Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي

أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
باب ما جاء في الحمية
...
بسم الله الرحمن الرحيم
أبواب الطبّ عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم
1 ـ باب ما جاءَ في الْحِمْيَة
2105 ـ حَدّثنا عَبّاسُ بنُ محمدٍ الدّورِيّ، حدثنا يُونُسُ بنُ محمدٍ، حدثنا فُلَيْحُ بنُ سُلَيْمَانَ عَنْ عُثْمَانَ بنِ عَبْدِ الرّحْمنِ التيمي عنْ يَعْقُوبَ بنِ أَبِي يَعْقُوبَ عن أُمّ المُنْذِرِ، قَاَلتْ: "دَخَلَ عَلَيّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَمَعَهُ عَلِيّ وَلَنَا دَوَالٍ مُعَلّقَةٌ. قالَتْ: فَجَعَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يأَكُلُ، وَمَعهُ علي يَأكُلُ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لِعَلِيّ: "مَهْ مَهْ يا عَلِيّ فإِنّكَ نَاقِهٌ، قالَ فَجَلَسَ عَلِيٌ وَالنبيّ صلى الله عليه وسلم يَأْكُلُ، قالَتْ فَجَعَلَتْ لَهُمْ سِلْقاً وَشعيراً، فَقَالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: يا عَلِيّ مِنْ هَذَا فَأَصِبْ فَإِنّهُ أَوْفَقُ لَكَ" .
ـــــــ
"أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم"
"باب ما جاء في الحمية"
بالكسر بالفارسية برهيز كردن حمي المريض ما يضره منعه إياه فاحتمى وتحمى امتنع. وقال فيه: الحمية بالكسر ما حمي من شيء
قوله: "عن يعقوب بن أبي يعقوب" المدني صدوق من الثالثة.
قوله: "ولنا دوال معلقة" جمع دالية وهي العذق من البسر يعلق فإذا أرطب أكل "مه مه" أي أكفف وهو اسم فعل "فإنك ناقه" قال في القاموس: نقه كفرح ومنع نقهاً ونقوهاً صح وفيه ضعف وأفاق فهو ناقه "فجعلت لهم سلقاً وشعيراً" وفي رواية أبي داود: وصنعت شعيراً وسلقاً فجئت به. والمعنى طبخت لهم سلقاً

(6/187)


هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، لاَ نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ حَدِيثِ فُلَيْحِ بنِ سُلَيْمانَ، وَيُرْوَى عن فُلَيْحِ بنِ سُلَيْمانَ عن أَيّوبَ بنِ عَبْدِ الرّحْمنِ.
2106 ـ حدّثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، أخبرنا أَبُو عَامِرٍ وَأَبُو دَاوُدَ، قَالاَ أخبرنا فُلَيْحُ بنُ سُلَيْمانَ عن أَيّوبَ بنِ عَبْدِ الرّحْمنِ عن يَعْقُوبَ بنِ أَبِي يَعْقُوبَ عن أُمّ المُنْذِرِ الأَنْصَارِيّةِ قالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ يُونُسَ بنِ محمدٍ إِلاّ أَنّهُ قَالَ: "أَنْفَعُ لَكَ". وَقَالَ محمدُ بنُ بَشّارِ في حَدِيثِه، وَحَدّثَنِيِه أَيّوبُ بنُ عَبْدِ الرّحْمنِ. هذا حديثٌ جَيّدٌ غريبٌ.
ـــــــ
وشعيراً، والسلق بالكسر بالفارسية جقندر، يعني من هذا فأصب من الإصابة أي أدرك من هذا أو كل منه.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أبو داود وابن ماجة وسكت عنه أبو داود، ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره "لا نعرفه إلا من حديث فليح بن سليمان" قال المنذري: في قول الترمذي هذا نظر. فقد رواه غير فليح ذكره الحافظ أبو القاسم الدمشقي انتهى.
قوله: "وأبو داود" هو الطيالسي "عن أيوب بن عبد الرحمن" قال في التقريب أيوب بن عبد الرحمن بن صعصعة، وقيل أيوب بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة صدوق من السادسة. "عن أم المنذر الأنصارية" قال الحافظ في تهذيب التهذيب أم المنذر الأنصارية إحدى خالات النبي صلى الله عليه وسلم صلت معه القبلتين وهي التي دخل عليها ومعه علي في قصة الدوالي والسلق والشعير. روى عنها يعقوب بن أبي يعقوب المدني قال الطبراني: اسمها سلمى بنت قيس. وقال الترمذي هي أم المنذر بنت قيس بن عمرو بن عبيد بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار ويقال هي سلمى بنت قيس أخت سليط من بني مازن بن النجار انتهى. "وقال محمد بن بشار في حديثه: حدثنيه أيوب بن عبد الرحمن" في كلام الترمذي هذا نظر، فتفكر وتأمل.

(6/188)


2107 ـ حدّثنا محمدُ بنُ يَحْيَى، حدثنا إِسْحَاقُ بنُ محمدٍ الفَرْوِيّ، حدثنا إِسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ عن عُمَارَةَ بنِ غَزِيّةَ عنْ عَاصِمِ بنِ عُمَرَ بنِ قَتَادَةَ عن محمودِ بنِ لَبِيدٍ عن قَتَادَةَ بنِ النّعْمَانِ، أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "إِذَا أَحَبّ الله عَبْدَاً حَمَاهُ الدّنْيا كَمَا يَظَلّ أَحَدُكُمْ يَحْمِي سَقيمهُ المَاءَ" .
وفي البابِ عن صُهَيْبٍ. هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وقد رُوِيَ هَذَا الْحدِيثُ عن محمود بنِ لَبِيدٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مُرْسَلاً.
2108 ـ حدّثنا عَلِيّ بنُ حُجْرٍ، أخبرنا إِسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ عن عَمْرِو بنِ أَبِي عَمْرٍو عن عَاصِمِ بنِ عُمَرَ بنِ قَتَادَةَ عن محمودِ بنِ لَبِيدٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ فيِه عن قَتَادَةَ ابنِ النّعْمَانِ.
وَقَتَادَةُ بنُ النّعْمَانِ الظّفَرِيّ هُوَ أَخُو أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ لأِمّهِ، وَمحمودُ بنُ لَبِيدٍ قَدْ أَدْرَكَ النبيّ صلى الله عليه وسلم، وَرَآهُ وَهُوَ غُلاَمٌ صَغِيرٌ.
ـــــــ
قوله: "حدثنا محمد بن يحيى" هو الإمام الذهلي "حدثنا إسحاق بن محمد الفروي" قال في التقريب: إسحاق بن محمد بن إسماعيل بن عبد الله بن أبي فروة الفروي المدني الأموي مولاهم صدوق، عف نساء حفظه من العاشرة انتهى.
قوله: "إذا أحب الله عبداً حماه الدنيا" : أي حفظه من متاع الدنيا ومناصبها أي حال بينه وبين ذلك بأن يبعده عنه ويعسر عليه "حصوله كما يظل أحدكم يحمي سقية الماء" : أي شربه إذا كان يضره، والأطباء تحمي شرب الماء في أمراض معروفة.
قوله: "وفي الباب عن صهيب" أخرجه بن ماجة في باب الحمية.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان والحاكم وقال صحيح، ووهم ابن الجوزي قاله المناوي.
قوله: "وقتادة بن النعمان الظفري" بمعجمة وفاء مفتوحين صحابي شهد بدراً

(6/189)


باب ما جاء في الدواء و الحث عليه
...
2 ـ باب ما جاءَ في الدّوَاءِ والْحَثّ عَلَيْه
2109 ـ حَدّثنا بِشْرُ بنُ مُعَاذٍ العَقَدِيّ البَصْرِيّ، حدثنا أَبُو عَوَانَةَ عن زِيَادِ بنِ عِلاَقَةَ عن أُسَامَةَ بنِ شَرِيكٍ قالَ: "قالَتْ الأَعْرَابُ يا رَسُولَ الله أَلاَ نَتَدَاوَى؟ قالَ: نَعَمْ يَا عِبَادَ الله تَدَاوَوْا، فَإِنّ الله لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلاّ وَضَعَ لَهُ شِفَاءَ أَوْ دَوَاءً، إِلاّ دَاءً وَاحِداً، فَقَالُوا يَا رَسُولَ الله: وَمَا هُوَ؟ قالَ: الْهَرَمُ" .
وفي البابِ عن ابنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وأَبِي خِزَامةَ عن أَبِيه وَابنِ عَبّاس.
ـــــــ
"باب ما جاء في الدواء والحث عليه"
قوله: "قال قالت الأعراب يا رسول الله ألا نتداوى" وفي رواية أبي داود: قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كأنما على رؤوسهم الطير، فسلمت ثم قعدت فجاء الأعراب من ههنا وههنا فقالوا يا رسول الله أنتداوى؟ "قال نعم يا عباد الله تداووا" فيه إثبات الطب والعلاج، وأن التداوي مباح غير مكروه. كما ذهب إليه بعض الناس، قاله الخطابي. وقال العيني: فيه إباحة التداوي وجواز الطب وهو رد على الصوفية: أن الولاية لا تتم إلا إذا رضي بجميع ما نزل به من البلاء، ولا يجوز له مداوته. وهو خلاف ما أباحه الشارع انتهى. "فإنه لم يضع" أي لم يخلق "داء إلا وضع له شفاء أو دواء". شك في الراوي "قال الهرم" بفتح الهاء والراء أي هو الهرم. قال الخطابي: جعل الهرم داء وإنما هو ضعف الكبر، وليس هو من الأدواء التي هي أسقام عارضة للأبدان، من قبل اختلاف الطبائع وتغير الأمزجة، وإنما شبهه بالداء لأنه جالب التلف والأدواء التي قد يتعقبها الموت والهلاك انتهى.
قوله: "وفي الباب عن ابن مسعود وأبي هريرة وأبي خزامة عن أبيه وابن عباس" أما حديث ابن مسعود فأخرجه النسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم والطحاوي ص 388 ج 2 وأما حديث أبي هريرة فأخرجه البخاري بلفظ: ما أنزل الله داء

(6/190)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
إلا أنزل له شفاء. وأما حديث أبي خزامة عن أبيه فأخرجه أحمد وابن ماجة، وأخرجه الترمذي أيضاً في باب لا يرد الرقي والدواء من قدر الله شيئاً. وأما حديث ابن عباس فأخرجه الطحاوي 386 ج 2 وأبو نعيم.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والبخاري في الأدب المفرد وأبو داود والنسائي وابن ماجة

(6/191)


3 ـ باب ما جاءَ مَا يُطْعَمُ المرِيض
2110 ـ حَدّثنا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ، أخبرنا إِسْمَاعِيلُ بنُ إِبْرَاهِيمَ، حدثنا محمدُ بنُ السّائِبِ بنِ بَرَكَةَ عن أُمّهِ عن عَائِشَةَ قالَت: "كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إِذَا أَخَذَ أَهْلَهُ الْوَعَكُ أَمَرَ بالْحِسَاءِ فَصُنِعَ، ثُمّ أَمَرَهُمْ فَحَسَوْا مِنْهُ، وَكَانَ يَقُولُ: إِنّهُ لَيَرْتُق فُؤَادَ الْحَزِينِ وَيسرو عن فُؤَادِ السّقِيمِ كَمَا تَسْرُو إِحْدَاكُنّ الوَسَخَ بالمَاءِ عن وَجْهِهَا" .
ـــــــ
"باب ما جاء ما يطعم المريض"
قوله: "حدثنا محمد بن السائب بن بركة" المكي ثقة من السادسة "عن أمه" قال في التقريب: أم محمد والدة محمد بن السائب بن بركة مقبول من الثالثة.
قوله: "إذا أخذ أهله" بالنصب على المفعولية "لوعك" بالرفع على الفاعلية. قال في النهاية: الوعك الحمى وقيل ألمها "أمر بالحساء" بالفتح والمد وهو طبيخ يتخذ من دقيق وماء ودهن وقد يحلى ويكون رقيقاً يحسى: قال القاري: وذكر بعضهم السمن بدل الدهن، وأهل مكة يسمونه بالحريرة "فحسوا منه" قال في القاموس: حسا زيد المرق شربه شيئاً بعد شيء "إنه ليرتو فؤاد الحزين" أي يشد قلبه ويقويه "ويسرو عن فؤاد السقيم" أي يكشف عن قلبه الألم ويزيله.

(6/191)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَقَدْ رَوَاهُ ابن المبارك عن يونس عن الزّهْرِيّ عن عُرْوَةَ عن عَائِشَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم شَيْئَاً مِنْ هَذَا.
2111 ـ حدّثنا بِذَلِكَ الْحُسَيْنُ الجريري أخبرنا أَبُو إِسْحَاقَ الطّالِقَانِيّ، عن ابنِ المُبَارَكِ، عن يُونُسَ عن الزهْرِيّ، عن عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بِمَعْنَاهُ، حدثنا بِذَلِكَ أَبُو إِسْحَاقَ
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه ابن ماجة والحاكم "وقد روى الزهري عن عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً من هذا" ولفظه عند البخاري: أنها كانت تأمر بالتلبين للمريض وللمحزون على الهالك، وكانت تقول: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن التلبين تجم فؤاد المريض وتذهب ببعض الحزن.
قوله: "حدثنا بذلك الحسين الجريري أخبرنا أبو إسحاق الطالقاني عن ابن المبارك عن يونس عن الزهري الخ" قال المزي: كذا في النسخ يعني نسخ الترمذي ليس فيه عقيل. قال الحافظ في الفتح: وكذا أخرجه الإسماعيلي من رواية نعيم بن حماد، ومن رواية عبد الله بن سنان، كلاهما عن ابن المبارك ليس فيه عقيل. وأخرجه أيضاً من رواية علي بن الحسن بن شقيق عن ابن المبارك بإثباته. وهذا هو المحفوظ وكان لم يذكر فيه عقيلاً جرى على الجاد لأن يونس مكثر عن الزهري، وقد رواه عن عقيل أيضاً الليث بن سعد وتقدم حديثه في كتاب الأطعمة انتهى.
قوله: "حدثنا بذلك أبو إسحاق" كذا في النسخ الحاضرة عندنا ولم يظهر لي وجه وقوع هذا اللفظ ههنا فتفكر

(6/192)


باب ما جاء لا تكرهوا مرضاكم على الطعام و الشراب
...
4 ـ باب ما جاءَ لاَ تُكْرِهُوا مَرضَاكُمْ عَلَى الطّعَامِ وَالشّرَاب
2112 ـ حَدّثنا أبو كُرَيْبٍ، أخبرنا بَكْرُ بنُ يُونُسَ بنِ بُكَيْرٍ
ـــــــ
"باب ما جاء لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب"
قوله: "حدثنا بكر بن يونس بن بكير" الشيباني الكوفي قال في التقريب ضعيف.

(6/192)


عن مُوسَى بنِ علَيّ عن أبِيِه عن عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيّ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ تُكْرِهُوا مَرْضَاكُمْ عَلَى الطّعَامِ، فإنّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُطْعِمُهُمْ وَيَسْقِيهِمْ" .
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
ـــــــ
وقال في الخلاصة قال البخاري منكر الحديث "عن موسى بن علي" بالتصغير رباح بن اللخمي البصري صدوق ربما أخطأ قاله الحافظ، ووثقه النسائي وأبو حاتم وابن معين وغيرهم "عن أبيه" هو علي بن رباح، قال في التقريب علي بن رباح ابن قصير اللخمي البصري ثقة والمشهور فيه علي بالتصغير وكان يغضب منها انتهى. وقال في الخلاصة: قال علي بن عمر الحافظ: لقبه علي بالضم.
قوله: "لاتكرهوا" نهي من الإكراه "مرضاكم" جمع مريض "على الطعام" أي على تناول الأكل والشرب "فإن الله تبارك وتعالى يطعمهم ويسقيهم" أي يمدهم بما يقع موقع الطعام والشراب ويرزقهم صبراً على ألم الجوع والعطش، فإن الحياة والقوة من الله حقيقة، لا من الطعام ولا الشراب ولا من جهة الصحة. قال القاضي: أي يحفظ قواهم، ويمدهم بما يفيد فائدة الطعام والشراب في حفظ الروح وتقويم البدن، ونظيره قوله صلى الله عليه وسلم: "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" . وإن كان ما بين الإطعامين والطعامين بوناً بعيداً.
قوله: "هذا حديث حسن غريب إلخ" وأخرجه ابن ماجة والحاكم. وقد عرفت أن في سنده بكر بن يونس وهو ضعيف

(6/193)


5 ـ باب ما جاءَ في الْحَبّةِ السّوْدَاء
2113 ـ حَدّثنا ابنُ أَبِي عُمَرَ وَسَعِيدُ بنُ عَبْدِ الرّحْمنِ المخْزُومِيّ، قالا حدثنا سُفْيَانُ، عن الزّهْرِيّ، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنّ النبيّ
ـــــــ
" باب ما جاءَ في الْحَبّةِ السّوْدَاء"
أي الشوفين

(6/193)


صلى الله عليه وسلم قالَ: "عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الْحَبّةِ السّوْدَاءِ، فَإِنّ فِيهَا شِفَاءً، مِنْ كُلّ دَاءِ إِلاّ السّامُ" . والسّامُ: المَوْتُ.
وفي البابِ عن بُرَيْدَةَ وَابنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
قوله: "عليكم بهذه الحبة السوداء" أي الزموا استعمالها بأكل وغيره "فإن فيها شفاء من كل داء" يحدث من الرطوبة. لكن لا تستعمل في داء صرفاً، بل تارة تستعمل مفردة وتارة مركبة بحسب ما يقتضيه المرض، قاله المناوي "إلا السام" بمهملة غير مهموزة "والسام الموت" وفي رواية البخاري قال ابن شهاب: السام الموت والحبة السوداء الشونين.
"قوله: وفي الباب عن بريد وابن عمر وعائشة" أما حديث بريدة فأخرجه أبو نعيم في الطب، وأخرج المستغفري في كتاب الطب عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن هذه الحبة السوداء فيها شفاء. قال وفي لفظ: قيل وما الحبة السوداء؟ قال الشونين قال: وكيف أصنع بها؟ قال: تأخذ إحدى وعشرين حبة فتصرها في خرقة، ثم تضعها في ماء ليلة فإذا أصبحت قطرت في المنخر الأيمن واحدة وفي الأيسر اثنتين. فإذا كان من الغد قطرت في المخر الأيمن اثنين وفي الأيسر واحدة، فإذا كان في اليوم الثالث قطرت في الأيمن واحدة وفي الأيسر اثنتين. كذا في فتح الباري وأما حديث ابن عمر، فأخرجه ابن ماجة وأما حديث عائشة فأخرجه أحمد قال. المناوي: إسناده صحيح.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وابن ماجة والحاكم.
تنبيه: أحاديث الباب هل هي محمولة على عمومها أو أريد منها الخصوص؟ فقال الخطابي: هذا من عموم اللفظ الذي يراد به الخصوص، وليس يجمع في طبع شيء من النبات والشجر جميع القوى التي تقابل الطبائع كلها في معالجة الأدواء على اختلافها، وتباين طبعها، وإنما أراد أنه شفاء من كل داء يحدث من الرطوبة والبرودة والبلغم. وذلك أنه حار يابس فهو شفاء بإذن الله للداء المقابل له في الرطوبة والبرودة. وذلك أن الدواء أبذأ بالمضاد، والغذاء بالمشاكل انتهى. وقال الطيبي: ونظيره قوله تعالى في حق بلقيس {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} وقوله تعالى {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} في إطلاق العموم وإرادة الخصوص انتهى.

(6/194)


ـــــــ
وقيل: هي باقية على عمومها وأجيب عن قول الخطابي ليس يجمع في طبع شيء الخ بأنه:
ليس من الله بمستنكر
...
أن يجمع العالم في واحد
وأما قول الطيبي ونظيره الخ ففيه أن الاَيتين يمنع حملهما على العموم على ما هو عند كل أحد معلوم، وأما أحاديث الباب فحملها على العموم متعين لقوله صلى الله عليه وسلم فيها: إلا السام. كقوله تعالى: {إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْر ٍإلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} الاَية.
قلت: قال الحافظ في الفتح بعد ذكر حديث بريدة المذكور ما لفظه: ويؤخذ من ذلك أن معنى كون الحبة شفاء من كل داء أنها لا تستعمل في كل داء صرفاً، بل ربما استعملت مفردة وربما استعملت مركبة، وربما استعملت مسحوقة، وغير مسحوقة، وربما استعملت أكلاً وشرباً وسعوطاً وضماداً وغير ذلك.
قال: وقال أبو محمد بن أبي جمرة: تكلم الناس في هذا الحديث وخصوا عمومه وردوه إلى قول أهل الطب والتجربة ولا خفاء بغلط قائل ذلك، لأنا إذا صدقنا أهل الطب ومدار علمهم، غالباً إنما هو على التجربة التي بناؤها على ظن غالب، فتصديق من لا بنطق عن الهوى أولى بالقبول من كلامهم انتهى.
قال: وقد تقدم توجيه حمله على عمومه بأن يكون المراد بذلك ما هو أعم من الإفراد والتركيب ولا محذور في ذلك ولا خروج عن ظاهر الحديث والله أعلم انتهى

(6/195)


6 ـ باب ما جاءَ في شُرْبِ أَبْوالِ الإِبِل
2114 ـ حَدّثنا الْحَسَنُ بنُ محمدٍ الزّعْفَرَانِيّ، حدثنا عَفّانُ، حدثنا حماد بنُ سَلَمَةَ، أخبرنا حُمَيْدُ وَثَابِتٌ وَقَتَادَةُ عن أَنَسٍ: أَنّ نَاساً مِنْ عُرَيْنَةَ قَدِمُوا المَدِينَةَ فَاجْتَوَوْهَا، فَبَعَثَهُمْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في إِبِلِ الصّدَقَةِ، وقالَ: "اشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا" .
ـــــــ
" باب ما جاءَ في شُرْبِ أَبْوالِ الإِبِل"
أي للتداوي
قوله: "إن ناساً من عربنة الخ" تقدم هذا الحديث مطولاً في باب بول ما يؤكل لحمه وتقدم هناك شرحه.

(6/195)


وفي البابِ عن ابنِ عَبّاسٍ وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
قوله: "وفي الباب عن ابن عباس" أخرجه ابن المنذر عنه مرفوعاً: عليكم بأبوال الإبل فإنها نافعة لذربة بطونهم ، والذربة بفتح المعجمة وكسر الراء جمع ذرب، والذرب بفتحتين فساد المعدة كذا في الفتح.

(6/196)


7 ـ باب ما جاءَ فيمَنْ قَتَلَ نَفْسَه بِسمّ أَوْ غَيرِهِ
2115 ـ حَدّثنا أَحْمَدُ بنُ مَنيعٍ، حدثنا عُبَيْدَةُ بنُ حُمَيْدٍ عن الأَعمَشِ عن أَبِي صَالِحٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ، أَرَاهُ رَفَعَهُ قالَ: "مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيِدَةٍ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَحَدِيدَتُهُ في يَدِهِ يَتَوَجّأُ بِهَا في بَطْنَه في نَارِ جَهَنّمَ خَالِداً مُخَلّداً أَبَداً، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِسَمّ فَسَمّهُ في يَدِهِ يَتَحَسّاهُ في نَارِ جَهَنّمَ خَالِداً مُخَلّداً أبداً" .
ـــــــ
"باب من قتل نفسه بسم أو غيره"
قوله: "أخبرنا عبيدة" بفتح أوله "بن حميد" هو الكوفي المعروف بالحذاء.
قوله: "أراه" بضم الهمزة أي أظنه "رفعه" أي رفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم "من قتل نفسه بحديدة" أي بآلة من حديد "وحديدته" أي تلك بعينها أو مثلها "يتوجأ" بهمزة في آخره تفعل من الوجأ وهو الطعن بالسكين ونحوه، والضمير في قوله "بها" للحديدة أي يطعن بها "بطنه" أي في بطنه "في نار جهنم" أي حال كونه في نار جهنم "ومن قتل نفسه بسم" وفي رواية مسلم: ومن شرب سماً فقتل نفسه، والسم بضم السين وفتحها وكسرها ثلاث لغات: أفصحهن الفتح وجمعه سمام، قال في القاموس السم هذا القاتل المعروف "فسمه" مبتدأ "في يده يتحساه" بمهملتين بوزن يتغذى أي يشربه في تمهل ويتجرعه "في نار جهنم خالداً مخلداً" قال الحافظ قد تمسك به المعتزلة وغيرهم ممن قال بتخليد أصحاب المعاصي في النار.
وأجاب أهل السنة عن ذلك بأجوبة منها توهيم هذه الزيادة قال الترمذي بعد

(6/196)


2116ـ حدّثنا محمود بنُ غَيْلاَنَ حدثنا أَبُو دَاوُدَ، عن شُعْبَةَ عن الأَعْمَشِ قالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالحٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ: "أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ في يَدِهِ يَتوجّأُ بِهَا في بَطْنِهِ في نَارِ جَهَنّمَ خَالِداً مُخَلّداً فِيهَا أَبَداً، ومن قَتَل نَفْسَهُ بِسَمّ فَسَمّهُ في يَدِهِ يَتَحسّاهُ في نارِ جَهَنّمَ خالداً مُخلّداً فيها أبداً وَمَنْ تَرَدّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدّى في نَارِ جَهَنّمَ خَالِداً مُخَلّداً فِيهَا أَبَداً" .
2117 ـ حدّثنا مُحَمّدُ بنُ العَلاءِ، أخبرنا وَكِيعٌ وأبُو مُعَاوِيَةَ عن الأَعْمَشِ، عن أَبِي صَالِحٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَ
ـــــــ
أن أخرجه: رواه محمد بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة فلم يذكر خالداً مخلداً. وكذا رواه أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة يشير إلى رواية الباب يعني رواية أبي هريرة التي رواها البخاري في أواخر الجنائز بلفظ: الذي يخنق نفسه يخنقها في النار والذي يطعنها يطعنها في النار. قال وهو أصح لأن الروايات قد صحت أن أهل التوحيد يعذبون ثم يخرج منها ولا يخلدون. وأجاب غيره بحمل ذلك على من استحله فإنه يصير باستحلاله كافراً والكافر مخلد بلا ريب. وقيل ورد مورد الزجر والتغليظ وحقيقته غير مرادة. وقيل المعنى إن هذا جزاءه، لكن قد تكرم الله على الموحدين فأخرجهم من النار بتوحيدهم. وقيل التقدير مخلداً فيها إلى أن يشاء الله وقيل المراد بالخلود طول المدة لا حقيقة الدوام. كأنه يقول يخلد مدة معينة وهذا أبعدها انتهى كلام الحافظ.
قوله: "حدثنا أبو داود" هو الطيالسي "سمعت أبا صالح" اسمه ذكوان.
قوله: "يجأ" بفتح أوله وتخفيف الجيم وبالهمز أي يطعن وقد تسهل الهمزة والأصل في يجأ يوجأ "ومن تردى من جبل" أي أسقط نفسه منه لما يدل عليه قوله فقتل نفسه على أنه تعمد ذلك وإلا فمجرد قوله تردى لا يدل على التعمد "خالداً" حال مقدرة "مخلداً فيها أبداً" تأكيد بعد تأكيد. وقد تقدم بيان تمسك المعتزلة بهذا والجواب عنه.

(6/197)


حَدِيثِ شُعْبَةَ عن الأَعْمَشِ. هذا حديثٌ صحيحٌ. وَهُوَ أَصَحّ مِنَ الْحَدِيثِ الأَوّلِ، هكذَا رُوِيَ هذا الحديثُ عن الأَعْمَشِ عن أَبِي صَالِحٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وَرَوَى محمدُ بنُ عَجْلاَنَ عن سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِسَمٍ عُذّبَ في نَارِ جَهَنّمَ" . وَلَمْ يَذْكُرْ فِيِه "خَالِداً مُخَلّداً فيِهَا أَبَداً". وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو الزّنَادِ عن الأعْرَج عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وهذَا أَصَحّ لأَنّ الرّوَايَاتِ إِنّمَا تَجِيءُ بِأَنّ أَهْلَ التّوْحِيدِ يُعَذبُونَ في النّارِ ثُمّ يُخْرَجُونَ منها وَلاَ يذكرُ أَنّهُمْ يُخَلّدُونَ فِيهَا.
ـــــــ
قوله: "هذا حديث صحيح" قال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث: رواه البخاري ومسلم والترمذي بتقديم وتأخير والنسائي ولأبي داود من حسا سماً فسمه في يده يتحساه في نار جهنم انتهى "وهو" أي حديث شعبة عن الأعمش قال سمعت أبا صالح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم الخ "أصح من الحديث الأول" أي من حديث عبيدة بن حميد عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، أراه رفعه الخ لأن عبيدة لم يتابعه أحد على روايته، وأما شعبة فقد تابعه على روايته وكيع وأبو معاوية "هكذا روى هذا الحديث عن الأعمش الخ" أي بزيادة خالداً مخلداً فيها أبداً "وهكذا رواه أبو الزناد الخ" أي بغير ذكر خالداً مخلداً فيها أبداً، ورواية أبي الزناد هذه وصلها البخاري في صحيحه كما ذكرنا "وهذا" أي حديث أبي هريرة الذي لم يذكر فيه خالداً مخلداً فيها أبداً "أصح" أي من حديثه الذي ذكرت فيها زيادة خالداً مخلداً فيها "لأن الروايات إنما تجيء بأن أهل التوحيد يعذبون في النار ثم يخرجون منها ولا يذكر أنهم يخلدون فيها" مقصود الترمذي أن هذه الزيادة وهم فإنها تخالف الروايات التي تجيء بأن أهل التوحيد يعذبون في النار ثم يخرجون منها.
قلت: هذه الزيادة زادها الأعمش وهو ثقة حافظ وزيادة الثقة مقبولة فتأويل هذه الزيادة أولى من توهيمها.

(6/198)


2118 ـ حدّثنا سُوَيدُ بنُ نَصْرٍ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ المُبَارَكِ عن يُونسَ بنِ أَبِي إِسْحَاقَ عن مُجَاهِدٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عن الدّوَاءِ الْخَبِيثِ.
يَعْنِي السّمّ".
ـــــــ
قوله: "نهى عن الدواء الخبيث" قيل هو النجس أو الحرام، أو ما يتنفر عنه الطبع "يعني السم" هذا تفسير الخبيث من أبي هريرة أو ممن دونه. قال الحافظ في الفتح: وحمل الحديث على ما ورد في بعض طرقه أولى. وقد روي في آخر الحديث متصلاً به يعني السم انتهى. وقال الخطابي: خبث الدواء يكون من وجهين أحدهما: خبث النجاسة وهو أن يدخله المحرم كالخمر ونحوها من لحوم الحيوان غير المأكول اللحم، وقد يصف الأطباء بعض الأبوال وعذره بعض الحيوان لبعض العلل وهي كلها خبيثة نجسة وتناولها محرم إلا ما خصت السنة من أبوال الإبل وقد رخص فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفر عرينة وعكل. وسبيل السنن أن يقر كل شيء منها في موضعه وأن لا يضرب بعضها ببعض. وقد يكون خبث الدواء أيضاً من جهة الطعم والمذاق ولا ينكر أن يكون كره ذلك لما فيه من المشقة على الطباع ولتكره النفس إياه، والغالب أن طعوم الأدوية كريهة ولكن بعضها أيسر احتمالاً وأقل كراهة انتهى. قال الماوردي وغيره: السموم على أربعة أضرب، منها ما يقتل كثيره وقليله فأكله حرام للتداوي ولغيره كقوله تعالى: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} ومنها ما يقتل كثيره دون قليله فأكل كثيره الذي يقتل حرام للتداوي وغيره، والقليل منه إن كان مما ينفع في التداوي جاز أكله تداوياً. ومنها ما يقتل في الأغلب وقد يجوز أن لا يقتل فحكمه كما قبله. ومنها ما لا يقتل في الأغلب وقد يجوز أن يقتل. فذكر الشافعي في موضع إباحة أكله وفي موضع تحريم أكله فجعله بعض أصحابه على حالين: فحيث أباح أكله فهو إذا كان للتداوي وحيث حرم أكله فهو إذا كان غير منتفع به في التداوي، والحديث أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة والحاكم

(6/199)


8 ـ باب ماَ جاَءَ في كَرَاهِيَةِ التّدَاوِي بالمُسكِر
2119 ـ حَدّثنا مَحْمُودُ بنُ غَيْلاَنَ، أخبرنا أَبو دَاوُدَ، عن شُعْبَةَ عن سِمَاكٍ أَنّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بنَ وَائِلٍ عن أَبِيِه أَنّهُ شَهِدَ النبيّ صلى الله عليه وسلم وَسَأَلَهُ سُوَيْدُ بنُ طَارِقٍ أو طَارِقُ بنُ سُوَيْدٍ عن الْخَمْرِ، فَنَهَاهُ فَقَالَ: إِنّا لنَتَدَاوَى بِهَا، فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنّهَا لَيْسَتْ بِدَوَاءٍ وَلَكِنّهَا دَاءٌ" .
ـــــــ
"باب ما جاء في كراهية التداوي بالمسكر"
قوله: "إنه شهد" أي حضر قال في القاموس شهده كسمعه شهوداً حضره انتهى. "وسأله سويد بن طارق أو طارق بن سويد" قال في تهذيب التهذيب: طارق بن سويد ويقال سويد بن طارق الحضرمي ويقال الجعفي له صحبة حديثه عند أهل الكوفة روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأشربة "عن الخمر" أي عن شربها أو صنعها "فنهاه" وفي رواية مسلم فنهاه أو كره أن يصنعها "فقال إنا لنتداوى بها" وفي رواية مسلم إنما أصنعها للدواء "إنها ليست بدواء ولكنها داء" وفي رواية ابن ماجة: إن ذلك ليس بشفاء ولكنه داء. قال النووي: فيه التصريح بأنها ليست بدواء فيحرم التداوي بها لأنها ليست بدواء فكأنه يتناولها بلا سبب وهذا هو الصحيح عند أصحابنا: أنه يحرم التداوي بها وكذا يحرم شربها. وأما إذا غص بلقمة ولم يجد ما يسيغها به إلا خمراً فيلزمه الإساغة بها لأن حصول الشفاء بها حينئذ مقطوع به بخلاف التداوي انتهى. وقد أباح التداوي بها عند الضرورة بعضهم، واحتج في ذلك بإباحة رسول الله صلى الله عليه وسلم لعرينة التداوي بأبوال الإبل وهي محرمة، إلا أنها لما كانت مما يستشفي بها في بعض العلل رخص لهم في تناولها. قال الخطابي قد فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الأمرين اللذين جمعهما هذا القائل، فنص على أحدهما بالحظر وعلى الاَخر بالإباحة وهو بول الإبل. والجمع بين ما فرقه النص غير جائز. وأيضاً فإن الناس كانوا يشربون الخمر قبل تحريمها ويشفون بها ويتبعون لذتها، فلما حرمت عليهم صعب عليهم تركها والنزوع عنها،

(6/200)


2120ـ حدّثنا محمودُ، أخبرنا النّضْرُ وَشَبَابَةُ عن شُعْبَةَ بِمِثْلِهِ. قالَ محمودُ: قالَ النّضْرُ: طَارِقُ بنُ سُوَيْدٍ. وقالَ شَبَابَةُ: سُوَيْدُ بنُ طَارِقٍ.
ـــــــ
فغلظ الأمر فيها بإيجاب العقوبة على متناوليها ليرتدعوا وليكفوا عن شربها وحسم الباب في تحريمها على الوجوه كلها شرباً وتداوياً، لئلا يستبيحوها بعلة التساقم والتمارض، وهذا المعنى مأمون في أبوال الإبل لانحسام الدواعي ولما على الطباع من المؤنة في تناولها، ولما في النفوس من استقذارها والنكرة لها. فقياس أحدهما على الآخر لا يصح ولا يستقيم انتهى. قال الحافظ بن القيم في الهدى: المعالجة بالمحرمات قبيحة عقلاً وشرعاً. أما الشرع فما ذكرنا من هذه الأحاديث "يعني حديث الباب وحديث أبي الدرداء عند أبي داود مرفوعاً: أن الله أنزل الداء والدواء وجعل لكل داء دواء فتداووا ولا تداووا بالمحرم . وحديث ابن مسعود عند البخاري: إن الله لم يجعل شفائكم فيما حرم عليكم . وحديث النهي عن الدواء الخبيث وغير ذلك" وأما العقل فهو أن الله سبحانه إنما حرمه لخبثه، فإنه لم يحرم على هذه الأمة طيباً عقوبة لها كما حرمه على بني إسرائيل بقوله: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} وإنما حرم على هذه الأمة ما حرم لخبثه وتحريمه لهم حمية لهم وصيانة عن تناوله فلا يناسب أن يطلب به الشفاء من الأسقام والعلل فإنه وإن أثر في إزالتها لكنه يعقب سقماً أعظم منه في القلب بقوة الخبث الذي فيه فيكون المداوى به قد سعى في إزالة سقم البدن بسقم القلب. وقد بسط ابن القيم الكلام ههنا بسطاً حسناً من شاء الوقوف عليه فليراجع الهدي.
تنبيه: قال العيني في العمدة: الاستشفاء بالحرام جائز عند التيقن بحصول الشفاء، كتناول الميتة في المخمصة، والخمر عند العطش وإساغة اللقمة، وإنما لا يباح ما لا يستيقن حصول الشفاء به. وقال إذا فرضنا أن أحداً عرف مرض شخص بقوة العلم وعرف أنه لا يزيله إلا تناول المحرم يباح له حينئذ أن يتناوله كما يباح شرب الخمر عند العطش الشديد وتناول الميتة عند المخمصة.
قلت: دفع العطش وانحدار اللقمة بشرب الخمر متيقن، وأما حصول الشفاء بالتداوي ولو بالحلال فليس بمتيقن، فقياس التداوي بالحرام على شرب الخمر عند

(6/201)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
العطش الشديد وانحدار اللقمة فاسد الاعتبار. قال الشيخ ابن العابدين في رد المحتار ما محصله: إن إساغة اللقمة بالخمر ودفع العطش به متحقق النفع ولذلك من لم يسغ اللقمة ولم يدفع العطش عند وجود الخمر ومات يأثم بخلاف التداوي وإن كان بالحلال فإنه ليس بمتحقق النفع بل مظنون النفع، ولذلك من ترك التداوي ومات لا يأثم انتهى. وقال ابن العربي في عارضة الأحوذي: فإن قيل التداوي حال ضرورة والضرورة تبيح المحظور فالتداوي بالحرام مباح، قلنا: التداوي ليس حال ضرورة وإنما الضرورة ما يخاف معه الموت من الجوع، فأما التطبب في أصله فلا يجب فكيف يباح فيه الحرام انتهى محصلاً.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجة

(6/202)


باب ما جاء في السعوط و غيره
...
9 ـ باب ماَ جاَءَ في السّعُوطِ وغَيْرِه
2121 ـ حَدّثنا محمدُ بنُ مَدّوَيْهِ أخبرنا عَبْدُ الرحمنِ بنُ حَمّادٍ الشعبي، أخبرنا عَبّادُ بنُ مَنْصُورٍ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَباّسٍ قالَ: "قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنّ خَيْرَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ السّعُوطُ واللّدُودُ والْحِجَامَةُ والمَشِيّ. فَلَمّا اشْتَكَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لدّهُ أَصْحَابُهُ. فَلَمّا فَرَغُوا قَالَ: لُدّوهُمْ. قالَ: فَلُدّوا كُلّهُمْ غَيْرَ العَبّاسِ".
ـــــــ
" باب ماَ جاَءَ في السّعُوطِ وغَيْرِه"
بفتح السين وضم العين المهملتين ما يجعل في الأنف مما يتداوى به
قوله: "حدثنا محمد بن مدويه" هو محمد بن أحمد بن الحسين بن مدويه بميم وتثقيل القرشي "اخبرنا عبد الرحمن بن حماد" بن شعيب الشعيئي أبو سلمة العنبري البصري، صدوق، ربما أخطأ من صغار التاسعة "أخبرنا عباد بن منصور" الناجي أبو سلمة البصري القاضي صدوق رمي بالقدر وكان يدلس وتغير بآخره من السادسة.

(6/202)


2122 ـ حدّثنا محمدُ بنُ يَحْيَى، حدثنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ حدثنا عَبّادُ بن مَنْصُورٍ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنّ خَيْرَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الّلدُودُ والسّعُوطُ والْحِجَامَةُ والمَشِيّ، وَخَيْرَ
ـــــــ
قوله: "إن خير ما تداويتم به السعوط" قال الحافظ في الفتح: استعط أي استعمل السعوط هو أن يستلقي على ظهره ويجعل بين كتفيه ما يرفعهما لينحدر برأسه ويقطر في أنفخ ماء أو دهن فيه دواء مفرد أو مركب ليتمكن بذلك من الوصول إلى دماغه لاستخراج ما فيه من الداء بالعطاس انتهى "واللدود" بفتح اللام هو الدواء الذي يصب في أحد جانبي فم المريض ويسقاه أو يدخل هناك بأصبع وغيرها ويحنك به. قال النووي "الحجامة" بكسر أوله بمعنى الاحتجام "والمشي" بفتح فكسر فتشديد تحتية فعيل من المشي، وفي بعض نسخ المشكاة بضم فبكسر وجوزه في المغرب وقال: وهو ما يؤكل أو يشرب لإطلاق البطن. قال التوربشتي: وإنما سمي الدواء المسهل مشياً لأنه يحمل شاربه على المشي والتردد إلى الخلاء "لده أصحابه" أي جعلوا في جانب فمه دواء بغير اختباره وهذا هو اللدود، فأما ما يصب في الحلق فيقال له الوجود، وقد وقع عند الطبراني من حديث العباس أنهم أذابوا قسطاً أي بزيت فلدوه به "فلما فرغوا قال" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "لدوهم" بصيغة الأمر "قال" أي ابن عباس "فلدرا" بصيغة الماضي المجهول. وفي حديث عائشة عند الشيخين: لددنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه فأشار أن لا تلدوني فقلنا كراهية المريض للدواء، فلما أفاق قال لا يبقى منكم أحد إلا لد غير العباس فإنه لم يشهدكم. اللفظ لمسلم. قال النووي: إنما أمر صلى الله عليه وسلم بلدهم عقوبة لهم حين خالفنه في إشارته إليهم لا تلدوني ففيه أن الإشارة المفهمة كصريح العبارة في نحو هذه المسألة، وفيه تعزير المتعدي بنحو من فعله الذي تعدى به إلا أن يكون فعلاً محرماً انتهى. قيل: وإنما كره اللد مع أنه كان يتداوى لأنه تحقق أنه يموت في مرضه، ومن حقق ذلك كره له التداوي. قال الحافظ: وفيه نظر، والذي يظهر أن ذلك كان قبل التخيير والتحقق. وإنما أنكر التداوي لأنه كان غير ملائم لدائه، لأنهم ظنوا أن به ذات الجنب فداووه بما يلائمه ولم يكن به ذلك كما هو ظاهر في سياق الخبر كما ترى.

(6/203)


ماَ اكْتَحَلْتُمْ بِهِ الإِثْمِدُ، فَإِنّهُ يَجْلُو البَصَرَ وَيُنْبِتُ الشعْرَ .
قالَ: وكانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لَهُ مُكْحُلَةٌ يَكْتَحِلُ بِهَا عِنْدَ النّومِ ثَلاَثاً في كُلّ عَيْنٍ".
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ: وهُوَ حَدِيثُ عَبّادِ بنِ مَنْصُورٍ.
ـــــــ
قوله: "وخير ما أكتحلتم به" بالنصب وجوز رفعه "الإثمد" بكسر الهمزة والميم بينهما ثاء مثلثة ساكنة. وحكى فيه ضم الحمرة حجر معروف أسود يضرب إلى الهمزة يكون في بلاد الحجاز وأجوده يؤتى من أصبهان قاله الحافظ. وقال التوربشتي: هو الحجر المعدني، وقيل هو الكحل الأصفهاني ينشف الدمعة والقروح ويحفظ صحة العين ويقوي غصنها لا سيما للشيوخ والصبيان "فإنه" أي الإثمد أو الاكتحال به "يجلو البصر" من الجلاء أي يحسن النظر ويزيد نور العين وينظف الباصرة لدفع الردية النازلة إليها من الرأس "ينبت" من الإنبات "الشعر" بفتح الشين والعين المهملة ويجوز إسكانها، والمراد به هنا الهدب وهو بالفارسية شره وهو الذي ينبت على أشفار العين "مكحلة" بضمتين بينهما ساكنة اسم آلة الكحل، وهو الميل على خلاف القياس، والمراد منها ههنا ما فيه الكحل "يكتحل بها" كذا في النسخ الموجودة بها، وفي جميع روايات الشمائل "منها" فالباء بمعنى من كما قيل في قوله تعالى: {يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّه} .
قوله: "هذا حديث حسسن غريب" وأخرجه الترمذي في باب الحجامة

(6/204)


باب ما جاء في كراهية الكى
...
10ـ باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةَ بالكي
2123 ـ حَدّثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، حدثنا محمدُ بنُ جَعْفَرٍ، حدثنا شُعْبَةُ عن قَتَادَةَ عن الْحَسَنِ عن عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ: "أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه
ـــــــ
" باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةَ بالكي"
قال في القاموس: كواه يكويه كياً أحرق جلده بحديدة ونحوها وهي المكواة والكية موضع الكي والكاوياء ميسم، واكتوى استعمل الكي في بدنه انتهى

(6/204)


وسلم نَهَى عن الْكَيّ. قالَ: فابْتُلِينَا فاكْتَوَيْنَا فَماَ أَفْلَحْنَا ولاَ أَنْجَحْنَا".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
2124 ـ حدّثنا عَبْدُ الْقَدّوسِ بنُ محمدٍ، أخبرنا عَمْرُو بنُ عَاصِمٍ،
ـــــــ
قوله: "نهي عن الكي" قال الحافظ في الفتح: النهي فيه محمول على الكراهة أو على خلاف الأولى لما يقتضيه مجموع الأحاديث، وقيل إنه خاص بعمران لأنه كان به الباسور وكان موضعه خطراً فنهاه عن كيه، فلما اشتد عليه كواه فلم ينجح. وقال ابن قتيبة: الكي نوعان كي الصحيح لئلا يعتل فهذا الذي قيل فيه: لم يتوكل من اكتوى لأنه يريد أن يدفع القدر، والقدر لا يدافع. والثاني كي الجرح إذا نغل أي فسد والعضو إذا قطع فهو الذي يشرع التداوي به، فإن كان الكي لأمر محتمل فهو خلاف الأولى لما فيه من تعجيل التعذيب بالنار لأمر غير محقق.
وحاصل الجمع أن الفعل يدل على الجواز وعدم الفعل لا يدل على المنع بل يدل على أن تركه أرجح من فعله، وكذا الثناء على تاركه. وأما النهي عنه فإما على سبيل الاختيار والتنزيه، وإما عما لا يتعين طريقاً إلى الشفاء انتهى. كلام الحافظ "فما أفلحنا ولا أنجحنا" من الإنجاح أي فما فزنا ولا صرنا ذانجح، وفي رواية أبي داود: فما أفلحن ولا أنجحن بنون الأناث فيهما، يعني تلك الكيات التي اكتوينا بهن وخالفنا النبي صلى الله عليه وسلم في فعلهن، وكيف يفلح وينجح شيء خولف فيه صاحب الشريعة. وعلى هذا فالتقدير فاكتوينا كيات الأوجاع فما أفلحن ولا أنجحن.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة. قال المنذري: في تصحيح الترمذي نظر فقد ذكر غير واحد من الإئمة أن الحسن لم يسمع من عمران بن حصين، وقال الحافظ في الفتح بعد ذكر هذا الحديث: سنده قوي.
قوله: "حدثنا عبد القدوس بن محمد" بن عبد الكبير بن شعيب بن الحجاب العطار البصري، صدوق من الحادية عشر "أخبرنا عمرو بن عاصم" هو الكلابي

(6/205)


أخبرنا هَمّامٌ، عن قَتَادَةَ، عن الْحَسَنِ، عن عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ قالَ: "نُهِينَا عن الْكَيّ". وفي البابِ عن ابنِ مسعودٍ وعُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ وابن عَبّاس. هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
القيسي أبو عثمان البصري "أخبرنا همام" هو ابن يحيى الأزدي العوذي.
قوله: "نهينا" بصيغة المجهول وهو في حكم المرفوع كما تقرر في مقره، أي نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قوله: "وفي الباب عن ابن مسعود وعقبة بن عامر وابن عباس" أما حديث ابن مسعود وحديث عقبة بن عامر فأخر جهما الطحاوي في معاني الآثار، وأما حديث ابن عباس فأخرجه أحمد والبخاري وابن ماجه عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الشفاء في ثلاث: في شرطة محجم أو شربة عسل أو كية بنار، وأنا أنهى أمتي عن الكي .
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الطحاوي في معاني الآثار

(6/206)


11 ـ باب ما جَاءَ في الرّخْصَةِ في ذَلِك
2125 ـ حَدّثنا حُمَيْدُ بنُ مَسْعَدَةَ، حدثنا يَزيِدُ بنُ زُرَيْعٍ، أخبرنا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن أَنَسٍ "أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كَوَى أَسْعَدَ بنُ زُرَارَةَ مِنَ الشّوْكَةِ".
ـــــــ
" باب ما جَاءَ في الرّخْصَةِ في ذَلِك"
أي في الكي
قوله: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كوى" أي بيده أو أمر بأن يكوي أحد "أسعد" بفتح الهمزة والعين بينهما مهملة "ابن زرارة" بضم الزاي وفتح الراءين بينهما ألف وفي آخره تاء "من الشوكة" أي من أجلها وهي على ما في النهاية حمرة تعلو الوجه والجسد. والحديث على الرخصة في الكي، وقد تقدم وجه الجمع

(6/206)


وفي البابِ عن أُبَيّ وجَابِرٍ. هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
ـــــــ
بين أحاديث هذا الباب وأحاديث الباب المتقدم في كلام الحافظ. وقال الشوكاني في النيل قد جاء النهي عن الكي وجاءت الرخصة فيه والرخصة لسعد لبيان جوازه حيث لا يقدر الرجل أن يداوي العلة بدواء آخر وإنما ورد النهي حيث يقدر الرجل على أن يداوي العلة بدواء آخر لأن الكي فيه تعذيب بالنار ولا يجوز أن يعذب بالنار إلا رب النار وهو الله سبحانه وتعالى، ولأن الكي يبقى منه أثر فاحش، وهذان نوعان من أنواع الكي الأربعة وهما النهي عن الفعل وجوازه. والثالث الثناء على تركه كحديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة. والرابع عدم محبته كحديث الصحيحين وما أحب أن أكتوي. فعدم محبته يدل على أن الأولى عدم فعله، والثناء على تركه يدل على أن تركه أولى. فتبين أنه لا تعارض بين الأربعة.
قوله: "وفي الباب عن أبي وجابر" أخرج أحمد ومسلم عن جابر قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بن كعب طبيباً فقطع منه عرقاً ثم كواه. وعن جابر أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم كوى سعد بن معاذ في أكحله مرتين رواه ابن ماجة وروى مسلم معناه.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه الطحاوي في معاني الآثار

(6/207)


12 ـ باب مَا جَاءَ في الْحِجَامَة
2126 ـ حَدّثنا عَبْدُ القُدّوسِ بنُ محمدٍ، حدثنا عَمْرُو بن عَاصِمٍ، حدثناهَمّامٌ وجَرِيرُ بنُ حَازِمٍ، قالاَ: حدثنا قَتَادَةُ عن أَنَسٍ قالَ: "كانَ النبيّ صلى الله عليه وسلم يَحْتَجِمُ في الأَخْدَعَيْنِ والكَاهِلِ، وَكانَ يَحْتَجِمُ
ـــــــ
" باب مَا جَاءَ في الْحِجَامَة"
في المصباح حجمه الحاجم حجماً من باب قتل شرطه، واسم الصناعة حجامة بالكسر انتهى. والشرط بالفارسية نشترزون
قوله: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يحتجم في الأخدعين والكاهل" قال الشوكاني في النيل: قال أهل اللغة: الأخدعان عرقان في جانبي العنق يحجم منه، والكاهل

(6/207)


لِسَبْعَ عَشْرَةَ وَتِسْعَ عَشْرَةَ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ".
ـــــــ
ما بين الكتفين وهو مقدم الظهر. قال ابن القيم في الهدى: الحجامة على الأخدعين تنفع من أمراض الرأس وأجزائه كالوجه والأسنان والأذنين والعينين والأنف إذا كان حدوث ذلك من كثرة الدم أو فساده أو منهما جميعاً، قال: والحجامة لأهل الحجاز والبلاد الحارة لأن دماءهم رقيقة وهي أميل إلى ظاهر أبدانهم لجذب الحرارة الخارجية إلى سطح الجسد واجتماعهما في نواحي الجلد، ولأن مسام أبدانهم واسعة، ففي القصد لهم خطر انتهى. وقال أهل العلم بالطب: فصد الباسليق ينفع حرارة الكبد والطحال والرئة ومن الشوصة وذات الجنب وسائر الأمراض الدموية العارضة من أسفل الركبة إلى الورك، وفصد الأكحل ينفع الامتلاء العارض في جميع البدن إذا كان دموياً ولا سيما إن كان فسد، وفصد القيفال ينفع من علل الرأس والرقبة إذا كثر الدم أو فسد، وقصد الودجين لوجع الطحال والربو ووجع الجبين، والحجامة على الكاهل تنفع من وجع المنكب والحلق وتنوب عن فصد الباسليق، والحجامة على الأخدعين تنفع من كإمراض الرأس والوجه كالأذنين والعينين والأسنان والأنف والحلق، وتنوب عن فصد الفيفال، والحجامة تحت الذقن تنفع من وجع الأسنان والوجه والحلقوم وتنقي الرأس، والحجامة على ظهر القدم تنوب عن فصد الصافن وهو عرق عند الكعب، وتنفع من قروح الفخدين والساقين وانقطاع الطمث والحكة العارضة في الأنثيين، والحجامة على أسفل الصدر نافعة من دماميل الفخد وجربه وبثوره ومن النقرس والبواسير وداء الفيل وحكة الظهر، ومحل ذلك كله إذا كان عن دم هائج وصادف وقت الاحتياج إليه. والحجامة على المقعدة تنفع الأمعاء وفساد الحيض "وكان يحتجم لسبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين" قد عقد البخاري باباً في صحيحه بلفظ: باب أي ساعة يحتجم، وذكر فيه أثر أبي موسى أنه احتجم ليلاً وحديث ابن عباس: احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وهو صائم. قال الحافظ: ورد في الأوقات اللائقة بالحجامة أحاديث ليس فيها شيء على شرطه، فكأنه أشار إلى أنها تصنع عند الاحتياج ولا تتقيد بوقت دون وقت لأنه ذكر الاحتجام ليلاً وذكر حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم وهو يقتضي كون ذلك وقع منه نهاراً.

(6/208)


وفي البابِ عن ابنِ عَبّاسٍ ومَعْقِلِ بنِ يَسَارٍ.
ـــــــ
وعند الأطباء أن أنفع الحجامة ما يقع في الساعة الثانية أو الثالثة وأن لا يقع عقب استفراغ عن جماع أو حمام أو غيرهما، ولا عقب شبع ولا جوع. وقد ورد في تعيين الأيام للحجامة حديث لابن عمر عند ابن ماجة رفعه في أثناء حديث وفيه: فاحتجموا على بركة الله يوم الخميس، واحتجموا يوم الاثنين والثلاثاء، واجتنبوا الحجامة يوم الأربعاء والجمعة والسبت والأحد، أخرجه من طريقين ضعيفين وله طريق ثالثة ضعيفة أيضاً عند الدارقطني في الأفراد، وأخرجه بسند جيد عن ابن عمر موقوفاً، ونقل الخلال عن أحمد أنه كره الحجامة في الأيام المذكورة وإن كان الحديث لم يثبت. وحكى أن رجلاً احتجم يوم الأربعاء فأصابه برص لكونه تهاون بالحديث. وأخرج أبو داود من حديث أبي بكرة أنه كان يكره الحجامة يوم الثلاثاء وقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يوم الثلاثاء يوم الدم وفيه ساعة لا يرقأ فيها . وورد في عدد من الشهر أحاديث منها ما أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة رفعه: من احتجم لسبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين كان شفاء من كل داء . وهو من رواية سعيد بن عبد الرحمن الجمحي عن سهيل بن أبي صالح، وسعيد وثقه الأكثر ولينه بعضهم من قبل حفظه، وله شاهد من حديث ابن عباس عند أحمد والترمذي ورجاله ثقات لكنه معلول، وله شاهد آخر من حديث أنس عند ابن ماجة وسنده ضعيف، وهو عند الترمذي من وجه آخر عن أنس لكن من فعله صلى الله عليه وسلم، ولكون هذه الأحاديث لم يصح منها شيء قال حنبل بن إسحاق: كان أحمد يحتجم أي وقت هاج به الدم وأي ساعة كانت. وقد أتفق الأطباء على أن الحجامة في النصف الثاني من الشهر، ثم في الربع الثالث من أرباعه أنفع من الحجامة في أوله وآخره، قال الموفق البغدادي: وذلك أن الأخلاط في أول الشهر تهيج وفي آخره تسكن، فأولى ما يكون الاستفراغ في أثنائه.
قوله: "وفي الباب عن ابن عباس ومعقل بن يسار" أما حديث ابن عباس فأخرجه الترمذي في هذا الباب. وروى البخاري عنه قال: احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وهو محرم في رأسه من شقيقة كانت به. وله في هذا الباب غير هذين الحديثين. وأما حديث معقل بن يسار فأخرجه حرب بن إسماعيل الكرماني صاحب

(6/209)


وهذا حديثٌ حسنٌ غريب.
2127 ـ حدّثنا أَحمدُ بنُ بُدَيْلٍ بنِ قُرَيْشٍ اليَامِيّ الكُوفِيّ، أخبرنا محمدُ بنُ فُضَيْلٍ، أخبرنا عَبْدُ الرحمنِ بنُ أَسْحَاقَ عن القَاسِمِ بنِ عَبْدِ الرحمنِ هُوَ ابنُ عَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ عن أَبِيِه عن ابنِ مَسْعُود قالَ: "حَدّثَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عن لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِهِ أَنّهُ لَمْ يَمُرّ على مَلأٍ مِنَ المَلاَئِكَةِ إِلاّ أَمَرُوهُ: أَنْ مُرْ أُمَتّكَ بِالْحِجَامَةِ".
ـــــــ
أحمد عنه مرفوعاً: الحجامة يوم الثلاثاء لسبع عشرة من الشهر دواء لداء السنة ، وليس إسناده بذاك، كذا في المنتقي.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أبو داود وابن ماجة، ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره. وفي النيل قال النووي عند الكلام على هذا الحديث: رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم، وصححه الحاكم أيضاً، ولكن ليس في حديث أبي داود المذكور الزيادة وهي قوله: وكان يحتجم لسبع عشرة الخ انتهى.
قوله: "حدثنا محمد بن فضيل" هو الضبي مولاهم الكوفي "حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق" هو أبو شيبة الواسطي "عن القاسم بن عبد الرحمن هو ابن عبد الله بن مسعود" قال في التقريب: القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود المسعودي أبو عبد الرحمن الكوفي ثقة عابد من الرابعة "عن أبيه" أي عبد الرحمن بن عبد الله ابن مسعود الهذلي الكوفي ثقة من صغار الثانية مات سنة تسع وسبعين، وقد سمع من أبيه، قاله في التقريب.
قوله: "حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلة" بالجر منونة، ويجوز فتحها مضافة إلى قوله "أسرى به" على بناء المفعول "أنه لم يمر على ملإ" أي جماعة عظيمة تملأ العين "أن" تفسيرية "مر" أمر مخاطب من أمر يأمر قال القاري: بيان للأمر الذي اتفق عليه الملأ الأعلى. والأمر للندب. ويدل على تأكيده أمرهم جميعاً وتقريره صلى الله عليه وسلم ونقله عنهم، والظاهر أنه بأمر من الله لهم أيضاً "أمتك بالحجامة" قال أهل المعرفة: إن المخاطب بأحاديث الحجامة غير الشيوخ

(6/210)


وهذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ مِنْ حَدِيثِ ابنِ مَسْعُودٍ.
2128 ـ حدّثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، أخبرنا النَضْرُ بنُ شُمَيْلٍ، حدثنا عَبّادُ بنُ مَنْصُورٍ قالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ يقول: "كانَ لابنِ عَبّاس غِلْمَةٌ ثلاثة حَجّامُونَ، فكانَ اثْنانِ يُغِلاّن عليِه وعلى أَهْلِهِ، وَوَاحِدٌ يَحْجِمُهُ وَيَحْجِمُ أَهْلَهُ. قالَ: وقالَ ابنُ عَبّاسٍ: قالَ نَبِيّ الله صلى الله عليه وسلم: "نِعْمَ العَبْدُ الْحَجّامُ يَذْهَبُ بالدّمِ، ويُخِفّ الصّلْبَ ويَجْلُو عن البَصَرِ" . وقالَ: "أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم حَيْثُ عُرِجَ بِه مَا مَرّ على مَلأٍ مِنَ المَلاَئِكَةِ إِلاّ قالُوا عَلَيْكَ
ـــــــ
لقلة الحرارة في أبدانهم. وقد أخرج الطبري بسند صحيح عن ابن سيرين قال: إذا بلغ الرجل أربعين سنة لم يحتجم، قال الطبري: وذلك لأنه يصير من حينئذ في انتقاص من عمره وانحلال من قوة جسده فلا ينبغي أن يزيده وهناً بإخراج الدم انتهى. وهو محمول على من لم تتعين حاجته إليه، وعلى من لم يعتده. وقد قال ابن سينا في أرجوزته.
ومن يكون تعود الفصادة فلا يكن يقطع تلك العادة
ثم أشار إلى أنه يقلل ذلك بالتدريج إلى أن ينقطع جملة في عشر الثمانين. وقال ابن سينا في أبيات أخرى:
ووفر على الجسم الدماء فإنها ... لصحة جسم من أجل الدعائم
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه ابن ماجة من حديث أنس.
قوله: "فكان اثنان يغلان عليه وعلى أهله" بضم التحتية وكسر المعجمة من الإغلال أي يعطيان الغلة وهي ما يحصل من أجرة العبد. قال في القاموس: الغلة الدخلة من كراء دار وأجرة غلام وفائدة أرض انتهى "ويخف" من الإخفاف "الصلب" أي الظهر "ويجلو عن البصر" القذي والرمص ونحو ذلك "وقال" أي ابن عباس "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين عرج به" أي حين أسرى

(6/211)


بِالْحِجَامَةِ. وقالَ: إِنّ خَيْرَ مَا تَحْتَجِمُونَ فيِه يَوْمُ سَبْعَ عَشْرَةَ وَيَوْمُ تِسْعَ عَشْرَةَ وَيَوْمُ إِحْدَى وعِشْرِينَ. وقالَ: إِنّ خَيْرَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ السّعوطُ والّلدُودُ والْحِجَامَةُ والمَشِيّ، وإِنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لَدّهُ العَبّاسُ وأَصْحَابُهُ. فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: مَنْ لَدّنِي؟ فَكُلّهُمْ أَمْسَكُوا فقالَ: لا يَبْقَى أَحَدٌ مِمّنْ في البَيْتِ إِلاّ لُدّ غَيْرُ عَمّهِ العَبّاسِ" قالَ النّضْرُ: اللدُودُ الوجور.
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ حَدِيثِ عَبّادِ بن مَنْصُورٍ.
ـــــــ
به إلى السماء "ما مر" أي هو "عليك بالحجامة" أي الزمها لزوماً مؤكداً "إن خير ما تحتجمون فيه" أي من الأيام "يوم سبع عشرة" لفظ يوم مضاف مرفوع على أنه خبر إن "وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لده العباس" هذا مخالف لما في حديث عائشة عند الشيخين: لا يبقى أحد في البيت إلا لد وأنا أنظر إلا العباس فإنه لم يشهدكم، فما في الصحيحين أصح وأرجح "فكلهم أمسكوا" أي أسكتوا. ففي القاموس: أمسك عن الكلام سكت "غير عمه العباس" قيل لأنه كان صائماً أو لتكريمه قلت: علة عدم لدود العباس مصرحة في حديث عائشة بقوله: فإنه لم يشهدكم فهي المعتمد عليها "قال النضر اللدود الوجود" جعل النضر اللدود والوجود واحداً وفرق بينهما الحافظ كماعرفت وهو الصحيح.
قوله: "وفي الباب عن عائشة" لينظر من أخرجه.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه الحاكم: بتمامه مفرقاً في ثلاثة أحاديث، وقال في كل منهما: صحيح الأسناد، كذا في الترغيب للمنذري

(6/212)


13 ـ باب ما جَاءَ في التّدَاوي بالحِنّاء
2129 ـ حدّثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ، أخبرنا حَمّادُ بنُ خَالِدٍ الْخَيّاطُ،
ـــــــ

(6/212)


أخبرنا فائِدٌ مَوْلَى لاَلِ أَبِي رَافِعٍ، عن عَلِيّ بنِ عُبَيْدِ الله عن جَدّتِهِ سلمى، وكانَتْ تَخْدِمُ النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَتْ: "ما كَانَ يَكُونُ بِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قُرْحَةٌ ولا نَكْبَةٌ إلاّ أَمَرَني رسول الله صلى الله عليه وسلم أَنْ أَضَعَ عليها الحِنّاءَ".
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ إِنَمّا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ فَائِدٍ. ورَوَى بَعْضُهُمْ عن فَائِدٍ
ـــــــ
"باب ما جاء في التدتوي بالحناء"
قوله: "أخبرنا فائد مولى لاَل أبي رافع" قال في التقريب: فائد مولى عبادل باللام صدوق انتهى. وقال فيه عبيد الله بن علي بن أبي رافع المدني: يعرف بعبادل، ويقال فيه علي بن عبيد الله لين الحديث. وقال في الخلاصة: فائد مولى عبادل وهو عبيد الله بن علي بن أبي رافع روى عنه، وعنه زيد بن الحباب، وثقه ابن معين "عن علي بن عبيد الله" إعلم أن عبادل وعبيد الله بن علي وعلي بن عبيد الله ثلاثتهم واحد كما عرفت آنفاً من عبارة التقريب فهو عبيد الله بن علي بن أبي رافع وعبادل لقبه ويقال فيه علي بن عبيد الله، والصواب عبيد الله بن علي، روى عن جدته أم رافع وعنه مولاه فائد، وثقه ابن حبان، وقال أبو حاتم: لا يحتج به وليس بمنكر الحديث. وقال ابن معين: لابأس به "عن جدته" سلمى أم رافع زوج أبي رافع لها صحبة.
قوله: "ما كان" أي الشأن "يكون" أي يوجد ويقع "برسول الله صلى الله عليه وسلم قرحة" قال الطيبي: يحتمل أن يكون الثاني زائداً وأن يكون غير زائد بالتأويل أي ما كان قرحة تكون برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى. والقرحة بفنح القاف ويضم جراحة من سيف وسكين ونحوه، ومنه قوله تعالى {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ} وقد قرئ فيه بالوجهين والأكثر على الفتح "ولا نكبة" بفتح النون جراحة من حجر أو شوك ولا زائدة للتأكيد "أن أضع عليه الحناء" لأنه ببرودته يخفف حرارة الجراحة وألم الدم.
قوله: "هذا حديث غريب" لم يحكم عليه الترمذي بشيء من الصحة أو الحسن أو الضعف، والظاهر أنه حديث حسن والله تعالى أعلم. والحديث أخرجه ابن ماجه أيضاً.

(6/213)


فقال: عَنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَليّ عن جَدّتِهِ سَلْمَى، وعُبَيْدُ الله بنُ عَلي أَصَحّ ويُقالُ سُلمى.
2130 ـ حدّثنا محمدُ بنُ العَلاَءِ حدثنا زَيْدُ بنُ حُبَابٍ عن فَائِدٍ مَوْلَى عُبَيْدِ الله بنِ عَلِيّ، عن مَوْلاَهُ عُبَيْدِ الله بنِ عَليّ، عن جَدّتِهِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ.
ـــــــ
قوله: "وعبيد الله بن علي أصح" من علي بن عبيد الله. وقال الحافظ في التقريب: علي بن عبيد الله بن أبي رافع الصواب عبيد الله بن علي بن أبي رافع

(6/214)


14 ـ باب ما جاءَ في كَراهِيَةِ الرّقْيَة
2131 ـ حَدّثنا محمد بن بشار، حدثنا عَبْدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِيّ، حدثنا سفيانُ عن مَنْصُورٍ عن مُجَاهِدٍ عن عَقّارِ بنِ المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ عن أَبِيِه قال: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "من اكْتَوَى أو اسْتَرْقَى فقد بَرئَ مِنَ التّوَكّلِ" .
وفي البابِ عن ابنِ مَسْعُودٍ وابنِ عَبّاسٍ وعِمْرَانَ بنِ حُصَينٍ.
ـــــــ
"باب ما جاءَ في كَراهِيَةِ الرّقْيَة"
بضم الراء وسكون القاف. قال الجزري في النهاية: الرقية العوذة التي يرقى بها صاحب الاَفة كالحمى والصرع وغير ذلك من الاَفات
قوله: "عن عقار بن المغيرة بن شعبة" قال في التقريب: عقار بفتح أوله وتشديد القاف وآخره راء ابن المغيرة بن شعبة الثقفي الكوفي صدوق من الثالثة.
قوله: "من اكتوى أو استرقى فهو بريء من التوكل" لفعله ما الأولى التنزه عنه، وهذا فيمن فعل معتمداً عليها لا على الله، قاله المناوي.
قوله: "وفي الباب عن ابن مسعود وابن عباس وعمران بن حصين". أما حديث ابن مسعود فأخرجه أبو داود بطوله وفيه: إن الرقى والتمائم والتولة شرك، الحديث. وأما حديث ابن عباس فأخرجه الترمذي في صفة القيامة بعد باب صفة

(6/214)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
أواني الحوض. وأما حديث عمران بن حصين فأخرجه الطحاوي عنه مرفوعاً: يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً بغير حساب، قيل يا رسول من هم؟ قال: هم الذين لا يتطيرون ولا يكتوون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والنسائي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك. وأحاديث الباب تدل على كراهة الرقية. وفي الباب أحاديث أخرى وسيأتي في الباب الاَتي وجه الجمع بينها وبين الأحاديث التي تدل على جواز الرقية

(6/215)


15ـ باب ماَ جَاءَ في الرّخْصَةِ في ذَلِك
2132 ـ حَدّثنا عَبْدَةُ بنُ عَبْدِ الله الْخُزَاعِيّ حدثنا مُعَاوِيَةُ بنُ هِشَامٍ عن سُفْيَانَ عن عَاصِمٍ الأَحْوَلِ عن عَبْدِالله بنِ الحَارثِ عن أَنَسٍ "أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم رَخّصَ في الرّقْيَةِ مِنَ الْحُمّةِ والعَيْنِ والنّمْلَةِ".
2133 ـ حدّثنا محمود بنُ غَيْلاَنَ، حدثنا يَحْيَى بن آدَمَ وأَبُو نُعَيْمٍ قالا: حدثنا سُفْيَانُ عن عَاصِمٍ الأَحْوَل عن يُوسُفَ بنِ عَبْدِ الله بنِ الْحَارِثِ عن أَنَسِ
ـــــــ
"باب ما جاء في الرخصة في ذلك"
قوله: "رخص في الرقية من الحمة" قال الجزري بالتخفيف السم وقد يشدد وأنكره الأزهري ويطلق على إبرة العقرب للمجاورة، لأن السم منها يخرج وأصلها حمو أو حمي بوزن صرد والهاء فيها عوض من الواو المحذوفة أو الياء انتهى. "والعين" أي ومن إصابة عين الجن أو الإنس "والنملة" بفتح النون وسكون الميم قال الجزري: النملة قروح تخرج في الجنب انتهى. قال التوربشتي: الرخصة إنما تكون بعد النهي، وكان صلى الله عليه وسلم قد نهي عن الرقي لما عسى أن يكون فيها من الألفاظ الجاهلية، فانتهى الناس عن الرقي فرخص لهم فيها إذا عريت عن الألفاظ الجاهلية انتهى. وحديث أنس هذا أخرجه أيضاً أحمد ومسلم وابن ماجة.
قوله: "عن يوسف بن عبد الله بن الحارث" الأنصاري مولاهم، كنيته أبو

(6/215)


ابنِ مالِكٍ "أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم رَخّصَ في الرّقْيَةِ مِنَ الْحُمّةِ والنّمْلَةِ".
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
هذا عِنْدِي أَصَحّ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بنِ هِشَامٍ عن سُفْيَانَ.
وفي البابِ عن بُرَيْدَةَ وَعِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ وجَابِرٍ وعَائِشَةَ وَطَلْقِ بنِ عَلِيَ وعَمْرِو بنِ حَزْمٍ وَأَبِي خِزَامَةَ عن أَبِيِه.
ـــــــ
الوليد البصري، ثقة من الخامسة. قاله الحافظ في التقريب. وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته: روى عن أبيه وأنس بن مالك وغيرهما، وعنه عاصم الأحول وغيره انتهى.
قوله: "وهذا" أي حديث يحيى بن آدم وأبي نعيم، عن سفيان عن عاصم عن يوسف بن عبد الله بن الحارث عن أنس "أصح من حديث معاوية بن هشام عن سفيان" أي عن عاصم الأحوال عن عبد الله بن الحارث الخ.
قوله: "وفي الباب عن بريدة وعمران بن حصين وجابر وعائشة وطلق بن علي وعمرو بن حزم وأبي خزامة عن أبيه" أما حديث بريدة فأخرجه مسلم وابن ماجة بلفظ: لا رقية إلا من عين أو حمة. وأما حديث عمران بن حصين فأخرجه الترمذي بعد هذا. وأما حديث جابر فأخرجه مسلم عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرقي فجاء آل عمرو بن حزم فقالوا يا رسول الله إنه كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب وأنت نهيت عن الرقي فعرضوها عليه فقال: ما أرى بها بأساً من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه . وأما حديث عائشة فأخرجه الشيخان عنها قالت: أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يسترقى من العين. ولها حديث آخر أخرجه الشيخان أيضاً قالت: رخص النبي صلى الله عليه وسلم في الرقية من كل ذي حمة. وأما حديث طلق بن علي فأخرجه الطحاوي عنه قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فلدغتني عقرب فجعل يمسحها ويرقيه. وأما حديث عمرو بن حزم فأخرجه ابن ماجة عنه قال: عرضت أو أعرضت النهشة من الحية على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بها. وأما حديث أبي خزامة عن أبيه، فأخرجه الترمذي في باب: لا ترد الرقى والدواء من قدر الله شيئاً.

(6/216)


2134 ـ حدّثنا ابنُ أَبِي عُمَر حدثنا سُفْيَانُ عن حُصَيْنٍ عن الشّعْبيّ عن عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "لاَ رُقْيَةَ إِلاّ مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمّةٍ" .
وَرَوى شُعْبَةُ هذا الحديثَ عن حُصَيْنٍ عن الشّعبِيّ عن بُرَيْدَةَ.
ـــــــ
قوله: "لا رقية إلا من عين أو حمة" ليس معناه أنه لا يجوز الرقية من غيرهما لأنه قد ثبت الرقية من غيرهما إنما معناه لا رقية أولى وأنفع منهما، والحديث أخرجه أيضاً أحمد وأبو داود.
قوله: "وروى شعبة هذا الحديث عن حصين عن الشعبي عن بريدة" ، ووقع في بعض النسخ عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله بعد قوله عن بريدة. قال البخاري في صحيحه في باب من أكتوى: حدثنا عمران بن ميسرة حدثنا ابن فضيل قال حدثنا حصين عن عامر عن عمران بن حصين قال: لا رقية إلا من عين أو حمة فذكرته لسعيد بن جبير، فقال حدثنا ابن عباس فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عرضت على الأمم الحديث. قال الحافظ: قوله عن عمران بن حصين قال: لا رقية إلا من عين أو حمة، كذا رواه محمد بن فضيل عن حصين موقوفاً، ووافقه هشيم وشعبة عن حصين على وقفه، ورواية هشيم عند أحمد ومسلم ورواية شعبة عند الترمذي تعليقاً ووصلها بن أبي شيبة ولكن قالا عن بريدة بدل عمران ابن حصين، وخالف الجميع مالك بن مغول عن حصين فرواه مرفوعاً وقال عن عمران بن حصين أخرجه أحمد وأبو داود، وكذا قال ابن عيينة عن حصين أخرجه الترمذي، وكذا قال إسحاق بن سليمان عن حصين أخرجه ابن ماجة انتهى.
وأحاديث الباب تدل على جواز الرقية فهي مخالفة لأحاديث النهي المتقدمة في الباب المتقدم.
قال الحافظ ابن الأثير الجزري في النهاية: وجه الجمع بينهما أن الرقي يكره منها ما كان بغير اللسان العربي وبغير أسماء الله تعالى وصفاته وكلامه في كتبه المنزلة، وأن يعتقد أن الرقيا نافعة لا محالة فيتكل عليها وإياها أراد بقوله: ما توكل من استرقى. ولا يكره منها ما كان في خلاف ذلك كالتعوذ بالقرآن وأسماء الله تعالى والرقى المروية، ولذلك قال للذي رقى بالقرآن وأخذ عليه أجراً من أخذ

(6/217)


ـــــــ
برقية باطل فقد أخذت برقية حق. وكقوله في حديث جابر إنه عليه الصلاة والسلام قال: اعرضوها على فعرضناها فقال: لابأس بها إنما هي مواثيق كأنه خاف أن يقع فيها شيء مما كانوا يتلفظون به ويعتقدونه من الشرك في الجاهلية، وما كان بغير اللسان العربي مما لا يعرف له ترجمة ولا يمكن الوقوف عليه فلا يجوز استعماله. وأما قوله لا رقية إلا من عين أو حمة، فمعناه لا رقية أولى وأنفع، وهذا كما قيل لا فتى إلا علي. وقد أمر عليه الصلاة والسلام غير واحد من أصحابه بالرقية وسمع بجماعة يرقون فلم ينكر عليهم. وأما الحديث الاَخر في صفة أهل الجنة الذين يدخلونها بغير حساب هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون، فهذه من صفة الأولياء المعرضين عن أسباب الدنيا الذين لا يلتفتون إلى شيء من علائقها، وتلك درجة الخواص لا يبلغها غيرهم. فأما العوام فمرخص لهم في التداوي والمعالجات، ومن صبر على البلاء وانتظر الفرج من الله بالدعاء كان من جملة الخواص، ومن لم يصبر رخص له في الرقية والعلاج والدواء. ألا ترى أن الصديق لما تصدق بجميع ماله لم ينكر عليه علماً منه بيقينه وصبره، ولما أتاه الرجل بمثل بيضة الحمام من الذهب وقال لا أملك غيره ضربه به بحيث لو أصابه لعقره، وقال فيه ما قال، انتهى. ما قاله الجزري في النهاية

(6/218)


16 ـ باب ما جَاءَ في الرّقْيَةِ بالمُعَوّذَتَيْن
2135 ـ حَدّثنا هِشَامُ بنُ يُونَسَ الكُوفِيّ حدثنا القَاسِمُ بنُ مَالِكٍ المُزَنِيّ عن الْجُرَيْرِيّ عن أَبِي نَضْرَةَ عن أَبِي سَعِيدٍ قالَ: "كانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَتَعَوّذُ من الْجَانّ وَعَيْنِ الإِنْسَانِ حَتّى نَزَلَتْ المُعَوّذَتَانِ، فَلَمّا نزلتا أَخَذَ بِهِمَا وَتَرَكَ ما سِوَاهُمَا".
ـــــــ
"باب ما جاء في الرقبة بالمعوذتين"
قوله: "يتعوذ من الجان وعين الإنسان" أي يقول أعوذ بالله من الجان وعين الإنسان "حتى نزلت المعوذتان" أي قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس "أخذ بهما وترك ما سواهما" مما كان يتعوذ به من الكلام غير القرآن لما تضمنتاه من الاستعاذة من كل مكروه.

(6/218)


وفي البابِ عن أَنَسٍ.
هذا حديثٌ حسنٌ غَرِيبٌ.
ـــــــ
قوله: "وفي الباب عن أنس" لينظر من أخرجه.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه النسائي وابن ماجة والضياء

(6/219)


17 ـ باب ما جَاءَ في الرّقْيَةِ منَ العَيْن
2136 ـ حَدّثنا ابنُ أَبِي عُمَر، حدثنا سُفْيانُ عن عَمْرِو بنِ دِينَارٍ عن عُرْوَةَ وَهُوَ أَبو حاتم بْنُ عَامِرٍ عن عُبَيْدِ بنِ رِفَاعَةَ الزّرَقِيّ "أَنّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ قالَتْ: يا رسولَ الله إِنّ وَلَدَ جَعْفرٍ تُسْرِعُ إِلَيْهِمْ العَيْنُ أَفَأَسْتَرْقِي لَهُمْ؟ فقالَ:
ـــــــ
" باب ما جَاءَ في الرّقْيَةِ منَ العَيْن"
قال في النهاية: يقال أصابت فلاناً عين: إذا نظر إليه عدو أو حسود فأثرت فيه فمرض بسببها، يقال عانه يعينه عيناً فهو عائن إذا أصابه بالعين، والمصاب معين انتهى
قوله: "عن عروة وهو أبو حاتم بن عامر" قال في التقريب: عروة بن عامر المكي مختلف في صحبته، له حديث في الطيرة، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين. "عن عبيدة بن فاعة الزرقي" ويقال فيه عبيد الله، ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وثقه العجلي.
قوله: "أن أسماء بنت عميس" بالتصغير "إن ولد جعفر" قال القاري: بضم واو فسكون لام، وفي نسخة يعني من المشكاة بفتحهما، أي أولاد جعفر منها أو من غيرها "تسرع" بضم التاء وكسر الراء ويفتح أي تعجل "إليهم العين" أي تؤثر فيهم سريعاً لكمال حسنهم الصوري والمعنوي، والعين نظر باستحسان مشوب بحسد من خبيث الطبع يحصل للمنظور منه ضرر قاله الحافظ "أفأسترقي لهم"

(6/219)


نَعَمْ، فإِنّهُ لَوْ كَانَ شَيْءَ سَابِقُ القَدَرِ لَسَبَقَتْهُ العَيْنُ" . وفي البابِ عن عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ وبُرَيْدَةَ. وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد رُوِيَ هذا عن أَيّوبَ عن عَمْرِو بنِ دِينَارٍ عن عُرْوَةَ بن عَامِرٍ عن عُبَيْدِ بنِ رِفَاعَةَ عن أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
2137 ـ حدّثنا بذلكَ الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ الْخَلاّلُ، أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ عن مَعْمَرٍ عن أَيّوبَ بهذا.
2138 ـ حَدّثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ، حدثنا عَبْدُ الرّزّاق ويَعْلَى عن سُفْيَانَ عن مَنْصُورٍ عن المِنْهَالِ بنِ عَمْرٍو عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قالَ: "كانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُعَوّذُ الْحَسَنَ والحُسَيْن يَقُولُ:
ـــــــ
أي أطلب الرقية أو من يرقي لهم "فإنه" تعليل للجواب، ومعناه نعم استرقى عن العين فإنها أولى وأحرى بأن تسترقي "لو كان شيء سابق القدر" أي غالبه في السبق "لسبقته العين" أي لغلته العين، قال الطيبي: المعنى إن فرض شيء له قوة وتأثير عظيم سبق القدر لكان عيناً والعين لا يسبق فكيف بغيرها انتهى.
ومذهب أهل السنة أن العين يفسد ويهلك عند نظر العائن بفعل الله تعالى أجرى العادة أن يخلق الضرر عند مقابلة هذا الشخص لشخص آخر.
قوله: "وفي الباب عن عمران بن حصين الخ" أما حديث عمران بن حصين فأخرجه الترمذي في باب الرخصة في الرقية. وأما حديث بريدة فقد تقدم تخريجه في الباب المذكور.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح". وأخرجه أحمد والنسائي وابن ماجة والطحاوي.

(6/220)


أُعِيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ الله التّامّةِ، مِنْ كُلّ شَيْطَانٍ وهَامّةٍ، ومِنْ كُلّ عَيْنٍ لاَمّةٍ. وَيَقُولُ: هَكَذَا كانَ إبراهيمُ يُعَوّذُ إِسْحَاقَ وإِسْمَاعِيلَ عليهم السلام" .
2139 ـ حدّثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ الْخَلاّلُ حدثنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ وعَبْدُ الرّزّاقِ عن سُفْيَانَ عن مَنْصُورٍ نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
قوله: "يقول أعيذكما" هذا بيان وتفسير لقوله يعوذ "بكلمات الله" قيل هي القرآن، وقيل أسماؤه وصفاته "التامة" قال الجزري: إنما وصف كلام بالتمام لأنه لا يجوز أن يكون في شيء من كلامه نقص أو عيب كما يكون في كلام الناس، وقيل معنى التمام ههنا أنها تنفع المتعوذ بها وتحفظه من الاَفات وتكفيه انتهى "من كل شيطان وهامة" الهامة كل ذات سم يقتل والجمع الهوام، فأما ما يسم ولا يقتل فهو السامة كالعقرب والزنبور. وقد يقع الهوام على ما يدب من الحيوان وإن لم يقتل كالحشرات كذا في النهاية "ومن كل عين لامة" أي من عين تصيب بسوء. قال في النهاية: اللهم طرف من الجنون يلم بالإنسان أي يقرب منه ويعتريه، ومنه حديث الدعاء أعوذ بكلمات الله التامة، من شر كل سامة، ومن كل عين لامة. أي ذات لمم، ولذلك لم يقل ملمة وأصلها من ألممت بالشيء ليزاوج قوله من شر كل سامة انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه ابن ماجة

(6/221)


باب ما جاء في أن العين حق و الغسل لها
...
18 ـ باب ما جاَءَ أَنّ العَيْنَ حقّ والغسْلُ لها
2140 ـ حَدّثنا أَبُو حَفْصٍ عَمْرُو بنُ عَلِيَ، أخبرنا يَحْيَى بنُ كَثِيرٍ
ـــــــ
" باب ما جاَءَ أَنّ العَيْنَ حقّ والغسْلُ لها"
أي الإصابة بالعين شيء ثابت موجود، أو هو من جملة ما تحقق كونه. قال المازري: أخذ الجمهور بظاهر الحديث وأنكره طوائف المبتدعة لغير معنى لأن كل شيء ليس محالاً في نفسه، ولا يؤدي إلى قلب حقيقة ولا إفساد دليل، فهو من متجاوزات العقول، فإذا أخبر الشرع بوقوعه لم يكن لإنكاره معنى، وهل من فرق بين إنكارهم هذا وإنكارهم ما يخبر به من أمور الاَخرة
قوله: "أبو حفص عمرو بن علي" هو الفلاس الصيرفي الباهلي البصري.

(6/221)


أَبُو غَسّانٍ العَنْبَرِيّ، أخبرنا عَلِيّ بنُ المُبَارَكِ عن يَحْيَى بنِ أَبِي كَثِيرٍ حدثني حَيّةُ بنُ حَابِسٍ التّمِيمِيّ، حدثني أَبِي أَنّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "لاَ شَيْءَ في الْهَامِ والعَيْنُ حَقّ" .
ـــــــ
"أخبرنا يحيى بن كثير" بن درهم "أبو غسان العنبري" مولاهم البصري، ثقة من التاسعة، ووقع في النسخة الأحمدية. أخبرنا يحيى بن كثير أخبرنا أبو غسان العنبري بزيادة لفظ "نا" بين أخبرنا يحيى بن كثير وأبو غسان العنبري وهو غلط. "أخبرنا علي بن المبارك" هو الهنائي "عن يحيى بن كثير" هو الطائي مولاهم أبو نصر اليمامي "حدثني حية بن حابس" بمهملتين، وقبل السين موحدة التميمي مقبول من الثالثة، ووهم من زعم أن له صحبة كذا في التقريب "حدثني أبي" أي حابس التميمي. قال في تهذيب التهذيب في ترجمته: روى عن النبي صلى الله عليه وسلم روى عنه إبنه حية حديث: لاشيء في الهام. صرح البخاري بسماعه من النبي صلى الله عليه وسلم وتبعه أبو حاتم، وذكره البغوي في الصحابة وقال: لا أعلم له غير هذا الحديث انتهى.
قوله: "لا شيء في الهام" أي لا شيء مما يعتقدون في الهام. قال النووي: الهامة هي بتخفيف الميم على المشهور الذي لم يذكر الجمهور غيره، وقيل بتشديدها. قاله جماعة وحكاه القاضي عن أبي زيد الأنصاري الإمام في اللغة، قال: وفيها تأويلان أحدهما أن العرب كانت تتشاءم بها وهي الطائر المعروف من طير الليل، وقيل هي البومة، قالوا كانت إذا سقطت على دار احدهم فرآها ناعية له نفسه أو بعض أهله، وهذا تفسير مالك بن أنس، والثاني أن العرب كانت تعتقد أن عظام الميت وقيل روحه، ينقلب هامة تطير، وهذا تفسير أكثر العلماء وهو المشهور. ويجوز أن يكون المراد النوعين فإنهما جميعاً باطلان، فبين النبي صلى الله عليه وسلم إبطال ذلك وضلالة الجاهلية فيما يعتقده من ذلك "والعين" أي أثرها "حق" لا بمعنى أن لها تأثيراً بل بمعنى أنها سبب عادي كسائر الأسباب العادية بخلق الله تعالى عند نظر العائن إلى شيء وإعجابه ما شاء من ألم أو هلكة. قال المازري: وقد زعم بعض الطبائعيين المثبتين للعين أن العائن تنبعث من عينه قوة

(6/222)


2141 ـ حدّثنا أَحمدُ بنُ الْحَسَنِ بنِ خِرَاشٍ البَغْدَادِيّ أخبرنا أَحمدُ بنُ إِسحاقَ الْحَضْرَمِيّ أخبرنا وُهَيْبٌ عن ابنِ طَاوس عن أَبِيِه عن ابنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَو كَانَ شَيْءٌ سَابِقَ القَدَرِ
ـــــــ
سمية تتصل بالمعين فيهلك أو يفسد، قالوا ولا يمتنع هذا كما لا يمتنع انبعاث قوة سمية من الأفعى والعقرب تتصل باللديغ فيهلك وإن كان غير محسوس لنا، فكذا العين. قال: وهذا غير مسلم لأنا بينا في كتب علم الكلام أن لا فاعل إلا الله تعالى، وبينا فساد القول بالطبائع، وبينا أن المحدث لا يفعل في غيره شيئاً، وإذا تقرر هذا بطل ما قالوه، ثم تقول هذا المنبعث من العين إما جوهر وإما عرض فباطل أن يكون عرضاً لأنه لا يقبل الانتقال، وباطل أن يكون جوهراً لأن الجواهر متجانسة فليس بعضها بأن يكون مفسداً لبعضها بأولى من عكسه، فبطل ما قالوه، قال أو قرب طريقه قالها من ينتحل الإسلام، منهم أن قالوا لا يبعد أن تنبعث جواهر لطيفة غير مرئية من العين فتتصل بالمعين وتتخلل مسام جسمه فيخلق الله سبحانه وتعالى الهلاك عندها كما يخلق الهلاك عند شرب السم، عادة أجراها الله تعالى وليست ضرورة ولا طبيعة إلجاء العقل إليها. ومذهب أهل السنة أن العين إنما تفسد وتهلك عند نظر العائن بفعل الله تعالى أجرى الله سبحانه وتعالى العادة أن يخلق الضرر عند مقابلة هذا الشخص لشخص آخر، وهل ثم جواهر خفية أم لا؟ هذا من مجوزات العقول لا يقطع فيه بواحد من الأمرين وإنما يقطع بنفي الفعل عنها وبأضافته إلى الله تعالى، فمن قطع أطباء الإسلام بانبعاث الجواهر فقد أخطأ في قطعه، وإنما هو من الجائزات.
قوله: "حدثنا أحمد بن إسحاق" بن زيد بن عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي أبو إسحاق البصري ثقة. كان يحفظ من التاسعة "أخبرنا وهيب" بالتصغير ابن خالد بن عجلان الباهلي مولاهم أبو بكر البصري ثقة ثبت لكنه تغير قليلاً بآخره من السابعة كذا في التقريب "عن ابن طاوس" هو عبد الله بن طاوس بن كيسان اليماني أبو محمد، ثقة فاضل عابد من السادسة.
قوله: "لو كان شيء سابق القدر" بالتحريك أي لو أمكن أن يسبق شيء القدر

(6/223)


لَسَبَقَتْهُ العَيْنُ، إذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا" .
ـــــــ
في إفناء شيء وزواله قبل أوانه المقدر له "لسبقته" أي القدر "العين" لكنها لا تسبق القدر، فإنه تعالى قدر المقادير قبل الخلق. قال الحافظ: جرى الحديث مجرى المبالغة في إثبات العين لا أنه يمكن أن يرد القدر شيء، إذ القدر عبارة عن سابق علم الله وهو لاراد لأمره. وحاصله لو فرض أن شيئاً له قوة بحيث يسبق القدر لكان العين لكنها لا تسبق فكيف غيرها انتهى. قال النووي: فيه إثبات القدر وهو حق بالنصوص وإجماع أهل السنة، ومعناه أن الأشياء كلها بقدر الله تعالى ولا تقع إلا على حسب ما قدرها الله تعالى وسبق بها عمله. فلا يقع ضرر العين ولا غيره من الخير والشر إلا بقدر الله تعالى وفيه صحة أمر العين وأنها قوية الضرر انتهى. "وإذا استغسلتم" بصيغة المجهول أي إذا طلبتم للاغتسال "فاغسلوا" أطرافكم عند طلب المعيون ذلك من العائن، وهذا كان أمراً معلوماً عندهم، فأمرهم أن لا يمتنعوا منه إذا أريد منهم، وأدنى ما في ذلك رفع الوهم الحاصل في ذلك، وظاهر الأمر الوجوب. وحكى المازري فيه خلافاً وصحح الوجوب وقال متى خشي الهلاك وكان اغتسال العائن مما جرت العادة بالشفاء به فإنه يتعين. وقد تقرر أنه يجبر على بذل الطعام للمضطر وهذا أولى، ولم يبين في هذا الحديث صفة الاغتسال وقد وقعت في حديث سهل بن حنيف عند أحمد والنسائي وصححه ابن حبان من طريق الزهري عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أن أباه حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج وساروا معه نحو ماء حتى إذا كانوا بشعب الخرار من الحجفة اغتسل سهل ابن حنيف وكان أبيض حسن الجسم والجلد، فنظر إليه عامر بن ربيعة فقال ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة فليط، أي صرع وزناً ومعنى أي سهل فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هل تتهمون به من أحد؟ قالوا عامر بن ربيعة فدعا عامراً فتغيظ عليه، فقال علام يقتل أحدكم أخاه؟ هلا إذ رأيت ما يعجبك بركت ثم قال اغتسل له، فغسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح ثم يصب ذلك الماء عليه رجل من خلفه على رأسه وظهره ثم يكفأ القدح، ففعل به ذلك، فراح سهل مع الناس ليس به بأس. لفظ أحمد من رواية أبي أويس عن الزهري، ولفظ النسائي من رواية ابن أبي ذئب عن الزهري بهذا السند أنه يصب صبة على وجهه بيده اليمنى وكذلك سائر أعضائه صبة صبة في القدح، وقال في آخره

(6/224)


ـــــــ
ثم يكفأ القدح وراءه على الأرض، ووقع في رواية ابن ماجة من طريق ابن عيينة عن الزهري عن أبي أمامة أن عامر بن ربيعة مر بسهل بن حنيف وهو غيسل فذكر الحديث، وفيه فليدع بالبركة ثم دعا بماء فأمر عامراً أن يتوضأ فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين وركبتيه وداخلة إزاره وأمره أن يصب عليه. قال سفيان قال معمر عن الزهري: وأمر أن يكفأ الأناء من خلفه. قال المازري: المراد بداخلة الإزار الطرف المتدلي الذي يلي حقوه الأيمن، وقد ظن بعضهم أن داخلة الإزار كناية عن الفرج انتهى. وزاد عياض أن المراد ما يلي جسده من الإزار، وقيل أراد موضع الإزار من الجسد وقيل أراد وركه لأنه، معقد الإزار. والحديث في الموطأ وفيه عن مالك، حدثني محمد بن أبي أمامة بن سهل أنه سمع أباه يقول: اغتسل سهل فذكر نحوه، وفيه: فنزع جبة كانت عليه وعامر بن ربيعة ينظر فقال ما رأيت كاليوم ولا جلد عذراء، فوعك سهل مكانه واشتد وعكه، وفيه: ألا بركت إن العين حق، توضأ له، فتوضأ له عامر فراح سهل ليس به بأس.
تنبيه: قال المازري: هذا المعنى مما لا يمكن تعليله، ومعرفة وجهه من جهة العقل، فلا يرد لكونه لا يعقل معناه وقال ابن العربي: إن توقف متشرع قلنا له الله ورسوله أعلم، وقد عضدته التجربة وصدقته المعاينة أو متفلسف، فالرد عليه أظهر لأن عنده أن الأدوية تفعل بقواها وقد تفعل بمعنى لا يدرك، ويسمون ما هذا سبيله الخواص. وقال ابن القيم: هذه الكيفية لا ينتفع بها من أنكرها ولا من سخر منها ولا من شك فيها أو فعلها مجرباً غير معتقد، وإذا كان في الطبيعة خواص لا يعرف الأطباء عللها، بل هي عندهم خارجة عن القياس. وإنما تفعل بالخاصية فما الذي تنكر جهلتهم من الخواص الشرعية، هذا مع أن في المعالجة بالاغتسال مناسبة لا تأباها العقول الصحيحة، فهذا ترياق سم الحية يؤخذ من لحمها، وهذا علاج النفس الغضبية توضع اليد على بدن الغضبان فيكسن، فكأن أثر تلك العين كشعلة نار وقعت على جسد ففي الاغتسال إطفاء لتلك الشعلة. ثم لما كانت هذه الكيفية الخبيثة تظهر في المواضع الرقيقة من الجسد لشدة النفوذ فيها ولا شيء أرق من المغابن فكان في غسلها إبطال لعملها، ولا سيما أن للإرواح الشيطانية في تلك المواضع اختصاصاً، وفيه أيضاً وصول أثر الغسل إلى القلب من أرق المواضع وأسرعها نفاذاً. فتنطفئ تلك النار التي أثارتها العين بهذا الماء وهذا

(6/225)


وفي البابِ عن عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ وحدِيثُ حَيّةَ بنِ حَابِسٍ حديثٌ غريبٌ ورَوَى شَيْبَانُ عن يَحْيَى بنِ أَبِي كَثِيرٍ عن حَيّةَ بنِ حَابِسٍ عن أَبِيِه عن أَبِي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وعَلِيّ بنُ المُبَارَكِ وحَرْبُ بنُ شَدّادٍ لا يَذْكُرَانِ فِيِه عن أَبي هُرَيْرَةَ.
ـــــــ
الغسل المأمور به ينفع بعد استحكام النظرة، فأما عند الإصابة وقبل الاستحكام فقد أرشد الشارع إلى ما يدفعه بقوله في قصة سهل بن حنيف المذكورة كما مضى: ألا بركت عليه. وفي رواية ابن ماجة فليدع بالبركة، ومثله عند ابن السني من حديث عامر بن ربيعة. وأخرجه البزار وابن السني من حديث أنس رفعه: من رأى شيئاً فأعجبه فقال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم يضره.
قوله: "وفي الباب عن عبد الله بن عمرو" لينظر من أخرجه.
قوله: "هذا حديث صحيح" وأخرجه أحمد ومسلم "وحديث حية بن حابس حديث غريب" وأخرجه البخاري في الأدب المفرد "وروى شيبان" هو ابن عبد الرحمن النحوي

(6/226)


19 ـ باب ما جَاءَ في أَخْذِ الأَجْرِ على التّعْوِيذ
2142 ـ حَدّثنا هَنّادٌ، حدثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عن الأَعْمَشِ عن جَعْفَرِ بنِ إِيَاسٍ عن أَبِي نَضْرَةَ عن أَبِي سَعِيد الخدري قال: "بَعَثنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه
ـــــــ
"باب ما جاء في أخذ الجر على التعويذ"
قوله: "عن جعفر بن إياس" كنيته أبو بشر بن أبي وحشية، بفتح الواو وسكون المهملة وكسر المعجمة وتثقيل التحتانية، ثقة من أثبت الناس في سعيد بن جبير، وضعفه شعبة في حبيب بن سالم. وفي مجاهد: من الخامسة "عن أبي نضرة" هو العبدي

(6/226)


وسلم في سَرِيّةٍ فَنَزَلنَا بِقَوْمٍ فَسَأَلنَاهُمْ القِرَى فلم يَقْرُونَا، فَلُدِغَ سَيّدُهُم فَأَتَوْنَا فقالُوا: هَلْ فِيكُم مَنْ يَرْقِي مِنَ العَقْرَبِ؟ قلت: نَعَم أَنَا، وَلَكِنْ لاَ أَرْقِيِه
ـــــــ
قوله: "بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية فنزلنا بقوم" وفي رواية عند الدارقطني بعث سرية عليها أبو سعيد، وفي رواية الأعمش عند غير الترمذي: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثين رجلاً فنزلنا بقوم ليلاً، فأفادت عدد السرية ووقت النزول. كما أفادت رواية الدارقطني تعيين أمير السرية "فسألناهم القرى" بكسر القاف مقصوراً الضيافة "فلم يقرونا" أي فلم يضيفونا. قال في القاموس: قرى الضيف قرى بالكسر والفتح والمد أضافخ كاقتراه "فلدغ سيدهم" بضم اللام على البناء للمفعول، واللدغ بالدال المهملة والغين المعجمة، وهو اللسع وزناً ومعنى، وأما اللذع بالذال المعجمة والعين المهملة فهو الإحراق الخفيف، واللدغ المذكور في الحديث هو ضرب ذات الحمة من حية أو عقرب وغيرهما، وأكثر ما يستعمل في العقرب. وقد أفادت رواية الترمذي هذه تعيين العقرب.
فإن قلت: عند النسائي من رواية هشيم أنه مصاب في عقله أو لديغ.
قلت: هذا شك من هشيم، ورواه الباقون أنه لديغ ولم يشكوا، خصوصاً تصريح الأعمش بالعقرب.
فإن قلت: جاء في رواية أبي داود والنسائي والترمذي من طريق خارجة بن الصلت عن عمه أنه مرّ بقوم وعندهم رجل مجنون موثق في الحديد. فقالوا إنك جئت من عند هذا الرجل بخير فارْق لنا هذا الرجل، وفي لفظ عن خارجة بن الصلت عن عمه يعني علاقة بن صحار: أنه رقي مجنوناً موثقاً بالحديد بفاتحة الكتاب ثلاثة أيام كل بوم مرتين فبرأ، فأعطوني مائتي شاة. فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "خذهما ولعمري من أكل برقية باطل فقد أكلت برقية حق."
قلت: هما قضيتان لأن الراقي هناك أبو سعيد وهنا علاقة بن صحار وبينهما اختلاف كثير "فأتونا" أي فجاؤونا "فقالوا هل فيكم من يرقى من العقرب؟" قال في القاموس: رقاه رقياً ورقياً نفث في عوذته، وقال فيه العوذة الرقية كالمعاذة والتعويذ انتهى. وفي رواية للبخاري: فلدغ سيد ذلك الحي فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء. فقال بعضهم لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لعله أن يكون عند

(6/227)


حتى تُعْطُونَا غَنَماً، قالُوا: فَإِنّا نُعْطِيكُمْ ثَلاَثِينَ شَاةً فَقَبِلْنَا، فَقَرَأْتُ عَلَيِه الْحَمْدَ لله سَبْعَ مَرّاتٍ فَبَرأَ وقَبَضْنَا الغَنَم. قَالَ: فَعَرَضَ في أَنْفُسِنَا مِنْهَا شَيْءٌ، فَقُلْنَا لاَ تَعْجَلُوا حتى تَأْتُوا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، قالَ: فَلَمّا قَدِمْنَا عَلَيْهِ ذَكَرْتُ لَهُ الذي صَنَعْتُ، قالَ: وَمَا عَلِمْتَ أَنّهَا رُقَيْةٌ؟ اقْبِضُوا الغَنَمَ وَاضْرِبُوا لي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ" .
ـــــــ
بعضهم شيء فأتوهم فقالوا يا أيها الرهط إن سيدنا لدغ وسعينا له بكل شيء لا ينفعه فهل عند أحد منكم من شيء "فقرأت عليه الحمد سبع مرات" وفي رواية للبخاري: فانطلق يتفل عليه ويقرأ الحمد لله رب العالمين. قال الحافظ: يتفل بضم الفاء وبكسرها وهو نفخ معه قليل بزاق. قال ابن أبي حمزة محل التفل في الرقية يكون بعد القراءة لتحصيل بركة القراءة في الجوارح التي يمر عليها الريق فتحصل البركة في الريق الذي يتفله "فبرأ". وفي رواية للبخاري: فكأنما نشط من عقال، فانطلق يمشي وما به قلبة "وما علمت أنها رقية" : أي كيف علمت. وفي رواية البخاري: وما يدريك أنها رقية "واضربوا لي معكم بسهم" أي اجعلوا لي منه نصيباً، وكأنه أراد المبالغة في تأنيسهم كما وقع له في قصة الحمار الوحشي وغير ذلك. وفي الحديث جواز الرقية بشيء من كتاب الله تعالى، ويلحق به ما كان من الدعوات المأثورة، أو مما يشابهها، ولا يجوز بألفاظ مما لا يعلم معناها، من الألفاظ الغير العربية.
قال ابن القيم: إذا ثبت أن لبعض الكلام خواص ومنافع، فما الظن بكلام رب العالمين ثم بالفاتحة التي لم ينزل في القرآن ولا غيره من الكتب مثلها لتضمنها جميع معاني الكتاب، فقد اشتملت على ذكر أصول أسماء الله ومجامعها، وإثبات المعاد وذكر التوحيد، والافتقار إلى الرب في طلب الإعانة به والهداية منه، وذكر أفضل الدعاء وهو طلب الهداية إلى صراطه المستقيم المتضمن كمال معرفته وتوحيده وعبادته بفعل ما أمر به واجتناب ما نهي عنه والاستقامة عليه، ولتضمنها ذكر أصناف الخلائق وقسمتهم إلى منعم عليه لمعرفته بالحق والعمل به ومغضوب عليه لعدوله عن الحق بعد معرفته وشال لعدم معرفته له، مع ما تضمنه من إثبات

(6/228)


هذا حديثٌ حسنٌ.
وأبو نَضْرَةَ اسْمُهُ المُنْذِرُ بنُ مَالِكِ بنِ قُطَعَةَ. ورَخّصَ الشّافِعِيّ لِلمُعَلّمِ أَنْ يَأْخُذَ على تَعْلِيمِ القُرْآنِ أَجْراً، ويُرَى لَهُ أَنْ يَشْتَرِطَ على ذلكَ، وَاحْتَجّ بهذا الحَدِيثِ وجَعفر بن إِياس هو جعفر بن أبي وحشية وهو أبو بشرٍ. ورَوَى شُعْبَةُ وَأَبُو عَوَانَةَ وهِشَامِ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عن أَبِي بشْر هذا الحديث.
ـــــــ
القدر والشرع والأسماء والصفات والمعاد والتوبة، وتزكية النفس وإصلاح القلب، والرد على جميع أهل البدع، وحقيق بسورة هذا بعض شأنها أن يستشفى بها من كل داء، انتهى ملخصاً.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة "ورخص الشافعي للمعلم أن يأخذ على تعليم القرآن أجراً" ، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور وآخرون من السلف ومن بعدهم، ومنعه أبو حنيفة وأجازه في الرقية، قاله النووي في شرح مسلم. وقال الحافظ: قد نقل عياض جواز الاستئجار لتعليم القرآن عن العلماء كافة إلا الحنفية انتهى.
قلت: وقد أجاز المتأخرون من الحنفية أيضاً أخذ الأجرة على تعليم القرآن ويرى أن يعتد الشافعي "له" أي يجوز للمعلم "أن يشترط" أي أخذ الأجرة "على ذلك" أي على تعلم القرآن وقوله: "واحتج بهذا الحديث" الاحتجاج بهذا الحديث على جواز أخذ الأجرة على الرقية واضح، وأما الاحتجاج به على جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن فاعترض عليه القرطبي حيث قال: لا نسلم أن جواز أخذ الأجر في الرقي يدل على جواز التعليم بالأجر انتهى. لم يذكر القرطبي سند للمنع ولا يظهر وجه صحيح لعدم التسليم والله تعالى أعلم. وقد استدل للجمهور بقوله صلى الله عليه وسلم: اذهب فقد أنكحتكها بما معك من القرآن. في حديث سهل بن سعد رواه الشيخان وهذا لفظ البخاري. وفي رواية لمسلم: اذهب فقد زوجتكها فعلمها من القرآن .
واستدل للجمهور أيضاً بحديث ابن عباس: إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله رواه البخاري. قال الحافظ: استدل به للجمهور في جواز أخذ الأجرة

(6/229)


2143 ـ حدّثنا أَبُو مُوسَى محمدُ بنُ المُثَنّى، حدثني عَبْدُ الصّمَدِ بنُ عَبْدِ الوَارِثِ، أخبرنا شُعْبَةُ حدثنا أَبُو بِشْرٍ قالَ: سَمِعْتُ أَبَا المُتَوَكّلِ يُحَدّثُ
ـــــــ
على تعليم القرآن، وخالف الحنفية فمنعوه في التعليم وأجازوه في الرقي كالدواء، قالوا لأن تعليم القرآن عبادة والأجر فيه على الله وهو القياس في الرقى، إلا أنهم أجازوه فيها لهذا الخبر، وحمل بعضهم الأجر في هذا الحديث على الثواب، وسياق للقصة التي في الحديث يأبى هذا التأويل، وادعى بعضهم نسخه بالأحاديث الواردة في الزعيد على أخذ الأجرة على تعليم القرآن. وقد رواها أبو داود وغيره، وتعقب بأنه إثبات للنسخ بالاحتمال وهو مردود وبأن الأحاديث ليس فيها تصريح بالمنع على الإطلاق، بل هي وقائع أحوال محتملة
للتأويل، لتوافق الأحاديث الصحيحة كحديثي الباب "يعني حديث ابن عباس المتقدم آنفاً، وحديث أبي سعيد المذكور في هذا الباب" وبأن الأحاديث المذكورة أيضاً ليس فيها ما تقوم به الحجة فلا تعارض الأحاديث الصحيحة انتهى كلام الحافظ.
وقال الشوكاني في النيل: استدل الجمهور بحديث ابن عباس على جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وأجيب عن ذلك بأن المراد بالأجر هنا الثواب، ويرد بأن سياق القصة يأبى ذلك، وادعى بعضهم نسخه الأحاديث السابقة، وتعقب بأن النسخ لا يثبت بمجرد الاحتمال وبأن الأحاديث القاضية بالمنع وقائع أعيان محتملة للتأويل لتوافق الأحاديث الصحيحة كحديثي الباب وبأنها مما لا تقوم به الحجة فلا تقوى على معارضة ما في الصحيح، وقد عرفت مما سلف أنها تنتهض للاحتجاج بها على المطلوب والجمع ممكن إما بحمل الأجر المذكور هنا على الثواب كما سلف وفيه ما تقدم، أو المراد أخذ الأجر على الرقية فقط كما يشعر به السياق فيكون مخصصاً للأحاديث القاضية بالمنع، أو يحمل الإجر هنا على عمومه فيشمل الأجر على الرقية والتلاوة والتعليم، ويخص أخذها على التعليم بالأحاديث المتقدمة ويجوز ما عداه، وهذا أظهر وجوه الجمع فينبغي المصير إليه انتهى.
قلت: الروايات التي تدل على منع أخذ الأجرة على تعليم القرآن ضعاف لا تصلح للاحتجاج، ولو سلم أنها بمجموعها تنتهض للاحتجاج، فالأحاديث التي تدل على الجواز أصح منها وأقوى، ثم إن هذه الروايات وقائع أحوال محتملة

(6/230)


عن أَبِي سَعِيدٍ "أَنّ نَاساً مِنْ أَصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم مَرّوا بِحَيّ مِنَ العَرَبِ فَلَمْ يَقْرُوهُمْ وَلَمْ يُضَيّفُوهُمْ، فاشْتَكَى سَيّدُهُمْ فَأَتَوْنَا فَقَالُوا: هِلْ عِنْدَكُمْ دَوَاءٌ؟ قُلْنَا: نَعَمْ وَلَكِنّ لم تَقْروُنَا ولَمْ تُضَيّفُونَا فَلاَ نَفْعَلُ حتى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلاً، فَجَعَلُوا على ذلكَ قَطِيعاً مِنْ غَنَمٍ، قال فَجَعَلَ رَجُلٌ مِنّا يَقْرَأُ عليِه بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ فَبَرَأَ، فَلَمّا أَتَيْنَا النبيّ صلى الله عليه وسلم ذَكَرْنَا ذلكَ لَهُ، قالَ: "وَمَا يُدْريِكَ أَنّهَا رُقْيَةٌ؟ وَلَمْ يَذْكُرْ نَهْياً مِنْهُ، وقالَ:
ـــــــ
للتأويل،كما قال الحافظ، فلا حاجة إلى ما ذكره الشوكاني من وجوه الجمع. هذا ما عندي والله تعالى أعلم.
قوله: "مروا بحي من العرب" إعلم أن طبقات أنساب العرب ست: الشعب بفتح الشين: وهو النسب الأبعد، كعدنان مثلاً وهو أبو القبائل الذين ينسبون إليه ويجمع على شعوب، والقبيلة: وهي ما انقسم به الشعب كربيعة ومضر، والعمارة بكسر العين: وهي ما انقسم فيه أنساب القبيلة كقريش وكنانة ويجمع على عمارات وعمائر، والبطن. وهي ما انقسم فيه أنساب العمارة كبني عبد مناف وبني مخزوم ويجمع على بطون وأبطن، والفخد: وهي ما انقسم فيه أنساب البطن كبني هاشم وبني أمية ويجمع على أفخاذ، والفصيلة بالصاد المهملة: وهي ما انقسم فيه أنساب الفخد كبني العباس. وأكثر ما يدور على الألسنة من الطبقات القبيلة ثم البطن، وربما عبر عن كل واحد من الطبقات الست بالحي، إما على العموم مثل أن يقال حي من العرب وإما على الخصوص مثل أن يقال حي من بني فلان. وقال الهمداني في الأنساب: الشعب والحي بمعنى "حتى تجعلوا لنا جعلاً" بضم الجيم وسكون المهملة ما يعطى على عمل "فجعلوا على ذلك قطيعاً من غنم" قال ابن التين: القطيع الطائفة من الغنم، وتعقب بأن القطيع هو الشيء المتقطع من غنم كان أو غيرها، وقال بعضهم إن الغالب استعماله فيما بين العشرة والأربعين، ووقع في رواية الأعمش: فإنا نعطيكم ثلاثين شاة. وهو مناسب لعدد السرية كما تقدم وكأنهم اعتبروا عددهم فجعلوا الجعل بإزائه "وما يدريك" هي كلمة تقال عند التعجب من الشيء وتستعمل في تعظيم الشيء أيضاً وهو لائق هنا، قاله الحافظ. وفي رواية بعد قوله:

(6/231)


كُلُوا وَاضْرِبُوا لي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ" .
هذا حديثٌ صحيحٌ. وهذا أصَحّ مِنْ حَدِيثِ الأَعْمَشِ عن جَعْفَرِ بنِ إِياسٍ. وهكذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدِ هذا الْحَدِيثَ عن أَبِي بِشْرٍ جَعْفَرِ بنِ أَبِي وَحْشِيّةّ عن أَبِي المُتَوَكّلِ عن أَبِي سَعِيدٍ.
وَجَعْفَرُ بنُ إِيَاسٍ هُوَ جَعْفَرُ بنُ أَبِي وَحْشِيّةّ.
ـــــــ
وما يدريك أنها رقية؟ قلت: ألقي في روعي والدارقطني: فقلت يا رسول الله شيء ألقي في روعي "ولم يذكر نهياً منه" أي من النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك.
قوله: "وهذا" أي حديث شعبة عن أبي بشر عن أبي المتوكل عن أبي سعيد "أصح من حديث الأعمش عن جعفر بن إياس" قال الحافظ في الفتح بعد نقل كلام الترمذي هذا. وقال ابن ماجة إنها يعني طريق شعبة الصواب، ورجحها الدارقطني في العلل ولم يرجح في السنن شيئاً وكذا النسائي، والذي يترجح في نقدي أن الطريقين محفوظان لاشتمال طريق الأعمش على زيادات في المتن ليست في رواية شعبة ومن تابعه فكأنه كان عند أبي بشر عن شيخين فحدث به تارة عن هذا وتارة عن هذا، ولم يصب ابن العربي في دعواه أن هذا الحديث مضطرب، فقد رواه عن أبي سعيد أيضاً معبد بن سيرين، كما سيأتي في فضائل القرآن، وسليمان بن قتة كما أخرجه أحمد والدارقطني انتهى

(6/232)


باب ما جاء في الرقى و الأدوية
...
20 ـ باب ما جاَءَ في الرّقَى وَالأَدْوِيَة
2144 ـ حَدّثنا ابنُ أَبِي عُمَرَ، حدثنا سُفْيَانُ عن الزّهْرِيّ، عن أَبِي خِزَامَةَ عن أَبِيِه قالَ: "سَأَلْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَقلت:
ـــــــ
"باب ما جاء في الرقى والأدوية"
قوله: "عن أبي خزامة عن أبيه" اسمه يعمر. قال الذهبي في تجريد أسماء الصحابة: يعمر السعدي سعد هذيم والد أبي خزامة أنه قال: أرأيت دواء نتداوى به أو رقي نسترقي بها هل يرد ذلك من قدر الله انتهى.

(6/232)


يا رسولَ الله أَرَأَيْتَ رُقَى نَسْتَرْقِيهَا وَدَوَاءً نَتَدَاوَى بِهِ وَتُقَاةً نَتّقِيهَا، هل تَرُدّ مِدنْ قَدَرِ الله شَيْئاً؟ قالَ: هِيَ مِنْ قَدَرِ الله".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
2145 ـ حدّثنا سَعِيدُ بنُ عَبْدِ الرحمنِ، حدثنا سُفْيَانُ عن الزّهْرِيّ عن ابنِ أَبِي خِزَامَةَ عن أَبِيِه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد رُوِيَ عن ابنِ عُيَيْنَةَ كِلاَ الرّوَايَتَيْنِ، وقالَ بَعْضُهُمْ عن أَبِي خِزَامَةَ عن أَبِيِه، وقالَ بَعْضُهُمْ عن ابنِ أَبِي خِزَامَةَ عن أَبِيِه وقالَ بعضهم عن أَبِي خزامة وقد روى غير ابنِ عيينة هذا الحَديثَ عن الزّهْرِيّ عن أَبِي خِزَامَةَ عن أَبِيِه وَهذَا أَصَحّ، ولا نَعْرِفُ لأَبي خِزَامَةَ عن أَبِيِه غَيْرَ هذا الْحَدِيثِ.
ـــــــ
قوله: "أرأيت رقي نسترقيها إلخ" يأتي هذا الحديث في باب: لا ترد الرقى والدواء من قدر الله شيئاً من أبواب القدر. ويأتي هناك شرحه.
قوله: "عن ابن أبي خزامة" مجهول كما في التقريب وغيره "وقد روى عن ابن عيينة كلتا الروايتين" يعني عن أبي خزامة عن أبيه وابن أبي خزامة عن أبيه

(6/233)


باب ما جاء في الكمأة و العجوة
...
21 ـ باب ما جاءَ في الكَمْأَة والعَجْوَة
2146 ـ حَدّثنا أَبُو عُبَيْدَةَ أحمد بن عَبْدِ الله الهمداني وهو ابن أَبِي السّفَرِ و محمودُ بنُ غَيْلاَنَ، قالا:
ـــــــ
" باب ما جاءَ في الكَمْأَة والعَجْوَة"
الكمأة بفتح الكاف وسكون الميم بعدهما همزة مفتوحة، قال الخطابي: وفي العامة من لا يهمزه، واحدة الكمأة بفتح ثم سكون ثم همزة مثل تمرة وتمر. وعكس ابن الأعرابي فقال الكمأة الجمع والكمأ الواحد على غير قياس، قال: ولم يقع في كلامهم نظير هذا سوى خبأة وخبء، وقيل الكمأة قد تطلق على الواحد وعلى الجمع وقد جمعوها على أكمؤ. قال الشاعر:
ولقد جنيتك أكمؤاً وعساقلاً
...
والعساقل بمهملتين وقاف ولام الشراب، وكأنه أشار إلى أن الأكمؤ محل وجدانها الفلوات، والكمأة نبات لا ورق لها ولا ساق توجد في الأرض من غير أن تزرع،

(6/233)


حدثنا سَعِيدُ بنُ عَامِرٍ، عن محمدِ بنِ عَمْرٍو، عن أَبِي سَلَمَةَ عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "العَجْوَةُ مِنَ الْجَنّةِ، وفِيهَا شِفَاءٌ مِنَ السّمّ. والكَمأَةُ مِنَ المَنّ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلعَيْنِ".
ـــــــ
والعرب تسمى الكمأة أيضاً نبات الرعد لأنها تكثر بكثرته ثم تنفطر عنها الأرض وهي كثيرة بأرض العرب وتوجد بالشام ومصر، فأجودها ما كانت أرضه رملة قليلة الماء، ومنها صنف قتال يضرب لونه إلى الحمرة وهي باردة رطبة في الثانية رديئة للمعدة بطيئة الهضم، وإدمان أكلها يورث القولنج والسكتة والفالج وعسر البول، والرطب منها أقل ضرراً من اليابس، وإذا دفنت في الطين الرطب ثم سلقت بالماء والملح والسعتر وأكلت بالزيت والتوابل الحارة، قل ضررها، ومع ذلك ففيها جوهر مائي لطيف بدليل خفتها، فلذلك كان ماؤها شفاء للعين كذا في الفتح. ويقال للكمأة بالفارسية سماروغ كهمبي. والعجوة بفتح العين وسكون الجيم نوع من التمر الجياد بالمدينة المنورة
قوله: "حدثنا سعيد بن عامر" هو الضبعي أبو محمد البصري.
قوله: "العجوة" هي نوع من تمر المدينة يضرب إلى السواد من غرس للنبي صلى الله عليه وسلم كذا في النهاية "من الجنة". قال المناوي: يعني هذه العجوة تشبه عجوة الجنة في الشكل والاسم لا في اللذة والطعم انتهى. والمقصود بيان فضل العجوة على سائر أنواع التمر لأنها من أنفع تمر الحجاز على الإطلاق، وهو صنف كريم ملذذ متين للجسم والقوة من ألين التمر وأطيبه وألذه "وفيها شفاء من السم" إما لخاصة هذا النوع أو ببركة دعائه صلى الله عليه وسلم "والكمأة من المن". قال النووي: اختلف في معناه، فقال أبو عبيد وكثيرون شبهها بالمن الذي كان ينزل على بني إسرائيل لأنه كان يحصل لهم بلا كلفة ولا علاج، والكمأة تحصل بلا علاج ولا كلفة ولا زرع بزر ولا سقي ولا غيره، وقيل هي من المن الذي أنزل الله تعالى على بني إسرائيل حقيقة عملاً بظاهر اللفظ انتهى "وماؤها شفاء للعين" : أي شفاء لداء العين، في شرح مسلم للنووي. قيل هو نفس الماء مجرداً. وقيل معناه أن يخلط ماؤها بدواء ويعالج به العين، وقيل إن كان لتبريد ما في العين

(6/234)


وفي البابِ عن سَعِيدِ بنِ زَيْدٍ وَأَبِي سَعِيدٍ وَجَابرٍ.
وهذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ وهو مِنْ حَدِيثِ محمدِ بنِ عمرٍو ولا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ محمد بن عمرٍو إلا من حديث سعيد بن عامر.
2147 ـ حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ، حدثنا عُمَرُ بنُ عُبَيْدٍ الطّنَافِسيّ، عن عَبْدِ المَلِكِ بنِ عُمَيْرٍ، وحدثنا محمدُ بنُ المُثَنّى، حدثنا محمدُ بنُ جَعْفَرٍ، حدثنا شُعْبَةُ عن عَبْدِ المَلِكِ بنِ عُمَيْرٍ عن عَمْرو بنِ حُرَيْثٍ عن سَعِيدِ بنِ زَيْدٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "الكَمأَةُ مِنَ المَنّ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلعَيْنِ" .
ـــــــ
من حرارة فماؤها مجرداً شفاء، وإن كان لغير ذلك فمركب مع غيره، والصحيح بل الصواب أن ماءها مجرداً شفاء للعين مطلقاً. فيعصر ماؤها ويجعل في العين منه. وقد رأيت أنا وغيري في زمننا من كان عمي وذهب بصره حقيقة، فكحل عينه بماء الكمأة مجرداً فشفي وعاد إليه بصره، وهو الشيخ العدل الأمين الكمال بن عبد الله الدمشقي صاحب صلاح ورواية للحديث، وكان استعماله لماء الكمأة اعتقاداً في الحديث وتبركاً به انتهى.
قوله: "وفي الباب عن سعيد بن زيد وأبي سعيد وجابر" أما حديث سعيد ابن زيد فأخرجه الترمذي بعد هذا. وأما حديث أبي سعيد وحديث جابر فأخرجهما أحمد والنسائي وابن ماجة.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد وابن ماجة.
قوله: "عن عبد الملك بن عمير" هو اللخمي الكوفي "عن عمرو بن حريث" ابن عمرو بن عثمان بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشي المخزومي، صحابي صغير، مات سنة خمس وثمانين "عن سعيد بن زيد" قال في الخلاصة: سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي أحد العشرة المشهود لهم بالجنة والمهاجرين الأولين، شهد المشاهد كلها بعد بدر، وذكره البخاري فيمن شهد بدراً في الصحيح، وقال الأكثرون لم يشهدها، له ثمانية وثلاثون حديثاً اتفقا على حديثين وانفرد البخاري بآخر، وعنه عمرو بن حريث وعروة وأبو عثمان النهدي، تخلف عن بدر فضرب

(6/235)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
2148 ـ حدّثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، حدثنا مُعَاذُ بنُ هِشَامٍ، حدثنا أَبِي عن قَتَادَةَ عن شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ: "أَنّ نَاساً مِنْ أَصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم قالُوا: الكمْأَةُ جُدَرِيّ الأرضِ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الكَمأَةُ مِنَ المَنّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلعَيْنِ، والعَجْوَةُ مِنَ الْجَنّةِ وَهِيَ شِفَاءٌ مِنَ السّمّ".
هذا حديثٌ حسنٌ.
ـــــــ
له النبي صلى الله عليه وسلم بسهم. روى ذلك من طرق. قال خليفة مات سنة إحدى وخمسين. قال الواقدي بالعقيق فحمل إلى المدينة انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري في التفسير والطب، وأخرجه مسلم في الأطعمة، والنسائي في الطب والوليمة والتفسير، وابن ماجة في الطب.
قوله: "قالوا الكمأة جدري الأرض" بضم جيم وفتح دال وكسر راء وتشديد ياء هو حب يظهر في جسد الصبي من فضلات تتضمن المضرة تدفعها الطبيعة ويقال له بالهندية جيجك. قال الطيبي: شبهوها به في كونها فضلات تدفعها الأرض إلى ظاهرها ذماً لها "فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين". قال الطيبي: كأنهم لما ذموها وجعلوها من الفضلات التي تتضمن المضرة وتدفعها الأرض إلى ظاهرها، كما تدفع الطبيعة الفضلات بالجدري، قابله صلى الله عليه وسلم بالمدح بأنه من المن أي مما منّ الله به عباده، أو شبهها بالمن وهو العسل الذي ينزل من السماء، إذ يحصل بلا علاج واحتياج إلى بذر وسقي، أي ليست بفضلات، بل من فضل الله ومنه، أو ليست مضرة بل شفاء كالمن النازل انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن". وأخرجه ابن ماجة والطبراني، من طريق ابن المنكدر عن جابر قال: كثرت الكمأة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم

(6/236)


2149 ـ حدّثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، حدثنا مُعَاذٌ، حدثني أَبِي عنْ قَتَادَةَ قالَ: "حُدّثْتُ أَنّ أَبَا هُرَيْرَةَ قالَ: أَخَذْتُ ثَلاَثَةَ أَكْمُؤٍ أَوْ خَمْساً أَو سَبْعاً فَعَصَرْتُهُنّ فَجَعَلْتُ مَاءَهُنّ في قَارُورَةٍ فَكَحَلْتُ بِه جَارِيَةً لِي فَبَرَأَتْ".
2150 ـ حدّثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، حدثنا مُعَاذٌ بنُ هِشَامٍ، حدثنا أَبِي عن قَتَادَةَ قالَ: "حُدّثْتُ أَنّ أَبَا هُرَيْرَةَ قالَ: الشّونِيزُ دَوَاءٌ مِنْ كُلّ دَاءِ إِلاّ السّامَ. قالَ قَتَادَةُ: يأْخُذُ كُلّ يَوْمٍ إِحْدى وَعِشْرِينَ حَبّةً فَيَجْعَلُهُنّ
ـــــــ
فامتنع قوم من أكلها وقالوا هي جدري الأرض، فبلغه ذلك فقال: إن الكمأة ليست من جدري الأرض لا إن الكمأة من المن. كذا في الفتح.
قوله: "حدثت" بصيغة المتكلم المجهول من الحديث فيه انقطاع "أخذت ثلاثة أكمؤ" بفتح فسكون فضم ميم فهمز أي ثلاثة أشخص منها "أو خمساً أو سبعاً" كذا في بعض النسخ بالألف وهو الظاهر، ووقع في النسخة الأحمدية أو خمس أو سبع بغير الْالف، ولا يظهر له وجه إلا بالتكلف فتفكر "فعصرتهن" : أي في وعاء "فبرأت" بفتح الراء ويكسر أي شفيت. وحديث أبي هريرة هذا موقوف وفيه انقطاع.
"الشونيز" بضم المعجمة وسكون الواو وكسر النون وسكون التحتانية بعدها زاي وقال القرطبي: قيد بعض مشائخنا الشين بالفتح. وحكى عياض عن ابن الأعرابي أنه كسرها فأبدل الواو ياء فقال: الشينيز كذا في الفتح. وقال في القاموس: الشينيز والشونوز والشونيز والشهنيز الحبة السوداء أو فارسي الأصل انتهى. ويقال له بالهندية كلونحي "دواء من كل داء" قيل أي من كل داء من الرطوبة والبلغم وذلك لأنه حار يابس فينفع في الأمراض التي تقابله فهو من العام المخصوص، وقيل هو على عمومه أنه يدخل في كل داء بالتركيب. قال الكرماني: وممّا يدل على تعيين العموم الاستثناء بقوله "إلا السام" بسين مهملة ثم ألف وميم مخففة أي الموت فإنه لا دواء له، وهذا أيضاً موقوف وفيه انقطاع "قال قتادة"

(6/237)


في خِرْقَةٍ فَيَنْقَعُهُ فَيَسْتَعِطْ بِه كُلّ يَوْمٍ في مَنْخَرِهِ الأَيْمَنِ قَطْرَتَيْنِ وَالأَيْسَرِ قَطْرَة، والثّانِي فِي الأَيْسَرِ قَطْرَتَيْنِ وفي الأَيْمَنِ قَطْرَةً، والثّالِثُ في الأَيْمَنِ قَطْرَتَيْنِ وَفِي الأَيْسِرِ قَطْرَةً".
ـــــــ
أي في كيفية استعمال الشونيز "فينقعه" أي فيلقيه في الماء ليبتل "فيستعط به" قال في القاموس: سعطه الدواء كمنعه ونصره وأسعطه إياه سعطة واحدة وإسعاطة واحدة أدخله في أنفه فاستعط انتهى "في منخره الأيمن" في القاموس المنخر بفتح الميم والخاء وبكسرهما وضمهما وكمجلس ثقب الأنف "والثاني" أي اليوم الثاني "والثالث" أي اليوم الثالث. وقول قتادة: هذا ليس من مجرد رأيه بل ورد فيه حديث مرفوع، وقد أشار إليه الترمذي في باب الحبة السوداء، وذكرنا لفظه هناك

(6/238)


22ـ باب ماَ جَاءَ في أَجْرِ الكاهِن
2151 ـ حَدّثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا الّليْثُ عن ابنِ شِهَابٍ عن أَبِي بَكْرِ بنِ عَبْدِ الرحمنِ عن أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَاري قالَ: "نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عن ثَمَنِ الكَلْبِ، ومَهْرِ البَغيّ، وَحُلْوَانِ الكَاهِنِ".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
"باب ما جاء في أجر الكاهن"
قوله: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب الخ" قد تقدم هذا الحديث بإسناده ومتنه مع شرحه في باب كراهية مهر البغي من أبواب النكاح وفي باب ثمن الكلب من أبواب البيوع

(6/238)


23 باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ التّعْلِيق
2152 ـ حَدّثنا محمدُ بنُ مَدّويِه، حدثنا عُبَيْدُ الله بن موسى عن محمد بن عبد الرحمن بنِ أَبِي لَيْلَى
ـــــــ
"باب ما جاء في كراهية التعليق"
قوله: "حدثنا عبيد الله" هو ابن موسى العبسي مولاهم الكوفي "عن ابن

(6/238)


25 ـ باب مَا جَاءَ في تَبْرِيدِ الحُمّى بِالمَاء
2154 ـ حَدّثنا هَنّادٌ، أخبرنا أَبُو الأَحْوَصِ عن سَعِيدِ بنِ مَسْرُوقٍ عن عَبَايَةَ بنِ رِفَاعَةَ، عن جَدّهِ رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "الْحُمّى فَوْرٌ مِنَ النّارِ فَابْرُدُوهَا بِالمَاءِ".
ـــــــ
"باب ما جاء في تبريد الحمى بالماء"
قوله: "أخبرنا أبو الأحوص" اسمه سلام بن سليم الحنفي مولاهم الكوفي، "عن سعيد بن مسروق" هو والد سفيان الثوري "هو عباية" بفتح أوله والموحدة الخفيفة وبعد الألف تحتانية خفيفة "بن رفاعة" بكسر راء وخفة فاء وإهمال عين، ابن رافع بن خديج الأنصاري الزرقي كنيته أبو رفاعة، المدني ثقة من الثالثة "عن جده رافع بن خديج" بفتح معجمة وكسر دال مهملة وبجيم ابن رافع بن عدى الأوسي الأنصاري صحابي جليل، أول مشاهده أحد ثم الخندق، روى عنه ابنه عبد الرحمن وابنه رفاعة على خلاف فيه، وحفيده عباية بن رفاعة وغيرهم، كذا في التقريب وتهذيب التهذيب.
قوله: "الحمى فور من النار" بفتح الفاء وسكون الواو وبالراء، وفي رواية: الحمى من فيح جهنم بفتح الفاء وسكون التحتانية بعدها مهملة، وفي أخرى: من

(6/241)


ـــــــ
فوح بالواو بدل التحتانية. قال الحافظ: كلها بمعنى والمراد سطوع حرها ووهجه. واختلف في نسبة الحمى إلى جهنم، فقيل حقيقة واللهب الحاصل في جسم المحموم قطعة من جهنم، وقدر الله ظهورها بأسباب تقتضيها ليعتبر العباد بذلك، كما أن أنواع الفرح واللذة من نعيم الجنة أظهرها في هذه الدار عبرة ودلالة وقد جاء في حديث أخرجه البزار من حديث عائشة بسند حسن وفي الباب عن أبي أمامة عند أحمد وعن أبي ريحانة عند الطبراني، وعن ابن مسعود في مسند الشهاب: الحمى حظ المؤمن من النار، وهذا كما تقدم في حديث الأمر بالإبراد أن شدة الحر من فيح جهنم، وأن الله أذن لها بنفسين. وقيل بل الخبر ورد مورد التشبيه. والمعنى أن حر الحمى شبيه بحر جهنم تنبيهاً للنفوس على شدة حر النار، وأن هذه الحرارة الشديدة شبيهة بفيحها، وهو ما يصيب من قرب منها من حرها كما قيل بذلك في حديث الإبراد والأول أولى انتهى.
قوله: "فأبردوها" قال الحافظ: المشهور في ضبطها بهمزة وصل والراء مضمومة، وحكى كسرها، يقال: بردت الحمى أبردها برداً بوزن قتلتها أقتلها قتلاً أي اسكنت حرارتها. قال شاعر الحماسة:
إذا وجدت لهيب الحب في كبدي
...
أقبلت نحو سقاء القوم أبترد
هبني بردت ببرد الماء ظاهره
...
فمن لنار على الأحشاء تتقد
وحكى عياض رواية بهمزة قطع مفتوحة وكسر الراء من أبرد الشيء إذا عالجة فصيره بارداً مثل أسخنه إذا صيره سخناً، وقد أشار إليها الخطابي، وقال الجوهري: إنها لغة رديئة انتهى. ووقع في حديث ابن عمر في رواية فأطفئوها بهمزة قطع ثم طاء مهملة وفاء مكسورة ثم همزة أمر، من الإطفاء. "بالماء" قال الخطابي ومن تبعه: اعترض بعض سخفاء الأطباء على هذا الحديث بأن قال اغتسال المحموم بالماء خطر يقربه من الهلاك لأنه يجمع المسام ويحقن البخار ويعكس الحرارة إلى داخل الجسم فيكون ذلك سبباً للتلف، قال الخطابي غلط بعض من ينسب إلى العلم فانغمس في الماء لما أصابته الحمى فاحتقنت الحرارة في باطن بدنه فأصابته علة صعبة كادت تهلكه، فلما خرج من علته قال قولاً سيئاً لا يحسن ذكره، وإنما أوقعه في ذلك جهله بمعنى الحديث. والجواب: أن هذا الإشكال صدر عن صدر مرتاب في صدق الخبر، فيقال له أولاً من أين حملت

(6/242)


ـــــــ
الأمر على الاغتسال وليس في الحديث الصحيح بيان الكيفية فضلاً عن اختصاصها بالغسل، وإنما في الحديث الإرشاد إلى تبريد الحمى بالماء فإن أظهر الوجود أو اقتضت صناعة الطب أن إنغماس كل محموم في الماء أو صبه إياه على جميع بدنه يضره فليس هو المراد، وإنما قصد صلى الله عليه وسلم استعمال الماء على وجه ينفع فليبحث عن ذلك الوجه ليحصل الانتفاع به، وهو كما وقع في أمره العائن بالاغتسال وأطلق، وقد ظهر من الحديث الاَخر أنه لم يرد مطلق الاغتسال وإنما أراد الاغتسال على كيفية مخصوصة، وأولى ما يحمل عليه كيفية تبريد الحمى ما صنعته أسماء بنت الصديق فإنها كانت ترش على بدن المحموم شيئاً من الماء بين يديه وثوبه فيكون ذلك من باب النشرة المأذون فيها، والصحابي ولا سيما مثل أسماء التي هي ممن كان يلازم بيت النبي صلى الله عليه وسلم أعلم بالمراد من غيرها.
قلت: يأتي لفظ حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنها في هذا الباب. وقال المازري: لا شك أن علم الطب من أكثر العلوم احتياجاً إلى التفصيل حتى إن المريض يكون الشيء دواءه في ساعة ثم يصير داء له في الساعة التي تليها لعارض يعرض له من غضب يحمي مزاجه مثلاً فيتغير علاجه ومثل ذلك كثير. فإذا فرض وجود الشفاء لشخص بشيء في حالة ما لم يلزم منه وجود الشفاء به له أو لغيره في سائر الأحوال. والأطباء مجمعون على أن المرض الواحد يختلف علاجه باختلاف السن والزمان والعادة والغذاء المتقدم والتأثير المألوف وقوة الطباع، ثم ذكر نحو ما تقدم. قالوا وعلى تقدير أن يرد التصريح بالاغتسال في جميع الجسد فيجاب بأنه يحتمل أن يكون أراد أنه يقع بعد إقلاع الحمى وهو بعيد. ويحتمل أن يكون في وقت مخصوص بعدد مخصوص فيكون من الخواص التي اطلع صلى الله عليه وسلم عليها بالوحي، ويضمحل عند ذلك جميع كلام أهل الطب. وقد أخرج الترمذي من حديث ثوبان مرفوعاً: إذا أصاب أحدكم الحمى فإن الحمى قطعة من النار فليطفئها عنه بالماء فليستنفع في نهر جار فليستقبل جريته الحديث، وفيه وليغمس فيه ثلاث غمسات ثلاثة أيام، فإن لم يبرأ في ثلاث فخمس، فإن لم يبرأ في خمس فسبع، فإن لم يبرأ في سبع فتسع فإنها لا تكاد تجاوز تسعاً بإذن الله. قال ويحتمل أن يكون لبعض الحميات دون بعض في بعض الأماكن

(6/243)


ـــــــ
دون بعض، لبعض الأشخاص دون بعض، وهذا أوجه، فإن خطابه صلى الله عليه وسلم قد يكون عاماً وهو الأكثر، وقد يكون خاصاً كما قال: لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولكن شرقوا أو غربوا، فقوله: شرقوا أو غربوا ليس عاماً لجميع أهل الأرض بل هو خاص لمن كان بالمدينة النبوية وعلى سمتها فكذلك هذا يحتمل أن يكون مخصوصاً بأهل الحجاز وما والاهم إذ كان أكثر الحميات التي تعرض لهم من العرضية الحادثة عن شدة الحرارة وهذه ينفعها الماء البارد شرباً واغتسالاً، لأن الحمى حرارة غريبة تشتعل في القلب وتنتشر منه بتوسط الروح والدم في العروق إلى جميع البدن، وهي قسمان عرضية: وهي الحادثة عن ورم أو حركة أو إصابة حرارة الشمس أو القيظ الشديد ونحو ذلك، ومرضية: وهي ثلاثة أنواع وتكون عن مادة ثم منها ما يسخن جميع البدن، فإن كان مبدأ تعلقها بالروح فهي حمى يوم لأنها تقع غالباً في يوم ونهايتها إلى ثلاث، وإن كان تعلقها بالأعضاء الأصلية فهي حمى دق وهي أخطرها، وإن كان تعلقها بالأخلاط سميت عفنية وهي بعدد الأخلاط الأربعة. وتحت هذه الأنواع المذكورة أصناف كثيرة بسبب الإفراد والتركيب. وإذا تقرر هذا فيجوز أن يكون المراد النوع الأول فإنها تسكن بالانغماس في الماء البارد وشرب الماء المبرد بالثلج وبغيره، ولا يحتاج صاحبها إلى علاج آخر. وقد قال جالينوس في كتاب حيلة البرء: لو أن شاباً حسن اللحم خصب البدن ليس في أحشائه ورم استحم بماء بارد أو سبح فيه وقت القيظ عند منتهى الحمى لإنتفع بذلك. وقال أبو بكر الرازي: إذا كانت القوى قوية والحمى حادة والنضج بين ولا ورم في الجوف ولا فتق فإن الماء البارد ينفع شربه، فإن كان العليل خصب البدن والزمان حار أو كان معتاداً باستعمال الماء البارد اغتسالاً فليؤذن له فيه. وقد نزل ابن القيم حديث ثوبان على هذه القيود، فقال هذه الصفة تنفع في فصل الصيف في البلاد الحارة في الحمى العرضية أو الغب الخالصة التي لا ورم معها ولا شيء من الأعراض الرديئة والمواد الفاسدة فيطفئها بإذن الله، فإن الماء في ذلك الوقت أبرد ما يكون لبعده عن ملاقاة الشمس ووفور القوى في ذلك الوقت لكونه عقب النوم والسكون وبرد الهواء. قال: والأيام التي أشار إليها هي التي يقع فيها بحران الأمراض الحادة غالباً ولا سيما في البلاد الحارة.

(6/244)


وفي البابِ عن أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، وَابنِ عُمَرَ، وابنِ عَبّاسٍ، وَامْرَأَةِ الزّبَيْرِ وَعَائِشَةَ.
2155 ـ حدّثنا هَارُونُ بنُ إِسْحَاقَ الهَمَدَانِيّ، أخبرنا عَبْدَةُ بنُ سُلَيْمَانَ عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن أَبِيِه عن عَائِشَةَ: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "إِنّ الْحُمّى مِنْ فَيْحِ جَهَنّمَ فَابْرُدُوهَا بِالمَاءِ" .
ـــــــ
تنبيه: قال ابن القيم قوله بالماء فيه قولان أحدهما أنه كل ماء وهو الصحيح، والثاني أنه ماء زمزم، واحتج أصحاب هذا القول بما رواه البخاري في صحيحه عن أبي جمرة نضر بن عمران الضبعي قال: كنت أجالس ابن عباس بمكة فأخذتني الحمى فقال إبردها عنك بماء زمزم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء أو قال بماء زمزم ، راوي هذا قد شك فيه ولو جزم به لكان أمراً لأهل مكة بماء زمزم إذ هو متيسر عندهم ولغيرهم بما عندهم من الماء. ثم اختلف من قال إنه على عمومه هل المراد به الصدقة بالماء أو استعماله على قولين، والصحيح أنه استعماله، وأظن أن الذي حمل من قال المراد الصدقة به أنه أشكل عليه استعمال الماء البارد في الحمى ولم يفهم وجهه، مع أن لقوله وجهاً حسناً وهو أن الجزاء من جنس العمل، فكما أخمد لهيب العطش عن الظمآن بالماء البارد أخمد الله لهيب الحمى عنه جزاء وفاقا. ولكن يؤخذ هذا من فقه الحديث وإشارته، وأما المراد به فاستعماله انتهى.
وحديث رافع بن خديج هذا أخرجه أيضاً أحمد والشيخان والنسائي وابن ماجة.
قوله: "وفي الباب عن أسماء بنت أبي بكر وابن عمر وابن عباس وامرأة الزبير وعائشة" أما حديث أسماء فأخرجه الترمذي في هذا الباب. وأما حديث ابن عمر فأخرجه أحمد والشيخان والنسائي وابن ماجة. وأما حديث ابن عباس فأخرجه البخاري وقد تقدم لفظه. وأما حديث إمرأة الزبير فلينظر من أخرجه. وأما حديث عائشة فأخرجه الترمذي بعد هذا.
قوله: "حدثنا عبدة بن سليمان" هو الكلابي.
قوله: "إن الحمى من فيح جهنم" الفيح سطوع الحر وفورانه ويقال بالواو،

(6/245)


2156 ـ حدّثنا هَارُونُ بنُ إِسْحَاقَ، حدثنا عَبْدَةُ عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن فَاطِمَةَ بِنْتِ المُنْذِرِ، عن أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ.
وفي حديثِ أَسْمَاءَ كَلاَمٌ أَكْثَرُ مِنْ هذا، وَكِلاَ الْحَدِيثَيْنِ صحيحٌ.
2157 ـ حَدّثنا محمدُ بْن بَشّارٍ، حدثنا أَبو عَامِرٍ العَقَدِيّ، حدثنا إِبْرَاهيمُ بنُ إِسْمَاعِيلَ بنِ أَبِي حَبِيبَةَ، عن دَاوُدَ بنِ حُصَيْنٍ، عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ "أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُعَلّمُهُمْ مِنَ الْحُمّى وَمِنَ الأَوْجَاعِ كُلّهَا أَنْ يَقُولَ: بِسمِ الله الكَبِيِر، أَعُوذُ بِالله العَظيِمِ مِنْ شَرّ كُلّ عِرْقٍ نَعّارٍ، وَمِنْ شَرّ حَرّ النّارِ" .
ـــــــ
وفاحت القدر تفيح وتفوح إذا غلت كذا في النهاية.
قوله: "عن فاطمة بنت المنذر" بن الزبير بن العوام الأسدية، زوجة هشام بن عروة روت عن جدتها أسماء بنت أبي بكر وغيرها، وعنها زوجها هشام بن عروة وغيره، ثقة من الثالثة، كذا في التقريب وتهذيب التهذيب "عن أسماء بنت أبي بكر" الصديق، زوج الزبير بن العوام وكانت تسمى ذات النطاقين.
قوله: "وفي حديث أسماء كلام أكثر من هذا" روى الشيخان عن فاطمة عن أسماء هذا الحديث مطولاً ولفظه عند مسلم: أنها كانت تؤتى بالمرأة الموعوكة فتدعو بالماء فتصبه في جيبها وتقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابردوها بالماء، وقال إنها من فيح جهنم. فأشار الترمذي بقوله: وفي حديث أسماء كلام أكثر من هذا إلى ما في هذا الحديث من الزيادة "وكلا الحديثين صحيح" أخرجهما الشيخان.
قوله: "حدثنا إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة" الأنصاري الأشهلي مولاهم أبو إسماعيل المدني ضعيف من السابعة "عن داود بن حصين" الأموي مولاهم أبو سليمان المدني ثقة إلا في عكرمة، ورمى برأي الخوارج من السادسة كذا في التقريب.
قوله: "كان يعلمهم من الحمى" أي من أجلها "أن يقول" أي المريض أو عائده "من شر كل عرق" بكسر فسكون منوناً "نعار" بفتح النون وتشديد العين المهملة

(6/246)


هذا حديثٌ غريبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ حديثِ إِبْرَاهيِمَ بنِ إِسماعيلَ بنِ أَبِي حَبِيبَةَ. وإِبْراهيمُ يُضَعّفُ في الْحَدِيثِ، وَيُروَى: عِرْقٍ يَعّارٌ.
ـــــــ
أي فوار الدم يقال نعر العرق ينعر بالفتح فيهما إذا فار منه الدم استعاذ منه لأنه إذا غلب لم يمهل. وقال الطيبي: نعر العرق بالدم إذا ارتفع وعلا، وجرح نعار ونعور إذا صوت دمه عند خروجه.
قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه أحمد وابن أبي شيبة وابن ماجة وابن أبي الدنيا وابن السني في عمل اليوم والليلة والحاكم وصححه والبيهقي في الدعوات كذا في المرقاة "ويروي عرق يعار" رواه ابن ماجة ضبط يعار في النسخة الأحمدية بفتح التحتية وتشديد العين المهملة ومعناه صوات. قال الجزري في النهاية: يقال يعرت العنز يتعر بالكسر يعار بالضم أي صاحت انتهى. وأما قول بعض الناس يعار بضم الياء التحتية وفتح العين وتشديد الراء من العرارة وهي الشدة وسوء الخلق ومنه إذا استعر عليكم شيء من الغنم أي ند واستعصى، وأما يعار فلم تجد له في كتب اللغة معنى يناسب هذا المقام انتهى فمما لا يلتفت إليه

(6/247)


26 ـ باب ما جَاءَ في الْغِيلَة
2158ـ حَدّثنا أَحمدُ بِنُ مَنِيعٍ، أخبرنا يَحْيَى بنُ إِسْحَاقَ، أخبرنا يَحْيَىَ بنُ أَيّوبَ، عن محمدِ بنِ عَبْدِ الرّحْمنِ بنِ نَوْفَلٍ، عن عُرْوَةَ عن عَائِشَةَ
ـــــــ
" باب ما جَاءَ في الْغِيلَة"
قال الجزري في النهاية: الغيلة بالكسر الاسم من الغيل بالفتح، وهو أن يجامع الرجل زوجته وهي مرضع، وكذلك إذا حملت وهي مرضع، وقيل يقال فيه الغيلة والغيلة بمعنى، وقيل الكسر للاسم والفتح للمرة، وقيل لا يصح الفتح إلا مع حذف الهاء، وقد أغال الرجل وأغيل والولد مغال ومغيل، واللبن الذي يشر به الولد يقال له الغيل أيضاً انتهى
قوله: "أخبرنا يحيى بن إسحاق" هو البجلي أبو زكريا السيلحيني "حدثنا يحيى بن أيوب" هو الغافقي المصري "عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل" الأسدي المدني يتيم عروة ثقة من السادسة "عن عائشة" أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها

(6/247)


عن بنت وَهْبٍ وَهِيَ جُدَامَةُ، قالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: "أَرَدْتُ أَنْ أَنْهَى عن الْغِيالِ فإِذَا فَارِسُ والرّومُ يَفْعَلُونَ وَلاَ يَقْتُلُونَ أَوْلاَدَهُمْ" .
وفي البابِ عن أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ.
ـــــــ
"عن بنت وهب وهي جدامة" بمضمومة ودال مهملة. قال في التقريب: جدامة بنت وهب ويقال جندل الأسدية أخت عكاشة بن محصن لأمه، صحابية لها سابقة وهجرة. قال الدارقطني: من قالها بالذال المعجمة صحف انتهى. وقال في تهذيب التهذيب في ترجمتها: روت عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن الغيلة. روت عنها عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم انتهى.
قوله: "أردت أن انهي عن الغيال" بكسر الغين المعجمة وفي الرواية الاَتية الغيلة. قال النووي في شرح مسلم: قال أهل اللغة: الغيلة ههنا بكسر الغين ويقال لها الغيل بفتح الغين مع حذف الهاء والغيال بكسر الغين. وقال جماعة من أهل اللغة: الغيلة بالفتح المرة الواحدة وأما بالكسر فهي الاسم من الغيل. وقيل إن أريد بها وطء المرضع جاء الغيلة والغيلة بالكسر والفتح. واختلف العلماء في المراد بالغيلة في هذا الحديث وهي الغيل، فقال مالك في الموطأ والأصمعي وغيره من أهل اللغة هي أن يجامع امرأته وهي مرضع يقال منه أغال الرجل وأغيل أذا فعل ذلك. وقال ابن السكيت هو أن ترضع المرأة وهي حامل، يقال منه غالت وأغليت. قال العلماء: سبب همه صلى الله عليه وسلم بالنهي عنها أنه يخاف منه ضرر الولد الرضيع، قالوا والأطباء يقولون إن ذلك اللبن داء والعرب تكرهه وتتقيه "فإذا فارس" بكسر الراء وعدم الصرف "يفعلون" أي الغيال "ولا يقتلون أولادهم" وفي الرواية الاَتية: ولا يضر أولادهم. قال القاضي: كان العرب يحترزون عن الغيلة ويزعمون أنها تضر الولد وكان ذلك من المشهورات الذائعة عندهم فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينهي عنها لذلك، فرأى أن فارس والروم يفعلون ذلك ولا يبالون به ثم إنه لا يعود على أولادهم بضرر فلم ينه انتهى. قال النووي: في الحديث جواز الغيلة فإنه صلى الله عليه وسلم لم ينه عنها وبين سبب ترك النهي.
قوله: "وفي الباب عن أسماء بنت يزيد" أخرجه أبو داود عنها قالت سمعت

(6/248)


هذا حديثٌ صحيحٌ. وقد رَوَاهُ مَالِكٌ عن أَبِي الأَسْوَدِ عن عُرْوَةَ عن عَائِشَةَ عن جُدَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نحوه.
قالَ مَالِكٌ: وَالْغِيَالُ أَنْ يَطَأَ الرّجُلُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ تُرْضِعُ.
2159 ـ حدّثنا عِيسَى بنُ أَحمدَ، حدثنا ابنُ وَهْبٍ، حدثني مَالِكُ عن أَبِي الأَسْوَدِ محمدِ بنِ عَبْدِ الرّحْمنِ بنِ نَوْفَلٍ، عن عُرْوَةَ، عن عَائِشَةَ عن جُدَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ الأَسَدِيّةِ: أَنّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: "لَقَدْ هَمِمْتُ أَنْ أَنْهَى عن الْغِيلَةِ حتّى ذُكّرْتُ أَنّ فَارِسَ وَالرّومَ يَصْنَعُونَ ذَلِكَ فَلاَ يَضُرّ أَوْلاَدَهُمْ" .
ـــــــ
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تقتلوا أولادكم سراً، فإن الغيل يدرك الفارس فيدعثره عن فرسه، وسكت عنه هو المنذري وأخرجه أيضاً ابن ماجة.
قوله: "هذا حديث صحيح" وأخرجه مالك وأحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة "وقد رواه مالك عن أبي الأسود" اسمه محمد بن عبد الرحمن بن نوفل.
قوله: "حدثنا عيسى بن أحمد" بن عيسى بن وردان العسقلاني من عسقلان بلخ ثقة يقرب من الحادية عشرة "حدثنا ابن وهب" هو عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم أبو محمد المصري الفقيه ثقة حافظ عابد من التاسعة "عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل" ووقع في النسخة الأحمدية عن أبي الأسود: ومحمد بن عبد الرحمن بن نوفل بزيادة الواو بين أبي الأسود ومحمد بن عبد الرحمن وهو غلط.
قوله: "لقد هممت" أي قصدت "حتى ذكرت" بصيغة المجهول "يصنعون ذلك" أي الغيلة "ولا يضر أولادهم" بالنصب على المفعولية. وفي حديث جدامة هذا دليل على جواز الغيلة، وحديث أسماء بنت يزيد المذكور يدل على المنع. واختلف العلماء في وجه الجمع بينهما. فقال الطيبي: نفيه لأثر الغيل في الحديث السابق يعني حديث جدامة كان إبطالاً لاعتقاد الجاهلية كونه مؤثراً وإثباته له هنا

(6/249)


قالَ مَالِكَ: وَالْغِيلَةُ أَنْ يَمَسّ الرّجُلُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ تُرْضِعُ.
قالَ عيسَى بنُ أَحمدَ، وحدثنا إِسْحَاقُ بنُ عِيسَى، حدثني مَالِكٌ عن أَبِي الأَسْوَدِ نَحْوَهُ.
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غَريبٌ.
ـــــــ
يعني في حديث أسماء لأنه سبب في الجملة مع كون المؤثر الحقيقي هو الله تعالى انتهى. وقيل النهي في قوله لا تقتلوا أولادكم سراً في حديث أسماء للتنزيه، ويحمل قوله لقد هممت أن أنهي في حديث جدامة على التحريم فلا منافاة. وقال السندي: حديث أسماء يحتمل أنه قال على زعم العرب قبل حديث جدامة ثم علم أنه لا يضر فأذن به كما في رواية جدامة وهذا بعيد، لأن مفاد حديث جدامة أنه أراد النهي ولم ينه، وحديث أسماء فيه نهي فكيف يكون حديث أسماء قبل حديث جدامة. وأيضاً لو كان على زعم العرب لما استحسن القسم بالله كما عند ابن ماجة، فالأقرب أنه صلى الله عليه وسلم نهى عنه بعد حديث جدامة حيث حقق أنه لا يضر إلا أن الضرر قد يخفي إلى الكبر انتهى.
قوله: "حدثنا إسحاق بن عيسى" بن نجيح البغدادي أبو يعقوب بن الطباع سكن أذنه، صدوق من التاسعة.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه مالك وأحمد وغيرهما كما تقدم

(6/250)


27 ـ باب مَا جَاءَ فِي دَوَاءِ ذَاتِ الْجَنْب
2160 ـ حَدّثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، حدثنا مُعَاذُ بنُ هِشَامٍ، حدثني أَبِي عن قَتَادَةَ عن أَبِي عَبْدِ الله عن زَيْدِ بنِ أَرْقَمَ: أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَنْعَتُ الزّيْتَ وَالْوَرْسَ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ. قالَ قَتَادَةُ: "وَيَلُدّهُ مِنَ الْجَانِبِ الّذِي يَشْتَكِيِه".
ـــــــ
"باب ما جاء في دواء ذات الجنب"
قوله: "كان ينعت الزيت والورس من ذات الجنب" أي يمدح التداوي بهما

(6/250)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَأَبو عَبْدِ الله اسْمُهُ مَيْمُونٌ هُوَ شَيْخٌ بَصْرِيٌ.
2161 ـ حدّثنا رَجَاءُ بنُ محمدٍ العُذْرِيّ الْبَصْرِيّ، حدثنا عَمْرُو بنُ محمدِ بن أَبِي رَزِينٍ، حدثنا شُعْبَةُ عن خَالِدٍ الْحَذّاءِ، حدثنا مَيْمُونٌ أَبُو عَبْدِ الله قالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بنَ أَرْقَمَ قالَ: "أَمَرَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ نَتَدَاوَى مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ بالقُسْطِ الْبَحْرِيّ وَالزّيْتِ".
ـــــــ
لذات الجنب. قال أبو حنيفة اللغوي: الورس يزرع زرعاً وليس ببري ولست أعرفه بغير أرض العرب لا من أرض العرب بغير بلاد اليمن وقوته في الحرارة واليبوسة في أول الدرجة الثانية وأجوده الأحمر اللين القليل النخالة، ينفع من الكلف والحكة والبثور الكائنة من سطح البدن إذا طلي به، وله قوة قابضة صابغة، وإذا شرب نفع من الوضح، ومقدار الشربة منه وزن درهم، وهو في مزاجه ومنافعه قريب من منافع القسط البحري، وإذا لطخ به على البهق والحكة والبثور والسفعة نفع منها، والثوب المصبوغ بالورد يقوى على الباه انتهى. "ويلد" أي يلقي في الفم "من الجانب الذي يشتكيه" قال أبو عبيد عن الأصمعي: اللدود ما يسقي الإنسان في أحد شقي الفم، أخذ من لديدي الوادي وهما جانباه، وأما الوجود فهو في وسط الفم انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه ابن ماجة بلفظ: نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذات الجنب ورساً وقسطاً وزيتاً يلد به "وأبو عبد الله اسمه ميمون هو شيخ بصري" قال في التقريب: ميمون أبو عبد الله البصري مولى ابن سمرة ضعيف، وقيل اسم أبيه استاد وفرق بينهما ابن أبي حاتم من الرابعة.
قوله: "حدثنا رجاء بن محمد" بن رجاء "العذري" بضم عين مهملة وسكون ذال معجمة، البصري السقطي، ثقة من الحادية عشرة كذا في التقريب، ووقع في النسخة الأحمدية العدوي بفتح عين ودال مهملتين وهو غلط "حدثنا عمرو بن محمد بن أبي رزين" بفتح راء وكسر زاي وسكون ياء وبنون الخزاعي مولاهم أبو عثمان البصري، صدوق ربما أخطأ من التاسعة.
قوله: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتداوى من ذات الجنب

(6/251)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ولا نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ حَدِيثِ مَيْمُونٍ عن زَيْدِ بنِ أَرْقَمَ. وقد رَوَى عن مَيْمُونٍ غَيْرُ وَاحِدٍ من أهل العلم هذَا الحَدِيثَ.
وَذَاتُ الْجَنْبِ: يَعْنِي السّلّ.
ـــــــ
بالقسط البحري والزيت" قال الحافظ ابن القيم: ذات الجنب عند الأطباء نوعان حقيقي وغير حقيقي، فالحقيقي ورم حار يعرض في نواحي الجنب في الغشاء المستبطن للأضلاع، وغير الحقيقي ألم يشبهه يعرض في نواحي الجنب عن رياح غليظة مؤذية تحتقن بين الصفاقات فتحدث وجعاً قريباً من وجع ذات الجنب الحقيقي إلا أن الوجع في هذا القسم ممدود وفي الحقيقي ناخس: قال: ويلزم ذات الجنب الحقيقي خمسة أعراض وهي الحمى والسعال والوجع الناخس وضيق النفس والنبض المنشاري، والعلاج الموجود في الحديث ليس هو لهذا القسم، لكن للقسم الثاني الكائن عن الريح الغليظة، فإن القسط البحري وهو العود الهندي على ما جاء مفسراً في أحاديث آخر صنف من القسط إذا دق دقاً ناعماً وخلط بالزيت المسخن ودلك به مكان الريح المذكور أو لعق، كان دواء موافقاً لذلك نافعاً له محللاً لمادته مذهباً لها، مقوياً للأعضاء الباطنة مفتحاً للسدد، والعود المذكورة في منافعه كذلك. قال المسيحي: العود حار يابس قابض يحبس البطن ويقوي الأعضاء الباطنة ويطرد الريح ويفتح السدد، نافع من ذات الجنب، ويذهب فضل الرطوبة. والعود المذكور جيد للدماغ قال: ويجوز أن ينفع القسط من ذات الجنب الحقيقية أيضاً إذا كان حدوثها عن مادة بلغمية لا سيما في وقت انحطاط العلة انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والحاكم بلفظ: تداووا من ذات الجنب بالقسط البحري والزيت المسخن "وذات الحثب يعني السل" كذا فسر الترمذي ذات الجنب بالسل. وقال الجزري في النهاية: ذات الجنب هي الدبيلة والدمل الكبيرة التي تظهر في باطن الجنب وتنفجر إلى داخل وقلما يسلم صاحبها. وذو الجنب الذي يشتكي جنبه بسبب الدبيلة، إلا أن ذو للمذكر وذوات للمؤنث، وصارت ذات الجنب علماً لها وإن كانت في الأصل صفة مضافة. والمجنوب الذي أخذته ذات الجنب، وقيل أراد بالمجنوب الذي يشتكي جنبه مطلقاً انتهى. وقد عرفت ما ذكره ابن القيم في تفسير ذات الجنب، وكما تفسيرها بالسل فلم أر أحداً

(6/252)


ـــــــ
فسرها به غير الترمذي. والسل بكسر العين وشدة اللام في اللغة: الهزال، وفي الطب قرحة في الرئة، وإنما سمي المرض به لأن من لوازمه هزال البدن. ولما كانت الحمى الدقية لازمة لهذه القرحة ذكر القرشي أن السل قرحة الرئة مع الدق وعده من الأمراض المركبة، كذا قال النفيس. وقال القرشي في شرح الفصول: يقال السل لحمى الدق ولدق الشيخوخة ولقرحة الرئة

(6/253)


28 ـ باب
2162 ـ حَدّثنا إِسْحَاقُ بنُ مُوسَى الأَنْصَارِيّ، حدثنا مَعْنٌ، حدثنا مَالِكٌ عن يَزِيدَ بنِ خُصَيْفَةَ عن عَمْرو بنِ عَبْدِ الله بنِ كَعْبٍ السّلميّ: أَنّ نافِعَ بنَ جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ أخْبَرَهُ عن عثمان بنِ أبي الْعَاصِ أنّهُ قال: "أتانيِ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَبِي وَجَعٌ قَدْ كَادَ يُهْلِكُنِي، فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: امْسَحْ بِيَمِينَكَ سَبْعَ مَرّاتٍ وَقُلْ: أَعُوذُ بِعِزّةِ الله
ـــــــ
"باب"
قوله: "عن يزيد بن خصيفة" هو يزيد بن عبد الله بن خصيفة، قال في التقريب: يزيد بن عبد الله بن خصيفة بضم معجمة وفتح صاد مهملة وبفاء مصغراً ابن عبد الله بن يزيد الكندي المدني وقد ينسب لجده ثقة من الخامسة "عن عمرو بن عبد الله بن كعب" بن مالك الأنصاري السلمي المدني ثقة من السادسة قاله الحافظ في التقريب. وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته: روى عن نافع بن جبير بن مطعم، وعنه يزيد بن خصيفة، روى له الأربعة حديثاً واحداً وهو حديث عثمان بن أبي العاص في الدعاء انتهى "عن عثمان بن أبي العاص" الثقفي الطائفي صحابي شهير استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على الطائف ومات في خلافة معاوية بالبصرة.
قوله: "قال أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وبي وجع قد كاد يهلكني" ولمسلم وغيره من رواية الزهري عن نافع عن عثمان أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعاً يجده في جسده منذ أسلم "امسح" أي موضع الوجع "بيمينك سبع مرات". وفي رواية مسلم: فقال له ضع يدك على الذي يألم من جسدك .

(6/253)


وَقُدْرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ، مِنْ شَرّ مَا أَجِدُ. قالَ: فَفَعَلْتُ فَأَذْهَبَ الله مَا كَانَ بِي، فَلَمْ أَزَلْ آمُرُ به أَهْلِي وَغَيْرَهُمْ".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
وللطبراني والحاكم: ضع يمينك على المكان الذي تشتكي فامسح بها سبع مرات "وقل أعوذ بعزة الله وقدرته وسلطانه من شر ما أجد" وفي رواية مسلم: وقل بسم الله ثلاثاً، وقل سبع مرات أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر. وللترمذي في الدعوات وحسنه والحاكم وصححه عن محمد بن سالم قال قال لي ثابت البناني: يا محمد إذا اشتكيت فضع يدك حيث تشتكي ثم قل بسم الله أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد من وجعي ثم ارفع يدك ثم أعد ذلك وتراً، قال فإن أنس بن مالك حدثني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثه بذلك "قال" أي عثمان "ففعلت" أي ما قال لي "فأذهب الله ما كان بي" أي من الوجع "فلم أزل آمر به أهلي وغيرهم" لأنه من الأدوية الإلهية والطب النبوي، لما فيه من ذكر الله والتفويض إليه والاستعاذة بعزته وقدرته، وتكراره يكون أنجح وأبلغ كتكرار الدواء الطبيعي لاستقصاء إخراج المادة، وفي السبع خاصية لا توجد في غيرها.
قوله: "هذا حديث صحيح" وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة

(6/254)


29 ـ باب ما جَاءَ في السّنَا
2103 ـ حَدّثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، حدثنا محمدُ بنُ بَكْرٍ، حدثنا عَبْدُ الْحَمِيدِ بنُ جَعْفَرٍ، حدثني عُتْبَةُ بنُ عَبْدِ الله، عن أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ "أَنّ
ـــــــ
" باب ما جَاءَ في السّنَا"
سقط هذا الباب من بعض النسخ
قوله: "حدثنا محمد بن بكر" بن عثمان البرساني أبو عثمان البصري، صدوق يخطئ من التاسعة "حدثنا عبد الحميد بن جعفر" بن عبد الله بن الحكم بن رافع الأنصاري، صدوق رمي بالقدر وربما وهم من السادسة "حدثني عتبة بن عبد الله" أو ابن عبيد الله، ويقال اسمه زرته بن عبد الرحمن، مجهول من السادسة.

(6/254)


رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم سأَلَهَا بِمَا تَسْتَمْشِينَ؟ قالَتْ: بالشّبْرُمِ، قالَ حَارّ جَارّ، قَالَتْ: ثُمّ اسْتَمْشَيْتُ بالسّنَا، فقالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: لَوْ أَنّ شيئاً كانَ فِيِه شِفَاءٌ مِنَ المَوْتِ لَكَانَ في السّنَا" .
ـــــــ
قوله: "بما تستمشين" أي بأي دواء تستطلقين بطنك حتى يمشي ولا يصير بمنزلة الواقف فيؤذي باحتباس النجو، ولهذا سمي الدواء المسهل مشياً على وزن فعيل، وقيل لأن المسهول يكثر المشي والاختلاف للحاجة. وقال الجزري في النهاية: أي بما تسهلين بطنك، ويجوز أن يكون أراد المشي الذي يعرض عند شرب الدواء إلى المخرج انتهى. "قالت بالشبرم" بضم شين معجمة فسكون موحدة وراء مضمومة وهو من جملة الأدوية اليتوعية، وهو قشر عرق شجرة وهو حار يابس في الدرجة الرابعة، وأجوده المائل إلى الحمرة الخفيف الرقيق الذي يشبه الجلد الملفوف. وبالجملة فهو الأدوية التي أوصى الأطباء بترك استعمالها لخطرها وفرط إسهالها. وقال الجزري في النهاية: الشبرم حب يشبه الحمص يطبخ ويشرب ماؤه للتداوي، وقيل إنه نوع من الشبح انتهى. "قال حار" بحاء مهملة وتشديد راء بينهما ألف "جار". بالجيم قال الحافظ ابن القيم: قوله صلى الله عليه وسلم حار جار، ويروى حار يار، قال أبو عبيد: وأكثر كلامهم بالياء، قال وفيه قولان: أحدهما أن الحار الجار بالجيم الشديد الاسهال، فوصفه بالحرارة وشدة الإسهال وكذلك هو ما قاله أبو حنيفة الدينوري. والثاني وهو الصواب أن هذا من الإتباع الذي يقصد به تأكيد الأول ويكون بين التأكيد اللفظي والمعنوي، ولهذا يراعون فيه إتباعه في أكثر حروفه كقولهم حسن بسن، أي كامل الحسن، وقولهم: حسن قسن بالقاف، ومنه شيطان ليطان، وحار جار مع أن الجار معنى آخر وهو الذي يجر الشيء الذي يصيبه من شدة حرارته وجذبه له كأنه ينزعه ويسلخه ويار إما لغة في جار كقولهم صهري وصهريج والصهاري والصهاريج وإما إتباع مستقل انتهى "ثم استمشيت بالسنا" فيه لغتان المد والقصر وهو نبت حجازي أفضله المكي وهو دواء شريف مأمون الغائلة قريب من الاعتدال حار يابس في الدرجة الأولى، يسهل الصفراء والسوداء ويقوي جرم القلب، وهذه فضيلة

(6/255)


هذا حديثٌ غريبٌ.
ـــــــ
شريفة فيه، وخاصيته النفع من الوسواس السوداوي ومن الشقاق العارض في البدن، ويفتح العضل وانتشار الشعر، ومن القمل والصداع العتيق، والجرب والبثور والحكة والصرع، وشرب مائه مطبوخاً أصلح من شربه مدقوقاً، ومقدار الشربة منه إلى ثلاثة دراهم ومن مائه إلى خمسة دراهم، وإن طبخ معه شيء من زهر البنفسج والزبيب الأحمر المنزوع العجم كان أصلح "فقال النبي صلى الله عليه وسلم" أي بعد ما سألني ثانياً أو حين ذكرت له من غير سؤال استعلاماً واستكشافاً.
قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه أحمد وابن ماجة والحاكم. قال الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمة عتبة بن عبد الله الراوي عن أسماء ما لفظه: عتبة بن عبد الله ويقال ابن عبيد الله حجازي، روى عن أسماء بنت عميس حديثاً في الاستمشاء بالسنا، وعنه عبد الحميد بن جعفر، روى له الترمذي هذا الحديث الواحد، وقد رواه ابن ماجة من حديث عبد الحميد عن زرعة بن عبد الرحمن، عن مولى لمعمر التيمي عن أسماء، فيحتمل أن يكون هذا المبهم هو عتبة هذا، قال ليس هو المبهم، فإن كلام البخاري في تاريخه في ترجمة زرعة يقتضي أن زرعة هو عتبة المذكور، اختلف في اسمه على عبد الحميد، وعلى هذا فرواية الترمذي منقطعة لسقوط المولى منها انتهى

(6/256)


30 باب ما جاءَ في التّدَاوِي بِالْعَسَل
2164 ـ حَدّثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، حدثنا محمدُ بنُ جَعْفَرٍ، حدثنا شُعْبَةُ عن قَتَادَةَ، عن أَبِي المُتَوَكّل عن أَبِي سَعِيدٍ قالَ: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالَ: إِنّ أَخي اسْتُطْلِقَ بَطْنُهُ؟ فقالَ: اسْقِهِ عَسَلاٍ، فَسَقَاهُ
ـــــــ
"باب ما جاء في العسل"
قوله: "عن أبي المتوكل" اسمه علي بن داود الناجي.
قوله: "إن أخي استطلق بطنه" بضم المثناة وسكون الطاء المهملة وكسر اللام بعدها قاف أي كثر خروج ما فيه، يريد الإسهال، ووقع في رواية لمسلم:

(6/256)


ثُمّ جَاءَ فقالَ: يا رَسولَ الله قَدْ سَقَيْتُهُ عَسَلاً فَلَمْ يَزِدُهُ إِلاّ اسْتِطْلاَقاً؟ قالَ فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: إِسْقِهِ عَسَلاً، قالَ: فَسَقَاهُ، ثُمّ جَاءَهُ فقالَ: يا رسولَ الله إِنّي قَدْ سَقَيْتُهُ فَلَمْ يَزِدُهُ إِلاّ اسْتِطْلاَقاً؟ قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صَدَقَ الله وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيك. إِسْقِهِ عَسَلاً، فَسَقَاهُ عَسَلاً فَبَرَأَ" .
ـــــــ
إن أخي عرب بطنه وهي بالعين المهملة والراء المكسورة ثم الموحدة: أي فسد هضمه لاعتلال المعدة، ومثله ذرب بالذال المعجمة بدل العين وزناً ومعنى "فقال إسقه" بكسر الهمزة "عسلاً" ظاهره الأمر بسقيه صرفاً ويحتمل أن يكون ممزوجاً "صدق الله" أي فيما قال: فيه شفاء للناس، كذا قيل. وقال ابن الملك أي كون شفاء ذلك البطن في شربه العسل قد أوحى إلي والله تعالى صادق فيه، وهذا التوجيه أولى مما قيل من أن المراد به قوله تعالى: {فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ} لأن الاَية لا تدل على أنه شفاء من كل داء، قال القاري: ظاهره الإطلاق وإثبات الوحي يحتاج إلى دليل "وكذب بطن أخيك" قال الخطابي وغيره: أهل الحجاز يطلقون الكذب في موضع الخطأ، يقال: كذب سمعك، أي زل فلم يدرك حقيقة ما قيل له، فمعنى كذب بطنه أي لم يصلح لقبول الشفاء بل زل عنه.
وقد اعترض بعد الملاحدة فقال: العسل مسهل فكيف يوصف لمن وقع به الإسهال؟
والجواب: أن ذلك جهل من قائله، بل هو كقوله تعالى: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ} فقد اتفق الأطباء على أن المرض الواحد يختلف علاجه بأختلاف السن والعادة والزمان والغذاء المألوف والتدبير وقوة الطبيعة، وعلى أن الإسهال يحدث من أنواع منها الهيضة التي تنشأ عن تخمة، واتفقوا على أن علاجها بترك الطبيعة وفعلها، فإن احتاجت إلى مسهل معين اعينت ما دام بالعليل قوة، فكأن هذا الرجل كان استطلاق بطنه عن تخمة أصابته فوصف له النبي صلى الله عليه وسلم العسل لدفع الفضول المجتمعة في نواحي المعدة والأمعاء، لما في العسل من الجلاء ودفع الفضول التي تصيب المعدة من أخلاط لزجة تمنع استقرار الغذاء فيها،

(6/257)


ـــــــ
وللمعدة خمل كخمل المنشفة، فإن علقت بها الأخلاط اللزجة أفسدتها وأفسدت الغذاء الواصل إليها، فكان ذواؤها باستعمال ما يجلو تلك الأخلاط، ولا شيء في ذلك مثل العسل لا سيما إن مزج بالماء الحار، وإنما لم يفده في أول مرة لأن الدواء يجب أن يكون له مقدار وكمية بحسب الداء إن قصر عنه لم يدفعه بالكلية وإن جاوزه أوهى القوة وأحدث ضرراً آخر، فكأنه شرب منه أولاً مقداراً لا يفي بمقاومة الداء فأمر بمعاودة سقيه، فلما تكررت الشربات بحسب مادة الداء برأ بإذن الله تعالى. وفي قوله صلى الله عليه وسلم: وكذب بطن أخيك إشارة إلى أن هذا الدواء نافع وأن بقاء الداء ليس لقصور الدواء في نفسه، ولكن لكثرة المادة الفاسدة. فمن ثم أمره بمعاودة شرب العسل لاستفراغها، فكان كذلك وبرأ بإذن الله.
قال الحطابي: والطب نوعان طب اليونان وهو قياسي، وطب العرب والهند وهو تجاربي، وكان أكثر ما يصفه النبي صلى الله عليه وسلم لمن يكون عليلاً على طريقة طب العرب، ومنه ما يكون مما أطلع عليه بالوحي. وقد قال صاحب كتاب المائة في الطب: إن العسل تارة يجري سريعاً إلى العروق وينفذ معه جل الغذاء ويدر البول فيكون قابضاً، وتارة يبقى في المعدة فيهيجها لذعها حتى يدفع الطعام ويسهل البطن فيكون مسهلاً، فإنكار وصفه المسهل مطلقاً قصور من المنكر. وقال غيره: طب النبي صلى الله عليه وسلممتيقن البرء لصدوره عن الوحي، وطب غيره أكثره حدس أو تجربة، وقد يتخلف الشفاء عن بعض ما يستعمل طب النبوة وذلك لمانع قام بالمستعمل من ضعف اعتقاد الشفاء به وتلقيه بالقبول. وأظهر الأمثلة في ذلك القرآن الذي هو شفا لما في الصدور، ومع ذلك فقد لا يحصل لبعض الناس شفاء صدره لقصوره في الاعتقاد والتلقي بالقبول، بل لا يزيد المنافق إلا رجساً إلى رجسه ومرضاً إلى مرضه. فطب النبوة لا يناسب إلا الأبدان الطيبة. كما أن شفاء القرآن لا يناسب إلا القلوب الطيبة، كذا في الفتح "فسقاه فبرأ" بفتح الراء والهمز بوزن قرأ وهي لغة أهل الحجاز وغيرهم يقولها بكسر الراء بوزن علم، وقد قع في رواية أبي الصديق الناجي في آخره: فسقاه فعافاه الله، ذكره الحافظ.

(6/258)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وغيرهما

(6/259)


31-باب
2165 ـ حَدّثنا محمدُ بنُ المُثَنّى، حدثنا محمدُ بنُ جَعْفَرٍ، حدثنا شُعْبَةُ عن يَزِيدَ بنُ خَالِدٍ قالَ: سَمِعْتُ المِنْهَالَ بنَ عَمْرٍو يُحَدّثُ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبّاسٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أَنّهُ قالَ: "مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَعُودُ مَرِيضاً لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ فَيَقُولُ سَبْعَ مَرّاتٍ: أَسْأَلُ الله العَظِيمَ رَبّ الْعَرْشِ العَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ إِلاّ عُوفِيَ" .
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. لا نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ حَدِيثِ المِنْهَالِ بنِ عَمْرٍو.
ـــــــ
" باب"
قوله: "عن يزيد أبي خالد" قال في التقريب: أبو خالد الدالاني الأسدي الكوفي اسمه يزيد بن عبد الرحمن صدوق يخطئ كثيراً. وكان يدلس من السابعة انتهى. وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته: روى عن المنهال بن عمرو وغيره، وعنه شعبة وغيره ووقع في النسخة الأحمدية: يزيد بن خالد وهو غلط "سمعت المنهال ابن عمرو" الأسدي مولاهم الكوفي، صدوق، ربما وهم من الخامسة.
قوله: "ما من عبد مسلم" ما للنفي ومن زائدة "يعود مريضاً" وفي المشكاة: ما من مسلم يعود مسلماً أي يزوره في مرضه "لم يحضر أجله" صفة مريض "فيقول" أي العائد "أسأل الله العظيم" أي في ذاته وصفاته "أن يشفيك" بفتح أوله مفعول ثان "إلا عوفي" وفي رواية أبي داود إلا عافاه من ذلك المرض. والحصر غالبي أو مبني على شروط لا بد من تحققها.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين

(6/259)


32 ـ باب
2166 ـ حَدّثنا أَحمدُ بنُ سَعِيدٍ الأَشْقَرُ المرابطيّ، حدثنا رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ، حدثنا مَرْزُوقٌ أَبُو عَبْدِ الله الشّامِيّ، حدثنا سَعِيدٌ ـ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشّامِ ـ أخبرنا ثَوْبَانُ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "إِذَا أَصَابَ أَحَدَكُمْ الْحُمّى، فَإِنّ الْحُمّى قِطْعَةٌ مِنَ النّارِ، فَلْيُطفِئُهَا عَنْهُ بالمَاءِ فَلْيَسْتَنْقِعْ في نَهْرٍ جَارٍ فَلْيَسْتَقْبِلْ جِرْيَتَهُ فَيَقُولُ:
بِسْمِ الله الّلهُمّ اشْفِ عَبْدَكَ وَصَدّقْ رَسُولَكَ بَعْدَ صَلاَةِ الصّبْحِ، وَقَبْلَ
ـــــــ
"باب"
قوله: "حدثنا مرزوق أبو عبد الله الشامي" قال في التقريب: مرزوق أبو عبد الله الحمصي تزل البصرة لابأس به من السادسة "حدثنا سعيد ـ رجل من أهل الشام" قال الحافظ في التقريب: سعيد بن زرعة الحمصي الجرار بالجيم ومهملتين، الخزاف بمعجمة وزاي مستور من الثالثة انتهى. وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته: روى عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعنه مرزوق أبو عبد الله الشامي والحسن بن همام. قال أبو حاتم: مجهول، وذكره ابن حبان في الثقات، له في الترمذي حديث واحد في استقبال الجرية للحمى انتهى.
قوله: "إذا اصاب أحدكم الحمى" أي أخذته "فإن الحمى قطعة من النار" أي لشدة ما يلقى المريض فيها من الحرارة الظاهرة والباطنة. وقال الطيبي: جواب إذا فليعلم إنها كذلك "فليطفها" كذا في النسخ الموجودة بحذف الهمزة، والظاهر أن يكون فليطفئها بإثبات الهمزة، وكذلك في المشكاة. وكذا في مسند أحمد "عنه بالماء" أي البارد، قال: ويحتمل أن يكون الجواب فليطفئها، وقوله: فإن الحمى معترضة "فليستنقع في نهر جار" بيان للإطفاء. قال في القاموس: استنقع في الغدير نزل واغتسل كأنه ثبت فيه ليتبرد انتهى "فليستقبل جريته" بكسر الجيم، قال الطيبي: يقال ما أشد جرية هذا الماء بالكسر "فيقول" أي حال الاستقبال "وصدق رسولك" أي اجعل قوله هذا صادقاً بأن تشفيني، ذكره

(6/260)


طُلُوعِ الشّمْسِ، فَلْيَغْمِسْ فِيِه ثَلاَثَ غَمْسَاتٍ ثَلاَثَةَ أَيّامٍ، فَإِنْ لَمْ يَبْرأْ في ثَلاَثٍ فَخَمْسٌ، فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ في خَمْسٍ فَسَبْعٌ، فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ في سَبْعٍ، فَتِسْعٌ، فَإِنّهَا لا تَكَادُ تُجَاوِزُ تِسْعَاً بِإِذْنِ الله" .
هذا حديثٌ غريبٌ.
ـــــــ
الطيبي "بعد صلاة الصبح" ظرف ليستنقع وكذا قوله "قبل طلوع الشمس وليغمس" بفتح الياء وكسر الميم "فيه" أي في النهر أو في مائه "ثلاث غمسات" بفتحتين "ثلاثة أيام" قال الطيبي: قوله وليغمس بيان لقوله فليستنقع جيء به لتعلق المرات "فإن لم يبرأ" بفتح الراء "في ثلاث" أي ثلاث غمسات، أو في ثلاثة أيام "فخمس" بالرفع. قال الطيبي: أي فالأيام التي ينبغي أن ينغمس فيها خمس أو فالمرات انتهى "فسبع" بالرفع كما تقدم آنفاً "فتسع" كذلك "فإنها" أي الحمى "لا تكاد" أي تقرب "تجاوز تسعاً" أي بعد هذا العمل "بإذن الله" أي إرادته أو بأمره لها بالذهاب وعدم العود. وقد تقدم الكلام فيما يتعلق بعلاج الحمى بالماء البارد في باب تبريد الحمى بالماء.
قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه أحمد وابن أبي الدنيا وابن السني وأبو نعيم كذا في المرقاة

(6/261)


33ـ باب التّدَاوِي بِالرّمَاد
2107 ـ حَدّثنا ابنُ أَبِي عُمَر، حدثنا سُفْيَانُ عن أَبِي حَازِمٍ، قالَ: "سُئِلَ سَهْلُ بنُ سَعْدٍ وَأَنَا أَسْمَعُ: بِأَيّ شَيْءٍ دُووِيَ جُرْحُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالَ: مَا بَقِيَ أَحَدٌ أَعْلَمُ بِهِ مِنّي: كَانَ عَلِيّ يأْتِي بالمَاءِ في تُرْسِهِ وفَاطِمَةُ تَغْسِلُ عَنْهُ الدّمَ، وَأُحْرِقَ لَهُ حَصِيرُ فَحُشِيَ بِهِ جُرْحُهُ".
ـــــــ
" باب التّدَاوِي بِالرّمَاد"
سقط هذا الباب من بعض النسخ
قوله: "عن أبي حازم" اسمه سلمة بن دينار.
قوله: "دووي" بصيغة المجهول من المداوة "فخشى" بصيغة المجهول من باب نصر "به جرحه" أي أدخل في جرحه. والحديث رواه الترمذي هكذا

(6/261)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
مختصراً وروى البخاري في كتاب الجهاد عن أبي حازم أنه سمع سهل بن سعد وهو يسأل عن جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أما والله إني لأعرف من كان يغسل جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن كان يسكب الماء وبما دووي، قال: كانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم: تغسله وعلي يسكب الماء بالمجن، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة من حصير فأحرقتها فألصقتها فاستمسك الدم، وكسرت رباعيته يومئذ وجرح وجهه وكسرت البيضة على رأسه، قال ابن بطال: قد زعم أهل الطب أن الحصير كلها إذا أحرقت تبطل زيادة الدم بل الرماد كله كذلك لأن الرماد من شأنه القيض، ولهذا ترجم الترمذي لهذا الحديث التداوي بالرماد. وقال المهلب: فيه أن قطع الدم بالرماد كان معلوماً عندهم لا سيما إن كان الحصير من دبس السعد فهي معلومة بالقبض وطيب الرائحة، فالقبض يسد أفواه الجرح. وطيب الرائحة يذهب بزهم الدم، وأما غسل الدم أولاً فينبغي أن يكون إذا كان الجرح غير غائر، وأما لو كان غائراً فلا يؤمن معه ضرر الماء إذا صب فيه وقال الموفق عبد اللطيف: الرماد فيه تجفيف، وقلة لذع. والمجفف إذا كان فيه قوة لذع ربما هيج الدم وجلب الورم. ووقع عند ابن ماجة من وجه آخر عن سهل بن سعد أحرقت له حين لم يرقأ قطعة حصير خلق فوضعت رماده عليه فرقئ الكلم.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وغيرهما

(6/262)


34-باب
2108 ـ حَدّثنا عَبْدُ الله بنُ سَعِيدٍ الأشَجّ، حدثنا عُقْبَةُ بنُ خَالِدٍ
ـــــــ
"باب"
سقط لفظ الباب من بعض النسخ.

(6/262)


السّكُولِيّ، عن مُوسَى بنِ محمدِ بنِ إِبْراهيمَ التّيْمِيّ، عن أَبِيِه عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قالَ: "قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: إِذَا دَخَلْتُمْ على المَرِيضِ فَنَفّسُوا لَهُ في أَجلِهِ فإِنّ ذَلِكَ لا يَرُدّ شيئاً وَيُطَيّبُ نَفْسَهُ" .
هذا حديثٌ غريبٌ.
ـــــــ
قوله: "عن موسى بن محمد بن إبراهيم" بن الحارث التميمي المدني منكر الحديث من السادسة.
قوله: "إذا دخلتم على المريض" أي لعيادته "فنفسوا له في أجله" أي أذهبوا لحزنه فيما يتعلق بأجله بأن تقولوا لابأس طهور، أو يطول الله عمرك ويشفيك ويعافيك، أو وسعوا له في أجله فيتنفس عنه الكرب، والتنفيس التفريج. وقال الطيبي: أي طمعوه في طول عمره واللام للتأكيد. وقال في اللمعات: التنفيس التفريج أي فرجوا له وأذهبوا كربه فيما يتعلق بأجله بأن تدعوا له بطول العمر وذهاب المرض، وأن تقولوا لابأس ولا تخف سيشفيك الله وليس مرضك صعباً وما أشبه ذلك، فإنه وإن لم يرد شيئاً من الموت المقدر ولا يطول عمره لكن يطيب نفسه ويفرجه، ويصير ذلك سبباً لانتعاش طبيعته وتقويتها ويضعف المرض انتهى "فإن ذلك" أي تنفيسكم له "لا يرد شيئاً" أي من القضاء والقدر "ويطيب" بالتشديد "نفسه" بالنصب على المفعولية، يعني لابأس عليكم بتنفيسكم له فإن ذلك التنفيس لا أثر له إلا في تطييب نفسه فلا يضركم ذلك، ومن ثم عدوا من آداب العيادة تشجيع العليل بلطيف المقال وحسن الحال.
قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه ابن ماجة، وفي سنده موسى بن محمد بن إبراهيم وهو منكر الحديث كما عرفت

(6/263)