Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي

المجلد الثامن
تابع لأبواب العلم
باب ما جاء في مرحبا
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين
34 - باب مَا جَاءَ في مَرْحَبا
2878 - حدثنا إسْحَاقُ بنُ مُوسَى اْلأَنْصَارِيّ، حدثنا مَعْنٌ، حدثنا مَالِكٌ عن أَبي النّضْرِ: أَنّ أَبَا مُرّةَ مَوْلَى أُمّ هَانِئ بِنْتِ أَبي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ أَنّهُ سَمِعَ أُمّ هَانِئ تَقُولُ: "ذَهَبْتُ إلى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم عَامَ الْفَتْحِ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ تسْتُرُهُ بِثَوْبٍ، قَاَلَتْ: فَسَلّمْتُ، فَقَالَ: "مَنْ هَذِهِ" ؟ قلت: أَنَا أُمّ هَانِئ، فَقَالَ: "مَرْحَبَاً بِأُمّ هَانِئ" قال: فَذَكَرَ قصة في الْحَدِيثِ.
وهذا حديثٌ صحيحٌ.
2879 - حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، قَالُوا: أَخْبَرَنَا مُوسَى بنُ مَسْعُودٍ عن سُفْيَانَ عَنْ أَبي إسْحَاقَ عَنْ مُصْعَبِ بنِ سَعْدٍ عَن عِكْرِمَةَ
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في مَرْحَبا
قوله: "عن أبي النضر" اسمه سالم بن أبي أمية "أنه سمع أم هانئ" بنت أبي طالب الهاشمية اسمها فاختة، وقيل هند، لها صحبة وأحاديث، ماتت في خلافة معاوية.
قوله: "وفاطمة تستره" أي عنها وعن غيرها "قال مرحباً بأم هانئ" الباء إما زائدة في الفاعل، أي أتت أم هانئ. مرحباً أي موضعاً رحباً، أي واسعاً لا ضيقاً أو للتعدية أي أتى الله بأم هانئ مرحباً فمرحباً منصوب على المفعول به، وهذه كلمة إكرام والتكلم بها سنة "فذكر قصة في الحديث" روى الشيخان هذا الحديث مطولاً بذكر القصة.
قوله: "أخبرنا موسى بن مسعود" النهدي أبو حذيفة البصري صدوق سيء

(8/3)


ابنِ أبيِ جَهْلٍ، قَالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَوْمَ جِئْتُهُ: "مَرْحَبَاً بِالرّاَكِبِ المُهَاجِرِ" .
ـــــــ
الحفظ، وكان يصحف من صغار التاسعة "عن سفيان" هو الثوري "عن عكرمة ابن أبي جهل" بن هشام المخزومي صحابي أسلم يوم الفتح وحسن إسلامه واستشهد بالشام في خلافة أبي بكر على الصحيح.
قوله: "يوم جئته" أي عام الفتح، وزاد مالك في الموطأ: فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم وثب إليه فرحاً وما عليه رداء حتى بايعه "مرحباً" مقول القول، أي جئت مرحباً أي موضعاً واسعاً قال الحافظ: هو منصوب بفعل مضمر أي صادفت رحباً بضم الراء أي سعة، والرحب بالفتح الشيء الواسع وقد يزيدون معها أهلاً، أي وجدت أهلاً فاستأنس، وأفاد العسكري أن أول من قال مرحباً سيف بن ذي يزن، وفيه دليل على استحباب تأنيس القادم، وقد تكرر ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم "بالراكب المهاجر" أي إلى الله ورسوله أو من دار الحرب إلى دار الإسلام، وفيه إشعار بأن قوله صلى الله عليه وسلم: "لا هجرة بعد الفتح" : أي من مكة لأنها صارت دار الإسلام، بخلاف ما قبل الفتح فإن الهجرة كانت واجبة بل شرطاً، وأما الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام فوجوبها باق إلى يوم القيامة. قال صاحب المشكاة في الإكمال: هو عكرمة بن أبي جهل، واسم أبي جهل عروة بن هشام المخزومي القرشي، كان شديد العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم هو وأبوه، وكان فارساً مشهوراً وهرب يوم الفتح فلحق باليمن فلحقت به امرأته أم حكيم بنت الحارث فأتت به النبي صلى الله عليه وسلم فلما رآه قال: "مرحباً بالراكب المهاجر" فأسلم بعد الفتح سنة ثمان وحسن إسلامه وقتل يوم اليرموك سنة ثلاث عشرة وله اثنتان وستون سنة. قالت أم سلمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رأيت لأبي جهل عذقاً في الجنة"، فلما أسلم عكرمة قال يا أم سلمة هذا هو، قالت وشكا عكرمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه إذا مر بالمدينة قالوا هذا ابن عدو الله أبي جهل، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً فحمد الله وأثنى عليه وقال: "الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا" ، انتهى.

(8/4)


وفي البابِ عن بُرَيْدَةَ وَابنِ عَبّاسٍ وَأَبي جُحَيْفَةَ. وَهذا حديثٌ لَيْسَ إسْنَادُهُ بِصَحِيحٍ لاَ نَعْرِفُهُ مِثْلَ هَذَا إلاَ مِنْ هذا الوجه مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بنِ مَسْعُودٍ عن سُفْيَانَ، وَمُوسَى بنُ مَسْعُودٍ ضَعِيفٌ فِي الْحَدِيثِ. وَرَوَى هذا الحديث عَبْد الرّحْمَنِ بنُ مَهْدِيٍ عن سفيَانَ عن أَبي إسْحَاقَ مُرْسَلاً، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عن مُصْعَبِ بنِ سَعْدٍ. وَهَذَا أَصَحّ قال: سَمِعْتُ مُحمّدَ بنَ بَشّارٍ يَقُولُ: مُوسَى بنُ مَسْعُودٍ ضَعِيفٌ فِي الْحَدِيثِ. وقالَ: مُحمّدُ بنُ بَشّار، وَكَتَبْتُ كَثِيراً عن مُوسَى بنِ مَسْعُودٍ ثُمّ تَرَكْتُهُ.
ـــــــ
قوله: "وفي الباب عن بريدة وابن عباس وأبي جحيفة" أما حديث بريدة فأخرجه ابن أبي عاصم عنه: أن علياً لما خطب فاطمة قال له النبي صلى الله عليه وسلم "مرحباً وأهلاً". وهو عند النسائي، وصححه الحاكم. وأما حديث ابن عباس فأخرجه البخاري في كتاب الإيمان والأشربة والأدب، وأما حديث أبي جحيفة فلينظر من أخرجه، وفي الباب أحاديث أخرى أخرجها ابن أبي عاصم وابن السني كما في الفتح.
قوله: "وهذا حديث ليس إسناده بصحيح" وأخرجه مالك في الموطأ عن ابن شهاب عن أم حكيم زوج عكرمة بن أبي جهل مطولاً.
قوله: "موسى بن مسعود ضعيف في الحديث" قال في تهذيب التهذيب وقال الدارقطني قد أخرج له البخاري وهو كثير الوهم تكلموا فيه. قال الحافظ: ماله عند البخاري عن سفيان سوى ثلاثة أحاديث متابعة، وله عنده آخر عن زائدة متابعة أيضاً انتهى.

(8/5)


35- باب ما جاءَ في تَشْمِيتِ العَاطِس
2880- حدثنا هَنّادٌ حدثنا أَبُو اْلأَحْوَصِ عن أَبي إِسْحَاقَ، عن
ـــــــ
باب ما جاءَ في تَشْمِيتِ العَاطِس
التشميت: جواب العاطس بيرحمك الله. قال في النهاية: التشميت بالمشين والسين

(8/5)


الْحَارِثِ عن عَلِيٍ قَالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لِلْمُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ سِتٌ بِالمَعْرُوفِ: يُسَلّمُ عَلَيْهِ إِذَا لَقِيَهُ، وَيُجيِبُهُ إذَا دَعَاهُ، وَيُشَمّتُهُ إذَا عَطَسَ وَيَعُودُهُ إذَا مَرِضَ، وَيَتّبِعُ جَنَازَتَهُ إذَا مَاتَ، وَيُحِبّ لَهُ مَا يُحِبّ لِنَفْسِهِ" .
ـــــــ
الدعاء بالخير والبركة والمعجمة أعلاهما، يقال شمت فلاناً وشمت عليه تشميتاً فهو مشمت واشتقاقه من الشوامت وهي القوائم، كأنه دعا للعاطس بالثبات على طاعة الله تعالى، وقيل معناه أبعدك الله عن الشماتة وجنبك ما يشمت به عليك، انتهى.
قوله: "عن الحارث" عن عبد الله الأعور الهمداني الحارثي الكوفي صاحب علي كذبه الشعبي في رأيه ورمي بالرفض وفي حديثه ضعف وليس له عند النسائي سوى حديثين، مات في خلافه ابن الزبير، قاله الحافظ.
قوله: "للمسلم على المسلم ست بالمعروف" صفة بعد صفة لموصوف محذوف يعني المسلم على المسلم خصال ست متلبسة بالمعروف، وهو ما يرضاه الله من قول أو عمل، ويحتمل أن يكون الباء بمعنى من "يسلم عليه" جملة استئنافية مبينة أو تقديره أن يسلم عليه أي على المسلم سواء عرفه أو لم يعرفه "ويجيبه إذا دعاء" أي إلى دعوة أو حاجة "ويشمته" بالشين المعجمة وتشديد الميم أي يدعو له بقوله يرحمك الله "إذا عطس" بفتح الطاء ويكسر على ما في القاموس، يعني فحمد الله كما في رواية "ويتبع" بتشديد التاء عن الاتباع، ويجوز أن يكون بسكونها وفتح الموحدة أي يشهد ويشيع "جنازته" بكسر الجيم ويفتح "ويحب له ما يحب" أي مثل ما يحب "لنفسه" من الخير، وهذا فذلكة الكل، ولذا اقتصر عليه في حديث أنس مرفوعاً برواية أحمد وأصحاب الست إلا أبا داود: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه". ووقع في حديث البراء بن عازب الذي أشار إليه الترمذي: أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع: أمرنا بعيادة المريض وإتباع الجنازة وتشميت العاطس الحديث. قال الحافظ في شرح هذا الحديث ما لفظه: قال ابن دقيق العيد ظاهر الأمر الوجوب، ويؤيده قوله في حديث أبي هريرة الذي في الباب الذي يليه: فحق على كل مسلم سمعه أن يشمته. وفي حديث أبي هريرة عن مسلم: حق المسلم على المسلم ست، فذكر فيها: وإذا عطس فحمد الله

(8/6)


وفي البابِ عن أَبي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي أَيّوبَ وَالبَرَاءِ، وَابِن مَسْعُودٍ.
ـــــــ
فشمته. وللبخاري من وجه آخر عن أبي هريرة خمس تجب للمسلم على المسلم فذكر منها التشميت وهو عند مسلم أيضاً، وفي حديث عائشة عند أحمد وأبي يعلى: "إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله وليقل من عنده يرحمك الله". وقد أخذ بظاهرها ابن مزين من المالكية، وقال به جمهور أهل الظاهر: وقال ابن أبي جمرة. قال جماعة من علمائنا إنه فرض عين. وقواه ابن القيم في حواشي السنن فقال: جاء بلفظ الوجوب الصريح وبلفظ الحق الدال عليه وبلفظ على الظاهرة فيه وبصيغة الأمر التي هي حقيقة فيه، ويقول الصحابي: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال لا ريب أن الفقهاء أثبتوا وجوب أشياء كثيرة بدون مجموع هذه الأشياء، وذهب آخرون إلى أنها فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، ورجحه أبو الوليد بن رشد وأبو بكر بن العربي. وقال به الحنفية وجمهور الباقين، وذهب عبد الوهاب وجماعة من المالكية إلى أنه مستحب ويجزيء الواحد عن الجماعة، وهو قول الشافعية. والراجح من حيث الدليل القول الثاني والأحاديث الصحيحة الدالة على الوجوب لا تنافي كونه على الكفاية، فإن الأمر بتشميت العاطس وإن ورد في عموم المكلفين ففرض الكفاية يخاطب به الجميع على الأصح ويسقط بفعل البعض، وأما من قال إنه فرض على مبهم، فإنه ينافي كونه فرض عين انتهى كلام الحافظ. وقال ابن القيم في زاد المعاد بعد ذكر عدة أحاديث التشميت ما لفظه: وظاهر الحديث المبدوء به. "يعني حديث أبي هريرة عند البخاري: إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب، فإذا عطس فحمد الله فحق على كل مسلم سمعه أن يشمته الحديث" إن التشميت فرض عين على كل من سمع العاطس يحمد الله ولا يجزئ تشميت الواحد عنهم، وهذا أحد قولي العلماء، واختاره ابن أبي زيد وابن العربي المالكي ولا دافع له انتهى.
قلت: الظاهر ما قاله ابن القيم والله تعالى أعلم.
قوله: "وفي الباب عن أبي هريرة وأبي أيوب والبراء وأبي مسعود"، وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الترمذي في هذا الباب، وأما حديث أبي أيوب فأخرجه أيضاً الترمذي في باب كيف يشمت العاطس، وأما حديث البراء

(8/7)


هذا حديثٌ حسنٌ وقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ تَكَلّمَ بَعْضُهُمْ في الْحَارِثِ اْلأَعْوَرِ.
2881- حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنَا محمدُ بنُ مُوسَى المَخْزُومِيّ المَدِنِيّ عن سَعِيدِ بنِ أَبي سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ، "عن أبِيهِ" عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لِلْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤمِنِ سِتّ خِصَالٍ: يَعُودُهُ إِذَا مَرِضَ، وَيَشْهَدُهُ إذَا مَاتَ، وَيُجِيبُهُ إذَا دَعَاهُ، وَيُسَلّمُ عَلَيْهُ إذَا لَقِيهُ، وَيُشَمّتْهُ إذَا عَطَسَ، وَيَنْصَحُ لَهُ إذَا غَابَ أَوْ شَهِدَ" .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَمُحمّدُ بنُ مُوسَى المَخْزُوميّ مَدِنِيٌ ثِقَةٌ، رَوَى عَنْهُ عَبْدُ الْعَزيزِ بنُ مُحَمّدٍ وَابنُ أَبي فُدَيْكٍ.
ـــــــ
فأخرجه البخاري ومسلم، وأما حديث أبي مسعود وهو ابن عقبة الأنصاري فأخرجه أحمد.
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه أحمد وابن ماجه والدارمي "وقد تكلم بعضهم في الحارث الأعور" إن شئت الوقوف على من تكلم فيه فارجع إلى تهذيب التهذيب ومقدمة صحيح مسلم وشرحه للنووي.
قوله: "أخبرنا محمد بن موسى المخزومي المديني" الفطري، صدوق، رمي بالتشيع من السابعة.
قوله: "ويشهده" أي ويحضر وقت نزعه "إذا مات" أي قرب موته أو يحضر زمان الصلاة على جنازته إذا مات وهو الأظهر "وينصح له" أي يريد الخير للمؤمن ويرشده إليه "إذا غاب" أي كل منهما "أو شهد" أي حضر وأو للتنويع. وحاصله أنه يريد خيره في حضوره وغيبته، فلا يتملق في حضوره ويغتاب في غيبته فإن هذا صفة المنافقين.
قوله: "هذا حديث صحيح" وأخرجه مسلم بلفظ: حق المسلم على المسلم ست،

(8/8)


ـــــــ
قيل ما هن يا رسول الله؟ قال "إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه. وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه" .

(8/9)


36- باب مَا يَقُولُ الْعَاطِسُ إِذَا عَطَس
2882- حدثنا حْمَيْدُ بنُ مَسْعَدَةَ، أخبرنا زِيَادُ بنُ الرّبيعِ، أخبرنا حَضْرَمِيٌ مَوْلَى من آلِ الْجَارُودِ عن نَافِعٍ: "أَنّ رَجُلاً عَطَسَ إلى جَنْبِ ابنِ عُمَرَ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لله وَالسّلاَمُ عَلَى رَسُولِ الله، فقال ابنُ عُمَرَ: وَأَنَا أَقُولُ الْحَمْدُ لله وَالسّلاَمُ عَلَى رَسُولِ الله، وَلَيْسَ هَكَذَا عَلّمَنَا
ـــــــ
باب مَا يَقُولُ الْعَاطِسُ إِذَا عَطَس
اعلم أن العطاس نعمة من نعم الله، فلا بد للعاطس إذا عطس أن يحمد الله تعالى. قال الحافظ ابن القيم في زاد المعاد: العاطس قد حصلت له بالعطاس نعمة ومنفعة بخروج الأبخرة المحتقنة في دماغه التي لو بقيت فيه أحدثت له أدواء عسرة، شرع له حمد الله على هذه النعمة، مع بقاء أعضائه على التئامها وهيئتها على هذه الزلزلة التي هي للبدن كزلزلة الأرض لها انتهى
قوله: "حدثنا زياد بن الربيع" هو أبو خداش اليحمدي البصري "أخبرنا حضرمي" بسكون المعجمة بلفظ النسبة ابن عجلان مولى الجارود، مقبول من السابعة كذا في التقريب. وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته: روى عن نافع مولى ابن عمر، وعنه زياد بن الربيع اليحمدي وغيره، ذكره ابن حبان في الثقات. روى له الترمذي حديثاً فيما يقوله العاطس، انتهى.
قوله: "أن رجلاً عطس إلى جنب ابن عمر" أي منتهياً جلوسه إلى جنبه "فقال" أي العاطس "الحمد لله والسلام على رسول الله" يحتمل أن يكون من جهله بالحكم الشرعي، أو ظن أنه يستحب زيادة السلام عليه لأنه من جملة الأذكار "فقال" أي كما "ابن عمر وأنا أقول" تقول أيضاً "الحمد لله والسلام على رسول الله" لأنهما ذكران شريفان كل أحد مأمور بهما، لكن لكل مقام مقال، وهذا معنى قوله

(8/9)


رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم. عَلّمْنَا أَنْ نَقُولَ الْحَمْدُ لله عَلَى كُلّ حالٍ".
ـــــــ
(وليس هكذا علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم" بأن يضم السلام مع الحمد عند العطسة بل الأدب متابعة الأمر من غير زيادة ونقصان من تلقاء النفس إلا بقياس جلي "علمنا أن نقول الحمد لله على كل حال" فالزيادة المطلوبة إنما هي المتعلقة بالحمدلة سواء ورد أو لا، وأما زيادة ذكر آخر بطريق الضم إليه فغير مستحسن، لأن من سمع ربما يتوهم أنه من جملة المأمورات. وفي الحديث أنه يقول: العاطس الحمد لله على كل حال، وعند الطبراني من حديث أبي مالك الأشعري رفعه: إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله على كل حال. ومثله عند أبي داود من حديث أبي هريرة، وللنسائي من حديث علي رفعه يقول العاطس: الحمد لله على كل حال. ولابن السني من حديث أبي أيوب مثله، ولأحمد والنسائي من حديث سالم بن عبيد رفعه: إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله على كل حال، أو الحمد لله رب العالمين، وإليه ذهبت طائفة من أهل العلم، وقالت طائفة إنه لا يزيد على الحمد لله كما في حديث أبي هريرة، عند البخاري: إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله الحديث، وقالت طائفة يقول: الحمد لله رب العالمين. ورد ذلك في حديث لابن مسعود. أخرجه البخاري في الأدب المفرد والطبراني وورد الجمع بين اللفظين، فعنده في الأدب المفرد عن علي قال: من قال عند عطسة سمعها الحمد لله رب العالمين على كل حال ما كان ليجد وجع الضرس ولا الأذن أبداً. وهذا موقوف رجاله ثقات، ومثله لا يقال من قبل الرأي فله حكم الرفع، وقالت طائفة ما زاد من الثناء يتعلق بالحمد كان حسناً، فقد أخرج أبو جعفر الطبري في التهذيب بسند لا بأس به عن أم سلمة قالت: عطس رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال الحمد لله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "يرحمك الله". وعطس آخر فقال: الحمد لله رب العالمين حمداً طيباً كثيراً مباركاً فيه، فقال: ارتفع هذا على هذا تسع عشرة درجة. ويؤيد ما أخرجه الترمذي وغيره من حديث رفاعة بن رافع قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم فعطست فقلت: الحمد لله حمداً طيباً مباركاً فيه، مباركاً عليه كما يحب ربنا ويرضى فلما انصرف قال: من المتكلم ثلاثاً ، فقلت أنا، فقال "والذي نفسي بيده لقد ابتدرها بضعة وثلاثون ملكاً أيهم يصعد بها" . وأخرجه الطبراني وبين أن الصلاة

(8/10)


هذا حديثٌ غريبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلا مِنْ حَدِيثِ زِيَادِ بنِ الرّبيعِ.
ـــــــ
المذكورة المغرب وسنده لا بأس به، وأخرج ابن السنن بسند ضعيف عن أبي رافع قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فعطس فخلى يدى، ثم قام فقال شيئاً لم أفهمه، فسألته فقال: "أتاني جبريل فقال: إذا أنت عطست فقل الحمد لله لكرمه، الحمد لله لعز جلاله. فإن الله عز وجل يقول صدق عبدي ثلاثاً مغفوراً له" . قال الحافظ في الفتح بعد ذكر هذا كله ما لفظه: ونقل ابن بطال عن الطبراني. أن العاطس يتخير بين أن يقول الحمد لله أو يزيد رب العالمين أو على كل حال، والذي يتحرر من الأدلة أن كل ذلك مجزئ لكن ما كان أكثر ثناء أفضل، بشرط أن يكون مأثوراً. وقال النووي في الأذكار: اتفق العلماء على أنه يستحب للعاطس أن يقول عقب عطاسه الحمد لله، ولو قال الحمد لله رب العالمين لكان أحسن، فلو قال الحمد لله على كل حال كان أفضل، كذا قال. والأخبار التي ذكرتها تقتضي التخيير ثم الأولوية كما تقدم انتهى.
قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه البزار والطبراني.

(8/11)


باب ما جاء كيف يشمت العاطس
...
37- باب مَا جَاءَ كَيْفَ تَشْمِيتُ الْعَاطِس
2883- حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ، أخبرنا عَبْد الرّحْمَنِ بنُ مَهْدِيٍ أخبرنا سُفْيَانُ عن حَكِيمِ بنِ دَيْلَمَ عن أَبي بُرْدَةَ بنِ أَبي مُوسَى، عن أَبي مُوسَى قالَ: "كَانَ اليَهُودُ يَتَعَاطَسُونَ عِنْدَ النبيّ صلى الله عليه وسلم يَرّجُونَ أَنْ
ـــــــ
باب مَا جَاءَ كَيْفَ تَشْمِيتُ الْعَاطِس
قوله: "حدثنا سفيان" هو الثوري "عن حكيم بن ديلم" هو المدائني "عن أبي بردة بن أبي موسى" قال في التقريب أبو بردة بن أبي موسى الأشعري، قيل اسمه عامر، وقيل الحارث ثقة من الثالثة "عن أبي موسى" الأشعري اسمه عبد الله ابن قيس صحابي مشهور، أمره عمر ثم عثمان وهو أحد الحكمين بصفين.
قوله: "كان اليهود يتعاطسون" أي يطلبون العطسة من أنفسهم "يرجون"

(8/11)


يَقُولَ لَهُمْ يَرحَمُكُمْ الله، فَيَقُولُ: "يَهْدِيكْمُ الله وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ".
وفي البابِ عن عَليٍ وَأَبي أَيّوبَ وَسَالِمِ بنِ عُبَيْدٍ وعَبْدِ الله بنِ جَعْفَرٍ وَأَبي هُرَيْرَةَ.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
2884- حدثنا مَحْمُودُ بنُ غَيْلاَنَ، أخبرنا أَبُو أَحْمَدَ الزبيري، أخبرنا سُفْيَانُ عن مَنْصُورٍ، عن هِلاَلِ بنِ يَسَافٍ، عن سَالِمِ بنِ عُبَيْدٍ: "أَنّهُ كَانَ مَعَ الْقَوْمِ في سَفَرٍ، فَعَطَسَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ فَقَالَ: السّلاَمُ عَلَيْكُمْ، فَقَالَ: عَلَيْكَ وَعَلى أُمّكَ. فَكَأَنّ الرّجُلَ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ، فَقَالَ: أَمَا إِنّي لَمْ أَقُلْ
ـــــــ
أي يتمنون بهذا السبب "فيقول" أي النبي صلى الله عليه وسلم عند عطاسهم وحمدهم "يهديكم الله ويصلح بالكم" ولا يقول لهم يرحمكم الله، لأن الرحمة مختصة بالمؤمنين، بل يدعو لهم بما يصلح بالهم من الهداية والتوفيق والإيمان.
قوله: "وفي الباب عن علي وأبي أيوب وسالم بن عبيد وعبيد الله بن جعفر وأبي هريرة" أما حديث علي فأخرجه الطبراني، وأما حديث أبي أيوب وحديث سالم بن عبيد فأخرجهما الترمذي في هذا الباب، وأما حديث عبد الله بن جعفر فأخرجه البيهقي في الشعب، وأما حديث أبي هريرة فأخرجه البخاري عنه مرفوعاً: "إذا عطس أحدكم فليقل الحمد وليقل له أخوه أو صاحبه يرحمك الله، فإذا قال له يرحمك الله فليقل يهديكم الله ويصلح بالكم" .
قوله: "هذا حديث حسن" صحيح، وأخرجه أبو داود والنسائي والحاكم وصححه.
قوله: "أخبرنا سفيان" هو الثوري "عن منصور" هو ابن المعتمر "عن سالم بن عبيد" الأشجعي صحابي من أهل الصفة.
قوله: "أنه كان" أي سالم بن عبيد "فقال" أي العاطس "السلام عليكم" ظناً أنه يجوز أن يقال بدل الحمد لله. ذكره ابن الملك "فقال" أي سالم "عليك" وفي رواية أبي داود: وعليك بالواو "فكأن" بتشديد النون "الرجل" أي

(8/12)


إِلاَ مَا قالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم عَطَسَ رَجُلٌ عِنْدَ النبيّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ السّلامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: "عَلَيْكَ وَعَلَى أُمّكَ، إِذَا عَطَسَ أَحَدَكُمْ فَلْيَقُلْ: الْحَمْدُ لله رَبّ الْعَالَمِينَ، وَلْيَقُلْ لَهُ مَنْ يَرُدّ عَلَيْهِ: يَرْحَمُكَ الله، وَلْيَقُلْ: يَغْفِرُ الله لنا وَلَكُمْ" .
هذا حديثٌ اخْتَلَفُوا فِي رِوَايَتِهِ عن مَنْصُورٍ، وَقَدْ أَدْخَلُوا بَيْنَ هِلاَلِ ابنِ يَسَافٍ وسَالِمٍ رَجُلاً.
ـــــــ
العاطس "وجد" أي الكراهة أو الخجالة أو الحزن لما قال سالم "في نفسه" لكن لم يظهره وظهر عليه بعض آثاره، وقيل أي غضب أو حزن من الموجدة وهو الغضب أو الوجد وهو الحزن "فقال" أي سالم "أما" بالتخفيف للتنبيه "إني لم أقل إلا ما قال النبي صلى الله عليه وسلم" أي فأنا متبع لا مبتدع. "فقال النبي صلى الله عليه وسلم عليك وعلى أمك" قال ابن ثقيم في زاد المعاد: وفي السلام على أم هذا المسلم نكتة لطيفة، وهي إشعاره بأن سلامه قد وقع في غير موقعه اللائق به كما وقع هذا السلام على مه فكما أن هذا سلامه في غير موضعه فهكذا سلامه هو. ونكتة أخرى ألطف منها وهي تذكيره بأمه ونسبته له إليها فكأنه أمي محض منسوب إلى الأم باق على تربيتها لم تربه الرجال انتهى "وليقل له" أي العاطس "وليقل يغفر الله لي ولكم" أي وليقل العاطس يغفر الله الخ.
قوله: "هذا حديث اختلفوا في روايته عن منصور، وقد أدخلوا بين هلال ابن يساف وبين سالم رجلاً" قال النذري في تلخيص السنن بعد نقل كلام الترمذي هذا ما لفظه: وأخرجه النسائي أيضاً عن منصور عن رجل عن خالد ابن عرفطة عن سالم، وأخرجه أيضاً عن منصور عن رجل عن سالم ورواه مسدد عن يحيى القطان عن سفيان عن منصور عن هلال عن رجل من آل خالد بن عرفطة عن آخر منهم قال: كنا مع سالم، ورواه زائدة عن منصور عن هلال عن رجل من أشجع عن سالم، ورواه عبد الرحمن بن مهدي عن أبي عوانة عن منصور عن هلال من آل عرفطة عن سالم. واختلف على ورقاء فيه، فقال بعضهم خالد

(8/13)


2885- حدثنا مَحْمُودُ بنُ غَيْلان، حدثنا أَبُو دَاودَ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي ابنُ أَبي لَيْلَى عن أَخِيهُ عِيسَى بن عَبْد الرّحْمَنِ عن عبد الرحمن بنِ أَبي لَيْلَى، عن أَبي أَيّوبَ أَنّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذَا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله على كل حال، وليقل الذي يرد عليه يَرْحَمُكَ الله، وَلْيَقُلْ هُوَ يَهْدِيكُمُ الله وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ" .
2886- حدثنا مُحمّدُ بنُ المثَنّى، أَخْبَرَنَاْ مُحمّدُ بنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَاْ شُعْبَةُ عن ابنِ لَيْلَى بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ، هَكَذَا رَوَى شُعْبَةُ هَذَا الْحَديثَ عن ابنِ أَبي لَيْلَى وَقَالَ عن أَبي أَيُوبَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وَكَانَ ابنُ أَبي لَيْلَى يَضْطَرِبُ في هَذَا الْحَدِيثِ، يَقُولُ أَحْيَاناً عن أَبي أَيّوبَ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وَيَقُولُ أَحْيَاناً: عن عَليٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
ابن عرفطة أو عرفجة ويشبه أن يكون خالد هذا مجهولاً، فإن أبا حاتم الرازي قال: لا أعرف واحداً يقال له خالد بن عرفطة إلا واحداً الذي له صحبة انتهى كلام المنذري. قلت: وحديث سالم بن عبيد هذا أخرجه أبو داود من طريق أبي بشر ورقاء عن منصور عن هلال بن يساف عن خالد بن عرفجة عن سالم بن عبيد، وأخرجه أيضاً من طريق جرير عن منصور عن هلال بن يساف، قال كنا مع سالم بن عبيد الخ.
قوله: "أخبرني ابن أبي ليلى" اسمه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى.
قوله: "يرحمك الله" خبر معناه الدعاء "وليقل هو" أي العاطس "يهديكم الله ويصلح بالكم" البال القلب يقول فلان ما يخطر ببالي أي قلبي، والبال رخاء العيش، يقال فلان رخي البال أي واسع العيش، والبال الحال، يقول ما بالك أي حالك، والبال في الحديث يحتمل المعاني الثلاثة والأولى أن الحمل على المعنى

(8/14)


2887- حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ وَ مُحمّدُ بنُ يَحْيَى الثّقَفِيّ المَرْوَزِيّ قالاَ، حدثنا يَحْيَىَ ابنُ سَعِيدٍ القَطّانُ، عن ابنِ أَبي لَيْلَى، عن أَخِيهِ عِيسَى، عن عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ أَبي لَيْلَى، عن عَلِيٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ.
ـــــــ
الثالث أنسب لعمومه المعنيين الأوليين أيضاً كذا في المفاتيح، وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة مرفوعاً: إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله، وليقل له أخوه أو صاحبه يرحمك الله، فإذا قال له يرحمك الله فليقل يهديكم الله ويصلح بالكم. قال ابن بطال: ذهب الجمهور إلى أنه يقول العاطس في جواب المشمت يهديكم الله ويصلح بالكم. وذهب الكوفيون إلى أنه يقول يغفر الله لنا ولكم، وأخرجه الطبري عن ابن مسعود وابن عمر وغيرهما. وذهب مالك والشافعي إلى أنه يتخير بين اللفظين انتهى وقيل يجمع بينهما. قلت: أصح ما ورد في جواب المشمت هو حديث أبي هريرة الذي رواه البخاري في صحيحه فإنه قال بعد تخريجه في الأدب المفرد: وهذا أثبت ما يروى في هذا الباب. وقال الطبري هو من أثبت الأخبار. وقال البيهقي هو أصح شيء ورد في هذا الباب، وقد أخذ به الطحاوي من الحنفية، وهذا الحديث أخرجه الدارمي أيضاً.

(8/15)


38- باب مَا جَاءَ في إِيِجَابِ التشْمِيتِ بِحَمْد العَاطِس
2888- حدثنا ابنُ أَبي عُمَرَ، حدثنا سُفْيَانُ عن سُلَيْمَانَ التّيمْيّ عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ: "أَنّ رَجُلَيْنِ عَطَسَا عِنْدَ النبيّ صلى الله عليه وسلم فَشَمّتَ أَحَدَهُما وَلَمْ يُشَمّتِ الآخر، فَقَالَ الّذِي لَمْ يُشَمّتْهُ: يَا رَسُولَ الله شَمّتّ هَذَا
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في إِيِجَابِ التشْمِيتِ بِحَمْد العَاطِس
قوله: "أن رجلين" وفي حديث سهل بن سعد عن الطبراني أنهما عامر بن الطفيل وابن أخيه "فشمت" أي النبي صلى الله عليه وسلم "أحدهما" بالنصب

(8/15)


وَلَمْ تُشَمّتْنِي؟ فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنّهُ حَمِدَ الله وَإِنّكَ لَمْ تَحْمَده". هذا حديثٌ صحيحٌ.
ـــــــ
على المفعولية "شمت" بتشديدتين "ولم تشمتني" أي ما الحكمة في ذلك "إنه حمد الله وإنك لم تحمده" فيه أن من عطس وحمد الله يستحق التشميت ومن عطس ولم يحمد الله لا يستحقه وروى مسلم عن أبي موسى مرفوعاً: "إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه وإن لم يحمد الله فلا تشمتوه".
قوله: "هذا حديث صحيح" وأخرجه الشيخان.

(8/16)


39- باب مَا جَاءَ كَم يُشَمّتُ العَاطِس
2889- حدثنا سُوَيْدُ بن نصر، أخبرنا عَبْدُ الله، أَخْبَرَنَاْ عِكْرمَةُ بنُ عَمّار، عن إِياسِ بنِ سَلَمَةَ، عن أبيه قالَ: "عَطَسَ رَجُلٌ عِنْدَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَأَنَا شاهِدٌ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يَرْحَمُكَ الله ، ثمّ عَطَسَ الثّانيَةَ والثالثة. فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "هَذَا رَجُلٌ مَزْكُومٌ" . هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
2890- حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ، حدثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ، حدثنا
ـــــــ
باب مَا جَاءَ كَم يُشَمّتُ العَاطِس
قوله: "أخبرنا عبد الله" هو ابن المبارك "وأنا شاهد" أي حاضر، والجملة حالية "ثم عطس الثانية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "هذا رجل مزكوم" وفي رواية يحيى القطان الآتية قال في الثالثة: أنت من كوم، وقال الترمذي: هذا الرواية أصح من رواية عبد الله بن المبارك.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه.

(8/16)


عِكْرِمَةُ بنُ عَمّارٍ، عن إِيَاسِ بنِ سَلَمَةَ، عن أَبِيهِ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ، إِلاّ أَنّهُ قالَ له في الثّالِثَةِ أَنْتَ مَزْكُومٌ".
هَذَا أَصَحّ مِنْ حَدِيثِ ابنِ المُبَارَكِ. وَقَدْ رَوى شُعْبَةُ عن عِكْرِمَةَ بنِ عَمّارٍ هَذَا الْحَدِيثَ نَحْوَ رِوَايَةِ يَحْيَىَ بنِ سَعِيدٍ.
2891- حدثنا بِذَلِكَ أَحْمَدُ بنُ الْحَكَمِ البَصْرِيّ، أَخْبَرَنَا مُحمّدُ ابنُ جَعْفَرِ، أَخْبَرَنَاْ شُعْبَةُ عن عِكْرِمَةَ بنِ عَمّارٍ بِهَذَا.
2892- حدثنا القَاسِمُ بنُ دِينَارٍ الكُوفِيّ حدثنا إِسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ السّلُولِيّ الكُوفِيّ عن عَبْدِ السّلاَمِ بنِ حَرْبٍ عن يَزِيدَ بنِ عَبْد الرّحْمَن أَبي خَالِدِ الدّالاَنِيّ، عن عُمَرَ بنِ إِسْحَاقَ بنِ أَبي طَلْحَةَ، عن أُمّهِ عن أَبِيهَا قالَ: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "شَمّتِ العَاطِسَ ثَلاثاً، فَإِنْ زادَ فَإِنْ شِئْتَ فَشَمّتْهُ وَإِنْ شِئْتَ فَلاَ ".
ـــــــ
قوله: "حدثنا بذلك أحمد بن الحكم البصري" هو أحمد بن عبد الله بن الحكم بن فروة الهاشمي المعروف بابن الكردي، روى عن محمد بن جعفر غندر وغيره، وعنه مسلم والترمذي والنسائي وقال ثقة "أخبرنا محمد بن جعفر" المعروف بغندر.
قوله: "عن عمر بن إسحاق بن أبي طلحة" المدني مجهول الحال "عن أمه" اسمها حميدة بنت عبيد بن رفاعة الأنصارية مقبولة من الخامسة "عن أبيها" هو عبيد بن رفاعة بن رافع بن مالك الأنصاري الزرقي، ويقال فيه عبيد الله، ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ووثقه العجلي.
قوله: "فإذا زاد فإن شئت فشمته وإن شئت فلا" وقد أخرج أبو يعلي وابن السني عن أبي هريرة النهي عن التشميت بعد ثلاث ولفظ إذا عطس أحدكم فليشمته جليسه، فإن زاد على ثلاث فهو مزكوم ولا يشمته بعد ثلاث. قال النووي: فيه رجل لم أتحقق حاله وباقي إسناده صحيح. قال الحافظ: الرجل المذكور هو

(8/17)


هذا حديثٌ غريبٌ وَإِسْنَادُهُ مَجْهُولٌ.
ـــــــ
سليمان بن أبي داود الحراني. والحديث عندهما من رواية محمد بن سليمان عن أبيه، ومحمد موثق وأبوه يقال له الحراني ضعيف، قال فيه النسائي: ليس بثقة ولا مأمون. قال النووي: وأما الذي رويناه في سنن أبي داود والترمذي عن عبيد بن رفاعة الصحابي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يشمت العاطس ثلاثاً، فإن زاد فإن شئت فشمته، وإن شئت فلا" . فهو حديث ضعيف قال فيه الترمذي هذا حديث غريب وإسناده مجهول. قال الحافظ: إطلاقه على الضعف ليس بجيد، إذ لا يلزم من الغرابة الضعف، وأما وصف الترمذي إسناده بكونه مجهولاً فلم يرد جميع رجال الإسناد فإن معظمهم موثقون، وإنما وقع في روايته تغيير اسم بعض رواته وإبهام اثنين منهم، وذلك أن أبا داود والترمذي أخرجاه معاً من طريق عبد السلام بن حرب عن يزيد بن عبد الرحمن، ثم اختلفا، فأما رواية أبي داود ففيها عن يحيى بن إسحاق بن أبي طلحة عن أمه حميدة أو عبيدة بنت عبيد بن رفاعة عن أبيها، وهذا إسناد حسن. والحديث مع ذلك مرسل، وعبد السلام بن حرب من رجال الصحيح، ويزيد هو أبو خالد الدلاني وهو صدوق في حفظه شيء، ويحيى بن إسحاق وثقه يحيى بن معين وأمه حميدة، روى عنها أيضاً زوجها إسحاق بن أبي طلحة، وذكرها ابن حبان في ثقات التابعين وأبوها عبيد بن رفاعة ذكروه في الصحابة لكونه ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وله رؤية قاله ابن السكن، قال ولم يصح سماعه، وقال البغوي: روايته مرسلة وحديثه عن أبيه عند الترمذي والنسائي وغيرهما، وأما رواية الترمذي ففيها عن عمر بن إسحاق بن أبي طلحة عن أمه عن أبيها، كذا سماه عمر ولم يسم أمه ولا أباه وكأنه لم يمعن النظر، فمن ثم قال إسناده مجهول، وقد تبين أنه ليس بمجهول وأن الصواب يحيى بن إسحاق لا عمر، فقد أخرجه حسن بن سفيان وابن السني وأبو نعيم وغيرهم من طريق عبد السلام بن حرب، فقالوا يحيى بن إسحاق، وقالوا حميدة بغير شك وهو المعتمد. وقال ابن العربي: هذا الحديث وإن كان فيه مجهول لكن يستحب العمل به لأنه دعاء بخير وصلة وتودد للجليس فالأولى العمل به. وقال ابن عبد البر: دل حديث عبيد بن رفاعة على أنه يشمت ثلاثاً ويقال أنت

(8/18)


ـــــــ
مزكوم بعد ذلك وهي زيادة يجب قبولها فالعمل بها أولى. ثم حكى النووي عن ابن العربي أن العلماء اختلفوا: هل يقول لمن تتابع عطاسه. أنت مزكوم في الثانية أو الثالثة أو الرابعة على أقوال، والصحيح في الثالثة، قال ومعناه أنك لست ممن يشمت بعدها لأن الذي بك مرض وليس من العطاس المحمود الناشيء عن خفة البدن، انتهى.

(8/19)


40- باب مَا جَاءَ في خَفْضِ الصّوتِ وَتَخْمِيرِ الوَجْهِ عِنْدَ العطَاس
2893- حدثنا مُحمّدُ بنُ وَزيرٍ الْوَاسِطِيّ، حدثنا يَحْيَىَ بنُ سَعِيدٍ، عن مُحمّدِ بنِ عَجْلاَنَ، عن سُمَىٍ، عن أَبي صَالحٍ، عن أَبي هُرَيْرَةَ "أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كانَ إِذا عَطَسَ غَطّى وَجْهَهُ بِيَدِهِ أَوْ بِثَوْبِهِ وَغَضّ بِهَا صَوْتَهُ" .
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في خَفْضِ الصّوتِ
أي غضه "وتخمير الوجه" أي تغطيته باليد أو بالثوب "عند العطاس" بضم العين المهملة وهو اندفاع الهواء بعزم من الأنف مع صوت يسمع. "أخبرنا يحيى بن سعيد" هو القطان "عن سمى" هو مولى أبي بكر بن عبد الرحمن "عن أبي صالح" اسمه ذكوان.
قوله: "إذا عطس" بفتح الطاء وجوز كسره "وغض" أي خفض "بها" أي بالعطسة "صوته" والمعنى لم يرفعه بصيحة والجار والمجرور متعلق بصوته. قال الحافظ: ومن آداب العاطس أن يخفض بالعطس صوته ويرفعه بالحمد، وأن يغطي وجهه لئلا يبدو من فيه أو أنفه ما يؤذي جليسه، ولا يلوي عنقه يميناً ولا شمالاً لئلا يتضرر بذلك. قال ابن العربي: الحكمة في خفض الصوت بالعطاس أن في رفعه إزعاجاً للأعضاء وفي تغطية الوجه أنه لو بدر منه شيء آذى جليسه ولو لوى عنقه صيانة لجليسه لم يأمن من الالتواء، وقد شاهدنا من وقع له ذلك،

(8/19)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
وقد أخرج أبو داود والترمذي بسند جيد عن أبي هريرة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا عطس وضع يده على فمه وخفض صوته. وله شاهد من حديث ابن عمر بنحوه عند الطبراني انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أبو داود والحاكم.

(8/20)


ما جاء أن الله يحب العطاس ويكره التثؤب
...
41- باب مَا جَاءَ إِنّ الله يُحِبّ العُطَاسَ وَيَكْرهُ التّثَاؤب
2894- حدثنا ابنُ أَبي عُمَرَ، حدثنا سُفْيَانُ عن ابنِ عَجْلاَنَ، عن المُقْبُرِيّ عن أَبي هُرَيْرَةَ أَنّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "العُطَاسُ مِنَ الله وَالتّثَاؤُبُ مِنَ الشّيْطَانِ فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى فِيهِ وَإِذَا قالَ آه آه فَإِنّ الشّيْطَانَ يَضْحَكُ مِنْ جَوفِهِ. وَإِنّ الله يُحِبّ العُطَاسَ وَيَكْرَهُ التّثَاؤُبَ، فَإِذَا قالَ الرّجُلُ آه آه إِذَا تَثَاءَبَ، فَإِنّ الشّيْطَانَ يَضْحَكُ مِنْ جَوْفِهِ1" .
ـــــــ
باب مَا جَاءَ إِنّ الله يُحِبّ العُطَاسَ وَيَكْرهُ التّثَاؤب
قوله: "عن المقبري" هو سعيد بن أبي سعيد المقبري "العطاس من الله والتثاؤب من الشيطان" لأن العطاس ينشأ عنه النشاط للعبادة، فلذلك أضيف إلى الله، والتثاؤب ينشأ من الامتلاء فيورث الكسل فأضيف للشيطان "فليضع يده على فمه" أي فمه ليرده ما استطاع "وإذا قال آه آه" حكاية صوت المتثائب "فإن الشيطان يضحك من جوفه" وفي الرواية الآتية يضحك منه. قال الطيبي: أي يرضى بتلك الغفلة وبدخوله فمه للوسوسة. وفي حديث أبي سعيد عند مسلم: إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فمه فإن الشيطان يدخل. قال النووي: قال العلماء أمر بكظم التثاؤب ورده ووضع اليد على الفم لئلا يبلغ الشيطان مراده من تشويه صورته ودخوله فمه وضحكه منه.
ـــــــ
1 قال في هامش النسخة الأحمدية: هذه العبارة موجودة في النسخ الموجودة كلها - لكن في النسخة الدهلوية مقطوعة بخط هو علامة الغلط - ولا يوجد وجهة انتهى. قلت. ولعل وجه الغلط لزوم التكرار والله تعالى أعلم.

(8/20)


هذا حديثٌ صحيحٌ.
2895- حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيٍ الْخَلاّلُ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بنُ هَارونَ، أَخْبَرَنَاْ ابنُ أَبي ذِئْبٍ عن سَعِيدِ بنِ أَبي سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ، عن أَبِيهِ، عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنّ الله يُحِبّ الْعُطَاسَ وَيَكْرَهُ التّثَاؤُبَ، فَإِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَقَالَ الْحَمْدُ لله، فَحَقٌ عَلَى كُلّ مَنْ سَمِعَهُ أَنْ يَقُولَ يَرْحَمُكَ الله. وأَمّا التّثَاؤُبُ، فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَليُرَدّهُ ما اسْتَطَاعَ وَلاَ يَقُولُ هَاه هَاه، فَإِنَما ذَلِكَ مِنَ الشّيْطَانِ
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه النسائي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم.
قوله: "حدثنا يزيد بن هارون" السلمي مولاهم أبو خالد الواسطي "أخبرني ابن أبي ذئب" اسمه محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة "عن أبيه" هو أبو سعيد واسمه كيسان.
قوله: "إن الله يحب العطاس" لأنه سبب خفة الدماغ وصفاء القوى الإدراكية، فيحمل صاحبه على الطاعة "ويكره التثاؤب" لأن يمنع صاحبه عن النشاط في الطاعة ويوجب الغفلة ولذا يفرح به الشيطان وهو المعنى في ضحكه الاَتي. قال القاضي: التثاؤب بالهمز، التنفس الذي يفتح عنه الفم، وهو إنما ينشأ من الامتلاء وثقل النفس وكدورة الحواس، ويورث الغفلة والكسل وسوء الفهم، ولذا كرهه الله وأحبه الشيطان وضحك منه، والعطاس لما كان سبباً لخفة الدماغ واستفراغ الفضلات عنه، وصفاء الروح وتقوية الحواس، كان أمره بالعكس "فحق على كل من سمعه" احتراز من حال عدم سماعه، فإنه حينئذ لا يتوجه عليه الأمر "فإذا تثارب أحدكم" قال الحافظ في الفتح، قال شيخنا في شرح الترمذي: وقع في رواية المحبوبي عن الترمذي بالواو، وفي رواية السنجي بالهمز، ووقع عند البخاري وأبي داود بالهمز وكذا في حديث أبي سعيد عند أبو داود، وأما عند مسلم

(8/21)


يَضْحَكُ مِنْهُ" . هذا حديثٌ صحيحٌ. وَهَذَا أَصَحّ مِنْ حَدِيثِ ابنِ عَجْلاَنَ، وَابنُ أَبي ذِئْبٍ أَحْفَظُ لِحَدِيثِ سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ، وَأَثْبَتُ مِنَ بنِ عَجْلاَنَ، قال وَسَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ العَطَارَ البَصْرِيّ يَذْكُرُ عن عَلِيّ بنِ المَدِينيّ عن يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ قالَ: قالَ مُحمّدُ بنُ عَجْلاَنَ: أَحَاديثُ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيّ رَوَى بَعْضَهَا سَعِيدٌ عن أَبي هُرَيْرَةَ، رُوى بَعْضَهَا عن سَعِيد عن رَجُلٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ، فَاخْتَلَطَتْ عَلَيّ فَجَعَلْتُهَا عن سَعِيدٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ.
ـــــــ
فبالواو، قال وكذا هو في أكثر فسخ مسلم وفي بعضها بالهمز، وقد أنكر الجوهري كونه بالواو. قال تقول تثاءبت على وزن تفاعلت ولا تقل تثاوبت، قال والتثاؤب أيضاً مهموز، وقد يقلبون الهمز المضمومة واواً والاسم الثوباء بالضم ثم همز على وزن الخيلاء، وجزم ابن دريد وثابت بن قاسم في الدلائل بأن الذي بغير واو بوزن تيممت، فقال ثابت لا يقال تثاب بالمد مخففاً بل يقال تثأب بالتشديد. وقال ابن دريد: أصله من ثئب فهو مثئوب إذا استرخى وكسل، وقال غير واحد إنهما لغتان وبالهمز والمد أشهر انتهى "فليرده ما استطاع" أي فليكظم فمه وليمسك بيده عليه "ولا يقول هاء هاء" حكاية لصوت المتثائب "فإنما ذلك" أي التثاؤب "من الشيطان" قال النووي: أضيف التثاؤب إلى الشيطان، لأنه يدعو إلى الشهوات، إذ يكون عن ثقل البدن واسترخائه وامتلائه، والمراد التحذير من السبب الذي يتولد منه، وهو التوسع في المأكل وإكثار الأكل.
قوله: "هذا حديث صحيح" وأخرجه البخاري وأبو داود والنسائي "وهذا" أي حديث ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة "أصح من حديث ابن عجلان" أي عن سعيد المقبري عن أبي هريرة بإسقاط عن أبيه، وقد بين الترمذي وجه كونه أصح منه بقوله: وابن أبي ذئب أحفظ الخ "عن يحيى بن سعيد قال: قال محمد بن عجلان أحاديث سعيد المقبري، روي بعضها عن سعيد عن أبي هريرة وبعضها سعيد عن رجل عن أبي هريرة الخ" وقال الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمة ابن عجلان، قال يحيى القطان عن ابن عجلان: كان سعيد المقبري

(8/22)


ـــــــ
يحدث عن أبي هريرة، وعن أبيه عن أبي هريرة، وعن رجل عن أبي هريرة فأختلطت عليه فجعلها كلها عن أبي هريرة انتهى.

(8/23)


42- باب ما جَاءَ إِنّ العُطَاسَ في الصّلاَةِ مِنَ الشّيْطَان
2896- حدثنا عَلِيّ بنُ جُحْرٍ، أَخْبَرَنا شَرِيكٌ عن أَبي اليَقْظَانِ، عن عَدِيّ بنُ ثَابِتٍ، عن أَبِيهِ، عن جَدّهِ رَفَعَهُ قالَ: "العُطَاسُ وَالنّعَاسُ وَالتثَاؤُبُ في الصّلاَةِ، وَالْحَيْضُ وَالْقَيءُ وَالرّعَافُ مِنَ الشّيْطَانِ".
ـــــــ
باب ما جَاءَ إِنّ العُطَاسَ في الصّلاَةِ مِنَ الشّيْطَان
قوله: "عن عدي وهو ابن ثابت" الأنصاري ثقة "عن أبيه" هو ثابت الأنصاري ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحافظ في التقريب: هو مجهول الحال "عن جده" أي جد عدي "رفعه" أي رفع جده الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولولا هذا القيد لأوهم قوله "قال العطاس" أن يكون من قول الصحابي فيكون موقوفاً قاله الطيبي "والنعاس" هو النوم الخفيف أو مقدمة النوم وهو السنة "والثاؤب في الصلاة" قال الطيبي: إنما فصل بين الثلاثة الأولى والأخيرة بقوله في الصلاة، لأن الثلاثة الأخيرة تبطل الصلاة، بخلاف الأولى "والحيض والقيء والرعاف" بضم الراء دم الأنف "من الشيطان" قال القاضي. أضاف هذه الأشياء إلى الشيطان لأنه يحبها ويتوسل بها إلى ما يبتغيه من قطع الصلاة والمنع عن العبادة، ولأنها تغلب في غالب الأمر من شره الطعام الذي هومن أعمال الشيطان، وزاد التوربشتي: ومن ابتغاء الشيطان الحيلولة بين العبد وبين ما ندب إليه من الحضور بين يدي الله والاستغراق في لذة المناجاة. وقيل المراد من العطاس كثرته فلا ينافيه الخبر السابق أن الله يحب العطاس لأن محله في العطاس المعتدل، وهو الذي لا يبلغ الثلاث على التوالي بدليل أنه يسن تشميته حينئذ بعافاك الله وشفاك. الدال على أن ذلك مرض، انتهى. قال القاري: والظاهر أن الجمع بين الحديثين بأن يحمل محبة الله تعالى العطاس مطلقاً على خارج الصلاة وكراهته مطلقاً في داخل الصلاة، لأنه في الصلاة لا يخلو عن اشتغال بال

(8/23)


هذا حديثٌ غريبٌ، لاَ نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ حَدِيثٍ شَرِيكٍ عن أَبي الْيَقْظَانِ. قال: وَسَأَلْتُ مُحمّدَ بنَ إسْمَاعِيلَ عن عَدِيّ بنِ ثَابِتٍ عن أَبيهِ عن جَدّهِ: قُلْتُ لَهُ: مَا اسْمُ جَدّ عَدِيٍ؟ قالَ لاَ أَدْرِي. وَذُكِرَ عَنْ يَحْيَى بنِ مَعِينٍ. قالَ: اسْمُهُ دِينَارٌ.
ـــــــ
به، وهذا الجمع كان متعيناً لو كان حديثان مطلقين، فكيف مع التقييد بها في هذا الحديث انتهى.
وقال الحافظ العراقي في شرح الترمذي: لا يعارض هذا حديث أبي هريرة إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب، لكونه مقيداً بحبال الصلاة. فقد يتسبب الشيطان في حصول العطاس المصلي ليشغله عن صلاته، ذكره الحافظ في الفتح.
قوله: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث شريك عن أبي اليقظان" قال الحافظ في الفتح: وسنده ضعيف، وله شاهد عن ابن مسعود في الطبراني، لكن لم يذكر النعاس وهو موقوف وسنده ضعيف أيضاً "وذكر عن يحيى بن معين قال اسمه دينار" وقال الترمذي في باب المستحاضة تتوضأ لكل صلاة، وذكرت لمحمد يعني البخاري قول يحيى بن معين اسمه دينار فلم يعبأ به انتهى. وذكر الحافظ أقوالاً عيديدة في اسم جد عدى في تهذيب التهذيب في ترجمة ثابت الأنصاري ثم قال: ولم يترجح لي في اسم جده إلى الآن شيء من هذه الأقوال كلها إلا أن أقربها إلى الصواب أن جده هو جده لأمه عبد الله يزيد الخطمي انتهى.

(8/24)


باب ماجاء في كراهية أن يقام الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه
...
43- باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ أَنْ يُقَامَ الرَجُلُ مِنْ مَجْلِسِهِ ثمّ يُجْلَسُ فِيه
2897- حدثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عن أَيّوبَ عن نَافِعٍ،
ـــــــ
باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ أَنْ يُقَامَ الرَجُلُ مِنْ مَجْلِسِهِ ثمّ يُجْلَسُ فِيه
قوله: "عن أيوب" هو ابن أبي تميمة السختياني "عن نافع" هو أبو عبد الله المدني مولى ابن عمر ثقة ثبت فقيه مشهور من الثالثة.

(8/24)


عن ابنِ عُمَرَ أَنّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لاَ يُقِمُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ مِنْ مَجْلِسِهِ، ثُمّ يَجْلِسُ فيه". هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ .
2898- حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيٍ الْخَلاّلُ، أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن الزّهْرِيّ عن سَالِمٍ، عن ابنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا يُقِم أَحَدُكُمْ أَخَاهُ مِنْ مَجْلِسِهِ، ثُمّ يَجْلِسُ فِيهِ" . قال:
ـــــــ
قوله: "لا يقيم" من الإقامة "أخاه" في الدين "من مجلسه" أي من مكانه الذي سبقه إليه من موضع مباح "ثم يجلس" أي المقيم "فيه" قيد واقعي غالبي. قال النووي: هذا النهي للتحريم فمن سبق إلى موضع مباح في المسجد وغيره يوم الجمعة أو غير، لصلاة أو غيرها فهو أحق به، ويحرم على غيره إقامته لهذا الحديث إلا أن أصحابنا استثنوا منه ما إذا ألف من المسجد موضعاً يفتي فيه أو يقرأ قرآناً أو غيره من العلوم الشرعية فهو أحق به، وإذا حضر لم يكن لغيره أن يقعد فيه. وفي معناه من سبق إلى موضع من الشوارع ومقاعد الأسواق لمعاملة انتهى. وقال القاري في المرقاة بعد نقل كلام النووي: هذا وفيه بحث ظاهر، لأن مثل هذا التعليل هل يصلح لتخصيص العام المستفاد من النهي الصريح بالحديث الصحيح مع ما ورد من النهي عن أخذ مكان معين من المسجد لما يترتب عليه من الرياء المنافي للإخلاص، وقد كان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما إذا قام له رجل عن مجلسه لم يجلس فيه انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله: "لا يُقم أحدكم أخاه من مجلسه ثم يجلس فيه" قال ابن أبي جمرة: هذا اللفظ عام في المجالس ولكنه مخصوص بالمجالس المباحة، إما على العموم كالمساجد ومجالس الحكام والعلم وإما على الخصوص كمن يدعو قوماً بأعيانهم إلى منزله لوليمة ونحوها، وأما المجالس التي ليس لشخص فيها ملك ولا إذن له فيها فإنه يقام ويخرج منها، ثم هو في المجالس العامة وليس عاماً في الناس بل هو خاص بغير المجانين ومن يحصل منه الأذى كأكل الثوم النيء إذا دخل المسجد والسفيه إذا دخل مجلس العلم أو الحكم، قال والحكمة في هذا النهي منع استنقاص حق

(8/25)


وَكَانَ الرّجُلُ يَقُومُ لابنِ عُمَرَ فلا يَجْلِسُ فِيهِ.
ـــــــ
المسلم المقتضي للضغائن الحث على التواضع المقتضي للمواددة. وأيضاً فالناس في المباح كلهم سواء، فمن سبق إلى شيء استحقه، ومن استحق شيئاً فأخذ منه بغير حق فهو غصب والغصب حرام. فعلى هذا قد يكون بعض ذلك على سبيل الكراهة، وبعضه على سبيل التحريم "قال" أي سالم "وكان الرجل يقوم لابن عمر فما يجلس فيه" وفي رواية البخاري: وكان ابن عمر يكره أن يقوم الرجل من مكانه ثم يجلس مكانه. قال النووي: وأما ما نسب إلى ابن عمر فهو ورع منه وليس قعوده فيه حراماً إذا كان ذلك برضا الذي قام، ولكنه تورع منه لاحتمال أن يكون الذي قام لأجله استحيى منه فقام عن غير طيب قلبه، فسد الباب ليسلم من هذا، أو رأى أن الإيثار بالقرب مكروه أو خلاف الأولى فكان يمتنع من ذلك لئلا يرتكب أحد بسببه مكروهاً، أو خلاف الأولى بأن يتأخر عن موضعه من الصف الأول ويؤثره به وشبه ذلك. قال أصحابنا: وإنما يحمد الإيثار بحظوظ النفوس وأمور الدنيا دون القرب، انتهى. قلت: وقد ورد ذلك عن ابن عمر مرفوعاً أخرجه أبو داود من طريق أبي الخصيب عن ابن عمر: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام له رجل من مجلسه فذهب ليجلس، فنهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(8/26)


باب إذا قام الرجل من مجلسه ثم رجع فهو أحق به
...
44- باب مَا جَاءَ إِذَا قَامَ الرّجُلُ مِنْ مَجْلِسِهِ ثمّ رَجَعَ اليه فَهُوَ أَحقّ بِه
2899- حدثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا خَالِدُ بنُ عَبْدِ الله الوَاسِطِيّ، عن عَمْرِو بنِ يَحْيَى، عن مُحمّدِ بنِ يَحْيَى بنِ حَبّانٍ، عن عَمّهِ وَاسِعِ بنِ حَبّانَ، عن وَهْبِ بنِ حُذَيْفَةَ أَنّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "الرّجُلُ أَحَقّ
ـــــــ
باب مَا جَاءَ إِذَا قَامَ الرّجُلُ مِنْ مَجْلِسِهِ ثمّ رَجَعَ اليه فَهُوَ أَحقّ بِه
قوله: "عن وهب بن حذيفة" الغفاري، صحابي من أهل الصفة، عاش إلى خلافة معاوية.

(8/26)


بِمَجْلِسِهِ، وَإِنْ خَرَجَ لِحَاجَتِهِ، ثُمّ عَادَ فَهُوَ أَحَقّ بِمَجْلِسِهِ" . هذا حديثٌ صحيحٌ غريبٌ.
وفي البابِ عن أَبي بَكْرَةَ وَأَبي سَعِيدٍ وَأَبي هُرَيْرَةَ.
ـــــــ
قوله: "الرجل أحق بمجلسه وإن خرج لحاجته ثم عاد فهو أحق بمجلسه" قال النووي: قال أصحابنا هذا في حق من جلس في موضع من المسجد أو غيره لصلاة مثلاً ثم فارقه ليعود بأن فارقه ليتوضأ أو يقضي شغلاً يسيراً ثم يعود لم يبطل اختصاصه، بل إذا رجع فهو أحق به في تلك الصلاة، فإن كان قد قعد فيه غيره فله أن يقيمه، وعلى القاعد أن يفارقه لهذا الحديث، هذا هو الصحيح عند أصحبانا، وأنه يجب على من قعد فيه مفارقته إذا رجع الأول. وقال بعض العلماء: هذا مستحب ولا يجب وهو مذهب مالك والصواب الأول، قال أصحابنا: ولا فرق بين أن يقوم منه ويترك له فيه سجادة ونحوها أم لا، فهذا أحق به في الحالين. قال أصحابنا: وإنما يكون أحق به في تلك الصلاة وحدها دون غيرها انتهى. وقال عياض: اختلف العلماء فيمن اعتاد بموضع من المسجد للتدريس والفتوى فحكى عن مالك: أنه أحق به إذا عرف به، قال والذي عليه الجمهور أن هذا استحسان وليس بحق واجب، ولعله مراد مالك، وكذا قالوا في مقاعد الباعة من الأفنية والطرق التي هي غير متملكة، قالوا من اعتاد بالجلوس في شيء منها فهو أحق به حتى يتم غرضه، قال وحكاه الماوردي عن مالك قطعاً للتنازع. وقال القرطبي: الذي عليه الجمهور أنه ليس بواجب.
قوله: "هذا حديث صحيح غريب" وأخرجه أحمد في مسنده.
قوله: "وفي الباب عن أبي بكرة وأبي سعيد وأبي هريرة" أما حديث أبي بكرة وحديث أبي سعيد فلينظر من أخرجهما، وأما حديث أبي هريرة فأخرجه أحمد والبخاري في الأدب المفرد، ومسلم وأبو داود وابن ماجه ولفظه: "من قام من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به".

(8/27)


باب ماجاء في كراهية الجلوس بين الرجلين بغير إذنهما
...
45- باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ الْجُلُوسِ بَيْنَ الرّجُلَيْنِ بِغَيْرِ إِذْنِهِمَا
2900- حدثنا سُوَيْدُ، أخْبَرَنا عَبْدِ الله، أَخْبَرَنا أُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ، حدثني عَمْرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أَبِيهِ، عن عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو أَنّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لاَ يَحِلّ لِلرّجُلِ أَنْ يُفَرّقَ بَيْنَ اثْنَيْنِ إِلاّ بإِذْنِهما" .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ وقد رَوَاهُ عَامِرٌ الأَحْوَلُ عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ أَيْضاً.
ـــــــ
باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ الْجُلُوسِ بَيْنَ الرّجُلَيْنِ بِغَيْرِ إِذْنِهِمَا
قوله: "حدثنا سويد" هو ابن نصر بن سويد المروزي "أخبرنا عبد الله" هو ابن المبارك "أخبرنا أسامة بن زيد" الليثي مولاهم أبو زيد المدني.
قوله: "لا يحل الرجل أن يفرق" بتشديد الراء "بين أثنين" أي بأن يجلس بينهما "إلا بإذنهما" لأنه قد يكون بينهما محبة ومودة وجريان سر وأمانة فيشق عليهما التفرق بجلوسه بينهما.
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه أحمد وأبو داود "وقد رواه عامر الأحول عن عمرو بن شعيب أيضاً" أخرجه أبو داود في سننه ولفظه: لا يجلس بين رجلين إلا بإذنهما.

(8/28)


باب ما جاء كراهية القعود وسط الحلقة
...
46- باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ القُعُودِ وَسْطَ الْحَلْقَة
2901- حدثنا سُوَيْدُ، أخبرنا عَبْدُ الله، أخبرنا شُعْبَةُ عن قَتَادَةَ عن أَبي مِجْلَزٍ: "أَنّ رَجُلاً قَعَدَ وَسَطَ الْحَلْقَةِ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: مَلْعُونٌ عَلَى لِسَانِ مُحمّدٍ. أَوْ: لَعَنَ الله عَلَى لِسَانِ مُحمّدٍ صلى الله عليه وسلم مَنْ قَعَدَ وَسْطَ الْحَلْقَةِ".
ـــــــ
باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ القُعُودِ وَسْطَ الْحَلْقَة
قوله "أو لعن الله" شك من الراوي "من قعد وسط الحلقة" بسكون السين واللام. قال الخطابي: هذا يتأول فيمن يأتي حلقة قوم فيتخطى رقابهم ويقعد وسطها ولا يقعد حيث ينتهي به المجلس فلعن للأذى، وقد يكون في ذلك أنه إذا قعد

(8/28)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَأَبُو مُجْلَزٍ اسْمُهُ لاَحِقُ بنُ حُمَيْدٍ
ـــــــ
وسط الحلقة حال بين الوجوه فحجب بعضهم عن بعض، فيتضررون بمكانه وبمقعده هناك انتهى. وقال التوربشتي: المراد به الماجن الذي يقيم نفسه مقام السخرية ليكون ضحكة بين الناس، ومن يجري مجراه من المتآكلين بالشعوذة انتهى، والشعوذة: خفة في اليد وأخذ كالسحر يرى الشيء بغير ما عليه أصله في رؤى العين، والماجن: من لا يبالي قولاً وفعلاً.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد وأبو داود والحاكم.

(8/29)


باب ماجاء في كراهية قيم الرجل للرجل
...
47- باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ قِيَامِ الرّجُلِ لِلرجّل
2902- حدثنا عَبْدِ الله بنُ عَبْد الرّحْمَنِ، أخبرنا عَفّانُ، أَخْبَرَنا حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ، عن حُمَيْدٍ، عن أَنَسٍ قالَ: "لم يَكُنْ شَخْصٌ أَحَبّ إِلَيْهِمْ مِنْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، قال: وَكَانُوا إِذَا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ كَرَاهِيَتِهِ لِذَلِكَ".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ
ـــــــ
باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ قِيَامِ الرّجُلِ لِلرجّل
قوله: "أخبرنا عفان" هو ابن مسلم بن عبد الله الصفار البصري.
قوله: "لم يكن شخص أحب إليهم" أي إلى الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين "وكانوا" أي جميعاً "إذا رأوه" أي مقبلاً "لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك" أي لقيامهم تواضعاً لربه، ومخالفته لعادة المتكبرين والمتجبرين، بل اختار الثبات على عادة العرب في ترك التكلف في قيامهم وجلوسهم وأكلهم وشربهم ولبسهم ومشيهم وسائر أفعالهم وأخلاقهم.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح غريب" ذكره الحافظ في الفتح، ونقل تصحيح الترمذي وأقره.

(8/29)


2903- حدثنا مَحْمُودُ بنُ غَيْلاَنَ، أَخْبَرَنا قُبَيْصَةُ، أَخْبَرَنا سُفْيَانُ عن حَبِيبِ بنِ الشّهِيدِ، عن أَبي مِجْلَزٍ قالَ: خَرَجَ مُعَاوِيَةُ فَقَامَ عَبْدُ الله بنُ الزّبَيْرِ وَابنُ صَفْوَانَ حِينَ رَأَوْهُ فَقَالَ اجْلِسَا، سَمِعْتُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنْ سَرّهُ أَنْ يَتَمَثّلَ لَهُ الرّجَالُ قِيَاماً فَلْيَتَبَوّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ" . وفي البابِ عن أَبي أُمَامَةَ. هذا حديثٌ حسنٌ.
ـــــــ
قوله: "أخبرنا قبيصة" هو ابن عقبة بن محمد "أخبرنا سفيان" هو الثوري.
قوله: "خرج معاوية فقام عبد الله بن الزبير وابن صفوان حين رأوه" يثبت من رواية الترمذي هذه أن عبد الله بن الزبير قد قام حين خرج معاوية وروايات أبي داود وغيره تدل على أنه لم يقم. ورجح الحافظ في الفتح هذه الروايات النافية فقال بعد ذكرها: وسفيان وإن كان من جبال الحفظ إلا أن العدد الكثير وفيهم مثل شعبة أولى بأن تكون روايتهم محفوظة من الواحد، وقد اتفقوا على أن ابن الزبير لم يقم "من سره" أي أعجبه وجعله مسروراً، وفي رواية أبي داود: من أحب "أن يتمثل" أي ينتصب "له الرجال قياماً" أي يقفون بين يديه قائمين لتعظيمه من قولهم مثل بين يديه مثولاً أي انتصب قائماً. قال الطيبي: يجوز أن يكون قوله قياماً مفعولاً مطلقاً لما في الانتصاب من معنى القيام وأن يكون تمييز الاشتراك المثول بين المعنيين "فليتبوأ" أي فليهيء "مقعده من النار" لفظه الأمر معناه الخير كأنه قال: من سره ذلك وجب له أن ينزل منزلة من النار.
قوله: "وفي الباب عن أبي أمامة" أخرجه أبو داود وابن ماجه عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم متوكئاً على عصاً فقمنا له. فقال لا تقوموا كما يقوم الأعاجم يعظم بعضها بعضاً.
قوله: "وهذا حديث حسن" وأخرجه أحمد وأبو داود.
اعلم أنه قد اختلف أهل العلم في قيام الرجل للرجل عند رؤيته، فجوزه بعضهم كالنووي وغيره، ومنعه بعضهم كالشيخ أبي عبد الله بن الحاج المالكي وغيره، وقال النووي في الأذكار: وأما إكرام الداخل بالقيام، فالذي نختاره أنه مستحب لمن

(8/30)


2904- حدثنا هَنّادٌ، حدثنا أَبُو أُسَامَةَ عن حَبِيبِ بنِ الشّهِيدِ،
ـــــــ
كان فيه فضيلة ظاهرة من علم أو صلاح أو شرف أو ولاية ونحو ذلك، ويكون هذا القيام للبر والإكرام والاحترام لا للرياء والإعظام. وعلى هذا استمر عمل السلف والخلف، وقد جمعت في ذلك جزءاً جمعت فيه الأحاديث والآثار وأقوال السلف وأفعالهم الدالة على ما ذكرته. وذكرت فيه ما خالفها وأوضحت الجواب عنه، فمن أشكل عليه من ذلك شيء ورغب في مطالعته، رجوت أن يزول إشكاله، انتهى.
قلت: وقد نقل بن الحاج ذلك الجزء في كتابه المدخل، وتعقب على كل ما استدل به النووي، فمن أقوى ما تمسك به حديث أبي سعيد عن الشيخين: أن أهل قريظة نزلوا على حكم سعد، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليه فجاء، فقال "قوموا إلى سيدكم" الحديث، وقد أجاب عنه ابن الحاج بأجوبة منها: أن الأمر بالقيام لغير ما وقع فيه النزاع وإنما هو لينزلوه عن دابته لما كان فيه من المرض كما جاء في بعض الروايات انتهى. قال الحافظ: قد وقع في مسند عائشة عند أحمد من طريق علقمة بن وقاص عنها في قصة غزوة بني قريظة، وقصة سعد بن معاذ ومجيئه مطولاً، وفيه قال أبو سعيد: فلما طلع قال النبي صلى الله عليه وسلم: "قوموا إلى سيدكم فأنزلوه". وسنده حسن، وهذه الزيادة تخدش في الاستدلال بقصة سعد على مشروعية القيام المتنازع فيه، انتهى.
ومما تمسك به النووي حديث كعب بن مالك في قصة توبته وفيه: فقام إلى طلحة بن عبيد الله يهرول، فصافحني وهنأني. وأجاب عنه ابن الحاج بأن طلحة إنما قام لتهنئته ومصافحته ولو كان قيامه محل النزاع لما انفرد به، فلم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم قام له ولا أمر به ولا فعله أحد ممن حضروا وإنما انفرد طلحة لقوة المودة بينهما على ما جرت به العادة أن التهنئة والبشارة ونحو ذلك تكون على قدر المودة والخلطة، بخلاف السلام فإنه مشروع على من عرفت ومن لم تعرف.
ومما تمسك به النووي حديث عائشة قالت: ما رأيت أحد كان أشبه سمتاً ودلاً وهدياً برسول الله صلى الله عليه وسلم من فاطمة، كانت إذا دخلت عليه قام إليها فأخذ بيدها فقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها قامت إليه فأخذت بيده

(8/31)


عن أَبي مِجْلَزٍ، عن مُعَاوِيَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نحوه.
ـــــــ
فقبلته وأجلسته في مجلسها. أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم. وأجاب عنه ابن الحاج باحتمال أن يكون القيام لها لأجل إجلاسها في مكانه إكراماً لها لا على وجه القيام المنازع فيه، ولا سيما ما عرف من ضيق بيوتهم وقلة الفرش فيها، فكانت إرادة إجلاسه لها في موضعه مستلزمة لقيامه.
ومما تمسك به النووي: ما أخرجه أبو داود عن عمرو بن الحارث أن عمر بن السائب حدثه أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالساً يوماً فأقبل أبوه من الرضاعة فوضع له بعض ثوبه فقعد عليه، ثم أقبلت أمه فوضع لها شق ثوبه من جانبه الآخر فجلست عليه، ثم أقبل أخوه من الرضاعة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجلسه بين يديه. وأجاب عنه ابن الحاج بأن هذا القيام لو كان محل النزاع لكان الوالدان أولى به من الأخ، وإنما قام للأخ، إما لأن يوسع له في الرداء أو في المجلس.
قلت: هذا الحديث معضل كما صرح به ابن المنذري في تلخيص السنن فلا يصلح للاستدلال، وتمسك النووي بروايات أخرى، وأجاب عنها ابن الحاج بأنها ليست من محل النزاع، والأمر كما قال ابن الحاج وأجاب النووي عن أحاديث كراهة قيام الرجل للرجل بما لا يشفي العليل ولا يروي الغليل كما بينه ابن الحاج مفصلاً.
قلت: حديث أنس المذكور يدل على كراهة القيام المتنازع فيه، وهو قيام الرجل للرجل عند رؤيته، وظاهر حديث عائشة يدل على جوازه. وجواب ابن الحاج عن هذا الحديث غير ظاهر، واختلف في وجه الجمع بينهما، فقيل حديث أنس محمول على كراهة التنزيه، وقيل هو محمول على القيام على طريق الإعظام، وحديث عائشة على القيام على طريق البر والإكرام، وقيل غير ذلك، أما قيام الرجل لإنزال المريض عن مركوبه، أو القادم من سفر، أو للتهنئة لمن حدثت له نعمة، أو لتوسع المجلس فهو جائز بالاتفاق. نقل العيني في شرح البخاري عن أبي الوليد بن رشد: أن القيام على أربعة أوجه: الأول محظور وهو أن يقع لمن يريد أن يقام إليه تكبراً وتعاظماً على القائمين إليه، والثاني: مكروه وهو أن يقع لمن لا يتكبر ولا يتعاظم على القائمين ولكن يخشى أن يدخل نفسه بسبب ذلك ما يحذر

(8/32)


ـــــــ
ولما فيه من التشبه بالجبابرة، والثالث: جائز وهو أن يقع على سبيل البر والإكرام لمن لا يريد ذلك ويؤمن معه التشبه بالجبابرة، والرابع مندوب وهو أن يقوم لمن قدم من سفر فرحاً بقدومه ليسلم عليه، أو إلى من تجددت له نعمة فيهنئه بحصولها أو مصيبة فيعزيه بسببها انتهى. وقال الغزالي القيام على سبيل الإعظام مكروه وعلى سبيل البر والإكرام لا يكره. قال الحافظ في الفتح: هذا تفصيل حسن.

(8/33)


48- باب ما جَاءَ في تَقْلِيم الأظْفَار
2905- حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ الحلواني و غير واحد، قَالُوا: أَخْبَرَنا عَبْدُ الرّزّاقِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ، عن أَبي هُرَيْرَةَ، قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "خَمْسٌ مِنَ الفِطْرَةِ: الاسْتِحْدادُ وَالْخِتَانُ وَقَصّ الشّارِبِ وَنَتْفُ الإبِطِ وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ" .
ـــــــ
باب ما جَاءَ في تَقْلِيم الأظْفَار
قوله: "خمس من الفطرة" قال في النهاية: أي من السنة، يعني سنن الأنبياء عليهم السلام التي أمرنا أن نقتدي بهم، وقال في مجمع البحار: أي من السنة القديمة التي اختارها الأنبياء عليهم السلام واتفقت عليها الشرائع فكأنها أمر جبلي فطروا عليه، منها قص الشارب. فسبحانه. ما أسخف عقول قوم طولوا الشارب وأحفوا اللحية عكس ما عليه فطرة جميع الأمم قد بدلوا فطرتهم نعوذ بالله انتهى. ويسوغ الابتداء بالنكرة أن قوله خمس صفة موصوف محذوف، والتقدير خصال خمس، ثم فسرها أو على الإضافة أي خمس خصال، ويجوز أن تكون الجملة خبر مبتدأ محذوف، والتقدير الذي شرع لكم خمس من الفطرة "الاستحداد" أي حلق العانة، سمي استحداداً لاستعمال الحديدة وهي الموسى وهو سنة، والمراد به نظافة ذلك الموضع والأفضل فيه الحلق ويجوز بالقص والنتف والنورة، والمراد بالعانة الشعر فوق ذكر الرجل وحواليه، وكذلك الشعر الذي حول فرج المرأة، ونقل عن أبي العباس بن سريج: أنه الشعر النابت حول حلقة الدبر، فيحصل من مجموع هذا استحباب حلق جميع ما على القبل والدبر وحولها "والختان" بكسر

(8/33)


ـــــــ
المعجمة وتخفيف المثناة مصدر ختن أي قطع، والختن بفتح ثم سكون: قطع بعض مخصوص عن عضو مخصوص، والختان اسم الفعل الخاتن والموضع الختان أيضاً كما في حديث عائشة: إذا التقى الختانان. والأول المراد به هنا. قال الماوردي: ختان الذكر قطع الجلدة التي تغطي الحشفة، والمستحب أن يستوعب من أصلها عند أول الحشفة، وأقل ما يجزئ أن لا يبقى منها ما يتغشى به شيء من الحشفة. وقال إمام الحرمين: المستحق في الرجال قطع القلفة، وهي الجلدة التي تغطي الحشفة حتى لا يبقى من الجلدة شيء متدل. وقال ابن الصباغ: حتى تنكشف جميع الحشفة قال الإمام: والمستحق من ختان المرأة ما ينطلق عليه الاسم. قال الماوردي: ختانها قطع جلدة تكون في أعلى فرجها فوق مدخل الذكر كالنواة أو كعرف الديك والواجب قطع الجلدة المستعلية منه دون استئصاله. وقد أخرج أبو داود من حديث أم عطية: أن امرأة كانت تختن بالمدينة، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تنهكي فإن ذلك أحظى للمرأة"، وقال إنه ليس بالقوي. قال الحافظ: له شاهدان من حديث أنس، ومن حديث أم أيمن عند أبي الشيخ في كتاب العقيقة وآخر عن الضحاك بن قيس عند البيهقي.
واختلف في وقت الختان، فذهب الجمهور إلى أن مدة الختان لا تختص بوقت معين وليس بواجب في حالة الصغر، واستدل لهم بحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اختتن إبراهيم خليل الرحمن بعد ما أتت عليه ثمانون سنة واختتن بالقدوم متفق عليه، إلا أن مسلماً لم يذكر السنين وللشافعية وجه أنه يجب على الولي أن يختن الصغير قبل بلوغه، ويرده ما رواه البخاري عن سعيد بن جبير قال: سئل ابن عباس، مثل من أنت حين قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أنا يومئذ مختون، وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك. ولهم أيضاً وجه أنه يحرم قبل عشر سنين، ويرده حديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم ختن الحسن والحسين يوم السابع من ولادتهما. أخرجه الحاكم والبيهقي من حديث عائشة، وأخرجه البيهقي من حديث جابر، قال النووي بعد أن ذكر هذين الوجهين: وإذا قلنا بالصحيح استحب أن يختتن في اليوم السابع من ولادته، وهل يحسب يوم الولادة من السبع أو يكون سبعة سواء فيه وجهان: أظهرهما يحسب انتهى. وفي هذه المسألة أقوال أخرى ذكرها الحافظ في الفتح.

(8/34)


ـــــــ
واختلف في أن الختان واجب أو سنة قال الحافظ في الفتح: ذهب إلى وجوب الختان الشافعي وجمهور أصحابه، وقال به من القدماء عطاء حتى قال: لو أسلم الكبير لم يتم إسلامه حتى يختتن. وعن أحمد وبعض المالكية يجب. وعن أبي حنيفة واجب وليس بفرض وعنه سنة يأثم بتركه. وفي وجه للشافعية لا يجب في حق النساء وهو الذي أورده صاحب المغنى عن أحمد، وذهب أكثر العلماء وبعض الشافعية أنه ليس بواجب.
واحتج القائلون بالوجوب بروايات لا يخلو واحدة منها عن مقال، وقد ذكرها الشوكاني في النيل مع الكلام عليها ثم قال: والحق أنه لم يقم دليل صحيح يدل على الوجوب والمتيقن السنة كما في حديث: خمس من الفطرة والواجب الوقوف على المتيقن إلى أن يقوم ما يوجب الانتقال عنه انتهى. "وقص الشارب" أي قطع الشعر الثابت على الشفة العليا من غير استئصال، وسيأتي الكلام في هذه المسألة مفصلاً بعد باب "ونتف الإبط" بكسر الهمزة والموحدة وسكونها وهو المشهور وصوبه الجواليقي وهو يذكر ويؤنث، وتأبط الشيء وضعه الشيء تحت إبطه والمستحب البداءة فيه باليمنى، ويتأدى أصل السنة بالحلق ولا سيما من يؤلمه النتف، وقد أخرج ابن أبي حاتم في مناقب الشافعي عن يونس بن عبدالله الأعلى قال: دخلت على الشافعي ورجل يحلق إبطه فقال: إني علمت أن السنة النتف ولكن لا أقوى على الوجع. قال الغزالي: هو في الابتداء موجع ولكن يسهل على من اعتاده. قال والحق كاف لأن المقصود النظافة، وتعقب بأن الحكمة في نتفه أنه محل للرائحة الكريهة وإنما ينشأ ذلك من الوسخ الذي يجتمع بالعرق فيه فيتلبد ويهيج، فشرع فيه النتف الذي يضعفه فتخف الرائحة به، بخلاف الحلق فإنه يقوي الشعر ويهيجه، فتكثر الرائحة لذلك. وقال ابن دقيق العيد: من نظر إلى اللفظ وقف مع النتف، ومن نظر إلى المعنى أجازه بكل مزيل، لكن بين أن النتف مقصود من جهة المعنى، فذكر نحو ما تقدم، قال وهو معنى ظاهر لا يهمل، فإن مورد النص إذا احتمل معنى مناسباً يحتمل أن يكون مقصوداً في الحكم لا يترك، والذي يقوم مقام النتف في ذلك التنور لكنه يرق الجلد، فقد يتأذى صاحبه به ولا سيما إن كان جلده رقيقاً، وتستحب البداءة في إزالته باليد اليمن ويزيل ما في اليمنى بأصابع اليسرى، وكذا اليسرى إن أمكن وإلا فباليمنى "وتقليم الأظفار" هو تفعيل من القلم وهو القطع، والأظفار جمع ظفر بضم الظاء والفاء وبسكونها، والمراد إزالة ما يزيد على ما يلابس رأس

(8/35)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
2906- حدثنا قُتَيْبَةُ وَ هَنّادٌ قَالاَ: حدثنا وَكِيعٌ، عن زَكَرِيّا بنِ أَبي زَائِدَةَ، عن مُصْعَبِ بن شَيْبَةَ، عن طَلْقِ بنِ حَبِيبٍ، عن عَبْدِ الله بنِ الزّبَيْرِ، عن عَائِشَةَ أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "عَشْرٌ مِنَ الفِطْرَةِ: قَصّ الشّارِبِ وَإِعْفَاءُ اللّحْيَةِ وَالسّوَاكُ والاسْتِنْشَاقُ وَقَصّ الأَظْفَارِ
ـــــــ
الأصبع من الظفر، لأن الوسخ يجتمع فيه فيستقذر، وقد ينتهي إلى حد يمنع من وصول الماء إلى ما يجب غسله في الطهارة. قال الحافظ: لم يثبت في ترتيب الأصابع عند القص شيء من الأحاديث لكن جزم النووي في شرح مسلم بأنه يستحب البداءة بمسبحة اليمنى ثم بالوسطى ثم البنصر ثم الخنصر ثم الإبهام، وفي اليسرى بالبداءة بخنصرها ثم بالبنصر إلى الإبهام. فيبدأ في الرجلين يختصر اليمنى إلى الإبهام وفي اليسرى بإبهامها إلى الخنصر، ولم يذكر للاستحباب مستنداً. انتهى كلام الحافظ وقد بسط الكلام في هذا المقام بسطاً حسناً.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
قوله: "عن مصعب بن شيبة" بن جبير بن شيبة بن عثمان العبدري المكي الحجي، لين الحديث من الخامسة "عن طلق" بسكون اللام "بن حبيب" العنزي بصري صدوق عابد، رمى بالإرجاء من الثالثة.
قوله: "عشر من الفطرة" فإن قلت: ما وجه التوفيق بين هذا وبين حديث أبي هريرة المتقدم بلفظ خمس من الفطرة، قلت: قيل في وجه الجمع أنه صلى الله عليه وسلم كان أعلم أولاً بالخمس ثم أعلم بالزيادة، وقيل الاختلاف في ذلك بحسب المقام فذكر في كل موضع اللائق بالمخاطبين، وقيل ذكر الخمس لا ينافي الزائد لأن الأعداد لا مفهوم لها "وإعفاء اللحية" هو أن يوفر شعرها ولا يقص كالشوارب من عفا الشيء إذا كثر وزاد يقال: أعفيته وعفيته كذا في النهاية. وفي حديث ابن عمر عند البخاري: وفروا اللحى "والسواك" قال أهل اللغة: السواك بكسر

(8/36)


وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ وَنَتْفُ الإِبْطِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ" قَالَ زَكَرِيّا
ـــــــ
السين، وهو يطلق على الفعل وعلى العود الذي يتسوك، به وهو مذكر، وذكر صاحب الحكم أنه يؤنث ويذكر والسواك فعلك بالمسواك ويقال ساك فمه يسوكه سوكاً. فإن قلت أستاك لم تذكر الفم وجمع السواك سوك بضمتين ككتاب وكتب، وذكر صاحب الحكم: أنه يجوز سؤك بالهمزة. قال النووي: ثم قيل إن السواك مأخوذ من ساك إذا دلك وقيل من جاءت الإبل تستاك أي تتمايل هزالاً وهو في اصطلاح العلماء استعمال عود أو نحوه في الأسنان ليذهب الصفرة أو غيرها عنها "والاستنشاق" قال في المجمع: استنشق أي أدخل الماء في أنفه بأن جذبه بريح أنفه واستنثر بمثناة فنون فمثلثة، أي أخرجه منه بريحه بإعانة يده أو بغيرها بعد إخراج الأذى لما فيه من تنقية مجرى النفس انتهى، والمراد هنا الاستنشاق مع الاستنثار، وقال فيه الاستنشاق في حديث: عشرة من ا لفطرة يحتمل حمله على ما ورد فيه الشرع باستحبابه من الوضوء والاستيقاظ وعلى مطلقه وعلى حال الاحتياج باجتماع الأوساخ في الأنف، وكذا السواك يحتمل كلاً منها انتهى، "وقص الأظفار" أي تقليمها "وغسل البراجم" هي بفتح الباء الموحدة وبالجيم جمع برجمة بضم الباء والجيم، وهي عقد الأصابع ومفاصلها كلها وغسلها سنة مستقلة ليست بواجبة، قال العلماء ويلتحق بالبراجم ما يجتمع من الوسخ في معاطف الأذن وقعر الصماخ فيزيله بالمسح لأنه ربما أضرت كثرته بالسمع، وكذلك ما يجتمع في داخل الأنف وكذلك جميع الوسخ المجتمع على أي موضع كان من البدن بالعرق والغبار ونحوهما "وانتقاص الماء" بالقاف والصاد المهملة، وقد ذكر الترمذي تفسيره بأنه الاستنجاء بالماء وكذلك فسره وكيع في رواية مسلم. وقيل معناه انتقاص البول بالماء باستعمال الماء في غسل المذاكير وقطعه ليرتد البول يردع الماء ولو لم يغسل لنزل منه شيء فشيء فيعسر الاستبراء والاستنجاء بالماء على الأول المستنجى به وعلى الثاني البول فالمصدر مضاف إلى المفعول، وإن أريد به الماء المغسول به، فالإضافة إلى الفاعل أي وانتقاص الماء البول، وانتقص لازم ومتعد، واللزوم أكثر، وقيل هو تصحيف والصحيح وانتفاض، بالفاء والضاد المعجمة والمهملة أيضاً، وهو الانتضاح بالماء على الذكر وهذا أقرب،

(8/37)


قَالَ مُصْعَبٌ: وَنَسِيْتُ العَاشِرَةَ إِلاّ أَنْ تَكُونَ المَضْمَضَة".
وفي البابِ عن عَمّارِ بنِ يَاسِرٍ وَابنِ عُمَرَ. هذا حديثٌ حسنٌ. قال أبو عيسى: انْتِقَاصُ الْمَاءِ: هو الاسْتِنْجَاءُ بالمَاءِ.
ـــــــ
لأن في كتاب أبي داود والانتضاح. ولم يذكر انتقاص الماء كذا في المرقاة "ونسيت العاشرة إلا أن تكون" أي العاشرة "المضمضة" قال النووي: هذا شك منه. قال القاضي عياض: ولعلها الختان المذكور مع الخمس وهو أولى انتهى.
قوله: "وفي الباب عن عمار بن ياسر وابن عمر" أما حديث عمار بن ياسر فأخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وأما حديث ابن عمر فأخرجه البخاري.
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه أحمد ومسلم والنسائي.
فإن قلت: كيف حسن الترمذي هذا الحديث، وفي سنده مصعب بن شيبة وهو لين الحديث: وكيف أخرجه مسلم في صحيحه، قلت: قال الحافظ في الفتح بعد ذكر هذا الحديث: مصعب بن شيبة وثقه ابن معين والعجلي وغيرهما، ولينه أحمد وأبو حاتم وغيرهما، فحديثه حسن، وله شواهد في حديث أبي هريرة وغيره، فالحكم بصحته من هذه الحيثية سائغ انتهى.

(8/38)


باب ما جاء في توقيت تقليمالأظفار وأخذ الشارب
...
49- باب في التَوْقِيتِ في تَقْلِيمِ الأَظْفَارِ وَأَخْذِ الشّارِب
2907- حدثنا إِسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنا عَبْدُ الصَمَدِ بن عبد الوارث، أَخْبَرَنا صَدَقَةُ بنُ مُوسَى أَبُو مُحمّدٍ صَاحِبُ الدّقِيقِ، أَخْبَرَنا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيّ، عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: "أَنّهُ وَقّتَ لَهُمْ في كُلّ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً تَقْلِيمَ الأَظْفَار وَأَخْذِ الشّارِبِ وَحَلْقَ الْعَانَةِ" .
ـــــــ
باب في التَوْقِيتِ في تَقْلِيمِ الأَظْفَارِ وَأَخْذِ الشّارِب
قوله: "أخبرنا عبد الصمد" هو ابن عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان التميمي "أخبرنا عمران الجوفي" اسمه عبد الملك بن حبيب الأزدى البصري.
قوله: "أنه وقت" أي بين عين "لهم" أي لأجلهم "في كل أربعين ليلة"

(8/38)


2908- حدثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا جعفر بنُ سُلَيْمَانَ، عن أَبي عِمْرَانَ الْجَوْنِيّ، عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: "وُقّتَ لَنَا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصّ الشّارِبِ وَتَقْلِيمِ الأَظْفَارِ وَحَلْقِ الْعَانَةِ وَنَتْفِ الإِبِطِ أَنْ لاَ نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ يَوْماً" .
ـــــــ
فلا يجوز التأخير في هذه الأشياء عن هذه المدة.
قوله: "حدثنا جعفر بن سليمان" هو الضبعي.
قوله: "وقت لنا" بصيغة المجهول من التوقيت، قال النووي: هو من الأحاديث المرفوعة مثل قوله: أمرنا بكذا وقد تقدم بيان هذا في الفصول المذكورة في أول الكتاب انتهى. وقد صرح في الرواية المتقدمة من حديث الباب بأن المؤقت هو النبي صلى الله عليه وسلم "أن لا تترك أكثر من أربعين يوماً" قال النووي: معناه لا تترك تركاً تتجاوز به أربعين، لا أنه وقت لهم الترك أربعين. قال والمختار أنه يضبط بالحاجة والطول، فإذا طال حلق انتهى. قال الشوكاني: بل المختار أنه يضبط بالأربعين التي ضبط بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يجوز تجاوزها ولا بعد مخالفاً للسنة من ترك القص ونحوه بعد الطول إلى انتهاء تلك الغاية انتهى.
فائدة: قال الحافظ: لم يثبت في استحباب قص الظفر يوم الخميس حديث وقد أخرجه جعفر المستغفري بسند مجهول ورويناه في مسلسلات التميمي من طريقه، وأقرب ما وقفت عليه في ذلك ما أخرجه البيهقي من مرسل أبي جعفر الباقر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحب أن يأخذ من أظفاره وشاربه يوم الجمعة، وله شاهد موصول عند أبي هريرة لكن سنده ضعيف أخرجه البيهقي أيضاً في الشعب، وسئل أحمد عنه فقال: يسن في يوم الجمعة قبل الزوال، وعنه يوم الخميس، وعنه يتخير، وهذا هو المعتمد أنه يستحب كيف ما احتاج إليه، انتهى كلام الحافظ بلفظه.
قلت: حديث أبي هريرة الذي رواه البيهقي في الشعب ذكره السيوطي في الجامع الصغير بلفظ: كان يقلم أظافيره ويقص شاربه يوم الجمعة قبل أن يروح إلى الصلاة. قال المناوي هذا حديث منكر.
"فائدة أخرى" قال الحافظ في سؤالات ههنا عن أحمد، قلت له يأخذ من شعره

(8/39)


هَذَا أَصَحّ مِنَ الْحَدِيثِ الأَوّلِ وَصَدَقَةُ بنُ مُوسَى لَيْسَ عِنْدَهُمْ بالْحَافِظِ.
ـــــــ
وأظفاره أيدفنه أم يلقيه؟ قال: يدفنه، قلت: بلغك فيه شيء؟ قال: كان ابن عمر يدفنه. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بدفن الشعر والأظفار، وقال: "لا يتلعب به سحرة بني آدم" . قال الحافظ: وهذا الحديث أخرجه البيهقي من حديث وائل بن حجر نحوه، وقد استحب أصحابنا دفنها لكونها أجزاء من الاَدمي. قال: والترمذي الحكيم من حديث عبد الله بن بشر رفعه: "قصوا أظافركم وادفنوا أقلامكم ونقوا أبراجكم"، وفي سنده راو مجهول.
قوله: "هذا أصح من الحديث الأول" أي حديث جعفر بن سليمان عن أبي عمران أصح من حديث صدقة عن أبي عمران، وحديث صدقة بن موسى عن ابن عمران أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي، وحديث جعفر بن سليمان عنه أخرجه مسلم وابن ماجه. قال القاضي عياض: قال العقيلي في حديث جعفر هذا نظر. قال وقال أبو عمر يعني ابن عبد البر: لم يروه إلا جعفر بن سليمان وليس بحجة لسوء حفظه وكثرة غلطه. قال النووي: قد وثق كثير من الأئمة المتقدمين جعفر بن سليمان، ويكفي في توثيقه احتجاج مسلم به وقد تابعه غيره انتهى. وقال الحافظ في الفتح بعد نقل كلام العقيلي وابن عبد البر ما لفظه: وتعقب بأن أبا داود والترمذي أخرجاه من رواية صدقة بن موسى عن أبي عمران، وصدقة ابن موسى وإن كان فيه مقال لكن تبين أن جعفر لم ينفرد به، وقد أخرج ابن ماجه نحوه من طريق علي بن زيد بن جدعان عن أنس، وفي علي أيضاً ضعف وأخرجه ابن عدى من وجه ثالث من جهة عبد الله بن عمران شيخ مصري ن ثابت عن أنس لكن أتى فيه بألفاظ مستغربة قال: أن يحلق الرجل عانته كل أربعين يوماً، وأن ينتف إبطه كلما طلع، ولا يدع شاربيه يطولان، وأن يقلم أظفاره من الجمعة إلى الجمعة. وعبد الله والراوي عنه مجهولان انتهى.

(8/40)


باب ماجاء في قص الشارب
...
50- باب مَا جَاءَ في قَصّ الشّارب
2909- حدثنا مُحمّدُ بنُ عُمَرَ بنِ الْوَلِيدِ الكُوفِيّ الكِنْدِيّ، أَخْبَرَنا يَحْيَى بنُ آدَمَ، عن إِسْرَائِيلَ، عن سِمَاكٍ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ قَالَ: "كَانَ النبيّ صلى الله عليه وسلم يَقُصّ أَوْ يَأْخُذُ مِنْ شَارِبِهِ. وكَاَنَ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرّحْمَنِ يَفْعَلُهُ" . هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
2910- حدثنا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ، أَخْبَرَنا عُبَيْدَةُ بنُ حُمَيْدٍ، عن يُوسُفَ بنُ صُهَيْبٍ عن حَبِيبِ بنِ يَسَارٍ عن زَيْدِ بنِ أَرْقَمَ أَنّ رَسُولُ الله
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في قَصّ الشّارب
قوله: "أخبرنا يحيى بن آدم" أبو زكريا الكوفي "عن إسرائيل" هو ابن يونس الكوفي "عن سِمَاك" هو ابن حرب.
قوله: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يقص أو يأخذ من شاربه" شك من الراوي "قال" أي النبي صلى الله عليه وسلم "وكان خليل الرحمن إبراهيم يفعله" أي القص أو الأخذ أيضاً. قال الطيبي: يعني كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبع سنة أبيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام كما ينبئ عنه قوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} قيل الكلمات خمس: في الرأس والفرق وقص الشارب والسواك وغير ذلك، انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" ذكر الحافظ هذا الحديث في الفتح ونقل تحسين الترمذي وأقره.
قوله: "أخبرنا عبيدة" بفتح أوله "بن حميد" الكوفي المعروف بالحذاء "عن يوسف بن صهيب" الكندي الكوفي ثقة من السادسة "عن حبيب بن يسار" الكندي الكوفي، ثقة من الثالثة كذا في التقريب. وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته: روى عن زيد بن أرقم وغيره، وعنه يوسف بن صهيب وغيره أخرج له الترمذي والنسائي حديثاً واحداً في أخذ الشارب وصححه الترمذي انتهى "عن

(8/41)


صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شَارِبِهِ فَلَيْسَ مِنّا" .
ـــــــ
زيد بن أرقم" بن زيد بن قيس الأنصاري الخزرجي صحابي مشهور، أول مشاهده الخندق وأنزل الله تصديقه في سورة المنافقين.
قوله: "من لم يأخذ من شاربه فليس منا" أي فليس من العاملين بسنتنا، وهذان الحديثان يدلان على جواز قص الشارب، واختلف الناس في حد ما يقص منه وقد ذهب كثير من السلف إلى استئصاله وحلقه لظاهر قوله: أحفوا وانهكوا، وهو قول الكوفيين، وذهب كثير منهم إلى منع الحلق والاستئصال وإليه ذهب مالك وكان يرى تأديب من حلقه. وروى عنه ابن القاسم أنه قال: إحفاء الشارب مثلة. قال النووي: المختار أنه يقص حتى يبدو طرف الشفة. ولا يحفيه من أصله، قال: وأما رواية احفوا الشوارب فمعناها احفوا ما طال عن الشفتين، وكذلك قال مالك في الموطأ: يؤخذ من الشارب حتى يبدو أطراف الشفة. قال ابن القيم: وأما أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد، فكان مذهبهم في شعر الرأس والشوارب أن الإحفاء أفضل من التقصير، وذكر بعض المالكية عن الشافعي: أن مذهبه كمذهب أبي حنيفة في حلق الشارب. قال الطحاوي: ولم أجد عن الشافعي شيئاً منصوصاً في هذا، وأصحابه الذين رأيناهم المزنى والربيع كانا يحفيان شواربهما ويدل ذلك أنهما أخذاه عن الشافعي. وروى الأثرم عن الإمام أحمد: أنه كان يحفي شاربه إحفاءاً شديداً، وسمعته يسأل عن السنة في إحفاء الشارب فقال يحفى. وقال حنبل قيل لأبي عبد الله: ترى للرجل يأخذ شاربه ويحفيه أم كيف يأخذه؟ قال إن أحفاه فلا بأس، وإن أخذه قصاً فلا بأس. وقال أبو محمد في المغنى: هو مخير بين أن يحفيه وبين أن يقصه. وقد روى النووي في شرح مسلم عن بعض العلماء أنه ذهب إلى التخيير بين الأمرين الإحفاء وعدمه. وروى الطحاوي الإحفاء عن جماعة من الصحابة أبي سعيد وأبي أسيد ورافع بن خديج وسهل بن سعد وعبد الله بن عمر وجابر وأبي هريرة، قال ابن القيم: واحتج من لم ير إحفاء الشوارب بحديث عائشة وأبي هريرة المرفوعين: عشر من الفطرة، فذكر منها قص الشارب. وفي حديث أبي هريرة أن الفطرة خمس وذكر منها قص الشارب. واحتج المحفون بأحاديث الأمر بالإحفاء وهي صحيحة وبحديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم

(8/42)


وفي البابِ عن المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ. هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
كان يحفي شاربه انتهى. قال الشوكاني: والإحفاء ليس كما ذكره النووي من أن معناه احفوا ما طال عن الشفتين، بل الإحفاء الاستئصال كما في الصحاح والقاموس والكشاف وسائر كتب اللغة. قال ورواية القص لا تنافيه لأن القص قد يكون على جهة الإحفاء وقد لا يكون ورواية الإحفاء معينة للمراد وكذلك حديث: من لم يأخذ من شاربه فليس منا. لا يعارض رواية الإحفاء لأن فيها زيادة يتعين المصير إليها، ولو فرض التعارض من كل وجه لكانت رواية الإحفاء أرجح، لأنها في الصحيحين. وروى الطحاوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ من شارب المغيرة على سواكه قال: وهذا لا يكون معه إحفاء، ويجاب عنه بأنه محتمل ودعوى أنه لا يكون معه إحفاء ممنوعة. وهو إن صح كما ذكره لا يعارض تلك الأقوال منه صلى الله عليه وسلم انتهى. وذهب الطبري إلى التخيير بين الإحفاء والقص وقال دلت السنة على الأمرين ولا تعارض، فإن القص يدل على أخذ البعض والإحفاء يدل على أخذ الكل، وكلاهما ثابت فيتخير فيما شاء انتهى. قال الحافظ ويرجح قول الطبري ثبوت الأمرين معاً في الأحاديث المرفوعة.
قلت: ما ذهب إليه الطبري هو الظاهر، وأما قول الشوكاتي ودعوى أنه لا يكون معه إحفاء ممنوعة الخ، ففيه أن الظاهر هو ما قال الطحاوي من أن هذا لا يكون معه إحفاء. قال الحافظ: بعد نقل حديث المغيرة بن شعبة عن سنن أبي داود بلفظ: ضفت النبي صلى الله عليه وسلم وكان شاربي وفي فقصه على سواك ما لفظه: واختلف في المراد بقوله على سواك فالراجح أنه وضع سواكاً عند الشفة تحت الشعر وأخذ الشعر بالمقص، قيل المعنى قصه على أثر سواك أي بعد ما تسوك، ويؤيد الأول ما أخرجه البيهقي في هذا الحديث قال فيه: فوضع السواك تحت الشارب وقص عليه. وأخرج البزار من حديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أبصر رجلاً وشاربه طويل، فقال ائتوني بمقص وسواك، فجعل السواك على طرفه، ثم أخذ ما جاوزه.
قوله: "وفي الباب عن المغيرة بن شعبة" أخرجه أبو داود والبيهقي والطحاوي.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والنسائي والضياء.

(8/43)


2911- حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ، أَخْبَرَنا يَحْيىَ بنُ سَعِيدٍ عن يُوسُفَ بنِ صُهَيْبٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ.

(8/44)


51- باب مَا جَاءَ في الأَخْذِ مِنَ الّلحْيَة
2912- حدثنا هَنّادٌ، أَخْبَرَنا عُمَرُ بنُ هَارُونَ، عن أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أَبِيهِ عن جَدّهِ: "أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَأْخُدُ مِنْ لِحْيَتِهِ مِنْ عَرْضِهَا وَطُولِهَا" . هذا حديثٌ غريبٌ، وَسَمِعْتُ مُحمّدُ بنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ: عُمَرُ بنُ هَارُونَ مُقَارِبُ الْحَدِيثِ لاَ أَعْرِفُ لَهُ حَدِيثاً لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ، أَوْ قالَ: يَنْفَردُ بِهِ إِلاّ هَذَا الْحَدِيثَ، "كَانَ النبيّ صلى الله عليه وسلم يَأْخُذُ مِنْ لِحْيَتِهِ مِنْ عَرْضِهَا وَطُولِهَا" ، وَلاَ نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بنِ هَارُونَ، وَرَأَيْتُهُ حَسَنَ الرّأْيِ في عُمَرَ بنِ هَارُونَ،
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في الأَخْذِ مِنَ الّلحْيَة
قوله: "حدثنا عمر بن هارون" بن يزيد الثقفي مولاهم البلخي، متروك، وكان حافظاً من كبار التاسعة.
قوله: "كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها" بدل بإعادة العامل. قال الطيبي: هذا لا ينافي قوله صلى الله عليه وسلم: "اعفوا اللحى" ، لأن المنهي هو قصها كفعل الأعاجم أو جعلها كذنب الحمام، والمراد بالإعفاء التوفير منها كما في الرواية الآخرى والأخذ من الأطراف قليلاً لا يكون من القص في شيء انتهى.
قلت: كلام الطيبي هذا حسن إلا أن حديث عمرو بن شعيب هذا ضعيف جداً.
قوله: "هذا حديث غريب" وهو حديث ضعيف لأن مداره على عمر بن هارون وهو متروك كما عرفت. قال الحافظ في الفتح بعد ذكر هذا الحديث أخرجه الترمذي ونقل عن البخاري أنه قال في رواية عمر بن هارون: لا أعلم له حديثاً منكراً إلا هذا.
قوله: "ورأيته" هذا قول الترمذي والضمير المنصوب لمحمد بن إسماعيل

(8/44)


وَسَمِعْتُ قُتَيْبَةَ يَقُولُ: عُمَرُ بنُ هَارُونَ، كَانَ صَاحِبَ حَدِيثٍ، وَكَانَ يَقُولُ: "الإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ" قالَ سَمِعْتُ قُتَيْبَةَ، أَخْبَرَنا وَكِيعُ بنُ الْجَرّاحِ، عن رَجُلٍ عن ثَوْرِ بنِ يَزيدَ أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم نَصَبَ المَنْجَنِيقَ عَلَى أَهْلِ الطّائِفِ". قالَ قُتَيْبَةُ: قَلْتُ لِوَكِيعٍ: مَنْ هَذَا؟ قالَ صَاحِبُكُمْ عُمَرُ بنُ هَارُونَ.
ـــــــ
البخاري "وكان صاحب حديث" وقع في بعض النسخ كان صاحب حديث بغير الواو، وهو الظاهر "أن النبي صلى الله عليه وسلم نصب المنجنيق" بفتح ميم وجيم وسكون نون بينهما: ما يرمي به الحجارة، قاله في المجمع. وقال في القاموس: المنجنيق بكسر الميم آلة ترمي بها الحجارة كالمنجنوق معربة، وقد تذكر فارسيتها من جه نيك، أي أنا ما أجودني، جمعه منجنيقات ومجانق ومجانيق انتهى "من هذا" أي من هذا الرجل الذي تروي حديث المنجنيق عنه "قال" أي وكيع "صاحبكم عمر ابن هارون" أي المذكور في سند حديث الباب.
فإن قلت: ما وجه ذكر الترمذي في هذا المقام حديث المنجنيق؟ قلت: لعل وجه ذكره ههنا أن يتبين أن الرجل المذكور في حديث المنجنيق هو عمر بن هارون المذكور في سند حديث الباب، أو وجه ذكره أن يتبين أن وكيعاً مع جلالة قدره، قد روى عن عمر بن هارون حديث المنجنيق والله تعالى أعلم.
"تنبيه" روى أبو داود في المراسيل، عن ثور عن مكحول: أن النبي صلى الله عليه وسلم نصب على أهل الطائف المنجنيق. ورواه الترمذي فلم يذكر مكحولاً ذكره معضلاً عن ثور. وروى أبو داود من مرسل يحيى بن أبي كثير قال: حاصرهم رسول الله شهراً. قال الأوزاعي: فقلت ليحيى، أبلغك أنه رماهم بالمجانيق؟ فأنكر ذلك وقال: ما نعرف ما هذا انتهى كذا في التلخيص.

(8/45)


52- باب مَا جَاءَ في إِعْفَاءِ الّلحْيَة
2913- حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيٍ الْخَلاّل، أخبرنا عَبْدِ الله بنُ نُمَيْرِ عن عُبَيْدِ الله بنِ عُمَرَ عن نَافِعٍ عن ابنِ عَمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "احْفُوا الشّوَارِبَ وَاعْفُوا الّلحَى" .
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في إِعْفَاءِ الّلحْيَة
قوله: "احفوا الشوارب" بالحاء المهملة والفاء ثلاثياً ورباعياً من الإحفاء أو الحفو، والمراد الإزالة قاله الحافظ. قلت: أراد بقوله ثلاثياً ورباعياً، ثلاثياً مجراداً وثلاثياً مزيداً فيه. والشوارب جمع الشارب والمراد به الشعر الثابت على الشفة العليا. وقد تقدم بيان هذه المسألة مبسوطاً في باب نص الشارب "واعفوا اللحى" من الإعفاء وهو الترك، وقد حصل من مجموع الأحاديث خمس روايات اعفوا واوفوه وارخوا وارجوا ووفروا، ومعناها كلها تركها على حالها. قال ابن السكيت وغيره: يقال في جمع اللحية لحى، ولحى بكسر اللام وضمها لغتان والكسر أفصح. قال الحافظ: قال الطبري ذهب قوم إلى ظاهر الحديث فكرهوا تناول شيء من اللحية من طولها ومن عرضها، وقال قوم: إذا زاد على القبضة يؤخذ الزائد، ثم ساق بسنده إلى ابن عمر أنه فعل ذلك، وإلى عمر أنه فعل ذلك برجل، ومن طريق أبي هريرة أنه فعله. وأخرج أبو داود من حديث جابر بسند حسن قال: كنا نعفي السبال إلا في حج أو عمرة، وقوله نعفي بضم أوله وتشديد الفاء أي نتركه وافراً، وهذا يؤيد ما نقل عن ابن عمر، فإن السبال بكسر المهملة وتخفيف الموحدة جمع سبلة بفتحتين: وهي ما طال من شعر اللحية، فأشار جابر إلى أنهم يقصرون منها في النسك. ثم حكى الطبري اختلافاً فيما يؤخذ من اللحية هل له حد أم لا، فأسند عن جماعة الاقتصار على أخذ الذي يزيد منها على قدر الكف. وعن الحسن البصري: أنه يؤخذ من طولها وعرضها ما لم يفحش، وعن عطاء نحوه، قال وحمل هؤلاء النهي على منع ما كانت الأعاجم تفعله من قصها وتخفيفها، قال وكره آخرون التعرض لها إلا في حج أو عمرة، وأسنده عن جماعة واختار قول عطاء وقال: إن الرجل لو ترك لحيته لا يتعرض لها حتى أفحش

(8/46)


ـــــــ
طولها وعرضها، لعرض نفسه لمن يسخر به. واستدل بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها انتهى. ثم تكلم الحافظ على هذا الحديث وقد تقدم كلامه في الباب المتقدم ثم قال: وقال عياض يكره حلق اللحية وقصها وتحذيفها، وأما الأخذ من طولها وعرضها إذا عظمت فحسن، بل تكره الشهرة في تعظيمها كما يكره في تقصيرها كذا قال. وتعقبه النووي بأنه خلاف ظاهر الخبر في الأمر بتوفيرها، قال والمختار تركها على حالها وأن لا يتعرض لها بتقصير ولا غيره، وكان مراده بذلك في غير النسك لأن الشافعي نص على استحبابه فيه.
قلت: لو ثبت حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده المذكور في الباب المتقدم لكان قول الحسن البصري وعطاء أحسن الأقوال وأعدلها، لكنه حديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج به. وأما قول من قال: إنه إذا زاد على القبضة يؤخذ للزائد، واستدل بآثار ابن عمر وعمر وأبي هريرة رضي الله عنهم فهو ضعيف، لأن أحاديث الإعفاء المرفوعة الصحيحة تنفي هذه الآثار. فهذه الآثار لا تصلح للاستدلال بها مع وجود هذه الأحاديث المرفوعة الصحيحة، فأسلم الأقوال هو قول من قال بظاهر أحاديث الإعفاء وكره أن يؤخذ شيء من طول اللحية وعرضها، والله تعالى أعلم.
اعلم أن أثر ابن عمر الذي أشار إليه الطبري أخرجه البخاري في صحيحه بلفظ: وكان ابن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته، فما فضل أخذه. قال الحافظ: هو موصول بالسند المذكور إلى نافع وقد أخرجه مالك في الموطأ عن نافع بلفظ: كان ابن عمر إذا حلق رأسه في حج أو عمرة أخذ من لحيته وشاربه، وفي حديث الباب مقدار المأخوذ. قال الكرماني: لعل ابن عمر أراد الجمع بين الحلق والتقصير في النسك فحلق رأسه كله وقصر من لحيته ليدخل في عموم قوله تعالى: {مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} وخص ذلك من عموم قوله: ووفروا اللحي. فجعله على حالة غير حالة النسك. قال الحافظ: الذي يظهر أن ابن عمر كان لا يخص هذا التخصيص بالنسك بل كان يحمل الأمر بالإعفاء على غير الحالة التي تتشوه فيها الصورة بإفراط طول شعر اللحية أو عرضه انتهى. وقال في الدراية: قوله إن المسنون في اللحية

(8/47)


هذا حديثٌ صحيحٌ.
2839 - حدثنا الأَنْصَارِيّ، أخبرنا مَعْنٌ، أخبرنا مَالِكٌ، عن أَبي بَكْرِ بنِ نَافِعٍ، عن أَبِيهِ عن ابن عُمَرَ "أَنّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بإِحْفَاءِ الشّوَارِبِ وَإِعْفَاءِ الّلحَى". هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَأَبُو بَكْرِ بنِ نَافِعٍ هُوَ مَوْلَى ابنِ عُمَرَ ثِقَةٌ، وَعُمَرُ بنُ نَافِعٍ ثقة وَعَبْدِ الله بنُ نَافِعٍ مَوْلَى ابنِ عُمَرَ يُضَعّفُ.
ـــــــ
أن تكون قدر القبضة، روى أبو داود والنسائي من طريق مروان بن سالم: رأيت ابن عمر يقبض على لحيته ليقطع ما زاد على الكف، وأخرجه ابن أبي شيبة وابن سعد ومحمد بن الحسن. وروى ابن أبي شيبة عن أبي هريرة نحوه، وهذا من فعل هذين الصحابيين يعارضه حديث أبي هريرة مرفوعاً: "احفوا الشوارب واعفوا اللحى"، أخرجه مسلم. وفي الصحيحين عن ابن عمر مرفوعاً: "خذوا الشوارب واعفوا اللحى" . ويمكن الجمع بحمل النهي على الاستئصال أو ما قاربه، بخلاف الأخذ المذكور. ولا سيما أن الذي فعل ذلك هو الذي رواه انتهى.
قلت: في هذا الجمع نظر كما لا يخفى.
قوله: "هذا حديث صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله: "عن أبي بكر بن نافع" العدوي، مولى ابن عمر مدني صدوق، يقال اسمه عمر من كبار السابعة، وروايته عن صفية بنت أبي عبيد مرسلة.
قوله: "أمر بإحفاء الشوارب وإعفاء اللحى" قال الخطابي: إحفاء الشارب أن يؤخذ منه حتى يحفى ويرق، وقد يكون أيضاً معناه الاستقصاء في أخذه من قولك: أحفيت في المسألة، إذا استقصيت فيها، وإعفاء اللحية توفيرها من قولك: عفى البث إذا طال، ويقال عفى الشييء بمعنى كثر، قال الله تعالى: {حَتَّى عَفَوْا} أي كثروا.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي.
قوله: "وعمر بن نافع ثقة" قال في التقريب: عمر بن نافع العدوي مولى ابن عمر ثقة من السادسة، مات في خلافة المنصور "وعبد الله بن نافع مولى ابن

(8/48)


عمر يضعف" قال في التقريب: عبد الله بن نافع مولى ابن عمر المدني، ضعيف من السابعة.

(8/49)


باب ماجاء في وضع إحدى الرجلين على الأخرى مستلقيا
...
53- باب مَا جَاءَ فِي وَضْعِ إِحْدى الرّجْلَيْنِ علَى الآخرى مسْتَلْقِيا
2915- حدثنا سَعِيدُ بنُ عَبْد الرّحْمَن المَخْزُومِيّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ، قَالُوا، أَخْبَرَنا سُفْيَانُ بنُ عيينة عن الزّهْرِيّ عن عَبّادِ بنِ تَمِيمٍ عن عَمّهِ "أَنّهُ رَأَى النبيّ صلى الله عليه وسلم مُسْتَلْقِياً في المَسْجِدِ، وَاضِعاً إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الآخرى" .
ـــــــ
باب مَا جَاءَ فِي وَضْعِ إِحْدى الرّجْلَيْنِ علَى الآخرى مسْتَلْقِيا
قوله: "عن عباد بن تميم" بن غزية الأنصاري المازني "عن عمه" هو عبد الله بن زيد بن عاصم بن كعب الأنصاري المازني، أبو محمد صحابي شهير روى صفة الوضوء وغير ذلك، ويقال إنه هو الذي قتل مسيلمة الكذاب واستشهد بالحرة سنة ثلاثة وستين.
قوله: "مستلقياً في المسجد" أي حال كونه مضطجعاً على ظهره، والاستلقاء هو الاضطجاع على القفا، سواء كان معه نوم أم لا "واضعاً إحدى رجليه على الآخرى" حال متداخلة أو مترادفة، والحديث دليل على جواز استلقاء الرجل واضعاً إحدى رجليه على الآخرى.
فإن قلت: ما وجه الجمع بين هذا الحديث وبي حديث جابر الآتي في النهي عن أن يرفع الرجل إحدى رجليه على الآخرى وهو مستلق على ظهره:
قلت: وجه الجمع بينهما أن وضع إحدى الرجلين على الآخرى يكون على نوعين: أن تكون رجلاه ممدودتين إحداهما فوق الآخرى، ولا بأس بهذا فإنه لا ينكشف من العورة بهذه الهيئة، وأن يكون ناصباً ساق إحدى الرجلين ويضع الرجل الآخرى على الركبة المنصوبة، وعلى هذا فإن لم يكن انكشاف العورة بأن يكون عليه سراويل أو يكون إزاره أو ذيله طويلين جاز وإلا فلا.
وقال الخطابي: فيه أن النهي الوارد عن ذلك منسوخ، أو يحمل النهي حيث يخشى أن تبدو العورة والجواز حيث يؤمن ذلك. قال الحافظ: الثاني أولى

(8/49)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَعَمّ عَبّادِ بنِ تَمِيمٍ، هُوَ عَبْدُ الله بنِ زَيْدِ بنِ عَاصِمٍ المَازِنِيّ.
ـــــــ
من ادعاء النسخ، لأنه لا يثبت بالاحتمال. وممن جزم به البيهقي والبغوي وغيرهما من المحدثين، وجزم ابن بطال ومن تبعه بأنه منسوخ انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.

(8/50)


باب ما جاء في كراهية ذلك
...
54- باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَتهِ في ذَلِك
2916- حدثنا عُبَيْدُ بنُ أَسْبَاطِ بنِ مُحمّدٍ القُرَشِيّ، أَخْبَرَنا أَبي، أَخْبَرَنا سُلَيْمَانُ التّيْمِيّ، عن خِدَاشٍ، عن أَبي الزّبَيْرِ عن جَابِرٍ "أَنّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم نَهَى عن اشْتِمالِ الصّمّاءِ والاحْتِبَاءِ في ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَأَنْ يَرْفَعَ الرّجُلُ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الآخرى وَهُوَ مُسْتَلْقٍ عَلَى ظَهْرِهِ" . هذا حديثٌ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عن سُلَيْمانُ التّيْمِيّ، وَلاَ نَعْرِفُ خِداشاً هَذَا مَنْ هُوَ وقد رَوَى لَهُ سُلَيْمَانُ التّيْمِيّ غَيْرَ حَدِيثٍ.
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَتهِ في ذَلِك
"عن أبي الزبير" هو المكي.
قوله: "نهى عن اشتمال الصماء والاحتباء في ثوب واحد" تقدم تفسير اشتمال الصماء والاحتباء في كتاب اللباس "وأن يرفع الرجل إحدى رجليه على الآخرى وهو مستلق على ظهره" قد تقدم الجمع في الباب السابق بين هذا الحديث وحديث عبد الله بن زيد بن عاصم الذي يدل على الجواز.
قوله: "ولا نعرف خداشاً هذا من هو" هو ابن عياش. قال الحافظ في تهذيب التهذيب: خداش بن عياش العبدي البصري، روى عن أبي الزبير، وعنه سليمان التيمي ومحمد بن ثابت العبدي، ذكره ابن حبان في الثقات. وقال الترمذي لا نعرف خداشاً هذا من هو، وقد روى عنه سليمان التيمي غير حديث انتهى.

(8/50)


2917- حدثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا الليْثُ عن أَبي الزّبَيْرِ، عن جَابِرٍ: "أَنّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم نَهَى عن اشْتِمَالِ الصّمّاءِ وَالاحْتِبَاءِ في ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَأَنْ يَرْفَعَ الرّجُلُ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الآخرى وَهُوَ مُسْتَلْقِ عَلَى ظَهْرِهِ" . هذا حديثٌ "حسنٌ" صحيحٌ.
ـــــــ
وقال في التقريب في ترجمته لين الحديث.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم.

(8/51)


باب ما جاء في كراهية الاضطباع على البطن
...
55- باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ الاضْطِجَاعِ عَلَى الْبَطْن
2918- حدثنا أَبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنا عَبْدَةُ بنُ سُلَيْمَانَ وَعَبْدُ الرّحِيمِ عن مُحمّدِ بنِ عَمْرٍو، أَخْبَرَنا أَبُو سَلَمَةَ عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: "رَأَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم رَجُلاً مُضْطَجِعاً عَلَى بَطْنِهِ، فَقَالَ: "إِنّ هَذِهِ ضِجْعَةٌ لا يُحِبّهَا الله". وفي البابِ عن طِهْفَةَ وَابنِ عُمَرَ. وَرَوَى يَحْيَىَ بنُ أَبي كَثِيرٍ هَذَا الحَدِيثَ عن أَبي سَلَمَةَ، عن يَعِيشَ بنِ طِهْفَةَ عن أَبِيهِ،
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ الاضْطِجَاعِ عَلَى الْبَطْن
قوله: "أخبرنا عبدة بن سليمان" الكلابي الكوفي "وعبد الرحيم" بن سليمان أبو علي الأشل "عن محمد بن عمرو" بن علقمة بن وقاص الليثي "فقال" أي النبي صلى الله عليه وسلم له على ما هو الظاهر أو لغيره، إعراضاً عنه واعتراضاً عليه "إن هذه" أي هذا الاضطجاع وتأنيثه لتأنيث خبره وهو قول "ضجعة" وهي بكسر أوله للنوع "لا يحبها الله" وفي حديث أبي ذر عند ابن ماجه: إنما هي ضجعة أهل النار.
قوله: "وفي الباب عن طهفة وابن عمر" أما حديث طهفة وهو بكسر الطاء المهملة وسكون الهاء، وبالفاء فأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وأما حديث ابن عمر فلينظر من أخرجه "وروى يحيى بن أبي كثير هذا الحديث عن

(8/51)


وَيُقَالُ طِخْفَة، وَالصّحيحُ طِهْفَةُ، وَقَالَ بَعْضُ الْحُفاظِ: الصّحيحُ طِخْفَةُ.
ـــــــ
أبي سلمة عن يعيش بن طهفة عن أبيه" أخرجه أبو داود إلا أن فيه عن يعيش ابن طخفة بالخاء المعجمة مكان الهاء "ويقال طخفة" أي بالخاء المعجمة "والصحيح طهفة" يعني بالهاء "ويقال طغفة" يعني بالغين المعجمة "وقال بعض الحفاظ الصحيح طخفة" يعني بالخاء المعجمة.
قال المنذري في تلخيص السنن بعد ذكر حديث أبي داود الذي أشار إليه الترمذي ما لفظه: وأخرجه النسائي وابن ماجه وليس في حديث أبي داود عن أبيه، ووقع عند النسائي عن قيس بن طهفة قال: حدثني أبي، وعند ابن ماجه عن قيس بن طهفة مختصراً فيه اختلاف كثير جداً.
وقال أبو عمر النمري: اختلف فيه اختلاف كثيراً، واضطرب فيه اضطراباً شديداً. فقيل: طهفة بالهاء وقيل طخفة بالخاء، وقيل طغفة بالغين وقيل طقفة بالقاف. وقيل قيس بن طخفة، وقيل يعيش بن طخفة، وقيل عبد الله بن طخفة عن النبي صلى الله عليه وسلم وحديثهم كلهم واحد قال: كنت نائماً في الصفة فركضني رسول الله صلى الله عليه وسلم برجله وقال: هذه نومة يبغضها الله. وكان من أهل الصفة، ومن أهل العلم من يقول إن الصحبة لأبيه عبد الله وأنه صاحب القصة هذا آخر كلامه.
وذكر البخاري فيه اختلافاً كثيراً وقال: طغفة خطأ، وذكر أنه روى عن يعيش بن طخفة عن قيس الغفاري قال كان أبي: وقال لا يصح قيس فيه، وذكر أنه روى عن أبي هريرة قال ولا يصح أبو هريرة انتهى كلام المنذري.
وقال في التقريب: طخفة بكسر أوله وسكون الخاء المعجمة ثم فاء ويقال بالهاء ويقال بالغين المعجمة ابن قيس الغفاري، صحابي له حديث في النوم على البطن مات بعد الستين.

(8/52)


56- باب ما جَاءَ في حِفْظِ الْعَوْرَة
2919- حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ، أخبرنا يَحْيىَ بنُ سَعِيدٍ، أخبرنا بَهْزُ بنُ حَكِيمٍ، حدثني أَبي عن جَدّي قَالَ: "قُلْتُ يَا رَسُولُ الله عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ؟ قالَ: "احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلاّ مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مما مَلَكَتْ يَمينُكَ" ، فَقَالَ: الرّجُلُ يَكُونُ مَعَ الرّجُلِ؟ قالَ: "إن اسْتَطَعْتَ أَنْ لاَ يَرَاهَا أَحَدٌ فَافْعَلْ" ، قلت: فالرّجُلُ يَكُونُ خَالِياً، قالَ: "فَالله أَحقّ أَنْ يستحيا
ـــــــ
باب ما جَاءَ في حِفْظِ الْعَوْرَة
قوله: "عوراتنا ما تأتي منها وما نذر" العورات جمع عورة وهي كل ما يستحي منه إذا ظهر وهي من الرجل ما بين السرة والركبة، ومن المرأة الحرة جميع جسدها إلا الوجه واليدين إلى الكوعين، وفي إخمصها خلاف، ومن الأمة كالرجل وما يبدو في حال الخدمة كالرأس والركبة والساعد فليس بعورة، وستر العورة في الصلاة وغير الصلاة واجب وفيه عند الخلوة خلاف قاله الجزري في النهاية. ومعنى قوله نذر: أي نترك، وأمات العرب ما ضي يذر ويدع إلا ما جاء في قراءة شاذة في قوله تعالى: {مَا وَدَّعَكَ} بالتخفيف قاله العيني، والمعنى أي عورة نسترها وأي عورة نترك سترها "احفظ" أي استر وصن "عورتك" ما بين سرتك وركبتك "إلا من زوجتك أو ما" أي والأمة التي "ملكت يمينك" وحل لك وطؤها وعبر باليمين لأنهم كانوا يتصافحون بها عند العقود "فقال" أي جد بهز "الرجل يكون مع الرجل" وفي الرواية الآتية بعد عدة أبواب: قال قلت يا رسول الله إذا كان القوم بعضهم في بعض، أي مختلطون فيما بينهم مجتمعون في موضع واحد ولا يقومون من موضعهم فلا نقدر على ستر العورة وعلى الحجاب منهم على الوجه الأتم والكمال في بعض الأحيان لضيق الإزار أو لانحلاله لبعض الضرورة، فكيف نصنع بستر العورة وكيف نحجب منهم "قال إن استطعت أن لا يراها أحد فافعل" كذا في هذه الرواية، وفي الرواية الآتية قال: إن استطعت أن لا يراها أحد فلا ترينها "قلت فالرجل يكون خالياً" أي في خلوة، فما حكمة الستر حينئذ؟ "فالله أحق أن يستحى

(8/53)


مِنْهُ". هذا حديثٌ حسنٌ، وَجَدّ بَهْزٍ اسْمُهُ مُعَاوِيَةُ بنُ حَيْدَةَ القُشَيْرِيّ. وَقَد رَوَى الْجُرَيْريّ عن حَكِيمِ بنِ مُعَاوِيَةَ وَهُوَ وَالِدُ بَهْزٍ.
ـــــــ
منه" بصيغة المجهول، أي فاستر طاعة له وطلباً لما يحبه منك ويرضيه، وليس المراد فاستر منه، إذ لا يمكن الاستتار منه تعالى قاله السندي. قال الحافظ: مفهوم قوله إلا من زوجتك: يدل على أنه يجوز لها النظر إلى ذلك منه وقياسه أنه يجوز له النظر، ويدل أيضاً على أنه لا يجوز النظر لغير من استثنى، ومنه الرجل للرجل والمرأة للمرأة، وفيه حديث في صحيح مسلم "يعني به حديث أبي سعيد الآتي في باب كراهية مباشرة الرجل للرجل والمرأة للمرأة" ثم إن ظاهر حديث بهز يدل على أن التعري في الخلوة غير جائز مطلقاً، لكن استدل المصنف، يعني البخاري على جوازه في الغسل بقصة موسى وأيوب عليهما السلام، ووجه الدلالة منه على ما قال ابن بطال أنهما مما أمرنا بالاقتداء به، وهذا إنما يأتي على رأي من يقول شرع من قبلنا شرع لنا. والذي يظهر أن وجه الدلالة منه أن النبي صلى الله عليه وسلم قص القصتين ولم يتعقب شيئاً منهما، فدل على موافقتهما لشرعنا، وإلا فلو كان فيهما شيء غير موافق لبينه، فعلى هذا فيجمع بين الحديثين بحمل حديث بهز بن حكيم على الأفضل، وإليه أشار يعني البخاري في الترجمة أي بقوله: باب من اغتسل عرياناً وحده في خلوة ومن تستر، والتستر أفضل.
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه أبو داود في الحمام والنسائي في عشرة النساء وابن ماجه في النكاح وصححه الحاكم وذكره البخاري في صحيحه تعليقاً.

(8/54)


باب ماجاء في الاتكاء
...
57- باب مَا جَاءَ في الاتّكاء
2920- حدثنا عَبّاسُ بنُ مُحمّدٍ الدوْرِيّ الْبَغْدَادِيّ، أخبرنا إِسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ الكوفيّ، أَخْبَرَنَا إسْرَائِيلُ عن سِمَاكٍ بن حرب، عن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ، قالَ: "رَأَيْتُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مُتّكِئاً عَلَى وِسَادَةٍ عَلَى يَسَارِهِ" .
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في الاتّكاء
قوله: "متكئاً" حال من مفعول رأيت "على وسادة" متعلق بمتكأ "على

(8/54)


هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وَرَوى غَيْرُ وَاحِدٍ، هذا الْحَديثَ عن إِسْرَائِيلَ عن سِمَاكٍ، عن جَابِرِ بنِ سَمُرَة قالَ: "رَأَيْتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم مُتّكِئاً عَلَى وِسَادَةٍ وَلَمْ يَذْكُرْ عَلَى يَسَارِهِ" .
2921- حدثنا يُوسُفُ بنُ عِيسَى، أخبرنا وَكِيعٌ، أَخْبَرَنا إِسْرَائِيلُ، عن سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ، عن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ قالَ: "رَأَيْتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم مُتّكِئًا عَلَى وِسَادَةٍ" . هذا حديثٌ صحيحٌ.
58- باب
2922- حدثنا هَنّادٌ، أَخْبَرَنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عن الأَعْمَشِ عن إسْمَاعِيلَ بنِ رَجَاءِ عن أَوْسِ بن ضَمْعَجٍ، عن أَبي مَسْعُودٍ أَنّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "لاَ يُؤَمّ الرّجُلُ في سُلْطَانِهِ، وَلاَ يُجْلَسُ عَلَى تَكْرِمَتِهِ
ـــــــ
يساره" أي كائنة على جانب يساره، أو متعلق بمتكئاً بعد تقيده بالظرف الأول، وهو لبيان الواقع لا للتقييد فيجوز الاتكاء على الوسادة يميناً ويساراً.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه الترمذي في شمائله بهذا الطريق وبزيادة على يساره. وقد تفرد بها إسحاق بن منصور، ولذا حكم عليه بأنه غريب.
قوله: "متكئاً على وسادة" قال الخطابي: كل معتمد على شيء متمكن منه فهو متكئ.
قوله: "هذا حديث صحيح" وأخرجه الدارمي وصححه أبو عوانة وابن حبان.
باب
قوله: "عن أوس بن ضمعج" بفتح المعجمة وسكون الميم بعدها مهملة مفتوحة ثم جيم بوزن جعفر.
قوله: "لا يؤم" بصيغة المجهول "الرجل في سلطانه" أي في موضع يملكه،

(8/55)


58- باب
2922- حدثنا هَنّادٌ، أَخْبَرَنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عن الأَعْمَشِ عن إسْمَاعِيلَ بنِ رَجَاءِ عن أَوْسِ بن ضَمْعَجٍ، عن أَبي مَسْعُودٍ أَنّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "لاَ يُؤَمّ الرّجُلُ في سُلْطَانِهِ، وَلاَ يُجْلَسُ عَلَى تَكْرِمَتِهِ
ـــــــ
باب
قوله: "عن أوس بن ضمعج" بفتح المعجمة وسكون الميم بعدها مهملة مفتوحة ثم جيم بوزن جعفر.
قوله: "لا يؤم" بصيغة المجهول "الرجل في سلطانه" أي في موضع يملكه،

(8/55)


في بَيْتِهِ إِلاّ بِإِذْنِهِ" . هذا حديثٌ حسنٌ.
ـــــــ
أو يتسلط عليه بالتصرف كصاحب المجلس وإمام المسجد فإنه أحق من غيره وإن كان أقرأ أو أعلم بالسنة منه، فإن شاء تقدم وإن شاء يقدم غيره ولو مفضولاً "ولا يجلس" بالبناء المفعول "على تكرمته" التكرمة: الموضع الخاص لجلوس الرجل من فراش أو سرير مما يعده كرامة وهي تفعلة من الكرامة "إلا بإذنه" متعلق بالجميع. وقد تقدم الكلام في هذه المسألة في باب من زار قوماً فلا يصل بهم.
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه مسلم.

(8/56)


59- باب مَا جَاءَ أَنّ الرّجُلَ أَحَقّ بِصَدْرِ دَابّتِه
2923- حدثنا أَبُو عَمّارٍ الْحُسَيْنُ بنُ حُرَيْثٍ، حدثنا عَلِيّ بنُ الْحُسَيْنِ بنِ وَاقِدٍ، حدثني أَبي، حدثني عَبْدِ الله بنُ بُرَيْدَةَ، قالَ سَمِعْتُ أَبي بُرَيْدَةَ يَقُولُ: "بَيْنَمَا النبيّ صلى الله عليه وسلم يَمْشِي إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ وَمَعَهُ حِمَارٌ، فَقَالَ يَا رَسُولُ الله ارْكَبْ، وَتَأَخّرَ الرّجُلُ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ، أَنْتَ أَحَقّ بِصَدْرِ دَابّتِكَ إِلاّ أَنْ تَجْعَلَهُ لِي"، قالَ قَدْ جَعَلْتُهُ لَكَ، قَالَ فَرَكِبَ" .
ـــــــ
باب مَا جَاءَ أَنّ الرّجُلَ أَحَقّ بِصَدْرِ دَابّتِه
قوله: "بريدة" بدل من أبي.
قوله: "وتأخر الرجل" أي وأراد أن يركب خلفه متأخراً عنه، أو تأخر الرجل عن حماره أدباً عن أن يركب معه فيكون كناية عن التخلية "فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا" أي لا أركب وحدي أو في الصدر "أنت أحق بصدر دابتك" صدرها من ظهرها ما يلي عنقها. قال الطيبي: لا ههنا حذف فعله وأنت أحق تعليل له، أي لا أركب وأنت تأخرت لأنك أحق بصدر دابتك "إلا أن تجعله" أي الصدر "لي" أي صريحاً "فركب" أي على صدرها. فيه بيان إنصاف

(8/56)


هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ .
ـــــــ
رسول الله صلى الله عليه وسلم وتواضعه، وإظهار الحق المر حيث رضي أن يركب خلفه ولم يعتمد على غالب رضا.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أبو داود، وسكت عنه، ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره.

(8/57)


60- باب ما جَاءَ في الرّخْصَةِ في اتّخَاذِ الأَنْمَاط
2924- حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ، أخبرنا عَبْد الرّحْمَنِ بنُ مَهْدِيٍ، أخبرنا سُفْيَانُ، عن مُحمّدِ بنِ المُنْكَدِرِ، عن جَابِرٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "هَلْ لَكُمْ أَنْمَاطٌ؟ قلت: وَأَنّى تَكُونُ لَنَا أَنْمَاطٌ؟ قالَ: "أَمَا إِنّهَا سَتَكُونُ لَكُمْ أَنْمَاطٌ"، قالَ: فَأَنا أَقُولُ لامْرَأَتِي أَخّرِي عَنّي أَنْمَاطَكِ، فَتَقُولُ: أَلَمْ يَقَلْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إِنّها سَتَكُونُ لَكُمْ أَنْمَاطٌ؟ قالَ فَأَدَعُهَا" .
ـــــــ
باب ما جَاءَ في الرّخْصَةِ في اتّخَاذِ الأَنْمَاط
قوله: "هل لكم أنماط" وفي رواية مسلم قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوجت اتخذت أنماطاً، قال النووي: الأنماط بفتح الهمزة جمع نمط بفتح النون والميم وهو ظهارة الفراش، وقيل ظهر الفراش ويطلق أيضاً على بساط لطيف له خمل يجعل على الهودج وقد يجعل ستراً. ومنه حديث عائشة الذي ذكره مسلم بعد هذا في باب الصور قالت: فأخذت نمطاً فسترته على الباب، والمراد في حديث جابر هو النوع الأول وقال الحافظ في الفتح: النمط بساط له خمل رقيق "وأنى تكون لنا أنماط" بالتاء ا لفوقية وفي بعض النسخ التحتية "قال" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "أما" بالتخفيف للتنبيه "إنها" الضمير للقصة "ستكون" تامة قال النووي: فيه جواز اتخاذ الأنماط إذ لم تكن من حرير، وفيه معجزة ظاهرة

(8/57)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
بإخباره بها وكانت كما أخبر. قال الحافظ: وفي استدلالها على جواز اتخاذ الأنماط بإخباره صلى الله عليه وسلم بأنها ستكون. نظر، لأن الإخبار بأن الشيء سيكون لا يقتضي إباحته إلا إن استدل المستدل به على التقرير، فيقول أخبر الشارع بأنه سيكون ولم ينه عنه فكأنه أقره.
قوله: "هذا حديث صحيح حسن" وفي بعض النسخ هذا حديث حسن غريب، والحديث أخرجه أيضاً البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.

(8/58)


باب ماجاء في ركوب ثلاثة على دابة
...
61- باب ما جَاءَ في رُكوبِ ثَلاَثةٍ عَلَى دَابَة
2925- حدثنا عَبّاسُ بنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيّ، أَخْبَرَنا النّضْرُ بنُ مُحمّدٍ هو الجُرشي اليمامي، حدثنا عِكْرِمَةُ بنُ عَمّارٍ عن إِيَاسِ بنِ سَلَمَةَ، عن أَبِيهِ قالَ: "لَقَدْ قُدْتُ نَبِيّ الله صلى الله عليه وسلم وَالْحَسَنِ والْحُسَيْنِ عَلَى بَغْلَتِهِ الشّهْبَاءِ حَتّى أَدْخَلْتُهُ حُجْرَةَ النبيّ صلى الله عليه وسلم، هَذَا قُدّامُهُ وَهَذَا خَلْفُهُ".
ـــــــ
باب ما جَاءَ في رُكوبِ ثَلاَثةٍ عَلَى دَابَة
قوله: "أخبرنا النضر بن محمد" بن موسى الجرشي بالجيم المضمومة والشين المعجمة، أبو محمد اليامي، مولى بني أمية، ثقة له أفراد من التاسعة "عن أبيه" أي سلمة بن الأكوع.
قوله: "لقد قدت" من القود، وهو نقيض السوق فهو من أمام وذاك من خلف كالقيادة كذا في القاموس، وقال في الصراح: قود كشيدن ستور وجزآن من باب نصر ينصر "بنبي الله صلى الله عليه وسلم والحسن والحسين على بغلته الشهباء" الشهبة في الألوان البياض الغالب على السواد "هذا قدامه" أي قدام النبي صلى الله عليه وسلم.

(8/58)


وفي البابِ عن ابنِ عبّاسٍ وَعَبْدِ الله بنِ جَعْفَرٍ.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ
ـــــــ
قوله: "وفي الباب عن ابن عباس وعبد الله بن جعفر" أما حديث ابن عباس فأخرجه البخاري عنه قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة استقبلته أغيلمة بني عبد المطلب، فجعل واحداً بين يديه وآخر خلفه، وأما حديث عبد الله بن جعفر فأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر تلقى بنا، فيلقى بي أو بالحسن أو بالحسين، فجعل أحدنا بين يديه و الآخر خلفه حتى دخلنا المدينة.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه مسلم.
"تنبيه" اعلم أنه قد وردت أحاديث تدل على المنع عن ركوب الثلاثة على الدابة الواحدة والجمع بين هذه الأحاديث المختلفة أن الجواز إذا كانت الدابة مطيقة والمنع إذا كانت عاجزة غير مطيقة. قال الحافظ في الفتح: أخرج الطبراني في الأوسط عن جابر نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يركب ثلاثة على دابة. وسنده ضعيف وأخرج الطبري عن أبي سعيد: لا يركب الدابة فوق اثنين. وفي سنده لين. وأخرج ابن أبي شيبة من مرسل زاذان أنه رأى ثلاثة على بغل فقال: لينزل أحدكم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن الثالث، ومن طريق الشعبي قوله مثله. ومن حديث المهاجر بن قنفذ أنه لعن فاعل ذلك وقال: إنا قد نهينا أن يركب الثلاثة على الدابة وسنده ضيعف. وأخرج الطبري عن علي قال: إذا رأيتم ثلاثة على دابة فارجموهم حتى ينزل أحدهم. وعكسه ما أخرجه الطبري أيضاً بسند جيد عن ابن مسعود قال: كان يوم بدر ثلاثة على بعير، وأخرج الطبراني وابن أبي شيبة أيضاً من طريق الشعبي عن ابن عمر قال: ما أبالي أن أكون عاشر عشرة على دابة إذا أطاقت حمل ذلك. وبهذا يجمع بين مختلف الحديث في ذلك فيحمل ما ورد في الزجر عن ذلك على ما إذا كانت الدابة غير مطيقة كالحمار مثلاً، وعكسه على عكسه كالناقة والبغلة، قال النووي: مذهبنا ومذهب العلماء كافة، جواز ركوب ثلاثة على الدابة إذا كانت مطيقة. وحكى القاضي عياض منعه عن بعضهم مطلقاً وهو فاسد. قال الحافظ:

(8/59)


ـــــــ
لم يصرح أحد بالجواز مع العجز ولا بالمنع مع الطاقة، بل المنقول من المطلق في المنع والجواز محمول على القيد، انتهى.

(8/60)


باب ما جاء في نظرة الفجاءة
...
62- باب ما جَاءَ في نَظْرَةِ المفاجأة
2926- حدثنا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ، أَخْبَرَنا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنا يُونُسُ بنُ عُبَيْدٍ، عن عَمْرِو بنِ سَعِيدٍ، عن أَبي زُرْعَةَ بنِ عَمْرِو بنِ جَرِيرٍ، عن جرِيرٍ بنِ عَبْدِ الله قالَ: "سَأَلْتُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عن نَظْرَةِ الْفجأةِ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي" . هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَأَبُو زُرْعَةَ بن عمرو اسْمُهُ هَرِمٌ.
ـــــــ
باب ما جَاءَ في نَظْرَةِ المفاجأة
قوله: "أخبرنا هشيم" بن بشير بن القاسم "أخبرنا يونس بن عبيد" بن دينار العبدي "عن عمرو بن سعيد" القرشي أو الثقفي مولاهم أبو سعيد البصري ثقة من الخامسة.
قوله: "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجاءة" بضم ففتح ومد بفتح وسكون وقصر أي أن يقع بصره على الأجنبية بغتة من غير قصد، قال في النهاية يقال: فجأة الأمر وفجاءة بالضم والمد، وفاجأه مفاجأة إذا جاءه بغتة من غير تقدم سبب، وقيده بعضهم بفتح الفاء وسكون الجيم من غير مد على المرأة انتهى. "فأمرني أن أصرف بصري" أي لا أنظر مرة ثانية لأن الأولى إذا لم تكن بالاختيار فهو معفو عنها، فإن أدام النظر أثم، وعليه قوله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} ، قال القاضي عياض رحمه الله: قالوا فيه حجة على أنه لا يجب على المرأة ستر وجهها. وإنما ذلك سنة مستحبة لها، ويجب على الرجال غض البصر عنها في جميع الأحوال إلا لغرض صحيح شرعي.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي.

(8/60)


2927- حدثنا عَلِيّ بنُ حُجْرٍ، أَخْبَرَنا شَرِيكٌ، عن أَبي رَبِيعَةّ، عن ابنِ بُرَيْدَةَ، عن أَبِيهِ رَفَعَهُ قالَ: "يَا عَلِيّ لا تُتْبِعِ النّظْرَةَ النّظْرَةَ، فَإِنّ لَكَ الأُولَى، وَلَيْستْ لَكَ الآخرة" . هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ حَدِيثِ شَرِيكٍ.
ـــــــ
قوله: "أخبرنا شريك" هو ابن عبد الله النخعي القاضي "عن أبي ربيعة" الأبادي مقبول من السادسة قيل اسمه عمر بن ربيعة "عن ابن بريدة" هو عبد الله.
قوله: "لا تتبع النظرة النظرة" من الاتباع، أي لا تعقبها إياها ولا تجعل أخرى بعد الأولى "فإن لك الأولى" أي النظرة الأولى إذا كانت من غير قصد "وليست لك الآخرة" أي النظرة الآخرة لأنها باختيارك فتكون عليك.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد وأبو داود والدارمي.

(8/61)


باب ماجاء في احتجاب النساء من الرجال
...
63- باب ما جاءَ في احْتِجَابِ النّسَاءِ مِنَ الرّجَال
2928- حدثنا سُوَيْدٌ، أَخْبَرَنا عَبْدُ الله، أَخْبَرَنا يُونُسُ بنُ يَزِيدَ عن ابنِ شِهَابٍ عن نَبْهَانَ مَوْلَى أُمّ سَلَمَةَ: "أَنّهُ حَدّثَهُ أَنّ أُمّ سَلَمَةَ حَدّثَتْهُ أَنّهَا كَانَتْ عِنْدَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَمَيْمُونَةُ، قَالَتْ: فَبَيْنَمَا نَحْنُ
ـــــــ
باب ما جاءَ في احْتِجَابِ النّسَاءِ مِنَ الرّجَال
قوله: "أخبرنا يونس بن يزيد" الأيلي "عن نبهان" المخزومي مولاهم، كنيته أبو يحيى المدني مكاتب أم سلمة، مقبول من الثالثة.
قوله: "أنها كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وميمونة" بالرفع عطفاً على المستتر في كانت وسوغه الفعل، وتروى منصوبة عطفاً على اسم أن ومجرورة عطفاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكره القاضي. وقال الطيبي: الأوجه العطف على اسم أن ليشعر بأنه صلى الله عليه وسلم كان في بيت أم سلمة وميمونة داخلة عليها، لأن تأخير المعطوف وإيقاع الفصل يدل على أصالة الأولى وتبعية

(8/61)


عِنْدَهُ أَقْبَلَ ابنُ أَمّ مَكْتُومٍ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَذَلِكَ بَعَدَ مَا أُمِرْنَا بِالحجابِ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "احْتَجِبَا مِنْهُ، فَقلت: يَا رَسُولُ الله أَلَيْسَ هُوَ أَعْمَى لا يُبْصِرُنَا، وَلاَ يَعْرِفُنَا؟ فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا أَلَسْتُمَا تُبْصِرَانِهِ" .
ـــــــ
الثانية كقوله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} أوقع الفصل ليدل على أن إسماعيل تابع له في الرفع، ولو عطف من غير فصل أوهم الشركة "أقبل ابن أم مكتوم" وهو الذي نزل فيه {أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى} "فدخل عليه" أي على رسول الله صلى الله عليه وسلم "أفعمياوان" تثنية عمياء، تأنيث أعمى "ألستما تبصرانه" قيل فيه تحريم نظر المرأة إلى الأجنبي مطلقاً، وبعض خصه بحال خوف الفتنة عليها جمعاً بينه وبين قول عائشة: كنت أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون بحرابهم في المسجد، ومن أطلق التحريم قال ذلك قبل آية الحجاب، والأصح أنه يجوز نظر المرأة إلى الرجل فيما فوق السرة وتحت الركبة بلا شهوة وهذا الحديث محمول على الورع والتقوى. قال السيوطي رحمه الله: كان النظر إلى الحبشة عام قدومهم سنة سبع ولعائشة يومئذ ست عشرة سنة، وذلك بعد الحجاب فيستدل به على جواز نظر المرأة إلى الرجل انتهى. وبدليل أنهن كن يحضرن الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ولا بد أن يقع نظرهن إلى الرجال، فلو لم يجز لم يؤمرن بحضور المسجد والمصلى ولأنه أمرت النساء بالحجاب عن الرجال، ولم يؤمر الرجال بالحجاب كذا في المرقاة. وقال أبو داود في سننه بعد رواية حديث أم سلمة هذا ما لفظه: هذا لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، ألا ترى إلى اعتداد فاطمة بنت قيس عند ابن أم مكتوم.قد قال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس: اعتدى عند ابن أم مكتوم.فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده انتهى. وقال الحافظ في التلخيص: هذا جمع حسن، وبه جمع المنذري في حواشيه واستحسنه شيخنا انتهى. وقال في الفتح: الأمر بالاحتجاب من ابن مكتوم،لعلمه لكون الأعمى مظنة أن ينكشف منه شيء ولا يشعر به، فلا يستلزم عدم جواز النظر مطلقاً. قال: ويؤيد الجواز استمرار العمل على

(8/62)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
جواز خروج النساء إلى المساجد والأسواق والأسفار، منتقبات لئلا يراهن الرجال، ولم يؤمر الرجال قط بالانتقاب لئلا يراهم النساء. فدل على مغايرة الحكم بين الطائفتين.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" قال الحافظ في الفتح بعد ذكر هذا الحديث: أخرجه أصحاب السنن من رواية الزهري عن نبهان، مولى أم سلمة عنها وإسناده قوي، وأكثر ما علل به انفراد الزهري بالرواية عن نبهان وليست بعلة قادحة. فإن من يعرفه الزهري ويصفه بأنه مكاتب أم سلمة، ولم يجرحه أحد لا ترد روايته.

(8/63)


باب ماجاء في النهي عن الدخول على النساء إلا بإذن أزواجهن
...
64- باب مَا جَاءَ في النّهيِ عن الدّخُولِ عَلَى النّسَاءِ إِلا بِإِذْنِ الأزواج
2929- حدثنا سُوَيْدُ بنُ نَصْرٍ، أَخْبَرَنا عَبْدِ الله بنُ المُبَارَكِ، أَخْبَرَنا شُعْبَة، عن الْحَكَمِ، عن ذِكْوَانَ، عن مَوْلَى عَمْرِو بنِ الْعَاصِ أَنّ عَمْرَو بنَ الْعَاصِ أَرْسَلَهُ إلى عَلِيٍ يَسْتَأْذِنُهُ عَلَى أَسْمَاءَ ابْنَةِ عُمَيْسٍ
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في النّهيِ عن الدّخُولِ عَلَى النّسَاءِ إِلا بِإِذْنِ الأزواج
قوله: "عن الحكم" بن عتيبة "عن مولى عمرو بن العاص" كنيته أبو قيس، واسمه عبد الرحمن بن ثابت، وقيل ابن الحكم وهو غلط، ثقة من الثانية كذا في التقريب.
قوله: "أرسله" أي أرسل عمرو بن العاص مولاه "يستأذنه على أسماء ابنة عميس" الخثعمية صحابية، تزوجها جعفر بن أبي طالب ثم أبو بكر ثم علي وولدت لهم، وهي أخت ميميونة بنت الحارث أم المؤمنين لأمها، ماتت بعد علي. والمعنى أن عمرو بن العاص أرسل مولاه ليستأذن علي بن أبي طالب أن يدخل هو على

(8/63)


فَأَذِنَ لَهُ، حَتّى إِذَا فَرغَ مِنْ حَاجَتِهِ سَأَلَ المَوْلَى عَمْرَو بنَ العَاصِ عن ذَلِكَ، فَقَالَ: "إِنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم نَهَانَا أَوْ نَهَى أَنْ نَدْخُلَ عَلَى النّسَاءِ بِغَيْرِ إِذْنِ أَزْوَاجِهِن" .
وفي البابِ عن عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ وَعَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو وَجَابِرٍ.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
زوجته أسماء بنت عميس لحاجة له "فأذن" أي علي رضي الله عنه "له" أي لدخوله عليها "حتى إذا فرغ من حاجته" أي فدخل عمرو بن العاص على أسماء حتى إذا فرغ الخ "نهانا أو نهى أن ندخل على النساء بغير إذن أزواجهن" فيه دليل على أنه لا يجوز الدخول على النساء إلا بإذن أزواجهن.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد في مسنده.

(8/64)


باب ماجاء في تحذير فتنة النساء
...
65- باب مَا جَاء في تَحْذِيرِ فِتنَةِ النّسَاء
2930- حدثنا مُحمّدُ بنُ عَبْدِ الاّعْلَى الصّنْعَانِي، حدثنا المعتمر بنُ سُلَيمَانَ، عن أَبِيهِ، عن أَبي عُثْمَانَ، عن أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ وَسَعِيدِ بنِ زَيْدِ بنِ عَمْرِو بنِ نُفَيْلٍ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَا تَرَكْتُ بَعْدِي في النّاسِ فِتْنَةً أَضَرّ عَلَى الرّجَالِ مِنَ النّسَاءِ" .
ـــــــ
باب مَا جَاء في تَحْذِيرِ فِتنَةِ النّسَاء
قوله: "عن أبيه" هو سليمان بن طرخان "عن أبي عثمان" النهدي.
قوله: "ما تركت بعدي" أي ما أترك، وعبر بالماضي لتحقق الموت "فتنة" أي امتحاناً وبلية "أضر على الرجال من النساء" لأن الطباع كثيراً تميل إليهن وتقع في الحرام لأجلهن وتسعى للقتال والعداوة بسببهن، وأقل ذلك أن ترغبه في الدنيا، وأي فساد أضر من هذا؟ وإنما قال بعدي: لأن كونهن فتنة أضر ظهر

(8/64)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وقد رَوى هذا الْحَدِيثَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الثّقَاتِ عن سُلَيْمَانَ التّيْمِيّ عن أَبي عُثْمانَ عن أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ عن سَعِيدِ بنِ زَيْدِ بنِ عَمْرِو بنِ نُفَيْلٍ، وَلاَ نَعْلَمُ أَحَداً قَالَ عن أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ. وَسَعِيدُ بنُ زَيْدٍ غَيْرُ المُعْتَمِرِ. وفي البابِ عن أَبي سَعِيدٍ.
ـــــــ
بعده. قال الحافظ في الحديث: إن الفتنة بالنساء أشد من الفتنة بغيرهن، ويشهد له قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ} فجعلهن من عين الشهوات وبدأ بهن قبل بقية الأنواع إشارة إلى أنهن الأصل في ذلك، وقد قال بعض الحكماء: النساء شر كلهن وأشر ما فيهن عدم الاستغناء عنهن، ومع أنها ناقصة العقل والدين، تحمل الرجل على تعاطي ما فيه نقص العقل والدين كشغله عن طلب أمور الدين، وحمله على التهالك على طلب الدنيا وذلك أشد الفساد انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري في النكاح ومسلم في آخر الدعوات والنسائي في عشرة النساء وابن ماجه في الفتن.
قوله: "وفي الباب عن أبي سعيد" أخرجه مسلم عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فسينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء".

(8/65)


66- باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ اتّخَاذِ القُصّة
2931- حدثنا سُوَيْدٌ، أَخْبَرَنا عَبْدُ الله، أَخْبَرَنا يُونُسُ، عن الزّهْرِيّ، أَخْبَرَنا حُمَيْدُ بنُ عَبْد الرّحْمَنِ أَنّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ خطب بالمدينة
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ اتّخَاذِ القُصّة
قوله: "أخبرنا حميد بن عبد الرحمن" بن عوف الزهري المدني.
قوله: "خطب بالمدينة" أي على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي رواية للبخاري عن سعيد بن المسيب آخر قدمة قدمها، وكان ذلك في سنة إحدى

(8/65)


يَقُولُ: "أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ يَا أَهْلَ المَدِينَةِ؟ إني سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، يَنْهَى عن هَذِهِ القُصّةِ وَيَقُولُ: إِنّمَا هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ حِينَ اتّخَذَهَا نِسَاؤهُمْ".
ـــــــ
وخمسين وهي آخر حجة حجها معاوية في خلافته "أين علماؤكم" فيه إشارة إلى أن العلماء إذ ذاك فيهم كانوا قد قلوا وهو كذلك لأن غالب الصحابة كانوا يومئذ قد ماتوا وكأنه رأى جهال عوامهم صنعوا ذلك. فأراد أن يذكر علماءهم وينبههم بما تركوه من إنكار ذلك، ويحتمل أن يكون ترك من بقي من الصحابة ومن أكابر التابعين إذ ذاك الإنكار، إما لاعتقاد عدم التحريم ممن بلغه الخبر فجمله على كراهة التنزيه أو كان يخشى من سطوة الأمراء في ذلك الزمان على من يستبد بالإنكار لئلا ينسب إلى الاعتراض على أولى الأمر، أو كانوا ممن لم يبلغهم الخبر أصلاً أو بلغ بعضهم، لكن لم يتذكروه حتى ذكرهم به معاوية، فكل هذه أعذار ممكنة لمن كان موجوداً إذ ذاك من العلماء، وأما من حضر خطبة معاوية وخاطبهم بقوله أين علماؤكم؟ فلعل ذلك كان في خطبة غير الجمعة ولم يتفق أن يحضره إلا من ليس من أهل العلم فقال أين علماؤكم، لأن الخطاب بالإنكار لا يتوجه إلا على من علم الحكم وأقره "عن هذه القصة" بضم القاف وتشديد الصاد المهملة الخصلة من الشعر، وفي رواية: كبة من شعر "ويقول" هو معطوف على ينهي وفاعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم "إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذها نساؤهم" فيه إشعار بأن ذلك كان حراماً عليهم، فلما فعلوه كان سبباً لهلاكهم مع ما انضم إلى ذلك من ارتكابهم ما ارتكبوه من المناهي. قال الحافظ في الفتح: هذا الحديث حجة للجمهور في منع وصل الشعر بشيء آخر سواء كان شعراً أم لا، ويؤيده حديث جابر: زجر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تصل المرأة بشعرها شيئاً، أخرجه مسلم. وذهب الليث ونقله أبو عبيدة عن كثير من الفقهاء، أن الممتنع من ذلك وصل الشعر بالشعر، وأما إذا وصلت شعرها بغير الشعر من خرقة وغيرها فلا يدخل في النهي. وأخرج أبو داود بسند صحيح عن سعيد بن جبير قال لا بأس بالقرامل، وبه قال أحمد، والقرامل جمع قرملة بفتح القاف وسكون الراء

(8/66)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عن مُعَاوِيَةَ.
ـــــــ
نبات طويل الفروع لين والمراد به هنا خيوط من حرير أو صوف يعمل ضفائر تصل به المرأة شعرها. وفصل بعضهم بين ما إذا كان ما وصل به الشعر من غير الشعر مستوراً بعد عقده مع الشعر، بحيث يظن أنه من الشعر وبين ما إذا كان ظاهراً. فمنع الأول قوم فقط لما فيه من التدليس وهو قوي، ومنهم من أجاز الوصل مطلقاً سواء كان بشعر آخر أو بغير شعر إذا كان يعلم الزوج وبإذنه، وأحاديث الباب حجة عليه.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.

(8/67)


67- باب مَا جَاءَ في الْوَاصِلَةِ وَالمُسْتَوْصِلَةِ وَالوَاشِمَةِ وَالمُسْتَوْشِمَة
2932- حدثنا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ، أَخْبَرَنا عُبَيدَةُ بنُ حُمَيْدٍ، عن مَنْصُورٍ، عن إِبْرَاهِيمَ، عن عَلْقَمَةَ، عن عَبْدِ الله "أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لَعَنَ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ وَالمُتَنَمّصَاتِ مُبْتَغِيَاتٍ لِلْحُسْنِ مُغَيّراتٍ
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في الْوَاصِلَةِ وَالمُسْتَوْصِلَةِ وَالوَاشِمَةِ وَالمُسْتَوْشِمَة
قوله: "أخبرنا عبيدة" بفتح العين "عن عبد الله" أي ابن مسعود.
قوله: "لعن الواشمات" جمع واشمة بالشين المعجمة، وهي التي تشم "والمستوشمات" جمع مستوشمة، وهي التي تطلب الوشم "والمتنمصات" جمع متنمصة، والمتنمصة التي تطلب النماص والنامصة التي تفعله، والنماص إزالة شعر الوجه بالمنقاش، ويسمى المنقاش منماصاً لذلك، ويقال إن النماص يختص بإزالة شعر الحاجبين لترقيقهما أو تسويتهما. قال أبو داود في السنن: النامصة التي تنقش الحاجب حتى ترقه. قال الطبري: لا يجوز للمرأة تغيير شيء من خلقتها التي خلقها الله عليها بزيادة أو نقص، إلتماس الحسن لا للزوج ولا لغيره كمن تكون مقرونة ا لحاجبين فتزيل ما بينهما توهم البلج وعكسه، ومن تكون لها سن زائدة فتقلعها، أو طويلة فتقطع منها، أو لحية أو شارب أو عنفقة فتزيلها بالنتف ومن يكون شعرها قصيراً أو حقيراً فتطوله أو تغزره بشعر غيرها، فكل ذلك

(8/67)


خَلْقَ الله". هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
2933- حدثنا سُوَيْدُ، أَخبرنا عَبْدُ الله بن المُبَارَكِ عن عُبَيْدِ الله بنِ عُمَرَ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "لَعَنَ الله الوَاصِلَةَ والْمُسْتَوْصِلَةَ وَالوَاشِمَةَ والمُسْتَوشِمَةَ" . قالَ نَافِعٌ: الْوَشْمُ في اللّثَةِ.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وفي البابِ عن عَائشَةَ وَمَعْقِلِ بنِ يَسَارٍ وَأَسْمَاءَ بِنْتِ أَبي بَكْرٍ وَابنِ عَبّاسٍ.
2934- حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ، حدثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ، حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ عُمَرَ، عن نَافِعٍ، عن ابن عُمَرَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَه. وَلَمْ يَذْكُر فِيهِ يحيى قولَ نَافِعٍ. هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
داخل في النهي وهو من تغيير خلق الله تعالى. قال ويستثنى من ذلك ما يحصل به الضرر والأذية كمن يكون لها سن زائدة أو طويلة تعيقها في الأكل أو أصبع زائدة تؤذيها أو تؤلمها فيجوز ذلك والرجل في هذا الأخير كالمرأة.
وقال النووي: يستثنى من النماص ما إذا نبت للمرأة لحية أو شارب أو عنفقة، فلا يحرم عليها إزالتها بل يستحب "مبتغيات للحسن" أي طالبات له حال عن المذكورات "مغيرات خلق الله" هي أيضاً حال وهي كالتعليل لوجوب اللعن.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة.
قوله: "حدثنا سويد أخبرنا عبد الله بن المبارك الخ" تقدم هذا الحديث بإسناده ومتنه في باب مواصلة الشعر من أبواب اللباس، وقد تقدم شرحه هناك.
قوله: "وفي الباب عن عائشة الخ" تقدم تخريج أحاديث هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم في الباب المذكور.

(8/68)


67- باب ما جَاءَ في المُتَشَبّهَاتِ بالرّجَالِ منَ النّسَاء
2935- حدثنا مَحمُودُ بنُ غَيْلاَنَ، أخبرنا أَبُو داوُدَ الطّيَالِسيّ، حدثنا شُعْبَةُ، وَهَمّامٌ عَنْ قَتَادَةَ، عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ قالَ: "لَعَنَ النبيّ صلى الله عليه وسلم المُتَشَبّهَاتِ بِالرّجَالِ مِنَ النّسَاءِ وَالمُتَشَبّهِينَ بالنّسَاءِ مِنَ الرّجَالِ" . هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
2936- حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيٍ الْخَلاّلُ، أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ، أَخبرنا مَعْمَرٌ عن يَحيىَ بنِ أَبي كَثِيرٍ وَأَيّوبَ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ
ـــــــ
باب ما جَاءَ في المُتَشَبّهَاتِ بالرّجَالِ منَ النّسَاء
قوله: "وهمام" هو ابن يحيى الأزدي العوذي.
قوله: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهات بالرجال من النساء والمتشبهين بالنساء من الرجال" قال الطبري: المعنى لا يجوز للرجال التشبه بالنساء في اللباس والزينة التي تختص بالنساء ولا العكس. قال الحافظ: وكذا في الكلام والمشي، فأما هيئة اللباس فتختلف باختلاف عادة كل بلد فرب قوم لا يفترق زي نسائهم من رجالهم في اللبس، لكن يمتاز النساء بالاحتجاب والاستتار، وأما ذم التشبه بالكلام والمشي فمختص بمن تعمد ذلك، وأما من كان ذلك من أصل خلقته فإنما يؤمر بتكلف تركه والإدمان على ذلك بالتدريج، فإن لم يفعل وتمادى دخله الذم، ولا سيما إن بدا منه ما يدل الرضا به، وأخذ هذا واضح من لفظ المتشبهين، وأما إطلاق من أطلق كالنووي أن المخنث الخلقي لا يتجه عليه اللوم، فمحمول على ما إذا لم يقدر على ترك التثني والتكسر في المشي والكلام بعد تعاطيه المعالجة لترك ذلك، وإلا متى كان ترك ذلك ممكناً ولو بالتدريج. فتركه بغير عذر لحقه اللوم.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والبخاري وأبو داود وابن ماجه.

(8/69)


قالَ: "لَعَنَ النبيّ صلى الله عليه وسلم المُخَنّثيِنَ مِنَ الرّجَالِ وَالمُتَرَجّلاَتِ مِنَ النّسَاءِ " . قال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وفي البابِ عن عَائِشَةَ.
ـــــــ
قوله: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المخنثين من الرجال" بفتح النون المشددة وكسرها والأول أشهر، أي المتشبهين بالنساء في الزي واللباس والخضاب والصوت والصورة والتكلم وسائر الحركات والسكنات من خنث يخنث، كعلم يعلم: إذا لان وتكسر، فهذا الفعل منهي لأنه تغيير لخلق الله. قال النووي: المخنث ضربان أحدهما من خلق كذلك ولم يتكلف التخلق بأخلاق النساء وزيهن وكلامهن وحركاتهن وهذا لا ذم عليه ولا إثم ولا عيب ولا عقوبة لأنه معذور، والثاني من يتكلف أخلاق النساء وحركاتهن وكلامهن وزيهن فهذا هو المذموم الذي جاء في الحديث لعنه "والمترجلات" بكسر الجيم المشددة، أي المتشبهات بالرجال "من النساء" زياً وهيئة ومشية ورفع صوت ونحوها، لا رأياً وعلماً، فإن التشبه بهم محمود، كما روي أن عائشة رضي الله عنها كانت رجلة الرأي، أي رأيها كرأي الرجال على ما في النهاية.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري وأبو داود.
قوله: "وفي الباب عن عائشة" أخرجه أبو داود.

(8/70)


68- باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ خُرُوجِ المَرْأَةِ مُتَعَطّرَة
2937- حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ، أخبرنا يَحْيىَ بنُ سَعِيدٍ القَطّانُ، عن ثَابِتِ بنِ عُمَارَةَ الْحَنَفِيّ، عن غُنَيْمِ بنِ قَيْسٍ، عن أَبي مُوسَى عن النبيّ
ـــــــ
باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ خُرُوجِ المَرْأَةِ مُتَعَطّرَة
قوله: "عن ثابت بن عمارة الحنفي" البصري، كنيته أبو مالك، صدوق فيه لين من السادسة "عن غنيم" بضم الغين المعجمة وفتح النون مصغراً "بن قيس" المازني، كنيته أبو العنبر البصري، مخضرم ثقة من الثانية.

(8/70)


صلى الله عليه وسلم قالَ: "كُلّ عَيْنٍ زَانِيَةٌ، وَالمَرْأَةُ إِذَا اسْتَعْطَرَتْ فَمَرّتْ بالمَجْلِسِ، فَهِيَ كَذَا وَكَذَا، يَعْنِي زَانِيَةً" . وفي البابِ عن أَبي هُرَيْرَةَ، هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
قوله: "كل عين زانية" أي كل عين نظرت إلى أجنبية عن شهوة فهي زانية "إذا استعطرت" أي استعملت العطر "فمرت بالمجلس" أي مجلس الرجال "يعني زانية" لأنها هيجت شهوة الرجال بعطرها، وحملتهم على النظر إليها ومن نظر إليها، فقد زنى بعينيه، فهي سبب زنى العين فهي آثمة.
قوله: "وفي الباب عن أبي هريرة" أخرجه أبو داود وابن ماجه، وفي إسناده عاصم بن عبيد الله العمري ولا يحتج بحديثه.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أبو داود والنسائي، وسكت عنه أبو داود، ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره.

(8/71)


69- باب مَا جَاءَ في طِيبِ الرّجالِ وَالنّسَاء
2938- حدثنا مَحمُودُ بنُ غَيْلاَنَ، أخبرنا أَبُو دَاوُدَ الْحَفْرِيّ، عن سُفْيَانَ عن الْجُرَيْرِيّ، عن أَبي نَضْرَةَ عن رَجُلٍ، عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "طِيبُ الرّجَالِ مَا ظَهَرَ رِيحُهُ وَخَفِيَ لَوْنَهُ وَطِيبُ النّسَاءِ مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ وَخَفِيَ رِيحُهُ" .
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في طِيبِ الرّجالِ وَالنّسَاء
قوله: "طيب الرجال" الطيب قد جاء مصدراً واسماً وهو المراد هنا ومعناه ما يتطيب به على ما ذكره الجوهري "ما ظهر ريحه وخفي لونه" كماء الورد والمسك والعنبر والكافور "وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه" كالزعفران. في شرح السنة، قال سعد: أراهم حملوا قوله: وطيب النساء على ما إذا أرادت أن تخرج، فأما إذا كانت عند زوجها فلتطيب بما شاءت انتهى.
قلت: ويؤيده حديث أبي موسى المذكور في الباب المتقدم.

(8/71)


2939- حدثنا عَليّ بنُ حُجْرٍ، أَخبرنا إسْمَاعِيلُ بنُ إِبْرَاهِيمَ عن الجُرَيْرِيّ عن أبي نَضْرَةَ عن الطّفَاوِي، عن أبي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ، قال أبو عيسى: وهذا حديثٌ حسنٌ إلاّ أَنّ الطّفَاوِي لاَ نَعْرِفُهُ إلاّ في هَذَا الْحَدِيثِ وَلاَ نَعْرِفُ اسْمَهُ، وَحَدِيثُ إِسْمَاعِيلَ بنِ إِبْرَاهِيمَ أتَمّ وَأَطْوَلُ وفي البابِ عن عِمِرَانَ بنُ حُصَيْنٍ.
2940- حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ، أَخبرنا أَبُو بَكْرٍ الْحَنفِيّ، حدثنا سَعِيدٌ عن قَتَادَةَ، عن الْحَسَنِ، عن عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ، قالَ: قال لي النبيّ صلى الله عليه وسلم: "إِنّ خَيْرَ طيب الرجل مَا ظَهَرَ رِيحُهُ وَخَفِيَ لَوْنُهُ، وَخَيْرَ طِيبِ النّسَاءِ مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ وَخَفِيَ رِيْحُهُ" وَنَهَى عن مَيْثَرَةِ الأَرْجُوَانِ" .
ـــــــ
قوله: "أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم" هو المعروف بابن علية "عن الطفاوي" قال في تهذيب التهذيب: الطفاوي عن أبي هريرة، وعنه أبو نضرة العبدي لم يسم. وقال في التقريب: هو شيخ لأبي نضرة لم يسم، من الثالثة لا يعرف.
قوله: "وهذا حديث حسن الخ" وأخرجه النسائي قال ميرك: حسنه الترمذي وإن كان فيه مجهول لأنه تابعي والراوي عنه ثقة، فجهالته تنتفي من هذه الجهة. قال القاري: أو بالنظر إلى تعدد أسانيده فيكون حسناً لغيره انتهى.
قلت: تحسين الترمذي لشواهد، وأما انتفاء جهالة التابعي المجهول الرواية الثقة عنه كما قال ميرك فممنوع، والحديث أخرجه الطبراني والضياء عن أنس: قال المناوي: إسناده صحيح "وحديث إسماعيل بن إبراهيم أتم وأطول" أخرجه أبو داود بطوله في آخر كتاب النكاح.
قوله: "وفي الباب عن عمران بن حصين" أخرجه الترمذي بعد هذا.
قوله: "حدثنا سعيد" هو ابن أبي عروبة "عن الحسن" البصري.
قوله: "ونهى عن الميثرة الأرجوان" تقدم تفسير الميثرة في باب ركوب المياثر من أبواب اللباس، وأما الأرجوان فقال الحافظ في الفتح: بضم الهمزة والجيم

(8/72)


هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
ـــــــ
بينهما راء ساكنة ثم واو خفيفة. وحكى عياض ثم القرطبي: فتح الهمزة وأنكره النووي، وصوب أن الضم هو المعروف في كتب الحديث واللغة والغريب. واختلفوا في المراد به فقيل هو صبغ أحمر شديد الحمرة وهو شجر من أحسن الألوان، وقيل الصوف الأحمر، وقيل كل شيء أحمر فهو أرجوان، ويقال ثوب أرجوان وقطيفة أرجوان. وحكى السيرافي أحمر أرجوان، فكأنه وصف المبالغة في الحمرة، كما يقال أبيض يقق، وأصفر فاقع. واختلفوا هل الكلمة عربية أو معربة؟ فإن قلنا باختصاص النهي بالأحمر من المياثر فالمعنى في النهي عنها ما في غيرها، وإن قلنا لا يختص بالأحمر فالمعنى بالنهي عنها ما فيه من الترفه وقد يعتادها الشخص فتعوزه فيشق عليه تركها فيكون النهي نهي إرشاد لمصلحة دنيوية. وإن قلنا النهي عنها من أجل التشبيه بالأعاجم؟ فهو لمصلحة دينية، لكن كان ذلك شعارهم حينئذ وهو كفار، ثم لما لم يصر الآن يختص بشعارهم زال ذلك المعنى فتزول الكراهة.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أبو داود وفيه: لا أركب الأرجوان، وفيه ألا وطيب الرجال ريح لا لون له، ألا وطيب النساء لون لا ريح له قال المنذري: والحسن لم يسمع من عمران بن حصين.

(8/73)


70- باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ ردّ الطّيب
2941- حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ، أَخبرنا عَبْد الرّحْمَنِ بنُ مَهْدِيٍ، أَخبرنا عَزْرَةُ بنُ ثَابِتٍ عن ثَمَامَةَ بنِ عَبْدِ الله قالَ: "كَانَ أَنَسٌ لاَ يَرُدّ الطّيبَ. وَقالَ أَنَسٌ: إِنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ لاَ يَرُدّ الطّيبَ" .
ـــــــ
باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ ردّ الطّيب
قوله: "أخبرنا عزرة" بفتح أوله وسكون الزاي وفتح الراء ثم هاء "ابن ثابت" ابن أبي زيد بن أخطب الأنصاري، بصري ثقة من السابعة.
قوله: "إن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يرد الطيب" قال ابن بطال: إنما كان لا يرد الطيب من أجل أنه ملازم لمناجاة الملائكة، ولذلك كان لا يأكل الثوم

(8/73)


وفي البابِ عن أَبي هُرَيْرَةَ. هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
2942- حدثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا ابن أبي فُدَيْكٍ، عن عَبْدِ الله بنِ مُسْلِمٍ، عن أَبيهِ، عن ابنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ثَلاَثٌ لاَ تُرَدّ: الْوَسَائِدُ وَالدّهْنُ وَالّلبَنُ". هذا حديثٌ غريبٌ. وَعَبْدِ الله ابنُ مُسْلِمِ هو ابنُ جُنْدُبٍ وَهُوَ مدني.
ـــــــ
ونحوه. قال الحافظ: لو كان هذا هو السبب في ذلك لكان من خصائصه وليس كذلك. فإن النساء تقتدي به في ذلك. وقد ورد النهي عن رده مقروناً بيان الحكمة في ذلك في حديث صحيح رواه أبو داود والنسائي وأبو عوانة من طريق عبيد الله ابن أبي جعفر عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعاً: "من عرض عليه طيب فلا يرده فإنه خفيف المحمل طيب الرائحة". وأخرجه مسلم من هذا الوجه، لكن قال ريحان بدل الطيب، ورواية الجماعة أثبت، فإن أحمد وسبعة أنفس معه رووه عن عبد الله بن يزيد المقبري عن سعيد بن أبي أيوب بلفظ الطيب ووافقه ابن وهب عن سعيد عند ابن حبان والعدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد. وقد قال الترمذي عقب حديث أنس وابن عمر: وفي الباب عن أبي هريرة فأشار إلى هذا الحديث انتهى.
قوله: "وفي الباب عن أبي هريرة" تقدم تخريجه آنفاً في كلام الحافظ.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري والنسائي.
قوله: "عن عبد الله بن مسلم" بن جندب الهذلي، المدني المقري، لا بأس به من الثامنة "عن أبيه" هو مسلم بن جندب القاص، ثقة فصيح قارئ من الثالثة.
قوله: "ثلاث لا ترد" أي لا ينبغي أن ترد لقلة منتها وتأذي المهدي إياها "الوسائد" جمع وسادة بالكسر المخدة "والدهن واللبن" قال الطيبي: يريد أن يكرم الضيف بالوسادة والطيب واللبن، وهي هدية قليلة المنة، فلا ينبغي أن ترد انتهى.
قوله: "هذا حديث غريب" قال المناوي إسناده حسن.

(8/74)


2943- أَخبرنا عُثْمانُ بنُ مَهْدِيٍ، أَخبرنا مُحمّدُ بنُ خَلِيفَةَ، أَخبرنا يَزيدُ بنُ زُرَيْعٍ عن حَجّاجٍ الصّوّافِ عن حَنَانٍ عن أَبي عُثْمانَ النّهْدِيّ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أَعْطِيَ أَحَدُكُمْ الرّيْحَانَ فَلاَ يَرُدّهُ فَإِنّهُ خَرَجَ مِنَ الْجّنَةِ" .
هذا حديثٌ غريبٌ حسنٌ، وَلاَ نَعْرِفُ لِحَنَانٍ غَيرَ هَذَا الْحَدِيثِ، وَأَبُو عُثْمَانَ النّهْدِيّ اسْمُهُ عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ مَلّ، وَقَدْ أَدْرَكَ زَمَنَ النبيّ صلى الله عليه وسلم. ولم يَرَهُ، وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ.
ـــــــ
قوله: "أخبرنا عثمان بن مهدي" لم أجد ترجمته في التقريب وتهذيب التهذيب والخلاصة وليس في هذه الكتب راو اسمه عثمان بن مهدي فلينظر من هو "أخبرنا محمد بن خليفة" البصري الصيرفي مقبول من العاشرة، كذا في التقريب، وقال في تهذيب التهذيب: روى عن يزيد بن زريع، وعنه الترمذي وجعفر بن أحمد الجرجرائي "عن حنان" بفتح أوله وتخفيف النون الأسدي، عم والد مسدد، كوفي مقبول من السادسة كذا في التقريب. وقال في تهذيب التهذيب: والخلاصة عم مسدد.
قوله: "إذا أعطي أحدكم" بصيغة المجهول "الريحان" منصوب على أنه مفعول ثان. قال في النهاية: هو كل نبت طيب الريح من أنواع المشموم "فإنه خرج من الجنة" أي أصله، وهو مع ذلك خفيف المحمل، أي قليل المؤنة والمنة، فلا يرد أن كثيراً من الأشياء خرج أصله من الجنة.
قوله: "هذا حديث غريب حسن" هذا حديث مرسل، وأخرجه أبو داود في مراسيله.

(8/75)


باب ماجاء في كراهية مباشرة الرجل الرجل والمرأة المرأة
...
71- باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ مبَاشَرَةِ الرّجُلِ الرّجُلَ وَالمَرْأَةِ المَرْأَة
2944- حدثنا هَنّادٌ، أخبرنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عن الأَعْمَشِ، عن شَقِيقِ بنِ سَلَمَةَ عن عَبْدِ الله قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ تُبَاشِرُ المَرْأَةُ المَرْأَةَ حَتّى تَصِفَهَا لِزَوْجِهَا كَأَنّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا" .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
2945- حدثنا عَبْدُ الله بنُ أَبي زِيَادٍ، أخبرنا زَيْدُ بنُ حُبَابٍ، أخبرني الضّحّاكُ يعني ابن عُثْمَانَ، أخبرني زَيْدُ بنُ أَسْلَمَ عن عَبْد الرّحْمَن
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ مبَاشَرَةِ الرّجُلِ الرّجُلَ وَالمَرْأَةِ المَرْأَة
قوله: "عن عبد الله" هو ابن مسعود.
قوله: "لا تباشر المرأة المرأة" زاد النسائي في روايته: في الثوب الواحد قيل لا نافية بمعنى الناهية، وقيل ناهية والمباشرة بمعنى المخالطة والملامسة، وأصله من لمس البشرة البشرة، والبشرة ظاهرة جلد الإنسان، أي لا تمس بشرة امرأة بشرة أخرى "حتى تصفها" أي تصف نعومة بدنها وليونة جسدها "وكأنه ينظر إليها" فيتعلق قلبه بها ويقع بذلك فتنة، والمنهي في الحقيقة هو الوصف المذكور. قال القابسي: هذا أصل لمالك في سد الذرائع، فإن الحكمة في هذا النهي خشية أن يعجب الزوج الوصف المذكور فيفضي ذلك إلى تطليق الواصفة، أو الافتتان بالموصوفة، ووقع في رواية النسائي من طريق مسروق عن ابن مسعود بلفظ: لا تباشر المرأة المرأة ولا الرجل الرجل.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.

(8/76)


ابنِ أَبي سَعِيدٍ عن أَبِيهِ، قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَنْظُرُ الرّجُلُ إلى عَوْرَةِ الرّجُلِ، وَلاَ تَنْظُرُ الْمَرْأَةُ إلى عَوْرَةِ المَرْأَةِ، وَلاَ يُفْضِي الرّجُلُ إلى الرّجُلِ في الثَوْبِ الْوَاحِدِ، وَلاَ تُفْضِي الْمرْأَةُ إلى المَرْأَةِ في الثّوْبِ الْوَاحِدِ" . هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ صحيحٌ.
ـــــــ
قوله: "عن عبد الرحمن بن أبي سعيد" الخدري، واسمه سعد بن مالك الأنصاري الخزرجي، ثقة من الثالثة.
قوله: "ولا يفضي" بضم أوله أي لا يصل "الرجل إلى الرجل في الثوب الواحد" أي لا يضطجعان متجردين تحت ثوب واحد. قال النووي: في الحديث تحريم نظر الرجل إلى عورة الرجل والمرأة إلى عورة المرأة، وهذا مما لا خلاف فيه، وكذا الرجل إلى عورة المرأة والمرأة إلى عورة الرجل حرام بالإجماع، ونبه صلى الله عليه وسلم ينظر الرجل إلى عورة الرجل والمرأة إلى عورة المرأة، على ذلك بطريق الأولى، ويستثنى الزوجان فلكل منهما النظر إلى عورة صاحبه إلا أن في السوأة اختلافاً، والأصح الجواز، لكن يكره حيث لا سبب، وأما المحارم فالصحيح أنه يباح نظر بعضهم إلى بعض لما فوق السرة وتحت الركبة، قال وجميع ما ذكرنا من التحريم حيث لا حاجة من الجواز حيث لا شهوة، وفي الحديث تحريم ملاقاة بشرتي الرجلين بغير حائل إلا عند ضرورة، ويستثنى المصافحة، ويحرم لمس عورة غيره بأي موضع من بدنه كان بالاتفاق.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه.

(8/77)


72- باب مَا جَاءَ في حِفْظِ الْعَورَة
2946- حدثنا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ، أَخبرنا مُعَاذُ بنُ مُعَاذٍ وَيَزِيدُ بنُ
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في حِفْظِ الْعَورَة
اعلم أن الترمذي قد عقد قبل هذا باباً بهذا اللفظ، وأورد فيه حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، ففي عقد هذا الباب هنا وإيراد حديث بهز بن حكيم تكرار محض لا فائدة فيه

(8/77)


هَارُونَ، قَالاَ: أَخبرنا بَهْزُ بنُ حَكِيمٍ، عن أَبيهِ، عن جَدّهِ قَالَ: "قُلْتُ يَا نَبِيّ الله عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ؟ قَالَ: "احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلاّ مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ. قلت: يَا رَسُولَ الله إذَا كَانَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ في بَعْضٍ؟ قَالَ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لاَ يَرَاهَا أَحَدٌ فَلاَ تُرِيَنّهَا، قَالَ قُلْتُ يَا نَبِيّ الله إِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِياً؟ قَالَ فَالله أَحَقّ أَنْ يُسْتَحْيَى مِنْهُ مِنَ النّاسِ" . هذا حديثٌ حسنٌ.
ـــــــ
قوله: "أخبرنا معاذ بن معاذ" العنبري التميمي.
قوله: "فلا ترينها" بضم الفوقية وكسر الراء من الإرادة، وفي بعض النسخ فلا يرينها بفتح التحتية وفتح الراء من الرؤية "من الناس" متعلق بقوله أحق، ومنه متعلق بقوله يستحي.

(8/78)


73- باب ما جاء أن الفخذ عورة
2947- حدثنا بن أبي عمر أخبرنا سفيان، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله عن زرعة بن مسلم بن جرهد الأسلمي، عن جده جرهد قال: "مر النبي صلى الله عليه وسلم بجرهد في المسجد، وقد انكشف فخذه
ـــــــ
باب ما جاء أن الفخذ عورة
قوله: "عن أبي النضر مولى عمر بن عبد الله" اسمه سالم بن أبي أمية المدني "عن زرعة بن مسلم بن جرهد الأسلمي" قال في تهذيب التهذيب زرعة ابن عبد الرحمن بن جرهد الأسلمي المدني ويقال زرعة بن جرهد روى عن جرهد ويقال عن أبيه عن جرهد حديث الفخذ عورة وعنه سالم أبو النضر وأبو الزناد قال النسائي ثقة وذكره ابن حبان في الثقات وقال من زعم أنه ابن مسلم فقد وهم انتهى "عن جرهد" بجيم وهاء مفتوحتين بينهما راء ساكنة ابن رزاح بكسر الراء بعدها زاي وآخره مهملة الأسلمي مدني له البغوي وكان من أهل الصفة

(8/78)


قال إن الفخذ عورة" . هذا حديث حسن ما أرى إسناده بمتصل
2948- حدثنا الحسن بن علي الخلال أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن أبي الزناد، قال: أخبرني ابن جرهد عن أبيه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم مر به وهو كاشف عن فخذه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "غط فخذك فإنها من العورة" . هذا حديث حسن
2949- حدثنا واصل بن عبد الأعلى، أخبرنا يحيى بن آدم عن الحسن بن صالح، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن عبد الله بن جرهد الأسلمي، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الفخذ
ـــــــ
قوله: "إن الفخذ عورة" هذا من أدلة القائلين بأن الفخذ عورة وهم الجمهور
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه أبو داود من طريق مالك عن أبي النضر عن زرعة بن عبد الرحمن بن جرهد عن أبيه قال: كان جرهد هذا من أصحاب الصفة إنه قال: جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم عندنا وفخذي منكشفة الحديث "ما أرى إسناده بمتصل" للانقطاع بين زرعة وجرهد، وحديث جرهد هذا ذكره البخاري في صحيحه تعليقا قال الحافظ: حديثه موصول ثم مالك في الموطأ والترمذي وحسنه، وابن حبان وصححه وضعفه المصنف، يعني البخاري في التاريخ للاضطراب في إسناده، وقد ذكرت كثيرا من الإشارة في تعليق التعليق انتهى.
قوله "أخبرني ابن جرهد" اسمه عبد الرحمن قال في تهذيب التهذيب عبد الرحمن بن جرهد الأسلمي عن أبيه بحديث الفخذ عورة وعنه ابنه زرعة والزهري وأبو الزناد وفي إسناد حديثه اختلاف كثير انتهى
قوله "هذا حديث" حسن وأخرجه أحمد من هذا الطريق ومن الطريق الاتية ومن طرق أخرى.
قوله: "عن عبد الله بن جرهد الأسلمي" قال في تهذيب التهذيب: عبد الله

(8/79)


عورة". هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.
2950- حدثنا واصل بن عبد الأعلى الكوفي، أخبرنا يحيى بن آدم، أخبرنا إسرائيل عن أبي يحيى عن مجاهد، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الفخذ عورة" . وفي الباب عن علي ومحمد ابن عبد الله بن جحش.
ـــــــ
ابن جرهد الأسلمي عن أبيه حديث الفخذ عورة وعنه عبد الله بن محمد بن عقيل وقيل عن ابن عقيل عن عبد الله بن مسلم بن جرهد عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكره ابن حبان في الثقات. قال الحافظ: قال البخاري عبد الله بن مسلم أصح انتهى.
قوله: "عن أبي يحيى" هو القتات بفتح القاف وتشديد الفوقية لين الحديث.
قوله: "وفي الباب عن علي ومحمد بن عبد الله بن جحش" أما حديث علي فأخرجه أبو داود وابن ماجه عنه مرفوعا يا علي لا تبرز فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت وأخرجه أيضا الحاكم والبزار قال أبو داود بعد روايته هذا الحديث فيه نكارة وقال الحافظ في التلخيص بعد ذكر هذا الحديث وفيه ابن جريج عن حبيب وفي رواية أبي داود من طريق حجاج بن محمد عن ابن جريج قال أخبرت عن حبيب بن أبي ثابت وقد قال أبو حاتم في العلل إن الواسطة بينهما هو الحسن بن ذكوان، قال ولا يثبت لحبيب رواية عن عاصم فهذه علة أخرى، وكذا قال ابن معين: إن حبيبا لم يسمعه من عاصم، وأن بينهما رجلا ليس بثقة، وبين البزار أن الواسطة بينهما هو عمرو بن خالد الواسطي، ووقع في زيادات المسند. وفي الدارقطني ومسند الهيثم بن كليب لبعض ابن جريج بإخبار حبيب له، وهو وهم في نقدي انتهى. وأما حديث محمد بن عبد الله بن جحش فأخرجه أحمد والبخاري في تاريخه عنه قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على معمر وفخذاه مكشوفتان، فقال يا معمر: غط عليك فخذيك، فإن الفخذين عورة. وأخرجه البخاري أيضا في صحيحه تعليقا والحاكم في المستدرك كلهم من طريق إسماعيل بن جعفر عن العلاء

(8/80)


وهذا حديث حسن غريب، ولعبد الله بن جحش ولابنه محمد صحبه.
ـــــــ
ابن عبد الرحمن، عن أبي كثير مولى محمد بن جحش عنه. فذكره. قال الحافظ في الفتح: رجاله من رجال أبي كثير فقد روى عنه جماعة، لكن لم أجد فيه تصريحا بتعديل وقد أخرج ابن قانع من طريقه أيضا.
قوله: "وهذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد بلفظ: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل وفخذه خارجة فقال غط فخذيك فإن فخذ الرجل من عورته. وذكره البخاري في صحيحه تعليقا. قال الحافظ: وفي إسناده أبو يحيى القتات وهو ضعيف مشهور بكنيته. واختلف في اسمه على ستة أقوال أو سبعة أشهرها دينار انتهى.
وأحاديث الباب كلها تدل على أن الفخذ عورة، قال الشوكاني في النيل: وقد ذهب إلى ذلك الشافعي وأبو حنيفة قال النووي ذهب العلماء إلى أن الفخذ عورة. وعن أحمد ومالك في رواية: العورة القبل والدبر فقط، وبه قال أهل الظاهر وابن جرير والإصطخري. قال الحافظ: في ثبوت ذلك عن ابن جرير نظر، فقد ذكر المسألة في تهذيبه ورد على من زعم أن الفخذ ليست بعورة. واحتجوا بحديث عائشة وأنس والحق أن الفخذ من العورة وحديث علي "يعني الذي أشار إليه الترمذي وذكرنا لفظه" وإن منتهض على الاستقلال، ففي الباب من الأحاديث ما يصلح للاحتجاج به على المطلوب. وأما حديث عائشة وأنس فهما واردان في قضايا معينة مخصوصة يتطرق إليها من احتمال الخصوصية أو البقاء على أصل الاباحة ما لا يتطرق إلى الأحاديث المذكورة في هذا الباب لأنها تتضمن إعطاء حكم كلي وإظهار شرع عام، فكان العمل بها أولى كما قال القرطبي، على أن طرف الفخذ قد يتسامح في كشفه لا سيما في مواطن الحرب ومواقف الخصام، وقد تقرر في الأصول أن القول أرجح من الفعل انتهى كلام الشوكاني.
قلت: أراد بحديث عائشة حديثها الذي أخرجه أحمد عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسا كاشفا عن فخذه، فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على حاله، ثم استأذن عثمان فأرخى عليه ثيابه. الحديث،

(8/81)


وأراد بحديث أنس حديثه الذي أخرجه أحمد والبخاري عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر حسر الازار عن فخذه "حتى أني لأنظر إلى بياض فخذه. قال البخاري في صحيحه باب ما يذكر في الفخذ. قال أبو عبد الله: ويروى عن ابن عباس وجرهد ومحمد بن جحش عن النبي صلى الله عليه وسلم: الفخذ عورة. وقال أنس: حسر النبي صلى الله عليه وسلم عن فخذه. قال أبو عبد الله وحديث أنس أسند وحديث جرهد أحوط حتى نخرج من اختلافهم. قال الحافظ في الفتح: قوله وحديث أنس أسند، أي أصح إسنادا، كأنه يقول حديث جرهد ولو قلنا بصحته فهو مرجوح بالنسبة إلى حديث أنس.
قلت: الأحاديث التي تدل على أن الفخذ عورة، إن صلحت بمجموعها للاحتجاج، فالأمر كما قال الشوكاني، وإلا فالأمر كما قال أهل الظاهر ومن وافقهم فتفكر.

(8/82)


باب ماجاء في النظافة
...
74- باب مَا جَاءَ في النّظَافَة
2951- حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ، أَخبرنا أَبُو عَامِرٍ العقدي، أَخبرنا خَالِدُ بنُ إِلْيَاسَ، عن صَالحِ بنِ أَبي حَسّانَ، قالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بنَ المُسَيّبِ يَقُولُ: "إِنّ الله طَيّبٌ يُحِبّ الطّيبَ، نَظِيفٌ يُحِبّ النّظَافَةَ، كَرِيمٌ يُحِبّ الكَرَمَ
ـــــــ
باب ما جاء في النظافة
قال في القاموس: النظافة النقاوة، نظف ككرم فهو نظيف، ونظفه تنظيفا فتنظف، انتهى.
قوله: "أخبرنا أبو عامر" العقدي، اسمه عبد الملك بن عمرو "عن صالح بن أبي حسان" المدني.
قوله: "إن الله طيب" أي منزه عن النقائص، مقدس عن العيوب "يحب الطيب" بكسر الطاء، أي طيب الحال والقال أو الريح الطيب بمعنى أنه يحب استعماله من عباده ويرضى عنهم بهذا الفعل، وهذا يلائم معنى قول نظيف "نظيف" أي طاهر "يحب النظافة" أي الطهارة الظاهرة والباطنة "كريم يحب الكرم

(8/82)


جَوَادٌ يُحِبّ الْجُودَ، فَنَظّفُوا - أُرَاهُ قالَ - أَفْنِيَتَكُمْ، وَلاَ تَشَبّهُوا بِاليَهُودِ، قالَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِمُهَاجِرِ بنِ مِسْمَارٍ، فَقَالَ حَدّ ثَنِيه عَامِرُ بنُ سَعْدٍ بن أبي وقاص عن أَبيهِ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَهُ إِلاّ أَنّهُ قالَ نَظّفُوا أَفْنِيَتَكُمْ".
هذا حديثٌ غريبٌ. وَخَالِدُ بنُ إِلْيَاسَ يُضَعّفُ وَيُقَالُ ابنُ إِيَاسٍ.
ـــــــ
جواد" بفتح جيم وتخفيف واو "يحب الجود" قال الراغب: الفرق بين الجود والكرم أن الجود بذل المقتنيات، ويقال رجل جواد وفرس جواد يجود بمدخر عدو، والكرم إذا وصف الإنسان به فهو اسم للأخلاق والأفعال المحمودة التي تظهر منه ولا يقال هو كريم حتى يظهر ذلك منه "فنظفوا" قال الطيبي: الفاء فيه جواب شرط محذوف أي إذا تقرر ذلك فطيبوا كل ما أمكن تطييبه، ونظفوا كل ما سهل لكم تنظيفه حتى أفنية الدار، وهي متسع أمام الدار، وهو كناية عن نهاية الكرم والجود فإن ساحة الدار إذا كانت واسعة نظيفة طيبة، كانت أدعى بجلب الضيفان، وتناوب الواردين والصادرين انتهى. "أراه" بضم الهمزة، أي أظنه، والقائل هو صالح بن أبي حسان السامع من ابن المسيب، أي أظن ابن المسيب "قال أفنيتكم" بالنصب على أنه مفعول نظفوا، وهي جمع الفناء بالكسر، أي ساحة البيت وقبالته، وقيل عتبته وسدته "ولا تشبهوا" بحذف إحدى التاءين عطفاً أي لا تكونوا متشبهين "باليهود" أي في عدم النظافة والطهارة، وقلة التطيب وكثرة البخل والخسة والدناءة "قال" أي صالح بن أبي حسان "فذكرت ذلك" أي المقال المذكور المسموع من ابن المسيب "لمهاجر بن مسمار" الأول بضم ميم وكسر جيم، والثاني بكسر أوله، هو الزهري مولى سعد المدني مقبول من السابعة "فقال" أي مهاجر "حدثنيه عامر بن سعد" بن أبي وقاص "عن أبيه" أي سعد بن أبي وقاص "مثله" أي مثل قول سعيد بن المسيب "إلا أنه" أي مهاجراً "قال" أي في روايته "نظفوا أفنيتكم" أي بلا تردد وشك.
قوله: "هذا حديث غريب وخالد بن إلياس يضعف الخ" قال ابن حبان يروي الموضوعات عن الثقات حتى يسبق إلى القلب أنه الواضع لها، لا يكتب حديثه إلا على جهة التعجب وهو الذي روى: إن الله طيب يجب الطيب الخ. وقال

(8/83)


ـــــــ
البخاري: منكر الحديث ليس بشيء، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال مرة: ليس بثقة ولا يكتب حديثه. كذا في تهذيب التهذيب.

(8/84)


75- باب مَا جَاءَ في الاِسْتِتَارِ عِنْدَ الْجِمَاع
2952- حدثنا أَحْمَدُ بنُ مُحمّدٍ بنِ نِيْزَكٍ البَغْدَادِيّ، أَخبرنا الأَسْوَدُ بنُ عَامِرٍ، أَخبرنا أَبُو مُحَيّاةَ عن لَيْثٍ عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ أَنّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "إِيّاكُمْ وَالتّعَرّي، فَإِنّ مَعَكُمْ مَنْ لاَ يُفَارِقُكُمْ إِلاّ عِنْدَ الْغَائِطِ وَحِينَ يُفْضِي الرّجُلُ إلى أَهْلِهِ، فَاسْتَحْيُوهُمْ وَأَكْرِمُوهُم" .
هذا حديثٌ غريبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَأَبُو مُحَيّاةَ اسْمُهُ يَحْيَى بنُ يَعْلَى.
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في الاِسْتِتَارِ عِنْدَ الْجِمَاع
قوله: "أخبرنا الأسود بن عامر" لقبه شاذان "أخبرنا أبو محياة" بضم الميم وفتح المهملة وتشديد التحتانية وآخره هاء، اسمه يحيى بن يعلى التيمي الكوفي ثقة من الثامنة "عن ليث" هو ابن أبي سليم.
قوله: "إياكم والتعري" أي احذروا من كشف العورة "فإن معكم" أي من الملائكة "من لا يفارقكم إلا عند الغائط" قال الطيبي رحمه الله: وهم الحفظة الكرام الكاتبون "وحين يفضي" أي يصل "فاستحيوهم" أي منهم "وأكرموهم" أي بالتغطي وغيره مما يوجب تعظيمهم وتكريمهم. قال ابن الملك: فيه أنه لا يجوز كشف العورة إلا عند الضرورة كقضاء الحاجة والمجامعة وغير ذلك انتهى.
قوله: "هذا حديث غريب" في سنده ليث بن أبي سليم، وكان قد اختلط أخيراً ولم يتميز حديثه.

(8/84)


76- باب مَا جَاءَ في دخُولِ الْحمّام
2953- حدثنا الْقَاسِمُ بنُ دِينَارٍ الكُوفِيّ، أخبرنا مُصْعَبٌ بنُ المِقْدَامِ عن الْحَسَنِ بنِ صَالِحِ عن لَيْثِ بنِ أَبي سُلَيْمٍ عَنْ طَاوُسٍ عن جَابِرٍ أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخر فَلاَ يُدْخِلْ حَلِيلَتَهُ الْحَمَامَ، وَمَنْ كَانَ يؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخر فَلا يَدْخُلْ الْحَمّامَ بِغَيْرِ إزَارٍ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بالله وَالْيَوْمِ الآخر فَلاَ يَجْلِسْ عَلَى مَائِدَةٍ يُدَارُ عَلَيْهَا الْخَمْرُ" . هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ لاَ نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ طَاوسٍ عن جَابِرٍ إِلاّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
قال مُحمّدُ بنُ إسْمَاعِيلَ: لَيْثُ بنُ أَبي سُلَيْمٍ صَدُوقٌ وَرُبّمَا يَهِمُ في الشّيْءِ وَقالَ مُحمّدُ بنُ إسْمَاعِيلَ: قال أَحْمَدُ بن حَنْبَلٍ: لَيْثٌ لاَ يُفْرَحُ بِحَدِيِثِهِ.
2954- حدثنا مُحمّدُ بن بَشّارٍ، أخبرنا عَبْدُ الرّحْمَن بنُ مَهْدِيٍ،
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في دخُولِ الْحمّام
قال في المصباح: الحمام مثقل معروفة والتأنيث أغلب فيقال هي الحمام وجمعها حمامات على القياس، ويذكر فيقال هو الحمام انتهى
قوله: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر " ذكر طرفي الإيمان اختصاراً أو إشعاراً بأنهما الأصل والمراد به كمال الإيمان أو أريد به التهديد "فلا يدخل" من باب الإدخال أي فلا يأذن بالدخول "حليلته الحمام" أي امرأته "فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر" يعني وإن لم يشرب معهم كأنه تقرير على منكر.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد من طريق بن لهيعة عن أبي يزيد الزبير جابر "وقال محمد قال أحمد بن حنبل ليث لا يفرح بحديثه" قد عرفت في الباب السابق أنه قد اختلط ولم يتميز حديثه.

(8/85)


أَخبرنا حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ، عن عَبْدِ الله بن شَدّادِ الأَعْرَجِ، عن أَبي عُذْرَةَ، وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ النبيّ صلى الله عليه وسلم عن عَائِشَةَ: "أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم: نَهَى الرّجَالَ وَالنّسَاءَ عن الْحَمّامَاتِ، ثُمّ رَخّصَ لِلرّجَالِ في المَيَازِرِ" .
ـــــــ
قوله: "عن أبي عذرة" بضم أوله وسكون المعجمة، له حديث في الحمام وهو مجهول من الثانية، ووهم من قال له صحبة كذا في التقريب، وقال في تهذيب التهذيب: قال أبو زرعة: لا أعلم أحداً سماه، وكذا ذكره ابن حبان في الثقات، وقال يقال له صحبة ويقال جزم بصحبته مسلم.
قوله: "ثم رخص للرجال في الميازر" جمع مئزر وهو الإزار، قال المظهر: وإنما لم يرخص للنساء في دخول الحمام لأن جميع أعضائهن عورة وكشفها غير جائز إلا عند الضرورة مثل أن تكون مريضة تدخل الدواء أو تكون قد انقطع نفاسها تدخل للتنظيف. أو تكون جنباً والبرد شديد ولم تقدر على تسخين الماء وتخاف من استعمال الماء البار ضرراً أو لا يجوز للرجال الدخول بغير إزار ساتر لما بين سرته وركبته انتهى. وقال الشوكاني في النيل تحت حديث أبي هريرة: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر من ذكور أمتي فلا يدخل الحمام إلا بمئزر، ومن كانت تؤمن بالله واليوم الآخر من إناث أمتي فلا تدخل الحمام" رواه أحمد ما لفظه: هذا الحديث يدل على جواز الدخول للذكور بشرط لبس المآزر وتحريم الدخول بدون مئزر وعلى تحريمة على النساء مطلقاً، واستثناء الدخول من عذر لهن لم يثبت من طريق تصلح للاحتجاج بها، فالظاهر المنع مطلقاً، ويؤيد ذلك ما سلف من حديث عائشة الذي روته لنساء الكورة وهو أصح ما في الباب: إلا لمريضة أو نفساء كما سيأتي في الحديث الذي بعد هذا إن صح انتهى. قلت: أشار الشوكاني بحديث عائشة إلى حديثها الآتي في هذا الباب، وأشار الحديث الذي فيه: إلا مريضة أو نفساء. إلى حديث عبد الله وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنها ستفتح لكم أرض العجم، وستجدون فيها بيوتاً يقال لها الحمامات فلا يدخلنها الرجال إلا بالأزر وامنعوها النساء إلا مريضة أو نفساء" ، رواه أبو داود وابن ماجه، قال

(8/86)


هذا حديثٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ حَدِيثِ حَمّادِ بنِ سَلَمَةَ وَإِسْنَادُهُ لَيْسَ بِذَاكَ القَائِدمِ.
2955- حدثنا مَحمُودُ بنُ غَيْلاَنَ، أخبرنا أَبُو دَاوُدَ، أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ عن مَنْصُورٍ، قالَ سَمِعْتُ سَالِمَ بنَ أَبي الْجَعْدِ يُحَدّثُ عن أَبي المَلِيحِ الهُذَلِيّ أَنّ نسَاءً مِنْ أَهْلِ حِمْصَ أَوْ مِنْ أَهْلِ الشّامِ دَخَلْنَ عَلَى عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: أَنْتُنّ اللاّتي يَدْخُلَن نِسَاؤُكُن الْحَمّامَاتِ؟ سَمِعْتُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَا مِنْ امْرَأَةٍ تَضَعُ ثِيَابَهَا في غَيْرِ بَيْتٍ زَوْجِهَا إِلاّ هَتَكَتِ السّتْرَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَبّهَا" .
ـــــــ
المنذري في إسناده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي، وقد تكلم فيهما غير واحد وعبد الرحمن بن رافع التنوخي قاضي إفريقية وقد غمزه البخاري وابن أبي حاتم.
قوله: "هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة الخ" وأخرجه أبو داود وابن ماجه قال المنذري بعد نقل كلام الترمذي هذا وسئل أبو زرعة عن أبي عذرة هل يسمى؟ فقال لا أعلم أحداً سماه هذا آخر كلامه وقيل إن أبا عذرة أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال أبو بكر بن حازم الحافظ: لا يعرف هذا الحديث إلا من هذا الوجه. وأبو عذرة غير مشهور وأحاديث الحمام كلها معلولة، وإنما يصح منها عن الصحابة، فإن كان هذا الحديث محفوظاً فهو صريح انتهى.
قوله: "عن منصور" هو ابن المعتمر.
قوله: "أن نساء من أهل حمص" بكسر مهملة وسكون ميم فمهملة، هي بلدة من الشام "أو من أهل الشام" شك من الراوي "تضع ثيابها" أي الساترة لها "إلا هتكت الستر" بكسر أوله، أي حجاب الحياء "بينها وبين ربها" لأنها مأمورة بالتستر والتحفظ من أن يراها أجنبي حتى لا ينبغي لهن أن يكشفن عورتهن في الخلوة أيضاً إلا عند أزواجهن فإذا كشفت أعضاءها في الحمام من غير ضرورة

(8/87)


هذا حديثٌ حسنٌ.
ـــــــ
فقد هتكت الستر الذي أمرها الله تعالى به. قال الطيبي: وذلك لأن الله تعالى أنزل لباساً ليواري به سوآتهن، وهو لباس التقوى، فإذا لم يتقين الله تعالى وكشفن سوآتهن هتكن الستر بينهن وبين الله تعالى انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه ابن ماجه وأبو داود وسكت عنه، ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره.

(8/88)


باب ماجاء أن الملائكة لاتدخل بيتا فيه صورة ولا كلب
...
77- باب ما جَاءَ أَنّ المَلاَئِكَةّ لاَ تَدْخُلُ بَيْتَاًفِيهِ صُورَةٌ وَلا كَلْب
2956- حدثنا سَلَمَةُ بنُ شَبِيبٍ وَالْحَسَنُ بنُ عَلِيٍ الْخَلاّلُ وَعَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ وَاللّفْظُ لِلْحَسَنِ بنِ علي قَالُوا: أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ، أخبرنا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ، أَنّهُ سَمِعَ ابنَ عَبّاسٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا طَلْحَةَ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "لاَ تَدْخُلُ المَلاَئِكَةُ بَيْتاً فِيهِ كَلْبٌ وَلاَ صُورَةُ تَمَاثِيلَ" .
ـــــــ
باب ما جَاءَ أَنّ المَلاَئِكَةّ لاَ تَدْخُلُ بَيْتَاًفِيهِ صُورَةٌ وَلا كَلْب
قوله: "لا تدخل الملائكة" أي ملائكة الرحمة لا الحفظة، وملائكة الموت "بيتاً" أي مسكناً "فيه كلب" أي إلا كلب الصيد والماشية والزرع، وقيل إنه مانع أيضاً، وإن لم يكن اتخاذه حراماً "ولا صورة تماثيل" جمع تمثال بالكسر، وهو الصورة كما في القاموس وغيره، والمعنى صورة من صور الإنسان أو الحيوان. قال النووي: قال العلماء سبب امتناعهم من بيت فيه صورة كونها معصية فاحشة وفيها مضاهاة بخلق الله تعالى، وبعضها في صورة ما يعبد من دون الله تعالى، وبسبب امتناعهم من بيت فيه كلب لكثرة أكله النجاسات، ولأن بعضها يسمى شيطاناً كما جاء به الحديث، والملائكة ضد الشياطين، ولقبح رائحة الكلب

(8/88)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
2957- حدثنا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ، أخبرنا رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ، أخبرنا مَالِكُ بنُ أَنَسٍ، عن إِسْحَاقَ بنِ عَبْدِ الله بنِ أَبي طَلْحَةَ أَنّ رَافِعَ بنَ إِسْحَاقَ، أخبره قَالَ: "دَخَلْتُ أَنَا وعَبْدِ الله بنِ أَبي طَلْحَةَ عَلَى أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ نَعُودُهُ، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ، أخبرنا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أَنّ المَلاَئِكَةَ لاَ تَدْخُلُ بَيْتاً فِيهِ تَماثِيلُ أَوْ صُورَةٌ". شَكّ إِسْحَاقُ لاَ يَدْرِي أَيّهُمَا قَالَ. هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
والملائكة تكره الرائحة القبيحة، ولأنها منهى عن اتخاذها، فعوقب متخذها بحرمانه دخول الملائكة بيته وصلاتها فيه، واستغفارها له وتبريكها عليه وفي بيته ودفعها أذى الشيطان، وأما هؤلاء الملائكة الذين لا يدخلون بيتاً فيه كلب أو صورة فهم ملائكة يطوفون بالرحمة والتبريك والاستغفار، وأما الحفظة فيدخلون في كل بيت ولا يفارقون بني آدم في كل حال، لأنهم مأمورون بإحصاء أعمالهم وكتابتها. قال الخطابي: وإنما لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب أو صورة مما يحرم اقتناؤه من الكلاب والصور، فأما ما ليس بحرام من كلب الصيد والزرع والماشية والصورة التي تمتهن في البساط والوسادة وغيرهما فلا يمتنع دخول الملائكة بسببه. وأشار القاضي إلى نحو ما قاله الخطابي. والأظهر أنه عام في كل كلب وكل صورة وأنهم يمتنعون من الجميع لإطلاق الأحاديث، ولأن الجرو الذي كان في بيت النبي صلى الله عليه وسلم تحت السرير كان له فيه غير ظاهر، فإنه لم يعلم به، ومع هذا امتنع جبريل صلى الله عليه وسلم من دخول البيت وعلل بالجرو، فلو كان العذر في وجود الصورة والكلب لا يمنعهم لم يمتنع جبرائيل انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.
قوله: "أن رافع بن إسحاق" المدني، مولى أبي طلحة، ثقة من الثالثة.

(8/89)


2882 - حدثنا سُوَيْدُ، أخبرنا عَبْدُ الله بنُ المُبَارَكِ، أخبرنا يُونُسُ ابنُ أَبي إِسْحَاقَ، أخبرنا مُجَاهِدٌ، قال أخبرنا أَبُو هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أَتَانِي جِبْرَيلُ فَقَالَ: إنّي كُنْتُ أَتَيْتُكَ البَارِحَةَ فَلَمْ يَمْنَعَنِي أَنْ أَكُونَ دَخَلْتُ عَلَيْكَ البَيْتَ الّذِي كُنْتَ فِيهِ إِلاّ أَنّهُ كَانَ في بَابِ البَيْتِ تِمْثَالُ الرّجَالِ، وَكَانَ في البَيْتَ قِرَامُ سِتْرٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ، وَكَانَ في البَيْتِ كلْبٌ. فَمُرْ بِرَأْسِ التّمْثَالِ الّذِي بِالْبَابِ فَلْيُقْطَعْ فَليَصِيرَ كَهَيْئَةِ الشّجَرَةِ، وَمُرْ بِالسّتْرِ فَلْيُقْطَعْ وَيُجْعَلُ مِنْهُ وِسَادَتَيْنِ مُنْتَبِذَتَيْنِ تُوطَآنِ، وَمُرْ بِالْكَلْبِ فَيُخْرَجْ. فَفَعَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم،
ـــــــ
قوله: "أتيتك البارحة" أي الليلة الماضية "فلم يمنعني" أي مانع "أن أكون" أي من أن أكون "إلا أنه" أي الشأن "كان في باب البيت" أي في ستره "تمثال الرجال" بكسر التاء أي تصوير الرجال "وكان" عطف على كان الأول، فهو من جملة كلام جبرئيل، أي وكان أيضاً "في البيت قرام ستر" بكسر السين، والقرام بكسر القاف قال في القاموس: القرام ككتاب الستر الأحمر أو ثوب ملون من صوف فيه رقم ونقوش أو ستر رقيق. وقال في النهاية: القرام الستر الرقيق، وقيل الصفيق من صوف ذي ألوان والإضافة فيه كقولك: ثوب قميص، وقيل القرام الستر الرقيق وراء الستر الغليظ، ولذلك أضاف "فيه تماثيل" جمع تمثال، أي تصاوير "وكان في البيت كلب" أي أيضاً "فيصير كهيئة الشجرة" قال في شرح السنة: فيه دليل على أن الصورة إذا غيرت هيئتها بأن قطعت رأسها أو حلت أوصالها حتى لم يبق منها إلا الأثر على شبه الصور، فلا بأس به، وعلى أن موضع التصوير إذا نقض حتى تنقطع أوصاله جاز استعماله "منتبذتين" أي مطروحتين مفروشتين "توطآن" بصيغة المجهول، أي تهانان بالوطء عليهما والقعود فوقهما والاستناد عليهما، وأصل الوطأ: الضرب بالرجل "ففعل رسول الله صلى الله

(8/90)


وَكَانَ ذَلِكَ الْكَلْبُ جِرْواً لِلْحُسَيْنِ أَوْ للحَسَنِ تَحْتَ نَضَدٍ لَهُ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ". هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وفي البابِ عن عَائِشَةَ.
ـــــــ
عليه وسلم" أي جميع ما ذكر "وكان ذلك الكلب جرو للحسين والحسن" قال في القاموس: الجرو مثلثة صغير كل شيء حتى الحنظل والبطيخ ونحوه وولد الكلب "تحت نضد له" بفتح النون والضاد المعجمة فعل بمعنى مفعول، أي تحت متاع البيت المنضود بعضه فوق بعض، وقيل هو السرير سمى بذلك لأن النضد يوضع عليه، أي يجعل بعضه فوق بعض.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي.
قوله: "وفي الباب عن عائشة" أخرجه الشيخان.

(8/91)


78- باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ لُبْسِ المُعَصْفَر لِلرّجَالِ
2959- حدثنا عَبَاسُ بنُ مُحمّدٍ البَغْدَادِيّ، أخبرنا إِسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ، أخبرنا إسْرَائِيلُ، عن أَبِي يَحْيىَ، عن مُجَاهِدٍ عن عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو قالَ: "مَرّ رَجُلٌ وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَحْمَرَانِ فَسَلّمَ عَلَى النبيّ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يَرُدّ النبيّ صلى الله عليه وسلم السلام" .
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ لُبْسِ المُعَصْفَر لِلرّجَالِ والقَسِي
قوله: "حدثنا عباس بن محمد البغدادي" هو الدوري "أخبرنا إسحاق بن منصور" هو السلولى "أخبرنا إسرائيل" هو ابن يونس "عن أبي يحيى" هو القتات.
قوله: "مر رجل وعليه ثوبان أحمران إلخ" احتج بهذا الحديث القائلون بكراهة لبس الأحمر، وأجاب المبيحون عنه بأنه ضعيف لا ينتهض للاستدلال به. وقد تقدم الكلام في هذه المسألة في باب الرخصة في الثوب الأحمر للرجال من أبواب اللباس.

(8/91)


هذا حديثٌ حسنٌ. غريبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنّهُ كَرِهُوا لُبْسَ المُعَصْفَرِ، وَرَأَوْا أَنّ مَا صُبِغَ بِالْحُمْرَةِ بِالمَدَرِ أَو غَيْرِ ذَلِكَ فَلاَ بَأْسَ بِهِ إِذَا لم يَكُنُ مُعَصْفَراً.
2960- حدثنا قُتَيْبَةُ، أخبرنا أَبُو اْلأحْوَصِ عن أَبي إِسْحَاقَ عن هُبَيْرَةَ بنِ يَرِيمَ، قالَ: قالَ عَلِيّ بنُ أَبي طَالِبٍ: "نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عن خَاتَمِ الذّهَبِ وَعن القِسّيّ وَعن المَيثَرَةِ وعن الجُعّةِ" . قالَ أبو الأحْوَصِ: وَهُوَ شَرَابٌ يُتّخَذُ بِمِصْرَ مِنَ الشّعِيرِ.
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه" أخرجه أبو داود، قال المنذري في تلخيص السنن: بعد نقل كلام الترمذي هذا: في إسناده أبو يحيى القتات وهو كوفي ولا يحتج بحديثه وقال الحافظ في الفتح: وهو حديث ضعيف الاسناد وإن وقع في بعض نسخ الترمذي أنه قال حديث حسن.
قوله: "ومعنى هذا الحديث عند أهل العلم أنه كره لبس المعصفر، ورأوا أن ما صبغ بالحمرة بالمدر الخ" قال في القاموس: المدر محركة قطع الطين اليابس انتهى، ومراد الترمذي بالمدر ههنا هو الطين الأحمر الذي يصبغ به الثوب فيصير أحمراً. وحاصل كلامه أن المراد بالثوب الأحمر في هذا الحديث عند أهل العلم، هو المعصفر أي المصبوغ بالعصفر وهو الممنوع، وأما المصبوغ بالحمرة من غير العصفر فلا بأس به، وقد تقدم الكلام في لبس المعصفر في باب كراهية المعصفر للرجال من أبواب اللباس.
قوله: "عن هبيرة" بضم الهاء وفتح الموحدة مصغراً "بن يريم" بفتح التحتية بوزن عظيم.
قوله: "وعن القسي وعن الميثرة" تقدم تفسيرهما في كتاب اللباس "وعن الجعة" كعدة هي النبيذ المتخذ من الشعير، قاله الجزري في النهاية.

(8/92)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
2961- حدثنا مُحمّدُ بْنُ بَشّارٍ، أخبرنا مُحمّدُ بْنُ جعفرٍ وعَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍ، قالا: أخبرنا شُعْبَةُ عن الأشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ عن مُعَاوِيَةَ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ مُقرّنٍ عن الْبَراءِ بْنِ عَازِبٍ قال: "أمَرَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِسَبْعٍ وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ: أَمَرَنَا بِاتّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَعِيادَةِ المَرِيضِ، وَتشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَإِجَابَةِ الدّاعِي، وَنَصْرِ المَظْلُومِ، وَإِبْرَارِ المُقْسِمِ، وَرَدّ السّلاَمِ. وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ: عَنْ خَاتَمِ الذّهَبِ أَوْ حَلْقَةِ الذّهَبِ وَآنِيَةِ الْفِضّةِ وَلُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدّيبَاج وَالإِسْتَبْرَقِ وَالْقِسّيّ" .
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الترمذي في باب النهي عن القراءة في الركوع والسجود بلفظ: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس القسي والمعصفر، وعن تختم الذهب، وعن قراءة القرآن في الركوع، وأخرجه أيضاً مسلم وأبو داود والنسائي.
قوله: "أخبرنا محمد بن جعفر" المعروف بغندر "عن الأشعث بن سليم" هو أشعث بن أبي الشعثاء المحاربي الكوفي ثقة من السادسة "عن معاوية بن سويد ابن مقرن" المزني الكوفي، ثقة من الثالثة.
قوله: "وإبرار المقسم" أي الحالف، يعني جعله باراً صادقاً في قسمه أو جعل يمينه صادقة. والمعنى أنه لو حلف أحد على أمر مستقبل وأنت تقدر على تصديق يمينه ولم يكن فيه معصية، كما لو أقسم أن لا يفارقك حتى تفعل كذا وأنت تستطيع فعله فافعل كيلا يحنث، وقيل هو إبراره في قوله والله لتفعلن كذا، قال الطيبي: قيل هو تصديق من أقسم عليه وهو أن يفعل ما سأله الملتمس، وأقسم عليه أن يفعله يقال بر وأبر القسم إذا صدقه "عن خاتم الذهب أو حلقة الذهب" شك من الراوي "ولبس الحرير والديباج والإستبرق" بكسر همزة: ما غلظ من الحرير، والديباج ما رق. والحرير أعم وذكرهما معه لأنهما لما خصا بوصف صارا

(8/93)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وأشعتُ بنُ سُلَيْمٍ هو أشعثُ بنُ أَبي الشّعْثاءِ اسْمُهُ سُلَيْمُ بنُ الأَسْوَدِ.
ـــــــ
كأنهما جنسان آخران. قاله الكرماني: ووقع في بعض روايات هذا الحديث عند البخاري وغيره النهي عن المياثر الحمر، وبهذا يظهر مناسبة الحديث للباب، وروى أو يعلى الموصلي في مسنده من حديث ابن عباس قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن خواتيم الذهب والقسية والميثرة الحمراء المصبغة من العصفر.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وغيرهما.

(8/94)


باب ماجاء في لبس البياض
...
79- باب مَا جَاءَ في لُبْسِ الْبَياض
2962- حدثنا مُحمّدُ بن بَشّارٍ، أخبرنا عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ مَهْدِي، أخبرنا سُفْيَانُ، عن حَبِيبِ بن أبي حبيبٍ بْنِ أبي ثَابِتٍ، عن مَيْمُونِ بْنِ أبي شَبِيب، عن سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "الْبَسُوا الْبَيَاضَ فَإِنّهَا أَطْهَرُ وَأَطْيَبُ، وَكَفّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ" . هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وفي البابِ عن ابنِ عَبّاسٍ وَابنِ عُمَرَ.
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في لُبْسِ الْبَياض
قوله: "البسوا" بفتح الموحدة من باب سمع يسمع "البياض" أي الثياب البيض كما في رواية "فإنها أطهر" أي لا دنس ولا وسخ فيها، قال الطيبي: لأن البيض أكثر تأثراً من الثياب الملونة، فتكون أكثر غسلاً منها فتكون أطهر "وأطيب" أي أحسن طبعاً أو شرعاً، ويمكن أن يكون تأكيداً لما قبله، لكن التأسيس أولى من التأكيد، وقيل أطيب لدلالته غالباً على التواضع، وعدم الكبر والخيلاء والعجب وسائر الأخلاق الطيبة.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه.
قوله: "وفي الباب عن ابن عباس وابن عمر" أما حديث ابن عباس فأخرجه

(8/94)


ـــــــ
الترمذي في باب ما يستحب من الأكفان، وأما حديث ابن عمر فأخرجه ابن عدي في الكامل.

(8/95)


80- باب مَا جَاءَ فِي الرّخْصَةِ في لُبْسِ الْحُمْرةِ لِلرّجَال
2963- حدثنا هَنّادٌ، أخبرنا عَبْثَرُ بْنُ الْقَاسِمِ، عن الأشْعَتِ وَهُوَ ابْنُ سِوَارٍ، عن أَبي إِسْحَاقَ، عن جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قال: "رَأَيْتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم في لَيْلَةٍ إِضْحِيَانِ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إلى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَإِلَى الْقَمَرِ وَعَلَيْهِ حُلّةٌ حَمْرَاءُ فَإِذَا هُوَ عِنْدِي أَحْسَنُ مِنَ الْقَمَرِ".
ـــــــ
باب مَا جَاءَ فِي الرّخْصَةِ في لُبْسِ الْحُمْرةِ لِلرّجَال
اعلم أن الترمذي قد عقد باباً في أبواب اللباس بلفظ باب ما جاء في الرخصة في الثوب الأحمر للرجال وأورد فيه حديث البراء ففي عقده هنا في هذا الباب تكرار
قوله: "عن أبي إسحاق" هو السبيعي.
قوله: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة إضحيان" بكسر الهمزة والحاء وتخفيف التحتية وهو منصرف وإن كان ألفه ونونه زائدتين لوجود إضحيانة، قال في القاموس: ليلة ضحياء وإضحيانة وإضحية بكسرهما: مضيئة، ويوم ضحياة، وقال في الفائق: أي مقمرة من أولها إلى آخرها، وأفعلان مما قل في كلامهم "فجعلت أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي نظرة "وإلى القمر" أي أخرى لأنظر الترجيح بينهما في الحسن الصوري "وعليه حلة حمراء" جملة حالية معترضة، استدل بهذا على جواز لبس الثوب الأحمر للرجال وقد تقدم الكلام في هذه المسألة مبسوطاً في باب الرخصة في الثوب الأحمر للرجال "فإذا هو عندي أحسن من القمر" أي في نظري أو معتقدي، ولفظ الترمذي في الشمائل: فلهو عندي أحسن من القمر، أي لزيادة الحسن المعنوي فيه صلى الله عليه وسلم.

(8/95)


هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ إِلاّ من حدِيثِ الأشعث وروى شُعْبَةُ وَالثّوْرِيّ عن أبي إِسْحَاقَ عن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قال: "رَأَيْتُ عَلَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم حُلَةً حَمْرَاءَ".
2964- حدثنا بِذَلِكَ محمودُ بنُ غَيْلاَنَ، أخبرنا وَكِيعٌ، أخبرنا سُفْيَانُ عن أبي إِسْحَاقَ، وحدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارِ، أخبرنا مُحمّدُ بنُ جعفرٍ، أخبرنا شُعْبَةُ عن أبي إِسْحَاقَ بهذا. وفي الحديثِ كلامٌ أكثرُ من هذا: قال: سأَلْتُ مُحمّداً فقلت لَهُ: حديثُ أبي إِسْحَاقَ عن الْبَرَاءِ أَصَحّ أو حديثُ جَابرِ بنِ سَمُرَةَ؟ فَرَأَى كِلاَ الحديثَيْنِ صحيحاً. وفي البابِ عن البَرَاءِ وَأَبِي جُحَيْفَةَ.
ـــــــ
قوله: "حديث حسن غريب" وأخرجه الدارمي.
قوله: "وفي الحديث كلام أكثر من هذا" يعني أن حديث البراء مطول، وقد أخرج الترمذي هذا الحديث المطول في باب الرخصة في الثوب الأحمر للرجال.
قوله: "وفي الباب عن البراء وأبي جحيفة" أما حديث البراء فالظاهر أنه أراد به غير حديثه المذكور ولينظر من أخرجه. وأما حديث أبي جحيفة فأخرجه البخاري في باب الصلاة في الثوب الأحمر.

(8/96)


81- باب مَا جَاءَ في الثّوْبِ اْلاّخْضَر
2965- حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ، أخبرنا عَبْد الرّحْمَن بْنُ مَهْدِيٍ، أخبرنا عُبَيْدُ الله بْنُ إِيَادِ بْنِ لَقِيطٍ، عن أَبِيهِ، عن أَبي رِمْثَةَ قال: "رَأَيْتُ
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في الثّوْبِ اْلاّخْضَر
قوله: "أخبرنا عبيد الله بن إياد بن لقيط" السدوسي أبو السليل بفتح المهملة وكسر اللام وآخره لام أيضاً الكوفي، كان عريف قومه، صدوق لينه البزار وحده من السابعة "عن أبيه" هو إياد بكسر أوله ثم تحتانية ابن لقيط السدوسي

(8/96)


رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْهِ بُرْدَانِ أَخْضَرَانِ".
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ إِلاّ من حديثِ عُبَيْدِ الله بْنِ إِيَادٍ. وأبو رِمْثَةَ التّيْمي يقال اسْمُهُ حَبِيبُ بْنُ حَيّانَ، ويُقَالُ اسْمُهُ رِفَاعَةُ بْنُ يَثْرِبِي.
ـــــــ
ثقة من الرابعة "عن أبي رمثة" بكسر أوله وسكون الميم بعدها مثلثة، صحابي، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وعنه إياد بن لقيط وثابت بن أبي منقذ.
قوله: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه بردان أخضران" وفي رواية لأحمد: وعليه ثوبان أخضران. أي مصبوغان بلون الخضرة وهو أكثر لباس أهل الجنة كما وردت به الأخبار ذكره ميروك، وقد قال تعالى {عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ} وهو أيضاً من أنفع الألوان للأبصار ومن أجملها في أعين الناظرين.
قال القارى: ويحتمل أنهما كانا مخطوطين بخطوط خضر، كما ورد في بعض الروايات بردان بدل ثوبان، والغالب أن البرود ذوات الخطوط انتهى.
قلت: هذا الاحتمال بعيد لا دليل عليه والظاهر أنهما كانا أخضرين بحتين. قال العصام: المراد بالثوبين الإزار والرداء، وما قيل فيه إن لبس الثوب الأخضر سنة ضعفه ظاهر، إذ غاية ما يفهم منه أنه مباح انتهى. قال القاري: وضعفه ظاهر، لأن الأشياء مباحة على أصلها، فإذا اختار المختار شيئاً منها يلبسه، لا شك في إفادة الاستحباب انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي.

(8/97)


82- باب مَا جَاءَ في الثّوْبِ الأَسْوَد
2966- حدثنا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ، أخبرنا يَحْيىَ بنُ زَكَرِيّا بنِ أَبي زائِدةَ، أخبرني أبي، عن مُصْعَبِ بنِ شَيْبَةَ، عن صَفِيّةَ ابنة شَيْبَةَ، عن عائِشَةَ قَالتْ: "خَرَجَ النبيّ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ غَدَاةٍ وَعَلَيْهِ مِرْطٌ
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في الثّوْبِ الأَسْوَد
قوله: "وعليه مرط" بكسر الميم وإسكان الراء. هو كساء يكون تارة من

(8/97)


مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدُ". هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.
ـــــــ
صوف، وتارة من شعر أو كتان أو خز. قال الخطابي: هو كساء يؤتزر به، وفي رواية مسلم وأبي داود: وعليه مرط مرحل. قال النووي: هو بفتح الراء وفتح الحاء المهملة المشددة، هذا هو الصواب الذي رواه الجمهور وضبطه المتقنون. وحكى القاضي أن بعضهم رواه بالجيم، أي عليه صور الرجال، والصواب الأول ومعناه عليه صورة رحال الإبل ولا بأس بهذه الصور، وإنما يحرم تصوير الحيوان انتهى. وقال الخطابي المرحل هو الذي فيه خطوط، ويقال إنما سمي مرحلاً لأن عليه تصاوير رحل أو ما يشبهه.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه مسلم وأبو داود.

(8/98)


83- باب مَا جَاءَ في الثّوْبِ الأَصْفَر
2967- حدثنا عَبْدُ بنُ حَمْيدٍ، أخبرنا عَفّانُ بنُ مُسْلِمِ الصّفّارُ أبو عُثْمَانَ، أخبرنا عَبْدِ الله بنُ حَسّانَ أَنّهُ حَدّثَتْهُ جَدّتَاهُ صَفِيّةُ بِنْتُ عُلَيْبَةَ وَدُحَيْبَةُ بِنْتُ عُلَيْبَةَ، حَدّثَتَاهُ عن قَيْلَةَ بِنْتِ مَخْرَمَةّ، وَكَانَتَا رَبِيبَتيها وَقِيلَةُ جَدّةُ أَبِيهِا أُمّ أُمّهِ أَنّهَا قالَتْ: "قَدِمْنَا عَلَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فَذَكَرَتِ الحديثَ بِطُولِهِ حَتّى جَاءَ رَجُلٌ وَقَدِ ارْتَفَعَتِ
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في الثّوْبِ الأَصْفَر
قوله: "أخبرنا عبد الله حسان" التميمي أبو الجنيد العنبري، مقبول من السابعة "أنه حدثته جدتاه صفية بنت عليبة" بضم العين وفتح اللام وسكون التحتية وبالموحدة مقبولة من الثالثة "ودحيبة" بضم الدال وفتح الحاء المهملتين وسكون التحتية وبالموحدة العنبرية مقبولة من الثالثة "عن قيلة" بفتح القاف وسكون التحتية "بنت مخرمة" العنبرية، صحابية لها حديث طويل، هاجرت إلى النبي صلى الله عليه وسلم مع حريث بن حسان وافد بني بكر بن وائل.
قوله: "فذكرت الحديث بطوله" أخرج البخاري في الأدب المفرد طرفاً

(8/98)


الشَمْسُ، فَقَالَ: السّلاَمُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ الله، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "وَعَلَيْكَ السّلاَمُ وَرَحْمةُ الله، وَعَلَيْهِ - تَعْنِي النبيّ صلى الله عليه وسلم - أَسْمَالُ مُلَيّتَيْنِ كَانَتَا بِزَعْفَرَانٍ وَقَدْ نَفَضَتَا وَمَعَهُ عَسِيْبُ نَخْلَةٍ" .
حديث قَيْلَةَ لا نَعْرِفُهُ إلاّ من حديث عبدِ الله بنِ حَسّانَ.
ـــــــ
منه في باب القرفصاء، وأخرجه أبو داود مختصراً في باب إقطاع الأرضين من كتاب الخراج، وفي باب جلوس الرجل من كتاب الأدب، ولم أقف على من أخرجه بطوله. وقال المنذري قد شرح حديث قيلة أهل العلم بالغريب، وهو حديث حسن "وعليه" أي على النبي صلى الله عليه وسلم "تعني النبي صلى الله عليه وسلم" أي تريد قيلة أن الضمير المجرور في قولها: وعليه راجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم "أسمال مليتين" جمع سمل بسين مهملة وميم مفتوحتين وهو الثوب الخلق، والمراد بالجمع ما فوق الواحد، على أن الثوب الواحد قد يطلق عليه أسمال باعتبار اشتماله على أجزاء، وحينئذ فلا إشكال في إضافته إضافة بيانية إلى مليتين، تصغير ملاءة بالضم والمد لكن بعد حذف الألف وهي كما في النهاية: الإزار والريطة، وفي الصحاح: هي الملحفة. كذا في شرح الشمائل لابن حجر المكي "كانتا بزعفران" أي مصبوغتين بزعفران "وقد نفضتا" قال في النهاية: أي نصل لون صبغهما ولم يبق إلا الأثر انتهى، فلا ينافي لبسه صلى الله عليه وسلم هاتين المليتين ما ورد من النهي عن لبس المزعفر "ومعه" أي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم "عسيب نخلة" بضم العين وفتح السين المهملة تصغير عسيب. قال في القاموس: العسيب جريدة من النخل مستقيمة دقيقة يكشط خوصها والذي لم ينبت عليه الخوص من السعف.

(8/99)


باب ماجاء في كراهية التزعفر والخلوق للرجال
...
84- باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ التّزَعْفُرِ وَالْخلوقِ لِلرّجَال
2968- حدثنا قُتَيْبَةُ، أخبرنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ، وحدثنا إِسْحَاقُ بنُ
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ التّزَعْفُرِ وَالْخلوقِ لِلرّجَال
قال في النهاية: الخلوق طيب معروف مركب يتخذ من الزعفران وغيره من

(8/99)


مَنْصُورٍ، أخبرنا عَبْد الرّحْمَنِ بنُ مَهْدِيّ، عن حَمّادِ بنِ زَيْدٍ عن عبدِ الْعَزِيزِ ابنِ صُهَيْبٍ عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قال: "نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَنِ التّزَعْفُرِ لِلرّجَالِ" .
ـــــــ
أنواع الطيب وتغلب عليه الحمرة والصفرة، وقد ورد تارة بإباحته، وتارة بالنهي عنه والنهي أكثر وأثبت، وإنما نهى عنه لأنه من طيب النساء وكن أكثر استعمالاً له منهم، والظاهر أن أحاديث النهي ناسخة انتهى
قوله: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التزعفر للرجال" أي عن استعمال الزعفران في الثوب والبدن، والحديث دليل لأبي حنيفة والشافعي ومن تبعهما في تحريم استعمال الرجل الزعفران في ثوبه وبدنه، ولهما أحاديث أخرى صحيحة ومذهب المالكية أن الممنوع إنما هو استعماله في البدن دون الثوب، ودليلهم ما أخرجه أبو داود. وعن أبي موسى مرفوعاً: لا يقبل الله صلاة رجل في جسده شيء من خلوق، فإن مفهومه أن ما عدا الجسد لا يتناوله الوعيد. وأجيب عن حديث أبي موسى هذا بأن في سنده أبا جعفر الرازي وهو متكلم فيه وأحاديث النهي عن التزعفر مطلقاً أصح وأرجح.
فإن قلت: قد ثبت في الصحيحين من حديث أنس أن عبد الرحمن بن عوف جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبه أثر صفرة، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره أنه تزوج امرأة الحديث. وفي رواية وعليه ردع زعفران، فهذا الحديث يدل على جواز التزعفر، فإنه صلى الله عليه وسلم لم ينكر على عبد الرحمن بن عوف، فكيف التوفيق بين حديث أنس هذا وبين حديثه المذكور في الباب وما في معناه.
قلت: أشار البخاري إلى الجمع بأن حديث عبد الرحمن للمتزوج وأحاديث النهي لغيره حيث ترجم بقوله باب الصفرة للمتزوج.
وقال الحافظ: إن أثر الصفرة التي كانت على عبد الرحمن تعلقت به من جهة زوجته، فكان ذلك غير مقصود له، قال ورجحه النووي، وأجيب عن حديث

(8/100)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَرَوَى شُعْبَةُ هذا الحديثَ عن إسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيّةَ عن عبدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عن أَنَسٍ: "أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنِ التَزَعْفُرِ" .
2969- حدثنا بِذَلِكَ عبيد الله بنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ، أخبرنا آدَمُ عن
ـــــــ
عبد الرحمن بوجوه أخرى ذكرها الحافظ في الفتح في باب الوليمة ولو بشاة من كتاب النكاح.
فإن قلت: روى الشيخان عن ابن عمر: أن رجلاً قال يا رسول الله ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يلبس القمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف إلا أحد لا يجد نعلين فليلبس خفين فليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شيئاً مسه الزعفران أو ورس". فيستفاد من ظاهر هذا الحديث جواز لبس المزعفر لغير الرجل المحرم لأنه قال ذلك في جواب السؤال عما يلبس المحرم، فدل على جوازه لغيره.
قلت: قال العراقي: الجمع بين الحديثين أنه يحتمل أن يقال إن جواب سؤالهم انتهى عند قوله أسفل من الكعبين ثم استأنف بهذا لا تعلق له بالمسئول عنه فقال ولا تلبسوا شيئاً من الثياب إلى آخره انتهى.
قلت: والأولى في الجواب أن يقال إن الجواز للحلال مستفاد من حديث ابن عمر بالمفهوم، والنهي ثابت من حديث أنس بالمنطوق، وقد تقرر أن المنطوق مقدم على المفهوم.
فإن قلت: روى النسائي من طريق عبد الله بن زيد عن أبيه عن ابن عمر كان يصبغ ثيابه بالزعفران، فقيل له، فقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبغ. قلت: عبد الله بن زيد صدوق فيه لين وأصله في الصحيح، وليس فيه ذكر الصفرة.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي

(8/101)


شُعْبَةَ قال: وَمَعْنَى كَرَاهِيَةِ التّزَعْفُرِ لِلرّجَالِ أَنْ يَتَطَيّبَ بِهِ.
2970- حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ، أخبرنا أَبو دَاوُدَ الطّيَالِسِيّ عن شُعْبَةَ عن عَطَاءِ بنِ السّائِبِ قال: سَمِعْتُ أَبَا حَفْصِ بنِ عُمَرَ يُحَدّثُ عن يَعْلَى بنِ مُرّةَ: "أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أَبْصَرَ رَجُلاً مُتَخَلّقَاً، وقال: "اذْهَبْ فَاغسِلْهُ ثُمّ لا تَعُدْ" . هذا حديثٌ حسنٌ. وقد اخْتَلَفَ بَعْضُهُمْ في هذا الإِسْنَادِ عن عَطَاءِ بنِ السّائِبِ. قال عَلِيّ قال يَحْيىَ بنُ سَعِيدٍ: مَنْ
ـــــــ
"قال: ومعنى كراهية التزعفر للرجال أن يتزعفر الرجل يعني أن يتطيب به" كذا قال الترمذي. والظاهر من قوله نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التزعفر للرجال، هو النهي عن استعمال الزعفران مطلقاً قليلاً كان أو كثيراً، وفي البدن كان أو في الثوب.
قوله: "سمعت أبا حفص بن عمر" قال الحافظ في تهذيب التهذيب في باب الكنى: أبو حفص بن عمرو، وقيل ابن عمر وقيل أبو عمر بن حفص، وقيل غير ذلك في ترجمة عبد الله بن حفص انتهى. وقال في ترجمة عبد الله بن حفص روى عن يعلى بن مرة في النهي عن الخلوق، وعنه عطاء بن السائب قاله ابن عيينة وغيره عنه. وقال حماد بن سلمة عنه عن حفص بن عبد الله ورواه شعبة عن عطاء ابن السائب عن أبي حفص بن عمرو، وقيل عنه غير ذلك. وذكره ابن حبان في الثقات انتهى. وقال في التقريب: عبد الله بن حفص، وقيل حفص بن عبد الله مجهول لم يرو عنه غير عطاء بن السائب من الرابعة.
قوله: "أبصر رجلاً متخلقاً" أي مطلياً بالخلوق بفتح الخاء المعجمة، تقدم معناه "فاغسله ثم اغسله" وفي رواية النسائي: فاغسله ثم اغسله ثم اغسله، قال المظهر: أمره بغسله ثلاث مرات للمبالغة، وقيل الأظهر أنه لا يذهب لونه إلا بغسله ثلاثاً "ثم لا تعد" بضم العين أي لا ترجع إلى استعماله فإن لا يليق بالرجال
قوله: "هذا حديث حسن". وأخرجه النسائي "وقد اختلف بعضهم في هذا

(8/102)


سَمِعَ من عَطَاءِ بنِ السّائِبِ قَدِيماً فَسَماعُهُ صحيحٌ، وسماعُ شُعْبَةَ وَسُفْيَانَ مِنْ عَطَاءِ بنِ السّائِبِ صحيحٌ إِلاّ حَديثَيْنِ عن عطاءِ بنِ السائِبِ عن زَاذَانَ. قال شُعْبَةُ: سَمِعْتُهُمَا مِنْهُ بآخِرَةٍ. يُقَالُ إِنّ عطاءَ بنَ السائبِ كَانَ في آخِرِ أَمْرِهِ قد ساء حِفْظُهُ. وفي الباب عن عَمّارٍ وأبي مُوسَى وأَنَسٍ.
ـــــــ
الإسناد عن عطاء بن السائب" قد تقدم بيانه في كلام الحافظ "بآخرة" بفتح الهمزة والخاء: أي في آخر عمره.
قوله: "وفي الباب عن عمار وأبي موسى وأنس" أما حديث عمار فأخرجه أحمد وأبو داود. وأما حديث أبي موسى فأخرجه أبو داود، وقد تقدم لفظه، وأما حديث أنس فلعله أشار إلى ما رواه أبو داود والنسائي من طريق سلم العلوي عنه: دخل رجل على النبي صلى الله عليه وسلم وعليه أثر صفرة فكره ذلك وقلما كان يواجه أحداً بشيء يكرهه، فلما قام قال: "لو أمرتم هذا أن يترك هذه الصفرة"، وسلم هذا بفتح المهملة وسكون اللام فيه لين.

(8/103)


باب ماجاء في كراهية الحرير والديباج
...
85- باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ الْحَرِيرِ وَالدّيبَاج
2971- حدثنا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ، أخبرنا إِسْحَاقُ بنُ يُوسُفَ الأزْرَقُ حدثني عبدُ المَلِكِ بنُ أبي سُلَيْمَانَ، حدثني مَوْلَى أَسْمَاءَ عن ابنِ عُمَرَ قال: سَمِعْتُ عُمَرَ يَذْكُرُ أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ في الدّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ في الآخرةِ".
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ الْحَرِيرِ وَالدّيبَاج
أي في كراهية لبسهما، والحرير معروف وهو عربي، سمي بذلك لخلوصه، يقال لكل خالص محرر، وحررت الشيء خلصته من الاختلاط بغيره، وقيل هو فارسي معرب، والديباج نوع منه
قوله: "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" معناه معنى قوله صلى

(8/103)


وفي البابِ عن عَلِيّ وَحُذَيْفَةَ وَأَنَسٍ وَغَيْرِ وَاحِدٍ وقَدْ ذَكَرنَاهُ في كِتَابِ اللّبَاسِ. هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد رُوِيَ من غير وَجْهٍ عن عَمْروٍ. مَوْلَى أَسْمَاءَ بنت أبي بَكْرٍ الصّدّيقِ واسْمُهُ عبدُ الله ويُكْنَى أَبَا عُمَرَ. وقد رَوَى عَنْهُ عَطَاءُ بنُ أبي ربَاحٍ وَعَمْرُو بنُ دِينَارٍ.
86- باب
2972- حدثنا قُتَيْبَةُ، أخبرنا اللّيْثُ عن ابنِ أبي مُلَيْكَة عن المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ: "أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَسَمَ أَقْبِيَةً وَلَمْ يُعْطِ
ـــــــ
الله عليه وسلم: "من شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها، لم يشربها في الآخرة" ، وقد سبق شرح معناه في أول أبواب الأشربة قال القاضي الشوكاني: الظاهر أنه كناية عن عدم دخول الجنة، وقد قال الله تعالى في أهل الجنة {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} فمن لبسه في الدنيا لم يدخل الجنة، روى ذلك النسائي عن الزبير. وأخرجه النسائي عن ابن عمر أنه قال: والله لا يدخل الجنة وذكر الآية. وأخرج النسائي والحاكم عن أبي سعيد أنه قال: وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه انتهى. وقال السيوطي: تأويل الأكثرين هو أن لا يدخل الجنة مع السابقين الفائزين، ويؤيده ما رواه أحمد عن جويرية: من لبس الحرير في الدنيا ألبسه الله يوم القيامة ثوباً من نار انتهى.
قوله: "وفي الباب عن علي وحذيفة وأنس وغير واحد، قد ذكرنا، في كتاب اللباس" يعني في باب الحرير والذهب للرجال، وقد ذكرنا هناك تخريج أحاديث هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان "اسمه عبد الله" قال في التقريب: عبد الله بن كيسان التيمي أبو عمر المدني، مولى أسماء بنت أبي بكر، ثقة من الثالثة.
باب
قوله: "قسم أقبية" قال الحافظ في رواية حاتم: قدمت على النبي صلى الله

(8/104)


86- باب
2972- حدثنا قُتَيْبَةُ، أخبرنا اللّيْثُ عن ابنِ أبي مُلَيْكَة عن المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ: "أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَسَمَ أَقْبِيَةً وَلَمْ يُعْطِ
ـــــــ
باب
قوله: "قسم أقبية" قال الحافظ في رواية حاتم: قدمت على النبي صلى الله

(8/104)


مَخْرَمَةَ شَيْئَاً، فقال مَخْرَمَةُ: يَا بُنَيّ انْطَلِقْ بِنَا إلى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، قال: ادْخُلْ فَادْعُهُ لِي، فَدَعَوْتُهُ لَهُ، فَخَرَجَ النبيّ صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْهَا، فقال: "خَبَأْتُ لَكَ هَذَا"، قال: فَنَظَرَ إِلَيْهِ فقال: رَضِيَ مَخْرَمَةُ" .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وابنُ أَبي مُلَيْكَةّ اسمُه عَبْدُ الله بنُ عُبَيْدِ الله بنِ أبي مُلَيْكَةَ.
ـــــــ
عليه وسلم أقبية، وفي رواية حماد أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم أقبية من ديباج مزرورة بالذهب فقسمها في ناس من أصحابه "ولم يعط مخرمة شيئاً" أي في حال تلك القسمة، وإلا فقد وقع في رواية حماد بن زيد متصلاً بقوله من أصحابه وعزل منها واحداً لمخرمة "انطلق بنا" في رواية حاتم: عسى أن يعطينا منها شيئاً "أدخل فادعه لي" في رواية حاتم فقام أبي على الباب فتكلم، فعرف النبي صلى الله عليه وسلم صوته. قال ابن التين: لعل خروج النبي صلى الله عليه وسلم عند سماع صوت مخرمة صادف دخول المسور إليه "خبأت لك هذا" إنما قال هذا للملاطفة، لأنه كان في خلقه شدة كما في رواية البخاري في الجهاد "قال" أي المسور "فنظر" أي مخرمة "فقال" أي مخرمة "رضي مخرمة" قال الداؤدي: هو من قول النبي صلى الله عليه وسلم على جهة الاستفهام، أي هل رضيت. وقال ابن التين: يحتمل أن يكون من قول مخرمة. قال الحافظ: هو المتبادر للذهن انتهى. ومن فوائد الحديث: الاستئلاف للقلوب والمداراة مع الناس.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري في الهبة وفي الشهادات وفي الخمس وفي الأدب، وأخرجه مسلم في الزكاة، وأبو داود في اللباس، والنسائي في الزينة.

(8/105)


87- باب مَا جَاءَ إِنّ الله يُحِبّ أَنْ يرَى أَثَرُ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِه
2973- حدثنا الْحَسَنُ بنُ مُحمّد الزّعْفَرَانِيّ، أخبرنا عَفّانُ بنُ مُسْلِمٍ، أخبرنا هَمّامٌ عن قَتَادَةَ عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أَبِيهِ عن جَدّهِ قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنّ الله يُحِبّ أَنْ يرَى أَثَرُ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ" . وفي البابِ عن أبي الأحْوَصِ عن أَبِيهِ وَ عِمْران بنِ حُصَيْنٍ وَابنِ مسعودٍ.
ـــــــ
باب مَا جَاءَ إِنّ الله يُحِبّ أَنْ يرَى أَثَرُ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِه
قوله: "أخبرنا همام" هو ابن يحيى الأزدي العوذي.
قوله: "إن الله يحب أن يرى" بصيغة المجهول أي يبصر ويظهر "أثر نعمته" أي إحسانه وكرمه تعالى، فمن شكرها إظهارها ومن كفرانها كتمانها. قال المظهر: يعني إذا أتى الله عبداً من عباده نعمة من نعم الدنيا فليظهرها من نفسه بأن يلبس لباساً يليق بحاله لإظهار نعمة الله عليه وليقصده المحتاجون لطلب الزكاة والصدقات وكذلك العلماء يظهروا علمهم ليستفيد الناس منهم انتهى.
فإن قلت: أليس إنه حث على البذاذة
قلت: إنما حث عليها لئلا يعدل عنها عند الحاجة ولا يتكلف للثياب المتكلفة كما هو مشاهد في عادة الناس حتى في العلماء والمتصوفة، فأما من اتخذ ذلك ديدنا وعادة مع القدرة على الجديد والنظافة فلا لأنه خسة ودناءة. ويؤيد ما ذكرنا ما رواه البيهقي عن أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى يحب المؤمن المتبذل الذي لا يبالي ما لبس" ، كذا في المرقاة.
قلت: هذا الحديث رواه البيهقي في شعب الإيمان، وإسناده ضعيف، قاله المناوي.
قوله: "وفي الباب عن أبي الأحوص عن أبيه وعمران بن حصين وابن مسعود" أما حديث أبي الأحوص عن أبيه فأخرجه أحمد والنسائي، وأما حديث عمران بن حصين فأخرجه أحمد، وأما حديث ابن مسعود فلينظر من أخرجه.

(8/106)


هذا حديثٌ حسنٌ.
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه الحاكم عن ابن عمر.

(8/107)


88- باب مَا جَاءَ في الْخُفّ الأَسْوَد
2974- حدثنا هَنّادٌ، أخبرنا وَكِيعٌ عن دَلْهَمَ بنِ صَالحٍ عن حُجَيْرٍ بنِ عَبْدِ الله عن ابنِ بُرَيْدَةَ عن أَبِيهِ "أَنّ النّجَاشِيّ أَهْدَى النبيّ صلى الله عليه وسلم خُفّيْنِ أَسْوَدَيْنِ سَاذَجَيْنِ، فَلَبِسَهُمَا ثُمّ تَوَضّأَ وَمَسَحَ عَلَيْهِمَا".
هذا حديثٌ حسنٌ إنما نَعْرِفُهُ من حديثِ دَلْهَمَ. وقد رَوَاهُ مُحمّدُ بن رَبِيعَةَ عن دَلْهَمَ.
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في الْخُفّ الأَسْوَد
قوله: "عن دلهم" بفتح الدال المهملة والهاء بينهما لام ساكنة "بن صالح" الكندي الكوفي، ضعيف من السادسة "عن حجين" بضم الحاء المهملة وفتح الجيم مصغراً "بن عبد الله" الكندي، مقبول من الثامنة "عن ابن بريدة" اسمه عبد الله.
قوله: "ساذجين" بفتح الذال المعجمة معرب، ساده على ما في القاموس: أي غير منقوشين، إما بالخياطة أو بغيرها، أو لاشية فيهما تخالف لونهما، أو مجردين عن الشعر.
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه ابن ماجه "إنما نعرفه من حديث دلهم" وهو ضعيف كما عرفت، وقال ميرك: وقد أخرج ابن حبان من طريق الهيثم بن عدي عن دلهم بهذا الإسناد أن النجاشي كتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أني قد زوجتك امرأة من قومك وهي على دينك أم حبيبة بنت أبي سفيان وأهديتك هدية جامعة قميص وسراويل وعطاف وخفين ساذجين، "فتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم ومسح عليهما"، قال سليمان بن داود: رواية عن الهيثم، قلت: للهيثم ما العطاف؟ قال: الطيلسان.

(8/107)


باب ماجاء في النهي عن نتف الشيب
...
89- باب ما جاءَ في النّهْيِ عَن نَتْفِ الشّيْب
2975- حدثنا هَارُونُ بنُ إِسْحَاقَ الهَمَدَانِيّ، أخبرنا عَبْدَةُ عن مُحمّدِ بنِ إِسْحَاقَ، عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أَبِيهِ عن جَدّهِ: "أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ نَتْفِ الشّيْبِ وَقَالَ: "إِنّهُ نُورُ المُسْلِمِ".
هذا حديثٌ حسنٌ. قد رُوي عن عَبْدِ الرّحْمَن بنِ الْحَارِثِ وَغيرِ وَاحِدٍ عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبيه عن جدّه.
ـــــــ
باب ما جاءَ في النّهْيِ عَن نَتْفِ الشّيْب
قوله: "أخبرنا عبدة" هو ابن سليمان الكلابي "عن محمد بن إسحاق" هو إمام المغازي.
قوله: "نهى عن نتف الشيب" أي الشعر الأبيض من اللحية أو الرأس "قال إنه نور المسلم" الإضافة للاختصاص، أي وقاره المانع من الغرور بسبب انكسار النفس عن الشهوات، والفتور وهو المؤدي إلى نور الأعمال الصالحة فيصير نوراً في قبره، ويسعى بين يديه في ظلمات حشره. قال ابن العربي: إنما نهى عن النتف دون الخضب، لأن فيه تغيير الخلقة عن أصلها، بخلاف الخضب فإنه لا يغير الخلقة على الناظر إليه.
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وأخرج مسلم في الصحيح من حديث قتادة عن أنس بن مالك قال: كنا نكره أن ينتف الرجل الشعرة البيضاء من رأسه ولحيته "وقد رواه عبد الرحمن بن الحارث" ابن عياش بن أبي ربيعة.

(8/108)


باب ماجاء أن المستشار مؤتمن
...
90- باب ما جاء أَنّ المُسْتَشَارَ مُؤْتَمَن
2976- حدثنا أبو كُرَيْبٍ، أخبرنا وَكِيعٌ عن دَاوُدَ بنِ أبي عَبْدِ الله
ـــــــ
باب ما جاء أَنّ المُسْتَشَارَ مُؤْتَمَن
قوله: "عن داود بن أبي عبد الله" مولى بني هاشم مقبول من السابعة

(8/108)


عن ابنِ جُدْعَانَ، عن جَدّتِهِ، عن أُمّ سَلَمَةَ قالَتْ: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "المُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ" . وفي البابِ عن ابنِ مَسْعُودٍ وأَبي هُرَيْرَةَ وابنِ عُمَرَ. هذا حديثٌ غريبٌ من حديثِ أُمّ سَلَمَةَ.
2977- حدثنا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ، أخبرنا الْحَسَنُ بنُ مُوسَى، أخبرنا شَيْبَانُ عن عبدِ المَلِكِ بنِ عُمَيْرٍ عن أبي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرحمنِ عن أَبي هُرَيْرَةَ قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "المُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ" .
ـــــــ
"عن ابن جدعان" ابن جدعان هذا ليس هو علي بن زيد بن جدعان، بل هو عبد الرحمن بن محمد بن زيد بن جدعان، قال الحافظ في التقريب: عبد الرحمن ابن محمد عن جدته عن أم سلمة وعنه داود بن أبي عبد الله مولى بني هاشم كذا وقع في رواية للبخاري، وبين في التاريخ أنه عبد الرحمن بن محمد بن زيد بن جدعان، وعند الترمذي عن ابن جدعان، وثقه النسائي من الرابعة "عن جدته" لا تعرف، كذا في التقريب.
قوله: "المستشار" من استشاره طلب رأيه فيما فيه المصلحة "مؤتمن" اسم مفعول من الأمن أو الأمانة، ومعناه أن المستشار أمين فيما يسأل من الأمور، فلا ينبغي أن يخون المستشير بكتمان مصلحته.
قوله: "وفي الباب عن ابن مسعود وأبي هريرة وابن عمر" أما حديث ابن مسعود فلم أقف عليه، وقد روى أحمد وابن ماجه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المستشار مؤتمن. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الترمذي بعد هذا، وأما حديث ابن عمر فلينظر من أخرجه.
قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه البخاري في الأدب المفرد، وفي سنده جدة ابن جدعان وهي مجهولة كما عرفت.
قوله: "أخبرنا شيبان" هو ابن عبد الرحمَن النحوي "عن عبد الملك بن عمير" اللخمي الكوفي.

(8/109)


هذا حديث قَدْ رواه غيرُ وَاحِدٍ عن شَيْبَانَ بنِ عبدِ الرّحمنِ النّحْوِيّ. وَشَيْبَانُ هُوَ صَاحِبُ كِتَابٍ، وهو صحيحُ الحديثِ، ويُكْنَى أبا مُعَاوِيَة.
2978- حدثنا عبدُ الْجَبّارِ بنُ الْعَلاَءِ الْعَطّارُ عن سُفْيَانَ بنِ عُيَيْنَةَ قال: قال عبدُ المَلِكِ بنُ عُمَيْرٍ: إِنّي لأُحَدّثُ الحديثَ فما أدعُ مِنْهُ حَرْفَاً.
ـــــــ
قوله: "هذا حديث الخ" وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه.
قوله: "فما أخرم" بفتح الهمزة وسكون الخاء المعجمة وكسر الراء، أي لا أنقص "منه" أي من الحديث "حرفاً" أي لفظاً بل أحدثه بغير زيادة ونقص.

(8/110)


91- باب مَا جاء في الشُؤْم
2979- حدثنا ابْنُ أبي عُمَرَ، أخبرنا سُفْيَانُ عن الزّهْرِيّ عن سَالِمٍ وَحَمْزَةَ ابْنَىْ عبدِ الله بنِ عُمَرَ عن أَبِيهِمَا: أنّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قال: "الشّؤْمُ في ثَلاَثَةٍ: في المَرْأَةِ وَالمَسْكَنِ وَالدّابّةِ" .
ـــــــ
باب مَا جاء في الشُؤْم
قوله: "عن سالم وحمزة ابني عبد الله بن عمر" حمزة هذا هو شقيق سالم ثقة من الثالثة.
قوله: "الشؤم" بضم المعجمة وسكون الهمزة وقد تسهل فتصير واواً، قال في النهاية: الواو في الشؤم همزة ولكنها خففت فصارت واواً وغلب عليها التخفيف حق لم ينطق بها مهموزة ولذلك أثبتناها ههنا، والشؤم ضد اليمن، يقال تشاءمت بالشيء وتيمنت به "في ثلاثة" أي في ثلاثة أشياء "في المرأة والمسكن والدابة" بدل بإعادة الجار. قال النووي في شرح مسلم: اختلف العلماء في هذا الحديث فقال مالك وطائفة: هو على ظاهره، وأن الدار قد يجعل الله تعالى سكناها سبباً للضرر أو الهلاك، وكذا اتخاذ المرأة المعينة أو الفرس أو الخادم قد يحصل الهلاك عنده بقضاء الله تعالى، ومعناه قد يحصل الشؤم في هذه الثلاثة، كما صرح به في رواية: "إن

(8/110)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وبعضُ أصحابِ الزّهْرِيّ لا يَذْكُرُونَ فِيهِ عن حَمْزَةَ، وإِنّما يَقُولُونَ عن سَالِمٍ عن أَبِيهِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وروى مالك بن أنس هذا الحديث عن الزهري فال عن سالم وحمزة ابن عبد الله بن عمر عن أبيهما. وَهَكَذَا رَوَى لَنَا ابنُ أبي عُمَرَ هذا الحديثَ، عن سُفْيَانَ بنِ عُيَيْنَةَ، عن الزّهْرِيّ، عن سَالِمٍ وَحَمْزَةَ ابْنَيْ عبدِ الله بنِ عُمَرَ، عن أبِيهِمَا عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
يكن الشؤم في شيء". وقال الخطابي وكثيرون: هو في معنى الاستثناء من الطيرة أي الطيرة منهي عنها إلا أن يكون له دار يكره سكناها، أو امرأة يكره صحبتها، أو فرس أو خادم فليفارق الجميع بالبيع ونحوه وطلاق المرأة. وقال آخرون: شؤم الدار: ضيقها وسوء جيرانها وأذاهم، وشؤم المرأة: عدم ولادتها وسلاطة لسانها وتعرضها للريب، وشؤم الفرس: أن لا يغزى عليها، وقيل حرانها وغلاء ثمنها، وشؤم الخادم: سوء خلقه وقلة تعهده لما فوض إليه. وقيل المراد بالشؤم ههنا عدم الموافقة. واعترض بعض الملاحدة بحديث: "لا طيرة على هذا"، فأجاب ابن قتيبة وغيره: بأن هذا مخصوص من حديث: لا طيرة، أي لا طيرة إلا في هذه الثلاثة.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان "ورواية سعيد أصح" أي رواية سعيد عن سفيان بدون ذكر حمزة أصح من رواية ابن أبي عمر عن سفيان بذكر حمزة مع سالم "لأن علي بن المديني والحميدي رويا عن سفيان ولم يرو لنا الزهري هذا الحديث إلا عن سالم عن ابن عمر" يعني أن علي بن المديني والحميدي رويا عن سفيان أنه قال لم يرو لنا الزهري هذا الحديث إلا عن سالم عن ابن عمر.
قال الحافظ في الفتح: ونقل الترمذي عن ابن المديني والحميدي أن سفيان كان يقول: لم يرو الزهري هذا الحديث إلا عن سالم انتهى، وكذا قال أحمد عن سفيان إنما تحفظه عن سالم. قال الحافظ لكن هذا الحصر مردود، فقد حدث به مالك عن الزهري عن سالم وحمزة ابني عبد الله بن عمر عن أبيهما، ومالك من كبار الحفاظ ولا سيما في حديث الزهري، وكذا رواه ابن أبي عمر عن سفيان نفسه، أخرجه

(8/111)


2980- حدثنا سَعِيدُ بنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ المَخْزُومِيّ، أخبرنا سُفْيَانُ عن الزّهْرِيّ عن سَالِمٍ عن أَبِيهِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بنَحْوِهِ ولم يَذْكُرْ فِيهِ سَعِيدَ بنَ عَبْدِ الرّحْمَن، عن حَمْزَةَ وَرِوَايَةُ سَعِيدٍ أَصَحّ لأَنّ عَلِيّ بنَ المَدِينيّ وَالحُمَيْدِيّ، رَوَيَا عن سُفْيَانَ، عن الزهري عن سالم عن أبيه وذكر عن سفيان قال: لَمْ يَرْوِ لَنَا الزّهْرِيّ هذا الحَدِيثَ إِلاّ عن سَالِمٍ، عن ابنِ عُمَرَ. وَرَوَى مَالِكُ بنُ أَنَسٍ، هذا الْحَدِيثَ، عن الزّهْرِيّ، وقالَ عن سَالِمٍ وَحَمْزَةَ ابْنيْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ عن أَبِيهِمَا.
وفي البابِ عن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ وَ عَائِشَةَ وَأَنَسٍ. وَقَدْ رُوِيَ عن النبيّ صلى
ـــــــ
مسلم والترمذي عنه وهو يقتضي رجوع سفيان عما سبق من الحصر، وأما الترمذي فجعل رواية ابن أبي عمر هذه مرجوحة، وقد تابع مالكاً أيضاً يونس من رواية ابن وهب عنه كما سيأتي في الطب، وصالح بن كيسان عند مسلم، وأبو أويس عند أحمد ويحيى بن سعيد وابن أبي عتيق وموسى بن عقبة ثلاثتهم عند النسائي كلهم عن الزهري عنهما، ورواه إسحاق بن راشد عن الزهري، فاقتصر على حمزة. أخرجه النسائي، وكذا أخرجه ابن خزيمة وأبو عوانة من طريق عقيل، وأبو عوانة من طريق شبيب بن سعيد كلاهما عن الزهري، ورواه القاسم بن مبرور عن يونس فاقتصر على حمزة. أخرجه النسائي أيضاً، وكذا أخرجه أحمد من طريق رباح بن زيد عن معمر مقتصراً على حمزة، وأخرجه النسائي من طريق عبد الواحد عن معمر، فاقتصر على سالم. فالظاهر أن الزهري يجمعها تارة ويفرد أحدهما أخرى. وقد رواه إسحاق في مسنده عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، فقال عن سالم أو حمزة أو كلاهما وله أصل عن حمزة من غير رواية الزهري، أخرجه مسلم من طريق عتبة بن مسلم عنه.
قوله: "وفي الباب عن سهل بن سعد وعائشة وأنس" أما حديث سهل بن سعد فأخرجه الشيخان، وأما حديث عائشة فأخرجه أحمد في مسنده والطبراني في الأوسط، وأبو نعيم في الحلية، ولفظه: "الشؤم سوء الخلق"، وأما حديث أنس

(8/112)


الله عليه وسلم أَنّهُ قالَ: "إِنْ كَانَ الشّؤْمُ فِي شَيْءٍ فَفِي المَرْأَةِ وَالدّابّةِ وَالمَسْكَنِ" . وَقَدْ رَوَى عن حَكِيمُ بنُ مُعَاوِيَةَ، قالَ: سَمِعْتُ النبيّ صلى الله
ـــــــ
فأخرجه أبو داود عنه قال: قال رجل يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنا كنا في دار كثير فيها عددنا، وكثير فيها أموالنا، فتحولنا إلى دار أخرى، فقل فيها عددنا وقلت فيها أموالنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ذروها ذميمة" ، والحديث سكت عنه هو والمنذري "وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن كان الشؤم في شيء ففي المرأة والدابة والسكن" رواه الشيخان عن ابن عمر، وكذا عن سهل بن سعد، ومعنى هذا الحديث إن فرض وجود الشؤم يكون في هذه الثلاثة والمقصود منه نفي صحة الشؤم ووجوده على وجه المبالغة فهو من قبيل قوله صلى الله عليه وسلم "لو كان شيء سابق القدر لسبقته العين"، فلا ينافيه حينئذ عموم نفي الطيرة في قوله صلى الله عليه وسلم: "لا عدوى ولا طيرة" .
فإن قلت: فما وجه التوفيق بين هذا وبين قوله صلى الله عليه وسلم الشؤم في ثلاثة الخ.
قلت: قد جمعوا بينهما بوجوه، منها أن قوله صلى الله عليه وسلم: الشؤم في ثلاثة الخ كان في أول الأمر ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ} الآية حكاه ابن عبد البر، والنسخ لا يثبت بالاحتمال، لا سيما مع إمكان الجمع، ولا سيما وقد ورد في حديث ابن عمر عند البخاري نفي التطير، ثم إثباته في الأشياء الثلاثة ولفظه: لا عدوى ولا طيرة. والشؤم في ثلاث: في المرأة والدار والدابة. ومنها ما قال الخطابي هو استثناء من غير الجنس معناه إبطال مذهب الجاهلية في التطير فكأنه قال: إن كان لأحدكم دار يكره سكناها أو أمرأة يكره صحبتها أو فرس يكرة سيره فليفارقه، ومنها أنه ليس المراد بالشؤم في قوله: الشؤم في ثلاثة، معناه الحقيقي بل المراد من شؤم الدار ضيقها وسوء جوارها، ومن شؤم المرأة أن لا تلد وأن تحمل لسانها عليك، ومن شؤم الفرس أن لا يغزى عليه، وقيل حرانها وغلاء ثمنها. ويؤيد هذا الجمع ما أخرجه أحمد وصححه ابن حبان والحاكم من حديث سعد مرفوعاً: "من سعادة ابن آدم ثلاثة المرأة الصالحة والمسكن الصالح والمركب الصالح، ومن شقاوة ابن آدم

(8/113)


عليه وسلم يَقُولُ: "لاَ شُؤْمَ، وَقَدْ يَكُونُ الْيُمْنُ في الدّارِ وَالمَرْأَةِ وَالفَرَسِ" .
2981- حدثنا بِذَلِكَ عَلِيّ بنُ حُجْرٍ، أخبرنا إسْمَاعِيلَ بنُ عَيّاشٍ، عن سُلَيْمَانَ بنِ سُلَيْمٍ، عن يَحْيىَ بنِ جَابِرٍ الطّائيّ، عن مُعَاوِيَةَ بنِ حَكِيمٍ عن عَمّهِ حَكِيمِ بنِ مُعَاوِيَةَ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بِهَذَا.
ـــــــ
ثلاثة المرأة السوء والمسكن السوء والمركب السوء" . وفي رواية ابن حبان: المركب الهنيء والمسكن الواسع. وفي رواية للحاكم: ثلاثة من الشقاء المرأة تراها فتسوؤك وتحمل لسانها عليك. والدابة تكون قطوفاً، فإن ضربتها أتعبتك وإن تركتها لم تلحق أصحابك، والدار تكون ضيقة قليلة المرافق.
قوله: "لا شؤم" أي في شيء "وقد تكون اليمن" بضم التحتية وسكون الميم "في الدار والمرأة والفرس" أي قد تكون البركة في هذه الأشياء، واليمن ضد الشؤم. قال الحافظ في الفتح: بعد ذكر هذا الحديث: في إسناده ضعف مع مخالفته للأحاديث الصحيحة، انتهى.
قوله: "عن سليمان بن سليم" بضم السين مصغراً الكناني الكلبي الشامي القاضي بحمص، ثقة عابد من السابعة "عن معاوية بن حكيم" بن معاوية النميري، مقبول من الثالثة كذا في التقريب. وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته: روى عن أبيه وقيل عن عمه وعنه يحيى بن جابر الطائي قاضي حمص "عن عمه حكيم بن معاوية" النميري مختلف في صحبته له حديث وقيل إنما يروي عن أبيه أو عن عمه والصواب أنه تابعي من الثانية كذا في التقريب. وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته: مختلف في صحبته، وروى عنه ابن أخيه معاوية قاله يحيى بن جابر عنه، وقيل عن يحيى بن جابر عن حكيم بن معاوية عن عمه معمر بن معاوية، والاختلاف فيه على إسماعيل ابن عياش عن سليمان بن سليم عن يحيى. ورواه بقية عن سليمان عن يحيى عن ابن معاوية حكيم عن أبيه، انتهى.

(8/114)


باب ماجاء:لايتناجى اثنان دون الثالث
...
92- باب مَا جَاءَ لاَ يَتَنَاجَى أثنَانِ دُونَ ثالث
2982- حدثنا هَنّادٌ، أخبرنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عن الأَعْمَشِ، حدثنا ابنُ أَبِي عُمَرَ، أخبرنا سُفْيَانُ عن الأَعْمَشِ، عن شَقِيقٍ، عن عَبْدِ الله قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا كُنْتُمْ ثَلاَثَةً فَلاَ يَتَناجَي اثْنَانِ دُونَ صَاحِبِهِمَا" . وَقَالَ سُفْيَانُ في حَدِيثِهِ: "لاَ يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثّالِثِ، فَإِنّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ" .
ـــــــ
باب مَا جَاءَ لاَ يَتَنَاجَى أثنَانِ دُونَ ثالث
قوله: "عن شقيق" يعني ابن سلمة "عن عبد الله" أي ابن مسعود رضي الله عنه.
قوله: "إذا كنتم ثلاثة" أي في المصاحبة سفراً أو حضراً "فلا ينتجي" من الانتجاء وهو التناجي "اثنان" أي لا يتكلما بالسر، يقال: انتجى القوم وتناجوا: أي سار بعضهم بعضاً "دون صاحبهما" أي الثالث "فلا يتناجى اثنان" أي لا يتكلما بالسر "دون الثالث" أي مجاوزين عنه غير مشاركين له. لئلا يتوهم أن نجواهما لشر متعلق به "فإن ذلك" أي تناجي الاثنين دون الثالث "يحزنه" بفتح التحتية وضم الزاي، ويجوز ضم التحتية وكسر الزاي، قال في القاموس: حزنه الأمر حزناً بالضم وأحزنه: جعله حزيناً انتهى. والضمير المنصوب في قوله يحزنه للثالث.
قال النووي: في الحديث النهي عن تناجي اثنين بحضرة ثالث، وكذا ثلاثة وأكثر بحضرة واحد، وهو نهى تحريم، فيحرم على الجماعة المناجاة دون واحد منهم إلا أن يأذن. ومذهب ابن عمر رضي الله عنه ومالك وأصحابنا وجماهير العلماء: أن النهي عام في كل الأزمان وفي الحضر والسفر. وقال بعض العلماء: إنما المنهي عنه المناجاة في السفر دون الحضر، لأن السفر مظنة الخوف، وادعى بعضهم أن هذا الحديث منسوخ وأنه كان هذا في أول الإسلام، فلما فشا الإسلام وأمن

(8/115)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وَقَدْ رُوِيَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أَنّهُ قالَ: "لاَ يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ وَاحِدٍ، فَإِنّ ذَلِكَ يُؤْذِي المُؤْمِنَ وَالله عَزّ وجل يَكْرَهُ أَذَى المُؤْمِنِ" .
وفي البابِ عن ابنِ عُمَر وَأَبي هُرَيْرَةَ وَابنِ عَبّاسٍ.
ـــــــ
الناس سقط النهي، وكان المنافقون يفعلون ذلك بحضرة المؤمنين ليحزنوهم، أما إذا كانوا أربعة فتناجى اثنان دون اثنين، فلا بأس بالإجماع، انتهى.
قلت: دعوى نسخ أحاديث الباب أو تخصيصها بالسفر لا دليل عليها، فالقول المعتمد المعول عليه، هو أن النهي عام في كل الأزمان وفي السفر والحضر.
وله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والشيخان وأبو داود وابن ماجه.
قوله: "وفي الباب عن ابن عمر وأبو هريرة وابن عباس" أما حديث ابن عمر: فأخرجه الشيخان وأبو داود، وأما حديث أبي هريرة وحديث ابن عباس: فلينظر من أخرجهما.

(8/116)


93- باب مَا جَاءَ في الْعِدَة
2983- حدثنا وَاصِلُ بنُ عَبْدِ الأَعْلَى الْكُوفِيّ، أخبرنا مُحمّدُ بنُ فُضَيْلٍ، عن إسْمَاعِيلَ بنِ أَبِي خَالِدٍ، عن أَبي جُحَيْفَةَ، قالَ: "رَأَيْتُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَبْيَضَ قَدْ شَابَ، وَكَانَ الْحَسَنُ بنُ عَلِيٍ يُشْبِهُهُ،
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في الْعِدَة
قوله: "عن أبي جحيفة" بضم جيم فحاء مهملة مفتوحة فياء ساكنة بعدها فاء، صحابي معروف "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أبيض" أي مائلاً إلى الحمرة "قد شاب" أي ظهر فيه شيب "وكان الحسن بن علي يشبهه" أي في النصف الأعلى. فقد أخرج الترمذي في المناقب عن علي قال: الحسن أشبه برسول

(8/116)


وَأَمَرَ لَنَا بِثَلاَثَةَ عَشَرَ قَلُوصاً فَذَهَبْنَا نَقْبِضُهَا فَأَتَانَا مَوْتُهُ فَلَمْ يَعْطُونَا شَيْئَاً، فَلَمّا قَامَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: مَنْ كَانَتْ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم عِدَةٌ فَلْيَجِئ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَأَخْبَرْتُهُ فَأَمَرَ لَنَا بِهَا" . هذا حديثٌ حسنٌ.
وَقَدْ رَوَى مَرْوَانُ بنُ مُعَاوِيَةَ هَذَا الْحَدِيثَ بإِسْنَادٍ لَهُ عن أَبي جُحَيْفَةَ نَحْوَ هَذَا. وَقَدْ رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عن إسْمَاعِيلَ بنِ أَبي خَالِدٍ عن أَبي جُحَيْفَةَ قالَ: "رَأَيْتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم وَكَانَ الحسَنُ بنُ عَلِيّ يُشْبِهُهُ وَلَمْ يَزِيدُوا عَلَى هَذَا".
ـــــــ
الله صلى الله عليه وسلم ما بين الصدر إلى الرأس، والحسين أشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان أسفل من ذلك "وأمر لنا" أي له ولقومه من بني سواءة ابن عامر بن صعصعة، وكان أمر لهم بذلك على سبيل جائزة الوفد "قلوصاً" بفتح فضم، أي ناقة شابة "فذهبنا نقبضها" أي فشرعنا في الذهاب إلى المأمور لنقبض العطاء المذكور "فأتانا موته" أي خبر موته قبل أن نقبضها "فلما قام أبو بكر" أي خطيباً أو قام بأمر الخلافة "فليجئ" أي فليأت إلينا، فإن وفاءه علينا، ولعل الاكتفاء بها وعدم ذكر الدين هنا لأنه يلزم منها بالأولى ويمكن أن يكون اقتصاراً من الراوي لا سيما وكلامه في العدة "فقمت إليه" أي متوجهاً "فأخبرته" أي بما سبق "فأمر لنا بها" أي بالقلوص الموعودة.
قوله: "هذا حديث حسن" قال في جامع الأصول: اتفق البخاري ومسلم والترمذي على الفصل الأول من حديث أبي جحيفة، واتفق البخاري والترمذي على الفصل الثاني، وانفرد الترمذي بذكر أبي بكر وإعطائه إياهم، كذا قاله الشيخ الجزري في تصحيح المصابيح. قال ميرك: ولذا قال المؤلف يعني صاحب المشكاة في آخر مجموع الحديث: رواه الترمذي كذا في المرقاة.
قوله: "ولم يزيدوا" أي غير واحد من أصحاب إسماعيل بن أبي خالد "على هذا" أي على هذا القدر ولم يذكروا قوله وأمرنا الخ.

(8/117)


2984- حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ، أخبرنا يَحْيىَ بنُ سَعِيدٍ عن إسْمَاعِيلَ بنِ أَبِي خَالِدٍ، أخبرنا أَبُو جُحَيْفَةَ قالَ: "رَأَيْتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم وَكَانَ الْحَسَنُ بنُ عَلِيٍ يُشْبِهُهُ". وَهَكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عن إسْمَاعِيلَ بنِ أَبِي خَالِدٍ نَحْوَ هَذَا.
وفي البابِ عن جَابر. وَأَبُو جُحَيْفَةَ اسمه وَهْبٌ السّوائِيّ.
ـــــــ
قوله: "وفي الباب عن جابر" أخرجه الشيخان "وهب السوائي" بضم السين المهملة والمد.
.

(8/118)


باب مجاء في فداك أبي وأمي
...
94- باب ما جَاءَ في فِدَاكَ أَبي وأُمّي
2985- حدثنا إِبْرَاهِيمُ بنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيّ، أخبرنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عن يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ، عن سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ عن عَلِيّ قال: "ما سَمِعْتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم جَمَعَ أَبَوَيْهِ لأَحَدٍ غَيْرَ سَعْدِ بنِ أَبي وَقّاصٍ".
2986- أخبرنا الْحَسَنُ بنُ الصّبّاحِ الْبزّارُ، أخبرنا سُفْيَانُ عن ابنِ جُدْعَانَ وَيَحْيَى بنِ سَعِيدٍ سَمِعَا سَعِيدَ بنَ المُسَيّبِ يقولُ قال عَلِيٌ: "مَا جَمَعَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَبَاهُ وَأُمّهُ لأَحَدٍ إِلاّ لِسَعْدِ بنِ أَبي وَقّاصٍ،
ـــــــ
باب ما جَاءَ في فِدَاكَ أَبي وأُمّي
قوله: "جمع أبويه لأحد" أي في الفداء "غير سعد بن أبي وقاص" يعني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل لأحد فداك أبي وأمي إلا لسعد.
قوله: "عن ابن جدعان" هو علي زيد بن جدعان.

(8/118)


قالَ لهُ يَوْمَ أُحُدٍ: "ارْمِ، فِدَاكَ أَبِي وَأُمّي، وقالَ لهُ: ارْمِ أَيّهَا الْغُلاَمُ الْحَزَوّرُ ". وفي البابِ عن الزّبَيْرِ وجابرٍ.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ وقد رُوِيَ من غيرِ وَجْهٍ عن عَلِيّ. وقد رَوَى غيرُ وَاحِدٍ هذا الحديثَ عن يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ عن سَعْدِ بنِ أَبي وَقَاصٍ قال: "جَمَعَ لِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَبَوَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ"
ـــــــ
قوله: "فداك أبي وأمي" بكسر الفاء، أي أبي وأمي مفدى لك، وفي هذه التفدية تعظيم لقدره واعتداد بعمله واعتبار بأمره وذلك لأن الإنسان لا يفدى إلا من يعظمه فيبذل نفسه أو أعز أهله له "إرم أيها الغلام الحزور" بفتح الحاء المهملة والزاي والواو المشددة، قال في النهاية: هو الذي قارب البلوغ والجمع الحزاورة. قال السيد جمال الدين: هذا أصل معناه ولكن المراد هنا للشاب لأن سعداً جاوز البلوغ يومئذ، انتهى. قلت: الأمر كما قال السيد جمال الدين لأن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أسلم قديماً وهو ابن سبع عشرة سنة، وقد يجيء الحزور بمعنى الرجل القوي، قال في القاموس: الحزور كعملس: الغلام القوي والرجل القوي.
قوله: "وفي الباب عن الزبير وجابر" أما حديث الزبير فأخرجه الشيخان عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من يأتي بني قريظة فيأتيني بخبرهم" ، فانطلقت، فلما رجعت جمع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبويه فقال: "فداك أبي وأمي" .
فإن قلت: قول علي ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أباه وأمه لأحد إلا لسعد بن أبي وقاص بخالف حديث الزبير هذا، فما وجه التوفيق بينهما.
قلت: قال الحافظ في الفتح بعد حديث علي هذا ما لفظه: في هذا الحصر نظر لما تقدم في ترجمة الزبير أنه صلى الله عليه وسلم جمع له أبويه يوم الخندق، ويجمع بينهما بأن علياً رضي الله تعالى عنه لم يطلع على ذلك، أو مراده بذلك بقيد يوم أحد، انتهى. وأما حديث جابر فلينظر من أخرجه.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وغيرهما.

(8/119)


2987- حدثنا حدثنا بِذَلِكَ قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ، أخبرنا اللّيْثُ بنُ سَعْدٍ وعبدُ العَزِيزِ بنُ مُحمّدٍ عن يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ عن سَعْدِ بنِ أَبي وَقّاصٍ قال: "جَمَعَ لِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَبَوَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ".
وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وكلا الحديثين صحيح
ـــــــ
قوله: "حدثنا بذلك قتيبة بن سعيد، أخبرنا الليث بن سعد وعبد العزيز بن محمد الخ" وأخرجه الشيخان "وكلا الحديثين صحيح" أي حديث يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن علي وحديثه عن سعيد بن المسيب عن سعد بن أبي وقاص كلاهما صحيح.

(8/120)


باب ما جاء في يابني
...
95- باب مَا جَاءَ في يَا بُنَي
2988- حدثنا مُحمّدُ بنُ عبدِ المَلِكِ بنِ أَبي الشّوَارِبِ، أخبرنا أبو عَوانَة أخبرنا أبو عُثْمَانَ شيْخٌ لهُ عن أَنَسٍ: "أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لهُ: "يَا بُنَيّ" . وفي البابِ عن المُغِيرَةِ وَعُمَرَ بنِ أَبي سَلَمَةَ.
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في يَا بُنَي
قوله: "أخبرنا أبو عثمان" اسمه الجعد بن دينار اليشكري الصيرفي البصري صاحب الحلا بضم المهملة ثقة من الرابعة.
قوله: "قال له يابني" بفتح الياء المشددة وكسرها، وقرئ بهما في السبع الأكثرون بالكسر وبعضهم بإسكانها، وفي هذا الحديث جواز قول الإنسان لغير ابنه ممن هو أصغر سناً منه يا ابني ويابني، مصغراً ويا ولدي، ومعناه تلطف وأنك عندي بمنزلة ولدي في الشفقة، وكذا يقال له ولمن في هو مثل سن المتكلم يا أخي للمعنى الذي ذكرناه، وإذا قصد التلطف كان مستحباً كما فعله النبي صلى الله عليه وسلم قاله النووي.
قوله: "وفي الباب عن المغيرة وعمر بن أبي سلمة" أما حديث المغيرة وهو

(8/120)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ من هذا الْوَجْهِ. وقد رُوِيَ من غيرِ هذا الْوَجْهِ عن أَنَسٍ. وأبو عُثْمَانَ هَذا شَيْخٌ ثِقَةٌ، وَهُوَ الْجَعْدُ بنُ عُثْمَانَ، ويُقَالُ ابن دِينَارٍ، وَهُوَ بَصْرِيٌ، وقد رَوَى عنه يُونُسُ بنُ عُبَيْدٍ وَشُعْبَةُ، وغيرُ وَاحِدٍ مِنَ الأئِمّةِ.
ـــــــ
ابن شعبة فأخرجه مسلم، وأما حديث عمر بن أبي سلمة، فأخرجه الترمذي في باب التسمية على الطعام.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه مسلم.

(8/121)


96- باب ما جَاءَ في تَعْجِيلِ اسمِ المَوْلود
2989- حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ سَعْدِ بنِ إِبْرَاهِيمَ بنِ سَعْدِ بنِ إِبْرَاهِيمَ بنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ، حدثني عَمّي يَعْقُوبُ بنُ إِبْرَاهِيمَ بنِ سَعْدٍ، أخبرنا شَرِيكٌ عن مُحمّدِ بنِ إِسْحَاقَ عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أَبِيهِ عن جَدّهِ "أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بِتَسْمِيَةِ المَوْلُودِ يَوْمَ سَابِعِهِ وَوَضْعِ الأَذَى عَنْهُ وَالْعَقّ" .
ـــــــ
باب ما جَاءَ في تَعْجِيلِ اسمِ المَوْلود
قوله: "حدثنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم الخ" كنيته أبو الفضل البغدادي قاضي أصبهان، ثقة من الحادية عشرة "أخبرنا شريك" هو ابن عبد الله القاضي النخعي الكوفي "عن محمد بن إسحاق" هو صاحب المغازي.
قوله: "أمر بتسمية المولود يوم سابعه" فيه دليل على سنية تسمية المولود يوم السابع وقد ورد فيه غير هذا الحديث، وقد ثبت تسمية المولود يوم الولادة أيضاً، وقد تقدم الكلام في هذا في آخر أبواب الأضاحي "ووضع الأذى عنه" عطف على تسمية المولود، والمراد بوضع الأذى عنه إماطته وإزالته كما في حديث

(8/121)


هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
ـــــــ
سلمان بن عامر عند البخاري: مع الغلام عقيقة، فأهريقوا عنه دماً وأميطوا عنه الأذى. قال الحافظ في الفتح: قوله أميطوا عنه الأذى أي أزيلوا، وزناً ومعنى قال: وقع عند أبي داود من طريق سعيد بن أبي عروبة وابن عون عن محمد بن سيرين قال إن لم يكن الأذى حلق الرأس فلا أدري ما هو، وأخرج الطحاوي من طريق يزيد بن إبراهيم عن محمد بن سيرين قال: لم أجد من يخبرني عن تفسير الأذى انتهى، وقد جزم الأصمعي بأنه حلق الرأس وأخرجه أبو داود بسنده صحيح عن الحسن كذلك، ووقع في حديث عائشة عند الحاكم وأمر أن يماط عن رؤوسهما الأذى، ولكن لا يتعين ذلك في حلق الرأس، فقد وقع في حديث ابن عباس عند الطبراني. ويماط عنه الأذى ويحلق رأسه. فعطفه عليه، فالأولى حمل الأذى على ما هو أعم من حلق الرأس. ويؤيد ذلك أن في بعض طرق حديث عمرو بن شعيب ويماط عنه أقذاره، رواه أبو الشيخ انتهى. "والعق" أي الذبح بشاة أو شاتين.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" في سنده شريك القاضي وقد تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وفي سنده أيضاً محمد بن إسحاق وهو يدلس، ورواه عن عمرو بن شعيب بالعنعنة، لكن للحديث شواهد ولذلك حسنه الترمذي.

(8/122)


باب ما يستحب من الأسماء
...
97- باب مَا جاء ما يُسْتَحَبّ مِن الأَسْمَاء
2990- حدثنا عبدُ الرّحمَنِ بنُ الأَسْوَدِ أبو عَمْرٍو الْوَرّاقُ الْبَصْرِيّ أخبرنا مَعْمَرُ بنُ سُلَيْمَانَ الرّقىّ، عن عَلِيّ بنِ صَالحٍ الزنجي، عن عبدِ الله بنِ
ـــــــ
باب مَا جاء ما يُسْتَحَبّ مِن الأَسْمَاء
قوله: "حدثنا عبد الرحمن بن الأسود" ابن المأمون الهاشمي مولاهم ثقة من الحادية عشرة "أخبرنا معمر" بضم الميم وفتح العين المهملة وتشديد الميم المفتوحة "بن سليمان الرقي" النخعي أبو عبد الله الكوفي ثقة فاضل أخطأ الأزدي في تبيينه وأخطأ من زعم أن البخاري أخرج له من التاسعة "عن علي

(8/122)


عُثْمانَ، عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "أَحَبّ الأَسْمَاءِ إلى الله عَبْدُ الله وعَبْدُ الرّحْمَنِ" .
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من هذا الْوَجْهِ.
ـــــــ
ابن صالح الزنجي" المكي العابد، مقبول من الثالثة "عن عبد الله بن عثمان" ابن خثيم بالمعجمة والمثلثة مصغراً.
قوله: "أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن" فيه التسمية بهذين الاسمين وتفضيلهما على سائر ما يسمى به. وقد بين الحافظ ابن القيم وجه التفضيل في كتابه زاد المعاد. وقال القرطبي: يلتحق بهذين الاسمين ما كان مثلهما كعبد الرحيم وعبد الملك وعبد الصمد، وإنما كانت أحب إلى الله لأنها تضمنت ما هو وصف وواجب لله وما هو وصف للإنسان وواجب له وهو العبودية، ثم أضيف العبد إلى الرب إضافة حقيقية فصدقت أفراد هذه الأسماء وشرفت بهذا التركيب فحصلت لها هذه الفضيلة. وقال غيره: الحكمة في الاقتصار على الاسمين أنه لم يقع في القرآن إضافة عبد إلى اسم من أسماء الله تعالى غيرهما قال الله تعالى: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ} وقال في آية أخرى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ} ويؤيده قوله تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ} وقد أخرج الطبراني من حديث أبي زهير الثقفي رفعه: "إذا سميتم فعبدوا" . ومن حديث ابن مسعود رفعه: "أحب الأسماء إلى الله ما تعبدونه". وفي إسناد كل منهما ضعف.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه.

(8/123)


باب ما جاء في ما يكره من الأسماء
...
98- باب مَا جَاءَ مَا يُكْرَهُ مِنَ الأَسْمَاء
2991- حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ، أخبرنا أبو أَحْمَدَ، أخبرنا سُفْيَانُ عن
ـــــــ
باب مَا جَاءَ مَا يُكْرَهُ مِنَ الأَسْمَاء
قوله: "أخبرنا أبو أحمد" اسمه محمد بن عبد الله الزبيري.

(8/123)


أبي الزّبَيْرِ، عن جابرٍ، عن عُمَرَ بن الخطاب قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لأَنْهَيَنّ أَنْ يُسَمّى رَافِعٌ وَبَرَكَةٌ وَيَسَارٌ" .
هذا حديثٌ غريبٌ هَكَذَا رَوَاهُ أبو أَحْمَدَ عن سُفْيَانَ عن أَبي الزّبَيْرِ عن جابرٍ عن عُمَرَ. وأبو أحمد ثقة حافظ والمشهور عند الناس هذا الحديث عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيه عمر.
2992- حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ، أخبرنا أبو دَاوُدَ عن شُعْبَةَ، عن مَنْصُورٍ عن هِلاَلِ بنِ يَسَافٍ عن الرّبِيعِ بنِ عُمَيْلَةَ الْفَزَاريّ عن سَمُرَةَ بنِ
ـــــــ
قوله: "لأنهين أن يسمى" بصيغة المجهول "رافع وبركة ويسار" وفي رواية ابن ماجه: لئن عشت إن شاء الله لأنهين أن يسمى رباح ونجيح وأفلح ونافع ويسار، وعلة النهي عن التسمية بهذه الأسماء تأتي في حديث سمرة بن جندب الآتي
قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه ابن ماجه "والمشهور عند الناس هذا الحديث عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيه عمر" أخرجه مسلم من طريق ابن جريج، قال أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينهي أن يسمى بيعلى وببركة وبأفلح وبيسار وبنافع وبنحو ذلك، ثم رأيته سكت بعد عنها فلم يقل شيئاً، ثم قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينه عن ذلك، ثم أراد عمر أن ينهي عن ذلك ثم تركه.
فإن قلت: حديث جابر هذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم أراد أن ينهي عن التسمية بهذه الأسماء ولم ينه عنه. وحديث سمرة الآتي يدل على أنه صلى الله عليه وسلم قد نهى عن ذلك فما وجه الجمع بينهما؟
قلت: وجه الجمع أنه صلى الله عليه وسلم أراد أن ينهي نهي تحريم ثم سكت بعد ذلك رحمة على الأمة لعموم البلوى وإيقاع الحرج لا سيما واكثر الناس ما يفرقون بين الأسماء من القبح والحسن فالنهي المنفي محمول على التحريم والمثبت على التنزيه.

(8/124)


جُنْدُبٍ، أَنّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تُسَمّ غُلاَمَكَ ربَاحَ ولا أَفْلَحَ ولا يَسَارَ ولا نَجِيحَ يُقَالُ: أَثَمّ هُوَ؟ فَيُقَالُ لا" .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
2993- حدثنا مُحمّدُ بنِ مَيْمُونٍ المَكّيّ، أخبرنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن أَبي الزّنَادِ عن الأَعْرَجِ، عن أَبي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "أَخْنَعُ اسْمٍ عِنْدَ الله يَوْمَ القِيَامَةِ رَجُلٌ تَسَمّى بِمَلِكَ الأَمْلاَكِ . قال
ـــــــ
قوله: "لا تسم غلامك" أي صبيك أو عبدك "رباح" كذا وقع في النسخ الحاضرة رباح ويسار ونجيح بغير الألف، ووقع في رواية مسلم وأبي داود رباحاً ويساراً ونجيحاً بالألف وهو الظاهر، ورباح بفتح الراء من الربح ضد الخسارة "ولا أفلح" من الفلاح وهو الفوز "ولا يسار" من اليسر ضد العسر "ولا نجيح" من النجح وهو الظفر "أثم" أي أهناك "هو" أي المسمى بأحد هذه الأسماء المذكورة "فيقال لا" أي ليس هناك رباح أو أفلح أو يسار أو نجيح فلا يحسن مثل هذا في التفاؤل، أو فيكره لشناعة الجواب، في شرح لسنة: معنى هذا أن الناس يقصدون بهذه الأسماء التفاؤل بحسن ألفاظها أو معانيها، وربما ينقلب عليهم ما قصدوه إلى الضد، إذا سألوا فقالوا أثم يسار أو نجيح، فقيل لا تتطيروا بنفيه واضمروا اليأس من اليسر وغيره، فنهاهم عن السبب الذي يجلب سوء الظن والإياس من الخير.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم وأبو داود.
قوله: "اخنع اسم" أفعل التفضيل من الخنوع وهو الذل، وقد فسره بذلك الحميدي شيخ البخاري عقب روايته له عن سفيان قال أخنع: أذل. وأخرج مسلم عن أحمد بن حنبل قال: سألت أبا عمرو والشيباني يعني إسحاق اللغوي عن أخنع فقال أوضع. قال عياض معناه أشد الأسماء صغاراً وبنحو ذلك فسره أبو عبيد، والخانع الذليل وخنع الرجل ذل. قال ابن بطال: وإذا كان الاسم أذل الأسماء كان من

(8/125)


سُفْيَانُ: شَاهَانِ شَاه" وَأَخْنَعُ يَعْنِي وَأَقْبَحُ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وأخنع يعني أقبح
ـــــــ
تسمى به أشد ذلاً. وقد فسر الخليل أخنع بأفجر فقال الخنع الفجور، يقال أخنع الرجل إلى المرأة إذا دعاها للفجور كذا في الفتح، ويأتي في آخر الحديث تفسيره بأقبح وهو تفسير بالمعنى اللازم، وفي رواية للبخاري: أخنى الأسماء وهو من الخنا بفتح المعجمة وتخفيف النون مقصور وهو الفحش في القول، ويحتمل أن يكون من قولهم أخنى عليه الدهر: أي أهلكه. وقد ورد بلفظ أخبث بمعجمة وموحدة ثم مثلثة وبلفظ أغيظ وهما عند مسلم "تسمى" بصيغة الماضي المعلوم من التسمي أي سمى نفسه أو سمي بذلك فرضى به واستمر عليه "ملك الأملاك" بكسر اللام من ملك والأملاك جمع ملك بالكسر وبالفتح وجمع مليك "قال سفيان شاهان شاه" وقد تعجب بعض الشراح من تفسير سفيان بن عيينة اللفظة العربية باللفظية العجمية، وأنكر ذلك آخرون وهو غفلة منهم عن مراده، وذلك أن لفظ شاهان شاه كان قد كثر التسمية به في ذلك العصر فنبه سفيان على أن الاسم الذي ورد الخبر بذمه لا ينحصر في ملك الأملاك بل كل ما أدى معناه بأي لسان كان فهو مراد بالذم. وزعم بعضهم أن الصواب شاه شاهان وليس كذلك، لأن قاعدة العجم تقديم المضاف إليه على المضاف، فإذا أرادوا قاضي القضاة بلسانهم، قالوا موبذان موبذ، فموبذ هو القاضي، وموبذان جمعه، فكذا شاه هو الملك، وشاهان هو الملوك.
واستدل بهذا الحديث على تحريم التسمي بهذا الاسم لورود الوعد الشديد ويلتحق به ما في معناه مثل خالق الخلق، وأحكم الحاكمين، وسلطان السلاطين، وأمير الأمراء، وقيل يلتحق به أيضاً من تسمى بشيء من أسماء الله الخاصة به كالرحمن والقدوس والجبار، وهل يلتحق به من تسمى قاضي القضاة أو حاكم الحكام؟ اختلف العلماء في ذلك قاله الحافظ في الفتح، وذكر اختلاف العلماء فيه، فمن شاء الوقوف عليه فليراجعه.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وأبو داود.

(8/126)


99- باب مَا جاءَ في تَغْيِيرِ الأَسْمَاء
2994- حدثنا يَعْقُوبُ بنُ إِبْرَاهِيمَ الدّوْرَقِيّ، و أبو بَكْرٍ محمد بن بشار وغيرُ وَاحِدٍ قالوا: حدثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ القَطّانُ، عن عُبَيْدِ الله بنِ عُمَرَ، عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ "أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم غَيّرَ اسْمَ عَاصِيَةَ وقال: "أَنْتِ جَمِيلَةُ". هذا حديث حسن غريب، وإِنما أَسْنَدَهُ يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ الْقَطّانُ، عن عُبَيْدِ الله، عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ. وَرَوَى بَعْضُهُمْ هذا عن عُبَيْدِ الله عن نَافِعٍ أَنّ عُمَرَ مُرْسَلاً. وفي البابِ عن عبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ وعَبْدِ الله بنِ سَلاَمٍ وعَبْدِ الله بنِ مُطِيعٍ وَعائِشَةَ والْحَكَمِ بنِ سَعِيدٍ
ـــــــ
باب مَا جاءَ في تَغْيِيرِ الأَسْمَاء
قوله: "وأبو بكر بندار" اسمه محمد بن بشار وبندار لقبه "عن عبيد الله بن عمر" هو العمري.
قوله: "غير اسم عاصية وقال أنت جميلة" قيل كانوا يسمون بالعاص والعاصية ذهاباً إلى معنى الإباء عن قبول النقائص والرضاء بالضيم، فلما جاء الإسلام نهوا عنه، ولعله لم يسمها مطيعة مع أنها ضد العاصية مخافة التزكية. وقال في النهاية: إنما غيره لأن شعار المؤمن الطاعة والعصيان ضدها انتهى قال النووي: معنى هذه الأحاديث تغيير الاسم القبيح أو المكروه إلى حسن، وقد ثبت أحاديث بتغييره صلى الله عليه وسلم أسماء جماعة كثيرين من الصحابة، وقد بين صلى الله عليه وسلم العلة في النوعين وما في معناهما وهي التزكية أو خوف التطير.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه "وإنما أسنده" أي رواه متصلاً "وروى بعضهم هذا عن عبيد الله عن نافع عن عمر مرسلاً" أي منقطعاً، لأن نافعاً لم يسمع من عمر. قال الحافظ في تهذيب التهذيب: قال أحمد بن حنبل: نافع عن عمر منقطع.
قوله: "وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن سلام الخ" أما

(8/127)


وَمُسْلِمٍ وأُسَامَةَ بنِ أَخْدَرِيّ، وشُرَيْحِ بنِ هَانِئ عن أَبِيهِ، وَخَيْثَمَةَ بنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ عن أَبِيهِ.
2995- حدثنا أَبُو بَكْرٍ بنِ نَافِعٍ الْبَصْرِيّ، أخبرنا عُمَرُ بنُ عَلِيّ المُقَدّمِيّ عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن أَبِيهِ عن عائِشَةَ "أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُغَيّرُ الاسْمَ الْقَبِيحَ". قال أَبو بَكْرِ بنِ نَافِعٍ وَرُبَما قال عُمَرُ بنُ عَلِيّ في هذا الحديثِ هِشَامُ بنُ عُرْوَةَ عن أَبِيهِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مُرْسَلاً ولم يَذْكُرْ فِيهِ عن عائِشَةَ.
ـــــــ
حديث عبد الله بن سلام فأخرجه ابن ماجه، وأما حديث عائشة فأخرجه الترمذي بعد هذا، وأما حديث أسامة بن أخدري فأخرجه أبو داود، وأما حديث شريح بن هانئ عن أبيه فأخرجه أحمد وأما أحاديث باقي الصحابة فلينظر في أخرجها.
قوله: "كان يغير الاسم القبيح" أي يبدله بالاسم الحسن، والحديث لم يحكم عليه الترمذي بشيء وفي سنده عمر بن علي المقدمي وهو مدلس ورواه عن هشام بالعنعنة. قال ابن سعد: كان ثقة وكان يدلس تدليساً شديداً يقول سمعت وحدثنا ثم يسكت فيقول هشام بن عروة والأعمش وقال: كان رجلاً صالحاً.

(8/128)


100- باب ما جاءَ في أَسْمَاءِ النبيّ صلى الله عليه وسلم
2996- حدثنا سَعِيدُ بنُ عَبْد الرّحْمَنِ المَخْزُومِيّ، أخبرنا سُفْيَانُ عن الزّهْرِيّ، عن مُحمّدِ بنِ جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ، عن أَبِيهِ قال: قال رَسُولُ الله
ـــــــ
باب ما جاءَ في أَسْمَاءِ النبيّ صلى الله عليه وسلم
قوله: "عن محمد بن جبير بن مطعم" النوفلي، ثقة عارف بالنسب من الثالثة

(8/128)


صلى الله عليه وسلم: "إِنّ لِي أَسْمَاءَ: أَنَا مُحمّدُ، وَأَنا أَحْمَدُ، وَأَنَا الْمَاحِي الّذِي يَمْحُو الله بِي الْكُفْرَ، وَأَنَا الْحَاشِرُ الّذِي يُحْشَرُ النّاسُ عَلَى قَدَمَيّ،
ـــــــ
"عن أبيه" هو جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشى النوفلي صحابي عارف بالأنساب، مات سنة ثمان أو تسع وخمسين.
قوله: "إن لي أسماء" وفي رواية البخاري من طريق مالك عن ابن شهاب عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه لي خمسة أسماء. قال الحافظ: الذي يظهر أنه أراد أن لي خمسة اختص بها لم يسم بها أحد قبلي أو معظمة أو مشهورة في الأمم الماضية لا أنه أراد الحصر فيها. قال عياض: حمى الله هذه الأسماء أن يسمى بها أحد قبله وإنما تسمى بعض العرب محمداً قرب ميلاده لما سمعوا من الكهان والأحبار أن نبياً سيبعث في ذلك الزمان يسمى محمداً فرجوا أن يكونوا هم فسموا أبناءهم بذلك، قال وهم ستة لاسابع لهم. قال الحافظ: قد جمعت أسماء من تسمى بذلك في جزء مفرد فبلغوا نحو العشرين، لكن مع تكرار في بعضهم ووهم في بعض. فيتلخص منهم خمسة عشر نفساً انتهى. "أنا محمد وأنا أحمد" قال أهل اللغة: رجل محمد ومحمود: إذا كثرت خصاله المحمودة. قال ابن فارس وغيره: وبه سمي نبينا صلى الله عليه وسلم محمداً وأحمد، أي ألهم الله تعالى أهله أن سموه به لما علم من جميل صفاته، وقال الحافظ: إن هذين الاسمين أشهر أسمائه وأشهرهما محمد، وقد تكرر في القرآن، وأما أحمد فذكر فيه حكاية عن قول عيسى عليه السلام، فأما محمد فمن باب التفعيل للمبالغة، وأما أحمد فمن باب التفضيل، وقيل سمي أحمد لأنه علم منقول من صفة وهي أفعل التفضيل، ومعناه أحمد الحامدين. وسبب ذلك ما ثبت في الصحيح أنه يفتح عليه في المقام المحمود بمحامد لم يفتح بها على أحد قبله، وقيل الأنبياء حمادون وهو أحمدهم أي أكثرهم حمداً أو أعظمهم في صفة الحمد. وأما محمد فهو منقول من صفة الحمد أيضاً وهو بمعنى محمود وفيه معنى المبالغة والمحمد الذي حمد مرة بعد مرة كالمدح. قال الأعشى:
إليك أبيت اللعن كان وجيفها ... إلى الماجد القرم الجواد المحمد
أي الذي حمد مرة بعد مرة أو الذي تكاملت فيه الخصال المحمودة "وأنا الماحي

(8/129)


وَأَنَا الْعَاقِبُ الّذي لَيْسَ بَعْدَهُ نَبِيٌ" . هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
الذي يمحو الله بي الكفر" قال العلماء: المراد محو الكفر من مكة والمدينة وسائر بلاد العرب، وما زوى له صلى الله عليه وسلم من الأرض ووعد أن يبلغه ملك أمته. قالوا ويحتمل أن المراد المحو العام بمعنى الظهور بالحجة والغلبة كما قال تعالى: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} وجاء في حديث آخر تفسير الماحي بأنه الذي محيت به سيئات من اتبعه، فقد يكون المراد بمحو الكفر هذا ويكون كقوله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} والحديث الصحيح: الإسلام يهدم ما كان قبله "وأنا الحاشر" أي ذو الحشر "الذي يحشر" أي يجمع "على قدمي" قال النووي: ضبطوه بتخفيف الياء على الإفراد وتشديدها على التثنية، قال الطيبي: والظاهر على قدميه اعتباراً للموصول إلا أنه اعتبر المعنى المدلول للفظة أنا. وفي شرح السنة: أي يحشر أول الناس لقوله: "أنا أول من تنشق عنه الأرض" . وقال الحافظ في الفتح: على قدمي أي على أثري، أي أنه يحشر قبل الناس. وهو موافق لقوله في الرواية الآخرى: "يحشر الناس على عقبي" انتهى. وقال الطيبي: هو من الإسناد المجازي لأنه سبب في حشر الناس لأن الناس لم يحشروا ما لم يحشر "وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي" قال النووي: أما العاقب ففسره في الحديث بأنه ليس بعده نبي أي جاء عقبهم. قال ابن الأعرابي: العاقب والعقوب الذي يخلف في الخير من كان قبله.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وغيره.

(8/130)


101- باب ما جاءَ في كَرَاهِيَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ اسمِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وكَنْيَتِه
2997- حدثنا قُتَيْبَةُ، أخبرنا الّليْثُ عن ابنِ عَجْلاَنَ، عن أَبِيهِ،
ـــــــ
باب ما جاءَ في كَرَاهِيَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ اسمِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وكَنْيَتِه
اعلم أن علماء العربية قالوا: العلم إما أن يكون مشعراً بمدح أو ذم وهو اللقب وإما أن لا يكون، فإما أن يصدر بأب أو أم أو ابن كأبي بكر وأم كلثوم وابن عباس

(8/130)


عن أَبي هُرَيْرَةَ "أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم نَهَى أَنْ يَجْمَعَ أَحَدٌ بَيْنَ
ـــــــ
وهو الكنية أو لا وهو الاسم، فاسم النبي صلى الله عليه وسلم محمد وكنيته أبو القاسم ولقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما كنى بأكبر أولاده.
ثم اعلم أنه قد ورد في التسمي باسمه صلى الله عليه وسلم والتكني بكنيته أحاديث مختلفة، ولذلك اختلف أقوال أهل العلم فيه. قال النووي: اختلف العلماء في هذه المسألة على مذاهب كثيرة وجمعها القاضي وغيره.
أحدها: مذهب الشافعي وأهل الظاهر، أنه لا يحل التكني بأبي القاسم لأحد أصلاً، سواء كان اسمه محمداً أو أحمد أم لم يكن، لظاهر حديث أنس يعني الآتي في هذا الباب.
الثاني: أن هذا النهي منسوخ، فإن هذا الحكم كان في أول الأمر لهذا المعنى المذكور في الحديث ثم نسخ، قالوا فيباح التكني اليوم بأبي القاسم لكل أحد، سواء من اسمه محمد أو أحمد أو غيره، وهذا مذهب مالك. قال القاضي: وبه قال جمهور السلف وفقهاء الأمصار وجمهور العلماء، قالوا وقد اشتهر أن جماعة تكنوا بأبي القاسم في العصر الأول، وفيما بعد ذلك إلى اليوم مع كثرة فاعل ذلك وعدم الإنكار.
الثالث: مذهب ابن جرير أنه ليس بمنسوخ، وإنما كان النهي للتنزيه والأدب لا للتحريم.
الرابع: أن النهي عن التكني بأبي القاسم مختص بمن اسمه محمد أو أحمد ولا بأس بالكنية وحدها لمن لا يسمى بواحد من الاسمين، وهذا قول جماعة من السلف وجاء فيه حديث مرفوع عن جابر.
الخامس: أنه ينهى عن التكني بأبي القاسم مطلقاً، وينهى عن التسمية بالقاسم لئلا يكنى أبوه بأبي القاسم، وقد غير مروان بن الحكم اسم ابنه عبد الملك حين بلغه هذا الحديث فسماه عبد الملك، وكان سماه أولاً القاسم، وقد فعله بعض الأنصار أيضاً.
السادس: أن التسمية بمحمد ممنوعة مطلقاً، سواء كان له كنية أم لا، وجاء فيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: "تسمون أولادكم ثم تلعنونهم"، وكتب

(8/131)


اسْمِهِ وَكُنْيَتِهِ، ويُسَمّي مُحمّداً أَبَا الْقَاسِمِ". وفي البابِ عن جَابِرٍ. هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
2998- حدثنا الْحُسَيْنُ بنَ حُرَيْثٍ، أخبرنا الفَضْلُ بنُ مُوسَى، عن الْحُسَيْنِ بنِ وَاقِدٍ، عن أَبي الزّبَيْرِ، عن جَابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِذا تَسَمّيْتُمْ بِي فَلاَ تَكْنّوا بِي" .
ـــــــ
عمر إلى الكوفة: لا تسموا أحداً باسم نبي، وأمر جماعة بالمدينة بتغيير أسماء أبنائهم محمد حتى ذكر له جماعة أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لهم في ذلك وسماهم به، فتركهم. قال القاضي: والأشبه أن فعل عمر هذا إعظام لاسم النبي صلى الله عليه وسلم لئلا ينتهك الاسم كما سبق في الحديث: تسمونهم محمداً ثم تلعونهم. وقيل سبب نهي عمر أنه سمع رجلاً يقول لمحمد بن زيد بن الخطاب فعل الله بك يا محمد، فدعاه عمر فقال: أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسب بك والله لا تدعى محمداً ما بقيت، وسماه عبد الرحمن انتهى كلام النووي. وقال القاري: متعقباً على من ادعى النسخ ما لفظه: دعوى النسخ ممنوعة بل ينبغي أن يقال ينتفي الحكم بانتفاء العلة، والعلة في ذلك الاشتباه وهو متعين في حال الحياة انتهى.
قلت: ودعوى انتفاء الحكم بانتفاء العلة مطلقاً أيضاً ممنوعة. قال العيني نقلاً عن الخطابي: قد يحدث شيء من أمر الدين بسبب من الأسباب فيزول ذلك السبب ولا يزول حكمه، كالعرايا والاغتسال للجمعة، انتهى
قوله: "بين اسمه وكنيته" أن بين اسمه صلى الله عليه وسلم وكنيته "ويسمى" بصيغة المعلوم عطف علي يجمع.
قوله: "وفي الباب عن جابر" أخرجه الترمذي بعد هذا.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والبخاري في الأدب المفرد وأبو يعلى.
قوله: "إذا سميتم بي فلا تكنوا بي" بحذف إحدى التاءين من التكني،

(8/132)


هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من هذا الوجه. وقَدْ كَرِهَ بَعْضُ أَهلِ الْعِلْمِ أَنْ يَجْمَعَ الرّجُلُ بَيْنَ اسْمِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وَكُنْيَتِهِ وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ. ورُوِيَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أَنّهُ سَمِعَ رَجُلاً في السّوقِ يُنَادِي يَا أَبَا الْقَاسِمِ فَالْتَفَتَ النبيّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ لَمْ أَعْنِكَ، فَقَالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لاَ تَكَنّوا بِكُنْيَتِي" .
2999- حدثنا بِذَلِكَ الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ الْخَلاّلُ، أخبرنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ عن حُمَيْدٍ، عن أَنَسٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بِهَذَا. وفي هذا الْحَدِيثِ
ـــــــ
ولفظ أبي داود من تسمى باسمي فلا يكنى يكنيتي، ومن اكتنى بكنتي فلا يتسمى باسمي.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد وأبو داود، وصححه ابن حبان.
قوله: "وقد كره بعض أهل العلم أن يجمع الرجل بين اسم النبي صلى الله عليه وسلم وكنيته" واستدل بحديث أبي هريرة وحديث جابر المذكورين "وقد فعل ذلك بعضهم" أي جمع بين اسمه صلى الله عليه وسلم وكنيته. قال الطحاوي: كان في زمن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة كانوا متسمين بمحمد مكتنين بأبي القاسم، منهم محمد بن طلحة ومحمد بن الأشعث ومحمد بن أبي حذيفة. قال العيني: ومن جملة من تسمى بمحمد وتكنى بأبي القاسم من أبناء وجوه الصحابة محمد بن جعفر بن أبي طالب، ومحمد بن سعد بن أبي وقاص، ومحمد بن حاطب ومحمد ابن المنتشر، ذكرهم البيهقي في سننه في باب من رخص الجمع بين التسمي بمحمد، والتكني بأبي القاسم.
قوله: "فقال" أي ذلك الرجل "لم أعنك" من عني يعني، أي لم أقصدك يا رسول الله "لا تكنوا بكنيتي" ولفظ البخاري: سموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي، وحديث أنس هذا أخرجه الشيخان أيضاً.

(8/133)


مَا يَدُلّ عَلَى كَرَاهِيَةِ أَنْ يُكَنّى أَبَا الْقَاسِمِ.
3000- حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ، أخبرنا يَحْيَىَ بنُ سَعِيدٍ القَطّانُ، أخبرنا فِطْرُ بنُ خَلِيفَةَ حدثني مُنْذِرٌ، وَهُوَ الثّوْرِيّ، عن مُحمّدِ بنُ الْحَنَفِيّةِ، عن عَلِيّ بنِ أَبي طَالِبٍ أَنّهُ قالَ: "ياَ رَسُولَ الله أَرَأَيْتَ إنْ وُلِدَ لِي بَعْدَكَ أُسَمّيةِ مُحمّداً وَأُكَنّيهِ بِكُنْيَتِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَانَتْ رُخْصَةً لِي" .
ـــــــ
قوله: "وفي الحديث كراهية أن يكنى أبا القاسم" قال في التوضيح: مذهب الشافعي وأهل الظاهر أنه لا يحل التكني بأبي القاسم لأحد أصلاً، سواء كان اسمه محمداً أو أحمداً أم لم يكن لظاهر الحديث، أي حديث أنس المذكور.
قوله: "حدثني منذر" بن يعلى الثوري بالمثلثة أبو يعلى الكوفي ثقة من السادسة.
قوله: "أرأيت" أي أخبرني "إن ولد لي" أي ولد "بعدك" أي بعد وفاتك "قال نعم" فيه أن النهي مقصور على زمانه صلى الله عليه وسلم، فيجوز الجمع بينهما بعده لرفع الالتباس، وبه قال مالك قاله القارى.
قلت: وبه قال جمهور العلماء كما عرفت في كلام النووي، ولكن في الاستدلال عليه بحديث علي هذا نظر، فإن قوله رضي الله تعالى عنه في هذا الحديث: فكانت رخصة لي، يدل على أن الجواز كان خاصاً له، فالأحوط في هذا الباب هو ما قال به الشافعي وأهل الظاهر من أنه لا يحل التكني بأبي القاسم لأحد أصلاً، سواء كان اسمه محمداً أو أحمد أم لم يكن، لظاهر حديث أنس المذكور في الباب. وصوب هذا القول ابن القيم في زاد المعاد حيث قال: والصواب أن التسمي باسمه جائز، والتكني بكنيته ممنوع منه، والمنع في حياته أشد والجمع بينهما ممنوع منه. وحديث عائشة غريب لا يعارض بمثله الحديث الصحيح، وحديث علي رضي الله عنه في صحته نظر والترمذي فيه نوع تساهل في التصحيح، وقد قال علي إنها رخصة له، وهذا يدل على إبقاء المنع لمن سواه انتهى.

(8/134)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
قلت: أراد بحديث عائشة ما رواه أبو داود عنها قالت: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إني قد ولدت غلاماً فسميته محمداً وكنيته أبا القاسم فذكر لي أنك تكره ذلك، فقال: "ما الذي أحل اسمي وحرم كنيتي، أو ما الذي حرم كنيتي وأحل اسمي"، وفي سنده محمد بن عمران الحجبي. ذكر الطبراني في الأوسط أن محمد بن عمران الحجبي تفرد به عن صفية بنت شيبة ومحمد المذكور مجهول انتهى. وأما قول ابن القيم بأن في صحة حديث علي نظر فلا وجه للنظر، لأن رجاله كلهم ثقات وسنده متصل.

(8/135)


باب ماجاء أن من الشعر حكمه
...
102- باب ما جَاءَ إِنّ مِنَ الشّعرِ حِكْمَة
3001- حدثنا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجّ، أخبرنا يَحْيَىَ بنُ عَبْدِ المَلِكِ بنِ أَبي غَنِيّةَ، حدثني أَبي عن عَاصِمٍ، عن زِرٍ عن عَبْدِ الله قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنّ مِنَ الشّعْرِ حِكْمَةً" .
ـــــــ
باب ما جَاءَ إِنّ مِنَ الشّعرِ حِكْمَة
قوله: "أخبرنا يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية" بفتح المعجمة وكسر النون وتشديد للتحتانية الخزاعي الكوفي، أصله من أصبهان، صدوق له أفراد من كبار التاسعة "عن أبيه" هو عبد الملك ثقة من السابعة "عن عاصم" هو ابن بهدلة "عن زر" هو ابن حبيش "عن عبد الله" أي ابن مسعود.
قوله: "إن من الشعر حكمة" أي قولاً صادقاً مطابقاً للحق، وقبل أصل الحكمة المنع، فالمعنى أن من الشعر كلاماً نافعاً يمنع من السفه. وأخرج أبو داود من رواية صخر بن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن جده سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن من البيان سحراً، وإن من العلم جهلاً، وإن من الشعر حكماً، وإن من القول عيلاً"، فقال صعصعة بن صوحان: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. أما قوله: إن من البيان سحراً، فالرجل يكون عليه الحق وهو الحن بالحجج من صاحب الحق فيسحر القوم ببيانه فيذهب بالحق. وإن قوله: وإن من

(8/135)


هذا حديثٌ غريبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ إِنَمَا رَفَعَهُ أَبُو سَعِيدٍ الاشَجّ عن ابنِ أَبي غَنِيّة، وَرَوَى غَيْرُهُ عن ابن أَبي غَنِيّةَ هَذَا الْحَدِيثَ مَوْقُوفَاً، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ هذا الوَجْهٍ عن عَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وفي البابِ عن أُبَيّ بنِ كَعْبٍ وَابنِ عَبّاسٍ وَعَائِشَةَ وَبُرَيْدَةَ وَكَثِيرِ بنِ عَبْدِ الله عن أَبِيهِ عن جَدّهِ.
3002- حدثنا قُتَيْبَةُ، أخبرنا أَبُو عَوَانَةَ، عن سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ، عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنّ مِنَ الشّعْرِ حُكْماً" .
ـــــــ
العلم جهلاً، فيكلف العالم إلى علمه ما لا يعلم فيجهل ذلك. وأما قوله: إن من الشعر حكماً، فهي هذه المواعظ والأمثال التي يتعظ بها الناس. وأما قوله: إن من القول عيلاً فعرضك كلامك على من لا يريده، وقال ابن التين: مفهومه أن بعض الشعر ليس كذلك لأن من تبعيضية.
قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه ابن أبي شيبة.
قوله: "وفي الباب عن أبي بن كعب وابن عباس وعائشة وبريدة وكثير بن عبد الله عن أبيه عن جده" أما حديث أبي بن كعب فأخرجه البخاري وأبو داود وابن ماجه، وأما حديث ابن عباس فأخرجه الترمذي بعد هذا، وأما حديث عائشة فأخرجه الترمذي في الباب الذي يليه. وأما حديث بريدة فأخرجه أبو داود وابن أبي شيبة، وأما حديث كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده، فلينظر من أخرجه.
قوله: "إن من الشعر حكماً" بضم فسكون، أي حكمة، كما في قوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً} أي الحكمة كذا قال القارى. وقال العزيزي في السراج المنير في شرح هذا الحديث: بكسر ففتح جمع حكمة، أي حكمة وكلاماً نافعاً في المواعظ وذم الدنيا والتحذير من غرورها ونحو ذلك انتهى.

(8/136)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أبو داود وابن ماجه والبخاري في الأدب المفرد.

(8/137)


باب ما في إنشاد الشعر
...
103- باب مَا جَاءَ في إِنْشَادِ الشّعْر
3003- حدثنا إسْمَاعِيلُ بنُ مُوسَى الفَزَارِيّ وَعَلِيّ بنُ حُجْرٍ - المَعْنَى وَاحِدٌ - قَالاَ: أخبرنا ابنُ أَبي الزّنَادِ عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن أَبيهِ عن عَائِشَةَ قَالَتْ: "كَانَ النبيّ صلى الله عليه وسلم يَضَعُ لِحَسّانَ مِنْبَرَاً في المَسْجِدِ يَقُومُ عَلَيْهِ قَائِماً يُفَاخِرُ عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَوْ قَالَتْ: يُنَافِحُ عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، وَيَقُولُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنّ الله يُؤَيّدُ حَسّانَ بِرُوحِ القُدُسِ، مَا يُفَاخِرُ أَوْ يُنَافِحُ عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم" .
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في إِنْشَادِ الشّعْر
قال في القاموس: أنشد الشعر قرأه وأنشد بهم هجاهم
قوله: "يضع لحسان منبراً في المسجد" أي يأمر بوضعه، وحسان هو ابن ثابت أنصاري خزرجي شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من فحول الشعراء أجمعت العرب على أن أشعر أهل المدر حسان بن ثابت "يقوم عليه قائماً" أي قياماً. ففي المفصل قد يرد المصدر على وزن اسم الفاعل نحو قمت قائماً "يفاخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي لأجله وعن قبله "أو" شك من الراوي "ينافح" بنون ثم فاء فحاء مهملة، أي يدافع عنه صلى الله عليه وسلم ويخاصم المشركين ويهجوهم مجازاة لهم "يؤيد حسان بروح القدس" بضم الدال ويسكن أي بجبريل سمى به لأنه كان يأتي الأنبياء بما فيه حياة القلوب فهو كالمبدأ لحياة القلب، كما أن الروح مبدأ حياة الجسد. والقدس صفة للروح، وإنما أضيف إليه لأنه مجبول

(8/137)


3004- حدثنا سن إسْمَاعِيلُ بنُ مُوسَى وَ عَلِيّ بنُ حُجْرٍ، قَالاَ: أخبرنا ابنُ أَبي الزّنَادِ، عن أَبِيهِ، عن عُرْوَةَ، عن عَائِشَةَ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَهُ.
وفي البابِ عن أَبي هُرَيْرَةَ وَالْبَرَاءِ.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ، وَهُوَ حَديثُ ابنِ أَبي الزّنَادِ.
3005- حدثنا إِسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ، أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ، أخبرنا جَعْفَرُ بنُ سُلَيْمَانَ أخبرنا ثَابِتٌ عن أَنَسٍ "أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ مَكّةَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ وَعَبْدُ الله بنُ رَوَاحَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ يَمْشِي وَهُوَ يَقُولُ:
خَلّوا بَنِي الكُفّارِ عن سَبِيلِهِ ... الْيَوْمَ نُضْرِبْكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ
ـــــــ
على الطهارة والنزاهة عن العيوب، وقيل القدس بمعنى المقدس وهو الله، فإضافة الروح إليه للتشريف، ثم تأييده إمداده له بالجواب وإلهامه لما هو الحق والصواب "ما يفاخر أو ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي ما دام مشتغلاً بتأبيد دين الله، وتقوية رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قوله: "وفي الباب عن أبي هريرة والبراء" أما حديث أبي هريرة فأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والسنائي، وأما حديث البراء فأخرجه الشيخان.
قوله: "هذا حديث حسن غريب صحيح" قال صاحب المشكاة: بعد ذكر هذا الحديث: أخرجه البخاري، وقال الحافظ في الفتح بعد ذكره وعزوه إلى الترمذي ما لفظه: وذكر المزي في الأطراف أن البخاري أخرجه تعليقاً نحوه وأتم منه، لكني لم أره فيه انتهى.
قوله: "حدثنا إسحاق بن منصور" هو الكوسج "أخبرنا جعفر بن سليمان" هو الضبعي.
قوله: "خلوا بني الكفار" أي يا بني الكفار "عن سبيله" أي عن سبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم "اليوم نضربكم" بتسكين الموحدة لضرورة الشعر

(8/138)


ضَرْباً يَزِيلُ الْهَامَ عَنْ مَقِيلِهِ ... وَيُذْهِلُ الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ
فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا ابْنَ رَوَاحَةَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَفِي حَرَمِ الله تَقُولُ الشّعْرَ؟ فَقَالَ له النبيّ صلى الله عليه وسلم: "خَلّ عَنْهُ يَا عُمَرُ، فَلَهِيَ أَسْرَعُ فِيهِمْ مِنْ نَضْحِ النّبْلِ" .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرّزّاقِ هَذَا الْحَدِيثَ أَيْضَاً عن مَعْمَرٍ عن الزّهْرِيّ عن أَنَسٍ نَحْوَ هَذَا. وَرَوَى في غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ "أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ مَكّةَ فِي عُمْرَةِ القَضَاءِ وَكَعْبُ بنُ مَالِكٍ بَيْنَ يَدَيْهِ" وَهَذَا أَصَحّ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ
ـــــــ
بل هي لغة قرئ بها في المشهور قاله الحافظ "على تنزيله" أي على حكم تنزيله "ضرباً" معفول مطلق لنضربكم "يزيل" من الإزالة والجملة صفة لضرباً "الهام" جمع هامة: وهي أعلى الرأس وهي الناصية والمفرق "عن مقيله" أي موضعة نقلاً عن موضع القائلة للإنسان كذا في المجمع "ويذهل الخليل عن خليله" من الإذهال عطف على يزيل، أي ينسى ذلك الضرب الخليل عن خليله "فلهي" بلام التأكيد أي إشعاره "أسرع فيهم" أي في الكفار "من نضح النبل" أي أشعاره تؤثر فيهم تأثيراً أسرع من تأثير النبل.
قوله: "هذا حديث حسن غريب صحيح" وأخرجه النسائي "وقد روى عبد الرزاق هذا الحديث أيضاً عن معمر عن الزهري عن أنس نحو هذا" ذكر هذه الرواية الحافظ في الفتح في باب عمرة القضاء، وقد بسط الكلام فيما يتعلق بحديث أنس هذا "وروى في غير هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة في عمرة القضاء وكعب بن مالك بين يديه، وهذا أصح عند بعض أهل الحديث لأن عبد الله بن رواحة قتل يوم مؤتة وإنما كانت عمرة القضاء بعد ذلك". قال الحافظ بعد نقل كلام الترمذي هذا ما لفظه: هو ذهول شديد وغلط مردود، وما أدري كيف وقع الترمذي في ذلك مع وفور معرفته، ومع أن في قصة عمرة

(8/139)


الْحَدِيثِ لأَنّ عَبْدَ الله بنَ رَوَاحَةَ قُتِلَ يَوْمَ مُؤْتَةَ، وَإِنّمَا كَانَتْ عُمْرَةَ القَضَاءِ بَعْدَ ذَلِكَ.
3006- حدثنا عَلِيّ بنُ حُجْرٍ، أخبرنا شَرِيكٌ، عن المِقْدَامِ بنِ شُرَيْحٍ عن أَبِيهِ عن عَائِشَةَ قالَ: "قِيلَ لَهَا هَلْ كَانَ النبيّ صلى الله عليه وسلم يَتَمَثّلُ بِشَيْءٍ مِنَ الشّعْرِ؟، قَالَتْ: كَانَ يَتَمَثّلُ بِشَعْرِ ابنِ رَوَاحَةَ،
ـــــــ
القضاء اختصام جعفر وأخيه علي وزيد بن حارثة في بنت حمزة، وجعفر قتل هو وزيد وابن رواحة في موطن واحد وكيف يخفى عليه، أعني الترمذي مثل هذا، ثم وجدت عن بعضهم أن الذي عند الترمذي من حديث أنس أن ذلك كان في فتح مكة، فإن كان كذلك اتجه اعتراضه لكن الموجود بخط الكروخى راوي الترمذي ما تقدم انتهى.
قلت: قول الحافظ ومع أن في قصة عمرة القضاء اختصام جعفر وأخيه علي وزيد بن حارثة في بنت حمزة أشار به إلى ما في حديث البراء في عمرة القضاء من قوله: فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فتبعته ابنة حمزة تنادي يا عم يا عم فتناولها علي فأخذ بيدها وقال لفاطمة دونك ابنة عمك حملتها، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر قال علي: أنا أخذتها وهي بنت عمي، وقال جعفر ابنة عمي وخالتها تحتي، وقال زيد ابنة أخي، فقضى بها النبي صلى الله عليه وسلم لخالتها وقال: الخالة بمنزلة الأم رواه البخاري وغيره. وأما قوله وجعفر قتل هو وزيد وابن رواحة في موطن واحد، فأشار إلى حديث أنس في غزوة مؤتة أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى زيداً وجعفراً وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: أخذ الراية زيد فأصيب ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب وعيناه تذرفان حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم. رواه البخاري وغيره.
قوله: "يتمثل بشيء من الشعر" أي ينشد به. قال في القاموس: تمثل أنشد بيتاً ثم آخر انتهى. وقال في الصراح: تمثل بهذا البيت وتمثل هذا البيت بمعنى "بشعر ابن رواحة" هو عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس الخزرجي

(8/140)


وَيَقُولُ وَيأْتِيكَ بِالأَخْبَارِ مِنَ لَمْ تُزَوّدِ" .
وفي البابِ عن ابنِ عَبّاسٍ. هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
3007- حدثنا عَلِيّ بنُ حُجْرٍ أخبرنا شَرِيكٌ عن عَبْدِ المَلِكِ بنِ عُمَيْرٍ عن أَبي سَلَمَةَ عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "أَشْعَرُ كَلِمَةٍ تَكَلّمَتْ بِهَا الْعَرَبُ كلمة لَبِيدٍ: ألاَ كُلّ شَيْء مَا خَلاَ الله بَاطِلُ" .
ـــــــ
الأنصاري الشاعر أحد السابقين شهد بدراً واستشهد بمؤتة وكان ثالث الأمراء بها "ويقول" أي النبي صلى الله عليه وسلم "ويأتيك بالأخبار من لم تزود" من التزويد: وهو إعطاء الزاد، يقال أزاده وزوده أي أعطاه الزاد وهو طعام يتخذ للسفر وضمير المفعول محذوف، أي من لم تزوده، وهذا مصراع ثان من بيت ابن رواحة والمصرع الأول منه ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً وقوله: ستبدي من الإبداء، يقول ستظهر لك الأيام ما كنت غافلاً عنه وينقل إليك الأخبار من لم تعطه الزاد.
قوله: "وفي الباب عن ابن عباس" أخرجه البزار.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد في مسنده من طريق المغيرة عن الشعبي عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استراب الخبر تمثل فيه ببيت طرفة ويأتيك بالأخبار من لم تزود. قال الحافظ ابن كثير في تفسيره بعد ذكر هذا الحديث وهكذا رواه النسائي في اليوم والليلة من طريق إبراهيم بن مهاجر عن الشعبي عنها، ورواه الترمذي والنسائي أيضاً من حديث المقدام بن شريح بن هانئ عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها كذلك، ثم قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح انتهى.
تنبيه: اعلم أن نسبة عائشة رضي الله عنها الشعر المذكور إلى ابن رواحة نسبة مجازية، فإنه ليس له بل هو لطرفة بن العبد البكري في معلقته المشهورة وقد نسبته عائشة إلى طرفة أيضاً كما في رواية أحمد المذكورة.
قوله: "أشعر كلمة تكلمت بها العرب" أي أحسنها وأجودها، وفي رواية

(8/141)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَقَدْ رَوَاهُ الثّوْرِيّ وَغَيْرُهُ عن عَبْدِ المَلِكِ بنِ عُمَيْرٍ.
3008- حدثنا عَلِيّ بنُ حُجْرٍ، أخبرنا شَرِيكٌ عن سِمَاكٍ، عن جَابِرٍ بنِ سَمُرَةَ قَالَ: "جَالَسْتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم أَكْثَرَ مِنْ مَائَةِ مَرّةٍ، فَكَانَ أَصْحَابُهُ يَتَنَاشَدُونَ الشّعْرَ وَيَتَذَاكَرُونَ أَشْيَاءَ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيّةِ، وَهُوَ سَاكِتٌ فَرُبّمَا يَتَبَسّمُ مَعَهُمْ".
ـــــــ
أصدق كلمة قالها الشاعر، والمراد بالشاعر في هذه الرواية جنس الشاعر، وفي رواية أصدق بيت قالته الشعراء. وهذه الروايات كلها في الصحيح، والمراد بالكلمة ههنا القطعة من الكلام "قوله لبيد" هو ابن ربيعة الشاعر العامري، قدم على النبي صلى الله عليه وسلم سنة وفد قومه بنو جعفر بن كلاب، وكان شريفاً في الجاهلية والاسلام، نزل الكوفة ومات بها سنة إحدى وأربعين، وله من العمر مائة وأربعون سنة، وقيل مائة وسبع وخمسون سنة. ذكره صاحب المشكاة. ومن جملة فضائله أنه لما أسلم لم يقل شعراً وقال يكفيني القرآن "ألا" للتنبيه "كل شيء ما خلا الله باطل" أي فان مضمحل. قال الطيبي: وإنما كان أصدق لأنه موافق لأصدق الكلام وهو قوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} وتمام كلام لبيد:
وكل نعيم لا محالة زائل
نعيمك في الدنيا غرور وحسرة ... وعيشك في الدنيا محال وباطل
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله: "يتناشدون الشعر" أي ينشد بعضهم بعضاً "ويتذاكرون أشياء من أمر الجاهلية الخ" وفي رواية مسلم وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسم صلى الله عليه وسلم. ومن جملة ما يتحدثون به أنه قال واحد ما نفع أحداً صنمه مثل ما نفعني، قالوا كيف هذا؟ قال صنعته من الحيس فجاء القحط فكنت آكله يوماً فيوماً. وقال آخر: رأيت ثعلبين جاءا وصعدا فوق

(8/142)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَقَدْ رواه زُهَيْرٌ عن سِمَاكٍ أَيْضاً.
ـــــــ
رأس صنم لي وبالا عليه، فقلت: أرب يبول الثعلبان برأسه فجئتك يا رسول الله وأسلمت، كذا في المرقاة.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم، وليس في روايته يتناشدون الشعر.

(8/143)


باب ماجاء :لأن يمتليء جوف أحدكم قيحا خيرا له من أن يمتليء شعرا
...
104- باب ما جَاءَ: لأَنْ يَمْتَلِئ جَوْفُ أَحَدِكُم قَيْحاً خَيْرٌ لهُ مِنْ أَنْ يَمتَلِئ شِعْرَا
3009- حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ، أخبرنا يَحْيَىَ بنُ سَعِيدٍ، عن شُعْبَةَ عن قَتَادَةَ، عن يُونُسَ بنِ جُبَيْرٍ، عن مُحمّدِ بنِ سَعْدِ بنِ أَبي وَقّاصٍ، عن أَبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحاً خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئ شِعْراً" .
ـــــــ
باب ما جَاءَ: لأَنْ يَمْتَلِئ جَوْفُ أَحَدِكُم قَيْحاً خَيْرٌ لهُ مِنْ أَنْ يَمتَلِئ شِعْرَا
قوله: "لأن يمتلئ" من الامتلاء "جوف أحدكم قيحاً" بفتح القاف وسكون التحتية بعدها مهملة، أي مدة لا يخالطها دم وهو منصوب على التمييز "خير له من أن يمتلئ " أي جوفه "شعراً" ظاهره العموم في كل شعر، لكنه مخصوص بما لم يكن مدحاً حقاً كمدح الله ورسوله وما اشتمل على الذكر والزهد وسائر المواعظ مما لا إفراط فيه. ويؤيده حديث عمرو بن الشريد عن أبيه قال: ردفت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فقال: "هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء" ؟ قلت نعم، قال "هيه" ، فأنشدته بيتاً فقال "هيه" ثم أنشدته بيتاً فقال "هيه" ، حتى أنشدته مائة بيت. رواه مسلم. قال ابن بطال: ذكر بعضهم أن معنى قوله: خير له من أن يمتلئ شعراً يعني الشعر الذي هجي به النبي صلى الله عليه وسلم. وقال أبو عبيد والذي عندي في هذا الحديث غير هذا القول، لأن الذي هجي به النبي صلى الله عليه وسلم

(8/143)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
3010- حدثنا عِيسَى بنُ عُثْمَانَ بنِ عِيسَى بنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ الرّمْلِيّ أخبرنا عَمّي يَحْيَىَ بنُ عِيسَى عن أَبي صَالِحٍ، عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لأَنْ يَمْتَلِئ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحاً يَرِيْهُ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرَاً" .
ـــــــ
لو كان شطر بيت لكان كفراً، فكأنه إذا حمل وجه الحديث على امتلاء القلب منه أنه قد رخص في القليل منه، ولكن وجهه عندي أن يمتلئ قلبه من الشعر حتى يغلب عليه فيشغله عن القرآن وعن ذكر الله فيكون الغالب عليه، فأما إذا كان القرآن والعلم الغالبين عليه فليس جوفه ممتلئاً من الشعر. قال الحافظ: وأخرج أبو عبيد التأويل المذكور من رواية مجالد عن الشعبي مرسلاً، فذكر الحديث وقال في آخره: يعني من الشعر الذي هجي به النبي صلى الله عليه وسلم، وقد وقع لنا ذلك موصولاً من وجهين آخرين، فذكرهما الحافظ وضعفهما.
قلت: والظاهر أن المراد من الامتلاء أن يكون الشعر مستولياً عليه بحيث يشغله عن القرآن والذكر والعلوم الشرعية وهو مذموم من أي شعر كان. وقد ترجم الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه على هذا الحديث من رواية ابن عمر وأبي هريرة باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر حتى يصده عن ذكر الله والعلم والقرآن.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم وابن ماجه.
قوله: "حدثنا عيسى بن عثمان بن عيسى بن عبد الرحمن الرملي" النهشلي الكوفي صدوق من الحادية عشرة "أخبرنا عمي يحيى بن عيسى" التميمي النهشلي الفاخوري بالفاء والخاء المعجمة الكوفي نزيل الرملة صدوق يخطئ ورمي بالتشيع من التاسعة.
قوله: "يريه" بفتح ياء وكسر راء وسكون ياء أخرى صفة قيح، أي يفسده من الورى وهو داء يفسد الجوف ومعناه قيحاً يأكل جوفه ويفسده، وقيل أي يصل إلى الرئة ويفسدها. ورد بأن المشهور في الرئة الهمز "أن يمتلئ" أي جوفه،

(8/144)


وفي البابِ عن سَعْدٍ وَأَبي سَعِيدٍ وَابنِ عُمرَ وَأَبي الدّرْدَاءِ.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
قال ابن أبي حمزة: قوله جوف أحدكم، يحتمل أن يكون المراد جوفه كله وما فيه من القلب وغيره، ويحتمل أن يريد به القلب خاصة وهو الأظهر، لأن أهل الطب يزعمون أن القيح إذا وصل إلى القلب شيء منه، وإن كان يسيراً، فإن صاحبه يموت لا محالة بخلاف غير القلب مما في الجوف من الكبد والرئة قال الحافظ: ويقوي الاحتمال الأول رواية عوف بن مالك: لأن يمتلئ جوف أحدكم من عانته إلى لهاته، وتظهر مناسبته للثاني لأن مقابله وهو الشعر محله القلب، لأنه ينشأ عن الفكر. وأشار ابن أبي جمرة إلى عدم الفرق في امتلاء الجوف من الشعر بين من ينشئه أو يتعانى حفظه من شعر غيره كما هو ظاهر.
قوله: "وفي الباب عن سعد وأبي سعيد وابن عمر وأبي الدرداء" أما حديث سعد فالظاهر أنه أراد حديثاً آخر له غير حديثه المذكور، ولينظر من أخرجه، وأما حديث أبي سعيد فأخرجه مسلم، وأما حديث ابن عمر فأخرجه البخاري والطحاوي، وأما حديث أبي الدرداء فأخرجه الطبراني.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وابن ماجه.

(8/145)


105- باب ما جَاءَ في الفَصَاحَةِ وَالْبَيَان
3011- حدثنا مُحمّدُ بنُ عَبْدِ الأعْلَى الصّنْعَانِيّ، أخبرنا عُمَرُ بنُ عَلِيّ المُقَدّمِيّ، أخبرنا نَافِعُ بنُ عُمَرَ الْجُمحِيّ عن بِشْرِ بنِ عَاصِمٍ، سَمِعَهُ يُحَدّثُ عن أَبِيهِ عن عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو أَنّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
ـــــــ
باب ما جَاءَ في الفَصَاحَةِ وَالْبَيَان
قوله: "أخبرنا نافع بن عمر" بن عبد الله بن جميل الجمحى المكي، ثقة من كبار السابعة "عن بشر بن عاصم" بن سفيان عن عبد الله بن ربيعة بن الحارث الثقفي الطائفي ثقة من السادسة "عن أبيه" هو عاصم بن سفيان صدوق من الثالثة.

(8/145)


قالَ: "إِنّ الله يُبْغِضُ الْبَلِيغَ مِنَ الرّجالِ الّذِي يَتَخَلّلُ بِلِسَانِهِ كَمَا تَتَخَلّلُ الْبَقَرَةُ" .
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وفي البابِ عن سَعْدٍ.
ـــــــ
قوله: "إن الله يبغض" بضم التحتية وسكون الباء وكسر الغين، وكذا هو مضبوط في النسخة الأحمدية بالقلم. قال في القاموس: أبغضوه مقتوه، وقال في الصراح: ابغاض دشمن داشتين "البليغ" أي المبالغ في فصاحة الكلام وبلاغته "من الرجال" أي مما بينهم، وخصوا لأنه الغالب فيهم "الذي يتخلل بلسانه" أي يأكل بلسانه أو يدير لسانه حول أسنانه مبالغة في إظهار بلاغته وبيانه "كما يتخلل البقرة" أي بلسانها كما في رواية، قال في النهاية: أي يتشدق في الكلام بلسانه ويلفه كما تلف البقرة الكلأ بلسانها لفاً انتهى. وخص البقرة لأن جميع البهائم تأخذ النبات بأسنانها وهي تجمع بلسانها. وأما من بلاغته خلقية فغير مبغوض، كذا في السراج المنير.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد وأبو داود.
قوله: "وفي الباب عن سعد" أي ابن أبي وقاص أخرجه أحمد عنه مرفوعاً لا تقوم الساعة حتى يخرج قوم يأكلون بألسنتهم كما تأكل البقرة بألسنتها.

(8/146)


106- باب
3012- حدثنا قتيبة، أخبرنا حماد بن زيد، عن كثير بن شنظير عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خمروا الآنية، وأوكئوا الأسقية، وأجيفوا الأبواب
ـــــــ
"باب"
قوله: "عن كثير بن شنطير" بكسر معجمة وسكون نون وكسر ظاء معجمة وسكون تحتية وبراء المازني هو أبو قرة البصري صدوق يخطىء من السادسة.
قوله: "خمروا الآنية" بفتح معجمة وتشديد ميم أي غطوها، وفي رواية

(8/146)


وأطفئوا المصابيح فإن الفويسقة ربما جرت الفتيلة فأحرقت أهل البيت" . قال هذا حديث حسن صحيح وقد روي وجه عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم
ـــــــ
لمسلم وخمروا آنيتكم واذكروا اسم الله ولو أن تعرضوا عليها شيئا وأوكوا بفتح الكاف من الإيكاء الأسقية جمع السقاء بكسر السين أي شدوا واربطوا رأس السقاء بالوكاء وهو ما يشد به القربة وزاد مسلم واذكروا اسم الله وأجيفوا الأبواب أي أغلقوها زاد مسلم في رواية واذكروا اسم الله وأطفئوا بهمزة قطع وكسر فاء فهمزة مضمومة المصابيح جمع المصباح أي السراج فإن الفويسقة تصغير الفاسقة والمراد الفأرة لخروجها من جحرها على الناس وإفسادها.
قوله هذا حديث حسن صحيح وأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه

(8/147)


107- باب
3013- حدثنا قتيبة، أخبرنا عبد العزيز بن محمد عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا سافرتم في الخصب، فأعطوا الإبل حظها من الأرض، وإذا سافرتم في السنة فبادروا بنقيها، وإذا عرستم فاجتنبوا الطريق،
ـــــــ
باب
قوله: "أخبرنا عبد العزيز بن محمد" هو الدراوردي.
قوله: "إذا سافرتم في الخصب" بكسر المعجمة أي زمان كثرة العلف والنبات "فأعطوا لإبل حظها من الأرض" أي من نباتها، يعني دعوها ساعة فساعة ترعى إذ حقها من الأرض رعيها فيه "وإذا سافرتم في السنة" أي القحط أو زمان الجدب "فبادروا بها نقيها" بكسر النون وسكون القاف بعدها تحتية:

(8/147)


فإنها طرق الدواب ومأوى الهوام بالليل" .
هذا حديث حسن صحيح. وفي الباب عن أنس وجابر.
ـــــــ
أي أسرعوا عليها السير ما دامت قوية النقي وهو المخ. قال القاري: والظاهر أنه سيما على أنه مفعول بادروا وعليه الأصول من النسخ المضبوطة يعني من المشكاة. وقال الطيبي: يحتمل الحركات الثلاث أن يكون منصوبا مفعولا به وبها حال منه، أي بادروا نقيها إلى المقصد ملتبسا بها أو من الفاعل أي ملتبسين بها، ويجوز أن تكون الباء سببية أي بادروا بسبب سيرها نقيها وأن تكون للإستعانة أي بادروا نقيها مستعينين بسيرها، ويجوز أن يكون مرفوعا فاعلا للظرف وهو حال، أيي بادروا إلى المقصد ملتبسا بها نقيها أو مبتدأ والجار والمجرور خبره، والجملة حال كقولهم فوه إلى في وأن يكون مجرورا بدلا من الضمير المجرور، والمعنى سارعوا بنقيها إلى المقصد باقية النقي فالجار والمجرور حال "وإذا عرستم" بتشديد الراء أي نزلتم بالليل. قال في القاموس: أعرس القوم نزلوا في آخر الليل للإستراحة كعرسوا "فإنها طرق الدواب" أي دواب المسافرين أو دواب الأرض وغيرها "ومأوى الهوام بالليل" وهي بتشديد الميم جمع هامة كل ذات سم. قال النووي هذا وضوء من آداب السير والنزول أرشد إليه صلى الله عليه وسلم لأن الحشرات ودواب الأرض من ذوات السموم والسباع تمشي في الليل على الطرق لسهولتها ولأنها تلتقط منها ما يسقط من مأكول ونحوه وما يجد فيها من رمة ونحوها فإذا عرس الإنسان على الطريق ربما مر به منها ما يؤذيه فينبغي أن يتباعد عن الطريق انتهى
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي
قوله: "وفي الباب عن أنس وجابر" أما حديث أنس فأخرجه أبو داود وأما حديث جابر فأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه.

(8/148)


108- باب
3014- حدثنا إسْحَقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيّ. أخبرنا عَبْدُ الله بْنُ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ الْجَبّارِ بن عُمَرَ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ يَنَامَ الرّجُلُ عَلَى سَطْحٍ لَيْسَ بِمَحْجُور عَلَيْهِ" .
هذا حديثٌ غريبٌ لاَ نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ مُحَمّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ إِلاَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَعَبْدُ الْجَبّارِ بْنِ عُمَرَ يُضَعّفُ.
3015- حدثنا مَحْمودُ بْنُ غَيْلاَنَ. أخبرنا أَبُو أَحْمَدَ. أخبرنا سُفْيَانُ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ الله قَالَ: "كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَتَخَوّلُنَا بِالمَوْعظَةِ في الأَيَامِ مَخَافَةَ السّآمَةِ عَلَيْنَا" .
ـــــــ
باب
قوله: "أن ينام الرجل" أي ليلاً أو مطلقاً "ليس بمحجوز عليه" أي ليس حوله جدار مانع من الوقوع عن السطح.
قوله: "وعبد الجبار بن عمر الأيلي" بفتح الهمزة وسكون التحتانية الأموي مولاهم "يضعف" بصبغة المجهول من التضعيف، وقد ضعفه كثير من المحدثين كما في تهذيب التهذيب، فالحديث ضعيف، لكن له شواهد ذكرها المنذري في الترغيب.
قوله: "يتخولنا" بالخاء المعجمة أي يتعاهدنا "بالموعظة" أي النصح والتذكير "الأيام" صفة للموعظة أي بالموعظة الكائنة في الأيام "مخافة السآمة" كلام إضافي منصوب على أنه مفعول له أي لأجل مخافة السآمة، والسآمة مثل الملالة لفظاً ومعنى وصلة السآمة محذوفة، لأنه يقال سأمت من الشيء. والتقدير مخافه السآمة من الموعظة

(8/149)


هذا حديثٌ حَسَنٌ صحِيحٌ.
3016- حَدّثْنَا مُحمّدُ بْنُ بَشّارٍ. أخبرنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. أخبرنا سفيان عن سُلَيْمَان الأَعْمَشِ. حَدّثْنِي شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ.
ـــــــ
"علينا" إما يتعلق بالسآمة على تضمين السآمة معنى المشقة، أي مخافة المشقة علينا، إذ المقصود بيان رفق النبي صلى الله عليه وسلم بالأمة وشفقته عليهم ليأخذوا منه بنشاط وحرص لا عن ضجر وملل، وإما يجعل صفة، والتقدير مخافة السآمة الطارئة علينا، وإما يجعل حالاً والتقدير مخافة السآمة حال كونها طارئة علينا، وإما ما يتعلق بالمحذوف والتقدير مخافة السآمة شفقة علينا فافهم. وفي الحديث الاقتصاد في الموعظة لئلا تملها القلوب فيفوت مقصودها.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.

(8/150)


109- باب
3017- حدثنا أَبُو هِشَامٍ الرّفَاعِيّ. أخبرنا ابْنُ فُضَيلٍ عنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبي صَالِحٍ قَالَ: سُئِلتْ عَائِشَةُ وَأُمّ سَلَمَةَ أَيّ الْعَمَلِ كانَ أَحَبّ إلى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم. قَالَتَا: "مَا دِيمَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَلّ".
هذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "كانَ أَحَبّ الْعَمَلِ إلى رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم مَا دِيمَ عَلَيْهِ".
ـــــــ
باب
قوله: "ما ديم عليه" بصيغة الماضي المجهول من دام يدوم، أي العمل الذي دووم عليه "وإن قل" أي ولو قل العمل، وفي الحديث: أن العمل القليل مع المداومة والمواظبة خير من العمل الكثير مع ترك المراعاة والمحافظة.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه النسائي.

(8/150)


3018- حَدّثَنَا بذلك هَرُونَ بْنُ إِسْحَقَ الْهَمْدَانِيّ. أخبرنا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ.
هذا حديثٌ صحيحٌ
ـــــــ
قوله: "أخبرنا عبدة" هو ابن سليمان.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.

(8/151)