Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي

أبواب صِفَةُ القِيامَة
1-باب ما جاء في شان الحساب والقصاص
2529-حدثنا هَنّادٌ، حدثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عن الأَعْمَشِ، عن خَيْثَمَةَ، عن عَدِيّ بنِ حَاتِمٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْكُمْ مِنْ رَجُلٍ إِلاّ سَيُكَلّمُهُ رَبّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَيْسَ بَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلاَ يَرَى شَيْئاً إِلاّ شَيْئاً قَدَمَهُ، ثُمّ يَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلاَ يَرَى شَيْئاً إِلاّ شَيْئاً قَدّمَهُ، ثُمّ يَنْظُرُ تِلْقَاءِ وَجْهِهِ فَتَسْتَقْبلُهُ النّارُ" .
__________
"أبواب صفة القيامة"
"باب ما جاء في شأن الحساب والقصاص"
قوله: "ما منكم من رجل" من مزيدة لاستغراق النفي والخطاب للمؤمنين "إلا سيكلمه ربه" أي بلا واسطة والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال "وليس بينه وبينه" أي بين الرب والعبد "ترجمان" بفتح الفوقية وسكون الراء وضم الجيم وكزعفران على ما في القاموس أي مفسر للكلام بلغة عن لغة يقال ترجمت عنه والفعل يدل على أصالة التاء. وفي التهذيب: التاء أصلية وليست بزائدة والكلمة رباعية "ثم ينظر" أي ذلك العبد أيمن منه أي من ذلك الموقف، وقيل ضمير منه راجع إلى العبد والمال واحد والمعنى ينظر في الجانب الذي على يمينه "فلا يرى شيئاً إلا شيئاً قدمه" أي من عمله الصالح. وفي المشكاة: فلا يرى إلا ما قدم من عمله "ثم ينظر أشأم منه" أي في الجانب الذي في شماله "فلا يرى شيئاً إلا شيئاً قدمه" أي من عمله السيء وإن النصب في أيمن وأشأم على الظرفية والمراد بهما اليمين والشمال. فقيل نظر اليمين والشمال هنا كالمثل لأن الإنسان من شأنه إذا دهمه أمر أن يلتفت يميناً وشمالاً يطلب الغوث. قال الحافظ: ويحتمل أن يكون سبب الالتفات أنه يترجى أن يجد طريقة يذهب فيها ليحصل له النجاة من النار فلا يرى إلا ما يفضي به إلى النار "ثم ينظر تلقاء وجهه فتستقبله النار" قال ابن هبيرة

(7/98)


قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَقِيَ وَجهَهُ حرّ النّارَ وَلَوْ بِشِقّ تَمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ" .
2530-حدّثنا أَبُو السّائِبِ، أخبرنا وَكِيعٌ يَوْماً بِهَذَا الْحَدِيثِ عن الأَعْمَشِ. فَلَمّا فَرَغَ وكِيعٌ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ قال: مَنْ كَانَ هَهُنَا مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ فَلْيَحْتَسِبْ في إِظْهَارِ هَذَا الْحَدِيثِ بِخُرَاسَانَ.
لأنّ الْجَهْمِيّةَ يُنْكِرونَ هَذَا. اسم أَبي السائب سلم بن جنادة بن خالد بن جابر بن سمرة الكوفي. هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
2531-حدثنا حُمَيْدُ بنُ مَسْعَدَةَ، حدثنا حُصَيْنُ بنُ نُمَيْرٍ أَبُو مُحْصنٍ، أَخْبَرَنَا حُسَيْنُ بنُ قَيْسٍ الرّحَبِي، أَخْبَرَنَا عَطَاءُ بنُ أَبِي رَبَاحٍ عن
__________
والسبب في ذلك أن النار تكون في ممره فلا يمكنه أن يحيد عنها، إذ لا بد له من المرور على الصراط "ولو بشق تمرة" أي ولو بمقدار نصفها أو ببعضها. والمعنى: ولو بشيء يسير منها أو من غيرها. وفي رواية البخاري: اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة. قال الحافظ: أي اجعلوا بينكم وبينها وقاية من الصدقة وعمل البر ولو بشيء يسير.
قوله : "حدثنا أبو السائب" اسمه سلم بن جنادة بن سلم السوائي بضم المهملة بالكوفي ثقة ربما خالف من العاشرة "فليحتسب" أي فليطلب الثواب من الله تعالى "في إظهار هذا الحديث بخراسان" إنما خص وكيع بإظهار هذا الحديث بخراسان لأنه كان فيها الجهمية النافون لصفات الله تعالى "لأن الجهمية ينكرون هذا" أي كلام الله تعالى. قال الكرماني: الجهمية فرقة من المبتدعة ينتسبون إلى جهم بن صفوان مقدم الطائفة القائلة: أن لا قدرة للعبد أصلاً وهم الجبرية بفتح الجيم وسكون الموحدة، ومات مقتولاً في زمن هشام بن عبد الملك انتهى. قال الحافظ: وليس الذي أنكروه على الجهمية مذهب الجبر خاصة، وإنما الذي أطبق السلف على ذمهم بسببه إنكار الصفات حتى قالوا إن القرآن ليس كلام الله وإنه مخلوق.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله : "حدثنا حصين بن نمير أبو محصن" الواسطي الضرير كوفي الأصل لا بأس به رمى بالنصب من الثامنة "أخبرنا حسين بن قيس الرحبي" أبو علي الواسطي

(7/99)


ابنِ عُمَرَ، عن ابنِ مَسْعُودٍ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "لاَ تَزُولُ قَدَمَ ابنِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبّه حَتّى يُسْأَلَ عن خَمْسٍ: عن عُمْرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وعن شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلاَهُ، وَعن مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ" .
هذا حديثٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ ابنِ مَسْعُودٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم إِلاّ مِنْ حَدِيثِ الحُسَيْنِ بنِ قَيْسٍ. وَحُسَيْنُ بن قَيْس يُضَعّفُ في الْحَدِيثِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ. وفي البابِ عن أَبي بَرْزَةَ وَأَبي سَعِيدٍ.
__________
لقيه حنش بفتح المهملة والنون ثم معجمة، متروك من السادسة.
قوله : "حتى يسأل عن خمس" قال الطيبي رحمه الله أنثه بتأويل الخصال "عن عمره" بضمتين ويسكن الميم أي عن مدة أجله "فيما أفناه" أي صرفه "وعن شبابه" أي قوته في وسط عمره "فيما أبلاه" أي ضيعه، وفيه تخصيص بعد تعميم وإشارة إلى المسامحة في طرفيه من حال صغره وكبر. وقال الطيبي فإن قلت هذا داخل في الخصلة الأولى فما وجهه؟ قلت المراد سؤاله عن قوته وزمانه الذي يتمكن منه على أقوى العبادة "وعن ماله من أين اكتسبه" أي أمن حرام أو حلال؟ "وفيما أنفقه" أي طاعة أو معصية "وماذا عمل فيما علم" قال القاري: لعل العدول عن الأسلوب للتفنن في العبارة المؤدية للمطلوب. وقال الطيبي: إنما غير السؤال في الخصلة الخامسة حيث لم يقل: وعن عمله ماذا عمل به. لأنها أهم شيء وأولاه وفيه إيذان بأن العلم مقدمة العمل وهو لا تعتد به لولا العمل انتهى.
قوله : "هذا حديث غريب" وضعيف لأن في سنده حسين بن قيس وهو متروك كما عرفت وضعفه الترمذي أيضاً.
قوله : "وفي الباب عن أبي برزة وأبي سعيد" أما حديث أبي برزة فأخرجه الترمذي في هذا الباب. وأما حديث أبي سعيد فأخرجه البيهقي في كتاب البعث والنشور كذا في المشكاة.

(7/100)


2532-حدثنا عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الرّحْمَن، أخبرنا الأَسْوَدُ بنُ عَامِرٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بنِ عَيّاشٍ، عن الأَعْمَشِ، عن سَعِيدِ بنِ عَبْدِ الله بنِ جُرَيْجٍ، عن أَبي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيّ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: " لاَ تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتّى يُسْأَلَ عَنْ عُمْرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعن عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وعن مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفيمَ أَنْفَقَهُ، وعن جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلاَهُ" .
قال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَسَعِيدُ بنُ عَبْدِ الله بنُ جُرَيْجٍ هُوَ بصري وهو مَوْلَى أَبي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيّ، وَأَبُو بَرْزَةَ الأَسْلَمِيّ اسْمُهُ: نَضْلَهُ بنُ عُبَيْدٍ.
2533- -حدثنا قتيبة أخبرنا عبد العزيز بن محمد عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أتدرون من المفلس؟ قالوا المفلس فينا يا رسول الله من لا درهم له
__________
قوله : "حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن" هو الدارمي صاحب المسند "أخبرنا الأسود بن عامر" الشامي نزيل بغداد يكنى أبا عبد الرحمن، ويلقب شاذان ثقة من التاسعة.
قوله: "وعن جسمه فيم أبلاه" كأنه من بلي الثوب وأبلاه كان الشباب في قوته كالثوب الجديد فلما ولى الشباب وضعف البدن فكأنما بلي.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" ذكره المنذري في الترغيب وأقر تصحيح الترمذي "هو مولى أبي برزة الأسلمي" قال في التقريب: سعيد بن عبد الله بن جريج بجيمين وراء مصغراً بصري صدوق ربما وهم من الخامسة "وأبو برزة الأسلمي اسمه ضلة بن عبيد" صحابي مشهور بكنيته أسلم قبل الفتح وغزا سبع غزوات ثم نزل البصرة وغزا خراسان ومات بها سنة خمس وستين على الصحيح
قوله : "أتدرون" أي أتعلمون وهذا سؤال إرشاد لا استعلام. ولذلك قال: إن المفلس كذا وكذا "فينا" أي فيما بيننا "من لا درهم" أي من نقد "له" أي

(7/101)


ولا متاع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيقعد فيقتص هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته فيا أن يقتص ما عليه من الخطايا أخذ من خطاياهم فطرح عليه ثم طرح في النار" .
__________
ملكاً "ولا متاع" أي مما يحصل به النقد ويتمتع به من الأقمشة والعقار والجواهر والعبيد والمواشي وأمثال ذلك. والحاصل أنهم أجابوا بما عندهم من العلم بحسب عرف أهل الدنيا كما يدل عليهقولهم "فينا" غفلوا عن أمر الاَخرة وكان حقهم أن يقولوا: الله ورسوله أعلم. لأن المعنى الذي ذكروه كان واضحاً عنده صلى الله عليه وسلم "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المفلس" أي الحقيقي أو المفلس في الاَخرة "من أمتي" أي أمة الإجابة ولو كان غنياً في الدنيا بالدرهم والمتاع "من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة" أي مقبولات والباء للتعدية أي مصحوباً بها "ويأتي" أي ويحضر أيضاً "قد شتم هذا" أي حال كونه قد شتم هذا "وقذف هذا" أي بالزنا ونحوه "وأكل مال هذا" أي بالباطل "وسفك دم هذا" أي أراق دم هذا بغير حق "وضرب هذا" أي من غير استحقاق أو زيادة على ما يستحقه والمعنى جمع بين تلك العبادات وهذه السيئات "فيقعد" أي المفلس "فيقتص هذا من حسناته" أي يأخذ هذا من حسناته قصاصاً. قال النووي: يعني حقيقة المفلس هذا الذي ذكرت. وأما من ليس له مال ومن قل ماله فالناس يسمونه مفلساً وليس هذا حقيقة المفلس، لأن هذا أمر يزول وينقطع بموته، وربما انقطع بيسار يحصل له بعد ذلك في حياته بخلاف ذلك المفلس فإنه يهلك الهلاك التام. قال المازري: زعم بعض المبتدعة أن هذا الحديث معارض بقوله تعالى {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} وهو باطل وجهالة بينه، لأنه إنما عوقب بفعله ووزره فتوجهت عليه حقوق لغرمائه فدفعت إليهم من حسناته فلما فرغت حسناته، أخذ من سيئات خصومه فوضعت عليه. فحقيقة العقوبة مسبة عن ظلمه ولم يعاقب بغير جناية منه انتهى.

(7/102)


هذا حديث حسن صحيح.
2534- -حدثنا هناد ونصر بن عبد الرحمن الكوفي قالا، أخبرنا المحاربي عن أبي خالد بن يزيد بن عبد الرحمن ، عن زيد بن أبي أنيسة عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رحم الله عبدا كانت لأخيه عنده مظلمة في عرض أو مال فجاءه فاستحله قبل أن يؤخذ وليس ثم دينار ولا درهم فإن كانت حسنات أخذ من حسناته وإن لم تكن له حسنات حملوا عليه من سيئاتهم" هذا حديث حسن صحيح . وقد روى عن مالك بن أنس عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه.
__________
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم.
قوله : "عن زيد بن أبي أنيسة" بضم الهمزة وفتح النون مصغراً الغنوي، أبي أسامة الجزري، ثقة من السادسة.
قوله : "كانت لأخيه" أي في الدين "عنده مظلمة" بكسر اللام ويفتح اسم ما أخذه الظالم أو تعرض له "في عرض" بكسر العين هو موضع المدح والذم من الإنسان سواء كان في نفسه أو سلفه أو من يلزمه أمره. وقيل هو جانبه الذي يصونه من نفسه ونسبه وحسبه ويحامي عنه أن ينتقص ويثلب. وقيل نفسه وبدنه لا غير "فجاءه" أي جاء الظالم المظلوم "فاستحله" . قال في النهاية: يقال تحللته واستحللته إذا سألته أن يجعلك في حل "قيل أن يؤخذ" قال المناوي. أي تقبض روحه "وليس ثم" أي هناك يعني في القيامة "دينار ولا درهم" يقضي به "فإن كانت له حسنات أخذ من حسناته" أي فيوفي منها لصاحب الحق "وإن لم تكن له حسنات" أو لم تف بما عليه "حملوا عليه من سيئاتهم" أي ألقي أصحاب الحقوق من ذنوبهم بقدر حقوقهم ثم يقذف في النار.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري.

(7/103)


2535- -حدثنا قتيبة أخبرنا عبد العزيز بن محمد عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لتؤدن الحقوق إلى أهلها حتى تقاد الشاة الجلحاء من الشاة القرناء" وفي الباب عن أبي ذر وعبد الله بن أنيس حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح.
__________
قوله : "لتؤدن" بفتح الدال المشددة. قال التوربشتي: هو على بناء المجهول والحقوق مرفوع، هذه هي الرواية المعتد بها، ويزعم بعضهم ضم الدال ونصب الحقوق والفعل مسند إلى الجماعة الذين خوطبوا به والصحيح ما قدمناه انتهى "حتى تقاد الشاة الجلحاء" بالمد هي الجماء التي لا قرن لها "من الشاة القرناء" أي التي لها قرن. قال النووي: الجلحاء بالمد هي الجماء التي لا قرن لها والقرناء ضدها وهذا تصريح بحشر البهائم يوم القيامة وإعادتها كما يعاد أهل التكليف من الاَدميين والأطفال والمجانين ومن لم تبلغه دعوة. وعلى هذا تظاهرت دلائل القرآن والسنة قال تعالى جل جلاله ولا إله غيره {وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ} وإذا ورد لفظ الشرع ولم يمنع من إجرائه على ظاهره شرع ولا عقل، وجب حمله على ظاهره. قالوا: وليس من شرط الحشر والإعادة في القيامة المجازاة والعقاب والثواب. وأما القصاص من القرناء للجلحاء فليس من قصاص التكليف بل هو قصاص مقابلة انتهى.
قوله : "وفي الباب عن أبي ذر وعبد الله بن أنيس" أخرج حديثهما أحمد في مسنده.
قوله : "حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم.

(7/104)


2 -باب
2536-حدثنا سُوَيْدُ بنُ نَصْرِ، أخبرنا ابنُ المُبَارَكِ، أخبرنا عَبْدُ الرحمنِ بنُ يَزِيدَ بنِ جَابِرٍ، حدثني سُلَيمُ بنُ عَامِرٍ، أخبرنا المِقْدَادُ
__________
"باب"
قوله: "حدثني سليم" بالتصغير "بن عامر" الكلاعي ويقال الخبائري بخاء

(7/104)


صَاحِبُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِذَا كانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أُدْنِيَتِ الشّمْسُ مِنَ العِبَادِ حَتّى يَكُونَ قِيدَ مَيْلٍ أَوْ اثْنَيْنِ"، قالَ سُلَيْمُ بنُ عَامِرٍ: لاَ أَدْرِي أَيّ المَيلَيْنِ عَنَى أَمَسَافَةُ الأَرْضِ أَمْ المَيْلُ الذِي تكتمل بِهِ الْعَيْنُ؟ قالَ: "فَتَصْهَرْهُمْ الشّمْسُ فَيَكُونُونَ فِي الْعَرَقِ بِقَدْرِ أَعْمَالِهِمْ: فَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى عَقِبِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى حَقُوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ إِلْجَاماً" . فَرَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يُشِيرُ بِيَدِهِ
__________
معجمة وموحدة أبو يحيى الحمصي، ثقة من الثالثة غلط من قال إنه أدرك النبي صلى الله عليه وسلم "أخبرنا المقداد" بن عمرو بن ثعلبة البهراني ثم الكندي ثم الزهري صحابي مشهور من السابقين.
قوله : "أدنيت" بصيغة المجهول من الإدناء أي قربت "الشمس" أي جرمها "حتى يكون" وفي رواية مسلم حتى تكون بالتأنيث وهو الظاهر "قيد ميل" بكسر القاف أي قدر ميل. وفي رواية مسلم كمقدار ميل "أو اثنتين" والظاهر أنه شك من الراوي أي أو ميلين "لا أدري أي الميلين عني" أي أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الشيخ عبد الحق في اللمعات: الظاهر أن المراد ميل الفرسخ وكفى ذلك في تعذيبم وإيذائهم. وأما احتمال إرادة ميل المكحلة فبعيد "فتصهرهم الشمس" أي تذيبهم من الصهر وهو الإذابة، من فتح يفتح "ومنهم من يأخذه إلى حقويه" الحقو الخصر ومشد الإزار "ومنهم من يلجمه إلجاماً" الإلجام: إدخال اللجام في الفم. والمعنى يصل العرق إلى فمه فيمنعه من الكلام كاللجام كذا في المجمع. قال ابن الملك: إن قلت إذا كان العرق كالبحر يلجم البعض فكيف يصل إلى كعب الاَخر؟ قلنا: يجوز أن يخلق الله تعالى ارتفاعاً في الأرض تحت أقدام البعض، أو يقال يمسك الله تعالى عرق كل إنسان بحسب عمله فلا يصل إلى غيره منه شيء كما أمسك جرية البحر لموسى عليه الصلاة والسلام. قال القاري: المعتمد هو القول الأخير فإن أمر الاَخرة كله على وفق خرق العادة. أما ترى

(7/105)


إِلَى فِيهِ، أَيْ يُلْجِمهُ إِلْجَاماً. وفي البَابِ، عن أَبي سَعِيدٍ، وَابنِ عُمَرَ.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
2537-حدثنا أَبُو زَكَرِيّا يَحْيَى بن دُرُسْتَ البَصَرِيّ، حدثنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ، عن أَيّوبَ، عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ. قَالَ حَمّادُ وَهُوَ عِنْدَنَا مَرْفُوعٌ {يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبّ العَالَمِينَ} قالَ: "يَقُومُونَ في الرّشْحِ إِلَى أَنْصَافِ آذَانِهِمْ".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
2538-حدثنا هَنّادٌ، أخبرنا عِيسَ بنُ يُونُسَ، عَنْ ابنِ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابنِ عُمَر، عَنْ النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ.
__________
أن شخصين في قبر واحد يعذب أحدهما وينعم الاَخر ولا يدري أحدهما عن غيره انتهى. وقال القاضي: يحتمل أن المراد عرق نفسه وعرق غيره، ويحتمل عرق نفسه خاصة. وسبب كثرة العرق تراكم الأهوال ودنو الشمس من رؤوسهم وزحمة بعضهم بعضاً.
قوله : "وفي الباب عن أَبي سعيد وابن عمر" أما حديث أَبي سعيد، فلينظر من أَخرجه. وأما حديث ابن عمر فاخرجه مسلم.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" واخرجه احمد ومسلم.
قوله : "حدثنا أبو زكريا يحيى بن درست" بضمتين وسكون المهملة ابن زياد ثقة من العاشرة.
قوله : "قال حماد وهن عندنا مرفوع" يعني أن هذا الحديث ليس بمرفوع صريحاً لكنه مرفوع حكماً {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ} أي من قبورهم {لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} أي لأجل أمره وحسابه وجزائه "قال يقومون في الرشح" وفي رواية مسلم: يقوم أحدهم في رشحه. قال في النهاية: الرشح العرق لأنه يخرج من البدن شيئاً فشيئاً كما يرشح الإناء المتخلخل الأجزاء "إلى أنصاف آذانهم" وفي رواية لمسلم. حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم.

(7/106)


3 -باب مَا جَاءَ فِي شَأْنِ الْحشْر
2539-حدثنا محمُودُ بنُ غَيْلاَنَ، حدثنا أَبُو أَحْمَدَ الزّبَيْرِيّ، حدثنا سُفْيَانُ عَنْ المُغِيرَةِ بنِ النّعْمَانِ، عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابنِ عَبّاسِ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يُحْشَرُ النّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً
__________
"باب مَا جَاءَ فِي شَأْنِ الْحشْر"
الحشر جمع والمراد به حشر الأموات من قبورهم وغيرها بعد البعث جميعاً إلى الموقف قال الله تعالى :{وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً} أحداً
قوله : "عن المغيرة بن النعمان" النخعي الكوفي ثقة من السادسة.قوله "يحشر الناس" أي يبعثون "حفاة" بضم الحاء جمع حاف وهو الذي لا نعل له ولا خف "عراة" بضم العين المهملة جمع عار وهو من لا ستر له. قال البيهقي: وقع في حديث أبي سعيد يعني الذي أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان أنه لما حضره الموت دعا بثياب جدد فلبسها وقال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول إن الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها، ويجمع بينها بأن بعضهم يحشر عارياً، وبعضهم كاسياً، أو يحشرون كلهم عراة ثم يكسى الأنبياء فأول من يكسى إبراهيم عليه الصلاة والسلام أو يخرجون من القبور بالثياب التي ماتوا فيها ثم تتناثر عنهم عند ابتداء الحشر فيحشرون عراة ثم يكون أول من يكسى إبراهيم. وحمل بعضهم حديث أبي سعيد على الشهداء لأنهم الذين أمر أن يزملوا في ثيابهم ويدفنوا فيها، فيحتمل أن يكون أبو سعيد سمعه في الشهيد فحمله على العموم. وممن حمله على عمومه معاذ بن جبل. فأخرج ابن أبي الدنيا بسند حسن عن عمرو بن الأسود قال: دفنا أم معاذ بن جبل فأمر بها فكفنت في ثياب جدد وقال: أحسنوا أكفان موتاكم فإنهم يحشرون فيها. قال وحمله بعض أهل العلم على العمل وإطلاق الثياب على العمل وقع في مثل قوله تعالى: {وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} وقوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} على أحد الأقوال وهو قول قتادة. قال معناه: وعملك فأخلصه ويؤكد ذلك حديث جابر رفعه: يبعث كل عبد على ما مات عليه أخرجه مسلم ورجح القرطبي الحمل على ظاهر الخبر ويتأيد بقوله تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} وقوله تعالى: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} وألى ذلك الإشارة

(7/107)


غُرْلاً كَمَا خُلِقُوا، ثُمّ قَرَأَ: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} وَأَوَلُ مَنْ يُكْسَى مِنَ الْخلاَئِقِ إِبْرَاهِيمُ، وَيُؤْخَذُ مِنْ
__________
في حديث الباب {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ} عقبقوله حفاة عراة قال: فيحمل ما دل عليه حديث أبي سعيد على الشهداء لأنهم يدفنون بثيابهم فيبعثون فيها تمييزاً لهم عن غيرهم وقد نقله ابن عبد البر عن أكثر العلماء كذا في الفتح "غرلا" بضم المعجمة وسكون الراء جمع أغرل وهو الأقلف وزنه ومعناه وهو من بقيت غرلته وهي الجلدة التي يقطعها الخاتن من الذكر "ثم قرأ" أي استشهاداً واعتضاداً {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ} الكاف متعلق بمحذوق دل عليه نعيده أي نعيد الخلق إعادة مثل الأول. والمعنى بدأناهم في بطون أمهاتهم حفاة عراة غرلا كذا نعيدهم يوم القيامة {وَعْداً عَلَيْنَا} أي لازما لا يجوز الخلف فيه {إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} أي ما وعدناه وأخبرنا به لا محالة "وأول من يكسى من الخلائق إبراهيم" قال القرطبي في شرح مسلم: يجوز أن يراد بالخلائق من عدا نبينا صلى الله عليه وسلم فلم يدخل هو في عموم خطاب نفسه. وتعقبه تلميذه القرطبي أيضاً في التذكرة فقال: هذا حسن لولا ما جاء من حديث علي، يعني الذي أخرجه ابن المبارك في الزهد من طريق عبد الله بن الحارث عن علي قال: أول من يكسى يوم القيامة خليل الله عليه السلام قبطيتين، ثم يكسى محمد صلى الله عليه وسلم حلة حيرة عن يمين العرش. قال الحافظ: كذا ورد مختصراً موقوفاً. وأخرجه أبو يعلي مطلولا مرفوعاً. وأخرج البيهقي من طريق ابن عباس نحو حديث الباب وزاد: وأول من يكسى من الجنة إبراهيم يكسى حلة من الجنة، ويؤتى بكرسي فيطرح عن يمين العرش، ثم يؤتى بي فأكسى حلة من الجنة لا يقوم لها البشر. ثم يؤتى بكرسي فيطرح على ساق العرش، وهو عن يمين العرش. وفي مرسل عبيد بن عمير عند جعفر الفريابي: يحشر الناس حفاة عراة، فيقول الله تعالى: أرى خليلي عرياناً فيكسى إبراهيم ثوباً أبيض، فهو أول من يكسى قيل الحكمة في كون إبراهيم أول من يكسى أنه جرد حين ألقي في النار. وقيل لأنه أول من استن التستر بالسراويل. وقد أخرج ابن مندة من حديث حيدة رفعه قال: أول من يكسى إبراهيم يقول الله أكسو خليلي ليعلم الناس اليوم فضله عليهم. قال الحافظ: لا يلزم من تخصيص

(7/108)


أَصْحَابِي بِرِجَالٍ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشّمَالِ، فَأَقُولُ يَا رَبّ أَصْحَابيْ فَيُقَالُ: إِنّكَ لاَ تَدْرِي مَا أَحدَثُوا بَعْدَكَ إِنّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ. فَأَقُولُ كَمَا قَالَ العَبْدُ الصّالِحُ: { إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ
__________
إبراهيم عليه السلام بأنه أول من يكسى أن يكون أفضل من نبينا عليه الصلاة والسلام مطلقاً انتهى "ويؤخذ من أصحابي برجال ذات اليمين وذات الشمال" أي إلى جانب اليمين وإلى جانب الشمال، قال الحافظ: وبين في حديث أنس الموضع ولفظه: "ليردن عليّ ناس من أصحابي الحوض، حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني" الحديث. وفي حديث أبي هريرة عند مسلم: "ليذادن رجال عن حوض كما يذاد البعير الضال، أناديهم ألا هلم" "فأقول يا رب أصحابي" أي هؤلاء أصحابي. ولأحمد والطبراني من حديث أبي بكرة رفعه: "ليردن على الحوض رجال ممن صحبني ورآني" . وسنده حسن. وللطبراني من حديث أبي الدرداء نحوه قاله الحافظ "إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم" هذا بيان لقوله: ما أحدثوا بعدك. قال النووي: هذا مما أختلف العلماء في المراد على أقوال.
أحدها : أن المراد به المنافقون والمرتدون فيجوز أن يحشروا بالغرة والتحجيل فيناديهم النبي صلى الله عليه وسلم للسيما التي عليهم فيقال ليس هؤلاء ممن وعدت بهم. إن هؤلاء بدلوا بعدك، أي لم يموتوا على ما ظهر من إسلامهم.
والثاني : أن المراد من كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ثم ارتد بعده فيناديهم النبي صلى الله عليه وسلم وإن لم يكن عليهم سيما الوضوء لما كان يعرفه صلى الله عليه وسلم في حياته من إسلامهم فيقال ارتدوا بعدك.
والثالث : أن المراد أصحاب المعاصي الكبائر الذين ماتوا على التوحيد وأصحاب البدع الذين لم يخرجوا ببدعتهم عن الإسلام. وعلى هذا القول لا يقطع لهؤلاء الذين يذادون بالنار بل يجوز أن يذادوا عقوبة لهم ثم يرحمهم الله سبحانه وتعالى فيدخلهم الجنة بغير عذاب. قال أصحاب هذا القول: ولا يمتنع أن يكون لهم غرة وتحجيل ويحتمل أن يكون كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وبعده لكن عرفهم بالسيما وقال الحافظ ابن عبد البر: كل من أحدث في الدين فهو من المطرودين

(7/109)


َإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} .
2540-حدثنا مُحمدُ بنُ بَشّارٍ وَمُحمّدُ بنُ المُثَنّى، قَالاَ أَخْبَرَنَا مُحمّدُ بنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ المُغِيرَةِ بنِ النّعْمَانِ بهذا الإِسناد فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
هذا حديث حسن صحيح.
2541-حدثنا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ، أخبرنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ، أخبرنا بَهْزُ بنُ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدّهِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إِنّكُمْ محْشَرُونَ رِجَالاً وَرُكْبَاناً وَتُجَرّونَ عَلَى وُجُوهِكُم" وَفِي البَابِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ.
هذا حديثٌ حَسَنٌ.
__________
عن الحوض كالخوارج والروافض وسائر أصحاب الهوى. قال: وكذلك الظلمة المترفون في الجور وطمس الحق والمعادون بالكبائر قال: وكل هؤلاء يخاف عليهم أي يكونوا ممن عنوا بهذا الخبر انتهى كلام النووي رحمه الله "فأقول كما قال العبد الصالح" أي عيسى عليه الصلاة والسلام "إن تعذبهم الخ" وفي المشكاة: {وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم} إلى قوله { الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} وهذه الاَية في آخر سورة المائدة. وحديث ابن عباس هذا أخرجه الشيخان أيضاً.
قوله : "إنكم تحشرون رجالا" بكسر الراء جمع راجل أي مشاة "وركباناً" أي على النوق وهو بضم الراء جمع راكب وهم السابقون الكاملو الإيمان. قال التوربشتي: فإن قيل لم بدأ بالرجال بالذكر قيل أول السابقة؟ قلنا لأنهم هم الأكثرون من أهل الإيمان "وتجرون" بصيغة المجهول من الجر.
قوله : "وفي الباب عن إبي هريرة" أخرجه الترمذي في القدر وفي تفسير سورة القمر. وأخرجه أيضاً أبو داود وابن جرير وابن مردويه والبيهقي في البعث.
قوله : "هذا حديث حسن" قال الحافظ في الفتح وحديث معاوية بن حيدة جد بهز بن حكيم رفعه: إنكم محشورون، ونحا بيده نحو الشام، رجالا وركباناً وتجرون على وجوهكم. أخرجه الترمذي والنسائي وسنده قوي انتهى.

(7/110)


4 -باب مَا جَاءَ فِي الْعَرْض
2542-حدثنا أَبُو كُرَيْبٍ، حدثنا وَكِيعٌ عَنْ عَلِيّ بن علي، عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يُعْرَضُ النّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلاَثَ عَرَضَاتٍ، فَأَمّا عَرْضَتَانِ فَجِدَالٌ وَمَعَاذِيرُ وَأَمّا العَرْضَةُ الثّالِثَةُ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَطِيرُ الصّحُفُ فِي الأَيْدِي فَآخِذٌ بِيَمِنِهِ وَآخِذٌ بِشِمَالِهِ" .
وَلاَ يَصِحُ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ قِبَلِ أَنّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبي هُرَيْرَةَ
__________
"باب مَا جَاءَ فِي الْعَرْض"
قوله: "يعرض الناس" أي على الله "ثلاث عرضات" بفتحتين، قيل أي ثلاث مرات.
فأما المرة الأولى فيدفعون عن أنفسهم ويقولون لم يبلغنا الأنبياء ويحاجون الله تعالى.
وفي الثانية يعترفون ويعتذرون بأن يقول كل فعلته سهواً وخطأ أو جهلا ونحو ذلك. وهذا معنى قوله "فأما عرضتان فجدال ومعاذير" جمع معذرة ولا يتم قضيتهم في المرتين بالكلية "فعند ذللك تطير الصحف" بضمتين جمع الصحيفة وهو المكتوب أي يسرع وقوعها "في الأيدي" أي أيدي المكلفين "فآخذ بيمينه وآخذ بشماله" الفاء تفصيلية أي فمنهم آخذ بيمينه وهو من أهل السعادة، ومنهم آخذ بشماله وهو من أهل الشقاوة. هذا كله من المرقاة شرح للكشاة. وقال في الفتح بعد ذكر حديث الباب: قال الترمذي: الحكيم الجدال للكفار يجادلون لأنهم لا يعرفون ربهم فيظنون أنهم إذا جادلوا نجوا والمعاذير اعتذار الله لاَدم وأنبيائه بإقامته الحجة على أعدائه، والثالثة للمؤمنين وهو العرض الأكبر.
قوله : "من قبل أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة" بكسر القاف وفتح الموحدة أي من جهة عدم سماع الحسن من أبي هريرة، فالحديث منقطع وقد صرح

(7/111)


وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ، عَنْ عَلِيّ بن عَلِيً، وَهُوَ الرّفَاعِيّ عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنْ النبيّ صلى الله عليه وسلم.
__________
الحافظ في تهذيب التهذيب بعدم سماعه منه. وقد نقل عن غير واحد من أئمة الحديث أنه لم يسمع منه. "وقد رواه بعضهم عن علي بن علي وهو الرفاعي عن الحسن عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم" قال الحافظ في الفتح بعد نقل كلام الترمذي هذا وهو عند ابن ماجه وأحمد من هذا الوجه مرفوعاً. وأخرجه البيهقي في البعث بسند حسن عن عبد الله بن مسعود موقوفاً.

(7/112)


5 -باب مِنْه
2543-حدثنا سُوَيْدُ بنُ نَصْرٍ، أخبرنا ابنُ المُبَارَكِ، عَنْ عُثْمَانَ بنِ الأَسودِ، عَنْ ابنِ أَبي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ"، قلت: يَا رَسُولَ الله إِن الله تعالى يَقُولُ: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً} قَالَ: "ذَلِكَ العَرْضُ" .
__________
"باب منه"
قوله: "عن عثمان بن الأسود" بن موسى المكي مولى بن جمع، ثقة ثبت من كبار السابعة.
قوله : "من نوقش الحساب" قال صاحب الفائق: يقال ناقشه الحساب إذا عاسره فيه واستقصى فلم يترك قليلا ولا كثيراً. وقال الحافظ: الحساب بالنصب على نزع الخافض والتقدير نوقش في الحساب "هلك" أي عذب في النار جزاء على السيئات التي أظهرها حسابه "قلت يا رسول الله" إن الله يقول: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً} ، وتمامه: {وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً} "قال ذاك العرض" بكسر الكاف وجوز الفتح على خطاب العام.

(7/112)


هذا حديثٌ صَحِيحٌ حَسَنٌ، وَرَوَاهُ أَيّوبُ أَيْضاً، عنْ ابنِ أَبِي مُلَيْكَةَ.
__________
والمعنى: إنما ذلك الحساب اليسير فيقوله تعالى عرض عمله لا الحساب على وجه المناقشة. قال القرطبي: معنى قوله إنما ذاك العرض أن الحساب المذكور في الاَية إنما هو أن تعرض أعمال المؤمن عليه حتى يعرف منة الله عليه في هترها عليه في الدنيا وفي عفوه عنها في الاَخرة كما في حديث ابن عمر في النجوى انتهى.
اعلم أنه وقع عند الشيخين في طريق ابن أبي مليكه عن القاسم بن محمد عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم: ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك. فقلت يا رسول الله أليس قد قال الله: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما ذلك العرض الحديث. فعلى هذه الرواية تظهر المعارضة بينها وبينقوله تعالى المذكور. قال الحافظ: وجه المعارضة أن لفظ الحديث عام في تعذيب كل من حوسب ولفظ الاَية دال على أن بعضهم لا يعذب.
وطريق الجمع أن المراد بالحساب في الاَية العرض وهو إبراز الأعمال وإظهارها فيعرف صاحبها بذنوبه ثم يتجاوز عنه انتهى.
قلت: ولا يظهر وجه المعارضة بين رواية الباب بلفظ: من نوقش الحساب هلك. وبينقوله تعالى المذكور، فتفكر.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.

(7/113)


6 -باب مِنْه
2544-حدثنا سُوَيْدُ بن نصر، أخبرنا ابنُ المُبَارَكِ، أخبرنا إِسْمَاعِيلُ بنُ مُسْلِمٍ عَنْ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:
__________
"باب منه"
قوله: "أخبرنا إسماعيل بن مسلم" المكي أبو إسحاق كان من البصرة، ثم سكن مكة، وكان فقيهاً ضعيف الحديث من الخامسة.

(7/113)


"يُجَاءُ بابنِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ كَأَنّهُ بَذَجٌ فَيُوقَفُ بَيْنَ يَدَيْ الله تَعَالَى فَيَقُولُ الله: أَعْطَيْتُكَ، وَخَوّلتُكَ، وَأَنْعَمْتُ عَلَيْكَ فَمَاذَا صَنَعْتَ؟ فَيَقُولُ جَمَعْتُهُ، وَثَمّرْتُهُ، وَتَرَكْتُهُ أَكْثَرَ مَا كَانَ فارْجِعْنِي آتِكِ بِهِ كُلّهِ. فَيَقُولُ: لَهُ: أَرِنِي مَا قَدّمْتَ. فَيَقُولُ يَا رَبّ جَمَعْتُهُ وَثمّرْتُهُ فَتَرَكْتُهُ أَكْثَرَ مَا كَانَ فارجِعْنِي آتِكِ بِهِ كُلّهِ. فَإِذَا عَبْدٌ لَمْ يُقَدّمْ خَيْراً فَيُمْضَى بِهِ إِلَى النّارِ" .
وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ الْحَسَنِ.قوله وَلَمْ يُسْنِدُوهُ وَإِسْمَاعِيلُ بنُ مُسْلِمٍ يُضَعّفُ فِي الْحَدِيثِ.
__________
قوله : "يجاء" أي يؤتى "كأنه بذج" بفتح موحدة وذال معجمة فجيم ولد الضأن معرب بره أراد بذلك هوانه وعجزه. وفي بعض الطرق فكأنه بذج من الذال وفي شرح السنة شبه ابن آدم بالبذج لصغاره وصغره، أي يكون حقيراً ذليلاً "فيوقف" أي ابن آدم "أعطيتك" أي الحياة والحواس والصحة والعافية ونحوها "وخولتك" أي جعلتك ذا خول من الخدم والحشم والمال والجاه وأمثالها "وأنعمت عليك" أي بإنزال الكتاب وبإرسال الرسول وغير ذلك "فماذا صنعت" أي فيما ذكر "فيقول جمعته" أي المال "وثمرته" بتشديد الميم أي نميته وكثرته "وتركته" أي في الدنيا عند موتي "أكثر ما كان" أي في أيام حياتي "فارجعني" بهمزة وصل أي ردني إلى الدنيا "آتك به كله" أي بإنفاقه في سبيلك، كما أخبر عن الكفار أنهم يقولون في الاَخرة: {رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ} "فيقول له" أي الرب لابن لاَدم "أرني ما قدمت" أي لأجل الاَخرة من الخير "فيقول" أي ثانياً كما قال أولا "فإذا عبد" الفاء فصيحة تدل على المقدر وإذا للمفاجأة وعبد خبر مبتدأ محذوف. أي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو عبد "لم يقدم" خيراً أي فيما أعطي ولم يمتثل ما أمر به ولم يتعظ ما وعظ به من قوله تعالى: {وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} ، {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ} "فيمضي به" بصيغة المجهول أي فيذهب به.

(7/114)


وَفِي البَابِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ.
2545-حدثنا عَبْدُ الله بنُ مُحمّدِ الزّهْرِيّ البَصْرِيّ، أخبرنا مَالِكُ بنُ سُعَيْرٍ أَبُو مُحمّدٍ التّمِيمِيّ الكُوفِيّ، حدثنا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ قَالاَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يُؤْتَى بِالعَبْدِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَقُولُ لَهُ: أَلَمْ أَجْعَلُ لَكَ سَمْعاً وَبَصَراً وَمَالاً وَوَلَداً وَسَخّرْتُ لَكَ الأَنْعَامَ وَالْحَرثَ وَتَرَكْتُكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ فكنتَ تَظُنّ أَنّكَ مُلاَقِي يَوْمَكَ هَذَا؟ قال: فَيَقُولُ لاَ. فَيَقُولُ الله لَهُ: الْيَوْمَ أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي" .
هذا حديثٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. وَمَعْنَى قوله: "اليَوْمَ أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيْتَنِي": يقول: اليَوْمَ أَتْرُكُكَ فِي العَذَابِ هكذا فَسّروهُ
وَقَدْ فَسَرّ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ هَذِهِ الاَيَةَ: {فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ} قالُوا: إِنما مَعْنَاهُ الْيَوْمَ نَتْرُكُهُمْ فِي الْعَذَابِ.
__________
قوله : "وفي الباب عن أبي هريرة" وأبي سعيد الخدري أخرجه الترمذي بعد هذا.
قوله : "حدثنا عبد الله بن محمد الزهري البصري" صدوق من صغار العاشرة "أخبرنا مالك بن سعير" بالتصغير ولاَخره راء ابن الخمس بكسر المعجمة وسكون الميم بعدها مهملة، لابأس به من التاسعة.
قوله : "ترأس" بوزن تفتح رأس القوم يرأسهم إذا صار رئيسهم ومقدمهم "وتربع" أي تأخذ ربع الغنيمة، يقال ربعت القوم إذا أخذت ربع أموالهم أي ألم أجعلك رئيساً مطاعاً، لأن الملك كان يأخذ ربع الغنيمة الجاهلية دون أصحابه ويسمى ذلك الربع المرباع.

(7/115)


7 -باب مِنْه
2546-حدثنا سُوَيْدُ بنُ نَصْرٍ، أخبرنا عَبْدُ الله بن المُبَارَكِ، أخبرنا سَعِيدُ بنُ أَبي أَيّوبَ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدٍ المُقْبُرِيّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: "قَرَأَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} قَالَ: "أَتَدْرُونَ مَا أَخْبَارُهَا؟" قَالُوا الله وَرَسُولْهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "فَإنّ أَخْبَارَهَا أَنْ تَشْهَدَ عَلَى كُلّ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ بِمَا عَمِلَ عَلَى ظَهْرِهَا، أَنْ تَقُولَ عَمِلَ كَذَا وَكَذَا يَوْمٍ كَذَا وَكَذَا، قال فهذا أَخْبَارُهَا، فَهَذَا أَمْرُهَا فَهَذِهِ أَخْبَارُهَا" .
هذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
__________
"باب منه"
قوله: "أخبرنا عبد الله" هو ابن المبارك "أخبرنا يحيى بن أبي سليمان المدني أبو صالح لين الحديث من السادسة" .
قوله : "تحدث" أي الأرض "ما أخبارها" بفتح الهمزة جمع خبر أي تحديثها "أن تشهد على كل عبد أو أمة" أي ذكر وأنثى "بما عمل" أي فعل كل واحد "أن تقول" بدل بعض من أن تشهد أو بيان. ويؤيده ما في رواية الجامع تقول بدون أن أو خبر مبتدأ محذوف. أي هي يعني شهادتها أن تقول "عمل" أي فلان "كذا وكذا" أي من الطاعة أو المعصية "في يوم كذا وكذا" أي من شهر كذا أو عام كذا "قال بهذا أمرها" أي بهذا المذكور أمر الله تعالى الأرض وفي بعض النسخ فهذا أمرها وفي بعضها فهذه أخبارها وفي بعضها فهذا أخبارها.
قوله : "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد وعبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان.

(7/116)


باب ما جاء في الصور
...
8 -باب مَا جَاءَ فِي شَأنِ الصّور
2547-حدثنا سُوَيْدُ بن نصر، أخبرنا عَبْدُ الله بنُ المُبَارَكِ، أخبرنا سُلَيْمَانُ التّيمِيّ عَنْ أَسْلَمَ العِجْلِيّ عَنْ بِشْرِ بنِ شَغَافٍ، عَنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْرِو بنِ الْعَاصِ قَالَ: "جَاءَ أَعْرَابِيٌ إِلَى النبيّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: مَا الصّورُ؟ "قَالَ: قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ" .
قال أبو عيسى هذا حديثٌ حَسَنٌ. وَقَدْ روى غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ التّيْمِيّ وَلاَ نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ حَدِيِثهِ.
2548-حدثنا سُوَيْدٌ، أخبرنا عَبْدُ الله، أخبرنا خَالِدٌ أَبُو الْعَلاَءِ، عَنْ عَطِيّةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال: قَالَ: رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "وَكَيْفَ
__________
"باب مَا جَاءَ فِي شَأنِ الصّور"
في صحيح البخاري قال مجاهد: الصور كهيئة البوق، انتهى. وقال صاحب الصحاح: البوق الذي يزمر به وهو معروف، والصور: إنما هو قرن كما جاء في الأحاديث المرفوعة، وقد وقع في قصة جده الأذان بلفظ البوق القرن في الاَلة التي يستعملها اليهود للأذان، ويقال إن الصور اسم القرن بلغة أهل اليمن وشاهده قول الشاعر: نحن نفخانهم غداة النقعين نفخاً شديداً لا كنفخ الصورين كذا في الفتح
قوله: "حدثنا سويد" هو ابن نصر "أخبرنا سليمان التيمي" هو ابن طرخان "عن أسلم العجلي" بكسر العين وسكون الجيم بصري ثقة من الرابعة "عن بشر بن شغاف" بفتح المعجمتين آخره فاء ضبي بصرى ثقة من الثالثة.
قوله : "قرن بنفح بصيغة المجهول" أي ينفخ فيه إسرافيل النفختين.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والدارمي والحاكم وصححه بان حبان والحاكم.
قوله : "أخبرنا خالد أبو العلاء" هو ابن طهمان الكوفي الخفاف مشهور بكنيته، صدوق رمى بالتشيع، ثم اختلط من الخامسة "عن عطية" بن سعد بن جنادة العوفي.

(7/117)


أَنْعَمُ وَصَاحِبُ القَرْنِ قَدْ الْتَقَمَ القَرْنَ وَاسْتَمَعَ الاْذْنَ مَتَى يُؤمَرُ بِالنّفْخِ فَيَنْفُخَ، فَكَأَنّ ذَلِكَ ثَقُلَ عَلَى أَصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال لهم: قُولُوا حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الوَكِيلُ عَلَى الله تَوَكّلْنَا" .
هذا حديثٌ حَسَنٌ. وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ هَذَا الْحَدِيثُ عنْ عَطِيّةَ، عَنْ أَبي سَعِيدٍ الخدري، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ.
__________
قوله : "وكيف" كذا في النسخ الحاضرة بالواو قيل كيف، وأخرجه في تفسير سورة الزمر بلفظ كيف أنعم الخ بدون الواو وهو الظاهر "أنعم" أي أفرح وأتنعم من نعم عيشه كفرح اتسع ولان كذا في المصباح. وفي النهاية: هو من النعمة بالفتح وهي المسرة والفرح والترفه "وصاحب القرن قد التقم القرن" أي وضع طرف القرن في فمه "واستمع الإذن مني يؤمر بالنفخ فينفخ. وفي رواية الترمذي في التفسير: وحنى جبهته وأصغى سمعه ينتظر أن يؤمر أن ينفخ. والظاهر أن كلا من الالتقام والإصغاء على الحقيقة وأنه عبادة لصاحبه بل هو مكلف به. وقال القاضي رحمه الله: معناه كيف يطيب عيشي وقد قرب أن ينفخ في الصور فكنى عن ذلك بأن صاحب الصور وضع رأس الصور في فمه وهو مترصد مترقب لأن يؤمر فينفخ فيه "فكأن ذلك ثقل على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم" وفي التفسير: قال المسلمون فكيف نقول يا رسول الله "حسبنا الله" مبتدأ وخبر أي كافينا الله "ونعم الوكيل" فعيل بمعنى المفعول، والمخصوص بالمدح محذوف، أي نعم الموكول إليه الله.
قوله : "هذا حديث حسن" وأخرجه الحاكم وصححه. قال الحافظ في الفتح بعد ذكر حديث أبي سعيد هذا: وأخرجه الطبراني من حديث زيد ين أرقم وابن مردويه من حديث أبي هريرة ولأحمد والبيهقي من حديث ابن عباس وفيه جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره وهو صاحب الصور يعني إسافيل. وفي أسانيد كل منها مقال. وللحاكم بسند حسن عن يزيد بن الأصم عن أبي هريرة رفعه: إن طرف صاحب الصور منذ وكل به مستعد ينظر نحو العرش مخافة أن يؤمر قبل أن يرتد إليه طرفه كأن عينيه كوكبان دويان انتهى.

(7/118)


9-باب مَا جَاءَ فِي شَأْنِ الصّراط
2549-حدثنا عَلِيّ بنُ حُجْرٍ، أخبرنا عَلِيّ بنُ مُسْهِرٍ، عَنْ عَبْدِ الرّحمنِ بنِ إِسْحَاقَ، عَنْ النّعْمَانِ بنِ سَعْدٍ، عَنْ المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ قَالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "شِعَارُ المُؤْمِنِينَ عَلَى الصّرَاطِ: رَبّ سَلّم سَلّم" .
هذا حديثٌ غَرِيبٌ من حديث المغيرة بنِ شعبة لاَ نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ حَدِيث عَبْدِ الرحمنِ بنِ إِسْحَاقَ، وفي البَابِ، عن أَبي هُرَيْرَةَ.
2550-حدثنا عَبْدُ الله بنِ الصّبّاحِ الْهَاشِمِيّ، حدثنا بَدَلُ بنُ المحَبّر، أَخْبَرَنَا حَرْبُ بنُ مَيْمُونٍ الأَنْصَارِيّ أَبُو الْخَطّابِ، أَخْبَرنَا النّضْرُ
__________
"باب مَا جَاءَ فِي شَأْنِ الصّراط"
قوله: "شعار المؤمنين" بكسر الشين المعجمة، أي علامتهم التي يتعارفون بها "رب سلم سلم" أمر مخاطب أي يقول كل منهم يا رب سلمنا من ضرر الصراط، أي اجعلنا سالمين من آفاته آمنين من مخافاته. وفي الجامع الصغير: شعار أمتي إذا حملوا على الصراط يالا إله إلا أنت. رواه الطبراني في الكبير عن ابن عمرو. وقال المناوي: وكذا في الأوسط. وقال في شرح قوله يالا إله إلا أنت: أي يالله لا إله إلا أنت: وقال: الأول يعني قولهم رب سلم سلم شعار أهل الإيمان من جميع الأمم. والثاني شعار أمته خاصة فهم يقولون هذا وهذا انتهى. وفي حديث أبي هريرة عند البخاري وغيره قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأكون أول من يجيز، ودعاء الرسل يومئذ اللهم سلم سلم. قال الحافظ: قوله ودعاء الرسل يومئذ اللهم سلم سلم في رواية شعيب: ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل. وفي رواية إبراهيم بن سعد: ولا يكلمه إلا الأنبياء ودعوى الرسل يومئذ اللهم سلم سلم ثم ذكر حديث المغيرة الذكرة في هذا الباب ثم قال: ولا يلزم من كون هذا. الكلام شعار المؤمنين أن ينطقوا به بل تنطق به الرسل يدعون للمؤمنين بالسلامة فسمي ذلك شعاراً لهم فبهذا تجتمع الأخبار انتهى.
قوله : "هذا حديث غريب" وأخرجه الحاكم.
قوله : "حدثنا حرب بن ميمون الأنصاري أبو الخطاب" هو حرب بن

(7/119)


بنُ أَنَسِ بنِ مَالِكِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلْتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَشْفَعَ لِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَالَ: "أَنَا فَاعِلٌ". قال: قُلْتُ يَا رَسُولَ الله فَأَيْنَ أَطْلُبُكَ؟ قَالَ: "اطْلُبْنِي أَوّلَ مَا تَطْلُبُنِي عَلَى الصّرَاطِ"، قال: قُلْتُ فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ عَلَى الصّرَاطِ"، قَالَ: "فَاطْلُبْنِي عِنْدَ المِيزَانِ"، قلت: فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ عِنْدَ المِيزَانِ؟ قَالَ: "فَاطْلُبْنِي عِنْدَ الْحَوْضِ، فَإِنّي لاَ أُخْطِئُ هَذِهِ الثّلاَثَ المَوَاطِنَ" .
__________
ميمون الأكبر صدوق رمى بالقدر من السابعة "أخبرنا النضر بن أنس بن مالك" الأنصاري أبو مالك البصري ثقة من الثالثة "عن أبيه" أي أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قوله : "قال سألت النبي صلى الله عليه وسلم أن يشفع لي يوم القيامة" أي الشفاعة الخاصة من بين هذه الأمة دون الشفاعة العامة "قلت يا رسول الله فأين أطلبك" قال الطيبي رحمه الله أي في أي موطن من المواطن التي أحتاج إلى شفاعتك أطلبك لتخلصني من تلك الورطة، فأجاب: علي الصراط وعند الميزان والحوض أي أفقر الأوقات إلى شفاعتي هذه المواطن، فإن قلت كيف التوفيق بين هذا الحديث وحديث عائشة: فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة، فقال صلى الله عليه وسلم: "أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحداً" . قلت جوابه لعائشة بذلك لئلا تتكل على كونها حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجوابه لأنس كيلا ييأس انتهى. قال القاري: فيه أنه خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو محل الاتكال أيضاً مع أن اليأس غير ملائم لها أيضاً، فالأوجه، أن يقال إن الحديث الأول محمول على الغائبين فلا أحد يذكر أحداً من أهله الغيب والحديث الثاني محمول على من حضره من أمته انتهى "قال اطلبني أول ما تطلبني" أي في أول طلبك إياي "على الصراط" فما مصدرية وأول نصب على الظرفية. وقال الطيبي: نصبه على المصدرية "قال فاطلبني عند الميزان" فيه إيذان بأن الميزان بعد الصراط "فإني لا أخطئ" بضم همز وكسر الطاء بعدها همز، أي لا أتجاوز. والمعنى: أني لا أتجاوز هذه المواطن الثلاثة ولا أحد يفقدني فيهن جميعهن فلا بد أن تلقاني في موضع منهن. والحديث يدل على أن الحوض بعد الصراط وإلى ذلك أشار البخاري في صحيحه.

(7/120)


هذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
__________
قال الحافظ في الفتح: إيراد البخاري لأحاديث الحوض بعد أحاديث الشفاعة وبعد نصب الصراط إشارة منه إلى أن الورود على الحوض يكون بعمد نصب الصراط والمرور عليه، ثم ذكر حديث أنس بن مالك المذكور في هذا الباب ثم قال: وقد استشكل كون الحوض بعد الصراط بما ثبت أن جماعة يدفعون عن الحوض بعد أن يكادوا يردون ويذهب بهم إلى النار. ووجه الإشكال أن الذي يمر على الصراط إلى أن يصل إلى الحوض يكون قد نجا من النار، فكيف يرد إليها؟ ويمكن أن يحمل على أنهم يقربون من الحوض بحيث يرونه ويرون النار فيدفعون إلى النار قبل أن يخلصوا من بقية الصراط. وقال أبو عبد الله القرطبي في التذكرة: ذهب صاحب القوت وغيره إلى أن الحوض يكون بعد الصراط. وذهب آخرون إلى العكس. والصحيح أن للنبي صلى الله عليه وسلم حوضين، أحدهما في الموقف قبل الصراط. والاَخر داخل الجنة، وكل منهما يسمى كوثر انتهى.
وقد تعقب الحافظ على القرطبي في قوله: والصحيح أن للنبي صلى الله عليه وسلم حوضين الخ، وبسط الكلام فيه.
قوله : "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد.

(7/121)


10-باب مَا جَاءَ فِي الشّفَاعَة
2551 أخبرنا سُوَيْدٌ بنُ نصرٍ، أخبرنا عَبْدُ الله بنُ المُبَارَكِ، أخبرنا أَبُو حَبَانَ التّيْمِيّ، عَنْ أَبي زُرْعَةَ بنِ عَمْرِو بنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: "أُتِيَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِلَحْمٍ فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذّرَاعُ
__________
"باب مَا جَاءَ فِي الشّفَاعَة"
قوله: "أخبرنا أبو حبان بتشديد التحتانية التيمي" قال في التقريب: اسمه يحيى بن سعيد بن حيان بمهملة وتحتانية الكوفي، ثقة عابد من السادسة.

(7/121)


فَأَكَلَهُ وَكَانَ يُعْجِبُهُ فَنَهَسَ مِنْهُ نَهْسَةً ثُمّ قَالَ: "أَنَا سَيّدُ النّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ هَلْ تَدْرُونَ لِمَ ذَاكَ؟ يَجْمَعُ الله النّاسَ الأَوّلِينَ وَالاَخِرِينَ في صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَيُسْمِعُهُمْ الدّاعِي وَيَنْفُذُهُمْ الْبَصَرُ وَتَدْنُو الشّمْسُ منهم فَيَبْلُغُ
__________
قوله : "وكان يعجبه" قال القاضي عياض: محبته صلى الله عليه وسلم للذراع لنضجها وسرعة استمرائها مع زيادة لذتها وحلاوة مذاقها، وبعدها عن مواضع الأذى انتهى كلامه. وقد روى الترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما كانت الذراع أحب اللحم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن كان لا يجد اللحم إلا غباً، فكان يعجل إليها لأنها أعجلها نضجاً "فنهش منه نهشة" بالشين المعجمة. وفي بعض النسخ بالسين المهملة، ووقع في رواية مسلم بالسين المهملة. قال القاضي عياض: أكثر الرواة رووه بالمهملة ووقع لابن ماهان بالمعجمة وكلاهما صحيح بمعنى أخذ بأطراف أسنانه. قال الهروي: قال أبو العباس: النهس بالمهملة بأطراف الأسنان، وبالمعجمة بالأضراس،، ثم قال: أنا سيد الناس يوم القيامة. إنما قال هذا صلى الله عليه وسلم تحدثاً بنعمة الله تعالى وقد أمره الله تعالى بهذا نصيحة لنا بتعريفنا حقه صلى الله عليه وسلم. قال القاضي عياض: قيل السيد الذي يفوق قومه والذي يزع إليه في الشدائد النبي صلى الله عليه وسلم سيدهم في الدنيا والاَخرة، وإنما خص يوم القيامة لارتفاع السؤدد فيها، وتسليم جميعهم له، ولكون آدم وجميع أولاده تحت لوائه صلى الله عليه وسلم كما قال الله تعالى: { لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} أي انقطعت دعاوي الملك في ذلك اليوم "هل تدرون لم" أي لأي وجه "ذاك" أي كوني سيد الناس يوم القيامة "في صعيد واحد" الصعيد هو الارض الواسعة المستوية "فيسمعهم" من الإسماع أي أنهم بحيث إذا دعاهم داع سمعوه "وينفذهم البصر" بفتح أوله وضم الفاء من الثلاثي أي يحزفهم وبضم أوله وكسر الفاء من الرباعي، أي يحيط بهم والذال معجمة في الرواية.
وقال أبو حاتم السجستاني: أصحاب الحديث يقولونه بالمعجمة وإنما هو بالمهملة ومعناه يبلغ أولهم وآخرهم. وأجيب بأن المعنى يحيط بهم الراثي لا يخفي عليه منهم

(7/122)


النّاسَ مِنَ الغَمّ وَالكَرْبِ مَالاَ يُطِيِقُونَ وَلاَ يَتَحَمّلُونَ، فَيَقُولُ النّاسُ بَعَضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَلاَ تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغْكُمْ أَلاَ تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبّكُمْ؟ فَيَقُولُ النّاسُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَلَيْكُمْ بِآدَمَ فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ أَبُو البَشَرِ خَلَقْكَ الله بِيَدِهِ وَ نَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وَأَمَرَ المَلاَئِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبّكَ أَلاَ تَرى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلاَ تَرَى مَا قَدْ بَلَغْنَا؟ فَيَقُولُ لَهُمْ آدَمُ إِنّ رَبّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ. وَإِنّهُ قَدْ نَهَانِي عَنْ الشّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ. نَفْسِيْ نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ، فَيَأْتُونَ نُوحاً فَيَقُولُونَ: يا نُوحُ أَنْتَ أَوّلُ الرّسُلِ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ وَقَدْ
__________
شيء لاستواء الأرض فلا يكون فيها ما يستتر أحد به من الرائي، وهذا أولى من قول أبي عبيدة يأتي عليهم بصر الرحمن. إذ رؤية الله تعالى محيطة بجمعهم في كل حال سواء الصعيد المستوى وغيره، ويقال نفذه البصر إذ بلغه وجاوزه والنفاذ الجواز والخلوص من الشيء ومنه نفذ السهم نفوذاً إذا خرق الرمية وخرج منها كذا في الفتح. وقال النووي: بعد ذكر هذه الاختلافات ما لفظه فحصل خلاف في فتح الياء وضمها وفي الذال والدال وفي الضمير في ينفذهم والأصح فتح الياء وبالذال المعجمة وأنه بصر المخلوق انتهى "فيبلغ الناس" بالنصب أي فيلحقهم "من الغم" أي من أجله وسببه "والكرب" وهو الهم الشديد "مالا يطيقون" أي مالا يقدرون على الصبر عليه "ولا يتحملون" فيجزعون ويفزعون "ألا ترون ما قد بلغكم" أي لحقكم من الغم أو الكرب "ألا تنظرون" أي ألا تتأملون ولا تتفكرون أو لا تبصرون "من يشفع لكم إلى ربكم" أي ليريحكم من هذا الهم والغم "نفسي نفسي نفسي" أي نفسي هي التي تستحق أن يشفع لها "فيقولون يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض" استشكلت هذه الأولية بأن آدم عليه السلام نبي مرسل وكذا شيث وإدريس وغيرهم. وأجيب بأن الأولية مفيدة بقوله الى أهل الأرض

(7/123)


سَمّاكَ الله عَبْداً شَكُوراً،. اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبّكَ أَلاَ تَرَى إلى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلاّ تَرَى مَا قَدْ بَلَغْنَا؟ فَيَقُولُ لَهُمْ نُوحُ: إِنّ رَبّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنّهُ قَدْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ دعَوْتُهَا عَلَى قَوْمِي نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى
__________
ويشكل ذلك بحديث جابر في البخاري في التميم: وكان النبي يبعث خاصة إلى قوم خاصة ويجاب بأن العموم لم يكن في أصل بعثة نوح وإنما اتفق باعتبار حصر الخلق في الموجودين بعد هلاك سائر الناس انتهى. وفيه نظر ظاهر لا يخفي، وقيل إن الثلاثة كانوا أنبياء لم يكونوا رسلا ويرد عليه حديث أبي ذر عند ابن حيان فإنه كالصريح بإنزال الصحف على شيث وهو علامة الإرسال انتهى وفيه بحث، إذ لا يلزم من إنزال الصحف أن يكون المنزل عليه رسولا لاحتمال أن يكون في الصحف ما يعمل به بخاصة نفسه، ويحتمل أن لا يكون فيه أمر نهي. بل مواعظ ونصائح تختص به، فالأظهر أن يقال الثلاثة كانوا مرسلين إلى المؤمنين والكافرين وأما نوح عليه السلام فإنما أرسل إلى أهل الأرض وكلهم كانوا كفاراً هذا وقد قيل هو نبي مبعوث أي مرسل ومن قبله كانوا أنبياء غير مرسلين كآدم وإدريس عليهما السلام فإنه جد نوح على ما ذكره المؤرخون. قال القاضي عياض: قيل إن إدريس هو إالياس وهو نبي من بني إسرائيل فيكون متأخراً عن نوح فيصح أن نوحاً أول نبي مبعوث مع كون إدريس نبياً مرسلا. وأما آدم وشيث فهما وإن كانا رسولين إلا أن آدم أرسل إلى بنيه ولم يكونوا كفاراً بل أمر بتعليمهم الإيمان وطاعة الله. وشيثاً كان خلفاً له فيهم بعده بخلاف نوح فإنه مرسل إلى كفار أهل الأرض وهذا أقرب من القول بأن آدم وإدريس لم يكونا رسولين، كذا في المرقاة "وقد سَمّاك الله عبداً شكوراً" أي فيقوله تعالى: {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً} ، "وإنه قد كانت لي دعوة دعوتها على قومي" وفي حديث أنس عند البخاري فيقول: لست هناكم ويذكر خطيئته. قال الحافظ في رواية هشام: ويذكر سؤال ربه ماليس به علم وفي حديث أبي هريرة: إني دعوت بدعوة أغرقت أهل الأرض ويجمع بينه وبين الأول بأنه اعتذر بأمرين أحدهما

(7/124)


إِبْرَاهِيمَ، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ، فَيَقُولُونَ: يَا إِبْرَاهِيمُ أَنْتَ نَبِيّ الله وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبّكَ، أَلاَ تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ، فَيَقُولُ: إِنّ رَبّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَإِنّي قَدْ كَذَبْتُ ثَلاَثَ كَذِبَاتٍ. فَذَكَرَهُنّ أَبُو حَيّانَ في الْحَدِيثِ: نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى، فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُونَ: يَا مُوسَى أَنْتَ رَسُولُ الله فَضّلَكَ الله بِرِسَالَتِهِ وَبِكلاَمِهِ عَلَى البشر، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبّكَ. أَلاَ تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ: إِنّ رَبّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَإِنّي قَدْ قَتَلْتُ نَفْساً لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى، فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُونَ: يَا عِيسَى أَنْتَ رَسُولُ الله وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ وَكَلّمْتَ النّاسَ في المَهْدِ. اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِكَ أَلاَ تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ: عِيسَى إِنّ رَبّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبْ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ ذَنْباً نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي،
__________
نهى الله تعالى أن يسأل ما ليس له به علم، فخش أن تكون شفاعته لأهل الموقف من ذلك. ثانيهما أن له دعوة واحدة محققة الإجابة وقد استوفاها بدعائه على أهل الأرض. فخشى أن يطلب فلا يجاب. وقال بعض الشراح: كان الله وعد نوحاً أن ينجيه، وأهله فلما غرق ابنه ذكر لربه ما وعده، فقيل له المراد من أهلك من آمن وعمل صالحاً فخرج ابنك منهم فلا تسأل ما ليس لك به علم، "وإني قد كذبت ثلاث كذبات" وهي قوله: إني سقيم وقوله: فعله كبيرهم هذا. وقوله: لا مرأته أخبريه أني أخوك. قال البيضاوي: الحق أن الكلمات الثلاث إنما كانت من معاريض الكلام، لكن لما كانت صورتها صورة الكذب أشفق منها استصغاراً لنفسه عن الشفاعة مع وقوعها، لأن من كان أعرف بالله وأقرب منزلة كان أعظم خوفاً

(7/125)


اذْهَبُوا إِلَى مُحمّدٍ صلى الله عليه وسلم قَالَ: فَيَأْتُونَ مُحمّداً صلى الله عليه وسلم فَيَقُولُونَ: يَا مُحمّدُ أَنْتَ رَسُولُ الله وَخَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ: وَقد غُفِرَ لَكَ مَا تَقَدّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخّرَ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبّكَ أَلاّ تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ، فأَنْطَلِقُ فَآتِي تَحْتَ العَراشِ فَأَخِرّ سَاجِداً لِرَبّي. ثُمّ يَفْتَحُ الله عَلَيّ مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئاً لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي. ثُمّ يُقَالُ: يَا مُحمّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ سَلْ تُعْطَهُ وَاشْفَعْ تُشَفّعْ. فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَقُولُ يَا رَبّ أُمّتِي يَا رَبّ أُمّتِي يَا رَبّ أُمّتِي، فَيَقُولُ: يَا مُحمّدُ أَدْخِلْ مِنْ أُمّتِكَ مَنْ لاَ حِسَابَ عَلَيْهِ مِنَ البَابِ الأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنّةِ وَهُمْ شُرَكَاءُ النّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الأَبْوَابِ" . ثُمّ قالَ: "وَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنّ مَا بَيْنَ المِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنّةِ كَمَا بَيْنَ مَكّةَ وَهُجَرَ وَكَمَا بَيْنَ مَكّةَ وَبُصْرى" .
__________
"ولم يذكر ذنباً" قال الحافظ: ولكن وقع في رواية الترمذي من حديث أبي نضرة عن أبي سعيد: إني عبدت من دون الله. وفي رواية أحمد والنسائي من حديث ابن عباس: إني اتخذت إلهاً من دون الله. وفي رواية ثابت عند سعيد بن منصور نحوه وزاد: وإن يغفر لي اليوم حسبي "يا رب أمتي. يا رب أمتي. يا رب أمتي" أي أرحمهم واغفر لهم التكرار للتذكير "وهم" أي من لاحساب عليهم "شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب" أي ليسوا ممنوعين من سائر الأبواب بل هم مخصوصون للعناية بذلك الباب. قال في القاموس: المصراعان من الأبواب والشعر ما كانت قافيتان في بيت، وبابان منصوبان ينضمان جميعاً مدخلهما في الوسط منهما "كما بين مكة وهجر" بفتحتين مصروفاً وقد لا يصرف، ففي الصحاح: هجر اسم بلد مذكر مصروف. وقيل هي قرية من قرى البحرين. وقيل من قرى المدينة. قال القاري: والأول هو المعول.
وكذا صحح القول الأول الشيخ عبد الحق في اللمعات.
قلت: وهو الظاهر. وفي بعض النسخ بين مكة وحمير وهو بكسر الحاء المهملة

(7/126)


وفي البَابِ، عن أَبي بَكْرٍ الصّدّيقِ، وَأَنَسٍ، وَعُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ، وَأَبي سَعِيدٍ.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ..
__________
وفتح التحتية بينهما ميم ساكنة آخره راء أي صنعاء لأنها بلد حمير. ووقع في رواية البخاري في تفسير سورة بني إسرائيل: كما بين مكة وحمير "وكما بين مكة وبصرى" بضم الموحدة مدينة بالشام بينها وبين دمشق ثلاث مراحل.
اعلم أنه وقع في النسخ الحاضرة وكما بين مكة وبصرى بالواو، والظاهرة أن الواو هنا بمعنى أو، وقد وقع في رواية البخاري المذكورة: كما بين مكة وحمير، أو كما بين مكة وبصرى بلفظ أو.
قوله : "وفي الباب عن أبي بكر" أخرجه أحمد والبزار وأبو يعلي وابن حبان في صحيحه "وأنس" أخرجه الشيخان "وعقبه" بن عامر لينظر من أخرجه "وأبي سعيد" أخرجه الترمذي في تفسير سورة بني إسرائيل.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان

(7/127)


11 -باب منه
2552-حدثنا العَبّاسُ العَنْبَرِيّ، حدثنا عَبْدُ الرّزَاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن ثَابِتٍ، عن أَنَسٍ قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "شَفَاعَتِي لاِهْلِ الكَبَائِرِ مِنْ أُمَتِي" .
__________
"باب منه"
قوله: "شفاعتي" قال المناوي في التيسير: الإضافة بمعنى ال العهدية، أي الشفاعة التي وعدني الله بها ادخرتها "لأهل الكبائر من أمتي" أي لوضع السيئات والعفو عن الكبائر. وأما الشفاعة لرفع الدرجات فلكل من الأتقياء والأولياء وذلك متفق عليه بين أهل الملة. وقال الطيبي رحمه الله: أي شفاعتي التي تنجي الهالكين مختصة بأهل الكبائر. قال النووي في شرح مسلم قال القاضي عياض: مذهب أهل السنة جواز الشفاعة عقلاً ووجوبها سمعاً بصريح قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً} . وقوله تعالى: "وَلا يَشْفَعُونَ

(7/127)


هذا حديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غريبٌ من هذا الْوَجْهِ. وفي البابِ عن جَابِرٍ.
2553-حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ، أَخْبَرنَا أَبُو دَاودَ الطّيَالِسِيّ، عن محمد بنِ ثَابِتٍ البُنَانِيّ، عن جَعْفَرِ بنِ مُحمّدٍ، عن أَبِيهِ، عن جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "شَفَاعَتِي لاِهْلِ الكَبَائِرِ مِنْ أُمّتِي" .
__________
إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} وأمثالهما. وبخبر الصادق صلى الله عليه وسلم وقد جاءت الآثار التي بلغت بمجموعها التواتر بصحة الشفاعة في الاَخرة لمذنبي المؤمنين، وأجمع السلف الصالح ومن بعدهم من أهل السنة عليها، ومنعت الخوارج وبعض المعتزلة منها وتعلقوا بمذاهبهم في تخليد المذنبين في النار، واحتجوا بقوله تعالى: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} وبقوله تعالى: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ} ، وهذه الاَيات في الكفار. وأما تأويلهم أحاديث الشفاعة بكونها في زيادة الدرجات فباطل وألفاظ الأحاديث صريحة في بطلان مذهبهم وإخراج من استوجب النار لكن الشفاعة خمسة أقسام:
أولها : مختصة بنبينا صلى الله عليه وسلم، وهي الإراحة من هول الموقف وتعجيل الحساب.
الثانية : في إدخال قوم الجنة بغير حساب، وهذه أيضاً وردت لنبينا صلى الله عليه وسلم وقد ذكرها مسلم.
الثالثة : الشفاعة لقوم اسوجبوا النار فيشفع فيهم نبينا صلى الله عليه وسلم ومن يشاء الله تعالى.
الرابعة : في من دخل النار من المذنبين، فقد جاءت الأحاديث بإخراجهم من النار بشفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم والملائكة وإخوانهم من المؤمنين ثم يخرج الله تعالى كل من قال لا إله إلا الله كما جاء في الحديث: لا يبقى فيها إلا الكافرون.
الخامسة : الشفاعة في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها انتهى.
قوله : "وفي الباب عن جابر" أخرجه الترمذي في هذا الباب.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح الخ" وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم.

(7/128)


قالَ محمّدُ بنُ عَلِيّ: فَقَالَ لِي جَابِرٌ: يَا مُحْمّدُ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الكَبَائِرِ فَمَا لَهُ وَلِلشَفَاعَةِ.
هذا حديثٌ حسن غريبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ يُستغربُ من حديثِ جعفر بنِ مُحمدٍ.
2554-حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَرَفَةَ، أَخْبَرنَا إِسْمَاعِيلُ بنُ عَيّاشٍ، عن مُحمّدِ بنِ زِيَادٍ الأَلْهَانِيّ قال: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "وَعَدَنِي رَبّي أَنْ يُدْخِلَ الْجَنّةَ مِنْ أُمّتِي سَبْعِينَ أَلْفاً لاَ حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلاَ عَذَابَ، مَعَ كلّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفاً وَثَلاَثُ حَثَيَاتٍ مِنْ حثيَاتِ رَبّي" .
__________
قوله : "عن محمد بن ثابت البناني" البصري ضعيف من السابعة.
قوله : "قال محمد بن علي" هو والد جعفر الصادق المعروف بالباقر "يا محمد" هو محمد بن علي صاحب جابر "فماله وللشفاعة" يعني لا حاجة له إلى الشفاعة لوضع الكبائر والعفو عنها لعدمها. وأما ما دون الكبائر من الذنوب فيكفرها الطاعات، نعم له حاجة إلى الشفاعة لرفع الدرجات.
قوله : "هذا حديث غريب" وأخرجه ابن ماجة وابن حبان والحاكم والحديث ضعيف لضعف محمد بن ثابت ولكنه يعتضد بحديث أنس المذكور رواه الطبراني عن ابن عباس والخطيب عن ابن عمرو عن كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنهم. وفي رواية للخطيبب عن أبي الدرداء: شفاعتي لأهل الذنوب من أمتي وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي الدرداء. كذا في الجامع الصغير.
قوله : "عن محمد بن زياد الألهاني" بفتح الهمزة وسكون اللام أبي سفيان الحمصي ثقة من الرابعة.
قوله : "أن يدخل الجنة" من الإدخال "سبعين ألفاً" قال القاري: المراد به إما هذا العدد أو الكثرة انتهى. قلت الظاهر هنا هو الأول "وثلاث حثيات" بفتح الحاء والمثلثة جمع حثية. والحثية والحثوة يستعمل فيما يعطيه الأنسان بكفيه دفعة واحدة من غير وزن وتقدير: قال الزركشي: بالنصب عطف على سبعين وهو دفعة واحدة من غير وزن وتقدير: قال الزركشي: بالنصب عطف على سبعين وهو مفعول يدخل فيكون حينئذ ثلاث حثيات مرة فقط وبالرفع عطف على سبعون

(7/129)


هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
2555-حدثنا أَبُو كَرَيْبٍ، حدثنا إِسْمَاعِيلُ بنُ إِبْرَاهِيمَ، عن خَالِدٍ الحِذّاءِ، عن عَبْدِ الله بنِ شَقِيقٍ قالَ: كُنْتُ مَعَ رَهْطِ بإِيلِيَاءَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "يَدْخُلُ الْجَنّةَ بِشَفَاعَةِ رَجُلٍ مِنْ أُمّتِي أَكْثَرُ مِنْ بني تَمِيمٍ" قِيلَ: يَا رَسُولَ الله سِوَاكَ؟ قالَ: "سِوَايَ" فَلَمّا قَامَ قُلْتُ مَنْ هَذَا؟ قَالُوا هَذَا ابنُ أَبِي الْجَذْعَاءِ.
__________
الذين مع كل ألف، فيكون ثلاث حثيات سبعين مرة انتهى. قيل والرفع أبلغ قلت روى أحمد عن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً بغير حساب. فقال يزيد بن الأخنس والله ما أولئك في امتك إلا كالذباب الأصهب في الذباب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد وعدني سبعين ألفاً. مع كل ألف سعبين ألفاً وزادني ثلاث حثيات" . الحديث قال المنذري في الترغيب: ورواته محتج بهم في الصحيح فهذه الرواية تؤيد النصب.
قوله : "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد وابن ماجه.
قوله : "قال كنت مع رهط" قال في القاموس: الرهط ويحرك قوم الرجل وقبيلته، ومن ثلاثة أو سبعة إلى عشرة أو ما دون العشرة، وما فيهم امرأة، ولا واحد له من لفطه، جمعه أرهط وأراهط وأرهاط وأراهيط انتهى "بإبلياء" ككبرياء على الأشهر، وبالقصر مدينة بيت المقدس "فقال رجل" هو عبد الله بن أبي الجذعاء "بشفاعة رجل من أمتي أكثر من بني تميم" وهي قبيلة كبيرة وقال القاري: فقيل الرجل هو عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقيل أويس القرني، وقيل غيره انتهى.
قلت: إن دل دليل على تعيين هذا الرجل فهو المتعين وإلا فالله تعالى أعلم به. وأما حديث شفاعة عثمان رضي الله عنه الاَتي فهو مرسل.

(7/130)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ وابنُ أَبي الجَذْعَاءِ هُوَ عَبْدُ الله وَإِنّمَا يُعَرَفُ لَهُ هَذَا الْحَدِيثُ الْوَاحِدُ.
2556-حدثنا أبو عمار الحُسَيْنُ بنُ حُرَيْثٍ، أخبرنا الْفَضْلُ بنُ مُوسَى، عن زَكَرِيّا بنِ أَبي زَائِدَةَ، عن عَطِيّةَ، عن أَبي سَعِيدٍ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "إِنّ مِنْ أُمّتِي مَنْ يَشْفَعُ لِلفِئَامِ مِنَ النّاسِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْفَعُ لِلقَبِيلَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْفَعُ لِلعُصْبَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْفَعُ لِلرّجُلِ حَتّى يَدْخُلُوا
__________
قوله : "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه الدارمي وابن ماجه.
قوله : "هو عبد الله" قال في التقريب عبد الله بن أبي الجذعاء بفتح الجيم وسكون المعجمة الكناني صحابي له حديثان تفرد بالرواية عنه عبد الله بن شقيق "وإنما يعرف له هذا الحديث الواحد" قال: في تهذيب التهذيب بعد نقل كلام الترمذي هذا: وقد روى عنه حديث آخر من رواية عبد الله بن شقيق عنه، قال: قلت يا نبي الله: متى كنت نبياً؟ قال: إذ آدم بين الروح والجسد" ولكن اختلف فيه على عبد الله بن شقيق فقيل عنه عن ميسرة الفجر انتهى.
قوله : "عن عطية" هو ابن سعد العوفي.
قوله : "إن من أمتي" أي بعض أفرادهم من العلماء والشهداء والصلحاء "من يشفع للفئام" بكسر الفاء بعده همزة وقد يبدل قال الجوهري: هو الجماعة من الناس لا واحد له من لفظه، والعامة تقول قيام بلا همز. قال القاري: الأظهر أن يقال ههنا معناه القبائل كما قيل هو في المعنى جمع فئة لقوله "ومنهم من يشفع للقبيلة" وهي قوم كثير جدهم واحد "ومنهم من يشفع للعصبة" بضم فسكون وهو ما بين العشرة إلى الأربعين من الرجال لا واحد لها من لفظها والأظهر أن المراد بها جمع ولو اثنان لقوله "ومنهم من يشفع للرجل" ويمكن أن يقال طوى ما بين العصبة والرجل لما يدل عليه الرجل بالبرهان الجلي كما يدل

(7/131)


الجَنّةَ" . هذا حديثٌ حسنٌ.
2557-حدثنا أَبُو هِشَامٍ مُحمّدٌ بنُ يَزِيدَ الرّفَاعِيّ الكُوفِيّ قَالَ: حدثنا يَحْيى بنُ الْيَمَانِ، عن حُسَيْنِ بنِ جَعْفَرٍ، عن الْحَسَنِ البَصْرِيّ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يَشْفَعُ عُثْمَانُ بنُ عَفّانَ رضي الله عنه يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمِثْلِ رَبِيعَةَ وَمُضْرَ" .
2558-حدثنا هَنّادٌ، أخبرنا عَبْدَةُ، عن سَعِيدٍ عن قَتَادَةَ، عن أَبي المَلِيحِ، عن عَوْفِ بنِ مَالِكِ الأَشْجَعِيّ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أَتَانِي آتٍ مِنْ عِنْدِ رَبّي فَخَبّرَنِي بَيْنَ أَنْ يُدْخِلَ نِصْفَ أُمّتِي الْجَنّةَ وَبَيْنَ الشّفَاعَةِ، فَاخْتَرْتُ الشّفَاعَةَ وَهِيَ لِمَنْ مَاتَ لاَ يُشَرِكُ بِالله شَيْئاً" . وَقَدْ رُوِيَ
__________
على المرأة بالقياس الخفي "حتى يدخلوا الجنة" قال في اللمعات: أي المشفوين. وقال الطيبي رحمه الله: يحتمل أن يكون غاية يشفع، والضمير لجميع الأمة، أي ينتهي شفاعتهم إلى أن يدخلوا جميعهم الجنة ويجوز أن يكون بمعنى كي. فالمعنى أن الشفاعة لدخول الجنة.
قوله : "حدثنا أبو هشام محمد بن يزيد الرفاعي الكوفي الخ" هذا الحديث إنما وقع في بعض نسخ الترمذي ولذا وضعه صاحب النسخة الأحمدية على الهامش "عن حسين بن جعفر" لم أجد ترجمته في التقريب، ولا في تهذيب التهذيب، ولا في الخلاصة، ولا في الميزان، فلينظر من هو وكيف حاله.
قوله : "بمثل ربيعة ومضر" قبيلتان مشهورتان والحديث مرسل.
قوله : "حدثنا عبدة" هو ابن سليمان "عن سعيد" هو ابن أبي عروبة "عن أبي المليح" هو ابن أسامة "عن عوف بن مالك الأشجعي" جحابي مشهور من مسلمة الفتح وسكن دمشق ومات سنة ثلاث وسبعين.
قوله : "أتاني آت" أي ملك، وفيه إشعار بأنه غير جبريل "من عند ربي" أي برسالة بأمره "أن يدخل" بضم أوله أي الله "نصف أمتي" أمة الإجابة "وبين الشفاعة" فيهم "فاخترت الشفاعة" لعمومها إذ بها يدخلها ولو بعد دخول

(7/132)


عَن أَبِي المَلِيحِ، عن رَجُلٍ آخَرَ مِن أَصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وَلَمْ يَذْكُرْ عن عَوْفِ بنِ مَالِكٍ
__________
النار كل من مات مؤمناً كما قال "وهي" أي والحال أنها كائنة أو حاصلة "لمن مات" من هذه الأمة "لا يشرك بالله شيئاً" أي ويشهد أني رسوله، ولم يذكره أكتفاء بأحد الجزأين.

(7/133)


12-باب ما جَاءَ في صِفَةِ الحَوض
2559-حدثنا مُحمّدُ بنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا بِشرُ بنُ شُعَيْبٍ بنِ أَبي حَمْزَةَ حدثني أَبي عن الزّهْرِيّ، عن أَنَسُ بنُ مَالِكِ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "إِنّ في حَوْضِي مِنَ الأَبَارِيقِ بِعَدَدِ نُجُومِ السّمَاءِ".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
2560-حدثنا أَحْمَدُ بنُ مُحمّدٍ بن علي بنِ نَيزَكَ البَغْدَادِيّ، أَخْبَرنَا مُحمّدُ
__________
"باب ما جَاءَ في صِفَةِ الحَوض"
قوله: "حدثنا محمد بن يحيى" هو الذهلي "أخبرنا بشر بن شعيب بن أبي حمزة" ابن دينار القرشي مولاهم أبو القاسم الحمصي ثقة من كبار العاشرة "حدثني أبي" هو شعيب بن أبي حمزة الأموي مولاهم أبو بشر ثقة عابد قال ابن معين من أثبت الناس في الزهري من السابعة.
قوله : "إن في حوضى من الأباريق" جمع الإبريق. قال في القاموس: إبريق معرب آب ريز "بعدد نجوم السماء" أي من كثرتها.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه مسلم.
قوله : "حدثنا أحمد بن محمد بن علي ابن نيزك" بكسر النون بعدها تحتانية ساكنة ثم زاي مفتوحة ثم كاف أبو جعفر الطوسي في حفظه شيء من الحادية عشرة، كذا في التقريب. وقال في تهذيب التهذيب: قال ابن عقدة في أمره نظر، وذكره

(7/133)


ابنُ بَكّارٍ الدّمَشْقِيّ، أخبرنا سَعِيدُ بنُ بَشِيرٍ، عن قَتَادةَ، عن الْحَسَنِ عن سَمُرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنّ لِكُلّ نَبِيٍ حَوْضاً وَإِنّهُمْ يَتَبَاهَونَ أَيّهُمْ أَكْثَرُ وارِدَةً وَإِنّي أَرْجُوا أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ وَارِدَةً" .
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
وَقَدْ رَوَى الأَشْعَتُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ هَذَا الْحَدِيثَ عن الحَسَنِ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مُرْسَلاَ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عن سُمُرَةَ وَهُوَ أَصَحّ.
__________
ابن حبان في الثقات "أخبرنا محمد بن بكار الدمشقي" العاملي أبو عبد الله القاضي ثقة من العاشرة "أخبرنا سعيد بن بشير" الازدى مولاهم أبو عبد الرحمن أو أبو سلمة الشامي أصله من البصرة أو واسط، ضعيف من الثامنة.
قوله : "إن لكل نبي حوضاً" أي يشرب أمته من حوضه. قال المناوي في التيسير: على قدر رتبته وأمته "وإنهم" أي الأنبياء "يتباهون" أي يتفاخرون "أيهم أكثر واردة" أي ناظرين أيهم أكثر أمة واردة ذكره الطيبي رحمه الله، وقيل أيهم موصولة صدر صلتها محذوف أو مبتدأ وخبر. كما تقول يتباهى العلماء أيهم أكثر علماً أي قائلين "وإني أرجو أن أكون أكثرهم واردة" قال القاري: لعل هذا الرجاء قبل أن يعلم أن أمته ثمانون صفاً وباقي الأمم أربعون في الجنة على ما سبق ثم الحوض على حقيقته المتبادر منه على ما في المعتمد في المعتقد.
قوله : "هذا حديث غريب" وفي بعض النسخ هذا حديث حسن غريب وفي إسناده سعيد بن بشير، وهو ضعيف كما عرفت.

(7/134)


13-باب ما جَاءَ في صِفَةِ أَوَانِي الْحَوْض
2561-حدثنا مُحمّدُ بنُ إِسْمَاعِيلَ، أخبرنا يَحْيَى بنُ صَالحٍ، أَخْبَرنَا
__________
"باب ما جَاءَ في صِفَةِ أَوَانِي الْحَوْض"
قوله: "حدثنا محمد بن إسماعيل" هو الإمام البخاري "حدثنا يحيى ين صالح" الوحاظي بضم الواو وتخفيف المهملة ثم معجمة الحمصي، صدوق بن أهل الرأي

(7/134)


مُحمّدُ بنُ مُهَاجِرٍ، عن العَبّاسِ، عن أَبي سَلاّمِ الْحُبْشِيّ قالَ: بَعَثَ إِلَيّ عُمَرُ بنُ عَبْدِ الَعَزِيزِ فَحُمِلْتُ عَلَى البَرِيدِ، قال: فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْهِ قالَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ لَقَدْ شَقّ عَلَيّ مَرْكَبِي البَرِيدَ. فَقَالَ: يَا أَبَا سَلاّمٍ مَا أَرَدْتُ أَنْ أَشُقّ عَلَيْكَ وَلَكِنْ بَلَغَنِي عَنْكَ حَدِيثٌ تُحدّثُهُ عن ثَوْبَانَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في الْحَوْضِ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ تُشَافِهَنِي به. قالَ أَبُو سَلاّمِ: حدثني ثَوْبَانُ، عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "حَوْضِي من عَدَنٍ إِلَى عَمّانَ البَلْقَاءِ، مَاؤُهُ أَشَدّ بَيَاضاً مِنَ اللّبَنِ وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ وَأَكْوَابُهُ عَدَدُ نُجُومِ السّمَاءِ.
__________
من صغار التاسعة "أخبرنا محمد بن مهاجر" الأنصاري الشامي أخو عمرو ثقة من السابعة "عن العباس" هو ابن سالم اللخمي الدمشقي ثقة "عن أبي سلام" بتشديد اللام "الحبشي" بضم الحاء المهملة وسكون الموحدة منسوب إلى حبش حي من اليمن كذا في المغنى لصاحب مجمع البحار واسمه ممطور الأسود ثقة يرسل من الثالثة.
قوله : "فحملت" بصيغة المجهول "على البريد" قال في النهاية: البريد كلمة فارسية يراد بها في الأصل البغل وأصلها بريد دم، أي محذوف الذنب، لأن بغال البريد كانت محذوفة الأذناب كالعلامة لها فأعربت وخففت ثم سمى الرسول الذي يركبه بريد انتهى. قلت والمراد هنا معناه الأصلي "فأحببت أن تشافهني به" أي تحدثني به مشافهة، وأسمعه منك من غير واسطة "قال حوضي من عدن" بفتحتين: بلد مشهور على ساحل البحر في أواخر سواحل اليمن وأوائل سواحل بالهن، وهي تسامت صنعاء وصنعاء في جهة الجبال "إلى عمان البلقان" بضم العين وخفة الميم قرية باليمن لا بفتحها وشد الميم فإنها قرية بالشام، وقيل بل هي المرادة كذا في التيسير. وقال الحافظ: عمان هذه بفتح المهملة وتشديد الميم للأكثر وحكى تخفيفها وتنسب إلى اللقاء لقرءها فها والبلقاء بفتح الموحدة وسكون اللام بعدها قاف وبالمد بلد معروفة من فلسطين "وأحلى من العسل" أي الذمنه "وأكوابه" جمع كوب وهو الكوز الذي لا عروة له على ما في الشروح، أو لا خرطوم. على ما في القاموس "عدد نجوم السماء" بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي عدد أكوابه

(7/135)


مَنْ شَرَبَ مِنْهُ شَرْبَةً، لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَداً. أَوّلُ النّاسِ وُرُوداً عَلَيْهِ فُقَرَاءُ المُهَاجِرِينَ الشّعْتُ رُؤوساً، الدّنْسُ ثِيَاباً، الّذِينَ لاَ يَنْكِحُونَ المُتَنَعّمَاتِ وَلاَ يُفْتَحُ لَهُمْ السّدَدُ" . قالَ عُمَرُ: وَلَكِنّي نَكَحْتُ المُتَنَعّمَاتِ وَفُتِحَتْ لِي السّدَدُ. نَكَحْتُ فَاطِمَةَ بِنْتَ عَبْدِ المَلِكِ لاَ جَرَمَ أَنّي لاَ أَغْسِلُ رَأْسِيَ حَتّى يَشْعَثَ، وَلاَ أَغْسِلُ ثَوْبِيَ الّذِي يَلِي جَسَدِي حَتّى يَتّسِخَ".
هذا حديثٌ غريبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ، عن مَعْدَانَ بنِ أَبي طَلْحَةَ، عن ثَوْبَانَ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وَأَبُو سَلاّمٍ الْحُبْشِيّ اسْمُهُ مَمْطُورٌ.
__________
عدد نجوم السماء "أول الناس ورواداً عليه" أي على الحوض "فقراء المهاجرين" المراد من المهاجرين الذين هاجروا من مكة إلى المدينة وهو صلى الله عليه وسلم سيدهم "الشعت" بضم الشين المعجمة بضم وسكون العين المهملة جمع أشعت بالمثلثة أي المقفرقو الشعر "رؤوساً" تمييز "الدنس" بضم المهملة والنون وقد يسكن الدنس وهو الوسخ "الذين لا ينكحون" بفتح الياء وكسر الكاف أي الذين لا يتزوجون "المتنعمات" بكسر العين من التنعم، وقيل هو بضم التحتية وفتح الكاف بصيغة المجهول أي لو خطبوا المتنعمات من النساء لم يجابوا "ولا يفتح لهم السدد" بضم السين وفتح الدال الأولى المهملتين جمع سدة وهي باب الدار، سمى بذلك لأن المدخل يسد به. والمعنى: لو دقوا الأبواب واستأذنوا الدخول لم يفتح لهم ولم يؤذن "قال عمر" أي ابن عبد العزيز "لكني نكحت المتنعمات" وفي رواية ابن ماجه قال فبكى عمر حتى اخضلت لحيته ثم قال: لكني قد نكحت الخ وقد كان نكح فاطمة بنت عبد الملك وهي بنت الخليفة وجدها خليفة وهو مروان وإخواتها الأربعة سليمان ويزيد وهشام ووليد خلفاء وزوجها خليفة، فهذا من الغرائب وفيها قال الشاعر:
بنت الخليفة جدها خليفة ... زوج الخليفة أخت الخلائف
قوله : "هذا حديث غريب" أخرجه أحمد وابن ماجه والحاكم وصححه.

(7/136)


2562-حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، أَخْبَرنَا أَبُو عَبْدِ الصّمَدِ العَمّيّ عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الصّمَدِ، أخبرنا أَبُو عِمرَانَ الْجَوْنِيّ عن عَبْدِ الله بنِ الصّامِتِ، عن أَبي ذَرٍ قالَ: "قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله: مَا آنِيَةُ الْحَوْضِ؟ قالَ: "وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ نُجُومِ السّمَاءِ وَكَوَاكِبِهَا في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ مُصْحِيَةٍ مِنْ آنِيَةِ الجَنّةِ، مَنْ شَرِبَ شربةً مِنْهَا لَمْ يَظْمَأْ. آخِرُ مَا عَلَيْهُ عَرْضُهُ مِثْلُ طُولِهِ، مَا بَيْنَ عَمّانَ إِلَى أَيْلَةَ. مَاؤُهُ أَشَدّ بَيَاضاً مِنَ الّلبَنِ وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ" .
__________
قوله : "حدثنا أبو عبد الصمد العمي عبد العزيز بن عبد الصمد" البصري ثقة حافظ من كبار التاسعة "أخبرنا أبو عمران الجوني" اسمه عبد الملك بن حبيب الأزدي أو الكندي، مشهور بكنيته، ثقة من الرابعة.
قوله : "ما آنيه الحوض" أي كم عددها "في ليلة مظلمة مصحية" أي لا غيم فيها ولا سحاب من أصحت السماء أي انكشف عنها الغيم "لم يظمأ آخر ما عليه" أي من الظمأ وقوله آخر بالنصب والرفع وهذا كما في حديث الإسراء هذا البيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا لم يعودوا آخر ما عليهم قال العيني: قوله أخر ما عليهم بالرفع والنصب فالنصب على الطرف والرفع على تقدير ذلك آخر ما عليهم من دخوله قال صاحب المطالع الرفع أجود انتهى "عرضه مثل طوله" وفي حديث عبد الله بن عمر وزواياه سواء وفيه رد على من جمع بين مختلف الأحاديث في تقدير مسافة الحوض على اختلاف العرض والطول "ما بين عمان" قال الحافظ في الفتح بعد ذكر هذا اللفظ وعمان بضم المهملة وتخفيف الميم بلد على ساحل البحر من جهة البحرين انتهى "إلى أيلة" قال الحافظ: أيلة مدينة كانت عامرة وهي بطرف بحر القلزم من طرف الشام وهي الاَن خراب يمر بها الحاج من مصر فتكون شماليهم ويمر بها الحاج من غزة فتكون أمامهم انتهى.
اعلم أنه قد اختلف في تقدير مسافة الحوض اختلافاً كثيراً فوقع في حديث ثوبان من عدن إلى عمان البلقاء، وفي حديث أبي ذر هذا: ما بين عمان إلى أبلة وفي

(7/137)


......................................
__________
حديث أنس كما بين أيلة وصنعاء من اليمن. قال الحافظ: بعد ذكر عدة روايات مختلفة ما لفظه وهذه الروايات متقاربة لأنها كلها نحو شهر أو تزيد أو تنقص ووقع في روايات أخرى التحديد بما هو دون ذلك، فوقع في حديث عقبة بن عامر عند أحمد: كما بين أيلة إلى الجحفة. وفي حديث جابر كما بين صنعاء إلى المدينة، وفي حديث ثوبان ما بين عدن وعمان البلقاء، وذكر روايات أخرى ثم قال وهذه المسافات متقاربة، وكلها ترجع إلى نحو نصف شهر أو تزيد على ذلك قليلا أو تنقص، وأقل ما ورد في ذلك ما وقع عند مسلم في حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن أمامكم حوضاً كما بين جرباء وأذرع. وزاد في رواية: قال عبيد الله فسألته قال قريتان بالشام بينهما مسيرة ثلاثة أيام. ثم قال وقد جمع العلماء بين هذا الاختلاف فقال عياض هذا من اختلاف التقدير لأن ذلك لم يقع في حديث واحد فيعد أضطراباً من الرواة وإنما جاء في أحاديث مختلفة من غير واحد من الصحابة سمعوه في مواطن مختلفة وكان النبي صلى الله عليه وسلم يضرب في كل منها مثلا لبعد أقطار الحوض وسمعته بما يسنح من العبارة ويقرب ذلك للعلم يبعد ما بين البلاد النائية بعضها من بعض لا على إرادة المسافة المخفقة قال فبهذا يجمع بين الألفاظ المختلفة من جهة المعنى. انتهى ملخصاً، وفيه نظر من جهة أن ضرب المثل والتقدير إنما يكون فيما يتقارب وأما هذا الاختلاف المتباعد الذي يزيد تارة على ثلاثين يوماً وينقص إلى ثلاثة أيام فلا.
قال القرطبي: من بعض القاصرين أن الاختلاف في قدر الحوض اضطرب او ليس كذلك ثم نقل كلام عياض وزاد: وليس اختلافاً بل كلها تفيد أنه كبير متسع متباعد الجوانب ثم قال ولعل ذكره للجهات المختلفة يحسب من حضره ممن يعرف تلك الجهة. فيخاطب كل قوم بالجهة التي يعرفونها. وأجاب النووي ما حاصله أنه أخبر أولا بالمسافة اليسيرة ثم أعلم بالمسافة الطويلة فأخبر بها كأن الله تفضل عليه باتساعه شيئاً بعد شيء فيكون الاعتماد على ما يدل على أطولها مسافة وجمع غيره بين الاختلافين الأولين باختلاف السير البطيء، وهو بسير الأثقال والسير السريع، وهو يسير الراكب المخف، ويحمل رواية أقلها وهو الثلاث على سير البريد فقد عهد منهم من قطع مسافة الشهر في ثلاثة أيام ولو كان نادراً جداً وفي هذا الجواب عن المسافة الأخيرة نظر وهو فيما قبله مسلم وهو أولى

(7/138)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ. وفي البابِ عن حُذَيْفَةَ بنِ الْيمَانِ وَعَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو وَأَبي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيّ وَابنِ عُمَرَ وَحَارِثَةَ بنِ وَهْبٍ وَالمُسْتَوْرِدِ بنِ شَدّادٍ. وَرُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "حَوْضِي كَمَا بَيْنَ الْكُوفَةِ إِلَى الْحَجَرِ الأَسْوَدِ" .
__________
ما يجمع به وقد تكلم الحافظ على رواية الثلاث، وإن شئت الوقوف عليه فارجع إلى الفتح.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه مسلم.
قوله : "وفي الباب عن حذيفة بن اليمان وعبد الله بن عمرو وأبي برزة الأسلمي وابن عمرو وحارثه بن وهب والمستورد بن شداد" أما حديث حذيفة فأخرجه ابن ماجه، وأما حديث عبد الله بن عمر فأخرجه الشيخان، وأما حديث أبي برزة الأسلمي فأخرجه الطبراني وابن حبان في صحيحه، كذا في الترغيب، وأما حديث ابن عمر فأخرجه أحمد والشيخان، وأما حديث ابن وهب وحديث المستورد بن شداد فلينظر من أخرجهما.

(7/139)


14-باب
2563-حدثنا أَبُو حُصَيْنٍ عَبْدُ الله بنُ أَحْمَدَ بنِ يُونُسَ ، أخبرنا عَبْثَرُ بنُ القَاسِمِ حدثنا حُصَيْنٍ هُوَ ابنُ عَبْدِ الرحمنِ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قالَ: "لَمّا أُسْرِيَ بالنبيّ صلى الله عليه وسلم جَعَلَ يَمُرّ بالنبيّ
__________
"باب"
قوله: "حدثنا أبو حصين" بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين "عبد الله ابن أحمد بن يونس" اليربوعي الكوفي ثقة من الحادية عشر.

(7/139)


وَالنّبِيّينَ وَمَعَهُمْ الرهطُ وَالنّبِيّ وَالنّبِيّينَ وَمَعَهُمْ الرّهْطُ وَالنبيّ وَالنّبِيّينَ وَلَيْسَ مَعَهُمْ أَحَدٌ حَتّى مَرّ بِسَوَادٍ عَظِيمٍ، فَقُلْتُ مَنْ هَذَا قِيلَ مُوسَى وَقَوْمُهُ وَلَكِنْ أَرْفَعْ رَأْسَكَ فانْظُرْ. قالَ فَإِذَا هُوَ سَوَادٌ عَظِيمٌ قَدْ سَدّ الأُفُقَ مِنْ ذَا الْجَانِبِ وَمِنْ ذَا الْجَانِبِ، فَقِيلَ هؤُلاءِ أُمَتُكَ وَسِوَى هَؤُلاَءِ مِنْ أُمّتِكَ سَبْعُونَ أَلْفاً يَدْخُلُونَ الْجَنّةِ بِغَيْرِ حِسَابٍ، فَدَخَلَ وَلَمْ يَسْأَلُوهُ وَلَمْ يُفَسّرْ لَهُمْ. فَقَالُوا نحْنُ هُمْ، وَقَالَ قَائِلُونَ هُمْ أَبْنَاؤنا الّذِينَ وُلِدُوا عَلَى الْفِطْرَةِ وَالإِسْلاَمِ، فَخَرَجَ النبيّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: هُمْ الّذِينَ لاَ يَكْتَوُونَ ولا يَسْتَرقون وَلاَ يَتَطَيّرُونَ وَعَلَى رَبّهِمْ يَتَوَكَلُونَ. فَقَامَ عُكَاشَةُ بنُ مِحْصَنٍ
__________
قوله : "ومعهم الرهط" أي الجماعة "حتى مروا بسور عظيم" أي أشخاص كثيرين. قال في القاموس: السواد الشخص والمال الكثير ومن البلدة قراها والعدد الكثير ومن الناس عامتهم "قد سد الأفق" أي ستر طرف السماء بكثرته "من ذا الجانب ومن ذا الجانب" أي من اليمين والشمال "وسوى هؤلاء من أمتك سبعون ألفاً" وفي رواية الشيخين ومع هؤولاء سبعون ألفاً قدامهم قال النووي رحمه الله: يحتمل هذا أن يكون معناه وسبعون ألفاً من أمتك وغير هؤولاء، وأن يكون معناه في جملتهم سبعون ألفاً ويؤيد هذا رواية البخاري هذه أمتك ويدخل الجنة من هؤلاء سبعون ألفاً انتهى. قلت: الاحتمال الأول هو الظاهر لأن رواية الترمذي هذه صريحة في ذلك "فدخل" أي النبي صلى الله عليه وسلم في بعض حجرات أزواجه "ولم يسألوه" أي عن هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب "ولم يفسر" أي النبي صلى الله عليه وسلم "لهم" أي من هم "فقالوا نحن هم" وفي رواية للبخاري: وقالوا نحن الذين آمنا بالله واتبعنا رسوله فنحن هم "وقال قائلون هم أبناء الذين ولدوا على الفطرة والإسلام" وفي رواية للبخاري: وأولادنا الذين ولدوا في الاسلام فإنا ولدنا في الجاهلية "فخرج النبي صلى الله عليه وسلم" وفي رواية للبخاري فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فخرج "فقام عكاشة" بضم العين وتشديد الكاف وتخفيف على ما في القاموس والمعنى "بن محزن" بكسر

(7/140)


فَقَالَ: أَنَا مِنْهُمْ يَا رَسُولَ الله؟ قالَ نَعَمْ. ثُمّ جَاءَهُ آخَرُ فَقَالَ أَنَا مِنْهُمْ؟ فَقَالَ: سَبَقَكَ بِهَا عُكَاشَةُ" .
وفي البابِ عن ابنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه. هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
__________
ميم وفتح صاد "فقال أنا منهم يا رسول قال نعم" وفي رواية للبخاري: أمنهم أنا يا رسول الله؟ قال نعم. وفي رواية أخرى له: فقال أدع الله أن يجعلني منهم قال: اللهم اجعله منهم. قال الحافظ: ويجمع بأنه سأل الدعاء أولا فدعا له ثم استفهم قيل أجبت انتهى "ثم جاءه آخر" وفي حديث أبي هريرة عند البخاري: ثم قام رجل من الأنصار "فقال سبقك بها" أي بهذه المسألة. قال ابن بطال: معنىقوله سبقك أي إلى إحراز هذه الصفات وهي التوكل وعدم التطير وما ذكر معه وعدل عنقوله لست منهم أو لست على أخلاقهم تلطفاً بأصحابه وحسن أدبه معهم، وقال ابن الجوزي: يظهر لي أن الأول سأل عن صدق قلب فأجيب وأما الثاني فيحتمل أن يكون أريد به حسم المادة فلو قال الثاني نعم لأوشك أن يقوم ثالث ورابع إلى ما لا نهاية له وليس كل الناس يصلح لذلك. قال الحافظ في الفتح: وهذا أولى من قول من قال كان منافقاً لوجهين أحدهما أن الأصل في الصحابة عدم النفاق فلا يثبت ما يخالف ذلك إلا بنقل صحيح. والثاني أنه قل أن يصدر مثل هذا السؤال إلا عن قصد صحيح ويقين بتصديق الرسول. وكيف يصدر ذلك من منافق وإلى هذا جنح ابن تيمية وصحح النووي أن النبي صلى الله عليه وسلم علم بالوحي أنه يجاب في عكاشة ولم يقع ذلك في حق الاَخر. وقال السهلي: الذي عندي في هذا أنها كانت ساعة إجابة علمها صلى الله عليه وسلم، واتفق أن الرجل قال بعد ما انقضت، ويبينه ما وقع في حديث أبي سعيد ثم جلسوا ساعة يتحدثون. وفي رواية ابن إسحاق بعد قوله: سبقك بها عكاشة وبردت الدعوة أي انقضى وقتها، انتهى ما في الفتح.
قوله : "وفي الباب عن ابن مسعود وأبي هريرة" أما حديث ابن مسعود فأخرجه أحمد وأما حديث أبي هريرة فأخرجه البخاري.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.

(7/141)


2564-حدثنا محمّدُ بنُ عَبْدِ الله بنِ بَزيعٍ البَصْرِيُ، أخبرنا زِيَادُ بنُ الرّبِيعِ، أَخْبَرنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيّ، عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قالَ: مَا أَعْرِفِ شَيْئاً مِمّا كُنّا عَلَيْهِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَقلت: أَيْنَ الصّلاَةُ؟ قالَ: أَوَ لَمْ تَصْنَعُوا في صَلاَتِكُمْ مَا قَدْ عَلِمْتُمْ.
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ من حديث أَبي عمران الجَوْنِيّ وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عن أَنَسٍ.
2565-حدثنا محمدُ بنُ يَحْيَى الأَزْدِيّ البَصْرِيّ، أَخْبَرنَا عَبْدُ الصّمَدِ بنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، أَخْبَرنَا هَاشِمُ وهو ابنُ سَعِيدٍ الْكُوفِيّ، حدثني زَيْدُ الْخَثْعَمِيّ
__________
قوله : "حدثنا زياد بن الربيع" اليحمدي بضم التحتانية وسكون المهملة وكسر الميم أبو خداش بكسر المعجمة وآخره معجمة البصري ثقة من الثامنة.
قوله : "فقلت أين الصلاة" وفي رواية البخاري: قيل الصلاة. قال الحافظ: أي قيل له الصلاة هي شيء مما كان على عهد صلى الله عليه وسلم وهي باقية فكيف يصح هذا السلب العام فأجاب بأنهم غيروها أيضاً بأن أخرجوها عن الوقت "قال أو لم تصنعوا في صلاتكم ما قد علمتم" أي التقصير في محافظها وأوقاتها قال الحافظ: وروى ابن سعد في الطبقات سبب قول أنس هذا القول فأخرج في ترجمة أنس من طريق عبد الرحمن بن العريان الحارثي سمعت ثابتاً البناني قال: كنا مع أنس بن مالك فأخر الحجاج الصلاة فقام أنس يريد أن يكلمه فنهاه إخوانه شفقة عليه منه، فخرج فركب دابته فقال في مسيرة ذلك: والله ما أعرف شيئاً مما كنا عليه على عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلا شهادة أن لا إله إلا الله، فقال رجل فالصلاة يا أبا حمزة قال: قد جعلتم الظهر عند المغرب أفتلك كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وأخرجه ابن أبي عمر في مسنده من طريق حماد عن ثابت مختصراً انتهى.
قوله : "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه البخاري.
قوله : "حدثنا هاشم بن سعيد الكوفي" ثم البصري أبو إسحاق ضعيف من الثامنة "حدثني زيد الخعمي" أو السلمي هو ابن عطية مجهول من الثالثة

(7/142)


عن أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ الْخَثْعَمِيّةِ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ تَخَيّلَ وَاخْتَالَ، وَنَسِيَ الكَبِيرَ المتَعَالَ. وَبِئْسَ العَبْدُ عَبْدٌ تَجَبّرَ وَاعْتَدَى، وَنَسِيَ الْجَبّارَ الأَعْلَى. بِئْسَ العَبْدُ عَبْدٌ سَهَى وَلَهَى، وَنَسِيَ المَقَابِرَ وَالْبِلَى. بِئْسَ العَبْدُ عَبْدٌ عَتَا وَطَغَى، وَنَسِيَ المُبْتَدأَ وَالمُنْتَهَى. بِئْسَ العَبْدُ عَبْدٌ يَختِلُ الدّنْيَا بالدّينِ. بِئْسَ العَبْدُ عَبْدٌ يَخْتِلُ
__________
وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته روى له الترمذي واحداً متنه: بئس العبد عبد تجبر واعتدى الحديث وقال غريب "عن أسماء بنت عميس الخثعمية" هي صحابية تزوجها جعفر بن أبي طالب ثم أبو بكر ثم علي بن أبي طالب وولدت لهم، وهي أخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين لأمها ماتت بعد علي.
قوله : "بئس العبد" لم يقل بئس الرجل أو المرء تنبيهاً على أن الأوصاف الاَتية ليست من مقتضيات العبدية ولا نعوت العبودية "عبد تخيل" بخاء معجمة أي تخيل في نفسه فضلا على غيره قاله المناوي "واختال" أي تكبر "ونسى الكبير المتعال" بحذف الياء مراعاة للفاصلة وهو لغة في المنقوص المعرف وعليه قراءة الجمهور فيقوله تعالى: عالم الغيب والشهادة الكبير المعتال أي نسى أن الكبرياء والتعالي ليست إلا له "وبئس العبد عبد تجبر" بالجيم أي جبر الخلق على هواه قاله المناوي. وقال القاري: أي تهم على المظلومين وفي القاموس: بخير وجبره على الأمر أكرهه كأجبره انتهى فالتجبر بمعنى التكبر مع تضمن معنى القهر والغلبة والإكراه "واعتدى" أي في تجبر فمن خالفه قهره بقتل أو غيره "ونسى الجبار الأعلى" أي القهار الذي فوق عباده الغالب على أمره "عبد سهى" أي غفل عن الحق والطاعة باستغراقه في الأماني وجمع الحطام "ولهى" أي اشتغل بالهو واللعب "ونعى المقابر" المراد أنه نسي الموت بعدم الاستعداد له "والبلى" بكسر الموحدة وهو تفتت الأعضاء وتشتت الأجزاء إلى أن تصير رميماً ورفاتاً "بئس العبد عبد عتا" من العتو أي أفسد "وطغى" من الطغيان أي تجاوز عن الحد وقيل معناهما واحد وأتي بهما تأكيداً والثاني تفسير أو أتي به للفاصلة "ونسى المتدك والمنتهى" بصيغة المفعول. قال الأشرف: أي نسى ابتداء خلقه وهو مكونه نطفه، وانتهاء

(7/143)


الدّينَ بالشّبُهَاتِ. بِئْسَ العَبْدُ عَبْدٌ طَمَعٌ يَقُودُهُ. بِئْسَ العَبْدُ عَبْدٌ هوَى يُضِلّهُ. بِئْسَ العَبْدُ عَبْدٌ رُغَبٌ يُذِلّهُ" .
غريب لا نَعْرِفُهُ إِلاّ من هذا الْوَجْهِ وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالقَوِيّ.
__________
حاله الذي يؤول إليه وهو صيرورته تراباً، أي من كان ذلك ابتداؤه ويكون انتهاءه هذا جدير بأن يطيع الله تعالى فيما بينهما. وقيل أي نسي المبتدأ والمعاد وما هو صائر إليه بعد حشر الأجساد "عبد يختل" بكسر التاء أي يطلب "الدنيا بالدين" أي بعمل الاَخرة من ختله إذا خدعه كذا في النهاية. والمعنى: يخدع أهل الدنيا بعمل الصلحاء ليعتقدوا فيه، وينال منهم مالاً أو جاهاً من ختل الذئب الصيد خدعه وخفي له. قال القاضي: ختل الصائد إذا مشى للصيد قليلاً قليلاً لئلا يحس به، شبه فعل من يرى ورعاً وديناً ليتوسل به إلى المطالب الدنيوية بختل الذئب الصائد "عبد يختل الدين" أي يفسده "بالشبهات" بضمتين وبفتح الثانية أي يتشبت بالشبهات ويتأول المحرمات "بئس العبد عبد طمع" أي له طمع أو ذو طمع أو وصف بالمصدر مبالغة ولو قرئ بإضافة العبد لاستقام من غير تكلف "يقوده" أي يسحبه الطمع إلى معصية الله تعالى "بئس العبد عبد هوى يضله" أي يضله هوى النفس "بئس العبد عبد رغب" قال في اللمعات: الرغب بضم الراء وفتحها مصدر رغب على حد طمع القاموس رغب فيه رغباً ويضم ورغبته أراده والرغب بالضم وبضمتين كثرة الأكل وكثرة النهم فعله ككرم انتهى والمراد الرغبة في الدنيا والإكثار منها انتهى. وقال الجزري في النهاية: الرغب شؤم أي الشرة والحرص على الدنيا وقيل سعة الأمل وطلب الكثير "يذله" بضم أوله وكسر الذال أي يذله حرص على الدنيا وتهافت عليها وإضافة العبد إليه للإهانة.
قوله : "هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه" وأخرجه ابن ماجة والحاكم بإسناد مظلم والطبراني في الكبير والبيهقي في شعب الإيمان عن نعيم بن حمار بكسر المهملة وخفة الميم. قال المناوي وهو ضعيف لضعف طلحة الرقى "وليس إسناده بالقوى" في سنده هاشم بن سعيد الكوفي وهو ضعيف، وفيه أيضاً زيد الخثعمي وهو ابن عطية مجهول.

(7/144)


2566-حدثنا محمدُ بنُ حَاتِمٍ المؤدّبُ، أَخْبَرنَا عَمّارُ بنُ محمّدِ ابنِ أُخْتِ سُفْيَانَ الثّوْرِيّ، أَخْبَرنَا أَبُو الْجَارُودِ الأَعْمَى وَاسْمُهُ زِيَادُ بنُ المُنْذِرِ الْهَمَدَانِيّ، عن عطِيّةَ العَوْفِيّ، عن أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أَيّمَا مُؤْمِنٍ أَطْعَمَ مُؤْمِناً عَلَى جُوعٍ أَطْعَمَهُ الله يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ ثِمَارِ الْجَنّةِ، وأَيّما مُؤْمِنٍ سَقَى مُؤْمِناً عَلَى ظَمَاءٍ سَقَاهُ الله يومَ القِيَامَةِ مِنَ الرّحِيقِ المختوم، وَأَيّمَا مُؤْمِنٍ كَسَا مُؤْمِناً عَلَى عُرْيٍ كَسَاهُ الله مِنْ خُضْرِ الْجَنّةِ" .
__________
قوله : "حدثنا عمار بن محمد بن أخت سفيان الثوري" أيو اليقظان الكوفي الثوري سكن بغداد صدوق يخطئ وكان عابداً من الثامنة "أخبرنا أبو الجارود الأعمى" الكوفي رافضي كذبه يحيى بن معين من السابعة. قال الحافظ في تهذيب التهذيب: روى له الترمذي حديثاً واحداً في إطعام الجائع.
قوله : "أيما مؤمن" ما زائدة وأي مرفوع على الابتداء "أطعم مؤمناً على جوع" أي مؤمناً جائعاً "أطعمه الله يوم القيامة من ثمار الجنة" فيه إشارة إلى أن ثمارها أفضل أطعمتها "سقى مؤمناً على ظمأ" بفتحتين مقصورة أو قد يمد أي عطش "سقاه الله يوم القيامة من الرحيق المختوم" أي يسقيه من خمر الجنة التي ختم عليه بمسك جزاء وفاقاً إذ الجزاء من جنس العمل. قال القاري: والرحيق صفوة الخمر والشراب الخالص الذي لا غش فيه، والمختوم هو المصون الذي لم يبتذل لأجل ختامه ولم يصل إليه غير أصحابه وهو عبارة عن نفاسته انتهى "وأيما مؤمن كسا" أي أليس "على عرى" بضم فسكون، أي على حالة عرى أو لأجل عرى أو لدفع عرى وهو يشمل عرى العورة وسائر الأعضاء "كساه الله من خضر الجنة" بضم الخاء وسكون الضاد المعجمتين جمع أخضر، أي من الثياب الخضر فيها من باب إقامة الصفة مقام الموصوف، وخصها لأنها أحسن الألوان. قال المناوي: المراد أنه يخص بنوع من ذلك أعلى وإلا فكل من دخل الجنة كساه الله من ثيابها وأطعمه وسقاه من ثمارها وخمرها.

(7/145)


هذا حديثٌ غريبٌ. وَقَدْ رُوِيَ هَذَا، عن عَطِيّةَ، عن أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ مَوْقُوف، وَهُوَ أَصَحّ عِنْدَنَا وَأَشْبَهُ.
2567-حدثنا أَبُو بَكْرِ بنِ أَبي النّضْرِ، حَدّثَنا أَبُو النّضْرِ، حدثنا أَبُو عَقِيلٍ الثّقَفيّ، أَخْبَرنَا أَبُو فَرْوَةَ يَزِيدُ بنُ سِنَانٍ التّمِيمِيّ، حدثني بُكَيْرُ بنُ فَيْرُوزَ، قالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ خَافَ أَدْلَجَ وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ المَنْزِلَ أَلاَ إِنّ سِلْعَةَ الله غَالِيَةٌ أَلاَ إِنّ سِلْعَةَ
__________
قوله : "هذا حديث غريب" في سنده أبو الجاورد الأعمى وقد عرفت حاله وأخرجه أبو داود بسند آخر وسكت عنه وقال المنذري: في إسناده أبو خالد محمد ابن عبد الرحمن المعروف بالدلاني، وقد أثنى عليه غير واحد، وتكلم فيه غير واحد انتهى.
قوله : "حدثنا أبو النضر" اسمه هاشم بن القاسم بن مسلم الليثي مولاهم البغدادي مشهور بكنيته ولقبه قيصر ثقة، ثبت من التاسعة "أخبرنا أبو عقيل الثقفي" اسمه عبد الله بن عقيل الكوفي نزيل بغداد صدوق من الثامنة "أخبرنا أبو فروة يزيد ين سنان التميمي" الرهاوي ضعيف من كبار السابعة "حدثني بكير بن فيروز" الرهاوي مقبول من الثالثة. قال في تهذيب التهذيب: روى له الترمذي حديثاً واحداً حديث: من خاف أدلج.
قوله : "من خاف" أي البيات والإغارة من العدو وقت السحر "أدلج" بالتخفيف من سار أول الليل وبالتشديد من آخره "ومن أدلج بلغ المنزل" أي وصل إلى المطلب. قال الطيبي رحمه الله: هذا مثل ضربه النبي صلى الله عليه وسلم لسالك الاَخرة فإن الشيطان على طريقه والنفس وأمانيه الكاذبة أعوانه، فإن بتغط في مسيره وأخلص النية في عمله أمن من الشيطان وكيده، ومن قطع الطريق بأعوانه ثم أرشد إلى أن سلوك طريق الاَخرة صعب، وتحصيل الأخرة متعسر لا يحصل بأدنى سعى فقال "ألا" بالتخفيف التنبيه "إن سلعة الله" أي من متاعه

(7/146)


الله الْجَنّةُ" .
قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ حَدِيثِ أَبي النّضْرِ.
2568-حدثنا أَبُو بَكْرِ بنِ أَبي النّضْرِ، حدثنا أَبُو النّضْرِ، حَدّثَنِيْ أَبُو عَقِيلٍ الثقفي، عَبْدُ الله بنُ عَقِيلٍ، أخبرنا عَبْدُ الله بنُ يَزِيدَ، حدثني رَبِيعَةُ بنُ يَزِيدَ وَعَطِيّةُ بنُ قَيْسٍ عن عَطِيّةَ السّعْدِيّ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: قالَ رسُول الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَبْلُغُ الْعَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِنَ المتّقِينَ حَتّى يَدَعَ مَالاَ بَأْسَ بِهِ حَذَراً
__________
من نعيم الجنة "غالية" بالغين المعجمه أي رفيعة القدر "ألا إن سلعة الله الجنة" يعني ثمنها الأعمال الباقية المشار إليها بقوله سبحانه {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً} وبقوله: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} .
قوله : "هذا جديث حسن غريب" في سنده أبو فروة وهو ضعيف وأخرجه الحاكم. قال المناوي: وقال صحيح لكن نوزع.
قوله : "حدثنا عبد الله بن يزيد" الدمشقي ضعيف من السادسة.
ومنهم من قال هو ابن ربيعة بن يزيد الماضي كذا في التقريب. وقال في تهذيب التهذيب في ترجمة عبد الله بن يزيد: قال أبو القاسم بن عساكر فرق البخاري بينه وبين عبد الله بن ربيعة بن يزيد وهما عند أبي داود واحد قال المزي: والصواب ما صنع البخاري إن شاء الله تعالى "حدثني ربيعة بن يزيد" هو الدمشقي "وعطية ابن قيس" الكلابي، وقيل بالعين المهملة بدل الموحدة، أبو يحيى الشامي ثقة مقرئ من الثالثة "عن عطية السعدي" هو ابن عروة أو ابن سعد أو ابن عمرو صحابي نزل الشام روى عنه ابنه محمد وربيعة بن يزيد كذا في الخلاصة.
قوله : "لا يبلغ العبد أن يكون" أي لا يصل كونه "من المتقين" المتقي في اللغة اسم فاعل من قولهم وقاه فاتقى والوقاية فرط الصيانة وفي الشريعة الذي بقي نفسه تعاطى ما يستحق به العقوبة من فعل وترك، وقيل التقوى على ثلاثة مراتب:

(7/147)


لِمَا بِهِ بَأْس" . هذا حديثٌ حَسَنٌ غريبٌ لاَ نَعْرِفهُ إِلاّ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
2569-حدثنا عَبّاسٌ العَنْبَرِيّ، أَخْبَرنَا أَبُو دَاودَ، أَخْبَرنَا عِمْرَانُ القَطّانُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ يَزِيدَ بنِ عَبْدِ الله بنِ الشّخّيرِ، عَنْ حَنْظَلَةَ الأسَيْدِيّ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَوْ أَنّكُمْ تَكُونُونَ كَمَا تَكُونُونَ عِنْدِي لأَظَلّتْكُمُ المَلاَئِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا" .
__________
الأول : التقوى عن العذاب المخلد بالتبري من الشرك، كقوله تعالى: "وألزمهم كلمة التقوى".
والثانية : التجنب عن كل ما يؤثم من فعل أو ترك حتى الصغائر عند قوم، وهو التعارف بالتقوى في الشرع والمعنى بقوله: ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا.
والثالثة : أن يتنزه عما يشغل سره عن الحق ويقبل بشراشره إلى الله وهي التقوى الحقيقية المطلوبة بقوله تعالى: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} والحديث وإن استشهد به المرتبة الثانية فإنه يجوز أن ينزل على المرتبة الثالثة "حتى يدع" أي يترك "حذراً لما به بأس" مفعول له أي خوفاً من أن يقع فيما فيه بأس. قال الطيبي رحمه الله:قوله أن يكون ظرف يبلغ على تقدير مضاف أي درجة المتقين. قال المناوي: أي يترك فضول الحلال حذراً من الوقوع في الحرام.
قوله : "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه ابن ماجه والحاكم.
قوله : "حدثنا أبو داود" هو الطيالسي "عن يزيد ين عبد الله بن الشخير" بكسر الشين المعجمة وتشديد الخاء المعجمة المكسورة العامري كنيته أبو العلاء البصري ثقة من الثانية "عن حنظلة الأسيدي" بضم الهمزة وفتح السين مصغراً هو ابن الربيع بن صيقي بفتح المهملة بعدها نحتانية ساكنة التميمي، يعرف بحنظلة الكاتب، صحابي نزل الكوفة ومات بعد علي.
قوله : "لو أنكم تكونون" أي في حال غيبتكم عني "كما تكونون عندي" أي من صفاء القلب والخوف من الله "لأظلتكم الملائكة بأجنحتها" جمع جناح ورواية مسلم: لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم.

(7/148)


هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ مِنْ هذا الوَجْهِ. وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ هَذَا الوَجْهِ عَنْ حَنْظَلَةَ الأُسَيْدِيّ.
وفي البابِ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ.
2570-حدثنا يُوسُفُ بنُ سليمان أَبُو عَمْرٍو البَصْرِيّ، حدثنَا حَاتِمُ بنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مُحمدِ بنِ عَجْلاَنَ عَنْ القَعْقَاعِ بن حكيم، عن أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النبيّ صلى الله عليه وسلم: "إِنّ لِكُلّ شَيءٍ شِرّةً وَلِكُلّ شِرّةٍ فَتْرَةً، فَإِنْ صَاحِبُهَا سَدّدَ وَقَارَبَ فَأَرْجُوهُ وَإِنْ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِالأَصَابِعِ فَلاَ تَعُدّوهُ" .
__________
قوله : "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه" وأخرجه مسلم مطولا من غير هذا الوجه.
قوله : "وفي الباب عن أبي هريرة" أخرجه أحمد والترمذي في باب صفة الجنة ونعيمها.
قوله : "حدثنا يوسف بن سليمان" أبو عمرو البصري الباهلي أو المازني صدوق من العاشرة "عن القعقاع" هو ابن حكيم "عن أبي صالح" هو السمان.
قوله : "إن لكل شيء شرة" بكسر الشين المعجمة وتشديد الراء أي حرصاً على الشيء ونشاطاً ورغبة في الخير أو الشر "ولكل شرة فترة" بفتح الفاء وسكون التاء أي وهناً وضعفاً وسكوناً "فإن" شرطية "صاحبها سدد وقارب" أي جعل صاحب الشرة عمله متوسطاً وتجنب طرفي إفراط الشرة وتفريط الفترة "فأرجوه" أي أرجو الفلاح منه فإنه يمكنه الدوام على الوسط، وأحب الأعمال إلى الله أدومها "وإن أشير إليه بالإصابع" أي اجتهد وبالغ في العمل ليصير مشهوراً بالعبادة والزهد وصار مشهوراً مشاراً إليه "فلا تعدوه" أي لا تعتد وانه ولا تحسبوا من الصالحين لكونه مرائياً، ولم يقل فلا ترجوه إشارة إلى أنه قد سقط ولم يمكنه تدارك ما فرط.

(7/149)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ من هذَا الوَجْهِ. وَقَدْ رُوِيَ، عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ عَنْ النبيّ صلى الله عليه وسلم أَنّهُ قَالَ: "بَحَسْبِ امرئ مِنَ الشّرّ أَنْ يُشَارَ إِلَيْهِ بِالأَصَابِعِ في دِينٍ أَوْ دُنْيَا إِلاّ مَنْ عَصَمَهُ الله" .
2571-حدثنا محمّدُ بنُ بَشارٍ، أخبرنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ، أخبرنا سُفْيَانُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي يَعْلَى عَنْ الرّبِيعِ بنِ خُثَيْمٍ عَنْ عَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ قَالَ: "خَطّ لنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم خَطّا مُرَبّعاً وَخَطّ
__________
قوله : "هذا حديث صحيح غريب" وأخرجه البيهقي عن ابن عمر مرفوعاً ولفظه: إن لكل شيء شرة ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك.
قوله : "أنه قال بحسب امرى من الشر" الياء زائدة أي يكفيه منه في أخلاقه ومعاشه ومعاده "أن يشار إليه بالأصابع" أي يشير الناس بعضهم لبعض إليه بأصابعهم "في دين أو دنيا" فيقولون هذا فلان العابد أو العالم ويطرون في مدحه فإن ذلك بلاء ومحنة له "إلا من عصمه الله" أي حفظه بحيث صار له ملكة يقتدر بها على قهر نفسه بحيث لا يلتفت إلى ذلك ولا يستنفره الشيطان بسببه، وقيل المراد أنه إنما يشار إليه في دين لكونه أحدث بدعة فيشار إليه بها وفي دنيا لكونه أحدث منكراً غير متعارف بينهم قاله المناوي. وحديث أنس هذا أخرجه البيهقي في شعب الإيمان قال المناوي بإسناد فيه متهم.
قوله : "حدثنا يحيى بن سعيد" هو القطان "أخبرنا سفيان" هو الثوري "عن أبيه" اسمه سعيذ بن مسروق "عن أبي يعلي" اسمه المنذر بن يعلي الثوري بالمثلثة الكوفي ثقة من السادسة "عن الربيع بن خثيم" بضم المعجمة وفتح المثلثة ابن عائد بن عبد الله الثوري، كنيته أبو يزيد الكوفي، ثقة عابد مخضرم من الثانية قال له ابن مسعود: لو رآك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحبك.
قوله : "خط لنا" أي للصحابة "خطأ مربعاً" الظاهر أنه كان بيده المباركة

(7/150)


فِي وَسَطِ الْخَطّ خطّاً، وَخَطّ خَارِجاً مِنَ الْخَطّ خَطّاً، وَحَوْلَ الّذِي فِي الوَسَطِ خُطُوطاً، فَقَالَ: "هَذَا ابنُ آدَمَ وَهَذَا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ، وَهَذَا الّذِي في الوَسَطِ الإِنْسَانُ وَهَذِهِ الْخُطُوطُ عُرُوضُهُ إِنْ نَجَا مِنْ هَذا يَنْهَشُهُ هَذَا، وَالْخَطّ الْخَارِجُ الأَمَلُ" .
هذا حديثٌ صحيحٌ.
2572-حدثنا قُتَيْبَةُ أَخْبَرنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يَهْرَمُ ابنُ آدَمَ وَيَشُبّ مِنْهُ اثنان: الحِرْصُ عَلَى المَالِ وَالْحِرْصُ عَلَى العُمُرِ" .
__________
على الأرض قال الطيبي رحمه الله: المراد بالخط الرسم والشكل "وخط في وسط الخط" أي وسط المربع "خطاً" أي آخر "وخط خارجاً من الخط" أي المربع "خطأ" أي آخر "وحول الذي في الوسط" أي حول الخط الذي في وسط المربع "خطوطاً" أي صغاراً كما في رواية "فقال هذا ابن آدم" أي هذا الخط المصور مجموعة مثال ابن آدم "وهذا" أي الخط المربع "أجله" أي مدة أجله "محيط به" أي من كل جوانبه بحيث لا يمكنه الخروج والفرار منه "وهذه الخطوط" أي الصغار "عروضه" أي الاَفات والعاهات من المرض والجوع والعطش وغيره "إن نجا منه ينهشه هذا" أي إن تجاوز عنه العرض يلدغه هذا العرض الاَخر، وعبر عن عروض الاَفة بالنهش وهو لدغ ذات السم، مبالغة في الإصابة وتألم الإنسان بها "والخط الخارج" أي عن المربع "الأمل" أي مأموله ومرجوه الذي يظن أنه يدركه قبل حلول أجله هذا خطا منه لأن أمله طويل لا يفرغ منه، وأجله أقرب إليه منه وفي الحديث إشارة إلى الحض على قصر الأمل والاستعداد لبغتة الأجل.
قوله : "هذا حديث صحيح" وأخرجه البخاري والنسائي وابن ماجه.
قوله : "يهرم" بفتح الراء أي يشيب كما في رواية والمعنى يضعف "ويشب" بكسر الشين المعجمة وتشديد الموحدة أي ينمو ويقوي "منه" أي من أخلاقه ففي التاج للبيهقي وكذا في القاموس: أن الهرم كبر السن من باب علم وشب شباباً من باب ضرب "الحرص على المال" أي جمعه ومنعه "والحرص على العمر" أي

(7/151)


هذا حديثٌ صحيحٌ.
2573-حدثنا أَبُو هُرَيْرَةَ مُحمّدُ بنُ فِرَاسٍ البَصْرِيّ، حدثنَا أَبُو قُتَيْبَةَ سَلْمُ بنُ قُتَيْبَةَ، حدثنَا أَبُو العَوّامِ وَهُوَ عِمْرَانُ القطّانُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُطَرّفِ بنِ عَبْدِ الله بنِ الشّخّيرِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مُثّلَ ابنُ آدَمَ وَإِلَى جَنْبِهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ مَنِيّةً إِنْ أَخْطَأَتْهُ المَنَايَا وَقَعَ في الهَرَمِ" .
قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
2574-حدثنا هَنّادٌ، وأَخْبَرنَا قَبِيصَةُ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ الله بنِ مُحَمّدِ بنِ عَقِيلٍ، عَنْ الطّفَيْلِ بنِ اّبَيّ بنِ كَعْبٍ: عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ
__________
طوله. قال النووي رحمه الله:قوله تشب استعارة ومعناه أن قلب الشيخ كامل الحب للمال محتكم في ذلك مثل إحكام قوة الشاب في شبابه. قال القرطبي: في هذا الحديث كراهة الحرص على طول العمر وكثرة المال وأن ذلك ليس بمحمود. وقال غيره: الحكمة في التخصيص بهذين الأمرين أن أحب الأشياء إلى ابن آدم نفسه فهو راغب في بقائها، فأحب لذلك طول العمر وأحب المال لأنه من أعظم الأسباب في دوام الصحة التي ينشأ عنها غالباً طول العمر، فكلما أحس بقرب نفاد ذلك، اشتد حبه ورغبته في دوامه.
قوله : "هذا حديث صحيح" وأخرجه الشيخان وغيرهما.
قوله : "مثل ابن آدم الخ" تقدم هذا الحديث بإسناده ومتنه في أبواب القدر وتقدم شرحه هناك.
قوله : "عن الطفيل بن أبي بن كعب" الأنصاري الخزرجي كان يقال له أبو بطن لعظم بطنه ثقة يقال ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من الثانية "عن أبيه" هو أبي بن كعب بن قيس الأنصاري الخزرجي أبو المنذر سيد القراء ويكني أبا الطفيل أيضاً من فضلاء الصحابة.

(7/152)


الله صلى الله عليه وسلم إِذَا ذَهَبَ ثُلُثَا اللّيْلِ قَامَ فَقَالَ: "يَا أَيُهَا النّاسُ اذْكُرُوا الله اذْكُرُوا الله جَاءَتْ الرَاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرّادِفَةُ جَاءَ المَوْتُ بِمَا فِيهِ، جَاءَ المَوْتُ بِمَا فِيهِ" . قَالَ أُبَيّ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إِنّي أُكْثِرُ الصّلاَةَ عَلَيْكَ فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلاَتِي؟ فقَالَ "مَا شِئْتَ". قال: قُلْت الرّبُعَ؟ قَالَ "مَا شِئْتَ. فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ". قُلْتُ فَالنّصْفَ؟ قَالَ "مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لكَ". قال: قُلْتُ فَالثّلُثَيْنِ؟ قَالَ: "مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لكَ"، قُلْتُ أَجْعَلُ لَكَ صَلاَتِي كُلّهَا؟ قَالَ: "إِذَا تُكْفَى هَمّكَ وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ" .
__________
قوله : "يا أيها الناس" أراد به النائمين من أصحابه الغافلين عن ذكر الله ينبههم عن النوم ليشتغلوا بذكر الله تعالى والتهجد "جاءت الراجفة تتبعها الرادفة" قال في النهاية: الراجفة النفخة الأولى التي يموت لها الخلائق. والرادفة النفخة الثانية التي يحيون لها يوم القيامة وأصل الرجف الحركة والاضطراب انتهى. وفيه إشارة إلى قوله تعالى: {يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ} وعبر بصيغة المضي لتحقق وقوعها فكأنها جاءت والمراد أنه قارب وقوعها فاستعدوا لتهويل أمرها "جاء الموت بما فيه" التكرار للتأكيد "إني أكثر الصلاة عليك" أي أريد إكثارها. قاله القاري ولا حاجه لهذا التأويل كما لا يخفي "فكم أجعل لك من صلاتي" أي بدل دعائي الذي أدعو به لنفي قاله القاري. وقال المنذري في الترغيب: معناه أكثر الدعاء فكم أجعل لك من دعائي صلاة عليك "قال ما شئت" أي أجعل مقدار مشيئتك "قلت الربع" بضم الياء وتسكن أي أجعل ربع أوقات دعائي لنفسي مصروفاً للصلاة عليك "فقلت ثلثي" هكذا في بعض النسخ بحذف النون وفي بعضها فالثلثين وهو الظاهر "قلت أجعل لك صلاتي كلها" أ ي أصرف بصلاتي عليك جميع الزمن الذي كنت أدعو فيه لنفسي "قال إذاً" بالتنوين "تكفي" مخاطب مبني للمفعول "همك" مصدر بمعنى المفعول وهو منصوب على أنه مفعول ثان مكتفي فإنه يتعدى إلى مفعولين والمفعول الأول المرفوع بما لم يسم "فاعله وهو أنت،

(7/153)


هذا حديثٌ حسنٌ
2575-حدثنا يَحْيَى بنُ مُوسَى، أَخْبَرنَا محمدُ بنِ عُبَيْدٍ، عَنْ أَبَانَ بنِ إِسْحَاقَ، عَنْ الصّبَاحِ بنِ مُحمّدٍ، عَنْ مُرّةَ الهَمْدَانِيّ عَنْ عَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "اسْتَحْيُوا مِنْ الله حَقّ الحَيَاءِ". قال: قُلْنَا: يَا نَبِيّ لله إِنّا لَنَسْتَحْيِي وَالحمدُ لله، قَالَ: "لَيْسَ ذَاكَ وَلَكِنْ الاسْتِحَيَاءَ مِنَ الله حَقّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرّأْسَ، وَمَا وَعَى وَتَحْفَظَ
__________
والهم ما يقصده الإنسان من أمر الدنيا والاَخرة، يعني إذا صرفت جميع أزمان دعائك في الصلاة على أعطيت مرام الدنيا والاَخرة.
قوله : "هذا حديث حسن" وأخرجه أحمد والحاكم وصححه وفي رواية لأحمد عنه قال: قال رجل: "يا رسول الله أرأيت إن جعلت صلواتي كلها عليك؟ قال: إذاً يكفيك الله تبارك وتعالى ما أهمك من دنياك وآخرتك" . قال المنذري: وإسناد هذه جيد انتهى. قال القاري: وللحديث روايات كثيرة. وفي رواية قال: إني أصلي من الليل بدل أكثر الصلاة عليك فعلى هذا قوله فكم أجعل لك من صلاتي أي بدل صلاتي من الليل انتهى.
قوله : "حدثنا محمد بن عبيد" بن أبي أمية الطنافسي الكوفي الأحدب، ثقة من الحادية عشرة "عن أبان بن إسحاق" الأسدي النحوي كوفي ثقة تكلم فيه الأزدي بلا حجة من السادسة "عن الصباح بن محمد" بن أبي حازم البجلي الأحمسي الكوفي ضعيف أفرط فيه ابن حبان.
قوله : "استحيوا من الله حق الحياء" أي حياء ثابتاً ولازماً صادقاً قاله المناوي: وقيل أي اتقوا الله حق تقاته "قلنا يا نبي الله إنا لنستحي" لم يقولوا حق الحياء اعترافاً بالعجز عنه "والحمد لله" أي على توفيقنا به "قال ليس ذاك" أي ليس حق الحياء ما تحسبونه بل أن يحفظ جميع جوارحه عما لا يرضى "ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس" أي عن استعماله في غير طاعة لله بأن لا تسجد لغيره ولا تصلي للرياء ولا تخضع به لغير الله ولا ترفعه تكبراً "وما وعي" أي جمعه الرأس

(7/154)


البَطْنَ، وَمَا حَوَى، وَتَتَذَكّرَ المَوْتَ وَالبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الاَخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ اسْتَحْيَى يَعْنِي مِنَ الله حَقّ الْحَيَاءِ" .
هذا حديثٌ غريبٌ إِنّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ هَذَا الوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبَانَ ابنِ إِسْحَاقَ عَنْ الصّبّاحِ بنِ مُحمدٍ.
2576-حدثنا سُفْيَانَ بنُ وَكِيعٍ، أَخْبَرنَا عِيسَى بنُ يُونُسَ، عن أَبِي بَكْرِ بنِ أَبي مَرْيَمَ ح.
2577-وحدّثنا عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الرَحْمَنِ، أخبرنا عَمْرُو بنُ عَوْنٍ، أخبرنا ابنُ المُبَارَكِ عَنْ أَبي بَكْرِ بنِ أَبي مَرْيَمَ، عن ضَمْرَةَ بنِ حَبِيبٍ،
__________
من اللسان والعين والأذن عما لا يحل استعماله "وتحفظ البطن" أي عن أكل الحرام "وما حوى" أي ما اتصل اجتماعه به من الفرج والرجلين واليدين والقلب، فإن هذه الأعضاء متصلة بالجوف، وحفظها بأن لا تستعملها في المعاصي بل في مرضاة الله تعالى "وتتذكر الموت والبلى" بكسر الباء من بلى الشيء إذا صار خلقاً متفتتاً يعني تتذكر صيرورتك في القر عظاماً بالية "ومن أراد الاَخرة ترك زينة الدنيا" فإنهما لا يجتمعان على وجه الكمال حتى للأقوياء قاله القاري. وقال المناوي: لأنهما ضرتان فمتى أرضيت إحداهما أغضبت الأخرى "فمن فعل ذلك" أي جميع ما ذكر.
قوله : "هذا حديث غريب" وأخرجه أحمد والحاكم والبيهقى قال المناوي: قال الحاكم صحيح وأقره الذهبي انهى. وفي إسناده الترمذي الصباح بن محمد وهو ضعيف كما عرفت. قال العقيلي في حديثه وهم ويرفع الموقوف. وقال الذهبي في الميزان. رفع حديثين هما من قول عبد الله بن مسعود.
قوله : "وحدثنا عبد الله بن عبد الرحمَن" هو الدارمي "أخبرنا عمرو بن عون" ابن أوس الواسطي أبو عثمان البزار البصري، ثقة ثبت من العاشرة "عن ضمرة

(7/155)


عن شَدّادِ بنِ أَوْسٍ، عنْ النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "الْكَيّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ المَوْتِ، وَالعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمنّى عَلَى الله" . قال: هذا حديثٌ حسنٌ قال: وَمَعْنَى قوله: مَنْ دَانَ نَفْسَهُ يَقُولُ حَاسَبَ نَفْسَهُ في الدّنْيَا قَبْلَ أَنْ يُحَاسَبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَيُرْوَى عنْ عُمَرَ بنِ الْخَطّابِ قَالَ: حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا وَتَزَيّنُوا لِلْعَرْضِ الأَكْبَرِ وَإِنّمَا يَخِفّ الْحَسَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ في الدّنْيَا.
__________
ابن حبيب" بن صهيب الزبيدي بضم الزاي الحمصي، ثقة من الرابعة "عن شداد ابن أوس" بن ثابت الأنصاري صحابي مات بالشام قبل الستين أو بعدها، وهو ابن أخي حسان بن ثابت.
قوله : "الكيس" أي العاقل المتبصر في الأمور الناظر في العواقب "من دان نفسه" أي حاسبها وأذلها واستعبدها وقهرها حتى صارت مطيعة منقادة "وعمل لما بعد الموت" قبل نزوله ليصير على نور من ربه فالموت عاقبة أمر الدنيا، فالكيس من أبصر العاقبة "والعاجز" المقصر في الأمور "من أتبع نفسه هواها" من الإتباع أي جعلها تابعة لهواها فلم يكفها عن الشهوات ولم يمنعها عن مقارنة المرمات "وتمنى على الله" وفي الجامع الصغير وتمنى على الله الاماني فهو مع تفريطه في طاعه ربه واتباع شهادته لا يعتذر بل يتمنى على الله الأماني أن يعفو عنه. قال الطيبي رحمه الله: والعاجز الذي غلبت عليه نفيسه وعمل ما أمرته به نفسه فصار عاجزاً لنفسه فاتبع نفسه هواها وأعطاها ما اشتهته، قوبل الكيس بالعاجز والمقابل الحقيقي للكيس السفيه الرأي وللعاجز القادر ليؤذن بأن الكيس هو القادر، والعاجز هو السفية وتمنى على الله أي يذنب ويتمنى الجنة من غير الاستغفار والتوبة.
قوله : "هذا حديث حسن" وأخرجه أحمد، وابن ماجه والحاكم وقال صحيح ورده الذهبي قاله المناوي "حاسبوا" بكسر السين أمر من المحاسبة "قيل أن تحاسبوا" بصيغة المجهول "وتزينوا" الظاهر أن المراد به استعدوا وتهيئوا "للعرض الأكبر" أي يوم تعرضون على ربكم للحساب "وإنما يخف" بكسر

(7/156)


وَيُرْوَى عنْ مَيْمُونِ بنِ مِهْرَانَ قَالَ: لاَ يَكُونُ العَبْدُ تَقِيّاً حَتّى يُحَاسِبَ نَفْسَهُ كَمَا يُحَاسِبُ شَرِيكَهُ مِنْ أَيْنَ مَطْعَمُهُ وَمَلْبَسُهُ.
2578-حدثنا مُحمّدُ بنُ أَحْمدَ بنُ مَدّوَيهِ، أخبرنا الْقَاسِمُ بنُ الْحَكَمِ العُرَنيّ، أخبرنا عُبَيْدُ الله بنُ الوَلِيدِ الوَصّافِيّ، عن عَطِيّةَ عنْ أَبِي سَعِيدٍ قالَ: "دَخَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مُصَلاّهُ فَرَأَى نَاساً كَأَنْهُمْ يَكْتَشِرُونَ، قَالَ: "أَمَا إِنّكُمْ لَوْ أَكْثَرْتُمْ ذِكْرَ هَاذِمٍ الّلذَاتِ
__________
الخاء المعجمة من باب ضرب بضرب أي يصير خفيفاً ويسيراً "ويروي عن ميمون ابن مهران" قال في التقريب ميمون بن مهران الجزري أبو أيوب أصله كوفي نزل الرقة ثقة فقيه، ولى الجزيرة لعمر بن عبد العزيز وكان يرسل من الرابعة.
قوله : "حدثنا محمد بن أحمد مدويه" ، قال في التقريب محمد بن أحمد ابن الحسين بن مدويه بميم وتثقيل القرشي أبو عبد الرحمَن الترمذي، صدوق من الحادية عشرة "أخبرنا القاسم بن الحكم" بن كثير "العرني" بضم المهملة وفتح الراء بعدها نون أبو أحمد الكوفي قاضي همدان، صدوق فيه لين من التاسعة "أخبرنا عبيد الله بن الوليد الوصافي" بفتح الواو وتشديد المهملة أبو إسماعيل الكوفي العجلي ضعيف من السادسة "عن عطية" هو العوفي.
قوله : "دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مصلاه" وفي المشكاة: خرج النبي صلى الله عليه وسلم لصلاة قال القاري: والظاهر المتبادر من مقتضى المقام أنها صلاة جنازة لما ثبت أنه عليه الصلاة والسلام إذا رأى جنازة رؤيت عليه كآبة أي حزن شديد وأقل الكلام "فرأى ناساً كأنهم يكتشرون" أي يضحكون من الكشر وهو ظهور الأسنان للضحك. ففي القاموس: كشر عن أسنانه أبدى يكون في الضحك وغيره انتهى "قال أما" بالتخفيف لينبه على نوم الغفلة الباعث على الضحك والمكالمة "إنكم لو أكثرتم ذكر هاذم اللذات" قال في القاموس: هذم بالمعجمة قطع وأكل بسرعة وبالمهملة نقض البناء انتهى. والمعنى لو أكثرتم

(7/157)


لشَغَلَكُمْ عَمّا أَرَى الموت، فَأَكْثِرُوا من ذِكْرِ هَاذِمِ اللذَاتِ المَوْتِ، فَإِنّهُ لَمْ يَأْتِ عَلَى الْقَبْرِ يَوْمٌ إِلاّ تَكَلّمَ فيه يَقُولُ: أَنَا بَيْتُ الغُرْبَةِ، وأَنَا بَيْتُ الوَحْدَةِ وأَنَا بَيْتُ التّرَابِ وَأَنَا بَيْتُ الدُودِ، فَإِذَا دُفِنَ العَبْدُ المُؤْمِنُ قَالَ لَهُ القَبْرُ: مَرْحَباً وَأَهْلاً، أَمَا إِنْ كُنْتَ لأَحَبّ مَنْ يَمْشِي عَلَى ظَهْرِي إِلَيّ فَإِذْ وَلِيْتُكَ اليَومَ وَصِرْتَ إِلَيّ فَسَتَرَى صَنِيْعِي بِكَ، قال: فَيَتّسِعُ لَهُ مَدّ بَصَرِهِ وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ
__________
من ذكر قاطع اللذات "لشغلكم عما أرى" أي من الضحك وكلام أهل الغفلة، "فأكثروا من ذكر هاذم اللذات الموت" بالجر تفسير لهاذم اللذات أو بدل منه، وبالنصب بإضمار أعني وبالرفع بتقدير هو الموت ثم إنه صلى الله عليه وسلم بيّن للصحابة وجه حكمة الأمر بإكثار ذكر الموت وأسبابه بقوله "فإنه" أي الشأن "لم يأت على القبر يوم" أي وقت وزمان "فيقول أنا بيت الغربة" فالذي يسكنني غريب "وأنا بيت الوحدة" فمن حل بي وحيد "وأنا بيت التراب وأنا بيت الدود" فمن ضجمته أكله التراب والدود، إلا من استثنى ممن نص على أنه لا يبلي ولا يدود في قبره، فالمراد بيت من شأنه ذلك "فإذا دفن العبد المؤمن" أي المطيع كما يدل عليه ذكر الفاجر والكافر في مقابله "قال له القبر" أو ما يقوم مقامه "مرحباً وأهلاً" أي وجدت مكاناً رحباً ووجدت أهلاً من العمل الصالح فلا ينافي ما مر "أما" بتخفيف الميم للتنبيه "إن كنت" أي أنه كنت فإن مخففة من المثقلة واللام فارقة بينها وبين أن النافية فيقوله "لأحب" وهو أفعل تفضيل بني المفعول أي لأفضل "من يمشي على ظهري إلى" متعلق بأحب "فإذا" بسكون الذال أي فحين "وليتك" من التولية مجهولاً أو من الولاية مظلوماً، أي صرت قادر حاكماً عليك "اليوم" أي هذا الوقت، وهو ما بعد الموت، والدفن "وصرت إليّ" أي صرت إليّ ووليتك والواو لا ترتب وكذا يقال فيما يأتي "فسترى أي ستبصر أو تعلم "صنيعي بك)" من الإحسان إليك بالتوسيع عليك "فيتسع" أي فيصير القبر وسيعاً "له" أي المؤمن "مد بصره" أي بقدر ما يمتد إليه بصره ولا ينافي رواية سبعين ذارعاً لأن المراد بها التكثير لا التحديد

(7/158)


إِلَى الْجَنّةِ. وَإِذَا دُفِنَ العَبْدُ الفَاجِرُ أَو الكَافِرُ قَالَ لَهُ القَبْرُ: لاَمَرْحَباً وَلاَ أَهْلاً أَمَا إِنْ كُنْتَ لأَبْغَضَ مَنْ يَمْشِي عَلَى ظَهْرِي إِلَيّ فَإِذْ وَلِيتُكَ اليَوْمَ وَصِرْتَ إِلَيّ فَسَتَرَى صَنِيْعِي بِكَ. قَالَ فَيْلَتَئِمُ عَلَيْهِ حَتّى تَلْتَقِي عَلَيْهِ وَتَخْتَلِفَ أَضْلاَعُهُ. قَالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِأَصَابِعِهِ فَأَدْخَلَ بَعْضَهَا فِي جَوْفِ بَعْضٍ قَالَ وَيُقَيّضُ الله لَهُ سَبْعُونَ تِنّيْناً لَوْ أَنّ وَاحِداً مِنْهَا نَفَخَ
__________
"ويفتح له باب إلى الجنة" أي ليأتيه من روحها ونسيمها ويشم من طيبها وتقر عينه بما يرى فيها من حورها وقصورها وأنهارها وأشجارها وأثمارها "وإذا دفن العبد الفاجر" أي الفاسق والمراد به الفرد الأكمل وهو الفاسق بقرينة مقابلته لقوله العبد المؤمن سابقاً ولما سيأتي من قول القبر له بكونه أبغض من يمشي على ظهره ومنهقوله تعالى {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً} الاَية "أو الكافر" شك من الراوي لا للتنويع وقد جرت عادة الكتاب والسنة على بيان حكم الفريقين في الدارين والسكوت عن حال المؤمن الفاسق ستراً عليه أو ليكون بين الرجاء والخوف لا لإثبات المنزلة بين النزليين كما توهمت المعتزلة كذا قال القاري وجعل المناوي كلمة أو للتنويع لا للشك حيث وإذا دفن العبد الفاجر أي المؤمن الفاسق أو الكافر أي بأي كفر كان انتهى. "قال فيلتثم" أي قال للنبي صلى الله عليه وسلم فينضم القبر "وتختلف أضلاعه" أي يدخل بعضها في بعض "قال" أي الراوي "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي أشار "بأصابعه" أي من اليدين الكريمتين "فأدخل بعضها" وهو أصابع اليد اليمنى "في جوف بعض" وفيه إشارة إلى أن تضييق القبر واختلاف الأضلاع حقيقي لا أنه محاز عن ضيق الحال وإن الاختلاف مبالغة في أنه على وجه الكمال كما توهمه بعض أرباب النقصان حتى جعلوا عذاب القبر روحانياً لا جسمانياً والصواب أن عذاب الاَخرة ونعيمها متعلقان بهما كذا في المرقاة "قال" أي النبي صلى الله عليه وسلم "ويقيض" بتشديد الياء المكسورة أي يسلط الله ويوكل "له" أي بخصوصه وإلا فهو فيه "سبعين" وفي بعض النسخ سبعون على هذا يكونقوله يقيض بتشديد الياء المفتوحة "تيناً" بكسر التاء وتشديد النون الأولى مكسورة أي حية عظيمة "لو أن واحداً

(7/159)


فِي الأَرْضِ مَا أَنْبَتَتْ شَيْئاً مَا بَقِيتْ الدُنْيَا، فَيَنْهَشنَه وَيَخْدِشْنَهُ حَتّى يُفْضَى بِهِ إِلَى الْحِسَابِ" . قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "إِنّمَا القَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنّةِ، أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النّارِ" .
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
2579-حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ عنْ مَعْمَرٍ، عنْ الزّهْرِيّ عن عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله بنِ أَبي ثَوْرٍ قالَ: سَمِعْتُ ابنَ عَبّاسٍ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بنُ الخَطَابِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَإِذَا هُوَ مُتّكِيءٌ عَلَى رَمْلِ حَصِيرٍ فَرَأَيْتِ أَثَرَهُ في جَنْبِهِ. وَفي الحديثِ
__________
منها نفخ" بالخاء المعجمة أي تنفس "ما أنبتت" أي الأرض "شيئاً" أي من الإنبات أو النباتات "ما بقيت الدنيا" أي مدة بقائها "فينهشنه" بفتح الهاء وسكون الشين المعجمة أي يلدغنه وفي القاموس نهشة كمنعه نهشه ولسعة وعضه أو أخذه بأضراسه، وبالسين أخذه بأطراف الأسنان "ويخدشنه" بكسر الدال أي يجرحنه "حتى يقضي" بضم فسكون فاء ففتح ضاد معجمة أي يوصل "به" أي بالكافر إلى الحساب أي وثم إلى العقاب، وفيه دليل على أن الكافر يحاسب "قال" أي الراوي "إنما القبر روضة" أي بستان "من رياض الجنة" جمع روضة "أو حفرة" في القاموس: الحفرة بالضم والحفيرة المحتفر والحفر، محركة البئر الموسعة.
قوله : "هذا حديث غريب" قال المنذري رواه الترمذي والبيهقي كلاهما من طريق عبيد الله بن الوليد الوصافي وهو رواه.
قوله : "أخبرنا عبد الرزاق" بن همام بن نافع الحميري مولاهم، أبو بكر الصنعاني ثقة حافظ. مصنف شهير عمى في آخر عمره فتغير، وكان يتشيع من التاسعة "عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور" المدني مولى بني نوفل ثقة من الثالثة.
قوله : "فإذا هو متكئ على رمل حصير" بفتح راء وسكون ميم وفي الصحيحين

(7/160)


قِصّةٌ طوِيلَةٌ، هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريب.
2580-حدثنا سُوَيْدُ بنُ نَصْر، أخبرنا عَبْدُ الله بن المبارك، عنْ مَعمرِ، وَيُونُسُ، عنْ الزّهْرِيّ أَنّ عُرْوَةَ بنَ الزّبَيْرِ أَخْبَرَهُ أَنّ المُسّورَ بنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَهُ أَنّ عَمْرَو بنَ عَوْفٍ وَهُوَ حلِيفُ بَنِي عَامِرٍ بنِ لُؤَي، وَكَانَ شَهِدَ بَدْراً مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أَخْبَرَهُ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بنَ الْجَرّاحِ، فَقَدِمَ بِمَالِ مِنَ البَحْرَيْنِ، وَسَمِعَتْ الأَنْصَارُ بِقُدُومِ أَبِي عُبَيْدَةَ فَوَافَوا صَلاَةَ الفَجْرِ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم،
__________
على رمال حصير. قال الجوزي في النهاية: الرمال ما رمل أي نسج، يقال رمل الحصير وأرمله فهو مرمول ومرمل ورملت مشدد للتكثير. قال الزمخشري: ونظيره الحطام والركام لما حطم وركم وقال غيره: الرمال جمع رمل بمعنى مرمول كخلق الله بمعنى مخلوقة. والمراد أنه كان السرير قد نسج وجهه بالسعف ولم يكن على السرير وطاء سوى الحصير، ذكره الطيبي. قال القاري: لكن كون المراد برمال الحصير شريط السرير بل الظاهر أنه مضطجع على منسوج من حصير "فرأيت أثره في جنبه" أي من بدنه لا سيما عند كشفه من ثوبه "وفي الحديث قصة طويلة" أخرج الترمذي هذا الحديث بالقصة الطويلة في تفسير سورة التحريم.
قوله : "هذا حديث صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله : "أخبرنا عبد الله" هو ابن المبارك "عن معمر" هو ابن راشد "ويونس" هو ابن يزيد الأيلي أن عمرو بن عوف وهو حليف بن عامر بن لؤي الأنصاري صحابي بدوي، ويقال له عمر مات في خلافة عمر.
قوله : "بعث أبا عبيدة بن الجراح" اسمه عامر بن عبد الله بن الجراح ابن هلال القرشي القهري أحد العشرة أسلم قديماً وشهد بدراً مشهور مات شهيداً بمال عون عمواس سنة ثماني عشرة.
قوله : "فقدم بمال من البحرين" قال في القاموس البحران أو البحرين بلد انتهى وقال في المجمع البحران بلد بين البصرة وعمان "فوافوا" من الموافاة أي

(7/161)


فَلَمّا صلّى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم انْصَرَفَ، فَتَعَرّضُوا لَهُ، فَتَبَسّمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم حِينَ رَآهُمْ ثُمّ قَالَ: "أَظُنّكُمْ سَمِعْتُمْ أَنّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدِمَ بِشَيءٍ؟" قَالُوا: أَجَلْ يَا رَسُولَ الله: "قَالَ فَأَبْشِرُوا أَوْ أَمّلُوا مَا يَسُرّكُمْ، فَوَالله مَا الفَقْرُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ الدّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ قَبْلَكُمْ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ" .
هذا حديثٌ صحيحٌ.
2581-حدثنا سُوَيْدٌ، أخبرنا عبْدُ الله، عن يُونُسَ، عن الزّهْرِيّ، عن عُرْوَةَ بنِ الزّبَيْرِ وابنِ المُسَيبَبِ، أَنّ حَكيمَ بنَ حِزَامٍ قال: سَأَلْتُ
__________
أتوا، يقال وافيت القوم أتيتهم كأوفيتهم "فأبشروا" بهمزة القطع "وأملوا" من التأميل من الأمل وهمو الرجاء "ما يسركم" في محل النصب لأنه مفعول أملوا "ما الفقر أخشى عليكم" بنصب الفقر أي ما أخشى عليكم الفقر، ويجوز الرفع بتقدير ضمير أي ما الفقر أخشاه عليكم والأول هو الراجح، وخص بعضهم جواز ذلك بالشعر، وقال الطيبي: فائدة تقديم المفعول هنا الاهتمام بشأن الفقلا "فتنافسوها" بحذف إحدى التاءين عطف على تبسط. من فست في الشيء أي رغبت فيه، وتحقيقه أن المنافسة والتنافس ميل النفس إلى الشيء النفيس، ولذا قال تعالى: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} والمعنى فتختاروها أنتم وترغبوا فيها غاية الرغبة "كما تنافسوها" بصيغة الماضي أي كما رغب فيها من قبلكم "فنهلككم" أي الدنيا.
قوله : "هذا حديث صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله عن عروة بن الزبير وابن المسيب:" هو سعيد بن المسيب "أن حكيم ابن حزام" بن خويلد بن أسد بن عبد العزي المكي ابن أخي خديجة أم المؤمنين، أسلم يوم الفتح وصحب، وله أربع وسبعون سنة، ثم عاش إلى سنة أربع وخمسين أو بعدها وكان عالماً بالنسب.

(7/162)


رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَأَعْطَانِي، ثُمّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمّ قال: "يَا حكيمُ إِنّ هَذا المَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بِورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسِ لَمْ يُبَارَك لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالّذِي يَأْكُلُ وَلاَ يَشْبَعُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السّفْلَى" . فقال حكيمٌ:
__________
قوله : "إن هذا المال خضرة حلوة" أنث الخبز لأن المراد الدنيا شبهه بالرغبة فيه والميل إليه وحرص النفوس عليه بالفاكهة الخضراء المستلذة، فإن الأخضر مرغوب على انفراده بالنسبة إلى اليابس، والحلو مرغوب فيه على انفراده بالنسبة للحامض. فالإعجاب بهما إذا اجتمعا أشد "بسخاوة نفس" أي بغير شره ولا إلحاح أي من أخذه بغير سؤال وهذا بالنسبة إلى الاَخذ، ويحتمل أن يكون بالنسبة إلى المعطي أي بسخاوة نفس المعطي أي انشراحه بما يعطيه، والظاهر هو الأول "ومن أخذه بإشراف نفس" أي بطمع أو حرص أو تطلع وهذا بالنسبة إلى الاَخذا ويحتمل أن يكون بالنسبة إلى المعطي أي بكراهيته من غير طيب نفس بالإعطاء كذا قيل، والظاهر هو الأول "وكان" أي السائل الاَخذ الصدقة في هذه الصورة لما يسلط عليه من عدم البركة وكثرة الشره والنهمة "كالذي يأكل ولا يشبع" أي الذي يسمي جوعه كذاباً لأنه من علة به وسقم فكلما أكل ازداد سقماً ولم يحدث شبعاً "واليد العليا خير من اليد السفلى" المراد من اليد العليا هي المنفقة ومن اليد السفلى هي السائلة. وهو القول الراجح المعول عليه في تفسير اليد العليا والسفلى. فعند الطبراني بإسناد صحيح عن حكم بن حزام مرفوعاً: يد الله فوق يد المعطي، ويد المعطي فوق يد المعطى، ويد المعطى أسفل الأيدي. وللطبراني من حديث عدي الجزامي مرفوعاً مثله.
ولأبي داود وابن خزيمة من حديث أبي الأحوص عوف بن مالك عن أبيه مرفوعاً: الأيدي ثلاثة: فيد الله العليا ويد المعطي التي تليها ويد السائل السفلى. ولأحمد والبزار من حديث عطية السعدي: اليد المعطية هي العليا، والسائلة هي السفلى. فهذه الأحاديث متضافرة على أن اليد العليا هي المنفقة المعطية وأن السفلى

(7/163)


فقلت: يا رسولَ الله، وَالّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقّ لاَ أَرْزَأُ أَحَداً بَعْدَكَ شَيْئاً حَتّى أُفَارِقَ الدّنْيَا. فَكَانَ أَبو بكرٍ يَدْعُو حكيماً إِلَى الْعَطَاءِ، فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَهُ، ثمّ إِنّ عُمَرَ دَعَاهُ لِيُعْطِيهُ، فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئاً. فقال عمرُ: إِنّي أُشْهِدُكُمْ يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ عَلَى حَكِيمٍ أنّي أَعْرِضُ عَلَيْهِ حَقّهُ مِنْ هَذَا الْفيْ فَيَأْبَى أن يَأُخُذَهُ. فلم يرزأ أَحَداً مِنَ النّاسِ شَيْئاً بَعْدَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم حَتّى تُوُفّيَ قال: هذا حديثٌ صحيحٌ.
2582-حدثنا قُتَيْبَةُ، أخبرنا أَبُو صَفْوَانَ عن يُونُسَ عن الزّهْرِيّ عن حمَيْدِ بنِ عبدِ الرحمنِ عن عبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ قال: "ابْتُلِينَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بِالضّرّاءِ فَصَبَرْنَا، ثمّ ابْتُلِينَا بِالسّرّاءِ بعده فَلَمْ نَصْبِرْ".
__________
هي السائلة وهذا هو المعتمد وهو قول الجمهور قاله الحافظ في الفتح "لا أرزاً" بفتح الهمزة وإسكان الراء وفتح الزاي بعدها همزة أي لا أنقص ماله بالطلب منه "ثم إن عمر دعاه ليعطيه فأبى أن يقبل منه شيئاً" قال الحافظ: إنما امتنع حكيم من أخذ العطاء مع أنه حقه لأنه خشى أن يقبل من أحد شيئاً فيعتاد الأخذ فيتجاوز به نفسه إلى ما لا يريده فقطعهما عن ذلك وترك ما يريبه إلى ما لا يريبه، وإنما أشهد عليه عمر لأنه أراد أن لا ينسبه أحد لم يعرف باطن الأمر إلى منع حكيم من حقه.
قوله : "هذا حديث صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله : "حدثنا أبو صفوان" اسمه عبد الله بن سعيد بن عبد الملك بن مروان الأموي الدمشقي نزيل مكة ثقة من التاسعة عن "يونس بن" يزيد الأيلي "عن عبد الرحمَن بن عوف" القرشي الزهري أحد العشرة أسلم قديماً ومناقبه شهيرة، ومات سنة اثنين وثلاثين قيل غير ذلك "ابتلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالضراء الخ" قال في المجمع: الضراء حالة تضر والسراء ضدها بناءان للمؤنث

(7/164)


هذا حديثٌ حسنٌ.
2583-حدثنا هَنّادٌ، حدثنا وَكِيعٌ، عن الرّبِيعِ بنِ صَبِيحٍ، عن يَزِيدَ بنِ أَبَانَ وَهُوَ الرّقَاشِيّ عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ كَانَتْ الاَخِرَةُ هَمّهُ جَعَلَ الله غِنَاهُ في قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ وَأَتَتْهُ الدّنْيَا وَهِيَ راغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتْ الدّنْيَا هَمّهُ جَعَلَ الله فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَفَرّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدّنْيَا إِلاّ مَا قُدّرَ لَهُ" .
__________
لا مذكر لهما أي اختبرنا بالفقر والشدة والعذب فصبرنا عليه، فلما جاءتنا الدنيا والسعة والراحة بطرنا.
قوله : "هذا حديث حسن" رواة هذا الحديث كلهم ثقات، إلا يونس ابن يزيد الأيلي فإنه أيضاً ثقة، لكن في روايته عن الزهري وهماً قليلاً.
قوله : "عن الربيع بن صبيح" بفتح المهملة السعدي البصري، صدوق سيء الحفظ وكان عابداً مجاهداً. قال الرامهرمزي: هو أول من صنف الكتب بالبصرة من السابعة "وهو الرقاشي" بتخفيف القاف ثم معجمة أبو عمرو البصري القاص بتشديد المهملة زاهد ضعيف من الخامسة.
قوله : "من كانت الاَخرة" بالرفع على أنه اسم كانت "همه" بالنصب على أنه خبر كانت أي قصده ونيته. وفي المشكاة من كانت نيته طلب الاَخرة "جعل الله غناه في قلبه" أي جعله قانعاً بالكفاف والكفاية كيلا يتعب في طلب الزيادة "وجمع له شمله" أي أموره المتفرقة بأن جعله مجموع الخاطر بتهيئة أسبابه من حيث لا يشعر به "وأتته الدنيا" أي ما قدر وقسم له منها "وهي راغمة" أي ذليلة حقيرة تابعة له لا يحتاج في طلبها إلى سعي كثير بل نأتيه هينة لينة على رغم أنفها وأنف أربابها "ومن كانت الدنيا همه" وفي المشكاة: ومن كانت نيته طلب الدنيا "جعل الله فقره بين عينيه" أي جنس الاحتياج إلى الخلق كالأمر المحسوس منصوباً بين عينيه "وفرق عليه شمله" أي أموره المجتمعة.
قال الطيبي: يقال جمع الله شمله أي ما تشتت من أمره. وفرق الله شمله

(7/165)


2584-حدثنا عَلِيّ بنُ خَشْرَمٍ، أخبرنا عِيسَى بنُ يُونُسَ، عن عِمْرَانَ بنِ زَائِدَةَ بنِ نَشِيطٍ، عن أَبِيهِ، عن أَبي خَالِدٍ الْوَالِبِيّ، عن أَبي هُرَيْرَةَ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "إِنّ الله تعالى يَقُولُ يَا ابنَ آدَمَ تَفَرّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلأُ صَدْرَكَ غَنِىً وَأَسُدّ فَقْرَكَ، وَإِنْ لاَ تَفْعَلْ مَلأْتُ يَدَيْكَ شُغْلاَ وَلَمْ أَسُدّ فَقْرَكَ" .
__________
أي ما اجتمع من أمره، فهو من الأضداد "ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له" أي وهو راغم، فلا يأتيه ما يطلب من الزيادة على رغم أنفه وأنف أصحابه. والحديث لم يحكم عليه الترمذي بشيء من الصحة والضعف وفي سنده يزيد الرقاشي وهو ضعيف على ما قال الحافظ.
وقال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث: ويزيد قد وثق ولا بأس به في المتابعات. وقال ورواه البزار ولفظه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من كانت نيته الاَخرة جعل الله تبارك وتعالى الغنا في قلبه وجمع له شمله ونزع الفقر من بين عينيه، وأتته الدنيا وهي راغمة فلا يصبح إلا غنياً، ولا يمسي إلا غنياً. ومن كانت نيته الدنيا جعل الله الفقر بين عينيه، فلا يصبح إلا فقيراً ولا يمسي إلا فقيراً". ورواه الطبراني انتهى كلام المنذري. وذكر لفظ الطبراني في باب الاقتصاد.
قوله : "عن عمران بن زائدة بن نشيط" بفتح النون وكسر المعجمة بعدها تحتانية ثم مهملة الكوفي ثقة من السابعة "عن أبيه" هو زائدة بن نشيط الكوفي مقبول من السادسة "عن أبي خالد الوالي" بموحدة قبلها كسرة الكوفي اسمه هرمز ويقال هرم مقبول من الثانية وفد على عمر. وقيل حديثه عنه مرسل فيكون من الثالثة.
قوله : "إن الله يقول يا ابن آدم تفرغ لعبادتي" أي تفرغ عن مهماتك لطاعتي "أملأ صدرك" أي قلبك "غني" والغنى إنما هو غنى القلب "وأسد فقرك" أي تفرغ عن مهماتك لعبادتي أقضي مهماتك وأغنيك عن خلقي، وإن لا تفعل ملأت يديك شغلاً، وتسكن للتخفيف. ولم أسد فقرك أي وإن لم تتفرغ لذلك واشتغلت بغيري لم أسد فقرك لأن الخلق فقراء على الإطلاق فتزيد فقراً على فقرك.

(7/166)


قال: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وَأَبُو خَالِدٍ الْوَالِبِيّ اسْمُهُ هُرمُزُ.
__________
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد وابن ماجه وابن حبان والحاكم والبيهقي في كتاب الزهد، وقال الحاكم صحيح الإسناد وقال المناوي: وأقروه

(7/167)


15-باب
2585-حدثنا هنّادٌ، أخْبَرَنَاْ أَبُو مُعَاوِيَةَ، عن دَاوُدَ بنِ أَبي هِنْدٍ عن عُزْرَةَ، عن حُمَيْد بنِ عَبْدِ الرحمنِ الْحِمْيَرِيّ، عن سَعْدِ بنِ هِشَامٍ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ لَنَا قِرَامُ سِتْرٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ عَلَى بَابِي، فَرَآهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: "انْزَعِيهِ فَإِنّهُ يُذَكّرُنِي الدّنْيَا" قَالَتْ وَكَانَ لَنَا سَمَلُ قَطيفةٍ تقول عَلَمُهَا من حَرِيرِ كُنّا نَلْبَسُهَا.
هذا حديث حسن.
2586-حدثنا هَنّادٌ، حدّثنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ
__________
"باب"
قوله: "حدثنا أبو معاوية" اسمه محمد بن خازم بمعجمتين، الضرير الكوفي، عمي وهو صغير، ثقة أحفظ الناس لحديث الأعمش وقد يهم في حديث غيره، عن كبار التاسعة وقد رمى بالإرجاء "عن عروة" هو ابن عبد الرحمَن.
قوله : "كان لنا قرام ستر" بكسر القاف وتخفيف الراء والتنوين وروى بحذف التنوين والإضافة وهو الستر الرقيق من صوف ذو ألوان "فيه تماثيل" جمع تمثال وهو الشيء المصور، قيل المراد: صورة الحيوان "انزعيه" أي القرام "وكان لنا سمل قطيفة" قال في النهاية: السمل الخلق من الثياب، وقد سمل الثوب وأسمل. والقطيفة هي كساء له خمل انتهى. أي كان لنا كساء خلق.
قوله : "هذا حديث حسن" وفي بعض النسخ هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.

(7/167)


عن عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَتْ وِسَادَةُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم الّتِي يَضْطَجِعُ عَلَيْهَا مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ من هذا الوجه.
2587-حدثنا محمّدُ بنُ بَشّارٍ، حدثنَا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ، عن سُفْيَانَ، عن أَبي إِسْحَاقَ، عن أَبي مَيْسَرَةَ، عن عَائِشَةَ أَنّهُمْ ذَبَحُوا شَاةً فَقَالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: "مَا بَقِيَ مِنْهَا؟" قَالَتْ مَا بَقِيَ مِنْهَا إِلاّ كَتِفُهَا. قالَ: "بَقِيَ كُلّهَا غَيْرَ كَتِفهَا" .
هذا حديثٌ صحيحٌ.
وَأَبُو مَيْسَرَةَ هُوَ الْهَمْدَانِيّ اسْمُهُ عَمْرو بنُ شُرَحْبِيلَ.
2588-حدثنا هَارُونُ بنُ إِسْحَاقَ الْهَمَدَانِيّ، أَخْبَرنَا عَبْدَةُ عن
__________
قوله : "كانت وسادة رسول الله صلى الله عليه وسلم" بكسر الواو. وقال في القاموس: الوساد المتكأ والمخدة كالوسادة انتهى "التي يضطجع عليها" هذا بظاهره يدل على أن المراد بالوسادة الفراش دون المتكأ والمخدة ويدل عليه أيضاً رواية البخاري بلفظ: كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم من أدم وحشوه من ليف. ورواية ابن ماجه: كان ضجاع رسول الله صلى الله عليه وسلم أدماً حشوه ليف "من أدم" بفتحتين اسم لجمع الأديم وهو الجلد المدبوع على ما في المغرب "حشوها ليف" قال في الصراح: ليف بالكسر يوست درخت خرماً ليفة يكي.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله : "أنهم ذبحوا" أي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أو أهل البيت رضي الله عنهم، وهو الظاهر "ما بقي منها" على الاستفهام أي شيء بقي من الشاة "إلا كتفها" أي التي لم يتصدق بها "قال في كلها غير كتفها" بالنصب والرفع أي ما تصدقت به فهو باق. وما بقي عندك فهو غير باق، إشارة إلى قوله تعالى: {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ}

(7/168)


هِشَامِ بنِ عُرْوةَ عن أَبِيهِ عن عَائِشَةَ قَالَتْ: "إِنْ كُنّا آلَ محمدٍ نَمْكُثُ شَهْرَاً مَا نَسْتَوْقِدُ بِنَار إِنْ هُوَ إِلاّ المَاءُ وَالتّمْرُ". قال هذا حديثٌ صحيحٌ.
2589- -حدثنا هناد، أخبرنا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وَعِنْدَنَا شَطْرٌ مِنْ شَعِيرٍ فَأَكَلْنَا مِنْهُ مَا شَاءَ الله، ثُمّ قُلْتُ لِلْجَارِيَةِ كِيلِيهِ فَكَالَتْهُ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ فَنِيَ، قَالَتْ فَلَوْ كُنّا تَرَكْنَاهُ لأَكَلْنَا مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلكَ".
__________
قوله : "إن كنا" إن مخففة من المثقلة "آل محمد" بالنصب على الاختصاص "نمكث شهراً ما نستوقد ناراً" أي لا نخبز ولا نطبخ فيه شيئاً "إن هو" أي المأكول أو المتناول.
قوله : "هذا حديث صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله : "وعندنا شطر من شعير" قال الحافظ: المراد بالشطر هنا البعض، والشطر يطلق على النصف وعلى ما قاربه وعلى الجهة وليست مرادة هنا، ويقال أرادت نصف وسق انتهى "ثم قلت للجارية كيليه فكالته" وفي رواية البخاري فكلته، والمراد أمرت بكيله ولا تخالف بين روايتين. فإن قلت قول عائشة: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندنا شطر من شعير يخالف حديث عمرو بن الحارث المصطلقي: ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته ديناراً ولا درهماً ولا شيئاً.
قلنا : لا تخالف بينهما، لأن مراده بالشيء المتقي ما تحلف عنه مما كان يختص به، وأما الذي أشارت إليه عائشة، فكانت بقية نفقتها التي تختص بها فلم يتحد الموردان.
فإن قلت: قول عائشة: فلو كنا تركناه لأكلنا منه أكثر من ذلك، يخالف حديث المقدام بن معد يكرب: كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه.
قلنا: لا تخالف بينهما، فإن الكيل عند المبايعة مطلوب من أجل تعلق حتى المتبايعين، فلهذا القصد يندب، وأما الكيل عند الإنفاق فقد يبعث عليه الشح

(7/169)


هذا حديث صحيح . شطر يعني شيئا من الشعير.
2590-حدثنا عَبْدُ الله بنُ عبْدِ الرّحمَنِ، حدثنَا رَوْحُ بنُ أَسْلَم أَبُو حَاتِمٍ الْبَصْرِيّ، حدثنَا حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ، حدثنَا ثَابِتٌ عن أَنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَقَدْ أُخِفْتُ في الله وَمَا يَخَافُ أَحَدٌ، وَلَقَدْ أُوذِيتُ في الله وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ، وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيّ ثَلاَثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمَالِي وَلِبِلاَلٍ طَعَامٌ يَأْكُلُه ذُو كَبِدٍ إِلاّ شَيْءٌ يُوَارِيه إِبْطُ بِلاَلٍ" .
__________
فلذلك كره، ويؤيده حديث جابر عند مسلم: أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم يستطعمه فأطعمه شطر وسق شعير فما زال الرجل يأكل منه وامرأته وضيفهما حتى كاله، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لو لم تكله لأكلتم منه ولقام لكم.
قوله : "هذا حيد صحيح" وأخرجه البخاري في باب فضل الفقر.
قوله : "حدثنا عبد الله بن عبد الرحمَن" هو الدرامي صاحب هذا المسند.
قوله : "لقد أخفت" بصيغة الماضي المجهول من الإخافة أي هددت وتوعدت بالتعذيب والقتل "في الله" أي في إظهار دينه "وما يخاف" بصيغة المجهول أي مثل ما أخفت "أحد" أي غيري "ولقد أوذيت" بصيغة الماضي المجهول من الإيذاء، أي بالفعل بعد التخويف بالقول "في الله" أي في إظهار دينه وإعلاء كلمته "ولم يؤذ" بالبناء للمجهول "أحد" أي من الناس في ذلك الزمان "ولقد أتت" أي مضت "ثلاثون من بين يوم وليلة" قال الطيبي: تأكيد للشمول أي ثلاثين يوماً وليلة متوانرات لا ينقص منها شيء من الزمان "ومالي" أي والحال أنه ليس لي "يأكله ذو كبد" بفتح فكسر أي حيوان "إلا شيء" أي قليل "يواريه" أي يستره ويغطيه "إبط بلال" بكسر الهمزة وسكون الموحدة وتكسر وهو ما تحت المنكب. والمعنى أن بلالا كان رفيقي في ذلك الوقت وما كان لنا من الطعام إلا شيء قليل بقدر ما يأخذه بلال تحت إبطه. وقد تقدم الكلام في الجمع

(7/170)


هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ حِينَ خَرَجَ النبيّ صلى الله عليه وسلم هَارِباً مِنْ مَكّةَ وَمَعَهُ بِلاَلٌ، إِنّمَا كَانَ مَعَ بِلاَلٍ مِنَ الطّعَامِ مَا يَحْمِلُه تَحْتَ إِبْطِهِ.
2591-حدثنا هَنّادٌ، حدثنَا يُونُسُ بنُ بُكَيْرٍ، عن محمد بنِ إِسْحَاقَ، حَدّثَنِيْ يَزِيدُ بنُ زِيَادٍ عن مُحمّدِ بنِ كَعْبٍ القُرَظِيّ، قال حدثني مَنْ
__________
بين الروايات المختلفة في ضيق معيشة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وسعتها في باب معيشة النبي صلى الله عليه وسلم وأهله.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه بن ماجه ابن حبان كذا في الجامع الصغير. قال المناوي بإسناده صحيح.
قوله : "ومعنى هذا الحديث حين خرج النبي صلى الله عليه وسلم هارباً من مكة ومعه بلال الخ" قال في اللمات: قوله ومعه بلال، أفاد أن هذا الخروج غير الهجرة إلى المدينة لأنه لم يكن منه بلال فيها فلعل المراد خروجه صلى الله عليه وسلم هارباً من مكة في ابتداء أمره إلى الطائف إلى عبد كلال بضم الكاف مخففاً رئيس أهل الطائف ليحميه من كفار مكة حتى يؤدي رسالة ربه فسلط على النبي صلى الله عليه وسلم صبيانه فرموه بالحجارة حتى أدموا كعبيه صلى الله عليه وسلم وكان معه زيد بن حارثه لا بلال انتهى. وكذا قال القاري في المرقاة وقال. وقول الترمذي: ومعه بلال لا ينافي كون زيد بن حارثه معه أيضاً، مع احتمال تعدد خروجه عليه الصلاة والسلام، لكن أفاد بقوله معه بلال أنه لم يكن هذا الخروج في الهجرة من مكة إلى المدينة لأنه لم يكن معه بلال حينئذ انتهى.
قوله : "حدثنا يزيد بن زياد" بن أبي زياد، وقد ينسب لجده مولى بني مخزوم، مدني ثقة من السادسة روى عن محمد بن كعب القرظي وغيره، وعنه ابن إسحاق ومالك.

(7/171)


سَمِعَ عَلِيّ بنَ أَبي طَالِبٍ يَقُولُ: خَرَجْتُ في يَوْمٍ شَاتٍ مِن بَيْتِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَقَدْ أَخَذْتُ إِهَاباً مَعْطُوباً فَجَوّبتُ وسَطَهُ فَأَدْخَلْتُهُ في عُنُقِي وَشَدَدْتُ وَسَطِي فَحَزَمْتُهُ بخُوصِ النّخْلِ، وَإِنّي لَشَدِيدُ الْجُوعِ وَلَوْ كَانَ في بَيْتِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم طَعَامٌ لَطَعِمْتُ مِنْهُ، فَخَرَجْتُ أَلتَمِسُ شَيْئاً فَمَرَرْتُ بِيَهُودِي في مَالٍ لَهُ وَهُوَ يَسْقِي بِبَكْرةٍ له فاطّلَعْتُ عَلَيْهِ مِنْ ثُلمَةٍ في الْحَائِطِ، فَقَالَ مَالَكَ يَا أَعَرَابيّ، هَلْ لَكَ في كلّ دَلْوٍ بتَمْرَةٍ؟ قلت: نَعَمْ فافْتَحْ البَابَ حتى أَدْخُلَ. فَفَتَحَ فَدَخَلْتُ فَأَعْطَاني دَلْوَهُ، فَكُلّمَا نَزَعْتُ دَلْواً أَعْطَانِي تَمْرَةً حَتّى إِذَا امْتَلأَتْ كَفّي أَرْسَلْتُ دَلوَهُ وَقُلْتُ حَسْبِي فَأَكَلْتُهَا، ثُمّ جَرَعْتُ مِنَ المَاءِ فَشَرِبْتُ ثُمّ جِئْتُ المَسْجِدَ فوَجَدْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فِيهِ".
__________
قوله : "خرجت في يوم شأت" أي في يوم بارد "وقد أخذت إهاباً معطوناً" قال في المجمع: هو المتن المتمزق الشعر من عطن الجلد إذا تمزق شعره وأنتن في الدباغ "فجوبت وسطه" قال في القاموس: الجواب الخرق كالاجتياب والقطع وجبت القميص أجوبة وأجيبة وجوبته عملت له جيباً انتهى "فخزمته" أي شددته قال في القاموس حزمه يحزمه شده "بخوص النخل" الخوص بالضم ورق النخل الواحدة بهاء والخواص بائعه. وقال في مجمع البحار في باب الحاء مع الزاي: وفيه نهى أن يصلي بغير حزام أي من غير أن يشد ثوبه عليه وإنما أمر به لأنهم كانوا قلما يتسرولون ومن كان عليه إزار وكان جيبه واسعاً ولم يتلبب أو لم يشد وسطه ربما انكشفت عورته "في ماله" في القاموس: المال ما ملكته من كل شيء، والمراد هنا البستان والحائط "وهو يسقي ببكرة" بالفتح هي خشبة مستديرة في وسطها محز يستسقي عليها الماء "من ثلمة" أي فرجة والثلمة بالضم فرجة المكسور والمهدوم "ثم جرعت من الماء" في القاموس: الجرعة مثلثة من الماء حسوة منه، أو بالضم والفتح الاسم من جرع الماء كسمع ومنع بلهه.

(7/172)


هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
2592-حدثنا أَبُو حَفْصٍ عَمْرُو بنُ عَلِيٍ، أَخْبَرنَا محمدُ بنُ جعْفَرٍ، أَخْبَرنَا شُعْبَةُ عن عَبّاسٍ الْجُرَيْرِيّ قالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ النّهْدِيّ يُحَدّثُ عن أَبي هُرَيْرَةَ أَنّهُ أَصَابَهُمْ جُوعٌ، فَأَعْطَاهُمْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم تَمْرَةً تَمْرَةً".
قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
2593-حدثنا هَنّادٌ، حدثنَا عَبْدَةُ، عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، عن وَهْبِ بنِ كَيْسَانَ عن جَابِرٍ بنِ عَبد الله قالَ: "بَعَثَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَنَحْنُ ثَلاَثُمَائَةَ نَحْمِلُ زَادَنَا عَلَى رِقَابِنَا فَفَنِيَ زَادُنَا حَتّى إِن كَانَ يَكونُ
__________
قوله : "هذا حديث حسن صحيح غريب" في سنده رجل لم يم، وهو شيخ محمد بن كعب القرظي.
قوله : "حدثنا محمد بن جعفر" هو المعروف بغندر "عن عباس الجريري" بضم الجيم مصغراً. وعباس هذا هو ابن فروخ بفتح الفاء وتشديد الراء وآخره معجمة البصري أبو محمد ثقة من السادسة "سمعت أبا عثمان النهدي" اسمه عبد الرحمن بن مل، بلام ثقيلة والميم مثلثة مشهور بكنيته، مخضرم من كبار، الثالثة ثقة ثبت عابد، والنهدي بفتح النون وسكون الهاء.
قوله : "أنهم أصابهم" أي الصحابة رضي الله تعالى عنهم جوع أي شديد قال القاري: والظاهر أنه في سفر بعيد.. . والظاهر أنهم أصحاب الصفة.
قلت: لم أجد رواية صريحة تدل على أنهم أصحاب الصفة.
قوله : "هذا حديث صحيح" وأخرجه ابن ماجه بلفظ إنه أصابهم جوع وهم سبعة، قال فأعطاني النبي صلى الله عليه وسلم سبع تمرات، لكل إنسان تمرة، وإسناده صحيح كذا في الترغيب.
قوله : "بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن ثلاثمائة". وفي رواية، للبخاري في المغازي: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة راكب، أميرنا

(7/173)


لِلرّجُلِ مِنّا كلّ يَوْمٍ تَمْرَةٌ، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ الله وَأَيْنَ كَانَتْ تَقَعُ التَمْرَةُ مِنَ الرجُلِ؟ فقالَ: لَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَها حِينَ فَقَدْنَاهَا فَأَتَيْنَا البَحْرَ فَإِذَا نَحْنُ بِحُوتٍ قَدْ قَذَفَهُ البَحْرُ فَأَكَلْنَا مِنْهُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْماً مَا أَحْبَبْنَا".
__________
أبو عبيدة بن الجراح نرصد غير قريش فأقمتا بالساحل نصف شهر. وقد ذكر ابن سعد وغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثهم إلى حي جهينة بالقبلية بفتح القاف والموحدة مما يلي ساحل البحر بينهم وبين المدينة خمس ليال، وأنهم انصرفوا ولم يلقوا كيداً. قال الحافظ: هذا لا يغاير ظاهره ما في الصحيح لأنه يمكن الجمع بين كونهم يتلقون عيراً لقريش ويقصدون حياً من جهينة ويقوى هذا الجمع ما عند مسلم من طريق عبيد الله بن مقسم عن جابر قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثاً إلى أرض جهينة فذكره القصة "فقيل له" أي لجابر رضي الله عنه "يا أبا عبد الله" هذا كنية جابر "وأين كانت تقع الثمرة من الرجل" وفي رواية البخاري فقلت ما تغنى عنكم تمرة. قال الحافظ: هو صريح في أن السائل عن ذلك وهب بن كيسان "قال لقد وجدنا فقدها" أي موثراً. قال النووي: وفي هذا بيان ما كان الصحابة ءضي الله تعالى عنهم عليه من الزهد في الدنيا، والتقلل منها، والصبر على الجوع وخشونة العيش، وإقدامهم على الغزو مع هذا الحال "فإذا نحن بحوت" هواسم جنس لجميع السمك، وقيل هو مخصوص بما عظم منها "قد قذفه البحر" أي رماه، وفي رواية البخاري: فألقى البحر حوتاً ميتاً لم ير مثله يقال له المنبر. وفي رواية آخرى له: فإذا حوت مثل الظرب وهو بفتح الظاء المعجمة وكسر الراء بعدها موحدة الجبل الصغير "فأكلنا منه ثمانية عشر يوماً ما أحببنا" ما موصوله. وفي رواية لمسلم: فأقمنا عليه شهراً ونحن ثلاثمائة حتى سمنا. وفي رواية أخرى له: فأكلنا منها نصف شهر. وفي رواية أخرى له: فأكل منها الجيش ثمان عشرة ليلة. قال النووي: في الجمع بين هذه الروايات المختلفة ما لفظه طريق الجمع بين الروايات أن من روى شهراً هو الأصل ومعه زيادة علم ومن روى دونه لم ينف الزيادة ولو نفاها قدم المثبث، وقد قدمنا مرات أن المشهور الصحيح عند الأصوليين أن مفهوم العدد لا حكم له. فلا يلزم منه نفي الزيادة لو لم يعارضه

(7/174)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
__________
إثبات الزيادة، كيف وقد عارضه فوجب قبول الزيادة وجمع القاضي بينهما بأن من قال نصف شهر أراد أكلوا منه تلك المدة طرياً ومن قال شهراً أراذ أنهم قددوه فأكلوا منه بقية الشهر قديداً انتهى. قال الحافظ: ويجمع بين هذا الاختلاف بأن الذي قال ثمان عشر ضبط ما لم يضبطه غيره، وأن من قال نصف شهر ألفى الكسر الزائد وهو ثلاثة أيام، ومن قال شهراً جبر الكسر أو ضم بقية المدة التي كانت قبل وجدانهم الحوت إليها. قال ووقع في رواية الحاكم اثني عشر يوماً وهي شاذة انتهى والحديث هكذا أخرجه الترمذي مختصراً وأخرجه الشيخان مطولا وفي آخر الحديث: فلما قدمنا المدينة ذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: كلوا رزقاً أخرجه الله أطعمونا إن كان معكم فأتاه بعضهم فأكله.
وقد استدل بهذا الحديث على جواز أكل السمك الطافي قال النووي: وأما السمك الطافي وهو الذي يموت في البحر بلا سبب فمذهبنا إباحته وبه قال جماهير العلماء من الصحابة فمن بعدهم منهم أبو بكر الصديق وأبو أيوب وعطاء ومكحول والنخعي ومالك وأحمد وأبو ثور وداود وغيرهم. وقال جابر بن عبد الله وحابر بن زيد وطاوس وأبو حنيفة لا يحل دليلنا قوله تعالى {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ} قال ابن عباس والجمهور:صيده ما صدتموه وطعامه ما قذفه.وبحديث جابر هذا وبحديث: هو الطهور ماؤه الحل ميتته وهو حديث صحيح. وبأشياء مشهورة غير ما ذكرنا. وأما الحديث المروي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم: ما ألقاه البحر أو جزر عنه فكلوه، وما مات فيه فطفاً فلا تأكلوه فحديث ضعيف باتفاق أئمة الحديث لا يجوز الاحتجاج به لو لم يعارضه شيء، كيف وهو معارض بما ذكرناه. وقد أوضحت ضعفه وحاله في شرح المهذب في باب الأطعمة. فإن قيل لا حجة في حديث العنبر لأنهم كانوا مضطرين قلنا: الاحتجاج بأكل النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة من غير ضرورة. قلت القول الراجح هو جواز كل السمك الطافي، وحديث جابر هذا نص صريح فيه.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.

(7/175)


2594-حدثنا هَنّادٌ، حدثنا يُونُسُ بنُ بُكَيْرٍ، عن مُحمّدٍ بنِ إِسْحَاقَ، حدثني يَزيدُ بنُ زِيَادٍ عن مُحمّدِ بنِ كَعْبٍ القُرَظيّ، حدثني مَنْ سَمِعَ عَلِيّ بنَ أَبي طَالِبٍ يَقُولُ: إِنّا لَجُلُوسٌ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في المَسْجِدِ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ مَا عَلَيْهِ إِلاّ بُرْدَةٌ لَهُ مَرْقُوعَةٌ بِفَرْوٍ، فَلَمّا رَآهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بَكَى لِلّذِي كَانَ فِيهِ مِنَ النّعْمَةِ وَالّذِي هُوَ فِيهِ اليَوْمَ. ثُمّ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "كَيْفَ بِكُمْ إِذَا غَدَا أَحَدُكُمْ في حُلّة وَرَاحَ في حُلّة وَوُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ صَحْفَةٌ
__________
قوله : "إنا لجلوس" أي لجالسون "في المسجد" أي مسجد المدينة أو مسجد قباء "إذ طلع" أي ظهر "مصعب بن عمير" بضم الميم وفتح العين، وعمير بضم العين مصغراً "ما عليه" أي ليس على بدنه "إلا بردة له" أي كساء مخلوط السواد والبياض "مرقوعة أي مرقعة "بفرو" أي بجلد. قال ميرك: هو قرش هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وترك النعمة والأموال بمكة، وهو من كبار أصحاب الصفة الساكنين في مسجد قباء. وقال صاحب المشاة في الإكمال عبدرى كان من أجلة الصحابة وفضلائهم، هاجر إلى أرض الحبشة في أول من هاجر إليها ثم شهد بدراً وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث مصعباً بعد العقبة الثانية إلى المدينة يقرئهم القرآن ويفقههم في الدين. وهو أول من جمع الجمعة بالمدينة قبل الهجرة، وكان في الجاهلية من أنعم الناس عيشاً وألينهم لباساً، فلما أسلم زهد في الدنيا "فلما رآه" أي أبصر مصعباً بتلك الحال الصعباء "بكى للذي" أي للأمر الذي "كان فيه" أي قبل ذلك اليوم "والذي هو فيه" أي وللإمر الذي هو فيه من المحنة والمشقة "اليوم" أي في الوقت الحاضر "كيف" أي الحال "بكم إذ غدا أحدكم" أي ذهب أول النهار "في حلة" بضم فتشديد. أي في ثوب أو في إزار ورادء "وراح" أي ذهب آخر النهار "في حلة" أي أخرى من الأولى قال ابن الملك: أي كيف يكون حالكم إذا كثرت أموالكم بحيث يلبس كل منكم أول النهار حلة وآخره أخرى من غاية التنعم "ورضعت بين يديه صحفة"

(7/176)


وَرُفعَتْ أُخْرَى وَسَتَرْتُمْ بُيُوتَكُمْ كَمَا تُسْتَرُ الْكَعْبَةُ؟" قَالُوا يَا رَسُولَ الله نَحْنُ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مِنّا اليَوْمَ نَتَفَرّغُ لِلْعِبَادَةِ وَنُكْفَى المُؤْنَةَ. فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا أَنْتُمْ الْيَوْمَ خَيْرٌ مِنْكُمْ يَوْمَئِذٍ" .
هذا حديثٌ حَسَنٌ غريبٌ ويزيد بنُ زِيَادٍ هَذَا هُوَ مَدِينيّ. وَقَدْ رَوَى عَنْهُ مَالِكُ بنُ أَنَسٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَيَزِيدُ بنُ زِيَادٍ الدّمَشْقّيّ الّذِي رَوَى عن الزّهْرِيّ رَوَى عَنْهُ وَكِيعٌ وَمَرْوَانُ بنُ مُعَاوِيَةَ، وَيَزِيدُ بنُ أَبي زِيَادٍ كُوفِيٌ رَوَى عَنْهُ سُفْيَانُ وَشُعْبَةُ وَابنُ عُيَيْنَةَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الأَئِمَةِ.
__________
أي قصعة من مطعوم "ورفعت أخرى" أي من نوع آخر كما هو شأن المترفين وهو كناية عن كثرة أصناف الأطعمة الموضوعة على الأطباق بين يدي المنتمين "وسترتم بيوتكم" بضم الموحدة وكسرها أي جدارتها. والمعنى زينتموها بالثياب النفيسة من فرظ التنعم "كما تستر الكعبة" فيه إشارة إلى أن سترها من خصوصياتها لا متيازها "نحن يومئذ خير منا اليوم" وبينوا سبب الخيرية بقولهم مستأنفاً فيه معنى التعليل "نتفرغ" أي عن الملاثق والعوائق "للعبادة" أي بأنفسنا "ونكفي" بصيغة المجهول المتكلم "المؤنة" أي بخدمنا والواو لمطلق الجمع. فالمعنى ندفع عنا تحصيل القوت لحصوله بأسباب مهيأة لنا فتتفرغ للعبادة من تحصيل العلوم الشرعية والعمل بالخيرات البدنية والمبرات المالية "فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا" أي ليس الأمر كما ظننتم "أقم اليوم خير منكم يومئذ" لأن الفقير الذي له كفاف خير من الغني. لأن الغني يشتغل بدنياه ولا يتفرغ للعبادة مثل من له كفاف لكثرة اشتغاله بتحصيل المال.
قوله : "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أبو يعلي من قصة علي المذكورة من طريق محمد بن كعب القرظي وذكر المنذري في الترغيب لفظه بتمامه.
قوله : "ويزيد بن زاد هذا هو مدني الخ" المقصود من هذا الكلام بيان الفرق بين هؤلاء الرجال الثلاثة المسمين بيزيد. فالأول يزيد بن زياد المدني المذكور

(7/177)


2595-حدثنا هَنّادُ، حدثنا يُونُسُ بنُ بُكَيْرٍ، حدثني عُمَرُ بنُ ذَرٍ، حدثنَا مُجَاهِدٌ عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: كَانَ أَهْلُ الصّفّةِ أَضْيَافُ أَهْلِ الاْسْلاَمِ، لا يَأْوُونَ عَلَى أَهْلِ وَلاَ مَالٍ، وَالله الّذِي لاَ إِلَهَ إِلاّ هُوَ إِنْ كِنْتُ
__________
في سند هذا الحديث قد تقدم ترجمته في هذا الباب، والثاني يزيد بن زياد الدمشقي وقد تقدم ترجمته في شرح الحديث الرابع من أبواب الشهادات، والثالث يزيد بن زياد الكوفي وقد تقدم ترجمته في باب السواك والطيب يوم الجمعة.
قوله: "حدثني عمر بن ذر" بن عبد الله بن زرارة الهمداني بالسكون المرهبي أبو ذر الكوفي ثقة رمى بالإرجاء من السادسة.
قوله : "كان أهل الصفة أضياف أهل الإسلام" .. .. . الصفة مكان في مؤخر المسجد النبوي مظلل أعد لنزول الغرباء فيه ممن لا مأوى له ولا أهل وكانوا يكثرون فيه ويقلون بحسب من يتزوج منهم أو يموت أو يسافر. وقد سرد أسماءهم أبو نعيم في الحلية فزادوا على المائة كذا ذكره الحافظ في الفتح في باب علامات النبوة. وقال في كتاب الرقاق: وقداعتني بجمع أسماء، أهل الصفة أبو سعيد بن الأعرابي. وتبعه أبو عبد الرحمن السلمي، فزاد أسماء وجمع بينهما أبو نعيم في أوائل الحلية فسرد جميع ذلك "لا يأوون على أهل ولا مال" وكذا في رواية البخاري في الرفاق يلفظ على قال الحافظ في رواية روح: والأكثر إلى بدل علي. قال في القاموس: أويت منزلي وإليه أوياً بالضم وبكسر، نزلته بنفسي وسكنته وآويته وأوَيْتُه وأوّيته أنزلته. وفي حديث عبد الرحمن بن أبي بكر عند البخاري في علامات النبوة أن أصحاب الصفة كانوا أناساً فقراء وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال مرة: من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس أو بسادس أو كما قال.
ولأبي نعيم في الحيلة من مرسل محمد بن سيرين: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى قسم ناساً من أصحاب الصفة بين ناس من أصحابه فيذهب الرجل بالرجل والرجل بالرجلين حتى ذكر عشرة الحديث. وله من حديث معاوية بن الحكم: بينا أنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصفة، فجعل يوجه الرجل

(7/178)


لأَعْتَمِدُ بِكَبِدِي عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْجُوعِ وَأَشُدّ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِي مِنَ الْجُوعِ. وَلَقَدْ قَعَدْتُ يَوْمَاً عَلَى طَرِيِقِهِمْ الّذِي يَخْرُجُونَ فِيِه، فَمَرَ بِي أَبُو بَكْرٍ فَسَأَلَتْهُ عن آيَة مِنْ كِتَابِ الله مَا سَأَلْتُهُ إِلاّ لِيَسْتَتْبِعْنِي، فَمَرّ وَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمّ مَرّ عُمَرُ، فَسَأَلْتُهُ عن آيَةٍ مِنْ كِتَابِ الله مَا سَأَلْتُهُ إِلاّ لِيَسْتَتْبِعَنِي فَمَرّ
__________
مع الرجل من الأنصار والرجلين والثلاثة حتى بقيت في أربعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم خامسنا، فقال انطلقوا بنا فقال يا عائشة عشينا الحديث. "والله" الواو للقسم "إن كنت" بسكون النون مخففة من المثقلة "لأعتمد بكبدى على الأرض من الجوع" أي ألصق بطني بالأرض وكأنه كان يستفيد بذلك ما يستفيده من شدة الحجر على بطنه، أو هو كناية عن سقوطه على الأرض مغشياً عليه. قاله الحافظ وذكر روايات تدل على خرور أبي هريرة رضي الله عنه على الأرض من الجوع مغشياً عليه. قلت الاحتمال الأول هو الظاهر، وأما خروره على الأرض من الجوع مغشياً عليه فحالة أخرى له من الجوع والله تعالى أعلم "وأشد الحجر على بطني من الجوع" قال العلماء: فائدة شد الحجر المساعدة على الاعتدال والانتصاب أو المنع من كثرة التحلل من الغذاء الذي في البطن لكون الحجر بقدر البطن فيكون الضعف أقل، أو لتقليل حرارة الجوع ببرد الحجر أو لأن فيه الإشارة إلى كسر النفس "ولقد قعدت يوماً على طريقهم الذي يخرجون فيه" ضمير طريقهم النبي صلى الله عليه وسلم وبعض أصحابه ممن كان طريق منازلهم إلى المسمجد متحدة "إلا ليستتبعني" بمهملة ومثناتين وموحدة أي يطلب مني أن أتبعه ليطعمني "فمر ولم يفعل" أي الاستتباع "ثم مر عمر" قال الحافظ: لعل العذر لكل من أبي بكر وعمر حمل سؤال أبي هريرة على ظاهره أو فهما ما أراده ولكن لم يكن عندهما إذ ذلك ما يطعمانه. لكن وقع في رواية أبي حازم من الزيادة أن عمر تأسف على عدم إدخاله أبا هريرة داره ولفظه: فلقيت عمر فذكرت له وقلت له ولي الله ذلك من كان أحق به منك يا عمر، وفيه قال عمر والله لأن أكون أدخلتك أحب ألى من أن يكون لي حمر النعم، فإن فيه إشعاراً بأنه كان عنده ما يطعمه إذ ذاك فيرجح الاحتمال الأول، ولم يعرج على ما رمزه

(7/179)


وَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمّ مَرّ أَبُو الْقَاسِمِ صلى الله عليه وسلم، فَتَبَسّمَ حِينَ رَآنِي وَقالَ: "أَبُو هُرَيْرَةَ؟" قُلْتُ لَبّيْكَ يَا رَسُولَ الله. قالَ: "الْحَقْ" وَمَضَى فَاتّبَعْتُهُ وَدَخَلَ مَنْزِلَهُ فَاسْتَأْذَنْتُ فَأُذِنَ لِي، فَوَجَدَ قَدَحاً من لبَنٍ، فقالَ: مِنْ أَيْنَ هَذَا الّلبَنُ لَكُمْ؟ قِيلَ أَهْدَاهُ لَنَا فُلاَنُ . فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أَبَا هُرَيْرَةَ": قُلْتُ لَبّيْكَ قَالَ: "الْحَقْ إِلَى أَهْلِ الصّفّةِ فادْعُهُمْ" وَهُمْ أَضْيَافُ أَهْلِ الإِسْلاَمِ لاَ يَأْوُونَ عَلَى أَهْلِ وَلاَ مَالٍ. إِذَا أَتَتْهُ صّدَقَةُ بَعَثَ بِهَا إلَيْهِمْ وَلَمْ يَتَنَاوَلْ مِنْهَا شَيْئَاً، وَإِذَا أَتَتْهُ هَدِيّةٌ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَأَصَابَ مِنْهَا وَأَشْرَكَهُمْ فِيهَا فَسَاءَنِي ذَلِكَ، وَقُلْتُ مَا هَذَا القَدَحُ بَيْنَ أَهْلِ الصّفّةِ وَأَنَا رَسُولهُ إِلَيْهِمْ، فَسَيَأْمُرُنِي أَنْ أُدِيرَهُ عَلَيْهِمْ فَمَا عَسَى أَنْ يُصِيبَنِي مِنْهُ؟ وَقَدْ
__________
أبو هريرة من كنايته بذلك عن طلب ما يأكل "فتبسم حين رآني" زاد البخاري وعرف ما في نفسي وما في وجهي. قال الحافظ:قوله فتبسم حين رآني وعرف ما في نفسي. استدل أبو هريرة بتبسمه صلى الله عليه وسلم على إنه عرف ما به لأن التبسم تارة يكون لما يعجب وتارة يكون لإيناس من تبسم إليه ولم تكن تلك الحال معجبة فقوى الحمل على الثاني. وقوله وما في وجهي كأنه عرف عن حال وجهه ما في نفسه من احتياجه إلى ما يسد رمقه "وقال" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "أبو هريرة" أي أنت أبو هريرة "قال الحق" بهمزة وصل وفتح المهملة أي اتبع "فوجد قدحاً" بالفتح فإن القدح لا يكسر "فساءني ذلك" إشارة إلى ما تقدم منقوله فادعهم، وقد بين ذلك بقوله "وقلت" أي في نفسي "فسيأمرني" أي النبي صلى الله عليه وسلم "أن أديره عليهم" وكأنه عرف بالعادة ذلك لأنه كان يلازم النبي صلى الله عليه وسلم ويخدمه. وقد أخرجه البخاري في تاريخه عن طلحة بن عبيد الله: كان أبو هريرة مسكيناً لا أهل له ولا مال

(7/180)


كُنْتُ أَرْجُو أَنْ أُصِيبَ مِنْهُ مَا يُغْنِينِي، وَلَمْ يَكُن بُدٌ مِنْ طَاعَةِ الله وَطَاعَةِ رَسُولِهِ، فَأَتَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ. فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ فَأَخَذُوا مَجَالِسَهُمْ فقالَ: أَبَا هُرَيْرَةَ خُذِ القَدَحَ فَأَعْطِهِمْ ، فَأَخَذْتُ القَدَحَ فَجَعَلْتُ أُنَاوِلُهُ الرّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتّى يَرْوَى ثمّ يَرُدّهُ فَأُنَاوِلُهُ الاَخرَ حَتّى انْتَهَيْتُ بِهِ إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، وَقَدْ رَوِيَ القَوْمُ كُلّهُمْ، فَأَخَذَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم القَدَحَ فَوَضَعَهُ عَلَى يَدِهِ ثمّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَتَبَسّمَ وَقالَ: "أَبَا هُرَيْرَةَ اشْرَبْ"، فَشَربْتُ، ثمّ قالَ "اشْرَبْ"، فَلَمْ أَزَلْ أَشْرَب وَيَقُولُ اشْرَبْ حتى قُلْتُ وَالّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقّ مَا أَجِدُ لَهُ مَسْلَكاً، فَأَخَذَ القَدَحَ فَحمِدَ الله وَسَمّى ثم شَرِبَ".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
2597-حدثنا مُحمّدُ بنُ حُمَيدٍ الرّازِيّ، أَخْبَرنَا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله القُرَشِيّ، حدثني يَحْيَى البَكّاءُ، عنْ ابنِ عُمَرَ قالَ: تَجَشّأَ رَجُلٌ عِنْدَ النبيّ
__________
وكان يدور مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حيثما دار "ما يغنيني" أي عن جوع ذلك اليوم "فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم القدح فوضعه على يده ثم رفع رأسه فتبسم" وفي البخاري: فأخذ القدح فوضعه على يده فنظر إليّ فتبسم. قال الحافظ: كأنه صلى الله عليه وسلم تفرس في أبي هريرة ما كان وقع في توهمه أن لا يفضل له من اللبن شيء فلذلك تبسم إليه إشارة إلى أنه لم يفته شيء "فحمد الله وسمى" أي حمد الله على ما من به من البركة التي وقعت في اللبن المذكور مع قلته حتى روى القوم كلهم وأفضلوا وسمى في ابتداء الشرب "وشرب" أي الفضلة كما في رواية البخاري أي البقية.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري وغيره.
قوله : "حدثنا عبد العزيز بن عبد الله القرشي" أبو يحيى النمرقي بفتح النون وسكون الراء وفتح الميم بعدها قاف الرازي. منكر الحديث من الثامنة "حدثني

(7/181)


صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: "كُفّ عَنّا جُشَاءَكَ فَإِنّ أَكْثَرَهُمْ شِبعَاً فِي الدّنْيَا أَطْوَلُهُمْ جُوعاً يَوْمَ القِيَامَةِ" .
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ. وفي البابِ عنْ أَبِي جُحَيْفَةَ.
__________
يحيى البكاء" بتشديد الكاف ابن مسلم أو ابن سلم مصعراً وهو ابن خليد البصري المعروف بيحي البكاء، الحداني بضم المهملة وتشديد الدال مولاهم، ضعيف من الرابعة.
قوله : "تجشأ رجل" بتشديد الشين المعجمة بعدها همزة أي يخرج الجشاء من صدره وهو صوت مع ريح يخرج منه عند الشبع، وقيل عند امتلاء المعدة. قال النوربشتي: الرجل هو وهب أبو جحيفة السوائي. روى عنه أنه قال أكلت ثريدة بريلحم وأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أتجشأ قلت قد أشار الترمذي إلى حديث أبي جحيفة هذا يقول: وفي الباب عن أبي جحيفة وستقف على لفظه ومخرجيه "فقال كف عنا" أمر مخاطب من الكف بمعنى الصرف والدفع وفي رواية شرح السنة: أقصر من جشائك "جشاءك" بضم الجيم ممدود أو النهي عن الجشاء هو النهي عن الشبع، لأنه السبب الجالب له "فإن أكثرهم شبعاً" قال في القاموس: الشبع بالفتح وكمنب ضد الجوع وشبع كسمن خبزاً ولحماً منهما.
قوله : "هذا حديث حسن غريب" في سنده عبد العزيز بن عبد الله ويحيى البكاء وهما ضعيفان كما عرفت. وأخرجه أيضاً ابن ماجه والبيهقي من طريقهما.
قوله : "وفي الباب عن أبي جحيفة" قال أكلت ثريدة من خبز ولحم ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فجعلت أتجشأ، فقال: يا هذا كف عن جشائك، فإن أكثر الناس شبعاً في الدنيا أكثرهم جوعاً يوم القيامة. رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد. قال الحافظ المنذري في الترغيب: بل واه جداً فيه فهد بن عوف وعمر بن موسى، لكن رواه البزار بإسنادين، رواة أحدهما ثقات، ورواه ابن أبي الدنيا والطبراني في الكبير والأوسط والبيهقي، وزادوا: فما أكل أبو جحيفة ملء بطنه حتى فارق الدنيا، كان إذا تغدى لا يتعشى وإذا تعشى لا يتغدى، وفي رواية لأبن أبي الدنيا:

(7/182)


2597-حدثنا قُتَيْبَةُ، حدثنَا أَبُو عَوَانَةَ، عن قَتَادَةَ عن أَبِي بُرْدَةَ بنِ أَبِي مُوسَى، عن أَبِيهِ قَالَ: "يَا بُنَيّ لَوْ رَأَيْتَنَا وَنَحْنُ مَعَ النبيّ صلى الله عليه وسلم وَأَصَابَتْنَا السّمَاءُ لَحَسِبْتَ أَنّ رِيحَنَا رِيحُ الضّأْنِ".
هذا حديثٌ صحيحٌ. وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنّهُ كَانَ ثِيَابَهُمُ الصّوفُ، فإِذَا أَصَابَهُمْ المَطرُ يَجِيءُ مِنْ ثِيَابِهِمْ ريحُ الضّأْنِ.
2598-حدثنا عَبّاسِ بن محمد الدّورِيّ، حدثنَا عَبْدُ الله بنُ يَزِيدَ المُقْرِى، أَخْبَرنَا سَعِيدُ بنُ أَبي أَيّوبَ، عن أَبي مَرْحُومٍ عَبْدِ الرّحِيمِ بنِ مَيْمُونٍ عن سَهْلِ بن مُعَاذِ بنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيّ، عن أَبِيهِ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ تَرَكَ اللّبَاسَ تَوَاضُعاً لله وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، دَعَاهُ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ
__________
قال أبو جعيفة فما ملأت بطني منذ ثلاثين سنة أنتهى.
قوله : "يا نبي" بضم الموحدة وفتح النون وشدة الياء "ونحن مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصابتنا السماء" الجملتان وقعتا حالين مترادنين أو متداخلين، أي لو رأيتنا حال كوننا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وحال كوننا قد أصابتنا السماء. والحديث يدل على جواز لبس الصوف قال ابن بطال: كره ملك لبس الصوف، لمن يجد غيره لما فيه من الشهرة بالزهد، لأن إخفاه العمل أول، قال ولم ينحصر للتواضع في لبسه بل في القطن وغيره ما هو بدون ثمنه انتهى.
قوله : "هذا حديث صحيح" وأخرجه أبو داود وابن ماجه، قال المنذري في الترغيب ورواه الطبراني بإسناد صحيح أيضاً نحوه وزاد في آخره: إنما لباسنا الصوف وطعامنا الأسودان التمر والماء.
قوله : "من ترك اللباس" أي لبس الثياب الحسنة المرتفعة القيمة "تواضعاً لله" أي لا ليقال إنه متواضع أو زاهد ونحوه، والناقد بصير "دعاء الله يوم القيامة

(7/183)


عَلَى رُؤُوسِ الْخَلاَئِقِ حَتّى يُخَيّرُهُ مِنْ أَيّ حُلَلِ الإِيمَانِ شَاءَ يَلْبَسُهَا"
2599-حدثنا مُحمّدُ بنُ حُمَيْدٍ الْرّازِيّ، أَخْبَرنَا زَافِرُ بنُ سُلَيْمَان عن إِسْرَائِيلَ، عن شَبِيبِ بنِ بَشِيرٍ هكذا قال محمد بن حميد شبيب بن بشير وإِنما هو شبيب بن بشر، عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "النّفَقَةُ كُلّهَا فِي سَبِيل الله إِلاّ البِنَاءَ فَلاَ خَيْرَ فِيهِ" .
هذا حديثٌ غريبٌ، هكذا قال محمد بن حميد: شبيب بن بشير، وإنما هو شبيب بن بشر.
__________-
على روؤس الخلائق" أي يشهره ويناديه "من أي حلل الإيمان" أي من أي حلل أهل الإيمان. وفي حديث رجل من أبناء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ترك لبس ثوب جمال وهو يقدر عليه، قال بشر أحسبه قال تواضعاً كساه الله حلة الكرامة. رواه أبو داود في حديث ولم يسم ابن الصحابي. ورواه البيهقي من طريق زيان بن فائد عن سهل ابن معاذ عن أبيه بزيادة كذا في الترغيب. وحديث معاذ بن أنس هذا ذكره المنذري في الترغيب وقال: رواه الترمذي وقال حديث حسن والحاكم في موضعين من المستدرك، قال في أحدهما صحيح الإسناد انتهى. قلت: ليس في النسخ الموجودة عندنا قول الترمذي حديث حسن.
قوله : "حدثنا زافر بن سليمان" بالفاء، الإيادي أبو سليمان القهستاني بضم القاف والهاء وسكون المهملة سكن الري ثم بغداد، وولي قضاء سجستان صدوق كثير الأوهام من التاسعة "عن إسرائيل" هو ابن يونس الكوفي.
قوله : "النفقة كلها في سبيل الله" أي فيؤخر المنفق عليها "إلا البناء" أي إلا النفقة في البناء "فلا خير فيه" أي في الإنفاق فيه فلا أجر فيه، وهذا في بناء لم يقصد به قربة أو كان فوق الحاجة.
قوله : "هكذا قال محمد بن حميد شبيب بن بشير وإنما هو شبيب بن بشر" قال في التقريب: شبيب بوزن طويل بن بشر أو ابن بشير البجلي الكوفي صدوق يخطئ من الخامسة.

(7/184)


2600-حدثنا عَلِيّ بنُ حُجْرٍ، أخبرنا شَرِيكٌ عن أَبي إِسْحَاقَ، عن حَارِثَةَ بنُ مُضَرّبٍ قالَ: "أَتَيْنَا خَبّاباً نعُودُهُ، وَقَدْ اكْتَوَى سَبْعَ كَيّاتٍ، فَقَالَ: لَقَدْ تَطَاوَلَ مَرَضِي، وَلَوْلاَ أَنّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "لاَ تَمَنّوْا المَوْتَ" لَتَمَنّيْتُهُ، وَقَالَ: "يُؤْجَرُ الرّجُلُ في نَفَقَتِهِ كلهَا إِلاّ التّرَابَ أَوْ قالَ في التراب" .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
__________
قوله: "أخبرنا شريك" هو ابن عبد الله النخعي الكوفي "عن أبي إسحاق" هو عمرو بن عبد الله السبيعي "عن حارثه بن مغرب" بتشديد الراء المكسورة قبلها معجمة العبدي الكوفي ثقة من الثانية غلط من نقل عن ابن المدني أنه تركه.
قوله : "أتينا خباباً" بموحدين الأول مثقلة ابن الأرث بتشديد الفوقية التميمي من السابقين إلى الإسلام وكان يعذب في الله وشهد بدراً ثم نزل الكوفة ومات بها سنة سبع وثلاثين "وقد اكتوى سبع كيات" قال الطيبي: الكي علاج معروف في كثير من الأمراض وقد ورد النهي عن الكي فقيل النهي لأجل أنهم كانوا يرون أن الشفاء منه. وأما إذا اعتقد أنه سبب وأن الشافي هو الله فلا بأس به، ويجوز أن يكون النهي من قبل التوكل وهو درجة أخرى غير الجواز انتهى. ويؤيده خبر "لا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون" "لا تمنوا الموت" بحذف إحدى التائين أي لضر نزل به وإنما نهى عن تمني الموت لما فيه من طلب إزالة نعمة الحياة وما يترتب عليها من الفوائد ولزيادة العمل "لتنميته" أي لأستريح من شدة المرض الذي من شأن الجبلة البشرية أن تنفر منه ولا تصبر عليه "وقال" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "يؤجر الرجل في نفقته" أي كلها "إلا التراب" أي إلا النفقة في التراب "أو قال في التراب" شك من الرواي أي في نفقته في البنيان الذي لم يقصد به وجه الله أو قد زاد على الحاجة.
قوله : "هذا حديث صحيح" وأخرجه أحمد.

(7/185)


2601-حدثنا الْجَارُودُ، أخبرنا الفَضْلُ بنُ مُوسَى، عن سُفْيَانَ الثّوْرِيّ عن أَبي حَمْزَةَ عن إِبْرَاهِيمَ النَخعي قالَ:"كُلّ بِنَاءِ وَبَالٌ عَلَيْكَ، قُلْتُ أَرَأَيْتَ مَالاَ بُدّ مِنْهُ؟ قَالَ: لاَ أَجْرَ وَلا وِزْرَ".
2602-حدثنا مَحْمُودُ بنُ غَيْلاَنَ، أخبرنا أَبُو أَحْمَدَ الزّبَيْرِيّ، حدثنا خَالِدُ بنُ طُهْمَانَ أَبُو الْعَلاَءِ، حدثنا حُصَيْنُ قالَ: "جَاءَ سَائِلٌ فَسَأَلَ ابنَ عَبّاسٍ، فَقَالَ ابْنُ عَبّاسٍ للسّائِلِ: أَتَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاّ الله؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: أَتَشْهَدُ أَن مُحَمّداً رَسُولُ الله؟ قالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَتَصُومُ رَمَضَانَ؟ قالَ: نَعَمْ، قَالَ: سَأَلْتُ وَلِلسّائِلِ حَقٌ إِنّهُ لَحَقٌ عَلَيْنَا أَنْ نَصِلكَ، فَأَعْطَاهُ
__________
قوله : "حدثنا الجارود" هو ابن معاذ السلمي الترمذي "عن أبي حمزة" الظاهر أن أبا حمزة هذا هو ميمون الأعور القصاب. مشهور بكنيته، ضعيف من السادسة، روى عن إبراهيم وغيره وعنه سفيان الثوري وغيره "عن إبراهيم" هو ابن يزيد النخعي.
قوله : "البناء وكله وبال" أي إذا كان فوق الحاجة وام يكن مما يتقرب به كالمسجد "قلت أرأيت الخ" أي أخبرني عن بناء لا بد منه "قال لا أجر ولا وزر" أي لا أجر لصاحبه ولا وزر عليه، هذا قول إبراهيم النخعي. وروى البيهقي في شعب الإيمان عن أنس رضي الله عنه مرفوعاً: كل بناء وبال على صاحبه يوم القيامة، إلا مسجداً كذا في الجامع الصغير. قال المناوي في شرح هذا الحديث:قوله إلا مسجداً أي أو نحوه مما بني يقصد قربة إلى الله كمدرسة ورباط، واستثنى في خبر آخر ما لا بد منه لحاجة الإنسان انتهى.
قوله : "حدثنا خالد بن طهمان أبو العلاء" الكوفي الخفاف. مشهور بكنيته صدوق، رمى بالتشيع ثم اختلط من الخامسة "حدثني حصين" بن مالك البجلي الكوفي صدوق من الثالثة. قال في تهذيب التهذيب: له عند الترمذي حديث واحد في أجر من كسا مسلماً ثوباً.
قوله : "إنه" أي الشأن "لحق" اللام للتأكيد "أن نصلك" أي نعطيك

(7/186)


ثَوْباً ثمّ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ كَسَا مُسْلِماً ثَوْباً إِلاّ كَانَ في حِفْظِ الله مَا دَامَ مِنْهُ عَلَيْهِ خِرْقَةٌ" .
قالَ: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من هَذَا الْوَجْهِ.
2603-حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارِ، أَخْبَرنَا عَبْدُ الوَهّابِ الثّقَفِيّ وَ مُحمّدُ بنُ جَعْفَرٍ وَ ابنُ أَبِي عَدِيٍ وَ يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ، عنْ عَوْفِ بنِ أَبِي جَمِيلَةَ الأعرابي عن زُرَارَةَ بنِ أَوْفَى عن عَبْدِ الله بنِ سَلاَمٍ. قَالَ: "لَمّا قَدِمَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، يَعْنِي المَدِينَةَ، انْجَفَلَ النّاسُ إِلَيْهِ، وَقِيلَ قَدِمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فٍجِئْتُ فِي النّاسِ لأَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَلَمّا اسْتَثْبَتُ وَجْهَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم عَرَفْتُ أَنّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَابٍ، وَكَانَ
__________
"إلا كان في حفظ الله" فيحفظه الله من مكاره الدنيا والاَخرة "ما دام منه" أي من الثوب "عليه" أي على من كساه "خرقة" أي قطعة. قال المناوي يعني حتى يبلى وقال ومفهوم هذا الحديث أنه لو كسا ذمياً لا يكون له هذا الوعد.
قوله : "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد، وقال المنذري رواه الترمذي والحاكم كلاهما من طريق خالد بن طهمان ولفظ الحاكم: من كسا مسلماً ثوباً لم يزل في ستر الله ما دام عليه منه خيط أو سلك، وقال الحاكم صحيح الإسناد انتهى. قلت: خالد بن طهمان اختلط في آخره عمره كما عرفت.
قوله : "ويحيى بن سعيد" هو القطان "عن زرارة بن أوفى" بضم الزاي العامري الحوشي بمهملة وراء مفتوحتين ثم معجمة البصري قاضيها ثقة عابد من الثالثة مات فجأة في الصلاة "عن عبد الله بن سلام" بالتخفيف الإسرائيل هو أبو يوسف حليف بني الخزرج قيل كان اسمه الحسين فسماه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله مشهور مات بالمدينة سنة ثلاث وأربعين "يعني المدينة" هذا قول بعض رواة الحديث "انجفل الناس إليه" أي ذهبوا مسرعين إليه يقال جفل وأجفل وانجفل "فلما استبنت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم" قال في الصراح:

(7/187)


أَوّلَ شَيْءٍ تَكَلّمَ بِهِ أَنْ قَالَ: "يَا أَيُهَا النّاسُ أَفْشُو السّلاَمَ وَأَطْعِمُوا الطّعَامَ وَصَلّوا وَالنّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الجَنّةِ بِسَلاَمٍ" .
هذا حديثٌ صحيحٌ.
2604-حدثنا الْحُسَيْنُ بنُ الْحَسَنِ المَرْوَزِيّ بِمَكَةَ، أَخْبَرنَا ابنُ أَبي عَدِيٍ، أَخْبَرنَا حُمَيْدٌ عن أَنَسٍ قَالَ: "لَمّا قَدِمَ النبيّ صلى الله عليه وسلم المَدِينَةَ أَتَاهُ المُهَاجِرُونَ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ الله مَا رَأَيْنَا قَوْماً أَبْذَلَ مِنْ كَثِيرِ وَلاَ أَحْسَنَ مُوَاسَاةً مِنْ قَلِيلٍ مِنْ قَوْمٍ نَزَلْنَا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ لَقَدْ كَفَوْنَا المُؤْنَةَ وَأَشْرَكُونَا فِي المَهْنَاءِ، حَتّى لَقَدْ خِفْنَا أَنْ يَذْهَبُوا
__________
استبان الشيء أي طهر وتبين مثله، واستبنته أنا عرفته، وتعينته أنا كذلك انتهى "ليس بوجه كذاب" بالإضافة وينون أي يوجه ذي كذب فإن الظاهر عنوان الباطن "يا أيها الناس" خطاب العام بكلمات جامعة للمعاملة مع الخلق والحق "أفشوا السلام" أي أظهروه وأكثروه على من تعرفونه وعلى من لا تعرفونه "وأطعموا الطعام" أي لنحو المساكين والأيتام "وصلوا" أي بالليل "والناس نيام" لأنه وقت الغفلة فلأرباب الحضور مزيد المثوبة أو لبعده عن الرياء والسمعة "تدخلوا الجنة بسلام" أي من الله أو من ملائكته من مكروه أو تعب ومشقة.
قوله : "هذا حديث صحيح" وأخرجه ابن ماجه والدرامي.
قوله : "أَخْبَرَنَاْ حميد" هو الطويل.
قوله : "لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة" أي حين جاءها أول قدومه "أتاه المهاجرين" أي بعد ما قام الأنصار بخدمتهم وإعطائهم أنصاف دورهم وبساتينهم إلى أن بعضهم طلق أحسن نسائه ليتزوجها بعض المهاجرين، كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله {وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} "فقالوا" أي المهاجرون "ما رأينا قوماً أبذل من كثير" أي من مال كثير "ولا أحسن مواساة من قليل" أي من مال قليل "من قوم نزلنا بين أظهرهم" أي عندهم وفيما بينهم. والمعنى أنهم أحسنوا إلينا

(7/188)


بِالأَجْرِ كُلّهِ، فَقَالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: لاَ مَا دَعَوْتُمُ الله لَهُمْ وَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ" .
هذا حديثٌ صحيحٌ حسنٌ غريبٌ.
2605-حدثنا إِسْحَاقُ بنُ مُوسَى الأَنْصَاريّ، أَخْبَرنَا مُحمّدُ بنُ مَعْنٍ الغِفَارِيّ، حدثني أَبِي عَنُ سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ، عن أَبي هُرَيْرَةَ، عن النبيّ
__________
سواء كانوا كثيري المال أو فقيري الحال. قال الطيعي رحمه الله: الجاران أعني من قليل ومن كثير متعلقان بالبذل والمواساة. وقوله من قوم صلة لا بذل وأحسن على سبيل التنازع وقوم هو المفضل، والمراد بالقوم الأنصار وإنما عدل عنه إليه ليدل التنكير على التفخيم فيتمكن من إجراء الأوصاف التالية عليه بعد الإبهام ليكون أوقع لأن التبيين بعد الإبهام أوقع في النفس وأبلغ "لقد كفونا" من الكفاية "المؤنة" أي تحملو عنا مؤنة الخدمة في عمارة الدور والنخيل وغيرهما "وأشركونا" أي مثل الإخوان "في المهنأ" بفتح الميم والنون وهمز في آخره، ما يقوم بالكفاية وإصلاح المعيشة، وقيل ما يأتيك بلا تعب. قال ابن الملك والمعنى أشركونا في ثمار نخيلهم وكفونا مؤنة سقيها وإصلاحها وأعطونا نصف ثمارهم. وقال القاضي يريدون به ما أشركوهم فيه من زروعهم وثمارهم "حتى لقد خفنا أن يذهبوا" أي الأنصار "بالأجر كله" أي بأن يعطيهم الله أجر هجرتنا من مكة إلى المدينة وأجر عبادتنا كلها من كثرة إحسابهم إلينا، "فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا" أي لا يذهبون بكل الأجر فإن فضل الله واسع، فلكم ثواب العبادة ولهم أجر المساعدة "ما دعوتم الله لهم وأثنيتم عليهم" أي ما دمتم تدعون لهم بخير فإن دعاءكم يقوم بحسناتهم إليكم وثواب حسناتكم راجع عليكم. قال الطيبي رحمه الله: يعني إذ حملوا المشقة والتعب على أنفسهم وأشركونا في الراحة والمهنأ فقد أحرزوا المثوبات. فكيف نجازيهم؟ فأجاب لا. أي ليس الأمر كما زعمتم فإنكم إذا أثنيتم عليهم شكراً لصنيعهم ودمتم عليه فقد جاز يتموه.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه أبو داود والنسائي.
قوله : "أَخْبَرَنَاْ محمد بن معن" بن محمد بن معن "المدني الغفاري" أبو يونس المدني ثقة من الثامنة "حدثني أبي" هو معن بن محمد بن معن بن نضلة الغفاري مقبول من السادسة.

(7/189)


صلى الله عليه وسلم قَالَ: "الطّاعِمُ الشّاكِرُ بِمَنْزِلَةِ الصّائِمِ الصّابِرِ" .
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
2606-حدثنا هَنّادٌ، أَخْبَرنَا عَبْدَةُ عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ، عن مُوسَى بنِ عُقْبَةَ، عن عَبْدِ الله بنِ عمرو الأَوْدِيّ، عن عَبْدِ الله بنِ مَسْعُود قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النّارِ، وَبِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النّارُ؟ عَلَى كُلّ قَرِيبٍ هَيّنٍ سَهْلٍ" .
__________
قوله : "الطاعم الشاكر" أي الله تعالى بمنزلة الصائم الصابر لأن الطعم فعل والصوم كف، فالطاعم بطعمه يأتي ربه بالشكر والصائم بكفه عن الطعم يأتيه بالصبر. قال القاري: أقل شكره أن يسمى إذا أكل ويحمد إذا فرغ وأقل صبره أن يحبس نفسه عن مفسدات الصوم. قال المظهر: هذا تشبيه في أصل استحقاق كل واحد منهما الأجر لا في المقدار، وهذا كما يقال زيد كعمرو ومعناه زيد يشبه عمراً في بعض الخصال ولا يلزم الممائلة في جميعها فلا يلزم الممائلة في الأجر أيضاً، انتهى.
قوله : "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد وابن ماجه والحاكم. قال المناوي وصححه وأقروه. وروي أحمد وابن ماجه عن سنان بن سنة مرفوعاً الطاعم الشاكر له مثل أجر الصائم الصابر.
قوله : "عن عبد الله بن عمرو الأودي" الكوفي مقبول من الثالثة. قال في تهذيب التهذيب: روى له الترمذي هذا الحديث الواحد، وذكره ابن حبان في الثقات وأخرج له في صحيحه هذا الحديث.
قوله : "بمن يحرم" بضم الراء "على النار" أي يمنع عنها "وبمن تحرم عليه النار" قال القاري: زيادة تأكيد وإلا فالمعنيان متلازمان، ولما كان مآلهما واحد اكتفى بالجواب عن الأول لأنه المعول والثاني مؤكد "على كل قريب" أي إلى الناس، ولم يقع في بعض النسخ لفظ على "هين" وفي المشكاة: على كل هين لين. قال القاري: بتشديد التحتية فبهما أي تحرم على كل سهل طلق حليم لين الجانب

(7/190)


هذا حديثٌ غريبٌ.
2607-حدثنا هَنّادٌ، أَخْبَرنَا وَكِيعٌ، عن شُعْبَةَ عن الْحَكَمِ، عن إِبْرَاهِيمَ عن الأَسْودِ بنِ يَزِيدَ قَالَ: "قُلْتُ يَا عَائِشَةُ أَيّ شَيْءِ كَانَ النبيّ صلى الله عليه وسلم يَصْنَعُ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ؟ قَالَتْ كَانَ يَكُونُ في مَهْنَةِ أَهْلِهِ فَإِذَا حَضَرَتْ الصّلاَةُ قَامَ فَصَلّى".
هذا حديثٌٌ صحيحٌ.
__________
قيل هما يطلقان على الإنسان بالتثقيل والتخفيف وعلى غيره بالتشديد. وعن ابن الأعرابي بالتخفيف المدح وبالتشديد للذم، ثمقوله هين فيعل من الهون وهو السكون والوفار والسهولة فبينه واو فأبدلت وأدغمت انتهى "سهل" هو ضد الصعب، أي سهل الخلق كريم الشمائل.
قوله : "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد والطبراني.
قوله : "قالت كان" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "يكون في مهنة أهله" ورواه البخاري من طريق آدم عن شعبة في باب من كان في حاجة أهله فأقيمت الصلاة فخرج وزاد تعني خدمة أهله. قال الحافظ بفتح الميم وكسرها وسكون الهاء فيهما وقد فسرها في الحديث بالخدمة وهي من تفسير آدم بن أبي إياس، شيخ المصنف. وقال في الصحاح: المهنة بالفتح الخدمة، وهذا موافق لما قاله لكن نفسرها صاحب المحكم بأخص من ذلك فقال المهنة الحذق بالخدمة والعمل وقد، وقع مفسراً في الشمائل للترمذي من طريق عمرة عن عائشة بلفظ: والعمل وقد وقع مفسراً في الشمائل للترمذي من طريق عمرة عن عائشة بلفظ: ما كان إلا بشراً من البشر يفلى ثوبه ويحلب شأته ويخدم نفسه. ولأحمد وابن حبان من رواية عروة عنها: يخيط ثوبه ويخصف نعله، وزاد ابن حبان: ويرفع دلوه، وزاد الحاكم في الإكليل: ولا رأيته ضرب بيده امرأة ولا خادماً: والحديث فيه الترغيب في التواضع وترك التكبر وخدمة الرجل أهله.
قوله : "هذا حديث صحيح" وأخرجه البخاري.

(7/191)


2608-حدثنا سُوَيْدُ ، أخبرنا عَبْدُ الله بنُ المُبَارَكِ، عن عِمْرانَ بنِ زَيْدٍ التّغْلبي، عن زَيْدٍ العَميّ، عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: "كَانَ النبيّ صلى الله عليه وسلم إِذَا اسْتَقْبَلَهُ الرّجُلُ فَصَافَحَهُ لاَ يَنْزِعُ يَدَهُ مِنْ يَدِهِ حَتّى يَكُونَ الرّجُلُ الذي يَنْزِعُ، وَلاَ يَصْرِفُ وَجْهَهُ عن وَجْهِهِ حَتّى يَكُونَ الرّجُلُ هُوَ يَصْرِفُهُ وَلَمْ يُرَ مُقَدّماً رُكْبَتَيْهِ بَيْنَ يَدَيْ جَلَيْسٍ لَهُ" قالَ: هذا حديثٌ غريبٌ.
2609-حدثنا هَنّادٌ، حدثنا أَبُو الأَحْوَصِ، عن عَطَاءِ بنِ السّائِبِ، عن أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو، أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "خَرَجَ رَجُلٌ مِمّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فِي حُلّةٍ لَهُ يَخْتَالُ فِيهَا، فَأَمَرَ الله الأَرْضَ فَأَخَذَتْهُ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فيها، أَوْ قَالَ يَتَلَجْلَجُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" .
__________
قوله : "لا ينزع" بكسر الزاي أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "لم ير" بصيغة المجهول أي لم يبصر "مقدماً" بكسر الذال المشددة "ركبتيه بين يدي جليس له" أي مجالس له قيل أي ما كان يجلس في مجلس تكون ركبتاه متقدمتين على ركبتي صاحبه كما يفعل الجبابرة في مجالسهم. وقيل ما كان يرفع ركبتيه عند من يجالسه بل كان يخفضها تعظيماً لجليسه. وقالوا أراد بالركبتين الرجلين وتقديمهما مدهما وبسطهما، كما يقال قدم رجلا وأخر أخرى، ومعناه كان صلى الله عليه وسلم لا يمد رجله عند جليسه تعظيماً له. قال الطيبي فيه: وفيقوله كان لا يتزع يده قيل نزع صاحبه، تعليم لأمته في إكرام صاحبه وتعظيمه، فلا يبدأ بالمفارقة عنه ولا يهينه بمد الرجلين إليه.
قوله : "عن أبيه" هو السائب بن مالك أو ابن زيد الكوفي ثقة من الثانية.
قوله : "خرج رجل ممن كان قبلكم في حلة" بضم الحاء المهملة وتشديد اللام إزاء ورداء بردأو غيره ولا يكون حلة إلا من ثوبين أو ثوب له بطانة كذا في القاموس "يختال فيها" من الاختيال وهو التكبر في المشي "فأخذته" أي ابتلعته "فهو متجلجل أرِ قال يتلجلج فيها إلى يوم القيامة" أي يغوص في الأرض ويضطرب في نزوله فيها.

(7/192)


هذا حديثٌ صحيحٌ.
2610-حدثنا سُوَيْدُ بنُ نَصْرٍ، أخبرنا عَبْدُ الله بن المُبَارَكِ، عَنْ مُحمّدِ بنِ عَجْلاَنَ، عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أَبِيهِ، عن جَدّهِ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "يُحْشَرُ المُتَكَبّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذّرّ فِي صُوَرِ الرجالِ، يَغْشَاهُمُ الذّلّ مِنْ كُلّ مَكَانِ، فيُسَاقُونَ إِلَى سَجْنٍ فِي جَهَنّمَ يُسَمّى بُولَس تَعْلُوهُمْ نَارُ الأَنْيَارِ يُسْقَوْنَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النّارِ طِينَةَ الْخَبَالِ" .
__________
قوله : "هذا حديث صحيح" وأخرجه البخاري عن ابن عمر بلفظ: بينما رجل يجر إزاره خسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة.
قوله : "يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر" أي في الصغر والحفارة "في صور الرجال" أي من جهة وجوههم. أو من حيثية هيئتهم من انتصاب القامة "يغشاهم الذل" أي يأتيهم "من كل مكان" أي من كل جانب. والمعنى أنهم يكونون في غاية من المذلة والنقيصة يطأهم أهل الحشر بأرجلهم من هوانهم على الله. وفي النهاية الذر النمل الأحمر الصغير واحدها ذرة "يساقون" بضم القاف أي يسحبون ويجرون "إلى سجن" أي مكان حبس مظلم مضيق منقطع فيه عن غيره "يسمى" أي ذلك السجن "بولس" قال في المجمع: هو بفتح باء وسكون واو وفتح لام. وقال في القاموس: بولس بضم الباء وفتح اللام سجن جهنم وقال الحافظ المنذري: هو بضم الموحدة وسكون الواو وفتح اللام انتهى "تعلوهم" أي تحيط بهم وتغشاهم كالماء يعلو الغريق "نار الأنيار" قال في النهاية: لم أجده مشروحاً ولكن هكذا يروى، فإن صحت الرواية فيحتمل أن يكون معناه نار النيران، فجمع النار على أنيار وأصلها أنوار لأنها من الواو كما جاء في ريح وعيد أرياح وأعياد وهما من الواو انتهى. قيل: إنما جمع بار على أنيار وهو واوي لئلا يشتبه بجمع النور. قال القاضي: وإضافة النار إليها للمبالغة كأن هذه النار لفرظ إحراقها وشدة حرها تفعل بسائو النيران ما تفعل النار بغيرها انتهى. قال القاري: أو لأنها أصل نيران العالم لقوله تعالى {الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى}

(7/193)


هذا حديثٌ حسنٌ .
__________
ولقوله صلى الله عليه وسلم: ناركم هذه جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم على ما ذكره البيضاوي انتهى "ويسقون" بصيغة المجهول "من عصارة أهل النار" بضم العين المهملة وهو ما يسيل منهم من الصديد والقبح والدم "طينة الخيال" بالجر بدل من عصارة أهل النار، والخيال بفتح الخاء المعجمة وهو في الأصل الفساد ويكون في الأفعال والأبدان والعقول.
قوله : "هذا حديث حسن" وأخرجه النسائي كما في الترغيب وأخرج عبد الله ابن أحمد في زوائد الزهد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يجاء بالجبارين والمتكبرين رجال في صور الذر يطأهم الناس من هوانهم على الله حتى يقضي بين الناس ثم يذهب بهم إلى نار الأنيار قيل: يا رسول الله وما نار الأنيار قال: عصارة أهل النار" ذكره السيوطي في البدور السافرة في أحوال الاَخرة.
" تنبيه :" حمل بعضهم قوله صلى الله عليه وسلم: يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال على المجاز. قال التوربشتي: يحمل ذلك على المجاز دون الحقيقة. أي أذلاء مهانين يطأهم الناس بأرجلهم وإنما منعنا على القول بظاهره ما أخبرنا به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم أن الأجساد تعاد على ما كانت عليه من الأجزاء حتى أنهم يحشرون غرلا يعاد منهم ما انفصل عنهم من القلفة، وإلى هذا المعنى أشار بقوله: يغشاهم الذل من كل مكان. قال الأشرف: إنما قال في صور الرجال بعدقوله أمثال الذر قطعاً منه: حملقوله أمثال الذر على الحقيقة ودفعاً لوهم من يتوهم أن المتكبر لا يحشر في صورة الإنسان وتحقيقاً لإعادة الأجساد المعدومة على ما كانت عليه من الأجزاء. وقال المظهر: يعني صورهم صور الإنسان وجثتهم كجثة الذر في الصغر. قال الطيبي: لفظ الحديث يساعد هذا المعنى لأنقوله أمثال الذر تشبيه لهم بالذر ولا بد من بيان وجه الشبه لأنه يحتمل أن يكون وجه الشبه الصغر في الجثة وأن يكون الحقارة والصغار فقوله في صور الرجال بيان للموجه ودفع وهم من يتوهم خلافه، وأماقوله إن الأجساد تعاد على ما كانت عليه من الأجزاء فليس فيه أن لا تعاد تلك الأجزاء الأصلية في مثل الذر لأنه تعالى قادر عليه، وفيه الخلاف المشهور بين الأصوليين وعلى هذه الحقارة

(7/194)


2611-حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ وَ عَبّاسُ بنُ مُحمّدٍ الدّورِيّ، قالاَ: أَخْبَرنَا عَبْدُ الله بنُ يَزِيدَ المُقريُ، حدثنا سَعِيدُ بنُ أَبِي أَيّوبَ، حدثني أَبُو مَرْحُومٍ عَبْدُ الرَحِيمِ بنُ مَيْمُونٍ، عن سَهْلِ بنِ مُعَاذ بنِ أَنَسٍ، عن أَبِيهِ أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ كَظَمَ غَيْظاً، وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُنَفّذَهُ، دَعَاهُ الله عَلَى رُؤُوسِ الْخَلاَئِقِ يوم القيامة حَتّى يُخَيّرَهُ في أَي الْحُورِ شَاءَ" .
قال: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
2612-حدثنا سَلَمَةُ بنُ شَبِيبِ، أخبرنا عَبْدُ الله بنُ إِبْرَاهِيمَ
__________
ملزوم هذا التركيب فلا ينافي إرادة الجثة مع الحقارة.
قلت: الظاهر هو الحمل على الحقيقة ولا مخالفة بين هذا الحديث والأحاديث التي تدل على أن الأجساد تعاد على ما كانت عليه من الأجزاء حتى أنهم يحشرون غرلا. قال القاري: التحقيق إن الله يعيدهم عند إخراجهم من قبورهم على أكمل صورهم وجمع أجزائهم المعدومة تخفيفاً لوصف الإعادة على وجه الكمال ثم يجعلهم في موقف الجزاء على الصورة المذكورة إهانة وتذليلا لهم، جزاءاً وفاقاً، أو يتصاغرون من الهيبة الإلهية عند مجيئهم إلى موضع الحساب وظهور أثر العقوبة السلطانية التي لو وضعت على الجبال لصارت هباء منثوراً انتهى.
قوله : "أخبرنا عبد الله بن يزيد" هو أبو عبد الرحمن المقري.
قوله : "من كظم غيظاً" أي كف عن إمضائه "وهو يقدر أن ينفذه" من التنفيذ أي يقدر على إمضائه وإنفاذه والجملة حالية "دعاءه الله على رؤوس الخلائق" أي شهره بين الناس وأثنى عليه وتباهى به ويقال في حقه هذا الذي صدرت منه هذه الخصلة العظيمة. قال الطيبي وإنما حمد الكظم لأنه قهر للنفس الأمارة بالسوء ولذلك مدحهم الله تعالى بقوله: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} .
قوله : "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أبو داود وابن ماجه.
قوله : "حدثنا سلمة بن شبيب" النيسابوري نزيل مكة ثقة من كبار الحادية

(7/195)


الْغِفَارِيّ المَدِنِيّ، حدثني أَبِي، عن أَبِي بَكْرِ بنِ المَنْكَدِرِ، عن جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ثَلاَثٌ مَنْ كُنّ فِيهِ نَشَرَ الله عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَأَدْخَلَهُ الْجَنّةَ: الرّفْقٌ بالضّعِيفِ، وشَفَقَةُ عَلَى الْوَالِدَيْنِ، وإحسان إِلَى المَمْلُوكِ" قال: هذا حديثٌٌ غريبٌ.
2613-حدثنا هَنّادٌ، حدثنَا أَبُو الأَحْوَصِ عنْ لَيْثٍ عَنْ شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ عن عَبْدِ الرحمنِ بنِ غَنْمٍ عنْ أَبي ذَرّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يَقُولُ الله تعالى يَا عِبَادِي كُلّكُمْ ضَالٌ إِلاَ مَنْ هَدَيْتُ
__________
عشرة "أخبرنا عبد الله بن إبراهيم" بن أبي عمرو "الغفاري" أبو محمد المدني متروك ونسبه ابن حبان إلى الوضع من العاشرة "حدثني أبي" اسمه إبراهيم بن أبي عمرو الغفاري المدني مجهول من الثامنة "عن أبي بكر بن المنكدر" بن عبد الله التيمي المدني ثقة، وكان أسن من أخيه محمد من الرابعة.
قوله : "نشر الله عليه" بشين معجمة من النشر ضد الطي "كنفه" بكاف ونون وفاء مفتوحات وهو الجانب والناحية، وهذا تمثيل لجعله تحت ظل رحمته يوم القيامة "أدخله الجنة" وفي بعض النسخ جنته والإضافة للتشريف "والشفقة على الوالدين" أي الأصلين وإن علوا "والإحسان إلى المملوك" أي مملوك الإنسان نفسه وكذا غيره بنحو إعانة أو شفاعة عند سيده.
قوله : "هذا حديث غريب" في سنده عبد الله بن إبراهيم وهو متروك، وأبوه وهو مجهول، فالحديث ضعيف.
قوله : "يا عبادي" قال الطيبي: الخطاب للثقلين لتعاقب التقوى والفجور فيهم، ويحتمل أن يعم الملائكة فيكون ذكرهم مدرجاً في الجن لشمول الاجتنان لهم وتوجه هذا الخطاب لا يتوقف على صدور الفجور ولا على إمكانه انتهى. قلت: والظاهر هو الاحتمال الأول "إلا من هديت" قيل المراد به وصفهم بما كانوا عليه قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم لا أنهم خلقوا في الضلالة. والأظهر أن يراد

(7/196)


فَسَلُونِي الْهُدَى أَهْدِكُمْ، وَكُلّكُم فَقِيْرٌ إِلاّ مَنْ أَغْنَيْتُ فَسَلُونِي أَرْزُقُكُمْ، وَكُلّكُمْ مُذْنِبٌ إِلاّ مَنْ عَافَيْتُ، فَمَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ أَنّي ذُو قُدْرَةٍ عَلَى المَغْفِرَةِ فَاسْتَغْفَرَنِي غَفَرْتُ لَهُ وَلاَ أُبَالِي، وَلوْ أَنّ أَوّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَحَيّكُمْ وَمَيّتَكُمْ وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَتقَى قَلْبِ عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي، مَا زَادَ ذَلِكَ في مُلْكِي جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، وَلَوْ أَنّ أَوّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَحَيّكُمْ وَمَيّتَكُمْ وَرطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَشْقَى قَلْبِ عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، وَلَوْ أَنّ أَوّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَحَيّكُمْ وَمَيّتَكُمْ وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمْ اجْتَمَعُوا في صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلَ كلّ إِنْسَانٍ
__________
أنهم لو تركوا بما في طباعهم لضلوا، وهذا معنىقوله عليه الصلاة والسلام: إن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره. وهو لا ينافيقوله عليه الصلاة والسلام: كل مولود يولد على الفطرة، فإن المراد به الفطرة التوحيد والمراد بالضلالة جهالة تفصيل أحكام الإيمان وحدود الإسلام ومنهقوله تعالى:}وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى} "وكلكم مذنب" قيل أي كلكم يتصور منه الذنب "إلا من عافيت" أي من الأنبياء والأولياء، أي عصمت وحفظت، وإنما قال عافيت تنبيهاً على أن الذنب مرض ذاتي، وصحته عصمة الله تعالى وحفظه منه أو كلكم مذنب بالفعل. وذنب كل بحسب مقامه إلا من عافيته بالمغفرة والرحمة والتوبة "ولا أبالي" أي لا أكترث "ولو أن أولكم وآخركم" يراد به الإحاطة والشمول "وحيكم وميتكم" تأكيد لإرادة الاستيعاب كقوله "ورطبكم ويابسكم" أي شبابكم وشيوخكم أو عالمكم وجاهلكم أو مطيعكم وعاصيكم. قال الطيبي هما عبارتان عن الاستيعاب التام كما فيقوله تعالى {وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} والإضافة إلى ضمير المخاطبين تقتضي أن يكون الاستيعاب في نوع الإنسان فيكون تأكيداً للشمول بعد تأكيد الاستيعاب وتقريراً بعد تقرير انتهى "اجتمعوا على أنقى قلب عبد من عبادي" وهو نبينا صلى الله عليه وسلم "ما زاد ذلك" أي الاجتماع "اجتمعوا على ثقى قلب عبد من عبادي" وهو إبليس اللعين "اجتمعوا في صعيد

(7/197)


مِنْكُمْ مَا بَلَغَتْ أُمْنِيّتُهُ، فَأَعْطَيْتُ كلّ سَائِلٍ مِنْكُمْ، مَانَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي إِلاَ كَمَا لَوْ أَنّ أَحَدَكُمْ مَرّ بِالبَحْرِ فَغَمَسَ فِيهِ إِبْرَةً ثُمّ رَفَعَهَا إِلَيْهِ ذَلِكَ بِأَنّي جَوَادٌ وَاجِدٌ مَاجِدٌ أَفْعَلُ مَا أُرِيدُ، عَطَائي كلامٌ وَعَذَابِي كلامٌ، إِنّمَا أَمْرِي لِشَيءٍ إِذَا أَرَدْتُه أَنْ أَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ".
قال: هذا حديثٌ حسنٌ. وَرَوَى بَعضُهم هذا الحديث عن شَهْرِ بنِ حَوْشَبِ عن مَعْدِ يكَرِبَ عن أَبي ذَرٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ.
2614-حدثنا عُبَيْدُ بنُ أَسبَاطَ بنِ محمّدٍ الْقُرَشِيّ، حدثنا أَبِي، أَخْبَرنَا الأَعْمَشُ عن عبدِ الله بنِ عبدِ الله الرّازي عن سَعْدٍ مَوْلَى طَلْحَةَ عن ابنِ عُمَرَ
__________
واحد" أي أرض واسعة مستوية "ما بلغت أمنيته" بضم الهمزة وكسر النون وتشديد الياء، أي مشتهاه وجمعها المنى والأماني، يعني كل حاجة تخطر بباله "مانقص ذلك" أي الإعطاء أو قضاء حوائجهم "فغمس" بفتح الميم أي أدخل "إبرة" بكسر الهمزة وسكون الموحدة وهي المخيط "ذلك" أي عدم نقص ذلك عن ملكي "بأني جواد" أي كثير الجود "واجد" هو الذي يجد ما يطلبه ويريده وهو الواجد المطلق لا يفوته شيء "ماجد" هو بمعنى المجيد، كالعالم بمعنى العليم من المجد وهو سعة الكرم "إنما أمري الشيء إذا أردت أن أقول له كن فيكون" بالرفع والنصب، أي من غير تأخير عن أمري. وهذا تفسير لقوله: عطائي كلام وعذابي كلام. قال القاضي يعني ما أريد إيصاله إلى عبد من عطاء أو عذاب لا أفتقر إلى كد ومزاولة عمل بل يكفي لحصوله ووصوله تعلق الإرادة به وكن من كان التامة أي أحدث فيحدث.
قوله : "هذا حديث حسن" وأخرجه أحمد وابن ماجه، وروى مسلم نحوه بزيادة ونقص.
قوله : "عن عبد الله بن عبد الله" الرازي من بني هاشم القاضي أصله كوفي صدوق من الرابعة "عن سعد مولى

(7/198)


قَالَ: سَمِعْتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم يُحَدِثُ حَدِيثاً لَوْ لَمْ أَسْمَعُهُ إِلاّ مَرّةً أَوْ مَرَتَيْنِ حَتّى عَدّ سَبْعَ مَرّاتٍ وَلَكِنّي سَمِعْتُهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كَانَ الْكِفْلُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا يَتَوَرّعُ مِنْ ذَنْبٍ عَمِلَهُ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَأَعْطَاهَا سِتّينَ دِينَاراً عَلَى أَنْ يَطَأَهَا، فَلَمّا قَعَدَ مِنْهَا مَقْعَدَ الرّجُلِ مِنَ امْرَأَتِهِ أُرْعِدَتْ وَبَكَتْ فَقَالَ: ما يُبْكِيكِ أَكْرَهْتُكِ؟ قالت: لا وَلَكِنّهُ عَمَلٌ مَا عَمِلْتُهُ قَطّ وَمَا حَمَلَنِي عَلَيْهِ إِلاَ الْحَاجَةُ، فقال: تَفْعَلِينَ أَنْتِ هَذَا وَمَا فَعَلْتِهِ اذْهَبِي فَهِيَ لَكِ وقال: لا والله لا أَعْصِي الله بَعْدَهَا أَبَداً، فَمَاتَ مِنْ لَيْلَتِهِ فَأَصْبَحَ مَكْتُوباً عَلَى بَابِهِ أَنّ الله قَدْ غَفَرَ لِلْكِفْلِ" .
هذا حديثٌ حسنٌ. قد رَوَاهُ شَيْبَانُ وغيرُ وَاحِدٍ عن
__________
طلحة" قال في التقريب سعد أو سعيد مولى طلحة، ويقال طلحة مولى سعد مجهول من الرابعة.
قوله : "لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين حتى عد سبع مرات" جزاءه محذوف أي لم أحدث ذلك الحديث أحداً ولم أذكره "كان الكفل" بكسر الكاف وسكون الفاء اسم رجل "لا يتورع من ذنب" أي لا يحترز ولا يمتنع "عمله" الضمير المرفوع للكفل والمنصوب ذنب، والجملة صفة له "أرعدت" بصيغة المجهول من الإرعاد، أي زلزلت واضطربت من خشية الله "أكرهتك" بحذف همزة الاستفهام "قالت لا" أي لم تكرهني وليس ارتعادي وبكائي من إكراهك "فقال أتفعلين أنت هذا" أي لأجل الحاجة "وما فعلته" أي قبل هذا قط "فهي" أي الدنانير "لك" أي ملك لك، يعني وهبتها لك "وقال" أي الكافي "فاصبح" أي دخل الكفل في الصبح "مكتوب" كذا في النسخ الموجودة بالرفع، والظاهر أن يكون بالنصب. فإنه خبر أصبح أو حال من ضميره.
قوله : "هذا حديث حسن" وأخرجه ابن حبان في صحيحه إلا أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من عشرين مرة يقول فذكر نحوه، والحاكم

(7/199)


الأَعْمَشِ نحو هذا وَرَفَعُوهُ، وَرَوَاهُ بعضُهم عن الأَعمشِ فلم يَرْفَعْهُ. وَرَوَى أَبُو بكرِ بنِ عَيّاشٍ هذا الحديثَ عن الاعمشِ فَأَخْطَأَ فيه وقال عن عبدِ الله بن عبدِ الله عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عُمَرِو، وهو غيرُ محفوظٍ. وعبدُ الله بنُ عبدِ الله الرّازِيّ هُوَ كُوفِيّ وَكَانَتْ جَدّتُهُ سُرّيّةٌ لِعَلِيّ بنِ أَبي طَالِبٍ.
وقد رَوَى عن عبدِ الله بنِ عبدِ الله الرّازِيّ عُبَيْدَةُ الضّبّيّ وَالحَجّاجُ بنُ أَرْطَأَةَ وغيرُ وَاحِدٍ.
2615-حدثنا هَنّادٌ، أخبرنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عن الأَعْمَشِ عن عُمَارَةَ بنِ عُمَيْرٍ عن الْحَارِثِ بنِ سُوَيْدٍ، حدثنا عبدُ الله بن مسعود بِحَدِيثَيْنِ أَحَدُهُمَا عن نَفْسِهِ وَالاَخَرُ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. قال عبدُ الله: "إِنّ المُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كأَنّهُ في أَصْلِ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ
__________
والبيهقي من طريقه وغيرها. وقال الحاكم صحيح الإسناد كذا في الترغيب.
قوله : "وكانت جدته سرية لعلى بن أبي طالب" قال في القاموس: السرية بالضم: الأمة التي نوأتها بيتاً منسوب إلى السر بالكسر للجماع من تغيير النسب. وقال في الصراح: سرية بالضم على فعلية كنيزك فراشي وهي منسوبة إلى السر وهو الجماع، وإنما ضمت سنينه لأن الأبنية تغيرت في النسبة كدهري وسهلي بالضم فيهما من دهر وسهل. قال الأخفش: إنها مشتقة من السرور لأنه يسر بها جمعها سراري، ويقال منه كسررت الجارية وتسريتها كما تظننت وتظنيت انتهى.
قوله : "أخبرنا أبو معاوية" هو محمد بن خازم "عن الحارث بن سويد" التيمي أبي عائشة الكوفي ثقة ثبت من الثانية "حدثنا عبد الله" هو ابن مسعود.
قوله : "أحدهما عن نفسه" أي منقوله "إن المؤمن يرى ذنوبه" قال الطيبي: ذنوبه المفعول الأول والمفعول الثاني محذوف أي كالجبال بدليلقوله كذباب أي عظيمة ثقيلة "كأنه في أصل جبل" أي قاعد في أصله "يخاف أن يقع

(7/200)


كَذُبَابٍ وَقَعَ عَلَى أَنْفِهِ قَالَ بِهِ هَكَذَا فَطَارُ" وقالَ قالَ: رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَلّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ أَحَدِكُمْ مِنْ رَجُلِ بِأَرْضِ فَلاَةٍ دَوّيّةٍ مُهْلِكَةٍ مَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا زَادُهُ وَطَعَامُهُ وَشَرَابُهُ وَمَا يُصْلِحُهُ فَأَضَلّهَا، فَخَرَجَ في طَلَبِهَا حَتّى إِذَا أَدْرَكَهُ المَوْتُ، قَالَ أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِي الذِي أَضْلَلْتُهَا فِيهِ فَأَمُوتُ فِيهِ، فَرَجَعَ إِلَى مَكَانِهِ فَغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ فاسْتَيْقَظَ فَإِذَا رَاحِلَتُهُ عِنْدَ رَأْسِهِ، عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ وَمَا يُصْلِحُهُ".
__________
عليه" . قال ابن أبي جمرة: السبب في ذلك أن قلب المؤمن منور، فإذا رأى من نفسه ما يخالف ما ينور به قلبه عظم الأمر عليه، والحكمة في التمثيل بالجبل أن غيره من المهلكات قد يحصل التسبب إلى النجاة منه بخلاف الجبل إذا سقط على الشخص لا ينجو منه عادة، وحاصله أن المؤمن يغلب عليه الخوف لقوة ما عنده من الإيمان، فلا يأمن العقوبة بسببها، وهذا شأن المؤمن أنه دائم الخوف والمراقبة يستصغر عمله الصالح ويخشى من صغير عمله السيء "وإن الفاجر" أي الفاسق "قال به" أي أشار إليه أو فعل به "هكذا" أي دفع الذباب بيده. "لله" بفتح اللام" بتوبة أحدكم" أي من المعصية إلى الطاعة. قال الطيبي: لما صور حال المذنب بتلك الصورة الفظيعة أشار إلى أن الملجأ هو التوبة والرجوع إلى الله تعالى انتهى. يعني فحصلت المناسبة بين الحديثين من الموقوف والمرفوع "من رجل" متعلق بأفرح" بأرض فلاة" قال في القاموس: الفلاة القفر أو المفازة لا ماء فيها والصحراء الواسعة "دوية" بفتح الدال وتشديد الواو والياء: نسبة للدو وهي الصحراء التي لا نبات بها "مهلكة" بفتح الميم واللام وكسرها: موضع خوف الهلاك "فأضلها" وفي رواية البخاري فوضع رأسه فنام فاستيقظ وقد ذهبت راحلته "حتى إذا أدركه الموت" أي أسبابه من الحر والعطش، وفي رواية البخاري: "حتى إذا اشتد الحر والعطش أو ما شاء الله قال" أي في نفسه وهو جواب إذا "أرجع" بلفظ المتكلم.

(7/201)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَفِيهِ عن أَبي هُرَيْرَةَ وَالنّعْمَانِ بنِ بَشِيرٍ وَأَنَسٍ بنِ مَالِكٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
2616-حدثنا أَحمدُ بنُ مَنِيعٍ، أخبرنا زَيْدُ بنُ حُبَابٍ، أخبرنا عَلِيّ بنُ مَسْعَدَةَ الْبَاهِلِيّ، أخبرنا قَتَادَةُ عن أَنَسٍ، أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "كلّ ابْنِ آدَمَ خَطّاء، وَخيْرُ الْخَطّائِينَ التّوّابُونَ" .
هذا حديثٌ غريبٌ لا نَعْرِفَهُ إِلاَ من حديثِ عَلِيّ بنِ مَسَعَدَةَ عن قَتَادَةَ.
__________
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري وأخرج مسلم المرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحسب.
قوله : "وفيه" أي وفي الباب "عن أبي هريرة والنعمان بن بشير وأنس ابن مالك" أما حديث أبي هريرة فأخرجه مسلم، وأما حديث النعمان بن بشير فأخرجه أيضاً مسلم، وأما حديث أنس بن مالك فأخرجه الشيخان.
قوله : "أخبرنا علي بن مسعدة الباهلي" أبو حبيب البصري صدوق له أوهام من السابعة.
قوله : "كل بني آدم خطاء" أي كثير الخطأ أفرد نظراً إلى لفظ الكل، وفي رواية خطاؤون نظراً إلى معنى الكل، قيل أراد الكل من حديث هو كل أو كل واحد. وأما الأنبياء صلوات الله عليهم فإما مخصوصون عن ذلك، وإما أنهم أصحاب صغائر. والأول أولى فإن ما صدر عنهم من باب ترك الأولى، أو يقال: الزلات المنقولة عن بعضهم محمولة على الخطأ والنسيان من غير أن يكون لهم قصد إلى العصيان قاله القاري "وخير الخطائين التوابون" أي الرجاعون إلى الله بالتوبة من المعصية إلى الطاعة.
قوله : "هذا حديث غريب" وأخرجه أحمد وابن ماجه والدرامي والحاكم. قال المناوي وقال الحاكم صحيح فقال الذهبي بل فيه لين انتهى.

(7/202)


16-باب
2617-حدثنا سُوَيْدٌ، أخبرنا عبدُ الله بنُ المُبَارَكِ، عن مَعْمَرٍ عن الزّهْرِيّ عن أَبي سَلَمَةَ عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الاَخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الاَخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَصْمُتْ" . هذا حديثٌ صحيحٌ.
وفي البابِ عن عائِشَةَ وَأَنَسٍ وَأَبي شُرَيْحٍ الْكَعْبِيّ وهو الْعَدَوِيّ ، وَاسْمهُ خُوَيْلِدُ بنُ عمروٍ.
__________
"باب"
قوله: "من كان يؤمن بالله واليوم الاَخر فليكرم ضيفه" في شرح السنة قال تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ} قيل أكرمهم إبراهيم عليه السلام بتعجيل قراهم والقيام بنفسه عليهم وطلاقة الوجه لهم انتهى. قالوا وإكرام الضيف بطلاقة الوجه وطيب الكلام والإطعام ثلاثة أيام في الأول بمقدوره وميسوره والباقي بما حضره من غير تكاف لئلا يثقل عليه وعلى نفسه وبعد الثلاثة يعد من الصدقة إن شاء فعل وإلا فلا "فليقل خيراً أو ليصمت" ضبطه النووي بضم الميم، وقال الطوفي سمعناه يكبرها وهو القباس كضرب يضرب ومعنى الحديث أن المرء إذا أراد أن يتكلم فليفكر قبل كلامه فإن علم أنه لا يترتب عليه مفسدة ولا يجر إلى محرم ولا مكروه فليتكلم. وإن كان مباحاً فالسلامة في السكوت لئلا يجر المباح إلى المحرم والمكروه. وفي حديث أبي ذر الطويل الذي صححه ابن حبان ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه قاله الحافظ.
قوله : "هذا حديث صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله : "وفي الباب عن عائشة وأنس وأبي شريح الكعبي" أما حديث عائشة فلينظر من أخرجه. وأما حديث أنس فأخرجه ابن أبي الدنيا وأبو الشيخ وغيرهما كما في الترغيب وأما حديث أبي شريح الكعبي فأخرجه الترمذي في باب الضيافة.

(7/203)


2618-حدثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا ابنُ لَهِيعَةَ، عن يَزِيدَ بنِ عمروٍ المعافري عن أَبي عَبدِ الرحمن الْحُبِليّ، عن عبدِ الله بنِ عمروٍ قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صمَتَ نَجَا" .
هذا حديثٌ لا نَعْرِفُهُ إِلاَ من حديثِ ابنِ لَهِيعَةَ.
__________
قوله : "من صمت" أي سكت عن الشر "نجا" أي فاز وظفر بكل خير، أو نجا من آفات الدارين. قال الراغب: الصمت أبلغ من السكوت لأنه قد يستعمل فيما لا قوة له للنطق وفيما له قوة للنطق، ولهذا قيل لما لا نطق له الصامت والمصمت، والسكوت يقال لما له نطق فيترك استعماله. فالصمت في الأصل سلامة لكن قد يجب النطق شرعاً. ومقصود الحديث أن لا يتكلم فيما لا يعنيه ويقتصر على المهم ففيه النجاة.
قوله : "هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة" وأخرجه أحمد الدرامي والبيهقي في شعب الإيمان، والحديث ضعيف لضعف ابن لهيعة.

(7/204)


17-باب
2619-حدثنا إِبْرَاهِيمُ بنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيّ، أخبرنا أَبو أُسَامَةَ، حدثني بُرَيْدُ بنُ عبدِ الله عن أَبي بُرْدَةَ عن أَبي مُوسَى قال: سُئِلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: أَيّ المُسْلِمِينَ أَفْضَلُ؟ قال: "مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ، وَيَدِهِ" .
__________
"باب"
قوله: "من سلم المسلمون" أي والمسلمات إما تغليباً وإما تبعاً ويلحق بهم أهل الذمة حكماً. وفي رواية ابن حبان من سلم الناس "من لسانه" أي بالشتم واللعن والغيبة والبهتان والنميمة والسعي إلى السلطان وغير ذلك "ويده" بالضرب والقتل والهدم والدفع والكتابة بالباطل ونحوها وخصا لأن أكثر الأذى بهما أو

(7/204)


هذا حديثٌ صحيحٌ غريبٌ من حديثِ أَبي مُوسَى.
2620-حدثنا أَحمدُ بنُ مَنِيعٍ أَخْبَرنَا مُحمّدُ بنُ الْحَسَنِ بنِ أَبي يَزِيدَ الْهَمْدَانِيّ عن ثَوْرِ بنِ يَزِيدَ، عن خَالِدِ بنِ مَعْدَانَ، عن مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ عَيّرَ أَخَاهُ بِذَنْبٍ لَمْ يَمُتْ حَتّى يَعْمَلَهُ" . قال احمدُ: قَالُوا: مِنْ ذَنْبٍ قَدْ تَابَ مِنْهُ.
__________
أريد بهما مثلا وقدم اللسان لأن الإيذاء به أكثر وأسهل، ولأنه أشد نكاية كما قال:
جراحات السنان لها التئام ... ولا يلتام ما جرح اللسان
ولأنه يعم الأحياء والأموات وابتلى به الخاص والعام خصوصاً في هذه الأيام وعبر به دون القول ليشمل إخراجه استهزاء بغيره وقيل كني باليد عن سائر الجوارح لأن سلطنة الأفعال إنما تظهر بها إذ بها البطش والقطع والوصل والمنع والأخذ، فقيل في كل عمل هذا مما عملته أيديهم وإن لم يكن وقوعه بها ثم الحد والتعزيز وتأديب الأطفال والدفع لنحو العيال ونحوها فهي استصلاح وطلب للسلامة، أو مستثنى شرعاً أو لا يطلق عليه الأذى عرفاً.
قوله : "هذا حديث صحيح غريب" وأخرجه البخاري ومسلم.
قوله : "أخبرنا محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني" بالسكون أبو الحسن الكوفي، نزيل واسط، ضعيف من التاسعة.
قوله : "من عير" من التعبير أي عاب "أخاه" أي في الدين "بذنب" أي قد تاب منه على ما فسر به الإمام أحمد "لم يمت" الضمير لمن "حتى يعمله" أي الذنب الذي عير به أخاه، وكأن من عير أخاه أي عابه من العار، وهو كل شيء لزم به عيب كما في القاموس يجاري بسلب التوفيق حتى يرتكب ما عير أخاه به وذاك إذا صحبه إعجابه بنفسه لسلامته مما عير به أخاه. وفيه أن ذكر الذنب لمجرد التعيير قبيح يوجب العقوبة وأنه لا يذكر عيب الغير إلا للأمور الستة التي سلفت مع حسن القصد فيها قاله الأمير في السبل. قلت: قد ذكر الأمير هذه الأمور الستة في شرح حديث أبي هريرة في الغيبة في باب الترهيب من مساوي الأخلاق "قال أحمد" الظاهر أن أحمد هذا هو ابن منيع المذكور شيخ الترمذي وقيل

(7/205)


هذا حديثٌ غريبٌ ولَيْسَ إِسْنَادُه بِمُتّصِلٍ. وَخَالِدُ بنُ مَعْدَانَ لم يُدْرِكْ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ. وَرُوِيَ عن خَالِدِ بنِ مَعْدَانَ أَنّهُ أَدْرَكَ سَبْعِينَ مِنْ أَصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم
__________
المراد به الإمام أحمد بن حنبل "قالوا" أي العلماء في تفسيرقوله بذنب.
قوله : "هذا حديث حسن غريب" هذا الحديث منقطع، ومع انقطاعه قد حسنه الترمذي فلعل تحسينه لمجيئه من وجه آخر أو لشاهد له فلا يضره انقطاعه.

(7/206)


18-باب
2621-حدثنا عُمَرُ بنُ إِسْمَاعِيلَ بنِ مُجَالِدِ بنِ سَعِيدٍ الهُمَدَانِيّ، أَخْبَرنَا حَفْص بنُ غِيَاثٍ و حدثنا سَلَمَةُ بنُ شَبِيبٍ، أخبرنا أُمَيَةُ بنُ الْقَاسِمِ الحذاء البصري قال: أخبرنا حَفْصُ بنُ غِيَاثٍ عن بُرْدِ بنِ سِنَانٍ، عن مَكْحُولٍ عن وَاثِلَةَ بنِ الأَسْقَع قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا تُظْهِرْ الشّماتَةَ لأَخِيكَ فَيَرْحَمَهُ الله وَيَبْتَلِيِكَ" .
__________
"باب"
قوله: "أخبرنا أمية بن القاسم" قال الحافظ في التقريب: القاسم بن أمية الحذاء، بالمهملة والذال المعجمة الثقيلة، بصري صدوق من كبار العاشرة ضعفه ابن حبان بلا مستند. ووقع في بعض نسخ الترمذي أمية بن القاسم وهو خطأ انتهى وقال في الأطراف: هكذا وقع في مسنده أي الترمذي في جميع الروايات أمية بن القاسم، وهو خطأ منه أو من شيخه، والصواب القاسم بن أمية الحذاء العبدي "عن وائلة بن الأسقع" بالقاف ابن كعب الليثي، صحابي مشهور، نزل الشام وعاش إلى سنة خمس وثمانين وله مائة وخمس سنين.
قوله : "لا تظهر الشماتة لأخيك" الشماتة: الفرح ببلية من يعاديك أو من تعاديه "فيرحمه الله" أي فإنك إن فعلت ذلك يرحمه الله رغماً لأنفك. قال

(7/206)


قالَ: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. ومكحولٌ قَدْ سَمِعَ مِنْ وَاثِلَةَ بنِ الأَسْقَعِ وَأَنَسِ بنِ مَالِكٍ وَأَبي هِنْدِ الدّارِيّ، ويُقَالُ إِنّهُ لم يَسْمَعْ مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم إِلاّ مِنْ هَؤُلاَءِ الثّلاَثَةِ. وَمكحولٌ الشّامِيّ يُكْنَى أَبَا عبدِ الله، وكَانَ عَبْداً فَأُعْتِقَ. ومكحولٌ الأَزَدِيّ بَصْرِيّ سَمِعَ مِنْ عبدِ الله بنِ عَمْرٍو وَيَرْوِي عَنْهُ عُمَارَةُ بنُ زَاذَانَ.
__________
القاري: فيرحمه الله بالنصب على جواب النهي. وفي نسخة: أي من المشكاة بالرفع وهو الملائم لمراعاة السجع في عطفقوله ويبتليك "ويبتليك" حيث ذكيت نفسك ورفعت منزلتك عليه.
قوله : "هذا حديث غريب" قال الحافظ في تهذيب التهذيب، في ترجمة القاسم بن أمية: وذكره ابن حبان في الضعفاء، وقال يروي عن حفص بن غياث المناكير الكثيرة ثم ساق له هذا الحديث يعني حديث لا تظهر الشماتة وقال لا أصل له من كلام النبي صلى الله عليه وسلم كذا قال، وشهادة أبي زرعة وأبي حاتم له أنه صدوق أولى من تضعيف ابن حبان له انتهى.
قوله : "ومكحول قد سمع من واثلة بن الاسقع الخ" أي مكحول المذكور في الإسناد، وهو أبو عبد الله الشامي، قد سمع من واثلة بن الأسقع الخ "ومكحول الشامي يكنى أبا عبد الله" هذه العبارة بظاهرها توهم أن مكحولا الشامي غير مكحول المذكور وليس كذلك، بل مكحول المذكور هو الشامي المكنى بأبي عبد الله فكان للترمذي أن يقول وهو مكحول الشامي ويكنى أبا عبد الله "ومكحول الأزدي بصري" مكحول الأزدي هذا غير مكحول الشامي المذكور ذكر ههنا ليتميز ذا عن هذا. قال في التقريب: مكحول الأزدي البصري أبو عبد الله صدوق من الرابعة "سمع من عبد الله بن عمرو" كذا في النسخ الحاضرة بالواو والمذكور في تهذيب التهذيب والخلاصة: أنه روى عن ابن عمر بغير الواو.

(7/207)


2622-حدثنا عَلِيّ بنُ حُجْرٍ، أخبرنا إِسْماعيلُ بنُ عَيّاشٍ عن تَمِيمٍ عن ابنِ عَطِيّةّ قال: كَثِيراً ما كُنْتُ أَسْمَعَ مكحولاً يُسْأَلُ فَيَقولُ: ندانم.
__________
قوله : "عن تميم بن عطية" كذا في بعض النسخ ووقع في النسخة الأحمدية عن تميم عن عطية بلفظ عن مكان بن وهو غلط. قال في التقريب: تميم بن عطية العنسي الشامي صدوق يهم من السابعة. وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته: روى عن مكحول وفضالة بن دينار وعمير بن هانئ وغيرهم وعنه إسماعيل بن عياش وغيره. روى له الترمذي أثراً موقوفاً عليه انتهى. قلت: هو هذا الأثر "قال كثيراً ما كنت أسمع مكحولا يسأل" بصيغة المجهول أي يسأله الناس عن مسائل "فيقول ندانم" أي لا أدري وهذه الكلمة فارسية وكان مكحول أعجمياً: ويقال كان اسم أبيه سهراب. وقال ابن سعد: قال بعض أهل العلم كان مكحول من أهل كابل كذا في تهذيب التهذيب.

(7/208)


19-باب
2623-حدثنا هَنّادٌ، أخبرنا وَكِيعٌ عن سُفْيَانَ عن عَليّ بنِ الأقْمَرِ عن أَبي حُذَيْفَةَ، عن عائشةَ قالت: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: " ما أُحِبّ أَنّي حَكَيْتُ أَحَداً وإنّ لِي كذا وكذا"
__________
"باب"
قوله: "عن علي بن الأقمر" بن عمرو الهمداني الوادعي بكسر الدال المهملة وبالعين المهملة، كتبته أبو الوازع، كوفي ثقة من الرابعة "عن أبي حذيفة" اسمه سلمة بن صهيب، ويقال ابن صهيبة، ويقال غير ذلك، الأرحبي بحاء مهملة ثقة من الثالثة.
قوله : "ما أحب أني حكيت أحداً" أي فعلت مثل فعله، يقال حكاه وحاكاه وأكثر ما يستعمل في القبيح المحاكاة كذا في النهاية "وأن لي كذا وكذا" قال الطيبي: جملة حالية واردة عن التتميم والمبالغة أي ما أحب أن أحاكي أحداً

(7/208)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
2624-حدثنا محمّدُ بنُ بَشَارٍ، أخبرنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ و عبدُ الرحمَنِ قالا أخبرنا سُفْيَانُ عن عَليّ بنِ الأَقْمَرِ عن أَبي حُذَيْفَةَ، وكَانَ مِنْ أَصْحَابِ عبدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ، عن عائشةَ قالت: حَكَيْتُ للنّبيّ صلى الله عليه وسلم رجُلاً فقال: "ما يَسُرّنِي أَنّي حَكَيْتُ رَجُلاً وإنّ لِي كذا وكذا. قالت فقلت: يا رسول الله، إِنّ صَفِيّةَ امْرَأَةُ وقالَتْ بِيَدِهَا هَكَذَا كأنها تَعْنِي قَصِيرَةً، فقال: لَقَدْ مَزَجْتِ بِكَلِمَةٍ لَوْ مُزِجَ بِهَا مَاءُ البَحْرِ لَمُزِجَ" .
__________
ولو أعطيت كذا وكذا من الدنيا. قال القاري: وفيه أن الأصول المعتمدة على فتح أن، والظاهر أنه معطوف على ما سبق منقوله أني، والمعنى أني ما أحب الجمع بين المحاكاة وحصول كذا وكذا من الدنيا وما فيها بسبب المحاكاة فإنها امر مذموم. قال النووي: ومن الغيبة المحرمة المحاكاة بأن يمشي متعارجاً أو مطأطئ رأسه أو غير ذلك من الهيآت.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أبو داود ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره.
قوله : "أخبرنا يحيى بن سعيد" هو القطان "وعبد الرحمن" هو ابن مهدي.
قوله : "وقالت بيدها" أي أشارت بها "تعني قصيرة" أي تريد عائشة كونها قصيرة وفي المشكاة قلت للنبي صلى الله عليه وسلم حسبك من صفية كذا وكذا تعني قصيرة "لقد مزجت بكلمة" أي أعمالك "لو مزج" بصيغة المجهول أي لو خلط "بها أي" على تقدير تجميدها وكونها مائعة "المزج" بصيغة المجهول أيضاً والمعنى تغير وصار مغلوباً: وفي المشكاة: لقد قلت كلمة لو مزج بها البحر لمزجته. قال القاري: أي غلبته وغيرته. قال القاضي: المزج الخلط والتعبير بضم غيره إليه. والمعنى أن هذه الغيبة لو كانت مما يمزج بالبحر لغيرته عن حاله، مع كثرته وغزارته، فكيف بأعمال نزرة خلطت بها.

(7/209)


20- باب
2625-حدثنا أَبُو مُوسَى محمّدُ بنُ المُثَنّى، حدثنا ابنُ أَبي عَدِيٍ عن شُعْبَةَ عن سُلَيْمَانَ الأَعْمَشِ عن يَحْيَى بنِ وَثّابٍ عن شَيْخٍ مِنْ أَصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم ارَاهُ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "إِنّ المُسْلِمَ إِذَا كَاَنَ يُخَالِطُ النّاسَ وَيَصْبُر عَلَى أَذَاهُمْ خَيْرٌ مِنَ المُسْلِمِ الّذِي لا يُخَالِطُ النّاسَ ولا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ" .
قال ابنُ أَبي عَدِيٍ: كان شُعْبَةُ يَرَى أَنّهُ ابنُ عُمَرَ.
2626-حدثنا أَبُو يَحْيَى مُحمّدُ بنُ عبدِ الرّحِيمِ البَغْدَادِيّ، أَخْبَرنَا
__________
"باب"
قوله: "أراه" بضم الهمزة، أي أظنه، وهو قول يحيى بن وثاب "عن النبي صلى الله عليه وسلم" أي روى عن النبي صلى الله عليه وسلم "يخالط الناس" أي يساكنهم ويقيم فيهم "ويصير على أذاهم" أي على ما يصل إليه منهم من الأذى. والحديث دليل لمن قال إن الخلطة أفضل من العزلة "كان شعبة يرى" أي يعتقد "أنه ابن عمر" الضمير يرجع إلى شيخ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والأمر كما رأى شعبة. فروى ابن ماجه بإسناد حسن عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على كذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصير على أذاهم" . كذا في بلوغ المرام: قال الحافظ بعد ذكر هذا الحديث: وهو عند الترمذي إلا أنه لم يسم الصحابي. قال في السبل: في الحديث أفضلية من يخالط الناس مخالطة بأمرهم فيها بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحسن معاملتهم، فإنه أفضل من الذي يعتزلهم ولا يصير على المخالطة والأحوال تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمان ولكل حال مقال. ومن رجح العزلة فله على فضلها أدلة وقد استوفاها الغزالي في الإحياء وغيره.
قوله : "حدثنا أبو يحيى محمد بن عبد الرحيم البغدادي" البزاز المعروف

(7/210)


مُعَلّى بنُ مَنْصُورٍ، أخبرنا عبدُ الله بنُ جَعْفَرٍ المَخْرمِيّ، هُوَ مِنْط وَلدِ المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ، عن عُثْمَانَ بنِ محمّدٍ الأَخْنَسّي عن سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيّ عن أَبي هُرَيْرَةَ أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "إِيّاكُمْ وَسُوءَ ذَاتِ الْبَيْنِ فَإِنَهَا الْحَالِقَةُ" .
هذا حديثٌ صحيحٌ غريبٌ من هذا الْوَجْه. ومعنى قوله: وَسُوءُ ذَاتِ الْبَيْنِ إِنَمّا يَعْنِي "بِهِ" الْعَدَاوَةَ وَالبَغْضاءَ. وَقَوْلُهُ الْحَالِقَةُ يقول: أَنّهَا تَحْلِقُ الدّينَ.
2627-حدثنا هَنّادٌ، حدثنا أَبو مُعَاوِيَةَ عن الأَعْمَشِ، عن عَمْرِو بنِ مُرّةَ عن سَالِم بن أَبي الْجَعْدِ عن أُمّ الدّرْدَاءِ عن أبي الدرداء قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصّيَامِ وَالصّلاَةِ وَالصّدَقَةِ؟ قَالُوا: بَلَى. قال: صَلاَحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، فَإِنَ فَسَادَ ذَاتِ
__________
بصاعقة، ثقة حافظ من الحادية عشرة "أخبرنا عبد الله بن جعفر المخرمي" بسكون المعجمة وفتح الراء الحقيقة أبو محمد المدني ليس به بأس من الثامنة "هو من ولد المسور بن مخرمة" بضم الواو وسكون اللام أي من أولاده، والمسور بكسر الميم وسكون السين وفتح الواو له ولأبيه صحبة "عن عثمان بن محمد" بن المغيرة بن الأخنس الثقفي "الأخنسي" حجازي صدوق له أوهام من السادسة.
قوله : "إياكم وسوء ذات البين" أي اتقوا منه، والمرا، بسوء ذات البين العداوة والبغضاء كما فسر به الترمذي. وقال المناوي: إياكم وسوء ذات البين، أي التسبب في المخاصمة والمشاجرة بين اثنين أو قبيلتين بحيث يحصل بينهما فرقة أو فساد "فإنها" أي الفعلة أو الخصلة المذكورة "الحالقة" أي تحلق الدين.
قوله : "ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة" قال الأشرف: المراد بهذه المذكورات النوافل دون الفرائض. قال القاري: والله أعلم بالمراد إذ قد يتصور أن يكون الإصلاح في فساد يتفرع عليه سفك الدماء ونهب الأموال وهتك الحرم أفضل من فرائض هذه العبادات القاصرة مع إمكان قضائها على

(7/211)


الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ" .
هذا حديثٌ صحيحٌ. ويُرْوَى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أَنّهُ قَالَ: "هِيَ الْحَالِقَةُ لا أَقُولُ تَحْلِقُ الشّعْرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدينَ" .
2628-حدثنا سُفْيَانُ بنُ وَكِيعٍ، حدثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِيٍ عن حَرْبِ بنِ شَدّادٍ عن يَحْيَى بنِ أَبي كَثيرٍ عن يَعِيشَ بنِ الْوَلِيدِ أَنّ مَوْلَى الزّبَيْرِ حَدّثَهُ أَنّ الزّبَيْرَ بنَ الْعَوَامِ حَدّثَهُ أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم
__________
فرض تركها فهي من حقوق الله التي هي أهون عنده سبحانه من حقوق العباد فإذا كان كذلك فيصبح أن يقال هذا الجنس من العمل أفضل من هذا الجنس لكون بعض أفراده أفضل كالبشر خير من الملك، والرجل خير من المرأة "قال صلاح ذات البين" وفي رواية أبي داود إصلاح ذات البين. قال الطيبي: أي أحوال بينكم يعني ما بينكم من الأحوال ألفة ومحبة واتفاق كقوله تعالى: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} وهي مضمراتها. ولما كانت الأحوال ملابسة للبين قيل لها ذات البين كقولهم: اسقني ذا إناءك يريدون ما في الإناء من الشراب كذا في الكشاف فيقوله تعالى: {وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} "فإن فساد ذات البين هي الحالقة" قال في النهاية: الحالقة الخصلة التي من شأنها أن تحلق أي تهلك وتستأصل الدين كما يستأصل الموسى الشعر، وقيل هي قطيعة الرحم والتظالم. قال الطيبي: فيه حث وترغيب في إصلاح ذات البين واجتناب عن الإفساد فيها، لأن الإصلاح سبب للاعتصام بحبل الله وعدم التفرق بين المسلمين، وفساد ذات البين ثلمة في الدين، فمن تعاطى إصلاحها ورفع فسادها نال درجة فوق ما يناله الصائم القائم المشتغل بخويصة نفسه. فعلى هذا ينبغي أن يحمل الصلاة والصيام على الإطلاق، والحالقة على ما يحتاج إليه أمر الدين انتهى.
قوله : "هذا حديث صحيح" وأخرجه أحمد وأبو داود وابن حبان في صحيحه وفي الباب أحاديث أخرى ذكرها المنذري في الترغيب في باب الإصلاح بين الناس.
قوله : "أن الزبير بن العوام" بن خويلد بن أسد أبا عبد الله القرشي الأسدي، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة قتل سنة ست وثلاثين بعد منصرفه من وقعة الجمل.

(7/212)


قالَ: "دَبّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ: الْحَسَدُ وَالبَغْضَاءُ هِيَ الْحَالِقَةُ، لا أَقُولُ تَحْلِقُ الشّعْرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدّينَ، وَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تَدْخُلُوا الْجَنّةَ حَتّى تُؤْمِنُوا، ولا تُؤْمِنُوا حَتّفى تَحَابّوا، أَفَلاَ أُنْبّئُكُمْ بِمَا يُثَبّتُ ذَلِكَ لَكمْ: أَفْشُوا السّلاَمَ بَيْنَكُمْ" .
__________
قوله: "دب إليكم" بفتح الدال المهملة وتشديد الموحدة، أي سرى ومشى بخفية "الحسد" أي في الباطن "والبغضاء" أي العداوة في الظاهر ورفعهما على أنهما بيان للداء أو بدل وسميا داء لأنهما داء القلب "وهي" أي البغضاء وهو أقرب مبنى ومعنى أو كل واحدة منهما "لا أقول تحلق الشعر" أي تقطع ظاهر البدن فإنه أمر سهل "ولكن تحلق الدين" وضرره عظيم في الدنيا والاَخرة. قال الطيبي: أي البغضاء تذهب بالدين كالموسى تذهب بالشعر وضمير المؤنث راجع إلى البغضاء كقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا} وقوله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ} ولأن البغضاء أكثر تأثيراً في ثلمة الدين وإن كانت نتيجة الحسد "لا تدخلوا الجنة" كذا في النسخ الحاضرة يحذف النون، ولعل الوجه أن النهي قد يراد به النفي كعكسه المشهور عند أهل العلم قاله القاري "ولا تؤمنوا" أي إيماناً كاملا "حتى تحابوا" بحذف أحدى التائين الفوقيتين وتشديد الموحدة، أي يحب بعضكم بعضاً "أفلا أنبئكم بما يثبت" من التثبيت "ذلك" أي التحليب "أفشوا السلام بينكم" أي أعلنوه وعموا به من عرفتموه وغيره، فإنه يزيل الضغائن ويورث التحابب. والحديث في سنده مولى للزبير وهو مجهول، وأخرجه أحمد. قال المنذري: رواه البزار بإسناد جيد والبيهقي وغيرهما.

(7/213)


21- باب
2629-حدثنا عَلِيّ بنُ حُجْرٍ، أخبرنا إِسْمَاعِيلُ بنُ إِبْرَاهِيمَ عن عُيَيْنَةَ
__________
"باب"
قوله: "أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم" هو المعروف بابن علية "عن عيينة"

(7/213)


بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أَبِيهِ، عن أَبي بَكْرَةَ قال: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجّلَ الله لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ في الدّنْيَا مَعَ مَا يَدّخِرُ لَهُ في الاَخِرَةِ مِنَ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرّحِمِ" .
قالَ: هذا حديثٌ صحيحٌ.
2630-حدثنا سُوَيْدُ بنُ نصر، أَخْبَرنَا عبدُ الله بن المبارك عن المُثَنّى بنِ الصَبّاحِ، عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن جَدّهِ عبدِ الله بنِ عَمْرٍو قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: "خَصْلَتَانِ مَنْ كَانَتَا فِيهِ كَتَبَهُ الله شَاكِراً صَابِراً، وَمَنْ لَمْ تَكُونَا فِيهِ لَمْ يَكتُبْهُ الله شَاكِراً وَلاَ صَابِراً: مَنْ نَظَرَ في دِينِهِ
__________
بتحتانيتين مصغراً "من عبد الرحمن" بن جوشن بجيم ومعجمة مفتوحتين بينهما واو ساكنة الغطفاني بفتح المعجمة والمهملة ثم فاء صدوق من ا لسابعة "عن أبيه" هو عبد الرحمن بن جوشن بصري ثقة من الثالثة.
قوله : "ما من ذنب" ما نافية ومن زائدة للاستغراق "أجدر" أي أحرى "أن يعجل الله" صلة أجدر على تقدير الياء أي بتعجيله سبحانه "لصاحبه" أي لمرتكب الذنب "العقوبة" مفعول يعجل "مع ما يدخر" بتشديد الدال المهملة وكسر الحاء المعجمة أي مع ما يؤجل من العقوبة "له" أي لصاحب الذنب "من البغي" أي من بغي الباغي وهو الظلم أو الخروج على السلطان أو الكبرى ومن تفضيلية "وقطيعة الرحم" أي ومن قطع صلة ذوي الأرحام.
قوله: "هذا حديث صحيح" وأخرجه أبو داود وابن ماجه وابن حبان والحاكم وقال صحيح الإسناد.
قوله : "عن المثنى بن الصباح" بالمهملة والموحدة الثقيلة اليماني الأبناوي كنيته أبو عبد الله أو أبو يحيى نزيل مكة ضعيف اختلط بآخره، وكان عابداً من كبار السابعة.
قوله : "من نظر في دينه" أي خصلة من نظر في أمر دينه من الأعمال

(7/214)


إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ فَاقْتَدَى بِهِ، وَمَنْ نَظَرَ في دُنْيَاهُ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ فَحَمِدَ الله عَلَى مَا فَضّلَهُ بِهِ عَلَيْهِ، كَتَبَهُ الله شَاكِراً وَصَابِراً، وَمَنْ نَظَرَ في دِينِهِ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ وَنَظَرَ في دُنيَاهُ إِلَى مَنْ هُوَ فوقه فَأَسِفَ عَلَى مَا فَاتَهُ مِنْهُ لمْ يَكْتُبْهُ الله شَاكراً ولا صَابِراً" .
2631-حدثنا مُوسَى بنُ حِزَامٍ الرجل الصالح، أخبرنا عَلِيّ بنُ إِسْحَاقَ، أخبرنا عبدُ الله بن المبارك، أخبرنا المُثَنّى بنُ الصّبّاحِ عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أَبِيهِ عن جَدّهِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ.
__________
الصالحة "إلى من هو فوقه" أي إلى من هو أكثر منه علماً وعبادة وقناعة ورياضة أحياء وأمواتاً "ومن نظر في دنياه" أي وخصلة من نظر في أمر دنياه وهذه الخصلة هي الثانية "إلى من هو دونه" أي إلى من هو أفقر منه وأقل منه مالا وجاهاً "كتبه الله شاكراً" أي للخصلة الثانية "صابراً" أي للخصلة السابقة ففيه لف ونشر مشوش اعتماداً على فهم ذوي العقول. ولما كان المفهوم قد يعتبر وقد لا يعتبر ومع اعتباره المنطوق أقوى أيضاً صرح بما علم ضمناً حيث قال "ومن نظر في دينه إلى من هو دونه" أي في الأعمال الصالحة وأنتجه الغرور والعجب والخيلاء "ونظر في دنياه إلى من هو فوقه" أي من أصحاب المال والجاه وأورثه الحرص والأمل والرياء "فأسف" بكسر السين أي حزن "على ما فاته منه" أي من المال وغيره بعدم وجوده أو بحصول فقده وقد قال تعالى: {لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} "لم يكتبه الله شاكراً ولا صابراً" لعدم صدور واحد منه بل قام بضديهما من الكفران والجزع والفزع باللسان والجنان.
قوله : "حدثنا موسى بن حزام" بزاي الترمذي أبو عمران نزيل بلخ ثقة فقيه عابد من الحادية عشرة "أخبرنا علي بن إسحاق" السلمي مولاهم المروزي أصله من ترمذ. ثقة من العاشرة.

(7/215)


قالَ: هذا حديثٌٌ غريبٌ ولم يَذْكُرْ سُوَيْدٌ بن نصر في حَدِيثِهِ عن أَبِيهِ.
2632-حدثنا أبو كريب، أخبرنا أبو معاوية ووكيع عن الأعمش عن أَبي صالحٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ ولا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَإِنّهُ أَجْدَرُ أَنْ لا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ" .
هذا حديثٌ صحيحٌ.
__________
قوله : "هذا حديث غريب" في سنده المثنى بن الصباح، وهو ضعيف كما عرفت.
قوله : "انظروا إلى من هو أسفل منكم" أي في أمور الدنيا "ولا تنظرو إلى من هو فوقكم" فيها "فإنه" أي فالنظر إلى من هو أسفل لا إلى من هو فوق "أجدر" أي أحرى "أن لا تزدروا" أي بأن لا تحتقروا. والازدراء الاحتقار فكان أصله الازتراء فأبدلت التاء بالدال "نعمة الله عليكم" فإن المرء إذا نظر إلى من فضل عليه في الدنيا استصغر ما عنده من نعم الله فكان سبباً لمقته، وإذا نظر للدون شكر النعمة وتواضع وحمد. فينبغي للعبد أن لا ينظر إلى تجمل أهل الدنيا فإنه يحرك داعية الرغبة فيها ومصداقه: {وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} .
قوله : "هذا حديث صحيح" وأخرجه أحمد ومسلم وابن ماجه.

(7/216)


22-باب
2633-حدثنا بِشْرُ بنُ هِلاَلِ الْبَصْرِيّ حدثنا جَعْفَرُ بنُ سُلَيْمَانَ عَنْ سعيد الْجُريْرِيّ قال ح، وحدثنا هَارُونُ بنُ عَبْدِ الله الْبَزازُ، حدثنا سَيّارٌ، حدثنا جَعْفَرُ بنُ سُلَيْمَانَ عن سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيّ وَالمَعْنَى وَاحِدٌ عن أَبي عُثْمَانَ عن حَنْظَلَةَ الأَسَيْدِيّ وَكَانَ مِنْ كُتّاب رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أَنّهُ مَرّ بأَبي بَكْرٍ
__________
"باب"
قوله: "عن حنظلة الأسيدي" قال النووي: ضبطوه بوجهين أصحهما وأشهرهما

(7/216)


وَهُوَ يَبْكى: فَقَالَ مَالَكَ يَا حَنْظَلَةُ؟ قَالَ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا أَبَا بَكْرٍ،، نَكُونَ عِنْدَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، يُذَكّرُنَا بالنّارِ وَالْجَنّةِ كأَنّا رَأْىَ عَيْنٍ، فَإِذَا رَجَعْنَا عافَسْنَا اْلأَزْوَاجَ والضّيْعَةَ وَنَسِينَا كَثِيراً قال فَوَالله إنا لكَذَلِكَ انْطَلِقْ بِنَا إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَانْطَلَقْنَا فَلَمّا رَآهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَالَكَ يَا حَنْظَلةُ؟" قَالَ نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسولَ الله،
__________
ضم الهمزة وفتح السين وكسر الياء المشددة والثاني كذلك إلا أنه بإمكان الياء ولم يذكر القاضي إلا هذا. والثاني وهو منسوب إلى بني أسيد بطن من بني تميم "وكان من كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" بضم الكاف وتشديد الفوقية جمع كاتب وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب يكتبون له الوحي وغيره قال ابن الجوزي في التلقيح تسمية من كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأبي بن كعب وهو أول من كتب له وزيد بن ثابت الأنصاري ومعارية بن أبي سفيان وحنظلة بن الربيع الأسيدي وخالد بن سعيد بن العاص وأبان بن سعيد والعلاء بن الحضرمي رضي الله عنهم وكان المداوم له على الكتابة له زيد ومعاوية، وكان يكتب له رجل فافتتن وتنصر انتهى "يذكرنا" بالتشديد أي يعظنا "بالنار" أي بعذابها تارة "والجنة" أي بنعيمها أخرى ترهيباً وترغيباً، أو يذكرنا الله بذكرهما أو بقربهما "كأنا رأى عين" قال القاضي: ضبطناه رأى عين بالرفع أي كأنا بحال من يراهما بعينه، قال ويصح النصب على المصدر أي نراهما رأي عين "عافسناه الأزواج" بالفاء والسين المهملة قال الهراوي وغيره معناه حاولنا ذلك ومارسناه واشتغلنا به، أي عالجنا معايشنا وحظوظنا "والضيعة" بالضاد المعجمة وهي معاش الرجل من مال أو حرفة أو صناعة "قال نافق حنظلة" معناه أنه خاف أنه منافق حيث كان يحصل له الخوف في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم، ويظهر عليه ذلك مع المراقبة والفكر والإقبال على الاَخرة، فإذا خرج اشتغل لازوجة والأولاد ومعاش الدنيا، وأصل النفاق إظهار ما يكتم خلافه من الشر فخاف أن يكون ذلك نفاقاً فأعلمهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه ليس بنفاق

(7/217)


نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكّرُنَا بِالنّارِ وَالْجَنّةِ حَتّى كَأَنّا رَأْىَ عَيْن: فَإِذَا رَجَعْنَا عافسَنَا الأَزوَاجَ وَالضّيْعَةَ وَنَسِينَا كَثِيراً، قال: فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَوْ تَدُومُونَ عَلَى الْحَالِ الّذي تَقُومُونَ بهَا مِنْ عِنْدِي لَصَافَحَتْكُمْ المَلائِكَةُ في مَجَالِسِكُمْ وَعَلَى فُرُشِكُمْ وَفي طُرْقكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةَ سَاعَة وَسَاعَة" .
هذا حديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
2634-حدثنا سُوَيْدُ بن نصر، أخبرنا عَبْدُ الله بن المبارك عن شُعْبَةَ، عن قَتَادَةَ عن أَنَسٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "لاَ يُؤْمِنْ أَحَدُكُمْ حَتّى يُحِبّ لأِخِيهِ مَا يُحِبّ لِنَفْسِهِ" .
__________
وأنهم لا يكلفون الدوام على ذلك بل ساعة ساعة، أي ساعة كذا وساعة كذا "ونسينا كثيراً" قال الطيبي رحمه الله: أي كثير مما ذكرتنا به أو نسياناً كثيراً كأنا ما سمعنا منك شيئاً قط، وهذا أنسب بقوله رأى عين "لو تدومون" أي في حال غيبتكم مني "على الحال التي تقومون بها من عندي" أي من صفاء القلب والخوف من الله تعالى لصافحتكم الملائكة قيل أي علانية وإلا فكون الملائكة يصافحون أهل الذكر حاصل. وقال ابن حجر: أي عياناً في سائر الأحوال "في مجالسكم وعلى فرشكم وفي طرقكم" قال الطيبي: المراد الدوام "ولكن يا حنظلة ساعة وساعة" أي ساعة كذا وساعة كذا يعني لا يكون الرجل منافقاً بأن يكون في وقت على الجضور وفي وقت على الفتور، ففي ساعة الحضور تؤدون حقوق ربكم، وفي ساعة الفتور تقضون حظوظ أنفسكم.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم.
قوله : "لا يؤمن أحدكم" أي إيماناً كاملاً "حتى يحب لأخيه" أي المسلم "ما يحب لنفسه" أي مثل جميع ما يحبه لنفسه. قال النووي: قال العلماء: معناه لا يؤمن الإيمان التام، وإلا فأصل الإيمان يحصل إن لم يكن بهذه الصفة والمراد يحب لأخيه من الطاعات والأشياء المباحات، ويدل عليه ما جاء في رواية النسائي

(7/218)


قالَ: هذا حديث صحيحٌ.
2635-حدثنا أَحْمَدُ بنُ محمدِ بنِ مُوسَى، أخبرنا عَبْدُ الله بنُ المُبَارَكِ، أخبرنا لَيْثُ بنُ سَعْدٍ وَابْنُ لَهِيعَةَ عن قَيْس بنِ الْحَجَاجِ، قالَ ح وحدثنا عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ، أخبرنا أبُو الْوَلِيدِ، أخبرنا لَيْثُ بنُ سَعْدٍ حدثني قَيْسُ بنُ الْحَجّاجِ، المَعْنَى وَاحِدٌ، عن حَنَشٍ الصّنْعَانِيّ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: "كُنْتُ خَلْفَ النبيّ صلى الله عليه وسلم يَوْماً، فَقَالَ: يَا غُلاَمُ، إِنّي أُعَلّمُكَ كِلمَاتٍ: إِحْفَظِ الله يَحْفَظْكَ، إِحْفَظِ الله تجِدْهُ تجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ
__________
في هذا الحديث حتى يحب لأخيه من الخير ما يحب لنفسه. قال الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح رحمه الله: وهذا قد يعد من الصعب الممتنع وليس كذلك، إذ معناه لا يكمل إيمان أحدكم حتى يحب لأخيه في الإسلام مثل ما يحب لنفسه. والقيام بذلك يحصل بأن يحب له حصول مثل ذلك من جهة لا يزاحمه فيها، بحيث لا تنقص النعمة على أخيه شيئاً من النعمة عليه، وذلك سهل على القلب السليم، وإنما يعسر على القلب الدغل عافانا الله وإخواننا أجمعين والله أعلم.
قوله : "هذا حديث صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله : "قال حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن" هو الدارمي "أخبرنا أبو الوليد" هو الطيالسي اسمه هشام بن عبد الملك "عن حنش" بفتح الحاء المهملة والنون الخفيفة بعدها معجمة. قال في التقريب: حنش بن عبد الله ويقال ابن علي بن عمرو السبتي، بفتح المهملة والموحدة بعدها همزة، أبو رشدين الصنعاني، نزيل افريقية ثقة من الثالثة.
قوله : "كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوماً" أي رديفه "يا غلام" قال القاري: بالرفع كذا في الأصول المعتمدة والنسخ المتعددة يعني من المشكاة والظاهر كسر الميم بناء على أن أصله يا غلامي بفتح الياء وسكونهما، ثم بعد حذفها تخفيفاً اكتفى بكسر ما قبلها "احفظ الله" أي في أمره ونهيه "يحفظك" أي

(7/219)


الله وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بالله، وَاعْلَمْ أَنّ الأُمّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ الله لَكَ، وإن اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرّوكَ إِلاّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ الله عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَفْلاَمُ وَجَفّتِ الصّحُف" .
قال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
2636-حدثنا أَبُو حَفْصٍ عَمْرُو بنُ عَلِيٍ، حدثنَا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ الْقَطّانُ، أخْبَرَنَا المُغِيرَةُ بنُ أَبي قُرّةَ السّدُوسيّ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ "قال رَجُلٌ: يَا رَسولَ الله: أَعْقِلُهَا وَأَتَوَكّلُ أَوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكّلُ؟
__________
يحفظك في الدنيا من الاَفات والمكروهات، وفي العقبى من أنواع العقاب والدركات "احفظ الله تجده تجاهك" قال الطيبي: أي راع حق الله وتحر رضاه تجده تجاهك أي مقابلك وحذائك والتاء بدل من الواو كما في تقاة وتخمة، أي احفظ حق الله تعالى حتى يحفظك الله من مكاره الدنيا والاَخرة "إذا سألت" أي أردت السؤال "فاسأل الله" أي وحده لأن غيره قادر على الإعطاء والمنع ودفع الضرر وجلب النفع "وإذا استعنت" أي أردت الاستعانة في الطاعة وغيرها من أمور الدنيا والاَخرة "فاستعن بالله" فإنه المستعان وعليه التكلان "رفعت الأفلام وجفت الصحف" أي كتب في اللوح المحفوظ ما كتب من التقديرات ولا يكتب بعد الفراغ منه شيء آخر، فعبر عن سبق القضاء والقدر برفع القلم وجفاف الصحيفة تشبيهاً بفراغ الكاتب في الشاهد من كتابته.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد.
قوله: "حدثنا المغيرة بن أبي قرة السدوسي" قال في التقريب: مستورة من الخامسة، قال في تهذيب التهذيب: وثقة ابن حبان.
قوله : "أعقلها" بصيغة المتكلم وحرف الاستفهام محذوف قال في القاموس: عقل البعير شد وظيفه إلى ذراعه كعقله واعتقله انتهى "وأتوكل" أي على الله بعد العقل "أو أطلقها" أي أرسها "وأتوكل" أي على الله بعد الإرسال

(7/220)


قَالَ اعقِلْهَا وَتَوَكَلْ" قَال عَمْرُو بنُ عَلِيٍ، قال يَحْيَى وهَذَا عِنْدِي حَدِيثٌ مُنْكَرٌ.
وَهذا حديثٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِطيثِ أَنَسٍ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بِنْ أُمَيّةَ الضّمْرِيّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْو هَذَا.
2637-حدثنا أَبُو مُوسَى الأَنْصَارِيّ، حدثنا عَبْدُ الله بنُ إِدْرِيسَ، حدثنَا شُعْبَةُ عن بُرَيْدِ بنِ أَبي مَرْيَمَ عن أَبي الْحَوْرَاءِ السّعْدِيّ قال: قُلْتُ لِلْحَسَنِ بنِ عَلِيٍ مَا حَفِظْتَ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم "دَعْ مَا يَرِيُبكَ إِلَى مَالا يَرِيبُكَ، فَإِنّ الصّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ وَإِنّ الكِذْبَ رِيبَةٌ" وَفي الْحَدِيثِ قِصّةٌ،
__________
"قال اعقلها" قال المناوي: أي شد ركبة ناقتك مع ذراعيها بحبل "وتوكل" أي اعتمد على الله، وذلك لأن عقلها لا ينافي التوكل.
قوله : "قال يحيى" هو ابن سعيد القطان "وهذا عندي حديث منكر" لعل كونه منكراً عنده لأجل المغيرة بن أبي قرة قال ابن القطان لا يعرف حاله، وقال غيره كان كاتب يزيد بن المهلب وفتح معه حرجان في أيام سليمان بن عبد الملك، كذا في تهذيب التهذيب "وقد روى عن عمرو بن أميه الضمري" صحابي مشهور.
قوله : "حدثنا أبو موسى الأنصاري" الظاهر أنه هو إسحاق بن موسى الأنصاري.
قوله : "دع" أي اترك "ما يريبك" بفتح الياء وضمها، والفتح أشهر، والريب الشك وقيل هو الشك مع التهمة "إلى ما لا يريبك" قال التوربشتي: أي اترك ما اعترض لك من الشك فيه منقلباً عنه إلى مالا شك فيه، يقال دع ذلك إلى ذلك استبدله به انتهى. والمعنى اترك ما تشك فيه من الأقوال والأعمال أنه منهي عنه أولا أو سنة بدعة واعدل إلى مالا تشك فيه منهما والمقصود أن يبني المكلف أمره على اليقين البحث والتحقيق الصرف ويكون على بصيرة في دينه "فإن الصدق

(7/221)


قالَ: وَهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَأَبُو الْحوْرَاءِ السّعْدِيّ اسْمُهُ رَبِيعَةُ بنُ شَبْيَانَ.
2638-حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، أَخْبَرنَا محمدُ بنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرنَا شُعْبَةُ عن بُرَيْدٍ فَذَكر نَحْوَهُ.
2639-حدثنا زَيْدُ بنُ أَخْزَمَ الطائيّ الْبَصْرِيّ، حدثنا إِبْرَاهِيمُ بنُ أَبي الْوَزِيرِ، حدثنَا عَبْدُ الله بنُ جَعْفَرٍ المَخْرَمِيّ عن محمدِ بنِ عَبْدِ الرّحمنِ عن نُبَيْهٍ، عَنْ محمد بن المُنْكَدِرِ، عن جَابِرٍ قَالَ "ذُكِرَ رَجُلٌ عِنْدَ النبيّ صلى الله عليه وسلم بِعِبَادَةِ وَاجْتِهَادٍ، وَذُكِرَ آخَرُ بِرِعَةٍ فَقَال النبيّ صلى الله
__________
طمأنينة" بكسر همزة وسكون طاء وبعد ألف ونون مكسورة فتحتية فنون مفتوحة. وفي المشكاة طمأنينة أي إن الصدق يطمئن إليه القلب ويسكن "وإن الكذب ريبة" بكسر الراء، وحقيقتها قلق النفس واضطرابها، فإن كون الأمر مشكوكاً فيه مما يقلق له النفس وكونه صحيحاً صادقاً مما تطمئن له "وفي الحديث قصة" روى أحد هذا الحديث في مسنده مع القصة عن أبي الحوراء، قال قلت للحسن بن علي: ما تذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أذكر أني أخذت تمرة من تمر الصدقة فألقيتها في فمي، فانتزعها رسول الله صلى الله عليه وسلم بلعابها فالقاها في التمر، فقال له رجل: ما عليك أكل هذه التمرة؟ قال: "إنا لا نأكل الصدقة" قال وكان يقول: "دع ما يريبك إلى مالا يريبك، فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة" . قال وكان يعلمنا هذا الدعاء: "اللهم اهدني فيمن هديت" الحديث.
قوله : "هذا حديث صحيح" وأخرجه أحمد والنسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم "وأبو الحوراء" بفتح الحاء المهملة وسكون الواو وفتح الراء ممدوداً "واسمه ربيعة بن شيبان" البصري ثقة من الثالثة.
قوله : "عن محمد بن عبد الرحمن بن نبيه" بنون وموحدة مصغراً، مجهول من السابعة.
قوله : "بعبادة واجتهاد" أي في العبادة "برعة" بكسر الراء، أي بورع

(7/222)


عليه وسلم لا تَعْدِلُ بالرّعَةِ". هذا حديث غريب لا نَعْرِفُهُ إِلا من هذا الْوَجْهِ.
2640-حدثنا هَنّادٌ وَأَبو زُرْعَةَ وَغَيْرُ واحِدٍ، قَالُوا: أخبرنا قَبِيصَةُ عن إِسْرَائِيلَ عن هِلاَلِ بنِ مِقْلاَصٍ الصّيْرَفِيّ عن أَبي بِشْرِ عن أَبي وَائِلٍ عن أَبي سَعِيدٍ الْخُدرِيّ قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَكَلَ طَيّباً وَعَمِلَ في سُنّةٍ وَأَمِنَ النّاسُ بَوَائِقَهُ دَخَلَ الْجَنّةَ. فقال رَجُلٌ: يا رسولَ الله، إِنّ هَذَا الْيَوْمَ في النّاسِ لَكَثِيرٌ. قال: "فَسَيَكُونُ في قُرُونٍ بَعْدِي" .
__________
"لايعدل" بصيغة المجهول "بالرعة" في المصباح ورع عن المحارم يرع بكسرتين ورعاً بفتحتين: أي كثير الورع. أي لا يعدل بكثرة الورع خصلة غيرهما من خصال الخير بل الورع أعظم فضلاً.
قوله : "هذا حديث غريب" في سنده محمد بن عبد الرحمن بن نبيه، وهو مجهول كما عرفت.
قوله : "وأبو زرعة" اسمه عبيد الله بن عبد الكريم الرازي، إمام حافظ ثقة مشهور من الحادية عشرة "أخبرنا قبيصة" هو ابن عقبة "عن هلال بن مقلاص الصيرفي" ويقال هلال بن أبي حميد أو ابن حميد أو ابن عبد الله الجهني مولاهم الوزان الكوفي ثقة من السادسة "عن أبي بشر" قال الحافظ: أبو بشر صاحب أبي وائل مجهول من السادسة.
قوله : "من أكل طيباً" بفتح فتشديد أي حلالا "وعمل في سنة" أي في موافقة سنة نكرها لأن كل عمل يفتقر إلى معرفة سنة وردت فيه "وأمن الناس بوائقه" أي دواهيه، والمراد الشرور كالظلم والغش والإيذاء "دخل الجنة" أي من اتصف بذلك استحق دخولها بغير عذاب أو مع السابقين، وإلا فمن لم يعمل بالسنة ومات مسلماً يدخلها وإن عذب "إن هذا" أي الرجل الموصوف المذكور "اليوم" ظرف مقدم لخبر إن "كثير" أي فما حال الاستقبال "قال" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "فسيكون" أي هم كثيرون اليوم وسيوجد من يكون بهذه الصفة "في قرون بعدي" جمع قرن والمراد بالقرن هنا أهل العصر.

(7/223)


هذا حديثٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ هَذَا الوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ.
2641-حدثنا عَبّاسُ بنُ محمدٍ، أَخْبَرنَا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ، عن إِسْرائيلَ بِهذا الإِسْنَاد نحوه وسأَلت محمد بن إِسماعيل عن هذا الحديث فلم يعرفه إِلا من حديث إِسرائيل ولم يعرف اسم أَبي بشر. "عن هِلاَلِ بنِ مِقْلاَصٍ نَحْوَ حديثِ قُبَيْصَةَ عن إِسْرائيلَ" .
2642-حدثنا عَبّاسُ الدّورِيّ، حدثنَا عبدُ الله بنُ يَزِيدَ، حدثنَا سعيدُ بنُ أَبي أَيّوبَ، عن أَبي مَرْحُومٍ عبد الرّحِيمِ بنِ مَيْمُونٍ، عن سَهَلِ بنِ مُعَاذٍ بن أنس الْجُهَنِيّ عن أَبِيهِ أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ أَعْطَى لله وَمَنَعَ لله وَأَحَبّ لله وأَبْغَضَ لله وَأَنْكَحَ لله، فَقَدْ اسْتَكْمَلَ إِيمَانَهُ" .
هذا حديث منكر حسنٌ.
__________
قوله : "هذا حديث غريب" وأخرجه الحاكم.
قوله : "حدثناعباس بن محمد" هو الدوري.
قوله : "حدثنا العباس الدوري" هو ابن محمد "حدثنا عبد الله بن يزيد" المكي أبو عبد الرحمن المقري "من أعطى لله" لا لغرض سواه "ومنع لله وأحب لله الخ" وكذلك سائر الأعمال فتكلم لله وسكت لله وأكل لله وشرب لله كقوله تعالى حاكياً: {إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} . "فقد استكمل إيمانه" أي أكمل إيمانه.
قوله : "هذا حديث منكر" وفي بعض النسخ هذا حديث حسن قال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث رواه أحمد والترمذي وقال حديث منكر والحاكم وقال صحيح الإسناد والبيهقي وغيرهما انتهى.
قلت: لم يظهر لي وجه كون هذا الحديث منكراً ورواه أبو داود عن أبي أمامة وفي سنده القاسم بن عبد الرحمن الشامي. قال المنذري وقد تكلم فيه غير واحد.

(7/224)