Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي

المجلد السابع
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
باب ما جاء في الزهادة في الدنيا
...
21-باب مَا جَاءَ في الزّهَادَةِ في الدّنْيَا
2443-حدثنا عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الرحمَنِ، أخبرنا محمدُ بنُ المُبَارَكِ، أخبرنا عَمْرو بنُ وَاقِدٍ، أخبرنا يُونُسُ بنُ حَلْبَسَ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلاَنِي، عن أَبِي ذَرٍ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "الزّهَادَةُ فِي الدّنْيَا لَيْسَتْ بِتَحْرِيمِ الْحَلاَلِ وَلاَ إِضَاعَةِ المَالِ وَلَكِنْ الزّهَادَةَ في الدُنْيَا أَنْ لاَ تَكُونَ
__________
"باب مَا جَاءَ في الزّهَادَةِ في الدّنْيَا"
قوله: "حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن" هو الدارمي "أخبرنا محمد بن المبارك" الصوري نزيل دمشق القلانسي القرشي ثقة من كبار العاشرة "أخبرنا عمرو بن واقد" الدمشقي أبو حفص مولى قريش متروك من السادسة "أخبرنا يونس بن حلبس" هو ابن ميسرة قال في التقريب يونس بن ميسرة بن حلبس بفتح المهملة والموحدة بينهما لام ساكنة وآخره مهملة وزن جعفر وقد ينسب لجده ثقة عابد معمر من الثالثة انتهى.
قوله : "الزهادة في الدنيا" بفتح الزاي أي ترك الرغبة فيها "ليست بتحريم الحلال" كما يفعله بعض الجهلة زعماً منهم أن هذا من الكمال فيمتنع من أكل اللحم والحلواء والفواكه ولبس الثوب الجديد ومن الزواج ونحو ذلك وقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم فعل هذه الأفعال، ولا أكمل من حالة الكمال "ولا إضاعة المال" أي بتضييعه وصرفه في غير محله بأن يرميه في

(7/3)


بِمَا فِي يَدَيْكَ أَوْثقَ مِمّا فِي يَدِ الله، وَأَنْ تَكُونَ فِي ثَوَابِ المُصِيبَةِ إِذَا أَنْتَ أُصِبْتَ بِهَا أَرْغَبُ فِيهَا لَوْ أَنّهَا أُبْقِيَتْ لَكَ" .
هذا حديثٌ غريبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ هَذَا الوَجْهِ. وَأَبُو إِدْرِيسَ الخَوْلاَنِيّ اسْمُهُ عَائِذُ الله بنُ عَبْدِ الله وَعَمْرِو بنُ وَاقِدٍ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ.
2444-حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصّمَدِ بنُ عَبْدِ الوَارِثِ،
__________
بحر أو يعطيه للناس من غير تمييز بين غني وفقير "ولكن الزهادة" أي المعتبرة الكاملة "في الدنيا" أي في شأنها "أن لا تكون بما في يديك" من الأموال أو من الصنائع والأعمال "أوثق" أي أرجى منك "مما في يد الله" وفي رواية ابن ماجه أوثق منك بما في يد الله أي بخزائنه الظاهرة والباطنة، وفيه نوع من المشاكلة. والمعنى ليكن إعماد له بوعد الله لك من إيصال الرزق إليك ومن إنعامه عليك من حيث لا تحتسب، ومن وجه لا تكتسب، أقوى وأشد مما في يديك من الجاه والكمال والعقار وأنواع الصنائع، فإن ما في يديك يمكن تلفه وفناؤه بخلاف ما في خزائنه فإنه محقق بقاؤه كما قال تعالى: { مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ} "وأن تكون" عطف على أن لا تكون "إذ أنت أصبت بها" بصيغة المجهول "أرغب فيها" أي في حصول المصيبة "لو أنها" أي لو فرض أن تلك المصيبة "أبقيت لك" أي منعت لأجلك وأخرت عنك فوضع أبقيت موضع لم تصب وجواب لو ما دل عليه ما قبلها. وخلاصته أن تكون رغبتك في وجود المصيبة لأجل ثوابها أكثر من رغبتك في عدمها فهذان الأمران شاهدان عدلان على زهدك في الدنيا وميلك في العقبى قاله القاري. وقال الطيبي: لو أنها أبقيت لك حال من فاعل أرغب وجواب لو محذوف وإذا ظرف. والمعنى أن تكون في حال المصيبة وقت إصابتها أرغب من نفسك في المصيبة حال كونك غير مصاب بها، لأنك تثاب بها إليك ويفوتك الثواب إذا لم تصل إليك.
قوله : "هذا حديث غريب" وأخرجه ابن ماجه.

(7/4)


أخبرنا حُرَيثُ بنُ السّائِبِ، قَالَ سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ حدثني حُمْرَانُ بنُ أَبَانَ، عَنْ عُثْمَانَ بنِ عَفّانَ عَنْ النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لَيْسَ لابنِ آدَمَ حَقٌ فِي سِوَى هذِهِ الخِصَالِ: بَيْتٍ يَسْكُنُهُ، وَ ثَوْبٍ يُوَارِي عَوْرَتَهُ، وَجِلْفِ الْخُبْزِ وَالْمَاءِ" .
__________
قوله : "أخبرنا حريث بن السائب" التميمي، وقيل الهلالي البصري المؤذن صدوق يخطئ من السابعة "سمعت الحسن" هو البصري رحمه الله "حدثني حمران" بمضمومة وسكون ميم وبراء مهملة "بن أبان" مولى عثمان بن عفان اشتراه في زمن أبي بكر الصديق ثقة من الثانية.
قوله : "ليس لابن آدم حق" أي حاجة "في سوى هذه الخصال" قال الطيبي رحمه الله: موصوف سوى محذوف أي في شيء سوى هذه الخ والمراد بها ضروريات بدنه المعين على دينه "بيت" بالجر ويجوز الرفع، وكذا فيما بعده من الخصال المبينة "يسكنه" أي محل يأوى إليه رفعاً للحر والبرد "وثوب يواري عورته" أي يسترها عن أعين الناس "وجلف الخبز" بكسر جيم وسكون لام ويفتح. ففي النهاية الجلف الخبز وحده لا أدم معه. وقيل الخبز الغليظ اليابس، ويروى بفتح اللام جمع جلفة وهي الكسرة من الخبز، وقال الهروي الجلف ههنا الظرف مثل الخرج والجوالق يريد ما يترك فيه الخبز انتهى. وفي الغريبين: قال شمر عن ابن الأعرابي الجلف الظرف مثل الخرج والجوالق. قال القاضي رحمه الله: ذكر الظرف وأراد به المظروف أي كسرة خبز وشربة ماء انتهى. والمقصود غاية القناعة ونهاية الكفاية "والماء" قال القاري رحمه الله: بالجر عطفاً على الجلف أو الخبز وهو الظاهر المفهوم من كلام الشراح. وفي بعض النسخ يعني من المشكاة بالرفع بناء على أنه إحدى الخصال، قيل أراد بالحق ما وجب له من الله من غير تبعة في الاَخرة وسؤال عنه، وإذا اكتفى بذلك من الحلال لم يسأل عنه لأنه من الحقوق التي لا بد للنفس منها. وأما ما سواه من الحظوظ يسأل عنه ويطالب بشكره. وقال القاضي رحمه الله: أراد بالحق ما يستحقه الإنسان لافتقاره إليه

(7/5)


هذا حديثٌ صحيحٌ وَهُوَ حدِيثُ حُرَيثِ بنِ السّائِبِ. وَسَمِعْتُ أَبَا دَاوْدُ سُلَيْمَانَ بنَ سَلْمٍ البَلْخِيّ يَقُولُ، قَالَ النّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ: جِلْفُ الْخُبْزِ يَعْنِي لَيْسَ مَعَهُ إِدَامٌ.
2445-حدثنا مَحْمُودُ بنُ غَيْلاَنَ، أخبرنا وَهْبُ بنُ جَرِيرٍ، أخبرنا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْ مُطَرّفٍ، عن أَبِيِه أَنّهُ انْتَهَى إِلَى النبيّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَقُولُ: "أَلْهَا كُمُ التّكَاثُرُ. قَالَ: يَقُولُ ابنُ آدَمَ مَالِي مَالِي، وَهَلْ لَكَ مِنْ مَالِكَ إِلاّ ما تَصَدّقْتَ فأَمضَيْتَ أَوْ أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ" .
__________
وتوقف تعيشه عليه، وما هو المقصود الحقيقي من المال. وقيل أراد به ما لم يكن له تبعة حساب إذا كان مكتسباً من وجه حلال انتهى.
قوله : "هذا حديث صحيح" وأخرجه الحاكم في مستدركه قال المناوي إسناده صحيح.
قوله : "عن مطرف" بن عبد الله بن الشخير العامري الجرشي البصري ثقة عابد فاضل من الثانية "عن أبيه" أي عبد الله بن الشخير بن عوف العامري صحابي من مسلمة الفتح.
قوله : "انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم" أي وصل إليه "وهو" أي النبي صلى الله عليه وسلم "ألهاكم التكاثر" أي أشغلكم طلب كثرة المال "قال" أي النبي صلى الله عليه وسلم "مالي مالي" أي يغتر بنسبة المال إلى نفسه تارة، ويفتخر به أخرى "وهل لك من مالك" أي هل يحصل لك من المال وينفعك في المال "إلا ما تصدقت فأمضيت" أي فأمضيته وأبقيته لنفسك يوم الجزاء قال تعالى: { مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ} وقال عز وجل: { مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ} . "أو أكلت" أي استعملت من جنس المأكولات والمشروبات ففيه تغليب أو اكتفاء "فأفنيت" أي فأعدمتها "أو لبست" من الثياب "فأبليت" أي فأخلقتها.

(7/6)


هذا حديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
2446-حدثنا محمد بن بشار أْخْبَرَنَا عُمَرُ بنُ يُونَسَ هو اليمامي، أَخْبَرَنَا عِكْرِمَةُ بنُ عَمّارٍ، أخبرنا شَدّادُ بنُ عَبْدِ الله، قَالَ سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يَا ابنَ آدَمَ إِنّكَ إِنْ تَبْذُلِ الفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ، وَإِنْ تُمْسِكْهُ شَرٌ لَكَ، وَلاَ تُلاَمُ عَلَى كَفَافٍ وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَاليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ
__________
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم في الزهد.
قوله : "أخبرنا عمر بن يونس" بن القاسم الخفي أبو حفص اليمامي الجرشي ثقة من التاسعة "أخبرنا عكرمة بن عمار" العجلي أبو عمار اليمامي أصله من البصرة صدوق يغلط. وفي روايته عن يحيى بن كثير اضطراب، ولم يكن له كتاب من الخامسة "أخبرنا شداد بن عبد الله" القرشي أبو عمار الدمشقي ثقة يرسل من الرابعة.
قوله : "إنك إن تبذل الفضل" أي إنفاق الزيادة على قدر الحاجة والكفاف فإن مصدرية مع مدخولها مبتدأ خبره "خير لك" أي في الدنيا والأخرى "وإن تمسكه" أي ذلك الفضل وتمنعه. قال النووي قوله صلى الله عليه وسلم: إنك أن تبذل الفضل خير لك، وإن تمسكه شر لك، هو بفتح همزة أن معناه أن بذلت الفاضل عن حاجتك وحاجة عيالك فهو خير لك لبقاء ثوابه، وإن أمسكته فهو شر لك لأنه إن أمسك عن الواجب استحق العقاب عليه وإن أمسك عن المندوب فقد نقص ثوابه وفوت مصلحة نفسه في آخرته وهذا كله شر انتهى "ولا تلام على كفاف" بالفتح وهو من الرزق القوت وهو ما كف عن الناس وأغنى عنهم. والمعنى لا تذم على حفظه وإمساكه أو على تحصيله وكسبه ومفهومه إنك إن حفظت أكثر من ذلك ولم تتصدق بما فضل عنك فأنت مذموم وبخيل وملوم، قاله القاري. وقال النووي: معنى لا تلام على كفاف أن قدر الحاجة لا لوم على صاحبه وهذا إذا لم يتوجه في الكفاف حق شرعي كمن كان له نصاب زكوي ووجبت الزكاة بشروطها وهو محتاج إلى ذلك النصاب لكفافه وجب عليه إخراج الزكاة ويحصل كفايته من جهة مباحة انتهى. "وابدأ" أي ابتدئ في إعطاء الزائد على

(7/7)


السّفْلَى". هذا حديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَشَدّادُ بنُ عَبْدِ الله يُكْنَى أَبَا عَمّارٍ.
2447-حدثنا عَلِيّ بنُ سَعِيدٍ الكِنْدِيّ، حدثنا ابنُ المُبَارَكِ، عَنْ حَيْوَةَ بنِ شُرَيْحٍ، عَنْ بَكْرِ بنِ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الله بنِ هُبَيْرَةَ، عَنْ أَبِي تَمِيم الْجَيْشَانِيّ، عَنْ عُمَرَ بنِ الْخَطّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَوْ أَنّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكّلُونَ عَلَى الله حَقّ تَوَكّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا تُرْزَقُ الطّيْرُ تَغْدُو خِمَاصاً وَتَرُوحُ بِطَاناً" .
__________
قدر الكفاف "بمن تعول" أي بمن تمونه ويلزمك نفقته. قال النووي فيه تقديم نفقة نفسه وعياله لأنها منحصرة فيه بخلاف نفقة غيرهم. وفيه الابتداء بالأهم فالأهم في الأمور الشرعية "اليد العليا" أي النفقة "خير من اليد السفلى" أي السائلة.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم في الزكاة.
قوله : "حدثنا علي بن سعيد" بن مسروق الكندي الكوفي صدوق من العاشرة "عن بكر بن عمرو" المعافري المصري إمام جامعها، صدوق عابد من السادسة "عن عبد الله بن هبيرة" بضم الهاء وفتح الموحدة مصغراً ابن أسعد السبائى بفتح المهملة والموحدة ثم همزة مقصورة، الحضرمي كنيته أبو هبيرة المصري ثقة من الثالثة "عن أبي تميم الجيشاني" قال في التقريب: عبد الله بن مالك بن أبي الأسحم بمهملتين أبو تميم الجيشاني بجيم وياء ساكنة بعدها معجمة مشهورة بكنيته المصري ثقة مخضرم من الثالثة.
قوله : "لو انكم كنتم توكلون" بحذف إحدى التاءين للتخفيف أي تعتمدون "حق توكله" بأن تعلموا يقيناً أن لا فاعل إلا الله، وأن لا معطي ولا مانع إلا هو ثم تسعون في الطلب بوجه جميل وتوكل "لرزقتم كما ترزق الطير" بمثناة فوقية مضمومة أوله "تغدو" أي تذهب أول النهار "خماصاً" بكسر الخاء المعجمة جمع خميص أي جياعاً "وتروح" أي ترجع آخر النهار "بطاناً" بكسر

(7/8)


هذا حديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ هَذَا الوَجْهِ. وَأَبُو تَمِيمٍ الْجَيْشَانِيّ اسْمُهُ عَبْدُ الله بنُ مَالِكٍ.
2448-حدثنا محمدُ بنُ بَشّارِ، حدثنا أَبُو دَاوُدَ الطّيالِسيّ، حدثنا حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ بنِ مَالِكٍ قَالَ: كَان أَخَوَانِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَكَانَ أَحَدُهُمَا يَأْتِي النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَالاََخَرُ
ـــــــ
الموحدة جمع بطين، وهو عظيم البطن والمراد شباعاً. قال المناوي أي تغدو بكرة وهي جياع وتروح عشاء وهي ممتلئه الأجواف، فالكسب ليس برازق بل الرازق هو الله تعالى فأشار بذلك إلى أن التوكل ليس التبطل والتعطل، بل لا بد فيه من التوصل بنوع من السبب لأن الطير ترزق بالسعي والطلب، ولهذا قال أحمد: ليس في الحديث ما يدل على ترك الكسب بل فيه ما يدل على طلب الرزق، وإنما أراد لو توكلوا على الله في ذهابهم ومجيئهم وتصرفهم وعلموا أن الخير بيده لم ينصرفوا إلا غانمين سالمين كالطير. لكن اعتمدوا على قوتهم وكسبهم وذلك لا ينافي التوكل انتهى. وقال الشيخ أبو حامد: وقد يظن أن معنى التوكل ترك الكسب بالبدن وترك التدبير بالقلب والسقوط على الأرض كالخرقة الملقاة أو كلحم على وضم، وهذا ظن الجهال، فإن ذلك حرام في الشرع، والشرع قد أثنى على المتوكلين فكيف ينال مقام من مقامات الدين محظور من محظورات الدين، بل نكشف عن الحق فيه فنقول: إنما يظهر تأثير التوكل في حركة العبد وسعيه بعمله إلى مقاصده. وقال الإمام أبو القاسم القشيري: اعلم أن التوكل محله القلب، وأما الحركة بالظاهر فلا تنافي التوكل بالقلب بعدما يحقق العبد أن الرزق من قبل الله تعالى، فإن تعسر شيء فبتقديره وإن تيسر شيء فبتيسيره.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والنسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم.
قوله : "كان أخوان" أي اثنان من الإخوان "على عهد رسول الله صلى الله

(7/9)


يَحْتَرِفُ، فَشَكَا المُحْتَرِفُ أَخَاهُ إِلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: "لَعَلّكَ تُرْزَقُ بِهِ" .
هذا حديث حسن صحيح.
2449-حدثنا عَمْرُو بنُ مَالِكٍ، وَ مَحْمُودُ بنُ خِدَاشٍ البَغْدَادِيّ، قَالاَ: أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ بنُ مُعَاوِيَةَ، أَخْبَرنَا عَبْدُ الرحمنِ بنُ أَبي شُمَيْلَةَ الأَنْصَارِيّ عَنْ سَلَمَةَ بنِ عُبَيْدِ الله بنِ مِحْصَنٍ الْخَطْمِيّ، عن أَبِيهِ وَكَانَتْ لَهُ صُحبةٌ قَالَ:
__________
عليه وسلم" أي في زمنه فكان أحدهما يأتي النبي صلى الله عليه وسلم أي لطلب العلم والمعرفة "والاَخر يحترف" أي يكتسب أسباب المعيشة فكأنهما كانا يأكلان معاً "فشكا المحترف" أي في عدم مساعدة أخيه إياه في حرفته وفي كسب آخر لمعيشته فقال "لعلك ترزق به" بصيغة المجهول أي أرجو وأخاف أنك مرزوق ببركته لأنه مرزوق بحرفتك فلا تمنن عليه بصنعتك. قال الطيبي: ومعنى لعل فيقوله: لعلك يجوز أن يرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيفيد القطع والتوبيخ كما ورد فهل ترزقون إلا بضعفائكم وأن يرجع المخاطب ليبعثه على التفكر والتأمل فينتصف من نفسه، انتهى. وحديث أنس هذا ذكره صاحب المشكاة. وقال رواه الترمذي وقال هذا حديث صحيح غريب انتهى. وليس قول الترمذي هذا في النسخ الحاضرة عندنا. وأخرجه أيضاً الحاكم.
قوله : "حدثنا عمرو بن مالك" الراسبي أبو عثمان البصري ضعيف من العاشرة "ومحمود بن خداش البغدادي" قال في التقريب محمود بن خداش بكسر المعجمة ثم مهملة خفيفة وآخره معجمة الطالقاني نزيل بغداد صدوق من العاشرة "حدثنا عبد الرحمن بن أبي سميلة" بمعجمة مصغراً الأنصاري المدني القبائي بضم القاف وتخفيف الموحدة. ممدود مقبول من السابعة "عن سلمة بن عبيد الله بن محصن" بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الصاد المهملتين. قال الحافظ في التقريب: سلمة بن عبد الله ويقال ابن عبيد الله بن محصن الأنصاري الخطمي المدني مجهول من الرابعة. وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته: روى عن أبيه ويقال له صحبة. وروى عنه عبد الرحمن بن أبي شميلة الأنصاري ذكره ابن حبان في الثقات له في السنن حديث

(7/10)


قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِناً في سِرْبِه مُعَافًى في جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنّمَا حِيْزَتْ لَهُ الدّنْيَا" .
__________
واحد: من أصبح منكم آمناً في سربه الحديث. قال وقال أحمد: لا أعرفه. وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه انتهى. "عن أبيه" أي عبيد الله بن محصن قال في التقريب عبد الله بن محصن الأنصاري يقال عبيد الله بالتصغير ورجح، مختلف في صحبته له حديث انتهى. "وكانت له صحبة" قال في تهذيب التهذيب في ترجمته: قال ابن عبد البر أكثرهم يصحح صحبته. وقال أبو نعيم: أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ورآه. وذكره البخاري وغير واحد فيمن اسمه عبيد الله يعني مصغراً انتهى.
قوله : "من أصبح منكم" أي أيها المؤمنون "آمناً" أي غير خائف من عدو "في سربه" المشهور كسر السين أي في نفسه، وقيل السرب الجماعة، فالمعنى في أهله وعياله، وقيل بفتح السين أي في مسلكه وطريقه، وقيل بفتحتين أي في بيته. كذا ذكره القاري عن بعض الشراح. وقال التوربشتي رح أبي بعضهم إلا السرب بفتح السين والراء أي في بيته ولم يذكر فيه رواية: ولو سلم لهقوله أن يطلق السرب على كل بيت كانقوله هذا حرباً بأن يكون أقوى الأقاويل إلا أن السرب يقال للبيت الذي هو في الأرض. وفي القاموس: السرب الطريق وبالكسر الطريق والبال والقلب والنفس والجماعة، وبالتحريك جحر الوحشي والحفير تحت الأرض انتهى. فيكون المراد من الحديث المبالغة في حصول الأمن ولو في بيت تحت الأرض ضيق كجحر الوحش أو التشبيه به في خفائه وعدم ضياعه "معافى" اسم مفعول من باب المفاعلة أي صحيحاً سالماً من العلل والأسقام "في جسده" أي بدنه ظاهراً وباطناً "عنده قوت يومه" أي كفاية قوته من وجه الحلال "فكأنما حيزت" بصيغة المجهول من الحيازة وهي الجمع والضم "له" الضمير عائد لمن رابط للجملة أي جمعت له "الدنيا" وزاد في المشكاة بحذافيرها. قال القاري أي بتمامها والحذافير الجوانب، وقيل الأعالي واحدها حذفار أو حذفور. والمعنى فكأنما أعطى الدنيا بأسرها انتهى.

(7/11)


هذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ حَدِيثِ مَرْوَانَ بنِ مُعَاوِيَةَ. حيزَتْ: جُمِعَتْ.
2450-حدثنا بذلك محمدُ بنُ إِسْمَاعيِلَ، أَخْبَرَنَا الْحُمَيْدِيّ، أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ بنُ مُعَاوِيَةَ نَحْوَهُ.
__________
قوله : "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه البخاري في الأدب المفرد وابن ماجه.
قوله : "حدثنا محمد بن إسماعيل" هو الإمام البخاري رح "أخبرنا الحميدي" هو عبد الله بن الزبير بن عيسى القرشي المكي أبو بكر ثقة حافظ فقيه أجل أصحاب ابن عيينة من العاشرة. قال الحاكم: كان البخاري إذا وجد الحديث عند الحميدي لا يعدوه إلى غيره كذا في التقريب.

(7/12)


22 -باب مَا جَاءَ في الكَفَافِ والصّبْرِ عَلَيْه
2451 أخبرنا سُوَيْدُ بنُ نَصْرِ، أخبرنا عَبْدُ الله بنُ المُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بنِ أَيّوبَ، عن عُبَيْدٍ اللّهِ بنِ زَحْرٍ، عَنْ عَلِيّ بنِ يَزِيدَ، عَنْ الْقَاسِمِ أَبي عَبْدِ الرحمنِ، عَنْ أَبي أُمَامَةَ، عَنْ النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِنّ أَغْبَطَ أَوْلِيَائِي عِنْدِي لَمُؤْمِنٌ خَفِيفُ الْحَاذِ ذُو حَظٍ مِنَ الصّلاَةِ، أَحْسَنَ عِبَادَةَ.
__________
"باب مَا جَاءَ في الكَفَافِ والصّبْرِ عَلَيْه"
قال في النهاية: الكفاف هو الذي لا يفضل عن الشيء ويكون بقدر الحاجة إليه
قوله : "عن يحيى بن أيوب" هو الغافقي "عن عبيد الله بن زحر" بفتح الراء وسكون المهملة الضمري مولاهم الإفربقي صدوق يخطئ من السادسة.
قوله : "إن أغبط أوليائي" أفعل تفضيل بني للمفعول لأن المغبوط به حاله أي أحسنهم حالا وأفضلهم مالا "عندي" أي في اعتقادي "لمؤمن" اللام زائدة.

(7/12)


رَبّهِ وَأَطَاعَهُ فِي السّرّ وَكَانَ غَامِضاً فِي النّاسِ لا يُشَارُ إِلَيْهِ بالاصَابِعِ، وَكَانَ رِزْقُهُ كَفَافاً فَصَبرَ عَلَى ذَلِكَ. ثم نَقَرَ بإصْبَعَيْهِ فَقَالَ: عُجّلْتْ مَنِيّتُهُ قَلّتْ بَوَاكِيهِ
__________
في خبر المبتدأ للتأكيد أو هي للابتداء أو المبتدأ محذوف أي لهو مؤمن "خفيف الحاذ" بتخفيف الذال المعجمة أي خفيف الحال الذي يكون قليل المال وخفيف الظهر من العيال. قال الجزري في النهاية: الحاذ والحال واحد وأصل الحاذ طريقة المتن وهو ما يقع عليه اللبد من ظهر الفرس أي خفيف الظهر من العيال انتهى. ومجمل المعنى: أحق أحبائي وأنصاري عندي بأن يغبط ويتمنى حاله مؤمن بهذه الصفة "ذو حظ من الصلاة" أي ومع هذا هو صاحب لذة وراحة من المناجاة مع الله والمراقبة واستغراق في المشاهدة، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "قرة عيني في الصلاة". "وأرحنا بها يا بلال" قاله القاري "أحسن عبادة ربه" تعميم بعد تخصيص والمراد إجادتها على الإخلاص "وأطاعه في السر" أي كما أطاعه في العلانية فهو من باب الاكتفاء والتخصيص لما فيه من الاعتناء قاله القاري. وجعله الطيبي عطف تفسير على أحسن وكذا المناوي "وكان غامضاً" أي خاملاً خافياً غير مشهور "في الناس" أي فيما بينهم "لا يشار إليه بالأصابع" بيان وتقرير لمعنى الغموض "وكان رزقه كفافاً" أي بقدر الكفاية لا أزيد ولا أنقص "فصبر على ذلك" أي على الرزق الكفاف أو على الخمول والغموض، أو على ما ذكر دلالة على أن ملاك الأمر الصبر وبه يتقوى على الطاعة قال تعالى {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ} وقال {أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا} "ثم نقر بيديه" بفتح النون والقاف وبالراء. ووقع في المشكاة نقد بالدال المهملة بدل الراء، قال في المجمع: ثم نقد بيده بالدال من نقدته بأصبعي واحداً بعد واحد وهو كالنقر بالراء ويروي به أيضاً والمراد ضرب الأنملة على الأنملة أو على الأرض كالمتقلل للشيء أي يقلل عمره وعدد بواكيه ومبلغ تراثه. وقيل هو فعل المتعجب من الشيء. وقيل للتنبيه على أن ما بعده مما يهتم به "عجلت" بصيغة المجهول من التعجيل "منيته" أي موته قال في المجمع: أي يسلم روحه سريعاً لقلة تعلقه بالدنيا وغلبة شوقه إلى الاَخرة. أو أراد أنه قليل مؤن الممات كما كان قليل مؤن الحياة، أو كان قبض روحه سريعاً

(7/13)


قَلّ تُرَاثُهُ" . وَبِهَذَا الإِسْنَادِ عَنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "عَرَضَ عَلَيّ رَبّي لِيَجْعَلَ لِي بَطْحَاءَ مَكّةَ ذَهَباً. قلت: لاَ يَا رَبّ، وَلَكِنْ أشْبَعُ يَوْماً وَأَجُوعُ يَوْماً، أَوْ قَالَ ثَلاَثاً، أَوْ نَحْوَ هَذَا، فَإِذَا جُعْتُ تَضَرّعْتُ إِلَيْكَ وَذَكَرْتُكَ، وَإِذَا شَبِعْتُ شَكَرْتُكَ وَحَمِدْتُكَ" قَالَ: هذا حديثٌ حسنٌ.
وفي البابِ عن فَضَالَةَ ابنِ عُبَيْدِ.
__________
"قلت بواكيه" جمع باكية أي امرأة تبكي على الميت "قل تراثه" أي ميراثه وماله المؤخر عنه مما يورث وتراث الرجل ما يخلفه بعد موته من متاع الدنيا وتاءه بدل من الواو. وحديث أبي أمامة هذا أخرجه أيضاً أحمد وابن ماجه.
قوله : "وبهذا الإسناد" أي بالإسناد المذكور المتقدم.
قوله : "عرض علي ربي" أي إلى عرضاً حسياً أو معنوياً وهو الأظهر. والمعنى شاورني وخيرني بين الوسع في الدنيا، واختيار البلغة لزاد العقبي من غير حساب ولا عتاب. قاله القاري "بطحاء مكة" أي أرضها ورمالها "ذهباً" أي يدل حجرها ومدرها. وأصل البطحاء مسيل الماء، وأراد هنا عرصة مكة وصحاريها فإضافته بيانية. قال الطيبي:قوله بطحاء مكة تنازع فيه عرض وليجعل أي عرض على بطحاء مكة ليجعلها لي ذهباً، وقال في اللمعات: وجعلها ذهباً إما يجعل حصاه ذهباً أو ملء مثله بالذهب. والأول أظهر وجاء في بعض الروايات: جعل جبالها ذهباً انتهى "قلت لا" أي لا أريد ولا أختار "ولكن أشبع يوماً" أي أختار أو أريد أن أشبع وقتاً أي فأشكر "وأجوع يوماً" أي فأصبر "أو قال ثلاثاً أو نحو هذا" شك من الراوي "تضرعت إليك" بعرض الافتقار عليك "وذكرتك" أي في نفسي وبلساني "فإذا شبعت شكرتك" على إشباعك وسائر نعمائك "وحمدتك" أي بما ألهمتني من ثنائك.
قوله : "وفي الباب عن فضالة بن عبيد" أخرجه الترمذي في هذا الباب.

(7/14)


هذا حديث حسن
والقاسم هو ابنُ عَبْدِ الرحْمنِ وَيُكْنَى أَبَا عَبْدِ الرحمنِ، وَيقالُ أَيضاً يكنيِ أَبا عبد الملك وَهُوَ مَوْلَى عَبْدِ الرحمنِ بنِ خَالِدِ بنِ يَزِيدَ بنِ مُعَاوِيَةَ، وَهُوَ شَامِيّ ثِقَةٌ، وَعَلِيّ بنُ يَزِيدَ ضعيف الْحَدِيثِ وَيُكْنَى أَبا عَبْدِ المَلِكِ.
2452-حدثنا العَبّاسُ بنُ محمد الدّورِيّ، حدثنا عَبْدُ الله بنُ يَزِيدَ المُقْرِيّ، حدثنا سَعِيدُ بنُ أَبِي أَيّوبَ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بنِ شَرِيكٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرحمن الحُبُلِيّ، عَنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "قَدْ أَفَلَح مَنْ أَسْلَم وكان رزقه كَفَافَاً وَقَنّعَهُ الله" .
قال: هذا حديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
2453-حدثنا عَبّاسُ بنُ مُحمدٍ الدّورِيّ، أَخْبَرنَا عَبدُ الله بنُ يَزِيدَ
__________
قوله : "هذا حديث حسن" وأخرجه أحمد.
قوله : "وعلي بن يزيد يضعف في الحديث الخ" قال في التقريب: علي بن يزيد ابن أبي زياد الألهاني أبو عبد الملك الدمشقي صاحب القاسم بن عبد الرحمن ضعيف من السادسة.
قوله : "عن شرحبيل بن شريك" المعافري أبي محمد المصري ويقال شرحبيل ابن عمرو بن شريك صدوق من السادسة.
قوله : "قد أفلح" أي فاز وظفر بالمقصود "من أسلم" أي انقاد لربه "ورزق" أي من الحلال "كفافاً" أي ما يكف من الحاجات ويدفع الضرورات "وقنعه الله" أي جعله قانعاً بما آتاه.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد ومسلم وابن ماجه.

(7/15)


المُقْرِيّ، حدثنا حَيْوَةُ بنُ شُرَيحٍ أَبُو هَانِيء الْخَوْلاَنِيّ: أَنّ أَبَا عَلِيٍ عَمْرو بنَ مَالِكِ الْجَنْبِيّ، أَخْبَرَهُ عَنْ فَضَالَةَ بنِ عُبَيْدِ أَنّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "طُوبَى لِمَنْ هُدِيَ لْلاِسْلاَمِ وَكَاَنَ عَيْشُهُ كَفَافاً وَقَنَعَ" قال وَأَبُو هَانِيءِ الْخَوْلاَنِيّ اسْمُهُ حُمَيْدُ بنُ هانئ.
هذا حديثٌ حسن صحيحٌ . وأبو هانيء الخولاني اسمه حميد بن هانيء.
__________
قوله : "إن أبا علي عمرو بن مالك الجنبي" بفتح الجيم وسكون النون بعدها موحدة، الهمداني بصري ثقة من الثالثة.
قوله : "طوبى لمن هدي للإسلام" ببناء هدي للمفعول "وكان عيشه كفافاً" أي لا ينقص عن حاجته ولا يزيد على كفايته فيبطر ويطغي. "وقنع" كمنع أي رضي بالقسم ولم تطمح نفسه لزيادة عليه.
قوله : "هذا حديث صحيح" وأخرجه ابن حبان والحاكم. قال المناوي في شرح الجامع الصغير: قال الحاكم على شرط مسلم وأقروه.

(7/16)


باب ما جاء في الفقر
...
23 -باب مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الفَقْر
2454-حدثنا مُحمدُ بنُ عَمْرِو بنِ نَبْهَانَ بنِ صَفْوَانَ الثقَفِيّ البَصْرِيّ، أَخْبَرنَا رَوْحُ بنُ أَسْلَمَ، أَخْبَرنَا شَدّادٌ أَبُو طَلْحَةَ الرّاسِبِيّ، عَنْ أَبي الوَازِعِ عَنْ عَبْدِ الله بنِ مُغَفّلٍ قَالَ: "قَالَ رَجُلٌ للنبيّ صلى الله عليه وسلم: يَا رَسُولَ الله وَالله إِنّي لأُحِبّكَ، فَقَالَ لَهُ "انْظُرْ مَا تَقُولُ"، قَالَ وَالله إِنّي لأُحِبّكَ ثَلاَثَ
__________
"باب مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الفَقْر"
قوله: "أخبرنا روح" بفتح راء وسكون واو وإهمال حاء "بن أسلم" الباهلي أبو حاتم البصري ضعيف من التاسعة "أخبرنا شداد" بن سعيد "أبو طلحة الراسي" البصري، صدوق يخطئ من الثامنة "عن أبي الوازع" اسمه جابر بن عمرو الراسي صدوق يهم من التاسعة.
قوله : "والله إني لأحبك" أي حباً بليغاً وإلا فكل مؤمن يحبه "فقال له انظر

(7/16)


مَرّاتٍ، فقَالَ: "إِنْ كِنْتَ تُحِبّنِي فَأَعِدّ لِلفَقْرِ تِجْفَافاً، فَإِنّ الفَقْرَ أَسْرَعُ إِلَى مَنْ يُحِبّنِي مِنَ السّيْلِ إِلَى مُنْتَهَاهُ" .
2455-حدثنا نَصْرُ بنُ عَلِيٍ، حدثنا أَبي، عَنْ شَدّادٍ أَبي طَلْحَةَ نَحْوَهُ بِمْعَنَاهُ.
__________
ما تقول" أي رمت أمراً عظيماً وخطباً خطيراً فتفكر فيه، فإنك توقع نفسك في خطر. وأي خطر أعظم من أن يستهدفها غرضاً لسهام البلايا والمصائب، فهذا تمهيد لقوله: فأعد للفقر تجفافاً "قال والله إني لأحبك ثلاث مرات" ظرف لقال "إن كنت تحبني" حباً بليغاً كما تزعم "فأعد" أمر مخاطب من الإعداد، أي فهيء "للفقر" أي بالصبر عليه بل بالشكر والميل إليه "تجفافاً" بكسر الفوقية وسكون الجيم: أي درعاً وجنة. ففي المغرب: هو شيء يلبس على الخيل عند الحرب كأنه درع، تفعال من جف لما فيه من الصلابة واليبوسة انتهى. فتاؤه زائدة على ما صرح به في النهاية. وفي القاموس: التجفاف بالكسر آلة للحرب يلبسه الفرس والإنسان ليقيه في الحرب. فمعنى الحديث: إن كنت صادقاً في الدعوى ومحقاً في المعنى فهيء آلة تنفعك حال البلوى، فإن البلاء والولاء متلازمان في الخلا والملا. ومجمله أنه تهيأ للصبر خصوصاً على الفقر لتدفع به عن دينك بقوة يقينك ما ينافيه من الجزع والفزع، وقلة القناعة وعدم الرضا بالقسمة. وكني بالتجفاف عن الصبر لأنه يستر الفقر كما يستر التجفاف البدن عن الضر. قاله القاري: "من السيل" أي إذا انحدر من علو "إلى منتهاه" أي مستقره في سرعة وصوله. والمعنى أنه لابد من وصول الفقر بسرعة إليه، ومن نزول البلايا والرزايا بكثرة عليه، فإن أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، خصوصاً سيد الأنبياء، فيكون بلاؤه أشد بلائهم، ويكون لأتباعه نصيب على قدر ولائهم.
قوله : "حدثنا نصر بن علي" بن نصر بن علي الجهضمي، ثقة ثبت، طلب للقضاء فامتنع من العاشرة "أخبرنا أبي" أي علي بن نصر بن علي الجهضمي البصري، ثقة من كبار التاسعة.

(7/17)


هذا حديث حسن غريب، وأبو الوازع الراسبي اسمه جابر بن عمرو، وهو بصري.
__________
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد.

(7/18)


باب ما جاء في أن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم
...
24 -باب مَا جَاءَ أَنّ فُقَرَاءَ المُهَاجِرِينَ يَدخُلُونَ الْجَنّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائهِم
2456 -حدثنا محمدُ بنُ مُوسَى البَصْرِيّ، أَخْبَرنَا زِيَادُ بنُ عَبْدِ الله، عَنْ الأَعْمَشِ، عَنْ عَطِيّةَ بنِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "فُقُرَاءُ المُهَاجِرِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ بِخَمْسِمَائةِ سنة" . وفي البابِ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ وَعَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو وَجَابِرٍ.
هذا حديثٌ حَسَنٌ غريبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
__________
"باب مَا جَاءَ أَنّ فُقَرَاءَ المُهَاجِرِينَ يَدخُلُونَ الْجَنّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائهِم"
قوله: "أخبرنا زياد بن عبد الله" بن الطفيل العامر البكائي. أبو محمد الكوفي صدوق ثبت في المغازي، وفي حديثه عن غير ابن إسحاق لين من الثامنة ولم يثبت أن وكيعاً كذبه. وله في البخاري موضع واحد متابعة.
قوله: "فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة سنة" فالفقراء في تلك المدة لهم حسن العيش في العقبى مجازاة لما فاتهم من التنعم في الدنيا كما قال تعالى: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} أي الماضية أو الخالية عن المأكل والمشرب صياماً أو وقت المجاعة.
قوله : "وفي الباب عن أبي هريرة وعبد الله بن عمرو وجابر" أما حديث أبي هريرة فأخرجه الترمذي في هذا الباب. وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه مسلم في الزهد. وفيه أن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفاً. وأما حديث جابر فأخرجه الترمذي في هذا الباب.

(7/18)


2457-حدثنا عَبْدُ الأَعْلَى بنُ وَاصِلٍ الْكُوفِيّ، أَخْبَرنَا ثَابِتُ بنُ مُحمّدٍ العَابِدُ الكُوفِيّ، أَخْبَرنَا الْحَارِثُ بنُ النّعْمَانِ الّليْثِيّ عن أَنَسٍ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "الّلهُمّ أَحْيِنِي مِسْكِيناً وَأَمِتْنِي مِسْكِيناً وَاحْشُرْنِي في زُمْرَةِ المَسَاْكِينِ يَوْمَ القِيَامَةِ". فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لِمَ يَا رَسُولَ الله؟ قالَ: "إِنّهُمْ يَدْخُلُونَ الْجَنّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفاً،
__________
قوله : "أخبرنا ثابت بن محمد العابد الكوفي" أبو محمد، ويقال أبو إسماعيل صدوق زاهد، يخطئ في أحاديث من التاسعة "أخبرنا الحارث بن النعمان" بن سالم الليثي الكوفي ابن أخت سعيد بن جبير ضعيف من الخامسة.
قوله : "اللهم أحيني مسكيناً" قيل هو من المسكنة وهي الذلة والافتقار، فأراد صلى الله عليه وسلم بذلك إظهار تواضعه، وافتقاره إلى ربه، إرشاداً لأمته إلى استشعار التواضع، والاحتراز عن الكبر والنخوة، وأراد بذلك التنبيه على علو درجات المساكين وقربهم من الله تعالى قاله الطيبي رحمه الله "واحشرني في زمرة المساكين" أي أجمعني في جماعتهم بمعنى أجعلني منهم لكن لم يسأل مسكنة ترجع للقلة بل الإخبات والتواضع والخشوع. قال السهروردي: لو سأل الله أن يحشر المساكين في زمرته لكان لهم الفخر العميم والفضل العظيم، فكيف وقد سأل أن يحشر في زمرتهم؟ "لم يا رسول الله" أي لأي شيء دعوت هذا الدعاء واخترت الحياة والممات والبعث مع المساكين والفقراء دون أكابر الأغنياء "قال إنهم" استئناف في معنى التعليل، أي لأنهم مع قطع النظر عن بقية فضائلهم وحسن أخلاقهم وشمائلهم "بأربعين خريفاً" أي بأربعين سنة، قال الجزري في النهاية: الخريف الزمان المعروف من فصول السنة ما بين الصيف والشتاء، ويريد به أربعين سنة لأن الخريف لا يكون في السنة إلا مرة واحدة، فإذا انقضى أربعون خريفاً فقد مضت أربعون سنة انتهى.
فإن قلت: كيف التوفيق، بين هذا الحديث وبين الحديث السابق، فإنهما بظاهرهما متخالفان.

(7/19)


يَا عَائِشَةُ لاَ تَرُدّي المِسْكِينَ وَلَوْ بِشِقّ تَمْرَةٍ، يَا عَائِشَةُ أحِبّي المَسَاكِينَ وَقَرّبيهِمْ فَإِنّ الله يُقَرّبُكِ يَومَ القِيَامَةِ" .
__________
قلت: أوجه التوفيق بينهما أن يقال المراد بكل من العددين إنما هو التكثير لا التحديد، فتارة عّبر به وأخرى بغيره تفنناً ومآلهما واحد أو أخبر أولاً بأربعين كما أوحى إليه ثم أخبر ثانياً بخمس مائة عام زيادة من فضله على الفقراء ببركته صلى الله عليه وسلم والتقدير بأربعين خريفاً إشارة إلى أقل المراتب وبخمسمائة عام إلى أكثرها. ويدل عليه ما رواه الطبراني عن مسلمة بن مخلد ولفظه: سبق المهاجرون الناس بأربعين خريفاً إلى الجنة ثم يكون الزمرة الثانية مائة خريف. فالمعنى أن يكون الزمرة الثالثة مائتين وهلم جرا وكأنهم محصورون في خمس زمر أو الاختلاف باختلاف مراتب أشخاص الفقراء في حال صبرهم ورضاهم وشكرهم، وهو الأظهر المطابق لما في جامع الأصول حيث قال: وجه الجمع بينهما أن الأربعين أراد بها تقدم الفقير الحريص على الغني. وأراد بالخمس مائة تقدم الفقير الزاهد على الغني الراغب، فكان الفقير الحريص على درجتين من خمس وعشرين درجة من الفقير الزاهد وهذه نسبة الأربعين إلى الخمس مائة، ولا تظنن أن التقدير وأمثاله يجري على لسان النبي صلى الله عليه وسلم جزافاً، ولا باتفاق بل لسر أدركه ونسبة أحاط بها علمه، فإنه صلى الله عليه وسلم ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى "أحبي المساكين" أي بقلبك "وقربيهم" أي إلى مجلسك حال تحديثك "فإن الله يقربك يوم القيامة" أي بتقريبهم تقريباً إلى الله سبحانه وتعالى. قال القاري في المرقاة: إن لم يكن دليل آخر غير هذا الحديث لكفى حجة واضحة على أن الفقير الصابر خير من الغني الشاكر. وأما حديث: الفقر فخري وبه أفتخر. فباطل لا أصل له على ما صرح به من الحفاظ العسقلاني وغيره. وأما حديث كاد الفقر أن يكون كفراً، فهو ضعيف جداً وعلى تقدير صحته فهو محمول على الفقر القلبي المؤدي إلى الجزع والفزع بحيث يفضي إلى عدم الرضاء بالقضاء، والاعتراض على تقسيم رب الأرض والسماء، ولذا قال صلى الله عليه وسلم: "ليس الغني عن كثرة العرض إنما الغنى غني النفس" انتهى.
قلت: قال الحافظ في التلخيصقوله يستدل على أن الفقير أحسن حالاً

(7/20)


هذا حديثٌ غريبٌ.
2458-حدثنا مَحْمُودُ بنُ غَيْلاَنَ، حدثنا قَبِيصَةُ، حدثنا سُفْيَانُ عن مُحمّدِ بنِ عَمْرٍو، عن أَبي سَلَمَةَ، عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله
__________
من المسكين بما نقل: الفقر فخري وبه أفتخر. وهذا الحديث سئل عنه الحافظ ابن تيمية فقال: إنه كذب لا يعرف في شيء من كتب المسلمين المروية، وجزم الصغائي بإنه موضوع انتهى.
فإن قلت: ما وجه الجمع بين حديث هذا وبين حديث عائشة الذي فيه استعاذته صلى الله عليه وسلم من الفقر.
قلت: قال الحافظ في التلخيص: إن الذي استعاذ منه وكرهه فقر القلب، والذي اختاره وارتضاه طرح المال. وقال ابن عبد البر: الذي استعاذ منه هو الذي لا يدرك معه القوت والكفاف، ولا يستقر معه في النفس غنى، لأن الغنى عنده صلى الله عليه وسلم غنى النفس وقد قال تعالى: { وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى} ولم يكن غناه أكثر من ادخاره قوت سنة لنفسه وعياله. وكان الغني في محله قلبه ثقة بربه، وكان يستعيذ من فقر منس وغنى مطغ، وفيه دليل على أن الغنى والفقر طرفين مذمومين، وبهذا تجتمع الأخبار في هذا المعنى انتهى.
قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان. وقال الحافظ في التلخيص بعد ذكر هذا الحديث رواه الترمذي واستغربه، وإسناده ضعيف. وقال وفي الباب عن أبي سعيد رواه ابن ماجه وفي إسناده ضعف أيضاً، وله طريق أخرى في المستدرك من حديث عطاء عنه وطوله البيهقي ورواه البيهقي من حديث عبادة بن الصامت.
تنبيه : أسرف ابن الجوزي فذكر هذا الحديث في الموضوعات وكأنه أقدم عليه لما رآه مبايناً للحال التي مات عليها النبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان مكفياً. قال البيهقي: ووجهه عندي أنه لم يسأل المسكنة التي يرجع معناها إلى القلة، وإنما سأل المسكنة التي يرجع معناها إلى الإخبات والتواضع انتهى.

(7/21)


صلى الله عليه وسلم: "يَدْخُلُ الْفُقَرَاءُ الْجَنّةَ قَبْلَ الأَغْنِيَاءِ بِخَمْسِمَائةِ عَامٍ، نِصْفِ يَوْمٍ" .
قالَ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
2459-حدثنا العَبّاسُ بنُ مُحَمّدِ الدّورِيّ، أَخْبَرنَا عَبْدُ الله بنُ يَزِيدَ المُقْرِيّ، أَخْبَرنَا سَعِيدُ بنُ أَبي أَيّوبَ عن عَمْرٍو بنِ جَابِرِ الْحَضْرَمِيّ، عن جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "تدخل فُقَرَاءُ المُسْلِمينَ الْجَنّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ بأَرْبَعِينَ خَرِيفاً" .
هذا حديثٌ حسنٌ.
2460-حدثنا أَبُو كُرَيْبٍ، حدثنا المُحَارِبيّ، عن مُحمدِ بنِ عَمْرٍو، عن أَبي سَلَمَةَ، عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:
__________
قوله : "بخمسمائة عام نصف يوم" بالجر على أنه بدل، أو عطف بيان عن خمسمائة عام، فإن اليوم الأخروي مقدار طوله ألف سنة من سني الدنيا، لقوله تعالى: {وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} فنصفه خمسمائة. وأماقوله تعالى: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} فمخصوص من عموم ما سبق أو محمول على تطويل ذلك اليوم على الكفار كما يطوى حتى يصير كساعة بالنسبة إلى الأبرار كما يدل عليه قوله تعالى: { فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِير} .
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" قال المنذري بعد ذكر هذا الحديث رواه الترمذي وابن حبان في صحيحه. وقال الترمذي حديث حسن صحيح. قال ورواته محتج بهم في الصحيح انتهى.
قوله : "عن عمرو بن جابر الحضرمي" أبي زرعة المصري، ضعيف شيعي، من الرابعة.
قوله : "هذا حديث حسن" وأخرجه أحمد والتحسين للشواهد.

(7/22)


"يَدْخُلُ فُقَرَاءِ المُسْلِمِنَ الْجَنّةَ قَبْلَ أَغنِيَائِهِمْ بِنِصْفِ يَوْمٍ، وَهُوَ خَمْسُمَائَةِ عَامٍ" وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ
__________
قوله: "وهو خمسمائة عام" فإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" تقدم هذا الحديث آنفاً من وجه آخر

(7/23)


25 -باب مَا جَاءَ في مَعِيشَةِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وأَهْله
2461-حدثنا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ، حدثنا عَبّادُ بنُ عَبّادٍ المُهَلّبِيّ، عن مُجَالِدٍ، عن الشّعْبِيّ، عن مَسْرُوقٍ قالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَدَعَتْ لِي بِطَعَامٍ وَقَالَتْ: "مَا أَشْبَعُ مِنْ طَعَامٍ فَأَشَاءُ أَنْ أَبْكِي إِلاّ بَكَيْتُ. قالَ: قُلْتُ لِمَ؟ قَالَتْ: أَذْكُرُ الْحَالَ الّتِي فَارَقَ عَلَيْهَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الدّنْيَا: وَالله مَا شَبِعَ مِنْ خُبْزٍ وَلَحْمٍ مَرّتَيْنِ في يَوْمٍ".
هذا حديثٌ حسنٌ.
2462-حدثنا مَحمودُ بنُ غَيْلاَنَ، أخبرنا أَبُو دَاوُدَ، أَنْبأَنَا شُعْبَةُ عن أَبي إِسْحَاقَ، قالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الرحمنِ بنَ يَزِيدَ يُحَدّثُ، عن الأَسْوَدِ بن يزيد، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: "مَا شَبِعَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم منْ خُبْزِ شَعِير
__________
"باب مَا جَاءَ في مَعِيشَةِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وأَهْله"
قوله: "ما أشبع من طعام" بصيغة المتكلم المعلوم "فأشاء أن أبكي" أي أريد البكاء والفاء للتعقيب فإن البكاء لازم للشبع الذي يعقبه المشيئة وليست المشيئة لازمة للشبع: ولذا قالت فأشاء لم يقتصر على ما أشبع من طعام إلا بكيت. وقيل إنها للسببية "والله ما شبع من خبز ولحم مرتين في يوم" وفي رواية لمسلم: ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبز وزيت في يوم واحد مرتين.
قوله : "هذا حديث حسن" وأخرجه مسلم.
قوله : "ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم" وفي رواية الشيخين:

(7/23)


يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ حَتّى قُبِضَ".
وَفي البَابِ، عن أَبي هُرَيْرَةَ. هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ،
2463-حدثنا أَبُو كُرَيْبٍ مُحمّدُ بنُ العَلاءِ، حدثنا المُحَارِبِيّ، حدثنا يَزِيدَ بنِ كَيْسَانَ، عن أَبي حَازِمٍ، عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: "مَا شَبِعَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَأَهْلُهُ ثَلاَثاً تِبَاعاً مِنْ خُبْزِ البُرّ حَتّى فَارَقَ الدّنْيَا". هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
2464-حدثنا عَبّاسُ بنُ مُحمدِ الدّورِيّ، أَخْبَرنَا يَحْيَى بنُ أَبي بُكَيْرٍ، أَخْبَرنَا جَرير بنُ عُثْمَانَ، عن سُلَيْمِ بنِ عَامِرٍ، قالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ
__________
ما شبع آل محمد "من خبز شعير" فمن البر بالأولى "حتى" أي استمر عدم الشبع على الوجه المذكور حتى "قبض" صلى الله عليه وسلم. قال القاري: وفيه رد على من قال صار صلى الله عليه وسلم في آخر عمره غنياً، نعم وقع مال كثير في يده لكنه ما أمسكه بل صرفه في مرضاة ربه، وكان دائماً غني القلب بغنى الرب انتهى.
قوله : "وفي الباب عن أبي هريرة" أخرجه الترمذي في هذا الباب.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله : "ثلاثاً" أي ثلاثة أيام بلياليها "تباعاً" بكسر فوقية وخفة موحدة أي متوالية. قال الحافظ: والذي يظهر أن سبب عدم شبعهم غالباً كان بسبب قلة الشيء عندهم على أنهم كانوا قد يجدون ولكن يؤثرون على أنفسهم انتهى.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله : "أخبرنا يحيى بن أبي بكير" اسمه نسر الكرماني، كوفي الأصل، نزل ببغداد، ثقة من التاسعة "أخبرنا حريز" بفتح أوله وكسر الراء وآخره زاي "بن عثمان" الرحبي الحمصي، ثقة ثبت، رمي بالنصب من الخامسة "عن سليم بن عامر" هو الكلاعي الخبائري الحمصي.

(7/24)


يَقُولُ: مَا كَانَ يَفْضُلُ عن أَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم خُبْزُ الشّعِيرِ".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ منْ هذَا الْوَجْهِ، ويحْيَى بن أَبي بكير هذا كوفي، وابو بكير، والد يحيى روى له سفيان الثوري، ويحيى بن عبد الله بن بكير مصري صاحب الليث.
2465-حدثنا عَبْدُ الله بنُ مُعَاوِيَةَ الْجُمَحِيّ، أَخْبَرنَا ثَابِتُ بنُ يزِيدَ، عن بِلاَلِ بنِ خَبّابٍ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابنِ عَبّاسٍ قالَ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، يبَيتُ الّليَالِيَ المُتَتَابِعَةَ طَاوِياً وَأَهْلهُ لاَ يَجِدُونَ عَشَاءً، وَكَانَ أَكْثَرُ خُبْزِهُمْ خُبْزَ الشّعِيرِ".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
2466-حدثنا أبُو عَمّارٍ، حدثنا وَكِيعٌ، عن الأَعْمَشِ، عن عِمَارَةَ بنِ الْقَعْقَاعِ عن أبي زُرْعَةَ، عن أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "الّلهم اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمدٍ قُوتاً" .
__________
قوله : "ما كان يفضل" قال في القاموس: الفضل ضد النقص، وقد فضل كنصر وعلم، وأما فضل كعلم يفضل كينصر فمركبة منهما انتهى. والمعنى: لم يتيسر لهم من دقيق الشعير ما إذا خبزوه يفضل عنهم.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه أيضاً في الشمائل.
قوله : "أخبرنا ثابت بن يزيد" الأحوال أبو زيد البصري وثقة ابن معين وأبو حاتم "عن هلال بن خباب" بمعجمة وموحدتين العبدي مولاهم أبو العلاء البصري نزيل المدائن، صدوق تغير بآخره من الخامسة.
قوله : "يبيت الليالي المتتابعة طاوياً" أي جائعاً. قال في النهاية: طوى من الجوع يطوي طوى فهو طاوٍ أي خالي البطن جائع لم يأكل انتهى "لا يجدون عشاء" بالفتح الطعام الذي يؤكل عند العشاء بالكسر وهو أول الظلام أو من المغرب إلى العتمة، أو من زوال الشمس إلى طلوع الفجر "وكان أكثر خبزهم" أي خبز النبي صلى الله عليه وسلم وأهله "خبز الشعير" فكانوا يأكلونه من غير نخيل.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد وابن ماجه.
قوله : "اللهم اجعل رزق آل محمد" أي أهل بيته "قوتاً" أي بقدر

(7/25)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
2467-حدثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا جَعْفَرُ بنُ سُلَيْمَانَ، عن ثَابِتٍ، عن أَنَسٍ قَالَ: "كَانَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لا يَدّخِرُ شَيْئاً لِغَدٍ".
هذا حديثٌ غَريبٌ. وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحديث، عن جَعْفَرِ بنِ سُلَيْمَانَ عن ثَابِت، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مُرْسَلاً.
__________
ما يمسك الرمق من المطعم كذا في النهاية. وقال القرطبي: أي اكفهم من القوت بما لا يرهقهم إلى ذل المسألة، ولا يكون فيه فضول يبعث على الترفه والتبسط في الدنيا. قال ومعنى الحديث أنه طلب الكفاف، فإن القوت ما يقوت البدن ويكف عن الحاجة، وفي هذه الحالة سلامة من حالات الغنى والفقر جميعاً انتهى. وقال ابن بطال: فيه دليل على فضل الكفاف وأخذ البلغة من الدنيا والزهد فيما فوق ذلك رغبة في توفير نعيم الاَخرة، وايثاراً لما يبقى على ما يفنى، فينبغي أن تقتدي به أمته في ذلك انتهى.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والشيخان والنسائي وابن ماجه.
قوله : "كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يدخر شيئاً" لسماحة نفسه ومزبد ثقته بربه "لغد" أي ملكاً بل تمليكاً، فلا ينافي أنه أدخر قوت سنة لعياله، فإنه كان خازناً قاسماً، فلما وقع المال بيده قسم لهم كما قسم لغيرهم فإن لهم حقاً في الفيء. وقال ابن دقيق العيد: يحمل حديث لا يدخر شيئاً لغد، على الادخار لنفسه، وحديث: ويحبس لأهله قوت سنتهم على الادخار لغيره ولو كان له في ذلك مشاركة لكن المعنى أنهم المقصد بالادخار دونه حتى لو لم يوجدوا لم يدخر انتهى.
قوله : "هذا حديث غريب" قال المناوي في شرح الجامع الصغير: إسناده جيد.
قوله : "وقد روى هذا غير بن جعفر سليمان عن ثابت من النبي صلى الله عليه وسلم" . وفي بعض النسخ: وقد روى هذا عن جعفر بن سليمان الخ بلفظ عن مكان غير.

(7/26)


2468-حدثنا عبدُ الله بن عَبْدِ الرّحْمَنِ، أَخْبَرنَا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ الله بنُ عَمْرٍو، أَخْبَرنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عن سَعِيدِ بنِ أَبي عَروبَةَ، عن قَتَادَةَ، عن أَنَسِ قالَ: "مَا أَكَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى خِوَانِ وَلاَ أَكَلَ خُبْزاً مُرَقّقاً حَتّى مَاتَ". قالَ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بنِ أَبي عَرُوبَةٍ.
2469-حدثنا عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الرحمنِ، أخبرنا عُبَيْدُ الله بنُ عَبْدِ المَجِيدِ الْحَنَفِيّ، أخبرنا عَبْدُ الرحمنِ بنُ عَبْدِ الله بنِ دينَارٍ، أخبرنا
__________
قوله : "أخبرنا أبو معمر عبد الله بن عمرو" قال في التقريب: عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج ميسرة التميمي أبو معمر المقعد المنقري، ثقة ثبت، رمى بالقدر من العاشرة انتهى.
قوله : "ما أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي طعاماً "على خوان" قال في المجمع: الخوان بضم خاء وكسرها المائدة المعدة، ويقال الأخوان وجمعه أخوية وخون وهو معرب، والأكل عليه من دأب المترفين لئلا يفتقر إلى التطاطؤ والانحناء انتهى. وقد تقدم تفسير الخوان مفصلاً في باب على ما كان يأكل النبي صلى الله عليه وسلم من أبواب الأطعمة "ولا أكل خبزاً مرققاً" . قال عياض:قوله مرققاً أي مليناً محسناً كخبز الحواري وشبهه، والترقيق التليين ولم يكن عندهم مناخل. وقد يكون المرقق الرقيق الموسع انتهى. قال الحافظ: وهذا هو المتعارف. وبه جزم ابن الأثير قال: الرقاق الرقيق مثل طوال وطويل وهو الرغيف الواسع الرقيق. وأغرب ابن التين فقال: هو السميد وما يصنع منه من كعك وغيره. وقال ابن الجوزي: هو الخفيف كأنه مأخوذ من الرقاق وهي الخشبة التي يرقق بها انتهى.
قوله : "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه البخاري.
قوله : "أخبرنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي" أبو علي البصري، صدوق لم يثبت أن يحيى بن معين ضعفه من التاسعة "أحبرنا عبد الرحمن هو ابن عبد الله بن

(7/27)


أَبُو حَازِمٍ، عن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ أَنّهُ قِيلَ لَهُ: أَكَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم النّقِيّ يَعْنِي الْحُوّارَى؟ فَقَالَ سَهْلُ: ما رَأَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم النّقِيّ حَتّى لَقِيَ الله. فَقِيلَ لَهُ: هَلْ كَانَتْ لَكُمْ مَنَاخِلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم؟ قالَ: مَا كَانَتْ لَنَا مَنَاخِلٌ. قِيْلَ: فكَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ بالشّعِيرِ؟ قالَ: كُنّا نَنْفُخُهُ فَيَطِيرُ مِنْهُ مَا طَارَثُمّ نُثَرّيهِ
__________
دينار" مولى ابن عمر صدوق يخطئ من السابعة.
قوله : "أخبرنا أبو حازم عن سهل بن سعد أنه قيل له: أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم النقي" وفي رواية البخاري عن أبي حازم قال: سألت سهل ابن سعد فقلت: هل أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم الخ؟ والنقي: بفتح النون وكسر القاف وتشديد الياء "يعني الحوارى" بضم الحاء وتشديد الواو وفتح الراء وهو الذي نخل مرة بعد مرة حتى يصير نظيفاً أبيض "ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم النقي حتى لقي الله" أي ما رآه فضلاً عن أكله، ففيه مبالغة لا تخفى. وفي رواية للبخاري: ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم النقي من حين ابتعثه الله حتى قبضه الله. قال الحافظ: أظن أن سهلاً احترز عما قبل البعثة لكونه صلى الله عليه وسلم كان سافر في تلك المدة إلى الشام تاجراً، وكانت الشام إذ ذاك مع الروم والخبز النقي عندهم كثير، وكذا المناخل وغيرها من آلات الترفه، فلا ريب أنه رأى ذلك عندهم فأما بعد البعثة فلم يكن إلا بمكة والطائف والمدينة، ووصل إلى تبوك وهي من أطراف الشام لكن لم يفتحها ولا طالت إقامته بها انتهى "هل كانت لكم مناخل" جمع منخل، بضم الميم وسكون النون وضم الخاء ويفتح، وهو الغربال "قال ما كانت لنا مناخل" وفي رواية للبخاري: قال ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم منخلاً من حين ابتعثه الله حتى قبض الله "قيل: كيف كنتم تصنعون بالشعير" وفي رواية للبخاري: قلت: كيف كنتم تأكلون الشعير غير منخول "قال: كنا ننفخه" بضم الفاء أي نطيره بعد الطحن إلى الهواء بأيدينا أو بأفواهنا "فيطير منه ما طار" أي يذهب منه ما ذهب من النخالة وما فيه خفة "ثم نثريه"

(7/28)


فَنَعْجِنُهُ.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وقد رَوَاهُ مَالِكُ بنُ أَنَسِ، عن أَبي حَازِمٍ.
__________
بمثلثة وراء ثقيله: أي نبله بالماء من ثرى التراب تثرية أي رش عليه "فنعجنه" . قال في القاموس: عجنه فهو يعجنه معجون وعجين، اعتمد عليه بجمع كفه يغمزه كاعتجنه انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري والنسائي.
" تنبيه " قال الطبري: استشكل بعض الناس كون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يطوون الأيام جوعاً مع ما ثبت أنه كان يرفع لأهله قوت سنة، وأنه قسم بين أربعة أنفس ألف بعير مما أفاء الله عليه، وأنه ساق في عمرته مائة بدنة فنحرها وأطعمها المساكين، وأنه أمر لأعرابي بقطيع من الغنم، وغير ذلك مع من كان معه من أصحاب الأموال كأبي بكر وعمر وعثمان وطلحة وغيرهم، مع بذلهم أنفسهم وأموالهم بين يديه. وقد أمر بالصدقة فجاء أبو بكر بجميع ماله وعمر بنصفه، وحث على تجهيز جيش العسرة فجهزهم عثمان بألف بعير إلى غير ذلك.
والجواب : أن ذلك كان منهم في حالة دون حالة، لا لعوذ وضيق، بل تارة الإيثار وتارة لكراهة الشبع، ولكثرة الأكل. ذكره الحافظ في الفتح ثم قال وما نفاه مطلقاً فيه نظر لما تقدم من الأحاديث آنفاً وقد أخرج ابن حبان في صحيحه عن عائشة: من حدثكم أنا كنا نشبع من التمر فقد كذبكم، فلما افتتحت قريظة أصبنا شيئاً من التمر والودك. وتقدم في غزوة خيبر من رواية عكرمة عن عائشة لما فتحت خيبر قلنا الاَن نشبع من التمر. وتقدم في كتاب الأطعمة حديث منصور بن عبد الرحمن عن أمه صفية بنت شيبة عن عائشة: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين شبعنا من التمر. وفي حديث ابن عمر: لما فتحت خيبر شبعنا من التمر. والحق أن الكثير منهم كانوا في حال ضيق قبل الهجرة حيث كانوا بمكة ثم لما هاجروا إلى المدينة كان أكثرهم كذلك فواساهم الأنصار بالمنازل والمنائح. فلما فتحت لهم النضير وما بعدها ردوا عليهم منائحهم كما تقدم ذلك واضحاً في كتاب الهبة. وقريب من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "لقد أخفت في الله

(7/29)


..........................................
__________
وما يخاف أحد، ولقد أوذيت في الله وما يؤذي أحد، ولقد أتت علي ثلاثون من يوم وليلة مالي ولبلال طعام يأكله أحد إلا شيء يواريه إبط بلال" . أخرجه الترمذي وصححه. وكذا أخرجه ابن حبان بمعناه. نعم كان صلى الله عليه وسلم يختار ذلك مع إمكان حصول التوسع والتبسط في الدنيا له. كما أخرج الترمذي من حديث أبي أمامة: "عرض على ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهباً فقلت لا يا رب ولكن أشبع يوماً وأجوع يوماً، فإذا جعت تضرعت إليك، وإذا شبعت شكرتك" انتهى.

(7/30)


26-باب مَا جَاءَ في مَعِيشَةِ أَصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم
2470-حدثنا عمرو بنُ إِسْمَاعِيلَ بنِ مُجَالِدِ بنِ سَعِيدٍ، أَخْبَرنَا أَبي، عن بَيَانٍ، عن قَيْسٍ بن أَبي حازم، قالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ بنَ أَبي وَقَاصٍ يَقُولُ: إنّي لأَوّلُ رجُلٍ أَهْرَاقَ دَماً في سَبِيلِ الله، وَإِنّي لأَوّلُ رَجُلٍ رَمَى بِسَهْمٍ في سَبِيلِ الله، وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَغْزُو في العِصَابَةِ مِنْ أَصْحَابِ مُحمّدٍ صلى الله عليه وسلم مَا نَأْكُلُ
__________
"باب مَا جَاءَ في مَعِيشَةِ أَصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم"
قوله: "حدثنا عمر بن إسماعيل بن مجالد بن سعيد" الهمداني الكوفي نزيل بغداد متروك من صغار العاشرة "أخبرنا أبي" أي إسماعيل بن مجالد بن سعيد الهمداني أبو عمرو الكوفي نزيل بغداد، صدوق يخطئ من الثامنة "عن بيان" هو ابن بشر "عن قيس" هو ابن أبي حازم.
قوله : "إني لأول رجل أهراق دماً" أي أراقه. قال في المجمع أبدل الهمزة من الهاء ثم جمع بينهما "وإني لأول رجل رمى بسهم في سبيل الله" قال الحافظ: وفي رواية ابن سعد في الطبقات من وجه آخر عن سعد أن ذلك كان في السرية التي خرج فيها مع عبيدة بن الحارث في ستين راكباً وهي أول السرايا بعد الهجرة "أغزو في العصابة" بكسر العين: هم الجماعة من الناس من العشرة إلى الأربعين ولا

(7/30)


إِلاّ وَرَقَ الشّجَرِ وَالْحُبْلَةَ، حَتّى إِنّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الشّاةُ وَالبَعِيرُ وَأَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدِ يُعَزّرُوني في الدّينِ، لَقَدْ خِبْتُ إِذَنْ وَضَلّ عَمَلِي".
__________
واحد لها من لفظها "ما نأكل إلا ورق الشجر والحبلة" بضم المهملة والموحدة وبسكون الموحدة أيضاً. قال في النهاية: الحبلة ثمر السمر يشبه اللوبياء، وقيل هو ثمر العضاه "حتى إن أحدنا ليضع كما تضع الشاة والبعير" أراد أن نجوهم يخرج بعراً ليبسه من أكلهم ورق الشجر وعدم الغذاء المألوف "وأصبحت بنو أسد" أي ابن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر. قال الحافظ: وبنو أسد كانوا فيمن ارتد بعد النبي صلى الله عليه وسلم وتبعوا طليحة بن خويلد الأسدي لما ادعى النبوة ثم قاتلهم خالد بن الوليد في عهد أبي بكر وكسرهم ورجع بقيتهم إلى الإسلام وتاب طليحة وحسن إسلامه وسكن معظمهم الكوفة بعد ذلك ثم كانوا ممن شكا سعد بن أبي وقاص وهو أمير الكوفة إلى عمر حتى عزله. وقالوا في جملة ما شكوه إنه لا يحسن الصلاة انتهى "يعزروني في الدين" وفي رواية البخاري: تعزرني على الإسلام. قال الحافظ: أي تؤدبني والمعنى تعلمني الصلاة أو تعيرني بأني لا أحسنها. قال أبو عبيد الهروي أي توقفني، والتعزير التوقيف على الأحكام والفرائض. وقال الطبري: معناه تقومني وتعلمني ومنه تعزير السلطان وهو التقويم بالتأديب. والمعنى أن سعداً أنكر أهلية بني أسد، لتعليمه الأحكام مع سابقيته وقدم صحبته. وقال الحربي: معنى تعزرني تلومني وتعتبني. وقيل توبخني على التقصير "لقد خبت إذن" من الخيبة أي مع سابقتي في الإسلام إذا لم أحسن الصلاة وأفتقر إلى تعليمهم كنت خاسراً "وضل عملي" أي فيما مضى من صلاتي معه صلى الله عليه وسلم. قال ابن الجوزي: إن قيل كيف ساع لسعد أن يمدح نفسه، ومن شأن المؤمن ترك ذلك لثبوت النهي عنه؟ فالجواب أن ذلك ساغ له لما عيره الجهال بأنه لا يحسن الصلاة فاضطر إلى ذكر فضله، والمدحة إذا خلت من البغي والاستطالة وكان مقصود قائلها إظهار الحق وشكر نعمة الله لم يكره، كما لو قال القائل: إني لحافظ لكتاب الله عالم بتفسير وبالفقه في الدين، قاصداً إظهار الشكر أو تعريف ما عنده ليستفاد ولو لم يقل ذلك لم يعلم حاله ولهذا. قال يوسف

(7/31)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ مِنْ حَدِيثِ بَيَانٍ.
2471-حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ، حدثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ، حدثنا إِسْمَاعِيلُ بنُ خَالِدٍ، حدثنا قَيْسٌ قالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ بنَ مَالِكٍ يَقُولُ: إِنّي أَوّلُ رَجُلٍ مِنَ الْعَرَبِ رَمَى بِسَهْمٍ في سَبِيلِ الله، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَمَا لَنَا طَعَامٌ إِلاّ الْحُبْلَةَ وَهَذَا السّمرَ، حَتّى إِنّ أَحَدَنَا ليَضَعُ كَمَا تَضَعُ الشّاةُ، ثُمّ أَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ يُعَزرُنِي في الدّينِ لَقَدْ خِبْتُ إِذَنْ وَضَلَ عَمَلي".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وفي البابِ عَنْ عُتْبَةَ بنِ غَزْوَانَ.
__________
عليه السلام: {إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} وقال علي: سلوني عن كتاب الله: وقال ابن مسعود: لو أعلم أحداً أعلم بكتاب الله مني لأوتيته. وساق في ذلك أخباراً وآثاراً عن الصحابة والتابعين تؤيد ذلك.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح الخ" وأخرجه البخاري في المناقب، وفي الأطعمة وفي الرقاق، ومسلم في الزهد، والنسائي في المناقب، وفي الرقايق وابن ماجه في الفضائل.
اعلم أن الترمذي قد صحح هذا الحديث وفي سنده عمر بن إسماعيل بن مجالد وهو متروك فالظاهر أن تصحيحه له لمجيئه من طرق أخرى صحيحة، ويحتمل أن يكون هو عنده صالحاً للاحتجاج والله تعالى أعلم.
قوله : "ومالنا طعام إلا الحبلة وهذا السمر" بفتح المهملة وضم الميم، قال في النهاية: هو ضرب من شجر الطلح الواحدة سمرة.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" تقدم تخريجه آنفاً.
قوله : "وفي الباب عن عتبة بن غزوان" أخرجه مسلم وابن ماجه.

(7/32)


2472- حدّثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ، عن أَيّوبَ، عن مُحمّدِ بنِ سِيرِينَ قَالَ: كُنّا عِنْدَ أَبي هُرَيْرَةَ وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ مُمَشّقَانِ مِنْ كَتّانِ فَتَمَخَطَ في أَحَدِهِمَا ثُمّ قَالَ بَخْ بَخْ يَتَمَخَطُ أَبُو هُرَيْرَةَ في الكِتّانِ لَقَدْ، رَأَيْتُنِي وَإِنّي لأَخِرّ فِيمَا بَيْنَ مِنْبَرِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَحُجْرَةِ عَائِشَةَ مِنَ الْجُوعِ مَغْشِياً عَلَيّ فَيَجِيّ الْجَائِي فَيَضَعُ رِجْلَهُ عَلَى عُنُقِي يُرَى أَنّ بيَ الجُنُونَ وَمَا بي جُنُونٌ وَمَا هُوَ إِلاّ الْجُوعُ".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ من هذا الوجه.
2473-حدّثنا العَبّاسُ بنُ محمدٍ الدوري، حدثنا عَبْدُ الله بن يَزِيدَ المُقْرِي، أَخْبَرنَا حَيْوَةُ بنُ شُرَيْحٍ، أخبرني أَبُو هَانيءٍ الْخَوْلاَنِيّ أَنّ أَبَا عَلِيّ عَمْرَو بنَ مَالِكٍ الْجَنْبِيّ، اخبره عن فَضَالَةَ بنِ عُبَيْدٍ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا صَلّى بالنّاسِ يَخِرّ رِجَالٌ مِنْ قَامَتِهِمْ في الصّلاَةِ مِنَ الْخَصَاصَةِ وَهُمْ أَصْحَابُ الصّفّةِ حَتّى يَقُولَ الاّعْرَابُ هَؤُلاَءِ مَجَانِينُ أَوْ مَجَانُونُ
__________
قوله : "وعليه ثوبان ممشقان" أي مصبوغان بالشق وهو بكسر الميم الغرة "من كتان" بفتح الكاف وتشديد الفوقية. قال في القاموس: الكتان معروف ثيابه معتدلة في الحر والبرد واليبوسة ولا يلزق بالبدن ويقل قمله انتهى. "فمخط في أحدها" أي انتثر فيه "ثم قال بخ بخ" كلمة تقال عند الرضاء والإعجاب بالشيء أو الفخر والمدح "وأني لأخر" أي لأسقط "يرى" بضم الياء أي يظن.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه البخاري.
قوله : "يخر رجال من قامتهم في الصلاة" أي قيامهم فيها قال في القاموس: قام قوماً وقومة وقياماً وقامة انتصب "من الخصاصة" بالفتح، أي الجوع والضعف، وأصلها الفقر والحاجة "وهم أصحاب الصفة" بضم الصاد وتشديد الفاء هم زهاد من الصحابة فقراء غرباء وكانوا سبعين ويقلون حيناً ويكثرون حيناً يسكنون صفة المسجد لا مسكن لهم ولا مال ولا ولد، وكانوا متوكلين ينتظرون

(7/33)


فَإِذَا صَلّى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم انْصَرَفَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: "لَوْ تَعْلَمُونَ مَالَكُمْ عِنْدَ الله لأَحْبَبْتُمْ أَنْ تَزْدَادُوا فاقَةً وَحَاجَةً" . قالَ فَضَالَةُ: وَأَنَا يَوْمَئِذٍ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم.
هذا حديثٌ حسن صحيحٌ.
2474-حدّثنا مُحمدُ بنُ إِسْمَاعِيلَ، حدثنا آدَمُ بنُ أبي إيَاسٍ، حدثنا شَيْبَانُ أبُو مُعَاوِيَةَ، أَخْبَرنَا عَبْدُ المَلِكِ بنُ عُمَيْرٍ، عن أَبي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرحمنِ، عن أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجَ النبيّ صلى الله عليه وسلم في سَاعَةٍ لاَ يَخْرِجُ فِيهَا وَلاَ يَلْقَاهُ فِيهَا أَحَدٌ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ "مَا جَاءَ بِكَ يَا أَبَا بكْرٍ"؟ فَقَالَ: خَرَجْتُ أَلْقَى رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم وَأَنْظُرُ فِي وَجْهِهِ وَالتّسْلِيمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ عُمَرُ، فَقَالَ: "مَا جَاءَ بِكَ يَا عُمَرُ"؟ قَالَ: "الْجُوعُ يَا رَسُولَ الله"، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وَأَنَا قَدْ وَجَدْتُ بَعْضَ ذَلِكَ"، فَانْطَلَقُوا إِلَى مَنْزِلِ أَبي
__________
من يتصدق عليهم بشيء يأكلونه ويلبسونه. "هؤلاء مجانين أو مجانون" الشك من الراوي، والأول جمع تكسير لمجنون، والثاني شاذ كقراءة تتلو الشياطون، كذا في المجمع.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه ابن حبان في صحيحه.
قوله : "حدثنا محمد بن إسماعيل" هو الإمام البخاري "أخبرنا آدم بن أبي إياس" عبد الرحمن العسقلاني أصله خراساني، يكنى أبا الحسن، نشأ ببغداد، ثقة عابد من التاسعة.
قوله : "خرجت ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنظر في وجهه والتسليم عليه" بالنصب على أنه مفعول فعل محذوف أي أسلم التسليم أو أريه التسليم "فلم يلبث أن جاء عمر فقال ما جاء بك يا عمر؟ قال الجوع يا رسول الله" وفي رواية مسلم: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم أو ليلة فإذا هو بأبي بكر وعمر فقال: "ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟ قال الجوع يا رسول الله "قال" أي رسول

(7/34)


الْهَيْثَمِ بنِ التّيّهَانِ الأَنْصَارِيّ، وَكَانَ رَجُلاً كَثِيرَ النّخْلِ وَالشّاءِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ خَدَمٌ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَقَالُوا لاِمْرَأَتِهِ: "أَيْنَ صَاحِبُكِ؟" فَقَالَتِ: انْطَلَقَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا الْمَاءَ، فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ جَاءَ أَبُو الهيْثَمِ بِقِرْبَةِ يَزْعَبُهَا فَوَضَعَهَا، ثُمّ جَاءَ يَلْتَزِمُ النبيّ صلى الله عليه وسلم وَيُفْدّيِهِ بِأَبِيِهِ وَأُمّهِ، ثُمّ انْطَلَقَ بِهِمْ إِلَى
__________
الله صلى الله عليه وسلم "وأنا قد وجدت بعض ذلك" أي الجوع وفي رواية مسلم: وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما" . قال النووي: فيه ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وكبار أصحابه من التقلل من الدنيا وما ابتلوا به من الجوع وضيق العيش في أوقات، قال وفيه: جواز ذكر الإنسان ما يناله من ألم ونحوه لا على سبيل التشكي وعدم الرضاء بل للتسلية والتصبير، كفعله صلى الله عليه وسلم ههنا، ولالتماس دعاء أو مساعدة على التسبب في إزالة ذلك العارض، فهذا كله ليس بمذموم إنما يذم ما كان تشكياً وتسخطاً وتجزعاً "فانطلقوا إلى منزل أبي الهيثم" اسمه مالك "بن التيهان" بفتح المثناة فوق وتشديد المثناة تحت مع كسرها وفي رواية مسلم: قوموا فقاموا معه فأتى رجلاً من الأنصار. قال النووي: فيه جواز الإدلال على الصاحب الذي يوثق به واستتباع جماعة إلى بيته وفيه منقبة له إذ جعله النبي صلى الله عليه وسلم، أهلاً لذلك، وكفى له شرفاً بذلك "وكان رجلاً كثير النخل والشاء" أي الغنم وهي جمع شاة، وأصلها شاهة والنسبة، شاهي وشاوي وتصغيرها شويهة وشوية "فقالوا لامرأته أين صاحبك" وفي رواية مسلم: فلما رأته المرأة قالت مرحباً وأهلاً فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أين فلان؟ قال النووي: وفيه جواز سماع كلام الأجنبية ومراجعتها الكلام للحاجة وجواز إذن المرأة في دخول منزل زوجها لمن علمت علماً محققاً أنه لها لا يكرهه بحيث لا يخلو بها الخلوة المحرمة "يستعذب لنا الماء" أي يأتينا بماء عذب وهو الطيب الذي لا ملوحة فيه "يزعبها" قال في القاموس من زعب القربة كمنع احتمالها ممتلئة. وقال في النهاية: أي يتدافع بها ويحملها لثقلها وقيل زعب بحمله إذا استقام انتهى "يلتزم النبي صلى الله عليه وسلم" أي يضمه إلى نفسه ويعانقه "ثم انطلق

(7/35)


حَدِيقَتِهِ فَبَسَطَ لَهُمْ بِسَاطاً، ثُمّ انْطَلَقَ إِلَى نَخْلَةٍ فَجَاءَ بِقِنْوٍ فَوَضَعَهُ. فَقَالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: "أَفَلاَ تَنَقّيْتَ لَنَا مِنْ رُطَبِهِ"؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله إِنّي أَرَدْتُ أَنْ تَخْتَارُوا أَوْ قَالَ تَخَيّرُوا مِنْ رُطَبِهِ وَبُسْرِهِ، فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "هَذَا وَالذِي نَفْسيِ بِيَدِهِ مِنَ النّعِيمِ الّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، ظِلّ بَارِدٌ وَرُطَبٌ طَيّبٌ وَمَاءٌ بَارِدٌ" . فَانْطَلَقَ أَبُو الهَيْثَمِ لِيَصْنَعَ لَهُمْ طَعَامَاً، فَقَالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم:
__________
بهم إلى حديقته" في القاموس الحديقة الروضة ذات الشجر البستان من النخل والشجر أو كل ما أحاط به البناء أو القطعة من النخل "فجاء بقنو" بالكسر. قال في النهاية: القنو العذق بما فيه من الرطب وفي رواية مسلم: فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب قال النووي: العذق هنا بكسر العين وهي الكباسة وهي الغض من النخل قال وفيه دليل على استحباب تقديم الفاكهة على الخبز واللحم وغيرهما، وفيه استحباب المبادرة إلى الضيف بما تيسّر وإكرامه بعده بطعام يصنعه له وقد كره جماعة من السلف التكلف للضيف وهو محمول على ما يشق على صاحب البيت مشقة ظاهرة لأن ذلك يمنعه من الإخلاص وكمال السرور بالضيف وأما فعل الأنصاري وذبحه الشاة فليس مما يشق عليه بل لو ذبح أغناماً لكان مسروراً بذلك مغبوطاً به انتهى "أفلا تنقيت لنا من رطبه" قال في القاموس: أنقاه وتنقاه وانتقاه اختاره. وقال في الصراح انتقاه بركزيدن وتنقي كذلك "إني أردت أن تختاروا أو قال تخيروا" شك من الراوي "من رطبه وبسره" بضم الموحدة وهو التمر قبل إرطابه، قال في المجمع المرتبة لثمرة النخل أولها طلع ثم خلال ثم بلح ثم بسر ثم رطب انتهى "هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة" وفي رواية مسلم: فلما أن شبعوا ورووا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر: "والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم. يوم القيامة" ،قوله أخرجكم من بيوتكم الجوع ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم. قال الطيبي قوله أخرجكم الخ جملة مستأنفة بيان لموجب السؤال عن النعيم يعني حيث كنتم محتاجين إلى الطعام مضطرين إليه فنلتم غاية مطلوبكم من

(7/36)


"لاَ تَذْبَحَنّ ذَاتَ دَرٍ". قال: فَذَبَحَ لَهُمْ عَنَاقاً أَوْ جَدْياً فَأَتَاهُمْ بِهَا فَأَكَلُوا. فَقَالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: "هَلْ لَكَ خَادِمٌ"؟ قَالَ: لاَ. قَالَ "فَإِذَا أَتَانَا سَبيٌ فَأْتِنَا". فَأُتِيَ النبيّ صلى الله عليه وسلم بِرَأْسَيْنِ لَيْسَ مَعَهُمَا ثَالِثٌ، فَأَتَاهُ أَبُو الهَيْثَمِ، فَقَالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: "اخْتَرْ مِنْهُمَا ". فَقَالَ: يَا نَبيّ الله اخْتَرْ لِي، فَقَالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: "إِنّ المسْتَشَارَ مُؤْتَمَنٌ، خُذْ هَذَا فَإِنّي رَأَيْتُهُ يُصَلّي وَاسْتَوْصِ بِهِ مَعْرُوفاً" . فَانْطَلَقَ أَبُو الهَيْثَمِ إِلَى امْرَأَتِهِ: فَأَخْبَرَهَا بِقَوْلِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ امْرَأَتُهُ مَا أَنْتَ بِبَالِغٍ
__________
الشبع والري يجب أن تسألوا ويقال لكم هل أديتم شكرها أم لا. وقال النووي: فيه دليل على جواز الشبع وما جاء في كراهته محمول على المداومة عليه لأنه يقسي القلب وينسى أمر المحتاجين وأما السؤال عن هذا النعيم فقال القاضي عياض: المراد السؤال عن القيام بحق شكره والذي نعتقده أن السؤال ههنا سؤال تعداد النعم وأعلام بالامتنان بها وإظهار الكرامة بإسباغها لاسؤال توبيخ وتقريع ومحاسبة انتهى "لا تذبحن ذات در" أي لبن، وفي رواية مسلم: إياك والحلوب "فذبح لهم عناقاً أو جدياً" شك من الراوي.
قال في القاموس: العناق كسحاب الأنثى من أولاد المعز والجدي من أولاد المعز ذكرها "فإذا أتانا سبي" أي أساري "فأتنا" أي جيء "برأسين" أي من العبيد "اختر منهما" أي واحداً منهما أو بعضهما "اختر لي" أي أنت أولى بالاختيار "فقال النبي صلى الله عليه وسلم" توطئة وتمهيداً "إن المستشار" من استشاره طلب رأيه فيما فيه المصلحة "مؤتمن" اسم مفعول من الأمن أو الأمانة ومعناه أن المستشار أمين فيما يسأل من الأمور، فلا ينبغي أن يخون المستشير بكتمان مصلحته "خذ هذا" أي مشاراً إلى أحدهما "فإني رأيته يصلي" فيه أنه يستدل على خيرية الرجل بما يظهر عليه من آثار الصلاح لاسيما الصلاة فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر "واستوص به معروفاً" قال القاري أي استيصاء معروف قيل معناه لا تأمره إلا بالمعروف والنصح، وقيل وص في حقه بمعروف كذا ذكره زين العرب. وقال الطيبي أي قبل وصيتي في حقه

(7/37)


مَا قَالَ فِيِه النبيّ صلى الله عليه وسلم إِلاّ أَنْ تُعْتِقَهُ، قَالَ: فهُوَ عَتِيق. فَقَالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: "إِنّ الله لَمْ يَبْعَثْ نَبِياً وَلاَ خَلِيفَةً إِلاّ وَلَهُ بِطَانَتَانِ بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالمَعْرُوفِ وتَنَهَاهُ عَنِ المُنْكَرِ، وَبِطَانَةٌ لاَ تَأْلُوهُ خَبَالاً وَمَنْ يُوْقَ بِطَانَةَ السّوءِ فَقَدْ وُقِيَ".
__________
وأحسن ملكته بالمعروف "إن الله لم يبعث نبياً ولا خليفة" وفي حديث أبي سعيد عند البخاري: ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة. قال الحافظ في الفتح في رواية صفوان بن سليم: ما بعث الله من نبي ولا بعده من خليفة والرواية التي في الباب تفسر المراد بهذا وأن المراد ببعث الخليفة استخلافه ووقع في رواية الأوزاعي ومعاوية بن سلام: ما من وال وهو أعم انتهى "إلا وله بطانتان" البطانة بالكسر الصاحب الوليجة وهو الذي يعرفه الرجل أسراره ثقة به، شبه ببطانة الثوب "بطانة تأمره بالمعروف" أي ما عرفه الشرع وحكم بحسنه "وتنهاه عن المنكر" أي ما أنكره الشرع ونهى عن فعله "وبطانة لا تألوه خبالا" أي لا تتصرفي إفساد أمره وهو اقتباس منقوله تعالى {لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً} وفي حديث أبي سعيد: وبطانة تأمره بالشر. قال الحافظ: وقد استشكل هذا التقسيم بالنسبة للنبي، لأنه وإن جاز عقلاً أن يكون فيمن يداخله من يكون من أهل الشر لكنه لا يتصور منه أن يصغي إليه ولا يعمل بقوله لوجود العصمة، وأجيب بأن في بقية الحديث الإشارة إلى سلامة النبي صلى الله عليه وسلم من ذاك بقوله: فالمعصوم من عصم الله تعالى، فلا يلزم من وجود من يشير على النبي صلى الله عليه وسلم بالشر أن يقبل منه، وقيل المراد بالبطانتين في حق النبي الملك والشيطان وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم: ولكن الله أعانني عليه فأسلم قال: وفي معنى حديث الباب حديث عائشة مرفوعاً: "من ولى منكم عملاً فأراد الله به خيراً جعل له وزيراً صالحاً إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه" . قال ابن التين: يحتمل أن يكون المراد بالبطانتين الوزيرين، ويحتمل أن يكون الملك والشيطان. وقال الكرماني: يحتمل أن يكون المراد بالبطانتين، والنفس الأمارة بالسوء والنفس اللوامة المحرضة على الخير، إذ لكل منهما قوة ملكية وقوة حيوانية انتهى. قال الحافظ: والحمل على الجمع أولى

(7/38)


باب ما جاء في أن الغنى غنى النفس
...
27-باب ما جَاءَ أَنّ الغِنَى غِنَى النّفْس
2479 حَدّثنا أَحْمَدُ بنُ بُدَيْلٍ بنِ قُرَيْشٍ الْيَامِيّ الْكُوفِيّ، حدثنا أَبُو بَكْرِ بنِ عَيّاشٍ عن أَبي حَصِينٍ، عن أَبي صالحٍ، عن أَبي هُرَيْرَةَ قال: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ الغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ وَلَكِنّ الْغِنَى غِنَى النّفْسِ" .
__________
"باب ما جَاءَ أَنّ الغِنَى غِنَى النّفْس"
قوله : "حدثنا أحمد بن بديل بن قريش اليامي" بالتحتانية أبو جعفر قاضي الكوفة، صدوق له أوهام من العاشرة "عن أبي حصين" هو عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي "عن أبي صالح" هو السمان.
قوله : "ليس الغنى" بكسر أوله مقصود أي الحقيقي المعتبر النافع "عن كثرة العرض" بفتح المهملة والراء ثم ضاد معجمة. قال الحافظ: أما عن فهي سببية وأما العرض فهو ما ينتفع به من متاع الدنيا، ويطلق بالاشتراك على ما يقابل الجوهر وعلى كل ما يعرض للشخص من مرض ونحوه. وقال أبو عبيد: العروض الأمتعة وهي ما سوى الحيوان والعقار، ومالا يدخله كيل ولا وزن. وقال ابن فارس: العرض بالسكون كل ما كان من المال غير نقد وجمعه عروض. وأما بالفتح فما يصيبه الإنسان من حظه في الدنيا قال تعالى { تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا} وقال {وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ} ، "ولكن الغنى غنى النفس" وقال ابن بطال معنى الحديث ليس حقيقة الغنى كثرة المال لأن كثيراً ممن وسع الله عليه في المال لا يقنع بما أوتي فهو يجتهد في الازدياد ولا يبالي من أين يأتيه، فكأنه فقير لشدة حرصه وإنما حقيقة الغنى غنى النفس وهو من استغنى بما أوتي وقنع به ورضي ولم يحرص على الازدياد ولا ألح في الطلب فكأنه غني. وقال القرطبي: معنى الحديث إن الغني النافع أو العظيم أو الممدوح هو غني النفس وبيانه، أنه إذا استغنت نفسه كفت على المطامع فعزت وعظمت وحصل لها من الحظوة والنزاهة والشرف والمدح أكثر من الغنى الذي يناله من يكون فقير النفس لحرصه، فإنه يورطه في

(7/42)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وابو حصين اسمه عثمان بن عاصمٍ الأُسديّ.
__________
رذائل الأمور وخسائس الأفعال لدناءة همته وبخله ويكثر من يذمه من الناس ويصغر قدره عندهم فيكون أحقر من كل حقير وأذل من كل ذليل. والحاصل أن المتصف بغنى النفس يكون قانعاً بما رزقه لا يحرص على الازدياد لغير حاجة ولا يلح في الطلب ولا يلحف في السؤال بل يرضى بما قسم الله له، فكأنه واجد أبداً. والمتصف بفقر النفس على الضد منه لكونه لا يقنع بما أعطي بل هو أبداً في طلب الازدياد من أي وجه أمكنه. ثم إذا فاته المطلوب حزن وأسف فكأنه فقير من المال لأنه لم يستغن بما أعطي فكأنه ليس بغني. ثم غنى النفس إنما ينشأ عن الرضا بقضاء الله تعالى والتسليم لأمره، علماً بأن الذي عند الله خير وأبقى، فهو معرض عن الحرص والطلب. وما أحسن قول قائل:
غني النفس ما يكفيك من سد حاجة ... فإن زاد شيئاً عاد ذاك الغنى فقراً
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والشيخان وابن ماجه.

(7/43)


باب ما جاء في أخذ المال بحقه
...
28 -باب ما جَاءَ في أَخْذِ الْمال
2480 حَدّثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا الّليْثُ عن سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ، عن أَبي الْوَلِيدِ قالَ: سَمِعْتُ خَوْلَةَ بِنْتَ قَيْفسٍ وَكَانَتْ تَحْتَ حَمْزَةَ بنِ عَبْد المُطّلِبِ تقولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: "إِنّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، مَنْ أَصَابَهُ بِحَقِهِ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَرُبّ مُتخوّضٍ فِيمَا شَاءَتْ
__________
"باب ما جَاءَ في أَخْذِ الْمال"
قوله: "سمعت خولة بنت قيس" بن فهر بن قيس بن ثعلبة الأنصارية صحابية لها حديث كذا في التقريب. وقال في تهذيب التهذيب في ترجمتها: روت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الدنيا خضرة حلوة الحديث. وعنها أبو الوليد سنوطاً وغيره. قال عبيد: دخلت على أم محمد وكانت عند حمزة، وتزوجها بعده رجل من الأنصار انتهى.
قوله : "خضرة" بفتح فكسر "حلوة" بضم الحاء وسكون اللام قال الحافظ

(7/43)


بِهِ نَفْسُهُ مِنْ مَالِ اللّهِ وَرَسُولِهِ لَيْسَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلاّ النّارُ" .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَابو الْوَلِيدِ اسْمُهُ عُبَيْد سُنُوطَا.
__________
في الفتح: معناه أن صورة الدنيا حسنة مونقة، والعرب تسمي كل شيء مشرق ناضر أخضر. وقال ابن الأنباريقوله: المال خضرة حلوة ليس هو صفة المال وإنما هو للتشبيه كأنه قال المال كالبقلة الخضراء الحلوة، والتاء فيقوله خضرة وحلوة باعتبار ما يشتمل عليه المال من زهرة الدنيا أو على معنى فائدة المال أي أن الحياة به أو العيشة أو أن المراد بالمال هنا الدنيا لأنه من زينتها قال الله تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} وقد وقع في حديث أيضاً المخرج في السنن: "الدنيا خضرة حلوة". فيتوافق الحديثان. ويحتمل أن تكون التاء فيهما للمبالغة "من أصابه بحقه" أي بقدر حاجته من الحلال "ورب متخوض" أي متسارع ومتصرف. قال في المجمع: أصل الخوض المشي في الماء وتحريكه ثم استعمل في التلبيس بالأمر والتصرف فيه أي رب متصرف في مال الله بما لا يرضاه الله أي يتصرفون في بيت المال ويستبدون بمال المسلمين بغير قسمة، وقيل هو التخليط في تحصيله من غير وجه كيف أمكن انتهى "فيما شاءت نفسه" أي فيما أحبته والتذت به "ليس له" أي جزاء "يوم القيامة إلا النار" أي دخول جهنم وهو حكم مرتب على الوصف المناسب وهو الخوض في مال الله تعالى فيكون مشعراً بالعلية وهذا حث على الاستغناء عن الناس وذم السؤال بلا ضرورة. قال الغزالي رحمه الله: مثل المال مثل الحية التي فيها ترياق نافع وسم ناقع فإن أصابها العارف الذي يحترز عن شرها ويعرف استخراج ترياقها كان نعمة، وإن أصابها الغبي فقد لقي البلاء المهلك انتهى. وتوضيحه ما قاله عارف: إن الدنيا كالحية فكل من يجوز له أخذها، وإلا فلا، فقيل: وما رقيتها؟ فقال: أن يعرف من أين يأخذها يعرف رقيتها، وفي أين يصرفها.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد.
قوله : "وأبو الوليد اسمه عبيد سنطا" وفي بعض النسخ سنوطاً. قال في القاموس: وسنوطى كهيولى لقب عبيد المحدث أو اسم والده، انتهى. وقال

(7/44)


...........................................
__________
في التقريب: عبيد سنوطاً بفتح المهملة وضم النون، ويقال ابن سنوطاً أبو الوليد المدني وثقة العجلي من الثالثة انتهى.

(7/45)


29-باب
2481-حَدّثنا بِشْرُ بنُ هِلاَلٍ الصّوّافُ، حدثنا عبدُ الوَارِثِ بنُ سَعِيدٍ، عن يُونُسَ عن، الْحَسَنِ، عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لُعن عَبْدُ الدّينَارِ. لُعِنَ عَبْدُ الدّرْهَمِ" .
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من هذا الْوَجْهِ. وقد رُوِيَ هذا الحديث من غيرِ هذا الْوَجْهِ، عن ابي صالح، عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أيضاً أَتَمّ مِنْ هَذَا وَأَطْوَلَ.
__________
"باب"
قوله: "عن يونس" هو ابن عبيد بن دينار العبدي مولاهم أبو عبيد البصري ثقة فاضل ورع من الخامسة.
قوله: "لعن عبد الدينار" أي طرد وأبعد طالبه الحريص على جمعه، القائم على حفظه فكأنه لذلك خادمه وعبده. وقال الطيبي: خص العبد بالذكر ليؤذن بانغماسه في محبة الدنيا وشهواتها كالأسير الذي لا يجد خلاصاً. ولم يقل مالك الدنيا ولا جامع الدنيا، ولأن المذموم من الملك والجمع الزيادة على قدر الحاجة. وقال غيره جعله عبداً لهما لشغفه وحرصه فمن كان عبداً لهواه لم يصدق في حقه إياك نعبد، فلا يكون من اتصف بذلك صديقاً "لعن عبد الدرهم" خصاً بالذكر لأنهما أصل أموال الدنيا وحطامها.
قوله : "وقد روي من غير هذا الوجه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم الخ" أخرجه البخاري في الجهاد والرقاق، ولفظه في الجهاد: "تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة إن أعطى رضي وإن لم يعط سخط" الحديث.

(7/45)


30-باب
2482-حَدّثنا سُوَيْدُ بنُ نَصْرٍ، أخبرنا عبدُ الله بنُ المُبَارَكِ، عن زَكَرِيّا بنِ أَبي زَائِدَةَ عن محمدِ بنِ عبدِ الرّحْمنِ بنِ سَعْدِ بنِ زُرَارَةَ، عن ابنِ كَعْبِ بنِ مَالِكِ الانْصَارِيّ، عن أَبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلاَ في غَنَمِ بِأَفْسَدَ لهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرءِ عَلَى الْمَالِ وَالشّرَفِ لِدِيِنِه" .
__________
"باب"
قوله: "عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة" الأنصاري المدني وهو محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن زرارة، ويقال ابن محمد بدل عبد الله، ومنهم من ينسبه إلى جده لأمه، فيقول محمد بن عبد الرحمن بن أسعد ابن زرارة وثقه النسائي كذا في تهذيب التهذيب "عن ابن كعب بن مالك الأنصاري" قال الحافظ في التقريب: ابن كعب بن مالك في لعق الأصابع هو عبد الرحمن. وجاء بالشك عبد الله أو عبد الرحمن، وفي حديث: أرواح الشهداء هو عبد الرحمن ابن عبد الله بن كعب نسب لجده. وفي حديث: ما ذئبان جائعان لم يسم وهو أحد هذين. وكذا في حديث: من طلب العلم وإن امرأة ذبحت شاة بحجر، وقيل في هذا الأخير عن ابن كعب عن أخيه. والذي يظهر أنه عبد الرحمن بن كعب انتهى "عن أبيه" أي كعب بن مالك بن أبي كعب الأنصاري السلمي المدني صحابي مشهور وهو أحد الثلاثة الذين خلفوا.
قوله : "ما" نافية "جائعان" أي به للمبالغة "أرسلا" أي خليا وتركا "في غنم" أي قطيعة غنم "لدينه" متعلق بأفسد. والمعنى إن حرص المرء عليهما أكثر فساداً لدينه المشبه بالغنم لضعفه يجنب حرصه من إفساد الذئبين للغنم. قال الطيبي: ما بمعنى ليس، وذئبان اسمها. وجائعان صفة له، وأرسلا في غنم الجملة في محل الرفع على أنها صفة بعد صفة، وقوله بأفسد خبر لما والباء زائدة وهو أفعل تفضيل أي بأشد إفساد والضمير في لها للغنم واعتبر فيها الجنسية فلذا أنث، وقوله من حرص المرء

(7/46)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ويُرْوَى في هذا البَابِ، عن ابنِ عُمَرَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم، ولا يَصِحّ إِسْنَادُهُ.
__________
هو المفضل عليه لاسم التفضيل، وقوله على المال والشرف يتعلق بالحرص والمراد به الجاه، وقوله لدينه اللام فيه بيان كما فيقوله تعالى: {لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} كأنه قيل بأفسد لأي شيء، قيل لدينه. ومعناه ليس ذئبان جائعان أرسلا في جماعة من جنس الغنم بأشد إفساداً لتلك الغنم من حرص المرء على المال والجاه، فإن إفساده لدين المرء أشد من إفساد الذئبين الجائعين لجماعة من الغنم إذا أرسلا فيها. أما المال فإفساده أنه نوع من القدرة يحرك داعية الشهوات ويجر إلى التنعم في المباحات فيصير التنعم مألوفاً، وربما يشتد أنسه بالمال ويعجز عن كسب الحلال فيقتحم في الشبهات مع أنها ملهية عن ذكر الله تعالى، وهذه لا ينفك عنها أحد. وأما الجاه فيكفى به إفساداً أن المال يبذل للجاه ولا يبذل الجاه للمال وهو الشرك الخفي، فيخوض في المراآة والمداهنة والنفاق وسائر الأخلاق الذميمة، فهو أفسد وأفسد انتهى.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والنسائي والدارمي وابن حبان.
قوله : "ويروى في هذا الباب عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يصح أسناده" حديث ابن عمر هذا رواه البزار بلفظ: ما ذئبان ضاريان في حظيرة يأكلان ويفسدان بأضر فيها من حب الشرف وحب المال في دين المرء المسلم. قال المنذري في الترغيب: إسناده حسن.
وقد صنف ابن رجب الحنبلي جزءاً لطيفاً في شرح حديث كعب بن مالك المذكور في الباب، وقال فيه بعد ذكره ما لفظه: وروي من وجه آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وأسامة بن زيد وجابر وأبي سعيد الخدري وعاصم بن عدي الأنصاري رضي الله عنهم أجمعين. قال: وقد ذكرتها كلها مع الكلام عليها في كتاب شرح الترمذي وفي لفظ حديث جابر: ما ذئبان ضاريان يأتيان في غنم غاب رعاؤها بأفسد للناس من حب الشرف والمال لدين المؤمن انتهى.

(7/47)


31-باب
2483-حَدّثنا مُوسَى بنُ عبدِ الرّحمنِ الْكِنْدِيّ، أَخْبَرنَا زَيْدُ بنُ حُبَابٍ، أخبرني المَسْعُودِيّ، أَخْبَرنَا عَمْرُو بنُ مُرّةَ عن إِبْرَاهِيمَ، عن عَلْقَمَةَ، عن عَبْدِ الله قَالَ: نَامَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم على حَصِيرٍ فَقَامَ وَقَدْ أَثّرَ في جَنْبِهِ، فَقُلْنَا يَا رَسُولَ الله لَوْ اتّخَذْنَا لَكَ وِطَاءً، فَقَالَ: "مَالِي وَلِلدّنْيَا، ما أَنَا في الدّنْيَا إِلاّ كَرَاكِبٍ اسْتَظلّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمّ رَاحَ وَتَرَكَهَا" .
__________
"باب"
قوله: "أخبرنا زيد بن حباب" هو أبو الحسين العكلي "حدثني المسعودي" هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الكوفي صدوق اختلط قبل موته وضابطه أن من سمع منه ببغداد فبعد الاختلاط من السابعة كذا في التقريب "أخبرنا عمرو بن مرة" هو الجملي المرادي أبو عبد الله الكوفي "عن إبراهيم" هو النخعي.
قوله: "فقام" أي عن النوم "وقد أثر" أي أثر الحصير "لو اتخذنا لك وطاء" بكسر الواو وفتحها ككتاب وسحاب أي فراشاً وكلمة "لو" تحتمل أن تكون للتمني وأن تكون للشرطية والتقدير لو اتخذنا لك بساطاً حسناً وفراشاً ليناً لكان أحسن من اضطجاعك على هذا الحصير الخشن "مالي وللدنيا" قال القاري: ما نافية أي ليس لي ألفة ومحبة مع الدنيا ولا للدنيا ألفة ومحبة معي حتى أرغب إليها، وأنبسط عليها وأجمع ما فيها ولذتها أو استفهامية أي: أي ألفة ومحبة لي مع الدنيا أو أي شيء لي مع الميل إلى الدنيا أو ميلها إلي فإني طالب الاَخرة وهي ضرتها المضادة لها. قال واللام في للدنيا مقحمة للتأكيد إن كان الواو بمعنى مع وإن كان للعطف فالتقدير مالي مع الدنيا وما للدنيا معي "استظل تحت شجرة ثم راح وتركها" وجه التشبيه سرعة الرحيل وقلة المكث ومن ثم خص الراكب.

(7/48)


وفي البابِ عن عُمَرَ وَابنِ عَبّاسِ. هذا حديثٌ صحيحٌ.
__________
قوله : "وفي الباب عن ابن عمر وابن عباس" ، أما حديث ابن عمر فأخرجه الترمذي في باب قصر الأمل، وأما حديث ابن عباس فأخرجه أحمد وابن حبان في صحيحه والبيهقي بنحو حديث عبد الله المذكور في الباب.
قوله : "هذا حديث صحيح" وأخرجه أحمد وابن ماجه والحاكم والضياء المقدسي.

(7/49)


32-باب
2484-حَدّثنا مُحمدُ بنُ بَشّارِ، أخبرنا أَبُو عَامِرٍ وَأَبُو دَاوُدَ قَالاَ: أخْبَرَنَا زُهَيْرُ بنُ مُحمدٍ، حدثني مُوسَى بنُ ورْدَانَ عن أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُو. لُ الله صلى الله عليه وسلم: "الرجُلُ عَلَى دِينِ خَليلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ".
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
__________
"باب"
قوله: "أخبرنا أبو عامر" العقدي البصري "وأبو داود" الطيالسي "قالا: أخبرنا زهير بن محمد" التميمي "حدثني موسى بن وردان" العامري مولاهم أبو عمر المصري مدني الأصل صدوق ربما أخطأ من الثالثة.
قوله : "الرجل" يعني الإنسان "على دين خليله" أي على عادة صاحبه وطريقته وسيرته "فلينظر" أي فليتأمل وليتدبر "من يخالل" من المخالة وهي المصادقة والإخاء، فمن رضي دينه وخلقه خالله ومن لا تجنبه، فإن الطباع سراقة والصحبة مؤثرة في إصلاح الحال وإفساده. قال الغزالي: مجالسة الحريص ومخالطته تحرك الحرص ومجالسة الزاهد ومخاللته تزهد في الدنيا، لأن الطباع مجبولة على التشبه والاقتداء بل الطبع من حيث لا يدري.
قوله : "هذا حديث حسن غريب" قال صاحب المشكاة بعد ذكر هذا الحديث: رواه أحمد والترمذي وأبو داود والبيهقي في شعب الإيمان وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وقال النووي إسناده صحيح انتهى. قال الطيبي: ذكره

(7/49)


.............................................
__________
في رياض الصالحين. وغرض المؤلف من إيراده والإطناب فيه دفع الطعن في هذا الحديث ورفع توهم من توهم أنه موضوع. قال السيوطي: هذا الحديث أحد الأحاديث التي انتقدها الحافظ سراج الدين القزويني على المصابيح، وقال إنه موضوع. وقال الحافظ ابن حجر في رده عليه: قد حسنه الترمذي وصححه الحاكم كذا في المرقاة.

(7/50)


33-باب
2485-حَدّثنا سُوَيْدُ بن نصر، أخبرنا عَبْدُ الله بنِ المبارك عن سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن عَبْدِ الله بنِ أبي بَكْرٍ ههو ابن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يَتْبَعُ المَيّتَ ثَلاَثٌ، فَيَرْجِعُ اثْنَانِ، وَيَبْقَى وَاحِدٌ: يَتْبَعُهُ أَهْله وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَيَبْقَى عَمَلُهُ" .
__________
"باب"
قوله: "حدثنا سويد" بن نصر بن سويد المروزي "أخبرنا عبد الله" بن المبارك "عن عبد الله بن أبي بكر" بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري.
قوله : "يتبع الميت" أي إلى قبره "ثلاث" أي من أنواع الأشياء "فيرجع اثنان" أي إلى مكانهما ويتركانه وحده "ويبقى واحد" أي لا ينفك عنه "يتبعه أهله" أي أولاده وأقاربه وأهل صحبته ومعرفته "وماله" كالعبيد والإماء والدابة والخيمة. قاله القاري. وقال المظهر: أراد بعض ماله وهو مماليكه. وقال الطيبي: أتباع الأهل الحقيقة وأتباع المال على الاتساع، فإن المال حينئذ له نوع تعلق بالميت من التجهيز والتكفين ومؤنة الغسل والحمل والدفن، فإذا دفن انقطع تعلقه بالكلية "وعمله" أي من الصلاح وغيره "ويبقى عمله" . قال الحافظ في الفتح: معنى بقاء عمله أنه يدخل معه القبر. وقد وقع في حديث البراء بن عازب الطويل في صفة المسألة في القبر عند أحمد وغيره ففيه: ويأتيه الرجل حسن الوجه حسن الثياب حسن الريح فيقول أبشر بالذي يسرك. فيقول: من أنت فيقول: أنا عملك الصالح. وقال في حق الكافر: ويأتيه رجل قبيح الوجه الحديث وفيه بالذي يسوءك وفيه عملك الخبيث انتهى.

(7/50)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
__________
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وغيرهما.

(7/51)


34-باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ كثْرَةِ الأَكْل
2486-حَدّثنا سُوَيْدُ ، أخبرنا عَبْدُ الله بنُ المُبَارَكِ، أخبرنا إِسْمَاعِيلُ بنُ عَيّاشٍ، حدثني أَبُو سَلْمَةَ الْحِمْصِيّ، وَحَبِيبُ بنُ صَالِحِ، عن يَحْيَى بنِ جَابِرٍ الطّائِيّ، عن مِقْدَامِ بنِ مَعْدِ يكَرِبَ، قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَامَلأَ آدمِيٌ وِعَاءً شَرّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابنِ آدَمَ أُكُلاَتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فإِنْ كَانَ لاَ مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ
__________
"باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ كثْرَةِ الأَكْل"
قوله: "حدثني أبو سلمة الحمصي" اسمه سليمان بن سليم الكلبي الشامي القاضي بحمص ثقة عابد من السابعة "وحبيب بن صالح" الطائي أبو موسى الحمصي ويقال حبيب بن أبي موسى ثقة من السابعة "عن يحيى بن جابر الطائي" أبي عمرو الحمصي القاضي ثقة من السادسة وأرسل كثيراً "عن مقدام بن معد يكرب" بن عمرو الكندي، صحابي مشهور نزل الشام.
قوله : "ما ملأ آدمي وعاء" أي ظرفاً "شراً من بطن" صفة وعاء، جعل البطن أولاً وعاء كالأوعية التي تتخذ ظروفاً لحوائج البيت توهيناً لشأنه ثم جعله شر الأوعية لأنها استعملت فيما هي له والبطن خلق لأن يتقوم به الصلب بالطعام وامتلاؤه يفضي إلى الفساد في الدين والدنيا فيكون شراً منها "بحسب ابن آدم" مبتدأ أو الباء زائدة أي يكفيه وقوله "أكلات" بضمتين خبره نحوقوله بحسبك درهم والأكلة بالضم اللقمة أي يكفيه هذا القدر في سد الرمق وإمساك القوة "يقمن" من الإقامة "صلبه" أي ظهره تسمية للكل باسم جزئه، كناية عن أنه لا يتجاوز ما يحفظه من السقوط ويتقوى به على الطاعة "فإن كان لا محالة" بفتح الميم ويضم، أي إن كان لا بد من التجاوز عما ذكر فلتكن أثلاثاً "فثلث" أي فثلث يجعله

(7/51)


وَثُلْثٌ لِنَفَسِهِ" .
2487-حدّثنا الْحَسَنُ بنُ عَرَفَةَ، أَخْبَرنَا إِسْمَاعِيلُ بنُ عَيّاشٍ نَحْوَهُ وَقَالَ المِقْدَامُ بنُ مَعْدِ يكَربَ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَذْكُرْ فيه سَمِعْتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
__________
"لطعامه" أي مأكوله "وثلث" يجعله "لشرابه" أي مشروبه "وثلث" يدعه "لنفسه" بفتح الفاء أي يبقى من ملئة قدر الثلث ليتمكن من التنفس ويحصل له نوع صفاء ورقة وهذا غاية ما اختير للأكل ويحرم الأكل فوق الشبع. وقال الطيبي رحمه الله: أي الحق الواجب أن لا يتجاوز عما يقام به صلبه ليتقوى به على طاعة الله فإن أراد البتة التجاوز فلا يتجاوز عن القسم المذكور.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد وابن ماجه والحاكم وقال صحيح.

(7/52)


35 -باب مَا جَاءَ في الرّيَاءِ والسّمْعَة
2488 حَدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ، حدثنا مُعَاوِيَةُ بنُ هِشَامٍ عن شَيْبَانَ، عن فِرَاسٍ، عن عَطِيّةَ عن أَبي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللّهُ بِهِ وَمَنْ يُسَمّعْ يُسَمّعِ الله بِهِ" . قَالَ: وقَالَ
__________
"باب مَا جَاءَ في الرّيَاءِ والسّمْعَة"
قال الحافظ في الفتح الرياء بكسر الراء وتخفيف التحتانية والمد وهو مشتق من الرؤية والمراد به إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها فيحمدوا صاحبها، والسمعة بضم المهملة وسكون الميم مشقة من سمع والمراد بها نحو ما في الرياء، لكنها تتعلق بحاسة السمع والرياء بحاسة البصر انتهى. وقال الغزالي: الرياء مشتق من الرؤية، والسمعة من السماع، وإنما الرياء أصله طلب المنزلة في قلوب الناس بإرائهم الخصال المحمودة. فخذ الرياء هو إراؤة العبادة بطاعة الله تعالى، فالمرائي هو العابد والمراءي له هو الناس، والمراءى به هو الخصال الحميدة. والرياء هوقصد إظهار ذلك
"من يرائي يرائى الله به" بإثبات الياء في الفعلين على أن من موصولة مبتدأ

(7/52)


رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ لاَ يَرْحَمِ النّاسَ لاَ يَرْحَمْهُ الله" .
وفي البابِ عن جُنْدُبٍ وَعَبْدِ الله بنِ عَمْرو.
هذا حديث غريب حسن صحيح من هَذَا الْوَجْهِ.
__________
والمعنى: من يعمل عملاً ليراه الناس في الدنيا يجازيه الله تعالى به بأن يظهر رياءه على الخلق "ومن يسمع" بتشديد الميم أي من عمل عملاً للسمعة بأن نوه بعمله وشهره ليسمع الناس به ويمتدحوه "يسمع الله به" بتشديد الميم أيضاً أي شهرة الله بين أهل العرصات وفضحه على رؤوس الأشهاد. قال الخطابي: معناه من عمل عملاً على غير إخلاص وإنما يريد أن يراه الناس ويسمعوه جوزي على ذلك بأن يشهره الله ويفضحه ويظهر ما كان يبطنه. وقيل من قصد بعمله الجاه والمنزلة عند الناس ولم يرد به وجه الله فإن الله يجعله حديثاً عند الناس الذين أراد ونيل المنزلة عندهم ولا ثواب له في الاَخرة. ومعنى يرائي به يطلعهم على أنه فعل ذلك لهم لا لوجهه، ومنهقوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَاِ} إلى قوله: {مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} وقيل المراد من قصد بعمله أن يسمعه الناس ويروه ليعظموه وتعلو منزلته عندهم حصل له ما قصد وكان ذلك جزاؤه على عمله ولا يثاب عليه في الاَخرة. وقيل: المعنى من سمع بعيوب الناس وأذاعها أظهر الله عيوبه وسمعه المكروه. وقيل غير ذلك ذكره الحافظ في الفتح قال: وفي الحديث استحباب إخفاء العمل الصالح، لكن قد يستحب إظهار ممن يقتدي به على إرادته الاقتداء به ويقدر ذلك بقدر الحاجة "من لا يرحم الناس لا يرحمه الله" تقدم شرحه في باب رحمة الناس من أبواب البر والصلة.
قوله : "وفي الباب عن جندب وعبد الله بن عمرو" أما حديث جندب فأخرجه الشيخان. وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه الطبراني عنه مرفوعاً بلفظ: من سمع الناس بعمله سمع الله به مسامع خلقه وصغره وحقره. قال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث. رواه الطبراني في الكبير بأسانيد أحدها صحيح والبيهقي انتهى.
قوله : "هذا حديث غريب من هذا الوجه" وأخرجه أحمد وابن ماجه إلا الفصل الأخير.

(7/53)


2489-حدّثنا سُوَيْدُ بنُ نَصْرٍ، أخبرنا عَبْدُ اللّهِ بنُ المُبَارَكِ، أخبرنا حَيْوَةُ بنُ شُرَيْحٍ، أخبرني الْوَلِيدُ بنُ أَبي الْوَلِيدِ أَبُو عُثْمَانَ المَدَائِنيّ، أَنّ عُقْبَةَ بنَ مُسْلِمٍ حَدّثَهُ أَنَ شُفَيّاً الأَصْبَحِيّ حَدّثَهُ أَنّهُ دَخَلَ المَدِينَةَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَدْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النّاسُ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: أَبُو هُرَيْرَةَ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ حَتّى قَعَدْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ يُحَدّثُ النّاسَ. فَلّمَا سَكَتَ وَخَلاَ قُلْتُ لَهُ: أَسْأَلُكَ بِحَقّ وَبِحَقّ لما حَدّثْتَنِي حَدِيثاً سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم عَقَلْتَهُ وَعَلِمْتَهُ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَفْعَلُ لأُحَدّثَنّكَ حَدِيثاً حَدّثَنِيِه رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَقَلْتُهُ وَعَلِمْتُهُ، ثم نَشَغَ أَبُو هُرَيْرَةَ نَشْغَةً، فمكَثْنَا قَلِيلاً، ثُمّ أَفَاقَ فَقَالَ: لأُحَدّثَتّكَ حَدِيثاً حَدّثَنيِه رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فِي هَذَا البَيْتِ مَا مَعَنَا أَحَدٌ غَيْرِي وَغَيْرُهُ، ثُمّ نَشَغَ أَبُو هُرَيْرَةَ نَشْغَةً أخرى، ثُمّ أَفَاقَ فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَقَالَ: أَفْعَلُ لأُحَدّثَنّكَ
__________
قوله : "أن عقبة بن مسلم" التجيبي المصري القاص إمام المسجد العتيق بمصر ثقة من الرابعة "أن شفياً الأصبحي" قال في التقريب شفي بالفاء مصغراً ابن ماتع بمثناة الأصبحي ثقة من الثالثة أرسل حديثاً فذكره بعضهم في الصحابة خطأ. مات في خلافة هشام قاله خليفة انتهى.
قوله : "أنه" أي شفياً "فلما سكت" أي عن التحديث "وخلا" أي بقي منفرداً "وأسالك بحق وبحق" التكرار للتأكيد والباء زائدة. والمعنى أسألك حقاً غير باطل "لما حدثتني حديثاً" كلمة لما ههنا بمعنى ألا. قال في القاموس ولما يكون بمعنى حين ولم الجازمة وألا، وإنكار الجوهري كونه بمعنى ألا غير جيد. يقال: سألتك كما فعلت أي ألا فعلت ومنه. {إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} {وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ} انتهى "ثم نشغ" بفتح النون والشين المعجمة بعدها غين

(7/54)


حَدِيثاً حَدّثَنِيهِ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وأَنَا وَهُوَ فِي هَذَا البَيْتِ مَامَعَنَا أَحدٌ غَيْرِي وَغَيْرُهُ، ثُمّ نَشَغَ أَبُو هُرَيْرَةَ نَشْغَةً أخرى، ثم مَالَ خَارّا عَلَى وَجْهِهِ فَأَسْنَدْتُهُ طَوِيلاً، ثُم أَفَاقَ فَقَالَ: حدثني رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: " أَنّ الله تبارك تَعَالَى إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ يَنْزِلُ إِلَى العِبَادِ لِيَقْضِيَ بَيْنَهُمْ وَكلّ أُمّةٍ جَاثِيَةٌ، فَأَوّلُ مَنْ يَدْعُو بِهِ رَجُلٌ جَمَعَ القُرْآنَ، وَرَجُلٌ قُتِلَ فِي سَبِيلِ الله، وَرَجُلٌ كَثِيرُ المَالِ، فَيَقُولُ الله لِلقارئ: أَلَمْ أُعَلِمْكَ مَا أَنْزَلْتُ عَلَى رَسُولِي؟ قَالَ بَلَى يَا رَبّ. قالَ: فَمَاذَا عُلّمتَ فِيمَا عَلِمْتَ؟ قالَ: كُنْتُ أَقُومُ بِهِ آنَاءَ الّليلِ وَآنَاءَ النّهَارِ، فَيَقُولُ الله لَهُ: كَذَبْتَ، وَتَقُولُ له المَلاَئِكَةُ كَذَبْتَ، وَيَقُولُ الله لَهُ: بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ إن فلاناً قارئ، فَقَدْ قِيْلَ ذَاكَ. وَيُؤْتَى بِصَاحِبِ المَالِ، فَيَقُولُ الله: أَلَمْ أُوَسّعْ عَلَيْكَ حَتّى لَمْ أَدَعْكَ تَحْتَاجُ إِلَى
__________
معجمة أي شهق حتى كاد يغشى عليه أسفاً أو خوفاً قاله المنذري. وقال الجزري في النهاية: النشغ في الأصل الشهيق حتى يكاد يبلغ به الغشي وإنما يفعل الإنسان ذلك تشوقاً إلى شيء فائت وأسفاً عليه ومنه. حديث أبي هريرة أنه ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فنشغ نشغة أي شهق وغشى عليه انتهى "مال خاراً" من الخرور أي ساقطاً "فأسندته" . قال في الصراح إسناد تكية دادن جيزي رايجيزي "وكل أمة جاثية" قال في القاموس: جثا كدعا ورمى جثواً وجثياً بضمهما جلس على ركبتيه أو قام على أطراف أصابعه انتهى "يدعو" أي الله تعالى "به" الضمير راجع إلى من "رجل جمع القرآن" أي حفظه "قتل" بصيغة المجهول "فماذا عملت" من العمل "فيما علمت" من العلم "كنت أقوم به" أي بالقرآن "آناء الليل وآناء النهار" أي ساعاتهما. قال الأخفش: واحدها إنىً مثل معىً، وقيل واحدها إنْىٌ وإنْوٌ وأنو، يقال مضى من الليل إنوان وإنيان "فقد قيل ذلك" أي ذلك القول فحصل مقصودك وغرضك "ألم أوسع عليك" أي ألم أكثر مالك "حتى

(7/55)


أَحَدٍ؟ قالَ بَلَى يَا رَبّ. قالَ: فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا آتَيْتُكَ؟ قالَ: كُنْتُ أَصِلُ الرّحِمَ وَأَتَصَدّقُ، فَيَقُولُ الله لَهُ: كَذَبْتَ، وَتَقُولُ المَلاَئِكَةُ لَهُ كَذَبْتَ، وَيَقُولُ الله تعالى: بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ فُلاَنٌ جَوَادٌ وَقَد قِيلَ ذَاكَ. وَيُؤْتَى بِالّذِي قُتِلَ في سَبِيلِ الله فَيَقُولُ الله لَهُ: فِيمَاذَا قُتِلْتَ؟ فَيَقُولُ أَمَرْت بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِكَ فقاتَلْتُ حَتّى قُتِلْتُ. فَيَقُولُ الله تعالى لَهُ كَذَبْتَ، وَتَقُولُ لَهُ المَلاَئِكَةُ كذَبْتَ، وَيَقُولُ الله تعالى: بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ فُلاَنٌ جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ" ، ثُمّ ضَرَبَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى رُكْبَتِي فَقَالَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ: "أُولِئَكَ الثّلاَثَةُ أَوّلُ خَلْقِ الله تُسَعّرُ بِهِمْ النّارُ يَوْمَ القِيَامَةِ" . وقالَ الْوَلِيدُ أبُو عُثْمَانَ المَدائِنيّ: فَأَخْبَرَنِي عُقْبَةُ بن مسلم أَنّ شُفَيّاً هُوَ الّذِي دَخَلَ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَأَخْبَرَهُ بِهَذَا. قالَ أَبُو عُثْمَانَ: وحدثني العَلاَءُ بنُ أَبي حَكِيمٍ أَنّهُ كَانَ سَيّافاً لِمُعَاوِيَةَ، قَالَ: فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ، فَأَخْبَرَهُ بِهَذَا عن أَبي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: قَدْ فُعِلَ بِهؤلاءِ هَذَا فَكَيْفَ بِمَنْ بَقِيَ مِنَ النّاسِ، ثُمّ بَكَى مُعَاوِيَةُ بُكَاءً شَدِيداً حَتّى ظَنَنّا أَنّهُ هَالِكٌ، وَقُلْنَا قَدْ جَاءَنَا هَذَا الرّجُلُ
__________
لم أدعك" أي لم أتركك من ودع يدع "جواد" أي سخي كريم "جريئي" فعيل من الجرة فهو مهموز، وقد يدغم أي شجاع "تسعر" من التسعير أي توقد. والحديث دليل على تغليظ تحريم الرياء وشدة عقوبته وعلى الحث على وجوب الإخلاص في الأعمال كما قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} وفيه أن العمومات الواردة في فضل الجهاد وإنما هي لمن أراد الله تعالى بذلك مخلصاً، وكذلك الثناء على العلماء وعلى المنفقين في وجوه الخيرات كله محمول على من فعل ذلك لله تعالى مخلصاً "وحدثني العلاء بن أبي حكيم" قال في التقريب: العلاء بن أبي حكيم يحيى الشامي سياف معاوية ثقة من الرابعة "قد فعل بهؤلاء" أي القارئ والشهيد والجواد

(7/56)


بِشَرٍ، ثُمّ أَفَاقَ مُعَاوِيَةُ وَمَسَحَ عن وَجْهِهِ وَقَالَ: صَدَقَ الله وَرَسُولُهُ: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} .
__________
المذكورين في الحديث {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} يعني بعمله الذي يعمله من أعمال البر. نزلت في كل من عمل عملاً يبتغي به غير الله عز وجل {نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا} يعني أجور أعمالهم التي عملوها لطلب الدنيا، وذلك أن الله سبحانه وتعالى يوسع عليهم الرزق ويدفع عنهم المكاره في الدنيا ونحو ذلك {وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ} أي لا ينقصون من أجور أعمالهم التي عملوها لطلب الدنيا بل يعطون أجور أعمالهم كاملة موفورة {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا} أي وبطل ما عملوا في الدنيا من أعمال البر {وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} لأنه لغير الله. واختلف المفسرون في المعنى بهذه الاَية فروى قتادة عن أنس أنها في اليهود والنصارى وعن الحسن مثله. وقال الضحاك من عمل عملاً صالحاً في غير تقوى يعني من أهل الشرك أعطي على ذلك أجراً في الدنيا وهو أن يصل رحماً أو يعطي سائلاً أو يرحم مضطراً أو نحو هذا من أعمال البر فيعجل الله له ثواب عمله في الدنيا يوسع عليه في المعيشة والرزق ويقر عينه فيما حوله، ويدفع عنه المكاره في الدنيا وليس له في الاَخرة نصيب. ويدل على صحة هذا القول سياق الاَية وهو قوله {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ} الاَية. وهذه حالة الكافر في الاَخرة. وقيل نزلت في المنافقين الذين كانوا يطلبون بغزوهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم لأنهم كانوا لا يرجون ثواب الاَخرة. وقيل إن حمل الاَية على العموم أولى فيندرج الكافر والمنافق الذي هذه صفته والمؤمن الذي يأتي بالطاعات وأعمال البر على وجه الرياء والسمعة. قال مجاهد في هذه الاَية هم أهل الرياء وهذا القول مشكل لأن قوله سبحانه وتعالى {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ} لا يليق بحال المؤمن إلا إذا قلنا إن تلك الأعمال الفاسدة والأفعال الباطلة لما كانت لغير الله استحق فاعلها الوعيد الشديد وهو عذاب النار، كذا في تفسير الخازن.

(7/57)


هذا حديثٌ حَسَنٌ غريب.
__________
قوله : "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه.

(7/58)


36-باب
2490-حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ، حدثني المُحَارِبِيّ، عن عَمّارِ بنِ سَيْفٍ الضّبّي، عن أَبي مَعَانٍ البَصْرِيّ، عن ابنِ سِيرِينَ عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "تَعَوّذُوا بِالله مِنْ جُبّ الْحَزَنْ". قَالُوا: يَا رَسُولَ الله وَمَا جُبّ الْحَزَنِ؟ قال: "وَادٍ في جَهَنّمَ يَتَعَوّذُ مِنْهُ جَهَنّمُ كلّ يَوْمٍ ماىَ مَرّةٍ. قِييلَ: يَا رسُولَ الله، وَمَنْ يَدْخُلُهُ؟ قال: الْقَرّاءُ المُرَاءُونَ بِأَعْمَالِهِمْ" .
قالَ: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
__________
"باب"
قوله: "عن عمار بن سيف" بفتح مهملة وسكون تحتية "الضبي" بالمعجمة ثم الموحدة الكوفي ضعيف الحديث، وكان عابداً من التاسعة "أبي معان البصري" في تهذيب التهذيب: أبو معاذ، ويقال أبو معان وهو أصح، بصري عن أنس ومحمد بن سيرين وعنه عمار بن سيف الضبي. وفي الميزان: لا يعرف وفي التقريب: مجهول من السادسة "عن ابن سيرين" الظاهر أنه محمد بن سيرين، ويحتمل أن يكون أنس بن سيرين.
قوله : "تعوذوا بالله من جب الحزن" قال في المجمع: الجب بالضم البئر غير المطوي وجب الحزن علم واد في جهنم والإضافة فيه كدار السلام إذ فيه السلامة من كل آفة وحزن انتهى "مائة مرة" وفي رواية ابن ماجه أربع مائة مرة "القراءون" قال في القاموس: القراء كرمان الناسك المتعبد كالقارئ والمتقرئ والجمع قراؤون وقرارئ انتهى.
قوله : "هذا حديث غريب" في سنده عمار بن سيف وهو ضعيف. أبو معان وهو مجهول كما عرفت، والحديث أخرجه ابن ماجه أيضاً.

(7/58)


37 -باب
2491-حَدّثنا محمّدُ بنُ المُثَنّى، أَخْبَرنَا أبو داوُدَ أَبو سِنَانٍ الشّيْبَانِيّ عن حَبِيبِ بنِ أَبي ثَابِتٍ، عن أَبي صَالحٍ، عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: قال رَجُلٌ: يَا رسُولَ الله، الرّجُلُ يَعْمَلُ الْعَمَلَ فَيَسُرّهُ، فَإِذَا اطّلعَ عَلَيْهِ أَعْجَبَهُ ذلك، قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَهُ أَجْرَانِ: أَجْرُ السّرّ وَأَجْرُ الْعَلانِيَةِ".
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وقد روى الاعمَشُ وَغَيْرُهُ عن حَبِيبِ بنِ أَبي ثَابِتٍ، عن أَبي صالح، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مُرْسَلاً، واصحاب الاعمَشِ لم يذكروا فيه عن أَبي هُرَيْرَةَ.
وقد فَسّرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ هذا الحديثَ: فقال إِذَا اطّلَعَ عَلَيْهِ فأَعْجَبَهُ، فإِنما مَعْنَاهُ أَنْ يُعْجِبَهُ ثَنَاءُ النّاسِ عَلَيْهِ بالخَيْرِ لِقَوْلِ النبيّ صلى الله عليه وسلم: "أَنْتُمْ شُهَدَاءُ الله في الارضِ، فَيُعْجِبُهُ ثَنَاءُ النّاسِ عَلَيْهِ لِهَذَا لما يرجو بثناء الناس عليه، فأَمّا إِذَا أَعْجَبَهُ لِيَعْلَمَ النّاسُ مِنْهُ الْخَيْرَ لِيُكَرمَ عَلَى ذَلِكَ ويعظّم عليه فَهَذَا رِيَاءٌ" . وقال بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِذَا اطّلَعَ عَلَيْهِ فَأعجبه رَجَاءَ أَنْ يُعْمَلَ بِعَمَلِهِ،
ـــــــ
باب
قوله: "حدثنا أبو داود" هو الطيالسي "حدثنا أبو سنان الشيباني" هو الأصغر، ويأتي ترجمته وترجمة أبي سنان الأكبر في باب كم وصف أهل الجنة من أبواب صفة الجنة.
قوله : "فيسره" من الإسرار أي فيخفيه "فإذا اطلع" بصيغة المجهول، وقوله الرجل يعمل إلىقوله أعجبه إخبار فيه معنى الاستخبار، يعني هل تحكم على هذا أنه رياء أم لا "أجر السر" أي لإخلاصه "وأجره العلانية" أي للاقتداء به أو لفرحه بالطاعة وظهورها منه.
قوله : "وقال بعض أهل العلم إذا اطلع عليه فأعجبه رجاء أن يعمل بعمله

(7/59)


فَيَكُونَ لَهُ مِثْلُ أُجُورِهِمْ، فَهَذَا لَهُ مَذْهَبُ أَيْضَاً
__________
فتكون له مثل أجورهم" وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها" "فهذا له مذهب أيضاً" أي هذا المعنى الثاني أيضاً صحيح يجوز أن يذهب إليه ويختار.

(7/60)


باب المرء مع من أحب
...
38 -باب مَا جَاءَ أَن المَرْءَ معَ مَنْ أَحَب
2492-حدّثنا أَبو هِشَامٍ الرّفَاعِيّ، أخبرنا حَفْصُ بنُ غِيَاثٍ، عن أَشْعَثَ، عن الْحَسَنِ، عن أنَسِ بنِ مَالِكٍ قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبّ وَلَهُ مَا اكْتَسَبَ" .
__________
"باب مَا جَاءَ أَن المَرْءَ معَ مَنْ أَحَب"
قوله: "عن أشعث" بن سوار الكندي النجار الأفرق الأثرم، صاحب التوابيت، قاضي الأهواز ضعيف من السادسة.
قوله : "المرء مع من أحب" أي يحشر مع محبوبه، ويكون رفيقاً لمطلوبه قال تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} الاَية. وظاهر الحديث العموم الشامل للصالح والطالح، ويؤيده حديث: المرء على دين خليله كما مر. ففيه ترغيب وترهيب ووعد ووعيد "وله ما اكتسب" وفي رواية البيهقي في شعب الإيمان: أنت مع من أحببت، ولك ما احتسبت. قال القاري: أي أجر ما أحتسبت، والاحتساب طلب الثواب. وأصل الاحتساب بالشيء الاعتداد به ولعله مأخوذ من الحساب أو الحسب واحتسب بالعمل إذا قصد به مرضاة ربه. وقال التوربشتي: وكلا اللفظين "يعني احتسب واكتسب" قريب من الاَخر في المعنى المراد منه. قال الطيبي رحمه الله: وذلك لأن معنى ما اكتسب كسب كسباً يعتد به ولا يرد عليه سبب الرياء والسمعة، وهذا هو معنى الاحتساب لأن الافتعال للاعتمال انتهى. ومعنى الحديث أن المرء يحشر مع من أحبه وله أجر ما أحتسب في محبته.

(7/38)


باب في حسن الظن بالله
...
39 -باب ما جَاءَ في حُسْنِ الظّنّ بالله تَعَالَى
2496-حَدّثنا أَبو كُرَيْبٍ، حدثنا وَكِيعٌ، عن جَعْفَرِ بنِ بُرْقَانَ، عن يَزِيدَ بنِ الأَصَمّ، عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنّ الله تَعَالَى يَقُولُ: أَنَا عِنْدَ ظَنّ عَبْدِي فِيّ وَأَنَا مَعَهُ إِذَا دَعَانِي".
__________
باب ما جَاءَ في حُسْنِ الظّنّ بالله تَعَالَى
قوله: "عن جعفر بن برقان" بضم الموحدة وسكون الراء بعدها قاف، الكلابي، كنيته أبو عبد الله الرقي صدوق يهم في حديث الزهري من السابعة "عن يزيد بن الأصم" في التقريب يزيد بن الأصم، واسمه عمرو بن عبيد بن معاوية البكائي أبو عوف، كوفي نزل الرقة وهو ابن أخت ميمونة أم المؤمنين، يقال له رؤية ولا يثبت وهو ثقة.
قوله : "أنا عند ظن عبدي بي" أي أنا أعامله على حسب ظنه بي وأفعل به ما يتوقعه مني من خير أو شر، والمراد الحث على تغليب الرجاء على الخوف وحسن الظن بالله كقوله عليه الصلاة والسلام: " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله" . ويجوز أن يراد بالظن اليقين. والمعنى: أنا عند يقينه بي وعلمه بأن مصيره إلي وحسابه على وأن ما قضيت به له أو عليه من خير أو شر لا مرد له. لا معطي لما منعت ولا مانع لما أعطيت، قاله الطيبي. وقال القرطبي في المفهم: قيل معنى ظن عبد بي ظن الإجابة عند الدعاء، وظن القبول عند التوبة، وظن المغفرة عند الاستغفار، وظن المجازاة عند فعل العبادة بشروطها تمسكاً بصادق وعده قال ويؤيدهقوله في الحديث الاَخر: ادعو الله وأنتم موقنون بالإجابة. قال ولذلك ينبغي للمرء أن يجتهد في القيام بما عليه، موقناً بأن الله يقبله ويغفر له

(7/63)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
__________
لأنه وعد بذلك وهو لا يخلف الميعاد فإن اعتقد أو ظن أن الله لا يقبلها وأنها لا تنفعه فهذا هو اليأس من رحمة الله وهو من الكبائر، ومن مات على ذلك وكل إلى ما ظن كما في بعض طرق الحديث المذكور، فيظن بي عبدي ما شاء. قال: وأما ظن المغفرة مع الإصرار فذلك محض الجهل والغرة، وهو يجر إلى مذهب المرجئة "وأنا معه إذا دعاني" أي بعلم، وهو كقوله إنني معكما أسمع وأرى.
قوله : "هذا حديث صحيح" وأخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجه.

(7/64)


40 -باب ما جَاءَ في البِرّ وَالإِثْم
2497-حَدّثنا مُوسَى بنُ عبدِ الرّحمَنِ الْكِنْدِيّ الْكُوفِيّ، حدثنا زَيْدُ بنُ حُبَابٍ، حدثنا مُعَاوِيَةَ بنُ صالِحٍ، حدثنا عبدُ الرحمنِ بنِ جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ الْحَضْرَمِيّ عن أَبِيهِ، عن النّوّاسِ بنِ سَمْعَانَ، أَنّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عَنْ الْبِرّ وَالإِثْمِ، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "الْبِرّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالإِثْمُ مَا حَاكَ في نَفْسِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطّلِعَ عَلَيْهِ النّاسُ" .
__________
"باب ما جَاءَ في البِرّ وَالإِثْم"
قوله: "عن النواس" بتشديد الواو ثم مهملة "ابن سمعان" بفتح السين وكسرها ابن خالد الكلابي أو الأنصاري صحابي مشهور سكن الشام.
قوله : "فقال النبي صلى الله عليه وسلم: البر" أي أعظم خصاله أو البر كله مجملاً "حسن الخلق" أي مع الخلق.
قال النووي في شرح مسلم: قال العلماء: البر يكون بمعنى الصلة وبمعنى اللطف والمبرة وحسن الصحبة والعشرة، وبمعنى الطاعة، وهذه الأمور هي مجامع حسن الخلق. وقال الطيبي: قيل فسر البر في الحديث بمعان شتى، ففسره في موضع بما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، وفسره في موضع بالإيمان، وفي موضع بما يقربك إلى الله، وهنا بحسن الخلق، وفسر حسن الخلق باحتمال الأذى وقلة الغضب وبسط الوجه وطيب الكلام، وكلها متقاربة في المعنى "والإثم ما حاك

(7/64)


2498-حدّثنا محمد بن بشار، أَخْبَرَنَا عبدُ الرّحمنِ بنُ مَهْدِي، أَخْبَرَنَا مُعَاوِيَةُ بنُ صالحٍ نَحْوَهُ إِلا أَنّهُ قال: سَأَلْتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
__________
في نفسك" أي تحرك فيها وتردد، ولن ينشرح له الصدر، وحصل في القلب منه الشك، وخوف كونه ذنباً. وقيل يعني الإثم ما أثر قبحه في قلبك أو تردد في قلبك، ولم ترد أن تظهره لكونه قبيحاً وهو المعنى بقوله: "وكرهت أن يطلع الناس عليه" أي أعيانهم وأماثلهم، إذ الجنس ينصرف إلى الكامل، وذلك لأن النفس بطبعها تحب اطلاع الناس على خيرها، فإذا كرهت للاطلاع على بعض أفعالها فهو غير ما تقرب به إلى الله، أو غير ما أذن الشرع فيه وعلم أنه لا خير فيه ولا بر فهو إذاً إثم وشر.
قوله : "هذا حديث صحيح حسن" وأخرجه البخاري في الأدب المفرد ومسلم في البر والصلة.

(7/65)


41 -باب ما جاءَ في الْحُبّ في الله
2499-حَدّثنا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ، أَخْبَرَنَا كَثِيرُ بنُ هِشَامٍ، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بنُ بُرْقَانَ أَخْبَرنَا حَبِيبُ بنُ أَبي مَرْزُوقٍ عن عَطَاءِ بنِ أَبي رَبَاحٍ، عن أَبي مُسْلِمٍ الْخَوْلاَنِيّ، حدثني مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله
__________
"باب ما جاءَ في الْحُبّ في الله"
أي في ذات الله وجهته لا يشوبه الرياء والهوى، ومن هنا كما فيقوله تعالى: { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا}
قوله : "حدثنا كثير بن هشام" الكلابي أبو سهل الرقي نزيل بغداد، ثقة من السابعة "حدثنا حبيب بن أبي مرزوق" الرقي ثقة فاضل من السابعة.

(7/65)


صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "قال الله عَزّ وَجَلّ: المُتَحَابّونَ في جَلاَلِي لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ يَغْبِطُهُمُ النّبِيّونَ وَالشّهَدَاءُ" . وفي البابِ، عن أَبي الدّرْدَاءِ، وَابنِ مَسْعُودٍ وَعُبَادَةَ بنِ الصّامِتِ، وَأَبي هُرَيْرَةَ،
__________
قوله : "المتحابون في جلالي" أي لأجل إجلالي وتعظيمي "يغبطهم النبيون والشهداء" قال القاري: بكسر الموحدة من الغبطة بالكسر، وهي تمني نعمة على ألا تتحول عن صاحبها، بخلاف الحسد فإنه تمني زوالها عن صاحبها فالغبطة في الحقيقة عبارة عن حسن الحال. كذا قيل. وفي القاموس: الغبطة حسن الحال والمسرة، فمعناها الحقيقي مطابق للمعنى اللغوي، فمعنى الحديث يستحسن أحوالهم الأنبياء والشهداء. قال: وبهذا يزول الإشكال الذي تحير فيه العلماء. وقال القاضي: كل ما يتحلى به الإنسان أو يتعاطاه من علم وعمل فإن له عند الله منزلة لا يشاركه فيه صاحبه ممن لم يتصف بذلك وإن كان له من نوع آخر ما هو أرفع قدراً وأعز ذخراً فيغبطه بأن يتمنى ويحب أن يكون له مثل ذلك مفهوماً إلى ماله من المراتب الرفيعة أو المنازل الشريفة، وذلك معنىقوله: يغبطهم النبيون والشهداء فإن الأنبياء قد استغرقوا فيما هو أعلى من ذلك من دعوة الخلق وإظهار الحق وإعلاء الدين وإرشاد العامة والخاصة، إلى غير ذلك من كليات أشغلتهم عن العكوف على مثل هذه الجزئيات والقيام بحقوقها، والشهداء وإن نالوا رتبة الشهادة وفازوا بالفوز الأكبر، فلعلهم لن يعاملوا مع الله معاملة هؤلاء، فإذا رأوهم يوم القيامة في منازلهم وشاهدوا قربهم وكرامتهم عند الله، ودوا لو كانوا ضامين خصالهم فيكونون جامعين بين الحسنتين وفائزين بالمرتبتين. وقيل إنه لم يقصد في ذلك إلى إثبات الغبطة لهم على هؤلاء بل بيان فضلهم وعلو شأنهم وارتفاع مكانهم وتقريرها على آكد وجه وأبلغه. والمعنى أن حالهم عند الله يوم القيامة بمثابة لو غبط النبيون والشهداء يومئذ مع جلالة قدرهم ونباهة أمرهم حال غيرهم لغبطوهم.
قوله : "وفي الباب عن أبي الدرداء وابن مسعود وعبادة بن الصامت وأبي مالك الأشعري وأبي هريرة" أما حديث أبي الدرداء فأخرجه الطبراني بإسناد حسن، وأما حديث ابن مسعود فأخرجه الطبراني في الأوسط، وأما

(7/66)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وأَبو مُسْلِمٍ الْخَوْلاَنِيّ اسْمُهُ عَبْدُ الله بنُ ثوَبٍ.
2500-حدّثنا الانْصَارِيّ، حدثنا معن، حدثنا مَالِكٌ عن حُبَيْبِ بنِ عبدِ الرّحمنِ، عن حَفْصِ بنِ عَاصِمٍ، عن أَبي هُرَيْرَةَ، أَوْ عن أَبي سَعِيدٍ: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "سَبْعَةٌ يُظِلّهُمُ الله في ظِلّهِ يَوْمَ
__________
حديث عبادة بن الصامت فأخرجه أحمد بإسناد صحيح، وأما حديث أبي مالك الأشعري فأخرجه أحمد وأبو يعلى بإسناد حسن والحاكم، وقال صحيح الإسناد. ذكر المنذري أحاديث هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم في ترغيبه، وأما حديث أبي هريرة فأخرجه مسلم عنه مرفوعاً: أن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي، يوم لا ظل إلا ظلي. وله أحاديث أخرى في هذا الباب.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مالك وأحمد والطبراني والحاكم والبيهقي بلفظ: قال الله تعالى وجبت محبتي للمتحابين فيّ والمتجالسين فيّ والمتزاورين فيّ والمتباذلين فيّ.
قوله: "وأبو مسلم الخولاني" الزاهد الشامي "اسمه عبد الله بن ثوب" بضم المثلثة وفتح الواو بعدها موحدة قال في التقريب: وقيل بإشباع الواو وقيل ابن أثوب وزن أحمر، ويقال ابن عوف، أو ابن مشكم ويقال اسمه يعقوب بن عوف ثقة عابد من الثانية، رحل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يدركه وعاش إلى زمن يزيد بن معاوية.
قوله : "حدثنا الأنصاري" هو إسحاق بن موسى الخطمي أبو موسى المدني "عن حفص بن عاصم" بن عمر بن الخطاب العمري، ثقة من الثالثة.
قوله : "سبعة" أي سبعة أشخاص "يظلهم الله" أي يدخلهم "في ظله" . قال عياض: إضافة الظل إلى الله إضافة ملك وكل ظل فهو ملكه. قال الحافظ في الفتح: وكان حقه أن يقول إضافة تشريف ليحصل امتياز هذا على غيره كما قيل للكعبة بيت الله مع أن المساجد كلها ملكه، وقيل المراد بظله كرامته وحمايته كما

(7/67)


لاَ ظِلّ إِلاّ ظِلّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌ نَشَأَ بِعِبَادَةِ الله، وَرَجُلٌ كَانَ قَلْبُهُ مُعَلّقاً بالمَسْجِدِ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتّى يَعُودَ إِلَيْهِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابّا في الله فَاجْتَمعَا
__________
يقال فلان في ظل الملك وهو قول عيسى بن دينار وقواه عياض. وقيل المراد ظل عرشه ويدل عليه حديث سلمان عند سعيد بن منصور بإسناد حسن: سبعة يظلهم الله في ظل عرشه فذكر الحديث قال: وإذا كان المراد العرش استلزم ما ذكر من كونهم في كنف الله وكرامته من غير عكس فهو أرجح، وبه جزم القرطبي ويؤيده أيضاً تقييد ذلك بيوم القيامة كما صرح به ابن المبارك في روايته عن عبيد الله بن عمر وهو عند المصنف في كتاب الحدود، قال: وبهذا يندفع قول من قال المراد ظل طوبى أو ظل الجنة لأن ظلهما إنما يحصل لهم بعد الاستقرار في الجنة ثم إن ذلك مشترك لجميع من يدخلها، والسياق يدل على امتياز أصحاب الخصال المذكورة فيرجح أن المراد ظل العرش وروى الترمذي وحسنة من حديث أبي سعيد مرفوعاً أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأقربهم منه مجلساً إمام عادل انتهى "إمام عادل" قال الحافظ: المراد به صاحب الولاية العظمى ويلتحق به كل من ولي شيئاً من أمور المسلمين فعدل فيه، ويؤيده رواية مسلم من حديث عبد الله بن عمرو رفعه: إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا. قال وأحسن ما فسر به العادل الذي يتبع أمر الله بوضع كل شيء في موضعه من غير إفراط ولا تفريط وقدمه في الذكر لعموم النفع به "وشاب" خص الشاب لكونه مظنة غلبة الشهوة لما فيه من قوة الباعث على متابعة الهوى فإن ملازمة العبادة مع ذلك أشد وأدل على غلبة التقوى "نشأ" أي نما وتربى "بعبادة الله" أي لافى معصيته فجوزي بظل العرش لدوام حراسة نفسه عن مخالفة ربه "ورجل كان قلبه معلقاً بالمسجد" وفي رواية الشيخين: ورجل قلبه معلق في المساجد وقال الحافظ: ظاهره أنه من التعليق كأنه شبهه بالشيء المعلق في المسجد كالقنديل مثلاً إشارة إلى طول الملازمة بقلبه، وإن كان جسده خارجاً عنه. ويدل عليه رواية الجوزقي: كأنما قلبه معلق في المسجد ويحتمل أن يكون من العلاقة وهي شدة الحب ويدل عليه رواية أحمد: معلق بالمساجد وكذا رواية سليمان: من حبها "إذا خرج منه" أي من المسجد "حتى يعود إليه" لأن المؤمن في المسجد كالسمك في

(7/68)


عَلَى ذَلِكَ وَتَفَرّقَا، وَرَجُلٌ ذَكَرَ الله خَالِياً فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امرأة ذَاتُ حَسَبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنّي أَخَافُ الله عَزّ وَجَلّ، وَرَجُلٌ تَصَدّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ".
__________
الماء والمنافق في المسجد كالطير في القفص "ورجلان" مثلاً "تحابا" بتشديد الباء وأصله تحاببا أي اشتركا في جنس المحبة، وأحب كل منهما الاَخر حقيقة لا إظهاراً فقط "في الله" أي لله أو في مرضاته "فاجتمعا على ذلك" أي على الحب في الله إن "اختمعا وتفرقا" أي إن تفرقاً يعني يحفظان الحب في الحضور والغيبة. وقال الحافظ: والمراد أنهما داما على المحبة الدينية ولم يقطعاها بعارض دنيوي، سواء اجتمعا حقيقة أم لا حتى فرق بينهما الموت.
"تنبيه" : عدت هذه الخصلة واحدة مع أن متعاطيها اثنان، لأن المحبة لاتتم إلا باثنين أو لما كان المتحابان بمعنى واحد كان عد أحدهما مغنياً عن عد الاَخر، لأن الغرض عد الخصال لإعد جميع من اتصف بها "ورجل ذكر الله" أي بقلبه من التذكر أو بلسانه من الذكر "خالياً" أي من الناس أو من الرياء أو مما سوى الله "ففاضت عيناه" أي فاضت الدموع من عينيه وأسند الفيض إلى العين مبالغة كأنها هي التي فاضت "ورجل دعته" امرأة إلى الزنا بها "ذات حسب" قال ابن الملك: الحسب ما يعده الإنسان من مفاخر آبائه وقيل الخصال الحميدة له ولاَبائه "فقال إني أخاف الله عز وجل" الظاهر أنه يقول ذلك بلسانه، أما ليزجرها عن الفاحشة أو ليعتذر إليها ويحتمل أن يقوله بقلبه. قاله عياض قال القرطبي: إنما يصدر ذلك عن شدة خوف من الله تعالى ومتين تقوى وحياء "ورجل تصدق بصدقة" نكرها ليشمل كل ما يتصدق به من قليل وكثير، وظاهرة أيضاً يشمل المندوبة والمفروضة لكن نقل النووي عن العلماء: أن إظهار المفروضة أولى من إخفائها "فأخفاها" قال ابن الملك هذا محمول على التطوع لأن إعلان الزكاة أفضل "حتى لا تعلم" بفتح الميم وقيل بضمها "شماله ما تنفق يمينه" قيل فيه حذف، أي لا يعلم من بشماله، وقيل يراد المبالغة في إخفائها، وإن شماله لو تعلم لما علمتها قال الحافظ في الفتح: وقد نظم السبعة العلامة أبو شامة عبد الرحمن بن إسماعيل فقال:
وقال النبي المصطفى إن سبعة ... يظلهم الله الكريم بظله
محب عفيف ناشئ متصدق ... وباكٍ مُصَلٍ والإمام بِعَدْلِهِ

(7/69)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وهكذا رُوِيَ هذا الحديثُ عن مَالِكِ بنِ أَنَسٍ من غيرِ وَجهٍ مِثْلَ هذا، وَشَكّ فِيهِ. وقال عن أَبي هُرَيْرَةَ أَوْ عن أَبي سَعِيدٍ. وَعُبَيْدُ الله بنُ عُمَرَ رَوَاهُ عن حُبَيْبِ بنِ عبدِ الرّحمنِ وَلَمْ يَشُكّ فِيهِ يقول عن أَبي هُرَيْرَةَ.
2501-حدّثنا سَوّارُ بنُ عبدِ الله الْعَنْبَرِيّ ومحمّدُ بنُ المُثَنّى، قالا:
__________
ووقع في صحيح مسلم من حديث أبي اليسر مرفوعاً: من أنظر معسراً أو وضع له أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله وهاتان الخصلتان غير السبعة الماضية، فدل على أن العدد المذكور لا مفهوم له. وقد تتبع الحافظ فوجد خصالاً أخرى غير الخصال المذكورة، وأوردها في جزء سماه معرفة الخصال الموصلة إلى الظلال.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مالك في موطئه ومسلم في صحيحه.
قوله : "وهكذا روي هذا الحديث عن مالك بن أنس من غير وجه مثل هذا وشك فيه وقال عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد" وكذلك أخرجه مالك في موطئه بالشك وكذلك أخرجه مسلم من طريق مالك "وعبيد الله بن عمر رواه عن خبيب بن عبد الرحمن ولم يشك فيه فقال عن أبي هريرة" وكذلك روى الشيخان من طريق عبيد الله بن عمر عن خبيب عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة من غير شك قال الحافظ: لم تختلف الرواة عن عبيد الله في ذلك ورواية مالك في الموطإ عن خبيب فقال عن أبي سعيد أو أبي هريرة على الشك، ورواه أبو قرة عن مالك بواو العطف فجعله عنهما وتابعه مصعب الزبيري وشذ في ذلك عن أصحاب. مالك والظاهر أن عبيد الله حفظه لكونه لم يشك فيه ولكونه من رواية خاله وجده انتهى.
قوله : "حدثنا سوار بن عبد الله" بن سوار بن عبد الله بن قدامة التميمي العتبري أبو عبد الله البصري قاضي الرصافة وغيرها، ثقة من العاشرة غلط من تكلم

(7/70)


أَخْبَرنَا يَحْيَىَ بنُ سَعِيدٍ عن عُبَيْدِ الله بنِ عُمَرَ، حدثني حُبَيْبِ بنِ عبدِ الرّحمنِ، عن حَفْصِ بنِ عاصِمٍ، عن أَبي هُرَيْرَةَ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَ حديثِ مَالِكِ بنِ أَنَسٍ بِمَعْنَاهُ إِلاّ أَنّهُ قال: "كَانَ قَلْبُه مُعَلّقّاً بالمَسَاجِدِ. وقال: ذَاتَ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ".
حديث حسن صحيح.
__________
فيه "أخبرنا يحيى بن سعيد" هو القطان "عن عبيد الله بن عمر" هو العمري "عن خبيب بن عبد الرحمن" بضم المعجمة وهو خال عيد الله الراوي عنه "عن حفص بن عاصم" هو جد عبيد الله المذكور لأبيه.
قوله : "ذات منصب" بكسر الصاد: أصل أو شرف أو حسب أو مال "وجمال" أي مزيد حسن.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والشيخان والنسائي.

(7/71)


42-باب ما جاءَ في إِعْلاَمِ الحُب
2502-حدثنا بُنْدَارٌ، أخبرنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ الْقَطّانُ، أخبرنا ثَوْرُ بنُ يَزِيدَ عن حَبِيبِ بنِ عُبَيْدٍ، عن المِقْدَامِ بنِ مَعْد يكَرِبٍ قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أَحَبّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُعْلِمْهُ إِيّاهُ" . وفي البابِ عن أَبي ذَرٍ وَأَنَسٍ. "حديثُ المِقْدَامِ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ" .
__________
"باب ما جاءَ في إِعْلاَمِ الحُب"
قوله: "عن حبيب بن عبيد" الرحبي أبي حفص الحمصي ثقة من الثالثة.
قوله : "إذا أحب أحدكم أخاه" في الدين "فليعلمه" أي فليخبره ندباً مؤكداً "إياه" أي أنه يحبه، وذلك لأنه إذا أخبره بذلك استمال قلبه واجتلب وده، فبالضرورة يحبه فيحصل الائتلاف ويزول الاختلاف بين المؤمنين.
قوله : "وفي الباب عن أبي ذر وأنس" . أما حديث أبي ذر فأخرجه أحمد والضياء المقدسي، وأما حديث أنس فأخرجه ابن حبان.

(7/71)


2503-حدثنا هَنّادٌ وَقتَيْبَةُ، قالا: أَخْبَرنَا حَاتِمُ بنُ إِسْماعيلَ، عن عِمْرَانَ بنِ مُسْلِمٍ الْقَصِيرِ، عن سَعِيدِ بنِ سَلْمَانَ، عن يَزِيدَ بن نُعَامَةَ الضّبّيّ قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا آخَا الرّجُلُ الرّجُلَ فَلْيَسْأَلْهُ عَنْ اسْمِهِ وَاسْم أَبِيِه وَمِمّنْ هُوَ؟ فَإِنّهُ أَوْصَلُ لِلْمَوَدّةِ" .
هذا حديثٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ إِلاّ من هذا الْوَجْهِ، ولا نعْرِف لِيَزِيدَ بنِ نُعَامَةَ سَمَاعاً مِنَ النبيّ صلى الله عليه وسلم.
__________
قوله : "حديث المقدام حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه أحمد وأبو داود وابن حبان والحاكم وصححه.
قوله : "عن عمران بن مسلم" المنقري القصير البصري صدوق ربما، وهم، قيل هو الذي روي عن عبد الله بن دينار وقيل بل هو غيره وهو مكي من السادسة "عن سعيد بن سليمان" وفي بعض النسخ سعيد بن سلمان قال الحافظ في التقريب: سعيد بن سلمان أو ابن سليمان الربعي مقبول من السابعة، وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته ذكره ابن حبان في الثقات له في الترمذي حديث واحد يعني حديث يزيد ابن نعامة هذا عن يزيد بن نعامة بضم نون وفتح عين مهملة كذا ضبطه صاحب مجمع البحار في المغني "الضبي" بفتح المعجمة وكسر الموحدة مشددة نسبة لضبه قبيلة مشهورة.
قوله : "إذا أخا الرجل الرجل" بمد الهمزة من المؤاخاة أي إذا اتخذه أخاً في الله "فيسأله عن اسمه" ما هو... "وممن هو" أي من أي قبيلة وقوم هو "فإنه" أي السؤال عما ذكر "أوصل" أي أكثر وصلة "للمودة" أي للمحبة في الإخوة.
قوله : "هذا حديث غريب" وأخرجه ابن سعد في الطبقات.
قوله: "ولا نعرف ليزيد بن نعامة سماعاً من النبي صلى الله عليه وسلم" قال في التقريب: يزيد بن نعامة الضبي أبو مودود البصري، مقبول من الثالثة ولم يثبت أن له صحبة. وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته: أرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث إذا آخا الرجل الرجل.

(7/72)


وَيُرْوى، عن ابنِ عُمَرَ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَ هذَا الحديثِ، ولا يَصِحّ إِسْنَادُهُ.
__________
قوله : "ويروى عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا الحديث ولا يصح إسناده" رواه البيهقي في شعب الإيمان ولفظه: "إذا آخيت رجلاً فاسأله عن اسمه واسم أبيه فإن كان غائباً حفظته، وإن كان مريضاً عدته، إن مات شهدته" . قال المناوي: وفي إسناده ضعف قليل.

(7/73)


باب كراهية المدحة والمداحين
...
43 -باب ما جاء في كَرَاهِيَةِ المُدْحَةِ وَالمدّاحِين
2504-حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبدُ الرّحمنِ بنُ مَهْدِيّ، حدثنا سُفْيَانُ عن حبِيبِ بنِ أَبي ثَابِتٍ، عن مُجَاهِدٍ، عن أَبي مَعْمَرٍ قال: قَامَ رَجُلٌ فأَثْنَى عَلَى أَمِيرٍ مِنَ الأُمَرَاءِ، فَجَعَلَ المِقْدَادُ بنُ الاسْوَدِ يَحْثُو في وَجْهِهِ التّرَابَ وقال: " أَمَرَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ نَحْثُوَ في وُجُوهِ المَدّاحِينَ التّرَابَ".
__________
"باب ما جاء في كَرَاهِيَةِ المُدْحَةِ وَالمدّاحِين"
قال في القاموس: مدحه كمنعه مدحاً ومدحه: أحسن الثناء عليه، كمدحه وامتدحه، والمديح والمدحة والأمدوحة ما يمدح به انتهى
قوله : "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحثو في وجوه المداحين التراب" قيل يؤخذ التراب ويرمى به في وجه المداح عملاً بظاهر الحديث وقيل معناه الأمر بدفع المال إليهم إذا المال حقير كالتراب بالنسبة إلى العرض في كل باب، أي أعطوهم إياه واقطعوا به ألسنتهم لئلا يهجوكم وقيل معناه أعطوهم عطاء قليلاً فشبه لقلته بالتراب. وقيل المراد منه أن يخيب المادح ولا يعطيه شيئاً لمدحه والمراد زجر المادح والحث على منعه من المدح لأنه يجعل الشخص مغروراً ومتكبراً. قال الخطابي: المداحون هم الذين اتخذوا مدح الناس عادة وجعلوه بضاعة

(7/73)


وفي البابِ عن أَبي هُرَيْرَةَ.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وقد رَوَى زَائِدَةُ عن يَزِيدَ بنِ أَبي زِيَادٍ، عن مُجَاهِدٍ، عن ابنِ عَبّاسٍ، عن المقداد وحديثُ مُجَاهِدٍ، عن أَبي مَعْمَرٍ أَصَحّ. وَأَبُو مَعْمَرٍ اسْمُهُ عبدُ الله بنُ سُخْبَرَةَ. وَالمِقْدَادُ بنُ الاسْوَدِ هُوَ المِقْدَادُ بنُ عَمْرٍو الْكِنْدِيّ، ويُكْنَى أَبَا مَعْبَدٍ، وإِنما نُسِبَ إِلَى الاسْوَدِ بنِ عَبْدِ يَغُوثَ لانّهُ كَانَ قد تَبَنّاهُ وَهُوَ صَغِيرٌ.
__________
يستأكلون به الممدوح. فأما من مدح الرجل على الفعل الحسن، والأمر المحمود يكون منه ترغيباً له في أمثاله وتحريضاً للناس على الاقتداء على أشباهه فليس بمداح. وفي شرح الستة قد استعمل المقداد الحديث على ظاهره في تناول عين التراب وحثه في وجه المادح وقد يتأول على أن يكون معناه الخيبة والحرمان أي من تعرض لكم بالثناء والمدح فلا تعطوه واحرموه، كني بالتراب عن الحرمان كقولهم: ما في يده غير التراب وكقوله صلى الله عليه وسلم: إذا جاءك يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه تراباً.
قلت: الأولى أن يحمل الحديث على ظاهره كما حمله عليه رواية المقداد بن الأسود، وإلا فالأولى أن يتأول على أن يكون معناه الخيبة والحرمان، وأما ما سواه من التأويل ففيه بعد كما لا يخفى والله أعلم. وقال الغزالي: في المدح ست آفات أربع على المادح واثنتان على الممدوح، أما المادح فقد يفرط فيه فيذكره بما ليس فيه فيكون كذاباً، وقد يظهر فيه من الحب مالا يعتقده فيكون منافقاً، وقد يقول له مالا يتحققه فيكون مجازفاً، وقد يفرح الممدوح به وربما كان ظالماً فيعصي بإدخال السرور عليه، وأما الممدوح فيحدث فيه كبراً وإعجاباً وقد يفرح فيفسد العمل.
قوله : "وفي الباب عن أبي هريرة" أخرجه الترمذي في هذا الباب.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد ومسلم والبخاري في الأدب المفرد، وأبو داود وابن ماجه كذا في المرقاة.
قوله : "وحديث مجاهد عن أبي معمر أصح" لأن حبيب بن أبي ثابت الذي

(7/74)


2505-حدثنا مُحَمّدُ بنُ عُثْمَانَ الكُوفِيّ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسَى، عن سَالِمٍ الْخَيّاطِ، عن الْحَسَنِ، عن أَبي هُرَيْرَةَ قال: "أَمَرَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ نَحْثُوَ في أَفْوَاهِ المَدّاحِينَ التّرَابَ" .
هذا حديثٌ غريبٌ مِنْ حديثِ أَبي هُرَيْرَةَ.
__________
رواه عن مجاهد ثقة فقيه جليل. وأما يزيد بن أبي زياد الذي رواه عن مجاهد عن ابن عباس فهو ضعف كبر فتغير وصار يتلقن.
قوله : "حدثنا محمد" ابن عثمان بن كرمة الكوفي ثقة من الحادية عشرة "عن سالم" بن عبد الله الخياط البصري نزل مكة، وهو سالم مولى عكاشة، وقيل هما اثنان صدوق سيء الحفظ من السادسة.
قوله : "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحثو أي نرمي" .
قوله : "هذا حديث غريب من حديث أبي هريرة" وهو منقطع لأن الحسن لم يسمع من أبي هريرة شيئاً.

(7/75)


44 -باب مَا جَاءَ في صُحْبَةِ المؤمِن
2506-حدثنا سُوَيْدُ بنُ نَصْرٍ، أخْبَرَنَاْ عبدُ الله بنُ المُبَارَكِ، عن حَيْوَةَ بنِ شُرَيْحٍ، أَخْبَرنَا سَالِمُ بنُ غَيْلاَنَ أَنّ الْوَلِيدَ بنَ قَيْسٍ التّجيْبِيّ
__________
"باب مَا جَاءَ في صُحْبَةِ المؤمِن"
قوله: "حدثني سالم بن غيلان" بفتح معجمة وسكون تحتية التجيبي المصري ليس به بأس من السابعة "أن الوليد بن قيس" بن الأخرم "التجيبي" بضم المثناة الفوقية ويجوز فتحها وكسر جيم وسكون مثناة تحت وحدة وبشدة ياء في الاَخر منسوب إلى تجيب بن ثوبان بن سليم مقبول من الخامسة. وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته: روي عن أبي سعيد أو عن أبي الهيثم عن أبي سعيد انتهى.

(7/75)


أَخْبَرَهُ أَنّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ، قال سَالِمُ أَوْ عن أَبي الْهَيْثَمِ عن أَبي سَعِيدٍ أَنّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: "لا تُصَاحِبْ إِلاّ مُؤْمِناً وَلاَ يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلاّ تَقِيٌ" .
هذا حديثٌ حسنٌ إِنما نَعْرِفُهُ من هذا الْوَجْهِ.
__________
قوله : "قال سالم أو عن أبي الهيثم عن أبي سعيد" وسياق سند أبي داود هكذا حدثنا عمرو بن عون أنبأنا ابن المبارك عن حيوة بن شريح عن سالم بن غيلان عن الوليد بن قيس عن أبي سعيد أو عن أبي الهيثم عن أبي سعيد انتهى.
والحاصل: أنه وقع الشك لسالم بن غيلان في أن الوليد بن قيس حدثه عن أبي سعيد بلا واسطة، أو حدثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد.
قوله : "لا تصاحب إلا مؤمناً" أي كاملاً بلا مكملاً، أو المراد منه النهي عن مصاحبة الكفار والمنافقين، لأن مصاحبتهم مضرة في الدين، فالمراد بالمؤمن من جنس المؤمنين "ولا يأكل طعامك إلا تقي" أي متورع يصرف قوة الطعام إلى عبادة الله والنهي وإن نسب إلى التقي ففي الحقيقة مسند إلى صاحب الطعام، فهو من قبيل: لا أرينك ههنا. فالمعنى لا تطعم طعامك إلا تقياً. قال الخطابي هذا إنما جاء في طعام الدعوة دون طعام الحاجة وذلك أنه تعالى قال: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} ومعلوم أن أسراهم كانوا كفاراً غير مؤمنين وإنما حذر من صحبة من ليس بتقي، وزجر عن مخالطته ومؤاكلته لأن المطاعم توقع الألفة، والمودة في القلوب. وقال الطيبي: ولا يأكل نهي لغير التقي أن يأكل طعامه والمراد نهيه عن أن يتعرض لما لا يأكل التقي طعامه من كسب الحرام وتعاطي ما ينفر عنه التقي. فالمعنى لا تصاحب إلا مطيعاً، ولا تخالل إلا تقياً انتهى. قال القاري وهو في غاية من البهاء غير أنه لا يستقيم به وجه الحصر، فالصواب ما قدمناه.
قلت: الأمر كما قال القاري.
قوله : "هذا حديث إنما نعرفه من هذا الوجه" وأخرجه أحمد وأبو داود والدارمي وابن حبان والحاكم وسكت عنه أبو داود والمنذري. وقال المناوي أسانيده صحيحة.

(7/76)


باب في الصبر على البلاء
...
45 -باب ما جاءَ في الصّبْرِ عَلى الْبَلاَء
2507-حدثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا الّليثُ عن يَزِيدَ بنِ أَبي حَبِيبِ، عن سَعْدِ بنِ سِنَانٍ، عن أَنَسٍ قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أَرَادَ الله بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ في الدّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ بِعَبْدِهِ الشّرّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتّى يُوَافى بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ" . وبهذا الإِسْنَادِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "إِنّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عُظمِ الْبَلاَءِ، وَإِنّ الله إِذَا أَحَبّ قَوْماً ابْتَلاَهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرّضَى، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السّخَطُ" .
__________
"باب ما جاءَ في الصّبْرِ عَلى الْبَلاَء"
قوله: "عن سعد بن سنان" قال في التقريب سعد بن سنان، ويقال سنان ابن سعد الكندي المصري، وصوب الثاني البخاري، وابن يونس صدوق له أفراد من الخامسة.
قوله : "إذا أراد الله بعبده الخير عجل" بالتشديد أي أسرع "له العقوبة" أي الالبتلاء بالمكاره "في الدنيا" ليخرج منها وليس عليه ذنب ومن فعل ذلك معه فقد أعظم اللطف به والمنة عليه "أمسك" أي أخر "عنه" ما تستحقه من العقوبة "بذنبه" أي بسببه "حتى يوافي به يوم القيامة" أي حتى يأتي العبد بذنبه يوم القيامة. قال الطيبي: يعني لا يجازيه بذنبه حتى يجيء في الاَخرة متوفر الذنوب وافيها، فيستوفي حقه من العقاب.
قوله : "إن عظم الجزاء" أي كثرته "مع عظم البلاء" بكسر المهملة، وفتح الظاء فيهما ويجوز ضمها مع سكون الظاء فمن ابتلاؤه أعظم فجزاؤه أعظم "ابتلاهم" أي اختبرهم بالمحن والرزايا "فمن رضي" بما ابتلاه به "فله الرضى" منه تعالى وجزيل الثواب "ومن سخط" بكسر الخاء أي كره بلاء الله وفزع ولم يرض بقضائه "فله السخط" منه تعالى وأليم العذاب، ومن يعمل سوءاً يجز به، والمقصود الحث على الصبر على البلاء بعد وقوعه لا الترغيب في طلبه للنهي عنه.

(7/77)


هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من هذا الوَجْهِ.
2508-حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ، حدثنا أَبُو دَاوُدَ، أخبرنا شُعْبَةُ عن الاعْمَشِ قال: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ. يقولُ قالت عائِشةُ: "ما رَأَيْتُ الْوَجَعَ عَلَى أَحَدٍ أَشَدّ مِنْهُ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
2509-حدثنا قُتَيْبَةُ، أَخبرنا شَرِيكٌ عن عاصِمٍ بن بهدلة، عن مُصْعَبِ بنِ سَعْدٍ عن أَبِيهِ قال قلت: يا رسولَ الله، أَيّ النّاسِ أَشَدّ بَلاَءً؟ قال: "الانْبِيَاءُ
__________
قوله : "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه" الظاهر أن الترمذي حسن الحديث الثاني ولم يحكم على الحديث الأول بشيء مع أنه أيضاً حسن عنده لأن سندهما واحد. وذكر السيوطي الحديث الأول في الجامع الصغير وعزاه إلى الترمذي والحاكم، وذكر الحديث الثاني فيه أيضاً وعزاه إلى الترمذي وابن ماجه وذكر المنذري الحديث الثاني في الترغيب وقال رواه ابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن غريب.
قوله : "سمعت أبا وائل يحدث يقول" كذا في بعض النسخ ولم يقع في بعضها لفظ يحدث وهو الظاهر.
قوله : "ما رأيت الوجع" قال الحافظ في الفتح: المراد بالوجع المرض، والعرب تسمي كل وجع مرضاً انتهى "منه" أي من الوجع "على رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي ما رأيت أحداً أشد وجعاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجه.
قوله : "أي الناس أشد" أي أكثر وأصعب "بلاء" أي محنة ومصيبة "قال الأنبياء" أي هم أشد في الابتلاء لأنهم يتلذذون بالبلاء كما يتلذذ غيرهم بالنعماء، ولأنهم لو لم يبتلوا لتوهم فيهم الألوهية، وليتوهن على الأمة الصبر على البلية.

(7/78)


ثُمّ الامْثَلُ فالامْثَلُ: فَيُبْتَلَى الرّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِيِنِه، فَإِنْ كَانَ في دِيِنهِ صُلْباً اشْتَدّ بَلاَؤُهُ، وَإِنْ كَانَ في دِيِنهِ رِقّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حسب دِيِنهِ، فمَا يَبْرَحُ الْبَلاَءُ بالْعَبْدِ حَتّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ" .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
__________
ولأن من كان أشد بلاء كان أشد تضرعاً والتجاء إلى الله تعالى "ثم الأمثل فالأمثل" قال الحافظ: الأمثل أفعل من المثالة والجمع أماثل وهم الفضلاء. وقال ابن الملك: أي الأشرف فالأشرف والأعلى فالأعلى رتبة ومنزلة. يعني من هو أقرب إلى الله بلاؤه أشد ليكون ثوابه أكثر قال الطيبي: ثم فيه للتراخي في الرتبة والفاء للتعاقب على سبيل التوالي تنزلاً من الأعلى إلى الأسفل واللام في الأنبياء للجنس. قال القاري: ويصح كونها للاستغراق إذ لا يخلو واحد منهم من عظيم محنة وجسيم بلية بالنسبة لأهل زمنه، ويدل عليهقوله: "يبتلي الرجل على حسب دينه" أي مقداره ضعفاً وقوة ونقصاً وكمالاً. قال الطيبي: الجملة بيان للجملة الأولى واللام في الرجل الاستغراق في الأجناس المتوالية "فإن كان" تفصيل للابتلاء وقدره "في دينه صلباً" بضم الصاد المهملة أي قوياً شديدا وهو خبر كان واسمه ضمير راجع والجار متعلق بالخبر "اشتد بلاؤه" أي كمية وكيفية "وإن كان في دينه رقة" أي ذا رقة ويحتمل أن يكون رقة اسم كان أي ضعف ولين. قال الطيبي: جعل الصلابة صفة له والرقة صفة لدينه مبالغة وعلى الأصل. قال القاري: وكان الأصل في الصلب أن يستعمل في الجثث وفي الرقة أن تستعمل في المعاني، ويمكن أن يحمل على التفنن في العبارة انتهى "ابتلى على قد ردينه" أي ببلاء هين سهل، والبلاء في مقابلة النعمة، فمن كانت النعمة عليه أكثر فبلاؤه أغزر "فما يبرح البلاء" أي ما يفارق أو ما يزال "بالعبد" أي الإنسان "حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة" كناية عن خلاصه من الذنوب، فكأنه كان محبوساً ثم أطلق وخلي سبيله يمشي ما عليه بأس.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والدارمي والنسائي في الكبرى وابن ماجه وابن حبان والحاكم كذا في الفتح.

(7/79)


2510-حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الاعْلَى، حدثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ، عن محمّدِ بنِ عَمْرٍو عن أَبي سَلَمَةَ، عن أَبي هُرَيْرَةَ قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ما يَزَالُ الْبَلاَءِ بالمُؤمِنِ وَالمُؤْمِنَةِ في نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتّى يَلْقَى الله وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ" .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وفي البابِ عن أَبي هُرَيْرَةَ وَأُخْتِ حُذَيْفَةَ بنِ الْيمَانِ.
__________
قوله : "ما يزال البلاء بالمؤمن" أي ينزل بالمؤمن الكامل "والمؤمنة" الواو بمعنى أو بدليل إفراد الضمير في نفسه وماله وولده، ووقع في المشكاة بالمؤمن أو المؤمنة. قال القاري: أو للتنويع ووقع في أصل ابن حجر بالواو، فقال الواو بمعنى أو بدليل إفراد الضمير وهو مخالف للنسخ المصححة والأصول المعتمدة "وولده" بفتح الواو واللام وبضم فسكون أي أولاده "حتى يلقى الله" أي يموت "وما عليه خطيئة" بالهمزة والإدغام أي وليس عليه سيئة لأنها زالت بسبب البلاء.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مالك في الموطإ عنه مرفوعاً بلفظ: ما يزال المؤمن يصاب في ولده وخاصته حتى يلقى الله وليست له خطيئة. وأخرجه أيضاً أحمد وابن أبي شيبة بلفظ: لا يزال البلاء بالمؤمن حتى يلقى الله وليس عليه خطيئة، كذا في الفتح. وقال المنذري في الترغيب بعد ذكر حديث أبي هريرة هذا: رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح، والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم انتهى.
قوله : "وفي الباب عن أبي هريرة وأخت حذيفة بن اليمان" أما حديث أبي هريرة فأخرجه البخاري. وأما حديث أخت حذيفة بن اليمان فأخرجه النسائي وصححه الحاكم. وأخت حذيفة اسمها فاطمة بنت اليمان صرح به الحافظ في الفتح.

(7/80)


46 -باب ما جاءَ في ذَهَابِ البَصَر
2511-حدثنا عبدُ الله بنُ مُعَاوِيَةَ الْجُمَحِيّ، حدثنا عبدُ العَزِيزِ بنُ مُسْلِمٍ، أخبرنا أَبو ظِلاَلٍ، عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنّ الله تَعَالى يَقُولُ إِذَا أَخَذْتُ كَرِيمَتَي عَبْدِي في الدّنْيَا لَمْ يَكُنْ لَهُ جَزاءٌ عِنْدِي إِلاّ الْجَنّةَ" .
وفي البابِ عن أَبي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بنِ أَرْقَمَ.
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من هذا الْوَجْهِ. وأَبو ظِلاَلٍ اسْمُهُ هِلاَلٌ.
2512-حدثنا مَحْمُودُ بنُ غَيْلاَنَ، حدثنا عبدُ الرّزَاقِ، أخبرنا سُفْيَانُ عن الاعْمَشِ عن أَبي صالحٍ، عن أَبي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ إِلَى النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "يقول الله عَزّ وَجَلّ: مَنْ أَذْهَبْتُ حَبِيبَتَيْهِ فَصَبَرَ
__________
"باب ما جاءَ في ذَهَابِ البَصَر"
قوله: "إن الله يقول إذا أخذت كريمتي عبدي" أي أعمت عينه الكريمتين عليه وإنما سميتا بها لأنه لا أكرم عند الإنسان في حواسه منها "لم يكن له جزاء عندي إلا الجنة" أي دخولها مع السابقين أو بغير عذاب، لأن العمى من أعظم البلايا، وهذا قيده في حديث أبي هريرة الاَتي بما إذا صبر واحتسب.
قوله : "وفي الباب عن أبي هريرة وزيد بن أرقم" أما حديث أبي هريرة فأخرجه الترمذي في هذا الباب وأما حديث زيد بن أرقم فأخرجه البزار من رواية جابر الجعفي بلفظ: ما ابتلى عبد بعد ذهاب دينه بأشد من ذهاب بصره ومن ابتلى ببصره فصبر حتى يلقى الله لقي الله تبارك وتعالى ولا حساب عليه. قال الحافظ في الفتح وأصله عند أحمد بغير لفظه بسند جيد انتهى.
قوله : "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه" وأخرجه البخاري ولفظه: إن الله قال إذا ابتليت عبدي بحيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة بريد عينيه.
قوله : "من أذهبت حبيبتيه" بالثنية قال الحافظ وقد فسرهما آخر الحديث

(7/81)


وَاحْتَسَبَ لَمْ أَرْضَ لَهُ ثَوَاباً دُونَ الْجَنّةِ" .
وفي البابِ عن عِرْبَاضِ بنِ سَارِيَةَ.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
__________
بقوله يريد عينيه والمراد بالحبيبتين المحبوبتان، لأنهما أحب أعضاء الإنسان إليه لما يحصل له بفقدهما من الأسف على فوات رؤية ما يريد رؤيته من خير فيسر به أو شر فيجتنبه "فصبر واحتسب" قال الحافظ المراد أنه يصبر مستحضراً ما وعد الله به الصابر من الثواب، لا أن يصبر مجرداً عن ذلك لأن الأعمال بالنيات وابتلاء الله عبده في الدنيا ليس من سخطه عليه، بل إما لدفع مكروه أو لكفارة ذنوب أو لرفع منزلة، فإذا تلقى ذلك بالرضا تم له المراد، وإلا يصير كما جاء في حديث سلمان: إن مرض المؤمن يجعله الله له كفارة ومستعتباً، وإن مرض الفاجر كالبعير عقله أهله ثم أرسلوه فلا يدري لم عقل ولم أرسل. أخرجه البخاري في الأدب المفرد موقوفاً انتهى "لم أرض له ثواباً دون الجنة" قال الحافظ: وهذا أعظم العوض لأن الالتذاذ بالصبر يفنى بفناء الدنيا، والالتذاذ بالجنة باق ببقائها وهو شامل لكل من وقع له ذلك بالشرط المذكور، ووقع في حديث أبي أمامة فيه قيد آخر أخرجه البخاري في الأدب المفرد بلفظ: إذا أخذت كريمتيك فصبرت عند الصدمة واحتسبت. فأشار إلى أن الصبر النافع هو ما يكون في وقوع البلاء فيفوض ويسلم وإلا فمتى تضجر وتقلق في أول وهلة ثم يئس فيصبر لا يكون حصل المقصود. وقد مضى حديث أنس في الجنائز: إنما الصبر عند الصدمة الأولى. وقد وقع في حديث العرباض فيما صححه ابن حبان فيه بشرط آخر ولفظه: إذا سلبت من عبدي كريمتيه وهو بهما ضنين لم أرض له ثواباً دون الجنة إذا هو حمدني عليهما. ولم أر هذه الزيادة في غير هذه الطريق، وإذا كان ثواب من وقع له ذلك الجنة، فالذي له أعمال صالحة أخرى يزاد في رفع الدرجات انتهى.
قوله : "وفي الباب عن عرباض بن سارية" أخرجها ابن حبان في صحيحه.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه ابن حبان في صحيحه بلفظ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يذهب الله بحبيبتي عبد فيصبر ويحتسب إلا أدخله الله الجنة" .

(7/82)


2513-حدثنا مُحمّدُ بنُ حُمَيْدٍ الرّازِيّ، وَيُوسُفُ بنُ مُوسَى القَطّانُ البَغْدَادِيّ قَالاَ: أخبرنا عَبْدُ الرحمَنِ بنُ مَغْرَاءَ أَبُو زُهَيْرٍ، عن الاعْمَشِ، عن أَبي الزّبَيْرِ، عن جَابِرٍ قالَ: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يَوَدّ أَهْلُ الْعَافِيةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يُعْطَى أَهْلُ البَلاَءِ الثّوَابَ لَوْ أَنّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ قُرِضَتْ فِي الدّنْيَا بِالمَقَارِيضِ" . وهذا حديثٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ بِهَذَا الإِسْنَادِ إِلاّ مِنْ هَذَا الوَجْهِ. وَقَدْ رَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ، عن الاعْمَشِ، عن طَلْحَةَ بنِ مُصَرّفٍ، عن مَسْرُوقٍ شَيْئاً مِنْ هَذَا.
__________
قوله : "ويوسف بن موسى" بن راشد القطان البغدادي أبو يعقوب الكوفي نزيل الري ثم بغداد، صدوق من العاشرة "أخبرنا عبد الرحمن بن مغراء" كذا في نسخ الترمذي بالمد. وكذا في تهذيب التهذيب. والخلاصة ولكن ضبطه الحافظ في التقريب بالقصر، فقال عبد الرحمن بن مغرا بفتح الميم وسكون المعجمة ثم راء مقصوراً الدوسي "أبو زهير" بالتصغير، الكوفي نزيل الري، صدوق تكلم في حديثه عن الأعمش من كبار التاسعة.
قوله : "يود" أي يتمنى "أهل العافية" أي في الدنيا "يوم القيامة" ظرف يود "حين يعطى" على البناء للمفعول "الثواب" مفعول ثان، أي كثير أو بلا حساب لقوله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} . "قرضت" بالتخفيف ويحتمل التشديد للمبالغة والتأكيد أي قطعت "في الدنيا" قطعة قطعة "بالمقاريض" جمع المقراض ليجدوا ثواباً كما وجد أهل البلاء. قال الطيبي: الود محبة الشيء وتمنى كونه له ويستعمل في كل واحد من المعنيين من المحبة والتمني. وفي الحديث هو من المودة التي هي بمعنى التمني وقوله: لو أن الخ نزل منزلة مفعول يود كأنه قيل يود أهل العافية ما يلازم لو أن جلودهم كانت مقرضة في الدنيا وهو الثواب المعطى. قال ميرك: ويحتمل أن مفعول يود الثواب على طريق التنازع. وقوله لو أن جلودهم حال أي متمنين أن جلودهم الخ أو قائلين لو أن جلودهم على طريقة الالتفات من التكلم إلى الغيبة.
قوله : "هذا حديث غريب" قال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث:

(7/83)


2514-حدثنا سُوَيْدُ بنُ نَصْرٍ، أخبرنا عَبْدُ الله بنُ المُبَارَكِ، أخبرنا يَحْيَى بنُ عُبَيْدِ الله، قالَ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ سَمِعْتُ أَبي هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْ أَحَد يَمُوتُ إِلاّ نَدِمَ". قالُوا وَمَا نَدَامَتُهُ يَا رَسُولُ الله؟ قالَ: "إِنْ كَانَ مُحْسِناً نَدِمَ أَنْ لاَ يَكُونَ ازْدَادَ، وَإِنْ كَانَ مُسيئاً نَدِمَ أَنْ لاَ يَكُونَ نَزَعَ" .
هذا حديثٌ إِنمَا نَعْرِفُهُ مِنْ هَذَا الوجْهِ، وَيَحْيَى بنُ عُبَيْدِ الله قَدْ تَكَلَمَ فِيهِ شُعْبَةُ وَهُوَ يَحْيَى بنُ عُبَيْدِ الله بِنُ موهبٍ مدني.
2515-حدثنا سُوَيْدُ، أخبرنا ابنُ المُبَارَكِ، أخبرنا يَحْيَى بنُ عُبَيْدِ الله، قال: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ سَمِعْتُ أَبا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قالَ رَسُولُ الله
__________
رواه الترمذي وابن أبي الدنيا من رواية عبد الرحمن بن مغرا وبقية رواته ثقات. وقال الترمذي حديث غريب ورواه الطبراني في الكبير عن ابن مسعود موقوفاً عليه، وفيه رجل لم يسم انتهى.
قوله : "أخبرنا يحيى بن عبيد الله" بن عبد الله بن موهب، التميمي المدني متروك وأفحش الحاكم فرماه بالوضع من السادسة "قال سمعت أبي" أي عبيد الله بن عبد الله بن موهب التميمي المدني مقبول من الثالثة.
قوله : "ما من أحد يموت إلا ندم" بكسر الدال أي تأسف واغتم فعلى كل أحد أن يغتنم الحياة قبل الممات وأن يستبق الخيرات قبل الوفاة "قالوا وما ندامته" أي وما وجه تأسف كل أحد "إن كان محسناً ندم أن لا يكون ازداد" أي خيراً من عمله "وإن كان مسيئاً ندم أن لا يكون نزع" أي أقلع عن الذنوب ونزع نفسه عن ارتكاب المعاصي وتاب وصلح حاله.
قوله : "هذا حديث إنما نعرفه من هذا الوجه" وهو ضعيف "ويحيى بن عبيد الله قد تكلم فيه شعبة" قال في تهذيب التهذيب: قال علي بن المديني سألت يحيى يعني ابن سعيد عن يحيى بن عبيد الله فقال: قال شعبة رأيته يصلي صلاة

(7/84)


صلى الله عليه وسلم: "يَحْرُجُ في آخِرِ الزّمَانِ رِجَالٌ يَخْتِلُونَ الدّنْيَا بالدّينِ، يَلْبَسُونَ لِلنّاسِ جُلُودَ الضّأْنِ مِنَ الّلينِ، أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنَ السّكّرِ وَقُلِوبُهُمْ قُلُوبُ الذّئَابِ. يَقُولُ الله عز وجل أَبي يَغْتَرّونَ أَمْ عَلَيّ تَجْتَرِئُونَ؟ فَبِي حَلَفْتُ لأَبْعَثَنّ عَلَى أُولَئِكَ مِنْهُمْ فِتْنَةً تَدَعُ الْحَلِيمَ مِنْهُمْ حَيْرَاناً" .
__________
لا يقيمها فتركت حديثه، وذكر الحافظ فيه جروح أئمة الحديث فإن شئت الوقوف عليها فارجع إليه.
قوله : "يختلون الدنيا بالدين" أي يطلبون الدنيا بعمل الاَخرة، يقال ختله يختله ويختله ختلاً وختلاناً: إذا خدعه وراوغه، وختل الذئب الصيد إذا تخفى له "يلبسون للناس جلود الضأن من اللين" كناية عن إظهار اللين مع الناس. وقال القاري: المراد بجلود الضأن عينها أو ما عليها من الصوف وهو الأظهر. فالمعنى أنهم يلبسون الأصواف ليظهم الناس زهاداً وعباداً تاركين الدنيا راغبين في العقبى. وقوله من اللين: أي من أجل إظهار التلين والتلطف والتمسكن والتقشف مع الناس وأرادوا به قلت: حقيقة الأمر التملق والتواضع في وجوه الناس ليصيروا مريدين لهم ومعتقدين لأحوالهم، انتهى "أحلى من السكر" بضم السين المهملة وتشديد الكاف معرب شكر "وقلوبهم قلوب الذئاب" أي مسودة شديدة في حب الدنيا والجاه "أبي تغترون" الهمزة الاستفهام أي أبحلمي وإمهالي تغترون؟ والاغترار هنا عدم الخوف من الله، وإهمال التوبة، والاسترسال في المعاصي والشهوات "أم علي تجترئون" ؟ أم منقطعة اضرب إلى ما هو أشنع من الاغترار بالله أي تعملون الصالحات ليعتقد فيكم الصلاح فيجلب إليكم الأموال وتخدمون "فبي حلفت" أي بعظمتي وجلالي لا بغير ذلك "لأبعثن" من البعث أي لأسلطن ولأقضين "على أولئك" أي الموصوفين بما ذكر "منهم" أي مما بينهم بتسليط بعضهم على بعض "فتنة تدع الحليم" أي تترك العالم الحازم فضلاً عن غيره "حيراناً" كذا في النسخ الحاضرة بالتنوين. وذكر المنذري هذا الحديث في الترغيب نقلاً عن الترمذي وفيه حيران بغير التنوين وكذلك في المشكاة وهو الظاهر أي حال كونه متحيراً في الفتنة لا يقدر على دفعها ولا على الخلاص منها لا بالإقامة

(7/85)


وفي البابِ، عن ابنِ عُمَرَ.
2516-حدثنا أَحمدُ بنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيّ، حدثنا محمّدُ بنُ عَبّادِ، أخبرنا حَاتِمُ بنُ إِسماعيلَ، أخبرنا حَمْزَةُ بنُ أَبي محمّدٍ، عن عبدِ الله بنِ دِينَارٍ، عن ابنِ عُمَرَ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "إِنّ الله تَعَالَى قَالَ: لَقَدْ خَلَقْتُ خَلْقاً أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ وَقُلُوبُهُمْ أَمَرّ مِنَ الصّبْرِ، فَبِي حَلَفْتُ لأُتِيحَنّهُمْ فِتْنَةً تَدَعُ الْحَلِيمَ مِنْهُمْ حيْرَاناً، فبِي يَغْتَرّونَ أَمْ عَلَيّ يَجْتَرِئُونَ" .
__________
فيها ولا بالفرار منها. قال الأشرف: من في منهم يجوز أن يكون للتبيين بمعنى الذين والإشارة إلى الرجال، وتقديره على أولئك الذين يختلون الدنيا بالدين وأن يجعل متعلقاً بالفتنة أي لأبعثن على الرجال الذين يختلون الدنيا بالدين فتنة ناشئة منهم كذا في المرقاة. وهذا الحديث أيضاً ضعيف لأن في سنده أيضاً يحيى ابن عبيد الله.
قوله : "وفي الباب عن ابن عمر" أخرجه الترمذي بعد هذا.
قوله : "حدثنا أحمد بن سعيد" بن صخر الدارمي أبو جعفر السرخسي ثقة حافظ من الحادية عشرة "حدثنا محمد بن عباد" بن الزبرقان المكي نزيل بغداد صدوق يهم من العاشرة "أخبرنا حمزة بن أبي محمد" المدني ضعيف من السابعة كذا في التقريب، وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته له في الترمذي حديث واحد في خلق قوم ألسنتهم أحلى من العسل. قال أبو حاتم ضعيف الحديث منكر الحديث لم يرو عنه غير حاتم انتهى.
قوله : "لقد خلقت خلقاً" أي من الاَدميين "ألسنتهم أحلى من العسل" فيها يملقون ويداهنون "وقلوبهم أمر من الصبر" قال في القاموس: الصبر ككتف ولا يسكن إلا في ضرورة شعر عصارة شجر مر أي فيها يمكرون وينافقون "لأتيحنهم" بمثناة فوقية فمثناة تحتية فحاء مهملة فنون أي لأقدرن لهم من أتاح له كذا أي قدر له وأنزل به "فتنة" أي ابتلاء وامتحاناً "تدع الحليم" بفتح الدال أي تتركه "منهم حيراناً" أي تترك العاقل منهم متحيراً، لا يمكنه دفعها، ولا كف شرها. "فبي يغترون" بتقدير همزة الاستفهام.

(7/86)


هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من حديثِ ابنِ عُمَر لا نعرفُه إِلاّ من هذا الوَجْهِ.
__________
قوله : "هذا حديث حسن غريب" ذكر المنذري في الترغيب هذا الحديث ونقل تحسين الترمذي وأقره.
اعلم أن حديث ابن عمر هذا وحديث أبي هريرة الذي قبله، لا مناسبة لهما بباب ذهاب البصر، ولعله سقط قبلهما باب يناسب هذين الحديثين.

(7/87)


47 -باب ما جاءَ في حِفْظِ الّلسان
2517-حدثنا صالحُ بنُ عبدِ الله، حدثنا ابنُ المُبَارَكِ، وحدثنا سُوَيْدُ بنُ نَصْرٍ، أخبرنا عبدُ الله بنُ المُبَارَكِ، عن يَحْيَى بنِ أَيّوبَ، عن عُبَيْدِ الله بنِ زَحْرٍ، عن عَلِيّ بنِ يَزِيدَ، عن القَاسِمِ، عن أَبي أُمَامَةَ، عن عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ قالَ: قلت: يا رسولَ الله: مَا النّجَاةُ؟ قال: "أمسك عَلَيْكَ لِسَانَكَ وَلْيَسَعْكَ
__________
"باب ما جاءَ في حِفْظِ الّلسان"
قوله: "عن عقبة بن عامر" الجهني صحابي مشهور اختلف في كنيته على سبعة أقوال أشهرها أبو حماد ولي إمرة مصر لمعاوية ثلاث سنين وكان فقيهاً فاضلاً.
قوله : "ما النجاة" أي ما سببها "قال أملك عليك لسانك" أمر من الملك. قال في القاموس: ملكه يملكه ملكاً مثلثة احتواه قادراً على الاستبداد به وأملكه الشيء وملكه إياه تمليكاً بمعنى انتهى. قال الطيبي أي أحفظه عما لا خير فيه. وقال صاحب النهاية: أي لا تجره إلا بما يكون لك لا عليك. وقال القاري في المرقاة: وقع في النسخ المصححة يعني من المشكاة أملك بصيغة المزيدة مضبوطة انتهى.
قلت: الظاهر من حيث المعنى هو أملك من الثلاثي المجرد، وأما أملك من باب الأفعال فلا يستقيم معناه هنا إلا بتكلف "وليسعك" بكسر اللام أمر من وسع يسع. قال الطيبي: الأمر في الظاهر وارد على البيت وفي الحقيقة على المخاطب أي نعرض لما هو سبب هزوم البيت من الاشتعال بالله والتوانسة بطاعته والخلوة

(7/87)


بَيْتُكَ وَابُكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ" .
هذا حديثٌ حسنٌ.
2518-حدثنا محمّدُ بنُ مُوسَى الْبَصْرِيّ، حدثنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ، عن أَبي الصّهْبَاءِ، عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن أَبي سَعِيد الْخُدْرِيّ رَفَعَهُ قال: "إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ فَإِنّ الأَعْضَاءَ كُلّهَا تُكَفّرُ الّلسَانَ فَتَقُولُ: اتَقِ الله فِينَا فَإِنّمَا نَحْنُ بِكَ، فَإِنْ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا، وَإِنْ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا" .
__________
عن الأغيار "وابك على خطيئتك" قال الطيبي من بكى معنى الندامة وعداه يعلى أي اندم على خطيئتك باكياً.
قوله : "هذا حديث حسن" قال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث رواه أبو داود والترمذي وابن أبي الدنيا في العزلة وفي الصمت والبيهقي في كتاب المزهد وغيره كلهم من طريق عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة عنه. وقال الترمذي: حديث حسن غريب انتهى.
قوله : "عن أبي الصهباء" قال في تهذيب التهذيب: أبو الصهباء الكوفي عن سعيد بن جبير عن أبي سعيد الخدري رفعه: إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان الحديث. وعنه حماد بن زيد وغيره ذكره ابن حبان في الثقات انتهى. وقال في التقريب مقبول من السادسة.
قوله : "إذا أصبح ابن آدم" أي دخل في الصباح "فإن الأعضاء" جمع عضو كل عظم وافر بلحمه "كلها" تأكيد "تكفر اللسان" بتشديد الفاء المكسورة، أي نتذلل وتتواضع له منقولهم كفر اليهودي إذا خضع مطاطا رأسه وانحنى لتعظيم صاحبه كذا قيل. وقال في النهاية: التكفير هو أن ينحني الإنسان ويطأطئ رأسه قريباً من الركوع كما يفعل من يريد تعظيم صاحبه "فتقول" أي الأعضاء له حقيقة أو هو مجاز بلسان الحال "اتق الله فينا" أي خفة في حفظ حقوقنا "فإنا نحن بك" أي نتعلق ونستقيم ونعوج بك "فإن استقمت" أي اعتدلت "استقمنا" أي اعتدلنا تبعاً لك "وإن اعوججت" أي ملت عن طريق الهدى "اعوججنا" أي ملنا عنه اقتداء بك. قال الطيبي: فإن قلت: كيف التوفيق بين

(7/88)


2519-حدثنا هَنّادٌ، أخبرنا أَبو أُسَامَةَ عن حَمّادِ بنِ زَيْدٍ نَحْوَهُ ولم يَرْفَعْهُ. وهذا أَصَحّ من حديثِ محمدِ بنِ مُوسَى.
هذا حديثٌ لاَ نعرفُه إِلاّ من حديثِ حَمّادِ بنِ زَيْدٍ. وقد رَوَاهُ غيرُ وَاحِد عن حَمّادِ بنِ زَيْدٍ ولم يَرْفَعُوهُ.
2520-حدثنا محمّدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى الصّنْعَانِيّ، أَخْبَرنَا عُمَرُ بن عَلِيّ المُقَدّمِيّ، عن أَبي حَازِمٍ، عن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ قال: قال رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ يَتَوَكّل لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَتَوَكّلُ لَهُ
__________
هذا الحديث وبينقوله صلى الله عليه وسلم: إن في الجسد لمضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب. قلت: اللسان ترجمان القلت وخليفته في ظاهر البدن، فإذا أسند إليه الأمر يكون على سبيل المجاز في الحكم، كما في قولك: شفي الطبيب المريض. قال الميداني فيقوله: المرء بأصغريه، يعني بهما القلب واللسان. أي يقوم ويكمل معانيه بهما وأنشد لزهير.
وكائن ترى من صامت لك معجب زيادته أو نقصه في التكلم
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
انتهى.
قوله : "هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث حماد بن زيد" وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه والبيهقي في شعب الإيمان وابن أبي الدنيا.
قوله : "حدثنا عمر بن علي" بن عطاء بن مقدم المقدمي بصري أصله واسطي ثقة، وكان يدلس شديداً من الثامنة.
قوله : "من يتوكل لي" بالجزم على أن من شرطية. قال في النهاية: توكل بالأمر إذا ضمن القيام به. وقيل هو بمعنى تكفل انتهى. وفي رواية للبخاري: من يضمن لي. قال الحافظ: بفتح أوله وسكون الضاد المعجمة والجزم من الضمان بمعنى الوفاء بترك المعصية فأطلق الضمان وأراد لازمه. وهو أداء الحق الذي عليه. فالمعنى من أدى الحق الذي على لسانه من النطق بما يجب عليه أو الصمت عما لا يعنيه وأدى الحق الذي على فرجه من وضعه في الحلال انتهى "ما بين لحييه" بفتح

(7/89)


بالْجَنّةِ" . وفي البابِ عن أَبي هُرَيْرَةَ وابنِ عَبّاسٍ.
حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.
2521-حدثنا أَبو سَعِيدٍ الأَشَجّ، أَخْبَرَنَا أَبو خالِدٍ الاحْمَرُ، عن ابنِ عْجَلاَنَ عن أَبي حَازِمٍ، عن أَبي هُرَيْرَةَ قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ وَقَاهُ الله شَرّ مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَشَرّ مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ دَخَلَ الْجَنّةَ" .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وأَبو حازِمٍ الذي رَوَى عن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ، هُوَ أَبو حازِمٍ الزّاهِدُ مَدِيني واسْمُهُ: سَلَمَةُ بنُ دِينَارٍ. أَبو حازِمٍ الذي رَوَى
__________
اللام وسكون الحاء والتثنية هما العظمان اللذان ينبت عليهما الأسنان علواً وسفلاً. قال الحافظ: والمراد بما بين اللحيين اللسان وما يتأتى به النطق، وبما بين الرجلين الفرج. وقال ابن بطال: دل الحديث على أن أعظم البلاء على المرء في الدنيا لسانه وفرجه، فمن وقى شرهما وقى أعظم الشر انتهى ما في الفتح "أتوكل له" بالجزم جواب الشرط وهو من باب المقابلة "بالجنة" أي دخولها أولاً أو درجاتها العالية.
قوله : "وفي الباب عن أبي هريرة وابن عباس" . أما حديث أبي هريرة فأخرجه الترمذي في هذا الباب، وأما حديث ابن عباس فلينظر من أخرجه.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه البخاري في كتاب الرقاق وفي كتاب المحاربين.
قوله : "من وقاله الله شر ما بين لحييه وشر ما بين رجليه" أراد شر لسانه وفرجه "دخل الجنة" أي بغير عذاب أو مع السابقين.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" قال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث: رواه الترمذي وحسنه، وابن حبان في صحيحه، ورواه ابن أبي الدنيا إلا أنه قال: من حفظ ما بين لحييه انتهى.
قوله : "وأبو حازم الذي روى عن سهل بن سعد هو أبو حازم الزاهد مديني واسمه سلمة بن دينار" قال في التقريب سلمة بن دينار أبو حازم الأعرج التمار المدني القاص مولى الأسود بن سفيان ثقة عابد من الخامسة "وأبو حازم الذي روى

(7/90)


عن أَبي هُرَيْرَةَ اسْمُهُ سَلْمَانُ الأَشْجَعِيّ مَوْلَى عَزّةَ الأَشْجَعِيّةِ وَهُوَ الكُوفِيّ.
2522-حدثنا سُوَيْدُ بنُ نَصْرٍ، أخبرنا عبدُ الله بنُ المُبَارَكِ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُهْرِيّ، عن عبدِ الرّحمنِ بنِ مَاعِزٍ، عَنْ سُفْيَانَ بنِ عبدِ الله الثّقَفِيّ قال: "قلت: يَا رَسُولَ الله، حَدّثْنِي بِأَمْرٍ أَعْتَصِمُ بِهِ. قال: قُلْ رَبّي الله ثُمّ اسْتَقِمْ. قال: قلت: يا رسولَ الله، مَا أَخْوَفُ مَا تَخَافُ عَلَيّ؟ فَأَخَذَ بِلِسَانِ نَفْسِهِ ثُمّ قَالَ: هذا" .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد رُوِيَ من غيرِ وَجْهٍ عن سُفْيَانَ بنِ عبدِ الله الثّقَفِيّ.
__________
عن أبي هريرة اسمه سلمان الأشجعي الخ" تقدم ترجمته.
قوله : "عن عبد الرحمن بن ماعز" قال في التقريب: عبد الرحمن بن ماعز، ويقال محمد بن عبد الرحمن بن ماعز، ويقال ماعز بن عبد الرحمن اختلف علي الزهري في ذلك والأول أقوى مقبول من الثالثة "عن سفيان بن عبد الله" بن ربيعة بن الحارث الثقفي الطائفي صحابي وكان عامل عمر على الطائف.
قوله: "حدثني بأمر أعتصم به" أي أستمسك به "قال قل ربي الله ثم استقم" هو لفظ جامع لجميع الأوامر والنواهي، فإنه لو ترك أمراً أو فعل منهياً فقد عدل عن الطريق المستقيمة حتى يتوب. ومنه {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} فإن من رضي بالله رباً يؤدي مقتضيات الربوبية ويحقق مراضيه ويشكر نعماءه "ما أخوف ما تخاف عليّ" ما الأولى استفهامية مبتدأ خبره أخوف وهو اسم تفضيل بني للمفعول نحو أشهد وألوم وأشغل وما الثانية مضاف إليه خوف وهي موصولة والعائد محذوف أي أي شيء أخوف أشياء تخاف منها عليّ. وقال الطيبي: مافي ما تخاف يجوز أن تكون موصولة أو موصوفة وأن تكون مصدرية على طريقة جد جده، وجن جنونه، وخشيت خشيته "فأخذ" أي النبي صلى الله عليه وسلم "بلسان نفسه" الباء زائدة لمزيد التعدية "ثم قال هذا" هو مبتدأ أو خبر. والمعنى هذا أكثر خوفي عليك منه.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه ابن ماجه وابن حبان في صحيحه

(7/91)


2523-حدثنا أَبو عَبْدِ الله محمّدُ بنُ أَبِي ثَلْجٍ الْبَغْدَادِيّ صَاحِبُ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ، حدثنا عَلِيّ بنُ حَفْصٍ، أخبرنا إِبْرَهِيمُ بنُ عبدِ الله بنِ حاطِبٍ، عن عبدِ الله بنِ دِينَارٍ، عن ابنِ عُمَرَ قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا تُكْثِرِ الْكَلاَمَ بِغَيْرِ ذِكْرِ الله، فَإِنّ كَثْرَةَ الْكَلاَمِ بِغَيْرِ ذِكْرِ الله قَسْوَةٌ لِلْقَلْبِ، وَإِنّ أَبْعَدَ النّاسِ مِنَ الله الْقَلْبُ الْقَاسِي" .
2524-حدثنا أَبو بَكْرِ بنِ أَبي النّضْرِ، حدثني أَبو النّضْرِ، عن إِبراهيمَ بنِ عبدِ الله بنِ حَاطِبٍ عن عبدِ الله بنِ دِينَارِ عن ابنِ عُمَرَ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ بمعناه.
__________
والحاكم وقال صحيح الإسناد كذا في الترغيب.
قوله : "حدثنا أبو عبد الله محمد" بن عبد الله بن إسماعيل "بن أبي ثلج" بمثلثة وجيم "البغدادي" أصله من الري صدوق من الحادية عشرة "حدثنا علي ابن حفص" المدائني نزيل بغداد صدوق من التاسعة "أخبرنا إبراهيم بن عبد الله" ابن الحارث "بن حاطب" الجمحي، صدوق، روى مراسيل من السابعة.
قوله : "لا تكثر الكلام بغير ذكر الله" فيه إشارة إلى أن بعض الكلام مباح وهو ما يعنيه "فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة" أي سبب قساوة "للقلب" وهي النبو عن سماع الحق، والميل إلى مخالطة الخلق. وقلة الخشية وعدم الخشوع والبكاء، وكثرة الغفلة عن دار البقاء "وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي" أي صاحبه، أو التقدير أبعد قلوب الناس القلب القاسي. أو أبعد الناس من له القلب القاسي. قال الطيبي رحمه الله: ويمكن أن يعبر بالقلب عن الشخص لأنه به كما قيل: المرء بأصغريه أي بقلبه ولسانه فلا يحتاج إذاً إلى حذف الموصول مع بعض الصلة، قال تعالى {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} الاَية. وقال عز وجل {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ} .
قوله : "حدثني أبو النضر" اسمه هاشم بن القاسم بن مسلم الليثي، مولاهم

(7/92)


هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ إِلاّ من حديثِ إِبْراهيمَ بنِ عبدِ الله بنِ حَاطِبٍ.
2525-حدثنا محمّدُ بنُ بَشّارٍ وغيرُ وَاحِدٍ، قالوا: أَخْبَرنَا محمدُ بنُ يَزِيدٍ بن خُنَيْسٍ المَكّيّ قال: سَمِعْتُ سَعِيدَ بنَ حَسَانَ المَخْزُومِيّ قال: حَدّثَتْنِي أُمّ صالحٍ، عن صَفِيّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عن أُمّ حَبِيبَةَ زَوْحِ النبيّ صلى الله عليه وسلم عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "كل كَلاَم ابْنِ آدَمَ عَلَيْهِ لا لَهُ إِلاّ أَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهْيٌ عَنْ المُنْكَرِ أَوْ ذِكْرُ الله" .
__________
البغدادي مشهور بكنيته ولقبه قصر ثقة ثبت من التاسعة.
قوله : "هذا حديث غريب الخ" قال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث: رواه الترمذي والبيهقي. وقال الترمذي: حديث حسن غريب.
قوله : "سمعت سعيد بن حسان المخزومي" المكي قاص أهل مكة، صدوق له أوهام من السادسة "حدثتني أم صالح" بنت صالح، لا يعرف حالها من السابعة "عن صفية بنت شيبة" بن عثمان بن أبي طلحة العبدرية لها رؤية، وحدثت عن عائشة وغيرها من الصحابة. وفي البخاري التصريح بسماعها من النبي صلى الله عليه وسلم، وأنكر الدارقطني إدراكها كذا في التقريب.
قوله : "كلام ابن آدم عليه" أي ضرره ووباله عليه وقيل يكتب عليه "لا له" أي ليس له نفع فيه أو لا يكتب له ذكره تأكيداً "إلا أمر بمعروف" مما فيه نفع الغير مع الأوامر الشرعية "أو نهى عن المنكر" مما فيه موعظة الخلق من الأمور المنهية "أو ذكر الله" أي ما فيه رضا الله من الأذكار الإلهية. قال القاري: وظاهر الحديث أنه لا يظهر في الكلام نوع يباح للأنام، اللهم إلا أن يحمل على المبالغة والتأكيد في الزجر عن القول الذي ليس بسديد. وقد يقال إنقوله لا له تفسير لقوله عليه، ولا شك أن المباح ليس له نفع في العقبى: أو يقال التقدير: كل كلام ابن آدم حسرة عليه لا منفعة له فيه إلا المذكورات وأمثالها فيوافق بقية الأحاديث المذكورة، فهو مقتبس من قوله تعالى: {لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} وبه يرتفع اضطراب الشراح في أمر المباح انتهى كلام القاري.

(7/93)


هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، لا نعرفُه إِلاّ من حديثِ محمّدِ بنِ يَزِيدَ بنِ خُنَيْسٍ.
__________
قوله : "هذا حديث غريب" وفي بعض النسخ حسن غريب وأخرجه ابن ماجه والحاكم والبيهقي في شعب الإيمان، قال المنذري في الترغيب: رواته ثقات وفي محمد بن يزيد كلام قريب لا يقدح وهو شيخ صالح انتهى.

(7/94)


48 -باب
2526-حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ، حدثنا جَعْفَرُ بنُ عَوْنٍ، حدثنا أَبُو العُمَيسِ، عن عَوْنِ بنِ أَبي جُحَيْفَةَ، عن أَبِيهِ قالَ: "آخى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبي الدّرْدَاءِ فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدّرْدَاءِ فَرَأَى أُمّ الدّرْدَاءِ
__________
"باب"
قوله: "حدثنا جعفر بن عون" بن جعفر بن عمرو بن حريث المخزومي صدوق من التاسعة "حدثنا أبو العميس" بمهملتين مصغراً اسمه عتبة بن عبد الله ابن عتبة بن مسعود الهذلي المسعودي الكوفي ثقة من السابعة "عن أبيه" هو أبو جحيفة واسمه وهب بن عبد الله السوائي ويقال اسم أبيه وهب أيضاً مشهور بكنيته، ويقال له وهب الخير صحابي معروف وصحب علياً.
قوله : "آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء" أي جعل بينهما أخوة. قال الحافظ في الفتح ذكر أصحاب المغازي أن المواخاة بين الصحابة وقعت مرتين الأولى قبل الهجرة بين المهاجرين خاصة على المواساة والمناصرة فكان من ذلك أخوة زيد بن حارثة وحمزة بن عبد المطلب، ثم آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار بعد أن هاجر وذلك بعد قدومه المدينة. وسيأتي في أولى كتاب البيع حديث عبد الرحمن بن عوف: لما قدمنا المدينة آخى النبي صلى الله عليه وسلم بيني وبين سعد بن الربيع وذكر الواقدي أن ذلك كان بعد قدومه صلى الله عليه وسلم بخمسة أشهر والمسجد يبنى انتهى "فزار سلمان أبا الدرداء"

(7/94)


مُتَبَذّلَةً. قَالَ: مَا شَأْنُكِ مُتَبَذّلَةً قَالَتْ: إِنّ أَخَاكَ أَبَا الدّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدّنْيَا، لعله قالَ: فَلَمّا جَاءَ أَبُو الدّرْدَاءِ قَرّبَ إليه طَعَاماً فَقَالَ: كُلْ فَإِنّي صَائِمٌ. قالَ مَا أَنَا بآكلٍ حَتّى تَأْكُلَ، قالَ فَأَكَلَ. فَلَمّا كَانَ الّليْلُ ذَهَبَ أَبُو الدّرْدَاءِ لِيَقُومَ. فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: نَمْ فَنَامَ. ثُمّ ذَهَبَ لِيَقُومَ لَهُ نَمْ فَنَامَ. فَلَمّا كَانَ عِنْدَ الصّبْحِ، قَالَ لَهُ سَلْمَانُ قُمْ الاَنَ، فَقَامَا فَصَلّيَا. فَقَالَ: إِنّ لِنَفسِكَ عَلَيْكَ حَقّا، وَلِرَبّكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وَلضَيْفِكَ عَلَيْكَ حَقّاً وَإِنّ
__________
يعني في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فوجد أبا الدرداء غائباً "متبذلة" بفتح الفوقية والموحدة وتشديد الذال المعجمة المكسورة أي لابسة ثياب البذلة بكسر الموحدة وسكون الذل وهي المهنة وزناً ومعنى. والمراد أنها تاركة للبس ثياب الزينة. وعند أبي نعيم في الحلية فرأى امرأته رثة الهيئة قال الحافظ: وأم الدرداء. هذه هي خيرة بفتح المعجمة وسكون التحتانية بنت أبي حدرد الاسلمية صحابية بنت صحابي وحديثها عن النبي صلى الله عليه وسلم في مسند أحمد وغيره وماتت أم الدرداء هذه قبل أبي الدرداء ولأبي الدرداء أيضاً امرأة أخرى يقال لها أم الدرداء تابعية اسمها هجيمة عاشت بعد دهراً وروت عنه انتهى "ما شأنك متبذلة" بالنصب على الحالية "ليس له حاجة في الدنيا" وفي رواية الدارقطني من وجه آخر عن جعفر بن عون في نساء الدنيا، وزاد فيه ابن خزيمة عن يوسف بن موسى عن جعفر بن عون يصوم النهار ويقوم الليل "فقال" أي أبو الدرداء "كل فإني صائم قال" أي سلمان ما أنا بآكل حتى تأكل، وفي رواية البزار عن محمد بن بشار شيخ البخاري فيه فقال وأقسمت عليك لتفطرن وغرض سلمان من هذا الإباء أن يصرفه عن رأيه فيما يصنعه من جهد نفسه في العبادة وغير ذلك مما شكته إليه امرأته "فاكل" أي أبو الدرداء "فلما كان الليل" أي في أوله وفي رواية بن خزيمة ثم بات عنده "ذهب" أي أراد وشرع "فقال له سلمان تم" زاد ابن سعد من وجه آخر مرسل فقال له أبو الدرداء اتمنعني أن أصوم لربي وأصلي لربي "فقاما فصليا" في رواية

(7/95)


عَلَيْكَ حَقّاً فَأَعْطِ كُلّ ذِي حَقٍ حَقّهُ، فَأَتَيَا النبيّ صلى الله عليه وسلم، فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: "صَدَقَ سَلْمَانُ" .
هذا حديثٌ صحِيحٌ وَأَبُو العُمَيْسِ اسْمُهُ عُتْبَةُ بنُ عَبْدِ الله، وَهُوَ أَخُو عَبْدِ الرّحمَنِ بنِ عَبْدِ الله المَسْعودِيّ.
__________
الطبراني فقاما فتوضأ ثم ركعا ثم خرجا إلى الصلاة "وإن لأهلك عليك حقاً" أي لزوجك عليك حقاً زاد الدارقطني فصم وافطر وصل ونم وائت أهلك "فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك له" وفي رواية الدارقطني ثم خرجا إلى الصلاة فدنا أبو الدرداء ليخبر النبي صلى الله عليه وسلم بالذي قال له سلمان فقال له يا أبا الدرداء إن لجسدك عليك حقاً مثل ما قال سلمان ففي هذه الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إليهما بأنه علم بطريق الوحي ما دار بينهما وليس ذلك في رواية محمد بن بشار فيحتمل الجمع بين الأمرين أنه كاشفهما بذلك أولا ثم اطلعه أبو الدرداء على صورة الحال فقال له صدق سلمان وفي هذا الحديث من الفوائد مشروعية المواخاة في الله وزيارة الإخوان والمبيت عندهم وجواز مخاطبة الأجنبية للحاجة والسؤال عما يترتب عليه المصلحة وإن كان في الظاهر لا يتعلق بالسائل وفيه النصح للمسلم وتنبيه من أغفل وفيه فضل قيام آخر الليل وفيه مشروعية تزيين المرأة لزوجها وثبوت حق المرأة على الزوج وحسن العشرة وقد يؤخذ منه ثبوت حقها في الوطء لقوله ولأهلك عليك حقاً ثم قال وائت أهلك كما في رواية الدارقطني وقرره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك وفيه جواز النهي عن المستحبات إذا خشي أن ذلك يفضي إلى السآمة والملل وتفويت الحقوق المطلوبة الواجبة أو المندوبة الراجح فعلها على فعل المستحب المذكور وأن الوعيد الوارد على من نهي مصلياً عن الصلاة مخصوص بمن نهاه ظلماً وعدواناً وفيه كراهية الحمل على النفس في العبادة كذا في الفتح.
قوله : "هذا حديث صحيح" وأخرجه البخاري.

(7/96)


49 -باب
2527-حدثنا سُوَيْدُ بنُ نَصْرٍ، أخبرنا عَبْدُ الله بنُ المُبَارَكِ، عن عَبْدِ الوَهَابِ بنِ الْوَرْدِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ قالَ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عَائِشَةَ أَنِ اكْتُبِي إِلَىّ كِتَاباً تُوصِينِي فِيهِ وَلاَ تُكْثِرِي عَلَيّ، قالَ: فَكَتَبَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها إِلَى مُعَاوِيَةَ: سَلاَمٌ عَلَيْك أَمّا بَعْدُ فَإِنّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنِ الْتَمَسَ رِضَا الله بِسَخَطِ النّاسِ كَفَاهُ الله مُؤْنَةَ النّاسِ، وَمَنِ الْتَمَسَ رَضَا النّاسِ بِسَخَطِ الله وَكَلَهُ الله إِلَى النّاسِ" وَالسّلامُ عَلَيْكَ.
2528-حدّثنا مُحمدُ بنُ يَحْيَى، أخبرنا مُحمدُ بنُ يُوسُفَ، عن سُفْيَانَ الثوري، عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، عن عَائِشَةَ أَنّهَا كَتَبَتْ إِلَى مُعَاوِيَةَ. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَاهُ وَلَمْ يَرْفَعْهُ.
__________
"باب"
قوله: "عن عبد الوهاب بن الورد" بفتح الواو وسكون الراء القرشي مولاهم المكي ثقة عابد من كبار السابعة. ولقب عبد الوهاب هذا وهيب. قال الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمته: واسمه عبد الوهاب ووهيب لقب.
قوله : "من التمس" أي طلب "بسخط الناس" السّخَط والسّخُطُ والسّخْطُ والمسْخَطُ الكراهة للشيء وعدم الرضا به "كفاه الله مؤنة الناس" لأنه جعل نفسه من حزب الله وهو لا يخيب من التجأ إليه، ألا إن حزب الله هم المفلحون. "وكله الله إلى الناس" أي سلط الله الناس عليه حتى يؤذوه ويظلموا عليه. قال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث: رواه الترمذي ولم يسم الرجل ثم روي بإسناده عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها كتبت إلى معاوية قال فذكر الحديث بمعناه ولم يرفعه. وروى ابن حبان في صحيحه المرفوع منه فقط ولفظه قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من التمس رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس" انتهى

(7/97)