Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي

أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
باب ما جاء في الذي يفسر القرآن برأيه
...
باب ما جاء في الّذِي يُفَسّرُ القُرْآنَ بِرَأْيِه
4022- حدثنا مَحمُودُ بنُ غَيْلاَنِ، أخبرنا بِشْرُ بنُ السّرّي، أخبرنا سُفْيَانُ عن عَبْدِ الأعْلَى عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبّاس. قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ قالَ فِي الْقُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَلْيَتَبَوّأْ
ـــــــ
أبواب تفسير القرآن عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم
التفسير تفعيل من الفسر وهو البيان، تقول: فسرت الشيء بالتخفيف أفسره فسراً وفسرته بالتشديد، أفسره تفسيراً إذا بينته، وأصل الفسر نظر الطبيب إلى الماء ليعرف العلة، واختلفوا في التفسير والتأويل. قال أبو عبيدة وطائفة: هما بمعنى وفرق بينهما آخرون، فقال أبو عبيد الهروي: التأويل رد أحد المحتملين إلى ما يطابق الظاهر، والتفسير كشف المراد عن اللفظ المشكل. وحكى صاحب النهاية أن التأويل نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأصلي إلى ما يحتاج إلى دليل لولاه ما ترك ظاهر اللفظ، وقيل التأويل إبداء احتمال اللفظ معتضد بدليل خارج عنه، ومثل بعضهم بقوله تعالى: {لا رَيْبَ فِيهِ} قال من قال لا شك فيه فهو التفسير ومن قال لأنه حق في نفسه لا يقبل الشك فهو التأويل كذا في الفتح
باب ما جاء في الّذِي يُفَسّرُ القُرْآنَ بِرَأْيِه
قوله: "أخبرنا سفيان" هو الثوري "عن عبد الأعلى" هو ابن عامر.
قوله: "من قال في القرآن بغير علم" أي بغير دليل يقيني أو ظني نقلي أو عقلي مطابق للشرعي، قاله القاري. وقال المناوي أي قولاً يعلم أن الحق غيره

(8/277)


مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ" . هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
4023- حدثنا سُفْيَانُ بنُ وَكِيَعٍ، أخبرنا سُوَيْدُ بنُ عَمْرٍو الْكَلْبِيّ، أخبرنا أَبُو عَوَانَةَ عن عَبْدِ الأعْلَى عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبّاسٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "اتّقُوا الْحَديثَ عَنّي إلاّ مَا عَلِمْتُمْ فَمَنْ كَذَبَ عَلَىّ مُتَعَمّداً فَلْيَتَبَوّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ، وَمَنْ قالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَلْيَتَبَوّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ" .
ـــــــ
وقال في مشكله بما لا يعرف "فليتبوأ مقعده من النار" أي ليهييء مكانه من النار قيل الأمر للتهديد والوعيد، وقيل الأمر بمعنى الخبر. قال ابن حجر: وأحق الناس بما فيه من الوعيد، قوم من أهل البدع سلبوا لفظ القرآن ما دل عليه، وأريد به أو حملوه على ما لم يدل عليه ولم يرد به في كلا الأمرين مما قصدوا نفيه أو إثباته من المعنى فهم مخطئون في الدليل والمدلول مثل تفسير عبد الرحمن بن كيسان الأصم والجبائي وعبد الجبار والهاني والزمخشري وأمثالهم. ومن هؤلاء من يدس البدع والتفاسير الباطلة في كلامهم الجذل فيروج على أكثر أهل السنة كصاحب الكشاف، ويقرب من هؤلاء تفسير ابن عطية، بل كان الإمام ابن العرفة المالكي يبالغ في الحط عليه ويقول إنه أقبح من صاحب الكشاف لأن كل أحد يعلم اعتزال ذلك فيجتنبه، بخلاف هذا فإنه يوهم الناس أنه من أهل السنة.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والنسائي وابن جرير.
قوله: "اتقوا الحديث" أي أحذروا روايته "عني" والمعنى لا تحدثوا عني "إلا ما علمتم" أي أنه من حديثي. قال القاري: والظاهر أن العلم هنا يشتمل الظن فأنهم إذا جوز الشهادة به مع أنها أضيق من الرواية اتفاقاً فلأن تجوز به الرواية أولى، ويؤيده أنه يجوز في الرواية أولى، ويؤيده أنه يجوز في الرواية الاعتماد على الخط بخلاف الشهادة عند الجمهور "ومن قال" أي من تكلم "في القرآن" أي في معناه أو قراءته "برأيه" أي من تلقاء نفسه من غير تتبع أقوال الأئمة من أهل اللغة والعربية المطابقة للقواعد

(8/278)


هذا حديثٌ حسنٌ.
4024- حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ حدثني حَبّانُ بنُ هِلاَلٍ أخبرنا سُهَيْلُ بنُ عَبْدِ الله وَهُوَ ابنُ أَبي حَزْمٍ أَخُو حَزْمٍ القُطَعِيّ حدثنا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيّ عن جُنْدُبِ بنِ عَبْدِ الله قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "مَنْ قالَ في القُرْآنِ بِرَأْيِه فَأَصَابَ فَقَدْ أَخْطَأَ" .
ـــــــ
الشرعية بل بحسب ما يقتضيه عقله وهو مما يتوقف على النقل بأنه لا مجال للعقل فيه كأسباب النزول والناسخ والمنسوخ وما يتعلق بالقصص والأحكام أو بحسب ما يقتضيه ظاهر النقل وهو مما يتوقف على العقل كالمتشابهات التي أخذ المجسمة بظواهرها وأعرضوا عن استحالة ذلك في العقول أو بحسب ما يقتضيه بعض العلوم الإلهية مع عدم معرفته ببقيتها وبالعلوم الشرعية فيها يحتاج لذلك، ولذا قال البيهقي المراد رأي غلب من غير دليل قام عليه أما ما يشده برهان فلا محذور فيه، فعلم أن علم التفسير إنما يتلقى من النقل أو من أقوال الأئمة أو من المقاييس العربية أو القواعد الأصولية المبحوث عنها في علم أصول الفقة أو أصول الدين.
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه أحمد من وجه آخر.
قوله: "حدثني حبان" بفتح الحاء المهملة وتشديد الموحدة "وهو" أي سهيل ابن عبد الله "ابن أبي حزم" فأبو حزم كنية والدسهيل وعبد الله اسمه ويقال له مهران أيضاً "أخو حزم" بدل من ابن أبي حزم أي سهيل بن أبي حزم هو أخو حزم "القطعي" بضم القاف وفتح الطاء. قال الحافظ في تهذيب التهذيب: سهيل ابن أبي حزم واسمه مهران ويقال عبد الله أبو بكر البصري روى عن أبي عمران الجوني وغيره وعنه حبان بن هلال وغيره. وقال في التقريب ضعيف من السابعة "عن جندب بن عبد الله" بضم الجيم والدال تفتح وتضم ابن سفيان البجلي.
قوله: "من قال في القرآن" أي في لفظه أو معناه "برأيه" أي بعقله المجرد "فأصاب" أي ولو صار مصيباً بحسب الاتفاق "فقد أخطأ" أي فهو مخطئ بحسب الحكم الشرعي. قال ابن حجر: أي أخطأ طريق الاستقامة بخوضه في

(8/279)


ـــــــ
كتاب الله بالتخمين والحدس لتعديه بهذا الخوض مع عدم استجماعه لشروطه فكان إثماً به مطلقاً ولم يعتد بموافقته للصواب لأنها ليست عن قصد ولا تحر بخلاف من كملت فيه آلات التفسير وهي خمسة عشر علماً اللغة والنحو والتصريف والاشتقاق لأن الاسم إذا كان اشتقاقه من مادتين اختلف المعنى باختلافهما كالمسيح هل هو من السياحة أو المسح والمعاني والبيان والبديع والقراءات والأصلين وأسباب النزول والقصص والناسخ والمنسوخ والفقه والأحاديث المبينة لتفسير المجمل والمبهم وعلم الموهبة وهو علم يورثه الله لمن عمل بما علم، وبعض هذه العلوم كان موجوداً عند السلف بالفعل وبعضها بالطبع من غير تعلم فإنه مأجور بخوضه فيه وإن أخطأ لأنه لا تعدى منه فكان مأجوراً أجرين كما في رواية أو عشرة أجور كما في أخرى إن أصاب، وأجراً إن أخطأ كالمجتهد في الأحكام لأنه بذل وسعه في طلب الحق واضطره الدليل إلى ما رآه فلم يكن منه تقصير بوجه.
وقد أخطأ الباطنية الذين يعتقدون أن للقرآن ظهراً وبطناً وأن المراد باطنه دون ظاهره. ومن هذا ما يسلكه بعض الصوفية من تفسيرهم فرعون بالنفس، وموسى بالقلب إن زعموا أن ذلك مراد بالاَية لا إشارات ومناسبات للاَيات وقد صرح الغزالي وغيره بأنه يحرم صرف شيء من الكتاب والسنة عن ظاهره من غير اعتصام فيه بنقل من الشارع ومن غير ضرورة تدعو إليه من دليل عقلي، ونقل الطيبي عن التوربشتي: أن المراد بالرأي ما لا يكون مؤسساً على علوم الكتاب والسنه بل يكون قولاً تقوله برأيه على ما يقتضيه عقله، وعلم التفسير يؤخذ من أفواه الرجال، كأسباب النزول والناسخ والمنسوخ، ومن أقوال الأئمة وتأويلاتهم بالمقاييس العربية كالحقيقة والمجاز والمجمل والمفصل والعام والخاص ثم يتكلم على حسب ما يقتضيه أصول الدين، فيأول القسم المحتاج إلى التأويل على وجه يشهد بصحته ظاهر التنزيل، فمن لم يستجمع هذه الشرائط كان قوله مهجوراً وحسبه من الزاجر أنه مخطئ عند الإصابة، فيابعد ما بين المجتهد والمتكلف، فالمجتهد مأجور على الخطأ والتكلف مأخوذ بالصواب، كذا في المرقاة. وقال النيسابوري في تفسيره: ذكر العلماء أن النهي عن تفسير القرآن بالرأي لا يخلو: إما أن يكون المراد به الاقتصار على النقل والمسموع وترك الاستنباط، أو المراد به أمر آخر وباطل أن يكون المراد به أن لا يتكلم أحد في القرآن إلا بما سمعه فإن الصحابة

(8/280)


هذا حديثٌ غريبٌ. وَقَدْ تَكَلّمَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ في سُهيْلِ بنِ أَبي حَزْمٍ. وهَكَذَا رُويَ عن بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النبيّ صلى
ـــــــ
رضي الله عنهم قد فسروا القرآن واختلفوا في تفسيره على وجوه وليس كل ما قالوه سمعوه، كيف وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" فإن كان التأويل مسموعاً كالتنزيل فما فائدة تخصيصه بذلك وإنما النهي يحمل على وجهين: أحدهما أن يكون له في الشيء رأي وإليه ميل من طبعه وهواه فيأول القرآن على وفق هواه ليحتج على تصحيح غرضه ولو لم يكن له ذلك الرأي والهوى، لا يلوح له من القرآن ذلك المعنى، وهذا قد يكون مع العلم بأن المراد من الآية ليس ذلك ولكن يلبس على خصمه وقد يكون مع الجهل وذلك إذا كانت الآية محتملة فيميل فهمه إلى الوجه الذي يوافق غرضه ويترجح ذلك الجانب برأيه وهواه، ولولا رأيه لما كان يترجح عنده ذلك الوجه، وقد يكون له غرض صحيح فيطلب له دليلاً من القرآن ويستدل عليه بما يعلم أنه ما أريد به كمن يدعو إلى مجاهدة القلب القاسي فيقول المراد بفرعون في قوله تعالى {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى} هو النفس.
الوجه الثاني: أن يتسارع إلى تفسير القرآن بظاهر العربية من غير استظهار بالسماع والنقل فيما يتعلق بغريب القرآن وما فيه من الألفاظ المبهمة والاختصار والحذف والإضمار والتقديم والتأخير، فالنقل والسماع لا بد منه في ظاهر التفسير أولاً ليتقي به مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتسع للتفهيم والاستنباط. والغرائب التي لا تفهم إلا بالسماع كثيرة، كقوله تعالى: {وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا} معناه آية مبصرة فظلموا أنفسهم بقتلها، فالناظر إلى ظاهر العربية بظن المراد أن الناقة كانت مبصرة ولم تكن عمياء وما يدري بما ظلموا وأنهم ظلموا غيرهم أو أنفسهم. وما عدا هذين الوجهين فلا يتطرق النهي إليه ما دام على قوانين العلوم العربية والقواعد الأصلية والفرعية، انتهى.
قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه أبو داود والنسائي وابن جرير "وقد تكلم بعض أهل الحديث في سهيل بن أبي حزم" قال المنذري: وقد تكلم

(8/281)


الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ أَنّهُمْ شَدّدُوا فِي هَذَا فِي أَنْ يُفَسّرَ القُرْآنُ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَأَمّا الذِي رُوِيَ عن مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِماَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنّهُمْ فَسّرُوا القُرْآنَ فَلَيْسَ الظّنّ بِهِمْ أَنَهُمْ قَالُوا فِي القُرْآنِ أَوْ فَسّرُوهُ بِغَيْرٍ عِلْمٍ أَو مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُمْ مَا يَدُلّ عَلَى مَا قُلْنا، أَنّهُمْ لَمْ يَقُولُوا مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ.
4025- حدثنا الحُسَيْنُ بنُ مَهْدِيّ البَصْرِيّ أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ عن مَعْمَرٍ عن قَتادَةَ قالَ: مَا فِي القُرْآنِ آية إلاّ وَقَدْ سَمِعْتُ فِيهَا بشيءٍ.
4026- حدثنا ابنُ أَبي عُمَرَ أخبرنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن الأَعمشِ قالَ: قالَ مُجاهِدٌ لَوْ كُنْتُ قَرَأْتُ قِرَاءَةَ ابنِ مَسْعُودٍ لَمْ أَحْتَجْ إلى أَن أَسْأَلَ ابنَ عَبّاسٍ عن كَثِيرٍ مِنَ القُرْآنِ مِمّا سَألْتُ.
ـــــــ
فيه الإمام أحمد والبخاري والنسائي وغيرهم "وهكذا روي عن بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم أنهم شددوا في هذا" قد ذكر الحافظ ابن كثير في أوائل تفسيره آثاراً عديدة عن الصحابة والتابعين في التحرج عن تفسير ما لا علم لهم به "في أن يفسر القرآن بغير علم" هذا بيان لقوله في هذا.
قوله: "حدثنا الحسين بن مهدي البصري" قال في التقريب: الحسين بن مهدي ابن مالك الأبلي بضم الهمزة والموحدة، أبو سعيد صدوق من الحادية عشرة، قال في لب اللباب: الأبلي بضم الهمزة وفتح الباء الموحدة وتشديد اللام نسبة إلى أبلة بلدة على أربعة فراسخ من البصرة.
قوله: "لو كنت قرأت قراءة ابن مسعود لم أحتج أن أسأل ابن عباس الخ" أي لما وقع في قراءته من تفسير كثير من القرآن.

(8/282)


ومن سُورةِ فَاتِحَةِ الكِتاب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
4027- حدثنا قُتَيْبَةُ أخبرنا عَبْدُ العزيز بنُ مُحمّد عن العَلاَءِ بنِ عَبْد الرّحْمَن عن أَبِيِهِ عن أَبي هُرَيْرَةَ أَنّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ صَلّى صَلاَةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأَمّ القُرْآنِ فَهِي خِدَاجٌ وهي خِدَاجٌ غَيْرُ تَمَامٍ" قالَ: قُلْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ إنّي أَحْيَاناً أَكُونُ وَرَاءَ الإِماَم
ـــــــ
ومن سُورةِ فَاتِحَةِ الكِتاب
هي مكية في قوله الأكثر، وقيل مدنية، وقيل نزلت مرتين مرة بمكة ومرة بالمدينة. قال ابن كثير: والأول أشبه، وهي سبع آيات بالاتفاق
قوله: "من صلى" إماماً كان أو مقتدياً أو منفرداً "صلاة " جهرية كانت أو سرية، فريضة أو نافلة "لم يقرأ فيها بأم القرآن" أي بفاتحة الكتاب. قال النووي: أم القرآن اسم الفاتحة، وسميت أم القرآن لأنها فاتحته كما سميت مكة أم القرى لأنها أصلها "فهي خداج" أي ناقص نقص فساد وبطلان، وقد تقدم معنى الخداج في باب ما جاء أنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب "غير تمام" بيان خداج أو بدل منه. قال القاري في المرقاة: هو صريح فيما ذهب إليه علماؤنا من نقصان صلاته، فهو مبين لقوله عليه السلام: "لا صلاة" ، أن المراد بها نفي الكمال لا نفي الصحة، فبطل قول ابن حجر، والمراد بهذا الحديث أنها غير صحيحة وبنفي لا صلاة نفي صحتها لأنها موضوعة، ثم قال: ودليل ذلك أحاديث لا تقبل تأويلاً، منها خبر ابن خزيمة وابن حبان والحاكم في صحاحهم بإسناد صحيح: لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، ورواه الدارقطني بإسناد حسن، وقال النووي: رواته كلهم ثقات، وفيه أنه محمول على الإجزاء الكامل، انتهى ما في المرقاة.
قلت: حديث ابن خزيمة وابن حبان والحاكم بلفظ: لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، دليل صحيح صريح واضح على أن المراد بالخداج في حديث

(8/283)


قالَ: يَا ابنَ الفَارِسِيّ فَاقْرَأْهَا فِي نَفْسِكَ، فَإِنّي سَمِعْتُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عليه وسلم يَقُولُ: "قال الله تَعَالَى: قَسَمْتُ الصّلاَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ فَنِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدي مَا سأَلَ، يقرأ العَبْدُ فَيَقُولُ الْحَمْدُ لله رَبّ الْعَالَمِينَ، فَيقُولُ الله تَبَارَكَ وتَعالَى: حَمِدَني عَبْدِي، فَيَقُولُ: الرّحْمَنِ الرّحِيمِ. فَيَقُولُ الله أَثْنَى عَلَيّ عَبْدي، فَيَقُولُ: مَالِكِ يَوْمِ الدّينِ، فَيَقُولُ مَجّدَني عَبْدِي، وَهَذَا لِي، وَبَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي إيّاكَ نَعْبُدُ، وَإيّاكَ نَستْعيِنُ. وَآخِرُ السّورَةِ لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، يَقُولُ:
ـــــــ
أبي هريرة نقصان الذات، أعني نقصان الفساد والبطلان، وأن المراد بقوله صلى الله عليه وسلم لا صلاة نفي الصحة، وأما قول القاري إنه محمول على الإجزاء الكامل فغلط مردود عليه فإنه ليس بعد الإجزاء إلا الفساد والبطلان، فماذا بعد الحق إلا الضلال. وقد سبق تحقيق هذه المسألة في محلها، وبسطنا الكلام فيها في كتابنا "أبكار المنن في نقد آثار السنن" "إني أحياناً أكون وراء الإمام" أي فهل أقرأ أم لا "قال يا ابن الفارسي" لعله كان فارسي النسل "فأقرأها في نفسك" أي سراً غير جهر "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين" قال العلماء: المراد بالصلاة هنا الفاتحة سميت بذلك لأنها لا تصح إلا بها، كقوله صلى الله عليه وسلم: "الحج عرفة" ، ففيه دليل على وجوبها بعينها في الصلاة. قال العلماء: والمراد قسمتها من جهة المعنى، لأن نصفها الأول تحميد لله تعالى وتمجيد وثناء عليه وتفويض إليه، والنصف الثاني سؤال وطلب وتضرع وافتقار "حمدني عبدي" قال النووي: قوله تعالى: حمدني عبدي وأثنى علي ومجدني إنما قاله لأن التحميد الثناء بجميل الفعال، والتمجيد الثناء بصفات الجلال، ويقال أثنى عليه في ذلك كله، ولهذا جاء جواباً للرحمن الرحيم لاشتمال اللفظين على الصفات الذاتية والفعلية "وبيني وبين عبدي إياك نعبد وإياك نستعين" قال القرطبي: إنما قال الله تعالى هذا لأن في ذلك تذلل العبد لله تعالى وطلبه الاستعانة منه، وذلك يتضمن تعظيم الله وقدرته على ما طلب منه "وآخر السورة لعبدي" يعني من قوله: اهدنا

(8/284)


اهْدِنَا الصّرَاطَ المُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضّالّينَ" .
هذا حديثٌ حسنٌ. وَقَدْ رَوَى شُعْبَةُ وَإسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عن العَلاَء بنِ عَبْد الرّحْمَن عن أَبيه عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَ هَذَا الْحَدِيثِ. وَرَوَى ابنُ جُرَيْجٍ وَمَالِكُ بنُ أَنَسٍ عن العَلاَء بن عَبْد الرّحْمَن عن أَبي السّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بنِ زُهْرَةَ عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَ هذا وَرَوَى ابنُ أَبي أُوَيْسٍ عن أَبِيهِ عن العَلاَءِ بنِ عَبْد الرّحْمَن قالَ حدثني أبي وَأَبُو السّائِبِ عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَ هَذَا.
4028- حدثنا بِذَلِكَ مُحمّدُ بنُ يَحْيى وَيَعْقُوبُ بنُ سُفْيَانَ الفَارِسِيّ قالاَ حدثنا إسْمَاعِيلَ ابنُ أَبي أُوَيْسٍ عن أَبِيهِ عن العَلاَء بنِ عَبْد الرّحْمَن قال حدثني أَبي وَأَبُو السّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بنِ زُهْرَةَ وَكَانَا جَليسَيْنِ لأبي هُرَيْرَةَ عن
ـــــــ
الصراط المستقيم الخ "ولعبدي ما سأل" أي غير هذا "يقول اهدنا الصراط المستقيم" أي ثبتنا على دين الإسلام أو طريق متابعة الحبيب عليه الصلاة والسلام "صراط الذين أنعمت عليهم" من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين "غير المغضوب عليهم" أي اليهود "ولا الضالين" أي النصارى:
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
قوله: "حدثنا بذلك محمد بن يحيى" هو الذهلي "ويعقوب بن سفيان الفارسي" أبو يوسف الفسوي ثقة حافظ من الحادية عشرة "حدثنا ابن أبي أويس" اسمه إسماعيل بن أبي أويس "عن أبيه" هو عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي أبو أويس المدني قريب مالك وصهره صدوق يهم من السابعة

(8/285)


النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ صَلّى صَلاَةً لَمْ يَقرَأْ فِيهَا بِأُمّ القُرْآنِ فَهِي خِدَاجٌ فَهِي خِدَاجٌ غَيْرُ تَمَامٍ" وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ إسْمَاعِيلَ بنِ أَبي أُوَيْس أَكْثَرُ مِنْ هَذَا. وَسأَلْتُ أَبَا زُرْعَةَ عن هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ: كلاَ الْحَدِيثَيْنِ صحيحٌ واحْتَجّ بِحَدِيثِ ابنِ أَبي أُوَيْسٍ عن أَبِيِه عن العَلاَءِ.
4029- حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، أخبرنا عَبْد الرّحْمَن بنُ سَعْدٍ، أخبرنا عَمْرُو بنُ أَبي قَيْسٍ عن سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ عن عَبّادِ بنِ حُبَيْشٍ عن عَدِيّ بنِ حَاتِمٍ قالَ: "أَتَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ جَالِسٌ
ـــــــ
"وأبو السائب مولى هشام بن زهرة" قال في التقريب: أبو السائب الأنصاري المدني مولى ابن زهرة، يقال اسمه عبد الله بن السائب ثقة من الثالثة.
قوله: "وسألت أبا زرعة عن هذا الحديث" أي سألته عن أن حديث من قال عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة صحيح، أو حديث من قال عن العلاء عن أبي السائب عن أبي هريرة "فقال" أي أبو زرعة "كلا الحديثين صحيح" أي حديث من قال عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة، وحديث من قال عن العلاء عن أبي السائب عن أبي هريرة كلاهما صحيح "واحتج بحديث ابن أبي أويس عن أبيه عن العلاء" أي احتج أبو زرعة على قوله كلا الحديثين صحيح برواية ابن أبي أويس، فإنه قال عن أبيه عن العلاء بن عبد الرحمن، قال حدثني أبي وأبو السائب عن أبي هريرة، فظهر من روايته أن العلاء أخذ هذا الحديث عن أبيه عبد الرحمن وأبي السائب كليهما.
قوله: "أخبرنا عبد الرحمن بن سعد" هو عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد بن عثمان الدشتكي "عن عباد" بفتح العين المهملة وتشديد الموحدة "بن حبيش" بمهملة وموحدة ومعجمة مصغراً الكوفي مقبول من الثالثة "عن عدي بن حاتم" ابن عبد الله بن سعد بن الحشرج بفتح المهملة وسكون المعجمة آخره جيم الطائي صحابي شهير وكان ممن ثبت على الإسلام في الردة وحضر فتوح العراق وحروب علي.

(8/286)


فِي المَسْجِدِ فَقَالَ الْقَوْمُ: هَذَا عَدِيّ بنُ حَاتِمٍ، وَجِئْتُ بِغَيْرِ أَمَانٍ وَلاَ كِتَابٍ. فَلَمّا دُفِعْتُ إِلَيْهِ أَخَذَ بِيَدي وَقَدْ كَانَ قالَ قَبْلَ ذَلِكَ: "إِنّي لأرْجُو أَنْ يَجْعَلَ الله يَدَهُ فِي يَدِي"، قالَ فَقَامَ بِي فَلَقِيَتْهُ امْرَأَةٌ وَصَبِيّ مَعَهَا فَقَالاَ: إِنّ لَنَا عَلَيْكَ حاَجَةً. فَقَامَ مَعَهُمَا حَتّى قَضَى حَاجَتَهُمَا، ثمّ أَخَذَ بِيَدِي حَتّى أَتَى بِي دَارَهُ فَأَلْقَتْ لَهُ الْوَلِيدَةُ وِسَادَةً فَجَلَسَ عَلَيْهَا وَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَحَمِدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثمّ قالَ: "مَا يُفِرّكَ أَنْ تَقُولَ لا إِلَهَ إِلاّ الله فَهَلْ تَعْلَمُ مِنْ إِلَهٍ سِوَى الله؟ قالَ: قُلْتُ لاَ. قالَ: ثمّ تَكَلّمَ سَاعَةً ثمّ قالَ: "إِنّمَا تَفِرّ أَنْ تَقُولَ الله أَكْبَرُ. وَتَعْلَمُ أنّ شَيْئاً أَكْبَرَ مِنَ الله؟" قالَ: قُلْتُ لاَ، قالَ "فَإِنّ الْيَهُودَ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِمْ وَإِنّ
ـــــــ
قوله: "فلما دفعت" بصيغة المجهول أي أحضرت وأتى القوم بي "إليه" أي النبي صلى الله عليه وسلم "وقد كان قال" أي النبي صلى الله عليه وسلم "فألقت له الوليدة" أي الجارية "ما يفرك" بضم الياء وكسر الفاء يقال أفررته أفره أي فعلت به ما يفر منه ويهرب أي ما يحملك على القرار وكثير من المحدثين يقولون بفتح الياء وضم الفاء والصحيح الأول. قاله الجزري "إنما تفر" من الفرار أي تهرب "وتعلم" أي هل تعلم "فإن اليهود مغضوب عليهم وإن النصارى ضلال" بضم الضاد جمع ضال وفيه أن المراد بقوله تعالى المغضوب عليهم اليهود بالضالين النصارى. قال الحافظ في الفتح: روى أحمد وابن حبان من حديث عدي بن حاتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال {الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} اليهود { وَلا الضَّالِّينَ} النصارى، هكذا ورده مختصراً وهو عند الترمذي في حديث طويل وأخرجه ابن مردويه بإسناد حسن عن أبي ذر وأخرجه أحمد من طريق عبد الله بن شقيق أنه أخبره من سمع النبي صلى الله عليه وسلم نحوه، وقال ابن أبي حاتم: لا أعلم بين المفسرين في ذلك اختلافاً. قال السهيلي: وشاهد ذلك قوله تعالى في اليهود: { فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ} وفي النصارى: {قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً}

(8/287)


النّصَارَى ضُلاّلٌ"، قالَ: قلت: فَإنّي حَنِيفٌ مُسْلِمٌ. قالَ: فَرَأَيْتُ وَجْهَهُ تَبَسّطَ فَرَحاً. قالَ: ثمّ أَمَرَ بي فَأُنْزِلْتُ عِنْدَ رَجُلٍ مِنَ الأنْصَارِ جَعَلْتُ أَغْشَاهُ طَرَفَىْ النّهَارِ، قالَ فَبَينْمَاَ أَنَا عِنْدَهُ عَشِيّةً إذْ جَاءَهُ قَوْمٌ فِي ثِيَابٍ مِنَ الصّوفِ مِنْ هَذِهِ النّمَارِ. قالَ: فَصَلّى وَقامَ فَحَثّ عَلَيْهِمْ. ثمّ قالَ: "وَلَوْ صَاعٌ وَلَوْ بِنِصْفِ صِاعٍ وَلَوْ بقُبْضَةٌ وَلَوْ بِبِعْضِ قُبْضَةٍ يَقِي أَحَدُكُمْ وَجْهَهُ حَرّ جَهَنّمَ أَوْ النّارَ وَلَوْ بِتَمْرَةِ وَلَوْ بِشِقّ تَمّرَةٍ فإِنّ أَحَدَكُمْ لاَ قِيَ الله وَقائِلُ لَهُ مَا أَقُولُ لَكُمْ، أَلَمْ أَجْعَلْ لَكَ سَمْعاً وَبَصَرَاً فَيَقُولُ بَلَى. فَيَقُولُ أَلَمْ أَجْعَلْ لَكَ مَالاً وَوَلَداً؟ فَيَقُولُ بَلَى، فَيَقُولُ أَيْنَ مَا قَدّمْتَ لِنَفْسِكَ؟ فَيَنْظُرُ قُدّامَهُ وَبَعْدَهُ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ. ثمّ لاَ يَجِدُ شَيئاً يَقي بِهِ وَجْهَهُ حَرّ جَهَنّمَ. لِيَقِ أَحَدُكُمْ وَجْهَهُ النّارَ وَلَوْ بِشِقّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيّبَةٍ فَإِنّي لاَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ الفَاقَةَ فَإِنّ الله نَاصِرُكُمْ وَمُعْطِيكُمْ حَتّى تَسِيرَ
ـــــــ
"فإني حنيف مسلم" أي ماثل عن كل الأديان إلى الإسلام "تبسط" بصيغة الماضي المعلوم من التبسط، أي انبسط "فرحاً" بفتح الفاء والراء، أي سروراً منصوب على التمييز "فأنزلت" بصيغة المجهول من الإنزال "جعلت أغشاه" أي آتي النبي صلى الله عليه وسلم، من غشيه يغشاه إذا جاءه "عنده" أي عند النبي صلى الله عليه وسلم "من هذه النمار" بكسر النون، جمع نمرة بالفتح، وهي كل شملة مخططة من مآزر الأعراب كأنها أخذت من لون النمر لما فيها من السواد والبياض، وهي من الصفات الغالبة، أي جاءه قوم لابسي أزر مخططة من صوف "فحث عليهم" أي فحث الناس على أن يتصدقوا عليهم بما تيسر لهم "ولو صاع" أي ولو تيسر لهم صاع "ولو بنصف صاع" أي ولو كان تصدقهم بنصف صاع "ولو قبضة" القبضة من الشيء ملء الكف منه، وهي بضم القاف وربما بفتح "وقائل له" أي وهو قائل له وضمير قائل لله وضمير له لأحدكم والجملة حالية "ما أقول لكم" هو مفعول

(8/288)


الظعِينَةُ فِيمَا بَيْنَ يَثْرِبَ وَالْحَيْرَةِ أو أَكْثَرَ، مَا تَخَافُ عَلَى مَطِيّتَهَا السَرّقُ، قال: فَجَعَلْتُ أَقُولُ فِي نَفْسِي فَأَيْنَ لُصُوصُ طَيّئ".
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ حَدِيِثِ سَماكِ بنِ حَرْبٍ وَرَوَى شُعْبَةُ عن سَماكِ بنِ حَرْبٍ عن عَبّادِ بنِ حُبَيْشٍ عن عَدِيّ بنِ حَاتِمٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم الْحَدِيثَ بِطُولِه.
4030- حدثنا مُحمّدُ بنُ المُثَنّى وَمُحمّدُ بنُ بَشّارٍ قالاَ: أخبرنا مُحمّدُ بنُ جَعْفَرٍ، أخبرنا شُعْبَةُ عن سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ عن عَبّادِ بنِ حُبَيْشٍ عن
ـــــــ
لقوله قائل "ألم أجعل لك" بدل من قوله ما أقول لكم "وبعده" أي خلفه "حتى تسير الظعينة" بفتح الظاء المعجمة وكسر العين المهملة، المرأة في الهودج، وهو في الأصل اسم للهودج "يثرب" أي المدينة المنورة "والحيرة" بكسر المهملة وسكون التحتانية وفتح الراء، كانت بلد ملوك العرب الذين تحت حكم آل فارس، وكان ملكهم يومئذ إياس بن قبيصة الطائي وليها من تحت يد كسرى بعد قتل النعمان بن المنذر "أكثر ما يخاف على مطيتها السرق" كذا في النسخة الأحمدية وقد سقط عنها لفظة أو قبل أكثر، تدل على ذلك رواية أحمد، ففيها: حتى تسير الظعينة بين الحيرة ويثرب أو أكثر ما تخاف السرق على ظعينتها، وكلمة ما في قوله ما يخاف نافية ويخاف على بناء المجهول والسرق بالرفع على أنه نائب الفاعل وهو بفتحتين بمعنى السرقة. والمعنى: حتى تسير الظعينة فيما بين يثرب والحيرة أو في أكثر من ذلك لا يخاف على راحلها السرق "فأين لصوص طيء" اللصوص جمع لص بكسر اللام ويفتح ويضم وهو السارق والمراد قطاع الطريق، وطيء قبيلة مشهورة منها عدى بن حاتم المذكور، وبلادهم ما بين العراق والحجاز، وكانوا يقطعون الطريق على من مر عليهم بغير جوار، ولذلك تعجب عدي كيف تمر المرأة عليهم وهي غير خائفة.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرج نحوه أحمد في مسنده. قال

(8/289)


عَدِيّ بنِ حَاتِمٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "الْيَهُودُ مَغْضُوبٌ عَلَيْهمْ والنّصَارَى ضُلاّلٌ". فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِه.
ـــــــ
الحافظ ابن كثير في تفسيره: وقد روى حديث عدي هذا من طرق وله ألفاظ كثيرة يطول ذكرها.

(8/290)


ومن سُورةِ البَقَرَة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
4031- حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ أخبرنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ وَابنُ أَبي عَدِيّ وَمُحمّدُ بنُ جَعْفَرِ وَعَبْدُ الْوَهَابِ قَالُوا: أخبرنا عَوْفُ بنُ أَبي جَمِيْلَةَ الأعْرَابيّ عن قَساَمَةَ بنِ زُهَيْرٍ عن أَبي مُوسَى الأشْعَرِيّ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنّ الله تعالى خَلَقَ آدَمَ مِنْ قُبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الأرْض، فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الأرْضِ، فَجَاءَ مِنْهُمْ الأحْمَرُ وَالأبْيَضُ وَالأسْوَدُ وَبَيْنَ ذَلِكَ وَالسّهْلُ وَالْحَزْنُ وَالْخَبِيثُ وَالطّيّبُ".
ـــــــ
ومن سُورةِ البَقَرَة
هي مدنية بلا خلاف ومائتان وست أو سبع وثمانون آية
قوله: "أخبرنا يحيى بن سعيد" هو القطان "وابن أبي عدي" اسمه محمد بن إبراهيم "ومحمد بن جعفر" المعروف بغندر "وعبد الوهاب" هو الثقفي "عن قسامة ابن زهير" بفتح القاف وخفة السين المهملة المازني البصري ثقة من الثالثة.
قوله: "إن الله خلق آدم من قبضة" بالضم ملء الكف وربما جاء بفتح القاف، ومن ابتدائية متعلقة بخلق، أو بيانية حال من آدم "قبضها" أي أمر الملك بقبضها "من جميع الأرض" يعني وجهها "فجاء بنو آدم على قدر الأرض" أي مبلغها من الألوان والطباع "فجاء منهم الأحمر والأبيض والأسود" بحسب ترابهم، وهذه الثلاثة هي أصول الألوان وما عداها مركب منها وهو المراد بقوله

(8/290)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
4032- حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ أَخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ عن مَعْمَرٍ عن هَمّامٍ بن مُنَبّهٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في قَوْلَه تَعَالَى: {ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً} قالَ: "دَخَلُوا مُتَزَحّفِينَ عَلَى أَوْرَاكِهِمْ " أَيْ مُنْحَرِفِينَ" وَبِهَذَا الإسْنَادِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} قالَ: "قَالُوا حَبّةٌ في شَعيرةٍ" .
ـــــــ
"وبين ذلك" أي بين الأحمر والأبيض والأسود باعتبار أجزاء أرضه "والسهل" أي ومنهم السهل، أي اللين "والحزن" بفتح الحاء وسكون الزاي، أي الغليظ "والخبيث" أي خبيث الخصال "والطيب" على طبع أرضهم، وكل ذلك بتقدير الله تعالى لوناً وطبعاً وخلقاً. قال الطيبي: لما كانت الأوصاف الأربعة ظاهرة في الإنسان والأرض أجريت على حقيقتها وأولت الأربعة الأخيرة لأنها من الأخلاق الباطنة، فإن المعنى بالسهل الرفق واللين. وبالحزن الخرق والعنف، وبالطيب الذي يعني به الأرض العذبة المؤمن الذي هو نفع كله، وبالخبيث الذي يراد به الأرض السبخة الكافر الذي هو ضر كله.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد وأبو داود والحاكم والبيهقي.
قوله: {ادْخُلُوا الْبَابَ} أراد به باب القرية التي ذكرها الله تعالى في قوله: {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ} {سُجَّداً} أي ساجدين لله تعالى شكراً على إخراجهم من التيه، وقال ابن عباس: منحنين ركوعاً، وقيل خشوعاً وخضوعاً "قال: دخلوا متزحفين على أوراكهم" أي متمشين، والأوراك جميع ورك. قال في القاموس: الورك بالفتح والكسر وككتف ما فوق الفخذ، وفي رواية البخاري: فدخلوا يزحفون على أستاههم "أي منحرفين" هذا تفسير من بعض الرواة، أي منحرفين ومائلين عما أمروا به من الدخول سجداً {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} التقدير: فبدل الذين ظلموا بالذي قيل لهم قولاً غير الذي قيل

(8/291)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
4033- حدثنا مَحمُودُ بنُ غَيْلاَنَ أخبرنا وَكِيعٌ أخبرنا أَشْعَثُ السّمّانُ عن عَاصِمٍ بنِ عُبَيْدِ الله عن عَبْدِ الله بنِ عَامِرِ بنِ رَبِيعَةَ عن أَبِيِه قالَ: "كُنّا مَعَ النبيّ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَره فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ فَلَمْ نَدْرِ أَيْنَ الْقِبْلَةُ فَصَلّى كُلّ رَجُلٍ مِنّا عَلَى حِيَالِهِ، فَلَمّا أَصْبَحْنَا ذَكَرْنَا ذَلِك للنبي صلى الله عليه وسلم فَنَزَلَتْ {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} .
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ لاَ نَعْرِفُه إلا مِنْ حَدِيثِ أَشْعَثَ السّمّانِ أَبي الرّبِيعِ عن عَاصِمِ بنِ عُبَيْدِ الله، وَأَشْعَثُ يُضَعّفُ فِي الْحَدِيثِ.
4034- حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ أخبرنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ أخبرنا عَبُدُ المَلِكِ بنُ أَبي سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بنَ جُبَيْرٍ يُحَدّثُ عن ابنِ عُمَرَ، قالَ "كَان النبيّ صلى الله عليه وسلم يُصَلّي عَلَى رَاحِلَتِهِ تَطَوّعاً حيثما
ـــــــ
لهم، ويحتمل أن يكون ضمن بدل معنى، قال يعني قيل لهم قولوا حطة أي مسألتنا أن تحط عنا خطايانا، فبدلوه قائلين حبة في شعيرة، وهو كلام مهمل وغرضهم به مخالفة ما أمروا به "قال: قالوا: حبة في شعرة" وفي بعض النسخ شعرة بفتحتين مكان شعيرة، والحاصل أنهم خالفوا ما أمروا به من الفعل والقول، فإنهم أمروا بالسجود عند انتهائهم شكراً لله تعالى وبقولهم حطة، فبدلوا السجود بالزحف وقالوا حبة في شعيرة بدل حطة، وهذا في غاية ما يكون من المخالفة والمعاندة.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
قوله: "قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر الخ" تقدم هذا الحديث بإسناده ومتنه في باب الرجل يصلي لغير القبلة في الغيم، وتقدم شرحه هناك.
قوله: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته تطوعاً حيثما

(8/292)


تَوَجّهَتْ بِهِ وَهْوَ جَاء مِنْ مَكّةَ إلى المَدِينَةِ، ثمّ قَرَأَ ابنُ عَمَر هَذِهِ الآية {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} الآية. فقال ابنُ عُمَرَ في هَذه أُنْزِلَتْ هَذِهِ الاَيَةُ".
ـــــــ
توجهت به" فيه دليل على جواز التطوع على الراحلة للمسافر قبل جهة مقصده لكن لا بد من الاستقبال حال تكبير "الإحرام ثم لا يضره الخروج بعد ذلك عن سمت القبلة، وهو إجماع كما قال النووي والحافظ والعراقي وغيرهم، وقد تقدم الكلام في هذه المسألة في باب الصلاة على الدابة حيث ما توجهت به "وقال ابن عمر في هذا أنزلت هذه الآية" ذهب إلى هذا بعض أهل العلم وقالوا إن الآية نزلت في المسافر يصلي النوافل حيث تتوجه به راحلته، فمعنى الآية: فأينما تولوا وجوهكم لنوافلكم في أسفاركم فثم وجه الله، أي فقد صادفتم المطلوب إن الله واسع الفضل غني، فمن سعة فضله وغناه رخص لكم في ذلك لأنه لو كلفكم استقبال القبلة في مثل هذه الحال لزم أحد الضررين: إما ترك النوافل، وإما النزول عن الراحلة والتخلف عن الرفقة بخلاف الفرائض فإنها صلوات معدودة محصورة، فتكليف النزول عن الراحلة عند أدائها واستقبال القبلة فيها لا يفضي إلى الحرج، بخلاف النوافل فإنها غير محصورة، فتكليف الاستقبال يفضي إلى الحرج.
وقال بعض أهل العلم: إن هذه الآية نزلت في قوم عميت عليهم القبلة فلم يعرفوا شطرها فصلوا على أنحاء مختلفة، فقال الله تعالى: {بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ} فأين وليتم وجوهكم فهنالك وجهي وهو قبلتكم، فيعلمكم بذلك أن صلاتكم ماضية. وقد استدلوا على ذلك بحديث عامر بن ربيعة المذكور، وهو حديث ضعيف، لكن قال الشوكاني في النيل: وهذا الحديث وإن كان فيه مقال عند المحدثين ولكن له شواهد تقويه فذكرها وقال بعد ذكرها: وهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضاً فتصلح للاحتجاج بها، انتهى. وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره: وهذه الأسانيد فيها ضعف ولعله يشد بعضها بعضاً، انتهى.
وقال آخرون: بل أنزل هذه الآية قبل أن يفرض التوجه إلى الكعبة، وإنما أنزلها ليعلم نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه أن لهم التوجه بوجوههم للصلاة حيث

(8/293)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَيُرْوَى عن قَتَادَةَ أَنّهُ قالَ في هَذِهِ الآية: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} قال قتادة هِيَ مَنْسُوخَةٌ نسخها قوله: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} أَي تِلْقَاءَهُ.
4035- حدثنا بذلك مُحمّدُ بنُ عَبْدِ المَلكِ بن أَبي الشوَارِبِ أخبرنا يَزيدُ بنُ زُرَيْعٍ عن سَعِيدٍ عن قَتَادَةَ. وَيُرْوَى عن مُجَاهِدٍ في هَذِهِ الآية {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} قال: فَثَمّ قبْلَةُ الله.
4036- حدثنا بِذَلِكَ أَبُو كُرَيْبٍ مُحمّدُ بنُ العَلاّء أخبرنا وَكِيعٌ
ـــــــ
شاءوا من نواحي المشرق والمغرب، لأنهم لا يوجهون وجوههم وجهاً من ذلك وناحية إلا كان جل ثناؤه في ذلك الوجه وتلك الناحية، لأن له تعالى المشارق والمغارب، وأنه لا يخلو منه مكان، كما قال تعالى: {وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} قالوا: ثم نسخ ذلك بالفرض الذي فرض التوجه إلى المسجد الحرام، قاله ابن جرير. قال ابن كثير: وفي قوله وأنه تعالى لا يخلو منه مكان إن أراد علمه تعالى فصحيح، فإن علمه تعالى محيط بجميع المعلومات، وأما ذاته تعالى فلا تكون محصورة في شيء من خلقه، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً انتهى. وقد قال بهذا القول قتادة رحمه الله، كما ذكره الترمذي بقوله: ويروي عن قتادة أنه قال الخ. وفي سبب نزول هذه الآية أقوال أخرى ذكرها الرازي في تفسيره.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وغيرهما.
قوله: "أخبرنا يزيد بن زريع" بتقديم الزاي مصغراً، البصري أبو معاوية ثقة ثبت من الثامنة "عن سعيد" هو ابن أبي عروبة.
قوله: "ويروى عن مجاهد في هذه الآية: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} فثم قبلة الله قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: قال مجاهد: فأينما تولوا فثم وجه الله حيثما كنتم فلكم قبلة تستقبلونها الكعبة، انتهى. والظاهر أن قول مجاهد هذا بيان لقوله الذي

(8/294)


عن النّضْرِ بنِ عَرَبِيّ عن مُجَاهِدٍ بِهَذَا.
4037- حدثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ أخبرنا الْحَجّاجُ بن مِنْهَالٍ أخبرنا حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ عن حُمَيْدٍ عن أَنَسٍ "أَنّ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ قَالَ يا رَسُولُ الله لَوْ صَلّيْنَا خَلْفَ المَقَامِ، فَنَزَلَتْ {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً}" . هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
4038- حدثنا أَحْمَدُ بْنُ مَنيَعٍ أخبرنا هُشَيْمٌ أخبرنا حُمَيْدٌ الطّويلُ عن أَنَسٍ قال: قال عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ رضي الله عنه: قُلْتُ يا رَسُولُ الله: لَو اتّخَذْتَ مِنْ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلّى فَنَزَلَتْ {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً}" .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيح وفي الباب عنِ ابنِ عُمَر.
ـــــــ
ذكره الترمذي "عن النضر بن عربي" الباهلي مولاهم أبي روح، ويقال أبو عمر الحراني لا بأس به من السادسة.
قوله: "لو صلينا خلف المقام" أي لكان حسناً أو لو للتمني، والمراد من الصلاة خلف المقام صلاة الركعتين بعد الطواف فنزلت {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً} المراد بالمقام هو الحجر الذي كان إبراهيم عليه السلام يقوم عليه لبناء الكعبة، لما ارتفع الجدار أتاه إسماعيل عليه السلام به ليقوم فوقه ويناوله الحجارة فيضعها بيده لرفع الجدار.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان مطولاً.
قوله: "أخبرنا هشيم" بالتصغير ابن بشير بوزن عظيم ابن القاسم بن دينار السلمي.
قوله: "وفي الباب عن ابن عمر" أخرجه أبو نعيم في الدلائل عنه أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيد عمر فمر به على المقام فقال له: "هذا مقام إبراهيم"، قال: يا نبي الله ألا تتخذه مصلي؟ فنزلت.

(8/295)


4039- حدثنا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ أخبرنا أَبُو مُعَاوِيَةَ أخبرنا الأَعْمَشُ عن أَبِي صَالحٍ عن أَبي سَعِيدٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قَوْلِهِ {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} قَالَ عَدْلاَ".
هذا حديثٌ صحيحٌ.
ـــــــ
قوله: "أخبرنا أبو معاوية" اسمه محمد بن خازم "عن أبي صالح" هو السمان واسمه ذكوان.
قوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} الكاف في قوله وكذلك كاف التشبيه جاء لشبه به، وفيه وجوه، أحدها: أنه معطوف على ما تقدم من قوله في حق إبراهيم: {وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا} وكذلك جعلناكم أمة وسطاً. الثاني: أنه معطوف على قوله {يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} ، وكذلك هديناكم وجعلناكم أمة وسطاً. الثالث قيل معناه: كما جعلنا قبلتكم وسطاً بين المشرق والمغرب كذلك جعلناكم أمة وسطاً، يعني عدولاً خياراً "قال عدلاً" أي قال النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير قوله تعالى {وَسَطاً} عدلا. وروى البخاري في صحيحه هذا الحديث مطولاً، وكذا الترمذي بعد هذا وفي آخر حديثهما، والوسط: العدل.
قال الحافظ في الفتح: هو مرفوع من نفس الخبر وليس بمدرج من قول بعض الرواة كما وهم فيه بعضهم، وسيأتي في الاعتصام بلفظ: وكذلك جعلناكم أمة وسطاً عدلا. وأخرج الإسماعيلي من طريق حفص بن غياث عن الأعمش بهذا السند في قوله وسطاً قال عدلاً، كذا أورده مختصراً مرفوعاً، وأخرجه الطبراني من هذا الوجه مختصراً مرفوعاً، ومن طريق وكيع عن الأعمش بلفظ والوسط العدل مختصراً مرفوعاً، ومن طريق أبي معاوية عن الأعمش مثله، قال الطبري: الوسط في كلام العرب الخيار، يقولون فلان وسط في قومه وواسط إذا أرادوا الرفع في حسبه، قال: والذي أرى أن معنى الوسط في الآية الجزء الذي بين الطرفين، والمعنى أنهم وسط لتوسطهم في الدين، فلم يغلوا كغلو النصارى، ولم يقصروا كتقصير اليهود، ولكنهم أهل وسط واعتدال.
قال الحافظ: لا يلزم من كون الوسط في الآية صالحاً لمعنى التوسط أن

(8/296)


4040- حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ أخبرنا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ أخبرنا الأعمَشُ عن أَبي صَالحٍ عن أَبي سَعيدٍ قَالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "يُدْعَى نُوحٌ فَيُقَالُ هَلْ بَلّغْتَ؟ فَيَقُولُ نَعَمْ، فَيُدْعَى قَوْمُهُ فَيُقَالُ: هَلْ بَلّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ وَمَا أَتَانَا مِنْ أَحَدٍ. فَيُقَالُ: مَنْ شُهُودُكَ؟ فيقولُ: محمّدٌ وَأمّتُهُ، قالَ فَيُؤْتَى بكُمْ تَشْهَدُونَ أَنّهُ قَدْ بَلّغَ
ـــــــ
لا يكون أريد به معناه الآخر كما نص عليه الحديث، فلا مغايرة بين الحديث وبين ما دل عليه معنى الآية، انتهى.
قوله: "يدعى نوح" وفي رواية: بحاء بنوح يوم القيامة "فيقال" أي لنوح "فيقول نعم" وهذا لا ينافي قوله تعالى: {يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} لأن الإجابة غير التبليغ، وهي تحتاج إلى تفصيل لا يحيط بكنهه إلا علمه سبحانه، بخلاف نفس التبلغ لأن من العلوم الضرورية البديهية "ما أتانا من نذير" أي منذر لا هو ولا غيره مبالغة في الإنكار توهماً أنه ينفعهم الكذب في ذلك اليوم عن الخلاص من النار، ونظيره قول جماعة من الكفار: {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} "وما أتانا من أحد" أي غير النذير للتبليغ "فيقال" أي لنوح "من شهودك" وإنما طلب الله من نوح شهداء على تبليغه الرسالة أمته وهو أعلم به إقامة الحجة وإناقة لمنزلة أكابر هذه الأمة "فيقول محمد وأمته" والمعنى أن أمته شهداء وهو مزك لهم وقدم في الذكر للتعظيم ولا يبعد أنه صلى الله عليه وسلم يشهد لنوح عليه الصلاة والسلام أيضاً لأنه محل النصرة، وقد قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ} إلى قوله: {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ} "فيؤتي بكم تشهدون" قال الحافظ: وقد روى هذا الحديث أبو معاوية عن الأعمش بهذا الإسناد أتم من سياق غيره وأشمل ولفظه: يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل ويجيء النبي ومعه الرجلان ويجيء النبي ومعه أكثر من ذلك، قال: فيقال لهم: أبلغكم هذا؟ فيقولون: لا، فيقال للنبي: أبلغتهم، فيقول: نعم، فيقال لهم: من يشهد لك، الحديث أخرجه أحمد عنه والنسائي وابن ماجه "أنه

(8/297)


فَذَلِكَ قَوْلُ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} وَالْوَسُطُ الْعَدْلُ". هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
4041- حدثنا محمّدُ بْنُ بَشّارٍ، أخبرنا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ عنِ الأعَمشِ نَحْوَهُ.
4042- حدثنا هَنّادٌ حدثنا وَكِيعٌ عن إسْرَائِيلَ عن أبي إِسْحَاقَ عن الْبَرَاءِ بن عازبٍ قالَ: "لمّا قَدِمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم المَدِينَةَ صَلّى نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتّةَ أَوْ سَبْعَةَ عَشْرَ شَهْرًا، وَكَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
ـــــــ
قد بلغ" قال الحافظ: زاد أبو معاوية فيقال وما علمكم فيقولون أخبرنا نبينا أن الرسل قد بلغوا فصدقناه ويؤخذ من حديث أبي بن كعب تعميم ذلك، فأخرج ابن أبي حاتم بسند جيد عن أبي العالية عن أبي بن كعب في هذه الآية قال لتكونوا شهداء وكانوا شهداء على الناس يوم القيامة كانوا شهداء على قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم شعيب وغيرهم أن رسلهم بلغتهم وأنهم كذبوا رسلهم. قال أبو العالية وهي قراءة أبي: لتكونوا شهداء على الناس يوم القيامة ومن حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم: ما من رجل من الأمم إلا ود أنه منا أيتها الأمة، ما من نبي كذبه قومه إلا ونحن شهداؤه يوم القيامة أن قد بلغ رسالة الله ونصح لهم "لتكنوا شهداء على الناس" أي على من قبلكم من الكفار أن رسلهم بلغتهم "ويكون الرسول" أي رسولكم واللام للعوض أو اللام للعهد والمراد به محمد صلى الله عليه وسلم "عليكم شهيداً" أنه بلغكم "والوسط العدل" هو مرفوع من نفس الخبر وليس بمدرج من قول بعض الرواة كما تقدم.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والبخاري والنسائي وغيرهم.
قوله: "ستة أو سبعة عشر شهراً" كذا وقع في هذه الرواية بالشك، وترفع في بعض الروايات ستة عشر بغير شك، ووقع في بعضها سبعة عشر بغير

(8/298)


يُحِبّ أن يُوَجّهَ إلى الْكَعْبَةِ فَأَنْزَلَ الله عَزّ وَجَلّ {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} فَوُجّهَ نَحْوَ الّكَعْبَةِ وَكانَ يُحِبّ ذَلِكَ، فَصَلّى رَجُلُ مَعَهُ الْعَصْرَ قالَ ثمّ مَرّ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الأنْصَارِ وَهُمْ رُكُوعٌ في صَلاَةِ الْعَصْرِ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ فَقَالَ هُوَ يَشْهَدُ أَنّهُ صَلّى مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَأَنّهُ قَدْ وُجّهَ إلى الْكَعْبَةِ، قالَ فَانْحَرَفُوا وَهُمْ رُكُوعٌ".
ـــــــ
شك. قال الحافظ: والجمع بين الروايتين سهل بأن يكون من جزم بستة عشر نفق من شهر القدوم وشهر التحويل شهراً وألغى الزائد، ومن جزم بسبعة عشر عدهما معاً. ومن شك تردد في ذلك. وذلك أن القدوم كان في شهر ربيع الأول بلا خلاف وكان التحويل في نصف شهر رجب من السنة الثانية على الصحيح وبه جزم الجمهور "وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يوجه إلى الكعبة" جاء بيان ذلك فيما أخرجه الطبري وغيره من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة واليهود أكثر أهلها يستقبلون بيت المقدس أمره الله أن يستقبل بيت المقدس ففرحت اليهود فاستقبلها سبعة عشر شهراً وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يستقبل قبلة إبراهيم فكان يدعو ويظهر إلى السماء فنزلت. ومن طريق مجاهد قال إنما كان يحب أن يتحول إلى الكعبة لأن اليهود قالوا يخالفنا محمد ويتبع قبلتنا فنزلت. وظاهر حديث ابن عباس هذا أن استقبال بيت المقدس إنما وقع بعد الهجرة إلى المدينة لكن أخرج أحمد من وجه آخر عن ابن عباس: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بمكة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه والجمع بينهما ممكن بأن يكون أمر صلى الله عليه وسلم لما هاجر أن يستمر على الصلاة ببيت المقدس، وأخرج الطبراني من طريق ابن جريج قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم أول ما صلى إلى الكعبة ثم صرف إلى بيت المقدس وهو بمكة فصلى ثلاث حجج ثم هاجر فصلى إليه بعد قدومه إلى المدينة ستة عشر شهراً ثم وجهه الله إلى الكعبة. فقوله في

(8/299)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد رواه سُفْيَانُ الثّوْرِيّ عن أبي إسْحَاقَ.
4043- حدثنا هَنّادٌ أخبرنا وَكِيعٌ عن سُفْيَانَ عن عَبْدِ الله بنِ دِينَارٍ عن ابنِ عُمَرَ قَالَ "كَانُوا رُكُوعاً في صَلاَةِ الْفَجْرِ".
وفي الباب عن عَمْرِو بنِ عَوْفٍ المُزنِيّ وَابنِ عُمَرَ وَعُمَارَةَ بنِ أَوْسٍ وَأَنَس بنِ مالِكٍ. حديثُ ابن عُمَرَ حَدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ.
4044- حدثنا هَنّادٌ وَأَبُو عَمّارٍ قَالاَ حدثنا وَكِيعٌ عن إِسْرَائِيلَ عن سِمَاكٍ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عبّاسٍ قالَ: "لمّا وُجّهَ النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى الْكَعْبَةِ قَالُوا: يا رَسُولَ الله كَيْفَ بِإِخْوَانِنَا مَاتُوا وَهُمْ يُصَلّونَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ؟ فأَنْزَلَ الله تَعَالَى {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} الاَيَةَ".
ـــــــ
حديث ابن عبس الأول أمره، الله يرد قول من قال إنه صلى إلى بيت المقدس باجتهاد، وقد أخرجه الطبري عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف وعن أبي العالية أنه صلى الله عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس يتألف أهل الكتاب وهذا لا ينفي أن يكون يتوقيف. وحديث البراء هذا قد تقدم بإسناده ومتنه في باب ابتداء القبلة من أبواب الصلاة "وقد رواه سفيان الثوري عن أبي إسحاق" كما في رواية الشيخين.
قوله: "قال كانوا ركوعاً في صلاة الفجر" تقدم هذا الحديث مع شرحه أيضاً في الباب المذكور.
قوله: "وفي الباب عن عمرو بن عوف المزني الخ" تقدم تخريج أحاديث هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم في الباب المذكور.
قوله: "لما وجه" بصيغة المجهول من التوجيه أي أمر بالتوجه إلى الكعبة "كيف بإخواننا الذي ماتوا" أي كيف حالهم هل صلاتهم ضائعة أم مقبولة "وهم يصلون إلى بيت المقدس" جملة حالية {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} أي

(8/300)


حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
4045- حدثنا ابنُ أَبي عُمَرَ أخبرنا سُفْيَانُ قَالَ سَمِعْتُ الزّهْرِيّ يُحَدّثُ عن عُرْوَةَ قَالَ "قُلْتُ لِعَاَئِشَةَ مَا أَرَى عَلَى أَحَدٍ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصّفَا وَالمَرْوَةِ شَيْئاً وَمَا أُبَالِي أَنْ لاَ أَطُوفَ بَيْنَهُمَا، فَقَالَتْ بِئْسَ ما قُلْتَ يَا ابْنَ أُخْتِي، طَافَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَطَاف المُسْلِمُونَ، وَإنّمَا كَانَ مَنْ أَهَلّ لِمَنَاةَ الطّاغِيَةِ الّتِي بالمُشَلّلِ لا يَطُوفُونَ بَيْنَ الصّفَا وَالمَرْوَةِ فَأَنْزَلَ
ـــــــ
صلاتكم إلى بيت المقدس بل يثيبكم عليه أطلق الإيمان على الصلاة لأنها أعظم آثار الإيمان وأشرف نتائجه، وإنما خوطبوا تغليباً للأحياء.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أبو داود وابن حبان والحاكم وابن جرير.
قوله: "ما أرى على أحد لم يطف بين الصفا والمروة شيئاً" أي من الجناح "وما أبالي أن لا أطوف بينهما" يعني أن السعي بين الصفا والمروة ليس بواجب عندي إذ مفهوم قوله تعالى: {فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} عدم وجوب السعي لأنه دل على رفع الجناح وهو الإثم عن فاعله وذلك يدل على إباحته ولو كان واجباً لما قيل فيه مثل ذلك "طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم وطاف المسلمون" أي بالصفا والمروة، وفي رواية للبخاري: وقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما "وإنما كان من أهل" أي حج من الأنصار قبل أن يسلموا "لمناة" بفتح الميم وتخفيف النون وبعد الألف تاء مثناة من فوق وهو اسم صنم كان في الجاهلية، وقال ابن الكلبي كانت صخرة نصبها عمرو بن لحي بجهة البحر فكانوا يعبدونها، وقيل هي صخرة لهذيل بقديد، وسميت مناة لأن النسائك كانت تمنى بها أي تراق. وقال الحازمي: هي على سبعة أميال من المدينة وإليها نسبوا زيد مناة "الطاغية" صفه لمناة إسلامية وهي على زنة فاعلة من الطغيان ولو روى لمناة الطاغية بالإضافة ويكون الطاغية صفة للفرقة وهم الكفار لجاز "التي بالشلل" بضم الميم وفتح

(8/301)


الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى {فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} وَلَوْ كَانَتْ كما تَقُولُ لَكَانَتْ: فَلاَ جُنَاحَ علَيْهِ أنْ لاَ يَطّوَفَ بهما.
ـــــــ
الشين المعجمة وتشديد اللام الأولى المفتوحة اسم وضع قريب من قديد من جهة البحر، ويقال هو الجبل الذي يهبط منه إلى قديد من ناحية البحر وقال البكري: هي ثنية مشرفة على قديد. وفي رواية لمسلم بالمشلل من قديد، وفي رواية للبخاري في تفسير سورة البقرة: كانوا يهلون لمناة فكانت مناة حذو قديد أي مقابلة. وقديد بقاف مصغر قرية جامعة بين مكة والمدينة كثيرة المياة قاله أبو عبيد البكري، وكان لمن لا يهل لمناة صنمان بالصفا إساف بكسر الهمزة وتخفيف السين المهملة وبالمروة نائلة، وقيل إنهما كانا رجلاً وامرأة فزنيا داخل الكعبة فمسخهما الله حجرين فنصبا عند الكعبة وقيل على الصفا والمروة ليعتبر الناس بهما ويتعظوا ثم حولهما قصي بن كلاب فجعل أحدهما ملاصق للكعبة و الآخر بزمزم ونحر عندهما وأمر بعبادتهما فلما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة كسرهما "لا يطوفون بين الصفا والمروة" كراهية لذينك الصنمين وحبهم صنمهم الذي بالشلل وكان ذلك سنة في آبائهم. من أحرم لمناة لم يطف بين الصفا والمروة "فلا جناح عليه" أي فلا إثم عليه "أن يطوف" بتشديد الطاء أصله يتطوف فأبدلت التاء طاء لقرب مخرجهما، وادغمت الطاء طاء "بهما" أي بأن يسعى بينهما سبعاً "ولو كانت" أي هذه الآية "كما تقول" أي كما تأولها عليه من الإباحة "لكانت فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما" بزيادة لا بعد أن فإنها كانت حينئذ تدل على رفع الإثم عن تاركه وذلك حقيقة المباح فلم يكن في الآية نص على الوجوب ولا عدمه. قال النووي: قال العلماء هذا من دقيق علمها وفهمها الثاقب وكبير معرفتها بدقائق الألفاظ لأن الآية الكريمة إنما دل لفظها على رفع الجناح عمن يطوف بهما وليس فيه دلالة على عدم وجوب السعي ولا على وجوبه فأخبرته عائشة أن الآية ليست فيها دلالة للوجوب ولا لعدمه وبينت السبب في نزولها والحكمة في نظمها وأنها نزلت في الأنصار حين تحرجوا من السعي بين الصفا والمروة في الإسلام، وأنها لو كانت كما يقول عروة لكانت فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، وقد يكون الفعل واجباً ويعتقد إنسان أنه

(8/302)


قالَ الزّهْرِيّ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لأبي بَكْرِ بنِ عَبْد الرّحْمَن بنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فأَعْجَبَهُ ذَلِكَ وَقَالَ إِنّ هَذَا لَعِلمٌ، وَلَقَدْ سَمِعْتُ رِجَالاً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ إِنّمَا كَانَ مَنْ لاَ يَطُوفُ بَيْنَ الصّفَا وَالمَرْوَةِ مِنَ الْعَرَبِ يَقُولُونَ إِنّ طَوَافَنَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَجَرَيْنِ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِليّة، وَقَال آخَرُونَ مِنَ الأنْصَارِ: إِنّمَا أُمِرْنَا بالطّوَافِ بالْبَيْتِ وَلَمْ نُؤْمَرْ بِهِ بين الصّفَا وَالمَرْوَةِ فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} قالَ أَبُو بَكْرِ بن عَبْدِ الرّحْمَنِ فأُرَاهَا قَدْ نَزَلَتْ في هَؤُلاَء وَهَؤُلاَء".
ـــــــ
يمنع إيقاعه على صفة مخصوصة وذلك كمن عليه صلاة الظهر وظن أنه لا يجوز فعلها عند غروب الشمس فسأل عن ذلك فيقال في جوابه لا جناح عليك إن صليتها في هذا الوقت فيكون جواباً صحيحاً ولا يقتضي نفي وجوب صلاة الظهر انتهى "فذكرت ذلك لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام" بن المغيرة المخزومي المدني قيل اسمه محمد وقيل المغيرة وقيل أبو بكر اسمه وكنيته أبو عبد الرحمن وقيل اسمه كنيته ثقة فقيه عابد من الثالثة "فأعجبه ذلك" أي كلام عائشة "إن هذا لعلم" بفتح اللام التي هي التأكيد وبالتنوين على أنه الخبر أي إن هذا لعلم عظيم "إنما كان من لا يطوف" أي في الإسلام "وقال آخرون من الأنصار" الذين كانوا يتحرجون أن يطوفوا في الجاهلية بالصفا والمروة "وقال أبو بكر بن عبد الرحمن فأراها" بضم الهمزة أي أظنها "قد نزلت في هؤلاء وهؤلاء" وفي رواية البخاري في كتاب الحج قال أبو بكر فاسمع هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما في الذين كانوا يتحرجون أن يطوفوا في الجاهلية بالصفا والمروة والذين يطوفون ثم تحرجوا أن يطوفوا بهما في الإسلام من أجل أن الله أمر بالطواف بالبيت ولم يذكر الصفا حتى ذكر ذلك بعد ما ذكر الطواف بالبيت. قال الحافظ: وحاصله أن سبب نزول الآية على هذا الأسلوب كان للرد على الفريقين الذين تحرجوا أن يطوفوا بينهما لكونه عندهم من أفعال الجاهلية والذين امتنعوا من الطواف بينهما لكونها لم يذكرا انتهى.

(8/303)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
4046- حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، أخبرنا يَزِيدُ بنُ أَبي حَكِيمٍ عن سُفْيَانَ عن عَاصِمٍ الأحْوَلِ قالَ: "سَأَلْتُ أَنَسَ بنَ مَالِكٍ عن الصّفَا وَالمَرْوَةِ فَقَالَ: كَانَا مِنْ شَعَائِرِ الجَاهِلِيّةِ، قالَ: فَلَمّا كَانَ الإسْلاَمُ أَمْسَكْنَا عَنْهُمَا فَأَنْزَلَ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} قالَ: هُمَا تَطَوّعٌ {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} ".
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله: "أخبرنا يزيد بن أبي حكيم" العدني أبو عبد الله صدوق من التاسعة.
قوله: "سألت أنس بن مالك عن الصفاء والمروة" وفي رواية البخاري قلت لأنس بن مالك أكنتم تكرهون السعي بين الصفا والمروة قال نعم "كانا من شعائر الجاهلية" أي من العلامات التي كانوا يتعبدون بها "أمسكنا عنهما" أي عن السعي بينهما "قال" أي أنس "هما تطوع" أي السعي بينهما ليس بواجب، وهذا هو قول أنس. واختلف أهل العلم في هذه المسألة قال العيني: قال شيخنا زين الدين في شرحه للترمذي: اختلفوا في السعي بين الصفا والمروة للحاج على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ركن لا يصح الحج إلا به وهو قول ابن عمر وعائشة وجابر، وبه قال الشافعي ومالك في المشهور عنه وأحمد في أصح الروايتين عنه وإسحاق وأبو ثور لقوله صلى الله عليه وسلم: "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي" . رواه أحمد والدارقطني والبيهقي من رواية صفية بنت شيبة عن حبيبة بنت أبي تجرأة بإسناد حسن وقال عبد العظيم إنه حديث حسن. قال العيني: قال ابن حزم في المحلى إن حبيبة بنت أبي تجرأة مجهولة، وقال شيخنا هو مردود لأنها صحابية وكذلك صفية بنت شيبة صحابية. والقول الثاني: أنه واجب يجبر بدم، وبه قال الثوري وأبو حنيفة ومالك في العتبية كما حكاه ابن العربي. والقول الثالث: أنه

(8/304)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
4047- حدثنا ابنُ أَبي عُمَرَ، أخبرنا سُفْيَانُ عن جَعْفَرِ بنِ مُحمّدٍ عن أَبِيهِ عن جَابِرِ بنِ عَبْد الله قالَ: "سَمِعْتُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم حِينَ قَدِمَ مَكّةَ طَافَ بالْبَيْتِ سَبْعاً فَقَرَأَ {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً} فَصَلّى خَلْفَ المَقَامِ، ثُمّ أَتَى الْحَجَرَ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمّ قالَ نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ الله بِهِ وَقَرَأَ {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} ".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
4048- حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، أخبرنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسَى عن إسْرَائيلَ بن يُونُسَ عن أَبي إسْحَاقَ عن البَرَاءِ قالَ: "كَانَ أَصْحَابُ النبيّ صلى الله عليه وسلم إِذَا كَانَ الرّجُلُ صَائِماً فَحَضَرَ الإفْطَارُ فَنَامَ قَبْلَ أَنْ
ـــــــ
ليس بركن ولا واجب بل هو سنة ومستحب، وهو قول ابن عباس وابن سيرين وعطاء ومجاهد وأحمد في رواية: ومن طاف فقد حل انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان والنسائي.
قوله: "عن جعفر بن محمد" المعروف بالصادق "عن أبيه" هو محمد بن علي ابن الحسين أبو جعفر الباقر "عن جابر بن عبد الله قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة الخ" تقدم هذا الحديث مع شرحه في باب ما جاء أنه يبدأ بالصفا قبل المروة.
قوله: "أخبرنا عبيد الله بن موسى" العبسي الكوفي "عن أبي إسحاق" هو السبيعي.
قوله: "كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم" أي في أول افتراض الصيام "فنام قبل أن يفطر الخ" قال الحافظ في رواية زهير: كان إذا نام قبل أن يتعشى لم يحل له أن يأكل شيئاً ولا يشرب ليله ويومه حتى تغرب ولأبي الشيخ من

(8/305)


يُفْطِرَ لَمْ يَأَكُلْ لَيْلَتهُ وَلاَ يَوْمَهُ حَتّى يُمْسِىَ، وَإِنّ قَيْسَ بنَ صِرْمَةٍ الأَنْصَارِيّ كَانَ صَائِماً فَلَمّا حَضَرَهُ الإفْطَارُ أَتَى امْرَأَتَهُ فَقَالَ هَلْ عِنْدَكِ طَعَامٌ؟ قَالَتّ؟ لاَ وَلَكِنْ أَنْطَلِقُ فَأَطْلُبُ لَكَ - وَكَانَ يَوْمَهُ يَعْمَلُ - فَغَلَبَتْهُ
ـــــــ
طريق زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق كان المسلمون إذا أفطروا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا. فإذا ناموا لم يفعلوا شيئاً من ذلك إلى مثلها. فاتفقت الروايات في حديث البراء على أن المنع من ذلك كان مقيداً بالنوم وهذا هو المشهور في حديث غيره، وقيد المنع من ذلك في حديث ابن عباس بصلاة العتمة أخرجه أبو داود بلفظ: كان الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلوا العتمة حرم عليهم الطعام والشراب والنساء وصاموا إلى القابلة، وهذا أخص من حديث البراء من وجه آخر. ويحتمل أن يكون ذكر صلاة العشاء لكون ما بعدها مظنة النوم غالباً والتقييد في الحقيقة إنما هو بالنوم كما في سائر الأحاديث انتهى.
قلت: ومراد الحافظ بقوله وهذا أخص من حديث البراء من وجه آخر يعني أن بينهما عموماً وخصوصاً من وجه "وإن قيس بن صرمة" بكسر الصاد المهملة وسكون الراء، قال في الإصابة: ووقع عند أبي داود من هذا الوجه صرمة ابن قيس، وفي رواية النسائي أبو قيس بن عمرو فإن حمل هذا الاختلاف على تعدد أسماء من وقع له ذلك وإلا فيمكن الجمع برد جميع الروايات إلى واحد فإنه قيل فيه صرمة بن قيس وصرمة بن مالك وصرمة بن أنس وصرمة بن أبي أنس وقيل فيه قيس بن صرمة وأبو قيس بن صرمة وأبو قيس بن عمرو فيمكن أن يقال إن كان اسمه صرمة بن قيس فمن قال قيس بن صرمة قلبه وإنما اسمه صرمة وكنيته أبو قيس أو العكس، وأما أبوه فاسمه قيس أو صرمة على ما تقرر من القلب وكنيته أبو أنس ومن قال فيه أنس حذف أداة الكنية ومن قال فيه ابن مالك نسبه إلى جد له والعلم عند الله تعالى قاله القسطلاني "هل عندك" بكسر الكاف "طعام فقالت لا ولكن انطلق أطلب لك" ظاهره أنه لم يجيء معه بشيء لكن في مرسل السدي: أنه أتاها بتمر فقال استبدلي به طحيناً واجعليه سخيناً فإن

(8/306)


عَيْنُهُ وَجَاءَتْهُ امْرَأَتُهُ فَلَمّا رَأَتْهُ قَالَتْ خَيْبَةً لَكَ، فَلَمّا انْتَصَفَ النّهَارُ غُشِيَ عَلَيْهِ فَذَكَرَ ذَلِكَ للنبيّ صلى الله عليه وسلم فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآية: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} فَفَرِحُوا بِهاَ فَرَحاً شَدِيداً {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخَيطِ الأسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} ".
ـــــــ
التمر أحرق جوفي وفيه لعلي آكله سخناً وأنها استبدلته له وصنعته "وكان يومه" بالنصب "يعمل" أي في أرضه وصرح بها أبو داود وفي روايته وفي مرسل السدي: كان يعمل في حيطان المدينة بالأجرة. فعلى هذا فقوله في أرضه إضافة اختصاص "فغلبته عينه" أي نام "قالت خيبة لك" بالنصب وهو مفعول مطلق محذوف العامل وقيل إذا كان بغير لام يجب نصبه وإلا جاز والخيبة الحرمان يقال خاب يخيب إذا لم ينل ما طلب "فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم" زاد في رواية زكريا عند أبي الشيخ: وأتى عمر أمرأته وقد نامت فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} ففرحوا بها فرحاً شديداً {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} كذا في هذه الرواية وشرح الكرماني على ظاهرها فقال لما صار الرفث وهو الجماع هنا حلالاً بعد أن كان حراماً كان الأكل والشرب بطريق الأولى، فلذلك فرحوا بنزولها وفهموا منها الرخصة، هذا وجه مطابقة ذلك لقصة أبي قيس. قال ثم لما كان حلهما بطريق المفهوم نزل بعد ذلك {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} ليعلم بالمنطوق تسهيل الأمر عليهم صريحاً، ثم قال أو المراد من الآية هي بتمامها. قال الحافظ: وهذا هو المعتمد وبه جزم السهيلي وقال إن الآية بتمامها نزلت في الأمرين معاً وقدم ما يتعلق بعمر لفضله قال الحافظ: قد وقع في رواية أبي داود فنزلت {حِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ} إلى قوله {مِنَ الْفَجْرِ} فهذا يبين أن محل قوله ففرحوا بها بعد قوله الخيط الأسود وقع ذلك صريحاً في رواية زكريا بن أبي زائدة ولفظه فنزلت {أُحِلَّ لَكُمْ} إلى قوله {مِنَ الْفَجْرِ} ففرح المسلمون بذلك.

(8/307)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
4049- حدثنا هَنّادٌ، أخبرنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عن الأعْمَشِ عن ذَرّ عن يُسَيعٍ الكِنْدِيّ عن النّعْمَانِ بنِ بَشِيرٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم فِي قَوْلِهِ "{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} قالَ: "الدّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ وَقَرَأَ {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ - إلى قَوْلِهِ - دَاخِرِينَ} ". هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
4050- حدثنا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ، أخبرنا هُشَيْمٌ، أخبرنا حُصَيْنٌ
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي.
قوله: "عن ذر" بفتح الذال المعجمة وشدة راء هو ابن عبد الله المرهبي بضم الميم وسكون الراء ثقة عابد رمي بالإرجاء من السادسة "عن يسيع الكندي" قال في التقريب يسيع بن معدان الحضرمي الكوفي ويقال له أسبع ثقة من الثالثة انتهى. قلت: يسيع هذا بضم التحتانية وفتح السين المهملة مصغراً ويقال له أسيع بضم الهمزة بدل التحتانية.
قوله: "هو العبادة" أي هو العبادة الحقيقية التي تستأهل أن تسمى عبادة لدلالته على الإقبال على الله والإعراض عما سواه بحيث لا يرجو ولا يخاف إلا إياه "وقرأ" أي النبي صلى الله عليه وسلم {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} - إلى قوله – {دَاخِرِينَ} هذه الآية في سورة المؤمن لكن لما ورد تفسيرها عنه صلى الله عليه وسلم وكانت مثل قوله تعالى {أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي} الذي في سورة البقرة أوردها ههنا بهذه المناسبة. وقد أخرج الترمذي هذا الحديث في أوائل الدعوات أيضاً ويأتي هناك بقية الكلام عليه وأخرجه أيضاً في تفسير سورة المؤمن.
قوله: "أخبرنا هشيم" هو ابن بشير بن القاسم بن دينار "أخبرنا حصين" هو ابن عبد الرحمن السلمي.

(8/308)


عن الشّعبِيّ، أخبرنا عَدِيّ بنُ حَاتِمٍ. قالَ: لَمّا نَزَلَتْ {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} قالَ لِيَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: "إنّمَا ذَلِكَ بَيَاضُ النّهَارِ مِنْ سَوَادِ الّليْلِ" .
ـــــــ
قوله: "لما نزلت {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} " زاد مسلم في روايته: قال له عدي يا رسول الله إني أجعل تحت وسادتي عقالين عقالاً أبيض وعقالاً أسود أعرف الليل من النهار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن وسادك لعريض "قال لي النبي صلى الله عليه وسلم الخ" قال الحافظ: ظاهره أن عدياً كان حاضراً لما نزلت هذه الآية وهو يقتضي تقدم إسلامه وليس كذلك لأن نزول فرض الصوم كان متقدماً في أوائل الهجرة وإسلام عدي كان في التاسعة أو العاشرة كما ذكره ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي، فإما أن يقال إن الآية التي في حديث الباب تأخر نزولها عن نزول فرض الصوم وهو بعيد جداً وإما أن يأول قول عدي هذا على أن المراد بقوله لما نزلت أي لما تليت علي عند إسلامي أو لما بلغني نزول الآية أو في السياق حذف تقديره لما نزلت الآية ثم قدمت فأسلمت وتعلمت الشرائع قال لي "إنما ذلك" أي الخيط الأبيض من الخيط الأسود "بياض النهار من سواد الليل" وفي رواية مسلم إنما هو سواد الليل وبياض النهار. فإن قلت: الظاهر أن قوله من الفجر كان نزل حين سمع عدي بن حاتم هذه الآية وهو بيان لقوله الخيط الأبيض من الخيط الأسود فكيف خفي عليه معناه.
قلت: كان عدياً لم يكن في لغة قومه استعارة الخيط للصبح وحمل قوله من الفجر على السببية فظن أن الغاية تنتهي إلى أن يظهر تمييز أحد الخيطين من الآخر بضياء الفجر أو نسي قوله من الفجر حتى ذكره بها النبي صلى الله عليه وسلم وهذه الاستعارة معروفة عند بعض العرب. قال الشاعر:
ولما تبدت لنا سدفة
ولاح من الصبح خيط أنارا.
فإن قلت: حديث عدي هذا يقتضي أن قوله من الفجر نزل متصلاً بقوله من الخيط الأسود وروى الشيخان عن سهل بن سعد قال أنزلت: {كُلُوا وَاشْرَبُوا

(8/309)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
4051- حدثنا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ، أخبرنا هُشَيْمٌ، أخبرنا مُجَالِدٌ عن الشّعْبَِ عن عَدِيّ بنِ حَاتِمٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَ ذَلِكَ.
4052- حدثنا ابنُ أَبي عُمَرَ، أخبرنا سُفْيَانُ عن مُجَالِدٍ عن الشّعْبيّ عن عَدِيّ بنِ حَاتِمٍ قالَ: "سَأَلْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عن الصّوْمِ فَقَالَ {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} قَالَ فَأَخَذْتُ عِقَالَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْيَضُ وَ الآخر أَسْوَدُ فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إلَيْهِمَا، فَقَالَ لِي
ـــــــ
حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} ولم ينزل من الفجر فكان رجال إذاً أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما فأنزل الله بعد {مِنَ الْفَجْرِ} فعلموا إنما يعني الليل والنهار. فحديث سهل بن سعد هذا ظاهر في أن قوله {مِنَ الْفَجْرِ} نزل بعد ذلك لرفع ما وقع لهم من الإشكال فما وجه الجمع ما بين هذين الحديثين.
قلت: الجمع بينهما أن حديث عدي متأخر من حديث سهل فكأن عدياً لم يبلغه ما جرى في حديث سهل وإنما سمع الآية مجردة ففهمها على ما وقع له، فبين له النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد بقوله {مِنَ الْفَجْرِ} أن ينفصل أحد الخيطين عن الآخر، وأن قوله من الفجر متعلق بقوله "يتبين"، ويحتمل أن تكون القصتان في حالة واحدة وأن بعض الرواة في قصة عدي تلا الآية تامة كما ثبت في القرآن وإن كان حال النزول إنما نزلت مفرقة كما ثبت في حديث سهل. قال الحافظ: وهذا الثاني ضعيف لأن قصة عدي متأخرة لتأخر إسلامه.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وأبو داود.
قوله: "عن مجالد" بن سعيد بن عمير الهمداني الكوفي ليس بالقوي وقد تغير في آخر عمره من صغار السادسة.
قوله: "فأخذت عقالين" بكسر العين المهملة أي حبلين وفي رواية خيطين

(8/310)


رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم شَيْئاً لَمْ يَحْفَظهُ سُفْيَانُ، قَالَ إنّمَا هُوَ اللّيْلُ وَالنّهارُ". هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
4053- حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، أخبرنا الضّحّاكُ بنُ مَخْلَدٍ أَبُو عَاصِمٍ النّبِيلُ عن حَيْوَةَ بنِ شُرَيْحٍ عن يَزِيدَ بنِ أَبي حَبِيبٍ عن أَسْلَمَ أَبي عِمْرَان التّجِيبيّ قالَ: "كُنّا بِمَدِينَةِ الروّمِ فَأَخْرَجُوا إِلَيْنَا صَفّاً عَظِيماً مِنَ الروّمِ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ مِثْلُهُمْ أَوْ أَكْثَرُ، وَعَلَى أَهْلِ مِصْرَ عُقْبَةُ بنُ عَامِرٍ وَعَلى الْجَمَاعَةِ فَضَالَةُ بنُ عُبَيْدٍ فَحَمَلَ رَجُلٌ مِنَ المسْلمِينَ عَلَى صَفّ الروّمِ حَتّى دَخَلَ عَلَيهِمْ فَصَاحَ النّاسُ وَقَالُوا سُبْحَانَ الله يُلْقِي بِيَدَيْهِ إلى التّهْلُكَةِ، فَقَامَ أَبُو أَيّوبَ الأنْصَارِيّ فَقَالَ: يَا أَيّهَا النّاسُ إِنّكُمْ لَتُأَوّلُونَ هَذِهِ الآية هَذَا التّأْوِيلُ، وَإنّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الآية فِينَا مَعْشَرَ الأنْصَارِ لَمّا أَعَزّ الله الإسْلاَمَ وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ. فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضِ سِرّا دُونَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم: إنّ أَمْوَالَناَ قَدْ ضَاعَتْ وَإنّ الله قَدْ أَعَزّ
ـ
ـــــــ
من شعر "شيئاً لم يحفظه سفيان" وحفظه غيره وهو قوله صلى الله عليه وسلم: إن وسادك لعرض. كما في رواية مسلم المتقدمة "فقال" أي النبي صلى الله عليه وسلم "إنما هو الليل والنهار" يعني أن المراد بالخيط الأسود الليل وبالخيط الأبيض النهار والمعنى حتى يظهر الفجر.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" في سنده مجالد وهو ضعيف فتصحيح الترمذي له لأنه قد جاء بأسانيد صحيحة من غير طريق مجالد.
قوله: "عن أسلم" بن يزيد "أبي عمران التجيبي" المصري ثقة من الثالثة.
قوله: "كنا بمدينة الروم فأخرجوا إلينا صفاً عظيماً من الروم" وفي رواية أبي داود قال غزونا من المدينة نريد القسطنطينية وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد والروم ملصقوا ظهورهم بحائط المدينة "وعلى الجماعة" أي أميرهم

(8/311)


الإسْلاَمَ وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ فَلَوْ أَقَمْنَا فِي أَمْوَالِنَا فأَصْلَحْنَا مَا ضَاع مِنْهَا، فَأَنْزَلَ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى نَبِيّهِ صلى الله عليه وسلم يَرُدْ عَلَيْنَا مَا قُلْنَا {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} فَكَانَتْ التّهْلُكَةُ الإقَامَةَ عَلَى الأمْوَالِ وَإصْلاَحَهَا وَتَرْكَنَا الغَزْوَ. فَمَا زَالَ أَبُو أَيّوبَ شَاخِصاً في سَبِيلِ الله حَتّى دُفِنَ بِأَرْضِ الرّمِ".
ـــــــ
"معشر الأنصار" بالنصب على الاختصاص "فما زال أبو أيوب شاخصاً" قال الجزري في النهاية شخوص المسافر خروجه عن منزله، ومنه حديث عثمان رضي الله عنه إنما يقصر الصلاة من كان شاخصاً أو بحضرة عدو أي مسافراً، ومنه حديث أبي أيوب فلم يزل شاخصاً في سبيل الله تعالى انتهى. والحديث يدل على أن المراد بإلقاء الأيدي إلى التهلكة هو الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد، وقيل هو البخل وترك الإنفاق في الجهاد. روى البخاري في صحيحه عن حذيفة {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} قال نزلت في النفقة. قال الحافظ في الفتح: قوله في النفقة أي في ترك النفقة في سبيل الله عز وجل وهذا الذي قاله حذيفة جاء مفسراً في حديث أبي أيوب فذكره بتمامه ثم قال: وصح عن ابن عباس وجماعة من التابعين نحو ذلك في تأويل الآية. وروى ابن أبي حاتم من طريق زيد بن أسلم أنها كانت نزلت في ناس كانوا يغزون بغير نفقة. فيلزم على قوله اختلاف المأمورين، فالذين قيل لهم أنفقوا وأحسنوا أصحاب الأموال، والذين قيل لهم ولا تلقوا الغزاة بغير نفقة ولا يخفي ما فيه، ومن طريق الضحاك بن أبي جبيرة: كان الأنصار يتصدقون فأصابتهم سنة فأمسكوا فنزلت، وروى ابن جرير وابن المنذر بإسناد صحيح عن مدرك بن عوف قال: إني لعند عمر فقلت إن لي جاراً رمى بنفسه في الحرب فقتل فقال ناس ألقى بيده إلى التهلكة. فقال عمر: كذبوا لكنه اشترى الآخرة بالدنيا وجاء عن البراء ابن عازب في الآية تأويل آخر أخرجه ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عنه بإسناد صحيح عن أبي إسحاق قال: قلت للبراء أرأيت قول الله عز وجل {وَلا تُلْقُوا

(8/312)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.
4054- حدثنا عَلِيّ بنُ حُجْرٍ، أخبرنا هُشَيْمٌ، أخبرنا مُغِيرَةُ عن مُجَاهَدٍ. قالَ: قالَ كَعْبُ بنُ عُجْرَةَ: "وَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَفِيّ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآية وَلإِيّايَ عَنَى بِهَا {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} قالَ كُنّا مَعَ النبيّ صلى الله عليه وسلم بالحُدَيْبِيّة وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ. وَقَدْ حَصَرَنَا المُشْرِكُونَ وَكَانَتْ لِيَ وَفْرَةٌ فَجَعَلَتِ الْهَوَامّ تَسَاقَطُ عَلَى وَجْهِي فَمَرّ بِيَ النبيّ صلى الله عليه وسلم
ـــــــ
بِأَيْدِيكُمْ} هو الرجل يحمل على الكتيبة فيها ألف؟ قال لا ولكنه الرجل يذنب فيلقي بيده فيقول، لا توبة لي وعن النعمان بن بشير نحوه والأول أظهر لتصدير الآية بذكر النفقة فهو المعتمد في نزولها، وأما قصرها عليه ففيه نظر لأن العبرة بعموم اللفظ.
أما مسألة حمل الواحد على العدد الكثير من العدد فصرح الجمهور بأنه إن كان لفرط شجاعته وظنه أنه يرهب العدو بذلك أو يجرأ المسلمين عليهم أو نحو ذلك من المقاصد الصحيحة فهو حسن، ومتى كان مجرد تهور فممنوع ولاسيما إن ترتب على ذلك وهن في المسلمين.
قوله: "هذا حديث حسن غريب صحيح"، وأخرجه أبو داود والنسائي وابن جرير وأبو يعلى في مسنده، وابن حبان في صحيحه والحاكم، وقال على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
قوله: "أخبرنا هشيم" بن بشير بن القاسم "أخبرنا مغيرة" بن مقسم بكسر الميم الضبي مولاهم أبو هشام الكوفي الأعمى ثقة متقن، إلا أنه كان يدلس ولا سيما عن إبراهيم من السادسة "قال كعب بن عجرة الخ" قد سبق حديث كعب بن عجرة هذا في باب المحرم يحلق رأسه في إحرامه ما عليه من أبواب الحج.
قوله: "لفي" بشدة الياء، أي في شأني "ولإياي عني بها" اللام للتأكيد وإياي مفعول مقدم لعني "وكانت لي وفرة" هي شعر الرأس إذا وصل إلى

(8/313)


فقَالَ: "كأنّ هَوَامّ رَأسِكَ تُؤْذِيكَ" قالَ قُلْتُ نَعَمْ قالَ: "فَاحْلِقْ". وَنَزَلَتْ هَذِهِ الآية. قالَ مُجَاهِدٌ: الصّيَامُ ثَلاَثَةُ أَيّامٍ وَالطّعَامُ لِسِتّةِ مَسَاكِينَ وَالنّسُكُ شَاةٌ فَصَاعداً".
4055- حدثنا عَلِيّ بنُ حُجْرٍ، أخبرنا هُشَيْمٌ عن أبي بِشْر عن مُجَاهِدٍ عن عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ أَبي لَيْلَى عن كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بِنَحْوِ ذَلِكَ.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
4056- حدثنا عَلِيّ بنُ حُجْرٍ، أخبرنا هُشَيْمٌ عن أَشْعَثَ بنِ سَوّارٍ عن الشّعْبيّ عن عَبْد الله بنِ مَعْقِلٍ عن كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِنَحْوِ هذا.
ـــــــ
شحمة الأذن "فجعلت الهوام" بتشديد الميم، جمع هامة وهي ما يدب من الأخفاش والمراد بها ما يلازم جسد الإنسان عالباً إذا طال عهده بالتنظيف، وقد عين في كثير من الروايات، إنها القمل "تساقط" بحذف إحدى التائين.
قوله: "عن أبي بشر" اسمه جعفر بن إياس.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله: "عن عبد الله بن معقل" بفتح الميم، وسكون العين المهملة بعدها قاف مكسورة، ابن مقرن المزني الكوفي ثقة من كبار الثالثة "أيضاً" أي كما روى عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة. قال الحافظ في الفتح: ونقل ابن عبد البر عن أحمد بن صالح المصري قال: حديث كعب بن عجرة في الفدية سنة معمول بها، لم يروها من الصحابة غيره، ولا رواها عنه إلا ابن أبي ليلى وابن معقل، قال وهي سنة أخذها أهل المدينة عن أهل الكوفة. قال الزهري: سألت عنها علماءنا كلهم حتى سعيد بن المسيب فلم يبينوا كم عدد المساكين.

(8/314)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وَقد رواه عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ الاصْبَهَانِيّ عن عَبْدِ الله بنِ مَعْقِلٍ نَحْوَ هَذَا.
4057- حدثنا عَلِيّ بنُ حُجْرٍ، أخبرنا إِسْمَاعِيلُ بنُ إبْرِاهِيمَ، عن أَيّوبَ عن مُجَاهِدٍ عن عَبْد الرّحْمَن بن أَبي لَيْلَى عن كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ قالَ: "أَتَي عَلَىّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَأَنَا أُوقِدُ تَحْتَ قِدْرٍ وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى جَبْهَتيِ أو قالَ حَاجِبِي، فَقَالَ: "أَتؤذيك هوامّكَ؟" قال: قُلْتُ نَعَمْ، قالَ "فَاحْلِقْ رَأسَكَ وَانْسُكْ نَسِيكَةً أَوْ صُمْ ثَلاَثَةَ أَيّامٍ أو أَطْعِمْ سِتّةَ مَسَاكِينَ" قالَ أَيّوبُ لاَ أَدْرِي بأَيّتِهِنّ بَدَأَ.
ـــــــ
قال الحافظ: فيما أطلقه ابن صالح نظر فقد جاءت هذه السنة من رواية جماعة من الصحابة غير كعب. ورواه عن كعب بن عجرة غير عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الله بن معقل. وقد أورد البخاري حديث كعب هذا في أربعة أبواب متوالية وأورده أيضاً في المغازي والطب، وكفارات الأيمان من طرق أخرى مدار الجميع على ابن أبي ليلى، وابن معقل فيقيد إطلاق أحمد بن صالح بالصحة فإن بقية الطرق لا تخلو عن مقال إلا طريق أبي وائل عند النسائي انتهى ملخصاً.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم، "وقد روى عبد الرحمن بن الأصبهاني"، هو عبد الرحمن بن عبد الله بن الأصبهاني.
قوله: "أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم" المعروف بابن علية.
قوله: "يتناثر"، من النثر أي يتساقط "وأنسك نسيكة"، أي اذبح ذبيحة وفي رواية للبخاري: أنسك بشاة.
قال النووي في شرح مسلم: روايات الباب كلها متفقة في المعنى، ومقصودها أن من احتاج إلى حلق الرأس لضرر من قمل أو مرض أو نحوهما فله حلقه في الإحرام، وعليه الفدية، قال الله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} وبين النبي صلى الله عليه وسلم: أن

(8/315)


هذا حديثٌ حسن صحيحٌ.
4058- حدثنا ابنُ أَبي عُمَرَ، أخبرنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن سُفْيَانَ الثّوْرِيّ عن بُكَيْرِ بنِ عَطَاءٍ عن عَبْد الرّحْمَن بن يَعْمَرَ. قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "الْحَجّ عَرَفَاتٌ، الْحَجّ عَرَفَاتٌ، الْحَجّ عَرَفَاتٌ. أَيّامُ مِنًى ثَلاَثٌ {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ
ـــــــ
الصيام ثلاثة أيام، والصدقة ثلاثة أصع لستة مساكين لكل مسكين نصف صاع والنسك شاة، وهي شاة تجزئ في الأضحية، ثم أن الآية الكريمة والأحاديث متفقة على أنه مخير بين هذه الأنواع الثلاثة. وهكذا الحكم عند العلماء أنه مخير بين الثلاثة. وأما قوله في رواية: هل عندك نسك. قال ما أقدر عليه فأمره أن يصوم ثلاثة أيام، فليس المراد به أن الصوم لا يجزئ إلا لعادم الهدي. بل هو محمول على أنه سأل عن النسك فإن وجده أخبره بأنه مخير بينه وبين الصيام والإطعام وإن عدمه فهو مخير بين الصيام والإطعام، واتفق العلماء على القول بظاهر هذا الحديث إلا ما حكي عن أبي حنيفة والثوري، أن نصف الصاع لكل مسكين إنما هو في الحنطة، فأما التمر والشعير وغيرهما فيجب صاع لكل مسكين، وهذا خلاف نصه صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: "ثلاثة أصع من تمر"، وعن أحمد بن حنبل رواية أنه لكل مسكين مد من حنطة أو نصف صاع من غيره، وعن الحسن البصري وبعض السلف أنه يجب إطعام عشرة مساكين أو صوم عشرة أيام، وهذا ضعيف منابذ للسنة مردود. انتهى.
قوله: "عن بكير بن عطاء" بضم الياء الموحدة وفتح الكاف مصغراً الليثي الكوفي ثقة من الرابعة، "عن عبد الرحمن بن يعمر" بفتح التحتانية وسكون المهملة وفتح الميم الديلي بكسر الدال وسكون التحتانية صحابي. نزل الكوفة ويقال مات بخراسان
قوله: "الحج عرفات" أي ملاك الحج، ومعظم أركانه وقوف عرفات لأنه يفوت بفواته. قال في القاموس: يوم عرفة التاسع من ذي الحجة، وعرفات

(8/316)


فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} وَمَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ يُطْلُعَ الفَجْرُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجّ" . قالَ ابنُ أَبي عُمَرَ: قالَ سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ: وَهَذَا أَجْوَدُ حَدِيثٍ رَوَاهُ الثّوْرِيّ.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
موقف الحاج، وذلك على اثني عشر ميلاً من مكة، وغلط الجوهري فقال موضع بمنى، سميت لأن آدم وحواء تعارفا بها، أو لقول جبريل لإبراهيم عليهما السلام لما علمه المناسك، أعرفت، قال عرفت اسم في لفظه الجمع فلا تجمع معرفة وإن كانت جمعاً لأن الأماكن لا تزول فصارت كالشيء الواحد معروفة لأن التاء بمنزلة الياء والواو في مسلمين ومسلمون والنسبة عرفي. "أيام منى ثلاث" أراد بها أيام التشريق. وهي الأيام المعدودات، وأيام رمي الجمار وهي الثلاثة التي بعد يوم النحر، وليس يوم النحر منها لإجماع الناس على أنه لا يجوز النفر يوم ثاني النحر ولو كان يوم النحر من الثلاث لجاز أن ينفر من شاء في ثانية. قاله الشوكاني: "فمن تعجل" أي استعجل بالنفر أي الخروج من منى "في يومين" أي اليومين الأخيرين من أيام التشريق فنفر في اليوم الثاني منها بعد رمي جماره "فلا إثم عليه" بالتعجيل "ومن تأخر" أي عن النفر في اليوم الثاني من أيام التشريق إلى اليوم الثالث حتى بات ليلة الثالث ورمى يوم الثالث جماره، وقيل المعنى: ومن تأخر عن الثالث إلى الرابع ولم ينفر مع العامة. قاله الشوكاني "فلا إثم عليه" وهو أفضل لكون العمل فيه أكمل لعمله صلى الله عليه وسلم.
وقد ذكر أهل التفسير أن أهل الجاهلية كانوا فئتين، إحداهما ترى المتعجل إثماً، وأخرى ترى المتأخر إثماً، فورد التنزيل بنفي الحرج عنهما ودل فعله عليه الصلاة والسلام على بيان الأفضل منهما "ومن أدرك عرفة" أي أدرك الوقوف بعرفة "قبل أن يطلع الفجر" أي من ليلة جمع. وفي رواية أبي داود: من جاء قبل صلاة الصبح من ليلة جمع فتم حجة "فقد أدرك الحج" فيه رد على من زعم أن الوقوف يفوت بغروب الشمس يوم عرفة. ومن زعم أن وقته يمتد إلى ما بعد الفجر إلى طلوع الشمس.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والدارمي.

(8/317)


وَرَوَاهُ شُعْبَةُ عن بُكَيْرِ بنِ عَطَاءٍ وَلاَ نَعْرِفُهِ إِلاّ مِنْ حدِيثِ بُكَيْر بن عَطَاءٍ.
4059- حدثنا ابنُ أَبِي عُمَرَ، أخبرنا سُفْيَانُ عن ابنِ جُرَيْجٍ عن ابنِ أَبي مُلَيْكَةَ عن عَائِشَةَ قالَتْ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أَبْغَضُ الرّجَالِ إلى الله الألَدّ الْخَصِمُ" . هذا حديثٌ حسنٌ.
4060- حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، حدثني سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ، أخبرنا حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ عن ثَابِتٍ عن أَنَسٍ، قالَ "كَانَتْ الْيَهُودُ إِذَا حَاضَتْ
ـــــــ
قوله: "أبغض الرجال إلى الله" قال الكرماني: الأبغض هو الكافر، فمعنى الحديث. أبغض الرجال الكفار الكافر المعاند. أو أبغض الرجال المخاصمين قال الحافظ بن حجر: والثاني هو المعتمد، وهو أعم من أن يكون كافراً أو مسلما فإن كان كافراً فأفعل التفضيل في حقه على حقيقتها في العموم، وإن كان مسلماً فسبب البغض أن كثرة المخاصمة تقضي غالباً إلى ما يذم صاحبه أو يخص في حق المسلمين بمن خاصم في باطل، ويشهد للأول حديث: "كفى بك إثماً أن تكون مخاصماً". أخرجه الطبراني عن أبي أمامة بسند ضعيف. وورد في الترغيب في ترك المخاصمة فعند أبي داود من طريق سليمان بن حبيب عن أبي أمامة رفعه: "أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء" وإن كان محقاً وله شاهد عند الطبراني من حديث معاذ بن جبل، والربض بفتح الراء والموحدة بعدها ضاد معجمة الأسفل انتهى. "الألد" أفعل تفضيل من اللدد وهو شدة الخصومة "الخصم" بفتح الخاء المعجمة وكسر الصاد أي الشديد اللدد والكثير الخصومة.
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه الشيخان.
قوله: "حدثني سليمان بن حرب" الأزدي الواشحي بمعجمة ثم مهملة البصري القاضي بمكة ثقة، إمام حافظ من التاسعة.
قوله: "كانت اليهود" جمع يهودي، كروم ورومي والظاهر أن اليهود قبيلة

(8/318)


امْرَأَةٌ مِنْهُمْ لَمْ يؤَاكِلُوهَا وَلَمْ يُشَارِبُوهَا وَلَمْ يُجَامِعُوهَا فِي الْبُيُوتِ، فُسُئلَ النبيّ صلى الله عليه وسلم عن ذَلِكَ فَأَنْزَلَ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى {وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً} فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ يُؤَاكِلُوهُنّ وَيُشَارِبُوهُنّ وَأَنْ يَكُونُوا مَعَهُنّ فِي الْبُيُوتِ وَأَنْ يَفْعَلُوا كُلّ شَيْءٍ مَا خَلاَ النّكَاحَ. فَقَالَتْ الْيَهُودُ: مَا يُرِيدُ أَنْ يَدَعَ شَيْئاً مِنْ أَمْرِنَا إلاّ
ـــــــ
سميت باسم جدها يهودا أخي يوسف الصديق، واليهودي منسوب إليهم بمعنى واحد منهم. وقال النووي: يهود غير مصروف لأن المراد قبيلة، فامتنع صرفه للتأنيث والعلمية، "لم يؤاكلوها" بالهمز ويبدل واواً، "ولم يجامعوها" أي لم يساكنوها ولم يخالطوها فأنزل الله تبارك وتعالى. {وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً} وتتمة الآية {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} قال القاري في المرقاة: قال في الأزهار: المحيض الأول في الآية هو الدم بالاتفاق لقوله تعالى: {قُلْ هُوَ أَذىً} وفي الثاني ثلاثة أقوال: أحدها: الدم، والثاني: زمان الحيض، والثالث: مكانه وهو الفرج، وهو قول جمهور المفسرين، وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ثم الأذى ما يتأذى به الإنسان. قيل: سمي بذلك لأن له لوناً كريهاً ورائحة منتنة ونجاسة مؤذية مانعة عن العبادة قال الخطابي والبغوي: التنكير هنا للقلة، أي أذىً يسير لا يتعدى ولا يتجاوز إلى غير محله وحرمه فتجتنب وتخرج من البيت كفعل اليهود والمجوس نقله السيد، يعني الحيض أذى يتأذى معه الزوج من مجامعتها فقط دون المؤاكلة والمجالسة والافتراش، أي فابعدوا عنهن بالمحيض، أي في مكان الحيض وهو الفرج أو حوله مما بين السرة والركبة احتياطاً. انتهى ما في المرقاة "وأن يفعلوا كل شيء" من الملامسة والمضاجعة "ما خلا النكاح"، أي الجماع وهو حقيقة في الوطء. وقيل في العقد فيكون إطلاقاً لاسم السبب على السبب، وهذا تفسير للاَية وبيان لقوله: "فاعتزلوا" فإن الاعتزال شامل للمجانبة عن المؤاكلة والمضاجعة، والحديث بظاهره يدل على جواز الانتفاع بما تحت الإزر وهو

(8/319)


خَالَفَنَا فِيهِ. قالَ فَجَاءَ عَبّادُ بنُ بِشْرٍ وَأُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ إلى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرَاهُ بِذَلِكَ. وَقالاَ: يَا رَسُولَ الله أَفَلاَ نَنْكِحُهُنّ فِي المَحِيض فَتَعَمّر وَجْهُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم حَتّى ظَنَنّا أَنّهُ قَدْ غَضِبَ عَلَيْهِمَا،
ـــــــ
قول أحمد وأبي يوسف ومحمد بن الحسن والشافعي في قوله القديم وبعض المالكية "ما يريد" أي النبي صلى الله عليه وسلم "أن يدع" أي يترك "من أمرنا" أي من أمور ديننا "شيئاً" من الإشياء في حال من الأحوال "إلا خالفنا" بفتح الفاء "فيه" إلا حال مخالفته إيانا فيه، يعني لا يترك أمراً من أمورنا إلا مقروناً بالمخالفة، كقوله تعالى: {لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا} "فجاء عباد ابن بشر" من بني عبد الأشهل من الأنصار أسلم بالمدينة على يد مصعب بن عمير قبل سعد بن معاذ وشهد بدراً وأُحداً، والمشاهد كلها ووقع في بعض النسخ عباد ابن بشير وهو غلط "وأسيد بن حضير" بالتصغير فيهما أنصاري أوسي أسلم قبل سعد بن معاذ على يد مصعب بن عمير أيضاً، وكان ممن شهد العقبة الثانية وشهد بدراً وما بعدها من المشاهد، "أفلا ننكحهن في المحيض" أي أفلا نباشرهن بالوطء في الفرج أيضاً لكي تحصل المخالفة التامة معهم "فتمعر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي تغير، لأن تحصيل المخالفة بارتكاب المعصية لا يجوز. قال الخطابي: معناه تغير، والأصل في التمعر قلة النضارة وعدم إشراق اللون ومنه مكان معر وهو الجدب الذي ليس فيه خصب انتهى.
قال محشي النسخة الأحمدية ما لفظه: ووقع في رواية مسلم، أفلا نجامعهن كما هو في المشكاة أيضاً مكان أفلا ننكحهن، وفسره القاري في المرقاة والشيخ عبد الحق الدهلوي في اللمعات. أفلا نجامعهن في البيوت، وفي الأكل والشرب لمرافقتهم أو خوف ترتب الضرر الذي يذكرونه، انتهى مجموع عبارتهما. ولا يخفي أن قوله أفلا ننكحهن كما وقع في هذا الكتاب، وكذا في سنن أبي داود يرد توجيه الشارحين في شرحي المشكاة، ثم رأيت شرح مسلم للنووي وشرح المشكاة للطيبي وحاشية السيد فلم أجد أحداً منهم متصدياً لبيانه انتهى.
قلت: الأمر كما قال المحشي "حتى ظننا" أي نحن، ووقع في بعض النسخ ظناً

(8/320)


فَقَامَا فاسْتَقْبَلَتْهُمَا هَدِيّةٌ مِنْ لَبَنٍ فَأَرْسَلَ النبيّ صلى الله عليه وسلم فِي أَثَرِهِمَا فَسَقَاها فَعَلِمْنَا أَنّهُ لَمْ يَغْضَبْ عَلَيْهِمَا".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
4061- حدثنا مُحمّدُ بنُ عَبْدِ الأعْلَى أخبرنا عَبْد الرّحْمَن بنُ مَهْدِيٍ عن حَمّادِ بنِ سَلَمَةَ عن ثابت أنس نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ.
4062- حدثنا ابنُ أَبي عُمَرَ أخبرنا سُفْيَانُ عَنِ ابنِ المُنْكَدِرِ سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ: "كَانَت الْيَهُودُ تقُولُ مَنْ أَتَى امْرَأَتَهُ في قُبُلِهَا مِنْ دُبُرِهَا كَانَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ، فَنَزَلَتْ {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ
ـــــــ
أي هما، قال الخطابي يريد علمنا، فالظن الأول حسبان و الآخر علم ويقين. والعرب تجعل الظن مرة حسباناً ومرة علماً ويقيناً، وذلك لاتصال طرفيهما فمبدأ العلم ظن وآخره علم ويقين. قال الله عز وجل {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ} معناه يوقنون "فاستقبلتهما هدية من لبن" أي استقبل الرجلين شخص معه هدية يهديها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والإسناد مجازي. "في أثرهما"، بفتحتين أي عقبهما "فعلمنا أنه لم يغضب عليهما" أي لم يغضب غضباً شديداً باقياً بل زال غضبه سريعاً.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
قوله: "كانت اليهود تقول من أتى امرأة في قبلها من دبرها" قال ابن الملك كان يقف من خلفها ويولج في قبلها، فإن الوطء في الدبر محرم في جميع الأديان، "كان الولد" أي الحاصل بذلك الجماع "أحول" لتحول الواطئ عن الحال الجماع المتعارف، وهو الإقبال من القدام إلى القبل، وبهذا سمي قبلاً إلى حال خلاف ذلك من الدبر، فكأنه راعى الجانبين ورأى الجهتين فانتج إن جاء أحول وهو أفعل من الحول، وهو أن تميل إحدى الحدقتين إلى الأنف الآخرى إلى الصدغ،

(8/321)


أَنَّى شِئْتُمْ } . هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
4063- حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ أخبرنا عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ مَهْدِيّ أخبرنا سُفْيَانُ عن ابنِ خُثَيْمٍ عن ابنِ سَابطٍ عن حَفْصَةَ بِنْتِ عَبْد الرّحْمَن عن أُمّ سَلَمَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} يَعْنِي صِمَاماً وَاحِداً".
ـــــــ
يقال حولت عينه يحول حولاً كان بها حول فهو أحول وهي حولاء "فنزلت" أي رداً عليهم فيما تخايل لهم "نساؤكم" أي منكوحاتكم ومملوكاتكم {حَرْثٌ لَكُمْ} أي مواضع زراعة أولادكم، يعني هن لكم بمنزلة الأرض المعدة للزراعة ومحله القبل، فإن الدبر موضع الفرث لا محل الحرث. {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} أي كيف شئتم من قيام أو قعود أو اضطجاع أو من الدبر في فرجها، والمعنى على أي هيئة كانت فهي مباحة لكم مفوضة إليكم، ولا يترتب منها ضرر عليكم في شرح السنة اتفقوا على أنه يجوز للرجل إتيان الزوجة في قبلها من جانب دبرها وعلى آية صفة كانت. وعلية دل قوله تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} أي هن لكم بمنزلة أرض تزرع ومحل الحرث هو القبل.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله: "يعني صماماً واحداً" بكسر الصاد المهملة، أي ثقباً واحداً، والمراد القبل. قال النووي: قال العلماء وقوله تعالى {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} أي موضع الزرع من المرأة وهو قبلها الذي يزرع فيه المني لابتغاء الولد، ففيه إباحة وطئها في قبلها، إن شاء من بين يديها، وإن شاء من ورائها، وإن شاء مكبوبة. وأما الدبر فليس هو بحرث ولا موضع زرع، ومعنى قوله: {أَنَّى شِئْتُمْ} أي كيف شئتم.
واتفق العلماء الذين يعتد بهم على تحريم وطء المرأة في دبرها حائضاً كانت أو طاهر؟ لأحاديث كثيرة مشهورة كحديث: ملعون من أتى امرأة في دبرها قال أصحابنا. لا يحل الوطء في الدبر في شيء من الآدميين ولا غيرهم من الحيوان في حال من الأحوال انتهى كلام النووي رحمه الله.

(8/322)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَابْنُ خُثَيْمٍ هُوَ عَبْدُ الله بنُ عُثْمانَ بنِ خُثَيْمٍ. وَابْنُ سَابِطٍ هُوَ عَبْد الرّحْمَن بنُ عبدِ الله بنِ سَابِطٍ الْجُمَحِيّ المَكّيّ وَحَفْصَةُ هِيَ بِنْتُ عَبْد الرّحْمَن بنِ أَبي بَكْرٍ الصّدّيقِ، وَيُرْوَى في سِمَامٍ وَاحِدٍ.
4064- حدثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ أخبرنا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى أخبرنا يَعْقُوبُ بنُ عَبْدِ الله الأشْعَرِيّ عن جَعْفَر بن أَبي المُغِيرَةِ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قالَ: جَاءَ عُمَرُ إلى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله هَلَكْتُ، قالَ: "وَمَا أَهْلَكَكَ؟" قالَ: حَوّلْتُ رَحْلِيَ الّلْيلَة،
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد.
قوله: "وابن خثيم هو عبد الله بن عثمان بن خثيم" بضم الخاء المعجمة وفتح المثلثة مصغراً القاري المكي وثقه ابن معين والعجلي "وابن سابط هو عبد الرحمن ابن عبد الله بن سابط" بكسر الموحدة وبالطاء المهملة "الجمحي" بضم الجيم المعجمة وفتح الميم "وحفصة هي بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق" ثقة من الثالثة. "ويروى في سمام واحد" بكسر السين المهملة أي في ثقب واحد. قال في النهاية في الحديث، فأتوا حرثكم أنى شئتم سماماً واحداً، أي مأتى واحداً، وهو من سمام الإبرة ثقبها وانتصب على الظرف، أي في سمام واحد لكنه ظرف محدود أجرى مُجرى المبهم.
قوله: "أخبرنا يعقوب بن عبد الله" بن سعد الأشعري أبو الحسن القمي بضم القاف وتشديد الميم صدوق يهم من الثامنة "عن جعفر بن أبي المغيرة" الخزاعي القمي. قيل اسم أبي المغيرة دينار صدوق بهم، من الخامسة.
قوله: "حولت رحلي الليلة" ، كنى برحله عن زوجته أراد به غشيانها في قبلها من جهة ظهرها لأن المجامع يعلو المرأة ويركبها مما يلي وجهها فحيث ركبها من جهة ظهرها، كنى عنه بتحويل رحله، إما نقلاً من الرحل بمعنى المنزل أو من

(8/323)


قالَ: فَلَمْ يَرُدّ عَلَيْهِ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم شَيْئاً، قالَ فأَوحى عَلَى رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم هَذِهِ الآية {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} أَقْبِلْ وَأَدْبِرْ وَاتّقِ الدّبُرَ وَالْحيْضَةَ" . هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، وَيَعْقُوبُ بنُ عَبْدِ الله الأشْعَرِيّ هُوَ يَعْقُوبُ الْقُمّيّ.
4065- حدثنا عَبْدُ بنِ حُمَيْدٍ أخبرنا الهاشم بْنُ الْقَاسِمِ عن المُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ عن الْحَسَنِ عن مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ "أَنّهُ زَوّجَ أُخْتَهُ رَجُلاَ مِنَ المُسْلِمِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَكَانَتْ عِنْدَهُ مَا كَانَتْ، ثمّ طَلّقَهَا تَطْلِيقَةً لَمْ يُرَاجِعْها حَتّى انْقَضَت الْعِدّةُ فَهَوِيَها وَهَوِيَتْهُ، ثمّ خَطَبَهَا مَعَ الْخُطّابِ فقالَ لهُ: يا لَكَعُ أَكْرَمْتُكَ بِهَا وَزَوّجْتُكَهَا فَطَلّقْتَهَا
ـــــــ
الرحل بمعنى الكور وهو للبعير كالسرج للفرس كذا في المجمع. "أقبل" أي جامع من جانب القبل "وأدبر" أي أولج في القبل من جانب الدبر "واتق الدبر" أي إيلاجه فيه قال الطيبي رحمه الله: تفسير لقوله تعالى جل جلاله {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} فإن الحرث يدل على إتقاء الدبر وأنى شئتم على إباحة الإقبال والإدبار والخطاب في التفسير خطاب عام وأن كل من يتأتى منه الإقبال والإدبار فهو مأمور بهما "والحيضة" بكسر الحاء اسم من الحيض والحال التي تلزم الحائض من التجنب والتحيض كالجلسة والقعدة من الجلوس. كذا في النهاية. والمعنى اتق المجامعة في زمانها.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه.
قوله: "أخبرنا هاشم بن القاسم" ابن مسلم الليثي مولاهم البغدادي أبو النضر مشهور بكنيته ولقبه قيصر ثقة ثبت من التاسعة "عن الحسن" هو البصري.
قوله: "أنه زوج أخته" اسمها جميل بالجيم مصغراً بنت يسار وقيل اسمها ليلى وقيل فاطمة "رجلاً" قيل هو أبو البداح بن عاصم الأنصاري، وقيل هو عبد الله بن رواحة "ثم طلقها تطليقة" وفي رواية أبي داود ثم طلقها طلاقاً له

(8/324)


والله لاَ تَرْجِعُ إلَيْكَ أَبداً آخِرُ مَا عَلَيْكَ، قال فَعَلِمَ الله حَاجَتَهُ إلَيْهَا وَحَاجَتَهَا إلى بَعْلِهَا، فأْنْزَلَ الله تبَارَك وتَعَالَى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ - إلى قَوْلِهِ - وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} فَلَمّا سَمِعَهَا مَعْقِلُ قَالَ سَمْعاً لرَبّي وَطَاعَةٌ، ثمّ دَعَاهُ فَقَالَ: أُزَوّجُكَ وَأُكْرِمُكَ".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عن الْحَسَنِ وَفي هَذَا الْحَدِيثِ دَلاَلَةٌ عَلَى أَنّهُ لاَ يَجُوزُ النّكَاحُ بِغَيْرِ وَليّ لأنّ أُخْتَ مَعْقِلِ بنِ يَسَارٍ كانَتْ ثَيّباً، فَلَوْ كَانَ الأمْرُ إِلَيْهَا دُونَ وَليّهَا لَزَوّجَتْ نَفْسَهَا وَلَمْ تحتج إلى وَلِيّهَا مَعْقِلِ بْنِ يَسَارِ. وَإِنّمَا خَاطَبَ الله في هذه الآية الأوْلِياءَ فقال: {فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} ففي هذه الآية دَلاَلَةٌ عَلَى أنّ الأمْرَ إلى الأوْليَاءِ في التّزْويِجِ مَعَ رِضَاهُنّ.
ـــــــ
رجعة "فهويها" قال في القاموس: هويه كرضيه أحبه "يالكع" بضم اللام وفتح الكاف كصُرد اللئيم والعبد والأحمق "لا ترجع إليك أبداً" وفي رواية لا أزوجك أبداً "آخر ما عليك" بالرفع. أي ذلك آخر ما عليك من نكاحك إياها، وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا خرجوا لم يعودوا آخر ما عليهم". قال في المجمع بالرفع أي ذلك آخر ما عليهم من دخولهم "إلى قوله الخ" تتمة الآية {فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} "فلما سمعها" أي هذه الآية. "قال سمع لربي وطاعة" أي على سمع لربي وطاعة. "ثم دعاه فقال: أزوجك وأكرمك" وفي رواية أبي داود قال: فكفرت عن يميني فأنكحتها إياه.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن جرير "وفي هذا الحديث دلالة على أنه لا يجوز النكاح بغير ولي" إلى قوله "ففي هذه الآية دلالة على أن الأمر إلى الأولياء في التزويج مع رضاهن"

(8/325)


4065- حدثنا قُتَيْبَةُ عن مالِكِ بن أَنَسٍ قال: وحدثنا الأنْصَارِيّ أخبرنا مَعْنُ أخبرنا مالِكٌ عن زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ عن القَعْقَاعِ بنِ حَكِيمٍ عن أبي يُونسَ مَوُلَى عَائِشَةَ قالَ: "أَمَرَتْني عَائِشَةُ رضي الله عنها أَنْ أَكْتُبَ لَهَا مُصْحَفاً فَقَالَتْ:
ـــــــ
قال ابن جرير في هذه الآية الدلالة الواضحة على صحة قول من قال: لا نكاح إلا بولي من العصبة، وذلك أن الله تعالى منع الولي من عضل المرأة إن أرادت النكاح ونهاه عن ذلك. فلو كان للمرأة إنكاح نفسها بغير إنكاح وليها إياها أو كان لها تولية من أرادت توليته في إنكاحها، لم يكن لنهي وليها عن عضلها معنى مفهوم، إذ كان لا سبيل له إلى عضلها، وذلك أنها إن كانت متى أرادت النكاح جاز لها إنكاح نفسها أو إنكاح من توكله إنكاحها، فلا عضل هنالك لها من أحد فينهي عاضلها عن عضلها وفي فساد القول بأن لا معنى لنهي الله عما نهى عنه صحة القول بأن لولي المرأة في تزويجها حقاً لا يصح عقده إلا به انتهى.
قلت: هذا مبني على أن الخطاب في {فَلا تَعْضُلُوهُنَّ} للأولياء واعترض عليه بأنه يلزم تفكك نظم كلام الله لو قيل وإذا طلقتم النساء أيها الأزواج فلا تعضلوهن أيها الأولياء لأنه لا يبق بين الشرط والجزاء نسبة.
وأجيب بأن الخطاب في لا تعضلوهن. وكذا في قوله: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ} للناس أي وإذا وقع بينكم الطلاق فلا يوجد فيما بينكم العضل لأنه إذا وجد بينهم العضل من جهة الأولياء وهم راضون كانوا في حكم العاضلين. وتمسك الحنفية بقوله تعالى: {أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} على أن النكاح بغير ولي جائز، وذلك أنه تعالى أضاف النكاح إليها إضافة الفعل إلى فاعله والتصرف إلى مباشره، ونهى الولي عن منعها من ذلك، ولو كان ذلك التصرف فاسداً لما نهى الولي عن منعها منه، ويتأكد هذا النص بقوله {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} .
وأجيب بأن الفعل كما يضاف إلى المباشر فقد يضاف أيضاً إلى السبب مثل بنى بالأمير داراً. قال الرازي في تفسيره بعد ذكر هذا الجواب: وهذا وإن كان مجازاً إلا أنه يجب المصير إليه لدلالة الأحاديث على بطلان هذا النكاح.
قوله: "عن أبي يونس مولى عائشة" ثقة من الثالثة.

(8/326)


إذَا بَلَغْتَ هَذهِ الآية فَآذِنّي { حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى} فَلَمّا بَلَغْتُها آذَنْتُهَا فأَمْلَتْ عَلَيّ: حَافِظوا عَلَى الصّلَوَاتِ وَالصّلاَةِ الْوُسُطَى وَصَلاَة الْعَصْرِ وَقُومُوا لله قَانِتِين. وَقَالَتْ: سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم".
ـــــــ
قوله: "فآذني" بمد الهمزة وكسر الذال المعجمة وتشديد النون، أي أعلمني "فأملت علي" بفتح الهمزة وسكون الميم وفتح اللام الخفيفة من أملي وبفتح الميم واللام مشددة من أملل يملل أي ألقت عليّ، فالأولى: لغة الحجاز وبني أسد، والثانية: لغة بني تميم وقيس "وصلاة العصر" بالواو الفاصلة وهي تدل على أن الوسطى غير العصر لأن العطف يقتضي المغايرة وأجيب بوجوه أحدها: أن هذه القراءة شاذة ليست بحجة ولا يكون له حكم الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن ناقلها لم ينقلها إلا على أنها قرآن، والقرآن لا يثبت إلا بالتواتر بالإجماع. وإذا لم يثبت قرآناً لا يثبت خبراً قاله النووي وثانيها: أن يجعل العطف تفسيرياً فيكون الجمع بين الروايات. وثالثها: أن تكون الواو فيه زائدة ويؤيده ما رواه أبو عبيد بإسناد صحيح عن أبي بن كعب أنه كان يقرأها "والصلاة الوسطى صلاة العصر" بغير واو قال الحافظ في الفتح: قد اختلف السلف في المراد بالصلاة الوسطى وجمع الدمياطي في ذلك جزءاً مشهوراً سماه: كشف الغطا عن الصلاة الوسطى فبلغ تسعة عشر قولاً، ثم ذكر الحافظ هذه الأقوال ورجح قول من قال إن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، فقال: كونها صلاة العصر هو المعتمد، وبه قال: ابن مسعود وأبو هريرة: وهو الصحيح من مذهب أبي حنيفة، وقول أحمد والذي صار إليه معظم الشافعية لصحة الحديث فيه قال الترمذي: هو قول أكثر علماء الصحابة. وقال الماوردي هو قول جمهور التابعي، وقال ابن عبد البر: هو قول أكثر أهل الأثر وبه قال من المالكية: ابن حبيب وابن العربي وابن عطية انتهى.
قلت: لا شك في أن القول الراجح المعول عليه هو قول من قال إنها صلاة العصر، وقد تقدم بقية الكلام في هذه المسألة في باب ما جاء في الصلاة الوسطى أنها العصر {قَانِتِينَ} قبل معناه مطيعين وقيل ساكتين أي عن كلام الناس لا مطلق

(8/327)


وَفي الباب عَن حَفْصَةَ. هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
4067- حدثنا حُمَيْدُ بنُ مَسْعَدَةَ حدثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عن سَعِيدٍ عن قَتَادَةَ أخبرنا الْحَسَنُ عن سُمُرَةَ بْنُ جُنْدُبٍ أَنّ نَبِيّ الله صلى الله عليه وسلم قال: "صَلاَةُ الْوُسْطَى صَلاَةُ الْعَصْرِ" . هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
4068- حدثنا هَنّادٌ أخبرنا عَبْدَةُ عن سَعِيدِ بنِ أَبي عَرُوبَةَ عن قَتَادَةَ عن أبي حَسّانَ الأعْرَجِ عن عَبِيدَةَ السّلْمَانِيّ أَنّ عَلِيّاً حَدّثَهُ أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ يَوْمَ الأحزَابِ: "اللّهُمّ امْلأ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ نَاراً كمَا شَغَلُونَا عن صَلاَةِ الْوُسْطَى حَتّى غَابَتِ الشّمْسُ" .
ـــــــ
الصمت لأن الصلاة لا صمت فيها بل جميعها قرآن وذكر "وقال سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم". قال الباجي: يحتمل أنها سمعتها على أنها قرآن ثم نسخت كما في حديث البراء الذي رواه مسلم، فلعل عائشة لم تعلم بنسخها أو اعتقدت أنها مما نسخ حكمه وبقي رسمه، ويحتمل أنه ذكرها صلى الله عليه وسلم على أنها من غير القرآن لتأكيد فضيلتها فظنتها قرآناً فأرادت إثباتها في المصحف. لذلك قاله الزرقاني في شرح الموطأ.
قوله: "وفي الباب عن حفصة" أخرجه مالك في موطإه.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي.
قوله: "قال صلاة الوسطى صلاة العصر" تقدم هذا الحديث وما يتعلق به في باب ما جاء في الصلاة الوسطى أنها العصر.
قوله: "قال يوم الأحزاب" هي الغزوة المشهورة يقال لها الأحزاب والخندق وكانت سنة أربع من الهجرة وقيل سنة خمس "كما شغلونا عن صلاة الوسطى" بإضافة الصلاة إلى الوسطى وهو من باب قول الله تعالى: {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ} وفيه المذهبان المعروفان مذهب الكوفيين جواز إضافة الموصوف إلى صفته ومذهب البصريين منعه ويقدرون فيه محذوفاً وتقديره هنا عن صلاة

(8/328)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عن عَلِيّ. وَأَبُو حَسّانَ الأعْرَجِ اسْمُهُ مُسْلِمٌ.
4069- حدثنا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ أخبرنا أَبُو النّضْرِ وَأَبُو دَاوُدَ عن محمّدِ بْنِ طَلْحَةَ بنِ مُصَرّفٍ عن زُبَيْدٍ عن مُرّةَ عن عَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ قال: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "صَلاَةُ الْوُسْطَى صَلاَةُ الْعَصْر" .
وفي البابِ عَن زَيْدٍ بنِ ثَابِتٍ وَأَبي هَاشِمِ بنِ عُتْبَةَ وَأَبي هُرَيْرَةَ.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
الصلاة الوسطى أي عن فعل الصلاة الوسطى قاله النووي "حتى غابت الشمس" وفي رواية لمسلم: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً. ثم صلاها بين العشائين بين المغرب والعشاء. وحديث علي هذا نص صريح في أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر وهو أصح الأقوال في هذا الباب.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والشيخان وأبو داود وغيرهم.
قوله: "أخبرنا أبو النضر" اسمه هاشم بن القاسم "وأبو داود" هو الطيالسي "عن زبيد" بموحدة مصغراً هو ابن الحارث اليامي.
قوله: "صلاة الوسطى صلاة العصر" هذا الحديث أيضاً نص صريح في أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر.
قوله: "وفي الباب عن زيد بن ثابت وأبي هاشم بن عتبة وأبي هريرة" أما حديث زيد بن ثابت فأخرجه أحمد وأبو داود. وأما حديث أبي هاشم فأخرج ابن جرير من طريق كهيل بن حرملة: سئل أبو هريرة عن الصلاة الوسطى فقال اختلفنا فيها ونحن بفناء بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفينا أبو هاشم بن عتبة فقال أنا أعلم لكم فقال فاستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرج إلينا. فقال أخبرنا أنها صلاة العصر. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه أيضاً ابن جرير عنه مرفوعاً: الصلاة الوسطى صلاة العصر.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم.

(8/329)


4070- حدثنا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ أخبرنا مَرْوَانُ بنُ مُعَاوِيَةَ وَيَزِيدُ بنُ هَارُونَ وَمُحمّدُ بنُ عُبَيْدٍ عن إسْمَاعِيلَ بنِ أبي خَالِدٍ عن الْحَارِثِ بنِ شُبَيْل عن أبي عَمْرٍو الشّيْبَانيّ عن زَيْدٍ بنِ أَرْقَمَ قَال: "كُنّا نَتَكَلّمُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في الصّلاَةِ فَنَزَلَتْ {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} فأُمِرْنَا بالسّكُوت".
4071- حدثنا أَحْمَدُ بن مَنِيعٍ أخبرنا هُشَيْمٌ أخبرنا إسْمَاعِيلُ بنُ أَبي خَالِد نَحْوَهُ وَزَادَ فِيهِ "وَنُهِينَا عنِ الْكلاَمِ".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَأَبُو عَمْرٍو الشيْبَانيّ اسْمُهُ سَعْدُ بنُ إيَاسٍ.
4072- حدثنا عَبْد الله بنُ عَبْد الرّحْمَن أخبرنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسَى عن إسْرَائِيلَ عن السّدّيّ عن أَبي مَالِكٍ عن البَرَاءِ: " {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} قَالَ: نَزَلَتْ فِينَا مَعْشَرَ الأنْصَارِ كُنّا أَصْحَابَ نَخْلٍ، فَكَانَ الرّجُلُ يَأْتِي مِنْ نَخْلِهِ عَلَى قَدْرٍ كَثْرَتِهِ وَقِلّتِهِ وَكَانَ الرّجُلُ يَأْتي بالْقِنْوِ وَالقِنْوِينِ فَيُعَلّقُهُ فِي المَسْجِدِ، وَكَانَ أَهْلُ الصّفّةِ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ
ـــــــ
قوله: "ومحمد بن عبيد" بن أبي أمية الطنافسي.
قوله: "كنا نتكلم الخ" تقدم هذا الحديث مع شرحه في باب نسخ الكلام في الصلاة.
قوله: "عن إسرائيل" هو ابن يونس "عن السدي" بضم السين المهملة وتشديد الدال هو إسماعيل بن عبد الرحمن وهو السدي الكبير "عن أبي مالك" اسمه غزوان الغفاري الكوفي مشهور بكنيته ثقة من الثالثة.
قوله: "معشر الأنصار" بالنصب على الاختصاص "يأتي بالقنو" بكسر القاف وسكون النون هو العذق بما فيه من الرطب يقال له بالفارسية خوشه

(8/330)


فَكَانَ أَحَدُهُمْ إذَا جَاءَ أَتَى القِنْوَ فَضَرَبَهُ بِعَصَاهُ فَيَسْقُط من البُسْرُ وَالتّمْرُ فَيَأْكُلُ، وَكَانَ نَاسٌ مِمّنْ لاَ يَرْغَبُ فِي الْخَيْرِ يَأْتي الرّجُلُ بالقِنْوِفِيه الشّيْصُ وَالْحشَفُ وَبالْقِنْوِ قَدْ انْكَسَرَ فَيُعَلّقُهُ، فَأَنْزَلَ الله تَبَارَك تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ} قالوا: لَوْ أَنّ أَحَدَكُمْ أُهْدِىِ إلَيْهِ مِثْلَ مَا أَعْطَى لَمْ يَأْخْذهُ إلاّ عَلَى إغْمَاضٍ أوْحَيَاءٍ. قَالَ: فَكُنّا بَعْدَ ذَلِكَ يأْتِي أَحَدُنَا بِصَالِحِ مَا عِنْدَهُ".
ـــــــ
خرما "فيسقط البسر والتمر" البسر بضم الموحدة وسكون السين المهملة مرتبة من مراتب ثمر النخل. قال في الصراح: أول ما بدأ من النخل طلع ثم خلال ثم بلح بالتحريك ثم بسر ثم رطب ثم تمر "فيه الشيص والحشف" الشيص بالكسر التمر الذي لا يشتد نواه ويقوى وقد لا يكون له نوى أصلاً كذا في النهاية.
والحشف بفتح الحاء المهملة والشين المعجمة هو أردأ التمر أو الضعيف لا نوى له أو اليابس الفاسد {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} أي من جياد ما كسبتم {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} من الحبوب والثمار {وَلا تَيَمَّمُوا} أي لا تقصدوا {الْخَبِيثَ} أي الرديء {مِنْهُ} أي المذكور {تُنْفِقُونَ} حال من ضمير تيمموا {لَسْتُمْ بِآخِذِيهِ} أي الخبيث لو أعطيتموه في حقوقكم {إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ} بالتساهل وغض البصر فكيف تؤدون منه حق الله قال أي النبي صلى الله عليه وسلم "أهدى" بصيغة المجهول من الإهداء "إلا على إغماض" أي مساهلة ومسامحة، يقال: أغمض في البيع يغمض إذا استزاده من المبيع واستحطه من الثمن فوافقه عليه.

(8/331)


هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ صيحيحٌ. وَأَبو مَالِكٍ هُوَ الغِفَارِيّ وَيُقَالُ اسْمُهُ غَزَوَانُ وَقَدْ رَوى سفيان الثّوْرِيّ عن السّدّيّ شَيْئاً مِنْ هَذَا.
4073- حدثنا هَنّادٌ أخبرنا أَبُو الأحْوَصِ عن عَطَاءِ بنِ السّائِبِ عن مُرّةَ الْهَمْدَانيّ عَن عَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنّ لِلشّيْطَانِ لَمّةً بابنِ آدَمَ وَلِلْمُلَكِ لَمّةً فَأَمّا لَمّةُ الشّيْطَانِ فَإِيعَادٌ بالشّرّ وَتَكْذِيبٌ بِالْحَقّ، وَأَمّا لَمّةُ المَلَكِ فَإِيعَادٌ بالْخَيْرِ وَتَصْدِيقٌ
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه ابن ماجه وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم.
قوله: "إن للشيطان" أي إبليس أو بعض جنده "لمة" بفتح اللام وشدة الميم من الإلمام ومعناه النزول والقرب والإصابة، والمراد بها ما يقع في القلب بواسطة الشيطان أو الملك "بابن آدم" أي بهذا الجنس فالمراد به الإنسان "وللملك لمة" فلمة الشيطان تسمى وسوسة ولمة الملك إلهاماً "فأما لمة الشيطان1 فإيعاد بالشر" كالكفر والفسق والظلم "تكذيب بالحق" أي في حق الله أو حق الخلق أو بالأمر الثابت كالتوحيد والنبوة والبعث والقيامة والنار والجنة "وأما لمة الملك فإيعاد بالخير" كالصلاة والصوم "وتصديق بالحق" ككتب الله ورسوله والإيعاد في اللمتين من باب الأفعال، والوعيد في الاشتقاق كالوعد إلا أن الإيعاد اختص بالشر عرفاً يقال أوعد إذا وعد بشر إلا أنه استعمله في الخير للازدواج والأمن عن الاشتباه بذكر الخير بعده كذا قالوا، والظاهر أن هذا التفصيل عند الإطلاق كما قال الشاعر:
ـــــــ
1 قال في أشعة اللمعات: فأما لمة الشيطن فإيعاد بالشر فأما كار شيطان ترسانيدن ست به بدى وكفتن كه اكراين كارخير كردي به بدي كرفتاد خواهي آمد جنانكه اكر توكا برخدا كردي وخودر بعبادت وي كذا شتى بفقر وخواري بتلا خواهي شد وتكذيب بالحق ونبت بدروغ كردن بحق ست. وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصيق بالحق وأما كار فرشت تؤيد داون است بدنيكى ونبت راستى كردن است بحق داند اختى يقين ست دردل.

(8/332)


بالْحَقّ، فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أَنّهُ مِنَ الله فَلْيَحْمَدِ الله، وَمَنْ وَجَدَ الآخرى فَلْيَتَعَوّذْ بالله مِنَ الشّيْطَانِ الرجيم ثمّ قَرَأَ: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ} " الآية.
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وَهُوَ حَدِيثُ أبي الأحْوَصِ لاَ نعلمه مَرْفُوعاً إلاّ مِنْ حَدِيثِ أبي الأحْوَصِ.
4074- حدثنا عبد بنُ حُمَيْدٍ أخبرنا أبُو نُعَيْمٍ أخبرنا فُضَيْلُ بنُ مَرْزُوقٍ عن عَدِيّ بنِ ثَابِتٍ عن أبي حَازِمٍ عن أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يَا أَيّهَا النّاسُ إنّ الله طَيّبٌ ولاَ يَقْبَلُ إلاّ طَيّباً، وَإِنّ الله أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِمَا أمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ، فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ
ـــــــ
وإني إن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
وأما عند التقييد فالأولى أن يقال بالتجريد فيهما أو بأصل اللغة واختيار الزيادة لاختيار المبالغة "فمن وجد" أي في نفسه أو أدرك وعرف "ذلك" أي لمة الملك على تأويل الإلمام أو المذكور "فليعلم أنه من الله" أي منة جسيمة ونعمة عظيمة واصلة إليه ونازلة عليه إذ أمر الملك بأن يلهمه "فليحمد الله" أي على هذه النعمة الجليلة حيث أهله لهداية الملك ودلالته على ذلك الخير "ومن وجد الآخرى" أي لمة الشيطان "ثم قرأ" أي النبي صلى الله عليه وسلم استشهاداً {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ} أي يخوفكم به {وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ} الاَية معناه الشيطان يعدكم الفقر ليمنعكم عن الإنفاق في وجوه الخيرات ويخوفكم الحاجة لكم أو لأولادكم في ثاني الحال سيما في كبر السن وكثرة العيال، ويأمركم بالفحشاء أي المعاصي، وهذا الوعد والأمر هما المرادان بالشر في الحديث.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه النسائي وابن حبان في صحيحه وابن أبي حاتم.
قوله: "يا أيها الناس إن الله طيب ولا يقبل إلا طيباً" قال القاضي رحمه الله

(8/333)


كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} وَقالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} قَالَ: وَذَكَرَ الرّجُلُ يُطِيلُ السّفَرَ أشْعَثَ أغْبَرَ يَمُدّ يَدَهُ إلى السّمَاءِ يَا رَبّ يَا رَبّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامُ، وَمَشْرَبَهُ حَرَامٌ. وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَانّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ" .
ـــــــ
الطيب ضد الخبيث فإذا وصفه به تعالى أريد به أنه منزه عن النقائص مقدس عن الاَفات، وإذا وصف به العبد مطلقاً أريد به أنه المتعري عن رذائل الأخلاق وقبائح الأعمال والمتحلي بأضداد ذلك، وإذا وصف به الأموال أريد به كونه حلالاً من خيار الأموال. ومعنى الحديث أنه تعالى منزه عن العيوب فلا يقبل ولا ينبغي أن يتقرب إليه إلا بما يناسبه في هذا المعنى. وهو خيار أموالكم الحلال كما قال تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} "وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين" ما موصولة والمراد بها أكل الحل وتحسين الأموال فقال: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} هذا النداء خطاب لجميع الأنبياء لا على أنهم خوطبوا بذلك دفعة واحدة لأنهم أرسلوا في أزمنة مختلفة بل على أن كلا منهم خوطب به في زمان، ويمكن أن يكون هذا النداء يوم الميثاق لخصوص الأنبياء "وذكر" أي النبي صلى الله عليه وسلم "الرجل" بالنصب على المفعولية "يطيل السفر" أي في وجوه الطاعات كحج وزيارة مستحبة وصلة رحم وغير ذلك قاله النووي "أشعث أغبر" حالان متداخلان أو مترادفان، وكذا قوله "يمد يده" وفي رواية مسلم: يديه بالتثنية أي ماداً يديه رافعاً بهما "يا رب يا رب" أي قائلاً يا رب يا رب "ومطعمه حرام" مصدر ميمي بمعنى مفعول أي مطعومه حرام والجملة حال أيضاً وكذا قوله "ومشربه حرام وملبسه حرام" أي مشروبه حرام وملبوسه حرام "وغذي" بضم الغين وتخفيف الذال المعجمة المكسورة "بالحرام" أي ربي بالحرام. قال الأشرف: ذكر قوله وغذي بالحرام بعد قوله ومطعمه حرام إما لأنه لا يلزم من كون المطعم حراماً التغذية به، وإما تنبيهاً به على استواء حاليه أعني كونه منفقاً في حال كبره ومنفقاً عليه في حال صغره في وصول الحرام إلى باطنه، فأشار بقوله مطعمه حرام إلى

(8/334)


هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وَإِنّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ فُضَيْلِ بنِ مَرْزُوقٍ. وَأَبُو حَازِمٍ هُوَ الأشْجَعِيّ اسْمُهُ سَلْمَانُ مَوْلَى عَزّةَ الأشْجَعِيّةِ.
4074- حدثنا عبدُ بنُ حُمَيْدٍ أخبرنا عُبَيدُ الله بنُ مُوسَى عن إسْرَائِيلَ عن السّدّيّ، قالَ: حدثني مَنْ سَمِعَ عَلِيّا يَقُولُ: "لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآية: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} الآية أَحْزَنَتَنَا. قالَ: قُلْنَا يُحَدّثُ أحَدُنَا نَفْسَه فَيُحَاسَبُ بِهِ لاَ نَدْرِي مَا يُغْفَرُ مِنْهُ وَمَا لا يُغْفَرُ مِنْهُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآية بَعْدَهَا فَنَسَخَتْهَا: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} .
ـــــــ
حال كبره وبقوله وغذي بالحرام إلى حال صغره، وهذا دال على أن لا ترتيب في الواو. قال القاري: وذهب المظهر إلى الوجه الثاني ورجح الطيبي رحمه الله الوجه الأول ولا منع من الجمع فيكون إشارة إلى أن عدم إجابة الدعوة إنما هو لكونه مصراً على تلبس الحرام انتهى "فأنى يستجاب لذلك" أي من أين يستجاب لمن هذه صفته وكيف يستجاب له. وفي الحديث الحث على الإنفاق من الحلال والنهي عن الإنفاق من غيره. وفيه أن المشروب والمأكول والملبوس ونحوها ينبغي أن يكون حلالاً خالصاً لا شبهة فيه، وأن من أراد الدعاء كان أولى بالاعتناء بذلك من غيره.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه مسلم.
قوله: "احزنتنا" جواب لما أي جعلتنا محزونين "قال قلنا" أي قال على قلنا معشر الصحابة "لاندري" بالنون وفي بعض النسخ لا يدري بالتحتية "فنزلت هذه الآية" أي {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا} "بعدها" أي بعد نزول آية {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ} الخ "فنسختها" قال الحافظ: المراد بقوله نسختها أي أزالت ما تضمنته من الشدة بينت أنه وإن وقعت المحاسبة به لكنها لا تقع المؤاخذة به، أشار إلى ذلك الطبري فراراً من إثبات دخول النسخ في

(8/335)


4075- حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ أخبرنا الحَسَنُ بنُ مُوسَى ورَوْحُ بنُ عُبَادَةَ عن حَمّادِ بنِ سَلَمَةَ عن عَلِيّ بنِ زَيْدٍ عن أُمَيّةَ أنّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ عن قَوْلِ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} وَعن قوله: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ} فَقَالَتْ: "مَا سَأَلَنِي
ـــــــ
الأخبار، وأجيب بأنه وإن كان خبراً لكنه يتضمن حكماً ومنهما كان من الأخبار يتضمن الأحكام أمكن دخول النسخ فيه كسائر الأحكام وإنما الذي لا يدخله النسخ من الأخبار ما كان خبراً محضاً لا يتضمن حكماً كالإخبار عما مضى من أحاديث الأمم ونحو ذلك، ويحتمل أن يكون المراد بالنسخ في حديث التخصيص فإن المتقدمين يطلقون لفظ النسخ عليه كثيراً، والمراد بالمحاسبة بما يخفي الإنسان ما يصمم عليه ويشرع فيه دون ما يخطر له ولا يستمر عليه انتهى {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا} هذا بيان لقوله هذه الآية، ومعنى وسعها أي ما تسعه قدرتها {لَهَا مَا كَسَبَتْ} من الخير أي ثوابه {وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} من الشر أي وزره ولا يؤاخذ أحد بذنب أحد. ولا بما لم يكسبه مما وسوست به نفسه. وفي حديث علي رضي الله عنه هذا رجل مجهول وهو شيخ السدي.
قوله: "عن علي بن زيد" هو ابن جدعان "عن أميه" بالتصغير ويقال لها أمينة من الثالثة. قال في تهذيب التهذيب أمية بنت عبد الله عن عائشة وعنها ربيبها علي بن زيد بن جدعان، وقيل عن علي عن أم محمد وهي امرأة أبيه واسمها أمينة ووقع في بعض النسخ من الترمذي عن علي بن زيد بن جدعان عن أمه وهو غلط، فقد روى علي بن زيد عن امرأة أبيه أم محمد عدة أحاديث انتهى. قلت: ذكر الذهبي في الميزان أمية هذه في فصل المجهولات.
قوله: {إِنْ تُبْدُوا} أي إن تظهروا {مَا فِي أَنْفُسِكُمْ} أي في قلوبكم من السوء بالقول أو الفعل {أَو تُخْفُوهُ} أي تضمروه مع الإصرار عليه إذ لا عبرة بخطور الخواطر {يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} أي يجازيكم بسركم وعلنكم أو يخبركم بما أسررتم وما أعلنتم وعن قوله: {مَنْ يَعْمَلْ} أي ظاهراً وباطناً {سُوءاً} أي صغيراً أو كبيراً {يُجْزَ بِهِ} أي في الدنيا أو العقبي إلا ما شاء ممن شاء "فقالت" أي عائشة

(8/336)


عَنْهَا أحَدٌ مُنْذُ سَأَلْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ "هَذِهِ مُعَاتَبَةُ الله العَبْدَ فيمَا يُصِيبُهُ مِنْ الحُمّى وَالنّكْبَةِ حَتّى البِضَاَعَةِ يَضَعُهَا فِي يَدِ قَمِيْصِهِ فَيَفْقِدُهَا فَيَفْزَعُ لَهَا حَتّى إنّ العَبْدَ لَيَخْرُجُ مِنْ ذنُوبِهِ كَمَا يَخْرُجُ التّبْرُ الأحْمَرُ مِنْ الكِيْرِ" .
ـــــــ
"ما سألني عنها" أي عن هذه المسألة "منذ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي عنها "فقال هذه" إشارة إلى مفهوم الآيتين المسؤول عنهما أي محاسبة العباد أو مجازاتهم بما يبدون وما يخفون من الأعمال "معاتبة الله العبد" أي مؤاخذته العبد بما اقترف من الذنب "بما يصيبه" أي في الدنيا وهو صلة معاتبة ويصح كون الباء سببية "من الحمى" وغيرها مؤاخذة المعاتب وإنما خصت الحمى بالذكر لأنها من أشد الأمراض وأخطرها. قال في المفاتيح: العتاب أن يظهر أحد الخليلين من نفسه الغضب على خليله لسوء أدب ظهر منه مع أن في قلبه محبته يعني ليس معنى الآية أن يعذب الله المؤمنين بجميع ذنوبهم يوم القيامة بل معناها أنه يلحقهم بالجوع والعطش والمرض والحزن وغير ذلك من المكاره حتى إذا خرجوا من الدنيا صاروا مطهرين من الذنوب. قال الطيبي: كأنها فهمت أن هذه مؤاخذة عقاب أخروي فأجابها بأنها مؤاخذة عتاب في الدنيا عناية ورحمة انتهى "والنكبة" بفتح النون أي المحنة وما يصيب الإنسان من حوادث الدهر "حتى البضاعة" بالجر عطف على ما قبلها وبالرفع على الابتداء وهي بالكسر طائفة من مال الرجل "يضعها في يد قميصه" أي كمه سمي باسم ما يحمل فيه ووقع في بعض النسخ في كم قميصه "فيفقدها" أي يتفقدها ويطلبها فلم يجدها لسقوطها أو أخذ سارق لها منه "فيفزع لها" أي يحزن لضياع البضاعة فيكون كفارة، كذا قاله ابن الملك. وقال الطيبي: يعني إذا وضع بضاعة في كمه ووهم أنها غابت فطلبها وفزع كفرت عنه ذنوبه وفيه من المبالغة ما لا يخفي "حتى" أي لا يزال يكرر عليه تلك الأحوال حتى "إن العبد" قال القاري: بكسر الهمزة وفي نسخة يعني في المشكاة بالفتح وأظهر العبد موضع ضميره إظهاراً لكمال العبودية المقتضى للصبر والرضا بأحكام الربوبية "ليخرج من ذنوبه" بسبب الابتلاء بالبلاء "كما يخرج التبر الأحمر" التبر بالكسر أي الذهب والفضة قبل أن يضربا دراهم

(8/337)


هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ لاَ نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حَدِيثِ حَمّادِ بنِ سَلَمَةَ.
3076- حدثنا مَحْمُودُ بنُ غَيْلاَنَ أخبرنا وَكِيعُ أخبرنا سُفْيَانُ عن آدَمَ بنِ سُلَيْمَانَ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قالَ: "لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآية: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} قال: دَخَلَ قُلُوبَهُمْ مِنْهُ شَيْءٌ لَمْ يَدْخُلْ مِنْ شَيْء، فَقَالُوا للنّبيّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: "قُولُوا سَمِعْنَا وَأطَعْنَا" فَأَلْقَى الله الإيمَانَ فِي قُلُوبِهِم فَأَنْزَلَ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ} الآية {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا
ـــــــ
ودنانير فإذا ضربا كانا عيناً "من الكير" بكسر الكاف متعلق بخرج.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم.
قوله: "عن آدم بن سليمان" القرشى الكوفي والد يحيى صدوق من السابعة.
قوله: "دخل قلوبهم" بالنصب "منه" أي من قوله تعالى هذا وفي رواية مسلم منها أي من هذه الآية "شيء" بالرفع فاعل دخل أي شيء عظيم من الحزن "لم يدخل" أي قلوبهم والضمير المرفوع لشيء والجملة صفة له "من شيء" أي من الأشياء المحزنة "فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم" أي ذكروا له ما دخل قلوبهم من هذه الآية "سمعنا" أي ما أمرتنا به سماع قبول "فألقى الله الإيمان في قلوبهم" أي أحكمه وأرسخه فيها واندفع ما كان دخلها {آمَنَ} أي صدق {الرَّسُولُ} أي محمد صلى الله عليه وسلم {بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ} أي القرآن {وَالْمُؤْمِنُونَ} عطف على الرسول "الاَية" بالنصب أي أتم الآية وتمامها {كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا} أي ما تسعه قدرتها {لَهَا مَا كَسَبَتْ} من الخير أي ثوابه {وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} من الشر أي زوره

(8/338)


لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} قَالَ قَدْ فَعَلْتُ {رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} قَالَ قَدْ فَعَلْتُ {رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا} الآية، قالَ: "قَدْ فَعَلْتُ".
هذا حديثٌ حسنٌ. وقَدْ رُوِي هَذَا مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ عن ابن عَبّاسٍ.
ـــــــ
{رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا} بالعقاب أي قولوا ربنا لا تؤاخذنا {إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} أي تركنا الصواب لا عن عمد كما أخذت به من قبلنا، وقد رفع الله ذلك عن هذه الأمة كما ورد في الحديث فسؤاله اعتراف بنعمة الله "قال قد فعلت" أي لا أؤاخذكم {وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً} يثقل علينا حمله {كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} أي بني إسرائيل من قتل النفس في التوبة وإخراج ربع المال في الزكاة، وقرض موضع النجاسة "قال قد فعلت" أي لا أحمل عليكم {رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} أي لا تكلفنا من الأعمال ما لا نطيق القيام به لثقل حمله علينا. وتكليف ما لا يطاق على وجهين أحدهما ما ليس في قدرة العبد احتماله كتكليف الأعمى النظر والزمن العدو فهذا النوع من التكليف الذي لا يكلف الله به عبده بحال. الوجه الثاني من تكليف مالا يطاق هو ما في قدرة العبد احتماله مع المشقة الشديدة والكلفة العظيمة كتكليف الأعمال الشاقة والفرائض الثقيلة كما كان في ابتداء الإسلام صلاة الليل واجبة ونحوه، فهذا الذي سأل المؤمنون ربهم لا يحملهم ما لا طاقة لهم به "الاَية" تمامها {مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} "قال قد فعلت" أي عفوت عنكم وغفرت لكم ورحمتكم ونصرتكم على القوم الكافرين.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم "وقد روى هذا من غير هذا الوجه عن ابن عباس" أخرجه أحمد من غير هذا الوجه وكذا الطبري كما في الفتح.

(8/339)


وفي البابِ عن أبي هُرَيْرَةَ. وَآدَمُ بنُ سُلَيْمَانَ يُقالُ هُوَ وَالِدُ يَحْيَى بنِ آدَمَ.
ـــــــ
قوله: "وفي الباب عن أبي هريرة أخرجه مسلم وفيه" فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى فأنزل الله {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا} الخ.

(8/340)


وَمِنْ سُورةِ آلِ عِمْرَان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
4077- حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ أخبرنا أبُو الوليد أخبرنا يَزِيدُ بنُ إبْرَاهِيمَ حدثنا ابنُ أبي مُلَيْكَةَ عن الْقَاسِمِ بنِ مُحَمّدٍ عن عَائِشَةَ قالَتْ: "سُئِلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عن هَذِهِ الآية: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ} إلى آخِرِ الآية فَقَالَ
ـــــــ
وَمِنْ سُورةِ آلِ عِمْرَان
هي مدنية قال القرطبي بالإجماع وهي مائتا آية
قوله: "أخبرنا أبو داود الطيالسي" اسمه هشام بن عبد الملك الطيالسي "حدثنا يزيد بن إبراهيم" التستري بضم المثناة الأولى وسكون المهملة وفتح المثناة الثانية ثم راء نزيل البصرة أبو سعيد ثقة ثبت إلا في روايته عن قتادة ففيها لين من كبار السابعة.
قوله: "عن هذه الآية" {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ} إلى آخر الآية بقية الآية {هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} قال الحافظ: قيل المحكم من القرآن ما وضح معناه والمتشابه نقيضه، وسمي المحكم بذلك لوضوح مفردات كلامه وإتقان تركيبه بخلاف المتشابه، وقيل المحكم

(8/340)


رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: إذا رَأَيْتُمْ الّذِينَ يَتّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ،
ـــــــ
ما عرف المراد منه إما بالظهور وإما بالتأويل والمتشابه ما استأثر الله بعلمه كقيام الساعة وخروج الدجال والحروف المقطعة في أوائل السور، وقيل في تفسير المحكم والمتشابه أقوال أخر غير هذه نحو العشرة ليس هذا موضع بسطها وما ذكرته أشهرها وأقربها إلى الصواب، وذكر الأستاذ أبو منصور البغدادي أن الاَخير هو الصحيح عندنا وابن السمعاني أنه أحسن الأقوال والمختار على طريقة أهل السنة، وعلى القول الأول جرى المتأخرون انتهى. وقوله تعالى: {هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} أي هن أصل الكتاب الذي يعول عليه في الأحكام ويعمل به في الحلال والحرام. فإن قيل كيف قال هن أم الكتاب ولم يقل هن أمهات الكتاب، يقال لأن الاَيات في اجتماعها وتكاملها كالاَية الواحدة وكلام الله كله شيء واحد، وقيل إن كل آية منهن أم الكتاب كما قال {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً} يعني أن كل واحد منهما آية. فإن قيل قد جعل الله الكتاب هنا محكماً ومتشابهاً وجعله في موضع آخر كله محكماً فقال في أول هود: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} وجعله موضع آخر كله متشابهاً فقال تعالى في الزمر: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً} فكيف الجمع بين هذه الاَيات؟ يقال حيث جعله كله محكماً أراد أنه كله حق وصدق ليس فيه عبث ولا هزل، وحيث جعله كله متشابهاً أراد أن بعضه يشبه بعضاً في الحسن والحق والصدق، وقوله فأما الذين في قلوبهم زيغ أي ميل عن الحق وقيل الزيغ الشك، وقوله فيتبعون ما تشابه منه أي إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة وينزلوه عليها لاحتمال لفظه لما يصرفونه، فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه لأنه دافع لهم وحجة عليهم، ولهذا قال تعالى: {ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} أي الإضلال لأتباعهم لأنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن وهو حجة عليهم لأنهم كما قالوا احتج النصارى بأن القرآن قد نطق بأن عيسى روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وتركوا الاحتجاج بقوله: {إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ} وبقوله {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} وغير ذلك من الاَيات المحكمة المصرحة بأنه خلق من مخلوقات الله وعبد ورسول من رسل الله. وقوله تعالى:

(8/341)


فَأَوَلئِكَ الّذِينَ سَمّاهُمْ الله فَاحْذَرُوهُمْ" .
ـــــــ
{وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} أي تحريفه على ما يريدون. وقوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} اختلف القراء في الوقف ههنا فقيل على الجلالة وهو قول ابن عباس ويروى هذا القول عن عائشة وعروة وأبي الشعثاء وأبي نهيك وغيرهم واختار ابن جرير هذا القول، ومنهم من يقف على قوله والراسخون في العلم، وتبعهم كثير من المفسرين وأهل الأصول وقالوا الخطاب بما لا يفهم بعيد. ومن العلماء من فصل في هذا المقام وقال التأويل يطلق ويراد به في القرآن معنيان أحدهما التأويل بمعنى حقيقة الشيء وما يؤول أمره إليه ومنه قوله تعالى: {وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ} فإن أريد بالتأويل هذا فالوقف على الجلالة لأن حقائق الأمور وكنهها لا يعلمه على الجلية إلا الله عز وجل، ويكون قوله {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} مبتدأ {يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} خبره. وأما إن أريد بالتأويل المعنى الآخر وهو التفسير والبيان والتعبير عن الشيء كقوله {نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ} أي بتفسيره فإن أريد به المعنى فالوقف على {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} لأنهم يعلمون ويفهمون ما خوطبوا به بهذا الاعتبار وإن لم يحيطوا علماً بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه. وعلى هذا فيكون قوله {يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} حال منهم وساغ هذا وأن يكون من المعطوف دون المعطوف عليه كقوله تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً} أي وجاء الملائكة صفوفاً صفوفاً، وقوله إخباراً عنهم أنهم يقولون آمناً به أي المتشابه. وقوله {كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} أي الجميع من المحكم والمتشابه حق وصدق وكل منهما يصدق الآخر ويشهد له لأن الجميع من عند الله وليس شيء من عند الله بمختلف ولا متضاد "فأولئك الذين سماهم الله" أي أهل الزيغ أو زائغين بقوله في قلوبهم زيغ "فاحذروهم" أي لا تجالسوهم ولا تكالموهم أيها المسلمون. والمقصود التحذير من الإصغاء إلى الذين يتبعون المتشابه من القرآن. وأول ما ظهر ذلك من اليهود كما ذكره ابن إسحاق في تأويلهم الحروف المقطعة وأن عددها بالجمل مقدار مدة هذه الأمة، ثم أول ما ظهر في الإسلام من الخوارج حتى جاء عن ابن عباس أنه فسر بهم الآية، وقصة عمر في إنكاره على ضبيع لما بلغه أنه يتبع المتشابه فضربه على رأسه حتى أدماه أخرجها الدارمي وغيره.

(8/342)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ورُوِيَ عن أيّوبَ عن ابنِ أبي مُلَيْكَةَ عن عَائِشَةَ.
4078- حدثنا مُحَمّدُ بنُ بَشّارٍ أخبرنا أبُو دَاودَ الطّيَالِسِيّ أخبرنا أبُو عَامِرٍ وَهُوَ الْخَزّازُ ويَزِيدُ بنُ إبْرَاهِيمَ كِلاَهُمَا عن ابنِ أبي مُلَيْكَةَ، قَالَ يَزِيدُ عن ابنِ أبي مُلَيْكَةَ عن القَاسِمِ بنِ مُحَمّدٍ عن عَائِشَةَ، وَلمْ يُذْكُرْ أبُو عَامِرٍ القَاسِمَ قالَتْ: "سَأَلْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عن قَوْلِهِ {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} قَالَ: "فَإِذَا رَأَيْتيهِمْ فَاعْرِفِيهِمْ" ، وَقَالَ يَزِيدُ: فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ فَاعْرِفُوهُمْ، قَالَهَا مَرّتَيْنِ أوْ ثَلاَثاً" .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. هَكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ هَذَا الحَدِيثَ عن ابنِ أبي مُلَيكَةَ عن عَائِشَةَ، وَلَمْ يُذْكُرُوا فِيهِ عن القَاسِمِ بنِ محَمّدٍ وَإِنّمَا ذَكَرَ يَزِيدُ بنُ إبْرَاهِيمَ التستري عن الْقَاسِمِ بنِ مُحمّدٍ في هذا الْحَدِيثِ.
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه.
قوله: "أخبرنا أبو عامر وهو الخزّاز" بمعجمات اسمه صالح بن رستم "ويزيد ابن إبراهيم" هو التستري
قوله: "فإذا رأيتيهم فاعرفيهم" أي واحذريهم خطاب لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها "وقال يزيد" أي في روايته "فإذا رأيتموهم فاعرفوهم" أي بصيغة الجمع المذكر المخاطب "قالها" أي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الكلمة.
قوله: "وإنما ذكره يزيد بن إبراهيم عن القاسم بن محمد في هذا الحديث"

(8/343)


وَابْنُ أبي مُلَيْكَةَ هُوَ عَبْدُ الله بنُ عُبَيْدِ الله بنِ أبي مُلَيْكَةَ سَمِعَ مِنْ عَائِشَةَ أيْضاً.
4079- حدثنا مَحمُودُ بنُ غَيْلاَنَ حدثنا أبُو أحْمَدَ أخبرنا سُفْيَانُ عن أبِيهِ عن أبي الضّحَى عن مَسْروقٍ عن عَبْدِ الله قالَ: قَالَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ لِكُلّ نَبِيّ وُلاَةً مِنَ النّبِييّنَ، وَإِنّ وَليّي أبي وخَلِيلُ رَبّي، ثمّ قَرَأَ {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} " .
ـــــــ
قال الحافظ في الفتح بعد نقل كلام الترمذي هذا: قد أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي الوليد الطيالسي عن يزيد بن إبراهيم وحماد بن سلمة جميعاً عن ابن أبي مليكة عن القاسم فلم ينفرد يزيد بزيادة القاسم انتهى.
قوله: "أخبرنا أبو أحمد" هو الزبيري "أخبرنا سفيان" هو الثوري "عن أبيه" اسمه سعيد بن مسروق "عن أبي الضحى" اسمه مسلم بن صبيح بالتصغير الهمداني الكوفي العطار مشهور بكنيته ثقة فاضل من الرابعة "عن عبد الله" أي ابن مسعود.
قوله: "إن لكل نبي ولاة" بضم الواو جمع ولي. قال التوربشتي أي أحباء وقرناءهم أولى به من غيرهم "من النبيين" حال من الولاة أي كائنين من النبيين "وإن ولي أبي" يعني إبراهيم عليه السلام وقد بينه بقوله "وخليل ربي" خبر بعد خبر لأن "ثم قرأ" أي استشهاداً {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ} أي أحقهم به {لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ} أي في زمانه {وَهَذَا النَّبِيُّ} محمد لموافقته له في أكثر شرعه {وَالَّذِينَ آمَنُوا} أي من أمته فهم الذين ينبغي أن يقولوا نحن على دينه لا أنتم {وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} أي ناصرهم وحافظهم.
فإن قلت: لزم من قوله: لكل نبي ولاة أن يكون لكل واحد منهم أولياء متعددة.

(8/344)


4080- حدثنا مَحمودُ أخبرنا أبو نُعَيْمِ أخبرنا سُفْيَانُ عن أبِيهِ عن أبي الضّحَى عن عبدِ الله عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَهُ وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ عن مَسْروق. هذا أصَحّ مِنْ حَدِيثِ أبي الضّحَى عَن مَسرُوقٍ. وَأَبُو الضّحَى اسْمُهُ مُسْلِمُ بْنُ صُبَيْحٍ.
4081- حدثنا أبُو كُرَيْبِ أخبرنا وَكِيعٌ عَن سُفْيَانَ عَن أبِيهِ عَن أبي الضّحَى عَن عَبْدِ الله عَن النّبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَ حَدِيثِ أبي نُعَيْمٍ وَلَيْسَ فِيهِ عن مَسْرُوق.
4082- حدثنا هَنّادٌ أخبرنا أبو مُعَاوِيَةَ عن الأعْمَشِ عَن شَقِيقِ بنِ سَلَمَةَ عن عَبْدِ الله قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امرئ مُسْلِمٍ، لَقِيَ الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ" فَقَالَ الأشْعَثُ بنُ قَيْسٍ: فِيّ والله كَانَ ذَلِكَ، كَانَ بَيْنِي
ـــــــ
قلت: لا لأن النكرة إذا وقعت في مكان الجمع أفادت الاستغراق أي أن لكل نبي واحد واحد واحداً واحداً.
قوله: "أخبرنا أبو نعيم" اسمه الفضل بن دكين. وحديث أبي الضحى عن عبد الله هذا أخرجه أيضاً أحمد والبزار.
قوله: "عن عبد الله" أي ابن مسعود رضي الله عنه "من حلف على يمين" المراد باليمين هنا المحلوف عليه مجازاً "وهو فيها فاجر" أي كاذب والجملة حالية "ليقتطع بها مال امرئ مسلم" أي ليفصل قطعة من ماله ويأخذها بتلك اليمين "لقي الله" أي يوم القيامة "وهو عليه غضبان" أي يعرض عنه ولا ينظر إليه بعين الرحمة والعناية وغضبان غير منصرف وهو صيغة مبالغة قاله القاري.
قلت: لا حاجة إلى هذا التأويل والصحيح أن لفظ غضبان محمول على ظاهره وكيفية غضبه تعالى موكولة إليه "في" بتشديد الياء المفتوحة أي في شأني وحالي

(8/345)


وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ أرْضٌ فَجَحَدَنِي فَقَدّمْتُهُ إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أَلَكَ بَيّنَةٌ؟" قلت: لاَ، فَقَالَ لِلْيَهُودِيّ: "احْلِفْ" ، فَقلت: يَا رَسُولَ الله، إذَنْ يَحْلِفُ فَيَذْهَبُ بِمَالي، فَأَنْزَلَ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً} إلى آخِرِ الآية".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وفي البابِ عن ابن أبي أوْفَى.
ـــــــ
"كان ذلك" أي قوله صلى الله عليه وسلم من حلف على يمين الخ "كان بيني وبين رجل من اليهود أرض" أي متنازع فيها "فجحدني" أي أنكر على "فقدمته" بالتشديد أي جئت به ورفعت أمره "ألك بينة" أي شهود "فقال لليهودي احلف" في شرح السنة فيه دليل على أن الكافر يحلف في الخصومات كما يحلف المسلم "وإذن" بالنون "يحلف" بالنصب فأنزل الله تبارك وتعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً} إلى آخر الآية قال الطيبي: فإن قلت كيف يطابق نزول هذه الآية قوله: إذن يحلف فيذهب بمالي؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما - كأنه قيل للأشعث: ليس لك عليه إلا الحلف فإن كذب فعليه وباله. وثانيهما - لعل الآية تذكار لليهودي بمثلها في التوراة من الوعيد. والاَية بتمامها مع تفسيرها هكذا إن الذين يشترون يستبد لون بعهد الله إليهم بالإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم وأداء الأمانة وأيمانهم حلفهم به تعالى كاذباً ثمناً قليلاً من الدنيا أولئك لا خلاق نصيب لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله غضباً عليهم ولا ينظر إليهم يرحمهم يوم القيامة ولا يزكيهم يطهرهم ولهم عذاب أليم مؤلم.
قوله: "هذا حديث صحيح" وأخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
قوله: "وفي الباب عن ابن أبي أوفى" أخرجه البخاري عنه أن رجلاً أقام سلعة في السوق فحلف بها لقد أعطى بها ما لم يعطه ليوقع فيها رجلاً من المسلمين فنزلت {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً} إلى آخر الآية.

(8/346)


4083- حدثنا إسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ بَكْرٍ السّهْمِيّ أخبرنا حُمَيْدٌ عن أنَسٍ قالَ: "لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآية {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} أوْ {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} قالَ أبُو طَلْحَةَ، وَكَانَ لَهُ حَائِطٌ: فقال يَا رَسُولَ الله حَائِطي لله وَلَوْ اسْتَطَعْتُ أنْ أُسِرّهُ لَمْ أُعْلِنْهُ، فَقَالَ: "اجْعَلْهُ فِي قَرَبَتِكَ أو أقْرَابِيْكَ" .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَقَدْ رَوَاهُ مَالِكُ بنُ أنَسٍ عن إسْحَاقَ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبي طَلْحَةَ عن أنَسِ بنِ مَالِكٍ.
ـــــــ
قال الحافظ: لا منافاة بين حديث عبد الله بن أبي أوفى وحديث عبد الله بن مسعود ويحمل على أن النزول كان بالسببين جميعاً ولفظ الآية أعم من ذلك، ولهذا وقع في صدر حديث عبد الله بن مسعود ما يقتضي ذلك.
قوله: "حدثنا إسحاق بن منصور" هو الكوسج "أخبرنا عبد الله بن بكر السهمي" الباهلي أبو وهب البصري نزيل بغداد امتنع من القضاء ثقة حافظ من التاسعة.
قوله: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ} أي ثوابه وهو الجنة {حَتَّى تُنْفِقُوا} أي تصدقوا {مِمَّا تُحِبُّونَ} من أموالكم أو للشك من الراوي {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ} بإنفاق ماله في سبيل الله {قَرْضاً حَسَناً} بأنه ينفقه لله تعالى عن طيب قلب "وكان له حائط" جملة حالية والحائط البستان من النخيل إذا كان عليه حائط وهو الجدار، وكان اسم هذا الحائط بيرحاء وكان هو من أحب أمواله إليه "حائطي لله" أي وقف لله أو صدقة لله "ولو استطعت أن أسره" من الإسرار أي لو قدرت على إخفاء هذا التصدق "لم أعلنه" أي لم أظهره "فقال اجعله في قرابتك أو أقربيك" الظاهر أن أو للشك، وفي رواية الشيخين: وإني أرى أن تجعلها في الأقربين.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مالك وأحمد والشيخان وأبو داود والنسائي وغيرهم.

(8/347)


4084- حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ أخبرنا إبْرَاهِيمُ بنُ يَزِيدَ قالَ: سَمِعْتُ محمّدَ بنَ عَبّادِ بنِ جَعْفَرٍ المخزومي يُحَدّثُ عن ابنِ عُمَرَ قالَ: "قَامَ رَجُلٌ إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فقَالَ: مَنْ الحَاجّ يَا رَسُولَ الله؟ قالَ: "الشّعِثُ التّفِلُ" ، فَقَامَ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ: أيّ الْحَجّ أفْضَلُ يَا رَسُول الله؟ قالَ: "العَجّ وَالثّجّ،" فَقَامَ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ: مَا السّبِيلُ يَا رَسُولَ الله؟ قالَ: "الزّادُ والرَاحِلَةُ" .
ـــــــ
قوله: "أخبرنا إبراهيم بن يزيد" الخوزي بضم المعجمة وبالزاي أبو إسماعيل المكي مولى بني أمية مبروك الحديث من السابعة "سمعت محمد بن عباد بن جعفر" هو المخزومي.
قوله: "قام رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال من الحاج" أي الكامل "قال الشعث" بفتح الشين المعجمة وكسر العين المهملة أي المغبر الرأس من عدم الغسل مفرق الشعر من عدم المشط وحاصله تارك الزينة "التفل" بفتح الفوقية وكسر الفاء أي تارك الطيب فيوجد منه رائحة كريهة من تفل الشيء من فيه إذاً رمى به متكرهاً له "فقام رجل آخر فقال أي الحج" أي أعماله أو خصاله بعد أركانه "أفضل" أي أكثر ثواباً "قال العج والثج" بتشديد الجيم فيهما والأول رفع الصوت بالتلبية والثاني سيلان دماء الهدي وقيل دماء الأضاحي. قال الطيبي رحمه الله: ويحتمل أن يكون السؤال عن نفس الحج ويكون المراد ما فيه العج والثج، وقيل على هذا يراد بهما الاستيعاب لأنه ذكر أوله الذي هو الإحرام وآخره الذي هو التحلل بإراقة الدم اقتصاراً بالمبدأ والمنتهي عن سائر الأفعال أي الذي استوعب جميع أعماله من الأركان والمندوبات "فقام رجل آخر فقال ما السبيل" أي المذكور في قوله تعالى: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} "قال الزاد والراحلة" أي بحسب ما يليقان بكل أحد والظاهر أن المعتبر هو الوسط بالنسبة إلى حال الحاج.

(8/348)


هذا حديثٌ لاَ نَعْرِفُهُ من حديث ابن عمر إلاّ من حَدِيثِ إبْرَاهِيمَ بنِ يَزِيدَ الخُوْزِيّ المَكيّ. وَقَدْ تَكَلّمَ بَعْضُ أهْلِ الْعِلْمِ فِي إبْرَاهِيمَ بنِ يَزِيدَ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ.
4085- حدثنا قُتَيْبَةُ أخبرنا حَاتِمُ بنُ إسْمَاعِيلَ عن بُكَيْرِ بنِ مِسْمارٍ هو مدنيّ ثقة عن عَامِرِ بنِ سَعْدٍ بن أبي وقاص عن أبِيهِ قالَ: "لَمّا أنزل إليه هَذِهِ الآية {تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ} الآية دَعَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلِيّا وَفَاطِمَةَ وَحَسَناً وَحُسَيْناً، فَقَالَ: "اللّهُمّ هَؤُلاَءِ أهْلِي" .
ـــــــ
قوله: "قوله هذا حديث الخ" وأخرجه البغوي في شرح السنة وابن ماجه في سننه إلا أنه لم يذكر الفصل الأخير، كذا في المشكاة. وقد أخرج الترمذي الفصل الأخير من هذا الحديث من طريق إبراهيم بن يزيد في كتاب الحج وتقدم الكلام عليه هناك مبسوطاً.
قوله: "عن بكير" بضم الموحدة مصغراً "بن مسمار" بكسر الميم وسكون السين المهملة الزهري المدني كنيته أبو محمد صدوق من الرابعة "عن أبيه" هو سعد بن أبي وقاص.
قوله: "قال لما نزلت هذه الآية" أي المسماة بآية المباهلة {نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ} الخ الآية بتمامها مع تفسيرها هكذا فمن حاجك فيه أي فمن جادلك في عيسى وقيل في الحق {بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} يعني بأن عيسى عبد الله ورسوله { فَقُلْ تَعَالَوْا} أي هلموا ندع أبناءنا وأبناءكم أي يدع كل منا ومنكم أبناءه ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل أي نتضرع في الدعاء فنجعل لعنة الله على الكاذبين بأن تقول اللهم العن الكاذب في شأن عيسى "دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً" فنزله منزلة نفسه لما بينهما من القرابة والأخوة "وفاطمة" أي لأنها أخص النساء. من أقاربه "وحسناً وحسيناً" فنزلهما بمنزلة ابنيه صلى الله عليه وسلم "فقال اللهم هؤلاء أهلي".

(8/349)


هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ صحيحٌ.
ـــــــ
قال المفسرون: لما أورد رسول الله صلى الله عليه وسلم الدلائل على نصارى نجران ثم أنهم أصروا على جهلهم قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله أمرني إن لم تقبلوا الحجة أن أباهلكم. فقالوا يا أبا القاسم بل نرجع فننظر في أمرنا ثم نأتيك، فلما رجعوا قالوا للعاقب. وكان ذا رأيهم يا عبد المسيح ما ترى؟ قال: والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمداً نبي مرسل، ولقد جاءكم بالكلام الفصل من أمر صاحبكم، والله ما باهل قوم نبياً قط فعاش كبيرهم، ولا نبت صغيرهم، ولئن فعلتم لكان الاستئصال، فإن أبيتم إلا الإصرار على دينكم والإقامة على ما أنتم عليه فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد خرج وعليه صلى الله عليه وسلم مرط من شعر أسود، وكان صلى الله عليه وسلم قد احتضن الحسين وأخذ بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه صلى الله عليه وسلم وعلى رضي الله عنه خلفها وهو يقول: إذا دعوت فأمنوا. فقال أسقف نجران يا معشر النصارى إني لأرى وجوهاً لو دعت الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها فلا تباهلوا فتهلكوا ولا نبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة. ثم قالوا يا أبا القاسم: رأينا أن لا نباهلك، وأن نقرك على دينك، فقال صلى الله عليه وسلم: فإذا أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما على المسلمين، فأبو فقال صلى الله عليه وسلم فإني أناجزكم فقالوا ما لنا بحرب العرب المسلمين طاقة، ولكن نصالحك أن لا تغزونا ولا تردنا عن ديننا على أن نؤدي إليك كل عام ألفي حلة، ألفاً في صفر، وألفاً في رجب، وثلاثين درعاً عادية من حديد، فصالحهم على ذلك. قال صلى الله عليه وسلم. والذي نفسي بيده إن الهلاك قد تدلى على أهل نجران ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير ولأُضطرم عليهم الوادي ناراً ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على رؤوس الشجر ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى يهلكوا.
قوله: "هذا حديث حسن غريب صحيح" وأخرجه مسلم مطولاً، وكذا أخرجه الترمذي مطولاً في مناقب علي.

(8/350)


4086- حدثنا أبُو كُرَيبِ أخبرنا وَكِيعٌ عن الرَبِيعٍ بنُ صَبِيحٍ وَحَمّادُ بنُ سَلَمَةَ عن أبي غَالِبٍ، قالَ: رأى أبُو أُمَامَةَ رُؤُوساً مَنْصُوبَةً عَلَى دَرَجِ مسجد دِمَشْقَ، فَقَالَ أَبُو أُمَامَةَ: كِلاَبُ النّارِ شَرّ قَتْلَى تَحْتَ أدِيمِ السّمَاءِ خَيْرُ قَتْلَى مَنْ قَتَلُوهُ، ثمّ قَرَأَ: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} إلى آخِرِ الآية. قُلْتُ لأبِي أُمَامَةَ: أنْتَ سمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم؟ قالَ: لَوْ لَمْ أسْمَعْهُ إلاّ مَرّةً أوْ مَرّتَيْنِ أوْ ثَلاَثاً أوْ أرْبَعَا حَتّى عَدّ سَبْعاً مَا حَدّثْتُكُمُوهُ".
ـــــــ
قوله: "وهو ابن صبيح" بفتح الصاد المهملة. السعدي البصري صدوق سيء الحفظ، وكان عابداً مجاهداً.
قوله: "رأى أبو أمامة رؤوساً" جمع رأس "منصوبة على درج دمشق" أي على درج مسجد دمشق، الدرج الطريق وجمعه الأدراج، والدرجة المرقاة وجمعه الدرج، وهو المراد هنا. أي رأى أبو أمامة رؤوس المقتولين من الخوارج رفعت على درج دمشق "كلاب النار" خبر مبتدأ محذوف، أي أصحاب هذا الرؤوس كلاب النار "شر قتلى تحت أديم السماء" خبر آخر للمبتدأ المحذوف وخبر قتلى مبتدأ "وقتلوه" خبره والضمير المرفوع في قتلوه راجع إلى أصحاب الرؤوس، والمنصوب إلى من "ثم قرأ" أي أبو أمامة {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} إلى آخر الآية، أي {فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} .
قال في المجمع: أراد بالاَية "فأما الذين أسودت وجوههم وأراد به الخوارج وقيل هم المرتدون. وقيل المبتدعون".
قلت: قائله أبو غالب "أنت سمعته" بتقدير حرف الاستفهام، أي هل أنت سمعته "ما حدثتكموه" أي بل سمعته أكثر من سبع مرات وليس لي في سماعه منه صلى الله عليه وسلم شك أصلاً فلذلك حدثتكموه.

(8/351)


هذا حديثٌ حسنٌ. وَأَبُو غَالِبٍ يقال اسْمُهُ حَزّورُ. وَأَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيّ اسْمُهُ صُدَيّ بنُ عَجْلاَنَ وَهُوَ سَيّدُ بَاهِلةَ.
4087- حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ عن مَعْمَرٍ عن بَهْزِ بنِ حَكِيمٍ عن أبِيهِ عن جَدّهِ: "أنّهُ سَمِعَ النبيّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} قالَ إنّكُمْ تُتِمّونَ سَبْعِينَ أُمّةً أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى الله" .
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه أحمد وابن ماجه ولفظ ابن ماجه، هكذا شر قتلى قتلوا تحت أديم السماء، وخير قتلى من قتلوا كلاب النار، قد كان هؤلاء مسلمين فصاروا كفاراً. قلت: يا أبا أمامة هذا شيء تقوله؟ قال بل سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولفظ أحمد: لما أتى برؤوس الأزارقة فنصبت على درج دمشق جاء أبو أمامة فلما رآهم دمعت عيناه، فقال كلاب النار ثلاث مرات هؤلاء شر قتلى قتلوا تحت أديم السماء، وخير قتلى قتلوا تحت أديم السماء الذين قتلهم هؤلاء، قال فقلت: فما شأنك دمعت عيناك، قال رحمة لهم إنهم كانوا من أهل الإسلام الحديث والأزارقة من الخوارج نسبوا إلى نافع بن الأزرق كذا في القاموس وفي رواية لأحمد، جيء برؤوس من قبل العراق فنصبت عند باب المسجد وجاء أبو أمامة فدخل المسجد فركع ركعتين ثم خرج إليهم فنظر إليهم فرفع رأسه، فقال: شر قتلى الحديث "وأبو غالب اسمه حزور" بفتح الحاء المهملة والزاي وتشديد الواو وآخره راء "وأبو أمامة الباهلي اسمه صدي" بالتصغير صحابي مشهور سكن الشام ومات بها سنة ست وثمانين.
قوله: "في قوله تعالى" أي في تفسير قوله تعالى: {كُنْتُمْ} يا أمة محمد في علم الله تعالى: {خَيْرَ أُمَّةٍ} أي خير الأمم {أُخْرِجَتْ} ، أي أظهرت "قال"، أي النبي صلى الله عليه وسلم "إنكم تتمون" بضم فكسر فتشديد من الإتمام، أي تكملون "سبعين أمة" أي يتم العدد بكم سبعين، ويحتمل أنه للتكثير قاله المناوي، فقال الطيبي: المراد بسبعين التكثير لا التحديد ليناسب إضافة الخير إلى المفرد النكرة

(8/352)


هذا حديثٌ حسنٌ. وَقَدْ رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ هَذَا الْحَدِيثَ عن بَهْزِ بنِ حَكِيمٍ نَحْوَ هَذَا وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ} ".
ـــــــ
لأنه لاستغراق الأمم الفائتة للحصر باعتبار أفرادها، أي إذا نقصت أمة أمة من الأمم كنتم خيرها وتتمون علة للخيرية لأن المراد به الختم، فكما أن نبيكم خاتم الأنبياء أنتم خاتم الأمم انتهى. وفي الحديث دلالة على أن المراد بقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} أمة النبي صلى الله عليه وسلم عامة.
قال الحافظ ابن كثير: يخبر تعالى عن هذه الأمة المحمدية بأنهم خير الأمم. فقال تعالى {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ} روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ} قال: خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام. وهكذا قال ابن عباس ومجاهد وعطيه العوفي وعكرمة وعطاء الربيع بن أنس {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} يعني خير الناس للناس، والمعنى أنهم خير الأمم وأنفع الناس للناس، ولهذا قال: {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} وروى أحمد، في مسنده والنسائي في سننه، والحاكم في مستدركه عن ابن عباس في قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} قال هم الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة. والصحيح أن هذه الآية عامة في جميع الأمة كل قرن بحسبه وخير قرونهم الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم كما قال في الآية الآخرى {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} أي خياراً {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} الآية إنما حازت هذه الأمة قصب السبق إلى الخيرات بنبيها محمد صلوات الله عليه وسلامه، فإنه أشرف خلق الله وأكرم الرسل على الله، وبعثه الله بشرع كامل عظيم لم يعطه نبي قبله ولا رسول من الرسل فالعمل على منهاجه وسبيله يقوم القليل منه ما لا يقوم العمل الكثير من أعمال غيرهم مقامه، انتهى كلام الحافظ ابن كثير ملخصاً.
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه أحمد وابن ماجه والدارمي والطبراني والحاكم. قال الحافظ: هو حديث مشهور وقد حسنه الترمذي، ويروى من حديث معاذ بن جبل وأبي سعيد نحوه.

(8/353)


4088- حدثنا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ أخبرنا هُشَيْمٌ أخبرنا حُمَيْدٌ عن أنَسٍ "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كُسِرَتْ رَبَاعِيتُهُ يَوْمَ أُحُدٍ وَشُجّ وَجْهُهُ شَجّةً فِي جَبْهَتِهِ حَتّى سَالَ الدّمُ عَلَى وَجْهِهِ، فَقَالَ: "كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمُ فَعَلُوا هَذَا بَنَبِيّهِمْ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إلى الله؟ فَنَزَلَتْ: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ} إلى آخِرِهَا.
ـــــــ
قوله: "كسرت" بصيغة المجهول "رباعيته" قال في القاموس الرباعية كثمانية السن التي بين الثنية والناب. وقال الحافظ في الفتح: المراد بكسر الرباعية وهي السن التي بين الثنية والناب، أنها كسرت فذهب منها فلقة ولم تقلع من أصلها "وشج" على البناء للمفعول، والشج ضرب الرأس خاصة وجرحه وشقه، ثم استعمل في غيره "وهو يدعوهم إلى الله" جملة حالية "فنزلت ليس لك الخ" هذا الحديث يدل على أن هذه الآية نزلت يوم أحد، حين شج وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم. وروى البخاري وغيره عن ابن عمر. أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا رفع رأسه من الركوع من الركعة الآخرة من الفجر يقول: " اللهم العن فلاناً فلاناً وفلان" بعد ما يقول سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، فأنزل الله "ليس لك إلخ" وحديث ابن عمر هذا يدل على أن الآية نزلت في منع اللعن على الكفار في قنوت الفجر.
قال الحافظ: يحتمل أن تكون نزلت في الأمرين جميعاً فإنهما كانا في قصة واحدة، قال ووقع في رواية يونس عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة نحو حديث ابن عمر لكن فيه، اللهم العن لحيان ورعلا وذكوان وعصية قال: ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما نزلت {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} قال وهذا إن كان محفوظاً احتمل أن يكون نزول الآية تراخى عن قصة أحد لأن قصة رعل وذكوان كانت بعدها وفيه بعد، والصواب أنها نزلت في شأن الذين دعا عليهم بسبب قصة أحد انتهى كلام الحافظ. وقوله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} أي لست تملك إصلاحهم ولا تعذيبهم بل ذلك ملك الله فاصبر {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} بالإسلام {أَوْ يُعَذِّبَهُمْ} بالقتل والأسر والنهب {فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} بالكفر. والمعنى

(8/354)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
4089- حدثنا أحْمدُ بنُ مَنِيعٍ وَعَبْدُ بن حُمَيْدٍ قالاَ أخبرنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ أخبرنا حُمَيْدٌ عن أنَسٍ "أنّ رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم شُجّ في وَجْهِهِ وَكُسِرَتْ رَبَاعِيّتُهُ وَرُمِيَ رَمْيَةً عَلَى كَتِفِهِ فَجَعَلَ الدّمُ يَسِيلُ عَلَى وَجْهِهِ وَهُوَ يَمْسَحُهُ وَيَقُولُ "كَيْفَ تُفْلِحُ أُمّةٌ فَعَلُوا هَذَا بِنَبِيّهِمْ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إلى الله؟ " فَأَنَزَلُ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} . سَمِعْتُ عَبْدَ بنَ حُمَيْدٍ يَقُولُ: غَلَطَ يَزِيدُ بنُ هَارُونَ فِي هَذَا.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
4090- حدثنا أبُو السّائِبِ سَلْمُ بنُ جُنَادَةَ بنِ سَلْمٍ الكُوفِيّ أخبرنا أحْمَدُ بنُ بَشِيرٍ عن عُمَرَ بنِ حَمْزَةَ عن سَالِمِ بنِ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ عن أبِيهِ
ـــــــ
أن الله مالك أمرهم يضنع بهم ما يشاء من الإهلاك أو الهزيمة أو التوبة إن أسلموا أو العذاب إن أصروا على الكفر. قال الفراء: أو بمعنى إلا والمعنى إلا أن يتوب عليهم فتفرح بذلك أو يعذبهم فتشتفي بهم. وقال السيوطي أو بمعنى إلى أن يعني غاية في الصبر، أي إلى أن يتوب عليهم.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد ومسلم والنسائي.
قوله: "سمعت عبد بن حميد يقول: غلط يزيد بن هارون في هذا" أي في هذا الحديث، والظاهر أنه غلط في قوله: ورمى رمية على كتفه.
قوله: "أخبرنا أحمد بشير" المخزومي مولى عمرو بن حريث أبو بكر الكوفي ووقع في النسخة الأحمدية أحمد بن بشر وهو غلط "عن عمر بن حمزة بن عبد الله ابن عمر بن الخطاب العمري المدني ضعيف من السادسة".

(8/355)


قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَوْمَ أُحُدٍ "اللّهُمّ الْعَنْ أبَا سُفْيَانَ اللّهُمّ الْعَنْ الْحَارِثَ بنَ هِشَامٍ، اللّهُمّ الْعَنْ صَفْوَانَ بنَ أُمَيّةَ، قالَ فَنَزَلَتْ {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ} فَتَابَ الله عَلَيْهِمْ فَأَسْلَمُوا فَحَسُنَ إسْلاَمُهُمْ".
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ يُسْتَغْرَبُ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بنِ حَمْزَةَ عن سَالِمٍ وكذا رَوَاهُ الزّهْرِيّ عن سَالِمٍ عن أبِيهِ.
4091- حدثنا يَحْيى بنُ حَبِيبِ بنِ عَرَبيّ البَصْرِيّ أخبرنا خَالِدُ بنُ الْحَارِثِ عن مُحَمّدِ بنِ عَجْلاَنَ عن نَافِعٍ عن عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ: "أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يَدْعُوا عَلَى أرْبَعَةِ نَفَرٍ فَأَنْزَلَ الله تَبَارَكَ
ـــــــ
قوله: "اللهم العن أبا سفيان" اسمه صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأموي والد معاوية وأخوته، كان رئيس المشركين يوم أحد ورئيس الأحزاب يوم الخندق، أسلم زمن الفتح ولقي النبي صلى الله عليه وسلم بالطريق قبل دخول مكة وشهد حنيناً والطائف "اللهم العن الحارث بن هشام" بن المغيرة القرشي المخزومي شهد بدراً كافراً مع أخيه شقيقه أبي جهل وفر حينئذ وقتل أخوه. ثم غزا أحداً مع المشركين أيضاً، ثم أسلم يوم الفتح وحسن إسلامه. وكان من فضلاء الصحابة وخيارهم، ثم خرج إلى الشام مجاهداً ولم يزل في الجهاد حتى مات في طاعون عمواس سنة ثماني عشر. " اللهم العن صفوان بن أمية" بن خلف الجمحي القرشي هرب يوم الفتح، ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهد معه حنيناً والطائف وهو كافر، ثم أسلم بعد ذلك، وكان من المؤلفة، وشهد اليرموك.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد في مسنده وكذا رواه الزهري عن سالم عن أبيه وقع في بعض نسخ الترمذي بعد هذا هذه العبارة: لم يعرفه محمد بن إسماعيل من حديث عمر بن حمزة وعرفه من حديث الزهري.

(8/356)


وَتَعَالَى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} فَهَدَاهُمْ الله لِلاْسْلاَمِ".
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ صحيحٌ يُسْتَغْرَبُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ. وَرَوَاهُ يَحْيَى بنُ أَيّوبَ عن ابنِ عَجْلاَنَ.
4092- حدثنا قُتَيْبَةُ أخبرنا أَبُو عَوَانَةَ عن عُثْمَانَ بنِ المُغِيرَةِ عن عَلِيّ بنِ رَبِيعَةَ عن أَسْمَاءَ بنِ الْحَكَمِ الفَزَارِيّ قالَ: "سَمِعْتُ عَلِيّا يقول: إِنّي كُنْتُ رَجُلاً إِذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم حَدِيثاً نَفَعَنِي الله مِنْهُ بِمَا شَاءَ أنْ يَنْفَعَنِي، وَإِذَا حَدّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ اسْتَحْلَفْتُهُ فَإِذَا حَلَفَ لِي صَدّقْتُهُ وَإِنّهُ حَدّثَنِي أَبُو بَكْرٍ وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ قالَ سَمِعْتُ رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ " مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذنباً، ثُمّ يَقُومُ فَيَتَطَهّرُ، ثُمّ يُصَلّي ثُمّ يَسْتَغْفِرُ الله إلاّ غَفَرَ لَهُ، ثُمّ قَرَأَ هَذِهِ الآية: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ} إلى آخِرِ الآية". هذا حديثٌ قَدْ رَواهُ شُعْبَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عن عُثْمانَ بنِ المُغِيرَةِ فَرَفَعُوهُ وَرَوَاهُ مِسْعَرٌ وَسُفْيَانُ عن عُثْمانَ بنِ المُغِيرَةِ فَلَمْ يَرْفَعَاهُ، وَلاَ نَعَرِفُ لأَسْماءَ إلاّ هَذَا الحديث.
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن غريب صحيح" حديث محمد بن عجلان عن نافع عن ابن عمر هذا أخرجه أيضاً أحمد في مسنده.
قوله: "يقول إني كنت رجلاً إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً إلخ" تقدم هذا الحديث بإسناده ومتنه في باب الصلاة عند التوبة وتقدم شرحه هناك.

(8/357)


4093- حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ أخبرنا رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ عن حَمّادِ بنِ سَلَمَةَ عن ثَابِتٍ عن أَنَسٍ عن أَبي طَلْحَةَ قالَ: "رَفَعْتُ رَأْسِي يَوْمَ أُحُدٍ فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ، وَمَا مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ إلاّ يَمِيدُ تَحْتَ حَجَفَتِهِ مِنَ النّعَاسِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً} .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
4094- حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ أخبرنا رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ عن حَمّادٍ بنِ سَلَمَةَ عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن أبِيهِ عن أبى الزّبَيْرِ مِثْلَهُ.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
4095- حدثنا يُوسُفُ بنُ حَمّادٍ أخبرنا عَبْدُ الأعْلَى بن عبد الأَعْلَى عن سَعِيدٍ عن قَتَادَةَ عن أَنَسٍ أَنّ أَبَا طَلْحَةَ قالَ: "غُشِيْنَا وَنَحْنُ فِي مَصَافّنَا يَوْمَ
ـــــــ
قوله: "إلا يميد" أي يميل من ماد يميد ميداً وميداناً إذا تحرك وزاغ "تحت حجفته" بفتح الحاء المهملة والجيم أي ترسه. قال في القاموس الحجف محركة التروس من جلود بلا خشب ولا عقب واحدتها حَجَفة "من النعاس" بضم النون، وهو الوسن أو فترة في الحواس {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ} أراد به الغم الذي حصل لهم عند الأنهزام "أمنة" الأمنة والأمن سواء، وقيل الأمنة إنما تكون مع بقاء أسباب الخوف والأمن مع عدمه. وكان سبب الخوف بعد باقياً "نعاساً" وهو أخف من النوم بدل كل أو اشتمال.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه النسائي والحاكم.
قوله: "عن أبي الزبير" كذا في النسخة الأحمدية وهو غلط والصحيح عن الزبير بحذف لفظة أبي.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه النسائي.
قوله: "ونحن في مصافنا" المصاف بتشديد الفاء جمع مصف وهو الموقف

(8/358)


أُحُدٍ حَدّثَ أَنّهُ كَانَ فِيمَنْ غَشِيَهُ النّعَاسُ يَوْمَئِذٍ قالَ: فَجَعَلَ سَيْفِي يَسْقُطُ مِنْ يَدِي وَآخُذُهُ وَيَسْقُطُ مِنْ يَدِي وَآخُذُهُ وَالطّائِفَةُ الآخرى الْمنَافِقُونَ لَيْسَ لَهُمْ هَمّ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ أَجْبَنَ قَوْمٍ وَأَرْغَبَهُ وَأَخْذَلَهُ لِلْحَقّ".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
4096- حدثنا قُتَيْبَةُ أخبرنا عَبْدُ الْوَاحِدِ بنُ زِيَادٍ عن خُصَيْفٍ أخبرنا مِقْسَمٌ قالَ: قالَ ابنُ عَبّاسٍ: "نَزَلَتْ هَذِهِ الآية: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} فِي قَطْيفَةٍ حَمْرَاءَ افْتُقِدَتْ يَوْمَ بَدْرِ، فَقَالَ: بَعْضُ النّاسِ لَعَلّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أَخَذَها فَأَنْزَلَ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} إلى آخِرِ الآية".
ـــــــ
في الحرب "حدث" أي أبو طلحة "أجبن قوم" من الجبن وهو ضد الشجاعة "وأرعبه" من الرعب وهو الخوف والفزع "وأخذله" من الخذل وهو ترك الإعانة والنصرة.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري.
قوله: "في قطيفة" هي كساء له خمل "افتقدت" بصيغة المجهول أي طلبت بعد غيبتها. قال في القاموس افتقده وتفقده طلبه عند غيبته "فقال بعض الناس" روى ابن مردويه من طريق أبي عمرو بن العلاء عن مجاهد عن ابن عباس قال اتهم المنافقون رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء فقد فأنزل الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} "وما كان لنبي أن يغل" أي ما ينبغي لنبي أن يخون في الغنائم فإن النبوة تنافي الخيانة، يقال غل شيئاً من المغنم يغل غلولاً وأغل إغلالاً إذا أخذه خفية.

(8/359)


هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وَقَدْ رَوَى عَبْدُ السّلاَمِ بنُ حَرْبٍ عن خُصَيْفٍ نَحْوَ هَذَا. وَرَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ عن خُصَيْفٍ عن مِقْسَم، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عن ابنِ عَبّاسٍ.
4097- حدثنا يَحْيَى بنُ حَبِيبٍ بن عَرَبِيّ أخبرنا مُوسَى بنُ إِبْرَاهِيمَ بنِ كَثِيرٍ الأنْصَارِيّ، قالَ: سَمِعْتُ طَلْحَةَ بنَ خِرَاشٍ، قالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بنَ عَبْدِ الله، يَقُولُ: "لَقِيَنِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لِي "يَا جَابِرُ ماَلِي أَرَاكَ مُنْكَسِراً؟" قُلْتُ يَا رَسُولَ الله اسْتُشْهِدَ أَبي وَتَرَكَ عِيَالاً وَدَيْناً، قالَ: قال: "أَفلاَ أَبَشّرُكَ بِمَا لَقِيَ الله بِهِ أَبَاكَ؟" قالَ: بَلَى يَا رَسُولَ الله، قَالَ: "مَا كَلّمَ الله أَحَداً قَطّ إِلاّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابِهِ وَأَحْيَى أَبَاكَ فَكَلّمَهُ كِفَاحاً، فَقَالَ: تَمَنّ عَلَيّ أُعْطِيكَ، قالَ: يَا رَبّ تُحْيِينِي فَأُقْتَلُ فِيكَ ثَانِيَةً، قالَ الرّبُ عز وجل إِنّهُ قَدْ سَبَقَ مِنّي {أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ} قالَ: وَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآية: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً} الآية".
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أبو داود وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم.
قوله: "أخبرنا موسى بن إبراهيم بن كثير الأنصاري" الحرامي بفتح المهملة والراء المدني صدوق يخطئ من الثامنة "سمعت طلحة بن خراش" بكسر المعجمة بعدها راء ابن عبد الرحمن الأنصاري المدني صدوق من الرابعة.
قوله: "ما لي أراك منكسراً" وفي رواية بن مردويه مهتماً "فكلمه كفاحاً" أي مواجهة ليس بينهما حجاب ولا رسول "تحييني" من الإحياء مضارع بمعنى الأمر أي أحيني "ثانية" أي مرة ثانية "قال الرب تبارك وتعالى: إنه قد سبق مني أنهم لا يرجعون" زاد في رواية ابن مردويه قال أي رب فأبلغ من ورائي.

(8/360)


هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ مِنْ هَذَا الْوَجهِ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بنِ إِبْرَاهِيمَ. وَرَوَاهُ عَلِيّ بنُ عَبْدِ الله بنِ المَدِينيّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ كِبَارِ أَهْلِ الْحَدِيثِ هَكَذَا عن مُوسَى بنُ إبْرَاهِيمَ. وَقدْ رَوَى عَبْدُ الله بنُ مُحَمّدِ بنِ عَقِيلٍ عن جَابِرٍ شَيْئاً مِنْ هَذَا.
4098- حدثنا ابنُ أَبي عُمَرَ أخبرنا سُفْيَانُ عن الأعْمَشِ عن عَبْدِ الله بنِ مُرّةَ عن مَسْرُوقٍ عن عَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ: "أَنّهُ سُئِلَ عن قوله: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ} فَقَالَ: أَمَا إِنّا قَدْ سَأَلْنَا عن ذَلِكَ فَأُخْبِرْنَا أَنّ أَرْوَاحَهُمْ فِي طَيْرٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ في
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه ابن مردويه "هكذا عن موسى بن إبراهيم" أي مطولاً "وقد روى عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر شيئاً من هذا" أي مختصراً ورواية عبد الله بن محمد بن عقيل هذه وصلها أحمد في مسنده.
قوله: "عن عبد الله بن مرة" هو الهمداني.
قوله: "فقال" أي ابن مسعود "أما" بالتخفيف للتنبيه "إنا قد سألنا" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "عن ذلك" أي عن معنى هذه الآية "فأخبرنا" وفي رواية مسلم فقال. قال النووي: هذا الحديث مرفوع لقوله إنا قد سألنا عن ذلك فقال يعني النبي صلى الله عليه وسلم، وقال القاضي المسئول والمجيب هو الرسول صلوات الله عليه وسلامه وفي فقال ضمير له ويدل عليه قرينة الحال فإن ظاهر حال الصحابي أن يكون سؤاله واستكشافه من الرسول صلى الله عليه وسلم لاسيما في تأويل آية هي من المتشابهات وما هو من أحوال المعاد فإنه غيب صرف لا يمكن معرفته إلا بالوحي ولكونه بهذه المثابة من التعين أضمر من غير أن يسبق ذكره "أن أرواحهم في طير خضر" وفي رواية مسلم في جوف طير خضر أي يخلق لأرواحهم بعدما فارقت أبدانهم هياكل على تلك الهيئة تتعلق بها

(8/361)


الْجَنّةِ حَيْثُ شَاءَتْ وَتَأْوِي إلى قَنَادِيلَ مُعَلّقَةٍ بالْعَرْشِ فَاطّلَعَ إِلَيْهِمْ ربُكَ اطّلاَعَةً، فَقَالَ هَلْ تَسْتَزِيدُونَ شَيْئاً فَأَزِيدَكُمْ؟ قَالُوا: رَبّنَا، وَمَا نَسْتَزِيدُ وَنَحْنُ فِي الْجَنّةِ نَسْرَحُ حَيْثُ شِئْنَا؟ ثمّ اطّلَعَ عَلَيْهِمْ الثّانِيةَ، فَقَالَ: هَلْ تَسْتَزِيدُونَ شَيْئاً فَأَزِيدَكُمْ؟ فَلَمّا رَأَوْا أَنّهُمْ لم يُتْرَكُوا قالوا: تعيد أرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا حَتّى نَرْجِعَ إلى الدّنْيَا فنقتل فِي سَبِيلِكَ مَرّةً أُخْرَى".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
4099- حدثنا ابنُ أبي عُمَرَ أخبرنا سُفْيَانُ عن عَطَاءِ بنِ السّائِبِ
ـــــــ
وتكون خلفاً عن أبدانهم وإليه الإشارة بقوله تعالى : {أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ} فيتوسلون بها إلى نيل ما يشتهون من اللذائذ الحسية، وإليه يرشد قوله تعالى: {يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} والطير جمع طائر ويطلق على الواحد، وخضر بضم فسكون جمع أخضر "تسرح" أي ترعى "وتأوى" أي ترجع "إلى قناديل معلقة بالعرش" فهي بمنزلة أوكار الطير "فاطلع" بتشديد الطاء أي أنظري "اطلاعة" إنما قال اطلاعة ليدل على أنه ليس من جنس اطلاعنا على الأشياء. قال القاضي: وعداه بإلى وحقه أن يعدى بعلى لتضمنه معنى الانتهاء "فقال" أي الرب تعالى "وما نستزيد" أي أيّ شيء نستزيد "ونحن في الجنة نسرح حيث شئنا" يعني وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين "فلما رأوا أنهم لا يتركون" أي من أن يسئلوا "قالوا تعيد" من الإعادة أي ترد "فنقتل" بصيغة المجهول في سبيلك مرة أخرى زاد مسلم: فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا أي من سؤال هل تستزيدون.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه.

(8/362)


عن أبي عُبَيْدَةَ عن ابنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ وَزَادَ فِيهِ: "وَتُقْرِئُ نَبِيّنَا السّلاَمَ وَتُخْبِرُهُ عَنا أَنّا قَدْ رَضِيْنَا وَرُضِيَ عَنّا". هذا حديثٌ حسنٌ.
5000- حدثنا ابنُ أبي عُمَرَ أخبرنا سُفْيَانُ عن جَامِعٍ، وَهُوَ ابنُ أَبي رَاشِدٍ وَعبْدُ المَلِكَ بنُ أَعْيَنَ عن أَبي وَائِلٍ عن عَبْدِ الله بن مسعود يَبْلُغُ بِهِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَا مِنْ رَجُلٍ لاَ يُؤَدّي زَكَاةَ مَالِهِ إلاّ جَعَلَ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي عُنُقِهِ شُجَاعاً، ثُمّ قَرَأَ عَلَيْنَا مِصْدَاقَهُ مِنْ كِتَابِ الله عز وجل {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} الآية، وَقَالَ مَرّةً
ـــــــ
قوله: "عن أبي عبيدة" هو ابن عبد الله بن مسعود مشهور بكنيته "وزاد" أي أبو عبيدة في روايته "وتقرئ" أي يا رب "نبينا" بالنصب أي عليه صلى الله عليه وسلم "السلام" مفعول ثان لتقرئ "وتخبره" أي النبي صلى الله عليه وسلم "أن قد رضينا" أي بالله تعالى "ورضي عنا" بصيغة المجهول أي رضي الله تعالى عنا.
قوله: "هذا حديث حسن" قد صرح الترمذي بعدم سماع أبي عبيدة من أبيه عبد الله بن مسعود في باب الاستنجاء بالحجرين فتحسينه لهذا الحديث لمجيئه من السند المتقدم.
قوله: "عن جامع وهو ابن أبي راشد" الكاهلي الصيرفي الكوفي ثقة فاضل من الخامسة "وعبد الملك بن أعين" الكوفي مولى بني شيبان صدوق شيعي له في الصحيحين حديث واحد متابعة من السادسة "عن أبي وائل" هو شقيق ابن سلمة.
قوله: "إلا جعل الله يوم القيامة في عنقه شجاعاً" بالضم والكسر الحية الذكر وقيل الحية مطلقاً "مصداقه" أي ما يصدقه ويوافقه "من كتاب الله" الظاهر أنه حال من مصداقه أو من بيان له وما بعده بدل بعض من الكل {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} الآية بتمامها مع تفسيرها

(8/363)


قَرَأَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مِصْدَاقَهُ {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} وَمَنْ اقْتَطَعَ مَالَ أَخِيهِ المسْلِمِ بِيَمِينٍ لَقِيَ الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ، ثُمّ قَرَأَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مِصْدَاقَهُ مِنْ كِتَابِ الله {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ} الاَيَةَ".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ وَمَعْنَى قَوْلِهِ شُجَاعاً أَقْرَعَ يَعْنِي حَيّةً.
5001- حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ أخبرنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ وَسَعِيدُ بنُ عَامِرٍ عن مُحمّدِ بنِ عَمرٍو عن أبي سَلَمَةَ عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ مَوْضِعَ سَوْطٍ فِي الْجَنّةِ خَيْرٌ مِنَ الدّنْيَا وَمَا فِيهَا
ـــــــ
هكذا ولا تحسبن بالتاء والياء "الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله" أي بركاته هو أي بخلهم خيراً لهم مفعول ثان والضمير للفصل والأول بخلهم مقدراً قبل الموصول على الفوقانية وقبل الضمير على التحتانية بل هو شر لهم {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ} أي بزكاته من المال {يَوْمَ الْقِيَامَةِ} بأن يجعل حية في عنقه تنهشه {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} يرثهما بعد فناء أهلهما والله بما تعملون خبير، فيجاوزيكم به "وقال مرة" أي قال عبد الله بن مسعود مرة "ومن اقتطع مال أخيه" أي أخذه بغير حق "بيمين أي كاذب.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه "ومعنى قوله شجاعاً أقرع يعني حية" لم يقع في رواية الترمذي المذكورة أقرع، نعم وقع في حديث أبي هريرة عند البخاري وغيره ومعناه الذي لا شعر على رأسه لكثرة سمه وطول عمره.
قوله: "وسعيد بن عامر" هو الضبعي "عن محمد بن عمرو" هو ابن علقمة "عن أبي سلمة" هو ابن عبد الرحمن.
قوله: "إن موضع سوط في الجنة" أريد به قدر قليل منها أو مقدار موضعه فيها "خير من الدنيا وما فيها" لأن الجنة مع نعيمها باقية والدنيا وما فيها

(8/364)


اقْرَأُوا إنْ شِئْتُمْ {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ}".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
5002- حدثنا الْحَسَنُ بنُ مُحمّدٍ الزّعْفَرَانيّ أخبرنا الحَجّاجُ بنُ محمدٍ قالَ: قالَ ابنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي ابنُ أبي مُلَيْكَةَ أَنّ حُمَيْدَ بنَ عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ أَخْبَرَهُ أَنّ مَرْوَانَ بنَ الْحَكَمِ قَالَ: "اذْهَبْ يَا رَافِعُ - لَبوّابِهِ - إلى ابنِ عَبّاسٍ، فَقُلْ لَهُ لَئِنْ كَانَ كُلّ امرئ فَرِحَ بِمَا أُوْتِيَ وَأَحَبّ أَنْ يُحْمَدَ بِمَا لَمْ يَفْعَلْ مُعَذّباً لَنُعَذّبَنّ أَجْمَعونَ، فَقَالَ
ـــــــ
فانية "فمن زحزح" أي بعد "عن النار وأدخل الجنة فقد فاز" نال غاية مطلوبه "وما الحياة الدنيا" العيش فيها "إلا متاع الغرور" الباطل يتمتع به قليلاً ثم يفنى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه ابن أبي حاتم. قال ابن كثير: هذا الحديث ثابت في الصحيحين بدون هذه الزيادة أي زيادة "اقرأوا إن شئتم الخ" وقد رواه بدون هذه الزيادة أبو حاتم وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه من حديث محمد بن عمرو هذا.
قوله: "أخبرنا حجاج بن محمد" هو المصيصي الأعور "أن حميد بن عبد الرحمن بن عوف" الزهري المدني ثقة من الثانية وقيل إن روايته عن عمر مرسلة "أن مروان بن الحكم قال اذهب يا رافع لبوابه" وفي رواية البخاري أن مروان قال لبوابه اذهب يا رافع. قال الحافظ وكان مروان يومئذ أميراً على المدينة من قبل معاوية ثم ولي الخلافة، قال ورافع هذا لم أر له ذكراً في كتاب الرواة إلا بما جاء في هذا الحديث، والذي يظهر من سياق الحديث أنه توجه إلى ابن عباس فبلغه الرسالة ورجع إلى مروان بالجواب فلولا أنه معتمد عند مروان ما قنع برسالته "وأحب أن يحمد" بضم التحتية على صيغة المجهول "معذباً"

(8/365)


ابنُ عَبّاسٍ مَا لَكُمْ وَلِهَذِهِ الآية إِنّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ فِي أَهْلِ الكِتَابِ، ثُمّ تَلاَ ابنُ عَبّاسٍ {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ} وَتَلاَ {لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا} . قالَ ابنُ عَبّاسٍ: سَأَلَهُمْ النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن شَيْء فَكَتَمُوهُ وَأَخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ، فَخَرَجُوا وَقَدْ أَرَوْهُ أَنْ قَدْ أَخْبَرُوهُ بِمَا قد سَأَلَهُمْ
ـــــــ
خبر كان "لنعذبن" بصيغة المجهول وهو جواب قوله لئن أي لأن كلنا يفرح بما أوتي ويحب أن يحمد بما لم يفعل "أجمعون" بالواو على أنه تأكيد للضمير الذي في لنعذبن، ووقع في رواية أجمعين بالياء على أنه منصوب على الحال أي لنعذبن مجتمعين "فقال ابن عباس مالكم ولهذه الآية" إنكار من ابن عباس عن السؤال بهذه المسألة على الوجه المذكور "ثم تلا ابن عباس: وإذ أخذ الله ميثاق الذين اوتوا الكتاب" أي العهد عليهم في التوراة "لتبيننه" أي الكتاب للناس ولا تكتمونه فنبذوه أي طرحوا الميثاق وراء ظهورهم فلم يعملوا به واشتروا به أخذوا بدله ثمناً قليلاً من الدنيا من سفلتهم برياستهم في العلم فكتموه خوف فوته عليهم "فبئس ما تشترون" شراءهم هذا. وفي تلاوة ابن عباس هذه الآية التي قبلها وأن الله ذمهم بكتمان العلم الذي أمرهم أن لا يكتموه وتوعدهم بالعذاب على ذلك "بما أتو" بفتح الهمزة والفوقية أي بما جاءوا يعني بالذي فعلوه "ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا" أي ويحبون أن يحمدهم الناس على شيء لم يفعلوه "سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه وأخبروه بغيره" قال الحافظ: الشيء الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عنه اليهود لم أره مفسراً، وقد قيل إنه سألهم عن صفته عندهم بأمر واضح فأخبروا عنه بأمر مجمل. وروى عبد الرزاق من طريق سعيد بن جبير في قوله "لنبيننه للناس ولا تكتمونه" قال محمد وفي قوله يفرحون بما أتوا قال بكتمانهم محمداً، وفي قوله: أن يحمدوا بما لم يفعلوا. قال قولهم نحن على دين إبراهيم "وقد أروه" بفتح الهمزة والراء من الإراءة

(8/366)


عَنْهُ فَاسْتَحْمَدُوا بِذَلِكَ إِلَيْهِ وفَرِحُوا بِمَا أُوتُوا مِنْ كِتَابِهِمْ، وَمَا سَأَلَهُمْ عَنْهُ". هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ صحيحٌ.
ـــــــ
والضمير المنصوب للنبي صلى الله عليه وسلم "واستحمدوا" بفتح الفوقية مبيناً الفاعل أي طلبوا أن يحمدهم قال في الأساس: استحمد الله إلى خلقه بإحسانه إليهم وإنعامه عليهم قاله القسطلاني. وقال العيني: واستحمدوا على صيغة المجهول من استحمد فلان عند فلان أي صار محموداً عنده والسين فيه للصيرورة انتهى "بما أوتوا من كتابهم" بصيغة المجهول من الإتيان أي أعطوا، وفي رواية أحمد بما أتوا من كتمانهم ما سألهم عنه، وفي رواية البخاري بما أتوا من كتمانهم. قال الحافظ قوله بما أتوا كذا للأكثر بالقصر بمعنى جاءوا أي بالذي فعلوه، وللحموي بما أوتوا بضم الهمزة بعدها واو أي أعطوا أي من العلم الذي كتموه كما قال تعالى: {فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ} والأول أولى لموافقته التلاوة المشهورة انتهى "وما سألهم عنه" عطف على ما أوتوا والضمير المرفوع في سأل يرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم والضمير المجرور في قوله عنه إلى ما.
تنبيه: قد ورد في سبب نزول هذه الآية حديثان صحيحان أحدهما حديث ابن عباس هذا والثاني ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري: أن رجالاً من المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو وتخلفوا عنه وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتذروا إليه وحلفوا وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا فنزلت {لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ} الآية. قال الحافظ: ويمكن الجمع بأن تكون الآية نزلت في الفريقين معاً، وبهذا أجاب القرطبي وغيره.
قوله: "هذا حديث حسن غريب صحيح" وأخرجه أحمد والشيخان والنسائي.

(8/367)


وَمِنْ سُورةِ النّسَاء
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
5003- حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ أخبرنا يَحْيَى بنُ آدَمَ أخبرنا ابنُ عُيَيْنَةَ عن مُحَمّدِ بنِ المُنْكَدِرِ قالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بنَ عَبْدِ الله، يَقُولُ: "مَرِضْتُ فَأَتَانِي رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَعُودُنِي وَقَدْ أُغْمِيَ عَلَيّ، فَلَمّا أَفَقْتُ، قلت: كَيْفَ أَقْضِي فِي مَالِي؟ فَسَكَتَ عنّي حتّى نَزَلَتْ {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} " .
ـــــــ
وَمِنْ سُورةِ النّسَاء
هي مدنية ومائة وخمس أو ست أو سبع وسبعون آية
قوله: "يقول مرضت فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني" تقدم هذا الحديث في الفرائض وتقدم هناك شرحه حتى نزلت {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} كذا وقع في رواية الترمذي هذه، أعني من طريق يحيى بن آدم عن طريق ابن عيينة عن محمد بن المنكدر وكذا وقع في رواية البخاري عن طريق هشام عن ابن جريج عن ابن منكدر.
قال الحافظ في الفتح: قوله فنزلت {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} ، هكذا وقع في رواية ابن جريج وقيل إنه وهم في ذلك وأن الصواب أن الآية التي نزلت في قصة جابر هذه الآية الأخيرة من النساء وهي {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ} لأن جابراً يومئذ لم يكن له ولد ولا والد والكلالة من لا ولد له ولا والد، وقد أخرجه مسلم عن عمرو الناقد والنسائي عن محمد بن منصور كلاهما عن ابن عيينة عن ابن المنكدر فقال في هذا الحديث حتى نزلت عليه آية الميراث {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ} ولمسلم أيضاً من طريق شعبة عن ابن المنكدر قال في آخر هذا الحديث فنزلت آية الميراث فقلت لمحمد بن المنكدر {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ} قال هكذا أنزلت، وقد أطال الحافظ الكلام ههنا في الفتح فعليك أن تراجعه. وقد ذكر الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية حديث

(8/368)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَقَدْ روى غَيْرُ وَاحِدٍ عن مُحمّدِ بنِ المُنْكَدِرِ.
5004- حدثنا الفَضْلُ بنُ الصَبّاحِ الْبَغْدَادِيّ أخبرنا سُفْيَانُ بنُ عَيُيْنَةَ عن مُحَمّدِ بنِ المُنْكَدِرِ عن جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ. وَفِي حَدِيثِ الفَضْلِ بنِ الصَبّاحِ كَلاَمٌ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا.
5005- حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدِ أخبرنا حَبّانُ بنُ هِلاَلٍ أخبرنا هَمّامُ بنُ يَحْيى أخبرنا قَتَادَةُ عن أبي الْخَلِيلِ عن أَبي عَلْقَمَةَ الْهَاشِمِيّ عن أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيّ قالَ: "لَمّا كَانَ يَوْمُ أَوْطَاسَ أَصَبْنَا نِسَاءً لَهُنّ أَزْوَاجٌ فِي المُشْرِكِينَ فَكَرِهَهُنّ رِجَالٌ مِنْهُمْ فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى {الْمُحْصَنَاتِ
ـــــــ
جابر المذكور عن صحيح البخاري من طريق هشام عن ابن جريج عن ابن المنكدر ثم ذكر حديث جابر من طريق عبيد الله بن عمرو الرقي عن عبد الله بن محمد بن عقيل عنه قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك في يوم أحد شهيداً الحديث أخرجه الترمذي وغيره ثم قال: والظاهر أن حديث جابر الأول إنما نزل بسببه الآية الأخيرة من هذه السورة فإنه إنما كان له إذ ذاك أخوات ولم يكن له بنات وإنما كان يورث كلالة ولكن ذكرنا الحديث ههنا تبعاً للبخاري فإنه ذكر ههنا، والحديث الثاني عن جابر أشبه بنزول هذه الآية انتهى.
قوله: "وفي حديث الفضل بن صباح كلام أكثر من هذا" أي حديث الفضل بن صباح أطول من حديث يحيى بن آدم المذكور، وحديث الفضل بن صباح هذا تقدم في باب ميراث الأخوات.
قوله: "أخبرنا قتادة" بن دعامة "عن أبي علقمة الهاشمي" الفارسي المصري مولى بني هاشم ويقال حليف الأنصار ثقة، وكان قاضي إفريقية من كبار الثالثة.
قوله: "لما كان يوم أوطاس" اسم موضع أو بقعة في الطائف يصرف ولا يصرف "لهن أزواج في المشركين" صفة لنساء "فكرههن" أي كره

(8/369)


مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} . هذا حديثٌ حسنٌ.
ـــــــ
وطئهن من أجل أنهن مزوجات والمزوجة لا تحل لغير زوجها "منهم" أي من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وفي بعض النسخ منا وهو الظاهر. وروى مسلم هذا الحديث بلفظ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين بعث جيشاً إلى أوطاس فلقوا عدواً فقاتلوهم فظهروا عليهم وأصابوا لهم سبايا، فكأن ناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين فأنزل الله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ} بفتح الصاد باتفاق القراء وهو معطوف على أمهاتكم، أي وحرمت عليكم المحصنات، أي ذوات الأزواج لأنهن أحصن فروجهن بالتزويج {إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} أي أيمانكم: أي ما أخذتم من نساء الكفار بالسبي وزوجها في دار الحرب لوقوع الفرقة بتباين الدارين فتحل للغانم بملك اليمين بعد الاستبراء.
قال النووي: اعلم أن مذهب الشافعي ومن قال بقوله من العلماء أن المسبية من عبدة الأوثان وغيرهم من الكفار الذين لا كتاب لهم لا يحل وطؤها بملك اليمين حتى تسلم، فما دامت على دينها فهي محرمة، وهؤلاء المسبيات كن من مشركي العرب عبدة الأوثان، فيتأول هذا الحديث وشبهه على أنهن أسلمن، وهذا التأويل لا بد منه انتهى. وقال الشوكاني في النيل في باب استبراء الأمة إذا ملكت ما لفظه: ظاهر أحاديث الباب أنه لا يشترط في جواز وطء المسبية الإسلام ولو كان شرط البينة صلى الله عليه وسلم ولم يبينه، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة وذلك وقتها، ولا سيما وفي المسلمين في يوم حنين وغيره من هو حديث عهد بالإسلام يخفى عليهم مثل هذا الحكم، وتجويز حصول الإسلام من جميع السبايا وهن في غاية الكثرة بعيد جداً فإن إسلام مثل عدد المسبيات في أوطاس دفعة واحدة من غير إكراه لا يقول بأنه يصح تجويزه عاقل. ومن أعظم المؤيدات لبقاء المسبيات على دينهن ما ثبت من رده صلى الله عليه وسلم لهن بعد أن جاء إليه جماعة من هوازن وسألوه أن يرد إليهم ما أخذ عليهم منهم من الغنيمة فرد إليهم السبي فقط، وقد ذهب إلى جواز وطء المسبيات الكافرات بعد الاستبراء المشروع جماعة منهم طاوس وهو الظاهر لما سلف انتهى.
"هذا حديث حسن" وأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه.

(8/370)


النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال فِي الكَبَائِرِ: "الشّرْكُ بالله وَعُقُوقُ الْوَالِدِيْنِ وَقَتْلُ النّفْسِ وَقَوْلُ الزّورِ" .
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ صحيحٌ. وَرَوَاهُ رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ عن شُعْبَةَ وَقالَ عن عَبْدِ الله بنِ أبي بَكْرٍ وَلاَ يَصِحّ.
5008- حدثنا حُمَيْدُ بنُ مَسْعَدَةَ بصري أخبرنا بِشْرُ بنُ المُفَضّلِ أخبرنا الْجُرَيْرِيّ عن عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ أَبي بَكْرَةَ عن أبِيهِ قالَ: قالَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أَلاَ أُحَدّثُكُمْ بأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟" قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ الله قالَ: "الاْشْرَاكُ بالله وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ،" قالَ: وَجَلَسَ وَكَانَ مُتكئِاً قالَ: "وَشَهَادَةُ الزّوْرِ أَوْ قال قَوْلُ الزّورِ،" قالَ فَمَا زَالَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُهَا حَتّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ". هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.
ـــــــ
قوله: "وعقوق الوالدين" أي قطع صلتهما، مأخوذ من العق وهو الشق والقطع، والمراد عقوق أحدهما. قيل هو إيذاء لا يتحمل مثله من الولد عادة، وقيل عقوقهما مخالفة أمرهما فيما لم يكن معصية، وفي معناهما الأجداد والجدات "وقتل النفس" أي بغير حق "وقول الزور" ، وفي رواية الشيخين وشهادة الزور، والمراد من الزور الكذب، وسمى زوراً لميلانه عن جهة الحق.
قوله: "هذا حديث حسن غريب صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله: "وقال عن عبد الله بن أبي بكر" أي بالتكبير "ولا يصح" بل الصحيح عبيد الله بن أبي بكر بالتصغير. قال في تهذيب التهذيب: عبيد الله بن أبي بكر عن أنس بن مالك أبو معاذ الأنصاري، روى عن جده، وقيل عن أبيه عن جده وعنه شعبة وغيره. قال أحمد وابن معين وأبو داود والنسائي ثقة.
قوله: "ألا أحدثكم بأكبر الكبائر الخ" تقدم هذا الحديث بإسناده ومتنه في باب عقوق الوالدين من أبواب البر والصلة وفي الشهادات.

(8/372)


5009- حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ أخبرنا يُونُسُ بنُ مُحمّدٍ أخبرنا اللَيْثُ بنُ سَعْدٍ عن هِشَامِ بنِ سَعْدٍ عن مُحَمّدِ بنِ زَيْدِ بنِ مُهَاجِرِ بنِ قُنْفُذٍ التّيْمِيّ عن أبي أُمَامَةَ الأَنْصَارِيّ عن عَبْدِ الله بنِ أُنَيْسٍ الْجُهَنِيّ قالَ: قالَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ مِنْ أْكْبَرِ الكَبَائِرِ الشّرْكُ بالله وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَالْيمِينُ الغَمُوسُ، وَمَا حَلَفَ حَالِفٌ بالله يَمِينَ صَبْرٍ،
ـــــــ
قوله: "عن محمد بن زيد بن مهاجر بن قنفذ" بضم القاف والفاء بينهما نون ساكنة المدني، ثقة من الخامسة "عن أبي أمامة الأنصاري" البكري حليف بني حارثة اسمه إياس، وقيل عبد الله بن ثعلبة، وقيل ثعلبة بن عبد الله بن سهل صحابي له أحاديث "عن عبد الله بن أنيس" بالتصغير الأنصاري المدني كنيته أبو يحيى حليف الأنصار صحابي.
قوله: "إن من أكبر الكبائر الشرك بالله" أي الإشراك به، فنفي الصانع أولى أو المراد به مطلق الكفر، إلا أنه عبر عنه به لأنه الغالب في الكفرة، ومن زائدة على مذهب من يجوزه في الإثبات كالأخفش أو دخول من باعتبار مجموع المعطوف والمعطوف عليه وإلا فالشرك هو أكبر الكبائر لا من جملته "واليمين الغموس" قال في النهاية: هو اليمين الكاذبة الفاجرة كالتي يقتطع بها الحالف مال غيره، سميت غموساً لأنها تغمس صاحبها في الإثم ثم في النار، وفعول للمبالغة "وما حلف حالف بالله يمين صبر" في النهاية: الحلف هو اليمين فخالف بين اللفظين تأكيداً. قال النووي: يمين صبر بالإضافة، أي ألزم بها وحبس عليها، وكانت لازمة لصاحبها من جهة الحكم، وقيل لها مصبورة وإن كان صاحبها في الحقيقة هو المصبور لأنه إنما صبر من أجلها، أي حبس فوصفت بالصبر وأضيفت إليه مجازاً انتهى. وتوضيحه ما قاله ابن الملك، الصبر الحبس والمراد بيمين الصبر أن يحبس السلطان الرجل حتى يحلف بها، وهي لازمة لصاحبها من جهة الحكم. وقيل يمين الصبر هي التي يكون فيها متعمداً للكذب قاصداً لإذهاب مال المسلم كأنه يصبر النفس على تلك اليمين، أي يحبسها عليها، كذا في المرقاة. وقال في

(8/373)


فَأَدْخَلَ فِيهَا مِثْلَ جَنَاحِ بَعُوْضَةٍ إلاّ جُعِلَتْ نُكْتَةً فِي قَلْبِهِ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" . هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ وَأَبُو أُمَامَةَ الأنْصَارِيّ هُوَ ابنُ ثَعْلَبَةَ وَلاَ نَعْرِفُ اسْمَهُ وَقَدْ رَوَى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أَحَادِيثَ.
5010- حدثنا مُحَمّدُ بنُ بَشّارٍ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ جَعْفَرٍ أخبرنا شُعْبَةُ عن فِرَاسٍ عن الشّعْبِيّ عن عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "الكَبَائِرُ الإشْرَاكُ بالله وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ أوْ قالَ اليَمِينُ الغَمُوسُ" شَكّ شُعْبَةُ.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
المجمع: يمين صبر بالإضافة أي ألزم بها، وحبس لها شرعاً ولو حلف بغير إحلاف لم يكن صبراً "فأدخل" أي الحالف "فيها" أي في تلك اليمين "مثل جناح بعوضة" بفتح الجيم أي ريشها. والمراد أقل قليل. والمعنى شيئاً يسيراً من الكذب والخيانة، ومما يخالف ظاهره باطنه لأن اليمين على نية المستحلف "إلا جعلت " أي تلك اليمين "نكتة" أي سوداء، أي أثراً قليلاً كالنقطة تشبه الوسخ في نحر المرأة والسيف "إلى يوم القيامة" .
قال الطيبي: معنى الانتهاء أن أثر تلك النكتة التي هي من الرين يبقى أثرها إلى يوم القيامة، ثم بعد ذلك يترتب عليها وبالها والعقاب عليها، فكيف إذا كان كذباً محضاً.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد والحاكم وابن أبي حاتم.
قوله: "عن فراس" بكسر الفاء وبالراء هو ابن يحيى الهمداني.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والبخاري والنسائي.
تنبيه: اعلم أن هذه الأحاديث الأربعة أعني أحاديث أنس وأبي بكرة وعبد الله بن أنيس وعبد الله بن عمرو ذكرها الترمذي في تفسير قوله تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً} وقد

(8/374)


5011- حدثنا ابنُ أبي عُمَرَ أخبرنا سُفْيَانُ عن ابنِ أبي نَجِيحٍ عن مُجَاهِدٍ عن أُمّ سَلَمَةَ أنّهَا قَالَتْ: "يَغْزُو الرّجَالُ، وَلاَ تَغْزُو النّسَاءُ، وَإِنّمَا لَنَا نِصْفُ المِيرَاثِ، فَأَنْزَلَ الله تَبَارَكَ وَتَعَالى {وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ
ـــــــ
أطال الحافظ ابن كثير الكلام في تفسير هذا القول. فذكر أحاديث كثيرة تتعلق به ثم ذكر أقوال الصحابة والتابعين في ذلك ثم قال: وقد اختلف علماء الأصول والفروع في حد الكبيرة، فمن قائل هي ما عليه حد في الشرع، ومنهم من قال هي ما عليه وعيد مخصوص من الكتاب والسنة، وقيل غير ذلك: قال أبو القاسم عبد الكريم ابن محمد الرافعي في كتابه الشرح الكبير الشهير في كتاب الشهادات منه: ثم اختلف الصحابة رضي الله تعالى عنهم فمن بعدهم في الكبائر، وفي الفرق بينها وبين الصغائر ولبعض الأصحاب في تفسير الكبيرة وجوه، أحدها: أنها المعصية الموجبة للحد، والثاني أنها المعصية التي يلحق صاحبها الوعيد الشديد بنص كتاب أو سنة وهذا أكثر ما يوجد لهم، وإلى الأول أميل لكن الثاني أوفق لما ذكروه عند تفسير الكبائر، والثالث قال إمام الحرمين في الإرشاد وغيره، كل جريمة تنبئ بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة فهي مبطلة للعدالة، والرابع ذكر القاضي أبو سعيد الهروي: أن الكبيرة كل فعل نص الكتاب على تحريمه، وكل معصية توجب في جنسها حداً من قتل أو غيره وترك كل فريضة مأمور بها على الفور، والكذب والشهادة والرواية واليمين، هذا ما ذكروه على سبيل الضبط، ثم ذكر في تفصيل الكبائر أقوال بعض أهل العلم.
قال الحافظ ابن كثير: وقدصنف الناس في الكبائر مصنفات، منها ما جمعه شيخنا أبو عبد الله الذهبي بلغ نحواً من سبعين كبيرة. وإذا قيل إن الكبيرة ما توعد عليها الشارع بالنار بخصوصها كما قال ابن عباس وغيره، ولا يتبع ذلك اجتمع منه شيئ كثير، وإذا قيل كل ما نهى الله عنه فكثير جداً انتهى. وقد تقدم شيئ من في حد الكبيرة في باب عقوق الوالدين.
قوله: "يغزو الرجال ولا تغزو النساء"، وفي رواية أحمد في مسنده يا رسول الله يغزو الرجال ولا تغزو النساء فأنزل الله تبارك وتعالى {وَلا تَتَمَنَّوْا

(8/375)


بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} قَالَ مُجَاهِدٌ: فَأنْزَلَ فِيهَا {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} وَكَانَتْ أُمّ سَلَمَةَ أوّلَ ظَعِيْنَةٍ قَدِمَتْ المَدِينَةَ مُهَاجِرَةً".
ـــــــ
مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} من جهة الدنيا أو الدين لئلا يؤدي إلى التحاسد والتباغض.
قال الحافظ ابن كثير: قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية قال: ولا يتمنى الرجل فيقول، لو أن لي مال فلان وأهله فنهى الله عن ذلك، ولكن يسأل الله من فضله. وقال الحسن ومحمد بن سيرين وعطاء والضحاك نحو هذا وهو الظاهر من الآية، ولا يرد على هذا ما ثبت في الصحيح "لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق فيقول رجل لو أن لي مثل ما لفلان لعملت مثله فهما في الأجر سواء"، فإن هذا شيء غير ما نهت عنه الآية، وذلك أن الحديث حض على تمني مثل نعمة هذا والاَية نهت عن تمني عين نعمة هذا، يقول: ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض، أي في الأمور الدنيوية وكذا الدينية.
قوله: "قال مجاهد" هذا موصول بالسند المتقدم "وأنزل فيها" أي في أم سلمة "إن المسلمين والمسلمات" تمام الآية {وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} ورواية مجاهد هذه مختصرة. وفي رواية النسائي من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أم سلمة أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم يا نبي الله ما لي أسمع الرجال يذكرون في القرآن والنساء لا يذكرون فأنزل الله تعالى {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} "أول ظعينة" قيل المرأة ظعينة لأنها تظعن مع الزوج حيث ما ظعن، أو تحمل على الراحلة إذا ظعنت، وقيل هي المرأة في الهودج ثم قيل للمرأة وحدها والهودج وحده من ظعن ظعناً بالحركة والسكون إذا سار.

(8/376)


هذا حديثٌ مُرْسَل وَرَوَاهُ بَعْضُهمْ عن ابن أبي نَجِيحٍ عن مُجَاهِدٍ مُرْسلاً أنّ أُمّ سَلَمَةَ قَالَتْ كَذَا وَكَذَا.
5012- حدثنا ابنُ أبي عُمَرَ أخبرنا سُفْيَانُ عن عَمْرِو بنِ دِينَارٍ عن رَجُلٍ مِنْ وَلَدِ أُمّ سَلَمَةَ عن أم سلمة قَالَتْ: "يَا رَسُولَ الله لاَ أَسْمَعُ الله ذَكَرَ النّسَاءَ فِي الْهِجْرَةِ، فَأَنْزَلَ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى {أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} ".
ـــــــ
قوله: "هذا حديث مرسل" أي منقطع وأخرجه أحمد.
قوله: "عن رجل من ولد أم سلمة" اسم هذا الرجل سلمة. قال في تهذيب التهذيب: سلمة بن عبد الله بن عمر بن أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي، روى عن جدة أبيه أم سلمة عن جده عمر بن أبي سلمة وله صحبة، روى عنه عطاء بن أبي رباح فنسبه إلى جد أبيه، فقال عن سلمة بن أبي سلمة. وعنه عمرو بن دينار فنسبه إلى جده، فقال عن سلمة بن عمر بن أبي سلمة. وقد روى له الترمذي في التفسير حديثاً ولم يسمه أخرجه عن ابن أبي عمر عن سفيان عن عمرو بن دينار عن رجل من ولد أم سلمة عن أم سلمة أنها قالت لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء الحديث. وسماه الحاكم في المستدرك في هذا الحديث من طريق يعقوب ابن حميد بن كاسب عن سفيان بن عيينة عن عمرو عن سلمة بن عمر بن أبي سلمة عن أم سلمة، وتابعه قتيبة عن سفيان بن عيينة. وقال في التقريب في ترجمته: مقبول من الثالثة.
قوله: {أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ} يعني لا أحبط عملكم أيها المؤمنون بل أثيبكم عليه {مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى} يعني لا أضيع عمل عامل منكم ذكراً كان أو أنثى {بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} يعني في الدين والنصرة والموالاة، وقيل كلكم من آدم وحواء، وقيل من بمعنى الكاف أي بعضكم كبعض في الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية فهو كما يقال فلان مني يعني على خلقي وسيرتي، وقيل إن الرجال والنساء في الطاعة على شكل واحد كذا في تفسير الخازن. والحديث أخرجه أيضاً سعيد

(8/377)


5013- حدثنا هَنّادٌ أخبرنا أبُو الأحْوَصِ عن الأعْمَشِ عن إِبْرَاهِيمَ عن عَلْقَمَةَ قالَ: قالَ عَبْدُ الله: "أَمَرَنِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ أَقْرَأَ عَلَيْهِ وَهُوَ عَلَى المِنْبرِ، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ مِنْ سُورَةِ النّسَاءِ حَتّى إذَا بَلَغَتُ {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً} غَمَزَني رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِيَدِهِ فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَعَينَاهُ تَدْمَعَانِ". هَكَذَا رَوَى أبُو الأحْوَصِ عن الأعْمَشِ عن إِبْرَاهِيمَ عن عَلْقَمَة عن عَبْدِ الله. وَإِنّمَا هُوَ إِبْرَاهِيمُ عن عُبَيْدَةَ عن عَبْدِ الله.
ـــــــ
ابن منصور وابن جرير والحاكم في مستدركه ثم قال صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه. وقد روى ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أم سلمة قالت آخر آية نزلت هذه الآية {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} إلى آخرها رواه ابن مردويه.
قوله: "أخبرنا أبو الأحوص" اسمه سلام بن سليم الحنفي "قال عبد الله" هو ابن مسعود رضي الله عنه "وهو على المنبر" جملة حالية "فكيف" أي حال الكفار "إذا جئنا من كل أمة بشهيد" يشهد عليها بعملها وهو نبيها "وجئنا بك" يا محمد "على هؤلاء" أي أمتك "شهيداً" حال أي شاهداً على من آمن بالإيمان وعلى من كفر بالكفر وعلى من نافق بالنفاق. ووقع في رواية محمد بن فضالة الظفري أن ذلك كان وهو صلى الله عليه وسلم كان في بني ظفر أخرجه ابن أبي حاتم والطبراني وغيرهما من طريق يونس بن محمد بن فضالة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم في بني ظفر ومعه ابن مسعود وناس من أصحابه فأمر قارئاً فقرأ، فأتى على هذه الآية {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً} فبكى حتى ضرب لحياه ووجنتاه فقال يا رب هذا على من أنا بين ظهريه فكيف بمن لم أره. وأخرج ابن المبارك في الزهد من طريق سعيد بن المسيب قال ليس من يوم إلا يعرض على النبي صلى الله عليه وسلم أمته غدوة وعشية فيعرفهم بسيماهم وأعمالهم فلذلك يشهد عليهم ففي هذا المرسل ما يرفع الإشكال الذي

(8/378)


5014- حدثنا مَحْمُودُ بن غَيلاَنَ أخبرنا مُعاوِيَةُ بنُ هِشَامٍ أخبرنا سُفْيَانُ الثوري عن الأعْمَشِ عن إبْرَاهِيمَ عن عُبَيْد الله عن عَبْدِ الله قالَ: قالَ لي رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "اقْرَأْ عَلَيّ . فَقلت: يَا رَسُولَ الله اقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قالَ: "إِنّي أُحِبّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي، فَقَرَأْتُ سُورَةَ النّسَاءِ حَتّى إذا بَلَغْتُ {وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً} قالَ: فَرَأَيْتُ عَيْنَيْ النّبيّ صلى الله عليه وسلم تَهْمُلاَنِ".
ـــــــ
تضمنه حديث ابن فضالة كذا في الفتح "غمزني" الغمز العصر: والكبس باليد أي أشار باليد لأن يمتنع عن القراءة، وفي رواية الشيخين قال حسبك الآن "وعيناه تدمعان" وفي رواية الشيخين تذرفان أي تسيلان دمعاً. قال ابن بطال: إنما بكى صلى الله عليه وسلم عند تلاوته هذه الآية لأنه مثل لنفسه أهوال يوم القيامة وشدة الحال الداعية له إلى شهادته لأمته بالتصديق وسؤاله الشفاعة لأهل الموقف وهو أمر يحق له طول البكاء انتهى.
قال الحافظ: والذي يظهر أنه بكى رحمة لأمته لأنه علم أنه لا بد أن يشهد عليهم بعملهم، وعملهم قد لا يكون مستقيماً فقد يفضي إلى تعذيبهم. قال الغزالي يستحب البكاء مع القراءة وعندها وطريق تحصيله أن يحضر قلبه الحزن والخوف بتأمل ما فيه من التهديد والوعيد الشديد والوثائق والعهود ثم ينظر تقصيره في ذلك فإن لم يحضره حزن فليبك على فقد ذلك وأنه من أعظم المصائب.
قوله: "عن عبيدة" بفتح أوله هو ابن عمرو السلماني المرادي.
قوله: "أقرأ عليك" أي أأقرأ عليك "إني أحب أن أسمعه من غيري" قال ابن بطال: يحتمل أن يكون أحب أن يسمعه من غيره ليكون عرض القرآن سنة، ويحتمل أن يكون لكي يتدبره ويتفهمه وذلك أن المستمع أقوى على التدبر ونفسه أخلى وأنشط لذلك من القارئ لاشتغاله بالقراءة وأحكامها، وهذا بخلاف قراءته هو صلى الله عليه وسلم على أبي بن كعب فإنه أراد أن يعلمه كيفية أداء القراءة وخرج نحو ذلك "تهملان" أي تدمعان وتفيضان. قال في القاموس:

(8/379)


هذا أَصَحّ مِنْ حَدِيثِ أبي الأحْوَصِ.
5015- حدثنا سُوَيْدُ بنُ نَصْرٍ، أخبرنا ابنُ المُبَارَكِ، عن سُفْيَانَ عن الأعْمَشِ نَحْوَ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بنِ هِشَامٍ.
5016- حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ أخبرنا عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ سَعْدٍ، عن أبي جَعْفَرٍ الرّازِيّ، عن عَطَاءِ بنِ السّائِبِ عن أبي عَبْدِ الرّحْمنِ السّلَميّ، عن عَلَيّ بنِ أبي طَالِبٍ قالَ: "صَنَعَ لَنَا عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ طَعَاماً فَدَعَانَا وَسَقَانَا مِنَ الْخَمْرِ، فَأَخَذَتْ الْخَمْرُ مِنّا وَحَضَرَتِ الصّلاَةُ، فَقَدّمُوني فَقَرَأْتُ: قُلْ يَا أَيّهَا الكَافِرُونَ لاَ أعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَنَحْنُ نَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ قال: فَأَنْزَلَ الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} . هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.
ـــــــ
هملت عينه تهمل وتهمل هملاً وهملاناً وهمولاً: فاضت.
قوله: "هذا أصح من حديث أبي الأحوص" أي حديث سفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله أصح من حديث أبي الأحوص عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله، لأن عبد الواحد وحفص بن غياث وغيرهما قد تابعوا سفيان في روايته عن الأعمش عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله عند الشيخين وغيرهما. وحديث عبد الله بن مسعود هذا أخرجه أيضاً الشيخان وأبو داود والنسائي.
قوله: "وسقانا من الخمر" أي قبل أن تحرم كما في رواية أبي داود "فأخذت الخمر منا" أي أخذت عقولنا {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ} أي لا تصلوا {وَأَنْتُمْ سُكَارَى} جمع سكران والجملة حالية {حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} بأن تصحوا.
قوله: "هذا حديث حسن غريب صحيح" وأخرجه أبو داود والنسائي. قال المنذري: وفي إسناده عطاء بن السائب لا يعرف إلا من حديثه وقد قال يحيى بن

(8/380)


5017- حدثنا قُتَيْبَةُ، أخبرنا اللّيْثُ بن سعد عن ابنِ شِهَابٍ عن عُرْوَةَ بنِ الزّبَيْرِ، أَنّهُ حَدّثَهُ أَنّ عَبْدَ الله بنَ الزّبَيْرِ حَدّثَهُ: "أَنّ رَجُلاً مِنَ الأنْصَارِ خَاصَمَ الزّبَيْرَ فِي شِرَاجِ الْحَرّةِ الّتِي يَسْقُونَ بِهَا النّخْلَ، فَقَالَ الأنْصَارِيّ سَرّحِ المَاءَ يَمُرّ، فَأَبَى عَلَيْهِ، فَاخْتَصَمُوا إلى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم للزّبَيْرِ: "اسْقِ يَا زُبَيْرُ وَأَرْسِلِ الْمَاءَ إلى جَارِكَ"، فَغَضِبَ الأنْصَارِيّ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ الله أَنْ كَانَ ابنَ عَمّتِكَ؟ فَتَغَيّرَ وَجْهُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ثمّ قالَ: "ياَ زُبَيْرُ اسْقِ وَاحْبِسِ الْمَاءَ حَتّى يَرْجِعَ إلى الْجُدُرِ،" فَقَالَ الزّبَيْرُ: والله إني لأحْسَبُ هَذِهِ الآية نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ}" الآية.
ـــــــ
معين: لا يحتج بحديثه، وفرق مرة بين حديثه القديم وحديثه الحديث ووافقه على التفرقة الإمام أحمد. وقال أبو بكر البزار: هذا الحديث لا نعلمه يروى عن علي رضي الله عنه متصل الإسناد إلا من حديث عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن يعني السلمي وإنما كان ذلك قبل أن يحرم الخمر فحرمت من أجل ذلك، هذا آخر كلامه. وقد اختلف في إسناده ومتنه، فأما الاختلاف في إسناده فرواه سفيان الثوري وأبو جعفر الرازي عن عطاء بن السائب فأرسلوه، وأما الاختلاف في متنه ففي كتاب أبي داود الترمذي ما قدمناه، وفي كتاب النسائي وأبي جعفر النحاس أن المصلي بهم عبد الرحمن بن عوف، وفي كتاب أبي بكر البزار: أمروا رجلاً فصلى بهم ولم يسمه، وفي حديث غيره فتقدم بعض القوم انتهى كلام المنذري.
قوله: "أن رجلاً من الأنصار خاصم الزبير الخ" تقدم هذا الحديث بإسناده ومتنه في باب الرجلين يكون أحدهما أسفل من الآخر في الماء من أبواب الأحكام وتقدم هناك شرحه.

(8/381)


5018- سَمِعْتُ مُحَمّداً يَقُولُ قَدْ رَوَى ابنُ وَهْبٍ هَذَا الْحَدِيثَ عن اللّيْثِ بنِ سَعْدٍ، وَيُونُسَ عن الزّهْرِيّ عن عُرْوَةَ عن عَبْدِ الله بنِ الزّبَيْرِ نَحْوَ هَذَا الْحَدِيثِ. وَرَوَى شُعَيْبُ بنُ أبي حَمْزَةَ عن الزّهْرِيّ عن عُرْوَةَ عن الزّبَيْرِ وَلَمْ يَذْكُرْ عن عَبْدِ الله بنِ الزّبَيْرِ.
5019- حدثنا مُحَمّدُ بنُ بَشّارٍ، أخبرنا مُحمّدُ بنُ جَعْفَرٍ، أخبرنا شُعْبَةُ عن عَدِيّ بنِ ثَابِتٍ، قالَ: سَمِعْتُ عبدَ الله بنَ يَزِيدَ يُحَدّثُ عن زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ أنّهُ قالَ فِي هَذِهِ الآية: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} قالَ: "رَجَعَ نَاسٌ مِنْ أصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ أُحُدٍ فَكَانَ النّاسُ فِيهِمْ فَرِيْقَيْنِ فَرِيقٌ مِنْهُمْ، يَقُولُ: اقْتُلْهُمْ، وَفَرِيقٌ يَقُولُ: لاَ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآية: {فَمَا لَكُمْ فِي المُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} فَقَالَ: إنّهَا طِيبَةٌ، وَقَالَ:
ـــــــ
قوله: "قال سمعت عبد الله بن يزيد" والخطمي، صحابي صغير.
قوله: "رجع ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد" يعني عبد الله بن أبي وأصحابه، وقد ورد ذلك صريحاً في رواية موسى بن عقبة في المغازي وأن عبد الله بن أبي كان وافق رأيه رأى النبي صلى الله عليه وسلم على الإقامة بالمدينة فلما أشار غيره بالخروج وأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم فخرج، قال عبد الله بن أبي لأصحابه: أطاعهم وعصاني علام نقتل أنفسنا فرجع بثلث الناس. قال ابن إسحاق في روايته فأتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام وهو والد جابر وكان خزرجياً كعبد الله بن أبي فناشدهم أن يرجعوا فأبوا، فقال أبعدكم الله "فكان الناس فيهم" أي في الحكم في من انصرف مع عبد الله بن أبي "فنزلت هذه الآية الخ" هذا هو الصحيح في سبب نزولها.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق زيد بن أسلم عن أبي سعيد بن معاذ قال: نزلت هذه الآية في الأنصار خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "من لي بمن يؤذيني، فذكر منازعة سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وأسيد بن خضير ومحمد بن مسلمة" فأنزل الله هذه الآية.

(8/382)


إنّهَا تَنْفِي الْخَبَثَ كَمَا تَنْفِي النّارُ خَبَثَ الْحَدِيدِ ".
ـــــــ
وفي سبب نزولها قول آخر أخرجه أحمد من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه أن قوماً أتوا المدينة فأسلموا فأصابهم الوباء فرجعوا فاستقبلهم ناس من الصحابة فأخبروهم، فقال بعضهم نافقوا، وقال بعضهم لا فنزلت.
وأخرجه ابن أبي حاتم من وجه آخر عن أبي سلمة مرسلاً، فإن كان محفوظاً احتمل أن تكون نزلت في الأمرين جميعاً كذا في الفتح قال الحافظ ابن جرير بعد ذكر عدة أقوال في سبب نزول هذه الآية ما لفظه: وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك قول من قال نزلت هذه الآية في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوم كانوا ارتدوا عن الإسلام بعد إسلامهم من أهل مكة، وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب لأن اختلاف أهل التأويل في ذلك إنما هو على أحد قولين: أحدهما: أنهم قوم كانوا من أهل مكة على ما قد ذكرنا الرواية عنهم، و الآخر: أنهم قوم كانوا من أهل المدينة. وفي قول الله تعالى ذكره {فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا} أوضح الدليل على أنهم كانوا من غير أهل المدينة، لأن الهجرة كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى داره ومدينته من سائر أرض الكفر، فأما من كان بالمدينة في دار الهجرة مقيماً من المنافقين وأهل الشرك فلم يكن عليه فرض هجرة لأنه في دار الهجرة كان وطنه ومقامه انتهى "إنها" أي المدينة "طيبة" هذا أحد أسماء المدينة، ويقال لها طابة أيضاً. روى مسلم من حديث جابر بن سمرة مرفوعاً: "إن الله سمى المدينة طابة" ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن شعبة عن سماك بلفظ: كانوا يسمون المدينة يثرب فسماها النبي صلى الله عليه وسلم طابة. وأخرجه أبو عوانة والطاب والطيب لغتان بمعنى واشتقاقهما من الشيء الطيب "إنها تنفي الخبث" بفتح الخاء المعجمة والموحدة بعدها مثلثة أي الوسخ "كما تنفي النار خبث الحديد" أي وسخه الذي تخرجه النار.
والمراد أنها لا تترك فيها من في قلبه دغل، بل تميزه عن القلوب الصادقة، وتخرجه كما يميز الحداد رديء الحديد من جيده.

(8/383)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
5020- حدثنا الْحَسَنُ بنُ مُحمّدٍ الزّعْفَرَانِيّ، أخبرنا شَبَابَةُ أخبرنا وَرْقَاءُ بنُ عُمَرَ، عن عَمْرِو بنِ دِينَارٍ، عن ابنِ عَبّاسٍ، عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "يَجِيءُ المَقْتُولُ بِالْقَاتِلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَاصِيَتُهُ وَرَأْسُهُ بِيَدِهِ وَأَوْدَاجُهُ تَشْخَبُ دَمَاً يَقُولُ: يَا رَبّ قَتَلَنِي هذا حَتّى يُدْنِيَهُ مِنَ العَرْشِ" ، قَالَ: فَذَكَرُوا لابنِ عَبّاسٍ التّوْبَةَ فَتَلاَ هَذِهِ الآية: {وَمَنْ
ـــــــ
قال الخازن: معنى الآية فما لكم يا معشر المؤمنين في المنافقين فئتين أي صرتم في أمرهم فرقتين، فرقة تذب عنهم وفرقة تباينهم وتعاديهم، فنهى الله الفرقة الذين يذبون عنهم وأمر المؤمنين جميعاً أن يكونوا على منهاج واحد في التباين لهم والتبرئ منهم والله أركسهم: يعني نكسهم في كفرهم وارتدادهم وردهم إلى أحكام الكفار بماكسبوا: أي بسبب ما اكتسبوا من أعمالهم الخبيثة، وقيل بما أظهروا من الارتداد بعد ما كانوا على النفاق.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله: "أخبرنا ورقاء بن عمر" اليشكري وأبو بشر الكوفي نزيل المدائن، صدوق في حديثه عن منصور، لين من السابعة.
قوله: "يجيء المقتول بالقاتل" الباء للتعدية أي يحضره ويأتي به "ناصيته" أي شعر مقدم رأس القاتل "ورأسه" أي بقيته "بيده" أي بيد المقتول، والجملة حال من الفاعل، ويحتمل من المفعول على بعد وقد اكتفى فيها بالضمير. قال الطيبي: ويجوز أن يكون استئنافاً على تقدير السؤال عن كيفية المجيء به "وأوداجه" في النهاية هي ما أحاط بالعنق من العروق التي يقطعها الذابح واحدها ودج بالتحريك، وقيل الودجان عرقان غليظان عن جانبي نقرة النحر، وقيل عبر عن المثنى بصيغة الجمع للأمن من الالتباس كقوله تعالى: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} "تشخب" بضم الخاء المعجمة وبفتحها، أي تسيل "دماً" تمييز محول عن الفاعل أي دمهما "يقول يا رب قتلني هذا" أي ويكرره "حتى يدنيه من العرش" من الإدناء: أي يقرب

(8/384)


وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} وقَالَ وَمَا نُسِخَتْ هَذِهِ الآية وَلاَ بُدّلَتْ وَأَنى لَهُ التّوْبَةُ".
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وَقَدْ رَوَى بَعَضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ عن عَمْرِو بنِ دِينَارٍ، عن ابنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ وَلَمْ يَرْفَعْهُ.
ـــــــ
المقتول القاتل من العرش وكأنه كناية عن استقصاء المقتول في طلب ثأره وعن المبالغة في إرضاء الله إياه بعدله "فذكروا لابن عباس التوبة" يعني قالوا له هل للقاتل توبة أم لا فتلا هذه الآية {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} تمام الآية: {خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} "قال" أي ابن عباس "ما نسخت" بصيغة مجهول وكذا ما بدلت "وأنى له التوبة" أي لا تقبل توبته.
قال النووي: هذا هو المشهور عن ابن عباس رضي الله عنهما، وروى عنه أن له توبة وجواز المغفرة له لقوله تعالى {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً} وهذه الرواية الثانية هي مذهب جميع أهل السنة والصحابة والتابعين ومن بعدهم. وما روي عن بعض السلف مما يخالف هذا محمول على التغليظ والتحذير من القتل، وليس في هذه الآية التي احتج بها ابن عباس تصريح بأنه يخلد "وإنما فيها أنه جزاؤه ولا يلزم منه أن يجازى انتهى.
وقال الحافظ ابن جرير: وأولى القول في ذلك بالصواب قول من قال معناه: ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه أن جزاءه جهنم خالداً فيها ولكنه يعفو ويتفضل على أهل الإيمان به وبرسوله فلا يجازيهم بالخلود فيها، ولكنه عز ذكره إما أن يعفو بفضله فلا يدخله النار، وإما أن يدخله إياها ثم يخرجه منها بفضل رحمته لما سلف من وعده عباده المؤمنين بقوله: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً} فإن ظن ظان أن القاتل إن وجب أن يكون داخلاً في هذه الآية فقد يجب أن يكون المشرك داخلاً فيها، لأن الشرك من الذنوب، فإن الله عز ذكره قد أخبر أنه غير غافر الشرك لأحد بقوله: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} والقتل دون الشرك انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه النسائي وابن ماجه.

(8/385)


5021- حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، أخبرنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ أبي رِزْمَةَ عن إِسْرَائِيلَ، عن سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابنِ عَبّاسٍ قالَ: "مَرّ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ عَلَى نَفَرٍ مِنْ أصْحَابِ رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم وَمَعَهُ غَنَمٌ لَهُ، فَسَلّمَ عَلَيْهِمْ، قَالُوا مَا سَلّمَ عَلَيْكُمْ إِلاّ لِيَتَعَوّذَ مِنْكُمْ، فَقَامُوا وَقَتَلُوهُ، وَأَخَذُوا غَنَمَهُ، فَأَتَوا بِهَا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً} ".
هذا حديثٌ حسنٌ. وفي البابِ عن أُسَامَةَ بن زَيْدٍ.
ـــــــ
قوله: "حدثنا عبد العزيز بن أبي رزمة" بكسر الراء وسكون الزاي.
قوله: "فسلم عليهم" وفي رواية البراء فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وفي بعض الروايات قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله السلام عليكم "ما سلم عليكم إلا ليتعوذ منكم" قال الجزري في النهاية في باب عوذ ومنه الحديث إنما قالها تعوذاً أي إنما أقر بالشهادة لاجئاً إليها ومعتصماً بها ليدفع عنه القتل وليس بمخلص في إسلامه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} يعني سافرتم إلى الجهاد {فَتَبَيَّنُوا} من البيان، يقال تبينت الأمر إذا تأملته قبل الإقدام عليه. وقرئ فتثبتوا من التثبت وهو خلاف العجلة. والمعنى فقفوا وتثبتوا حتى تعرفوا المؤمن من الكافر وتعرفوا حقيقة الأمر الذي تقدمون عليه {وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ} يعين التحية، يعني لا تقولوا لمن حياكم بهذه التحية إنه إنما قالها تعوذاً فتقدموا عليه بالسيف لتأخذوا ماله، ولكن كفوا عنه واقبلوا منه ما أظهره لكم {لَسْتَ مُؤْمِناً} يعني لست من أهل الإيمان فتقتلوه بذلك.
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه البخاري في التفسير ومسلم في آخر الكتاب وأبو داود في الحروف والنسائي في السير وفي التفسير.
قوله: "وفي الباب عن أسامة بن زيد" أخرجه أحمد.

(8/386)


5022- حدثنا مَحْمُودُ بنُ غَيْلاَنَ، أخبرنا وَكِيعٌ، أخبرنا سُفْيَانُ عن أبي إسْحَاقَ عن الَبَرَاءِ بنِ عَازِبٍ قالَ: "لَمّا نَزَلَتْ {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} الآية جَاءِ عَمْرُو بنُ أُمّ مَكْتُومٍ إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: وَكَانَ ضَرِيرَ البَصَرِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله مَا تَأْمُرُنِي إني ضَرِيرُ البَصَرِ، فَأَنْزَلَ الله تعالى هَذِهِ الآية {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} الآية، فَقَالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "إيتُوني بالكَتِفِ وَالدّوَاةِ أَوْ اللّوْحِ وَالدّوَاةِ" .
ـــــــ
قوله: "عن أبي إسحاق" هو السبيعي.
قوله: "جاء عمر بن أم مكتوم" هو المعروف بابن أم مكتوم الأعمى مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم. وفي رواية البخاري أنه كان خلف النبي صلى الله عليه وسلم، فيجمع بأن معنى قوله جاء أنه قام من مقامه خلف النبي صلى الله عليه وسلم حتى جاء مواجهة فخاطبه "وكان ضرير البصر" في القاموس، الضرير الذاهب البصر جمعه أضراء فأنزل هذه الآية {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} الاَية وفي البخاري فنزلت مكانها {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} قال ابن المنير: لم يقتصر الراوي في الحال الثاني على ذكر الكلمة الزائدة وهي غير أولي الضرر، فإن كان الوحي نزل بزيادة قوله غير أولي الضرر فقط، فكأنه رأى إعادة الآية من أولها حتى يتصل الاستثناء بالمستثنى منه، وإن كان الوحي نزل بإعادة الآية بالزيادة بعد أن نزل بدونها، فقد حكى الراوي صورة الحال. قال الحافظ: الأول أظهر فإن في رواية سهل بن سعد: فأنزل الله غير أولي الضرر، وأوضح من ذلك رواية خارجة بن زيد عن أبيه ففيها ثم سري عنه، فقال اقرأ، فقرأت عليه {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} فقال النبي صلى الله عليه وسلم غير أولي الضرر وفي حديث الفلتان بن عاصم في هذه القصة، قال فقال الأعمى: ما ذنبنا؟ فأنزل الله فقلنا له إنه يوحى إليه، فخاف أن ينزل في أمره شيء، فجعل يقول أتوب إلى الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم للكاتب: أكتب غير أولي الضرر، أخرجه البزار والطبراني وصححه ابن حبان "إيتوني بالكتف والدواة" الكتف بفتح الكاف

(8/387)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَيُقَالُ عَمْرُو بنُ أُمّ مَكْتُومٍ، وَيُقَالُ عَبْدُ الله بنُ أُمّ مَكْتُومٍ وَهُوَ عَبْدُ الله بنُ زَائِدَةَ وَأُمّ مَكْتُومٍ أُمّهُ.
5023- حدثنا الْحَسَنُ بنُ مُحمّدٍ الزّعْفَرَانِيّ، أخبرنا الْحَجّاجُ بنُ مُحمّدٍ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: أخْبَرَنِي عَبْدُ الكَرِيمِ، سَمِعَ مِقْسَماً مَوْلَى عَبْدِ الله بنِ الْحَارِثِ يُحَدّثُ، عن ابنِ عَبّاسٍ أنّهُ قَالَ: {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} - عن بَدْرٍ - وَالخَارِجُونَ إلى بَدْرٍ لَمّا نَزَلَتْ غَزْوَةُ بَدْرٍ قَالَ عَبْدُ الله بنُ جَحْشٍ وَابنُ أُمّ مَكْتُومٍ: إنّا
ـــــــ
وكسر التاء: وهو عظم عريض يكون في أصل كتف الحيوان من الناس والدواب كانوا يكتبون فيه لقلة القراطيس عندهم.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله: "ويقال عمرو بن أم مكتوم الخ" قال في التقريب: عمرو بن زائدة أو ابن قيس بن زائدة، ويقال زياد القرشي العامري ابن أم مكتوم الأعمى الصحابي المشهور قديم الإسلام، ويقال اسمه عبد الله، ويقال الحصين، كان النبي صلى الله عليه وسلم استخلفه على المدينة، مات في آخر خلافة عمر. وقال في تهذيب التهذيب: أسلم قديماً وهاجر قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة واستخلفه النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة ثلاث عشرة مرة، وشهد القادسية وقتل بها شهيداً، وكان معه اللواء يومئذ.
قوله: "أخبرني عبد الكريم" هو ابن مالك الجزري، بينه أبو نعيم في المستخرج من طريق يحيى بن سعيد الأموي عن ابن جريج قال حدثني عبد الكريم الجزري كذا في الفتح "سمع مقسماً مولى عبد الله بن الحارث" بكسر الميم، ويقال له مولى ابن عباس للزومه له.
قوله: "عن بدر والخارجون إلى بدر" هذا تفسير من ابن عباس رضي الله عنه، يعني أن المراد من قوله القاعدون، القاعدون عن غزوة بدر ومن قوله المجاهدون الخارجون إلى غزوة بدر ولكن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب "قال

(8/388)


أَعْمَيَانِ يَا رَسُولَ الله فَهَلْ لَنَا رُخْصَةٌ؟ فَنَزَلَتْ {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} و {فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ} {عَلَى القَاعِدِينَ دَرَجَةً} فَهُؤَلاَءِ القَاعِدُونَ غَيْرُ أُولِي الضّرَرِ {وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً} دَرَجَاتٍ مِنْهُ عَلَى القَاعِدِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولي الضّرَرِ".
ـــــــ
عبد الله بن جحش" قال العيني في شرح البخاري: قوله عبد الله بن جحش: قيل أبو أحمد بن جحش كما ذكره الطبري في روايته من طريق الحجاج نحو ما أخرجه الترمذي، وذلك لأن عبد الله بن جحش هو أخو أبي أحمد بن جحش واسم أبي أحمد عبد بدون إضافة وهو مشهور بكنيته، وأيضاً أن عبد الله بن جحش لم ينقل أن له عذراً إنما المعذور أخوه أبو أحمد بن جحش. وذكر الثعلبي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه ابن جحش وليس بالأسدي، وكان أعمى، وأنه جاء هو وابن أم مكتوم فذكرا رغبتهما في الجهاد مع ضررهما فنزلت غير أولي الضرر، فجعل لهما من الأجر ما للمجاهدين انتهى.
اعلم أن الحافظ قد نقل في الفتح حديث ابن عباس هذا عن الترمذي بتمامه من أوله إلى آخره ثم قال: هكذا أورده الترمذي سياقاً واحداً، ومن قوله درجة الخ، مدرج في الخبر من كلام ابن جريج بينه الطبري، فأخرج من طريق حجاج نحو ما أخرجه الترمذي إلى قوله درجة ووقع عنده، فقال عبد الله بن أم مكتوم وأبو أحمد بن جحش وهو الصواب في ابن جحش، فإن عبد الله أخوه، وأما هو فاسمه عبد بغير إضافة وهو مشهور بكنيته ثم أخرجه بالسند المذكور عن ابن جريج قال {وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً دَرَجَاتٍ مِنْهُ} درجات منه قال علي: القاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر. وحاصل تفسير ابن جريج أن المفضل عليه غير أولى الضرر، أما أولو الضرر فملحقون في الفضل بأهل الجهاد إذا صدقت نياتهم كما تقدم في المغازي من حديث أنس: "إن بالمدينة لأقواماً ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم حبسهم العذر".
ويحتمل أن يكون المراد بقوله: {فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ} {عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً} أي من أولي الضرر وغيرهم. وقوله: {وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً

(8/389)


هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ من حَدِيثِ ابنِ عَبّاسٍ. وَمِقْسَمٌ يُقَالُ هو مَوْلَى عَبْدِ الله بنِ الْحَارِثِ ويُقَالُ هو مَوْلَى عَبْدِ الله بنِ عَبّاسٍ وَمِقْسَمٌ يُكْنَى أَبَا القَاسِمِ.
5024- حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، حدثني يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ بنِ سَعْدٍ عن أبيه عن صَالِحِ بنِ كَيْسَانَ، عن ابنِ شِهَابٍ: حدثني سَهْلُ بنُ سَعْدٍ
ـــــــ
عَظِيماً دَرَجَاتٍ مِنْهُ} أي على القاعدين من غير أولي الضرر، ولا ينافي ذلك الحديث المذكور عن أنس ولا ما دلت عليه الآية من استواء أولي الضرر مع المجاهدين لأنها استثنت أولي الضرر من عدم الاستواء فأفهمت إدخالهم في الاستواء إذا لا اسطة بين الاستواء وعدمه، لأن المراد منه استواؤهم في أصل الثواب لا في المضاعفة لأنها تتعلق بالفعل انتهى كلام الحافظ. وفي تفسير الجلالين لا يستوي القاعدون من المؤمنين عن الجهاد غير أولي الضرر بالرفع صفة والنصب استثناء من زمانة أو عمى ونحوه، والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين لضرر، درجة فضيلة لاستوائهما في النية وزيادة المجاهد بالمباشرة وكلاً من الفريقين وعدالله الحسنى الجنة، وفضل الله المجاهدين على القاعدين لغير ضرر أجراً عظيماً ويبدل منه درجات منه منازل بعضها فوق بعض من الكرامة ومغفرة ورحمة منصوبتان بفعلهما المقدر وكان الله غفوراً لأوليائه رحيماً بأهل طاعته انتهى. قال في الكمالين: فعلى هذا قوله تعالى {وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً} الخ فيمن قعد بغير عذر والذي قبله فيمن قعد بعذر، والأكثرون على أن القولين كليهما فيمن قعد بغير عذر وإنما كرر وأوجب في الأول درجة، وفي الثاني درجات، لأن المراد بالدرجة الظفر والغنيمة والذكر الجميل في الدنيا، وبالدرجات ثواب الآخرة. بينت بالإفراد في الأول والجمع في الثاني لأن ثواب الدنيا في جنب ثواب الآخرة يسير انتهى ملخصاً.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه البخاري في صحيحه إلى قوله والخارجون إلى بدر.
قوله: "عن صالح بن كيسان" المدني أبو محمد، أو أبو الحارث مؤدب ولد

(8/390)


السّاعِدِيّ قَالَ: "رَأَيْتُ مَرْوَانَ بنَ الحَكَمِ جَالِساً فِي المَسْجِدِ فَأَقْبَلتُ حتّى جَلَسْتُ إلى جَنْبِهِ، فَأَخْبَرَنَا أنّ زَيْدَ بنَ ثَابِتٍ أخبَرَهُ أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمْلَى عَلَيْهِ {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} {وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} ، قالَ: فَجاءَهُ ابنُ أُمّ مَكْتُومٍ، وَهُوَ يُمِلّهَا عَلَيّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، وَالله لَوْ أَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ لَجَاهَدْتُ، وَكَانَ رَجُلاً أَعْمَى، فَأَنْزَلَ الله عَلَى رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم - وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي - فَثَقُلَتْ حَتّى هَمّتْ تَرُضّ فَخِذِي، ثُمّ سُرّي عَنْهُ فَأَنْزَلَ الله عَلَيْهِ {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} ".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. هكذا روى غير واحد عن الزهري عن سهل بن سعد نحو هذا أو روى معمر عن الزهري هذا الحديث عن قبيصة بن رؤيب عن زيد بن ثابت. وَفِي الْحَدِيثِ رِوَايَةُ رَجُلٍ مِنْ أصحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن رَجُلٍ مِنَ التّابِعِينَ. رواه سَهْلُ بنُ سَعْدٍ الأنْصَارِيّ عن مَرْوانَ بنِالْحَكَمِ. وَمَرْوانُ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ مِنَ التّابِعِينَ.
ـــــــ
عمر بن عبد العزيز، ثقة ثبت فقيه من الرابعة "رأيت مروان بن الحكم" أي ابن أبي العاص أمير المدينة الذي صار بعد ذلك خليفة.
قوله: "أملي عليه" يقال أمليت الكتاب وأمللته: إذا ألقيته على الكاتب ليكتب "وهو يملها" بضم أوله وكسر الميم وتشديد اللام وهو مثل يمليها يملي ويملل بمعنى، ولعل الياء منقلبة من إحدى اللامين "والله لو أستطيع الجهاد" أي لو استطعته وعبر بالمضارع إشارة إلى الاستمرار واستحضاراً لصورة الحال "وفخذه على فخذي" الواو للحال "حتى همت" أي قربت "ترض فخذي" بصيغة المعلوم أي تدق فخذه صلى الله عليه وسلم فخذي، أو بصيغة المجهول أي تدق "ثم سري عنه" بالتخفيف والتشديد أي كشف وأزيل.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري.
قوله: "وفي هذا الحديث رواية رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم" هو سهل بن سعد رضي الله عنه "عن رجل من التابعين" هو مروان بن الحكم

(8/391)


5025- حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، أخبرنا عَبْدُ الرّازّاقِ، أخبرنا ابنُ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرّحمَنِ بنَ عَبْدِ الله بنِ أبي عَمّارٍ يُحَدّثُ عن عَبْدِ الله بنِ بَابَاه عن يَعْلَى بنِ أُمَيّةَ قالَ: "قُلْتُ لَعُمَرَ بن الخطاب إنّمَا قَالَ الله {أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ} وَقَدْ أَمِنَ النّاسُ، فَقَالَ عُمَرُ: عَجِبْتُ مِمّا عَجِبْتَ مِنْهُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: "صَدَقَةٌ تَصَدّقَ الله بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُو صَدَقَتَهُ" .
ـــــــ
"روى سهل بن سعد الأنصاري عن مروان بن الحكم" بيان لما قبله "ومروان لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم وهو من التابعين" قال الحافظ في الفتح بعد نقل كلام الترمذي هذا ما لفظه: لا يلزم من عدم السماع عدم الصحبة والأولى ما قال فيه البخاري لم ير صلى الله عليه وسلم. وقد ذكره ابن عبد البر في الصحابة لأنه ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم قبل عام أحد، وقيل عام الخندق، وثبت عن مروان أنه قال لما طلب الخلافة فذكروا له ابن عمر. فقال ليس ابن عمر بأفقه مني ولكنه أسن مني وكانت له صحبة. فهذا اعتراف منه بعدم صحبته وإنما لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان سماعه ممكناً لأن النبي صلى الله عليه وسلم نفى أباه إلى الطائف فلم يرده إلا عثمان لما استخلف.
قوله: "سمعت عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار" المكي حليف بني جمح الملقب بالقس بفتح القاف وتشديد السين المهملة، ثقة عابد من الثالثة، ولقب بالقس لعبادته "عن يعلى بن أمية" بن أبي عبيدة بن همام التميمي حليف قريش وهو يعلى بن منية بضم الميم وسكون النون بعدها تحتانية مفتوحة وهي أمة، صحابي مشهور، مات سنة بضع وأربعين "يحدث عن عبد الله بن باباه" بموحدتين بينهما ألف ساكنة.
قوله: "قلت لعمر" أي ابن الخطاب "إنما قال الله أن تقصروا" أي وإذا ضربتم في الأرض أي سافرتم فليس عليكم جناح أن تقصروا "وقد أمن الناس" أي وذهب الخوف فما وجه القصر "فقال صدقة" أي قصر الصلاة في السفر صدقة "تصدق الله" أي تفضل "بها عليكم" أي توسعة ورحمة "فاقبلوا صدقته"

(8/392)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
5026- حدثنا مَحمُودُ بنُ غَيْلاَنَ أخبرنا عَبْدُ الصّمَدِ بنُ عَبْدِ الْوَارِثِ أخبرنا سَعِيدُ بنُ عبد الْهُنَانيّ، أخبرنا عَبْدُ الله بنُ شَقِيقٍ: أخبرنا أبُو هُرَيْرَةَ "أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نَزَلَ بَيْنَ ضُجْنَانَ وَعُسْفَانَ، فَقَالَ المُشْرِكُونَ إنّ لِهَؤُلاَءِ صَلاَةً هِيَ أَحَبّ إِلَيْهِمْ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَبْنَائِهمْ، وَهِيَ العَصْرُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ فَمِيلُوا عَلَيْهمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَأَنّ جِبْرَيلَ أتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَأَمَرَهُ أنْ يَقْسِمَ أصْحَابَهُ شَطْرَيْنِ فَيُصَلّيَ بِهِمْ،
ـــــــ
أي سواء حصل الخوف أم لا. قال النووي: في هذا الحديث جواز القصر في غير الخوف، وفيه إن المفضول إذا رأى الفاضل يعمل شيئاً يشكل عليه دليله يسأله عنه انتهى. وقد استدل بقوله: فاقبلوا صدقته، من قال بوجوب قصر الصلاة في السفر وقد تقدم الكلام في هذه المسألة، في باب التقصير في السفر من أبواب الصلاة.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
قوله: "أخبرنا سعيد بن عبيد الهنائي" بضم الهاء وتخفيف النون، البصري لا بأس به من السادسة.
قوله: "نزل بين ضجنان" بالضاد المعجمة والجيم والنون. قال في النهاية هو موضع أو جبل بين مكة والمدينة "وعسفان" كعثمان موضع على مرحلتين من مكة كذا في القاموس. وقال في النهاية: هي قرية جامعة بين مكة والمدينة "فقال المشركون" أي بعضهم لبعض "إن لهؤلاء" أي للمسلمين "وهي العصر" لما وقع في تأكيد المحافظة على مراعاتها في قوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى} {فَأَجْمِعُوا} بفتح الهمزة وكسر الميم {أَمْرَكُمْ} أي أمر القتال، والمعنى فاعزموا عليه "فميلوا عليهم ميلة واحدة" أي فاحملوا عليهم حملة واحدة "وأن جبرئيل أتى النبي صلى الله عليه وسلم" قال الطيبي: حال من قوله

(8/393)


وَتَقُومَ طَائِفَةٌ أُخْرَى وَرَاءَهُمْ وَلْيَأخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ، ثُمّ يَأتي الآخرون وَيُصَلّونَ مَعَهُ رَكْعَةً وَاحِدَةً ثُمّ يَأْخُذُ هَؤلاَءِ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ فَتَكُونُ لَهُمْ رَكْعَة رَكْعَة وَلِرَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم رَكْعَتَانِ".
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الله بنِ شَقِيقٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ.
وفي البابِ عن عَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدِ بنِ ثَابِتٍ، وَابنِ عَبّاسٍ وَجَابِرٍ وَأَبي عَيّاشٍ الزّرَقِيّ وَابنِ عُمَرَ وَحُذَيْفَةَ وَأَبي بَكْرَةَ وَسَهْلِ بنِ أبي حَثْمَةَ. وَأَبُو عَيّاشِ الزّرَقِيّ اسْمُهُ زَيْدُ بنُ الصّامِتِ.
ـــــــ
فقال المشركون على نحو جاء زيد والشمس طالعة، فأمره أن يقسم أصحابه شطرين أي نصفين وفي رواية النسائي بصفين "فيصلي" بالنصب "بهم" وفي رواية النسائي فيصلي بطائفة منهم "وتقوم" بالنصب "طائفة أخرى وراءهم ليأخذوا حذرهم وأسلحتهم" وفي رواية النسائي: وطائفة مقبلون على عدوهم قد أخذوا حذرهم وأسلحتهم. قال الطيبي: أي ما فيه الحذر، وفي الكشاف: جعل الحذر وهو التحزر والتيقظ آلة يستعملها الغازي فلذلك جمع بينه وبي الأسلحة في الأخذ دلالة على التيقظ التام والحذر الكامل ومن ثم قدمه على أخذ الأسلحة "ثم يأتي الآخرون ويصلون معه ركعة واحدة" وفي رواية النسائي ثم يتأخر هؤلاء ويتقدم أولئك فيصلي بهم ركعة "ثم يأخذ هؤلاء" أي الطائفة الأولى "فتكون لهم ركعة ركعة" أي معه صلى الله عليه وسلم وتصلي كل طائفة منهما ركعة أخرى لأنفسهم لتكون لكل منهما ركعتان، وقال قوم: هو محمول على ظاهره وعدوه من خصائص صلاة الخوف.
قوله: "هذا حديث حسن غريب صحيح" وأخرجه النسائي.
قوله: "وفي الباب عن عبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت الخ" تقدم تخريج أحاديث هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم في باب صلاة الخوف.

(8/394)


5027- حدثنا الْحَسَنُ بنُ أَحْمَدَ بنِ أبي شُعَيْبٍ أبُو مُسْلِم الْحَرّانيّ، أخبرنا مُحَمّدُ بنُ سَلَمَةَ الْحَرّانيّ، أخبرنا مُحمّدُ بنُ إسْحَاقَ عن عَاصِمِ بنِ عُمَرَ ابنِ قَتَادَةَ عن أبِيهِ عن جَدّهِ قَتَادَةَ بنِ النّعْمَانِ، قالَ: "كَانَ أهْلُ بَيْتٍ مِنّا يُقَالَ لَهُمْ بَنُو أُبَيْرِقٍ بِشْرٌ وَبُشَيْرٍ وَمُبَشّرٌ، وَكَانَ بُشَيْرٌ رَجُلاً مِنَافِقَاً، يَقُولُ الشّعْرَ يَهْجُو بِهِ أصْحَابَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم ثُمّ يَنْحَلُهُ بَعْضَ العَرَبِ، ثُمّ يَقُولُ: قالَ فَلاَنٌ كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا سَمِعَ أصْحَابُ رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم ذَلِكَ الشّعْرَ، قالُوا: والله مَا يَقُولُ هَذَا الشّعْرَ إِلاّ هَذَا الْخَبِيثُ أوْ كَمَا قالَ الرّجُلُ وَقَالُوا: ابنُ الابَيْرِقِ قَالَهَا. قَالَ وَكَانُوا أهْلَ بَيْتِ حَاجَةٍ وَفَاقَةٍ فِي الْجَاهِلِيّةِ وَالإِسْلاَمِ، وَكَانَ النّاسُ إنّمَا طَعَامُهُمْ بِالمَدِينَةِ التّمْرُ وَالشّعِيرُ، وَكَانَ الرّجُلُ إذَا كَانَ لَهُ يَسَارٌ فَقَدِمَتْ ضَافِطَةٌ مِنَ الشّامِ مِنَ الدّرْمَكِ ابْتَاعَ الرجُلُ مِنْهَا فَخَصّ بِهَا نَفْسَهُ،
ـــــــ
قوله: "حدثنا الحسن بن أحمد بن أبي شعيب أبو مسلم الحراني"، بفتح حاء مهملة وشدة راء وبنون، نزيل بغداد ثقة يغرب من الحادية عشرة "أخبرنا محمد ابن سلمة" بن عبد الله الباهلي مولاهم، ثقة من الحادية عشرة "أخبرنا محمد بن إسحاق" هو صاحب المغازي "عن أبيه" أي عمر بن قتادة الظفري الأنصاري المدني، مقبول من الثالثة.
قوله: "يقال لهم بنو أبيرق" بضم الهمزة وفتح الموحدة مصغراً "ثم ينحله بعض العرب" أي ينسبه إليهم من النحلة وهي النسبة بالباطل كذا في النهاية. وقال في القاموس: نحله القول كمنعه نسبه إليه "قال فلان، كذا وكذا" وقعت هذه الجملة في بعض النسخ مكررة هكذا قال فلان وكذا وكذا، وقال فلان كذا وكذا "أو كما قال الرجل" أو للشك من الراوي، أي قال لفظ الخبيث. أو قال لفظ الرجل "وقال ابن الأبيرق قالها" أي هذه الأشعار "وكانوا" أي

(8/395)


وَأَمّا الْعِيَالُ فَإِنّمَا طَعَامُهُمْ التّمْرُ وَالشّعِيرُ، فَقَدِمَتْ ضَافِطَةٌ مِنَ الشّامِ فَابْتَاعَ عَمّي رِفَاعَةُ بنُ زَيْدِ حِمْلاً مِنَ الدّرْمَكِ فَجَعَلَهُ فِي مَشْرَبَةٍ لَهُ وَفِي المَشْرَبَةِ سِلاَحٌ، دِرْعٌ وَسَيْفٌ، فَعُدِيَ عَلَيْهِ مِنْ تَحْتِ الْبَيْتِ، فَنُقبَتْ المَشْرَبَةُ وَأُخِذَ الطّعَامُ وَالسّلاَحُ. فَلَمّا أَصْبَحَ أتَانِي عَمّي رِفَاعَةُ، فَقَالَ: يَا ابنَ أخي إنّهُ قَدْ عُدِيَ عَلَيْنَا فِي لَيْلَتِنَا هَذِهِ، فَنُقبَتْ مَشْرَبَتُنَا وَذُهِبَ بِطَعَامِنَا وَسِلاحِنَا، قَالَ: فَتَحَسّسْنَا فِي الدّارِ وَسَأَلْنَا فَقِيلَ لَنَا قَدْ رَأَيْنَا بَنِي أُبَيْرِقٍ اسْتَوْقَدُوا فِي هَذِهِ اللّيْلَةِ، وَلاَ نَرَى فِيمَا نَرَى إلاّ عَلَى بَعْضِ طَعَامِكُمْ، قالَ: وَكَانَ بَنُو أُبَيْرِقٍ، قالُوا - وَنَحْنُ نَسَأَلُ فِي الدّارِ - وَالله ما نُرَى صَاحِبكُمْ إلاّ لَبِيدَ بنَ سَهْلٍ "رَجُلٌ مِنّا، لَهُ صَلاَحٌ وَإِسْلاَمٌ" فَلَمّا سَمِعَ
ـــــــ
بنو أبيرق "إذا كان له يسار" أي غنى "فقدمت ضافطة من الشام" قال في النهاية: الضافط والضفاط: من يجلب الميرة والمتاع إلى المدن، والمكاري: الذي يكري الأحمال وكانوا يومئذ قوماً من الأنباط يحملون إلى المدينة الدقيق والزيت وغيرهما "من الدرمك" بوزن جعفر، هو الدقيق الحواري "فجعله" أي فوضعه "في مشربة" في القاموس: المشربة وقد تضم الراء: الغرفة والعلية "سلاح" بكسر السين وهو اسم جامع لاَلات الحرب والقتال يذكر ويؤنث "درع وسيف" بيان لسلاح "فعدي عليه" بصيغة المجهول أي سرق ماله وظلم، يقال عدى عليه: أي ظلمه "فنقبت" من التنقيب أو النقب "فتحسسنا" من التحسس بالحاء المهملة: قال في النهاية التجسس بالجيم: التفتيش عن بواطن الأمور، وأكثر ما يقال في الشر، وقيل التجسس بالجيم: أن يطلبه لغيره، وبالحاء: أن يطلبه لنفسه، وقيل بالجيم: البحث عن العورات، وبالحاء: الاستماع. وقيل معناهما واحد في تطلب معرفة الأخبار، وفي القاموس: التحسس الاستماع لحديث القوم وطلب خبرهم في الخير "في الدار" أي في المحلة "ونحن نسأل في الدار" جملة حالية "والله ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل" هذا مقول قالوا "رجل منا" أي هو رجل منا "له

(8/396)


لَبِيدٌ اخْتَرَطَ سَيْفَهُ، وَقَالَ: أنَا أَسْرِقُ؟ فَوَالله لَيُخَالِطَنّكُمْ هَذَا السّيْفُ أوْ لَتُبَيّنُنّ هَذِهِ السّرِقَةَ. قَالُوا: إلَيْكَ عَنّا أَيّهَا الرّجُلُ فَمَا أَنْتَ بِصَاحِبهَا فَسَأَلْنَا فِي الدّارِ حَتّى لَمْ نَشُكّ أنّهُمْ أصْحَابُهَا، فَقَالَ لِي عَمّي يَا ابْنَ أخِي لَوْ أتَيْتَ رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم فَذَكرْتَ ذَلِكَ لَهُ. قالَ قَتَادَةُ فَأَتَيْتُ رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ إنّ أهْلَ بَيْتِ مِنّا أهْلَ جَفَاءٍ عَمَدُوا إلى عَمّي رِفَاعَةَ بنِ زَيْدٍ فَنَقّبُوا مَشْرَبَةً لَهُ وَأَخَذُوا سِلاَحَهُ وَطَعَامَهُ فَلْيَرُدّوا عَلَيْنَا سِلاَحَنَا، فَأَمّا الطّعَامُ فَلاَ حَاجَةَ لَنَا فِيهِ، فَقَالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "سَآمُرُ فِي ذَلِكَ" فَلَمّا سَمِعَ بَنُو أُبَيْرِقٍ أَتَوْا رَجُلاً مِنْهُمْ، يُقَالُ لَهُ: أُسَيْرُ بنُ عُرْوَةَ فَكَلّمُوهُ فِي ذَلِكَ فَاجْتَمَعَ فِي ذَلِكَ نَاسٌ مِنْ أهْلِ الّدارِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله إنّ قَتَادَةَ بنَ النّعْمَانِ وَعَمّهُ عَمَدَا إلى أهْلِ بَيْتٍ مِنّا أهْلِ إِسْلاَمٍ وَصَلاَحٍ يَرْمُونَهُمْ بِالسّرِقَةِ مِنْ غَيْرِ بَيّنَةٍ، وَلاَ ثَبْتٍ. قَالَ قَتَادَةَ: فَأَتَيْتُ رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم فَكَلّمْتُهُ فَقَالَ: "عَمِدْتَ إلى أهْلِ بَيْتٍ ذُكِرَ مِنْهُمْ إِسْلاَمٌ وَصَلاَحٌ تَرْمِيِهمْ بِالسّرِقَةِ عَلَى غَيْرِ ثَبْتٍ وَبَيّنَةٍ". قَالَ فَرَجَعْتُ وَلَوَدِدْتُ أنّي خَرَجْتُ مِنَ بَعْضِ مَالِي وَلَمْ أُكَلّمْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فِي ذَلِكَ، فَأَتَانِي عَمّي رِفَاعَةُ، فَقَالَ: يَا ابنَ أخِي مَا صَنَعْتَ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ لِي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ الله المُسْتَعَانُ، فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ نَزَلَ القْرْآنُ: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ
ـــــــ
صلاح وإسلام" صفة لرجل "اخترط سيفه" أي استله "إليك عنا" أي تنح عنا "فما أنت بصاحبها" أي لست بصاحب السرقة "حتى لم نشك أنهم" أي بني أبيرق "أهل جفاء" بالنصب صفة لأهل بيت، والجفاء بالمد: ترك البر والصلة.

(8/397)


الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً} بَنِي أُبَيْرِقٍ {وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ} أي مِمّا قُلْتَ لِقَتَادَةَ {إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً. يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ} - إلى قَوْلِهِ {رَحِيماً} أيْ لَوْ اسْتَغْفَرُوا الله لَغَفَرَ لَهُمْ {وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ} إلى قَوْلِهِ {إِثْماً مُبِيناً} قَوْلَهُمْ لِلَبِيدٍ {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ} إلى قَوْلِهِ {فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} فَلَمّا نَزَلَ القُرآنُ أُتِيَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم بِالسّلاَحِ فَرَدّهُ إلى رِفَاعَةَ. فَقَالَ قَتَادَةُ: لَمّا أَتَيْتُ عَمّي بِالسّلاَحِ، وَكَانَ شَيْخاً قَدْ عَشَا أوْ عَسَا - الشّكّ مِنْ أبي عِيسَى - فِي الْجَاهِلِيّةِ، وَكُنْتُ أُرَى إسْلاَمَهُ مَدْخْولاً، فَلَمّا أتَيْتُهُ قَالَ يَا ابنَ أخِي هُوَ فِي سَبِيلِ الله، فَعَرَفْتُ أنّ إسْلاَمَهُ كَانَ صَحِيحاً، فَلَمّا نَزَلَ
ـــــــ
"ولا تكن للخائنين خصيماً بني أبيرق"، قوله بني أبيرق تفسير وبيان للخائنين "مما قلت لقتادة"، هذا تفسير وبيان لما أمر الله نبيه بالاستغفار منه "أي لو استغفروا الله لغفر لهم" هذا تفسير يتعلق بقوله تعالى في الآية، {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً} ، "قولهم للبيد" هذا تفسير لقوله تعالى في الآية، ثم يرم به بريئاً. "وكان شيخنا قد عشا أو عسا" هو بالسين المهملة، أي كبر وأسن من عسا القضيب إذا يبس وبالمعجمة أي قل بصره وضعف كذا في النهاية. وقال في القاموس: عسا الشيخ يعسو عسْواً وعُسواً وعسياً وعساء، وعسى عسًى كبر، والنبات عسا وعُسواً، غلظ ويبس، والعشاء مقصورة: سوء البصر بالليل والنهار كالعشاوة أو العمى عشى كرضي، ودعا عشاً "في الجاهلية" متعلق بعشا "وكنت أرى" بضم الهمزة أي أظن "مدخولاً".
قال في النهاية: الدخل بالتحريك: العيب والغش والفساد، يعني أن إيمانه كان

(8/398)


القُرْآنُ لَحِقَ بُشَيْرٌ بِالمُشْرِكِينَ، فَنَزَل عَلَى سُلاَفَةَ بِنْتِ سَعْدِ بنِ سُمَيّةَ، فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً} فَلَمّا نَزَلَ عَلَى سُلاَفَةَ رَمَاهَا حَسّانُ بنُ ثَابِتٍ بأَبْيَاتٍ مِنْ شَعْره، فَأَخَذْتُ رَحْلَهُ فَوَضَعْتُهُ عَلَى رَأْسِهَا، ثُمّ خَرَجَتْ بِهِ فَرَمَتْ بِهِ فِي اْلأبْطَحِ، ثُمّ قَالَتْ: أهْدَيْتَ لِي شِعْرَ حَسّانَ مَا كُنْت تَأْتِينِي بخَيْرِ".
هذا حديثٌ غريبٌ لاَ نَعْلَمُ أحَداً أسْنَدَهُ غَيْرَ مُحمّدِ بنِ سَلَمَةَ الْحَرّانِيّ. وَرَوَى يُونُسُ بنُ بُكَيْرٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ هَذَا الْحَدِيثَ، عن مُحمّدِ بنِ إسحْاقَ، عن عَاصِمِ بنِ عُمَرَ بنِ قَتَادَةَ مُرْسل لَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ عن أبِيهِ عن جَدّهِ. وَقَتَادَةُ بنُ النّعْمَانِ هوَ أخُو أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ لأُمّةِ. وَأَبُو سَعِيدٍ الخدريّ اسْمُهُ سَعْدُ بنُ مَالِكِ بنِ سِنَانٍ.
5028- حدثنا خَلاّدُ بنُ أَسْلَمَ البَغْدَادِيّ، أخبرنا النّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ عن إِسْرَائِيلَ عن ثُوَيْرٍ وَهُوَ ابنُ أَبي فَاخِتَةَ عن أبِيهِ عن عَلَيّ بنِ أبي طَالِبٍ
ـــــــ
متزلزلاً فيه نفاق "فنزل على سلافة" بضم سين مهملة وخفة لام وبفاء.
قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ الأصبهاني والحاكم في مستدركه. وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.
قوله: "عن أبيه" أي أبي فاختة، واسمه سعيد بن علاقة الهاشمي، مولاهم الكوفي مشهور بكنيته، ثقة من الثالثة.

(8/399)


قالَ: "مَا فِي القُرَآنِ آية أَحَبّ الَيّ مِنْ هَذِهِ الآية: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} .
وهذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وأَبُو فَاخِتَةَ اسْمُهُ سَعِيدُ بنُ عِلاَقَةَ وَثُوَيْرٌ يُكْنَى أَبَا جَهْمٍ، وَهُو كُوفِيّ رَجُلٌ من التابعين، وَقَدْ سَمِعَ مِنْ ابنِ عُمَرَ، وَابنِ الزّبَيْرِ وَابنِ مَهْدِيّ كَانَ يَغْمِزُه قَلِيلاً.
5029- حدثنا محمد بن يحيى بنُ أبي عُمَرَ وَعَبْدُ الله بنُ أبي زِيَادٍ، المَعْنَى وَاحِدٌ قالاَ أخبرنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عن ابنِ أبي مُحَيْصِنٍ، عن مُحمّدٍ بنِ قَيْسٍ بنِ مَخْرَمَةَ عن أبي هُرَيْرَةَ قالَ: "لَمّا نَزَلَتْ {مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ} ، شَقّ
ـــــــ
قوله: "ما في القرآن آية أحب إلى من هذه الآية إلخ"، لأنها حجة على الخوارج الذين زعموا أن كل ذنب شرك، وأن صاحبه خالد في النار، كذا في تفسير البيضاوي {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} أي الإشراك به، وهذا نص صريح بأن الشرك غير مغفور إذا مات صاحبه عليه لأنه قد ثبت أن المشرك إذا تاب من شركه وآمن قبلت توبته وصح إيمانه وغفرت ذنوبه كلها التي عملها في حال الشرك {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ} أي ما سوى الإشراك من الذنوب {لِمَنْ يَشَاءُ} . يعني من يشاء من أهل التوحيد.
قال العلماء: لما أخبر الله أنه يغفر الشرك بالإيمان والتوبة، علمنا أنه يغفر ما دون الشرك بالتوبة وهذه المشيئة في من لم يتب من ذنوبه من أهل التوحيد، فإذا مات صاحب الكبيرة أو الصغيرة من غير توبة فهو على خطر المشيئة، إن شاء غفر له وأدخله الجنة بفضله ورحمته، وإن شاء عذبه ثم يدخله الجنة بعد ذلك.
قوله: "وابن مهدي كان يغمزه قليلاً" أي يطعن فيه قليلاً. قال الحافظ في تهذيب التهذيب: قال عمرو بن علي، كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه، وقال في التقريب: ضعيف ورمي بالرفض.
قوله: "عن محمد بن قيس بن مخرمة" بن المطلب بن عبد مناف المطلبي، قال

(8/400)


ذَلِكَ عَلَى المُسْلِمِينَ فَشَكَوْا ذَلِكَ إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: "قَارِبُوا وَسَدّدُوا. وَفِي كلّ مَا يُصِيبُ المُؤْمِنَ كَفّارَةٌ حَتّى الشّوْكَةِ يُشَاكُهَا وَالنَكْبَةِ يُنْكَبُهَا" .
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. ابنُ مُحَيْصِنٍ هو عُمَرُ بنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ بنُ مُحَيْصِنٍ.
5030- حدثنا يَحْيَى بنُ مُوسَى وَعَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ قالاَ: أخبرنا رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ، عن مُوسَى بنِ عُبَيْدَةَ: أخبرني مَوْلَى ابنِ سِبَاعٍ قالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ يُحَدّثُ عن أبي بَكْرٍ الصّدّيقِ قالَ: "كُنْتُ
ـــــــ
أبو داود ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وذكر العسكري أنه أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وهو صغير، كذا في تهذيب التهذيب.
قوله: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ} إما في الآخرة أو في الدنيا بالبلاء والمحن كما في هذا الحديث "قاربوا" أي اقتصدوا فلا تغلوا ولا تقصروا بل توسطوا "وسددوا" أي اقصدوا السداد وهو الصواب "حتى الشوكة" بالجر على أن حتى جارة، ويجوز الرفع على أنها ابتدائية والنصب بتقدير حتى تجد "يشاكها" بصيغة المجهول، أي يشاك المؤمن تلك الشوكة "أو النكبة" هي ما يصيب الإنسان من الحوادث "ينكبها" على بناء المجهول والضمير المرفوع المؤمن والبارز للنكبة.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد ومسلم والنسائي.
قوله: "وابن محيصن اسمه عمر بن عبد الرحمن بن محيصن" بمهملتين مصغراً وآخره نون، السهمي أبو حفص قارئ أهل مكة مقبول من الخامسة، كذا في التقريب. وقال في تهذيب التهذيب. ذكره ابن حبان في الثقات. وقال صاحب الكمال في القراءات: كان قرين ابن كثير قرأ على مجاهد وغيره، وكان مجاهد يقول ابن محيصن يبني ويرص، يعني أنه عالم بالعربية والأثر، روي له عندهم حديث واحد: كل ما يصاب به المؤمن كفارة.
قوله: "حدثنا يحيى بن موسى" البلخي.

(8/401)


عِنْدَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآية: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً} فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يَا أبَا بَكْرٍ أَلاَ أُقْرِئُكَ آية أُنْزِلَتْ عَلَيّ؟" قلت: بَلَى يَا رَسُولَ الله: قالَ: فَأَقْرَأَنيهَا فَلاَ أَعْلَمُ إِلاّ أَني قد كنت وَجَدْتُ انقصاماً فِي ظِهْرِي فَتَمَطّأْتُ لَهَا، فَقَالَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم " "مَا شَأْنُكَ يَا أَبَا بَكْرٍ؟" قُلْتُ يَا رَسُولَ الله بأَبي أَنْتَ وَأُمّي وَأَيّنَا لَمْ يَعْمَلْ سُوءًا وَإِنّا لَمجْزِيّونَ بِمَا عَمِلْنَا؟ فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أَمّا أَنْتَ يَا أَبَا بَكْرٍ وَالمُؤْمِنُونَ، فَتُجْزَوْنَ بِذَلِكَ في الدّنْيَا حَتّى تَلْقُوا الله، وَلَيْسَ لَكُمْ ذُنُوبٌ، وَأَمّا الآخرون فَيَجْتَمِعُ ذَلِكَ لَهُمْ، حَتّى يُجْزَوْا بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ" .
هذا حديثٌ غريبٌ. وَفي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ، وَمُوسَى بنُ عُبَيْدَةَ يُضَعّفُ فِي الْحَدِيثِ ضَعّفَهُ، يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ وَأَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ، وَمَوْلَى ابنِ سِبَاعٍ مَجْهُولٌ. وَقَدْ رُوَيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ عن أَبي بَكْرٍ،
ـــــــ
قوله: "إلا أني وجدت في ظهري اقتصاماً" بالقاف من باب الافتعال أي انكساراً في بعض النسخ انقساماً من باب الانفعال. قال في القاموس: قصمه يقصمه: كسره وأبانه أو كسره وإن لم يبن فانقصم وتقصم. قال في النهاية: ويروي انقصاماً بالفاء: أي انصداعاً "وأما الآخرون" أي الكافرون "فيجمع ذلك" أي أعمالهم السيئة.
قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه أبو بكر بن مردويه في تفسيره "وموسى بن عبيدة" بضم العين وفتح الموحدة مصغراً ابن نشيط الربذي المدني "وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه" رواه أحمد وابن جرير كلاهما بروايات وألفاظ

(8/402)


وَلَيْسَ لَهُ إِسْنَادٌ صَحيحٌ أيْضاً. وفي البابِ عن عَائِشَةَ.
5031- حدثنا محمد بنُ المُثَنّى أخبرنا أبُو دَاوُدَ الطّيَالِسِي، أخبرنا سُلَيْمَانُ بنُ مُعَاذٍ عن سِمَاكٍ، عن عِكْرَمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ قَالَ: "خَشِيَتْ سَوْدَةُ أَنْ يُطَلّقَهَا النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ: لاَ تُطَلّقْنِي وَأَمْسِكْنِي وَاجْعَلْ يَوْمِي لِعَائِشَةَ، فَفَعَلَ فَنَزَلَتْ {فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} فَمَا اصْطَلَحَا عَلَيْهِ مِنْ شَيْء فَهُوَ جَائِزٌ".
ـــــــ
وفي رواية لأحمد: أن أبا بكر قال يا رسول الله كيف الصلاح بعد هذه الآية {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ} فكل سوء عملنا جزينا به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: غفر الله يا أبا بكر ألست تمرض، ألست تنصب، ألست تحزن. ألست تصيبك اللأواء؟ قال بلى، قال فهو ما تجزون به.
قوله: "وفي الباب عن عائشة" أخرجه ابن أبي داود الطيالسي وغيره.
قوله: "أخبرنا سليمان بن معاذ" هو سليمان بن قرم بفتح القاف وسكون الراء الراء، ابن معاذ البصري النحوي، ومنهم من ينسبه إلى جده، سيء الحفظ يتشيع من السابعة.
قوله: "خشيت سودة" بنت زمعة بن قيس القرشية العامرية، تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بعد موت خديجة ودخل عليها بها، وكان دخوله بها قبل دخوله على عائشة بالاتفاق، وهاجرت معه. وتوفيت في آخر خلافة عمر ابن الخطاب "أن يطلقها النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إلخ".
قال الحافظ في الفتح بعد نقل هذا الحديث عن الترمذي: وله شاهد في الصحيحين من حديث عائشة بدون ذكر نزول الآية انتهى.
قلت: روى الشيخان عن عائشة أن سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة بيومها ويوم سودة. قال الحافظ في الفتح: ووقع في رواية مسلم من طريق عقبة بن خالد عن هشام. لما أن كبرت سودة

(8/403)


ـــــــ
وهبت وأخرج أبو داود هذا الحديث وزاد فيه بيان سببه أوضح من رواية مسلم فروى، عن أحمد بن يونس عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة بالسند المذكور. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفضل بعضنا على بعض في القسم الحديث وفيه: ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت وخافت أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم، يا رسول الله يومي لعائشة، فقبل ذلك منها، ففيها وأشباهها نزلت {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً} الآية "إلى أن قال" فتواردت هذه الروايات على أنها خشيت الطلاق فوهبت. وأخرج ابن سعد بسند رجاله ثقات من رواية القاسم بن أبي بزة مرسلاً أن النبي صلى الله عليه وسلم طلقها فقعدت على طريقه فقالت: والذي بعثك بالحق، مالي في الرجال حاجة ولكن أحب أن أبعث مع نسائك يوم القيامة فأنشدك بالذي أنزل عليك الكتاب هل طلقتني لموجدة وجدتها عليّ؟ قال: لا، قالت فأنشدك لما راجعتني فراجعها، قالت: فإني قد جعلت يومي وليلتي لعائشة حبة رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى.
قلت: رواية ابن سعد هذه مرسلة فهي لا تقاوم حديث ابن عباس وما وافقه في أن سودة خشيت الطلاق فوهبت {فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا} من الإصلاح وهي قراءة الكوفيين، وفي بعض النسخ: أن يصالحا من التصالح وهي قراءة الجمهور والاَية بتمامها مع تفسيرها هكذا، وإن امرأة: مرفوع بفعل يفسره خافت: توقعت من بعلها: زوجها، نشوزاً: ترفعاً عليها بترك مضاجعتها والتقصير في نفقتها لبغضها وطموح عينيه إلى أجمل منها أو إعراضاً عنها بوجهه: فلا جناح عليهما أن يصالحا: فيه إدغام التاء في الأصل في الصاد، وفي قراءة يصلحا من أصلح بينهما صلحاً في القسم والنفقة، بأن يترك لها شيئاً لبقاء الصحبة فإن رضيت بذلك وإلا فعلى الزوج أن يوفيها حقها أو يفارقها، والصلح خير: من الفرقة والنشوز والإعراض. قال تعالى في بيان ما جبل عليه الإنسان: {وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ} الح: شدة البخل، أي جبلت عليه فكأنها حاضرته لا تغيب عنه. المعنى أن المرأة لا تكاد تسمح بنصيبها من زوجها، والرجل لا يكاد يسمح عليها بنفسه إذا أحب غيرها، وإن تحسنوا: عشرة النساء، وتتقوا: الجور عليهن، فإن الله كان بما تعلمون خبيراً: فيجازيكم به، كذا في الجلالين، فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز. وفي رواية أبو داود

(8/404)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.
5032- حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، أخبرنا أَبُو نُعَيْمٍ، أخبرنا مَالِكُ بنُ مِغْوَلٍ عن أبي السّفَرِ عن البَرَاءِ قالَ: "آخِرُ آية أُنْزِلَتْ أَوْ آخِرُ شَيْء أُنْزِلَ {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ} ".
ـــــــ
الطيالسي في مسنده. قال ابن عباس فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه ابن المنذر والطبراني والبيهقي.
قوله: "قال آخر آية أنزلت أو آخر شيء أنزل" الشك من الراوي {يَسْتَفْتُونَكَ} أي عن مواريث الكلالة وحذف لدلالة السياق عليه في قوله تعالى {قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ} . تقدم تفسير الكلالة وما فيه من الاختلاف في باب ميراث الأخوات من أبواب الفرائض. والاَية بتمامها مع تفسيرها هكذا يستفتونك: أي يسألونك عن ميراث الكلالة يا محمد، قل الله يفتيكم: يعني أن الله يخبركم عما سألتم عنه، إن امرؤ: مرفوع بفعل يفسره هلك: أي مات ليس له ولد: أي ولا والد وهو الكلالة.
قال الحافظ ابن كثير: تمسك به من ذهب إلى أنه ليس من شرط الكلالة انتفاء الوالد بل يكفي وجود الكلالة انتفاء الولد وهو رواية عن عمر بن الخطاب رواها ابن جرير عنه بإسناد صحيح إليه، ولكن الذي يرجع إليه قول الجمهور. وقضى الصديق أنه الذي لا ولد له ولا والد، ويدل على ذلك قوله: وله أخت فلها نصف ما ترك: ولو كان معها أب لم ترث شيئاً لأنه يحجبها بالإجماع، فدل على أنه من لا ولد له بنص القرآن، ولا والد بالنص عند التأمل أيضاً لأن الأخت لا يفرض لها النصف مع الوالد بل ليس لها ميراث بالكلية. وقد نقل ابن جرير وغيره عن ابن عباس وابن الزبير أنهما كانا يقولان في الميت ترك بنتاً وأختاً أنه لا شيء للأخت لقوله: {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ} . قال فإذا ترك بنتاً وقد ترك ولداً فلا شيء للأخت، وخالفه الجمهور فقالوا في هذه المسألة للبنت النصف بالفرض وللأخت النصف الآخر بالنصيب، بدليل غير هذه الآية، وله أخت: أي لأب وأم أو لأب، فلها نصف ما ترك: أي الميت، وهو: أي الأخ لأب وأم أو لأب، يرثها: أي يرث جميع تركة الأخت، إن لم يكن لها ولد:

(8/405)


هذا حديثٌ حسنٌ. وَأَبُو السّفَرِ اسْمِهُ سَعِيدُ بنُ أَحْمَدَ، وَيُقَالُ ابنُ يُحْمِدَ الثّوْرِيّ.
5033- حدثنا عَبْدُ بنَ حُمَيْدٍ، أخبرنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ، عن أبي بَكْرِ بنِ عَيّاشٍ عن أبي إسْحَاقَ عن البَرَاءِ قَالَ: "جَاءَ رَجُلٌ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ} فَقَالَ لهُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "تُجْزِئُك آية الصّيْفِ".
ـــــــ
أي ذكر، يعني أن الأخت إذا ماتت وتركت أخاً من الأب والأم أو من الأب فإنه يستغرق جميع ميراث الأخت إذا انفرد ولم يكن للأخت ولد، فإن كان لها ولد: ذكر فلا شيء له أو انثى فله ما فضل عن نصيبها، ولو كانت الأخت أو الأخ من أم ففرضه السدس، فلو كانتا أي الأختان اثنتين: أي فصاعداً فلهما الثلثان مما ترك أي الأخ وإن كانوا: أي الورثة إخوة رجالاً ونساء: أي ذكوراً ونساء فللذكر منهم، مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم: شرائع دينكم أن تضلوا: أي مخافة أن تضلوا والله بكل شيء عليم ومنه الميراث.
تنبيه: حديث البراء المذكور يدل على أن آخر آية نزلت {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ} إلخ وروى البخاري عن ابن عباس قال: آخر آية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم آية الربا، ويجمع بينهما بأن الآخر ية في حديث البراء مفيدة بما يتعلق بالمواريث بخلاف حديث ابن عباس ويحتمل عكسه.
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
قوله: "ويقال ابن يحمد" بضم التحتية وكسر الميم.
قوله: "أخبرنا أحمد بن يونس" هو أحمد بن عبد الله بن يونس بن عبد الله ابن قيس الكوفي التميمي اليربوعي نسب إلى جده ثقة حافظ من كبار العاشرة.
قوله: "جاء رجل" قال الخطابي: روي أن هذا الرجل هو عمر بن الخطاب ويشبه أن يكون إنما لم يفته عن مسألته ووكل الأمر في ذلك إلى بيان الآية اعتماداً على علمه وفهمه انتهى ملخصاً، "فقال يا رسول الله يستفتونك قل الله يفتيكم في

(8/406)


ـــــــ
الكلالة" زاد أبو داود في روايته فما الكلالة. وفي رواية أحمد: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الكلالة "تجزئك" أي تكفيك "آية الصيف" أي التي في آخر سورة النساء وهي قوله تعالى: { يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ} الآية قال الخطابي: أنزل الله في الكلالة آيتين أحدهما في الشتاء وهي الآية التي في سورة النساء وفيها إجمال وإبهام لا يكاد يتبين هذا المعنى من ظاهرها، ثم أنزل الآية الآخرى في الصيف وهي التي في آخر سورة النساء وفيها من زيادة البيان ما ليس في آية الشتاء، فأحال السائل عليها ليتبين المراد بالكلالة المذكورة فيها انتهى. قال أبو داود بعد رواية هذا الحديث: قلت لأبي إسحاق هو من مات ولم يدع ولداً ولا والداً، قال كذلك ظنوا أنه كذلك انتهى.
قال الخطابي: اختلفوا في الكلالة من هو؟ فقال أكثر الصحابة: هو من لا ولد له ولا والد. وروى عن عمر بن الخطاب مثل قولهم، وروي عنه أنه قال: هو من لا ولد له، ويقال إن هذا آخر قوليه. وحديث البراء هذا أخرجه أيضاً أحمد وأبو داود وسكت عنه هو والمنذري.

(8/407)


وَمنْ سُورةِ الْمَائِدَة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
5034- حدثنا ابنُ أبي عُمَرَ، أخبرنا سُفْيَانُ، عن مِسْعَرٍ وَغَيْرِهِ، عن قَيْسِ بنِ مُسْلِمٍ، عن طَارِقِ بنِ شِهَابٍ قالَ: "قالَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ لِعُمَرَ بنِ الْخَطّابِ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ لَوْ عَلَيْنَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآية: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ
ـــــــ
وَمنْ سُورةِ الْمَائِدَة
هي مائة وثلاث وعشرون آية. قال القرطبي هي مدنية بالإجماع
قوله: "قال رجل من اليهود" هذا الرجل هو كعب الأحبار، بين ذلك مسدد في مسنده والطبري في تفسيره، والطبراني في الأوسط، وللبخاري في المغازي

(8/407)


دِيناً} لاَتّخَذْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيداً، فَقَالَ له عُمَرُ بن الخطابِ إِنّي لأعْلَمُ أَيّ يَوْمٍ أُنْزِلَتْ هَذهِ الآية أُنْزِلَتْ يَوْمَ عَرَفَةَ فِي يَوْمِ جُمُعَةِ".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
5035- حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، أخبرنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ، أخبرنا حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ، عن عَمّارِ بنِ أبي عَمّارٍ قالَ: "قَرَأَ ابنُ عَبّاسٍ {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ
ـــــــ
من طريق الثوري عن قيس بن مسلم. أن ناساً من اليهود، وله في التفسير من هذا الوجه بلفظ: قالت اليهود، فيحمل على أنهم كانوا حين سؤال كعب عن ذلك جماعة وتكلم كعب على لسانهم "لاتخذنا ذلك اليوم عيداً" أي لعظمناه وجعلناه عيداً لنا في كل سنة لعظم ما حصل فيه من إكمال الدين "فقال عمر إني لأعلم أي يوم أنزلت هذه الآية، أنزلت يوم عرفة في يوم الجمعة".
فإن قيل: كيف طابق الجواب السؤال لأنه قال: لاتخذناه عيداً، وأجاب عمر رضي الله عنه بمعرفة الوقت والمكان ولم يقل جعلناه عيداً.
والجواب: أن هذه الرواية اكتفى فيها بالإشارة، وإلا فرواية إسحاق قد نصت على المراد ولفظه، نزلت يوم الجمعة يوم عرفة وكلاهما بحمد الله لنا عيد، لفظ الطبري والطبراني وهما لنا عيدان، وكذا عند الترمذي من حديث ابن عباس أن يهودياً سأله عن ذلك فقال: نزلت في يوم عيدين: يوم جمعة ويوم عرفة، فظهر أن الجواب تضمن أنهم اتخذوا ذلك اليوم عيداً وهو يوم الجمعة، واتخذوا يوم عرفة لأنه ليلة العيد، وهذا كما جاء في الحديث شهرا عيد لا ينقصان، رمضان وذو الحجة. فسمى رمضان عيداً لأنه يعقبه العيد قاله الحافظ.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري في الإيمان والتفسير وغيرهما، ومسلم في آخر الكتاب، والنسائي في الحج والإيمان.
قوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} أحكامه وفرائضه فلم ينزل بعدها حلال ولا حرام {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} بإكماله، وقيل بدخول مكة آمنين {وَرَضِيتُ}

(8/408)


دِيناً} وَعِنْدَهُ يَهُودِيّ فَقَالَ: لَوْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآية عَلَيْنَا لاَتّخَذْنَا يَوْمَهَا عِيداً، قال ابنُ عَبّاسٍ: فَإِنّهَا نَزَلَتْ في يَوْمِ عِيدَيْنِ: في يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَيَوْمِ عَرَفَةَ". هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ مِنْ حَدِيثِ ابنِ عَبّاسٍ.
5036- حدثنا أَحْمَدُ بنُ مِنِيعٍ، أخبرنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ، أخبرنا مُحمّدُ بنُ إسْحَاقَ، عن أبي الزّنَادِ عن الأعْرَجِ عن أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يَمِينُ الرّحْمَنِ مَلأى سَحّاءُ لاَ يَغِيضُهَا اللّيْلُ وَالنّهَارَ، قَالَ: أَرَأَيْتُمْ مَا أنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السّمَاوَاتِ والأرض، فَإِنّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَمِينِهِ وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَبِيَدِهِ الأخرى المِيزَانُ يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ".
ـــــــ
اخترت {لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً} حال، أي اخترته لكم من بين الأديان وآذنتكم بأنه هو الدين المرضي وحده وأخرجه ابن جرير في تفسيره.
قوله: "يمين الرحمن ملأى" بفتح الميم وسكون اللام وهمزة مع القصر تأنيث ملاَن. قال الحافظ: المراد من قوله ملأى لازمه وهو أنه في غاية الغنى وعنده من الرزق ما لا نهاية له في علم الخلائق "سحاء" بفتح المهملتين مثقل ممدود، أي دائمة الصب. يقال سح بفتح أوله مثقل، يسح بكسر السين في المضارع ويجوز ضمها، "لا يغيضها" بالمعجمتين بفتح أوله أي لا ينقصها لازم ومتعد. يقال غاض الماء يغيض إذا نقص، وغضته أنا أغيضه: أي لا يغيضها نفقة، كما في رواية الشيخين، أو لا يغيضها شيء كما في رواية لمسلم "الليل والنهار" بالنصب على الظرف: أي فيهما "أرأيتم" أي أخبروني، وقيل أعلمتم وأبصرتم "ما أنفق" ما مصدرية أي إنفاق الله، وقيل ما موصولة متضمنة معنى الشرط أي الذي أنفقه "منذ خلق السماوات" زاد البخاري وغيره والأرض أي من يوم خلق السماوات فإنه أي الإنفاق أو الذي أنفق "لم يغض" أي لم ينقص "ما في يمينه" أي الذي في يمينه "وعرشه على الماء" حال من ضمير خلق ومناسبة ذكر العرض هنا، أن السامع هنا يتطلع من قوله خلق السماوات والأرض ما كان قبل ذلك، فذكر ما يدل على أن عرشه

(8/409)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وهَذَا الْحَدِيثُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآية {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} الآية وَهَذَا حديث قال الأئمة يُؤْمَنُ بِهِ كَمَا جَاءَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُفَسّرَ أَوْ يُتَوَهّمَ هَكَذَا. قالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الأئمة مِنْهُمْ سُفْيَانُ الثّوْرِيّ وَمَالِكُ بنُ أَنَسٍ وَابنُ عُيَيْنَةَ وَابنُ المُبَارَكِ أَنّهُ تُرْوَى هَذِهِ الأشْيَاءُ وَيُؤْمَنُ بِهَا، فلا يُقَالُ كَيْفَ.
5037- حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، أخبرنا مُسْلِمُ بنُ إِبْرَاهِيمَ،
ـــــــ
قبل خلق السماوات والأرض كان على الماء، كما وقع في حديث عمران بن حصين بلفظ: "كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء ثم خلق السماوات والأرض" "وبيده الآخرى الميزان" قال الخطابي: الميزان هنا مثل وإنما هو قسمته بالعدل بين الخلق "يخفض ويرفع" أي يوسع الرزق على من يشاء ويقتر كما يصنعه الوزان عند الوزن يرفع مرة ويخفض أخرى، وأئمة السنة على وجوب الإيمان بهذا وأشباهه من غير تفسير بل يجري على ظاهره ولا يقال كيف، قاله العيني.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله: "وهذا الحديث في تفسير هذه الآية" {وَقَالَتِ الْيَهُودُ} لما ضيق عليهم بتكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن كانوا أكثر الناس مالاً {يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} مقبوضة عن إدرار الأرزاق علينا كنوابه عن البخل تعالى عن ذلك، قال تعالى: {غُلَّتْ} أمسكت {أَيْدِيهِمْ} عن فعل الخيرات دعاء عليهم، وبقية الآية مع تفسيرها هكذا، ولعنوا بما قالوا: أي طردوا عن رحمة الله بسبب ما قالوا، بل يداه مبسوطتان: مبالغة في الوصف بالجود، وثنى اليد لإفادة الكثرة، إذ غاية ما يبذله السخي من ماله أن يعطي بيده، ينفق كيف يشاء من توسع وتضييق لا اعتراض عليه.
قوله: "وهذا الحديث قال الأئمة يؤمن به كما جاء الخ" تقدم الكلام في هذه المسألة في باب فضل الصدقة من أبواب الزكاة.

(8/410)


أخبرنا الْحَارِثُ بنُ عُبَيْدٍ عن سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيّ عن عَبْدِ الله بنِ شَقِيقٍ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: "كَانَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يُحْرَسُ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآية: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} فَأَخْرَجَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم رَأْسَهُ مِنَ القُبّةِ، فَقَالَ لَهُمْ: "يَا أَيّهَا النّاسُ انْصَرِفُوا، فَقَدْ عَصَمَنِي الله" .
هذا حديثٌ غريبٌ.
وَرَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ عن الْجُرَيْرِيّ عن عَبْدِ الله بنِ شَقِيقٍ، قالَ: كَانَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يُحْرَسُ، وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ عن عَائِشَةَ.
ـــــــ
قوله: "أخبرنا الحارث بن عبيد" الإيادي بكسر الهمزة بعدها تحتانية، أبو قدامة البصري صدوق يخطئ من الثامنة.
قوله: "يحرس" بصيغة المجهول من الحراسة، أي يحفظه الصحابة رضي الله تعالى عنهم عن الكفار {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} أي يحفظك يا محمد ويمنعك منهم، والمراد بالناس هنا الكفار.
فإن قيل: أليس قد شج رأسه وكسرت رباعيته يوم أحد وقد أوذي بضروب من الأذى، فكيف يجمع بين ذلك وبين قوله {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} .
قلت: المراد منه أنه يعصمه من القتل فلا يقدر عليه أحد أراده بالقتل، وقيل في الجواب عن هذا إن هذه الآية نزلت بعد ما شج رأسه في يوم أحد لأن سورة المائدة من آخر القرآن نزولاً.
قوله: "هذا حديث غريب" قال الحافظ في الفتح بعد ذكر هذا الحديث: وإسناده حسن واختلف في وصله وإرساله، والحديث أخرجه أيضاً ابن أبي حاتم وابن جرير والحاكم في مستدركه. وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه "وروى بعضهم هذا الحديث عن الجريري عن عبد الله بن شقيق قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرس ولم يذكروا فيه عن عائشة" قال الحافظ ابن كثير بعد نقل كلام الترمذي هذا: هكذا رواه ابن جرير من طريق إسماعيل بن علية وابن مردويه من طريق وهيب، كلاهما عن الجريري عن عبد الله بن شقيق مرسلاً.

(8/411)


5038- حدثنا عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الرّحْمنِ، أخبرنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ أخبرنا شَرِيكٍ، عن عَلِيّ بنِ بَذِيْمَةَ، عن أبي عُبَيْدَةَ، عن عَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قالَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَمّا وَقَعَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ في المَعَاصِي نَهَتْهُمْ عُلَمَاؤُهُمْ، فَلَمْ يَنْتَهُوا فَجَالَسُوهُمْ فِي مَجَالِسِهِمْ وَوَاكَلُوهُمْ وَشَارَبُوهُمْ، فَضَرَبَ الله قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ وَلَعَنَهُمُ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى بنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ. قَالَ: فَجَلَسَ رَسُولُ الله
ـــــــ
قوله: "عن علي بن بذيمة" بفتح الموحدة وكسر المعجمة الخفيفة بعدها تحتانية ساكنة الجزري، كنيته أبو عبد الله مولى جابر بن سمرة السوائي كوفي الأصل ثقة رمي بالتشييع من السادسة "عن أبي عبيدة" بن عبد الله بن مسعود.
قوله: "في المعاصي" أي من الزنا وصيد يوم السبت وغيرهما "فنهتهم علماؤهم" أي أولاً "فلم ينتهوا" أي فلم يقبلوا النهي ولم يتركوا المنهى "فجالسوهم" أي العلماء "في مجالسهم" أي مجالس بني إسرائيل العصاة ومساكنهم "وواكلوهم" من المواكلة مفاعلة للمشاركة في الأكل، وكذا قوله وشاربوهم "فضرب الله قلوب بعضهم على بعض" وفي الراوية الآتية ببعض. قال القاري: أي خلط قلوب بعضهم ببعض، يقال ضرب اللبن بعضه ببعض: أي خلطه، ذكره الراغب. وقال ابن الملك: الباء للسببية، أي سود الله قلب من لم يعص بشؤم من عصى، فصارت قلوب جميعهم قاسية بعيدة عن قبول الحق والخير أو الرحمة بسبب المعاصي ومخالطة بعضهم بعضاً. انتهى.
قال القاري: وقوله قلب من لم يعص، ليس على إطلاقه، لأن مواكلتهم ومشاربتهم من إكراه وإلجاء بعد عدم انتهائهم عن معاصيهم معصية ظاهرة، لأن مقتضى البغض في الله أن يبعدوا عنهم ويهاجروهم ويقاطعوهم ولم يواصلوهم "ولعنهم" أي العاصين والساكتين المصاحبين "على لسان داود" بأن دعا عليهم فمسخوا قردة وهم أصحاب أيلة "وعيسى بن مريم" بأن دعا عليهم فمسخوا خنازير وهم أصحاب المائدة "ذلك" أي اللعن "بما عصوا" أي بسبب عصيانهم مباشرة ومعاشرة "وكانوا يعتدون" أي يتجاوزون عن الحد "قال" أي ابن مسعود "فجلس رسول الله

(8/412)


صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ مُتَكِئاً، فَقَالَ: "لاَ وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتّى تَأْطِرُوهُمْ على الحق أطْراً" قالَ عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ قالَ يَزِيدُ: وَكَانَ سُفْيَانُ الثّوْرِيّ لاَ يَقُولُ فِيهِ عن عَبْدِ الله. هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عن مُحَمّدِ بنُ مُسْلِمِ بنِ أبي الوَضّاحِ، عن عَلِيّ بنِ بَذِيْمَةَ عن أبي عُبَيْدَةَ عن عَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَ هَذَا، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ عن أبي عُبَيْدَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم مُرْسَلٌ.
ـــــــ
صلى الله عليه وسلم وكان متكئاً" أي على أحد شقيه أو مستنداً إلى ظهره قبل ذلك فجلس مستوياً للاهتمام بإتمام الكلام "فقال لا" أي لا تعذرون أو لا تنجون من العذاب، أنتم أيها الأمة خلف أهل تلك الأمة "والذي نفسي بيده حتى تأطروهم" بهمزة ساكنة ويبدل وبكسر الطاء "أطراً" بفتح الهمزة مفعول مطلق للتأكيد أي حتى تمنعوا أمثالهم من أهل المعصية. قال في المجمع: أي لا تنجون من العذاب حتى تميلوهم من جانب إلى جانب من أطرت القوس آطرها بكسر طاء أطراً بسكونها إذا حنيتها، أي تمنعوهم من الظلم وتميلوهم عن الباطل إلى الحق. وقال الطيبي: حتى متعلقة بلا كأن قائلاً قال له عند ذكر مظالم بي إسرائيل هل يعذر في تخلية الظالمين وشأنهم، فقال لا حتى تأطروهم وتأخذوا على أيديهم. والمعنى لا تعذرون حتى تجبروا الظالم على الإذعان للحق وإعطاء النصفة للمظلوم. واليمين معترضة بين لا وحتى وليست لا هذه بتلك التي يجيء بها المقسم تأكيداً لقسمه انتهى.
قوله: "قال يزيد" هو ابن هارون "وكان سفيان الثوري لا يقول فيه عن عبد الله" كما ذكره الترمذي فيما بعد بقوله حدثنا محمد بن بشار، أخبرنا عبد الرحمن ابن مهدي، أخبرنا سفيان إلخ. ورواه أيضاً ابن ماجه بهذا السند مرسلاً.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه، قال المنذري وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه فهو منقطع.
قوله: "وقد روي هذا الحديث عن محمد بن مسلم بن أبي الوضاح عن علي بن

(8/413)


5039- حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ، أخبرنا عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ مَهْدِيّ، أخبرنا سُفْيَانُ، عن عَلِيّ بنِ بَذِيمَةَ، عن أبي عُبْيَدَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمّا وَقَعَ فِيهِمْ النّقْصُ كَانَ الرّجُلُ فِيهِمْ يَرَى أخَاهُ يَقَعُ عَلَى الذّنْبِ فَيَنْهَاهُ عَنْهُ، فَإِذَا كَانَ الغَدُ لَمْ يَمْنَعْهُ مَا رَأَى مِنْهُ أنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ وَخَلِيطَهُ، فَضَرَبَ الله قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ وَنَزَلَ فِيِهمْ القُرْآنُ فَقَال : {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} وَقَرَأَ حَتّى بَلَغَ {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} قَالَ: وَكَانَ نبيّ الله صلى الله عليه وسلم مُتّكِئاً فَجَلَسَ، فَقَالَ: "لاَ حَتّى تَأْخُذُوا عَلَى يَدِ الظّالِمِ فَتَأطِرُوهُ عَلَى الْحَقّ أطْراً" .
5040- حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ، أخبرنا أبُو دَاوُدَ الطيالسيّ وَأَمْلاَهُ عَلَيّ، أخبرنا مُحمّدُ بنُ مُسْلِمِ بنِ أبي الْوَضاحِ عن عَلِيّ بنِ بَذِيْمَةَ عن أبي عُبَيْدَةَ عن عَبْدِ الله عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بمثله.
ـــــــ
بذيمة الخ" وصله الترمذي فيما بعد بقوله: حدثنا محمد بن بشار، أخبرنا أبو داود وأملاه علي، أخبرنا محمد بن مسلم بن أبي الوضاح إلخ.
قوله: "لم يمنعه ما رأى منه" أي لم يمنع الناهي ما رأى هو من المذنب من وقوعه على الذنب "أن يكون" أي من أن يكون الناهي "أكيله وشريبه" أي مواكل المذنب ومشاربه ومخالطه. ولفظ أبي داود أن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل. كان الرجل يلقى الرجل، فيقول يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده.
قوله: "وأملاه علي" أي ألقى على الحديث فكتبته.

(8/414)


5041- حدثنا أبُو حَفْصٍ عَمْرُو بنُ عَلِيّ أخبرنا أبُو عَاصِمٍ أخبرنا عُثْمانُ بنُ سَعْدٍ، أخبرنا عِكْرِمَةُ عن ابنِ عَبّاسٍ: "أنّ رَجُلاً أتَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله إِنّي إِذَا أَصْبَتُ اللّحْمَ انْتَشَرْتُ لِلنّسَاءِ وَأَخَذَتْنِي شَهْوَتِي فَحَرّمْتُ عَلَيّ اللّحْمَ، فَأَنْزَلَ الله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً}" .
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وَرَواهُ بَعْضُهُمْ عن عُثْمَانَ بنِ سَعْدٍ مُرْسَلاً لَيْسَ فِيهِ عن ابنِ عَبّاسٍ، وَرَوَاهُ خَالِدٌ الْحَذّاءِ عن عِكْرِمَةَ مُرْسَلاَ.
5042- حدثنا عَبْدُ الله بنُ عَبِدِ الرّحْمَنِ أخبرنا مُحمّدُ بنُ يُوسُفَ أخبرنا إسرائيل، أخبرنا أبُو إسْحَاقَ عن عَمْرِو بنِ شُرَحْبِيلَ عن عُمَرَ
ـــــــ
قوله: "أخبرنا أبو عاصم" اسمه الضحاك بن مخلد النبيل "أخبرنا عثمان بن سعد" الكاتب المعلم.
قوله: "فأنزل الله يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم" أي ما طاب ولذ من الحلال. ومعنى لا تحرموا لا تمنعوها أنفسكم كمنع التحريم، أو لا تقولوا حرمناها على أنفسنا مبالغة منكم في العزم على تركها تزهداً منكم وتقشفاً {وَلا تَعْتَدُوا} أي ولا تجاوزوا الحد الذي حد عليكم في تحليل أو تحريم، أو ولا تتعدوا حدود ما أحل لكم إلى ما حرم عليكم، أو ولا تسرفوا في تناول الطيبات {إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} حدوده {وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً} حلالاً حال ما رزقكم الله.
قوله "هذا حديث غريب" وأخرجه ابن أبي حاتم وابن جرير.
قوله: "أخبرنا محمد بن يوسف" هو الضبي الفريابي، "أخبرنا أبو إسحاق" هو السبيعي "عن عمرو بن شرحبيل" الهمداني أبي ميسرة الكوفي ثقة عابد مخضرم.

(8/415)


ابنِ الْخَطّابِ أَنّهُ قالَ: "اللّهُمّ بَيّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بيان شِفَاءٍ فَنَزَلَتْ الّتِي في البَقْرَةِ {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ} الآية فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: اللّهمّ بَيّنْ لَنَا في الْخَمْرِ بَيَانَ شِفَاء، فَنَزَلَتْ الّتي في النّسَاءِ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} فَدُعِيَ عُمَرُ فَقِرئَتْ عَلَيْهِ، ثُمّ قالَ: اللّهِمّ بَيّنْ لَنا في الْخَمْرِ بَيَانَ شِفَاءٍ، فَنَزَلَتْ الّتِي في المَائِدَةِ: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ - إِلَى قَولهِ - فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: انْتَهَيْنَا انْتَهَيْنَا".
ـــــــ
قوله: "بيان شفاء" بالإضافة أي بياناً شافياً {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} أي القمار يعني ما حكمهما {قُلْ} لهم {فِيهِمَا} أي في تعاطيهما {إِثْمٌ كَبِيرٌ} أي عظيم لما يحصل بسببهما من المخاصمة والمشاتمة وقول الفحش الآية، أي ومنافع للناس باللذة والفرح في الخمر وإصابة المال بلا كد في الميسر {وَإِثْمُهُمَا} أي ما ينشأ عنهما من المفاسد {أَكْبَرُ} أعظم {مِنْ نَفْعِهِمَا} لأن أصحاب الشرب والقمار يقترفون فيهما الآثام من وجوه كثيرة "فقرئت عليه" أي الآية المذكورة {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} وبعده {وَيَصُدَّكُمْ} : عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون "فقال" أي عمر "انتهينا انتهينا" أي عن إتيانهما أو عن طلب البيان الشافي والظاهر هو الأول. وفي رواية أبي داود فنزلت هذه الآية {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} .
قال الطيبي: فنزلت هذه الآية يعني قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} الآيتين وفيهما دلائل سبعة على تحريم الخمر: أحدها قوله: {رِجْسٌ} والرجس هو النجس وكل نجس حرام، والثاني قوله: {مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} وما هو. من عمله حرام. والثالث: قوله: {فَاجْتَنِبُوهُ} وما أمر الله تعالى باجتنابه فهو حرام. والرابع: قوله: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} وما علق رجاء الفلاح باجتنابه فالإتيان به حرام

(8/416)


وَقَدْ رُوِيَ عن إِسْرَائِيلَ هذا الحديث مُرْسلاً.
5043- حدثنا مُحمّدُ بنُ الْعَلاَءِ، أخبرنا وَكِيعٌ عن إِسْرَائِيلَ عن أبي إِسحَقَ عن أبي مَيْسَرَةَ: "أنّ عُمَرَ بنَ الْخَطّابِ، قَالَ: اللّهُمّ بَيّنْ لَنَا فِي الخَمْرِ بَيَانَ شِفَاءٍ".
فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَهَذَا أصَحّ مِنْ حَدِيثِ مُحمّدِ بنِ يُوسُفَ.
5044- حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، أخبرنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسَى، عن
ـــــــ
والخامس قوله: {يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} وما هو سبب وقوع العداوة والبغضاء بين المسلمين فهو حرام. والسادس قوله "يصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة" وما يصد به الشيطان عن ذكر الله وعن الصلاة فهو حرام: والسابع قوله: "فهل أنتم منتهون" معناه انتهوا وما أمر الله عباده بالانتهاء عنه فالإتيان به حرام انتهى.
قوله: "وقد روي عن إسرائيل مرسلاً" أي روي عنه عن أبي إسحاق عن عمرو بن شرحبيل بلفظ: أن عمر بن الخطاب قال اللهم إلخ، كما بينه الترمذي بعد هذا.
"حدثنا محمد بن العلاء" كنيته أبو كريب وهو مشهور بها "عن أبي ميسرة" هو كنيته عمرو بن شرحبيل المذكور في الإسناد المتقدم "وهذا أصح من حديث محمد بن يوسف" أي حديث وكيع عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو بن شرحبيل بلفظ أن عمر بن الخطاب قال أصح من حديث محمد بن يوسف عن أبي إسحاق عن عمر، وبلفظ عن عمر بن الخطاب أنه قال، لأن وكيعاً أحفظ من محمد بن يوسف.
قلت: فيه أن محمد بن يوسف لم ينفرد بلفظ عن عمر بل قد تابعه على هذا اللفظ إسماعيل بن جعفر عند أبي داود وخلف بن الوليد عند أحمد. وحديث عمر هذا أخرجه أيضاً أحمد وأبو داود والنسائي. وقال الحافظ في الفتح بعد ذكر هذا الحديث صححه علي بن المديني والترمذي وكذا قال الحافظ ابن كثير في تفسيره.

(8/417)


إِسْرَائِيلَ عن أبي إسْحَاقَ عن البَرَاءِ قالَ: "مَاتَ رِجَالٌ مِنْ أصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ أنْ تُحَرّمَ الْخَمْرُ، فَلَمّا حُرّمَتْ الْخَمْرُ، قالَ: رِجَالٌ كَيْفَ بِأَصْحَابِنَا وَقَدْ مَاتُوا يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ؟ فَنَزَلَتْ: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} ". هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد رَوَاهُ شُعْبَةُ عن أبي إسْحَاقَ عن الْبَرَاءِ أيضاً.
ـــــــ
قوله: "فلما حرمت" قال الحافظ: والذي يظهر أن تحريمها كان عام الفتح سنة ثمان. وذكر روايات تدل على ذلك {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} أي لا حرج عليهم ولا إثم عليهم فيما شربوا من الخمر وأكلوا من مال القمار في وقت الإباحة قبل التحريم.
قال ابن قتيبة: يقال لم أطعم خبزا ولا ماء ولا نوماً. قال الشاعر:
فإن شئت حرمت النساء سواكمو ... وإن شئت لم أطعم نقاخاً ولا برداً
النقاخ الماء، والبرد النوم {إِذَا مَا اتَّقَوْا} أي إذا ما اتقوا الشرك، وقيل اتقوا ما حرم الله عليهم {وَآمَنُوا} يعني بالله ورسوله {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} أي ازدادوا من عمل الصالحات {ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا} أي اتقوا الخمر والميسر بعد التحريم. فعلى هذا تكون الأولى إخباراً عن حال من مات وهو يشربها قبل التحريم أنه لا جناح عليه، والثانية خطاب من بقي بعد التحريم أمروا باتقائها والإيمان بتحريمها. {ثُمَّ اتَّقَوْا} : أي ما حرم عليهم في المستقبل، {وَأَحْسَنُوا} : أي العمل، وقيل المراد بالاتقاء الأول فعل التقوى، وبالثاني المداومة عليها، وبالثالث اتقاء الظلم مع ضم الإحسان إليه. وقيل إن المقصود من التكرير التأكيد والمبالغة في الحث على الإيمان والتقوى وضم الإحسان إليهما، والله يحب المحسنين: أي أنه تعالى يحب المتقربين إليه بالإيمان والأعمال الصالحة والتقوى والإحسان.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أبو داود والطيالسي. وقد رواه

(8/418)


5045- حدثنا بِذَلِكَ مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ، أخبرنا مُحمّدُ بنُ جَعْفَرٍ، أخبرنا شُعْبَةَ عن أبي إسْحَاقَ بهذا قال: قالَ الْبَرَاءُ بنُ عَازِبٍ: "ماتَ نَاسٌ مِنْ أصْحَابِ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم وَهُمْ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ، فَلَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُهَا قال نَاسٌ مِنْ أصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: فَكَيْفَ بِأَصْحَابِنَا الّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يَشْرَبُونَهَا؟ فَنَزَلَتْ: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} الاَية". هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
5046- حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، أخبرنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بنُ أبي رِزْمَةَ عن إِسْرَائِيلَ عن سِمَاكٍ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ قال قالُوا: "يا رسولَ الله أَرَأَيْتَ الّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ لَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ؟ فَنَزلَتْ: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} ". هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
5047- حدثنا سُفْيَانُ بنُ وَكِيعٍ، أخبرنا خَالِدُ بنُ مَخْلَدٍ عن عَلِيّ بنِ مِسْهَرٍ عن الأعْمَشِ عن إبْرَاهِيمَ عن عَلْقَمَةَ عن عَبْدِ الله قالَ: لَمّا نَزَلَتْ:
ـــــــ
شعبة عن أبي إسحاق عن البراء أيضاً، أي كما أن إسرائيل روى هذا الحديث عن أبي إسحاق عن البراء كذلك رواه شعبة أيضاً عن أبي إسحاق عن البراء.
قوله: "أرأيت" أي أخبرني "وهم يشربون الخمر" جملة حالية، لما نزل تحريم الخمر ظرف بقوله، قالوا: أي قالوا حين نزل تحريم الخمر. قال في القاموس: لما تكون بمعنى حين ولم الجازمة وإلا.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد وزاد في آخره: ولما حولت القبلة قال ناس يا رسول الله إخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس، فأنزل الله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} .

(8/419)


{لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} قال لِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أنْتَ مِنْهُمْ". هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
5048- حدثنا أَبُو سَعِيدٍ الأشَجّ، أخبرنا مَنْصُورُ بنُ وَرْدَانَ عن عَلِيّ بنِ عَبْدِ الأعْلَى عن أبِيهِ عن أبي الْبَخْتِرِيّ عن عَلِيّ قال: "لَمّا نَزَلَتْ: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} قالُوا: يَا رَسُولَ الله في كُلّ عامٍ؟ فَسَكَتَ، فقالُوا: يَا رَسُولَ الله، في كُلّ عامٍ؟ قال: "لاَ، ولوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ" ، وَأَنْزَلَ الله عَزّ وَجلّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} .
ـــــــ
قوله: "قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل لي" "أنت منهم" قال النووي معناه أن ابن مسعود منهم انتهى. وقال الخازن معناه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل له إن ابن مسعود منهم يعني من الذين آمنوا وعملوا الصالحات إلخ.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والنسائي.
قوله: "أخبرنا منصور بن وردان" الأسدي العطار الكوفي مقبول من التاسعة "عن أبيه" هو عبد الأعلى بن عامر الثعلبي بالمثلثة والمهملة، الكوفي صدوق، يهم من السادسة.
قوله: "في كل عام" بحذف همزة الاستفهام "ولو قلت نعم لوجبت" استدل بظاهره على أن الإيجاب كان مفوضاً إليه صلى الله عليه وسلم كما ذهب إليه بعضهم، ورد بأن قوله: لو قلت، أعم من أن يكون من تلقاء نفسه أو بوحي نازل أو رأي يراه إن جوزنا له الاجتهاد، والدال على الأعم لا يدل على الأخص، قاله الطيبي وغيره {لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ} قال الخليل وسيبويه وجمهور البصريين أصله شيئاء بهمزتين بينهما ألف وهي فعلاء من لفظ شيء وهمزتها الثانية للتأنيث، ولذا لم تنصرف كحمراء وهي مفردة لفظ جمع معنى، ولما استثقلت الهمزتان المجتمعتان

(8/420)


هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من حديثِ عَلِي.
وفي البابِ عن أبي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَاسٍ.
5049- حدثنا مُحمّدُ بنُ مَعْمَرٍ أَبُو عَبْدِ الله الْبَصْرِيّ، أخبرنا رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ، أخبرنا شُعْبَةُ، أخبرني مُوسَى بنُ أَنَسٍ قال: "سَمِعْتُ أَنَسَ بنَ مَالِكٍ يقولُ: قال رَجلٌ: يَا رَسُولَ الله مَنْ أَبِي؟ قال: "أَبُوكَ فُلاَنٌ" ، قال:
ـــــــ
قدمت الأولى التي هي لام الكلمة فجعلت قبل الشين، فصار وزنها لفعاء {إِنْ تُبْدَ لَكُمْ} أي تظهر لكم {تَسُؤْكُمْ} لما فيها من المشقة، {وَإِنْ تَسْأَلوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ} : أي في زمن النبي صلى الله عليه وسلم تبدلكم. المعنى إذا سألتم عن أشياء في زمنه ينزل القرآن بإبدائها ومتى أبدأها ساءتكم فلا تسألوا عنها.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد وابن ماجه، وقد تقدم هذا الحديث بإسناده ومتنه في باب: كم فرض الحج، وبينت هناك أن هذا الحديث منقطع.
قوله: "وفي الباب عن أبي هريرة وابن عباس" تقدم تخريج حديثهما في الباب المذكور.
قوله: "حدثنا محمد بن معمر" بن ربعي القيسي "أبو عبد الله البصري" البحراني بالموحدة والمهملة، صدوق من كبار الحادية عشرة "أخبرني موسى بن أنس" بن مالك الأنصاري قاضي البصرة، ثقة من الرابعة.
قوله: "قال رجل" هو عبد الله بن حذافة القرشي السهمي، وفي رواية البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج، فقام عبد الله بن حذافة فقال: من أبي "من أبي" جملة من المبتدأ والخبر مقول القول.
فإن قلت: لم سأله عن ذلك؟
قلت: لأنه كان ينسب إلى غير أبيه إذا لاحى أحداً فنسبه عليه الصلاة والسلام إلى أبيه.
فإن قلت: من أين عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ابنه؟

(8/421)


فَنَزَلَتْ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} ". هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.
5050- حدثنا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ، أخبرنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ، أخبرنا إِسْمَاعِيلُ بنُ أبي خالِدٍ عن قَيْسِ بنِ أبي حَازِمٍ عن أبي بَكْرٍ الصّدّيقِ أَنّهُ قال: "يا أَيّهَا النّاسُ إِنّكُمْ تَقْرَؤنَ هَذِهِ الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} وإني سَمِعْتُ رسولَ الله
ـــــــ
قلت: إما بالوحي وهو الظاهر أو بحكم الفراسة، قاله العيني "لا تسألوا عن أشياء الخ" قال الحافظ: قد تعلق بهذا النهي من كره السؤال عما لم يقع وقد أسنده الدارمي في مقدمة كتابه عن جماعة من الصحابة والتابعين. وقال ابن العربي: اعتقد قوم من الغافلين منع أسئلة النوازل حتى تقع تعلقاً بهذه الآية وليس كذلك لأنها مصرحة بأن المنهي عنه ما تقع المسألة في جوابه، ومسائل النوازل ليست كذلك وهو كما قال إلا أنه أساء في قوله الغافلين على عادته كما نبه عليه القرطبي. وقد روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص رفعه: أعظم المسلمين بالمسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته، وهذا يبين المراد من الآية وليس مما أشار إليه ابن العربي في شيء انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه أحمد والبخاري ومسلم والنسائي.
قوله: "أنه قال يا أيها الناس" وفي رواية أحمد: قام أبو بكر الصديق رضي الله عنه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أيها الناس "إنكم تقرؤون هذه الآية" زاد أبو داود في روايته وتضعونها على غير مواضعها، يعني تجرونها على عمومها وتمتنعون عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مطلقاً وليس كذلك {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} انتصب أنفسكم بعليكم وهو من أسماء الأفعال، أي الزموا إصلاح أنفسكم واحفظوها عن المعاصي، والكاف والميم في عليكم في موضع جر لأن اسم الفعل هو الجار والمجرور لا على وحدها {لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا

(8/422)


صلى الله عليه وسلم يقولُ: "إنّ النّاسَ إِذَا رَأَوْا ظَالِماً فَلَمْ يَأخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمّهُمُ الله بِعِقَابٍ مِنْهُ".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد رَوَاهُ غيرُ وَاحِدٍ، عن إسْمَاعِيلَ بنِ أبي خَالِدٍ نحْوَ هذا الحديثِ مرفوعاً. وَرَوَى بعضهم عن إسماعِيلَ عن قَيْسٍ عن أبي بَكْرٍ قَوْلَهُ وَلَمْ يَرْفَعُوهُ.
5051- حدثنا سَعِيدُ بنُ يَعْقُوبَ الطّالَقَانيّ، حدثنا عَبْدُ الله بنُ المُبَارَكِ، أخبرنا عُتْبَةُ بنُ أبي حَكِيمٍ، أخبرنا عَمْرُو بنُ جَارِيَةَ اللّخْمِيّ
ـــــــ
اهْتَدَيْتُمْ} أي فإذا ألزمتم إصلاح أنفسكم وحفظتموها، لم يضركم إذا عجزتم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضلال من ضل بارتكاب المناهي إذا اهتديتم اجتنابها. وليس في هذه الآية دليل على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا كان فعل ذلك ممكناً "فلم يأخذوا على يديه" أي لم يمنعوه عن ظلمه مع القدرة على منعه أن يعمهم الله بعقاب منه، أي بنوع من العذاب.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه. وقد تقدم هذا الحديث في باب نزول العذاب إذ لم يغير المنكر من أبواب الفتن.
قوله: "وقد رواه غير واحد عن إسماعيل بن أبي خالد نحو هذا الحديث مرفوعاً الخ" قال الحافظ ابن كثير في تفسيره بعد ذكر هذا الحديث: قد روى هذا الحديث أصحاب السنن الأربعة وابن حبان في صحيحه وغيرهم من طرق كثيرة عن جماعة كثيرة عن إسماعيل بن أبي خالد به متصلاً مرفوعاً، ومنهم من رواه عنه به موقوفاً على الصديق، وقد رجح رفعه الدارقطني وغيره.
قوله: "أخبرنا عتبة بن أبي حكيم" الهمداني بسكون الميم أبو العباس الأردني بضم الهمزة والدال بينهما راء ساكنة وتشديد النون، صدوق يخطي كثيراً من السادسة "أخبرنا عمرو بن جارية" بالجيم اللخمي شامي مقبول. وقال في تهذيب

(8/423)


عن أبي أُمَيّةَ الشّعْبَانِيّ قال: أَتيْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيّ فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ تَصْنَعُ في هَذِهِ الآية؟قال: آية آية؟ قلت: قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} قال: "أَمَا والله لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيراً، سَأَلْتُ عَنْهَا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال: "بَلْ ائْتَمِرُوا بِالمَعْرُوفِ، وَتَنَاهَوْا عَنِ المُنْكَرِ، حَتّى إِذَا رَأَيْتَ شُحّا مُطَاعاً،
ـــــــ
التهذيب في ترجمته: يقال إنه عم عتبة بن أبي حكيم، ذكره ابن حبان في الثقات له عندهم حديث واحد من رواية أبي أمية عن أبي ثعلبة: إذا رأيت شحاً مطاعاً الحديث "عن أبي أمية الشعباني" الدمشقي اسمه يحمد بضم التحتانية وسكون المهملة وكسر الميم، وقيل بفتح أوله والميم، وقيل اسمه عبد الله مقبول من الثانية.
قوله: "فقلت له كيف تصنع في هذه الآية" وفي رواية أبي داود: كيف تقول في هذه الآية، يعني ما معنى هذه الآية وما تقول فيها، فإن ظاهرها يدل على أنه لا حاجة إلى الأمر والنهي بل على كل مسلم إصلاح نفسه "أما" بالتخفيف حرف التنبيه "لقد سألت" بفتح التاء بصيغة الخطاب "خبيراً" أي عارفاً وعالماً بمعنى هذه الآية "سألت" بضم التاء بصيغة المتكلم "بل ائتمروا" أي امتثلوا "بالمعروف" أي ومنه الأمر به "وتناهوا" أي انتهوا واجتنبوا "عن المنكر" ومنه الامتناع عن نهيه أو الائتمار بمعنى التآمر، كالاختصام بمعنى التخاصم، ويؤيده التناهي. والمعنى ليأمر بعضكم بالمعروف، وتنه طائفة منكم طائفة عن المنكر.
وقال الطيبي رحمه الله: قوله بل ائتمروا إضراب عن مقدر، أي سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلت أما نترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بناء على ظاهر الآية؟ فقال عليه الصلاة والسلام: لا تتركوا بل ائتمروا بالمعروف الخ "حتى إذا رأيت" أي أيها المخاطب خطاباً عاماً. والمعنى إذا علمت الغالب على الناس "شحاً مطاعاً" أي بخلاً مطاعاً بأن أطاعته نفسك وطاوعه غيرك قاله القاري.

(8/424)


وَهَوًى مُتّبَعاً، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِخَاصّةِ نَفْسِكَ وَدَعِ الْعَوَامّ، فَإِنّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيّاماً الصّبْرُ فِيهِنّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ، لِلعَامِلِ فِيهِنّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلاً يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ". قال عَبْدُ الله بنُ المُبَارَكِ: وَزَادَني غيرُ عُتْبَةَ قِيلَ: يَا رَسُولَ الله أجْرُ خَمْسِينَ رَجُلاً مِنّا أوْ مِنْهُمْ؟ قال: "لاَ، بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ رَجُلاً مِنْكُمْ".
ـــــــ
وفي النهاية: هو أشد البخل، وقيل البخل مع الحرص، وقيل البخل في أفراد الأمور وآحادها، والشح عام، وقيل البخل بالمال والشح بالمال وبالمعروف "وهوى متبعاً" بصيغة المفعول، أي وهوى للنفس متبوعاً. وحاصله أن كلا يتبع هواه "ودنيا" بالقصر وهي عبارة عن المال والجاه في الدار الدنية "موثرة" أي مختارة على أمور الدين "وإعجاب كل ذي رأي برأيه" أي من غير نظر إلى الكتاب والسنة، والإعجاب بكسر الهمزة: هو وجدان الشيء حسناً ورؤيته مستحسناً بحيث يصير صاحبه به معجباً وعن قبول كلام الغير مجنباً وإن كان قبيحاً في نفس الأمر "فعليك نفسك" منصوب وقيل مرفوع، أي فالواجب أو فيجب عليك حفظها من المعاصي. لكن يؤيد الأول وهو أن يكون للإغراء بمعنى الزم خاصة نفسك قوله "ودع العوام" أي اترك أمر عامة الناس الخارجين عن طريق الخواص "فإن من وراءكم أياماً" أي قدامكم من الأزمان الآتية "الصبر فيهن مثل القبض على الجمر" يعني يلحقه المشقة بالصبر في تلك الأيام كمشقة الصابر على قبض الجمر بيده "يعملون مثل عملكم".
وفي رواية أبي داود: يعملون مثل عمله، أي في غير زمانه "قال لا بل أجر خمسين رجلاً منكم" قال في اللمعات: يدل على فضل هؤلاء في الأجر على الصحابة من هذه الحيثية، وقد جاء أمثال هذا أحاديث أخر، وتوجيهه كما ذكروا أن الفضل الجزئي لا ينافي الفضل الكلي.
وقد تكلم ابن عبد البر في هذه المسألة وقال: يمكن أن يجيء بعد الصحابة من هو في درجة بعض منهم أو أفضل ومختار العلماء خلافه انتهى.

(8/425)


هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
5052- حدثنا الْحَسَنُ بنُ أَحْمَدَ بنِ أبي شُعَيْبٍ الْحَرّانِيّ، أخبرنا مُحمّدُ بنُ سَلَمَةَ الْحَرّانِيّ، أخبرنا مُحمّدُ بنُ إسْحَاقَ عن أبي النّضْرِ عن بَاذَانَ مَوْلَى أُمّ هانئ عن ابنِ عَبّاسٍ عن تَمِيمٍ الدّارِيّ في هَذِهِ الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
ـــــــ
وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: ليس هذا على إطلاقه بل هو مبني على قاعدتين:
أحديهما: أن الأعمال تشرف بثمراتها، والثانية أن الغريب في آخر الإسلام كالغريب في أوله وبالعكس، لقوله عليه السلام: "بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبي للغرباء من أمتي" ، يريد المنفردين عن أهل زمانهم.
إذا تقرر ذلك فنقول: الإنفاق في أول الإسلام أفضل لقوله عليه السلام لخالد بن الوليد رضي الله عنه: "لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" ، أي مد الحنطة. والسبب فيه أن تلك النفقة أثمرت في فتح الإسلام وإعلاء كلمة الله ما لا يثمر غيرها، وكذلك الجهاد بالنفوس لا يصل المتأخرون فيه إلى فضل المتقدمين لقلة عدد المتقدمين وقلة أنصارهم، فكان جهادهم أفضل، ولأن بذل النفس مع النصرة ورجاء الحياة ليس كبذلها مع عدمها، ولذلك قال عليه السلام يكون القابض على دينه كالقابض على الجمر لا يستطيع دوام ذلك لمزيد المشقة فكذلك المتأخر في حفظ دينه، وأما المتقدمون فليسوا كذلك لكثرة المعين وعدم المنكر. فعلى هذا يترك الحديث انتهى، كذا في مرقاة الصعود.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أبو داود وابن ماجه وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في شعب الإيمان.
قوله: "عن أبي النضر" اسمه محمد بن السائب بن بشر الكلبي الكوفي النسابة المفسر، متهم بالكذب ورمي بالرفض من السادسة "عن باذان" قال في التقريب: باذام بالذال المعجمة. ويقال آخره نون، أبو صالح، مولى أم هانئ، ضعيف مدلس من الثالثة "عن تميم الداري" صحابي مشهور.

(8/426)


آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} قال: بَرِئ منها النّاسُ غَيْرِي، وَغَيْرَ عَدِيّ بنِ بَدّاءٍ، وكَانَا نَصْرَانِيّيْنِ يَخْتَلِفَانِ إلى الشّامِ قَبْلَ الإسْلاَمِ، فَأَتَيَا الشّامَ لِتَجَارَتِهمَا، وَقَدِمَ عَلَيْهِمَا مَوْلَى لِبَنِي سَهْمٍ يُقَالُ لَهُ بُدَيْلُ بنُ أبي مَرْيَمَ بِتِجَارَةٍ وَمَعَهُ جامٌ مِنْ فِضّةِ يُرِيدُ بِهِ المَلكَ وَهُوَ عُظْمُ تِجَارَتِهِ فَمَرِضَ، فَأَوْصَى إِلَيْهِمَا وَأَمَرَهُمَا أَنْ يُبَلّغَا مَا تَرَكَ أَهْلَهُ.
قال تَمِيمٌ: فَلَمّا مَاتَ أَخَذْنَا ذَلِكَ الْجَامَ فَبِعْنَاهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، ثُمّ اقْتَسَمْنَاهُ أَنَا وَعَدِيّ بنُ بَدّاء، فَلَمّا أَتَيْنَا إلى أَهْلِهِ دَفَعْنَا إِلَيْهِمْ مَا كَانَ مَعَنَا وفَقَدُوا الْجَامَ، فَسَأَلُونَا عَنْهُ، فَقُلْنَا: مَا تَرَكَ غَيْرَ هَذَا وَمَا دَفَعَ إِلَيْنَا غَيْرَهُ.
قال تَمِيمٌ: فَلَمّا أَسْلَمْتُ بَعْدَ قُدُومِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم
ـــــــ
قوله: "قال برئ الناس منها" أي من هذه الآية "غيري وغير عدي بن بداء" بفتح الموحدة وتشديد المهملة مع المد ووقع عند الواقدي: أن عدي بن بداء كان أخا تميم الداري، فإن ثبت فلعله أخوه لأمه أو من الرضاعة لكن في تفسير مقاتل بن حيان أن رجلين نصرانيين من أهل دارين أحدهما تميم و الآخر يماني قاله الحافظ "يختلفان إلى الشام" أي يترددان إليه للتجارة "يقال له بديل ابن أبي مريم" بضم الموحدة وفتح الدال المهملة مصغراً. ووقع في رواية ابن جريج أنه كان مسلماً، وكذا أخرجه بسنده في تفسيره "ومعه جام" بالجيم وتخفيف الميم: أي إناء "يريد به الملك" أي ليبيعه منه "وهو عظم تجارته" بضم العين المهملة وسكون الظاء المعجمة، أي معظم أموال تجارته أو بكسر العين المهملة وفتح الظاء المعجمة. وعظم الشيء كبره "فمرض" أي بديل السهمي "فأوصى إليهما" أي إلى تميم وعدي.
وفي رواية أن السهمي المذكور مرض، فكتب وصيته بيده ثم دسها في متاعه ثم أوصى إليهما "أن يبلغا" من الإبلاغ، أي يوصلا "ما ترك" مفعول أول ليبلغا "أهله" مفعول ثان "فلما مات" أي بديل "وفقدوا الجام" أي

(8/427)


المَدِينَةَ تَأَثّمْتُ مِنْ ذَلِكَ، فَأَتَيْتُ أَهْلَهُ، فَأَخْبَرْتُهُمْ الْخَبَرَ، وَأَدّيْت إِلَيْهِمْ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ، وأَخْبَرْتُهُمْ أَنّ عِنْدَ صَاحِبي مِثْلُهَا، فَأَتَوْا بِهِ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فَسَأَلَهُمْ الْبَيّنَةَ، فَلَمْ يَجِدُوا، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَخلِفُوهُ بِمَا يَعْظُمُ بِهِ علَى أَهْلِ دِينِهِ، فَحَلَفَ، فَأَنْزَلَ الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ - إلى قوله - أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ} .
ـــــــ
فقد أهل بديل الجام المذكور ولم يجدوه في متاعه "تأثمت من ذلك" أي تحرجت منه قال في النهاية: يقال تأثم فلان إذا فعل فعلاً خرج به من الإثم، كما يقال تحرج إذا فعل ما يخرج به من الحرج "عند صاحبي" أي عدي بن بداء "فأتوا" أي أهل بديل "به" أي بعدي بن بداء "فسألهم البينة" أي طلب النبي صلى الله عليه وسلم من أهل بديل البينة على ما أدعوه "فلم يجدوا" أي البينة "أن يستحلفوه" أي عدياً "فحلف" أي عدي.
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} الخ الآية بتمامها مع تفسيرها هكذا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ} ارتفع اثنان لأنه خبر المبتدأ بتقدير المضاف أي شهادة بينكم حينئذ شهادة اثنين أو فاعل شهادة بينكم على أن خبرها محذوف أي فيما نزل عليكم أن يشهد بينكم اثنان. وأضاف الشهادة إلى البين توسعاً لأنها جارية بينهم، { وَإِذَا حَضَرَ} : ظرف للشهادة، وحين الوصية: بدل منه، {ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} : يعني من أهل دينكم وملتكم يا معشر المؤمنين. وقيل معناه من أقاربكم وهما صفتان لاثنان.
واختلفوا في هذين الاثنين، فقيل هما الشاهدان اللذان يشهدان على وصية الموصي، وقيل هما الوصيان لأن الآية نزلت فيهما ولأنه قال تعالى: فيقسمان بالله. والشاهد لا يلزمه يمين وجعل الوصي اثنين تأكيداً، فعلى هذا تكون الشهادة بمعنى الحضور كقولك شهدت وصية فلان بمعنى حضرت، أو آخران: كائنان من غيركم يعني من غير أهل دينكم وملتكم وهم الكفار، وقيل من غير عشيرتكم وقبيلتكم

(8/428)


ـــــــ
وهم مسلمون، والأول هو الأنسب بسياق الآية، وبه قال أبو موسى الأشعري وابن عباس وغيرهما، فيكون في الآية دليل على جواز شهادة أهل الذمة على المسلمين في السفر في خصوص الوصايا كما يفيده النظم القرآني. ويشهد له السبب للنزول، فإذا لم يكن مع الموصي من يشهد على وصيته فليشهد رجلان من أهل الكفر فإذا قدما وأديا الشهادة على وصيته حلفا بعد الصلاة أنهما ما كذبا ولا بدلا وأن ما شهد به حق فيحكم حينئذ بشهادتهما فإن عثر: بعد ذلك: على أنهما، كذبا أو خانا حلف رجلان من أولياء الموصي وغرم الشاهدان الكافران ما ظهر عليهما من خيانة أو نحوها، هذا معنى الآية عند من تقدم ذكره. وبه قال سعيد بن المسيب ويحيى بن يعمر وسعيد بن جبير وأبو مجلز والنخعي وشريح وعبيدة السلماني وابن سيرين ومجاهد وقتادة والسدي والثوري وأبو عبيدة وأحمد بن حنبل، وذهب إلى الثاني أعني تفسير ضمير منكم بالقرابة أو العشيرة.
وتفسير غيركم بالأجانب الزهري والحسن وعكرمة، وذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وغيرهم من الفقهاء إلى أن الآية منسوخة، واحتجوا بقوله {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} وقوله {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} والكفار ليسوا بمرضيين ولا عدول، وخالفهم الجمهور فقالوا الآية محكمة وهو الحق لعدم وجود دليل صحيح على النسخ.
وأما قوله تعالى: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} وقوله: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} وفهما عامان في الأشخاص والأزمان والأحوال، وهذه الآية خاصة بحالة الضرب في الأرض والوصية وبحالة عدم الشهود المسلمين، ولا تعارض بين خاص وعام {إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ} أي سافرتم، والظاهر أن هذا الشرط قيد في قوله آخران من غيركم فقط. والمعنى ينبغي أن يشهد اثنان منكم فإن تعذر كما في السفر فمن غيركم وقيل هو قيد في أصل شهادة وذلك أنسب على تقدير تفسير الآية باتخاذ الوصيين في الأرض {فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ} يعني فنزل بكم أسباب الموت فأوصيتم إليهما ودفعتم ما لكم إليهما، ثم ذهبا إلى ورثتكم بوصيتكم وبما تركتم فارتابوا في أمرهما وادعوا عليهما خيانة، فالحكم فيه أنكم تحبسونهما: أي توقفونهما وهو استئناف كلام أو صفة لقوله أو آخران من غيركم أي وآخران من غيركم محبوسان

(8/429)


ـــــــ
والشرط بجوابه المحذوف المدلول عليه وآخران من غيركم اعتراض بين الصفة والموصوف من بعد الصلاة أي من بعد صلاة العصر، وبه قال عامة المفسرين. ووجهه ذلك أن هذا الوقت كان معروفاً عندهم بالتحليف بعدها فالتقييد بالمعروف المشهور أغنى عن التقييد باللفظ مع ما عند أهل الكفر بالله من تعظيم ذلك الوقت وذلك لقربه من غروب الشمس، فيقسمان: أي الشاهدان على الوصية أو الوصيان بالله إن ارتبتم أي إن شككتم في شأنهما واتهمتموهما فحلفوهما، وبهذا يحتج من يقول الآية نازلة في إشهاد الكفار لأن تحليف الشاهد المسلم غير مشروع.
ومن قال الآية نازلة في حق المسلم قال إنها منسوخة، وقوله إن ارتبتم: اعتراض بين يقسمان وجوابه وهو لا نشتري به أي بالقسم ثمناً: أي لا نعتاض عنه بعوض قليل من الدنيا الفانية الزائلة، ولو كان ذا قربى: أي ولو كان المشهود له أو المقسم له ذا قرابة منا، ولا نكتم شهادة الله: إنما أضاف الشهادة إلى الله سبحانه لأنه أمر بإقامتها ونهى عن كتمانها {إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ} يعني إن كتمنا الشهادة أو خنا فيها، {فَإِنْ عُثِرَ}: يقال عثر على كذا اطلع عليه ويقال عثرت منه على خيانة أي اطلعت وأعثرت غيري عليه ومنه قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ} وأصل العثور: الوقوع والسقوط على الشيء، وقيل الهجوم على شيء لم يهجم عليه غيره وكل من اطلع على أمر كان قد خفي عليه قيل له قد عثر عليه. والمعنى أنه إذا اطلع وظهر بعد التحليف على أنهما أي الشاهدين أو الوصيين على الخلاف في أن الاثنين وصيان أو شاهدان على الوصية استحقا إثماً: أي فعلاً ما يوجبه من خيانة أو كذب في الشهادة بأن وجد عندهما مثلاً ما اتهما به وادعيا أنهما ابتاعاه من الميت أو أوصى لهما به، فآخران أي فشاهدان آخران أو فحالفان آخران من أولياء الميت، يقومان مقامهما: أي مقام الذين عثر على أنهما استحقا إثماً: فيشهدان أو يحلفان على ما هو الحق، من الذين استحق عليهم: على البناء للفاعل قراءة علي وابن عباس وأبي رضي الله عنهم، أي من أهل الميت الذين استحق عليهم الأوليان من بينهم أي الأقربان إلى الميت الوارثان له الأحقان بالشهادة ومفعول استحق محذوف، أي استحقا عليهم أن يجردوهما للقيام بالشهادة لأنها حقهما ويظهروا بها كذب الكاذبين، وهما في الحقيقة الآخران القائمان مقام الأولين على وضع المظهر مقام المضمر، وقرئ على البناء للمفعول وهو الأظهر أي من الذين استحق عليهم

(8/430)


فَقَامَ عَمْرُو بنُ الْعَاصِ وَرَجُلٌ آخَرُ فَحَلَفَا، فَنُزِعَتْ الْخَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ منْ عَدِيّ بنِ بَدّاءٍ.
هذا حديثٌ غريبٌ وليس إسْنَادُهُ بصَحِيحٍ. وأبو النّضْرِ الذي رَوَى عَنْهُ مُحمّدُ بنُ إسْحَاقَ هذا الحديثَ هُوَ عِنْدِي مُحمّدُ بنُ السّائِبِ الْكَلْبيّ يُكْنَى أَبَا النّضْرِ، وقد تَرَكَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بالحديثِ، وَهُوَ صَاحِبُ التّفْسِيرِ، سَمَعْتُ مُحمّدَ بنَ إسْمَاعِيلَ يقولُ: مُحمّدُ بنُ سَائِبٍ الْكَلْبِيّ يُكْنَى أَبَا النّضْرِ ولا نَعْرِفُ لِسَالِمِ أبي النّضْرِ المَدِنِيّ رِوَايَةً عن أبي صالحٍ مَوْلَى أُمّ هانئ.
ـــــــ
الإثم أي جنى عليهم وهم أهل الميت وعشيرته. فالأوليان مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف كأنه قيل ومنهما فقيل الأوليان أو هو بدل من الضمير في يقومان أو من آخران، {فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ}: أي فيحلفان على خيانة الشاهدين ويقولان، {لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا} : يعني أيماننا أحق وأصدق من أيمانهما، وما اعتدينا: أي ما تجاوزنا الحق في أيماننا، وقولنا إن شهادتنا أحق من شهادة هذين الوصيين الخائنين، {إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ}: أي إن حلفنا كاذبين، ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها: يعني ذلك الذي حكمنا به من رد اليمين على أولياء الميت بعد أيمانهم أقرب أن يأتوا بالشهادة على وجهها، يعني أن يأتي الوصيان وسائر الناس بالشهادة على وجهها الذي تحملوها عليه من غير تحريف ولا خيانة، {أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ} : أي وأقرب أن يخافوا أن ترد الأيمان على أولياء الميت فيحلفوا على خيانتهم وكذبهم فيفتضحوا أو يغرموا فربما لا يحلفون كاذبين إذا خافوا هذا الحكم، {وَاتَّقُوا اللَّهَ} : بترك الخيانة والكذب، {وَاسْمَعُوا} : ما تؤمرون به سماع قبول، {وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} : الخارجين عن طاعته إلى سبيل الخير "فقام عمرو بن العاص ورجل آخر" سمي مقاتل بن سليمان في تفسيره الآخر المطلب بن أبي وداعة، وهو سهمى أيضاً.
قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه ابن أبي حاتم وابن جرير "ولا نعرف لسالم أبي النضر المديني رواية عن أبي صالح مولى أم هانئ" مقصود

(8/431)


وقد رُوِيَ عن ابنِ عَبّاسٍ شَيْءٌ من هذا عَلَى الاخْتِصَارِ من غيرِ هذا الْوَجْهِ.
5053- حدثنا سُفْيَانُ بنُ وَكِيعٍ، أخبرنا يَحْيَى بنُ آدَمَ، عن ابنِ أبي زَائِدَةَ، عن مُحمّدِ بنِ أبي الْقَاسِمِ، عن عبدِ المَلِكِ بنِ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن أبِيهِ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: "خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَهْمٍ مَعَ تَمِيمَ الّدارِيّ وَعَدِيّ بنِ بَدّاءٍ، فَمَاتَ السّهْمِيّ بِأَرْضِ لَيْسَ فِيهَا مُسْلِمٌ، فَلَمّا قَدِمَا بِتَرِكَتِهِ فَقَدُوا جاماً مِنْ فِضّةٍ مُخَوّصاً بِالذَهَبِ، فَأَحْلَفَهُمَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، ثُمّ وَجَدُوا الْجَامَ بِمَكّةَ، فَقِيلَ: اشْتَرَيْنَاهُ مِنْ تَمِيمٍ وَعَدِيَ، فَقَامَ رَجُلاَنِ مِنْ أَوْلِيَاءِ السّهْمِيّ فَحَلَفَا بالله لَشَهَادَتُنَا أَحْقّ مِنْ شِهَادَتِهِمَا، وَإِنّ الْجَامَ لِصَاحِبِهِمْ. قال: وَفِيهِمْ نَزَلَتْ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ
ـــــــ
الترمذي أن أبا النضر الذي وقع في إسناد هذا الحديث هو محمد بن السائب الكلبي، فإن روايته عن باذان أبي صالح معروفة، وليس أبو النضر هذا سالماً أبا النضر المديني لأنه لا يعرف له رواية عن باذان أبي صالح مولى أم هاني.
قوله: "عن ابن أبي زائدة" هو يحيى بن زكريا "عن محمد بن أبي القاسم" الطويل الكوفي، ثقة من السادسة.
قوله: "خرج رجل من بني سهم" هو بديل بن أبي مريم، المذكور في الحديث المتقدم "مع تميم الدارمي" يعني قبل أن يسلم هو كما تقدم، وعلى هذا فهو من مرسل الصحابي، لأن ابن عباس لم يحضر هذه القصة وفي الرواية المتقدمة أنه رواها عن تميم نفسه. ويحتمل أن تكون القصة وقعت قبل الإسلام ثم تأخرت المحاكمة حتى أسلموا كلهم، فإن في القصة ما يشعر بأن الجميع تحاكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلعلها كانت بمكة سنة الفتح "مخوصاً" بضم الميم وفتح الخاء المعجمة والواو المشددة وفي آخر وصاد مهملة. قال ابن الجوزي: صيغت فيه صفائح مثل الخوص من الذهب معناه منقوشاً فيه خطوط دقاق طوال كالخوص وهو ورق النخل "من أولياء السهمي" أي من أولياء السهمي المذكور الذي مات.

(8/432)


بَيْنِكُمْ} ". هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، وَهُوَ حديثُ ابنُ أبي زَائِدَةَ.
5054- حدثنا الْحَسَنُ بنُ قَزَعَةَ الْبَصْرِيّ، أخبرنا سُفْيَانُ بنُ حَبِيبٍ، حدثنا سَعِيدٌ عن قَتَادَةَ، عن خِلاَسِ بنِ عَمْرٍو عن عَمّارِ بنِ يَاسِرٍ قال: قال رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أُنْزِلَتْ الْمَائِدَةُ مِنْ السّماءِ خُبْزاً وَلَحْماً، وَأُمِرُوا أَنْ لا يَخُونُوا ولا يَدّخِرُوا لِغَدٍ، فَخَانُوا وَادّخَرُوا وَرَفَعُوا لِغَدٍ، فَمُسِخُوا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ" .
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أبو داود في القضايا، وأخرجه البخاري في صحيحه فقال: وقال لي علي بن عبد الله: يعني ابن المديني فذكره، قال الحافظ: أخرجه المصنف يعني البخاري في التاريخ فقال حدثنا علي بن المديني وهذا مما يقوي ما قررته غير مرة من أنه يعبر بقوله وقال لي في الأحاديث التي سمعها، لكن حيث يكون في إسنادها عنده نظر أو حيث تكون موقوفة وأما من زعم أنه يعبر بها فيما أخذه في المذاكرة أو بالمناولة فليس عليه دليل.
قوله: "حدثنا الحسن بن قزعة" بفتح قاف وسكون زاي وفتحها وبعين مهملة: ابن عبيد الهاشمي أبو علي البصري صدوق من العاشرة "أخبرنا سفيان بن حبيب البصري البزاز أبو محمد"، وقيل غير ذلك ثقة من التاسعة "حدثنا سعيد" هو ابن أبي عروبة "عن خلاس بن عمرو" بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام ثقة، وقد صح أنه سمع من عمار.
قوله: "أنزلت المائدة" قال الراغب: المائدة الطبق الذي عليه الطعام ويقال لكل منهما مائدة، أي على الحقيقة المشتركة أو على أحدهما مجازاً باعتبار المجاورة أو بذكر المحل وإرادة الحال "خبزاً ولحماً" تمييز "وأمروا" بصيغة المجهول "ولا يدخروا" بتشديد الدال المهملة المبدلة من الذال المعجمة من باب الافتعال من الذخيرة وهو التخبية "لغد" أي ليوم عقب يوم نزول المائدة أو لوقت مستقبل بعده "فمسخوا" أي فغير الله صورهم الإنسانية بعد تغيير سيرتهم الإنسية "قردة وخنازير" منصوبان على أنهما مفعول ثان على ما يستفاد من القاموس حيث قال

(8/433)


هذا حديثٌ غريبٌ. وَرَوَاهُ أَبُو عَاصِمٍ وغيرُ وَاحِدٍ عن سَعِيدِ بنِ أبي عَرُوبَةَ، عن قَتَادَةَ عن خِلاَسٍ، عن عَمّارِ بن ياسر موقوفاً، ولا نَعْرِفُهُ مرفوعاً إِلاّ من حديثِ الْحَسَنِ بنِ قَزَعَةَ.
5055- حدثنا حُمَيْدُ بنُ مَسْعَدَةَ أخبرنا سُفْيَانُ بنُ حَبِيبٍ، عن سَعِيدِ بنِ أبي عَرُوبَةَ نحْوَهُ ولم يَرْفَعْهُ. وهذا أَصَحّ من حديثِ الْحَسَنِ بنِ قَزَعَةَ، ولا نَعْلَمُ للحديثِ المرفوعِ أصْلاً.
ـــــــ
مسخه كمنعه حول صورته إلى أخرى أقبح ومسخه الله قرداً فهو مسخ ومسيخ. وقال الطيبي حالان مقدرتان كقوله تعالى {وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً} قيل الظاهر أن شبابهم مسخوا قردة وشيوخهم خنازير.
قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه ابن أبي حاتم وابن جرير "رواه أبو عاصم" اسمه الضحاك بن مخلد النبيل.
تنبيه: ذكر الترمذي حديث عمار المذكور في تفسير قوله تعالى {قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ} .
قال الحافظ ابن كثير في تفسيره بعد ذكر عدة آثار عن ابن عباس وغيره رضي الله عنهم ما لفظه: وكل هذه الآثار دالة على أن المائدة نزلت على بني إسرائيل أيام عيسى ابن مريم إجابة من الله لدعوته، وكما دل على ذلك ظاهر هذا السياق من القرآن العظيم. قال الله إني منزلها عليكم الآية.
وقال قائلون: إنها لم تنزل فروى ليث بن أبي سليم عن مجاهد في قوله: {أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ} قال هو مثل ضربه الله ولم ينزل شيء رواه ابن أبي حاتم وابن جرير. وقال حدثنا ابن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن منصور بن زاذان عن الحسن أنه قال في المائدة إنها لم تنزل، وهذه أسانيد صحيحة إلى مجاهد والحسن. وقد يتقوى ذلك بأن خبر المائدة لا تعرفه النصارى وليس هو في كتابهم، ولو كانت قد نزلت لكان ذلك مما يتوفر الدواعي على نقله وكان يكون موجوداً في كتابهم متواتراً، ولا أقل من الآحاد، ولكن الجمهور على أنها

(8/434)


5056- حدثنا ابنُ أبي عُمَرَ، أخبرنا سُفْيَانُ بن عيينة عن عَمْرِو بنِ دِينَارٍ عن طَاوُسٍ عن أبي هُرَيْرَةَ قال: "يُلَقّى عِيسَى حُجّتَهُ فَلَقّاهُ الله في قوله: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} قال أبو هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فَلَقّاهُ الله:
ـــــــ
نزلت، وهو الذي اختاره ابن جرير قال لأن الله تعالى أخبر نزولها في قوله تعالى: {إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ} قال ووعد الله ووعيده حق وصدق، وهذا القول والله أعلم هو الصواب كما دلت عليه الأخبار والآثار عن السلف وغيرهم: انتهى كلامه باختصار يسير.
قوله: "يلقى عيسى حجته" أي يعلم وينبه عليها {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ} اختلف المفسرون في وقت هذا القول، فقال السدي، قال الله يا عيسى هذا القول حين رفعه إلى السماء بدليل أن حرف إذ يكون للماضي. وقال سائر المفسرين: إنما يقول الله له هذا القول يوم القيامة بدليل قوله {يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ} وذلك يوم القيامة وبدليل قوله {هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} وذلك يوم القيامة. وأجيب عن حرف إذ، بأنها قد تجيء بمعنى إذا كقوله {وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا} يعني إذا فزعوا وقال الراجز:
ثم جزاك الله عني إذ جزى ... جنات عدن في السموات العلى
{أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} استفهام ومعناه الإنكار والتوبيخ لمن ادعى ذلك على عيسى عليه السلام من النصارى، لأن عيسى عليه السلام لم يقل هذه المقالة، فإن قلت: إذا كان عيسى عليه السلام لم يقلها فما وجه هذا السؤال له مع علمه بأنه لم يقله؟
قلت: وجه هذا السؤال تثبيت الحجة على قومه وإكذاب لهم في إدعائهم ذلك عليه وأنه أمرهم به فهو كما يقول القائل الآخر، أفعلت كذا وهو يعلم أنه لم يفعله وإنما أراد تعظيم ذلك الفعل فنفى عن نفسه هذه المقالة وقال: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} فاعترف بالعبودية وأنه ليس بإله كما زعمت وادعت فيه النصاري.

(8/435)


{سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ} " الآية كلّهَا.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
5057- حدثنا قُتَيْبَةُ، أخبرنا عَبْدُ الله بنُ وَهْبٍ، عن حُيَيّ، عن أبي عَبْدِ الرّحْمَنِ الْحُبُلِيّ عن عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو قال: "آخِرُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ سُورَةُ الْمَائِدَةِ "وَالْفَتْحُ".
ـــــــ
"قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم" أي قال رواية عنه صلى الله عليه وسلم "فلقاه الله" أي علمه الله {سُبْحَانَكَ} أي تنزيهاً لك عما لا يليق بك من الشريك وغيره {مَا يَكُونُ لِي} أي ما ينبغي لي { أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ} أي أن أقول قولاً لا يحق لي أن أقول "الآية كلها" بالنصب أي أتمها كلها وبقية الآية مع تفسيرها هكذا {إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ} أي إن صح أني قلته فيما مضى فقد علمته. والمعنى أني لا احتاج إلى الإعتذار لأنك تعلم أني لم أقله ولو قلته علمته، لأنك {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} . أي تعلم ما أخفيه في نفسي ولا أعلم ما تخفيه من معلوماتك إنك أنت علام الغيوب، تقرير للجملتين معاً لأن ما انطوت عليه النفوس من جملة الغيوب ولأن ما يعلم علام الغيوب لا ينتهي إليه علم أحد.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه ابن أبي حاتم.
قوله: "عن حيى" بضم الحاء المهملة وياءين من تحت الأولى مفتوحة هو ابن عبد الله بن شريح المعافري المصري، صدوق يهم من السادسة.
قوله: "آخر سورة أنزلت سورة المائدة والفتح" قال السيوطي في الإتقان يعني إذا جاء نصر الله ويدل على ذلك قول ابن عباس الآتي آخر سورة أنزلت {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} .
فإن قلت: ما وجه التوفيق بين حديث عبد الله بن عمرو هذا وبين ما رواه الشيخان عن البراء بن عازب قال: آخر آية نزلت {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ} ، وآخر سورة نزلت براءة.
قلت: قال البيهقي يجمع بين هذه الاختلافات بأن كل واحد أجاب بما عنده.

(8/436)


هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. ورُوِيَ عن ابنِ عَبّاسٍ أَنّهُ قال: "آخِرُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} .
ـــــــ
وقال القاضي أبو بكر في الانتصار: هذه الأقوال ليس فيها شيء مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكل قاله بضرب من الاجتهاد وغلبة الظن.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الحاكم "وقد روي عن ابن عباس أنه قال الخ" وصله مسلم.

(8/437)


وَمِنْ سُورةِ الأنعام
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
5058- حدثنا أَبُو كُرَيْبٍ أخبرنا مُعَاوِيَةُ بنُ هِشَامٍ، عن سُفْيَانَ عن أبي إِسْحَاقَ، عن نَاجِيَةَ بنِ كَعْبٍ، عن عَلِي أَنّ أَبَا جَهْلٍ قال لِلنّبِيّ صلى الله عليه وسلم: إِنّا لا نُكَذّبُكَ وَلَكِنْ نكَذّبُ بِمَا جِئْتَ بِهِ، فأَنْزَلَ الله تَعَالَى: {فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} .
ـــــــ
وَمِنْ سُورةِ الأنعام
هي مكية إلا ست آيات نزلت بالمدينة هي: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} إلى آخر ثلاث آيات {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} إلى آخر ثلاث آيات وهي مائة وخمس أو ست وستون آية
قوله: "عن ناجية بن كعب" الأسدي ثقة من الثالثة.
قوله: "إنا لا نكذبك بل نكذب بما جئت به" أي لا نكذبك لأنك صادق ولكن نحسدك فبسببه نجحد بآيات الله: كذا في المجمع، فأنزل الله تعالى {فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ} وقبله {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ} قال في تفسير الجلالين قد للتحقيق، نعلم أنه: أي الشأن ليحزنك الذي يقولون لك من التكذيب فإنهم لا يكذبونك في السر لعلمهم أنك صادق، وفي قراءة بالتخفيف، أي لا ينسبونك

(8/437)


5059- حدثنا إسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ، أخبرنا عبدُ الرّحمَنِ بنُ مَهْدِيّ عن سُفْيَانَ عن أبي إسْحَاقَ عن نَاجِيَةَ، أَنّ أَبَا جَهْلٍ قال لِلنّبيّ صلى الله عليه وسلم، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، ولَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عن عَلِيّ، وهذا أَصَحّ.
5060- حدثنا ابنُ أبي عُمَرَ، أخبرنا سُفْيَانُ عن عَمْرِو بنِ دِينَارٍ سَمِعَ جابِرَ بنَ عَبدِ الله يقولُ: "لَمّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآية: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} ، قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "أَعُوذُ بِوَجْهِكَ" ، فَلَمّا نَزَلَتْ: {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: هَاتَانَ أَهْونُ، أَوْ هَاتَانِ أَيْسَرُ". هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
إلى الكذب {وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ} وضعه موضع الضمير {بِآيَاتِ اللَّهِ} أي القرآن، {يَجْحَدُونَ} يكذبون.
قوله: "وهذا أصح" أي الإسناد الثاني بترك ذكر على أصح من الإسناد الأول. وحديث علي هذا أخرجه الحاكم أيضاً. وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
قوله: {عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ} أي من السماء كالحجارة والصيحة {أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} كالخسف والرجفة. "أعوذ بوجهك" وفي رواية: أعوذ بوجهك الكريم. فلما نزلت {يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً} أي يخلطكم فرقاً مختلفة الأهواء {وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} أي بالقتال "هاتان" أي خصلة الالتباس وخصلة إذاقة بعضهم بأس بعض "أهون" من بعث العذاب من الفوق أو من التحت "أو هاتان أيسر" شك من الراوي.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري والنسائي وابن حبان وابن جرير وابن مردويه.

(8/438)


5061- حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَرَفَةَ، عن إسماعِيلَ بنِ عَيّاشٍ، عن أبي بَكْرٍ بنِ أبي مَرْيَمَ الْغَسّانيّ عن رَاشِدِ بنِ سَعْدٍ عن سَعْدِ بنِ أبي وَقّاصٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم في هَذِهِ الآية: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} ، فقالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "أَمَا إِنّها كَائِنَةٌ وَلَمْ يَأْتِ تَأْوِيلُهَا بَعْدُ" .
ـــــــ
قوله: "عن راشد بن سعد" المقرئ بفتح الميم وسكون القاف وفتح الراء بعدها همزة ثم ياء النسب الحمصي، ثقة كثير الإرسال من الثالثة.
قوله: "أما" بالتخفيف حرف التنبيه "إنها" أي الخصلة المذكورة من بعث العذاب من الفوق أو التحت "كائنة" واقعة فيما بعد "ولم يأت تأويلها" أي عاقبة ما فيها من الوعيد "بعد" بالبناء على الضم يعني إلى الاَن.
فإن قيل هذا الحديث صريح في أن الرجم والخسف كائنان في هذه الأمة، وحديث جابر المذكور يستفاد منه أنهما لا يقعان لأن النبي صلى الله عليه وسلم استعاذ منهما. وقد روى ابن مردويه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "دعوت الله أن يرفع عن أمتي أربعاً، فرفع عنهم ثنتين وأبى أن يرفع عنهم اثنتين، دعوت الله أن يرفع عنهم الرجم من السماء والخسف من الأرض وأن لا يلبسهم شيعاً ولا يذيق بعضهم بأس بعض فرفع الله عنهم الخسف والرجم، وأبي أن يرفع عنهم الآخريين"، فما وجه التوفيق.
يقال: إن الإعاذة المذكورة في حديث جابر وغيره مقيدة بزمان مخصوص وهو وجود الصحابة والقرون الفاضلة، وأما بعد ذلك فيجوز وقوع ذلك فيهم ويحتمل في طريق الجمع أن يكون المراد أن ذلك لا يقع لجميعهم وإن وقع لأفراد منهم غير مقيدة بزمان كما في خصلة العدو الكافر والسنة العامة، فإنه ثبت في صحيح مسلم من حديث ثوبان رفعه في حديث: "إن الله زوى لي مشارق الأرض ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها الحديث وفيه: وإني سألت ربي أن لا يهلك أمتي بسنة عامة وأن لا يسلط عليهم عدواً من غير أنفسهم وأن لا يلبسهم شيعاً ويذيق بعضهم بأس بعض فقال يا محمد: إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك

(8/439)


هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
5062- حدثنا عَلِيّ بنُ خَشْرَمٍ، أخبرنا عَيِسَى بنُ يُونُسَ، عن الأعمَشِ، عن إِبراهِيمَ، عن عَلْقَمَةَ، عن عبدِ الله قال: "لَمّا نَزَلَتْ: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} شَقّ ذَلِكَ عَلَى المُسْلِمِينَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله وَأَيّنَا لا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ قال: "لَيْسَ ذَلِكَ، إِنّمَا هو الشّرْكُ، أَلَمْ تَسْمَعُوا
ـــــــ
لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدواً من غيرهم يستبيح بيضتهم حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً". وأخرج الطبري من حديث شداد نحوه بإسناد صحيح، فلما كان تسليط العدو الكافر قد يقع على بعض المؤمنين لكنه لا يقع عموماً فكذلك الخسف والقذف، هذا تلخيص ما في الفتح.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد.
قوله: "عن إبراهيم" هو النخعي "عن علقمة" هو ابن قيس "عن عبد الله" هو ابن مسعود.
قوله: "لما نزلت" بالتأنيث لكون ما بعده من فاعله آية، والتقدير لما أنزلت آية {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا} بكسر الموحدة، أي لم يخلطوا، تقول لبست الأمر بالتخفيف ألبسه بالفتح في الماضي والكسر في المستقبل، أي خالطته. وتقول لبست الثوب ألبسه بالكسر في الماضي والفتح في المستقبل والمصدر من الأول لبس بفتح اللام، ومن الثاني لبس بالضم {إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} أي لم يخلطوه بالشرك. قال محمد بن إسماعيل التيمي في شرحه: خلط الإيمان بالشرك لا يتصور، فالمراد أنهم لم تحصل لهم الصفتان: كفر متأخر عن إيمان متقدم أي لم يرتدوا أو يحتمل أن يراد أنهم لم يجمعوا بينهما ظاهراً أو باطناً، أي لم ينافقوا، وهذا أوجه كذا في الفتح "شق ذلك على المسلمين" أي الصحابة رضي الله عنهم، ظناً منهم أن المراد بالظلم مطلق المعاصي كما يتبادر إلى الفهم لا سيما من التنكير الذي يفيد العموم "وأينا" كلام إضاف مبتدأ وقوله "لا يظلم نفسه" خبره "قال" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "ليس ذلك" أي ليس معناه كما فهمتم "إنما هو" أي الظلم

(8/440)


مَا قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ: {يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
5063- حدثنا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ أخبرنا إسْحَاقُ بنُ يُوسُفَ الأزْرَقُ، أخبرنا دَاوُدُ ابنُ أبي هِنْدٍ، عن الشّعْبِيّ عن مَسْرُوقٍ قال: "كُنْتُ مُتّكِئاً عِنْدَ عائِشَةَ، فقالَتْ: يَا أَبَا عائِشَةَ، ثَلاَثٌ مَنْ تَكَلّمَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنّ فَقَدْ أعْظَمَ الْفِرْيَةَ عَلَى الله: مَنْ زَعَمَ أَنّ مُحمّداً رَأَى رَبّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ الِفِرْيَةَ عَلَى الله، والله يقولُ: {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ
ـــــــ
"الشرك" ففي التنكير إشارة إلى أن المراد أي نوع من الكفر أو أريد به التعظيم أي بظلم عظيم "ألم تسمعوا ما قاله لقمان لابنه إلخ" ظاهر هذا أن الآية التي في لقمان كانت معلومة عندهم ولذلك نبههم عليها، ووقع في رواية للبخاري فأنزل الله عز وجل {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} . قال الحافظ: يحتمل أن يكون نزولها وقع في الحال فتلاها عليهم ثم نبههم فتلتئم الروايتان.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله: "فقالت يا أبا عائشة" هو كنية مسروق "ثلاث" أي ثلاث كلمات "فقد أعظم الفرية" بكسر الفاء وسكون الراء، أي الكذب، يقال فرى الشيء يفريه فرياً، وافتراه يفتريه افتراء: إذا اختلفه، وجمع الفرية فرى "من زعم أن محمداً رأى ربه أي ليلة الإسراء فقد أعظم الفرية على الله" هذا هو مذهب عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ير الله سبحانه وتعالى ليلة الإسراء.
قال الحافظ: قد اختلف السلف في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه، فذهبت عائشة وابن مسعود إلى إنكارها واختلف عن أبي ذر، وذهب جماعة إلى إثباتها وحكى عبد الرزاق عن معمر عن الحسن أنه حلف أن محمداً رأى ربه. وأخرج ابن خزيمة عن عروة بن الزبير إثباتها وكان يشتد عليه إذا ذكر له إنكار عائشة وبه قال سائر أصحاب ابن عباس، وجزم به كعب الأخبار والزهري وصاحبه معمر

(8/441)


ـــــــ
وآخرون وهو قول الأشعري وغالب أتباعه ثم اختلفوا. هل رآه بعينه أو بقلبه؟ وعن أحمد كالقولين.
قال الحافظ: جاءت عن ابن عباس أخبار مطلقة وأخرى مقيدة، فيجب حمل مطلقها على مقيدها فمن ذلك ما أخرجه النسائي بإسناد صحيح وصححه الحاكم أيضاً من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم والكلام لموسى والرؤية لمحمد. وأخرجه ابن خزيمة بلفظ: إن الله اصطفى إبراهيم بالخلة الحديث. وأخرج ابن إسحاق من طريق عبد الله بن أبي سلمة أن ابن عمر أرسل إلى ابن عباس: هل رأى محمد ربه، فأرسل إليه أن نعم. ومنها ما أخرجه مسلم من طريق أبي العالية عن ابن عباس في قوله تعالى {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} قال رأى ربه بفؤاده مرتين، وله من طريق عطاء عن ابن عباس قال: رآه بقلبه. وأصرح من ذلك ما أخرجه ابن مردويه من طريق عطاء أيضاً عن ابن عباس قال: لم يره رسول الله صلى الله عليه وسلم بعينه إنما رآه بقلبه.
وعلى هذا فيمكن الجمع بين إثبات ابن عباس ونفي عائشة بأن يحمل نفيها على رؤية البصر وإثباته على رؤية القلب، ثم المراد برؤية الفؤاد رؤية القلب لا مجرد حصول العلم لأنه صلى الله عليه وسلم كان عالماً بالله على الدوام بل مراد من أثبت له أنه رآه بقلبه أن الرؤية التي حصلت له خلقت في قلبه كما يخلق الرؤية بالعين لغيره، والرؤية لا يشترط لها شيء مخصوص عقلاً ولا جرت العادة بخلقها في العين.
وروى ابن خزيمة بإسناد قوي عن أنس قال: رأى محمد ربه. وعند مسلم من حديث أبي ذر أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: نور أني أراه، ولأحمد عنه قال: رأيت نوراً، ولابن خزيمة عنه قال: رآه بقلبه ولم يره بعينه. وبهذا يتبين مراد أبي ذر بذكره النور، أي أن النور حال بين رؤيته له ببصره وقد رجح القرطبي في المفهم قول الوقف في هذه المسألة وعزاه لجماعة من المحققين وقواه بأنه ليس في الباب دليل قاطع. وغاية ما استدل به للطائفتين ظواهر متعارضة قابلة للتأويل، قال: وليست المسألة من العمليات فيكتفي فيها بالأدلة الظنية وإنما هي من المعتقدات فلا يكتفي فيها إلا بالدليل القطعي، وجنح ابن خزيمة في كتاب التوحيد إلى ترجيح الإثبات وأطنب في الاستدلال له بما يطول ذكره، وحمل ما ورد عن ابن عباس على أن الرؤيا وقعت مرتين: مرة

(8/442)


اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ}
ـــــــ
بقلبه، وفيما أوردته من ذلك مقنع، وممن أثبت الرؤية لنبينا صلى الله عليه وسلم الإمام أحمد، فروى الخلال في كتاب السنة عن المروزي.
قلت لأحمد: إنهم يقولون إن عائشة قالت من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، فبأي شيء يدفع قولها بقول النبي صلى الله عليه وسلم رأيت ربي قول النبي صلى الله عليه وسلم.......1 أكبر من قولها. وقد أنكر صاحب الهدى على من زعم أن أحمد قال رأى ربه بعيني رأسه قال وإنما قال: مرة رأى محمد ربه، وقال مرة بفؤاده، وحكى عنه بعض المتأخرين رآه بعيني رأسه، وهذا من تصرف الحاكي فإن نصوصه موجودة انتهى كلام الحافظ. والله يقول: {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} وجه الاستدلال بها أن الله عز وجل نفى أن تدركه الأبصار، وعدم الإدراك يقتضي نفي الرؤية، وأجاب مثبتو الرؤية بأن المراد بالإدراك الإحاطة وهم يقولون بهذا أيضاً وعدم الإحاطة لا يستلزم نفي الرؤية. وقال النووي: لم تنف عائشة الرؤية بحديث مرفوع ولو كان معها فيه حديث لذكرته وإنما اعتمدت الاستنباط على ما ذكرت من ظاهر الآية، وقد خالفها غيرها من الصحابة، والصحابي إذا قال قولاً وخالفه غيره منهم لم يكن ذلك القول حجة اتفاقاً. قال الحافظ: جزم النووي بأن عائشة لم تنف الرؤية بحديث مرفوع عجيب فقد ثبت ذلك عنها في صحيح مسلم الذي شرحه الشيخ فعنده من طريق داود بن أبي هند عن الشعبي عن مسروق، قال مسروق: وكنت متكئاً فجلست فقلت: ألم يقل الله {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} فقالت: أنا أول هذه الأمة. سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: "إنما هو جبريل". وأخرجه ابن مردويه من طريق أخرى عن داود بهذا الإسناد، فقالت: أنا أول من سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا فقلت يا رسول الله، هل رأيت ربك؟ فقال: لا إنما رأيت جبريل منهبطاً {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} تمام الآية: {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} ووجه الاستدلال بها أن الله تعالى حصر تكليمه لغيره في ثلاثة أوجه: وهي الوحي بأن يلقى في روعه ما يشاء أو يكلمه بغير واسطة من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيبلغه عنه فيستلزم ذلك
ـــــــ
1 بياض بالأصل

(8/443)


وَكُنْتَ مُتّكِئاً فَجَلَسْتُ فَقلت: يَا أُمّ المُؤْمِنِينَ، انْظِرِينِي ولا تُعْجِلِينِي، أَلَيْسَ الله تَعَالَى يقولُ: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} {وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ} قالَتْ: أَنَا والله أَوّلُ مَنْ سَأَلَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عَنْ هَذَا، قال: "إِنّمَا ذَلِكَ جِبْرِيلُ، مَا رَأَيْتُهُ في الصّورَةِ الّتِي خُلِقَ فِيهَا غَيْرَ هَاتَيْنِ المَرّتَيْنِ رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطاً مِنَ السّمَاءِ سَادّاً عُظْمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السّمَاءِ وَالأرْضِ" ، وَمَنْ زَعَمَ أَنّ مُحمّداً كَتَمَ شَيْئاً مِمّا أَنْزَلَ الله عَلَيْهِ فَقَدْ أَعْظَمَ الْفِرْيَةَ عَلَى الله، يقولُ الله: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} ، وَمَنْ زَعَمَ أَنّهُ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ أَعْظَمَ الْفِرْيَةَ عَلَى الله، والله يقولُ: { قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} .
ـــــــ
انتفاء الرؤية عنه حالة التكلم، وأجابوا عنه بأن ذلك لا يستلزم نفي الرؤية مطلقاً وغاية ما يقتضي نفي تكليم الله على غيره الأحوال الثلاثة. فيجوز أن التكليم لم يقع حالة الرؤية "أنظريني" من الإنظار، أي أمهليني "لا تعجليني" أي لا تسبقيني. قال في القاموس: أعجله سبقه كاستعجله وعجله {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} ، {وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ} ظن مسروق أن الضمير المنصوب في قوله: {وَلَقَدْ رَآهُ} في هاتين الآيتين راجع إلى الله سبحانه وتعالى فاعترض على عائشة رضي الله عنها "قال" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنما ذلك جبريل" أي هذا المرئي هو جبريل لا الله سبحانه وتعالى "غير هاتين المرتين" أي مرة في الأرض بالأفق الأعلى، ومرة في السماء عند سدرة المنتهي "ساداً" بتشديد الدال المهملة أي مالئاً "عظم خلقه" بالرفع فاعل ساداً والعظم بضم العين وسكون الظاء، وبكسر العين وفتح الظاء: وهو ضد الصغر "ومن زعم أن محمداً كتم شيئاً مما أنزل الله الخ" هذا هو الثاني من الثلاث المذكورة "ومن زعم أنه يعلم ما في غد الخ" هذا هو الثالث من الثلاث المذكورة.

(8/444)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَمَسْرُوقُ بنُ الأجْدَعِ يُكْنَى أبا عَائِشَةَ وهو مسروقُ بن عبدِ الرحمنِ، وكذا كان اسمه في الديوان.
5064- حدثنا مُحمّدُ بنُ مُوسَى الْبَصْرِيّ الْحَرَشِيّ، أخبرنا زِيَادُ بنُ عبدِ الله الْبَكّائِيّ، أخبرنا عَطَاءُ بنُ السّائِبِ، عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن عبدِ الله بنِ عَبّاسٍ قال: "أَتَى نَاسٌ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالوا: يَا رَسُولَ الله أَنَأْكُلُ مَا نَقْتُلُ ولا نَأْكُلُ مَا يَقْتُلُ الله؟ فأَنْزَلَ الله: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ - إلى قَوْلِهِ - وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ}" .
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان والنسائي.
قوله: "الحرشي" بفتح المهملة والراء ثم شين معجمة "البكائي" بفتح الموحدة وتشديد الكاف.
قوله: "أتى ناس" وفي رواية أبي داود قال: جاءت اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا إنا نأكل مما قتلنا ولا نأكل مما قتل الله الخ، قال الحافظ ابن كثير في تفسيره بعد ذكر رواية أبي داود هذه ما لفظه: وهذا فيه نظر من وجوه ثلاثة: أحدها أن اليهود لا يرون إباحة الميتة حتى يجادلوا. الثاني أن الآية من الأنعام وهي مكية. الثالث أن هذا الحديث رواه الترمذي بلفظ أتى ناس النبي صلى الله عليه وسلم وقال حسن غريب، تم ذكر رواية الطبراني عن ابن عباس قال: لما نزلت {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} أرسلت فارس إلى قريش أن خاصموا محمداً وقولوا له لما تذبح أنت بيدك بسكين فهو حلال وما ذبح الله عز وجل بشمشير من ذهب يعني الميتة فهو حرام فنزلت هذه الآية {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} أي وإن الشياطين من فارس ليوحون إلى أوليائهم من قريش.
ثم قال وروى ابن جرير من طرق متعددة عن ابن عباس وليس فيه ذكر اليهود فهذا هو المحفوظ لأن الآية مكية واليهود لا يحبون الميتة انتهى "أنأكل ما نقتل" أي نذبح "ولا نأكل ما يقتل الله" يعنون الميتة {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ

(8/445)


هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وقد رُوِيَ هذا الحديثُ من غيرِ هذا الْوَجْهِ عن ابنِ عَبّاسٍ أيْضاً، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عن عَطَاءِ بنِ السّائِبِ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم مُرْسَلاً.
5065- حدثنا الْفَضْلُ بنُ الصّبّاحِ الْبَغْدَادِيّ، أخبرنا مُحمّدُ بنُ فُضَيْلٍ عن دَاوُدَ الأوْدِيّ عن الشّعْبِيّ عن عَلْقَمَةَ عن عبدِ الله قال: "مَنْ سَرّهُ أَنْ يَنْظُرَ إلى الصّحِيفَةِ الّتِي عَلَيْهَا خَاتَمُ مُحمّدٍ صلى الله عليه وسلم فَلْيَقْرَأْ
ـــــــ
اللَّهِ عَلَيْهِ} أي ما ذبح على اسمه لا ما ذبح على اسم غيره أو مات حتف أنفه. قال الخازن: هذا جواب لقول المشركين حيث قالوا للمسلمين أتأكلون مما قتلتم ولا تأكلون مما قتل ربكم. فقال الله تعالى للمسلمين فكلوا أنتم مما ذكر اسم الله عليه من الذبائح. وعند ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: يوحي الشيطان إلى أوليائهم من المشركين أن يقولوا: تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله. فقال إن الذي قتلتم يذكر اسم الله عليه وإن الذي مات لم يذكر اسم الله عليه {إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ} فإن الإيمان بها يقتضي استباحة ما أحل الله واجتناب ما حرمه.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أبو داود، قال المنذري بعد ذكر تحسين الترمذي عطاء بن السائب: اختلفوا في الاحتجاج بحديثه وأخرج له البخاري مقروناً بأبي بشر جعفر بن أبي وحشية وفي إسناده عمران بن عيينة أخو سفيان بن عيينة، قال أبو حاتم الرازي: لا يحتج بحديثه فإنه يأتي بالمناكير.
قوله: "وقد روى هذا الحديث من غير هذا الوجه عن ابن عباس أيضاً" رواه أبو داود وابن ماجه وابن أبي حاتم وغيرهم وصحح الحافظ ابن كثير إسناده "ورواه بعضهم عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً" رواه ابن أبي حاتم.
قوله: "عن داود الأودي" الظاهر أن داود هذا هو داود بن عبد الله الأودي الزعافري، بالزاي والمهملة وبالفاء، أو العلاء الكوفي ثقة من السادسة وهو غيرهم عبد الله بن إدريس "عن عبد الله" هو ابن مسعود.
قوله: "من سره أن ينظر إلى الصحيفة التي عليها خاتم محمد صلى الله عليه

(8/446)


هَؤُلاَءِ الاَيَاتِ: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} الآية إلى قَوْلِه - {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} .
ـــــــ
وسلم فليقرأ هؤلاء الاَيات" كناية عن أن هذه الآيات محكمات غير منسوخات. وقال ابن عباس: هذه الآيات محكمات في جميع الكتب لم ينسخهن شيء وهن محرمات على بني آدم كلهم وهن أم الكتاب من عمل بهن دخل الجنة ومن تركهن دخل النار ذكره الخازن، وروى نحوه الحاكم في المستدرك {قُلْ} يا محمد {تَعَالَوْا} أي هلموا وأقبلوا {أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} أي أقرأ وأقص عليكم وأخبركم بما حرم ربكم عليكم حقاً لا تخرصاً ولا ظناً بل وحياً منه وأمراً من عنده، وبقية الآيات مع تفسيرها هكذا {أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً} كأن في الكلام محذوفاً دل عليه السياق وتقديره: وأوصاكم أن لا تشكركوا به شيئاً. ولهذا قال في آخر الآية {ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} وقال النيسابوري في تفسيره: فإن قيل قوله {أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} كالتفصيل لما أجمله في قوله ما حرم فيلزم أن يكون ترك الشرك والإحسان إلى الوالدين محرماً، فالجواب أن المراد من التحريم البيان المضبوط أو الكلام تم عند قوله {مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ} ثم ابتدأ فقال: عليكم أن لا تشركوا أو أن مفسرة أي ذلك التحريم هو قوله لا تشركوا وهذا في النواهي واضح وأما الأوامر فيعلم بالقرينة أن التحريم راجع إلى أضدادها وهي الإساءة إلى الوالدين وبخس الكيل والميزان وترك العدل في القول ونكث عهد الله، ولا يجوز أن يجعل ناصبة وإلا لزم عطف الطلب أعني الأمر على الخبر انتهى {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} أي أوصاكم وأمركم بالوالدين إحساناً {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ} بالوأد {مِنْ إِمْلاقٍ} أي من أجل فقر تخافونه وذلك أنهم كانوا يقتلون البنات خشية العار وربما قتلوا بعض الذكور خشية الافتقار {نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ} أي الكبائر كالزنا ما ظهر منها وما بطن أي علانيتها وسرها {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} إنما أفرده بالذكر تعظيماً لأمر القتل وأنه من أعظم الفواحش والكبائر، وقيل إنما أفرده بالذكر لأنه تعالى أراد أن يستثنى منه ولا يمكن ذلك الاستثناء من جملة الفواحش إلا بالإفراد فلذلك قال: ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق. كالقود وحد الردة ورجم المحصن ذلكم أي المذكور {وَصَّاكُمْ بِهِ} يعني

(8/447)


هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
5066- حدثنا سُفْيَانُ بنُ وَكِيعٍ، أخبرنا أبي عن ابنِ أبي لَيْلَى عن عَطِيّةَ عن أبي سَعِيدٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم في قَوْلِ الله تعالى:
ـــــــ
أمركم به وأوجبه عليكم، {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي لكي تفهموا وتتدبروا ما في هذه التكاليف من الفوائد والمنافع تعلموا بها {وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي} أي بالخصلة التي {هِيَ أَحْسَنُ} وهي ما فيه صلاحه وتثميره وتحصيل الربح له {حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} بأن يحتمل.
قال في القاموس: حتى يبلغ أشده ويضم أوله أي قوته وهو ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين واحد جاء على بناء الجمع كأنك ولا نظير لهما أو جمع لا واحد له من لفظه أو واحده شدة بالكسر مع أن فعلة لا تجمع على أفعل أو شد لكلب وأكلب أو شد كذئب وأذؤب وما هما بمسموعين بل قياس انتهى. واختلف المفسرون في تفسير الأشد، فقيل عشرون سنة وقيل ثلاثون سنة وقيل ثلاث وثلاثون سنة. قال الخازن هذه الأقوال التي نقلت عن المفسرين في هذه الآية إنما هي نهاية الأشد لا ابتداؤه والمراد بالأشد في هذه الآية هي ابتداء بلوغ الحلم مع إيناس الرشد وهذا هو المختار في هذه الآية {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ} أي بالعدل وترك البخس {لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا} أي طاقتها وما يسعها في إيفاء الكيل والميزان وإتمامه يعني من اجتهد في أداء الحق وأخذه فإن أخطأ بعد استفراغ وسعه وبذل جهده فلا حرج عليه {وَإِذَا قُلْتُمْ} فيحكم ألا غيره {فَاعْدِلُوا} بالصدق والحق ولو كان أي المقول له أو عليه {ذَا قُرْبَى} أي ذا قرابة لكم، {وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا} يعني ما عهد إلى عباده ووصاهم به وأوجبه عليهم ذلكم أي الذي ذكر في هذه الآيات وصاكم به {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} : أي لعلكم تتعظون وتتذكرون فتأخذون ما أمرتكم به وأن بالفتح على تقدير اللام والكسر استينافاً هذا أي الذي وصيتكم به صراطي مستقيماً حال {فَاتَّبِعُوهُ} ولا تتبعوا السبل الطرق المخالفة له فتفرق فيه حذف إحدى التاءين أي فتميل، بكم عن سبيله أي دينه، {ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} أي الطرق المختلفة والسبل المضلة.
قوله: "أخبرنا أبي" أي حدثنا والدي وهو وكيع بن الجراح "عن ابن أبي ليلى" هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري "عن عطيه" هو العوفي.

(8/448)


{أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} قال: طُلُوعُ الشّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا".
هذا حديثٌ غريبٌ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ ولم يَرْفَعْهُ.
5067- حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، أخبرنا يَعْلَى بنُ عُبَيْدٍ، عن فُضَيْلِ بنِ غَزَوَانَ، عن أبي حَازِمٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "ثَلاَثٌ إذَا خَرَجْنَ {لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ} الاَيَةِ. الدّجّالُ وَالدّابّةُ وَطُلُوعُ الشّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا أوْ مِنْ المَغْرِبِ" .
ـــــــ
قوله: "قال طلوع الشمس من مغربها" أي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن المراد بقوله بعض آيات ربك هو طلوع الشمس من مغربها.
قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه أحمد وعبد بن حميد وأبو يعلى وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه.
قوله: "عن يعلى بن عبيد" بن أبي أمية الكوفي كنيته أبو يوسف الطنافسي ثقة إلا في حديثه عن الثوري ففيه لين من كبار التاسعة "عن أبي حازم" هو الأشجعي.
قوله: "ثلاث" أي ثلاث آيات "إذا خرجن" فيه تغليب أو معناه ظهرن والمراد هذه الثلاث بأسرها "لم ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل الآية" كذا في النسخ الحاضرة بلفظ لم ينفع وفي رواية مسلم: لا ينفع وهو الظاهر فإنه ليس في هذه الآية لم ينفع بل فيها لا ينفع، والاَية بتمامها مع تفسيرها هكذا: {هَلْ يَنْظُرُونَ} أي ما ينتظرون المكذبون {إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ} ، أي لقبض أرواحهم، {أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ} أي أمره بمعنى عذابه {أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} ، أي بعض علاماته الدالة على الساعة وهو طلوع الشمس من مغربها {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ} من قبل الجملة صفة نفس أو نفساً لم تكن كسبت في إيمانها خيراً أي طاعة أي لا تنفعها قرابتها، قل انتظرا. أحد هذه الأشياء، إنا منتظرون ذلك.
قوله: "والدابة" وفي رواية مسلم دابة الأرض.

(8/449)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
5068- حدثنا ابنُ أبي عُمَرَ، أخبرنا سُفْيَانُ عن أبي الزّنَادِ، عن الأعْرَجِ، عن أبي هُرَيْرَةَ، أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "قال الله عز وجل وَقَوْلُهُ الْحَقّ: إذَا هَمّ عَبْدِي بِحَسَنَةٍ فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَإِذَا هَمّ بِسَيّئَةٍ فَلاَ تَكْتُبُوهَا،
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم وأحمد وابن جرير.
قوله: "وقوله الحق" جملة حالية "إذا هم" أي أراد كما في بعض روايات الشيخين.
قال الحافظ: ورد ما يدل على أن مطلق الهم والإرادة لا يكفي، فعند أحمد وصححه ابن حبان والحاكم من حديث خريم بن فاتك رفعه: ومن هم بحسنة يعلم الله أنه قد أشعر بها قلبه وحرص عليها. وقد تمسك به ابن حبان فقال بعد إيراد حديث الباب في صحيحه: المراد بالهم هنا العزم ثم قال ويحتمل أن الله يكتب الحسنة بمجرد الهم بها وإن لم يعزم عليها زيادة في الفضل "فاكتبوها له" أي الذي هم بالحسنة. وفيه دليل على أن الملك يطلع على ما في قلب الآدمي إما باطلاع الله إياه أو بأن يخلق له علماً يدرك به ذلك. ويؤيد الأول ما أخرجه ابن أبي الدنيا عن أبي عمران الجوني قال: ينادي الملك اكتب لفلان كذا وكذا فيقول يا رب إنه لم يعلمه. فيقول إنه نواه، وقيل بل يجد الملك للهم بالسيئة رائحة خبيثة وبالحسنة رائحة طيبة. وأخرج ذلك الطبري عن أبي معشر المدني وجاء مثله عن سفيان بن عيينة قال الحافظ ورأيت في شرح مغلطاني أنه ورد مرفوعاً قال الطوفي: إنما كتبت الحسنة بمجرد الإرادة، لأن إرادة الخير سبب إلى العمل، وإرادة الخير خير لأن إرادة الخير من عمل القلب. واستشكل بأنه إذا كان كذلك فكيف لا تضاعف لعموم قوله {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} وأجيب بحمل الآية على عمل الجوارح والحديث على الهم المجرد "فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها"

(8/450)


فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا بِمِثْلِهَا، فَإِنْ تَرَكَهَا، وَرُبّمَا قال: فَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ بِهَا، فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، ثُمّ قَرَأَ: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} ".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
وفي حديث ابن عباس عند البخاري من طريق عبد الرزاق عن جعد عن أبي رجاء العطاردي: فإن هو هم بها فعملها كتبها الله له بها عنده عشر حسنات.
قال الحافظ يؤخذ منه رفع توهم أن حسنة الإرادة تضاف إلى عشرة التضعيف فتكون الجملة إحدى عشرة على ما هو ظاهر رواية جعفر بن سليمان عند مسلم ولفظه: فإن عملها كتبت له عشر أمثالها، وكذا في حديث أبي هريرة وفي بعض طرقه احتمال. ورواية عبد الوراث في الباب ظاهرة فيما قلته وهو المعتمد انتهى "فإن تركها" زاد البخاري في رواية في التوحيد من أجلي.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.

(8/451)


وَمِنْ سُورةِ الأعراف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
5069- حدثنا عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الرّحمَنِ، أخبرنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ أخبرنا حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ، عن ثَابِتٍ عن أَنَسٍ، "أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قَرَأَ هَذِهِ الآية: " {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً} قال حَمّادٌ: هَكَذَا، وَأَمْسَكَ سُليْمانُ بِطَرَفِ إِبْهَامِهِ عَلَى أَنْمُلَةِ إصْبَعِهِ الْيُمْنَى، قال:
ـــــــ
وَمِنْ سُورةِ الأعراف
مكية إلا {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ} الثمان أو الخمس آيات، وهي مائتان وخمس أو ست آيات
قوله: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ} أي ظهر نور ربه للجبل {جَعَلَهُ دَكّاً} أي مدكوكاً مستوياً بالأرض "قال حماد" هو ابن سلمة "هكذا" أي أشار حماد بن سلمة لبيان قلة التجلي، هكذا يعني وضع طرف إبهامه على أنملة إصبعه اليمنى "وأمسك

(8/451)


فَسَاخَ الْجَبَلُ {وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً} ". هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ إلاّ من حديثِ حَمّادِ بنِ سَلَمَةَ.
5070- حدثنا عَبْدُ الْوَهّابِ الْوَرّاقُ الْبَغْدَادِيّ، أخبرنا مُعَاذُ بنُ مُعَاذٍ، عن حَمّادِ بنِ سَلَمَةَ، عن ثَابِتٍ عن أنَسٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم نحْوَهُ. هذا حديثٌ حسنٌ.
5071- حدثنا الأنْصَارِيّ، أخبرنا مَعْنٌ، أخبرنا مَالِكُ بنُ أنَسٍ عن زَيْدِ بنِ أبي أُنَيْسَةَ عن عَبْدِ الْحَمِيدِ بنِ عبدِ الرّحْمَنِ بنِ زَيْدِ بنِ الْخَطّابِ عن مُسْلِمِ بنِ يَسَارٍ الْجُهَنِيّ، أَنّ عُمَرَ بنَ الْخَطّابِ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآية:
ـــــــ
سليمان إلخ" أي لبيان قوله هكذا. وروى الحافظ ابن جرير من طريق حماد عن ليث عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية "فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا" قال هكذا بإصبعه، وضع النبي صلى الله عليه وسلم إصبعه الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر فساخ الجبل.
قال الحافظ ابن كثير: هكذا وقع في هذه الرواية حماد بن سلمة عن ليث عن أنس، والمشهور حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس انتهى "قال" أي النبي صلى الله عليه وسلم "فساخ الجبل" أي غاص في الأرض وغاب فيها "وخر موسى صعقاً" أي مغشياً عليه لهول ما رأى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه أحمد والحاكم في المستدرك وابن جرير.
قوله: "أخبرنا معاذ بن معاذ" بن نصر بن حسان العنبري أبو المثنى البصري القاضي ثقة متقن من كبار التاسعة.
قوله: "عن زيد بن أبي أنيسة" بضم الهمزة وفتح النون وسكون الياء هو أبو أسامة الجزري "عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب" العدوي أبي عمر المدني، ثقة من الرابعة، توفي بحران في خلافة هشام "عن مسلم بن يسار الجهني" مقبول من الثالثة.

(8/452)


{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} فَقَالَ عُمَرُ بنُ الْخَطّابِ سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عَنْهَا، فَقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ الله خَلَقَ آدَمَ ثُمّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرّيَةً، فقال: خَلَقْتُ هَؤَلاَءِ لِلْجَنّةِ
ـــــــ
قوله: "أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية" أي عن كيفية أخذ الله ذرية بني آدم من ظهورهم المذكور في الآية {وَإِذْ} أي اذكر يا محمد حين {أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ} بدل اشتمال مما قبله بإعادة الجار، وقيل بدل بعض { ذُرِّيَّتَهُمْ} بأن أخرج بعضهم من صلب بعض من صلب آدم، نسلاً بعد نسل كنحو ما يتوالدون كالذر بنعمان يوم عرفة، ونصب لهم دلائل على ربوبيته وركب فيهم عقلاً {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ} قال {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} أنت ربنا {شَهِدْنَا} بذلك {أَنْ تَقُولُوا} أي لئلا تقولوا {يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا} أي التوحيد {غَافِلِينَ} لا نعرفه "سئل" بصيغة المجهول والجملة حالية "عنها" أي عن هذه الآية "ثم مسح ظهره" أي ظهر آدم "بيمينه".
قال الطيبي: ينسب الخير إلى اليمين، ففيه تنبيه على تخصيص آدم بالكرامة، وقيل بيد بعض ملائكته وهو الملك الموكل على تصوير الأجنة أسند إليه تعالى للتشريف، أو لأنه الاَمر والمتصرف، كما أسند إليه التوفي في قوله تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ} وقال تعالى: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ} ويحتمل أن يكون الماسح هو الله تعالى والمسح من باب التصوير والتمثيل كذا في المرقاة.
قلت: هذه تأويلات لا حاجة إليها قد مر مراراً أن مذهب السلف الصالحين رضي الله عنهم، في أمثال هذه الأحاديث إمرارها على ظواهرها من غير تأويل وتكييف "فاستخرج منه ذرية" قيل قبل دخول آدم الجنة بين مكة والطائف، وقيل ببطن نعمان وأنه بقرب عرفة، وقيل في الجنة، وقيل بعد النزول منها بأرض الهند. وروي عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أخذ

(8/453)


ـــــــ
الله الميثاق من ظهر آدم بنعمان يعني عرفة فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرهم بين يديه كالذر ثم كلمهم قبلاً قال؟ ألست بربكم قالوا بلى شهدنا". ونقل السيد السند عن الأزهار أنه قيل شق ظهره واستخرجهم منه، وقيل: إنه استخرجهم من ثقوب رأسه، والأقرب أنه استخرجهم من مسام شعرات ظهره، ذكره القارئ في المرقاة.
قلت: حديث ابن عباس الذي ذكره بقوله وروي عن ابن عباس الخ أخرجه أحمد في مسنده والنسائي في كتاب التفسير من سننه، وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم في مستدركه. وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقد روى هذا الحديث موقوفاً على ابن عباس.
قال الحافظ ابن كثير: وهذا أي كونه موقوفاً علي ابن عباس أكثر وأثبت انتهى. قال الإمام الرازي: أطبقت المعتزلة على أنه لا يجوز تفسيره هذه الآية بهذا الحديث لأن قوله من ظهورهم بدل من بني آدم. فالمعنى وإذ أخذ ربك من ظهور بني آدم فلم يذكر أنه أخذ من ظهر آدم شيئاً، وما كان المراد الأخذ من ظهر آدم لقيل من ظهره وأجاب بأن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى أخرج الذرية من ظهور بني آدم، وأما أنه أخرج تلك الذرية من ظهر آدم فلا تدل الآية على إثباته ونفيه والخبر، قد دل على ثبوته فوجب القول بهما معاً بأن بعض الذر من ظهر بعض الذر والكل من ظهر آدم صوناً للاَية، والحديث عن الاختلاف انتهى. وقال التوربشتي: هذا الحديث يعني حديث ابن عباس المذكور لا يحتمل من التأويل ما يحتمله حديث عمر رضي الله تعالى عنه ولا أرى المعتزلة يقابلون هذه الحجة إلا بقولهم حديث ابن عباس، هذا من الاَحاد فلا نترك به ظاهر الكتاب، وإنما هربوا عن القول في معنى الآية بما يقتضيه ظاهر الحديث لمكان قوله تعالى: {أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} فقالوا: إن كان هذا الإقرار عن اضطرار حيث كوشفوا بحقيقة الأمر وشاهدوه عين اليقين فلهم يوم القيامة أن يقولوا شهدنا يومئذ فلما زال عنا علمنا علم الضرورة ووكلنا إلى آرائنا، كان منا من أصاب ومنا من أخطأ، وإن كان عن استدلال ولكنهم عصموا عنده من الخطأ فلهم أن يقولوا أيدنا يوم الإقرار بالتوفيق والعصمة وحرمناهما من بعد، ولو مددنا بهما لكانت شهادتنا في كل حين كشهادتنا في اليوم الأول. فقد تبين أن الميثاق ما ركز الله فيهم

(8/454)


وبِعَمَلِ أهْلِ الْجَنّةِ يَعْمَلُونَ، ثُمّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرّيَةً، فقالَ: خَلَقْتُ هَؤلاءِ لِلنّارِ، وبِعَمَلِ أهْلِ النّارِ يَعْمَلُونَ" . فقالَ رجُلُ: فَفِيمَ الْعَمَلُ يَا رَسُولَ الله؟ قال فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: إِنّ الله إذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلْجَنّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أهْلِ الْجَنّةِ حَتّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أعْمَالِ أهْلِ الْجَنّةِ فَيُدْخِلَهُ الله الْجَنّةِ، وَإِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلنّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ حَتّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أهْلِ النّارِ فَيُدْخِلَهُ الله النّارَ" .
ـــــــ
من العقول وآتاهم وآباءهم من البصائر لأنها هي الحجة الباقية المانعة لهم أن يقولوا إنا كنا عن هذا غافلين، لأن الله تعالى جعل هذا الإقرار حجة عليهم في الإشراك كما جعل بعث الرسل حجة عليهم في الإيمان بما أخبروا به من الغيوب.
قال الطيبي: وخلاصة ما قالوه أنه يلزم أن يكونوا محتجين يوم القيامة بأنه زال عنا علم الضرورة ووكلنا إلى آرائنا فيقال لهم كذبتم بل أرسلنا رسلنا تترى يوقظونكم من سنة الغفلة، وأما قوله حرمنا عن التوفيق والعصمة من بعد ذلك فجوابه: أن هذا مشترك الإلزام إذ لهم أن يقولوا لا منفعة لنا في العقول والبصائر حيث حرمنا عن التوفيق والعصمة. والحق أن تحمل الأحاديث الواردة على ظواهرها ولا يقدم على الطعن فيها بأنها آحاد لمخالفتها لمعتقد أحد، ومن أقدم على ذلك فقد حرم خيراً كثيراً وخالف طريقة السلف الصالحين لأنهم كانوا يثبتون خبر واحد عن واحد عن النبي صلى الله عليه وسلم ويجعلونه سنة، حمد من تبعها وعيب من خالفها انتهى. "وبعمل أهل الجنة" أي من الطاعات "يعملون" إما في جميع عمرهم أو في خاتمة أمرهم "ففيم العمل يا رسول الله" أي إذا كان كما ذكرت يا رسول الله من سبق القدر، ففي أي شيء يفيد العمل؟ أو بأي شيء يتعلق العمل أو فلأي شيء أمرنا بالعمل "استعمله بعمل أهل الجنة" أي جعله عاملاً بعمل أهل الجنة ووفقه للعمل به، "حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة" فيه إشارة إلى أن المدار على عمل مقارن بالموت.

(8/455)


هذا حديثٌ حسنٌ. وَمُسْلِمُ بنُ يَسَارٍ لم يَسْمَعْ مِنْ عُمَرَ. وقد ذَكَرَ بَعْضُهُمْ في هذا الإسنادِ بَيْنَ مُسْلِمِ بنِ يَسَارٍ وبَيْنَ عُمَرَ رَجُلاً.
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه مالك في الموطإ وأحمد والنسائي وابن أبي حاتم وابن جرير وابن حبان في صحيحه وغيرهم "ومسلم بن يسار لم يسمع من عمر الخ".
قال الحافظ ابن كثير: وكذا قاله أبو حاتم وأبو زرعة زاد أبو حاتم وبينهما نعيم بن ربيعة. وهذا الذي قاله أبو حاتم رواه أبو داود في سننه عن محمد بن مصفي، عن بقية عن عمر بن جعثم القرشي عن زيد بن أبي أنيسة عن عبد الحميد بن عبد الرحمن عن مسلم بن يسار عن نعيم بن ربيعة، قال: كنت عند عمر بن الخطاب وقد سئل عن هذه الآية {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} فذكر وقال الحافظ الدارقطني: وقد تابع عمر بن جعثم يزيد بن سنان أبو فروة الرهاوي وقولهما أولى بالصواب من قول مالك.
قال ابن كثير: الظاهر أن الإمام مالكاً إنما أسقط ذكر نعيم بن ربيعة عمداً لما جهل حال نعيم ولم يعرفه فإنه غير معروف إلا في هذا الحديث ولذلك يسقط ذكر جماعة ممن لا يرتضيهم ولهذا يرسل كثيراً من المرفوعات ويقطع كثيراً من الموصولات انتهى. وقال المنذري: قال أبو عمر النمري: هذا حديث منقطع بهذا الإسناد لأن مسلم بن يسار هذا لم يلق عمر بن الخطاب وبينهما في هذا الحديث نعيم ابن ربيعة، وهذا أيضاً مع الإسناد لا تقوم به حجة، ومسلم بن يسار هذا مجهول، قيل إنه مدني وليس بمسلم بن يسار البصري، وقال أيضاً: وجملة القول في هذا الحديث أنه حديث ليس إسناده بالقائم لأن مسلم بن يسار ونعيم بن ربيعة جميعاً غير معروفين بحمل العلم، ولكن معنى هذا الحديث قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه ثابتة كثيرة يطول ذكرها من حديث عمر بن الخطاب وغيره انتهى.
قلت: مسلم بن يسار هذا وثقة ابن حبان، وقال العجلى تابعي ثقة، ونعيم بن ربيعة وثقه أيضاً ابن حبان، وقال الحافظ هو مقبول

(8/456)


5072- حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ أخبرنا أبُو نُعَيْمٍ، أخبرنا هِشامُ بنُ سَعْدٍ، عن زَيْدِ ابْنِ أَسْلَمَ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَمّا خَلَقَ الله آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَسَقَطَ مِنْ ظَهْرِهِ كُلّ نَسَمَةٍ هُوَ خَالِقُهَا مِنْ ذُرّيّتِهِ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَجَعَلَ بَيْنَ عَيْنَي كُلّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ وَبِيصاً مِنْ نُورٍ، ثُمّ عَرَضَهُمْ عَلَى آدَمَ فَقَالَ: أَيْ رَبّ، مَنْ هَؤُلاءِ؟ قال: هَؤُلاَءِ ذُرّيّتُكَ، فَرَأَى رَجُلاً مِنْهُمْ فَأَعْجَبَهُ وَبِيصُ ما بَيْنَ عَينَيْهِ، فقال: أيْ رَبّ، مَنْ هَذَا؟ فقال: هَذَا رَجُلٌ مِنْ آخِرِ الاْمَمِ مِن ذُرّيَتِكَ يُقَالُ لَهُ دَاوُدِ، قال: رَبّ وَكَمْ جَعَلْتَ عُمْرَهُ؟ قال: سِتّينَ سَنَةً، قال: أيْ رَبّ، زِدْهُ مِنْ عُمْرِي أرْبَعِينَ سَنَةً، فَلَمّا
ـــــــ
قوله: "فسقط من ظهره" أي خرج منه " كل نسمة" أي ذي روح وقيل كل ذي نفس مأخوذة من النسيم قاله الطيبي "هو خالقها من ذريته" الجملة صفة نسمة ومن بيانية، وفي الحديث دليل بين على أن إخراج الذرية كان حقيقياً "وبيصاً" أي بريقاً ولمعاناً "من نور" في ذكره إشارة إلى الفطرة السليمة وفي قوله: بين عيني كل إنسان إيذان بأن الذرية كانت على صورة الإنسان على مقدار الذر "فأعجبه وبيص ما بين عينيه" أي سره "هذا رجل من آخر الأمم" جمع أمة، و الآخر ية إضافية لا حقيقية، فإن الآخر ية الحقيقية ثابتة لأمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ومن المعلوم أن داود عليه السلام ليس منهم "يقال له داود" قيل تخصيص التعجب من وبيص داود إظهار لكرامته ومدح له فلا يلزم تفضيله على سائر الأنبياء لأن المفضول قد يكون له مزية بل مزايا ليست في الفاضل، ولعل وجه الملاءمة بينهما اشتراك نسبة الخلافة "قال" أي آدم "رب" بحذف حرف النداء "وكم جعلت عمره" بضم العين والميم وقد تسكن، وكم مفعول لما بعده، وقدم لما له الصدر، أي كم سنة جعلت عمره "زده من عمري" يعني من جملة الألف، ومن عمري صفة أربعين قدمت فعادت حالاً "أربعين سنة" مفعول ثان لقوله زده، كقوله تعالى: {رَبِّ زِدْنِي عِلْماً} .

(8/457)


انْقَضَى عُمْرُ آدَمَ جَاءَهُ مَلَكُ المَوْتِ فقال: أَوَلَمْ يَبْقَ مِنْ عُمْرِي أرْبَعُونَ سَنَةً؟ قال: أَوَلَمْ تُعْطِهَا لاِبْنِكَ دَاوُدَ؟ قال: أو لم تعطها ابنك داود قال: فَجَحَدَ آدَمُ فَجَحَدَتْ ذرّيّتُهُ وَنَسِيَ آدَمُ فَنَسِيَتْ ذُرّيّتهُ، وَخَطِيءَ آدَمُ فَخَطِئَتْ ذرّيّتُهُ" .
ـــــــ
قال أبو البقاء: زاد يستعمل لازماً كقولك، زاد الماء، ويستعمل متعدياً إلى مفعولين، كقوله زدته درهماً، وعلى هذا جاء قوله تعالى {فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً} "أو لم يبق من عمري أربعون سنة" بهمزة الاستفهام الإنكاري المنصب على نفي البقاء فيفيد إثباته وقدمت على الواو لصدارتها، والواو استئنافية لمجرد الربط بين ما قبلها وما بعدها "قال" أي ملك الموت "أو لم تعطها" أي أتقول ذلك ولم تعط الأربعين "فجحد آدم" أي ذلك لأن كان في عالم الذر فلم يستحضره حالة مجيء ملك الموت له "فجحدت ذريته" لأن الولد سر أبيه "فنسى آدم فنسيت ذريته" كذا في النسخ الموجودة. ووقع في المشكاة ونسي آدم فأكل من الشجرة فنسيت ذريته.
قال القاري: قيل نسي أن النهي عن جنس الشجرة أو الشجرة بعينها، فأكل من غير المعينة، وكان النهي عن الجنس "وخطئ" بكسر الطاء من باب سمع يسمع أي أذنب وعصى.
تنبيه: قد أخرج الترمذي حديث أبي هريرة هذا في آخر كتاب التفسير وفيه قال. يا رب من هذا. قال هذا ابنك داود وقد كتبت له عمر أربعين سنة قال يا رب زده في عمره. قال ذاك الذي كتب له. قال أي ربي فإني قد جعلت له من عمري ستين سنة. قال أنت وذاك، ثم أسكن الجنة ما شاء الله. ثم اهبط منها وكان آدم يعد لنفسه. قال فأتاه ملك الموت فقال له آدم: قد عجلت قد كتب لي ألف سنة. قال بلى، ولكنك جعلت لابنك داود ستين سنة، فهذه الرواية التي في آخر كتاب التفسير مخالفة لهذه الرواية التي في سورة الأعراف مخالفة ظاهرة.
قال القاري: ويمكن الجمع بأنه جعل له من عمره أولاً أربعين ثم زاد عشرين فصار ستين، ونظيره قوله تعالى {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} وقوله تعالى: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} . ولا يبعد أن يتكرر مأتى عزرائيل عليه السلام للامتحان بأن جاء وبقي من عمره

(8/458)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد رُوِيَ من غيرِ وَجْهٍ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
5073- حدثنا محمّدُ بنُ المثَنّى، أخبرنا عبدُ الصّمَدِ بنُ عبدِ الْوَارِثِ أخبرنا عُمرُ بنُ إبْرَاهِيمَ عن قَتَادَةَ، عن الْحَسَنِ عن سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ، عن
ـــــــ
ستون، فلما جحده رجع إليه بعد بقاء أربعين على رجا أنه تذكر بعد ما تفكر فجحد ثانياً، وهذا أبلغ من باب النسيان والله المستعان. والأظهر أنه وقع شك للراوي وتردد في كون العدد أربعين أو ستين فعبر عنه تارة بالأربعين وأخرى بالستين، ومثل هذا وقع من المحدثين، وأجاب عنه بما ذكرنا بعد المحققين، ومهما أمكن الجمع فلا يجوز القول بالوهم والغلط في رواية الحفاظ المتقنين.
وأما ما قيل من أن ساعات أيام عمر آدم كانت أطول من زمان داود فموقوف على صحة النقل وإلا فبظاهره يأباه العقل كما حقق في دوران الفلك عند أهل الفضل انتهى كلام القاري بلفظه. ثم قال والحديث السابق يعني الذي في تفسير سورة الأعراف أرجح، وكذا أوفق لسائر الأحاديث الواردة كما في الدر المنثور والجامع الكبير للسيوطي رحمه الله تعالى.
قلت: كل ما ذكره القارى من وجوه الجمع مخدوش إلا الوجه الأخير، وهو أن الحديث الذي في تفسير سوره الأعراف رجح من الحديث الذي في آخر كتاب التفسير فهو المعتمد. ووجه كون الأول أرجح من الثاني ظاهر من كلام الترمذي فإنه قال بعد رواية الأول: هذا حديث حسن صحيح. وقال بعد رواية الثاني: هذا حديث حسن غريب وأيضاً في سند الثاني سعيد بن أبي سعيد المقبري وكان قد تغير قبل موته بأربع سنين، هذا ما عندي والله تعالى أعلم.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الحاكم في مستدركه وقال صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره.
قوله: "عن عمر بن إبراهيم" العبدي البصري صاحب الهروي، صدوق في حديثه عن قتادة، ضعف من السادسة، كذا في التقريب. وقال في تهذيب.

(8/459)


النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "لَمّا حَمَلَتْ حَوّاء طَافَ بِها إِبْلِيسُ وكَانَ لا يَعِيشُ لَها وَلَدٌ، فقال: سَمّيهِ عَبْدُ الْحَارِثِ، فَسَمّتْهُ عَبْدَ الْحَارِثِ، فَعَاشَ ذلك وكَانَ ومِنْ وَحْيِ الشّيْطَانِ وَأَمْرِهِ" .
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ لا نَعْرِفهُ إلا من حديثِ عُمَرَ بنِ إبراهِيمَ عن قَتَادَةَ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عن عَبْدِ الصّمَدِ ولم يَرْفَعْهُ.
ـــــــ
التهذيب: قال أحمد وهو يروي عن قتادة أحاديث مناكير يخالف وقال ابن عدي: يروي عن قتادة أشياء لا يوافق عليها وحديثه خاصة عن قتادة مضطرب انتهى.
قوله: "طاف بها إبليس" أي جاءها "وكان لا يعيش لها ولد" من العيش وهو الحياة، أي لا يحيى لها ولد ولا يبقى، بل كان يموت "فقال" أي إبليس "سميه عبد الحارث" قال كثير من المفسرين: إنه جاء إبليس إلى حواء وقال لها: إن ولدت ولداً فسميه باسمي، فقالت ما اسمك؟ قال الحارث، ولو سمى لها نفسه لعرفته، فسمته عبد الحارث، فكان هذا شركاً في التسمية ولم يكن شركاً في العبادة. وقد روى هذا بطريق وألفاظ عن جماعة من الصحابة ومن بعدهم، كذا في تفسير فتح البيان والدين الخالص "وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره" أي من وسوسته وحديثه.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه وابن أبي حاتم وغيرهم.
قال الحافظ ابن كثير: هذا الحديث معلول من ثلاثة أوجه، أحدها: أن عمر ابن إبراهيم هذا هو البصري، وقد وثقه ابن معين، ولكن قال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به، ولكن رواه ابن مردويه من حديث المعتمر عن أبيه عن الحسن عن سمرة مرفوعاً فالله أعلم. الثاني: أنه قد روي من قول سمرة نفسه ليس مرفوعاً. الثالث: أن الحسن نفسه فسر الآية بغير هذا: فلو كان هذا عنده عن سمرة مرفوعاً لما عدل عنه. انتهى.
قلت: عمر بن إبراهيم المذكور وثقه غير واحد من أئمه الحديث، لكنه

(8/460)


ـــــــ
ضعيف في رواية الحديث عن قتادة كما عرفت، وهذا الحديث رواه عن قتادة، وفي سماع الحسن من سمرة كلام معروف.
تنبيه: أورد الترمذي حديث سمرة المذكور هنا في تفسير قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} قال صاحب فتح البيان: قد استشكل هذه الآية جمع من أهل العلم، لأن ظاهرها صريح في وقوع الإشراك من آدم عليه السلام، والأنبياء معصومون عن الشرك، ثم اضطروا إلى التفصي من هذا الإشكال. فذهب كل إلى مذهب، واختلفت أقوالهم في تأويلها اختلافاً كثيراً حتى أنكر هذه القصة جماعة من المفسرين منهم الرازي وأبو السعود وغيرهما. وقال الحسن: هذا في الكفار يدعون الله، فإذا آتاهما صالحاً هودوا أو نصروا. وقال ابن كيسان: هم الكفار سموا أولادهم بعبد العزى وعبد الشمس وعبد الدار ونحو ذلك.
قال الحسن: كان هذا في بعض أهل الملل وليس بآدم، وقيل هذا خطاب لقريش الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم آل قصي، وحسنه الزمخشري وقال: هذا تفسير حسن لا إشكال فيه. وقيل معناها على حذف المضاف، أي جعل أولادهما شركاء، ويدل له ضمير الجمع في قوله الآتي عما يشركون وإياه ذكر النسفي والقفال وارتضاه الرازي وقال: هذا جواب في غاية الصحة والسداد وبه قال جماعة من المفسرين. وقيل معنى من نفس واحدة: من هيئة واحدة وشكل واحد، فجعل منها أي من جنسها زوجها، فلما تغشاها يعني جنس الذكر جنس الأنثى، وعلى هذا لا يكون لاَدم ولا حواء ذكر في الآية، وتكون ضمائر التثنية راجعة إلى الجنسين. وهذه الأقوال كلها متقاربة في المعنى متخالفة في المبنى، ولا يخلو كل واحد منها من بعد وضعف وتكلف بوجوه: الأول أن الحديث المرفوع المتقدم، يعني حديث سمرة المذكور يدفعه وليس في واحد في تلك الأقوال قول مرفوع حتى يعتمد عليه ويصار إليه، بل هي تفاسير بالاَراء المنهى عنها المتوعد عليها. الثاني أن فيه انخرام لنظم القرآن سياقاً وسياقاً،

(8/461)


ـــــــ
الثالث: أن الحديث صرح بأن صاحبة القصة هي حواء، وقوله جعل منها زوجها إنما هو لحواء دون غيرها، فالقصة ثابتة لا وجه لإنكارها بالرأي المحض.
والحاصل: أن ما وقع إنما وقع من حواء لا من آدم عليه السلام، ولم يشرك آدم قط، وقوله جعلا له شركاء: بصيغة التثنية لا ينافي ذلك لأنه قد يسند فعل الواحد إلى الاثنين بل إلى جماعة، وهو شائع في كلام العرب. وعلى هذا فليس في الآية إشكال، والذهاب إلى ما ذكرناه متعين تبعاً للكتاب والحديث، وصوناً لجانب النبوة عن الشرك بالله تعالى، والذي ذكروه في تأويل هذه الآية الكريمة يرده كله ظاهر الكتاب والسنة. انتهى مختصراً.
قلت: لو كان حديث سمرة المذكور صحيحاً ثابتاً صالحاً للاحتجاج لكان كلام صاحب فتح البيان هذا حسناً جيداً ولكنك قد عرفت أنه حديث معلول لا يصلح للاحتجاج، فلا بد لدفع الإشكال المذكور أن يختار من هذه الأقوال التي ذكروها في تأويل الآية ما هو الأصح والأقوى، وأصحها عندي هو ما اختاره الرازي وابن جرير وابن كثير.
قال الرازي في تفسيره المروي عن ابن عباس: هو الذي خلقكم من نفس واحدة وهي نفس آدم، وجعل منها زوجها أي حواء خلقها الله من ضلع آدم عليه السلام من غير أذى، فلما تغشاها: آدم، حملت حملاً خفيفاً فلما أثقلت أي ثقل الولد في بطنها أتاها إبليس في صورة رجل، قال: ما هذا يا حواء إني أخاف أن يكون كلباً أو بهيمة، وما يدريك من أين يخرج، أمن دبرك فيقتلك، أو ينشق بطنك، فخافت حواء وذكرت ذلك لاَدم عليه السلام، فلم يزالا في هم من ذلك، ثم أتاها، وقال: إن سألت الله أن يجعله صالحاً سوياً مثلك، ويسهل خروجه من بطنك تسميه عبد الحارث، وكان اسم إبليس في الملائكة الحارث، فذلك قوله: {فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا} : أي لما آتاهما الله ولداً سوياً صالحاً، جعلا له شريكاً: أي جعل آدم وحواء له شريكاً، والمراد به الحارث، هذا تمام القصة.
واعلم أن هذا التأويل فاسد ويدل عليه وجوه:
الأول: أنه تعالى قال: {فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} . وذلك يدل على أن الذين أتوا بهذا الشرك جماعة.

(8/462)


ـــــــ
الثاني: أنه تعالى قال بعده: {أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ} ، وهذا يدل أن المقصود من هذه الآية الرد على من جعل الأصنام شركاء لله تعالى، وما جرى لإبليس اللعين في هذه الآية ذكر.
الثالث: لو كان المراد إبليس لقال: أيشركون من لا يخلق شيئاً، ولم يقل ما لا يخلق شيئاً، لأن العاقل إنما يذكر بصيغة من لا بصيغة ما.
الرابع: أن آدم عليه السلام كان من أشد الناس معرفة بإبليس، وكان عالماً بجميع الأسماء كما قال تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} فكان لا بد وأن يكون قد علم أن اسم إبليس هو الحارث، فمع العداوة الشديدة التي بينه وبين آدم، ومع علمه بأن اسمه هو الحارث؟ كيف سمى ولد نفسه بعبد الحارث؟ وكيف ضاقت عليه الأسماء حتى إنه لم يجد سوى هذا الاسم.
الخامس: أن الواحد لو حصل له ولد يرجو منه الخير والصلاح، فجاءه إنسان ودعاه أن يسميه بمثل هذه الأسماء لزجره، وأنكر عليه أشد الإنكار، فآدم عليه السلام مع نبوته وعلمه الكثير الذي حصل من قوله {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} وتجاربه الكثيرة التي حصلت له بسبب الزلة التي وقع فيها لأجل وسوسة إبليس، كيف لم يتنبه لهذا القدر، وكيف لم يعرف أن ذلك من الأفعال المنكرة التي يجب على العاقل الاحتراز منها.
السادس: أن بتقدير أن آدم عليه السلام سماه بعبد الحارث، فلا يخلو إما أن يقال: إنه جعل هذا اللفظ اسم علم له، أو جعله صفة له، بمعنى أنه أخبر بهذا اللفظ أنه عبد الحارث ومخلوق من قبله، فإن كان الأول لم يكن هذا شركاً بالله، لأن أسماء الأعلام والألقاب لا تفيد في المسميات فائدة، فلم يلزم من التسمية بهذا اللفظ حصول الإشراك، وإن كان الثاني كان هذا قولاً بأن آدم عليه السلام اعتقد أن لله شريكاً في الخلق والإيجاد والتكوين، وذلك يوجب الجزم بتكفير آدم وذلك لا يقوله عاقل. فثبت بهذه الوجوه أن هذا القول فاسد. ويجب على العاقل المسلم أن لا يلتفت إليه.
إذا عرفت هذا فتقول في تأويل الآية وجوه صحيحة سليمة خالية عن هذه المفاسد، التأويل الأول ما ذكره القفال فقال: إنه تعالى ذكر هذه القصة على

(8/463)


ـــــــ
تمثيل ضرب المثل، وبيان أن هذه الحالة صورة حالة هؤلاء المشركين في جهلهم وقولهم بالشرك وتقرير هذا الكلام كأنه تعالى بقول: هو الذي خلق كل واحد منكم من نفس واحدة وجعل من جنسها زوجها إنساناً يساويه في الإنسانية، فلما تغشى الزوج الزوجة وظهر الحمل دعا الزوج والزوجة ربهما لئن آتيتنا ولداً صالحاً سوياً لنكونن من الشاكرين لاَلائك ونعماتك فلما آتاهما الله ولداً صالحاً سوياً جعل الزوج والزوجة شركاء فيما آتاهما لأنهم تارة ينسبون ذلك للطبائع كما هو قول الطبائعيين وتارة إلى الكواكب كما هو قول المنجمين، وتارة إلى الأصنام والأوثان كما هو قول عبدة الأصنام، ثم قال تعالى: {فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} ، أي تنزه الله عن ذلك الشرك، وهذا جواب في غاية الصحة والسداد.
ثم ذكر باقي التأويلات من شاء الوقوف عليها فليراجع تفسيره. وقال الحافظ: ابن كيثر في تفسيره: قال ابن جرير، حدثنا ابن وكيع، حدثنا سهل بن يوسف عن عمرو عن الحسن: جعلا له شركاء فيما آتاهما قال: كان هذا في بعض أهل الملل ولم يكن بآدم.
وحدثنا محمد بن عبد الأعلى. حدثنا محمد بن ثور عن معمر قال: قال الحسن عنى بها ذرية آدم ومن أشرك منهم بعده يعني جعلا له شركاء فيما آتاهما، وحدثنا بشر حدثنا يزيد حدثنا سعيد عن قتادة: كان الحسن يقول: هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولاداً فهودوا ونصروا، وهذه أسانيد صحيحة عن الحسن رضي الله تعالى عنه أنه فسر الآية بذلك، وهو من أحسن التفاسير وأولى ما حملت عليه الآية، ولو كان هذا الحديث يعني حديث سمرة المذكور عنده محفوظاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عدل عنه هو ولا غيره لا سيما مع تقواه لله وورعه، فهذا يدلك على أنه موقوف على الصحابي، ويحتمل أنه تلقاه من بعض أهل الكتاب من آمن منهم مثل: كعب ووهب بن منبه وغيرهما، إلا إنما برئنا من عهدة المرفوع، انتهى.
أما أثر ابن عباس الذي ذكره الرازي فهو مروي من طرق متعددة بألفاظ مختلفة، وهو يحتمل أن يكون مأخوذاً من الإسرائيليات، قال الحافظ ابن كثير بعد ذكره من الطرق المتعددة بالألفاظ المختلفة ما لفظه: وقد تلقى هذا الأثر عن

(8/464)


ابن عباس جماعة من أصحابه كمجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة. ومن الطبقة الثانية قتادة والسدي وغير واحد من السلف وجماعة من الخلف، ومن المفسربين من المتأخرين جماعات لا يحصون كثرة، وكأنه أصله مأخوذ من أهل الكتاب، فإن ابن عباس رواه عن أبي بن كعب كما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا أبو الجماهر، حدثنا سعيد يعني ابن بشير، عن عقبة، عن قتادة عن مجاهد عن ابن عباس عن أبي بن كعب قال: لما حملت حواء أتاها الشيطان فقال لها: أتطيعيني ويسلم لك ولدك، سميه عبد الحارث، فلم تفعل فولدت فمات، ثم حملت فقال لها مثل ذلك، فلم تفعل، ثم حملت الثالثة فجاءها فقال إن تطيعيني يسلم وإلا فإنه يكون بهيمة فهيبهما فأطاعا.
وهذه الآثار يظهر عليها أنها من آثار أهل الكتاب، وقد صح الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم" ثم أخبارهم على ثلاثة أقسام: فمنها ما علمنا صحته بما دل عليه الدليل من كتاب الله أو سنة رسوله ومنها ما علمنا كذبه بما دل على خلافه من الكتاب والسنة أيضاً، ومنها ما هو مسكوت عنه فهو المأذون في روايته بقوله عليه السلام: "حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج"، وهو الذي لا يصدق ولا يكذب لقوله "فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم". وهذا الأثر هو من القسم الثاني أن الثالث فيه نظر، فأما من حدث به من صحابي أو تابعي فإنه يراه من القسم الثالث. وأما نحن فعلى مذهب الحسن البصري رحمه الله في هذا، وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم وحواء وإنما المراد من ذلك المشركون من ذريته، ولهذا قال الله: {فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} ثم قال. فذكره آدم وحواء أولاً كالتوطئة لما بعدهما من الوالدين وهو كالاستطراد من ذكر الشخص إلى الجنس. انتهى كلام الحافظ ابن كثير.

(8/465)


وَمَنْ سُورَةِ الأنْفَال
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
5074- حدثنا أبو كُرَيْبٍ، أخبرنا أبُو بَكْرٍ بنِ عَيّاشٍ عن عاصِمِ بنِ بَهْدَلَةَ عن مُصْعَبِ بنِ سَعْدٍ عن أبِيهِ قال: "لَمّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ جِئْتُ بِسَيْفٍ فَقلت: يَا رَسُولَ الله، إنّ الله قَد شَفَى صَدْرِي مِنَ المُشْرِكِينَ أوْ نَحْوَ هَذا هَبْ لِي هَذا السّيْفَ، فقالَ: "هَذَا لَيْسَ لِي وَلاَ لَكَ"، فَقلت: عَسَى أنْ يُعْطَى هَذَا مَنْ لاَ يُبْلِي بَلاَئِي، فجاءَ الرّسُولُ فَقَالَ "إنّكَ سَأَلْتَنِي وَلَيْسَ لِي وَإِنّهُ قَدْ صَارَ لِي وَهُوَ لَكَ" ، قالَ: فَنَزَلَتْ: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ} . الآية.
ـــــــ
ومن سورة الأنفال
هي مدنية خمس أو ست أو سبع وسبعون آية
قوله: "إن الله شفى صدري من المشركين أو نحو هذا" أو للشك من الراوي، يعني قال هذا اللفظ، أو قال لفظاً آخر نحو "هب لي" أي أعطني "هذا ليس لي ولا لك" لأنه من أموال الغنيمة التي لم تقسم "عسى أن يعطى" بصيغة المجهول "هذا" أي السيف وهو نائب الفاعل ليعطي "من لا يبلي بلائي" مفعول ثان ليعطي.
قال في النهاية: أي لا يعمل مثل عملي في الحرب، كأنه يريد أفعل فعلاً أختبر فيه ويظهر به خيري وشري انتهى. وفي رواية أبي داود: من لم يبل بلائي. قال السندي: أي لم يعمل مثل عملي في الحرب، كأنه أراد أن في الحرب يختبر الرجل فيظهر حاله، وقد اختبرت أنا فظهر مني ما ظهر فأنا أحق بهذا السيف من الذي لم يختبر مثل اختباري انتهى، "فجاءني الرسول" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "وليس لي" جملة حالية، أي سألتني السيف، والحال أنه لم يكن لي "وإنه قد صار إليّ" أي الآن "فنزلت يسألونك عن الأنفال".

(8/466)


ـــــــ
قال البخاري في صحيحه: قال ابن عباس: الأنفال المغانم. وروي عن سعيد ابن جبير، قلت لابن عباس سورة الأنفال قال: نزلت في بدر "الاَية" قال في الجلالين في تفسير هذه الآية: لما اختلف المسلمون في غنائم بدر، فقال الشبان: هي لنا لأنا باشرنا القتال، وقال الشيوخ: كنا ردءاً لكم تحت الرايات، ولو انكشفتم لفئتم إلينا فلا تستأثروا بها. نزل يسألونك: يا محمد، عن الأنفال: الغنائم لمن هي، قل لهم: الأنفال لله والرسول: يجعلانها حيث شاءا. فقسمها صلى الله عليه وسلم بينهم بالسواء. رواه الحاكم في المستدرك، {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} : أي حقيقة ما بينكم بالمودة وترك النزاع، {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} : حقاً. وقال في المدارك: وأصلحوا ذات بينكم: أي أحوال بينكم، يعني ما بينكم من الأحوال حتى تكون أحوال ألفة ومحبة واتفاق. وقال الزجاج: معنى ذات بينكم: حقيقة وصلكم، والبين: الوصل، أي فاتقوا الله وكونوا مجتمعين على ما أمر الله ورسوله به.
قلت: ما ذكر في الجلالين من سبب نزول هذه الآية، فهو مروي عن ابن عباس عند أبي داود والنسائي وابن جرير وابن مردويه وابن حبان والحاكم ونحوه عن عبادة بن الصامت كما أشار إليه الترمذي، وسيجيء لفظه، قال الخازن: قوله سبحانه وتعالى: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ} . استفتاء، يعني يسألك أصحابك يا محمد عن حكم الأنفال وعلمها، وهو سؤال استفتاء لا سؤال طلب. قال الضحاك وعكرمة: هو سؤال طلب، وقوله عن الأنفال: أي من الأنفال. وعن بمعنى من أو قيل عن صلة: أي يسألونك الأنفال انتهى.
قلت: حديث سعد بن أبي وقاص يقتضي أنه سؤال طلب، وحديث ابن عباس، وحديث عبادة يقتضيان أنه سؤال استفتاء وهو الراجح عندي. وقال صاحب فيح البيان: ذهب جماعة من الصحابة والتابعين إلى أن الأنفال كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة ليس لأحد فيها شيء حتى نزل قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} فهي على هذا منسوخة، وبه قال مجاهد وعكرمة والسدي. وقال ابن زيد: محكمة مجملة، وقد بين الله مصارفها في آية الخمس، وللإمام أن ينفل من شاء من الجيش ما شاء قبل التخميس انتهى.

(8/467)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد رَوَاهُ سِماك بن حرب عن مُصعَبِ بنِ سَعدٍ أيضاً. وفي البابِ عن عُبَادَةَ بن الصّامِتِ.
5075- حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ، أخبرنا عُمَرُ بنُ يُونسَ الْيَمَامِيّ، أخبرنا عِكْرِمَةُ بنُ عَمّارٍ أخبرنا أبو زُمَيْلٍ، حدثني عَبْدُ الله بنُ عَبّاسٍ،
ـــــــ
قلت: والظاهر الراجح عندي أنها ليست بمنسوخة، بل هي محكمة والله تعالى أعلم.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي.
قوله: "وفي الباب" أي في شأن نزول هذه الآية "عن عبادة بن الصامت" أخرجه أحمد عنه قال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهدت معه بدراً، فالتقى الناس فهزم الله العدو، فانطلقت طائفة في إثرهم يهزمون ويقتلون، وأكبت طائفة على الغنائم يحوونه ويجمعونه وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلملا يصيب العدو منهم غرة. حتى إذا كان الليل وفاء الناس بعضهم إلى بعض قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها وجمعناها فليس لأحد فيها نصيب، وقال الذين خرجوا في طلب العدو لستم بأحق بها منا نحن نفينا عنها العدو وهزمناهم. وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم لستم بأحق منا، نحن أحدقنا برسول الله صلى الله عليه وسلم وخفنا أن يصيب العدو منه غرة فاشتغلنا به فنزلت {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على فواق بين المسلمين، وفي لفظ مختصر فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا فجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسمه فينا على بواء، يقول على السواء.
قال الشوكاني في النيل: حديث عبادة قال في مجمع الزوائد رجال أحمد ثقات، وأخرجه أيضاً الطبراني، وأخرج نحوه الحاكم عنه.
قوله: "أخبرنا أبو زميل" بضم الزاي مصغراً اسمه سِمَاك بن الوليد الحنفي "حدثني عبد الله بن عباس" بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ابن عم رسول

(8/468)


حدثني عُمَرُ بنُ الْخَطّابِ قال: "نَظَرَ نَبِيّ الله صلى الله عليه وسلم إلى المشْرِكِينَ وَهُمْ ألْفٌ وَأَصْحَابُهُ ثَلاَثُمَائَةٍ وَبِضْعَةُ عَشَرَ رَجُلاً، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيّ الله صلى الله عليه وسلم الْقِبْلَةَ ثمّ مَدّ يَدَيْهِ وَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبّهِ: "اللّهُمّ انْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَني، اللّهُمّ أتني ما وعدتني اللّهُمّ إِنّكَ إنْ تَهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةُ مِنْ أهْلِ الإسْلاَمِ لا تُعْبَدُ
ـــــــ
الله صلى الله عليه وسلم ولد قبل الهجرة بثلاث سنين ودعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفهم في القرآن، فكان يسمى البحر والحبر لسعة علمه، وقال عمر: لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عثره منا أحد، مات سنة ثمان وستين بالطائف، وهو أحد المكثرين من الصحابة، وأحد العبادلة من فقهاء الصحابة.
قوله: "نطر نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين" وفي رواية مسلم لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين.
قال النووي: بدر هو موضع الغزوة العظمى المشهورة وهو ماء معروف وقرية عامرة على أربع مراحل من المدينة بينها وبين مكة.
قال ابن قتيبة: بدر بئر كانت لرجل يسمى بدراً فسميت باسمه.
قال أبو اليقظان: كان لرجل من بني غفار، وكانت غزوة بدر يوم الجمعة لسبع عشرة خلت من شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة "ثم مد يديه" أي رفعهما "وجعل يهتف" بفتح أوله وكسر التاء المثناة بعد الهاء، ومعناه يصيح ويستغيث بالله بالدعاء، وفيه استحباب استقبال القبلة في الدعاء ورفع اليدين فيه، وأنه لا بأس برفع الصوت في الدعاء "اللهم أنجز لي ما وعدتني" من الإنجاز: أي أحضر لي ما وعدتني، يقال: انجز وعده إذا أحضره "اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة" .
قال النووي: ضبطوا تهلك بفتح التاء وضمها، فعلى الأول ترفع العصابة على أنها فاعل، وعلى الثاني تنصب وتكون مفعوله، والعصابة: الجماعة انتهى.
قال الحافظ في الفتح: إنما قال ذلك لأنه علم أنه خاتم النبيين، فلو هلك هو ومن معه حينئذ لم يبعث أحد ممن يدعو إلى الإيمان ولا ستمر المشركون يعبدون

(8/469)


في الأرْضِ"، فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبّهِ مادّاً يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ حَتّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ مِنْ مَنْكِبَيْهِ، فَأَتَاهُ أبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ ثمّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ وقال: يَا نَبِيّ الله، كَفَاكَ مُنَاشَدَتَكَ رَبّكَ فَإِنّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ، فأَنْزَلَ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ} فأَمَدّهُمُ الله بِالمَلاَئِكَةِ.
ـــــــ
غير الله، فالمعنى لا يعبد في الأرض بهذه الشريعة "كفاك". وفي بعض النسخ كذاك بالذال، وفي رواية البخاري حسبك وكله بمعنى، كما صرح به الجزري والنووي "مناشدتك ربك" المناشدة: السؤال مأخوذة من النشيد، وهو رفع الصوت وضبطوا مناشدتك بالرفع والنصب وهو الأشهر. قال القاضي: من رفعه جعله فاعلاً لكفاك، ومن نصبه فعلى المفعول لما في حسبك وكفاك، وكذاك من معنى الفعل من الكف.
قال العلماء: هذه المناشدة إنما فعلها النبي صلى الله عليه وسلم ليراه أصحابه بتلك الحال فتقوى قلوبهم بدعائه وتضرعه مع أن الدعاء عبادة. وقد كان وعده الله تعالى إحدى الطائفتين، إما العير وإما الجيش، وكانت العير قد ذهبت وفاتت، فكان على ثقة من حصول الآخرى ولكن سأل تعجيل ذلك وتنجيزه من غير أذى يلحق المسلمين "فإنه سينجز لك ما وعدك".
قال الخطابي: لا يجوز أن يتوهم أحد أن أبا بكر كان أوثق بربه من النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الحال. بل الحامل للنبي صلى الله عليه وسلم على ذلك شفقته على أصحابه وتقوية قلوبهم، لأنه كان أول مشهد شهده فبالغ في التوجه والدعاء والابتهال لتسكن نفوسهم عند ذلك لأنهم كانوا يعلمون أن وسيلته مستجابة، فلما قال أبو بكر ما قال، كف عن ذلك وعلم أنه استجيب له لما وجد أبو بكر في نفسه من القوة والطمأنينة، فلهذا عقب بقوله سيهزم الجمع {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} أي تطالبون منه الغوث بالنصر عليهم { فَاسْتَجَابَ لَكُمْ} أي فأجاب دعاءكم {أَنِّي مُمِدُّكُمْ} أي بأني معينكم {بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ} أي متتابعين يردف بعضهم بعضاً.

(8/470)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ، لا نَعْرِفُهُ من حديثِ عُمَرَ إلاّ من حديثِ عِكْرِمَةَ بنِ عَمّارٍ عن أبي زُمَيْلٍ. وأبو زُمَيْلٍ اسْمُهُ سِمَاكُ الْحَنَفِيّ، وَإِنّمَا كَانَ هَذَا يَوْمُ بَدْرٍ.
5076- حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ عن إسْرَائِيلَ عن سِمَاكٍ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: "لَمّا فَرَغَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ بَدْرٍ قيلَ لَهُ: عَلَيْكَ الْعِيرُ لَيْسَ دُونَهَا شَيْءٌ. قال: فَنَادَاهُ الْعَبّاسُ - وَهُوَ في وَثَاقِهِ - لا يَصْلُحُ وقال: لأَنّ الله تَعَالَى وَعَدَكَ إحْدَى الطّائِفَتَيْنِ وَقَدْ أعْطَاكَ مَا وَعَدَكَ. قال: "صَدَقْتَ" .
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود وأخرجه البخاري مختصراً.
قال الحافظ: هذا من مراسيل الصحابة، فإن ابن عباس لم يحضر ذلك ولعله أخذه عن عمر أو عن أبي بكر "وقال وإنما كان هذا يوم بدر" الظاهر أن ضمير قال راجع إلى الترمذي.
قوله: "عليك العير" أي عير أبي سفيان التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج بالمسلمين من المدينة يريدها، فبلغ ذلك أهل مكة فأسرعوا إليها وسبقت العير المسلمين، فلما فاتهم العير نزل النبي صلى الله عليه وسلم بالمسلمين بدراً فوقع القتال، وهذه العير يقال كانت ألف بعير، وكان المال خمسين ألف دينار، وكان فيها ثلاثون رجلاً من قريش، وقيل أربعون، وقيل ستون "ليس دونها شيء" أي ليس دون العير شيء يزاحمك "فناداه العباس" أي ابن عبد المطلب "وهو في وثاقه" وفي رواية أحمد وهو أسير في وثاقه، والوثاق بفتح الواو وكسرها ما يشد به من قيد وجل ونحوهما "لا يصلح" أي لا ينبغي لك "لأن الله وعدك إحدى الطائفتين" المراد بالطائفتين العير والنفير، فكان في العير أبو سفيان ومن معه كعمرو بن العاص، ومخرمة بن نوفل وما معه من الأموال. وكان في النفير

(8/471)


هذا حديثٌ حسنٌ.
5077- حدثنا سُفْيَانُ بنُ وَكِيعٍ، أخبرنا ابنُ نُمَيْرٍ عن إسماعِيلَ بنِ إبْرَاهِيمَ بنِ مُهَاجِرٍ، عن عَبّادِ بنِ يُوسُفَ عن أبي بُرْدَةَ بنِ أبي مُوسَى عن أبِيهِ قال: قال رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أَنْزَلَ الله عَلَيّ أَمَانَيْنِ لأُمّتِي : {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} فإذا مَضَيْتُ تَرَكْتُ فِيهِمْ الاسْتِغْفَارَ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" .
ـــــــ
أبو جهل وعتبة بن ربيعة وغيرهما من رؤساء قريش "قال" أي النبي صلى الله عليه وسلم "صدقت" أي فيما قلت.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد.
قوله: "أخبرنا ابن نمير" هو عبد الله بن نمير "عن عباد بن يوسف" قال في التقريب: عباد بن يوسف ويقال بن سعيد كوفي عن أبي بردة مجهول من السادسة ويقال اسمه عبادة "أنزل الله على أمانين" أي في القرآن {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ} إلخ قبله، وإذ قالوا {اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا} أي الذي يقرأه محمد، {هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ} أي المنزل من عندك {فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} أي مؤلم على إنكاره قاله النضر وغيره، استهزاء وإيهاماً أنه على بصيرة وجزم ببطلانه "وأنت فيهم" أي مقيم بمكة بين أظهرهم حتى بخرجوك لأن العذاب إذا نزل عم ولم تعذب أمة إلا بعد خروج نبيها والمؤمنون منها. {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} حيث يقولون في طوافهم: غفرانك غفرانك، وقيل هم المؤمنون المستضعفون فيهم، كما قال تعالى: {لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} وبعده { وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ} أي بالسيف بعد خروجك والمستضعفين، وعلى القول الأول هي ناسخة لما قبلها، وقد عذبهم ببدر وغيرهم {وَهُمْ يَصُدُّونَ} أي يمنعون النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين عن المسجد الحرام أن يطوفوا به { وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ} - كما زعموا - إن أولياؤهم إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون أن لا ولاية لهم عليه "فإذا مضيت" أي ذهبت "تركت فيهم" أي بعدى "الاستغفار إلى يوم القيامة" فما داموا يستغفرون لم يعذبوا.

(8/472)


هذا حديثٌ غريبٌ.
وإسماعِيلُ بنُ إبراهِيمَ بنِ مُهَاجِرٍ يُضَعّفُ في الحديثِ.
5078- حدثنا أَحْمَدُ بنُ مَنَِعٍ، أخبرنا وَكِيعٌ عن أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ عن صَالحِ بنِ كَيْسَانَ عن رَجُلٍ لَمْ يُسَمّهِ عن عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ، "أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قَرَأَ هَذِهِ الآية عَلَى المِنْبَرِ: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} قال: "أَلاَ إنّ القُوّةَ الرّمْيُ - ثَلاَثَ مَرّاتٍ - أَلاَ إنّ الله سَيَفْتَحُ لَكُمْ الأرْضَ وَسَتُكْفَوْنَ المَؤنَةَ، فَلاَ يَعْجِزَنّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَلْهُوَ
ـــــــ
وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس أن الله جعل في هذه الأمة أمانين لا تزالون معصومين مجارين من طوارق العذاب ما دام بين أظهرهم فأمان قبضه الله إليه وأمان بقي فيكم قوله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} .
وروى أحمد عن فضالة بن عبيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "العبد آمن من عذاب الله ما استغفر الله عز وجل" .
قوله: "وإسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر يضعف في الحديث" قال في التقريب: إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر بن جابر البجلي الكوفي ضعيف من السابعة.
قوله: "عن أسامة بن زيد" هو الليثي.
قوله: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ} إلخ ما موصولة والعائد محذوف ومن قوة بيان له، فالمراد هنا نفس القوة. وفي هذا البيان والمبين إشارة إلى أن هذه العدة لا تستتب بدون المعالجة والإدمان الطويل، وليس شيء من عدة الحرب وأداتها أحوج إلى المعالجة والإدمان عليها مثل القوس والرمي بها، ولذلك كرر صلوات الله وسلامه عليه تفسير القوة بالرمي بقوله "ألا" للتنبيه "إن القوة الرمي" أي هو العمدة "ثلاث مرات" كررها ثلاثاً لزيادة التأكيد أو إشارة إلى الأحوال الثلاث من القلة والكثرة وبينهما فإنها نافية في جميعها "وستكفون المؤنة"

(8/473)


بِأَسْهُمِهِ". وقد رَوَى بعضُهم هذا الحديثَ عن أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ عن صالحِ بنِ كَيْسَانَ رواه أبو أسامة وغير واحد عن عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ. وحديثُ وَكِيعٍ أَصَحّ. وصالحُ بنُ كَيْسَانَ لم يُدْرِكْ عُقْبَةَ بنَ عامرٍ، وقد أَدْرَكَ ابنَ عُمَرَ.
5079- حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، أخبرني مُعاوِيَةُ بنُ عَمْرٍو، عن زَائِدَة عن الأعمَشِ عن أبي صالحٍ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "لَمْ تَحِلّ الْغَنَائِمُ لأحَدِ سُودِ الرّؤوسِ مِنْ قَبْلِكُمْ كانَتْ تَنْزِلُ نَارٌ مِنَ السّمَاءِ فَتَأَكُلُهَا" . قال سُلَيْمانُ الأعمَشُ: فَمَنْ يقولُ هَذَا إلاّ أَبُو
ـــــــ
بصيغة المجهول: أي سيكفيكم الله مؤنة القتال بما فتح عليكم، وفي رواية مسلم يكفيكم الله.
قال القاري: أي شرهم بقوته وقهره لكن ثوابكم وأجركم مترتب على سعيكم وتعبكم "فلا يعجزن" بكسر الجيم على المشهور وبفتحها على لغة، ومعناه الندب إلى الرمي.
قال النووي في شرح مسلم: فيه وفي الأحاديث بعد فضيلة الرمي والمناضلة والاعتناء بذلك بنية الجهاد في سبيل الله تعالى، وكذلك المشاحفة وسائر أنواع استعمال السلاح. وكذا المسابقة بالخيل وغيرها، والمراد بهذا كله التمرن على القتال والتدرب والتحذق فيه، ورياضة الأعضاء بذلك "أن يلهو" أي يشتغل يلعب "بأسهمه" جمع السهم أي مع قسيها بنية الجهاد وحديث عقبة هذا أخرجه أيضاً مسلم من وجه آخر.
قوله: "أخبرني معاوية بن عمرو" بن المهلب. ابن عمرو الأزدي المعني بفتح الميم وسكون المهملة وكسر النون، أبو عمرو البغدادي ويعرف بابن الكرماني ثقة من صغار التاسعة "عن زائدة" هو ابن قدامة.
قوله: "لأحد سود الرؤوس" بإضافة أحد إلى سود، والمراد بسود الرؤوس

(8/474)


هُرَيْرَةَ الآنَ. فَلَمّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ وَقَعُوا في الْغَنَائِمِ قَبْلَ أَنْ تَحِلّ لَهُمْ، فَأَنْزَلَ الله تعالى {لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
بنو آدم لأن رؤوسهم سود "قال سليمان الأعمش: فمن يقول هذا إلا أبو هريرة الآن" لم يظهر لي أن الأعمش ما أراد بقوله فمن يقول هذا الخ، اللهم إلا أن يقال إن مراده به أنه لا يقول أحد الآن في هذا الحديث لفظ سود الرؤوس إلا أبو هريرة، يعني لم يرد هذا اللفظ إلا في حديثه، ولكن يخدشه لفظ الآن، فليتأمل {لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ} بإحلال الغنائم والأسرى لكم {لَمَسَّكُمْ} أي لنالكم وأصابكم {فِيمَا أَخَذْتُمْ} من الفداء. وروى الشيخان عن أبي هريرة: غزا نبي من الأنبياء الحديث، وفي آخره: ثم أحل الله لنا الغنائم، ثم رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا. قال الحافظ في الفتح: فيه اختصاص هذه الأمة بحل الغنيمة وكان ابتداء ذلك من غزوة بدر، وفيها نزل قوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً} فأحل الله لهم الغنيمة.
وقد ثبت ذلك في الصحيح من حديث ابن عباس، وقد قدمت في أوائل فرض الخمس، أن أول غنيمة خمست غنيمة السرية التي خرج فيها عبد الله بن جحش، وذلك قبل بدر بشهرين، ويمكن الجمع بما ذكر ابن سعد أنه صلى الله عليه وسلم أخر غنيمة تلك السرية حتى رجع من بدر فقسمها مع غنائم بدر. وفيه أن من مضى كانوا يغزون ويأخذون أموال أعدائهم وأسلابهم لكن لا يتصرفون فيها بل بجمعونها وعلامة قبول غزوهم ذلك أن تنزل النار من السماء فتأكلها، وعلامة عدم قبوله أن لا تنزل. ومن أسباب عدم القبول أن يقع فيهم الغلول، وقد من الله على هذه الأمة ورحمها لشرف نبيها عنده فأحل لهم الغنيمة وستر عليهم الغلول، فطوى عنهم فضيحة أمر عدم القبول، فلله الحمد على نعمة تترى، ودخل في عموم أكل النار الغنيمة السبي وفيه بعد، لأن مقتضاه إهلاك الذرية ومن لم يقاتل من النساء، ويمكن أن يستثنوا من ذلك ويلزم استثناؤهم من تحريم الغنائم عليهم، ويؤيده أنهم كانت لهم عبيد وإماء فلو لم يجز لهم السبي

(8/475)


5080- حدثنا هَنّادٌ، أخبرنا أبو مُعَاوِيَةَ، عن الأعمَشِ، عن عَمْرِو بنِ مُرّةَ، عن أبي عُبَيْدَةَ بنِ عَبْدِ الله، عن عَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ قال: لَمّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ وَجِيءَ بِالأُسَارَى قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَا تَقُولُونَ في هَؤُلاَءِ الاْسَارَى" ، فَذَكَرَ في الْحَدِيثِ قِصّةً، فقال رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا يَنْفَلِتَنّ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلاّ بِفِدَاءٍ أَوْ ضَرْبِ عُنُقٍ" ، فقال عبدُ الله بنُ مَسْعُودٍ فَقلت: يَا رَسُولَ الله، إلاّ سُهَيْلَ بنَ بَيْضَاءَ فَإِنّي سَمِعْتُهُ يَذْكُرُ الإسْلاَمَ. قالَ: فَسَكَتَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم. قال: فَمَا رَأَيْتُنِي في يَوْمِ أَخْوفَ أَنْ تَقَعَ عَلَيّ حِجَارَةٌ مِنَ السّمَاءِ مِنّي في ذَلِكَ الْيَوْمِ، قال حَتّى قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِلاّ سُهَيْلَ بنَ بَيْضَاءِ" . قال: وَنَزَلَ الْقُرْآنُ بِقَوْلِ عُمَرَ: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} . إلى آخِرِ الآياتِ.
ـــــــ
لما كان لهم أرقاء، ويشكل على الحظر أنه كان السارق يسترق كما في قصة يوسف ولم أر من صرح بذلك انتهى.
قوله: "عن عمرو بن مرة" هو ابن عبد الله بن طارق الجعلي.
قوله: "فذكر في الحديث قصة" قد ذكرنا هذه القصة بطولها في باب المشورة من أبواب الجهاد "لا ينفلتن أحد" أي لا يتخلصن "منهم" أي من الأساري "ونزل القرآن بقول عمر" أي نزل القرآن موافقاً لقول عمر {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى} أي ما كان ينبغي لنبي، وقال أبو عبيدة: معناه لم يكن لنبي ذلك فلا يكون لك يا محمد. والمعنى ما كان لنبي أن يحبس كافراً قدر عليه وسار في يده أسيراً للفداء والمن. والأسرى جمع أسير وأساري جمع الجمع {حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} الإثخان في كل شيء: عبارة عن قوته وشدته، يقال أثخنه المرض إذا اشتدت قوته عليه، والمعنى حتى يبالغ في قتال المشركين ويغلبهم

(8/476)


هذا حديثٌ حسنٌ. وأبو عُبَيْدَةَ بنُ عبدِ الله لم يَسْمَعْ مِنْ أبِيهِ.
ـــــــ
ويقهرهم، فإذا حصل ذلك فله أن يقدم على الأسر فيأسر الأساري وبقية الآية مع تفسيرها هكذا تريدون عرض الدنيا. يعني تريدون أيها المؤمنون عرض الدنيا بأخذكم الفداء من المشركين، وإنما سمى منافع الدنيا عرضاً لأنه لا ثبات لها ولا دوام، فكأنها تعرض ثم تزول بخلاف منافع الآخرة فإنها دائمة لا انقطاع لها والله يريد لكم الآخرة، أي ثوابها بقتل المشركين وقهرهم ونصركم الدين لأنها دائمة بلا زوال ولا انقطاع، والله عزيز: لا يقهر ولا يغلب، حكيم: في تدبير مصالح عباده.
واعلم أن حديث علي الذي قد مر في باب قتل الأسرى والفداء من أبواب السير، ظاهره يخالف حديث عبد الله بن مسعود هذا وظاهر هذه الآية، وقد تقدم وجه الجمع هناك فعليك أن تراجعه.
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه أحمد.

(8/477)


وَمِنْ سُوَرةِ التّوْبَة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
5081- حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ أخبرنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ وَمُحمّدُ بنُ جَعْفَرٍ وَابنُ أبي عَدِيّ وَسَهْلُ بنُ يُوسُفَ، قالوا: أخبرنا عَوْفُ بنُ أبي جَمِيلَةَ، حدثني يَزِيدُ الْفَارِسِيّ، حدثني ابنُ عَبّاسٍ قال: "قلْتُ لِعُثْمانَ بنِ
ـــــــ
وَمِنْ سُوَرةِ التّوْبَة
هي مدنية بإجماعهم قال ابن الجوزي: سوى آيتين في آخرها: "لقد جاءكم رسول من أنفسكم" فإنهما نزلتا بمكة وهي مائة وتسع وعشرون آية وقيل مائة وثلاثون آية
قوله: "وسهل بن يوسف" الأنماطي البصري، ثقة، رمي بالقدر، من كبار التاسعة.
"حدثني يزيد الفارسي" البصري مقبول من الرابعة.

(8/477)


عَفّانَ: مَا حَمَلَكُمْ أَنْ عَمَدْتُمْ إلى الاْنْفَالِ وَهِيَ مِنَ المَثَانِي، وَإِلَى بَرَاءَةَ وَهِيَ مِنَ الْمِئِينَ، فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُمَا وَلَمْ تَكْتُبُوا بَيْنَهُمَا سَطْرَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَوَضَعْتُمُوهَا في السّبْعِ الطّوَلِ، مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ فَقَالَ عُثْمانُ: كَانَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم مِمّا يَأْتِي عَلَيْهِ الزّمَانُ وَهُوَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ السّوَرُ ذَوَاتُ الْعَدَدِ، فَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الشّيْءُ دَعَا بَعْضَ مَنْ كَانَ يَكْتُبُ، فيقولُ: ضَعُوا هَؤُلاءِ الآيات في السّورَةِ التِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا، وَإِذَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ الآية فيقولُ: ضَعُوا هَذِهِ الآية
ـــــــ
قوله: "ما حملكم" أي ما الباعث والسبب لكم "أن عمدتم" بفتح الميم أي على أن قصدتم "وهي من المثاني".
قال في المجمع: يقال المثاني على كل سورة أقل من المئين، ومنه عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني انتهى. وقال في النهاية: المثاني السورة التي تقصر عن المئين وتزيد على المفصل كأن المئين جعلت مبادئ والتي تليها مثاني "وإلى براءة" هي سورة التوبة وهي أشهر أسمائها، ولها أسماء أخرى تزيد على العشرة، قاله الحافظ في الفتح "وهي من المئين" أي ذوات مائة آية.
قال في المجمع: أول القرآن السبع الطول، ثم ذوات المئين، أي ذوات مائة آية، ثم المثاني، ثم المفصل انتهى. والمثين جمع المائة، وأصل المائة مائ كمعنى والهاء عوضاً عن الواو، وإذا جمعت المائة قلت مئون، ولو قلت مئات جاز "في السبع الطول" بضم ففتح "ما حملكم على ذلك" تقرير للتأكيد وتوجيه السؤال أن الأنفال ليس من السبع الطول لقصرها عن المئين لأنها سبع وسبعون آية وليست غيرها لعدم الفصل بينها وبين براءة "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يأتي عليه الزمان" أي الزمان الطويل ولا ينزل عليه شيء، وربما يأتي عليه الزمان "وهو" أي النبي صلى الله عليه وسلم والواو للحال "ينزل عليه" بصيغة المجهول "فكان إذا نزل عليه الشيء" يعني من القرآن "دعا بعض من كان يكتب" أي الوحي، كزيد بن ثابت ومعاوية وغيرهما "فإذا نزلت عليه الآية فيقول

(8/478)


في السّورَةِ الّتِي يُذكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا، وَكَانَتْ الأنْفَالُ مِنْ أَوَائِلِ مَا أنَزِلَتْ بالمَدِينَةِ، وَكاَنَتْ بَرَاءَةُ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ، وَكَانَتْ قِصّتُهَا شَبِيهَةً بِقِصّتِهَا، فَظَنَنْتُ أَنّهَا مِنْهَا، فَقُبِضَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم وَلمْ يُبَيّنْ لَنَا أَنّهَا مِنْهَا، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَرَنْتُ بينهما وَلَمْ أَكْتُبْ بَيْنَهُمَا سَطْرَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَوَضَعْتُهَا في السّبْعِ الطّوَلِ".
ـــــــ
ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا" هذا زيادة جواب تبرع به رضي الله تعالى عنه للدلالة على أن ترتيب الاَيات توقيفي وعليه الإجماع والنصوص المرادفة. وأما ترتيب السور فمختلف فيه كما في الإتقان "وكانت براءة من آخر القرآن" أي نزولاً كما في رواية أي فهي مدنية أيضاً، وبينهما النسبة الترتيبية بالأولية و الآخر ية، فهذا أحد وجوه الجمع بينهما "وكانت قصتها" أي الأنفال "شبيهة بقصتها" أي براءة ويجوز العكس، ووجه كون قصتها شبيهة بقصتها أن في الأنفال ذكر العهود، وفي براءة نبذها فضمت إليها "فظننت أنها" أي التوبة "منها" أي الأنفال، وكأن هذا مستند من قال: أنهما سورة واحدة، وهو ما أخرجه أبو الشيخ عن دوق1 وأبو يعلى عن مجاهد ابن أبي حاتم عن سفيان وابن لهيعة، كانوا يقولون: إن براءة من الأنفال، ولهذا لم تكتب البسملة بينهما مع اشتباه طرقهما، ورد بتسمية النبي صلى الله عليه وسلم كل منهما باسم مستقل.
قال القشيري. إن الصحيح أن التسمية لم تكن فيها لأن جبريل عليه الصلاة والسلام لم ينزل بها فيها، وعن ابن عباس: لم تكتب البسملة في براءة لأنها أمان وبراءة نزلت بالسيف. وعن مالك: أن أولها لما سقط سقطت معه البسملة، فقد ثبت أنها كانت تعدل البقرة لطولها، وقيل إنها ثابتة أولها في مصحف ابن مسعود ولا يعول على ذلك، كذا في المرقاة "ولم يبين لنا أنها منها" أي لم يبين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن التوبة من الأنفال أو ليست منها "فمن أجل ذلك" أي لما ذكر من عدم تنبيه ووجود ما ظهر لنا من المناسبة بينهما "قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" أي لعدم العلم بأنها سورة مستقلة،
ـــــــ
1 كذا في الأصل

(8/479)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاّ من حديثِ عَوفٍ عن يَزِيدَ الْفَارِسيّ عن ابنِ عَبّاسٍ. وَيَزِيدُ الْفَارِسيّ قد روى عن ابن عباس غير حديثُ يَزِيدُ بنُ أبان الرّقَاشِيّ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ إِنّمَا يَرْوِي عن أَنسِ بنِ مَالِكٍ.
5082- حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ الْخَلاّلُ، أخبرنا حُسَيْنُ بنُ عَلِيّ الْجُعْفِيّ عن زَائِدَةَ عن شَبِيبِ بن غَرْقَدَةَ عن سُلَيْمانُ بنِ عَمْرِو بن الأحْوَصِ قال: حدثني أبي أَنّهُ شَهِدَ حَجّةَ الْوَدَاعِ مَعَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فَحَمِدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَذَكَرَ وَوَعَظَ ثُمّ قال: "أَيّ يَوْمٍ أَحْرَمُ، أَيّ يَوْمٍ
ـــــــ
لأن البسملة كانت تنزل عليه صلى الله عليه وسلم للفصل ولم تنزل ولم أكتب ووضعتها في السبع الطول.
قال الطيبي: دل هذا الكلام على أنهما نزلتا منزلة سورة واحدة وكمل السبع الطول بها، ثم قيل السبع الطول: هي البقرة وبراءة وما بينهما وهو المشهور، لكن روى النسائي والحاكم عن ابن عباس أنها البقرة والأعراف وما بينهما.
قال الرواي: وذكر السابعة فنسيتها، وهو يحتمل أن تكون الفاتحة فإنها من السبع المثاني، أو هي السبع المثاني، ونزلت سبعتها منزلة المثين، ويحتمل أن تكون الأنفال بانفرادها أو بانضمام ما بعدها إليها. وصح عن ابن جبير أنها يونس، وجاء مثله عن ابن عباس، ولعل وجهه أن الأنفال وما بعدها مختلف في كونها من المثاني وأن كلا منهما سورة أو هما سورة.
"هذا حديث حسن" وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم، وقال صحيح ولم يخرجاه.
قوله: "عن زائدة" هو ابن قدامة.
قوله: "أنه شهد" أي حضر "وذكر" من التذكير "ثم

(8/480)


أَحْرَمُ، أَيّ يَوْمٍ أَحْرَمُ" ؟ قالَ فقالَ النّاسُ: يَوْمُ الْحَجّ الأكْبَرِ يَا رَسُولَ الله. قال: فَإِنّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، في بَلَدِكُمْ هَذَا، في شَهْرِكُمْ هَذَا، أَلاَ لاَ يَجْنِي جَانٍ إِلاّ عَلَى نَفْسِهِ، ولا يَجْنِي وَالِدٌ عَلَى وَلَدِهِ، ولا وَلَدٌ عَلَى وَالِدِهِ، أَلاَ إِنّ المُسْلِمَ أَخُو المُسْلِمِ، فَلَيْسَ يَحِلّ لِمُسْلِمٍ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ إِلاّ مَا أَحَلّ مِنْ نَفْسِهِ، أَلاَ وَإِنّ كُلّ رِباً في الْجَاهِلِيّةِ مَوْضُوعٌ، لَكُمْ رؤوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ غَيْرِ رِبَا الْعَبّاسِ بنِ عَبْدِ المُطّلِبِ فَإِنّهُ مَوضُوعٌ كُلّهُ، أَلاَ وَإِنّ كُلّ دَمٍ
ـــــــ
قال" أي النبي صلى الله عليه وسلم للناس "أي يوم أحرم" أي أعظم حرمة كما في حديث جابر بن عبد الله عند أحمد "فقال الناس يوم الحج الأكبر" قيل هو يوم عرفة وقيل يوم النحر، ويأتي الكلام فيه في شرح حديث علي رضي الله عنه "فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم" أي تعرضها "عليكم حرام" أي محرم ليس لبعضكم أن يتعرض لبعض فيريق دمه أو يسلب ماله، أو ينال من عرضه "كحرمة يومكم هذا" يعني تعرض بعضكم دماء بعض وأمواله وأعراضه في غير هذه الأيام كحرمة التعرض لها في هذا اليوم "في بلدكم هذا" أي مكة أو الحرم المحترم "في شهركم هذا" أي ذي الحجة "ألا لا يجني جان إلا على نفسه" تقدم شرحه في باب تحريم الدماء والأموال من أبواب الفتن "ألا" حرف التنبيه "إن المسلم أخو المسلم" أي في الدين "فليس يحل لمسلم" أي لا يجوز ولا يباح له "إلا ما أحل من نفسه" أي ما أباح له أخوه من نفسه "وإن كل رباً في الجاهلية موضوع" أي كالشيء الموضوع تحت القدم، وهو مجاز عن إبطاله "لكم رؤوس" أي أصول "أموالكم لا تظلمون" بزيادة "ولا تظلمون" بنقص "غير ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله" كذا وقع عند الترمذي في حديث عمرو بن الأحوص، ولم يظهر لي معنى الاستثناء ووقع عند ابن أبي حاتم من طريق شيبان عن شبيب بن غرقدة، عن سليمان بن الأحوص عن أبيه قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فقال ألا إن كل رباً كان في الجاهلية موضوع عنكم كله لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون

(8/481)


كَانَ في الْجَاهِلَيّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوّلُ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دَمِ الْجَاهِليّةِ دَم الْحَارِثِ بنِ عَبْدِ المُطّلِبِ، كَانَ مُسْتَرْضَعاً في بَنِي لَيْثٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، أَلاَ وَاسْتَوْصُوا بالنّسَاءِ خَيْراً، فإِنّمَا هُنّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ، لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهِنّ شَيْئاً غَيْرَ
ـــــــ
ولا تظلمون، وأول رباً موضوع رباً العباس بن عبد المطلب موضوع كله.
وفي حديث جابر عند مسلم: وربا الجاهلية موضوعة وأول ما أضع رباً ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله.
قال النووي: قوله صلى الله عليه وسلم في الربا إنه موضوع كله، معناه الزائد على رأس المال، كما قال الله تعالى: {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ} وهذا الذي ذكرته إيضاح، وإلا فالمقصود مفهوم من نفس لفظ الحديث، لأن الربا هو الزيادة فإذا وضع الربا فمعناه وضع الزيادة، والمراد بالوضع: الرد والإبطال انتهى. "وإن كل دم كان في الجاهلية موضوع" أي متروك لا قصاص ولا دية ولا كفارة "وأول دم أضع" أي أضعه وأبطله "دم الحارث بن عبد المطلب" وفي حديث جابر عند مسلم: وإن أول دم أضع من دمائنا دم بن ربيعة بن الحارث.
قال النووي: قال المحققون والجمهور اسم هذا الابن إياس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وقيل اسمه حارثة، وقيل آدم.
قال الدارقطني: وهو تصحيف، وقيل اسمه تمام، وممن سماه آدم الزبير بن بكار. قال القاضي عياض: ورواه بعض رواة مسلم دم ربيعة بن الحارث قال وكذا رواه أبو داود، وقيل وهو وهم، والصواب بن ربيعة لأن ربيعة عاش بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى زمن عمر بن الخطاب، وتأويله أبو عبيد فقال: دم ربيعة لأنه ولي الدم فنسبه إليه، قالوا وكان هذا الابن المقتول طفلاً صغيراً يحبو بين البيوت، فأصابه حجر في حرب كانت بين بني سعد وبين ليث بن بكر. قاله الزبير بن بكار انتهى "كان مسترضعاً" على بناء المجهول أي كان له ظئر ترضعه في بني ليث "ألا" بالتخفيف للتنبيه "فاستوصوا بالنساء خيراً" الاستيصاء: قبول الوصية، أي أوصيكم بهن خيراً فاقبلوا وصيتي فيهن.
وقال الطيبي: الأظهر أن السين للطلب، أي اطلبوا الوصية من أنفسكم في

(8/482)


ذَلِكَ إِلاّ أَنْ يَأتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنّ في المَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنّ ضَرْبَاً غَيْرَ مُبَرّحٍ، فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنّ سَبِيلاً. أَلاَ وَإِنّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقّا، وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقّا، فأَمّا حَقّكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ فَلاَ يُوْطِئْنَ فُرُشَكُمْ من تَكْرَهُونَ، وَلا يَأْذَنّ في بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ. أَلاَ وَإِنّ حَقّهُنّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهنّ في كِسْوَتِهِنّ وَطَعَامِهِنّ" .
ـــــــ
أنفسهن بخير أو يطلب بعضكم من بعض بالإحسان في حقهن، وقيل الاستيصاء بمعنى الإيصاء " فإنما هن عوان عندكم" جمع عانية، أي أسراء كالأسراء، شبهن بهن عند الرجال لتحكمهن فيهن.
قال في النهاية: العاني الأسير، وكل من ذل واستكان وخضع، فقد عنا يعنو، أو هو عان والمرأة عانية وجمعها عوان "ليس تملكون منهن شيئاً" أي شيئاً من الملك أو شيئاً من الهجران والضرب "غير ذلك" أي غير الاستيصاء بهن الخير {إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} الفاحشة كل ما يشتد قبحه من الذنوب والمعاصي، وكثيراً ما ترد بمعنى الزنا، وكل خصلة قبيحة فهي فاحشة من الأقوال والأفعال "فإن فعلن" أي أتين بفاحشة "فاهجروهن في المضاجع" قال ابن عباس: هو أن يوليها ظهره في الفراش ولا يكلمها، وقيل هو أن يعتزل عنها إلى فراش آخر "واضربوهن ضرباً غير مبرح" بضم الميم وفتح الموحدة وتشديد الراء المكسورة، قال النووي: الضرب المبرح هو الضرب الشديد الشاق، ومعناه اضربوهن ضرباً ليس بشديد ولا شاق، والبرح: المشقة {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ} أي فيما يراد منهن {فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} أي فلا تطلبوا عليهن طريقاً إلى هجرانهن وضربهن ظلماً "فلا يوطئن" بهمزة أو بإبدالها من باب الأفعال "فرشكم" بالنصب مفعول أول "من تكرهون" مفعول ثان أي من تكرهونه رجلاً كان أو امرأة. قال النووي: المختار أن معناه أن لا يأذن لأحد تكرهونه في دخول بيوتكم والجلوس في منازلكم. سواء كان المأذون له رجلاً أجنبياً أو امرأة أو أحداً من محارم

(8/483)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَقد رَوَاهُ أبو الأحْوَصِ عن شَبِيبِ بنِ غَرْقَدَةَ.
5083- حدثنا عَبْدُ الْوَارِثِ بنُ عَبْدِ الصّمَدِ بنِ عَبْدِ الْوَارِثِ، أخبرنا أبي عن أبِيهِ عن مُحمّدِ بنِ إسْحَاقَ عن أبي إسْحَاقَ عن الْحَارِثِ عن عَلِيّ قال: سَأَلْتُ رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم عَنْ يَوْمِ الْحَجّ الأكْبَرِ فقالَ: "يَوْمُ النّحْرِ" .
5084- حدثنا ابنُ أبي عُمَرَ، أخبرنا سُفْيَانُ عن أبي إسْحَاقَ عن الْحَارِثِ عن عَلِيّ قال: "يَوْمُ الْحَجّ الأكْبَرِ يَوْمُ النّحْرِ" .
هذا الحديث أَصَحّ من حديثِ مُحمّد بنِ إسْحَاقَ، لأَنّهُ رَوَى من غيرِ وَجْهٍ هذا الحديث عن أبي إسْحَاقَ عن الحارِثِ عن عَلِيّ موقوفاً، ولا نَعْلَمُ أَحَداً رَفَعَهُ إِلاّ مَا رُوِيَ عن مُحمّدِ بنِ إسْحَاقَ.
ـــــــ
الزوجة، فالنهي يتناول جميع ذلك "ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون" هذا كالتفسير لما قبله وهو عام "ألا وإن حقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن أو طعامهن" وفي حديث جابر عند مسلم: ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه ابن ماجه من طريق أبي الأحوص، عن شبيب بن غرقدة، وأخرجه الترمذي أيضاً من هذا الطريق في باب تحريم الدماء والأموال.
قوله: "حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث" بن سعيد بن ذكوان العنبري البصري، صدوق من الحادية عشرة.
قوله: "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يوم الحج الأكبر فقال: يوم النحر" فيه دليل لمن يقول إن يوم الحج الأكبر هو يوم النحر. ولحديث على هذا شاهد من حديث ابن عمر عند أبي داود وابن ماجه، وذكره البخاري

(8/484)


5085- حدثنا محمد بن بشّار بُنْدَارٌ، أخبرنا عَفّانُ بنُ مُسْلِمٍ وَعَبْدُ الصّمَدِ بن عبد الوارث قالا أخبرنا حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ عن سِمَاكِ بن حَرْبٍ عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قال: "بَعَثَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِبراءَةَ مَعَ أبي بَكْرٍ، ثمّ دَعَاهُ فَقَالَ: "لا يَنْبَغِي لأحَدٍ أَنْ يُبَلّغَ هَذَا إِلاّ رجُلٌ مِنْ أهْلِي، فَدَعَا عَلِيّا فَأَعْطَاهُ إِيّاهَا" .
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من حديث أنَسٍ.
5086- حدثنا مُحمّدُ بنُ إسماعِيلَ، أخبرنا سَعِيدُ بنُ سُلَيْمانَ، أخبرنا عَبّادُ بنُ الْعَوّامِ، أخبرنا سُفْيَانُ بنُ حُسَيْنِ عن الْحَكَمِ بنِ عُتْيْبَةَ
ـــــــ
تعليقاً. وقد وردت في ذلك أحاديث أخرى ذكرها الحافظ ابن كثير وغيره.
واختاره ابن جرير وهو قول مالك والشافعي والجمهور. وقال آخرون منهم عمرو ابن عباس وطاوس: إنه يوم غرفة والأول أرجح. وحديث علي هذا قد تقدم مرفوعاً وموقوفاً في أواخر أبواب الحج وأخرجه أيضاً ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.
قوله: "وعبد الصمد" بن عبد الوارث.
قوله: "بعث النبي صلى الله عليه وسلم ببراءة" يجوز فيه التنوين بالرفع على الحكاية وبالجر ويجوز أن يكون علامة الجر فتحة وهو الثابت في الروايات "مع أبي بكر" وكان بعثه قبل حجة الوداع بسنة، وكانت الحجة الوداع في السنة العاشرة من الهجرة "ثم دعاه" أي ثم دعا النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر "فقال لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي فدعا علياً" قال العلماء: إن الحكمة في إرسال علي بعد أبي بكر أن عادة العرب جرت بأن لا ينقض العهد إلا من عقده، أو من هو منه بسبيل من أِل بيته فأجراهم في ذلك على عادتهم، ولهذا قال: لا يبلغ هذا إلا أنا أو رجل من أهلي "فأعطاه إياه" أي فاعط علياً براءة.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد.
قوله: "حدثنا محمد بن إسماعيل" هو الإمام البخاري رحمه الله "أخبرنا سعيد بن

(8/485)


عن مِقْسَمٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: "بَعَثَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أبَا بَكْر وَأَمَرَهُ أَنْ يُنادِي بهَؤُلاَءِ الْكَلِمَاتِ، ثُمّ أَتْبَعَهُ عَلِيّا. فَبَيْنَا أَبُو بَكْرٍ في بَعْضِ الطّرِيقِ إِذْ سَمِعَ رُغاءَ نَاقَةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم الْقَصْوَى فَخَرَجَ أَبُو بَكْر فَزِعَاً، فَظَنّ أَنّهُ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فَإِذَا هو عَلِيّ، فَدَفَعَ إِلَيْهِ كِتَابَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وَأَمَرَ عَلِيّا أَنْ يُنَادِيَ بهَؤُلاءِ الْكَلِمَاتِ، فَانْطَلَقَا، فَحَجّا، فَقَامَ عَلِيّ أَيّامَ التّشْرِيقِ
ـــــــ
سليمان" الضبي أبو عثمان الواسطي، نزيل بغداد البزاز لقبه سعدويه ثقة حافظ من كبار العاشرة.
قوله: "بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر" وروى الطبري عن ابن عباس قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أميراً على الحج وأمره أن يقيم للناس حجهم، فخرج أبو بكر "وأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات" أي أمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن ينادي بها. وعند أحمد من حديث علي: لما نزلت عشر آيات من براءة بعث بها النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر ليقرأها على أهل مكة، ثم دعاني فقال: أدرك أبا بكر فحيثما لقيته فخذ منه الكتاب، فرجع أبو بكر فقال يا رسول الله نزل في شيء فقال: لا: إلا أنه لن يؤدي أو لكن جبريل قال لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك.
قال ابن كثير: ليس المراد أن أبا بكر رضي الله عنه رجع من فوره بل بعد قضائه للمناسك التي أمره عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الحافظ في الفتح: ولا مانع من حمله على ظاهره لقرب المسافة، وأما قوله عشر آيات: فالمراد أولها {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} "ثم أتبعه علياً" أي أتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم أباً بكر علياً رضي الله تعالى عنها "إذ سمع رغاء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم" بضم الراء وبالمد صوت ذوات الخف، وقد رغا البعير يرغو رغاء بالضم والمد: أي ضج "القصوى" هو لقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم "فدفع إليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي دفع أبو بكر إلى علي كتابه

(8/486)


فَنَادَى: ذِمّةُ الله وَرَسُولِهِ بَرِيئَةٌ مِنْ كُلّ مُشْرِكٍ، فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، ولا يَحُجّنّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفَنّ بالْبَيْتِ عُرْيَانُ، ولا يَدْخُلُ الْجَنّةَ إِلاّ مُؤْمِن. وكَانَ عَلِيّ يُنَادِي، فَإِذَا عَيِيَ قامَ أبو بَكْرٍ فَنَادَى بها. وهذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من هذا الْوَجْهِ من حديثِ ابن عَبّاسٍ.
ـــــــ
صلى الله عليه وسلم "فسيحوا" سيروا آمنين أيها المشركون "في الأرض أربعة أشهر" يأتي الكلام عليه في شرح حديث علي الاَني بعد هذا "ولا يحجن بعد العام" أي بعد الزمان الذي وقع فيه الإعلام بذلك "فإذا عيى" بكسر التحتية الأولى. يقال عيى يعيى عيا وعياء بأمره وعن أمره: عجز عنه ولم يطق أحكامه أو لم يهتد لوجه مراده وعيى يعيى عياً في المنطق: حصر.
تنبيه: قال الخازن قد يتوهم متوهم أن في بعث علي بن أبي طالب بقراءة أول براءة عزل أبي بكر عن الإمارة وتفضيله على أبي بكر وذلك جهل من هذا الموهم، ويدل على أن أبا بكر لم يزل أميراً على الموسم في تلك السنة حديث أبي هخريرة عند الشيخين أن أبا بكر بعثه في الحجة التي أمره رسول اصلى الله عليه وسلم عليها قبل حجة الوداع في رهط يؤذنون في الناس الحديث، وفي لفظ أبي داود والنسائي قال: بعثني أبو بكر فيمن يؤذن في يوم النحر بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، فقوله بعثني أبو بكر: فيه دليل على أن أبا بكر كان هو الأمير على الناس، وهو الذي أقام للناس حجهم وعلمهم مناسكهم وأجاب العلماء عن بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً ليؤذن في الناس ببراءة بأن عادة العرب جرت أن لا يتولى تقرير العهد ونقضه إلا سيد القبيلة وكبيرها، أو رجل من أقاربه، وكان علي بن أبي طالب أقرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أبي بكر لأنه ابن عمه ومن رهطه، فبعثه النبي صلى الله عليه وسلم ليؤذن عنه ببراءة إزاحة لهذه العلة لئلا يقولوا هذا على خلاف ما نعرفه عن عادتنا في عقد العهود ونقضها. وقيل: لما خص أبا بكر لتوليته على الموسم خص علياً بتبليغ هذه الرسالة تطييباً

(8/487)


5087- حدثنا ابنُ أبي عُمَرَ، أخبرنا سُفْيَانُ عن أبي إسْحَاقَ عن زَيْدِ بنِ يُثَيّعٍ قال: "سَأَلْنَا عَلِيّا بِأَيّ شَيْء بُعِثْتَ في الْحَجّةِ؟ قال: بُعِثْتُ بِأَرْبَعِ: لا يَطُوفَنّ بالْبَيْتِ عُرْيَانُ، وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم عَهْدٌ فَهُوَ إلى مُدّتِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ فَأَجَلُهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَلا يَدْخُلُ الْجَنّةَ إِلاّ نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ، ولا يَجْتَمِعُ المُشْرِكُونَ وَالمُسْلِمُونَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا".
ـــــــ
لقلبه ورعاية لجانبه، وقيل إنما بعث علياً في هذه الرسالة حتى يصلي خلف أبي بكر ويكون جارياً مجرى التنبيه على إمامة أبي بكر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر أميراً على الحاج وولاه الموسم وبعث علياً خلفه ليقرأ على الناس ببراءة، فكان أبو بكر الإمام وعلى المؤتم، وكان أبو بكر رضي الله عنه الخطيب، وعلى المستمع. وكان أبو بكر المتولي أمر الموسم والأمير على الناس ولم يكن ذلك لعلي، فدل ذلك على تقديم أبي بكر علي علي وفضله عليه انتهى.
قلت: ومما يدل على أن أبا بكر لم يزل أميراً على الموسم في تلك السنة حديث جابر عند الطبري وإسحاق في مسنده والنسائي والدارمي وابن خزيمة وابن حبان أن النبي صلى الله عليه وسلم حين رجع من عمرة الجعرانة بعث أبا بكر على الحج فأقبلنا معه حتى إذا كنا بالعرج ثوب بالصبح فسمع رغوة ناقة النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا على عليها، فقال له: أمير أو رسول فقال: بل أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم ببراءة أقرؤها على الناس الحديث.
قوله: "ومن كان بينه وبين النبي عهد فهو إلى مدنه. ومن لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر". قال الحافظ: أستدل بهذا على أن قوله تعالى: {فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} يختص بمن لم يكن له عهد مؤقت أو لم يكن له عهد أصلاً، وأما من له عهد مؤقت فهو إلى مدته. فروى الطبري من طريق ابن إسحاق قال: هم صنفان: صنف كن له عهد دون أربعة أشهر فأمهل إلى تمام أربعة أشهر، وصنف كانت له مدة عهده بغير أجل فقصرت على أربعة أشهر. وروى أيضاً

(8/488)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وَهُوَ حديثُ سفيان بن عُيَيْنَةَ عن أبي إسْحَاقَ وَرَوَاهُ سُفْيَانُ الثّوْرِيّ، عن أبي إسْحَاقَ، عن بَعْضِ أصْحَابِهِ، عن عَلِيّ، وفي الباب عن أبي هُرَيْرَةَ.
5088- حدثنا نَصْرُ بنُ عَلِيّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ قالوا أخبرنا سُفْيانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن أبي إِسْحَاقَ عن زَيْدِ بنِ يُثَيّعٍ عن علِيّ نحْوَهُ.
5089- حدثنا علِيّ بنُ خَشْرَمٍ، أخبرنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن أَبي إِسْحَاقَ عن زَيْدِ بنِ أُثَيْعٍ عن علِيّ نحْوَهُ. قال أبو عيسى: وقد رُوِيَ عن
ـــــــ
من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أن الأربعة الأشهر أجل من كان له عهد مؤقت بقدرها أو يزيد عليها، وأما من ليس له عهد فانقضاؤه إلى سلخ المحرم لقوله تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} ومن طريق عبيدة ابن سلمان: سمعت "عن" الضحاك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاهد ناساً من المشركين من أهل مكة وغيرهم فنزلت براءة فنبذ إلى كل أحد عهده وأجلهم أربعة أشهر، ومن لا عهد له فأجله إلى انقضاء الأشهر الحرم. ومن طريق السدي نحوه، ومن طريق معمر عن الزهري قال: كان أول الأربعة أشهر عند نزول براءة في شوال، فكان آخرها آخر المحرم، فبذلك يجمع بين ذكر الأربعة أشهر، وبين قوله: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} واستبعد الطبري ذلك من حيث أن بلوغهم الخبر إنما كان عندما وقع به النداء به في ذي الحجة، فكيف يقال لهم: سبحوا أربعة أشهر ولم يبق منها إلا دون الشهرين؟ ثم أسند عن السدي وغير واحد التصريح بأن تمام الأربعة الأشهر في ربيع الآخر انتهى.
قوله: "وفيه عن أبي هريرة" أي وفي الباب عن أبي هريرة، وكذا قال الترمذي في باب كراهية الطواف عرياناً بعد رواية حديث زيد بن يثيع المذكور وتقدم تخريجه هناك.
قوله: "حدثنا نصر بن علي وغير واحد الخ" هذه العبارة من هنا إلى قوله ولا يتابع عليه، وقد وقعت في بعض النسخ وسقطت في بعضها "عن ابن أثيع

(8/489)


عُيَيْنَةَ كِلْتَا الرّوَايَتَيْنِ عن ابنِ أُثَيْعٍ وعن ابنِ يُثَيّعٍ. وَالصّحِيحُ هو زَيْدُ بنُ يُثَيّعِ. وقد رَوَى شُعْبَةُ عن أبي إِسْحَاقَ عن زَيد غيرَ هذا الحديثِ فَوَهِمَ فيه، وقال زَيْدُ بنُ أُثَيْلٍ، ولا يُتَابَعُ عليه وفي الباب عن أَبي هريرة.
5090- حدثنا أَبُو كُرَيْبٍ أخبرنا رِشْدينُ بنُ سَعْدٍ عن عَمْرِو بن الحارِثِ، عن دَرّاجٍ عن أبي الهَيْثَمِ، عن أبي سَعِيدٍ قال: قال رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا رَأَيْتُمْ الرّجُلَ يَعْتَادُ المَسْجِدَ فَاشْهَدُوا لَهُ بالإيْمَانِ، قال الله تَعَالَى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} ".
5091- حدثنا ابن أبي عُمَرَ، أخبرنا عَبْدُ الله بنُ وَهْبٍ عن عَمْرِو بن الْحَارِثِ، عن دَرّاجٍ عن أبي الْهَيْثَمِ، عن أبي سَعِيدٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم نحْوَهُ إِلاّ أَنّهُ قال: "يَتَعَاهَدُ المَسْجِدَ" .
ـــــــ
وعن ابن يثيع" هذا بيان لقوله كلتا الروايتين "والصحيح زيد بن يثيع" أي بالتحتانية. قال في تهذيب التهذيب: قال الأثرم عن أحمد المحفوظ بالياء "وقال زيد بن أثيل" أي باللام مكان العين "ولا يتابع عليه" أي لا يتابع شعبة على لفظ أثيل. قال الدورى عن ابن معين قال شعبة عن أبي إسحاق عن زيد بن أثيل قال ابن معين: والصواب: يثبع وليس أحد يقول أثيل إلا شعبة وحده، كذا في تهذيب التهذيب.
قوله: "إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد" وفي الرواية الآتية يتعاهد، قال في المجمع: أي يتجافظ، وروى يعتاد وهو أقوى سنداً وأوفق معنى لشموله جميع ما يناط بالمسجد من العمارة واعتياد الصلاة وغيرها، وتقدم هذا الحديث مع شرحه في باب حرمة الصلاة من أبواب الإيمان.
قوله: "أخبرنا عبد الله بن وهب" بن مسلم القرشي "عن عمرو بن الحارث"

(8/490)


هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وأبو الهَيْثَمِ اسْمُهُ سُلَيْمانُ بنُ عَمْرِو بنِ عَبْدِ الْعُتْوَارِيّ، وَكَانَ يَتِيماً في حِجْرِ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ.
5092- حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، أخبرنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسَى، عن إِسْرَائِيلَ عن مَنْصُورٍ عن سَالِمِ بن أبي الْجَعْدِ عن ثَوْبَانَ قال: "لَمّا نَزَلَتْ: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} قال: كُنّا مَعَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فقال بَعْضُ أَصْحَابِهِ: أُنْزِلَ في الذّهَبِ وَالْفِضّةِ ما أنزل لَوْ عَلِمْنَا أَيّ الْمَالِ خَيْرٌ فَنَتّخِذَهُ. فقال: "أَفْضَلُهُ لِسَانُ ذَاكِرٌ وَقَلْبٌ شَاكِرٌ وَزَوْجَةٌ مُؤْمِنَةٌ تُعِينُهُ عَلَى إِيْمانِهِ" .
ـــــــ
الأنصاري المصري "العتواري" بضم العين المهملة وسكون المثناة الفوقية وبراء نسبة إلى عتورة بطن من كنانة.
قوله: "حدثنا عبيد الله بن موسى" العبسى الكوفي "عن ثوبان" الهاشمي مولى النبي صلى الله عليه وسلم.
قوله: "فقال بعض أصحابه أنزلت في الذهب والفضة" أي هذه الآية، وعرفنا حكمهما ومذمتهما "لو علمنا" لو للتمني "أي المال خير" مبتدأ وخبر والجملة سدت مسد المفعولين لعلمنا تعليقاً "فتتخذه" منصوب بإضمار أن بعد الفاء جواباً للتمني، قيل السؤال، وإن كان من تعيين المال ظاهراً لكنهم أراد، وما ينتفع به عند تراكم الحوائج، فذلك أجاب عنه بما أجاب، ففيه شائبة عن الجواب عن أسلوب الحكيم "فقال أفضله" أي أفضل المال أو أفضل ما يتخذه الإنسان قنية "لسان ذاكر" أي بتمجيد الله تعالى وتقديسه وتسبيحه وتهليله والثناء عليه بجميع محامده وتلاوة القرآن "وقلب شاكر" أي على إنعامه وإحسانه "وزوجة مؤمنة تعينه على إيمانه" أي على دينه بأن تذكره الصلاة والصوم وغيرهما من العبادات وتمنعه من الزنا وسائر المحرمات.

(8/491)


هذا حديثٌ حسنٌ. سأَلْتُ مُحمّدَ بنَ إِسماعِيلَ فَقُلْتُ لَهُ: سَالِمُ بنُ أبي الْجَعْدِ سَمِعَ مِنْ ثَوْبَانَ؟ فقال: لاَ، فقلت لَهُ: مِمّنْ سَمِعَ مِنْ أصْحَابِ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم؟ قال: سَمِعَ مِنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله وَأَنَسِ بنِ مَالِكٍ، وَذَكَرَ غيرَ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
5093- حدثنا الحُسَيْنُ بنُ يَزِيدَ الْكُوفِيّ، أخبرنا عَبْدُ السّلاَمِ بنُ حَرْبٍ عن غُطَيْفِ بنِ أَعيَنَ عن مُصْعَبِ بنِ سَعْدٍ عن عَدِيّ بنِ حَاتِمٍ قال: "أَتَيْتُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَفي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ، فقال: يَا عَدِيّ اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الْوَثَنَ، وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ في سُورَةِ بَرَاءَةَ: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ} ، قال: أمَا إِنّهُمْ لَمْ يَكُونُوا
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه أحمد وابن ماجه.
قوله: "عن غطيف بن أعين" الشيباني الجزري، ويقال بالضاد المعجمة، ضعيف من السابعة كذا في التقريب، وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته: روى له الترمذي حديثاً واحداً وقال ليس بمعروف في الحديث.
قوله: "وفي عنقي صليب" هو كل ما كان على شكل خطين متقاطعين.
وقال في المجمع: هو المربع من الخشب للنصاري يدعون أن عيسى عليه السلام صلب على خشبة على تلك الصورة "إطرح عنك" أي ألق عن عنتك "هذا الوثن" هو كل ماله جثة معمولة من جواهر الأرض أو من الخشب والحجارة، كصورة الاَدمي، والصنم: الصورة بلا جثة، وقيل هما سواء، وقد يطلق الوثن على غير الصورة، ومنه حديث عدي قدمت عليه صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال: ألق هذا الوثن عنك، قاله في المجمع {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ} أي علماء اليهود {وَرُهْبَانَهُمْ} أي عباد النصاري {أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ} حيث اتبعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله. قال أي النبي صلى الله عليه وسلم "أما"

(8/492)


يَعْبُدُونَهُمْ، وَلَكِنّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلّوا لَهُمْ شَيْئاً اسْتَحَلّوهُ، وَإِذَا حَرّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئاً حَرّمُوهُ" .
ـــــــ
بالتخفيف حرف التنبيه "إذا أحلوا لهم شيئاً" أي جعلوا لهم حلالاً وهو مما حرمه الله تعالى "استحلوه" أي اعتقدوه حلالاً "وإذا حرموا عليهم شيئاً" أي وهو مما أحله الله "حرموه" أي اعتقدوه حراماً.
قال في فتح البيان: في هذه الآية ما يزجر من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، عن التقليد في دين الله، وتأثير ما يقوله الأسلاف على ما في الكتاب العزيز والسنة المطهرة، فإن طاعة المتمذهب لمن يقتدي بقوله ويستن بسنته من علماء هذه الأمة، مع مخالفته لما جاءت به النصوص وقامت به حجج الله وبراهينه هو كاتخاذ اليهود والنصارى للأحبار والرهبان أرباباً من دون الله للقطع بأنهم لم يعبدوهم بل أطاعوهم وحرموا ما حرموا وحللوا ما حللوا، وهذا هو صنيع المقلدين من هذه الأمة، وهو أشبه به من شبه البيضة بالبيضة، والتمرة بالتمرة، والماء بالماء.
فياعباد الله ما بالكم تركتم الكتاب والسنة جانباً وعمدتم إلى رجال هم مثلكم في تعبد الله لهم بهما، وطلبه للعمل منهم بما دلا عليه وأفاداه فعملتم بما جاءوا به من الاَراء التي لم تعمد بعماد الحق، ولم تعضد بعضد الدين ونصوص الكتاب والسنة، تنادي بأبلغ نداء، وتصوت بأعلى صوت بما يخالف ذلك ويباينه، فأعرتموها آذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، وأذهاناً كليلة، وخواطر عليلة، وأنشدتم بلسان الحال:
وما أنا إلا من غزية إن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد.
انتهى. وقال الرازي في تفسيره: قال شيخنا ومولانا خاتمة المحققين والمجتهدين رضي الله عنه: قد شاهدت جماعة من مقلدة الفقهاء قرأت عليهم آيات كثيرة من كتاب الله تعالى في بعض المسائل فكانت مذاهبهم بخلاف تلك الاَيات، فلم يقبلوا تلك الاَيات ولم يلتفتوا إليها وبقوا ينظرون إلى كالمتعجب، يعني كيف يمكن العمل بظواهر هذه الاَيات مع أن الرواية عن سلفنا وردت إلى خلافها، ولو تأملت حق التأمل وجدت هذا الداء سارياً في عروق الأكثرين من أهلي الدنيا انتهى.

(8/493)


هذا حديثٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ إِلاّ مِن حديثِ عبدِ السّلاَمِ بنِ حَرْبٍ. وَغُطَيْفُ بنُ أَعْيَنَ لَيْس بمَعْرُوفٍ في الحديثِ.
5094- حدثنا زِيَادُ بنُ أَيّوبَ الْبَغْدَاديّ، أخبرنا عَفّانُ بنُ مُسْلِمٍ، أخبرنا هَمّامٌ، أخبرنا ثابتٌ عن أَنَسٍ، أَنّ أبَا بَكْرٍ حَدّثَهُ قال: "قُلْتُ للنّبيّ صلى الله عليه وسلم ونحْنُ في الْغَارِ: لَوْ أَنّ أَحَدَهُمْ يَنْظُرُ إلى قَدَمَيْهِ لأبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ. فقالَ: "يَا أَبا بَكْرٍ مَا ظَنّكَ بِاثْنَيْنِ الله ثَالِثُهُمَا؟" .
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه وأحمد ابن جرير وابن سعد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه.
قوله: "حدثنا همام" هو ابن يحيى الأزدي العوذي "حدثنا ثابت" هو البناني:
قوله: "قلت للنبي صلى الله عليه وسلم ونحن في الغار" وفي رواية للبخاري فرفعت رأسي فإذا أنا بأقدام القوم "لو أن أحدهم ينظر إلى قدميه لأبصرنا" فيه مجيء لو الشرطية للاستقبال خلافاً للأكثر، واستدل من جوزه بمجيء الفعل المضارع بعدها كقوله تعالى: {لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} وعلى هذا فيكون قاله حالة وقوفهم على الغار، وعلى قول الأكثر يكون قاله بعد مضيهم شكراً لله تعالى على صيانتهما منهم، ووقع في مغازي عروة بن الزبير في قصة الهجرة قال: وأتى المشركون على الجبل الذي فيه الغار الذي فيه النبي صلى الله عليه وسلم حتى طلعوا فوقه، وسمع أبو بكر أصواتهم فأقبل عليه الهم والخوف، فعند ذلك يقول له النبي صلى الله عليه وسلم: لا تحزن إن الله معنا، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت عليه السكينة، وفي ذلك يقول عز وجل: "إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا الاَية" وهذا يقوى أنه قال: ما في حديث الباب حينئذ، ولذلك أجابه بقوله: لا تحزن. فقال يا أبا بكر: ما ظنك باثنين الله ثالثهما.
قال الحافظ في رواية موسى: فقال اسكت يا أبا بكر اثنان الله ثالثهما، وقوله

(8/494)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ، إِنما يُعرفُ من حديثِ هَمّامٍ. تفرد به وقد رَوَى هذا الحديثَ حَبّانُ بنُ هَلالٍ وغيرُ وَاحِدٍ عن هَمّامٍ نحْوَ هذا.
5095- حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ قال: حدثني يَعْقُوبُ بنُ إِبراهِيمَ بنِ سَعْدٍ عن أبِيهِ عن مُحمّدِ بنِ إِسْحَاقَ عن الزّهْرِيّ عن عُبَيْدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ عُتَبَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: سَمِعْتُ عُمَرَ بنَ الْخَطّابِ يقولُ: "لَمّا تُوُفّيَ عبدُ الله بنُ أُبَيّ دُعِيَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم لِلصّلاةِ عَلَيْهِ، فَقَامَ إِلَيْهِ، فَلَمّا وَقَفَ عَلَيْهِ يُرِيدُ الصّلاةَ تَحَوّلْتُ حَتّى قُمْتُ في صَدْرِهِ فَقلت: يَا رَسُولَ الله، أَعَلَى عَدُوّ الله عَبْدِ الله بنِ أُبَيّ الْقَائِلِ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا - يَعُدّ أَيّامَهُ - قالَ ورَسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَتَبَسّمُ،
ـــــــ
اثنان خبر مبتدأ محذوف تقديره نحن اثنان، ومعنى ثالثهما: ناصرهما ومعينهما وإلا فالله ثالث كل اثنين بعلمه انتهى.
وقال النووي: معناه ثالثهما بالنصر والمعونة والحفظ والتسديد، وهو داخل في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} وفيه بيان عظيم توكل النبي صلى الله عليه وسلم حتى في هذا المقام، وفيه فضيلة لأبي بكر رضي الله عنه، وهي من أجل مناقبه، والفضيلة من أوجه: منها بذلة نفسه ومفارقته أهله وماله ورياسته في طاعة الله ورسوله وملازمة النبي صلى الله عليه وسلم ومعاداة الناس فيه، ومنها جعله نفسه وقاية عنه وغير ذلك انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه الشيخان.
قوله: "لما توفي عبد الله بن أبي" بن سلول بفتح المهملة وضم اللام وسكون الواو بعدها لام، هو اسم امرأة وهي والدة عبد الله المذكور وهي خزاعية، وأما هو فمن الخزرج أحد قبيلتي الأنصار، وابن سلول يقرأ بالرفع لأنه صفة عبد الله لا صفة أبيه "أعلى عدو الله" أي أتصلي على عدو الله "القائل يوم كذا وكذا كذا وكذا بعد أيامه" يشير بذلك إلى مثل قوله: {لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ

(8/495)


حَتّى إِذَا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ قال: "أَخّرْ عَنّي يَا عُمَرُ، إِنّي قَدْ خَيّرْتُ فَاخْتَرْتُ، قَدْ قِيلَ لِي {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} لَوْ أَعْلَمُ أَنّي لَوْ زِدْتُ عَلَى السّبْعِينَ غَفَرَ لَهُ لَزِدْتُ. قال: ثُمّ صَلّى عَلَيْهِ وَمَشَى مَعَهُ، فَقَامَ عَلَى قَبْرِهِ حَتّى فُرِغَ مِنْهُ". قال: فَعَجَبٌ لِي وَجُرْأَتِي عَلَى رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وَالله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَوَالله مَا كَانَ إِلاّ يَسِيراً حَتّى نَزَلَتْ هَاتَانِ الآيتان: {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ
ـــــــ
اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا} إلى مثل قوله {لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ } ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم استشكل تبسمه صلى الله عليه وسلم في تلك الحالة مع ما ثبت أن ضحكه صلى الله عليه وسلم كان تبسماً ولم يكن عند شهود الجنائز يستعمل ذلك، وجوابه أنه عبر عن طلاقة وجهه بذلك تأنيساً لعمر وتطييباً لقلبه كالمعتذر عن ترك قبول كلامه ومشورته "قال أخر عني" أي كلامك "قد خيرت" أي بين الاستغفار وعدمه {اسْتَغْفِرْ} يا محمد لهم {أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} تخيير له في الاستغفار وتركه {إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} قيل المراد بالسبعين المبالغة في كثرة الاستغفار، وقيل المراد العدد المخصوص لقوله صلى الله عليه وسلم: وسأزيده على السبعين، فبين له حسم المغفرة بآية: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} كما في رواية البخاري "فعجب لي وجرأتي" بضم الجيم وسكون الراء بعدها همزة، أي إقدامي عليه.
وفي رواية البخاري: فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تنبيه: قوله صلى الله عليه وسلم "قد خيرت فاخترت" يدل على أنه صلى الله عليه وسلم فهم من الآية التخيير. واستشكل فهم التخيير منها حتى أقدم جماعة من الأكابر على الطعن في صحة هذا الحديث مع كثرة طرقه واتفاق الشيخين وسائر الذين خرجوا الصحيح على تصحيحه، وذلك ينادي على منكري صحته بعدم معرفة الحديث وقلة الاطلاع على طرقه.

(8/496)


مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} إلى آخِرِ الآية. قال: فما صَلّى رسولُ
ـــــــ
قال الحافظ: والسبب في إنكارهم صحته ما تقرر عندهم مما قدمناه وهو الذي فهمه عمر رضي الله عنه من حمل أو على التسوية لما يقتضيه ساق القصة وحمل السبعين على المبالغة.
قال ابن المنير: ليس عند البيان تردد أن التخصيص بالعدد في هذا السياق غير مراد.
قال وقد أجاب بعض المتأخرين عن ذلك بأنه إنما قال سأزيد على السبعين استماله لقلوب عشيرته لأنه أراد إن زاد على السبعين يغفر له، ويؤيده تردده في ثاني حديثي الباب حيث قال: لو اعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت، لكن قدمنا أن الرواية ثبتت بقوله سأزيد ووعده صادق ولا سيما وقد ثبت قوله.
وأجاب بعضهم: باحتمال أن يكون فعل ذلك استصحاباً للحال لأن جواز المغفرة بالزيادة كان ثابتاً قبل مجيء الآية فجاز أن يكون باقياً على أصله في الجواز. وهذا جواب حسن. وحاصله أن العمل بالبقاء على حكم الأصل مع فهم المبالغة لا يتنافيان، فكأنه جوز أن المغفرة تحصل بالزيادة على السبعين لا أنه جازم بذلك ولا يخفي ما فيه. قال ووقع في أصل هذه القصة إشكال آخر، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم أطلق أنه خير بين الاستغفار لهم وعدمه بقوله تعالى: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} وأخذ بمفهوم العدد من السبعين، فقال: سأزيد عليها مع أنه قد سبق قبل ذلك بمدة طويلة نزول قوله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى} فإن هذه الآية نزلت في قصة أبي طالب حين قال صلى الله عليه وسلم: لأستغفرن لك ما لم أنه عنك، فنزلت وكانت وفاة أبي طالب بمكة قبل الهجرة اتفاقاً، وقصة عبد الله بن أبي هذه في السنة التاسعة من الهجرة فكيف يجوز مع ذلك الاستغفار للمنافقين مع الحزم بكفرهم في نفس الآية. وقد وقفت على جواب لبعضهم عن هذا حاصله: أن المنهي عنه استغفار ترجى إجابته حتى يكون مقصده تحصيل المغفرة لهم كما في قصة أبي طالب، بخلاف الاستغفار لمثل عبد الله بن أبي فإنه استغفار لقصد تطييب قلوب من بقي منهم، وهذا الجواب ليس بمرضى عندي ونحوه قول الزمخشري، فإنه قال:

(8/497)


الله صلى الله عليه وسلم بَعْدَهُ عَلَى مُنَافِقٍ وَلاَ قَامَ عَلَى قَبْرِهِ حَتّى قَبَضَهُ الله".
ـــــــ
فإن قلت: كيف خفي على أفصح الخلق وأخيرهم بأساليب الكلام وتمثيلاته أن المراد بهذا العدد أن الاستغفار ولو كثر لا يجدي، ولا سيما وقد تلاه قوله: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} الآية فبين الصارف عن المغفرة لهم.
قلت: لم يخف عليه ذلك، ولكنه فعل ما فعل وقال ما قال إظهاراً لغاية رحمته ورأفته على من بعث إليه، وهو كقول إبراهيم عليه السلام: {وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} وفي إظهار النبي صلى الله عليه وسلم الرأفة المذكورة، لطف بأمته، وباعث على رحمة بعضهم بعضاً انتهى.
ومنهم من قال: إن النهي عن الاستغفار لمن مات مشركاً لا يستلزم النهي لمن مات مظهراً للإسلام لاحتمال أن يكون معتقده صحيحاً، وهذا جواب جيد. وقد قدمت البحث في هذه الآية في كتاب الجنائز، والترجيح أن نزولها كان متراخياً عن قصة أبي طالب جيداً، وأن الذي نزل في قصته: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} وحررت دليل ذلك هنا، إلا أن في بقية هذه الآية من التصريح بأنهم كفروا بالله ورسوله ما يدل على أن نزول ذلك وقع متراخياً عن القصة، ولعل الذي نزل أولاً وتمسك النبي صلى الله عليه وسلم به قوله تعالى: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} إلى هنا خاصة، ولذلك اختصر في جواب عمر على التخيير وعلى ذكر السبعين، فلما وقعت القصة المذكورة كشف الله عنهم الغطاء وفضحهم على رؤوس الملأ ونادى عليهم بأنهم كفروا بالله ورسوله، وإذا تأمل المتأمل المنصف وجد الحامل على من رد الحديث أو تعسف في التأويل ظنه بأن قوله: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} نزل مع قوله: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ} أي نزلت الآية كاملة، لأنه لو فرض نزولها كاملة لاقترن بالنهي العلة، وهي صريحة في أن قليل الاستغفار وكثيره لا يجدي، وإلا فإذا فرض ما حررته أن هذا القدر نزل متراخياً عن صدر الآية لارتفع الاشكال، وإذا كان الأمر كذلك فحجة المتمسك من القصة بمفهوم العدد صحيح وكون ذلك وقع للنبي صلى الله عليه وسلم متمسكاً بالظاهر على ما هو المشروع في الأحكام إلى أن يقوم الدليل الصارف عن ذلك لا إشكال فيه انتهى.

(8/498)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.
5096- حدثنا محمد بن بشار، أخبرنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ، حدثنا عُبَيْدُ الله أخبرنا نَافِعٌ عن ابنِ عُمَرَ قال: "جاءَ عبدُ الله بنُ عبدِ الله بنِ أُبَيّ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم حِينَ مَاتَ أَبُوهُ فقال: أَعْطِنِي قَمِيصَكَ فيه أُكَفّنْهُ وَصَلّ عَلَيْهِ وَاسْتَغْفِرْ لَهُ، فَأَعْطَاهُ قَمِيصَهُ وقال: "إِذَا فَرَغْتُمْ فآذِنُوني" ، فلَمّا
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن غريب صحيح" وأخرجه البخاري والنسائي.
قوله: "جاء عبد الله بن عبد الله بن أبي" كان عبد الله بن عبد الله بن أبي هذا من فضلاء الصحابة وشهد بدراً وما بعدها واستشهد في خلافة أبي بكر الصديق، ومن مناقبه أنه بلغه بعض مقالات أبيه فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في قتله، قال بل أحسن صحبته، أخرجه بن مندة من حديث أبي هريرة بإسناد حسن، وكأنه كان يحمل أمر أبيه على ظاهر الإسلام فلذلك التمس من النبي صلى الله عليه وسلم أن يحضر عنده ويصلي عليه، ولا سيما وقد ورد ما يدل على أنه فعل ذلك بعهد من أبيه، ويؤيد ذلك ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر والطبري من طريق سعيد كلاهما عن قتادة، قال: أرسل عبد الله بن أبي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلما دخل عليه قال أهلكك حب يهود فقال يا رسول الله إنما أرسلت إليك لي ولم أرسل إليك لتوبخني، ثم سأله أن يعطيه قميصة يكفن فيه، وهذا مرسل مع ثقة رجاله. ويعضده ما أخرجه الطبراني من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما مرض عبد الله بن أبي جاءه النبي صلى الله عليه وسلم فكلمه، فقال: قد فهمت ما تقول، فامنن عليّ فكفني في قميصك وصل عليّ ففعل، وكان عبد الله ابن أبي أراد بذلك دفع العار عن ولده وعشيرته بعد موته، فأظهر الرغبة في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، ووقعت إجابته إلى سؤاله بحسب ما ظهر من حاله، إلى أن كشف الله الغطاء عن ذلك، وهذا من أحسن الأجوبة فيا يتعلق بهذه القصة كذا في الفتح "فقال أعطني قميصك أكفنه" إلى قوله: "فأعطاه قميصه" هذا

(8/499)


أَرَادَ أَنْ يُصَلّيَ جَذَبَهُ عُمَرُ وقال: أَلَيْسَ قَدْ نَهَى الله أَنْ تُصَلّي عَلَى المُنَافِقِينَ؟
ـــــــ
مخالف لحديث جابر عند البخاري. قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي بعد ما دفن، فأخرجه فنفث فيه من ريقه وألبسه قميصه.
قال الحافظ: قد جمع بينهما بأن معنى قوله في حديث ابن عمر فأعطاه، أي أنعم له بذلك، فأطلق على العدة اسم العطية مجازاً لتحقق وقوعها. وكذا قوله في حديث جابر بعد ما دفن عبد الله بن أبي، أي دلى في حفرته. وكان أهل عبد الله ابن أبي خشوا على النبي صلى الله عليه وسلم المشقة في حضوره، فبادروا إلى تجهيزه قبل وصول النبي صلى الله عليه وسلم، فلما وصل وجدهم قد دلوه في حفرته، فأمر بإخراجه إنجازاً لوعده في تكفينه في القميص والصلاة عليه. ووجه إعطاء النبي صلى الله عليه وسلم قميصه لعبد الله بن أبي، مبين في حديث جابر.
قال: لما كان يوم بدر أتى بأساري وأتى بالعباس ولم يكن عليه ثوب، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم له قميصاً فوجدوا قميص عبد الله بن أبي يقدر عليه. فكساه النبي صلى الله عليه وسلم إياه، فلذلك نزع النبي صلى الله عليه وسلم قميصه الذي ألبسه.
قال ابن عيينة: كانت له عند النبي صلى الله عليه وسلم يد فأحب أن يكافئه، رواه البخاري "فآذنوني" من الإيذان أي أعلموني "أليس قد نهى الله أن تصلي على المنافقين" وفي رواية البخاري: فقال يا رسول الله تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه.
قال الحافظ كذا في هذه الرواية: إطلاق النهي عن الصلاة. وقد استشكل جداً حتى أقدم بعضهم فقال: هذا وهم من بعض رواته، وعاكسه غيره فزعم أن عمر اطلع على نهي خاص في ذلك.
وقال القرطبي: لعل ذلك وقع في خاطر عمر، فيكون من قبيل الإلهام. ويحتمل أن يكون فهم ذلك من قوله "ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين".
قال الثاني: يعني ما قاله القرطبي أقرب من الأول، لأنه لم يتقدم النهي عن الصلاة على المنافقين بدليل أنه قال في آخر هذا الحديث: قال فأنزل الله: {وَلا تُصَلِّ عَلَى

(8/500)


ـــــــ
أَحَدٍ مِنْهُمْ} والذي يظهر أن في رواية الباب تجوزاً بينته الرواية التي في الباب بعده من وجه آخر، عن عبيد الله بن عمر بلفظ: فقال تصلي عليه وقد نهاك الله أن تستغفر لهم.
وروى عبد بن حميد والطبري من طريق الشعبي عن ابن عمر عن عمر قال: أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي على عبد الله بن أبي، فأخذت بثوبه فقلت: والله ما أمرك الله بهذا، لقد قال: {إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} ووقع عند ابن مردويه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس فقال عمر: أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه؟ قال أين قال: وقال: استغفر الآية. وهذا مثل رواية الباب، فكأن عمر قد فهم من الآية المذكورة ما هو الأكثر الأغلب من لسان العرب، من أن أو ليست للتخيير بل للتسوية في علم الوصف المذكور، أي أن الاستغفار لهم وعدم الاستغفار سواء، وهو كقوله تعالى: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} لكن الثانية أصرح. ولهذا ورد أنها نزلت بعد هذا القصة. وفهم عمر أيضاً من قوله سبعين مرة أنها للمبالغة، وأن العدد المعين لا مفهوم له، بل المراد نفي المغفرة لهم ولو كثر الاستغفار. فيحصل من من ذلك النهي عن الاستغفار فأطلقه. وفهم أيضاً أن المقصود الأعظم من الصلاة على الميت طلب المغفرة للميت والشفاعة له، فلذلك استلزم عند النهي عن الاستغفار ترك الصلاة، فلذلك جاء عنه في هذه الرواية إطلاق النهي عن الصلاة، ولهذه الأمور استنكر إرادة الصلاة على عبد الله بن أبي.
هذا تقرير ما صدر عن عمر مع ما عرف من شدة صلابته في الدين، وكثرة بغضه للكفار والمنافقين، وهوا لقائل في حق حاطب بن أبي بلتعة مع ما كان له من الفضل كشهوده بدراً وغير ذلك، لكونه كاتب قريش قبل الفتح. دعني يا رسول الله أضرب عنقه فقد نافق، فلذلك أقدم على كلامه للنبي صلى الله عليه وسلم بما قال، ولم يلتفت إلى احتمال إجراء الكلام على ظاهره لما غلب عليه من الصلابة المذكورة.
قال الزين بن المنير: وإنما قال ذلك عمر حرصاً على النبي صلى الله عليه وسلم ومشورة لا إلزاماً، وله عوائد بذلك.
تنبيه: قال الخطابي: إنما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع عبد الله بن أبي

(8/501)


فقال. أَنَا بَيْنَ خِيرَتَيْنِ {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} " فَصَلّى عَلَيْهِ، فَأَنْزَلَ الله: {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} ، فَتَرَكَ الصّلاَةَ عَلَيْهِمْ.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
5097- حدثنا قُتَيْبَةُ، أخبرنا اللّيْثُ، عن عِمْرَانَ بنِ أبي أَنَسٍ، عن عبدِ الرّحمَنِ بنِ أبي سَعِيدٍ عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ أَنّهُ قال: "تَمَارَى رَجُلاَنِ في المَسْجِدِ الّذِي أُسّسَ عَلَى التّقْوَى مِنْ أَوّلِ يَوْمٍ، فقالَ رَجُلٌ:
ـــــــ
ما فعل، لكمال شفقته على من تعلق بطرف من الدين. ولتطييب قلب ولده عبد الله الرجل الصالح، ولتألف قومه من الخزرج لرياسته فيهم، فلو لم يجب سؤال ابنه وترك الصلاة عليه قبل ورود النهي الصريح، لكان سبة على ابنه وعاراً على قومه، واستعمل أحسن الأمرين في السياسة إلى أن نهى فانتهى.
وقد أخرج الطيري من طريق سعيد عن قتادة في هذه القصة قال: فأنزل الله تعالى: {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} قال فذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: وما يغني عنه قميصى من الله، وإني لأرجو أن يسلم بذلك ألف من قومه "أنا بين خيرتين" تثنية خيرة كعنبة، أي أنا مخير بين الاستغفار وتركه فأنزل الله {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} لدفن أو زيارة، أي لا تقف عليه ولا نتول دفنه من قولهم: قام فلان بأمر فلان إذا كفاه أمره وناب عنه فيه، وتمام الآية: { إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ} وهذا تعليل لسبب المنع من الصلاة عليه والقيام على قبره.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجه.
قوله: "عن عمران بن أبي أنس" القرشى العامري المدني، نزل الإسكندرية ثقة من الخامسة "عن أبي سعيد الخدري أنه قال: ثماري رجلان في المسجد الذي

(8/502)


هُوَ مَسْجِدُ قُبَاءٍ، وقال الآخر: هُوَ مَسْجِدُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "هُوَ مَسْجِدِي هَذَا" .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد رُوِيَ هذا عن أبي سَعِيدٍ من غيرِ هذا الوَجْهِ، ورَوَاهُ أُنَيْسُ بنُ أبي يَحْيَى عن أبِيهِ عن أبي سَعِيدٍ.
5098- حدثنا محمد بن العلاء أبو كُرَيْبٍ أخبرنا مُعَاوِيَة بنُ هِشَامٍ، أخبرنا يُونُسُ بنُ الْحَارِثِ، عن إبراهِيمَ بنِ أبي مَيْمُونَةَ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "نَزَلَتْ هَذِهِ الآية في أهْلِ قُبَاء: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} . قال: كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآية فِيهِمْ".
هذا حديثٌ غريبٌ من هذا الْوَجْهِ.
ـــــــ
أسس" على التقوى إلخ تقدم هذا الحديث مع شرحه في باب المسجد الذي أسس على التقوى من أبواب الصلاة.
قوله: "أخبرنا يونس بن الحارث" الثقفي الطائفي، نزيل الكوفة، ضعيف من السادسة "عن إبراهيم بن أبي ميمونة" الحجازي ذكره بن حبان في الثقات. وقال ابن القطان الفاسي مجهول الحال.
قوله: "نزلت هذه الآية" والمسار إليها فيما بعد، وهو قوله تعالى: {فِيهِ رِجَالٌ} الآية "في أهل قباء" أي في ساكنيه، وقباء بضم القاف وخفة الموحدة والممدودة مصروفة، وفيه لغة بالقصر وعدم الصرف، موضع بميلين أو ثلاثة من المدينة. قال ابن الأثير: هو بمد وصرف على الصحيح {يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} أي يحبون الطهارة بالماء في غسل الأدبار "قال" أي أبو هريرة "كانوا" أي أهل قباء.
قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه أبو داود وابن ماجه.

(8/503)


وفي البابِ عن أبي أَيّوبَ وَأَنَسِ بنِ مَالِكٍ وَمُحمّدِ بنِ عبدِ الله بنِ سَلاَمٍ.
ـــــــ
قال الحافظ في التلخيص: سنده ضعيف.
قوله: "وفي الباب عن أبي أيوب وأنس بن مالك ومحمد بن عبد الله بن سلام" أما حديث أبي أيوب وأنس بن مالك: فأخرجه ابن ماجه والحاكم من طريق أبي سفيان طلحة بن نافع، قال أخبرني أبو أيوب وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك وإسناده ضعيف قاله الحافظ.
وأما حديث محمد بن عبد الله بن سلام، فأخرجه أحمد عنه قال: لقد قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني قباء فقال: إن الله عز وجل قد أثنى عليكم في الطهور خيراً أفلا تخبروني يعني قوله: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} فقالوا يا رسول الله: إنا نجده مكتوباً علينا في التوراة الاستنجاء بالماء. وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة وابن قانع، وفي سنده شهر بن حوشب. وحكى أبو نعيم في معرفة الصحابة: الخلاف فيه على شهر بن حوشب.
تنبيه: روى البزار في مسنده قال: حدثنا عبد الله بن شبيب حدثنا أحمد ابن محمد بن عبد العزيز: وجدت في كتاب أبي عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء: {رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} فسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا نتبع الحجارة الماء.
قال البزار: لا نعلم أحداً رواه عن الزهري إلا محمد بن عبد العزيز، ولا عنه إلا ابنه انتهى. ومحمد بن عبد العزيز ضعفه أبو حاتم فقال: ليس له ولا لأخويه، عمران وعبد الله حديث مستقيم. وعبد الله بن شبيب ضعيف أيضاً.
وقد روى الحاكم من حديث مجاهد عن ابن عباس أصل هذا الحديث وليس فيه إلا ذكر الاستنجاء بالماء فحسب. ولهذا قال النووي في شرح المهذب. المعروف في طرق الحديث أنهم كانوا يستنجون بالماء وليس فيها أنهم كانوا يجمعون بين الماء والأحجار، وتبعه ابن الرفعة فقال: لا يوجد هذا في كتب الحديث، وكذا قال المحب الطبري نحوه، ورواية البزار واردة عليهم وإن كانت ضعيفة، كذا في التلخيص.

(8/504)


5099- حدثنا مَحْمُودُ بنُ غَيْلاَنَ، أخبرنا وَكِيعٌ، أخبرنا سُفْيَانُ عن أبي إسْحَاقَ، عن أبي الْخَلِيلِ كوفيّ، عن عَلِيّ قال: "سَمِعْتُ رَجُلاً يَسْتَغْفِرُ لأبَوَيْهِ وَهُمَا مُشْرِكَانِ، فَقُلْتُ لَهُ: أَتَسْتَغْفِرُ لأبَوَيْكَ وَهُمَا مُشِركَانِ؟ فقال: أَوَلَيْسَ اسْتَغْفَرَ إبراهِيمُ لأبِيهِ وَهُوَ مُشْرِكٌ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنّبيّ صلى الله عليه وسلم، فَنَزَلَتْ: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} . هذا حديثٌ حسنٌ.
وفي البابِ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ عن أبِيهِ.
ـــــــ
قوله: "عن أبي إسحاق" هو السبيعي "عن أبي الخليل" اسمه عبد الله بن الخليل أو ابن أبي الخليل الحضرمي أبو الخليل الكوفي، مقبول من الثانية. وفرق البخاري وابن حبان بين الراوي عن علي فقال فيه ابن أبي الخليل، والراوي عن زيد بن أرقم فقال: فيه ابن الخليل.
قوله: "وهما مشركان" جملة حالية "أو ليس استغفر إبراهيم لأبيه" أي أتقول هذا وليس استغفر الخ {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} أي لا يصح ولا يجوز لهم أن يستغفروا للمشركين، وتمام الآية مع تفسيرها هكذا ولو كانوا: أي المشركون، أولي القربى: أي ذوي قرابة، من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم: أي النار، بأن ماتوا على الكفر. وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه: بقوله سأستغفرك لك ربي، رجاء أن يسلم فلما تبين له أنه عدو لله بموته على الكفر، تبرأ منه: وترك الاستغفار له، إن إبراهيم لأواه: كثير التضرع والدعاء. حليم: صبور على الأذى.
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه أحمد والنسائي.
قوله: "وفي الباب عن سعيد بن المسيب عن أبيه" أخرجه أحمد والشيخان عنه: أنه لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال رسول الله صلى

(8/505)


5100- حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ، أخبرنا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن عَبْدِ الرّحْمنِ بنِ كَعْبٍ بنِ مَالِكٍ عن أبِيهِ قال: "لَمْ أَتَخَلّفْ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم في غَزْوَةٍ غَزَاهَا حَتّى كَانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكٍ إِلاّ بَدْراً، وَلَمْ يُعَاتِبْ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أَحَداً تَخَلّفَ عَنْ بَدْرٍ، إِنّمَا خَرَجَ يُرِيدُ الْعِيرَ، فَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ مُغِيثِينَ لِعِيرِهِمْ، فالْتَقَوْا عَنْ غَيْرِ
ـــــــ
الله عليه وسلم لأبي طالب، أي عم: قل لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية يا أبا طالب: أترغب عن ملة عبد المطلب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأستغفرن لك ما لم أنه عنك، فنزلت {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} .
قال صاحب فتح البيان: وقد روى في سبب نزول الآية استغفار النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طالب من طرق كثيرة وأصله في الصحيحن، وما فيهما مقدم على ما لم يكن فيهما على فرض أنه صحيح، فكيف وهو ضعيف غالبه، ولا ينافي هذا ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال يوم أحد حين كسر المشركون رباعيته وشحواً وجهه: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، لأنه يمكن أن يكون ذلك قبل أن يبلغه تحريم الاستغفار لهم، وعلى فرض أنه قد كان بلغه كما يفيده سبب النزول، فإنه قبل أحد بمدة طويلة. فصدور هذا الاستغفار منه إنما كان على سبيل الحكاية عمن تقدمه من الأنبياء كما في صحيح مسلم عن عبد الله قال: كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وآله وسمل يحكى نبياً من الأنبياء ضربه قومه ويمسح الدم عن وجهه ويقول: "رب إغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" انتهى.
قوله: "عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك" الأنصاري كنيته أبو الخطاب المدني، ثقة من كبار التابعين، ويقال ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
قوله: "حتى كانت غزوة تبوك" مكان معروف هو نصف طريق المدينة إلى دمشق، ويقال بين المدينة وبينها أربع عشرة مرحلة، والمشهور فيها عدم الصرف للتأنيث والعلمية، ومن صرفها أراد الموضع، وكانت هذه الغزوة في شهر

(8/506)


مَوْعِدٍ كَمَا قَالَ الله عز وجل، وَلَعَمْرِي إِنّ أَشْرَفَ مَشَاهِدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في النّاسِ لَبَدْر، وَمَا أُحِبّ أَنّي كُنْتُ شَهِدْتُهَا مَكَانَ بَيْعَتِي لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ حَيْثُ تَوَاثَقْنَا عَلى الاْسْلاَمِ، ثُمّ لَمْ أَتَخَلّفْ بَعْدُ عَنْ النّبيّ صلى الله عليه وسلم حَتّى كانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكٍ وَهِيَ آخِرُ غَزْوَةٍ غَزَاهَا، وَآذَنَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم النّاسَ بِالرّحِيلِ، فَذَكَرَ الحديثَ بِطُولِهِ. قال: فانْطلَقْتُ إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ في المَسْجِدِ وَحَوْلَهُ
ـــــــ
رجب من سنة تسع قبل حجة الوداع بلا خلاف "مغيثين لغيرهم" أي معينين لغيرهم من الإغاثة بمعنى الإعانة. وفي بعض النسخ مغوثين.
قال في النهاية: جاء به على الأصل ولم يعله، كاستحوذ واستنوق، ولو روى مغوثين بالتشديد من غوث بمعنى أغاث لكان وجهاً، والغير بكسر العين: الإبل بأجمالها، وقيل هي قافلة الحمير، فكثرت حتى سميت بها كل قافلة "كما قال الله تعالى" يعني قوله تعالى: {إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً} "وما أحب أني كنت شهدتها مكان بيعتي ليلة العقبة" أي بدل بيعتي ليلة العقبة لأن هذه البيعة كانت أول الإسلام ومنشأة، وليلة العقبة ليلة بايع صلى الله عليه وسلم فيها الأنصار على الإسلام والنصر، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان يعرض نفسه على القبائل في كل موسم ليؤمنوا به ويؤووه، فلقي رهطاً من الخزرج فأجابوه فجاء في العام المقبل اثنا عشر إلى الموسم فبايعوه عند العقبة، وهي بيعة العقبة الأولى، فخرج في العام الآخر سبعون إلى الحج فاجتمعوا عند العقبة وأخرجوا من كل فرقة نقيباً فبايعوه وهي البيعة الثانية "حيث تواثقنا على الإسلام" بمثلثة وقاف أي أخذ بعضنا على بعض الميثاق لما تبايعنا على الإسلام والجهاد. والميثاق العهد وأصله: قيد أو حبل يشد به الأسير أو الدابة "بعد" بضم الدال، أي بعد غزوة بدر "غزاها" الضمير المرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم "وآذن" من الإيذان: أي أعلم، فذكر الحديث بطوله.

(8/507)


المُسْلِمُونَ وَهُوَ يَسْتَنِيرُ كَاسْتِنَارَةِ الْقَمَرِ، وَكَانَ إِذَا سُرّ بِالأمرِ اسْتَنَارَ، فَجِئْتُ فَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فقال: "أَبْشِرْ يَا كَعْبُ بنُ مَالِكٍ بِخَيْرِ يَوْمٍ أَتَى عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمّكَ" . فَقلت: يَا نَبيّ الله، أَمِنْ عِنْدِ الله أَمْ مِنْ عِنْدِكَ؟ فقال: "بَلْ مِنْ عِنْدِ الله، تم تَلاَ هَؤلاءِ الاَيَاتِ: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ
ـــــــ
روى البخاري هذا الحديث بطوله في باب غزوة تبوك "أبشر يا كعب بن مالك بخير يوم أتى عليك منذ ولدتك أمك" استشكل هذا الإطلاق بيوم إسلامه، فإنه مر عليه بعد أن ولدته أمه وهو خير أيامه، فقيل هو مستثنى تقديراً وإن لم ينطق به لعدم خفائه، والأحسن في الجواب أن يوم توبته مكمل ليوم إسلامه، فيوم إسلامه بداية سعادته ويوم توبته مكمل لها فهو خير جميع أيامه، وإن كان يوم إسلامه خيرها، فيوم توبته المضاف إلى إسلامه خير من يوم إسلامه المجرد عنها {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ} : أي أدام توبته {عَلَى النَّبِيِّ} فيما وقع منه صلى الله عليه وسلم من الإذن في التخلف أو فيما وقع منه من الاستغفار للمشركين. وليس من لازم التوبة أن يسبق الذنب ممن وقعت منه أوله، لأن كل العبادة محتاج إلى التوبة والاستغفار، وقد تكون التوبة منه على النبي من باب أنه ترك ما هو الأولى والأليق كما في قوله: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} ، ويجوز أن يكون ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لأجل التعريض للمذنبين بأن يتجنبوا الذنوب ويتوبوا عما قد لابسوه منها. قال أهل المعاني هو مفتاح كلام للتبرك وفيه تشريف لهم في ضم توبتهم إلى توبة النبي صلى الله عليه وسلم كما ضم اسم الرسول إلى اسم الله في قوله: {فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} فهو تشريف له "و" كذلك تاب الله سبحانه على "المهاجرين والأنصار" فيما قد اقترفوه من الذنوب ومن هذا القبيل ماصح عنه صلى الله عليه وسلم من قوله: إن الله اطلع على أهل بدر فقال أعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.
والإنسان لا يخلو من زلات وتبعات في مدة عمره، إما من باب الصغائر وإما من باب ترك الأفضل، ثم وصف سبحانه المهاجرين والأنصار بأنهم {الَّذِينَ

(8/508)


مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ}
ـــــــ
اتَّبَعُوهُ} أي النبي صلى الله عليه وسلم فلم يتخلفوا عنه "في ساعة العسرة" هي غزوة تبوك، فإنهم كانوا فيها في عسرة شديدة وتسمى غزوة العسرة، والجيش الذي سار يسمى جيش العسرة، لأنه كان عليهم عسرة في الزاد والظهر والماء.
وأخرج ابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي وغيرهم عن ابن عباس: أنه قال لعمر بن الخطاب: حدثنا من شأن ساعة العسرة، فقال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلاً فأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن الرجل لينحر بغيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كيده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله، إن الله قد عودك في الدعاء خيراً فادع لنا، فرفع يديه فلم يرجعهما حتى قالت السماء فأهطلت ثم سكبت، فملأ وأما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر {مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ} في كاد ضمير الشأن بيان لتناهي الشدة وبلوغها النهاية ومعنى يزيغ يتلف بالجهد والمشقة والشدة، وقيل معناه: يميل عن الحق ويترك المناصرة والممانعة، وقيل معناه يهم بالتخلف عن الغزو لما هم فيه من الشدة العظيمة. وفي قراءة ابن مسعود من بعد ما زاغت: وهم المتخلفون على هذه القراءة، وفي تكرير التوبة عليهم بقوله: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ} تأكيد ظاهر واعتناء بشأنها، هذا إن كان الضمير راجعاً إلى من تقدم ذكر التوبة عنهم، وإن كان الضمير إلى الفريق الثاني، فلا تكرار، وذكر التوبة إو لا قبل ذكر الذنب تفضلاً منه وتطبيباً لقلوبهم، ثم ذكر الذنب بعد ذلك وأردفه بذكر التوبة مرة أخرى تعظيماً لشأنهم، وليعلموا أنه تعالى قد قبل توبتهم وعفا عنهم، ثم أتبعه بقوله: {إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} تأكيداً لذلك، أي رفيق بعباده، لأنه لم يحملهم ما لا يطيقون من العبادات، وبين الرؤف والرحيم فرق لطيف، وإن تقاربا في المعنى.
قال الخطابي: قد تكون الرحمة مع الكراهة ولا تكاد الرأفة تكون معها، وقيل: الرأفة عبارة عن السعي في إزالة الضرر، والحرمة عبارة عن السعي في إيصال النفع. هذه الآية هي الأولى من الاَيات التي تلاها رسول الله صلى الله

(8/509)


قال: وَفِينَا أُنْزِلَتْ أَيْضاً: {اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} . قال قلت: يَا نَبيّ الله، إنّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ لاَ أُحَدّثَ إِلاّ صِدْقاً، وَأَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي كُلّهِ صَدَقَةً إلى الله وَإِلَى رَسُولِهِ. فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم:
ـــــــ
عليه وسلم، والاَية الثانية مع تفسيرها هكذا، وعلى الثلاثة الذين خلفوا: أي أخروا ولم تقبل توبتهم في الحال كما قبلت توبة أولئك المتخلفين المتقدم ذكرهم، وهؤلاء الثلاثة هم: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع أو ابن ربيعة العامري، وهلال بن أمية الواقفي، وكلهم من الأنصار، لم يقبل النبي صلى الله عليه وسلم وآله وسلم توبتهم حتى نزل القرآن بأن الله قد تاب عليهم، حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت: كناية عن شدة التحير وعدم الاطمئنان، يعني أنهم أخروا عن قبول التوبة إلى هذه الغاية وهي وقت أن ضاقت عليهم الأرض برحبها لإعراض الناس عنهم، وعدم مكالمتهم من كل أحد: لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى الناس أن يكالموهم، وضاقت عليهم أنفسهم: أي أنها ضاقت صدورهم بما نالهم من الوحشة وبما حصل لهم من الجفوة وشدة الغم والحزن، وظنوا: أي علموا وأيقنوا، أن لا ملجأ من الله: أي من عذابه أو من سخطه، إلا إليه: أي بالتوبة والاستغفار، ثم تاب: أي رجع عليهم بالقبول والرحمة، وأنزل في القرآن التوبة عليهم: ليستقيموا، أو وفقهم للتوبة فيما يستقبل من الزمان إن فرطت منهم خطيئة، ليتوبوا: عنها ويرجعوا فيها إلى الله ويندموا على ما وقع منهم، ويحصلوا التوبة وينشئوها فحصل التغاير وصح التعليل، إن الله هو التواب: أي الكثير القبول لتوبة التائبين، الرحيم: أي الكثير الرحمة لمن طلبها من عباده.
"قال" أي كعب بن مالك "وفينا" أي في الثلاثة الذين خلفوا "أنزلت أيضاً": {اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}: يعني مع من صدق النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الغزوات، ولا تكونوا مع المتخلفين من المنافقين الذين قعدوا في البيوت وتركوا الغزو "إن من توبتي" أي من شكر توبتي "أن لا أحدث إلا صدقاً" زاد البخاري: ما بقيت "وأن أنخلع من مالي كله": أي أخرج من جميع مالي "صدقة" هو مصدر في موضع الحال أي متصدقاً، أو ضمن الخلع معنى

(8/510)


"أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ" . فَقلت: فإِني أُمْسِكُ سَهْمِي الّذِي بِخَيْبَرَ. قال: فَمَا أَنْعَمَ الله عَليّ نِعْمَةً بَعْدَ الإسلام أَعْظَمَ في نَفْسِي مِنْ صِدْقِي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم حِينَ صَدَقْتُهُ أَنَا وَصَاحِبَايَ وَلاَ نَكُونُ كَذَبْنَا فَهَلَكْنَا كَمَا هَلَكُوا، وإني لأَرْجُو أَنْ لا يَكُونَ الله أَبْلَى أَحَداً في الصّدْقِ مِثْلَ الذي أَبْلاَنِي مَا تَعَمّدْتُ لِكَذِبَةٍ بَعْدُ، وإني لأرْجُو أَنْ يَحْفَظَنِي الله فِيمَا بَقِيَ".
قال: وقد رُوِيَ عن الزّهْرِيّ هذا الحديثُ بِخِلاَفِ هذا الإسنادِ، وقد قِيلَ عن عبدِ الرّحمَنِ بنِ عبدِ الله بنِ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ عن عمه عبيد الله عن كَعْبٍ، وقد قِيلَ غيرُ هذا. وَرَوَى يُونُسُ بنُ يَزِيدَ هذا الحديثَ عن الزّهْرِيّ عن عبدِ الرّحمَنِ بنِ عبدِ الله بن كعب بن مالك أَنّ أَبَاهُ حَدّثَهُ عن كَعْبِ بنِ مَالِكٍ.
5101- حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ، أخبرنا عبدُ الرّحمَنِ بنُ مَهْدِيّ، أخبرنا إبراهِيمُ بنُ سَعْدٍ عن الزّهْرِيّ عن عُبَيْدِ بنِ السّبّاقِ، أَنّ زَيْدَ بنَ ثَابِتٍ حَدّثَهُ قال: "بَعَثَ إِلَيّ أبو بَكْرٍ الصّدّيقُ - مَقْتَلَ أهْلِ الْيَمامَةِ - فَإِذَا
ـــــــ
أتصدق وهو مصدر أيضاً "أبلى أحداً" أي أنعم على أحد. وحديث كعب بن مالك هذا أخرجه البخاري في عشرة مواضع مطولاً ومختصراً في الوصايا وفي الجهاد وفي صفة النبي صلى الله عليه وسلم وفي وفود الأنصار، وفي موضعين من المغازي، وفي موضعين من التفسير، وفي الاستئذان، وفي الأحكام. وأخرجه مسلم في التوبة، وأخرجه أبو داود والنسائي في الطلاق.
قوله: "بعث إلى أبو بكر الصديق" أي أرسل إلى رجلاً. قال الحافظ: لم أقف على اسم الرسول إليه بذلك "مقتل أهل اليمامة" نصب على الظرفية، أي عقب قتل أهل اليمامة، واليمامة بفتح التحتية وخفة الميم: اسم مدينة باليمن1، وكان مقتلهم
ـــــــ
1 هي بلاد جنوب نجد.

(8/511)


عُمَرُ بنُ الْخَطّابِ عِنْدَهُ، فقال: إنّ عُمَرَ قَدْ أَتَاني فقال: إنّ الْقَتْلَ قَدْ اسْتَحَرّ بِقُرّاءِ الْقُرْآنِ يَوْمَ الْيَمَامَةِ، وإني لأخْشَى أَنْ يَسْتَحِرّ الْقَتْلُ بالْقُرّاءِ في المَوَاطِنِ كُلّهَا فَيَذْهَبَ قُرآنٌ كَثِيرٌ، وإني أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ. قال أبو بَكْرٍ لِعُمَرَ: كَيْفَ أَفْعَلُ شَيْئاً لَمْ يَفْعَلْهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال عُمَرُ: هُوَ وَالله خَيْرٌ. فلَمْ يَزَلْ يُرَاجِعُنِي في ذَلِكَ حَتّى شَرَحَ الله صَدْرِي للّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ عُمَرَ، وَرَأَيْتُ فِيهِ الّذِي رَأَى.
ـــــــ
سنة إحدى عشرة من الهجرة، والمراد بأهل اليمامة هنا من قتل بها من الصحابة في الوقعة مع مسيلمة الكذاب، وكان من شأنها أن مسيلمة أدعى النبوة وقوى أمره بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم بارتداد كثير من العرب، فجهز إليه أبو بكر الصديق خالد بن الوليد في جمع كثير من الصحابة فحاربوه أشد محاربة، إلى أن خذله الله وقتله، وقتل في غضون ذلك من الصحابة جماعة كثيرة، قيل سبعمائة، وقيل أكثر "فإذا عمر" كلمة إذا للمفاجأة "عنده" أي عند أبي بكر رضي الله عنه "قد استحر" بسين مهملة ساكنة ومثناة مفتوحة بعدها حاء مهملة مفتوحة، ثم راء ثقيلة: أي اشتد وكثر وهو استفعل من الحر، لأن المكروه غالباً يضاف إلى الحر، كما أن المحبوب يضاف إلى البرد يقولون: أسخن الله عينه، وأقرعينه "وإني لأخشى" بصيغة المتكلم المؤكدة بلام التأكيد، أي لأخاف "أن يستحر" بفتح الهمزة "في المواطن كلها" أي الأماكن التي يقع فيها القتال مع الكفار "فيذهب قرآن كثير" بالنصب عطف على يستحر.
قال الحافظ: هذا يدل على أن كثيراً ممن قتل في وقعه اليمامة كان قد حفظ القرآن، لكن يمكن أن يكون المراد أن مجموعهم جمعه لا أن كل فرد فرد جمعه "كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم".
قال الخطابي وغيره: يحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم إنمالم يجمع القرآن في المصحف لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه ألأ تلاوته، فلما انقضى نزوله بوفاته صلى الله عليه وسلم، ألهم الله الخلفاء الراشدين ذلك وفاء لوعده

(8/512)


قال زَيْدٌ: قال أبو بكْرٍ: إنّكَ شَابّ عاقِلٌ لانَتّهِمُكَ، قَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم الْوَحْيَ فَتَتَبّعْ الْقُرْآنَ. قال: فَوَالله لَوْ
ـــــــ
الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة المحمدية، زادها الله شرفاً، فكان ابتداء ذلك على يد الصديق رضي الله عنه بمشورة عمر.
ويؤيده ما أخرجه ابن أبي داود في المصاحف بإسناد حسن عن عبد خير قال: سمعت علياً يقول أعظم الناس في المصاحف أجراً، أبو بكر رحمه الله، على أبي بكر هو أول من جمع كتاب الله. وأما ما أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تكتبوا عني شيئاً غير القرآن" الحديث. فلا ينافي ذلك، لأن الكلام في كتابة مخصوصة على صفة مخصوصة. وقد كان القرآن كله كتب في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لكن غير مجموع في موضع واحد ولا مرتب السور. وأما ما أخرجه ابن أبي داود وفي المصاحف من طريق ابن سيرين، قال قال علي: لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم آليت أن آخذ على ردائي إلا لصلاة جمعة حتى أجمع القرآن فجمعه، فإسناده ضعيف لانقطاعه. وعلى تقدير أن يكون محفوظاً فمراده بجمعه حفظه في صدره. قال والذي وقع في بعض طرقه حتى جمعته بين اللوحين وهم من راوية.
قال الحافظ: ورواية عبد خير عن علي، يعني التي تقدمت آنفاً، أصبح فهو المعتمد. ووقع عند ابن أبي داود أيضاً بيان السبب في إشارة عمر بن الخطاب بذلك. فأخرج من طريق الحسن: أن عمر سأل عن آية من كتاب الله، فقيل: كانت مع فلان فقتل يوم اليمامة، فقال إنالله، وأمر بجمع القرآن، فكان أول من جمعه في المصحف، وهذا منقطع، فإن كان محفوظاً حمل على أن المراد بقوله: فكان أول من جمعه، أي أشار بجمعه في خلافه أبي بكر، فنسب الجمع إليه لذلك "قال أبو بكر إنك شاب غافل لا نتهمك قد كنت تكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي" ذكر له أربع صفات مقتضية خصوصيته بذلك: كونه شاباً، فيكون أنشط لما يطلب منه. وكونه عاقلاً، فيكون أوعى له. وكونه لا يتهم، فتركن النفس إليه. وكونه كان يكتب الوحي، فيكون أكثر ممارسة له، وهذه الصفات التي اجتمعت له قد توجد في غيره لكن مفرقة "فوالله لو

(8/513)


كَلّفُوني نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الْجِبَالِ ما كَانَ أَثْقَلَ عَلَيّ مِنْ ذَلِكَ. قال قلت: كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئاً لَمْ يَفْعَلْهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال أبو بَكْرٍ: هُوَ والله خَيْرٌ. فلَمْ يَزَلْ يُرَاجِعُنِي في ذَلِكَ أبو بَكْرٍ وَعُمَرُ حَتّى شَرَحَ الله صَدْرِي لِلّذي شَرَحَ لَهُ صَدْرَهُما: صَدْرَ أبي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَتَتَبّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الرّقَاعِ وَالْعُسُبِ وَاللّخَافِ - يَعْنِي الْحِجَارَةَ وَالرّقَاقَ وَصُدُورَ
ـــــــ
كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ من ذلك" أي مما أمرني به من جمع القرآن، كما في رواية البخاري.
قال الحافظ: كأنه جمع أولاً باعتبار أبي بكر ومن وافقه، وأفرد باعتبار أنه الاَمر وحده بذلك، وإنما قال زيد بن ثابت ذلك لما خشيه من التقصير في إحصاء ما أمر بجمعه، لكن الله تعالى يسر له ذلك "فتتبعت القرآن أجمعه" حال من الفاعل أو المفعول، أي من الأشياء التي عندي وعند غيري "من الرقاع" جمع رقعة، وقد تكون من جلد أو ورق أو كاغد. وفي رواية: وقطع الأديم "والعسب" بضم المهملتين ثم موحدة جمع عسيب وهو جريد النخل، كانوا يكشطون الخوص ويكتبون في الظرف العريض، وقيل العسيب طرف الجريدة العريض، وقيل العسيب طرف الجريدة العريض الذي لم ينبت عليه الخوص، والذي ينبت عليه الخوص هو السعق "واللخاف" بكسر الللام ثم حاء معجمة خفيفة وآخره فاء: وهي الحجارة البيض الرقاق واحدتها لخفة بفتح الللام وسكون المعجمة وعند ابن أبي داود في المصاحف من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: قام عمر فقال: من كان تلقى من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً من القرآن فليأت، به وكانوا يكتبون ذلك في الصحف والألواح والعسب، قال وكان لا يقبل من أحد شيئاً حتى يشهد شاهدان. وهذا يدل على أن زيداً كان لا يكتفي بمجرد وجدانه مكتوباً حتى يشهد به من تلقاه سماعاً، مع كون زيد كان يحفظه، وكان يفعل ذلك مبالغة في الاحتياط. وعند ابن أبي داود أيضاً من طريق هشام بن عروة عن أبيه: أن أبا بكر قال لعمرو ولزيد: اقعدا على باب المسجد، فمن جاءكما بشاهدين

(8/514)


الرّجالِ - فَوَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ بَرَاءَةَ مَعَ خُزَيْمَةَ بنِ ثَابِتٍ: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ
ـــــــ
على شيء من كتاب الله فاكتباه، ورجاله ثقات مع انقطاعه، وكأن المراد بالشاهدين الحفظ والكتاب، والمراد أنهما يشهدان على أن ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو المراد أنهما يشهدان على أن ذلك من الوجوه التي نزل بها القرآن، وكان غرضهم أن لا يكتب إلا من عين ما كتب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم لا من مجرد الحفظ "وصدور الرجال" أي الحفاظ منهم، أي حيث لا أجد ذلك مكتوباً أو الواو بمعنى مع، أي اكتبه من المكتوب الموافق للمحفوظ في الصدور "فوجدت آخر سورة براءة مع خزيمة ابن ثابت" وفي رواية البخاري في فضائل القرآن: من طريق إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عبيد بن السباق، عن زيد بن ثابت: حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري.
قال الحافظ: وقع في رواية عبد الرحمن بن مهدي عن إبراهيم بن سعد مع خزيمة بن ثابت، أخرجه أحمد والترمذي. ووقع في رواية شعيب عن الزهري كما تقدم في سورة التوبة مع خزيمة الأنصاري. وقد أخرجه الطبراني في مسند الشاميين من طريق أبي اليمان عن شعيب فقال فيه: خزيمة بن ثابت الأنصاري. وكذا أخرجه ابن أبي داود من طريق يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، وقول من قال عن إبراهيم بن سعد مع أبي خزيمة أصح. وقد تقدم البحث فيه في تفسير سورة التوبة، وأن الذي وجد معه آخر سورة النوبة غير الذي وجد معه الآية التي في الأحزاب. فالأول اختلف الرواة فيه على الزهرى: فمن قائل مع خزيمة، ومن قائل مع أبي خزيمة، ومن شاك فيه يقول خزيمة أو أبي خزيمة. والأرجح أن الذي وجد معه آخر سورة التوبة أبو خزيمة بالكنية، والذي وجد معه الآية من الأحزاب خزيمة وأبو خزيمة، قيل هو ابن أوس بن يزيد بن أصرم، مشهور بكنيته دون اسمه، وقيل هو الحرث بن خزيمة وأما خزيمة فهو ابن ثابت ذو الشهادتين، كما تقدم صريحاً في سورة الأحزاب انتهى {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} : أي من جنسكم في كونه عربياً قرشياً مثلكم تعرفون نسبه وحسبه،

(8/515)


رَؤُوفٌ رَحِيمٌ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} ". هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
5102- حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ، أخبرنا عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ مَهْدِيّ، أخبرنا إِبراهِيمُ بنُ سَعْدٍ عن الزّهْرِيّ عن أَنَسٍ، أَنّ حُذَيْفَةَ قَدِمَ عَلَى عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، وكَانَ يُغَازِي أهْلَ الشّامِ فِي فَتْحِ أَرْمِينِيّةَ وَأَذَرْبِيجَانَ مَعَ أَهْلِ الْعِراقِ، فَرَأَى حُذَيْفَةُ اخْتِلاَفَهُمْ في الْقُرْآنِ، فقال لِعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ:
ـــــــ
وأنه من ولد إسماعيل لا من العجم ولا من الجن ولا من الملك. والخطاب للعرب عند جمهور المفسرين.
وقال الزجاج: هي خطاب لجمع العالم {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} : ما مصدرية، والعنت: التعب والمشقة. والمعنى شديد وشاق عليه عنتكم ومشقتكم ولقاءكم المكروه {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} : أي على إيمانكم وهدايتكم {بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} : أي شديد الرحمة {فَإِنْ تَوَلَّوْا} : أي أعرضوا عن الإيمان بك {فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ} : أي يكفيني وينصرني {لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} : أي المتفرد بالألوهية، وهذه الجملة الحالية كالدليل لما قبلها {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} : أي به وثقت لا بغيره {وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} وصفه بالعظم لأنه أعظم المخلوقات، قرأ الجمهور بالجر على أنه صفة العرش، وقرئ بالرفع صفة لرب، ورويت هذه القراءة عن ابن كثير. قال أبو بكر الأصم: وهذه القراءة أعجب إلي، لأن جعل العظيم صفة للرب أولى من جعله صفة للعرش، قال ابن عباس: إنما سمى العرش عرشاً لارتفاعه.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والبخاري والنسائي.
قوله: "أن حذيفة" هو ابن اليمان "وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق" أي كان عثمان يجهز أهل الشام وأهل العراق لغزو أرمينية وأذربيجان وفتحهما.
قال الحافظ: إن أرمينية فتحت في خلافه عثمان، وكان أميراً لعسكر من أهل العراق سلمان بن ربيعة الباهلي، وكان عثمان أمر أهل الشام وأهل العراق

(8/516)


ـــــــ
أن يجتمعوا على ذلك، وكان أمير أهل الشام على ذلك العسكر حبيب بن مسلمة الفهري، وكان حذيفة من جملة من غزا معهم، وكان هو على أهل المدائن وهي من جملة أعمال العراق انتهى. وإرمينية بكسر الهمزة وسكون الراء وكسر الميم بعدوها تحتانية ساكنة ثم نون مكسورة ثم تحتانية مفتوحة خفيفة، وقد تثقل.
وقال ابن السمعاني: بفتح الهمزة، وقال أبو عبيد: هي بلد معروف يضم كوراً كثيرة. وقال الرشاطي: افتتحت سنة أربع وعشرين في خلافة عثمان رضي الله عنه على يد سلمان بن ربيعة. وأذربيجان بفتح الهمزة والذال المعجمة وسكون الراء، وقيل بسكون الذال وفتح الراء وبكسر الموحدة بعدها تحتانية ساكنة ثم جيم خفيفة وآخره نون. وحكى ابن مكي: كسر أوله، وضبطها صاحب المطالع، ونقله عن ابن الأعرابي، بسكون الذال وفتح الراء: بلد كبير من نواحي جبال العراق وهي الآن تبريز وقصباتها، وهي تلي أرمينية من جهة غربيها واتفق غزوهما في سنة واحدة، واجتمع في غزوة كل منهما أهل الشام وأهل العراق، والمذكور في ضبط أذربيجان هو المشهور، وقد تمد الهمزة، وقد تحذف وقد تفتح الموحدة، وقيل في ضبطها غير ذلك "فرأى حذيفة اختلافهم في القرآن" وفي رواية البخاري: فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة. وذكر الحافظ ههنا روايات توضح ما كان فيهم من الاختلاف في القراءة، ففي رواية يتنازعون في القرآن حتى سمع حذيفة من اختلافهم ما ذعره.
وفي رواية: فتذاكروا القرآن فاختلفوا فيه حتى كان يكون بينهم فتنة. وفي رواية: أن حذيفة قدم من غزوة فلم يدخل بيته حتى أتى عثمان، فقال يا أمير المؤمنين: أدرك الناس، قال: وما ذاك؟ قال: غزوت فرج أرمينية فإذا أهل الشام يقرءون بقراءة أبي بن كعب فيأتون بما لم يسمع أهل العراق، وإذا أهل العراق يقرءون بقراءة عبد الله بن مسعود، فيأتون بما لم يسمع أهل الشام فيكفر بعضهم بعضاً.
وفي رواية: أنه سمع رجلاً يقول: قراءة عبد الله بن مسعود، وسمع آخر يقول: قراءة أبي موسى الأشعري، فغضب، ثم قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: هكذا كان من قبلكم اختلفوا، والله لأركبن إلى أمير المؤمنين. وفي رواية أن اثنين اختلفا في آية من سورة البقرة قرأ هذا: وأتموا الحج والعمرة لله، وقرأ

(8/517)


يَا أَمِيرَ المُؤْمِنينَ، أَدْرِكْ هَذِهِ الاْمّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا في الْكِتَابِ كَمَا اخْتَلَفَتِ الْيَهُودُ وَالنّصَارَى، فَأَرْسَلَ إلى حَفْصَةَ أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصّحُفِ نَنْسَخُهَا في المَصَاحِفِ ثمّ نَرُدّهَا إِلَيْكِ، فَأَرْسَلَتْ حَفْصَةُ إلى عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ بِالصّحُفِ، فَأَرْسَلَ عُثْمانُ إلى زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ وَسَعِيدِ بنِ الْعَاصِ وَعَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ الْحَارِثِ بنِ هِشَامٍ وَعَبْدِ الله بنِ الزّبَيْرِ، أَنْ انْسَخُوا الصّحُفَ في المَصَاحِفِ، وقال لِلرّهْطِ الْقُرَشِيّينَ الثّلاَثَةِ: ما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ
ـــــــ
هذا: وأنموا الحج والعمرة للبيت، فغضب حذيفة واحمرت عيناه. وفي رواية: قال حذيفة: يقول أهل الكوفة قراءة ابن مسعود، ويقول أهل البصرة: قراءة أبي موسى، والله لئن قدمت على أمير المؤمنين لأمرته أن يجعلها قراءة واحدة "أدرك هذه الأمة" أمر من الإدراك، يمعنى التدارك "فأرسل" أي عثمان "إلى حفصة أن أرسلي النبأ بالصحف" وكانت الصحف بعد ما جمع القران أبو بكر عنده حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر "ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك" أي ننقلها، والمصاحف جمع المصحف: بضم الميم.
قال الحافظ: الفرق بين الصحف والمصحف أن الصحف الأوراق المجردة التي جمع فيها القرآن في عهد أبي بكر كانت سوراً مفرقة كل سورة مرتبة بآياتها على حدة، ولكن لم يرتب بعضها إثر بعض، فلما نسخت ورتب بعضها إثر بعض، صارت مصحفاً انتهى. "فأرسل عثمان إلى زيد بن ثابت وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعبد الله بن الزبير: أن انسخوا الصحف" أي انقلوا ما فيها.
وفي رواية البخاري: فأمر، مكان فأرسل. وقد جاء عن عثمان أنه إنما فعل ذلك بعد أن استشار الصحابة، فأخرج ابن أبي داود بإسناد صحيح من طريق سويد ابن غفلة.
قال علي: لا تقولوا في عثمان إلا خيراً، فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف

(8/518)


أَنْتُمْ وَزَيْدُ بنُ ثَابِتٍ فاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ حَتّى نَسَخُوا الصّحُفَ في المَصَاحِفِ، بَعَثَ عُثْمانَ إلى كلّ أُفُقِ بِمُصْحَفٍ مِنْ تِلْكَ المَصَاحِفِ الّتِي نَسَخُوا.
ـــــــ
إلا عن ملأ منا، قال ما تقولون في هذه القراءة، فقد بلغني أن بعضهم يقول إن قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد أن يكون كفراً.
قلنا: فما ترى؟ قال: نرى أن نجمع الناس على مصحف واحد، فلا تكون فرقة ولا اختلاف. قلنا: فنعم ما رأيت "وقال" أي عثمان "للرهط القرشيين الثلاثة" يعني سعيداً وعبد الرحمن وعبد الله، لأن سعيداً أموي، وعبد الرحمَن مخزومي، وعبد الله أسدي، وكلها من بطون قريش "فإنما نزل بلسانهم" أي بلسان قريش.
قال القاضي بن أبو بكر بن ال باقلاني: معنى قول عثمان نزل القرآن بلسان قريش أي معظمه، وأنه لم تقم دلالة قاطعة على أن جميعه بلسان قريش، فإن ظاهر قوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً} أنه نزل بجميع ألسنة العرب، ومن زعم أنه أراد مضر درن ربيعة، أو هما دون اليمن، أو قريشاً دون غيرهم، فعليه البيان، لأن اسم العرب يتناول الجميع تناولاً واحداً، ولو ساغت هذه الدعوى لساغ للآخران. ويقول: نزل بلسان بني هاشم مثلاً، لأنهم أقرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم نسباً من سائر قريش "إلى كل أفق" بضمتين: أي طرف من أطراف الآفاق "بمصحف من تلك المصاحف التي نسخوا" زاد البخاري: وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق.
قال ابن بطال: في هذا الحديث جواز تحريق الكتب التي فيها اسم الله بالنار وأن ذلك إكرام لها وصون عن وطئها بالأقدام. وقد أخرج عبد الرزاق من طريق طاوس: أنه كان يحرق الرسائل التي فيها البسملة إذا اجتمعت، وكذا فعل عروة، وكرهه إبراهيم. وقال ابن عطية: الرواية بالحاء المهملة أصح، وهذا الحكم هو الذي وقع في ذلك الوقت. وأما الآن: فالغسل أولى لما دعت الحاجة إلى إزالته، هكذا في الفتح. وقال العيني: قال أصحابنا الحنفية: إن المصحف إذا

(8/519)


قال الزّهْرِيّ: وحدثني خارِجَةُ بنُ زَيْد بن ثابت أَنّ زَيْدَ بنَ ثَابِتٍ قال: فَقَدْتُ آية مِنْ سُورَةِ الأحْزَابِ كُنْتُ أَسْمَعُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقْرَؤُهَا {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ} ، فَالْتَمَسْتُهَا فَوَجَدْتُهَا مَعَ خُزَيْمَةَ بنِ ثَابِتٍ أَوْ أبي خُزَيْمَةَ فَأَلْحَقْتُهَا في سُورَتِهَا.
قال الزّهْرِيّ: فَاخْتَلَفُوا يَوْمَئِذٍ في التّابُوتِ وَالتّابُوهِ، فقال الْقُرَشِيّونَ: التّابُوتُ، وقال زَيْدٌ: التّابُوهُ، فَرُفِعَ اخْتِلاَفُهُمْ إلى عُثْمانَ، فقال: اكْتُبُوهُ التّابُوتَ، فإِنّهُ نَزَلَ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ.
ـــــــ
بلى بحيث لا ينتفع به، يدفن في مكان طاهر بعيد عن وطئ الناس.
قلت: لو تأملت عرفت أن الاحتياط هو في الإحراق دون الدفن، ولهذا اختار عثمان رضي الله عنه ذلك دون هذا والله تعالى أعلم.
قوله: "قال الزهرى وحدثني خارجة بن زيد الخ" هذا موصول إلى الزهرى بالإسناد المذكور.
قوله: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} من الثبات مع النبي صلى الله عليه وسلم {فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ} مات أو قتل في سبيل الله {وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ} ذلك "فوجدتها مع خزيمة بن ثابت، أو أبي خزيمة" كذا في هذا الكتاب بالشك.
وفي رواية البخاري: لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة الأنصاري بغير شك "فألحقتها في سورتها" فيه إشكال لأن ظاهره أنه اكتفى بخزيمة وحده، والقرآن إنما يثبت بالتواتر، والذي يظهر في الجواب أن الذي أشار إليه أن فقده فقد وجودها مكتوبة، لا فقد وجودها محفوظة، بل كانت محفوظة عنده وعند غيره. ويدل على هذا قوله في حديث جمع القرآن: فأخذت أتتبعه من الرقاع والعسب.
قوله: "قال الزهري فاختلفوا يومئذ في التابوت والتابوه" أي هل هو بالتاء أو بالهاء "فقال القرشيون التابوت" أي بالتاء "وقال زيد التابوه" أي بالهاء

(8/520)


قال الزّهْرِيّ: فَأَخْبَرَنِي عُبَيْدُ الله بنُ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ أَنّ عَبْدَ الله بنَ مَسْعُودٍ كَرِهَ لِزَيْدِ بنِ ثَابِتٍ نَسْخَ المَصَاحِفِ، وقال: يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ أُعْزَلُ عَنْ نَسْخِ كِتَابَةِ المصحف وَيَتَوّلاَهَا رَجُلٌ، والله لَقَدْ أَسْلَمْتُ وَإِنّهُ لَفِي صُلْبِ رَجُلٍ كَافِر - يُريدُ زَيْدَ بن ثَابِتٍ، وَلِذَلِكَ قال عَبْدُ الله بنُ مَسْعُودٍ: يا أَهْلَ الْعِراقِ اكْتُمُوا المَصَاحِفَ الّتِي عِنْدَكُمْ وَغُلّوهَا، فَإِنّ الله يقولُ: {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} فَالْقُوا الله بِالمَصَاحِفِ.
قال الزّهْرِيّ: فَبَلَغَنِي أَنّ ذَلِكَ كُرِهَ مِنْ مَقَالَةِ ابنِ مَسْعُودٍ رِجَالٌ مِنْ أَفَاضِلِ أَصْحَابِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم".
ـــــــ
"اكتبوه التابوت" أي بالتاء.
قوله: "إن عبد الله بن مسعود ذكره لزيد بن ثابت نسخ المصاحف الخ" العذر لعثمان رضي الله عنه في ذلك أنه فعله بالمدينة وعبد الله بالكوفة، ولم يؤخر ما عزم عليه من ذلك إلى أن يرسل إليه ويحضر. وأيضاً فإن عثمان أراد نسخ الصحف التي كانت جمعت في عهد أبي بكر، وأن يجعلها مصحفاً واحداً، وكان الذي نسخ ذلك في عهد أبي بكر هو زيد بن ثابت لكونه كاتب الوحي، فكانت له في ذلك أولية ليست لغيره "أعزل عن نسخ كتابة المصاحف" بصيغة المجهول، أي أنحى عن نسخ المصاحف المكتوبة "ويقولاها" أي كتابة المصاحف "اكتموا المصاحف التي عندكم وغلوها الخ" أي اخفوها واستروها.
قال النووي: معناه أن ابن مسعود كان مصحفه يخالف مصحف الجمهور، وكانت مصاحف أصحابه كمصحفه، فأنكر عليه الناس وأمروه بترك مصحفه وبموافقة مصحف الجمهور، وطلبوا مصحفه أن يحرقوه كما فعلوا بغيره فامتنع، وقال لأصحابه: فلوا مصاحفكم، أي اكتموها {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} يعني فإذا غللتموها جئتم بها يوم القيامة، وكفى لكم بذلك شرفاً. ثم قال على سبيل الإنكار: ومن هو الذي تأمرونني أن آخذ بقراءته وأترك مصحفي الذي أخذته من في رسول الله صلى الله عليه وسلم "فالقوا القول" أمر من اللقاء "فبلغني أن

(8/521)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وَهُوَ حديثُ الزّهْرِيّ، لا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حَدِيثِهِ.
ـــــــ
ذلك كره إلخ" يعني أن رجالاً من أفاضل الصحابة قد كرهوا قول ابن مسعود المذكور، وقوله من مقالة ابن مسعود رضي الله عنه بيان لقوله ذلك.
تنبيه: قال ابن التين وغيره: الفرق بين جمع أبي بكر وبين جمع عثمان، أن جمع أبي بكر كان لخشية أن يذهب من القرآن شيء بذهاب حملته، لأنه لم يكن مجموعاً في موضع واحد، فجمعه في صحائف مرتباً لاَيات سوره على ما وقفهم عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وجمع عثمان كان لما كثر الاختلاف في وجوه القرآن حين قرأوه بلغاتهم على اتساع اللغات، فأدى ذلك بعضهم إلى تخطئة بعض، فخشى من تفاقم الأمر في ذلك، فنسخ تلك الصحف في مصحف واحد مرتباً لسوره، واقتصر من سائر اللغات على لغة قريش، محتجاً بأنه نزل بلغتهم، وإن كان قد وسع في قراءته رفعاً للحرج والمشقة في ابتداء الأمر، فرأى أن الحاجة إلى ذلك انتهت فاقتصر على لغة واحدة، أو كان لغة قريش أرجح اللغات فاقتصر عليها.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري.

(8/522)


وَمِنْ سُورَةِ يُونُس
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
5103- حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ، أخبرنا عَبْدُ الرّحمَنِ بنُ مَهْدِيّ، أخبرنا حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ عن ثَابِتٍ الْبُنَانيّ عن عَبْدِ الرّحمَنِ بنِ أبي لَيْلَى عن صُهَيْبٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم في قَوْلِ الله عز وجل: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى
ـــــــ
وَمِنْ سُورَةِ يُونُس
نزلت بمكة إلا {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ} الآيتين أو الثلاث أو {وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ} الآية وهي مائة وتسع أو عشر آيات
قوله: "عن صهيب" بالتصغير: هو ابن سنان الرومي.
قوله: "وفي قوله تعالى" أي في تفسيره {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا} أي بالإيمان

(8/522)


وَزِيَادَةٌ} قال: "إذَا دَخَلَ أهْلُ الجَنّةِ الْجَنّةَ نَادَى مُنَادٍ: إنّ لَكُمْ عِنْدَ الله مَوْعِداً وَيُرِيدُ أَنْ يَنْجِزَكُمُوهُ" . قالوا: أَلَمْ يُبَيّضْ وُجُوهَنَا وَيُنَجّيَنَا مِنَ النّارِ وَيُدْخِلَنَا الْجَنّةَ؟ قال فَيُكْشَفُ الْحِجَابُ. قال: "فَوَالله ما أَعْطَاهُمْ الله شَيْئاً أَحَبّ إِلَيْهِمْ مِنَ النّظَرِ إِلَيْهِ" .
حديثُ حَمّادِ بنِ سَلَمَةَ. هَكَذَا روى غيرُ وَاحِدٍ عن حَمّادِ بنِ سَلَمَةَ مرفوعاً. وَرَوَى سُلَيْمانُ بنُ المُغِيرَةِ هذا الحديثَ عن ثَابِتٍ عن عَبْدِ الرّحمَنِ بنِ أبي لَيْلَى قَوْلَهُ ولم يَذْكُرْ فيه عن صُهَيْبٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
5104- حدثنا ابن أبي عُمَرَ، أخبرنا سُفْيَانُ، عن ابنِ المُنْكَدِرِ، عن عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ، عن رَجُلٍ مِنْ أهْلِ مِصْرَ قال: سَأَلْتُ أبَا الدّرْدَاءِ عَنْ هَذِهِ الآية: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} ، قال: ما سَأَلَنِي عَنْهَا أَحَد مُنْذُ سَأَلْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عَنْهَا، فقال: "ما سَأَلَني عَنْهَا أَحَد
ـــــــ
{الْحُسْنَى} أي الجنة {وَزِيَادَةٌ} هي النظر إليه تعالى "إن لكم عند الله موعداً" أي بقي شيء زائد مما وعده الله لكم من النعم والحسنى "وينجينا من النار" كذا في النسخ الحاضرة بالتحتانية. وقد تقدم هذا الحديث في باب رؤية الرب تبارك وتعالى من أبواب صفة الجنة، ووقع هناك ينجينا بحذف التحتانية، وهو الظاهر. وأما على تقدير ثيوب التحتانية فقيل عطف على ما دل عليه الجملة الاستفهامية المتقدمة وفيه ما فيه.
قوله: {لَهُمُ} أي لأولياء الله المذكورين في الآية التي قبلها {الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} تمام الآية {وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} واختلفوا في هذه البشرى: فقيل هي الرؤيا الصالحة، ويدل على ذلك حديث أبي الدراداء هذا، وحديث عبادة بن الصامت الذي أشار إليه الترمذي، وقيل المراد البشرى في الحياة الدنيا هي الثناء الحسن، وفي الآخرة الجنة. ويدل على ذلك

(8/523)


غَيْرُكَ مُنْذُ أُنْزِلَتْ، هِيَ الرّؤْيَا الصّالِحَةُ يَرَاهَا المُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ" .
5105- حدثنا ابن أبي عُمَرَ، أخبرنا سُفْيَانُ، عن عَبْدِ الْعَزِيزِ بنِ رُفَيْعٍ، عن أبي صالحٍ السّمّانِ، عن عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ، عن رَجُلٍ مِنْ أهْلِ مصْرَ، عن أبي الدّرْدَاءِ، فَذَكَرَ نحْوَهُ.
5106- حدثنا أَحْمَدُ بنُ عَبْدَةَ الضّبّيّ، أخبرنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عن عاصِمِ بنِ بَهْدَلَةَ عن أبي صَالِحٍ عن أبي الدّرْدَاءِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم نحْوَهُ، وَلَيْسَ فِيهِ عن عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ.
ـــــــ
ما روي عن أبي ذر قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه؟ قال تلك عاجل بشرى المؤمن، أخرجه مسلم.
وقال الزهري وقتادة في تفسير البشرى: هي نزول الملائكة بالبشارة من الله عند الموت، ويد