبي عُمَرَ، حدثنا سُفْيَانُ عن عطاءِ بنِ السّائِبِ، عن أبي عبدِ الرّحمنِ السّلَمِيّ عن أبي الدّرداءِ قال: "إِنّ رَجُلاً أَتَاهُ فَقَالَ إِن لِي امْرَأَةً وَإِنّ أُمي تَأْمُرُني بِطَلاَقِهَا، فقال أبو الدّرداءِ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله
ـــــــ
"باب الفضل في رضا الوالدين"
قوله: "الوالد أوسط أبواب الجنة" قال القاضي: أي خير الأبواب وأعلاها، والمعنى أن أحسن ما يتوسل به إلى دخول الجنة ويتوسل به إلى وصول درجتها

(6/24)


صلى الله عليه وسلم يقول: "الْوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الجَنّةِ، فإِن شِئْتَ فأَضِعْ ذلكَ البابَ أو احْفَظْهُ" ، وَرُبّمَا قال سُفيانُ: إنّ أُمّي، وربما قال: أَبِي. هذا حديثٌ صحيحٌ.
وأبو عبدِ الرحمنِ السّلَمِيّ اسمُه عبدُ الله بنُ حبيبٍ.
1962ـ حدّثنا أبو حَفْصٍ عَمْرُو بنُ عَلِيٍ، حدثنا خالِدُ بنُ الحارِثِ حدثنا شُعْبَةُ عن يَعْلَى بنِ عطاء عن أبيهِ عن عبدِ الله بنِ عَمْرٍو عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "رِضاَ الرّبّ في رِضَا الْوَالِدِ وسَخَطُ الرّبّ في سَخَطِ الْوَالِدِ" .
1963ـ حدّثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، حدثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، حدثنا شعبةُ عن يَعْلَى بن عَطَاءٍ عن أبيه عن عبد الله بن عمرو نجوه ولم يرفعه. وهذا أصح. ةهكا روى أصحاب شعبة عن شعبة عن يعلى بن عطاء عن أبيه عن
ـــــــ
العالية مطاوعة الوالد ومراعاة جانبه، وقال غيره: إن للجنة أبواباً وأحسنها دخولا أوسطها، وإن سبب دخول ذلك الباب الأوسط هو محافظة حقوق الوالد انتهى. فالمراد بالوالد الجنس، أو إذا كان حكم الوالد هذا فحكم الوالدة أقوى وبالاعتبار أولى "فأضع" فعل أمر من الإضاعة "ذلك الباب" بترك المحافظة عليه "أو أحفظه" أي داوم على تحصيله.
قوله: "هذا حديث صحيح" وأخرجه ابن ماجة وابن حبان في صحيحه وأبو داود الطيالسي والحاكم في مستدركه، وصححه وأقره الذهبي.
قوله: "رضا الرب في رضا الوالد" وكذا حكم الوالدة بل هو أولى، ورواه الطبراني بلفظ: رضا الرب في رضا الوالدين وسخطه في سخطهما "وسخط الرب" بفتحتين ضد الرضا "في سخط الوالد" لأنه تعالى أمر أن يطاع الأب ويكرم، فمن أطاعه فقد أطاع الله، ومن أغضبه فقد أغضب الله، وهذا وعيد شديد يفيد أن العقوق كبيرة.
قوله: "وهذا أصح" أي الموقوف أصح من المرفوع، وأخرجه ابن حبان

(6/25)


عبدِ الله بن عَمْرٍو موقوفاً، ولا نعلمُ أحداً رَفَعَهُ غيرُ خالِد بن الحارثِ عن شُعْبَةَ. وخالِدُ بنُ الحارثِ ثِقَةٌ مأْمُونٌ. سَمِعْتُ محمدَ بنَ المُثَنّى يقول: ما رأيْتُ بالبَصْرَةِ مِثْلَ خالدِ بنِ الحارثِ ولا بالكُوفَةِ مِثْلَ عَبْدِ الله بنِ إدريسَ.
وفي البابِ عن ابنِ مسعودٍ.
ـــــــ
مرفوعاً في صحيحه والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم، كذا في الترغيب.
قوله: "وفي الباب عن ابن مسعود" أخرجه الترمذي في الباب المتقدم ولم أقف على حديث عنه يطابق الباب نصاً وصراحة.

(6/26)


4 ـ باب ما جاءَ في عُقُوقِ الْوالِدَيْن
1964ـ حَدّثنا حُمَيْدُ بنُ مَسْعَدَةَ، حدّثنا بِشْرُ بنُ المُفَضّلِ حدثنا الْجَرِيرِيّ عن عبدِ الرّحمنِ بن أبي بَكْرَةَ عن أبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ألاَ أحَدّثُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ قالوا: بَلى يا رسولَ
ـــــــ
"باب ما جاء في عقوق الوالدين"
يقال عق والده يعقه عقوقاً: إذا آذاه وعصاه وخرج عليه، وأصله من العق وهو الشق والقطع.
قوله: "ألا أحدثكم بأكبر الكبائر؟" الكبائر جمع الكبيرة وهي السيئة العظيمة التي خطيئتها في نفسها كبيرة وعقوبة فاعلها عظيمة بالنسبة إلى معصية ليست بكبيرة، وقيل الكبيرة ما أوعد عليه الشارع بخصوصه، وقيل ما عين له حد، وقيل النسبة إضافية فقد يكون الذنب كبيرة بالنسبة لما دونه صغيرة بالنسبة إلى ما فوقه، وقد يتفاوت باعتبار الأشخاص والأحوال. وقد بسط الحافظ الكلام في تفسير الكبيرة والصغيرة وما يتعلق بهما في الفتح في باب عقوق الوالدين من الكبائر من كتاب الأدب، والنووي في شرح مسلم في باب الكبائر وأكبرها من كتاب الإيمان.
وقوله: "أكبر الكبائر" ليس على ظاهره من الحصر، بل من فيه مقدرة، فقد

(6/26)


الله، قال: الإِشْرَاكُ بالله، وعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ، قالَ: وجَلَسَ وكانَ مُتّكِئاً، قالَ: وشَهَادَةُ الزّورِ أو قَوْلُ الزّورِ، فما زالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُها حَتّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ".
ـــــــ
ثبت في أشياء أخر أنها أكبر من الكبائر منها حديث أنس في قتل النفس أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. وحديث ابن مسعود أي الذنب أعظم، فذكر فيه الزنا بحليلة الجار. وحديث عبد الله بن أنيس الجهني مرفوعاً قال: من أكبر الكبائر، فذكر منها اليمين الغموس أخرجه الترمذي بسند حسن، وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند أحمد. وحديث أبي هريرة رفعه: إن من أكبر الكبائر استطالة المرء في عرض رجل مسلم، أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن، وحديث بريدة رفعه: من أكبر الكبائر فذكر منها منع فضل الماء ومنع الفحل، أخرجه البزار بسند ضعيف. وحديث ابن عمررفعه: أكبر الكبائر سوء الظن بالله، أخرجه ابن مردويه بسند ضعيف، ذكره الحافظ في الفتح "وعقوق الوالدين" بضم العين المهملة مشتق من العق وهو القطع والمراد به صدور ما يتأذى به الوالد من ولده من قول أو فعل إلا في شرك أو معصية ما لم يتعنت الوالد، وضبطه ابن عطية بوجوب طاعتهما في المباحات فعلا وتركا، واستحبابها في المندوبات وفروض الكفاية كذلك، ومنه تقديمهما عند تعارض الأمرين، وهو كمن دعته أمه ليمرضها مثلا بحيث يفوت عليه فعل واجب إن أستمر عندها ويفوت ما قصدته من تأنيسه لها وغير ذلك أن لو تركها وفعله وكان مما يمكن تداركه مع فوات الفضيلة كالصلاة أول الوقت أو في الجماعة "قال وجلس" أي للاهتمام بهذا الأمر وهو يفيد تأكيد تحريمه وعظم قبحه "وكان متكئاً" جملة حالية، وسبب الاهتمام بذلك كون قول الزور أو شهادة الزور، أسهل وقوعاً على الناس والتهاون بها أكثر، فإن الإشراك ينبو عنه قلب المسلم. والعقوق يصرف عنه الطبع، وأما الزور فالحوامل عليه كثيرة كالعداوة والحسد وغيرهما فاحتيج إلى الاهتمام بتعظيمه، وليس ذلك لعظمهما بالنسبة إلى ما ذكر معها من الإشراك قطعاً، بل لكون مفسدة الزور متعدية إلى غير الشاهد بخلاف الشرك فإن مفسدته قاصرة غالباً. وهذا الحديث يأتي أيضاً بسنده ومتنه في الشهادات.

(6/27)


وفي البابِ عن أبي سعيدٍ.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وأبو بَكْرَةَ اسمُه نُفَيْعٌ.
1965 ـ حدّثنا قُتَيْبَةَ، حدثنا اللّيْثُ بنُ سَعْدٍ عن ابنِ الْهَادِ عن سَعْدِ بنِ إبراهيمَ عن حُمَيْدِ بنِ عبدِ الرّحمنِ عن عبدِ الله بن عَمْرٍو قال: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مِنَ الْكَبَائِرِ أَنْ يَشْتِمَ الرّجُلُ وَالِدَيْهِ قالوا: يا رسولَ الله وهَلْ يَشْتُمُ الرّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قال: نَعَمْ، يَسُبّ أبا الرّجُلِ فَيَسُبّ أَبَاهُ، ويَشْتُمُ أُمّهُ فَيَشْتِمُ أُمّهُ" .
هذا حديثٌ صحيحٌ.
ـــــــ
قوله "وفي الباب عن أبي سعيد" أخرجه أبو داود.
قوله "من الكبائر أن يشتم الرجل والديه" ولفظ البخاري: إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه، وهذا يقتضي أن سب الرجل والديه من أكبر الكبائر. ورواية الترمذي تقتضي أنه كبيرة وبينهما فرق من حيث أن الكبائر متفاوتة وبعضها أكبر من بعض "وهل يشتم" بكسر عينه ويضم أي يسب "الرجل والديه" أي هل يقع ذلك وهو استبعاد من السائل لأن الطبع المستقيم يأبى ذلك، فبين في الجواب أنه وإن لم يتعاط السب بنفسه في الأغلب الأكثر لكن قد يقع التسبب فيه وهو مما يمكن وقوعه كثيراً "قال نعم" أي يقع حقيقة تارة وهو نادر ومجازً أخرى وهو كثير لكن ما تعرفونه، ثم بينه بقول "يسب أبا الرجل فيسب" أي الرجل "أباه" أي أبا من سبه "ويشتم" أي تارة أخرى، وقد يجمع ويشتم أيضاً "أمه" أي أم الرجل "فيشتم" أي الرجل "أمه" أي أم سابه، وفي الجمع بين الشتم والسب تفنن، ففي القاموس شتمه يشتمه ويشتمه سبه، وقد يفرق بينهما، ويقال السب أعم فإنه شامل للعن أيضاً بخلاف الشتم.
قوله "هذا حديث صحيح" وأخرجه البخاري في الأدب، ومسلم في الإيمان، وأبو داود في الأدب

(6/28)


5 ـ باب في إِكْرَامِ صَدِيقِ الْوَالِد
1966ـ حَدّثنا أَحمدُ بنُ محمدٍ حدثنا عَبْدُ الله بنُ المُبَارَكِ حدثنا حَيْوَةُ بنُ شُرَيْحٍ حدثنا الوَلِيدُ بنُ أَبِي الوَلِيدِ عن عَبْد الله بنِ دينَارٍ عن ابنِ عُمَرَ قال: سَمِعْتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: "إِنّ أَبَرّ الْبِرّ أَنْ يَصِلَ الرّجُلُ أَهْلَ وُدّ أَبِيهِ" . قال: وفي البابِ عن أَبي أُسَيْدٍ.
هذا حديث إسْنَاده صحيحٌ. وقد رُوِيَ هذا الْحَدِيثُ عن ابنِ عُمَر مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ.
ـــــــ
"باب ما جاء في إكرام صديق الوالد"
قوله "حدثنا أحمد بن محمد" هو المعروف بمردويه "حدثنا الوليد بن أبي الوليد" قال في التقريب: الوليد بن أبي الوليد عثمان، وقيل: ابن الوليد مولى عثمان أو إبن عمر المدني أبو عثمان لين الحديث من الرابعة.
قوله "إن أبر البر" أي أفضله بالنسبة إلى والده وكذا الوالدة أو هي بالأولى "أن يصل الرجل أهل ود أبيه" بضم الواو بمعنى المودة أي أصحاب مودته ومحبته. قال النووي: الود هنا مضموم الواو، وفي هذا فضل صلة أصدقاء الأب والإحسان إليهم بإكرامهم، وهو متضمن لبر الأب وإكرامه لكونه بسببه، وتلتحق به أصدقاء الأم والأجداد والمشائخ والزوج والزوجة، وقد سبقت الأحاديث في إكرامه صلى الله عليه وسلم خلائل خديجة رضي الله تعالى عنها انتهى.
قوله "وفي الباب عن أبي أسيد" أخرجه أبو داود وابن ماجة وهو بضم الهمزة وفتح السين المهملة مصغراً.
قوله "هذا حديث إسناده صحيح" وأخرجه مسلم وأبو داود

(6/29)


6 ـ باب في بِرّ الْخَالَة
1967ـ حَدّثنا سُفْيَانُ بنُ وَكِيِع حدثنا أَبي عن إسْرَائيِلَ وحدثنا محمدُ بنُ أحمدَ وهُوَ ابنُ مَدّويه حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسَى عن إسرائيلَ واللّفْظُ لِحَديِثِ عُبَيْدِ الله عن أبي إسحاقَ الهَمْدَانِيّ عن البَراءِ بنِ عَازِبٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "الْخَالةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمّ" .
وفي الْحَدِيثِ قِصّةٌ طَوِيلَةٌ. هذا حديثٌ صحيحٌ.
1968ـ حدّثنا أبُو كُرَيْبٍ حدثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عن محمدِ بنِ سُوقَة عن أَبي بَكْرِ بنِ حَفْص عن ابنِ عُمَر: "أَنّ رَجُلاً أَتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسولَ الله إنّي أَصَبْتُ ذَنْبَاً عَظِيماً فَهَلْ لِي تَوْبَةٌ؟ قَالَ هَلْ لَكَ
ـــــــ
"باب في بر الخالة"
قوله "الخالة بمنزلة الأم" في الحضانة عند فقد الأم وأماتها، لأنها تقرب منها في الحنو والاهتمام إلى ما يصلح الولد.
قوله "وفي الحديث قصة طويلة" أخرجه الشيخان بقصته الطويلة، ولفظهما هكذا: عن البراء بن عازب قال: صالح النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية على ثلاثة أشياء: على أن من أتاه من المشركين رده إليهم، ومن أتاهم من المسلمين لم يردوه، وعلى أن يدخلها من قابل ويقيم بها ثلاثة أيام، فلما دخلها ومضى الأجل خرج فتبعته ابنة حمزة تنادي يا عم يا عم، فتناولها علي فأخذ بيدها، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر قال علي: أنا أخذتها وهي بنت عمي، وقال جعفر: بنت عمي وخالتها تحتي، وقال زيد: بنت أخي، فقضى بها النبي صلى الله عليه وسلم لخالتها وقال: الخالة بمنزلة الأم ، وقال لعلي: أنت مني وأنا منك ، وقال لجعفر: أشبهت خلقي وخلقي ، وقال لزيد: أنت أخونا ومولانا انتهى.
قوله "إني أصبت ذنباً عظيماً" يجوز أنه أراد عظيما عندي، لأن عصيان الله تعالى عظيم وإن كان الذنب صغيراً، ويجوز أن يكون ذنبه كان عظيما من الكبائر

(6/30)


مِن أُمّ؟ قالَ: لا، قال: هَلْ لَك مِنْ خَالَةٍ؟ قَالَ: نعم قال: فَبِرّها" .
وفي البابِ عَنْ عَلِيّ.
1969 ـ حدّثنا ابنُ أَبي عُمَرَ حدثنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن محمدِ بنِ سُوقَةَ عن أبيِ بَكْرِ بنِ حَفْصٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ، ولَمْ يَذْكُرْ فيه عن ابنِ عُمَرَ. وهذَا أَصَح مِنْ حَدِيثِ أَبي مُعَاوِيَةَ. وأَبُو بَكْرِ ابن حَفْصٍ هُوَ ابنُ عُمَرَ بنِ سَعْدِ بنِ أَبي وَقّاصٍ.
ـــــــ
وإن هذا النوع من البر يكون مكفراً له وكان مخصوصاً بذلك الرجل علمه النبي صلى الله عليه وسلم من طريق الوحي، قاله الطيبي "هل لك من أم" أي ألك أم؟ فمن زائدة أو تبعيضية قال "فبرها" بفتح الموحدة وتشديد الراء من بررت فلاناً بالكسر أبره بالفتح أي أحسنت إليه. والمعنى أن صلة الرحم من جملة الحسنات التي يذهبن السيئات. وحديث ابن عمر هذا أخرجه أيضاً ابن حبان في صحيحه والحاكم إلا أنهما قالا: هل لك والدان بالتثنيه؟ وقال الحاكم: صحيح على شرطهما، كذا في الترغيب.
قوله "وفي الباب عن علي" أخرجه أبو داود بلفظ: الخالة أم.
قوله "أبو بكر بن حفص هو ابن عمر بن سعد بن أبي وقاص" في التقريب: عبد الله بن حفص بن عمر بن سعد بن أبي وقاص الزهري، أبو بكر المدني مشهور بكنيته من الخامسة

(6/31)


7 ـ باب مَا جَاء في دَعاء الْوَالِدَيْن
1970 ـ حَدّثنا عليّ بنُ حُجْرٍ أخبرنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ عن هِشَامٍ الدّسْتَوَائِيّ عن يَحْيَى بن أبي كَثِيرٍ عن أَبِي جَعفَرٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ثَلاَثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لا شَك فِيهن ّ
ـــــــ
"باب ما جاء في دعاء الوالدين"
قوله "ثلاث دعوات" مبتدأ "مستجابات" خبر "لا شك فيهن" أي في

(6/31)


دَعْوَةُ المَظْلُومِ، ودَعْوَةُ المُسافِرِ، ودَعْوَةُ الْوَالِدِ على وَلَدِهِ" .
وقد رَوَى الْحَجّاجُ الصّوّافُ هذا الْحَديِثَ عن يَحْيَى بنِ أبي كَثِيرٍ نَحْوَ حَدِيثِ هِشَامٍ. وأَبو جَعْفَرٍ الّذِي رَوَى عن أَبي هُرَيْرَةَ يُقَالُ لَهُ أَبو جَعْفَرٍ المُؤَذّنُ ولا نَعْرِفُ اْسمَهُ. وقد رَوَى عَنْهُ يَحْيَى بنُ أبي كَثِيرٍ غَيْرَ حَدِيثٍ
ـــــــ
استجابتهن "ودعوة الوالد على ولده" أي لضرره، وحديث أبي هريرة هذا أورده السيوطي في الجامع الصغير وقال: رواه أحمد في مسنده والبخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة.
قوله: "وأبو جعفر الذي روى عن أبي هريرة يقال له أبو جعفر المؤذن ولا نعرف اسمه" في التقريب: أبو جعفر المؤذن الأنصاري المدني مقبول من الثالثة، ومن زعم أنه محمد بن علي بن الحسين فقد وهم

(6/32)


8 ـ باب مَا جاءَ في حَقّ الْوَالِديْن
1971 ـ حَدّثنا أَحمد بنُ محمدِ بنِ مُوسَى أخبرنا جَرِيرٌ عن سُهَيْلٍ بنِ أبِي صَالحٍ عن أبيه عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا يَجْزي وَلَدٌ وَالِداً إلاّ أَنْ يَجِدَهُ مَملُوكاً فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ" .
ـــــــ
"باب ما جاء في حق الوالدين"
قوله: "لا يجزي" بفتح أوله وسكون الياء في آخره أي لا يكافئ "ولد والداً" أي إحسان والد "إلا أن يجده مملوكاً" منصوب على الحال من الضمير المنصوب في يجده "فيشتريه فيعتقه" بالنصب فيهما. قال الجزري في النهاية: ليس معناه استئناف العتق فيه بعد الشراء لأن الإجماع منعقد على أن الأب يعتق على الابن إذا ملكه في الحال، وإنما معناه أنه إذا اشتراه فدخل في ملكه عتق عليه، فلما كان الشراء سبباً لعتقه أضيف العتق إليه وإنما كان هذا جزاء له لأن العتق أفضل ما ينعم به أحد على أحد إذا خلصه بذلك من الرق وجبر به النقص الذي فيه وتكمل له أحكام الأحرار في جميع التصرفات انتهى.

(6/32)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيح لا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حَدِيثِ سُهَيْلِ بنِ أبي صَالحٍ وقد رَوَى سُفْيَانُ الثّوْرِيّ وغَيْرُ واحِدٍ عن سُهَيْلٍ هذا الحديث.
ـــــــ
قلت: في قوله لأن الإجماع منعقد على أن الأب يعتق على الابن إذا ملكه في الحال نظر، فإن بعض أهل الظاهر ذهبوا إلى أن الأب لا يعتق على الابن بمجرد الملك بل لا بد من إنشاء العتق واحتجوا بهذا الحديث.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجة

(6/33)


9 ـ باب ماَ جاءَ في قَطِيعَةِ الرّحِم
1972 ـ حَدّثنا ابنُ أَبي عُمَرَ و سَعِيدُ بنُ عَبْدِ الرحمنِ المَخْزُوميّ قالا: حدثنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن الزّهْرِيّ عن أَبي سَلَمَةَ قالَ: اشْتَكَى أَبو الدرداء فَعادَهُ عَبْدُ الرحمنِ بنُ عَوْفٍ فقالَ: خَيْرُهُمْ وَأَوْصَلُهُمْ ما عَلِمْتُ أَبو محمدٍ، فقالَ عَبْدُ الرحمنِ: "سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله تَبارَكَ وتَعالى: أَنَا الله وَأَنَا الرّحْمنُ، خَلَقْتُ الرّحِم وَشَقَقْتُ لَهَا مِنْ اْسِمي، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتّهُ" .
ـــــــ
"باب ما جاء في قطيعة الرحم"
قوله "عن أبي سلمة" هو ابن عبد الرحمن بن عوف الزهري.
قوله: "فقال" أي أبو الدرداء "خيرهم" مبتدأ "وأوصلهم" عطف على المبتدأ "أبو محمد" خبر وهو كنية عبد الرحمن بن عوف. والمعنى خير الناس وأوصلهم في علمي أبو محمد عبد الرحمن بن عوف "أنا الله" كان هذا توطته للكلام حيث ذكر العلم الخاص، ثم ذكر الوصف المشتق من مادة الرحم فقال "وأنا الرحمن" أي المنصف بهذه الصفة "خلقت الرحم" أي قدرتها أو صورتها مسجدة "وشقفت" أي أخرجت وأخذت اسماً "لها" أي للرحم "من اسمي" أي الرحمن وفيه إيماء إلى أن المناسبة الإسمية واجبة الرعاية في الجملة، وإن كان المعنى على أنها أثر من آثار رحمة الرحمن، ويتعين على المؤمن التخلق بأخلاق الله تعالى والتعلق

(6/33)


وفي البابِ عن أَبي سَعِيدٍ وابنِ أَبي أَوْفَى وعَامِرِ بنِ رَبِيعَةَ وأَبي هُرَيْرَةَ وجُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ.
حَديِثُ سُفْيَانَ عن الزّهْريّ حَدِيثٌ صحيحٌ. ورَوَى مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ هذا الحديث عن أَبي سَلَمَةَ عن رَدّادٍ الليثي عن عَبْدِ الرّحمنِ بنِ عَوفٍ وَمَعْمَرٍ كذَا يقولُ، قال محمدٌ: وحديثُ مَعْمَرٍ خَطَأٌ.
ـــــــ
بأسمائه وصفاته، ولذا قال "فمن وصلها وصلته" أي إلى رحمتي أو محل كرامتي، "ومن قطعها بتته" بتشديد الفوقية الثانية أي قطعته من رحمتي الخاصة من البت وهو القطع.
قوله: "وفي الباب عن أبي سعيد" أخرجه إسماعيل القاضي في الأحكام كما في الفتح "وابن أبي كوفى" هو عبد الله بن أبي أوفى الجهني الأنصاري شهد أحداً وما بعدها. وأخرج حديثه البيهقي في شعب الإيمان مرفوعاً: لا تنزل الرحمة على قوم فيهم قاطع رحم ، وأخرجه أيضاً البخاري في الأدب المفرد "وعامر بن ربيعة" لم أقف على من أخرجه "وأبي هريرة" أخرجه الشيخان "وجبير بن مطعم" أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي في الباب الاَتي.
قوله: "حديث سفيان عن الزهري حديث صحيح" قال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث: رواه أبو داود والترمذي من رواية أبي سلمة عن عبد الرحمن بن عوف. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. قال المنذري: وفي تصحيح الترمذي له نظر، فإن أبا سلمة بن عبد الرحمن لم يسمع من أبيه شيئاً قاله يحيى بن معين وغيره. ورواه أبو داود وابن حبان في صحيحه من حديث معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن رداد الليثي عن عبد الرحمن بن عوف، وقد أشار الترمذي إلى هذا، ثم حكى عن البخاري أنه قال: وحديث معمر خطأ انتهى. والحديث أخرجه أيضاً أحمد في مسنده والبخاري في الأدب المفرد والحاكم "عن رداد" بفتح الراء وتشديد الدال المهملة بعدها ألف ثم دال مهملة. وقال بعضهم أبو الرداد وهو أصوب. حجازي مقبول من الثانية "ومعمر كذا يقول" أي عن أبي سلمة عن رداد عن عبد الرحمن "قال محمد" يعني الإمام البخاري "وحديث معمر خطأ" وقال ابن حبان في ثقات التابعين: وما أحسب معمراً حفظه، روى هذا

(6/34)


الخبر أصحاب الزهري عن أبي سلمة عن ابن عوف، كذا في تهذيب التهذيب

(6/35)


10 ـ باب ماَ جاءَ في صِلَةِ الرّحم
1973 ـ حَدّثنا ابنُ أبي عُمَرَ حدثنا سُفْيَانُ حدثنا بَشِيرٌ أبُو إسماعيلَ و فطرُ بنُ خَلِيفَةَ عن مُجَاهِدٍ عن عَبْدِ الله بن عَمْرٍو عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "لَيْسَ الْوَاصِلُ بالمُكَافِئِ، ولَكِنّ الوَاصِلَ الّذِي إذَا انْقَطَعَتْ رَحِمُهُ وصَلَها" .
ـــــــ
"باب ماَ جاءَ في صِلَةِ الرّحم"
بفتح الراء وكسر الحاء المهملة يطلق على الأقارب وهم من بينه وبين الاَخر نسب سواء كان يرثه أم لا، وسواء كان ذا محرم أم لا، وقيل هم المحارم فقط، والأول هو المرجح لأن الثاني يستلزم خروج أولاد الأعمام وأولاد الأخوال من ذوي الأرحام وليس كذلك. يقال: وصل رحمه يصلها وصلا وصلة، والهاء فيها عوض عن الواو المحذوفة، فكأنه بالإحسان إليهم قد وصل ما بينه من علاقة القرابة والصهر قال ابن أبي جمرة: تكون صلة الرحم بالمال، وبالعون على الحاجة، وبدفع الضرر وبطلاقة الوجه، وبالدعاء. والمعنى الجامع إيصال ما أمكن من الخير، ودفع ما أمكن من الشر بحسب الطاقة، وهذا إنما يستمر إذا كان أهل الرحم أهل استقامة، فإن كانوا كفاراً أو فجاراً فمقاطعتهم في الله هي صلتهم، بشرط بذل الجهد في وعظهم ثم إعلامهم إذا أصروا أن ذلك بسبب تخلفهم عن الحق، ولا يسقط مع ذلك صلتهم بالدعاء لهم بظهر الغيب أن يعودوا إلى الطريق المثلى.
قوله: "وفطر بن خليفة" المخزومي مولاهم أبو بكر الحناط. صدوق رمي بالتشيع من الخامسة.
قوله: "ليس الواصل" أي بالرحم "بالمكافئ" بكسر فاء وهمز أي المجازي لأقاربه إن صلة فصلة، وإن قطعاً فقطع، والمراد به نفي الكمال "ولكن" بتشديد النون "الواصل" بالنصب أي الواصل الكامل "الذي إذا انقطعت رحمه". وفي رواية البخاري: إذا قُطعتْ رحمه "وصلها" ، هذا من باب الحث على

(6/35)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وفي البابِ عن سَلْمَانَ وَعَائِشَةَ.
1974ـ حدّثنا ابنُ أبِي عُمَرَ وَنَصْرُ بنُ عَلِيّ وَسَعِيدُ بنُ عَبْدِ الرحمنِ المَخْزُومِيّ، قالوا حدثنا سُفْيانُ عن الزهْرِيّ عن محمد بن جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ عن أبِيِه قال: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا يَدْخُلُ الْجَنّةّ قَاطِعٌ" قالَ ابن أبي عُمَرَ قالَ سُفْيَانُ يَعْنِي قَاطِعَ رَحِم.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
مكارم الأخلاق كقوله تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ } ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: صل من قطعك وأحسن إلى من أساءك. الحديث، رواه البخاري عن علي رضي الله عنه. قال الطيبي: التعريف في الواصل للجنس أي ليس حقيقة الواصل ومن يعتد بوصله من يكافئ صاحبه بمثل فعله. ونظيره قولك: هو ليس بالرجل بل الرجل من يصدر منه المكارم والفضائل انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري وأبو داود.
قوله: "وفي الباب عن سليمان" لينظر من أخرجه "وعائشة" أخرجه البخاري ومسلم مرفوعاً بلفظ: الرحم معلقة بالعرش، تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله.
قوله: "لا يدخل الجنة قاطع" أي للرحم، وقد أخرجه البخاري في الأدب المفرد وقال فيه: قالطع رحم. قال النووي وغيره: يحمل تارة على من يستحل القطيعة، وأخرى على أن لا يدخلها مع السابقين.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود

(6/36)


باب ما جاء في حب الوالد ولده
...
11 ـ باب ما جاءَ في حُبّ الْوَلدِ وَلَدَه
1975ـ حَدّثنا ابنُ أبِي عُمَرَ حدثنا سُفْيَانُ عن إبراهيمَ بنِ مَيْسَرَةَ قالَ سَمِعْتُ ابنَ أبي سُوَيْدٍ يقولُ سَمِعْتُ عُمَرَ بن عَبْدِ العَزِيز يقولُ زَعَمَتْ
ـــــــ
"باب ما جاء في حب الولد ولده"
قوله: "سمعت ابن أبي سويد" اسمه محمد. قال في التقريب: محمد بن أبي

(6/36)


المَرْأَةُ الصّالِحَةُ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ قاَلتْ: خَرَجَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَومٍ وَهُوَ مُحْتَضِنٌ أَحد ابْنَيْ ابْنَتهِ وَهُوَ يَقُولُ: "إنّكُمْ لَتَبخّلُونَ وَتُجَبّنُونَ وَتُجَهّلُونَ وَإِنّكُمْ لَمِنْ رَيْحَانِ الله" .
ـــــــ
سويد الثققي الطائفي مجهول من الرابعة، وليس هو ابن سويد راوي قصة غيلان انتهى.
قلت: ابن سويد الذي روى قصة غيلان اسمه أيضاً محمد. وقد أخرج الترمذي قصة غيلان في باب الرجل يسلم وعنده عشر نسوة من أبواب النكاح. ومحمد بن سويد الذي روى قصته ثقة كما في تهذيب التهذيب "خولة بنت حكيم" بدل من المرأة الصالحة، وهي ابنة حكيم بن أمية السلمية، يقال لها خويلة أيضاً بالتصغير صحابية مشهورة، يقال إنها التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم وكانت قبل تحت عثمان بن مظعون كذا في التقريب.
قوله: "وهو محتضن" من الاحتضان أي جاعل في حضنه، والحضن ما دون الإبط إلى الكشح أو الصدر والعضدان وما بينهما كذا في القاموس، "أحد ابني ابنته" فاطمة رضي الله عنها وهو إما الحسن أو الحسين رضي الله عنهما "إنكم لتبخلون وتجبنون وتجهلون" الصيغ الثلاث من باب التفعيل أي تحملون على البخل والجبن والجهل، فإن من ولد له جبن عن القتال لتربية الولد، وبخل له وجهل حفظاً لقلبه، والجبن والجبان ضد الشجاعة والشجاع "وإنكم لمن ريحان الله" قال في النهاية: الريحان يطلق على الرحمة والرزق والراحة بالرزق سمي الولد ريحاناً انتهى. وقال في المجمع: ويجوز إرادة الريحان المشموم، لأنهم يشمون ويقبلون، وهو من باب الرجوع، ذمهم أولا ثم رجع إلى المدح أي مع كونهم مظنة أن يحملوا الاَباء على البخل والجبن عن الغزو، من ريحان الله أي رزقة انتهى. وقال العيني في العمدة: وجه التشبيه أن الولد يشم ويقبل، فكأنهم من جملة الرياحين. وقال الكرماني: الريخان الرزق أو المشموم. قال العيني: لا وجه هنا أن يكون بمعنى الرزق على ما لا يخفى. وروى الترمذي من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو الحسن والحسين فيشمهما ويضمهما إليه. وروى الطبراني في الأوسط من طريق أبي أيوب قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم والحسن

(6/37)


وفي البابِ عن ابنِ عُمَرَ والأَشْعَثِ بنِ قَيْسٍ.
حَدِيثُ ابنِ عُيَيْنَةَ عن إبراهيمَ بنِ مَيْسَرَةَ لا نَعْرِفُهُ إلاّ من حَدِيثِهِ، ولا نَعْرِفُ لِعُمَر بنِ عَبْدِ العَزِيزِ سَمَاعاً مِنْ خَوْلَةَ.
ـــــــ
والحسين يلعبان بين يديه، فقلت: أتحبهما يا رسول الله؟ قال: وكيف لا؟ وهما ريحانتاي من الدنيا أشمهما انتهى.
قوله: "وفي الباب عن ابن عمر" أخرجه الترمذي في مناقب الحسن والحسين "والأشعث بن قيس" أخرجه أحمد في مسنده ص 112 ج 5.
قوله: "ولا نعرف لعمر بن عبد العزيز سماعا من خولة" قال الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمته: روى عن خولة بنت حكيم مرسلا انتهى فحديث عمر بن عبد العزيز هذا عن خولة منقطع

(6/38)


12 ـ باب ماَ جاءَ في رحْمَةِ الْوَلَد
1976ـ حَدّثنا ابنُ أَبي عُمَرَ وسَعِيدُ بنُ عَبْدِ الرحمن قالا حدثنا سُفْيَانُ عن الزّهْرِيّ عن أَبي سَلَمَةَ عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: "أَبْصَرَ اْلأَقْرَعُ بنُ حَابِسٍ الّنبيّ صلى الله عليه وسلم وهُوَ يُقَبّلُ الْحَسَنَ. وقالَ ابن أَبي عُمَرَ الْحَسَن أو الْحُسَيْنَ، فقالَ إنّ لي مِنَ الْوَلَدِ عَشَرَةً ما قَبّلْتُ أحَداً مِنْهُمْ، فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنّهُ مَن لاَ يَرْحَمْ لا يُرْحَمْ" .
ـــــــ
"باب ما جاء في رحمة الولد"
قوله "أبصر الأقرع بن حابس" هو من المؤلفة وممن حسن إسلامه "وهو يقبّل الحسن" جملة حالية أي رأى الأقرع النبي صلى الله عليه وسلم حال كونه يقبل الحسن فقال أي الأقرع "ما قبلت منهم أحداً" إما للاستكبار أو للاستحقار "إنه" الضمير للشأن "من لا يرحم لا يرحم" الأول بصيغة المعروف، والثاني بصيغة المجهول أي من لا يرحم الناس لا يرحمه الله. وفي رواية البخاري: ثم نظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: من لا يرحم لا يرحم. قال الحافظ:

(6/38)


وفي البابِ عن أَنَسٍ وعَائِشَةَ. وأَبو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرحمَنِ، اسْمُهُ عَبْدُ الله بنُ عبدِ الرحمنِ. وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
هو بالرفع فيهما على الخبر. وقال عياض: هو للأكثر. وقال أبو البقاء: من موصولة، ويجوز أن تكون شرطية فيقرأ بالجزم فيهما انتهى.
قوله: "وفي الباب عن أنس" أخرجه البخاري في الجنائز ومسلم في الفضائل "وعائشة" أخرجه البخاري ومسلم.
قوله: "وهذا حديث حسن صحيح" ، وأخرجه البخاري في الأدب ومسلم في الفضائل

(6/39)


باب ما جاء في النفقات على البنات و الأخوات
...
13ـ باب ماَ جاءَ في النفقة على البَنَاتِ والأَخَوَات
1977ـ حَدّثنا أَحمدُ بنُ محمدٍ أخبرنا عبدُ الله بنُ المُبَارَكِ أخبرنا ابنُ عُيَيْنَةَ عن سُهَيْلٍ بنِ أبي صَالِحٍ عن أَيّوبَ بن بَشِيرٍ عن سَعِيدٍ الأَعْشَى عن أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ كَانَتْ لَهُ ثَلاَثُ بَنَات أو ثَلاثُ أخَوَاتٍ أو ابْنَتَانِ أوْ أُخْتَانِ فَأَحْسَنَ صُحْبَتَهُنّ واتّقَى الله فِيهنّ فَلَهُ الْجَنّةُ" .
ـــــــ
"باب ما جاء في النفقة على البنات"
قوله: "عن أيوب بن بشير" بن سعد بن النعمان، كنيته أبو سليمان المدني، له رؤية وثقه أبو داود وغيره "عن سعيد الأعشى" هو سعيد بن عبد الرحمن بن مكمل الأعشى الزهري المدني، مقبول من السادسة، كذا في التقريب. وقال في الخلاصة: وثقة ابن حبان.
قوله: "من كانت له ثلاثة بنات أو ثلاث أخوات" أو للتنويع لا للشك، وكذا في قوله أو أبنتان أو أختان.
قوله: "فأحسن صحبتهن واتقي الله فيهن" ، أي في أداء حقوقهن.

(6/39)


1978ـ حدّثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ محمدٍ عن سُهَيْلٍ بنِ أبي صاَلِحٍ عن سَعِيدِ بنِ عَبْدِ الرحمنِ عن أَبي سَعِيد الْخُدْرِيّ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "لا يَكُونُ لأَحَدِكُمْ ثَلاَثُ بَنَاتٍ أَو ثَلاَثُ أَخَوَاتٍ فَيُحْسِنُ إلَيْهِنّ إلاّ دَخَلَ الْجَنّةَ" .
وفي البابِ عن عَائِشَةَ وعُقْبَةَ بن عَامِرٍ وأَنسٍ وجاَبِرٍ وابنِ عَبّاسٍ.
وأَبو سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ اسْمُهُ سَعْدُ بنُ مَالِكِ بنِ سِناَنٍ وسَعْدُ بنُ أَبي وَقّاصٍ هُوَ سَعْدُ بنُ مَالِكِ بنُ وُهَيْبٍ.
ـــــــ
قوله: "عن سعيد بن عبد الرحمن" هو سعيد الأعشى المذكور في الإسناد السابق.
قوله: "فيحسن إليهن" وقع في حديث عقبة بن عامر في الأدب المفرد. فصبر عليهن، وكذا وقع في ابن ماجة زاد: وأطعمهن وسقاهن وكساهن . وفي حديث ابن عباس عند الطبراني: فأنفق عليهن وزوجهن وأحسن أدبهن . وفي حديث جابر عند أحمد. وفي الأدب المفرد: يؤدبهن ويرحمهن ويكفلهن ، زاد الطبراني فيه: ويزوجهن قال الحافظ في الفتح بعد ذكر هذه الألفاظ: وهذه الأوصاف يجمعها لفظ الإحسان.
قوله: "وفي الباب عن عائشة" لها حديثان في الباب أخرجهما الترمذي في هذا الباب "وعقبة بن عامر" أخرجه ابن ماجة والبخاري في الأدب المفرد "وأنس" أخرجه الترمذي في هذا الباب "وجابر" أخرجه أحمد والبخاري في اللأدب المفرد. والبزار والطبراني في الأوسط. "وابن عباس" أخرجه ابن ماجه بإسناد صحيح. وابن حبان في صحيحه من رواية شرحبيل عنه. والحاكم، وقال صحيح الإسناد، كذا في الترغيب.
قوله: "وأبو سعيد الخدري اسمه سعد بن مالك بن سنان" اشتهر بكنيته، له ولأبيه صحبة، أستصغر بأحد ثم شهد ما بعدها، وكان من الحفاظ المكثرين، مات سنة أربع وسبعين ودفن بالبقيع "وسعد بن أبي وقاص هو سعد بن مالك بن وهيب"

(6/40)


وقد زَادُوا في هذَا الإِسْنَادِ رَجُلاً.
1979ـ حدّثنا العَلاءُ بنُ مَسْلَمَةَ، حدثنا عَبْدُ المَجِيدِ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ عن مَعْمَرٍ عن الزّهْرِيّ عن عُرْوَةَ عن عَائِشَةَ قاَلتْ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ ابْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِنَ البَنَاتِ فَصَبَرَ عَلَيْهنّ، كُنّ لَهُ حِجاباً مِنَ النّارِ" .
ـــــــ
هو أحد العشرة المبشرة بالجنة، أسلم قديماً وهو ابن سبع عشرة سنة، وقال كنت ثالث الإسلام وأنا أول من رمى السهم في سبيل الله، شهد المشاهد كلها مع النبي صلى الله عليه وسلم، مات في قصره بالعقيق قريباً من المدينة فحمل على رقاب الرجال إلى المدينة ودفن بالبقيع سنة خمس وخمسين. وإنما ذكر الترمذي ههنا سعد بن ابي وقاص لأنه كان مشاركاً في اسم أبي سعيد واسم أبيه فذكر ترجمته ليتميز عنه.
قوله: "وقد زادوا في هذا الإسناد" أي الإسناد الثاني بين سعيد بن عبد الرحمن وأبي سعيد الخدري "رجلاً" هو أيوب بن بشير، فروى أبو داود في سننه قال حدثنا مسدد، حدثنا خالد، أخبرنا سهيل يعني ابن أبي صالح عن سعيد الأعشى عن أيوب بن بشير الأنصاري عن أبي سعيد الخدري قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: من عال ثلاث بنات فأدبهن الحديث، ثم قال: حدثنا يوسف بن موسى، أخبرنا جرير عن سهيل بهذا الإسناد بمعناه. قال المنذري في تلخيص السنن. وأخرجه الترمذي من حديث سهيل عن سعيد بن عبد الرحمن عن أبي سعيدقال: وقد زادوا في هذا الإسناد رجلا، وأخرجه أيضاً من حديث سفيان بن عيينة عن سهيل عن أيوب بن بشير عن سعيد بن عبد الرحمن عن أبي سعيد. وقال البخاري في تاريخه. وقال ابن عيينة: عن سهيل عن أيوب عن سعيد الأعشى ولا يصح انتهى.
قوله "حدثنا العلاء بن مسلمة" بن عثمان الرواس مولى بني تميم بغدادي يكنّى أبا سالم متروك، ورماه ابن حبان بالوضع من العاشرة "حدثنا عبد المجيدبن عبد العزيز" هو ابن أبي رداد.
قوله: "من ابتلى بشيء من البنات" بصيغة المجهول أي امتحن قال الحافظ

(6/41)


هذا حديثٌ حسنٌ.
1980ـ حدّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ، حدثنا عَبْدُ الله بنُ المُبَارَكِ، حدثنا مَعْمَرٌ عن ابنِ شِهَابٍ حدثنا عَبْدُ الله بنُ أبي بَكْرِ بنِ حَزْمٍ عن عُرْوَةَ عن عَائِشَةَ قالَتْ: "دَخَلَتْ امرأَةٌ مَعَهَا ابنَتَانِ لَهَا فَسَألَتْ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي شَيئاً غَيْرَ تَمْرَةٍ فَأعْطَيْتُهَا إيّاهاَ فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا ثمّ قَامَتْ
ـــــــ
في الفتح: اختلف في المراد بالابتلاء هل هو نفس وجودهن أو ابتلى بما يصدر منهن، وكذلك هل هو على العموم في البنات أو المراد من اتصف منهن بالحاجة إلى ما يفعل به. وقال النووي تبعاً لابن بطال: إنما سماه إبتلاء لأن الناس يكرهون البنات، فجاء الشرع بزجرهم عن ذلك ورغب في إبقائهن وترك قتلهن بما ذكر من الثواب الموعود به من أحسن إليهن وجاهد نفسه في الصبر عليهن. وقال الحافظ العراقي في شرح الترمذي: يحتمل أن يكون معنى الابتلاء هنا الاختبار أي من اختبر بشيء من البنات لينظر ما يفعل أيحسن إليهن أو يسيء؟ ولهذا قيده في حديث أبي سعيد بالتقوى فإن من لم يتق الله لايأمن أن يتضجر بمن وكله الله إليه أو يقصر عما أمر بفعله أو لا يقصد بفعله امتثال أمر الله وتحصيل ثوابة والله أعلم "كن له حجاباً من النار" أي يكون جزاؤه على ذلك وقاية بينه وبين نار جهنم حائلا بينه وبينها، وفيه تأكيد حق البنات لما فيهن من الضعف غالباً عن القيام بمصالح أنفسهن بخلاف الذكور لما فيهم من قوة البدن وجزالة الرأي وإمكان التصرف في الأمور المحتاج إليها في أكثر الأحوال.
قوله: "هذا حديث حسن" في سنده العلاء بن مسلمة وهو متروك فتحسين الترمذي له لشواهده.
قوله: "فلم تجد عندي شيئاً غير تمرة" وفي رواية البخاري: غير تمرة واحدة. قال العيني: فإن قلت: وقع في رواية عراك بن مالك عن عائشة: جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها فأطعمتها ثلاث تمرات فأعطت كل واحدة منهما تمرة ورفعت تمرة إلى فيها لتأكلها فاستطعمتها ابنتاها فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها فأعجبني شأنها الحديث، أخرجه مسلم، فما الجمع بينهما؟ قلت: قيل

(6/42)


فَخَرَجَتْ ودَخَلَ النبيّ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرْتُهُ، فقالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ ابْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ البَنَاتِ كُنّ لَهُ سِتْراً مِنَ النّارِ" .
هذا حديث حسن صحيحٌ.
1981ـ حدّثنا محمدُ بنُ وَزِيرٍ الوَاسِطيّ حدثنا محمدُ بنُ عُبَيْدٍ هو الطنافسي حدثنا محمدُ بنُ عَبْدِ العَزَيزِ الرّاسِبِيّ عن أبي بَكْرِ بنِ عُبَيْدِ الله بنِ أَنسِ بنِ ماَلِكٍ عن أنس قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ عَالَ جاَرِيتَيْنِ دَخَلْتُ أَنَا وهُوَ الْجَنّةَ كَهاَتَيْنِ وَأَشَارَ بإِصْبَعَيْهِ" .
ـــــــ
يحتمل أنها لم تكن عندها في أول الحال سوى تمرة واحدة فأعطتها ثم وجدت ثنتين، ويحتمل تعدد القصة انتهى. "فأعطيتها إياها" أي التمرة ولم تستحقرها لقوله تعالى {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ} ولقوله عليه السلام: أتقوا النار ولو بشق تمرة . "ولم تأكل منها" أي مع جوعها إذ يستبعد أن تكون شبعانة مع جوع ابنتيها "فأخبرته" أي بما جرى "من ابتلى بشيء من هذه البنات" زاد في رواية البخاري: فأحسن إليهن "كن له" أي للمبتلي "ستراً" بكسر أوله أي حجاباً دافعاً "من النار" أي دخولها. واختلف في المراد بالإحسان هل يقتصر به على قدر الواجب أو بما زاد عليه، والظاهر الثاني. وشرط الإحسان أن يوافق الشرع لا ما خالفه، والظاهر أن الثواب المذكور إنما يحصل لفاعله إذا استمر إلى أن يحصل استغناؤهن بزوج أو غيره.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والشيخان والنسائي.
قوله: "حدثنا محمد بن عبيد" هو الطنافسي "حدثنا محمد بن عبد العزيز الراسبي" أبو روح البصري ثقة من السابعة "عن أبي بكر بن عبيد الله بن أنس" بن مالك مجهول الحال من الخامسة.
قوله: "من عال جاريتين" زاد في رواية مسلم حتى تبلغا. قال النووي معنى عالهما قام عليهما بالمؤنة والتربية ونحوهما مأخوذ من العول وهو القرب منه ابدأ بمن تعول "دخلت أنا وهو" أي الذي عالهما "الجنة" بالنصب "كهاتين وأشار بإصبعيه"

(6/43)


هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
وقد روى محمد بن عبيد عن محمد بن عبد العزيز غير حديث بهذا الإسناد وقال عن أبي بكر بن عبيد الله بن أنس، والصحيح هو عبيد الله بن أبي بكر بن أنس.
ـــــــ
أي السبابة والوسطى. وسيأتي توضيح قوله "كهاتين" في الباب الذي يليه.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه مسلم وابن حبان في صحيحه "غير حديث" أي غير واحد من الحديث "والصحيح هو عبيد الله، بن أبي بكر بن أنس" وكذا رواه مسلم في صحيحه، قال حدثني عمرو الناقد أخبرنا أبو أحمد الزبيري أخبرنا محمد بن عبد العزيز عن عبيد بن أبي بكر بن أنس عن أنس بن مالك إلخ. وعبيد الله بن أبي بكر بن أنس هذا كنيته أبو معاذ، قال في التقريب: ثقة من الرابعة

(6/44)


14 ـ باب ماَ جاءَ في رَحْمَةِ الْيَتِيمِ وكفَالته
1982ـ حَدّثنا سَعِيدُ بنُ يَعْقُوبَ الطّالِقَانيّ حدثنا المعْتَمِرُ بنُ سُلَيْماَنَ قالَ: سَمِعْتُ أَبي يُحَدّثُ عن حَنَشٍ عنِ عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ قَبَضَ يَتِيماً بَيْنَ المُسْلِمينَ إلىَ طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ أَدْخَلَهُ الله الجَنّةَ البَتّةَ إلاّ أَنْ يَعْمَلَ ذَنْباً لا يُغْفَرُ له" .
ـــــــ
"باب ما جاء في رحمة اليتيم"
أي الذي مات أبوه وهو صغير، يستوي فيه المذكر والمؤنث، قيل اليتيم من الناس من مات أبوه ومن الدواب من مات أمه
قوله: "من قبض يتيما بين المسلمين" أي تسلم وأخذ، وفي رواية شرح السنة: من آوى يتيما، كما في المشكاة "إلى طعامه وشرابه" الضميران لمن، والمعنى من يضم اليتيم إليه ويطعمه "أدخله الله الجنة البتة" أي إدخالاً قاطعاً بلا شك وشبهة "إلا أن يعمل ذنباً لا يغفر" المراد منه الشرك لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ

(6/44)


وفي البابِ عن مُرّةَ الفِهرِيّ وأبي هُرَيْرَة وأَبي أُماَمَةَ وسَهْلِ بنِ سَعْدٍ.
وَحَنَشٌ هُوَ حُسَيْنُ بنُ قَيْسٍ وهُوَ أَبو عَلِيّ الرّحْبِيّ. وسُلَيْمَانُ التّيْمِيّ يقولُ: حنَش: وهُوَ ضَعِيِفٌ عِندَ أَهلِ الحَدِيثِ.
1983ـ حدّثنا عَبْدُ الله بنُ عِمْرَانَ أَبو القَاسِمِ المَكّيّ القُرْشِيّ، حدثنا عَبْدُ العَزِيزِ ابنُ أَبي حَازِمٍ عن أَبيهِ عن سِهْلِ بنِ سَعْدٍ قالَ: قَالَ
ـــــــ
أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} كذا ذكره الطيبي. وقال ابن الملك: أي الشرك، وقيل مظالم الخلق. قال القاري في المرقاة: والجمع هو الأظهر للإجماع على أن حق العباد لا يغفر بمجرد ضم اليتيم البتة، مع أن من جملة حقوق العباد أكل مال اليتيم، نعم يكون تحت المشيئة، فالتقدير إلا أن يعمل ذنباً لا يغفر إلا بالتوبة أو بالاستحلال ونحوه. وحاصله أن سائر الذنوب التي بينه وبين الله تغفر إن شاء الله تعالى.
قوله: "وفي الباب عن مُرّة" أخرجه البخاري في الأدب المفرد والطبراني كما في الفتح "وأبي هريرة" أخرجه ابن ماجة مرفوعاً بلفظ، خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه وأخرجه البخاري في الأدب المفرد، وأبو نعيم في الحلبة "وأبي أمامة" أخرجه أحمد والترمذي "وسهل بن سعد" أخرجه الترمذي في هذا الباب.
قوله: "وحنش هو حسين بن قيس وهو أبو علي الرحبي" بفتح الراء والموحدة قال الحافظ في التقريب: حسين بن قيس الرحبي أبو علي الواسطي لقبه حنش بفتح المهملة والنون ثم معجمة متروك من السادسة انتهى "وسليمان التيمي يقول حنش" يعني يذكره بلقبه حنش "وهو ضعيف عند أهل الحديث". قال أحمد: متروك، وقال أبو زرعة وابن معين: ضعيف، وقال البخاري: لا يكتب حديثه، وقال السعدي: أحاديثه منكرة جداً، وقال الدارقطني: متروك، كذا في الميزان.
قوله "حدثنا عبد الله بن عمران" بن رزين بن وهب المخزومي العابدي "أبو القاسم المكي القرشي" صدوق معمر من العاشرة.

(6/45)


رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أنَا وَكَافِلُ اليَتِيمِ في الْجَنّةِ كَهَاَتَيْنِ، وأَشاَرَ بإِصْبعَيْهِ يَعْنِي السّبّابَةَ وَالوُسْطَي" .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
قوله: "أنا وكافل اليتيم" أي مربيه قال في النهاية: الكافل هو القائم بأمر اليتيم المربي له "في الجنة" خبر أنا ومعطوفة "كهاتين". قال ابن بطال: حق على من سمع هذا الحديث أن يعمل به ليكون رفيق النبي صلى الله عليه وسلمفي الجنة، ولا منزلة في الاَخرة أفضل من ذلك. وفي رواية البخاري في اللعان: وفرج بينهما شيئاً أي بين السبابة والوسطى، وفيه إشارة إلى أن بين درجة النبي صلى الله عليه وسلم وكافل اليتيم قدر تفاوت ما بين السبابة والوسطى. وهو نظير الحديث الاَخر: بعثت أنا والساعة كهاتين الحديث. وزعم بعضهم أنه صلى الله عليه وسلم لما قال ذلك استوت اصبعاه في تلك الساعة، ثم عادتا على حالهما الطبيعية الأصلية تأكيداً لأمر كفالة اليتيم. قال الحافظ: ومثل هذا لا يثبت بالاحتمال. ويكفي في إثبات قرب المنزلة من المنزلة أنه ليس بين الوسطى والسبابة أصبع أخرى. وقد وقع في رواية لأم سعيد عند الطبراني: معي في الجنة كهاتين، يعني المسبحة والوسطى إذا اتقى. ويحتمل أن يكون المراد قرب المنزلة حالة دخول الجنة لما أخرجه أبو يعلي من حديث أبي هريرة رفعه: أنا أول من يفتح باب الجنة، فإذا امرأة تبادرني فأقول من أنت؟ فتقول أنا امرأة تأيمت على أيتام لي. ورواته لابأس بهم. وقوله: تبادرني أي لتدخل معي أو تدخل في إثري. ويحتمل أن يكون المراد مجموع الأمرين، سرعة الدخول وعلو المنزلة قال العراقي في شرح الترمذي: لعل الحكمة في كون كافل اليتيم يشبه في دخول الجنة أو شبهت منزلته في الجنة بالقرب من النبي أو منزلة النبي لكون النبي شأنه أن يبعث إلى قوم لا يعقلون أمر دينهم، فيكون كافلا لهم ومعلماً ومرشداً، وكذلك كافل اليتيم يقوم بكفالة من لا يعقل أمر دينه بل ولا دنياه، ويرشده ويعلمه ويحسن أدبه، فظهرت مناسبة ذلك، ذكره الحافظ في الفتح.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والبخاري وأبو داود.

(6/46)


15 ـ باب ماَ جاءَ فِي رَحْمَةِ الصبْيَان
1984ـ حَدّثنا محمدُ بنُ مَرْزوقٍ البَصْرِيّ حدثنا عُبَيْدُ بنُ وَاقِدٍ عن زَرْبِيٍ قالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بنَ مَالِكٍ يَقُولُ: "جَاءَ شَيْخٌ يُرِيدُ النبيّ صلى الله عليه وسلم، فَأَبْطَأَ القَوْمُ عَنْهُ أَنْ يُوَسّعُوا لَهْ، فقالَ النبيُ صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ مِناّ مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا ولَمْ يُوَقّرْ كَبِيرَنَا" .
وفي البابِ عن عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو وأَبي هُرَيْرَةَ وابنِ عَباّسٍ وأَبيِ أُمَامَةَ.
هذا حديثٌ غريبٌ، وزَرْبِيٌ لَهُ أَحَادِيثُ مَنَاكِيرُ عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ وغَيْرِهِ.
ـــــــ
"باب ما جاء في رحمة الصبيان"
جمع الصبي
قوله "حدثنا عبيد بن واقد" القيسي أو الليثي أبو عباد، ضعيف من التاسعة "عن زربى" بفتح الزاي وسكون الراء بعدها موحدة، ثم تحتانية مشددة، ابن عبد الله الأزدي مولاهم أبي يحيى البصري ضعيف من الخامسة.
قوله "ليس هنا" قيل أي ليس على طريقتنا، وهو كناية عن التبرئة ويأتي تفسيره من الترمذي في آخر الباب "من لم يرحم صغيرنا" أي من لا يكون من أهل الرحمة لأطفالنا "ولم يوقر" من التوقير أي لم يعظم "كبيرنا" هو شامل للشاب والشيخ.
قوله "وفي الباب عن عبد الله بن عمرو" أخرجه الترمذي في هذا الباب "وأبي هريرة" أخرجه الترمذي في باب رحمة الولد "وابن عباس" أخرجه الترمذي في هذا الباب "وأبي أمامة" أخرجه أحمد في مسنده ص 257 ج 5.
قوله: "وزربى له أحاديث مناكير عن أنس بن مالك وغيره" وقال البخاري في حديثه نظر.

(6/47)


1985 ـ حدّثنا أَبو بَكْرٍ محمدُ بنُ أَبَانَ حدثنا محمدُ بنُ فُضَيْلٍ عن محمدِ بنِ إسحاقَ عن عَمْرٍو بنِ شُعَيْبٍ عن أَبيِه عن جَدّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ مِنّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ شَرَفَ كَبِيرِنَا" .
1986ـ حدّثنا أَبو بَكْرٍ محمدُ بنُ أَبَانَ حدثنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ عن شَرِيكٍ عن لَيْثٍ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ مِنّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيوقّرْ كَبِيرَنَا وَيأُمُرْ بالمَعْرُوفِ وَيَنْهَ عَنِ المُنْكَرِ" .
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ وحَدِيثُ محمدِ بنِ إسحاقَ عن عَمْرٍو بنِ شُعَيْبٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد رُوِيَ عن عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو مِنْ غَيْرِ هذَا الوَجْهِ
ـــــــ
قوله: "ويعرف شرف كبيرنا" عطف على يرحم أي لم يعرف شرف كبيرنا سناً أو علماً، وفي بعض النسخ: ولم يعرف.
قوله: "ويوقر كبيرنا ويأمر بالمعروف وينه عن المنكر" بالجزم في الأفعال الثلاثة عطف علي يرحم، أي ولم يوقر كبيرنا، ولم يأمر بالمعروف، ولم ينه عن المنكر.
وقوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه أحمد "وحديث محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب حديث حسن صحيح" فإن قلت: محمد بن إسحاق مدلس وقد رواه عن عمرو بن شعيب بالعنعنة فكيف صحح الترمذي حديثه. لهذا قلت: الظاهر أنه صححه بتعدد طرقه وشواهده. وحديث عمرو بن شعيب هذا أخرجه أيضاً أحمد وأبو داود والبخاري في الأدب المفرد والحاكم "وقد روي عن عبد الله بن عمرو عن غير هذا الوجه أيضاً" أخروجه أبو داود من طريق ابن أبي شيبة وابن السرح عن سفيان عن إبن أبي نجيح عن ابن عامر عن عبد الله بن عمرو.

(6/48)


أيْضاً. قالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: مَعْنَى قَوْلِ النبيّ صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ مِنّا يقول: ليس من سنتنا، لَيْسَ مِنْ أَدَبِنَا". وقالَ عليّ بنُ المَدِينيّ قال يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ: كانَ سُفْيَانُ الثّوْرِيّ يُنْكِرُ هذا التّفْسِيرَ: لَيْسَ مِنّا يَقول: لَيْس قلنا مِنْ مِلّتِنَا.
ـــــــ
"قال بعض أهل العلم: معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم ليس منا إلخ" تقدم الكلام مفصلاً في تفسير قوله صلى الله عليه وسلم: ليس منا، في باب النهي عن ضرب الخدود وشق الجيوب من أبواب الجنائز

(6/49)


16 ـ باب ما جاءَ في رَحْمَةِ النّاس
1987ـ حَدّثنا محمد بن بَشّار حدثنا يَحْيىَ بنُ سَعِيدٍ عن إسماعِيلَ بنِ أبِي خَالِدٍ حدثنا قَيْس بنُ أبي حَازِمٍ حدثنا جَرِيرُ بنُ عَبْدِ الله قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ لا يَرْحَمْ النّاسَ لاَ يَرْحَمُهُ الله" .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وفي البابِ عن عَبْدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ وأبي سَعِيدٍ وابنِ عُمَرَ وأَبي هُرَيْرَةَ وعَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو.
ـــــــ
"باب ماجاء في رحمة الناس"
قوله: "من لم يرحم الناس لا يرحمه الله" وفي رواية البخاري. من لا يرحم لا يرحم، ووقع عند الطبراني: من لا يرحم من في الأرض لا يرحمه من في السماء. وفي حديث الأشعث بن قيس عند الطبراني في الأوسط: من لم يرحم المسلمين لم يرحمه الله. قال ابن بطال: فيه الحض على استعمال الرحمة لجميع الخلق، فيدخل المؤمن والكافر والبهائم والمملوك منها وغير المملوك، ويدخل في الرحمة التعاهد بالإطعام والسقي والتخفيف في الحمل وترك التعدي بالضرب انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم.
قوله: "وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف" أخرجه الترمذي في باب قطيعة الرحم "وأبي سعيد" أخرجه الترمذي في باب الرياء والسمعة من أبواب الزهد "وابن عمر" أخرجه أحمد "وأبي هريرة" أخرجه الترمذي في هذا الباب "وعبد الله بن عمرو" أخرجه أيضاً الترمذي في هذا الباب.

(6/49)


1988ـ حدّثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ حدثنا أبو دَاوُدَ أخبرنا شُعْبَةُ قالَ: كَتَبَ بِهِ إِلَيّ منْصُورٌ وقَرَأْتُهُ عَلَيْهِ: سَمِعَ أَبَا عُثْمَانَ مَوْلَى المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ أَبَا القَاسِمِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: "لا تُنْزَعُ الرّحْمَةُ إِلاّ مِنْ شَقِيّ.
هذا حديث حسن، قالَ أبو عُثْمَانَ الذي رَوَى عن أَبي هُرَيْرَةَ لا يُعْرَفُ اسْمَهُ، ويُقَالُ هُوَ وَالِدُ مُوسَى بنِ أبي عُثْمَانَ الذِي رَوَى عَنْهُ أَبُو الزّنَادِ.
وقد رَوَى أَبُو الزّنَادِ عن مُوسَى بنِ أَبي عُثْمَانَ عن أَبيِه عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم غَيْرَ حَدِيثٍ.
ـــــــ
قوله: "كتب به" أي بالحديث "إلى" بتشديد الياء "وقرأته عليه" أي قرأت الحديث على منصور. والمعنى أن منصوراً كتب الحديث إلى شعبة أولا، ثم لقيه شعبة وقرأ الحديث عليه "سمع" أي منصور.
قوله: "لا تنزع الرحمة" بصيغة المجهول أي لا يسلب الشفقة على خلق الله، ومنهم نفسه التي هي أولى بالشفقة والمرحمة عليها من غيرها، بل فائدة شفقته على غيره راجعة إليها لقوله تعالى: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لَأَنْفُسِكُمْ} "إلا من شقي" قال الطيبي: لأن الرحمة في الخلق رقة القلب، والرقة في القلب علامة الإيمان، فمن لا رقة له لا إيمان له، ومن لا إيمان له شقي، فمن لا يرزق الرقة شقي انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه أحمد والبخاري في الأدب المفرد، وأبو داود وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه. قال المناوي: إسناده صحيح.
قوله: "وأبو عثمان الذي روى عن أبي هريرة لا نعرف اسمه يقال هو والد موسى بن أبي عثمان إلخ" قال في التقريب: أبو عثمان التبان مولى المغيرة بن شعبة قيل اسمه سعيد، وقيل عمران مقبول من الثالثة.

(6/50)


1989 ـ حدّثنا ابنُ أبِي عُمَر، حدثنا سُفْيَانُ عن عَمْرِو بنِ دِينَارٍ عن أَبِي قَابُوسَ عن عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو قالَ: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "الرّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرّحْمَنُ. ارْحَمُوا مَنْ في اْلأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ في السّماءِ. الرّحِمُ شِجْنَةٌ مِنَ الرحمَنِ فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلَهُ الله وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعَهُ الله" .
ـــــــ
قوله: "عن أبي قابوس" غير منصرف للعجمة والعلمية. قطع بهذا غير واحد ممن يعتمد عليه، كذا في مرقاة الصعود وأبو قابوس هذا هو مولى عبد الله بن عمرو بن العاص مقبول من الرابعة.
قوله: "الراحمون" لمن في الأرض من آدمى وحيوان محترم بنحو شفقة وإحسان ومواساة "يرحمهم الرحمن" أي يحسن إليهم ويتفضل عليهم، والرحمة مقيدة باتباع الكتاب والسنة، "فإقامة الحدود والإنتقام لرحمة الله لا ينافي كل منهما الرحمة "ارحموا من في الأرض" قال الطيبي: أتي بصيغة العموم ليشمل جميع أصناف الخلق فيرحم البر والفاجر، والناطق والبهم، والوحوش والطير انتهى. وفيه إشارة إلى أن إيراد "من" لتغليب ذوي العقول لشرفهم على غيرهم أو للمشاكلة المقابلة بقوله "يرحمكم من في السماء" وهو مجزوم على جواب الأمر أي الله تعالى، وقيل المراد من سكن فيها وهم الملائكة فإنهم يستغفرون للمؤمنين، قال الله تعالى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} ، وفي السراج المنير. وقد روي بلفظ: ارحموا أهل الأرض يرحمكم أهل السماء، والمراد بأهل السماء الملائكة، ومعنى رحمتهم لأهل الأرض دعائهم لهم بالرحمة والمغفرة كما قال تعالى: {وَيَسْتَغْفِرُونَ} لمن آمن "الرحم شجنة" بكسر المعجمة وسكون الجيم بعدها نون وجاء بضم أوله وفتحه رواية ولغة، وأصل الشجنة عروق الشجر المشتبكة، والشجن بالتحريك واحد الشجون، وهي طرق الأودية، ومنه قولهم: الحديث ذو شجون، أي يدخل بعضه في بعض "من الرحمن" أي أخذ اسمها من هذا الاسم كما في حديث عبد الرحمن بن عوف في السنن مرفوعاً: أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي. والمعنى

(6/51)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
أنها أثر من آثار الرحمة مشتبكة بها، فالقاطع لها منقطع من رحمة الله تعالى. وقال الإسماعيلي: معنى الحديث أن الرحم اشتق اسمها من اسم الرحمن فلها به علقة، وليس معناه أنها من ذات الله، تعالى الله عن ذلك، ذكره الحافظ في الفتح.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أبو داود وسكت عنه، ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره، والحديث أخرجه أحمد والحاكم أيضاً.
واعلم أن هذا الحديث هو الحديث المسلسل بالأولية. قال ابن الصلاح في مقدمته: فلما تسلم المسلسلات من ضعف، أعني في وصف التّسَلْسُل لا في أصل المتن، ومن المسلسل ما ينقطع تسلسله في وسط إسناده، وذلك نقص فيه وهو كالمسلسل بأول حديث سمعته على ما هو الصحيح في ذلك انتهى

(6/52)


باب ما جاء في النصيحة
...
17 ـ باب ما في النّصِيحَة
1990ـ حَدّثنا محمد بن بَشّار حدثنا صَفْوَانُ بنُ عيسَى عن محمدِ بنِ عَجْلاَنَ عن القَعْقَاعِ بنِ حَكِيمٍ عن أَبي صَالِحٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "الدّينُ النّصِيحَةُ، ثَلاَثَ مِرَارٍ، قالُوا يا رسولَ الله: لِمَنْ؟ قَالَ: لله وَلِكِتَابِهِ وَلأَئِمّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامّتِهِمْ" .
ـــــــ
"باب في النصيحة"
قوله: "الدين النصيحة" أي عماد الدين وقوامه هو النصيحة "ثلاث مرار" أي ذكرها ثلاثاً للتأكيد بها والاهتمام بشأنها "قالوا" أي الصحابة رضي الله عنهم "لمن؟" أي النصيحة لمن "قال: لله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم". قال الجزري في النهاية: النصيحة كلمة يعبر بها عن جملة هي إرادة الخير للمنصوح له، وليس يمكن أن يعبر هذا المعنى بكلمة واحدة تجمع معناه غيرها. وأصل النصح في اللغة الخلوص، ويقال نصحته ونصحت له. ومعنى نصيحة الله صحة الاعتقاد في وحدانيته وإخلاص النية في عبادته، والنصيحة لكتاب الله هو التصديق به والعمل بما فيه، ونصيحة رسوله التصديق بنبوته ورسالته والانقياد لما أمر به ونهى عنه

(6/52)


هذا حديثٌ حسنٌ. وفي البابِ عن ابنِ عُمَر وَتَمِيمٍ الدّارِيّ وجَرِيرٍ وحَكِيمِ بنِ أَبِي يَزِيدَ عن أَبِيهِ وَثَوْبَانَ.
1991 ـ حدّثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ حدثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عن إسماعيلَ بنِ أَبيِ خَالِدٍ عن قَيْسِ بنِ أَبي حَازِمٍ عن جَريرِ بنِ عَبْدِ الله قالَ: "بَايَعْتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم على إقَامِ الصّلاةِ وإِيتاءِ الزكاة والنّصْحِ لِكُلّ مُسْلِمِ".
ـــــــ
ونصيحة الأئمة أن يطيعهم في الحق ولا يرى الخروج عليهم إذا جاروا، ونصيحة عامة المسلمين إرشادهم إلى مصالحهم انتهى. وقد بسط النووي في شرح هذا الحديث في شرح مسلم بسطاً حسناً.
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه مسلم من حديث تميم الداري.
قوله: "وفي الباب عن ابن عمر وتميم الداري وجرير وحكيم بن أبي يزيد عن أبيه وثوبان". أما حديث ابن عمر فأخرجه البزار. وأما حديث تميم الداري فأخرجه مسلم والنسائي وأبو داود. وأما حديث جرير فأخرجه الترمذي في هذا الباب. وأما حديث حكيم بن أبي يزيد عن أبيه فلينظر من أخرجه. وأما حديث ثوبان فأخرجه الطبراني في الأوسط.
قوله: "على إقام الصلاة" أي إقامتها وإدامتها، وحذف تاء الإقامة عند الإضافة للإطالة "وإيتاء الزكاة" أي إعطائها. قال النووي إنما اقتصر على الصلاة والزكاة لكونهما أمي العبادات المالية والبدنية، وهما أهم أركان الإسلام بعد الشهادتين وأظهرها انتهى. لا يقال لعل غيرهما من الصوم والحج لم يكونا واجبين حينئذ لأنه أسلم عام توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم "والنصح" بضم فسكون أي وبالنصيحة "لكل مسلم" أي من خاصة المسلمين وعامتهم. قال النووي في شرح مسلم: ومما يتعلق بحديث جرير منقبة ومكرمة لجرير رواها الحافظ أبو القاسم الطبراني بإسناده. اختصارها أن جريراً أمر مولاه أن يشتري له فرساً بثلثمائة درهم، وجاء به وبصاحبه لينقده الثمن، فقال جرير لصاحب الفرس: فرسك خير من ثلثمائة درهم أتبيعه بأربعمائة؟ قال ذلك إليك يا أباعبد الله، فقال فرسك خير من ذلك أتبيعه بخمسمائة، ثم لم يزل يزيده مائة فمائة وصاحبه يرضى وجرير

(6/53)


وهذا حديثٌ صَحيحٌ.
ـــــــ
يقول فرسك خير إلى أن بلغ ثمان مائة درهم فاشتراه بها، فقيل له في ذلك، فقال إني بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم انتهى.
قوله: "حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان

(6/54)


18 ـ بابُ مَا جاءَ في شَفَقَةِ المسلِمِ على المُسْلِم
11992 ـ حَدّثنا عُبَيْدُ بِنُ أَسْبَاطِ بنِ محمدٍ القُرَشِيّ، حدثني أَبي عن هِشَامِ بنِ سَعْدٍ عن زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ عن أَبِي صَالِحٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ لاَ يَخُونُهُ ولا يَكْذِبُهُ، وَلاَ يَخْذُلُهُ، كُلّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلَمِ حَرَامٌ: عِرْضُهُ وَمَالُهُ ودَمُهُ، التّقْوَى هَهُنَا
ـــــــ
"باب ما جاء في شفقة المسلم على المسلم"
قوله: "المسلم أخو المسلم" أي فليتعامل المسلمون فيما بينهم وليتعاشروا معاملة الإخوة، ومعاشرتهم في المودة والرفق والشفقة والملاطفة والتعاون في الخير ونحو ذلك مع صفاء القلوب والنصيحة بكل حال "لا يخونه" من الخيانة خبر في معنى الأمر "ولا يخذله" بضم الذال المعجمة من الخذلان وهو ترك النصرة والإعانة. قال النووي: معناه إذا استعان به في دفع ظالم ونحوه لزمه إعانته إذا أمكنه ولم يكن له عذر شرعي "كل المسلم على المسلم حرام: عرضه" بكسر العين المهملة وسكون الراء. قال الجزري في النهاية: العرض موضع المدح والذم من الإنسان سواء كان في نفسه أو في سلفه أو من يلزمه أمره. وقيل هو جانبه الذي يصونه من نفسه وحسبه، ويحامي عنه أن ينتقص ويثلب. وقال ابن قتيبة: عرض الرجل نفسه وبدنه لا غير انتهى. "التقوى ها هنا" زاد في رواية مسلم: ويشير إلى صدره. قال في مجمع البحار: أي لا يجوز تحقير المتقي من الشرك والمعاصي، والتقوى محله القلب يكون مخفياً عن الأعين فلا يحكم بعدمه لأحد حتى يحقره، أو يقال محل التقوى هو القلب، فمن كان في قلبه التقوى لا يحقر مسلماً، لأن المتقي لا يحقر مسلماً انتهى.

(6/54)


بِحَسْبِ امرئ مِنَ الشّرّ أَنْ يَحْتَقِرَ أَخَاهُ المُسْلِمَ".
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
1993 ـ حدّثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ الْخَلاّلُ وغَيْرُ وَاحِدٍ، قالُوا حدثنا أَبُو أُسَامَةَ عن بُرَيْدِ بنِ عَبْدِ الله بنِ أَبي بُرْدَةَ عن جَدّهِ أَبي بُرْدَةَ عن أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيّ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كالْبُنْيَانِ يَشُدّ بَعْضُهُ بَعْضاً" .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
"بحسب امرئ من الشر أن يحتقر أخاه المسلم" أي حسبه وكافيه من خلال الشر ورذائل الأخلاق احتقار أخيه المسلم. فقوله "بحسب امرئ" مبتدأ، وألباء فيه زائدة، وقوله "أن يحتقر" خبره.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه مسلم.
قوله: "المؤمن للمؤمن" التعريف للجنس والمراد بعض المؤمن للبعض ذكره الطيبي "كالبنيان" أي البيت المبني "يشد بعضه" أي بعض البنيان، والجملة حال أو صفة أو استئناف بيان لوجه الشبه، وهو الأظهر "بعضاً" قال الكرماني، نصب بعضاًبنزع الخافض، وقال غيره: بل هو مفعول يشد. قال الحافظ: ولكل وجه قال ابن بطال: والمعاونة في أمور الاَخرة وكذا في اللأمور المباحة من الدنيا مندوب إليها وقد ثبت حديث أبي هريرة: والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه. والحديث هكذا أخرجه الترمذي وغيره مختصراً، وزاد البخاري: ثم شبك بين أصابعه إلخ. قال الحافظ: هو بيان لوجه التشبيه أيضاً، أي يشد بعضهم بعضاً مثل هذا الشد انتهى. وقال النووي: هذا الحديث صريح في تعظيم حقوق المسلمين بعضهم بعضاً وحثهم على التراحم والملاطفة والتعاضد في غير أثم ولا مكروه، وفيه جواز التشبيه وضرب الأمثال لتقريب المعاني إلى الأفهام.
قوله: "هذا حديث صحيح" وأخرجه الشيخان.

(6/55)


وفي الباب عن علي وأبي أيوب.
1994 ـ حدّثنا أَحمدُ بنُ محمدٍ، أخبرنا عَبْدُ الله بنُ المُبَارَكِ، أخبرنا يَحْيَى بنُ عُبَيْدِ الله عن أَبيِه عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنّ أَحَدَكُمْ مِرْآةُ أَخِيِه، فإِنْ رَأَى بِهِ أَذىً فَلْيُمِطْهُ عَنْهُ" .
ويَحْيَى بنُ عُبَيْدِ الله ضَعّفَهُ شُعْبَةُ. قالَ: وفي البابِ عن أَنَسٍ.
ـــــــ
قوله: "وفي الباب عن علي وأبي أيوب" أما حديث علي فلينظر من أخرجه. وأما حديث أبي أيوب فأخرجه أحمد والشيخان.
قوله: "إن أحدكم مرآة أخيه" بكسر ميم ومد همز أي آلة لإراءة محاسن أخيه ومعايبه، لكن بينه وبينه، فإن النصيحة في الملأ فضيحة، وأيضاً هو يرى من أخيه ما لا يراه من نفسه كما يرسم في المرآة ما هو مختف عن صاحبه فيراه فيها أي إنما يعلم الشخص عيب نفسه بإعلام أخيه كما يعلم خلل وجهه بالنظر في المرآة "فإن رأى" أي أحدكم "به" أي بأخيه "أذى" أي عيباً مما يؤذيه أو يؤذي غيره "فليمطه" من الإماطة، والمعنى فليزل ذلك الأذى "عنه" أي عن أخيه إما بإعلامه حتى يتركه أو بالدعاء له حتى يرفع عنه، وحديث أبي هريرة هذا ضعيف لضعف يحيى بن عبيد الله. وأخرج نحوه أبو داود من وجه آخر. قال المنذري: وفيه كثير بن زيد أبو محمد المدني مولى الإسلمتين. قال ابن معين: ليس بذلك القوي يكتب حديثه. وقال النسائي: ضعيف.
قوله: "ويحي بن عبيد الله ضعفه شعبة" قال في التقريب: يحيى بن عبيد الله بن عبد الله بن موهب التيمي المدني متروك، وأفحش الحاكم فرماه بالوضع انتهى. وقال الذهبي في الميزان في ترجمته: قال شعبة: رأيته يصلي صلاة لا يقيمها فتركت حديثه انتهى.
قوله: "وفي الباب عن أنس" أخرجه الطبراني في الأوسط والضياء بلفظ: المؤمن مرآة المؤمن. قال المناوي بإسناد حسن

(6/56)


19 ـ باب ما جاءَ في السّتْر عَلَى المسلمين
1995 ـ حَدّثنا عُبَيْدُ بنُ أَسْبَاطٍ بن محمد القُرَشِيّ، حدثنا أَبي، حدثنا الأَعْمَش، قالَ حُدّثْتُ عن أَبي صَالِحٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ نَفّسَ عن مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدّنْياَ نَفّسَ الله عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسّرَ على مُعْسِرٍ في الدّنْياَ يَسّرَ الله عَلَيْهِ في الدّنْيَا وَالاَخِرَةِ، ومَنْ سَتَر على مُسْلِمٍ في الدّنْيَا سَتَرَ الله عَلَيْهِ في الدّنْياَ والاَخِرَةِ، والله في عَوْنِ العَبْدِ ما كَانَ العَبْدُ في عَوْنِ أَخيهِ" .
وفي البابِ عن ابنِ عُمَرَ وعُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ.
هذا حديثٌ حسنٌ. وقد رَوَى أَبُو عَوَانَةَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، هذا الحَدِيثَ عن الأَعْمَشِ عن أَبي صاَلِحٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ ولَمْ يَذْكُرُوا فيِه حُدّثتُ عن أَبي صَالحٍ.
ـــــــ
"باب ما جاء في الستر على المسلمين"
قوله: "حدثت عن أبي صالح" بصيغة المجهول، وهذا يدل على أن بين الأعمش وأبي صالح واسطة ولم يسمع هذا الحديث منه ولم يذكر من حدثه عنه. وقد روى أبو عوانة وغير واحد هذا الحديث عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة كما بينه الترمذي فما بعد، وهذا يدل على أن الأعمش سمع هذا الحديث من أبي صالح من غير واسطة فالتوفيق أن الأعمش رواه عنه بواسطة، ثم لقيه فسمعه منه من غير واسطة والله تعالى أعلم.
قوله: "من نفس إلخ" قد تقدم هذا الحديث مع شرحه في باب الستر على المسلم من أبواب الحدود، وفي عقد الترمذي هذا الباب هناك وإيراده هذا الحديث فيه ثم عقده ها هنا وإيراده فيه تكرار.
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة

(6/57)


باب ما جاء في الذب على المسلم
...
20 ـ باب ما جاءَ في الذّبّ عن عِرْضِ المسْلِم
1996 ـ حَدّثنا أَحمدُ بنُ محمدٍ، أخبرنا ابنُ المُبَارَك عن أَبي بَكْرٍ النَهْشَلِيّ عن مرزُوقٍ أبي بَكْرٍ التّيْميّ عن أُمّ الدّرْداءِ عن أَبِي الدّرْدَاءِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ رَدّ عن عِرْضِ أَخِيهِ رَدّ الله عَنْ وَجْهِهِ النّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" قال: وفي البابِ عن أَسمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ.
هذا حديثٌ حسنٌ.
ـــــــ
"باب ما جاء في الذب عن المسلم"
في القاموس: ذب عنه: أي دفع عنه ومنع.
قوله: "عن أبي بكر الهشلي" الكوفي صدوق رمي بالإرجاء من السابعة "عن مرزوق أبي بكر التيمي" مقبول من السادسة.
قوله: "من رد عن عرض أخيه" أي منع غيبة عن أخيه "رد الله عن وجهه النار" أي صرف الله عن وجه الراد نار جهنم. قال المناوي: أي عن ذاته العذاب وخص الوجه لأن تعذيبه أنكى في الإيلام وأشد في الهوان.
قوله: "وفي الباب عن أسماء بنت يزيد" أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ذب عن لحم أخيه بالغيبة كان حقاً على الله أن يعتقه من النار، كذا عزاه صاحب المشكاة إلى البيهقي. قال القاري في المرقاة: وفي التصحيح رواه الطبراني محيى السنة، وفي سنده ضعف: وقال الحافظ المنذري في الترغيب: رواه أحمد بسند حسن وابن أبي الدنيا والطبراني وغيرهم: نقله ميرك انتهى ما في المرقاة.
قوله: "هذا حديث حسن" ورواه أحمد وابن أبي الدنيا وأبو الشيخ في كتاب التوبيخ ولفظه: من ذب عن أخيه رد الله عنه عذاب النار يوم القيامة، وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وكان حقاً علينا نصر المؤمنين}

(6/58)


21 ـ باب ما جاءَ في كَرَاهِيَةِ الْهجرة
1997 ـ حَدّثنا ابنُ أَبِي عُمَرَ، حدثنا سُفْيَانُ، حدثنا الزّهْرِيّ ح. قالَ: وحدثنا سَعِيدُ بنُ عَبْدِ الرحمنِ حدثنا سُفْيَانُ عن الزّهْرِيّ عن عَطاَءِ بنِ يَزِيدَ اللّيْثِيّ عن أَبي أَيّوبَ الأنصَارِيّ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "لا يَحِلّ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثٍ، يلْتَقِيَانِ فَيَصُدّ هذا ويَصُدّ هذا
ـــــــ
"باب ما جاء في كراهية الهجرة"
بكسر الهاء وسكون الجيم وهي مفارقة كلام أخيه المؤمن مع تلاقيهما وإعراض كل واحد منهما عن صاحبه عند الاجتماع. وليس المراد بالهجر هنا مفارقة الوطن إلى غيره فإن هذه تقدم حكمها.
قوله: "لا يحل للمسلم أن يهجر" بضم الجيم "أخاه" أي المسلم وهو أعم من أخوة القرابة والصحابة. قال الطيبي: وتخصيصه بالذكر إشعار بالعلية والمراد به أخوة الإسلام، ويفهم منه أنه إن خالف هذه الشريطة وقطع هذه الرابطة جاز هجرانه فوق ثلاثة انتهى. قيل: وفيه أنه حينئذ يجب هجرانهم "فوق ثلاث" ، وفي رواية الشيخين فوق ثلاث ليال والمراد بأيامها. قال النووي في شرح مسلم: قال العلماء: في هذا حديث تحريم الهجر بين المسلمين أكثر من ثلاث ليال وإباحتها في الثلاث الأول بنص الحديث، والثاني بمفهومه قالوا: وإنما عفا عنها في الثلاث لأن الاَدمى مجبول من الغضب وسوء الخلق ونحو ذلك فعفا عن الهجر الثلاث ليذهب ذلك العارض. وقيل إن الحديث لا يقتضي إباحة الهجر الثلاثة، وهذا على مذهب من يقول لا يحتج بالمفهوم ودليل الخطاب انتهى.
فإن قلت: لم هجرت عائشة ابن الزبير أكثر من ثلاثة أيام؟
قلت: قد أجاب الطبري بأن المحرم إنما هو ترك السلام فقط، وأن الذي صدر من عائشة ليس فيه أنها امتنعت من السلام على ابن الزبير ولا من رد السلام عليه لما بدأها بالسلام، قال: وكانت عائشة لا تأذن لأحد من الرجال أن يدخل عليها إلا بإذن، ومن دخل كان بينه وبينها حجاب إلا إن كان ذا محرم منها، ومع

(6/59)


وَخَيْرُهُما الذي يَبْدَأُ بالسّلامِ" قالَ: وفي البابِ عن عَبْدِ الله بنِ مسعودٍ وَأَنَسٍ وأَبي هُرَيْرَةَ وَهِشَامِ بنِ عامرٍ وأَبي هِنْدٍ الدّارِيّ.
ـــــــ
ذلك لا يدخل عليها حجابها إلا بإذنها، فكانت في تلك المدة منعت ابن الزبير من الدخول عليها كذا قال: قال الحافظ في الفتح: ولا يخفى ضعف المأخذ الذي سلكه من أوجه لا فائدة للإطالة بها، والصواب ما أجاب به غيره أن عائشة رأت أن ابن الزبير ارتكب بما قال أمراً عظيماً وهو قوله: لأحجرن عليها، فإن فيه تنقيصاً لقدرها، ونسبة لها إلى ارتكاب ما لا يجوز من التذبير الموجب لمنعها من التصرف فيما رزقها الله تعالى، مع اتصاف إلى ذلك من كونها أم المؤمنين وخالته أخت أمه، ولم يكن أحد عندها في منزلته كما تقدم التصريح به في أوائل مناقب قريش، فكأنها رأت أن في ذلك الذي وقع منه نوع عقوق، والشخص يستعظم ممن يلوذ به ما لا يستعظمه من الغريب، فرأت أن مجازاته على ذلك بترك مكالمته كما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كلام كعب بن مالك وصاحبيه عقوبة لهم لتخلفهم عن غزوة تبوك بغير عذر، ولم يمنع من كلام من تخلف عنها من المنافقين مؤاخذة للثلاثة لعظيم منزلتهم وازدراء بالمنافقين لحقارتهم، فعلى هذا يحمل ما صدر كثير عائشة. وقد ذكر الخطابي أن هجر الوالد ولده والزوج زوجته ونحو ذلك لا يتضيق بالثلاث، واستدل بأنه صلى الله عليه وسلم هجر نساءه شهراً، وكذلك ما صدر من كثير من السلف في استجازتهم ترك مكالمة بعضهم بعضاً مع علمهم بالنهي عن المهاجرة اهـ. ما في الفتح "يلتقيان" أي يتلاقيان "فيصد هذا ويصد هذا" قال النووي: معنى يصد يعرض أي يوليه عرضه بضم العين وهو جانبه، والصد بضم الصاد، وهو أيضاً الجانب والناحية اهـ. "وخيرهما الذي يبدأ بالسلام" أي هو أفضلهما. قال النووي: فيه دليل لمذهب الشافعي ومالك ومن وافقهما أن السلام يقطع الهجر ويرفع الإثم فيها ويزيله. وقال أحمد وابن القاسم المالكي: ترك الكلام إن كان يؤذيه لم يقطع السلام هجره. قال أصحابنا: ولو كاتبه أو راسله عند غيبته عنه هل يزول إثم الهجر فيه وجهان: أحدهما لا يزول لأنه لم يكلمه، وأصحهما يزول لزوال الوحشة اهـ.
قوله: "وفي الباب عن عبد الله بن مسعود" أخرجه البزار ورواته. رواه الصحيح. قال المنذري في الترغيب "وأنس" أخرجه الترمذي في باب الحسد

(6/60)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
"وأبي هريرة" أخرجه أحمد ومسلم بلفظ : لا هجرة بعد ثلاث، وأخرجه أبو داود والنسائي عنه مرفوعاً بلفظ: لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار " وهشام بن عامر" أخرجه أحمد ورواته محتج بهم في الصحيح، وأبو يعلى الطبراني وابن حبان في صحيحه وأبو بكر بن أبي شيبة كذا في الترغيب "وأبي هند الداري" لينظر من أخرجه.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مالك والشيخان وأبو داود

(6/61)


22 ـ باب ما جاءَ في مُواسَاةِ الأَخ
1998ـ حَدّثنا أَحمدُ بنُ مَنِيعٍ حدثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ حدثنا حُمَيْدٌ عن أَنَسٍ قالَ: "لَمّا قَدِمَ عَبْدُ الرحمَنِ بنُ عَوْفٍ الْمَدِينَةَ آخَى رسولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَهُ وبَيْنَ سَعْدِ بنِ الرّبيعِ، فقالَ لَهُ: هَلُمّ أُقاَسِمْكَ مَالي نِصْفَيْنِ وَلِيَ امْرَأَتَانِ فَأُطَلّقُ إِحْدَاهُماَ فإِذَا انْقَضَتْ عِدّتُهَا فَتَزَوّجْهَا، فَقَالَ: بَارَكَ الله لَكَ في أَهْلِكَ وَمَالِكَ، دُلّوني على السّوق، فَدَلّوهُ عَلَى السّوقِ،
ـــــــ
" باب ما جاءَ في مُواسَاةِ الأَخ"
قال في القاموس: آساه بماله مواساة أناله منه وجعله فيه أسوة أو لا يكون ذلك إلا من كفاف، فإن كان من فضلة فليس بمواساة1هـ. وقال في الصراح: مواساة بمال وتن باكسى غموار كي كردن. يقال آسيته بمالي وواسيته لغة ضعيفة فيه.
قوله: "آخي رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع" أي جعل بينهما أخوة "فقال" أي سعد بن الربيع "له" أي لعبد الرحمن بن عوف "هلم" أي تعال، قال الخليل: أصله لم من قولهم: لمّ الله شعثه أي جمعه أراد لمّ نفسك إلينا، أي أقرب وها للتنبيه وحذفت ألفها وجعلا اسماً واحداً يستوي فيه الواحد والجمع والتأنيث في لغة أهل الحجاز وأهل نجد يعرفونها فيقولون للاثنين

(6/61)


فَمَا رَجَعَ يَوْمَئِذٍ إلاّ وَمَعَهُ شَيْءٌ مِنْ أَقطٍ وَسَمْنٍ قد اسْتَفْضَلَهُ، فَرَآهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بَعْدَ ذَلِكَ وَعَلَيْهِ وَضَر من صُفْرَةٍ، قالَ: مَهْيَمْ، فقالَ: تَزَوّجْتُ امْرَأةً مِنَ الأَنْصَارِ، فقالَ: فَمَا أَصْدَقْتَهَا؟ قالَ: نَوَاةً. قال حُمَيْدٌ أَوْ قالَ: وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، فقالَ: أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقالَ أَحمدُ بنُ حَنْبَلٍ: وَزْنُ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ وَزْنُ ثلاثةِ دَرَاهِمَ وَثُلُثٍ وقال إسحاق: وَزْنُ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ وَزْنُ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ. أخبرني بذلك إسحاقُ بنُ مَنْصُورٍ عن أحمد بن حنبل وإسحاق.
ـــــــ
هلما، وللجمع هلموا وللمرأة هلمي، وللنساء هلممن، والأول أفصح، كذا في الصراح "أقاسمك" بالجزم جواب هلم "قد استفضله" قال في القاموس: أفضلت منه الشيء واستفضلت بمعنى "وعليه وضر صفرة" بفتح الواو والضاد المعجمة وآخره راء هو في الأصل الأثر، والمراد بالصفر صفرة الخلوق، والخلوق طيب يصنع من زعفران وغيره "فقال مهيم" أي ما شأنك أو ما هذا وهي كلمة استفهام مبنية على السكون "قال نواة" بالنصب بتقدير الفعل أي أصدقتها نواة، ويجوز الرفع على تقدير مبتدأ أي الذي أصدقها نواة "قال حميد: أو قال وزن نواة من ذهب" هذا شك من حميد "فقال أو لم ولو بشاة" قال الحافظ: ليست لو هذه الامتناعية وإنما هي التي للتقليل.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله: "وقال أحمد بن حنبل: وزن نواة من ذهب وزن ثلاثة دراهم وثلث وقال إسحاق: وزن نواة من ذهب وزن خمسة دراهم إلخ" اختلف في المراد بقوله نواة فقيل المراد واحدة نوى التمر كما يوزن بنوى الخروب وأن القيمة عنها يومئذ كانت خمسة دراهم، وقيل كان قدرها يومئذ ربع دينار.
ورد بأن نوى التمر يختلف في الوزن فكيف يجعل معياراً لما يوزن به.
وقيل: لفظ النواة من ذهب عبارة عما قيمته خمسة دراهم من الورق، وجزم به الخطابي واختاره الأزهري. ونقله عياض عن أكثر العلماء، ويؤيده أن في

(6/62)


ـــــــ
رواية للبيهقي من طريق سعيد بن بشر عن قتادة: وزن نواة من ذهب قومت خمس دراهم. وقيل: وزنها من الذهب خمسة دراهم حكام ابن قتيبة وجزم به إبن فارس، وجعله البيضاوي الظاهر واستبعد لأنه يستلزم أن يكون ثلاثة مثاقيل ونصفاً، ووقع في رواية حجاج بن أرطاة عن قتادة عند البيهقي: قومت ثلاثة دراهم وثلثاً وإسناد ضعيف. ولكن جزم به أحمد. وعن بعض المالكية: النواة عند أهل المدينة ربع دينار، ويؤيد هذا ما وقع عند الطبراني في الأوسط في آخر حديث أنس قال: جاء وزنها ربع دينار، وقد قال الشافعي: النواة ربع النش والنش نصف أوقية والأوقية أربعون درهماً فيكون خمسة دراهم، وكذا قال أبو عبيد: أن عبد الرحمن بن عوف دفع خمسة دراهم وهي تسمى نواة كما تسمى الأربعون أوقية، وبه جزم أبو عوانة وآخرون كذا في الفتح

(6/63)


23 ـ باب ما جاءَ في الغِيبَة
1999ـ حَدّثنا قُتَيْبَةُ حدثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ محمدٍ عن العَلاءِ بنِ عَبْدِ الرحمن عن أَبيه عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: "قيلَ يا رسولَ الله ما الغِيبَةُ؟ قالَ: ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ. قالَ: أَرأَيْتَ إنْ كانَ فيهِ مَا أَقُولُ؟ قالَ :
ـــــــ
"باب ما جاءَ في الغِيبَة"
قوله: "قال قيل يا رسول الله ما الغيبة؟" بكسر الغين المعجمة "قال ذكرك" أي أيها المخاطب خطاباً عاماً "أخاك" أي المسلم "بما يكره" أي بما لو سمعه لكرهه. قال النووي: اعلم أن الغيبة من أقبح القبائح وأكثرها انتشاراً في الناس حتى لا يسلم منها إلا القليل من الناس، وذكرك أخاك بما يكره عام سواء كان في بدنه أو دينه، أو دنياه، أو نفسه، أو خلقه، أو ماله، أو ولده، أو والده، أو زوجه، أو خادمه، أو ثوبه أو مشيه وحركته، وبشاشته وعبوسته وطلاقته، أو غير ذلك مما يتعلق به، سواء ذكرته بلفظك أو كتابك، أو رمزت أو أشرت إليه بعينك أو يدك أو رأسك ونحو ذلك، وضابطه أن كل ما أفهمت به غيرك نقصان مسلم فهو غيبة محرمة، ومن ذلك المحاكاة بأن يمشي متعرجاً أو مطأطأ أو

(6/63)


إن كَانَ فِيه ما تَقُولُ فقد اغْتَبْتَهُ، وإِن لم يَكُنْ فيِه ما تَقُولُ فَقَدْ بَهَتّهُ" . قال وفي البابِ عن أَبي بَرْزَةَ وابنِ عُمْرَ وَعَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
على غير ذلك من الهيئات مريد حكاية هيئة من ينقصه بذلك "قال أرأيت" أي أخبرني "إن كان فيه" أي في الأخ "ما أقول" من المنقصة، والمعنى. أيكون حينئذ ذكره بها أيضاً غيبة كما هو المتبادر من عموم ذكره بما يكره "قال: إن كان فيه ما تقول" أي من العيب "فقد اغتبته" أي لا معنى للغيبة إلا هذا وهو أن تكون المنقصة فيه "وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته" بفتح الهاء المخففة وتشديد التاء على الخطاب أي قلت عليه البهتان وهو كذب عظيم يبهت فيه من يقال في حقه.
قوله: "وفي البابن أبي برزة وابن عمر وعبد الله بن عمرو" وأما حديث أبي برزة فأخرجه أحمد في مسنده ص 421 ج 4. وأما حديث ابن عمر فأخرجه أبو داود والطبراني والحاكم وقال صحيح الإسناد، كذا في الترغيب. وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه الأصبهاني: قال المنذري بإسناد حسن من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنهم ذكروا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً، فقالوا لا يأكل حتى يطعم، ولا يرحل حتى يرحل له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اغتبتموه، فقالوا يا رسول الله إنما حدثنا بما فيه، قال حسبك إذا ذكرت أخاك بما فيه

(6/64)


24 ـ باب ما جاءَ في الْحَسَد
2000 ـ حَدّثنا عَبْدُ الجَبّارِ بنُ العلاَءِ العَطّارُ وسَعِيدُ بنُ عَبْدِ الرحْمَنِ، قالا حدثنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن الزّهْرِيّ عن أَنَسٍ قالَ:
ـــــــ
"باب ما جاء في الحسد"
وهو تمني الشخص زوال النعمة عن مستحق لها أعم من أن يسعى في ذلك أولاً، فإن سعى كان باغياً، وإن لم يسع في ذلك ولا أظهره ولا تسبب في تأكيد اسباب الكراهة التي نهي المسلم عنها في حق المسلم نظر، فإن كان المانع له من ذلك

(6/64)


قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ تَقَاطَعُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَحَاسدُوا، وكُونُوا عِبَادَ الله إخْوَاناً، وَلاَ يَحِلّ لِلْمُسْلِم أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثٍ" .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
العجز بحيث لو تمكن لفعل فهذا مأزور، وإن كان المانع له من ذلك التقوى فقد يعذر لأنه لا يستطيع دفع الخواطر النفسانية فيكفيه في مجاهداتها أن لا يعمل بها ولا يعزم على العمل بها. وقد أخرج عبد الرزاق عن معمر عن إسماعيل بن علية رفعه: ثلاث لا يسلم منها أحد: الطيرة والظن والحسد، قيل فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: إذا تطيرت فلا ترجع، وإذا ظننت فلا تحقق، وإذا حسدت فلا تبغ. وعن الحسن البصري قال: ما من آدمي إلا وفيه الحسد، فمن لم يجاوز ذلك إلى البغي والظلم لم يتبعه منه شيء، كذا في فتح الباري.
قوله: "لا تقاطعوا" أي يقاطع بعضكم بعضاً، والتقاطع ضد التواصل "ولا تدابروا" قال الخطابي: لا تتهاجروا فيهجر أحدكم أخاه، مأخوذ من تولية الرجل الاَخر دبره إذا أعرض عنه حين يراه. وقال ابن عبد البر: قيل للإعراض مدابرة لأن من أبغض أعرض، ومن أعرض ولي دبره، والمحب بالعكس انتهى. "ولا تباغضوا" أي لا تتعاطوا أسباب البغض، لأن البغض لا يكتسب ابتداء "ولا تحاسدوا" أي لا يتمنى بعضكم زوال نعمة بعض، سواء أرادها لنفسه أو لا "وكونوا عباد الله إخواناً" أي يا عباد الله بحذف حرف النداء، وفيه إشارة إلى أنكم عبيد الله فحقكم أن تتواخوا بذلك، وقيل قوله عباد الله خبر لقوله كونوا، وإخواناً خبر ثان له. قال الفرطبي: المعنى كونوا كإخوان النسب في الشفقة والرحمة والمحبة والمواساة والمعاونة والنصيحة "ولا يحل للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث" تقدم شرحه.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مالك والبخاري وأبو داود والنسائي وأخرجه مسلم أخصر منه.

(6/65)


وفي البابِ عن أَبي بَكْرٍ الصّدّيقِ وَالزّبَيْرِ بنِ العَوّامِ وابنِ مَسْعُودٍ وَأَبي هُرَيْرَةَ.
2001 ـ حدّثنا ابنُ أَبيِ عُمَرَ حدثنا سُفْيَانُ حدثنا الزّهْرِيّ عن سَالمٍ عن أبيِه قالَ: قالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: "لا حَسَدَ إِلاّ في اثْنَتَيْنِ: رَجلٌ آتَاهُ الله مَالاً فَهُوَ يُنْفِقُ منهُ آنَاءَ اللّيْلِ وآنَاءَ النّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ الله القُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللّيْلِ وَآنَاءَ النّهَارِ" .
ـــــــ
قوله: "وفي الباب عن أبي بكر الصديق الزبير بن العوام وابن عمر وابن مسعود وأبي هريرة" أما حديث أبي بكر الصديق فأخرجه أحمد في مسنده ص 3 ج 1. وأما حديث الزبير بن العوام فأخرجه أحمد والترمذي والبزار بإسناد جيد والبيهقي. وأما حديث ابن عمر فأخرجه الترمذي بعد هذا. وأما حديث ابن مسعود، فأخرجه الشيخان وغيرهما. وأما حديث أبي هريرة، فأخرجه مالك والشيخان وأبو داود وأخرجه الترمذي مختصراً في باب ظن السوء.
قوله: "لا حسد" قال العلماء: الحسد قسمان: حقيقي ومجازي، فالحقيقي تمني زوال النعمة عن صاحبها، وهذا حرام بإجماع الأمة مع النصوص الصحيحة، وأما المجازي فهو الغبطة وهو أن يتمنى مثل النعمة التى على غيره من غير زوالها عن صاحبها، فإن كانت من أمور الدنيا كانب مباحة، وإن كانت طاعة فهي مستحبة. والمراد بالحسد في هذا الحديث معناه المجازي أي لا غبطة محبوبة إلا في هاتين الخصلتين وما في معناهما "إلا في اثنتين" بتاء التأنيث أي لا حسد محموداً في شيء إلا في خصلتين، وعلى هذا فقوله "رجل" بالرفع، والتقدير خصلة رجل حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه "آتاه الله" بالمد في أوله أي أعطاه الله من الإيتاء وهو الإعطاء "مالا" نكرة ليشمل والقليل والكثير "فهو ينفق منه آناء الليل وآناء النهار" قال النووي: أي ساعاته وواحدة إنا وأنا وإني وإنو أربع لغات انتهي. وقال في الصراح: آناء الليل ساعاته واحدها إني مثل معي وأمعاء، وإني وأنو أيضاً، يقال مضى إنوان وإنيان من الليل انتهى. "فهو يقوم به" المراد بالقيام به العمل مطلقاً أعم من تلاوته داخل الصلاة أو خارجها من تعليمه والحكم

(6/66)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد رُوِيَ عن ابنِ مَسْعُودٍ وَأَبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوُ هذَا.
ـــــــ
والفتوى بمقتضاه. ولأحمد من حديث يزيد بن الأخنس السلمي: رجل أتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ويتبع ما فيه.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله: "وقد روي عن ابن مسعود" أخرج روايته البخاري في العلم وفي الزكاة وفي الأحكام وفي الاعتصام، ومسلم في الصلاة والنسائي في العلم، وابن ماجة في الزهد "وأبي هريرة إلخ" أخرج روايته البخاري في فضائل القرآن والنسائي

(6/67)


25 ـ باب ما جاءَ في التّبَاغُض
2002 ـ حَدّثنا هَنّادٌ حدثنا أَبو مُعَاوِيةَ عن الأعمش عن أَبي سُفْيَانَ عن جَابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنّ الشّيطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ المُصَلّونَ وَلَكِنْ في التَحْرِيشِ بَيْنَهُمْ" .
ـــــــ
"باب ما جاء في التباغض"
قوله: "إن الشيطان" يحتمل الجنس والأظهر أن المراد به إبليس رئيسهم "قد أيس" قال في القاموس: أيس منه كسمع إياساً قنط انتهى. أي يئس وصار محروماً "أن يعبده المصلون" أي من أن يعبده المؤمنون، وزاد في رواية مسلم: في جزيرة العرب قال القاري في المرقاة: اختصر القاضي كلام الشراح. وقال عبادة الشيطان عبادة الصنم لأنه الاَمر به والداعي إليه بدليل قوله: يا أبت لا تعبد الشيطان والمراد بالمصلين المؤمنون كما في قوله عليه الصلاة والسلام: نهيتكم عن قتل المصلين. سموا بذلك لأن الصلاة أشرف الأعمال وأظهر الأفعال الدالة على الإيمان. ومعنى الحديث أيس من أن يعود أحد من المؤمنين إلى عبادة الصنم ويريد إلى شركه في جزيرة العرب، ولا يرد على ذلك ارتداد أصحاب مسيلمة ومانعي الزكاة وغيرهم ممن ارتدوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم لم يعبدوا الصنم انتهى. قال القاري: وفيه أن دعوة الشيطان عامة إلى أنواع الكفر غير مختص بعبادة الصنم، فالأولى

(6/67)


وفي البابِ عن أَنَسِ وَسُلَيْمَانَ بن عَمْرٍو بن الأحْوَصِ عن أبيهِ.
هذا حديثٌ حسنٌ وأبو سُفْيَانَ اسْمُهُ طَلْحَةُ بنُ نَافِعٍ.
ـــــــ
أن يقال: المراد أن المصلين لا يجمعون بين الصلاة وعبادة الشيطان كما فعلته اليهود والنصارى انتهى "ولكن في التحريش" خبر لمبتدأ محذوف أي هو في التحريش أو ظرف لمقدر أي يسعى في التحريش "بينهم" أي في إغراء بعضهم على بعض والتحري بالشر بين الناس من قتل وخصومة. والمعنى لكن الشيطان غير آيس من إغراء المؤمنين وحملهم على الفتن بل له هو مطمع في ذلك. قال النووي: هذا الحديث من المعجزات النبوية، ومعناه آيس أن يعبده أهل جزيرة العرب. ولكنه يسعى في التحريش بينهم بالخصومات والشحناء والحروب والفتن ونحوها انتهى.
قوله: "وفي الباب عن أنس" أخرجه الترمذي في الباب الذي قبله "وسليمان بن عمرو بن الأحوص عن أبيه" لينظر من أخرجه.
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه أحمد ومسلم

(6/68)


26 ـ باب ما جاءَ في إِصْلاَحِ ذَاتِ الْبَيْن
2003 ـ حَدّثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ حدثنا أَبو أَحمدَ الزّبيري حدثنا سُفْيَانُ قالَ: وحدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ حدثنا بِشْرُ بنُ السّرِيّ وَ أَبُو أحمدَ قالا: حدثنا سُفْيَانُ عن عَبْد الله بن عُثمان بنِ خُثَيْمٍ عن شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ عن أَسْمَاءَ بنْتِ يَزِيدَ قَالتْ: قالَ رَسُولُ
ـــــــ
"باب ما جاءَ في إِصْلاَحِ ذَاتِ الْبَيْن"
قال في المجمع: ذات الشيء نفسه وحقيقته، والمراد ما أضيف إليه، ومنه إصلاح ذات البين أي إصلاح أحوال بينكم حتى يكون أحوال ألفة ومحبة واتفاق كعليم بذات الصدور أي بمضمراتها، لما كانت الأحوال ملابسة للبين قيل لها ذات البين، وإصلاحها سبب الاعتصام بحبل الله وعدم التفرق بين المسلمين فهو درجة فوق درجة من اشتغل بخويصة نفسه بالصيام والصلاة فرضاً ونفلا انتهى.
قوله: "عن بن خثيم" بضم الخاء المعجمة وفتح المثلثة مصغراً، هو عبد الله ابن عثمان.

(6/68)


الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَحِلّ الكَذِبُ إِلاّ في ثَلاَث: يُحَدّثُ الرّجُلُ امْرَأَتَهُ ليُرْضِيَهَا، والكَذِبُ فِي الْحَرْبِ، وَالكَذِبُ لِيُصْلِحَ بَيْنَ النّاسِ" .
وقال محمودٌ فِي حَدِيِثهِ: "لا يَصْلُحُ الكَذِبُ إِلاَ فِي ثَلاَثٍ"
ـــــــ
قوله: "يحدث الرجل امرأته ليرضيها" قال القاري: حذف قرينته للاكتفاء أو للمقايسة أو وقع اختصاراً من الراوي انتهى.
قلت: وقع في حديث أم كلثوم عند مسلم قالت: ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث: الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها. قال النووي في شرح مسلم: قال القاضي: لا خلاف في جواز الكذب في هذه الصور. واختلفوا في المراد بالكذب المباح فيها ما هو؟ فقالت طائفة: هو على إطلاقه وأجازوا قول ما لم يكن في هذه المواضع للمصلحة، وقالوا الكذب المذموم ما فيه مضرة، واحتجوا بقول إبراهيم صلى الله عليه وسلم: بل فعله كبيرهم، وإني سقيم. وقوله: إنها أختي، وقول منادي يوسف صلى الله عليه وسلم: "أيتها العير إنكم لسارقون" قالوا: ولا خلاف أنه قصد ظالم قتل رجل هو عنده مختف وجب عليه الكذب في أنه لا يعلم أين هو. وقال آخرون منهم الطبري: لا يجوز الكذب في شيء أصلا، قالوا: وما جاء من الإباحة في هذا المراد به التورية واستعمال المعاريض لا صريح الكذب، مثل أن يعد زوجته أن يحسن إليها أو يكسوها كذا، وينوي إن قدر الله ذلك. وحاصله أن يأتي بكلمات محتملة يفهم المخاطب منها ما يطيب قلبه، وإذا سعى في الإصلاح نقل عن هؤلاء إلى هؤلاء كلاماً جميلاً، ومن هؤلاء إلى هؤلاء كذلك وورى. وكذا في الحرب بأن يقول لعدوّه مات إمامكم الأعظم وينوي إمامهم في الأزمان الماضية، أو غداً يأتينا مدد أي طعام أو نحو هذا من المعاريض المباحة، فكل هذا جائز. وتأولوا قصة إبراهيم ويوسف وما جاء من هذا على المعاريض. وأما كذبه لزوجته وكذبها له، فالمراد به في إظهار الود والوعد بما لا يلزم، ونحو ذلك. فأما المخادعة في منع حق عليه أو عليها أو أخذ ما ليس له أو لها فهو حرام بإجماع المسلمين، انتهى كلام النووي.

(6/69)


هذا حديثٌ لاَ نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ، إِلاَ مِنْ حَدِيث ابنِ خُثَيْمٍ. ورَوَى دَاودُ بنُ أَبِي هِنْدٍ هذا الْحَدِيثَ عَن شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيه عن أَسْمَاءَ. حدثنا بذَلكَ محمدُ بن العلاء حدثنا ابنُ أَبِي زَائِدَةَ عن دَاودَ وفي البابِ عن أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ الله عَنْهُ.
2004 ـ حدّثنا أَحمدُ بنُ مَنِيعٍ، حدثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ عن مَعْمَرٍ عن الزّهْرِيّ عن حُمَيْدِ بنِ عَبْدِ الرحمنِ عن أُمّهِ أُمّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ قالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لَيْسَ بالكَاذِبِ مَنْ أَصْلَحَ بَيْنَ النّاسِ فقالَ خَيْراً، أو نمَا خَيْراً" .
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه أحمد.
قوله: "وفي الباب عن أبي بكر رضي الله عنه" لينظر من أخرجه.
قوله: "عن حميد بن عبد الرحمن" بن عوف الزهوي المدني "عن أمه أم كلثوم بنت عقبة" بن أبي معيط الأموية أسلمت قديماً، وهي أخت عثمان لأمه صحابية لها أحاديث ماتت في خلافة علي.
قوله: "ليس بالكاذب من أصلح بين الناس" أي ليس بالكاذب المذموم من أصلح بين الناس بل هذا محسن "فقال خيراً" أي قولا متضمناً للخير دون الشر بأن يقول للإصلاح مثلا بين زيد وعمرو: يا عمرو يسلم عليك زيد ويمدحك ويقول أنا أحبه، وكذلك يجيء إلى زيد ويبلغ من عمرو مثل ما سبق "أو نمى خيراً" شك من الراوي قال الجزري في النهاية: يقال نميت الحديث أنميه إذا بلغته على وجه الإصلاح وطلب الخير، فإذا بلغته على وجه الإفساد والنميمة قلت نميته بالتشديد، هكذا قال أبو عبيد وابن قتيبة وغيرهما من العلماء. وقال الحربي: نمى مشددة وأكثر المحدثين يقولونها مخففة وهذا لا يجوز، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يلحن. ومن خفف لزمه أن يقول خير بالرفع قال الجزري: وهذا

(6/70)


وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
ليس بشيء فإنه ينتصب بنمى كما انتصب بقال، وكلاهما على زعمه لازمان وإنما نمى متعد، يقال نميت الحديث أي رفعته وأبلغته انتهى.
قوله: "وهذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي

(6/71)


باب ما جاء في الخيانة و الغش
...
27 ـ باب ما جاءَ في الْخِيَانَةِ وَالغِش
2005 ـ حَدّثنا قُتَيْبَةُ حدثنا اللّيْثُ عن يَحْيَى بن سَعِيدٍ عن محمدٍ بنِ يَحْيى بنِ حَبّانَ عن لُؤْلُؤةَ عن أَبي صِرْمَةَ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ ضَارّ ضَارّ الله به، وَمَنْ شَاقّ شَاقّ الله عليه" .
هذا حديثٌ حسنٌ غَريبٌ.
ـــــــ
" باب ما جاءَ في الْخِيَانَةِ وَالغِش"
قال في القاموس: غشه لم يمحضه النصح أو أظهر له خلاف ما أضمر كغششه، والغش بالكسر الاسم منه والغل والحقد وانتهى.
قوله: "عن لؤلؤة" مولاة الأنصار مقبولة من الرابعة "عن أبي صرمة" بكسر الصاد المهملة وسكون الراء المازني الأنصاري صحابي اسمه مالك بن قيس، وقيل قيس بن صرمة وكان شاعراً.
قوله: "من ضار" بشد الراء أي أوصل ضرراً إلى مسلم "ضار الله به" أي أوقع به الضرر البالغ "ومن شاق" بشد القاف أي أوصل مشقة إلى أحد بمحاربة وغيرها "شق الله عليه" أي أدخل عليه ما يشق عليه، قيل إن الضرر والمشقة متقاربان لكن الضرر يستعمل في إتلاف المال والمشقة في إيصال الأذية إلى البدن كتكليف عمل شاق.
قوله: "وفي الباب عن أبي بكر" أخرجه الترمذي بعد هذا.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة.

(6/71)


2006 ـ حدّثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، حدثنا زَيْدُ بنُ الحُبَابٍ العُكْلِيّ، حدثني أَبُو سَلَمَةَ الكِنْدِيّ، حدثنا فَرْقَدُ السّبَخِيّ عن مُرّةَ بنِ شَرَاحِيلَ الهمْدَانِيّ وَهُوَ الطّيّبُ عن أَبِي بَكْرٍ الصّدّيقِ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَلْعُونٌ مَنْ ضَارّ مُؤْمِناً أَو مَكَرَ بِهِ" .
هذا حديثٌ غريبٌ.
ـــــــ
قوله: "حدثني أبو سلمة الكندي" مجهول من السابعة "عن مرة بن شراحيل الهمداني وهو الطيب" قال في التقريب: مرة بن شراحيل الهمداني أبو إسماعيل الكوفي هو الذي يقال له مرة الطيب، ثقة عابد من الثانية.
قوله: "ملعون" أي مبعد من رحمة الله "من ضار مؤمناً" أي ضرراً ظاهراً "أو مكر به" أي بإيصال الضرر إليه خفية.
قوله: "هذا حديث غريب" في سنده أبو سلمة الكندي وهو مجهول كما عرفت آنفاً

(6/72)


28 ـ باب ما جاءَ في حَقّ الْجِوَار
2007 ـ حَدّثنا محمدُ بنُ عَبْدِ الأَعْلَى، حدثنا سُفْيَانُ بن عيينة عن دَاودَ بنِ شَابُورَ وبَشِيرٍ أَبي إسماعيلَ عن مُجَاهِدٍ: أَنّ عَبْدَ الله بنَ عَمْرٍو ذُبِحَتْ لَهُ شَاةٌ
ـــــــ
" باب ما جاءَ في حَقّ الْجِوَار"
قال في الصراح: جوار بالكسر والضم، والكسر أفصح همساً بكى كردن.
قوله: "حدثنا سفيان" هو ابن عيينة "عن داود بن شابور" بالمعجمة والموحدة أبي سليمان المكي، وقيل إن اسم أبيه عبد الرحمن وشابور جده، ثقة من السابعة، روى عن سويد بن حجير وطاوس وغيرهما، وعنه شعبة وابن عيينة وثقه أبو زرعة الرازي وابن معين "وبشير أبي إسماعيل" هو
ابن سليمان الكندي الكوفي والد الحكم، ثقة يغرب من السادسة.

(6/72)


في أَهْلِهِ فلما جَاءَ قالَ: أَهْدَيْتُمْ لجَارِنَا اليَهُودِيّ؟ أَهْدَيْتُمْ لِجَارِنَا اليَهُودِيّ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مَا زَالَ جِبْرَيلُ يُوصِينِي بالجَارِ حتى ظَنَنْتُ أَنّهُ سَيُوَرّثُهُ" .
وفي البابِ عن عَائِشَةَ وابنِ عَبّاسٍ وعقبة بن عامر وَأَبي هُرَيْرَةَ وَأَنَس وَعَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو والمِقْدَادِ بنِ الأَسْوَدِ وَأَبي شُرَيْحٍ وَأَبي أُمَامَةَ.
ـــــــ
قوله: "أهديتم" بتقدير همزة الاستفهام "ما زال جبرائيل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" أي يأمر عن الله بتوريث الجار من جاره. واختلف في المراد بهذا التوريث فقيل يجعل له مشاركة في المال بفرض سهم يعطاه مع الأقارب، وقيل المراد أن ينزل منزلة من يرث بالبر والصلة، والأول أظهر فإن الثاني استمر، والخبر مشعر بأن التوريث لم يقع. ويؤيده ما أخرجه البخاري من حديث جابر نحو حديث الباب بلفظ: حتى ظننت أنه يجعل له ميراثاً. واسم الجار يشمل المسلم والكافر، والعابد والفاسق، والصديق والعدو، والغريب والبلدي، والنافع والضار، والقريب والأجنبي، والأقرب داراً والأبعد، وله مراتب بعضه أعلى من بعض فأعلاها من اجتمعت فيه الصفات الأول كلها ثم أكثرها وهلم جرا إلى الواحد وعكسه من اجتمعت فيه الصفات الأخرى كذلك، فيعطى كل حقه بحسب حاله. وقد تتعارض صفتان فأكثر فيرجع أو يساوي. وقد حمله عبد الله بن عمرو الراوي على العموم، فإنه أمر لما ذبحت له شاة أن يهدي منها لجاره اليهودي. وقد أخرج الطبراني من حديث جابر مرفوعاً: الجيران ثلاثة: جار له حق وهو المشرك له حق الجوار، وجار له حقان وهو المسلم له حق الجواز وحق الإسلام وجار له ثلاثة حقوق مسلم له رحم له حق الجوار والإسلام والرحم، هذا تلخيص ما في فتح الباري.
قوله: "وفي الباب عن عائشة وابن عباس الخ" أما حديث عائشة فأخرجه البخاري ومسلم عنها وعن ابن عمر قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما زال جبريل عليه السلام يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه وأخرجه الترمذي عن عائشة وحدها. وأما حديث ابن عباس فأخرجه الطبراني وأبو يعلى عنه مرفوعاً:

(6/73)


هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ مِن هذَا الوَجْهِ. وقد رُوِيَ هذَا الحَدِيثُ عن مُجاهِدٍ عن عَائِشَةَ وَأَبي هُرَيْرَةَ أَيْضاً عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
2008 ـ حدّثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا اللّيْثُ بنُ سَعْد عن يَحْيَى بنِ سَعِيد عن أَبي بَكْرِ بنِ محمدٍ، وَهُوَ ابنُ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ، عن عَمْرَةَ عن عَائِشَةَ أَنّ
ـــــــ
ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع . قال المنذري: رواته ثقات. وأما حديث عقبة بن عامر فأخرجه أحمد عنه مرفوعاً بلفظ: أول خصمين يوم القيامة جاران . قال المنذري: ورواه الطبراني بإسنادين أحدهما جيد. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه البخاري ومسلم عنه مرفوعاً: من كان يؤمن بالله وباليوم الاَخر فلا يؤذي جاره ، الحديث. وأما حديث أنس فأخرجه مسلم عنه مرفوعاً بلفظ: والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب لجاره أو لأخيه ما يحب لنفسه . وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه الترمذي في هذا الباب. وأما حديث المقداد فأخرجه أحمد وفيه: لأن يزني الرجل بعشرة نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره الحديث. قال المنذري رواته ثقات. وأما حديث أبي شريح فأخرجه البخاري عنه مرفوعاً: والله لا يؤمن. والله لا يؤمن، قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه . وأما حديث أبي أمامة فأخرجه الطبراني قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على ناقته الجدعاء في حجة الوداع يقول: أوصيكم بالجار حتى أكثر، فقلت إنه يورثه . قال المنذري: إسناده جيد ورواته رواة الصحيح انتهى. وفي الباب أحاديث كثيرة ذكرها الحافظ المنذري في كتابه الترغيب.
قوله: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه". وأخرجه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد "وقد روي هذا الحديث عن مجاهد عن عائشة وأبي هريرة أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم" قال المنذري: قد روي هذا المتن من طرق كثيرة وعن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم.
قوله: "عن يحيى بن سعيد" هو الأنصاري "عن أبي بكر بن محمد وهو ابن عمرو بن حزم" الأنصاري البخاري المدني القاضي اسمه وكنيته واحد ثقة عابد من رجال الكتب السنة "عن عمرة" بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية

(6/74)


رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "ما زَال جِبْرَئِيلُ صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِ يُوصِيني بالجَارِ حَتّى ظَنَنْتُ أَنّهُ سَيُوَرّثهُ" .
2009 ـ حدّثنا أَحمدُ بنُ محمدٍ، حدثنا عَبْدُ الله بنُ المُبَارَكِ عن حَيْوَةَ بنِ شُرَيْحٍ عن شُرَحْبِيلَ بنِ شَرِيكٍ عن أَبي عَبْدِ الرحْمَنِ الحُبُلِيّ عن عَبْدِ الله ابن عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "خَيْرُ الأَصْحَابِ عِنْدَ الله خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ، وَخَيرُ الجِيرَانِ عِنْدَ الله خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ" .
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وَأَبو عَبْدِ الرحمنِ الحُبلِيّ اسْمُهُ عَبْدُ الله ابنُ يَزِيدَ.
ـــــــ
المدنية أكثرت عن عائشة، ثقة من الثالثة.
قوله: "صلوات الله عليهما" ضمير التثنية راجع إلى رسول الله وإلى جبرئيل صلوات الله عليهما والسلام "يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" تقدم شرحه وحديث عائشة هذا أخرجه البخاري ومسلم.
قوله: "خير الأصحاب عند الله" أي أكثرهم ثواباً عنده "خيرهم لصاحبه" أي أكثرهم إحساناً إليه ولو بالنصيحة "وخير الجييران عند الله خيرهم لجاره" ، أي ولو برفع الأذى عنه.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" ، وأخرجه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم وقال على شرط مسلم كذا في الترغيب

(6/75)


29 ـ باب ما جاءَ في الإِحسان إلى الْخَادَم
2010 ـ حَدّثنا بُنْدَارٌ، حدثنا عَبْدُ الرحمنِ بنُ مَهدِيٍ، حدثنا سُفْيَانُ عن وَاصِلٍ عن المَعرُورِ بنِ سُوَيْدٍ عن أَبي ذَرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِخْوَانُكُمْ جَعَلَهُمْ الله فِتْيَةً تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ
ـــــــ
"باب ما جاء في الإحسان إلى الخادم"
قوله: "إخوانكم" أي خولكم كما في رواية، وفي رواية هم إخوانكم، والمعنى

(6/75)


تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِنْ طَعَامِهِ وَلْيُلْبِسْهُ مِنْ لِبَاسِهِ وَلا يُكَلّفْهُ ما يَغْلِبُهُ، فإن كَلّفَهُ ما يَغْلِبُهُ فَلْيُعِنْهُ" .
وفي البابِ عن عَلِيّ وَأُمّ سَلَمَةَ وَابنِ عُمرَ وَأَبي هُرَيْرَةَ.
ـــــــ
هم مماليككم قاله القاري. وفي رواية للبخاري في كتاب الإيمان: إخوانكم خولكم. قال القسطلاني: بفتح أوله المعجم والواو، أي خدمكم أو عبيدكم الذين يتخولون الأمور أي يصلحونها انتهى. "جعلهم الله فتية" بكسر الفاء وسكون الفوقية بعدها تحتية مفتوحة جمع فتى أي غلمة، وفي النسخة المصرية قنية بالقاف والنون أي ملكا لكم. قال في القاموس: القنية بالكسر والضم ما اكتسب "تحت أيديكم" مجاز عن القدرة أو الملك "فليطعمه من طعامه وليلبسه من لباسه" قال النووي: الأمر بإطعاهم من طعامه، وإلباسهم من لباسه، محمول على الاستحباب. ويجب على السيد نفقة المملوك وكسوته بالمعروف بحسب البلدان والأشخاص، سواء كان من جنس نفقة السيد ولباسه أو دونه أو فوقه حتى لو قتر السيد على نفسه تقتيراً خارجاً عن عادة أمثاله، إما زهداً أو شحاً لا يحل تقتيره على المملوك وإلزامه بموافقته إلا برضاه انتهى.
قلت: الأمر كما قال النووي، ففي الموطأ ومسلم عن أبي هريرة مرفوعاً: للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف ولا يكلف من العمل ما لا يطيق، وهو يقتضي الرد إلى العرف فمن زاد عليه كان متطوعاً " ولا يكلفه" من العمل "ما يغلبه" أي ما يعجز عنه لصعوبته "فإن كلفه ما يغلبه فليعنه" من الإعانة أي بنفسه أو بغيره.
قوله: "وفي الباب عن علي وأم سلمة وابن عمر وأبي هريرة" ، أما حديث علي فأخرجه أحمد وأبو داود. وأما حديث أم سلمة فأخرجه البيهقي في شعب الإيمان عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: كان يقول في مرضه الصلاة وما ملكت أيمانكم كذا في المشكاة. وفيه وروى أحمد وأبو داود عن علي نحوه. وأما حديث ابن عمر فأخرجه الطبراني بنحو حديث أم سلمة، ففي الجامع الصغير للسيوطي: الصلاة وما ملكت أيمانكم، الصلاة وما ملكت أيمانكم، حم ن ه حب عن أنس حم ه عن أم سلمة طب عن ابن عمر انتهى. يعني أخرجه أحمد في مسنده والنسائي وابن ماجة

(6/76)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
2011ـ حدّثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ، حدثنا يَزيِدُ بنُ هَارُونَ عن هَمّامِ بنِ يَحْيَى عن فَرْقَدٍ السبخي عن مُرّةَ عن أَبي بَكرٍ الصّدّيقِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "لاَ يَدْخُلُ الْجَنّةَ سَيّءُ الْمَلَكَةِ" .
هذا حديثٌ غريبٌ.
وقد تَكَلّمَ أَيّوبُ السّخْتِيَانيّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ في فَرْقَد السّبَخِيّ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ.
ـــــــ
وابن حبان في صحيحه عن أنس، وأحمد في مسنده، وابن ماجة عن أم سلمة، والطبراني عن ابن عمر. قال المناوي في التيسير في شرح الجامع الصغير: بأسانيد صحيحة وأما حديث أبي هريرة فتقدم تخريجه آنفا. وفي الباب أحاديث أخرى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وغيرهما.
وقوله: "عن فرقد" بن يعقوب السبخي بفتح المهملة والموحدة وبخاء معجمة البصري صدوق عابد لكنه لين الحديث كثير الخطأ.
قوله: "لا يدخل الجنة سيء الملكة" بفتح الميم واللام بمعنى الملك، يقال ملكه يملكه ملكا مثلثة وملكة محركة ومملكة بضم اللام أو يثلث كذا في القاموس وقال الجزري في النهاية: يقال فلان حسن الملكة إذا كان حسن الصنيع إلى مماليكه وسيء الملكة أي الذي يسيء صحبة المماليك.
قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه ابن ماجة "وقد تكلم غير واحد في فرقد السبخي قبل حفظه" قال الذهبي في الميزان: قال أبو حاتم: ليس بقوي. وقال ابن معين: ثقة. وقال البخاري: في حديثه مناكير. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال أيضاً هو والدارقطني: ضعيف. وقال يحيى القطان: ما يعجبني الرواية عن فرقد انتهى

(6/77)


باب النهى عن ضرب الخدم و شتمهم
...
30 ـ باب النّهْي عن ضَرْبِ الخُدّامِ وَشَتْمِهِمْ
2012 ـ حَدّثنا أَحمدُ بنُ محمدٍ، أخبرنا عَبْدُ الله بن المبَارَكِ عن فُضَيْلِ بنِ غَزْوانَ عن ابنِ أَبي نُعْمٍ عنرج أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ أَبُو القَاسِمِ صلى الله عليه وسلم نَبِيّ التّوْبَةِ: "مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ بريئاً مِمّا قالَ لَهُ، أَقامَ الله عَلَيْهِ الحَدّ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلاّ أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ" .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
"باب النّهْي عن ضَرْبِ الخُدّامِ وَشَتْمِهِمْ"
قوله: "حدثنا أحمد بن محمد" بن موسى المروزي أبو عباس السمسمار مردوية الحافظ "أخبرنا عبد الله" هو ابن المبارك "عن فضيل بن غزوان" ابن جرير الضبي الكوفي وثقه ابن معين "عن ابن أبي نعم" بضم النون وسكون العين المهملة وقد بين الترمذي اسمه فيما بعد، وهو صدوق عابد.
قوله: "نبي التوبة" بدل من قوله أبو القاسم. قال في مجمع البحار: نبي التوبة لأنه تواب يستغفر كل يوم سبعين أو مائة. وقال فيه أيضاً: نبي التوبة والرحم أي جاء بقبولها بالقول والاعتقاد. لا يقتل الأنفس، وجاء بالتراحم نحو رحماء بينهم انتهى "من قذف مملوكه" أي رماه بالزنا "بريئاً مما قال له" أي والحال أن مملوكه بريء مما قال سيده. وفي رواية الشيخين: وهو بريء مما قال "أقام الله عليه" أي على السيد القاذف "الحد يوم القيامة" وفي رواية الشيخين: جلد يوم القيامة "إلا أن يكون كما قال" أي أن يكون العبد كما قال السيد في الواقع ولم يكن بريئاً فإن لا يقيم الله عليه الحد لكونه صادقاً في نفس الأمر، وهو تصريح بما علم ضمناً وهو استثناء منقطع. قال النووي: فيه إشارة إلى أنه لا حد على قاذف العبد في الدنيا، وهذا مجمع عليه، ولكن يعزر قاذفه لأن العبد ليس بمحصن سواء فيه من هو كامل الرق أو فيه شائبة الحرية والمدير والمكاتب وأم الوالد انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والشيخان وأبو داود

(6/78)


وفي البابِ عن سُوَيْدِ بنِ مُقَرّنٍ وَعَبْدِ الله بنِ عُمرَ وابنُ أَبي نُعْمٍ هُوَ عَبْدُ الرحمنِ بنُ أَبي نُعْمٍ البَجَلِيّ يُكْنَى أَبَا الحَكَمِ.
2013ـ حدّثنا محمودُ بنُ غَيلاَنَ، حدثنا مُؤَمّلٌ، حدثنا سُفْيَانُ عن الأَعْمَشِ عن إبراهيمَ التّيْميّ عن أبيه عن أبي مسعود الأنصاري قالَ: "كُنْتُ أضْرِبُ مَمْلوكاً لي فَسَمعْتُ قائِلاً مِنْ خَلْفِي يقول: احْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ احْلَمْ أبَا مَسْعُودٍ فَالتَفَتّ فإذَا أَنَا بِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فقال: لله أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ". قالَ أَبُو مَسْعُودٍ: فَمَا ضَرَبْتُ ممْلُوكاً لِي بَعْدَ ذَلِكَ.
ـــــــ
قوله: "وفي الباب عن سويد بن مقرن وعبد الله بن عمر" وأما حديث سويد بن مقرن فأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود. وأما حديث عبد الله بن عمر فأخرجه مسلم عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من ضرب غلاماً له حداً لم يأته أو لطمه فإن كفارته أن يعتقه .
قوله: "حدثنا مؤمل" بن إسماعيل العدوي مولاهم أبو عبد الرحمن البصري روى عن شعبة والثوري وجماعة وعنه أحمد وإسحاق وطائفة وثقه ابن معين، وقال البخاري: منكر الحديث، كذا في الخلاصة وقال الحافظ: صدوق سيء الحفظ "حدثنا سفيان" هو الثوري.
قوله: "أبا مسعود" أي يا أبا مسعود "لله" بفتح اللام "أقدر عليك منك عليه" أي أتم وأبلغ من قدرتك على عبدك. قال الطيبي: لله مبتدأ وأقدر خبره، وعليك صلة أقدر ومنك متعلق أفعل، وقوله: عليه لا يجوز أن يتعلق بقوله أقدر لأنه أخذ ماله ولا بمصدر مقدر عند قوله منك أي من قدرتك كما ذهب إليه المظهر لأن المعنى يأباه بل هو حال من الكاف أي أقدر منك حال كونك قادراً عليه كذا في المرقاة "قال أبو مسعود: فما ضربت مملوكاً لي بعد ذلك" ولفظ مسلم هكذا: كنت ضرب غلاماً لي فسمعت من خلفي صوتاً احلم أبا مسعود لله أقدر عليك منك عليه، فالتفت فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت يا رسول الله: هو حر لوجه الله، فقال أما لو لم تفعل للفحتك النار أو لمستك النار .

(6/79)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وإبراهيمُ التّيْمِيّ هُوَ إبراهيمُ بنُ يَزِيدَ بنِ شَرِيكٍ
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم وتقدم لفظه آنفا

(6/80)


31 ـ باب مَا جَاءَ في أَدَبِ الْخَادِم
2014ـ حَدّثنا أَحمدُ بنُ محمدٍ، حدثنا عَبْدُ الله بن المبارك عن سُفْيَانَ عن أَبي هَارُونَ العَبْدِيّ عن أَبي سَعِيدٍ الخدري قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ خَادِمَهُ فَذَكَرَ الله فارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ" .
قال أبو عيسى: وأَبُو هَارونَ العَبْدِيّ اسْمُهُ عُمَارَةُ بنُ جُوَيْنٍ. قالَ: قالَ ابو بكر العطار: قالَ علي بن المديني قالَ يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ: ضَعّفَ شُعْبَةُ
ـــــــ
"باب مَا جَاءَ في أَدَبِ الْخَادِم"
قوله: "حدثنا أحمد بن محمد" بن موسى المروزي "حدثنا عبد الله" أي ابن المبارك "عن سفيان" هو الثوري "عن أبي هارون العبدي" اسمه عمارة بن جوين بضم الجيم مصغراً مشهور بكنيته متروك ومنهم من كذبه شيعي كذا في التقريب.
قوله: "إذا ضرب أحدكم خادمه فذكر الله" أي استغاث به واستشفع باسمه تعالى "فارفعوا أيديكم" أي امنعوها عن ضربه تعظمًا لذكره تعالى. قال الطيبي هذا إذا كان الضرب لتأديبه، وأما إذا كان حداً فلا، وكذا إذا استغاث مكراً انتهى. والحديث أخرجه البيهقي في شعب الإيمان لكن عنده فليمسك بدل فارفعوا أيديكم كذا في المشكاة.
قوله: "وقال يحيى بن سعيد" القطان "ضعف شعبة أبا هارون العبدي" قال الذهبي في الميزان في ترجمته: تابعي لين بمرة كذبه حماد بن زيد، وقال شعبة: لأن أقدم فتضرب عنقي أحب إلي من أن أحدث عن أبي هارون. وقال أحمد: ليس بشيء وقال ابن معين: لا يصدق في حديثه. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال الدارقطني: يتلون خارجي وشيعي فيعتبر بما روى عنه الثوري. وقال ابن

(6/80)


أَبَا هَارُونَ العَبْدِيّ. قالَ يَحْيَى: ومَا زَالَ ابنُ عَوْنٍ يَرْوِي عن أَبي هُرَيْرَةَ حتى ماتَ
ـــــــ
حبان: يروى عن أبي سعيد ما ليس من حديثه، وقال الجوزجاني: أبو هارون كذاب مفتر "قال يحيى" وهو ابن سعيد القطان

(6/81)


32 ـ باب ما جاءَ في الْعَفْوِ عن الْخَادِم
2015 ـ حَدّثنا قُتَيْبَةُ حدثنا رِشْدِينُ بنُ سَعْدٍ عن أَبي هَانِئ الْخَوْلاَنِيّ عن عَبّاسِ بنِ جُلَيْدٍ الْحَجْرِيّ عن عَبْدِ الله بنِ عُمَر قالَ: "جَاءَ رَجُلٌ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالَ: يا رسولَ الله كَمْ أَعْفُو عن الْخَادِمِ؟ فَصَمتَ عَنْهُ النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم قالَ: يا رسولَ الله كَمْ أَعْفُو عن الْخَادِمِ؟ قالَ: كُلّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرّةً" .
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وَرَوَاهُ عَبْدُ الله بنُ وَهْبٍ عن أَبي هَانِئ الْخَوْلاَنِيّ بهذا الإسناد نَحْو هذا.
ـــــــ
"باب ما جاء في العفو عن الخادم"
قوله: "عن أبي هانئ الخولاني" اسمه حميد بن هانئ المصري لابأس به وهو أكبر شيخ لابن وهب، قاله الحافظ "عن عباس بن جليد" بضم جيم مصغراً "الحجري" بفتح المهملة وسكون الجيم مصري ثقة من الرابعة "عن عبد الله بن عمر" بلا واو.
قوله: "فصمت عنه النبي صلى الله عليه وسلم" أي سكت ولم يجبه ولعل السكوت لانتظار الوحي، وقيل لكراهة السؤال، فإن العفو مندوب إليه مطلقاً دائماً لا حاجة فيه إلى تعيين عدد مخصوص والله تعالى أعلم "قال: كل يوم سبعين مرة" أي أعف عنه كل يوم سبعين عفوة، فنصب سبعين على المصدر، والمراد به الكثرة دون التحديد، كذا قيل والله تعالى أعلم.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أبو داود. قال القاري: قال

(6/81)


2016ـ حدّثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا عَبْدُ الله بنُ وَهْبٍ، عن أَبي هَانِئ الْخَوْلاَنِيّ بهذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ. وَرَوَى بَعْضُهُمْ هذا الحَديِثَ عن عَبْدِ الله بن وَهْبٍ بهذَا الإِسْنَادِ، وقالَ عن عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو.
ـــــــ
ميرك: وفي بعض النسخ يعني نسخ الترمذي: حسن صحيح. ورواه أبو يعلى بإسناد جيد، كذا ذكره المنذري انتهى.
قوله: "وروى بعضهم هذا الحديث عن عبد الله بن وهب بهذا الإسناد وقال عن عبد الله بن عمرو" أي بالواو، وروى أبو داود في سننه حديث الباب من طريق أحمد بن سعيد الهمداني عن ابن وهب عن أبي هانئ الخولاني عن العباس بن جليد الحجري عن عبد الله بن عمر قال المنذري: هكذا وقع في سماعنا وفي غيره عن عبد الله بن عمر وأخرجه الترمذي كذلك. وقال حسن غريب. قال: وروى بعضهم هذا الحديث عن عبد الله بن وهب بهذا الإسناد. وقال عن عبد الله بن عمرو، وذكر بعضهم أن أبا داود أخرجه من حديث عبد الله بن عمرو العباس بن جليد بضم الجيم وفتح اللام وسكون الياء آخر الحروف وبعدها دال مهملة مصري ثقة ذكره ابن يونس في تاريخ المصريين، وذكر أنه يروي عن عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن الحارث بن جزء. وذكر ابن أبي حاتم أنه يروي عن ابن عمر، وذكر الأمير أبو نصر أنه يروي عن ابن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن جزء. وأخرج البخاري هذا في تاريخه من حديث عباس بن جليد عن عبد الله بن عمرو بن العاص، ومن حديث عباس بن جليد عن ابن عمر وقال: وهو حديث فيه نظرة انتهى كلام المنذري

(6/82)


33 ـ باب ما جاءَ في أَدَبِ الوَلَد
2017 ـ حَدّثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا يَحْيَى بنُ يَعْلَى، عن نَاصِحٍ عن سِمَاكٍ
ـــــــ
"باب ما جاء في أدب الولد"
قوله: "حدثنا يحيى بن يعلى" الأسلمي الكوفي القطراني، قال الحافظ: شيعي ضعيف "عن ناصح" هو ابن عبد الله أو ابن عبد الرحمن التميمي المحلمي بالمهملة

(6/82)


عن جَابِرِ بن سَمُرَةَ قالَ: قالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: "لأَنْ يُؤَدّبَ الرجُلُ وَلَدَهُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَتَصَدّقَ بِصَاعٍ." .
هذا حديثٌ غريبٌ. ونَاصِحُ هو أبو العَلاَءِ الكُوفِيّ لَيْسَ عِنْدَ أَهلِ الْحَدِيثِ بالقَوِيّ ولا يُعْرَفُ هذا الْحَدِيثُ إِلاّ مِنْ هذَا الوَجْهِ، وَنَاصِحٌ شَيْخٌ آخَرٌ بَصْرِيٌ يَرْوِي عن عَمّارِ بنِ أَبي عَمّارٍ وَغَيْرِهِ وهُوَ أَثْبَتُ مِنْ هذَا.
ـــــــ
وتشديد اللام أبو عبد الله الحائك صاحب سِمَاك بن حرب ضعيف من كبار السابعة كذا في التقريب. وزعم الترمذي بأن ناصحاً هذا هو ابن العلاء الكوفي وهو وهم منه كما ستقف عليه.
قوله: "لأن يؤدب الرجل ولده خير من أن يتصدق بصاع" أي والله تأديب الرجل ولده تأديباً واحداً خير له من تصدقه بصاع، وإنما قلنا تأديباً واحداً ليلائم قوله خير من أن يتصدق بصاع، وإنما يكون خيراً له لأن الأول واقع في محله لا محالة بخلاف الثاني فإنه تحت الاحتمال، أو لأن الأول إفادة علمية حالية والثاني عملية مالية، أو لأن أثر الثاني سريع الفناء ونتيجة الأول طويلة البقاء، أو لأن الرجل بترك الأول قد يعاقب وبترك الثاني لم يعاتب، ذكره القاري.
وقال المناوي: لأنه إذا أدبه صارت أفعاله من صدقاته الجارية، وصدقة الصاع ينقطع ثوابها انتهى.
قوله: "هذا حديث غريب" وهو حديث ضعيف لأن ناصحاً الراوي عن سِمَاك ليس بقوي "وناصح بن علاء الكوفي ليس عند أهل الحديث بالوقى الخ" كذا قال الترمذي إن ناصحاً هذا هو ابن العلاء الكوفي وهذا وهم من الترمذي، فإن ناصحاً هذا هو ابن عبد الله الكوفي. قال الذهبي في الميزان: ناصح بن عبد الله الكوفي المحلمي الحائك عن سِمَاك بن حرب ويحيى بن أبي كثير ضعفه النسائي وغيره وقال البخاري: منكر الحديث، وقال الفلاس: متروك، وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال مرة: ليس بثقه. قال الذهبي: وكان من العابدين ذكره الحسن بن صالح فقال: رجل صالح نعم الرجل، ثم ذكر الذهبي حديث جابر بن سمرة المذكور في الباب وذكر إسناده هكذا: يحيى بن يعلى الأسلمي عن ناصح بن عبد الله عن سِمَاك

(6/83)


2018 ـ حدّثنا نَصْرُ بنُ عَليّ الجهضمي، حدثنا عَامِرُ بنُ أَبِي عَامِرٍ الْخَزّازُ، حدثنا أَيّوبُ بنُ مُوسَى عن أَبِيه عن جَدّهِ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "ما نَحَلَ والدٌ وَلَداً مِنْ نُحْلٍ أَفْضَلَ مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ" .
ـــــــ
عن جابر بن سمرة مرفوعاً: لأن يؤدب الرجل ولده الخ. قال الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمة ناصح بن عبد الله المحلمي المذكور ما لفظه: روى له الترمذي حديثه عن سِمَاك عن جابر لأن يؤدب الرجل ولده خير له من أن يتصدق بصاع. وقال: ناصح هو ابن العلاء الكوفي ليس بالقوي عند أهل الحديث، وناصح شيخ آخر بصري هو أثبت من هذا. قال المزي: هكذا قال الترمذي وهو وهم، وإنما ابن العلاء هو البصري لا الكوفي وسنذكره. قلت: وقال أبو عبد الله الحاكم: ناصح بن العلاء هو البصري ثقة، وإنما المطعون عليه ناصح بن عبد الله المحلمي فإنه روى عن سِمَاك بن حرب المناكير. وقال الحاكم: أبو أحمد ناصح بن عبد الله ذاهب الحديث. وقال الدارقطني: ضعيف. وقال ابن حبان: تفرد بالمناكير عن المشاهير، انتهى كلام الحافظ.
قوله: "حدثنا عامر بن أبي عامر الخزاز" بمعجمات قال الذهبي في الميزان عامر بن أبي عامر صالح بن رستم الخزاز عن يونس بن عبيدة وغيره. قال أبو حاتم: ليس بالقوي. وقال ابن عدي: في حديثه بعض النكرة، ثم ذكر الذهبي حديثه المذكور في الباب. وقال الحافظ في التقريب: صدوق سيء الحفظ أفرط فيه ابن حبان فقال يضع انتهى "حدثنا أيوب بن موسى" بن عمرو بن سعيد بن العاص أبو موسى المكي الأموي ثقة "عن أبيه" أي موسى بن عمرو، قال في التقريب: مستور، وقال الخزرجي: وثقه ابن حبان "عن جده" يحتمل أن يعود الضمير على أيوب، ويحتمل أن يعود على موسى، وسيأتي تفصيله في آخر الباب.
قوله: "ما نحل" أي ما أعطى والد ولداً "من نحل" بضم النون ويفتح أي عطية أو إعطاء ففي النهاية: النحل العطية والهبة ابتداء من غير عوض ولا استحقاق، يقال: نحله ينحله نحلا بالضم، والنحلة بالكسر العطية "أفضل من أدب حسن" أي من تعليمه ذلك ومن تأديبه بنحو توبيخ وتهديد وضرب على فعل الحسن وتجنب القبيح، فإن حسن الأدب يرفع العبد المملوك إلى رتبة الملوك.

(6/84)


هذا حديثٌ غريبٌ، لا نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ حَدِيثِ عَامِرِ بنِ أَبِي عَامِرٍ الْخَزّازِ وهو عامر بن صالح بن رستم الخزاز وأَيّوبُ بنُ مُوسَى: هُوَ ابْنُ عَمْرِو بنِ سَعِيدِ بنِ العاص. وهذَا عِنْدِي حَدِيثٌ مرسَلٌ.
ـــــــ
قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان "وهذا عندي حسن مرسل" قال الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمة موسى بن عمرو بن سعيد بن العاص بعد نقل كلام الترمذي هذا الضمير في جده يعود على موسى، فالحديث عن رواية سعيد وقد ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، والظاهر أن له رؤية. وأما عمرو وهو الأشدق فلا صحبة له بل ولم يولد إلا في زمان عثمان، والحديث على كل حال مرسل. وقال في ترجمة سعيد بن العاصي: قال ابن سعد: قبض النبي صلى الله عليه وسلم ولسعيد تسع سنين، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً، وقال فيها أيضاً: يحتمل أن يكون ضمير الجد على أيوب وهذا ظاهر، ويحتمل أن يعود على موسى فيكون الحديث من مسند سعيد بن العاص، فيستفاد منه أن الترمذي أخرج لسعيد أيضاً وهو مع ذلك مرسل إذ لم يثبت سماع سعيد انتهى

(6/85)


باب ما جاء في قبول الهدية و المكافئأة عليها
...
34 ـ باب ما جَاءَ في قَبُولِ الهدِيّةِ والمكافأَةِ عَلَيْهَا
2019 ـ حَدّثنا يَحْيَى بنُ أَكْثَمَ و عَلِيّ بنُ خَشْرَمٍ قالا: حدثنا عيسَى بنُ يُونسَ عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن أَبِيه عن عَائِشَةَ: "أنّ النبيّ صلى الله
ـــــــ
"باب ما جاء في قبول الهدية والمكافأة عليها"
قال في القاموس: كافأه مكافأة جازاه، وقال في الصراح: مكافأة باذاش دادن
قوله: "حدثنا يحيى بن أكثم بفتح الهمزة وبالمثلثة" ابن محمد بن قطن التميمي المرزي أبو محمد القاضي فقيه صدوق إلا أنه رمي بسرقة الحديث ولم يقع ذلك له وإنما كان يرى الرواية بالإجازة والواجادة، روى عنه الترمذي والبخاري في غير صحيحه وعلي بن خشرم وهو من أقرانه وغيرهم، وكان قد غلب على المأمون حتى لم يتقدمه أحد عنده من الناس جميعاً، فكانت الوزراء لا تعمل في تدبير الملك إلا شيئاً بعد مطالعته "حدثنا عيسى بن يونس" بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي نزل الشام مرابطاً ثقة مأمون.

(6/85)


عليه وسلم كانَ يَقْبَلُ الهَدِيّةَ ويُثيبُ عَلَيْهَا".
وفي البابِ عن أَبي هُرَيْرَةَ وأَنَسٍ وابنِ عُمَر وجَابِرٍ.
ـــــــ
قوله: "كان يقبل الهدية ويثيب عليها" من أثاب يثيب أي يعطي الذي يهدي له بدلها، والمراد بالثواب المجازاة وأقله ما يساوي قيمة الهدية. واستدل بعض المالكية بهذا الحديث على وجوب الثواب على الهدية إذا أطلق الواهب وكان ممن يطلب مثله الثواب كالفقير للغني بخلاف ما يهبه الأعلى للأدنى، ووجه الدلالة منه مواظبته صلى الله عليه وسلم ومن حيث المعنى أن الذي أهدى قصد أن يعطي أكثر مما أهدى فلا أقل أن يعوض بنظير هديته، وبه قال الشافعي في القديم، وقال في الجديد كالحنفية: الهبة للثواب باطلة لا تنعقد لأنها بيع بثمن مجهول، ولأن موضوع الهبة التبرع، فلو أبطلناه لكان في معنى المعاوضة.
وقد فرق الشرع والعرف بين البيع والهبة، فما استحق العوض أطلق عليه لفظ البيع بخلاف الهبة، وأجاب المالكية بأن الهبة لو لم تقتضي الثواب أصلاً لكانت بمعنى الصدفة وليس كذلك، فإن الأغلب من حال الذي يهدي أنه يطلب الثواب ولا سيما إذا كان فقيراً، كذا في الفتح.
قوله: "وفي الباب عن أبي هريرة وأنس وابن عمر وجابر" أما حديث أبي هريرة فأخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي بلفظ: أن أعرابياً أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم بكرة فعوضه منها ست بكرات الحديث. وأما حديث أنس فأخرجه أبو داود والنسائي عنه قال: قال المهاجرون يا رسول الله ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوماً أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤنة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك. وأما حديث ابن عمر فأخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح على شرطهما، كذا قال المنذري في الترغيب، وذكر لفظه وفيه: ومن أتي إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه نموه وأما حديث جابر فأخرجه الترمذي في باب المتشبع بما لم يعطه.

(6/86)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ مِنْ هذَا الوَجْهِ، لا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعاً إِلاّ مِنْ حَديثِ عِيسَى بنِ يُونسَ.
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه البخاري في الهبة وأبو داود في البيوع.

(6/87)


35 ـ باب ما جاءَ في الشّكْرِ لِمَنْ أَحْسَنَ إِلَيْك
2020 ـ حَدّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ، أخبرنا عَبْدُ الله بنُ المُبَارَكِ، حدثنا الرّبِيَعُ بنُ مُسْلِم، حدثنا محمدُ بنُ زِيادٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ لاَ يَشْكُرِ النّاسَ لاَ يَشْكُرِ الله" .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
2021 ـ حدّثنا هَنّادٌ، حدثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عن ابنِ أَبِي لَيْلَى، وحدثنا
ـــــــ
"باب ما جاء في الشكر لمن أحسن إليك"
قوله: "حدثنا الربيع بن مسلم" الجمحي أبو بكر البصري ثقة من السابعة "عن محمد بن زياد" الجمحي مولاهم المدني نزيل البصرة ثقة ثبت ربما أرسل من الثالثة.
قوله: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" قال القاضي: وهذا إما لأن شكره تعالى إنما يتم بمطاوعته وامتثال أمره وأن مما أمر به شكر الناس الذين هم وسائط في إيصال نعم الله إليه، فمن لم يطاوعه فيه لم يكن مؤدياً شكر نعمه، أو لأن من أخل بشكر من أسدى نعمة من الناس مع ما يرى من حرصه على حب الثناء والشكر على النعماء وتأذيه بالإعراض والكفران كان أولى بأن يتهاون في شكر من يستوي عنده الشكر والكفران انتهى.
قوله: "هذا حديث صحيح" وأخرجه أحمد وأبو داود. قال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث ما لفظه: روي هذا الحديث برفع الله وبرفع الناس وروي أيضاً بنصبهما وبرفع الله ونصب الناس وعكسه أربع روايات انتهى.
قوله: "عن ابن أبي ليلى" اسمه محمد بن عبد الرحمن، بن أبي ليلى، روى

(6/87)


سُفْيَانُ بنُ وَكِيعٍ، حدثنا حُمَيْدُ بنُ عَبْدِ الرحمنِ الرّوَاسِيّ عن ابنِ أَبي لَيْلَى عن عَطِيّةَ عن أَبِي سَعِيدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ لم يَشْكُرِ النّاسَ لَمْ يَشكُرِ الله".
وفي البابِ عن أَبي هُرَيْرَةَ والأَشعَثِ بنِ قَيْسٍ والنّعْمَانِ بنِ بَشِيرٍ.
هذا حديثٌ حسنٌ.
ـــــــ
عن عطية بن سعد العوفي الجدلي "عن عطية" بن سعد بن جنادة العوفي الجدلي الكوفي صدوق يخطئ كثيراً.
قوله: "من لم يشكر الناس الخ" قال الخطابي: هذا يتأول على وجهين أحدهما أن من كان من طبعه وعادته كفران نعمة الناس وترك الشكر لمعروفهم كان من عادته كفران نعمة الله تعالى وترك الشكر له، والوجه الاَخر أن الله سبحانه لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه إذا كان العبد لا يشكر إحسان الناس ويكفر معروفهم لاتصال أحد الأمرين بالاَخر انتهى.
قوله: "وفي الباب عن أبي هريرة والأشعت بن قيس والنعمان بن بشير" أما حديث أبي هريرة فأخرجه الترمذي في هذا الباب، فلعله أشار إلى حديث آخر له وأما حديث الأشعث بن قيس فأخرجه أحمد عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أشكر الناس لله تبارك وتعالى أشكرهم للناس، وفي رواية: لا يشكر الله من لا يشكر الناس. قال المنذري: ورواته ثقات. قال: ورواه الطبراني من حديث أسامة بن زيد بنحو الأولى. وأما حديث النعمان بن بشير فأخرجه عبد الله ابن أحمد في زوائده عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، الحديث. قال المنذري: بإسناد لابأس به، قال: ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب اصطناع المعروف باختصار.
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه أحمد والضياء

(6/88)


باب ما جاء في صانع المعروف
...
36 ـ باب ما جاءَ في صَنَائِعِ المَعْرُوف
2022 ـ حَدّثنا عَبّاسُ بنُ عَبْدِ العَظِيمِ العَنْبَرِيّ، حدثنا النّضْرُ بنُ محمدٍ الجُرَشِيّ اليَمامِيّ، حدثنا عِكْرِمَةُ بنُ عَمّارٍ، حدثنا أَبُو زُمَيْلٍ عن مالِكِ بنِ مَرْثَدِ عن أَبيِه عن أَبِي ذَرّ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: " تَبَسّمُكَ في وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ، وَأَمْرُكَ بِالمَعْروفِ ونهيُكَ عن المُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وإِرْشَادُكَ الرّجُلَ في أَرْضِ الضّلاَلِ لَكَ صَدَقَةٌ، وبَصَرُكَ لِلرّجُلِ الرّدِيءِ البَصَرِ لَكَ صَدَقَةٌ، وإِمَاطَتُكَ الْحَجَرَ والشّوْكَ والعَظْمَ عن الطّرِيقِ لَكَ صَدَقَةٌ، وإِفْرَاغُكَ مِنْ دَلْوِكَ في دَلْوِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ" .
ـــــــ
"باب ما جاءَ في صَنَائِعِ المَعْرُوف"
قال في القاموس: الصنيع الإحسان كالصنيعة والجمع الصنائع.
قوله: "عن مالك بن مرثد" بفتح الميم والمثلثة بينهما راء ساكنة ابن عبد الله الزماني ثقة من الثالثة "عن أبيه" أي مرثد وهو مقبول الثالثة.
قوله: "تبسمك في وجه أخيك" في الدين "لك صدقة" يعني إظهارك البشاشة والبشر إذا لقيته تؤجر عليه كما تؤجر على الصدقة "وأمر بالمعروف" أي بما عرفه الشرع بالحسن "ونهيك عن المنكر" أي ما أنكره وقبحه "صدقة" كذلك "وإرشادك الرجل في أرض الضلال" أضيفت إلى الضلال كأنها خلقت له وهي التي لا علامة فيها للطريق فيضل فيها الرجل "لك صدقة" بالمعنى المقرر "وبصرك للرجل الرديء البصر" بالهمز ويدغم أي الذي لا يبصر أصلاً أو يبصر قليلاً، والبصر محركة حس العين كذا في القاموس. والمعنى إذا أبصرت رجلاً رديء البصر فإعانتك إياه صدقة لك وفي المشكاة نصرك بالنون. قال القاري: وضع النصر موضع القياد مبالغة في الإعانة كأنه ينصره على كل شيء يؤذيه "وإماطتك" أي إزالتك "الحجر والشوك والعظم" أي ونحوها "عن الطريق" أي المسلوك أو المتوقع السلوك "وإفراغك" أي صبك "من دلوك" بفتح فسكون واحد الدلاء التي يستىق بها "في دلو أخيك" في الإسلام.

(6/89)


وفي البابِ عن ابنِ مَسْعُودٍ وجَابِرٍ وحُذَيْفَةَ وعَائِشَةَ وأَبي هُرَيْرَةَ.
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وأَبُو زُمَيْلٍ اسمه سِمَاكُ بنُ الوَلِيدِ الْحَنَفِيّ والنضر بن محمد هو الجرشي اليمامي.
ـــــــ
قوله: "وفي الباب عن ابن مسعود وجابر وحذيفة وعائشة وأبي هريرة" أما حديث ابن مسعود فلينظر من أخرجه. وأما حديث جابر وحذيفة فأخرجه الشيخان عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل معروف صدقة . وأما حديث عائشة فأخرجه مسلم. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الشيخان.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه البخاري في الأدب المفرد وابن حبان في صحيحه

(6/90)


37 ـ باب مَا جاءَ في المِنْحَة
2023 ـ حَدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ، حدثنا إِبراهيمُ بنُ يُوسُفَ بن أَبِي إِسحاقَ، عن أَبيِه عن أَبِي إِسحاقَ، عن طَلْحَةَ بنِ مُصَرّفٍ قالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرحمنِ بنَ عَوْسَجَةَ يَقُولُ سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بنَ عَازِبٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ النبيّ
ـــــــ
" باب مَا جاءَ في المِنْحَة"
قال في القاموس: منحه كمنعه وضربه أعطاه، والاسم المنحة بالكسر ومنحه الناقة جعل له وبرها ولبنها وولدها، وهي المنحة والمنيحة انتهى. وقال الحافظ في الفتح: المنيحة بالنون والمهملة وزن عظيمة هي في الأصل العطية. قال أبو عبيدة: المنيحة عند العرب على وجهين أحدهما أن يعطي الرجل صاحبه صلة فتكون له، والاَخر أن يعطيه ناقة أوشاء ينففح بحلبها ووبرها زمناً ثم يردها. وقال القزاز: قيل لا تكون المنيحة إلا ناقة أو شاة والأول أعرف انتهى.
قوله: "حدثنا إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق" قال في التقريب: إبراهيم بن يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق السبيعي صدوق يهم من السابعة "عن أبيه" أي يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق وقد ينسب لجده ثقة من السابعة "سمعت عبد الرحمن بن عوسجة" الهمداني الكوفي ثقة من الثالثة.

(6/90)


صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنْ مَنَحَ مَنِيحَةَ لَبَنٍ أَوْ وَرِقٍ، أَوْ هَدَى زُقَاقَاً كَانَ لَهُ مِثْلُ عِتْقِ رَقَبَةٍ" .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسحاقَ عن طَلْحَةَ بنِ مُصَرّفٍ لا نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ هَذَا الوَجْهِ. وقد رَوَى مَنْصُورُ بنُ المُعْتَمِرِ وَشُعْبَةُ عن طَلْحَةَ بنِ مُصَرّفٍ هذا الْحَديثَ.
وفي البابِ عن النّعْمَانِ بنِ بَشِيرٍ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ "مَنْ مَنَحَ مَنِيحَةَ وَرِقٍ" إنّما يَعْني به قَرْضىَ الدّراهِمِ. قوله: : "أَوْ هَدَى زُقَاقاً" قالَ: إِنّمَا يَعْنيِ بِه هِدَايَةَ الطّرِيقِ وَهُوَ إِرْشَادُ السّبِيلِ.
ـــــــ
قوله: "من منح أي أعطى "منيحة لبن أو ورق" بكسر الراء وسكونها أي فضة. قال الجزري في النهاية منحة الورق القرض، ومنحة اللبن أن يعطيه ناقة أو شاة ينتفع بلبنها ويعيدها، وكذلك إذا أعطاه لينتفع بوبرها وصوفها زماناً ثم يردها، ومنه الحديث المنحة مردودة انتهى "أو هدى زقاقاً" قال في النهاية: الزقاق بالضم الطريق، يريد من دل الضال أو الأعمى على طريقه، وقيل أراد من تصدق بزقاق من النخل وهي السكة منها والأول أشبه لأن هدى من الهداية لا من الهدية. انتهى.
قلت: وقع في حديث النعمان بن بشير الذي أشار إليه الترمذي: أهدى زقاقاً من الإهداء فالمراد بالزقاق في هذا الحديث هو السكة من النخل وبالإهداء التصدق "كان له" أي ثبت له "مثل عتق رقبة" أي كان ما ذكر له مثل عتاق رقبة، ووجه الشبه نفع الخلق والإحسان إليهم.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه أحمد وابن حبان في صحيحه.
قوله: "وفي الباب عن النعمان بن بشير" أخرجه أحمد في مسنده عنه مرفوعاً: من منح منيحة ورقاً أو ذهباً أو سقى لبناً أو أهدى زقاقاً فهو كعدل رقبة

(6/91)


38 ـ باب ما جاءَ في إِماطَةِ الأَذَى عن الطرِيق
2024 ـ حَدّثنا قُتَيْبَةُ عن مَالِكِ بنِ أَنَسٍ عن سُمَيٍ عن أَبِي صاَلِحٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي في الطّرِيقِ إِذْ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ فَأَخّرَهُ فَشَكَرَ الله لَهُ فَغَفَرَ لَهُ" .
وفي الباب عن أبي بَرْزَةَ وابن عَبّاسٍ وَأَبي ذَرّ.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
"باب ما جاءَ في إِماطَةِ الأَذَى عن الطرِيق"
أي إزالة ما يؤذي الناس عن الطريق
قوله: "فأخره" بتشديد الخاء المعجمة بعدها راء أي عزل عن الطريق "فشكر الله له" قال الجزري في النهاية: في أسماء الله تعالى الشكور هو الذي يزكو عنده القليل من أعمال العباد فيضاعف لهم الجزاء فشكره لعباده مغفرته لهم.
قوله: "وفي الباب عن أبي برزة" أخرجه مسلم وابن ماجة "وابن عباس" أخرجه ابن خزيمة في صحيحه "وأبي ذر" أخرجه مسلم وابن ماجة. وفي الباب أحاديث أخرى ذكرها المنذري في الترغيب في باب إماطة الأذى من كتاب الأدب.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري في أبواب المظالم والقصاص ومسلم في كتاب البر والصلة والاَداب

(6/92)


باب ما جاء أن المجالس بالأمانة
...
39 ـ باب ما جاءَ أَنّ المَجَالِس أَمَانَة
2025 ـ حَدّثنا أَحمدُ بنُ محمدٍ، حدثنا عَبْدُ الله بنُ المُبَارَكِ عن ابنِ
ـــــــ
" باب ما جاءَ أَنّ المَجَالِس أَمَانَة"
هذا لفظ حديث أخرجه الخطيب في تاريخه عن علي مرفوعاً كما في الجامع الصغير، وروى أبو داود في سننه عن جابر بن عبد الله مرفوعاً: للجالس بالأمانة إلا ثلاثة مجالس: سفك دم حرام، أو فرح حرام، أو اقتطاع مال بغير حق،

(6/92)


أَبِي ذِئْبٍ قال: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرحمنِ بنُ عَطَاءٍ عن عَبْدِ المَلِكِ بنِ جَابِرِ بنِ عَتيكٍ عن جاَبِرِ بن عَبْدِ الله عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "إِذَا حَدّثَ الرّجُلُ الْحَدِيثَ ثم الْتَفَتَ فَهِيَ أَمَانَةٌ" .
هذا حديثٌ حسنٌ وإِنّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ ابنِ أَبي ذِئبٍ.
ـــــــ
وهو حديث ضعيف. والباء في قوله: المجالس بالإمانة تتعلق بمحذوف والتقدير تحسن المجالس أو حسن المجالس وشرفها بأمانة حاضريها على ما يقع فيها من قول وفعل، فكأن المعنى ليكن صاحب المجلس أميناً لما يسمعه أو يراه.
قوله: "أخبرني عبد الرحمن بن عطاء" القرشي مولاهم أبو محمد المديني ويقال له ابن أبي لبيب صدوق فيه لين من السادسة "عن عبد الملك بن جابر بن عتيك" الأنصاري المدني ثقة من الرابعة.
قوله: "إذا حدث الرجل" أي عند أحد "الحديث" أي الذي يريد إخفاءه "ثم التفت" أي يميناً وشمالاً أحتياطاً "فهي" أي ذلك الحديث، وأنت باعتبار خبره، وقيل لأن الحديث بمعنى الحكاية، وقيل أي الكلمة التي حدث بها "أمانة" أي عند من حدثه أي حكمه حكم الأمانة فيجب عليه كتمه. قال ابن رسلان: لأن التفاته إعلام لمن يحدثه أنه يخاف أن يسمع حديثه أحد وأنه قد خصه سره، فكان الالتفات قائماً مقام اكتم هذا عني أي خذه عني واكتمه وهو عندك أمانة انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه أحمد وأبو داود قال المنذري بعد نقل كلام الترمذي هذا: في إسناده عبد الرحمن بن عطاء المدني. قال البخاري: عنده مناكير، وقال أبو حاتم الرازي شيخ قيل له أدخله البخاري في كتاب الضعفاء قال يحول من ههنا. وقال الموصلي: عبد الرحمن بن عطاء عن عبد الملك بن جابر لا يصح انتهى

(6/93)


40 ـ باب ما جَاءَ في السّخَاء
2026 ـ حَدّثنا أَبُو الْخَطّابِ زِيَادُ بنُ يَحْيَى الْحَسّانِيّ البَصْرِيّ،
ـــــــ
" باب ما جَاءَ في السّخَاء"
بفتح السين. وهو إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي، وبذلك ما يقتنى بغير عوض،

(6/93)


حدثنا حاتِمُ بنُ وَرْدَانَ، حدثنا أَيّوبُ عن ابنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عن أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قالَتْ: "قُلْتُ يا رسولَ الله إِنّهُ لَيْسَ لي مِنْ شَيْءٍ إِلاّ مَا أَدْخَلَ عَلَيّ الزّبَيْرُ، أَفأُعْطِي؟ قالَ نَعَمْ، لا تُوكِي فَيُوكَى عَلَيْكِ" . يَقُولُ لا تُحْصِي فَيُحْصَى عَلَيْكِ.
ـــــــ
وهو من جملة محاسن الأخلاق بل هو من أعظمها، والبخل ضده قاله العيني
قوله: "حدثنا حاتم بن وردان" بن مروان السعدي أبو صالح البصري ثقة من الثامنة "حدثنا أيوب" هو السختياني.
قوله: "إنه ليس لي من شيء" وفي رواية للبخاري: مالي مال "إلا ما أدخل عليّ" بتشديد الباء "الزبير" هو ابن العوام كان زوجها "أفأعطى" وفي رواية للبخاري: أفأتصدق "لا توكي" من أوكى يوكي إيكاه، يقال أوكي ما في سقائه إذا شده بالوكاء وهو الخيط الذي يشد به رأس القربة وأوكى علينا أو بخل "فيوكي عليك" بفتح الكاف بصيغة المجهول، وفي رواية مسلم: فيوكي الله عليك. قال الجزري في النهاية: أي لا تدخري وتشدي ما عندك وتمنعي ما في يدك، فتنقطع مادة الرزق عنك انتهى. فدل الحديث على أن الصدقة تنمي المال وتكون سبباً إلى البركة والزيادة فيه، وأن من شح ولم يتصدق فإن الله يوكي عليه ويمنعه من البركة في ماله والنماء فيه "يقول لا تحصى فيحصى عليك" هذا تفسير لقوله: لا توكي فيوكي عليك من بعض الرواة، وضمير يقول راجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وروى البخاري في صحيحه من طريق عبد الله بن نمير عن هشام بن عروة عن فاطمة عن أسماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: انفقي ولا تحصى فيحصي الله عليك، ولا نوعي فيوعي الله عليك. قال الحافظ: الاحصاء معرفة قدر الشيء وزناً أو عدداً وهو من باب المقابلة، والمعنى النهي عن منع الصدقة خشية النفاد، فإن ذلك أعظم الأسباب لقطع مادة البركة لأن الله يثيب على العطاء بغير حساب. وقيل المراد بالإحصاء عد الشيء لأن يدخر ولا ينفق منه، وإحصاء الله قطع البركة عنه أو حبس بمادة الرزق أو المحاسبة عليه في الاَخرة انتهى.

(6/94)


وفي البابِ عن عَائِشَةَ وَأَبي هُرَيْرَةَ. هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَرَوَى بَعْضُهُمْ هذا الحَدِيثَ بهذا الإِسْنَادِ عن ابنِ أَبي مُلَيْكَةَ عن عَبّادِ بنِ عَبْدِ الله بنِ الزّبَيْرِ عن أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبي بَكْرٍ. وَرَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ هذا عن أَيّوبَ وَلَمْ يَذْكُرُوا فيِه عن عَبّادِ بنِ عَبْدِ الله بنِ الزّبَيْرِ.
2027 ـ حدّثنا الحَسَنُ بنُ عَرَفَةَ، حدثنا سَعِيدُ بنُ محمدٍ الورّاقُ عن يحيى بنِ سَعيدٍ عن الأّعْرَج عن أبي هُرَيرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "والسّخِيّ قَرِيبٌ مِنَ الله، قَرِيبٌ مِنَ الْجَنّةِ، قَرِيبٌ مِنَ النّاسِ،
ـــــــ
قوله: "وفي الباب عن عائشة وأبي هريرة" أما حديث عائشة فأخرجه الطبراني في الأوسط بنحو حديث أبي هريرة الاَتي وأما حديث أبي هريرة، فأخرجه الترمذي بعد هذا.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري في الزكاة وفي الهبة، ومسلم في الزكاة، وأبو داود والنسائي "وروى بعضهم هذا الحديث بهذا الإسناد عن ابن أبي مليكة عن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أسماء بنت أبي بكر" رواه الشيخان في صحيحهما من طريق ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن عباد بن عبد الله ابن الزبير عن أسماء "وروى غير واحد هذا عن أيوب ولم يذكروا فيه عن عباد ابن عبد الله بن الزبير" قال الحافظ: وقد روى أيوب هذا الحديث عن ابن أبي مليكة عن أسماء بغير واسطة، أخرجه أبو داود والترمذي، وصححه النسائي، وصرح أيوب عن ابن أبي مليكة بتحديث أسماء له بذلك، فيحمل على أنه سمعه من عباد عنها ثم حدثته به انتهى.
قوله: "عن يحيى بن سعيد" بن قيس الأنصاري القاضي.
قوله: "السخي" هو الذي اختار رضا المولى في بذله على الغني "قريب من الله" أي من رحمته "قريب من الجنة" بصرف المال وإنفاقه فيما ينبغي "قريب من الناس" لأن السخي يحبه جميع الناس ولو لم يحصل لبعضهم نفع من سخاوته

(6/95)


بَعِيدٌ مِنَ النّارِ. وَالبَخِيلُ بَعِيدٌ مِنَ الله، بَعِيدٌ مِنَ الْجَنّةِ، بَعِيدٌ مِنَ الناسِ، قَرِيبٌ مِنَ النّارِ. وَالْجَاهِلُ السّخِيّ أَحَبّ إِلى الله عَزَ وَجَلّ مِنْ عَابِدٍ بَخِيلٍ" .
هذا حديثٌ غريبٌ لاَ نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ يَحْيى بنِ سَعِيدٍ عن الأعْرَج عن أَبي هُرَيْرَةَ إِلاّ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بنِ محمدٍ، وقد خُولِفَ سَعِيدُ بنُ محمدٍ في رِوَايَةِ هذا الْحَدِيث عن يَحْيى بنِ سَعِيدٍ، إِنّمَا يُرْوى عن يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عن عَائِشَةَ شَيْءٌ مُرْسَلٌ
ـــــــ
كحبه العادل "والبخيل" هو الذي لا يؤدي الواجب عليه "بعيد من الله بعيد من الجنة بعيد من الناس قريب من النار" معنى هذه الجملة ظاهر من ماقبلها، والأشياء تتبين بأضدادها "والجاهل السخي" قال القاري: أراد به ضد العابد وهو من يؤدي الفرائض دون النوافل، لأن ترك الدنيا رأس كل عبادة وإنما عبر عنه بالجاهل لأنه أراد به أنه مع كونه جاهلاً غير عالم بما لم يجب عليه وجوب عين "أحب إلى الله من عابد" أي كثير النوافل سواء يكون عالماً أم لا "بخيل" لأن حب الدنيا رأس كل خطيئة، وأيضاً النخيل الشرعي هو من ترك الواجب الشرعي المالي والسخي ضده، ولا شك أن من قام بالفرائض وترك النوافل أفضل ممن قام بالنوافل وترك الفرائض، قال وهذا الذي قررنا أولى من قول الطيبي: يفهم منه أن جاهلاً غير عابد أحب من عالم عابد رعاية للمطابقة، فيا لها من حسنة غطت خصلتين ذميمتين، ويا لها من سيئة غطت حسنتين كريمتين.
قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن جابر بن عبد الله والطبراني في الأوسط عن عائشة. قال المناوي: بأسانيد ضعيفة يقوي بعضها بعضاً "لا نعرفه من حديث يحيى بن سعيد عن الأعرج عن أبي هريرة إلا من حديث سعيد بن محمد" الوراق المذكور وهو ضعيف.
قوله: "وقد خولف سعيد بن محمد في رواية هذا الحديث عن يحيى بن سعيد الخ" أي خالفه غيره في رواية هذا الحديث عن يحيى بن سعيد، فرواه هو عن يحيى عن الأعرج عن أبي هريرة متصلا وجعله من مسند أبي هريرة، ورواه غيره عن يحيى عن عائشة مرسلاً يعني منقطعاً وجعله من مسند عائشة.

(6/96)


ـــــــ
تنبيه: قد أورد الحافظ السيوطي هذا الحديث في كتابه الجامع الصغير نقلا عن الترمذي بلفظ: ولجاهل سخي أحب إلى الله من عالم بخيل قال المناوي في شرحه: لأن الأول سريع الانقياد إلى ما يؤمر به من نحو تعلم، وإلى ما ينهى عنه بخلاف الثاني انتهى.
قلت: في نسخ الترمذي الموجودة عندنا كلها: من عابد بخيل، وكذلك في المشكاة، وكذلك في الترغيب للمنذري، وليس في واحد منها: من عالم بخيل، فالظاهر أنه من وهم الناسخ والله تعالى أعلم

(6/97)


41 ـ باب ما جاءَ في البُخْل
2028 ـ حَدّثنا أَبُو حَفْصٍ عَمْرُو بنُ عَلِيّ، حدثنا أَبُو دَاوُدَ، حدثنا صَدَقَةُ بنُ مُوسَى حدثنا مَالِكُ بنُ دِينَارٍ عن عَبْدِ الله بنِ غَالِبٍ الْحُدّانِيّ عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "خَصْلَتَانِ لا تَجْتَمِعَانِ في مُؤْمِنٍ: البُخْلُ، وسُوءِ الْخُلُقِ" .
ـــــــ
"باب ما جاءَ في البُخْل"
قوله: "عن عبد الله بن غالب الحداني" بضم المهملة وتشديد الدال، البصري العابد، صدوق قليل الحديث من الثالثة.
قوله: "خصلتان لا يجتمعان في مؤمن البخل وسوء الخلق" قيل أي لا ينبغي أن يجتمعا فيه. وقال التوربشتي: تأويل هذا الحديث أن نقول المراد به اجتماع الخصلتين فيه مع بلوغ النهاية بحيث لا ينفك عنهما ويوجد منه الرضاء بهما، فأما الذي يبخل حيناً ويسوء خلقه في وقت أو في أمر دون أمر ويندر منه فيندم ويلوم نفسه أو تدعوه النفس إلى ذلك فينازعها فإنه بمعزل عن ذلك انتهى.
وقوله: "خصلتان لا تجتمعان في مؤمن" خبر موصوف والمبتدأ البخل وسوء الخلق قاله ابن الملك. وقال ابن حجر: خصلتان مبتدأ سوغه إبدال المعرفة منه في قوله البخل وسوء الخلق والخبر لا تجتمعان. وقال القاري: الظاهر أن لا تجتمعان صفة مخصصة مسوغة لكون المبتدأ نكرة والخبر قوله البخل وسوء الخلق

(6/97)


وفي البابِ عن أَبِي هُرَيْرَةَ.
هذا حديثٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ إِلاَ مِنْ حَدِيثِ صَدقةَ بنِ مُوسَى.
2029 ـ حدّثنا أَحمدُ بنُ مَنِيعٍ حدثنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ حدثنا صَدَقَةُ بنُ مُوسَى عن فَرْقَدٍ السّبَخِيّ عن مُرّةَ الطّيّبِ عن أَبِي بَكر الصّدّيقِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "لا يَدْخُلُ الْجَنّةَ خَبّ ولا بَخِيلٌ ولا مَنّانٌ" .
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
2030ـ حدّثنا محمدُ بنُ رَافِعِ، حدثنا عَبْدُ الرّزّاقِ عن بِشْرِ بنِ رَافِعِ عن يَحْيَى بنِ أَبي كَثِيرٍ عن أَبِي سَلَمَةَ عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "المُؤْمِنُ غِرّ كَرِيمٌ، والفَاجِرُ خَبّ لَئِيمٌ" .
ـــــــ
قوله: "وفي الباب عن أبي هريرة" أخرجه الترمذي في هذا الباب.
قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه البخاري في الأدب المفرد.
قوله: "لا يدخل الجنة" أي دخولاً أولياً "خب" بفتح الخاء ويكسر أي خداع يفسد بين الناس بالخداع "ولا بخيل" يمنع الواجب من المال "ولامنان" من المنة أي يمن على الفقراء بعد العطاء أو من المن بمعنى القطع لما يجب أن يوصل وقيل لا يدخل الجنة مع هذه الصفة حتى يجعل طاهراً منها إما بالتوبة عنها في الدنيا أو بالعقوبة بقدرها تمحيصاً في العقبى، أو بالعفو عنه تفضلا وإحساناً. ويؤيده قوله تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ} كذا في المرقاة.
قوله: "عن بشر بن رافع" الحارثي كنيته أبو الأسباط النجراني فقيه ضعيف الحديث من السابعة.
قوله: "المؤمن غر" بكسر الغين المعجمة وتشديد الراء "كريم" أي موصوف بالوصفين أي له الاغترار بكرمه وله المسامحة في حظوظ الدنيا لا لجهله "والفاجر خب لئيم" أي بخيل لجوج سيء الخلق وفي كل منهما الوصف الثاني سبب للأول وهو نتيجة الثاني فتأمل فكلاهما من باب التذييل والتكميل. وفي النهاية: أي ليس

(6/98)


هذا حديثٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ هذا الوَجْهِ
ـــــــ
بذي مكر، فهو ينخدع لانقياده ولينه، وهو ضد الخب، يريد أن المؤمن المحمود من طبعه الغرارة وقلة الفطنة للشر وترك البحث عنه، وليس ذلك منه جهلا، ولكنه كرم وحسن خلق، كذا في المرقاة. وقال المناوي: أي يغره كل أحد ويغيره كل شيء ولا يعرف الشر وليس بذي مكر، فهو ينخدع لسلامة صدره وحسن ظنه.
قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه أحمد وأبو داود والحاكم

(6/99)


42 ـ باب ما جاءَ في النّفَقَةِ علَى الأَهْل
2031ـ حَدّثنا أَحمدُ بنُ محمدٍ، حدثنا عَبْدُ الله بنُ المُبَارَكِ عن شُعْبَةَ عن عَدِيّ بنِ ثَابِتِ عن عَبْدِ الله بنِ يَزِيدَ عن أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "نَفَقَةُ الرّجُلِ على أَهْلِهِ صَدَقَةٌ" .
ـــــــ
"باب ما جاء في النفقة على الأهل"
قوله: "نفقة الرجل على أهله" وفي رواية للشيخين إذا أنفق المسلم نفقة على أهله وهو يحتسبها. قال الحافظ: المراد بالاحتساب القصد إلى طلب الأجر. وقال القرطبي في قوله يحتسبها أفاد بمنطوقه أن الأجر في الإنفاق إنما يحصل بقصد القربة واجبة أو مباحة، وأفاد بمفهومه أن من لم يقصد القربة لم يؤجر لكن تبرأ ذمته من الواجبة لأنها معقولة المعنى "صدقة" قال الحافظ: المراد بالصدقة الثواب وإطلاقها عليه مجازي، وقرينته الإجماع على جواز الإنفاق على الزوجة الهاشمية مثلاً، وهو من مجاز التشبيه، والمراد به أصل الثواب لا في كميته وكيفيته، قال: وقوله على أهله: يحتمل أن يشمل الزوجة والأقارب ويحتمل أن يختص بالزوجة ويلحق به من عداها بطريق الأولى لأن الثواب إذا ثبت فيما هو واجب فثبوته فيما ليس بواجب أولى. وقال الطبري ما ملخصه: الإنفاق على الأهل واجب والذي يعطيه يؤجر على ذلك بحسب قصده، ولا منافاة بين كونها واجبة وبين تسميتها صدقة بل هي أفضل من صدقة التطوع. وقال المهلب: النفقة على الأهل واجبة

(6/99)


وفي البابِ عن عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو وعَمْرِو بنِ أُمَيّةَ وأَبي هُرَيْرَةَ.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
2032ـ حدّثنا قُتَيْبَةُ حدثنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عن أَيّوبَ عن أَبِي قِلاَبَةَ عن أَبِي أَسْمَاءَ عن ثَوْبَانَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "أَفْضَلُ الدّينَارِ دِيَنارٌ يُنْفِقُهُ الرّجُلُ على عيالِهِ، ودِينارٌ يُنْفِقُهُ الرّجُلُ على دابّتِهِ في سَبيل الله، وَدِينارٌ يُنْفِقُهُ الرّجُلُ على أَصْحَابِهِ في سَبِيلِ الله" . قالَ أَبُو قِلاَبَةَ بَدَأَ بالعِيَالِ، ثمّ قالَ: وأيّ رَجُلٍ أَعْظَمُ أَجْراً مِنْ رَجُلٍ يُنْفِقُ على عِيَالٍ لَهُ صغار
ـــــــ
وإنما سماها الشارع صدقة خشية أن يظنوا أن قيامهم بالواجب لا أجر لهم فيه، وقد عرفوا ما في الصدقة من الأجر، فعرفهم أنها لهم صدقة حتى لا يخرجوها إلى غير الأهل إلا بعد أن يكفوهم، ترغيباً لهم في تقديم الصدقة الواجبة قبل صدقة التطوع انتهى. ٍ
قوله: "وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وعمرو بن أمية وأبي هريرة". أما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه مسلم في باب فضل النفقة على العيال والمملوك من كتاب الزكاة. وأما حديث عمرو بن أمية، فأخرجه أحمد وأبو يعلى والطبراني ورواته ثقات ذكره المنذري في الترغيب في باب النفقة على الزوجة والعيال. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه مسلم.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري في الإيمان وفي المغازي وفي النفقات، ومسلم في الزكاة، والنسائي في الزكاة وفي عشرة النساء.
قوله: "أفضل الدينار" يراد به العموم "ودينار ينفقه الرجل على دابته" أي دابة مربوطة "في سبيل الله" من نحو الجهاد ودينار ينفقه الرجل على اصحابه" أي حال كونهم مجاهدين "في سبيل الله" يعني الإنفاق على هؤلاء الثلاثة على الترتيب أفضل من الإنفاق على غيرهم، ذكره ابن الملك، قيل: ولا دلالة في الحديث على الترتيب لأن الواو لمطلق الجمع إلا أن يقال الترتيب الذكري الصادر من الحكيم لا يخلو عن حكمة "قال أبو قلابة بدأ" أي النبي صلى الله عليه وسلم "ثم قال" وفي رواية مسلم: ثم قال أبو قلابة "وأي رجل" وفي بعض النسخ فأي رجل

(6/100)


يُعِفّهم الله بِهِ وَيُغْنِيِهم الله بِهِ" .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
"يعفهم الله به" من الإعفاف أي يكفهم به عما لا يحل.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم

(6/101)


باب ما جاء في الضيافة و غاية الضيافة كم هي
...
43 ـ باب ما جاءَ في الضّيَافَةِ وغاية الضيافة الي كم هي؟
2033 ـ حَدّثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا اللّيْثُ بنُ سَعْدٍ عن سَعِيدِ بنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبريّ عن أَبي شُرَيْحٍ العدويّ أَنّهُ قالَ: "أَبْصَرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم وسَمِعَتْهُ أُذَنَايَ حينَ تَكَلّم بِهِ قالَ: مَنْ كَانَ يُؤمِنُ بالله واليَوْمِ الاَخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ. قالوا وَماَ جائِزَتُهُ؟ قالَ: يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ قالَ: والضّيَافَةُ ثَلاَثَةُ أَيّامٍ ومَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ. ومَنْ كَانَ يُؤْمِنُ
ـــــــ
"باب ما جاء في الضيافة وغاية الضيافة كم هو"
قوله: "أبصرت عيناي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعته أذناي حين تكلم به" فائدة ذكره التوكيد "من كان يؤمن بالله واليوم الاَخر" المراد بقوله يؤمن الإيمان الكامل، وخصه بالله واليوم الاَخر إشارة إلى المبدأ والمعاد أي من آمن بالله الذي خلقه وآمن بأنه سيجازيه بعمله "فليكرم ضيفه" قالوا إكرام الضيف بطلاقة الوجه وطيب الكلام والإطعام ثلاثة أيام في الأول بمقدوره وميسوره والباقي بما حضره من غير تكلف، ولئلا يثقل عليه وعلى نفسه، وبعد الثلاثة يعد من الصدقات إن شاء فعل وإلا فلا "جائزته" هي العطاء مشتقة من الجواز لأنه حق جوازه عليهم، وانتصابه بأنه مفعول ثان للإكرام لأنه في معنى الإعطاء أو هو كالظرف أو منصوب بنزع الخافض أي بجائزته "قال يوم وليلة" أي جائزته يوم وليلة. وجواز وقوع الزمان خبراً عن الجنة باعتبار أن له حكم الظرف، وإما فيه مضاف مقدر تقديره أي زمان جائزته يوم وليلة "والضيافة ثلاثة أيام وما كان بعد ذلك فهو صدقة" قال ابن بطال: سئل عنه مالك فقال يكرمه ويتحفه يوماً وليلة وثلاثة أيام ضيافة. قال الحافظ: اختلفوا هل الثلاث غير

(6/101)


بالله واليَوْمِ الاَخِرِ فَلْيَقُلُ خَيْراً أَوْ لِيَسْكُتْ" .
ـــــــ
الأول أو يعد منها، فقال أبو عبيد: يتكلف له في اليوم الأول بالبر والإلطاف، وفي الثاني والثالث يقدم له ما حضره ولا يزيده على عادته، ثم يعطيه ما يجوز به مسافة يوم وليلة وتسمى الجيزة، وهي قدر ما يجوز به المسافر من منهل إلى منهل. ومنه الحديث الاَخر: أجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم. وقال الخطابي: معناه أنه إذا نزل به الضيف أن يتحفه ويزيده في البر على ما بحضرته يوماً وليلة، وفي اليومين الأخيرين يقدم له ما يحضره، فإذا مضى الثلاث فقد قضي حقه، فما زاد عليها مما يقدمه له يكون له صدقة. وقد وقع في رواية عبد الحميد بن جعفر عن سعيد المقبري عن أبي شريح عند أحمد مسلم بلفظ: الضيافة ثلاثة أيام وجائزتة يوم وليلة. وهذا يدل على المغايرة، ويؤيده ما قال أبو عبيد، وأجاب الطيبي بأنها جملة مستأنفة بيان للجملة الأولى، كأنه قيل كيف يكرمه؟ قال: جائزتة، ولا بد من تقدير مضاف أي زمان جائزته أي بره، والضيافة يوم وليلة. فهذه الرواية محمولة على اليوم الأول، ورواية عبد الحميد على اليوم الأخير أي قدر ما يجوز به المسافر ما يكفيه يوم وليلة. فينبغي أن يحمل على هذا عملاً بالروايتين انتهى. ويحتمل أن يكون المراد بقوله وجائزته بياناً لحالة أخرى وهي أن المسافر تارة يقيم عند من ينزل عليه فهذا لا يزاد على الثلاث بتفاصيلها أو تارة لا يقيم فهذا يعطى ما يجوز به قدر كفايته يوماً وليلة، ولعل هذا أعدل الأوجه انتهى كلام الحافظ.
قال النووي: أجمع المسلمون على الضيافة، وأنها من متأكدات الإسلام. ثم قال الشافعي ومالك وأبو حنيفة رحمهم الله تعالى والجمهور: وهي سنة ليست بواجبة. وقال الليث وأحمد: هي واجبة يوماً وليلة على أهل البادية وأهل القرى دون أهل المدن، وتأول الجمهور هذه الأحاديث وأشباهها على الاستحباب ومكارم الأخلاق، وتأكد حق الضيف كحديث: غسل الجمعة واجب على كل محتلم أي متأكد الاستحباب، وتأولها الخطابي رحمه الله وغيره على المضطر انتهى.
قلت: قد اختار القاضي الشوكاني وجوب الضيافة واستدل عليه بدلائل عديدة فقال في النيل: والحق وجوب الضيافة لأمور ثم ذكرها، فمنها إباحة العقوبة بأخذ المال لمن ترك ذلك، وهذا لا يكون في غير واجب، ومنها قوله فما كان وراء ذلك

(6/102)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
2034ـ حدّثنا ابنُ أَبِي عُمَرْ حدثنا سُفْيَانُ عن ابنِ عَجْلاَنَ عن سَعِيدٍ المَقْبُريّ عن أَبِي شُرَيْحٍ الكَعْبِيّ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "الضّيَافَةُ ثَلاَثَةُ أَيّامٍ، وجاَئِزَتُهُ يَوْمٌ ولَيْلَةٌ، وَمَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ، وَلاَ يَحِلّ لَهُ أَنْ يَثْوِيَ عِنْدَهُ حتى يُحْرِجَهُ" .
ومَعْنَى قوله: "لاَ يَثْوِيَ عِنْدَهُ" يَعْنِي الضّيْفَ لاَ يُقِيمُ عِنْدَهُ حتى يَشْتَدّ على صاحِبِ المَنْزِلِ، وَالْحَرَجُ هُوَ الضّيقُ. إِنّمَا قوله: "حتى يُحْرِجَهُ" يَقُولُ: حتى يُضيّقَ عَلَيْهِ. وفي البابِ عن عَائِشَةَ وأَبي هُرَيْرَةَ. وقد رَوَى مَالِكُ بنُ أَنَسٍ واللَيثُ بنُ سَعْدٍ عن سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ.
ـــــــ
فهو صدقة، فإنه صريح أن ما قبل ذلك غير صدقة بل واجب شرعاً، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: ليلة الضيف حق واجب ، فهذا تصريح بالوجوب لم يأت ما يدل على تأويله.
قلت: وجوب الضيافة هو الظاهر الراجح عندي والله تعالى أعلم.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" أخرجه الشيخان وأصحاب السنن.
قوله: "ولا يحل له أن يثوي عنده" هو بكسر الواو وبفتحها في الماضي وبكسرها في المضارع من الثواء وهو الإقامة بمكان معين "حتى يحرجه" من الإحراج أو من التحريج أي لا يضيق صدره بالإقامة عنده بعد الثلاثة، وفي رواية لمسلم: حتى يؤثمه أي يوقعه في الإثم، لأنه قد يغتابه لطول مقامه أو يعرض له بما يؤذيه أو يظن به ظناً سيئاً. وفي رواية لأحمد عن أبي شريح قيل يا رسول الله: وما يؤثمه؟ قال: يقيم عنده لا يجد شيئاً يقدمه " حتى يشتد على صاحب المنزل" أي يثقل عليه "حتى يضيق عليه" من الضييق.
قوله: "وفي الباب عن عائشة" لينظر من أخرجه "وأبي هريرة" أخرجه

(6/103)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وأَبُو شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيّ هُوَ الكَعْبِيّ، وَهُو العدوِيّ، واسْمُهُ خُوَيْلد بنُ عَمْرٍو.
ـــــــ
الشيخان "واسمه خويلد بن عمر" صحابي، نزل المدينة، مات سنة ثمان وستين على الصحيح

(6/104)


باب ما جاء في السعى على الأرملة و اليتيم
...
44 ـ باب ما جاءَ في السّعْيِ على الأَرْمَلَةِ واليَتِيم
2035ـ حَدّثنا الأَنْصَارِيّ، حدثنا مَعْنٌ، حدثنا مَالِكٌ عن صَفْوَانَ بنِ سُلَيْمٍ يَرْفَعُهُ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "السّاعي على الأَرْمَلَةِ والمِسْكِينِ كالمُجَاهِدِ في سَبِيلِ الله، أَوْ كَالّذِي يَصْومُ النّهَارَ وَيَقُومُ اللّيْلَ" .
ـــــــ
" باب ما جاءَ في السّعْيِ على الأَرْمَلَةِ واليَتِيم"
الأرملة بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الميم، وقال في القاموس: امرأة أراملة محتاجة أو مسكينة والجمع أرامل وأرملة، والأرمل العزب وهي بهاء ولا يقال للعزبة الموسرة أرملة انتهى.
قوله: "الساعي على الأرملة" قال النووي: المراد بالساعي الكاسب لهما العامل لمؤنتهما، والأرملة من لا زوج لها سواء تزوجت قبل ذلك أم لا، وقيل التي فارقها زوجها قال ابن قتيبة: سمعت أرملة لما يحصل لها من الإرمال وهو الفقر وذهاب الزاد بتفقد الزوج، يقال أرمل إذا فني زاده: قال القاري: وهذا مأخذ لطيف في إخراج الغنية من عموم الأرملة وإن كان ظاهر إطلاق الحديث يعم الغنية والفقيرة. قال الطيبي: وإنما كان معنى الساعي على الأرملة ما قاله النووي لأنه صلى الله عليه وسلم عداه بعلي مضمناً فيه معنى الإنفاق "والمسكين" هو من لا شيء له، وقيل من له بعض الشيء، وقد يقع على الضعيف، وفي معناه الفقير بل بالأولى عند بعضهم "كالمجاهد في سبيل الله" أي ثواب القائم بأمرهما وإصلاح شأنهما والإنفاق عليهما كثواب الغازي في جهاده فإن المال شقيق الروح وفي بذلة مخالفة النفس ومطالبة رضا الرب "أو كالذي يصوم النهار ويقوم الليل" وفي رواية للبخاري: أو القائم الليل الصائم النهار. قال العيني: شك من الراوي

(6/104)


2036 ـ حدّثنا الأَنْصَارِيّ حدثنا مَعْنٌ حدثنا مَالِكٌ عن ثَوْرِ بنِ زَيْدٍ الديلي عن أَبِي الغَيْثِ عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَ ذَلِكَ.
وهذا الحديثُ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ: وأَبُو الغَيْثِ اسْمُهُ سَالِمٌ مَوْلَى عَبْدِ الله ابنِ مُطِيعٍ. وثَوْرُ بنُ يَزِيدَ شَامِيٌ، وَثَوْرُ بنُ زَيْدٍ مَدَنِيٌ.
ـــــــ
وفي رواية معن بن عيسى وابن وهب وابن بكير وآخرين عن مالك بلفظ أو كالذي يصوم النهار ويقوم بالليل. وفي رواية ابن ماجة من رواية الدراوردي عن ثور مثله ولكن بالواو لا بأو انتهى.
قوله: "عن ثور بن زيد" باسم الحيوان المعروف، الديلي بكسر المهملة بعدها تحتانية المدني ثقة من السادسة "عن أبي الغيث" إسمه سالم المدني مولى إبن مطيع ثقة من الثالثة.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه الشيخان وغيرهما.
اعلم أن الإسناد الأول مرسل والثاني موصول. قال الحافظ في الفتح: وأكثرهم ساقه على لفظ رواية مالك عن صفوان بن سليم به مرسلاً ثم قال: وعن ثور بسنده مثله انتهى.
قوله: "ثور بن يزيد شامي وثور بن زيد مدني" يعني أن هذين رجلان الأول شامي والثاني مدني وقد عرفت ترجمة ثور بن زيد آنفاً، وأما ترجمة ثور بن يزيد فقال الحافظ: ثور بن يزيد بزيادة تحتانية في أول اسم أبيه أبو خالد الحمصي ثقة ثبت إلا أنه يرى القدر من السابعة

(6/105)


باب ما جاء في طلاقة الوجه و حسن البشر
...
45 ـ باب ما جاءَ في طَلاَقَةِ الوجْهِ وحُسْنِ البِشْر
2037 ـ حَدّثنا قُتَيْبَةُ حدثنا المُنْكَدِرُ بن محمد بن المُنْكَدِرُ عن أَبِيه عن جاَبِرِ بنِ عَبْدِ الله
ـــــــ
" باب ما جاءَ في طَلاَقَةِ الوجْهِ وحُسْنِ البِشْر"
قال في القاموس: البشر بالكسر الطلاقة، وقال فيه طلق ككرم وهو طلق الوجه مثلثة وكنيف وأمير أي ضاحكه ومشرقه.

(6/105)


قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "كُلّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ وإِنّ منَ المَعْرُوفِ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ وأَنْ تُفْرِغَ من دَلْوِكَ في إنَاءِ أَخِيكَ" .
وفي البابِ عن أَبِي ذَرٍ.
هذا حديثٌ حسنٌ.
ـــــــ
قوله: "كل معروف صدقة" قال الراغب: المعروف اسم كل فعل يعرف حسنه بالشرع والعقل معاً ويطلق على الاقتصاد لثبوت النهي عن السرف: وقال ابن أبي جمرة: يطلق اسم المعروف على ما عرف بأدلة الشرع أنه من أعمال البر، سواء جرت به العادة أم لا. قال: والمراد بالصدقة الثواب، فإن قارنته النية أجر صاحبه جزماً وإلا ففيه احتمال: قال: وفي هذا الكلام إشارة إلى أن الصدقة لا تنحصر في الأمر المحسوس منه، فلا تختص بأهل اليسار مثلاً، بل كل واحد قادر على أن يفعلها في أكثر الأحوال بغير مشقة "وإن من المعروف" أي من جملة أفراده "أن تلقي أخاك" أي المسلم "بوجه" بالتنوين "طلق" يعني تلقاه منبسط الوجه متهلله "وأن تفرغ" من الإفراغ أي نصب "من دلوك" أي استقاءك "في إناء أخيك" لئلا يحتاج إلى الاستقاء أو لاحتياجه إلى الدلو.
قوله: "وفي الباب عن أبي ذر" أخرجه الترمذي في باب صنائع المعروف.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد. قال القاري في المرقاة: وفي كثير من نسخ الترمذي حسن فقط، وليس في سنده غير المنكدر بن محمد بن المنكدر. قال الذهبي: فيه لين، وقد وثقه أحمد، كذا ذكره ميرك انتهى.
قلت قال الحافظ في التقريب: المنكدر بن محمد بن المنكدر القرشي التيمي المدني لين الحديث من الثامنة

(6/106)


باب ما جاء في الصدق و الكذب
...
46 ـ باب ما جاءَ في الصّدْقِ وَالْكَذِب
2038 ـ حَدّثنا هَنّادٌ حدثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عن الاعْمَشِ عن شَقِيقِ بنِ سَلَمَةَ عن عَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "عَلَيْكُمْ بِالصّدْقِ فإِنّ الصّدْقَ يَهْدِي إلى البِرّ، وإنّ البِرّ يَهْدِي إلى الْجَنّةِ، وَمَا يَزَالُ
ـــــــ
"باب ما جاء في الصدق والكذب"
قوله: "عليكم بالصدق" أي الزموا الصدق وهو الإخبار على وفق ما في الواقع

(6/106)


الرجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرّى الصّدْقَ حَتّى يُكْتَبَ عِنْدَ الله صِدّيقاً، وإيّاكم والكذِبَ، فإنّ الكَذِبَ يَهْدِي إلَى الفُجُورِ، وإِنّ الفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النّارِ وَمَا يزَالُ العبْدُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرّى الكَذِبَ حَتّى يُكْتَبَ عِنْدَ الله كَذّاباً" .
وفي البابِ عن أَبِي بَكْرٍ الصدِيق وعُمَر وعَبْدِ الله بنِ الشّخِير وابنِ عُمَر.
ـــــــ
"فإن الصدق" أي على وجه ملازمته ومداومته "يهدي" أي صاحبه "إلى البر" بكسر الموحدة أصله التوسع في فعل الخير، وهو اسم جامع للخيرات من اكتساب الحسنات واجتناب السيئات، ويطلق على العمل الخالص الدائم المستمر معه إلى الموت "وإن البر يهدي إلى الجنة" قال ابن بطال: مصداقه في كتاب الله تعالى {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} "وما يزال الرجل يصدق" أي في قوله وفعله "ويتحرى الصدق" أي يبالغ ويجتهد فيه "حتى يكتب" أي يثبت "عند الله صديقاً" بكسر الصاد وتشديد الدال أي مبالغاً في الصدق ففي القاموس: الصديق من يتكرر منه الصدق حتى يستحق اسم المبالغة في الصدق. وفي الحديث إشعار بحسن خاتمته وإشارة إلى أن الصديق يكون مأمون العاقبة "فإن الكذب يهدي إلى الفجور" قال الراغب: أصل الفجر الشق. فالفجور شق ستر الديانة، ويطلق على الميل إلى الفساد وعلى الانبعاث فيه المعاصي وهو اسم جامع للشر انتهى. وفي القاموس: فجر فسق وكذّب وعصي وخالف "حتى يكتب عند الله كذاباً" قال الحافظ في الفتح: المراد بالكتابة الحكم عليه بذلك وإظهاره للمخلوقين من الملأ الأعلى وإلقاء ذلك في قلوب أهل الأرض، وقد ذكره مالك بلاغاً عن ابن مسعود وزاد فيه زيادة مفيدة ولفظه: لا يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب فينكت في قلبه نكتة سوداء حتى يسود قلبه فيكتب عند الله من الكاذبين انتهى. قال النووي: قال العلماء: في هذا الحديث حث على تحري الصدق والاعتناء به، وعلى التحذير من الكذب والتساهل فيه فإنه إذا تساهل فيه كثر منه فيعرف به.
قوله: "وفي الباب عن أبي بكر وعمر وعبد الله بن الشخير وابن عمر" أما حديث أبي بكر فأخرجه ابن حبان في صحيحه مرفوعاً: عليكم بالصدق فإنه مع البر وهما في الجنة، وإياكم والكذب فإنه مع الفجور وهما في النار . وأما حديث عمر،

(6/107)


هذا حديث حسن صحيح.
2039ـ حدّثنا يَحْيَى بنُ مُوسَى قالَ: "قُلْتُ لِعَبْدِ الرحيمِ بنِ هَارُونَ الغَسّانِيّ: حَدّثَكُمْ عَبْدُ العَزيز بنُ أَبِي رَوادٍ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "إذا كَذَبَ العَبْدُ تَبَاعَدَ عَنْهُ المَلَكُ مَيْلاً مِنْ نَتْنِ ما جاءَ به" .
قالَ يَحْيَى فَأَقَرّ بِهِ عَبْدُ الرحيمِ بنُ هَارُون؟ فقالَ: نَعَمْ.
هذا حديثٌ حسنٌ جَيد غريبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ هذا الوَجْهِ، تَفَرّدَ بِهِ عَبْدُ الرحيمِ بنُ هَارُونَ.
ـــــــ
وحديث عبد الله بن الشخير فلينظر من أخرجهما. وأما حديث ابن عمر فأخرجه الترمذي بعد هذا.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وغيرهما.
قوله: "قلت لعبد الرحيم بن هارون الغساني" هو أبو هشام الواسطي نزيل بغداد ضعيف كذبه الدارقطني من التاسعة "حدثكم" بحذف همزة الاستفهام ويأتي جوابه في آخر الحديث "عبد العزيز بن أبي رواد" بفتح الراء وتشديد الواو صدوق عابد ربما وهم ورمي بالإرجاء من السابعة.
قوله: "إذا كذب العبد تباعد عنه الملك" يحتمل أن حرف التعريف جنسية، ويحتمل أنها عهدية والمعهود الحافظ "ميلا" وهو ثلث الفرسخ أو قطعة من الأرض أو مد البصر، ذكره ابن الملك "من نتن ما جاء به" أي عفونته، وهو بفتح النون وسكون التاء، في القاموس هو ضد الفوح، والمعنى من نتن شيء جاء ذلك الشيء بالنتن أي من نتن الكذب أو جاء العبد به، والباء للتعدية.
قوله: "فأقر عبد الرحيم بن هارون وقال نعم" هذا متعلق بقوله: قلت لعبد الرحيم بن هارون الغساني: حدثكم إلخ.
قوله: "هذا حديث حسن جيد غريب" وأخرجه أبو نعيم في الحلية وابن أبي

(6/108)


ـــــــ
الدنيا في كتاب الصمت "تفرد به عبد الرحيم بن هارون" قال الحافظ في تهذيب التهذيب بعد نقل هذه العبارة: ذكره ابن حبان في الثقات وقال: يعتبر بحديثه إذا حدث عن الثقات من كتابه. فإن فيما حدث من حفظه بعض المناكير. وقال الدارقطني: متروك الحديث يكذب انتهى

(6/109)


47 ـ باب ما جاءَ في الْفُحْشِ والتّفَحُش
2040 ـ حَدّثنا محمدُ بنُ عَبْدِ الأَعْلَى الصّنْعَانِيّ وغَيْرُ واحِدٍ قالُوا: حدثنا عَبْدُ الرزاقِ عن مَعْمَرٍ عن ثابتٍ عن أَنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ما كَانَ الفُحْشُ في شَيْءٍ إِلاّ شَانَهُ، وَماَ كَانَ الْحَيَاءُ في شَيْءِ إِلا زَانَهُ" . وفي البابِ عَنْ عَائِشَةَ.
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرّزّاقِ.
ـــــــ
" باب ما جاءَ في الْفُحْشِ"
قال في النهاية: الفحش هو كل ما يشتد قبحه من الذنوب والمعاصي، وكثيراً ما ترد الفاحشة بمعنى الزنا، وكل خصلة قبيحة من الأقوال والأفعال. وقال في القاموس: الفاحشة الزنا وما يشتد قبحه من الذنوب وكل ما نهى الله عز وجل عنه، وقد فحش ككرم فحشاً، والفحش عدوان الجواب، ومنه: لا تكوني فاحشة لعائشة رضي الله تعالى عنها.
قوله: "ما كان الفحش" أي ما اشتد قبحه من الكلام "إلا شانه" أي عيبه الفحش، وقيل المراد بالفحش العنف لما في رواية عبد بن حميد والضياء عن أنس أيضاً: ما كان الرفق في شيء إلا زانه ولا نزع من شيء إلا شانه "وما كان الحياء في شيء إلا زانه" أي زينه. قال الطيبي: قوله في شيء فيه مبالغة أي لو قدر أن يكون الفحش أو الحياء في جماد لزانه أو شانه فكيف بالإنسان.
قوله: "وفي الباب عن عائشة" أخرجه مسلم.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد في مسنده، والبخاري في الأدب المفرد وابن ماجة.

(6/109)


2041 ـ حدّثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ، حدثنا أَبو دَاوُدَ قالَ: أَنْبَأَناَ شُعْبَةُ عطن الأَعمَشِ قالَ: سَمِعْتُ أَبَا وائلٍ يُحَدّثُ عن مَسْروقٍ عن عبد الله بن عمرٍو قال: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: خِيَارُكُمْ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلاَقاً . وَلَمْ يَكُنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم فاحِشاً ولا مُتَفَحّشَاً.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
قوله: "خياركم" بكسر الخاء المعجمة جمع خيرهم ضد الأشرار "أحاسنكم أخلاقاً" أي شمائل مرضية "فاحشاً ولا متفحشاً" الفاحش ذو الفحش في كلامه وأفعاله، والمتفحش من يتكلفه ويتعمده أي لم يكن الفحش له جبلياً ولا كسبياً.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.

(6/110)


48 ـ باب ما جاءَ في اللّعْنَة
2042 ـ حَدّثنا محمد بنُ المثَنّى، حدثنا عَبْدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِيّ، حدثنا هِشَامٌ عن قَتَادَةَ عن الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ تَلاَعَنُوا بِلَعْنَةِ الله ولا بِغَضَبِهِ ولا بالنّارِ" .
ـــــــ
"باب ما جاء في اللعنة"
قوله: "لا تلاعنوا" بحذف إحدى التاءين "بلعنة الله" أي لا يلعن بعضكم بعضاً فلا يقل أحد لمسلم معين عليك لعنة الله مثلاً "ولا بغضبه" بأن يقول غضب الله عليك "ولا بالنار" بأن يقول أدخلك الله النار أو النار مثواك. وقال الطيبي: أي لا تدعوا على الناس بما يبعدهم الله من رحمته إما صريحاً كما تقولون لعنة الله عليه أو كناية كما تقولون عليه غضب الله أو أدخله الله النار. فقوله لا تلاعنوا من باب عموم المجاز لأنه في بعض أفراده حقيقة وفي بعضه مجاز وهذا مختص بمعين، لأنه يجوز اللعن بالوصف الأعم كقوله لعنة الله على الكافرين، أو بالأخص كقوله لعنة الله على اليهود، أو على كافر معين مات على الكفر كفرعون وأبي جهل انتهى.

(6/110)


وفي البابِ عن ابن عَبّاسِ وأَبي هُرَيْرَةَ وابنِ عُمَرَ وعِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
2043 ـ حدّثنا محمدُ بنُ يَحْيَى الأَزْدِيّ البَصْرِيّ، حدثنا محمدُ بنُ سَابِقٍ عن إِسْرَائِيلَ عن الأَعمَشِ عن إِبراهيمَ عن عَلْقَمَةَ عن عبدِ الله قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ المُؤْمِنُ بالطّعّانِ ولاَ اللّعّانِ ولا الفَاحِشِ ولا البَذِيّ" .
ـــــــ
قوله: "وفي الباب عن ابن عباس وأبي هريرة وابن عمر وعمران بن حصين" أما حديث ابن عباس فأخرجه الترمذي في هذا الباب. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه مسلم بلفظ: لا ينبغي لصديق أن يكون لعاناً. وأما حديث ابن عمر فأخرجه الترمذي في باب اللعن والطعن. وأما حديث عمران بن حصين فأخرجه مسلم وغيره.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أبو داود والحاكم وقال صحيح الإسناد.
قوله: "حدثنا محمد بن يحيى الأزدي البصري" قال في التقريب: محمد بن يحيى بن عبد الكريم بن نافع الأزي البصري نزيل بغداد ثقة من كبار الحادية عشر "حدثنا محمد بن ستبق" التميمي أبو جعفر أو أبو سعيد البزار الكوفي نزيل بغداد صدوق من كبار العاشرة.
قوله: "ليس المؤمن" أي الكامل "بالطعان" أي عياباً الناس "ولا اللعان" ولعل اختيار صيغة المبالغة فيها لأن الكامل قل أن يخلو عن المنقصة بالكلبة "ولا الفاحش" أي فاعل الفحش أو قائله. وفي النهاية: أي من له الفحش في كلامه وفعاله، قيل أي الشاتم، والظاهران المراد به الشتم القبيح الذي يقبح ذكره "ولا البذي" قال القاري: بفتح موحدة وكسر ذال معجمة وتشديد تحتيته وفي نسخة يعني من المشكاة بسكونها وهمزة بعدها وهو الذي لا حياة له كما قاله بعض الشراح. وفي النهاية: البناء بالمد الفحش في القول وهو بذي اللسان وقد يقال بالهمز وليس بكثير انتهى. قال القاري فعلى هذا يخص الفاحش بالفعل لئلا

(6/111)


هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وقد رُوِيَ عن عَبْدِ الله مِنْ غَيْرِ هذا الوَجْهِ.
2044 ـ حدّثنا زَيْدُ بنُ أَخْزَمَ الطّائيّ البَصْرِيّ حدثنا بِشْرُ بنُ عُمَرَ حدثنا أَبَانُ بنُ يزِيدَ عن قَتَادَةَ عن أَبِي العَالِيَةِ عن ابنِ عَبّاسٍ: أَنّ رَجُلاً لَعَنَ الرّيحَ عِنْدَ النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالَ: "لاَ تَلعَنِ الرّيحَ فإنّهاَ مَأْمُوَرةٌ، وإِنّهُ مَنْ لَعَنَ شَيْئَاً لَيْسَ لَهُ بِأَهْلٍ رَجَعَتَ الّلعْنَةُ عَلَيْهِ" .
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ لا نَعْلَمُ أَحداً أَسْنَدَهُ غَيْرَ بِشْرِ بنِ عُمَرَ.
ـــــــ
يلزم التكرار أو يحمل على العموم، والثاني يكون تخصيصاً بعد تعميم لزيادة الاهتمام به لْانه متعد، وقد يقال عطف تفسير ولا زائدة انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد والبخاري في تاريخه وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه والبيهقي في شعب الإيمان. قال ميرك: ورجاله رجال الصحيحين سوى محمد بن يحيى شيخ الترمذي وثقة بن حبان والدارقطني.
قوله: "حدثنا بشر بن عمر" بن الحكم الزهراني بفتح الزاي الأزدي أبو محمد البصري ثقة من التاسعة "حدثنا أبان بن يزيد" العطار البصري أبو يزيد، ثقة له أفراد من السابعة.
قوله: "أن رجلا لعن الريح عند النبي صلى الله عليه وسلم" وفي رواية أبي داود: أن رجلا نازعته الريح رداءه فلعنها "لاتلعن الريح فإنها مأمورة" أي بأمر ما والمنازعة من خاصيتها ولوازم وجودها عادة أو فإنها مأمورة حتى بهذه المنازعة أيضاً إبتلاء لعباده "وإنه" أي الشأن "من لعن شيئاً ليس" أي ذلك الشأن "له" أي اللعن "بأهل" أي بمستحق "رجعت اللعنة عليه" أي على اللاعن، لأن اللعنة وكذا الرحمة تعرف طريق صاحبها.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أبو داود وابن حبان في صحيحه "لا نعلم أحداً أسنده غير بشر بن عمر" قال المنذري بعد نقل كلام الترمذي هذا ما لفظه: وبشر بن عمر هذا هو الزهراني احتج به البخاري ومسلم

(6/112)


49 ـ باب ما جاءَ في تَعْلِيمِ النّسَب
2045 ـ حَدّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ، أخبرنا عَبْدُالله بنُ المُبَارَكِ عن عَبْدِ المَلِكِ بنِ عِيسَى الثّقَفِيّ عن يَزِيدَ مَوْلَى المُنْبَعثِ عن أَبِي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "تَعَلّمُوا مِنْ أَنْسَابِكُمْ ماَ تَصِلوُنَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ، فإنّ صِلَةَ الرّحِمِ مَحَبّةٌ في الأَهْلِ مَثْرَاةٌ في المَالِ، مَنْسَأَةٌ في الأَثَرِ" .
ـــــــ
"باب ما جاء في تعليم النسب"
قال في القاموس: النسب محركة، والنسبة بالكسر وبالضم القرابة أو في الاَباء خاصة انتهى.
قوله: "عن عبد الملك بن عيسى الثقفي" ابن عبد الرحمن بن جارية بالجيم التحتانية مقبول من السادسة "عن يزيد مولى المنبعث" بضم الميم وسكون النون وفتح الموحدة وكسر المهملة بعدها مثلثة مدني صدوق من الثالثة.
قوله: "تعلموا من أنسابكم" أي من أسماء آبائكم وأجدادكم وأعمامكم وأخوالكم وسائر أقاربكم "ما" أي قدر ما "تصلون به أرحامكم" فيه دلالة على أن الصلة تتعلق بذوي الأرحام كلها لا بالوالدين فقط كما ذهب إليه البعض. والمعنى تعرفوا أقاربكم من ذوي الأرحام ليمكنكم صلة الرحم وهي التقرب لديهم والشفقة عليهم والإحسان إليهم، فتعلم النسب مندوب "فإن صلة الرحم محبة" بفتحات وتشديد موحدة مفعلة من الحب، مصدر المبني للمفعول. قال القاري: وفي نسخة يعني من المشكاة بكسر الحاء أي مظنة للحب وسبب للود "في الأهل" أي في أهل الرحم "مثراة في المال" بفتح الميم وسكون المثلثة. وفي النهاية: هي مفتعلة من الثري وهو الكثرة أي سبب لكثرة المال وهو خبر ثان "منسأة" بفتح الهمزة مفعلة من النساء وهو التأخير "في الأثر" بفتحتين أي لأجل، والمعنى أنها سبب لتأخير الأجل وموجب لزيادة العمر، وقيل باعث دوام واستمرار في النسل. والمعنى أن يمن الصلة يفضي إلى ذلك. وقال في اللمعات: والمراد بتأخير الأجل بالصلة إما حصول البركة والتوفيق في العمل وعدم ضياع العمر فكأنه زاد، أو

(6/113)


هذا حديثٌ غريبٌ مِنْ هذَا الوَجْهِ. وَمَعْنَى قوله: "مَنْسَأَةٌ فِي الأَثَرِ" يَعْنِي به الزّيَادَةَ في العُمْر.
ـــــــ
بمعنى أنه سبب لبقاء ذكره الجميل بعده، أو وجود الذرية الصالحة. والتحقيق أنها سبب لزيادة العمر كسائر أسباب العالم. فمن أراد الله تعالى زيادة عمره وفقه لصلة الأرحام، والزيادة إنما هو بحسب الظاهر بالنسبة إلى الخلق، وأما في علم الله فلا زيادة ولا نقصان، وهو وجه الجمع بين قوله صلى الله عليه وسلم: جف القلم بما هو كائن، وقوله تعالى يمحو الله ما يشاء ويثبت انتهى.
قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه أحمد في مسنده والحاكم وقال صحيح

(6/114)


50 ـ باب ما جاءَ في دَعْوَةِ الأَخِ لأَخِيِه بِظَهرِ الغَيْب
2046 ـ حَدّثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، حدثنا قَبِيصَةُ عن سُفْيَانَ عن عَبْدِ الرحمنِ بنِ زِيَادِ بنِ أَنْعَمَ عن عَبْدِ الله بنِ يَزِيدَ عن عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَا دَعْوَةٌ أَسْرَعَ إِجَابَةً مِنْ دَعْوَةِ غَائِبٍ لِغَائِبٍ" .
هذا حديثٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ هذَا الوَجْهِ، وَالإِفْرِيقيّ يُضَعّفُ في الحَدِيثِ، وَهُوَ عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي.
ـــــــ
" باب ما جاءَ في دَعْوَةِ الأَخِ لأَخِيِه بِظَهرِ الغَيْب"
لفظ الظهر مقحم للتأكيد، أي في غيبة المدعو له عنه وإن كان حاضراً معه بأن دعا له بقلبه حينئذ أو بلسانه ولم يسمعه.
قوله: "ما دعوة أسرع إجابة" تمييز، وفي رواية أبي داود: إن أسرع الدعاء إجابة دعوة غائب لغائب "من دعوة غائب لغائب" لخلوصه، وصدق النية، وبعده عن الرياء والسمعة.
قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه أبو داود

(6/114)


51 ـ باب ما جاءَ في الشّتْم
2047 ـ حَدّثنا قُتَيْبَةُ حدثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ محمدٍ عن العَلاَءِ بن عَبْدِ الرحمنِ عن أَبِيِه عن أَبي هُرَيْرَةَ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "المُسْتَبّانِ مَا قَالاَ فَعَلَى البادئ مِنْهُمَا مَاَلمْ يَعْتدِ المَظْلُومُ" .
وفي البابَ عن سَعْدٍ وابنِ مَسْعُودٍ وَعَبْدِ الله بنِ مُغَفّلٍ.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
"باب ما جاء في الشتم"
قوله: "المستبان" بتشديد الموحدة تثنية اسم الفاعل من باب الافتعال أي المتشاتمان وهما اللذان سب كل منهما الاَخر، ولكن الاَخر أراد رد الاَخر أو قال شيئاً من معائبه الموجودة فيه، هو مبتدأ خبره جملة "ما قالا" أي إثم قولهما "فعلى البادئ" أي على المبتدئ فقط، والفاء إما لكون ما شرطية أو لأنها موصولة متضمنة للشرط ثم البادئ بالهمز، وإنما كان الإثم كله عليه لأنه كان سبباً لتلك المخاصمة. وقيل إثم ما قالا للبادئ أكبر مما يحصل المظلوم "ما لم يعتد المظلوم" فإن جاوز الحد بأن أكثر المظلوم شتم البادئ وإيذاءه صار إثم المظلوم أكثر من إثم البادئ. وقيل إذا تجاوز فلا يكون الإثم على البادئ فقط بل يكون الاَخر آثماً أيضاً باعتدائه. وحاصل الخلاف يرجع إلى خلاف الاعتداء. وفي الشرح السنة: من أربى الربا من يسب سبتين بسبة. وفي رواية لأحمد والبخاري في الأدب عن عياض بن حماد: المستبان شيطانان يتهاتران ويتكاذبان والتهاتر التعالج في القول.
قوله: "وفي الباب عن سعد وابن مسعود وعبد الله بن مغفل" أما حديث سعد فأخرجه ابن ماجة. وأما حديث ابن مسعود فأخرجه الترمذي في هذا الباب. وأماحديث عبد الله بن مغفل فأخرجه الطبراني.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود بلفظ: المستبان ما قالا فعلى البادئ منهما حتى يعتدي المظلوم.

(6/115)


2048 ـ حدّثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ، حدثنا أَبُو دَاوُدَ الْحُفَرِيّ عن سُفْيَانَ عن زِيَاد بنِ عِلاَقَةَ قالَ سَمِعْتُ المُغَيرَةَ بن شُعْبَةَ يقولُ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا تَسُبّوا الأَمْوَاتَ فَتُؤْذُوا الأَحْيَاءَ" .
ـــــــ
قوله: "حدثنا أبو داود الحفري" بفتح المهملة والفاء، نسبة إلى موضع بالكوفة اسمه عمر بن سعد بن عبيد، ثقة عابد من التاسعة.
قوله: "لا تسبوا الأموات" المسلمين "فتؤذوا" أي بسبكم "الأحياء" أي من أقاربهم. وفي حديث عائشة عند البخاري وغيره: لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا. قال العيني في العمدة: قوله الأموات الألف واللام للعهد أي أموات المسلمين، ويؤيده ما رواه الترمذي من حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساويهم، وأخرجه أبو داود أيضا في كتاب الأدب من سننه، ولا حرج في ذكر مساوئ الكفار ولا يؤمر بذكر محاسن موتاهم، إن كانت لهم، من صدقة وإعتاق وإطعام طعام ونحو ذلك، اللهم إلا أن يتأذى بذلك مسلم من ذريته فيجتنب ذلك حينئذ، كما ورد في حديث ابن عباس عند أحمد والنسائي أن رجلاً من الانصار وقع في أبي العباس كان في الجاهلية فلطمه العباس، فجاء قومه فقالوا والله لنلطمنه كما لطمه، فلبسوا السلاح، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصعد المنبر فقال: أيها الناس أي أهل الأرض أكرم عند الله؟ قالوا أنت، قال: فإن العباس مني وأنا منه فلا تسبوا أمواتنا فتؤذوا أحياءنا، فجاء القوم فقالوا يا رسول الله نعوذ بالله من غضبك . وفي كتاب الصمت لابن أبي الدنيا في حديث مرسل صحيح الإسناد من رواية محمد بن علي الباقر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسب قتلى بدر من المشركين وقال: لا تسبوا هؤلاء فإنه لا يخلص إليهم شيء مما تقولون وتؤذون الأحياء. ألا إن البذاء لؤم، وقال ابن بطال: ذكر شرار الموتى من أهل الشرك خاصة جائز لأنه لا شك أنهم في النار وقال: سب الأموات يجري مجرى الغيبة فإن كان أغلب أحوال المرء الخير وقد تكون منه الفتنة فالأغتياب له ممنوع، وإن كان فاسقاً معلناً فلا غيبة له فكذلك الميت انتهى.

(6/116)


وقد اخْتَلَفَ أَصْحَابُ سُفْيَانَ في هذَا الحَديثِ فرَوَى بَعضُهُمْ مِثْلَ رِوَايَةَ الحُفَرِيّ، وَرَوَى بَعْضُهُم عن سُفْياَنَ عن زِيَاد بن عِلاَقَةَ قَال: سَمِعْتُ رَجُلاً يُحَدّثُ عند المُغِيرةِ بنِ شُعْبَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ.
2049 ـ حَدّثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ حدثنا سُفْيَانُ عن زُبَيْدِ بنِ الْحَارِثِ عن أَبِي وَائِلٍ عن عَبْدِ الله بن مسعود قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتاَلُهُ كُفْرٌ" . قالَ زُبَيْدٌ: قُلْتُ لأَبِي وَائِلٍ: أنْتَ
ـــــــ
قوله: "فروى بعضهم" كوكيع وأبي نعيم "مثل رواية الحفري" يعني عن سفيان عن زياد بن علاقة عن المغيرة بن شعبة عن النبي صلى الله عليه وسلم ففي مسند أحمد حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن زياد بن علاقة عن المغيرة بن شعيبة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سب الأموات، وفيه حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان عن زياد قال: سمعت المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لاتسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء. "وروى بعضهم" كعبد الرحمن بن مهدي "عن سفيان عن زياد بن علاقة قال سمعت رجلا يحدث عند المغيرة بن شعبة الخ" في مسند أحمد حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان عن زياد ابن علاقة قال: سمعت رجلاً عند المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحباء. فالظاهر أن زياد بن علاقة سمع هذا الحديث أولاً من رجل يحدثه عند المغيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم سمع المغيرة هذا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم فحدث به زياد بن علاقة، فروى زياد عن المغيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قوله: "حدثنا سفيان" هو الثوري.
قوله: "سباب المسلم" بكسر السين وتخفيف الموحدة أي سبه وشتمه، وهو مصدر. قال إبراهيم الحربي: السباب أشد من السب وهو أن يقول في الرجل ما فيه وما ليس فيه يريد بذلك عيبه. وقال غيره: السباب هنا مثل القتال فيقتضي

(6/117)


سَمِعْتَهُ مِنْ عَبْدِ الله؟ قال: نَعَمْ. هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
المفاعلة "فسوق" الفسق في اللغة الخروج، وفي الشرع الخروج عن طاعة الله ورسوله وهو في عرف الشرع أشد من العصيان. قال الله تعالى {وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ} ففي الحديث تعظيم حق المسلم والحكم على من سبه بغير حق بالفسق "وقتاله كفر" قال القاري في المرقاة: لما يعني مجادلته ومحاربته بالباطل. "كفر" بمعنى كفران النعمة والإحسان في أخوة الإسلام، أو أنه ربما يؤول هذا الفعل بشؤمه إلى الكفر، أو أنه فعل الكفرة، أو أراد به التغليظ والتهديد والتشديد في الوعيد كما في قوله صلى الله عليه وسلم: من ترك صلاة متعمداً فقد كفر . نعم قتله مع استحلال قتله كفر صريح، ففي النهاية: السب الشتم يقال سبه يسبه سباً وسباباً قيل هذا محمول على من سب أو قاتل مسلماً من غير تأويل، وقيل إنما ذلك على جهة التغليظ لا أنه يخرجه إلى الفسق والكفر. وفي شرح السنة: إذا استباح دمه من غير تأويل ولم ير الإسلام عاصماً له فهو ردة وكفر انتهى ما في المرقاة. قال الحافظ في الفتح: لم يرد حقيقة الكفر التي هي الخروج عن الملّة بل أطلق عليه الكفر مبالغة في التحذير معتمداً على ما تقرر من القواعد أن مثل ذلك لا يخرج عن الملّة مثل حديث الشفاعة ومثل قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" ، وأخرجه أحمد والشيخان والنسائي والحاكم وابن ماجة

(6/118)


52 ـ باب ما جاءَ في قَوْلِ المَعرُوف
2050 ـ حَدّثنا عَلِيّ بنُ حُجْرٍ، حدثنا عَلِيّ بنُ مُسْهِرٍ عن
ـــــــ
" باب ما جاءَ في قَوْلِ المَعرُوف"
قال في النهاية: المعروف هو اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله والتقرب إليه والإحسان إلى الناس، وكل ما ندب إليه الشرع ونهى عنه من المحسنات والمقبحات، وهو من الصفات الغالبة، أي أمر معروف بين الناس إذا رأوه لا ينكرونه، والمعروف النصفة وحسن الصحبة مع الأهل وغيرهم من الناس، والمنكر ضد ذلك جميعة انتهى.

(6/118)


عَبْدِ الرحمنِ بنِ إسحاقَ عن النّعْمَانِ بنِ سَعْدٍ عن عَلِيٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنّ في الْجَنّةِ غُرَفاً تُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا، وبُطُونُها مِنْ ظُهُورِهَا. فَقَامَ أَعْرَابِيٌ فقال: لِمَنْ هِيَ يا رسولَ الله؟ فَقَالَ: لِمَنْ أَطَابَ الكَلاَمَ، وَأَطْعَمَ الطّعَامَ، وَأَدَامَ الصّيَامَ، وَصَلّى بالّليْلِ وَالنّاسُ نِيامٌ" .
هذا حديثٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرحمنِ بنِ إسْحاقَ.
ـــــــ
قوله: "عن عبد الرحمن بن إسحاق" : ابن الحارث الواسطي يقال الكوفي ضعيف من السابعة.
قوله: "إن في الجنة غرفاً" جمع غرفة، أي علالي في غاية من اللطافة ونهاية من الصفاء والنظافة "ترى" بالبناء للمفعول "ظهورها من بطونها وبطونهامن ظهورها" لكونها شفافة لا تحجب ما ورائها. وفي رواية أحمد وابن حبان والبيهقي: يري ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها " لمن أطلب الكلام" وروى ألان. وروى: ألين كأجود على الأصل، وروى: لين بتشديد الياء، والمعنى لمن له خلق حسن مع الأنام قال تعالى: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً} فيكون من عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً. الموصوفين بقوله: {أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا} . "وأطعم الطعام" للعيال والفقراء والأضياف ونحو ذلك "وأدام الصيام" أي أكثر منه بعد الفريضة بحيث تابع بعضها بعضاً ولا يقطعها رأساً، قاله ابن الملك. وقيل أقله أن يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وفيه وفيما قبله إشارة إلى قوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} مع أن قوله تعالى: {بِمَا صَبَرُوا} صريح في الدلالة على الصوم "وصلى بالليل" لله "والناس" أي غلبهم "نيام" جمع نائم أو غافلون عنه، لأنه عبادة لا رياء يشوب عمله ولا شهود غير الله، أشارة إلى قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً} المنيء وصفهم بذلك عن أنهم في غاية من الإخلاص لله.
قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه أحمد وابن حبان في صحيحه والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي مالك الأشعري.

(6/119)


53 ـ باب ما جاءَ في فَضْلِ المَملُوكِ الصّالِح
2051 ـ حَدّثنا ابنُ أَبِي عُمَر، حدثنا سُفْيَانُ عن الأَعَمشِ، عن أَبي صَالحٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "نَعِمّا لأَحَدِهِمْ أَن يُطِيعَ رَبّهُ وَيُؤَدّيَ حَقّ سَيّدِهِ" يَعْنِي المَمْلُوكَ. وقالَ كَعْبٌ: صَدَقَ الله وَرَسُولُه.
وفي البابِ عن أَبِي مُوسَى و ابنِ عُمَر.
ـــــــ
"باب ما جاءَ في فَضْلِ المَملُوكِ الصّالِح"
قوله: "نعم ما" ما نكرة غير موصولة ولا موصوفة، بمعنى شيء، أي نعم شيئاً "لأحدهم" وفي رواية البخاري: نعما المملوك. قال الحافظ في الفتح: بفتح النون وكسر العين وإدغام الميم في الأخرى، ويجوز كسر النون، وتكسر النون وتفتح أيضاً مع إسكان العين وتحريك الميم، فتلك أربع لغات "أن يطيع ربه ويؤدي حق سيده" مخصوص بالمدح، والمعنى نعم شيئاً له إطاعة الله وأداء حق سيده "يعني المملوك" هذا تفسير من بعض الرواة لقوله لأحدهم "وقال كعب: صدق الله ورسوله" كعب هذا هو كعب الأحبار. قال الحافظ في التقريب: كعب بن مانع الحميري أبو إسحاق المعروف بكعب الأحبار ثقة من الثانية مخضرم كان من أهل اليمن فسكن الشام، مات في خلافة عثمان وقد زاد على المائة وليس له في البخاري رواية. وفي مسلم رواية لأبي هريرة عنه من طريق الأعمش عن أبي صالح انتهى. وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته: وقد وقع ذكر الرواية عنه في مواضع في مسلم في أواخر كتاب الإيمان، وفي حديث أبي معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رفعه: إذا أدى العبد حق الله وحق مواليه كان له أجران. قال فحدثت به كعباً فقال كعب ليس عليه حساب لا على مؤمن مزهد انتهى.
قوله: "وفي الباب عن أبي موسى وابن عمر" أما حديث أبو موسى فأخرجه البخاري عنه مرفوعاً: المملوك الذي يحسن عبادة ربه ويؤدي إلى سيده الذي عليه من الحق والنصيحة والطاعة له أجران. وأما حديث ابن عمر فأخرجه الشيخان.

(6/120)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
2052 ـ حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ، حدثنا وَكِيعٌ عن سُفْيَانَ عن أَبِي اليَقْظَانِ عن زَاذَانٍ عن ابنِ عُمَر قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ثَلاَثَةٌ عَلَى كُثْبَانِ المِسْكِ، أُرَاهُ قَالَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: عَبْدٌ أَدّى حَقّ الله وَحَقّ مَوَالِيِه، وَرَجُلٌ أَمّ قَوْماً وَهُم بِهِ رَاضُونَ، وَرَجُلٌ يُنَادِي بالصّلَوَاتِ الْخَمْسِ في كُلّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ" .
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، لا نَعْرِفُهُ إِلاَ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ
ـــــــ
وأبو داود عنه مرفوعاً: إن العبد إذا نصح لسيده وأحسن عبادة الله فله أجره مرتين.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" ، وأخرجه الشيخان بلفظهما: المملوك أن يتوفاه الله يحسن عبادة ربه وطاعة سيده نعماً له.
وقوله: "عن زاذان" هو أبو عمر الكندي البزار، ويكني أبا عبد الله أيضاً صدوق يرسل وفيه شيعية من الثانية.
قوله: "ثلاثة على كثبان المسك" جمع كثيب بمثلته، رمل مستطيل محدودب "أراه" بضم الهمزة يعني أظنه، والظاهر أن الضمير المنصوب راجع إلى ابن عمر وقائله هو زاذان، والمعنى إني أظن أن ابن عمر قال بعد لفظ: على كثبان المسك لفظ يوم القيامة "عبد" قن ذكر أو أنثى "أدى حق الله وحق مواليه" أي قام بالحقين معاً. فلم يشغله أحدهما عن الاَخر "ورجل ينادي" أي يؤذن محتسباً، كماجاء في رواية.
قوله: "هذا حديث حسن" أخرجه أحمد والطبراني في الأوسط والصغير بإسناد لا بأس به، ولفظه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاثة لا يهولهم الفزع الأكبر ولا ينالهم الحساب، هم على كثيب من مسك حتى يفرغ من حساب الخلائق: رجل قرأ القرآن ابتغاء وجه الله وأم به قوماً وهم به راضون، وداع يدعو إلى الصلوات ابتغاء وجه الله، وعبد أحسن فيما بينه وبين ربه، وفيما بينه وبين

(6/121)


وَأَبُو اليَقْظَانِ اسْمُهُ عُثْمَانُ بنُ قَيْسٍ.
ـــــــ
مواليه. ورواه في الكبير بنحوه إلا أنه قال في آخره: ومملوك لم يمنعه رق الدنيا من طاعة ربه.
قوله: "وأبو اليقظان اسمه عثمان بن قيس" قال في التقريب: عثمان بن عمير بالتصغير ويقال ابن قيس، والصواب أن قيساً جد أبيه وهو عثمان بن أبي حميد أيضاً البجلي أبو اليقظان الكوفي الأعمى ضعيف، واختلط وكان يدلس ويغلو في التشيع من السادسة

(6/122)


54 ـ باب ما جاءَ في مُعَاشَرَةِ النّاس
2053 ـ حَدّثنا محمد بن بشار، حدثنا عَبْدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِيّ، حدثنا سُفْيَانُ عن حَبِيبِ بنِ أَبِي ثَابِتٍ عن مَيْمُونِ بنِ أَبِي شَبِيبِ عن أَبِي ذَرٍ قالَ: قالَ لي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "اتّقِ الله حَيْثُ مَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السّيّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ" .
ـــــــ
"باب ما جاء في معاشرة الناس"
قوله: "عن ميمون بن أبي شبيب" الربعي أبو نصر الكوفي، صدوق، كثير الإرسال من الثالثة.
قوله: "اتق الله" أي بالإتيان بجميع الواجبات والانتهاء عن سائر المنكرات، فإن التقوى أساس الدين وبه يرتقي إلى مراتب اليقين "حيث ما كنت" أي في الخلاء وفي النعماء والبلاء، فإن الله عالم بسر أمرك كما أنه مطلع على ظواهرك، فعليك برعاية دقائق الأدب في حفظ أوامره ومراضيه، والاحتراز عن مساخطه ومساويه "وأتقوا الله إن الله كان عليكم رقيباً" "وأتبع" أمر من باب الأفعال وهو متعد إلى مفعولين "السيئة" الصادرة منك صغيرة وكذا كبيرة على ما شهد به عموم الخبر وجرى عليه بعضهم لكن خصه الجمهور بالصغائر "الحسنة" صلاة أو صدقة أو استغفارا أو نحو ذلك "تمحها" أي تدفع الحسنة السيئة وترفعها، والإسناد مجازي، والمراد يمحو الله بها آنارها من القلب أو من ديوان الحفظة، وذلك لأن المرض يعالج بضده فالحسنات يذهبن السيئات "وخالق الناس" أمر

(6/122)


وفي البابِ عن أَبي هُرَيْرَةَ. هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
2054 ـ حدّثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ، حدثنا أبو أحمدُ و أبو نُعَيْمٍ عن سُفْيَانَ عن حَبِيبٍ بهذا الإسْنَادِ. قالَ محمودٌ: حدثنا وَكيعٌ عن سُفْيَانَ عن حبيب بنِ أَبِي ثَابِتٍ عن مَيْمُونِ بنِ أَبِي شَبِيبٍ عن مُعَاذِ بنِ جَبَلِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ.
قالَ محمودٌ: والصّحيحُ حَدِيثُ أَبي ذَرّ.
ـــــــ
من المخالفة مأخوذ من الخلق مع الخلق أي خالطهم وعاملهم "بخلق حسن" أي تكلف معاشرتهم بالمجاملة في المعاملة وغيرها من نحو طلاقة وجه، وخفض جانب، وتلطف وإيناس، وبذل ندى، وتحمل أذى، فإن فاعل ذلك يرجي له في الدنيا الفلاح، وفي الاَخرة الفوز بالنجاة والنجاح.
قوله: "وفي الباب عن أبي هريرة" أخرجه أبو داود والدارمي.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والدارمي والحاكم في الإيمان وقال على شرطهما، ونوزع والبيهقي في شعب الأيمان.
قوله: "عن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه" أخرجه أحمد والبيهقي في شعب الإيمان

(6/123)


55 ـ باب ما جاءَ في ظَنّ السّوء
2055 ـ حَدّثنا ابن أَبِي عُمَر حدثنا سُفْيَانُ عن أَبِي الزّنَادِ عن الأَعْرَجِ
ـــــــ
" باب ما جاءَ في ظَنّ السّوء"
قال في الصراح: سوء مساءة مسائية الذوهلين كردن سوء بالضم اسم فيه وقرئ قوله تعالى: {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ} يعني الهزيمة والشر، ويقال هذا رجل سوء على الإضافة ثم تدخل عليه الألف واللام فتقول هذا رجل السوء. قال الأخفش: لا يقال الرجل السوء ويقال الحق اليقين وحق اليقين جميعاً لأن السوء ليس بالرجل واليقين هو الحق، قال ولا يقال هذا رجل السوء بضم السين انتهى.

(6/123)


عن أَبي هُرَيْرَةَ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "إِيّاكُمْ وَالظّن فإِنّ الظّنّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ" .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وسَمِعْتُ عَبْدَ بنَ حُمَيْدٍ يَذْكُرُ عن بَعْضِ أَصْحَابِ سفيانَ قالَ: قالَ سفيانُ الظّنّ ظَنّانِ: فَظَنّ إِثمٌ، وَظَنّ لَيْسَ بإِثمٍ. فأَمّا الظّنّ الذي هُوَ إِثْمٌ: فالذي يَظُنّ ظَنّاً وَيَتَكَلّمُ به، وأمّا الظّنّ الذي لَيْسَ بإِثْمٍ: فالذي يَظُنّ وَلاَ يَتَكَلّمُ بِهِ.
ـــــــ
قوله: "إياكم والظن" أي اتقوا سوء الظن بالمسلمين قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ} وهو ما يستقر عليه صاحبه دون ما يخطر بقلبه "إن بعض الظن" وهو أن يظن ويتكلم "إثم" فلا تجسسوا أو احذروا اتباع الظن في أمر الدين الذي مبناه على اليقين. قال تعالى: {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنّاً إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً} قال القاضي هو تحذير عن الظن فيما يجب فيه القطع أو التحدث به عند الاستغناء عنه أو عما يظن كذبه انتهى. أو اجتنبوا الظن في التحديث والإخبار، ويؤيده قوله: فإن الظن أكذب الحديث. ويقويه حديث: كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع، والظاهر أن المراد التحذير عن الظن بسوء في المسلمين وفيما يجب فيه القطع من الاعتقاديات "فإن الظن" أقام المظهر مقام المضمر حثاً على تجنبه "أكذب الحديث" أي حديث النفس لأنه بإلقاء الشيطان في نفس الإنسان، قال في المجمع: معنى كون الظن أكذب الحديث مع أن الكذب خلاف الواقع فلا يقبل النقص وضده أن الظن أكثر كذباً. أو أن إثم هذا الكذب أزيد من إثم الحديث الكاذب، أو أن المظنونات يقع الكذب فيها أكثر من المجزومات انتهى. قال الحافظ: وقد استشكلت تسمية الظن حديثاً، وأجيب بأن المراد عدم مطابقة الواقع سواء كان قولاً أو فعلاً، ويحتمل أن يكون المراد ما ينشأ عن الظن فوصف الظن به مجازاً انتهى ما في الفتح.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان مطولاً

(6/124)


56 ـ باب ما جاءَ في المِزَاح
2056 ـ حَدّثنا عَبْدُ الله بنُ الوَضّاحِ الكُوفِيّ، حدثنا عَبْدُ الله بنُ إِدْرِيسَ عن شُعْبَةَ عن أَبِي التّيّاحِ عن أَنَسٍ قالَ: "إِنْ كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لَيُخَالِطُنَا حتى إِنْ كَانَ ليقُولَ لأَخٍ لي صَغِيرٍ: يَا أَبَا عُمَيْر مَا فَعَلَ النّغَيْر؟" .
ـــــــ
"باب ما جاء في المزاح"
في القاموس: مزح كمنع مزحاً مزاحاً ومزاحة بضمهما داعب ومازحه ممازحة ومزاحاً بالكسر وتمازحاً انتهى. وفي الصراح: مزح لاغ كردن. قال النووي: اعلم أن المزاح المنهي هو الذي فيه إفراط ويداوم عليه فإنه يورث الضحك وقسوة القلب ويشغل عن ذكر الله والكفر في مهمات الدين، ويؤول في كثير من الأوقات إلى الإيذاء، ويورث الأحقاد، ويسقط المهابة والوقار. فأما ما سلم من هذه الأمور فهو المباح الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله على الندرة، لمصلحة تطييب نفس المخاطب ومؤانسته، وهو سنة مستحبة، فاعلم هذا فإنه مما يعظم الاحتياج إليه انتهى.
قوله: "حدثنا عبد الله بن الوضاح الكوفي" أبو محمد اللؤلؤي مقبول من كبار الحادية عشر "عن أبي التاح" بمثناة ثم تحتانية ثقيله وآخره مهملة اسمه يزيد بن حميد الضبعي بضم المعجمة وفتح الموحدة بصري مشهور بكنيته ثقة ثبت من الخامسة.
قوله: "إن" مخففة من المثقلة واسمها ضمير الشان أي إنه "ليخالطنا" بفتح اللام وتسمى لام الفارقة وفي نسخة للشمائل: ليخاطبنا، والمعنى ليخالطنا غاية المخالطة، ويعاشرنا نهاية المعاشرة، ويجالسنا ويمازحنا "حتى إن" مخففة من المثقلة "كان ليقول لأخ لي" أي من أمي وأبوه أبو طلحة زيد بن سهل الأنصاري "يا أبا عمير" بالتصغير "ما فعل" بصيغة الفاعل، أي ما صنع "النّغَيْر" بضم ففتح تصغير نغر بضم النون وفتح الغين المعجمة، طائر يشبه العصفور أحمر المنقار

(6/125)


2057 ـ حدّثنا هَنّادٌ، حدثنا وَكِيعٌ عن شُعْبَةَ عن أَبِي التّيّاحِ عن أَنَسِ نَحْوَهُ.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وأَبُو التّيّاحِ اسْمُهُ يَزِيدُ بنُ حُمَيْدٍ الضّبيعيّ.
2058 ـ حدّثنا العَبّاسُ بنُ محمد الدّوْرِيّ البغدادي حدثنا عليّ بن الحسن حدثنا عَبْدُ الله بنُ المُبَارَكِ عن أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ عن سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ
ـــــــ
وقيل هو العصفور، وقيل هو الصعو صغير المنقار أحمر الرأس، وقيل أهل المدينة يسمونه البلبل، والمعنى ما جرى له حيث لم أره معك. وزاد في رواية الصحيحين: وكان له نغير يلعب به فمات. ففي قوله صلى الله عليه وسلم تسلية له على فقده بموته. قال الطيبي: حتى غاية قوله يخالطنا وضمير الجمع لأنس وأهل بيته أي انتهت مخالطته لأهلنا كلهم حتى الصبي وحتى الملاعبة معه وحتى السؤال عن فعل النغير. وقال الراغب: الفعل التأثير من جهة مؤثرة، والعمل كل فعل يكون من الحيوان بقصد وهو أخص من الفعل، لأن الفعل قد ينسب إلى الحيوانات التي يقع منها بغير قصد وقد ينسب إلى الجمادات انتهى كلامه. فالمعنى ما حاله وشأنه؟ ذكره الطيبي.
تنبيه: قال الحافظ في الفتح: ذكر أبو العباس أحمد بن أبي أحمد الطبري المعروف بابن القاص الفقيه الشافعي في أول كتابه أن بعض الناس عاب على أهل الحديث أنهم يروون أشياء لا فأئدة فيها أو مثل ذلك بحديث أبي عمير هذا، قال وما درى أن في هذا الحديث من وجوه الفقه وفنون الأدب والفائدة ستين وجهاً ثم ساقها مبسوطة فلخصتها مستوفياً بمقاصده ثم أتبعته بما تيسر من الزوائد عليه، ثم ذكر الحافظ ما لخصه وما زاد عليه، فإن شئت الوقوف عليه فراجع الفتح في شرح حديث أنس المذكور في باب الكنية للصبي قبل أن يولد له.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله: "عن أسامة بن زيد" الليثي مولاهم كنيته أبو زيد المدني صدوق يهم من السابعة.

(6/126)


عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: "قَالُوا يا رسولَ الله إِنّكَ تُدَاعِبُنا؟ قالَ: إِنّي لاَ أَقُولُ إِلاّ حَقّا" .
هذا حديثٌ حسنٌ. وَمَعْنَى قوله: "إِنّكَ تُدَاعِبُنَا" إِنّمَا يَعْنُونَ أَنّكَ تُمَازحُنا.
2059 ـ حدّثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ، حدثنا أَبُو أُسَامَةَ عن شَرِيكٍ عن عاصِمٍ الأَحْوَلِ عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ: "أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ لَهُ: يَا ذَا الأُذُنَيْنِ" قالَ محمودٌ: قالَ أَبُو أُسَامَةَ: إنما يَعْني به أنه يمازحه.
2060 ـ حدّثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا خَالِدُ بنُ عَبْدُ الله الوَاسِطيّ، عن
ـــــــ
قوله: "إنك تداعبنا" من الدعابة أي تمازحنا ومن ذلك قوله لعجوز: لا تدخل الجنة عجوز، أي لا تبقى عجوزاً عند دخولها، وكأنهم استبعدوه منه لذلك أكدوا الكلام بأن، والأظهر أن منشأ سؤالهم أنه صلى الله عليه وسلم نهاهم عن المزاح كما سيجيء في باب المراء عن ابن عباس رضي الله عنه "قال إني لا أقول إلا حقاً" أي عدلاً وصدقاً لعصمتي عن الزلل في القول والفعل، ولا كل أحد منكم قادر على هذا الحصر لعدم العصمة فيكم.
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه أحمد في مسنده.
قوله: "يا ذا الأذنين" معناه الحض والتنبيه على حسن الاستماع لما يقال له، لأن السمع بحاسة الأذن ومن خلق الله له الأذنين وغفل ولم يحسن الوعي لم يعذر، وقيل إن هذا القول من جملة مداعباته صلى الله عليه وسلم ولطيف أخلاقه، قاله صاحب النهاية، كذا في المرقاة.
قلت: ما قال صاحب النهاية: هو الظاهر عندي وهو الذي فهمه الترمذي وشيخ شيخه، والحديث أخرجه أبو داود وسكت عنه هو والمنذري.
قوله: "حدثنا خالد بن عبد الله الواسطي" الطحان المزني مولاهم ثقة ثبت في الثامنة.

(6/127)


حُمَيْدٍ عن أَنَسٍ: "أَنّ رَجُلاً اسْتَحْمَلَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ إِنّي حَامِلُكَ على وَلَدِ نَاقَةٍ، فقالَ يا رسولَ الله ما أَصْنَعُ بِوَلَدِ النّاقَةِ؟ فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: وهَلْ تَلِدُ الإِبِلَ إِلاّ النّوقُ"؟ .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غَريبٌ.
ـــــــ
قوله: "إن رجلاً" قيل وكان به بله "استحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي سأله الحملان، والمراد به أن يعطيه حمولة يركبها "إني حاملك على ولد ناقة" قاله مباسطاً له بما عساه أن يكون شفاء لبلهه بعد ذلك "ما أصنع بولد الناقة" حيث توهم أن الولد لا يطلق إلا على الصغير وهو غير قابل للركوب "هل تلد الإبل" أي جنسها من الصغار والكبار "إلا النوق" بضم النون جمع الناقة وهي أنثى الإبل، والمعنى أنك لو تدبرت لم تقل ذلك، ففيه مع المباسطة له الإشارة إلى إرشاده وإرشاد غيره بأنه ينبغي لمن سمع قولاً أن يتأمله ولا يبادر إلى رده إلا بعد أن يدرك غوره.
قوله: "هذا حديث صحيح غريب" وأخرجه أبو داود

(6/128)


57 ـ باب ماَ جاَءَ في المِرَاء
2061 ـ حَدّثنا عُقْبَةُ بنُ مُكْرَمٍ العمي البَصْرِيّ، حدثنا ابنُ أَبي فُدَيْكٍ قالَ أَخْبَرَنِي سَلْمَةُ بنُ وَرْدَانَ الّليْثِيّ عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ تَرَكَ الكَذِبَ وهُوَ بَاطِلٌ بُنيَ لَهُ في رَبَضِ
ـــــــ
" باب ماَ جاَءَ في المِرَاء"
بكسر الميم: أي الجدال.
قوله: "أخبرني سلمة بن وردان الليثي" أبو يعلى المدني ضعيف من الخامسة.
قوله: "من ترك الكذب" أي وقت مرائه، كما يدل عليه القرينة الاَتية، ويحتمل الإطلاق والله أعلم "وهو باطل" جملة معترضة بين الشرط والجزاء للتنفير

(6/128)


الْجَنّةِ، وَمَن تَرَكَ المِرَاءَ وَهُوَ مُحِقٌ بُنِيَ لَهُ فِي وَسَطِهَا، وَمَنْ حَسّنَ خُلُقَهُ بُنِيَ لَهُ في أَعْلاَهَا" .
ـــــــ
عن الكذب، فإن الأصل فيه أنه باطل، أو جملة خالية من المفعول أي والحال أنه باطل لا مصلحة فيه من مرخصات الكذب كما في الحرب أو إصلاح ذاب البين والمعاريض، أو حال من الفاعل أي وهو ذو باطل بمعنى صاحب بطلان "بني له" بصيغة المجهول وله نائبه أي بنى الله له قصراً "في ربض الجنة" قال في النهاية: هو بفتح الباء ما حولها خارجاً عنها تشبيهاً بالأبنية التي تكون حول المدن وتحت القلاع انتهى. وقال القاري في المرقاة: أي نواحيها وجوانبها من داخلها ولا من خارجها. وأما قول الشارح هو ما حولها خارجاً عنها تشبيهاً بالأبنية التي حول المدن وتحت القلاع، فهو صريح اللغة لكنه غير صحيح المعنى، فإنه خلاف النمقول ويؤدي إلى المنزلة بين المنزلتين حساً كما قاله المعتزلة معنى، فالصواب أن المراد به أدناها كما يدل عليه قوله "ومن ترك المراء" بكسر الميم أي الجدال "وهو محق" أي صادق ومتكلم بالحق "في وسطها" بفتح السين ويسكن أي في أوسطها لتركه كسر قلب من يجادله ودفعه رفعة نفسه وإظهار، نفاسة فضله، وهذا يشعر بأن معنى صدر الحديث أن من ترك المراء وهو مبطل فوضع الكذب موضع المراء لأنه الغالب، فيه أو المعنى أن من ترك الكذب ولو لم يترك المراء بني له في ربض الجنة لأنه حفظ نفسه عن الكذب لكن ما صانها عن مطلق المراء، فلهذا يكون أحط مرتبة منه انتهى ما في المرقاة "ومن حسن" بتشديد السين أي أحسن بالرياضة "خلقه" بضمتين ويسكن اللام أي جميع أخلاقه التي من جملتها ترك المراء وترك الكذب "بني له في أعلاها" أي حساً ومعنى، وهذا يدل على أن الخلق مكتسب وإن كان أصله غريزياً، ومنه خبر صحيح: اللهم حسن خلقي كما حسنت خلقي، وكذا خبر مسلم: اللهم اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت. قال الإمام حجة الإسلام: حد المراء الاعتراض على كلام الغير بإظهار خلل فيه إما لفظاً أو معنى أو في قصد المتكلم، وترك المراء بترك الاعتراض والإنكار، فكل كلام سمعته فإن كان حقاً فصدق به، وإن كان باطلاً ولم يكن متعلقاً بأمور الدين فاسكت عنه.

(6/129)


هذا الحديثُ حديثٌ حسنٌ لا نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَةَ بنِ وَرْدَانَ عن أَنَس.
2062 ـ حدّثنا فَضَالَةُ بنُ الفَضلِ الكُوفِيّ، حدثنا أَبو بَكْرِ بن عَيّاشٍ عن ابنِ وَهْبِ ابن مُنَبّهٍ عن أَبِيِه عن ابنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "كَفَى بِكَ إِثْماً أَنْ لاَ تَزَالَ مُخَاصِمَاً" .
هذا حديثٌ غريبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ هذا الوَجْهِ.
2063 ـ حدّثنا زِيَادُ بنُ أَيّوبَ البَغْدَادِيّ، حدثنا المُحَارِبِيّ، عن الليث وَهُوَ ابنُ أَبِي سُلَيْمٍ عن عَبْدِ المَلِكِ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن" قال ميرك نقلاً عن التصحيح: وسلمة تكلم فيه لكن حسن حديثه الترمذي وللحديث شواهد انتهى.
قلت: ومنها حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه. رواه أبو داود واللفظ له وابن ماجة والترمذي كذا في الترغيب. ومن عادات الترمذي أنه يحسن الحديث الضعيف للشواهد وقد بينته في المقدمة.
قوله: "حدثنا فضالة بن الفضل" بن فضالة التميمي أبو الفضل الكوفي صدوق ربما أخطأ من صغار العاشرة "عن ابن وهب بن منبة" مجهول من السادسة وكان لوهب ثلاثة أولاد عبد الله وعبد الرحمن وأيوب كذا في التقريب وقال في الميزان: ابن وهب بن منبة عن أبيه لا يعرف وعنه أبو بكر بن عياش، فبنو وهب عبد الله وعبد الرحمن وأيوب وليسوا بالمشهورين انتهى "عن أبيه" أي وهب ابن منبه بن كامل اليماني أبي عبد الله الأبناوي بفتح الهمزة وسكون الموحدة بعدها نون ثقة من الثالثة "كفى بك إثماً أن لا تزال مخاصماً" لأن كثرة المخاصمة تقضي إلى ما يذم صاحبه.
قوله: "هذا حديث غريب" قال المناوي في شرح الجامع الصغير: إسناده ضعيف.
قوله: "حدثنا المحاربي" هو عبد الرحمن بن محمد "عن ليث" هو ابن أبي سليم "عن عبد الملك" بن أبي بشير البصري نزيل المداين ثقة من السادسة.

(6/130)


عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "لاَ تُمَارِ أَخَاكَ وَلاَ تُمَازِحْهُ وَلاَ تَعدْهُ مَوْعِداً فَتُخْلِفَهُ" .
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ هذا الوَجْهِ.
ـــــــ
قوله: "لا تمار" بضم أوله من المماراة أي لا تجادل ولا تخاصم "أخاك" أي المسلم "ولا تمازحه" أي مزاحاً يقضي إلى إيذائه من هتك العرض ونحوه "ولا تعده موعداً" أي وعداً أو زمان وعد أو مكانه "فتخلفه" من الإخلاف وهو منصوب. قال الطيبي: إن روي منصوباً كان جواباً للنهي على تقدير أن فيكون مسبباً عما قبله فعلى هذا التنكير في موعد للنوع من الموعد وهو ما يرضاه الله تعالى بأن يعزم عليه قطعاً ولا يستثنى فيجعل الله ذلك سبباً للإخلاف أو ينوي في الوعد كالمنافق فإن آية النفاق الخلف في الوعد كما ورد: إذا وعد أخلف. ويحتمل أن يكون النهي عن مطلق الوعد لأنه كثيراً ما يفضي إلى الخلف، ولو روي مرفوعاً كان النهي الوعد المستعقب للإخلاف أي لا تعده موعداً فأنت تخلفه على أنه جملة خبرية معطوفة على إنشائية. قال النووي: أجمعوا على أن من وعد إنساناً شيئاً ليس بمنهي عنه فينبغي أن يفي بوعده، وهل ذلك واجب أو مستحب فيه خلاف، ذهب الشافعي وأبو حنيفة والجمهور إلى أنه مستحب، فلو تركه فاته الفضل وارتكب المكروه كراهة شديدة ولا أثم يعني من حيث هو خلف. وإن كان يأثم إن قصد به الأذى. قال: وذهب جماعة إلى أنه واجب، منهم عمر بن عبد العزيز وبعضهم إلى التفصيل، ويؤيد الوجه الأول ما أورده في الإحيا حيث قال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا وعد وعداً قال: عسى، وكان ابن مسعود لا يعد وعداً إلا ويقول إن شاء الله تعالى، وهو الأولى. ثم إذ افهم مع ذلك الجزم في الوعد فلا بد من الوفاء إلا أن يتعذر، كان عند الوعد عازماً على أن لا يعني به فهذا هو النفاق انتهى.
قوله: "هذا حديث غريب" في سنده ليث بن أبي سليم قال الحافظ صدوتق اختلط أخيراً ولم يتميز حديثه فترك.

(6/131)


58 ـ باب ما جاءَ في المُدَارَاة
2064 ـ حَدّثنا ابنُ أَبِي عُمَر، حدثنا سُفْيَانُ بن عيينة عن محمدِ بنِ المُنْكَدِرِ عن عُرْوَةَ بنِ الزّبَيْرِ عن عَائِشَةَ قَالَتْ: "اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ على رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وأَنَا عِنْدَهُ، فقالَ: بِئْسَ ابنُ العَشِيرَةِ أَوْ أَخُو العَشِيرَةِ، ثُمّ أَذِنَ لَهُ فَأَلاَنَ لَهُ القَوْلَ، فَلَمّا خَرَجَ قُلْتُ لَهُ يا رسولَ الله: قلتَ لَهُ
ـــــــ
"باب ما جاء في المداراة"
قال في النهاية: المداراة بلا همز ملاينة الناس وحسن صحبتهم واحتمالهم لئلا ينفروا عنك وقد يهمز.
قوله: "عن محمد بن المنكدر" بن عبد الله بن الهدير بالتصغير التيمي ثقة فاضل من الثالثة، وقد وقع في النسخة الأحمدية محمود بن المنكدر وهو غلط والصواب محمد بن المنكدر.
قوله: "بئس ابن العشيرة وأخو العشيرة" أو للشك فقبل يحتمل أن يكون الشك من سفيان فإن جميغ أصحاب المنكدر رووه عنه بدون الشك، وفي رواية للبخاري: بئس أخو العشيرة وابن العشيرة من غير شك. قال الطيبي: العشيرة القبيلة، أي بئس هذا الرجل من هذه العشيرة، كما يقال يا أخا العرب لرجل منهم. قال النووي: واسم هذا الرجل عيينة بن حصن ولم يكن اسلم حينئذ وإن كان قد أظهر الأسلام فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين حاله ليعرفه الناس ولا يغتر به من لم يعرف بحاله، وكان منه في حياته صلى الله عليه وسلم وبعده ما دل على ضعف إيمانه، ووصف النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يئس ابن العشيرة أو أخو العشيرة من أعلام النبوة لأنه ارتد بعده صلى الله عليه وسلم وجيء به أسيراً إلى الصديق "ألان له القول" وفي المشكاة: تطلق النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه وانبسط إليه، أي أظهر له طلاقة الوجه وبشاشة البشرة وتبسم له. قال النووي: وإنما ألان له القول تألفا له ولأمثاله على الإسلام. وفيه مداراة من يتقى فحشه وجواز غيبة الفاسق. وفي شرح السنة: فيه دليل على أن ذكر الفاسق بما فيه ليعرف أمره فيتقى لا يكون من الغيبة، ولعل الرجل كان مجاهراً بسوء أفعاله،

(6/132)


مَا قُلْتَ ثم أَلَنْتَ لَهُ الْقَوْلَ؟ قالَ يا عَائِشَةُ إِنّ مِنْ شَرّ النّاسِ مَنْ تَرَكَهُ النّاسُ أَوْ وَدَعَهُ النّاسُ اتّقَاءَ فُحْشِهِ" .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
ولا غيبة لمجاهر. قال النووي: ومن الذين يجوز لهم الغيبة المجاهر بفسقه أو بدعته فيجوز ذكره بما يجهر به ولا يجوز بغيره "إن من شر الناس" وفي رواية: إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة "من تركه الناس" أي ترك الناس التعرض له "أو ودعه" أو للشك من بعض الرواة "اتقاء فحشه" وفي رواية اتقاء شره، أي كيلا يؤذيهم بلسانه، وفيه رخصة المداراة لدفع الضرر، وقد جمع هذا الحديث كما قاله الخطابي علماً وأدباً، وليس قوله عليه السلام في أمته بالأمور التي يسهم بها ويضيفها إليهم ممن المكروه غيبة وإنما يكون ذلك من بعضهم في بعض، بل الواجب عليه صلى الله عليه وسلم أن يبين ذلك ويفصح به ويعرف الناس أمورهم، فإن ذلك من باب النصيحة والشفقة على الأمة، ولكنه لما جبل عليه من الكرم وأعطيه من حسن الخلق أظهر له البشاشة ولم يجبه بالمكروه، وليقتدي به أمته في اتقاء شر من هذا سبيله وفي مداراته ليسلموا من شره وغائلته. وقال القرطبي: فيه جواز غيبة المعلن بالفسق أو الفحش ونحو ذلك مع جواز مداراتهم اتقاء شرهم ما لم يؤد ذلك إلى المداهنة، ثم قال تبعاً للقاضي حسين: والفرق بين المداراة والمداهنة أن المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معاً وهي مباحة وربما استحسنت، والمداهنة بذل الدين لصلاح الدنيا انتهى. وهذه فائدة جليلة ينبغي حفظها والمحافظة عليها. فإن أكثر الناس عنها غافلون وبالفرق بينهما جاهلون.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وغيرهما

(6/133)


باب ما جاء في الإقتصاد في الحب و البغض
...
59 ـ باب ما جاءَ في الاقْتِصَادِ في الْحُبّ والبُغْض
2065 ـ حَدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ، حدثنا سُوَيْدُ بنُ عَمْرٍو الكَلْبِيّ عن
ـــــــ
" باب ما جاءَ في الاقْتِصَادِ في الْحُبّ والبُغْض"
قال في الصراح: قصد ميانه رفتن دهر جيز واقتصاد مثله، يقال فلان مقتصد في النفقة لا إسراف ولا تقتير انتهى.
قوله: "حدثنا سويد بن عمرو الكلبي" أبو الوليد الكوفي العابد من كبار

(6/133)


حَمّادِ بنِ سَلَمَةَ عن أَيّوبَ عن محمدِ بنِ سِيرِينَ عن أَبي هُرَيْرَةَ، أُرَاهُ رَفَعَهُ قَالَ: "أْحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْناً ما، عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْماً ما، وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْناً ما عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْماً ما" .
هذا حديثٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ بهذا الإِسْنَادِ إِلاّ مِنْ هذا الوَجْهِ.
وقد رُوِيَ هذا الْحَدِيثُ عن أَيّوبَ بإِسْنَادٍ غَيْرِ هذا، رَوَاهُ الْحَسَنُ بنُ أَبِي جَعْفَرٍ. وهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ أَيْضاً، بإِسْنَادٍ لَهُ عن عَلِيّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. والصحِيحُ عَنْ عَلِيّ مَوْقوف.
ـــــــ
العاشرة ثقة، وأفحش ابن حبان القول فيه ولم يأت بدليل "عن حماد بن سلمة" ابن دينار البصري، أبي سلمة ثقة عابد أثبت الناس في ثابت وتغير حفظه بآخره من كبار الثامنة.
قوله: "أراه" بضم الهمزة أي أظنه "أحبب حبيبك هوناً ما" من باب الأفعال أي أحببه حباً قليلاً فهوماً منصوب على المصدر صفة لما اشتق منه أحبب. وقال في المجمع: أي حباً مقتصداً لا إفراط فيه، ولفظ ما للتقليل "عسى أن يكون بغيضيك يوماً ما الخ" قال المناوي في شرح الجامع الصغير: إذ ربما انقلب ذلك بتغير الزمان والأحوال بغضاًفلا تكون قد اسرفت في حبه فتندم عليه إذا أبغضته، أو حباً فلا تكون قد أسرفت في بغضه فتستحي منه إذا أحببته. ولذلك قال الشاعر: فهونك في حب وبغض فربما بدا صاحب من جانب بعد جانب.
قوله: "هذا حديث غريب لا نعرفه بهذا الإسناد إلا من هذا الوجه الخ" قال المناوي في شرح الجامع الصغير: وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة والطبراني في الكبير عن ابن عمر بن الخطاب، وعن ابن عمرو بن العاص والدارقطني في الأفراد وابن عدي في الكامل والبيهقي في شعب الإيمان عن علي مرفوعاً والبخاري في الأدب المفرد والبيهقي عن علي موقوفاً عليه، قال الترمذي هذا هو الصحيح انتهى

(6/134)


60 ـ باب ما جاءَ فِي الْكِبر
2066 ـ حَدّثنا أَبُو هِشَامٍ الرّفَاعِيّ حدثنا أَبو بَكْرِ بنِ عَيّاشٍ عن الأَعْمشِ عن إِبراهيمَ عن عَلْقَمَةَ عن عَبْدِ الله قالَ: قافلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَدْخُلُ الْجَنّةَ مَنْ كانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ
ـــــــ
"باب ما جاء في الكبر"
بكسر الكاف وسكون الموحدة ثم راء، قال الراغب: الكبر والتكبير والاستكبار متقارب، فالكبر الحالة التي يختص بها الأنسان من إعجابه بنفسه وذلك أن يرى نفسه أكبر من غيره، وأعظم ذلك أن يتكبر على ربه بأن يمتنع من قبول الحق والإذعان له بالتوحيد والطاعة. والتكبر يأتي على وجهين أحدهما أن تكون الأفعال الحسنة زائدة على محاسن الغير ومن ثم وصف سبحانه وتعالى بالمتكبر، والثاني أن يكون متكلفاً لذلك متشبعاً بما ليس فيه وهو وصف عامة الناس نحو قوله: "كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار" والمستكبر مثله. وقال الغزالي: الكبر على قسمين فإذا ظهر على الجوارح يقال تكبر وإذا لم يظهر يقال في نفسه كبر، فالأصل هو الخلق في النفس وهو الاسترواح والركون إلى رؤية النفس فوق المتكبر عليه، فإن الكبر يستدعي متكبراً عليه ليرى نفسه فوقه في صفات الكمال ومتكبراً به، وبه يفصل الكبر عن العجب، فإن العجب لا يستدعي غير المعجب به بل لو لم يخلق إلا وحده تصور أن يكون معجباً ولا يتصور أن يكون متكبراً.
قوله: "حدثنا أبو هشام الرفاعي" اسمه محمد بن يزيد بن محمد بن كثير العجلي الكوفي قاضي المدائن ليس بالقوى من صغار العاشرة، وذكره ابن عدي في شيوخ البخاري، وجزم الخطيب بأن البخاري روى عنه لكن قد قال البخاري: رأيتهم مجمعين على ضعفه كذا في التقريب.
قوله: "من كان في قلبه مثقال حبة" أي مقدار وزن حبة. قال في المجمع: المثقال في الأصل مقدار من الوزن، أي شيء كان من قليل أو كثير، والناس يطلقونه في العرف على الدينار خاصة وليس كذلك انتهى "من خردل" قيل إنه

(6/135)


مِنْ كِبْرٍ، ولا يَدْخُلُ النّارَ مَنْ كانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبّةٍ مِنْ إِيمَانٍ" ، وفي البابِ عن أَبي هُرَيْرَةَ وابنِ عَبّاسٍ وسَلَمَةَ بنِ الأكوعِ وأَبِي سَعيِدٍ.
ـــــــ
الحبة السوداء وهو تمثيل للقلة كما جاء مثقال ذرة. قال النووي: قد اختلف في تأويل قوله صلى الله عليه وسلم: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر، فذكر الخطابي فيه وجهين، أحدهما أن المراد التكبر عن الإيمان فصاحبه لا يدخل الجنة أصلاً إذا مات عليه، والثاني أنه لا يكون في قلبه كبر حال دخوله الجنة كما قال الله عز وجل {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ} وهذان التأويلان فيهما بعد، فإن هذا الحديث ورد في سباق النهي عن الكبر المعروف وهو الارتفاع على الناس واحتقارهم ودفع الحق، فلا ينبغي أن يحمل على هذين التأويلين المخرجين له عن المطلوب، بل الظاهر ما اختاره القاضي عياض وغيره من المحققين أنه لا يدخلها دون مجازاة إن جازاه، وقيل هذا جزاؤه لو جازاه وقد تكرم بأنه لا يجازيه بل لا بد أن يدخل كل الموحدين الجنة إما أولاً وإما ثانياً بعد تعذيب أصحاب الكبائر الذين ماتوا مصرين عليها. وقيل لا يدخلها مع المتقين أول وهلة انتهى "لايدخل النار من كان في قلبه الخ" المراد به دخول الكفار وهو دخول الخلود والتأبيد. قال الطيبي في قوله صلى الله عليه وسلم: مثقال حبة، إشعار بأن الإيمان قابل للزيادة والنقصان.
قلت: الأمر كما قال الطيبي، فلا شك في أن هذا الحديث يدل على أن الإيمان يزيد وينقص.
قوله: "وفي الباب عن أبي هريرة وابن عباس وسلمة بن الأكوع وأبي سعيد" أما حديث أبي هريرة فأخرجه مسلم. وأما حديث ابن عباس فأخرجه الطبراني والبزار بإسناد حسن كذا في الترغيب، وله حديث آخر عند ابن ماجة وابن حبان وأما حديث سلمة بن الأكوع فأخرجه الترمذي في هذا الباب كما سيأتي، وأما حديث أبي سعيد فأخرجه مسلم عنه مرفوعاً بلفظ: احتجت الجنة والنار فقالت النار: في الجبارون والمتكبرون، وقالت الجنة: في ضعفاء المسلمين ومساكينهم، فقضى الله بينهما إنك الجنة رحمتي أرحم بك من أشاء، وإنك النار عذابي أعذب بك من أشاء ولكليهما على ملؤها.

(6/136)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
2067ـ حدّثنا محمدُ بنُ المثنّى وعَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الرحمنِ قالا: حدثنا يَحْيَى بنُ حَمّادٍ، حدثنا شُعْبَةُ عن أَبَانَ بنِ تَغْلِبٍ عن فُضَيْلِ بنِ عَمْرٍو عن إِبراهيمَ عن عَلْقَمَةَ عن عَبْدِ الله عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لاَ يَدْخُلُ الْجَنّةَ منْ كَانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرّةٍ منْ كِبْرٍ، ولا يَدخُلُ النّارَ يعني مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرّةٍ مِنْ إِيمَان. قالَ: فقالَ لَهُ رَجُلٌ إِنّهُ يُعْجِبُنِي أَنْ يَكُونَ ثَوْبِي حَسَنَاً وَنَعْلِي حسنة، قالَ: إِن الله يُحِبّ الْجَمَالَ، ولَكِنّ الكِبْرَ مَنْ
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم.
قوله: "حدثنا يحيى بن حماد" بن أبي زياد الشيباني مولاهم البصري ختن أبي عمرانة ثقة عابد من صغار التاسعة "عن أبان بن تغلب" قال النووي: يجوز صرف أبان وترك صرفه وإن الصرف أفصح، وتغلب بفتح المثناة وسكون المعجمة وكسر اللام أبي سعيد الكوفي تكلم فيه للتشيع من السابعة "عن فضيل بن عمرو" الفقيمي بالفاء والقاف مصغراً أبي النصر الكوفي ثقة من السادسة.
قوله: "فقال رجل" قال النووي في شرح مسلم: هو مالك بن مزارة الرهاوي، قاله القاضي عياض، وأشار إليه أبو عمر بن عبد البر قال: وقد جمع أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال الحافظ في اسمه أقوالاً من جهات ثم سردها النووي "إنه يعجبني أن يكون ثوبي حسناً ونعلي حسناً" أي من غير أن أراعي نظر الخلق، وما يترتب عليه من الكبر والخيلاء، والسمعة والرياء، ثم النعل ما وقيت به القدم وهي مؤنثة سماعية ذكرها ابن الحاجب في رسالته فيما يجب تأنيثه. فالتذكير هنا باعتبار معناها، وهو ما وقيت به القدم، ولعل سبب ذلك السؤال ما ذكره الطيبي: أنه لما رأى الرجل العادة في المتكبرين لبس الثياب الفاخرة ونحو ذلك سأل ما سأل "قال" مجيباً له "إن الله يحب الجمال" وفي رواية: إن الله جميل يحب الجمال، أي حسن الأفعال كامل الأوصاف، وقيل: أي مجمل، وقيل جليل، وقيل مالك النور والبهجة، وقيل جميل الأفعال بكم والنظر إليكم يكلفكم اليسير

(6/137)


بَطَرَ الْحَقّ وغَمصَ النّاسَ" . هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غَريبٌ.
2068ـ حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ، حدثنا أَبو مُعَاوِيَةَ عَنْ عُمَر بنِ رَاشِدٍ عَن إِيَاسِ بنِ سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَع عن أَبِيِه قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا يَزَالُ الرّجُلُ يَذْهَبُ بِنَفْسِهِ حَتّى يُكْتَبَ في الْجَبّارِينَ
ـــــــ
ويعين عليه ويثيب عليه الجزيل ويشكر عليه. وقال المناوي: إن الله جميل أي له الجمال المطلق جمال الذات وجمال الصفات وجمال الأفعال. يحب الجمال أي التجمل منكم في الهيئة أو في قلة إظهار الحاجة لغيره والعفاف عن سواه انتهى. "ولكن الكبر" أي ذا الكبر بحذف المضاف كقوله تعالى: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ} "من بطر الحق" أي دفعه ورده "وغمص الناس" أي احتقرهم ولم يرهم شيئاً. من غمصته غمصاً وفي رواية: الكبر بطر الحق وغمط الناس. قال في المجمع: الغمط الاستهانة والاستحقار وهو كالغمص وأصل البطر شدة الفرح والنشاط، والمراد هنا قيل سوء احتمال الغنى، وقيل الطغيان عند النعمة، والمعنيان متقاربان. وفي النهاية بطر الحق هو أن يجعل ما يجعله الله حقاً من توحيده وعبادته باطلاً، وقيل هو أن يتجبر عند الحق فلا يراه حقاً، وقيل هو أن يتكبر عن الحق فلا يقبله. وقال: التوربشتي: وتفسير على الباطل أشبه لما ورد في غير هذه الرواية: إنما ذلك من سفه الحق وغمص الناس أي رأى الحق سفهاً.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه مسلم.
قوله: "عن عمر بن راشد" وقع في النسخة الأحمدية: عمرو بن راشد بالواو، والصواب بغير الواو، وقال الحافظ في التقريب: عمر بن راشد بن شجرة بفتح المعجمة والجيم اليمامي ضعيف من السابعة ووهم من قال إن اسمه عمرو وكذا من زعم إنه ابن أبي خثعم انتهى. "عن إياس بن سلمة بن الأكوع" الأسلمي كنيته أبو سلمة ويقال أبو بكر ثقة من الثالثة.
قوله: "لا يزال الرجل يذهب بنفسه" قال المظهر وغيره الباء للتعدية، أي يعلي نفسه ويرفعها ويبعدها عن الناس في المرتبة ويعتقدها عظيمة القدر أو المصاحبة، أي يرافق نفسه في ذهابها إلى الكبر ويعززها ويكرمها كما يكرم الخليل الخليل

(6/138)


فَيُصِيبَهُ مَا أَصَابَهُمْ" . هذا حديثٌ حسنٌ غريب.
2069 ـ حدّثنا عَلِيّ بنُ عيسَى بنُ يَزِيدَ البَغْدَادِيّ، حدثنا شَبَابَةُ بن سَوّارٍ أخبرنا ابنُ أَبِي ذِئْبٍ عن القَاسِمِ بنِ عَبّاسٍ عن نَافِعِ بنِ جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ عن أَبِيِه قَالَ: يَقُولُونَ لِي فِيّ التّيهُ وقد رَكِبْتُ الحِمَارَ وَلَبِسْتُ الشّمْلَةَ وقدْ حَلَبْتُ الشّاةَ وقَدْ قَالَ لِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ فَعَلَ هذا فَلَيْسَ فِيه مِنَ الكِبْرِ شَيءٌ" . هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
ـــــــ
حتى تصير متكبرة. وفي أساس البلاغة يقال: ذهب به مره مع نفسه. قال القاري: ومن قبيل الأول قوله تعالى {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} أي أذهب ورهم. وخلاصة المعنى أنه لا يزال يذهبها عن درجتها ومرتبتها إلى مرتبة أعلى وهكذا "حتى يكتب" أي اسمه أو يثبت رسمه "في الجبارين" أي في ديوان الظالمين والمتكبرين أو معهم في أسفل السافلين "فيصيبه" بالنصب وقيل بالرفع أي فينال الرجل من بليات الدنيا وعقوبات العقبى "ما أصابهم" أي الجبارين كفرعون وهامان وقارون.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" ذكره المنذري في الترغيب، ونقل تحسين الترمذي وأقره.
قوله: "حدثنا علي بن عيسى بن يزيد البغدادي" الكراجكي، بفتح الكاف وكسر الجيم التي بعد الألف وقد تبدل شيئاً مقبول من الحادية عشر "أخبرنا ابن أبي ذئب" سقط هذا من بعض النسخ والصواب ثبوته "عن القاسم بن عباس" ابن محمد بن معتب بن أبي لهب الهاشمي أبي العباس المدني ثقة من السادسة.
قوله: "يقولون لي فِيّ التّيه" بالكسر الكبر أي في نفسي الكبر "وقد ركبت الحمار" الواو حالية "ولبست الشملة" بفتح الشين وسكون الميم. قال في النهاية هو كساء يتغطى به ويتلفف فيه. وقال في الصراح شمله كليم خردكه بخود دركشند "من فعل هذا" أي المذكور من ركوب الحمار ولبس الشملة وحلب الشاة "فليس فيه من الكبر شيء" فإن هذه الأفعال لا يأنف منها إلا المتكبرون

(6/139)


61 ـ باب ما جاءَ في حسْنِ الْخُلُق
2070ـ حَدّثنا ابنُ أَبِي عُمَرَ، حدثنا سفيان، حدثنا عَمرُو بنُ دِينَارٍ عن ابنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عن يَعْلَى بنِ مَمْلَكِ عن أَمّ الدّرْدَاءِ عن أَبي الدّرْدَاءِ: أَنّ النّبي صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَا شيْءٌ أَثْقَلُ في مِيزَانِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَن فَإِنّ الله تعالى ليُبْغِضُ الفاحِشَ البَذِيءَ" . وفي البابِ عن عَائِشَةَ وأَبي هُرَيْرَةَ وأَنَسٍ وَأُسَامَةَ بنِ شَرِيكٍ.
ـــــــ
"باب ما جاء في حسن الخلق"
قوله: "عن يعلى بن مملك" بوزن جعفر المكي مقبول من الثالثة "عن أم الدرداء" زوج أبي الدرداء اسمها هجيمة وقيل حميمة الأوصابية الدمشقية وهي الصغرى جهيمة وأما الكبرى فاسمها خيرة ولا رواية لها في الكتب الستة، والصغرى ثقة فقيهة من الثالثة كذا في التقريب.
قوله: "ماشيء" أي ثوابه أو صحيفته أو عينه المجسد "من خلق حسن" فإنه تعالى يحبه ويرضى عن صاحبه "فإن الله يبغض" وفي نسخة ليبغض "الفاحش" الذي يتكلم بما يكره سماعه أو من يرسل لسانه بما لا ينبغي "البذيء" قال المنذري في الترغيب: البذي بالذال المعجمة ممدوداً هو المتكلم بالفحش وروى الكلام. وقال في النهاية: البذاء بالمد الفحش في القول، بذا يبدو وأبذي يبذي فهو بذي اللسان. وقد يقال بالهمز وليس بالكثير انتهى. قال القاري ومن المقرر أن كل ما يكون مبغوضاً لله ليس له وزن وقدر كما أن كل ما يكون محبوباً له يكون عنده عظيماً، قال تعالى في حق الكفار {فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً} وفي الحديث المشهور: كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم. وبهذا تمت المقابلة بين القرينتين انتهى.
قوله: "وفي الباب عن عائشة وأبي هريرة وأنس وأسامة بن شريك" أما حديث عائشة فأخرجه أبو داود وابن حبان في صحيحه والحاكم، وقال صحيح على شرطهما ولفظه إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم
القائم. وأما حيث

(6/140)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
2071 ـ حدّثنا أَبو كُرَيْبٍ، حدثنا قُبَيْصَةُ بنُ اللّيثِ الكُوفِي عن مُطَرّفٍ عن عَطَاء عن أُمّ الدّرْدَاءِ عن أَبِي الدّرْدَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَا مِنْ شَيْءِ يُوضَعُ في المِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ، وإِنّ صَاحِبَ حُسْنِ الْخُلُقِ لَيَبْلُغُ بِهِ دَرَجَةَ صَاحِبِ الصّوْمِ والصّلاَةِ" .
هذا حديثٌ غَرِيبٌ من هذَا الوَجْهِ.
ـــــــ
أبي هريرة فأخرجه الترمذي في هذا الباب، وأما حديث أنس فأخرجه ابن أبي الدنيا والطبراني والبزار وأبي يعلي بإسناد جيد رواته ثقات، ولفظ أبي يعلي قال: لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا ذر فقال: يا أبا ذر، ألا أدلك على خصلتين هما أخف على الظهر وأثقل في الميزان من غيرهما، قال بلى يا رسول الله قال عليك بحسن الخلق وطول الصمت، فوالذي نفسى بيده ما عمل الخلائق بمثلهما. وله حديث آخر ذكره المنذري في الترغيب. وأما حديث أسامة بن شريك فأخرجه الطبراني وابن حبان في صحيحه. قال المنذري: رواة الطبراني محتج بهم في الصحيح انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه ابن حبان في صحيحه، وأخرجه أبو داود، لكن اقتصر على الجملة الأولى كذا في الترغيب.
قوله: "حدثنا قبيصة بن الليث" بن قبيصة برمة الأسدي الكوفي، صدوق من التاسعة "عن عطاء" بن نافع الكيخاراني. قال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: عطاء الكيخاراني ثقة. وكذا قال النسائي: له عندهم حديث واحد في حسن الخلق. كذا في تهذيب التهذيب، وقال في التقريب ثقة من الرابعة.
قوله: "وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ به إلخ" وفي حديث عائشة عند أبي داود إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة قائم الليل وصائم النهار.
قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه البزار بإسناد جيد كذا في الترغيب.

(6/141)


2072 ـ حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ محمّدُ بنُ الْعَلاَءِ حدثنا عَبْدُ الله بنُ إِدْرِيسَ حدثني أَبِي عن جَدّي عن أَبِي هُرَيْرَةَ قالَ: "سُئِلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَنْ أَكْثَرَ مَا يُدْخِلُ النّاسَ الْجَنّةَ، قالَ: تَقْوَى الله وَحُسْنُ الْخُلُقِ، وَسُئِلَ عَنْ أَكْثَرَ مَا يُدْخِلُ النّاسَ النّارَ، قالَ: الفَمُ وَالْفَرْجُ" .
هذا حديثٌ صحيحٌ غريبٌ. وعبْدُ الله بنُ إِدْرِيسَ هُوَ ابنُ يَزِيدَ بنِ عبْدِ الرحمنِ الأَوْديّ.
ـــــــ
قوله: "حدثني أبي" أي إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي ثقة من السابعة "عن جدي" أي يزيد بن عبد الرحمن بن الأسود الزعافري أبي داود الأودي مقبول من الثالثة.
قوله: "عن أكثر ما يدخل الناس الجنة" أي عن أكثر أسباب إدخالهم الجنة مع الفائزين "تقوى الله" وله مراتب أدناها التقوى عن الشرك "وحسن الخلق" أي مع الخلق، وأدناه ترك أذاهم وأعلاه الإحسان إلى من أساء إليه منهم "الفم والفرج" لأن المرء غالباً بسببهما يقع في مخالفة الخالق وترك المخالفة مع المخلوق. قال الطيبي قوله: تقوى الله إشارة إلى حسن المعاملة مع الخالق بأن يأتي جميع ما أمره به وينتهي عن ما نهى عنه وحسن الخلق إشارة إلى حسن المعاملة مع الخلق وهاتان الخصلتان موجبتان لدخول الجنة ونقيضهما لدخول النار. فأوقع الغم والفرج مقابلا لهما. أما الفم فمشتمل على اللسان، وحفظه ملاك أمر الدين كله وأكل الحلال رأس التقوى كله. وأما الفرج فصوته من أعظم مراتب الدين قال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} لأن هذه الشهوة أغلب الشهوات على الإنسان وأعصاها على العقل عند الهيجان، ومن ترك الزنا خوفاً من الله تعالى مع القدرة وارتفاع الموانع وتيسر الأسباب لا سيما عند صدق الشهوة وصل إلى درجة الصديقين قال تعالى {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} ومعنى الأكثرية في الجملتين أن أكثر أسباب السعادة الأبدية الجمع بين الخلتين وأن أكثر أسباب الشقاوة السرمدية الجمع بين هاتين الخصلتين.
قوله: "هذا حديث صحيح غريب" وأخرجه ابن حبان في صحيحه والبيهقي في الزهد وغيره وكذا في الترغيب.

(6/142)


2073 ـ حدّثنا أَحمدُ بنُ عبْدَةَ الضبي، حدثنا أَبُو وَهْبٍ عن عبْدِ الله بنِ المُبَارَكِ، أَنّهُ وَصَفَ حُسْنَ الْخُلُقِ فَقَالَ: هُوَ بَسْطُ الْوَجْهِ، وبَذْلُ المَعْرُوفِ، وكَفّ الأَذَى.
ـــــــ
قوله: "هو بسط الوجه إلخ" قال ابن رجب في كتابه جامع العلوم والحكم: قد روى عن السلف تفسير حسن الخلق فعن الحسن قال حسن الخلق الكرم والبذلة والاحتمال وعن الشعبي قال: حسن الخلق البلة والعطية والبشر الحسن وكان الشعبي كذلك. وسئل سلام بن أبي مطيع عن حسن الخلق فأنشد شعراً فقال:
تراه إذا ما جئته متهللاً
...
كأنك تعطيه الذي أنت سائله
ولو لم يكن في كفه غير روحه
...
لجاد بها فليتق الله سائله
هو البحر من أي النواحي أتيته
...
فلجته المعروف والجود ساحله
وقال الإمام أحمد: حسن الخلق، أن لا تغضب ولا تحقد. وعنه أنه قال: حسن الخلق أن تحتمل ما يكون من الناس. وقال إسحاق بن راهويه هو بسط الوجه وأن لا تغضب ونحو ذلك، قال محمد بن نصر

(6/143)


باب ما جاء في الإحسان و العفو
...
62 ـ بابُ ما جاءَ في الإِحْسَانِ وَالْعَفْو
2074 ـ حَدّثنا بُنْدَارٌ و أَحمدُ بنُ مَنِيع و محمودُ بنُ غَيْلاَنَ، قَالوا: حدثنا أَبُو أَحمدَ الزبيري عن سُفْيَانَ عن أَبِي إِسْحَاقَ عن أَبِي الأَحْوَصِ عن أَبِيِه قَالَ
ـــــــ
"بابُ ما جاءَ في الإِحْسَانِ وَالْعَفْو"
الإحسان ضد الإساءة، قال في الصراح: إحسان نكوثي كردن يقال أحسن إليه كقوله تعالى {وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} وأحسن به كقوله تعالى {وَقَدْ أَحْسَنَ بِي} وقال في المجمع: العفو التجاوز عن الذنب وترك العقاب وأصله المحو والطمس عفا يعفو انتهى
قوله: "عن أبيه" هو مالك بن نضلة قال في التقريب: ويقال مالك بن عوف ابن نضلة الجثمي بضم الجيم وفتح المعجمة صحابي قليل الحديث.

(6/143)


"قلت: يَا رَسولَ الله، الرّجُلُ أَمُرّ بِهِ فَلاَ يَقْرِينِي وَلاَ يُضِيفُنِي فَيَمُرّ بِي أَفأَجْزِيهِ؟ قالَ: لا، أَقْرِهِ. قال وَرَآنِي رَثّ الثّيَابِ فَقَالَ: هَلْ لَكَ مِنْ مَالٍ؟ قلت: مِنْ كلّ الْمَالِ قَدْ أَعْطَانِيَ الله مِنَ الإِبِلِ وَالْغَنَمِ، قال: فَلْيُرَ عَلَيْكَ" .
وفي البابِ عن عائِشَة وجَابِرٍ وأَبي هُرَيْرَةَ.
ـــــــ
قوله: "فلا يقريني" بفتح أوله تفسيره قوله "ولا يضيفني" بضم أوله "أفأجزيه" بفتح الهمز وسكون الياء أي أكافئه بترك القرى منع الطعام كما فعل بي أم أقريه وأضيفه، "قال لا" أي لاتجزه وتكافئه "أقره" أي أضفه، وفيه حث على القرى الذي هو من مكارم الأخلاق، ومنها دفع السيئة بالحسنة كقوله تعالى {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ} . "رث الثياب" قال في النهاية: متاع رث ومنال رث خلق بال. وفي القاموس: الرثاثة والرثوثة البذاذة. وفي رواية: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي ثوب دون "قلت من كل المال" من للتبعيض والمعنى بعض كل المال "من الإبل والغنم" بيان لمن المراد منه البعض، وفي رواية: من الإبل والبقر والغنم والخيل والرقيق "قال فلير عليك" بصيغة المجهول، أي فليبصر وليظهر، وفي رواية: فإذا أتاك الله مالا فلير أثر نعمة الله عليك وكرامته والمعنى: لبس ثوباً جيداً ليعرف الناس أنك غني وأن الله أنعم عليك بأنواع النعم. وفي شرح السنة: هذا في تحسين الثياب بالتنظيف والتجديد عند الإمكان من غير أن يبالغ في النعامة والدقة، ومظاهرة الملبس على اللبس على ما هو عادة العجم. قال القاري اليوم زاد العرب على العجم.
قلت: الأمر في هذا الزمان أيضاً كما قال القاري. وقال البغوي: وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ينهي عن كثير من الإرفاه انتهى. وروى البيهقي عن أبي هريرة وزيد بن ثابت أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الشهرتين رقة الثياب وغلظها ولينها وخشونتها وطولها وقصرها، ولكن سداد فيما بين ذلك واقتصاد.
قوله: "وفي الباب عن عائشة وجابر وأبي هريرة" أما حديث عائشة فأخرجه الشيخان وفيه ما انتقم رسول الله لنفسه في شيء قط إلا أن ينتهك حرمة الله فينتقم الله بها. وأما حديث جابر فأخرجه الشيخان أيضاً وفيه قصة الأعرابي الذي اخترط

(6/144)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وأَبُو الأَحْوَصِ اسْمُهُ عَوْفُ بنُ مَالِكِ بنِ نَضْلَةَ الْجُشَمِيّ.
ومَعْنَى قَوْلِه "أَقْرِهِ" أَضِفْهُ، والْقِرَى: هُو الضّيَافَةُ.
2075ـ حدّثنا أبو هاشِم الرّفَاعيّ، حدثنا محمّدُ بنُ فُضَيْلٍ عن الْوَلِيدِ بنِ عبْدِ الله بنِ جُمَيْعٍ عن أَبِي الطّفَيْلِ عن حُذَيْفَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا تَكُونُوا إِمّعةً تَقُولُونَ إِن أَحْسَنَ النّاسُ أَحْسَنّا، وإِنْ
ـــــــ
سيف النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم وعفوه صلى الله عليه وسلم عنه. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه مسلم.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والنسائي.
قوله: "عن الوليد بن عبد الله بن جميع" بضم الجيم وفتح الميم مصغراً، الزهري المكي نزيل الكوفة صدوق يهم، ورمي بالتشيع من الخامسة.
قوله: "لا تكونوا إمعة" بكسر الهمزة وتشديد الميم والهاء للمبالغة وهمزته أصلية ولا يستعمل ذلك في النساء فلا يقال امرأة إمعة كذا في النهاية. وقال صاحب الفائق: هو الذي يتابع كل ناعق ويقول لكل أحد أنا معك لأنه لا رأي له يرجع إليه. ومعناه: المقلد الذي يجعل دينه تابعاً لدين غيره بلا رؤية ولا تحصيل برهان انتهى كلامه. قال القاري بعد نقل هذا الكلام عن الفائق ما لفظه: وفيه إشعار بالنهي عن التقليد المجرد حتى في الأخلاق فضلاً عن الاعتقادات والعبادات. وفي القاموس: الإمع كهلع وهلعة ويفتحان الرجل يتابع كل واحد على رأيه لا يثبت على شيء، ومتبع الناس إلى الطعام من غير أن يدعى والمحقب الناس دينه والمتردد في غير صنعة، ومن يقول أنا مع الناس ولا يقال امرأة إمعة، أو قد يقال وأتأمع واستأمع صار إمعة، وقيل: هو الرجل الذي يكون لضعف رأيه مع كل واحد. والمراد هنا من يكون مع ما يوافق هواه ويلائم أرب نفسه وما يتمناه. وقيل المراد هنا الذي يقول أنا مع الناس كما يكونون معي إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
قال القاري: وهذا المعنى هو المتعين كما يدل عليه قوله "تقولون إن أحسن

(6/145)


ظَلَمُوا ظَلَمْنَا، وَلَكِنْ وَطّنُوا أَنْفُسَكُمْ، إِنْ أَحْسَنَ النّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا، وإِنْ اسَاءُوا فَلاَ تَظْلمُوا" .
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ لا نَعْرِفُه إِلا من هذا الْوَجْهِ.
ـــــــ
الناس" أي إلينا أو إلى غيرنا "أحسنا" أي جزاء أو تبعاً لهم "وإن ظلموا" أي ظلمونا أو ظلموا غيرنا فكذلك نحن "ظلمنا" على وفق أعمالهم. قال الطيبي قوله تقولون الخ بيان وتفسير للإمعة، لأن معنى قوله إن أحسن الناس وإن ظلموا أنا مقلد الناس في إحسانهم وظلمهم ومقتفي أثرهم "ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا الخ" قال في القاموس: توطين النفس تمهيدها وتوطنها تمهدها انتهى. وفي المنجد: وطن نفسه على الأمر وللأمر هيأها لفعله وحملها عليه انتهى. وفي أساس البلاغة: أوطن الأرض ووطنها واستوطنها، ومن المجاز وطنت نفسي على كذا فتوطنت قال الشاعر:
ولا خير فيمن لا يوطن نفسه
...
على نائبات الدهر حين تنوب
قال الطيبي: إن تحسنوا متعلق بقوله وطنوا، وجواب الشرط محذوف يدل عليه إن تحسنوا، والتقدير وطنوا أنفسكم على الإحسان إن أحسن الناس فأحسنوا وإن أساؤوا فلا تظلموا لأن عدم الظلم إحسان.

(6/146)


63 ـ باب ما جاءَ في زِيَارَةِ الإِخْوَان
2076 ـ حَدّثنا محمّدُ بنُ بَشّارٍ وَالْحُسَيْنُ بنُ أَبِي كَبْشَةَ الْبَصْرِيّ، قَالاَ: حدثنا يُوسُفُ بنُ يَعْقُوب السّدُوسِي، حدثنا أَبُو سِنَانٍ القَسْملي هو الشامي، عن عُثْمانَ بنِ
ـــــــ
"باب ما جاء في زيارة الإخوان"
قوله: "والحسين بن" سلمة بن إسماعيل بن يزيد بن "أبي كبشة" بموحدة ومعجمة الأزدي الطحان "البصري" صدوق من التاسعة "حدثنا يوسف بن يعقوب السدوسي" مولاهم أبو يعقوب السلمي بكسر المهملة وفتح اللام وقيل بفتح أوله ثم سكون البصري الضبعي صدوق من التاسعة "حدثنا أبو سنان القسملي" بفتح القاف وسكون المهملة وفتح الميم وتخفيف اللام هو عيسى بن سنان الحنفي الفلسطيني

(6/146)


أَبِي سَوْدَةَ عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَن عَادَ مَرِيضاً أَوْ زَارَ أَخاً لَهُ في الله نَادَاهُ مُنَادٍ أَنْ طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ وَتَبَوّأْتَ مِنَ الْجَنّةِ مَنْزِلاً" .
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
وأَبو سِنَانٍ اسمُه عِيسَى بنُ سِنَانٍ.
وقد رَوَى حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ عن ثَابِتٍ عن أَبِي رَافِعٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم شَيْئَاً مِن هَذَا.
ـــــــ
نزيل البصرة، لين الحديث من السادسة "عن عثمان بن أبي سودة" المقدسي ثقة من الثالثة.
قوله: "من عاد مريضاً" أي محتسباً "أو زار أخاً له" أي في الدين "في الله" أي لوجه الله لا للدنيا "مناد" أي ملك "أن طبت" دعاء له بطيب عيشه في الدنيا والأخرى "وطلب ممشاك" مصدر أو مكان أو زمان مبالغة. قال الطيبي: كناية عن سيره وسلوكه طريق الاَخرة بالتعري عن رذائل الأخلاق والتحلي بمكارمها "وتبوأت" أي تهيأت "من الجنة" أي من منازلها العالية "منزلاً" أي منزلة عظيمة ومرتبة جسيمة بما فعلت. وقال الطيبي دعاء له بطيب العيش في الأخرى. كما أن طبت دعاء له بطيب العيش في الدنيا، وإنما أخرجت الأدعية في صورة الأخبار إظهار للحرص على عيادة الأخيار.
قوله: "هذا حديث غريب" قال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث: رواه ابن ماجة والترمذي واللفظ له وقال حديث حسن، وابن حبان في صحيحه.
قلت: ليس في النسخ الموجودة عندنا لفظ حسن بل فيها حديث غريب "شيئاً من هذا" أي شيئاً مختصراً من هذا الحديث

(6/147)


64 ـ باب ما جاءَ في الْحَيَاء
2077ـ حَدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ حدثنا عَبْدَةُ بنُ سُلَيْمانَ وعبْدُ الرّحِيمِ ومحمّدُ بنُ بِشْرٍ عن محمّدٍ بنِ عَمْرٍو، حدثنا أَبو سَلَمَةَ عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "الْحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ، وَالإِيمَانُ فِي الْجنّةِ: وَالْبَذَاءُ مِنَ الْجَفَاء، وَالْجَفَاءُ فِي النّارِ".
ـــــــ
"باب ما جاءَ في الْحَيَاء"
هو بالمد وهو في اللغة تغير وانكسار يعتري الأنسان من خوف ما يعاب به. وقد يطلق على مجرد ترك الشيء بسبب. والترك إنما هو من لوازمه، وفي الشرع خلق يبعث على اجتناب القبيح ويمنع من التقصير في حق ذي الحق
قوله: "حدثنا عبدة بن سليمان" الكلابي أبو محمد الكوفي، ويقال اسمه. عبد الرحمن ثبت ثقة من صغار الثامنة "وعبد الرحيم" الظاهر أنه عبد الرحيم بن سليمان الكناني أو الطائي أبو علي الأشل المروزي نزيل الكوفة ثقة له تصانيف من صغار الثامنة "ومحمد بن بشر" بكسر الموحدة. قال الحافظ في تهذيب التهذيب محمد بن بشر بن الفرافصة بن المختار الحافظ العبدي أبو عبد الله الكوفي روي عن محمد بن عمرو بن علقمة وغيره وعنه أبو كريب وغيره انتهى. وقال في التقريب ثقة حافظ من التاسعة "عن محمد بن عمرو" بن علقمة بن وقاص الليثي المدني، صدوق له أوهام من السادسة.
قوله: "الحياء من الإيمان" أي بعضه أو من شعبه "والإيمان" أي أهله قال الطيبي: جعل أهل الإيمان عين الإيمان دلالة على أنهم تمحضوا منه وتمكنوا من بعض شعبه الذي هو أعلى الفرع منه كما جعل الإيمان مقراً ومبوأ لأهله في قوله تعالى {وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ} لتمكنهم من الإيمان واستقامتهم عليه "والبذاء" بفتح الباء خلاف الحياء والناشئ منه الفحش في القول، والسوء في الخلق "من الجفاء" وهو خلاف البر الصادر منه الوفاء "والجفاء" أي أهله التاركون للوفاء. الثابتون على غلاظة الطبع وقساوة القلب "في النار" أما مدة أو أبداً

(6/148)


وفي البابِ عن ابنِ عُمَرَ وأَبِي بَكْرَةَ وأَبِي امَامَةَ وعِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ.
ـــــــ
لأنه في مقابل الإيمان الكامل، أو مطلقه فصاحبه من أهل الكفران أو الكفر.
قوله: "وفي الباب عن ابن عمر وأبي بكرة وأبي امامة وعمران بن حصين". أما حديث ابن عمر فأخرجه الشيخان وله أحاديث أخرى في هذا الباب. وأما حديث أبي بكرة فأخرجه البخاري في الأدب وابن ماجة والحاكم والبيهقي. وأما حديث أبي أمامة فأخرجه أحمد والحاكم والطبراني. وأما حديث عمران بن حصين بلفظ فأخرجه الشيخان عنه مرفوعاً: الحياء لا يأتي إلا بخير . وفي رواية: الحياء خير كله .
تنبيه: قال النووي في شرح مسلم: حديث كون الحياء كله خير أو لا يأتي إلا بخير، يشكل على بعض الناس من حيث أن صاحب الحياء قد يستحي أن يواجه بالحق من يجله ويعظمه، فيترك أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر. وقد يحمله الحياء على الإخلال ببعض الحقوق وغير ذلك مما هو معروف في العادة والجواب ما أجاب به عنه جماعة من الأئمة منهم الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: إن هذا المانع الذي ذكرناه ليس بحياء حقيقة بل هو عجز وخور، وإنما تسميته حياء من إطلاق بعض أهل العرف، أطلقوه مجازاً لمشابهته الحياء الحقيقي: وإنما حقيقة الحياء خلق يبعث على ترك القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق ونحو هذا. ويدل عليه ما روينا في رسالة الإمام أبي القاسم القيشري عن السيد الجليل أبي القاسم الجنيد رحمه الله قال: الحياء رؤية الاَلاء أي النعم ورؤية التقصير، فيتولد بينهما حالة تسمى الحياة. وقال القاضي عياض وغيره. إنما جعل الحياء من الإيمان لأنه قد يكون تخلقاً واكتساباً كسائر أعمال البر، وقد يكون غريزة ولكن استعماله على قانون الشرع يحتاج إلى اكتساب ونية وعلم، فهو من الإيمان لهذا، ولكونه باعثاً على أفعال البر ومانعاً من المعاصي انتهى. وقال الطيبي: ويمكن أن يحمل التعريف على العهد ويكون إشارة إلى ما ورد في قوله صلى الله عليه وسلم: الاستحياء من الله أن يحفظ الرأس وما وعي والبطن وما حوى الحديث، انتهى.

(6/149)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد ورجاله رجال الصحيح، وابن حبان في صحيحه. والحاكم والبيهقي كذا في الترغيب والمرقاة

(6/150)


باب ما جاء في التأني و العجلة
...
65 ـ باب ما جاءَ فِي التّأَنّي وَالْعَجَلَة
2078 ـ حَدّثنا نَصْرُ بنُ عَلِيٍ الجهضمي حدثنا نُوحُ بنُ قَيْسٍ عن عبدِ الله بنِ عمْرَانَ عن عاصِمِ الأحْوَلِ عن عبدِ الله بنِ سَرْجِسَ المُزَنِيّ أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "السّمْتُ الَحسَنُ وَالتّؤَدَةُ وَالإقْتِصَادُ جُزءٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ
ـــــــ
" باب ما جاءَ فِي التّأَنّي وَالْعَجَلَة"
العجلة والعجل محركتين السرعة، والتأني ترك الاستعجال من تأنى في الأمر إذا توقف فيه
قوله: "حدثنا نوح بن قيس" بن رباح الأزدي أبو روح البصري أخو خالد صدوق رمى بالتشيع "عن عبد الله بن عمران" التيمي الطلحي البصري مقبول من السادسة وقال في تهذيب التهذيب: روى له الترمذي حديثاً واحداً في فضل السمت الحسن وغيره. "عن عبد الله بن سرجس" بفتح المهملة وسكون الراء وكسر الجيم بعدها مهملة المزني حنيف بني مخزوم صحابي سكن البصرة.
قوله: "السمت الحسن" أي السيرة المرضية والطريقة المستحسنة قيل السمت الطريق، ويستعار لهيئة أهل الخير. وفي الفائق السمت أخذ المنهج ولزوم المحجة "والتؤدة" بضم التاء وفتح الهمزة أي التأني في جميع الأمور "والاقتصاد" أي التوسط في الأحوال والتحرز عن طرفي الإفراط والتفريط. قال التوربشتي: الاقتصاد على ضربين أحدهم ما كان متوسطاً بين محمود ومذموم، كالمتوسط بين الجور والعدل والبخل والجود. وهذا الضرب أريد بقوله تعالى ومنهم مقتصد. والثاني محمود على الإطلاق وذلك فيما له طرفان إفراط وتفريط كالجود فإنه بين الإسراف والبخل، والشجاعة فإنها بين النهور والجبن. وهذا الذي في الحديث هو الاقتصاد المحمود على الإطلاق "جزء" أي كلها أو كل منها "من أربعة

(6/150)


وَعِشْرِينَ جُزْأً مِنَ النّبُوّةِ" . وفي البابِ عن ابنِ عَبّاسٍ وهذا حديثٌ حسنٌ غريب.
2079 ـ حدّثنا قُتَيْبَةُ حدثنا نُوحُ بنُ قَيْسٍ عن عبدِ الله بنِ عمْرَانَ عن عبدِ الله بن سَرْجِسَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ ولم يَذْكُرْ فِيِه عن عاصِمٍ، وَالصّحِيحُ حَدِيثُ نَصْرِ بنِ عَلِي.
ـــــــ
وعشرين جزءاً" ويؤيد الأخير ما رواه الضياء عن أنس مرفوعاً: السمت الحسن جزء من خمسة وسبعين جزءاً من النبوة مع زيادة إفادة أن المراد بالعدد المذكور التكثير لا التحديد، وينصره حديث ابن عباس عند أبي داود: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الهدى الصالح والسمت الصالح والاقتصاد جزء من خمس وعشرين جزءاً من النبوة، على أنه يمكن الاختلاف بحسب اختلاف الكمية والكيفية الحاصلة في المتصف به "من النبوة" أي من أجزائها قال الخطابي: الهدى والسمت حالة الرجل ومذهبه، والاقتصاد سلوك القصد في الأمور والدخول فيها برفق على سبيل تمكن الدوام عليها، يريد أن هذه الخصال من شمائل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأنها جزء من أجزاء فضائلهم فاقتدوا بهم فيها وتابعوهم عليها، وليس معناها أن النبوة تتجزأ ولا أن من جمع هذه الخصال كان نبياً، فإن النبوة غير مكتسبة وإنما هي كرامة يخص الله بها من يشاء من عباده والله أعلم حيث يجعل رسالته. ويحتمل أن يكون معناه أن هذه الخلال مما جاءت به النبوة ودعا إليها الأنبياء. وقيل معناه أن من جمع هذه الخصال لقيسه الناس بالتوقير والتعظيم، وألبسه الله لباس التقوى الذي ألبس أنبياءه عليهم الصلاة والسلام. فكأنها جزء من النبوة. قال التوربشتي: والطريق إلى معرفة ذلك العدد ووجهه بالاختصاص من قبل الرأي والاستنباط مسدود فإنه من علوم النبوة.
قوله: "وفي الباب عن ابن عباس" أخرجه أبو داود والحاكم.
قوله: "والصحيح حديث نصر بن علي" قال الحافظ في تهذيب التهذيب.

(6/151)


2080 ـ حدّثنا محمّدُ بنُ عبدِ الله بن بَزِيعٍ، حدثنا بِشْرُ بنُ المُفَضّلِ عن قُرّةَ بنِ خالِدٍ عن أَبِي جَمْرَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ: "أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ لأشَجّ عبدِ القَيْسِ: إِنّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبّهُمَا الله: الحِلْمُ وَالأَنَاةُ" .
وفي البابِ عن الأشَج الْعَصْرِيّ.
ـــــــ
في ترجمة عبد الله بن عمران: روي عن عبد الله بن سرجس، وقيل عن عاصم الأحول عنه انتهى.
قوله: "حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع" بفتح الموحدة وكسر الزاي البصري ثقة من العاشرة "عن قرة بن خالد" السدوسي البصري ثقة ضابط من السادسة "عن أبي جمرة" اسمه نصر بن عمران.
قوله: "لأشج عبد القيس" بالإضافة وأسماء المنذر بن عائذ كان وافد عبد القيس وقائدهم ورئيسهم وعبد القيس قبيلة. "إن فيك خصلتين يحبهما الله الحلم والأناة" ويجوز فيه وجهان النصب على البدلية والرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هما الحلم والأناة. قال النووي: الحلم هو العقل، والأناة هي التثبت وترك العجلة، وهي مقصورة يعني بوزن نواة. وسبب قول النبي صلى الله عليه وسلم ذلك له ما جاء في حديث الوفد أنهم لما وصلوا إلى المدينة بادروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأقام الأشج عند رحالهم فجمعها وعقل ناقته ولبس أحسن ثيابه، ثم أقبل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقربه النبي صلى الله عليه وسلم وأجلسه إلى جانبه، ثم قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم تبايعون على أنفسكم وقومكم، فقال القوم نعم، فقال الأشج: يا رسول الله إنك لم تزاود الرجل عن شيء أشد عليه من دينه، نبايعك على أنفسنا ونرسل إليهم من يدعوهم، فمن اتبعنا كان منا ومن أبى قاتلناه. قال: صدقت إن فيك خصلتين الحديث. قال القاضي عياض: فالأناءة تربصه حتى نظر في مصالحه ولم يعجل. والحلم هذا القول الذي قاله الدال على صحة عقله وجودة نظره للعواقب انتهى. وحديث ابن عباس هذا أخرجه مسلم في صحيحه.
قوله: "وفي الباب عن الأشج العصري" أخرجه أحمد في مسنده، والعصري بمهملتين وهو أشج عبد القيس المذكور. قال في تهذيب التهذيب: الأشج

(6/152)


2081 ـ حدّثنا أَبُو مُصْعَبٍ المدنِيّ حدثنا عبدُ المُهَيْمِنِ بنُ عَبّاسٍ بنِ سَهْلٍ بنِ سَعْدٍ السّاعِدِيّ عن أَبِيِه عن جَدّه قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "الأَنَاةُ مِنَ الله وَالْعَجَلَةُ مِنَ الشّيْطَانِ" .
هذا حديثٌ غريبٌ وقد تَكَلّمَ بعض أَهلِ الحديث في عبدِ المُهَيْمِنِ بنِ عَبّاس بن سهل وَضَعّفَهُ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ
ـــــــ
العصري، اسمه المنذر بن عائد بن المنذر بن الحارث بن النعمان بن زياد بن عصر العصري أشج عبد القيس، كان سيد قومه، وفد على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: إن فيك لخصلتين يحبهما الله تعالى الحديث انتهى.
قوله: "حدثنا عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد الساعدي" الأنصاري المدني ضعيف من الثامنة "عن أبيه" أي عباس بن سهل "عن جده" أي سهل بن سعد.
قوله: "الأناة من الله والعجلة من الشيطان" قال المناوي في شرح الجامع الصغير: أي هو الحامل عليها بوسوسته، لأن العجلة تمنع من التثبت والنظر في العواقب وذلك موقع في المعاطب، وذلك من كيد الشيطان ووسوسته ولذلك قال المرقش:
يا صاحبي تلوما لا تعجلاً ... إن النجاح رهين أن لا تعجلا
وقال عمرو بن العاص: لا يزال المرء يجتني من ثمرة العجلة الندامة. ثم العجلة المذمومة ما كان في غير طاعة ومع عدم التثبت وعدم خوف الفوت. ولهذا قيل لأبي العيناء: لا تعجل فالعجلة من الشيطان، فقال: لو كان كذلك لما قال موسى: وعجلت إليك رب لترضى والحزم ما قال بعضهم: لاتعجل عجلة الأخرق ولا تحجم إحجام الواني الفرق انتهى. قيل ويستثنى من ذلك ما لا شبهة في خيريته قال تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} . قال القاري بون بين المسارعة والمبادرة إلى الطاعات، وبين العجلة في نفس العبادات، فالأول محمود والثاني مذموم انتهى.
قوله: "هذا حديث غريب" كذا في النسخ الموجودة وكذا في المشكاة. وقال القاري قال ميرك: وفي بعض النسخ حسن غريب "وقد تكلم بعض أهل العلم في عبد المهيمن بن عباس وضعفه من قبل حفظه" قال القاري: أي وقع طعن البعض فيه من جهة حفظه فإنه عدل ثقة فأمره سهل انتهى.

(6/153)


ـــــــ
قلت: في قول القاري فإنه عدل ثقة نظراً لظاهر، فقد عرفت آنفاً أن الحافظ قال في التقريب: إنه ضعيف. وقال في تهذيب التهذيب قال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال ابن حبان: لما فحش الوهم في روايته بطل الاحتجاج به. وقال النسائي في موضع آخر: متروك الحديث. وقد ذكر الحافظ فيه أقوال غير هؤلاء، كلها تدل على أنه ليس بثقة

(6/154)


66 ـ باب ما جاءَ في الرّفْق
2082 ـ حَدّثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حدثنا سُفْيَانُ بن عَيينة عن عَمْرِو بنِ دينَارٍ عن ابنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عن يَعْلَى بنِ مَمْلَكٍ عن أُمّ الدّرْدَاءِ عن أَبِي الدّرْدَاءِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: قَالَ "مَنْ أُعْطِيَ حَظّهُ مِنَ الرّفْقِ فَقَدْ أُعْطِيَ حَظّهُ مِنَ الْخَيْرِ، وَمَنْ حُرِمَ حَظّهُ مِنَ الرّفْقِ فَقَدْ حُرِمَ حَظّهُ مِنَ الْخَيْرِ" .
وفي البابِ عن عائِشَةَ وَجَرِيرِ بنِ عبدِ الله وأَبي هُرَيْرَةَ.
ـــــــ
"باب ما جاءَ في الرّفْق"
بالكسر ضد العنف وهو المداراة مع الرفقاء ولين الجانب واللطف في أخذ الأمر بأحسن الوجوه وأيسرها
قوله: "من أعطى" بصيغة المجهول "حظه" بالنصب على أنه مفعول ثان أي نصيبه "من الرفق" أي اللطف "ومن حرم" على بناء المفعول "حظه" بالنصب على أنه مفعول ثان "فقد حرم حظه من الخير" إذ به تنال المطالب الدنيوية والأخروية وبفوته تفوتان، ففيه فضل الرفق والحث على التخلق به وذم العنف. وقال في اللمعات: يعني أن نصيب الرجل من الخير على قدر نصيبه من الرفق وحرمانه منه على قدر حرمانه منه انتهى.
قوله: "وفي الباب عن عائشة وجرير بن عبد الله وأبي هريرة" أما حديث عائشة فأخرجه الشيخان عنها مرفوعاً أن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله. ولها أحاديث أخرى في هذا الباب. أما حديث جرير بن عبد الله فأخرجه مسلم

(6/154)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
وأبو داود كذا في الترغيب. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه البخاري وفيه: فإنما يعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد

(6/155)


67 ـ باب ما جاءَ في دَعَوةِ المظْلُوم
2083 ـ حَدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ. حدثنا وَكِيعٌ عن زَكَرِيّا بنِ إِسْحَاقَ عن يَحْيَى بنِ عبدِ الله بنِ صَيْفِيٍ عن أبي مَعْبَدٍ عن ابنِ عَبّاسٍ: "أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم بَعَثَ مُعَاذ بن جبل إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: اتّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ فإِنها لَيْسَ بَيْنَها وَبَيْنَ الله حِجَابٌ" .
وفي البابِ عن أَنَسٍ وأَبي هُرَيْرَةَ وعبدِ الله بنِ عَمْرٍو وأَبِي سَعِيدٍ
ـــــــ
"باب ما جاءَ في دَعَوةِ المظْلُوم"
قوله: "عن أبي معبد" اسمه نافذ بفاء معجمة مولى ابن عباس المكي ثقه من الرابعة.
قوله: "بعث معاذاً" بضم الميم أي أرسله أميراً وقاضياً "أتق دعوة المظلوم" أي اجتنب دعوة من تظلمه وذلك مستلزم لتجنب سائر أنواع الظلم "فإنه" أي الشأن "ليس بينها وبين الله" أي قبولها لها "حجاب" أي مانع بل هي معروضة عليه تعالى، وقيل هو كناية عن سرقة القبول. قال الطيبي رحمه الله: هذا تعليل للاتقاء وتمثيل للدعوة لمن يقصد إلى السلطان متظلماً فلا يحجب عنه.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة.
قوله: "وفي الباب عن أنس وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو وأبي سعيد" أما حديث أنس فأخرجه أحمد في مسنده وأبو يعلى، والضياء المقدسي عنه مرفوعاً: اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافراً فإنه ليس دونها حجاب. قال المناوي في التيسير: إسناده صحيح. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الترمذي في باب دعاء الوالدين

(6/155)


ـــــــ
وقد تقدم. وأما حديث أبي سعيد فلينظر من أخرجهما

(6/156)


68 ـ باب ما جاء في خُلُق النَّبيِّ صلى الله عليه و سلم
2085 حدثنا قتيبة حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي عن ثابت عن أنس قال ثم خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي أف قط وما قال لشيء صنعته لم صنعته ولا لشيء تركته لم تركته
ـــــــ
" باب ما جاء في خلق النبي لى الله عليه وسلم"
قوله خدمت من باب ضرب ونصر عشر سنين وفي رواية مسلم تسع سنين قال النووي معناه أنها تسع سنين وأشهر فإن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بالمدينة عشر سنين تحديدا لا تزيد ولا تنقص وخدمه أنس في أثناء السنة الأولى ففي رواية التسع لم يحسب الكسر بل اعتبر السنين الكوامل وفي رواية العشر حسبها سنة كاملة وكلاهما صحيح انتهى فما قال لي أف بضم الهمز وكسر الفاء المشددة منونة وغير منونة وفيها لغات كثيرة قال النووي في شرح مسلم ذكر القاضي وغيره فيها عشر لغات أف بفتح الفاء وضمها وكسرها بلا تنوين وبالتنوين فهذه ست وأف بضم الهمزة وإسكان الفاء وإف بكسر الهمزة وفتح الفاء وأفي وأفه بضم همزتهما قالوا وأصل الأف والتف وسخ الأظفار وتستعمل هذه الكلمة في كل ما يستقذر وهي اسم فعل تستعمل في الواحد والاثنين والجمع والمؤنث والمذكر بلفظ واحد قال الله تعالى {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} قال الهروي يقال لكل ما سضجر منه ويستثقل أف له وقيل معناه الاحتقار مأخوذ من الأنف وهو القليل انتهى وقال في القاموس أف كلمة تكره وأفق تأفيفا وتأفق قالها ولغاتها أربعون ثم ذكرها وما قال لشيء صنعته لم صنعته ولا لشيء تركته لم تركته يعني لم يقل لشيء صنعته لم أصنعته ولا لشيء لم صنعه وكنت مأمورا به لم لا صنعته واعلم أن ترك اعتراض النبي صلى الله عليه وسلم على أنس رضي الله تعالى عنه فيما خالف أمره إنما يفرض فيما يتعلق بالخدمة وا داب لا فيما يتعلق بالتكاليف الشرعية فإنه لا يجوز ترك الاعتراض فيه وفيه أيضا مدح أنس فإنه لم يرتكب أمرا يتوجه إليه من النبي صلى الله

(6/156)


وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقا ولامسست خزا قط ولا حريرا ولا شيئا كان ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا شممت مسكا قط ولا عطرا كان أطيب من عرق النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو عيسى وفي الباب عن عائشة والبراء وهذا حديث حسن صحيح
2085-حدثنا محمود بن غيلان حدثنا أبو داود قال أنبأنا شعبة عن أبي إسحاق قال سمعت أبا عبد الله الجدلي يقول ثم سألت عائشة عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت لم يكن فاحشا ولا متفحشا ولا
ـــــــ
عليه وسلم اعتراض ما وما مسست بكسر السين الأولى ويفتح خزا قال في النهاية الخز المعروف أولا ثياب تنسج من صوف وإبريسم وهي مباحة وقد لبسها الصحابة والتابعون فيكون النهي عنها لأجل التشبه بالعجم وزي المترفين وإن أريد بالخز النوع الاخر وهو المعروف الان فهو حرام لأن جميعه معمول من الابريسم وعليه يحمل الحديث الاخر قوم يستحلون الخز والحرير انتهى ولا حريرا أي مطلقا ولا شممت بكسر الميم ويفتح قال الحافظ مسست بكسر المهملة الأولى على الأفصح وكذا شممت بكسر الميم وفتحها لغة ويقال في المضارع أمسه وأشمه بالفتح فيهما على الأفصح وبالضم على اللغة المذكورة وفي الحديث بيان كمال خلقه صلى الله عليه وسلم وحسن عشرته وحلمه وصفحه
قوله وفي الباب عن عائشة والبراء أما حديث عائشة فأخرجه الشيخان وغيرهما بألفاظ من طرق متعددة وأما حديث البراء فأخرجه البخاري في صفة النبي صلى الله عليه وسلم
قوله هذا حديث حسن صحيح وأخرجه الشيخان قوله لم يكن فاحشا أي ذا فحش في أقواله وأفعاله ولا متفحشا أي متكلفا فيه ومتعمدا كذا في النهاية قال القاضي نفت عنه تولي الفحش والتفوه

(6/157)


صخابا في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح. هذا حديث حسن صحيح وأبو عبد الله الجدلي اسمه عبد بن عبد ويقال عبد الرحمن بن عبد
ـــــــ
به طبعا وتكلفا ولا صخابا أي صياحا ولا يجزي بالسيئة السيئة بل بالحسنة ولكن يعفو أي في الباطن ويصفح أي يعرض في الظهر عن صاحب السيئة لقوله تعالى {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}
قوله "هذا حديث حسن صحيح" وأخرج نحوه البخاري من حديث عبد الله بن عمرو قوله وأبو عبد الله الجدلي اسمه إلخ قال الحافظ في التقريب أبو عبد الله الجدلي اسمه عبد أو عبد الرحمن بن عبد ثقة رمي بالتشيع من كبار الثالثة

(6/158)


69-باب ما جاء في حسن العهد
2086 ـ حَدّثنا أبُو هِشَامٍ الرّفاعيّ حدثنا حَفْصُ بنُ غِيَاثٍ عن هِشَامٍ بنِ عُرْوَةَ عن أَبِيِه عن عائِشَةَ قَالَتْ: "ما غِرْتُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَزْوَاجِ النبيّ صلى الله عليه وسلم مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ وَمَا بِي أَنْ أَكُونَ أَدْرَكْتُهَا وَمَا ذَاكَ
ـــــــ
" باب ما جاءَ في حُسْنِ الْعَهد"
وفي صحيح البخاري باب حسن العهد من الإيمان. قال أبو عبيد العهد هنا رعاية الحرمة وقال عياض: هو الاحتفاظ بالشيء والملازمة له. وقال الراغب: حفظ الشيء ومراعاته حالاً بعد حال
قوله: "ما غرت على أحد من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم" بكسر الغين المعجمة من غار يغار نحو خاف يخاف "ما غرت على خديجة" ما الأولى نافية والثانية موصولة أو مصدرية. أي ما غرت مثل التي غرتها أو مثل غيرتي عليها والغيرة الحمية والأنف. قال الحافظ قوله على خديجة يريد من خديجة، فأقام على مقام من وحروف الجر تتناوب في رأي أو على سببية، أوبسبب خديجة،

(6/158)


إِلاّ لِكَثْرَةِ ذِكْرِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم لَها، وإِنْ كَانَ لَيَذْبَحُ الشّاةَ فَيَتَتَبّعُ بِهَا صَدَائقَ خَدِيجَةَ فَيُهْديهَا لَهُنّ".
هذا حديثٌ حسن صحيح غريب.
ـــــــ
وفيه ثبوت الغيرة، وأنها غير مستنكر وقوعها من فاضلات النساء فضلاً عمن دونهن. وأن عائشة كانت تغار من نساء النبي صلى الله عليه وسلم لكن كانت تغار من خديجة أكثر. وقد بينت سبب ذلك وإنه لكثرة ذكر النبي صلى الله عليه وسلم إياها، وأصل غيرة المرأة من تخيل محبة غيرها أكثر منها. وكثرة الذكر تدل على كثرة المحبة. وقال القرطبي: مرادها بالذكر لها مدحها والثناء عليها "وما بي أن أكون أدركتها" الجملة حالية وما نافية وفي رواية للشيخين: وما رأيتها، وهي تقتضي عدم الغيرة لعدم الباعث عليها غالباً، ولذا قالت "وما ذاك إلا لكثرة ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم لها" وفي رواية للنسائي من كثرة ذكره إياها وثنائه عليها "وإن" من مخففة المثقلة "ليذبح الشاة" أي شاة من الشياه "فيتتبع" أي يتطلب. قال في القاموس: تتبعه تطلبه، وقال فيه طلبه وتطلبه واطلبه كافتعله حاول وجوده وأخذه "بها" أي بالشاة المذبوحة يعني بأعضائها. وفي رواية للشيخين: وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة. "صدائق خديجة" أي أصدقائها جمع صديقة وهي المحبوبة "فيهديها لهن" من الإهداء أي يتحفهن إياها. ومطابقة الحديث للباب في إهداء النبي صلى الله عليه وسلم اللحم لأصدقاء خديجة وخلائلها رعياً منه لذمامها وحفظاً لعهدها. وقد أخرج الحاكم والبيهقي في الشعب من طريق صالح بن رستم عن ابن أبي مليكة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: "جاءت عجوز إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كيف أنتم كيف حالكم كيف كنتم بعدنا، قالت بخير بأبي أنت وأمي يا رسول الله. فلما خرجت قلت يا رسول الله تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال فقال: يا عائشة إنها كانت تأتينا زمان خديجة وإن حسن العهد من الإيمان" .
قوله: "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه الشيخان

(6/159)


70 ـ باب ما جاءَ في مَعَالِي الأَخْلاَق
2087 ـ حَدّثنا أَحمدُ بنُ الْحَسَنِ بنِ خِرَاشٍ الْبَغْدَادِي حدثنا حَبّانّ بنُ هِلاَلٍ، حدثنا مُبَارَكُ بنُ فَضَاَلةَ حدثني عَبْدُ رَبّهِ بنُ سَعِيدٍ عن محمّدِ بنِ المُنْكَدِرِ عن جابِرٍ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنّ مِنْ أَحَبّكُمْ إِلَيّ وَأقْرَبِكُمْ مِنّي مَجْلِساً يَوْمَ القِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلاَقاً، وإِنّ مِنْ أَبْغَضِكُمْ إِلَيّ وَأَبْعَدِكُمْ مِنّي مجلساً يَوْمَ القِيَامَةَ الثّرثَارُونَ وَالمُتَشَدّقُونَ وَالمُتَفَيْهِقُونَ، قاُلوا:
ـــــــ
"باب ما جاءَ في مَعَالِي الأَخْلاَق"
جمع المعلاة قال في القاموس: المعلاة كسب الشرف، وقال في الصراح: علاء بالفتح والمد بلندي درقدر ونزلت على بالضم والقصر معلاة بالفتح، كذلك والجمع المعالي
قوله: "حدثنا أحمد بن الحسن بن خراش البغدادي" أبو جعفر صدوق، من الحادية عشرة "حدثنا حبان بن هلال" بفتح الحاء المهملة وتشديد الموحدة أبو حبيب البصري ثقة ثبت من التاسعة "حدثنا مبارك بن فضالة" بفتح الفاء وتخفيف المعجمة أبو فضالة البصري صدوق يدلس ويسوي من السادسة "حدثني عبد ربه بن سعيد" بن قيس الأنصاري أخو يحيى المدني ثقة من الخامسة.
قوله: "إن من أحبكم إلي" أي في الدنيا "أحاسنكم أخلاقاً" نصبه على التمييز وجمعه لإرادة الأنواع أو لمقابلة الجمع بالجمع "وإن من أبغضكم إلي" أي في الدنيا وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون". وفي حديث أبي ثعلبة الخشني عند البيهقي: وأبعدكم متى مساويكم أخلاقاً الثرثارون الحديث. قال القاري: ويروي أساويكم جمع أسوء كأحاسن جمع أحسن وهو مطابق لما في أصل المصابيح. وقال القاضي أفعل التفضيل إذا أضيف على معنى أن المراد به زائد على المضاف إليهم في الخصلة التي هودهم مشتركون فيها، جاز الإفراد والتذكير في الحالات كلها، وتطبقه لما هو وصف له لفظاً ومعنى. وقد جمع الوجهان في الحديث فأفرد أحب وبغض

(6/160)


يا رسولَ الله قَدْ عَلِمْنَا الثّرثَارِينَ وَالمُتَشَدّقِينَ فَما المُتَفَيْهِقُونَ؟ قال المُتَكَبّرُونَ" .
وفي البابِ عن أَبي هُرَيْرَةَ.
ـــــــ
وجمع أحاسن وأساويء في رواية من روى أساويكم بدل مساويكم، وهو جمع مسوئ كمحاسن في جمع محسن. وهو إما مصدر ميمي نعت به ثم جمع أو اسم مكان بمعنى الأمر الذي فيه السوء، فأطلق على المنعوت به مجازاً. وقال الدارقطني: أراد بأبغضكم بغيضكم وبأحبكم التفضيل فلا يكون المخاطبون بأجمعهم مشتركين في البغض والمحبة. وقال الحاجبي تقديره أحب المحبوبين منكم وأبغض المبغوضين منكم ويجوز إطلاق العام وإرادة الخاص للقرينة. قال الطيبي: إذا جعل الخطاب خاصاً بالمؤمنين فكما لا يجوز أبغضكم لا يجوز بغيضكم لاشتراكهم في المحبة، فالقول ما ذهب إليه ابن الحاجب، لأن الخطاب عام يدخل فيه البر والفاجر والموافق والمنافق، فإذا أريد به المنافق الحقيقي فالكلام ظاهر، وإذا أريد به غير الحقيقي كما سبق في باب علامات النفاق فمستقيم أيضاً، كما يدل عليه قوله الثرثارون. وفي النهاية الثرثارون هم الذي يكثرون الكلام تكلفاً وخروجاً عن الحق، والثرثرة كثرة الكلام وترديده. "والمتشدقون" قال في النهاية: المتشدقون هم المتوسعون في الكلام من غير احتياط واحتراز. وقيل أراد بالمتشدق المستهزئ بالناس يلوي شدقه بهم وعليهم انتهى. والشدق جانب الفم "والمتفيهقون" هم الذين يتوسعون في الكلام ويفتحون به أفواههم، مأخوذ من الفهق وهو الامتلاء والاتساع، كذا في النهاية.
قيل وهذا من الكبر والرعونة. وقال المنذري في الترغيب: الثرثار بثائين مثلثين مفتوحتين هو الكثير الكلام تكلفاً، والمتشدق هو المتكلم بملئ شدقه تفاصحاً وتعظيماً لكلامه، والمتفيهق أصله من الفهق وهو الامتلاء، وهو بمعنى المتشدق لأنه الذي يملأ فمه بالكلام ويتوسع فيه إظهاراً لفصاحته وفضله واستعلاء على غيره. ولهذا فسره النبي صلى الله عليه وسلم بالمتكبر انتهى.
قوله: "وفي الباب عن أبي هريرة" أخرجه الطبراني في الصغير والأوسط عنه مرفوعاً: إن أحبكم إلى أحاسنكم أخلاقاً الموطئون أكنافاً الذين يألفون

(6/161)


وهذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من هذا الْوَجْهِ.
الثّرْثَارُ: هُوَ الكَثِيرُ الْكَلامِ، وَالمُتَشَدّقُ: الْذِي يَتَطاوَلُ عَلَى النّاسِ في الْكَلامِ ويَبْذُو عَلَيْهِم وَرَوَى بَعْضُهُمْ هذا الحديثَ عن المُبَارَكِ بنِ فَضَالَةَ عن محمدِ بنِ المُنْكَدِرِ عن جابِرِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولم يَذْكُرْ فِيهِ عن عَبْدِ رَبّهِ بن سَعِيدٍ. وهذا أصَحّ.
ـــــــ
ويؤلفون، وإن أبغضكم إلى المشاؤن بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الملتمسون للبراء العيب. كذا في الترغيب.
قوله: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه" وأخرجه أحمد والطبراني وابن حبان في صحيحه عن أبي ثعلبة الخشني كذا في الترغيب.
قوله: "والمتشدق هو الذي يتطاول على الناس في الكلام ويبذو عليهم" كذا فسره الترمذي وتفسيره المشهور هو ما ذكره المنذري وصاحب النهاية. "وهذا أصح" قال الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمة مبارك بن فضالة: روي عن أبن المنكدر وعبد ربه بن سعيد وغيرهما انتهى. فالظاهر أن مبارك بن فضالة روى هذا الحديث أولاً عن ابن المنكدر بواسطة عبد ربه بن سعيد، ثم لقيه فرواه عنه بغير واسطة

(6/162)


باب ما جاء في اللعن و الطعن
...
71 ـ باب ما جاءَ في اللّعْنِ وَالطّعْن
2088 ـ حَدّثنا محمد بن بشار، حدثنا أبُو عامِرٍ عن كَثِيرِ بنِ زَيْدٍ عن سَالِم
ـــــــ
" باب ما جاءَ في اللّعْنِ وَالطّعْن"
قال في القاموس لعنه كمنعه طرده وأبعده. وقال في المجمع: اللعنة هي الطرد والإبعاد، ولعن الكافر إبعاده عن الرحمة كل الإبعاد ولعن الفاسق إبعاده عن رحمة تخص المطيعين انتهى. وقال في القاموس: طعنه بالرمح كمنعه ونصره طعناً ضربه ووخزه فهو مطعون وطعين وفيه بالقول طعناً وطعناناً انتهى. وقال في النهاية: لا يكون المؤمن طعاناً، أي وقاعاً في أعراض الناس بالذم والغيبة ونحوهما.

(6/162)


عن ابنِ عُمَرَ قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "لا يَكُونُ المُؤْمِنُ لَعّاناً" .
وفي الباب عن عبد الله بن مسعود وهذا حديث حسن غريب. وروى بَعْضُهُمْ بهذا الإسناد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يَنْبَغِي لِلمُؤمِنِ أَنْ يَكُونَ لَعّاناً" .
ـــــــ
وهو فعال من طعن فيه وعليه بالقول يطعن بالفتح والضم إذا عابه، ومنه الطعن في النسب انتهى
قوله: "عن كثير بن زيد" الأسلمي ثم السهمي مولاهم المدني، يقال له ابن صاقنة وهي أمه. روى عن سالم بن عبد الله بن عمر، وغيره وعنه أبو عامر العقدي وغيره صدوق يخطئ من السابعة.
قوله: "لا يكون المؤمن لعاناً" أي كثير اللعن، وهو الطرد، والمراد به هنا الدعاء بالبعد عن رحمة الله تعالى وإنما أتى بصيغة المبالغة لأن الاحتراز عن قليله نادر الوقوع في المؤمنين. قال ابن الملك: وفي صيغة المبالغة إيذان بأن هذا الذم لا يكون لمن يصدر منه اللعن مرة أو مرتين. وفي حديث أبي هريرة عند مسلم مرفوعاً: لا ينبغي تصديق أن يكون لعاناً .
قوله: "وفي الباب عن ابن مسعود" أخرجه الترمذي في باب ما جاء في اللعنة.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" ذكر المنذري هذا الحديث في ترغيبه، ونقل تحسين الترمذي وسكت عنه.
قوله: "لا ينبغي للمؤمن" أي لا يجوز له وقد جاء في الكتاب والسنة: لا ينبغي بمعنى لا يجوز كما في قوله تعالى {وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً} وتقدم تحقيقه في المقدمة. ووقع في بعض نسخ الترمذي بعد هذا: وهذا الحديث مفسر يعني أن هذه الرواية بهذا اللفظ مفسرة للرواية السابقة بلفظ: لا يكون المؤمن لعاناً. يعني أن النفي فيها بمعنى النهي.
تنبيه: اعلم أن الترمذي رحمه الله قد عقد فيما تقدم باباً بلفظ باب ما جاء في اللعنة، ثم عقد ههنا هذا الباب، ففيه تكرار، فلو أدخل حديث هذا الباب في الباب المتقدم وأسقط هذا الباب لكان أولى

(6/163)


72 ـ باب ما جاءَ في كَثْرَةِ الْغضَب
2089 ـ حَدّثنا أبو كُرَيْبٍ وحدثنا أبو بَكْرِ بنِ عَيّاشٍ عن أبِي حَصِيْنٍ عن أبِي صالِحٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ قال: "جَاءَ رَجُلُ إِلَى النبيّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: "عَلّمْنِي شَيْئاً وَلاَ تُكْثِرْ عَلَيّ لَعَلّي أَعِيهُ. قال: لا تَغْضَبْ، فَرَدّدَ ذَلِكَ مِرَاراً، كلّ ذَلِكَ يَقُولُ لا تَغْضَبْ" .
ـــــــ
"باب ما جاء في كثرة الغضب"
قال في القاموس: الغضب بالتحريك ضد الرضا كالمغضبة، غضب كسمع عليه وله إذا كان حياً وغضب به إذا كان ميتاً. وقال بعض المحققين: الغضب فوران دم القلب أو عرض يتبعه ذلك لدفع المؤذيات وللانتقام بعد وقوعها
قوله: "علمني شيئاً" أي أرشدني بخصوصي إلى عموم ما ينفعني ديناً ودنيا ويقربني إلى الله زُلْفَى "ولا تكثر على" من الإكثار وعلي صلة له والمعنى لا تعلمني أشياء كثيرة "لعلي أعيه" أي أحفظه. قال في القاموس: وعاه يعيه حفظه وجمعه "لا تغضب" قيل لعل السائل كان غضوباً وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر كل أحد بما هو أولى به فلهذا اقتصر في وصيته له على ترك الغضب. وقال الخطابي معنى قوله لا تغضب: اجتنب أسباب الغضب ولا تتعرض لما يجلبه. وأما نفس الغضب فلا يتأتى النهي عنه لأنه أمر طبعي لا يزول من الجبلة. وقيل معناه لا تغضب لأن أعظم ما ينشأ عنه الغضب الكبر لكونه يقع عند مخالفة أمر يريده فيحمله الكبر على الغضب. فالذي يتواضع حتى يذهب عنه عزة النفس يسلم من شر الغضب. وقيل معناه: لا تفعل ما يأمرك به الغضب. وقال ابن التين: جمع صلى الله عليه وسلم في قوله: لا تغضب خير الدنيا والاَخرة، لأن الغضب يؤول إلى التقاطع ومنع الرفق وربما آل إلى أن يؤذي المغضوب عليه فينتقص ذلك من الدين "فردد ذلك" أي الرجل السؤال يلتمس أنفع من ذلك، أو أبلغ أو أعم فلم يزده على ذلك "مراراً" أي مرة بعد أخرى "كل ذلك يقول لا تغضب" في رواية عثمان بن أبي شيبة قال: لاتغضب ثلاث مرات، وفيها بيان عدد المرار

(6/164)


وفي البابِ عن أَبِي سَعِيدٍ وَسُلَيْمانَ بنِ صُرَدَ. وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريب من هذا الْوَجْهِ. وأبو حَصِينٍ اسمُه عُثْمانُ بنُ عاصِمٍ الأسَدِيّ.
ـــــــ
قاله الحافظ. فإن قلت هذا الحديث لا يطابق الباب فإن قوله لا تغضب يدل على النهي عن مطلق الغضب لا عن كثرة الغضب. قلت: الظاهر أن المراد بقوله لا تغضب النهي عن كثرة الغضب لأن مطلق الغضب غريزة لا يمكن الاجتناب عنه فالمطابقة ظاهرة "وفي الباب عن أبي سعيد وسليمان بن صرد" أما حديث أبي سعيد فأخرجه الترمذي في باب خبر النبي صلى الله عليه وسلم بما هو كائن إلى يوم القيامة من أبواب الفتن. وأما حديث سليمان بن صرد فأخرجه الشيخان.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه أحمد والبخاري "وأبو حصين اسمه عثمان بن عاصم الأسدي" قال في التقريب: عثمان بن عاصم بن حصين الأسدي الكوفي، أبو حصين بفتح المهملة. ثقة ثبت سني وربما دلس من الرابعة

(6/165)


باب ما جاء في كظم الغيظ
...
73 ـ باب في كَظْمِ الْغَيْظ
2090 ـ حَدّثنا الْعَبّاسُ بنُ محمّدٍ الدّودِيّ وغَيْرُ وَاحِدٍ، قالوا حدثنا عبدُ الله بنُ يَزِيدَ المُقْرِي حدثنا سَعِيدُ بنُ أَبِي أيّوبَ، حدثني أبو مَرْحُومٍ عبدُ الرّحِيمِ بنُ مَيْمُونٍ عن سَهْلِ ابنِ معَاذٍ بنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيّ عن أَبِيِه عن النبيّ
ـــــــ
" باب في كَظْمِ الْغَيْظ"
قد سقط هذا الباب من بعض النسخ
قوله: "أخبرنا سعيد بن أبي أيوب" الخزاعي مولاهم المصري أبو يحيى بن مقلاص ثقة ثبت من السابعة "عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني" نزيل مصر لابأس به إلا في روايات زبان عنه من الرابعة "عن أبيه" أي معاذ بن أنس الجهني الأنصاري صحابي، نزل مصر وبقي إلى خلافة عبد الملك.

(6/165)


صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ كَظَمَ غيْظاً وَهُوَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنَفّذَهُ دَعَاهُ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُؤوس الْخَلاَئقِ حَتّى يُخَيّرَهُ فِي أَيّ الْحُورِ شاءَ" .
هذا حديث حسن غريب.
ـــــــ
قوله: "من كظم غيظاً" أي اجترع غضباً كامناً فيه. قال في النهاية كظم الغيظ تجرعه واحتمال سببه والصبر عليه انتهى. "وهو يستطيع أن ينفذه" بتشديد الفاء أي يمضيه. وفي حديث أبي هريرة عند ابن ابي الدنيا: وهو يقدر على إنفاذه فيجوز تخفيف الفاء والجملة حالية وجواب الشرط "دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق" أي شهره بين الناس وأثنى عليه وتباهى به ويقال في حقه هذا الذي صدرت منه هذه الخصلة العظيمة "حتى يخيره" أي يجعله مخيراً "في أي الحور شاء" أي في أخذ أيهن شاء، وهو كناية عن إدخاله الجنة المنيعة، وإيصاله الدرجة الرفعية. قال الطيبي: وإنما حمد الكظم لأنه قهر للنفس الأمارة بالسوء، ولذلك مدحهم الله تعالى بقوله: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} ومن نهى النفس عن هواه فإن الجنة مأواه والحور العين جزاه. قال القاري: وهذا الثناء الجميل والجزاء الجزيل هذا ترتب على مجرد كظم الغيظ فكيف إذا انضم العفو إليه أو زاد بالإحسان عليه.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" ، وأخرجه أحمد في مسنده وأبو داود وابن ماجة

(6/166)


74 ـ باب ما جاءَ في إِجْلاَلِ الكَبِير
2091 ـ حَدّثنا محمدُ بنُ المُثَنّى، حدثنا يَزِيد بن بَيَانٍ الْعُقَيلِيّ، حدثني
ـــــــ
" باب ما جاءَ في إِجْلاَلِ الكَبِير"
أي تعظيمه والمصدر مضاف إلى المفعول
قوله: "حدثنا يزيد بن بيان العقيلي" بالضم أبو خالد البصري ضعيف من التاسعة. وقال في تهذيب التهذيب: يزيد بن بيان العقيلي أبو خالد البصري، المعلم الضرير المؤذن، روى عن أبي الرحال الأنصاري عن أنس حديث: ما أكرم شاب شيخاً

(6/166)


أبو الرّحّالِ الأنصَارِيّ عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَا أَكْرَمَ شَابٌ شَيْخاً لِسِنّهِ إِلاّ قَيّضَ الله لَهُ مَنْ يُكْرِمُهُ عِنْدَ سِنّهِ" .
ـــــــ
لسنه الحديث "حدثني أبو الرحال الأنصاري" بفتح الراء وتشديد الحاء المهملة البصري اسمه محمد بن خالد وقيل خالد بن محمد.
اعلم أن كون أبي الرحال بفتح الراء وتشديد الحاء المهملة هو الصواب في هذا السند وأما قول الترمذي في آخر هذا الباب وأبو الرجال الأنصاري آخر فهو بكسر الراء وتخفيف الجيم فاحفظ هذا. وقد وقع في النسخة الأحمدية في هذا السند أبو الرجال بكسر الراء وتخفيف الجيم، قال في هامشها: قوله أبو الرجال بالجيم وفي آخر الباب بالحاء هذا ما وجدته في الكتب الدهلوبة وفي نسخة صحيحة منقولة من العرب عكسه وعليهما فيها علامة الصحة انتهى.
قلت: ما في النسخة الصحيحة المنقولة من العرب من كون أبي الرحال بالحاء المهملة في هذا السند وكون أبي الرجال بالجيم في آخر الباب هو الصواب لما عرفت آنفاً في عبارة تهذيب التهذيب من أن يزيد بن بيان العقيلي روى حديث الباب عن أبي الرحال، ولأن الحافظ رمز على أبي الرحال بفتح الراء وتشديد الحاء المهملة بحرف ت ورمز على أبي الرجال بكسر الراء وتخفيف الجيم بحروف خ م س ق، ولأن الحافظ قال في ترجمة أبي الرحال بالحاء المهملة روى عن أنس وغيره وعنه يزيد بن بيان العقيلي وغيره. فهذه الوجوه الثلاثة تدل بمجموعها على أن في هذا السند أبا الرحال بالحاء المهملة دون أبي الرجال بالجيم وأبو الرحال بفتح الراء وتشديد الحاء المهملة الأنصاري البصري اسمه محمد بن خالد وقيل خالد بن محمد ضعيف من الخامسة. وأما أبو الرجال فقال في التقريب محمد بن عبد الرحمن بن حارثة الأنصاري أبو الرجال بكسر الراء وتخفيف الجيم، مشهور بهذه الكنية وهي لقبه، وكنيته في الأصل أبو عبد الرحمن ثقة من السابعة.
قوله: "ما أكرم" أي ما أعظم ووقر "لسنه" أي لأجل سنه، لا لأمر آخر قاله المناوي. وقال القاري: أي كبر عمره لأن الغالب عليه زيادة علم وعمل مع سبق إيمانه انتهى "إلا قيض الله" بتشديد التحتية ومنه قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} أي سلط ووكل "له" أي

(6/167)


هذا حديث غريبٌ لا نَعْرِفُهُ إِلا من حديثِ هذا الشّيْخِ يَزِيدَ بنِ بَيَانٍ وأبو الرّجّالِ الأنصَارِيّ آخَرُ.
ـــــــ
للشاب "من يكرمه" أي قريناً يعظمه ويخدمه لأن من خدم خدم "عند سنه" أي حال كبره مجازاة له على فعله بأن يقدر له عمراً يبلغ به إلى الشيخوخة ويقدر له من يكرمه.
قوله: "هذا حديث غريب" في سنده ضعيفان كما عرفت فالحديث ضعيف

(6/168)


75 ـ بابُ ما جاءَ في المُتَهَاجِرَيْن
2092 ـ حَدّثنا قُتَيْبَةُ حدثنا عبدُ العَزِيزِ بنُ محمّدٍ عن سُهَيْلِ بنِ أَبِي صالحٍ عن أَبِيِه عن أَبي هُرَيْرَةَ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنّةِ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ فَيُغْفَرُ فِيهِمَا لِمَنْ لاَ يُشْرِكُ بالله شيئاً إِلاّ المُتَهَاجِرِيْنِ يَقُولُ: رُدّوا هَذَيْنِ حَتّى يَصْطَلِحَا" .
ـــــــ
"باب ما جاء في المتهاجرين"
قوله: "عن سهيل بن أبي صالح" ذكون السمان أبي يزيد المدني صدوق تغير حفظه بآخره، روى له البخاري مقروناً وتعليقاً من السادسة.
قوله: "تفتح أبواب الجنة" أي حقيقة، لأن الجنة مخلوقة الاَن وفتح أبوابها ممكن، أو هو بمعنى إزالة المانع ورفع الحجب وفي شرح مسلم قال القاضي قال الباجي معنى فتحها كثرة الصفح والغفران ورفع المنازل وإعطاء الثواب الجزيل. قال القاضي: ويحتمل أن يكون على ظاهره وأن فتح أبوابها علامة لذلك انتهى. قلت: هذا الاحتمال هو الظاهر، فالأولى أن يحمل الحديث على ظاهره "يوم الاثنين والخميس" أي لكثرة الرحمة النازلة فيهما الباعثة على الغفران "إلا المهتجرين" أي المتقاطعين "يقول ردوا" وفي رواية مسلم انظروا: أي أمهلوا أي لا تعطوا منها أنصباء هذين المتهاجرين المتعاديين، وأخروا مغفرتهما من ذنوبهما مطلقاً، زجراً لهما أو من ذنب الهجران فقط "حتى يصطلحا" أي يتصالحا

(6/168)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ويُروَى في بعضِ الحديثِ: "ذَرُوا هَذَيْنِ حَتّى يَصْطَلِحَا" قال: ومعنَى قَوْلِه المُتَهَاجِرَيْن: يَعْنِي المُتَصَارِمَيْنِ. وهذا مِثْلُ مَا رُوِيَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يَحِلّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوقَ ثَلاَثَةِ أَيّامٍ" .
ـــــــ
ويزول عنهما الشحناء فلا يفيد التصالح للسمعة والرياء. والظاهر أن مغفرة كل واحد متوقفة على صفائه وزوال عدوانه سواء صفا لصاحبه أم لا. قال الطبيبي وأتى باسم الإشارة بدل الضمير لمزيد التمييز والتعيين.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم والبخاري في الأدب المفرد وأبو داود.
قوله: "ردوا هذين" أي ادعوهما "ومعنى قوله المتهاجرين يعني المتصارمين" أي المتقاطعين قال في القاموس: صرمه يصرمه صرماً ويضم: قطعه قطعاً بائناً، وفلاناً قطع كلامه انتهى.
قوله: "وهذا مثل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم" قال: لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام رواه مسلم عن عبد الله بن عمر، ورواه الترمذي من حديث أبي أيوب الأنصاري في باب كراهية الهجرة

(6/169)


76 ـ باب ما جاءَ في الصّبْر
2093 ـ حَدّثنا الأنْصَارِيّ، حدثنا مَعْن، حدثنا مالِكُ بنُ أَنَسٍ عن الزّهْرِيّ عن عَطاءِ بنِ يَزِيدَ عن أَبِي سَعِيدٍ: "أَنّ نَاساً مِنَ الأنْصَارِ سَأَلُوا النبيّ صلى الله عليه وسلم فَأَعْطَاهُمْ، ثُمّ سَألُوه فَأَعْطاهُمْ، ثُمّ قَالَ: مَا يَكُونُ
ـــــــ
"باب ما جاء في الصبر"
قوله: "سألوا النبي صلى الله عليه وسلم" أي شيئاً "فأعطاهم" أي إياه "ثم سألوا فأعطاهم" زاد في رواية الشيخين حتى نفد ما عنده "فقال ما يكون عندي

(6/169)


عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ الله، وَمَنْ يستعفف يُعِفّهُ الله، وَمَنْ يَتَصَبّرْ يُصَبّرْهُ الله، وَمَا أُعْطِيَ أحَدٌ شَيْئَاً هُوَ خَيْرٌ وَأَوْسَعُ مِنَ الصّبْرِ" .
ـــــــ
من خير" أي مال، ومن بيان لما وما خبرية متضمنة للشرط أي كل شيء من المال موجود عندي أعطيكم "فلن أدخره عنكم" أي أحبسه وأخبؤه وأمنعكم إياه منفرداً به عنكم "ومن يستغن" أي يظهر الغنى بالاستغناء عن أموال الناس والتعفف عن السؤال حتى يحسبه الجاهل غنياً من التعفف "يغنه الله" أي يجعله غنياً أي بالقلب ففي الحديث: ليس الغني عن كثرة العرض إنما الغني غني النفس. أو يعطيه ما يغنيه عن الخلق "ومن يستعفف" قال الجزري في النهاية: الاستعفاف طلب العفاف والتعفف وهو الكف عن الحرام والسؤال من الناس، أي من طلب العفة وتكلفها أعطاه الله إياها، وقيل: الاستعفاف الصبر والنزاهة عن الشيء يقال عف يعف عفه فهو عفيف انتهى "يعفه الله" : أي يجعله عفيفاً من الاعفاف وهو إعطاء العفة وهي الحفظ عن المناهي يعني من قنع بأدنى قوت وترك السؤال تسهل عليه القناعة وهي كنز لا يفنى. وقال في المجمع: يعفه من الإعفاف وبفتح فاء مشددة وضمه بعض إتباعاً بضم الهاء انتهى. "ومن يتصبر" أي يطلب توفيق الصبر من الله لأنه قال تعالى: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ} . أو يأمر نفسه بالصبر ويتكلف في التحمل عن مشاقه وهو تعميم بعد تخصيص، لأن الصبر يشتمل على صبر الطاعة والمعصية والبلية، أو من يتصبر عن السؤال والتطلع إلى ما في أيدي الناس بأن يتجرع مرارة ذلك ولا يشكو حاله لغير ربه "يصبره الله" بالتشديد: أي يسهل عليه الصبر فتكون الجمل مؤكدات، ويؤيد إرادة معنى العموم قوله "وما أعطي أحد شيئاً هو خير" : أي أفضل "وأوسع من الصبر" قال القاري: وذلك لأن مقام الصبر أعلى المقامات لأنه جامع لمكارم الصفات والحالات ولذا قدم على الصلاة في قوله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ} . ومعنى كونه أوسع أنه تتسع به المعارف والمشاهد والأعمال والمقاصد انتهى.

(6/170)


وفي البابِ عن أَنَسٍ. هذا حديث حسن صحيح. ويُرْوَى هذا الحديث عن مالِكٍ: "فَلَنْ أَدّخِرَهُ عَنْكُمْ، ويُرْوَى عَنْهُ: فَلَمْ أَذْخِرْهُ عَنْكُمْ" . والمعنَى فِيهِ وَاحِدٌ يَقُولُ: "لَنْ أَحْبِسَهُ عَنْكُمْ" .
ـــــــ
قوله: "في الباب عن أنس" أخرجه الطبراني والحاكم كذا في الترغيب.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري في الزكاة وفي الرقاق ومسلم وأبو داود في الزكاة والنسائي في الزكاة وفي الرقاق.
قوله: "ويروي" بصيغة المجهول وفي بعض النسخ وقد روي "فلن أدخره عنكم" وفي بعض النسخ بالذال المعجمة

(6/171)


77 ـ باب ما جاءَ في ذِي الْوَجْهيْن
2094 ـ حَدّثنا هَنّادٌ، حدثنا أبو مُعَاوِيَةَ عن الأعْمَشِ عن أَبِي صالحٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنّ مِنْ شَرّ النَاسِ عِنْدَ الله يَومَ القِيامَةِ ذَا الْوَجْهَيْنِ" .
ـــــــ
"باب ما جاء في ذي الوجهين"
قوله: "إن من شر الناس عند الله يوم القيامة ذا الوجهين" ولفظ اليخاري: تجد من أشر الناس يوم القيامة عند الله ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه. قال القرطبي: إنما كان ذو الوجهين شر الناس لأن حاله حال المنافق إذ هو متملق بالباطل وبالكذب، مدخل للفساد بين الناس، وقال النووي: هو الذي يأتي كل طائفة بما يرضيها فيظهر لها أنه منها ومخالف لضدها، وصنيعه نفاق ومحض كذب وخداع وتحيل على الاطلاع على أسرار الطائفتين وهي مداهنة محرمة. قال: فأما من يقصد بذلك الإصلاح بين الطائفتين فهو محمود. وقال غيره: الفرق بينهما أن المذموم من يزين لكل طائفة عملها ويقبحه عند الأخرى، ويذم كل طائفة عند الأخرى. والمحمود أن يأتي لكل طائفة بكلام فيه صلاح الأخرى، ويعتذر لكل واحدة عن الأخرى، وينقل إليه ما أمكنه من الجميل ويستر القبيح ويؤيد هذه

(6/171)


وفي البابِ عن عمّارٍ وَأَنَسٍ. هذا حديث حسن صحيح.
ـــــــ
التفرقة، رواية الإسماعيلي من طريق ابن عمير عن الأعمش: الذي يأتي هؤلاء بحديث هؤلاء، وهؤلاء بحديث هؤلاء.
قوله: "وفي الباب عن عمار وأنس" أما حديث عمار فأخرجه أبو داود وابن حبان في صحيحه. وأما حديث أنس فأخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الصمت والطبراني والأصبهاني وغيرهم كذا في الترغيب.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وغيرهما

(6/172)


78 ـ باب ما جاءَ في النّمّام
2095 ـ حَدّثنا ابنُ أَبِي عُمَرَ حدثنا سُفْيَانَ بن عيينة عن مَنْصُورٍ عن إبراهيمَ عن هَمّامِ بنِ الحارِثِ قال: مَرّ رَجُلٌ عَلَى حُذَيْفَةَ بنِ الْيَمانِ فَقِيلَ لَهُ إِنّ هذا يُبَلّغُ الأُمَرَاءَ الحديثَ عن النّاسِ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: "لا يَدْخُلُ الْجَنّةَ قتَاتٌ" . قال سُفْيَانُ: والْقَتّاتُ النّمّامُ.
ـــــــ
" باب ما جاءَ في النّمّام"
قال الجزري في النهاية: النميمة نقل الحديث من قوم إلى قوم على جهة الإفساد والشر، وقد نم الحديث ينمه وينمه فهو نمام. والاسم النميمة، ونم الحديث إذا ظهر فهو متعد ولازم انتهى
قوله: "فقيل له هذا يبلغ الأمراء الحديث عن الناس" ، ولفظ البخاري: فقيل له إن رجلاً يرفع الحديث إلى عثمان "لا يدخل الجنة" : أي في أول وهلة كما في نظائره "قتات" بقاف ومثناة ثقيلة وبعد الألف مثناة أخرى ووقع بلفظ نمام في رواية أبي وائل عن حذيفة عند مسلم. قال في النهاية: القتات هو النمام، يقال قت الحديث يقته إذا زوره وهيأه وسواه. وقيل النمام الذي يكون مع القوم يتحدثون فينم عليهم، والقتات الذي يتسمع على القوم وهم لا يعلمون ثم ينم، والقساس الذي يسأل عن لأخبار ثم ينمها انتهى.

(6/172)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
قال الحافظ في الفتح قال الغزالي ما ملخصه:
ينبغي لمن حملت إليه نميمة أن لا يصدق من نم له، ولا يظن بمن نم عنه ما نقل عنه، ولا يبحث عن تحقيق ما ذكر له، وأن ينهاه ويقبح له فعله، وأن يبغضه إن لم ينزجر، وأن لا يرضى لنفسه ما نهى النمام عنه فينم هو على النمام فيصير نماماً قال النووي: وهذا كله إذا لم يكن في النقل مصلحة شرعية وإلا فهي مستحبة أو واجبة. كمن أطلع من شخص أنه يريد أن يؤذي شخصاً ظلماً فحذره منه، وكذا من أخبر الإمام أو من له ولاية يسيرة نائبة مثلاً فلا منع عن ذلك. وقال الغزالي ما ملخصه: النميمة في الأصل نقل القول إلى القول فيه ولا اختصاص لها بذلك بل ضابطها كشف ما يكره كشفه، سواء كرهه المنقول عنه أو المنقول إليه أو غيرهما سواء كان المنقول قولاً أم فعلاً وسواء كان عيباً أم لا، حتى لو رأى شخصاً يخفي ماله فأفشى. كان نميمة. واختلف في الغيبة والنميمة هل هما متغايرتان أو متحدتان؟ والراجح التغاير وأن بينهما عموماً وخصوصاً وجهياً. وذلك لأن النميمة نقل حال الشخص لغيره على جهة الإفساد بغير رضاه. سواء كان بعلمه أم بغير علمه والغيبة ذكره في غيبته بما لا يرضيه، فامتازات النميمة بقصد الإفساد، ولا يشترط ذلك في الغيبة، وامتازت الغيبة بكونها في غيبة المقول فيه واشتركنا فيما عدا ذلك. ومن العلماء من يشترط في الغيبة أن يكون المقول فيه غائباً انتهى ما في الفتح.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وأبو داود

(6/173)


79 ـ باب ما جاءَ في العِي
2096ـ حَدّثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ حدثنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ عن أَبِي غَسّانَ
ـــــــ
" باب ما جاءَ في العِي"
بكسر العين المهملة وتشديد التحتية. قال في القاموس: عي في المنطق كرضى عياباً بكسر حصر انتهى. وقال في الصراح: عي بالكسر درما ندكي به سخن وهو خلاف البيان، يقال: عي في منطقة وعيي أيضاً فهو عيي على فعيل، وعي أيضاً على فعل وهم أعياء وأعيياء انتهى

(6/173)


محمّدِ بنِ مُطَرّفٍ، عن حَسّانَ بنِ عَطِيّةَ، عن أَبِي أمامَةَ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "الْحَيَاءُ وَالْعِيّ شُعْبَتَانِ مِنَ الإِيمَانِ، وَالْبَذَاءُ وَالْبَيَانُ شُعْبَتَانِ مِنَ النّفاقِ" .
ـــــــ
قوله: "عن أبي غسان محمد بن مطرف" قال الحافظ في تهذيب التهذيب محمد بن مطرف بن داود بن مطرف بن عبد الله بن سارية التيمي الليثي أبو غسان المدني يقال إنه من موالي عمر، نزل عسقلان، أحد علماء الأثبات، روى عن حسان بن عطية وغيره وعنه يزيد بن هارون وغيره "عن حسان بن عطية" المحاربي مولاهم الدمشقي، ثقة فقيه، عابد من الرابعة.
قوله: "الحياء والعي" أي العجز في الكلام والمراد به في هذا المقام هو السكوت عما فيه إثم من النثر والشعر لا ما يكون للخلل في اللسان قاله القاري. وقال في المجمع: العي التحير في الكلام وأراد به ما كان بسبب التأمل في المقال، والتحرز عن الوبال انتهى. قلت وفسر الترمذي العي فيما بعد بقلة الكلام يعني حذراً عن الوقوع في الإثم أو في ما لا يعني. "شعبتان من الإيمان" أي أثران من أثاره فإن المؤمن يحمله الإيمان على الحياء فيترك القبائح حياء من الله تعالى ويمنعه عن الاجتراء على الكلام شفقة عن عثرة اللسان، فهما شعبتان من شعب الإيمان والحاصل أن الأيمان منشأهما ومنشأ كل معروف وإحسان "والبذاء" بفتح موحدة فذال معجمة فحش الكلام أو خلاف الحياء "والبيان" أي الفصاحة الزائدة عن مقدار حاجة الإنسان من التعمق في النطق وإظهار التفاصح للتقدم على الأعيان. وقال في المجمع: أراد بالبيان ما يكون سببه الاجتراء وعدم المبالاة بالطغيان والتحرز عن الزور والبهتان انتهى. "شعبتان من النفاق" قال في التيسير أي هما خصلتان منشأهما النفاق أو مؤديان إليه، وأراد بالبيان هنا كثرة الكلام، والتكلف للناس بكثرة التملق والثناء عليهم، وإظهار التفصح، وذلك ليس من شأن أهل الإيمان، وقد يتملق الإنسان إلى حد يخرجه إلى صريح النفاق وحقيقته انتهى.

(6/174)


هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ إِنما نَعْرِفُهُ من حديثِ أَبِي غَسّانَ محمّدِ بنِ مُطَرّفٍ قال: وَالْعِيّ قِلّةُ الْكلامِ، وَالبَذَاءُ هُوَ الفُحْشُ في الْكَلامِ، وَالْبَيَانُ هُوَ كَثْرَةُ الْكلامِ، مِثْلَ هَؤلاَءِ الْخُطَبَاءِ الّذِينَ يِخْطُبُونَ فَيُوسِعُونَ في الْكلامِ ويتَفَصّحُونَ فِيهِ مِنْ مَدْحِ النّاسِ فِيمَا لا يُرْضِي الله.
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن غريب" قال القاري في المرقاة: رجاله رجال الصحيح كذا نقله ميرك عن التصحيح. وقد رواه الإمام أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه انتهى. وقال المناوي في شرح الجامع الصغير: قال الترمذي حسن، وقال غيره صحيح انتهى. "قال والعي قلة الكلام الخ" أي قال الترمذي في تفسير هذه الألفاظ: وأراد بقوله العي قلة الكلام أي تحرزا عن الوقوع في الإثم أو في ما لا ينبغي

(6/175)


80 ـ باب ما جاءَ في إِنّ مِنَ الْبَيانِ سِحْراً
2097ـ حَدّثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا عبدُ الْعَزِيزِ بنُ محمّدٍ عن زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ عن ابنِ عمَرَ أَنّ رَجُلَيْنِ قَدِمَا في زَمَانِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم
ـــــــ
"باب ما جاءَ في إِنّ مِنَ الْبَيانِ سِحْراً"
قوله: "أن رجلين" قال الحافظ في الفتح: لم أقف على تسميتهما صريحاً، وقد زعم جماعة أنهما الزبرقان بكسر الزاي والراء بينهما موحدة ساكنة وبالقاف، واسمه الحصين ولقب الزبرقان لحسنه، والزبرقان من أسماء القمر، وهو ابن بدر بن امرئ القيس بن خلف وعمرو بن الأهيم واسم الأهيم سنان بن سمي يجتمع مع الزبرقان في كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، فهما تميميان قدما في وفد بني تميم على النبي صلى الله عليه وسلم سنة تسع من الهجرة، واستندوا في تعيينهما إلى ما أخرجه البيهقي في الدلائل وغيره من طريق مقسم عن ابن عباس قال: جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهيم وقيس بن عاصم، ففخر الزبرقان فقال: يا رسول الله أنا سيد بني تميم، والمطاع فيهم والمجاب أمنعهم من الظلم وآخذ منهم بحقوقهم، وهذا يعلم ذلك يعني عمرو بن

(6/175)


فَخَطَبَا فَعَجِبَ النَاسُ مِنْ كلامِهِمَا، فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فقالَ: "إِنّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْراً، أو إِنّ بَعْضَ الْبَيَانِ سِحْرٌ" .
ـــــــ
الأهيم. فقال عمرو إنه لشديد المعارضة، مانع لجانبه مطاع في إذنه. فقال الزبرقان: والله يا رسول الله لقد علم من غير ما قال وما منعه أن يتكلم إلا الحسد. فقال عمرو: أنا أحسدك؟ والله يا رسول الله إنه لئيم الخال، حديث المال، أحمق الوالد مضيع في العشيرة، والله يا رسول الله لقد صدقت في الأولى وما كذبت في الاَخرة، ولكني رجل إذا رضيت قلت أحسن ما عملت، وإذا غضبت قلت أقبح ما وجدت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن من البيان سحراً، وأخرجه الطبراني من حديث أبي بكرة قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقدم عليه وفد بني تميم عليهم قيس بن عاصم والزبرقان وعمرو بن الأهيم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو: ما تقول في الزبرقان؟ فذكر نحوه وهذا لا يلزم منه أن يكون الزبرقان وعمر وهما المراد بحديث ابن عمر فإن المتكلم إنما هو عمرو بن الأهيم وحده وكان كلامه في مراجعته الزبرقان فلا يصح نسبة الخطبة إليهما إلا على طريق التجوز انتهى ما في الفتح "فخطبا" أي كلمات محسنات جامعة للبلاغة والفصاحة "إن من البيان سحراً أو إن بعض البيان سحراً" أو للشك من الراوي قال الخطابي البيان اثنان أحدهما ما تقع به الإبانة عن المراد بأي وجه كان، والاَخر ما دخلته الصنعة بحيث يروق للسامعين ويستميل قلوبهم، وهو الذي يشبه بالسحر إذا خلب القلب وغلب على النفس حتى يحول الشيء عن حقيقته، ويصرفه عن جهته. فيلوح للناظر في معرض غيره، وهذا إذا صرف إلى الحق يمدح وإذا صرف إلى الباطل يذم، قال فعلى هذا فالذي يشبه بالسحر منه هو المذموم، ويعقب بأنه لا مانع من تسمية الاَخر سحراً لأن السحر يطلق على الاستمالة وقد حمل بعضهم الحديث على المدح والحث على تحسين الكلام وتحبير الألفاظ، وحمله بعضهم على الذم لمن تصنع في الكلام وتكلف لتحسينه وصرف الشيء عن ظاهره، فشبه بالسحر الذي هو تخييل الغير حقيقة وإلى هذا أشار مالك حيث أدخل هذا الحديث في الموطأ في باب ما يكره من الكلام بغير ذكر الله، وحمل الحديث على هذا صحيح لكن لا يمنع حمله على المعنى الاَخر إذا كان في تزيين الحق وبهذا جزم ابن العربي وغيره من فضلاء المالكية.

(6/176)


وفي البابِ عن عَمّارٍ وابنِ مسعودٍ وعبدِ الله بنِ الشّخّيِر.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
قوله: "وفي الباب عن عمار وابن مسعود وعبد الله بن الشخير" أما حديث عمار فأخرجه أحمد في مسنده ومسلم في صحيحه، وأما حديث ابن مسعود فأخرجه مسلم عنه مرفوعاً: هلك المتنطوعون قالها ثلاثاً، وأما حديث عبد الله بن الشخير فلينظر من أخرجه وفي الباب أيضاً عند أحمد وأبي داود عن ابن عباس مرفوعاً: إن من البيان سحراً وإن من الشعر حكماً. قال المناوي: إسناده صحيح. وعند أبي داود وعن بريدة بن الحصيب مرفوعاً: إن من البيان سحراً وإن من العلم جهلاً وإن من الشعر حكماً، وإن من القول عيباً. قال المناوي في إسناده من يجهل.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومالك وأحمد وأبو داود

(6/177)


81 ـ باب ما جاءَ في التّوَاضُع
2098 ـ حَدّثنا قُتَيْبَةُ حدثنا عبدُ العَزِيزِ بنُ محمّدٍ عن الْعَلاَءِ بنِ عبد الرّحمنِ عن أَبِيِه عن أَبي هُرَيْرَةَ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مالٍ، وَمَازَادَ الله رَجُلاً بِعَفْوٍ إلا عِزّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لله إلاّ رَفَعَهُ الله" .
ـــــــ
" باب ما جاءَ في التّوَاضُع"
قال في القاموس: تواضع تذلل وتخاشع.
قوله: "ما نقصت صدقة" ما نافية ومن في قوله "من مال" زائدة أو تبعيضية أو بيانية أي ما نقصت صدقة مالاً أو بعض مال أو شيئاً من مال بل تزيد أضعاف ما يعطى منه بأن ينجبر بالبركة الخفية أو بالعطية الجلية أو بالمثوبة العلية "وما زاد الله رجلاً بعفو" أي بسبب عفوه عن شيء مع قدرته على الانتقام "إلا عزاً" في الدنيا فإن من عرف بالعفو عظم في القلوب، أو في الاَخرة بأن يعظم ثوابه أو فيهما "وما تواضع أحد لله" بأن أنزل نفسه عن مرتبة يستحقها لرجاء التقرب إلى الله دون غرض غيره "إلا رفعه الله" في الدنيا والاَخرة.

(6/177)


وفي البابِ عن عبدِ الرّحمنِ بنِ عَوْفٍ وابنِ عَبّاسٍ وأَبِي كَبْشَةَ الأنمَارِيّ واسمُه عُمَرُ بنُ سَعْدٍ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
قوله: "وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف وابن عباس وأبي كبشة الأنماري" أما حديث عبد الرحمن بن عوف وحديث أبي كبشة الأنماري فلينظر من أخرجهما. وأما حديث ابن عباس فأخرجه الطبراني عنه مرفوعاً: ما من آدمي إلا في رأسه حكمة بيد ملك فإذا تواضع قيل للملك ارفع حكمته، وإذا تكبر قيل للملك ضع حكمته.
قوله: "واسمه عمر بن سعد" قال الحافظ في تهذيب التهذيب: جزم الترمذي في الجامع بأن اسمه عمر بن سعد، وحكى البخاري الخلاف فيمن اسمه عمر انتهى.
وقال في التقريب: أبو كبشة الأنماري هو سعيد بن عمرو أو عمرو بن سعيد وقيل عمر أو عامر بن سعد صحابي نزل الشام له حديث وروى عن أبي بكر انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد في مسنده ومسلم

(6/178)


82 ـ باب ما جاءَ في الظّلْم
2099 ـ حَدّثنا عَبّاسُ الْعَنْبَرِيّ حدثنا أبو دَاوُدَ الطّيَالِسِيّ عن عبدِ العزِيزِ بنِ عبدِ الله بن أَبِي سَلَمَةَ عن عبدِ الله بنِ دِينَارٍ عن ابنِ عُمَرَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وقال: "الظّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
ـــــــ
"باب ما جاءَ في الظّلْم"
قال الراغب: الظلم عند أهل اللغة وضع الشيء في غير موضعه المختص به إما بنقصان أو بزيادة وإما بعدول عن وقته أو مكانه
قوله: "عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة" الماجشون المدني نزيل بغداد مولى آل الهدير ثقة فقيه مصنف من السابعة "الظلم" أي جنسه الشامل المتعدي والقاصر الصادر من الكافر والفاجر. "ظلمات" أي أسباب ظلمة لمرتكبه أو موجبات شدة لصاحبه يوم القيامة. ومفهومه أن العدل بأنواعه أنوار "يوم القيامة" لأن الدنيا مزرعة الاَخرة. وفي شرح مسلم للنووي قال القاضي: هو على ظاهره فيكون ظلمات على صاحبه لا يهتدي يوم القيامة بسبب ظلمه في الدنيا، كما

(6/178)


وفي البابِ عن عبدِ الله بنِ عَمْرٍو وعائِشَةَ وأَبِي مُوسَى وأَبي هُرَيْرَةَ وجَابِر وهذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ صحيحٌ من حديثِ ابنِ عُمَرَ.
ـــــــ
أن المؤمن يسعى بنور هو مسبب عن إيمانه في الدنيا. قال تعالى: {يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ} . ويحتمل أن يراد بالظلمات هنا الشدائد، وبه فسروا قوله تعالى: {قلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} ، أي شدائدهما، ويحتمل أنها عبارة عن الأنكال والعقوبات. وقال ابن الجوزي: الظلم يشتمل على معصيتين: أخذ مال الغير بغير حق، ومبارزة الرب بالمخالفة والمعصية فيه أشد من غيرها، لأنه لا يقع غالباً إلا بالضعيف الذي لا يقدر على الانتصار. وإنما ينشأ الظلم عن ظلمة القلب لأنه لو استنار بنور الهدى لا تبر. فإذا سعي المتقون بنورهم الذي حصل لهم بسبب التقوى إكتفت ظلمات الظلم الظالم حيث لا يغني عنه ظلمه شيئاً.
قوله: "وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وعائشة وأبي موسى وأبي هريرة". أما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه أحمد في مسنده، وأما حديث عائشة فأخرجه البخاري في كتاب المظالم وغيره ومسلم في كتاب البيوع، وأما حديث أبي موسى فأخرجه الترمذي في تفسير سورة هود، وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الترمذي في باب شأن الحساب والقصاص من أبواب صفة القيامة.
قوله: "هذا حديث حسن غريب من حديث ابن عمر" وأخرجه الشيخان

(6/179)


83 ـ باب ما جاءَ في تَرْكِ الْعَيبِ للنّعْمَة
2040 ـ حدثنا أحمدُ بنُ محمدٍ، أخبرنا عبدُ الله بنُ المُبَارَكِ عن سُفْيَانَ عن الأعمَشِ عن أَبِي حازِمٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ قال: "ما عابَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم طَعَاماً قَطّ، كَانَ إذَا اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ وإِلاّ تَرَكَهُ".
ـــــــ
"باب ما جاء في ترك العيب للنعمة"
قوله: "ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاماً قط" قال الحافظ أي مباحاً أما الحرام فكان يعيبه ويذمه وينهى عنه. وذهب بعضهم إلى أن العيب إن كان من جهة الخلقة كره وإن كان من جهة الصنعة لم يكره، لأن صنعة الله لا تعاب

(6/179)


هذا حديث حسن صحيح.
وأبو حازِمٍ هُوَ الأشْجَعِيّ الكوفي واسمُه سَلْمَانُ مَوْلَى عَزّةَ الأشْجَعِيّةِ.
ـــــــ
وصنعة الاَدميين تعاب. قال الحافظ: والذي يظهر التعميم فإن فيه كسر قلب الصانع، قال النووي: من آداب الطعام المتأكدة أن لا يعاب كقوله مالح حامض قليل الملح غليظ رقيق غير ناضج وغير ذلك "وإلا" أي وإن لم يشتهه "تركه" يعني مثل ما وقع له في الضب. قال ابن بطال: هذا من حسن الأدب لأن المرء قد لا يشتهي الشيء ويشتهيه غيره، وكل مأذون في أكله من قبل الشرع ليس فيه عيب.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله: "وأبو حازم هو الأشجعي الخ" قال الحافظ في تهذيب التهذيب: سلمان أبو حازم الأشجعي الكوفي روى عن مولاته غزة الْاشجعية وأبي هريرة وغيرهما، وعنه الأعمش وغيره. وقال في التقريب: ثقة من الثالثة

(6/180)


84 ـ باب ما جاءَ في تَعْظِيمِ المُؤْمِن
2101 ـ حَدّثنا يَحْيَى بنُ أَكْثَمَ والجارُودُ بنُ مُعَاذٍ، قالاَ: حدثنا الْفَضْلُ بنُ مُوسَى، حدثنا الْحُسَيْنُ بنُ وَاقِدٍ عن أَوْفَى بنِ دَلْهَمَ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ قالَ: "صَعِدَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الْمِنْبَرَ فَنَادَى بِصَوتٍ رَفِيعٍ قالَ: يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ، لاَتُؤْذُوا
ـــــــ
"باب ما جاء في تعظيم المؤمن"
وقوله: "عن أوفى بن دلهم" البصري العدوي صدوق من السابعة.
قوله: "صعد" بكسر العين أي طلع "فنادى بصوت رفيع" أي عال "قال" بيان لقوله فنادى "يا معشر من أسلم بلسانه" يشترك فيه المؤمن والمنافق "ولم يفض" من الإفضاء أي لم يصل الإيمان أي أصله وكماله "إلى قلبه" فيشمل الفاسق وهو الأظهر كما سيأتي من قوله تتبع عورة أخيه المسلم ولا أخوة بين المسلم والمنافق. فما اختاره الطيبي من حصر حكم الحديث على المنافق خلاف الظاهر الموافق، والحكم

(6/180)


المُسْلِمينَ وَلاَ تُعَيّروهُمْ وَلاَ تَتّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنّهُ مَنْ تَتَبّعَ عَوْرَةَ أَخيهِ المُسْلِمِ تَتَبّعَ الله عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبّعُ الله عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ" . قال: وَنَظَرَ ابن عُمَرَ يَوْماً إِلَى الْبَيْتِ أَوْ إِلَى الْكَعْبَةِ فقالَ: ما أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَالمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةً عِنْدَ الله مِنْكِ.
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ إِلاّ من حديثِ الْحُسَيْنِ بنِ وَاقِدٍ.
ـــــــ
بالأعم هو الوجه الأتم. قاله القاري: وفيه ما فيه فتأمل "لا تؤذوا المسلمين" أي الكاملين في الإسلام وهم الذين أسلموا بلسانهم وآمنو بقلوبهم "ولا تعيروهم" من التعيير وهو التوبيخ والتعيب على ذنب سبق لهم من قديم العهد، سواء علم توبتهم منه أم لا. وأما التعيير في حال المباشرة أو بعيده قبل ظهور التوبة فواجب لمن قدر عليه. وربما يحب الحد أو التعزير فهو من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر "ولا تتبعوا" من باب الافتعال أي لا تجسسوا "عوراتهم" فيما تجهلونها ولا تكشفوها فيما تعرفونها "فإنه" أي الشأن "من تتبع" بصيغة الماضي المعلوم من باب التفعل أي من طلب. وفي بعض النسخ يتبع بصيغة المضارع المعلوم من باب الافتعال هنا وفيما بعد من الموضعين. "عورة أخيه" أي ظهور عيب أخيه "المسلم" أي الكامل بخلاف الفاسق فإنه يجب الحذر والتحذير عنه "يتبع الله عورته" ذكره على سبيل المشاكلة أي كشف عيوبه ومن أقبحها تتبع عورة الأخ المسلم. وهذا في الاَخرة "ومن يتبع الله عورته يفضحه" من فضح كمنع أي يكشف مساويه "ولو في جوف رحله" أي ولو كان في وسط منزله مخفياً من الناس. قال تعالى: {إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} . "ما أعظمك وأعظم حرمتك" هما صيغتا التعجب والحرمة بالضم وبضمتين وكهمزة ما لا يحل انتهاكه، كذا في القاموس. "والمؤمن" أي الكامل.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه ابن حبان في صحيحه قال الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمة أوفى بن دلهم: حسن الترمذي حديثه: يا معشر من

(6/181)


ورَوَى إسْحَاقُ بنُ إبراهيمَ السّمَرْقَنْدِيّ عن حُسَينِ بنِ وَاقِدٍ نَحْوَهُ. ورُوِيَ عن أَبِي بَرْزَةَ الأسْلَمِيّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوُ هذا.
ـــــــ
آمن بقلبه: وليس له عنده غيره انتهى. "وقد روي عن أبي برزة الأسلمي الخ" رواه أحمد في مسنده 421 ج 4 وأبو داود ورواه أبو يعلى بإسناد حسن من حديث البراء كما في الترغيب

(6/182)


85 ـ باب مَا جاءَ في التَجَارب
2102 ـ حَدّثنا قُتَيْبَةَ حدثنا عبدُ الله بنُ وَهْبٍ عن عَمْرِو بنِ الحارِثِ عن دَرّاجٍ عن أَبِي الْهَيْثَمِ عن أَبِي سَعيدٍ قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ حَلِيمَ إِلاّ ذُو عَثْرَةٍ، وَلاَ حَكِيمَ إِلاّ ذُو تَجْرِبَةٍ" .
هذا حديثٌ حسنٌ غَريبٌ لا نَعْرِفُهُ إِلاّ من هذا الْوَجْهِ.
ـــــــ
" باب مَا جاءَ في التَجَارب"
جمع التجربة قال في القاموس: جربه تجربة إختبره
قوله: "لا حليم إلا ذو عثرة" بفتح العين وسكون المثلثة، قال القاري: أي صاحب ذلة قدم، أو لغزة قلم، في تقريره أو تحريره وقيل أي لا حليم كاملاً إلا من وقع في زلة وحصل منه الخطأ والتخجل فعفى عنه فعرف به رتبة العفو، فيحلم عند عثرة غيره، لأنه عند ذلك يصير ثابت القدم انتهى. "ولا حكيم إلا ذو تجربة" أي صاحب امتحان في نفسه وفي غيره قال القاري: قال الشارح أي لا حكيم كاملاً إلا من جرب الأمور وعلم المصالح والمفاسد، فإنه لا يفعل فعلاً إلا عن حكمة إذ الحكمة إحكام الشيء وإصلاحه عن الخلل انتهى. قال ويمكن أن يقال المعنى لا حليم إلا وقد يعثر كما قيل: نعوذ بالله من غضب الحليم، ولا حكيم من الحكماء الطبية إلا صاحب التجربة في الأمور الدائبة الذاتية.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه. قال المناوي في شرح الجامع الصغير: إسناده صحيح

(6/182)


86 ـ باب مَا جاءَ في المُتَشَبّعِ بِمَا لَمْ يُعْطَه
2103 ـ حَدّثنا عَلِيّ بنُ حُجْر، أخبرنا إسماعيلُ بنُ عَيّاشٍ عن عُمَارَةَ بنِ غَزِيّةَ عن أَبِي الزّبَيْرِ عن جابِرٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ أَعْطَى عَطَاءً فَوَجَدَ فَلْيَجْزِ بِهِ، وَمَن لَمْ يَجِدْ فَلْيُثْنِ، فَإِنّ مَنْ أَثْنَى فَقَدْ شَكَرَ، وَمَنْ كَتَمَ فَقَدْ كَفَرَ، وَمَنْ تَحَلّى بِمَا لَمْ يُعْطَهُ كَانَ كلاَبِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ" .
ـــــــ
"باب مَا جاءَ في المُتَشَبّعِ بِمَا لَمْ يُعْطَه"
قال الزمخشري في الفائق: المتشبع أي المتشبه بالشبعان وليس به، واستعير للتحلي بفضيلة لم يرزقها
قوله: "من أعطى" بصيغة المجهول "عطاء" مفعول مطلق أو عطية، وفي رواية شيئاً فهو مفعول ثان "فوجد" أي سعة مالية "فليجز" بسكون الجيم أي فليكافئ "به" أي بالعطاء "ومن لم يجد" أي سعة من المال "فليثن" بضم الياء أي عليه وفي رواية به أي فليمدحه أو فليدع له "فإن من أثنى" وفي رواية فإن أثنى به "فقد شكر" وفي رواية شكره، أي جازاه في الجملة "ومن كتم" أي النعمة بعدم المكافأة بالعطاء أو المجازاة بالثناء "فقد كفر" أي النعمة من الكفران، أي ترك أداء حقه: وفي رواية: وإن كتمه فقد كفره "ومن تحلى" أي تزين وتلبس "بما لم يعطه" بفتح الطاء والضمير المرفوع يرجع إلى من والمنصوب إلى ما "كان كلابس ثوبي زور" وفي رواية فإنه كلابس ثوبي زور، أي كمن كذب كاذبين أو أظهر شيئين كاذبين. قاله صلى الله عليه وسلم لمن قالت: يا رسول الله إن لي ضرة فهل علي جناح أن أتشبع بما لم يعطني زوجي أي أظهر الشبع فأحد الكذبين قولها "أعطاني زوجي" والثاني إظهارها "أن زوجي يحبني أشد من ضرتي" قال الخطابي: كان رجل في العرب يلبس ثوبين من ثياب المعاريف ليظنه الناس أنه رجل معروف محترم لأن المعاريف لا يكذبون، فإذا رآه الناس على هذه الهيئة يعتمدون على قوله وشهادته على الزور، لأجل تشبيهه نفسه بالصادقين، وكان ثوباه سبب

(6/183)


وفي البابِ عن أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ وعائشَةَ.
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
ومعنَى قوله: "وَمَنْ كَتَمَ فَقَدْ كَفَرَ، يقولُ كَفَرَ تِلْكَ النّعْمَةَ.
ـــــــ
زوره، فسميا ثوبي زور. أو لأنهما ليسا لأجله، وثني باعتبار الرداء والإزار، فشبه هذه المرأة بذلك الرجل. وقال الزمخشري في الفائق: شبه المتشبع بلابس ثوبي زور أي ذي زور. وهو الذي يتزيا بزي أهل الصلاح رياء. وأضاف الثوبين إليه لأنهما كالملبوسين. وأراد بالتثنية أن المتحلي بما ليس فيه كمن ليس ثوبي الزور ارتدى بأحدهما واتزر بالاَخر. كما قيل: قال القاري في المرقاة: إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا. فالإشارة بالإزار والرداء إلى أنه متصف بالزور من رأسه إلى قدمه.
ويحتمل أن تكون التثنية إشارة إلى أنه حصل بالتشبع حالتان مذمومتان: فقدان ما تتشبع به، وإظهار الباطل كذا في الفتح. وقال أبو عبيدة هو المرائي يلبس ثياب الزهاد ويرى أنه زاهد. وقال غيره: هو أن يلبس قميصاً يصل بكميه كمين آخرين يرى أنه لابس قميصين فكأنه يسخر من نفسه ومعناه: إنه بمنزلة الكاذب القائل ما لم يكن. وقيل: إنما شبه بالثوبين لأن المتحلي كذب كذبين، فوصف نفسه بصفة ليست فيه، ووصف غيره بأنه خصه بصلة فجمع بهذا القول بين كذبين. قال القاري وبهذا تظهر المناسبة بين الفصلين في الحديث، مع موافقته لسبب وروده فكأنه قال: ومن لم يعط وأظهر أنه قد أعطى كان مزوراً مرتين انتهى.
قوله: "وفي الباب عن أسماء بنت أبي بكر وعائشة" أما حديث أسماء فأخرجه البخاري في باب المتشبع بما لم ينل، وما ينهى من افتخار الضرة من كتاب النكاح، ومسلم في كتاب اللباس. وأما حديث عائشة فأخرجه مسلم في كتاب اللباس.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه البخاري في الأدب المفرد وأبو داود وابن حبان في صحيحه. قال المناوي في التيسير: إسناده صحيح

(6/184)


87 ـ باب ما جاءَ في الثّنَاءِ بالمَعْرُوف
2104 ـ حَدّثنا إبراهيم بنُ سعيدٍ الْجَوْبَرِيّ وَالحُسَيْنُ بنُ الْحَسَنِ المَرْوَزِيّ وكانَ سَكَنَ بِمَكّةَ، قالا: حدثنا الأحْوَصُ بنُ جَوّابٍ عن سُعَيْرِ بنِ الْخِمْسِ عن سُلَيْمانَ التّيْميّ عن أَبِي عُثْمانَ النّهْدِيّ عن أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ معروفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِه جَزَاكَ الله خَيْراً فَقَدْ أَبْلَغَ في الثّنَاءِ" .
ـــــــ
"باب ما جاء في الثناء بالمعروف"
قوله: "حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري" أبو إسحاق الطبري نزيل بغداد ثقة حافظ تكلم فيه بلا حجة من العاشرة "والحسين بن الحسن المروزي" قال في التقريب: الحسين بن الحسن بن حرب السلمي أبو عبد الله المروزي نزيل مكة صدوق من العاشرة "بمكة" وفي بعض النسخ: وكان سكن بمكة "حدثنا الأحوص بن جواب" بفتح الجيم وتشديد الواو الضبي يكني أبا الجواب كوفي صدوق ربما وهم من التاسعة "عن سعير بن الخمس" قال في التقريب سعير آخره راء مصغر ابن الخمس بكسر المعجمة وسكون الميم ثم مهملة التميمي أبو مالك، وأبو الأحوص صدوق من السابعة.
قوله: "من صنع" بصيغة المجهول "معروفاً" كذا وقع في النسخ الموجودة بالنصب ووقع في المشكاة والجامع الصغير معروف بالرفع. قال القاري في المرقاة: وفي نسخة يعني من المشكاة معروفاً بالنصب أي أعطى عطاء "فقال لفاعله" أي بعد عجزه عن إثابته أو مطلقاً "جزاك الله خيراً" أي خير الجزاء أو أعطاك خيراً من خيري الدنيا والاَخرة "فقد أبلغ في الثناء" أي بالغ في أداء شكره وذلك أنه اعترف بالتقصير وأنه ممن عجز عن جزائه وثنائه ففوض جزاءه إلى الله ليجزيه الجزاء الأوفى. قال بعضهم: إذا قصرت يداك بالمكافأة، فليطل لسانك بالشكر والدعاء.

(6/185)


هذا حديثٌ حسنٌ جَيّدٌ غريبٌ، لا نَعْرِفُهُ من حديِثِ أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ، إلاّ من هذا الْوَجْهِ.
وقد رُوِيَ عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بِمِثْلِهِ
آخر أبواب البر والصلة
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن جيد غريب" وأخرجه النسائي وابن حبان. قال المناوي في شرح الجامع الصغير: إسناده صحيح. "وقد روي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله" لم أقف على ما روي عن أبي هريرة بمثل حديث الباب، نعم روى الترمذي وغيره عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر الناس لم يشكر الله" .

(6/186)