Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي

أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
باب ما جاء في إفشاء السلام
...
بسم الله الرحمن الرحيم
أبواب الاستئذان والاَداب عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم
1-باب ما جاءَ في إِفْشَاءِ السّلاَم
2828-حدثنا هَنّادٌ، أخبرنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عن الأعْمَشِ عن أَبي صالحٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "وَالّذِي نَفْسِى بِيَدِهِ لاَ تَدْخُلُوا الْجَنّةَ حَتّى تُؤمِنُوا وَلاَ تُؤمِنُوا، حَتّى تَحَابّوا. أَلاَ أَدُلّكُمْ
__________
"أبواب الاستئذان والاَداب"
بلفظ الجمع في أكثر النسخ، والأدب استعمال ما يحمد قولا وفعلا وعبر بعضهم عنه بأنه الأخذ بمكارم الأخلاق، وقيل الوقوف مع المستحسنات. وقيل هو تعظيم من فوقك والرفق بمن ذو لك، وقيل إنه مأخوذ من المأدبة وهي الدعوة إلى الطعام سمي بذلك لأنه يدعى إليه قاله الحافظ في الفتح.
"باب ما جاءَ في إِفْشَاءِ السّلاَم"
قوله: "لا تدخلوا الجنة" كذا في النسخ الحاضرة عندنا بحذف النون وكذا في عامة نسخ أبي داود. قال القاري: ولعل الوجه أن النهي قد يراد به النفى كعكسه المشهور عند أهل العلم انتهى. ووقع في صحيح مسلم: لا تدخلون بإثبات النون وهو الظاهر "ولا تؤمنوا" بحذف النون في النسخ الحاضرة وكذا في صحيح مسلم. قال النووي: هكذا هو في جميع الأصول والروايات ولا تؤمنوا بحذف النون من آخره وهي لغة معروفة صحيحة انتهى. وقال القاري: لعل حذف النون المجانسة والازدواج "حتى تحابوا" بحذف إحدى التائين وتشديد الموحدة المضمومة. قال النووي: معنىقوله صلى الله عليه وسلم: "ولا تؤمنوا حتى تحابوا": أي لا يكمل إيمانكم ولا يصلح حالكم في الإيمان إلا بالتحابب وأماقوله صلى الله عليه وسلم

(7/460)


عَلَى أَمْرٍ إِذَا أَنْتُمْ فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السّلاَمَ بَيْنَكُمْ" . وفي البابِ عن عَبْدِ الله بنِ سَلاَمٍ وَشُرَيْحِ بنِ هَانِئ، عن أَبِيِه وَعَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو وَالبَرَاءِ وَأَنَسٍ وَابنِ عُمَرَ.
__________
لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا فهو على ظاهره وإطلاقه فلا يدخل الجنة إلا من مات مؤمناً وإن لم يكن كامل الإيمان فهذا هو الظاهر من الحديث. وقال الشيخ أبو عمرو معنى الحديث لا يكمل إيمانكم إلا بالتحابب ولا تدخلون الجنة عند دخول أهلها إذا لم تكونوا كذلك. قال النووي وهذا الذي قاله محتمل انتهى "أفشوا السلام بينكم" بقطع الهمزة المفتوحة من الإفشاء وهو الإظهار، وفيه الحث العظيم على إفشاء السلام وبذله للمسلمين كلهم من عرفت ومن لم تعرف. قال الطيبي: جعل إفشاء السلام سبباً للمحبة والمحبة سبباً لكمال الإيمان لأن إفشاء السلام سبب للتحابب والتوادد أو هو سبب الإلفة والجمعية بين المسلمين المسبب لكمال الدين وإعلاء كلمة الإسلام، وفي التهاجر والتقاطع التفرقة بين المسلمين وهي سبب لانثلام الدين الوهن في الإسلام انتهى. قال الحافظ: الإفشاء الإظهار والمراد نشر السلام بين الناس ليحيوا سنته. وأخرج البخاري في الأدب المفرد بسند صحيح عن ابن عمر: إذا سلمت فأسمع فإنها تحية من عند الله. ونقل النووي عن المتولي، أنه قال يكره إذا لقى جماعة أن يخص بعضهم بالسلام لأن القصد بمشروعية السلام تحصيل الألفة وفي التخصيص إيحاش لغير من خص بالسلام.
قوله : "وفي الباب عن عبد الله بن سلام وشريح بن هانئ عن أبيه وعبد الله بن عمرو والبراء وأنس وابن عمر" أما حديث عبد الله بن سلام فأخرجه الترمذي قبل صفة أبواب الجنة، وأما حديث شريح بن هانئ عن أبيه فأخرجه الطبراني عنه: قال: يا رسول الله أخبرني بشيء يوجب لي الجنة، قال: "طيب الكلام وبذل السلام وإطعام الطعام" . وأخرجه أيضاً ابن حبان في صحيحه في حديث والحاكم وصححه، وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه ولفظ البخاري: أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: "أي الإسلام خير؟ قال: تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف" .

(7/461)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
__________
وأما حديث البراء فأخرجه الشيخان. وأما حديث أنس فأخرجه الطبراني عنه بإسناد حسن قال: كنا إذا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتفرق بيننا شجرة فإذا التقينا يسلم بعضنا على بعض. وروى البخاري في الأدب المفرد عنه مرفوعاً: السلام اسم من اسماء الله وضعه الله في الأرض فأفشوه بينكم. قال الحافظ: سنده حسن. وأما حديث ابن عمر فأخرجه ابن ماجه.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه.

(7/462)


باب ما جاء في فضل السلام
...
2-باب ما ذُكِرَ في فَضْلِ السّلام
2829-حدثنا عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ، وَالْحُسَيْنُ بنُ مُحمّدٍ الْجُرَيْرِيّ البَلْخِيّ، قالاَ: أخبرنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ، عن جَعْفَرِ بنِ سُلَيْمَانَ الضّبَعِيّ عن عَوْفٍ عن أَبي رَجَاءٍ عن عِمْرَانَ بنَ حُصَيْنٍ: أَنّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى النبيّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ السّلاَمُ عَلَيْكُمْ، قال: فَقَالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم عَشْرٌ، ثم جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السّلاَمُ عَلَيْكُمْ
__________
"باب ما ذُكِرَ في فَضْلِ السّلام"
قوله: "حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن" هو الدارمي "والحسين بن محمد" ابن جعفر "الجريري" قال في هامش النسخة الأحمدية كذا في النسخة الدهلوية بالجيم لكن في نسخة صحيحة بالحاء المهملة وقد سبق الكلام في أنه بالحاء أو بالجيم مصغراً ومكبراً في الباب الذي قبل باب رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم في الميزان والدلو "أخبرنا محمد بن كثير" العبدي البصري ثقة لم يصب من ضعفه من كبار العاشرة "عن عوف" هو ابن أبي جميلة العبدي الهجري.
قوله : "فقال النبي صلى الله عليه وسلم عشر" أي له عشر حسنات أو كتب أو

(7/462)


وَرَحْمَةُ الله، فَقَالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم عِشْرُونَ، ثمّ جَاءَ أَخَرُ فَقَالَ: السّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ، فَقَالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: ثَلاَثُونَ" .
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ مِنْ هذا الوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ عُمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ.
__________
حصل له أو ثبت عشر أو المكتوب له عشر "فقال النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثون" أي بكل لفظ عشر حسنات. قال الحافظ في الفتح: لو زاد المبتدئ ورحمة الله استحب أن يزاد وبركاته فلو زاد وبركاته فهل تشرع الزيادة في الرد وكذا لو زاد المبتدئ على وبركاته هل يشرع له ذلك، أخرج مالك في الموطأ عن ابن عباس قال انتهى السلام إلى البركة وأخرج البيهقي في الشعب من طريق عبد الله بن بابيه قال جاء رجل إلى ابن عمر فقال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته فقال حسبك وبركاته انتهى إلى وبركاته، ومن طريق زهرة بن معبد قال قال عمر انتهى السلام إلى وبركاته ورجاله ثقات، وجاء عن ابن عمر الجواز فأخرج مالك أيضاً في الموطأ عنه أنه زاد في الجواب والغاديات والرائحات، وأخرج البخاري في الأدب المفرد من طريق عمرو بن شعيب عن سالم مولى ابن عمر قال كان ابن عمر يزيد إذا رد السلام فأتيته مرة فقلت السلام عليكم فقال السلام عليكم ورحمة الله ثم أتيته فزدت وبركاته فرد وزادني وطيب صلاته. ونقل ابن دقيق العيد عن أبي الوليد بن رشد أنه يؤخذ منقوله تعالى: {فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا} الجواز في الزيادة على البركة إذا انتهى إليها المبتدئ، وأخرج أبو داود من حديث سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه بسند ضعيف نحو حديث عمران، وزاد في آخره: ثم جاء آخر وزاد: ومغفرته فقال أربعون. قال وهكذا تكون الفضائل. وأخرج ابن السني في كتابه بسند واه من حديث أنس قال كان رجل يمر فيقول السلام عليك يا رسول الله فيقول له: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته ورضوانه، وأخرج البيهقي في الشعب بسند ضعيف أيضاً من حديث زيد بن أرقم: كنا إذا سلم علينا النبي صلى الله عليه وسلم قلنا وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته. وهذه الأحاديث الضعيفة إذا انضمت قوي ما اجتمعت عليه من مشروعية الزيادة على وبركاته. انتهى ما في الفتح.
قوله : "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه" وأخرجه أبو داود والنسائي والبيهقي وحسنه كذا في الترغيب.

(7/463)


وفي البابِ عن أَبي سَعِيدٍ وَعَلِيٍ وسهلِ بنِ حُنَيْفٍ.
__________
قوله : "وفي الباب عن أبي سعيد وعلي وسهل بن حنيف" أما حديث أبي سعيد فلينظر من أخرجه. وأما حديث علي فأخرجه أبو نعيم في عمل يوم وليلة، وأما حديث سهل بن حنيف فأخرجه الطبراني عنه مرفوعاً بسند ضعيف: من قال السلام عليكم كتبت له عشر حسنات ومن زاد ورحمة الله كتبت له عشرون حسنة ومن زاد وبركاته كتبت له ثلاثون حسنة. ذكره الحافظ في الفتح.

(7/464)


باب ما جاء في أن الاستئذان ثلاث
...
3-باب ما جَاءَ في الاسْتِئذَان ثَلاَث
2830-حدثنا سُفْيَانُ بنُ وَكِيعٍ، حدثنا عَبْدُ الاَعْلَى بنُ عَبْد الأَعْلَى عن الجُرَيْرِيّ، عن أَبي نَضْرَةَ، عن أَبي سَعِيدٍ قَالَ: "اسْتَأْذَنَ أَبُو مُوسَى
__________
"باب ما جَاءَ في الاسْتِئذَان ثَلاَث"
قال النووي: أجمع العلماء أن الاستئذان مشروع وتظاهرت به دلائل القرآن والسنة وإجماع الأمة، والسنة أن يسلم ويستأذن ثلاث فيجمع بين السلام والاستئذان كما صرح به في القرآن، واختلفوا في أنه هل يستحب تقديم السلام ثم الاستئذان أو تقديم الاستئذان ثم السلام، والصحيح الذي جاءت به السنة وقاله المحققون أنه يقدم السلام فيقول السلام عليكم أأدخل، والثاني يقدم الاستئذان، والثالث وهو اختيار الماوردي من أصحابنا إن وقعت عين المستأذن على صاحب المنزل قبل دخوله قدم السلام وإلا قدم الاستئذان، وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثان في تقديم السلام. أما إذا استأذن ثلاث فلم يؤذن له وظن أنه لم يسمعه ففيه ثلاث مذاهب أظهرها أنه ينصرف ولا يعيد الاستئذان والثاني يزيد فيه، والثالث إن كان بلفظ الاستئذان المتقدم لم يعده وإن كان بغيره أعاده، فمن قال بالأظهر فحجتهقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث يعني حديث الباب فلم يؤذن له فليرجع، ومن قال بالثاني حمل الحديث على من علم أو ظن أنه سمعه فلم يأذن انتهى كلام النووي
قوله : "حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى" البصري الساجي بالمهملة أبو محمد

(7/464)


عَلَى عُمَرَ. فَقَالَ السّلاَمُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ؟ فَقَالَ عُمَرُ: وَاحِدَةٌ، ثُمّ سَكَتَ سَاعَةً، ثُمّ قَالَ: السّلاَمُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ؟ فَقَالَ عُمَرُ ثِنْتَانِ، ثُمّ سَكَتَ سَاعَةً، فَقَالَ: السّلاَمُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ؟ فَقَالَ عُمَرُ ثَلاَثٌ، ثُمّ رَجَعَ، فَقَالَ عُمرُ لِلبَوّابِ: مَا صَنَعَ؟ قالَ رَجَعَ، قَالَ عَلَىّ بِهِ. فَلَمّا جَاءَهُ قَالَ مَا هَذَا الّذِي صَنَعْتَ، قَالَ السّنّةَ. قَالَ السّنّةُ؟ وَالله لَتَأْتِيَنّي عَلَى هَذَا بِبُرْهَانٍ أو بَيّنةٍ أَوْ لأَفْعَلَنّ بِكَ، قَالَ فَأَتَانَا وَنَحْنُ رُفْقَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ،
__________
وكان يغضب إذا قيل له أبو همام ثقة من الثامنة "عن الجريري" بضم الجيم مصغراً.
قوله : "فقال عمر واحدة" أي هذه استئذانه واحدة "ثم سكت" أي أبو موسى "فقال عمر ثنتان" أي هذه مع الأولى ثنتان "فقال عمر ثلاث" أي هذه مع الأوليين ثلاث، والمقصود أنه عليك أن تقف حتى آذن لك "علي به" أي ائتوني به "ما هذا الذي صنعت" وفي رواية لمسلم: ما حملك على ما صنعت، والمعنى لم رجعت بعد استئذانك ثلاثاً؟ ولم لم تقف حتى آذن لك "قال" أي أبو موسى "السنة" بالنصب أي اتبعت السنة فيما صنعت "قال" أي عمر "آلسنة" أي اتبعث السة؟ قال الحافظ في رواية عبيد بن حنين عن أبي موسى عند البخاري في الأدب المفرد: فقال يا عبد الله أشتد عليك أن تحتبس على بابي؟ اعلم أن الناس كذلك يشتد عليهم أن يحتبسوا على بابك فقلت بل استأذنت إلى آخره، قال وفي هذه الزيادة دلالة على أن عمر أراد تأديبه لما بلغه أنه قد يحتبس على الناس في حال إمرته. وقد كان عمر استخلفه على الكوفة ما كان عمر فيه من الشغل انتهى. وفي رواية لمسلم: فقال يا أبا موسى ما ردك؟ كنا في شغل. قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الاستئذان ثلاث فإن أذن لك وإلا فارجع "والله لتأتيني على هذا ببرهان وبينة" المراد بها الشاهد ولو كان واحداً. وإنما أمره بذلك ليزداد فيه وثوقاً لا للشك في صدق خبره عنده رضي الله تعالى عنه "أو لأفعلن بك" وفي رواية لمسلم: فقال إن كان هذا شيء حفظته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فها وإلا لأجعلنك عظة، وفي رواية أخرى له: قال فوالله

(7/465)


فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الانْصَارِ أَلَسْتُمْ أَعْلَمَ النّاسِ بِحَدِيثِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم؟ أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "الاسْتِئْذَانُ ثَلاَثٌ، فَإِن أَذِنَ لَكَ وَإِلاّ فَارْجِعْ" فَجَعَلَ القَوْمُ يُمَازِحُونَهُ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: ثُمّ رَفَعْتُ رَأْسِي إِلَيْهِ فَقَلْتُ مَا أَصَابَكَ فِي هَذَا مِنَ العُقُوبَةِ فَأَنَا شَرِيكُكَ قَالَ فَأَتَى عُمَرَ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ عُمَرُ: مَا كُنْتُ عَلِمْتُ بِهَذَا".
__________
لأوجعن ظهرك ويطنك أو لتأتين بمن يشهد لك على هذا "قال" أي أبو سعيد "فأتانا" أي أبو موسى "ونحن رفقة من الأنصار" وفي رواية لمسلم: كنت جالساً بالمدينة في مجلس الأنصار فأتانا أبو موسى فزعاً أو مذعوراً "فجعل القوم يمازحونه" وفي رواية لمسلم: قال فجعلوا يضحكون قال: فقلت أتاكم أخوكم المسلم قد أفزع وتضحكون؟ قال النووي" سبب ضحكهم التعجب من فزع أبي موسى وذعره وخوفه من العقوبة مع أنهم قد آمنوا أن يناله عقوبة أو غيرها لقوة حجته وسماعهم ما أنكر عليه من النبي صلى الله عليه وسلم انتهى "ما كنت علمت بهذا" وفي رواية لمسلم: فقام أبو سعيد فقال كنا نؤمر بهذا فقال عمر خفي على هذا من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ألهاني عنه الصفق بالأسواق. قال النووي قد تعلق بهذا الحديث من يقول لا يحتج بخبر الواحد وزعم أن عمر رضي الله عنه رد حديث أبي موسى هذا لكونه خبر واحد. وهذا مذهب باطل وقد أجمع من يعتد به على الاحتجاج بخبر الواحد ووجوب العمل به ودلائله من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين وسائر الصحابة ومن بعدهم أكثر من أن يحصروا. وأما قول عمر لأبي موسى أقم عليه البينة فليس معناه رد خبر الواحد من حيث هو خبر واحد ولكن خاف عمر مسارعة الناس إلى القول على النبي صلى الله عليه وسلم حتى يقول عليه بعض المبتدعين أو الكاذبين أو المنافقين ونحوهم ما لم يقل. وإن كل من وقعت له قضية وضع فيها حديثاً على النبي صلى الله عليه وسلم فأراد سد الباب خوفاً من غير أبي موسى لا شكاً في رواية أبي موسى فإنه عند عمر أجل من أن يظن به أن يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقل

(7/466)


وفي البابِ عَنْ عَلِيٍ وَأُمّ طَارِقٍ مَوْلاَةِ سَعدٍ.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَالجُرَيْرِيّ اسْمُهُ سَعِيدُ بنُ إِيّاسٍ يُكْنَى أَبَا مَسْعُودٍ وَقَدْ رَوَى هَذَا غَيْرُهُ أَيْضَاً عن أَبي نَضْرَةَ. وَأَبُو نَضْرَةَ العَبْدِيّ اسْمُهُ المُنْذِرُ بنُ مَالِكِ بنِ قُطَعَةَ.
__________
بل أراد زجر غيره بطريقه فإن معبد الله دون أبي موسى إذا رأى هذه القضية أو بلغته وكان في قلبه مرض أو أراد وضع حديث خاف مثل قضية أبي موسى فامتنع من وضع الحديث والمسارعة إلى الرواية بغير بقين. ومما يدل على أن عمر لم يرد خبر أبي موسى لكونه خبر واحد أنه طلب منه إخبار رجل آخر حتى يعمل بالحديث. ومعلوم أن خبر الإثنين خبر واحد. وكذا ما زاد حتى يبلغ التوائر فما لم يبلغ التواتر فهو خبر واحد، ومما يؤيده أيضاً ما ذكره مسلم في الرواية الأخيرة من قضية أبي موسى هذه أن أبياً رضي الله عنه قال: يا ابن الخطاب فلا تكونن عذاباً على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال سبحان الله إنما سمعت شيئاً فأحببت أن أتثبت. انتهى كلام النووي. قال ابن بطال فيؤخذ منه التثبت في خبر الواحد لما يجوز عليه من السهو وغيره. وقد قيل عمر خبر العدل الواحد بمفرده في توريث المرأة من دية زوجها وأخذ الجزية من المجوس إلى غير ذلك لكنه قد يستثبت إذا وقع له ما يقتضي ذلك انتهى. وفي الحديث أن العالم التبحر قد يخفي عليه من العلم ما يعلمه من هو دونه ولا يقدح ذلك في وصفه بالعلم والتبحر فيه. قال ابن بطال وإذا جاز ذلك على عمر فما ظنك بمن هو دونه. وقال الإمام تقي الدين بن دقيق العيد: وهذا الحديث يرد على من يغلو من المتلدين إذا استدل عليه بحديث فيقول لو كان صحيحاً لعلمه فلان مثلا فإن ذلك لما خفي عن أكابر الصحابة وجاز عليهم فهو على غيرهم أجوز انتهى.
قوله : "وفي الباب عن علي وأم طارق مولاة سعد" أما حديث علي فلينظر من أخرجه، وأما حديث أم طارق مولاة سعد فأخرجه الطبراني.
قوله : "هذاحديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وأبو داود وابن ماجه "اسمه المنذر ابن مالك بن قطعة" قال في التقريب بضم القاف وفتح المهملة، وقال

(7/467)


2832-حدثنا مَحْمُودُ بنُ غَيْلاَنَ حدثنا عُمَرُ بنُ يُونُسَ حدثنا عِكْرِمَةَ بنِ عَمّارٍ، حدثني أَبُو زُمَيْلٍ، حدثني ابنُ عَبّاسٍ، حدثني عُمَرُ بنُ الْخَطّابِ قَالَ: "اسْتَأْذَنْتُ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ثَلاَثاً فَأَذِنَ لِي".
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وَأَبُو زُمَيْلٍ اسْمُهُ سِمَاكٌ الْحَنِفيّ، وَإِنمَا أَنْكَرَ عُمَرُ، عِنْدَنَا، عَلَى أَبي مُوسى حيث رَوَى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أَنّهُ قَالَ: "الاسْتِئْذَانُ ثَلاَثٌ فَإِذا أذِنَ لَكَ وَإِلاّ فَارْجِعْ" ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ اسْتَأْذَنَ عَلَى النبيّ صلى الله عليه وسلم ثَلاَثاً فَأَذِنَ لَهُ، وَلَمْ يَكُنْ عَلِمَ هَذَا الّذِي رَوَاهُ أَبُو مُوسَى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أَنّهُ قَالَ: "فَإِنْ أذِنَ لَكَ وَإِلاّ فَارْجِعْ".
__________
في الخلاصة بكسر القاف وسكون المهملة الأولى وكذا ضبطه صاحب مجمع البحار في كتابه المغني.
قوله : "عن عكرمة بن عمار" العجلي اليمامي أصله من البصرة صدوق يغلط وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب ولم يكن له كتاب من الخامسة "حدثني أبو زميل" بضم الزاي وفتح الميم مصغراً اسمه سِمَاك بن الوليد الحنفي اليمامي الكوفي ليس به بأس من الثالثة.
قوله : "قال استأذنت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً فأذن لي" كذا أخرجه الترمذي ههنا مختصراً وأخرجه في تفسير سورة التحريم مطولا وأخرجه الشيخان أيضاً مطولا "وإنما أنكر عمر عندنا على أبي موسى حين روى إلخ" قال الحافظ وقد استشكل ابن العربي إنكار عمر على أبي موسى حديثه المذكرو مع كونه وقع له مثل ذلك مع النبي صلى الله عليه وسلم وذلك في حديث ابن عباس الطويل في هجر النبي صلى الله عليه وسلم نساءه في المشربة فإن فيه أن عمر استأذن مرة بعد مرة فلما لم يؤذن له في الثالثة رجع حتى جاءه الإذن وذلك بين في سياق البخاري قال والجواب عن ذلك أنه لم يقضى فيه بعلمه أو لعله نسي ما كان وقع له، ويؤيده قوله شغلني الصفق بالأسواق. قال الحافظ والصورة التي وقعت لعمر ليست مطابقة

(7/468)


..........................................
__________
لما رواه أبو موسى بل استأذن في كل مرة فلم يؤذن له فرجع فلما رجع في الثالثة استدعي فأذن له، ولفظ البخاري الذي أحال عليه ظاهر فيما قلته وقد استوفيت طرقه عند شرح الحديث في أواخر النكاح وليس فيه ما ادعاه انتهى.

(7/469)


4-باب كَيْفَ رَدّ السّلام
2833-حدثنا إِسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ، أخبرنا عَبْدُ الله بنُ نمَيْرٍ، أَخْبَرنَا عُبَيْدُ الله بنُ عُمَر عن سَعِيدٍ المَقْبُريّ عن أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: "دَخَلَ رَجُلٌ المَسْجِدَ وَرَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم جَالِسٌ فِي نَاحِيةِ المَسْجِدِ فَصَلّى، ثُمّ جَاءَ فَسَلّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "وَعَلَيْكَ، ارْجِعْ فَصَلّ فَإِنّكَ لَمْ تُصَلّ" ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ".
__________
"بابُ كَيْفَ رَدّ السّلام"
قوله: "حدثنا إسحاق بن منصور" الكوسج "أخبرنا عبد الله بن نمير" الهمداني أبو هشام الكوفي "أخبرنا عبيد الله بن عمر" العمري.
قوله : "دخل رجل" هو خلاد بن رافع، وتقدم هذا الحديث مع شرحه في باب وصف الصلاة "فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليك" وفي رواية للشيخين: "وعليك السلام" وفيه أن السنة في رد السلام أن يقول وعليكم السلام بالواو. قال النووي: اعلم أن ابتداء السلام سنة ورده واجب، فإن كان المسلم جماعة فهو سنة كفاية في حقهم إذا سلم بعضهم حصلت سنة السلام في حق جميعهم، فإن كان المسلم عليه واحداً تعين عليه الرد، وإن كانوا جماعة كان الرد فرض كفاية في حقهم فإذا رد واحد منهم سقط الحرج عن الباقين، والأفضل أن يبتدي الجميع بالسلام وأن يرد الجميع. وعن أبي يوسف أنه لابد أن يرد الجميع، ونقل ابن عبد البر وغيره إجماع المسلمين على أن ابتداء السلام سنة وأن رده فرض، وأقل السلام أن يقول السلام عليكم فإن كان المسلم عليه واحداً فأقله السلام عليك والأفضل أن يقول السلام عليكم ليتناوله وملكيه، وأكمل منه أن يزيد ورحمة

(7/469)


هذا حديثٌ حسنٌ وَرَوَى يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ القَطّانُ هَذَا عن عُبَيْدِ الله بنِ عُمَر عن سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ فَقَال عن أَبِيهِ عن أَبي هُرَيْرَةَ: وَحَدِيثُ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ أَصَحّ.
__________
الله وأيضاً وبركاته، ولو قال سلام عليكم أجزأه، ويكره أن يقول المبتدئ عليكم السلام فإن قاله استحق الجواب على الصحيح المشهور وقيل لا يستحقه، وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقل عليك السلام فإن عليك السلام تحية الموتى" . وأما صفة الرد فالأفضل والأكمل أن يقول وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته فيأتي بالواو فلو حذفها جاز وكان تاركاً للأفضل، ولو اقتصر على وعليكم السلام أو على عليكم السلام أجزأه، ولو اقتصر على عليكم لم يجزئه بلا خلاف، ولو قال وعليكم بالواو ففي إجزائه وجهان لأصحابنا، قالوا وإذا قال المبتدئ سلام عليكم أو السلام عليكم فقال المجيب مثله سلام عليكم أو السلام عليكم كان جواباً وأجزأه قال الله تعالى {قَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ} ولكن بالألف واللام أفضل، وأقل السلام ابتداء ورداً أن يسمع صاحبه ولا يجزئه دون ذلك ويشترط كون الرد على الفور انتهى كلام النووي.
قوله : "وروى يحيى بن سعيد القطان هذا الحديث الخ" قد تقدم الكلام في هذا في باب وصف الصلاة.

(7/470)


باب في تبليغ السلام
...
5-باب ما جَاءَ فِي تَبْلِيغِ السّلاَم
2834-حدثنا عَلِيّ بنُ المُنْذِرِ الكُوفِيّ، أخبرنا مُحمّدُ بنُ فُضَيْلٍ، عن زَكَرِيّا بنِ أَبي زَائِدَةَ عن عَامِرٍ الشَعبي، حدثني أَبُو سَلَمَةَ أَنّ عَائِشَةَ
__________
"باب ما جَاءَ فِي تَبْلِيغِ السّلاَم"
قوله: "حدثنا علي بن المنذر الكوفي" الطريقي صدوق يتشيع من العاشرة "عن زكريا بن أبي زائدة" بن ميمون بن فيروز الهمداني الوادعي الكوفي ثقة وكان يدلس وسماعه من أبي إسحاق بآخره من السادسة "عن عامر" هو الشعبي.

(7/470)


حَدّثَتْهُ: "أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ لَهَا: إِنّ جِبْرَيلَ يُقْرِئكِ السّلاَمَ، قَالَتْ وَعَلَيْهِ السّلاَمُ وَرَحْمةُ الله وَبَرَكَاتُهُ" . وفي البابِ عن رَجُلٍ مِنْ بَنِي نُمَيْرٍ عن أَبِيِه عن جَدّهِ.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وَقَدْ رَوَاهُ الزّهْرِيّ أَيْضاً عن أَبي سَلَمَةَ عن عَائِشَةَ.
__________
قوله : "إن جبرائيل يقرئك السلام" من الإقراء، ففي القاموس قرأ عليه السلام أبلغه كأقرأه أو لا يقال أقرأه إلا إذا كان السلام مكتوباً انتهى. قال الحافظ في الفتح: قال النووي في هذا الحديث مشروعية إرسال السلام ويجب على الرسول تبليغه لأنه أمانة، وتعقب بأنه بالوديعة أشبه، والتحقيق أن الرسول إن التزمه أشبه الأمانة وإلا فوديعة والودائع إذا لم نقبل لم يلزمه شيء. قال وفيه إذا أتاه سلام من شخص أو في ورقة وجب الرد على الفور، ويستحب أن يرد على المبلغ كما أخرج النسائي عن رجل من بني تميم أنه بلغ النبي صلى الله عليه وسلم سلام أبيه فقال له وعليك وعلى أبيك السلام، وقد تقدم في المناقب أن خديجة لما بلغها النبي صلى الله عليه وسلم عن جبريل سلام الله عليها قالت إن الله هو السلام ومنه السلام وعليك وعلى جبريل السلام، ولم أر في شيء من طرق حديث عائشة أنها ردت على النبي صلى الله عليه وسلم فدل على أنه غير واجب انتهى ما في الفتح.
قوله : "وفي الباب عن رجل من بني نمير عن أبيه عن جده" روى أبو داود في سننه قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة أخبرنا إسماعيل عن غالب قال إنا لجلوس بباب الحسن إذ جاء رجل فقال حدثني أبي عن جدي قال بعثني أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ائته فاقرأه السلام قال فأتيته فقلت: "إ ن أبي يقرئك السلام فقال عليك وعلى أبيك السلام" . قال المنذري: وأخرجه النسائي وقال فيه عن رجل من بني نمير عن أبيه عن جده هذا الإسناد فيه محاصيل.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان من طريق عامر عن أبي سلمة عن عائشة، ومن طريق الزهري عن أبي سلمة عنها وأخرجه الترمذي أيضاً من هذين الطريقين في فضل عائشة.

(7/471)


باب في فضل الذي يبدأ بالسلام
...
6-باب ما جَاءَ في فَضْلِ الّذِي يَبدَأُ بِالسّلاَم
2835-حدثنا عَلِيّ بنُ حُجْرٍ، أخبرنا قُرّانُ بنُ تَمّامٍ الأَسَدِيّ عن أَبي فَرْوَةَ الرّهَاوِيّ يَزِيدَ بْنِ سِنَانٍ، عن سُلَيْمِ بنِ عَامِرٍ، عن أَبي أُمَامَةَ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ الله الرّجُلاَنِ يَلْتَقِيَانِ أَيّهُمَا يَبْدَأُ بِالسّلاَمِ؟ فَقَالَ: أَوْلاَهُمَا بِالله" .
هذا حديثٌ حسَنٌ. قالَ: مُحمّدُ أَبُو فَرْوَةَ الرّهَاوِيّ مُقَارِبُ الْحَديثِ إِلاّ أَنّ ابْنَهُ مُحمّدَ بنَ يَزِيدَ يَرْوِيَ عَنْهُ مَنَاكِيرَ.
__________
"باب ما جَاءَ في فَضْلِ الّذِي يَبدَأُ بِالسّلاَم"
قوله: "أخبرنا قران" بضم أوله بتشديد الراء "بن تمام الأسدي" الكوفي نزيل بغداد صدوق ربما أخطأ من الثامنة "عن سليم بن عامر" الكلاعي.
قوله : "فقال أولاهما بالله" أي أقرب المتلاقيين إلى رحمة الله من بدأ بالسلام وفي رواية أبي داود: إن أولى الناس بالله تعالى من بدأهم بالسلام.
قوله : "هذا حديث حسن" وأخرجه أحمد وأبو داود وسكت عنه هو والمنذري.

(7/472)


باب في كراهية إشارة اليد في السلام
...
7-باب ما جاءَ في كَرَاهِيَةِ إِشَارَةِ اليَدِ بالسّلاَم
2836-حدثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا ابنُ لَهِيعَةَ عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أَبِيهِ عن جَدّهِ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "لَيْسَ مِنّا مَنْ تَشَبّهُ بِغَيْرِنَا لاَ تَشَبّهُوا باليَهُودِ وَلاَ بِالنّصَارَى، فَإِنّ تَسْلِيمَ اليَهُودِ الإِشَارَةُ
__________
"باب ما جاءَ في كَرَاهِيَةِ إِشَارَةِ اليَدِ بالسّلاَم"
قوله: "ليس منا" أي من أهل طريقتنا ومراعي متابعتنا "من تشبه بغيرنا" أي من غير أهل ملتنا "لا تشبهوا" بحذف إحدى التائين "باليهود ولا بالنصاري"

(7/472)


بِالأَصَابِعِ، وَتَسْلِيمَ النَصَارَى الإِشَارَةُ بِالأَكُفّ" .
هذا حديثٌ إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. وَرَوَى ابنُ المُبَارَكِ هَذَا الْحَدِيثَ عن ابنِ لَهِيعَةَ فَلَمْ يَرْفَعْهُ.
__________
زيد لا لزيادة التأكيد "فإن تسليم اليهود الإشارة بالأصابع وتسليم النصارى الإشارة بالأكف" بفتح فضم جمع كف والمعنى لا تشبهوا بهم جميعاً في جميع أفعالهم خصوصاً في هاتين الخصلتين ولعلهم كانوا يكتفون في السلام أو رده أو فيهما بالإشارتين من نغير نطق بلفظ السلام الذي هو سنة آدم وذريته من الأنبياء والأولياء.
قوله : "هذا حديث إسناده ضعيف" لضعف ابن لهيعة قال الحافظ في الفتح بعد ذكر هذا الحديث في سنده ضعف لكن أخرج النسائي بسند جيد عن جابر رفعه: "لا تسلموا تسليم اليهود فإن تسليمهم بالرؤوس والأكف الإشارة" .
فائدة : قال النووي لا يرد على هذا "يعني حديث جابر هذا" حديث أسماء بنت يزيد: مر النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد وعصبة من النساء قعود فألوى بيده بالتسليم فإنه محمول على أنه جمع بين اللفظ والإشارة، وقد أخرجه أبو داود من حديثها بلفظ: فسلم علينا انتهى. والنهي عن السلام بالإشارة مخصوص بمن قدر على اللفظ حساً وشرعاً وإلا فهي مشروعة لمن يكون في شغل يمنعه من التلفظ بجواب السلام كالمصلي والبعيد والأخرس وكذا السلام على الأصم انتهى. وحديث أسماء بنت يزيد المذكور يأتي في باب التسليم على النساء.

(7/473)


8-باب ما جَاءَ فِي التّسْلِيمِ عَلَى الصّبْيان
2837-حدثنا أَبُو الْخَطّابِ زِيَادُ بنُ يَحْيَى البَصْرِيّ، حدثنا
__________
"باب ما جَاءَ فِي التّسْلِيمِ عَلَى الصّبْيان"
قد بوب البخاري أيضاً بلفظ باب التسليم على الصبيان قال الحافظ وكأنه ترجم بذلك للرد على من قال لا يشرع لأن الرد فرض وليس الصبي من أهل القرض،

(7/473)


أَبُو غَياث سَهْلُ بنُ حَمّادٍ، حدثنا شُعْبَةُ عن يَسَارٍ قالَ: "كُنْتُ أَمْشِي مَعَ ثَابِتٍ البُنَانِيّ فَمَرّ عَلَى صِبْيَانٍ فَسَلّمَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ ثَابِت كُنْتُ مَعَ أَنَسٍ فَمَرّ عَلَى صِبْيَانٍ فَسَلّمَ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ أَنَسٌ: كُنْتُ مَعَ النبيّ صلى الله عليه وسلم فَمَرّ عَلَى صِبْيَانٍ فَسَلّمَ عَلَيْهِمْ".
__________
وأخرج ابن أبي شيبة من طريق أشعث قال الحسن لا يرى التسليم على الصبيان وعن ابن سيرين: أنه كان يسلم على الصبيان ولا يسمعهم انتهى
قوله : "عن سيار" قال في التقريب سيار أبو الحكم العنزي وأبوه يكنى أبا سيار واسمه وردان وقيل ورد وقيل غير ذلك وهو أخو مساور الوراق لأمه ثقة وليس هو الذي يروي عن طارق بن شهاب من السادسة. وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته: روى عن ثابت البناني وغيره وعنهم شعبة وغيره.
قوله : "كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فمر على صبيان" بكسر الصاد على المشهور وبضمها "فسلم عليهم" قال الحافظ وأخرج النسائي حديث الباب من طريق جعفر بن سليمان عن ثابت بأتم من سياقه ولفظه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزور الأنصار فيسلم على صبيانهم ويمسح على رؤوسهم ويدعو لهم. وهو مشعر بوقوع ذلك منه غير مرة بخلاف سياق الباب حيث قال مر على صبيان فسلم عليهم فإنها تدل على أنها واقعة حال انتهى. قال النووي في شرح مسلم: فيه استحباب السلام على الصبيان المميزين والندب إلى التواضع وبذل السلام للناس كلهم وبيان تواضعه صلى الله عليه وسلم وكمال شفقته على العالمين. واتفق العلماء على استحباب السلام على الصبيان ولو سلم على رجال وصبيان فرد السلام صبي منهم هل يسقط فرض الرد عن الرجال؟ ففيه وجهان لأصحابنا. أصحهما يسقط ومثله الخلاف في صلاة الجنازة هل يسقط فرضها بصلاة؟ الصبي الأصح سقوطه ونص عليه الشافعي، ولو سلم صبي على رجل لزم الرجل رد السلام. هذا هو الصواب الذي أطبق عليه الجمهور. وقال بعض أصحابنا لا يجب وهو ضعيف أو غلط انتهى.

(7/474)


هذا حديثٌ صحيحٌ. رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عن ثَابِتٍ، وَرُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عن أَنَسٍ.
2839-حدثنا قُتَيْبَةُ، أخبرنا جَعْفَرُ بنُ سُليْمَانَ، عن ثَابِتٍ، عن أَنَسٍ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ.
__________
قوله : "هذا حديث صحيح" وأخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.

(7/475)


9-باب ما جَاءَ في التّسْلِيمِ عَلَى النّسَاء
2839-حدثنا سُوَيْدٌ، أخبرنا عَبْدُ الله بنُ المُبَارَكِ أخبرنا عَبْدُ الحَمِيدِ بنِ بَهْرَامَ أَنّهُ سَمِعَ شَهْرَ بنَ حَوْشَبٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَسْمَاءَ بِنْت يَزيدَ تُحَدّثُ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم مَرّ في المَسْجِدِ يَوْماً وَعُصْبَةٌ مِنَ النّسَاءِ قَعُودٌ فَأَلوَى بِيَدِهِ بِالتَسْلِيمِ وَأَشَارَ عَبْدُ الحَمِيدِ بِيَدِهِ".
__________
"باب ما جَاءَ في التّسْلِيمِ عَلَى النّسَاء"
قوله: "أخبرنا عبد الحميد بن بهرام" الفزاري المدائني صدوق من السادسة.
قوله: "وعصبة" بضم العين وسكون الصاد أي جماعة والواو للحال "فألوى بيده بالتسليم" قال في المجمع: ألوى برأسه ولواه أماله من جانب إلى جانب انتهى. والمعنى: أشار بيده بالتسليم، وهذا محمول على أنه صلى الله عليه وسلم جمع بين اللفظ والإشارة، ويدل على هذا أن أبا داود روى هذا الحديث وقال في روايته فسلم علينا كما عرفت في الباب المتقدم. وقد عقد البخاري في صحيحه باباً بلفظ تسليم الرجال على النساء والنساء على الرجال، وأورد فيه حديثين الأول حديث سهل الذي فيه ذكر تسليم الصحابة رضي الله تعالى عنهم على العجوز التي كانت تقدم إليهم يوم الجمعة طعاماً فيه سلق، والثاني حديث عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عائشة هذا جبريل يقرأ عليك السلام" . قال الحافظ: أشار بهذه الترجمة إلى رد ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن يحيى بن أبي كثير بلغني أنه

(7/475)


هذا حديثٌ حسنٌ. قالَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ: لاَ بَأْس بِحَدِيثِ عَبْدِ الْحَمِدِ بنِ بَهْرَامَ عن شَهْرٍ بنِ حَوْشَبٍ وَقَالَ مُحمّدُ بن إِسماعيل: شَهْرٌ حَسَنٌ الحَدِيثِ وَقَوّى أَمْرَهُ، وَقَالَ: إِنّمَا تَكَلَمَ فِيِه ابنُ عَوْنِ، ثُمّ رَوَى عن هِلاَلِ بنِ أَبي زَيْنَبَ عن شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ.
__________
يكره أن يسلم الرجال على النساء والنساء على الرجال وهو مقطوع أو معضل، والمراد بجوازه أن يكون عند أمن القتنة، وذكر في الباب حديثين يؤخذ الجواز منهما: وورد فيه حديث ليس على شرطه وهو حديث أسماء بنت يزيد: مر علينا النبي صلى الله عليه وسلم في نسوة فسلم علينا. حسنه الترمذي وليس على شرط البخاري فاكتفى بما هو على شرطه وله شاهد من حديث جابر عند أحمد، وقال الحليمي كان النبي صلى الله عليه وسلم للعصمة مأموناً من الفتنة، فمن وثق من نفسه بالسلامة فليسلم. وإلا فالصمت أسلم، وأخرج أبو نعيم في عمل يوم وليلة من حديث واثلة مرفوعاً: يسلم الرجال على النساء ولا يسلم النساء على الرجال وسنده واه، ومن حديث عمرو بن حريث، مثله موقوفاً عليه وسنده جيد وثبت في مسلم حديث أم هانئ: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يغتسل فسلمت عليه انتهى كلام الحافظ. وقال النووي: إن كن النساء جمعاً سلم عليهن وإن كانت واحدة سلم عليها النساء وزوجها وسيدها ومحرمها سواء أكانت جميلة أو غيرها، وأما الأجنبي فإن كانت عجوزاً لا تشتهي استحب السلام عليها واستحب لها السلام عليه ومن سلم منهما لزم الاَخر رد السلام عليه وإن كانت شابة أو عجوزاً تشتهي لم يسلم عليها الأجنبي ولم تسلم عليه، ومن سلم منهما لم يستحق جواباً ويكره رد جوابه، هذا مذهبنا ومذهب الجمهور. وقال ربيعة: لا يسلم الرجال على النساء ولا النساء على الرجال وهذا غلط، وقال الكوفيون: لا يسلم الرجال على النساء إذا لم يكن فيهن محرم انتهى.
قوله : "هذا حديث حسن" وأخرجه أبو داود وابن ماجه والدارمي وله شاهد من حديث جابر عند أحمد كما عرفت في كلام الحافظ "قال محمد" يعني البخاري "وقوى" أي محمد "أمره" أي جعله قوياً غير ضعيف "وقال" أي

(7/476)


2840-حدثنا أَبُو دُوَادَ، أخبرنا النّصْرُ بنُ شُمَيْلٍ، عن ابنِ عَوْنٍ، قالَ: إِنّ شَهْراً نَزَكُوهُ. قالَ أَبُو دَاوُدَ، قالَ النّضْرُ: نَزَكُوهُ أَيْ طَعَنُوا فِيِه. وإِنما طعنوا فيه لانه ولي امر السلطان.
__________
محمد "إنما تكلم فيه ابن عون" قال النووي هو الإمام الجليل المجمع على جلالته وورعه عبد الله بن عون بن أرطبان أبو عون البصري كان يسمى سيد القراء أي العلماء وأحواله ومناقبه أكثر من أن تحصر "ثم روى" أي ابن عون "عن هلال ابن أبي زينب" قال في تهذيب التهذيب في ترجمته: روى عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة في فضل الشهيد وعنه ابن عون. قال أبو داود: لا أعلم روى عنه غيره وذكره ابن حبان في الثقات انتهى. وقال الذهبي في الميزان: هلال بن أبي زينب عن شهر بن حوشب قال أحمد بن حنبل تركوه قال لا يعرف تفرد عنه ابن عون له حديث في الشهداء أخرجه أحمد في مسنده عن شهر عن أبي هريرة انتهى.
قوله : "حدثنا أبو داود" اسمه سليمان بن أسلم البلخي المصاحقي "إن شهراً نزكوه" بفتح النون والزاي "تزكوه أي طعنوا فيه" وقال مسلم في مقدمة صحيحه بعد ذكر قول ابن عون: إن شهراً نزكوه يقول أخذته لسنة الناس تكلموا فيه. قال النووي:قوله نزكوه هو بالنون والزاي المفتوحتين معناه طعنوا فيه وتكلموا بجرحه فكأنه يقول طعنوه بالنيزك بفتح النون وإسكان المثناة من تحت وفتح الزاي وهو رمح قصير وهذا الذي ذكرته هو الرواية الصحيحة المشهورة وكذا ذكرها من أهل الأدب واللغة والغريب الهروي في غريبه، وحكى القاضي عياض عن كثير من رواة مسلم أنهم رووه تركوه بالتاء والراء وضعفه القاضي وقال الصحيح بالنون والزاي قال وهو الأشبه بسياق الكلام وقال غير القاضي رواية التاء تصحيف وتفسير مسلم يردها ويدل عليه أيضاً أن شهراً ليس متروكاً بل وثقه كثير من كبار الأئمة السلف أو أكثرهم.

(7/477)


باب في التسليم إذا دخل بيته
...
10 - باب ما جَاءَ في التّسْلِيمِ إِذَا دَخَلَ بَيْتَه
2841-حدثنا أَبُو حَاتِمٍ الأَنْصَارِيّ البَصْرِيّ مُسْلِمُ بنُ حَاتِمٍ، أخبرنا مُحمّدُ بنُ عَبْدِ الله الأَنْصَارِيّ عن أَبِيهِ عن عَلِيّ بنِ زَيْدٍ، عن سَعِيدٍ بنِ المُسَيّبِ قالَ: قالَ أَنَسٌ: قالَ لِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يَا بُنَيّ إِذَا دَخَلْتَ عَلَى أَهْلِكَ فَسَلّمَ يَكُونُ بَرَكَةً عَلَيْكَ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِكَ" .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.
__________
"باب ما جَاءَ في التّسْلِيمِ إِذَا دَخَلَ بَيْتَه"
قوله: "حدثنا أبو حاتم الأنصاري البصري مسلم بن حاتم" صدوق ربما وهم من العاشرة "أخبرنا محمد بن عبد الله" بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري البصري القاضي ثقة من التاسعة "عن أبيه" أي عبد الله بن المثنى وهو صدوق كثير الغلط من السادسة.
قوله : "يكون بركة" جملة مستأنفة متضمنة للعلة، أي فإنه يكون أي السلام سبب زيادة بركة وكثرة خير ورحمة.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح غريب" فإن قلت كيف صححه الترمذي وفي سنده علي ين زيد بن جدعان وهو ضعيف كما في التقريب؟ قلت علي بن زيد هذا صدوق عند الترمذي كما في تهذيب التهذيب وغيره.

(7/478)


باب السلام قبل الكلام
...
11-باب ما جَاءَ في السّلاَمِ قَبلَ الكَلاَم
2842-حدثنا الفَضْلُ بنُ الصّبَاحِ البغدادي، حدثنَا سعِيدُ بنُ زَكَرِيّا، عن عنْبَسةَ بنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ عن مُحمّدِ بنِ زَاذَانَ عن مُحمّدِ بنِ المُنْكَدِرِ عن جَابِرِ
__________
"باب ما جَاءَ في السّلاَمِ قَبلَ الكَلاَم"
قوله: "حدثنا سعيد بن زكريا" القرشي المائني صدوق لم يكن بالحافظ من التاسعة "عن عنبسة بن عبد الرحمن" بن عنبسة بن سعيد بن العاص الأموي

(7/478)


بنِ عَبْدِ الله قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "السّلاَمُ قَبْلَ الكلاَمِ" . وَبِهَذَا الإِسْنَادِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "لاَ تَدْعُوا أَحَداً إِلَى الطّعَامِ حَتّى يُسَلّمَ" .
هذا حديثٌ مُنْكَرٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَسَمِعْتُ مُحمداً يَقُولُ عَنْبَسَةُ بنَ عَبْدِ الرحمنِ ضَعِيفٌ في الْحَدِيثِ ذَاهِبٌ وَمحمدُ بنُ زَاذَانَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ.
__________
متروك رماه أبو حاتم بالوضع من الثامنة "عن محمد بن زاذان" المدني متروك من الخامسة "عن محمد بن المنكدر" بن عبد الله بن الهدير التيمي المدني ثقة فاضل من الثالثة.
قوله : "السلام قبل الكلام" أي السنة أن يبدأ به قبل الكلام لأن في الابتداء بالسلام إشعاراً بالسلامة وتفاؤلا بها وإيناساً لمن يخاطبه وتبركاً بالابتداء بذكر الله. وقال القاري لأنه تحية يبدأ به فيفوت بافتتاح الكلام كتحية المسجد فإنها قبل الجلوس.
قوله : "لا تدعوا أحداً إلى الطعام" أي إلى أكله "حتى يسلم" فإن السلام تحية الإسلام فما لم يظهر الإنسان شعار الإسلام لا يكرم ولا يقرب.
قوله : "هذا حديث منكر لا نعرفه إلا من هذا الوجه" قال الحافظ: في التلخيص بعد نقل كلام الترمذي هذا وحكم عليه ابن الجوزي بالوضع وذكره ابن عدى في ترجمة حفص بن عمر الأيلي وهو متروك بلفظ: "السلام قبل السؤال من بدأكم بالسؤال فلا تجيبوه" انتهى.

(7/479)


باب ما جاء في كراهية التسليم على الذمي
...
12- باب ما جَاءَ في التّسْلِيمِ علَى اهْلِ الذِمة
2843-حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنَا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ مُحمّدٍ عن سُهَيْلٍ بنِ أَبي صَالِحٍ عن أَبيِه عن أَبي هُرَيْرَةَ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لاَ تَبْدَأوا اليَهُودَ وَالنّصَارَى بِالسّلاَمِ وإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُوهُ إِلَى، أَضْيَقِهِ" .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
2844-حدثنا سَعِيدُ بنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ المَخْزومِيّ، حدثنا سُفْيَانُ بنُ عَيينة عن الزّهْرِيّ عن عُرْوَةَ عن عَائِشَةَ قَالَتْ: "إِنّ رَهْطاً مِنَ اليَهُودِ دَخَلُوا عَلَى النبيّ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا السّامُ عَلَيْكَ، فَقَال النبيّ صلى الله عليه وسلم "عَلَيْكُمْ"، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ بل عَلَيْكُمْ السّامُ والّلعْنَةُ، فَقَالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: "يَا عَائِشَةُ إِنّ الله يُحِبّ الرّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلّهِ. قَالَتْ عَائِشَةُ: أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: قَدْ قَلْتُ عَلَيْكُمْ ".
__________
"باب ما جَاءَ في التّسْلِيمِ علَى اهْلِ الذِمة"
قوله: "لا تبدأوا اليهود والنصارى" قد سبق هذا الحديث في باب التسليم على أهل الكتاب من أبوب السير.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود.
قوله : "السام عليك" معنى السام الموت وألفه عن واو "إن الله يحب الرفق" أي لين الجانب وأصل الرفق ضد العنف "قد قلت عليكم" أي فقهاً لهذا المعنى قال النووي في شرح مسلم: أتفق العلماء عن الرد على أهل الكتاب إذا سلموا لكن لا يقال لهم وعليكم السلام بل يقال عليكم فقط أو عليكم وقد جائت الأحاديث التي ذكرها مسلم عليكم وعليكم يإثبات الواو وحذفها وأكثر الروايات بإثباتها،

(7/480)


وفي البابِ عَنْ أَبي بَصْرَةَ الغِفَارِيّ وَابنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ وَأَبِي عَبْدِ الرحْمَنِ الْجُهَنِيّ.
__________
وعلى هذا في معناه وجهان: أحدهما أنه على ظاهره فقالوا عليكم الموت فقال وعليكم أيضاً أي نحن وأنتم فيه سواء وكلنا نموت، والثاني أن الواو ههنا للاستئناف لا للعطف والتشريك وتقديره وعليكم ما تستحقونه من الذم. وأما من حذف الواو فتقديره بل عليكم السام، قال القاضي: اختار بعض العلماء منهم ابن حبيب المالكي حذف الواو لئلا يقتضي التشريك، وقال غيره بإثباتها كما هو في أكثر الروايات. قال وقال بعضهم يقول عليكم السلام بكسر السين أي الحجارة وهذا ضعيف. وقال الخطابي: عامة المحدثين يروون هذا الحرف وعليكم بالواو وكان ابن عيينة يرويه بغير واو، قال الخطابي: وهذا هو الأصوب لأنه إذا حذف الواو صار كلامهم بعينه مردوداً عليهم خاصة وإذا أثبت الواو اقتضى المشاركة معهم فيما قالوه. هذا كلام الخطابي والصواب أن إثبات الواو وحذفها جائزان كما صحت به الروايات وأن الواو أجود كما هو في أكثر الروايات ولا مفسدة فيه لأن السام الموت وهو علينا وعليهم ولا ضرر فيقوله بالواو. واختلف العلماء في رد السلام على الكفار وابتدائهم به. فمذهبنا تحريم ابتدائهم به ووجوب رده عليهم بأن يقول وعليكم أو عليكم فقط، ودليلنا في الابتداءقوله صلى الله عليه وسلم: لا تبدأوا اليهود ولا النصارى بالسلام، وفي الردقوله صلى الله عليه وسلم فقولوا وعليكم، وبهذا الذي ذكرناه عن مذهبنا قال أكثر العلماء وعامة السلف وذهبت طائفة إلى جواز ابتدائنا لهم بالسلام، روى ذلك عن ابن عباس وأبي أمامة وابن أبي محيريز وهو وجه لبعض أصحابنا. حكاه الماوردي لكنه قال يقول السلام عليك ولا يقول عليكم بالجمع واحتج هؤلاء بعموم الأحاديث بإفشاء السلام وهي حجة باطلة لأنه عام مخصوص بحديث لا تبدأوا اليهود ولا النصارى بالسلام.
قوله : "وفي الباب عن أبي بصرة الغفاري وابن عمر وأنس وأبي عبد الرحمن الجهني" أما حديث أبي بصرة الغفاري فأخرجه النسائي، وأما حديث ابن عمر فأخرجه الترمذي في باب التسليم على أهل الكتاب، وأما حديث أنس فأخرجه

(7/481)


حَدِيثُ عَائِشَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
__________
أحمد والشيخان وأبو داود وابن ماجه، وأما حديث أبي عبد الرحمن الجهني فأخرجه ابن ماجه.
قوله : "حديث عائشة حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجه.

(7/482)


باب ما جاء في التسليم على مجلس فيه المسلمون وغيرهم
...
13-باب مَا جَاءَ في السّلاَمِ عَلى مَجْلِسِ فِيهِ المسْلِمُونَ وَغيْرِهْم
2845-حدثنا يَحْيَى بنُ مُوسَى، حدثنا عَبْدُ الرّزَاقِ، أخبرنا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن عُرْوَةَ أَنّ أُسَامَةَ بنَ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ "أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم مَرّ بِمَجْلِسٍ وَفِيهِ أَخْلاَطٌ مِنَ المُسْلِمِينَ وَاليَهُودِ فَسَلّمَ عَلَيْهِمْ".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
__________
"باب مَا جَاءَ في السّلاَمِ عَلى مَجْلِسِ فِيهِ المسْلِمُونَ وَغيْرِهْم"
قوله: "مر بمجلس فيه أخلاط" بفتح الهمزة جمع خلط. قال في القاموس: الخلط بالكسر كل ما خالط الشيء ومن الثمر المختلط من أنواع شتى وجمعه أخلاط انتهى. والمراد هنا المختلطون "من المسلمين واليهود" وفي رواية الشيخين: من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود "فسلم عليهم" قال النووي: السنة إذا مر بمجلس فيه مسلم وكافر أن يسلم بلفظ التعميم ويقصد به المسلم. قال ابن العربي: ومثله إذا مر بمجلس يجمع أهل السنة والبدعة، وبمجلس فيه عدول وظلمة وبمجلس فيه محب ومبغض. ذكره الحافظ في الفتح.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان مطولا.

(7/482)


14-باب مَا جَاءَ فِي تَسْلِيمِ الرّاكِبِ عَلَى الْمَاشِي
2846-حدثنا مُحمّدُ بنُ المُثَنّى وَ إِبْرَاهِيمُ بنُ يَعْقُوبَ، قَالاَ: حدثنَا رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ عن حَبِيبِ بنِ الشّهِيدِ، عن الْحَسَنِ عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "يُسَلّمُ الرّاكِبُ عَلَى المَاشِي وَالْمَاشِي عَلَى القَاعِدِ وَالقَلِيلُ عَلَى الكَثِيرِ . وَزَادَ ابنُ المُثَنّى في حَدِيثِهِ: وَيُسَلّم الصّغِيرُ
__________
"باب مَا جَاءَ فِي تَسْلِيمِ الرّاكِبِ عَلَى الْمَاشِي"
قوله: "يسلم الراكب على الماشي الخ" قال الحافظ في الفتح: قد تكلم العلماء على الحكمة فيمن شرع لهم الابتداء فقال ابن بطال عن المهلب تسليم الصغير لأجل حق الكبير لأنه أمر بتوقيره والتواضع له، وتسليم القليل لأجل حق الكثير لأن حقهم أعظم، وتسليم المار شبهه بالداخل على أهل المنزل، وتسليم الراكب لئلا يتكبر بركوبه فيرجع إلى التواضع. وقال ابن العربي: حاصل ما في هذا الحديث أن الفضول بنوع ما يبدأ الفاضل. وقال المازري: أما أمر الراكب فلأن له مزية على الماشي فعوض الماشي بأن يبدأه الراكب بالسلام أحتياطاً على الراكب من الزهو أن لو حاز الفضيلتين، وأما الماشي فلما يتوقع القاعد منه من الشر ولا سيما إذا كان راكباً فإذا ابتدأ بالسلام أمن منه ذلك وأنس إليه، أو لأن في التصرف في الحاجات امتهاناً فصار للقاعد مزية فأمر بالابتداء أو لأن القاعد يشق عليه مراعاة المارين مع كثرتهم فسقطت البداءة عنه للمشقة بخلاف المار فلا مشقة عليه، وأما القليل فلفضيلة الجماعة أو لأن الجماعة لو ابتدأوا لخيف على الواحد الزهو فاحتيط له ولم يقع تسليم الصغير على الكبير في صحيح مسلم وكأنه لمراعاة السن فإنه معتبر في أمور كثيرة في الشرع فلو تعارض الصغر المعنوي والحسي كأن يكون الأصغر أعلم مثلاً فيه نظر ولم أر فيه نقلاً والذي يظهر اعتبار السن لأنه الظاهر كما تقدم الحقيقة على المجاز. ونقل ابن دقيق العيد عن ابن رشد أن محل الأمر في تسليم الصغير على الكبير إذا التقيا فإن كان أحدهما راكباً والاَخر ماشياً بدأ الراكب، وإن كانا راكبين أو ماشيين بدأ الصغير انتهى ما في الفتح.

(7/483)


عَلَى الكَبِيرِ" وفي البابِ عن عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ شِبْلٍ وَفَضَالَةَ بنِ عُبَيْدٍ وَجَابِرٍ.
هذا حديثٌ قَدْ رُوِى مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ. وَقَالَ أَيّوبُ السّخْتِيَانِيّ وَيُونُسُ بنُ عُبَيْدٍ، وعَلِيّ بنُ زَيْدٍ إِنّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبي هُرَيْرَةَ.
2847-حدثنا سُوَيْدُ بنُ نَصْرٍ، أَخْبَرنَا عَبْدُ الله، حدثنَا حَيْوَةَ بنُ شُرَيْحٍ، أخبرني أَبُو هَانِئ اسمه حميد بن هانئ الخَوْلاَنِيّ عن أَبي عَلِيّ الْجَنْبِيّ عن فَضَالَةَ بنِ عُبَيدٍ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "يُسَلّمُ الْفَارِسُ عَلَى المَاشِي، وَالمَاشِي عَلَى الْقَائِمِ، وَالقَلِيلُ عَلَى الكَثِيرِ".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَأَبُو عَلِيٍ الْجَنْبِيّ اسْمُهُ عَمْرُو بنُ مَالِكٍ.
__________
قوله : "وفي الباب عن عبد الرحمن بن شبل وفضالة بن عبيد وجابر" أما حديث عبد الرحمن بن شبل فأخرجه عبد الرزاق وأحمد بسند صحيح بلفظ: يسلم الراكب على الراجل والراجل على الجالس والأقل على الأكثر فمن أجاب كان له ومن لم يجب فلا شيء له كذا في الفتح، وأما حديث فضالة بن عبيد فأخرجه الترمذي في هذا الباب، وأما حديث جابر فلينظر من أخرجه "هذا حديث قد روى من غير وجه عن أبي هريرة" حديث أبي هريرة هذا أخرجه الشيخان من غير طريق الترمذي "وقال أيوب السختياني الخ" فحديث أبي هريرة من هذا الطريق منقطع.
قوله : "عن أبي علي الجنبي" بفتح الجيم وسكون النون بعدها موحدة اسمه عمرو بن مالك الهمداني المرادي ثقة من الثالثة.
قوله : "والماشي على القائم" الظاهر أن المراد بالقائم المستقر في مكانه سواء كان جالساً أو واقفاً أو مضطجعاً.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري في الأدب المفرد والنسائي وابن حبان في صحيحه.

(7/484)


2848-حدثنا سُوَيْدُ بنُ نَصْرٍ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الله بنُ المُبَارَكِ، أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ عن هَمّامِ بنِ مُنَبّهٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "يُسَلّمُ الصّغِيرُ عَلَى الكَبِيرِ وَالمَارّ عَلَى القَاعِدِ وَالقَلِيلُ عَلَى الكَثِيرِ" .
قالَ: وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
__________
قوله : "والقليل على الكثير" قال النووي هذا الأدب إنما هو فيما إذا تلاقى اثنان في طريق، أما إذا ورد على قعود أو قاعد فإن لوارد يبدأ بالسلام بكل حال سواء كان صغيراً أو كبيراً. قليلا أو كثيراً.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري وأبو داود.

(7/485)


باب التسليم عند القيام والقعود
...
15- باب مَا جَاءَ في التّسْلِيمِ عِنْد القِيَامِ وَعِندَ القُعُود
2849-حدثنا قُتَيْبَةُ، حدثنَا الّليثُ، عن ابنِ عَجْلاَنَ، عن سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ عن أَبي هُرَيْرَةَ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "إِذَا انْتَهَى أَحَدُكُمْ إِلَى مَجْلِسٍ فَلْيُسَلّمْ، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يَجْلِسَ فَلْيَجْلِسْ، ثمّ إِذَا قَامَ فَلَيُسَلّمْ فَلَيْسَتْ الأُولَى بِأَحَقّ مِنَ الاَخِرَةِ".
__________
"باب مَا جَاءَ في التّسْلِيمِ عِنْد القِيَامِ وَعِندَ القُعُود"
قوله: "إذا انتهى" أي جاء ووصل "فإن بدا" بالألف أي ظهر "ثم إذا قام" أي بعد أن يجلس والظاهر أن المراد به أنه إذا أراد أن ينصرف ولو لم يجلس "فليست الأولى" أي التسليمة الأولى "بأحق" أي بأولى وأليق "من الاَخرة" قال الطيبي: أي كما أن التسليمة الأولى إخبار عن سلامتهم من شره عند الحضور فكذلك الثانية إخبار عن سلامتهم من شره عند العيبة، وليست السلامة عند الحضور أولى من السلامة عند الغيبة بل الثانية أولى انتهى. قال النووي: ظاهر هذا الحديث يدل على أنه يجب على الجماعة رد السلام على الذي يسلم على الجماعة عند المفارقة. قال القاضي حسين وأبو سعيد المتولي: جرت عادة بعض الناس

(7/485)


هذا حديثٌ حسنٌ. وَقَدْ رُوِيَ هذَا الْحَدِيثُ أَيضاً عن ابنِ عَجْلاَنَ عن سعِيدِ المَقْبُرِيّ عن أَبِيِه عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
__________
بالسلام عند المفارقة وذلك دعاء يستحب جوابه ولا يجب لأن التحية إنما تكون عند اللقاء لا عند الانصراف وأنكره الشاشي وقال: إن السلام سنة عند الانصراف كما هو سنة عند اللقاء فكما يجب الرد عند اللقاء كذلك عند الانصراف. وهذا هو الصحيح انتهى.
قوله : "هذا حديث حسن" وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم "وقد روي هذا الحديث عن ابن عجلان أيضاً عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم" أخرجه النسائي من هذا الطريق ومن الطريق السابق أيضاً كما صرح به المنذري في تلخيص السنن. وقال الترمذي: في باب وصف الصلاة: وسعيد المقبري قد سمع من أبي هريرة وروى عن أبيه عن أبي هريرة.

(7/486)


باب الاستئذان قبالة البيت
...
16-باب مَا جَاءَ في الاسْتِئْذَان قُبَالَةَ البَيت
2850-حدثنا قُتَيْبَةُ، حدثنَا ابنُ لَهِيعَةَ عن عُبَيْدِ الله بنِ أَبي جَعْفَرٍ، عن أَبي عَبْدِ الرحمنِ الْحُبُلِيّ عن أَبي ذَرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى
__________
"باب مَا جَاءَ في الاسْتِئْذَان قُبَالَةَ البَيت"
قال في القاموس: قبالته بالضم تجاهه والظاهر أن مقصود الترمذي بهذا الباب أنه لا ينبغي المستأذن أن يقوم تجاه الباب للاستئذان بل يقوم في أحد جانبيه كما روى أحمد في مسنده عن عبد الله بن يسر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاء الباب يستأذن لم يستقبلهم يقول يمشي مع الحائط حتى يستأذن فيؤذن له أو ينصرف
قوله : "عن عبيد الله بن أبي جعفر" المصري أبي بكر الفقيه مولى بني كتانة أو أمية قيل اسم أبيه يسار ثقة. وقيل عن أحمد إنه لينه وكان فقيهاً عابداً، قال أبو حاتم: هو مثل يزيد بن حبيب من الخامسة.

(7/486)


الله عليه وسلم: "مَنْ كَشَفَ سِتْراً فَأَدْخَلَ بَصَرَهُ في البَيْتِ قَبْلَ أَنْ يُؤذَنَ لَهُ فَرَأَى عَوْرَةَ أَهْلِهِ، فَقَدْ أَتَى حَدّاً لاَ يَحِلُ لَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ: لَوْ أَنّهُ حِينَ أَدْخَلَ بَصَرَهُ اسْتَقْبَلَهُ رَجُلٌ فَفَقَأَ عَيْنَيْهِ مَا غَيرَتْ عَلَيْهِ، وَإنْ مَرّ رَجُلٌ عَلَى بَابٍ لاَسِتْرَ لَهُ غَيْرَ مُغْلَقٍ فَنَظَرَ فَلاَ خَطِيئَةَ عَلَيْهِ، إِنّمَا الْخَطِيئَةُ عَلَى أَهْلِ البَيْتِ" . وفي البابِ عن أَبي هُرَيْرَةَ وَأَبِي أُمَامَةَ.
__________
قوله : "من كشف" أي رفع وأزال "ستراً" بكسر أوله أي ستارة وحاجزاً "فأدخل بصره في البيت قبل أن يؤذن له" أي في الكشف والدخول "فرأى عورة أهل البيت" وهي كل ما يستحق منه إذا ظهر "فقد أتى حداً" أي فعل شيئاً يوجب الحد أي التعزير "لا يحل له أن يأتيه" استئناف متضمن للعلة أو معناه أتى أمراً لا يحل له أن يأتيه وإليه ينظر قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} ويؤيده قوله "لو أنه حين أدخل بصره فاستقبله رجل" أي من أهل البيت "ففقاً" قال في القاموس: فقأ العين كمنع كسرها أو قلعها أو بحقها "عينيه" وفي بعض النسخ عينه بالإفراد "ما عبرت عليه" أي ما نسبته إلى العيب قال الطيبي: يحتمل أن يراد به العقوبة المانعة عن إعادة الجاني. فالمعنى فقد أتى موجب حد على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه كما ذهب إليه الأشرف والمظهر وإن يراد به الحاجز بين الموضعين كالحمى، فقوله لا يحل صفة فارقة تخصص الاحتمال الثاني بالمراد ويدل عليه إيقاعقوله "وإن مر رجل على باب لا ستر له" مقابلاً لقوله من كشف ستراً إلخ "غير مغلق" بفتح اللام أي غير مردود وغير منصوب على الحالية وقيل مجرور على أنه صفة باب "فنظر" أي من غير قصد "فلا خطيئة عليه إنما الخطيئة على أهل البيت" فيه أن أحد الأمرين واجب إما الستر وإما الغلق.
قوله : "وفي الباب عن أبي هريرة وأبي أمامة" أما حديث أبي هريرة فأخرجه الشيخان وغيرهما. ولفظ البخاري قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: لو أن امراً اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح، وأْما حديث أبي أمامة فأخرجه أحمد وفيه: ولا يدخل عينيه بيتاً حتى يستأذن.

(7/487)


هذا حديثٌ غريبٌ لاَ نَعْرِفُهُ مِثْلَ هَذَا إِلاّ مِنْ حَدِيثِ ابنِ لَهِيعَةَ. وَأَبُو عَبْدِ الرّحْمَنِ الْحُبُلِيّ اسْمُهُ عَبْدُ الله بنُ يَزِيدَ.
__________
قوله : "هذا حديث غريب" قال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث: رواه أحمد ورواته رواة الصحيح إلا ابن لهيعة، ورواه الترمذي وقال حديث غريب الخ.

(7/488)


17- باب مَنْ اطّلَع في دَارِ قَوْم بِغَيْرِ إِذْنِهِم
2851-حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عَبْدُ الوَهّابِ الثّقَفِيّ عن حُمَيْدٍ عن أَنَسٍ أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ في بَيْتِهِ فَاطّلَعَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَأَهْوَى إِلَيْهِ بِمِشْقَصٍ فَتَأَخّرَ الرّجُلُ.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
2852-حدثنا ابنُ أَبي عُمَرَ، حدثنَا سُفْيَانُ عن الزّهْرِيّ عن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ السّاعِدِيّ أَنّ رَجُلاً اطّلَعَ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ جُحْرٍ في حُجْرَةِ رَسُولّ الله صلى الله عليه وسلم وَمَعَ النبيّ صلى الله عليه وسلم
__________
"باب مَنْ اطّلَع في دَارِ قَوْم بِغَيْرِ إِذْنِهِم"
قوله: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في بيته فاطلع عليه رجل" وفي رواية للبخاري أن رجلا أطلع في جحر في بعض حجر النبي صلى الله عليه وسلم "فأهوى إليه بمشقص" قال في النهاية أهوى بيده إليه أي مدها نحوه وأمالها إليه انتهى. والمشقص بكسر أوله وسكون ثانيه وفتح ثالثه نصل السهم إذا كان طويلا غير عريض، وفي رواية للبخاري: فقام إليه بمشقص أو مشاقص وجعل بختله ليطعنه.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وغيرهما.
قوله : "أن رجلا أطلع على رسول الله صلى الله عليه وسلم من جحر" بضم الجيم وسكون المهملة وهو كل ثقب مستدير في أرض أو حائط، وأصلها مكامن الوحش "في حجرة النبي صلى الله عليه وسلم" بضم الحاء المهملة وسكون الجيم

(7/488)


مِدرَاةُ يَحُكّ بِهَا رَأْسَهُ، فَقَالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: "لَوْ عَلِمْتُ أَنّكَ تَنْظُرُ لَطَعَنْتُ بِهَا في عَيْنِكَ. إِنّمَا جُعِلَ الاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ البَصَرِ" .
__________
"ومع النبي صلى الله عليه وسلم مدراة" وفي رواية الشيخين مدري، قال الحافظ المدري بكسر الميم وسكون المهملة: عود تدخله المرأة في رأسها لتضم بعض شعرها إلى بعض وهو يشبه المسلة يقال مدرت المرأة سرحت شعرها، وقيل مشط له أسنان يسيرة. وقال الأصمعي وأبو عبيد هو المشط، وقال الجوهري أصل المدري القرن. كذلك المدراة، وقيل هو عود أو حديدة كما كالخلال لها رأس محدد، وقيل خشبة على شكل شيء من أسنان المشط ولها ساعد جرت عادة الكبير أن يحك بها ما لا تصل إليه يده من جسده ويسرح بها الشعر الملبد من لا يحضره المشط، وقد ورد في حديث لعائشة ما يدل على أن المدري غير المشط أخرجه الخطيب في الكفاية عنها. قالت خمس لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يدعهن في سفر ولا حضر المرأة والمكحلة والمشط المدري والسواك، وفي إسناده أبو أمية بن يعلى وهو ضعيف. وأخرجه ابن عدي من وجه آخر ضعيف أيضاً، وأخرجه الطبراني في مسند الشاميين من وجه آخر عن عائشة أقوى من هذا، لكن فيه قارورة دهن بدل المدري "يحك" بصيغة الفاعل "بها" أي بالمدراة "لو علمت" أي يقيناً "أنك تنظر" أي قصداً وعمداً "لطعنت بها في عينك" قال الطيبي: دل على أن الاطلاع مع غير قصد النظر لا يترتب عليه الحكم كالمار "إنما جعل" أي شرع "الاستيذان من أجل البصر" قال النووي: معناه أن الاستئذان مشروع ومأمور به وإنما جعل لئلا يقع البصر على الحرم فلا يحل لأحد أن ينظر في جحر باب ولا حفيرة مما هو متعرض فيه لوقوع بصره على امرأة أجنبية انتهى. قال الحافظ: ويؤخذ منه أنه يشرع الاستئذان على كل أحد حتى المحارم لئلا تكون منكشفة العورة. وقد أخرج البخاري في الأدب المفرد عن نافع: كان ابن عمر إذا بلغ بعض ولده الحلم لم يدخل عليه إلا بإذن، ومن طريق علقمة: جاء رجل إلى ابن مسعود فقال أستأذن على أمي؟ فقال ما على كل أحيانها تريد أن تراها، ومن طريق مسلم بن نذير: سأل رجل حذيفة أستأذن على أمي؟ قال إن لم تستأذن عليها رأيت ما تكره، ومن طريق موسى بن طلحة دخلت مع أبي علي أمي فدخل واتبعته فدفع في صدري وقال تدخل

(7/489)


وفي البابِ عن أَبي هُرَيْرَةَ. هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
__________
بغير إذن؟ ومن طريق عطاء: سألت ابن عباس أستأذن على أختي؟ قال: نعم، قلت: إنها في حجري، قال: أتحب أن تراها عريانة؟ وأسانيد هذه الآثار كلها صحيحة انتهى.
قوله : "وفي الباب عن أبي هريرة" لعله أشار إلى حديثه الذي أشار إليه في الباب المتقدم وقد ذكرنا لفظه.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وغيرهما.

(7/490)


باب التسليم قبل الاستئذان
...
18-باب مَا جَاءَ في التّسْلِيمِ قَبْلَ الاسْتِئْذَان
2853-حدثنا سُفْيَانُ بنُ وَكِيعٍ، حدثنا رَوْحُ بن عُبَادَةَ عن ابنِ جُرَيْجٍ قالَ أخبرني عَمْرُو بنُ أَبي سُفْيَانَ أَنّ عَمْرو بنَ عَبْدِ الله بنِ صَفْوَانَ أخبره أَنْ كلَدَةَ بنَ حَنْبَلٍ اخبره: "انّ صَفْوَانَ بنَ أُمَيّةَ بَعَثَهُ بِلَبَنٍ وَلِبَاءٍ
__________
"باب مَا جَاءَ في التّسْلِيمِ قَبْلَ الاسْتِئْذَان"
قوله: "أخبرني عمرو بن أبي سفيان" بن عبد الرحمن بن صفوان بن أمية بن خلف الجمحي ثقة من الخامسة روى عن أمية بن صفوان وابن عم أبيه عمرو بن عبد الله بن صفوان وغيرهما وعنه أخوه حنظلة وابن جريج وغيرهما "أن عمرو بن عبد الله بن صفوان" بن أمية بن خلف الجمحي المكي صدوق شريف من الرابعة "أن كلدة" بكاف ولام مفتوحتين "بن حنبل" بفتح المهملة والموحدة بينهما نون ساكنة. قال في التقريب: كلدة بن الحنبل ويقال ابن عبد الله بن الحنبل الجمحي المكي صحابي له حديث وهو أخو صفوان بن أمية لأمه انتهى. وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته: روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفة الاستئذان والسلام وعنه أمية ابن صفوان بن أمية وعمرو بن عبد الله بن صفوان بن أمية انتهى "أن صفوان بن أمية" بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمع القرشي الجمحي كنيته أو وهب وقيل أبو أمية قتل أبوه يوم بدر كافراً وأسلم هو بعد الفتح وكان من المؤلفة وشهد اليرموك روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعنه أولاده أمية وعبد الله وعبد الرحمن وغيرهم "بعثه" أي أرسله زاد أحمد في روايته في الفتح "ولبإٍ"

(7/490)


وَضَغَابِيسَ إِلَى النبيّ صلى الله عليه وسلم وَالنبيّ صلى الله عليه وسلم بِأَعْلَى الْوَادِي، قالَ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَلَمْ أَسْتَأْذِنْ، وَلَمْ أُسَلّمْ، فَقَالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: "ارْجِعْ فَقُلْ السّلاَمُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ؟" وَذَلِكَ بَعْدَ مَا أَسْلَمَ صَفْوَانُ. قال عَمْرُو: وَأخبرني بِهَذَا الحديثِ أُمَيّةُ بنُ صَفْوَانَ. وَلَمْ يَقُلْ سَمِعْتُهُ مِنْ كِلْدَةَ".
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ حَدِيثِ ابنِ جُرَيْجٍ. وَرَوَاهُ أَبُو عَاصِمٍ أَيْضاً عن ابنِ جُرَيْجٍ مِثْلَ هَذَا.
2854-حدثنا سُوَيْدُ بنُ نَصْرٍ، أخبرنا عَبْدُ الله بنُ المُبَارَكِ،
__________
كعنب وهو أول ما يحلب عند الولادة كذا في النهاية "وضغابيس" جمع ضغبوس بالضم وهي صغار القثاء، وقيل هي نبت ينبت في أصول الثمام يشبه الهليون يسلق بالخل والزيت ويؤكل كذا في النهاية "والنبي صلى الله عليه وسلم بأعلى الوادي" وفي رواية أبي داود بأعلى مكة.
قوله : "قال عمرو" أي ابن أبي سفيان "وأخبرني بهذا الحديث أمية بن صفوان" بن أمية بن خلف الجمحي المكي مقبول من الرابعة "ولم يقل سمعته من كلدة" أي لم يذكر لفظ الإخبار. وقال أبو داود في سننه بعد رواية هذا الحديث ما لفظه: قال عمرو وأخبرني ابن صفوان بهذا أجمع عن كلدة بن الحنبل ولم يقل سمعته منه انتهى.
والحاصل: أن عمرو بن أبي سفيان روى هذا الحديث عن شيخين له أحدهما عمرو بن عبد الله بن صفوان بن أمية وثانيهما أمية بن صفوان ابن أمية وكلاهما روياه عن كلدة لكن الأول روى عنه بلفظ الإخبار والثاني بلفظ عن.
قوله : "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي.

(7/491)


انبانا شُعْبَةُ، عن مُحمّدِ بنِ المُنْكَدِر، عن جَابِرٍ قالَ: " اسْتَأْذَنْتُ عَلَى النبيّ صلى الله عليه وسلم في دَيْنٍ كَانَ عَلَى أَبي، فَقَالَ مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ أَنَا، فَقَالَ أَنَا أَنَا. . ؟ كأنّهُ كَرِهَ ذَلِكَ" .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
__________
قوله : "استأذنت على النبي صلى الله عليه وسلم في دين كان على أبي" وفي رواية البخاري: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في دين كان على أبي فدققت الباب. قال ابن العربي: في حديث جابر مشروعية دق الباب ولم يقع في الحديث بيان هل كان بآلة أو بغير آلة قال الحافظ وقد أخرج البخاري في الأدب المفرد من حديث أنس أن أبواب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تقرع بالأظافير، وأخرجه الحاكم في علوم الحديث من حديث المغيرة بن شعبة وهذا محمول منهم على المبالغة في الأدب وهو حسن لمن قرب محله من بابه، أما من بعد عن الباب بحيث لا يبلغه صوت القرع بالظفر فيستحب أن يقرع بما فوق ذلك بحسبه. وذكر السهيلي أن السبب في قرعهم بابه بالأظافير أن بابه لم يكن فيه حلق فلأجل ذلك فعله، والذي يظهر أنه إنما كانوا يفعلون ذلك توقيراً وإجلالا وأدباً انتهى. "فقال من هذا" أي الذي يستأذن "فقال أنا أنا" إنكار عليه أي قولك أنا مكروه فلا تعد، وأنا الثاني تأكيد للأول. قاله الطيبي ويمكن أن يكون معنى قوله أنا أنا إن كلمة أنا عامة كما تصدق عليك تصدق علي أيضاً فلا تغني عن سؤال السائل. قال النووي قال العلماء: إذا استأذن أحد فقيل له من أنت أو من هذا كره أن يقول أنا لهذا الحديث. ولأنه لم يحصل بقوله أنا فائدة ولا زيادة بل الإبهام باق بل ينبغي أن يقول فلان باسمه. وإن قال أنا فلان فلا بأس كما قالت أم هانئ حين استأذنت فقال النبي صلى الله عليه وسلم من هذه؟ فقالت أنا أم هانئ ولا بأس بقوله أنا أبو فلان أو القاضي فلان أو الشيخ فلان إذا لم يحصل التعريف بالاسم لخفائه. والأحسن في هذا أن يقول أنا فلان المعروف بكذا انتهى "كأنهك أيقوله أنا في جواب من هذا لأنه ليس فيه بيان إلا إن كان المستأذن ممن يعرف المستأذن عليه صوته ولا يلتبس بغيره والغالب الالتباس قاله المهلب.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه.

(7/492)


باب في كراهية طروق الرجل أهله ليلا
...
19-باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ طرُوقِ الرّجُلِ أَهْلَهُ لَيْلا
2855-أخبرنا أَحْمَدُ بنُ مَنيعٍ، حدثنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن الأَسْوَدِ بنِ قَيْسٍ، عن نُبَيْحٍ العَنَزِيّ عن جَابِرٍ: "أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم نَهَاهُمْ أَنْ يَطْرُقُوا النّسَاءَ لَيْلاً"
__________
"باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ طرُوقِ الرّجُلِ أَهْلَهُ لَيْلا"
قوله: "نهاهم أن يطرقوا" من باب نصر ينصر، قال الحافظ في الفتح: قال أهل اللغة الطروق بالضم المجيء بالليل من سفر أو غيره على غفلة، ويقال لكل آت بالليل طارق ولا يقال بالنهار إلا مجازاً، وقال بعض أهل اللغة: أصل الطروق الدفع والضرب وبذلك سميت الطريق لأن المارة تدقها بأرجلها، وسمي الاَتي بالليل طارقاً لأنه يحتاج غالباً إلى دق الباب. وقيل أصل الطروق السكون ومنه أطرق رأسه فلما كان الليل يسكن فيه سمي الاَتي فيه طارقاً انتهى. وقد روي هذا الحديث عن جابر بألفاظ فروى مسلم من طريق سيار عن عامر عنه بلفظ إذا قدم أحدكم ليلاً فلا يأتين أهله طروقاً حتى تستحد المغيبة وتمتشط الشعثة. ومن طريق عاصم عن الشعبي عنه بلفظ: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أطال الرجل الغيبة أن يأتي أهله طروقاً، ومن طريق سفيان عن محارب عنه بلفظ: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطرق الرجل أهله ليلاً يتخونهم أو يطلب عثراتهم: قال النووي: معنى هذه الروايات كلها أنه يكره لمن طال سفره، أن يقدم على امرأته ليلاً بغتة فأما من كان سفره قريباً تتوقع امرأته إتيانه ليلاً فلا بأس كما قال في إحدى هذه الروايات إذا أطال الرجل الغيبة وإذا كان في قفل عظيم أو عسكر ونحوهم واشتهر قدومهم ووصولهم وعلمت امرأته وأهله أنه قادم معهم وأنهم الاَن داخلون، فلا بأس بقدومه متى شاء لزوال المعنى الذي نهي بسببه، فإن المراد أن يتأهبوا وقد حصل ذلك ولم يقدم بغتة، ويؤيد ما ذكرناه ما جاء في الحديث الاَخر: "أمهلوا حتى ندخل ليلاً أي عشاء كي تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة" فهذا تصريح فيما قلناه وهو مفروض في أنهم أرادوا الدخول

(7/493)


وفي البابِ عن أَنَسٍ وابنِ عُمَرَ وابنِ عَبّاسٍ.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ جَابِرٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وَقَدْ رُوِيَ عن ابنِ عَبّاسٍ: "أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم نَهَاهُمْ أَن يَطْرُقُوا النّسَاءَ لَيْلاً. قالَ فَطَرَقَ رَجُلاَنِ بَعْدَ نَهْىِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَوَجَدَ كلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً".
__________
في أوائل النهار بغنة فأمرهم بالصبر إلى آخر النهار ليبلغ خبر قدومهم إلى المدينة وتتأهب النساء وغيرهن، انتهى كلام النووي.
قوله : "وفي الباب عن أنس وابن عمر وابن عباس" أما حديث أنس فأخرجه أحمد والشيخان والنسائي، وأما حديث ابن عمر فأخرجه ابن خزيمة في صحيحه، وأما حديث ابن عباس فأخرجه أيضاً ابن خزيمة.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والشيخان.
قوله : "وقد روي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهاهم أن يطرقوا النساء ليلاً قال فطرق رجلان الخ" رواه ابن خزيمة ورواه عن ابن عمر أيضاً كما في الفتح.

(7/494)


20- باب ما جَاءَ في تَتْرِيبِ الكِتَاب
2856-حدثنا مَحْمُودُ بنُ غَيْلاَنِ، حدثنَا شَبَابَةُ عن حَمْزَةَ، عن أَبي الزّبَيْرِ عن جَابِرٍ، أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "إِذَا كَتَبَ أَحَدُكُمْ كِتَاباً فلْيُتَرّبْهُ فَإِنّهُ أَنْجَحُ لِلْحَاجَةِ" .
__________
"باب ما جَاءَ في تَتْرِيبِ الكِتَاب"
قوله: "عن حمزة" بن أبي حمزة الجعفي الجزري النصيبي واسم أبيه ميمون وقيل عمرو، متروك متهم بالوضع من السابعة.
قوله : "فليتربه" بتشديد الراء من التتريب ويجوز أن يكون من الإتراب

(7/494)


هذا حديثٌ مُنْكَرٌ لاَ نَعْرِفُهُ عن أَبي الزّبَيْرِ إِلا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. قالَ: وَحَمْزَةُ هُوَ عندي ابنُ عَمْرٍو النّصَيْبِيّ وَهُوَ ضَعِيفٌ في الحدِيثِ.
__________
قال في المجمع: أي ليسقطه على التراب اعتماداً على الحق تعالى في إيصاله إلى المقصد أو أراد ذو التراب على المكتوب أو ليخاطب الكاتب خطاباً على غاية التواضع أقوال انتهى. وقال المظهر: قيل معناه فليخاطب خطاباً على غاية التواضع، والمراد بالتتريب المبالغة في التواضع في الخطاب، قال القاري: هذا موافق لمتعارف الزمان لا سيما فيما بين أرباب الدنيا وأصحاب الجاه، لكنه مع بعد مأخذ هذا المعنى من المبنى مخالف لمكاتبته صلى الله عليه وسلم إلى الملوك، وكذا إلى الأصحاب انتهى. قيل ويمكن أن يكون الغرض من التتريب تجفيف بلة المداد صيانة عن طمس الكتابة، ولا شك أن بقاء الكتابة على حالها أنجح للحاجة وطموسها مخل للمقصود، قلت: قول من قال إن المراد بتتريب الكتاب ذو التراب عليه للتجفيف هو المعتمد. قال في القاموس: أتربه جعل عليه التراب انتهى. وقال في النهاية يقال أتربت الشيء إذا جعلت عليه التراب "فإنه نجح للحاجة" بتقديم الجيم على الحاء أي أقرب لقضاء مطلوبه وتيسر مأربه.
قوله : "هذا حديث منكر" لأن في سنده حمزة بن أبي حمزة النصيبي وهو متروك متهم بالوضع كما عرفت، والحديث قد أخرجه أيضاً ابن ماجه من طريق بقية عن أبي أحمد الدمشقي عن أبي الزبير عن جابر ولفظه: "تربوا صحفكم أتجح لها إن التراب مبارك" . وأبو أحمد الدمشقي مجهول. وفي الباب عن أبي الدرداء أخرجه الطبراني في الأوسط بلفظ: "إذا كتب أحدكم إلى إنسان فليبدأ بنفسه، وإذا كتب فليترب كتابه فهو أنجح" . قال المناوي: وهو ضعيف كما بينه الهيثمي "وحمزة هو ابن عمرو النصيبي الخ" قال الحافظ في تهذيب التهذيب قال المزي: لا نعلم أحداً قال فيه حمزة ابن عمرو إلا الترمذي. وكأنه اشتبه عليه بحماد بن عمرو النصيبي وقد ذكره العقيلي فقال حمزة بن أبي حمزة النصيبي وهو حمزة بن ميمون ثم ساق له الحديث الذي أخرحه الترمذي انتهى. وقال في التقريب في ترجمته" : واسم أبيه ميمون وقيل عمر وكما عرفت آنفاً.

(7/495)


21- باب
2857-حدثنا قُتَيْبَةُ، أخبرنا عَبْدُ الله بنُ الْحَارِثِ، عن عَنْبَسَةَ عن مُحمَدِ بنِ زَاذَانَ، عن أُمّ سَعْدٍ، عن زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ قالَ: "دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَبَيْنَ يَدَيْهِ كَاتِبٌ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: "ضَعِ القَلَمَ عَلَى أُذُنِكَ فَإِنّهُ أَذْكَرُ لِلْمُمْلي" .
__________
"باب"
قوله: "حدثنا عبد الله بن الحارث" بن عبد الملك المخزومي أبو محمد المكي ثقة من الثامنة، ووقع في النسخة الأحمدية عبيد الله بن الحارث بالتصغير وهو غلط "عن أم سعد" قال الحافظ في تهذيب التهذيب: أم سعد قيل إنها بنت زيد بن ثابت، وقيل امرأته، وقيل إنها من المهاجرات روت عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن زيد بن ثابت وعائشة، روى حديثها عنبسة بن عبد الرحمن أحد المتروكين عن محمد بن زاذان عنها، وقيل عن محمد بن وردان عن عبد الله ابن خارجة عنها، انتهى.
قوله : "فسمعته" أي النبي صلى الله عليه وسلم "يقول" أي له "ضع القلم على أذنك" بضم الذال ويسكن أي فوق أذنك معتمداً عليها "فإنه أذكر للمعلى" وفي بعض النسخ للمالي. قال في المجمع: هو فاعل من ملا يملي ولم يجيء في اللغة وإنما فيها ممل ومملئ وفيه أذكر للمعلي وروى المعلي والمراد به الكاتب مجازاً يريد وضع القلم على الأذن أسرع تذكراً فيما يريد الكاتب إنشاءه من العبارات لأنه يقتضي التأني وعدم العجلة، وكون القلم في اليد يحمل على الكتب بأدنى تفكر فلا يحسن عبارته وفي وضعه على الأرض صورة الفراغ عن الكتابة فتقاعد النفس عن التأمل كذا قيل انتهى. وقال القاري: معناه أن وضع القلم على الأذن أقرب تذكراً لموضعه وأيسر محلاً لتتاوله، بخلاف ما إذا وضعه في محل آخر فإنه ربما يتعسر عليه حصوله بسرعة من غير مشقة انتهى. ووقع في المشكاة: فإنه أذكر للمآل. قال القاري: أي لعاقبة الأمر والمعنى أنه أسرع تذكيراً فيما يراد من إنشاء

(7/496)


هذا حديثٌ غريبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَهُوَ إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ. ومُحمّدُ بنُ زَاذَانَ وَعَنْبَسَةُ بنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ يُضَعّفَانِ.
__________
العبارة في المقصود، ثم قال لعل لفظ المملي هو الصحيح في الحديث وأن لفظ للمآل مصحف عن هذا المقال. ويؤيده رواية ابن عساكر عن أنس بلفظ أذكر لك.
قوله : "هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه وهو إسناد ضعيف" قال القاري لكن يعضده أن ابن عساكر روى عن أنس مرفوعاً ولفظه: "إذا كتبت فضع قلمك على أذنك فإنه أذكر لك" ، وقال السيوطي في تعقباته على موضوعات ابن الجوزي: حديث زيد بن ثابت: ضع القلم على أذنك الحديث. فيه عنبسة متروك عن محمد بن زاذان لا يكتب حديثه. قال الحديث أخرجه الترمذي من هذا الوجه وله شاهد من حديث أنس أخرجه الديلمي انتهى.

(7/497)


باب في تعليم السريانية
...
22-باب ما جَاءَ في تَعْلِيمِ السّرْيَانِيّة
2787-حدثنا عَلِيّ بنُ حُجْرٍ، أخبرنا عَبْدُ الرحمنِ بنُ أَبي الزّنَادِ عن أَبِيهِ، عن خَارِجَةَ بنِ زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ، عن أَبِيِه زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ قالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ أَتَعَلّمَ لَهُ كَلِمَاتٍ مِنْ كِتَابِ يَهُودَ وَقالَ إِنّي وَالله مَا آمَنُ يَهُودَ عَلَى كِتَابِي ، قالَ فَمَا مَرّ بي نِصْفُ شَهْرٍ حَتّى
__________
"باب ما جَاءَ في تَعْلِيمِ السّرْيَانِيّة"
بضم السين وسكون الراء وهي لغة الإنجيل والعبرانية لغة التوراة
قوله : "عن أبيه زيد بن ثابت" بن الضحاك بن لوذان الأنصاري التجاري كنيته أبو سعيد ويقال أبو خارجة صحابي مشهور كتب الوحي قال مسروق كان من الراسخين في العلم.
قوله : "وقال" أي النبي صلى الله عليه وسلم في تعليل الأمر على وجه الاستئناف المبين "إني والله ما آمن" بمد همز وفتح ميم مضارع متكلم من أمن الثلاثي ضد خاف "يهود" أي في الزيادة والنقصان "على كتابي" أي لا في

(7/497)


تَعَلّمْتُهُ لَهُ، قالَ فَلّمَا تَعَلّمْتُهُ كَانَ إِذَا كَتَبَ إِلَى يَهُودَ كَتَبْتُ الَيْهِمْ، وَإِذَا كَتَبُوا إِلَيْهِ قَرَأْتُ لَهُ كِتَابَهُمْ".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وَقَد رُوِيَ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ عن زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ، وَقَدْ رَوَاهُ الأَعْمَشُ عن ثَابِتِ بنِ عُبَيْدٍ الأنصاريّ عن زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ قال: "أَمَرَنِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ أَتَعَلّمَ السّرْيَانِيّةَ".
__________
قراءته ولا في كتابته. قال المظهر أي أخاف إن أمرت يهودياً بأن يكتب مني كتاباً إلى اليهود أن يزيد فيه أو ينقص. وأخاف إن جاء كتاب من اليهود فيقرأه يهودي فيزيد وينقص فيه "قال" أي زيد "فما مر بي" أي ما مضى علي من الزمان "حتى تعلمته" قال الطيبي مغياه مقدر، أي ما مر بي نصف شهر في التعلم حتى كمل تعلمي، قال القاري: قيل فيه دليل على جواز تعلم ما هو حرام في شرعنا للتوقي والحذر عن الوقوع في الشر. كذا ذكره الطيبي في ذيل كلام المظهر وهو غير ظاهر، إذ لا يعرف في الشرع تحريم تعلم لغة من اللغات سريانية أو عبرانية أو هندية أو تركية أو فارسية، وقد قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ} أي لغاتكم بل هو من جملة المباحات، نعم يعد من اللغو ومما لا يعني وهو مذموم عند أرباب الكمال إلا إذا ترتب عليه فائدة فحينئذ يستحب كما يستفاد من الحديث انتهى "كان" أي النبي صلى الله عليه وسلم "إذا كتب إلى يهود" أي أراد أن يكتب إليهم أو إذا أمر بالكتابة إليهم "كتبت إليهم" أي بلسانهم "قرأت له" أي لأجله "كتابهم" أي مكتوبهم إليه.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وذكره البخاري في صحيحه معلقاً قال الحافظ في الفتح هذا التعليق من الأحاديث التي لم يخرجها البخاري إلا معلقة وقد وصله مطولاً في كتاب التاريخ. قال وأخرجه أبو داود والترمذي من رواية عبد الرحمن بن أبي الزناد، وقال الترمذي حسن صحيح انتهى.
قوله : "وقد رواه الأعمش عن ثابت بن عبيد عن زيد بن ثابت يقول أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتعلم السريانية" قال الحافظ بعد نقل كلام

(7/498)


......................................
__________
الترمذي هذا ما لفظه: هذه الطريق وقعت لي بعلو في فوائد هلال الحفار. قال وأخرجه أحمد وإسحاق في مسنديهما وأبو بكر بن أبي داود في كتاب المصاحف انتهى كلام الحافظ محتصراً.
فائدة : وقع في رواية عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن خارجه لفظ: أن أتعلم له كلمات من كتاب يهود. ووقع في رواية الأعمش عن ثابت بن عبيد أن أتعلم السريانية، قال الحافظ قصة ثابت يمكن أن تتخذ مع قصة خارجة بأن من لازم تعلم كتابة اليهودية تعلم لسانهم ولسانهم السريانية، لكن المعروف أن لسانهم العبرانية فيحتمل أن زيداً تعلم اللسانين لاحتياجه إلى ذلك.

(7/499)


23-باب في مُكَاتبَةِ المشْرِكِين
2859-حدثنا يُوسُفُ بنُ حَمّادٍ البَصْرِيّ، حدثنا عَبْدُ الله الأَعْلَى عن سَعِيدٍ، عن قَتَادَةَ عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ: "أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَتَبَ قَبْلَ مَوْتِهِ إِلَى كِسْرَى وَإِلَى قَيْصَرَ، وَإِلَي بالنّجَاشِيّ وَإِلَى كُلّ جَبّارٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى الله، وَلَيْسَ النّجَاشِيّ الّذِي صَلّى عَلَيْهِ.
__________
"باب في مُكَاتبَةِ المشْرِكِين"
قوله: "حدثنا يوسف بن حماد البصري" المعنى ثقة من العاشرة "أخبرنا عبد الأعلى" ابن عبد الأعلى.
قوله : "كتب قبل موته إلى كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشي" بفتح النون وتخفيف الجيم وبعد الألف شين معجمة ثم ياء ثقيلة كياء النسب وقبل بالتخفيف ورجحه الصغاني وحكى المطرزي تشديد الجيم عن بعضهم وخطأه، قال النووي أما كسرى فبفتح الكاف وكسرها وهو لقب لكل من ملك من ملوك الفرس، وقيصر لقب من ملك الروم، والنجاشي لقب من ملك الحبشة، وخاقان لكل من ملك الترك، وفرعون لكل من ملك القبط، والعزيز لكل من ملك مصر، وتبع لكل من ملك حمير "وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله" روى الطبراني من حديث المسور بن مخرمة قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه فقال إن الله

(7/499)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.
__________
بعثني للناس كافة فأدوا عني ولا تختلفوا علي فبعث عبد الله بن حذافة إلى كسرى، وسليط بن عمرو إلى هوذة بن علي باليمامة، والعلاء بن الحضري إلى المنذر بن ساوي يهجر وعمرو بن العاص إلى جيفر وعباء ابني الجلندي بعمان، ودحية إلى قيصر، وشجاع بن وهب إلى ابن أبي شمر للغساني، وعمرو بن أمية إلى النجاشي، فرجعوا جميعاً قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم غير عمرو بن العاص. وزاد أصحاب السير أنه بعث المهاجر بن أبي أمية بن الحارث بن عبد كلال وجرير إلى ذي الكلاع، والسائب إلى مسيلمة، وحاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس ذكره الحافظ في الفتح "وليس بالنجاشي الذي صلى عليه" أي النبي صلى الله عليه وسلم فيه أن النجاشي الذي بعث إليه غير النجاشي الذي أسلم وصلى عليه واسمه أصحمة بوزن أفعلة مفتوح العين: قال النووي في هذا الحديث جوار مكاتبة الكفار ودعائهم إلى الإسلام والعمل بالكتاب وبخبر الواحد.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه مسلم.

(7/500)


24-باب كَيْفَ يُكْتَبُ إِلَى أَهْلِ الشرْك
2860-حدثنا سُوَيْدُ بنُ نَصْرٍ، أخبرنا عَبْدُ الله بنُ المُبَارَكِ، أخبرنا يُونُسُ عن الزّهْرِيّ، قالَ أخبرني عُبَيْدُ الله بنُ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ أَنّهُ، اخبَره أَنّ أَبَا سُفْيَانَ بنَ حَرْبٍ، اخبره أَنّ هِرَقلَ أَرْسَلَ
__________
"باب كَيْفَ يُكْتَبُ إِلَى أَهْلِ الشرْك"
قوله: "أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة" بن مسعود الهذلي أبو عبد الله المدني ثقة فقيه ثبت من الثالثة "أن أبا سفيان بن حرب" اسمه صخر بن حرب ابن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأموي صحابي شهير أسلم عام الفتح.
قوله : "أن هرقل" بكسر الهاء وفتح الراء وإسكان القاف هذا هو المشهور، ويقال هرقل بكسر الهاء وإسكان الراء وكسر القاف حكاه الجوهري في صحاحه وهو اسم علم له ولقبه قيصر وكذا كل من ملك الروم يقال له قيصر "أرسل

(7/500)


إِلَيْهِ في نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وكَانُوا تُجّاراً بالشّامِ فَأَتوهُ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ قالَ: ثُمَ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَقُرِئَ فَإِذَا فِيهِ "بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ مِنْ مُحَمّدٍ عَبْدِ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقلَ عَظِيمِ الرّومِ السّلاَمُ عَلَى مَنْ اتّبَعَ الْهُدَى، أَمّا بَعْدُ" .
__________
إليه" أي إلى أبي سفيان "في نفر من قريش" وفي رواية للبخاري في ركب من قريش. قال الحافظ جمع راكب كصحب وصاحب وهم أولو الإبل العشرة فما فوقها. والمعنى أرسل إلى أبي سفيان حال كونه في جملة الركب وذاك لأنه كان كبيرهم فلهذا خصه وكان عدد الركب ثلاثين رجلاً. رواه الحاكم في الإكليل انتهى "وكانوا تجاراً" بضم التاء وتشديد الجيم أو كسرها والتخفيف جمع تاجر "فذكر الحديث" ورواه الشيخان بطوله "ثم دعا" أي من وكل ذلك إليه ولهذا عدى إلى الكتاب بالباء والله أعلم "بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرئ" وفي رواية البخاري: ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بعث به مع دحية الكلبي إلى عظيم بصرى فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل فقرأه "فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم السلام على من اتبع الهدى أما بعد" وتمامه "فإني ادعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} كذا في رواية الشيخين. قال النووي: في هذا الكتاب جعل من القواعد وأنواع من الفوائد منها استحباب تصدير الكتاب ببسم الله الرحمن الرحيم وإن كان المبعوث إليه كافراً، ومنها أن قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الاَخر: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أجزم" . المراد بالحمد لله ذكر الله تعالى. وقد جاء في رواية بذكر الله تعالى وهذا الكتاب كان ذا بال من المهمات العظام وبدأ فيه بالبسملة دون الحمد، ومنها أن السنة في المكاتبة والرسائل بين الناس أن يبدأ الكاتب بنفسه فيقول من زيد إلى عمرو وهذه مسألة مختلف فيها. قال الامام أبو جعفر في كتابه صناعة

(7/501)


__________
الكتاب قال أكثر العلماء يستحب أن يبدأ بنفسه كما ذكرنا. ثم روى فيه أحاديث كثيرة وآثاراً قال وهذا هو الصحيح عند أكثر العلماء لأنه إجماع الصحابة، قال وسواء في هذا تصدير الكتاب والعنوان قال ورخص جماعة في أن يبدأ بالمكتوب إليه فيقول في التصدير والعنوان إلى فلان من فلان، ثم روى بإسناده أن زيد بن ثابت كتب إلى معاوية فبدأ باسم معاوية، وعن محمد بن الحنفية وبكر بن عبد الله وأيوب السختياتي أنه لا بأس بذلك، قال وأما العنوان فالصواب أن يكتب عليه إلى فلان ولا يكتب لفلان لأنه إليه لا له إلا على مجاز، قال هذا هو الصواب الذي عليه أكثر العلماء من الصحابة والتابعين، ومنها التوقي في المكاتبة واستعمال الورع فيها فلا يفرط ولا يفرط، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل عظيم الروم فلم يقل ملك الروم لأنه لا ملك له ولا لغيره إلا بحكم دين الإسلام ولا سلطان لأحد إلا من ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ولاه من أذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرطه، وإنما ينفذ من تصرفات الكفار ما ينفذه للضرورة، ولم يقل إلى هرقل فقط بل أتى بنوع من الملاطفة فقال عظيم الروم أي الذي يعظمونه ويقدمونه، وقد أمر الله تعالى بإلانة القول لمن يدعى إلى الإسلام فقال تعالى {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} وقال تعالى {فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} وغير ذلك، ومنها استحباب البلاغة والإيجاز وتحري الألفاظ الجزلة في المكاتبة فإنقوله صلى الله عليه وسلم أسلم تسلم في نهاية من الاختصار وغاية من الإيجاز والبلاغة وجمع المعاني، مع ما فيه من بديع التجنيس وشموله لسلامته من خزي الدنيا بالحرب والسبي والقتل وأخذ الديار والأموال ومن عذاب الاَخرة، ومنها: استحباب أما بعد في الخطب والمكاتبات، وقد ترجم البخاري لهذه باباً في كتاب الجمعة ذكر فيه أحاديث كثيرة انتهى كلام النووي. وفيه أن السنة إذا كتب كتاباً إلى الكفار أن يكتب السلام على من اتبع الهدى أو السلام على من تمسك بالحق أو نحو ذلك. قال ابن بطال: في الحديث حجة لمن أجاز مكاتبة أهل الكتاب بالسلام عند الحاجة. قال الحافظ: في جواز السلام على الإطلاق نظر، والذي يدل عليه الحديث السلام المقيد مثل ما في الخبر السلام على من اتبع الهدى أو السلام على من تمسك بالحق، أو نحو ذلك انتهى.

(7/502)


هذا حديث حسن صحيح. وَأَبُو سُفْيَانَ اسْمُهُ صَخْرُ بنُ حَرْبٍ.
__________
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري محتصراً ومطولاً، وأخرجه مسلم مطولاً.

(7/503)


25-باب ما جَاءَ في خَتْمِ الكِتاب
2861-حدثنا إِسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ، أخبرنا مُعَاذُ بنُ هِشَامٍ، حدثني أَبي عن قَتَادَةَ عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قالَ: "لَمّا أَرَادَ نَبِيّ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ يَكْتُبَ إِلَى الْعَجَمِ، قِيلَ لَهُ إِنّ العَجَمَ لاَ يَقْبَلُونَ إِلاّ كِتَاباً عَلَيْهِ خَاتَمٌ فَاصْطَنَعَ خَاتِماً. قالَ فَكَأَنّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ في كَفّهِ".
هَذا حديث حسن صحيح.
__________
"باب ما جَاءَ في خَتْمِ الكِتاب"
قوله: "إلى العجم" وفي رواية للبخاري إلى رهط أو أناس من الأعاجم، وفي رواية لمسلم إلى كسرى وقيصر والنجاشي "إلا كتاباً عليه خاتم" فيه حذف مضاف، أي عليه نقش خاتم "فاصطنع خاتماً" أي أمر أن يصنع له، وفي رواية للبخاري: فاتخذ النبي صلى الله عليه وسلم خاتماً من فضة نقشه محمد رسول الله، قال الحافظ جزم أبو الفتح اليعمري أن اتخاذ الخاتم كان في السنة السابعة وجزم غيره بأنه كان في السادسة ويجمع بأنه كان في أواخر السادسة وأوائل السابعة لأنه إنما اتخذه عند إرادته مكاتبة الملوك وكان في أواخر السادسة وأوائل السابعة لأنه إنما اتخذه عند إرادته مكاتبة الملوك وكان إرساله إلى الملوك في مدة الهدنة وكان في ذي القعدة سنة ست ورجع إلى المدينة في ذي الحجة، ووجه الرسل في المحرم من السابعة وكان اتخاذه الخاتم قبل إرساله الرسل إلى الملوك انتهى "فكأني أنظر إلى بياضه في كفه" وفي رواية للبخاري: فكأني بوبيص أو بصيص الخاتم في أصبع النبي صلى الله عليه وسلم أو في كفه، وفي أخرى له: فإني لأرى بريقه في خنصره.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.

(7/503)


26- باب كَيْفَ السلاَم
2862-حدثنا سُوَيْدٌ، أخبرنا عَبْدُ الله بنُ المُبَارَكِ، أخبرنا سُلَيْمَانُ بنُ المُغيرَةِ أخبرنا ثَابِتٌ البُنَانِيّ أخبرنا ابنُ أَبي لَيْلَى عن المِقْدَادِ بنِ الأَسْوَدِ قالَ: "أَقْبَلْتُ أَنَا وَصَاحِبَانِ لِي قَدْ ذَهَبَتْ أَسْمَاعُنَا وَأَبْصَارُنَا مِنَ الْجُهْدِ، فَجَعَلْنَا نَعْرِضُ عَلَى أَصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم فَلَيْسَ أَحَدٌ يَقْبَلُنَا، فَأَتَيْنَا النبيّ صلى الله عليه وسلم فَأَتَى بِنَا أَهْلَهُ فَإِذَا ثَلاَثَةُ أَعْنُزٍ فَقَالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: "احتَلِبُوا هَذَا الّلبَنَ"، وَكُنّا نَحْتَلِبُهُ فَيَشْرَبُ كُلّ إِنْسَانٍ نَصِيْبَهُ وَنَرْفَعُ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم نَصِيْبَهُ، فَيَجِيءُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مِنَ الّليْلِ فَيُسَلّمُ تَسْلِيماً لاَ يُوقِظُ النّائم، وَيُسْمِعُ اليَقْظَانَ ثُمّ يَأْتِي المَسْجِدَ فَيُصَلّي، ثُمّ يَأْتِي شَرَابَهُ فَيَشْرَبُهُ".
__________
"باب كَيْفَ السلاَم"
قوله: "أخبرنا سليمان بن المغيرة" القيسي مولاهم البصري أبو سعيد ثقة قال يحيى بن معين من السابعة أخرج له البخاري مقروناً وتعليقاً "أخبرنا ابن أبي ليلى" هو عبد الرحمن بن أبي ليلى.
قوله : "قد ذهبت أسماعنا وأبصارنا من الجهد" بفتح الجيم وهو المشقة والجوع "فليس أحد يقبلنا" هذا محمول على أن الذين عرضوا أنفسهم عليهم كانوا مقلين ليس عندهم شيء يواسون "فإذا ثلاثة أعتز" كذا في النسخ الموجودة بالتاء، وكذلك في صحيح مسلم. والظاهر أن يكون ثلاث أعنز بغير التاء قال في القاموس العنز الأنثى من المعز والجمع أعنز وعنوز وعناز "احتلبوا هذا اللبن" زاد مسلم بيننا "فيشرب كل إنسان" أي منا كما في رواية مسلم "وترفع" بالنون وفي بعض النسنخ بالياء. في صحيح مسلم بالنون "فيسلم تسليماً لا يوقظ النائم ويسمع اليقظان" قال النووي: فيه أدب السلام على الأيقاظ في موضع فيه نيام

(7/504)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
__________
أو من في معناهم وأن يكون سلاماً متوسطاً بين الرفع والمخافتة بحيث يسمع الأيقاظ ولا يهوش على غيرهم.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم مطولاً في باب إكرام الضيف وفضل إيثاره.

(7/505)


27-باب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ التّسْلِيمِ عَلَى مَنْ يَبُول
2863-حدثنا محمد بن بشار وَنَصْرُ بنُ عَلِي قالاَ: حدثنا أَبُو أَحْمَدَ الزّبيْرِيّ عن سُفْيَانَ عن الضّحّاكِ بنِ عُثْمَانَ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَر "أَنّ رَجُلاً سَلّمَ عَلَى النبيّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَبُولُ فَلَمْ يَرُدّ عَلَيْهِ النبيّ صلى الله عليه وسلم يعني السّلاَمَ".
2864-حدثنا مُحمّدُ بنُ يَحْيَى النّيْسَابُورِيّ، أَخبَرَنَاْ مُحمّدُ بنُ يُوسُفَ عن سُفْيَانَ، عن الضّحّاكِ بنِ عُثْمَانَ بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ. وفي البابِ عن عَلْقَمَةَ بنِ الفَغْوَاءِ وَجَابِرٍ وَالبَرَاءِ وَمهَاجِرِ بن قُنْفُدٍ.
__________
"باب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ التّسْلِيمِ عَلَى مَنْ يَبُول"
قوله: "أن رجلاً سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول الخ" قد تقدم هذا الحديث بسنده ومتنه في باب كراهة رد السلام غير متوضيء وتقدم هناك شرحه.
قوله : "وفي الباب عن علقمة بن الفغواء الخ" وقد تقدم تخريج أحاديث هؤلاء الصحابة في الباب المذكور.
إعلم أنه قد وقع في النسخة الأحمدية في الباب المذكرو علقمة بن الشفواء بالشين والفاء وهو غلط والصحيح علقمة بن الغفواء بفاء مفتوحة وغين معجمة ساكنة. كما وقع في هذا الباب وكذلك وقع بالفاء والغين المعجمة في مجمع الزوائد

(7/505)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
__________
في باب قراءة الجنب وكذلك وقع في رواية الدارقطني والطحاوي من طريق عبد الله بن محمد بن حزم عن عبد الله بن علقمة بن الفغواء عن أبيه، وقال ابن حبان علقمة بن الفغراء بفاء مفتوحة ومعجمة ساكنة له صحبة، وكذا ضبطه صاحب مجمع البحار في المغني بفاء مفتوحة وسكون غين معجمة.

(7/506)


28-باب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ أَنْ يَقُول عَلَيكَ السّلاَمُ مُبْتدِئاً
2865-حدثنا سُوَيْدٌ، أخبرنا عَبْدُ الله، أخبرنا خَالِدٌ الْحَذّاءُ عن أَبي تَمِيمَةَ الهُجَيْمِيّ عن رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ قَالَ: "طَلَبْتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهِ فَجَلَسْتُ فَإِذَا نَفَرٌ هُوَ فِيهِمْ، وَلاَ أَعْرِفُهُ وَهُوَ يُصْلِحُ بَيْنَهُمْ فَلَمّا فَرَغَ قَامَ مَعَهُ بَعْضُهُمْ، فَقَالُوا يَا رَسُولَ الله فَلَمّا رَأَيتُ ذَلِكَ، قُلْتُ عَلَيْكَ السّلاَمُ يَا رَسُولَ الله، عَلَيْكَ السّلاَمُ يَا رَسُولَ اللّهِ، عَلَيْكَ السّلاَمُ يَا رَسُولَ اللّهِ، قالَ: إِنّ عَلَيْكَ السّلاَمُ تَحِيَةُ المَيّتِ، ثُمّ أَقْبَلَ
__________
"باب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ أَنْ يَقُول عَلَيكَ السّلاَمُ مُبْتدِئاً"
قوله: "عن أبي تميمة" بفتح أوله اسمه طريف ابن مجالد "الهجيمي" بالجيم مصغراً البصري ثقة من الثالثة.
قوله : "ولا أعرفه" أي النبي صلى الله عليه وسلم "قال إن عليك السلام تحية الميت" قال الخطابي هذا يوهم أن السنة في تحية الميت أن يقال له عليك السلام كما يفعله كثير من العامة وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه دخل المقبرة فقال: السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين فقدم الدعاء على اسم المدعو له هو في تحية الأحياء وإنما كان ذلك القول منه إشارة إلى ما جرت به العادة منهم في تحية الأموات إذ كانوا يقدمون اسم الميت على الدعاء وهو مذكور في أشعارهم كقول الشاعر:

(7/506)


عَلَيّ فَقَالَ: إِذَا لَقِيَ الرّجُلُ أَخَاهُ المُسْلِمَ فَلْيَقُلْ السّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ ، ثُمَ رَدّ عَلَيّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: " وَعَلَيْكَ وَرَحْمَةُ الله، وَعَلَيْكَ وَرَحْمَةُ الله وعَلَيْكَ وَرَحْمَةُ الله" .
وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَبُو غِفَارٍ عن أَبي تَمِيمَةَ الهُجَيْمِيّ عن أَبي جُرَىّ جَابِرِ بنِ سُلَيْمٍ الْهُجَيْمِيّ قالَ: أَتَيْتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَأَبُو تَمِيمَةَ اسْمُهُ طَرِيفُ بنُ مُجَالدٍ.
__________
عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته إن شاء أن يترحما
وكقول الشماخ:
عليك السلام من أمير وباركت ... يد الله ذلك الأديم الممزق
والسنة لا تختلف في تحية الأحياء والأموات بدليل حديث أبي هريرة الذي ذكرناه والله أعلم انتهى. وقال الحافظ ابن القيم في كتابه زاد المعاد: وكان هديه في ابتداء السلام أن يقول السلام عليكم ورحمة الله، وكان يكره أن يقول المبتدئ عليك السلام، قال أبو جري الهجيمي: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت عليك السلام يا رسول الله، فقال: لا تقل عليك السلام لأن عليك السلام تحية الموتى حديث صحيح وقد أشكل هذا الحديث على طائفة وظنوه معارضاً لما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في السلام على الأموات بلفظ السلام عليكم بتقديم السلام فظنوا أنقوله فإن عليك السلام فحية الموتى إخبار عن المشروع وغلطوا في ذلك غلطاً أوجب لهم ظن التعارض، وإنما معنىقوله فإن عليك السلام تحية الموتى إخبار عن الواقع لا المشروع، أي أن الشعراء وغيرهم يحيون الموتى بهذه اللفظة كقول قائلهم:
عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحما
فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما
فكره النبي صلى الله عليه وسلم أن يحيا بتحية الأموات، ومن كراهته لذلك

(7/507)


2866-حدثنا بِذَلِكَ الْحَسَنُ بنُ عَلِىٍ الخلال حدثنا أَبُو أُسَامَةَ عن أَبي غِفَارٍ المُثَنّى بنِ سَعِيدٍ الطّائِيّ عن أَبي تَمِيمَةَ الهُجَيْمِيّ عن جَابِرِ بنِ سُلَيْم قالَ: "أَتَيْتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ عَلَيْكَ السّلاَمُ فقالَ: لا تَقُلْ عَلَيْكَ السّلاَمُ، وَلَكِنْ قُلْ السّلاَمُ عَلَيْكُمْ" وَذَكَرَ قِصّةً طَوِيلَةً.
وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
2867-حدثنا إِسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ أخبرنا عَبْدُ الصّمَدِ بنُ عَبْدِ الْوَارِثِ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ المُثَنّى، أخبرنا ثُمَامَةُ بنُ عَبْدِ الله بن أنس بن مالكٍ عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ: "أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا سَلّمَ ثَلاَثاً، وَإِذَا تَكَلّمَ
__________
لم يرد على المسلم، وكان يرد على المسلم وعليك السلام بالواو، وبتقديم عليك على لفظ السلام انتهى.
قلت: فيقوله ومن كراهته لذلك لم يرد على المسلم نظر فإنه قد وقع في رواية الترمذي هذه، ثم رد على النبي صلى الله عليه وسلم قال وعليك ورحمة الله.
قوله : "عن أبي غفار المثنى بن سعيد الطائي" قال في التقريب المثنى بن سعد أو سعيد الطائي أبو غفار بكسر المعجمة وتخفيف الفاء آخره راء وقيل بفتح المهملة والتشديد آخره نون بصرى ليس به بأس من السادسة "عن جابر بن سليم" كنيته أبو جرى بضم الجيم وفتح الراء مصغراً، قال الحافظ في التقريب أبو جرى بالتصغير الهجيمي بالتصغير أيضاً اسمه جابر ابن سليم وقيل سليم بن جابر صحابي معروف انتهى. وقال في تهذيب التهذيب. قال البخاري جابر بن سليم أصح وكذا ذكره البغوي والترمذي وابن حبان وغيرهم انتهى.
قوله : "وذكر قصة طويلة" كذا رواه الترمذي مختصراً ورواه أبو داود مطولا بالقصة الطويلة في باب إسبال الإزار.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم وصححه.
قوله : "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سلم سلم ثلاثاً" قال

(7/508)


بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلاَثاً".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.
__________
الحافظ ابن القيم في زاد المعاد: كان من هديه صلى الله عليه وسلم أن يسلم ثلاثاً كما في صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً حتى تفهم عنه وإذا أتى على قوم فسلم عليهم سلم ثلاثاً حتى يفهم، ولعل هذا كان هديه في السلام على الجمع الكثير الذين لا يبلغهم سلام واحد أو هديه في إسماع السلام الثاني والثالث إن ظن أن الأول لم يحصل به الإسماع كما سلم لما انتهى إلى منزل سعد بن عبادة ثلاثاً فلما لم يجبه أحد رجع وإلا فلو كان هديه الدائم التسليم ثلاثاً لكان أصحابه يسلمون عليه كذلك، وكان يسلم على كل من لقيه ثلاثاً وإذا دخل بيته ثلاثاً، ومن تأمل هديه علم أن الأمر ليس كذلك وأن تكرار السلام منه كان أمرأ عارضاً في بعض الأحيان انتهى. "وإذا تكلم بكلمة" أي جملة مفيدة "أعادها ثلاثاً" زاد البخاري في رواية حتى تفهم عنه.
قوله : "هذا حديث حسن غريب صحيح" وأخرجه أحمد والبخارى.

(7/509)


29-باب
2868-حدثنا الأَنْصَارِيّ، أَخْبَرنَا مَعْنٌ، حدثنَا مَالِكٌ عن إِسْحَاقَ بنِ عَبْدِ الله بنِ أَبي طَلْحَةَ عن أَبي مُرَةَ مولى عقيل بن أبي طالب عن أَبي وَاقِدٍ الّليْثِيّ: "أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ في المَسْجِدِ، وَالنّاسُ مَعَهُ إِذْ أَقْبَلَ ثَلاَثُة نَفَرٍ. فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم: وَذَهَبَ
__________
"باب"
قوله: "حدثنا الأنصاري" هو إسحاق بن موسى الأنصاري "عن أبي مرة" اسمه يزيد مولى عقيل بن أبي طالب ويقال مولى أخته أم هاني مدني مشهور بكنيته ثقة من الثالثة.
قوله : "إذ أقبل ثلاثة نفر" النفر بالتحريك للرجال من ثلاثة إلى عشرة

(7/509)


وَاحِدٌ، فَلَمّا وَقَفَا عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم سَلّمَا، فَأَمّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةً في الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمّا الاَخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمّا الاَخَرُ فَأَدْبَرَ ذَاهِبَاً، فَلَمّا فَرَغَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: " أَلاَ أُخْبِرُكُمْ عن النّفَرِ الثّلاَثَةِ؟ أَمّا أَحَدُهم فَأَوَى إِلى الله فَآوَاهُ الله، وَأَمّا الاَخَرُ
__________
والمعنى ثلاثة هم نفر والنفر اسم جمع ولهذا وقع مميزاً للجمع كقوله تعالى: {تِسْعَةُ رَهْطٍ } "فأقبل اثنان" بعد قوله أقبل ثلاثة هما إقبالان كأنهم أقبلوا أولا من الطريق فدخلوا المسجد مارين كما في حديث أنس: فإذا ثلاثة نفر يمرون فلما رأوا مجلس النبي صلى الله عليه وسلم أقبل إليه اثنان منهم واستمر الثالث ذاهباً. كذا في الفتح "فلما وقفا على رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي على مجلس رسول صلى الله عليه وسلم أو على بمعنى عند "فرأى فرجة" بضم الفاء وفتحها لغتان وهي الخلل بين الشيئين ويقال لها أيضاً فرج ومنه قوله تعالى: {وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ} جمع فرج، وأما الفرجة بمعنى الراحة من الغم فذكر الأزهري فيها فتح الفاء وضمها وكسرها، وقد فرج له في الحلقة والصف ونحوهما بتخفيف الراء يفرج بضمها "في الحلقة" بإسكان اللام على المشهور كل شيء مستدير خالي الوسط والجمع حلق بفتحتين وحكى فتح اللام في الواحد وهو نادر "أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله" قال النووي لفظه أوى بالقصر وآواه بالمد هكذا الرواية وهذه هي اللغة الفصيحة وبها جاء القرآن أنه إذا كان لازماً كان مقصوراً وإن كان متعدياً كان ممدوداً، قال الله تعالى: {أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ} وقال تعالى: {إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ} وقال في التعدي {وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ} وقال تعالى: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى} قال القاضي وحكى بعض أهل اللغة فيهما جميعاً لغتين القصر والمد فيقال أويت إلى الرجل بالقصر والمد وآويته وأويته بالمد والقصر والمشهور الفرق كما سبق. قال العلماء: معنى أوى إلى الله أي لجأ إليه. قال القاضي وعندي أن معناه هنا دخل مجلس ذكر الله تعالى، أو دخل مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ومجمع أوليائه وانضم إليه، ومعنى آواه الله أي قبله وقربه وقيل معناه

(7/510)


فَاسْتَحْيَى فَاسْتَحيَى الله مِنْهُ، وَأَمّا الاَخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ الله عَنهُ" .
__________
رحمه أو آواه إلى جنته أو كتبها له "وأما الاَخر فاستحيى فاستحيى الله منه" قال النووي: أي ترك المزاحمة والتخطي حياء من الله تعالى ومن النبي صلى الله عليه وسلم والحاضرين أو استحياء منهم أن يعرض ذاهباً كما فعل الثالث فاستحيى الله منه أي رحمه ولم يعذبه بل غفر ذنوبه، وقيل جازاه بالثواب، قالوا ولم يلحقه بدرجة صاحبه الأول في الفضيلة الذي آواه وبسط له اللطف وقربه، قال وهذا دليل اللغة الفصيحة أنه يجوز في الجماعة أن يقال في غير الأخير منهم الاَخر، فيقال حضرني ثلاثة أما أحدهم فقرشي وأما الاَخر فأنصاري وأما الاَخر فتيمي. وقد زعم بعضهم أنه لا يستعمل الاَخر إلا في الأخير خاصة وهذا الحديث صريح في الرد عليه انتهى "وأما الاَخر فأعرض فأعرض الله عنه" أي لم يرحمه، وقيل سخط عليه، وهذا محمول على إنه ذهب معرضاً لا لعذر وضرورة قاله النووي، وقال الحافظ: أي سخط عليه وهو محمول على من ذهب معرضاً لا لعذر هذا إن كان مسلماً، ويحتمل أن يكون منافقاً واطلع النبي صلى الله عليه وسلم على أمره كما يحتمل أن يكونقوله صلى الله عليه وسلم فأعرض الله عنه إخباراً أو دعاء، ووقع في حديث أنس: فاستغنى فاستغنى الله عنه. وهذا يرشح كونه خبراً، وإطلاق الإعراض وغيره في حق الله تعالى على سبيل المقابلة والمشاكلة فيحمل كل لفظ منها على ما يليق بجلاله سبحانه وتعالى. وفائدة إطلاق ذلك بيان الشيء بطريق واضح انتهى. وفي الحديث استحباب جلوس العالم لأصحابه وغيرهم في موضع بارز ظاهر للناس والمسجد أفضل فيذاكرهم العلم والخير. وفيه جواز حِلَق العلم والذكر في المسجد واستحباب دخولها ومجالسة أهلها وكراهة الانصراف عنها من غير عذر واستحباب القرب من كبير الحلقة ليسمع كلامه سماعاً بيناً ويتأدب بأدبه، وأن قاصد الحلقة إن رأى فرجة دخل فيها وإلا جلس وراءهم، وفيه الثناء على من فعل جميلاً فإنه صلى الله عليه وسلم أثنى على الاثنين في هذا الحديث وأن الإنسان إذا فعل قبيحاً ومذموماً وباح به جاز أن ينسب إليه.

(7/511)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَأَبُو وَاقِدٍ اللْيثيّ اسْمُهُ الْحَارِثُ بنُ عَوْفٍ وَأَبُو مُرّةَ مَوْلَى أُمّ هَانِيء بِنْتِ أَبي طَالِبٍ، وَاسْمُهُ يَزِيدُ وَيُقَالُ مَوْلَى عَقِيلِ بنِ أَبي طَالِبٍ.
2869-حدثنا عَلِيّ بنُ حُجْرٍ، أخبرنا شَرِيكٌ عن سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ عن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ قالَ: "كُنّا إِذَا أَتَيْنَا النبيّ صلى الله عليه وسلم جَلَسَ أَحَدُنَا حَيْثُ يَنْتَهِي".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ. وَقَدْ رَوَاهُ زُهَيْرُ بنُ مُعَاوِيَةَ عن سِمَاكٍ.
__________
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري في العلم وفي الصلاة وأخرجه مسلم في كتاب السلام وأخرجه النسائي في العلم.
قوله : "كنا إذا أتينا النبي صلى الله عليه وسلم" أي مجلسه الشريف "جلس أحدنا حيث ينتهي" أي هو إليه من المجلس، أو حيث ينتهي المجلس إليه، والحاصل أنه لا يتقدم على أحد من حضارة نأدباً وتركاً للتكلف ومخالفة لحظ النفس من طلب العلو كما هو شأن أرباب الجاه.
قوله : "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أبو داود والنسائي.

(7/512)


باب ما جاء ما على الجالس على الطريق
...
30-باب مَا جَاءَ في الْجَالِسِ على الطّرِيق
2870-حدثنا مَحْمُودُ بنُ غَيْلاَنَ، حدثنا أَبُو دَاوُدَ عن شُعْبَةَ عن أَبي إِسْحَاقَ عن البَرَاءِ وَلَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ: "أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم مَرّ بِنَاسٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَهُمْ جُلُوسٌ في الطّرِيقِ، فَقَالَ: إِنْ كُنْتُمْ لاَ بُدّ فَاعِلِينَ فَرُدّوا السّلاَمَ وَأَعِينُوا المَظْلُومَ وَاهْدُوا السّبِيلَ".
__________
"باب مَا جَاءَ في الْجَالِسِ على الطّرِيق"
قوله: "ولم يسمعه منه" أي لم يسمع أبو إسحاق هذا الحديث من البراء "إن كنتم لا بد فاعلين" أي الجلوس في الطريق "فردوا السلام" أي على المسلمين

(7/512)


وفي البابِ عن أَبي هُرَيْرَةَ وَأَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيّ.
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
__________
"واهدوا السبيل" أي للضال والأعمى وغيرهما. وقد ذكر في هذا الحديث ثلاثة حقوق من حقوق الطريق وقد جاءت في الأحاديث حقوق أخرى غير هذه الثلاثة. قال الحافظ بعد ذكر هذه الأحاديث ما لفظه: ومجموع ما في هذه الأحاديث أربعة عشر أدباً، وقد نظمتها في ثلاثة أبيات وهي:
جمعت آداب من رام الجلوس على الطريق ... من قول خير الخلق إنسانا
أفشى السلام وأحسن في الكلام وشم ... ت عاطساً وسلاماً رد احسانا
في الحمل عاون ومظلوماً أعن وأغث ... لهفان واهد سبيلا واهد حيرانا
بالعرف مر وانه عن نكر وكف أذى ... وغض طرفاً وأكثر ذكر مولانا
قوله : "وفي الباب عن أبي هريرة وأبي شريح الخزاعي" ، أما حديث أبي هريرة فأخرجه أبو داود وابن حبان، وأما حديث أبي شريح الخزاعي فأخرجه أحمد. وفي الباب أحاديث أخرى ذكرها الحافظ في الفتح.
قوله : "هذا حديث حسن" وأخرجه أحمد والحديث منقطع فتحسينه لشواهده.

(7/513)


31-باب مَا جَاءَ في المُصَافَحَة
2871-حدثنا سُوَيْدٌ أخبرنا عَبْدُ الله أخبرنا حَنْظَلَةُ بنُ عُبَيْدِ الله
__________
"باب مَا جَاءَ في المُصَافَحَة"
قال في تاج العروس شرح القاموس: الرجل يصافح الرجل إذا وضع صفح كفه في صفح كفه وصفحا كفيهما وجهاهما، ومنه حديث المصافحة عند اللقاء وهي مفاعلة من إلصاق صفح الكف بالكف وإقبال الوجه على الوجه كذا في اللسان والأساس والتهذيب فلا يلتفت إلى من زعم أن المصافحة غير عربي انتهى. وقال الجزري في النهاية: ومنه حديث المصافحة عند اللقاء وهي مفاعلة من إلصاق صفح الكف بالكف وإقبال الوجه على الوجه. وقال الحافظ في الفتح: هي مفاعلة من الصفحة والمراد بها الإفضاء بصفحة اليد إلى صفحة اليد، وكذا قال القاري في المرقاة والطحاوي وغيرهما من العلماء الحنفية.
قوله : "أخبرنا عبد الله" هو ابن المبارك "أخبرنا حنظلة بن عبيد الله" قال

(7/513)


عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: قالَ رَجُلٌ: "يَا رَسُولَ الله الرّجُلُ مِنّا يَلْقَى أَخَاهُ أَوْ صَدِيقَهُ أَيَنْحَنِي لَهُ؟ قَالَ: لاَ، قالَ: فَيَلْتَزِمُهُ وَيُقَبّلُهُ قَالَ: لاَ، قَالَ: فَيَأْخُذُ بِيَدِهِ وَيُصَافِحُهُ، قَالَ: نَعَمْ" .
هذا حديثٌ حسنٌ.
2872-حدثنا سُوَيْدٌ، أخبرنا عَبْدُ الله، أخبرنا هَمّامٌ عن قَتَادَةَ قَالَ: "قُلْتُ لأَنَسِ بنِ مَالِكٍ هَلْ كَانَتْ المُصَافَحَةُ في أَصْحَابِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: نَعَمْ".
__________
الذهبي في الميزان: حنظلة السدوسي البصري يقال ابن عبد الله ويقال ابن عبيد الله وقيل بن أبي صفية، قال يحيى: تركته عمداً كان قد اختلط وضعفه أحمد وقال منكر الحديث يحدث بأعاجيب، وقال ابن معين ليس بشيء تغير في آخر عمره، وقال النسائي ليس بقوي، وقال مرة ضعيف قال: له في الكتابين يعني الترمذي وابن ماجة حديث واحد وهو: أينحني بعضنا لبعض حديث قال: لا. حسنة الترمذي انتهى.
قوله : "الرجل منا" أي من المسلمين "يلقي أخاه" أي في الدين "أو صديقه" أي حبيبه وهو أخص مما قبله "أينحني له" من الانحناء وهو إمالة الرأس والظهر "قال لا" فإنه في معنى الركوع وهو كالسجود من عبادة الله سبحانه "قال أفيلتزمه" أي يعتنقه ويضمه إلى نفسه "ويقبله" من التقبيل "قال لا" استدل بهذا الحديث من كره المعانقة والتقبيل وسيأتي الكلام في هاتين المسألتين في الباب الذي يليه "قال فيأخذ بيده ويصافحه" عطف تفسير أو الثاني أخص وأتم قال القاري. قلت: بل الثاني المتعين فإن الأخذ باليد والمصافحة عموماً وخصوصاً مطلقاً.
قوله : "هذا حديث حسن" وأخرجه ابن ماجة في الأدب ومداره على حنظلة السدوسي وقد عرفت حالة.
قوله : "قلت لأنس بن مالك: هل كانت المصافحة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: نعم" فيه مشروعية المصافحة قال ابن بطال المصافحة حسنة عند عامة العلماء وقد استحبها مالك بعد كراهته. وقال النووي المصافحة سنة

(7/514)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
__________
مجمع عليها عند التلاقي. قال الحافظ: ويستثنى من عموم الأمر بالمصافحة المرأة الأجنبية والأمرد الحسن انتهى.
تنبيه : قال النووي في الأذكار: اعلم أن هذه المصافحة مستحبة عند كل لقاء وأما ما اعتاده الناس من المصافحة بعد صلاتي الصبح والعصر فلا أصل له في الشرع على هذا الوجه ولكن لا بأس به فإن أصل المصافحة سنة وكونهم حافظوا عليها في بعض الأحوال وفرطوا فيها في كثير من الأحوال أو أكثرها لا تخرج ذلك البعض عن كونه من المصافحة التي ورد الشرع بأصلها. وقد ذكر الإمام أبو محمد بن عبد السلام أن البدع على خمسة أقسام واجبة ومحرمة ومكروهة ومستحبة ومباحة قال ومن أمثلة البدع المباحة المصافحة عقب الصبح والعصر انتهى. قال الحافظ بعد ذكر كلام النووي هذا ما لفظه: وللنظر فيه مجال فإن أصل صلاة النافلة سنة مرغب فيها ومع ذلك فقد كره المحققون تخصيص وقت بها دون وقت، ومنهم من أطلق مثل ذلك كصلاة الرغائب التي لا أصل لها انتهى. وقال القاري بعد ذكر كلام النووي: ولا يخفى أن في كلام الإمام نوع تناقض لأن إتيان السنة في بعض الأوقات لا يسمى بدعة مع أن عمل الناس في الوقتين المذكورين ليس على وجه الاستحباب المشروع، فإن محل المصافحة المشروعة أول الملاقاة وقد يكون جماعة يتلاقون من غير مصافحة ويتصاحبون بالكلام ومذاكرة العلم وغير مدة مديدة ثم إذا صلوا يتصافحون، فأين هذا من السنة المشروعة، ولهذا صرح بعض علمائنا بأنها مكروهة حينئذ وأنها من البدع المذمومة انتهى. قلت: الأمر كما قال القاري والحافظ. وقال صاحب عون المعبود: وتقسيم البدع إلى خمسة أقسام كما ذهب إليه ابن عبد السلام وتبعه النووي أنكر عليه جماعة من العلماء المحققين ومن آخرهم شيخنا القاضي العلامة بشير الدين القنوجي فإنه رد عليه رداً بليغاً قال: وكذا المصافحة والمعانقة بعد صلاة العيدين من البدع المذمومة المخالفة للشرع انتهى. قلت: وقد أنكر القاضي الشوكاني أيضاً على تقسيم البدعة إلى الأقسام الخمسة في نيل الأوطار في باب الصلاة في ثوب الحرير والقصب، وأنكر عليه أيضاً صاحب الدين الخالص ورده بستة وجوه.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري.

(7/515)


2873-حدثنا أَحْمَدُ بنُ عَبْدَةَ الضّبّيّ، أخبرنا يَحْيَى بنُ سُلَيْمٍ الطّائِفِيّ عن سُفْيَانَ عن مَنْصُورٍ عن خَيْثَمَةَ عن رَجُلٍ، عن ابنِ مَسْعُودٍ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ تَمَامِ التّحِيّةِ الأَخْذُ بِالْيَدِ"
وفي البابِ عن البراء وابن عمر.
هذا حديث غريب. وَلاَ نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بنِ سُلَيْمٍ، عن سُفْيَانَ. وَسَأَلْتُ مُحْمّدَ بنَ إِسْمَاعِيلَ، عن هذا الحدِيثِ، فَلَمْ يَعُدّهُ مَحْفُوظاً، وَقَالَ إِنّمَا أَرَادَ عِنْدِي حَدِيثَ سُفْيَانَ، عن مَنْصُورٍ عن خَيْثَمَةَ، عن مَنْ سَمِعَ ابنَ مَسْعُودٍ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "لاَ سَمَرَ إِلاّ لمُصَلٍ أَوْ مُسَافِرٍ" . قالَ مُحمّدٌ وَإِنّمَا يُرْوى عن مَنْصُورٍ عن أَبي إِسْحَاقَ، عن عَبْدِ الرحمنِ بنِ يَزِيدَ أَوْ غَيْرِهُ. قالَ: "مِنْ تَمَامِ التّحِيّةِ الأَخْذُ بِالْيَدِ".
__________
قوله : "عن سفيان" هو الثوري "عن خيثمة" الظاهر أنه ابن عبد الرحمن ابن أبي سبرة الجعفي الكوفي ثقة وكان يرسل من الثالثة.
قوله : "من تمام التحية الأخذ باليد" أي إذا لقي المسلم فسلم عليه، فمن تمام السلام أن يضع يده في يده فيصافحه فإن المصافحة سنة مؤكدة.
قوله : "وهذا حديث غريب" في سنده رجل لم يسم "وقال" أي محمد "إنما أراد" أي يحيى بن سليم الطائفي "حديث سفيان عن منصور الخ" يعني أراد يحيى ابن سليم أن يروي بهذا السند حديث: لا سمر إلا لمصل أو مسافر. فوهم فروى بهذا السند حديث: من تمام التحية الأخذ باليد، وأما حديث لا سمر إلا لمصل أو مسافر بهذا السند فأخرجه أحمد في مسنده " قال محمد: وإنما يروي عن منصور عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد أو غيره قال من تمام التحية الأخذ باليد" يعني حديث من تمام التحية الأخذ باليد قول عبد الرحمن بن يزيد أو غيره وليس هو بحديث مرفوع. قال الحافظ في الفتح بعد ذكر هذا الحديث: حكى الترمذي عن البخاري، أنه رجح أنه موقوف على عبد الرحمن بن يزيد النخعي أحد التابعين انتهى.

(7/516)


2874-حدثنا سُوَيْدُ بنُ نَصْرٍ، أخبرنا عَبْدُ الله، أخبرنا يَحْيَى بنُ أَيّوبَ عن عُبَيْدِ الله بنِ زَحْرٍ عن عَلِيّ بنِ يَزِيدَ، عن القَاسِمِ أَبي عَبْدِ الرحمن عن أَبي أُمَامَةَ رضي الله عنه أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "مِنْ تَمَامِ عِيَادَةِ المَرِيضِ أَنْ يضَعَ أَحَدُكُمْ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ، أَوْ قالَ عَلَى يَدِهِ، فَيَسْأَلَهُ كَيْفَ هُوَ، وَتَمَامُ تَحِيّتِكُمْ بَيْنَكُمْ المُصَافَحَةُ" .
هَذَا إِسْنَادُ لَيْسَ بِالْقَوِيّ. قالَ مُحمّدٌ: وعُبَيْدُ الله بنُ زَحْرٍ ثِقةٌ، وَعَلِيّ بنُ يَزِيدَ ضَعِيفٌ، وَالقَاسِمُ هُوَ ابنُ عَبْدِ الرحمنِ، وَيكْنَى أَبَا عَبْدِ الرّحمنِ وَهُوَ ثِقَةٌ وَهُوَ مَوْلَى عَبْدِ الرحمنِ بنِ خَالِدِ بنِ يَزِيدَ بنِ مُعَاوِيَةَ، وَالقَاسِمُ الشّامِيّ.
2875-حدثنا سُفْيَانُ بنُ وَكِيعٍ، وَ إِسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ، قَالاَ: حدثنَا عَبدُ الله بنُ نُمَيْرٍ، عن الأَجْلَحِ عن أَبي إِسْحَاقَ، عن الْبَرَاءِ بنِ عَازِبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ
__________
قوله : "أخبرنا عبد الله" هو ابن مبارك "أخبرنا يحيى بن أيوب" هو الغافقي.
قوله : "من تمام عيادة المريض" أي كمالها "أن يضع أحدكم" يعني العائد له "يده" والأولى كونها اليمنى "على جبهته" حيث لا عذر "أو قال علي يده" شك من الراوي "فيسأله" بالنصب "كيف هو" أي كيف حاله أو مرضه "وتمام تحيتكم بينكم" أي الواقعة فيما بينكم "المصافحة" قال الطيبي: يعني لا مزيد على هذين فلو زدتم على هذا دخل في التكلف. وهو بيان لقصة الأمور، لا أنه نهى عن الزيادة والنقصان انتهى.
قوله : "هذا إسناد ليس بالقوى" لضعف علي بن يزيد صاحب القاسم بن عبد الرحمن والحديث أخرجه أحمد أيضاً "والقاسم شامي" يعني القاسم هذا شامي.
قوله : "ما من مسلمين" من مزيدة لمزيد الاستغراق "يلتقيان" أي يتلاقيان

(7/517)


فَيَتَصَافَحَانِ إِلاّ غَفَرَ الله لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَفترقَا" .
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ مِنْ حَدِيثِ أَبي إِسْحَاقَ عن البَرَاءِ وقد رُوَى هَذَا الْحَدِيث مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عن البَرَاءِ.
__________
"فيتصافحان" زاد ابن السني ويتكاشفان بود ونصيحة "إلا غفر لهما" بصيغة المجهول "قبل أن يتفرقا" بالأبدان أو بالفراغ عن المصافحة وهو أظهر في إرادة المبالغة، وفي رواية لأبي داود: إذا التقى المسلمان فتصافحا وحمدا الله واستغفراه غفر لهما. وفيه سنية المصافحة عند الملتقى وأنه يستحب عند المصافحة حمدالله تعالى، والاستغفار وهوقوله: يغفر الله لنا ولكم. وأخرج ابن السني عن أنس قال: ما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد رجل ففارقه حتى قال اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الاَخرة حسنة وقنا عذاب النار. وفيه عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من عبدين متحابين في الله يستقبل أحدهما صاحبه فيصافحه فيصليان على النبي صلى الله عليه وسلم إلا لم يتفرقا حتى تغفر ذنوبهما ما تقدم منها وما تأخر. وفي الترغيب للمنذري عن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن المؤمن إذا لقي المؤمن فسلم عليه وأخذ بيده فصافحه تناثرت خطاياهما كما يتناثر ورق الشحر. رواه الطبراني في الأوسط ورواته لا أعلم فيهم مجروحاً. وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن المسلم المسلم إذا لقي أخاه فأخذ بيده تحاتت عنهما ذنوبهما كما يتحات الورق عن الشجرة اليابسة في ريح يوم عاصف وإلا غفر لهما ولو كانت ذنوبهما مثل زبد البحر. رواه الطبراني بإسناد حسن انتهى.
قوله : "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة والضياء كذا في الجامع الصغير.
فائدة في بيان أن السنة في المصافحة أن تكون باليد الواحدة: اعلم أن السنة أن تكون المصافحة باليد الواحدة أعني اليمنى من الجانبين سواء كانت عند اللقاء أو عند البيعة، وقد صرح به العلماء الحنفية والشافعية والحنبلية، قال الفقيه الشيخ محمد أمين المعروف بابن عابدين رحمه الله في رد المحتار على الدار المختار:

(7/518)


__________
قوله : "فإن لم يقدر" أي على تقبيله إلا بالايذاء أو مطلقاً يضع يديه عليه ثم يقبلهما أو يضع إحدهما والأولى أن تكون اليمنى لأنها المستعملة فيما فيه شرف ولما نقل عن البحر العميق من أن الحجر يمين الله يصافح بها عباده والمصافحة باليمنى انتهى. وقال الشيخ ضياء الدين الحنفي النقشبندي في كتابه لوامع العقول شرح راموز الحديث في شرح حديث: إذا التقى المسلمان فتصافحا وحمدا الله الحديث. ما لفظه: والظاهر من آداب الشريعة تعين اليمنى من الجانبين لحصول السنة كذلك فلا تحصل باليسرى في اليسرى ولا في اليمنى انتهى. وقال الإمام النووي يستحب أن تكون المصافحة باليمنى وهو أفضل انتهى. ذكره الشيخ عبد الله بن سلمان اليمني الزبيدي في رسالته في المصافحة. وقال الشيخ عبد الرؤوف المناوي الشافعي في كتابه الروض النضير شرح الجامع الصغير: ولا تحصل السنة إلا بوضع اليمنى في اليمنى حيث لا عذر انتهى. وقال الشيخ علي بن أحمد العزيزي في كتابه السراج المنير شرح الجامع الصغير: إذا لقيت الحاج أي عند قدومه من حجة فسلم عليه وصافحة، أي ضع يدك اليمنى في يده اليمنى انتهى. وقال الشيخ العلقمي رحمه الله في كتابه الكوكب المنير شرح الجامع الصغير في شرح حديث: إذا التقى المسلمان فتصافحا الخ، قال ابن رسلان: ولا تحصل هذه السنة إلا بأن يقع بشرة أحد الكفين على الاَخر انتهى. وقال الشيخ العالم الرباني السيد عبد القادر الجيلاني في كتابه غنية الطالبين: فصل فيما يستحب فعله بيمينه وما يستحب فعله بشماله يستحب له تناول الأشياء بيمينه والأكل والشرب والمصافحة والبداءة بها في الوضوء والانتعال ولبس الثياب الخ.
والدليل على ما قلنا من أن السنة في المصافحة أن تكون باليمنى من الجانبين سواء كانت عند اللقاء أو عند البيعة. ما رواه الإمام أحمد في مسنده حدثنا عبد الله، حدثني أبي، حدثنا علي بن عياش قال: حدثنا حسان بن نوح. حمصي، قال: رأيت عبد الله بن بسر يقول ترون كفي هذه فأشهد أني وضعتها على كف محمد صلى الله عليه وسلم الحديث إسناده صحيح، ورواه الحافظ ابن عبد البر في كتابه التمهيد قال: حدثنا عبد الوارث بن سفيان. قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا ابن وضاح قال حدثنا يعقوب بن كعب: قال حدثنا مبشر بن إسماعيل، عن حسان بن نوح، عن عبد الله بن بسر قال: ترون يدي هذه صافحت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم

(7/519)


__________
الحديث، رجاله كلهم ثقات وإسناده متصل. أما الحافظ ابن عبد البر فهو ثقة حجة كما في تذكرة الحفاظ، وأما عبد الوارث بن سفيان فهو من شيوخة الكبار قد أكثر الرواية عنه في معرض الاحتجاج في التمهيد والاستيعاب وغيرهما، وأما ابن وضاح فاسمه محمد، قال في تذكرة الحفاظ: هو الحافظ الكبير أبو عبد الله القرطبي، قال ابن الفرضي: كان عالماً بالحديث بصيراً بطرقه متكلماً بعلله، وكان أحمد بن الحباب لا يقدم عليه أحداً ممن أدركه انتهى. وقد صحح ابن القطان إسناداً لحديث بئر بضاعة وقع فيه محمد بن وضاح هذا حيث قال وله إسناد صحيح من رواية سهل بن سعد. قال قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن وضاح حدثنا أبو علي عبد الصمد بن أبي سكينة حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سهل بن سعد قال: قالوا يا رسول الله إنك تتوضأ من بئر بضاعة الخ. ذكر الحافظ الزيلعي كلام ابن القطان هذا في تخريج الهداية، وأقره، وأما يعقوب بن كعب ومبشر بن إسماعيل وحنان بن نوح فهم أيضاً ثقات، فالحديث صحيح، ورواه الحافظ الدولابي في كتابه الأسماء والكنى. قال حدثنا أبو هاشم زياد بن أيوب قال حدثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي، عن أبي معاوية حسان بن نوح قال سمعت عبد الله بن بسر يقول: ترون هذه اليد فإني وضعتها على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث رجاله ثقات إلا الحافظ الدولابي فقال الدارقطني: تكلموا فيه وما يتبين من أمره إلا خير. وقال أبو سعيد بن يونس: كان أبو بشر يعني الدولابي من أهل الصنعة وكان يضعف كذا في تذكرة الحفاظ ويؤيد حديث عبد الله ابن بسر هذا حديث أبي أمامة: تمام التحية الأخذ باليد والمصافحة باليمنى، رواه الحاكم في الكنى كذا في كنز العمال، ويؤيده أيضاً حديث أنس بن مالك قال: صافحت بكفي هذه كف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمامست خزاً ولا حريراً ألين من كفه صلى الله عليه وسلم، ذكره الشيخ محمد عابد السندي في حصر الشارد والقاضي الشوكاني في إتحاف الأكابر، وهذان الحديثان إنما ذكرناهما للتأييد والاستشهاد لأن في أسانيدهما ضعفاً وكلاماً
والدليل الثاني على ما قلنا من أن السنة في المصافحة أن تكون باليمنى سواء كانت عند اللقاء أو عند البيعة ما رواه مسلم في صحيحه عن عمرو بن العاص قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت أبسط يمينك فلأبايعك فبسط يمينه فقبضت

(7/520)


__________
يدي، فقال: " مالك يا عمرو، قلت أردت أن أشترط، قال تشترط ماذا؟ قلت أن يغفر لي، قال أما علمت يا عمرو أن الإسلام يهدم ما كان قبله" ، الحديث. ورواه أبو عوانة في صحيحه وفيه: فقلت يا رسول الله ابسط يدك لأبايعك، فبسط يمينه، قال القاري في المرقاة في شرح هذا الحديث: أبسط يمينك أي افتحها ومدها لأضع يمينى عليها كما هو العادة في البيعة انتهى. وهذا الحديث نص صريح في أن السنة في المصافحة عند البيعة باليد اليمن من الجانبين، وقد صحت في هذا أحاديث كثيرة ذكرناها في رسالتنا المسماة بالمقالة الحسنى في سنية المصافحة باليد اليمنى. فمنها ما رواه أحمد في مسنده بإسناد صحيح عن أبي غادية يقول: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال أبو سعيد، فقلت له: بيمينك قال: نعم الحديث. ومنها ما رواه أحمد في مسنده بإسناد صحيح عن أنس بن مالك يقول: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي هذه يعني اليمنى على السمع والطاعة فيما استطعت. ومنها ما رواه أحمد في مسنده بإسناد صحيح عن زياد بن علاقة قال: سمعت جريراً يقول حين مات المغيرة الحديث وفيه: أما بعد فإني أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أبايعه بيدي هذه على الإسلام فاشترط على النصح. فإن قلت: أحاديث عمرو ابن العاص وأبي غادية وأنس بن مالك وجرير رضي الله تعالى عنهم إنما تدل على سنية المصافحة باليد اليمنى عند البيعة لا عند اللقاء، قلت: هذه الأحاديث كما تدل على سنية المصافحة باليد اليمنى عند البيعة كذلك تدل على سنيتها باليد اليمنى عند اللقاء أيضاً، لأن المصافحة عند اللقاء والمصافحة عند البيعة متحدتان في الحقيقة ولم يثبت تخالف حقيقتهما بدليل أصلا.
والدليل الثالث: أن المصافحة هي إلصاق صفح الكف بصفح الكف، فالمصافحة المسنونة إما أن تكون باليد الواحدة من الجانبين أو باليدين وعلى كلا التقديرين الطلوب ثابت، أما على التقدير الأول فظاهر، وأما على التقدير الثاني فإن كانت بإلصاق صفح كف اليمنى بصفح كف اليمنى وبإلصاق صفح كف اليسرى بصفح كف اليسرى على صورة المقراض فعلى هذا تكون مصافحتان ونحن مأمورون بمصافحة واحدة لا بمصافحتين وإن كانت بإلصاق صفح كف اليمنى بصفح كف اليمنى وإلصاق صفح كف اليسرى بظهر كف اليمنى من الجانبين فالمصافحة هي إلصاق صفح كف اليمنى بصفح كف اليمنى ولا عبرة لإلصاق صفح كف اليسرى

(7/521)


__________
بظهر كف اليمنى لأنه خارج عن حقيقة المصافحة. فإن قيل: قد عرف المصافحة بعض أهل اللغة بأخذ اليد، قال في القاموس: المصافحة الأخذ باليد كالتصافح انتهى، والأخذ باليد عام شامل لأخذ اليد واليدين بإلصاق صفح الكف يصفح الكف أو بظهرها، قلت: هذا تعريف بالأعم لأنه يصدق على أخذ العضد وعلى أخذ المرفق وعلى أخذ الساعد لأن اليد في اللغة الكف ومن أطراف الأصابع إلى الكتف وهو ليس بمصافحة بالاتفاق، والتعريف الصحيح الجامع المانع هو ما فسر به أكثر أهل اللغة وعليه يدل لفظ المصافحة والتصافح فبين المصافحة والأخذ باليد عموم وخصوص مطلق. وأما قول ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: علمني النبي صلى الله عليه وسلم وكفي بين كفيه التشهد كما يعلمني السورة من القرآن أخرجه الشيخان، فليس من المصافحة في شيء بل هو من باب الأخذ باليد عند التعليم لمزيد الاعتناء والاهتمام به. قال الفاضل اللكنوي في بعض فتاواه واتجه در صحيح بخاري أن عبد الله بن مسعود مروى است علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفي بين كفيه التشهد كما يعلمني السورة من القرآن التحيات لله والصلوات والطيبات الحديث ليس ظاهر أن است كه مصافحة متوارثة كه بوقت تلاقي مسنون است نبوده بدكه طريقه تعليميه بوده كه اكابر بوقت اهتمام تعليم جيزي ازهردودست يايكدست دست اصاغر كرفته تعليم ميسازند. وحاصله أن ما روى في صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفي بين كفيه الخ، فالظاهر أنه لم يكن من المصافحة المسنونة عند التلاقي بل هو من باب أخذ اليد عند الاهتمام بالتعليم كما يصنعه الأكابر عند تعليم الأصاغر فيأخذون باليد الواحدة أو باليدين يد اوصاغر. وقد صرح الفقهاء الحنفية أيضاً بأن كون كف ابن مسعود بين كفيه صلى الله عليه وسلم كان لمزيد الاعتناء والاهتمام بتعليمه التشهد. وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الأخذ باليد عند التعليم بأحاديث كثيرة منها ما رواه أحمد في مسنده عن أبي قتادة وأبي الدهماء قالا: كان يكثران السفر نحو هذا البيت، قالا: أتينا على رجل من أهل البادية فقال البدوي أخذ رسول الله بيدي فجعل يعلمني مما علمه الله تبارك وتعالى الحديث، ومنها ما رواه الترمذي عن شكل بن حميد قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: " يا رسول الله علمني تعوذ أتعوذ به، قال فأخذ بكفي وقال قل: اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي

(7/522)


__________
الحديث، ومنها ما رواه أحمد والترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يأخذ عني هؤلاء الكلمات فيعمل بهن أو يعلم من يعمل بهن قلت أنا يا رسول الله، فأخذ بيدي فعد خمساً فقال: اتق المحارم تكن أعبد الناس الحديث.

(7/523)


32- باب مَا جَاءَ في المُعَانَقَة وَالقُبْلَة
2876-حدثنا مُحمّدُ بنُ إِسْمَاعِيلَ، أخبرنا إِبْرَاهِيمُ بنُ يَحْيَى بنِ مُحمّدِ بنِ عَبّادٍ المدني، حدثني أَبي يَحْيَىَ بنُ مُحمّدٍ عن مُحمّدِ بنِ إِسْحَاقَ، عن مُحمّدِ بنِ مُسْلِمٍ الزّهْرِيّ عن عُرْوَةَ بنِ الزّبَيْرِ عن عَائِشَةَ قَالَتْ: "قَدِمَ زَيْدُ بنُ حَارِثَةَ المَدِينَةَ وَرَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في بَيْتِي فَأَتَاهُ فَقَرَعَ البَابَ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عُرْيَاناً يَجُرّ ثَوْبَهُ وَالله مَا رَأَيْتُهُ عُرْيَاناً قَبْلَهُ وَلاَ بَعْدَهُ فَاعْتَنَقَهُ وَقَبّلَهُ".
__________
"باب مَا جَاءَ في المُعَانَقَة وَالقُبْلَة:
قوله: "حدثنا محمد بن إسماعيل" هو الإمام البخاري "حدثنا إبراهيم بن يحيى بن محمد بن عباد" ابن هانئ الشجري لين الحديث روى عن أبيه وعنه البخاري في غير الصحيح وأبو إسماعيل الترمذي وغيرهما "حدثني أبي يحيى بن محمد" هو ضعيف وكان ضريراً يتلقن من التاسعة "عن محمد بن إسحاق" هو صاحب المغازي.
قوله: "قدم زيد بن حارثة المدينة" أي من غزوة أو سفر "ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي" الجملة معترضة حالية "فأتاه" أي فجاء زيد "فقرع الباب" أي قرعاً متعارفاً له أو مقروناً بالسلام والاستئذان "فقام إليه" أي متوجهاً إليه "عرياناً يجر ثوبه" أي رداءه من كمال فرحه بقدومه ومأتاه. قال في المفاتيح: تريد أنه صلى الله عليه وسلم كان ساتراً ما بين سرته وركبته ولكن سقط رداءه عن عاتقه فكان ما فوق سرته عرياناً انتهى "والله ما رأيته عرياناً" أي يستقبل أحداً "قبله" أي قبل ذلك اليوم "ولا بعده" أي بعد ذلك اليوم

(7/523)


هَذَا حديث حسن غريب لاَ نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ الزّهْرِيّ إِلا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
__________
"فاعتنقه وقبله" فإن قيل كيف تحلف أم المؤمنين على أنها لم تره عرياناً قبله ولا بعده مع طول الصحبة وكثرة الاجتماع في لحاف واحد؟ قيل لعلها أرادت عرياناً استقبل رجلا واعتنقه فاختصرت الكلام لدلالة الحال أو عرياناً مثل ذلك العري، واختار القاضي الأول. وقال الطيبي هذا هو الوجه لما يشم من سياق كلامها رائحة الفرح والاستبشار بقدومه وتعجيله للقائه بحيث لم يتمكن من تمام التردي بالرداء حتى جره وكثيراً ما يقع مثل هذا انتهى. كذا في المرقاة. وفي الحديث مشروعية المعانقة للقادم من السفر وهو الحق والصواب، وقد ورد أيضاً في المعانقة حديث أبي ذر أخرجه أحمد وأبو داود من طريق رجل من عنزة لم يسم. قال: قلت لأبي ذر هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصافحكم إذا لقيتموه؟ قال: ما لقيته قط إلا صافحني وبعث إلي ذات يوم فلم أكن في أهلي فلما جئت أخبرت أنه أرسل إلي فأتيته وهو على سريره فالتزمني فكان أجود وأجود وأجود ورجاله ثقات إلا هذا الرجل المبهم. وأخرج الطبراني في الأوسط من حديث أنس: كانوا إذا تلاقوا تصافحوا وإذا قدموا من سفر تعانقوا. وأخرج البخاري في الأدب المفرد وأحمد وأبو يعلى في مسنديهما من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: بلغني عن رجل حديث سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتريت بعيراً ثم شددت رحلي فسرت إليه شهراً حتى قدمت الشام، فإذا عبد الله بن أنيس فقلت للبواب: قل له جابر على الباب، فقال: ابن عبد الله قلت: نعم. فخرج فاعتنقني فقلت حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فخشيت الحديث. فإن قلت: ما وجه التوفيق بين حديث عائشة هذا وبين حديث أنس المتقدم الذي يدل على عدم مشروعية المعانقة، قلت: حديث أنس لغير القادم من السفر، وحديث عائشة للقادم والله أعلم.
قوله : "هذا حديث حسن غريب" ذكر الحافظ هذا الحديث في الفتح ونقل تحسين الترمذي له وسكت عنه.

(7/524)


133-باب مَا جَاءَ في قُبْلَةِ الْيَدِ وَالرّجْل
2877-حدثنا أَبُو كُرَيْبٍ، أخبرنا عَبْدُ الله بنُ إِدْرِيسَ وَأَبُو أُسَامَةَ عن شُعْبَةَ عن عَمْرِو بنِ مُرّةَ عن عَبْدِ الله بنِ سلَمَةَ عن صَفْوَانَ بنِ عَسّالٍ قالَ: "قالَ يَهُودِيٌ لِصَاحِبِهِ اذْهَبْ بِنَا إِلَى هَذَا النّبيّ. فَقَالَ صَاحِبُهُ لاَ تَقُلْ نَبيٌ إِنّهُ لَوْ سَمِعَكَ كَانَ لَهُ أَرْبَعَةُ أَعْيُنٍ. فَأَتَيَا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَسَأَلاَهُ عن تِسْعِ آيَاتٍ بَيّنَاتٍ، فَقَالَ: " لَهُمْ لاَ تُشْرِكُوا بِالله
__________
"باب مَا جَاءَ في قُبْلَةِ الْيَدِ وَالرّجْل"
أي في تقبيلهما
قوله : "أخبرنا عبد الله بن إدريس" هو الأودي المعافري أبو محمد الكوفي "وأبو أسامة" هو حماد بن أسامة القرشي مولاهم الكوفي "عن عبد الله بن سلمة" بكسر اللام المرادي الكوفي تنبيه: قال النووي في مقدمة شرح مسلم: سلمة كله بفتح اللام إلا عمرو بن سلمة إمام قومه وبني سلمة القبيلة من الأنصار فبكسر اللام، وفي عبد الخالق بن سلمة الوجهان انتهى. قلت: وعبد الله بن سلمة هذا أيضاً بكسر اللام كما في التقريب والخلاصة.
قوله : "قال يهودي لصاحبه" أي من اليهود "اذهب بنا" الباء للمصاحبة أو التعدية "إلى هذا النبي" أي لنسأله عن مسائل "فقال صاحبه لا تقل" أي له كما في رواية "نبي" أي هو نبي "إنه" بكسر الهمزة استئناف فيه معنى التعليل أي لأنه "لو سمعك" أي سمع قولك إلى هذا النبي "كان له أربعة أعين" هكذا وقع في النسخ الموجودة، ووقع في المشكاة أربع أعين بغير التاء وهو الظاهر، يعني: يسر بقولك هذا النبي سروراً يمد الباصرة فيزداد به نوراً على نور كذى عينين أصبح يبصر بأربع فإن الفرح يمد الباصرة، كما أن الهم والحزن يخل بها، ولذا يقال لمن أحاطت به الهموم أظلمت عليه الدنيا "فسألاه" أي امتحاناً "عن تسع آيات بينات" أي واضحات، والاَية العلامة الظاهرة تستعمل في المحسوسات كعلامة الطريق والمعقولات كالحكم الواضح والمسألة الواضحة فيقال لكل ما تتفاوت فيه المعرفة بحسب التفكر فيه والتأمل وحسب منازل الناس في العلم آية والمعجزة آية، ولكل جملة دالة على حكم من أحكام الله آية، ولكل كلام منفصل بفصل

(7/525)


شَيْئاً، وَلاَ تَسْرِقُوا، وَلاَ تَزْنُوا، وَلاَ تَقْتُلُوا النّفْسَ الّتِي حَرّمَ الله إِلاّ بِالحَقّ، وَلاَ تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إِلَى ذِي سُلْطَانٍ لِيَقْتُلَهُ، وَلاَ تَسْحَرُوا، وَلاَ تَأْكُلُوا الرّبَا، وَلاَ تَقْذِفُوا مُحْصَنَةً، وَلاَ تُوَلّوا الفِرَارَ يَوْمَ الزّحْفِ وَعَلَيْكُمْ خَاصّةً اليَهُودَ أَلاّ تَعْتَدُوا في السّبْتِ. قَالَ فَقَبّلُوا يَدَيْهِ، وَرِجْلِيْهِ، وَقَالوا
__________
لفظي آية، والمراد بالاَيات ههنا. أما المعجزات التسع وهي العصا واليد والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والسنون ونقص من الثمرات، وعلى هذا فقوله: لا تشركوا كلام مستأنف ذكره عقيب الجواب ولم يذكر الراوي الجواب استغناء بما في القرآن أو بغيره، ويؤيده ما في رواية الترمذي في التفسير: فسألاه عن قول الله تعالى {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} وأما الأحكام العامة الشاملة للملل الثابتة في كل الشرائع وبيانها ما بعدها سميت بذلك لأنها تدل على حال المكلف بها عن السعادة والشقاوة، وقوله وعليكم خاصة حكم مستأنف زائد على الجواب ولذا غير السياق "لا تشركوا بالله" أي بذاته وصفاته وعبادته "شيئاً" من الأشياء أو الإشراك "ولا تمشوا ببرئ" بهمزة وإدغام أي بمتبرئ من الإثم والباء للتعدية، أي لاتسعوا ولا تتكلموا بسوء ليس له ذنب "إلى ذي سلطان" أي صاحب قوة وقدرة وغلبة وشوكة "ولا تسحروا" بفتح الحاء "ولا تأكلوا الربا" فإنه سحق ومحق "ولا تقذفوا" بكسر الذال "محصنة" بفتح الصاد ويكسر أي لا ترموا بالزنا عفيفة "ولا تولوا" بضم التاء واللام من ولي تولية إذا أدبر أي ولا تولوا أدباركم ويجوز أن يكون بفتح التاء واللام من التولي وهو الإعراض والإدبار أصله تتولوا فحذف إحدى التائين "الفرار" بالنصب على أنه مفعول له أي لأجل الفرار "يوم الزحف" أي الحرب مع الكفار "وعليكم" ظرف وقع خبراً مقدماً "خاصة" منوناً حال من الضمير المجرور والمستتر في الظرف عائد إلى المبتدأ أي مخصوصين بهذه العاشرة أو حال كون الاعتداء مختصاً بكم دون غيركم من الملل أو تمييز والخاصة ضد العامة "اليهود" نصب على التخصيص والتفسير أي أعني اليهود، ويجوز أن يكون خاصة بمعنى خصوصاً ويكون اليهود معمولاً لفعله أي أخص اليهود خصوصاً "ألا تعتدوا" بتأويل المصدر في محل الرفع على أنه مبتدأ من الاعتداء "في السبت" أي لا تتجاوزوا أمر الله في تعظيم

(7/526)


نَشْهَدُ أَنّكَ نَبيٌ. قالَ فَمَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تَتّبِعُونِي؟ قالَ قالُوا: إِنّ دَاوُدَ دَعَا رَبّهُ أَنْ لاَ يَزَالَ مِنْ ذُرّيّتِهِ نَبيٌ، وَإِنّا نَخَافُ إِنْ تَبِعْنَاكَ يَقْتُلُنَا اليَهُودُ" .
__________
السبت بأن لا تصيدوا السمك فيه، وقيل عليكم اسم فعل بمعنى خذوا أو أن لا تعتدوا مفعوله أي الزموا ترك الاعتداء "قال" أي صفوان "فقبلوا يديه ورجليه" صلى الله عليه وسلم "وقالوا" وفي رواية الترمذي في التفسير فقبلا يديه ورجليه وقالا "نشهد أنك نبي" إذ هذا العلم من الأمي معجزة لكن نشهد أنك نبي إلى العرب "أن تتبعوني" بتشديد التاء وقيل بالتخفيف أي من أن تقبلوا نبوتي بالنسبة إليكم وتتبعوني في الأحكام الشرعية التي هي واجبة عليكم "قال" لم يقع هذا اللفظ في أكثر النسخ "دعا ربه أن لا يزال" أي بأن لا ينقطع "من ذريته نبي" إلى يوم القيامة فيكون مستجاباً فيكون من ذريته نبي ويتبعه اليهود وربما يكون لهم الغلبة والشوكة "وإنا نخاف إن تبعناك تقتلتنا اليهود" أي فإن تركتا دينهم واتبعناك لقتلنا اليهود إذا ظهر لهم نبي وقوة، وهذا افتراء محض على داود عليه الصلاة والسلام لأنه قرأ في التوراة والزبور بعث محمد صلى الله عليه وسلم النبي وأنه خاتم النبيين وأنه ينسخ به الأديان فكيف يدعو بخلاف ما أخبر الله تعالى به من شأن محمد صلى الله عليه وسلم؟ ولئن سلم فعيسى من ذريته وهو نبي باق إلى يوم الدين والحديث يدل على جواز تقبيل اليد والرجل، قال ابن بطال: اختلفوا في تقبيل اليد فأنكره مالك وأنكر ما روي فيه وأجازه آخرون واحتجوا بما روى عن ابن عمر أنهم لما رجعوا من الغزو حيث فروا قالوا نحن الفرارون فقال بل أنتم الكرارون إنا فئة المؤمنين قال فقبلنا يده قال وقيل أبو لبابة وكعب بن مالك صاحباه يد النبي صلى الله عليه وسلم حين تاب الله عليهم ذكره الأبهري، وقبل أبو عبيدة يد عمر حين قدم، وقبل زيد بن ثابت يد ابن عباس حين أخذ ابن عباس بركابه، قال الأبهري وإنما كرهها مالك إذا كانت على وجه التعظيم والتكبر وأما إذا كانت على وجه القربة إلى الله لدينه أو لعلمه أو لشرفه فإن ذلك جائز.
قال ابن بطال: وذكر الترمذي من حديث صفوان بن عسال أن يهوديين أتيا النبي صلى الله عليه وسلم فسألاه عن تسع آيات الحديث. وفي آخره فقبلا يده ورجله. قال الترمذي حسن صحيح. قال الحافظ: حديث ابن عمر أخرجه البخاري

(7/527)


وفي البابِ عن يَزِيدَ بنِ الاسْوَدِ وَ ابنِ عُمَرَ وَ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ.
هذا حديث حسن صحيح.
__________
في الأدب المفرد وأبو داود وحديث أبي لبابة أخرجه البيهقي في الدلائل وابن المقري، وحديث كعب وصاحبيه أخرجه ابن المقري وحديث أبي عبيدة. أخرجه سفيان في جامعه، وحديث ابن عباس أخرجه الطبراني وابن المقري، وحديث صفوان أخرجه أيضاً النسائي وابن ماجة وصححه الحاكم وقد جمع الحافظ أبو بكر بن المقري جزءاً في تقبيل اليد سمعناه أورد فيه أحاديث كثيرة وآثاراً فمن جيدها حديث الزارع العبدي وكان في وفد عبد القيس، قال: فجعلنا نتبادر من رواحلنا فنقبل يد النبي صلى الله عليه وسلم ورجله. أخرجه أبو داود. ومن حديث فريدة العصر مثله، ومن حديث أسامة بن شريك قال: قمنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقبلنا يده. وسنده قوي، ومن حديث جابر: أن عمر قام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقبل يده، ومن حديث بريدة في قصة الأعرابي والشجرة فقال يا رسول الله ائذن لي أن أقبل رأسك ورجليك فأذن له. وأخرج البخاري في الأدب المفرد من رواية عبد الرحمن بن رزين قال أخرج لنا سلمة بن الأكوع كفاً له ضخمة كأنها كف بعير فقمنا إليها فقبلناها، وعن ثابت أنه قبل يد أنس. وأخرج أيضاً أن علياً قبل يد العباس ورجله. وأخرجه ابن المقري. وأخرج من طريق أبي مالك الأشجعي قال: قلت لابن أبي أوفى ناولني يدك التي بايعت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فناولنيها فقبلتها. قال النووي: تقبيل يد الرجل لزهده وصلاحه أو عمله أو شرفه أو صيانته أو نحو ذلك من الأمور الدينية لا يكره بل يستحب، فإن كان لغناه أو شوكته أو جاهه عند أهل الدنيا فمكروه شديد الكراهة، وقال أبو سعيد المتولي لا يجوز كذا في الفتح.
قوله : "وفي الباب عن يزيد بن الأسود وابن عمر وكعب بن مالك" أما حديث يزيد بن الأسود فأخرجه أحمد، وأما حديث ابن عمر فأخرجه البخاري في الأدب المفرد. وأبو داود وابن ماجة الترمذي في أواخر أبواب الجهاد وليس فيه ذكر التقبيل. وأما حديث كعب بن مالك فأخرجه ابن المقري.
قوله : "هذا حديث صحيح" وأخرجه النسائي وابن ماجه والحاكم وصححه.

(7/528)