Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي

المجلد التاسع
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
سورة الأنبياء
...
ومن سورة الأنبياء
بسم الله الرحمن الرحيم
3212 ـ حدثنا مُجَاهِدُ بنُ مُوسَى البَغْدَادِيّ و الفَضْلُ بنُ سَهْلٍ الأعْرَجُ وغَيْر واحِدٍ قَالوُا: أخبرنا عَبْدُ الرْحمَنِ بنُ غَزْوَانَ أبُو نُوحٍ أخبرنا اللّيْثُ بنُ سَعدٍ عَن مَالِك بنِ أَنَسٍ عَن الزّهْرِيَ عَن عُروَةَ عَن عَائِشَةَ أَنّ رَجُلاً قَعَدَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ يَا رَسُولَ الله: إنّ لِي مَمْلُوكِينَ يَكْذِبُونَنِي وَيَخُونُونَنِي ويَعْصُونَنِي وَأَشْتِمُهُم وَأَضْرِبُهُمْ فَكَيْفَ أَنَا مِنْهُمْ؟ قَالَ: "يُحْسَبُ مَا خَانُوكَ وَعَصَوْكَ وكَذّبُوكَ وعِقَابكَ إيّاهُم فَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إيّاهُمْ بِقَدْرِ ذُنُوبِهمْ كَانَ كَفَافاً لاَ لَكَ وَلاَ عَلَيْكَ، وإنْ كَانَ عِقَابُكَ إيّاهُمْ دُونَ ذُنُوبهم كَانَ فَضْلاً لَكَ، وإنْ كَانَ عِقَابُكَ إيّاهُمْ فَوْقَ ذُنُوبهم اقْتُصّ لَهُمْ مِنْكَ الفَضْلُ، قَالَ فَتَنَحّى الرّجُلُ فَجَعَلَ يَبْكِي ويَهْتِفُ،
ـــــــ
ومن سورة الأنبياء
مكية وهي مائة وإحدى أو اثنتا عشرة آية
قوله: "حدثنا مجاهد بن موسى" الخوارزمي الختلي أو علي نزيل بغداد ثقة من العاشرة "حدثنا عبد الرحمن بن غزوان" بمعجمة مفتوحة وزاي ساكنة أبو نوح الضبي المعروف بقراد ثقة له أفراد من التاسعة. قوله "أن رجلاً قعد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي قدامه "إن لي مملوكين" بكسر الكاف أي مماليك "يكذبونني" أي يكذبون في إخبارهم لي "ويخونونني" أي في مال "ويعصونني" أي في أمري ونهى "وأشتمهم" بكسر التاء ويضم أي أسبهم "فكيف أنا منهم" أي كيف يكون حالي من أجلهم وبسببهم عند الله تعالى "قال" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم "يحسب" بصيغة المجهول

(9/3)


فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: أَمَا تَقْرَأُ كِتَابَ الله {وَنَضَعْ الموَازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيَامةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً} الآية فَقَالَ الرّجُلُ: والله يَا رَسُولَ الله مَا أَجِدُ لِي ولهم شَيْئاً خَيْراً مِنْ مُفَارَقَتِهم أُشْهِدُكَ أَنّهُمْ أَحْرَارٌ كُلّهُمْ". هذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حدِيثِ عَبْد الرّحمَنِ بنِ غَزْوَانَ وقَدْ رَوَى أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ عَنْ عَبْدِ الرّحمَنِ بنِ غَزْوَانَ هَذَا الحَدِيثَ.
ـــــــ
"ما خانوك وعصوك وكذبوك" أي مقدارها "وعقابك" عطف على ما خانوك أي ويحسب أيضاً قدر شتمك وضربك إياهم "كان" أي أمرك "كفافاً" بفتح الكاف في القاموس كفاف الشيء كسحاب مثله ومن الرزق ما كف عن الناس وأغنى وفي النهاية: الكفاف الذي لا يفضل عن الشيء ويكون بقدر الحاجة إليه "لا لك ولا عليك" أي ليس لك فيه ثواب ولا عليك فيه عقاب "دون ذنوبهم" أي أقل منها "كان فضلاً لك" أي عليهم، قيل فإن قصدت الثواب تجز به وإلا فلا. قاله القاري "فوق ذنوبهم" أي أكثر منها "اقتص لهم" بصيغة المجهول أي أخذ بمثله لأجلهم "منك الفضل" أي الزيادة "فتنحى الرجل" أي بعد عن المجلس "فجعل يبكي ويهتف" بكسر التاء أي شرع يبكي ويصيح {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ} أي ذوات العدل {لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} أي فيه {فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً} من نقص حسنة أو زيادة سيئة، وبقية الآية {وَإِنْ كَانَ} أي العمل {مِثْقَالَ} زنة {حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا} أي أحضرناها {وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} إذ لا مزيد على علمنا ووعدنا "ما أجد لي ولهم شيئاً" أي مخلصاً والجار والمجرور هو المفعول الثاني "خيراً" صفة لما قبله "من مفارقتهم" أي من مفارقتي إياهم لأن المحافظة على مراعاة المحاسبة والمطالبة عسر جداً "أشهدك" بصيغة المضارع المتكلم من الإشهاد "كلهم" بالنصب على التأكيد. قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه بن جرير في تهذيبه والبيهقي "وقد روى أحمد ابن حنبل عن عبد الرحمن بن غزوان هذا الحديث" قال الإمام أحمد في مسنده حدثنا أبو نوح قراد أنبأنا ليث بن سعد عن مالك بن أنس عن الزهري عن

(9/4)


3213 ـ حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، أخبرنا الحَسَنُ بنُ مُوسَى، أخبرنا ابنُ لَهِيعَةَ عَنْ دَرّاجٍ عَن أَبِي الهَيْثَمِ عَن أَبِي سَعيدٍ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ "ويل وَادٍ في جَهَنّمَ يَهْوِي فيهِ الكافِرُ أَرْبَعِينَ خَرِيفاً قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ قَعرَهُ". هَذا حديثٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ مَرْفُوعاً إلاّ مِنْ حَدِيثِ ابنِ لَهَيعَةَ.
3214 ـ حدثنا سَعِيدُ بنُ يَحْيَى بنِ سَعيِدٍ الأَمَوِيّ حدثني أَبِي حدثنا مُحمّدُ بنُ اسْحَاقَ عَن أَبي الزّنَادِ عَن عَبْدِ الرّحمَنِ الأعْرجِ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ
ـــــــ
عروة عن عائشة أن رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس بين يديه فقال يا رسول الله إن لي مملوكين الحديث. وأبو نوح قراد هو عبد الرحمن ابن غزوان.
قوله: " أخبرنا الحسن بن موسى" وقع في بعض النسخ الحسين بن موسى بالتصغير وهو غلط لأنه ليس في شيوخ عبد بن حميد ولا في أصحاب ابن لهيعة من اسمه الحسين بن موسى ولأن الترمذي قد أخرج في باب صفة قعر جهنم حديث أبي سعيد: "الصعود جبل من نار يتصعد فيه الكافر سبعين خريفاً ويهوى فيه كذلك أبداً". بعين هذا السند وفيه الحسن بن موسى بالتكبير قوله "الويل واد" أي اسم واد "يهوى" أي يسقط قال في مختار الصحاح: هوى يهوى كرمي يرمي هوياً بالفتح سقط إلى أسفل "أربعين خريفاً" أي عاماً. قال الخازن: الويل كلمة تقولها العرب لكل من وقع في هلكة وأصلها في اللغة العذاب والهلاك. وقال ابن عباس: الويل شدة العذاب ثم ذكر حديث أبي سعيد هذا. قلت: إن ثبت هذا الحديث فهو مغن عن جميع ما ذكروه في معنى الويل. قوله "هذا حديث غريب" وأخرجه أحمد وابن حبان في صحيحه والحاكم وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن دراج "لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث ابن لهيعة" قال الحافظ ابن كثير لم يتفرد به ابن لهيعة بل تابعه عمرو بن الحارث ولكن الآفة ممن بعده، وهذا الحديث بهذا الإسناد مرفوعاً، منكر انتهى.

(9/5)


قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "لَمْ يَكْذِبْ إبْرَاهيمُ عَلَيهِ السّلاَمُ في شَيءٍ قَطّ إِلا في ثَلاَثٍ: قَوْلِهِ {إنّي سَقِيمٌ} وَلَمْ يَكُنْ سَقِيمَا، وَقوله: لِسَارّةَ أُخْتِي، وَقوله: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} . هذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
قوله: "لم يكذب إبراهيم عليه السلام في شيء قط إلا في ثلاث قوله إني سقيم ولم يكن سقيماً" يجر قوله على أنه بدل من ثلاث ويجوز الرفع والنصب وذلك عندما طلبوا منه عليه الصلاة والسلام أن يخرج معهم إلى عيدهم فأراد أن يتخلف عنهم للأمر الذي هم به فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم، وفيه إيهام منه أنه استدل بأمارة علم النجوم على أنه سيسقم ليتركوه فيفعل بالأصنام ما أراد أن يفعل أو سقيم القلب لما فيه من الغيظ باتخاذكم النجوم آلهة أو بعبادتكم الأصنام "وقوله لسارة أختي" بالوجوه الثلاثة وذلك أنه قدم أرض جبار ومعه سارة وكانت أحسن الناس فقال لها من هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك فإن سألك فأخبريه أنك أختي في الإسلام "وقوله بل فعله كبيرهم هذا" قال ذلك حين كسر عليه الصلاة والسلام أصنامهم إلا كبيرها وعلق الفأس في عنقه. قال النووي: قال الماذري: أما الكذب فيما طريقه البلاغ عن الله تعالى فالأنبياء معصومون منه سواء كثيره وقليله، وأما ما لا يتعلق بالبلاغ ويعد من الصغائر كالكذبة الواحدة في حقير من أمور الدنيا ففي إمكان وقوعه منهم وعصمتهم منه القولان المشهوران للسلف والخلف. قال القاضي عياض: الصحيح أن الكذب فيما يتعلق بالبلاغ لا يتصور وقوعه منهم سواء جوزنا الصغائر منهم وعصمتهم منها أم لا، وسواء قل الكذب أم كثر لأن منصب النبوة يرتفع عنه وتجويزه يرفع الوثوق بأقوالهم، وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "ثنتين في ذات الله وواحدة في شأن سارة" . فمعناه أن الكذبات المذكورة إنما هي بالنسبة إلى فهم المخاطب والسامع وأما في نفس الأمر فليست كذباً مذموماً لوجهين: أحدهما ـ أنه ورى بها فقال في سارة أختي في الإسلام وهو صحيح في باطن الأمور. والوجه الثاني ـ أنه لو كان كذباً لا تورية فيه لكان

(9/6)


3215 ـ حدثنا مَحْمُودُ بنُ غَيْلاَنَ، أخبرنا وَكِيعٌ وَ وَهْبُ بنُ جَرِيرٍ وَ أَبُو دَاوُدَ قَالُوا: أخبرنا شُعْبَةُ عَن المُغِيرةِ بن النّعْمَانِ عَن سَعِيدِ بن جُبَيْرِ عَن ابنِ عَبّاسٍ قَالَ: "قَامَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بالمَوْعِظَةِ فَقَالَ يَا أَيّهَا النّاسُ إِنّكُمْ مَحْشُورُونَ إلى الله عُرَاةً غُرْلاً، ثُمّ قَرَأَ {كَمَا بَدَأْنَا أَوّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعداً علينا} إلى آخِرِ الآيةِ. قَالَ: أَوّلُ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ القيامةِ إِبْرَاهيمُ، وإنّهُ سَيُئْوتَى بِرِجَالٍ مِنْ أُمّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشّمَالِ فَأَقُولُ رَبّ أَصحْابِي فَيُقَالُ: إِنّكَ لا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُول: كمَا قَالَ العَبْدُ الصّالِحُ {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى
ـــــــ
جائزاً في دفع الظالمين. قال الماذري: وقد تأول بعضهم هذه الكلمات وأخرجها عن كونها كذباً ولا معنى لامتناع من إطلاق لفظ أطلقه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال النووي: أما إطلاق لفظ الكذب عليها فلا يمتنع لورود الحديث به وأما تأويلها فصحيح لا مانع منه وقد جاء ذلك مفسراً في غير مسلم فقال: ما فيها كذبة إلا بها عن الإسلام أي يجادل ويدافع انتهى ملخصاً. قوله "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان قوله "وأبو داود"، هو الطيالسي.
قوله: "إنكم محشورون" أي ستبعثون "عراة" بضم العين جمع عار وهو من لا ستر له "غرلا" بضم المعجمة وسكون الراء جمع أغرل وهو الأقلف وزنه ومعناه وهو من بقيت غرلته وهي الجلدة التي يقطعها الخاتن من الذكر {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ} الكاف متعلق بمحذوف دل عليه نعيده أي نعيد الخلق إعادة مثل الأول، والمعنى بدأناهم في بطون أمهاتهم حفاة عراة غرلا نعيدهم يوم القيامة وبقية الآية {وَعْداً عَلَيْنَا} منصوب بوعدنا مقدر قبله وهو مؤكد لمضمون ما قبله {إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} أي ما وعدناه قال "أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم" تقدم الكلام عليه مبسوطاً في باب شأن الحشر من أبواب صفة القيامة وتقدم

(9/7)


كلّ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِنْ تُعَذّبُهُمْ فَإنّهُمْ عِبَادُكَ وإن تَغْفِرْ لَهُمْ} إلى آخر الآية، فَيُقَالُ هَؤُلاء لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ".
3216 ـ حَدّثنَا مُحمّدُ بنُ بَشّارِ أخبرنا مُحمّدُ بنُ جَعْفَرٍ أخبرنا شُعْبَةُ عن المِغيرَةِ بنِ النّعْمَانِ نَحْوَهُ.
هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. وَرَوَاهُ سُفْيَانُ الثّوْرِيّ عَن المُغَيِرَةِ بنِ النّعْمَانِ نَحْوَهُ.
ـــــــ
فيه بقية الكلام على قوله عراة "وأنه سيؤتى برجال من أمتي" أي جماعة منهم والتنكير للتقليل "فيؤخذ بهم ذات الشمال" أي إلى جهة النار "فأقول رب أصحابي" خبر مبتدأ محذوف تقديره هؤلاء "إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك" المراد من الإحداث الارتداد عن الإسلام كما يدل عليه قوله الآتي "فيقال هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم" وفي حديث عن أبي هريرة عند البخاري من طريق عطاء بن يسار عنه "أنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى" قال القاضي يريد بهم من ارتد من الأعراب الذين أسلموا في أيامه كأصحاب مسيلمة والأسود وأضرابهم، فإن أصحابه وإن شاع عرفا فيمن يلازمه من المهاجرين والأنصار شاع استعماله لغة في كل من تبعه أو أدرك حضرته ووفد عليه ولو مرة، وقيل أراد بالارتداد إساءة السيرة والرجوع عما كانوا عليه من الإخلاص وصدق النية والإعراض عن الدنيا انتهى "فأقول كما قال العبد الصالح" هو عيسى عليه الصلاة والسلام {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ} أي على أمتي {شهيداً} أي مطلعاً رقيباً حافظاً {مَا دُمْتُ فِيهِمْ} أي موجوداً {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي} أي قبضتني بالرفع إلى السماء {كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} الحفيظ لأعمالهم {وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ} من قولي وقولهم بعدي وغير ذلك {شَهِيدٌ} أي مطلع عالم به {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ} أي من أقام على الكفر منهم {فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} أنت مالكهم تتصرف فيهم كيف شئت لا اعتراض عليك {وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ} أي لمن آمن منهم، وتمام الآية: {فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ} الغالب على أمره {الْحَكِيمُ} في صنعه "فيقال هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم" هذا يؤيد قول من قال إن المراد من الإحداث في قوله: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك هو الارتداد عن الإسلام.

(9/8)


ومن سورة الحج
بسم الله الرحمن الرحيم
3217 ـ حدثنا ابنُ أَبِي عُمَرَ أخبرنا سُفيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عَن ابنِ جُدْعَان عَن الحَسَنِ عَن عِمْرَانَ بن حُصَيْنٍ أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ "لمّا نَزَلَتْ {يا أَيّهَا النّاسُ اتّقُوا رَبّكُمْ إنّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيءٌ عَظِيمٌ} إلى قَوْلِهِ {وَلَكِنّ عَذَابَ الله شَدِيدٌ} " قَالَ: أُنْزِلَتْ عَلَيه هذه الآية وَهُوَ في سَفَرٍ قَالَ: "أَتَدْرُونَ أَيّ
ـــــــ
"ومن سورة الحج"
مكية إلاّ {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ} الآيتين أو إلا {هَذَانِ خَصْمَانِ} ... الست آيات فمدينات، وهي أربع أو خمس أو ست أو سبع أو ثمان وسبعون آية
قوله: "عن الحسن" هو البصري. قوله {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ} أي احذروا عقابه واعملوا بطاعته {إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} الزلزلة شدة الحركة على الحال الهائلة ووصفها بالعظم ولا شيء أعظم مما عظمه الله تعالى قيل هي من أشراط الساعة قبل قيامها وقال ابن عباس: زلزلة الساعة قيامها فتكون معها واختاره ابن جرير في تفسير وبعده {يَوْمَ تَرَوْنَهَا} أي الساعة وقيل الزلزلة {تَذْهَلُ} قال ابن عباس تشغل وقيل تنسى {كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ} أي كل امرأة معها ولد ترضعه {كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ} أي تسقط من هول ذلك اليوم كل حامل حملها. قال الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها غير فطام وتضع الحامل ما في بطنها غير تمام، فعلى هذا القول تكون الزلزلة في الدنيا لأن بعد البعث لا يكون حبل ومن قال تكون الزلزلة في القيامة قال هذا على وجه تعظيم الأمر وتهويله لا على حقيقته كما تقول أصابنا أمر يشيب فيه الوليد تريد به شدته {وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى} على التشبيه {وَمَا هُمْ بِسُكَارَى} على التحقيق ولكن ما رهقهم من خوف عذاب الله هو الذي أذهب عقولهم وأزال تمييزهم،

(9/9)


يَوْمٍ ذَلكَ؟ فقَالُوا الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ ذَلك يَوْم يَقُولُ الله لاَدَمَ ابْعَثْ بَعْثَ النّارِ، فقَالَ يَا رَبّ ومَابَعَثُ النّارِ؟ قَالَ تِسْعُمَائَةٍ وتِسْعَةٌ وتِسْعُونَ.
ـــــــ
وقيل سكارى من الخوف وما هم بسكارى من الشراب {وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} أي فهم يخافونه "قال" أي عمران بن حصين "وهو في سفر" جملة حالية والضمير لرسول الله صلى الله عليه وسلم "ابعث بعث النار" وفي حديث أبي سعيد عند البخاري: أخرج بعث النار وفي حديث أبي هريرة عنده: أخرج بعث جهنم من ذريتك. قال الحافظ البعث بمعنى المبعوث وأصلها في السرايا التي يبعثها الأمير إلى جهة من الجهات للحرب وغيرها ومعناها هنا: ميز أهل النار من غيرهم وإنما خص بذلك آدم لكونه والد الجميع ولكونه كان قد عرف أهل السعادة من أهل الشقاء. فقد رآه النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء وعن يمينه أسودة وعن شماله أسودة الحديث "وما بعث النار" الواو عاطفة على شيء محذوف تقديره سمعت وأطعت وما بعث النار أي وما مقدار مبعوث النار، وفي حديث أبي هريرة "فيقول يا رب كم أخرج" "قال تسعمائة وتسعة وتسعون في النار وواحد إلى الجنة" وفي حديث أبي سعيد "من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون" ، وفي حديث أبي هريرة "أخرج من كل مائة تسعة وتسعين" ، فحديث أبي هريرة مخالف لحديث عمران بن حصين وأبي سعيد مخالفة ظاهرة، وأجاب الكرماني بأن مفهوم العدد لا اعتبار له فالتخصيص بصدد لا يدل على نفي الزائد والمقصود من العددين واحد وهو تقليل عدد المؤمنين وتكثير عدد الكافرين. قال الحافظ: ومقتضى كلامه الأول تقديم حديث أبي هريرة على حديث أبي سعيد فإنه يشتمل على زيادة. فإن حديث أبي سعيد يدل على أن نصيب أهل الجنة من كل ألف واحد. وحديث أبي هريرة يدل على أنه عشرة. فالحكم للزائد ومقتضى كلامه الأخير أن لا ينظر إلى العدد أصلاً بل القدر المشترك بينهما ما ذكره من تقليل العدد، قال وقد فتح الله تعالى في ذلك بأجوبة أخر. وهو حمل حديث أبي سعيد ومن وافقه على جميع ذرية آدم فيكون من كل ألف واحد، وحمل حديث أبي هريرة ومن وافقه على من عدا يأجوج ومأجوج فيكون من كل ألف عشرة، ويقرب ذلك أن يأجوج ومأجوج ذكروا في حديث أبي سعيد دون حديث أبي هريرة، ويحتمل

(9/10)


في النّارِ وَوَاحِدٌ إلى الجَنّةِ، قال: فَأَنْشَأَ المُسْلِمُونَ يَبْكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: قَارِبُوا وَسَدّدُوا فإِنّهَا لَمْ تَكُنْ نُبُوّةٌ قَطّ إلاّ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهَا جَاهِلِيّةٌ. قَالَ فَيُؤْخَذُ العَدَدُ مِنَ الجاهِليّةِ فَإِنْ تَمّتْ وإلاّ كَمُلَتْ مِنَ المُنَافِقِينَ. وَمَا مَثَلُكُمْ والأُمَمِ إِلاّ كَمَثَلِ الرّقْمَةِ في ذِرَاعِ الدّابّةِ أَو كالشّامَةِ في جَنْبِ البَعِير ثُمّ قَالَ: إِنّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلِ الجَنّةِ فَكَبّروا
ـــــــ
أن يكون الأول يتعلق بالخلق أجمعين والثاني بخصوص هذه الأمة. ويقربه قوله في حديث أبي هريرة: "إذا أخذ منا" . لكن في حديث ابن عباس: "وإنما أمتي جزء من ألف" ، ويحتمل أن تقع القسمة مرتين مرة من جميع الأمم قبل هذه الأمة فقط فيكون من كل ألف واحد، ومرة من هذه الأمة فقط فيكون من كل ألف عشرة، ويحتمل أن يكون المراد ببعث النار الكفار ومن يدخلها من العصاة فيكون من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون كافراً ومن كل مائة تسعة وتسعون عاصياً انتهى "فأنشأ المسلمون يبكون" قال في النهاية أنشأ يفعل كذا ويقول كذا أي ابتدأ يفعل ويقول "قاربوا" أي اقتصدوا في الأمور كلها واتركوا الغلو فيها والتقصير يقال قارب فلان في أموره إذا اقتصد "وسددوا" أي اطلبوا بأعمالكم السداد والاستقامة وهو القصد في الأمر والعدل فيه "فإنها لم تكن نبوة قط" قال في القاموس ما رأيته قط ويضم ويخفقان وقط مشددة مجرورة بمعنى الدهر مخصوص بالماضي أي في ما مضى من الزمان انتهى "إلا كان بين يديها جاهلية" قال في النهاية الجاهلية هي الحال التي كانت عليها العرب قبل الإسلام من الجهل بالله ورسوله وشرائع الدين والمفاخرة بالأنساب والكبر والتجبر وغير ذلك انتهى. والمراد بالجاهلية هنا الحال التي كان عليها الناس قبل بعثة نبيهم "فيؤخذ العدد" أي عدد بعث النار "فإن تمت" أي هذه العدة من الجاهلية "إلا كمثل الرقمة في ذراع الدابة" قال في النهاية الرقمة هنا الهنة الناتئة في ذراع الدابة من داخل وهما رقمتان في ذراعيها انتهى. وفي القاموس الرقمتان هنتان شبه ظفرين في قوائم الدابة. وقال النووي في شرح مسلم الرقمة بفتح

(9/11)


ثُمّ قَالَ إِنّي لأرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الجَنّةِ فَكَبّروا، ثُمّ قَالَ إِنّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الجَنّةِ فَكَبّروا، قَالَ لاَ أَدْرِي قَالَ الثّلُثَيْنِ أَمْ لاَ؟" . هذَا حَديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ، وقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيرِ وَجْهٍ عَن عِمْرَانَ بن حُصَيْنٍ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
3218 ـ حدثنا مُحَمّدُ بنُ بَشّارٍ أخبرنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ أخبرنا هِشَامُ بنُ عَبْدِ الله عَن قَتَادَة عَن الحَسَنِ عَن عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ قَالَ: "كُنّا مَعَ النبيّ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ فَتَفَاوَتَ بَيْنَ أَصحْابِهِ فِي السّيْرِ، فَرَفَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم صَوْتَهُ بِهَاتَيْنِ الاَيَتَيْنِ {يا أيّها النّاس اتّقُوا
ـــــــ
الراء وإسكان القاف قال أهل اللغة الرقمتان في الحمار هما الأثران في باطن عضديه وقيل هي الدائرة في ذراعيه وقيل هي الهنة الناتئة في ذراع الدابة من داخل انتهى "أو كالشامة" أي الخال في الجسد معروفة "فكبروا" تكبيرهم لسرورهم بهذه البشارة العظيمة ولم يقل أولاً نصف أهل الجنة لفائدة حسنة وهي أن ذلك أوقع في نفوسهم وأبلغ في إكرامهم فإن إعطاء الإنسان مرة بعد أخرى دليل على الاعتناء به ودوام ملاحظته، وفيه فائدة أخرى هي تكرار البشارة مرة بعد أخرى، وفيه أيضاً حملهم على تجديد شكر الله تعالى وتكبيرة وحمده على كثرة نعمه. ثم إنه وقع في هذا الحديث: "نصف أهل الجنة" . وقد ثبت في حديث بريدة أن "أهل الجنة عشرون ومائة صف ثمانون منها من هذه الأمة وأربعون من سائر الأمم" . أخرجه الترمذي في باب كم صف أهل الجنة. فهذا دليل على أنهم يكونون ثلثي أهل الجنة فيكون النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أولاً بحديث النصف ثم تفضل الله سبحانه بالزيادة فأعمله بحديث الصفوف فأخبر به النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك ولهذا نظائر كثيرة في الحديث معروفة. قوله "هذا حديث صحيح" وأخرجه أحمد.
قوله "أخبرنا يحيى بن سعيد" هو القطان "أخبرنا هشام بن أبي عبد الله"

(9/12)


رَبّكُمْ إِنّ زَلزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيم} ، إِلى قَوْلِهِ {وَلَكنّ عَذَابَ الله شَدِيدٌ} فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ أَصْحَابُهُ حَثّوا المُطِيّ وَعَرَفُوا أَنّهُ عِنْدَ قَوْلٍ يَقُولُه. فَقَالَ هَلْ تَدْرُون أَيّ يَوْمٍ ذَلِكَ؟ قَالُوا الله وَرَسُولُهُ أَعْلَم. قَالَ: ذَلِكَ يَوْمُ يُنَادِي الله فيهِ آدَمَ فَيُنَادِيهُ رَبّهُ فَيَقُولُ يا آدَمُ ابْعَثْ بَعْثَ النَار فَيَقُولُ يا رَبّ وما بعثُ النّارِ؟ فَيقُولُ مِنْ كلّ أَلْفٍ تِسْعُمَائَةٍ وتِسْعَةٌ وتِسْعُونَ إلى النّارِ وَوَاحِدٌ إلى الجَنّةِ، فَيئِسَ القَوْمُ حَتّى مَا أَبْدَوْا بضَاحِكَةٍ. فَلَمّا رَأَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الّذِي بأَصْحَابِهِ قَالَ اعْمَلُوا وَأَبْشِروا فَوَالّذِي نَفْسُ مُحَمّدٍ بِيَدِهِ إِنّكُمْ لَمَعَ خَليقَتَيْنِ مَا كَانَتَا مَعَ شيْءٍ إِلاّ كَثّرَتَاهُ: يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ ومَنْ مَاتَ مِنْ بَنِي آدَمَ وَبنِي إِبْليسَ. قَالَ فَسُرّيَ عَن القَوْمِ بَعْضُ الّذْي يَجدُونَ، فقَالَ اعْمَلُوا وَأَبْشِرُوا فَوَالّذِي نَفْسُ مُحَمّدٍ بِيَدِه مَا أَنْتُمْ في النّاس إِلا كالشّامَةِ في جَنْبِ البَعِيرِ أَو كَالرّقْمَةِ في ذِرَاعِ الدّابّةِ" . هذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
هو الدستوائي. قوله "فتفاوت بين أصحابه في السير" أي وقع التفاوت والبعد "حثوا المطى" أي حضوها والمطى جمع المطية وهي الدابة تمطو في سيرها أي تجد وتسرع في سيرها "وعرفوا أنه" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "عند قوله يقوله" أي يريد أن يقول قولاً "حتى ما أبدوا بضاحكة" أي ما تبسموا والضواحك الأسنان التي تظهر عند التبسم "الذي بأصحابه" أي من اليأس وعدم التبسم "إنكم لمع خليقتين" أي مخلوقين "إلا كثرتاه" من التكثير "يأجوج ومأجوج" بدل من خليقتين ويجوز الرفع أي هما يأجوج ومأجوج "ومن مات" عطف على يأجوج "فسرى" أي كشف وأزيل يقال سروت الثوب وسريته إذا خلعته والتشديد فيه المبالغة "وأبشروا" من باب سمع يسمع أو من باب الأفعال، قال في مختار الصحاح يقال بشره بكذا بالتخفيف فأبشر

(9/13)


3219 ـ حدثنا مُحَمّدُ بنُ إِسْمَاعِيلَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ قَالُوا أخبرنا عَبْدُ الله بنُ صَالحٍ قَالَ حدثني اللّيْثُ عَن عَبْدِ الرّحمنِ بنِ خَالِدٍ عَن ابنِ شِهَابٍ عَن مُحَمّدِ بنِ عُرْوَةَ بنِ الزبير عن عبد الله بنِ الزّبَيْرِ قَالَ: "قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إِنّمَا سُمّيَ البَيْتُ العَتِيقَ لأَنّهُ لَمْ يَظْهَرْ عَلَيه جَبّارٌ" . هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غرِيب وقد رُوِيَ هذا الحديث عَن الزّهْرِيّ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم مُرْسَلاً.
3220 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا اللّيْثُ عَن عُقَيْلٍ عَن الزّهْرِيّ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ.
ـــــــ
إبشاراً وتقول أبشر بخير بقطع الألف ومنه قوله تعالى {وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ} وبشر بكذا استبشر به وبابه طرب انتهى. قوله هذا حديث حسن صحيح وأخرجه أحمد والنسائي والحاكم.
قوله "حدثنا محمد بن إسماعيل" بن يوسف السلمي أبو إسماعيل الترمذي نزيل بغداد ثقة حافظ من الحادية عشرة "أخبرنا عبد الله بن صالح" هو الجهني أبو صالح المصري كاتب الليث "حدثني الليث" هو بن سعد "عن عبد الرحمن بن خالد" بن مسافر الفهمي أمير مصر صدوق من السابعة "عن محمد بن عروة بن الزبير" بن العوام الأسدي صدوق من الرابعة قوله "إنما سمي البيت" الذي هو الكعبة "العتيق" بالنصب على أنه مفعول ثان لمسمى "لأنه لم يظهر عليه جبار" أي لم يغلب عليه والجبار هو الذي يقتل على الغضب، وفي رواية لأن الله أعتقه من الجبابرة فلم يظهر عليه جبار قط قال المناوي أراد بنفي الظهور نفي الغلبة والاستيلاء من الكفار وقصة الفيل مشهورة وقال قتادة عن الحسن البصري في قوله {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} قال لأنه أول بيت وضع، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وعن عكرمة أنه قال إنما سمي البيت العتيق لأنه أعتق يوم الغرق زمان نوح وقيل غير ذلك، وما في حديث الباب هو المعتمد.

(9/14)


3221 ـ حدثنا سُفْيَانُ بنُ وَكِيع أخبرنا أَبِي وإسْحَاقُ بنُ يُوسُفَ الأَزْرَقُ عَن سُفيانَ الثّوْرِيّ عَن الأَعْمَشِ عَن مُسْلِم البَطِينِ عَن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عَن ابن عَبّاسٍ قَالَ "لَمّا أُخْرِجَ النبيّ صلى الله عليه وسلم مِنْ مَكّةَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ أَخْرَجُوا نَبِيّهُمْ لِيَهْلِكُنّ. فَأَنْزَلَ الله تَعَالى: {أُذِنَ لِلّذِينَ يُقَاتَلَوُنَ بِأَنّهُمْ ظُلِمُوا وإنّ الله عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِير} الآية، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لَقَدْ عَلِمْتُ أَنّهُ سَيَكُونُ قِتَالٌ". هَذا حديثٌ حَسَنٌ وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الرّحمَنِ بنُ مَهْدِيّ وَغَيْرُهُ عَنْ سفيانَ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ البَطِينِ عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم فِيهِ عنْ ابنِ عَبّاسٍ وقد رواه غير واحد عن سفيان عَنْ الأَعْمَشِ عَن مُسْلِمِ البَطِينِ عَن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ مُرْسَلاً لَيْسَ فيه عَن ابنِ عَبّاسِ
ـــــــ
قوله "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه الحاكم في مستدركه والبيهقي في شعب الإيمان وقال الحاكم على شرط مسلم وأقروه قاله المناوي.
قوله: "ليهلكن" بالبناء المفعول من الإهلاك أو للفاعل من الهلاك {أُذِنَ} أي رخص وقرئ على البناء للفاعل أي أذن الله تعالى {لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ} أي يقاتلهم المشركون والمأذون فيه محذوف لدلالة المذكور عليه فإن مقاتلة المشركين إياهم دالة على مقاتلتهم إياهم دلالة نيرة، وقرئ على صغية المبنى للفاعل أي يريدون أن يقاتلوا المشركين فيما سيأتي ويحرصون عليه فدلالته على المحذوف أظهر وهي أول آية نزلت في الجهاد {بِأَنَّهُمْ} أي بسبب أنهم {ظُلِمُوا} أي بظلم الكافرين إياهم {وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} أي هو قادر على نصر عباده المؤمنين من غير قتال ولكن هو يريد من عباده أن يبلوا جهدهم في طاعته قوله "هذا حديث حسن" وأخرجه أحمد والنسائي وابن جرير وأبن أبي حاتم.

(9/15)


ومن سورة المؤمنين
بسم الله الرحمن الرحيم
3222 ـ حدثنا يَحْيَى بنُ مُوسَى وَعَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ وَغيرُ وَاحِدٍ المَعْنَى وَاحِدٌ قَالُوا: حدثنا عَبْدُ الرّزّاقِ عَن يُونُسَ بنِ سُلَيْمٍ عَن الزّهْرِيّ عَن عُروةَ بنِ الزّبَيْرِ عَن عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ عَبدٍ القَارِيّ قَالَ: "سَمِعْتُ عُمَر بنَ الخَطّاب رضي الله عنه يَقُولُ كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إِذَا أَنْزَلَ عَلَيه الوَحْيُ سُمِعَ عِنْدَ وَجْهِهِ كَدَوِيّ النّحْلِ فأُنْزِلَ عَلَيه يَوْماً فمَكَثْنا سَاعَةً فسُرّيَ عَنْهُ فاسْتَقْبَلَ القِبْلَة وَرَفَعَ يَدَيهِ وَقَال اللّهُمّ زِدْنَا وَلاَ تُنْقِصْنَا وَأَكْرِمْنَا وَلاَ تُهِنّا وَأَعطِنَا
ـــــــ
"ومن سورة المؤمن"
مكية وهي مائة وثماني أو تسع عشرة آية
قوله: "سمع" على بناء المجهول "عند وجهه" أي عند قرب وجهه بحذف المضاف "كدوي النحل" بفتح الدال وكسر الواو وتشديد الياء أي سمع عند وجهه دوي مثل دوي النحل، والدوي صوت لا يفهم منه شيء وهذا الصوت هو صوت جبريل عليه الصلاة السلام يبلغ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي ولا يفهم الحاضرون من صوته شيئاً. وقال الطيبى رح أي سمع من جانب وجهه وجهته صوت خفي كأن الوحي كان يؤثر فيهم وينكشف لهم انكشافاً غير تام فصاروا كمن يسمع دوي صوت ولا يفهمه أو أراد لهما سمعوه من غطيطه وشدة تنفسه عند نزول الوحي انتهى. وقال في اللمعات: وهذا الدوي إما صوت الوحي أو ما كانوا يسمعونه من النبي صلى الله عليه وسلم من شدة تنفسه من ثقل الوحي والأول أظهر لأنه قد وصف الوحي بأنه كان تارة مثل صلصلة الجرس انتهى "يوماً" أي نهاراً أو وقتاً "فمكثنا" بفتح

(9/16)


وَلاَ تَحْرِمُنا وآثِرْنَا وَلاَ تُؤْثِرْ عَلَيْنَا وَأَرْضِنَا وَارْضَ عَنّا ثُمّ قَالَ صلى الله عليه وسلم: أُنْزلَ عَلَيّ عَشْرُ آياتٍ مَنْ أَقَامَهُنّ دَخَلَ الجَنّةَ ثُمّ قَرَأَ {قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ} حَتّى خَتَمَ عَشَرَ آيَاتٍ.
3223 ـ حدثنا مُحَمّدُ بنُ أَبَان أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ عَن يُونسَ بنِ سُليْمٍ عَن يُونُسَ بنِ يَزِيدَ عَن الزّهْرِيّ بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ بمَعْنَاهُ. هَذَا أَصَحّ مِنْ الحَديثِ الأَوّلِ سَمِعْتُ إِسْحَاقَ بنَ مَنْصُورٍ يَقُولُ رَوَى أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ
ـــــــ
الكاف وضمها أي لبثنا "ساعة" أي زمناً يسيراً ننتظر الكشف عنه "فسرى" عنه بصيغة المجهول من التسرية وهو الكشف والإزالة أي كشف عنه وأزيل ما اعتراه من برحاء الوحي وشدته "اللهم زدنا" أي من الخير والترقي أو كثرنا "ولا تنقصنا" أي خيرنا ومرتبتنا وعددنا. قال الطيبي رح عطفت هذه النواهي على الأوامر للمبالغة والتأكيد وحذف المفعولات للتعميم "وأكرمنا" بقضاء مآربنا في الدنيا ورفع منازلنا في العقبى "ولا تهنا" من الإهانة أي لا تذلنا "ولا تحرمنا" بفتح التاء أي لا تمنعنا أو لا تجعلنا محرومين "وآثرنا" من الإيثار أي اخترنا برحمتك وإكرامك وعنايتك "لا تؤثر علينا" أي غيرنا بلطفك وحمايتك وقيل لا تغلب علينا أعداءنا "وأرضنا" من الإرضاء أي بما قضيت لنا أو علينا بإعطاء الصبر وتوفيق الشكر وتحمل الطاعة والتقنع بما قسمت لنا "وأرض علينا" أي بالطاعة اليسيرة الحقيرة التي في جهدنا ولا تؤاخذنا بسوء أعمالنا ثم قال "أنزل على" أي آنفاً "من أقامهن" أي حافظ وداوم عليهن وعمل بهن "دخل الجنة" أي دخولاً أولياً.
قوله "حدثنا محمد بن أبان" هو أبو بكر البلخي "عن يونس بن يزيد" هو ابن أبي النجاد الأيلي وحديث عمر بن الخطاب هذا أخرجه أيضاً أحمد والنسائي وفي سنده يونس بن سليم الصنعاني قال في الميزان في ترجمته حدث عنه عبد الرزاق وتكلم فيه ولم يعتمد في الرواية ومشاه غيره، وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه ولا يعرف إلا به انتهى. وقال في تهذيب التهذيب: قال النسائي

(9/17)


وَعَليّ بنُ المَدِينِيّ وَإِسْحَاقُ بنُ إِبْرَاهِيمَ عَن عَبْد الرّزّاقِ عَن يُونسَ بن سُلَيْمٍ عَن يُونُسَ بنِ يَزِيدَ عَن الزّهْريّ هَذَا الحديثَ. وَمَنْ سَمِعَ مِنْ عَبْد الرّزّاقِ قَدِيماً فإِنّهُم إِنّما يَذْكُرُونَ فِيهِ عَن يُونُسَ بنِ يَزِيدَ وَبَعْضُهُمْ لاَ يَذُكُرُ فِيهِ عَنْ يُونُسَ بنِ يَزِيدَ وَمَنْ ذَكَرَ فِيهِ عَن يُونُسَ بنِ يَزيدَ فَهُوَ أَصَحّ وَكَانَ عَبْدُ الرّزّاقِ رُبّمَا ذَكَرَ في هَذَا الحَدِيثِ يُونُسَ بنَ يَزيدَ وَرُبّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ.
3224 ـ حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ أخبرنا رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ عنْ سَعيِدٍ عَن قَتَادَةَ عَن أَنَسِ بنَ مَالِكِ "أَنّ الرّبَيّعَ بِنْتَ النّضْرِ أَتَتْ النبيّ صلى الله عليه وسلم وَكَانَ ابْنُهَا حَارِثَةُ بنُ سُرَاقَةَ أُصِيبَ يَوْمَ بَدْرٍ أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فأتَتْ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فقَالَتْ أَخْبِرْنِي عَن حَارِثَةَ لئِنْ كَانَ أَصَابَ خَيْراً احْتَسَبْتُ وَصَبَرْتُ وَإِنْ لَمْ يُصِب الخَيْرَ اجْتَهَدْتُ في الدّعَاءِ، فَقَالَ النَبِيّ صلى الله عليه وسلم: يَا أُمّ حَارِثَةَ إِنّها جِنَةٌ في جَنّةٍ وإنّ ابْنَكِ أَصَابَ الفِرْدَوْسَ الأَعْلَى. والفِرْدَوْس رَبْوَةُ الجَنّةِ وَأَوْسَطُهَا وَأَفْضَلُهَا" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غريب من حديث أنس.
ـــــــ
هذا حديث منكر لا نعلم أحداً رواه غير يونس. ويونس لا نعرفه وذكره ابن حبان في الثقات.
قوله "عن سعيد" ابن أبي عروبة "أن الربيع بنت النضر" الأنصارية الخزرجية عمة أنس بن مالك صحابية "كان أصيب" أي قتل "أصابه سهم غرب" أي لا يعرف راميه أو لا يعرف من أين أتى أو جاء على غير قصد من راميه، قاله الحافظ وقال الطيبي أي لا يعرف راميه وهو بفتح الراء وسكونها

(9/18)


3225 ـ حدثنا ابنُ أَبِي عُمَر أخبرنا سُفْيَانُ أخبرنا مَالِكُ بنُ مُغَوّلٍ عَن عبدِ الرّحْمَنِ بنِ سَعِيدِ بنِ وَهْبٍ أيْ الهَمْدَانِيّ أَنّ عَائِشَةَ زَوْجَ النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ "سَأَلْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عَن هَذِهِ الآية {وَالّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُم وَجِلَةٌ} قَالَتْ عَائِشَةُ: أَهُم الّذِينَ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ
ـــــــ
وبالإضافة والوصف وقيل بالسكون إذا أتاه من حيث لا يدري وبالفتح إذا رماه فأصاب غيره انتهى "لئن كان أصاب خيراً احتسبت وصبرت" وفي رواية البخاري فإن كان في الجنة صبرت "وإن لم يصب الخير اجتهدت في الدعاء" وفي رواية البخاري وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء. قال الخطابي أقرها النبي صلى الله عليه وسلم هذا أي فيؤخذ منه الجواز. قال الحافظ: كان ذلك قبل تحريم النوح فلا دلالة فيه فإن تحريمه كان عقب غزوة أحد وهذه القصة كانت عقب غزوة بدر، ووقع في رواية سعيد بن أبي عروبة اجتهدت في الدعاء بدل قوله في البكاء وهو خطأ ووقع ذلك في بعض النسخ دون بعض ووقع في رواية حميد الآتية في صفة الجنة من الرقاق، وعند النسائي فإن كان في الجنة لم أبك عليه وهو دال على صحة الرواية بلفظ البكاء. وقال في رواية حميد هذه: وإلا فسترى ما أصنع ونحوه في رواية حماد عن ثابت عند أحمد "إنها جنان في جنة" وفي رواية أبان عند أحمد إنها جنان كثيرة في جنة. وفي رواية حميد: "إنها جنان كثيرة" . والضمير في قوله إنها جنان يفسره ما بعده وهو كقولهم هي العرب تقول ما شاءت والقصد بذلك التفخيم والتعظيم. وقال الطيبي: ويجوز أن يكون الضمير للشأن وجنان مبتدأ والتنكير فيه للتعظيم. والمراد بالجنان الدرجات فيها لما ورد أن في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض والفردوس أعلاها "والفردوس ربوة الجنة" أي أرفعها، والربوة بالضم والفتح ما ارتفع من الأرض "وأوسطها وأفضلها" المراد بالأوسط هنا الأعدل والأفضل كقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} فعطف الأفضل عليه للتأكيد. قوله "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه البخاري والنسائي وابن خزيمة.
قوله: "عن عبدالرحمن بن وهب" هو عبدالرحمن بن سعيد بن وهب الهمداني الخيراني ثقة من الرابعة ولم يدرك عائشة. قوله: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ} أي يعطون

(9/19)


ويَسْرِقُونَ؟ قال: لا يا بنْتَ الصّدّيقِ. وَلكَنّهُم الّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلّونَ وَيَتَصَدّقُونَ وَهُمْ يَخَافُونَ أن لا يُقْبَلَ مِنْهُم: أُولَئِكَ الّذِينَ يُسَارِعُونَ في الخَيْراتِ وَهُمْ لَهَا سَابقُونَ". وقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ عَن عَبْد الرْحمَنِ بن سَعِيدٍ عَن أَبِي حَازمٍ عَن أَبي هُرَيْرَةَ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَ هَذَا.
3226 ـ حدثنا سُوَيْدُ بنُ نَصْرٍ، أخبرنا عَبْدُ الله بن المبارك عَن سَعِيدِ بنِ يَزيدَ أَبِي شُجَاعٍ عَن أَبِي السّمْحِ عَن أَبِي الهَيْثَمِ عَن أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيّ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: {وَهُمْ فيها كَالحُونَ} قَال تَشْوِيهِ النّارُ فَتَقَلّصُ شَفَتُهُ العالية حَتّى تَبْلُغَ وَسَطَ رَأْسِهِ، وَتَسْتَرْخِيَ شَفَتُهُ السّفْلَى حَتّى تَضْرِبَ سُرّتَهُ". هذَا حديثٌ حَسَنٌ غريبٌ صحيحٌ.
ـــــــ
{مَا آتَوْا} أي ما أعطوا من الصدقة والأعمال الصالحة {وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} أي خائفة أن لا تقبل منهم وبعده {أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} أي لأنهم يوقنون أنهم إلى الله صائرون "أولئك الذين يسارعون في الخيرات" كذا في هذه الرواية، وفي القرآن {أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ} أي يبادرون إلى الأعمال الصالحة {وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} أي في علم الله وفيل أي لأجل الخيرات سابقون إلى الجنات أو لأجلها سبقوا الناس. وقال ابن عباس: سبقت لهم من الله السعادة وحديث عائشة هذا أخرجه أيضاً أحمد وابن أبي حاتم. قوله: "وروى هذا الحديث عن عبد الرحمن ابن سعيد" هو عبد الرحمن بن وهب المذكور في الإِسناد السابق "عن أبي حازم" اسمه سلمان الأشجعي.
قوله: "أخبرنا عبد الله" هو ابن المبارك "عن أبي السمح" اسمه دراج بن سمعان السهمي "عن أبي الهيثم" اسمه سليمان بن عمرو العتواري. قوله: {وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ} أي عابسون وقد بدت أسنانهم وتقلصت شفاههم كالرأس المشوي على النار قال في القاموس كلح: كمنح كلوحا وكلاحاً بضمهما تكشر في عبوس أوله

(9/20)


سورة النور
بسم الله الرحمن الرحيم
3227 ـ حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، أخبرنا رَوْحَ بنُ عُبَادَةَ عَن عُبيْدِ الله بنِ الأَخْنَسِ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْروُ بنُ شُعَيْبٍ عَن أَبيهِ عَن جَدّهِ قَالَ "كَانَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ مَرْثَدُ بنُ أَبي مَرْثَدٍ وكَانَ رَجُلاً يَحْمِلُ الأَسْرَى مِنْ مَكّةَ حَتّى يَأْتي بِهمْ المَدِينَةَ. قَالَ وكَانَت امْرَأَةٌ بَغِيّ بِمَكّةَ يُقَالُ لَهَا عَنَاقُ وكَانَتْ صَدِيقَةً لَهُ، وَأَنّهُ كَان وَعَدَ رَجُلاً مِنْ أسَارَى مَكّةَ يَحْتمِلُهُ، قَالَ فَجِئْتُ
ـــــــ
{تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ} أي تحرقها "تشويه" بفتح أوله من باب رمي يرمي أي تحرق الكافر "فتقلص" بحذف إحدى التائين أي تنقبض "حتى تبلغ" أي تصل شفته "وتسترخي" أي تسترسل "شفته السفلى" تأنيث الأسفل كالعليا تأنيث الأعلى "حتى تضرب سرته" أي تقرب شفته سرته. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والحاكم وصححه.
سورة النور
مدنية وهي ثنتان أو أربع وسبعون آية
قوله: "عن عبيد الله بن الأخنس" النخعي كنيته أبو مالك الخزاز صدوق، قال ابن حبان كان يخطئ من السابعة.
قوله: "كان رجل يقال له مرثد بن أبي المرثد" بفتح الميم وسكون الراء المهملة وفتح الثاء المثلثة وبعدها دال مهملة الغنوى بفتح الغين المعجمة وبعدها نون مفتوحة صحابي بدرى استشهد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم سنة ثلاث أو أربع "وكان" أي مرثد "يحمل الأسرى" جمع الأسير "بغى" أي فاجرة وجمعها البغايا "وكانت صديقة له" أي حبيبة لمرثد "يحمله" أي أن يحمله "في

(9/21)


حَتّى انْتَهَيْتُ إلى ظِلّ حَائِطٍ مِنْ حَوَائِطِ مَكّةَ في لَيْلَةٍ مُقْمِرةٍ، قَالَ فَجَاءَتْ عَنَاقُ فأَبْصَرَتْ سَوَادَ ظِلّي بِجَنْبِ الحَائِطِ فَلَمّا انْتَهَتْ إليّ عَرَفَتْه، فَقَالَتْ مَرْثَدٌ؟ فَقُلْتُ مَرْثَدٌ. فَقَالتْ مَرْحَباً وَأَهْلاً هَلُمّ فبِتْ عِنْدَنَا اللّيْلَةَ، قُلْتُ يا عَنَاقُ حَرّمَ الله الزّنَا. قَالَتْ يَا أَهْلَ الخِيَامِ هَذَا الرّجُلُ يَحْمِلُ أُسْرَاكُم قَالَ فَتَبعَنِيَ ثَمَانِيَةٌ وسَلَكْتُ الخَنْدَمَةَ فانتهَيْتُ إلى غَارٍ أَوْ كَهفٍ فَدَخَلْتُ فَجَاؤوا حَتّى قَامُوا عَلَى رَأْسِي فبَالُوا فَظَلّ بَوْلُهمْ عَلَى رَأسِي وَأَعمّاهُم الله عَنّي قَالَ ثُمّ رَجَعُوا وَرَجَعْتُ إلى صَاحبي فَحَمَلْتُهُ وكَانَ رَجُلاً ثَقِيلاً حَتّى انْتَهيْتُ إلى الإذْخِر فَفَكَكْتُ عَنُهُ أكْبُلَهُ فَجَعَلْتُ أَحْمِلُه ويعينني حَتّى قَدِمتُ المَدِينَةَ فأَتَيْتُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ يا رَسُولَ الله أَنْكِحُ
ـــــــ
ليلة مقمرة" أي مضيئة "سواد ظلى" أي شخصه "فلما انتهت إلى" أي بلغت إلى "عرفت" أي عرفتني "فقالت مرثد" أي أنت مرثد "فقلت مرثد" أي نعم أنا مرثد "هلم" أي تعالى "فبت" أمر من بات يبيت بيتوتة "حرم الله الزنا" أي فلا يجوز لي أن أبيت عندك "يا أهل الخيام" بكسر الخاء المعجمة جمع الخيمة "هذا الرجل يحمل أسراءكم" بضم الهمزة وفتح السين جمع أسير والمعنى تنبهوا يا أهل الخيام وخذوا هذا الرجل الذي يذهب بأساراكم "سلكت الخندمة" بفتح الخاء المعجمة وسكون النون جبل معروف عند مكة "إلى غار أو كهف" الكهف كالبيت المنقور في الجبل جمعه كهوف أو كالغار في الجبل إلا أنه واسع فإذا صغر فغار "فظل بولهم على رأسي" أي صار ووقع عليه "وعماهم الله" من التعمية أي صيرهم عمياناً "إلى صاحبي" أي الذي كنت وعدت أن أحمله "حتى انتهيت إلى الأذخر" وفي رواية النسائي: فلما انتهت به إلى الأراك والظاهر أن المراد بالأذخر والأراك هنا مكان خارج مكة ينبت فيه الأراك والأذخر ويحتمل أن يكون المراد بالأذخر أذاخر وهو موضع قرب مكة كما في القاموس "ففككت" أي أطلقت "أكبله" جمع قلة للكبل وهو قيد

(9/22)


عَنَاقاً مَرّتْينِ فأَمْسَكَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَلَم يَرُدّ عَلَيّ شَيْئاً حَتّى نَزَلَتْ {الزّاني لاَ يَنْكِحُ إِلاّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزّانيَةُ لاَ يَنْكِحُهَا إِلاَ زَانٍ أَوْ مُشركٌ وحرّم ذلك على المؤمنين} فَقَال رسُول الله صلى الله عليه وسلم: يَا مَرْثَدُ الزّاني لاَ يَنْكِحُ إِلاَ زَانِيَةً أَوْ مُشركَةً وَالزانِيَةُ لاَ يَنْكِحُهَا إِلاّ زَانٍ أَوْ مُشركٌ فَلاَ تَنْكِحْهَا". هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيب لاَ نَعْرِفُه إِلاّ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
ـــــــ
ضخم "ويعيينى" من الأعياء أي يكلني "أنكح عناقاً" بحذف همزة الاستفهام "فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم" وفي رواية أبي داود: فسكت عني "فلا تنكحها" فيه دليل على أنه لا يحل للرجل أن يتزوج بالزواني، ويدل على ذلك الآية المذكورة في الحديث لأن في آخرها: وحرم ذلك على المؤمنين. فإنه صريح في التحريم. قال ابن القيم: وأما نكاح الزانية فقد صرح الله بتحريمه في سورة النور وأخبر أن من نكحها فهو زان أو مشرك فهو إما أن يلتزم حكمه تعالى ويعتقد وجوبه عليه أو لا فإن لم يعتقده فهو مشرك، وإن التزمه واعتقد وجوبه وخالفه فهو زان، ثم صرح بتحريمه فقال {وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} وأما جعل الإشارة في قوله {وَحُرِّمَ ذَلِكَ} إلى الزنا فضعيف جداً إذ يصير معنى الآية الزاني لا يزنى إلا بزانية أو مشركة والزانية لا يزنى بها إلا زانٍ أو مشرك وهذا مما ينبغي أن يصان عنه القرآن ولا يعارض ذلك حديث ابن عباس قال: "جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم" فقال: "إن امرأتي لا تمنع يد لامس قال غربها قال أخاف أن تتبعها نفسي قال فاستمتع بها" ، فإنه في الاستمرار على نكاح الزوجة الزانية والآية في ابتداء النكاح، فيجوز للرجل أن يستمر على نكاح من زنت وهي تحته ويحرم عليه أن يتزوج بالزانية. انتهى.
وقال المنذري: وللعلماء في الآية خمسة أقوال: أحدها ـ أنها منسوخة قاله سعيد بن المسيب. قال الشافعي في الآية القول فيها كما قال سعيد بن المسيب إن شاء الله أنها منسوخة، وقال غيره الناسخ لها {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ} فدخلت الزانية في أيامى المسلمين وعلى هذا أكثر العلماء يقولون من زنى بامرأة فله أن يتزوجها

(9/23)


3228 ـ حدثنا هَنّادٌ، أخبرنا عَبْدَةُ بنُ سُلَيْمَانَ عَن عَبْدِ المَلِكِ بنِ أَبي سُلَيْمَانَ عَن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ قَالَ: "سُئِلْتُ عَن المُتَلاَعِنَيْنِ في إمَارَةِ مُصْعَبِ بنِ الزّبَيْرِ أَيفَرّقُ بَيْنَهُمَا فَمَا دَرَيْتُ مَا أَقُولُ، فَقُمْتُ مِنْ مَكاني إلى مَنْزِلِ عَبْدِ الله بنِ عُمَر فاسْتَأْذَنْتُ عَلَيهِ فَقيلَ لِي إنّهُ قَائِلٌ فَسَمِعَ كَلاَمِيَ
ـــــــ
ولغيره أن يتزوجها. والثاني ـ أن النكاح ههنا الوطء والمراد أن الزاني لا يطاوعه على فعله ويشاركه في مراده إلا زانية أو مشركة. والثالث ـ أن الزاني المجلود لا ينكح إلا زانية مجلودة أو مشركة وكذا الزانية. والرابع ـ أن هذا كان في نسوة كان الرجل يتزوج إحداهن على أن تنفق عليه مما كسبته من الزنا. واحتج بأن الآية نزلت في ذلك والخامس ـ أنه عام في تحريم نكاح الزانية على العفيف والعفيف على الزانية. انتهى.
قلت: هذا القول الخامس هو الظاهر الراجح وبه قال الإمام أحمد وغيره قال الحافظ ابن كثير: قال الإمام أحمد لا يصح العقد من الرجل العفيف على المرأة البغى ما دامت كذلك حتى تستتاب فإن تابت صح العقد عليها وإلا فلا، وكذلك لا يصح تزويج المرأة الحرة العفيفة بالرجل الفاجر المسافح حتى يتوب توبة صحيحة لقوله تعالى: {وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} . انتهى. وقد بسط صاحب فتح البيان في هذه المسألة وقال في آخر البحث: وقد اختلف في جواز تزوج الرجل بامرأة قد زنى هو بها فقال الشافعي وأبو حنيفة بجواز ذلك. وروى عن ابن عباس وعمر وابن مسعود وجابر أنه لا يجوز. قال ابن مسعود إذا زنى الرجل بالمرأة ثم نكحها بعد ذلك فهما زانيان أبداً وبه قال مالك. انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أبو داود والنسائي والحاكم وصححه والبيهقي وغيرهم.
قوله: "سئلت عن المتلاعنين في إمارة مصعب بن الزبير أيفرق بينهما إلخ".

(9/24)


فَقَالَ لِي: ابنَ جُبَيْرٍ؟ ادْخُلْ مَا جَاءَ بِكَ إلاّ حَاجَة، قَالَ فَدَخَلْتُ فإِذَا هُوَ مُفْترِشٌ بَرْدَعَةَ رَحْلٍ لَهُ. فَقُلْتُ يَا أَبا عَبْدِ الرّحْمَنِ المُتَلاعِنَانِ أَيُفَرّقُ بَيْنَهُما؟ فَقَالَ سُبْحَانَ لله نَعَمْ إِنّ أَوّلَ مَنْ سَأَلَ عَن ذَلِكَ فُلاَنُ بنُ فُلاَنٍ أَتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ يَا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أَرَأَيْتَ لَوْ أَنّ أَحَدَنَا رَأَى امْرَأَتَهُ عَلَى فَاحِشَةٍ كَيْفَ يَصْنَعُ؟ إنْ تكلم تكلّمَ بأَمْرٍ عَظِيمٍ وَإنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ. قال: فَسَكَتَ النبيّ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يُجبْهُ فَلَمّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إِنّ الّذي سَأَلْتُكَ عَنْهُ قَد ابْتُلِيتُ بِهِ فَأَنْزَلَ الله هذه الآيات في سُورَةِ النّورِ {والّذِينَ يَرمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاّ أَنْفُسُهُم فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بالله} حَتّى خَتَمَ الآيات. قَال فَدَعَا الرّجُل فَتَلاَهُنّ عَليهِ وَوَعَظَهُ وَذَكَرَهُ وَأَخْبَرَهُ أَنّ عَذَابَ الدّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخرةِ. فَقَالَ لاَ والّذِي بَعَثَكَ بالحَقّ مَا كَذَبْتُ عَلَيْهَا. ثُمّ ثَنّى بالمرأةِ وَوَعَظهَا وَذَكّرَهَا وأَخْبَرَها أَنّ عَذَابَ الدّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخرةِ فَقَالَتْ لاَ والّذِي بَعَثَكَ بالحَقّ مَا صَدَقَ، فَبَدأَ بالرّجُلِ فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بالله إِنَهُ لِمَنَ الصّادِقينَ والخَامِسَةَ أَنّ لَعْنَةَ الله عَلَيْه إِنْ كَانَ مِنَ الكَاذِبينَ، ثُمّ ثنّى بالمرأَةِ فَشَهِدَتْ أَرْبَع شَهَادَاتٍ بالله إِنّهُ لِمَنَ الكَاذِبينَ والخَامِسَةَ أَنّ غَضَبَ الله عَلَيْهَا إنْ كَانَ مِنَ الصّادِقِينَ ثُمّ فَرّقَ بَيْنَهُمَا" . وفي البابِ عَن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ. وهَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
تقدم هذا الحديث بإسناده ومتنه في باب اللعان وتقدم هناك شرحه.

(9/25)


3229 ـ حدثنا محمد بن بشار، أخبرنا مُحَمّدُ بنُ أَبي عَدِيّ، أخبرنا هِشَامُ بنُ حَسّانَ قال: حدثني عِكْرمَةُ عَن ابنِ عَبّاسٍ "أَنّ هِلاَلَ بنَ أُمَيّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النبيّ صلى الله عليه وسلم بِشَرِيكِ بنِ سَحْماءَ فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم البَيّنَةَ وَإِلاّ حَدّ في ظَهْرِكَ، قَالَ فَقَالَ هِلاَلٌ: يَا رَسُولَ الله إِذَا رَأَى أَحَدُنَا رَجُلاً عَلَى امْرَأَتِهِ أَيَلْتَمِسُ البَيّنَةَ، فَجَعَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: البَيّنَةَ وَالا حَدّ في ظَهْرِكَ، قَالَ فقَالَ هِلاَلٌ وَالّذِي بَعثَكَ بالحَقّ إني لَصَادِقٌ وَلْيُنْزِلَنّ فِي أَمْرِي مَا يُبَرّئُ ظَهْرِي مِنَ الحَدّ فَنَزَلَ {وَالّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُم ولَمْ يَكُنْ لَهمْ شُهَدَاءُ إِلاّ أَنْفُسُهُم فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بالله إِنّهُ لِمَنَ الصّادِقِين} فَقَرَأَ حتى بَلَغَ {والخَامِسَةَ أَنّ غَضَبَ الله عَلَيْهَا إنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ} قَالَ فانْصَرَفَ النبيّ صلى الله عليه وسلم فَأَرْسَلَ إليْهِمَا فَجَاءَا فَقَامَ هِلاَلُ بنُ أُمَيّةَ فَشَهَد والنبيّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: إنّ الله يَعْلَمُ أَنّ أحدكما كاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ
ـــــــ
قوله: "حدثنا محمد بن أبي عدي" هو محمد بن إبراهيم بن أبي عدي قوله "إن هلال بن أمية" بضم الهمزة وفتح الميم وشدة الياء "قذف امرأته" أي نسبها إلى الزنا "البينة" بالنصب أي أقم البينة "وإلا" أي وإن لم تقم البينة "حد في ظهرك" أي يثبت حد في ظهرك "أيلتمس البينة" الهمزة للاستبعاد "إنه" أي هلال وفي بعض النسخ: إني. وهو الظاهر وكذلك في رواية البخاري "الصادق" أي في القذف "ولينزلن" بسكون اللام وضم التحتية وكسر الزاي المخففة وفي آخره نون مشددة للتأكيد من الإنزال وهو أمر بمعنى الدعاء والضمير يرجع إلى قوله الذي يحتمل أن يكون بفتح التحتية من النزول وفاعله ما يبرئ وفي رواية البخاري فلينزلن الله "ما يبرئ" بتشديد الراء المكسوره من التبرئة أي ما يدفع ويمنع "فأرسل" أي النبي صلى الله عليه وسلم "إليهما" أي إلى هلال

(9/26)


ثُمّ قَامَتْ فَشَهِدَتْ فَلَمّا كانَتْ عِنْدَ الخَامِسَةِ أَنّ غَضَبَ الله عَلَيْها إنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ. قَالُوا لَهَا إنّهَا مُوجِبَةٌ، فَقَال ابنُ عَبّاسٍ فَتَلَكّأَتْ وَنَكَسَتْ حَتّى ظَنَنّا أَنْ سَتَرْجِع فَقَالَتْ لاَ أَفْضَحُ قَوْمِي سَائِرَ اليَوْمِ، فَقَالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم أَبْصروهَا. فإِنْ جَاءَتْ بِهِ اكْحَلَ العَيْنَينِ سَابِغَ الأَلْيَتَيْنِ خَدَلّجَ السّاقَيْنِ فَهُوَ لِشَرِيكِ بنِ سَحْمَاءَ فَجَاءَتْ به كَذَلِكَ، فَقَالَ
ـــــــ
بن أمية وزوجته "فشهد" أي لاعن والنبي صلى الله عليه وسلم يقول "إن الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب" ظاهره أن ذلك كان قبل صدور اللعان بينهما "فشهدت" أي لاعنت {أن غضب الله عليها} جعل الغضب في جانبها لأن النساء يستعملن اللعن كثير كما ورد الحديث فربما يجترئن على الإقدام لكثرة جري اللعن على ألسنتهن وسقوط وقوعه عن قلوبهن فذكر الغضب في جانبهن ليكون رادعاً لهن "إنها" أي الخامسة "موجبة" أي للعذاب الأليم إن كانت كاذبة "فتلكأت" بتشديد الكاف أي توفقت يقال تلكأ في الأمر إذا تبطأ عنه وتوقف فيه "ونكست" أي خفضت رأسها وطأطأت إلى الأرض، وفي رواية البخاري: نكصت بالصاد المهملة أي رجعت وتأخرت. والمعنى أنها سكتت بعد الكلمة الرابعة "أن" مخففة من الثقيلة أي أنها "سترجع" أي عن مقالها في تكذيب الزوج ودعوى البراءة عما رماها به "سائر اليوم" أي في جميع الأيام وأبد الدهر أو فيما بقى من الأيام بالأعراض عن اللعان والرجوع إلى تصديق الزوج، وأريد اليوم الجنس ولذلك أجراه مجرى العام والسائر كما يطلق للباقي يطلق للجميع "أبصروها" بفتح الهمزة وسكون الموحدة وكسر المهملة من الأبصار أي انظروا وتأملوا فيما تأتي به من ولدها "به" أي بالولد "أكحل العينين" أي الذي يعلو جفون عينه سواد مثل الكحل من غير اكتحال "وسابغ الأليتين" تثنية الألية بفتح الهمزة وسكون اللام وهي العجيزة أو ما ركب العجز من شحم أو لحم أي تامهما وعظيمها من سبوغ النعمة والثوب "خدلج الساقين" بمعجمة ومهملة ولام مشددة مفتوحات وبالجيم أي عظيمها "فهو" أي الولد "فجاءت به كذلك" قال الطيبي في إتيان الولد على الوصف

(9/27)


النبيّ صلى الله عليه وسلم: لَوْلاَ مَا مَضَى مِنْ كِتابِ الله عز وجلّ لَكانَ لَنَا وَلهَا شَأْنٌ" .
هَذا حديثٌ حَسَنٌ غريب وهَكَذَا رَوَى عَبّادُ بنُ مَنْصُورٍ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَن ابنِ عَبّاسٍ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وَرَوَاهُ أَيّوبُ عَن عِكْرِمَةَ مرسلاً ولَمْ يَذْكُرْ فيه عَن ابنِ عَبّاسٍ.
ـــــــ
الذي ذكره صلوات الله عليه هنا وفي قصة عويمر بأحد الوصفين المذكورين مع جواز أن يكون على خلاف ذلك معجزة وإخبار بالغيب "ولولا ما مضى من كتاب الله" من بيان لما أي لولا ما سبق من حكمه بدرء الحد عن المرأة بلعانها "لكان لنا ولها شأن" أي في إقامة الحد عليها إثر المعنى لولا أن القرآن حكم بعدم الحد على المتلاعنين وعدم التغرير لفعلت بها ما يكون عبرة للناظرين وتذكرة للسامعين.
تنبيه ـ اعلم أن حديث ابن عباس هذا يدل على أن آية اللعان نزلت في قصة هلال بن أمية وحديث سهل بن سعد الذي أشار إليه الترمذي يدل على أنها نزلت في قصة عويمر العجلاني ولفظه "فجاء عويمر فقال يا رسول الله رجل وجد مع امرأته رجلاً أيقتله فتقتلونه أم كيف يصنع؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك فأمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بالامعنة" . قال الحافظ قد اختلف الأئمة في هذا الموضع فمنهم من رجح أنها نزلت في شأن عويمر ومنهم من رجح أنها نزلت في شأن هلال، ومنهم من جمع بينهما بأن أول من وقع له ذلك هلال وصادف مجيء عويمر أيضاً فنزلت في شأنهما معاً في وقت واحد، وقد جنح النووي إلى هذا وسبقه الخطيب فقال لعلهما اتفق كونهما جاءا في وقت واحد ولا مانع أن تتعدى القصص ويتحد النزول، ويحتمل أن النزول سبق بسبب هلال فلما جاء عويمر ولم يكن علم بما وقع لهلال أعلمه النبي صلى الله عليه وسلم بالحكم ولهذا قال في قصة هلال فنزل جبريل وفي قصة عويمر "قد أنزل الله فيك" فيأول قوله: "قد أنزل الله فيك" أي وفيمن كان مثلك وبهذا أجاب ابن صباغ في الشامل وجنح القرطي إلى تجويز نزول الآية

(9/28)


3230 ـ حدثنا مَحْمُودُ بن غَيْلاَن أَخبرنا أَبُو أُسَامَة عَنَ هِشَامِ بن عُرْوَةَ قال أَخْبَرني أَبِي عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ "لَمّا ذُكِرَ مِنْ شَأْنِي الّذِي ذُكِرَ وَمَا عَلِمْتُ بِه قَامَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فيّ خَطِيباً فَتَشَهّدَ فَحَمَدَ الله وأَثْنَى عَلَيهِ بِما هُوَ أَهْلُهُ ثُمّ قَال "أَمّا بَعْدُ أَشِيروا عَليّ في أُنَاسٍ أَبَنُوا أَهْلي والله مَا عَلمْتُ عَلَى أَهْلي مِنْ سُوءٍ قَطّ، وَأَبَنُوا بمَنْ والله مَا عَلِمْتُ عَلَيهِ مِنْ سُوءٍ قَطّ وَلاَ دَخَلَ بَيْتي قَطّ إِلاّ وَأَنَا حَاضِرٌ ولاَ غِبْتُ في سَفر إِلاّ غَابَ مَعيِ، فَقَامَ سَعْدُ بُن مُعَاذٍ رضي الله عنه فَقَال: ائْذَنْ لِي يَا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ أخرب أَعْنَاقَهُمْ، وقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْخَزرَجِ وكَانَتْ أُمّ حَسّانَ بنِ ثَابِتٍ مِنْ رَهْطٍ ذَلِكَ الرّجُل فَقَالَ كذَبْتَ أَمَا وَالله أَن لوْ كَانُوا مِنَ الأوْسِ مَا أَحَبَبْت
ـــــــ
مرتين قال وهذه الاحتمالات وإن بعدت أولى من تغليط الرواة الحفاظ انتهى كلام الحافظ ملخصاً. قوله "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه البخاري وأبو داود وابن ماجه "وهكذا روى عباد بن منصور هذا الحديث إلخ" أخرجه أحمد أحمد وأبو داود.
قوله "لما ذكر" بصيغة المجهول "من شأني" بيان مقدم لقوله "الذي ذكر" وهو نائب الفاعل "وما علمت به" ما نافية والواو للحال "في" بتشديد الياء أي في شأني "أشيروا علي" من الإشارة "أبنوا أهلي" من باب نصر وضرب من الابن بفتحتين وهو التهمة أي اتهموا أهلي ورموا بالقبيح "وأبنوا بمن والله ما علمت عليه من سوء قط" هو صفوان بن المعطل السلمي "فقام سعد بن معاذ فقال ائذن يا رسول الله" استشكل ذكر سعد بن معاذ هنا بأن حديث الإفك كان سنة ست في غزوة المريسيع وسعد مات من الرمية التي رميها بالخندق سنة أربع، وأجيب بأنه اختلف في المريسيع ففي البخاري عن موسى بن عقبة أنها سنة أربع وكذلك الخندق وقد جزم ابن إسحاق بأن

(9/29)


أَنْ تَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ حَتّى كَادَ أَنْ يَكُونَ بَين الأَوْسِ والْخَزرَجِ شَرّ في المَسْجِدِ، ومَا عَلِمْتُ بِه، فَلَمّا كانَ مَسَاءُ ذَلِكَ اليَوْمِ خَرَجْتُ لِبَعْضِ حَاجَتِي وَمَعِي أُمّ مِسْطَحٍ فَعَثَرتْ فَقَالَت تَعِسَ مِسْطَحٌ فَقُلْتُ لَهَا أَيْ أُم تَسُبّينَ ابْنَكِ فَسكَتَتْ ثُمَ عَثَرَت الثّانِيَةَ فَقَالَتْ تَعِسَ مِسْطَحٌ فَقُلْتُ لَهَا أي أَم تَسُبّينَ ابْنَكِ فَسكَتَتْ ثُمّ عَثَرَت الثّالِثَةَ فَقَالَتْ تَعِسَ مِسْطَحٌ فَأْنَتَهَرْتُهَا فَقُلْتُ لَهَا أَي أَم تَسُبّينَ ابْنَكِ فَقَالَتْ والله مَا أَسُبّهُ إِلاّ فِيكِ فَقُلْتُ في أَيّ شَأْنِي؟ قَالَتْ فَبَقَرتْ لي الْحَدِيثَ قُلْتُ قَدْ كَانَ هَذَا؟ قَالَتْ نَعَمْ والله لقَدْ رَجَعْتُ إِلى بَيْتِي وَكَأَنّ الّذِي خَرَجْتُ لَهُ لَمْ أَخرُجْ. لاَ أَجِدُ
ـــــــ
المريسيع كانت في شعبان والخندق في شوال وإن كانتا في سنة فلا يمتنع أن يشهدها ابن معاذ. لكن الصحيح في النقل عن موسى بن عقبة أن المريسيع سنة خمس. فالذي في البخاري حملوه على أنه سبق قلم والراجح أيضاً أن الخندق أيضاً سنة خمس فيصبح الجواب "أن تضرب أعناقهم" وفي رواية البخاري من طريق الزهري: إن كان من الأوس ضربت عنقة وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك. قال الحافظ في شرح الجملة الأولى: إنما قال ذلك سعد لأنه كان سيد الأوس فجزم بأن حكمه فيهم نافذ "وقام رجل من الخزرج" وفي رواية البخاري فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج "وكانت أم حسان بن ثابت من رهط ذلك الرجل" اسم أم حسان الفريعة بنت خالد بن خنيس وكانت بنت عم سعد بن عباده من فخذه "أما" بالتخفيف للتنبيه "إن لو كانوا" كلمة إن زائدة "حتى كاد أن يكون بين الأوس و الخزرج شر في المسجد" وفي رواية البخاري فتشاور الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر "وما علمت به" أي بما جرى في المسجد "ومعي أم مسطح" بكسر الميم وسكون السين وفتح الطاء وبعدها حاء مهملات واسمها سلمى وهي بنت أبي رهم بن عبد المطلب بن

(9/30)


مِنهُ قَليلاً وَلاَ كَثِيراً وَوُعِكْتُ فَقُلْتُ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أَرسِلْني إِلى بَيْتِ أَبِي فأَرْسَلَ مَعِي الغُلاَمَ فَدَخَلْت الدّارَ فَوَجَدْتُ أُمّ رُومَانَ في السفْلِ وَأَبُو بَكْرِ فوْقَ البَيْتِ يَقْرأُ، فَقَالَتْ أُمّي مَا جَاءَ بِكِ يَا بُنَيّةُ قَالَتْ فأَخْبَرْتُها وَذَكَرْتُ لَهَا الْحَدِيثَ فإِذَا هُوَ لَمْ يَبْلُغْ مِنْهَا مَا بَلَغَ مِنيّ فَقَالَتْ يَا بُنَيّةُ خَفّفِي عَلَيْكِ الشّأْنَ فإِنّهُ والله لَقلّمَا كَانَت امْرأَةٌ حَسْنَاءُ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبّهَا لَهَا ضَرَائِرُ إِلاّ حَسَدْنَهَا وقِيلَ فِيهَا فإِذَا هِيَ لَمْ يَبْلُغْ مِنْهَا مَا بَلَغَ مِنّي، قَالَتْ قُلْتُ وقَدْ عَلِمَ بِهِ أَبي قَالَتْ نَعَمْ قُلْتُ وَرَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم؟ قَالت نَعَمْ، واسْتَعبَرْتُ وَبَكَيْتُ فَسَمِعَ أَبُو بَكْرٍ صَوْتي وَهُو فَوْقَ
ـــــــ
عبد مناف واسم أبي رهم أنيس "فعثرت" بالفاء والعين والراء المفتوحات من العثرة وهي الزلة يقال عثر في ثوبه يعثر بالضم عثاراً بالكسر وفي رواية البخاري فعثرت أم سطح في مرطها "تعس مسطح" بفتح المثناة وكسر العين المهملة وبفتحها أيضاً بعدها سين مهملة أي كب لوجهه أو هلك أو لزمه الشر أو بعد أقوال "أي أم تسبين ابنك" بحذف همزة الاستفهام وفي رواية البخاري أتسبين رجلاً بدراً "فقالت والله ما أسبه إلا فيك" أي إلا لأجلك "فقالت" أي أم مسطح "فبقرت" بفتح الموحدة والقاف والراء أي فتحت وكشفت، وفي رواية البخاري أو لم تسمعي ما قال؟ قلت وما قال؟ قالت كذا وكذا فأخبرتني بقول أهل الإفك "قلت وقد كان هذا؟" بحذف همزة الاستفهام وكان تامة "كأن الذي خرجت له لم أخرج" أي كأن الحاجة التي خرجت لها لم أخرج لها "لا أجد منه قليلاً ولا كثيراً" علة لما قبلها قال العيني معناه إني دهشت بحيث ما عرفت لأي أمر خرجت من البيت "ووعكت" بصيغة المجهول من الوعك أي صرت محمومة "فقلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم" أي لما دخل علي "فأرسل معي الغلام" قال الحافظ لم أقف على اسم هذا الغلام "فوجدت أم رومان" تعني أمها، قال الكروماني

(9/31)


البَيْتِ يَقْرَأُ فَنَزَلَ فَقَالَ لأُمّي مَا شَأْنُهَا قَالَتْ أَبْلِغْهَا الّذِي ذُكِرَ مِنْ شَأْنِهَا، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ فَقَالَ أَقْسَمْتُ عَلَيْكِ يَا بُنيّةُ إلاّ رَجَعْتِ إلى بَيْتِكِ فَرَجَعْتُ، وَلَقَدْ جَاءَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إلى بَيْتِي وَسَأَلَ عَنّي خَادِمَتِي فَقَالَتْ لاَ وَالله مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا عَيْباً إلاّ أَنّها كانَتْ تَرْقُدُ حَتّى تَدْخُلَ الشّاةُ فَتَأْكلَ خَمِيرَتَهَا أَوْ عَجِينَتَهَا، وانْتَهَرَهَا بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَقَالَ أصْدقِي رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم حَتّى أَسْقَطُوا لهَا بِهِ فَقَالَتْ سُبْحَانَ الله والله مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إلاّ مَا يَعْلَمُ الصّائِغُ عَلَى تِبْرِ الذَهَب الأَحْمَرِ فَبَلَغَ الأَمرَ ذَلِكَ الرّجُلَ الّذي قِيلَ لَهُ، فَقَالَ سُبْحَانَ الله والله مَا كَشْفتُ كَنَفَ أُنْثَى قَطّ، قَالَتْ عَائِشَةُ فَقُتِلَ شَهِيداً في سَبِيلِ الله قَالتَ وأَصْبَحَ
ـــــــ
واسمها زينب "في السفل" من البيت وهو بكسر السين وبضمها "فإذا هو" أي الحديث "لم يبلغ منها ما بلغ مني" أي لم يؤثر فيها مثل ما أثر في "خففي عليك الشأن" وفي رواية البخاري هوني عليك، وفي رواية له خفضي بالضاد المعجمة "لها ضرائر" جمع ضرة وقيل للزوجات ضرائر لأن كل واحدة يحصل لها الضرر من الأخرى بالغيرة "وقيل فيها" أي ما يشينها "فإذا هي" أي أم رومان "لم يبلغ منها" أي لم يؤثر الحديث فيها "ما بلغ مني" أي مثل ما أثر في "استعبرت" أي جرى دمعي. قال في القاموس: العبرة الدمعة واستعبر جرت عبرته وحزن "الذي ذكر" بالبناء للمفعول "أقسمت عليك يا بنية إلا رجعت إلى بيتك" هذا مثل قولهم نشدتك بالله إلا فعلت أي ما أطلب منك إلا رجوعك إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم "وسأل عني خادمتي" المراد بها بريرة وفي رواية البخاري فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة فقال: "أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك؟" قال القسطلاني واستشكل هنا قوله "بريرة" بأن قصة الإِفك قبل شراء بريرة وعتقها لأنه كان بعد فتح مكة وهو قبله لأن حديث الإفك كان في سنة ست أو ربع وعتق بريرة كان بعد فتح مكة

(9/32)


أَبَوَايَ عِنْدِي فَلَمْ يَزَالاَ عِنْدِي حَتّى دَخَلَ عَلَيّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وقَدْ صَلّى العَصْرَ ثُمّ دَخَلَ وقَدْ اكتَنَفنى أَبَوَايَ عَن يَمينِي وَشِمالِي فَتَشَهّدَ النبيّ صلى الله عليه وسلم فحَمِدَ الله وَأَثْنى عَلَيْهِ بمَا هُوَ أَهْلُه.
ـــــــ
في السنة التاسعة أو العاشرة وأجاب الشيخ تقي الدين السبكي بأجوبة أحسنها احتمال أنها كانت تخدم عائشة قبل شرائها وهذا أولى من دعوى الإدراج وتغليظ الحفاظ انتهى كلامه مختصراً "إلا أنها كانت ترقد حتى تدخل الشاة فتأكل خميرتها أو عجينتها" شك من الراوي، وفي رواية البخاري: إن رأيت عليها أمراً أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله.
وفي رواية مقسم عند أبي عوانة والطبراني ما رأيت مذ كنت عندها إلا أني عجنت عجيناً لي فقلت احفظي هذه العجينة حتى اقتبس ناراً لأخبزها فغفلت فجاءت الشاة فأكلتها "وانتهرها بعض أصحابه" أي زجرها، وفي رواية أبي أويس عند أبي عوانة والطبراني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي: شأنك بالجارية فسألها علي وتوعدها فلم تخبره إلا بخير ثم ضربها وسألها فقالت والله ما علمت على عائشة سوءًا "حتى أسقطوا لها به" أي سبوها وقالوا لها من سقط الكلام وهو رديئه... بسبب حديث الإِفك كذا في النهاية "فقالت" أي الخادمة "سبحان الله" قالتها استعظاماً أو تعجباً "والله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر" أي كما لا يعلم الصائغ من الذهب الأحمر إلا الخلوص من العيب فكذلك أنا لا أعلم منها إلا الخلوص من العيب والتبر بكسر الفوقية وسكون الموحدة ما كان من الذهب غير مضروب فإذا ضرب دنانير فهو عين ولا يقال تبر إلا للذهب وبعضهم يقوله للفضة أيضاً "فبلغ الأمر" أي أمر الإِفك "ذلك الرجل" وهو صفوان "الذي قيل له" أي عنه من الإفك ما قيل، فاللام هنا بمعنى عن كما هي في قوله تعالى {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْراً مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ} أي عن الذين آمنوا أو بمعنى في، أي قيل فيه فهي كقوله {يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} أي في حياتي "والله ما كشفت

(9/33)


ثُمّ قَالَ: أَمّا بَعْدُ يَا عَائِشَةُ إنْ كُنْتِ قَارفْتِ سُوءاً أو ظَلَمْتِ فَتُوبي إلى الله فإنّ الله يَقْبَلُ التّوْبَةَ عَن عبَادِهِ، قَالتْ وَقَدْ جَاءَت امْرأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ وَهِيَ جَالِسَةٌ بالبَابِ فَقُلْتُ أَلاَ تَسْتَحْيي مِنْ هَذِهِ المرأَةِ أَنْ تَذْكُرَ شَيْئاً. وَوَعَظَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَالْتَفتّ إلى أَبي فَقُلتُ أَجِبْهُ. قَالَ: فَمَاذَا أَقُولُ؟ فَالْتَفَتّ إِلَى أُمّي فقُلْتُ أَجيبيهِ قَالتْ أَقُولُ مَاذَا؟ قَالتْ فَلَمّا لمْ يُجيبَا تَشَهّدْتُ فَحَمِدْتُ الله وَأَثْنَيتُ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمّ قُلْتُ أَمَا وَالله لئِنْ قُلْتُ لَكُمْ إنّي لمْ أَفْعَلْ وَالله يَشْهَدُ إنّي لَصَادِقَةٌ مَا ذَاكَ بِنَافِعي عِنْدَكُمْ لِي لَقَدْ تَكَلّمْتُم وَأُشْرِبتْ قُلُوبُكُمْ وَلَئِنْ قُلْتُ إنّي قَدْ فَعَلْتُ وَالله يَعْلَمُ أَنّي لمْ أَفْعَلْ لَتَقُولُنّ إِنّهَا قَدْ بَاءَتْ بِهَا عَلَى نَفْسِهَا. وَإِنّي وَالله مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلاً قَالتْ وَالْتَمسْتُ اسْمَ يَعْقُوبَ فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهِ إلاّ أَبَا يُوسُفَ حينَ قَال: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَالله الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} قَالتْ وَأُنْزِلَ عَلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مِنْ سَاعَتِهِ فَسَكَتْنَا فَرُفِعَ عَنْهُ وَإني لأَتَبَينُ السّرورَ في وَجْهِهِ وَهُوَ يَمْسَحُ جَبِينَهُ: وَيَقولُ أَبْشرِي يَا عَائِشَةُ فقَدْ أَنْزَلَ الله بَرَاءَتَكِ، قَالتْ فَكنْتُ أَشَدّ مَا كُنْتَ غَضَباً
ـــــــ
كنف أنثى قط" الكنف بفتح الكاف والنون وهو الجانب وأراد به الثوب يعني ما جامعتها في حرام وكان حصوراً "فقتل" أي صفوان "شهيداً في سبيل الله" في غزوة أرمينية سنة تسع عشرة في خلافة عمر كما قاله ابن إسحاق "أكتنف أبواي" قال في القاموس اكتنفوا فلاناً أحاطوا به "إن كنت قارفت سوءًا" من المقارفة أي كسبته "أو ظلمت" نفسك "فقلت" أي لرسول الله صلى الله عليه وسلم "من هذه المرأة" أي الأنصارية "أن تذكر شيئاً" أي على حسب فهمها لا يليق بجلال حرمتك "فقلت أجبه" أي أجب رسول الله

(9/34)


فَقَال لِيَ أَبَوَايَ قُومِي إلَيْهِ فَقْلتُ لاَ وَالله لاَ أَقُومُ إليْهِ وَلاَ أَحْمَدُهُ وَلاَ أَحْمَدُكُما وَلكِنْ أَحْمَدُ الله الّذِي أَنْزَلَ بَرَاءَتي، لَقَدْ سَمِعْتُمُوهُ فَمَا أَنْكَرْتُمُوهُ وَلاَ غَيّرتُمُوهُ. وكانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ أَمّا زَيْنَبُ بنت جَحْشٍ فَعَصَمَهَا الله بِدِينِهَا فَلَمْ تَقلْ إلاّ خَيْراً وَأَمَا أُخْتُها حَمْنَةُ فَهلَكَتْ فيمَنْ هَلَكَ وكانَ الّذِي يَتَكَلّمُ فِيهِ مِسْطَحٌ وحَسّانُ بنُ ثَابِتٍ والمُنَافِقُ عَبْدُ الله بنُ أُبيّ بن سلول وهو الذي كانَ يَسْتَوْشِيهِ وَيَجمَعُهُ وهُوَ الّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ هو
ـــــــ
صلى الله عليه وسلم عني "قالت أقول ماذا" قال ابن مالك فيه شاهد على أن ما الاستفهامية إذا ركبت مع ذا لا يجب تصديرها فيعمل فيها ما قبلها رفعاً ونصباً "إني لم أفعل" أي ما قيل في شأني "والله يشهد إني لصادقة" في ما أقول من براءتي "ما ذاك بنافعي" بالإضافة إلى ياء المتكلم، وفي بعض النسخ بنافع بغير الإضافة وهو الظاهر "لقد تكلمتم" وفي رواية البخاري: لقد تكلمتم به أي بالإفك "وأشربت" على صيغة المجهول وفي رواية البخاري: وأشربته، قال القسطلاني الضمير المنصوب يرجع إلى الإفك "قلوبكم" مرفوع بأشربت "قد باءت" أي أقرت واعترفت بها "أى بقصة الإفك" وفي بعض النسخ به أي بأمر الإفك "والتمست" من الالتماس أي طلبت "اسم يعقوب" عليه السلام حين قال: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} أي هو أجمل وهو الذي لا شكوى فيه إلى الخلق {عَلَى مَا تَصِفُونَ} أي على احتمال ما تصفونه "وإن لأتبين السرور" أي أعرفه "وهو يمسح جبينه" أي من العرق "وأبشري" بقطع الهمزة "قل أنزل الله براءتك" وفي رواية فليح عند البخاري في الشهادات: "يا عائشة أحمدي الله فقد برأك الله" "فكنت أشد" بالنصب خبر كان "ما كنت غضباً أي فكنت حين أخبر صلى الله عليه وسلم ببراءتي أقوى ما كنت غضباً" من غضبي قبل ذلك "أما زينب ابنة جحش" أم المؤمنين "فعصمها الله" أي حفظها ومنعها "بدينها" أي المحافظة على دينها ومجانبة ما تخشى سوء عاقبته "فلم تقل" أي في "فهلكت فيمن هلك" أي حدت فيمن حد: أو أثمت مع من أثم لخوضها في حديث الإفك لتخفض

(9/35)


وحَمْنَةُ. قَالتْ فَحَلَفَ أَبُو بَكْرٍ أنْ لاَ يَنْفَعَ مِسْطَحاً بِنَافِعَةٍ أَبَداً، فأَنْزَلَ الله تَعالَى هَذِهِ الآية {وَلاَ يَأْتَلِ أُولُوا الفَضْلِ مِنْكُمْ والسّعَةِ} إلى آخر الآية يَعْنِيَ أَبَا بَكْرٍ {أَنْ يُؤتُوا أُولِي القُرْبَى والمَسَاكِينَ والمُهَاجِرينَ في سَبِيلِ الله} يَعْنِي مِسْطَحاً إلى قَوْلِهِ {أَلاَ تُحِبّونَ أَنْ يَغْفِرَ الله لَكُمْ والله غَفُورٌ رَحيمٌ} قَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلَى وَالله يَا رَبّنَا إنّا لنُحِبّ أَنْ تَغْفِرَ لَنَا وعَادَ لَهُ بمَا كانَ يَصْنَعُ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غَرِيبٌ مِنْ حَديثَ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ. وَقَدْ رَوَاه يُونُسُ بنُ يَزِيدَ ومَعْمَرٌ وغَيْرُ وَاحدٍ عَن الزّهْرِيّ عَنْ عُرْوَةَ بنِ الزّبَيْرِ وَسعيدِ بنِ المسَيّبِ وَعَلْقَمَةَ بنِ وَقّاصٍ اللّيْثِيّ وعُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله عَنْ عَائِشَةَ هَذَا الحَدِيثَ أَطْوَلَ مِنْ حديثِ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ وَأَتَمّ.
ـــــــ
منزلة عائشة وترفع منزلة أختها زينب "وكان الذي يتكلم فيه" أي الإفك "وكان يستوشيه" أي يستخرج الحديث بالبحث عنه ثم يفتشه ويشيعه، ولا يدعه يخمد "وهو الذي تولى كبره" أي تحمل معظمه فبدأ بالخوض فيه "ينافق أبداً" أي بعد الذي قال عن عائشة {وَلا يَأْتَلِ} أي لا يحلف من الألية وهي القسم { أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ} أي في الدين وهو أبو بكر {وَالسَّعَةِ} يعني في المال {أَنْ يُؤْتُوا} ألا يؤتوا {أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} صفات لموصوف واحد وهو مسطح لأنه كان مسكيناً مهاجراً بدرياً {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا} أي عن خوض مسطح في أمر عائشة {أَلا تُحِبُّونَ} خطاب لأبي بكر {أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} على عفوكم وصفحكم وإحسانكم إلى من أساء إليكم {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} فتخلقوا بأخلاقه تعالى "قال أبو بكر" أي لما قرأ عليه النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية "وعاد" أي أبو بكر "له" أي لمسطح "لما كان يصنع" أي إلى مسطح من الإنفاق عليه. قوله "هذا حديث حسن

(9/36)


3231 ـ حدثنا بندار، أخبرنا ابنُ أَبي عَدِيّ عَن مُحَمّدِ بنِ اسْحَاقَ عَن عبْد الله بنِ أَبي بَكْرٍ عَن عَمْرَةَ عَن عائِشَةَ قَالَتْ: "لَمّا نَزَلَ عُذْرِي قَامَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى المِنْبَرِ فَذَكَرَ ذَلِك وَتَلاَ القُرآنَ فَلَمّا نَزَلَ أَمَرَ برَجُلَيْنِ وَامْرَأَةٍ فَضُرِبُوا حَدّهُمْ" . هذَا حديثٌ حسنٌ غريبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حديثِ مُحَمّدِ بنِ إِسْحَاقَ
ـــــــ
صحيح غريب" وأخرجه أحمد والبخاري معلقاً وأخرجه مسلم مختصراً "وقد روى يونس بن يزيد ومعمر وغير واحد عن الزهري عن عروة بن الزبير إلخ" أخرجه أحمد والبخاري ومسلم والنسائي.
قوله "عن عبد الله بن أبي بكر" بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري قوله "لما نزل عذرى" أي الآيات الدالة على براءتها شبهتها بالعذر الذي يبرئ المعذور من الجرم "قام رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي خطيباً "فذكر ذلك" أي عذرى "وتلا القرآن" تعني قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْأِفْكِ} إلى آخر الآيات "فلما نزل" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنبر "أمر برجلين" أي بحدهما أو بإحضارهما وهما حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة "وامرأة" بالجر عطف على رجلين وهي حمنة بنت جحش "فضربوا" مبنى للمفعول "حدهم" أي حد القاذفين هو مفعول مطلق أي فحدوا حدهم.
اعلم أنه لم يذكر عبد الله بن أبي فيمن أقيم عليه الحد في هذا الحديث وكذا لم يذكر في حديث أبي هريرة عند البزار، وبنى على ذلك صاحب الهدى فأبدى الحكمة في ترك الحد على عبد الله بن أبي وفاته أنه ورد أنه ذكر أيضاً فيمن أقيم عليه الحد، ووقع ذلك في رواية أبي أويس وعن حسن بن زيد عن عبد الله بن أبي بكر. أخرجه الحاكم في الإكليل، وفيه رد على الماوردي حيث صحح أنه لم يحدهم مستنداً إلى أن الحد لا يثبت إلا ببينة أو إقرار ثم قال وقيل إنه حدهم وما ضعفه هو الصحيح المعتمد قاله الحافظ في الفتح. قوله "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه.

(9/37)


ومن سورة الفرقان
بسم الله الرحمن الرحيم
3232 ـ حدثنا بندار، أخبرنا عَبْدُ الرّحْمَنِ بن مَهْدِيّ، أخبرنا سُفْيَانُ عن وَاصِلٍ عَن أَبي وَائِلٍ عَن عَمْرو بنِ شُرَحْبِيلَ عَن عَبْدِ الله قَال: "قُلْتُ يَا رَسُولَ الله أَيّ الذّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: أَنْ تَجْعَلَ لله نِدّا وَهُو خَلَقَكَ. قَالَ: قُلْتُ ثُمّ مَاذَا؟ قَالَ: أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ، قَالَ قُلْتُ ثُمّ مَاذَا؟ قَالَ: أَنْ تَزْنِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ.
ـــــــ
"ومن سورة الفرقان"
مكية إلا {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ} إلى {رَحِيماً} فمدني وهي سبع وسبعون آية.
قوله "أخبرنا سفيان" هو الثوري "عن واصل" بن حيان الأحدب الأسدي الكوفي بياع السابري ثقة ثبت من السادسة "عن أبي وائل" هو شقيق ابن سلمة "عن عمرو بن شرحبيل" هو الهمداني "عن عبد الله" هو ابن مسعود قوله "أي الذنب أعظم" وفي رواية البخاري في تفسير سورة الفرقان أي الذنب عند الله أكبر "نداً" بكسر النون وتشديد الدال أي مثلاً ونظيراً "وهو خلقك" الجملة حال من الله أو من فاعل أن تجعل وفيه إشارة إلى ما استحق به تعالى أن تتخذه رباً وتعبده فإنه خلقك أو إلى ما به امتيازه تعالى عن غيره في كونه إلهاً أو إلى ضعف الند أي أن تجعل له نداً وقد خلقك غيره وهو لا يقدر على خلق شيء "أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك" أي من جهة إيثار نفسه عليه عند عدم ما يكفي أو من جهة البخل مع

(9/38)


3233 ـ حدثنا بندار، أخبرنا عَبْدُ الرّحْمَنِ، أخبرنا سُفْيَانُ عَن مَنْصُورٍ والأَعْمَشِ عَن أَبي وَائل عَن عَمْرِو بنِ شُرَحْبِيلَ عَن عَبْدِ الله عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم بمثلِهِ. هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
3234 ـ حدثنا عَبدُ بنُ حُمَيْدِ أخبرنا سَعِيدُ بنُ الرّبيع أَبُو زَيْدٍ أخبرنا شُعْبَةُ عَن وَاصِلٍ الأَحْدَبِ عَن أَبي وَائِلٍ عَن عَبْدِ الله قَالَ: "سأَلْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أَيّ الذّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: أَنْ تَجْعَلَ لله نِدّا وَهُوَ خَلَقَكَ، وَأَنْ تَقْتُل وَلَدَكَ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَأَكُلَ مَعَكَ أَوْ مِنْ طَعَامِكَ، وَأَنْ تَزْنيَ بِحليلة جَارِكَ. قَالَ وَتَلاَ هَذِهِ الآية {وَالّذينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إلهَا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النّفْسَ الّتِي حَرّمَ الله إلاّ بالحَقّ وَلاَ يَزْنُوَنَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ القيامَةِ ويَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً} . حدِيثُ سفيَانَ عَن مَنْصُورٍ والأَعْمَشِ أَصَحّ مِنْ حَدِيثِ
ـــــــ
الوجدان "أن تزني بحليلة جارك" أي بزوجته من حل يحل بالكسر إذ كل منهما حلال للاَخر أو من حل يحل بالضم لأنها تحل معه ويحل معها.
قوله "حدثنا عبد الرحمن" هو ابن مهدي. قوله "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان. قوله "قال" أي ابن مسعود "وتلا" أي قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} أي لا يقتلون النفس التي هي معصومة في الأصل إلا محقين في قتلها {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ} أي واحداً من الثلاثة {يَلْقَ أَثَاماً} قيل معناه جزاء إثمه وهو قول الخليل وسيبويه وأبي عمرو الشيباني وغيرهم وقيل معناه عقوبة. قاله يونس وأبو عبيد وقيل معناه جزاء قاله ابن عباس والسدي، وقال أكثر المفسرين أو كثيرون

(9/39)


شعْبَةَ عَن وَاصِلٍ لأنّهُ زَادَ في إسْنَادِهِ رَجُلاً.
3235 ـ حدثنا مَحَمّدُ بنُ المَثَنّى، أخبرنا مُحَمّدُ بنُ جَعْفَرٍ عَن شُعْبَةَ عَن وَاصِلٍ عَن أَبي وَائِلٍ، عَن عَبْدِ الله عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ. قال: وهَكذَا رَوَى شُعْبَةُ عَن وَاصِلٍ عَن أَبي وَائِلٍ عَن عَبْدِ الله وَلَمْ يَذْكُر فيه عَمْرِو بنِ شُرَحْبِيل.
ـــــــ
منهم: هو واد في جهنم عافانا الله منها قاله النووي {يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ} أي يكرر عليه ويغلظ {وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً} حال أي حقيراً ذليلاً، وفي رواية البخاري ونزلت هذه الآية تصديقاً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الحافظ هكذا قال ابن مسعود: والقتل والزنا في الآية مطلقان وفي الحديث مقيدان أما القتل فبالولد خشية الأكل معه وأما الزنا فبزوجة الجار والاستدلال لذلك بالآية سائغ لأنها وإن وردت في مطلق الزنا والقتل لكن قتل هذا والزنا بهذه أكبر وأفحش. قوله "لأنه زاد" أي سفيان وهو أحفظ من شعبة "رجلاً" وهو عمرو بن شرحبيل وأما شعبة فأسقطه ولكن لم يتفرد شعبة بالإسقاط بل تابعه على ذلك غيره كما يظهر من كلام الحافظ في شرح هذا الحديث في تفسير سورة الفرقان.

(9/40)


سورة الشعراء
بسم الله الرحمن الرحيم
3236 ـ حدثنا أَبُو الأَشْعَثِ أَحْمَدُ بنُ الْمِقدَامِ العجِليّ، أخبرنا مُحَمّد بنُ عَبْدِ الرحْمَنِ الطّفَاوِيّ، حدثنا هِشَامُ بنُ عُرْوَةَ عَن أَبِيهِ عَن عَائِشَةَ
ـــــــ
"سورة الشعراء"
مكية إلا "والشعراء.." إلى آخرها. فمدني، وهي مائتان وسبع وعشرون آية

(9/40)


قالت "لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآية {وَأَنْذرِ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبينَ} قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: يا صَفِيّةُ بِنْتَ عَبْدِ المُطّلِبِ. يا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمّدٍ. يا بَنِي عَبْدِ المُطّلِبِ إنّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ الله شَيْئاً سَلُونِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتُم" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ وهَكَذَا رَوَى وَكِيعُ وَغيرُ واحدٍ هَذَا الحدِيثَ عَن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عَن أَبيهِ عَن عَائِشةَ نَحْوَ حَدِيث محمدِ بنِ عَبْدِ الرحْمَنِ الطّفَاوِي. وَرَوَى بَعْضُهُم عَن هِشَامِ بن عُرْوَةَ عَن أَبيهِ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم مُرْسلاً ولَمْ يَذْكرْ فِيهِ عَن عَائِشَةَ. وفي البابِ عَن عَلِيّ وابنِ عَبّاسٍ.
3237 ـ حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، قَالَ أخبرني زَكَرِيّا بنُ عَدِيّ أخبرنا عُبَيْدُ الله بنُ عَمْرٍو الرّقّيّ عَن عَبْدِ المَلِكِ بن عُمَيْرٍ عَن مُوسَى بنِ طَلْحَةَ عَن أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: "لَمّا نَزَلت {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبينَ}
ـــــــ
قوله "إني لا أملك لكم من الله شيئاً" أي لا تتكلوا على قرابتي فإني لا أقدر على دفع مكروه يريده الله تعالى بكم، وسبق هذا الحديث في باب إنذار النبي صلى الله عليه وسلم قومه من كتاب الزهد. قوله "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد ومسلم. قوله "وفي الباب عن علي وابن عباس" أما حديث علي فأخرجه أحمد، وأما حديث ابن عباس فأخرجه والبخاري ومسلم والترمذي في تفسير سورة {تبت...} والنسائي.
قوله "جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً" أي قبائله زاد مسلم فاجتمعوا "فخص وعم" أي في النداء فقال: "يا معشر قريش" إلخ هذا بيان لقوله خص وعم "أنقذوا أنفسكم" من الإنقاذ أي خلصوها "فإني لا أملك لكم" أي لجميعكم خاصكم وعامكم "يا فاطمة بنت محمد" يجوز نصب فاطمة

(9/41)


جَمَعَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قرَيْشاً فَخَصّ وَعَمّ فَقَالَ يَا مَعْشرَ قُرَيْشٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النّارِ فَإِنّي لاَ أَملِكُ لَكُمْ مِنَ الله ضَرّا وَلاَ نَفْعاً. يَا مَعْشَرَ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النّارِ فَإِنّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ الله ضَرّا ولاَ نَفْعاً. يَا مَعْشَرَ بَنِي قُصَيّ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النّارِ فإني لاَ أَملِكُ لَكُمْ ضَرّا وَلاَ نَفْعاً، يَا مَعْشَرَ بَنِي عَبْدِ المُطّلِبِ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النّارِ فَإِنّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّا وَلاَ نَفْعاً، يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمّدٍ أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النّارِ فَإِنّي لاَ أَمْلِكُ لَكِ ضَرّا وَلاَ نَفْعاً. إنّ لَكِ رَحِماً وسَأبُلّها بِبَلاَلهَا" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
ـــــــ
وضمها والنصب أفصح وأشهر وأما بنت فمنصوب لا غير وهذا وإن كان ظاهراً معروفاً فلا بأس بالتنبيه عليه لمن لا يحفظه "فإن لا أملك لك ضراً ولا نفعاً" أي من غير إذنه تعالى، قال ترهيباً وإنذاراً وإلا فقد ثبت فضل بعض هؤلاء المذكورين ودخولهم الجنة وشفاعته صلى الله عليه وسلم لأهل بيته وللعرب عموماً ولأمته عامة وقبول شفاعته فيهم بالأحاديث الصحيحة، ويمكن أن يكون ورود تلك الأحاديث بعد هذه القضية. قاله الطيي "إن لك رحما" أي قرابة "وسأبلها" أي سأصلها "ببلالها" بفتح الموحدة وكسرها أي بصلتها وبالإحسان إليها من بله يبله، والبلال الماء شبهت قطيعة الرحم بالحرارة ووصلها بإطفاء الحرارة ببرودة ومنه: بلوا أرحامكم أي صلوها قاله النووي وقاله في النهاية: البلال جمع البلل والعرب يطلقون النداوة على الصلة كما يطلق اليبس على القطيعة، لأنهم لما رأوا أن بعض الأشياء يتصل بالنداوة ويحصل بينها التجافي والتفريق باليبس استعاروا البلل لمعنى الوصل واليبس لمعنى القطيعة، والمعنى أصلكم في الدنيا ولا أغني عنكم من الله شيئاً. قوله "هذا حديث حسن

(9/42)


3238 ـ حدثنا عَلِيّ بنُ حُجْر أخبرنا شعَيْبُ بنُ صَفْوانَ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بنِ عُمَيْرٍ عَن مُوسَى بنِ طَلْحَةَ عَن أَبي هُرَيْرَةَ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم نحوه بمَعْنَاهُ.
3239 ـ حدثنا عَبْدُ الله بنُ أبي زِيَادٍ، أخبرنا أَبُو زَيْدٍ عَن عَوْفٍ عَن قَسَامَةَ بنِ زُهَيْرٍ قَالَ: حدثني الأَشْعَرِيّ قَالَ: "لَمّا نَزَلَ {وَأَنْذِرْ عَشِيرتكَ الأَقْرَبينَ} وَضَعَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إصْبَعَيْهِ في أُذُنَيْهِ فَرَفَعَ صَوْتَهُ فَقَالَ: يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ يا صَبَاحَاهُ" . هذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ مِن حَدِيثِ أَبي مُوسى وقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَن عَوْفٍ عَن قَسَامَةَ بنِ زُهَيْرٍ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم مُرْسَلاً وهُوَ أَصَحّ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَن أَبي مُوسَى.
ـــــــ
غريب" وأخرجه أحمد ومسلم ورواه النسائي من حديث موسى بن طلحة مرسلاً ولم يذكر فيه أبا هريرة والموصول هو الصحيح وأخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قاله الحافظ ابن كثير في تفسيره.
قوله "أخبرنا شعيب بن صفوان" بن الربيع الثقفي أبو يحيى الكوفي الكاتب مقبول من السابعة. قوله "بمعناه" أي بمعنى الحديث المذكور.
قوله "حدثنا عبد الله بن أبي زياد" القطواني "أخبرنا أبو زيد" اسمه سعيد بن أوس بن ثابت الأنصاري النحوي البصري صدوق له أوهام ورمى بالقدر من التاسعة "عن عوف" هو ابن أبي جميلة الأعرابي "حدثني الأشعري" هو أبو موسى. قوله "يا صباحاه" كلمة يعتادونها عند وقوع أمر عظيم فيقولونها ليجتمعوا ويتأهبوا له. قوله "هذا حديث غريب إلخ" وأخرجه ابن جرير الطبري أيضاً موصولاً ومرسلاً.

(9/43)


سورة النمل
بسم الله الرحمن الرحيم
3240 ـ حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ حدثنا رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ عَن حَمّادِ بنِ سَلَمَةَ عَن عَلِيّ بنِ زَيْدٍ عَن أَوْسِ بنِ خَالِدٍ عَن أَبي هُرَيْرَةَ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ "تَخْرُجُ الدّابّةُ مَعَهَا خَاتَمُ سُلَيْمان وعَصَا مُوسَى فتجلُو وَجْهَ المُؤْمِنِ وتَخْتِمُ أَنْفَ الكافِرِ بالخَاتَم حَتّى إنّ أَهْلَ الخُوَانِ لَيَجْتَمِعُونَ فَيَقُولُ هذا يَا مُؤْمِنُ، ويَقُولُ هَذا يَا كَافِرُ". هَذا حديثٌ حَسَنٌ غريبٌ وقَد رُوِيَ هَذَا الحديثُ عن أبي هُرَيْرَةَ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم مِنْ غَيْرِ هَذَا الوَجْهِ في دَابّةِ الأرْضِ. وفي البابِ عَن أَبي أُمَامَةَ وحذَيْفَةَ بنِ أُسَيْدٍ.
ـــــــ
"سورة النمل"
مكية وهي ثلاث أو أربع أو خمس وتسعون آية
قوله "تخرج الدابة" قيل من مكة وقيل من غيرها "فتجلو وجه المؤمن" أي تصقله وتبيضه، وفي رواية ابن ماجه فتجلو وجه المؤمن بالعصا "حتى إن أهل الخوان" بضم الخاء وكسرها قال الجزرى هو ما يوضع عليه الطعام عند الأكل ومنه حديث الدابة: "حتى إن أهل الخوان ليجتمعون فيقول هذا يا مؤمن وهذا يا كافر" ، وجاء في رواية الإخوان بهمزة وهي لغة فية انتهى "فيقول هذا" أي بعضهم لاَخر "يا مؤمن" أي لجلاء وجهه واستنارته "ويقول هذا يا كافر" أي للختم على أنفه. قوله "هذا حديث حسن" أخرجه أحمد وابن ماجه وأبو داود الطيالسي. قوله "وفي الباب عن أبي أمامة وحذيفة بن أسيد"

(9/44)


ـــــــ
أما حديث أبي أمامة فأخرجه أحمد وابن مردويه عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تخرج الدابة فتسم على خراطيمهم ثم يعمرون فيكم حتى يشتري الرجل الدابة فيقال له ممن اشتريتها فيقول من الرجل المخطم" . وأما حديث حذيفة بن أسيد فأخرجه الترمذي في باب الخسف من كتبا الفتن.
اعلم أن الترمذي أورد هذا الحديث في تفسير قوله تعالى {وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً} إلخ وهذه الآية مع تفسيرها هكذا {وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ} يعني إذا وجب عليهم العذاب. وقيل إذا غضب الله عليهم وقيل إذا وجبت الحجة عليهم وذلك أنهم لم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر وقيل المراد من القول متعلقه وهو ما وعدوا به من قيام الساعة ووقوعه حصوله، والمراد مشارفة الساعة وظهور أشرطها {أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ} قال الرازي في تفسيره: تكلم الناس في الدابة من وجوه: أحدها في مقدار جسمها وفي الحديث أن طولها ستون ذراعاً وروي أيضاً أن رأسها تبلغ السحاب، وعن أبي هريرة ما بين قرنيها فرسخ للراكب. وثانيها ـ في كيفية خلقتها، فروي لها أربع قوائم وزغب وريش وجناحان، وعن ابن جريج في وصفها رأس ثور وعين خنزير وأذن فيل وقرن أيل وصدر أسد ولون نمر وخاصرة بقر وذنب كبش وخف بعير. وثالثها ـ في كيفية خروجها عن علي عليه السلام أنها تخرج ثلاثة أيام والناس ينظرون فلا يخرج إلا ثلثها. وعن الحسن لا يتم خروجها إلا بعد ثلاثة أيام. ورابعها ـ في موضع خروجها سئل النبي صلى الله عليه وسلم من أين تخرج الدابة فقال "من أعظم المساجد حرمة على الله تعالى المسجد الحرام" . وقيل تخرج من الصفاء فتكلمهم بالعربية. وخامسها ـ في عدد خروجها فروي أنها تخرج ثلاث مرات تخرج بأقصى اليمن ثم تكمن ثم تخرج بالبادية ثم تكمن دهراً طويلاً فبين الناس في أعظم المساجد حرمة وأكرمها على الله فما يهولهم إلا خروجها من بين الركن حذاء دار بني مخزوم عن يمين الخارج من المسجد فقوم يهربون وقوم يقفون. واعلم أنه لا دلالة في الكتاب على شيء من هذه الأمور فإن صح الخبر فيه عن الرسول صلى الله عليه وسلم قبل وإلا لم يلتفت إليه انتهى. تكلمهم أي تكلم الموجودين ببطلان الأديان سوى دين الإسلام وقيل تكلمهم بما

(9/45)


سورة القصص
بسم الله الرحمن الرحيم
3241 ـ حدثنا محمد بن بشار أخبرنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عَن يَزِيدَ بنِ كَيْسَان قال حدثني أَبُو حَازِمٍ الأشجعي هو كوفيّ اسمه سليمان مولى عزة الأشجعية عَن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُولُ الله
ـــــــ
يسوءهم، وقيل تكلمهم بالعربية بقوله تعالى الاَتي {أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتِنَا لا يُوقِنُونَ} قاله ابن عباس أي بخروجها لأن خروجها من الآيات وقال ابن عباس أيضاً تكلمهم تحدثهم قرأ الجمهور تكلمهم من التكليم وتدل عليه قراءة أبي تنبئهم وقرئ بفتح الفوقية وسكون الكاف من الكلم وهو الجرح قال عكرمة أي تسمهم وسماً {أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون} بكسر إن على الاستئناف وقرئ بفتحها قال الأخش: المعنى على الفتح بأن الناس. وبها قرأ ابن مسعود قال أبو عبيدة: أي تخبرهم أن الناس إلخ وعلى هذه فالذي تكلم الناس به هو قوله إن الناس إلخ وأما على الكسر فالجملة مستأنفة كما قدمنا ولا يكون من كلام الدابة وقد صرح بذلك جماعة من المفسرين. وقال الأخفش إن كسر إن هو على تقدير القول أي تقول لهم إن الناس فيرجع معنى القراءة الأولى على هذا إلى معنى الثانية والمراد بالناس في الآية هم الناس على العموم فيدخل في ذلك كل مكلف، وقيل المراد الكفار خاصة، وقيل كفار مكة، والأول أولى كما صنع جمهور المفسرين والمعنى لا يؤمنون بالقرآن المشتمل على البعث والحساب والعقاب.
"سورة القصص"
مكية إلا {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ} الآية نزلت بالجحفة وإلا {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} إلى {لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} وهي سبع أو ثمان وثمانون آية
قوله "أخبرنا يحيى بن سعيد" هو القطان. قوله "لعمه" هو أبو طالب "أشهد" بالجزم على أنه جواب قل وبالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، وفي رواية سعيد بن المسيب عن أبيه عند الشيخين فقال "أي عم قل لا إله إلا الله

(9/46)


صلى الله عليه وسلم لِعَمّهِ: "قُلْ لاَ إلَهَ إلاّ الله أَشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ القيامةِ، فقَالَ لَوْلاَ أَنْ تعَيّرَني بِهَا قُرَيش إنّ مَا يَحْمِلُهُ عَلَيْهِ الجَزَعُ لأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ فَأَنْزَلَ الله عز وجلّ {إنّكَ لاَ تَهْدِيَ مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنّ الله يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرفُهُ إلاّ مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بنِ كَيْسَانَ.
ـــــــ
كلمة أحاج لك بها عند الله" من المحاجة، وفي رواية مجاهد عند الطبري: "أجادل عنك بها" "أن تعيرني" من التعيير أي ينسبوني إلى العار "إنما يحمله عليه الجزع" بفتح الجيم والزاي هو نقيض الصبر، وفي رواية مسلم يقولون إنما حمله على ذلك الجزع. قال النووي: هكذا هو في جميع الأصول وجميع روايات المحدثين في مسلم وغيره بالجيم والزاي وكذا نقله القاضي عياض وغيره عن جميع روايات المحدثين، وذهب جماعات من أهل اللغة إلى أنه الخرع بالخاء المعجمة والراء المفتوحتين أيضاً وهو الضعف والخور وقيل هو الدهش انتهى مختصراً "لأقررت بها عينك" قال النووي أحسن ما يقال فيه ما قاله أبو العباس قال: معنى أقر الله عينه أي بلغه الله أمنيته حتى يرضى نفسه وتقر عينيه فلا تستشرف لشيء. وقال الأصمعي معناه أبرد الله دمعته لأن دمعة الفرح باردة. وقيل معناه أراه الله ما يسره فأنزل الله: {إِنَّكَ لا تَهْدِي} أجمع المفسرون على أنها نزلت في أبي طالب وهي عامة فإنه لا يهدي ولا يضل إلا الله تعالى {مَنْ أَحْبَبْتَ} أي هدايته وقيل أحببته لقرابته.
اعلم أن حديث أبي هريرة هذا يدل على أن أبا طالب مات على الكفر. وحديث سعيد بن المسيب عن أبيه عند الشيخين صريح في ذلك ففيه: فقال "أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله" . فقال أبو جهل بن أبي أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعيرانه بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول لا إله إلا الله.

(9/47)


سورة العنكبوت
بسم الله الرحمن الرحيم
3242 ـ حدثنا مُحَمّدُ بنُ بَشّارٍ و مُحَمّدُ بنُ المُثَنّى قَالاَ: أخبرنا مُحَمّدُ بنُ جَعْفَرٍ، أخبرنا شُعْبَةُ عَنِ سَماكِ بنِ حَرْب قَالَ: سَمِعْتُ مُصْعَبَ بنَ سَعْدٍ يُحَدّثُ
ـــــــ
فإن قلت في رواية ابن إسحاق من طريق العباس بن عبد الله بن معبد عن بعض أهله عن ابن عباس قال فلما تقارب من أبي طالب الموت قال نظر العباس إليه يحرك شفتيه قال فأصغى إليه بأذنه قال فقال يا ابن أخي والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها. قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم أسمع قلت في رواية ابن إسحاق هذه مجهول وهو بعض أهل العباس بن عبد الله بن معبد فهذه الرواية لا تقاوم حديث الصحيحين، ثم تفرد بهذه الرواية ابن إسحاق وما تفرد به لا يقاوم ما في الصحيحين أصلاً. قوله "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد ومسلم والطبري.
"سورة العنكبوت"
مكية وهي تسع وستون آية. قوله "عن أبيه سعد" هو ابن أبي وقاص. قوله "أنزلت في" بتشديد الياء "فذكر قصة" روى مسلم هذا الحديث بذكر القصة في باب فضل سعد بن أبي وقاص من كتاب الفضائل "وقالت أم سعد: أليس قد أمر الله بالبر والله لا أطعم طعاماً ولا شراباً حتى أموت أو تكفر" وفي رواية مسلم: حلفت أم سعد ألا تكلمه أبداً حتى يكفر بدينه ولا تأكل ولا تشرب قالت: زعمت أن الله وصاك بوالديك فأنا أمك وأنا آمرك بهذا، قال مكثت ثلاثاً حتى غشى عليها من الجهد "شجروا فاها" أي فتحوا فمها زاد مسلم بعصا ثم أوجروها. قال النووي أي صبوا فيها الطعام وإنما شجروه بالعصا لئلا تطبقه فيمتنع وصول الطعام جوفها {وَوَصَّيْنَا الْإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ

(9/48)


عَن أَبِيهِ سَعْدٍ قَالَ: "أُنْزِلتْ فِيّ أَرْبَعُ آيَاتٍ فَذَكَرَ قِصّةً فَقَالتْ أُمّ سَعْدٍ أَلَيْسَ قَدْ أَمَرَ الله بالبِرّ. والله لاَ أَطْعَمُ طَعَاماً ولاَ أَشْرَبُ شَرَاباً حَتّى أَمُوتَ أَوْ تَكْفُرَ، قَالَ فَكانُوا إذَا أَرَادُوا أَنْ يُطْعِمُوهَا شَجَرُوا فَاهَا، فَنَزلتْ هَذِه الآية {وَوَصّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وإن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي} الآيةَ". هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
3243 ـ حدثنا مَحْمُودُ بنُ غَيْلاَنَ، حدثنا أَبُو أُسَامَةَ وعَبْدُ الله بنُ بَكْرٍ السّهْمِيّ عَن حَاتِم بنِ أَبي صَغِيرَةَ عَن سِمَاك بن حرب عَن أَبي صَالحٍ عَن أُمّ هانئ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قَوْلِه تعالى: {وتَأْتُونَ في نَادِيكُمْ المُنْكَرَ}
ـــــــ
حُسْناً} أي براً وعطفاً عليهما {وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي} الآية {مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} أي إن طلبا منك وألزماك أن تشرك بي إلهاً ليس لك علم بكونه إلهاً {فَلا تُطِعْهُمَا} أي في الإشراك، وعبر بنفي العلم عن نفي الإله لأن ما لم يعلم صحته لا يجوز اتباعه فكيف بما علم بطلانه، وإذا لم تجز طاعة الأبوين في هذا المطلب مع المجاهدة منهما له فعدم جوازها مع مجرد الطلب بدون مجاهدة منهما أولى، ويلحق بطلب الشرك منهما سائر معاصي الله سبحانه فلا طاعة لهما فيما هو معصية الله {إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ} أي فأخبركم {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أي بصالح أعمالكم وسيآتها أي فأجازيكم عليها. قوله "هذا حديث صحيح" وأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي.
قوله "عن حاتم بن أبي صغيرة" هو أبو يونس البصري وأبو صغيرة اسمه مسلم وهو جده لأمه وقيل زوج أمه ثقة من السادسة. قوله {وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ} النادي والندى والمنتدى مجلس القوم ومتحدثهم ولا يقال للمجلس ناد إلا ما دام فيه أهله {الْمُنْكَرَ} اختلف في المنكر الذي كانوا يأتونه فيه فقيل كانوا يخذفون الناس بالحصباء ويستخفون بالغريب، وقيل كانوا

(9/49)


قَالَ: كانُوا يَخْذِفُونَ أَهْلَ الأَرْضِ ويَسْخَرُونَ مِنْهُمْ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ إنّما نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثَ حَاتِم بنِ أَبي صَغِيرَةَ عَنْ سِمَاكٍ.
ـــــــ
يتضارطون في مجالسهم قالته عائشة، وقيل كانوا يأتون الرجال في مجالسهم وبعضهم يرى بعضاً، وقيل كانوا يلعبون بالحمام، وقيل كانوا يناقرون بين الديكة ويناطحون بين الكباش وقيل يبزق بعضهم على بعض ويلعبون بالنرد والشطرنج ويلبسون المصبغات وكان من أخلاقهم مضغ العلك وتطريف الأصابع بالحناء وحل الإزار والصفير ولا مانع من أنهم كانوا يفعلون جميع هذه المنكرات. ذكره صاحب فتح البيان. قلت يؤيد الاحتمال الأول حديث أم هانئ هذا {كانوا يخذفون} من الخذف بالخاء والذال المعجمتين وهو رميك بحصاه أو نواة أو نحوهما تأخذ بين سبابتيك وهذا تفسير. لإتيانهم المنكر {ويسخرون منهم} عطف على يخذفون. قال في القاموس: سخر منه أي هزئ "قوله "هذا حديث حسن" وأخرجه أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم.

(9/50)


سورة الروم
بسم الله الرحمن الرحيم
3244 ـ حدثنا نَصْرُ بنُ عَلِيّ الجَهْضَمِيّ، أخبرنا المُعْتَمِرُ بنُ سُلَيْمانَ عَن أبيهِ عَن سُلَيْمانَ الأَعْمَشِ عَن عَطِيّةَ عَن أَبِي سعِيدٍ قَالَ: "لمّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ ظَهرَتْ الرّومُ على فَارِسَ فأَعْجَبَ ذَلِكَ المُؤْمِنِينَ
ـــــــ
"سورة الروم"
مكية وهي ست أو تسع وخمسون آية
قوله "لما كان يوم بدر ظهرت الروم إلخ" تقدم هذا الحديث مع شرحه في أوائل أبواب القراءات.

(9/50)


فَنَزَلتْ {ألم غُلِبَتْ الرّومُ} إِلى قَوْلِه {يَفْرَحُ المؤْمِنُونَ بِنَصْرِ الله} قَالَ فَفَرِحَ المُؤْمِنُونَ بِظُهُورِ الرّومِ عَلَى فَارِسَ . هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذا الوَجْهِ كذا قرَأَ نَصْرُ بنُ عَلِيّ غَلَبَتْ الرّومُ.
3245 ـ حدثنا الْحُسَيْنُ بنُ حُرَيثٍ، أخبرنا مُعَاوِيَةُ بنُ عَمْرٍو عَن أَبي إِسْحاقَ الفَزَارِيّ عَن سُفْيانَ الثوري عَن حَبِيبِ بنِ أَبي عَمْرةَ عَن سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ عَن ابنِ عَبّاسٍ في قَوْلِه تَعَالى: {ألم غُلِبَتِ الرّومُ في أَدْنَىَ الأَرْضِ} قَالَ غلبَتْ وَغَلبتْ. قَالَ: كَانَ المُشْرِكُونَ يُحِبّونَ أن يَظْهَر أَهْلُ فَارِسَ عَلَى الرّوم لأَنّهمْ وَإِيّاهُمْ أَهْلُ أَوْثَانِ وَكَانَ المُسْلِمُونَ يُحِبونَ أَنْ يَظْهَرَ الرّومُ عَلَى فَارِسَ لأَنّهم أَهْلُ الكِتَابِ، فَذَكَرُوهُ لأَبي بَكْرٍ فَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أَمَا إِنّهُمْ سَيَغْلِبُونَ" فَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ لَهمْ فَقَالُوا اجْعَلْ بَيْنَنَا وبَيْنَكَ أجَلاً فإِنْ ظَهرنَا كانَ لَنَا كَذَا وكَذَا وَإِنْ ظَهرْتُم كَان لَكُمْ كَذَا وكَذَا فَجَعَلَ أجَلاً خَمْسَ سِنِينَ فَلَمْ يَظْهَروا فَذَكَروا ذَلِكَ لِلنّبي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ "ألاَ جَعَلْتَه إِلى دُونِ" قَالَ أُرَاهُ العَشْرَ قَالَ قَالَ سَعِيدٌ وَالبِضْعُ مَا دُونَ
ـــــــ
قوله "عن حبيب بن أبي عمره" القصاب أبي عبد الله الحماني الكوفي ثقة من السادسة قوله "قال" أي ابن عباس "غلبت" بصيغة المجهول أي الروم أولاً "وغلبت" بصيغة المعلوم أي ثم غلبت، وفي رواية ابن جرير فغلب الروم ثم غلبت "أن يظهر" أي يغلب "لأنهم" أي المشركين "فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا" أي من قلائص وفي أثر عبد الله بن مسعود عند ابن جرير قالوا هل لك أن نقامرك فبايعوه على أربع قلائص "ألا جعلته إلى

(9/51)


العَشْرِ، قَالَ ثُمّ ظَهَرتِ الرّومُ بَعْدُ، قَالَ فَذَلِكَ. قَوْلُهُ تعالى {ألم غُلِبَتِ الرّومِ} إلى قَوْلِهِ {وَيَوْمَئذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ الله} . قَالَ سفيانُ سَمِعْتُ أَنّهُمْ ظَهَرُوا عَلَيْهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ. هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غَرِيبٌ إنّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ سُفيانَ الثّوْرِيّ عَن حَبِيبِ بنِ أبِي عَمْرَةَ.
أخبرنا أبُو مُوسَى مُحَمّدُ بنُ المُثَنّى، أخبرنا مُحَمّدُ بنُ خَالِدِ بنِ عَثْمَةَ حدثني عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ الجُمَحِيّ، حدثني ابنُ شِهَابٍ الزّهْرِيّ عَن عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ عَن ابنَ عَبّاسٍ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ لأَبِي بَكْرٍ في مُنَاحَبَةٍ: " {ألم غُلِبَتْ الرّومُ} أَلاّ احْتَطْتَ يا أبا بَكْرٍ فَإِنّ البِضْعَ مَا بَيْنَ ثَلاَث إلى تِسع" . هذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ حَسَنٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ الزّهْرِيّ عَن عُبَيْدِ الله عَن ابنِ عَبّاسٍ.
3246 ـ حدثنا مُحَمّدُ بنُ إِسْمَاعِيلُ أخبرنا اسْمَاعيلُ بنُ أبِي أُوَيْسٍ حدثني
ـــــــ
دون" قال أراه "العشر" وفي رواية ابن جريرة "أفلا جعلته إلى دون العشر" . قوله "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والنسائي وابن جرير.
قوله "حدثني عبد الله بن عبد الرحمن الجمحي" أبو سعيد المدني قال عثمان الدارمي قلت لابن معين كيف هو؟ فقال لا أعرفه. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن عدي مجهول. كذا في تهذيب التهذيب. قوله: "قال لأبي بكر في مناحبة {ألم غُلِبَتِ الرُّومُ} " المناحبة المراهنة "ألا" بفتح الهمزة وشدة اللام حرف التحضيض "احتطت" من الاحتياط وفي رواية ابن جرير لما نزلت {ألم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ} الآية ناحب أبو بكر قريشاً ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: إني قد ناحبتهم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم هلا احتطت. قوله "هذا حديث غريب حسن" وأخرجه ابن جرير.

(9/52)


ابنُ أبِي الزّنَادِ عَنْ أَبِي الزّنَادِ عَن عُروْةَ بنِ الزّبَيْرِ عَن نِيَارِ بنِ مُكْرَمٍ الأَسْلَميّ قَالَ "لَمّا نَزَلت {ألم غُلِبتِ الرّومُ في أدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيغْلِبُونَ في بِضْعِ سِنِينَ} فَكانَتْ فَارِسُ يَوْمَ نَزَلتْ هَذِهِ الآية قَاهِرينَ للرّومِ وكانَ المُسْلِمُونَ يُحبّونَ ظُهُورَ الرّومِ عَلَيْهمْ لأَنّهُمْ وإيّاهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ وفي ذَلِكَ قَوْلُ الله تَعَالَى {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ الله يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرّحِيمُ} وكَانتْ قُرَيْشٌ تُحِبّ ظُهورَ فَارِسَ لأَنّهُمْ وإيّاهُمْ لَيْسُوا بأَهْلِ كِتَابٍ وَلاَ إيمَانٍ بِبَعْثٍ، فَلَمّا أَنْزَلَ تَعَالَى الله هَذِهِ الآية خَرَجَ أبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ رضي الله عنه يَصِيحُ في نَوَاحِي مَكّةَ {الم غُلِبتِ الرّومُ في أدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيغْلِبُونَ في بِضْعِ سِنِينَ} قَالَ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ لأَبِي بَكْرٍ فَذَلِكَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ زَعَمَ صَاحِبُكم أنّ الرّومَ سَتَغْلِبُ فَارِسَ فِي بِضْعِ سِنينَ أفَلاَ نُرَاهِنُكَ عَلَى ذَلِكَ قَالَ بَلَى، وَذَلِكَ قبْلَ تَحْرِيم الرّهَانِ فَارْتَهَنَ أبُو بَكْرٍ والمُشْركُونَ وَتَواضَعُوا الرّهَانَ وقَالُوا لأَبِي بَكْرٍ كَمْ تَجْعَلُ البِضْعَ ثَلاَثَ سِنينَ إلى
ـــــــ
قوله "حدثنا محمد بن إسماعيل" لم يتعين لي أنه هو الإمام البخاري أو هو محمد بن إسماعيل السلمي أبو إسماعيل الترمذي فإنهما من شيوخ أبي عيسى الترمذي ومن أصحاب إسماعيل بن أبي أويس "عن نيار" بكسر النون وتخفيف التحتانية "بن مكرم" بضم أوله وسكون ثانيه وفتح ثالثه صحابي عاش إلى أول خلافة معاوية وأنكر ابن سعد أن يكون سمع من النبي صلى الله عليه وسلم فذكره في الطبقة الأولى من أهل المدينة وقال سمع من أبي بكر وكان ثقة قليل الحديث. قوله "يصيح في نواحي مكة" أي ينادي فيها من الصياح وهو الصوت بأقصى الطاقة "زعم صاحبك" يعنون رسول الله صلى الله عليه

(9/53)


تِسْعِ سِنينَ فَسَمّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ وَسَطاً تَنتَهِي إليهِ. قَالَ فَسَمّوا بَيْنَهُمْ سِتّ سِنينَ، قَالَ فَمَضَت السّتّ سِنِينَ قبْلَ أنْ يَظْهَرُوا فأَخَذَ المُشْركُونَ رَهْنَ أبِي بَكْرٍ، فَلَمّا دَخَلت السّنَةُ السّابِعَةُ ظَهَرتِ الرّومُ عَلَى فَارِسَ فعَابَ المُسْلِمُونَ عَلَى أبِي بَكْرٍ تَسْمِيَةَ سِتّ سِنِينَ قَالَ لأَنّ الله تعالى قَالَ في بِضْعِ سِنِينَ، قَالَ وَأسْلَمَ عِنْدَ ذَلِكَ نَاسٌ كَثِيرٌ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غَريبٌ لا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرْحمَنِ بنِ أبي الزّنَادِ.
ـــــــ
وسلم "وتواضعوا الرهان" أي تواطأوا عليه. قوله "هذا حديث صحيح غريب" قال الحافظ ابن كثير بعد ذكر هذا الحديث: وقد روى نحو هذا مرسلاً عن جماعة من التابعين مثل عكرمة والشعبي ومجاهد وقتادة والسدي والزهري وغيرهم انتهى. قلت: أخرج بن جرير في تفسيره رواية عكرمة والشعبي ومجاهد وقتادة رحمهم الله تعالى.

(9/54)


سورة لقمان
بسم الله الرحمن الرحيم
3247 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ أخبرنا بَكْرُ بنُ مُضَرَ عَن عُبَيْدِ الله بنِ زحر عَن عَلِيّ بن يَزِيدَ عَن القَاسِمِ أبي عَبْدِ الرّحمَن عَن أَبِي أُمَامَةَ عَن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ "لا تَبِيعُوا القَيْنَاتِ ولاَ تَشْتَرُوهُنّ ولاَ
ـــــــ
سورة لقمان
مكية إلا {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ} الآيتين فمدنيتان وهي أربع وثلاثون آية

(9/54)


تُعَلّمُوهُنّ ولا خَيْرَ في تِجارَةٍ فِيهِنّ وثمَنُهُنّ حَرَامٌ" وفي مِثْلِ ذلك أُنْزِلتْ عليه هَذِهِ الآية {وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَري لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلّ عَنْ سَبِيل الله} إلى آخِر الآيةِ. هذَا حَدِيثٌ غَريبٌ إِنّمَا يُرْوَى مِنْ حدِيث القَاسِمِ عَنْ أبي أُمَامَةَ والقاسِمُ ثِقَةٌ وعَلِيّ بنُ يَزِيدَ يُضَعّفُ في الحَدِيثِ قَالَهُ مُحمّدُ بنُ إِسْمَاعيلَ.
ـــــــ
قوله "عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تبيعوا القينات إلخ" تقدم هذا الحديث بإسناده ومتنه في باب كراهية بيع المغنيات من أبواب البيوع وتقدم هناك شرحه

(9/55)


سورة السجدة
بسم الله الرحمن الرحيم
3248 ـ حدثنا عَبْدُ الله بنُ أَبِي زِيَادٍ أخبرنا عبْدُ العَزيزِ بنُ عَبْدِ الله الأُوَيسِيّ عَن سُلَيْمانَ بنِ بِلاَلٍ عَن يَحْيَى بنِ سَعيدٍ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ عَن هَذِهِ الآية {تَتَجَافى جُنُوبُهُمْ عَن المَضَاجِع} نَزَلتْ في انْتِظَارِ هذه الصّلاَةِ التّيِ تُدْعَى العَتَمَةَ. هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غَرِيبٌ
ـــــــ
سورة السجدة
مكية وهي ثلاثون آية
قوله "حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي" بضم الهمزة وفتح الواو وسكون التحتية مصغراً أبو القاسم المدني ثقة من كبار العاشرة "عن سليمان بلال" هو التيمي عن يحيى بن سعيد هو الأنصاري. قوله {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ} أي ترتفع وتتنحى {عَنِ الْمَضَاجِعِ} أي مواضع الاضطجاع لصلاتهم "نزلت

(9/55)


لا نَعْرِفَهُ إِلاّ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
3249 ـ حدثنا ابنُ أبِي عُمَرَ، أخبرنا سُفْيَانُ عَن أبِي الزّنَادِ عَن الأَعْرَجِ عَن أبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "قَالَ الله تعالى أَعْدَدْتُ لِعبَادِي الصّالِحِينَ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ وَلاَ أُذُنٌ سَمِعتْ وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ" . وتَصْدِيقُ ذَلِكَ في كِتَابِ الله عز وجلّ {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
في انتظار الصلاة التي تدعى العتمة" أي صلاة العشاء وروى أبو داود هذا الحديث من وجه آخر عن أنس بن مالك في هذه الآية {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} قال: كانوا يتيقظون ما بين المغرب والعشاء يصلون قال وكان الحسن يقول قيام الليل والحديث سكت عنه أبو داود والمنذري، وأخرجه ابن مردية عن رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس في هذه الآية قال يصلون ما بين المغرب والعشاء قال العراقي: وإسناده جيد وروى الترمذي في مناقب الحسن والحسين في حديث طويل عن حذيفة: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فصليت معه المغرب فصلى حتى صلاة العشاء ثم انفتل قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: قال أنس وعكرمة ومحمد بن المنكدر وأبو حازم وقتادة هو الصلاة بين العشاءين، وعن أنس أيضاً هو انتظار صلاة العتمة. رواه ابن جرير بإسناد جيد انتهى. قوله "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه أبو داود.
قوله "قال الله أعددت" من الإعداد أي هيأت "ما لا عين رأت" كلمة ما إما موصولة أو موصوفة وعين وقعت في سياق النفي فأفاد الاستغراق "ولا خطر" أي وقع "على قلب بشر" زاد ابن مسعود في حديثه: "ولا يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل" . أخرجه ابن أبي حاتم وهو يدفع قول من قال: إنما قيل البشر لأنه يخطر بقلوب الملائكة. قال الحافظ: والأولى حمل النفي فيه على عمومه فإنه أعظم في النفس {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ} بصيغة المجهول من الإخفاء أي خبئ،

(9/56)


3250 ـ حدثنا ابنُ أبِي عُمَرَ، أخبرنا سُفْيَانُ عَن مُطَرّفِ بنِ طَرِيفٍ وعَبْدِ الملكِ هُوَ ابنُ أَبْجَر سَمِعَا الشّعْبِيّ يَقُولُ سَمِعْتُ المُغِيرَة بنَ شُعْبَةَ عَلَى المِنْبَرِ يَرْفَعُهُ إِلى النبيّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِنّ مُوسَى عليه السلام سَأَلَ رَبّهُ فَقَالَ أي رَبّ أَيّ أَهْلِ الجَنّةِ أَدْنَى مَنْزِلةً، قَالَ رَجُلٌ يَأَتِي بَعْدَ مَا يَدْخُلُ أَهْلُ الجَنّةِ فيُقَالُ لَهُ ادْخُلْ. فيَقولُ كَيْفَ أَدْخُلُ وقَدْ نَزَلُوا مَنَازِلَهُمْ وَأَخَذُوا أَخَذاتِهِمْ؟ قَالَ فَيُقَالُ لَهُ: أَتَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ مَا كَانَ لِمَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدّنْيَا؟ فَيَقُولُ نَعَمْ أَيْ رَبّ قَدْ رَضِيتُ، فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنّ لَكَ هَذَا ومِثْلَهُ ومِثْلَهُ وَمِثْلَهُ، فَيَقُولُ رَضِيتُ أَيْ رَبّ، فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنّ لَكَ هَذَا وَعَشْرَةَ أَمْثَالِهِ، فَيَقُولُ رَضِيتُ أَيْ رَبّ، فَيُقَالُ لَهُ: فإِنّ لَكَ مَعَ هَذا مَا اشْتَهَت نَفْسُكَ وَلَذّتْ عَيْنُكَ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. ورَوَى بَعْضُهُم هَذَا الحَدِيثَ عَنِ الشّعْبِيّ عَنِ المُغِيرَةِ
ـــــــ
قرأ الجمهور: أخفى بالتحريك على البناء للمفعول وقرأ حمزة بالإسكان فعلاً مضاعفاً مسنداً للمتكلم يؤيده قراءة ابن مسعود نخفى بنون العظمة وقرأها محمد بن كعب أخفى بفتح أوله وفتح الفاء على البناء للفاعل وهو الله. ونحوها قراءة الأعمش أخفيت {مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} ما تقر به أعينه. قوله "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والشيخان.
قوله "أخبرنا سفيان" هو ابن عيينة. قوله "وأخذوا أخذاتهم" بفتح الهمزة والخاء قال القاضي هو ما أخذوه من كرامة مولاهم وحصلوه أو يكون معناه قصدوا منازلهم، قال وذكره ثعلب بكسر الهمزة "فإن لك مثله ومثله ومثله" وفي رواية مسلم لك مثله ومثله ومثله ومثله ومثله خمس مرات "فإن لك هذا ما اشتهت نفسك ولذت عينك" زاد مسلم: قال رب فأعلاهم منزلة قال أولئك الذين أردت غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها فلم تر عين ولم

(9/57)


وَلَمْ يَرْفَعْهُ، والمَرْفُوعُ أَصَحّ.
ـــــــ
تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر. قال ومصداقه في كتاب الله عزّ وجلّ {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} الآية قال النووي معنى أردت اخترت واصطفيت، وأما غرست كرامتهم بيدي إلى آخره فمعناه اصطفيتهم وتوليتهم فلا يتطرق إلى كرامتهم تغيير، وفي آخر الكلام حذف للعلم به تقديره: ولم يخطر على قلب بشر ما أكرمتهم به وأعددته لهم. قوله "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم.

(9/58)


سورة الأحزاب
بسم الله الرحمن الرحيم
3251 ـ حدثنا عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ، أخبرنَا صَاعِدٌ الحَرّانِيّ، أخبرنا زُهَيْرٌ أخبرنَا قابُوسُ بنُ أَبي ظَبْيَانَ أَنّ أَبَاهُ حَدّثَهُ قَالَ: "قُلْنَا لابنِ عَبّاسٍ: أَرَأَيْتَ قَوْلَ الله عَزّ وَجَلّ {مَا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} مَا عَنَى بِذَلِكَ؟ قَالَ قَامَ نَبِيّ الله صلى الله عليه وسلم يَوْماً يُصَلّي فَخَطَرَ خَطْرَةً فَقَالَ المُنَافِقُونَ الّذِينَ يُصَلّونَ مَعَهُ أَلاَ تَرَى أَنّ لَهُ قَلْبَيْنِ قَلْباً مَعَكُمْ وقَلْباً مَعَهُمْ فَأَنْزَلَ الله: {مَا جَعَلَ
ـــــــ
سورة الأحزاب
مدنية وهي ثلاث وسبعون آية
قوله "حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن" هو الإمام الدارمي "أخبرنا صاعد" بن عبيد البجلي أبو محمد أو أبو سعيد "الحراني" بفتح الحاء المهملة وشدة الراء بالنون مقبول من كبار العاشرة "أخبرنا زهير" هو ابن معاوية. قوله "فخطر

(9/58)


الله لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْن فِي جَوْفِهِ} " .
3252 ـ حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ حدّثني أَحْمَدُ بنُ يُونسَ
ـــــــ
خطرة" يريد الوسوسة التي تحصل للإنسان في صلاته. قال في النهاية في حديث سجود السهو حتى يخطر الشيطان بين المرء وقلبه يريد الوسوسة، ومنه حديث ابن عباس: "قام نبي الله صلى الله عليه وسلم يوماً يصلي فخطر خطرة فقال المنافقون إن له قلبين" انتهى. وفي رواية: "صلّى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة فسها فيها فخطرت منه كلمة فسمعها المنافقون فقالوا إن له قلبين" فنزلت "ألا ترى" وفي رواية ألا ترون "أن له قلبين قلباً معكم وقلباً معهم" أي مع أصحابه فأنزل الله {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} قال ابن جرير: اختلف أهل التأويل في المراد من قوله الله {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} فقال بعضهم: عنى بذلك تكذيب قوم من أهل النفاق وصفوا نبي الله صلى الله عليه وسلم بأنه ذو قلبين فنفى ذلك عن نبيه وكذبهم ثم ذكر أثر بن عباس هذا ثم قال: وقال آخرون بل عنى بذلك رجل من قريش كان يدعى ذا القلبين من ذهنه ثم ذكر من قال ذلك ثم قال وقال آخرون بل عنى بذلك زيد بن حارثة من أجل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان تبناه فضرب الله بذلك مثلاً انتهى. وقال ابن كثير في تفسيره: يقول تعالى موطئاً قبل المقصود المعنوي أمراً معروفاً حسيا وهو أنه كما لا يكون للشخص الواحد قلبان في جوفه ولا تصير زوجته التي يظاهر منها بقوله: أنت علي كظهر أمي أماً له. كذلك لا يصير الدعى ولداً للرجل إذا تبناه فدعاه ابنا له فقال {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ} كقوله عزّ وجلّ {مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ} الآية وقوله تعالى {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ} هذا هو المقصود بالنفي، فإنها نزلت في شأن زيد بن حارثة رضي الله عنه مولى النبي صلى الله عليه وسلم كان النبي صلى الله عليه وسلم قد تبناه قبل النبوة فكان يقال له زيد بن محمد فأراد الله تعالى أن يقطع هذا الإلحاق وهذه النسبة بقوله تعالى {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ} كما قال تعالى في أثناء

(9/59)


أَخبرنا زُهَيْرٌ نَحْوَهُ. هَذا حديثٌ حَسَنٌ.
3253 ـ حدثنا أَحْمَدُ بنُ مُحمّدٍ حدثنا عَبْدُ الله بنُ المُبَارَكِ حدثنا سُلَيْمَانُ بنُ المُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ "قَالَ عَمّي أَنَسُ بنُ النّضْرِ: سُمّيتُ بِهِ لَمْ يَشْهَدْ بَدْراً مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَكَبُرَ عَلَيْهِ فَقَالَ أَوّلُ مَشْهَدٍ قَدْ شَهِدَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم غِبْتُ عَنْهُ. أَمَا وَالله لَئِنْ أَرَانِي الله مَشْهَداً مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فيما بعد لَيَرَيَنّ الله
ـــــــ
السورة {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} وقال ههنا {ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ} يعني تبنيكم لهم قول لا يقتضي أن يكون ابنا حقيقياً فإنه مخلوق من صلب رجل آخر فما يمكن أن يكون له أبواه كما لا يمكن أن يكون للبشر الواحد قلبان. وقد ذكر غير واحد أن هذه الآية نزلت في رجل من قريش كان يقال له ذو القلبين وأنه كان يزعم أن له قلبين، كل منهما بعقل وافر فأنزل الله هذه الآية رداً عليه. هكذا روى العوفي عن ابن عباس وقال به مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة، ثم ذكر ابن كثير حديث ابن عباس الذي نحن في شرحه، ثم قال: وقال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري في قوله {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} قال بلغنا أن ذلك كان في زيد بن حارثة ضرب له مثل يقول: ليس ابن رجل آخر ابنك، وكذا قال مجاهد وقتادة وابن زيد إنها نزلت في زيد ابن حارثة رضي الله عنه وهذا يوافق ما قدمناه من التفسير انتهى. قوله "هذا حديث حسن" وأخرجه وابن جرير وابن أبي حاتم.
قوله "حدثنا أحمد بن محمد" هو المعروف بمردويه "أخبرنا سليمان بن المغيرة" القيسي مولاهم البصري أبو سعيد ثقة. قوله "قال قال" أي قال ثابت قال أنس "عمي أنس بن النضر" مبتدأ وخبره لم يشهد بدراً وقوله سميت به جملة معترضة "فكبر عليه" وفي رواية مسلم فشق عليه "أول مشهد" أي لأن بدراً أول غزوة خرج فيها النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه مقاتلاً وقد تقدمها غيرها لكن ما خرج

(9/60)


مَا أَصْنَعُ. قَالَ فَهَابَ أَنْ يَقُولَ غَيْرَهَا، فَشَهِدَ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم يَوْمَ أُحُدٍ مِنَ العَامِ القَابِلِ فَاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ فَقَالَ يَا أَبَا عَمْرٍو: أَيْنَ؟ قَالَ وَاهَا لِرِيحِ الْجَنّةِ أَجِدُهَا دُونَ أُحُدٍ، فَقَاتَلَ حَتّى قُتِلَ فَوُجِدَ في جَسَدِهِ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ مِنْ بَيْنِ ضَرْبَةٍ وَطَعْنَةٍ ورَمْيَةٍ. قَالَتْ عَمّتِي الرّبَيّعُ بِنْتُ النّضْرِ فَمَا عَرَفْتُ أَخِي إِلاّ بِبَنَانِهِ" وَنَزَلَتْ هذِهِ الآية {رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ
ـــــــ
فيها صلى الله عليه وسلم بنفسه مقاتلاً "أما" بالتخفيف للتنبيه "والله لئن أراني الله مشهداً" وفي الرواية الآتية: لئن الله أشهدني قتالاً للمشركين "ليرين الله" قال النووي ضبطوه بوجهين أحدهما ليرين بفتح الياء والراء أي يراه الله واقعاً بارزاً والثاني ليرين بضم الياء وكسر الراء ومعناه ليرين الله الناس ما أصنعه ويبرزه الله تعالى لهم "ما أصنع" مفعول لقوله ليرين ومراده أن يبالغ في القتال ولو زهقت روحه "قال" أي أنس بن مالك "فهاب" أي خشي أنس بن النضر "أن يقول غيرها" أي غير هذه الكلمة وذلك على سبيل الأدب منه والخوف لئلا يعرض له عارض فلا يفي بما يقول فيصير كمن وعد فأخلف "فقال" أي أنس بن النضر "يا أبا عمرو" هو كنية سعد بن معاذ "أين" أي أين تذهب "قال" أي أنس بن النضر ابتدأ في كلامه ولم ينتظر جوابه لغلبته اشتياقه إلى إيفاء ميثاقه وعهده بربه بقوله ليرين الله ما أصنع "واها لريح الجنة" قال في القاموس: واهاً له ويترك تنوينه كلمة تعجب من طيب شيء وكلمة تلهف انتهى، والمراد هنا هو الأول "أجدها دون أحد" أي عند أحد وفي رواية البخاري في المغازي "فقال أين يا سعد إني أجد ريح الجنة دون أحد" . قال الحافظ: يحتمل أن يكون ذلك على الحقيقة بأن يكون شم رائحة طيبة زائدة عما يعهد فعرف أنها ريح الجنة ويحتمل أن يكون أطلق ذلك باعتبار ما عنده من اليقين حتى كأن الغائب عنه صار محسوساً عنده، والمعنى أن الموضع الذي أقاتل فيه يؤول بصاحبه إلى الجنة

(9/61)


مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدّلُوا تَبْدِيلاً}. هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
3254 ـ حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ أخبرنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ، أخبرنا حُمَيْدٌ الطّوِيلُ عَنْ أَنَسِ بنَ مَالِكٍ: "أَنّ عَمّهُ غَابَ عَنْ قِتَالِ بَدْرٍ فَقَالَ غِبْتُ عَنْ أَوّلِ قِتَالٍ قَاتَلَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم المُشْرِكينَ لإَنِ الله أَشْهَدَنِي قِتَالاً لِلْمُشْرِكينَ لَيَرَيَنّ الله كَيْفَ أَصْنَعُ، فَلَمّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْكَشَفَ المُسْلِمُونَ فَقَالَ: الّلهُمّ إِنّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمّا جَاء بِهِ هَؤُلاَءِ يَعني المشْرِكِينَ وأَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمّا صَنَعَ هؤلاء يَعْنِي أَصْحَابَهُ، ثُمّ تَقَدّمَ فَلَقِيَهُ سَعْدٌ، فَقَالَ يَا أَخِي مَا فَعَلْتُ أَنَا مَعَكَ فَلَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ
ـــــــ
"إلا ببنانه" بفتح الباء والنون جمع بنانة وهي الأصبع وقيل طرفها {رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} المراد بالمعاهدة المذكورة ما تقدم ذكره من قوله تعالى {وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ} وكان ذلك أول ما خرجوا إلى أحد، وهذا قول ابن إسحاق، وقيل ما وقع ليلة العقبة من الأنصار "إذ بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤووه وينصروه ويمنعوه" والأول أولى {فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ} أي مات أو قتل في سبيل الله، وأصل النحب النذر فلما كان كل حي لا بد له من الموت، فكأنه نذر لازم له فإذا مات فقد قضاه، والمراد هنا من مات على عهده لمقابلته بمن ينتظر ذلك وأخرج ذلك ابن أبي حاتم بإسناد حسن عن ابن عباس كذا في الفتح {وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ} أي ذلك {وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} أي ما غيروا عهد الله ولا نقضوه. قوله "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد ومسلم والنسائي.
قوله "لأن الله أشهدني" أي أحضرني واللام في لئن مفتوحة دخلت على إن الشرطية لا جزاء له لفظاً وحذف فعل الشرط فيه من الواجبات والتقدير لئن أشهدني الله "انكشف المسلمون" وفي رواية وانهزم الناس "مما جاءوا به هؤلاء" يعني من قتالهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم "وأعتذر إليك

(9/62)


أَصْنَعَ مَا صَنَعَ فَوجدَ فِيهِ بِضْعاً وَثَمَانِينَ بَيْنَ ضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ وَطَعْنَةٍ بِرُمْحٍ وَرَمْيَةٍ بِسَهْمٍ فَكُنّا نَقُولُ فِيهِ وَفي أَصْحَابِهِ نَزَلَتْ {فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ} قَالَ يَزِيدُ: "يَعْنِي هذه الآيةَ" .
هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. واسْمُ عَمّهِ أَنَسُ بنُ النّضْرِ.
3255 ـ حدثنا عَبْدُ القُدّوسِ بنُ مُحمّدٍ القطان البَصْرِيّ، أخبرنا عَمْرُو بنُ عَاصِمٍ عَنْ إِسْحَاقَ بنِ يَحْيَى بنِ طَلْحَةَ عَنْ مُوسَى بنِ طَلْحَةَ قَالَ: "دَخَلْتُ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَقَالَ أَلاَ أُبَشّرُكَ؟ قُلْتُ بَلَى، قَالَ: سَمِعْتُ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: طَلْحَةُ مِمّنْ قَضَى نَحْبَهُ" .
ـــــــ
مما صنع هؤلاء" يعني من فرارهم "ثم تقدم" أي نحو المشركين "فلقيه سعد" أي ابن معاذ "فقال" أي سعد "فلم أستطيع أن أصنع ما صنع" أي أنس بن النضر وهذا صريح في أنه نفى استطاعة إقدامه الذي صدر منه حتى وقع له ما وقع من الصبر على تلك الأهوال بحيث وجد في جسده ما وجد فاعترف سعد بأنه لم يستطع أن يقدم إقدامه ولا يصنع صنيعه، وفيه رد على ابن بطال حيث قال: يريد ما استطعت أن أصف ما صنع أنس "فوجد فيه" أي في جسده وفي رواية البخاري قال أنس فوجد نابه. قوله "هذا حديث صحيح" وأخرجه البخاري والنسائي وابن أبي حاتم.
قوله "أخبرنا عمرو بن عاصم" هو الكلابي القيسي "عن موسى بن طلحة" ابن عبيد الله التيمي كنيته أبو عيسى أو أبو محمد المدني نزيل الكوفة ثقة جليل من الثانية ويقال إنه ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم قوله "دخلت على معاوية" هو ابن أبي سفيان رضي الله عنه "طلحة ممن قضى نحبه" طلحة هذا هو والد موسى وهو أحد العشرة المبشرة بالجنة قتل في وقعة الجمل وكان هو مع جماعة كعثمان بن عفان ومصعب وسعيد وغيرهم نذروا إذا لقوا حرباً ثبتوا

(9/63)


هَذا حديثٌ غَرِيب لا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ إِلاّ مِنْ هَذَا الوَجْهِ وَإِنّمَا رُوِيَ هَذَا عَنْ مُوسَى بنِ طَلحَةَ عَنْ أَبِيهِ.
3256 ـ حدثنا أبو كُرَيْبٍ حدثنا يُونُسُ بنُ بُكَيْرٍ عَنْ طَلْحَةَ بنِ يَحْيَى عَنْ مُوسَى وعِيسَى ابْنَيْ طَلْحَةَ عَنْ أبيهِمَا طَلْحَةَ: "أنّ أَصْحَابَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قَالُوا لأعْرَابيّ جَاهِلٍ سَلْهُ عَنْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ مَنْ هُوَ؟ وكانُوا لاَ يَجْتَرِئونَ عَلَى مَسْأَلَتِهِ يُوَقّرُونَهُ وَيَهابُونَهُ، فَسَأَلَهُ الأَعْرَابيّ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثمّ سَأَلَهُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمّ سَأَلَهُ فأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمّ إِنّي اطّلَعْتُ مِنْ بَابِ المَسْجِدِ وَعَلَيّ ثِيَابٌ خُضْرٌ فَلَمّا رَآنِي النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: أَيْنَ السّائِلُ عَمّنْ قَضَى نَحْبَهُ؟ قَالَ الأَعْرَابيّ أَنا يَا رَسُولَ الله، فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم هَذَا مِمّنْ قَضَى نَحْبَهُ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ حَدِيثِ يُونُسَ بنِ بُكَيْرٍ.
ـــــــ
حتى يستشهدوا وقد ثبت طلحة يوم أحد وبذل جهده حتى شلت يده وقى بها النبي صلى الله عليه وسلم وأصيب في جسده ببضع وثمانين من بين طعن وضرب ورمى، ويحتمل أن يكون معناه ذاق الموت في الله وإن كان حيا لما ذاق من شدائد فيه، ويدل عليه حديث: من سره "أن ينظر إلى شهيد يمشي" إلخ. وقيل الموت عبارة عن الغيبوبة عن عالم الشهادة وقد كان هذا حاله من الانجذاب. قوله "هذا حديث غريب" وأخرجه ابن أبي حاتم وابن جرير.
قوله "عن طلحة بن يحيى" بن طلحة بن عبيدالله التيمي المدني. قوله "يوقرونه ويهابونه" جملتان حاليتان من ضمير لا يجترئون "هذا" يعني طلحة رضي الله عنه قوله "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه ابن أبي حاتم وابن جرير ويأتي هذا الحديث والذي قبله في مناقب طلحة بن عبيد الله.

(9/64)


3257 ـ حدثنا عَبْدُ بنُ حميدٍ، حدثنا عُثْمَانُ بنُ عُمَرَ عَنْ يُونُسَ بنِ يَزِيدَ عَنِ الزّهْرِيّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: "لَمّا أُمِرَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ بَدَأَ بِي فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ إِنّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْراً فَلاَ عَلَيْكِ أَنْ لاَ تَسْتَعْجِلِي حَتّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ، قَالَتْ: وَقَدْ عَلِمَ أَنّ أَبَوَاي لَمْ يَكُونَا لِيَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ، قَالَتْ ثُمّ قَالَ: إِنّ الله تعالى يَقُولُ {يَا أَيّهَا النّبِيّ قُلْ لأِزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدّنْيَا وَزِينَتهَا فَتَعَالَيْنَ} حَتّى بَلَغَ {لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنّ أَجْراً عَظِيماً} . قُلْتُ في أَيّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيّ فإنّي أُرِيدُ الله وَرَسُولَهُ وَالدّارَ الآخرةَ، وَفَعَلَ أَزْوَاجُ النبيّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَ مَا فَعَلْتُ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. وقد رُوِيَ هَذَا أَيْضاً عَنْ الزّهْرِيّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ
ـــــــ
قوله "عن يونس بن يزيد" هو ابن أبي النحار الأيلي "عن أبي سلمة" هو ابن عبد الرحمن بن عوف. قوله "فلا عليك أن لا تستعجلي" أي فلا بأس عليك في التأني وعدم العجلة "حتى تستأمري أبويك" أي تشاوري وتطلبي منهما أن يبينا لك وأيهما في ذلك، ووقع في حديث جابر عند مسلم "حتى تستشيري أبويك" {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ} وهن تسع وطلبن منه من زينة الدنيا ما ليس عنده {إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} أي السعة في الدنيا وكثرة الأموال {وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ} أي أقبلن بإرادتكن واختياركن وبعده {أُمَتِّعْكُنَّ} أي متعة الطلاق {وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً} أي أطلقكن من غير إضرار وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة أي الجنة {فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ} أي بإرادة الآخرة {أَجْراً عَظِيماً} أي الجنة "في أي هذا" ويروى ففي أي شيء قوله "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.

(9/65)


3258 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ أَخبرنا مُحمّدُ بنُ سُلَيْمَانَ بنِ الأصْبَهَانِيّ عَنْ يَحْيَى بنِ عُبَيْدٍ عَنْ عَطَاءِ بنِ أَبي رَباحٍ عَنْ عُمَرَ بنِ أَبِي سَلَمةَ رَبِيب النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ "لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآية عَلَى النبيّ صلى الله عليه وسلم {إِنَمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ويُطَهّرَكمْ تَطْهِيراً} في بَيْتِ أُمّ سَلَمَةَ فَدَعَا فَاطِمَةَ وَحَسَناً وَحُسَيْناً فَجَلّلَهُمْ بِكِسَاءٍ وَعَليّ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَجَلّلَهُ بِكسَاءٍ ثُمّ قَالَ: اللّهُمّ هَؤُلاَءِ أَهْلُ بَيْتِي فَأَذْهِبْ عَنْهُمْ الرّجْسَ وَطَهّرْهُمْ تَطْهِيراً. قَالَتْ أُمّ سَلَمَةَ وَأَنَا مَعَهُمْ يَا نَبِيّ الله، قَالَ أَنْتِ عَلَى مَكَانِكِ وَأَنْتِ عَلَى خَيْرٍ" . هَذا حديثٌ غريبٌ مِنْ
ـــــــ
قوله "حدثنا محمد بن سليمان بن الأصبهاني" في التقريب محمد بن سليمان ابن عبد الله الكوفي أبو علي بن الأصبهاني صدوق يخطئ من الثامنة "عن يحيى بن عبيد عن عطاء بن أبي رباح" قال في التقريب: يحيى بن عبيد عن عطاء بن أبي رباح يحتمل أن يكون الذي قبله وإلا فمجهول انتهى. والذي قبله هو يحيى بن عبيد المكي مولى بني مخزوم قال الحافظ ثقة من السادسة. قوله {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ} قيل هو الشك وقيل العذاب وقيل الإثم. قال الأزهري الرجس اسم لكل مستقذر من عمل قاله النووي {أَهْلَ الْبَيْتِ} نصبه على النداء {وَيُطَهِّرَكُمْ} من الأرجاس والأدناس "في بيت أم سلمة" متعلق بنزلت "فجللهم بكساء" أي غطاهم به من التجليل "فجلله بكساء" أي آخر "قالت أم سلمة وأنا معهم يا نبي الله" بتقدير حرف الاستفهام "أنت على مكانك وأنت على خير" يحتمل أن يكون معناه أنت خير وعلى مكانك من كونك من أهل بيتي ولا حاجة لك في الدخول تحت الكساء كأنه منعها عن ذلك لمكان عليّ وأن يكون المعنى أنت على خير وإن لم تكوني من أهل بيتي كذا في اللمعات قلت الاحتمال الأول هو الراجح بل هو المتعين، وقد اختلف أهل العلم في أهل البيت المذكورين في الآية فقال ابن عباس وعكرمة وعطاء

(9/66)


هَذَا الوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ عَطَاءٍ عَنْ عُمَرَ بنِ أَبِي سَلَمَةَ.
3259 ـ حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ أخبرنا عَفّانُ بنُ مُسْلِمٍ أخبرنا
ـــــــ
والكلبي ومقاتل وسعيد بن جبير إن أهل البيت المذكورين في الآية هم زوجات النبي صلى الله عليه وسلم خاصة قالوا والمراد بالبيت بيت النبي صلى الله عليه وسلم ومساكن زوجاته لقوله {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ} ، وأيضاً السياق في الزوجات من قوله {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ -إلى قوله- لَطِيفاً خَبِيراً} . وقال أبو سعيد الخدري ومجاهد وقتادة وروي عن الكلبي أن أهل البيت المذكورين في الآية هم علي وفاطمة والحسن والحسين خاصة. ومن حججهم الخطاب في الآية بما يصلح للذكور لا للإناث وهو قوله عنكم وليطهركم ولو كان للنساء خاصة لقال عنكن وليطهركن، وأجاب الأولون عن هذا بأن التذكير باعتبار لفظ الأهل كما قال سبحانه {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ} وكما يقول الرجل لصاحبه كيف أهلك يريد زوجته أو زوجاته فيقول هم بخير، وتمسك الأولون أيضاً بما أخرجه ابن أبي حاتم وابن عساكر من طريق عكرمة عن ابن عباس في الآية قال نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وسلم خاصة. وقال عكرمة من شاء بأهلته أنها نزلت في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وروي هذا عنه بطرق. وتمسك الآخرون أيضاً بحديث عمر بن أبي سلمة وحديث أنس المذكورين في الباب وما في معناهما، وقد توسطت طائفة ثالثة بين الطائفتين فجعلت هذه الآية شاملة للزوجات ولعلي وفاطمة والحسن والحسين، أما الزوجات فلكونهن المرادات في سياق هذه الآيات كما قدمنا ولكونهن الساكنات في بيوته صلى الله عليه وسلم النازلات في منازله، ويعضد ذلك ما تقدم عن ابن عباس وغيره، وأما دخول علي وفاطمة والحسن والحسين فلكونهن قرابته وأهل بيته في النسب، ويؤيد ذلك ما ورد من الأحاديث المصرحة بأنهم سبب النزول، فمن جعل الآية خاصة بأحد الفريقين أعمل بعض ما يجب إعماله وأهمل ما لا يجوز إهماله، وقد رجح هذا القول جماعة من المحققين منهم القرطبي وابن كثير وغيرهما. قوله "هذا حديث غريب" وأخرجه ابن جرير والطبراني وابن مردويه.

(9/67)


حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ أخبرنا عَلِيّ بنُ زَيْدٍ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ "أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يَمُرّ بِبَابِ فَاطِمَةَ سِتّةَ أَشْهُرٍ إِذَا خَرَجَ لِصَلاَةِ الْفَجْرِ يَقُولُ: الصّلاَةَ يَا أَهْلَ البَيْتِ {إنّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً} " هَذا حديثٌ حَسَنٌ غرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ إِنّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ حَمّادِ بنِ سَلَمَةَ. قال: وفي البابِ عَنْ أَبِي الحمراءِ ومَعْقِلِ بنِ يَسَارٍ وَأُمّ سَلَمَةَ.
3260 ـ حدثنا عَلِيّ بن حُجْرٍ أَخبرنا دَاوُدُ بنُ الزّبْرِقَانِ عَن دَاوُدَ
ـــــــ
قوله "أخبرنا علي بن زيد" هو ابن جدعان قوله: "الصلاة يا أهل البيت" أي حضرت صلاة الفجر وحانت أو احضروا الصلاة. قوله "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه ابن مردويه. قوله "وفي الباب عن أبي الحمراء ومعقل بن يسار وأم سلمة" أما حديث أبي الحمراء فأخرجه ابن جرير وابن مردويه وفيه قال "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا طلع الفجر جاء إلى باب علي وفاطمة رضي الله عنهما فقال: الصلاة الصلاة إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً"، وفي نسده أبو داود الأعمى واسمه نفيع بن الحرث وهو وضاع كذاب، وأما حديث معقل بن سيار فلينظر من أخرجه، وأما حديث أم سلمة فأخرجه الترمذي في فضل فاطمة رضي الله عنها. وفي الباب أيضاً عن عائشة أخرجه مسلم عنها قالت خرج النبي صلى الله عليه وسلم غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود فجاء الحسن بن علي فأدخله ثم جاء الحسين فدخل معه ثم جاءت فاطمة فأدخلها ثم جاء علي فأدخله ثم قال: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} .
قوله: "أخبرنا داود بن الزبرقان" بكسر زاي وسكون موحدة وكسر راء وبقاف الرقاشي البصري نزيل بغداد متروك وكذبه الأزدي من الثامنة. قوله:

(9/68)


ابنِ أَبِي هِنْدٍ عن الشّعبيّ عَن عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ "لَوْ كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم كَاتِماً شَيْئاً مِنَ الَوحْيِ لَكَتَم هَذِهِ الآية {وإِذْ تَقُولُ لِلّذِي أَنْعَمَ الله عَلَيه} يَعْنِي بالإسْلاَمِ {وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ} يَعْنِي بالعِتْقِ فَأَعْتَقتْهُ {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتّقِ الله وَتُخْفِي في نَفْسِكَ ما الله مُبْدِيهِ وَتَخشَى الناسَ والله أَحقّ أَنْ تَخْشَاهُ} إلى قَوْلِهِ {وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً} . وأَنّ
ـــــــ
"لكتم هذه الآية {وَإِذْ} " منصوب باذكر {تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ} هو زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم "فأعتقته" وكان من سبى الجاهلية اشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية وأعتقه وتبناه {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ} أي لا تطلق زوجك هي زينب بنت جحش رضي الله عنها ابنة عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمها أميمة بنت عبد المطلب {وَاتَّقِ اللَّهَ} أي في أمر طلاقها {وَتُخْفِي} الواو للحال أي والحال أنك تخفي {فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ} أي مظهره وهو نكاحها إن طلقها زيد، وقيل حبها، والصحيح المعول عليه عندي هو الأول {وَتَخْشَى النَّاسَ} أي تخاف أن يقول الناس تزوج محمد زوجة ابنه {وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} أي في كل شيء وتزوجكها ولا عليك من قول الناس وبعد هذا {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً} أي حاجة، وقضاء الوطر في اللغة بلوغ منتهى ما في النفس من الشيء، يقال وطراً منه إذا بلغ ما أراد من حاجته فيه، والمراد هنا أنه قضى وطره منها بنكاحها والدخول بها بحيث لم يبق له فيها حاجة وتقاصرت عنه همته وطابت عنه نفسه. وقيل المراد به الطلاق لأن الرجل إنما يطلق امرأته إذا لم يبق له فيها حاجة {زَوَّجْنَاكَهَا} أي لم نحرجك إلى ولي من الخلق يعقد لك عليها تشريفاً لك ولها. فلما أعلمه الله بذلك دخل عليها بغير إذن ولا عقد ولا تقدير صداق ولا شيء مما هو معتبر في النكاح في حق أمته، وهذا من خصوصياته صلى الله عليه وسلم التي لا يشاركه فيها أحد بإجماع المسلمين، وكان تزوجه بزينب سنة خمس من الهجرة وقيل سنة ثلاث وهي أول من مات من زوجاته الشريفات

(9/69)


رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لَمّا تزوجها قالوا تَزَوّجَ حَلِيلَةَ ابْنِهِ فَأَنْزَلَ الله تعالى {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} وَكَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم تَبَنّاهُ وَهُوَ صَغِيرٌ فَلَبِثَ حَتّى صَارَ رَجُلاً يُقَالُ لَهُ زَيْدٌ بنُ مُحّمدٍ فَأَنْزَلَ الله {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ
ـــــــ
المطهرات ماتت بعده بعشر سنين عن ثلاث وخمسين سنة، وقيل المراد به الأمر له بأن يتزوجها والأول أولى وبه جاءت الأخبار الصحيحة كذا في فتح البيان {لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ} أي ضيق علة للتزويج وهو دليل على أن حكمه وحكم الأمة واحد إلا ما خصه الدليل {فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ} جمع دعى وهو المتنبي أي في التزويج بأزواج من يجعلونه ابناً كما كان العرب يفعلون فإنهم كانوا يتبنون من يريدون وكانوا يعتقدون أنه يحرم عليهم نساء من تبنوه كما يحرم عليهم نساء أبنائهم حقيقة، فأخبرهم الله أن نساء الأدعياء حلال لهم {إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً} أي إذا طلق الأدعياء أزواجهم بخلاف ابن الصلب فإن امرأته تحرم على أبيه بنفس العقد عليها {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً} أي قضاء الله ماضياً وحكمه نافذاً وقد قضى في زينب أن يتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم "لما تزوجها" أي زينب "قالوا تزوج حليلة ابنه" أي زوجة ابنه {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ} أي فليس صلى الله عليه وسلم أبا زيد فلا يحرم عليه التزويج بزوجته زينب {وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ} أي ولكن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} قرأ الجمهور بكسر التاء وقرئ بفتحها، ومعنى الأولى أنه ختمهم أي جاء آخرهم، ومعنى الثانية أنه صار كالخاتم لهم الذي يختمون به ويتزينون بكونه منهم. قال أبو عبيدة الوجه الكسر لأن التأويل أنه ختمهم فهو خاتمهم وأنه قال: "أنا خاتم النبيين وخاتم الشيء آخره". وقال الحسن الخاتم هو الذي ختم به والمعنى ختم الله به النبوة فلا نبوة بعده ولا معه قال ابن عباس يريد لو لم أختم به النبيين لجعلت له ابنا يكون بعده نبياً، وعنه أن الله لما حكم أن لا نبي بعده لم يعطه ولداً ذكراً يصير رجلاً وعيسى ممن نبئ قبله وحين ينزل ينزل عاملاً على شريعة محمد صلى الله عليه وسلم كأنه بعض أمته {ادْعُوهُمْ

(9/70)


فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} فُلاَنٌ مَوْلَى فُلاَنٍ وفلاَنٌ أَخُو فُلاَنٍ {هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ الله} يَعْنِي أَعْدَلُ عِنْدَ الله" . هَذا حديثٌ قَدْ رُوِيَ عَنْ دَاوُدَ بنِ أَبِي هِنْدٍ عَنِ الشّعْبيّ عَنْ مَسرُوق عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "لَوْ كَانَ النبيّ صلى الله عليه وسلم كَاتِماً شَيْئاً مِنَ الْوَحْيِ لَكَتَمَ هَذِهِ الآية {وإذْ تَقُولُ لِلّذِي أَنْعَمَ الله عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ} هَذَا الْحَرْفُ لَمْ يُرْوَ بِطُولِهِ.
3261 ـ حدثنا بِذَلِكَ عَبْدُ الله بنُ واضح الكُوفِيّ، أخبرنا عَبْدُ الله بنُ إدْرِيسَ عَنْ دَاوُدَ بنِ أَبِي هِنْدٍ. وأخبرنا مُحّمدُ بنُ أَبَانَ أخبرنا ابنُ أَبِي عَدِيّ عَنْ دَاوُدَ بنِ أَبي هِنْدٍ عَن الشّعْبيّ عَن مسْرُوقٍ عَن عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: لَوْ كَانَ النبيّ صلى الله عليه وسلم كَاتِماً شَيْئاً مِنَ الْوَحْيِ لَكَتَمَ هَذِهِ الآية {وَإِذْ تَقُولُ لِلّذِي أَنْعَمَ الله عَلَيْهِ
ـــــــ
لِآبَائِهِمْ} للصلب وانسبوهم إليهم ولا تدعوهم إلى غيرهم {هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ} تعليل للأمر بدعاء الأبناء للاَباء والضمير راجع إلى مصدر ادعوهم ومعنى أقسط أعدل أي أعدل من كل كلام يتعلق بذلك فترك الإضافة للعموم كقوله الله أكبر وأعدل من قولكم هو ابن فلان ولم يكن ابنه لصلبه {فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُم} تنسبونهم إليهم {فَإِخْوَانُكُمْ} أي فهم إخوانكم {فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} فقولوا أخي ومولاي ولا تقولوا ابن فلان حيث لم تعلموا آباءهم على الحقيقة. قال الزجاج مواليكم أي أولياؤكم في الدين، وقيل المعنى فإن كانوا محررين ولم يكونوا أحراراً فقولوا موالي فلان. قوله "هذا الحرف لم يرو بطوله" أي روى مقتصراً على هذا القدر فحسب ولم يرو بطوله مثل الرواية المتقدمة. ونقل الحافظ في الفتح حاصل كلام الترمذي هذا بلفظ قال الترمذي روى عن داود عن الشعبي عن مسروق عن عائشة إلى قوله "لكتم هذه الآية" ولم

(9/71)


وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ} الآيةَ. هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
3262 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ أخبرنا يَعْقُوبُ بنُ عَبْدِ الرّحمَنِ عَنْ مُوسَى بنِ عُقْبَةَ عَن سَالِمٍ عَنْ ابنِ عمَرَ قَالَ: مَا كُنّا نَدْعُو زَيْدَ بنَ حَارِثَةَ إلاّ زَيْدَ بنَ مُحّمدٍ حَتّى نَزَلَ القُرْآنُ {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ} . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
3263 ـ حدثنا الْحَسَنُ بنُ قَزْعَةَ البَصْرِيّ، أخبرنا مَسْلَمَةُ بنُ عَلْقَمَةَ عَنْ دَاودَ بنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ عَامِرٍ الشّعْبِيّ في قَوْلِ الله عز وجلّ {مَا كَانَ مُحمّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ} قَالَ مَا كَانَ لِيَعِيشَ لَهُ فِيكُمْ وَلَدٌ ذَكِرٌ.
ـــــــ
يذكر ما بعده ثم قال الحافظ وهذا القدر أخرجه مسلم كما قال الترمذي وأظن الزائد مدرجاً في الخبر فإن الراوي له عن داود لم يكن بالحافظ انتهى. قلت: والراوي عن داود في الرواية الطويلة المتقدمة هو داود بن الزبرقان وقد عرفت أنه متروك. قوله "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم.
قوله: "حتى نزل القرآن {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ}" قال الحافظ ابن كثير هذا أمر ناسخ لما كان في ابتداء الإسلام من جواز ادعاء الأبناء الأجانب وهم الأدعياء فأمر تبارك وتعالى برد نسبهم إلى آبائهم في الحقيقة وأن هذا هو العدل والقسط والبر {هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ} أي هو أعدل عنده من قولكم هو ابن فلان ولم يكن ابنه لصلبه ولم أقسط أفعل تفضيل قصد به الزيادة مطلقاً من القسط بمعنى العدل. قوله "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله: "حدثنا مسلمة بن علقمة" المازني أبو محمد البصري صدوق له أوهام من الثامنة. قوله: "قال" أي الشعبي "ما كان ليعيش له فيكم ولد ذكر" يعني

(9/72)


3264 ـ حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ حدّثنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ، أخبرنا سُلَيْمَانُ بنُ كَثِيرٍ عَن حُسيْنٍ عَن عِكْرِمَةَ عَنْ أُمّ عُمَارَةَ الأَنْصَارِيّةِ "أَنّهَا أَتَتِ النبيّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ مَا أَرَى كُلّ شَيءٍ إِلاّ لِلرّجَالِ وَمَا أَرَى النّسَاءَ يُذْكَرْنَ بِشَيءٍ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ: {إنّ المُسْلِمينَ وَالمُسْلِمَاتِ وَالمُؤْمِنينَ وَالمُؤْمِنَاتِ} " الآية. هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَريبٌ وَإِنّمَا يُعْرَفُ هَذَا الحَدِيث مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
ـــــــ
حتى يبلغ الحلم فإنه صلى الله عليه وسلم ولد له القاسم والطيب والطاهر من خديجة رضي الله عنها فماتوا صغاراً وولد له صلى الله عليه وسلم إبراهيم من مارية القبطية فمات أيضاً رضيعاً وكان له صلى الله عليه وسلم من خديجة أربع بنات زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة رضي الله عنهم أجمعين. فماتت في حياته صلى الله عليه وسلم ثلاث وتأخرت فاطمة رضي الله عنها حتى أصيبت به صلى الله عليه وسلم ثم ماتت بعده لستة أشهر.
قوله: "حدثنا محمد بن كثير" العبدي البصري "أخبرنا سليمان بن كثير" العبدي أبو داود ويقال أبو محمد البصري لا بأس به في غير الزهري من السابعة "عن حصين" هو ابن عبدالرحمن السلمي الكوفي أبو الهذيل "عن أم عمارة" بضم العين وتخفيف الميم يقال اسمها نسيبة بنت كعب بن عمرو "فنزلت هذه الآية: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ} فذكر الله لهن عشر مراتب مع الرجال فمدحهن بها معهم: الأولى الإسلام، والثانية الإيمان، قال الحافظ ابن كثير: قوله تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ} دليل على أن الإيمان غير الإسلام وهو أخص منه لقوله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} وفي الصحيحين: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" . فيسلبه الإيمان ولا يلزم من ذلك كفره بإجماع المسلمين فدل على أنه أخص منه انتهى. والثالثة القنوت وهو قوله: {وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ} أي المطيعين والمطيعات، وقيل المداومين على الطاعة

(9/73)


3265 ـ حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، أخبرنا مُحمّدُ بنُ الفَضْلِ أخبرنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: "لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآية في زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ {فَلَمّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوّجْنَاكَهَا} قَالَ فَكَانَتْ تَفْتخِرُ عَلَى أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم تَقُولُ: زَوّجَكُنّ أَهْلُكُنّ وَزَوّجَنِي الله مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
3266 ـ حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، أخبرنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسَى عَن إسْرَائِيلَ عَن السّدّيّ عَن أَبِي صَالحٍ عَنْ أُمّ هَانِيءٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ قَالَتْ: "خَطَبَنِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فاعْتَذَرْتُ إلَيْهِ فَعَذَرنِي ثُم
ـــــــ
والعبادة، والباقية ظاهرة واضحة. قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه عبد بن حميد والطبراني.
قوله: "حدثنا محمد بن الفضل" السدوسي أبو الفضل البصري لقبه عارم ثقة ثبت تغير في آخر عمره من صغار التاسعة. قوله: "تقول زوجكن أهلوكن" وفي رواية البخاري: "زوجكن أهاليكن" ، والأهلون والأهالي كلاهما جمع أهل والأول على القياس والثاني على غيره، وأهل الرجل امرأته وولده وكل من في عياله وكذا كل أخ أو أخت أو عم أو ابن عم أو صبي أجنبي يعوله في منزله. وعن الأزهري: أهل الرجل أخص الناس به ويكنى به عن الزوجة. قاله العيني "وزوجني الله من فوق سبع سماوات" وفي مرسل الشعبي: "قالت زينب يا رسول الله أنا أعظم نسائك عليك حقاً أنا خيرهن منكحاً وأكرمهن سفيراً وأقربهن رحماً فزوجنيك الرحمن من فوق عرشه وكان جبريل هو السفير بذلك وأنا ابنة عمتك وليس لك من نسائك قريبة غيري" . أخرجه الطبري وأبو القاسم الطحاوي في كتاب الحجة والتبيان له. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري.
قوله: "عن السدى" اسمه إسماعيل بن عبدالرحمن "عن أبي صالح" اسمه

(9/74)


أَنْزَلَ الله تعالى {إنّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ الّلاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أَفَاءَ الله عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمّكَ وَبَنَاتِ عَمّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ الّلاتِي هَاجَرْنَ مَعَك} الآية قَالَتْ فَلَمْ أكُنْ أَحِلّ لَهُ
ـــــــ
باذام ويقال له باذان. قوله: "فاعتذرت إليه فعذرني" قال في الصراح: الاعتذار غدر خواستن والعذر بالضم والسكون معذور داشتن. وقال صاحب المشكاة في الإكمال في ترجمة أم هانئ رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبها في الجاهلية وخطبها هبيرة بن أبي وهب فزوجها أبو طالب من هبيرة وأسلمت ففرق الإسلام بينها وبين هبيرة وخطبها النبي صلى الله عليه وسلم فقالت والله إن كنت لأحبك في الجاهلية فكيف في الإسلام ولكني امرأة مصبية فسكت عنها انتهى. وقولها إني امرأة مصبية بضم الميم وسكون الصاد وكسر الموحدة أي ذات صبي {إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ} أي مهورهن {وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ} أي أباح لك التسري مما أخذت من المغانم وقد ملك صفية وجويرية فأعتقهما وتزوجهما وملك ريحانة بنت شمعون النضرية ومارية القبطية أم ابنه إبراهيم عليه السلام وكانتا من السراري رضي الله عنهما {وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ} أي إلى المدينة فمن لم تهاجر منهن لم يجز له نكاحها "الآية" بقيتها مع تفسيرها هكذا {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً} أي وأحللنا لك امرأة مصدقة بالتوحيد وهذا يدل على أن الكافرة لا تحل له قال إمام الحرمين: وقد اختلف في تحريم الحرة الكافرة عليه. قال بن العربي: والصحيح عندي تحريمها وبهذا يتميز علينا فإنه ما كان في جانب الفضائل والكرامات فحظه فيه أكثر وما كان من جانب النقائص فجانبه عنها أطهر. فجوز لنا نكاح الحرائر الكتابيات وقصر هو صلى الله عليه وسلم على المؤمنات ولهذا كان لا تحل له الكتابية الكافر لنقصانها بالكفر انتهى {إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ} أي النبي {أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا} أي يطلب نكاحها {خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} لفظ خالصة حال من الضمير في وهبت أو مصدر مؤكد أي خلص لك إحلال

(9/75)


لأَنّي لَمْ أُهَاجِرْ كُنْتُ مِنَ الطّلَقَاءِ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ السّدّيّ.
3267 ـ حدثنا أَحْمَدُ بنُ عُبْدَةَ الضّبّيّ أخبرنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عَن ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: "نَزَلَتْ هَذِهِ الآية {وَتُخْفِي في نَفْسِكَ مَا الله مُبْدِيِهِ} في شَأْنِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ جَاءَ زَيْدٌ يَشْكُو فَهَمّ بِطَلاَقِهَا فَاسْتَأْمَرَ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: {أَمْسِكْ
ـــــــ
ما أحللنا لك خالصة بمعنى خلوصاً والفاعلة في المصادر غير عزيز كالعافية والكاذبة وكان من خصائصه صلى الله عليه وسلم أن النكاح ينعقد في حقه بمعنى الهبة من غير ولي ولا شهود ولا مهر لقوله: {خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ}، والزيادة على أربع ووجوب تخيير النساء. واختلفوا في انعقاد النكاح بلفظ الهبة في حق الأمة فذهب أكثرهم إلى أنه لا ينعقد إلا بلفظ الإنكاح أو التزويج وهو قول سعيد بن المسيب والزهري ومجاهد وعطاء وبه قال مالك والشافعي وقال إبراهيم النخعي وأهل الكوفة: ينعقد بلفظ التمليك والهبة، ومن قال بالقول الأول اختلفوا في نكاح النبي صلى الله عليه وسلم فذهب قوم إلى أنه كان ينعقد في حقه صلى الله عليه وسلم بلفظ الهبة لقوله تعالى: {خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} وذهب آخرون إلى أنه لا ينعقد إلا بلفظ الإنكاح أو التزويج كما في حق سائر الأمة لقوله تعالى: {إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا} وكان اختصاصه في ترك المهر لا في لفظ النكاح "قالت" أي أم هانئ "كنت من الطلقاء" بضم الطاء المهملة وفتح اللام وبالمد جمع طليق هم الذين أسلموا يوم الفتح ومن عليهم وخلى عنهم. قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه ابن جرير والطبراني وابن أبي حاتم.
قوله: "نزلت هذه الآية إلخ" قال الحافظ: لم تختلف الروايات أنها نزلت في قصة زيد بن حارثة وزينب بنت جحش "فهم بطلاقها" أي أراد أن

(9/76)


عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتّقِ الله} . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
3268 ـ حدثنا عَبْدُ أخبرنا رَوْحٌ عَن عَبْدِ الحَمِيدِ بنِ بَهْرَام عَن شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ قَالَ قَالَ ابنُ عَبّاسٍ: "نُهِيَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عنْ أَصْنَافِ النّسَاءِ إِلاّ مَا كَانَ مِنَ المُؤْمِنَاتِ المُهَاجِرَاتِ قَالَ {لاَ يَحِلّ لَكَ النّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلاَ أَنْ تَبَدّلَ بِهِنّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنّ إِلاّ مَا مَلكَتْ يَمِينُكَ} وأحَلّ الله فَتَيَاتِكُمُ المُؤْمِنَاتِ {وامْرَأَةً مُؤمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا للِنّبيّ} وَحَرّمَ كُلّ ذَاتِ دِيْنٍ غَيْرَ الإسْلاَمِ ثُم
ـــــــ
يطلقها "فاستأمر" أي استثار. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والبخاري.
قوله: "حدثنا عبد" بن حميد "حدثنا روح" بن عبادة. قوله "قال" أي الله تعالى {لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ} بترك إحدى التائين في الأصل {بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ} بأن تطلقهن أو بعضهن وتنكح بدل من طلقت {إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ} من الإماء فتحل لك. قال الحافظ ابن كثير: ذكر غير واحد من العلماء كابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم أن هذه الآية نزلت مجازاة لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ورضا عنهن على حسن صنيعهن في اختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة لما خيرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما اخترن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جزاؤهن أن الله تعالى قصره عليهن وحرم عليه أن يتزوج بغيرهن أو يستبدل بهن أزواجاً غيرهن ولو أعجبه حسنهن إلا الإماء والسراري فلا حرج عليه فيهن، ثم إنه تعالى رفع عنه الحرج في ذلك ونسخ حكم هذه الآية وأباح له التزوج. ولكن لم يقع منه بعد ذلك تزوج لتكون المنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم عليهن، ثم ذكر حديث عائشة الآتي ثم قال: وقال آخرون بل معنى الآية لا يحل لك النساء من بعد أي من بعد ما ذكرنا لك من صفة النساء اللاتي أحللنا لك من نسائك

(9/77)


قَالَ {وَمَنْ يَكْفُرْ بالإيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ في الآخرةِ مِنَ الخَاسِرين} وَقَالَ {يَا أَيّهَا النبيّ إِنّا أَحْلَلْنَا لَكَ أزْوَاجَكَ اللاّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أَفَاءَ الله عَلَيْكَ} إِلى قَوْلِهِ {خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ المُؤْمِنِينَ} وَحرّمَ مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ أَصْنَافِ النّسَاءِ. هَذا حديثٌ حَسَنٌ إِنّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ عبدِ الحمِيدِ بنِ بَهْرَامَ سَمِعْتُ أَحمَدَ بن الحَسَنِ يقول: قال أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ لاَ بَأْسَ بِحَديِثِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بنِ بَهْرَا عَن شَهْر بنِ حَوْشَبٍ.
3269 ـ حدثنا ابنُ أَبِي عُمَر، أخبرنا سُفْيَانُ بن عيينة عَنْ عَمْرٍو عَن عَطَاءٍ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: "مَا مَاتَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم حَتّى أُحِلّ لَهُ
ـــــــ
اللاتي أتيت أجورهن وما ملكت يمينك وبنات العم والعمات والخال والخالات والواهبة وما سوى ذلك من أصناف النساء فلا يحل لك، هذا مروى عن أُبي ابن كعب وعكرمة ومجاهد في رواية عنه والضحاك في رواية وأبي صالح والحسن وغيرهم ثم قال: واختيار ابن جرير رحمه الله، أن الآية عامة فيمن ذكر من أصناف النساء وفي النساء اللواتي في عصمته، وكن تسعاً وهذا الذي قاله جيد ولعله مراد كثير ممنن حكينا عنه من السلف فإن كثيراً منهم روي عنه هذا وهذا ولا منافاة انتهى "ثم قال" أي ثم قرأ ابن عباس {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} يعني ومن يجحد ما أمر الله به من توحيده ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عند الله فقد بطل ثواب عمله الذي كان عمله في الدنيا وخاب وخسر في الدنيا والآخرة. وهذه الآية في سورة المائدة والظاهر أن ابن عباس قرأها لبيان وجه تحريم الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ذات دين غير الإسلام.
قوله: "عن عمرو" هو ابن دينار. قوله: "ما مات رسول الله صلى الله

(9/78)


النّسَاءُ". هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيح.
3336 ـ حدثنا عُمَرُ بنُ إسْمَاعِيلَ بنِ مُجَالِدِ بنِ سَعِيدٍ، أخبرنا أبِي عن بيانٍ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ "بَنَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِامْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ فَأَرْسَلَنِي فَدَعَوْتُ قَوْماً إِلى الطّعَامِ فَلَمّا أَكَلُوا وَخَرَجُوا قَامَ
ـــــــ
عليه وسلم حتى أحل له النساء" وفي حديث أم سلمة عند ابن أبي حاتم "لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل الله له أن يتزوج من النساء ما شاء إلا ذات محرم" وذلك قوله الله تعالى {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ} الآية قال ابن كثير بعد ذكر هذا الحديث "فجعلت هذه" أي {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ} الآية "ناسخة للتي بعدها في التلاوة" أي لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك "كآبتي عدة الوفاة في البقرة الأولى ناسخة للتي بعدها" انتهى. المراد بالآية الأولى {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} وبالآية الثانية {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} .
قلت: اختلف في تفسير قوله تعالى: {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ} فقيل معناه تعتزل من شئت منهن بغير طلاق وتقسم لغيرها، وقال ابن عباس تطلق من تشاء منهن وتمسك من تشاء. وقال الحسن: تترك نكاح من شئت وتنكح من شئت من النساء، وقيل تقبل من تشاء من المؤمنات اللاتي يهبن أنفسهن فتؤويها إليك وتترك من تشاء فلا تقبلها. فقول من قال: إن هذه الآية ناسخة لقوله تعالى: {لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ} إلخ إنما يصح على بعض هذه الأقوال. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والنسائي.
قوله "عن بيان" هو ابن بشر. قوله "بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأة من نسائه" هي زينب أي دخل بها. قال في النهاية: البناء والابتناء الدخول بالزوجة والأصل فيه أن الرجل كان إذا تزوج امرأة بنى عليها قبة

(9/79)


رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مُنْطَلِقاً قِبَلَ بَيْتِ عَائِشَةَ فَرَأَى رَجُلَيْنِ جَالِسَيْنِ فانْصَرَفَ رَاجِعاً فَقَامَ الرّجُلاَنِ فَخَرَجَا فَأَنْزَلَ الله عز وجلّ {يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النبيّ إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إلى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إنَاهُ} " وفي الحَدِيثِ قِصّةٌ. هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ
ـــــــ
ليدخل بها فيها فيقال بنى الرجل على أهله قال الجوهري: ولا يقال بنى بأهله. وفيه نظر فإنه قد جاء في غير موضع من الحديث وغير الحديث وعاد الجوهري استعمله في كتابه انتهى. "إلى الطعام" أي طعام الوليمة "قام رسول الله صلى الله عليه وسلم منطلقاً قبل بيت عائشة فرأى رجلين جالسين" فيه اختصار وإجمال توضحه روايات البخاري ومحصل القصة: أن الذين حضروا الوليمة جلسوا يتحدثون واستحى النبي صلى الله عليه وسلم أن يأمرهم بالخروج فتهيأ للقيام ليفطنوا لمراده فيقوموا بقيامه فلما ألهاهم الحديث عن ذلك، قام وخرج فخرجوا بخروجه إلا الثلاثة الذين لم يفطنوا لذلك لشدة شغل بالهم بما كانوا فيه من الحديث. وفي غضون ذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يقوموا من غير مواجهتهم بالأمر بالخروج لشدة حيائه فيطيل الغيبة عنهم بالتشاغل بالسلام على نسائه وهم في شغل بالهم وكان أحدهم في أثناء ذلك أفاق من غفلة فخرج وبقي الاثنان فلما طال ذلك ووصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى منزله فرآهما فرجع فرأياه لما رجع فحينئذٍ فطنا فخرجا فدخل النبي صلى الله عليه وسلم وأنزلت الآية فأرخى الستر بينه وبين أنس خادمه أيضاً ولم يكن له عهد بذلك {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ} أي في الدخول بالدعاء {إِلَى طَعَامٍ} أي فتدخلوا {غَيْرَ نَاظِرِينَ} أي منتظرين {إِنَاهُ} أي نضجه مصدر أنى يأني وبعده {وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ} أي أكلتم الطعام {فَانْتَشِرُوا} أي فاخرجوا من منزله {وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ} . أي لا تطيلوا الجلوس ليستأنس بعضكم بحديث بعض {إِنَّ ذَلِكُمْ} أي المكث وإطالة الجلوس {كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ} أي من إخراجكم {وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ} أي لا يترك بيانه. قوله: "وفي الحديث قصة" أي طول وكلام أكثر

(9/80)


مِنْ حَدِيثِ بَيَانٍ وَرَوَى ثابِتٌ عَنْ أَنَسٍ هَذَا الحَدِيثَ بِطُولِهِ.
3271 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ المُثَنّى، أخبرنا أَشْهَد بنُ حَاتِمٍ قَالَ ابنُ عَوْنٍ: حدثناهُ عَنْ عَمْرِو بنِ سَعِيدٍ عَن أنَسِ بنِ مَالِك قَالَ "كُنْتُ مَعَ النبيّ صلى الله عليه وسلم فَأَتَى بَابَ امْرَأَةٍ عَرّسَ بِهَا فإِذَا عِنْدَهَا قَوْمٌ فَانْطَلَقَ فَقَضَى حَاجَتَهُ واحْتُبِسَ ثُمّ رَجَعَ وَعِنْدَهَا قَوْمٌ فَانْطَلَقَ فَقَضَى حَاجَتَهُ فَرَجَعَ وَقَد خَرَجُوا. قَالَ فَدَخَلَ وَأَرْخَى بَيْنِي وبَيْنَهُ سِتْراً قَالَ فَذَكَرْتُهُ لأَبي طَلْحَةَ قَالَ فَقَالَ لَئِنْ كَانَ كَمَا تَقُولُ لَيَنْزِلَنّ في هَذَا شَيْءٌ. قَالَ: فَنَزَلَتْ آيَةُ الحِجَابِ" . هَذا حديثٌ حسن غريبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وعَمْرُو بنُ سَعِيدٍ يُقَالُ لَهُ الأَصْلَع.
ـــــــ
من هذا "هذا حديث حسن غريب" وأصله في الصحيحين "وروى ثابت عن أنس هذا الحديث بطوله" أخرجه مسلم في باب زواج زينب بنت جحش ونزول الحجاب من كتاب النكاح.
قوله: "حدثنا أشهد بن حاتم" الجمحي مولاهم أبو عمرو وقيل أبو حاتم بصرى صدوق يخطئ من التاسعة "قال ابن عون حدثناه عن عمرو بن سعيد" الضمير في قال راجع إلى أشهد، وابن عون مبتدأ وحدثناه خبره أي قال أشهد ابن عون حدثنا هذا الحديث عن عمرو بن سعيد، وابن عون هذا هو عبد الله بن عون وعمرو بن سعيد هو أبو سعيد البصري. قوله: "عرس بها" من التعريس أي بنى بها قال في النهاية أعرس الرجل فهو معرس إذا دخل بامرأته عند بنائها ولا يقال فيه عرس. قلت قوله ولا يقال فيه عرس ترده رواية الترمذي هذه، وقال في المجمع قيل هو أي عرس لغة في أعرس "فاحتبس" الحبس المنع واحتبسه حبسه فاحتبس لازم ومتعد كذا في القاموس "فنزلت آية الحجاب" وهي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ} إلخ.

(9/81)


3272 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ، أخبرنا جَعْفَرُ بنُ سُلَيْمَانَ الضُبَعِيّ عَن الْجَعْدِ أبي عُثْمَانَ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: "تَزَوّجَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَدَخَلَ بِأَهِلِهِ، قَالَ فَصَنَعَتْ أُمّي أُمّ سُلَيْمٍ حَيْساً فَجَعَلَتْهُ في تَوْرٍ فَقَالَتْ يَا أَنَسُ اذْهَبْ بِهَذَا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فَقُلْ لَهُ بَعَثَتْ بِهَذا إلَيْكَ أُمّي وَهِيَ تَقْرِئُكَ السّلاَمَ وَتَقُولُ إنّ هذَا لَكَ مِنّا قَلِيلٌ يَا رَسُولَ الله. قَالَ فَذَهَبْتُ بِهِ إلى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ إنّ أُمّي تُقْرِئُكَ السّلاَمَ وَتَقُولُ إنّ هَذَا مِنّا لَكَ قَلِيلٌ، فَقَالَ ضَعْهُ، ثُمّ قَالَ اذْهَبْ فَادْعُ لِي فُلاَناً وَفُلاَناً وفُلاَناً وَمَنْ لَقِيتَ وَسَمّى رِجَالاً، قَالَ فَدَعَوْتُ مَنْ سَمّى وَمَنْ لَقِيتُ، قَالَ قُلْتُ لأَنَسٍ عَدَدُكَمْ كَانُوا؟ قَالَ زَهَاءُ ثَلاَثِمَائَةٍ، قَالَ وَقَالَ لِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَا أنَسُ هَاتِ التّوْرِ، قَالَ فَدَخَلُوا حَتّى امْتَلأَتِ الصّفّةُ والْحُجْرَةُ فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لِيَتَحلّق عَشْرَةٌ عَشْرةٌ ولْيَأْكُلْ كُلّ
ـــــــ
قوله: "عن الجعد أبي عثمان" قال في التقريب: الجعد بن دينار اليشكري أبو عثمان الصيرفي البصري صاحب الحلى ثقة من الرابعة. قوله: "فدخل بأهله" هي زينب بنت جحش "فصنعت أمي أم سليم حيساً" هو الطعام المتخذ من التمر والأقط والسمن وقد يجعل عوض الأقط الدقيق أو الفتيت "فجعلته في تور" بفتح تاء وسكون واو هو إناء من صفر أو حجارة كالإجانة وقد يتوضأ منه "قال زهاء ثلثمائة" بضم الزاي وفتح الهاء وبالمد أي قدر ثلاث مائة من زهوت القوم أي حزرتهم وهو بالنصب على تقدير كانوا وقيل برفعه أي عددنا مقدار ثلثمائة "هات" بكسر التاء أي أعطني "حتى امتلأت الصفة" بضم صاد وتشديد فاء هو موضع مظلل في مسجد المدينة وأهل الصفة فقراء المهاجرين ومن لم يكن له منم منزل يسكنه فكانوا يأوون إليه "ليتحلق" الحلقة بفتح

(9/82)


إنْسَانٍ مِمّا يَلِيهِ، قَالَ فَأَكَلُوا حَتّى شَبِعُوا، قَالَ فَخَرَجَتْ طَائِفَةٌ وَدَخَلَتْ طَائِفَةٌ حَتّى أَكَلُوا كُلّهُمْ، قَالَ فَقَالَ لِي يَا أَنَسُ ارْفَعْ. قَالَ فَرَفَعْتُ فَمَا أَدْرِي حِينَ وَضَعْتُ كَانَ أَكْثَرَ أَمْ حِينَ رَفَعْتُ، قَالَ وَجَلَسَ مِنْهُمْ طَوَائِفُ يَتَحَدّثُونَ في بَيْتِ رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم وَرسولُ الله صلى الله عليه وسلم جَالِسٌ وَزَوْجَتُهُ مُوَلّيَةٌ وَجْهَهَا إلى الحَائِطِ، فَثَقُلُوا عَلَى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فَخَرَجَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فَسَلّمَ عَلَى نِسَائِهِ ثُمّ رَجَعَ فَلَمّا رَأَوْا رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَدْ رَجَعَ ظَنّوا أَنّهُمْ قَدْ ثَقُلُوا عَلَيْهِ قال: فابْتَدَرُوا الْبَابَ فَخَرَجُوا كُلّهُمْ وَجَاءَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم حَتّى أَرْخَى السّتْرَ وَدَخَلَ وَأَنَا جَالِسٌ في الْحُجْرَةِ فَلَمْ يَلْبَثْ إلاّ يَسِيراً حَتّى خَرَجَ عَلَيّ وَأُنْزِلَتْ هذِهِ الآيات، فَخَرَجَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فَقَرَأَهُنّ عَلَى النّاسِ: {يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النّبيّ إلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى
ـــــــ
الحاء وسكون اللام هي الجماعة من الناس مستديرون كحلقة الباب وغيره والتحلق تفعل منها وهو أن يتعمدوا ذلك "ارفع" أي الطعام "حين وضعت" أي الطعام قال الحافظ بعد ذكر هذا الحديث عن صحيح مسلم ويجمع بينه وبين رواية حميد "يعني عن أنس قال أولم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بنى بزينب ابنة جحش فأشبع الناس خبزاً ولحماً" بأنه صلى الله عليه وسلم أولم عليه باللحم والخبز وأرسلت إليه أم سليم الحيس انتهى. وقال النووي: وفي هذا الحديث أنه يستحب لأصدقاء المتزوج أن يبعثوا إليه بطعام يساعدونه به على وليمته وفيه الاعتذار إلى المبعوث إليه وقول الإنسان نحو قول أم سليم هذا منا لك قليل انتهى "وزوجته مولية وجهها" وكذلك في صحيح مسلم وزوجته بالتاء، قال النووي: هكذا هو في جميع النسخ بالتاء وهي لغة قليلة تكررت في الحديث

(9/83)


طَعَامِ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتَمْ فادْخُلُوا فإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لحدِيثٍ إِنّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النبيّ} إِلى آخِرِ الآيةِ. قَالَ الْجَعْدُ قَالَ أَنَسٌ: أَنَا أَحْدَثُ النّاسِ عَهْداً بِهَذِهِ الآيات وَحُجِبْنَ نِسَاءُ النبيّ صلى الله عليه وسلم" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. وَالْجَعْدُ هُوَ ابنُ عُثْمَانَ ويُقَالُ هُوَ ابنُ دِينَارٍ وَيُكْنَى أَبَا عُثْمَانَ بَصْرِيّ وَهُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ رَوَى عَنْهُ يُونُسُ بنُ عُبَيْدٍ وَشُعْبَةُ وَحَمّادُ بنُ زَيْدٍ.
3273 ـ حدثنا إسحاقُ بنُ مُوسَى الأَنْصَارِيّ، أخبرنا مَعْنٌ، أخبرنا مَالِكُ بنُ أَنَسٍ عن نُعَيْمِ بنِ عَبْدِ الله المُجْمِرِ أَنّ مُحَمّدَ بنَ عَبْدِ الله بنِ زَيْدٍ الأَنْصَارِيّ. وعَبْدُ الله بنُ زَيْدٍ الّذِي كَانَ أُرِيَ النّدَاءَ بالصّلاَةِ أَخْبَرَهُ عَن أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيّ أَنّهُ قَالَ: "أَتَانَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
ـــــــ
والشعر المشهور حذفها "فثقلوا" بفتح المثلثة وضم القاف "قال أنس أنا أحدث الناس عهداً بهذه الآيات" يعني أول الناس علماً بهذه الآية فعلمتها أولاً ثم علمها الناس. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم والنسائي وابن أبي حاتم وعلقه البخاري في كتاب النكاح فقال وقال إبراهيم بن طهمان عن الجعد أبي عثمان عن أنس فذكر نحوه.
قوله: "عن نعيم بن عبد الله المجمر" كنيته أبو عبد الله المدني مولى آل عمر يعرف بالمجمر بسكون الجيم وضم الميم الأولى وكسر الثانية وكذا أبوه ثقة من الثالثة "وعبد الله بن زيد الذي كان أدى النداء بالصلاة" يعني عبد الله بن زيد والد محمد هذا هو الذي أدى النداء بالصلاة وفي رواية مسلم وعبد الله بن زيد هو الذي كان أدى النداء بالصلاة "عن أبي مسعود الأنصاري"

(9/84)


ونَحْنُ في مَجْلِسِ سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ فَقَالَ لَهُ بَشِيرُ بنُ سَعْدٍ أَمَرَنَا الله أَنْ نُصَلّي عَلَيْكَ فَكَيْفَ نُصَلّي عَلَيْكَ قَالَ فَسَكَتَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم حَتى تمنّينا أَنّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ، ثُمّ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قُولُوا: اللّهُمّ صَلّ عَلَى مُحَمّدٍ وَعَلَى آلِ مُحمّدٍ كمَا صَلّيْتَ عَلَى إبراهيم وَعَلَى آلِ إبْرَاهيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحمّدٍ وعَلَى آلِ مُحمّدٍ كمَا بَارَكْتَ عَلَى إبْرَاهيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهيمَ في العالمينَ إنّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، والسّلاَمُ كمَا قَدْ عُلّمْتُمْ" وفي البابِ عَن عَلِيّ وأَبي حُمَيْدٍ وكَعْبِ
ـــــــ
اسمه عقبة بن عمرو صاحبي بدري جليل. قوله: "فقال له بشير بن سعد" بن ثعلبة بن جلاس الأنصاري الخزرجي صحابي جليل بدري استشهد بعين التمر "أمرنا الله أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك" أي أمرنا الله تعالى بقوله: صلوا عليه وسلموا تسليماً. فكيف نلفظ بالصلاة "حتى ظننا" من الظن وفي رواية مسلم حتى تمنينا من التمني "أنه لم يسأله" قال النووي: معناه كرهنا سؤاله مخافة من أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم كره سؤاله وشق عليه "وبارك على إبراهيم وعلى محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم" قال العلماء: معنى البركة هنا الزيادة من الخير والكرامة وقيل هي بمعنى التطهير والتزكية. قال النووي "والسلام كما قد علمتم" معناه قد أمركم الله تعالى بالصلاة والسلام علي فأما الصلاة فهذه صفتها وأما السلام فكما علمتم في التشهد وهو قولهم: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وقوله علمتم هو بفتح العين وكسر اللام المخففة ومنهم من رواه بضم العين وتشديد اللام أي علمتكموه وكلاهما صحيح. قوله: "وفي الباب عن علي وأبي حميد إلخ" أما حديث علي فأخرجه النسائي، وأما حديث أبي حميد فأخرجه الشيخان، وأما حديث كعب بن عجرة فأخرجه الجماعة، وأما حديث طلحة بن عبيد الله فأخرجه النسائي، وأما حديث أبي سعيد فأخرجه البخاري والنسائي وابن ماجه، وأما حديث زيد بن خارجة فأخرجه أحمد والنسائي، وأما حديث بريدة فأخرجه أحمد وفي سنده أبو داود الأعمى اسمه نفيع وهو ضعيف جداً ومتهم بالوضع. وفي الباب

(9/85)


ابنِ عُجْرَةَ وطَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ الله وأَبي سَعِيدٍ وَزَيْدِ بنِ خَارِجَةَ ويُقَالُ ابنُ حَارِثَةَ وبُرَيْدَةَ هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
3274 ـ حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، أخبرنا رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ عَن عَوْفٍ عَن الحَسَنِ ومُحمّدٍ وَخِلاَسٍ عَن أَبي هُرَيْرَةَ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم "أَنّ مُوسَى عَلَيهِ السّلاَمُ كانَ رَجُلاً حَيِيّا سِتّيراً مَا يُرَى مِنْ جِلْدِهِ شَيْءٌ اسْتِحْيَاءً مِنْهُ فآذَاهُ مَنْ آذَاهُ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ فَقَالُوا مَا يَسْتَتِرُ هَذَا التّسَتّرَ إلاّ مِنْ عَيْبٍ بِجِلْدِهِ إِمّا بَرَصٌ وإمّا أُدْرَةٌ وإمّا آفَةٌ وإنّ الله عز وجلّ أَرَادَ أَنْ يُبَرّئَهُ مِمّا قَالُوا، وإنّ مُوسَى عليه السلام خَلاَ يَوْماً وَحْدَهُ فَوَضَعَ ثِيَابَهُ عَلَى حَجَر
ـــــــ
أحاديث أخرى إن شئت الوقوف على ألفاظ هذه الأحاديث فراجع النيل. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي.
قوله: "عن عوف" هو ابن أبي جميلة الأعرابي "عن الحسن" هو البصري "ومحمد" هو ابن سيرين "وخلاس" بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام وآخره مهملة هو ابن عمرو الهجري. قوله: "كان رجلاً حيياً" بفتح الحاء المهملة وكسر التحتانية الخفيفة بعدها أخرى مثقلة بوزن فعيل من الحياء أي ذا حياء "ستيراً" بفتح السين بوزن كريم ويقال ستيراً بكسر السين وتشديد الفوقية المسكورة بوزن سكين أي ذا تستر يستتر في الغسل. ما يرى من جلده "شيء استحياء منه" هذا يشعر بأن اغتسال بني إسرائيل عراة بمحضر منهم كان جائزاً في شرعهم وإنما اغتسل موسى وحده استحياء "فآذاه من آذاه" بالمد فيهما من الإيذاء "إما برص" محركة بياض يظهر في ظاهر البدن لفساد مزاج "وإما أدرة" بضم الهمزة وسكون الذال في الخصية يقال رجل آدر بين الأدر بفتح الهمزة والدال، ووقع في رواية ابن مردويه عن عوف الجزم بأنهم قالوا إنه آدر "وإن الله أراد أن يبرئه" بتشديد الراء من التبرئة أي ينزهه عن نسبة ذلك العيب "وإن موسى خلا يوماً وحده" أي انفرد عن الناس يوماً حال كونه

(9/86)


ثُمّ اغْتَسَلَ فَلَمّا فَرَغَ أَقْبَلَ إلى ثِيَابِهِ ليَأْخُذَهَا وإنّ الحَجَرَ عَدَا بِثَوْبِهِ فَأَخَذَ مُوسَى عَصَاهُ فَطَلَبَ الْحَجَرَ فَجَعَلَ يَقُولُ ثَوْبي حَجَرُ ثَوْبي حَجَرُ حَتّى انْتَهَى إِلى مَلأٍ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ فَرَأَوْهُ عُرْيَاناً أَحْسَنَ النّاسِ خَلْقاً وَأَبْرَأَهُ مِمّا كَانُوا يَقُولُونَ، قَالَ وقَامَ الْحَجَرُ فأَخَذَ ثَوْبَهُ فَلَبِسَهُ وَطفِقَ بالْحَجَرِ ضَرْباً بِعَصَاهُ، فَوَالله إنّ بالْحَجَرِ لَنَدْباً مِنْ أَثَرِ عَصَاهُ ثَلاثَاً أَوْ أَرْبَعاً أَوْ خَمْساً فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى {يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كالّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرّأَهُ الله مِمّا قَالُوا وَكانَ عِنْدَ الله وَجِيهاً} " . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ وقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَن أَبي هُرَيْرَةَ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
منفرداً "عدا بثوبه" أي فر ومضى مسرعاً "ثوبي حجر ثوبي حجر" أي أعطني ثوبي أو رد ثوبي وحجر بالضم على حذف النداء "حتى انتهى إلى ملأ" أي جماعة والظاهر أن فيهم المؤذين "فرأوه عرياناً" أي أبصروه حال كونه عرياناً "وطفق" بكسر الفاء أخذ وشرع "بالحجر ضرباً" يضربه ضرباً فالجار متعلق بالفعل المقدر كما في قوله سبحانه {فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ} "فو الله إن بالحجر لندبا" بالتحريك أثر الجرح إذا لم يرتفع عن الجلد فشبه به أثر الضرب في الحجر قال الحافظ: ظاهره أنه بقية الحديث وقد بين في رواية همام في الغسل أنه قول أبي هريرة انتهى. ولفظ رواية همام عند البخاري في الغسل هكذا قال أبو هريرة "والله إنه لندب بالحجر ستة أو سبعة ضرباً بالحجر" فذلك قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى} أي لا تؤذوا نبيكم كما آذى بنو إسرائيل موسى وهو قولهم إنه آدر {فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا} أي فطهره الله مما قالوا فيه {وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً} أي كريماً ذا جاه وقدر. ومما أوذي به نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قسم قسماً فقال رجل هذه قسمة ما أريد

(9/87)


سورة سبأ
بسم الله الرحمن الرحيم
3275 ـ حدثنا أَبُو كُرَيْبٍ وَعَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ قَالاَ أخبرنا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ الحَسَنَ بنِ الحَكَمِ النّخَعيّ قَالَ: حَدّثني أَبو سَبْرَةَ النّخَعيّ عَنْ فَرْوَةَ بنِ مُسَيْكٍ المُرادِيّ قَالَ "أَتَيْتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ يَا رَسُولَ الله أَلاَ أُقَاتِلُ مَنْ أَدْبَرَ مِنْ قَوْمِي بمَنْ أَقْبَلَ مِنْهُمْ؟ فأَذِنَ لِي في قِتَالِهِمْ وَأَمّرَني، فَلَمّا خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهِ سَأَلَ عَنّي مَا فَعَلَ الغُطَيْفِيّ فأُخْبِرَ أنيّ قَدْ سِرْتُ، قَالَ فأَرْسَلَ في أَثَرِي فَرَدّني فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ في نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ:
ـــــــ
بها وجه الله. فغضب النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك. وقال "يرحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر" . رواه البخاري. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.
"سورة سبأ"
مكية إلا {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} الآية
وهي أربع أو خمس وخمسون آية
قوله: "أخبرنا أبو أسامة" اسمه حماد بن أسامة "عن الحسن بن الحكم النخعي" كنيته أبو الحكم الكوفي صدوق يخطئ من السادسة "حدثني أبو سبرة النخعي" الكوفي يقال اسمه عبد الله بن عابس مقبول من الثالثة "عن فروة بن مسيك" بضم الميم وبفتح السين المهملة مصغراً المرادي ثم الغطيفي صحابي سكن الكوفة يكنى أبا عمير واستعمله عمر. قوله: "من أدبر" أي عن الإسلام "بمن أقبل منهم" أي مع من آمن من قومي "في قتالهم" أي في قتال من أدبر من قومي "وأمرني" أي جعلني أميراً "ما فعل الغطيفي" يعني فروة بن مسيك "فأخبر" بصغية المجهول "فأرسل في أثري" بفتحتين وبكسر الهمزة وسكون المثلثة أي

(9/88)


ادْعُ القَوْمَ فَمنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ فَاقْبَلْ مِنْهُ، وَمَنْ لَمْ يُسْلِمْ فَلاَ تَعْجَلْ حَتّى أُحْدِثَ إِلَيْكَ، قَالَ وأُنْزِلَ في سَبَإ ما أُنْزِلَ، فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ الله وَمَا سَبَأٌ أَرْضٌ أَو امرأةٌ؟ قَالَ لَيْسَ بِأَرْضٍ وَلاَ امْرَأَةٍ وَلَكنّهُ رَجُلٌ وَلَدَ عَشْرَةً مِنَ العَرَبِ فَتَيَامَنَ مِنْهُمْ سِتّةٌ وَتَشَاءَمَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ، فأَمّا الّذِينَ تَشَاءَمُوا فَلخْمٌ وجذامٌ وَغَسّانُ وعَامِلَةُ، وأَمّا الّذِينَ تَيَامَنَوُا فالأَزْدُ والأَشْعَريونَ وحِمْيَرُ ومَذْحِج وَأَنْمَار، وَكِنْدَةُ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ الله ومَا أَنْمَارُ؟ قَالَ الّذِينَ مِنْهُم خَثْعَمُ وَبَجِيلَةُ" ورُوي هذا عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم. هَذا حديثٌ غَرِيبٌ حَسَنٌ.
ـــــــ
عقبى، قال في القاموس: خرج في أثره وإثره أي بعده "فردني" أي فأرجعني "ادع القوم" أي إلى الإسلام "فأقبل منه" أي فأقبل الإسلام منه "فلا تعجل" أي بقتالهم "حتى أحدث إليك" يعني حتى آمرك بأمر حادث جديد "وأنزل في سبأ" بفتح السين والموحدة وبالهمزة والمراد بها القبيلة التي هي من أولاد سبأ ابن يشجب بن يعرب بن قحطان بن هود "ما أنزل" أي من الآيات "ولد عشرة" بالنصب إذا كان ولد بصيغة المعلوم وبالرفع إذا كان بصيغة المجهول أي ولد له عشرة وكذلك في رواية أحمد "فتيامن منهم ستة" أي أخذوا ناحية اليمن وسكنوا بها "وتشاءم منهم أربعة" أي قصدوا جهة الشام "فلخم" بفتح اللام وسكون الخاء المعجمة "وجذام" بضم الجيم وبالذال المعجمة بوزن غراب "وغسان" بالغين المعجمة وتشديد السين المهملة بوزن شداد "وعاملة" بكسر الميم قال في القاموس بنو عاملة بن سبأ حي باليمن "وأما الذين تيامنوا فالأزد" بفتح الهمزة وسكون الزاي وبالدال المهملة "والأشعرون" قال في القاموس الأشعر أبو قبيلة باليمن منهم أبو موسى الأشعري ويقولون جاءتك الأشعرون بحذف ياء النسب "وحمير" بكسر الحاء وسكون الميم بوزن درهم "وكندة" بكسر الكاف وسكون النون "ومذحج" بفتح الميم وسكون ذال معجمة وكسر حاء مهملة وبجيم "وأنمار" بفتح الهمزة وسكون النون "الذين منهم خثعم" بوزن جعفر "وبجيلة" بفتح الموحدة وكسر الجيم كسفينة. قوله: "هذا

(9/89)


3276 ـ حدثنا ابنُ أَبي عُمَر أخبرنا سُفْيَانُ عَن عَمْرو عَن عِكْرمَةَ عَن أَبي هُرَيْرَةَ عَن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ "إذَا قَضَى الله في السّمَاءِ أَمْراً ضَرَبَتِ المَلاَئِكَةُ بِأجْنِحَتِهَا خَضَعَاناً لقوله كَأَنّهَا سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ، فإذا فُزّعَ عَن قُلُوبِهمْ قَالُوا مَاذَا قَال رَبّكُمْ؟ قَالُوا الحَقّ وَهُوَ العَلِيّ الكَبِيرُ، قَالَ والشّيَاطِينُ بَعْضُهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
حديث غريب حسن" وأخرجه أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم وأخرجه أبو داود مختصراً في كتاب الحروف والقراءات.
قوله: "عن عمرو" هو ابن دينار "إذا قضى الله في السماء أمراً" أي إذا حكم الله عزّ وجلّ بأمر من الأمور "ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً" بفتحتين من الخضوع وفي رواية بضم أوله وسكون ثانيه وهو مصدر بمعنى خاضعين قاله الحافظ "لقوله" أي لقول الله تعالى "كأنها" أي كلماته المسموعة، وفي رواية البخاري كأنه أي القول المسموع "سلسلة" أي من الحديد "على صفوان" هو الحجر الأملس "فإذا فزع عن قلوبهم" بضم الفاء وتشديد الزاي وبالعين المهملة أي كشف عنهم الفزع وأزيل "قالوا" أي سأل بعضهم بعضاً "قالوا الحق" أي قال الله القول الحق. قيل المجيبون هم الملائكة المقربون كجبرئيل وميكائيل وغيرهما. قلت: ويؤيده حديث ابن مسعود الآتي "وهو العلي الكبير" أي ذو العلو والكبرياء، وفي حديث ابن مسعود عند أبي داود قال "إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السموات صلصلة كجر السلسلة على الصفاة فيصعقون فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل فإذا جاء فزع عن قلوبهم فيقولون يا جبرئيل ماذا قال ربك فيقول الحق فيقولون الحق" "والشياطين بعضهم فوق بعض" أي لاستراق السمع. زاد البخاري فيسمعها مسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن فربما أدرك الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معها مائة كذبة فيقال:

(9/90)


3277 ـ حدثنا نَصْرُ بنُ عَلِيّ الْجَهْضَمِيّ، أخبرنا عَبْدُ الأَعْلَى أخبرنا مَعْمَرٌ عَن الزّهْرِيّ عَن عَلِيّ بنِ حُسَيْنٍ عَن ابنِ عَبّاسٍ قَالَ "بَيْنَمَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم جَالِسٌ في نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إِذْ رُمِيَ بِنَجْمٍ فاسْتَنَارَ فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ لِمْثلِ هَذَا في الجَاهِليّةِ إذَا رَأَيْتُمُوهُ؟ قَالُوا: كُنّا نَقُولُ يَمُوتُ عَظِيمٌ أَوْ يُولَدُ عَظيمٌ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: فإِنّهُ لاَ يُرْمَى بِهِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَياتِهِ وَلَكِنّ رَبّنَا عز وجلّ إذَا قَضَى أَمْراً سَبّحَ له حَمَلَةُ العَرْشِ ثُمّ سَبّحَ أَهْلُ السّمَاءِ الّذِينَ يَلُونَهُم ثُمّ الّذِينَ يَلُونَهُمْ حَتّى يَبْلُغَ التّسْبِيحُ إلى هَذِهِ السّمَاءِ ثُمّ سَأَلَ أَهْلُ السّمَاءِ السّادِسَةِ أَهْلَ السّمَاءِ السّابِعَةِ مَاذَا قَالَ رَبّكُمْ؟ قَالَ: فيُخْبِرونَهُمْ ثُمّ يَسْتَخْبِرُ أَهْلُ كلّ سَمَاءٍ حَتّى يَبْلُغَ الخبرُ أَهْلَ السّمَاءِ
ـــــــ
أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا كذا. وكذا فيصدق بتلك الكلمة التي من السماء. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري وأبو داود وابن ماجه.
قوله: "حدثنا عبد الأعلى" هو ابن عبد الأعلى "عن علي بن حسين" بن علي ابن أبي طالب الهاشمي المدني المعروف بزين العابدين. قوله: "إذا رمي بنجم" أي قذف به والمعنى انقض كوكب وهو جواب بينما "فاستنار" أي الجو به "ما كنتم تقولون لمثل هذا في الجاهلية إذا رأيتموه" ليس سؤاله صلى الله عليه وسلم للاستعلام لأنه كان عالماً بذلك بل لأن يجيبوا عما كانوا يعتقدونه في الجاهلية فيزيله عنهم ويقلعه عن أصله "يموت عظيم" أي رجل عظيم "لا يرمي" بصيغة المجهول "به" أي بالنجم "لموت أحد ولا لحياته" أي ولا لحياة أحد آخر "تبارك اسمه" أي تكاثر خير اسمه "حتى يبلغ التسبيح" أي صوته أو نوبته "إلى هذه السماء" أي السماء الدنيا "فيخبرونهم" أي أهل السماء السادسة بما قال الله تعالى "حتى يبلغ الخبر" أي يصل "وتختطف الشياطين" من

(9/91)


الدّنْيَا وتَخْتَطِف الشّيَاطِينُ السّمْعَ فَيُرْمَوْنَ فَيَقْذِفُونَهَا إِلى أَوْلِيَائِهِمْ، فَمَا جَاؤوا بِهِ عَلَى وَجْهِهِ فَهُوَ حَقّ وَلَكِنّهُمْ يُحَرّفُونَ وَيزِيدُونَ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. وقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ عَن الزّهْرِيّ عَن عَلِيّ بنِ الحُسَيْنِ عَن ابنِ عَبّاسٍ عَن رِجَالٍ مِنَ الأَنْصَارِ قَالُوا : "كُنّا عِنْدَ النبيّ صلى الله عليه وسلم" .
ـــــــ
الاختطاف أي تسترق "فيرمون" بصيغة المجهول أي الشياطين يقذفون بالشهب "فيقذونه" أي ما سمعوه من الملائكة "إلى أوليائهم" من الكهنة والمنجمين "فما جاءوا به" أي أوليائهم "على وجهه" أي من غير تصرف فيه "فهو حق" أي كائن واقع "ويزيدون" أي يزيدون فيه دائماً كذبات أخر منضمة إليه. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد "وقد روى هذا الحديث عن الزهري عن علي بن حسين عن ابن عباس عن رجال من الأنصار إلخ" أخرجه مسلم.

(9/92)


سورة الملائكة
بسم الله الرحمن الرحيم
3278 ـ حدثنا أَبُو مُوسَى مُحمّدُ بنُ المُثَنّى ومُحمّدُ بنُ بَشّارٍ قَالاَ: أخبرنا مُحمّدُ بنُ جَعْفَرٍ أخبرنا شُعْبَةُ عَن الوَلِيدِ بنِ العَيْزارِ أَنّهُ سَمِعَ رَجُلاً مِنْ ثَقِيفٍ يُحَدّثُ عَن رجال مِنْ كِنَدةَ عَن أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيّ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم أَنّهُ قَالَ في هَذِهِ الآية {ثُمّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ
ـــــــ
"سورة الملائكة"
وتسمى سورة فاطر مكية وهي خمس أو ست وأربعون آية
قوله: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا} أي أعطينا {الْكِتَابَ} أي القرآن {الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ

(9/92)


الذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ومِنْهُمْ سَابِقٌ بالْخَيْرَاتِ بإِذْنِ الله} قَالَ: "هَؤُلاَءِ كُلّهُمْ بِمنْزلَةٍ وَاحِدَةٍ وكُلّهُمْ في الجَنّة" . هَذا حديثٌ غَرِيبٌ حَسَنٌ.
ـــــــ
عِبَادِنَا} هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ} بالتقصير في العمل به {وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ} يعمل به في أغلب الأوقات {وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ} يضم إلى العمل به التعليم والإرشاد إلى العمل {بِإِذْنِ اللَّهِ} أي بإرادته "قال" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "هؤلاء" أي الأنواع الثلاثة "كلهم بمنزلة واحدة وكلهم في الجنة" قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: معناه أي في أنهم من هذه الأمة وأنهم من أهل الجنة وإن كان بينهم فرق في المنازل في الجنة. وقال قال علي بن طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} قال هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم ورثهم الله تعالى كل كتاب أنزله، فظالمهم يغفر له ومقتصدهم يحاسب حساباً يسيراً، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب. وكذا روي عن غير واحد من السلف أن الظالم لنفسه من هذه الأمة من المصطفين على ما فيه من عوج وتقصير. وقال آخرون: بل الظالم لنفسه ليس من هذه الأمة ولا من المصطفين الوارثين للكتاب، والصحيح أن الظالم لنفسه من هذه الأمة، وهذا اختيار ابن جرير كما هو ظاهر الآية وكما جاءت به الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طرق يشد بعضها بعضاً فذكرها، ومنها حديث الباب، ومنها حديث أبي الدرداء رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "قال الله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ} فأما الذين سبقوا فأولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وأما الذين اقتصدوا فأولئك الذين يحاسبون حساباً يسيراً، وأما الذين ظلموا أنفسهم فأولئك الذين يحبسون في طول المحشر ثم هم الذين تلافاهم الله برحمته فهم الذين يقولون {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي أَحَلَّنَا

(9/93)


سورة يس
بسم الله الرحمن الرحيم
3279 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ وَزِيرٍ الْوَاسِطِيّ أخبرنا إِسْحَاقُ بنُ يُوسُفَ الأَزْرَقُ عنْ سُفْيَانَ الثّوْرِيّ عَنْ أَبي سُفْيَانَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قالَ: "كَانَتْ بَنُو سَلَمَةَ فِي نَاحِيَةِ المَدِينَةِ فَأَرَادُوا النّقْلَةَ إِلى قُرْبِ المَسْجِدِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآية {إِنّا نَحْنُ نُحْيِى الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدّمُوا وَآثَارَهُمْ} فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إِنّ
ـــــــ
دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ} " رواه أحمد. قوله: "هذا حديث غريب حسن" وأخرجه أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم وفي أسانيد كلهم من لم يسم فتحسين الترمذي له لشواهده.
"سورة يس"
مكية وهي ثلاث وثمانون آية
قوله: "عن أبي نضرة" العبدي الواسطي. قوله: "كانت بنو سلمة" بكسر اللام بطن من الأنصار وليس في العرب سلمة بكسر اللام غيرهم "فأرادوا النقلة" بضم النون وسكون القاف أي الانتقال {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى} أي يوم القيامة وفيه إشارة إلى أن الله تعالى يحيي قلب من يشاء من الكفار الذين قد ماتت قلوبهم بالضلالة فيهديهم بعد ذلك إلى الحق {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا} أي في حياتهم من خير وشر ليجازوا عليهم {وَآثَارَهُمْ} فيه قولان أحدهما نكتب أعمالهم التي باشروها بأنفسهم وآثارهم التي أثروها من بعدهم فيجزيهم على ذلك أيضاً

(9/94)


آثَارَكُمْ تُكْتَبُ فَلاَ تَنْتَقِلُوا" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ الثّوْرِيّ. وَأَبُو سُفْيَانَ هُوَ طَرِيفٌ السّعْدِيّ.
3280 ـ حدثنا هَنَادٌ أخبرنا أبُو مُعَاوِيَةَ عن الاعْمَشِ عَن إِبْرَاهِيمَ التيمي عَنْ أَبِيهِ عَن أَبي ذَرّ قالَ "دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ حِينَ غَابَتِ الشّمْسُ وَالنبيّ صلى الله عليه وسلم جَالِسٌ فَقَالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: يَا أبَا ذَرَ أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ؟ قالَ: قُلْتُ الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قالَ: فإِنّهَا تَذْهَبُ فَتَسْتَأْذِنُ في السّجُودِ فَيُؤْذَنُ لَهَا وَكَأَنّهَا قَدْ قِيلَ لَهَا اطْلعِي مِنْ حَيثُ جِئْتِ فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْر بِهَا قَالَ: ثُمّ قَرَأَ {ذَلِكَ مُسْتَقرٌ لَهَا} " قَالَ: وَذَلِكَ في قِرَاءَةِ عَبْدِ الله. هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
إن خيراً فخير وإن شراً فشر. كقوله صلى الله عليه وسلم: "من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيئاً" . رواه مسلم، وهذا القول هو اختيار البغوي. والقول الثاني المراد بذلك آثار خطاهم إلى الطاعة أو المعصية، قال ابن أبي نجيح وغيره عن مجاهد ما قدموا أعمالهم وآثارهم قال خطاهم بأرجلهم. وكذا قال الحسن وقتادة وآثارهم يعني خطاهم، ويدل على هذا القول الثاني حديث أبي سعيد هذا، قال الحافظ ابن كثير: وهذا القول الثاني لا تنافي بينه وبين القول الأول بل في هذا تنبيه ودلالة على ذلك بطريق الأولى. والأحرى فإنه إذا كانت هذه الآثار تكتب فلأن تكتب تلك التي فيها قدوة بهم من خير وشر بطريق الأولى انتهى "إن آثاركم تكتب" أي يكتب أجر خطاكم وثواب أقدامكم. قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه ابن أبي حاتم وابن جرير والبزار.
قوله: "عن أبي ذر قال: دخلت المسجد حين غابت الشمس إلخ" تقدم هذا الحديث بإسناده ومتنه في باب طلوع الشمس من مغربها من أبواب الفتن وتقدم هناك شرحه.

(9/95)


سورة والصافات
بسم الله الرحمن الرحيم
3281 ـ حدثنا أَحْمَدُ بنُ عَبْدَةَ الضّبّيّ، أخبرنا مُعْتَمِرُ بنُ سُلَيْمَانَ أخبرنا لَيْثُ بنُ أَبي سُلَيْمٍ عَنْ بِشْرٍ عَنْ أنَسِ بنِ مَالِكٍ قالَ قالَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْ دَاعٍ دَعَا إِلى شَيْءٍ إِلاّ كَانَ مَوْقُوفاً يَوْمَ القيامَةِ لاَزِماً لَهُ لاَ يُفَارِقُهُ وَإِنْ دَعَا رَجُلٌ رَجُلاً ثُمّ قَرَأَ قَوْلَ الله عَزّ وَجَلّ {وَقِفُوهُمْ إنّهُمْ مَسْؤولُونَ مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ} " .
هَذا حديثٌ غَرِيبٌ.
ـــــــ
"سورة والصافات"
مكية وهي مائة واثنتان وثمانون آية
قوله: "دعا" أي أحداً "إلى شيء" أي من الشرك والمعصية "إلا كان" أي الداعي "لازماً له" أي للشيء الذي دعا إليه، وظاهر رواية ابن جرير الآتية يدل على أن الضمير المرفوع في كان راجع إلى المدعو والمجرور في له إلى الداعي فتفكر وتأمل "وإن" وصلية "دعا رجل رجلاً" أي إلى شيء. وروى ابن جرير هذا الحديث بلفظ: أيما رجل دعا رجلاً إلى شيء كان موقوفاً لازماً بغاربه لا يفارقه ثم قرأ هذه الآية {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ} أي احبسوهم عند الصراط حتى يسألوا عن أعمالهم وأقوالهم التي صدرت عنهم في الدار الدنيا {مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ} أي يقال لهم تقريعاً وتوبيخاً: ما لكم لا ينصر بعضكم بعضاً كحالكم في الدنيا. قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه ابن أبي حاتم وابن جرير وفي سنده ليث بن أبي سليم وكان قد اختلط أخيراً ولم يتيمنه

(9/96)


3282 ـ حدثنا عَلِيّ بنُ حُجرٍ، أخبرنا الْوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ عَنْ زُهَيْرِ بنِ مُحمّدٍ عَنْ رَجُلٍ عَن أَبي العَالِيَةِ عَن أُبيّ بنِ كَعْبٍ قَالَ "سَأَلْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عَن قَوْلِ الله تعَالى: {وَأَرْسَلْنَاهُ إلى مَائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} قَالَ: عِشْرُونَ أَلْفَاً" . هَذا حديثٌ غَرِيبٌ.
3283 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ المُثَنّى، أخبرنا مُحمدُ بنُ خالِدِ بنِ عَثْمَةَ أخبرنا سَعِيدُ بنُ بَشِيرٍ عَن قَتَادَةَ عَن الحَسَنِ عَن سَمُرَةَ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قَوْلِ الله تعالى: " {وَجَعَلْنَا ذُرّيّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ} قَالَ: حَامٌ
ـــــــ
حديثه فترك وفيه أيضاً بشر عن أنس وهو مجهول. قوله: {وَأَرْسَلْنَاهُ} أي يونس عليه وعلى نبينا الصلاة السلام {إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} قال ابن عباس: معناه ويزيدون وقيل معناه بل يزيدون وقيل أو على أصلها والمعنى أو يزيدون في تقدير الرائي إذا رآهم قال هؤلاء مائة ألف أو يزيدون على ذلك فالشك على المخلوقين. قال الخازن: والأصح هو قول ابن عباس الأول وأما الزيادة تقدير فقال ابن عباس كانوا عشرين ألفاً، ويعضده ما روي عن أبي ابن كعب رضي الله تعالى عنه "يعني حديث الباب الذي نحن في شرحه" وقيل يزيدون بضعاً وثلاثين ألفاً وقيل سبعين ألفاً انتهى "قال" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "عشرون ألفاً" وبه قال ابن عباس وفي رواية عنه كانوا مائة وثلاثين ألفاً وعنه مائة ألف وبضعة وأربعين وعنه مائة ألف وبضعة وثلاثين ألفاً. قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه ابن أبي حاتم وابن جرير وفي سنده مجهول.
قوله: "أخبرنا سعيد بن بشير" الأزدي مولاهم أبو عبد الرحمن أو أبو مسلمة الشامي أصله من البصرة أو واسط ضعيف من الثامنة. قوله: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَه} أي ذرية نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَه} أي وحدهم دون غيرهم كما يشعر به ضمير الفصل وذلك لأن الله أهلك الكفرة بدعائه ولم يبق منهم باقية ومن كان معه في السفينة من المؤمنين ماتوا كما قيل ولم يبق إلا أولاده

(9/97)


وَسَامٌ وَيافِثٌ كذا". ويُقَالُ: يَافِثٌ ويَافِتٌ بالتّاءِ والثّاءِ ويُقَالُ يَفثُ" هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حَدِيثِ سَعيدِ بنِ بَشِيرٍ.
3284 ـ حدثنا بِشْرُ بنُ مُعَاذٍ العَقَدِي أخبرنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْع عَن سَعِيدِ بن أَبي عَرُوبَةَ عَن قَتَادَةَ عَن الْحَسَنِ عَن سَمُرَةَ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "سَامُ أَبُو العَرَبِ وَحَام أَبُو الْحَبَشِ ويَافِثٌ أَبُو الرّومِ" .
ـــــــ
"قال" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "حام وسام ويافث" قال سعيد بن المسيب ولد نوح عليه السلام ثلاثة سام ويافث وحام وولد كل واحد من هؤلاء الثلاثة ثلاثة فولد سام العرب وفارس والروم. وولد يافث الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج، وولد حام القبط والسودان والبربر، وروي عن وهب بن منبه نحو هذا. قوله: "بالتاء" أي الفوقية "والثاء" أي المثلثة وبكسر الفاء فيهما "ويقال يفث" أي بحذف الألف وبالمثلثة قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه بن جريج وابن أبي حاتم، وفي سماع الحسن من سمرة كلام معروف. وسعيد بن بشير ضعيف كما عرفت. قوله: "ويافث أبو الروم" المراد بالروم ههنا هم الروم الأول وهم اليونان المنسبون إلى رومي بن ليطي بن يونان بن نوح عليه السلام قاله ابن كثير، وحديث سمرة هذا أخرجه أيضاً أحمد وأبو يعلى وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه.

(9/98)


سورة ص
بسم الله الرحمن الرحيم
3285 ـ حدثنا مَحمُودُ بنُ غَيْلاَنَ وَعَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ المَعْنَى وَاحِدٌ قالاَ: أخبرنا أَبُو أَحْمَدَ، أخبرنا سفيان عن الأعْمَشِ عَن يَحْيَى قَالَ: عَبْدُ هو ابنُ عَبّادٍ عَن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عَن ابنِ عَبّاسٍ قَالَ: "مَرِضَ أَبُو طالِبٍ فَجَاءَتْهُ قُرَيْشٌ وَجَاءَهُ النبيّ صلى الله عليه وسلم وَعِنْدَ أَبِي طالِبِ مَجْلِسُ رَجُلٍ فَقَامَ أَبُو جَهْلٍ كَيْ يَمْنَعَهُ قالَ وَشَكَوْهُ إلى أَبي طالِبٍ فَقَالَ يَا ابْنَ
ـــــــ
"سورة ص"
مكية وهي ست أو ثمان وثمانون آية
قوله: "أخبرنا أبو أحمد" هو الزبيري "عن يحيى" قال في تهذيب التهذيب يحيى بن عمارة ويقال ابن عباد وقيل عبادة كوفي روى عن ابن عباس قصة موت أبي طالب وعنه الأعمش ذكره ابن حبان في الثقات. قال الحافظ وجزم بكونه يحيى بن عمارة وكذا البخاري ويعقوب بن شيبة. قوله: "مرض أبو طالب فجاءته قريش وجاءه النبي صلى الله عليه وسلم" وفي رواية ابن جرير وغيره "لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل فقالوا إن ابن أخيك يشتم آلهتنا ويفعل ويفعل ويقول ويقول فلو بعثت إليه فنهيته فبعث إليه فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فدخل البيت" "مجلس رجل" أي موضع جلوس رجل "كي يمنعه" أي النبي صلى الله عليه وسلم عن الجلوس فيه، وفي رواية ابن جرير وغيره وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس رجل فخشي أبو جهل لعنه الله إن جلس إلى جنب أبي طالب أن يكون أرق له عليه فوثب فجلس في ذلك المجلس ولم يجد رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلساً قرب عمه فجلس عند الباب "وشكوه إلى أبي طالب" أي قالوا له إن ابن أخيك يشتم

(9/99)


أَخِي مَا تُرِيدُ مِنْ قَوْمِكَ؟ قَالَ: إنيّ أُرِيدُ مِنْهُمْ كَلِمَةً واحدةً تَدِينُ لَهُمْ بهَا العربُ وتُؤَدّي إلَيْهِمُ الْعَجَمُ الجِزْيَةَ، قالَ كَلِمَةً وَاحِدَةً؟ قالَ: كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ يَا عَمّ يقُولُوا لا إلَهَ إلاّ الله فَقَالُوا إِلَهاً وَاحِدَا مَا سَمِعْنَا بِهَذَا في المِلّةِ الآخرةِ إنْ هَذَا إِلاّ اخْتِلاَقٌ قالَ فَنَزَلَ فِيهِمُ القُرآنُ {ص والقُرآنِ ذي الذّكْرِ بَلِ الّذِينَ كَفَرُوا في عِزّةٍ وَشِقَاقٍ} إِلى قَوْلِهِ
ـــــــ
آلهتنا ويفعل ويفعل ويقول ويقول كما في رواية ابن جرير "فقال" أي أبو طالب لرسول الله صلى الله عليه وسلم "يا ابن أخي ما تريد من قومك" وفي رواية ابن جرير فقال له أبو طالب أي ابن أخي ما بال قومك يشكونك ويزعمون أنك تشتم آلهتهم وتقول وتقول "أريد منهم كلمة تدين لهم بها العرب" أي تطيعهم وتخضع لهم العرب بتلك الكلمة "وتؤدي إليهم العجم الجزية" أي تعطيهم العجم الجزية بسبب تلك الكلمة "قال" أي أبو طالب "كلمة واحدة" أي تريد كلمة واحدة "قال" أي النبي صلى الله عليه وسلم "كلمة واحدة" أي أريد منهم كلمة واحدة "فقالوا إلها واحدا" أي أتجعل الآلهة إلهاً واحداً {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ} أي بالذي تقوله من التوحيد {فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ} وهي ملة النصرانية فإنها آخر الملل قبل ملة الإسلام، كذا قال محمد بن كعب القرظي وقتادة ومقاتل والكلبي والسدي وبه قال ابن عباس، وقال مجاهد يعنون به ملة قريش أي التي أدركنا عليها آباءنا وعن قتادة مثله {إِنْ هَذَا} أي ما هذا {إِلَّا اخْتِلاقٌ} أي كذب اختلقه محمد " {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} إلخ" الآيات بتمامها مع تفسيرها هكذا {ص} الله أعلم بمراده به {وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} أي والقرآن المشتمل على ما فيه ذكر للعباد ونفع لهم في المعاش والمعاد كقوله تعالى {لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ} أي تذكيركم، وقال ابن عباس رضي الله عنهما ذي الذكر أي ذي الشرف وذي الشأن والمكانة. قال ابن كثير: ولا منافاة بين القولين فإنه كتاب شريف مشتمل على التذكير انتهى. وجواب هذا القسم محذوف أي ليس الأمر كما قال كفار مكة من تعدد الاَلهة {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ} أي حمية وتكبر عن الإيمان {وَشِقَاقٍ} أي خلاف وعداوة للنبي صلى

(9/100)


{مَا سَمِعْنَا بِهَذَا في المِلّةِ الآخرةِ إِنْ هَذَا إِلاّ اخْتِلاَقٌ} " . هذا حديث حسن.
3286 ـ حدثنا بنذار أخبرنا يحيى بن سعيد عن سفيان عن الأعمش نحو هذا الحديث وقال يحيى بن عمارة حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ
ـــــــ
الله عليه وسلم {كَمْ} أي كثيراً {أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ} أي أمة من الأمم الماضية {فَنَادَوْا} أي بالتوحيد حين تولت الدنيا عنهم، وقيل استغاثوا عند نزول العذاب وحلول النقمة {وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ} أي ليس الحين حين فرار ولات هي لا المشبهة بليس زيدت عليها تاء التأنيث كما زيدت على رب وثم للتوكيد وتغير بذلك حكمها حيث لم تدخل إلى على الأحيان ولم يبرز إلا أحد مقتضييها إما الاسم والخبر وامتنع بروزهما جميعاً وهذا مذهب الخليل وسبيويه، وعند الأخفش أنها لا النافية للجنس زيدت عليها التاء وخصت بنفي الأحيان والجملة حال من فاعل نادوا أي استغاثوا والحال أن لا مهرب لهم ولا منجا {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ} أي رسول من أنفسهم ينذرهم ويخوفهم بالنار بعد البعث وهو النبي صلى الله عليه وسلم {وَقَالَ الْكَافِرُونَ} فيه وضع الظاهر موضع المضمر {هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً} أي أزعم أن المعبود واحد لا إله إلا هو حيث قال لهم قولوا لا إله إلا الله {إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} أي عجيب {وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ} أي من مجلس اجتماعهم عند أبي طالب وسماعهم من النبي صلى الله عليه وسلم قولوا لا إله إلا الله {أَنِ امْشُوا} أي يقول بعضهم لبعض امشوا وامضوا على ما كنتم عليه ولا تدخلوا في دينه {وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ} أي اثبتوا على عبادتها {إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} أي إن هذا الذي يدعونا إليه محمد صلى الله عليه وسلم من التوحيد لشيء يريد به الشرف عليكم والاستعلاء وأن يكون له منكم ابتاع ولسنا نجيبه إليه {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ} تقدم تفسيره. قوله: "هذا حديث حسن صحيح"

(9/101)


أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ عَن مَعْمَرٍ عَن أَيّوبَ عَن أَبي قِلاَبَةَ عَن ابنِ عَبّاسٍ قَال: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أَتَانِي اللّيْلَةَ رَبّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى في أَحْسَنِ صُورَةٍ ـ قَالَ أَحْسِبُهُ في المَنَامِ ـ فَقَالَ يَا مُحَمَدُ هَلْ تَدْرِيَ فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلأُ الأَعْلَى؟ قَالَ قُلْتُ لا، قَالَ فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيّ حَتّى وَجَدْتُ بَرْدَهَا بَيْنَ ثَدْيَيّ أَوْ قَالَ في نَحْرِي فَعَلِمْتُ مَا فِي السّمَاواتِ
ـــــــ
وأخرجه أحمد والنسائي والحاكم والبيهقي في الدلائل وابن جرير وابن المنذر.
قوله: "وقال" أي الأعمش "يحيى بن عمارة" يحيى بن عمارة هذا هو يحيى ابن عباد المذكور في الإسناد المتقدم قوله: "أتاني الليلة ربي تبارك وتعالى في أحسن صورة" الظاهر أن إتيانه تعالى كان في المنام يدل على ذلك قول الراوي أحسبه في المنام ويدل على ذلك أيضاً حديث معاذ بن جبل الآتي ففيه "فنعست في صلاتي فاستثقلت فإذا أنا بربي تبارك وتعالى في أحسن صورة" . قال القاري في المرقاة: إذا كان هذا في المنام فلا إشكال فيه إذ الرائي قد يرى غير المتشكل متشكلاً والمتشكل بغير شكله ثم لم يعد ذلك بخلل في الرؤيا ولا في خلد الرائي بل له أسباب أخر تذكر في علم المنام أي التعبير، ولولا تلك الأسباب لما افتقرت رؤيا الأنبياء عليهم السلام إلى تعبير وإن كان في اليقظة وعليه ظاهر ما روى أحمد بن حنبل فإن فيه "فنعست في صلاتي حتى استيقظت فإذا أنا بربي عزّ وجلّ في أحسن صورة" . الحديث، فذهب السلف في أمثال هذا الحديث إذا صح أن يؤمن بظاهره ولا يفسر بما يفسر به صفات الخلق بل ينفي عنه الكيفية ويوكل علم باطنه إلى الله تعالى فإنه يُرى رسوله ما يشاء من رواه أستار الغيب بما لا سبيل لعقولنا إلى إدراكه، لكن ترك التأويل في هذا الزمان مظنة الفتنة في عقائد الناس لفشو اعتقادات الضلال وإن تأول بما يوافق الشرع على وجه الاحتمال لا القطع حتى لا يحمل على ما لا يجوز شرعاً فله وجه، فقوله في أحسن صورة يحتمل أن يكون معناه رأيت ربي حال كوني في أحسن صورة وصفة من غاية إنعامه ولطفه علي. أو حال كون الرب في أحسن صورة وصورة الشيء ما يتميز به عن غيره سواء كان عين ذاته أو جزءه المميز له عن غيره

(9/102)


وَمَا فِي الأَرْضِ. قَالَ يَا مُحَمّدُ هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلأُ الأَعْلَى؟ قُلْتُ نَعَمْ في الكَفّارَاتِ، والكَفّارَاتُ المُكْثُ فِي المَسْجِدِ بَعْدَ الصّلوات، والمَشْيُ
ـــــــ
أو صفته المميزة، وكما يطلق ذلك في الجثة يطلق في المعاني، يقال في صورة المسألة كذا وصورة الحال كذا، فصورته تعالى والله أعلم ذاته المخصوصة المنزهة عن مماثلة ما عداه من الأشياء البالغة إلى أقصى مراتب الكمال أو صفته المخصوصة به أي كان ربي أحسن إكراماً ولطفاً من وقت آخر، كذا نقله الطيبي والتروبشتي انتهى ما في المرقاة.
قلت: الظاهر الراجح أنه كان في المنام فإن رواية الترمذي الآتية أرجح من رواية أحمد. قال ابن حجر المكي: والظاهر أن رواية حتى استيقظت تصحيف فإن المحفوظ من رواية أحمد والترمذي حتى استثقلت انتهى. وقال الحافظ ابن كثير بعد نقل هذا الحديث عن مسند الإمام أحمد وهو حديث المنام المشهور: ومن جعله يقظة فقد غلط انتهى. وعلى تقدير كون ذلك في اليقظة فمذهب السلف في مثل هذا من أحاديث الصفات إمراره كما جاء من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل والإيمان به من غير تأويل له والسكوت عنه وعن أمثاله مع الاعتقاد بأن الله تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ومذهب السلف هذا هو المتعين ولا حاجة إلى التأويل. وأما القول بأن ترك التأويل في هذا الزمان مظنة الفتنة في عقائد الناس لفشوا اعتقادات الضلال فمما لا التفات إليه "فم" أي في أي شيء "يختصم" أي يبحث "الملأ الأعلى" أي الملائكة المقربون والملأ هم الأشراف الذين يملأون المجالس والصدور عظمة وإجلالاً ووصفوا بالأعلى إما لعلو مكانهم وإما لعلو مكانتهم عند الله تعالى. واختصامهم إما عبارة عن تبادرهم إلى إثبات تلك الأعمال والصعود بها إلى السماء وإما عن تقاولهم في فضلها وشرفها وإما عن اغتباطهم الناس بتلك الفضائل لاختصاصهم بها وتفضلهم على الملائكة بسببها مع تهافتهم في الشهوات، وإنما سماه مخاصمة لأنه ورد مورد سؤال وجواب وذلك يشبه المخاصمة والمناظرة فلهذا السبب حسن إطلاق لفظ المخاصمة عليه "قال" أي النبي صلى الله عليه وسلم "فوضع" أي ربي "يده" أي كفه "بين كتفي" بتشديد الياء وهو كناية عن تخصيصه

(9/103)


عَلَى الأَقْدَامِ إلى الجَمَاعَاتِ وإسْبَاغُ الوُضُوءِ فِي المَكارِهِ، ومَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَاشَ بِخَيْرٍ وَمَاتَ بِخَيْرٍ وَكَانَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمّهُ، وقَالَ يَا مُحَمّدُ إذَا صَلّيْتَ فَقُلْ اللّهُمّ إنّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الخَيْراتِ وتَرْكَ المُنْكَرَاتِ وحُبّ المَسَاكِينِ وإِذَا أَرَدْتَ بِعِبَادِكَ فِتْنَةً فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ. قَالَ والدّرَجَاتُ إِفْشَاءُ السّلاَمِ وَإطْعَامُ الطّعَامِ والصّلاَةُ باللّيْلِ والنّاسِ ونيَامٌ" .
ـــــــ
إياه بمزيد الفضل عليه وإيصال الفيض إليه فإن من شأن المتلطف بمن يحنو عليه أن يضع كفه بين كتفيه تنبيهاً على أنه يريد بذلك تكريمه وتأييده قاله القاري قلت: قد عرفت مذهب السلف في مثل هذا وهو المعتمد "بين ثديي" بالتثنية والإضافة إلى ياء المتكلم أي قلبي أو صدري "أو قال في نحري" شك من الراوي "نعم الكفارات" أي يختصمون في الكفارات "والكفارات" مبتدأ وخبره المكث في المسجد إلخ وسميت هذه الخصال الكفارات لأنها تكفر الذنوب عن فاعلها فهي من باب تسمية الشيء باسم لازمه "المكث" في القاموس المكث مثلثاً ويحرك أي اللبث "في المسجد" وفي بعض النسخ في المساجد "وإسباغ الوضوء" أي إكماله "في المكاره" أي في شدة البرد "ومن فعل ذلك عاش بخير ومات بخير" قال الله تعالى {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} "وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه" أي فيه بفتح يوم قال الطيبي؟ مبني على الفتح لإضافته إلى الماضي وإذا أضيف إلى المضارع اختلف في بنائه أي كان مبرأ كما كان مبدأ يوم ولدته أمه "إذا صليت" أي فرغت من الصلاة "فعل الخيرات" بكسر الفاء وقيل بفتحها وقيل الأول اسم والثاني مصدر والخيرات ما عرف من الشرع من الأقوال الحميدة والأفعال السعيدة "وترك المنكرات" هي التي لم تعرف من الشرع من الأقوال القبيحة والأفعال السيئة "وإذا أردت بعبادك فتنة" أي ضلالة أو عقوبة دينوية "فاقبضني" بكسر الموحدة أي توفني "غير مفتون" أي غير منال أو غير معاقب "قال" أي النبي صلى الله عليه وسلم

(9/104)


وقَدْ ذَكَرُوا بَيْنَ أَبي قِلابَةَ وبَيْنَ ابنِ عَبّاسٍ في هذا الْحَدِيثِ رَجُلاً وقَدْ رَوَاهُ قَتَادَةُ عَن أَبي قِلاَبَةَ عَن خَالِدِ بنِ اللّجْلاَجِ عَن ابنِ عَبّاسٍ.
3287 ـ حدثنا محمّدُ بنُ بَشّارٍ أخبرنا مُعَاذُ بنُ هِشَامٍ حَدّثَني أَبي عَن قَتَادَةَ عَن أَبي قِلاَبَةَ عَن خَالِدِ بنِ اللّجْلاَجِ عَن ابنِ عَبّاسٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ "أَتَاني رَبّي فِي أَحْسَن صُورَةٍ فَقَالَ يَا مُحمّدُ، قُلْتُ لَبّيْكَ رَبّي وَسَعْدَيْكَ قَالَ فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلأُ الأَعْلَى؟ قُلْتُ رَبّ لا أَدْرِي. فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيّ حَتّى وَجَدْتُ بَرْدَهَا بَيْنَ ثَدْيَيّ فَعَلِمْتُ مَا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، قَالَ يَا مُحَمّدُ، فَقُلْتُ لَبّيْكَ رَبّ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلأُ الأَعْلَى؟ قُلْتُ في الدّرَجَاتِ والكَفّارَاتِ، وفي نَقْلِ
ـــــــ
"والدرجات" مبتدأ أي ما ترفع به الدرجات "إفشاء السلام" أي بذله على من عرفه ومن لم يعرفه وإنما عدت هذه الأشياء من الدرجات لأنها فضل منه على ما وجب عليه فلا جرم استحق بها فضلاً وهو علو الدرجات "والناس نيام" جمع نائم والجملة حالية.
قوله: "حدثني أبي" هو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي "عن خالد بن اللجلاج" العامري ويقال مولى بني زهرة كنيته أبو إبراهيم الحمصي ويقال الدمشقي صدوق فقيه من الثانية. قوله: "فقلت لبيك" من التلبية وهي إجابة المنادي أي أجابني لك يا رب وهو مأخوذ من لب بالمكان وألب إذا أقام به وألب على كذا لم يفارقه ولم يستعمل إلا على لفظ التثنية في معنى التكرير أي إجابة بعد إجابة وهو منصوب على المصدر بعامل لا يظهر كأنك قلت ألب إلباباً بعد إلباب والتلبية من لبيك كالتهليل من لا إله إلا الله "ربي" بحذف حرف النداء "وسعديك" أي ساعدت طاعتك مساعدة بعد مساعدة وإسعاداً بعد إسعاد، ولهذا حدثني وهو من المصادر المنصوبة بفعل لا يظهر في الاستعمال.

(9/105)


الأَقْدَامِ إِلى الْجماعَاتِ، وإِسْبَاغِ الوُضُوءِ فِي المَكْرُوهَاتِ، وانْتِظَارِ الصّلاَةِ بَعْدَ الصّلاة، ومَنْ يُحَافِظْ عَلَيْهِنّ عَاشَ بِخَيْرٍ وَمَاتَ بِخَيْرٍ وكَانَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ ولَدَتْهُ أُمّهُ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ قَالَ وفي البابِ عَن مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ وعَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ عَائِش عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقد رُوِيَ هَذَا الْحَدِيث عَن مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم بِطُولِهِ وقَالَ: "إنّي نَعَسْتُ فاسْتَثْقَلْتُ نَوماً فَرَأَيْتُ رَبّي في أَحْسَنِ صُورَةٍ فَقَالَ فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلأُ الأَعْلَى..."
3288 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ حَدّثَنَا مُعَاذُ بنُ هَانِيءٍ أَبُو هانئ السّكّرِيّ حدثَنا جَهْضَمُ بنُ عَبْدِ الله عَن يَحْيَى بن أبي كثِيرٍ عن زَيْدِ بنِ سَلاَمٍ عَن أَبي سَلاَمٍ عَن عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ عَائِشٍ الْحَضْرَمِيّ أَنّهُ حَدّثَهُ عَن
ـــــــ
قال الجرمي: لم يسمع سعديك مفرداً "رب" بحذف حرف النداء وياء الإضافة. قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة. قوله: "وفي الباب عن معاذ بن جبل وعبد الرحمن بن عائش" أما حديث معاذ فأخرجه الترمذي بعد هذا، وأما حديث عبد الرحمن بن عائش فأخرجه الدارمي والبغوي في شرح السنة.
قوله: "حدثنا محمد بن بشار إلخ" لم يقع هذا الحديث في بعض نسخ الترمذي "حدثنا معاذ بن هانئ أبو هانئ السكري" القيسي ويقال: العيشي، ويقال: اليشكري ويقال البهراني البصري ثقة من كبار العاشرة "حدثنا جهضم بن عبد الله" بن أبي الطفيل القيسي مولاهم اليماني وأصله من خراسان صدوق يكثر عن المجاهيل من الثامنة "عن زيد بن سلام" بن أبي سلام ممطور الحبشي "عن أبي سلام" بتشديد اللام اسمه ممطور الأسود الحبشي "عن عبد الرحمن بن عائش" بتحتانية

(9/106)


مَالِكِ بن يُخَامَر السّكْسَكِيّ عَن مُعَاذِ بن جَبَلٍ رضي الله عنه قَالَ "احْتَبَسَ عَنّا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ذَا غَدَاةٍ مِنْ صَلاَة الصّبْح حَتّى كِدْنَا نَتَراءَى عَيْنَ الشّمْسِ فخَرَجَ سريعاً فَثُوّبَ بالصّلاَةِ فَصَلّى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَتَجَوّزَ في صَلاَتِه، فَلّما سَلّمَ دَعا بِصَوْتِهِ فَقَالَ لَنَا: عَلَى مَصَافّكُمْ كَمَا أَنْتُمْ ثُمّ انْفَتَلَ إِلَيْنَا ثم قَالَ: أَمَا إِنّي سَأُحَدّثُكُمْ مَا حَبَسَنِي عَنْكُم الغَدَاةَ أَنّي قُمْتُ مِنَ اللّيْلِ فَتَوَضّأْتُ فَصَلّيْتُ مَا قُدّرَ لِي فَنَعَسْتُ فِي صَلاَتِي حتى اسْتَثْقَلْتُ فإِذَا أَنَا بِرَبّي تَبَارَكَ وَتَعَالى في أَحْسَنِ صُورَةٍ فَقَالَ يَا مُحَمّدُ، قُلْتُ لَبَيّكَ رَبّ، قالَ فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلأُ الأَعْلَى؟ قلت: لاَ أَدْرِي رَبّ قَالَهَا ثَلاَثاً، قَالَ فَرَأَيْتُهُ وَضَعَ كَفّهُ بَيْنَ
ـــــــ
ومعجمة "الحضرمي" أو السكسي يقال له صحبه، وقال أبو حاتم من قال في روايته سمعت النبي صلى الله عليه وسلم فقد أخطأ. قوله: "احتبس" بصيغة المعلوم وروي مجهولاً "ذات غداة" لفظ ذات مقحمة أي غداة "من صلاة الصبح" كذا في النسخ الموجودة وفي رواية أحمد، وفي المشكاة عن صلاة الصبح بلفظ عن. قال القاري بدل اشتمال بإعادة الجار "حتى كدنا" أي قاربنا "نتراءى" أي نرى وعدل عنه إلى ذلك لما فيه من كثرة الاعتناء بالفعل وسبب تلك الكثرة خوف طلوعها المفوت لأداء الصبح "خرج سريعاً" أي مسرعاً أو خروجاً سريعاً "فثوب بالصلاة" من التثويب أي أقيم بها "وتجوز في صلاته" أي خفف فيها واقتصر على خلاف عادته "دعا" أي نادى "على مصافكم" أي أثبتوا عليها جمع مصف وهو موضع الصف "كما أنتم" أي على ما أنتم عليه أو ثبوتاً مثل الثبوت الذي أنتم عليه قبل النداء من غير تغيير وتقديم وتأخير "ثم انفتل إلينا" أي توجه إلينا وأقبل علينا "أما" بالتخفيف للتنبيه "ما حبسني" ما موصوله "فنعست" من النعاس وهو النوم الخفيف من باب نصر وفتح "فاستثقلت" بصيغة المعلوم أو المجهول أي غلب علي النعاس "فإذا" للمفاجأة

(9/107)


كَتِفَيّ. قَدْ وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ بَيْنَ ثَدْيَيّ فتجَلّى لِي كُلّ شَيْءٍ وَعَرَفْتُ فَقَالَ يَا مُحَمّدُ. قُلْتُ لَبّيْكَ رَبّ، قَالَ فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلأُ الأعْلَى؟ قُلْتُ في الكَفّارَاتِ، قَالَ مَاهُنّ؟ قُلْتُ مَشْيُ الأقْدَامِ إِلَى الْجَماعَاتِ، وَالْجُلُوسُ في المَسَاجِدِ بَعْدَ الصّلوات، وإِسْبَاغُ الْوُضُوءِ حين المَكْرُوهَاتِ، قَالَ ثُمّ فِيمَ؟ قلت: إِطْعَامُ الطّعَامِ، وَلِينُ الكَلاَمِ، والصّلاَةُ بِاللّيْلِ والنّاسُ نِيَامٌ. قَالَ سَلْ، قُلْتُ اللّهُمّ إِنّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ المُنْكَرَاتِ، وَحُبّ المَسَاكِينِ، وأَنْ تَغْفِرَ لِي وتَرْحَمَنِي، وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةً فِي قَوْمٍ فَتَوَفّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ، وأَسْأَلُكَ حُبّكَ وَحُبّ مَنْ يُحِبّكَ وحُبّ عَمَلٍ يُقَرّبُ إلَى حُبّكَ. قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إِنَهَا حَقّ فادْرُسُوهَا ثُمّ تَعَلّمُوهَا" . قال أبو عيسى هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. سَأَلْتُ مُحَمّدَ بنَ إِسْماعِيلَ عَن هَذا الحَدِيثِ فَقَالَ هَذَا صحيحٌ وَقَالَ هَذَا أَصَحّ مِنْ حَدِيثِ الْوَلِيدِ بنِ مُسْلِمٍ عَن عَبْدِ الرّحمَنِ بنِ يَزِيدَ بنِ جَابِرٍ قَالَ حَدّثَنَا خَالِدُ بنُ اللّجْلاَجِ حَدّثَنِي عَبْدُ الرّحمَنِ بنُ العَايِشِ الحَضْرَمِيّ قَالَ سمعت رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ
ـــــــ
"قالها ثلاثاً" أي قال الله تعالى هذه المقولة ثلاثاً "فتجلّى لي" أي ظهر وانكشف لي "وأسألك حبك" قال الطيبي: يحتمل أن يكون معناه أسألك حبك إياي أو حبي إياك وعلى هذا يحمل قوله وحب من يحبك "إنها" أي هذه الرؤيا "حق" إذ رؤيا الأنبياء وحي "فادرسوها" أي فاحفظوا ألفاظها التي ذكرتها لكم في ضمنها أو أن هذه الروايات "حق فادرسوها" أي اقرأوها "ثم تعلموها" أي معانيها الدالة هي عليها قال الطيبي: أي لتعلموها فحذف اللام. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والطبراني والحاكم ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة

(9/108)


الحَديثَ وَهَذَا غَيْرُ مَحْفُوظٍ. هَكَذَا ذَكَرَ الوَلِيدُ في حَدِيثِهِ عَن عَبْدِ الرّحمَنِ بنِ عَائِشٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم. وَرَوَى بِشْرُ بنُ بَكْرٍ عَن عَبْدِ الرّحمَنِ بنِ يَزِيدَ بنِ جَابِرٍ هَذَا الحَدِيثَ بِهَذَا الإِسْنَادِ عَن عَبْدِ الرّحمَنِ بن عَائِشٍ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهَذَا أَصَحّ. وَعَبْدُ الرحْمَنِ بنُ عَائِش لَمْ يَسْمَعْ مِن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
وابن مردويه. قوله: "وهذا غير محفوظ" أي كونه من مسند عبد الرحمن بن عايش غير محفوظ والمحفوظ عن عبد الرحمن بن عايش عن مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل "وروى بشر" بكسر الموحدة وسكون المعجمة "بن بكر" التنيسي البجلي دمشقي الأصل ثقة يغرب من التاسعة "عن عبد الرحمن بن عائش عن النبي صلى الله عليه وسلم" أي بغير لفظ سمعت "وعبد الرحمن بن عايش لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم" قال في تهذيب التهذيب في ترجمته وقع عند أبي القاسم البغوي في إسناد حديثه للتصريح بسماعه من النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن قال ابن خزيمة قول الوليد بن مسلم في هذا الإسناد عن عبد الرحمن بن عائش سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وهم لأن عبد الرحمن لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم.
تنبيه: اعلم أن الترمذي أورد حديث ابن عباس وحديث معاذ بن جبل المذكورين ههنا في تفسير قوله تعالى: {مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَأِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ} لكن الاختصام المذكور في هذه الآية غير الاختصام المذكور في الحديثين المذكورين. قال ابن كثير: وليس هذا الاختصام "يعني المذكور في حديث معاذ بن جبل وحديث ابن عباس" هو الاختصام المذكور في القرآن فإن هذا قد فسر وإما الاختصام الذي في القرآن فقد فسر بعد هذا وهو قوله تعالى: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ} إلخ.

(9/109)


سورة الزمر
بسم الله الرحمن الرحيم
3289 ـ حدثنا ابنُ أَبي عُمَرَ، أخبرنا سُفْيَانُ عَن مُحمّدِ بنِ عَمْرِو بنِ عَلْقَمَةَ عَنْ يَحْيَى بنِ عَبْدِ الرّحمَنِ بنِ حَاطِبٍ عَنْ عَبْدِ الله بنِ الزّبَيْرِ عَن أَبِيهِ قَالَ: لَمّا نَزَلَتْ {ثُمّ إِنّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ عِنْدَ رَبّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} قَالَ الزّبَيْرُ "يَا رَسُولَ الله أتُكَرّرُ عَلَيْنَا الخُصُومَةُ
ـــــــ
"سورة الزمر"
مكية إلا {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} الآية فمدنية وهي خمس وسبعون آية
قوله: "عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب" كنيته أبو محمد أو أبو بكر المدني ثقة من الثالثة. قوله: {ثُمَّ إِنَّكُمْ} أيها الناس فيما بينكم من المظالم {يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} قبله {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} قال الحافظ بن كثير في تفسيره معنى هذه الآية. إنكم ستنقلون من هذه الدار لا محالة وستجتمعون عند الله تعالى في الدار الآخرة وتختصمون فيما أنتم فيه في الدنيا من التوحيد والشرك بين يدي الله عزّ وجلّ فيفصل بينكم ويفتح بالحق وهو الفتاح العليم، فينجي المؤمنين المخلصين الموحدين ويعذب الكافرين الجاحدين المشركين المكذبين، ثم إن هذه الآية وإن كان سياقها في المؤمنين والكافرين وذكر الخصومة بينهم في الدار الآخرة فإنها شاملة لكل متنازعين في الدنيا فإنه تعاد عليهم الخصومة في الدار الآخرة. قلت: الأمر كما قال ابن كثير، ويؤيده حديث الزبير هذا وأحاديث أخرى ذكرها ابن كثير والله تعالى أعلم. وقيل

(9/110)


بَعْدَ الّذِي كَانَ بَيْنَنَا في الدّنْيَا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: إِنّ الأمْرَ إذاً لَشَدِيدٌ" .
هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
3290 ـ حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْد، أخبرنا حَبّانُ بنُ هِلاَلٍ وسُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ وحَجّاجُ بنُ مِنْهَالٍ قَالُوا، أخبرنا حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ عن ثابِتٍ عَنْ شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ قَالَتْ "سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ {يَا عِبَادِي الّذِينَ أسْرَفُوا عَلَى أنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ الله إِنّ الله يَغْفِرُ الذّنُوبَ جَمِيعاً} ولاَ يُبَالِي" . هَذا حديثٌ
ـــــــ
يعني المحق والمبطل، وقيل تخاصمهم يا محمد وتحتج عليهم بأنك قد بلغتهم وأنذرتهم وهم يخاصمونك، أو يخاصم المؤمن الكافر والظالم المظلوم "أتكرر" بصيغة المضارع المجهول من التكرير "علينا الخصومة" أي يوم القيامة عند ربنا. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد وابن ماجه وابن أبي حاتم.
قوله: "عن ثابت" هو ابن أسلم البناني {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} أي أفرطوا عليها وتجاوزوا الحد في كل فعل مذموم {لا تَقْنَطُوا} بفتح النون وبكسرها أي لا تيأسوا {مِنْ رَحْمَةِ اللَّه} أي من مغفرته {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً} قال الحافظ ابن كثير: هذه الآية الكريمة دعوة لجميع العصاة من الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة وإخبار بأن الله تبارك وتعالى يغفر الذنوب جميعاً لمن تاب منها ورجع عنها. وإن كانت مهما كانت وإن كثرت وكانت مثل زبد البحر، ولا يصح حمل هذه على غير توبة لأن الشرك لا يغفر لمن لم يتب منه. ثم ذكر حديث ابن عباس رضي الله عنهما: "أن ناساً من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا وزنوا وأكثروا فأتوا محمداً صلى الله عليه وسلم فقالوا إن الذي تقول وتدعوة إليه محسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة فنزل {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ

(9/111)


حَسَنٌ غَريبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حَدِيثٍ ثابِتٍ عَنْ شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ.
3291 ـ حدثنا بندار أخبرنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ أخبرنا سُفْيَانُ
ـــــــ
اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ} ونزل {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي ثم قال بعد ذكر أحاديث أخرى ما لفظه: فهذه الأحاديث كلها دالة على أن المراد أنه يغفر جميع ذلك مع التوبة. ولا يقنطن عبد من رحمة الله وإن عظمت ذنوبه وكثرت فإن باب الرحمة والتوبة واسع انتهى. وقال صاحب فتح البيان نقلاً عن القاضي الشوكاني: والحق أن الآية غير مقيدة بالتوبة بل هي على إطلاقها قال والجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} هو أن كل ذنب كائناً ما كان ما عدا الشرك بالله مغفور لمن شاء الله أن يغفر له، على أنه يمكن أن يقال إن إخباره لنا بأنه يغفر الذنوب جميعاً يدل على أنه يشاء غفرانها جميعاً، وذلك يستلزم أنه يشاء المغفرة لكل المذنبين من المسلمين فلم يبق بين الآيتين تعارض من هذه الحيثية انتهى. قلت: كل محتمل وما قال ابن كثير هو الظاهر عندي والله تعالى أعلم "ولا يبالي" أي من أحد فإنه لا يجب على الله، وفي رواية أحمد سمعته صلى الله عليه وسلم يقول: "يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً ولا يبالي إنه هو الغفور الرحيم" . والظاهر من هاتين الروايتين أن قوله ولا يبالي كان من القرآن، ولذا قال صاحب المدارك تحت هذه الآية: وفي قراءة النبي عليه السلام يغفر الذنوب جميعاً ولا يبالي، وقال القاري: وهو يحتمل أنه كان من الآية فنسخ ويحتمل أن يكون زيادة من عنده عليه الصلاة والسلام كالتفسير للآية. قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد وابن المنذر والحاكم "لا نعرفه إلا من حديث ثابت عن شهر بن حوشب" وشهر هذا صدوق كثير الإرسال والأوهام.

(9/112)


حَدّثنِي مَنْصُورٌ وَسُلَيْمَانُ الأعْمَشُ عَنِ إبْرَاهيِمَ عَنْ عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ الله قَالَ "جَاءَ يَهُودِيّ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فَقالَ: يَا مُحمّدُ إِنّ الله يُمْسِكُ السّمَاوَاتِ عَلَى إِصْبعٍ والْجِبَالَ عَلَى إِصْبعٍ والأَرَضَيْن عَلَى إصْبعٍ وَالخَلائِقَ عَلَى إِصْبعٍ ثُمّ يَقُولُ أَنَا المَلِكُ. قالَ فَضَحِكَ النبيّ صلى الله عليه وسلم حَتّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ. قَالَ {وَمَا قَدَرُوا الله حَقّ قَدْرِهِ} " . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
قوله: "عن إبراهيم" هو النخعي "عن عبيدة" بفتح العين وكسر الموحدة ابن عمر والسلواني "عن عبد الله" هو ابن مسعود. قوله: "جاء يهودي" وفي رواية للشيخين جاء حبر "إن الله يمسك السماوات" أي يوم القيامة كما في رواية "والخلائق" أي من لم يتقدم له ذكر، وفي رواية وسائر الخلق "حتى بدت نواجذه" جمع بنون وجيم مكسورة ثم ذال معجمة وهو ما يظهر عند الضحك من الأسنان، وقيل هي الأنياب، وقيل الأضراس، وقيل الدواخل من الأضراس التي في أقصى الحلق. وفي الرواية الآتية: فضحك النبي صلى الله عليه وسلم تعجباً وتصديقاً. وفي رواية للبخاري فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجباً وتصديقاً له، وفي رواية مسلم تعجباً مما قال الحبر تصديقاً له، وفي رواية جرير عنده: وتصديقاً له بزيادة واو. قال النووي: ظاهر الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم صدق الحبر في قوله: إن الله تعالى يقبض السموات والأرضين والمخلوقات بالأصابع ثم قرأ الآية التي فيها الإشارة إلى نحو ما يقول. قال القاضي: وقال بعض المتكلمين ليس ضحكة صلى الله عليه وسلم وتعجبه وتلاوته الآية تصديقاً للحبر بل هو رد لقوله وإنكار وتعجب من سوء اعتقاده فإن مذهب اليهود التجسيم ففهم منه ذلك وقوله تصديقاً له إنما هو من كلام الراوي على ما فهم والأول أظهر انتهى. وقال الئميمي: تكلف الخطابي فيه وأتى في معناه ما لم يأت به السلف والصحابة كانوا أعلم بما رووه وقالوا إنه ضحك تصديقاً له وثبت في السنة الصحيحة: "ما من قلب إلا وهو بين

(9/113)


3292 ـ حدثنا محمد بن بشار، أخبرنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ، أخبرنا فُضَيْلُ بنُ عِيَاضٍ عَنْ مَنْصُورٍ عَن إِبْرَاهِيمَ عَن عُبَيْدَةَ عَن عَبْدِ الله قَالَ: "فَضَحِكَ النبيّ صلى الله عليه وسلم تَعَجّباً وتَصْدِيقاً" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
أصبعين من أصابع الرحمن انتهى، وقد اشتد إنكار ابن خزيمة على من ادعى أن الضحك المذكور كان على سبيل الإنكار. فقال بعد أن أورد هذا الحديث في كتاب التوحيد من صحيحه بطريقة: قد أجل الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عن أن يوصف ربه بحضرته بما ليس هو من صفاته فيجعل بدل الإنكار والغضب على الواصف ضحكاً بل لا يوصف النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الوصف من يؤمن بنبوته انتهى.
قلت: قول من قال إن الضحك المذكور كان على سبيل الإنكار لا شك عندي أنه يستأهل أن ينكر عليه أشد الإنكار والله تعالى أعلم "قال" وفي رواية البخاري في التيسير: ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} أي ما عرفوه حق معرفته، أو ما عظموه حق عظمته حين أشركوا به غيره. قال النووي: هذا الحديث من أحاديث الصفات وفيها مذهبان: التأويل والإمساك عنه مع الإيمان بها مع اعتقاد أن الظاهر منها غير مراد، فعلى قول المتأولين يتأولون الأصابع هنا على الاقتدار أي خلقها مع عظمها بلا تعب ولا ملل، والناس يذكرون الأصبع في مثل هذا للمبالغة والاحتقار فيقول أحدهم بأصبعي أقتل زيداً أي لأكلفه على في قتله، وقيل يحتمل أن المراد أصابع بعض مخلوقاته وهذا غير ممتنع والمقصود أن يد الجارحة مستحيلة انتهى.
قلت: الإمساك عن التأويل وإمرار هذه الأحاديث كما جاءت من غير تكييف ولا تحريف هو مذهب السلف. قال القاري في المرقاة هو أسلم. قلت: بل هو المتعين والله تعالى أعلم. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والشيخان وصححه النسائي في التفسير.

(9/114)


3293 ـ حدثنا عبدُ الله بنُ عَبْدِ الرْحمَنِ، أخبرنا مُحمّدُ بنُ الصّلْتِ أخبرنا أَبُو كُدَيْنَةَ عَن عَطَاءِ بنِ السّائِبِ عَن أَبي الضّحَى عَن ابنِ عبّاسٍ قَالَ: "مَرّ يَهُودِيّ بالنبيّ صلى الله عليه وسلم فَقالَ لَهُ النبيّ صلى الله عليه وسلم: يا يَهُودِيّ حَدّثْنَا. فَقَالَ كَيْفَ تَقُولُ يَا أبَا القَاسِمِ إِذَا وضَعَ الله السّمواتِ عَلَى ذِهْ وَالأَرَضيْنَ عَلَى ذِهْ والمَاءَ عَلَى ذِهْ وَالْجِبَالَ عَلَى ذِهْ وَسَائِرَ الخَلْقِ عَلَى ذِهْ. وَأَشَارَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحّمدُ بنُ الصّلْتِ بِخِنْصَرِهِ أَوّلاً ثُمّ تَابَعَ حَتّى بَلَغَ الإبْهَامَ، فَأَنْزَلَ الله عَزّ وَجَلّ {وَمَا قَدَرُوا الله حَقّ قَدْرِهِ} " .
هَذا حديثٌ حَسَنٌ غريبٌ صحيحٌ لاَ نَعْرفُهُ إِلاّ مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَأبُو كُدَيْنَةَ اسْمُهُ يَحْيَى بنُ المُهَلّبِ. قال رَأيْتُ مُحَمّدَ بنَ إِسماعِيلَ رَوَى هَذَا الحَدِيثَ عَنِ الحَسَنِ بنِ شُجَاعٍ عَن مُحمّدِ بنِ الصّلْتِ.
3294 ـ حدثنا ابنُ أَبي عُمَرَ أخبرنا سفيان عَن مُطْرِفٍ عَن
ـــــــ
قوله: "أخبرنا محمد بن الصلت" بن الحجاج الأسدي أبو جعفر الكوفي الأصم ثقة من كبار العاشرة أخبرنا "أبو كدينة" بكاف ودال مهملة ونون مصغراً اسمه يحيى بن المهلب البجلي الكوفي صدوق من السابعة "عن أبي الضحى" اسمه مسلم بن صبيح بالتصغير. قوله: "إذا وضع الله السماوات على ذه" وفي رواية أحمد يوم يجعل الله سبحانه وتعالى السماء على ذه وأشار بالسبابة "وأشار محمد بن الصلت أبو جعفر بخنصره أولاً ثم تابع حتى بلغ الإبهام" قال الحافظ في الفتح بعد نقل رواية الترمذي هذه إلى هذه الزيادة ما لفظه: ووقع في مرسل مسروق عند الهروي مرفوعاً نحو هذه الزيادة، قوله: "هذا حديث حسن غريب صحيح" وأخرجه أحمد "عن الحسن بن شجاع" بن رجاء البلخي كنيته أبو علي أحد الحفاظ من الحادية عشرة.

(9/115)


عَطِيّةَ العَوْفِيّ عَن أَبي سَعيِدٍ الخُدْرِيّ قَالَ قَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "كَيْفَ أَنْعَمُ وَقَدِ الْتَقَمَ صَاحِبُ القَرْنِ القَرْنَ وَحَنَى جَبْهَتَهُ وَأصْغَى سَمْعَهُ يَنْتَظِرُ أنْ يُؤْمَرَ أنْ يَنْفُخَ فَيَنْفُخَ. قَالَ المُسْلِمُونَ فَكَيْفَ نَقُولُ يَا رسُولَ الله؟ قَالَ: قُولُوا: حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الوَكِيلُ تَوَكّلْنَا عَلَى الله ربنا" وَرُبّمَا قالَ سُفْيَانُ: عَلَى الله تَوَكّلْنَا. هَذا حديثٌ حَسَنٌ.
3295 ـ حدثنا أحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ، أخبرنا إِسْمَاعِيلُ بنُ إِبْرَاهِيمَ أخبرنا سُلَيْمَانُ التّيْمِيّ عَن أسْلَمَ العِجْلِيّ عَن بِشْرِ بنِ شَغَافٍ عَنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْر رضي الله عنهما قَالَ: " قَالَ أَعْرَابِيّ يَا رَسُولَ الله مَا الصّورُ؟ قالَ قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ" هَذا حديثٌ حَسَنٌ إِنّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ التّيْمِيّ.
ـــــــ
قوله: "عن مطرف" هو ابن طريف. قوله: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كيف أنعم" أي أفرح وأتنعم "وحنى جبهته" أي أمالها وهو كناية عن المبالغة في التوجه لإصغاء السمع وإلقاء الأذن "وأصغى سمعه" أي أمال أذنه ليسمع أمر الله وإذنه بالنفخ وقد تقدم هذا الحديث مع شرحه في باب الصور من أبواب صفة القيامة.
قوله: "حدثنا إسماعيل بن إبراهيم" هو ابن علية. قوله: "قال أعرابي يا رسول الله ما الصور إلخ" قد تقدم هذا الحديث أيضاً مع شرحه في الباب المذكور، وأورد الترمذي هذا الحديث والذي قبله ههنا في تفسير قوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} إلخ.

(9/116)


3296 ـ حدثنا أبُو كُرَيْبٍ، أخبرنا عَبْدَةُ بنُ سُلَيْمَانَ، أخبرنا مُحمّدُ بنُ عَمْرٍو، أخبرنا أبُو سَلَمَةَ عَن أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: "قَالَ يَهُودِيّ في سُوقِ المَدِينَةِ لاَ وَالّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى البَشَرِ، قَالَ فَرَفَعَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يَدَهُ فَصَكّ بِهَا وَجْهَهُ، قَالَ تَقُولُ هذَا وَفِينَا نبيّ صلى الله عليه وسلم؟ فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم {وَنُفِخَ في الصّورِ فَصَعِقَ مَنْ في السّمَاوَاتِ وَمَنْ في الأَرْضِ إِلاّ مَنْ شَاءَ الله ثُمّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُون} فَأكُونُ أَوّلَ مَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ فَإِذَا مُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِم العَرْشِ فَلاَ أَدْرِي أَرَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلِي أَمْ كانَ مِمّنْ
ـــــــ
قوله: "أخبرنا محمد بن عمرو" بن علقمة بن وقاص الليثي "أخبرنا أبو سلمة" هو ابن عبد الرحمن. قوله: "قال يهودي في سوق المدينة: لا والذي اصطفى موسى على البشر" وفي رواية للبخاري وكذا لمسلم: بينما يهودي يعرض سلعته أعطى بها شيئاً كرهه فقال لا والذي اصطفى موسى على البشر، وفي رواية لهما استب وجل من المسلمين ورجل من اليهود فقال المسلم والذي اصطفى موسى على العالمين لقسم يقسم به، فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على العالمين "فصك بها وجه" أي لطم وجه اليهودي قال الحافظ: وإنما صنع ذلك لما فهمه من عموم لفظ العالمين فدخل فيه محمد صلى الله عليه وسلم، وقد تقرر عند المسلم أن محمداً أفضل فلطم اليهودي عقوبة له على كذبه "فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم" وفي رواية البخاري ومسلم: فذهب اليهودي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال يا أبا القاسم إن لي ذمة وعهداً فما بال فلان لطم وجهي؟ فقال لم لطمت وجهه. وفي رواية إبراهيم بن سعد فدعا النبي صلى الله عليه وسلم المسلم فسأله عن ذلك فأخبره {وَنُفِخَ فِي الصُّور} أي النفخة الأولى {فَصَعِقَ} أي مات {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ} أي في الصور {أُخْرَى} أي مرة أخرى وهي النفخة الثانية {فَإِذَا هُمْ} أي جميع الخلائق الموتى {قِيَامٌ} أي من قبورهم {يَنْظُرُونَ} أي ينتظرون ما يفعل بهم "فأكون أول من رفع رأسه" وفي رواية الشيخين فأكون أول من يفيق،

(9/117)


اسْتَثْنَى الله. وَمَنْ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بنِ مَتّى فَقَدْ كَذَبَ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
وفي لفظ أول من تنشق عنه الأرض "فلا أدري أرفع رأسه قبلي أم كان ممن استثنى الله" وفي رواية الشيخين: فلا أدري وكان فيمن صعق فأفاق قبلي أو كان ممن استثنى الله. قال الحافظ أي فلم يكن ممن صعق، أن فإن كان أفاق قبلي فهي فضيلة ظاهرة وإن كان ممن استثنى الله فلم يصعق فهي فضيلة أيضاً. ووقع في حديث أبي سعيد: "فلا أدري كان فيمن صعق أي فأفاق قبلي أم حوسب بصعقته الأولى التي صعقها لما سأل الرؤية" وبين ذلك ابن الفضل في روايته بلفظ: "أحوسب بصعقته يوم الطور" والجمع بينه وبين قوله أو كان ممن استثنى الله أن في رواية ابن الفضل وحديث أبي سعيد بيان السبب في استثنائه وهو أنه حوسب بصعقته يوم الطور فلم يكلف بصعقة أخرى، والمراد بقوله: ممن استثنى الله قوله إلا من شاء الله انتهى كلام الحافظ.
قال النووي في شرح مسلم: قال القاضي هذا من أشكل الأحاديث لأن موسى قد مات فكيف تدركه الصعقة وإنما تصعق الأحياء، وقوله: ممن استثنى الله تعالى يدل على أنه كان حياً ولم يأت أن موسى رجع إلى الحياة ولا أنه حي كما جاء في عيسى، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "لو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق" . قال القاضي فيحتمل أن هذه الصعقة صعقة فزع بعد البعث حين تنشق السماوات والأرض فتنتظم حينئذٍ الآيات والأحاديث، ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم: فأفاق لأنه إنما أفاق من الغشى، وأما الموت فيقال بعث منه وصعقه الطور لم تكن موتاً وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "فلا أدري أفاق قبلي" فيحتمل أنه صلى الله عليه وسلم قاله قبل أن يعلم أنه أول من تنشق عنه الأرض إن كان هذا اللفظ على ظاهره وأن نبينا صلى الله عليه وسلم أول شخص من تنشق عنه الأرض على الإطلاق. قال ويجوز أن يكون معناه أنه من الزمرة الذين هم أول من تنشق عنهم الأرض فيكون موسى من تلك الزمرة وهي والله أعلم زمرة الأنبياء وصلوات الله وسلامه عليهم انتهى.

(9/118)


3297 ـ حدثنا مَحْمُودُ بنُ غَيْلاَنَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ قَالُوا: أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ أخبرنا الثّوْرِيّ، أخبرنا أَبُو إسْحَاقَ أَنّ الأَغَرّ أَبَا مُسْلِمٍ حَدّثَهُ عَنْ أبي سَعِيدٍ وأَبي هُرَيْرَةَ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "يُنَادِي مُنَادٍ:
ـــــــ
قلت: هاهنا أبحاث وأنظار ذكرها الحافظ وغيره من شراح البخاري ومسلم "ومن قال أنا خير من يونس بن متى" بفتح الميم وتشديد المثناة مقصوراً، ووقع في تفسير عبد الرزاق أن متى اسم أمه وهو مردود بحديث ابن عباس عند البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما ينبغي لعبد أن يقول إني خبر من يونس بن متى" ونسبه إلى أبيه، فقوله ونسبه إلى أبيه صريح في أن متى أبوه لا أمه "فقد كذب" لأن الأنبياء كلهم متساوون في مرتبة النبوة وإنما التفاضل باعتبار الدرجات، فلفظ أنا واقع. موقع هو ويكون راجعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يكون المراد به نفس القائل فحينئذٍ كذب بمعنى كفر كنى به عن الكفر لأن هذا الكذب مساوٍ للكفر. كذا في المرقاة. وقال النووي: الضمير في أنا قيل يعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقيل يعود إلى القائل أي لا يقول ذلك بعض الجاهلين من المجتهدين في عبادة أو علم أو غير ذلك من الفضائل. فإنه لو بلغ من الفضائل ما بلغ لم يبلغ درجة لنبوة، ويؤيد هذا التأويل الرواية التي قبله وهي قوله صلى الله عليه وسلم: "لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى" انتهى. قلت: ضمير "أنا" إذا عاد إلى النبي صلى الله عليه وسلم فالظاهر أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك قبل أن يعلم أنه أفضل الخلق، وأما قول من قال إنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك تواضعاً إن كان قاله بعد أن اعلم أنه أفضل الخلق ففيه أنه لا يناسبه قوله "فقد كذب" كما في رواية الترمذي هذه. قيل خص يونس بالذكر لأن الله تعالى وصفه بأوصاف توهم انحطاط رتبته حيث قال {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} {إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} . قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله: "أخبرنا أبو إسحاق" هو السبيعي. قوله: "ينادي مناد" أي في الجنة

(9/119)


إِنّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلاَ تَموتُوا أَبَداً، وَإنّ لَكُمْ أَنْ تَصِحّوا فَلاَ تَسْقَمُوا أَبَداً، وَإنّ لكُمْ أَنْ تَشِبّوا فَلاَ تَهْرَمُوا أَبَداً، وَإنّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلاَ تَبأَسُوا أَبَداً، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تعَالَى {وَتِلْكَ الجَنّةُ الّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ} " . وَرَوَى ابنُ المُبَارَكِ وَغَيْرُهُ هَذَا الحَدِيثَ عَن الثّورِيّ وَلَمْ يرفعه.
3298 ـ حدثنا سُوَيْدُ بنُ نَصْرٍ، أخبرنا عَبْدُ الله بنُ المُبَارَكِ عَن عَنْبَسَةَ بن سَعِيدٍ عَن حَبيبِ بنِ أَبي عَمْرَةَ عَن مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَ ابنُ عَبّاس: "أَتَدْرِي مَا سَعَةُ جَهَنّمَ؟ قُلْتُ لاَ، قَالَ أَجَلْ وَالله مَا تَدْرِي حَدّثَتْنِي عَائِشَةُ أَنّهَا سَألَتْ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عَن قَوْلِهِ
ـــــــ
"إن لكم" بكسر الهمزة أي قائلاً إن لكم "أن تحيوا" بفتح الياء أي أن تكونوا أحياء دائماً "أن تصحوا" بكسر الصاد وتشديد الحاء أي تكونوا صحيحي البدن دائماً "فلا تسقموا" من باب سمع أي لا تمرضوا "أن تشبوا" بكسر الشين المعجمة وتشديد الموحدة أي تدوموا شباباً "فلا تهرموا" من باب سمع أي لا تشيبوا "أن تنعموا" بفتح العين أي يدوم لكم النعيم "فلا تبأسوا" بسكون الموحدة فالهمزة المفتوحة أي لا يصيبكم بأس وهو شدة الحال. والبأس والبؤس والبأساء والبؤسى بمعنى قاله النووي. وقال في القاموس: بئس كسمع اشتدت حاجته {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} وفي رواية مسلم {وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} الآية في سورة الأعراف، وأما الآية التي في الكتاب فهي في سورة الزخرف، وكان للترمذي أو يورد هذا الحديث في تفسير سورة الأعراف أو في تفسير سورة الزخرف. وهذا الحديث أخرجه أيضاً مسلم في صحيحه مرفوعاً.
قوله: "عن عنبسة بن سعيد" بن الضريس بضاد معجمة مصغراً الأسدي

(9/120)


{والأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامَةِ والسّمَاوَاتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ} . قال: قُلْتُ فَأيْنَ النّاسُ يَوْمَئِذٍ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: عَلَى جِسْرِ جَهَنّمَ" وَفِي الْحَدِيثِ قِصّةٌ وهَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ
ـــــــ
أبي بكر الكوفي قاضي الري ثقة من الثامنة. قوله: {وَالْأَرْضُ جَمِيعاً} حال أي السبع {قَبْضَتُه} أي مقبوضته وفي ملكه وتصرفه يتصرف فيه كيف يشاء {يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ} أي مجموعات {بِيَمِينِهِ} وبعده {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي بنسبة الولد والشريك إليه "قال على جسر جهنم" وقد روى الترمذي في تفسير سورة إبراهيم من طريق مسروق: قال قالت عائشة هذه الآية {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ} قالت: يا رسول الله فأين يكون الناس قال "على الصراط" . ووقع في حديث ثوبان عند مسلم: "يكونون في الظلمة دون الجسر" . وقد تقدم هناك وجه الجمع "وفي الحديث قصة" لم أقف على من أخرج هذا الحديث مع القصة. قوله: "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه أحمد وابن جرير.

(9/121)


سورة المؤمن
بسم الله الرحمن الرحيم
3299 ـ حدثنا بندار، أخبرنا عَبْدُ الرحمَنِ بنُ مَهْدِيّ، أخبرنا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ وَالأعْمَشُ عَن ذَرّ عَن يُسَيْع الْحَضْرمِيّ عَن النّعْمانِ بنِ بَشِيرٍ قال سَمِعْتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ "الدّعاءُ هُوَ
ـــــــ
"سورة المؤمن"
وتسمى سورة غافر مكية إلا {الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ} والتي بعدها وهي خمس وثمانون آية

(9/121)


العِبَادَةُ، ثُمّ قالَ: {وَقَال رَبّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ إنّ الّذِينَ يَسْتكْبِرونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنّمَ دَاخِرِينَ} " . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
قوله: "الدعاء هو العبادة" تقدم هذا الحديث في تفسير سورة البقرة وتقدم هناك شيء من شرحه ويأتي في أوائل أبواب الدعوات مع بقية الكلام عليه.

(9/122)


سورة السجدة
بسم الله الرحمن الرحيم
3300 ـ حدثنا ابنُ أبِي عُمَرَ، أخبرنا سُفيَانُ عَن مَنْصُورٍ عَن مُجَاهِدٍ عَن أبِي مَعْمَرٍ عَنِ ابنِ مَسْعُودٍ قَالَ: "اخْتَصَمَ عِنْدَ البَيْتِ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ قُرَشِيّانِ وثَقَفِيّ أوْ ثَقَفِيّانِ وَقُرَشِيّ قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهم، كَثِير شَحْمُ بُطُونِهُمْ، فقَالَ أحَدُهُمْ: أتَرَوْنَ أن الله يَسْمَعُ مَا نَقُولُ؟ فَقَالَ الآخر: يَسْمَعُ إِنْ جَهَرْنَا وَلاَ يَسْمَعُ إِنْ أخْفَيْنَا، وقَالَ الآخر: إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا جَهَرْنَا فَهُوَ يَسْمَعُ إِذَا أخْفَيْنَا. فَأَنْزَلَ الله عَزّ وَجَلّ
ـــــــ
"سورة السجدة"
وتسمى سورة فصلت وهي مكية وهي ثلاث وخمسون آية
قوله: "عن أبي معمر" اسمه عبد الله بن سخبرة الأزدي "اختصم عند البيت" أي الكعبة "قرشيان وثقفي أو ثقفيان وقرشي" الشك من أبي معمر كما يظهر من كلام الحافظ وقد أخرجه عبد الرزاق من طريق وهب بن ربيعة

(9/122)


{وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أبْصَارُكُمْ ولا جلودكم} ". هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
3301 ـ حدثنا هَنّادٌ، أخبرنا أبو مُعَاويَةُ عَن الأَعْمَشِ عَن عُمَارَةَ بنِ عُمَيْرٍ عَن عَبْدِ الرّحْمنِ بنِ يَزِيدَ قَال قَالَ عَبْدُ الله: "كُنْتُ مُسْتَتِراً بِأسْتَارِ الكَعْبَةِ فَجَاءَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ كَثِيرٌ شحم بُطُونِهمْ، قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِم، قُرَشِيّ وَخَتَنَاهُ ثَقَفِيّانِ أَو ثَقَفِيّ وَخَتَنَاهُ قُرَشِيّانِ فَتَكَلّمُوا بِكَلاَمٍ لَمْ أَفْهَمْهُ، فَقَال أَحَدُهُم: أَتَرَوْنَ أَنّ الله يَسْمَعُ كلامَنَا هَذَا؟ فَقَال الآخر إنّا إِذَا رَفَعْنَا أَصْوَاتَنَا سَمِعَهُ وَإِذَا لَمْ نَرْفَعْ أصْوَاتَنَا لَمْ يَسْمَعْهُ، فَقالَ الآخر إنْ سَمِعَ مِنْهُ شَيْئاً سَمِعَهُ كُلّهُ. فَقَالَ عَبْدُ الله فَذَكَرْتُ ذَلِكَ للنبيّ صلى الله عليه وسلم فَأَنْزَلَ الله {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أبْصَارُكُمْ ولاَ جلُودُكُمْ} إِلَى قَوْلِه ـ {فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الخَاسِرِينَ} " . هَذا حديثٌ حَسَنٌ.
ـــــــ
عن ابن مسعود بلفظ ثقفي وختناه قرشيان ولم يشك. وأخرج مسلم من طريق وهب هذه ولم يسق لفظها "قليل" بالتنوين خبر مقدم لقوله: "فقه قلوبهم" بإضافة فقه إلى قلوبهم وقيل بإضافة قليل إلى فقه، وقلوبهم بالرفع على أنه المبتدأ أي قلوبهم قليلة الفقه. وكذلك قوله: "كثير شحم بطونهم" . وفيه إشارة إلى أن الفطنة قلما تكون مع البطنة. قال الشافعي: ما رأيت سميناً عاقلاً إلا محمد بن الحسن "أترون" بضم الفوقية أي أتظنون "إن كان يسمع إذا جهرنا فهو يسمع إذا أخفينا" وجه الملازمة فيما قال أن نسبة جميع المسموعات إلى الله على السواء وأبطل القياس الفاسد في تشبيهه بالخلق في سماع الجهر دون السر وأثبت القياس الصحيح حيث شبه السر بالجهر لعلة أن الكل إليه سواء.

(9/123)


3302 ـ حدثنا مَحمُودُ بنُ غَيْلاَنَ، أخبرنا وَكِيعٌ، أخبرنا سُفْيَان عَنِ الأَعمَشِ عَن عُمَارَةَ بنِ عُمَيْرٍ، عَن وَهْبِ بنِ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ الله نَحْوَهُ.
3303 ـ حدثنا أبُو حَفْصٍ عَمْرُو بنُ عَلِيّ الفَلاّسُ، حَدّثنا أبو قُتَيْبَةَ سلمُ بنُ قُتَيْبَةَ، أخبرنا سهيلُ بنُ أبي حَزْمٍ القطعي أخبرنا ثَابِتٌ البُنَانِيّ عَن أنَسِ بنِ مَالِكٍ "أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَرَأَ {إِنّ
ـــــــ
وإنما جعل قائله من جملة قليل الفهم لأنه لم يقطع به وشك فيه {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ} وبعده {وَلا جُلُودُكُمْ} أي أنكم تستترون والحيطان والحجب عند ارتكاب الفواحش وما كان استتاركم ذلك خيفة أن يشهد عليكم جوارحكم لأنكم كنتم غير عالمين بشهادتها عليكم بل كنتم جاحدين بالبعث والجزاء أصلاً ولكنكم ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما كنتم تعملون أي ولكنكم إنما استترتم لظنكم أن الله لا يعلم كثيراً مما كنتم تعملون وهو الخفيات من أَعمالكم {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ} أي وذلك الظن هو الذين أهلككم، وذلكم مبتدأ وظنكم خبر، والذي ظننتم بربكم صفته وأرداكم خبر ثان، أو ظنكم بدل من ذلكم وأراداكم الخبر {فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} أي في مواقف القيامة. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله: "عن عبد الرحمن بن يزيد" بن قيس النخعي "قال عبد الله" بن مسعود قوله: "قرشي وختناه" تثنية ختن محركة وهو الصهر أو كل ما كان من قبل المرأة كالأب والأخ. قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه أحمد. قوله:
"عن وهب بن ربيعة" الكوفي قال في تهذيب التهذيب في ترجمته: روي عن ابن مسعود حديث: إني لمستتر بأستار الكعبة وعنه عمارة بن عمير، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: مقبول من الثالثة انتهى "عن

(9/124)


الّذِينَ قَالُوا رَبّنَا الله ثُمّ اسْتَقَامُوا} قالَ: قَدْ قَالَ النّاسُ ثُمّ كَفَرَ أكْثَرُهُمْ فَمَنْ مَاتَ عَلَيْهَا فَهُوَ مِمّنْ اسْتَقَامَ" . هَذا حديثٌ حسن غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ هَذا الوَجْهِ سَمِعْتُ أبَا زُرْعَةَ يَقُولُ رَوَى عَفّانُ عَن عَمْرِو بن عَليّ حَدِيثاً.
ـــــــ
عبد الله نحوه" أخرجه أيضاً أحمد ومسلم. قوله: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ} وحده لا شريك له {ثُمَّ اسْتَقَامُوا} أي داموا أو ثبتوا على التوحيد ولم يلتفتوا إلى إله غير الله. قال جماعة من الصحابة والتابعين معنى الاستقامة إخلاص العمل لله تعالى. وقال قتادة وابن زيد: ثم استقاموا على طاعة الله. وقال الحسن استقاموا على أمر الله فعملوا بطاعته واجتنبوا معاصيه. وقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله حتى ماتوا، وقيل غير ذلك. قلت: قول ابن عباس ومن تبعه هو الظاهر الموافق لحديث أنس الذي نحن في شرحه "قد قال الناس" وفي رواية أبي يعلى: قد قالها أناس "ثم كفر أكثرهم" يعني فليس هؤلاء الكفرة ممن استقاموا. قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه النسائي في التفسير وأبو يعلى والبزار وابن جرير. قوله: "سمعت أبا زرعة يقول روى عفان عن عمرو بن علي حديثاً" عفان هذا هو عفان بن مسلم. وهو من شيوخ عمرو بن علي الفلاس، وروى هو عنه حديثاً واحداً، كما أن البخاري من شيوخ الترمذي وروي عنه حديثين كما عرفت في المقدمة.

(9/125)


سورة الشورى
بسم الله الرحمن الرحيم
3304 ـ حدثنا محمد بن بشار، أخبرنا مُحمّدُ بنُ جَعْفَرٍ، أخبرنا شُعْبَةُ عَن عَبْدِ المَلِكِ بنِ مَيْسَرَةَ قَالَ سَمِعْتُ طَاؤُساً قَالَ: "سُئِلَ ابنُ عَبّاسٍ عَن هَذِهِ الآية {قُلْ لاَ أسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إلاّ المَوَدّةَ في القُرْبَى} فَقالَ سَعيدُ بنُ جُبَيْرٍ قُرْبَى آلِ مُحمدٍ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ ابنُ عَبّاسٍ
ـــــــ
"سورة الشورى"
وفي بعض النسخ سورة حم عسق
وهي مكية وهي ثلاث وخسمون آية
قوله: "عن عبد الملك بن ميسرة" الهلالي أبي زيد العامري الكوفي الزراد ثقة من الرابعة {قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ} أي على تبليغ الرسالة {أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} أي مظروفة فيها بحيث تكون القربى موضعاً للمودة وظرفاً لها لا يخرج شيء من محبتكم عنها والاستثناء متصل أي إلا أن تودوني لقرابتي بينكم أو تودوا أهل قرابتي، ويجوز أن يكون منقطعاً. قال الزجاج: إلا المودة استثناء ليس من الأول أي إلا أن تودوني لقرابتي فتحفظوني والخطاب لقريش، وهذا قول عكرمة ومجاهد وأبي مالك والشعبي فيكون المعنى على الانقطاع لا أسألكم أجراً قط ولكن أسألكم المودة في القربى التي بيني وبينكم ارقبوني فيها ولا تعجلوا إليّ ودعوني والناس، وبه قال قتادة ومقاتل والسدي والضحاك وابن زيد وغيرهم وهو الثابت عن ابن عباس "فقال سعيد بن جبير

(9/126)


أعَجلتَ إنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ إلاّ كَانَ لَهُ فِيهِمْ قَرَابَةٌ فَقَالَ: إلاّ أنْ تَصِلُوا مَا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ مِنَ
ـــــــ
قربى آل محمد. قال الحافظ: هذا الذي جزم به سعيد بن جبير قد جاء عنه من روايته عن ابن عباس مرفوعاً فأخرج الطبري وابن أبي حاتم من طريق قيس بن الربيع عن الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما نزلت قالوا يا رسول الله من قرابتك الذين وجبت علينا مودتهم الحديث وإسناده ضعيف وهو ساقط لمخالفته هذا الحديث الصحيح يعني حديث ابن عباس هذا الذي نحن في شرحه "فقال ابن عباس أعلمت" بهمزة الاستفهام للإنكار، وفي رواية البخاري: فقال ابن عباس: عجلت. قال الحافظ أي أسرعت في التفسير "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن بطن من قريش" البطن ما دون القبيلة وفوق الفخذ "له" أي للنبي صلى الله عليه وسلم "قال إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة" فحمل الآية على أن توادوا النبي صلى الله عليه وسلم من أجل القرابة التي بينه وبينكم فهو خاص بقريش، ويؤيده أن السورة مكية، وأما حديث ابن عباس أيضاً عند ابن أبي حاتم قال: لما نزلت هذه الآية {قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} قالوا يا رسول الله من هؤلاء الذين أمر الله بمودتهم؟ قال: "فاطمة وولدها عليهم السلام" . فقال ابن كثير إسناده ضعيف فيه منهم لا يعرف إلا عن شيخ شيعي مخترق وهو حسين الأشقر ولا يقبل خبره في هذا المحل. والآية مكية ولم يكن إذ ذاك لفاطمة أولاد بالكلية فإنها لم تزوج بعلي إلا بعد بدر من السنة الثانية من الهجرة، وتفسير الآية بما فسر به حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس أحق وأولى ولا ننكر الوصاة بأهل البيت واحترامهم وإكرامهم إذ هم من الذرية الطاهرة التي هي أشرف بيت وجد على وجه الأرض فخراً وحسباً ونسباً ولا سيما إذا كانوا متبعين للسنة الصحيحة كما كان عليه سلفهم كالعباس وبنيه وعلي وآل بيته وذريته رضي الله عنهم ونفعنا بمحبتهم، قاله القسطلاني. وقال الحسين بن الفضل ورواه ابن جرير عن الضحاك أن هذه الآية منسوخة والقول بنسخ

(9/127)


القَرَابَةِ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ وقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ ابنِ عَبّاسٍ.
3305 ـ حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، أخبرنا عَمْرُو بنُ عَاصِمٍ، أخبرنا عُبَيْدُ الله بنُ الوَزّاعِ قَالَ حدثني شَيْخٌ مِنْ بَنِي مُرّةَ قَالَ: "قَدِمْتُ الكُوفَةَ فَأُخْبِرْتُ عَنِ بِلاَلِ بنِ أبي بُرْدَةَ فَقُلْتُ إنّ فِيهِ لَمُعْتَبَراً فَأَتَيْتُه وَهُوَ مَحْبُوسٌ في دَارِهِ الّتِي قَدْ كَانَ بَنَى، قَالَ وإذَا كُلّ شَيءٍ
ـــــــ
هذه الآية غير مرضي لأن مودة النبي صلى الله عليه وسلم وكف الأذى عنه ومودة أقاربه من فرائض الدين وهو قول السلف فلا يجوز المسير إلى نسخ هذه الآية. وروى أحمد في مسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قل لا أسألكم على ما آتيتكم من البينات والهدى أجراً إلا أن توادوا الله تعالى وأن تقربوا إليه بطاعته" ، وهكذا روى قتادة عن الحسن البصري مثله. قال الحافظ ابن كثير وهذا كأنه تفسير بقول ثانٍ كأنه يقول "إلا المودة في القربى" أي "إلا أن تعملوا بالطاعة التي تقربكم عند الله زلفى" انتهى. والحاصل أن معنى الآية. قل يا محمد لهؤلاء المشركين من كفار قريش لا أسألكم على هذا البلاغ والنصح لكم ما لا تعطونيه وإنما أطلب منكم أن تكفوا شركم عني وتذروني أبلغ رسالات ربي إن لم تنصروني فلا تؤذوني لما بيني وبينكم من القرابة، وهذا هو الصحيح في معنى هذه الآية. ويدل على ذلك حديث ابن عباس هذا الذي نحن في شرحه، وأما الأقوال الباقية فمرجوحة. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والبخاري.
قوله: "أخبرنا عمرو بن عاصم" بن عبيد الله بن الوازع الكلابي القيسي "أخبرنا عبيد الله بن الوازع" الكلابي البصري مجهول من السابعة. قوله: "فأخبرت" بصيغة المجهول "عن بلال بن أبي بردة" بن أبي موسى الأشعري قاضي البصرة كان ظلوماً. وذكره أبو العرب الصقلي في كتاب الضعفاء وذكره

(9/128)


مِنْه قَدْ تَغَيّرَ مِنَ العَذَابِ وَالضّرْبِ وإذَا هُوَ في قُشَاشٍ، فَقُلْتُ الْحَمْدُ لله يَا بِلالُ لَقَدْ رَأيْتُكَ وَأنْتَ تَمُرّ بِنَا وَتُمْسِكُ بَأَنْفِكَ مِنْ غَيْرِ غُبَارٍ وَأَنْتَ في حَالِكَ هَذِهِ اليَوْمَ. فَقَالَ مِمّنْ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ مِنْ بَنِي مُرّةَ بنِ عَبّادٍ. فَقَالَ أَلاَ أُحَدّثُكَ حَدِيثاً عَسَى الله أَنْ يَنْفَعَكَ بِهِ؟ قُلْتُ هَاتِ، قَالَ حَدّثني أَبي أَبُو بُرْدَةَ عَن أبيِه أَبي مُوسَى أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ : "لاَ تُصِيبُ عَبْداً نَكْبَةٌ فَمَا فَوْقَهَا أَوْ دُونَهَا إِلاّ بِذَنْبٍ وَمَا يَعْفُو الله عَنْهُ أَكْثَرُ. قَالَ وَقَرَأَ {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} " .
هَذا حديثٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
ـــــــ
ابن حبان في الثقات كذا في الخلاصة وتهذيب التهذيب "فقلت إن فيه" أي في بلال بن أبي بردة "لمعتبراً" أي عبرة وذلك لأنه كان قاضياً والآن هو محبوس "قال" أي شيخ بني مرة المذكور "وإذا" للمفاجأة "منه" أي من بلال بن أبي بردة "في قشاش" قال في القاموس: القشيش كأمير اللقاطة كالقشاش بالضم وقال فيه اللقاطة بالضم ما كان ساقطاً مما لا قيمة له "تمسك بأنفك" أي تكبراً "هات" بكسر التاء أي أعط وحدثني بذلك الحديث "حدثني أبي أبو بردة" أبو بردة مرفوع على أنه بدل من أبي "أبي موسى" بالجر بدل من أبيه "نكبة" أي محنة وأذى والتنوين للتقليل لا للجنس ليصح ترتب ما بعدها عليها بالفاء وهو "فما فوقها" أي في العظم "أو دونها" أي في المقدار "إلا بذنب" أي يصدر من العبد "وما يعفو الله" ما موصولة أي الذي يغفره ويمحوه "أكثر" أي مما يجازيه "قال" أي أبو موسى "وقرأ" أي النبي صلى الله عليه وسلم {وَمَا أَصَابَكُمْ} خطاب للمؤمنين {مِنْ مُصِيبَةٍ} أي بلية وشدة {فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} أي كسبتم من الذنوب، وعبر بالأيدي لأن أكثر الأفعال تزاول بها {وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} أي من الذنوب فلا يجازي عليه وهو تعالى

(9/129)


ـــــــ
أكرم من أن يثنى الجزاء في الآخرة، وأما غير المذنبين فما يصيبهم في الدنيا لرفع درجاتهم في الآخرة. قوله: "هذا حديث غريب" في سنده مجهولان كما عرفت.

(9/130)


سورة الزخرف
بسم الله الرحمن الرحيم
3306 ـ حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، أخبرنا مُحمّدُ بنُ بِشْرٍ العَبدِي ويَعْلَى بنُ عُبَيْدٍ عَن حَجّاجِ بنِ دِينَارٍ عَنْ أَبي غَالِبٍ عَن أبي أُمَامَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "مَا ضَلّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلاّ أُوتُوا الْجَدَلَ، ثُمّ تَلاَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم هَذِهِ الآيةَ: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ}". هَذا حديثٌ حَسَنٌ
ـــــــ
"سورة الزخرف"
مكية وهي تسع وثمانون آية
قوله: "كانوا عليه" أي على الهدى "إلا أوتوا الجدل" أي أعطوه وهو حال وقد مقدرة والمستثنى منه أعم عام الأحوال وصاحبها الضمير المستتر في خبر كان، والمعنى ما كان ضلالتهم ووقوعهم في الكفر إلا بسبب الجدال وهو الخصومة بالباطل مع نبيهم وطلب المعجزة منه عناداً أو جحوداً، وقيل مقابلة الحجة بالحجة، وقيل المراد هنا العناد والمراد في القرآن ضرب بعضه ببعض لترويج مذاهبهم وآراء مشايخهم من غير أن يكون لهم نصرة على ما هو الحق وذلك محرم لا المناظرة لغرض صحيح كإظهار الحق فإنه فرض كفاية "ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي استشهاداً على ما قرره {مَا ضَرَبُوهُ} أي هذا المثل {لَكَ} يا محمد وهو قولهم أآلهتنا خير أم هو، أرادوا بالآلهة

(9/130)


صحيحٌ إِنّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ حَجّاجِ بنِ دِينَارٍ، وحَجّاجٌ ثِقَةٌ مُقَارِبُ الحَدِيثِ وأبُو غَالِبٍ اسْمُهُ حَزَوّرُ.
ـــــــ
هنا الملائكة يعني الملائكة خير أم عيسى يريدون أن الملائكة خير من عيسى فإذا عبدت النصارى عيسى فنحن نعبد الملائكة أي ما قالوا ذلك القول {جَدَلاً} أي إلا لمخاصمتك وإذائك بالباطل لا لطلب إلا الحق، كذا قال بعض العلماء. قال القاري: والأصح في معنى الآية أن ابن الزبعري جادل رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} آلهتنا أي الأصنام خير عندك أم عيسى فإن كان في النار فلتكن آلهتنا معه، وأما الجواب عن هذه الشبهة. فأولاً ـ أن ما لغير ذوي العقول فالإشكال نشأ عن الجهل بالقواعد العربية، وثانياً ـ أن عيسى والملائكة خصوا عن هذا بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} انتهى. قلت: ابن الزبعري بكسر الزاي المعجمة وفتح الباء الموحدة وسكون العين والراء المهملة والألف المقصورة قال الشهاب: ابن الزبعري هو عبد الله الصحابي المشهور وهذه القصة على تقدير صحتها كانت قبل إسلامه كذا في فتح البيان {بَلْ هُمْ} أي الكفار {قَوْمٌ خَصِمُونَ} أي كثير الخصومة. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد وابن ماجه والحاكم وابن جرير "إنما نعرفه من حديث حجاج بن دينار" قال الحافظ ابن كثير بعد نقل كلام الترمذي هذا ما لفظه: كاذ قال الترمذي وقد روي من وجه آخر عن أبي أمامة رضي الله عنه بزيادة فذكره. قوله: "وأبو غالب اسمه حزور" بفتح أوله والزاي وتشديد الواو وآخره راء.

(9/131)


سورة الدخان
بسم الله الرحمن الرحيم
3307 ـ حدثنا مَحْمُودُ بنُ غَيْلاَنَ، أخبرنا عَبْدُ المَلِكِ بنُ إبْرَاهِيمَ الْجُدّيّ، أخبرنا شُعْبَةُ عَن الأعْمَشِ وَمَنْصُورٍ سَمِعَا أبَا الضّحَى يُحَدّثُ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ "جَاءَ رَجُلٌ إلى عَبْدِ الله فقَالَ إنّ قَاصّاً يَقُصّ يَقُولُ إنّهُ يَخْرُجُ مِنَ الأَرْضِ الدّخَانُ فَيَأْخُذُ بِمَسَامِعِ الكُفّارِ ويَأْخُذُ المُؤْمِنَ كَهَيْئَةِ الزّكَامِ. قَالَ فَغَضِبَ وكَانَ مُتّكِئاً فَجَلَسَ ثُمّ قَالَ إِذَا سُئِلَ أَحَدُكُمْ عَمّا يَعْلَمُ فَلْيَقُلْ بِهِ، قَالَ مَنْصُورٌ فَلْيُنجر بِهِ، وَإِذَا سُئِلَ عَمّا لاَ يَعْلَمْ فَلْيَقُلْ الله أعْلَمُ. فإِنّ مِنْ عِلْمِ الرّجُلِ إِذَا سُئِلَ عَمّا لاَ يَعْلَمُ
ـــــــ
"سورة الدخان"
مكية وقيل إلا {إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ} الآية وهي ست أو سبع أو تسع وخمسون آية
قوله: "أخبرنا عبد الملك بن إبراهيم الجدي" بضم الجيم وتشديد الدال المكي مولى بني عبد الدار صدوق من التاسعة "أبا الضحى" هو مسلم بن صبيح "إلى عبد الله" هو ابن مسعود "إن قاصا يقص" وفي رواية للبخاري بينما رجل يحدث في كندة "فيأخذ بمسامع الكفار" جمع مسمع آلة السمع أو جمع سمع بغير قياس، والمسمع بالفتح خرقها، وفي رواية للبخاري فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم، وفي رواية مسلم فيأخذ بأنفاس الكفار "فغضب" أي عبد الله بن مسعود "فليقل به" أي بما يعلم "فإن من علم الرجل إلخ" قوله:

(9/132)


أَنْ يَقُولَ الله أَعْلَمُ فَإِنّ الله تعالى قَالَ لِنَبِيّهِ: {قُلْ مَا أسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أجْرٍ وَمَا أنَا مِنَ المُتَكَلّفينَ} إنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لَمّا رَأَى قُرَيْشاً اسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ قَالَ: اللّهُمّ أعِنّى عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ فَأَخَذَتْهُمْ
ـــــــ
من علم الرجل خبر مقدم لإن واسمها أن يقول الله أعلم، وقوله إذا سئل عما لا يعلم ظرف لقوله علم الرجل، وفي رواية البخاري في تفسير سورة الروم فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم لا أعلم. قال الحافظ يعني أن تمييز المعلومين المجهول نوع من العلم وهذا مناسب لما اشتهر من أن لا أدرى نصف العلم، ولأن القول فيما لا يعلم قسم من التكلف "فإن الله قال لنبيه {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} " في قول ابن مسعود هذا وفيما قبله تعريض بالرجل القاص الذي كان يقول: يجيء يوم القيامة كذا فأنكر ابن مسعود ذلك وقال لا تتكلفوا فيما لا تعلمون وبين قصة الدخان وقال إنه كهيئة إلخ. وذلك قد كان ووقع. قال العيني: فيه خلاف فإنه روي عن ابن عباس وابن عمر وزيد بن علي والحسن أنه دخان يجيء قبل قيام الساعة انتهى، وقال الحافظ وهذا الذي أنكره ابن مسعود قد جاء عن علي فأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم من طريق الحارث عن علي قال: آية الدخان لم تمض بعد يأخذ المؤمن كهيئة الزكام وينفخ الكافر حتى ينفد، ويؤيد كون آية الدخان لم تمض ما أخرجه مسلم من حديث أبي شريحة رفعه: "لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات طلوع الشمس من مغربها والدخان والدابة" الحديث، وروى الطبري من حديث ربعى عن حذيفة مرفوعاً في خروج الآيات والدخان قال حذيفة يا رسول الله وما الدخان فتلا هذه الآية. قال "أما المؤمن فيصيبه منه كهيئة الزكمة وأما الكافر فيخرج من منخريه وأذنيه وإسناده ودبره" ضعيف. وذكر الحافظ روايات أخرى ضعيفة ثم قال لكن تضافر هذه الأحاديث يدل على أن لذلك أصلاً انتهى. قال العيني في العمدة: وقال ابن دحيه الذي يقتضيه النظر الصحيح حمل أمر الدخان على قضيتين إحداهما وقعت وكانت والأخرى ستقع أي بقرب القيامة "استعصوا عليه" أي أظهروا العصيان ولم يتركوا الشرك "بسبع" أي بسبع سنين فيها

(9/133)


سَنَةٌ فأحصتْ كُلّ شَيْءٍ حَتّى أكَلُوا الْجُلُودَ وَالمَيْتَةَ ـ وَقَالَ أحَدُهُمَا: العِظَامَ ـ قَالَ: وَجَعَلَ يَخْرُجُ مِنَ الأرْضِ كَهَيْئَةِ الدّخَانِ، قَالَ: فأَتَاهُ أبُو سُفْيَانَ فَقالَ: إنّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا فادْعُ الله لَهُمْ، قالَ: فَهَذَا لقوله {يَوْمَ تَأْتِي السّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النّاسَ هَذَا عَذَابٌ ألِيمٌ} " .
ـــــــ
جدب وقحط "فأخذتهم سنة" بفتح السين وهي الجدب والقحط "فأحصت كل شيء" أي استأصلته وفي بعض النسخ فحصت كل شيء أي أذهبته والحص إذهاب الشعر عن الرأس بحلق أو مرض كذا في النهاية "وقال أحدهما" الضمير راجع إلى الأعمش ومنصور "العظام" روى مسلم هذا الحديث من طريق الأعمش وفيه حتى أكلوا العظام، ورواه من طريق منصور وفيه حتى أكلوا الجلود والميتة "وجعل يخرج من الأرض كهيئة الدخان" وكذلك في رواية البخاري، وفي رواية أخرى له: فكان يقوم أحدهم فكان يرى بينه وبين السماء مثل الدخان من الجهد والجوع. قال الحافظ ولا تدافع بينهما لأنه يحمل على أنه كان مبدأه من الأرض ومنتهاه ما بين السماء والأرض ولا معارضة أيضاً بين قوله يخرج من الأرض وبين قوله كهيئة الدخان لاحتمال وجود الأمرين بأن يخرج من الأرض بخار كهيئة الدخان من شدة حرارة الأرض ووهجها من عدم الغيث وكانوا يرون بينهم وبين السماء مثل الدخان من فرط حرارة الجوع، أو الذي كان يخرج من الأرض بحسب تخيلهم ذلك من غشاوة أبصارهم من فرط الجوع أو لفظ من الجوع صفة الدخان أي يرون مثل الدخان الكائن من الجوع {يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ} الآية بتمامها مع تفسيرها هكذا {فَارْتَقِبْ} أي انتظر يا محمد عذابهم فحذف مفعول فارتقب لدلالة ما بعده عليه وهو قوله عذاب أليم، وقيل يوم تأتي السماء مفعول فارتقب يقال رقبته فارتقبته نحو نظرته فانتظرته {يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ} أي ظاهر {يَغْشَى النَّاسَ} أي يحيطهم {هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} يقول الله ذلك وقيل يقوله الناس ربنا اشكف عنا العذاب قال الله تعالى حكاية عن المشركين لما أصابهم قحط وجهد قالوا: {رَبَّنَا اكْشِفْ

(9/134)


قالَ مَنْصُورٌ هَذا لقوله {رَبّنَا اكْشِفْ عَنّا العَذَابَ إِنا مؤمنون} فَهَلْ يُكْشَفُ عَذَابُ الآخرةِ قد مَضَى البَطْشَةُ واللّزَامُ والدّخَانُ، وقَالَ أحَدهما القَمَرُ وَقالَ الآخر الرّومُ" . قال أبو عيسى الّلزَامُ يعني يَوْمُ بَدْرٍ. هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
عَنَّا الْعَذَابَ} وهو القحط الذي أكلوا فيه الميتات والجلود {إِنَّا مُؤْمِنُونَ} أي مصدقون بنبيك {أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى} أي كيف يتذكرون ويتعظون بهذه الحالة {وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ} معناه وقد جاءهم ما هو أعظم وأدخل في وجوب الطاعة وهو ما ظهر على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الآيات البينات والمعجزات الظاهرات {ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ} أي أعرضوا {وَقَالُوا مُعَلَّمٌ} أي يعلمه القرآن، بشر {مَجْنُونٌ} {إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ} أي الجوع عنكم {قَلِيلاً} أي زمناً قليلاً فكشف عنهم {إِنَّكُمْ عَائِدُونَ} أي إلى كفركم فعادوا إليه {يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى} هو يوم بدر، والبطش الأخذ بقوة {إِنَّا مُنْتَقِمُونَ} أي منهم "فهل يكشف عذاب الآخرة" وفي رواية مسلم فيكشف بالهمزة قال النووي: هذا استفهام إنكار على من يقول إن الدخان يكون يوم القيامة كما صرح به في الرواية الثانية يعني التي فيها قال يأتي الناس يوم القيامة دخان فيأخذ بأنفساهم حتى يأخذهم منه كهيئة الزكام فقال ابن مسعود: هذا قول باطل لأن الله تعالى قال: {إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ} ومعلوم أن كشف العذاب ثم عودهم لا يكون في الآخرة وإنما هو في الدنيا انتهى "قال" أي ابن مسعود "مضى البطشة واللزام والدخان وقال أحدهم القمر وقال الآخر الروم" وفي بعض النسخ وقال أحدهما وهو الظاهر، وفي رواية البخاري قال عبد الله: خمسة قد مضين الدخان والقمر والروم والبطشة واللزام {فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً} هلاكاً. قال العيني قوله خمس أي خمس علامات قد مضين أي وقعن. الأولى ـ الدخان قال تعالى: {يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ} . الثانية ـ القمر قال الله تعالى {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} . الثالثة ـ الروم قال الله تعالى {ألم غُلِبَتِ الرُّومُ} . الرابعة ـ البطشة قال الله تعالى {يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى} وهو

(9/135)


3308 ـ حدثنا الحُسَيْنُ بنُ حُرَيْثٍ أخبرنا وَكِيعٌ عَنْ مُوسَى بنِ عُبَيْدَةَ عَن يَزِيدَ بنِ أَبَان عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إلاّ وَلَهُ بَابَانِ: بَابٌ يَصْعَدُ مِنْهُ عَمَلُهُ وبَابٌ يَنْزِلُ مِنْهُ رِزْقُهُ، فإِذَا مَاتَ بَكَيَا عَلَيْهِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ عز وجلّ {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهمُ السّمَاءُ والأرْضُ ومَا كانُوا مُنْظَرِينَ} " . هَذا حديثٌ غَرِيبٌ
ـــــــ
القتل الذي وقع يوم بدر. الخامسة ـ اللزام {فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً} قيل هو القحط وقيل هو التصاق القتلى بعضهم ببعض في بدر، وقيل هو الأسر فيه وقد أسر سبعون قرشياً فيه "قال أبو عيسى اللزام يوم بدر" اختلف فيه فذكر ابن أبي حاتم في تفسيره أنه القتل الذي أصابهم ببدر، روي ذلك عن ابن مسعود وأبي بن كعب ومجاهد وقتادة والضحاك. قال القرطبي فعلى هذا تكون البطشة واللزام واحداً، وعن الحسن: اللزام يوم القيامة وعنه أنه الموت وقيل يكون ذنبكم عذاباً لازماً لكم كذا في العمدة. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والشيخان والنسائي.
قوله: "وله" أي مختص به "بابان" أي من السماء "يصعد" بفتح الياء ويضم أي يطلع ويرفع "عمله" أي الصالح إلى مستقر الأعمال وهو محل كتابتها في السماء بعد كتابتها في الأرض وفي إطلاقه العمل إشعار بأنه عمله كله صالح "ينزل" بصيغة الفاعل أو المفعول "رزقه" أي الحسي أو المعنوي إلى مستقر الأرزاق من الأرض "بكيا" أي البابان "عليه" أي على فراقه لأنه انقطع خيره منهما بخلاف الكافر فإنهما يتأذيان بشره، فلا يبكان عليه. قاله ابن الملك، وهو ظاهر موافق لمذهب أهل السنة على ما نقله البغوي أن للأشياء كلها علماً بالله ولها تسبيح ولها خشية وغيرها، وقيل أي بكى عليه أهلهما: وقال الطيبي انكشاف هذا تمثيل وتخييل مبالغة في فقدان من درج وانقطع خيره، وكذلك ما روي عن ابن عباس من بكاء مصلى المؤمن وآثاره في الأرض ومصاعد عمله ومهابط رزقه في السماء تمثيل ونفي ذلك في قوله تعالى: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ

(9/136)


لا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعاً إلاّ مِنْ هذَا الوَجْهِ ومُوسَى بنُ عُبَيْدَةَ ويَزِيدُ بنُ أبَانَ الرّقاشِيّ يُضَعّفَانِ في الحَدِيثِ.
ـــــــ
وَالْأَرْضُ} تهكم بهم وبحالهم المنافية لحال من يعظم فقده فيقال فيه بكت عليه السماء والأرض انتهى، وهو مخالف لظاهر الآية والحديث ولا وجه للعدول لمجرد مخالفته ظاهر العقول كذا في المرقاة "فذلك" أي مفهوم الحديث أو مصداقه "قوله {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ} إلخ" أي لم تكن لهم أعمال صالحة تصعد في أبواب السماء فتبكي على فقدهم ولا لهم في الأرض بقاء عبدوا الله تعالى فيها فقدتهم فلهذا استحقوا أن لا ينظروا ولا يؤخروا لكفرهم وإجرامهم وعتوهم وعنادهم. قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه أبو يعلي وابن أبي حاتم.

(9/137)


سورة الأحقاف
بسم الله الرحمن الرحيم
3309 ـ حدثنا عَلِيّ بنُ سَعِيدٍ الكِنْدِيّ، أخبرنا أَبُو مُحَيّاةَ عَن عَبْدِ المَلِكِ بنِ عُمَيْرٍ عَن ابنِ أخِي عَبْدِ الله بنِ سَلاَمٍ قالَ: "لَمّا أُرِيدَ عُثْمَانُ جَاءَ عَبْدُ الله بنُ سَلاَمٍ فقالَ لَهُ عُثْمَانُ: مَا جَاءَ بِكَ؟ قَالَ: جِئْتُ في نُصْرَتِكَ قالَ: اخْرُجْ إلى النّاسِ فَاطْرُدْهُمْ عَنّي فإِنّكَ خَارِجٌ
ـــــــ
"سورة الأحقاف"
مكية إلا {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} الآية وإلا {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} وإلا {وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ} الثلاث آيات وهي أربع أو خمس وثلاثون آية
قوله: "أخبرنا أبو محياة" اسمه يحيى بن يعلي التيمي "عن ابن أخي عبد الله ابن سلام" مجهول من الثالثة. قوله: "لما أريد عثمان" أي أريد قتله "جاء عبد الله

(9/137)


خَيْرٌ لِي مِنْكَ دَاخِلٌ، قَالَ فَخَرَجَ عَبْدُ الله بنُ سَلاَمٍ إلى النّاسِ فَقَالَ: أَيّهَا النّاسُ إِنّهُ كَان اسْمِي في الجَاهِلِيةِ فُلاَنٌ فَسَمّانِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَبْدَ الله ونَزَلَ فيّ آيَاتٌ مِنْ كِتَابِ الله، نَزَلَتْ فيّ {وشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ إنّ الله لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ} وَنَزَلَتْ فِيّ {قُل كَفَى بالله شَهِيداً بَيْنِي وبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتَابِ} إِن لله سَيْفاً مَغْموداً عَنْكُمْ وإنّ المَلاَئِكَةَ قَدْ
ـــــــ
بن سلام" بتفخفيف اللام الصحابي المشهور "أخرج إلى الناس" أي الذين حاصروه "فاطردهم" من الطرد وهو الإبعاد أي أبعدهم "فإنك خارج خير لي منك داخل" أي كونك خارجاً لطردهم خير لي من كونك داخلاً عندي "إنه كان اسمي في الجاهلية فلان" الظاهر أن يكون فلاناً بالنصب منوناً لأنه خبر كان وفلان وفلانة يكنى بهما عن العلم الذي مسماه ممن يعقل فلا تدخل ال عليهما وفلانة ممنوعة من الصرف فيقال جاء فلان ولكن جاءت فلانة ويكنى بهما أيضاً عن العلم لغير العاقل فتدخل عليهما ال تقول ركبت الفلان وحلبت الفلانة وأما الرفع فعلى أن في كان ضمير الشأن واسمي مبتدأ وفلان خبره والجملة خبر كان وكان اسم عبد الله في الجاهلية الحصين فسماه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله أخرجه ابن ماجه "فيّ" بتشديد الياء {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ} أي العالمين بما أنزل الله في التوراة وقبله {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ} إلخ {عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ} أي على مثل القرآن من المعاني الموجودة في التوراة المطابقة له من إثبات التوحيد والبعث والنشور وغير ذلك. وهذه المثلية هي باعتبار تطابق المعاني وإن اختلفت الألفاظ قال الجرجاني: مثل صلة والمعنى وشهد شاهد عليه أنه من عند الله وكذا قال الواحدي، فآمن الشاهد بالقرآن لما تبين له أنه من كلام الله ومن جنس ما ينزله على رسله وهذا الشاهد من بني إسرائيل هو عبد الله بن سلام كما قال الحسن ومجاهد وقتادة وغيرهم وفي هذا نظر فإن السورة مكية بالإجماع وعبد الله بن سلام كان إسلامه بعد

(9/138)


جَاوَرَتْكُمْ في بَلَدِكُمْ هَذَا الّذِي نَزَلَ فِيهِ نَبِيّكُمْ فالله الله في هَذَا الرّجُلِ أَنْ تَقْتُلُوهُ فَوَالله إنْ قَتَلْتُمُوهُ لَتَطْرُدُنّ جِيرَانَكُمْ المَلاَئِكَةَ وَلْتَسُلّنّ سَيْفَ الله الْمَغْمودَ عَنْكُمْ فَلاَ يُغْمَدُ إلَى يَوْمِ القيامَةِ. قَالَ فقَالُوا اقْتُلُوا اليَهُودِيّ واقْتُلُوا عُثْمَانَ" . هَذا حديثٌ غَريبٌ وَقد رَوَاهُ شُعَيبُ
ـــــــ
الهجرة فيكون المراد بالشاهد رجلاً من أهل الكتاب قد آمن بالقرآن في مكة وصدقه، واختار هذا ابن جرير والراجح أنه عبد الله بن سلام وأن هذه الآية مدنية لا مكية. وعن ابن عباس قال هو عبد الله بن سلام، وقد روي نحو هذا عن جماعة من التابعين وفيه دليل على أن هذه الآية مدنية فيخصص بها عموم قولهم: إن سورة الأحقاف كلها مكية وإياه ذكر الكراشي وكونه إخباراً قبل الوقوع خلاف الظاهر ولذا قيل لم يذهب أحد أن الآية مكية إذا فسر الشاهد بابن سلام، وفيه بحث لأنه قوله وشهد شاهد معطوف على الشرط الذي يصير به الماضي مستقبلاً فلا ضرر في شهادة الشاهد بعد نزولها وادعاء أنه لم يقل به أحد من السلف مع ذكره في شروح الكشاف لا وجه له إلا أن يراد من السلف المفسرون. قاله الشهاب كذا في فتح البيان.
قلت: حديث عبد الله بن سلام وهذا صريح في أن هذه الآية نزلت فيه، وحديث عوف بن مالك عند ابن حبان وحديث ابن عباس عند ابن مردويه أيضاً يدلان على أن هذه الآية نزلت في عبد الله بن سلام كما في فتح الباري وهو القول الراجح {وَاسْتَكْبَرْتُمْ} أي آمن الشاهد واستكبرتم أنتم عن الإيمان وجواب الشرط بما يدل عليه ألستم ظالمين دل عليه {إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} فحرمهم الله سبحانه الهداية بظلمهم لأنفسهم بالكفر بعد قيام الحجة الظاهرة على وجوب الإيمان ومن فقد هداية الله له ضل {كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} أي على صدقي {وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} قيل هو عبد الله بن سلام وقيل هم مؤمنو أهل الكتاب. وهذه الآية في آخر سورة الرعد "مغموداً" أي مستوراً في غلافه "فالله الله" بالنصب فيهما أي اتقوا الله "في هذا الرجل"

(9/139)


بنُ صَفْوَانَ عَن عَبد المَلِكِ بن عُمَيْرٍ عَن ابنِ مُحمّدِ بن عَبْدِ الله بن سَلاَم عَن جَدّه عَبدِ الله بن سلاَمٍ.
3310 ـ حدثنا عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ الأسْوَدِ أبُو عَمْرٍو البَصْرِيّ، أخبرنا مُحمّدُ بنُ رَبِيعَةَ عَن ابنِ جُرَيْجٍ عَن عَطاءٍ عَن عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: "كانَ النبيّ صلى الله عليه وسلم إذَا رَأى مَخِيلَةً أقْبَلَ وَأَدْبَرَ فَإِذَا مَطَرَتْ سُرّيَ عَنْهُ. قَالَتْ فَقُلْتُ لَهُ فقَالَ: وَمَا أدْرِي لَعَلّهُ كَمَا قَالَ الله تعالَى: {فَلَمّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا} " . هَذا حديثٌ حَسَنٌ.
ـــــــ
أي عثمان رضي الله عنه "أن تقتلوه " بدل اشتمال من هذا الرجل "لتطردن" أي لتبعدن "جيرانكم" بالنصب على المفعولية "الملائكة" بالنصب على البدلية "ولتسلن" أي لتنتزعن "فلا يغمد" بصيغة المجهول. قال في مختار الصحاح غمد السيف من باب ضرب ونصر جعله في غمده فهو مغمود وأغمده أيضاً فهو مغمد وهما لغتان فصيحتان "اقتلوا اليهودي" أي عبد الله بن سلام. قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه ابن مردويه وابن جرير مختصراً. قوله: "عن ابن محمد بن عبد الله بن سلام" وفي الرواية الآتية في مناقب عبد الله بن سلام: وعمر بن محمد بن عبد الله بن سلام ولم أقف على ترجمة عمر بن محمد هذا.
قوله: "حدثنا عبد الرحمن بن الأسود" هو ابن المأمون. قوله: "إذا رأى مخيلة" بفتح الميم وكسر الخاء المعجمة وسكون التحتية وهي السحابة التي يخال فيها المطر "أقبل وأدبر" زاد البخاري: ودخل وخرج وتغير وجهه أي خوفاً أن تصيب أمته عقوبة ذنب العامة كما أصاب الذين قالوا هذا عارض ممطرنا الآية "فإذا مطرت" أي المخيلة "سرى عنه" بضم المهملة وتشديد الراء بلفظ المجهول أي كشف عنه ما خالطه من الوجل "فقلت له" أي لم تقبل وتدبر ويتغير

(9/140)


3311 ـ حدثنا عَلِيّ بنُ حُجْرٍ، أخبرنا إِسْمَاعِيلُ بنُ إبْرَاهيمَ عَن دَاودَ عَن الشّعْبيّ عَن عَلْقَمَةَ قَالَ: "قُلْتُ لابنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه: هَلْ صَحِبَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لَيْلَةَ الجِنّ مِنْكُمْ أحَدٌ؟ قالَ: مَا صَحِبَهُ مِنّا
ـــــــ
وجهك عند رؤية المخيلة "فقال وما أدري لعله" أي المذكور من المخيلة {فَلَمَّا رَأَوْهُ} أي ما هو العذاب {عَارِضاً} أي سحاباً عرض في أفق السماء {مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا} أي ممطر إيانا بعده {بل هو} أي قال تعالى {بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ} من العذاب {رِيحٌ} بدل من ما {فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي مؤلم.
قال ابن العربي: فإن قيل كيف يخشى النبي صلى الله عليه وسلم أن يعذب القوم وهو فيهم مع قوله تعالى {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} والجواب أن الآية نزلت بعد هذه الآية ويتعين الحمل على ذلك لأن الآية دلت على كرامة له صلى الله عليه وسلم ورفعة فلا يتخيل انحطاط درجته أصلاً. قال الحافظ: يعكر عليه أن آية الأنفال كانت في المشركين من أهل بدر، وفي حديث عائشة إشعار بأنه كان يواظب على ذلك من صنيعه كان إذا رأى فعل كذا. والأولى في الجواب أن يقال إن في آية الأنفال احتمال التخصيص بالمذكورين له بوقت دون وقت أو مقام الخوف يقتضي غلبته عدم الأمن من مكر الله، وأولى من الجميع أن يقال خشي على من ليس هو فيهم أن يقع بهم العذاب أما المؤمن فشفقته عليه لإيمانه وأما الكافر فلرجاء إسلامه وهو بعث رحمة للعالمين. قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه البخاري والنسائي.
قوله: "أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم" هو ابن علية "عن داود" هو ابن أبي هند. قوله: "قال ما صحبه منا أحد" قال النووي: هذا صريح في إبطال الحديث المروى في سنن أبي داود وغيره المذكور فيه الوضوء بالنبيذ وحضور ابن مسعود معه صلى الله عليه وسلم ليلة الجن فإن هذا الحديث صحيح وحديث النبيذ ضعيف بإتفاق المحدثين ومداره على زيد مولى عمرو بن حريث وهو مجهول انتهى.

(9/141)


أحَدٌ ولَكِنْ قد افْتَقَدْنَاهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَهُوَ بمكّةَ فَقُلْنَا اغْتِيلَ أو اسْتُطِيرَ ما فُعِلَ بِهِ؟ فَبِتْنَا بِشَرّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ حَتّى إذَا أَصْبَحْنَا أَوْ كَانَ في وَجْهِ الصّبْحِ إذَا نَحْنُ بِهِ يَجِيءُ مِنْ قِبَلِ حِراءٍ قالَ: فَذَكَرُوا لَهُ الّذِي كَانُوا فِيهِ قالَ: فقال: "أَتَانِي دَاعِيَ الْجِنّ فأَتَيْتُهُمْ فَقَرَأْتُ عَلَيْهم، قالَ: فانْطَلَقَ فأَرَانا آثَارَهُمْ وآثار نِيرَانِهِمْ. قالَ الشّعْبيّ: وسَأَلُوهُ الزّادَ وكانُوا مِنْ جِنّ الْجَزِيرَةِ فقالَ: كُلّ عَظْمٍ يُذْكَرْ اسْمُ الله عَلَيْهِ يَقَعُ في أيْدِيكُمْ أوْفَرَ مَا كانَ لَحْماً، وَكُلّ بَعْرَةٍ أوْ رَوْثَةِ عَلَفٌ لِدَوَابّكُمْ. فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: فَلاَ تَسْتَنْجُوا بِهِمَا فإِنّهُمَا زَادُ إخْوَانكُمْ "مِنَ" الْجِنّ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
"افتقدناه" فقده يفقده من باب ضرب أي عدمه وافتقده مثله "وهو بمكة" جملة حالية "اغتيل" بصيغة المجهول أي قتل سراً من الاغتيال وهو القتل في خفية "استطير" بصيغة المجهول أيضاً من الاستطار أي طارت به الجن "إذا نحن به" أي برسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا للمفاجأة "من قبل" بكسر القاف وفتح الموحدة "حراً" قال في القاموس حراء ككتاب وكعلي عن عياض ويؤنث ويمنع جبل بمكة فيه غار تحنث فيه النبي صلى الله عليه وسلم "قال الشعبي وسألوه الزاد إلخ". قال الدارقطني انتهى حديث ابن مسعود عند قوله فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم وما بعده من قول الشعبي، كذا رواه أصحاب داود الراوي عن الشعبي وابن علية وابن زريع وابن أبي زائدة وابن إدريس وغيرهم، هكذا قاله الدارقطني وغيره. ومعنى قوله إنه من كلام الشعبي أنه ليس مروياً عن ابن مسعود بهذا الحديث وإلا فالشعبي لا يقول هذا الكلام إلا بتوقيف عن النبي صلى الله عليه وسلم، قاله النووي "كل عظم لم يذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما كان لحماً" وفي رواية مسلم: "لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحماً" . وفي هاتين الروايتين تخالف ظاهر ويمكن

(9/142)


ـــــــ
أن يجمع بينهما بأن المراد بقوله: ذكر اسم الله عليه أي عند الذبح، وبقوله لم يذكر اسم الله عليه يعني عند الأكل وإلا فما في الصحيح هو أصح. قوله "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد ومسلم.

(9/143)


سورة محمد صلى الله عليه وسلم
بسم الله الرحمن الرحيم
3312 ـ حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، أخبرنا عَبْدُ الرزّاقِ، أخبرنا مَعْمَرٌ عَن الزّهْرِيّ عَن أَبِي سَلَمَةَ عَن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه {واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وللمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِنَاتِ} فقَالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: "إِنّي لأَسْتَغْفِرُ الله في اليَوْمِ سَبْعِينَ
ـــــــ
"سورة محمد صلى الله عليه وسلم"
وتسمى سورة القتال مدنية وهي ثمان أو تسع وثلاثون آية
قوله: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} أي استغفر الله مما ربما يصدر منك من ترك الأولى. وقيل لتستن به أمته وليقتدوا به في ذلك. وقيل غير ذلك كما ستقف { وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} فيه إكرام من الله عزّ وجلّ لهذه الأمة حيث أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لذنوبهم وهو الشفيع المجاب فيهم "إني لأستغفر الله" وفي رواية البخاري: "والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه" . قال الحافظ فيه القسم على الشيء تأكيداً له وإن لم يكن عند السامع فيه شك، وظاهره أنه يطلب المغفرة ويعزم على التوبة، ويحتمل أن يكون المراد يقول هذا اللفظ بعينه، ويرجح الثاني ما أخرجه النسائي بسند جيد من طريق مجاهد عن ابن عمر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه" في المجلس قبل أن يقوم مائة مرة، وله من رواية محمد بن سوقة عن نافع عن ابن عمر بلفظ: إنا كنا لنعد لرسول الله صلى الله

(9/143)


مَرّةً" هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. وَيُرْوَى عَن أَبي هُرَيْرَةَ أيضاً عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم أَنّهُ قَالَ "إِنّي لأَسْتَغْفِرُ الله في اليَوْمِ مائَةَ مَرّةٍ" رَوَاهُ مُحمّدُ بنُ عَمْرٍو عَن أَبِي سَلَمةَ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ.
ـــــــ
عليه وسلم في المجلس رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور مائة مرة "في اليوم سبعين مرة" وفي رواية البخاري: أكثر من سبعين مرة. قال الحافظ تحت هذه الرواية ما لفظه: وقع في حديث أنس: "إني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة" . فيحتمل أن يريد المبالغة ويحتمل أن يريد العدد بعينه، وقوله أكثر مبهم فيحتمل أن يفسر بحديث ابن عمر المذكور وأنه يبلغ المائة. قوله "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ويروى عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة إلخ" رواه النسائي كما صرح به الحافظ في الفتح.
تنبيه: قد استشكل وقوع الاستغفار من النبي صلى الله عليه وسلم وهو معصوم والاستغفار يستدعى وقوع معصية، وأجيب بعدة أجوبة منها أن المراد باستغفاره صلى الله عليه وسلم استغفاره من الغين الذي وقع في حديث الأغر المزني عند مسلم: إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة قال عياض. المراد من الغين فترات عن الذكر الذي شأنه أن يداوم عليه فإذا فتر عنه لأمر ما عد ذلك ذنباً فاستغفر عنه، ومنها قول ابن الجوزي هفوات الطباع البشرية لا يسلم منها أحد. والأنبياء وإن عصموا من الكبائر فلم يعصموا من الصغائر، كذا قال وهو مفرع على خلاف المختار والراجح عصمتهم من الصغائر، كذا قال وهو مفرع على خلاف المختار والراجح عصمتهم من الصغائر، كذا قال وهو مفرع على خلاف المختار والراجح عصمتهم من الصغائر أيضاً، ومنها قول ابن بطال: الأنبياء أشد الناس اجتهاداً في العبادة لما أعطاهم الله تعالى من المعرفة فهم دائبون في شكره معترفون له بالتقصير انتهى. ومحصل جوابه أن الاستغفار من التقصير في أداء الحق الذي يجب لله تعالى، ويحتمل أن يكون لاشتغاله بالأمور المباحة من أكل أو شرب أو جماع أو نوم أو راحة أو لمخاطبة الناس والنظر في مصالحهم ومحاربة عدوهم تارة ومداراته أخرى وتأليف المؤلفة وغير ذلك مما يحجبه عن الاشتغال بذكر الله

(9/144)


3313 ـ حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، أخبرنا عَبْدُ الرزّاقِ، أخبرنا شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ عَن العَلاَءِ بنِ عَبْدِ الرْحمَن عَن أَبيهِ عَن أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: "تَلاَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم هَذِهِ الآية يَوْماً {وإِنْ تَتَوَلّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} قَالوا وَمَنْ يُسْتَبْدَلُ بِنَا؟ قَالَ فَضَرَبَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى منْكَبِ سَلْمَانَ ثُمّ قَالَ: هَذَا وقَوْمُهُ" . هَذا حديثٌ غَرِيبٌ في إِسْنَادِهِ مَقَالٌ. وقد رَوَى عَبْدُ الله بنُ جَعْفَرٍ أَيْضاً هَذَا الحَدِيثَ عَن العَلاَءِ بنِ عَبْدِ الرْحمَنِ.
3314 ـ حدثنا عَلِيّ بنُ حُجْرٍ أخبرنا إسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ جَعْفَرِ بنِ نَجِيحٍ عَن العَلاَءِ بنِ عَبْدِ الرّحمَنِ عَن أَبِيهِ عَن أَبِي.
ـــــــ
والتضرع إليه ومشاهدته ومراقبته فيرى ذلك ذنباً بالنسبة إلى المقام العلي وهو الحضور في حظيرة القدس. ومنها أن الاستغفار تشريع لأمته أو من ذنوب الأمة فهو كالشفاعة لهم. وقال الغزالي في الإحياء: كان صلى الله عليه وسلم دائم الترقي فإذا ارتقى إلى حال رأى ما قبلها دونها فاستغفر من الحالة السابقة، وهذا مفرع على أن العدد المذكور في استغفاره كان مفرقاً بحسب تعدد الأحوال، وظاهر ألفاظ الحديث يخالف ذلك كذا في الفتح.
قوله: "عن العلاء بن عبدالرحمن" بن يعقوب الحرقي {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا} أي إن تعرضوا وتدبروا عن طاعته {يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ} أي يجعلهم بدلكم {ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} أي في التولي عن طاعته بل مطيعين له عزّ وجلّ "قالوا" أي قال بعض الصحابة "على منكب سلمان" أي الفارسي وفي الرواية الآتية: فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فخذه ومنكبه "هذا وقومه" هم الفرس قوله: "هذا حديث غريب" في سنده شيخ من أهل المدينة وهو مجهول.

(9/145)


هُرَيْرَةَ أَنّهُ قَالَ "قَالَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم يَا رَسُولَ الله مَنْ هَؤلاَءِ الّذِينَ ذَكَرَ الله إِنْ تَوَلّيْنَا اسْتُبْدِلُوا بِنَا ثُمّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَنَا؟ قَالَ وَكَانَ سَلْمَانُ بِجَنْبِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ فَضَرَبَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَخِذَ سَلْمَانَ وَقَالَ هَذَا وأَصْحَابُهُ. والّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كانَ الإيمَانُ مَنُوطاً بالثّرَيّا لَتَنَاوَلَهُ رِجَالٌ مِنْ فَارِسَ" . وعَبْدُ الله بنُ جَعْفَرِ بنِ نَجِيحٍ هُوَ وَالدُ عَلِيّ بنِ المَدِينيّ فقد رَوَى عَلِيّ بنُ حُجْرٍ عَن عَبْدِ الله بنِ جَعْفَرٍ الكَثِيرَ وَحَدّثَنَا عَلِيّ بِهذَا الحَدِيثِ عَن إسْمَاعِيلَ بنِ جَعْفَرِ بن نجيح.
ـــــــ
قوله: "استبدلوا بنا" بصيغة المجهول أي يجعلوا بدلنا "لو كان الإيمان منوطاً" أي معلقاً "بالثريا" بضم المثلثة وفتح الراء وتشديد التحتية هو النجم. قال في القاموس: امرأة ثروى متمولة والثريا تصغيرها والنجم لكثرة كواكبه مع ضيق المحل "لتناوله" أي أخذ الإيمان "لتناوله" أي أخذ الإيمان "رجال من فارس" قال في القاموس: فارس والفرس أو بلادهم.
اعلم أن هذا الحديث صريح في أن قوله صلى الله عليه وسلم "لو كان الإيمان" إلخ صدرمنه عند نزول هذه الآية وحديث أبي هريرة الآتي في تفسير سورة الجمعة صريح في أن هذا القول صدر منه عند نزول قوله تعالى {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ} قال الحافظ في الفتح: يحتمل أن يكون ذلك صدر عند نزول كل من الآيتين ويأتي الكلام مفصلاً بما يتعلق بقوله صلى الله عليه وسلم: "لو كان الإيمان" إلخ في تفسير سورة الجمعة إن شاء الله تعالى: "وقد روى علي بن حجر عن عبد الله بن جعفر الكثير" أي من الأحاديث يعني قد روى علي بن حجر أحاديث كثيرة عن عبد الله بن جعفر بغير واسطة. "وحدثنا علي بهذا الحديث عن إسماعيل بن جعفر عن عبد الله بن جعفر بن نجيح" أي بواسطة إسماعيل بن جعفر.

(9/146)


سورة الفتح
بسم الله الرحمن الرحيم
3315 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ، أخبرنا مُحمّدُ بنُ خَالِدِ بنَ عَثْمَةَ أخبرنا مَالِكُ بنُ أَنَسٍ عَن زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ عَن أَبيهِ قَالَ "سَمِعْتُ عُمَر بنَ الخَطّابِ رضي الله عنه يَقُولُ كُنّا مَعَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم في بَعضِ أَسْفَارِهِ فَكلّمْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَسَكَتَ ثُمّ كَلّمْتُهُ فَسَكَتَ، فحرّكْتُ راحِلَتي فَتَنَحّيْتُ وَقُلْتُ ثَكِلَتْكَ أُمّكَ يَا ابْنَ الخَطّابِ نَزَرْتَ رَسُولَ
ـــــــ
"سورة الفتح"
مدنية وهي تسع وعشرون آية
قوله: "في بعض أسفاره" هو سفر عمرة الحديبية كما في رواية الطبراني، وفي رواية البخاري عن زيد بن أسلم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسير في بعض أسفاره وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسير معه ليلاً قال القرطبي: وهذا السفر كان ليلاً منصرفه صلى الله عليه وسلم من الحديبية لا أعلم بين أهل للعلم في ذلك خلافاً "فسكت" وفي رواية البخاري فلم يجبه. قال الحافظ يستفاد منه أنه ليس لكل كلام جواب بل السكوت قد يكون جواباً لبعض الكلام، وتكرير عمر السؤال إما لكونه خشي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسمعه أو لأن الأمر الذي كان يسأل عنه كان مهماً عنده ولعل النبي صلى الله عليه وسلم أجابه بعد ذلك وإنما ترك إجابته أولاً لشغله بما كان فيه من نزول الوحي "فقلت" أي لنفسي "ثكلتك أمك" بفتح المثلثة وكسر الكاف من الثكل وهو فقدان المرأة ولدها دعا عمر على نفسه

(9/147)


الله صلى الله عليه وسلم ثَلاَثَ مَرّاتٍ كُلّ ذَلِكَ لاَ يُكَلّمُكَ مَا أَخْلَقَكَ بِأَنْ يَنْزِلَ فِيكَ قُرآنٌ، قَالَ فَمَا نَشِبْتُ أَن سَمِعْتُ صَارخاً يَصْرُخُ بِي قَالَ فَجِئْتُ إلى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ يَا ابْنَ الخَطّابِ لَقَدْ أنْزلَ عَليّ هَذِهِ اللّيْلَةَ سُورَة مَا أُحِبّ أَنّ لِي بِهَا ما طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشّمْسُ {إِنّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً} . هَذا حديثٌ حَسنٌ غَرِيبٌ صحيحٌ.
3316 ـ حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ عَن مَعْمَرٍ عَن قَتَادَةَ عَن أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ "نُزلَتْ على النبيّ صلى الله عليه وسلم {لِيَغْفرَ لَكَ الله مَا تَقَدّمَ مِنْ ذَنْبكَ وَمَا تَأَخّرَ} مَرْجِعَهُ مِنَ الحُدَيْبيةِ فَقَالَ النبيّ
ـــــــ
بسبب ما وقع منه من الإلحاح، ويحتمل أن يكون لم يرد الدعاء على نفسه حقيقة وإنما هي من الألفاظ التي تقال عند الغضب من غير قصد معناها "نزرت رسول الله صلى الله عليه وسلم" بفتح النون وبالزاي بعدها راء بالتخفيف والتثقيل والتخفيف أشهر أي ألححت عليه "ما أخلقك" صيغة التعجب من خلق ككرم صار خليقاً أي جديراً "فما نشبت" بكسر الشين المعجمة بعدها موحدة ساكنة أي ما لبثت. قال في النهاية: لم ينشب أن فعل كذا أي لم يلبث وحقيقته لم يتعلق بشيء غيره ولا استغل بسواء "صارخاً" أي مصوتاً "ما أحب أن لي بها ما طلعت عليه الشمس" أي لما فيها من البشارة بالمغفرة والفتح {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وحده واختلف في تعيين هذا الفتح فقال الأكثر على ما في البخاري: هو صلح الحديبية والصلح قد يسمى فتحاً. قال الفراء: والفتح قد يكون صلحاً، وقال قوم أنه فتح مكة وقال آخرون إنه فتح خيبر. والأول أرجح. ويؤيده حديث أسلم العدوي هذا قوله: "هذا حديث حسن غريب صحيح" وأخرجه أحمد البخاري والنسائي.
قوله: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ} أي بجهادك {مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} أي منه

(9/148)


صلى الله عليه وسلم لَقَدْ نَزَلَتْ عَليّ آيَةٌ أَحَبّ إليّ مِمّا عَلَى الأَرْضِ ثُمّ قَرَأَهَا النبيّ صلى الله عليه وسلم عَلَيْهم فَقَالُوا هَنِيئاً مَرِيئاً يا رَسُولَ الله لَقد بَيّنَ الله لَكَ مَاذَا يُفْعَلُ بِكَ فَمَاذَا يُفْعَلُ بِنَا، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ {لِيُدخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِنَاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} حَتّى بَلَغَ {فَوْزاً عَظِيماً} هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. وفيهِ عَن مُجَمّعِ بنِ جَارِيَةَ.
3317 ـ حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ: قال حدثني عبد الرزاق عن عن معمر حدثني سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ
ـــــــ
لترغيب أمتك في الجهاد وهو مأول لعصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالدليل العقلي القاطع من الذنوب واللام للعلة الغائبة. فمدخلها مسبب لا سبب قاله الجلال المحلي. واختلف في معنى قوله ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقيل ما تقدم من ذنبك قبل الرسالة وما تأخر بعدها. قاله مجاهد وسفيان الثوري وابن جرير والواحدي وغيرهم وفيه أقوال أخرى ضعيفة والظاهر الراجح هذا الذي ذكرناه ويكون المراد بالذنب بعد الرسالة ترك ما هو الأولى وسمي في حقه ذنب لجلالة قدره وإن لم يكن ذنباً في حق غيره "مرجعه" أي وقت رجوعه ظرف لقوله أنزلت "فقالوا هنياً مرياً يا رسول الله" قال القسطلاني أي قال أصحابه صلى الله عليه وسلم: هنيئاً أي لا إثم فيه مريئاً أي لا داء فيه، ونصباً على المفعول أو الحال أو صفة لمصدر محذوف أي صادفت أو عش عيشاً هنيئاً مريئاً يا رسول الله غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر {لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ إلخ} اللام متعلق بمحذوف أي أمر بالجهاد ليدخل إلخ. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والشيخان. قوله: "وفيه عن مجمع بن جارية" يعني وفي الباب عن مجمع بضم الميم وفتح الجيم وتشديد الميم المكسورة ابن جارية بالجيم ابن عامر الأنصاري الأوسي المدني صحابي أحد القراء الذين قرأوا القرآن وأخرج حديثه أحمد وأبو داود في الجهاد.

(9/149)


أخبرنا حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ عَن ثَابِتٍ عَن أَنَسٍ "أَنّ ثمَانِينَ هَبَطُوا عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وأصْحَابِهِ مِنْ جَبَلِ التّنْعِيمِ عِنْدَ صَلاَةِ الصّبْحِ وَهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَقْتُلُوهُ فَأُخِذُوا أَخْذاً فَأَعْتَقَهُمْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فأَنْزَلَ الله {وَهُوَ الّذِي كَفّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ} " الآيةَ. هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
3318 ـ حدثنا الحَسَنُ بنُ قَزعَةَ البَصْرِيّ، أخبرنا سُفْيَانُ بنُ حَبِيبٍ عَن شُعْبَةَ عَن ثُوَيْرٍ عَن أَبيهِ عَن الطّفَيْلِ بنِ أُبَيّ بن كَعْبٍ عَن أَبِيهِ عَن النّبيّ صلى الله عليه وسلم " {وَأَلْزَمَهُم كَلِمَةَ التّقْوَى} قَالَ لا إِله إِلاّ الله" هَذا حديثٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ مَرْفُوعاً إِلاّ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بن
ـــــــ
قوله: "أن ثمانين هبطوا" أي نزلوا وفي رواية أحمد لما كان يوم الحديبية هبط على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثمانون رجلاً من أهل مكة بالسلاح "أن يقتلوه" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "فأخذوا" بصيغة المجهول أي الثمانون "فأعتقهم" وفي رواية أحمد فعفا عنهم. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي في التفسير.
قوله: "عن أبيه" هو سعيد بن علاقة أبو فاختة. قوله: {وَأَلْزَمَهُمْ} أي المؤمنين {كَلِمَةَ التَّقْوَى} أي من الشرك وهي لا إله إلا الله وأضيف إلى التقوى لأنها سببها وبه قال الجمهور، وزاد بعضهم محمد رسول الله وزاد بعضهم وحده لا شريك له وقال الزهري هي بسم الله الرحمن الرحيم وذلك أن الكفار لم يقروا بها وامتنعوا عن كتابتها في كتاب الصلح الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ثبت ذلك في كتب الحديث والسير. فخص الله بهذه الكلمة المؤمنين وألزمهم بها والأول أولى لأن كلمة التوحيد هي التي يتقي بها الشرك بالله ويدل عليه حديث

(9/150)


قَزعَةَ وَسَأَلْتُ أَبَا زُرْعَةَ عَن هَذَا الحَدِيثِ فَلَمْ يَعْرِفْهُ مَرْفُوعاً إِلاّ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
ـــــــ
أبي بن كعب هذا "قال" أي النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير كلمة التقوى "لا إله إلا الله" أي هي لا إله إلا الله. قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه أحمد وابن جرير والدارقطني في الأفراد وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات.

(9/151)


سورة الحجرات
بسم الله الرحمن الرحيم
3319 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ المُثَنّى، أخبرنا مُؤَمّلُ بنُ إِسْمَاعِيلَ، أخبرنا نَافِعُ بنُ عُمَر بنَ جَمِيلٍ الْجُمَحِيّ قَالَ: حدثنا ابنُ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ "حدثني عَبْدُ الله بنُ الزّبَيْرِ أَنّ الأَقْرَعَ بنَ حَابِسٍ قَدِمَ عَلَى النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ فَقَالَ أبُو بَكْرٍ يَا رَسُولَ الله اسْتَعْمِلْهُ عَلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ عُمَرُ لاَ تَسْتَعْمِلْهُ يَا رَسُولَ الله، فَتَكَلّمَا عِنْدَ النبيّ صلى الله عليه وسلم حَتّى ارْتَفَعَتْ أصْوَاتُهُمَا، فقَال أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ ما أَرَدْتَ إلاّ خِلاَفِي. فقال عُمَرُ مَا أرَدْتُ خِلافكَ.
ـــــــ
"سورة الحجرات"
ثماني عشرة آية وهي مدنية
قوله: "فقال أبو بكر يا رسول الله استعمله" أي الأقرع "فقال عمر لا تستعمله" وفي رواية البخاري من طريق ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن ابن الزبير فقال أبو بكر: أمر القعقاع بن معبد. وقال عمر: بل أمر الأقرع بن حابس.

(9/151)


قَالَ فَنَزَلتْ هَذِهِ الآية {يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النبيّ} قَالَ وَكَان عُمَرُ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا تَكَلّمَ عِنْدَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَسْمَعْ كلاَمَهُ حَتّى يَسْتَفْهِمَهُ قَالَ وَمَا ذَكَرَ ابنُ الزّبَيْرِ جَدّهُ يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ" . هَذا حديثٌ غَريبٌ حَسَنٌ. وقَد روى بَعْضُهُمْ عَن ابنِ أبي مُلَيْكَةَ مُرْسلاً وَلَمْ يَذْكُرْ فيهِ عَن عَبدِ الله بنِ الزّبَيْرِ.
3320 ـ حدثنا أَبُو عُمّارٍ الْحُسيْنُ بنُ حرَيْثٍ أخبرنا الفَضْلُ بنُ مُوسَى عَن الْحُسَيْنِ بنِ وَاقِدٍ عَن أَبِي إسْحَاقَ عَن البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ
ـــــــ
ورواية البخاري أثبت من رواية الترمذي هذه لأن في سندها مؤمل بن إسماعيل وهو صدوق سيء الحفظ "ما أردت إلا خلافي" أي ليس مقصودك إلا مخالفة قولي "وكان عمر بعد ذلك إذا تكلم عند النبي صلى الله عليه وسلم لم يسمع كلامه حتى يستفهمه" وفي رواية للبخاري: فكان عمر بعد ذلك إذا حدث النبي صلى الله عليه وسلم بحديث حدثه كأخي السرار لم يسمعه حتى يستفهمه "قال وما ذكر ابن الزبير جده يعني أبا بكر" يعني أن ابن الزبير ذكر عن عمر أنه كان بعد ذلك إذا تكلم عند النبي صلى الله عليه وسلم لم يسمع كلامه إلخ ولم يذكر هذا عن جده أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، وفي رواية البخاري في التفسير: ولم يذكر ذلك عن أبيه يعني أبا بكر. قال القسطلاني يريد جده لأمه أسماء، وإطلاق الأب على الجد مشهور انتهى. وقال الحافظ في الفتح: وقد أخرج ابن المنذر من طريق محمد بن عمرو بن علقمة أن أبا بكر الصديق قال مثل ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم وهذا مرسل وقد أخرجه الحاكم موصولاً من حديث أبي هريرة نحوه وأخرجه ابن مردويه من طريق طارق بن شهاب عن أبي بكر قال لما نزلت {لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ} الآية قال أبو بكر قلت يا رسول الله آليت ألا أكلمك إلا كأخي السرار انتهى. قوله: "هذا حديث غريب حسن" وأصله في البخاري.

(9/152)


في قَوْلِهِ تَعَالى {إنّ الّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أكثرهم لا يعقلون} قَالَ: "فَقَامَ رَجُلٌ. فَقَالَ يا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم إنّ حَمْدِي زَيْنٌ وإِنّ ذَمّيَ شَيْنٌ، فَقَالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم ذَاكَ الله عَزّ وَجَلّ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَريبٌ.
3321 ـ حدثنا عَبْدُ الله بنِ إسْحَاقَ الْجَوْهَريّ البَصْرِيّ، أخبرنا أبُو زَيْدٍ صَاحِبُ الهرَوِيّ عَن شعْبَةَ عنْ دَاودَ بنِ أبي هِنْدٍ قَالَ سَمِعْتُ الشّعْبيّ يُحَدّثُ عَن أَبي جبيرَةَ بنِ الضّحّاكِ. قَالَ كَانَ الرّجُلُ مِنّا يَكُونُ لَهُ الاْسمَانِ والثّلاَثَةُ فيُدْعَى بِبَعْضِهَا فَعَسَى أَنْ يَكْرَهَ. قَالَ فنَزَلت هَذِهِ الآية {وَلاَ تنَابَزُوا بالأَلْقَابِ} . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
قوله: "فقال يا رسول الله إن حمدي زين وإن ذمي شين" مقصود الرجل من هذا القول مدح نفسه وإظهار عظمته يعني إن مدحت رجلاً فهو محمود ومزين وإن ذممت رجلاً فهو مذموم ومعيب "ذاك الله عزّ وجلّ" أي الذي حمده زين وذمه شين هو الله سبحانه وتعالى. وروى الطبري من طريق معمر عن قتادة مثله مرسلاً وزاد: فأنزل الله {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ} الآية ومن طريق الحسن نحوه وروى من طريق موسى بن عقبة عن أبي سلمة قال حدثني الأقرع بن حابس التميمي أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد أخرج إلينا فنزلت {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ} الحديث ورواه أحمد من هذا الطريق بلفظ أنه نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد يا محمد، وفي رواية: يا رسول الله. فلم يجبه فقال: يا رسول الله إن حمدي لزين وإن ذمي لشين. قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه ابن جرير.
قوله: "أخبرنا أبو زيد صاحب الهروي" اسمه سعيد بن الربيع العامري الحرشي الهروي البصري كان يبيع الثياب الهروية ثقة من صغار التاسعة. قوله: {وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ} أي لا يدعو بعضكم بعضاً بلقب يكرهه، والتنابز

(9/153)


3322 ـ حدثنا أَبُو سَلَمَةَ يَحْيَى بنُ خَلَفٍ أخبرنا بِشْرُ بنُ المُفَضّلِ عَن دَاودَ بن أَبِي هِنْدٍ عَن الشّعْبِيّ عَن أَبي جبيرَةَ بنِ الضّحّاكِ نَحْوَهُ. وأَبُو جبيرَةَ بنُ الضّحّاكِ هُو أَخُو ثابِتِ بنِ الضّحّاكِ بن خليفة الأَنْصَارِيّ
3323 ـ حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ أخبرنا عُثْمَانُ بنُ عُمَرَ عَن المُسْتَمِر بنِ الرّيّانِ عَن أَبِي نَضْرَةَ قَال "قَرَأَ أَبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيّ {واعْلَمُوا أَنّ فِيكُمْ رَسُولَ الله لَوْ يُطِيعُكُمْ في كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتّمْ} قَالَ هَذَا نَبِيّكُمْ صلى الله عليه وسلم يُوحَى إِلَيْهِ. وخِيَارُ أَئِمّتِكُمْ لَوْ أَطَاعَهُمْ في كَثِيرٍ مِنَ الأَمْر لَعنتُوا فَكَيْفَ بِكُمْ اليَوْمَ؟" . هَذا حديثٌ غَريبٌ حَسَنٌ صحيحٌ. قَالَ عَلِيّ
ـــــــ
التفاعل من النبز بالتسكين وهو المصدر والنبز بالتحريك اللقب مطلقاً أي حسناً كان أو قبيحاً، خص في العرف بالقبيح والجمع أنباز والألقاب جمع لقب وهو اسم غير الذي سمي به الإنسان والمراد لقب السوء، والتنابز بالألقاب أن يلقب بعضهم بعضاً والتداعي بها. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه. قوله: "وأبو جبيرة" بفتح الجيم وكسر الموحدة وسكون التحتية وبعدها راء مهملة وتاء تأنيث لا يعرف له اسم واختلف العلماء في صحبته فقال بعضهم له صحبة وقال بعضهم ليست له صحبة.
قوله: "عن المستمر بن الريان" بالتحتانية المشددة الإيادي الزهراني كنيته أبو عبد الله البصري ثقة عابد من السادسة. قوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ} أي اعلموا أن بين أظهركم رسول الله فعظموه ووقروه وتأدبوا معه وانقادوا لأمره فإنه أعلم بمصالحكم وأشفق عليكم منكم ورأيه فيكم أتم من رأيكم لأنفسكم ثم بين أن رأيهم سخيف بالنسبة إلى مراعاة مصالحهم فقال: {لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} أي لو أطاعكم في جميع ما تختارونه لأدى ذلك إلى عنتكم وحرجكم، والعنت هو التعب والجهد والإثم والهلاك "قال" أي أبو سعيد "وخيار أئمتكم" أي الصحابة رضي الله عنهم

(9/154)


ابنُ المَدِيِنيّ سَأَلْتُ يَحْيَى بنَ سَعِيدٍ القَطّانَ عَن المُسْتَمِر بنِ الرّيّانِ فَقَالَ ثِقَةٌ.
3324 ـ حدثنا عَلِيّ بنُ حُجْرٍ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ جَعْفَرٍ، أخبرنا عَبْدُ الله بنُ دِينَارٍ عَن ابنِ عُمَرَ: "أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم خَطَبَ النّاسَ يَوْمَ فَتْحِ مَكّةَ "فَقَالَ يَا أَيّهَا النّاسُ إِنّ الله قَد أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِيّةَ الجَاهِلِيّةِ وتَعَاظُمَهَا بَآبَائِهَا، فالنّاسُ رَجُلاَنِ: رَجُلٌ بَرّ تَقِيّ كَرِيمٌ عَلَى الله وَفَاجِرٌ شَقِيّ هَيّنٌ عَلَى الله. وَالنّاسُ بَنُو آدَمَ وَخَلَقَ الله آدَمَ مِنَ التّرَابِ قَالَ الله: {يَا أَيّهَا النّاسُ إنّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ
ـــــــ
{لو أطاعهم} أي لو أطاع النبي صلى الله عليه وسلم إياهم {لعنتوا} أي خيار أئمتكم مع كونهم خيار الأئمة "فكيف بكم اليوم" الخطاب فيه وفي ما قبله للتابعين أي كيف يكون حالكم لو يقتدي بكم ويأخذ بآرائكم ويترك كتاب الله وسنة رسوله. قوله: "إن الله قد أذهب عنكم" أي أزال ورفع عنكم "عبية الجاهلية" بضم العين المهملة وكسرها وكسر الموحدة وفتح التحتية المشددتين أي نخوتها وكبرها وفخرها "وتعاظمها" أي تفاخرها "فالناس رجلان" أي نوعان "رجل بر تقي" أي فلا ينبغي له أن يتكبر على أحد لأن مدار الإيمان على الخاتمة والله سبحانه وتعالى أعلم بمن اتقى "وفاجر" أي كأفراد عاص "شقي" أي غير سعيد "هين" بفتح الهاء وكسر التحتية المشددة أي ذليل "على الله" أي عنده والذليل لا يناسبه التكبر "والناس" أي كلهم "بنو آدم" أي أولاده "وخلق الله آدم من التراب" أي فلا يليق بمن أصله التراب النخوة والتجبر أو إذا كان الأصل واحداً فالكل إخوة فلا وجه للتكبر لأن بقية الأمور عارضة لا أصل لها حقيقة

(9/155)


ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ الله أَتْقَاكُمْ إِنّ الله عَليمٌ خَبِيرٌ} " . هَذا حديثٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الله بنِ دِينَارٍ عَن ابنِ عُمَرَ إلاّ مِنْ هَذَا الوَجْهِ. وعبد الله بنُ جَعْفَرٍ يُضَعّفُ. ضَعّفَه يَحْيَى بنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ وهُو وَالِدُ عَلِيّ بنِ المدِينيّ. قال: وفي البابِ عن أَبي هُرَيْرَةَ وعَبْدِ الله ابنِ عَبّاسٍ.
3325 ـ حدثنا الفَضْلُ بنُ سهيلٍ البَغْدَادِيّ الأعْرَجُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ قَالُوا: أخبرنا يُونُسُ بنُ مُحّمدٍ عَن سَلاّمِ بنِ أَبِي مُطِيعٍ عَن قَتَادَةَ عَن الحَسَنِ عَن سَمُرَةَ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "الحَسَبُ
ـــــــ
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى} أي آدم وحواء {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً} جمع شعب بفتح الشين وهو أعلى طبقات النسب {وَقَبَائِلَ} هي دون الشعوب وبعدها العمائر ثم البطون ثم الأفخاذ ثم الفصائل آخرها. مثاله خزيمة شعب كنانة قبيلة، قريش عمارة بكسر العين، قصى بطن، هاشم فخذ، العباس فصيلة {لِتَعَارَفُوا} حذف منه إحدى التائين أن ليعرف بعضكم بعضاً لا لتفاخروا بعلو النسب وإنما الفخر بالتقوى {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} أي إنما تتفاضلون عند الله تعالى بالتقوى لا بالأحساب {إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ} بكم {خَبِيرٌ} ببواطنكم. قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه ابن أبي حاتم. قوله: "وفي الباب عن أبي هريرة وعبد الله بن عباس" أما حديث أبي هريرة فأخرجه الترمذي في آخر الكتاب، وأما حديث ابن عباس فأخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده والبيهقي في شعب الإيمان.
قوله: "أخبرنا يونس بن محمد" البغدادي المؤدب "عن سلام" بفتح السين وتشديد اللام "بن أبي مطيع" الخزاعي مولاهم البصري ثقة صاحب سنة في روايته عن قتادة ضعف من السابقة "عن الحسن" هو البصري قوله: "الحسب" بفتحتين

(9/156)


المَالُ، وَالكَرَمُ التّقْوَى" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ غرِيبٌ صحيحٌ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ لا نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ حَدِيثِ سَلاّمِ بن أَبِي مُطِيعٍ.
ـــــــ
"المال" أي مال الدنيا الحاصل به الجاه غالباً "والكرم" أي الكلام المعتبر في العقبى المترتب عليه الإكرام بالدرجات العلى "التقوى" لقوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} قال الطيبي: الحسب ما يعده من مآثره ومآثر آبائه والكرم الجمع بين أنواع الخير والشرف والفضائل وهذا بحسب اللغة، فردهما صلى الله عليه وسلم إلى ما هو المتعارف بين الناس وعند الله، أي ليس ذكر الحسب عند الناس للفقير حيث لا يوقر ولا يحتفل به بل كل الحسب عندهم من رزق الثروة ووقر في العيون، ومنه حديث عمر رضي الله عنه من حسب الرجل إنقاء ثوبيه أي إنه يوقر لذلك من حيث أنه دليل الثروة وذو الفضل والشرف عند الناس ولا يعد كريماً عند الله. وإنما الكريم عنده من ارتدى برداء التقوى وأنشد:
كانت مودة سلمان له نسباً
... ولم يكن بين نوح وابنه رحم
انتهى. وقيل الحسب ما يعده الرجل من مفاخر آبائه، والكرم ضد اللؤم فقيل معناه الشيء الذي يكون به الرجل عظيم القدر عند الناس هو المال والشيء الذي يكون به عظيم القدر عند الله التقوى. والافتخار بالآباء ليس بشيء منهما. قوله: "هذا حديث حسن غريب صحيح" وأخرجه أحمد وابن ماجه والحاكم.

(9/157)


سورة ق
بسم الله الرحمن الرحيم
3326 ـ حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، أخبرنا يُونُسُ بنُ مُحمّدٍ، أخبرنا شَيْبَانُ عَن قَتَادَةَ، أخبرنا أَنَسُ بنُ مَالِكٍ أَنّ نَبِيّ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لا تَزَالُ جَهَنّمُ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ حَتّى يَضَعَ فِيهَا رَبّ العِزّةِ قَدَمَهُ فَتَقُولُ قَطْ قَطْ وَعِزّتِكَ وَيُزوَى بَعْضُها إلى بَعْضٍ" . هَذا حديثٌ
ـــــــ
"سورة ق"
مكية إلا {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ} الآية فمدنية وهي خمس وأربعون آية
قوله: "أخبرنا شيبان" بن عبد الرحمن النحوي. قوله: "لا تزال جهنم تقول هل من مزيد" أي من زيادة، وفي رواية الشيخين: "لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد" أي يطرح فيها من الكفار والفجار "حتى يضع فيها رب العزة" أي صاحب الغلبة والقوة والقدرة "قدمه" وفي حديث أبي هريرة عند الترمذي في باب خلود أهل النار: "حتى إذا أوعبوا فيها وضع الرحمن قدمه فيها" وقد تقدم الكلام هناك مبسوطاً على وضعه تعالى قدمه في النار "فتقول قط قط" بفتح القاف وسكون الطاء. قال الحافظ أي حسبي حسبي، وثبت بهذا التفسير عند عبد الرزاق من حديث أبي هريرة وقط بالتخفيف ساكناً ويجوز الكسر بغير إشباع ووقع في بعض النسخ يعني بعض نسخ البخاري عن أبي ذر قطي قطي بالإشباع وقطني بزيادة نون مشبعة، ووقع في حديث أبي سعيد ورواية سليمان التيمي بالدال بدل الطاء. وهي لغة أيضاً وكلها بمعنى يكفي. وقيل قط

(9/158)


حَسَنٌ صحيحٌ غريبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ وَفِيهِ عَن أَبي هُرَيْرَةَ عَنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
صوت جهنم والأول هو الصواب عند الجمهور انتهى "ويزوى" بصيغة المجهول أي يجمع. قوله: "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه أحمد والشيخان "وفيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم" يعني وفي الباب عن أبي هريرة أخرج حديثه الترمذي في الباب المذكور.

(9/159)


سورة الذاريات
بسم الله الرحمن الرحيم
3327 ـ حدثنا ابنُ أَبِي عُمَرَ أخبرنا سُفْيَانُ بن عيينة عَن سَلامٍ عَنْ عَاصِمِ بنِ أَبِي النّجُودِ عَن أَبي وَائِلٍ عَن رَجُلٍ مِنْ رَبِيعَةَ قالَ: "قَدِمْتُ المَدِينَةَ فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَذكرْتُ عِنْدَهُ وَافِدَ عَادٍ. فَقُلْتُ أَعُوذُ بِالله أَنْ أَكُونَ مِثْلَ وَافِدِ عَادٍ. فقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَمَا وَافِدُ عَادٍ؟ قال: قَالَ فَقلت: عَلَى الخَبِيرِ
ـــــــ
"سورة الذاريات"
مكية وهي ستون آية
قوله: "أخبرنا سفيان" هو ابن عيينة "عن سلام" بفتح السين وتشديد اللام ابن سليمان المزني كنيته ابن المنذر القاري النحوي البصري نزيل الكوفة صدوق يهم قرأ على عاصم من السابعة "عن أبي وائل" اسمه شقيق بن سلمة الأسدي "عن رجل من ربيعة" هو الحارث بن يزيد البكري كما في الرواية الآتية "فذكرت" بضم الذال المعجمة وكسر الكاف بالبناء للمفعول "وافد عاد"

(9/159)


بها سَقَطْتَ. إنّ عَاداً لَمّا أُقْحِطَتْ بَعَثَتْ قَيْلاً فَنَزَلَ عَلَى بَكْرِ بنِ مُعَاوِيَةَ فَسَقَاهُ الْخَمرَ وَغَنّتْهُ الجَرَادَتانِ ثُمّ خَرَجَ يُرِيدُ جِبَالَ مَهْرَةَ فقَالَ اللّهُمّ إِنّي لَمْ آتِكَ لِمَرِيضٍ فَأُدَاوِيهِ وَلاَ لأَسِيرٍ فَأُفَادِيهِ فاسْقِ عَبْدَكَ مَا كُنْتَ مُسْقِيهِ واسْقِ مَعَهُ بَكْرَ بنَ مُعَاوِيَةَ ـ يَشْكُرْ لَهُ الْخَمْرَ الّذِي سَقَاهُ ـ فَرُفِعَ لَهُ سَحَابَاتٌ فَقِيلَ لَهُ: اخْتَرْ إِحْدَاهُنّ فاخْتَارَ السّوْدَاءَ مِنْهُنّ فَقِيلَ لَهُ خُذْهَا رَمَاداً رمْدداً، لا تَذَرُ مِنْ عَادٍ أَحَداً. وَذَكَرَ أَنّهُ لَمْ يُرْسِلْ عَلَيْهِمْ مِنَ الرّيحِ إلاّ قَدْرَ هَذِهِ الحَلَقَةِ يَعْنِي حَلَقَةَ الخَاتِم، ثُمّ قَرَأَ {إذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرّيحَ العَقِيمَ مَا تَذَرُ مِنْ شَيءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ}
ـــــــ
مفعول ثان لذكرت أي ذكروا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وافد عاد بحضرتي وعادهم قوم هود "على الخبير بها سقطت" أي على العارف بقصة وافد عاد وقعت وهو مثل سائر للعرب "لما أقحطت" بصيغة المجهول يقال أقحط القوم إذا انقطع عنهم المطر "بعثت" أي أرسلت عاد "قيلا" بفتح القاف وسكون التحتية وباللام قال في القاموس: قيل وافد عاد. وفي رواية أحمد فبعثوا وافداً لهم يقال له قيل "فنزل على بكر بن معاوية" اسم رجل كان في ذلك الزمان "وغنته الجرادتان" قال الجزري في النهاية هما مغنيتان كانتا بمكة في الزمن الأول مشهورتان بحسن الصوت والغناء، وفي رواية أحمد فمر بمعاوية بن بكر فأقام عنده شهراً يسقيه الخمر وتغنيه جاريتان يقال لهما الجرادتان فلما مضى الشهر خرج إلى جبال مهرة "ثم خرج" أي قيل "يريد جبال مهرة" قال في القاموس: مهرة بن حيدان حي "فاسق عبدك" يريد نفسه مع قومه "سحابات" أي قطعات من السحاب "خذها رماداً رمدواً" قال في النهاية: الرمدد بالكسر المتناهي في الاحتراق والدقة كما يقال: ليل أليل ويوم أيوم إذا أرادوا المبالغة "لا تذر من عاد أحداً" أي لا تدعه حياً بل تهلكه، وفي رواية أحمد فمرت به سحابات سود فنودي منها اختر فأومأ إلى سحابة منها سوداء فنودي منها خذها

(9/160)


الآية. وَقَدْ رَوَى هَذَا الحَدِيثَ غَيْرُ وَاحِدٍ عَن سَلاّمٍ أَبي المُنْذِرِ عَنْ عَاصِمِ بنِ أَبي النّجُودِ عَن أَبِي وَائِلٍ عَن الحَارِثِ بنِ حَسّانَ وَيُقَالُ: الحارِثُ بنُ يَزِيدَ.
3328 ـ حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، أخبرنا زَيْدُ بنُ حُبَابٍ، أخبرنا سَلاّمُ بنُ سُلَيْمَانَ النّحْوِيّ أَبُو المُنْذِرِ، أخبرنا عَاصِمُ بنُ أَبِي النّجُودِ عَن أَبِي وَائِلٍ عَن الحَارِثِ بنِ يَزِيدَ البَكْرِيّ قالَ: "قَدِمْتُ المَدِينَةَ فَدَخَلْتُ المَسْجِدَ فإِذَا هُوَ غَاصّ بِالنّاسِ وَإِذَا رَايَاتٌ سُودٌ تَخْفِقُ وَإِذَا بِلاَلٌ مُتَقَلّد السّيْفِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قلت: مَا شَأْنُ النّاسِ؟ قالُوا يُرِيدُ أَنْ يَبْعَثَ عَمْرَو بنَ العَاصِ وَجْهاً" فَذَكَرَ
ـــــــ
رماداً رمدداً لا تبقى من عاد أحداً "وذكر" أي النبي صلى الله عليه وسلم "ثم قرأ {إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ} " الآية مع تفسيرها هكذا "وفي عاد" أي في إهلاكهم آية {إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ} هي التي لا خير فيها لأنها لا تحمل المطر ولا تلقح الشجر وهي الدبور {مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ} أي نفس أو مال {أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ} أي كالمباني المتفتت. قوله: "فإذا هو غاص بالناس" أي ممتلئ بهم. قال في مختار الصحاح المنزل غاص بالقوم أي ممتلئ بهم "وإذا رايات" جمع راية وهي العلم "سود" جمع سوداء "تخفق" بفتح الفوقية وكسر الفاء وضمها. قال في القاموس: خفقت الراية تخفق وتخفق خفقاً وخفقاناً محركة اضطربت وتحركت "وجهاً" أي جانباً. قوله: "فذكر الحديث بطوله نحواً من حديث سفيان بن عيينة" أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه "ويقال له الحارث بن حسان" قال الحافظ في تهذيب التهذيب: الحارث بن حسان بن كلدة البكري الذهلي الربعي ويقال العامري ويقال حريث، وفد على النبي صلى الله عليه وسلم وسكن الكوفة، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وعنه أبو وائل

(9/161)


الحَدِيثَ بِطُولِهِ نَحْواً مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بنِ عُيَيْنَةَ بِمَعْنَاهُ. قال: ويُقَالُ لَهُ الحَارِثُ بنُ حَسّانَ أيضاً.
ـــــــ
وغيره. قال وقع في رواية الترمذي عن رجل من ربيعة ثم علقه من وجه آخر فسماه الحارث بن حسان ثم ساقه من طريق أخرى فقال الحارث بن يزيد البكري ثم قال ويقال له الحارث بن حسان وصحح ابن عبد البر أن اسمه حريث، وقال البغوي كان يسكن البادية.

(9/162)


سورة الطور
بسم الله الرحمن الرحيم
3329 ـ حدثنا أَبُو هِشَامٍ الرّفَاعِيّ، أخبرنا محمد بنُ فُضَيْلٍ عَن رِشْدِينَ بنِ كُرَيْب عَن أَبيهِ عَن ابنِ عَبّاسٍ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "إدْبَارُ النّجُومِ الرّكْعَتَانِ قَبْلَ الفَجْرِ وإدْبَارُ السّجُودِ الرّكْعَتَانِ بَعْدَ المَغْرِبِ" . هَذا حديثٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ مَرْفُوعاً
ـــــــ
"سورة الطور"
مكية وهي تسع وأربعون آية
قوله: "عن أبيه" هو كريب بن أبي مسلم مولى ابن عباس قوله: "إدبار النجوم" بكسر الهمزة ونصب الراء على الحكاية من قوله تعالى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ} ويجوز الرفع وعلى الوجهين هو مبتدأ خبره "الركعتان" وفي بعض النسخ الركعتين بالنصب على أنه بيان لقوله إدبار النجوم على الوجه الأول "قبل الفجر" أي فرضه والإدبار والدبور الذهاب يعني عقيب ذهاب النجوم وهو سنة الصبح "وإدبار السجود" بفتح الهمزة وكسرها قراءتان متواترتان في قوله تعالى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ

(9/162)


إِلاَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ محمّدِ بنِ فُضَيْلِ عَن رِشْدَين بن كُرَيْبٍ. سَأَلْتُ مُحمّدَ بنَ إسْمَاعيلَ عَنْ مُحمّدٍ ورِشْدِينَ ابْنَيْ كُرَيْبٍ أَيّهُمَا أَوْثَقُ؟ قال: مَا أقَرَبَهُمَا، ومُحمّدٌ عِنْدِي أَرْجَحُ قال: وسَأَلْتُ عَبْدَ الله بن عبْدِ الرّحْمَنِ عَن هَذَا فقالَ مَا أَقْرَبَهُمَا عندي ورَشْدِينُ بنُ كُرَيْبٍ أَرْجَحُهُمَا عِنْدِي. قَالَ وَالقَوْلُ ما قَالَ أَبُو مُحمّدٍ وَرِشْدِينُ أَرْجَحُ مِنْ مُحمّدٍ وَأُقَدّمُهُ وَقَدْ أَدْرَكَ رِشْدِينُ بنَ عَبّاسٍ وَرَآهُ.
ـــــــ
وَقَبْلَ الْغُرُوبِ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} قال الطيبي: صلاة أدبار السجود وأدبار نصبه بسبح في التنزيل أوقعه مضافاً في الحديث على الحكاية انتهى والمراد بالسجود فريضة المغرب. قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه الحاكم وصححه ابن مردويه وابن أبي حاتم "ما أقر بهما" صيغة تعجب "ومحمد عندي أرجح" ووافقه أبو حاتم فقال يكتب حديثه وهو أحب إلى من أخيه رشدين "وسألت عبد الله بن عبد الرحمن" هو الدارمي "قال" أي أبو عيسى الترمذي "ما قال أبو محمد" هو كنيته عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي "وأقدمه" أي أكبره.

(9/163)


سورة والنجم
بسم الله الرحمن الرحيم
3330 ـ حدثنا ابنُ أَبِي عُمَرَ، أخبرنا سُفْيَانُ عن مَالِكِ بنِ مِغْولٍ عَن طَلْحَةَ بنِ مُصَرّفٍ عَن مُرّةَ عَن ابنِ مَسْعُودٍ قَالَ: "لَمّا بلَغَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سِدْرَةَ المُنْتَهَى قَالَ: انْتَهى إِلَيْهَا
ـــــــ
"سورة النجم"
مكية وهي ثنتان وستون آية
قوله: "عن مرة" هو ابن شراحيل الهمداني. قوله: "لما بلغ رسول الله

(9/163)


ما يَعْرُجُ مِنَ الأرْضِ وَمَا يَنْزِلُ مِنْ فَوْقٍ. فأَعْطَاهُ الله عِنْدَهَا ثَلاَثاً لَمْ يُعْطِهنّ نَبِيّا كانَ قَبْلَهُ: فُرِضَتْ عَلَيْهِ الصّلاَةُ خَمْساً وَأُعْطِيَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ البَقَرَةِ وَغَفَرَ لاِمّتِهِ المُقْحِمَاتِ مَا لَمْ يُشْرِكُوا بالله شَيْئاً . قَالَ ابنُ مَسْعُودٍ {إِذْ يَغْشَى السّدْرَةَ ما يَغْشَى} قالَ : السّدْرَةُ في السّمَاءِ السّادِسَةِ. قَالَ
ـــــــ
صلى الله عليه وسلم " أي ليلة الإسراء "سدرة المنتهى" قال الجزري في النهاية: السدر شجر النبق. وسدرة المنتهى شجرة في أقصى الجنة إليها ينتهي علم الأولين والآخرين ولا يتعداها "قال انتهى ما يعرج من الأرض" أي ما يصعد من الأعمال والأرواح. وهذا قول ابن مسعود وضمير قال راجع إليه. وفي رواية مسلم: إليها ينتهي ما يعرج به الأرض فيقبض منها "وما ينزل من فوق" أي من الوحي والأحكام، وفي رواية مسلم: وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها أي من الوحي والأحكام، وفي رواية مسلم: وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها "فأعطاه الله عندها" أي عند سدرة المنتهى "خمساً" أي خمس صلوات "وأعطى خواتيم سورة البقرة" أي من قوله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ} إلى آخر السورة. قيل معنى قوله أعطى خواتيم سورة البقرة أي أعطى إجابة دعواتها "وغفر لأمته المقحمات" وفي رواية مسلم: وغفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئاً المقحمات. قال النووي هو بضم الميم وإسكان القاف وكسر الحاء ومعناه الذنوب العظام الكبائر التي تهلك أصحابها وتوردهم النار وتقحمهم إياها وتقحم الوقوع في المهالك ومعنى الكلام من مات من هذه الأمة غير مشرك بالله غفر له المقحمات. والمراد والله أعلم بغفرانها أنه لا يخلد في النار بخلاف المشركين وليس المراد أنه لا يعذب أصلاً. فقد تقررت نصوص الشرع وإجماع أهل السنة على إثبات بعض العصاة من الموحدين، ويحتمل أن يكون المراد بهذا خصوصاً من الأمة أن يغفر لبعض الأمة المقحمات وهذا يظهر على مذهب من يقول إن لفظة من لا تقتضي العموم مطلقاً، وعلى مذهب من يقول لا تقتضيه في الإخبار وإن اقتضه في الأمر والنهي ويمكن تصحيحه على المذهب المختار وهو كونها للعموم مطلقاً لأنه قد قام دليل على إرادة الخصوص وهو ما ذكرناه من النصوص والإجماع انتهى "قال: السدرة في السماء السادسة" قال النووي في شرح مسلم كذا

(9/164)


سُفْيَانُ: فَرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ وَأَشَارَ سُفْيَانُ بِيَدِهِ فأَرْعَدَهَا. وَقَالَ غَيْرُ مَالِكِ بنِ مِغْوَلٍ. إلَيْهَا يَنْتَهِي عِلْمُ الخَلْقِ لاَ عِلْمِ لَهُمْ بِمَا فَوْقَ ذَلِكَ". هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
3331 ـ حدثنا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ، أخبرنا عَبّادُ بنُ العَوّامِ، أخبرنا الشّيْبَانِيّ قَالَ: سَأَلْتُ زِرّ بنَ حُبَيْشٍ عَن قَوْلِهِ عَزّ وَجَلّ {فكانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} فقَالَ أَخْبَرَني ابنُ مَسْعُودٍ "أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم رَأَى جِبْرِيلَ وَلَهُ سِتّمَائَةِ جَنَاحٍ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غَريبٌ.
ـــــــ
هو في جميع الأصول السادسة وقد تقدم في الروايات الأخر من حديث أنس أنها فوق السماء السابعة. قال القاضي كونها في السابعة هو الأصح وقول الأكثرين وهو الذي يقتضيه المعنى وتسميتها بالمنتهى. قال النووي ويمكن أن يجمع بينهما فيكون أصلها في السادسة ومعظمها في السابعة فقد علم أنها في نهاية من العظم "قال سفيان" أي في بيان ما يغشى "فراش" بفتح الفاء الطير الذي يلقى نفسه في ضوء السراج واحدتها فراشه "فأرعدها" أي حركها لعله حكى تحرك الفراش واضطرابها. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم. قوله: "أخبرنا الشيباني" هو أبو إسحاق سليمان بن أبي سليمان. قوله: {فَكَانَ} أي جبرئيل من النبي صلى الله عليه وسلم {قَابَ} أي قدر {قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} أي أقرب من ذلك. زاد البخاري في رواية فأوحى إلى عبده ما أوحى "فقال" أي ذر بن حبيش "رأى جبرئيل" أي في صورته مرتين: مرة بالأرض في الأفق الأعلى. ومرة في السماء عند سدرة المنتهى. قال الحافظ: الحاصل أن ابن مسعود كان يذهب في ذلك إلى أن الذي رآه النبي صلى الله عليه وسلم هو جبرئيل كما ذهبت إلى ذلك عائشة. والتقدير على رأيه فأوحى أي جبرئيل إلى عبده أي عبد الله محمد لأنه يرى أن الذي دنا فتدلى هو جبرئيل وأنه هو الذي أوحى إلى

(9/165)


3332 ـ حدثنا ابنُ أَبي عُمَرَ، أخبرنا سُفْيَانُ عَن مُجَالِدٍ عَن الشّعْبِيّ قَالَ: "لَقِيَ ابنُ عَبّاسٍ كَعْباً بِعَرَفَةَ فسَأَلَهُ عَن شَيْءٍ فَكَبّرَ حَتّى جَاوَبَتْهُ الجِبَالُ فقالَ ابنُ عَبّاسٍ: إِنّا بَنُو هَاشِمٍ، فقالَ كَعْبٌ إِنّ الله قَسَمَ رُؤْيَتَهُ وَكَلاَمَهُ بَيْنَ مُحمّدٍ وَمُوسَى فَكَلّمَ مُوسَى وَرَآهُ مُحَمّدٌ مَرّتَيْنِ، فقَالَ.
ـــــــ
محمد. وكلام أكثر المفسرين من السلف يدل على أن الذي أوحى هو الله أوحى إلى عبده محمد، ومنهم من قال إلى جبريل انتهى. وقال ابن القيم في زاد المعاد: أما قوله تعالى في سورة النجم: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى} فهو غير الدنو والتدلي في قصة الإسراء فإن الذي دنا في سورة النجم هو دنو جبريل وتدليه كما قالت عائشة وابن مسعود والسياق يدل عليه فإنه قال {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} وهو جبريل {ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى} ، فالضمائر كلها راجعة إلى هذا المعلم الشديد القوى وهو ذو المرة أي القوة وهو الذي استوى بالأفق الأعلى وهو الذي دنا فتدلى فكان من محمد صلى الله عليه وسلم قدر قوسين أو أدنى، فأما الدنو والتدلي الذي في حديث الإسراء فلذلك صريح في أنه دنو الرب تبارك وتعالى وتدليه ولا تعرض في سورة النجم لذلك بل فيها أنه {رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى} وهذا هو جبريل رآه محمد صلى الله عليه وسلم على صورته مرتين مرة في الأرض ومرة عند سدرة المنتهى انتهى. قوله: "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
قوله: "أخبرنا سفيان" هو ابن عيينة "عن مجالد" هو ابن سعيد "لقي ابن عباس كعباً" هو كعب بن مانع الحميري أبو إسحاق المعروف بكعب الأحبار ثقة من الثانية مخضرم كان من أهل اليمن فسكن الشام مات في خلافة عثمان وقد زاد على المائة "فسأله" أي كعباً "فكبر" أي كعب "حتى جاوبته الجبال" أي كبر تكبيرة مرتفعاً بها صوته حتى جاوبته الجبال بالصدى كأنه استعظم ما سأل عنه فكبر لذلك، ولعل ذلك السؤال رؤية الله تعالى كما سئلت عائشة رضي الله عنها فقف لذلك شعرها. قاله الطيبي "إنا بنو هاشم" قال الطيبي هذا بعث له على التسكين من ذلك الغيظ والتفكر في الجواب يعني نحن أهل علم ومعرفة

(9/166)


مَسْرُوقٌ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْتُ هلْ رَأَى مُحمّدٌ رَبّهُ؟ فَقَالَتْ: لَقَدْ تَكَلّمْتَ بِشَيْءٍ قَفّ لَهُ شَعْرِي، قُلْتُ رُوَيْداً ثُمّ قَرَأَتُ {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبّهِ الْكُبْرَى} فقَالَتْ: أَيْنَ يُذْهَبُ بِكَ؟ إِنّمَا هُوَ جِبْرِيلُ، مَنْ أَخْبَرَكَ أَنّ مُحمداً رَأَى رَبّهُ أَوْ كَتَمَ شَيْئاً مِمّا أُمِرَ بِهِ أَوْ يَعْلَمُ الْخَمسَ التّي قَالَ الله تَعَالَى {إنّ الله عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَيُنَزّلُ الْغَيْثَ} فَقَدْ أَعْظَمَ الفِرْيَةَ وَلكِنّهُ رَأَى جِبْرِيلَ لَمْ يَرَهُ في صُورَتِهِ إلاّ مَرّتَيْنِ
ـــــــ
فلا نسأل عما يستبعد هذا الاستبعاد ولذلك فكر فأجاب بقوله إن الله قسم إلى آخره "فكلم" أي الله سبحانه وتعالى "مرتين" أي في الميقاتين "ورآه محمد" أي في المعراج "مرتين" كما يدل عليه قوله سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} ، فهذا يدل على أن مذهب كعب أن الضمير في رآه إلى الله لا إلى جبريل بخلاف قول عائشة "فدخلت على عائشة" ظاهره أنه كان حاضراً في مجلس كعب وابن عباس رضي الله عنهما وسمع ما جرى بينهما "قف له شعري" أي قام من الفزع لما حصل عندها من عظمة الله وهيبته واعتقدته من تنزيهه واستحالة وقوع ذلك. قال النضر بن شميل القف بفتح القاف وتشديد الفاء كالقشعريرة وأصله التقبض والاجتماع لأن الجلد ينقبض عند الفزع فيقوم الشعر كذلك "قلت رويداً" أي امهلي ولا تعجلي "ثم قرأت {لقد رأى من آيات ربه الكبرى} " قال الطيبي: أي قرأت الآيات التي خاتمتها هذه الآية كما تشهد له الرواية الأخرى أعني قوله قلت لعائشة فأين قوله ثم دنا انتهى. قلت: في الرواية التي أخرجها الترمذي في تفسير سورة الأنعام، فقلت يا أم المؤمنين انظريني ولا تعجليني أليس الله تعالى يقول {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} . و {وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ} ، فالأمر كما قال الطيبي "أين يذهب بك" بالبناء للمفعول أو بالبناء للفاعل أي أين يذهب بك قوله تعالى الذي قرأت؟ وفي المشكاة أين تذهب بك. قال الطيبي أي أخطأت فيما فهمت من معنى الآية وذهبت إليه، فإسناد الإذهاب إلى الآية مجاز "إنما هو" أي الآية الكبرى وذكر الضمير باعتبار الخبر "فقد أعظم الفرية" بكسر الفاء أي

(9/167)


مَرّةً عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى ومَرّةً في جِيَادٍ لَهُ سِتّمَائَةِ جَنَاحٍ قَدْ سَدّ الأُفُقَ" . وَقَدْ رَوى دَاوُدُ بنُ أَبي هِنْدٍ عَن الشّعْبيّ عَن مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَ هَذَا الحَدِيثِ. وحَديثُ دَاوُدَ أقْصَرُ مِنْ حَدِيثِ مُجَالِدٍ.
3333 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ عَمْرِو بنِ نَبْهَانَ بنِ صَفْوَانَ الثّقَفِيّ أخبرنا يَحْيَى بنُ كَثِيرٍ العَنْبَرِيّ أبو غسان، أخبرنا سَلْمُ بنُ جَعْفَرٍ عَن الَحَكَمِ بنِ أَبَانٍ عَن عِكْرَمَةَ عَن ابن عَبّاسٍ قَالَ: "رَأَى مُحمّدٌ رَبّهُ قُلْتُ أَلَيْسَ الله يَقُولُ {لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُو يُدْرِكُ الأبْصَارَ} قَالَ وَيْحَكَ
ـــــــ
الكذب "في جياد" موضع بأسفل مكة قاله في المجمع، ووقع في المشكاة في أجياد بفتح الهمزة وسكون الجيم. قال في النهاية أجياد موضع بأسفل مكة معروف من شعابها "قد سد الأفق" أي ملأ أطراف السماء وحديث عائشة هذا أخرجه الشيخان مع زيادة واختلاف وفي روايتهما قال قلت لعائشة فأين قوله ثم {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} قالت ذاك جبريل عليه السلام كان يأتيه في صورة الرجل وأنه أتاه بهذه المرة في صورته التي هي صورته فسد الأفق "وقد روى داود بن أبي هند عن الشعبي عن مسروق عن عائشة إلخ" أخرج هذه الرواية الترمذي في تفسير سورة الأنعام وتقدم الكلام هناك مبسوطاً في أنه صلى الله عليه وسلم رأى ربه ليلة الإسراء أم لا.
قوله: "أخبرنا سلم بن جعفر" بفتح السين وسكون اللام البكراوي أبو جعفر الأعمى. قال ابن المديني من أهل اليمن صدوق تكلم فيه الأزدي بغير حجة من الثامنة "عن الحكم بن أبان" العدني أبي عيسى صدوق عابد له أوهام من السادسة. قوله: "رأى محمد ربه" كذا أطلق الرؤية في هذه الرواية وفي الرواية الآتية رآه بقلبه "ويحك" قال في النهاية: ويح كلمة ترحم وتوجع تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها وقد يقال بمعنى المدح والتعجب وهي منصوبة على المصدر

(9/168)


ذَاكَ إِذَا تَجَلّى بِنُورِهِ الّذِي هُوَ نورُهُ وقد رآى محمد ربه مَرّتَيْنِ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَريبٌ.
3334 ـ حدثنا سَعِيدُ بنُ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ الأمَوِيّ أخبرنا أَبي أخبرنا مُحمّدُ بنُ عمرو عن أَبي سلَمَةَ عَنْ ابنَ عَبّاسٍ في قَوْلِ الله {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى} {فأَوْحَى إلى عَبْدِهِ ما أَوْحَى} {فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} . قالَ ابنُ عَبّاسٍ: قَدْ رَآهُ النبيّ صلى الله عليه وسلم. هَذا حديثٌ حَسَنٌ.
3335 ـ حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ أخبرنا عبْدُ الرزّاقِ وَابنُ أَبي رِزْمَةَ وَأبُو نَعِيمٍ عَن إسْرَائِيلَ عَن سِمَاكِ بن حَرْبٍ عَن عِكْرِمَةَ عن ابن عَبّاسٍ قَالَ: {مَا كَذَبَ الفُؤَادُ مَا رَأى} قالَ رَآهُ بِقَلْبِهِ. هَذا حديثٌ حَسَنٌ.
ـــــــ
وقد ترفع وتضاف ولا تضاف يقال ويح زيد وويحاً له وويح له "ذاك" أي عدم إدراك الأبصار إياه سبحانه وتعالى ليس مطلقاً بل "إذا تجلى" أي ظهر "بنوره الذي هو نوره" فحينئذٍ لا تدركه الأبصار، وحاصله أن المراد بالآية نفي الإحاطة به عند رؤياه لا نفي أصل رؤياه، والظاهر أن ابن عباس أخذ هذا من قوله تعالى {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً} . قوله: "أخبرنا محمد بن عمرو" هو ابن علقمة "عن أبي سلمة" بن عبد الرحمن بن عوف. قوله: "عن ابن عباس في قول الله {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} إلى قوله قال ابن عباس قد رآه النبي صلى الله عليه وسلم" كذا روى الترمذي هذا الحديث بهذا اللفظ ورواه ابن جرير في تفسيره بعين سند الترمذي هكذا عن ابن عباس في قول الله: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى} قال "دنا ربه فتدلى فكان

(9/169)


3336 ـ حدثنا مَحمُودُ بنُ غَيْلانَ، أخبرنا وَكِيعٌ وَيَزِيدُ بنُ هارُونَ عَن يزِيدَ بن إبْراهِيمَ التّسْتَري عَن قتَادَة عن عبدِ الله بنِ شَقيقٍ قالَ: "قُلْتُ لأبي ذَرّ لَوْ أَدْرَكْتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم لَسَأَلْتُهُ، فقالَ عَمّا كُنْتَ تَسْأَلُه؟ قلت: كنت أسْأَلَهُ هَلْ رَأى مُحمّدٌ رَبّهُ؟ فقَالَ: قَدْ سَأْلتُهُ فقَالَ: نُورٌ أَنّي أرَاهُ" .
هَذا حديثٌ حَسَنٌ.
ـــــــ
قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى" . قال قال ابن عباس قد رآه النبي صلى الله عليه وسلم.
قوله: "قال رآه بقلبه" أي قال ابن عباس رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه بقلبه. قال الواحدي: وكذا قال أبو ذر وإبراهيم التيمي رآه بقلبه. قال وعلى هذا رأى ربه بقلبه رؤية صحيحة وهو أن الله تعالى جعل بصرة في فؤاده أو خلق لفؤاده بصراً حتى رأى ربه رؤية صحيحة كما يرى بالعين انتهى. وقال الحافظ: جاءت عن ابن عباس أخبار مطلقة وأخرى مقيدة أي بالفؤاد فيجب حمل مطلقها على مقيدها، قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه ابن جرير في تفسيره وأخرجه مسلم من طريق أبي العالية عن ابن عباس قال: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} . قال رآه بفؤاده مرتين. قوله: "فقال نور أني أراه" وفي رواية لمسلم فقال "رأيت نوراً" . قال النووي قوله صلى الله عليه وسلم "نور أنى أراه" هو بتنوين نور وبفتح الهمزة في أنى وتشديد النون المفتوحة وأراه بفتح الهمزة، هكذا رواه جميع الرواة في جميع الأصول والروايات ومعناه حجابه نور فكيف أراه. قال الإمام أبو عبد الله المازري: الضمير في أراه عائد على الله سبحانه وتعالى ومعناه أن النور منعني من الرؤية كما جرت العادة بإغشاء الأنوار الأبصار ومنعها من إدراك ما حالت بين الرائي وبينه، وقوله صلى الله عليه وسلم "رأيت نوراً" معناه رأيت النور فحسب ولم أر غيره قال وروى أخبرنا "نور أنى أراه" . يعني بفتح الراء وكسر النون وتشديد الياء، ويحتمل أن يكون معناه راجعاً إلى ما قلناه أي خالق النور المانع من رؤيته فيكون من صفات الأفعال. قال القاضي عياض: هذه الرواية لم تقع إلينا ولا رأيتها في شيء من الأصول. قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه مسلم.

(9/170)


3337 ـ حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، أخبرنا عُبَيْدُ الله بن موسى و ابنُ أَبي رِزْمَةَ عَن إسْرَائِيلَ عَن أَبي إسْحَاقَ عَن عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ يَزِيدَ عنْ عَبْدِ الله " {مَا كَذَبَ الفُؤَادُ مَا رَأَى} قالَ رَأَى رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم جِبْرِيلَ في حُلّةٍ مِنْ رَفْرَفٍ قَدْ مَلأَ مَا بَيْنَ السّمَاءِ وَالأرْضِ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
"أخبرنا عبيد الله بن أبي رزمة" كذا في النسخة الأحمدية قال في هامشها كذا في نسخ وفي نسخة وابن أبي رزمه ولا يوجد في التقريب عبيد الله بن أبي رزمة انتهى. قلت: النسخة التي فيها وابن أبي رزمة بزيادة الواو هي الصحيحة وأما النسخ التي فيها عبيد الله بن أبي رزمة يحذف الواو فهي غلط لأنه ليس في الكتب الستة رأو اسمه عبيد الله بن أبي رزمة، وعبيد الله هذا هو عبيد الله بن موسى العبسي وابن أبي رزمة هو عبد العزيز بن أبي رزمة وهما من شيوخ عبد بن حميد وأصحاب إسرائيل بن يونس "عن أبي إسحاق" السبيعي "عن عبد الرحمن بن يزيد" بن قيس النخعي "عن عبد الله" بن مسعود. قوله: "رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبرئيل في حلة من رفرف" أي ديباج دقيق حسنت صنعته جمعه رفارف أو هو جمع رفرفة وهذه هي الرؤية الأولى وكانت في أوائل البعثة بعد ما جاءه جبرئيل عليه السلام أول مرة فأوحى الله إليه صدر سورة اقرأ ثم فتر الوحي فترة ذهب النبي صلى الله عليه وسلم فيها مراراً ليتردى من رؤوس الجبال فكلما هم بذلك ناداه جبرئيل من الهواء: يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل فيسكن لذلك جأشه وتقر عينه وكلما طال عليه الأمر عاد لمثلها حتى تبدي له جبريل ورسول الله صلى الله عليه وسلم بالأبطح في صورته التي خلقه الله عليها له ستمائة جناح قد سد عظم خلقه الأفق ما اقترب منه وأوحى إليه عن الله ما أمره به فعرف عند ذلك عظمة الملك الذي جاءه بالرسالة وجلالة قدره وعلو مكانته عند خالقه الذي بعثه إليه. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه ابن جرير في تفسيره.

(9/171)


3338 ـ حدثنا أَحْمَدُ بنُ عُثْمَانَ أَبُو عُثْمَانَ البَصْرِيّ أخبرنا أَبُو عَاصِمٍ عَن زَكَرِيّا بنِ إسْحَاقَ عَن عُمرو بنِ دِينَارٍ عَن عَطَاءٍ عَن ابنِ عَبّاسٍ {الّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ والفَوَاحِشَ إلاّ اللّمَمَ} . قال: قالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "إِنْ تَغْفِرْ اللّهُمّ تَغْفِرْ جَمّا وأَيّ عَبْدٍ لَكَ لا أَلَمّا" .
هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غَريبٌ لا نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ حَدِيثِ زَكَرِيّا بنِ إِسْحَاقَ.
ـــــــ
قوله: "حدثنا أحمد بن عثمان أبو عثمان البصري" يلقب أبا الجوفاء بالجيم والزاي ثقة من الحادية عشرة "حدثنا أبو عاصم" اسمه الضحاك النبيل. قوله: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ} الكبائر كل ذنب توعد الله عليه بالنار أو ما عين له حداً أو ذم فاعله ذماً شديداً. والفواحش جمع فاحشة وهي كل ذنب فيه وعيد أو مختص بالزنا {إِلَّا اللَّمَمَ} بفتحتين أي الصغائر فإنهم لا يقدرون أي يجتنبوها. قال الطيبي الاستثناء منقطع فإن اللمم ما قل وما صغر من الذنوب ومنه قوله ألم بالمكان إذا قل ليلة فيه ويجوز أن يكون قوله اللمم صفة وإلا بمعنى غير، فقيل هو النظرة والغمزة والقبلة، وقيل الخطرة من الذنب، وقيل كل ذنب لم يذكر الله فيه حداً ولا عذاباً "إن تغفر اللهم تغفر جما" بفتح الجيم وتشديد الميم أي كثيراً كبيراً "وأي عبد لك لا ألماً" فعل ماض مفرد والألف للإطلاق أي لم يلم بمعصية يقال لم أي نزل وألم إذا فعل اللمم والبيت لأمية بن الصلت أنشده النبي صلى الله عليه وسلم أي من شأنك غفران كثير من ذنوب عظام وأما الجرائم الصغيرة فلا تنسب إليك لأن أحداً لا يخلو عنها وأنها مكفرة باجتناب الكبائر وإن تغفر ليس للشك بل للتعليل نحو إن كنت سلطاناً فاعط الجزيل أي لأجل أنك غفار اغفر جماً. واختلف أقوال أهل العلم في تفسير اللمم فالجمهور على أنه صغائر الذنوب وقيل هو ما كان دون الزنا من القبلة والغمزة والنظرة وكالكذب الذي لا حد فيه ولا ضرر وقيل غير ذلك، والظاهر الراجح هو قول الجمهور والله تعالى أعلم. قوله: "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه ابن جرير.

(9/172)


سورة القمر
بسم الله الرحمن الرحيم
3339 ـ حدثنا عَلِيّ بنُ حُجْرٍ، أَخبرنا عَلِيّ بنُ مُسْهِرٍ عَن الأعْمَشِ عَن إبْرَاهِيمَ عَن أَبي مَعْمَرٍ عَن ابنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: "بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بِمنًى فَانْشَقّ القَمَرُ فِلْقَتَيْنِ: فِلْقَةً مِنْ وَرَاءِ الجَبَلِ وفِلْقَةً دُونَهُ فقَالَ لَنَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم اشْهَدُوا. يَعْنِي {اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقّ القَمَرُ} " . قال هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
"سورة القمر"
مكية إلا { سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ} الآية وهي خمس وخمسون آية
قوله: "عن إبراهيم" هو النخعي "عن أبي معمر" اسمه عبد الله بن سخبرة الأزدي. قوله: "بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنًى فانشق القمر فلقتين" بكسر الفاء وسيكون اللام أي قطعتين وفي حديث أنس الآتي: فانشق القمر بمكة وهذا لا ينافي قول ابن مسعود: بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنًى فانشق القمر لأن أنساً لم يصرح بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان ليلتئذ بمكة وعلى تقدير تصريحه فمنًى من جملة مكة، وقد وقع عند ابن مردويه بيان المراد فأخرج من وجه آخر عن ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بمكة قبل أن نصير إلى المدينة، فوضح أن مراده بذكر مكة الإشارة إلى أن ذلك وقع قبل الهجرة "فلقة من وراء الجبل" أي جبل حراء وفي رواية "فلقة فوق الجبل وفلقة دونه" والمراد أنهما تباينتا فإحداهما إلى جهة العلو والأخرى إلى السفل "اشهدوا" أي على

(9/173)


3340 ـ حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ عَن مَعْمَرٍ عَن قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: "سَأَلَ أَهْلُ مَكّةَ النبيّ صلى الله عليه وسلم آيَةً فانَشَقّ القَمَرُ بِمَكّةَ مَرّتَيْنِ فَنَزَلَتْ {اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقّ القَمَرُ} . إلى قَوْلِهِ {سِحْرٌ مُسْتَمِرّ} يَقُولُ ذَاهِبٌ . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
نبوتي أو معجزتي من الشهادة وقيل معناه احضروا وانظروا من الشهود "يعني {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} " أي قربت القيامة وانفلق القمر فلقتين، والمعنى أن هذا الانشقاق الذي هو معجزة من النبي صلى الله عليه وسلم هو المراد في هذه الآية لا أنه يقع يوم القيامة وقد تقدم الكلام في انشقاق القمر مبسوطاً في باب انشقاق القمر من أبواب الفتن. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله: "سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم" هذا من مراسيل الصحابة لأن أنساً لم يدرك هذه القصة، وقد جاءت القصة من حديث ابن عباس وهو أيضاً ممن لم يشاهدها ومن حديث ابن مسعود وجبير بن مطعم وحذيفة وهؤلاء شاهدوها "آية" أي علامة دالة على نبوته ورسالته "فانشق القمر بمكة مرتين" ووقع في رواية البخاري فأراهم القمر شقتين. قال الحافظ ما ملخصه: وفي رواية لمسلم مرتين، وفي مصنف عبد الرزاق عن معمر بلفظ مرتين أيضاً، وكذلك أخرجه الإمامان أحمد وإسحاق في مسنديهما عن عبد الرزاق وقد اتفق الشيخان عليه من رواية شعبة عن قتادة بلفظ فرقتين. قال البيهقي قد حفظ ثلاثة من أصحاب قتادة عنه مرتين. قال الحافظ لكن اختلف عن كل منهم في هذه اللفظة ولم يختلف على شعبة وهو أحفظهم، ولم يقع في شيء من طرق حديث ابن مسعود بلفظ مرتين، إنما فيه فرقتين أو فلقتين بالراء أو اللام، وكذا في حديث ابن عمر فلقتين. وفي حديث جبير ابن مطعم فرقتين. ثم ذكر الحافظ روايات عديدة وقع في بعضها: انشق باثنتين. وفي بعضها شقتين وفي بعضها قمرين. ثم قال ولا أعرف من جزم من علماء الحديث بتعدد الانشقاق في زمنه صلى الله عليه وسلم ولم يتعرض لذلك أحد من شراح

(9/174)


3341 ـ حدثنا ابنُ أَبي عُمَرَ، أخبرنا سُفْيَانُ عَن ابنِ أَبي نَجِيحٍ عَن مجَاهِدٍ عَن أَبي مَعْمَرٍ عَن ابنِ مَسْعُودٍ قالَ: "انْشَقّ القَمَرُ عَلَى عَهْدِ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فقَالَ لَنَا النبيّ صلى الله عليه وسلم: اشْهَدُوا" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
3342 ـ حدثنا مَحْمُودُ بنُ غَيْلاَنَ أخبرنا أَبُو دَاوُدَ عَن شُعَبَةَ عنْ الأَعْمَشِ عَن مُجَاهِدٍ عَن ابنِ عُمَرَ قَالَ: "انفَلَقَ القَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: اشْهَدُوا" هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
الصحيحين، وتكلم الحافظ ابن القيم على هذه الرواية فقال المرات يراد بها الأفعال تارة والأعيان أخرى والأول أكثر. ومن الثاني انشق القمر مرتين وقد خفي على بعض الناس فادعى أن انشقاق القمر وقع مرتين وهذا مما يعلم أهل الحديث والسير أنه غلط فإنه لم يقع إلا مرة واحدة، وقد قال العماد بن كثير في الرواية التي فيها مرتين نظر ولعل قائلها أراد فرقتين. قال الحافظ وهذا الذي لا يتجه غيره جمعاً بين الروايات انتهى "يقول ذاهب" يعني أن المراد بقوله مستمر ذاهب مار لا يبقى. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله: "انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي انشق فلقتين كما في الرواية المتقدمة. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله: "عن ابن عمر قال: انفلق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم" تقدم هذا الحديث في باب انشقاق القمر.

(9/175)


3343 ـ حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، أخبرنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ، أخبرنا سُلَيْمَانُ بنُ كَثِيرٍ عَن حُصَيْنٍ عَن مُحمّدِ بنِ جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ عَن أَبِيهِ قَالَ: "انْشَقّ القَمَرُ عَلَى عَهْدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم حَتّى صَارَ فِرْقَتَيْنِ عَلَى هَذَا الجَبَلِ وعَلَى هذا الجَبلِ فقَالوا: سَحَرَنَا مُحّمدٌ فقَالَ بَعْضُهُمْ: لَئِنْ كانَ سَحَرَنَا فَمَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْحَرَ النّاسَ كلّهُمْ" . وَقَد رَوَى بَعْضُهُم هَذَا الحَدِيثَ عن حُصَيْنٍ عَن جُبَيْرِ بنِ مُحمّدِ بنِ جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ عَن أَبِيهِ عَن جَدّهِ جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ نَحْوَهُ.
3344 ـ حدثنا أَبُو كُرَيْبٍ وَأَبُو بَكْرٍ بُنْدارٌ قَالاَ حَدّثَنَا وَكِيعٌ عَن سُفْيَانَ عَن زِيَادِ بنِ إسْمَاعِيلَ عَن مُحمدِ بن عَبّادِ بنِ جَعْفَرٍ
ـــــــ
قوله: "أخبرنا محمد بن كثير" هو العبدي البصري "أخبرنا سليمان بن كثير" العبدي البصري "عن حصين" هو ابن عبد الرحمن السلمي الكوفي. قوله: "حتى صار فرقتين على هذا الجبل وعلى هذا الجبل" وفي حديث عبد الله بن مسعود عند عبد الرزاق في مصنفه قال رأيت القمر منشقاً شقتين شقة على أبي قبيس وشقة على السويداء قال الحافظ السويداء بالمهملة والتصغير ناحية خارج مكة عندها جبل "سحرنا محمد" أي جعلنا مسحورين "فقال بعضهم لئن كان سحرنا فما يستطيع أن يسحر الناس كلهم" وفي حديث عبد الله بن مسعود عند البيهقي فقال كفار قريش أهل مكة هذا سحر سحركم به ابن أبي كبشة أنظروا السفار فإن كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق. وإن كانوا لم يروا مثل ما رأيتم فهو سحر سحركم به، قال فسئل السفار قال وقدموا من كل وجهة فقالوا رأينا. وحديث جبير بن مطعم هذا أخرجه أيضاً في مسنده والبيهقي في الدلائل وابن جرير في تفسيره.
قوله: "عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم" مقبول من السادسة "عن أبيه

(9/176)


المَخْزُومِيّ عن أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: "جَاءَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ يُخَاصِمُونَ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم في القَدَرِ فَنَزَلَتْ {يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلَى وُجُوهِهِم ذُوقُوا مَسّ سَقَر إنّا كُلّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَر} " .
هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
عن جده جبير بن مطعم نحوه" رواه البيهقي بهذا الوجه في الدلائل كما في تفسير ابن كثير.
قوله: "وأبو بكر بندار" أبو بكر هذا اسمه محمد بن بشار وبندار لقبه "عن سفيان" هو الثوري. قوله: "عن أبي هريرة قال جاء مشركو قريش إلخ" تقدم هذا الحديث مع شرحه في أواخر أبواب القدر

(9/177)


سورة الرحمن
بسم الله الرحمن الرحيم
3345 ـ حدثنا عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ وَاقِدٍ أَبُو مُسْلِمٍ السّعْدِيّ أخبرنا الْوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ عَن زُهَيْرِ بنِ مُحمّدٍ عَن مُحمّدِ بنِ المُنْكَدِرِ عَنْ جَابرٍ رضي الله عنه قَالَ: "خَرَجَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَرأَ عَلَيْهِمْ سُورَةَ الرّحْمَنِ مِنْ أَوّلِهَا إلى آخِرِهَا فَسَكَتُوا، فقَالَ لَقَدْ قَرَأْتُهَا عَلَى الْجِنّ
ـــــــ
"سورة الرحمن"
مكية أو إلا {يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} الآية فمدنية وهي ست أو ثمان وسبعون آية
قوله: "حدثنا عبد الرحمن بن واقد أبو مسلم" البغدادي "أخبرنا الوليد ابن مسلم" القرشي الدمشقي "عن زهير بن محمد" التميمي قوله: "فسكتوا"

(9/177)


لَيْلَةَ الجِنّ فكَانُوا أحْسَنَ مَرْدُوداً مِنْكُمْ، كُنْتُ كُلّمَا أَتَيْتُ عَلَى قَوْلِهِ {فَبِأَيّ آلاَءِ رَبّكُما تُكَذّبَانِ} قَالُوا لاَ بِشَيءٍ مِنْ نَعمكَ رَبّنَا نُكَذّبُ فَلَكَ الْحَمْدُ" . هَذا حديثٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُه إِلاّ مِنْ حَدِيثِ الْوَلِيدِ بنِ مُسْلِمٍ عَن زُهَيْرِ بن مُحمدٍ. قَالَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ كَأَنّ زُهَيْرَ بنَ مُحمّدٍ الّذِي وَقَعَ بالشّامِ لَيْسَ هُوَ الّذِي يُرْوَى عَنْهُ بالْعِرَاقِ. كَأَنّهُ رَجُلٌ آخَرُ قَلَبُوا اسْمَهُ يَعْنِي لِمَا يَرْوُونَ عَنْهُ مِن المَنَاكِيرِ وَسَمِعْتُ
ـــــــ
أي الصحابة مستمعين "ليلة الجن" أي ليلة اجتماعهم به "فكانوا" أي الجن "أحسن مردوداً" أي أحسن رداً وجواباً لما تضمنه الاستفهام التقريري المتكرر فيها بأي "منكم" أيها الصحابة. قال الطيبي: المردود بمعنى الرد كالمخلوق والمعقول نزل سكوتهم وإنصاتهم للاستماع منزلة حسن الرد فجاء بأفعل التفضيل، ويوضحه كلام ابن الملك حيث قال: نزل سكوتهم من حيث اعترافهم بأن في الجن والإنس من هو مكذب بآلاء الله. وكذلك في الجن من يعترف بذلك أيضاً لكن نفيهم التكذيب عن أنفسهم باللفظ أيضاً أدل على الإجابة وقبول ما جاء به الرسول من سكوت الصحابة أجمعين ذكره القاري "كنت" أي تلك الليلة "كلما أتيت على قوله" أي على قراءة قوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} الخطاب للإنس والجن أي بأي نعمة مما أنعم الله به عليكم تكذبون وتجحدون نعمه بترك شكره وتكذيب رسله وعصيان أمره "لا بشيء" متعلق بنكذب الآتي "ربنا" بالنصب على حذف حرف النداء "نكذب" أي : لا نكذب بشيء منها، "فلك الحمد" أي : على نعمك الظاهرة والباطنة ومن أتمها نعمة الإيمان والقرآن. قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه ابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي والبزار "قلبوا اسمه" أي فجعلوا اسمه زهير بن محمد فالتبس بزهير بن محمد الذي يروي عنه أهل العراق "يعني لما يروون عنه من المناكير" أي إنما جعله أحمد رجلاً آخر لأن أهل الشام يروون عنه أحاديث مناكير. قال في التقريب زهير بن محمد التميمي أبو المنذر الخراساني

(9/178)


مُحمّدَ بنَ إِسْمَاعِيلَ البخاري يَقُولُ أهْلُ الشّامِ يَرْووُنَ عَن زُهَيْرِ بنِ مُحمّدٍ مَنَاكِيرَ وَأَهْلُ العِرَاقِ يَرْوُونَ عَنْهُ أَحَادِيثَ مُقَاربَةً.
ـــــــ
سكن الشام ثم الحجاز رواية أهل الشام، عنه غير مستقيمة نضعف بسببها. قال البخاري عن أحمد كان زهير الذي يروي عنه الشاميون آخر. وقال أبو حاتم حدث بالشام من حفظه فكثر غلطه من السابعة "وسمعت محمد بن إسماعيل يقول أهل الشام يروون عن زهير بن محمد مناكير وأهل العراق يروون عنه أحاديث مقاربة" أي أحاديث صحيحة. قال في تهذيب التهذيب: قال البخاري ما روى عنه أهل الشام فإنه مناكير وما روي عن أهل البصرة فصحيح. قلت: حديث جابر هذا رواه الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد وهو من أهل الشام ففي الحديث ضعف لكن له شاهداً من حديث ابن عمر أخرجه ابن جرير والبزار والدارقطني في الأفراد وغيرهم. وصحح السيوطي إسناده كما في فتح البيان.

(9/179)


سورة الواقعة
بسم الله الرحمن الرحيم
3356 ـ حدثنا أَبُو كُرَيْبٍ، أخبرنا عَبْدَةُ بنُ سُلَيْمَانَ وَ عَبْدُ الرّحِيمِ بنُ سُلَيْمَانَ عَن مُحمّدِ بنِ عَمْرٍو قَالَ: أخبرنا أَبُو سَلَمَةَ عَن
ـــــــ
"سورة الواقعة"
مكية إلا {أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ} الآية و {ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ} هي ست أو سبع أو تسع وتسعون آية
قوله: "أخبرنا عبدة بن سليمان" الكلابي الكوفي "وعبد الرحيم بن سليمان" أبو علي الأشل "عن محمد بن عمرو" بن علقمة الليثي.

(9/179)


أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يَقُولُ الله أعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصّالِحينَ مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَر فاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُم: {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} وَفي الجَنّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرّاكِبُ في ظِلّهَا مِائَةَ عَامٍ لاَ يَقْطَعُهَا وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ {وَظِلٍ مَمْدُودٍ} وَمَوْضِعُ سَوْطٍ في الجَنّةِ خَيْرٌ مِنَ الدّنْيَا وَمَا فِيهَا وَاقْرَأُوا إِنْ شِئْتُمْ {فَمَنْ زُحْزِحَ عَن النّارِ وَأُدْخِلَ الجَنّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الحَيَاةُ الدّنْيَا إِلاّ مَتَاعُ الغُرُورِ} . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
3347 ـ حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ عَن مَعْمَرٍ عَن قَتَادَةَ عَن أَنَسٍ أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِنّ في الجَنّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرّاكِبُ في ظِلّهَا مِائَةَ عَامٍ لاَ يَقْطَعُهَا لأإنْ شِئْتُمْ فاقرؤوا {وَظِلٍّ مَمْدُودٍ وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ} . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ وفي البابِ عَن أبي سَعِيدٍ.
ـــــــ
قوله: "يقول الله {أعْدَدْتُ} " إلى قوله: {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} تقدم شرحه في تفسير سورة السجدة "وفي الجنة شجرة يسير الراكب إلخ" تقدم شرحه في باب صفة شجرة الجنة "وموضع سوط في الجنة إلخ" تقدم شرحه في تفسير سورة آل عمران. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرج أحمد والشيخان بعضه. قوله: {وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ} أي جار دائماً وقيل يسكب لهم أين شاء وكيف شاء بلا تعب. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري. قوله: "وفي الباب عن أبي سعيد" أخرجه الترمذي في باب صفة شجر الجنة.

(9/180)


3348 ـ حدثنا أَبُو كُرَيْبٍ، أخبرنا رِشْدِينُ بنُ سَعْدٍ عَن عَمْرِو بنِ الحارِثِ عَن دَرّاجٍ عَن أَبي الهَيْثَمِ عَن أَبي سَعِيدٍ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: " {وَفُرشٍ مَرْفُوعَةٍ} قَالَ ارْتِفَاعُهَا كَمَا بَيْنَ السّمَاءِ والأرْضِ، وَمَسِيرَةُ مَا بَيْنَهُمَا خَمْسُمَائَةِ عَامٍ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حَدِيثِ رِشْدِينَ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: مَعْنَى هَذَا الحَدِيثِ: "وارْتِفَاعُهَا كَمَا بَيْنَ السّمَاءِ وَالأرْضِ" قَالَ: "ارْتِفَاعُ الفُرُش المَرْفُوعَةِ في الدّرَجَاتِ، وَالدّرَجَاتُ مَا بَيْنَ كُلّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السّمَاءِ وَالأرْضِ" .
3349 ـ حدثنا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ أخبرنا الحُسَيْنُ بنُ مُحمّدٍ أخبرنا اسْرَائِيلُ عَن عَبْدِ الأعْلَى عَن أَبي عَبْدِ الرّحْمَنِ عَن عَلِيّ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله
ـــــــ
قوله: "عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: وفرش مرفوعة إلخ" تقدم هذا الحديث مع شرحه في باب صفة ثياب أهل الجنة. قوله: "وقال بعض أهل العلم معنى هذا الحديث وارتفاعها كما بين السماء والأرض" كذا في النسخ الحاضرة وارتفاعها كما بين السماء والأرض بالواو، والظاهر أن يكون بغير الواو وهو بدل من هذا الحديث "قال" أي بعض أهل العلم "ارتفاع الفرش المرفوعة في الدرجات والدرجات بين كل درجتين كما بين السماء والأرض" حاصله أن ارتفاع الفرش المفروشة في الدرجات وبعد ما بين كل درجتين منها كما بين السماء والأرض وقد نقل الحافظ ابن كثير في تفسير سورة الواقعة حديث أبي سعيد المذكور عن جامع الترمذي ثم نقل كلامه هذا بلفظ فقال بعض أهل المعاني معنى هذا الحديث "ارتفاع الفرش في الدرجات وبعد ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض" انتهى.
قوله: "حدثنا الحسين بن محمد" بن بهرام التميمي البغدادي "عن عبد الأعلى"

(9/181)


صلى الله عليه وسلم: " {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنّكُمْ تُكَذّبُونَ} قَالَ شُكْركُمْ تَقُولُونَ مُطِرْنَا بنَوْءِ كَذَا وَكذَا. وبِنَجْمِ كَذَا وَكَذَا" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ورَوَى سُفْيَانُ الثوري عَن عَبْدِ الأعْلَى هذا الحديث عن بهذا الإسناد ولم يرفعه.
ـــــــ
بن عامر الثعلبي الكوفي "عن أبي عبد الرحمن" إسمه عبد الله بن حبيب السلمي. قوله: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} أي تجعلون شكر رزقكم التكذيب موضع الشكر أي وضعتم التكذيب موضع الشكر، وفي قراءة علي رضي الله عنه وهي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وتجعلون شكركم أنكم تكذبون" أي تجعلون شكركم لنعمة القرآن أنكم تكذبون به، وقيل نزلت في الأنواء ونسيتهم السقيا إليها والرزق المطر، أي وتجعلون شكر ما يرزقكم الله من الغيث أنكم تكذبون بكونه من الله حيث تنسبونه إلى النجوم. كذا في المدارك "قال شكركم" أي شكر ما رزقكم من المطر "تقولون مطرنا" بصيغة المجهول "بنوء كذا وكذا" بفتح النون وسكون الواو "وبنجم كذا وكذا" وذلك أنهم كانوا إذا مطروا يقولون مطرنا بنوء كذا ولا يرون ذلك المطر من فضل الله عليهم فقيل لهم: أتجعلون رزقكم أي شكركم بما رزقكم التكذيب، فمن نسب الإنزال إلى النجم فقد كذب برزق الله تعالى ونعمه وكذب بما جاء به القرآن، والمعنى أتجعلون بدل الشكر التكذيب. قال النووي في شرح مسلم: قال ابن الصلاح: النوء في أصله ليس هو نفس الكوكب فإنه مصدر ناء النجم ينوء نوءاً أي سقط وغاب. وقيل نهض وطلع وبيان ذلك أن ثمانية وعشرين نجماً معروفة المطالع في أزمنة السنة كلها وهي المعروفة بمنازل القمر الثمانية والعشرين يسقط في كل ثلاث عشرة ليلة منها نجم في المغرب مع طلوع الفجر ويطلع آخر يقابله في المشرق من ساعته فكان أهل الجاهلية إذا كان عند ذلك مطر ينسبونه إلى الساقط الغارب منهما. وقال الأصمعي إلى الطالع منهما. قال أبو عبيد ولم أسمع أن النوء السقوط إلا في هذا الموضع. ثم إن النجم نفسه قد يسمى نوء

(9/182)


3350 ـ حدثنا أَبُو عَمّارٍ الحُسَيْنُ بن حُرَيْثٍ الْخُزَاعِيّ المَرْوَزِيّ أخبرنا وَكِيعٌ عَنْ مُوسَى بنِ عُبَيْدَةَ عَن يَزِيدَ بنِ أَبَانٍ عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في قَوْلِهِ " {إِنّا أنْشَأْنَاهُنّ إنْشَاءً} قَالَ: إِنّ مِنَ المُنْشَآتِ التي كُنّ في الدّنْيَا عَجَائِزَ عُمْشاً رُمصاً" . هَذا حديثٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعاً إِلاّ مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بنِ عُبَيدَةَ، ومُوسَى بنُ عُبَيْدَةَ ويَزِيدُ بنُ أَبَانٍ الرّقَاشِيّ يُضَعّفَانِ في الْحَدِيثِ.
ـــــــ
تسمية للفاعل بالمصدر. قال أبو إسحاق الزجاج في بعض أماليه: الساقطة في المغرب هي الأنواء والطالعة في المشرق هي البوارح انتهى. قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد بن أبي حاتم وابن جرير.
قوله: "حدثنا وكيع" هو ابن الجراح "عن موسى بن عبيدة" الربذي "عن يزيد بن أبان" هو الرقاشي. قوله: {إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً} قيل هن الحور العين أنشأهن الله لم تقع عليهن الولادة ولم يسبقن بخلق وأنهن لسن من نسل آدم عليه السلام بل مخترعات وهو ما جرى عليه أبو عبيدة وغيره، وقيل المراد نساء بني آدم والمعنى: أن الله سبحانه أعادهن بعد الموت إلى حال الشباب والنساء وإن لم يتقدم لهن ذكر لكنهن قد دخلن في أصحاب اليمين فتلخص أن نساء الدنيا يخلقهن الله في القيامة خلقاً جديداً من غير توسط ولادة خلقاً يناسب البقاء والدوام. وذلك يستلزم كمال الخلق وتوفر القوى الجسمية وانتفاء صفات النقص كما أنه خلق الحور العين على ذلك الوجه. وإما على قول قال إن الفرش المرفوعة كناية عن النساء فمرجع الضمير ظاهر "إن من المنشأت" جمع منشأة إسم مفعول من الإنشاء "اللائي" أي نساء الدنيا اللائي "كن في الدنيا عجائز" جمع عجوز وهي المرأة الكبيرة "عمشا" بضم فسكون جمع عمشاء من العمش في العين محركة وهو ضعف الرؤية مع سيلان دمعها في أكثر أوقاتها من باب طرب فهو أعمش والمرأة عمشاء "رمصاً" جمع رمصاء من الرمص محركة وهو وسخ أبيض يجتمع في الموق رمصت عينه كفرح والنعت أرمص ورمصاء. قوله: "هذا حديث

(9/183)


3351 ـ حدثنا أَبُو كُرَيْبٍ، أخبرنا مُعاوِيَةُ بنُ هِشَامٍ عنْ شَيْبَانَ عَن أَبي إسْحَاقَ عَنْ عِكْرِمَةَ عن ابنِ عبّاسٍ قالَ قالَ أَبُو بَكْر رضي الله عنه: "يَا رَسُولَ الله قَدْ شِبْتَ. قالَ: شَيّبَتْنِي هُودٌ وَالْوَاقِعَةُ وَالمُرْسَلاَتُ و {عَمّ يَتَسَاءَلُونَ} و {إِذَا الشّمْسُ كُوّرَتْ} " . هَذا حديثٌ حَسنٌ غريبٌ لاَ نَعْرِفهُ مِنْ حَدِيثٍ ابنِ عَبّاسٍ إِلاّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَرَوى عَلِيّ بنُ صَالِحٍ هَذَا الحَدِيثَ عَن أَبي إسْحَاقَ عَن أَبي جُحَيْفَةَ نَحْوَ هَذَا. وقد رُوِي عَن أَبي إسْحَاقَ عَن أَبي مَيْسَرَةَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا مرسل.
ـــــــ
غريب" وأخرجه ابن جرير وابن المنذر والبيهقي وعبد بن حميد.
قوله: "أخبرنا شيبان" هو ابن عبد الرحمن النحوي "عن أبي إسحاق" هو السبيعي كما صرح به البيجوري في شرح الشمائل ص 38. قوله: "قد شبت" من الشيب وهو بياض الشعر. قال القاري: أي ظهر عليك آثار الضعف قبل أوان الكبر وليس المراد منه ظهور كثرة الشعر الأبيض عليه لما روى الترمذي عن أنس قال ما عددت في رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ولحيته إلا أربع عشرة شعرة بيضاء "شيبتني" من التشييب. وذلك لما في هذه السور من أهوال يوم القيامة. والمثلات النوازل بالأمم الماضية أخذ مني مأخذه حتى شبت قبل أوانه قاله الطيبي: "هود" أي سورة هود "والمرسلات" بالرفع ويجوز كسرها على الحكاية. قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه الطبراني والحاكم. قوله: "وروى علي بن صالح" بن صالح بن حي الهمداني "عن أبي إسحاق" هو السبيعي "عن أبي جحيفة نحو هذا" أخرج الترمذي حديث أبي جحيفة هذا في الشمائل وفي الباب أحاديث أخرى ذكرها السيوطي في الجامع الصغير.

(9/184)


سورة الحديد
بسم الله الرحمن الرحيم
3352 ـ حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ -والمعنى واحد- قالُوا، أخبرنا يُونُسُ بنُ مُحمدٍ أخبرنا شَيْبَانُ بنُ عَبْدِ الرّحمنِ عَن قَتَادَةَ قال حدث الحَسَنُ عَن أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: "بَيْنَمَا نَبِيّ الله صلى الله عليه وسلم جَالِسٌ وَأَصْحَابُهُ إذْ أتَى عَلَيْهِمْ سَحَابٌ فقَالَ نَبيّ الله صلى الله عليه وسلم هَلْ تَدْرُونَ مَا هَذَا؟ فقالُوا الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قالَ: هَذَا العَنَانُ هَذِهِ زَوَايَا الأرْضِ يَسُوقُهُ الله تبارك وتعالى إلى قَوْمٍ لاَ يَشْكُرُونَهُ وَلاَ يَدْعُونَهُ، ثُمّ قَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَا فَوْقَكُمْ؟ قالُوا الله وَرَسُولُه أَعْلَمُ، قَالَ: فإِنّهَا
ـــــــ
"سورة الحديد"
مكية أو مدنية وهي تسع وعشرون آية
قوله: "أخبرنا يونس بن محمد" بن مسلم المؤدب "حدثنا شيبان بن عبد الرحمن" النحوي "حدثنا الحسن" هو البصري. قوله: "وأصحابه" أي معه جلوس "إذ أتى" أي مر "هذا العنان" كسحاب مبني ومعنى من عن أي ظهر "هذه" أي السحابة فالتعبير بالتأنيث للوحدة وبالتذكير للجنس باب التفنن. قاله القاري. قلت: الظاهر أن التعبير بالتأنيث لتأنيث الخبر "روايا الأرض" جمع راوية. قال في النهاية الروايا من الإبل الحوامل للماء واحدتها راوية فشبهها بها "يسوقه الله" أي السحاب "إلى قوم لا يشكرونه" أي بل يكفرونه "ولا يدعونه" أي لا يعبدونه بل يعبدون غيره، وذلك لأن الله تعالى يرزق كل بر وفاجر

(9/185)


الرّقِيعُ سَقْفٌ مَحفُوظٌ وَمَوْجٌ مَكْفُوفٌ. ثُمّ قالَ: هَلْ تَدْرُونَ كَمْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَها؟ قَالُوا الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهَا مَسْيَرَةُ خَمْسُمَائَةِ سَنَةٍ. ثُمّ قالَ: هَلْ تَدْرُونَ ما فَوْقَ ذَلِكَ؟ قالُوا الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قالَ فإِنّ فَوْقَ ذَلِكَ سَمَاءَيْنِ كمَا بَيْنَهُمَا مَسِيَرَةُ خَمْسُمَائَةِ سَنَةٍ حَتّى عَدّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ مَا بَيْنَ كُلّ سَمَاءَيْنِ ما بَيْنَ السّمَاءِ وَالأرْضِ، ثُمّ قالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَا فَوْقَ ذَلِكَ؟ قالُوا الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قالَ: فإِنّ فَوْقَ ذَلِكَ العَرْشَ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ السّمَاءِ بُعْدُ مثلِ مَا بَيْنَ السّمَاءَيْنِ ثُمّ قالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَا الّذِي تَحْتَكُمْ؟ قالُوا الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قالَ: فإِنّهَا الأرْضُ. ثُمّ قالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَا الّذي تَحْتَ ذَلِكَ؟ قالُوا الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قالَ فإِنّ تَحْتَهَا أَرْضاً أُخْرَى بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ خَمْسُسَمائَةِ سَنَة حَتّى عَدّ سَبْعَ أَرَضَيْنَ بَيْنَ كُلّ أرْضيْنِ مَسِيرَةُ خَمْسُمَائَةٍ سَنَةِ، ثُمّ قالَ: وَالّذِي نَفْسُ مُحمّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَنّكُمْ دَلّيْتُمْ رجلاً بِحَبْلٍ إلى الأرْضِ السّفْلَى
ـــــــ
"فإنها الرقيع" هو إسم لسماء الدنيا وقيل لكل سماء والجمع أرقعة "وموج مكفوف" أي ممنوع من الاسترسال حفظها الله أن يقع على الأرض وهي معلقة بلا عمد كالموج المكفوف "قال بينكم وبينها خمسمائة سنة" أي مسيرتها ومسافتها "هل تدرون ما فوق ذلك" أي المحسوس أو المذكور من سماء الدنيا "ما بين كل سماءين ما بين السماء والأرض" أي كما بينهما من خمسمائة عام "فإن فوق ذلك" خبر مقدم لإن "العرش" بالنصب على أنه إسم مؤخر لإن "وبينه وبين السماء" أي بين العرش وبين السماء السابعة "بعد ما بين السماءين" أي من السماوات السبع "قال فإنها الأرض" أي العليا "بين كل أرضين" بالتثنية أي بين كل أرضين منها "لو أنكم دليتم" بتشديد اللام

(9/186)


لَهَبَطَ عَلَى الله. ثُمّ قَرأَ {هُوَ الأوّلُ والآخر والظّاهِرُ والبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} " . هَذا حديثٌ غريبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، ويُرْوَى عَن أيّوبَ ويُونُسَ بنِ عُبَيْدٍ وَعَلِيّ بنِ زَيْدٍ قالُوا لَمْ يَسْمَعْ الحَسَنُ مِنْ أَبي هُرَيْرَةَ. وَفَسّرَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ هَذَا الْحَدِيثَ فقَالُوا إنّمَا هَبَطَ عَلَى عِلْمِ الله وقُدْرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ، وَعِلْمُ الله وَقُدْرَتُهُ وَسُلْطَانُهُ في كُلّ مَكَانٍ وَهُوَ عَلَى العَرْشِ كَمَا وَصَفَ في كِتَابِهِ.
ـــــــ
المفتوحة من أدليت الدلو إذا أرسلتها البئر أي لو أرسلتم "لهبط" بفتح الموحدة أي لنزل "على الله" أي على علمه وملكه كما صرح به الترمذي في كلامه الاَتي {هُوَ الْأَوَّلُ} أي قبل كل شيء بلا بداية {وَالْآخِرُ} أي بعد كل شيء بلا نهاية {وَالظَّاهِرُ} أي بالأدلة عليه {وَالْبَاطِنُ} أي عن إدراك الحواس {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} أي بالغ في كمال العلم به محيط علمه بجوانبه. قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه أحمد وابن أبي حاتم والبزار. قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: ورواه ابن جرير عن بشر عن يزيد عن سعيد عن قتادة {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس في أصحابه إذ مر عليهم سحاب فقال هل تدرون ما هذا وذكر الحديث مثل سياق الترمذي سواء إلا أنه مرسل من هذا الوجه. ولعل هذا هو المحفوظ انتهى. قوله: "ويروي عن أيوب ويونس بن عبيد وعلي بن زيد الخ" قد صرح كثير من أئمة الحديث بأن الحسن لم يسمع من أبي هريرة كما في كتاب المراسيل لابن أبي حاتم "فقالوا إنما هبط على علم الله وقدرته وسلطانه" قال الطيبي: أما علمه تعالى فهو في قوله: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} وأما قدرته فمن قوله: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ} أي هو الأول الذي يبدئ كل شيء ويخرجهم من العدم إلى الوجود. والآخر الذي يفنى كل شيء كل من عليها فإن {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ} وأما سلطانه فمن قوله: {وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} قال الأزهري يقال ظهرت على فلان إذا غلبته. والمعنى هو الغالب الذي يغلب ولا يغلب

(9/187)


ـــــــ
ويتصرف في المكونات على سبيل الغلبة والاستيلاء أو ليس فوقه أحد يمنعه، والباطن هو الذي لا ملجأ ولا منجا دونه. كذا في المرقاة "وعلم الله وقدرته وسلطانه في كل مكان" أي يستوي فيه العلويات والسفليات وما بينهما "وهو على العرش كما وصف في كتابه" قال الطيبي: الكاف في كما منصوب على المصدر أي هو مستو على العرش استواء مثل ما وصف نفسه به في كتابه وهو مستأثر بعلمه باستوائه عليه. وفي قول الترمذي إشعار إلى أنه لا بد لقوله لهبط على الله من هذا التأويل المذكور، ولقوله: {عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} من تفويض علمه إليه تعالى والإمساك عن تأويله.

(9/188)


سورة المجادلة
بسم الله الرحمن الرحيم
3353 ـ حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ والْحَسَنُ بنُ عَلِي الْحُلْوَانِيّ ـ المَعْنَى وَاحِدٌ ـ قَالاَ أخبرنا: يَزِيدُ بنُ هَارُونَ، أخبرنا مُحمّدُ بنُ إسْحَاقَ عَن مُحمّدِ بنِ عَمْرِو بنِ عَطَاءٍ عن سُلَيْمَانَ بنِ يَسَارٍ عَن سَلَمَةَ بنِ صَخْرٍ الأنْصَارِيّ قَالَ "كُنْتُ رَجُلاً قَدْ أُوتِيتُ مِنْ جِمَاعِ النّسَاءِ مَا لَمْ يُؤْتَ غَيْرِي، فَلَمّا دَخَلَ رَمَضَانُ تَظَاهَرْتُ مِنَ امْرَأَتِي حَتّى يَنْسَلِخَ رَمَضَانُ فَرَقاً مِنْ
ـــــــ
"سورة المجادلة"
مدنية وهي اثنتان وعشرون آية
قوله: "أخبرنا محمد بن إسحاق" هو صاحب المغازي "عن محمد بن عمرو ابن عطاء" القرشي العامري المدني ثقة من الثالثة "عن سلمة بن صخر الأنصاري" الخزرجي البياضي ويقال له سلمان صحابي ظاهر من امرأته. قوله: "تظاهرت

(9/188)


أَنْ أُصِيبَ مِنْهَا في لَيْلَتي فأَتَتَابَعُ في ذَلِكَ إلى أَنْ يُدْرِكَنِي النّهَارُ وَأَنَا لاَ أَقْدِرُ أَنْ أَنْزِعَ، فَبَيْنَمَا هِيَ تَخْدِمُنِي ذَاتَ لَيْلَةٍ إذْ تَكَشّفَ لِي مِنْهَا شَيْءٌ فَوَثَبْتُ عَلَيْهَا فَلَمّا أَصْبَحْتُ غَدَوْتُ عَلَى قَوْمِي فأَخْبَرْتُهُمْ خَبَرِي فَقُلْتُ انْطَلِقُوا مَعِي إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فأُخْبِرُهُ بِأَمْرِي، فقَالُوا لا وَالله لا تَفْعَلْ نَتَخَوّفُ أَنْ يَنْزِلَ فِينَا قُرْآنٌ أَوْ يَقُولَ فِينَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مَقَالَةً يَبْقَى عَلَيْنَا عَارُهَا، ولَكِنْ اذْهَبْ أَنْتَ فاصْنَعْ مَا بَدَا لَكَ، قالَ فخَرَجْتَ فأَتَيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فأَخْبَرْتُهُ خَبَرِي فقَالَ: أَنْتَ بِذَاكَ؟ قُلْتُ أَنَا بِذَاكَ، قالَ: أَنْتَ بِذَاكَ؟ قُلْتُ أَنَا بِذَاكَ، قالَ: أَنْتَ بِذَاكَ؟ قُلْتُ أَنَا بِذَاكَ وَهَا أَنَذَا
ـــــــ
من امرأتي" وفي رواية أبي داود وابن ماجة ظاهرت منها، وفي رواية الترمذي في باب كفارة الظهار جعل امرأته عليه كظهر أمه "حتى ينسلخ رمضان" أي حتى يمضي، وفيه دليل على أن الظهار المؤقت ظهار كالمطلق منه. وهو إذا ظاهر من امرأته إلى مدة ثم أصابها قبل انقضاء تلك المدة، واختلفوا فيه إذا بر ولم يحنث فقال مالك وابن أبي ليلى إذا قال لامرأته أنت علي كظهر أمي إلى الليل لزمته الكفارة وإن لم يقربها، وقال أكثر أهل العلم لا شيء عليه إذا لم يقربها، وللشافعي في الظهار المؤقت قولان: أحدهما أنه ليس بظهار. قاله الخطابي في العالم "فرقاً" بفتحتين أي خوفاً "فأتتابع في ذلك" بصيغة المضارع المتكلم أي أتوالي من التتابع وهو التوالي "إذ تكشف" أي إنشكف "فوثبت عليها" من الوثوب وهو النهوض والقيام والطفر، وفي رواية أبي دواد فلم ألبث أن نزوت عليها "غدوت على قومي" أي خرجت إليهم وأتيتهم بالغداة "فأخبره بأمري" أي بما جرى بي "لا نفعل" أي لا ننطلق معك "نتخوف" أي نخاف "ما بدا لك" أي ما ظهر لك "فقال أنت بذاك" أي أنت الملم بذلك أو أنت المرتكب له كذا في المعالم "ها" كلمة تنبيه "أنا ذا" أي أنا هذا

(9/189)


فأَمْضِ فيّ حُكْمَ الله فإنّي صَابِرٌ لِذَلِكَ، قالَ: اعْتِقْ رَقَبةً. قالَ فضَرَبْتُ صَفْحَةَ عُنُقِي بِيَدَيّ، فَقُلتُ لا والّذِي بَعَثَكُ بالْحَقّ مَا أَصْبَحْتُ أَمْلِكُ غَيْرَها، قالَ: فَصُمْ شَهْرَيْنِ، قُلْتُ يَا رَسُولَ الله وَهَلْ أَصَابَنِي مَا أَصَابَنِي إلاّ في الصّيَامِ، قَالَ: فاطْعِمْ سِتّينَ مِسْكِيناً، قُلْتُ والّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقّ لَقَدْ بِتْنَا لَيْلَتَنَا هَذِهِ وَحْشَى مَا لَنَا عَشَاءٌ. قالَ: اذْهَبْ إِلَى صاحِبِ صَدَقَةِ بَنِي زُرَيْقٍ فَقُلْ لَهُ فَلْيَدْفَعْهَا إِلَيْكَ فاطْعِمْ عَنْكَ مِنْهَا وَسْقاً سِتّينَ مِسْكِيناً ثُمّ اسْتَعِنْ بِسَائِرِهِ عَلَيْكَ وعَلَى عِيَالِكَ، قالَ فَرَجَعْتُ إلى قَوْمِي فَقُلْتُ وَجَدْتُ عِنْدَكُمْ الضّيقَ وَسُوءَ الرّأْيِ وَوَجَدْتُ عِنْدَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم السّعَةَ وَالبَرَكَةَ أَمَرَ لِي بِصَدَقَتِكُمْ فادْفَعُوهَا إِليّ، فَدَفَعُوهَا إِليّ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ. قالَ مُحمّدٌ: سُلَيْمَانُ بنُ يَسَارٍ لَمْ يَسْمَعْ عِنْدِي مِنْ سَلَمَة بنِ صَخْرٍ. قالَ ويُقَالُ
ـــــــ
موجود "فامض في" بتشديد الياء أي أجر عليّ "فضربت صفحة عنقي" قال في القاموس: الصفح الجانب ومنك جنبك ومن الوجه والسيف عرضه "لقد بتنا ليلتنا هذه وحشي" قال في القاموس بات وحشاً أي جائعاً وهم أوحاش. وقال الجزري في النهاية يقال رجل وحش بالسكون من قوم أوحاش إذا كان جائعاً لا طعام له، وقد أوحش إذا جاع. قال وفي رواية الترمذي لقد بتنا ليلتنا هذه وحشي. كأنه أراد جماعة وحشي انتهى "ما لنا عشاء" بفتح العين أي طعام العشي "إلى صاحب صدقة بني زريق" بتقديم الزاي على الراء مصغراً "فاطعم عنك منها وسقا" أي من تمر كما في رواية أبي داود "ثم استعن بسائره" أي بباقيه، وفي رواية أبي داود: "وكل أنت وعيالك بقيتها" . وقل: أخذ بقوله صلى الله عليه وسلم: "فاطعم عنك منها وسقا ستين مسكيناً" الثوري وأبو حنيفة وأصحابه فقالوا: الواجب لكل مسكين صاع

(9/190)


سَلَمَةَ بنُ صَخْرٍ وَيُقالُ سَلْمَانُ بنُ صخْرٍ. وفي البابِ عَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ وَهِي امْرَأَةُ أَوْسِ بنِ الصّامِتِ.
3354 ـ حدثنا عبدُ بن حُمَيْدٍ أخبرنا يُونُسُ عَنْ شَيْبَانَ عَن قتَادَةَ أخبرنا أَنَسُ بنُ مَالِكٍ "أَنّ يَهُودِيّا أَتَى عَلَى النَبِيّ الله صلى الله عليه وسلم وأَصْحَابِهِ فقالَ السّامُ عَلَيْكُمْ، فَرَدّ عَلَيْهِ القَوْمُ، فقال نَبيّ الله صلى الله عليه وسلم هَلْ تَدْرُونَ ما قالَ هذا؟ قالُوا الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ
ـــــــ
من تمر أو ذرة أو شعير أو زبيب أو نصف صاع من بر. وقال الشافعي: إن الواجب لكل مسكين مد. وتمسك بالروايات التي فيها ذكر العرق وتقديره بخمسة عشر صاعاً. قلت: ما تمسك به الشافعي ومن وافقه أصح سنداً لأن رواية الترمذي في باب كفارة الظهار التي وقع فيها: اعطه ذلك العرق وهو مكتل يأخذ خمسة عشر صاعاً أو ستة عشر صاعاً. أصح من هذه الرواية التي فيها: فاطعم عنك منها وسقا ستين مسكيناً. وظاهر الحديث أن الكفارة لا تسقط بالعجز عن جميع أنواعها لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعانه بما يكفر به بعد أن أخبره أنه لا يجد رقبة ولا يتمكن من إطعام ولا يطيق الصوم، وإليه ذهب الشافعي وأحمد في رواية عنه، وذهب قوم إلى السقوط، وذهب آخرون إلى التفصيل فقالوا تسقط كفارة صوم رمضان لا غيرها من الكفارات كذا في النيل. قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة والحاكم. هذا حديث منقطع وفي سنده محمد بن إسحاق ورواه عن محمد بن عمرو بالعنعنة. قوله: "وفي الباب عن خولة بنت ثعلبة" أخرج حديثها أبو داود.
قوله: "أخبرنا يونس" بن محمد بن مسلم المؤدب "عن شيبان" بن عبد الرحمن النحوي.
قوله: "وأصحابه" بالجر "السام عليكم" أي لم يقل السلام عليكم بل قال السام عليكم والسام الموت "فرد عليه" أي على اليهودي "القوم" أي الصحابة ظانين أن اليهودي قال السلام عليكم "ما قال هذا"

(9/191)


سَلّمَ يَا نَبيّ الله. قالَ: لاَ وَلَكِنّهُ قالَ كَذَا وَكَذَا رُدّوهُ عَلَيّ، فَرَدّوهُ فقالَ قُلْتَ السّامُ عَلَيْكُمْ؟ قالَ نَعَمْ. قالَ نَبِيّ الله صلى الله عليه وسلم عِنْدَ ذَلِكَ: إِذَا سَلّمَ عَلَيْكُمْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ فَقُولُوا عَلَيْكَ قال: عَلَيْكَ مَا قُلْتَ، قالَ {وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ} " . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
3355 ـ حدثنا سُفْيَانُ بنُ وَكِيعٍ أخبرنا يَحْيَىَ بنُ آدَمَ أخبرنا عُبَيْدُ الله الأشْجَعِيّ عَن سُفْيَانَ الثّوْرِيّ عَن عُثْمانَ بنِ المُغِيرَةِ الثّقَفِيّ عَن سَالِمِ بنِ أَبي الْجَعْدِ عَن عَلِيّ بنِ عَلْقَمَةَ الأنْمَارِيّ عَن عَلِيّ بنِ أَبي طَالِبٍ قالَ: "لَمّا نَزَلَتْ {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إذَا ناجَيْتُمُ الرّسُولَ فَقَدّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} قالَ لِي النبيّ صلى الله عليه
ـــــــ
أي هذا اليهودي "سلم" أي قال السلام عليكم "ولكنه قال كذا وكذا" أي قال السام عليكم "ردوه علي" أي ارجعوا اليهودي إلي "قلت السام عليكم" بحذف حرف الاستفهام "فقولوا" أي في الرد عليه "قال" أي قرأ {وَإِذَا جَاءُوكَ} أي اليهود {حَيَّوْكَ} أيها النبي {بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ} وهو قولهم السام عليكم. قال القرطبي المراد بها اليهود كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيقولون السام عليك يريدون بذلك السلام ظاهراً وهم يعنون الموت باطناً فيقول النبي صلى الله عليه وسلم عليكم، وفي رواية وعليكم. قال ابن عمر في الآية يريدون بذلك شتمه فنزلت هذه الآية انتهى. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والبخاري.
قوله: "عن علي بن علقمة الأنماري" بفتح الهمزة وسكون النون الكوفي مقبول من الثالثة كذا في التقريب، وقال في تهذيب التهذيب: روى عن علي وابن مسعود وعنه سالم بن الجعد. قال ابن المديني لم يرو عنه غيره، وقال

(9/192)


وسلم مَا تَرَى؟ دِينَارٌ قُلْتُ لا يُطِيقُونَهُ، قالَ: فَنِصْفُ دِينارٍ؟ قُلْتُ لا يُطِيقُونَهُ، قالَ: فَكَمْ؟ قُلْتُ شَعِيرةً، قالَ: إِنّكَ لَزَهِيدٌ، قالَ فنزَلتْ {أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقدّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَاتٍ} الآية .
ـــــــ
البخاري في حديثه نظر، وذكره ابن حبان في الثقات له عند الترمذي حديث واحد في قوله تعالى: {إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ} . قال الحافظ: وقال ابن عدى ما أرى بحديثه بأساً وليس له عن علي غيره إلا اليسير، وذكره العقيلي وابن الجارود في الضعفاء تبعاً للبخاري على العادة.
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} أي إذا أردتم مناجاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدموا أمام ذلك صدقة، وفائدة ذلك إعظام مناجاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن الإنسان إذا وجد الشيء بمشقة استعظمه وإن وجده بسهولة استحقره ونفع كثير من الفقراء بتلك الصدقة المقدمة قبل المناجاة. قال ابن عباس: إن الناس سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثروا حتى شق عليه فأراد الله تعالى أن يخفف على نبيه صلى الله عليه وسلم ويثبطهم عن ذلك فأمرهم أن يقدموا صدقة على مناجاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل نزلت في الأغنياء وذلك أنهم كانوا يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكثرون مناجاته ويغلبون الفقراء على المجالس حتى كره رسول الله صلى الله عليه وسلم طول جلوسهم ومناجاتهم فلما أمروا بالصدقة كفوا عن مناجاته، فأما الفقراء وأهل العسرة فلم يجدوا شيئاً وأما الأغنياء وأهل الميسرة فضنوا. واشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الرخصة وبعده {ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ} يعني تقديم الصدقة على المناجاة لما فيه من طاعة الله وطاعة رسوله {وَأَطْهَرُ} أي لذنوبكم {فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا} يعني الفقراء الذين لا يجدون ما يتصدقون به {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ} أي لمناجاتكم {رَحِيمٌ} أي بكم فلا عليكم في المناجاة من غير صدقة "ما ترى" أي في مقدار الصدقة التي تقدم بين يدي النجوى "دينار" أي هل يقدم قبل النجوى دينار "قلت شعيرة" أي تقدم قبل النجوى شعيرة والمراد بها هنا وزن شعيرة من ذهب كما فسرها الترمذي به "إنك" أي يا علي "لزهيد"

(9/193)


قالَ فَبِي خَفّفَ الله عَن هَذِهِ الامّةِ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ إِنّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ شَعِيرَةً يَعْنِي وَزْنَ شَعِيرَةٍ مِنْ ذَهَبٍ.
ـــــــ
أي قليل المال قدرت على حالك "قال" أي علي "فنزلت {أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ} أي أخفتم تقديم الصدقات لما فيه من الإنفاق الذي تكرهونه، وقيل أي أخفتم الفقر والعيلة لأن تقدموا ذلك، والإشفاق الخوف من المكروه والاستفهام للتقرير "الآية" بالنصب أي أتم الآية وبقيتها مع تفسيرها هكذا {فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا} أي ما أمرتم به من تقديم الصدقة {وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} أي تجاوز عنكم ونسخ الصدقة {فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} أي المفروضة {وَآتُوا الزَّكَاةَ} أي الواجبة وأطيعوا الله ورسوله أي فيما أمر ونهى {وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} أي أنه محيط بأعمالكم ونيانكم "قال" أي علي "فبي" أي بسببي ولأجلي، قوله: "هذا حديث حسن غريب" في سنده سفيان بن وكيع وهو صدوق إلا أنه ابتلى بوراقة فأدخل عليه ما ليس من حديثه فنصح فلم يقبل فسقط حديثه، وفيه أيضاً علي بن علقمة الأنماري وهو متكلم فيه. وقال البخاري فيه نظر، والحديث أخرجه أيضاً أبو يعلى وابن جرير وابن المنذر. وأخرج ابن جرير بسنده عن مجاهد في قوله: {فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} قال نهواً عن مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم حتى يتصدقوا فلم يناجه إلا علي بن أبي طالب رضي الله عنه قدم ديناراً فتصدق به ثم أنزلت الرخصة في ذلك، وأخرج أيضاً عن ليث عن مجاهد قال قال علي رضي الله عنه: إن في كتاب الله عز وجل الآية ما عمل بها بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} قال فرضت ثم نسخت وهاتان الروايتان منقطعتان لأن مجاهداً لم يسمع من علي.

(9/194)


سورة الحشر
بسم الله الرحمن الرحيم
3356 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ، أخبرنا اللّيْثُ عَن نَافِعٍ عَن ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قالَ: "حَرّقَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم نَخْلَ بَنِي النّضِيرِ وَقَطّعَ وَهِيَ البُوَيْرَةُ فأَنْزَلَ الله {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ} " . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
3357 ـ حدثنا الْحَسَنُ بنُ محَمدٍ الزّعْفَرَانِيّ، أخبرنا عَفّانُ بن مسلم أخبرنا حَفْصُ بنُ غِيَاثٍ أخبرنا حَبِيبُ بنُ أَبي عَمْرَةَ عَن سَعِيدِ بنِ
ـــــــ
"سورة الحشر"
مدنية وهي أربع وعشرون آية
قوله: "حرق" من التحريق "نخل بني النضير" أي أمر بقطع نخيلهم وتحريقها وهم طائفة من اليهود وقصتهم مشهورة مذكورة في كتب السير، وإنما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حاصرهم إهانة لهم وإرهاباً وإرعاباً لقلوبهم "وهي" أي نخيلهم "البويرة" بضم الموحدة وفتح الواو مصغراً موضع نخل بني النضير {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ} أي أي شيء قطعتم من نخلة {أَوْ تَرَكْتُمُوهَا} الضمير لما وتأنيثه لأنه مفسر باللينة {قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا} أي لم تقطعوها {فَبِإِذْنِ اللَّهِ} أي بأمره وحكمه يعني خيركم في ذلك {وَلِيُخْزِيَ} أي بالإذن في القطع {الْفَاسِقِينَ} يعني اليهود. قوله: "هذا الحديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله: "أخبرنا عفان" بن مسلم بن عبد الله الصفار البصري "حدثنا حبيب

(9/195)


جُبَيْرٍ عَن ابنِ عَبّاسٍ في قَوْلِ الله عَزّ وَجَلّ: {ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمةً عَلَى أُصُولِهَا} قالَ: اللّينَةُ النّخْلَةُ {وَلِيُخْزِيَ الفَاسِقِينَ} قالَ: اسْتَنْزَلُوهُمْ مِنْ حُصُونِهِمْ قالَ: وَأُمِرُوا بِقَطْعِ النّخْلِ فَحَكّ1 في صُدُورِهِمْ فقَالَ المُسْلِمُونَ قَدْ قَطَعْنَا بَعْضاً وتركنا بعضاً فَلَنَسْأَلَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم هلْ لَنَا فيما قَطَعنَا مِنْ أَجْرٍ وهَلْ عَلَيْنَا فِيمَا تَرَكْنَا مِنْ وِزْرٍ؟ فأنْزَلَ الله تَعَالَى {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قائِمَةً عَلى أُصُولِهَا} الآيةَ. هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَريبٌ ورَوَى بَعْضَهُمْ هَذَا الحَدِيثِ عَن حَفْصِ بنِ غِيَاثٍ عَنْ حَبِيبِ
ـــــــ
ابن أبي عمرة" القصاب. قوله: "قال اللينة النخلة" أي قال ابن عباس إن المراد من اللينة النخلة. قال الإمام البخاري: ما قطعتم من لينة نخلة ما لم تكن عجوة أو برنية. قال الحافظ: قال أبو عبيدة في تفسير هذه الآية أي من نخلة وهي من الألوان ما لم تكن عجوة أو برنية إلا أن الواو ذهبت بكسر اللام. وروى سعيد بن منصور من طريق عكرمة قال اللينة ما دون العجوة. وقال سفيان هي شديدة الصفرة تنشق عن النوى "قال" أي ابن عباس "استنزلوهم" أي أنزلوا اليهود "فحك في صدورهم الخ" يقال حك الشيء في نفسي إذا لم تكن منشرح الصدر به وكان في قلبك منه شيء من الشك والريب وأوهمك أنه ذنب وخطيئة. وروى الحافظ أبو يعلى في مسنده قال حدثنا سفيان بن وكيع حدثنا حفص عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن جابر وعن أبي الزبير عن جابر قال: رخص لهم في قطع النخل ثم شدد عليهم فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله علينا إثم فيما قطعنا أو علينا وزر فيما تركنا؟ فأنزل الله عز وجل {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ} كذا في تفسير ابن كثير "من وزر" بكسر الواو وسكون الزاي أي إثم. قوله: "هذا حديث حسن
ـــــــ
1 هكذا ورد بالأصل ولعله تصحيف من "حاك".

(9/196)


ابنِ أَبي عَمْرَةَ عَن سَعيدِ بنِ جُبَيْرٍ مُرْسَلاً ولَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَن ابنِ عَبّاسٍ.
3358 ـ حدثنا بِذَلِكَ عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ، عن هارون بنِ مُعَاوِيَةَ عَن حَفْصِ بنِ غِيَاثٍ، عَن حَبِيبِ بنِ أَبي عَمْرَةَ، عَن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم مُرْسَلاً.
سَمِعَ مِنّي مُحَمدُ بنُ إِسْمَاعِيلَ هَذَا الحَدِيثَ.
3359 ـ حدثنا أَبُو كُرَيْب أخبرنا وَكِيعٌ عَن فُضَيْلِ بنِ غَزْوَانَ عَن أَبي حَازِمٍ عن أبي هُرَيْرَةَ "أَنّ رَجُلاً مِنَ الأنْصَارِ بَاتَ عِنْدَهُ ضَيْفٌ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إلاّ قُوتهُ وَقُوتَ صِبْيَانِهِ فقالَ لامْرَأَتِهِ: نَوّمِي الصّبْيَةَ وَأَطْفِئِي السّرَاجَ وَقَرّبِي لِلضّيْفِ ما عِنْدَكِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآية {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
غريب" وأخرجه النسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه "عن هارون بن معاوية" بن عبيد الله بن يسار الأشعري صدوق من كبار العاشرة. قوله: "قال أبو عيسى سمع مني محمد بن إسماعيل هذا الحديث" وقد سمع هو منه أيضاً حديث أبي سعيد: يا علي لا يحل لأحد أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك. كما صرح به الترمذي بعد إخراجه في مناقب علي.
قوله: "عن أبي حازم" إسمه سلمان الأشجعي الكوفي. قوله: "أن رجلاً من الأنصار" يقال له أبو طلحة كما في رواية مسلم "إلا قوته وقوت صبيانه" أي طعامه وطعام صبيانه، والقوت بالضم ما يقوم به بدن الإنسان من الطعام "نومي الصبية" بكسر الصاد وسكون الموحدة جمع صبي "ما عندك" أي من الطعام {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ} أي في كل شيء من أسباب المعاش، والإيثار

(9/197)


ـــــــ
تقديم الغير على النفس في حظوظ الدنيا رغبة في حظوظ الآخرة وذلك ينشأ عن قوة اليقين ووكيد المحبة والصبر على المشقة، يقال آثرته بكذا أي خصصته به فضلته، والمعنى ويقدم الأنصار المهاجرين على أنفسهم في حظوظ الدنيا {وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} أي حاجة وفقر. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.

(9/198)


سورة الممتحنة
بسم الله الرحمن الرحيم
3360 ـ حدثنا ابنُ أَبي عُمَرَ، أخبرنا سُفْيانُ عَن عَمْرِو بنِ دِينَارٍ عَن الحَسَنِ بنِ مُحمّدٍ هُوَ ابنُ الْحَنَفِيّةِ عَن عُبَيْدِ الله بنِ أَبي رَافِعٍ قالَ: سَمِعْتُ عَلِيّ بنَ أَبي طَالِبٍ يقُولُ: "بَعَثَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَنَا وَالزّبَيْرَ والمِقْدَاد بنَ الأسْوَدِ فقالَ: انْطَلِقُوا حتّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ
ـــــــ
"سورة الممتحنة"
مدنية وهي ثلاث عشرة آية
قوله: "أخبرنا سفيان" هو ابن عيينة "عن الحسن بن محمد هو ابن الحنفية" قال في التقريب: الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي أبو محمد المدني وأبوه ابن الحنفية ثقة فقيه من الثالثة. قوله: "بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير" أكد الضمير المنصوب في بعثنا بلفظ أنا كما في قوله تعالى {إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَداً} ولا منافاة بين هذا وبين رواية أبي عبد الرحمن السلمي عن علي: بعثني وأبا مرثد الغنوى والزبير بن العوام لاحتمال أن يكون البعث وقع لهم جميعاً "حتى تأتوا روضة خاخ" بمنقوطتين من فوق موضع

(9/198)


فإِنّ بِهَا ظَعِينَةً مَعَهَا كِتَابٌ فَخُذُوهُ مِنْهَا فَأْتُونِي بِهِ فَخَرَجْنَا تَتَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا حَتّى أَتَيْنَا الرّوْضَةَ فإِذَا نَحْنُ بالظّعِينَةِ فَقُلْنَا أَخْرِجِي الكِتَابَ فقالَتْ مَا مَعِي مِنْ كِتَابٍ، فَقُلْنَا لَتُخْرِجِنّ الكِتَابَ أَوْ لَتُلْقِيَنّ الثّيَابَ، قالَ: فأخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا، قالَ: فأَتَيْنَا بِهِ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فإِذَا هُوَ مِنْ حَاطِبِ بنِ أبي بَلْتَعَةَ إلى أُناسٍ مِنَ المُشْرِكينَ بِمَكَةَ يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقالَ: ما هَذَا
ـــــــ
باثني عشر ميلاً من المدينة "فإن بها ظعينة" بالظاء المعجمة أي امرأة، وأصل الظعينة الهودج فيه امرأة ثم قيل للمرأة وحدها والهودج وحده "معها كتاب" وفي رواية للبخاري: تجدون بها امرأة اعطاها حاطب كتاباً "فأتوني به" أي بالكتاب الذي معها "تتعادى" أي تتسابق وتتسارع من العدو "حتى أتينا الروضة" أي روضة خاخ "لتخرجن" بكسر الجيم بصيغة المخاطبة من الإخراج "أو لتلقين" بإثبات التحتية مكسورة أو مفتوحة، وكذا وقع عند البخاري في تفسير سورة الممتحنة. فإن قلت القواعد العربية تقتضي أن تحذف تلك الياء ويقال لتلقن، قلت القياس ذلك وإذا صحت الرواية بالياء فتأويل الكسرة إنها لمشاكلة لتخرجن والفتح بالحمل على المؤنث الغائب على طريق الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، والمعنى لترمين الثياب وتتجردن عنها ليتبين لنا الأمر "فأخرجه من عقاصها" بكسر العين المهملة جمع عقيصة أي من ذوائبها المضفورة، وفي رواية للبخاري في الجهاد فأخرجت من حجزتها بضم المهملة وسكون الجيم بعد زاي معقد الإزار والسراويل. قال الحافظ والجمع بين هاتين الروايتين بأنها أخرجته من حجزتها فأخفته في عقاصها ثم اضطرت إلى إخراجه أو بالعكس أو بأن تكون عقيصتها طويلة بحيث تصل إلى حجزتها فربطته في عقيصتها وغرزته في حجزتها، وهذا الاحتمال أرجح انتهى. "فأتينا به" أي بالكتاب "من حاطب بن أبي بلتعة" بموحدة مفتوحة ولام ساكنة فمثناة فوقية وعين مهملة مفتوحتين وتوفي حاطب سنة ثلاثين "يخبرهم ببعض أمر النبي صلى الله

(9/199)


يَا حاطِبُ؟ قالَ: لا تَعْجَلْ عَلَيّ يا رَسُولَ الله إِنّي كُنْتُ امْرَاً مُلْصَقاً في قُرَيْشٍ وَلَمْ أكُنْ مِنْ أنْفُسِهَا وكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنَ المُهَاجِرينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِمَكّةَ فأَحْبَبْتُ إذْ فاتَنِي ذَلِكَ مِنْ نَسَبٍ فِيهمْ أَنْ أَتّخِذَ فِيهمْ يَداً يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي وَمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ كُفْراً ولاَ ارْتِدَاداً عَنْ دِينِي ولاَ رِضًى بالْكُفْرِ بعد الإسلام، فقالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: صَدَقَ، فقالَ عُمَرُ بنُ الخَطّابِ: دَعْنِي يا رَسُولَ الله أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا المُنَافِقِ، فقالَ: النبيّ صلى الله عليه وسلم إِنّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْراً فَمَا يُدْرِيكَ لَعَلّ الله اطّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فقالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ
ـــــــ
عليه وسلم" وفي مرسل عروة يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأمر في السير إليهم وجعل لها جعلا على أن تبلغه قريشاً "لا تعجل علي" أي في الحكم بالكفر ونحوه "إني كنت أمرأ ملصقاً في قريش" بفتح الصاد أي حليفاً لهم "ولم أكن من أنفسها" وعند أحمد وكنت غريباً. قال السهيلي كان حاطب حليفاً لعبد الله بن حميد بن زهير بن أسد بن عبد العزي يحمون بها من الحماية أي يحفظون القرابات "أن اتخذ فيهم" مفعول لقوله أحببت "يداً" أي نعمة ومنة عليهم "يحمون بها قرابتي" في رواية ابن إسحاق: وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل فصانعتهم عليه "صدق" بتخفيف الدال أي قال الصدق "فقال عمر بن الخطاب دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق" إنما قال ذلك عمر مع تصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاطب فيما اعتذر به لما كان عند عمر من القوة في الدين وبغض من ينسب إلى النفاق وظن أن من خالف ما أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم استحق القتل لكنه لم يجزم بذلك فلذلك استأذن في قتله وأطلق عليه منافقاً لكونه أبطن خلاف ما أظهر، وعذر حاطب ما ذكره فإنه صنع ذلك متأولاً أن لا ضرر فيه "إنه قد شهد بدراً" فكأنه قيل وهل يسقط عنه شهوده بدراً هذا الذنب العظيم، فأجاب بقوله

(9/200)


فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ. قالَ: وَفِيهِ أُنْزِلَتْ هَذِهِ السّورَةُ {يا أيّهَا الذِينَ آمَنُوا لا تَتَخِذُوا عَدُوّي وعَدُوّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بالمَوَدّةِ} السّورَةَ. قالَ عَمْرُو: وَقَدْ رَأَيْتُ ابنَ أَبي رَافِعٍ وكَانَ كاتِباً لِعَلِيّ بن أبي طالب" .
هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. وَفِيه عَن عَمرٍو وَجَابِرِ بنِ عَبْدِ الله.
ـــــــ
"فما يدريك" إلى آخره "لعل الله اطلع على أهل بدر" قال العلماء إن الترجي في كلام الله ورسوله للوقوع، وعند أحمد وأبي داود وابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة بالجزم ولفظه "إن الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" . وعند أحمد بإسناد على شرط مسلم من حديث جابر مرفوعاً: "لن يدخل النار أحد شهد بدراً" "فقال" تعالى مخاطباً لهم خطاب تشريف وإكرام "اعملوا ما شئتم" في المستقبل "فقد غفرت لكم" عبر عن الآتي بالواقع مبالغة في تحققه وعند الطبراني من طريق معمر عن الزهري عن عروة: غافر لكم وفي مغازي ابن عائذ من مرسل عروة: اعملوا ما شئتم فسأغفر لكم. قيل القرطبي: وهذا الخطاب قد تضمن أن هؤلاء حصلت لهم حالة غفرت بها ذنوبهم السابقة وتأهلوا أن تغفر لهم الذنوب اللاحقة إن وقعت منهم، وما أحسن قول بعضهم:
وإذا الحبيب أتى بذنب واحد
...
جاءت محاسنه بألف شفيع
وليس المراد أنهم نجزت لهم في ذلك الوقت مغفرة الذنوب اللاحقة بل لهم صلاحية أن يغفر لهم ما عساه أن يقع ولا يلزم من وجود الصلاحية لشيء وجود ذلك الشيء، واتفقوا على أن البشارة المذكورة فيما يتعلق بأحكام الآخرة لا بأحكام الدنيا عن إقامة الحدود وغيرها "وفيه أنزلت" أي في حاطب بن أبي بلتعة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ} أي الكفار {أَوْلِيَاءَ} أي أصدقاء وأنصاراً {تُلْقُونَ} أي توصلون {إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} أي بأسباب المحبة، وقيل معناه تلقون إليهم أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وسره بالمودة التي بينكم وبينهم. وبعده {وَقَدْ كَفَرُوا} أي وحالهم أنهم كفروا {بِمَا جَاءَكُمْ

(9/201)


وَرَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَن سُفيانَ بنِ عُيَيْنَةَ هَذَا الحدِيثَ نَحْوَ هَذَا وَذَكَرَوُا هَذَا الحَرْفَ فقالُوا: "لَتُخْرِجِنّ الكِتّابَ أوْ لَتُلْقِيَنّ الثّيَابَ" . وقَدْ رُوِيَ أَيْضاً عَن أَبي عَبْدِ الرّحْمَن بن يحيى السّلَمِيّ عَن عَلِيّ بن أَبي طَالِبٍ نَحْوَ هَذَا الْحَدِيثِ وَرَوى بَعْضُهُمْ فِيهِ: لَتُخْرِجنّ الكِتَابَ أَوْ لَنُجَرّدَنّكِ.
3361 ـ حدثنا عبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، أخبرنا عَبْدُ الرزّاقِ عَن مَعْمَرٍ عَن الزّهْرِيّ عَن عُرْوَةَ عَن عَائِشَةَ قالتْ: "ما كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَمْتَحِنُ إِلاّ بالآية الّتِي قالَ الله: {وَإِذَا جاءَكَ المُؤْمِنَاتُ
ـــــــ
مِنَ الْحَقِّ} يعني القرآن {يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ} أي من مكة {أَنْ تُؤْمِنُوا} أي لأن آمنتم كأنه قال يفعلون ذلك لإيمانكم {بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ} شرط جوابه متقدم، والمعنى إن كنتم خرجتم {جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي} فلا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء {تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} أي بالنصيحة {وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ} أي من المودة للكفار {وَمَا أَعْلَنْتُمْ} أي أظهرتم بألسنتكم منها {وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ} أي الإسرار وإلقاء المودة إليهم {فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} أي أخطأ طريق الهدى "السورة" بالنصب أي أتم السورة. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة إلا ابن ماجة. قوله: "وفيه عن عمر وجابر بن عبد الله" لينظر من أخرج حديثهما.
قوله: "فقالوا لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب" هذا بيان لما قبله "وهذا حديث قد روي أيضاً عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي بن أبي طالب الخ" رواه الشيخان.
قوله: "ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمتحن" أي يختبر "إلا بالآية التي الخ" أي بما في هذه الآية، وفي رواية البخاري في التفسير: كان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية بقول الله {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ

(9/202)


يُبَايِعْنِكَ} الآية. قالَ: مَعْمَرٌ، فأَخْبَرَنِي ابنُ طَاوُسٍ عَن أَبِيهِ قالَ:" مَا مَسّتْ يَدُ رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم يَدَ امْرَأةٍ إلاّ امْرَأَةً يَمْلِكُهَا" .
ـــــــ
الْمُؤْمِنَاتُ} الخ {إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ} أي قاصدات لمبايعتك على الإسلام "الآية" تمامها {عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً} أي شيئاً من الأشياء كائناً ما كان {وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ} هو ما كانت تفعله الجاهلية من وأد البنات أي دفنهن أحياء لخوف العار والفقر {وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرُجُلِهِنَّ} أي لا يلحقن بأزواجهن ولداً ليس منهم. قال الفراء: كانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها هذا ولدي فذلك البهتان المفتري بين أيديهن وأرجلهن وذلك أن الولد إذا وضعته الأم سقط بين يديها ورجليها، وليس المراد هنا أنها تنسب ولدها من الزنا إلى زوجها لأن ذلك قد دخل تحت النهي عن الزنا {وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} أي في كل أمر هو طاعة لله وإحسان إلى الناس، وكل ما أمر به الشرع ونهى عنه، والمعروف ما عرف حسنه من قبل الشرع {فَبَايِعْهُنَّ} أي إذا بايعنك على هذه الشروط فبايعهن {وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ} أي عما مضى {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} أي بليغ المغفرة بتمحيق ما سلف وكثير الرحمة لعباده "قال معمر" أي بالإسناد السابق "ما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي عند المبايعة، وفي رواية البخاري في التفسير: قالت عائشة فمن أقر بهذا الشرط من المؤمنات قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم "قد بايعتك كلاماً" ولا والله ما مست يده يد امرأة قط في المبايعة. ما يبايعهن إلا بقوله "قد بايعتك على ذلك" . قال الحافظ: وكأن عائشة أشارت بذلك إلى الرد على ما جاء عن أم عطية فعند ابن خزيمة وابن حبان والبزار والطبري وابن مردويه من طريق إسماعيل بن عبد الرحمن عن جدته أم عطية في قصة المبايعة قال فمد يده من خارج البيت ومددنا أيدينا من داخل البيت ثم قال "اللهم اشهد" ، وكذا حديث أم عطية الذي فيه: قبضت منا امرأة يدها فإنه يشعر بأنهن كن يبايعنه بأيديهن، ويمكن الجواب عن الأول بأن من الأيدي من وراء الحجاب إشارة إلى وقوع المبايعة وإن لم تقع مصافحته، وعن الثاني بأن المراد بقبض اليد التأخر عن القبول أو كانت المبايعة تقع

(9/203)


قال: هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
3362 ـ حدثنا عبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، أخبرنا أَبُو نَعِيمٍ، أخبرنا يَزِيدُ بنُ عَبْدِ الله الشّيْبَانيّ قالَ: سَمِعْتُ شَهْرَ بنَ حَوْشَبٍ: قالَ: حدثَتْنَا أُمّ سَلَمَةَ الأنْصَارِيّةُ قالتْ: "قالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ النّسْوَةِ: مَا هَذَا المَعْرُوفُ الّذِي لا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَعْصِيكَ فِيهِ؟ قال: لا تَنُحْنَ. قُلْتُ يا رَسولَ الله إِنّ بَنِي
ـــــــ
بحائل، فقد روى أبو داود في المراسيل عن الشعبي أن النبي صلى الله عليه وسلم حين بايع النساء أتى ببرد قطري فوضعه في يده وقال لا أصافح النساء، وعند عبد الرزاق من طريق إبراهيم النخعي مرسلاً نحوه، وعند سعيد بن منصور من طريق قيس بن أبي حازم كذلك، وأخرج ابن إسحاق في المغازي من رواية يونس بن بكير عنه عن أبان بن صالح أنه صلى الله عليه وسلم كان يغمس يده في إناء وتغمس المرأة يدها فيه ويحتمل التعدد، وقد أخرج الطبراني أنه بايعهن بواسطة عمر، وروى النسائي والطبري من طريق محمد بن المنكدر أن أميمة بنت رقيقة بقافين مصغراً أخبرته أنها دخلت في نسوة تبايع فقلن يا رسول الله أبسط يدك نصافحك فقال "إني لا أصافح النساء ولكن سآخذ عليكن" فأخذ علينا حتى بلغ {وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} فقال فيما أطقتن واستطعتن فقلن الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا. وفي رواية الطبري ما قولي لمائة امرأة إلا كقولي لامرأة واحدة. وقد جاء في أخبار أخرى أنهن كن يأخذن بيده عند المبايعة من فوق ثوب. أخرجه يحيى بن سلام في تفسيره عن الشعبي. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري.
قوله: "أخبرنا يزيد بن عبد الله الشيباني" أبو عبد الله الكوفي ثقة من كبار السابعة.
قوله: "ما هذا المعروف" أي الذي وقع في قوله تعالى: { وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} ، "الذي لا ينبغي لنا" أي لا يجوز لنا "أن نعصيك فيه" أي في هذا المعروف "قال" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تنحن" من النوح وهو البكاء على الميت وتعديد محاسنه، وقيل النوح بكاء مع الصوت ومنه ناح

(9/204)


فُلاَنٍ قَدْ أسْعَدُونِي عَلَى عَمّي وَلاَ بُدّ لِي مِنْ قَضَائِهِنّ، فأَبَى عَلَيّ فَأَتَيْتُهُ مِرَاراً فأَذِنَ لِي في قَضَائِهِنّ فَلَمْ أَنُحْ بَعْد قَضَائِهِنّ ولاَ عَلَى غَيْرِهِ حَتّى السّاعَة ولَمْ يَبْقَ مِنَ النّسْوَةِ امْرَأَةٌ إِلاّ وَقَدْ ناحَتْ غَيْرِي" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وفِيهِ عَن أُمّ عَطِيّةَ قالَ عَبْدُ بنُ
ـــــــ
الحمام نوحا "قد أسعدوني على عمي" من الإسعاد وهو إسعاد النساء في المناحاة تقوم المرأة فتقوم معها أخرى من جاراتها فتساعدها على النياحة، قال الخطابي الإسعاد خاص في هذا المعنى، وأما المساعدة فعامة في كل معونة "ولا بد لي من قضائهم" أي من أن أجزيهم "فأبى" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم أي لم يأذن لي في قضائهم "فعاتبته" أي راجعته وعاودته "فأذن لي في قضائهن" فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص لأم سلمة الأنصارية في إسعادهن وكذلك رخص أيضاً لأم عطية كما في حديثها عند الشيخين وغيرهما ولفظ مسلم قالت: لما نزلت هذه الآية {يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً - وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} قالت كان منه النياحة، قالت فقلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم " إلا آل فلان" فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية فلا بد لي أن أسعدهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا آل فلان. قال النووي هذا محمول على الترخيص لأم عطية في آل فلان خاصة كما هو ظاهر ولا تحل النياحة لغيرها ولا لها في غير آل فلان كما هو صريح في الحديث، وللشارع أن يخص من العموم ما شاء فهذا صواب الحكم في هذا الحديث.
واستشكل القاضي عياض وغيره هذا الحديث وقالوا فيه أقوالاً عجيبة ومقصودي التحذير من الابترار بها حتى إن بعض المالكية قال النياحة ليست بحرام بهذا الحديث وقصة نساء جعفر. قال وإنما المحرم ما كان معه شيء من أفعال الجاهلية كمشق الجيوب وخمش الخدود ودعوى الجاهلية، والصواب ما ذكرناه أولاً وأن النياحة حرام مطلقاً وهو مذهب العلماء كافة وليس فيما قاله هذا القائل دليل صحيح لما ذكره انتهى.

(9/205)


حُمَيْدٍ: أُمّ سَلَمَةَ الأنْصَارِيّةُ هِيَ أسْمَاءُ بِنْتُ يَزِيدَ بنِ السّكَنِ.
ـــــــ
قلت: دعوى تخصيص الترخيص بأم عطية رضي الله عنها غير صحيحة فقد رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم لأم سلمة الأنصارية كما في حديثها هذا، وأخرج ابن مردويه من حديث ابن عباس. قال لما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على النساء فبايعهن {أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً} الآية قالت خولة بنت حكيم: يا رسول الله كان أبي وأخي ماتا في الجاهلية وإن فلانة أسعدتني وقد مات أخوها الحديث، وأخرج أحمد والطبري من طريق مصعب بن نوح قال أدركت عجوزاً لنا كانت فيمن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت فأخذ علينا "ولا تنحن" فقالت عجوز يا نبي الله إن ناساً كانوا أسعدونا على مصائب أصابتنا وإنهم قد أصابتهم مصيبة فأنا أريد أن أسعدهم. قال "فاذهبي فكافئيهم" . قالت فانطلقت فكافأتهم ثم إنها أتت فبايعته. قال الحافظ والأقرب إلى الصواب أن النياحة كانت مباحة ثم كرهت كراهة تنزيه ثم تحريم. وقال العيني والجواب الذي هو أحسن الأجوبة وأقربها أن يقال إن النهي ورد أولاً للتنزيه ثم لما تمت مبايعة النساء وقع التحريم فيكون الإذن الذي وقع لمن ذكر في الحالة الأولى ثم وقع التحريم وورد الوعيد الشديد في أحاديث كثيرة انتهى. قوله: "وفيه عن أم عطية" أخرج حديثها الشيخان.

(9/206)


سورة الصف
بسم الله الرحمن الرحيم
3363 ـ حدثنا عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ أخبرنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ
ـــــــ
"سورة الصف"
فيها قولان أحدهما أنها مدنية وهو قول ابن عباس والجمهور والثاني أنها مكية وهي أربع عشرة آية
قوله: "أخبرنا محمد بن كثير" بن أبي عطاء الثقفي الصنعاني أبو يوسف

(9/206)


عَن الأوْزَاعِيّ عَن يَحْيَى بنِ أبِي كثِيرٍ عَن أبي سَلَمَةَ عَن عَبْدِ الله بنِ سَلاَمٍ قالَ: "قَعَدْنَا نَفَرا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَتَذَاكَرْنا فَقُلْنَا لَوْ نَعْلَمُ أيّ الأعْمَالِ أحَبّ إِلى الله لَعَمِلْنَاهُ، فأنْزَلَ الله تَعَالَى: {سَبّحَ لله ما فِي السّمَواتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الْحَكِيمُ}. {يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لاَ تَفْعَلُونَ} قالَ: عَبْدُ الله بنُ سَلاَمٍ فَقَرَأها عَلَيْنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم. قالَ: أَبُو سَلَمَةَ فَقَرَأها عَلَيْنَا ابنُ سَلاَمٍ. قالَ: يَحْيَى فَقَرأها عَلَيْنَا أَبُو سَلَمَةَ. قالَ ابنُ كَثِيرٍ فَقَرَأَها عَلَيْنَا الأوْزَاعِيّ. قالَ: عَبْدُ الله فَقَرَأَهَا عَلَيْنَا
ـــــــ
نزيل المصيصة صدوق كثير الغلط من صغار التاسعة "عن أبي سلمة" هو ابن عبد الرحمن. قوله: "قعدنا نفراً" حال من ضمير قعدنا والنفر بفتحتين عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ} هذا إنكار على من يعد وعداً أو يقول قولاً لا يفي به ولهذا استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب من علماء السلف إلى أنه يجب الوفاء بالوعد مطلقاً سواء ترتب عليه عزم الموعود أم لا، وذهب الإمام مالك إلى أنه إذا تعلق بالوعد عزم على الموعود وجب الوفاء به، وذهب الجمهور إلى أنه لا يجب مطلقاً وحملوا الآية على أنها نزلت حين تمنوا فريضة الجهاد عليهم فلما فرض نكل عنه بعضهم. عن ابن عباس قال: كان ناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون لوددنا أن الله عز وجل دلنا على أحب الأعمال إليه فنعمل به فأخبر الله نبيه أن أحب الأعمال إيمان به لا شك فيه وجهاد أهل معصيته الذين خالفوا الإيمان ولم يقروا به فلما نزل الجهاد كره ذلك ناس من المؤمنين وشق عليهم أمره فقال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ} وهذا اختيار ابن جرير. هذا تلخيص ما ذكره الحافظ ابن كثير في تفسيره وهو

(9/207)


ابنُ كَثِيرٍ" . وَقَدْ خُولِفَ مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ في إِسْنَادٍ هَذَا الحَدِيثِ عَن الأَوْزَاعِيّ فروى ابنُ المُبَارَكِ عَن الأَوْزَاعِيّ عَنْ يَحْيَى بنِ أبي كَثِيرٍ عَن هِلاَلِ بنِ أبي مَيْمُونَةَ عَن عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ عَن عَبْدِ الله بنِ سَلاَمٍ أَوْ عَن أبِي سَلَمَةَ عَن عَبْدِ الله سَلاَمٍ. وَروَى الْوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ هَذَا الحَدِيثَ عَن الأَوْزَاعِيّ نَحْوَ رِوَايَةِ مُحمّدِ ابنِ كَثِيرٍ.
ـــــــ
الظاهر، وقيل أنزلت في شأن القتال يقول الرجل قاتلت ولم يقاتل وطعنت ولم يطعن وضربت ولم يضرب وصبرت ولم يصبر، وقيل غير ذلك. قوله: "قال عبد الله بن سلام فقرأها علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو سلمة فقرأها علينا ابن سلام الخ" حديث عبد الله بن سلام هذا يسمى بالمسلسل بقراءة سورة الصف، قال في المنح هذا صحيح متصل الإسناد والتسلسل ورجاله ثقات وهو أصح مسلسل روي في الدنيا انتهى. وقال الحافظ في الفتح في تفسير سورة الصف: وقد وقع لنا سماع هذه السورة مسلسلاً في حديث ذكر في أوله سبب نزولها وإسناده صحيح قل إن وقع في المسلسلات مثله مع مزيد علوه. قوله: "وقد خولف محمد بن كثير في إسناد هذا الحديث عن الأوزاعي فروى ابن المبارك عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير الخ" قال الحافظ ابن كثير: وهكذا رواه الإمام أحمد عن معمر عن ابن المبارك به "وروى الوليد بن مسلم هذا الحديث عن الأوزاعي نحو رواية محمد بن كثير" قال الحافظ ابن كثير: وكذا رواه الوليد بن يزيد عن الأوزاعي كما رواه ابن كثير. وحديث عبد الله بن سلام هذا أخرجه أيضاً أحمد وابن حبان والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين وأبو يعلى والطبراني والبيهقي في الشعب والسنن.

(9/208)


سورة الجمعة
3364 ـ حدثنا عَلِيّ بنُ حُجْرٍ، أخبرنا عَبْدُ الله بنُ جَعْفَر حَدّثَني ثَوْرُ بنُ زَيْدٍ الدّيْليّ عَن أبِي الغَيْثِ عَن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: "كُنّا عِنْدَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم حِينَ أُنْزِلَتْ سُورَةُ الجُمُعَةِ فَتَلاَها فَلَمّا بَلَغَ {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ} قالَ لَهُ رَجُلٌ: يا رَسُولَ الله مَنْ هَؤُلاَءِ الّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِنَا فَلَمْ يُكَلّمْهُ، قالَ: وَسَلْمَانُ الفارسيّ فِينَا، قالَ: فَوَضَعَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَدَهُ عَلَى سَلْمَانَ فقالَ: وَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَ الإِيمانُ بالثّرَيّا لَتَناوَلَهُ رِجَالٌ مِنْ
ـــــــ
"سورة الجمعة"
مدنية وهي إحدى عشرة آية
قوله: {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ} مجرور عطفاً على الأميين أي بعثه في الأميين الذين على عهده وبعثه في آخرين منهم، أو منصوب عطفاً على الضمير المنصوب في يعلمهم أي ويعلم آخرين وكل من يعلم شريعة محمد صلى الله عليه وسلم إلى آخر الزمان فرسول الله صلى الله عليه وسلم معلمه بالقوة لأنه أصل ذلك الخير العظيم والفضل الجسيم، أو عطفاً على مفعول يزكيهم أي يزكيهم ويزكي آخرين، والمراد بالآخرين من جاء بعد الصحابة إلى يوم القيامة، وقيل المراد بهم من أسلم من غير العرب، وقال عكرمة: هم التابعون، وقال مجاهد: الناس كلهم. وكذا قال ابن زيد والسدي {لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ} أي ذلك الوقت وسيلحقون

(9/209)


هَؤُلاَءِ" . هَذا حديثٌ غَرِيبٌ. وَعبْدُ الله بنُ جَعْفَرٍ هُوَ وَالِدُ عَلِيّ بنِ المَدِينيّ ضَعّفَهُ يَحْيَى بنُ مَعِينٍ. وَقَدْ رُوِي هَذَا الحَدِيثُ عَن أبي هُرَيْرَةَ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ وأَبُو الغَيْثِ اسْمُهُ سَالِمٌ
ـــــــ
بهم من بعد، وقيل في السبق إلى الإسلام والشرف والدرجة، وهذا النفي مستمر دائماً لأن الصحابة لا يلحقهم ولا يساويهم في شأنهم أحد من التابعين ولا ممن بعدهم. فالمنفي هنا غير متوقع الحصول ولذلك لما ورد عليه أن لما تنفي ما هو متوقع الحصول والمنفي هنا ليس كذلك فسرها المحلى بلم التي منفيها أعم من أن يكون متوقع الحصول أولاً، فلما هنا ليست على بابها والضمير في بهم ومنهم راجع إلى الأميين وهذا يؤيد أن المراد بالآخرين هم من يأتي بعد الصحابة من العرب خاصة إلى يوم القيامة وهو صلى الله عليه وسلم وإن كان مرسلاً إلى جميع الثقلين فتخصيص العرب هنا القصد الامتنان عليهم وذلك لا ينافي عموم الرسالة، ويجوز أن يراد بالآخرين العجم لأنهم وإن لم يكونوا من العرب فقد صاروا بالإسلام مثلهم، والمسلمون كلهم أمة واحدة وإن اختلفت أجناسهم "فلم يكلمه" أي سكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يجبه. وفي رواية البخاري فلم يراجعه حتى سأل ثلاثاً "وسلمان فينا" أي كان سلمان الفارسي موجوداً فينا "لو كان الإيمان بالثريا" بضم المثلثة وفتح الراء وشدة التحتية مقصوراً كوكب معروف "لتناوله رجال من هؤلاء" أي الفرس بقرينة سلمان، وزاد أبو نعيم في آخره: برقة قلوبهم. وأخرجه من حديث سلمان وزاد فيه يتبعون سنتي ويكثرون الصلاة علي. قال القرطبي: أحسن ما قيل فيهم إنهم أبناء فارس بدليل هذا الحديث لناله رجال من هؤلاء، وقد ظهر ذلك بالعيان فإنهم ظهر فيهم الدين وكثر فيهم العلماء وكان وجودهم كذلك دليلاً من أدلة صدق صلى الله عليه وسلم فاختلف أهل النسب في أصل فارس فقيل إنهم ينتهي نسبهم إلى جيومرت وهو آدم، وقيل أنه من ولد يافث بن نوح، وقيل من ذرية لاوي بن سام بن نوح، وقيل هو فارس ابن ياسور بن سام، وقيل غير ذلك. قال الحافظ: والأول أشهر الأقوال

(9/210)


مَولَى عَبْدِ الله بنِ مُطِيعٍ. وثَوْرُ بنُ زَيْدٍ مَدَنيّ، وَثَوْرُ بنُ يَزِيدَ شَامِيّ.
3365 ـ حدثنا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ أخبرنا هُشَيْمٌ أخبرنا حُصَيْنٌ عَن أَبي سُفْيَانَ عَن جَابِرٍ قالَ: "بَيْنَمَا النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعةِ قائِماً إِذْ قَدِمَتْ عِيرُ المَدِينَةِ فابْتدَرَها أَصْحَابُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم حَتّى لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إلاّ اثْنَا عَشَرَ رَجُلاً فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وَنَزَلَتْ الآية {وإِذَا رَأوْا تِجَارَةً أوْ لَهْواً انْفَضّوا
ـــــــ
عندهم والذي يليها أرجحها عند غيرهم. وقد أطال هو الكلام في هذا المقام بما يتعلق بأهل فارس. قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه البخاري ومسلم "وقد روي هذا الحديث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير هذا الوجه" أي من غير السند المذكور. قوله: "وثور بن زيد مدني وثور بن يزيد شامي" يعني هما رجلان فثور بن زيد بالزاي في أوله مدني وثور بن يزيد بالتحتية في أوله شامي.
قوله: "حدثنا هشيم" بالتصغير هو ابن بشير بن القاسم بن دينار السلمي "أخبرنا حصين" هو ابن عبد الرحمن السلمي الكوفي "عن أبي سفيان" اسمه طلحة بن نافع. قوله: "إذا قدمت عير المدينة" بكسر المهملة وسكون التحتية هي الإبل التي تحمل التجارة طعاماً كانت أو غيره. وهي مؤنثة لا واحدة لها من لفظها "فابتدرها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي تسارعوا إليها "حتى لم يبق" أي مع النبي صلى الله عليه وسلم "إلا اثني عشر رجلاً فيهم أبو بكر وعمر" قال الحافظ بعد ذكر عدة روايات ما محصله: واتفقت هذه الروايات كلها على اثني عشر رجلاً إلا ما رواه علي بن أبي عاصم فقال إلا أربعين رجلاً. أخرجه الدارقطني، وقال تفرد به علي بن أبي عاصم وهو ضعيف الحفظ وخالفه أصحاب حصين كلهم، وأما تسميتهم فوقع في رواية عند مسلم أن

(9/211)


إلَيْهَا} . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
3366 ـ حدثنا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ، أخبرنا هشيم أخبرنا حُصَيْنٌ عَن سَالِمِ بنِ أَبي الجَعْدِ عَن جابِرٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بِنَحْوِهِ". هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
جابراً قال أنا فيهم. وفي تفسير إسماعيل بن أبي زياد الشامي أن سالماً مولى أبي حذيفة منهم، وروى العقيلي عن ابن عباس أن منهم الخلفاء الأربعة وابن مسعود وأناساً من الأنصار وحكى السهيلي أن منهم أسد بن عمر. وروى بسند منقطع أن الاثني عشر هم العشرة المبشرة وبلال وابن مسعود، قال وفي رواية عمار بدل ابن مسعود. قال الحافظ: ورواية العقيلي أقوى وأشبه بالصواب "ونزلت هذه الآية" هذا ظاهر في أنها نزلت بسبب قدوم العير المذكورة. والمراد باللهو على هذا ما ينشأ من رؤية القدمين وما معهم، ووقع عند الشافعي من طريق جعفر بن محمد عن أبيه مرسلاً: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة وكانت لهم سوق كانت بنو سليم يجلبون إليها الخيل والإبل والسمن. فقدموا فخرج إليهم الناس وتركوه وكان لهم لهو يضربونه فنزلت {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا} أي تفرقوا وذهبوا إليها، قيل النكتة في قوله انفضوا إليها دون قوله إليهما أو إليه أن اللهو لم يكن مقصوداً لذاته وإنما كان تبعاً للتجارة، وقيل التقدير: وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها أو لهواً انفضوا إليه. فحذف الثاني لدلالة الأول عليه. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.

(9/212)


سورة المنافقين
بسم الله الرحمن الرحيم
3367 ـ حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، أخبرنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسَى عن إِسْرَائِيلَ عَن أَبي إِسْحَاقَ عَن زَيْدِ بنِ أرْقَمَ قالَ: "كُنْتُ مَعَ عَمّي فَسَمِعْتُ عَبْدَ الله بنَ أُبَيّ بنَ سَلُول يَقُولُ لأَصْحَابِهِ لاَ تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ الله حَتّى يَنْفَضّوا {وَلَئِنْ رَجَعْنَا إِلى المَدِينَةِ ليُخْرِجَنّ الأَعَزّ
ـــــــ
"ومن سورة المنافقين"
مدنية وهي إحدى عشرة آية
قوله: "حدثنا عبيد الله بن موسى" العبسي الكوفي "عن إسرائيل" هو ابن يونس "عن أبي إسحاق" هو السبيعي. قوله: "قال كنت مع عمي" قال الحافظ: وقع عند الطبراني وابن مردويه أن المراد بعمه سعد بن عبادة وليس عمه حقيقة وإنما هو سيد قومه الخزرج وعم زيد بن أرقم الحقيقي ثابت بن قيس له صحبة وعمه زوج أمه عبد الله بن رواحة خزرجي أيضاً انتهى "فسمعت عبد الله بن أبي" بضم الهمزة وفتح الموحدة وتشديد التحتية منونا "ابن سلول" بفتح المهملة وضم اللام وسكون الواو بعدها لام ممنوعاً من الصرف للعلمية والتأنيث وهو اسم امرأة وهي والدة عبد الله المذكور وهي خزاعية، وأما هو فمن الخزرج أحد قبيلتي الأنصار وابن سلول يقرأ بالنصب لأنه صفة عبد الله لا صفة أبيه، وعبد الله بن أبي هذا هو رأس المنافقين "لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا" أي يتفرقوا من حوله صلى الله عليه وسلم "ولئن رجعنا إلى المدينة الخ" أي وسمعته يقول: لئن رجعنا الخ وفي رواية للبخاري وقال أيضاً لئن رجعنا "ليخرجن الأعز" يريد نفسه

(9/213)


مِنْهَا الأَذَلّ} فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمّي فَذَكَرَ ذَلِكَ عَمّي للنبيّ صلى الله عليه وسلم، فَدَعَانِي النبيّ صلى الله عليه وسلم فَحَدّثْتُهُ، فأَرْسَلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى عَبْدِ الله بنِ أُبَيّ وَأصْحَابِهِ فَحَلَفُوا مَا قالُوا، فَكَذّبَنِي رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم وصَدّقَه، فَأَصَابَنِي شَيْءٌ لَمْ يُصِبْنِي شَيْءٌ قَطّ مِثْلُهُ، فَجَلَسْتُ في البَيْتِ، فقالَ: عَمّى مَا أرَدْتَ إِلاّ أنْ كَذّبَكَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَمَقَتَكَ، فأَنْزَلَ الله تَعَالَى {إِذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ} فَبَعَثَ إِليّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَقَرَأَهَا ثُمّ قالَ: إِنّ الله قَدّ صَدّقَكَ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
منها الأذل" يريد الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه "فذكرت ذلك" أي الذي قاله عبد الله بن أبي "فحلفوا" أي سألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فحلفوا أي عبد الله بن أبي وأصحابه "ما قالوا" ما نافية أي لم يقولوا ذلك، ووقع في رواية فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى عبد الله بن أبي فسأله فحلف بالله ما قال من ذلك شيئاً "فكذبني" من التكذيب "وصدقه" من التصديق والضمير المنصوب لعبد الله بن أبي "فأصابني شيء" أي من الهم "لم يصبني شيء قط مثله" أي في الزمن الماضي "فجلست في البيت" وفي رواية حتى جلست في البيت مخافة إذا رآني الناس أن يقولوا كذبت "ما أردت إلا أن كذبك" بتشديد الذال المعجمة، وفي الرواية الآتية: ما أردت إلى أن مقتك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال العيني أي ما قصدت منتهياً إليه أي ما حملك عليه "ومقتك" من المقت أي أبغضك "إن الله قد صدقك" أي يا زيد بن أرقم، قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.

(9/214)


3368 ـ حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، أخبرنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسَى عَن إِسْرَائِيلَ عَن السّدّيّ عَن أبي سَعد الأزْدِي، حدثنا زَيْدُ بنُ أرْقَمَ قالَ: "غَزَوْنَا مَعَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وَكَانَ مَعَنَا أُنَاسٌ مِنَ الأعْرَابِ فَكُنّا نَبْتَدِرُ المَاءَ وَكَانَ الأعْرَابُ يَسْبِقُونَا إِلَيْهِ فَسَبَقَ أعْرَابِيّ أَصْحَابَهُ فَسَبِقَ الأعْرَابِيّ فَيَمْلأُ الحَوْضَ ويَجْعَلُ حَوْلَهُ حِجَارَةً وَيَجْعَلُ النّطْعَ عَلَيْهِ حَتّى يَجِيءَ أصْحَابُهُ، قالَ: فأَتَى رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ أَعْرَابِيّا فَأَرْخَى زِمَامَ نَاقَتِهِ لِتَشْرَبَ فَأَبَى أنْ يَدَعَه فانْتَزَعَ قِبَاضَ المَاءِ فَرَفَعَ الأَعْرَابيّ خَشَبَتهِ فَضَرَبَ بِهَا رَأْسَ الأنْصَارِيّ فَشَجّهُ. فَأَتَى عَبْدَ الله بنَ أُبَيّ رَأْسَ المُنَافِقِينَ فَأَخْبَرَهُ وَكانَ مِنْ
ـــــــ
قوله: "عن السدي" اسمه إسماعيل بن عبد الرحمن "عن أبي سعيد الأزدي" ويقال له أبو سعد قال في التقريب أبو سعد الأزدي الكوفي قاري الأزد ويقال أبو سعيد مقبول من الثالثة. قوله: "فكنا نبتدر الماء" أي نسارع إليه "يسبقونا" بتشديد النون "فسبق أعرابي" كذا في النسخ الحاضرة بصيغة الماضي ولا يستقيم المعنى إلا أن يكون بمعنى يسبق "فيسبق الأعرابي فيملأ الحوض" هذا بيان لما يصنعه الأعرابي السابق بعد سبقه إلى الماء ويجعل حوله، أي حول الحوض "ويجعل النطع عليه" أي على الحوض، والنطع بالكسر وبالفتح وبالتحريك وكعنب بساط من الأديم "فأبى" أي الأعرابي "أن يدعه" بفتح الدال أن يترك الأنصاري "فانتزع قباض الماء" بكسر القاف والمراد به الماء ويمسك من الحجارة وغيرها، والمعنى أن الرجل الأنصاري الذي أرخى زمام ناقته لتشرب الماء في الحوض نزع الحجارة التي جعلها الأعرابي حول الحوض ليمسك بها الماء "فرفع الأعرابي خشبة" أي فغضب الأعرابي بانتزاع القباض فرفع الخ "بها" أي بالخشبة "فشجه"

(9/215)


أصْحَابِهِ، فَغَضِبَ عَبْدُ الله بنُ أُبَيّ ثُمّ قَالَ لاَ تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ الله حَتّى يَنْفَضّوا مِنْ حَوْلِهِ يَعْنِي الأَعْرَابَ. وَكَانُوا يَحْضُرُونَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عِنْدَ الطّعَامِ، فقَالَ عَبْدُ الله إذَا انْفَضّوا مِنْ عِنْدِ مُحمّدٍ فَأْتُوا مُحمّداً بالطّعَامِ فَلْيَأْكُلْ هُوَ وَمَنْ مَعْهُ، ثُمّ قالَ لأَصْحَابِهِ: لَئِنْ رَجِعْنَا إلى المَدِينَةِ لِيُخْرِجنّ الأعَزّ مِنها الأَذَلّ. قَالَ زَيْدٌ وَأنَا رِدْفُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فَسَمِعْتُ عَبْدَ الله أُبَيّ فأخْبَرْتُ عَمّي فانْطَلَقَ فأخْبَرَ رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فأَرْسَلَ إلَيْهِ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَحَلَفَ وجَحَدَ. قالَ: فَصَدّقَهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وَكَذّبَني، قَالَ فَجَاءَ عَمّي إليّ فَقَالَ ما أَرَدْتَ إلى أن مَقَتَك رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَكَذّبَكَ والمُسْلِمُونَ، قالَ: فَوَقَعَ عَلَيّ مِنَ الْهَمّ مَا لَمْ يَقَعْ عَلَى أَحَدٍ،
ـــــــ
من الشج وهو ضرب الرأس خاصة وجرحه وشقه من باب نصر وضرب "فأتى" أي الأنصاري المشجوج "رأس المنافقين" أي رئيسهم بدل من عبد الله "وكان" أي الأنصاري "من أصحابه" أي من أصحاب عبد الله بن أبي "حتى ينفضوا من حوله" يعني حتى يتفرق الأعراب ويذهبوا من حول رسول الله صلى الله عليه وسلم "يعني الأعراب" هذا بيان من الراوي للضمير في ينفضوا "وكانوا" أي الأعراب "ثم قال" أي عبد الله "قال زيد" أي ابن أرقم "وأنا ردف رسول الله صلى الله عليه وسلم" الردف بكسر الراء وسكون الدال المهملتين هو الراكب خلف الراكب "فسمعت عبد الله" أي مقالته المذكورة "فأخبرت عمي" أي بما سمعت من عبد الله "فانطلق فأخبر" أي عمي "فأرسل إليه" أي إلى عبد الله "قال فصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم

(9/216)


قالَ: فَبَيْنَمَا أنا أسِيرُ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في سَفَرٍ قَدْ خَفَقْتُ بِرَأْسِي مِنَ الهَمّ إذْ أَتانِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَعَرَكَ أُذُنِي وضَحِكَ في وَجْهِي، فَمَا كَانَ يَسُرّنِي أنّ لِي بِهَا الْخُلْدَ في الدّنْيَا ثُمّ إِنّ أَبا بَكْرٍ لَحِقَنِي فقالَ: ما قالَ لَكَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم؟ قُلْتُ مَا قالَ لِي شَيْئاً إِلاّ أَنّهُ عَرَكَ أُذُنِي وَضَحِكَ في وَجْهِي. فقالَ: أَبْشِرْ، ثمّ لَحِقَنِي عُمَرُ فَقُلْتُ لَهُ مِثْلِ قَوْلِي لأبي بَكْرٍ، فَلَمّا أصْبَحْنَا قَرَأَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم سُورَةَ المُنَافِقِينَ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
3369 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ، أخبرنا مُحمّدُ بنُ أَبي عَدِيّ. أنْبَأَنَا شُعْبَةُ عَن الْحَكَمِ بنِ عُتَيْبَةَ قالَ: سَمِعْتُ مُحمّدَ بنَ كَعْبٍ القُرَظِيّ
ـــــــ
وكذبني" أي قال زيد بن أرقم فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثته فأرسل إلى عبد الله بن أبي فحلف وجحد فصدقه وكذبني كما في الرواية المتقدمة "قد خفقت برأسي من الهم" يقال خفق الرجل إذا حرك رأسه وهو ناعس والمعنى نكست من شدة الهم لا من النعاس "فعرك أذني" أي دلكها "أن لي بها" أي بضحكة رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهي "الخلد في الدنيا" بالنصب على أنه اسم إن، وفي بعض النسخ الخلد في الجنة. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" قال الحافظ ابن كثير في تفسيره بعد ذكر هذا الحديث: انفرد بإخراجه الترمذي وهكذا رواه الحافظ البيهقي عن الحاكم عن عبيد الله بن موسى به وزاد بعد قوله سورة المنافقين: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} حتى بلغ {هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا} ـ حتى بلغ ـ {لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} انتهى.

(9/217)


مُنْذ أَرْبَعِينَ سَنَةً يُحَدّثُ عَن زَيْدِ بنِ أَرْقَمَ رضي الله عنه أَنّ عَبْدَ الله بنَ أُبَيّ قالَ: في غَزْوَةٍ تَبُوكَ: " {لَئِنْ رَجِعْنَا إِلى المَدِينَةِ لَيُخْرجَنّ الأعزّ مِنْهَا الأَذَلّ} . قالَ: فأتَيْتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَحَلَفَ ما قَالَهُ، فَلاَمَنِي قَوْمِي وقالُوا مَا أَرَدْتَ إلى هَذِهِ، فأتَيْتُ البَيْتَ وَنِمْتُ كَئِيباً حَزِيناً فَأتَانِي النبيّ صلى الله عليه وسلم أَوْ أتَيْتُهُ فقالَ: إِنّ الله قَدْ صَدّقَكَ. قالَ: فَنَزَلَتْ هذِهِ الآيةُ: {هُمُ الّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم حَتّى يَنْفَضّوا} " . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
3370 ـ حدثنا ابنُ أَبي عُمَرَ، أخبرنا سُفْيَانُ عَن عَمْرِو بنِ دِينَارٍ سَمِعَ جَابِرَ بنَ عَبْدِ الله يَقُولُ: "كُنّا في غَزَاةٍ قالَ: سُفْيَانُ يَرَوْنَ
ـــــــ
قوله: "قال في غزوة تبوك" كذا في هذه الرواية وكذا وقع في مرسل سعيد ابن جبير عند ابن أبي حاتم. قال الحافظ ابن كثير بعد ذكر هذا المرسل: قوله: إن ذلك كان في غزوة تبوك فيه نظر بل ليس بجيد فإن عبد الله بن أبي بن سلول لم يكن ممن خرج في غزوة تبوك بل رجع بطائفة من الجيش وإنما المشهور عند أصحاب المغازي والسير أن ذلك كان في غزوة المريسيع وهي غزوة بني المصطلق انتهى. وقال الحافظ في الفتح: والذي عليه أهل المغازي أنها غزوة بني المصطلق "فلامني قومي" وفي رواية البخاري فلامني الأنصار "ما أردت إلى هذه" يعني ما حملك على هذه الفعلة "فأتيت البيت" وفي رواية البخاري فرجعت إلى المنزل "ونمت كئيباً" من الكآبة بالمد وهو سوء الحال والانكسار من الحزن وقد كئب من باب سلم فهو كئيب "فأتاني النبي صلى الله عليه وسلم أو أتيته" شك من الراوي. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والبخاري والنسائي.

(9/218)


أَنّهَا غَزْوَةُ بَنِي المُصْطلِقِ فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ، فقالَ المُهَاجِرِيّ يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، وقالَ الأَنْصَارِيّ يا لَلأنْصَار، فَسَمِعَ ذَلِكَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: فَقَالَ مَا بالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيّةِ؟ قالُوا رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ كَسَعَ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ فقالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم دَعُوها فإِنّهَا مُنْتِنَةٌ. فَسَمِعَ ذَلِكَ عَبْدُ الله بنُ أُبَيّ بنِ سَلُولَ. فقالَ: أَوَ قَدْ فَعَلُوهَا؟ وَالله {لَئِنْ رَجِعْنَا إِلَى المَدِينَةِ ليُخْرِجَنّ الأَعَزّ مِنْهَا الأذَلّ} فقالَ عُمَرُ: يا رسُولَ الله دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا المُنَافِقِ، فقالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: دَعْهُ لاَ يَتَحَدّثُ النّاسُ أنّ مُحمداً يَقْتُلُ أصْحَابَهُ. وقالَ غَيْرُ عَمْرٍو: فقالَ لَهُ ابْنُهُ
ـــــــ
قوله: "فكسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار" قال في القاموس: كسعه كمنعه ضرب دبره بيده أو بصدر قدمه. والرجل المهاجري هو جهجاه بن قيس ويقال ابن سعيد الغفاري وكان مع عمر بن الخطاب يقود له فرسه، والرجل الأنصاري هو سنان بن وبرة الجهني حليف الأنصار "يا للمهاجرين" بفتح اللام وهي للاستغاثة أي أغيثوني وكذا قول الآخر يا للأنصار "ما بال دعوى الجاهلية" أي ما شأنها وهو في الحقيقة إنكار ومنع عن قول يا لفلان ونحوه "دعوها" أي اتركوا هذه المقالة وهي دعوى الجاهلية "فإنها منتنة" بضم الميم وسكون النون وكسر الفوقية من النتن أي أنها كلمة قبيحة خبيثة وكذا ثبتت في بعض الروايات "أو قد فعلوها" بواو العطف بين همزة الاستفهام والفعل والمعطوف عليه مقدر. أي أوقعت هذه وقد فعلوها؟ وفي رواية البخاري قد فعلوها. قال الحافظ هو استفهام بحذف الأداة أي أفعلوها أي الأثرة شركناهم فيما نحن فيه فأرادوا الاستبداد به علينا. وفي مرسل قتادة: فقال رجل منهم عظيم النفاق. وما مثلنا ومثلهم إلا كما قال القائل سمن كلبك يأكلك "لا يتحدث" برفع يتحدث على الاستئناف ويجوز الكسر على أنه جواب قوله

(9/219)


عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الله: والله لا تَنْفَلِبْ حَتّى تُقِرّ أَنّكَ الذّلِيلُ ورسولَ الله صلى الله عليه وسلم العَزِيزُ فَفَعَلَ" .
هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
3371 ـ حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، أخبرنا جَعْفَرُ بنُ عَوْنٍ أخبرنا أَبُو جَنَابٍ الكَلْبِيّ عَن الضّحّاكِ بنِ مُزَاحِمٍ عَن ابنِ عَبّاسٍ رضي الله عنهما قالَ: "مَنْ كَانَ لَهُ مالٌ يُبَلّغُهُ حَجّ بَيْتِ رَبّهِ أوْ تَجِبُ عَلَيْه فِيهِ الزَكَاةُ فَلَمْ يَفعلْ سَأل الرّجْعَةَ عِنْدَ المَوْتِ، فقالَ رَجُلٌ: يَا ابنَ عَبّاسٍ اتّقِ الله فإِنّمَا يَسْأَلُ الرّجْعَةَ الكُفّارُ، فقالَ: سَأتْلُو عَلَيْكَ بِذَلِكَ قُرْآناً {يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَولاَدُكُمْ عَن
ـــــــ
دعه: "أن محمداً يقتل أصحابه" أي أتباعه "وقال غير عمرو" أي غير عمرو بن دينار "فقال له" أي لعبد الله بن أبي "لا تنقلب" أي لا ترجع "حتى تقر" من الإقرار أي حتى تعترف "ففعل" أي فأقر عبد الله بن أبي بأنه الذليل ورسول الله صلى الله عليه وسلم العزيز. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان والنسائي.
قوله: "أخبرنا أبو جناب الكلبي" بفتح الجيم وخفة النون وآخره موحدة.
قوله: "من كان له مال" كلمة من شرطية والجزاء قوله يسأل الرجعة "يبلغه حج بيت ربه" صفة مال "أو يجب عليه فيه" ضمير عليه راجع إلى من وضمير فيه راجع إلى مال "فلم يفعل" عطف على قوله كان له مال أي فلم يحج أو لم يؤد الزكاة "يسأل" بالجزم "الرجعة" أي يسأل الله أن يرجعه إلى الدنيا ليحج أو ليؤدي زكاة ماله "اتق الله" أي فيما تقول: "فإنما يسأل الرجعة الكفار" أي كما قال الله تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ} الآية "فقال" أي ابن عباس "سأتلو" أي سأقرأ "بذلك"

(9/220)


ذِكْرِ الله وَمَنْ يَفْعَل ذَلِكَ فأُولَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ وَأَنْفِقُوا مِن مّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولَ رَبّ لَوْلاَ أَخّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فأَصّدّقَ ـ إلى قَوْلِهِ ـ والله خَبيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} قالَ: فَمَا يُوجِبُ الزّكاةَ؟ قالَ: إذَا بَلَغَ المَالُ مِائَتَي درهم فَصَاعِداً، قالَ: فَمَا يُوجِبُ الْحَجّ؟ قالَ: الزّادُ والبَعِيرُ" .
3372 ـ حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ عَن الثّوْرِيّ عَن يَحْيَى بنِ أبي حَيّةَ عَن الضّحّاكِ عَن ابنِ عَبّاسٍ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم بِنَحْوِهِ. وقال: هَكَذَا رَوَى سفيان بنُ عُيَيْنَةَ وغَيْرُ وَاحِدٍ هَذَا الحَدِيثِ عَن أَبي جَنَابٍ عَن الضّحّاكِ عَن ابنِ عَباسٍ قَوْلَهُ ولَمْ يَرْفَعْهُ، وَهَذَا
ـــــــ
أي بما قلت {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ} أي لا تشغلكم {أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} أي عن الصلوات الخمس، والمعنى لا تشغلكم أموالكم ولا أولادكم كما شغلت المنافقين عن ذكر الله {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ} أي ومن شغله ماله وولده عن ذكر الله {فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} أي في تجارتهم حيث آثروا الفاني على الباقي {وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ} قال ابن عباس يريد زكاة الأموال {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} أي دلائل الموت ومقدماته وعلاماته فيسأل الرجعة {فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي} أي هلا أخرتني وقيل لو أخرت أجلي {إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ} أي فأزكي مالي، وأصل أصدق أتصدق فأبدلت التاء بالصاد وأدغمت الصاد في الضاد وتمام الآية {وَأَكُنْ} بالجزم عطفاً على موضع فأصدق كأنه قيل إن أخرتني أصدق وأكن وقرئ وأكون بالنصب عطفاً على اللفظ {مِنَ الصَّالِحِينَ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً} عن الموت {إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا} المكتوب في اللوح المحفوظ {وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} يعني أنه لورد إلى الدنيا وأجيب إلى ما سأل ما حج وما زكى "قال" أي الرجل "إذا بلغ المال مائتين" أي من الدراهم.

(9/221)


أصَحّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرّزّاقِ. وأَبُو جَنَابٍ القَصّابُ اسْمُهُ يَحْيَى بنُ أبي حَيّةَ وَلَيْسَ هُوَ بالْقَوِيّ في الْحَدِيثِ.
ـــــــ
قوله: "وهذا أصح من رواية عبد الرزاق" أي هذا الحديث الموقوف أصح من المرفوع "وليس هو بالقوى" وقال الحافظ ابن كثير: رواية الضحاك عن ابن عباس فيها انقطاع.

(9/222)


سورة التغابن
بسم الله الرحمن الرحيم
3373 ـ حدثنا محمدُ بنُ يَحْيى، أخبرنا مُحمّدُ بنُ يُوسُفَ، أخبرنا إسْرَائِيلُ أخبرنا سِمَاكُ بنُ حَرْبٍ عَن عِكْرِمَةَ عَن ابنِ عَبّاسٍ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَن هَذِهِ الآيةِ: {يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِنّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأوْلاَدِكُمْ عَدُوّا لَكُمْ فاحْذَرُوهُمْ} قالَ: "هَؤُلاَءِ رِجَالٌ أَسْلَمُوا مِنْ
ـــــــ
"سورة التغابن"
مدنية في قول الأكثر وقيل هي مكية إلا ثلاث آيات من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ} إلى آخر ثلاث آيات، وهي ثماني عشرة آية
قوله: "حدثنا محمد بن يحيى" الظاهر أنه الإمام الذهلي "أخبرنا محمد بن يوسف" الضبي مولاهم الفريابي "أخبرنا إسرائيل" هو ابن يونس. قوله: "وسأله رجل" الواو للحال "عن هذه الآية" أي عن تفسيرها {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} أي أن تطيعوهم في التخلف عن

(9/222)


أهْلِ مَكّةَ وَأَرَادُوا أنْ يَأْتُوا النبيّ صلى الله عليه وسلم فَأَبَى أزْوَاجُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ أنْ يَدَعُوهُمْ أنْ يَأْتُوا رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، فَلَمّا أَتَوْا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم رَأوا النّاسَ قَدْ فَقَهُوا في الدّينِ هَمّوا أَنْ يُعَاقِبُوهُمْ فأَنْزَلَ الله: {يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إنّ مِنْ أزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّا لَكُمْ فاحْذَرُوهُمْ} " الآيةَ. هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
الخير كالجهاد والهجرة فإن سبب نزول الآية الإطاعة في ذلك "قال" أي ابن عباس "أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم" أي مهاجرين من مكة إلى المدينة "أن يدعوهم" أي يتركوهم "رأوا الناس" أي الذين سبقوهم بالهجرة "هموا" كذا في النسخ الحاضرة وفي رواية ابن أبي حاتم فهموا بالفاء وهو الظاهر أي فأرادوا "أن يعاقبوهم" أي يعذبوا أزواجهم وأولادهم الذين منعوهم عن الهجرة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ} أي إن من الأزواج أزواجاً والأولاد أولاداً يعادونكم ويشغلونكم عن الخير وعن طاعة الله أو يخاصمونكم في أمر الدين والدنيا، ويدخل في ذلك سبب النزول دخولاً أولياً {فَاحْذَرُوهُمْ} أي أن تطيعوهم في التخلف عن الخير "الآية" بقية الآية {وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} قال الخازن: هذا فيمن أقام على الأهل والولد ولم يهاجر ثم هاجر فرأى الذين قد سبقوه بالهجرة قد فقهوا في الدين فهم أن يعاقب زوجته وولده الذين ثبطوه ومنعوه عن الهجرة لما ألحقوا به ولا ينفق عليهم ولا يصيبهم بخير فأمره الله بالعفو والصفح عنهم انتهى. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه ابن أبي حاتم وابن جرير والطبراني.

(9/223)


سورة التحريم
بسم الله الرحمن الرحيم
3374 ـ حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ عَن معْمَرٍ عَن الزّهْرِيّ عَن عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله بنِ أبي ثَوْرٍ قالَ: سَمِعْتُ ابنَ عَبّاسٍ رضي الله عنهما يقُولُ: "لَمْ أَزَلْ حَرِيصاً أنْ أَسْأَلَ عُمَرَ عَن المَرْأتَيْنِ مِنْ أزْوَاجِ النبيّ صلى الله عليه وسلم اللّتَيْنِ قالَ الله {إنْ تَتُوبَا إلى الله فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبكُمَا} حَتّى حَجّ عُمَرُ وَحَجَجْتُ مَعَهُ فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ مِنَ الإدَاوَةِ فَتَوَضّأَ فَقُلْتُ يَا أمِيرَ المُؤْمِنينَ من المَرْأَتَانِ مِنْ أَزْوَاجِ النبيّ صلى
ـــــــ
سورة التحريم
مدنية وهي اثنتا عشرة آية
قوله: "لم أزل حريصاً أن أسأل عمر" أي على أن أسأله، وفي رواية البخاري في التفسير مكثت سنة أريد أن أسأل عمر عن آية فما أستطيع أن أسأله هيبة له "اللتين قال الله" أي في حقهما {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ} خطاباً لحفصة وعائشة على طريقة الالتفات ليكون أبلغ في معاتبتهما وجواب الشرط محذوف أي إن تتوبا إلى الله فهو الواجب ودل على المحذوف قوله: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} أي مالت عن الواجب في مخالصة رسول الله صلى الله عليه وسلم من حب ما يحبه وكراهة ما يكرهه ووجد منكما ما يوجب التوبة، وهو أنهما أحبتا ما كرهه رسول الله صلى الله عليه وسلم "حتى حج عمر" أي خرج حاجاً، وفي رواية البخاري في التفسير: حتى خرج حاجاً فخرجت معه فلما رجعت وكنا ببعض

(9/224)


الله عليه وسلم اللّتَانِ قالَ الله {إنْ تَتُوبَا إِلى الله فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} فقالَ لِي: وَا عجَبَاً لَكَ يا ابْنَ عَبْاسٍ. قالَ الزّهْرِيّ: وَكَرِهَ والله مَا سَأَلَهُ عَنْهُ ولَمْ يَكْتُمْهُ. فقالَ لِي: هِيَ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ، قالَ: ثُمّ أنْشَأَ يُحَدّثُنِي الحدِيثَ فقالَ: كُنّا معْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ النّسَاءَ فَلَمّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ وَجَدْنَا قَوْماً تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَتَعَلّمْنَ مِنْ نِسَائِهِمْ فَتَغَضّبْتُ عَلَى امْرَأَتِي يَوْماً فإِذَا هِيَ تُرَاجِعُنِي فقالَتْ: ما تُنْكِرُ مِنْ ذَلِكَ فَوَالله إنّ أزْوَاجَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لَيُرَاجِعْنَهُ وتَهْجُرُهُ إحْدَاهُنّ اليَوْمَ إِلى اللّيْلِ،
ـــــــ
الطريق عدل إلى الأراك لحاجة له "واعجباً لك" قال الحافظ: يجوز في عجباً التنوين وعدمه. قال ابن مالك "وا" في قوله واعجباً إن كان منوناً فهو إسم فعل بمعنى أعجب ومثله واهاً و وى وقوله بعده عجباً جيء تعجباً وتوكيداً وإن كان بغير تنوين فالأصل فيه واعجبي فأبدلت الكسرة فتحة فصارت الياء ألفاً كقولهم يا أسفا ويا حسرتا وفيه شاهد لجواز استعمال "وا" في منادى غير مندوب وهو مذهب المبرد وهو مذهب صحيح. قال وتعجب عمر من ابن عباس مع شهرته بعلم التفسير كيف خفي عليه هذا القدر مع شهرته وعظمته في نفس عمر وتقديمه في العلم على غيره ومع ما كان ابن عباس مشهوراً به من الحرص على طلب العلم ومداخلة كبار الصحابة وأمهات المؤمنين فيه، وتعجب من حرصه على طلب فنون التفسير حتى معرفة المبهم "قال الزهري وكره والله ما سأله عنه ولم يكتمه" قال الحافظ: استبعد القرطبي ما فهمه الزهري ولا بعد فيه "هي عائشة وحفصة" وفي رواية البخاري في النكاح هما عائشة وحفصة "ثم أنشأ" أي شرع عمر "يحدثني الحديث" أي القصة التي كانت سبب نزول الآية المسئول عنها "معشر قريش" منصوب على الاختصاص "نغلب النساء" أي نحكم عليهن ولا يحكمن علينا بخلاف الأنصار فكانوا بالعكس من ذلك "فطفق" بكسر الفاء وقد تفتح أي جعل وأخذ "يتعلمن من نسائهم" وفي رواية البخاري يأخذن من أدب نساء الأنصار قال الحافظ. أي من سيرتهن وطريقتهن "فإذا هي تراجعني"

(9/225)


قالَ: فَقُلْتُ في نَفْسِي قَدْ خَابَتْ مَنْ فَعَلَتْ ذَلِكَ مِنْهُنّ وَخسِرَتْ قالَ، وكَانَ مَنْزِلي بالعَوَالِي في بَنِي أُمَيّةَ وَكَانَ لي جَارٌ مِنَ الأنْصَارِ كُنّا نَتَنَاوَبُ النّزُولَ إِلى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: فَيَنْزِلُ يَوْماً ويَأْتِينِي بِخَبَرِ الْوَحْيِ وَغَيْرِهِ. وَأَنْزِلُ يَوْماً فَآتِيهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، قالَ: فَكُنّا نُحَدّثُ أَنّ غَسّانَ تُنْعِلُ الخيْلَ لِتَغْزُونَا، قالَ: فَجَاءَنِي يَوْماً عِشَاءً فَضَرَبَ عَلَيّ البَابَ فَخَرَجْتُ إلَيْه فقالَ: حَدَثَ أمْرٌ عَظيمٌ، قُلْتُ أَجَاءَتْ غَسّانُ؟ قالَ: أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ طَلّقَ رَسُولُ الله صلى الله
ـــــــ
من المراجعة أي تراددني في القول وتناظرني فيه "فقالت ما تنكر ذلك" وفي رواية البخاري: قالت ولم تنكر أن أراجعك "وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل" أي من أول النهار إلى أن يدخل الليل "قد خابت" من الخيبة وهي الحرمان والخسران "وكان منزلي بالعوالي" جمع عالية وهي قرى بقرب المدينة مما يلي المشرق وكانت منازل الأوس "في بني أمية" أي ناحية بني أمية البقعة باسم من نزلها "وكان لي جار من الأنصار" اسمه أوس بن خولي بن عبد الله بن الحرث الأنصاري أو عتبان بن مالك والأول هو الراجح لأنه منصوص عليه عند ابن سعد والثاني استنبطه ابن بشكوال من المواخاة بينهما، وما ثبت بالنص مقدم قاله القسطلاني "كنا نتناوب النزل" أي من العوالي أي كنا نجعله نوبا "فينزل" أي جاري الأنصاري "ويأتيني بخبر الوحي وغيره" أي من الحوادث الكائنة عند النبي صلى الله عليه وسلم. وفي رواية ابن سعد: لا يسمع شيئاً إلا حدثه به ولا يسمع عمر شيئاً إلا حدثه به "فكنا نحدث" وفي رواية مسلم فكنا نتحدث "أن غسان" بفتح الغين المعجمة وتشديد السين المهملة غير منصرف أي قبيلة غسان وملكهم في ذلك الوقت الحارث بن أبي شمر وهم كانوا بالشام "تنعل الخيل" بضم التاء من الإنعال يقال نعلت وانتعلت إذا لبست النعل وأنعلت الخيل إذا ألبستها وهو كناية عن استعدادهم للقتال مع أهل المدينة "قال" أي عمر "فجاءني" أي جاري "فضرب على الباب" أي ضربا شديداً

(9/226)


عليه وسلم نِسَاءَهُ، قالَ: فَقُلْتُ في نَفْسِي قَدْ خَابَتْ حَفْصَةُ وَخَسِرَتْ قَدْ كُنْتُ أظُنّ هذَا كَائِناً، قالَ: فَلَمّا صَلّيْتُ الصّبْحَ شَدَدْتُ عَلَيّ ثِيَابي ثُمّ انْطَلَقْتُ حَتّى دَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فإِذَا هِيَ تَبْكِي، فقُلْتُ أَطَلّقَكُنّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم؟ قالتْ: لا أَدْرِي هُوَ ذَا مُعْتَزِلٌ في هَذِهِ المَشْرُبَةِ، قالَ: فانْطَلقْتُ فأَتَيْتُ غُلاَماً أَسْوَدَ فَقلت: اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ، قالَ: فَدَخَلَ ثُمّ خَرَجَ إليّ: قالَ: قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئاً، قالَ: فانْطَلَقْتُ إِلى المَسْجِدِ. فإِذَا حَوْلَ المِنْبَرِ نَفَرٌ يَبْكُونَ فَجَلَسْتُ إلَيْهِمْ ثُمّ غَلَبَنِي ما أَجِدُ فأتَيْتُ الغُلاَمَ
ـــــــ
كما في رواية البخاري "قال أعظم من ذلك" أي بالنسبة إلى عمر لكون حفصة بنته "طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه" إنما وقع الجرم بالطلاق لمخالفة العادة بالاعتزال فظن الطلاق "قد كنت أظن هذا كائناً" لما كان تقدم له من أن مراجعتهن قد تفضي إلى الغضب المفضي إلى الفرقة "شددت علي" بتشديد الياء "ثيابي" فيه استحباب التجمل بالثوب والعمامة ونحوهما عند لقاء الأئمة والكبار احتراماً لهم "في هذه المشربة" بفتح الميم وسكون الشين المعجمة وضم الراء وفتحها وهي الغرفة "قال فانطلقت" أي فخرجت من عند حفصة "فأتيت غلاماً أسود" وفي رواية البخاري في التفسير: فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مشربة له يرقى عليها بعجلة وغلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم أسود على رأس الدرجة. قال الحافظ اسم هذا الغلام رباح بفتح الراء وتخفيف الموحدة سماه سماك في روايته "ثم غلبني ما أجد" أي من شغل قلبه بما بلغه من اعتزال النبي صلى الله عليه وسلم نساءه. وأن ذلك لا يكون إلا عن غضب منه ولاحتمال صحة

(9/227)


فَقُلْتُ اسْتَأْذِنْ لِعُمرَ. فَدَخَلَ ثُمّ خَرَجَ إليّ. فقالَ: قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ فَلمْ يَقُلْ شَيْئاً، قال: فانْطَلَقْتُ إلى المَسْجِدِ أيْضاً فَجَلَسْتُ ثُمّ غَلَبَنِي مَا أجِدُ فأتَيْتُ الغُلاَمَ فَقُلْتُ اسْتَأَذِنْ لِعُمَرَ. فَدَخَلَ ثُمّ خَرَجَ إليّ فقالَ: قد ذَكَرْتُكَ لَهُ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئاً. قَالَ فَوَلّيْتُ مُنْطَلِقاً فإِذَا الغُلامُ يَدْعُونِي. فقالَ: ادْخُلْ فَقَدْ أذِنَ لَكَ قالَ: فَدَخْلتُ فإِذَا النبيّ صلى الله عليه وسلم مُتّكِئٌ عَلَى رِمْلِ حَصِيرٍ فَرَأَيْتُ أَثَرَهُ في جَنبهِ فقُلْتُ يَا رَسُولَ الله أطَلّقْتَ نِسَاءَكَ؟ قالَ: لاَ، قُلْتُ الله أكْبَرُ. لَقد رَأَيْتنَا يَا رَسُولَ الله ونَحْنُ مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ النّسَاءِ فَلَمّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ وَجدْنَا قَوْماً تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ فَطَفِقَ نِسَاؤنَا يَتَعَلّمْنَ مِنْ نِسَائِهِمْ فَتَغَضّبْتُ يَوْماً عَلَى امْرَأتِي فإذَا هِيَ تُرَاجِعُنِي فأنْكَرْتُ ذَلِكَ فقالتْ ما تُنْكِرُ فَوَالله إنّ أزْواجَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لَيُرَاجِعْنَهُ وَتَهْجُرُهُ إحْدَاهُنّ اليَوْمَ إِلى اللّيْلِ، قالَ: فَقُلْتُ لِحَفْصَةَ أتُرَاجِعِينَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم؟ قالتْ: نَعَمْ
ـــــــ
ما أشيع من تطليق نسائه ومن جملتهن حفصة بنت عمر، فتنقطع الوصلة بينهما وفي ذلك من المشقة عليه ما لا يخفى "متكئ على رمل حصير" وفي رواية البخاري: مضطجع على رمال حصير. قال الحافظ بكسر الراء وقد تضم وفي رواية معمر على رمل حصير بسكون الميم والمراد به النسج تقول رملت الحصير وأرملته إذا نسجته وحصير مرمول أي منسوج. والمراد هنا أن سريره كان مرمولاً بما يرمل به الحصير، ووقع في رواية أخرى على رمال سرير، ووقع في رواية سماك على حصير وقد أثر الحصير في جنبه. وكأنه أطلق عليه حصيراً تغليباً "قلت الله أكبر" قال الكرماني لما ظن الأنصاري أن الاعتزال طلاق أو ناشئ عن طلاق فأخبر عمر بوقوع الطلاق جازماً به، فلما استفسر عمر عن ذلك فلم يجد له حقيقة كبر تعجباً من ذلك انتهى. قال الحافظ: ويحتمل أن يكون كبر الله حامداً له على ما أنعم به عليه من عدم وقوع الطلاق "وجدنا قوماً" أي الأنصار "فقلت لحفصة" بدأ بها لمكانتها منه "قالت" أي حفصة

(9/228)


وَتَهْجُرُهُ إحْدَانَا الْيَوْمَ إِلى اللّيْلِ، قالَ: فَقُلْتُ قَدْ خَابَتْ مَنْ فَعَلَتْ ذَلِكَ مِنْكُنّ وَخَسِرَتْ. أَتَأْمَنُ إحْدَاكُنّ أَنْ يَغْضَبَ الله عَلَيْهَا لِغَضَبِ رَسُولِه صلى الله عليه وسلم فإِذَا هِيَ قَدْ هَلَكَتْ؟ فَتَبسّمَ النبيّ صلى الله عليه وسلم. قالَ: فَقُلْتُ لِحَفْصَةَ: لا تُرَاجِعي رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم ولاَ تَسْألِيهِ شَيْئاً وَسَلِينِي مَا بَدا لَكِ وَلا يُغَرّنّكِ إنْ كانَتْ صَاحِبَتُكِ أوْسَمَ مِنْكِ وَأحَبّ إِلى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم. قالَ: فَتَبَسّمَ أُخْرَى، فقُلْتُ يَا رَسُولَ الله أَسْتَأْنِسُ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: فَرَفْعتُ رَأْسِي فمَا رأَيْتُ في البَيْتِ إِلاّ أُهُبَةً ثَلاَثَةً، قال: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ الله أُدْعُ الله أنْ يُوَسّعَ عَلَى أُمّتِكَ فَقَدْ وَسّعَ عَلَى فَارِسَ والرّومِ وَهُمْ
ـــــــ
"نعم" أي تراجعه "لا تراجعي رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي لا ترادديه في الكلام ولا تردي عليه قوله: "وسليني ما بدالك" أي ما ظهر لك "ولا يغرنك" بتشديد الراء والنون "أن كانت" بفتح الهمزة "صاحبتك" أي ضرتك "أوسم" من الوسامة وهي الحسن والجمال أي أحسن وأجمل. وفي رواية البخاري: أوضأ من الوضاء وهو الحسن "وأحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم" المعنى لا تغتري بكون عائشة تفعل ما نهيتك عنه فلا يؤاخذها بذلك فإنها تدل بجمالها ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم فيها فلا تغتري أنت بذلك لاحتمال أن لا تكوني عنده في تلك المنزلة فلا يكون لك من الإدلال مثل الذي لها "فتبسم" أي النبي صلى الله عليه وسلم "أخرى" أي تبسمة أخرى "فقلت يا رسول الله أستأنس" بحذف همزة الاستفهام أي انبسط في الحديث واستأذن عمر في ذلك لقرينة الحال التي كان فيها لعلمه بأن بنته كانت السبب في ذلك فخشي أن يلحقه شيء من المعتبة فبقي كالمنقبض عن الابتداء بالحديث حتى استأذن فيه "إلا أهبة ثلاثة" بضم الهمزة والهاء وبفتحهما جمع إهاب

(9/229)


لا يَعْبُدُونَهُ. فَاسْتَوَى جَالِساً فقالَ: أَو فِي شَك أنْتَ يا ابْنَ الخَطّابِ؟ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجّلَتْ لَهُمْ طَيّبَاتُهُمْ في الحَيَاةِ الدّنْيَا. قالَ: وَكانَ أقْسَمَ أَنْ لا يَدْخُلَ عَلَى نِسَائِهِ شَهْراً فعَاتَبَهُ الله في ذَلِكَ فَجَعَل لَهُ كَفّارَةَ
ـــــــ
وهو الجلد وقيل إنما يقال للجلد إهاب قبل الدبغ فأما بعده فلا "فقال أفي شك أنت يا ابن الخطاب" يعني أنت في شك في أن التوسع في الآخرة خير من التوسع في الدنيا. "أولئك" أي فارس والروم "عجلت" بصيغة المجهول من التعجيل "قال" أي عمر رضي الله عنه "وكان أقسم على أن لا يدخل على نسائه شهراً فعاتبه الله في ذلك فجعل له كفارة باليمين" وفي رواية البخاري في النكاح فاعتزل النبي صلى الله عليه وسلم نساءه من أجل ذلك الحديث حين أفشته حفصة إلى عائشة تسعاً وعشرين ليلة، وكان قال ما أنا بداخل عليهن شهراً من شدة موجدته عليهن حين عاتبه الله، فقوله فاعتزل النبي صلى الله عليه وسلم ابتداء كلام من عمر رضي الله عنه بعد فراغه من كلامه الأول، فلذلك عطفة بالفاء، وقوله من أجل ذلك الحديث أي اعتزاله إنما كان من أجل إفشاء ذلك الحديث وهو ما روى أنه صلى الله عليه وسلم خلا بمارية القبطية في بيت حفصة فجاءت فوجدتها معه فقالت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم تفعل هذا معي دون نسائك؟ فقال لا تخبري أحداً هي علي حرام، فأخبرت عائشة. والذي في الصحيحين: أنه صلى الله عليه وسلم كان يشرب عسلاً عند زينب ابنة جحش ويمكث عندها فتواطأت عائشة وحفصة على أن أيتهما دخل عليها فلتقل له أأكلت مغافير إني أجد منك ريح مغافير. فقال لا ولكني كنت أشرب عسلاً عند زينب ابنة جحش ولن أعود له وقد حلفت لا تخبري بذلك أحداً. فقد اختلف في الذي حرمه على نفسه وعوتب على تحريمه كما اختلف في سبب حلفه. قال الخازن في تفسيره: قال العلماء الصحيح في سبب نزول الآية أنها في قصة العسل لا في قصة مارية المروية في غير الصحيحين، ولم تأت قصة مارية من طريق صحيح. قال النسائي إسناد حديث عائشة في العسل جيد صحيح غاية انتهى. وقد ذكر الحافظ في سبب اعتزاله صلى الله عليه وسلم

(9/230)


اليَمِينِ. قالَ: الزّهْرِيّ فأخْبَرَني عُرْوَةُ عَن عَائِشةَ قَالتْ فَلَمّا مَضَتْ تِسْعٌ وعِشْرُونَ دَخَلَ عَلَيّ النبيّ صلى الله عليه وسلم بَدَأ بِي فقالَ: يَا عَائِشَةُ إنّي ذَاكِرٌ لَكِ شَيْئاً فلاَ تَعْجَلِي حَتّى تَسْتَأْمِرِي أبَوَيْكِ، قالتْ: ثُمّ قَرَأ هَذِهِ الآيةَ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ} الآيةَ.
ـــــــ
روايات أخرى منها ما أخرجه ابن مردويه من طريق الضحاك عن ابن عباس قال: دخلت حفصة على النبي صلى الله عليه وسلم بيتها فوجدت معه مارية فقال لا تخبري عائشة حتى أبشرك ببشارة، إن أباك يلى هذا الأمر بعد أبي بكر إذا أنا مت، فذهبت إلى عائشة فأخبرتها فقالت له عائشة ذلك والتمست منه أن يحرم مارية فحرمها، ثم جاء إلى حفصة فقال أمرتك أن لا تخبري عائشة فأخبرتها فعاتبها ولم يعاتبها على أمر الخلافة. فلهذا قال الله تعالى: {عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ} وأخرج الطبراني في الأوسط وفي عشرة النساء عن أبي هريرة نحوه بتمامه وفي كل منهما ضعف ثم قال: ويحتمل أن يكون مجموع هذه الأشياء كان سبباً لاعتزالهن وهذا هو اللائق بمكارم أخلاقه صلى الله عليه وسلم وسعة صدره وكثرة صفحة وأن ذلك لم يقع منه حتى تكرر موجبه منهن. قال: والراجح من الأقوال كلها قصة مارية لاختصاص عائشة وحفصة بها بخلاف العسل فإنه اجتمع فيه جماعة منهن، ويحتمل أن تكون الأسباب جميعها اجتمعت فأشير إلى أهمها. ويؤيده شمول الحلف للجميع ولو كان مثلاً في قصة مارية فقط لاختص بحفصة وعائشة انتهى. وقوله حين عاتبه الله قال العيني ويروي حتى عاتبه إنه وهذه هي الأظهر وعاتبه الله تعالى بقوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ} فلما مضت تسع وعشرون أي ليلة "دخل على النبي صلى الله عليه وسلم" فيه أن من غاب عن أزواجه ثم حضر يبدأ بمن شاء منهن ولا يلزمه أن يبدأ من حيث بلغ ولا أن يقرع كذا قيل، ويحتمل أن تكون البداءة بعائشة لكونه اتفق أنه كان يومها قاله الحافظ "قال يا عائشة إني ذاكر لك شيئاً فلا تعجلي حتى تستأمري أبويك الخ" سبق شرحه في تفسير

(9/231)


قَالتْ عَلِمَ والله أنّ أَبَوَيّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ، قالتْ: فَقُلْتُ أَفِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَويّ فإنّي أُرِيدُ الله وَرَسُولَهُ والدّارَ الآخرةَ. قالَ مَعْمَرٌ: فأخْبَرَنِي أَيّوبُ أنّ عَائِشَةَ قَالَتْ لَهُ يَا رَسُولَ الله لا تُخْبِرْ أَزْوَاجَكَ أَنّي اخْتَرْتُكَ. فقالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: إنّمَا بَعَثَنِي الله مُبَلّغاً وَلَمْ يَبْعَثْنِي مُتعنتاً" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غَرِيبٌ قَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عن ابنِ عَبّاسٍ
ـــــــ
سورة الأحزاب "ولم يبعثني معنتاً" يقال تعنته أي أدخل عليه الأذى وطلب زلتة ومشقته. قال الحافظ: هذا منقطع بين أيوب وعائشة ويشهد لصحته حديث جابر انتهى. قلت: حديث جابر هذا رواه مسلم وفي آخره: وأسألك أن لا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت قال لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها أن الله تعالى لم يبعثني معنتا ولا متعنتاً ولكن بعثني معلماً ميسراً. قوله: "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه أحمد والشيخان والنسائي.

(9/232)


ومن سورة نون والقلم
بسم الله الرحمن الرحيم
3375 ـ حدثنا يَحْيَى بنُ مُوسَى أخبرنا أَبُو دَاوُدَ الطّيَالِسِيّ أخبرنا عَبْدُ الوَاحِدِ بنُ سُلَيْمٍ قالَ: "قَدِمْتُ مَكّةَ فَلَقِيتُ عَطَاءَ بنَ
ـــــــ
"ومن سورة نون والقلم"
مكية وهي اثنتان وخمسون آية
قوله: "وفي الحديث قصة" روى الترمذي هذا الحديث مع القصة في أواخر

(9/232)


أبي ربَاحٍ فَقُلْتُ يَا أبا مُحمّدٍ إِنّ أنَاساً عِنْدَنَا يَقُولُونَ في القَدَرِ، فقالَ عَطَاءٌ لَقِيتُ الوَلِيدَ بنَ عُبَادَةَ بنِ الصّامِتِ فقَالَ حدّثنِي أبي قالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: إنّ أَوّلَ ما خَلَقَ الله القَلَمَ فقالَ لَهُ اكْتُبْ فَجَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ إلى الأبَدِ" . وفي الْحَدِيثِ قِصّةٌ. هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَفِيهِ عَن ابنِ عَبّاسٍ.
ـــــــ
أبواب القدر وتقدم هناك شرحه. قوله: "هذا حديث حسن صحيح غريب" في سنده عبد الواحد بن سليم وهو ضعيف لكن أخرجه أبو داود من وجه آخر وسكت عنه هو والمنذري، وأخرجه أيضاً أحمد من طرق عن الوليد بن عبادة عن أبيه. قوله: "وفيه عن ابن عباس" أخرج حديثه الطبراني كما في تفسير ابن كثير.

(9/233)


ومن سورة الحاقة
بسم الله الرحمن الرحيم
3376 ـ حدثنا عبدُ بنُ حُمَيْدٍ، أخبرنا عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ سَعْدٍ عَن عَمْرِو بنِ أبي قَيْسٍ عَن سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ عَن عَبْدِ الله بنِ عُمَيرَةَ عَن
ـــــــ
"ومن سورة الحاقة"
مكية وهي إحدى أو اثنتان وخمسون آية
قوله: "عن عمرو بن أبي قيس" الرازي "عن عبد الله بن عميرة" بفتح العين المهملة وكسر الميم وبالراء. قال في التقريب كوفي مقبول من الثالثة، وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته روى عن الأحنف بن قيس عن العباس حديث

(9/233)


الأحْنَفِ بنِ قَيْسٍ عَن العَبّاسِ بنِ عَبْدِ المُطّلِبِ قال: "زَعَمَ أنّهُ كانَ جَالِساً في البَطْحَاءِ في عِصَابَةِ وَرَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم جَالِسٌ فِيهِمْ إِذْ مَرّتْ عَلَيْهِمْ سَحَابَةٌ فَنَظَرُوا إِلَيْهَا فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: هَلْ تَدْرُونَ ما اسْمُ هَذِهِ؟ قالُوا نَعَمْ هَذَا السّحَابُ؟ فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: والمُزْنُ قالُوا: وَالمُزْنُ. قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: وَالعَنَانُ قالوا: وَالعَنَانُ. ثُمّ قالَ لَهُمْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: هَلْ تَدْرُونَ كَمْ بُعْدُ ما بَيْنَ السّمَاءِ وَالأرْضِ؟ فَقَالُوا: لاَ وَالله مَا نَدْرِي، قالَ: فإِنّ بُعْدَ مَا بَيْنَهمَا إمّا وَاحِدَةٌ وَإمّا اثْنَتَانِ أَوْ ثَلاَثٌ وسَبْعُونَ سَنَةً
ـــــــ
الأوعال وعنه سِمَاك بن حرب "عن الأحنف بن قيس" بن معاوية بن حصين التميمي السعدي أبي بحر اسمه الضحاك وقيل صخر مخضرم ثقة "عن العباس بن عبد المطلب" بن هاشم عم النبي صلى الله عليه وسلم مشهور مات سنة اثنتين وثلاثين أو بعدها وهو ابن ثمان وثمانين. قوله: "زعم" أي قال "أنه" أي العباس "كان جالساً في البطحاء" أي في المخصب وهو موضع معروف بمكة فوق مقبرة المعلا وقد تطلق على مكة، وأصل البطحاء على ما في القاموس مسيل واسع فيه دقاق الحصى "في عصابة" بكسر أوله أي مع جماعة من كفار مكة قال الطيبي استعمال زعم ونسبته إلى عباس رمز إلى أنه لم يكن حينئذ مسلماً ولا كانوا تلك العصابة مسلمين يدل عليه البطحاء "هل تدرون ما اسم هذه" إشارة إلى السحابة "فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والمزن" أي واسم هذه المزن أيضاً. قال في النهاية: المزن هو الغيم والسحاب واحدته مزنة وقيل هي السحابة البيضاء "قالوا والمزن" أي اسمها أيضاً المزن "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والعنان" كسحاب زنة ومعنى من عن أي ظهر في النهاية: العنان بالفتح السحاب والواحدة عنانة وقيل ما عن لك منها أي اعترض وبدا لك إذا رفعت رأسك "فإن بعد ما بينهما" أي مقدار بعد مسافة ما بين السماء

(9/234)


والسّمَاءُ الّتِي فَوْقَهَا كَذَلِكَ حَتّى عَدّدَهُنّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ كَذَلِكَ، ثُمّ قالَ: فَوْقَ السّمَاءِ السّابِعَةِ بَحْرٌ بَيْنَ أعْلاَهُ وَأسْفَلهِ كَمَا بَيْنَ سَمَاء إِلى سَمَاء، وفَوْقَ ذَلِكَ ثَمَانِيَةُ أَوْعَالٍ بَيْن أَظْلاَفِهِنّ وَرُكَبِهِنّ مِثْلُ مَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلى سَمَاءٍ ثُمّ فَوْقَ ظُهُورِهِنّ العَرْشُ بَيْنَ أَسْفَلِهِ وَأَعْلاهُ مِثْلُ مَا بَيْنَ السّمَاءِ إِلى السّمَاءِ وَالله فَوْقَ ذَلِكَ" . قالَ عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ سَمِعْتُ يَحْيى بنَ مَعِينٍ يَقُولُ ألاَ يُرِيدُ عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ سَعْدٍ أَنْ يَحُجّ حَتّى نَسْمَعَ مِنْه
ـــــــ
والأرض "إما واحدة وإما اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة" قيل وإما و أو للشك من الراوي وقيل للتنويع. قال الأردبيلي الرواية في خمس مائة أكثر وأشهر فإن ثبت هذا فيحتمل أن يقال إن ذلك باختلاف قوة الملك وضعفه وخفته وثقله فيكون بسير القوى أقل وبسير الضعيف أكثر، وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم: "إما واحدة وإما اثنتان وإما ثلاث وسبعون سنة" انتهى. قال الطيبي المراد بالسبعون في الحديث التكثير لا التحديد لما ورد من أن ما بين السماء والأرض وبين سماء وسماء مسيرة خمس مائة عام "والسماء التي فوقها" أي فوق سماء الدنيا كذلك أي في البعد "وفوق ذلك" أي البحر "ثمانية أوعال" جمع وعل وهو العنز الوحشي ويقال له تيس شاة الجبل والمراد ملائكة على صورة الأوعال "بين أظلافهن" جمع ظلف بكسر الظاء المعجمة للبقر والشاة والظبي بمنزلة الحافر للدابة والخف للبعير "وركبهن" جمع ركبة "ثم على ظهورهن العرش" أي هو محمول عليها "بين أسفله" أي العرش "مثل ما بين السماء إلى السماء" أي من كثرة البعد مع قطع النظر عن الحد وإلا فجميع المخلوقات بجنب العرش كحلقة في فلاة على ما ورد به في حديث "والله فوق ذلك" أي فوق العرش، وفيه دليل على أن الله تعالى فوق العرش وهذا هو الحق وعليه تدل الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وهو مذهب السلف الصالحين من الصحابة والتابعين وغيرهم من أهل العلم رضوان العلم رضوان الله عليهم أجمعين. قالوا إن الله تعالى استوى على عرشه بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل والاستواء معلوم والكيف مجهول، والجهمية قد أنكروا العرش وأن يكون الله

(9/235)


هَذَا الْحَدِيثُ. هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَرَوى الولِيدُ بنُ أبي ثَوْرٍ عَن سِمَاكٍ نَحْوَهُ وَرَفَعُه. وَرَوَى شَرِيكٌ عن سِمَاكٍ بَعْضَ هَذَا الحَدِيثِ وَوقَفَهُ وَلَمْ يَرْفَعَهُ. وعَبْدُ الرّحْمَنِ هُوَ ابنُ عَبْدِ الله بنِ سَعْدٍ الرّازِيّ.
3377 ـ حدثنا يحيى بن موسى، أخبرنا عَبدُ الرّحْمَن بنُ عَبْدِ الله بنِ سَعْدٍ الرازي أَنّ أباهُ أَخْبَرَهُ قالَ: "رَأَيْتُ رَجُلاً ببُِخَارَى
ـــــــ
فوقه وقالوا إنه في كل مكان ولهم مقالات قبيحة باطلة، وإن شئت الوقوف على دلائل مذهب السلف والاطلاع على رد مقالات الجهمية الباطلة فعليك أن تطالع كتاب الأسماء والصفات للبيهقي، وكتاب أفعال العباد للبخاري وكتاب العلو للذهبي وأورد الترمذي هذا الحديث في تفسير قوله تعالى: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} قوله: "ألا" حرف التحضيض "حتى يسمع" بصيغة المجهول "هذا الحديث" أي لم لا يحج عبد الرحمن بن سعد حتى يسمع منه في موسم الحج هذا الحديث الراد على الجهمية قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أبو داود من ثلاث طرق اثنتان منها قويتان "وروى الوليد بن ثور عن سماك نحوه ورفعه" أخرجه أبو داود وابن ماجة من هذا الطريق. قال الحافظ ابن القيم في تعليقات سنن أبي داود: أما رد الحديث بالوليد بن أبي ثور ففاسد فإن الوليد لم ينفرد به بل تابعه عليه إبراهيم بن طهمان كلاهما عن سماك ومن طريقه رواه أبو داود ورواه أيضاً عمرو بن أبي قيس عن سماك ومن حديثه رواه الترمذي عن عبد بن حميد أخبرنا عبد الرحمن بن سعد عن عمرو بن أبي قيس انتهى. ورواه ابن ماجة من طريق الوليد بن أبي ثور عن سماك، وأي ذنب للوليد في هذا وأي تعلق عليه إنما ذنبه روايته ما يخالف قول الجهمية انتهى كلامه مختصراً.
قوله: "أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد الرازي أن أباه أخبره" كذا في النسخ الحاضرة والصواب أن يكون هكذا أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله بن

(9/236)


عَلَى بَغْلَةٍ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ ويَقُولُ كَسَانِيهَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم" .
ـــــــ
سعد الرازي عن أبيه أن أباه أخبره بزيادة لفظ عن أبيه بين الرازي وإن أباه، فإن عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد يروي هذا الحديث عن أبيه عبد الله بن سعد وهو يرويه عن أبيه سعد أنه قال رأيت رجلاً ببخارى، والدليل على ذلك أن أبا داود روى هذا الحديث هكذا قال حدثنا عثمان بن محمد الأنماطي البصري أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله الرازي. وأخبرنا أحمد بن عبد الرحمن الرازي أخبرنا أبي قال أخبرني أبي عبد الله بن سعد عن أبيه سعد قال رأيت رجلاً ببخارى الخ، وكذا رواه النسائي والحاكم وقال الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمة عبد الله بن خازم روى أبو داود والترمذي والنسائي حديث عبد الله بن سعد بن عثمان الدشتكي عن أبيه قال رأيت رجلاً ببخارى الخ، وعبد الله بن سعد بن عثمان الدشتكي هذا صدوق من العاشرة وأبوه سعد بن عثمان مقبول من الخامسة "رأيت رجلاً" إسمه عبد الله بن خازم روى الحاكم من طريق عبد الله بن سعد عن أبيه. قال رأيت رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ببخارى عليه عمامة خز سوداء هو يقول كسانيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عبد الله بن خازم انتهى. وقال في الأطراف: قيل إن هذا الرجل عبد الله بن خازم السلمي أمير خرسان وقال الحافظ في التقريب: عبد الله بن خازم بمعجمتين السلمي أبو صالح نزل البصرة وولي إمرة خرسان وقتل بها بعد قتل مصعب بن الزبير سنة إحدى وسبعين يقال إنه الذي روى عنه الدشتكي قال رأيت رجلاً بخرسان عليه عمامة سوداء يقول كسانيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي انتهى "وعليه" أي على الرجل "عمامة سوداء" وفي أبي داود عمامة خز سوداء "يقول كسانيها رسول الله صلى الله عليه وسلم" قد استدل بهذا على جواز لبس الخف وأنت خبير بأن غاية ما في الحديث أنه أخبر بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كساه عمامة الخز وذلك لا يستلزم جواز اللبس، وقد ثبت من حديث علي عند البخاري قال كساني النبي صلى الله عليه وسلم حلة سيراء فخرجت فيها فرأيت الغضب في

(9/237)


ـــــــ
وجهه فشققتها بين نسائي فلم يلزم من قول علي جواز اللبس، وهكذا قال عمر لما بعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم بحلة سيراء يا رسول الله كسوتنيها وقد قلت في حلة عطارد ما قلت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لم أكسكها لتلبسها" . هذا لفظ أبي داود، وبهذا يتبين لك أنه لا يلزم ملي قوله كساني جواز اللبس والله أعلم.
فإن قيل: لم أورد الترمذي هذا الحديث في تفسير هذه الصورة لا تعلق بها قلت لعله أورده ههنا لبيان أن عبد الرحمن بن سعد المذكور في سند الحديث المتقدم هو عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد الرازي وأنه من أتباع التابعين والله تعالى أعلم.

(9/238)


ومن سورة سأل سائل
بسم الله الرحمن الرحيم
3378 ـ حدثنا أَبُو كُرَيْبٍ أخبرنا رِشْدِينُ بنُ سَعْدٍ عَن عَمْرِو بنِ الحَارِثِ عَن دَرّاجٍ أَبي السّمْحِ عَن أَبي الهَيْثَمِ عَن أبِي سَعِيدٍ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: {كالْمُهْلِ} قالَ: " كَعَكر الزّيْتِ فإِذَا قُرّبَ إِلى وَجْهِهِ سَقَطَتْ فَرْوَةُ وَجْهِهِ فِيهِ" . هَذا حديثٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حَدِيثِ رِشْدِينَ.
ـــــــ
"ومن سورة سأل سائل"
وتسمى المعارج مكية وهي أربع وأربعون آية
قوله: "عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {كَالْمُهْلِ} تقدم هذا الحديث بشرحه في باب صفة شراب أهل النار.

(9/238)


ومن سورة الجن
بسم الله الرحمن الرحيم
3379 ـ حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدِ حَدثني أبُو الْوَلِيدِ، أخبرنا أبُو عَوَانَةَ عَن أبي بِشْرٍ عَن سَعِيدٍ بنِ جُبَيْرٍ عَن ابنِ عَبّاسٍ رضي الله عنهما قالَ: "مَا قَرَأ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى الْجِنّ وَلاَ رَآهُمْ، انْطَلَقَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في طائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إِلى سُوقِ
ـــــــ
"ومن سورة الجن"
مكية وهي ثمان وعشرون آية
قوله: "حدثني أبو الوليد" هو الطيالسي "حدثنا أبو عوانة" الوضاح ابن عبد الله اليشكري "عن أبي بشر" بكسر الموحدة وسكون المعجمة إسمه جعفر بن أبي وحشية. قوله: "ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن ولا رآهم" أخرج البخاري في صحيحه حديث ابن عباس هذا لكن لم يذكر فيه هذه اللفظة. قال الحافظ كأن البخاري حذف هذه اللفظة عمداً لأن ابن مسعود أثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ على الجن فكان ذلك مقدماً على نفي ابن عباس وقد أشار إلى ذلك مسلم فأخرج عقب حديث ابن عباس هذا حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أتاني داعي الجن فانطلقت معه فقرأت عليهم القرآن" ، ويمكن الجمع بالتعدد انتهى. وقال النووي: قال العلماء هما قضيتان، فحديث ابن عباس في أول الأمر وأول النبوة حين أتوا فسمعوا قراءة {قُلْ أُوحِيَ} ، واختلف المفسرون هل علم النبي صلى الله عليه وسلم استماعهم حال استماعهم بوحي إليه أم لم يعلم بهم إلا بعد ذلك، وأما حديث ابن مسعود فقضيته أخرى جرت بعد ذلك بزمان الله أعلم بقدره

(9/239)


عُكَاظٍ وقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشّيَاطِينِ وبَيْنَ خَبَرِ السّموات وأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمِ الشّهُبُ فَرَجَعَتْ الشّيَاطِينُ إِلى قَوْمِهِمْ، فقَالُوا مالَكُمْ؟ قالُوا حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السّمَاءِ وأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشّهُبُ، فقالُوا ما حَالَ بَيْنَنَا وبَيْنَ خَبَرِ السّمَاءِ إلاّ مِنْ حَدَثٍ فاضْرِبُوا مَشَارِقَ الأَرْضِ ومَغَارِبهَا فانْظُرُوا ما هَذَا الّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وبَيْن خَبَرِ السّمَاءِ، قالَ: فانْطَلَقُوا يَضْرِبُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبهَا يَبْتَغُونَ ما هَذَا الّذِي حَالَ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ خَبَرِ السّمَاءِ، فانْصَرَفَ أُولَئِكَ النّفَرُ الّذِينَ
ـــــــ
وكان بعد اشتهار الإسلام "عامدين" أي قاصدين "إلى سوق عكاظ" بضم المهملة وتخفيف الكاف وآخره ظاء معجمة بالصرف وعدمه موسم معروف للعرب من أعظم مواسمهم وهو نخل في وديان مكة والطائف يقيمون به شوال كله يتبايعون ويتفاخرون، وكان ذلك لما خرج عليه الصلاة والسلام إلى الطائف ورجع منها سنة عشر من المبعث لكن استشكل قوله في طائفة من أصحابه لأنه لما خرج إلى الطائف لم يكن معه من أصحابه إلا زيد بن حارثة، وأجيب بالتعدد أو أنه لما رجع لافاه بعض أصحابه في أثناء الطريق فرافقوه "وقد حيل" بكسر الحاء المهملة وسكون التحتانية بعدها لام أي حجز ومنع على البناء للمجهول "وأرسلت علينا الشهب" بضمتين جمع شهاب. قال الحافظ ظاهر هذا أن الحيلولة وإرسال الشهب وقعا في الزمان المقدم ذكره، والذي تضافرت به الأخبار أن ذلك وقع لهم من أول البعثة النبوية وهذا مما يؤيد تغاير زمن القصتين وأن مجيء الجن لاستماع القرآن كان قبل خروجه صلى الله عليه وسلم إلى الطائف بسنتين ولا يعكر على ذلك إلا قوله في هذا الخبر أنهم رأوه يصلي بأصحابه صلاة الفجر لأنه يحتمل أن يكون ذلك قبل فرض الصلوات ليلة الإسراء فإنه صلى الله عليه وسلم كان قبل الإسراء يصلي قطعاً وكذلك أصحابه ولكن اختلف هل افترض قبل الخمس شيء من الصلاة أم لا؟ فيصبح على هذا

(9/240)


تَوَجّهُوا إلى نَحْو تِهَامَةَ إِلى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وهُوَ بِنَخْلَةَ عَامِداً إلى سُوقِ عُكَاظٍ وَهُوَ يُصَلّي بِأَصْحَابِهِ صَلاَةَ الفَجْرِ فَلَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ فقالُوا هذَا والله الّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وبَيْنَ خَبَرِ السّمَاءِ، قالَ: فَهُنَالِكَ رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ فقالُوا يَا قَوْمَنَا {إِنّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلى الرّشْدِ فَآمَنّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبّنَا أحَداً} فأنْزَلَ الله تَبَارَكَ
ـــــــ
قول من قال: إن الفرض أولاً كان صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها والحجة في قوله تعالى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} ونحوها من الآيات فيكون إطلاق صلاة الفجر في حديث الباب باعتبار الزمان لا لكونها إحدى الخمس المفترضة ليلة الإسراء فتكون قصة الجن متقدمة من أول المبعث انتهى "فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها" بالنصب على الظرفية أي سيروا في الأرض كلها "نحو تهامة" بكسر المثناة اسم لكل غير عال من بلاد الحجاز سميت بذلك لشدة حرها اشتقاقاً من التهم بفتحتين وهو شدة الحر وسكون الريح، وقيل من تهم الشيء إذا تغين قيل لها ذلك لتغير هوائها قال البكري حدها من جهة الشرق ذات عرق. ومن قبل الحجاز السرج بفتح المهملة وسكون الراء بعدها جيم قرية من عمل الفرع بينها وبين المدينة اثنان وسبعون ميلاً "وهو بنخلة" بفتح النون وسكون المعجمة موضع بين مكة والطائف قال الكبرى على ليلة من مكة وهو غير منصرف للعلمية والتأنيث "استمعوا له" أي أصغوا إليه "هذا والله الذي" أي الحدث الذي "فهنالك" ظرف مكان والعمل فيه رجعوا مقداراً يفسره المذكور {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً} أي يتعجب منه في فصاحة لفظه وكثرة معانية قائمة فيه دلائل الإعجاز، وعجباً مصدر ووصف به للمبالغة أو على حذف المضاف أي ذا عجب {يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ} أي يدعو إلى الصواب وقيل يهدي إلى التوحيد والإيمان {فَآمَنَّا بِهِ} أي بالقرآن، قال الماوردي: ظاهر هذا أنهم آمنوا عند سماع القرآن قال والإيمان يقع بأحد أمرين إما بأن يعلم حقيقة الإعجاز وشروط المعجزة فيقع له العلم بصدق الرسول أو يكون عنده

(9/241)


وَتعالى عَلَى نَبِيّهِ صلى الله عليه وسلم {قُلْ أُوحِيَ إليّ أَنّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنّ} وإِنّمَا أُوحِيَ إلَيْهِ قَوْلُ الجِنّ" قال: وبِهَذَا الإسْنَادِ عَنِ ابن عَبّاسٍ قالَ: قَوْلُ الْجِنّ لِقَوْمِهِمْ {لَمّا قامَ عَبْدُ الله يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً} قالَ: لمَا رَأَوْهُ يُصَلّي وأَصْحَابُهُ يُصَلّونَ بِصَلاَتِهِ ويَسْجُدُونَ بِسُجُودِهِ قالَ: فَعَجبُوا مِنْ طَوَاعِيَةِ أَصْحَابِهِ لَهُ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ
ـــــــ
علم من الكتب الأولى فيها دلائل على أنه النبي المبشر به وكلا الأمرين في الجن محتمل {ولن نشرك} أي بعد اليوم {قُلْ} يامحمد للناس {أُوحِيَ إِلَيَّ} أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يخبر قومه بواقعة الجن ويظهرها لهم ليعرفوا بذلك وأنك مبعوث إلى الجن كالإنس ولتعلم قريش أن الجن مع تمردهم لما سمعوا القرآن وعرفوا إعجازه آمنوا به، والمعنى أخبرت بالوحي من الله {أَنَّهُ} الضمير للشأن {اسْتَمَعَ} أي لقراءتي "وإنما أوحي إليه قول الجن" أي لقولهم إنا سمعنا الخ وهذا كلام ابن عباس كأنه تقرر فيه ما ذهب إليه أولاً أنه صلى الله عليه وسلم لم يجتمع بهم وإنما أوحى الله إليه بأنهم استمعوا، ومثله قوله تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا} الآية، ولكن لا يلزم من عدم ذكر اجتماعه بهم حين استمعوا أن لا يكون اجتمع بهم بعد ذلك، وحديث ابن عباس هذا أخرجه الشيخان والنسائي أيضاً {لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً} بكسر اللام وفتح الباء جمع لبدة بكسر ثم سكون نحو قربة وقرب واللبدة واللبد الشيء الملبد أي المتراكم بعضه على بعض وبه سمي اللبد الذي يفرش لتراكم صرفه "قال" أي ابن عباس "لما رأوه يصلي" أي بسبب أن رأى الجن النبي صلى الله عليه وسلم حال كونه يصلي "تعجبوا من طواعية أصحابه له" أي من انقيادهم له، والطواعية الطاعة {لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ} أي النبي صلى الله عليه وسلم {يَدْعُوهُ} أي يصلي ويتلو القرآن {كَادُوا يَكُونُونَ} أي أصحابه صلى الله عليه وسلم {عَلَيْهِ لِبَداً} أي مجتمعين عليه. وحديث ابن عباس هذا أخرجه أيضاً عبد بن حميد والحاكم وابن جرير في تفسيره. وروي

(9/242)


{لَمّا قامَ عَبْدُ الله يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً} . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
3380 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ يَحْيَى، أخبرنا مُحمّدُ بنُ يُوسُفَ، أخبرنا إسْرَائِيلُ، أخبرنا أَبُو إسْحَاقَ عَن سَعيدِ بنِ جُبَيْرٍ عَن ابنِ عَبّاسٍ قالَ: "كانَ الجِنّ يَصْعَدُونَ إلى السّمَاءِ يَسْتَمِعُونَ الوَحْي فإِذَا سَمِعُوا الكَلِمَةَ زَادُوا فِيهَا تِسْعاً. فأمّا الكَلِمَةُ فَتَكُونُ حَقّا وَأَمّا ما زَادُوه فَيَكُونُ بَاطِلاً. فَلَمّا بُعِثَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مُنِعُوا مَقَاعِدَهُمْ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لإبْلِيسَ وَلَمْ تَكُنِ النّجُومُ يُرْمَى بِهَا قَبْلَ ذَلِكَ، فقالَ لَهُمْ إِبْلِيِسُ ما هَذَا إِلاّ مِنْ أَمْرٍ قَدْ حَدَثَ في الأرْضِ،
ـــــــ
عن ابن عباس قول آخر وهو ما روى العوفي عنه يقول لما سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يتلو القرآن كادوا يركبونه من الحرص لما سمعوه يتلو القرآن ودنوا منه فلم يعلم بهم حتى أتاه الرسول يقرئه {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ} يستمعون القرآن. أخرجه ابن جرير وابن مردويه.
قوله: "حدثنا محمد بن يحيى" الظاهر أنه الإمام الذهلي "أخبرنا محمد بن يوسف" الضبي الفريابي "أخبرنا أبو إسحاق" السبيعي. قوله: "زادوا فيها" أي في الكلمة المسموعة "تسعا" أي تسع كلمات، والمراد التكثير لا التحديد، ففي رواية عشرا وفي رواية أضعافاً "فأما الكلمة" أي المسموعة "منعوا" بصيغة المجهول والضمير للجن "مقاعدهم" جمع مقعد إسم مكان أي من الصعود إليها والقعود فيها، وفي رواية أحمد: كان أحدهم لا يأتي مقعده إلا يرمي بشهاب يحرق ما أصاب " ولم تكن النجوم يرمى بها قبل ذلك" أي بهذه الكثرة والشدة. قال ابن قتيبة: إن الرجم كان قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ولكن لم يكن مثل ما كان بعد مبعثه في شدة الحراسة، وكانوا يسترقون في بعض الأحوال، فلما بعث

(9/243)


فَبَعَثَ جُنُودَهُ فَوَجَدُوا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قائِماً يُصَلّي بَيْنَ جَبَلَيْنِ أُرَاهُ قالَ بِمَكّةَ فَأتوهُ فأخْبَرُوهُ فقالَ هَذَا الْحَدَثُ الذِي حَدَثَ في الأَرْضِ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
منعوا من ذلك أصلاً. فعلى هذا القول يكون حمل الجن على الضرب في الأرض وطلب السبب إنما كان لكثرة الرجم ومنعهم عن الاستراق بالكلية. وقيل كانت الشهب قبل مرئية ومعلومة لكن رجم الشياطين وإحراقهم لم يكن إلا بعد نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم "فبعث" أي إبليس "أراه" بضم الهمزة أي أظنه، والظاهر أن هذا قول الترمذي والضمير المنصوب راجع إلى محمد بن يحيى، وفي رواية أحمد: يصلي بين جبلي نخلة "فلقوه" أي لقيت جنود إبليس "فقال" أي إبليس لجنوده "هذا الحدث الذي حدث في الأرض" أي هذا هو الأمر الذي حال بينكم وبين خبر السماء. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والنسائي.

(9/244)


ومن سورة المدثر
بسم الله الرحمن الرحيم
3381 ـ حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ حدثنا معمر عَن الزّهْرِيّ عَن أَبي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرِ بنِ عبدِ الله رضي الله عنهما قال: "سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يُحَدّثُ عَن فَتْرَةِ الوَحْيِ فقالَ في حَدِيثِهِ:
ـــــــ
"ومن سورة المدثر"
مكية وهي خمس وخمسون آية
قوله: "عن أبي سلمة" هو ابن عبد الرحمن بن عوف.
قوله: "وهو يحدث عن فترة الوحي" أي في حال التحديث عن احتباس الوحي عن النزول "فإذا

(9/244)


بَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي سَمِعْتُ صَوْتاً مِنَ السّمَاءِ فَرَفعْتُ رَأْسِي فإذَا المَلَكُ الّذِي جَاءَنِي بِحراءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيّ بَيْنَ السّمَاءِ وَالأَرْضِ فَجَثِثْتُ مِنْهُ رُعْباً فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ زَمّلُونِي زَمّلُونِي فَدَثّرُوني، فأنْزَلَ الله تعالى: {يَا أَيّهَا المُدّثّرُ قُمْ فأنْذِرْ} إلى قَوْلِهِ {وَالرّجْزَ فاهْجُرْ} قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصّلاةُ" .
ـــــــ
الملك جاءني بحراء" هو جبرئيل حين أتاه بقوله: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} ثم إنه حصل بعد هذا فترة ثم نزل الملك بعد هذا "جالس على كرسي" خبر عن الملك الذي هو مبتدأ، وقوله الذي جاءني بحراء صفته "فجثثت منه" بضم الجيم وكسر المثلثة بعدها مثلثة أخرى ساكنة، وفي رواية البخاري فجثثت بضم الجيم وكسر الهمزة بعدها مثلثة ومعناهما فزعت ورعبت. قال أهل اللغة: جئث الرجل إذا فزع فهو مجثوث قال الخليل والكسائي: جئث وجثث فهو مجئوث ومجثوث أي مذعور فزع "فقلت زملوني زملوني" أي لفوني، يقال زمله في ثوبه إذا لفه فيه، وفي رواية للبخاري: "دثروني وصبوا على ماءاً بارداً" . قال الحافظ: وكأن الحكمة في الصب بعد التدثر طلب حصول السكون لما وقع في الباطن من الانزعاج أو أن العادة أن الرعدة تعقبها الحمى وقد عرف من الطب النبوي معالجتها بالماء البارد {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} أي النبي وأصله المتدثر إدغمت التاء في الدال أي المتلفف بثيابه عند نزول الوحي عليه وإنما سماه مدثراً لقوله صلى الله عليه وسلم: "دثروني" {قُمْ فَأَنْذِرْ} أي خوف الناس وحذرهم من عذاب ربك إن لم يؤمنوا، والمعنى قم من مضجعك ودثارك، وقيل قم قيام عزم واشتغل بالإنذار الذي تحملته، وبعده {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} أي عظم ربك عما يقوله عبدة الأوثان {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} أي من النجاسات والمستقذرات وذلك أن المشركين لم يكونوا يحترزون عنها فأمر صلى الله عليه وسلم بصون ثيابه من النجاسات وغيرها خلافاً للمشركين، وذكر في معناه وجود أخرى {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} أي اترك الأوثان ولا تقربها. وقال ابن عباس: اترك المآثم وقيل الشرك، والمعنى اترك كل ما أوجب لك العذاب من الأعمال والأقوال وعلى

(9/245)


هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ وَقَدْ رَوَاهُ يَحْيَى بنُ أَبي كَثِيرٍ عَن أَبي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرّحْمَن أيضا.
3382 ـ حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ أخبرنا الحَسَنُ بنُ مُوسَى عَن ابنِ لَهِيعَةَ عَن دَرّاجٍ عَن أَبِي الهَيْثَمِ عَن أَبي سَعِيدٍ عَن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ "الصّعُودُ جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يَتَصَعّدُ فِيهِ الكافر سَبْعِينَ خَرِيفاً ثُم يهوى بِهِ كَذَلِكَ فيه أَبَداً" هَذا حديثٌ غَريبٌ إِنّمَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعاً مِنْ حَدِيثِ ابنِ لَهِيعَةَ. وَقَدْ رُوِيَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا عَن عَطِيّةَ عَن أَبِي سَعِيدٍ مَوْقُوفٌ.
3383 ـ حدثنا ابنُ أَبي عُمَر، أخبرنا سُفْيَانُ عَن مُجَالِدٍ عَن الشّعْبِيّ عَن جَابرِ بن عبد الله قَالَ "قَالَ نَاسٌ مِنَ اليَهُودِ لاِنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم: هَلْ يَعْلَمُ نَبِيّكُمْ كَمْ عَدَدُ خَزَنَةِ جَهَنّمَ؟ قَالُوا لا نَدْرِي حَتّى
ـــــــ
كل تقدير فلا يلزم تلبسه بشيء من ذلك كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ} " قبل أن تفرض الصلاة" كأنه أشار بهذا إلى أن تطهير الثياب كان مأموراً به قبل أن تفرض الصلاة. قاله الحافظ. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والشيخان.
قوله: "الصعود جبل من نار الخ" سبق هذا الحديث مع شرحه في باب صفة قعر جهنم.
قوله: "عن مجالد" بن سعيد الهمداني قوله: "غلب أصحابك" بصيغة المجهول

(9/246)


نَسْألَ نَبِيّنَا، فَجَاءَ رَجُلٌ إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ يَا مُحَمّدُ غُلِبَ أصْحَابُكَ اليَوْمَ، قَالَ: وَبِمَا غُلِبُوا؟ قَالَ سَأَلَهُمْ يَهُودُ هَلْ يَعْلَمُ نَبِيّكُمْ كَمْ عَدَدُ خَزَنَةِ جَهَنّمَ، قالَ: فَمَا قالُوا؟ قالَ قالُوا لا نَدْرِي حَتّى نَسْألَ نَبِيّنَا، قالَ: أَيُغْلَبُ قَوْمٌ سُئِلُوا عَمّا لا يَعْلَمُونَ فقالُوا: لا نَعْلَمُ حَتّى نَسْألَ نَبِيّنَا، لَكِنّهُمْ قَدْ سألُوا نَبِيّهُمْ فقالُوا أَرِنَا الله جَهْرَةً، عَلَيّ بِأعْدَاءِ الله إِنّي سائِلُهُمْ عَن تُرْبَةِ الْجَنّةِ وَهِيَ الدَرْمَكُ، فَلَمّا جاؤُوا قالُوا يَا أَبَا القاسِمِ كَمْ عَدَدُ خَزَنَةِ جَهَنّمَ؟ قالَ: هَكَذَا، وَهكَذَا في مَرّةٍ عَشرَةٌ وَفي مَرّةٍ تِسْعَةُ، قالُوا نَعَمْ، قالَ لَهم النبيّ صلى الله عليه وسلم ما ترْبَةُ الجَنّةِ؟ قالَ فَسَكَتُوا هُنَيْهَةً ثُمّ قالُوا أخُبْزَةٌ يا أبَا القاسِمِ؟ فقالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: الخُبْزُ مِنَ الدّرْمَكِ" . هَذا حديثٌ إِنّمَا نَعْرِفُه مِنْ هَذَا الوَجْهِ مِنْ حَديثِ مُجَالِدٍ.
3384 ـ حدثنا الحَسُنُ بنُ الصّبّاحِ البَزّارُ، أخبرنا زَيْدُ بنُ حُبَابٍ، أَخبرنا سُهَيْلُ بنُ عَبْدِ الله القُطَعِيّ وهُو أخُو حَزْمٍ بن
ـــــــ
أي صاروا مغلوبين "وبما غلبوا" أي بأي شيء غلبوا "قال فما قالوا" أي قال النبي صلى الله عليه وسلم: فما قال أصحابي في جوابهم "أفغلب الخ" الاستفهام للإنكار "لكنهم قد سألوا نبيهم" أي لم يقتصر اليهود بأمثال من هذا السؤال على أصحابي لكنهم سألوا نبيهم "جهرة" أي عياناً "علي" بتشديد الياء "بأعداء الله" أي إيتني بهم وادعهم "وهي الدرمك" كجعفر دقيق الحواري والتراب الناعم "فلما جاؤا" أي اليهود "فسكتوا هنيهة" بضم هاء وفتح نون وسكون تحتية وفتح هاء أخرى أي زماناً قليلاً "خبزة" أي هي خبزة وأورد الترمذي هذا الحديث في تفسير قوله تعالى وعليها تسعة عشر قوله: "هذا حديث إنما نعرفه من هذا الوجه من حديث مجالد" وكذلك قال البزار بعد إخراجه ومجالد هذا ليس بالقوي وقد تغير في آخر عمره.

(9/247)


أَبي حَزْمِ القُطَعِيّ عَن ثَابِتٍ، عَن أنَسٍ بنِ مَالِكٍ عَن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أَنّهُ قالَ في هَذِهِ الآيةِ: {هُوَ أَهْلُ التّقْوَى وَأَهْلُ المَغْفِرَةِ} قالَ: قال "الله عز وجلّ أَنَا أَهْلُ أَنْ اتّقَى فَمَنِ اتّقَانِي فَلَمْ يَجْعَلْ مَعِيَ إلهاً فأَنَا أَهْلُ أنْ أَغْفِرَ لَهُ" . هَذا حديثٌ حسن غَريبٌ وَسُهَيْلٌ لَيْسَ بِالْقَويّ في الحَدِيثِ وقَدْ تَفَرّدَ سُهَيْلٌ بِهَذَا الحَدِيثِ عَن ثَابِتٍ.
ـــــــ
قوله: "أخبرنا زيد بن حباب" أبو الحسن العكلي. قوله: {هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى} أي هو الحقيق بأن يتقيه المتقون بترك معاصيه والعمل بطاعته {وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ} أي هو الحقيق بأن يغفر للمؤمنين ما فرط منهم من الذنوب والحقيق بأن يقبل توبة التائبين من العصاة فيغفر ذنوبهم "فمن اتقاني" أي خافني "فأنا أهل أن أغفر له" أي لمن اتقاني. قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد والنسائي وابن ماجة والبزار وأبو يعلي وابن أبي حاتم وابن مردويه وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة وابن عمر وابن عباس مرفوعاً نحوه.

(9/248)


ومن سورة القيامة
بسم الله الرحمن الرحيم
3385 ـ حدثنا ابنُ أَبي عُمَرَ، أخبرنا سُفْيَانُ عَن مُوسَى بنِ أَبي عَائِشَةَ عَن سَعيدِ بنُ جُبَيْرٍ عَن ابن عَبّاسٍ قالَ: "كَان رَسُولُ
ـــــــ
"ومن سورة القيامة"
مكية وهي أربعون آية
قوله: "أخبرنا سفيان" هو ابن عيينة "عن موسى بن أبي عائشة" الهمداني

(9/248)


صلى الله عليه وسلم إذَا أَنْزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ يُحَرّكُ بِهِ لِسَانَهُ يُرِيدُ أنْ يَحْفَظَهُ فأَنْزَلَ الله تبَارَكَ وَتَعَالى {لا تُحَرّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} قالَ فَكَان يُحَرّكُ بِهِ شَفَتَيْهِ وَحَرّكَ سُفْيَانُ شَفَتَيْهِ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. قالَ عَلِيّ بنُ المَدِينيّ قالَ يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ القَطّانُ: كانَ سُفْيَانُ الثّوْرِيّ يُحْسِنُ الثّنَاءِ عَلَى مُوسى بنِ أَبي عَائِشَةَ خَيْراً.
3386 ـ حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ قال: حدثني شَبَابَةُ عَن إسْرَائِيلَ
ـــــــ
مولاهم أبي الحسن الكوفي ثقة عابد من الخامسة. قوله: "يحرك به لسانه" وفي رواية للبخاري: وكان بما يحرك به لسانه وشفتيه "يريد" أي النبي صلى الله عليه وسلم بهذا التحريك "أن يحفظه" أي القرآن {لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} أي لا تحرك بالقرآن لسانك عند إلقاء الوحي لتأخذه على عجل مخافة أن يتفلت منك، ومثل هذا قوله تعالى: {وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ} الآية. وبعده {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ} أي في صدرك حتى لا يذهب عليك منه شيء {وَقُرْآنَهُ} أي إثبات قراءته في لسانك وهو تعليل للنهي قال الفراء القراءة القرآن مصدران فإذا قرأناه أي أتممنا قراءته عليك بلسان جبرئيل عليه السلام وبيناه فأتبع قرآنه فاستمع قراءته وكررها حتى يرسخ في ذهنك، والمعنى لا تسكن قراءتك مقارنة لقراءة جبرئيل عليك بل اسكت حتى يتم جبرئيل ما يوحي إليك فإذا فرغ جبريل من القراءة فخذ أنت فيها، وجعل قراءة جبريل قراءته لأنه بأمره نزل الوحي {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} أي تفسير ما فيه من الحلال والحرام وبيان ما أشكل من معانيه "قال فكان يحرك به شفتيه وحرك سفيان شفتيه" وفي رواية للبخاري: فقال ابن عباس رضي الله عنهما فأنا أحركهما لك كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحركهما وقال سعيد: أنا أحركهما كما رأيت ابن عباس رضي الله عنهما يحركهما فحرك شفتيه قال العيني: ومثل هذا الحديث يسمى بالمسلسل بتحريك الشفة لكن لم يتصل بسلسلة وقل في المسلسل الصحيح. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والشيخان.

(9/249)


عَن ثُوَيْرٍ قالَ: سَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ يَقُولُ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنّةِ مَنْزِلَةً لَمَنْ يَنْظُرُ إِلى جِنَانِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَخَدَمِهِ وَسُرُرِهِ مَسِيرَةَ أَلْفِ سَنَةٍ وأَكْرَمهُمْ عَلَى الله عَزّ وَجَلّ مَنْ يَنْظُرُ إلى وَجْهِهِ غُدْوَةً وعَشِيّةً ثُمّ قَرَأَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إلى رَبّهَا ناظِرَةٌ} .
هَذا حديثٌ غَرِيبٌ وَقَدْ رواه غَيْرُ وَاحِدٍ عَن إِسْرَائِيلَ مِثْلَ هَذَا مَرْفُوعاً، ورَوَى عَبْدُ المَلِكِ بنُ الجبر عَن ثُوَيْر عَن ابنِ عُمَرَ قَوْلَهُ وَلَمْ يَرْفَعْهُ. وَرَوى الأَشْجَعِيّ عَن سُفْيَانَ عَن ثُوَيْرٍ عَن مُجَاهِدٍ عَن ابنِ عُمَرَ قَوْلَهُ وَلَمْ يَرْفَعْهُ وَمَا نَعْلَمُ أَحَداً ذَكَرَ فِيهِ عَن مُجَاهِدٍ غَيْرَ الثّوْرِيّ.
ـــــــ
قوله: "إن أدنى أهل الجنة منزلة الخ" مضى هذا الحديث مع شرحه في باب رؤية الرب تبارك وتعالى من أبواب صفة الجنة.

(9/250)


ومن سورة عبس
بسم الله الرحمن الرحيم
3387 ـ حدثنا سَعِيدُ بنُ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ الأَمَوِيّ "قال": حدّثنِي أبي قالَ: هَذَا ما عَرَضْنَا عَلَى هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عَن أَبِيهِ عَن
ـــــــ
"ومن سورة عبس"
وتسمى سورة السفرة وسورة الأعمى مكية وهي إحدى أو اثنتان وأربعون آية.
قوله: "هذا ما عرضنا على هشام بن عروة" أي هذا ما قرأناه على هشام بن

(9/250)


عائِشَةَ قالَتْ: "أُنْزِلَ {عَبَسَ وَتَوَلّى} في ابنِ أُمّ مَكْتُومٍ الأَعْمَى أَتَى رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَجَعَلَ يَقُولُ يا رَسُولَ الله أرْشِدْنِي. وَعِنْدَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ مِنْ عُظَمَاءِ المُشْرِكِينَ فَجَعَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُعْرِضُ عَنْهُ ويُقْبِلُ عَلَى الآخر وَيَقُولُ: أَتَرَى بِمَا أَقُولُ بَأْسَاً؟ فَيَقُولُ لاَ، فَفِي هَذَا أُنْزِلَ" . هَذا حديثٌ حسن غَريبٌ. وَرَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الحَدِيثَ عَن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عَن أَبِيهِ قالَ: أُنْزِلَ {عَبَسَ وَتَوَلّى} في ابنِ أُمّ مَكْتُومٍ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَن عَائِشَةَ.
3388 ـ حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، أخبرنا مُحمّدُ بنُ الفَضْلِ، أخبرنا ثابِتُ بنُ يَزِيدَ عَن هِلاَلِ بنِ خَبّابٍ عَن عِكْرِمَةَ عَن ابنِ عَبّاسٍ
ـــــــ
عروة وهو يسمع قوله: {عَبَسَ} أي النبي صلى الله عليه وسلم كلح وجهه وقطب {وَتَوَلَّى} أي أعرض "في ابن أم مكتوم" اسمه عمرو بن زائدة ويقال عمرو بن قيس بن زائدة وقيل اسمه عبد الله والأول أكثر وأشهر، وأم مكتوم أمه "أتى" أي ابن أم مكتوم "أرشدني" أي علمني "يعرض عنه" أي عن ابن أم مكتوم "ويقول" أي للرجل المشرك "أترى بما أقول" أي من التوحيد "بأساً" أي ضرراً وحرجاً "فيقول لا" وفي رواية الموطأ: ويقول "يا أبا فلان هل ترى بما أقول بأساً" ؟ فيقول لا والدماء ما أرى بما تقول بأساً. والدماء جمع دمية وهي الصورة يريد بها الأصنام. قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه ابن حبان وأبو يعلي وابن جرير "وروى بعضهم هذا الحديث عن هشام بن عروة عن أبيه قال أنزل {عَبَسَ وَتَوَلَّى} الخ" رواه مالك في الموطأ.
قوله: "أخبرنا محمد بن الفضل" السدوسي الملقب بعارم "أخبرنا ثابت بن يزيد"

(9/251)


عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً. فقاَتْ امْرَأَةٌ: أَيُبْصِرُ أَوْ يَرَى بَعْضُنَا عَوْرَةَ بَعْضٍ؟ قالَ: يَا فُلاَنَةُ {لِكُلّ امرئ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. قد رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ ابنِ عَبّاسٍ.
ـــــــ
الأحول "عن هلال بن خباب" العبدي البصري. قوله: "تحشرون حفاة" بضم المهملة وتخفيف الفاء جمع حاف أي بلا خف ولا نعل "عراة" بضم العين جمع عار وهو الذي لا ستر له "غرلاً" بضم الغين المعجمة وسكون الراء جمع أغرل وهو الأقلف أي غير مختونين "أيبصر" بضم الياء من الإبصار "أو يرى" شك من الراوي {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} أي لكل إنسان يوم القيامة حال يشغله عن شأن غيره ويصرفه عنه أي يشتغل كل واحد بنفسه. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه النسائي وابن أبي حاتم.

(9/252)


ومن سورة إذا الشمس كورت
بسم الله الرحمن الرحيم
3389 ـ حدثنا عَبّاسُ بنُ عَبْدِ العَظِيمِ العَنْبَرِيّ، أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ بُجيرٍ عَن عَبْدِ الرّحْمَن وهُوَ ابنُ يَزِيدَ الصَنْعَانيّ قالَ سَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ يَقُولُ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "مَنْ سَرّهُ أَنْ يَنْظُرَ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ كأَنّهُ رَأَيُ عَيْنٍ فَلْيَقْرَأْ: {إذَا
ـــــــ
"ومن سورة إذا الشمس كورت"
وتسمى سورة التكوير مكية وهي تسع وعشرون آية
قوله: "عن عبد الرحمن وهو ابن يزيد الصنعاني" أبو محمد القاص صدوق من الرابعة. قوله: "من سره" أي أعجبه "أن ينظر إلى يوم القيامة" أي

(9/252)


الشّمْسُ كُوّرتْ} و {إِذَا السّمَاءُ انْفَطَرَتْ} و {إِذَا السّمَاءُ انْشَقّتْ} " .
ـــــــ
أحواله وأن يطلع في أهواله "كأنه رأى عين" تقول جعلت الشيء رأى عينك وبمرأى منك أي حذاءك ومقابلك يحيث تراه وهو منصوب على المصدر أي كأنه يراه رأى العين "فليقرأ {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} " قال الحافظ ابن كثير: قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} يعني أظلمت، وقال العوفي عنه ذهبت، وقال مجاهد اضمحلت وذهبت، وكذا قال الضحاك وقال قتادة ذهب ضوؤها. وقال سعيد بن جبير: كورت غورت، وقال الربيع بن خيثم: كورت يعني رمي بها، وقال أبو صالح: كورت ألقيت وعنه أيضاً نكست. وقال زيد بن أسلم: تقع في الأرض. قال ابن جرير: والصواب من القول عندنا في ذلك أن التكوير جمع الشيء بعضه على بعض ومنه تكوير العمامة وجمع الثياب بعضها إلى بعض فمعنى قوله تعالى: {كُوِّرَتْ} بعضها إلى بعض ثم لفت فرمى بها وإذا فعل بها ذلك ذهب ضوؤها. انتهى كلام الحافظ ابن كثير و {إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ} أي انشقت و {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} أي انصدعت والمراد هذه السور فإنها مشتملة على ذكر أحوال يوم القيامة وأهواله. وحديث ابن عمر هذا أخرجه أيضاً أحمد والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه.

(9/253)


ومن سورة ويل للمطففين
بسم الله الرحمن الرحيم
3390 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ أخبرنا اللّيْثُ عَن ابنِ عَجْلاَنَ عَن القَعْقَاعِ
ـــــــ
"ومن سورة ويل للمطففين"
مدنية في قول ومكية في قول وقيل فيها ثمان آيات مكية وهي من قوله: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا} إلى آخرها، وقيل فيها آية مكية وهي قوله تعالى: {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} وقيل إنها نزلت بين مكة والمدينة زمن الهجرة وهي ست وثلاثون آية

(9/253)


ابنِ حَكِيمٍ عَن أَبي صَالِحٍ عَن أبي هُرَيْرَةَ عَن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "إِنّ العَبْدَ إذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ في قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءٌ فإِذَا هو نَزَعَ واستَغْفَرَ وَتَابَ سُقِلَ قَلْبُه وَإنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتّى تَعْلُو قَلْبَهُ وهُوَ الرّانُ الذّي ذَكَرَ الله {كَلاّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كانوا يَكْسِبُونَ} " . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
قوله: "إن العبد إذا أخطأ خطيئة" وفي رواية أحمد: إن المؤمن إذا أذنب ذنباً "نكتت في قلبه" بصيغة المجهول من النكت وهو في الأصل أن تضرب في الأرض بقضيب فيؤثر فيها "نكتة سوداء" أي جعلت في قلبه نكتة سوداء أي أثر قليل كالنقطة شبه الوسخ في المرآة والسيف ونحوهما. وقال القاري أي كقطرة مداد تقطر في القرطاس، ويختلف على حسب المعصية وقدرها، والحمل على الحقيقة أولى من جعله من باب التمثيل والتشبيه حيث قيل شبه القلب بثوب في غاية النقاء والبياض. والمعصية بشيء في غاية السواد أصاب ذلك الأبيض فبالضرورة أنه يذهب ذلك الجمال منه وكذلك الإنسان إذا أصاب المعصية صار كأنه حصل ذلك السواد في ذلك البياض "فإذا هو" أي العبد "نزع" أي نفسه عن ارتكاب المعاصي "واستغفر" أي سأل الله المغفرة "وتاب" أي من الذنب "سقل قلبه" بالسين المهملة على البناء للمفعول، وفي رواية أحمد صقل بالصاد. قال في القاموس: السقل الصقل وقال فيه صقله جلاه انتهى. والمعنى نظف وصفى مرآة قلبه لأن التوبة بمنزلة المصقلة تمحو وسخ القلب وسواده حقيقياً أو تمثيلياً "وإن عاد" أي العبد في الذنب والخطيئة "زيد فيها" أي في النكتة السوداء "حتى تعلو" أي للنكت "قلبه" أي تطفئ نور قلبه فتعمي بصيرته "وهو" الأثر المستقنح المستعلي "الران الذي ذكر الله" أي في كتابه وأدخل اللام على ران وهو فعل إما لقصد حكاية اللفظ وإجرائه مجرى الاسم وإما لتنزيله منزلة المصدر {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} قال الحافظ ابن كثير: أي ليس الأمر كما زعموا ولا كما قالوا إن هذا القرآن

(9/254)


3391 ـ حدثنا يَحْيَى بنُ دُرُسْتَ البَصْرِيّ، أخبرنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عَن أَيّوبَ عَن نافِعٍ عَن ابنِ عُمَرَ قالَ حَمّادٌ: هُوَ عِنْدَنَا مَرْفُوعٌ {يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبّ العَالَمِينَ} قال: "يَقُومُونَ في الرّشْحِ إلى أَنْصَافِ آذَانِهِمْ" .
3392 ـ حدثنا هَنّادٌ أخبرنا عِيسَى بنُ يُونُسَ عَن ابنِ عَوْنٍ عَن نَافِعٍ عَن ابنِ عُمَرَ عَن النّبِيّ صلى الله عليه وسلم: " {يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبّ العَالَمِينَ} قالَ: يَقُومُ أَحَدُهُمْ في الرّشْحِ إِلى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ" . هَذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَفيهِ عَن أَبي هُرَيْرَةَ.
ـــــــ
أساطير الأولين بل هو كلام الله ووحيه وتنزيله على رسوله صلى الله عليه وسلم وإنما حجب قلوبهم عن الإيمان به ما عليها من الران الذي قد لبس قلوبهم من كثرة الذنوب والخطايا، والرين يعتري قلوب الكافرين والغيم للأبرار والغين للمقربين انتهى. قلت: أصل الران والرين الغشاوة وهو كالصدإ على الشيء الصقيل. قال الطيبي: الران والرين سواء كالعاب والعيب، والآية في الكفار إلا أن المؤمن بارتكاب الذنب يشبههم في اسوداد القلب ويزداد ذلك بإزدياد الذنب. قال ابن الملك: هذه الآية مذكورة في حق الكفار لكن ذكرها صلى الله عليه وسلم تخويفاً للمؤمنين كي يحترزوا عن كثرة الذنب كيلا تسود قلوبهم كما اسودت قلوب الكفار ولذا قيل المعاصي بريد الكفر قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والنسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم.
قوله: "عن أيوب" بن أبي تميمة السختياني "يقومون في الرشح" بفتحتين أي في العرق، وتقدم شيء من الكلام على هذا الحديث في أوائل صفة القيامة.
قوله: "أخبرنا عيسى بن يونس" السبيعي الكوفي "عن ابن عون" هو عبد الله ابن عون بن أرطبان. قوله: "إلى أنصاف أذنيه" هو من إضافة الجمع إلى الجمع

(9/255)


ـــــــ
حقيقة ومعنى لأن لكل واحد أذنين قاله العيني. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والشيخان. قوله: "وفيه عن أبي هريرة" أي وفي معنى حديث ابن عمر المذكور حديث أبي هريرة وهو ما أخرجه الشيخان عنه. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعاً ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم" .

(9/256)


ومن سورة إذا السماء انشقت
بسم الله الرحمن الرحيم
3393 ـ حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، أخبرنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسَى عَن عُثْمَانَ بنِ الأسْوَدِ عَن ابنِ أَبي مُلَيْكَةَ عَن عَائِشَةَ قالت سَمِعْتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ هَلَكَ، قُلْتُ يَا رَسُولَ الله إِنّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ: {فأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بَيَمِينِهِ -إِلى قَوْلِهِ- يَسِيراً} قالَ ذَلِكَ العَرْضُ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
3394 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ أَبَانَ وَغَيْرُ دوَاحِدٍ قالُوا، أخبرنا عَبْدُ الْوَهّابِ الثّقَفِيّ عَن أَيّوبَ عَن أَبي مُلَيْكَةَ عَن عائِشَةَ عَن ا