Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي

أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
باب ما جاء في فضل الدعاء
...
أبواب الدعوات عَن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم
بسم الله الرحمن الرحيم
1ـ باب ما جاء في فضل الدعاء
3429 ـ حدثنا عَبّاسُ بنُ عَبْدِ العَظِيمِ العَنْبَرِيّ، أخبرنا أَبُو دَاوُدَ الطّيَالِسيّ، أخبرنا عِمْرَانُ القَطّانُ عَن قَتَادَةَ عَن سَعِيدِ بنِ أَبِي الحَسَنِ عَن
ـــــــ
"أبواب الدعوات"
بفتح المهملتين جمع الدعوة بفتح أوله بمعنى الدعاء وهو طلب الأدنى بالقول من الأعلى شيئاً على جهة الاستكانة. قال النووي: أجمع أهل الفتاوي في الأمصار في جميع الأعصار على استحباب الدعاء، وذهب طائفة من الزهاد وأهل المعارف إلى أن تركه أفضل استسلاماً، وقال جماعة إن دعا للمسلمين فحسن وإن خص نفسه فلا، وقيل إن وجد باعثاً للدعاء استجب وإلا فلا، ودليل الفقهاء ظواهر القرآن والسنة والأخبار الواردة عن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين انتهى "عن رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي المأثورة عنه "بسم الله الرحمن الرحيم" لم يقع البسملة هنا في بعض النسخ
"باب" ما جاء في فضل الدعاء
قوله: "عن سعيد بن أبي الحسن" البصري هو أخو الحسن البصري ثقة

(9/309)


أَبي هُرَيْرَةَ: عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ "لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى الله تَعَالَى مِنَ الدّعَاءِ" . هَذا حديثٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعاً إِلاّ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ القَطّانِ. وعِمْرَانُ القَطّانُ هُوَ ابنُ داور وَيُكَنّى أَبا العَوّامِ.
3430 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ، أخبرنا عَبْدُ الرحْمَنِ بنُ مَهْدِيّ عَنِ عِمْرَانَ القَطّانِ بِهذا الإسناد نحوه.
ـــــــ
من أوساط التابعين واسم أبيه يسار. قوله: "ليس شيء" أي من الأذكار والعبادات فلا ينافيه قوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} "أكرم" بالنصب خبر ليس أي أفضل "على الله" أي عند الله "من الدعاء" لأن فيه إظهار الفقر والعجز والتذلل والاعتراف بقوة الله وقدرته. قوله: "هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث عمران القطان" وأخرجه أحمد والبخاري في الأدب المفرد وابن ماجة وصححه ابن حبان والحاكم وقال صحيح وأقره الذهبي "وعمران القطان هو ابن داور ويكنى أبا العوام" لم تقع هذه العبارة في بعض النسخ.

(9/310)


ـ باب منه
3431 ـ حدثنا عَلِيّ بنُ حُجْرٍ أخبرنا الوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ عَن ابنِ لَهِيعَةَ عَن عُبَيْدِ الله بنِ أَبي جَعْفَرٍ عَن أَبَانَ بنِ صَالِحٍ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ
ـــــــ
"باب منه"
قوله: "عن عبيد الله بن أبي جعفر" قال في هامش النسخة الأحمدية في نسخة المنقول عنه وأمثاله عبد الله مكبراً وفي بعض النسخ الصحيحة عبيد الله مصغراً وهو الذي يظهر من التقريب بعد التأمل وإمعان النظر انتهى. قلت: عبد الله بن أبي جعفر مكبراً ليس من رجال جامع الترمذي بل هو من رجال أبي داود، وعبيد الله بن أبي جعفر مصغراً من رجال الصحاح الستة فتعين أن

(9/310)


عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ "الدّعَاءُ مُخّ العِبَادَةِ" . هَذا حديثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجِه لاَ نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حَدِيثِ ابنِ لَهِيعَةَ.
3432 ـ حدثنا أَحْمَدُ بنَ مَنِيعٍ، أخبرنا مَرْوَانُ بنُ مُعَاوِيَةَ عَن الأَعْمَشِ عَن ذَرّ عَن يُسَيع عَن النّعْمَانِ بنِ بَشِيرٍ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "الدّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ. ثُمّ قَرَأَ: {وقَالَ رَبّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ
ـــــــ
النسخ التي فيها عبيد الله بالتصغير هي الصحيحة وكونه في بعض النسخ عبد الله بالتكبير غلط صريح، وعبيد الله بن أبي جعفر هذا مصري يكنى أبا بكر ثقة وقيل عن أحمد إنه لينه وكان فقيهاً عابداً. قال أبو حاتم هو مثل يزيد بن أبي حبيب من الخامسة. قوله: "الدعاء مخ العبادة" المخ بالضم نقي العظم والدماغ وشحمة العين وخالص كل شيء، والمعنى أن الدعاء لب العبادة وخالصها لأن الداعي. إنما يدعو الله عند انقطاع أمله مما سواه وذلك حقيقة التوحيد والإخلاص ولا عبادة فوقهما. قال ابن العربي: وبالمخ تكون القوة للأعضاء فكذا الدعاء مخ العبادة به تتقوى عبادة العابدين فإنه روح العبادة. قال بعض المفسرين في قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} أي عن دعائي. قوله: "هذا حديث غريب من هذا الوجه لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة" وهو ضعيف عند أهل الحديث ضعفه يحيى بن سعيد القطان وغيره كما صرح به الترمذي في باب الرخصة في استقبال القبلة بغائط أو بول ومع ضعفه فهو مدلس يدلس عن الضعفاء.
قوله: "عن ذر" بن عبد الله المرهبي "عن يسيع" الكندي. قوله: "الدعاء هو العبادة" قال ميرك أتى بضمير الفصل والخبر المعرف باللام ليدل على الحصر في أن العبادة ليست غير الدعاء مبالغة ومعناه أن الدعاء معظم العبادة كما قال صلى الله عليه وسلم: "الحج عرفة" . أي معظم أركان الحج الوقوف بعرفة، أو المعنى أن الدعاء هو العبادة سواء استجيب أو لم يستجب لأنه إظهار العبد العجز والاحتياج من نفسه والاعتراف بأن الله تعالى قادر على إجابته كريم لا بخل له

(9/311)


لَكُمْ إنّ الّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلونَ جَهَنّمَ دَاخِرينَ} . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. وَقَدْ رَوَاهُ مَنْصُورٌ والأعْمَشُ عَنْ ذَرّ وَلاَ نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ حَدِيثِ هو ذَرٍ.
ـــــــ
ولا فقر ولا احتياج له إلى شيء حتى يدخر لنفسه ويمنعه من عباده وهذه الأشياء هي العبادة بل مخها انتهى ثم قرأ: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} قيل استدل بالآية على أن الدعاء عبادة لأنه مأمور به والمأمور به عبادة وقال القاضي استشهد بالآية لدلالتها على أن المقصود يترتب عليه ترتب الجزاء على الشرط والمسبب على السبب ويكون أتم العبادات ويقرب من هذا قوله مخ العبادة أي خالصها {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} أي من دعائي كذا فسره الحافظ ابن كثير وغيره من المفسرين {سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} أي صاغرين ذليلين. قال الشيخ تقي الدين السبكي: الأولى حمل الدعاء في الآية على ظاهره وأما قوله بعد ذلك عن عبادتي فوجه الربط أن الدعاء أخص من العبادة فمن استكبر عن العبادة استكبر عن الدعاء، وعلى هذا الوعيد إنما هو في حق من ترك الدعاء استكباراً ومن فعل ذلك كفر، وأما من تركه لمقصد من المقاصد فلا يتوجه إليه الوعيد المذكور. وإن كنا نرى أن ملازمة الدعاء والاستكثار منه أرجح من الترك لكثرة الأدر الواردة في الحث عليه انتهى. وقال الطيبي: معنى حديث النعمان أن تحمل العبادة على المعنى اللغوي إذ الدعاء هو إظهار غاية التذلل والافتقار إلى الله والاستكانة له وما شرعت العبادات إلا للخضوع للباري وإظهار الافتقار إليه ولهذا ختم الآية بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} حيث عبر عن عدم التذلل والخضوع بالاستكبار ووضع عبادتي موضع دعائي وجعل جزاء ذلك الاستكبار الصغار والهوان انتهى. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم وقال صحيح الإسناد وابن أبي شيبة وأخرجه الترمذي أيضاً في تفسير سورة البقرة وفي تفسير سورة المؤمن.

(9/312)


3 ـ باب منه
3433 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ، أخبرنا حَاتِمُ بنُ إِسْمَاعِيلَ عَن أبي المَلِيحِ عَنْ أَبي صَالِحٍ عَن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "إِنّهُ مَنْ لَمْ يَسْألِ الله يَغْضَبْ عَلَيْهِ" . وَقَدْ رَوَى وَكِيعٌ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ عَن أَبي المَليحِ هَذَا الحَدِيثَ وَلاَ نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
3434 ـ حدثنا إسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ، أخبرنا أَبُو عاصِمٍ عَن حُمَيْد بن أبي المَلِيحِ عَن أَبي صَالحٍ عَن أَبي هُرَيْرَةَ عَن النّبيّ صلى الله
ـــــــ
قوله: "عن أبي المليح" الفارسي المدني الخواط إسمه صبيح وقيل حميد روى عن أبي صالح الخوزي وعنه حاتم بن إسماعيل وغيره وروى عنه أبو عاصم وسماه حميداً. قال مضر بن محمد عن ابن معين ثقة وذكره ابن حبان في الثقات كذا في تهذيب التهذيب "عن أبي صالح" الخوزي بضم الخاء المعجمة وسكون الواو ثم زاي لين الحديث من الثالثة. قوله: "إنه" الضمير للشأن "من لم يسأل الله يغضب عليه" لأن ترك السؤال تكبر واستغناء وهذا لا يجوز للعبد، ونعم ما قيل الله بغضب إن تركت سؤاله وترى ابن آدم حين يسأل يغضب. وقال الطيبي: وذلك لأن الله يحب أن يسأل من فضله فمن لم يسأل الله يبغضه والمبغوض مغضوب عليه لا محالة انتهى. قوله: "وقد روى وكيع" هو ابن الجراح "عن غير واحد عن أبي المليح هذا الحديث" ورواه ابن ماجة في سننه عن وكيع عن أبي المليح بغير واسطة حيث قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد قالا حدثنا وكيع حدثنا أبو المليح المدني سمعت أبا صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يدع الله غضب عليه" .
قوله: "أخبرنا أبو عاصم" اسمه الضحاك بن مخلد النبيل "عن حميد

(9/313)


عليه وسلم نَحْوَهُ.
ـــــــ
أبي المليح" بضم الحاء مصغراً كما سماه حميداً وقيل إسمه صبيح كما تقدم، وحديث الباب أخرجه أحمد والبخاري في الأدب المفرد وابن ماجة والحاكم والبزار كلهم عن أبي هريرة كذا في الفتح.

(9/314)


4 ـ باب ما جاء في فضل الذكر
3435 ـ حدثنا أَبُو كُرَيْبٍ أخبرنا زَيْدُ بنُ حُبَابٍ عَن مُعَاوِيَةَ بنِ صَالح عَن عَمْرِو بنِ قَيْسٍ عَن عَبْدِ الله بنِ بُسْرٍ رضي الله عنه أَنّ رَجُلاً قَالَ
ـــــــ
باب ما جاء في فضل الذكر
أي ذكر الله تعالى والمراد بالذكر هنا الإتيان بالألفاظ التي ورد الترغيب في قولها والإكثار منها مثل الباقيات الصالحات وهي سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وما يلتحق بها من الحوقلة والبسملة والحسبلة والاستغفار ونحو ذلك والدعاء بخيري الدنيا والآخرة، ويطلق ذكر الله أيضاً ويراد به المواظبة على العمل بما أوجبه أو ندب إليه كتلاوة القرآن وقراءة الحديث ومدارسة العلم والتنفل بالصلاة، ثم الذكر يقع تارة باللسان ويؤجر عليه الناطق ولا يشترط استحضاره لمعناه ولكن يشترط ألا يقصد به غير معناه ولمن انضاف إلى النطق الذكر بالقلب فهو أكمل فإن انضاف إلى ذلك استحضار معنى الذكر وما اشتمل عليه من تعظيم الله تعالى ونفي النقائص عنه ازداد كمالاً فإن وقع ذلك في عمل صالح مهما فرض من صلاة أو جهاد أو غيرهما ازداد كمالاً، فإن صحح التوبة وأخلص لله تعالى في ذلك فهو أبلغ الكمال كذا في الفتح. قوله: "عن معاوية بن صالح" بن حضير الحضرمي "عن عمرو بن قيس" الكندي السكوئي "عن عبد الله بن بسر" بضم الموحدة وسكون المهملة المازني صحابي صغير ولأبيه صحبة مات سنة ثمان وثمانين وقيل ست وتسعين وله مائة

(9/314)


"يا رَسُولَ الله إنّ شَرَائِعَ الإسْلاَمِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيّ فأخبِرْنِي بِشَيْءٍ أَتَشَبّثُ بِهِ، قالَ: لا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْباً مِنْ ذِكْرِ الله" . هَذا حديثٌ حسن غَرِيبٌ مِنَ هَذَا الْوَجْهِ.
ـــــــ
سنة وهو آخر من مات بالشام من الصحابة. قوله: "إن شرائع الإسلام" قال الطيبي: الشريعة مورد الإبل على الماء الجاري والمراد ما شرع الله وأظهره لعباده من الفرائض والسنن انتهى. قال القاري: الظاهر أن المراد بها هنا النوافل لقوله: "قد كثرت علي" بضم المثلثة ويفتح أي غلبت علي بالكثرة حتى عجزت عنها لضعفي "فأخبرني بشيء" قال الطيبي: التنكير في بشيء للتقليل المتضمن لمعنى التعظيم كقوله تعالى: {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ} ومعناه أخبرني بشيء يسير مستجلب لثواب كثير قال القاري وإلا ظهر أن التنوين لمجرد التنكير انتهى. قلت: بل الأظهر هو ما قال الطيبي فتأمل "أتشبث به" أي أتعلق به وأستمسك ولم يرد أنه يترك شرائع الإسلام رأساً بل طلب ما يتشبث به بعد الفرائض عن سائر ما لم يفترض عليه قاله الطيبي: "قال لا يزال" أي هو أنه لا يزال "لسانك رطباً من ذكر الله" أي طرياً مشتغلاً قريب العهد منه وهو كناية عن المداومة على الذكر. قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد وابن ماجة وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح الإسناد.

(9/315)


5 ـ باب منه
3436 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ أخبرنا ابنُ لَهِيعَةَ عَن دَرّاجٍ عَن أبي الْهَيْثَمِ عَن أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيّ "أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم سُئِلَ أيّ العِبَادِ أفْضَلُ دَرَجَةً عِنْدَ الله يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قالَ: الذّاكِرُونَ
ـــــــ
"باب منه"
قوله: "أي العباد أفضل درجة" وفي رواية أحمد أي العباد أفضل وأرفع درجة "قال الذاكرون" كذا في بعض النسخ بالواو وكذلك في رواية أحمد

(9/315)


الله كَثِيراً والذاكرات قالَ: قلت: يا رَسُولَ الله وَمَنِ الغَازِي في سَبِيلِ الله؟ قالَ: "لَوْ ضَرَبَ بِسَيْفِهِ في الكُفّارِ والمُشْرِكِينَ حَتّى يَنْكَسِرَ وَيَخْتَضِبَ دَماً لَكَانَ الذّاكِرُونَ الله كَثِيراً أفْضَلَ مِنْهُ دَرَجَةً" . هَذا حديثٌ غَرِيبٌ إِنّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ دَرّاجٍ.
ـــــــ
وهو الظاهر، ووقع في بعضهما الذاكرين بالياء وهو على الحكاية قال الله عز وجل {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ} ـ إلى قوله ـ {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} قيل المراد بهم المداومون على ذكره وفكره والقائمون بالطاعة المواظبون على شكره، وقيل المراد بهم الذين يأتون بالأذكار الواردة في جميع الأحوال والأوقات "ومن الغازي في سبيل الله" أي الذاكرون أفضل من غيرهم ومن الغازي أيضاً قال ذلك تعجباً "قال" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم في جوابه "لو ضرب" أي الغازي "بسيفه في الكفار" هذا من قبيل يجرح في عراقيبها نصلي حيث جعل المفعول به مفعولاً فيه مبالغة أن يوجد فيهم الضرب ويجعلهم مكاناً للضرب بالسيف لأن جعلهم مكاناً للضرب أبلغ من جعلهم مضروبين به فقط "والمشركين" تخصيص بعد تعميم اهتماماً بشأنهم فإنهم ضد الموحدين "حتى ينكسر" أي سيفه "ويختضب" أي هو أو سيفه "دما" وهو كناية عن الشهادة "أفضل منه" أي من الغازي "درجة" تحتمل الوحدة أي بدرجة واحدة عظيمة وتحتمل الجنس أي بدرجات متعددة. قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه أحمد، وقال المنذري في الترغيب: ورواه البيهقي مختصراً قال قيل: يا رسول الله أي الناس أعظم درجة قال "الذاكرون الله" .

(9/316)


6 ـ باب منه
3437 ـ حدثنا الحُسَيْنُ بنُ حرَيْثٍ، أخبرنا الفَضْلُ بنُ مُوسى عَن عبْدِ الله بنِ سَعِيدٍ هُوَ ابنُ أَبِي هِنْدٍ عَن زِيَادٍ مَوْلَى ابنِ عَيّاشٍ عن أبي بَحْرِيّةَ عن أبي الدّرْدَاءِ رضي الله عنه قالَ قالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: "أَلاَ أُنَبّئُكُمْ بِخَيْرِ أعمَالِكُمْ وأزْكَاها عِنْدَ مَلِيكِكُمْ وأَرْفَعِهَا في دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذّهَبِ وَالْوَرِقِ وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أنْ تَلْقَوْا عَدُوّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أعْنَاقَكُمْ؟ قالُوا بَلَى، قالَ ذِكْرُ الله تَعَالَى" فقالَ مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ رضي الله عنه ما شَيْءٌ أَنْجَى مِنْ عَذَابِ الله مِنْ ذِكْرِ الله.
ـــــــ
باب منه
قوله: "عن زياد" هو ابن زياد ميسرة المخزومي المدني ثقة عابد من الخامسة "عن أبي بحرية" بفتح الموحدة وسكون الحاء المهملة وتشديد التحتانية هو عبد الله بن قيس الكندي السكوني حمصي مشهور مخضرم ثقة. قوله: "ألا أنبئكم" أي ألا أخبركم "وأزكاها" أي أنماها وأنقاها، والزكاء الئماء والبركة "عند مليككم" المليك بمعنى المالك للمبالغة، وقال في القاموس الملك ككتف وأمير وصاحب والملك "وخير لكم من إنفاق الذهب والورق" بكسر الراء ويسكن أي الفضة، وقال الطيبي: قوله وخير مجرور عطفاً على خير أعمالكم من حيث المعنى لأن المعنى ألا أنبئكم بما هو خير لكم من بذل أموالكم وأنفسكم في سبيل الله انتهى، وقيل عطف على خير أعمالكم عطف خاص على عام لأن الأول خير الأعمال مطلقاً وهذا خير من بذل الأموال والأنفس أو عطف مغاير بأن يراد بالأعمال الأعمال اللسانية فيكون ضد هذا لأن بذل الأموال والنفوس من الأعمال الفعلية "قال ذكر الله" قال شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام في قواعده: هذا الحديث مما يدل على أن الثواب لا يترتب على قدر النصب في جميع العبادات بل قد يأجر

(9/317)


وَقَدْ رَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ عَن عَبْدِ الله بنِ سَعيدٍ مِثْلَ هَذَا بِهَذَا الإسْنَادِ، وَرَوَى بَعْضُهُمْ عَنْهُ فَأرْسَلَهُ.
ـــــــ
الله تعالى على قليل الأعمال أكثر مما يأجر على كثيرها فإذاً الثواب يترتب على تفاوت الرتب في الشرف انتهى. وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أيضاً مالك في الموطإ وأحمد في المسند وابن ماجة والحاكم في المستدرك والطبراني في الكبير والبيهقي في شعب الإيمان وابن شاهين في الترغيب في الذكر كلهم من حديث أبي الدرداء إلا أن مالكاً في الموطإ وقفه عليه وقد صححه الحاكم في المستدرك. قوله: "ما شيء أنجى من عذاب الله من ذكر الله" من الأولى صلة أنجى والثانية تفضيلية. اعلم أن قوله قال معاذ بن جبل متصل بما قبله ففي الموطإ مالك عن زياد بن أبي زياد قال قال أبو الدرداء ألا أخبركم بخير أعمالكم لكم وأرفعها في درجاتكم؟ إلى قوله قالوا بلى. قال ذكر الله تعالى. قال زياد بن أبي زياد وقال أبو عبد الرحمن معاذ بن جبل ما عمل ابن آدم من عمل أنجى له من عذاب الله من ذكر الله. وروى أحمد والبيهقي وابن عبد البر قول معاذ هذا مرفوعاً "وقد روى بعضهم هذا الحديث عن عبد الله بن سعيد" كيحيى بن سعيد ومكي عند أحمد والمغيرة بن عبد الرحمن عند ابن ماجة.

(9/318)


7 ـ باب مَا جَاءَ في القَوْمِ يَجْلِسُونَ فَيَذْكُرُونَ الله عز وجلّ مَا لَهُمْ مِنَ الفَضْل
3438 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ، أخبرنا عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ مَهْدِيّ، أخبرنا سُفْيَانُ عَن أَبِي إِسْحَاقَ عَن الأغَرّ أَبي مُسْلِمٍ أَنّهُ شَهِدَ عَلَى
ـــــــ
باب ما جاء في القوم يجلسون فيذكرون الله ما لهم من الفضل
قوله: "عن الأغر أبي مسلم" بفتح الهمزة والغين المعجمة وبالراء الثقيلة، قال في التقريب الأغر أبّو مسلم المديني نزيل الكوفة ثقة من الثالثة وهو غير

(9/318)


أَبي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيد الخدْرِيّ أنّهُمَا شَهِدَا عَلَى رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أنّهُ قالَ: "مَا مِنْ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ الله إلاّ حَفّتْ بِهِمْ المَلاَئِكَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرّحْمَةُ ونَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السّكِينَةُ وَذَكَرَهُمُ الله فيمَنْ عِنْدَهُ" .
هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
سلمان الأغر الذي يكنى أبا عبد الله. وقد قلبه الطبراني فقال اسمه مسلم ويكنى أبا عبد الله "أنه شهد على أبي هريرة وأبي سعيد الخدري" ظاهر في أنه سمعه منهما قال ابن التين أراد بهذا اللفظ التأكيد للرواية انتهى. قوله: "إلا حفت بهم الملائكة" أي أحاطت بهم الملائكة الذين يطوفون في الطريق يلتمسون أهل الذكر "وغشيتهم الرحمة" أي غطتهم الرحمة "ونزلت عليهم السكينة" أي الطمأنينة والوقار لقوله تعالى: {أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} ومنه قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ} ووقع في حديث عند مسلم: وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة الحديث. قال النووي في شرح مسلم في شرح هذا الحديث قيل المراد بالسكينة ههنا الرحمة وهو اختاره القاضي عياض وهو ضعيف لعطف الرحمة عليه، وقيل الطمأنينة والوقار وهو أحسن. قال وفي هذا دليل لفضل الاجتماع على تلاوة القرآن في المسجد وهو مذهبنا ومذهب الجمهور، وقال في مالك يكره وتأوله بعض أصحابه ويلتحق بالمسجد في تحصيل هذه الفضيلة الاجتماع في مدرسة ورباط ونحوهما إن شاء الله تعالى. ويدل عليه الحديث الذي بعده فإنه مطلق يتناوله جميع المواضع ويكون التقييد في هذا الحديث خرج على الغالب لا سيما في ذلك الزمان فلا يكون له مفهوم يعمل به انتهى. قلت: أراد بالحديث الذي بعده حديث الباب الذي ئحن في شرحه فإنه قد أخرجه مسلم أيضاً "وذكرهم الله فيمن عنده" أي ذكرهم الله مباهاة وافتخاراً بهم بالثناء الجميل عليهم وبوعد الجزاء الجزيل لهم. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد ومسلم وابن ماجة وأبو داود الطيالسي

(9/319)


3439 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ أخبرنا مَرْحُومُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ العَطّارُ أخبرنا أبُو نَعَامَةَ عَن أَبي عُثْمَانَ النّهْدِيّ عَن أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيّ قالَ: "خَرَجَ مُعَاوِيَةُ إِلى المَسْجِدِ فقالَ: ما يُجْلِسُكُمْ؟ قالُوا جَلَسْنَا نَذْكُرُ الله، قالَ: الله مَا أجْلَسَكُمْ إِلاّ ذَاكَ؟ قالُوا والله ما أجْلَسَنَا إلاّ ذَاكَ، قالَ: أَمَا إِنّي لَمْ أسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ وَمَا كَانَ أَحَدٌ بَمَنْزِلَتِي مِنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أقَلّ حَدِيثاً عَنْهُ مِنّي. إِنّ
ـــــــ
وعبد بن حميد وأبو يعلى الموصلي وابن حبان وابن أبي شيبة وابن شاهين في الترغيب في الذكر.
قوله: "أخبرنا مرحوم بن عبد العزيز" بن مهران الأموي أبو محمد البصري ثقة من الثامنة "خرج معاوية" بن أبي سفيان "إلى المسجد" وفي رواية مسلم خرج معاوية على حلقة في المسجد "فقال ما يجلسكم" ما استفهامية، وفي رواية مسلم: ما أجلسكم والمعنى ما السبب الداعي إلى جلوسكم "قال الله" بالمد والجر. قال السيد جمال الدين: قيل الصواب بالجر لقول المحقق الشريف في حاشيته همزة الاستفهام وقعت بدلاً عن حرف القسم ويجب الجر معها انتهى. وكذا صحح في أصل سماعنا من المشكاة ومن صحيح مسلم. ووقع في بعض نسخ المشكاة بالنصب انتهى كلامه. وقال الطيبي: قيل الله بالنصب أي أتقسمون بالله فحذف الجار وأوصل الفعل ثم حذف الفعل كذا في المرقاة "قال" أي معاوية "أما" بالتخفيف للتنبيه "تهمة لكم" بسكون الهاء ويفتح قال في النهاية التهمة وقد تفتح الهاء فعلة من الوهم والتاء بدل من الواو تهمته ظننت فيه ما نسب إليه أي ما أستحلفكم تهمة لكم بالكذب لكني أردت المتابعة والمشابهة فيما وقع له صلى الله عليه وسلم مع الصحابة، وقدم بيان قربه منه عليه الصلاة والسلام وقلة نقلته من أحاديثه دفعاً لتهمة الكذب عن نفسه في ما ينقله فقال "وما كان أحد بمنزلتي" أي بمرتبة قربي "من رسول الله صلى الله عليه وسلم" لكونه محرماً لأم حبيبة أخته من أمهات المؤمنين ولكونه من أجلاء كتبة الوحي

(9/320)


رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أصْحَابِهِ فقالَ: ما يُجْلِسُكُمْ؟ قالُوا جَلَسْنَا نَذْكُرُ الله وَنَحْمَدُهُ لِمَا هَدَانا للإسْلاَمِ وَمَنّ عَلَيْنَا بِهِ. فقالَ الله ما أجْلَسَكُمْ إلاّ ذَاكَ؟ قَالُوا الله ما أجْلَسَنَا إِلاّ ذَاكَ. قالَ: أمَا أَنّي لَمْ أسْتَحْلِفْكُمْ لِتُهْمَةٍ لَكُمْ إنّهُ أتَانِي جِبْرِيلُ فَأخْبَرَنِي أنّ الله يُبَاهِي بِكُم الملاَئِكَةَ" . هَذا حديثٌ حسن غَريبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وأبُو نَعَامَةَ السّعْدِيّ اسْمُهُ عَمْرُو بنُ عِيسَى، وأَبُو عُثْمَانَ النّهْدِيّ اسْمُهُ عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ مُلّ.
ـــــــ
"أقل" خبر كان "حديثاً عنه" أي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "منى" أي لاحتياطي في الحديث وإلا كان مقتضي منزلته أن يكون كثير الرواية "ومن" قعل ماضي من المن من باب نصر أي أنعم "علينا" أي من بين الأنام كما حكى الله تعالى عن مقول أهل دار السلام {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} "به" أي بالإسلام "فقال آلله ما أجلسكم إلا ذاك" لعله أراد به الإخلاص "قال أما إني لم أستحلفكم لتهمة لكم" لأنه خلاف حسن الظن بالمؤمنين. قال الطيبي أي فأردت أن أتحقق ما هو السبب في ذلك، فالتحليف لمزيد التقرير والتأكيد لا التهمة كما هو الأصل في وضع التحليف فإن من لا يتهم لا يحلف انتهى "إنه" أي الشأن، وفي رواية مسلم ولكنه "إن الله يباهي بكم الملائكة" قيل معنى المباهاة بهم أن الله تعالى يقول لملائكته أنظروا إلى عبيدي هؤلاء كيف سلطت عليهم نفوسهم وشهواتهم وأهويتهم والشيطان وجنوده ومع ذلك قويت همتهم على مخالفة هذه الدواعي القوية إلى البطالة وترك العبادة والذكر فاستحقوا أن يمدحوا أكثر منكم لأنكم لا تجدون للعبادة مشقة بوجه، وإنما هي منكم كالتنفس منهم ففيها غاية الراحة والملاءمة للنفس. قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه مسلم والنسائي "وأبو نعامة السعدي اسمه عمرو بن عيسى" قال في التقريب أبو نعامة السعدي اسمه
عبد ربه وقيل عمرو ثقة من السادسة.

(9/321)


باب ما جاء في القوم يجلسون ولا يذكرو ن الله
...
8 ـ باب ما جاء في القَوْمِ يَجْلِسُونَ وَلاَ يَذْكُرُونَ الله
3440 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ، أخبرنا عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ مَهْدِيّ أخبرنا سُفْيَانُ عَن صَالِحٍ مَوْلَى التّوْأمَةِ عَن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِساً لَمْ يَذْكُرُوا الله فِيهِ وَلَمْ يُصَلّوا عَلَى نَبِيّهِمْ إِلاّ كانَ عَلَيْهِمْ تَرِةً فإِنْ شَاءَ عَذّبَهمْ وَإنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ، وَقَدْ رُوِيَ عَن أَبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مِنْ غَيْرِ وَجُهٍ
ـــــــ
"باب" ما جاء في القوم يجلسون ولا يذكرون الله
قوله: "ولم يصلوا على نبيهم" تخصيص بعد تعميم "إلا كان" أي ذلك المجلس "عليهم ترة" بكسر التاء وتخفيف الراء تبعة ومعاتبة أو نقصاناً وحسرة من وتره حقه نقصه وهو سبب الحسرة، ومنه قوله تعالى {لَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} والهاء عوض عن الواو المحذوفة مثل عدة وهو منصوب على الخبرية "فإن شاء عذبهم" أي بذنوبهم السابقة وتقصيراتهم اللاحقة "وإن شاء غفر لهم" أي فضلاً منه ورحمة وفيه إيماء بأنهم إذا ذكروا الله لم يعذبهم حتماً بل يغفر لهم جزماً، ووقع في هامش النسخة الأحمدية هذه العبارة ومعنى قوله ترة يعني حسرة وندامة. وقال بعض أهل المعرفة بالعربية الترة هو النار. كذا في نسخة انتهى ما في هامشها. قوله: "هذا حديث حسن" قال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث: رواه أبو داود والترمذي واللفظ له وقال حديث حسن، ورواه بهذا اللفظ ابن أبي الدنيا والبيهقي

(9/322)


9 ـ باب ما جَاءَ أَنّ دَعْوَةَ المُسْلِمِ مُسْتَجَابَة
3441 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ، أخبرنا ابنُ لَهِيعَةَ عَنْ أبي الزّبَيْرِ عَن جَابِرٍ قالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَا مِنْ أَحَدٍ يَدْعُو بِدُعَاءٍ إِلاّ آتَاهُ الله مَا سَألَ أَوْ كفّ عَنْهُ مِنْ السُوءِ مِثْلَهُ مَا لَمْ يَدْعُ بإِثْمٍ أوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ" . وفي البابِ عَنْ أبي سَعِيدٍ وعُبَادَةَ بنِ الصّامِتِ.
ـــــــ
"باب" ما جاء أن دعوة المسلم مستجابة
لكن الإجابة تتنوع، فروى أحمد في مسنده عن أبي سعيد مرفوعاً: ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها. وروى الترمذي في أواخر الدعوات عن أبي هريرة مرفوعاً: "ما من رجل يدعو الله بدعاء إلا استجيب له، فإما أن يعجل له في الدنيا، وإما أن يدخر له في الآخرة، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا".. الحديث قوله: "إلا آتاه الله ما سأل" أي إن جرى في الأزل تقدير إعطائه ما سأل "أو كف عنه من السوء مثله" أي دفع عنه من البلاء عوضاً مما منع قدر مسئوله إن لم يجر التقدير "ما لم يدع بإثم" أي بمعصية "أو قطيعة رحم" تخصيص بعد تعميم. اعلم أن لإجابة الدعاء شروطاً منها الإخلاص لقوله تعالى: {فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} ، ومنها أن لا يكون فيه إثم ولا قطيعة رحم لحديث جابر هذا، ومنها أن يكون طيب المطعم والملبس لحديث أبي هريرة عند مسلم وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه

(9/323)


3442 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ مَرْزُوقٍ، أخبرنا عُبَيْدُ الله بنُ وَاقِدٍ، أخبرنا سَعِيدُ بنُ عَطِيّةَ اللّيْثِيّ عَن شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ عَن أَبي هُرَيْرَةَ قال: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "مَنْ سَرّهُ أَنْ يَسْتَجِيبَ الله لَهُ عِنْدَ الشّدَائِدِ والكُرَبِ فَلْيُكْثِرِ الدّعَاءَ في الرّخَاءِ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
3443 ـ حدثنا يَحْيَى بنُ حَبِيبٍ بنِ عَرَبِيّ أخبرنا مُوسَى بنُ إِبْرَاهِيمَ بنِ كَثِيرٍ الأنْصَارِيّ قالَ سَمِعْتُ طَلْحَةَ بنَ خِرَاشٍ قالَ سَمِعْتُ
ـــــــ
ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك، ومنها أن لا يستعجل لحديث أبي هريرة الآتي في باب من يستعجل في دعائه. والحديث سكت عنه الترمذي وفي إسناده ابن لهيعة: قوله: "وفي الباب عن أبي سعيد وعبادة بن الصامت" أما حديث أبي سعيد فأخرجه أحمد وصححه الحاكم وتقدم لفظه آنفاً، وأما حديث عبادة بن الصامت فأخرجه الترمذي وسيأتي في أحاديث شتى.
قوله: "أخبرنا سعيد بن عطية الليثي" أبو سلمة مقبول من السادسة. قال في تهذيب التهذيب: روى له الترمذي حديثاً واحداً في الدعاء. قوله: "من سره" أي أعجبه وفرح قلبه وجعله مسروراً "أن يستجيب الله له عند الشدائد" جمع الشديدة وهي الحادثة الشاقة "والكرب" بضم الكاف وفتح الراء جمع الكربة وهي الغم الذي يأخذ بالنفس "فليكثر الدعاء في الرخاء" بفتح الراء أي في حالة الصحة والفراغ والعافية لأن من شيمة المؤمن أن يريش السهم قبل أن يرمي ويلتجئ إلى الله قبل الاضطرار. قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه الحاكم وقال صحيح وأقره الذهبي وأخرجه الحاكم أيضاً من حديث سلمان وقال صحيح الإسناد.

(9/324)


جَابِرَ بنَ عَبْدِ الله رضي الله عنهما يَقُولُ سَمِعْتُ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقُولُ: "أَفْضَلُ الذّكْرِ لا إلهَ إلاّ الله وَأَفْضَلُ الدّعَاءِ الحمْدُ لله" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ حَديثِ مُوسَى بنِ إبْرَاهيمَ. وَقَدْ رَوى عَلِيّ بنُ المَدِينيّ وغَيْرُ واحِدٍ عَنْ مُوسَى بنِ إبرَاهيمَ هَذَا الْحَدِيثَ.
3444 ـ حدثنا أبُو كُرَيْبٍ ومُحمّدُ بنُ عُبَيْدٍ المُحَارِبيّ قالاَ: أخبرنا يَحْيَى بنُ زَكَرِيّا بنِ أَبي زَائِدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَن خَالِدِ بنِ سَلَمَةَ عن البَهِيّ عَنْ عُرْوَةَ عَن عَائِشَةَ رضي الله عنها قالَتْ: "كانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَذْكُرُ الله عَلَى كُلّ أَحْيَانِهِ". هَذا حديثٌ حسن غَرِيبٌ.
ـــــــ
قوله: "أفضل الذكر لا إله إلا الله" لأنها كلمة التوحيد والتوحيد لا يماثله شيء وهي الفارقة بين الكفر والإيمان، ولأنها أجمع للقلب مع الله وأنفى للغير وأشد تزكية للنفس وتصفية للباطن وتنقية للخاطر من خبث النفس وأطرد للشيطان "وأفضل الدعاء الحمد لله" لأن الدعاء عبارة عن ذكر الله وأن تطلب منه الحاجة والحمد يشملهما، فإن من حمد الله يحمده على نعمته والحمد على النعمة طلب المزيد وهو رأس الشكر، قال تعالى: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} ويمكن أن يكون قوله الحمد لله من باب التلميح والإشارة إلى قوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} وأي دعاء أفضل وأكمل وأجمع من ذلك كذا في المرقاة وشرح الجامع الصغير للمنادى. قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه النسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم وقال صحيح.
قوله: "عن خالد بن سلمة" بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزومي الكوفي المعروف بالفأفأ أصله مدني صدوق رمى بالإرجاء والنصب من الخامسة. قوله: "يذكر الله على كل أحيانه" أي في كل أوقاته متطهراً ومحدثاً وجنباً وقائماً وقاعداً ومضطجعاً وماشياً. قال النووي في شرح هذا الحديث: واعلم أنه

(9/325)


لاَ نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بنِ زَكَرِيّا بنِ أَبِي زَائِدَةَ. وَالبَهِيّ اسْمُهُ عَبْدُ الله.
ـــــــ
يكره الذكر في حالة الجلوس على البول والغائط وفي حالة الجماع" فيكون الحديث مخصوصاً بما سوى هذا الأحوال انتهى ملخصاً. وقال في آخر باب التيمم: "يكره للقاعد على قضاء الحاجة أن يذكر الله تعالى بشيء من الأذكار فلا يسبح ولا يهلل ولا يرد السلام ولا يشمت العاطس ولا يحمد الله تعالى إذا عطس ولا يقول مثل ما يقول المؤذن، وكذلك لا يأتي بشيء من هذه الأذكار في حال الجماع، وإذا عطس في هذه الأحوال يحمد الله تعالى في نفسه ولا يحرك به لسانه"، هذا الذي ذكرناه من كراهة الذكر في حال البول والجماع هو كراهة تنزية لا تحريم فلا إثم على فاعله، وكذلك يكره الكلام على قضاء الحاجة بأي نوع كان من أنواع الكلام ويستثنى من هذا كله موضع الضرورة كما إذا رأى ضريراً يكاد أن يقع في بير أو رأى حية أو عقرباً أو غير ذلك يقصد إنساناً أو نحو ذلك فإن الكلام في هذه المواضع ليس بمكروه بل هو واجب، وهذا الذي ذكرنا من الكراهة في حال الاختيار هو مذهبنا ومذهب الأكثرين وحكاه ابن المنذر عن ابن عباس وعطاء ومعبد الجهني وعكرمة رضي الله عنهم، وحكى عن إبراهيم النخعي وابن سيرين أنهما قالا بأس به انتهى كلام النووي. قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجة وعلقه البخاري "والبهي اسمه عبد الله" قال في التقريب عبد الله البهي بفتح الموحدة وكسر الهاء وتشديد التحتانية مولى مصعب بن الزبير يقال اسم أبيه يسار صدوق يخطئ من الثالثة.

(9/326)


10 ـ باب مَا جاءَ أَنّ الدّاعِيَ يَبْدأُ بِنَفْسِه
3445 ـ حدثنا نَصْرُ بنُ عَلِيّ الكُوفِيّ أخبرنا أبُو قَطَنٍ عَن حَمْزَةَ الزّيّاتِ عَن أبي إسْحَاقَ عَن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عَن ابنِ عَبّاسٍ عَن أُبيّ بنِ كَعْبٍ "أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ إذَا ذَكَرَ أَحَداً فَدَعَا لَهُ بَدَأَ بِنَفْسِهِ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صحيحٌ. وَأبُو قَطَنٍ اسْمُهُ عَمْرُو بنُ الْهَيْثَمِ.
ـــــــ
"باب" ما جاء أن الداعي يبدأ بنفسه
قوله: "حدثنا نصر بن علي الكوفي" قال الحافظ صوابه ابن عبد الرحمن وهو الوشاء "حدثنا أبو قطن" بفتحتين إسمه عمرو بن الهيثم بن قطن القطعي البصري ثقة من صغار التاسعة مات على رأس المائتين "عن حمزة الزيات" هو حمزة بن حبيب القاري أبو عمارة الكوفي التيمي مولاهم صدوق زاهد ربما وهم قاله الحافظ في التقريب، وقال في تهذيب التهذيب قال أبو بكر بن منجوية كان من علماء زمانه بالقراءات، وكان من خيار عباد الله فضلاً وعبادة وورعاً ونسكاً وكان يجلب الزيت من الكوفة. قوله: "فدعا له" أي فأراد أن يدعو له "بدأ بنفسه" جزاء إذا ذكر قال الحافظ في الفتح بعد ذكر هذا الحديث: وهو عند مسلم في أول قصة موسى والخضر ولفظه: وكان إذا ذكر أحداً من الأنبياء بدأ بنفسه، قال ويؤيد هذا القيل أنه صلى الله عليه وسلم دعا لغير نبي قلم يبدأ بنفسه كقوله في قصة هاجر: "يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم لكانت عينا معينا" ، وحديث أبي هريرة: "اللهم أيده بروح القدس" يريد حسان

(9/327)


ـــــــ
بن ثابت، وحديث ابن عباس اللهم فقهه في الدين وغير ذلك من الأمثلة مع أن الذي جاء في حديث أبي لم يطرد فقد ثبت أنه دعا لبعض الأنبياء فلم يبدأ بنفسه كحديث أبي هريرة: "يرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد" انتهى كلام الحافظ. قلت: فظهر أن بداءته صلى الله عليه وسلم بنفسه عند ذكر أحد والدعاء لم يكن من عادته اللازمة. قوله: "هذا حديث حسن غريب صحيح" وأخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم كما في الجامع الصغير.

(9/328)


11 ـ باب ما جَاءَ في رَفْعِ الأيْدي عِنْدَ الدّعَاء
3446 ـ حدثنا أَبُو مُوسَى مُحمّدُ بنُ المُثَنّى وَإِبْرَاهِيمُ بنُ يَعْقُوبَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ قالُوا: أخبرنا حَمّادُ بنُ عِيسَى الْجُهَنِيّ عَنْ حَنْظَلَةَ بنِ أبِي سُفْيَانَ الْجُمَحِيّ عن سَالِمِ بنِ عَبْدِ الله عَن أبِيهِ عَن عُمَرَ بنِ الْخَطّابِ رضي الله عنه قال: "كانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا رَفَعَ يَدَيْهِ في الدّعَاءِ لَمْ يَحُطّهُمَا حَتّى يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ" . قالَ مُحمّدُ بنُ المُثَنّى في حَدِيثِهِ : "لَمْ يردهما حَتّى يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ" . هَذا حديثٌ غَرِيبٌ
ـــــــ
"باب" ما جاء في رفع الأيدي عند الدعاء
قوله: "حدثنا حماد بن عيسى الجهني" لقبه غريق الجحفة فإنه غرق بالجحفة سنة ثمان ومائتين. قال في التقريب: ضعيف، وقال في الميزان ضعفه أبو داود وأبو حاتم والدارقطني ولم يتركه. قوله: "لم يحطهما" أي لم يضعهما "حتى يمسح بهما وجهه" قال ابن الملك وذلك على سبيل التفاؤل، فكأن كفيه قد

(9/328)


لا نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ حَدِيثِ حَمّادِ بنِ عِيسَى وقَدْ تَفَرّدَ بِهِ وَهُوَ قليلُ الحديثِ وقَدْ حدّثَ عَنْهُ النّاسُ، وَحَنْظَلَةُ بنُ أبي سُفْيَانَ الْجُمَحِيّ هو ثِقَةٌ وَثّقَهُ يَحْيى بنُ سَعِيدِ القَطّانُ.
ـــــــ
ملئتا من البركات السماوية والأنوار الإلهية، وقال في السبل: وفي الحديث دليل على مشروعية مسح الوجه باليدين بعد الفراغ من الدعاء، وقيل وكأن المناسبة أنه تعالى لما كان لا يردهما صفراً فكأن الرحمة أصابتهما فناسب إفاضة ذلك على الوجه الذي هو أشرف الأعضاء وأحقها بالتكريم انتهى. وقد ورد في رفع الأيدي عند الدعاء أحاديث كثيرة صحيحة صريحة كما عرفت في باب: ما يقول إذا سلم، والجمع بين هذه الأحاديث وبين حديث أنس لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء رواه الشيخان بأن المنفى صفة خاصة لا أصل الرفع. قال الحافظ ما حاصله إن الرفع في الاستسقاء يخالف غيره إما بالمبالغة إلى أن تصير اليدان حذو الوجه مثلاً وفي الدعاء إلى حذو المنكبين ولا يعكر على ذلك أنه ثبت في كل منهما حتى يرى بياض إبطيه بل يجمع بأن تكون رواية البياض في الاستسقاء أبلغ منها في غيره، وأما أن الكفين في الاستسقاء يليان الأرض وفي الدعاء يليان السماء قال المنذري وبتقدير تعذر الجمع فجانب الإثبات أرجح انتهى. قوله: "هذا حديث صحيح غريب الخ" وقد تفرد به حماد بن عيسى وهو ضعيف كما عرفت فالحديث ضعيف. قال الحافظ في بلوغ المرام: وله شواهد منها حديث ابن عباس عند أبي داود ومجموعها يقتضي أنه حديث حسن انتهى.

(9/329)


12 ـ باب مَا جَاءَ فيمن يَسْتَعْجِلُ في دُعَائِه
3447 ـ حدثنا الأنْصَارِيّ أخبرنا مَعْنٌ أخبرنا مَالِكٌ عَنِ ابنِ شِهَابٍ عَن أبي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابنِ أزْهَرَ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "يُسْتَجَابُ لأَحَدِكُمْ ما لَمْ يَعْجَلْ يَقُولُ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ وأَبُو عُبَيْدٍ اسْمُهُ سَعْدٌ وهُوَ مَوْلَى عَبْدِ الرّحمَن بنِ أَزْهَرَ ويُقَالُ مَوْلَى عَبْدِ الرّحمَنِ بنِ عَوْفٍ. وفي البابِ عَن أَنَسٍ.
ـــــــ
"باب" ما جاء في من يستعجل في دعائه
قوله: "يستجاب لأحدكم" أي بعد شروط الإجابة "ما لم يعجل" ما ظرف يستجاب بمعنى المدة أي مدة كونه لم يستعجل "يقول دعوت فلم يستجب لي" هذا بيان وتفسير للعجلة، وفي رواية مسلم يقول: قد دعوت فلم أر يستجاب لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وأبو داود وابن ماجة. قوله: "وأبو عبيد اسمه سعد" بن عبيد الزهري ثقة من الثانية وقيل له إدراك. قوله: "وفي الباب عن أنس" أخرج حديثه أحمد مرفوعاً: "لا يزال العبد بخير ما لم يستعجل قال يا بني الله وكيف يستعجل قال يقول قد دعوت ربي فلم يستجب لي" . وأخرجه أبو يعلى أيضاً. قال المنذري في الترغيب ورواتهما محتج بهم في الصحيح إلا أبا هلال الراسبي انتهى.

(9/330)


13 ـ باب مَا جَاءَ في الدّعَاءِ إذَا أَصْبَحَ وَإِذَا أَمْسَى
3448 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ أخبرنا أَبُو دَاوُدَ وهُوَ الطّيَالِسِيّ حدثنا عَبْدُ الرّحمنِ بنُ أبي الزّنَادِ عَن أَبيهِ عَن أبَانَ بنِ عُثْمَانَ قالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بنَ عَفّانَ رضي الله عنه يقول قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ في صَبَاحِ كُلّ يَوْمٍ وَمَسَاءِ كُلّ لَيْلَةٍ بِسْمِ الله الّذِي لا يَضُرّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ في الأرْضِ وَلا في السّمَاءِ وَهُوَ السّمِيعُ العَلِيمُ ثَلاَثَ مَرّاتٍ لم يضُرّهُ شَيْءٌ" . وكَانَ أَبَانُ قَدْ أَصَابَهُ طَرَفُ فَالِج
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في الدّعَاءِ إذَا أَصْبَحَ وَإِذَا أَمْسَى
قوله: "عن أبان" بفتح الهمزة وتخفيف الموحدة يصرف لأنه فعال ويمنع لأنه أفعل والصحيح الأشهر الصرف "ما من عبد يقول في صباح كل يوم ومساء كل ليلة" أي في أوائلهما. قال في القاموس الصبح الفجر أو أول النهار وهو الصبيحة والصباح والإصباح والمصبح والمساء ضد الصباح "بسم الله" أي أستعين أو أتحفظ من كل مؤذ باسم الله "الذي لا يضر مع اسمه" أي مع ذكره باعتقاد حسن ونية خالصة "ولا في السماء" أي من البلاء النازل منها "وهو السميع" أي بأقوالنا "العليم" أي بأحوالنا "ثلاث مرات" ظرف يقول "فيضره شيء" بالنصب جواب ما من عبد، قال الطيبي وبالرفع عطفاً على يقول على أن الفاء هنا كهي في قوله لا يموت لمؤمن ثلاثة من الولد فتمسه النار أي لا يجتمع هذا القول مع المضرة كما لا يجتمع مس النار مع موت ثلاثة من الولد بشرطه "وكان أبان" بالوجهين "قد أصابه طرف فالج" أي نوع منه وهو يفتح اللام استرخاء لأحد

(9/331)


فَجَعَلَ الرّجُلُ يَنْظُرُ إلَيْهِ فقَالَ لَهُ أَبَانُ ما تَنْظُرُ؟ أمَا إِنّ الْحَدِيثَ كَمَا حَدّثْتُكَ ولَكِنّي لَمْ أَقُلْهُ يَوْمَئِذٍ لِيُمْضِيَ الله عَلَيّ قَدَرَهُ . هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صحيحٌ.
3449 ـ حدثنا أَبُو سَعِيدٍ الأشَجّ أخبرنا عُقْبَةُ بنُ خَالِدٍ عَن أبي سَعْدٍ سَعِيدِ بنِ المرْزُبَانِ عَن أبي سَلَمَةَ عَن ثَوْبَانَ رضي الله عنه قالَ قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ قالَ حِينَ يُمْسِي رَضِيتُ بالله رَبّا وبِالإسْلاَمِ دِيناً وَبِمُحمّدٍ نَبِيّا كانَ حَقّا عَلَى الله أَنْ يُرْضِيهُ" . هَذا
ـــــــ
شقي البدن لانصباب خلط بلغمي تنسد منه مسالك الروح "فجعل الرجل" أي المستمع "ينظر إليه" أي إلى أبان تعجباً "ما تنظر" زاد أبو داود إلى، قال الطيبي ما هي استفهامية وصلتها محذوفة وتنظر إلى حال أي مالك تنظر إلى "أما" للتنبيه وقيل بمعنى حقاً "ولكني لم أقله" أي ما قدر الله لي أن أقوله "يومئذ ليمضي الله على قدره" بفتح الدال أي مقدرة، قال الطيبي قوله ليمضي الله عليه لعدم القول وليس بغرض له كما في قعدت عن الحرب حيناً، وقيل اللام فيه للعاقبة كما في قوله لدوا للموت وأبنوا للخراب، ذكره القاري، وفي رواية أبي داود فجعل الرجل الذي سمع منه الحديث ينظر إليه فقال له مالك: تنظر إلي فوالله ما كذبت على عثمان ولا كذب عثمان على النبي صلى الله عليه وسلم ولكن اليوم الذي أصابني فيه ما أصابني غضبت فنسيت أن أقولها. قوله: "هذا حديث حسن غريب صحيح" وأخرجه النسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم وابن أبي شيبة وأبو داود، وفي روايته لم تصبه فجاءة بلاء حتى يصبح ومن قالها حين يصبح لم تصبه فجاءة بلاء حتى يمسي.
قوله: "أخبرنا عقبة بن خالد" السكوني "عن أبي سعيد بن المرزبان" العبسي مولاهم البقال الكوفي الأعور ضعيف مدلس من الخامسة "عن أبي سلمة" بن عبد الرحمن. قوله: "رضيت بالله" أي بقضائه "ربا وبالإسلام" أي

(9/332)


حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
3450 ـ حدثنا سُفْيَانُ بنُ وَكِيعٍ أخبرنا جَريرٌ عَن الحَسنِ بنِ عُبَيْدِ الله عَن إبْرَاهِيمَ بنِ سُوَيْدٍ عَن عَبْدِ الرحمنِ بنِ يَزِيدَ عَن عَبْدِ الله قالَ: "كانَ النبيّ صلى الله عليه وسلم إذَا أَمْسَى قالَ: أَمْسَيْنَا وَأمْسَى المُلْكُ لله والْحَمْدُ لله ولاَ إِلَهَ إلاّ الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ أُرَاهُ قالَ فيها: لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، أسْأَلُكَ خَيْرَ مَا فِي
ـــــــ
بأحكامه "دينا وبمحمد" أي بمتابعته "نبياً" والمنصوبات تمييزات ويمكن أن تكون حالات مؤكدات "وكان حقاً على الله" هو خبر كان "أن يرضيه" من الإرضاء أي يعطيه ثواباً جزيلاً حتى يرضى وهو إسم كان. قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد.
قوله: "أخبرنا جرير" بن عبد الحميد "عن الحسن بن عبيد الله" النخعي "عن إبراهيم بن سويد" النخعي ثقة لم يثبت أن النسائي ضعفه من السادسة "عن عبد الرحمن بن يزيد" بن قيس النخعي. قوله: "أمسينا وأمسى الملك لله" أي دخلنا في المساء ودخل فيه الملك كائناً لله ومختصاً به، أو الجملة حالية بتقدير قد أو بدونه أي أمسينا وقد صار بمعنى كان ودام الملك لله "والحمد لله" قال الطيبي عطف على أمسينا وأمسى الملك أي صرنا نحن وجميع الملك وجميع الحمد لله انتهى. قال القاري: أي عرفنا فيه أن الملك لله وأن الحمد لله لا لغيره ويمكن أن يكون جملة الحمد لله مستقلة والتقدير والحمد لله على ذلك "وحده" حال مؤكدة أي منفرداً بالألوهية "أراه قال: له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" أي أظن إبراهيم بن سويد أنه قال له الملك وله الحمد الخ، وقائل أراه الحسن بن عبيد الله، وفي رواية لمسلم قال الحسن فحدثني الزبيد أنه حفظ عن إبراهيم في هذا "له الملك وله الحمد" الخ، وفي رواية أخرى له قال الحسن بن عبيد الله وزادني فيه زبيد عن إبراهيم بن سويد عن عبد الرحمن بن يزيد

(9/333)


هَذِهِ اللّيْلَةِ وَخَيْرَ مَا بَعْدَهَا وأعُوذُ بِكَ مِنَ شَرّ هَذِهِ اللّيْلَةِ وَشَرّ مَا بَعْدهَا وأعُوذُ بِكَ مِنَ الكَسَلِ وسُوءِ الكِبَرِ، وأعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ النّارِ وَعَذَابِ القَبْرِ، وإذَا أَصْبَحَ قالَ ذَلِكَ أَيْضاً أصْبَحْنَا وَأصْبَحَ المُلْكُ لله والْحَمْدُ لله" . هَذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقَدْ رَوَاهُ شُعْبَةُ بِهذَا الإسْنَادِ عَن ابنِ مَسْعُودٍ ولَمْ يَرْفَعْهُ.
ـــــــ
عن عبد الله رفعه أنه قال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له" ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير "أسألك خير ما في هذه الليلة" قال الطيبي أي خير ما ينشأ فيها وخير ما يسكن فيها، قال تعالى: {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ} وقال ابن حجر أي ما أردت وقوعه فيها لخواص خلقك من الكمالات الظاهرة والباطنة وخير ما يقع فيها من العبادات التي أمرنا بها فيها أو المراد خير الموجودات التي قارن وجودها هذه الليلة وخير كل موجود الآن "وخير ما بعدها" أي من الليالي أو مطلقاً "وأعوذ بك من الكسل" بفتحتين أي التثاقل في الطاعة مع الاستطاعة. قال الطيبي الكسل التثاقل عما لا ينبغي التثاقل عنه ويكون ذلك لعدم انبعاث النفس للخير مع ظهور الاستطاعة "وسوء الكبر" قال النووي قال القاضي رويناه الكبر بإسكان الباء وفتحها فالإسكان بمعنى التعاظم على الناس والفتح بمعنى الهرم والخوف والرد إلى أر ذل العمر كما في الحديث الآخر، قال القاضي وهذا أظهر وأشهر بما قبله، قال وبالفتح ذكره الهروي وبالوجهين ذكره الخطابي وصوب الفتح وتعضده رواية النسائي وسوء العمر انتهى "وإذا أصبح" أي دخل صلى الله عليه وسلم في الصباح "قال ذلك" أي ما يقول في المساء "أيضاً" أي لكن يقول بدل أمسينا وأمسى الملك لله "أصبحنا وأصبح الملك لله" ويبدل اليوم بالليلة فيقول أسألك خير هذا اليوم ويذكر الضمائر بعده. قوله: "هذا الحديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن أبي شيبة.

(9/334)


3451 ـ حدثنا عَلِيّ بنُ حُجْرٍ، أخبرنا عَبْدُ الله بنُ جَعْفَرٍ أخبرنا سُهَيْلُ بنُ أَبي صَالحٍ عَن أَبِيهِ عَن أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ "كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُعَلّمُ أَصْحَابَهُ: يَقُولُ: إذا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ اللّهُمّ بِكَ أَصْبَحْنَا وَبِكَ أَمْسَيْنَا وَبِكَ نَحْيَا وَبِكَ نَمُوتُ وَإِلَيْكَ المَصِيرُ. وإذَا أمْسَى فَلْيَقُلْ: الّلهُمّ بِكَ أَمْسَيْنَا وَبِكَ أصْبَحْنَا وَبِكَ نَحْيَا وَبِكَ نَمُوتُ وَإلَيْكَ النّشُورُ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ.
ـــــــ
قوله: "حدثنا عبد الله بن جعفر" بن نجبح السعدي. قوله: "إذا أصبح أحدكم" أي دخل في الصباح "اللهم بك أصبحنا" الباء متعلق بمحذوف وهو خبر أصبحنا ولا بد من تقدير مضاف أي أصبحنا ملتبسين بحفظك أو مغمورين بنعمتك أو مشتغلين بذكرك أر مستعينين بإسمك أو مشمولين بتوفيتك أو متحركين بحولك وقوتك أو متقلبين بإرادتك وقدرتك "وبك نحيى وبك نموت" أي أنت تحيينا وأنت تميتنا يعني يستمر حالنا على هذا في جميع الأوقات وسائر الأحوال "وإليك" لا إلى غيرك "المصير" أي المرجع بالبعث "وإذا أمسى" عطف على إذا أصبح "بك أمسينا وبك أصبحنا" بتقديم أمسينا "وإليك النشور" قال في النهاية بقال نشر الميت ينشر نشوراً إذا عاش بعد الموت أو نشره الله أي أحياه. قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه وأبو عوانة.

(9/335)


14 ـ باب منه
3452 ـ حدثنا مَحْمُودُ بنُ غَيْلاَنَ، أخبرنا أَبُو دَاودَ قَالَ أَنْبَأنَا شُعْبَةُ عَن يَعْلَى بنِ عَطَاءٍ قَالَ سَمِعْتُ عَمْرَو بنَ عَاصِمٍ الثّقَفِيّ يُحدّثُ عَن أبي
ـــــــ
باب منه
قوله: "عن يعلى بن عطاء" العامري الطائفي "سمعت عمرو بن عاصم"

(9/335)


هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ "قَالَ أبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ الله مُرْنِي بِشَيْءٍ أَقُولُهُ إذَا أَصْبَحْتُ وَإذَا أَمْسَيْتُ. قَالَ: قُلْ: اللّهُمّ عَالِمَ الغَيْبِ وَالشّهَادَةِ، فَاطِرَ السّمَاواتِ والأَرْضِ، رَبّ كُلّ شَيءٍ وَمَلِيكَهُ أشْهَدُ أَن لاَ إِله إِلاّ أنْتَ أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ نَفْسِي وَمِنْ شَرّ الشّيْطَانِ وشِرْكِهِ. قَالَ قُلْهُ إذَا أَصْبَحْتَ وَإذَا أَمْسَيْتَ وإِذَا أخَذْتَ مَضْجَعَكَ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
بن سفيان بن عبد الله بن ربيعة بن الحارث الثقفي الحجازي ثقة من الثالثة. قوله: "اللهم عالم الغيب والشهادة" أي ما غاب من العباد وظهر لهم "فاطر السماوات والأرض" أي مخترعهما وموجدهما على غير مثال سبق "رب كل شيء مليكه" فعيل بمعنى فاعل للمبالغة كالتقدير بمعنى القادر "أعوذ بك من شر نفسي" أي من ظهور السيئات الباطنية التي جبلت النفس عليها "ومن شر الشيطان" أي وسوسته وإغوائه وإضلاله "وشركه" بكسر الشين وسكون الراء أي ما يدعو إليه من الإشراك بالله، ويروى بفتحتين أي مصائده وحبائله التي يفتتن بها الناس، والإضافة على الأول إضافة المصدر إلى الفاعل وعلى الثاني معنوية والعطف على التقديرين للتخصيص بعد التعميم للاهتمام به "قله" أي قل هذا القول. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أبو داود والنسائي والدارمي وابن حبان والحاكم وابن أبي شيبة

(9/336)


15 ـ باب منه
3453 ـ حدثنا الْحُسَيْنُ بنُ حُرَيْثٍ، أخبرنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ أَبي حَازِمٍ عَن كُثَيّر بنِ زَيْدٍ عن عُثْمَانَ بنِ رَبِيعَةَ عَن شَدّادِ بنِ أَوْسٍ "أنّ النبيّ
ـــــــ
باب منه
قوله: "عن كثير بن زيد" الأسلمي المدني "عن عثمان بن ربيعة" بن عبد الله

(9/336)


صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ: ألاَ أَدُلّكَ عَلَى سَيّدِ الاسْتِغْفَارِ؟ اللّهُمّ أَنْتَ رَبّي لاَ إِله إلاّ أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأنَا عَبْدُكَ وَأنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ أَعُوذُ بِكَ مِن شَرّ ما صَنَعْتُ وأَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيّ وأعتَرِفُ بِذُنُوبِي فاغْفِرْ لِي ذُنُوبي إنّهُ لا يَغْفِرُ الذّنُوبَ إلاّ أنْتَ. لاَ يَقُولُهَا أحَدُكُمْ حِينَ يُمْسِي فَيَأْتِي عَلَيْهِ قَدَرٌ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ إلاّ وَجَبَتْ لَهُ الجَنّةُ وَلاَ يَقُولُهَا حِينَ يُصْبِحُ فَيَأْتِي عَلَيْهِ قَدَرٌ قَبْلَ أنْ يُمْسِي إلاّ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنّةُ" . وفي
ـــــــ
ابن الهدير التيمي المدني مقبول من الرابعة، قوله: "ألا أدلك على سيد الاستغفار" قال الطيبي لما كان هذا الدعاء جامعاً لمعاني التوبة كلها استعير له اسم السيد وهو في الأصل الرئيس الذي يقصد في الحوائج ويرجع إليه في الأمور "خلقتني" استئناف بيان للتربية "وأنا عبدك" أي مخلوقك ومملوكك وهو حال كقوله: "وأنا على عهدك ووعدك" أي أنا مقيم على الوفاء بعهد الميثاق وأنا موقن بوعدك يوم الحشر والتلاق "ما استطعت" أي بقدر طاقتي، وقيل أي أنا على ما عاهدتك ووعدتك من الإيمان بك والإخلاص من طاعتك، أو أنا مقيم على ما عاهدت إلى من أمرك ومتمسك به ومتنجز وعدك في المثوبة والأجر عليه واشتراط الاستطاعة اعتراف بالعجز والقصور عن كنه الواجب في حقه تعالى أي لا أقدر أن أعبدك حق عبادتك ولكن أجتهد بقدر طاقتي "وأبوء لك بنعمتك على" أي أعترف بها من قولهم باء بحقه أي أقربه وأصله البواء ومعناه اللزوم ومنه بوأه الله منزلاً إذا أسكنه فكأنه ألزمه به "وأعترف بذنوبي" قال الطيبي: أعترف أولاً بأنه تعالى أنعم عليه ولم يقيده ليشمل جميع أنواع النعم ثم أعترف بالتقصير وأنه لم يقم بأداء شكرها ثم بالغ فعده ذنباً مبالغة في هضم النفس تعليماً للأمة انتهى. قال الحافظ: ويحتمل أن يكون قوله أبوء لك بذنبي اعتراف بوقوع الذنب مطلقاً ليصح الاستغفار منه لا أنه عد ما قصر فيه من أداء شكر النعم ذنباً "لا يغفر الذنوب" أي ما عدا الشرك "لا يقولها" أي هذه الكلمات "فيأتي عليه قدر الخ" المراد من القدر الموت وفي رواية

(9/337)


البابِ عَن أَبي هُرَيْرَةَ وابنِ عُمَرَ وابنِ مَسْعُودٍ وابنِ أَبْزَى وَبُرَيْدَةَ رضي الله عنهم. هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَريبٌ من هذا الوجه. وَعَبْدُ العَزِيزِ بنُ أَبي حَازِمٍ هُوَ ابنُ أَبي حَازِمٍ الزّاهِدُ.
ـــــــ
البخاري قال: "ومن قالها من النهار موقناً بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة" . فإن قيل المؤمن وإن لم يقلها فهو من أهل الجنة، وأجيب بأنه يدخلها ابتداء من غير دخول النار لأن الغالب أن الموقن بحقيقتها المؤمن بمضمونها لا يعصي الله تعالى أو لأن الله يعفو عنه ببركة هذا الاستغفار. قوله: "وفي الباب عن أبي هريرة وابن عمر وابن مسعود وابن أبزى وبريدة" أما حديث بريدة فأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وصححه ابن حبان والحاكم، وأما أحاديث الباقين فلينظر من أخرجها. قوله: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه" وأخرجه أحمد والبخاري والنسائي.

(9/338)


16 ـ باب ما جَاءَ في الدّعَاءِ إذَا أَوَى إِلى فِرَاشِه
3454 ـ حدثنا ابنُ أبي عُمَرَ أخبرنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عَن أَبِي إِسْحاقَ الهَمْدانِيّ عَن البَراءِ بنِ عَازِبٍ "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ له: أَلاَ أُعَلّمُكَ كَلِمَاتٍ تَقُولُهَا إذَا أَوَيْتَ إلى فِرَاشِكَ فإِن مُتّ مِنْ لَيْلَتِكَ مُتّ عَلَى الفِطْرَةِ وإِنْ أَصْبَحْتَ أصْبَحْتَ وقَدْ أَصَبْتَ خَيْراً؟ تَقُولُ
ـــــــ
"باب" ما جاء في الدعاء إذا أوى إلى فراشه
قوله: "عن أبي إسحاق الهمداني" السبيعي. قوله: "إذا أويت إلى فراشك" أي إذا أتيت إلى فراشك للنوم "أصبت خيراً" أي خيراً كثيراً أو خيراً

(9/338)


اللّهُمّ إنّي أَسْلَمْتُ نَفْسِي إلَيْكَ وَوَجّهْتُ وَجْهِي إلَيْكَ وَفَوّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إلَيْكَ وَأَلْجأْتُ ظَهْرِي إلَيْكَ، لاَ مَلْجَأَ وَلاَ مَنْجَا مِنْكَ إلاّ إلَيْكَ. آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الّذِي أنْزَلْتَ وَبنبِيّكَ الذِي أَرْسَلْتَ ـ قَالَ البَرَاءُ فَقُلْتُ ـ وَبرَسُولِكَ الّذِي أرْسَلْتَ، قَالَ فَطَعَنَ بِيَدِهِ في صَدْرِي ثُمّ قَالَ: وَبنبيّكَ الّذِي أرْسَلْتَ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غَريبٌ، وفي الباب عن رافع بن خديجٍ وقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَن البَرَاءِ وَرَوَاهُ مَنْصُورُ بنُ المُعْتَمِرِ عن سَعْدِ بنِ عُبَيْدَةَ عَن البَرَاءِ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ إلاّ أنّهُ قَالَ: " إِذا أوَيْتَ إلى فِرَاشِكَ وَأَنْتَ عَلَى وُضُوءٍ" .
قال وفي البابِ عن رافِعِ بن خَدِيجٍ رضي الله عنه.
3455 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ، أخبرنا عُثْمَانُ بنُ عُمَرَ، أخبرنا عَلِيّ بنُ المُبَارَكِ عَن يَحْيَى بنِ أبي كثِيرٍ عن يَحْيَى بنِ إسْحَاقَ بن أخِي رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ رضي الله عنه عَن رَافِعِ بنِ خَديجٍ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ "إذَا اضْطَجَعَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَنْبِهِ الأَيْمَن ثُمّ قَالَ: اللّهُمّ إنّي أَسْلَمْتُ نَفْسِي إلَيْكَ وَوَجّهْتُ وَجْهي إلَيْكَ وَأُلْجأْتُ ظَهْرِي إلَيْكَ وَفَوّضْتُ أمْرِي إلَيْكَ لاَ مَلْجَأ منك إلاّ
ـــــــ
في الدارين "أسلمت" أي أخلصت "نفسي" أي ذاتي "إليك" أي مائلة إلى حكمك "ووجهت وجهي" أي وجهتي وتوجهي وقصد قلبي، وسيأتي هذا الحديث مع شرحه في أحاديث شتى. قوله: "وفي الباب عن رافع بن خديج" أخرجه الترمذي بعد هذا.
قوله: "أخبرنا عثمان بن عمر" العبدي البصري "عن يحيى بن أبي كثير" الطائي اليمامي "عن يحيى بن إسحاق بن أخي رافع بن خديج" قال الحافظ يحيى بن إسحاق ويقال ابن أبي إسحاق الأنصاري روى عن عمه رافع بن خديج في الاضطجاع على الشق الأيمن وعنه يحيى بن أبي كثير ثقة من الرابعة. قوله:

(9/339)


إِلَيْكَ أُومِنُ بِكِتَابِكَ وبِرَسُلِكَ فإِنْ مَاتَ مِنْ لَيْلَتِهِ دَخَلَ الْجَنّةَ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ.
3456 ـ حدثنا إسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ، أخبرنا عَفّانُ بنُ مُسْلِمٍ، أخبرنا حَمّاد بن سلمة عَنْ ثابِتٍ عَن أنَسِ بنِ مَالِكٍ "أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كانَ إِذَا أَوَى إِلى فِرَاشِهِ قالَ: "الْحَمْدُ لله الّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَكَفَانَا وَآوانَا فَكَمْ مِمّنْ لاَ كَافِيَ لَهُ وَلاَ مُؤْوِي" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صحيحٌ.
ـــــــ
"اللهم أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك وألجأت ظهري إليك الخ" سيأتي شرح ألفاظ هذا الحديث في شرح حديث البراء الاَتي في أحاديث شتى.
قوله: "أخبرنا عفان بن مسلم" الصفار البصري "أخبرنا حماد" بن سلمة. قوله: "كان إذا أوى إلى فراشه" أي انضم إليه ودخل فيه. قال النووي: إذا أوى إلى فراشه وأويت مقصور، وأما آوانا فمدود، هذا هو الصحيح الفصيح المشهور، وحكى القصر فيهما وحكى المد فيهما انتهى "وكفانا" أي دفع عنا شر المؤذيات أو كفى مهماتنا وقضى حاجاتنا "وآوانا" أي رزقنا مساكن وهيأ لنا المآوي "فكم ممن لا كافي" بفتح الياء "ولا مؤوي" بصيغة إسم الفاعل وله مقدر أي فكم شخص لا يكفيهم الله شر الأشرار بل تركهم وشرهم حتى غلب عليهم الأعداء، ولا يهيئ لهم مأوى بل تركهم يهيمون في البوادي ويتأذون بالحر والبرد. قال الطيبي ذلك قليل نادر فلا يناسب كم المقتضى لكثرة على أنه افتتح بقوله "أطعمنا وسقانا" ويمكن أن ينزل هذا على معنى قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ} فالمعنى أنا نحمد الله على أن عرفنا نعمه ووفقنا لأداء شكره فكم من منعم عليه لا يعرفون ذلك ولا يشكرون، وكذلك الله مولى الخلق كلهم بمعنى أنه ربهم

(9/340)


ـــــــ
ومالكهم لكنه ناصر للمؤمنين ومحب لهم فالفاء في فكم للتعليل. قوله: "هذا حديث حسن غريب صحيح" وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي.

(9/341)


17 ـ باب منه
3457 ـ حدثنا صَالِحُ بنُ عَبْدِ الله، أخبرنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَن الْوَصّافيّ عَن عَطِيّةَ عَن أَبي سَعيدٍ رضي الله عنه عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ قالَ حِينَ يَأْوِي إِلى فِرَاشِهِ أَسْتَغْفِرُ الله العظيم الّذِي لا إلهَ إلاّ هُوَ الحَيّ القَيّومُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ ثَلاَثَ مَرّاتٍ غَفَرَ الله لَهُ ذُنُوبَهُ وإنْ كَانَتَ مِثْلَ زَبَدِ البحْرِ، وإِنْ كانَتْ عَدَدَ وَرَقِ الشّجَرِ، وإِنْ كَانَتْ عَدَدِ رَمْلِ عَالِجٍ وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ أيّامِ الدّنْيَا" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ هَذَا الوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ الله بنِ الوَلِيدِ الْوَصّافِيّ.
ـــــــ
"باب"
قوله: "حدثنا صالح بن عبد الله" بن ذكران الباهلي "عن عطية" هو العوفي. قوله: "أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم" يجوز فيهما النصب صفة لله أو مدحاً والرفع بدلاً من الضمير أو على أنه خبر مبتدأ محذوف "وأتوب إليه" أي أطلب المغفرة وأريد التوبة فكأنه قال اللهم اغفر لي ووفقني للتوبة "وإن كانت" أي ولو كانت ذنوبه في الكثرة "مثل زبد البحر" الزبد محركة ما يعلو الماء وغيره من الرغوة "وإن كانت عدد رمل عالج" بفتح اللام وكسرها قال الطيبي: موضع بالبادية فيه رمل كثير ونهايته العالج وتراكمهم من الرمل ودخل بعضه في بعض فعلى هذا لا يضاف الرمل إلى عالج لأنه صفة له أي رمل يتراكم، وفي التحرير عالج موضع مخصوص فيضاف. قال ميرك الرواية

(9/341)


ـــــــ
بالإضافة فعلى قول صاحب النهاية وجهه أن يقال إنه من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة أو الإضافة بيانية كذا في المرقاة. وفي الحديث فضيلة عظيمة ومنقبة جليلة في مغفرة ذنوب بهذا الذكر ثلاث مرات وإن كانت بالغة إلى هذا الحد الذي لا يحيط به عدد وفضل الله واسع وعطاؤه جم.

(9/342)


18 ـ باب منه
3458 ـ حدثنا ابنُ أَبي عُمَرَ، أخبرنا سُفْيَانُ عَن عَبْدِ الملِكِ بنِ عُمَيْرٍ عَن رِبْعِيّ بنِ حَرَاشٍ عَن حُذَيْفَةَ بنِ اليَمَانِ رضي الله عنه "أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كانَ إِذَا أرَادَ أَنْ يَنَامَ وَضَعَ يَدَهُ تَحْتَ رَأْسِهِ ثُمّ قالَ: اللّهُمّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَجْمَعُ عبادك أَوْ تَبْعَثُ عِبَادَكَ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
3459 ـ حدثنا أَبُو كُرَيْبٍ، أخبرنا إِسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ عَن إِبْرَاهِيمَ بنِ يُوسُفَ بنِ أبي إِسْحَاقَ عَن أبيهِ عَن أبي إِسْحَاقَ عَن أَبي بُرْدَةَ عَن البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ رضي الله عنه قالَ: "كانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَتَوَسّدُ يَمِينَهُ
ـــــــ
"باب منه"
قوله: "وضع يده" أي اليمنى كما في رواية أحمد "اللهم قني" أي أحفظني "يوم تجمع أو تبعث عبادك" أي يوم القيامة وأو للشك من الراوي، ولما كان النوم في حكم الموت والاستيقاظ كالبعث دعا بهذا الدعاء تذكراً لتلك الحالة. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد.
قوله: "أخبرنا إسحاق بن منصور" السلولى "عن أبي إسحاق" السبيعي "عن أبي بردة" أي ابن أبي موسى الأشعري. قوله: "يتوسد يمينه" أي ينام

(9/342)


عِنْدَ المَنَامِ ثمّ يَقُولُ: رَبّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَكَ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَرَوَى الثّوْرِيّ هَذَا الحَدِيثَ عن أبي إِسْحَاقَ عَن البَرَاءِ لَمْ يَذْكُرْ بَيْنَهُمَا أحَداً، ورواه شُعْبَةُ عنَ أبي إسْحَاقَ عَنْ أبي عُبَيْدَةَ وَرَجُلٍ آخَر عَن البَرَاءِ، ورواه إسرائيل عَن أَبي إسْحَاقَ عَن عَبْدِ الله بنِ يَزِيدَ عَن البَرَاءِ وعَن أبي إِسْحَاقَ عَن عُبَيْدَةَ عَن عَبْدِ الله عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَهُ.
ـــــــ
عليها ويجعلها كالوسادة له. قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد والنسائي وسنده صحيح كما في الفتح "وروى الثوري هذا الحديث عن أبي إسحاق عن البراء لم يذكر بينهما أحداً" أي لا أبا بردة ولا غيره، ورواية الثوري هذه أخرجها أحمد في مسنده "ورواه شعبة عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة ورجل آخر عن البراء" فذكر شعبة بين أبي إسحاق والبراء أبا عبيدة ورجلاً آخر، وهذه الرواية أخرجها أيضاً أحمد "ورواه إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الله بن يزيد عن البراء" أي بذكر عبد الله بن يزيد بينهما. وهذه الرواية أيضاً أخرجها أحمد "وعن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله" أخرج هذه الرواية ابن ماجة في سننه.

(9/343)


19 ـ باب منه
3460 ـ حدثنا عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الرّحمَنِ، أخبرنا عَمْرُو بنُ عَوْنٍ أخبرنا خالِدُ بنُ عبْدِ الله عَن سُهَيْلٍ عَنْ أبيهِ عَن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: "كانَ
ـــــــ
"باب منه"
قوله: "حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن" هو الدارمي "أخبرنا عمرو بن عون" هو أبو عثمان الواسطي "أخبرنا خالد بن عبد الله" المزني الواسطي. قوله:

(9/343)


رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُنَا إِذَا أخَذَ أحَدُنَا مَضْجَعهُ أنْ يَقُولَ اللّهُمّ رَبّ السّمَواتِ ورَبّ الأرَضِيْنَ وَرَبّنَا وَرَبّ كُلّ شَيْءٍ فَالِقَ الحَبّ والنّوَى ومُنْزِلَ التّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ وَالقُرْآنِ أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ كُلّ ذِي شَرّ أنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، أنْتَ الأوّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ. وَأنْتَ الآخر فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ. والظّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ
ـــــــ
"اللهم رب السماوات ورب الأرضين" أي خالقهما ومربي أهلهما "ورب كل شيء" تعميم بعد تخصيص "فالق الحب" الفلق بمعنى الشق "والنوى" جمع النواة وهي عظم النخل وفي معناه عظم غيرها والتخصيص لفضلها أو لكثرة وجودها في ديار العرب، يعني يا من شقهما فأخرج منهما الزرع والنخيل "ومنزل التوراة" من الإنزال وقيل من التنزيل "والإنجيل والقرآن" لعل ترك الزبور لأنه مندرج في التوراة أو لكونه مواعظ ليس فيه أحكام. قال الطيبي: فإن قلت ما وجه النظم بين هذه القرائن، قلت وجهه أنه صلى الله عليه وسلم لما ذكر أنه تعالى رب السماوات والأرض أي مالكهما ومدبر أهلهما عقبه بقوله فالق الحب والنوى لينتظم معنى الخالقية والمالكية، لأن قوله تعالى: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} تفسير لفالق الحب والنوى ومعناه يخرج الحيوان النامي من النطفة والحب من النوى ويخرج الميت من الحي أي يخرج هذه الأشياء من الحيوان النامي ثم عقب ذلك بقوله: "منزل التوراة" ليئوذن بأنه لم يكن إخراج الأشياء من كتم العدم إلى فضاء الوجود إلا ليعلم ويعبد ولا يحصل ذلك إلا بكتاب ينزله ورسول يبعثه، كأنه قيل يا مالك يا مدبر يا هادي أعوذ بك "أعوذ" أي أعتصم وألوذ "من شر كل ذي شر" وفي رواية لمسلم من شر كل شيء "أنت آخذ بناصيته" أي من شر كل شيء من المخلوقات لأنها كلها في سلطانه وهو آخذ بنواصيها. وفي رواية لمسلم: من شر كل دابة أنت آخذ بنواصيها. وفي رواية لمسلم: من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها "أنت الأول" أي القديم بلا ابتداء "فليس قبلك شيء" قيل هذا تقرير للمعنى السابق وذلك أن قوله أنت الأول مفيد للحصر

(9/344)


شَيءٌ والبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيءٌ اقْضِ عَنّي الدّيْنَ واغْنِنِي مِنَ الفَقْرِ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
بقرينة الخبر باللام فكأنه قيل أنت مختص بالأولية فليس قبلك شيء "وأنت الآخر فليس بعدك شيء" أي الباقي بعد فناء خلقك لا انتهاء لك ولا انقضاء لوجودك "والظاهر فليس فوقك" أي فوق ظهورك "شيء" يعني ليس شيء أظهر منك لدلالة الآيات الباهرة عليك "والباطن" أي الذي حجب أبصار الخلائق عن إدراكك "فليس دونك شيء" أي لا يحجبك شيء عن إدراك مخلوقاتك "أقض عني الدين" قال النووي: يحتمل أن المراد بالدين هنا حقوق الله تعالى وحقوق العباد كلها من جميع الأنواع. وأما معنى الظاهر من أسماء الله فقيل هو من الظهور بمعنى القهر والغلبة وكمال القدرة ومنه ظهر فلان على فلان، وقيل الظاهر بالدلائل القطعية والباطن المحتجب عن خلقه، وقيل العالم بالخفيات وأما تسميته سبحانه وتعالى بالآخر فقال الإمام أبو بكر الباقلاني معناه الباقي بصفاته من العلم والقدرة وغيرهما التي كان عليها في الأزل ويكون كذلك بعد موت الخلائق وذهاب علومهم وقدرهم وحواسهم وتفرق أجسامهم انتهى. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن أبي شيبة.

(9/345)


20 ـ باب منه
3461 ـ حدثنا ابنُ أَبي عُمَرَ المَكّيّ، أخبرنا سُفْيَانُ عَن ابنِ عَجْلاَنَ عَن سَعِيدٍ المَقْبَرِيّ عَن أبي هُرَيْرَةَ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ من فِرَاشِهِ ثُمّ رَجَعَ إلَيْهِ فَلْيَنْفُضْهُ بَصنفَةِ إزَارِهِ
ـــــــ
"باب منه"
قوله: "إذا قام أحدكم عن فراشه ثم رجع إليه" وفي رواية الشيخان "إذا

(9/345)


ثَلاَثَ مَرّاتٍ فَإِنّهُ لا يَدْرِي ما خَلَفَهُ عَلَيْهِ بَعْدَهُ فَإِذَا اضْطَجَعَ فَلْيَقُلْ باسْمِكَ رَبّي وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أرْفَعُهُ فَإِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا وإنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظهَا بمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصّالِحينَ، فإِذَا اسْتَيْقَظَ، فَلْيَقُلْ
ـــــــ
أوى أحدكم إلى فراشه فلينفضه" بضم الفاء أي فليحركه "بصنفة إزاره" قال في القاموس: صنفة الثوب كفرحة وصنفه وصنفته. بكسرهما حاشيته أي جانب كان أو جانبه الذي لا هدب له أو الذي فيه الهدب انتهى. وفي رواية البخاري فلينفض فراشه بداخلة إزاره، وفي رواية مسلم فليأخذ داخلة إزاره فلينفض بها فراشه. قال الجزري في النهاية: داخلة الإزار طرفه وحاشيته من داخل وإنما أمره بداخلته دون خارجته لأن المؤتزر يأخذ إزاره بيمينه وشماله فيلزق ما بشماله على جسده وهي داخلة إزاره ثم يضع ما بيمينه فوق داخلته فمتى عاجله أمر أو خشي سقوط إزاره مسكه بشماله ودفع عن نفسه بيمينه فإذا صار إلى فراشه فحل إزاره فإنما يحل بيمينه خارجة الإزار وتبقى الداخلة معلقة وبها يقع النفض لأنها غير مشغولة باليد انتهى. قال القاري: قيل النفض بإزاره لأن الغالب في العرب أنه لم يكن لهم ثوب غير ما هو عليهم من إزار ورداء، وقيد بداخل الإزار ليبقى الخارج نظيفاً ولأن هذا أيسر ولكشف العورة أقل وأستر، وإنما قال هذا لأن رسم العرب ترك الفراش في موضعه ليلاً ونهاراً ولذا علله وقال "فإنه" أي الشأن والمريد للنوم "لا يدري ما خلفه" بالفتحات والتخفيف "عليه" أي على الفراش "بعده" أي ما صار بعده خلفاً وبدلاً عنه إذا غاب. قال الطيبي: معناه لا يدري ما وقع في فراشه بعدما خرج منه من تراب أو قذاة أو هوام. وقال النووي: معناه أنه يستحب أن ينفض فراشه قبل أن يدخل فيه لئلا يكون قد دخل فيه حية أو عقرب أو غيرهما من المؤذيات وهو لا يشعر، ولينفض ويده مستورة بطرف إزاره لئلا يحصل في يده مكروه إن كان شيء هناك "باسمك ربي وضعت جنبي" أي مستعيناً باسمك يا ربي "وبك أرفعه" أي باسمك أو بحولك وقوتك أرفعه فلا أستغني عنك بحال "فإن أمسكت نفسي" أي قبضت روحي في النوم

(9/346)


الْحَمْدُ الله الّذِي عَافَانِي في جَسَدِي وَرَدّ عَلَى رُوحِي وأَذِنَ لِي بِذِكِرِهِ" . وفي البابِ عن جَابِرٍ وعَائِشَةَ.
وهذا حَدِيثُ أَبي هُرَيْرَةُ حَدِيثٌ حَسَنٌ.
ـــــــ
"فإرحمها" أي بالمغفرة والتجاوز عنها "وإن أرسلتها" بأن رددت الحياة إلي وأيقظتني من النوم "فإحفظها" أي من المعصية والمخالفة "بما تحفظ به" أي من التوفيق والعصمة والأمانة "عبادك الصالحين" أي القائمين بحقوق الله وعباده. والباء في بما تحفظ مثلها في كتبت بالقلم، وما موصولة مبهمة وبيانها ما دل عليها صلتها لأن الله تعالى إنما يحفظ عباده الصالحين من المعاصي ومن أن لا يتهاونوا في طاعته وعبادته بتوفيقه ولطفه ورعايته "ورد علي روحي" أي روحي المميزة برد تمييزها الزائل عنها بنومها. قال الطيبي. الحكمة في إطلاق الموت على النوم أن انتفاع الإنسان بالحياة إنما هو لتحري رضا الله عنه وقصد طاعته واجتناب سخطه وعقابه فمن نام زال عنه الانتفاع فكان كالميت فحمداً لله تعالى على هذه النعمة وزوال ذلك المانع انتهى. قوله: "وفي الباب عن جابر وعائشة" لينظر من أخرج حديثهما. قوله: "وحديث أبي هريرة حديث حسن" وأخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.

(9/347)


21 ـ باب ما جَاءَ فِيمَنْ يَقْرَأُ من القُرْآن عنْدَ المَنَام
3462 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ أخبرنا المُفَضّلُ بنُ فَضَالَةَ عَن عُقَيْلٍ عن ابنِ شِهَابٍ عن عُرْوَةَ عَن عَائِشَةَ "أَنّ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا أَوَى إلى فِرَاشِهِ كلّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفّيْهِ ثُمّ نَفَثَ فِيهمَا فَقَرأَ فِيهمَا {قُلْ هُوَ الله
ـــــــ
"باب ما جَاءَ فِيمَنْ يَقْرَأُ القُرْآن عنْدَ المَنَام"
قوله: "أخبرنا المفضل بن فضالة" المصري أبو معاوية القتباني "عن عقيل" بضم العين مصغراً هو ابن خالد بن عقيل الأيلي "ثم نفث فيهما" من النفث بفتح

(9/347)


أَحَدٌ} {وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الفَلَقِ} {وقُلْ أَعُوذُ بِرَبّ النّاسِ} ثُمّ يَمْسَحُ بهِمَا ما اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ يَبْدَأُ بِهمَا عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلاَثَ مَرّاتٍ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَريبٌ صحيحٌ.
ـــــــ
النون وسكون الفاء بعدها مثلثة وهو إخراج الريح من الفم مع شيء من الريق "فقرأ فيهما" قال العيني قال المظهري في شرح المصابيح: ظاهر الحديث يدل على أنه نفث في كفه أولاً ثم قرأ وهذا لم يقل به أحد ولا فائدة فيه ولعله سهو من الراوي والنفث ينبغي أن يكون بعد التلاوة ليوصل بركة القرآن إلى بشرة القارئ والمقروء له، وأجاب الطيبي عنه بأن الطعن فيما صحت روايته لا يجوز وكيف والفاء فيه مثل ما في قوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ} فالمعنى جمع كفيه ثم عزم على النفث أو لعل السر في تقديم النفث فيه مخالفة السحرة انتهى. وفي رواية البخاري: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه نفث في كفيه بـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} وبالمعوذتين جميعاً. قال الحافظ: أي يقرأها وينفث حالة القراءة "يبدأ" بيان أو بدل ليمسح "بهما" أي بمسحهما "وما أقبل من جسده" وعند البخاري في الطب ثم يمسح بهما وجهه وما بلغت يداه من جسده. قوله: "هذا حديث حسن غريب صحيح" وأخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.

(9/348)


22 ـ باب منه
3463 ـ حدثنا مَحْمُودُ بنَ غَيْلاَنَ، أخبرنا أَبُو دَاوُدَ قَالَ، أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ عَن أبي إِسحاقَ عَن رَجُلٍ عَن فَرْوَةَ بنِ نَوْفَلٍ "أنّهُ أَتَى النّبيّ صلى
ـــــــ
"باب منه"
قوله: "أخبرنا أبو داود" أي الطيالسي "عن أبي إسحاق" هو السبيعي "عن فروة بن نوفل" الأشجعي مختلف في صحبته والصواب أن الصحبة

(9/348)


الله عليه وسلم فَقَالَ يَا رَسُولَ الله عَلّمْنِي شَيْئاً أقُولُهُ إِذَا أَوَيْتُ إلى فِرَاشِي، فَقَالَ: اقْرَأْ قُلْ يَا أَيّهَا الكَافِرُونَ فإِنّهَا بَرَاءَةٌ مِنَ الشّرْكِ" . قَالَ شُعْبَة أَحْيَاناً يَقُولُ مَرّةً وأَحْيَاناً لا يَقُولُها.
3464 ـ حدثنا مُوسَى بنُ حِزَامٍ، أخبرنا يَحْيَى بنُ آدَمَ، عَن إسْرَائيلَ، عَن أَبي إِسحاق، عَن فَرْوَةَ بنِ نَوْفَلٍ، عَن أَبيه أَنّهُ أتَى النبيّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ نَحْوَهُ بمَعْنَاهُ، وهَذَا أصَحّ. وَرَوَى زُهَيْرٌ هَذَا الحَدِيثَ عَن إسحاقَ عَن فَرْوَةَ بنِ نَوْفَلٍ عَن أَبيهِ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ وهَذَا أشْبَهُ وَأصَحّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ. وَقد اضْطَرَبَ أصْحَابُ أبي إِسْحَاقَ في هَذَا الحَدِيثِ، وقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ هَذَا الوَجْهِ،
ـــــــ
لأبيه وهو من الثالثة ذكره ابن حبان في الثقات قتل في خلافة معاوية. قوله: "اقرأ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} " أي إلى آخرها، زاد أبو داود في روايته ثم نم على خاتمتها "فإنها" أي هذه السورة "براءة من الشرك" أي ومفيدة للتوحيد. قوله: "قال شعبة أحياناً يقول مرة وأحياناً لا يقولها" يعني قال شعبة إن أبا إسحاق أحياناً يزيد كلمة مرة بعد قوله: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} وأحياناً لا يزيدها.
قوله: "حدثنا موسى بن حزام" بكسر الحاء المهملة وبالزاي أبو عمران الترمذي "عن أبيه" أي نوفل الأشجعي صحابي نزل الكوفة "وهذا أصح" أي حديث إسرائيل عن أبي إسحاق عن فروة عن أبيه متصلاً أصح من حديث شعبة عن أبي إسحاق عن رجل عن فروة مرسلاً لأن إسرائيل لم يتفرد بروايته هكذا بل تابعه زهير كما بينه الترمذي بقوله وروى زهير هذا الحديث عن أبي إسحاق الخ وحديث فروة بن نوفل عن أبيه هذا ذكره الحافظ في الفتح وقال أخرجه أصحاب السنن الثلاثة وابن حبان والحاكم

(9/349)


قَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الرحْمَنِ بنُ نَوْفَلٍ عَن أَبِيهِ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وَعَبْدُ الرحْمَنِ هُوَ أخُو فَرْوَةَ بنِ نَوْفَلٍ.
3465 ـ حدثنا هِشَامُ بنُ يُونُسَ الكُوفِيّ، أخبرنا المُحَارِبيّ عن لَيْثٍ عَن أبي الزّبَيْرِ عَن جَابِرٍ قَالَ: "كَانَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لاَ يَنَامُ حَتّى يَقْرَأَ تنزيل السّجْدَةَ وتبارك" . وهَكَذَا رَوَى سفيان الثّوْرِيّ وغَيْرُ وَاحِدٍ هَذَا الحَدِيثَ عَن لَيْثٍ عَن أبي الزّبَيْرِ عَن جَابِرٍ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ. وَرَوَى زهَيْرٌ هَذَا الحَدِيثَ عَن أبي الزّبَيْرِ قَالَ "قُلْتُ لَهُ سَمِعْتَهُ مِنْ جَابِرٍ؟ قَالَ لَمْ أسْمَعْهُ مِنْ جَابرٍ إنّما سَمِعْتُهُ مِنْ صَفْوانَ أو ابنِ صَفْوَانَ". وقد رَوَى شَبَابَةُ عَنْ مُغِيرَةَ بنِ مُسْلِمٍ عَنْ أبي الزّبَيْر عَنْ جَابِرٍ نَحْوَ حَدِيثِ لَيْثٍ.
ـــــــ
انتهى. وفي الباب أحاديث أخرى ذكرها الشوكاني في تحفة الذاكرين.
قوله: "أخبرنا المحاربي" هو عبد الرحمن بن محمد بن زياد "عن ليث" هو ابن أبي سليم. قوله "كأن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينام حتى يقرأ تنزيل السجدة" أي سورة السجدة "و تَبَارَكَ" أي سورة الملك. قال الطيبي: حتى غاية لا ينام ويحتمل أن يكون المعنى إذا دخل وقت النوم لا ينام حتى يقرأهما وأن يكون لا ينام مطلقاً حتى يقرأهما، والمعنى لم يكن من عادته النوم قبل القراءة فتقع القراءة قبل دخول وقت النوم أي وقت كان، ولو قيل: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأهما بالليل لم يفد هذه الفائدة انتهى. قال القاري: والفائدة هي إفادة القبلية ولا يشك أن الاحتمال الثاني أظهر لعدم احتياجه إلى تقدير يفضي إلى تضييق انتهى. وحديث جابر هذا أخرجه أيضاً أحمد والبخاري في الأدب المفرد والنسائي والدارمي وابن أبي شيبة والحاكم وقال صحيح، قال المناوي وتعقب بأن فيه اضطراباً. قوله: "إنما سمعته من صفوان أو ابن

(9/350)


3466 ـ حدثنا صَالِحُ بنُ عَبْدِ الله، أخبرنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عَنْ أبي لُبَابَةَ قَالَ قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها "كَانَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لاَ يَنَامُ حَتّى يَقْرَأَ الزّمرَ وبَنِي إِسْرَائِيلَ" . أخْبَرَنِي مُحمّدُ بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ أبُو لُبَابَةَ هَذَا اسْمُهُ مَرْوَانُ مَوْلَى عَبْدِ الرحْمَنِ بنِ زِيَادٍ وَسَمِعَ مِنْ عَائِشَةَ سَمِعَ مِنْهُ حَمّادُ بنُ زَيْدٍ.
3467 ـ حدثنا عَلِيّ بنُ حُجْرٍ أخبرنا بَقِيّةُ بنُ الوَليدِ عَن بجَيْرِ بنِ سَعْدٍ عَن خَالِدِ بنِ مَعْدَانَ عَن عَبْدِ الله بنِ أبي بِلاَلٍ عَن العِرْبَاضِ بنِ سَارِيَةَ رضي الله عنه "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ لاَ يَنَامُ حَتّى يَقْرَأَ المسَبّحاتِ وَيَقُولَ: فِيهَا آيَةٌ خير مِنْ ألْفِ آيَةٍ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
ـــــــ
صفوان" كلمة أو للشك، وصفوان هذا هو صفوان بن عبد الله بن صفوان بن أمية القرشي، والمراد من ابن صفوان هو صفوان هذا. قال الحافظ في التقريب ابن صفوان شيخ أبي الزبير هو صفوان بن عبد الله بن صفوان نسب لجده، وقد ذكر الترمذي حديث جابر هذا في باب ما جاء في سورة الملك من أبواب فضائل القرآن وذكر هناك هذا الكلام وزاد وكأن زهيراً أنكر أن يكون هذا الحديث عن أبي الزبير عن جابر "وقد روى شبابة" بن سوار المدائني "عن مغيرة بن مسلم" القسملي السراج. قوله: "لا ينام حتى يقرأ الزمر وبني إسرائيل" أي لم يكن عادته النوم قبل قراءتهما. وحديث عائشة هذا قد تقدم بهذا السند والمتن في أواخر فضائل القرآن.
قوله: "عن عبد الله بن أبي بلال" الخزاعي الشامي مقبول من الرابعة. قال الذهبي في الميزان: عبد الله بن أبي بلال عن العرباض ما روى عنه سوى خالد بن معدان انتهى. وقد وقع في النسخة الأحمدية عن عبد الرحمن بن أبي

(9/351)


ـــــــ
بلال وهو غلط فإنه ليس في الكتب الستة راو يسمى بعبد الرحمن بن أبي بلال، وقد أورد الترمذي هذا الحديث في أواخر فضائل القرآن بهذا السند وفيه عن عبد الله بن أبي بلال لا عن عبد الرحمن بن أبي بلال وتقدم شرحه هناك؟

(9/352)


23 ـ باب منه
3468 ـ حدثنا مَحْمُودُ بنُ غَيْلاَنَ، أخبرنا أبُو أحْمَد الزّبَيْرِيّ أخبرنا سُفْيَانُ عَن الجُرَيْرِيّ عَن أبي العَلاَءِ بنِ الشّخّيرِ عَن رَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنْظَلَةَ قَالَ: "صَحِبْتُ شَدّادَ بنَ أوْسٍ في سَفَرٍ فَقَالَ: ألاَ أُعَلّمُكَ مَا كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُعَلّمُنَا أنْ نَقُولَ؟ اللّهُمّ إِنّي أسْألُكَ الثّبَاتَ في الأَمْرِ وأسْألُكَ عَزِيمَةَ الرّشْدِ وَأسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وحُسْنَ عِبَادَتِكَ، وأسْألُكَ لِسَاناً صَادِقاً وَقَلْباً سَلِيماً وأعُوذُ بِكَ مِن شَرّ
ـــــــ
"باب منه"
قوله: "ألا أعلمك ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا أن نقول" وفي رواية أحمد: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا كلمات ندعو بهن في صلاتنا أو قال في دبر صلاتنا "اللهم إني أسألك الثبات في الأمر" أي الدوام على الدين ولزوم الاستقامة عليه "وأسألك عزيمة الرشد" هي الجد في الأمر بحيث ينجز كل ما هو رشد من أموره، والرشد بضم الراء المهملة وإسكان الشين المعجمة هو الصلاح والفلاح والصواب، وفي رواية لأحمد: أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد أي عقد القلب على إمضاء الأمر "وأسألك شكر نعمتك" أي التوفق لشكر إنعامك "وحسن عبادتك" أي إيقاعها على الوجه الحسن المرضي "وأسألك لساناً صادقاً" أي محفوظاً من الكذب "وقلباً سليماً" أي

(9/352)


مَا تَعْلَم وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ ما تَعْلَمُ وأَسْتَغْفِرُكَ مِمّا تَعْلَمُ إنّكَ أنتَ عَلاّمُ الغُيُوبِ" قَالَ وَكَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما مِنْ مُسْلِمٍ يَأْخُذُ مَضْجعَهُ يَقْرَأُ سُورَةً مِنْ كِتَابِ الله إلاّ وكّلَ الله مَلَكاً فَلاَ يَقْرَبهُ شَيْءٌ يُؤْذيِهِ حَتّى يَهُبّ مَتَى هَبّ" . هَذا حديثٌ إنّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَأَبُو العَلاَءِ اسْمُهُ يَزِيدُ بنُ عَبْدِ الله بنِ الشّخِير.
ـــــــ
عن عقائد فاسدة وعن الشهوات "وأعوذ بك من شر ما تعلم" أي ما تعلمه أنت ولا أعمله أنا "وأستغفرك مما تعلم" مني من تفريط "إنك أنت علام الغيوب" أي الأشياء الخفية التي لا ينفذ فيها ابتداء إلا علم اللطيف الخبير "ما من مسلم يأخذ مضجعه يقرأ سورة" وفي رواية أحمد: ما من رجل يأوي إلى فراشه فيقرأ سورة "إلا وكل الله به ملكاً" أي أمره بأن يحرسه من المضار وهو استثناء مفرغ "فلا يقربه" بفتح الراء "شيء يؤذيه" وفي رواية أحمد: إلا بعث الله عز وجل إليه ملكاً يحفظه من كل شيء يؤذيه "حتى يهب" بضم الهاء "متى هب" أي يستيقظ متى استيقظ بعد طول الزمان أو قربه من النوم. قوله: "هذا حديث إنما نعرفه من هذا الوجه" في سنده رجل من بني حنظلة وهو مجهول وأخرجه أحمد أيضاً من طريقه.

(9/353)


24 ـ باب ما جَاءَ في التّسْبِيحِ والتّكْبِيرِ وَالتّحْمِيدِ عِنْدَ المَنَام
3469 ـ حدثنا أَبُو الخَطّابِ زِيَادُ بنُ يَحْيَى البَصْرِيّ، أخبرنا أَزْهَرُ السّمّانُ عَن ابنِ عَوْنٍ عَن ابنِ سِيرِينَ عَن عُبَيْدَةَ عَن عَلِيّ
ـــــــ
"باب ما جاء في التسبيح والتكبير والتحميد عند المنام"
قوله: "عن ابن عون" اسمه عبد الله بن عون بن أرطبان "عن عبيدة"

(9/353)


قالَ: "شَكَتْ إِليّ فاطِمَةُ مَجْلَ يَدَيْهَا مِنَ الطّحِينِ فَقُلْتُ لَوْ أَتَيْتِ أَباكِ فَسَأَلتيه خَادِماً؟ فقالَ: أَلاَ أدُلّكُمّا عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنَ الخَادِمِ؟ إذَا أَخَذْتُمَا مَضْجَعَكُمَا تَقُولاَنِ ثَلاثَاً وثَلاَثِينَ وَثَلاثَاً وَثَلاَثِينِ وأَرْبَعاً وَثَلاَثِينَ مِنْ تَحْمِيدٍ وَتَسْبِيحٍ وَتَكْبِيرٍ" . وفي الحَدِيثِ قِصَةٌ. هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ ابنِ عَوْنٍ. وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَن عَلِيّ.
ـــــــ
هو ابن عمر السلماني المرادي. قوله: "شكت إلي فاطمة مجل يديها" قال في القاموس: مجلت يده كنصر وفرح مجلاً ومجلاً ومجولاً نفطت من العمل فمرنت كأمجلت. وقال في النهاية: يقال مجلت يده تمجل مجلاً ومجلت تمجل مجلاً إذا ثخن جلدها وتعجر وظهر فيها ما يشبه البتر من العمل بالأشياء الصلبة الخشنة "من الطحين" أي بسبب الطحين وهو الدقيق وفي بعض النسخ من الطحن "فقلت لو أتيت أباك فسألتيه خادماً" أي جارية تخدمك وهو يطلق على الذكر والأنثى "فقال" أي النبي صلى الله عليه وسلم "ألا أدلكما على ما هو خير لكما من الخادمة" وفي رواية للبخاري فأتت النبي صلى الله عليه وسلم تسأله خادماً فلم تجده فذكرت ذلك لعائشة فلما جاء أخبرته قال فجاءنا وقد أخذنا مضاجعنا فذهبت أقوم فقال مكانك فجلس بيننا حتى وجدت برد قدميه على صدري. فقال: ألا أدلكما على ما هو خير لكما من خادم. قال العيني: وجه الخيرية إما أن يراد به أنه يتعلق بالآخرة والخادم بالدنيا. والآخرة خير وأبقى، وإما أن يراد بالنسبة إلى ما طلبته بأن يحصل لها بسبب هذه الأذكار قوة تقدر على الخدمة أكثر مما يقدر الخادم "تقولان ثلاثا وثلاثين وثلاثا وثلاثين وأربعا وثلاثين من تحميد وتسبيح وتكبير" وفي الرواية المتفق عليها كما في المشكاة "فسبحا ثلاثا وثلاثين وأحمد ثلاثا وثلاثين وكبرا أربعا وثلاثين" "وفي الحديث قصة" أخرج الشيخان وغيرهما هذا الحديث بالقصة مطولاً.

(9/354)


3470 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ يَحْيى، أخبرنا أَزْهَرُ السّمّانُ عَن ابنِ عَوْنٍ عَن مُحمّدٍ عَن عُبيدة عَن عَلِيّ قالَ: "جَاءَتْ فاطِمَةُ إِلى النبيّ صلى الله عليه وسلم تَشْكُو مَجْلاً بِيَدَيْهَا فأمَرَها بالتّسْبِيحِ والتّكْبِيرِ وَالتّحْمِيدِ" .
ـــــــ
قوله: "حدثنا محمد بن يحيى" هو الذهلي "عن محمد" هو ابن سيرين.

(9/355)


25 ـ باب منه
3471 ـ حدثنا أَحمَدُ بنُ مَنِيعٍ، أخبرنا إسْمَاعيلُ بنُ عُلَيّةَ، أخبرنا عَطَاءُ بنُ السّائِبِ عَن أَبيهِ عَن عبْدِ الله بنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "خَلّتَانٍ لا يُحْصِيهما رَجُلٌ مُسْلِمٌ إِلاّ دَخَلَ الْجَنّةَ أَلاَ وَهُمَا يَسِيرٌ وَمَنْ يَعْمَلْ بِهِمَا قَلِيلٌ يُسَبّحُ الله في دُبُرِ كُلّ صَلاَةٍ عَشْراً وَيَحْمَدُهُ عَشْراً ويُكَبّرُهُ عَشْراً. قالَ فأنا رأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه
ـــــــ
"باب منه"
قوله: "خلتان" بفتح الخاء أي خصلتان "لا يحصيهما رجل مسلم" أي لا يحافظ عليهما كما في رواية أبي داود "إلا دخل الجنة" أي مع الناجين وهو استثناء مفرع "ألا" بالتخفيف حرف تنبيه "وهما" أي الخصلتان وهما الوصفان كل واحد منهما "يسير" أي سهل خفيف لعدم صعوبة العمل بهما على من يسره الله "ومن يعمل بهما" أي على وصف المداومة "قليل" أي نادر لغرة التوفيق وجملة التنبيه معترضة لتأكيد التحضيض على الإتيان بهما والترغيب في المداومة عليهما، والظاهر أن الواو في وهما للحال والعامل فيه معنى التنبيه قاله القاري "يسبح الله" بأن يقول سبحان الله وهو بيان لإحدى الخلتين والضمير للرجل المسلم "في دبر" بضمتين أي عقب "كل صلاة" أي مكتوبة كما في رواية أحمد

(9/355)


وسلم يَعْقِدُها بِيَدِهِ قالَ: فَتِلْكَ خَمْسُونَ ومائَةٌ باللّسَانِ وَألْفٌ وَخَمْسُمَائَةِ في المِيزَانِ، وَإذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ تُسبّحُهُ وتُكَبّرُهُ وَتَحْمَدُهُ مائَةً فَتِلْكَ مائَةٌ باللّسَانِ، وَألْفٌ في الميزَانِ. فأيّكُمْ يَعْمَلُ في اليَوْمِ وَاللّيْلَةِ أَلْفَيْن وَخَمْسُمَائَةِ سَيّئَةٍ قالُوا فَكَيْفَ لا نُحْصِيهَا؟ قالَ: يَأْتِي أحَدَكُمُ
ـــــــ
"عشراً" من المرات "ويحمده" بأن يقول الحمد لله "ويكبره" بأن يقول الله أكبر "قال" أي ابن عمرو "يعقدها" أي العشرات وفي بعض النسخ يعدها "بيده" أي بأصابعها أو بأناملها أو بعقدها "قال" أي النبي صلى الله عليه وسلم "فتلك" أي العشرات الثلاث دبر كل صلاة من الصلوات الخمس "خمسون ومائة" أي في يوم وليلة حاصلة من ضرب ثلاثين في خمسة أي مائة وخمسون حسنة "باللسان" أي بمقتضى نطقه في العدد "وألف وخمسمائة في الميزان" لأن كل حسنة بعشر أمثالها على أقل مراتب المضاعفة الموعودة في الكتاب والسنة "وإذا أخذت مضجعك" بيان للخلة الثانية "تسبحه وتكبره وتحمده مائة" وفي رواية أبي داود "ويكبر أربعاً وثلاثين إذا أخذ مضجعه ويحمد ثلاثاً وثلاثين ويسبح ثلاثاً وثلاثين" "فتلك" أي المائة من أنواع الذكر "مائة" أي مائة حسنة "وألف" أي ألف حسنة على جهة المضاعفة "فأيكم يعمل في اليوم والليلة ألفي وخمسمائة سيئة" وفي المشكاة ألفين وخمسمائة سيئة وإلفاء جواب شرط محذوف وفي الاستفهام نوع إنكار يعني إذا حافظ على الخصلتين وحصل ألفان وخمسمائة حسنة في يوم وليلة فيعفى عنه بعدد كل حسنة سيئة كما قال تعالى {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} فأيكم يأتي بأكثر من هذا من السيئات في يومه وليلته حتى لا يصير معفواً عنه فما لكم لا تأتون بهما ولا تحصونهما "فكيف لا تحصيها" أي المذكورات قال الطيبي: أي كيف لا نحصي المذكورات في الخصلتين وأي شيء يصرفنا فهو استبعاد لإهمالهم في الإحصاء فرد استبعادهم بأن الشيطان يوسوس له في الصلاة حتى يغفل عن الذكر عقيبها وينومه عند الاضطجاع كذلك وهذا معنى قوله: "قال" أي النبي صلى الله عليه وسلم "يأتي أحدكم" مفعول

(9/356)


الشّيْطَانُ وَهُوَ في صَلاَتِهِ فَيَقُولُ اذْكُرْ كَذَا اذْكُرْ كَذَا حَتّى يَنْفَتِلَ فَلَعَلّهُ ألا يَفْعَل ويَأْتِيهِ وَهُوَ في مَضْجَعِهِ فَلاَ يَزَالُ يُنَوّمُهُ حَتّى يَنَامَ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. وَقَدْ رَوَى شُعْبَةُ وَالثّوْرِيّ عَن عَطَاءِ بنِ السّائِبِ هَذَا الحَدِيثَ وَرَوَى الأعْمَشُ هَذَا الْحَديثَ عَن عطَاءِ بنِ السّائِبِ مُخْتَصراً. وفي البابِ عَن زَيْدِ بنِ ثابِتٍ وَأنَسٍ وابنِ عَبّاسٍ.
ـــــــ
مقدم "فيقول" أو يوسوس له أو يلقي في خاطره "أذكر كذا أذكر كذا" من الأشغال الدنيوية والأحوال النفسية الشهوية أو ما لا تعلق لها بالصلاة ولو من الأمور الأخروية "حتى ينفتل" أي ينصرف عن الصلاة "فلعله" أي فعسى "أن لا يفعل" أي الإحصاء، قيل الفاء في فلعله جزاء شرط محذوف يعني إذا كان الشيطان يفعل كذا فعسى الرجل ألا يفعل وإدخال أن في خبره دليل على أن لعل هنا بمعنى عسى. وفيه إيماء إلى أنه إذا كان يغلبه الشيطان عن الحضور المطلوب المؤكد في صلاته فكيف لا يغلبه ولا يمنعه عن الأذكار المعدودة من السنن في حال انصرافه عن طاعته "ويأتيه" أي الشيطان أحدكم "فلا يزال ينومه" بتشديد الواو أي يلقى عليه النوم "حتى ينام" أي بدون الذكر. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والبخاري في الأدب المفرد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وصححه ابن حبان "وقد روى شعبة والثوري عن عطاء بن السائب هذا الحديث" يعني بطوله من غير اختصار كما رواه إسماعيل بن علية عن عطاء بن السائب "وروى الأعمش هذا الحديث عن عطاء بن السائب مختصراً" وقد أخرج الترمذي رواية الأعمش المختصرة بعد هذا وأخرجها أيضاً في باب عقد التسبيح باليد. وقال هناك بعد إخراجها: وروى شعبة والثوري هذا الحديث عن عطاء بن السائب بطوله. قوله: "وفي الباب عن زيد بن ثابت وأنس وابن عباس" أما حديث زيد بن ثابت1 فأخرجه أحمد والنسائي والدارمي، وأما حديث أنس فأخرجه البزار كما في الترغيب، وأما حديث ابن عباس فأخرجه الترمذي في باب التسبيح في أدبار الصلاة من كتاب الصلاة.
ـــــــ
1 ذكره صاحب المشكاة في باب الذكر بعد الصلاة

(9/357)


3472 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ عَبْدِ الأعْلَى الصّنعَانِيّ، أخبرنا غَثّامُ بنُ عَلِيّ عَن الأعْمَشِ عَن عَطَاءِ بنِ السّائِبِ عَن أبيهِ عَن عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو قالَ: "رَأيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَعْقِدُ التّسْبِيحَ" . هذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَريبٌ مِنْ حَدِيثِ الأَعْمَشِ.
3473 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ إسماعِيلَ بنِ سَمُرَةَ الأحْمَسِيّ الكُوفِيّ، أخبرنا أَسْبَاطُ بنُ مُحمّدٍ، أخبرنا عَمْرُو بنُ قَيْسٍ المُلاَئِيّ عَن الْحَكَمِ بنِ عُيينَةَ عَن عَبْدِ الرّحمنِ بنِ أَبي لَيْلَى عَن كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "مُعَقّباتٌ لاَ يَخِيبُ قائِلُهُنّ يُسَبّحُ الله في دُبُرِ كُلّ صَلاَةٍ ثَلاَثاً وَثَلاَثِينَ ويحمده ثلاَثاً وَثلاَثينَ وَيُكَبّرُهُ أَرْبَعاً وَثَلاَثينَ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ وعَمْرُو بنُ قَيْسٍ المُلاَئِيّ ثِقَةٌ
ـــــــ
قوله: "يعقد التسبيح" يأتي هذا الحديث مع شرحه في عقد باب التسبيح باليد.
قوله: "أخبرنا عمرو بن قيس الملائي" بضم الميم وتخفيف اللام والمد أبو عبد الله الكوفي ثقة متقن عابد من السادسة. قوله: "معقبات" بضم الميم وفتح المهملة وكسر القاف المشددة أي كلمات معقبات، قال في النهاية سميت معقبات لأنها عادت مرة بعد أخرى. أو لأنها تقال عقيب الصلاة، والمعقب من كل شيء ما جاء عقب ما قبله انتهى "لا يخيب قائلهن" أي لا يحرم من الجنة والجزاء "تسبح الله الخ" بيان لمعقبات. قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه مسلم والنسائي "وروى شعبة هذا الحديث عن الحكم ولم يرفعه، ورواه منصور بن المعتمر عن الحكم فرفعه" قال النووي في شرح مسلم: إعلم أن حديث كعب بن عجرة هذا ذكره الدارقطني في استداركاته على مسلم. وقال الصواب أنه موقوف على كعب لأن من رفعه لا يقاومون من وقفه في الحفظ، وهذا الذي قاله الدارقطني مردود لأن مسلماً رواه من طرق كلها مرفوعة، وذكره الدارقطني أيضاً من طرق

(9/358)


حافِظٌ. وَرَوى شُعْبَةُ هَذَا الحَديثَ عَن الْحَكَمِ وَلَمْ يَرْفَعْهُ. ورواه مَنْصُورُ بنُ المُعْتَمِرِ عَن الحَكَمِ فرفعه
ـــــــ
أخرى مرفوعة، وإنما روى موقوفاً من جهة منصور وشعبة وقد اختلفوا عليهما أيضاً في رفعه ووقفه وبين الدارقطني ذلك: وقد قدمنا في الفصول السابقة في أول هذا الشرح أن الحديث الذي روي موقوفاً ومرفوعاً يحكم بأنه مرفوع على المذهب الصحيح الذي عليه الأصوليون والفقهاء والمحققون من المحدثين منهم البخاري وآخرون حتى لو كان الواقفون أكثر من الرافعين حكم بالرفع، كيف والأمر هنا بالعكس؟ ودليله ما سبق أن هذه زيادة ثقة فوجب قبولها ولا ترد لنسيان أو تقصير حصل ممن وقفه انتهى.

(9/359)


26 ـ باب مَا جَاءَ في الدّعَاءِ إِذَا انْتَبَهَ مِنَ اللّيْل
3474 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ بنِ أَبي رِزْمَةَ أخبرنا الوَليدُ بنُ مُسْلِمٍ أخبرنا الأوْزَاعِيّ حَدّثني عُمَيْرُ بنُ هانِيءٍ قالَ حدثني جُنَادَةُ بنُ أَبي أُمَيّةَ قال حدثني عُبَادَةُ بنُ الصّامِتِ عَن رَسُولِ الله صلى
ـــــــ
باب ما جاء في الدعاء إذا انتبه من الليل
قوله: "حدثنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة" بكسر الراء وسكون الزاي: غزوان أبو عمرو المروزي ثقة من العاشرة "حدثنا الوليد بن مسلم" القرشي الدمشقي "حدثني عمير بن هانئ" العنسي أبو الوليد الدمشقي الداراني ثقة من كبار الرابعة "حدثني جنادة بن أبي أمية" بضم جيم وتخفيف نون وإهمال دال الأزدي أبو عبد الله الشامي يقال إسم أبي أمية كثير: قال في التقريب مختلف في صحبته، فقال العجلي تابعي ثقة والحق أنهما إثنان صحابي وتابعي متفقان في

(9/359)


الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ تَعَارّ مِنَ اللّيْلِ فقالَ لا إِلَهَ إلاّ الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وسُبْحَانَ الله والحَمْدُ لله ولاَ إلَه إلا الله وَالله أَكْبَرُ وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوّةَ إلاّ بالله، ثُمّ قالَ رَبّ اغْفِرْ لِي أَوْ قالَ ثُمّ دَعَا اسْتُجِيبَ لَهُ، فإِنْ عَزَمَ وتَوَضّأ ثُم صَلّى قُبِلَتْ صَلاَتُهُ" . هَذا حديثٌ حَسنٌ صحيحٌ غريبٌ.
ـــــــ
الاسم وكنية الأدب وقد بينت ذلك كتابي في الصحابة، ورواية جنادة الأزدي عن النبي صلى الله عليه وسلم في سنن النسائي. ورواية جنادة بن أبي أمية عن عبادة بن الصامت في الكتب الستة. قوله: "من تعار" بعين مهملة وراء مشددة أي انتبه من النوم واستيقظ ولا يكون إلا يقظة مع كلام، وقيل هو تمطي وأن كذا في النهاية، وقال الحافظ في الفتح وقال الأكثر: التعار اليقظة مع صوت، وقال ابن التين: ظاهر الحديث أن معنى تعار استيقظ لأنه قال من تعار فقال فعطف القول على التعار انتهى. ويحتمل أن تكون الفاء تفسيرية لما صوت به المستيقظ لأنه قد يصوت بغير ذكر فخص الفضل المذكور عن صوت بما ذكر من ذكر الله تعالى. وهذا هو السر في اختيار لفظ تعار دون استيقظ أو انتبه، وإنما يتفق ذلك لمن تعود الذكر واستأنس به وغلب عليه حتى صار حديث نفسه في نومه ويقظته، فأكرم من اتصف بذلك بإجابة دعوته وقبول صلاته "ثم قال رب اغفر لي أو قال ثم دعا" كلمة أو للشك والشك من الوليد ففي رواية الإسماعيلي: ثم قال رب اغفر لي غفر له أو قال فدعا استجيب له شك الوليد وكذا في رواية أبي داود وابن ماجة غفر له قال الوليد أو قال دعا استجيب له "استجيب له" قال ابن الملك المراد بها الاستجابة اليقينية لأن الاحتمالية ثابتة في غير هذا الدعاء. وقال بعض أهل العلم: استجابة الدعاء في هذا الموطن وكذا مقبولية الصلاة فيه أرجى منهما في غيره "فإن عزم" قال في القاموس عزم على الأمر يعزم عزماً ويضم ومعزماً وعزماناً وعزيماً وعزيمة وعزمه واعتزمه وعليه وتعزم أراد فعله وقطع عليه وجد في الأمر "قبلت صلاته" قال ابن مالك: وهذه المقبولية

(9/360)


3475 ـ حدثنا عَلِيّ بنُ حُجْرٍ، أخبرنا مَسْلَمَةُ بنُ عَمْرٍو قالَ: "كانَ عُمَيْرُ بنُ هَانِيءٍ يُصَلّي كُلّ يَوْمٍ أَلْفَ سَجْدَةٍ وَيُسَبّحُ مائَةَ أَلْفِ تَسْبِيحَةٍ" .
ـــــــ
اليقينية على الصلاة المتعقبة على الدعوة الحقيقية كما قبلها. قوله: "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجة.
قوله: "حدثنا مسلمة بن عمر" الشامي أبو عمرو مجهول من الثامنة كذا في التقريب، قلت: وذكره ابن حبان في الثقات. قوله: "ألف سجدة" أي ألف ركعة.

(9/361)


27 ـ باب منه
3476 ـ حدثنا إسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ، أخبرنا النّضْرُ بنُ شُمَيْل وَوَهْبُ بنُ جَرِيرٍ وَ أَبُو عامِرٍ العَقَدِيّ و عَبْدُ الصّمَدِ بنُ عَبْدِ الوَارِثِ قالُوا: أخبرنا هِشَامٌ الدّسْتَوَائِيّ عَن يَحْيىَ بنِ أَبي كَثِيرٍ عَن أبي سَلَمَةَ قالَ: حدثني رَبِيعَةُ بنُ كَعْبٍ الأسْلَمِيّ قالَ: "كُنْتُ أبِيتُ عِنْدَ بَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم فأُعْطِيهُ وَضُوءَهُ فأسْمعُهُ الهَوِيّ
ـــــــ
"باب منه"
قوله: "حدثنا إسحاق بن منصور" بن بهرام الكوسج "عن أبي سلمة" ابن عبد الرحمن بن عوف الزهري "حدثني ربيعة بن كعب" بن مالك الأسلمي أبو فران المدني صحابي من أهل الصفة، ومنهم من فرق بين ربيعة وأبي فراس الأسلمي مات ربيعة سنة ثلاث وسبعين بعد الحرة. قوله: "كنت أبيت" وفي رواية لأحمد كنت أنام "عند باب النبي صلى الله عليه وسلم" وفي رواية النسائي عند حجرة النبي صلى الله عليه وسلم "فأعطيه وضوءه" بفتح الواو

(9/361)


مِنَ اللّيْلِ يَقُولُ: سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ. وأَسْمَعُهُ الْهَوِيّ مِنَ اللّيْلِ يَقُولُ: الْحَمْدُ لله رَبِ العَالمِينَ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
أي ماء وضوئه "فأسمعه" بصيغة المتكلم والضمير المنصوب للنبي صلى الله عليه وسلم "الهوي من الليل" . بفتح الهاء وكسر الواو ونصب الياء المشددة قال الطيبي: الحين الطويل من الزمان. وقيل مختص بالليل، والتعريف هنا لاستغراق الحين الطويل بالذكر بحيث لا يفتر عنه بعضه والتنكير لا يفيده نصاً كما تقول: قال زيد اليوم أي كله أو يوماً أي بعضه، ومنه قوله تعالى: {أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً} أي بعضاً منه "يقول سمع الله لمن حمده الخ" وفي رواية النسائي فكنت أسمعه أي إذا أقام من الليل يقول "سبحان رب العالمين الهوي" ثم يقول "سبحان الله وبحمده الهوي" ، وفي رواية لأحمد: فكنت أسمعه إذا قام من الليل يصلي يقول "الحمد لله رب العالمين الهوي" قال ثم يقول: "سبحان الله العظيم وبحمده الهوي" . قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والنسائي.

(9/362)


28 ـ باب منه
3477 ـ حدثنا عُمَرُ بنُ إِسْمَاعِيلَ بنُ مُجَالِدِ بنِ سَعِيدٍ الهَمْدَانِيّ، أخبرنا أبِي عَن عَبْدِ المَلِكِ بنِ عُمَيْرٍ عَن رِبْعيّ عَن حُذَيْفَةَ بنِ اليَمَانِ رضي الله عنهما "أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ قالَ: اللّهُمّ باسْمِكَ أَمُوتُ وأحْيَا، وإذَا اسْتَيْقَظَ قالَ: الْحَمْدُ لله
ـــــــ
"باب منه"
قوله: "حدثنا عمر بن إسماعيل بن مجالد بن الهمداني" الكوفي متروك من صغار العاشرة، ووقع في النسخة الأحمدية عمرو بن إسماعيل بالواو وهو غلط "عن ربعي" بن حراش. قوله: "اللهم باسمك أموت وأحيى" أي بذكر

(9/362)


الّذِي أحْيَا نَفْسِي بَعْدَ ما أَمَاتَهَا وَإِلَيْهِ النّشُورُ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
اسمك أحيى ما حييت وعليه أموت، ويسقط بهذا سؤال من يقول بالله الحياة والموت لا بإسمه، ويحتمل أن يكون لفظ الاسم هنا زائداً كما في قول الشاعر إلى الحول ثم اسم السلام عليكما "قال الحمد لله الذي أحيا نفسي بعد ما أماتها" قيل هذا ليس إحياء ولا إماتة بل إيقاظ وإنامة، وأجيب بأن الموت عبارة عن انقطاع تعلق الروح بالبدن وذلك قد يكون ظاهراً فقط وهو النوم ولهذا يقال إنه آخر الموت أو ظاهراً وباطناً وهو الموت المتعارف أو أطلق الإحياء والإماتة على سبيل التشبيه وهو استعارة مصرحة. وقال أبو إسحاق الزجاج: النفس التي تفارق الإنسان عند النوم هي التي للتمييز والتي تفارقه عند الموت هي التي للحياة وهي التي تزول معها النفس، وسمي النوم موتاً لأنه يزول معه العقل والحركة تمثيلاً وتشبيهاً "وإليه النشور" أي البعث يوم القيامة والإحياء بعد الإماتة، يقال نشر الله الموتى فنشروا أي أحياهم فحيوا قاله الحافظ. وقال في النهاية. يقال نشر الميت نشوراً إذا عاش بعد الموت وأنشره الله أي أحياه. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" في إسناده عمر بن إسماعيل بن مجالد وهو متروك كما عرفت فتصحيحه لمجيئه من طرق أخرى صحيحة والحديث أخرجه أيضاً البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجة وأخرجه مسلم عن البراء بن عازب رضي الله عنه.

(9/363)


29 ـ باب مَا جاءَ مَا يَقُولُ إذَا قامَ مِنَ اللّيْلِ إلى الصّلاة
3478 ـ حدثنا الأنْصَارِيّ، أخبرنا مَعْنٌ، أخبرنا مَالِكُ بنُ أَنَسٍ عَن أبي الزّبَيْرِ عَن طَاوُسٍ اليَمَانيّ عَن عَبْدِ الله بنِ عَبّاسٍ "أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا قامَ إلى الصّلاةِ مِنْ جَوْفِ اللّيْلِ يَقُولُ: اللّهُمّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السّمَاوَاتِ والأرْضِ وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قيّامُ السّمَاواتِ والأَرْضِ. وَلَكَ الْحَمدُ أَنْتَ رَبّ
ـــــــ
قوله: "كان إذا قام إلى الصلاة من جوف الليل" قال الحافظ: ظاهر السياق أنه كان يقوله أول ما يقوم إلى الصلاة وترجم عليه ابن خزيمة الدليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول هذا التحميد بعد أن يكبر ثم ساقه من طريق قيس بن سعد عن طاؤس عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام للتهجد قال بعدما يكبر: اللهم لك الحمد انتهى "لك الحمد" تقديم الخبر يدل على التخصيص "أنت نور السماوات والأرض" أي منورهما وخالق نورهما، وقال ابن عباس هادي أهلهما. وقيل "منزه في السماوات والأرض من كل عيب ومبرؤ من كل ريبة" ، وقيل هو إسم مدح يقال فلان نور البلد وشمس الزمان، وقال أبو العالية: "مزين السماوات بالشمس والقمر والنجوم ومزين الأرض بالأنبياء والعلماء والأولياء" ، وقال ابن بطال: "أنت نور السماوات والأرض" أي بنورك يهتدي من في السماوات والأرض وقيل معناه ذو نور السماوات والأرض "أنت قيام السماوات والأرض" وفي رواية قيم وفي أخرى

(9/364)


السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَنْ فِيهِنّ، أَنْتَ الحَقّ، وَوَعْدُكَ الحَقّ، ولِقَاؤُكَ حَقّ، والْجَنةُ حَقّ، والنّارُ حَقّ، والسّاعَةُ حَقّ. اللّهُمّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ
ـــــــ
قيوم وهي من أبنية المبالغة وهي من صفات الله تعالى ومعناها القائم بأمور الخلق ومدبر العالم في جميع أحواله وأصلها من الواو قيوام وقيوم وقيووم بوزن فيعال فيعول، والقيوم من أسماء الله تعالى المعدودة وهو القائم بنفسه مطلقاً لا بغيره وهو مع ذلك يقوم به كل موجود حتى لا يتصور وجود شيء ولا دوام وجوده إلا به كذا في النهاية "أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن" قال في النهاية. الرب يطلق في المغة على المالك والسيد والمدبر والمربى والمنعم والقيم، ولا يطلق غير مضاف إلا على الله تعالى وإذا أطلق على غيره أضيف فيقال رب كذا وقد جاء في الشعر مطلقاً على غير الله تعالى وليس بالكثير "أنت الحق" أي المتحقق الوجود الثابت بلا شك فيه. قال القرطبي: هذا الوصف له سبحانه وتعالى بالحقيقة خاص به لا ينبغي لغيره إذ وجوده لنفسه فلم يسبقه عدم ولا يلحقه عدم بخلاف غيره. وقال ابن التين: يحتمل أن يكون معناه أنت الحق بالنسبة إلى من يدعى فيه أنه إله أو بمعنى أن من سَمّاك إلهاً فقد قال الحق "ووعدك الحق" أي الثابت، قال الطيبي: عرف الحق في أنت الحق ووعدك الحق ونكر في البواقي لأنه منكر سلفاً وخلفاً أن الله هو الثابت الدائم الباقي وما سواه في معرض الزوال وكذا وعده مختص بالإنجاز دون وعد غيره إما قصداً وإما عجزاً تعالى الله عنهما والتنكير في البواقي للتفخيم "ولقاؤك حق" اللقاء البعث أو رؤية الله تعالى، وقيل الموت وأبطله النووي، واللقاء وما ذكر بعده داخل تحت الوعد لكن الوعد مصدر وما ذكر بعده هو الموعود به ويحتمل أن يكون من الخاص بعد العام "والساعة حق" أي يوم القيامة، وأصل الساعة القطعة من الزمان وإطلاق اسم الحق على ما ذكر من الأمور معناه أنه لا بد من كونها وأنها مما يجب أن يصدق بها وتكرار لفظ حق للمبالغة في التأكيد "اللهم لك أسلمت" أي استسلمت وانقدت لأمرك ونهيك "وبك آمنت" أي صدقت بك وبكل ما أخبرت

(9/365)


خَاصَمْتُ، وإلَيْكَ حَاكَمْتُ، فاغْفِرْ لِي مَا قَدّمْتُ وَما أَخّرْتُ وَما أَسْرَرْتُ ومَا أَعْلَنْتُ. أَنْكَ إِلهِي لا إلَهَ إلاّ أَنْتَ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. وَقَدْ رُوِيَ مِنَ غَيْرِ وَجْهٍ عَن ابنِ عباس عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
وأمرت ونهيت "وعليك توكلت" أي فوضت الأمر إليك تاركاً للنظر في الأسباب العادية "وإليك أتيت" أي أطعت ورجعت إلى عبادتك أي أقبلت عليها، وقيل معناه رجعت إليك في تدبير أمري أي فوضت إليك "وبك خاصمت" أي بما أعطيتني من البراهين والقوة خاصمت من عاند فيك وكفر بك وقمعته بالحجة وبالسيف "وإليك حاكمت" أي كل من جحد الحق حاكمته إليك وجعلتك الحاكم بيني وبينه لا غيرك مما كانت تحاكم إليه الجاهلية وغيرهم من صنم وكاهن ونار وشيطان وغيرها فلا أرضى إلا بحكمك ولا أعتمد غيره، وقدم مجموع صلات هذه الأفعال عليها إشعاراً بالتخصيص وإفادة للحصر "ما قدمت" أي قبل هذا الوقت وما أخرت عنه "وما أسررت وما أعلنت" أي أخفيت وأظهرت أو ما حدثت به نفسي وما تحرك به لساني. قال النووي: ومعنى سؤاله صلى الله عليه وسلم المغفرة مع أنه مغفور له أنه يسأل ذلك تواضعاً وخضوعاً وإشفاقاً وإجلالاً وليقتدي به في أصل الدعاء والخضوع وحسن التضرع في هذا الدعاء المعين. وفي هذا الحديث وغيره مواظبته صلى الله عليه وسلم في الليل على الذكر والدعاء والاعتراف لله تعالى بحقوقه والإقرار بصدقه ووعده ووعيده والبعث والجنة والنار وغير ذلك انتهى. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة.

(9/366)


30 ـ باب منه
3479 ـ حدثنا عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ، أخبرنا مُحمّدُ بنُ عُمْرَانَ بنِ أَبي لَيْلَى، قالَ: حدثني أبِي قال: حدثني ابنُ أَبي لَيْلَى عَن دَاوُدَ بنِ عَلِيّ هُوَ ابنُ عَبْدِ الله بنِ عَبّاسٍ عَن أبِيهِ عَن جَدّهِ ابنِ عَبّاسٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ لَيْلَةً حِينَ فَرَغَ مِنْ صَلاَتِهِ "اللّهُمّ إِنّي أسْأَلُكَ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِكَ تَهْدِي بِهَا قَلْبِي، وتَجْمَعُ بهَا أمْرِي، وَتَلُمّ بهَا شَعَثِي، وتُصْلِحُ بهَا غائِبي،
ـــــــ
"باب منه"
قوله: "حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن" هو الدارمي "أخبرنا محمد بن عمران ابن أبي ليلى" هو محمد بن عمران بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري أبو عبد الرحمن الكوفي صدوق من العاشرة "حدثني أبي" أي عمران بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى مقبول من الثامنة "حدثني ابن أبي ليلى" هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي القاضي صدوق سيء الحفظ جداً من السابعة "عن داود بن علي هو ابن عبد الله بن عباس" قال في التقريب: داود بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي أبو سلمان أمير مكة وغيرها مقبول من السادسة "عن أبيه" أي علي بن عبد الله بن عباس الهاشمي ثقة عابد من الثالثة. قوله: "اللهم إني أسألك" أي أطلب منك "رحمة" أي عظيمة كما أفاده تنكيره "من عندك" أي ابتداء من غير سبب "تهدي" أي ترشد "بها قلبي" إليك وتقربه لديك وخصه لأنه محل العقل ومناط التجلي "وتجمع بها أمري" أي أمري المتفرق، وفي رواية محمد بن نصر تجمع بها شملي أي ما تشتت من أمري وتفرق وهو من الأضداد يقال جمع الله شملهم أي ما تشتت من أمرهم وفرق الله شملهم أي ما اجتمع من أمرهم "وتلم" بفتح التاء وضم اللام أي تجمع "شعثي" بفتحتين أي ما تفرق من أمري، يقال لم الله شعث فلان أي قارب

(9/367)


وَتَرْفَعُ بهَا شَاهِدِي، وَتُزَكّي بهَا عَمَلِي، وَتُلْهِمُنِي بهَا رُشْدِي، وتَرُد بهَا أُلْفَتِي، وَتَعْصِمُنِي بهَا مِنْ كُل سُوءٍ. اللّهُمّ أعْطِني إيمَاناً وَيَقِيناً لَيْسَ بَعْدَهُ كُفْرٌ. ورَحْمَةً أَنَالُ بهَا شَرَفَ كَرَامَتِكَ في الدّنْيَا وَالآخرةِ. اللّهُمّ إِنّي أَسْألُكَ الفَوْزَ في العطاء ويروي في القَضَاءِ وَنُزُلَ الشّهَدَاءِ وَعَيْشَ السّعَدَاءِ والنّصْرَ عَلَى الأعْدَاءِ. اللّهُمّ إِنّي أُنْزِلُ بِكَ حَاجَتِي وَإِنْ قَصُرَ رَأْيِي وَضَعُفَ عَمَلِي افْتَقرْتُ إلى رَحْمَتِكَ. فأسْأَلُكَ يا قَاضِيَ الأُمُورِ، وَيا شَافِيَ الصّدُورِ، كَمَا تُجِيرُ بَيْنَ البُحُورِ، أَنْ تُجِيرَني مِنْ عَذَابِ
ـــــــ
بين شتيت أموره وأصلح من حاله ما تشعث "غائبي" أي ما غاب عني أي باطني بكمال الإيمان والأخلاق الحسان والملكات الفاضلة "شاهدي" أي ظاهري بالعمل الصالح والخلال الحميدة "وتزكي بها عملي" أي تزيده وتنميه وتطهره من الرياء والسمعة "وتلهمني بها رشدي" أي تهديني بها ما يرضيك ويقربني إليك "وترد بها ألفتي" بضم الهمزة وتكسر أي أليفى أو مألوفي أي ما كنت آلفه "وتعصمني" أي تمنعني وتحفظني "بها من كل سوء" أي تصرفني عنه وتصرفه عني "ليس بعده كفر" فإن القلب إذا تمكن منه نور اليقين انزاح عنه ظلام الشك وغيم الريب "ورحمة" أي عظيمة "أنال بها شرف كرامتك في الدنيا والآخرة" أي علو القدر فيهما "الفوز في القضاء" أي الفوز باللطف فيه "نزل الشهداء" النزل بضمتين وقد تسكن الزاي أي منزلهم في الجنة أو درجتهم في القرب منك لأنه محل المنعم عليهم وهو صلى الله عليه وسلم وإن كان أعظم ومنزله أوفي وأفخم لكنه ذكره للتشريع. قاله المناوي، وقال في المجمع أصله قرى الضيف يريد ما للشهداء من الأجر "وعيش السعداء" الذين قدرت لهم السعادة الأخروية "إني أنزل" بصيغة المتكلم من باب الأفعال أي أحل "بك حاجتي" أي أسألك قضاء ما أحتاجه من أمر الدارين "وإن قصر رأيي" بتشديد الصاد من التقصير أي عجز عن إدراك ما هو أنجح وأصله قاله المناوي "وضعف عملي" أي عبادتي عن بلوغ مراتب الكمال "فأسألك" أي فبسبب ضعفي وافتقاري

(9/368)


السّعِيرِ. وَمِنْ دَعْوَةِ الثّبُورِ. وَمِنْ فِتْنَةِ القُبُورِ. اللّهُمّ مَا قَصُرَ عَنْهُ رَأْيِي وَلَمْ تَبْلُغْهُ نِيّتِي وَلَمْ تَبْلُغْهُ مَسْألَتِي مِنْ خَيْرٍ وعَدْتَهُ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ أَوْ خَيْرٍ أنْتَ مُعْطِيهِ أَحَداً مِنْ عِبَادِكَ فإِنّي أرْغَبُ إلَيْكَ فِيهِ وَأَسْأَلُكَهُ بِرَحْمَتِكَ رَبّ العَالِمِينَ. اللّهُمّ ذَا الْحَبلِ الشّدِيدِ، وَالأمْرِ الرّشِيدِ، أَسْأَلُكَ الأمْنَ يَوْمَ الْوَعِيدِ، وَالْجَنَةَ يَوْمَ الْخُلُودِ مَعَ المُقَرّبِينَ الشّهُودِ، الرّكّعِ السّجُودِ، المُوفِينَ بالْعُهُودِ. إنك رَحِيمٌ وَدُودٌ، وَإنّكَ تَفْعَلُ
ـــــــ
إليك أطلب منك "يا قاضي الأمور" حاكمها ومحكمها "ويا شافي الصدور" أي مداوي القلوب من أمراضها التي إن توالت عليها أهلكتها هلاك العبد "كما تجير" أي تفصل وتحجز "بين البحور" أي تمنع أحدها من الاختلاط بالآخر مع الاتصال "أن تجيرني" أي تمنعني "من عذاب السعير" بأن تحجزه عني وتمنعه مني "ومن دعوة الثبور" بضم المثلثة هو الهلاك أي أجرني من أن أدعو ثبوراً. قال الله تعالى عن أهل النار {وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً} ومن فتنة القبور بأن ترزقني الثبات عند سؤال منكر ونكير "وما قصر عنه رأيي" أي اجتهادي في تدبيري "ولم تبلغه نيتي" أي تصحيحها في ذلك المطلوب "ولم تبلغه مسألتي" إياك "أو خير أنت معطيه أحداً من عبادك" أي من غير سابقه وعدله بخصوصه فلا يعد مع ما قبله تكراراً "فإني أرغب إليك فيه" أي في حصوله منك لي "برحمتك" التي لا نهاية لسعتها "اللهم ذا الحبل الشديد" قال في النهاية هكذا يرويه المحدثون بالباء والمراد به القرآن أو الدين أو السبب ومنه قوله تعالى {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً} وصفه بالشدة لأنها من صفات الحبال، والشدة في الدين الثبات والاستقامة، قال الأزهري: الصواب الحيل بالياء وهو القوة يقال حول وحيل بمعنى انتهى "والأمر الرشيد" أي السديد الموافق لغاية الصواب أسألك الأمن من الفزع والأهوال "يوم الوعيد" للكفار بالعذاب وهو يوم القيامة "يوم الخلود" أي خلود أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار "الشهود" جمع الشاهد أي الناظرين إلى ربهم "الركع السجود" المكثرين للصلاة ذات الركوع

(9/369)


ما تُرِيدُ. اللّهُمّ اجْعَلْنَا هادِينَ مُهْتَدِينَ غَيْرَ ضَالّينَ وَلاَ مُضِلّينَ سَلْماً لأَوْلِيَائِكَ وَعَدُوّا لأَعْدَائِكَ نُحِبّ بِحُبّكَ مَنْ أحَبّكَ ونُعَادِي بِعَدَاوَاتِكَ مَنْ خالَفَكَ. اللّهُمّ هَذَا الدّعاءُ وَعَلَيْكَ الاستجابَةُ وَهَذَا الْجُهْدُ وَعَلَيْكَ التّكْلاَنُ. اللّهُمّ اجْعَلْ لِي نُوراً في قَبْرِي، وَنُوراً في قَلْبِي، ونُوراً مِنْ بَيْنِ يَدَيّ، ونُوراً مِنْ خَلْفِي، ونُوراً عَنْ يَمِيني، ونُوراً عنْ شِمَالِي، ونُوراً مِنْ فَوْقِي، وَنُوراً مِنْ تَحْتِي، وَنُوراً في سَمْعِي، وَنُوراً في بَصَرِي، وَنُوراً في شَعْرِي، وَنُوراً في بَشَرِي، وَنُوراً في لَحْمِي، وَنُوراً في دَمِي، ونوراً في عِظَامِي. اللّهمّ أَعْظِمْ لِي نُوراً وأَعْطِنِي نُوراً وَاجْعَلْ لِي نوراً. سُبْحَانَ الّذِي
ـــــــ
والسجود في الدنيا "الموفين بالعهود" بما عاهدوا الله عليه "ودود" أي شديد الحب لمن والاك "وإنك تفعل ما تريد" فتعطي من تشاء مسؤوله وإن عظم "هادين" أي دالين للخلق على ما يوصلهم إلى الحق "مهتدين" أي إلى إصابة الصواب قولاً وعملاً "غير ضالين" عن الحق "ولا مضلين" لأحد من الخلق "سلماً" بكسر السين المهملة وفتحها وسكون اللام أي صلحاً "لأوليائك" أي حزبك "لأعدائك" ممن اتخذ لك شريكاً أو نداً "نحب بحبك" أي بسبب حبناً لك "بعداوتك" أي بسبب عداوتك "من خالفك" أي خالف أمرك "اللهم هذا الدعاء" أي ما أمكننا منه قد أتينا به ولم نأل جهداً وهو مقدورنا "وعليك الإجابة" فضلاً منك لا وجوباً "وهذا الجهد" بالضم وتفتح الوسع والطاقة "وعليك التكلان" بضم التاء أي الاعتماد "اللهم اجعل لي نوراً" أي عظيماً فالتنوين للتعظيم "ونوراً في قبري" أستضيء به في ظلمة اللحد "ونوراً من بين يدي" أي يسعى أمامي "ونوراً من خلفي" أي من ورائي ليتبعني أتباعي ويقتدي بي أشياعي "ونوراً عن يميني ونوراً عن شمالي ونوراً من فوقي ونوراً من تحتي" يعني إجعل النور يحفني من جميع الجهات الست "ونوراً في سمعي ونوراً في بصري" وبزيادة ذلك تزداد المعارف "ونوراً في بشري" بفتح الباء والشين المعجمة أي ظاهر جلدي

(9/370)


تَعَطّفَ العِزّ وقَال بِهِ، سُبْحَانَ الّذِي لَبِسَ المَجْدَ وَتكّرمَ بِهِ، سبحَان الّذِي لا يَنْبَغِي التّسْبِيحُ إلاّ لَهُ. سُبْحَانَ ذِي الفَضْلِ وَالنّعَمِ. سُبْحَانَ ذِي المَجْدِ والكَرَمِ، سُبْحَانَ ذِي الجَلاَلِ والإكْرَامِ" . هَذا حديثٌ غَريبٌ لا نَعْرِفُهُ مِثْلَ هَذَا مِنْ حَدِيثِ ابنِ أَبي لَيْلَى إِلاّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وقَدْ رَوَى شُعْبَةُ وَسُفْيَانُ الثّوْرِيّ عَن سَلَمَةَ بنِ كُهَيْلٍ عن
ـــــــ
"ونوراً في لحمي" الظاهر والباطن "ونوراً في دمي ونوراً في عظامي" نص على المذكورات كلها لأن إبليس يأتي الإنسان من هذه الأعضاء فيوسوسهم فدعا بإثبات النور فيها ليدفع ظلمته "اللهم أعظم لي نوراً وأعطني نوراً واجعل لي نوراً" عطف عام على خاص خاص أي اجعل لي نوراً شاملاً للأنوار المتقدمة وغيرها قال القرطبي: هذه الأنوار التي دعا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يمكن حملها على ظاهرها فيكون سأل الله تعالى أن يجعل له في كل عضو من أعضائه نوراً يستضيء به يوم القيامة في تلك الظلم هو ومن تبعه أو من شاء الله منهم. قال والأولى أن يقال هي مستعارة للعلم والهداية كما قال تعالى {فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ} وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} ثم قال والتحقيق في معناه أن النور مظهر ما نسب إليه وهو يختلف بحسبه فنور السمع مظهر للمسموعات ونور البصر كاشف للمبصرات ونور القلب كاشف عن المعلومات ونور الجوارح ما يبدو عليها من أعمال الطاعات قال الطيبي: معنى طلب النور للأعضاء عضواً عضواً أن يتحلى بأنوار المعرفة والطاعات ويتعرى عما عدهما فإن الشياطين تحيط بالجهات الست بالوساوس فكان التخلص منها بالأنوار السادة لتلك الجهات قال وكل هذه الأمور راجعة إلى الهداية والبيان وضياء الحق، وإلى ذلك يرشد قوله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} إلى قوله تعالى: {نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ} انتهى ملخصاً "تعطف العز" قال الجزري في النهاية أي التردي بالعز العطاف والمعطف الرداء وقد تعطف به واعتطف وتعطفه واعتطفه وسمي عطافاً لوقوعه على عطفي الرجل وهما ناحيتا عنقه والتعطف في حق الله تعالى مجاز

(9/371)


كُرَيْبٍ عَن ابنِ عَبّاسٍ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم بَعْضَ هَذَا الْحَدِيثِ ولَمْ يَذْكُرْه بِطُولِهِ.
ـــــــ
يراد به الاتصاف كأن العز شمله شمول الرداء "وقال به" أي أحبه واختصه لنفسه كما يقال فلان يقول بفلان أي بمحبته واختصاصه، د وقيل معناه حكم به، فإن القول يستعمل معنى الحكم وقال الأزهري: معناه غلب به وأصله من القيل الملك لأنه ينفذ قوله كذا في النهاية "لبس المجد" أي ارتدى بالعظمة والكبرياء "وتكرم به" أي تفضل وأنعم على عباده "لا ينبغي التسبيح إلا له" أي لا ينبغي التنزيه المطلق إلا لجلاله تقدس "ذي الفضل" أي الزيادة في الخير "والنعم" جمع نعمة بمعنى إنعام "ذي الجلال والإكرام" أي الذي يجله الموحدون عن التشبيه بخلقه وعن أفعالهم أو الذي يقال له ما أجلك وما أكرمك. قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه محمد بن نصر المروزي في قيام الليل والطبراني في معجمه الكبير والبيهقي في كتاب الدعوات. قال المناوي: وفي أسانيده مقال لكنها تعاضدت "لا نعرف مثل هذا" أي مطولاً "وقد روى شعبة وسفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن كريب عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم بعض الحديث" أي مختصراً "ولم يذكره" أي لم يذكر أحد منهما، ورواية شعبة والثوري هذه أخرجها الشيخان وغيرهما.

(9/372)


31 ـ باب مَا جَاءَ في الدّعَاءِ عنْدَ افْتِتَاحِ الصّلاَةِ باللّيْل
3480 ـ حدثنا يَحْيَى بنُ مُوسَى وَغَيْرُ وَاحِدٍ قَالُوا أخبرنا عُمَرُ بنُ يُونُسَ أخبرنا عِكْرِمَةُ بنُ عَمّارٍ، أخبرنا يَحْيَى بنُ أبي كَثِيرٍ قَالَ: حدثني أَبُو سَلَمَةَ قَالَ: "سَأَلْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها بِأَيّ شَيْءٍ كانَ النّبيّ صلى الله عليه
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في الدّعَاءِ عنْدَ افْتِتَاحِ الصّلاَةِ باللّيْل
قوله: "حدثنا يحيى بن موسى" البلخي المعروف بخط "حدثني أبو سلمة"

(9/372)


وسلم يَفْتَتِحُ صَلاَتَهُ إذَا قَامَ مِنَ اللّيْلِ؟ قَالَتْ كانَ إذَا قَامَ مِنَ اللّيْلِ افْتَتَحَ صَلاَتَهُ فَقَالَ: اللّهُمّ رَبّ جِبْرِيلَ وَمِيكائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السّمَواتِ وَالأَرْضِ وعَالِمَ الغَيْبِ وَالشّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فيما كَانُوا فيه يَخْتَلِفُونَ اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الحَقّ بإِذْنِكَ إِنّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
ـــــــ
ابن عبد الرحمن بن عوف. قوله: "اللهم رب جبرئيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض" أي مبدعهما ومخترعهما. قال النووي في شرح مسلم: قال العلماء خصهم بالذكر وإن كان الله تعالى رب كل المخلوقات كما تقرر في القرآن والسنة من نظائره من الإضافة إلى كل عظيم المرتبة وكبير الشأن دون ما يستحقر ويستصغر فيقال له سبحانه وتعالى رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم ورب الملائكة والروح، رب المشرقين ورب المغربين، رب الناس ملك الناس إله الناس رب العالمين، فكل ذلك وشبهه وصف له سبحانه بدلائل العظمة وعظيم القدرة والملك، ولم يستعمل ذلك فيما يحتقر ويستصغر فلا يقال رب الحشرات وخالق القردة والخنازير وشبه ذلك على الإفراد وإنما يقال خالق المخلوقات وخالق كل شيء وحينئذ تدخل هذه في العموم انتهى "عالم الغيب والشهادة" أي بما غاب وظهر عند غيره "أنت تحكم بين عبادك" يوم القيامة "فيما كانوا فيه يختلفون" أي من أمر الدين في أيام الدنيا "اهدني لما اختلف فيه" أي تبتني عليه كقوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} "من الحق" بيان لما "بإذنك" أي بتقوفيقك وتيسيرك "إنك على صراط مستقيم" أي على طريق الحق والعدل، وفي رواية مسلم وغيره إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم. قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان

(9/373)


32 ـ باب منه
3481 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ بنِ أَبي الشّوَارِبِ، أخبرنا يُوسُفُ بنُ المَاجِشُونَ قالَ: أَخْبَرني أبي عَن عَبْدِ الرّحْمَن الأَعْرَجِ عن عُبَيْدِ الله بنِ أبي رَافِعٍ عَن عَلِيّ بنِ أَبي طَالِبٍ "أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا قَامَ في الصّلاةِ قَالَ: وَجّهْتُ وَجْهِيَ لِلّذِي فَطَرَ السّمَاوَاتِ والأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكينَ إنّ صَلاَتي ونُسُكِي ومَحْيَايَ وَمَمَاتي
ـــــــ
"باب منه"
قوله: "أخبرنا يوسف بن الماجشون" هو يوسف بن يعقوب بن أبي سلمة الماجشون أبو سلمة المدني ثقة من الثامنة، والماجشون بكسر الجيم وضم الشين المعجمة وهو أبيض الوجه مورده لفظ أعجمي قاله النووي، وقال في المعنى بفتح جيم وقيل بكسرها وبشين معجمة مضمومة وبنون وهو معرب ما كون أي شبه القمر سمي به لحمرة وجنتيه يوسف الماجشون وفي بعضها ابن الماجشون وكلاهما صحيح وهو أبو سلمة يوسف بن يعقوب بن أبي سلمة وهو لقب يعقوب وجرى على أولاده وأولاد أخيه ولذا وقع في بعض الروايات عبد العزيز الماجشون وفي بعضها ابنه انتهى "أخبرني أبي" أي يعقوب بن أبي سلمة الماجشون والتيمي مولاهم أبو يوسف المدني صدوق من الرابعة. قوله: "كان إذا قام في الصلاة قال وجهت الخ" وفي الرواية الثالثة الآتية إذا قام إلى الصلاة المكتوبة وفيها ويقول حين يفتتح الصلاة بعد التكبير وجهت الخ "وجهت وجهي" بسكون الياء وفتحها أي توجهت بالعبادة بمعنى أخلصت عبادتي لله، وقيل صرفت وجهي وعملي ونيتي أو أخلصت وجهتي وقصدي "للذي فطر السماوات والأرض" أي إلى الذي ابتدأ خلقهما "حنيفاً" حال من ضمير وجهت أي مائلاً إلى الدين الحق ثابتاً عليه. قال في النهاية: الحنيف المائل إلى الإسلام الثابت عليه والحنيف عند العرب من كان على دين إبراهيم عليه السلام،

(9/374)


لله رَبّ العَالِمَينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ المُسْلِمينَ. اللّهُمّ أَنْتَ المَلِكُ لاَ إِلَهَ إِلاّ أَنْتَ، أَنْتَ رَبّي وَأَنَا عَبْدُكَ ظَلمْتُ نَفْسِي واعْتَرَفْتُ
ـــــــ
وأصل الحنف الميل "وما أنا من المشركين" بيان للحنيف وإيضاح لمعناه، والمشرك يطلق على كل كافر من عابد وثن وصنم ويهودي ونصراني ومجوسي ومرتد وزنديق وغيرهم "إن صلاتي ونسكي" النسك الطاعة والعبادة وكل ما تقرب به إلى الله تعالى: "ومحياي ومماتي" أي حياتي وموتي ويجوز فتح الياء فيهما وإسكانهما والأكثرون على فتح ياء محياي وإسكان مماتي "لله" أي هو خالقهما ومقدرهما وقيل طاعات الحياة والخيرات المضافة إلى الممات كالوصية والتدبير، أو حياتي وموتي لله لا تصرف لغيره فيها أو ما أنا عليه من العبادة في حياتي وما أموت خالصة لوجه الله "رب العالمين" بدل أو عطف بيان أي مالكهم ومربيهم وهم ما سوى الله على الأصح "وبذلك أمرت" أي بالتوحيد الكامل الشامل للإخلاص قولاً واعتقاداً "وأنا من المسلمين" وفي بعض النسخ وأنا أول المسلمين، وكذا في رواية لمسلم قال النووي أي من هذه الأمة، وفي أخرى له: وأنا من المسلمين، وفي رواية أبي داود وأنا أول المسلمين. قال أبو داود في سننه حدثنا عمرو بن عثمان أخبرنا شريح بن يزيد حدثني شعيب بن أبي حمزة قال قال لي ابن المنكدر وابن أبي فروة وغيرهما من فقهاء أهل المدينة فإذا قلت أنت فقل وأنا من المسلمين يعني قوله وأنا أول المسلمين انتهى. وقال الشوكاني في النيل: قال في الانتصار إن غير النبي إنما يقول وأنا من المسلمين وهو وهم منشوء توهم أن معنى وأنا أول المسلمين أني أول شخص اتصف بذلك بعد أن كان الناس بمعزل عنه وليس كذلك بل معناه بيان المسارعة في الامتثال لما أمر به. ونظيره {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} وقال موسى {وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} وظاهر الإطلاق أنه لا فرق في قوله وأنا من المسلمين وقوله وما أنا من المشركين. بين الرجل والمرأة وهو صحيح على إرادة الشخص وفي المستدرك للحاكم من رواية عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة: "قومي فاشهدي أضحيتك وقولي: إن صلاتي ونسكي إلى قوله وأنا من المسلمين" . فدل على ما ذكرناه انتهى.
"اللهم" أي يالله والميم بدل عن حرف النداء

(9/375)


بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبي جَمِيعاً إِنّهُ لاَ يَغْفِر الذّنُوبَ إلاّ أَنْتَ واهْدِني لأَحْسَنِ الأَخْلاَقِ لا يَهْدِي لأحْسَنِها إلاّ أنْتَ واصْرِفْ عَنّي سَيّئَهَا إنّه لاَ يَصْرِفُ عَنّي سَيّئَهَا إلاّ أَنْتَ آمَنْتُ بِكَ تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إلَيْكَ. فإِذَا رَكَعَ قَالَ: اللّهُمّ لَكَ رَكَعْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَلَكَ أَسْلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي ومُخّي وَعظْمِي وعَصَبِي. فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَالَ: اللّهّمّ رَبّنَا لَكَ الحَمدُ مِلْءَ السّمَاوَاتِ والأَرَضِينَ وَمَا
ـــــــ
ولذا لا يجمع بينهما إلا في الشعر "أنت الملك" أي القادر على كل شيء المالك الحقيقي لجميع المخلوقات "وأنا عبدك" أي معترف بأنك مالكي ومدبري وحكمك نافذ في "ظلمت نفسي" أي اعترفت بالتقصير قدمه على سؤال المغفرة أدباً كما قال آدم وحواء {قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} "إنه" بالكسر استئناف فيه معنى التعليل والضمير للشأن "لا يغفر الذنوب إلا أنت" فإنك أنت الغفار الغفور "واهدني لأحسن الأخلاق" أي أرشدني لأكملها وأفضلها ووفقني للتخلق بها "واصرف عني سيئها" أي قبيحها "تباركت" أي استحققت الثناء، وقيل ثبت الخير عندك وقيل جئت بالبركات أو تكاثر خيرك، وأصل الكلمة للدوام والثبوت "وتعاليت" أي ارتفعت عظمتك وظهر قهرك وقدرتك على من في الكونين، وقيل أي عن مشابهة كل شيء "اللهم لك ركعت وبك آمنت" في تقديم الجار إشارة إلى التخصيص "ولك أسلمت" أي لك ذللت وانقدت أو لك أخلصت وجهي "خشع" أي خضع وتواضع أو سكن "لك سمعي" فلا يسمع إلا منك "وبصري" فلا ينظر إلا بك وإليك وتخصيصهما من بين الحواس لأن أكثر الآفات بهما فإذا خشعتا قلت الوساوس قاله ابن الملك "ومخي" قال ابن رسلان المراد به هنا الدماغ وأصله الودك الذي في العظم وخالص كل شيء مخه "وعظمي وعصبي" فلا يقومان ولا يتحركان إلا بك في طاعتك وهن عمد الحيوان وأطنابه واللحم والشحم غاد ورائح "فإذا رفع رأسه" أي من الركوع "قال" أي بعد قوله سمع الله لمن حمده

(9/376)


بَيْنَهُمَا ومِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ فَإِذَا سَجَدَ قَالَ: اللّهُمّ لَكَ سَجَدْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَلَكَ أسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي للّذِي خَلَقَهُ فَصَوّرَهُ وشَقّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ فَتَبَارَكَ الله أحْسَنُ الخَالِقِينَ. ثُمّ يَكُونُ آخِرُ مَا يَقُولُ بَيْنَ التّشَهّدِ والسّلاَمِ: اللّهْمّ اغْفِرْ لِي مَا قَدّمْتُ وَمَا أخّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ وَمَا أنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنّي أَنْتَ المُقَدّمُ وَأنْتَ المُؤَخّرُ لاَ إلَهَ إلاّ أنْتَ" . هذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
كما في الرواية الثالثة الآتية "ملء السماوات والأرضين" بكسر الميم ونصب الهمزة بعد اللام ورفعها والنصب أشهر ومعناه حمداً لو كان أجساماً لملأ السماوات والأرض لعظمه. قاله النووي "سجد وجهي" أي خضع وذل وانقاد "فصوره" زاد مسلم وأبو داود فأحسن صوره وهو الموافق لقوله تعالى فأحسن صوركم "أحسن الخالقين" أي المصورين والمقدرين فإنه الخالق الحقيقي المنفرد بالإيجاد والإمداد وغيره إنما يوجد صوراً مموهة ليس فيها شيء من حقيقة الخلق مع أنه تعالى خالق كل صانع وصنعته {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} "ثم يكون" أي بعد فراغه من ركوعه وسجوده "ما قدمت" من سيئة "وما أخرت" من عمل أي جميع ما فرط مني قاله الطيبي. وقال الشوكاني في النيل: المراد بقوله "ما أخرت" إنما هو بالنسبة إلى ما وقع من ذنوبه المتأخرة لأن الاستغفار قبل الذنب محال كذا قال أبو الوليد النيسابوري. قال الإسنوي: ولقائل أن يقول المحال إنما هو طلب مغفرته قبل وقوعه وأما الطلب قبل الوقوع أن يغفر إذا وقع فلا استحالة فيه "وما أسررت وما أعلنت" أي جميع الذنوب لأنها إما سر أو علن "أنت المقدم وأنت المؤخر" قال البيهقي قدم من شاء بالتوفيق إلى مقدمات السابقين وأخر من شاء عن مراتبهم، وقيل قدم من أحب من أوليائه على غيرهم من عبيده وأخر من أبعده عن غيره فلا مقدم لما أخر ولا مؤخر لما قدم. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي مطولاً وابن ماجه مختصراً وابن حبان في صحيحه.

(9/377)


3482 ـ حدثنا الحَسَنُ بنُ عَلِيّ الخَلالُ، حدثنا أبُو الوَلِيدِ الطّيَالِسيّ، حدثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ أَبي سَلَمَةَ ويُوسُفُ بنُ المَاجِشُونَ قَالَ عَبْدُ العَزِيزِ، حدثني عَمّي وَقَالَ يُوسُفُ: أَخْبَرَني أَبي قَالَ: حدثني الأَعْرَجُ عَن عُبَيْدِ الله بنِ أَبي رَافِعٍ عَن عَلِيّ بنِ أبي طَالِبٍ "أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا قَامَ إلَى الصّلاةِ قَالَ: "وَجّهْتُ وَجْهِي لِلّذِي فَطَرَ السّمَاواتِ والأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ، إنّ صَلاَتِي وَنُسِكي وَمَحْيَايَ ومَمَاتِي لله رَبّ العَالِميَنَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأنَا مِنَ المُسْلِمِينَ. اللّهُمّ أَنْتَ المَلِكُ لاَ إِلَهَ إلاّ أَنْت، أنْتَ رَبّي وَأنَا عَبْدُكَ ظَلَمْتُ نَفْسِي واعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي ذنوبي جَمِيعاً إنّهُ لا يَغْفِرُ الذّنُوبَ إلاّ أنْتَ واهْدِنِي لأَحْسَنِ الأَخْلاَقِ لاَ يَهْدِي لأَحْسَنِهَا إلاّ أَنْتَ واصْرِفْ عَنّي سَيّئَها لا يَصْرِفُ عَنّي سَيّئَهَا إلا أَنْتَ، لَبّيْكَ وَسَعْدَيْكَ والْخَيْرُ كُلّهُ في يَدَيْكَ، والشّرّ لَيْسَ إلَيْكَ، أَنَا بِكَ وَإلَيْكَ تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ
ـــــــ
قوله: "أخبرنا عبد العزيز بن أبي سلمة" هو عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون "حدثني عمي" هو يعقوب الماجشون والد يوسف بن الماجشون قوله: "لبيك" قال العلماء معناه أنا مقيم على طاعتك إقامة بعد إقامة يقال لب بالمكان لباً وألب إلباباً أي أقام به، وأصل لبيك لبين فحذفت النون للإضافة "وسعديك" قال الأزهري وغيره. معناه مساعدة لأمرك بعد مساعدة ومتابعة لدينك بعد متابعة "والخير كله في يديك" قال الخطابي وغيره: فيه الإرشاد إلى الأدب في الثناء على الله تعالى ومدحه بأن يضاف إليه محاسن الأمور دون مساويها على جهة الأدب "والشر ليس إليك" قال النووي: هذا مما يجب تأويله لأن مذهب أهل الحق أن كل محدثات فعل الله تعالى وخلقه سواء خيرها وشرها وحينئذ يجب تأويله

(9/378)


إلَيْكَ. فإِذَا رَكَعَ قالَ: اللّهُمّ لَكَ رَكَعْتُ وبِكَ آمَنْتُ ولَكَ أَسْلَمْتُ خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وبَصَرِي وعِظَامِي وعَصَبي. وَإذَا رَفَعَ قالَ: اللّهُمّ رَبّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السّمَاءِ ومِلْءَ الأرْضِ ومِلْءَ مَا بَيْنَهُمَا وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ. فإِذَا سَجَدَ قالَ: اللّهُمّ لَكَ سَجَدْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَلَكَ أَسْلَمْتُ سَجَدَ وجْهِي للّذِي خَلَقَهُ وصَوّرَهُ وشَقّ سَمْعَهُ وبَصَرَهُ فَتَبَارَكَ الله أَحسَنُ الْخَالِقِينَ. ثُمّ يَقُولُ: مِنْ آخِرِ مَا يَقُولُ بَيْنَ التّشَهّدِ وَالتّسْلِيمِ: اللّهُمّ اغْفِرْ لِي مَا قَدّمْتُ ومَا أخّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَما أَعْلَنْتُ وَمَا أَسْرَفْتُ وما أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنّي، أنْتَ المُقَدّمُ وَأنْتَ المُؤَخّرُ لا إله إلاّ أَنْتَ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
وفيه خمسة أقوال فذكرها، منها أن معناه لا يتقرب به إليك، ومنها أنه لا يضاف الشر إليك على انفراده لا يقال يا خالق القردة والخنازير ويا رب الشر ونحو هذا وإن كان خالق كل شيء ورب كل شيء أو رب كل شيء وحينئذ يدخل الشر في العموم، ومنها أن الشر لا يصعد إليك وإنما يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح، ومنها أن معناه والشر ليس شراً بالنسبة إليك فإنك خلقته بحكمة بالغة وإنما هو شر بالنسبة إلى المخلوقين "أنا بك وإليك" أي التجائي وانتمائي إليك وتوفيقي بك قاله النووي "وعصبي" العصب طنب المفاصل وهو ألطف من العظم "وملء ما شئت من شيء بعد" بالبناء على الضم أي بعد السماوات والأرض كالعرش والكرسي وغيرهما مما لم يعلمه إلا الله والمراد الاعتناء في تكثير الحمد "ما أسررت" أي أخفيت "وما أسرفت" أي جاوزت الحد "وما أنت أعلم به مني" أي من ذنوبي وإسرافي في أموري وغير ذلك "أنت المقدم وأنت المؤخر" أي تقدم من شئت بطاعتك وغيرها وتؤخر من شئت عن ذلك كما تقتضيه حكمتك وتعز من تشاء وتذل من تشاء.

(9/379)


3483 ـ حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ الْخَلاّلُ، أخبرنا سُلَيْمَانُ بنُ دَاوُدَ الْهَاشِمِيّ، أخبرنا عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ أَبي الزّنَادِ عَن مُوسَى بنِ عُقْبَةَ عَن عَبْدِ الله بنِ الفَضْلِ عَن عَبْدِ الرّحمَنِ الأعْرَجِ عَن عُبَيْدِ الله بنِ أَبي رَافِعٍ عَن عَلَيّ بنِ أَبي طَالِبٍ عَن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم: "أَنّهُ كانَ إِذَا قَامَ إلى الصّلاَةِ المَكْتُوبَةِ رَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ وَيَصْنَعُ ذَلِكَ أيْضاً إِذَا قَضَى قِرَاءَتَهُ وَأَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ وَيَصْنَعُهَا إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرّكُوعِ ولاَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ في شَيْءٍ مِنْ صَلاَتِهِ وَهُوَ قَاعِدٌ، فإِذَا قامَ مِنْ سَجْدَتَيْنِ رَفَعَ يَدَيْهِ كَذَلِكَ فَكَبّرَ. وَيَقُولُ حِينَ يَفْتَتِحُ الصّلاَةَ بَعْدَ التّكْبِيرِ: وَجّهْتُ وَجْهِيَ لِلّذِي فَطَرَ السّمَوَاتِ والأرْضَ حَنِيفاً ومَا أنَا مِنَ المُشْرِكِينَ. إنّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لله رَبّ العَالِميَنَ. لا شَرِيكَ لَهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأَنَا مِنَ المُسْلِميِنَ، اللّهُمّ أَنْتَ المَلِكُ لا إلَهَ إلاّ أنْتَ سُبْحَانكَ أَنْتَ رَبّي وَأَنَا عَبْدُكَ ظَلَمْتُ نَفْسِي واعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي فاغْفِرْ لِي ذَنْبِي جَمِيعاً إِنّهُ لا يَغْفرُ الذّنُوبِ إلاّ أنْتَ وَاهْدِني لأحْسَنِ الأخْلاقِ لاَ يَهْدِي لأحْسَنِهَا إلاّ أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنّي سَيّئَهَا لا يَصْرِفُ عَنّي سَيّئَهَا إلاّ أَنْتَ لَبّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وأَنَا بِكَ وَإليْكَ ولاَ مَنْجَا مِنْكَ وَلاَ مَلْجَأَ إلاّ إلَيْكَ. أَسْتَغْفِرُكَ وَأتُوبُ إلَيْكَ" . ثُمّ يَقْرَأُ
ـــــــ
قوله: "أخبرنا سليمان بن داود" بن داود بن علي بن عبد الله بن عباس أبو أيوب البغدادي الهاشمي الفقيه ثقة جليل قال أحمد بن حنبل يصلح للخلافة

(9/380)


فإِذَا رَكَعَ كانَ كَلاَمُهُ في رُكُوعِهِ أَنْ يَقُولَ: "اللّهُمّ لَكَ رَكَعْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَلَكَ أَسْلَمْتُ وَأَنْتَ رَبّي. خَشَعَ سَمْعِي وَبَصَرِي ومُخّي وَعَظْمِي لله رَبّ العَالمِينَ". فإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرّكُوعِ قالَ سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ ثُمّ يُتْبِعُهَا: "اللّهُمّ رَبّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السّماوَاتِ والأرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، فإِذَا سَجَدَ قالَ في سُجُودِهِ اللّهُمّ لَكَ سَجَدْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَلَكَ أَسْلَمْتُ وأَنْتَ رَبّي سَجَدَ وَجْهِي للّذِي خَلَقَهُ وَشَقّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ تَبَارَكَ الله أحْسَنُ الخَالِقينَ". وَيَقُولُ عِنْدَ انْصِرَافِهِ مِنَ الصّلاَةِ: "اللّهُمّ اغْفِرْ لِي مَا قَدّمْتُ وما أَخّرْتُ وما أَسْرَرْتُ ومَا أَعْلَنْتُ وأَنْتَ إلهِي لا إلَهَ إلاّ أنْتَ" هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. والعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ الشّافِعِيّ و بعض أَصْحَابِنَا. "وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ مِنَ أَهْلِ الكُوفَةِ وَغَيْرِهِمْ يَقُولُ: هَذَا في صَلاَةِ التّطَوّعِ ولاَ يَقُولُهُ في المَكْتُوبَةِ" .
ـــــــ
من العاشرة. قوله: "لا منجا منك ولا ملجأ إلا إليك" يأتي شرحه في الباب الذي بعد باب انتظار الفرج. قوله: "والعمل على هذا الحديث عند الشافعي وبعض أصحابنا" قال النووي في شرح مسلم في هذا الحديث استحباب دعاء الافتتاح في كل الصلوات حتى في النافلة وهو مذهبنا ومذهب كثيرين وفيه استحباب الاستفتاح بما في هذا الحديث إلا أن يكون إماماً لقوم لا يؤثرون التطويل، وفيه استحباب الذكر في الركوع والسجود والاعتدال والدعاء قبل السلام انتهى.
قلت: القول الراجح المعول عليه هو ما ذهب إليه الشافعي ومن تبعه من العمل على هذا الحديث والله أعلم "وقال بعض أهل العلم من أهل الكوفة وغيرهم يقول هذا في صلاة التطوع ولا يقوله في المكتوبة" وهو مذهب الحنفية، وأجاب

(9/381)


سَمِعْتُ أَبَا إسْمَاعيلَ يعني التّرْمِذِيّ يَقُولُ سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بنَ دَاوُدَ الهاشِمِيّ يَقُولُ وَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ فقالَ هَذَا عِنْدَنَا مِثْلُ حَدِيث الزّهْرِيّ عَن سالِمٍ عَن أَبِيهِ.
ـــــــ
بعضهم عن هذا الحديث بأنه كان في أول الأمر. قلت: القول بأنه كان في أول الأمر ادعاء محض لا دليل عليه فهو مما لا يلتفت إليه، وقد تقدم الكلام في هذا مفصلاً في باب ما يقول عند افتتاح الصلاة "سمعت أبا إسماعيل يعني الترمذي" إسمه محمد بن إسماعيل بن يوسف "فقال هذا عندنا مثل حديث الزهري عن سالم عن أبيه" يعني أن حديث على هذا من أصح الأحاديث سنداً وأقواها مثل حديث الزهري عن سالم عن أبيه.
اعلم أن أهل العلم بالحديث قد اختلفوا في تعيين أصح الأسانيد، قال الحافظ ابن الصلاح في مقدمته روينا عن إسحاق بن راهويه أنه قال أصح الأسانيد كلها الزهري عن سالم عن أبيه وروينا نحوه عن أحمد بن حنبل، وروينا عن عمرو بن علي الفلاس أنه قال: أصح الأسانيد كلها محمد بن سيرين عن عبيدة عن علي، وروينا نحوه عن علي بن المديني. وروى ذلك عن غيرهما ثم منهم من عين الراوي عن محمد وجعله أيوب الستختياني ومنهم من جعله ابن عون، وفيما نرويه عن يحي بن معين أنه قال: أجودها الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله، وروينا عن أبي بكر بن أبي شيبة أنه قال: أصح الأسانيد كلها الزهري عن علي بن الحسين عن أبيه عن علي، روينا عن أبي عبد الله البخاري صاحب الصحيح أنه قال: أصح الأسانيد كلها مالك عن نافع عن ابن عمر، وبني الإمام أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التيمي على ذلك أن أجل الأسانيد الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر واحتج بإجماع أصحاب الحديث على أنه لم يكن في الرواة عن مالك أجل من الشافعي رضي الله عنهم انتهى.

(9/382)


33 ـ باب ما جاء مَا يَقُول في سُجُودِ القُرْآن
3484 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ، أخبرنا مُحمّدُ بنُ يَزِيدَ بنِ خُنَيْسٍ، أخبرنا الْحَسَنُ بنُ مُحمّدِ بنِ عُبَيْدِ الله بنِ أبي يَزِيدَ قالَ قَالَ لِي ابنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَني عُبَيْدُ الله بنِ أَبي يَزِيدَ عَن ابنِ عَبّاسٍ قالَ: "جَاءَ رَجُلٌ إلى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فقالَ يَا رَسُولَ الله رَأَيْتُنِي اللّيْلَةَ وَأَنَا نائِمٌ كَأَنّي أُصَلّي خَلْفَ شَجَرَةٍ فَسَجَدْتُ فَسَجَدَتِ الشّجَرَةُ لِسُجُودِي فَسَمِعْتُهَا وَهِيَ تَقُولُ: اللّهُمّ اكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَكَ أَجْراً وَضَعْ عَنّي بِهَا وِزْراً واجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْراً وتَقَبّلْهَا مِنّي كَمَا تَقَبّلْتَهَا مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدَ. قالَ ابنُ جُرِيجٍ قالَ لِي جَدّكَ قالَ ابنُ عَبّاسٍ فَقَرأَ النبيّ صلى الله عليه وسلم سَجْدَةً ثُمّ سَجَدَ. قالَ ابنُ عَبّاسٍ فَسَمِعْتُهُ وَهُوَ يَقُولُ مِثْلَ مَا أَخْبَرَهُ الرّجُلُ من قَوْلِ الشّجْرَةِ" . هذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ هَذَا الوَجْهِ. وفي البابِ عَنْ أَبي سَعِيدٍ.
3485 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ أخبرنا عَبْدُ الوّهّابِ الثّقَفِيّ أخبرنا خَالِدٌ الحَذّاءُ عَن أَبي العلاء عَن عَائِشَةَ قالَتْ: "كانَ النبيّ
ـــــــ
"باب ما جاء ما يقول في سجود القرآن
تقدم هذا الباب مع حديثيه بعد باب السجدة في الحج.

(9/383)


صلى الله عليه وسلم يَقُولُ في سُجُودِ القُرْآنِ بِاللّيْلِ: سَجَدَ وَجْهِي لِلّذِي خَلَقَهُ وَشَقّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوّتِهِ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ

(9/384)


باب ما جاء ما يقول غذا خرج من بيته
...
34 ـ باب ما يَقُول إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِه
3486 ـ حدثنا سَعِيدُ بنُ يَحْيى بنِ سَعيدٍ الأُمَوِيّ، أخبرنا أَبِي، حدث أخبرنا نا ابنُ جُرَيْجٍ عَن إِسْحَاقَ بنِ عبْدِ الله بنِ أَبي طَلْحَةَ عَن أنَسِ بنِ مالِكٍ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ قالَ يَعْنِي إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ: بِسْمِ الله تَوَكّلْتُ عَلَى الله لا حَوْلَ وَلاَ قُوّةَ إِلاّ بالله يُقَالُ لَهُ: كُفِيتَ وَوُقِيتَ وَتَنَحّى عَنْهُ الشّيْطَانُ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
ـــــــ
"باب ما جاء ما يقول إذا خرج من بيته"
قوله: "يعني إذا خرج من بيته" هذا قول الراوي وفي رواية أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إذا خرج الرجل من بيته فقال: بسم الله الخ" "يقال له" أي يناديه ملك يا عبد الله "كفيت" بصيغة المجهول أي مهماتك وفي رواية أبو داود: هديت وكفيت "ووقيت" من الوقاية أي حفظت من شر أعدائك "وتنحى عنه الشيطان" أي تبعد، زاد أبو داود في روايته فيقول شيطان آخر كيف لك برجل قد هدى وكفى ووقي. قوله: "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان وابن السني.

(9/384)


35 ـ باب منه
3487 ـ حدثنا مَحمُودُ بنُ غَيْلاَنَ، حدثنا وكِيعٌ، أخبرنا سُفْيَانُ عَن مَنْصُورٍ عَن عامِرٍ الشّعْبِيّ عَن أُمّ سَلَمَةَ "أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ قالَ: بِسمِ الله تَوَكّلْتُ عَلَى الله اللّهُمّ إنّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ أنْ نَزِلّ أوْ نَضِلّ أَوْ نَظْلِمَ أَوْ نُظْلَمَ أوْ نَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيْنَا" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
"باب منه"
قوله: "قال باسم الله" أي خرجت مستعيناً باسم الله "توكلت على الله" أي في جميع أموري "من أن نزل" أي عن الحق وهو بفتح النون وكسر الزاي وتشديد اللام من الزلة وهي ذنب من غير قصد تشبيهاً بزلة الرجل "أو نضل" من الضلالة، أي عن الهدى "أو نظلم" على بناء المعلوم أي أحداً "أو نظلم" على بناء المجهول أي من أحد "أو نجهل" على بناء المعروف أي أمور الدين أو حقوق الله أو حقوق الناس أو في المعاشرة والمخالطة مع الأصحاب أو نفعل بالناس فعل الجهال من الإيذاء وإيصال الضرر إليهم "أو يجهل علينا" بصيغة المجهول أي يفعل الناس بنا أفعال الجهال من إيصال الضرر إلينا. قال الطيبي: الزلة السيئة بلا قصد استعاذ من أن يصدر عنه ذنب بغير قصد أو قصد ومن أن يظلم الناس في المعاملات أو يؤذيهم في المخالطات أو يجهل أي يفعل بالناس فعل الجهال من الإيذاء انتهى. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة والحاكم وابن السني ولفظ أبي داود: قالت ما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيتي قط إلا رفع طرفه إلى السماء فقال اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل أو أزل أو أزل أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل علي. قال الطيبي: إن الإنسان إذا خرج من منزله لا بد أن يعاشر الناس ويزاول

(9/385)


ـــــــ
الأمر فيخاف أن يعدل عن الصراط المستقيم فإما أن يكون في أمر الدين فلا يخلو من أن يضل أو يضل، وإما أن يكون في أمر الدنيا فإما بسبب جريان المعاملة معهم بأن يظلم أو يظلم وإما بسبب الاختلاط والمصاحبة فإما أن يجهل أو يجهل فاستعيذ من هذه الأحوال كلها بلفظ سلس موجز وروعي المطابقة المعنوية والمشاكلة اللفظية كقول الشاعر.
ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلين

(9/386)


36 ـ باب ما يَقُولُ إذا دَخَلَ السّوق
3488 ـ حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ، أخبرنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ قالَ أخبرنا أزْهَرُ بنُ سِنَانٍ، أخبرنا مُحمّدُ بنُ واسِعٍ قالَ قَدِمْتُ مَكّةَ فَلَقِيَني أَخِي سالِمُ بنُ عبْدِ الله بنِ عُمَرَ فَحَدثني عَن أَبِيهِ عَن جَدّهِ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ دَخَلَ السّوقَ فقالَ لا إلَهَ إلاّ الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيّ لا يَمُوتُ بِيَدِهِ الخَيرُ وهُوَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِير" كَتَبَ الله لَهُ ألْفَ
ـــــــ
باب ما يقول "إذا دخل السوق"
قوله: "أخبرنا أزهر بن سنان" بكسر سين مهملة وخفة نون أولى البصري أبو خالد القرشي ضعيف من السابعة. قوله: "فلقيني" أخي أي في الدين "من دخل السوق" قال الطيبي: خصه بالذكر لأنه مكان لأنه مكان الغفلة عن ذكر الله والاشتغال بالتجارة فهو موضع سلطنة الشيطان ومجمع جنوده فالذاكر هناك يحارب الشيطان ويهزم جنوده فهو خليق بما ذكر من الثواب انتهى. "فقال" أي سراً أو جهراً "بيده الخير" وكذا الشر لقوله تعالى: {قُل كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} فهو من باب

(9/386)


أَلْفَ حَسَنَةٍ وَمَحى عَنْهُ أَلْفَ أَلْفَ سَيّئَةٍ ورَفَعَ لَهُ ألْفَ ألْفِ دَرَجَةٍ" . هَذا حديثٌ غَرِيبٌ وقَدْ رَواهُ عَمْرُو بنُ دِينَارٍ، وهو قَهْرَمانُ آلِ الزّبَيْرِ عَن سالمِ بنِ عَبْدِ الله هَذَا الحدِيثَ نَحْوَهُ.
3489 ـ حدثنا بِذَلِكَ أحمدُ بنُ عَبْدَةَ الضّبّيّ، حدثنا حمّادُ بنُ زَيْدٍ وَالمُعْتَمِرُ بنُ سُلَيْمَانَ قالاَ: أخبرنا عَمْرُو بنُ دِينَارٍ وَهُوَ قَهْرَمانُ
ـــــــ
الاكتفاء أو من طريق الأدب فإن الشر لا ينسب إليه "وهو على كل شيء" أي مشيء "قدير" تام القدرة. قال الطيبي: فمن ذكر الله فيه دخل في زمرة من قال تعالى في حقهم {رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} "كتب الله له" أي أثبت له أوامر بالكتابة لأجله "ومحى عنه" أي بالمغفرة أو أمر بالمحو عن صحيفته. قوله: "هذا حديث غريب" قال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث وكلام الترمذي هذا ما لفظه إسناده متصل حسن ورواته ثقات أثبات، وفي أزهر بن سنان خلاف، وقال ابن عدي أرجو أنه لا بأس به. وقال الترمذي في رواية: له مكان ورفع له ألف ألف درجة وبني له بيتاً في الجنة، ورواه بهذا اللفظ ابن ماجة وابن أبي الدنيا والحاكم وصححه كلهم من رواية عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير عن سالم بن عبد الله عن أبيه عن جده، ورواه الحاكم أيضاً من حديث عبد الله بن عمر مرفوعاً أيضاً وقال صحيح الإسناد، كذا قال وفي إسناده مسروق بن المرزبان يأتي الكلام عليه انتهى.
قلت: قد ذكر في آخر كتابه مسروق بن المرزبان وقال قال أبو حاتم ليس بالقوي ووثقه غيره وذكر أيضاً أزهر بن سنان وقال قال ابن معين ليس بشيء وقال ابن عدي ليست أحاديثه بالمنكرة جداً أرجو أنه لا بأس به انتهى. وقال الشركاني في تحفة الذاكيرين والحديث أقل أحواله أن يكون حسناً وإن كان في ذكر العدد على هذه الصفة نكارة.
قوله: "أخبرنا عمرو بن دينار" البصري الأعور يكنى أبا يحيى ضعيف

(9/387)


آلِ الزّبَيْرِ عَن سَالمٍ بنِ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ عَن أَبِيهِ عَن جَدّهِ: "أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ قالَ في السّوقِ لاَ إِلَه إلاّ الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيّ لا يَمُوتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُو عَلَى كُلّ شَيْءَ قَدِيرٌ. كَتَب الله لَهُ ألْفَ ألْفَ حَسَنَةٍ وَمَحَى عَنْهُ أَلْفَ أَلْفَ سَيّئَة وَبَنَى لَهُ بَيْتاً في الجَنّةِ" .
ـــــــ
من السادسة "وهو قهرمان آل الزبير" بفتح قاف وسكون هاء وفتح راء قال الجزري في النهاية وهو كالخازن والوكيل والحافظ لما تحت يده والقائم بأمور الرجل بلغة الفرس انتهى.

(9/388)


37 ـ باب ما جاء ما يَقُولُ العَبْدُ إذَا مَرِض
3490 ـ حدثنا سُفْيانُ بنُ وَكِيعٍ حدثنا إسماعيلُ بنُ مُحمّدِ بنِ جُحَادَة أخبرنا عبْدُ الجَبّارِ بنُ عَبّاسٍ عَن أَبي إسحْاقَ عَن الأغَرّ أَبي مُسْلمٍ قالَ أشْهَدُ عَلَى أَبي سعِيدٍ وَ أبي هُرَيْرَةَ أنّهُمَا شَهِدَا عَلَى النبيّ صلى
ـــــــ
باب "ما جاء ما يقول العبد إذا مرض"
قوله: "حدثنا إسماعيل بن محمد بن جحادة" بضم جيم وخفة هاء مهملة وإهمال دال العطار الكوفي في المكفوف صدوق يهم من التاسعة "حدثنا عبد الجبار بن عباس" الشامي "عن أبي إسحاق" السبيعي "أشهد على أبي سعيد وأبي هريرة" ظاهر في أنه سمعه منهما، قال ابن التين أراد بهذا اللفظ التأكيد للرواية انتهى. قلت: هو من ألفاظ تحمل الحديث. قال السيوطي

(9/388)


الله عليه وسلم أنّهُ قالَ: "مَنْ قالَ لا إلَهَ إِلاّ الله وَالله أكْبَرُ. صَدّقَهُ رَبّهُ وَقالَ لا إلَهَ إلاّ أَنا وَأنا أكْبَرُ. وَإذَا قالَ لا إلَهَ إلاّ الله وَحْدَهُ. قالَ يَقُولُ الله لا إلَهَ إلاّ أنَا وَأنا وَحْدِي. وَإذَا قالَ لا إلَهَ إلاّ الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ. قَالَ الله لا إلهَ إلاّ أنا وَحْدِي لا شَرِيكَ لِي. وَإذَا قالَ لا إلَهَ إلاّ الله لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الْحَمدُ. قالَ الله لا إلَهَ إلاّ أنَا لِيَ الْمُلْكُ وَلِيَ الْحَمْدُ. وَإذَا قالَ لا إلَهَ إلاّ الله ولاَ حَوْلَ وَلاَ قُوّةَ إلاّ بالله. قالَ الله لا إلَهَ إلاّ أنَا وَلا حَوْلَ وَلاَ قُوّةَ إلاّ بِي. وَكانَ يَقُولُ مَنْ قالَهَا في مَرَضِهِ ثُمّ مَاتَ لَمْ تَطْعَمْهُ النّارُ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ. وَقَدْ رَوَاهُ شُعْبَةُ عَن أبي إسْحَاقَ عَن الأَغَرّ أبي مُسْلِمٍ عَن
ـــــــ
في تدريب الراوي عقد الرامهر مزي بابا في تنويع ألفاظ التحمل منهما الإتيان بلفظ الشهادة كقول أبي سعيد أشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الجران ينتبذ فيه، وقول عبد الله بن طاؤس أشهد على والدي أنه قال أشهد على جابر بن عبد الله أنه قال أشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال أمرت أن أقاتل الناس الحديث انتهى.
قوله: "صدقه ربه وقال" أي وقال الرب بياناً لتصديقه أي قرره بأن قال "لا إله إلا أنا وأنا أكبر" وهذا أبلغ من أن يقول صدقت "وإذا قال" أي العبد "قال يقول الله" أي قال النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله تصديقاً لعبده وحذف صدقه ربه هنا للعلم به مما قبله وعبر هنا بيقول وممة وفيما يأتي يقال تفننا "وكان يقول" أي النبي صلى الله عليه وسلم "من قالها" أي هذه الكلمات من دون الجوابات "ثم مات" أي من ذلك المرض "لم تطعمه النار" قال الطيبي: أي لم تأكله، استعار الطعم للإحراق مبالغة. قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه النسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححاه.

(9/389)


أَبي هُرَيْرَةَ وَأبي سَعِيدٍ بنَحْوِ هَذَا الحَدِيثِ بِمَعْنَاهُ وَلَمْ يَرْفَعْهُ شُعْبَةُ.
3491 ـ حدثنا بِذَلِكَ مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ قَالَ: أخبرنا مُحمّدُ بنُ جَعْفَرٍ عَن شُعْبَةَ بِهَذَا.
ـــــــ

(9/390)


38 ـ بابُ مَا جاء ما يَقُولُ إذَا رَأى مُبْتَلًى
3492 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ عَبْدِ الله بنِ بَزِيعٍ، حدثنا عَبْدُ الوارِثِ بنُ سَعِيدٍ عَن عَمْرِو بنِ دِينَارٍ مَوْلَى آلِ الزّبَيْرِ عَن سَالِمِ بنِ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ عَن ابنِ عُمَرَ عَن عُمَرَ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ "مَنْ رَأى صَاحِبَ بَلاَءٍ فَقَالَ الْحَمدُ لله الّذِي عَافَانِي مِمّا ابْتَلاَكَ بِهِ وَفَضّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمّنْ خَلقَ تَفْضِيلاً. إلاّ عُوفِيَ مِنْ ذَلِكَ البَلاَءِ كائنا
ـــــــ
باب "ما جاء ما يقول إذا رأى مبتلى"
قوله: "من رأى صاحب بلاء" أي مبتلي في أمر بدني كبرص وقصر فاحش أو طول مفرط أو عمى أو عرج أو اعوجاج يد ونحوها، أو ديني بنحو فسق وظلم وبدعة وكفر وغيرها "الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به" فإن العافية أوسع من البلية لأنها مظنة الجزع والفتنة وحينئذ تكون محنة أي محنة، والمؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف كما ورد "وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلاً" أي في الدين والدنيا والقلب والقالب "إلا عوفي من

(9/390)


مَا كَانَ مَا عَاشَ" . هذَا حَدِيثٌ غَريبٌ. وفي البابِ عَن أَبي هُرَيْرَةَ. وعَمْرو بنُ دِينَارٍ قَهْرُمَان آلِ الزّبَيْرِ هُوَ شَيْخٌ بَصْرِيّ وَلَيْسَ هو بالقَوِيّ في الحَدِيثِ وَقَدْ تَفَرّدَ بأحَادِيثَ عَن سَالِمِ بنِ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ. وَقد رُوِيَ عَن أبي جَعْفَرٍ محمد بنِ عَليّ أنّهُ قَالَ إذَا رَأَى صَاحِبَ بَلاَءٍ فَتَعَوّذ منه يَقُولُ ذَلِكَ في نَفْسِهِ وَلا يُسْمِعُ صَاحِبَ البَلاءِ.
3493 ـ حدثنا أَبُو جَعْفَرٍ السمناني وَغَيْرُ وَاحِدٍ قَالُوا حدثنا مُطَرّفُ بنُ عَبْدِ الله المَدَنيّ أخبرنا عَبْدُ الله ابنُ عُمَر العُمَرِيّ عَن سُهَيْلِ بنِ أَبِي صَالِحٍ عَن أبيهِ عَن أبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "مَنْ رَأى مُبْتَلًى فَقَالَ الْحَمدُ لله الّذِي عَافَانِي مِمّا ابْتَلاَكَ بِهِ وَفَضّلَنِي
ـــــــ
ذلك البلاء" أي لم ير أحد صاحب بلاء فقال الحمد لله الذي عافاني الخ إلا عوفي من ذلك البلاء أو إلا زائدة كما في قول الشاعر.
حراجيج ما تنفك إلا مناخة ... على الخسف أو ترمي بها بلدا قفرا
"كائناً ما كان" أي حال كون ذلك البلاء أي بلاء كان "ما عاش" أي مدة بقائه في الدنيا. قوله: "وفي الباب عن أبي هريرة" أخرجه الترمذي بعد هذا قوله: "يقول ذلك في نفسه ولا يسمع صاحب البلاء" قال الطيبي في شرح قوله: "الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به" . هذا إذا كان مبتلي بالمعاصي والفسوق، وأما إذا كان مريضاً أو ناقص الخلقة لا يحسن الخطاب. قال القاري: الصواب أنه يأتي به لورود الحديث بذلك، وإنما يعدل عن رفع الصوت إلى إخفائه في غير الفاسق بل في حقه أيضاً إذا كان يترتب عليه مفسدة ويسمع صاحب البلاء الديني إذا أراد زجره ويرجو انزجاره انتهى.
قوله: "حدثنا مطرف" بضم أوله وفتح ثانيه وتشديد الراء المكسورة "بن عبد الله" بن مطرف اليساري أبو مصعب المدني ابن أخت مالك ثقة

(9/391)


عَلَى كَثِيرٍ مِمّنْ خَلَقَ تَفْضِيلاً لَمْ يُصِبْهُ ذَلِكَ البَلاَءُ" . هَذا حديثٌ حسن غَريبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
ـــــــ
لم يصب ابن عدي في تضعيفه من كبار العاشرة. قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه البزار والطبراني في الصغير وقال فيه فإذا شكر ذلك شكر تلك النعمة وإسناده حسن كذا في الترغيب.

(9/392)


39 ـ باب مَا يَقُولُ إذَا قَامَ مِنْ المَجْلِس
3494 ـ حدثنا أَبُو عُبَيْدَةَ بنُ أَبي السّفَرِ الكُوفِيّ واسْمُهُ: أَحْمَدُ بنُ عَبْدِ الله الهَمْدَانيّ أخبرنا الحَجّاجُ بنُ مُحمّدٍ قَالَ قَالَ ابنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي مُوسَى بنُ عُقْبَةَ عَن سُهَيْلِ بنِ أبي صَالِحٍ عَن أَبِيهِ عَن أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "مَنْ جَلَس في مَجْلِسٍ فَكثُرَ فيهِ لَغَطُهُ؟ فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ: سُبْحَانَكَ اللّهُمّ وَبِحَمْدِكَ أَشْهَدُ
ـــــــ
باب "ما يقول إذا قام من مجلسه"
قوله: "حدثنا الحجاج بن محمد" المصيصي الأعور. قوله: "فكثر" بضم الثاء "لغطه" بفتحتين أي تكلم بما فيه إثم لقوله غفر له. وقال الطيبي اللغط بالتحريك الصوت والمراد به الهزء من القول وما لا طائل تحته فكأنه مجرد الصوت العرى عن المعنى "فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك سبحانك اللهم وبحمدك" ولعله مقتبس من قوله تعالى {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} واللهم معترض لأن قوله وبحمدك متصل بقوله سبحانك إما بالعطف أي أسبح

(9/392)


أن لاَ إلَهَ إلاّ أنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ إِلاّ غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ في مَجْلِسِهِ ذَلِكَ" .وفي البابِ عَن أَبي بَرْزَةَ وعَائِشَةَ. هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ لاَ نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ سُهَيْلٍ إلاّ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
3495 ـ حدثنا نَصْرُ بنُ عَبْدِ الله الكُوفِيّ أخبرنا المُحَارِبيّ عَن مَالِكٍ بنِ مِغْوَلٍ عَن مُحمّدِ بنِ سُوقَةَ عَن نَافِعٍ عَن ابنِ عُمَرَ قَالَ "كَانَ تعَدّ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في المجلِسِ الوَاحِدِ مائَة مَرّةٍ مِنْ قَبْلِ أن يَقُومَ رَبّ اغْفِرْ لِي وتُبْ عَلَيّ إِنّكَ أَنْتَ التّوّابُ الغَفُورُ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غَرِيبٌ.
ـــــــ
وأحمد أو بالحال أي أسبح حامداً لك "إلا غفر له" أي ما حبس شخصاً مجلس فكثر لغطه فيه فقال ذلك إلا غفر له "ما كان" أي من اللغط. قوله: "وفي الباب عن أبي برزة وعائشة" أما حديث أبي برزة فأخرجه أبو داود والنسائي والحاكم في المستدرك، وأما حديث عائشة فأخرجه النسائي والحاكم في المستدرك وصححه. وفي الباب أحاديث أخرى ذكرها الشوكاني في تحفة الذاكرين، وقد أفرد الحافظ ابن كثير لأحاديث الباب جزءاً بذكر طرقها وألفاظها وعللها وما يتعلق بها. قوله: "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه أبو داود والنسائي والحاكم في مستدركه والبيهقي في الدعوات الكبير وابن حبان.
قوله: "حدثنا المحاربي" هو عبد الرحمن بن محمد. قوله: "تعد" بضم الفوقية بصيغة المجهول ونائب الفاعل قوله رب اغفر لي الخ، وفي بعض النسخ يعد بالتحتية، وفي رواية أبي داود إن كنا لنعد "لرسول الله صلى الله عليه وسلم" متعلق بتعد "مائة مرة" مفعول مطلق لتعد "وتب علي" أي ارجع

(9/393)


ـــــــ
علي بالرحمة أو وفقني للتوبة أو أقبل توبتي "إنك أنت التواب الغفور" صيغتا مبالغة. قوله: "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان.

(9/394)


40 ـ باب مَا يَقُولُ عِنْدَ الكَرْب
3496 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ، أخبرنا معَاذُ بنُ هِشَامٍ قَالَ: حدثني أَبي عَن قَتَادَةَ عَن أَبي العَالِيَةِ عَن ابنِ عَبّاسٍ "أَنّ نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يَدْعُو عِنْدَ الكَرْبِ لاَ إلَهَ إلاّ الله الحَلِيمُ الْحَكِيمُ لا إلَهَ إلاّ الله رَبّ العَرْشِ العَظيمِ، لا الَهَ الاّ الله رَبّ السّمَاوَاتِ والأَرْضِ وَرَبّ العَرْشِ الكَرِيمِ" .
ـــــــ
باب "ما يقال عند الكرب"
قوله: "حدثني أبي" أي هشام الدستوائي "عن أبي العالية" هو الرياحي. قوله: "كان يدعو عند الكرب" أي عند حلول الكرب وهو بفتح الكاف وسكون الراء بعدها موحدة أي الغم الذي يأخذ النفس كذا في الصحاح، وقيل الكرب أشد الغم. وقال الحافظ هو ما يدهم المرء مما يأخذ بنفسه فيغمه ويحزنه "لا إله إلا الله الحليم" هو الذي يؤخر العقوبة مع القدرة "الحكيم" أي ذو الحكمة وهي كمال العلم وإتقان العمل أو فعيل بمعنى الفاعل فهو مبالغة الحاكم فإنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا معقب لحكمه، أو بمعنى المفعل أي الذي يحكم الأشياء ويتقنها "لا إله إلا الله رب العرش العظيم" بالجر على أنه نعت للعرش عند الجمهور، ونقل ابن التين عن الداودي أنه رواه برفع

(9/394)


3497 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ، أخبرنا ابنُ أَبي عَدِيّ عَن هِشَامٍ عَن قَتَادَةَ عَن أَبي العَالِيَةِ عَن ابنِ عَبّاسٍ عَن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِمثْلِهِ قال وفي البابِ عَن عَلِيّ. هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
3498 ـ حدثنا أَبُو سَلَمَةَ يَحْيَى بنُ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيّ المُدَنِيّ وَغَيْرُ وَاحِد قَالُوا: أخبرنا ابنُ أبي فُدَيْكٍ عَن ابْرَاهِيمَ بنِ الفَضْلِ عَن المَقْبُرِيّ عَن أَبي هُرَيْرَةَ "أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إذَا أَهَمّهُ الأَمْرُ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السّمَاءِ فَقَالَ: سُبْحَانَ الله العَظِيمِ وَإِذَا اجْتَهَدَ في الدّعَاءِ
ـــــــ
العظيم على أنه نعت للرب وكذا الكريم في قوله رب العرش الكريم، ووصف العرش بالكريم أي الحسن من جهة الكيفية فهو ممدوح ذاتاً وصفة، وفي قوله رب العرش العظيم وصفه بالعظمة من جهة الكمية. قال النووي: هذا حديث جليل ينبغي الاعتناء به والإكثار عنه عند الكرب والأمور العظيمة، قال الطبري: كان السلف يدعون به ويسمونه دعاء الكرب، فإن قيل هذا ذكر وليس فيه دعاء فجوابه من وجهين مشهورين أحدهما: أن هذا الذكر يستفتح به الدعاء ثم يدعو بما شاء، والثاني: جواب سفيان بن عيينة فقال أما علمت قوله تعالى من شغله ذكر عن مسألتي أفضل ما أعطى السائلين، وقال الشاعر:
إذا أثنى عليك المرء يوماً ... كفاه عن تعرضه الثناء
انتهى.
قلت: ويؤيد الأول رواية أبي عوانة فإنه زاد في مسنده الصحيح ثم يدعو بعد ذلك، قوله: "وفي الباب عن علي" أخرجه النسائي وصححه الحاكم. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة.
قوله: "عن إبراهيم بن الفضل" المخزومي المدني "عن المقبري" هو سعيد ابن أبي سعيد المقبري. قوله: "إذا أهمه الأمر" أي أحزنه وأقلقه "رفع

(9/395)


قَالَ: يَا حَيّ يَا قَيّومُ" . هَذا حديثٌ حسنٌ غَرِيبٌ.
ـــــــ
رأسه إلى السماء" مستغيثاً مستعيناً متضرعاً "وإذا اجتهد في الدعاء" أي بذل الوسع فيه.

(9/396)


باب ما يقول إذا نزل منزلا
...
41 ـ باب مَا جَاءَ مَا يَقُولُ إِذَا نَزَلَ مَنْزِلا
3499 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ، أخبرنا اللّيْثُ عَن يَزِيدَ بنِ أَبي حَبِيبٍ عَن الحارثِ بنِ يَعْقُوبَ عَن يَعْقُوبَ بنِ عَبْدِ الله بنِ الأَشَجّ عَن بُسْرِ بنِ سَعِيدٍ عَن سَعْدِ بنِ أَبي وَقّاصٍ عَن خَوْلَةَ بِنْت الحَكِيمِ السّلَمِيّةِ عَن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ نَزَلَ مَنْزِلاً ثُمّ قَالَ أَعُوذُ بِكلِمَاتِ الله التّامّاتِ مِن شَرّ مَا خَلَقَ لَمْ يَضُرّهُ شيءٌ حَتّى يَرْتَحِلَ
ـــــــ
باب "ما جاء ما يقول إذا نزل منزلا"
قوله: "أخبرنا الليث" هو ابن سعد "عن الحارث بن يعقوب" الأنصاري مولاهم المصري ثقة عابد من الخامسة "عن يعقوب بن عبد الله بن الأشج" أبي يوسف المدني مولى قريش ثقة من الخامسة. قوله: "أعوذ بكلمات الله التامات" قال الهروي وغيره: الكلمات هي القرآن والتامات قيل هي الكاملات، والمعنى أنه لا يدخلها نقص ولا عيب كما يدخل في كلام الناس، وقيل هي النافعات الكافيات الشافيات من كل ما يتعوذ منه "حتى يرتحل" أي ينتقل، وفيه رد على ما كان يفعله أهل الجاهلية من كونهم إذا نزلوا منزلاً قالوا نعوذ بسيد هذا الوادي ويعنون به كبير الجن، ومنه قوله تعالى في سورة الجن {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً} . قوله: "هذا حديث حسن غريب صحيح" وأخرجه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجة وابن أبي

(9/396)


مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صحيحٌ. وَرَوى مَالِكُ بنُ أَنَسٍ هَذَا الحَدِيثَ أَنّهُ بَلَغَهُ عَن يَعْقُوبَ بن عبد الله بنِ الأَشَجّ فَذَكَرَ نَحْوَ هَذَا الحَدِيثِ، وَرُوِيَ عَن ابنِ عَجْلاَنَ هَذَا الحَدِيثُ عَن يَعْقُوبَ ابنِ عَبْدِ الله بنِ الأَشَجّ وَيَقُولُ عَن سَعِيدٍ بنِ المُسَيّبِ عَن خَوْلَةَ وحَدِيثُ اللّيْثِ أَصَحّ مِنْ رِوَايَةِ ابنِ عَجْلاَنَ.
ـــــــ
شيبة وابن خزيمة في صحيحه "وروى مالك بن أنس هذا الحديث أنه بلغه عن يعقوب بن الأشج الخ" وفي موطإ مالك عن الثقة عنده عن يعقوب بن عبد الله بن الأشج عن بسر بن سعيد الخ "وروى عن ابن عجلان هذا الحديث عن يعقوب بن عبد الله بن الأشج ويقول عن سعيد بن المسيب عن خلولة" رواه أحمد من هذا الطريق ففي مسنده حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا عفان حدثنا وهيب بن خالد قال حدثنا محمد بن عجلان عن يعقوب بن عبد الله بن الأشج عن سعيد بن المسيب عن سعد عن خولة بنت حكيم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لو أن أحدكم إذا نزل منزلا الحديث" "وحديث الليث أصح من رواية ابن عجلان" لأن الحارث بن يعقوب أحفظ من ابن عجلان.

(9/397)


42 ـ باب مَا يَقُولُ إِذَا خَرَجَ مُسَافِرا
3500 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ عُمَرَ بنِ عَلِيّ المُقَدّمِيّ، أخبرنا ابنُ أَبي عَدِيّ عَن شُعْبَةَ عَن عَبْدِ الله بنِ بِشْرٍ الْخَثْعَمِيّ عَن أبي زُرْعَةَ عَن أَبي هُرَيْرَةَ
ـــــــ
باب "ما يقول إذا خرج مسافرا"
قوله: "أخبرنا ابن أبي عدي" هو محمد بن إبراهيم بن أبي عدي "عن عبد الله

(9/397)


قَالَ "كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا سافَرَ فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ قَالَ بإِصْبَعِهِ وَمَدّ شُعْبَةُ إصْبَعَهُ قَالَ: اللّهُمّ أَنْتَ الصّاحِبُ في السّفَرِ والخَلِيفَةُ في الأَهْلِ، اللّهُمّ اصْحَبْنَا بِنُصْحِكَ وَاقْلِبْنَا بِذِمّةٍ. اللّهُمّ ازْوِ لَنَا الأَرْضَ وَهَوّنْ عَلَيْنَا السّفَرَ. اللّهُمّ إنّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السّفَرِ وَكآبَةِ المُنْقَلِب" .
ـــــــ
ابن بشر الخثعمي" أبي عمير الكاتب الكوفي صدوق من الرابعة "عن أبي زرعة" بن عمرو بن جرير. قوله: "قال بإصبعه" أي أشار بها "ومد شعبة أصبعه" بياناً لقوله قال بأصبعه "اللهم أنت الصاحب في السفر" أي الحافظ والمعين والصاحب في الأصل الملازم والمراد مصاحبة الله إياه بالعناية والحفظ والرعاية، فنبه بهذا القول على الاعتماد عليه والاكتفاء به عن كل مصاحب سواه "والخليفة في الأهل" الخليفة من يقوم مقام أحد في إصلاح أمره. قال التوربشتي: المعنى أنت الذي أرجوه وأعتمد عليه في سفري بأن يكون معيني وحافظي وفي غيبتي عن أهلي أن تلم شعثهم وتداوي سقمهم وتحفظ عليهم دينهم وأمانتهم "أللهم اصحبنا" بفتح الحاء من باب سمع يسمع "بنصحك" أي احفظنا بحفظك في سفرنا "واقلبنا" بكسر اللام من باب ضرب يضرب "بذمة" وفي بعض النسخ بذمتك أي وارجعنا بأمانك وعهدك إلى بلدنا "اللهم أزو لنا الأرض" أي اجمعها واطوها من زاوي يزوي زيا "وهون" أمر من التهوين أي يسر "من وعثاء السفر" بفتح الواو وإسكان العين المهملة وبالثاء المثلثة بالمد أي شدته ومشقته وأصله من الوعث وهو الرمل والمشي فيه يشتد على صاحبه ويشق يقال رمل أوعث وعثاء "وكآبة المنقلب" الكآبة بفتح الكاف وبالمد وهي تغير النفس بالانكسار من شدة الهم والحزن يقال كئب كآبة واكئب فهو مكتئب وكئيب المعنى أنه يرجع من سفره بأمر يحزنه إما إصابة في سفره وإما قدم عليه مثل أن يعود غير مقضي الحاجة أو أصابت ماله آفة أو يقدم على أهله فيجدهم مرضى أو قد فقد بعضهم كذا في النهاية. والمنقلب بفتح

(9/398)


3501 ـ حدثنا سُوَيْدُ بنُ نَصْرٍ، أخبرنا عَبْدُ الله بنُ المُبَارَكِ أخبرنا شُعْبَةُ بِهذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ.
هَذَا حَدِيث حَسَنٌ غريبٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ولاَ نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حَدِيثِ ابنِ أبي عَدِيّ عَن شُعْبَةَ.
3502 ـ حدثنا أَحْمَدُ بنُ عَبْدَةَ الضّبِيّ، أخبرنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عَن عَاصِمٍ الأَحْوَلِ عَن عَبْدِ الله بنِ سَرْجِسَ قَالَ "كَانَ النبيّ صلى الله عليه وسلم إذَا سَافَرَ يَقُولُ: اللّهُمّ أنْتَ الصّاحِبُ في السّفَرِ والخَلِيفَةُ في الأَهْلِ اللّهْمّ اصْحَبْنَا في سَفَرِنَا واخْلُفْنَا في أَهْلنَا. اللّهُمّ إِنّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السّفَرِ وَكآبَةِ المُنْقَلَبِ ومِنَ الحَوْرِ بَعْدَ الكَوْرِ ومِنْ دَعْوَةِ المَظْلُومِ ومِنْ سُوءِ المَنْظِرِ في الأَهْلِ والمَال" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. ويُروَى الحَوْر
ـــــــ
اللام المرجع. قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أبو داود والنسائي والحاكم في مستدركه. قوله: "واخلفنا" بضم اللام من باب نصر أي كن خليفتنا "ومن الحور بعد الكور" أي من النقصان بعد الزيادة وقيل من فساد الأمور بعد صلاحها، وأصل الحور نقض العمامة بعد لفها وأصل الكور من تكوير العامة وهو لفها وجمعها "ومن دعوة المظلوم" أي أعوذ بك من الظلم فإنه يترتب عليه دعاء المظلوم ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، ففيه التحذير من الظلم ومن التعرض لأسبابه. قال الطيبي فإن قلت: دعوة المظلوم يحترز عنها سواء كانت في الحضر أو السفر، قلت كذلك الحور بعد الكور لكن السفر مظنة البلايا والمصائب والمشقة فيه أكثر فخصت به انتهى. ويريد به أنه حينئذ مظنة للنقصان في الدين والدنيا وباعث على التعدي في حق الرفقة وغيرهم لا سيما في مضيق الماء كما هو مشاهد في سفر الحج فضلاً عن غيره "ومن سوء المنظر" بفتح الظاء "في الأهل والمال" أي من أن يطمع ظالم أو فاجر في المال

(9/399)


"بَعْدَ الكَوْنِ" أَيضاً. قال: ومَعْنَى قَوْلِهِ "الحَوْرِ بَعْدَ الكَوْنِ" أَو "الكَوْرِ" وَكلاَهُمَا لَهُ وَجْهٌ إنّمَا هُوَ الرّجُوعُ مِنَ الإِيمَانِ إِلى الكُفْرِ أو مِنَ الطّاعَةِ إلى المَعْصِيَةِ إنّمَا يَعْنِي الرُجُوعِ من شَيْءٍ إلى شَيْءٍ مِنَ الشّرّ.
ـــــــ
والأهل قاله القاري، وقال في المجمع: سوء المنظر في الأهل والمال أن يصيبهما آفة بسوء النظر إليه. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجة "ويروي الحور بعد الكون أيضاً" كذا رواه مسلم في صحيحه بالنون. قال النووي: هكذا هو في معظم النسخ من صحيح مسلم بعد الكون بالنون بل لا يكاد يوجد في نسخ بلادنا إلا بالنون. وكذا ضبطه الحفاظ المتقنون في صحيح مسلم "ومعنى قوله الحور بعد الكون أو الكور الخ" قال النووي بعد ذكر كلام الترمذي هذا وكذا قال غيره من العلماء معناه بالراء والنون جميعاً الرجوع من الاستقامة أو الزيادة إلى النقص، قالوا: ورواية الراء: مأخوذة من تكوير العمامة وهو لفها وجمعها، ورواية النون: مأخوذة من الكون مصدر كان يكون كونا إذا وجد واستقر أي أعوذ بك من النقص بعد الوجود والثبات. قال المازري في رواية الراء قيل أيضاً: إن معناه: أعوذ بك من الرجوع عن الجماعة بعد أن كنا فيها، يقال: كان عمامته إذا لفها، وحارها إذا نقضها. وقيل: نعوذ بك من أن تفسد أمورنا بعد صلاحها كفساد العمامة بعد استقامتها على الرأس. وعلى رواية النون قال أبو عبيد: سئل عاصم عن معناه فقال: ألم تسمع قولهم: "حار بعد ما كان" أي أنه كان على حالة جميلة فرجع عنها انتهى.

(9/400)


43 ـ باب مَا جاء ما يَقُولُ إذَا رجع مِن سفره
3503 ـ حدثنا مَحْمُودُ بنُ غَيْلاَنَ، أخبرنا أبُو دَاوُدَ، قال: أنْبَأنَا شُعْبَةُ عَن أبي إسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الرّبِيعَ بن البَرَاءِ بن عَازِبٍ يُحَدّثُ عَن أَبِيهِ: "أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كانَ إذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ قالَ: آئبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبّنَا حَامِدُونَ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. وَرَوى الثّوْرِيّ هَذَا الحَدِيثَ عَن أَبي إسْحَاقَ عَن البَرَاءِ ولَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَن الرّبِيعِ بنِ البَرَاءِ. وَرِوَايَةُ شُعْبَةَ أَصَحّ. وفي البابِ عَن ابنِ عمَرَ وَأنَسٍ وَجَابِرِ بنِ عَبْدِ الله.
ـــــــ
"باب مَا جاء ما يَقُولُ إذَا رجع مِن سفره"
قوله: "أخبرنا أبو داود" هو الطيالسي "سمعت ألربيع بن البراء بن عازب" الأنصاري الكوفي ثقة من الثالثة. قوله: "آئبون" أي نحن راجعون جمع آئب من آب إذا رجع، قال الحافظ وليس المراد الإخبار بمحض الرجوع فإنه تحصيل الحاصل بل الرجوع في حالة مخصوصة وهي تلبسهم بالعبادة المخصوصة والاتصاف بالأوصاف المذكورة يعني في حديث ابن عمر الذي أشار إليه الترمذي في الباب "تائبون" فيه إشارة إلى التقصير في العبادة وقال صلى الله عليه وسلم على سبيل التواضع أو تعليماً لأمته، والمراد أمته، وقد تستعمل التوبة لإرادة الاستمرار على الطاعة فيكون أن لا يقع منهم ذنب "لربنا حامدون" أي لا لغيره لأنه هو المنعم علينا. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد في مسنده "وروى الثوري هذا الحديث عن أبي إسحاق عن البراء ولم يذكر فيه عن الربيع بن البراء" ورواية الثوري هذه أخرجها أحمد في مسنده "ورواية شعبة أصح

(9/401)


ـــــــ
لا يظهر وجه الأصحية فتفكر". قوله: "وفي الباب عن ابن عمر وأنس وجابر بن عبد الله" أما حديث ابن عمر فأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي ولفظ البخاري: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات ثم يقول لا "إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وهو على كل شيء قدير آئبون" الحديث، وأما حديث أنس فأخرجه الشيخان والنسائي، وأما حديث جابر بن عبد الله فلينظر من أخرجه.

(9/402)


44- باب منه
3504 ـ حدثنا عَلِيّ بنُ حُجْرٍ، أخبرنا إسْمَاعيلُ بنُ جَعْفَرٍ عَن حُمَيْدٍ عَن أنَسٍ "أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كانَ إذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَنَظَرَ إِلى جُدْرَانِ المَدِينَةِ أوْضَعَ رَاحِلَتَهُ، وَإنْ كانَ عَلَى دَابّةٍ حَرّكَهَا مِنْ حُبّهَا" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غَرِيبٌ.
ـــــــ
"باب منه"
قوله: "أخبرنا إسماعيل بن جعفر" الأنصاري الزرقي. قوله: "فنظر إلى جدران المدينة" بضم الجيم وسكون الدال وفي آخره نون جمع جدار "أوضع راحلته" أي أسرعها يقال وضع البعير أي أسرع في مشيه وأوضعه راكبه أي حمله على السير السريع، والإيضاع مخصوص بالبعير والراحلة النجيب والنجيبة من الإبل في الحديث: "الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة" "وإن كان على دابة" كالبغل والفرس "حركها" جواب إن "من حبها" تنازع فيه الفعلان أي من أجل حبه صلى الله عليه وسلم إياها أو أهلها. وفي الحديث دلالة على فضل المدينة وعلى مشروعية حب الوطن والحنين إليه. قوله: "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه أحمد والبخاري في الحج.

(9/402)


45 ـ باب ما يَقُولُ إذَا وَدّعَ إنْسَانا
3505 ـ حدثنا أَحْمَدُ بنُ أبي عُبَيْدِ الله السّلِميّ البَصْرِي، أخبرنا أَبُو قُتَيْبَةَ سَلْمُ بنُ قُتَيْبَةَ عَن إِبْرَاهِيمَ بنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ يَزِيدَ بنِ أُمَيّةَ عَن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ قالَ: "كَانَ النبيّ صلى الله عليه وسلم إذَا وَدّعَ رَجُلاً أَخَذَ بِيَدِهِ فَلاَ يَدَعهَا حَتّى يَكُونَ الرّجُلُ هُوَ يَدَعُ يَدَ النبيّ صلى الله عليه وسلم وَيَقُولُ: أَسْتَوْدِع الله دِينَكَ وأمَانَتَكَ وآخِرَ عَمَلِكَ" . هَذا حديثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وقد رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَن ابنِ عُمَرَ.
ـــــــ
"باب ما جاء ما يقول إذا ودع إنسانا"
قوله: "حدثنا أحمد بن أبي عبيد الله" إسم أبي عبيد الله هذا بشر، ووقع في النسخة الأحمدية: أحمد بن عبيد الله بغير لفظ أبي وهو غلط "عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن يزيد بن أمية" المدني مجهول من السابعة. قوله: "إذا ودع رجلاً" أي مسافراً "أخذ بيده فلا يدعها" أي فلا يترك يد ذلك الرجل من غاية التواضع ونهاية إظهار المحبة والرحمة "ويقول" أي للمودع "أستودع الله دينك" أي أستحفظ وأطلب منه حفظ دينك "وأمانتك" أي حفظ أمانتك فيما تزاوله من الأخذ والإعطاء ومعاشرة الناس في السفر إذ قد يقع منك هناك خيانة، وقيل أريد بالأمانة الأهل والأولاد الذين خلفهم، وقيل المراد بالأمانة التكاليف كلها كما فسر بها قوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} الآية "وآخر عملك" أي في سفرك أو مطلقاً كذا قيل قال القاري، والأظهر أن

(9/403)


3506 ـ حدثنا إِسْمَاعِيلُ بنُ مُوسَى الفَزَارِيّ، أخبرنا سَعِيدُ بنُ خُيْثَمٍ عَن حَنْظَلَةَ عَن سَالمٍ "أنّ ابنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ لِلرّجُلِ إذَا أَرَادَ سَفَراً أنْ ادْنُ مِنّي أوَدّعْكَ كَمَا كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُوَدّعُنَا فَيَقُولُ: أسْتَوْدِع الله دِينَكَ وأمَانَتَكَ وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ سَالمِ بنِ عَبْدِ الله.
ـــــــ
المراد به حسن الخاتمة لأن المدار عليها في أمر الآخرة وأن التقصير فيما قبلها مجبور بحسنها ويؤيده قوله وخواتيم عملك في الرواية الآتية. قال الطيبي قوله أستودع الله هو طلب حفظ الوديعة وفيه نوع مشاكلة للتوديع وجعل دينه وأمانته من الودائع لأن السفر يصيب الإنسان فيه المشقة والخوف فيكون ذلك سبباً لإهمال بعض أمور الدين فدعا له صلى الله عليه وسلم بالمعونة والتوفيق ولا يخلو الرجل في سفره ذلك من الاشتغال بما يحتاج فيه إلى الأخذ والإعطاء والمعاشرة مع الناس فدعا له بحفظ الأمانة والاجتناب عن الخيانة، ثم إذا انقلب إلى أهله يكون مأمون العاقبة عما يسوءه في الدين والدنيا. قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه ابن ماجة.
قوله: "حدثنا سعيد بن خثيم" بمعجمة ومثلثة مصغر بن رشد الهلالي أبو معمر الكوفي صدوق رمي بالتشيع له أغاليط من التاسعة "عن حنظلة" بن أبي سفيان الجمحي. قوله: "أن أدن" أي أقرب أمر من دنا يدنو "وخواتيم عملك" جمع خاتم أي ما يختم به عملك أي أخبره. والجمع لإفادة عموم أعماله. قوله: "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه أبو داود والنسائي والحاكم وابن حبان في صحيحهما.

(9/404)


46 ـ باب منه
3507 ـ حدثنا عَبْدُ الله بنُ أَبي زِيَادٍ، أخبرنا سَيّارٌ، أخبرنا جَعْفَرُ بنُ سُلَيْمَانَ عَن ثَابِتٍ عَن أَنَسٍ قالَ: "جَاءَ رَجُلٌ إِلى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فقالَ يا رسولَ الله إنّي أُرِيدُ سَفَراً فَزَوّدْنِي، قالَ: زَوّدَكَ الله التّقْوَى. قالَ زِدْنِي. قالَ وَغَفَر ذَنْبَكَ. قالَ زِدْنِي بِأبي أنْتَ وأَمّي. قالَ ويَسّر لَكَ الْخَيْرَ حَيْثُ ما كُنْتَ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
ـــــــ
"باب منه"
قوله "حدثنا عبد الله بن أبي زياد" القطواني الكوفي "أخبرنا سيار" بن حاتم العنزي أبو سلمة البصري "حدثنا جعفر بن سليمان" الضبعي. قوله: " فزودني" أمر من التزويد وهو إعطاء الزاد والزاد طعام يتخذ للسفر يعني ادع لي دعاء يكون بركته معي في سفري كالزاد "زودك الله التقوى" أي الاستغناء عن المخلوق أي امتثال الأوامر واجتناب النواهي "قال زدني" أي من الزاد أو من الدعاء "قال زدني بأبي أنت وأمي" أي أفديك بهما وأجعلهما فداءك فضلاً عن غيرهما "ويسر لك الخير" أي سهل لك خير الدارين "حيث ما كنت" أي في أي مكان حللت ومن لازمه في أي زمان نزلت. قال الطيبي: يحتمل أن الرجل طلب الزاد المتعارف فأجابه عليه الصلاة والسلام بما أجابه على طريقة أسلوب الحكيم أي زادك أن تتقي محارمه وتجتنب معاصيه ومن ثم لما طلب الزيادة قال وغفر ذنبك. فإن الزيادة من جنس المزيد عليه وربما زعم الرجل أن يتقي الله وفي الحقيقة لا يكون تقوى تترتب عليه المغفرة فأشار بقوله وغفر ذنبك أن يكون ذلك الاتقاء بحيث يترتب عليه المغفرة ثم توقي منه إلى قوله ويسر لك الخير فإن التعريف في الخير للجنس فيتناول خير الدنيا والآخرة. قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه النسائي والحاكم في مستدركه.

(9/405)


47 ـ باب منه
3508 ـ حدثنا مُوسَى بنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ الكِنْدِيّ الكُوفيّ أخبرنا زَيْدُ بنُ حُبَابٍ قالَ: أخْبَرَنِي أُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ عَن سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ عَن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: "أنّ رَجُلاً قالَ يا رسولَ الله إنّي أُرِيدُ أَنْ أُسَافِرَ فأَوْصِنِي، قَالَ عَلَيْكَ بِتَقْوَى الله، وَالتّكْبِير عَلَى كُلّ شَرَفٍ. فَلَمّا أن وَلّى الرّجُلُ قالَ: اللّهُمّ اطْوِ لَهُ الأرْض، وَهَوّنْ عَلَيْهِ السّفَرَ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ.
ـــــــ
"باب منه"
قوله: "حدثنا زيد بن حباب" أبو الحسين العكلي "أخبرني أسامة بن زيد" الليثي قوله: "عليك بتقوى الله" أي بمخافته والحذر من عصيانه "والتكبير" أي قول الله أكبر، ومناسبة التكبير عند الصعود إلى المكان المرتفع أن الاستعلاء والارتفاع محبوب للنفوس لما فيه من استشعار الكبرياء فشرع لمن تلبس به أن يذكر كبرياء الله تعالى وأنه أكبر من كل شيء فيكبره ليشكر له ذلك فيزيده من فضله. قاله الحافظ: "على كل شرف" بالتحريك أي مكان عال "فلما أن ولى الرجل" أي أدبر وأن زائدة "قال" أي دعا له بظهر الغيب فإنه أقرب إلى الإجابة "اللهم اطو له البعد" أمر من الطي أي قربه له وسهل له والمعنى ارفع عنه مشقة السفر بتقريب المسافة البعيدة له حساً أو معنى "وهون عليه السفر" أي أموره ومتاعبه وهو تعميم بعد تخصيص. قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه النسائي وابن ماجة

(9/406)


48 ـ باب مَا ذُكِرَ في دَعْوَةِ المُسَافِر
3509 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ، أخبرنا أَبُو عَاصِمٍ، أخبرنا الْحَجّاجُ الصّوّافُ عَن يَحْيى بنِ أَبي كَثِيرٍ عَن أَبي جَعْفرٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ثَلاَثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَاباتٌ: دَعْوَةُ المَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ المُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ" .
3510 ـ حدثنا عَلِيّ بنُ حُجْرٍ أخبرنا إِسْمَاعِيلُ بنُ إبْرَاهِيمَ عَن هِشَامٍ الدّسْتَوَائِيّ عَن يَحْيَى بنِ أبي كَثِيرٍ بِهَذَا الإسْنَادِ نَحْوَهُ وَزَادَ فِيهِ "مُسْتَجَابَاتٌ لاَ شَكّ فِيهِنّ". هَذا حديثٌ حَسَنٌ. وأَبُو جَعْفَرٍ الرازي هَذَا هو الّذِي رَوَى عَنْهُ يَحْيَى بنُ أبي كَثِيرٍ يُقَالُ لَهُ أَبُو جَعْفَرٍ المُؤَذّنُ. وَلاَ نَعْرِفُ إسْمَهُ.
ـــــــ
"باب" ما ذكر في دعوة المسافر
قوله: "أخبرنا أبو عاصم" اسمه الضحاك بن مخلد النبيل. قوله: "دعوة المظلوم" أي لمن يعينه وينصره أو يسليه ويهون عليه أو على من ظلمه بأي نوع من أنواع الظلم "ودعوة المسافر" يحتمل أن تكون دعوته لمن أحسن إليه وبالشر لمن آذاه وأساء إليه لأن دعاءه لا يخلو عن الرقة "ودعوة الوالد على ولده" . لم تذكر الوالدة لأن حقها أكثر فدعاؤها أولى بالإجابة.
قوله: "حدثنا إسماعيل بن إبراهيم" بن مقسم المعروف بابن علية "بهذا الإسناد نحوه وزاد فيه مستجابات لا شك فيهن" أخرج الترمذي هذا الحديث بهذا السند في باب دعاء الوالدين في أوائل البر والصلة

(9/407)


49 ـ باب ما جَاءَ مَا يَقُولُ إِذَا رَكِبَ دابة
3511 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ، حَدّثَنا أَبُو الأحْوَصِ عَن أبي إسْحاقَ عَن عَلِيّ بنِ رَبِيعَةَ قالَ: "شَهِدْتُ عَلِيّا أُتِيَ بِدَابّةٍ لِيَرْكَبَهَا فَلَمّا وَضَعَ رِجْلَهُ في الرّكَابِ قالَ: بِسْمِ الله ثلاثاً، فَلَمّا اسْتَوَى عَلَى ظَهْرِهَا قالَ الْحَمْدُ لله. ثُمّ قالَ: {سُبْحَانَ الّذِي سَخّرَ لَنَا هَذَا ومَا كُنّا لَهُ مُقْرِنينَ وَإنّا إلى رَبّنَا لَمُنْقَلِبُونَ} ثُمّ قالَ: الْحَمْدُ لله ثَلاَثاً والله أَكْبَرُ ثلاثاً سُبْحَانَكَ إنّي قَدْ ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي فإِنّهُ لا يَغْفِرُ الذّنُوبَ إلاّ أَنْتَ ثُمّ ضَحِكَ. فَقُلْتُ مِنْ أَيّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنينَ؟ قالَ رأيْتُ
ـــــــ
قوله: "حدثنا أبو الأحوص" اسمه سلام بن سلم الحنفي "عن أبي إسحاق" السبيعي "عن علي بن ربيعة" الوالي الأسدي الكوفي. قوله: "أتى" بصيغة المجهول أي جيء "فلما وضع رجله" أي أراد وضع رجله "فلما استوى على ظهرها" أي استقر على ظهرها "قال الحمد لله" أي على نعمة الركوب وغيرها "ثم قال" أي قرأ {وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} أي مطيقين من أقرن للأمر إذا أطاقه وقوى عليه. أي ما كنا نطيق قهره واستعماله لولا تسخير الله تعالى إياه لنا {وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ} أي لصائرون إليه بعد مماتنا وإليه سيرنا الأكبر، وهذا من باب التنبيه بسير الدنيا على سير الآخرة كما نبه بالزاد الدنيوي على الزاد الأخروي في قوله تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} وباللباس الدنيوي على الأخروي في قوله تعالى: {وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ}

(9/408)


رسولَ الله صلى الله عليه وسلم صَنَعَ كَمَا صَنَعْتُ ثُمّ ضَحِكَ فَقُلْتُ مِنْ أيّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ يَا رَسُولَ الله؟ قالَ: إِنّ رَبّكَ لَيَعْجَبُ مِنْ عَبْدِهِ إذَا قَالَ رَبّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي إِنّهُ لا يَغْفِرُ الذّنُوبَ غَيْرَكَ" . وفي البابِ عَن ابنِ عُمَر. قال هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
3512 ـ حدثنا سُوَيْدُ بنُ نَصْرٍ، أخبرنا عَبْدُ الله بنُ المُبَارَكِ أخبرنا حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ عَن أَبي الزّبَيْرِ عَن عَلِيّ بنِ عَبْدِ الله البَارِقِيّ عَن ابنِ عُمَرَ: "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذَا سَافَرَ فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ كَبّرَ ثَلاَثاً وقالَ: {سُبْحَانَ الّذِي سَخّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنّا إلَى رَبّنَا لَمُنْقَلِبُونَ} . ثُمّ يَقُولُ: اللّهُمّ إنّي
ـــــــ
"ثم ضحك" أي علي رضي الله عنه "صنع كما صنعت" أي كصنعي المذكور "ثم ضحك" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "ليعجب" بفتح الجيم "من عباده إذا قال رب اغفر لي ذنوبي الخ" قال الطيبي أن يرتضي هذا القول ويستحسنه استحسان المتعجب انتهى. وقال الجزري في النهاية في معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "عجب ربك من قوم يساقون إلى الجنة في السلاسل" أي عظم ذلك عنده وكبر لديه. أعلم الله أنه إنما يتعجب الآدمي من الشيء إذا عظم موقعه عنده وخفي عليه سببه فأخبرهم بما يعرفون ليعلموا موقع هذه الأشياء عنده، وقيل معنى: عجب ربك أي رضي وأثاب فسماه عجباً مجازاً وليس بعجب في الحقيقة، والأول الوجه وإطلاق التعجب على الله مجاز لأنه لا تخفى على الله أسباب الأشياء والتعجب مما خفي سببه ولم يعلم انتهى. قوله: "وفي الباب عن ابن عمر" أخرجه الترمذي بعد هذا. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم في مستدركه.
قوله: "عن علي بن عبد الله البارقي" الأزدي. قوله: {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّر} أي ذلل {لَنَا هَذَا} أي المركوب {وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا

(9/409)


أَسْألُكَ في سَفَرِي هَذَا مِنَ البِرّ وَالتّقْوَى وَمِنَ العَمَلِ مَا تَرْضَى، اللّهُمّ هَوّنْ عَلَيْنَا المَسِيرَ وَاطْوِ عَنّا بُعْدَ الأرْضِ، اللّهُمّ أَنْتَ الصّاحِبُ في السّفَرِ، والْخَلِيفَةُ في الأهْلِ، اللّهُمّ اصْحَبْنَا في سَفَرِنا واخْلُفْنَا في أَهْلِنَا. وَكانَ يَقُولُ إِذَا رَجَعَ إلى أهْلِهِ آيْبُونَ إنْ شَاءَ الله تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبّنَا حَامِدُونَ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ.
ـــــــ
لَمُنْقَلِبُونَ} أي راجعون واللام للتأكيد. وهذا الدعاء يسن عند ركوب أي دابة كانت لسفر أو غيره "من البر" أي الطاعة "والتقوى" أي عن المعصية أو المراد من البر الإحسان إلى الناس أو من الله إلينا ومن التقوى ارتكاب الأوامر واجتناب النواهي "ومن العمل" أي جنسه "ما ترضى" أي به عنا "وكان يقول إذا رجع إلى أهله : آئبون" أي نحن راجعون من السفر بالسلامة إلى الوطن، وفي رواية مسلم وأبي داود: وإذا رجع قالهن وزاد فيهن آئبون الخ "إن شاء الله" الظاهر أن هذه الكلمة ههنا للتبرك "لربنا حامدون" قال الطيبي: لربنا يجوز أن يتعلق بقوله عابدون لأن عمل اسم الفاعل ضعيف فيقوى به أو بحامدون ليفيد التخصيص أي نحمد ربنا لا نحمد غيره. وهذا أولى لأنه كالخاتمة للدعاء انتهى. وفي هذا الحديث استجاب هذا الذكر عند ابتداء الأسفار كلها وقد جاءت فيه أذكار كثيرة. قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي.

(9/410)


50 ـ باب مَا جاء ما يَقُول إذَا هاجَتْ الرّيح
3581 ـ حدثنا عَبْدُ الرّحْمَنِ بنِ الأسْوَدِ أَبُو عَمْرٍو البَصْرِيّ، أخبرنا مُحمّدُ بنُ رَبِيعَةَ عَن ابنِ جُرَيْجٍ عَن عَطَاءٍ عَن عَائِشَةَ قالَتْ: "كَانَ النبيّ صلى الله عليه وسلم إِذَا رَأَى الرّيحَ قالَ: اللّهُمّ إني أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِهَا وَخَيْرِ ما أُرْسِلَتْ بِهِ وأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّهَا وشَرّ ما فِيهَا وَشَرّ ما أُرْسِلَتْ بِهِ" . وفي البابِ عَن أُبيّ بنِ كَعْبٍ. وهَذا حديثٌ حَسَنٌ.
ـــــــ
باب "ما جاء ما يقول إذا هاجت الريح"
من هاج الشيء يهيج هيجاً وهياجاً وهيجاناً. إذا ثار والمعنى إذا اشتد هبوبها.
قوله: "أخبرنا محمد بن ربيعة" الكلابي. وقوله: "اللهم إني أسألك من خيرها" وفي رواية مسلم خيرها بغير من أي أسألك خير ذاتها "وخير ما فيها" أي من منافعها "وخير ما أرسلت به" أي بخصوصها في وقتها وهو بصيغة المفعول ويجوز أن يكون بصيغة الفاعل. قال الطيبي: يحتمل الفتح على الخطاب وشر ما أرسلت على بناء المفعول ليكون من قيل: أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم وقوله صلى الله عليه وسلم: "الخير كله بيدك والشر ليس إليك" انتهى. قوله: "وفي الباب عن أبي بن كعب" أخرجه الترمذي في باب النهي عن سب الرياح من أبواب الفتن. وقوله: "وهذا حديث حسن" وأخرجه مسلم مطولاً.

(9/411)


51 ـ باب مَا يَقُولُ إِذَا سمِعَ الرّعْد
3514 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ، أخبرنا عَبْدُ الْوَاحِدِ بنُ زِيَادٍ عَنْ حَجّاجِ بنِ أَرْطَاةَ عَن أَبي مَطَرٍ عَن سَالِمِ بنِ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ عَن أبِيهِ: "أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا سَمِعَ صَوْتَ الرّعْدِ والصّوَاعِق قالَ: اللّهُمّ لا تَقْتُلْنَا بِغَضَبِكَ وَلا تُهْلِكْنَا بِعَذَابِكَ وعَافِنَا
ـــــــ
باب "ما يقول إذا سمع الرعد"
قوله: "أخبرنا عبد الواحد بن زياد" العبدي البصري "عن أبي مطر" قال في التقريب: أبو مطر شيخ الحجاج بن أرطاة مجهول من السادسة، وفي تهذيب التهذيب في ترجمته ذكره ابن حبان في الثقات. قوله: "كان إذا سمع صوت الرعد" بإضافة العام إلى الخاص للبيان، فالرعد هو الصوت الذي يسمع من السحاب. كذا قال ابن الملك، والصحيح أن الرعد ملك مؤكل بالسحاب، وقد نقل الشافعي عن الثقة عن مجاهد أن الرعد ملك والبرق أجنحته يسوق السحاب بها ثم قال وما أشبه ما قاله بظاهر القرآن. قال بعضهم وعليه فيكون المسموع صوته أو صوت سوقه على اختلاف فيه، ونقل البغوي عن أكثر المفسرين أن الرعد ملك يسوق السحاب والمسموع تسبيحه "والصواعق" قال القاري بالنصب فيكون التقدير وأحسن الصواعق من باب: علفتها تبناً وماءاً بارداً، أو أطلق السمع وأريد به الحسن من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل، وفي نسخة يعني من المشكاة بالجر عطفاً على الرعد وهو إنما يصح على بعض الأقوال في تفسير الصاعقة. قال بعضهم قيل هي نار تسقط من السماء في رعد شديد فعلى هذا لا يصح عطفه على شيء مما قبله، وقيل الصاعقة صيحة العذاب أيضاً وتطلق

(9/412)


قَبْلَ ذَلِكَ" . هَذا حديثٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
ـــــــ
على صوت شديد غاية الشدة يسمع من الرعد وعلى هذا يصح عطفه على صوت الرعد أي صوت السحاب، فالمراد بالرعد السحاب بالقرينة إضافة الصوت إليه أو الرعد صوت السحاب ففيه تجريد. وقال الطيبي: هي قعقعة رعد ينقض معها قطعة من نار يقال صعقته الصاعقة إذا أهلكته فصعق أي مات إما لشدة الصوت وإما بالإحراق انتهى "لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك" قال القاري: الغضب استعارة والمشبه به الحالة التي تعرض للملك عند انفعاله وغليان دمه ثم الانتقام من المغضوب عليه وأكبر ما ينتقم به القتل فلذلك ذكره ورشح الاستعارة به عرفا وأما الإهلاك والعذاب فجاريان على الحقيقة في حق الله تعالى انتهى.
قلت: لا حاجة إلى تأويل الغضب بما ذكره القاري بل هو محمول على ظاهره كما تقدم مراراً في شرح أحاديث الصفات "وعافنا" أي أمتنا بالعافية "قبل ذلك" أي قبل نزول عذابك. قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه أحمد والبخاري في الأدب المفرد والنسائي في اليوم والليلة والحاكم في مستدركه.

(9/413)


52 ـ باب مَا يَقُولُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْهِلاَل
3515 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ، أخبرنا أبُو عامِرٍ العَقَدِيّ، أخبرنا سُلَيْمَانُ بنُ سُفْيَانَ المَدينِيّ قال حدّثَنِي بِلاَلُ بنُ يَحْيَى بنِ طَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ الله
ـــــــ
"باب" ما يقول عند رؤية الهلال
قوله: "حدثني بلال بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله" التيمي المدني لين من

(9/413)


عَن أَبِيهِ عَن جَدّه طَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ الله: "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كانَ إذَا رَأَى الْهِلاَلَ قالَ: اللّهُمّ أَهْلِهُ عَلَيْنَا بالْيُمْنِ وَإِلايمَانِ والسّلاَمَةِ وَالإسْلاَمِ. رَبّي ورَبّكَ الله" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
ـــــــ
السابعة "عن أبيه" أي يحيى بن طلحة بن عبيد الله التيمي المدني ثقة من الثالثة. قوله: "كان إذا رأى الهلال" وهو يكون من الليلة الأولى والثانية والثالثة ثم هو قمر "اللهم أهلله" بصيغة الأمر من الإهلال قال الطيبي يروي مدغماً ومفكوكاً أي أطلعه "علينا" مقترناً "باليمن" أي البركة وفي بعض النسخ بالأمن "والإيمان" أي بدوامه "والسلامة" أي عن كل مضرة وسوء "والإسلام" أي دوامه. قال القاري قال بعض المحققين من علمائنا: الإهلال في الأصل رفع الصوت نقل منه إلى رؤية الهلال لأن الناس يرفعون أصواتهم إذا رأوه بالإخبار عنه ولذلك سمي الهلال هلالاً نقل منه إلى طلوعه لأنه سبب لرؤيته ومنه إلى إطلاعه. وفي الحديث بهذا المعنى: أي أطلعه علينا وأرنا إياه مقترناً بالأمن والإيمان أي باطناً والسلامة والإسلام أي ظاهراً، ونبه بذكر الأمن والسلامة على طلب دفع كل مضرة وبالإيمان والإسلام على جلب كل منفعة على أبلغ وجه وأوجز عبارة انتهى "ربي وربك الله" خطاب للهلال على طريق الالتفات. ولما توسل به لطلب الأمن والإيمان دل على عظم شأن الهلال فقال ملتفتاً إليه ربي وربك الله تنزيها للخالق أن يشارك في تدبير ما خلق ورد الأقاويل داحضة في الآثار العلوية. قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد والدارمي والحاكم وابن حبان وزاد: والتوفيق لما تحب وترضى.

(9/414)


53 ـ باب ما يَقُولُ عِنْدَ الغَضَب
3516 ـ حدثنا محْمُودُ بنُ غَيْلاَنَ، أخبرنا قَبِيصَةُ، أخبرنا سُفْيَانُ عَن عَبْدِ المَلِكِ بنُ عُمَيْرٍ عَن عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ أَبي لَيْلَى عَن مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ قالَ: "اسْتَبّ رَجُلاَنِ عِنْدَ النبيّ صلى الله عليه وسلم حَتّى عُرِفَ الغَضَبُ في وجْهِ أَحَدِهِمَا فقالَ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم: إنّي لأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ غَضَبُهُ أعُوذُ بالله مِنَ الشّيْطَانِ الرّجِيمِ" .
3517 ـ حدثنا محمد بن بشّار أخبرنا عبد الرحمن عن سفيان نحوه: وَهَذا حديثٌ مُرْسَلٌ. عَبْدُ الرّحمَنِ ابنُ أَبي لَيْلَى لَمْ يَسْمَعْ
ـــــــ
"باب" ما يقول عند الغضب
قوله: "استب رجلان" أي سب أحدهما الآخر "حتى عرف" بصيغة المجهول "الغضب في وجه أحدهما" وفي رواية أبي داود فغضب أحدهما غضباً شديداً حتى خيل إلى أن أنفه يتمزع من شدة غضبه "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" بدل من كلمة، وفي الحديث: أنه ينبغي لصاحب الغضب أن يستعيذ فيقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وأنه سبب لزوال الغضب، وحديث معاذ بن جبل هذا أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي. قوله: "وفي الباب عن سليمان بن صرد" أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.
قوله: "أخبرنا عبد الرحمن" بن مهدي "وهذا حديث مرسل" أي منقطع

(9/415)


مِنْ مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ، ماتَ مُعَاذٌ في خِلاَفَةِ عُمَرَ بنِ الْخَطّابِ وقُتِلَ عُمَرُ بنُ الْخَطّابِ وَعبْدُ الرّحمَنِ بنِ أبي لَيْلَى غُلاَمٌ ابنُ سِتّ سِنِينَ. وهَكَذَا رَوَى شُعْبَةُ عَن الْحَكَمِ عَن عَبْدِ الرّحمَنِ بنِ أَبي لَيْلَى. وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرّحمَنِ بنِ أبي لَيْلَى عَن عُمَرَ بنِ الْخَطّابِ وَرَآهُ. وَعبْدُالرّحمَنِ بنِ أبي لَيْلَى يُكنّى أَبَا عِيسَى. وَأَبُو ليلى اسْمُهُ يَسَارٌ وَرَوَى عَن عَبْدِ الرّحمَنِ بنِ أبي لَيْلَى قَالَ أَدْرَكْتُ عِشْرِينَ ومائَةً مِنَ أَصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
وبين وجه الانقطاع بقوله عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع الخ "وعبد الرحمن بن أبي ليلى غلام ابن ست سنين" الواو للحال قال المنذري في الترغيب بعد نقل كلام الترمذي من قوله هذا حديث مرسل إلى هنا ما لفظه: والذي قاله الترمذي واضح فإن البخاري ذكر ما يدل على أن مولد عبد الرحمن بن أبي ليلى سنة سبع عشرة وذكر غير واحد أن معاذ بن جبل توفي في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة وقيل سنة سبع عشرة، وقد روى النسائي هذا الحديث عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي بن كعب وهذا متصل انتهى "هكذا روى شعبة عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى" قال ابن أبي حاتم في كتاب المراسيل: حدثنا علي بن الحسن حدثنا أحمد بن سعيد الدارمي حدثنا النضر حدثنا شعبة عن الحكم عن ابن أبي ليلى قال: ولدت لست يقين من خلافة عمر "وقد روى عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عمر بن الخطاب" أي غير هذا الحديث "ورآه" . وقال الدوري عن ابن معين لم يره، وقال الخليلي في الإرشاد: الحفاظ لا يثبتون سماعه من عمر كذا في تهذيب التهذيب.

(9/416)


54 ـ باب مَا يَقُولُ إذَا رَأَى رؤْيَا يَكْرَهُهَا
3518 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ، أخبرنا بَكْرُ بنُ مُضَرَ عَن ابن الهَادِ عَن عَبْدِ الله بنِ خَبّابٍ عَن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ أنّهُ سَمِعَ النبيّ صلى الله عليه وسلم يقُولُ: "إذَا رَأَى أحَدُكُمْ الرّؤْيَا يُحِبّهَا فإِنّمَا هِيَ مِنَ الله فَلْيَحْمَدِ الله عَلَيْهَا ولْيُحَدّثْ بِمَا رَأى، وَإذَا رَأى غَيْرَ ذَلِكَ مِمّا يَكْرَهُ فإِنّمَا هِيَ من الشّيْطَانِ فَلْيَسْتعِذْ بالله مِنْ شَرّهَا
ـــــــ
"باب" ما يقول إذا رأى رؤيا يكرهها
قوله: "أخبرنا بكر بن مضر" المصري "عن عبد الله بن خباب" بفتح معجمة وشدة موحدة أولى الأنصاري البخاري مولاهم المدني ثقة من الثالثة. قوله: "يحبها" حال من الرؤيا "فإنما هي" الرؤيا المحبوبة "من الله" إضافة الرؤيا المحبوبة إلى الله إضافة تشريف "فليحمد الله وليحدث بما رأى" وفي حديث أبي سلمة عن أبي قتادة عند الشيخين فلا يحدث به إلا من يحب. قال الحافظ الحكمة فيه أنه إذا حدث بالرؤيا الحسنة من لا يحب قد يفسرها له بما لا يحب إما بغضاً وإما حسداً فقد تقع على تلك الصفة أو يتعجل لنفسه من ذلك حزناً ونكداً فأمر بترك تحديث من لا يحب بسبب ذلك انتهى. قلت: قد تقدم في باب تعبير الرؤيا حديث أبي رزين العقيلي وفيه: لا تحدث بها إلا لبيباً أو حبيباً، وحديث أبي هريرة وفيه لا تقص الرؤيا إلا على عالم أو ناصح، فينبغي أن يحمل أبي سعيد المطلق على هذه الأحاديث المقيدة. قيل لأن العالم يأولها على الخير مهما أمكنه والناصح يرشد إلى ما ينفع واللبيب العارف بتأويلها والحبيب إن عرف خيراً قاله وإن جهل أو شك سكت "فإنما هي من الشيطان"

(9/417)


وَلاَ يَذْكُرْهَا لأِحَدٍ فإِنّهَا لاَ تَضُرّهُ" قال وفي البابِ عَن أَبي قَتَادَةَ. قال: وهَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَابنُ الْهَادِ اسْمُهُ يَزِيدُ بنُ عَبْدِ الله بنِ أُسَامَةَ بنِ الْهَادِ المَدَنيّ وهُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيث رَوَى عَنْهُ مالِكُ والنّاسُ.
ـــــــ
أضيفت إليه لكونها على هواه ومراده، وقيل لأنه الذي يخيل بها ولا حقيقة لها في نفس الأمر "فليستعذ بالله من شرها ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضره" حاصل ما ذكر من أدب الرؤيا الصالحة ثلاثة أشياء أن يحمد الله عليها، وأن يستبشر بها، وأن يتحدث بها لكن لمن يحب دون من يكره. وحاصل ما ذكر من أدب الرؤيا المكروهة ستة أشياء: أن يتعوذ بالله من شرها وشر الشيطان. وأن يتفل حين يهب من نومه عن يساره ثلاثاً، ولا يذكرها لأحد أصلاً، وأن يصلي. وأن يتحول عن جنبه الذي كان عليه. وقد تقدم بقية الكلام في هذا في باب إذا رأى في المنام ما يكره ما يصنع. قوله: "وفي الباب عن أبي قتادة" أخرج حديثه الترمذي في الباب المذكور. قوله "هذا حديث حسن غريب صحيح" وأخرجه البخاري والنسائي

(9/418)


55 ـ باب ما يَقُولُ إذَا رَأى البَاكُورَةَ مِنَ الثّمَر
3519 ـ حدثنا الأَنْصَارِيّ، أخبرنا مَعْنٌ، أخبرنا مالِكٌ وأخبرنا قتيبة عن مالك عَن سُهَيْلِ بنِ أبي صَالِحٍ عَن أبِيهِ عَن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: "كَانَ النّاسُ إذَا رَأَوْا أوّلَ الثّمَرِ جَاؤوا بِهِ إِلى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فإِذَا أخَذَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قال: اللّهُمّ بَارِكْ لَنَا في ثِمَارِنَا، وَبَارِكْ لَنَا في مَدِينَتِنَا، وبَارِكَ لَنَا في صَاعِنَا ومُدّنَا، اللّهُمّ إِنّ إِبْرَاهيمَ عَبْدُكَ وخَلِيلُكَ. وَنَبِيّكَ وإِنّي عَبْدُكَ وَنَبِيّكَ وإنّهُ دَعَاكَ لِمَكّةَ وأنَا أدْعُوكَ لِلْمَدِينَةِ بِمِثْلِ مَا دَعَاكَ بِهِ لِمَكَةَ. ومِثْلهُ
ـــــــ
"باب" ما يقول إذا رأى الباكورة من الثمر
الباكورة أول ما يدرك من الفاكهة
قوله: "إذا رأوا أول الثمر" وهو الذي يسمى الباكورة "جاؤوا به" أي بأول الثمر "إلى النبي صلى الله عليه وسلم" قال العلماء كانوا يفعلون ذلك رغبة في دعائه صلى الله عليه وسلم في الثمر والمدينة والصاع والمد وإعلاماً له صلى الله عليه وسلم بابتداء صلاحها لما يتعلق بها من الزكاة وغيرها وتوجيه الخارصين "وبارك لنا في مدينتنا" أي في ذاتها من جهة سعتها ووسعة أهلها وقد استجاب الله دعاءه عليه الصلاة والسلام بأن وسع نفس المسجد وما حوله من المدينة وكثر الخلق فيها حتى عد من الفرس المعد للقتال المهيأ بها في زمن عمر أربعون ألف فرس. والحاصل أن المراد بالبركة هنا ما يشمل الدنيوية والأخروية والحسية "وبارك لنا في صاعنا ومدنا" قال

(9/419)


مَعَهُ. قالَ ثُمّ يَدْعُو أصْغَرَ وَلِيدٍ يَرَاهُ فَيُعْطِيهِ ذَلِكَ الثّمَرَ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
القاضي: البركة هنا بمعنى النماء والزيادة وتكون بمعنى الثبات واللزوم، قال فقيل يحتمل أن يكون هذه البركة دينية وهي ما تتعلق بهذه المقادير من حقوق الله تعالى في الزكاة والكفارة فتكون بمعنى الثبات والبقاء لها كبقاء الحكم بها ببقاء الشريعة وثباتها، ويحتمل أن تكون دنيوية من تكثير الكيل والقدرة بهذه الأكيال حتى يكفي منه ما لا يكفي من غيره في غير المدينة، أو ترجع البركة إلى التصرف بها في التجارة وأرباحها وإلى كثرة ما يكال بها من غلاتها وثمارها أو تكون الزيادة فيما يكال بها لاتساع عيشهم وكثرته بعد ضيقه لما فتح الله عليهم ووسع من فضله لهم وملكهم من بلاد الخصب والريف بالشام والعراق ومصر وغيرها حتى كثر الحمل إلى المدينة واتسع عيشهم حتى صارت هذه البركة في الكيل نفسه فزاد مدهم وصار هاشمياً مثل مد النبي صلى الله عليه وسلم مرتين أو مرة ونصفاً، وفي هذا كله إجابة دعوته صلى الله عليه وسلم وقبولها انتهى كلام القاضي. قال النووي: والظاهر من هذا كله أن المراد البركة في نفس المكيل في المدينة بحيث يكفي المد فيها لمن لا يكفيه في غيرها انتهى "وإنه دعا لمكة" أي بقوله: {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} "بمثل ما دعاك به لمكة ومثله" أي يمثل ذلك المثل "معه" والمعنى بضعف ما دعا إبراهيم عليه الصلاة والسلام "قال" أي أبو هريرة "ثم يدعو" أي النبي صلى الله عليه وسلم "أصغر وليد" أي مولود "يراه" وفي رواية لمسلم: ثم يعطيه أصغر من أن يحضره من الولدان، وفي أخرى له ثم يدعو أصغر وليد له فيعطيه ذلك الثمر. قال القاري: التحقيق أن الروايتين يعني الرواية المطلقة والمقيدة وحمولتان على الحالتين، والمعنى أنه إذا كان عنده أو قريباً منه وليد له أعطاه أو وليد آخر من غير أهله أعطاه إذ لا شك أنهما لو اجتمعا لشارك بينهما نعم إذا لم يكن أحد حاضراً عنده فلا شبهة أنه ينادي أحداً من أولاد أهله لأنه أحق ببره من غيره انتهى "فيعطيه

(9/420)


ـــــــ
ذلك الثمر" فيه بيان ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من مكارم الأخلاق وكمال الشفقة والرحمة وملاطفة الكبار والصغار وخص بهذا الصغير لكونه أرغب فيه وأكثر تطلعاً إليه وحرصاً عليه. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم وابن ماجة.

(9/421)


56 ـ باب مَا يَقُول إذَا أكَلَ طَعَاما
3520 ـ حدثنا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ، أخبرنا إِسْمَاعيلُ بنُ إِبْرَاهيمَ، أخبرنا عَلِيّ بنُ زَيْدٍ عَن عُمَرَ. وهُوَ ابنُ أبي حَرْمَلَةَ عَن ابنِ عَبّاسٍ قالَ: "دَخَلْتُ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أَنا وَخَالِدُ بنُ الوَلِيدِ عَلَى مَيْمُونَةَ فَجَاءَتْنَا بإِنَاءٍ في لَبَن فَشَرِبَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأنَا عَنْ يَمِينِهِ وخَالِدٌ عَلى شِمَالِهِ فقالَ: لِي الشّرْبَةُ لَكَ فإِنْ شِئْتَ آثَرْتَ بِهَا خَالِداً فَقُلْتُ مَا كُنْتُ أُوْثِرُ عَلَى سُؤْرِكَ أَحَداً. ثُمّ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مَنْ أَطْعَمه الله طعاماً فليقل اللهمّ بَارِك لنا فيه وأَطْعِمْنَا خَيْراً مِنْهُ. وَمَنْ سَقَاهُ الله لَبَناً فَلْيَقُلْ: اللّهُمّ
ـــــــ
"باب" ما يقول إذا أكل طعاما أي إذا أراد أن يأكل طعاما
قوله: "حدثنا إسماعيل بن إبراهيم" هو المعروف بابن علية "حدثنا علي ابن زيد" هو ابن جدعان. قوله: "الشربة لك" أي أنت مستحق لها لأنك على جهة يميني "فإن شئت آثرت بها خالداً" أي اخترت بالشربة على نفسك خالداً "على سؤرك" السؤر بضم السين وسكون الهمزة البقية والفضلة والمعنى ما كنت

(9/421)


بارِكْ لَنَا فِيهِ وَزِدْنَا مِنْهُ. وَقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: لَيْسَ شَيْءٌ يجزئ مَكانَ الطّعَامِ وَالشّرَابِ غَيْرَ اللّبَنِ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ وَقَدْ رَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الحَدِيثَ عَن عَلِيّ بنِ زَيْدٍ فقالَ عَن عُمرَ بنِ حَرْمَلَةَ وَقالَ بَعْضُهُمْ عَمْرُو بنِ حَرْمَلَةَ وَلا يَصِحّ.
ـــــــ
لأختار على نفسي بفضل منك أحداً "من أطعمه الله" وفي رواية أبي داود: إذا أكل أحدكم قال المناوي أي أراد أن يأكل "طعاماً" أي غير لبن "بارك لنا فيه" من البركة وهي زيادة الخير ونموه ودوامه "وأطعمنا خيراً منه" من طعام الجنة أو أعم "وزدنا منه" ولا يقول خيراً منه لأنه ليس في الأطعمة خير منه "ليس شيء يجزئ" بضم الياء وكسر الزاي بعدها همز أي يكفي في دفع الجوع والعطش معاً "مكان الطعام والشراب" أي مكان جنس المأكول والمشروب وبدلهما "غير اللبن" بالرفع على أنه بدل من الضمير في يجزئ. قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة والبيهقي في شعب الإيمان "وقد روى بعضهم هذا الحديث عن علي بن زيد فقال عن عمر بن حرملة الخ" قال الحافظ في تهذيب التهذيب: عمر بن حرملة ويقال ابن أبي حرملة ويقال عمرو البصري روى عن ابن عباس حديث الضب يعني حديث الباب ففي أوله عند أبي داود فجاءوا بضبين مشويين على ثمامتين فتبزق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال خالد أخالك تقذره يا رسول الله فقال "أجل" ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بلبن الحديث. وعنه علي بن زيد بن جدعان وقال أبو زرعة لا أعرفه إلإ في هذا الحديث وذكره ابن حبان في الثقات، قال وصحح أنه عمر بضم العين وتبع في ذلك البخاري انتهى.

(9/422)


57 ـ باب ما يَقُولُ إِذَا فَرَغَ مِنَ الطّعَام
3521 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ، أخبرنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ، أخبرنا الثوري بنُ يَزِيدَ، أخبرنا خَالِدُ بنُ مَعْدَانَ عَن أَبي أُمَامَةَ قالَ: "كانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إِذَا رُفِعَتِ المَائِدَةُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ يَقُولُ: الْحَمْدُ لله حَمْدا كَثِيراً طَيّباً مُبَارَكاً فِيهِ غَيْرَ مُوَدّعٍ وَلاَ مُسْتَغْنَى
ـــــــ
"باب" ما يقول إذا فرغ الطعام
قال ابن بطال اتفقوا على استحباب الحمد بعد الطعام ووردت في ذلك أنواع يعني لا يتعين شيء منها.
قوله: "أخبرنا يحيى بن سعيد" القطان "أخبرنا ثور بن يزيد" أبو خالد الحمصي. قوله: "إذا رفعت المائدة من بين يديه" قد تقدم في الأطعمة من حديث أنس أنه صلى الله عليه وسلم لم يأكل على خوان قط. وهنا يقول إذا رفعت مائدته وقد فسروا المائدة بأنها خوان عليه طعام، فأجاب بعضهم عن هذا بأن أنساً ما رأى ذلك ورآه غيره والمثبت مقدم على النافي، أو المراد بالخوان صفة مخصوصة والمائدة تطلق على كل ما يوضع عليه الطعام لأنها مشتقة من ماد يميد إذا تحرك أو أطعم ولا يختص ذلك بصفة مخصوصة، وقد تطلق المائدة ويراد بها نفس الطعام أو بقيته أو إناؤه، وقد نقل عن البخاري أنه قال: إذا أكل الطعام على شيء ثم رفع قيل رفعت المائدة "حمداً" مفعول مطلق للحمد إما باعتبار ذاته أو باعتبار تضمنه معنى الفعل أو لفعل مقدر "طيباً" أي خالصاً من الرياء والسمعة "مباركاً" هو وما قبله صفات لحمداً "فيه" الضمير راجع إلى الحمد أي حمداً ذا بركة دائماً لا ينقطع لأن نعمه لا تنقطع عنا فينبغي أن يكون حمدنا غير منقطع أيضاً ولو نية واعتقاداً "غير مودع" بنصب غير على أنه حال من الحمد

(9/423)


عَنْهُ رَبّنَا" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
3522 ـ حدثنا أبُو سَعِيدٍ الأَشَجّ، أخبرنا حَفْصُ بنُ غِيَاثٍ وَأبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ عَن حَجّاجِ بنِ أَرْطَاةَ عَن رِياحِ بنِ عُبَيْدَةَ قالَ حَفْصٌ عَن ابنِ أخِيّ سَعِيدٍ وَقالَ أَبُو خَالِدٍ عَن مَوْلَى لأَبي سَعِيدٍ عَن
ـــــــ
ومودع اسم مفعول من التوديع أي غير متروك أو من الطعام يعني لا يكون آخر طعامنا أو من الله تعالى أي غير متروك الطلب منه والرغبة إليه، ويجوز رفع غير على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو غير مودع "ولا مستغنى عنه" أي هو محتاج إليه غير مستغني عنه، وفي رواية البخاري غير مكفي ولا مودع ولا مستغنى عنه. قال الحافظ: قوله غير مكفي بفتح الميم وسكون الكاف وكسر الفاء وتشديد التحتانية. قال ابن بطال يحتمل أن يكون من كفأت الإناء فالمعنى غير مردود عليه إنعامه، ويحتمل أن يكون من الكفاية أي أن الله غير مكفي رزق عباده لأنه لا يكفيهم أحد غيره. وقال ابن التين أي غير محتاج إلى أحد لكنه هو الذي يطعم عباده ويكفيهم، وهذا قول الخطابي. وقال القزاز معناه أنه غير مكتف بنفسي عن كفايته. وقال الداودي معناه لم أكتف من فضل الله ونعمته. قال ابن التين: وقول الخطابي أولى لأن مفعولاً بمعنى مفتعل فيه بعد وخروج عن الظاهر وهذا كله على أن الضمير لله ويحتمل أن يكون الضمير للحمد. وقال إبراهيم الحربي الضمير للطعام ومكفي بمعنى مقلوب من الإكفاء وهو القلب غير أنه لا يكفي الإناء للاستغناء عنه انتهى "ربنا" روى بالرفع والنصب والجر، فالرفع على تقدير هو ربنا أو أنت ربنا اسمع حمدنا ودعاءنا أو على أنه مبتدأ وخبره غير بالرفع مقدم عليه، والنصب على أنه منادي حذف منه حرف النداء أو على المدح أو الاختصاص أو إضماراً عني، والجر على أنه بدل من الله وقيل على أنه بدل من الضمير في عنه. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجة.
قوله: "عن رياح" بكسر أوله ثم تحتانية "بن عبيدة" بفتح العين المهملة

(9/424)


أبِي سَعِيدٍ رضي الله عنه قال: "كانَ النبيّ صلى الله عليه وسلم إِذَا أكَلَ أَوْ شَرِبَ قَالَ: الْحَمدُ لله الذِي أطْعَمَنَا وَسَقَانا وَجَعَلَنَا مُسْلمِينَ" .
3523 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ إِسْمَاعِيلَ، أخبرنا عَبْدُ الله بنُ يَزِيدَ الْمُقرِيءُ حدّثنا سَعيدُ بنُ أَبي أَيّوبَ حدّثِني أبُو مَرْحُومٍ عَن سَهْلِ بنِ مُعَاذ بنِ أَنَسٍ عَن أبيهِ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أكَلَ طَعاماً فقالَ الْحَمدُ لله الّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنّي ولاَ قُوّةٍ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ وأبُو مَرْحُوم اسْمُهُ عَبْدُ الرحيم بنُ مَيْمُونٍ
ـــــــ
وكسر الموحدة السلمي الكوفي ثقة من الرابعة "قال حفص عن ابن أخي أبي سعيد وقال أبو خالد عن مولى لأبي سعيد عن أبي سعيد" قال الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمة رياح بن عبيدة: روى عن أبي سعيد الخدري وقيل عن ابن أخي أبي سعيد وقيل عن مولى لأبي سعيد وقيل عن عبد الرحمن بن أبي سعيد في القول عند الفراغ من الطعام انتهى. ولم أقف على ترجمة ابن أخي أبي سعيد ولا مولى لأبي سعيد. قوله: "الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا الخ" فائدة الحمد بعد الطعام أداء شكر المنعم وطلب زيادة النعمة لقوله تعالى {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} وفيه استحباب تجديد حمد الله عند تجدد النعمة من حصول ما كان الإنسان يتوقع حصوله واندفاع ما كان يخاف وقوعه، ثم لما كان الباعث هنا هو الطعام ذكره أولاً لزيادة الاهتمام به وكان السقي من تتمته لكونه مقارناً له في التحقيق غالباً ثم استطرد من ذكر النعمة الظاهرة إلى النعم الباطنة فذكر ما هو أشرفها وختم به لأن المدار على حسن الخاتمة مع ما فيه من الإشارة إلى كمال الانقياد في الأكل والشرب وغيرهما قدراً ووصفاً ووقتاً احتياجاً واستغناء بحسب ما قدره وقضاه. وحديث أبي سعيد هذا أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وذكره البخاري في تاريخه الكبير وساق اختلاف الرواة فيه.
قوله: "حدثنا محد بن إسماعيل" هو الإمام البخاري "حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ" أبو عبد الرحمن المكي "حدثنا سعيد بن أبي أيوب" الخزاعي. قوله: "الحمد لله الذي أطعمني هذا" أي هذا الطعام "ورزقنيه من غير حول مني"

(9/425)


ـــــــ
أي من غير حركة وحيلة مني. قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد وابن ماجة.

(9/426)


58 ـ باب مَا يَقُولُ إذَا سَمِعَ نَهِيقَ الحِمَار
3524 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ، أخبرنا اللّيْثُ عَن جَعْفَرِ بنِ رَبِيعَةَ عَن الأَعْرَجِ عَن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "إِذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدّيكَةِ فاسْألُوا الله مِنْ فَضْلِهِ فإِنّهَا رَأَتْ مَلَكاً، وَإذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الْحِمَارِ فَتَعَوّذُوا بالله مِنَ الشّيْطَانِ الرّجيم فإِنّهُ رَأى شَيْطَاناً" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
"باب" ما يقول إذا سمع نهيق الحمار
قوله: "أخبرنا الليث" بن سعد "عن جعفر بن ربيعة" بن شرحبيل بن حسنة الكندي أبي شرحبيل المصري ثقة من الخامسة. قوله: "إذا سمعتم صياح الديكة" بكسر الدال المهملة وفتح التحتانية جمع ديك وهو ذكر الدجاج وللديك خصيصته ليست لغيره من معرفته الوقت الليلي فإنه يقسط أصواته فيها تقسيطاً لا يكاد يتفاوت ويوالي صياحه قبل الفجر وبعده لا يكاد يخطئ سواء طال الليل أم قصر "فاسألوا" بالهمزة ونقله "فإنها رأت ملكاً" بفتح اللام. قال عياض كأن السبب فيه جاء تأمين الملائكة على دعائه واستغفارهم له وشهادتهم له بالإخلاص والتضرع. وصحح ابن حبان وأخرجه أحمد وأبو داود من حديث

(9/426)


ـــــــ
زيد بن خالد رفعه: "لا تسبوا الديك فإنه يدعو إلى الصلاة" . وعند البزار من هذا الوجه سبب قوله صلى الله عليه وسلم ذلك وأن ديكا صرخ فلعنه رجل فقال ذلك. قال الحليمي يؤخذ منه أن كل من استفيد منه الخير لا ينبغي أن يسب ولا أن يستهان به بل يكرم ويحسن إليه. قال: وليس معنى قوله فإنه يدعو إلى الصلاة أن يقول بصوته حقيقة صلوا أو حانت الصلاة بل معناه أن العادة جرت بأنه يصرخ عند طلوع الفجر فطرة فطره الله عليها "وإذا سمعتم نهيق الحمار" أي صوته المنكر، وزاد أبو داود والنسائي والحاكم من حديث جابر: "ونباح الكلاب" "فتعوذوا بالله من الشيطان" أي اعتصموا به منه بأن يقول أحدكم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم أو نحو ذلك من صيغ التعوذ "فإنه" أي الحمار "رأى شيطاناً" روى الطبراني من حديث أبي رافع رفعه: "لا ينهق الحمار حتى يرى شيطاناً أو يتمثل له شيطان. فإذا كان ذلك فاذكروا الله وصلوا علي" . قال عياض وفائدة الأمر بالتعوذ لما يخشى من شر الشيطان وشر وسوسته فيلجأ إلى الله في ذلك. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والبخاري في أواخر بدء الخلق ومسلم في الدعوات وأبو داود في الأدب والنسائي في التفسير وفي اليوم والليلة.

(9/427)


59 ـ باب ما جَاءَ في فَضْلِ التّسبِيحِ وَالتّكْبِيرِ وَالتّهْلِيلِ والتّحْمِيد
3525 ـ حدثنا عَبْدُ الله بنُ أبي زِيَادٍ الكوفي، أخبرنا عَبْدُ الله بنُ أبي بكْرٍ السّهْمِيّ عَن حَاتِمِ بنِ أبي صَغِيرَةَ عَن أبي بَلْجٍ عَنْ
ـــــــ
"باب" ما جاء في فضل التسبيح والتكبير والتهليل والتحميد
قوله: "حدثنا عبد الله بن أبي زياد" القطواني الكوفي "عن حاتم بن أبي صغيرة" بفتح الصاد المهملة وكسر الغين المعجمة "عن أبي بلج" بفتح أو

(9/427)


عَمْرِو بنِ مَيْمُونٍ عَن عبْدِ الله بنِ عَمْرو قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَا عَلَى الأَرْضِ أَحَدٌ يَقُولُ لا إِلهَ إِلاّ الله وَالله أَكْبَرُ وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوّةَ إِلاّ بالله إِلاّ كُفّرَتْ عَنْهُ خَطَاياهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَرَوَى شُعْبَةُ هَذَا الْحَدِيثَ عَن أَبي بَلْجٍ بِهَذَا الإسْنَادِ نَحْوَهُ وَلَمْ يَرْفَعْهُ. وأَبُو بَلْجٍ اسْمُهُ يَحْيَى بنُ أَبي سُلَيْمٍ وَيُقَالُ أيضاً يحيى بنُ سُلَيْمٍ.
3526 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ أخبرنا ابنُ أبي عَدِيّ عَن حَاتِمِ بنِ أَبي صَغِيرةَ عَن أَبي بَلْجٍ عَن عَمْرِو بنِ مَيْمُونٍ عَن عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ.
3527 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ حَدّثنَا مُحمّدُ بنُ جَعْفَرٍ عَن شُعْبَةَ عَن أَبي بَلْجٍ نَحْوَهُ وَلَمْ يَرْفَعَهُ.
3528 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ أخبرنا مَرْحُومُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ العَطّارُ أخبرنا أبُو نَعَامَةَ السّعْدِيّ عَن أبي عُثْمَانَ النّهْدِيّ عَن
ـــــــ
وسكون اللام بعدها جيم "عن عمرو بن ميمون" الأودي. قوله: "إلا كفرت" من التكفير أي محيت وأزيلت "ولو كانت مثل زبد البحر" بفتح الزاي والموحدة هو ما يعلو الماء ونحوه من الرغوة والمراد به الكناية عن المبالغة في الكثرة، وفي رواية أحمد: ولو كانت أكثر من زبد البحر. قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد والنسائي وابن أبي الدنيا والحاكم "وأبو بلج اسمه يحيى بن أبي سليم ويقال ابن سليم أيضاً" يأتي ترجمته في مناقب علي، ووقع هنا في بعض النسخ وحاتم يكنى أبا يونس القشيري قال الحافظ في تهذيب التهذيب: حاتم ابن أبي صغيرة وهو ابن مسلم أبو يونس القشيري وقيل الباهلي مولاهم

(9/428)


أبي مُوسَى الأَشْعَرِيّ قال: "كُنّا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في غَزَاةٍ فَلَمّا قَفَلْنَا أَشْرَفْنَا عَلَى المَدِينَةِ فَكَبّرَ النّاسُ تَكْبَيرَةً وَرفَعُوا بهَا أصْوَاتَهُمْ فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: إِنّ رَبّكُمْ لَيْسَ بأَصَمّ ولاَ غَائِبٍ هُوَ بَيْنكُمْ وَبَيْنَ رُؤُوسِ رِحَالِكُمْ، ثُمّ قالَ يا عَبْدَ الله بنَ قَيْسٍ أَلاَ أُعَلّمُكَ كَنْزاً مِنْ كُنُوزِ الْجَنّةِ لا حَوْلَ وَلا قُوّةَ إِلاّ بالله" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. وَأَبُو عُثْمَانَ النّهْدِيّ اسْمُهُ عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ مل. وَأَبُو نَعَامَةَ اسْمُهُ عَمْرُو بنُ عِيسَى. وَمَعْنَى قوله: "بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رُؤُوسِ رواحالكم" إنّمَا يَعْنِي عِلْمَهُ وَقُدْرَتَهُ.
ـــــــ
البصري وأبو صغيرة أبو أمه وقيل زوج أمه، وقال ابن معين وأبو حاتم والنسائي ثقة. قوله: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة" هذه الغزوة هي غزوة خيبر كما صرح به الحافظ في الفتح في كتاب القدر "فلما قفلنا" أي رجعنا "أشرفنا" أي أطلعنا من قولهم أشرفت عليه إذا أطلعت عليه "إن ربكم ليس بأصم ولا غائب" بل هو سميع بصير قريب فلا حاجة إلى رفع الصوت بالتكبير "هو بينكم وبين رؤوس رحالكم" بكسر الراء جمع رحل بالفتح وهو ما يجعل على ظهر البعير كالسرج. وقال في المجمع هو ما يوضع على البعير ثم بعير به عن البعير انتهى. والظاهر أن المراد بالرحال هنا الرواحل، وفي رواية لمسلم والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلة أحدكم. قال النووي أي بالعلم والإحاطة فهو يجاز كقوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} "ألا أعلمك كنزاً من كنوز الجنة لا حول ولا قوة إلا بالله" قال النووي قال العلماء سبب ذلك أنها كلمة استسلام وتفويض إلى الله تعالى واعتراف بالإذعان له وأنه لا صانع غيره ولا راد لأمره وأن العبد لا يملك شيئاً في الأمر. ومعنى الكنز هنا أنه ثواب مدخر في الجنة وهو ثواب نفيس كما أن الكنز أنفس أموالكم. قال أهل اللغة الحول الحركة

(9/429)


ـــــــ
والحيلة أي لا حركة ولا استطاعة ولا حيلة إلا بمشيئة الله تعالى، وقيل معناه لا حول في دفع شر ولا قوة في تحصيل خير إلا بالله، وقيل لا حول عن معصية الله إلا بعصمته ولا قوة على طاعته إلا بمعونته، وحكى هذا عن ابن مسعود رضي الله عنه وكله مقارب انتهى. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة ومعنى قوله: "هو بينكم وبين رؤوس رواحلكم" إنما يعني علمه وقدرته وكذلك يأولون قوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} أي نحن أقرب إليه بالعلم من حبل وريده لا يخفى علينا شيء من خفياته فكأن ذاته قريبة منه. وحاصله أنه تجوز بقرب الذات عن قرب العلم. ونقل الذهبي في كتاب العلو ص 144 عن الإمام أبي الحسن الأشعري أنه قال إن الله يقرب من خلقه كيف شاء كما قال: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}.

(9/430)


60 ـ باب
3529 ـ حدثنا عَبْدُ الله بنُ أَبي زِيَادٍ، أخبرنا سَيّارٌ، أخبرنا عَبْدُ الْوَاحِدِ بنُ زِيَادٍ عَن عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ إِسْحَاقَ عَن القَاسِمِ بنِ عَبْدِ الرّحمَنِ عَن أبيهِ عَن ابنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَقِيتُ إبْرَاهيمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي فقالَ يا مُحَمدُ: أَقْرِئ أُمّتَكَ
ـــــــ
باب
قوله: "أخبرنا سيار" بن حاتم العنزي "أخبرنا عبد الواحد بن زياد" العبدي البصري "عن عبد الرحمن بن إسحاق" أبي شيبة الواسطي الكوفي "عن القاسم بن عبد الرحمن" بن عبد الله بن مسعود. قوله: "لقيت إبراهيم" أي الخليل عليه الصلاة والسلام "ليلة أسري بي" قال القاري بالإضافة وفي نسخة يعني من المشكاة بتنوين ليلة أي ليلة أسري فيها بي وهي ليلة المعراج

(9/430)


مِنّي السّلاَمَ وَاخْبِرْهُمْ أَنّ الْجَنّةَ طَيّبَةُ التّرْبَةِ عَذْبَةُ المَاءِ، وَأنّهَا قِيعَانٌ، وَأَنّ غِرَاسَهَا سُبْحَانَ الله والْحَمْدُ لله وَلاَ إلهَ إلاّ الله وَالله أكْبَرُ" . وفي البابِ عَن أبِي أَيّوبَ. هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ ابنِ مَسْعُودٍ.
ـــــــ
"فقال" أي إبراهيم وهو في محله من السماء السابعة مسنداً ظهره إلى البيت المعمور "أقرئ" أمر من الإقراء أو من قرأ يقرأ "أمتك مني السلام" أي بلغهم مني السلام "طيبة التربة" بضم الفوقية وسكون الراء هي التراب من قرابها المسك والزعفران ولا أطيب منهما "عذبة الماء" أي ماؤها طيب لا ملوحة فيه "وأنها" بالفتح ويكسر أي الجنة "قيعان" بكسر القاف جمع قاع وهي الأرض المستوية الخالية من الشجر "وأن" بالوجهين "غراسها" بكسر الغين المعجمة جمع غرس بالفتح وهو ما يغرس أي يستره تراب الأرض من نحو البذر لينبت بعد ذلك. وإذا كانت تلك التربة طيبة وماؤها عذباً كان الغراس أطيب لا سيما والغرس الكلمات الطيبات وهن الباقيات الصالحات، والمعنى أعلمهم بأن هذه الكلمات ونحوها سبب لدخول قائلها الجنة ولكثرة أشجار منزلة فيها لأنه كلما كررها نبت له أشجار بعددها. وقال الطيبي في هذا الحديث إشكال لأنه يدل على أن أرض الجنة خالية عن الأشجار والقصور ويدل قوله تعالى: {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَار} على أنها غير خالية عنها لأنها إنما سميت جنة لأشجارها المتكاثفة المظلة بالتفاف أغصانها، والجواب أنها كانت قيعاناً ثم إن الله تعالى أوجد بفضله فيها أشجاراً وقصوراً بحسب أعمال العاملين لكل عامل ما يختص به بسبب عمله، ثم إنه تعالى لما يسره لما خلق له من العمل لينال بذلك الثواب جعله كالغارس لتلك الأشجار مجازاً إطلاقاً للسبب على المسبب انتهى قال القاري: وأجيب أيضاً بأنه لا دلالة في الحديث على الخلو الكلي من الأشجار والقصور لأن معنى كونها قيعاناً أن أكثرها مغروس وما عداه منها أمكنة واسعة بلا غرس لينغرس بتلك الكلمات ويتميز غرسها الأصلي الذي بلا سبب وغرسها المسبب عن تلك الكلمات انتهى. قوله: "وفي

(9/431)


3530 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ، أخبرنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ، أخبرنا مُوسَى الْجُهَنِيّ قال حَدّثنِي مُصْعَبُ بنُ سَعْدٍ عَن أَبِيهِ: "أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ لُجِلَسَائِهِ: أيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكْسِبَ ألْفَ حَسَنَةٍ؟ فَسَأَلَهُ سَائِلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ كَيْفَ يَكْسِبُ أَحَدُنَا أَلْفَ حَسَنَةٍ؟ قالَ: يُسَبّحُ أحَدُكُمْ مائَةَ تَسْبِيحَةٍ تُكْتَبُ لَهُ ألُفُ حَسَنَةٍ وَتُحَطّ عَنْهُ أَلْفُ سَيّئَةٍ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
الباب عن أبي أيوب" أخرجه أحمد بإسناد حسن وابن أبي الدنيا وابن حبان في صحيحه كذا في الترغيب قوله: "هذا حديث حسن غريب" قال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث: رواه الترمذي والطبراني في الصغير والأوسط وزاد ولا حول ولا قوة إلا بالله روياه عن عبد الواحد بن زياد عن عبد الرحمن بن إسحاق عن القاسم عن أبيه عن ابن مسعود. وقال الترمذي حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث ابن مسعود. قال المنذري أبو القاسم هو عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود وعبد الرحمن هذا لم يسمع من أبيه وعبد الرحمن بن إسحاق هو أبو شيبة الكوفي واه، ورواه الطبراني أيضاً بإسناد واه من حديث سلمان الفارسي ولفظه: قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن في الجنة قيعاناً فأكثروا من غرسها. قالوا يا رسول الله وما غرسها قال: "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر" . انتهى كلام المنذري.
قوله: "أخبرنا يحيى بن سعيد" القطان "أخبرنا موسى الجهني" في التقريب موسى بن عبد الله ويقال ابن عبد الرحمن الجهني أبو سلمة الكوفي ثقة عابد لم يصح أن القطان طعن فيه من السادسة "عن أبيه" أي سعد بن أبي وقاص. قوله: "أيعجز" بكسر الجيم "أن يكسب" أي يحصل "تكتب له ألف حسنة" لأن الحسنة الواحدة بعشر أمثالها وهو أقل المضاعفة الموعودة في القرآن بقوله: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} {وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ} "وتحط" بالواو وفي رواية

(9/432)


ـــــــ
مسلم أو تحط بأو، قال النووي: هكذا هو في عامة نسخ صحيح مسلم أو يحيط بأو، وفي بعضها ويحط بالواو. وقال الحميدي في الجمع بين الصحيحين: كذا هو في كتاب مسلم أو يحط بأو. قال أبو بكر البرقاني: ورواه شعبة وأبو عوانة ويحيى بن سعيد القطان عن موسى الذي رواه مسلم من جهته فقالوا ويحط بالواو انتهى. قال القاري قد تأتي الواو بمعنى أو فلا منافاة بين الروايتين، وكأن المعنى أن من قالها يكتب له ألف حسنة إن لم يكن عليه فيحط بعض ويكتسب بعض. ويمكن أن تكون أو بمعنى الواو أو بمعنى بل فحينئذ بجمع له بينهما وفضل الله أوسع من ذلك انتهى. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم والنسائي وابن حبان.

(9/433)


61 ـ باب
3531 ـ حدثنا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ قالُوا، أخبرنا رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ عَن حَجّاجٍ الصّوّافِ عَن أبي الزّبَيْرِ عَن جَابِر عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ قالَ سُبْحَانَ الله العَظِيمِ وبِحَمْدِهِ غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ في الْجَنّةِ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صحيحٌ لا نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ حَدِيثِ أبي الزّبَيْرِ عَن جابِرٍ.
ـــــــ
"باب"
قوله: "سبحان الله العظيم وبحمده" قيل الواو زائدة أي تسبيحاً مقروناً بحمده "غرست له" بصيغة المجهول يقال غرست الشجرة غرساً وغراساً إذا نصبتها في الأرض "نخلة" أي غرست له بكل مرة نخلة "في الجنة" أي المعدة لقائلها خصت لكثرة منفعتها وطيب ثمرتها ولذلك ضرب الله تعالى مثل المؤمن وإيمانه بها وثمرتها في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً} وهي كلمة التوحيد {كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ} وهي النخلة. قوله: "هذا حديث حسن غريب صحيح" وأخرجه النسائي إلا أنه قال: غرست له شجرة. وابن حبان

(9/433)


3532 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ رَافِعٍ، أخبرنا المُؤَمّل عَن حَمّادِ بنِ سَلَمَةَ عَن أبي الزّبَيْرِ عَن جَابِرٍ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ قالَ سُبْحَانَ الله العَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ في الْجَنّةِ". هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
3533 ـ حدثنا نَصْرُ بنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ الكُوفِيّ أخبرنا المُحَارِبيّ عَن مَالِكِ بنِ أنَسٍ عَن سُمَيّ عَن أَبي صَالِحٍ عَن أَبي هُرَيْرَةَ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ قالَ سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرّةٍ غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبهُ وَإِنْ كانَتْ مِثْلَ زَبدِ البَحْرِ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
3534 ـ حدثنا يُوسُفُ بنُ عِيسَى، أخبرنا مُحمّدُ بنُ الفُضَيْلٍ عَن عُمَارَةَ بنِ القَعْقَاعِ عَن أَبي زُرْعَةَ عَن أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ قالَ رَسُولُ
ـــــــ
في صحيحه والحاكم في موضعين بإسنادين قال في أحدهما: على شرط مسلم. وقال في الآخر: على شرط البخاري. كذا في الترغيب للمنذري.
قوله: "حدثنا محمد بن رافع" القشيري النيسابوري "حدثنا المؤمل" بن إسماعيل. قوله: "حدثنا المحاربي" هو عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن زياد "عن سمي" مولى أبي بكر بن عبد الرحمن. قوله: "من قال سبحان الله وبحمده" أي في يوم كما في رواية الشيخين "مائة مرة" قال الطيبي سواء كانت متفرقة أو مجتمعة في مجلس أو مجالس في أول النهار أو آخره إلا أن الأولى جمعها في أول النهار "وإن كانت مثل زبد البحر" كناية عن المبالغة في الكثرة. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والشيخان وابن ماجة.
قوله: "حدثنا يوسف بن عيسى" المروزي "أخبرنا محمد بن فضيل" بضم

(9/434)


الله صلى الله عليه وسلم: "كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ في المِيزَانِ حَبِيبَتَانِ إِلى الرّحمَن سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ الله العظيم" هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غَريبٌ.
ـــــــ
الفاء وفتح المعجمة وسكون التحتانية ابن غزوان الضبي مولاهم الكوفي "عن عمارة" بضم العين المهملة وخفة الميم "بن القعقاع" بفتح قافين وبعينين مهملتين عن أبي زرعة" بن عمرو بن جرير قوله: "كلمتان" أي جملتان مفيدتان وفيه إطلاق الكلمة على الكلام وهو مثل كلمة الإخلاص وكلمة الشهادة وهو خبر وخفيفتان وما بعده صفة والمبتدأ سبحان الله إلى آخره، والنكتة في تقديم الخبر تشويق السامع إلى المبتدأ وكلما طال الكلام في وصف الخبر حسن تقديمه لأن كثرة الأوصاف الجميلة تزيد السامع شوقاً "خفيفتان على اللسان" أي يجريان عليه بالسهولة "ثقيلتان في الميزان" أي بالمثوبة. قال الحافظ وصفهما بالخفة والثقل لبيان قلة العمل وكثرة الثواب. وقال الطيبي الخفة مستعارة للسهولة شبه سهولة جريان هذا الكلام بما يخف على الحامل من بعض الحمولات فلا يشق عليه فذكر المشبه وأراد المشبه به. وأما الثقل فعلى حقيقته لأن الأعمال تتجسم عند الميزان انتهى. وقيل توزن صحائف الأعمال ويدل عليه حديث البطاقة والسجلات. وقال الحافظ: الصحيح أن الأعمال هي التي توزن، وقد أخرج أبو داود والترمذي وصححه ابن حبان عن أبي الدرداء مرفوعاً: "ما يوضع في الميزان يوم القيامة أثقل من خلق حسن" . قال وقد سئل بعض السلف عن سبب ثقل الحسنة وخفة السيئة فقال لأن الحسنة حضرت مرارتها وغابت حلاوتها فثقلت فلا يحملنك ثقلها على تركها، والسيئة حضرت حلاوتها وغابت مرارتها فلذلك خفت فلا يحملنك خفتها على ارتكابها انتهى "حبيبتان إلى الرحمن" تثنية حبيبة وهي المحبوبة لأن فيهما المدح بالصفات السلبية التي يدل عليها التنزية وبالصفات الثبوتية التي يدل عليها الحمد، وقيل المراد أن قائلها محبوب الله تعالى ومحبة الله للعبد إرادة إيصال الخير له والتكريم، وخص الرحمن من الأسماء الحسنى للتنبيه على سعة رحمة الله حيث يجازي على العمل القليل بالثواب الجزيل. فإن قيل

(9/435)


3535 ـ حدثنا إسْحَاقُ بنُ مُوسَى الأنْصَارِيّ، أخبرنا مُعْنٌ أخبرنا مَالِكٌ عَن سُمَيّ عَن أَبي صَالِحٍ عَن أَبي هُرَيْرَةَ أَنّ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ قالَ لا إِلَه إلاّ الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيَى وَيُمِيتُ وهُوَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ في يَوْمٍ مائَةَ مَرّةٍ كانَت لَهُ عِدْل عَشْرِ رِقَابٍ وكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ وَمُحِيَتْ
ـــــــ
فعيل بمعنى مفعول يستوي المذكر والمؤنث ولا سيما إذا كان موصوفه معه فلم عدل عن التذكير إلى التأنيث؟ فالجواب أن ذلك جائز لا واجب وقيل أنث لمناسبة الثقيلتين والخفيفتين "سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم" هكذا وقع في هذا الكتاب بتقديم سبحان الله العظيم على سبحان الله وبحمده. وكذا وقع عند البخاري في الدعوات ووقع عنده في الإيمان والنذور والتوحيد بتقديم سبحان الله وبحمده على سبحان الله العظيم، وكذلك وقع عند مسلم وابن ماجة. قال الحافظ: قيل الواو في قوله وبحمده للحال والتقدير أسبح الله متلبساً بحمدي له من أجل توفيقه. وقيل عاطفة والتقدير أسبح الله وأتلبس بحمده، ويحتمل أن تكون الباء متعلقة بمحذوف متقدم والتقدير وأثنى عليه بحمده فيكون سبحان الله جملة مستقلة وبحمده جملة أخرى انتهى.
قلت: الواو إذا كانت للحال فالظاهر أن التقدير نسبح الله ونحن متلبسون بحمده. قوله: "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه أحمد والشيخان والنسائي وابن ماجة وابن حبان كلهم من طريق محمد بن فضيل بن غزوان عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة. قال الحافظ: وجه الغرابة فيه هو تفرد محمد بن فضيل وشيخه وشيخ شيخه وصحابيه انتهى.
قوله: "في يوم مائة مرة" مجتمعة أو متفرقة "كان" أي ما ذكر "له" أي للقائل به "عدل عشر رقاب" بكسر العين وفتحها بمعنى المثل أي ثواب عتق عشر رقاب وهو جمع رقبة وهي في الأصل العنق فجعلته كناية عن جميع

(9/436)


عَنْهُ مائَةُ سَيّئَةٍ وكَانَ لَهُ حِرْزاً مِنَ الشّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتّى يمْسِيَ وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بأفْضَلَ مِمّا جَاءَ بِهِ إلاّ أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ" وَبِهَذَا الإسْنَادِ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم "مَنْ قالَ سُبْحَانَ الله
ـــــــ
ذات الإنسان تسمية للشيء ببعضه أي يضاعف ثوابه حتى يصير مثل ثواب العتق المذكور "وكتبت" أي ثبتت "مائة حسنة" بالرفع "ومحيت" أي أزيلت "وكان حرزاً" أي حفظاً ومعنى "من الشيطان" أي من غوائله ووساوسه "يومه ذلك" أي في اليوم الذي قاله فيه "حتى يمسي" ظاهر التقابل أنه إذا قال في الليل كان له حرزاً منه ليلة ذلك حتى يصبح فيحتمل أن يكون اختصاراً من الراوي أو ترك لوضوح المقابلة، وتخصيص النهار لأنه أحوج فيه إلى الحفظ قاله القاري. قلت: قال الحافظ في الفتح قوله كانت له حرزاً من الشيطان في رواية عبد الله بن سعيد وحفظ يومه حتى يمسي وزاد من قال مثل ذلك حين يمسي، كان له مثل ذلك ومثل ذلك. في طريق أخرى يأتي التنبيه عليها بعد انتهى. قال النووي: ظاهر إطلاق الحديث أنه يحصل هذا الأجر المذكور في الحديث لمن قال هذا التهليل مائة مرة في يومه سواء قاله متوالية أو متفرقة في مجالس أو بعضها أول النهار وبعضها آخره لكن الأفضل أن يأتي بها متوالية في أول النهار ليكون حرزاً له في جميع نهاره وكذا في أول الليل ليكون حرزاً له في جميع ليلة "ولم يأت أحد" أي يوم القيامة "بأفضل مما جاء به" أي بأي عمل كان من الحسنات "إلا أحد عمل أكثر من ذلك" أي من جنسه أو غيره. قال النووي: فيه دليل أنه لو قال هذا التهليل أكثر من مائة مرة في اليوم كان له هذا الأجر المذكور في الحديث على المائة ويكون له ثواب آخر على الزيادة، وليس هذا من الحدود التي نهى عن اعتدائها ومجاوزة أعدادها وأن زيادتها لا فضل فيها أو تبطلها كالزيادة في عدد الطهارة وعدد ركعات الصلاة، ويحتمل أن يكون المراد الزيادة من أعمال الخير لا من نفس التهليل، ويحتمل أن يكون المراد مطلق الزيادة سواء كانت من التهليل

(9/437)


وَبِجَمْدِهِ مائَةَ مَرّةٍ حُطّتْ خَطَاياهُ وَإِنْ كانَتْ أكْثَرَ مِنْ زَبَدِ البَحْرِ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
أو من غيره أو منه ومن غيره وهذا الاحتمال أظهر والله أعلم انتهى. "حطت خطاياه وإن كانت أكثر من زبد البحر" ظاهره مع قوله في التهليل محيت عنه مائة سيئة أن التسبيح أفضل من التهليل لأن عدد زبد البحر أضعاف أضعاف المائة، وقد قال في التهليل: ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به، قال القاضي في الجواب عن هذا. إن التهليل المذكور أفضل ويكون ما فيه من زيادة الحسنات ومحو السيئات. وما فيه من فضل عتق الرقاب وكونه حرزاً من الشيطان زائداً على فضل التسبيح وتكفير الخطايا لأنه قد ثبت أن من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضواً منه من النار. وقد حصل بعتق رقبة واحدة تكفير جميع الخطايا مع ما يبقى له من زيادة عتق الرقاب الزائدة على الواحدة ومع ما فيه من زيادة مائة درجة وكونه حرزاً من الشيطان، ويؤيده ما جاء في الحديث الآخر أن أفضل الذكر التهليل مع الحديث الآخر: "أفضل ما قلته أن والنبيون قبلى لا إله إلا الله وحده لا شريك له" الحديث، وقيل إنه إسم الله الأعظم وهي كلمة الإخلاص. كذا في شرح مسلم للنووي. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة وأبو عوانة.

(9/438)


62 ـ باب
3536 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ عَبْدِ المَلكِ بنِ أَبي الشّوَارِبِ، أخبرنا عَبْدُ العَزِيز بنُ المُخْتَارِ عَن سُهَيْلِ بنِ أبي صَالحٍ عَن سُمَيّ عَن أَبي صَالحٍ عَن أبي هُرَيْرَةَ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ قالَ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي سَبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ مِائَة مَرّةٍ لَمْ يَأْتِ
ـــــــ
"باب"
قوله: "من قال حين يصبح وحين يمسي سبحان الله وبحمده مائة مرة" قال

(9/438)


أحَدٌ يَوْمَ القَيَامَةِ بِأَفْضَلَ مِمّا جَاءَ بِهِ إِلاّ أحَدٌ قالَ مِثْلَ ما قالَ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غَرِيبٌ.
3537 ـ حدثنا إِسمَاعِيلُ بنُ مُوسَى الكوفيّ أخبرنا دَاوُدُ بنُ الزّبْرَقانِ عَن مَطَرٍ الْوَرّاقِ عَن نافِعِ عَن ابنِ عُمَرَ قالَ: "قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ لأَصْحَابِهِ قُولُوا سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرّةٍ مَنْ قالَها مَرّةً كُتِبَتْ لَهُ عَشْراً، ومَنْ قَالَهَا عَشْراً كُتِبَتْ لَهُ مِائَةً، وَمَن قَالَهَا مِائَةً كُتِبَتْ لَهُ أَلْفاً، وَمَنْ زَادَ زَادَهُ الله، وَمَنِ اسْتَغْفَرَ الله غَفَرَ الله لَهُ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
ـــــــ
القاري أي فيهما بأي يأتي ببعضها في هذا أو في كل واحد منهما وهو الأظهر "لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء" أي القائل "به" وهو قول المائة المذكورة "إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد عليه" وأجيب أن الاعتراض المشهور بأن الاستثناء منقطع أو كلمة أو بمعنى الواو. قال الطيبي: أن يكون ما جاء به أفضل من كل ما جاء به غيره إلا مما جاء به من قال مثله أو زاد عليه، قيل الاستثناء منقطع والتقدير لم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل قال مثل ما قاله فأنه يأتي بمساواته فلا يستقيم أن يكون متصلاً إلا على تأويل نحو قوله: وبلدة ليس بها أنيس. وقيل بتقدير لم يأت أحد بمثل ما جاء به أو بأفضل مما جاء به الخ والاستثناء متصل كذا في المرقاة. قوله: "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه مسلم.
قوله: "حدثنا إسماعيل بن موسى" الفزاري "أخبرنا داود بن الزبرقان" بكسر زاي وسكون موحدة وكسر راء وبقاف "عن مطر" بفتحتين "الوراق" هو مطر بن طهمان الوراق أبو رجاء السلمي مولاهم الخراساني سكن البصرة صدوق

(9/439)


ـــــــ
كثير الخطأ وحديثه عن عطاء ضعيف من السادسة. قوله: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم" كلمة ذات مقحمة أي قال يوماً. قوله: "هذا حديث حسن غريب" في سنده داود بن الزبرقان وهو متروك وكذبه الأزدي.

(9/440)


63 ـ باب
3538 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ وزِيرٍ الْوَاسِطِيّ، أخبرنا أَبُو سُفْيَانَ الْحُمَيْرِيّ عَن الضّحّاكِ بنُ حُمْرَةَ عَن عَمْرِو بنِ شعَيْبٍ عَن أبِيهِ عَن جَدّهِ قالَ قالَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ سَبّحَ الله مِائَةً بالغَدَاةِ وَمائَةً بالعَشِيّ كَانَ كَمَنْ حَجّ مِائَةَ حجة، وَمَنْ حَمِدَ الله مائَةً بالغَدَاةِ وَمائَةً بالعَشِيّ كانَ كَمَنْ حَمَلَ عَلَى مائةِ فَرَسٍ في سَبِيلِ الله أَوْ قالَ غَزَا مائةَ غَزْوَةٍ، وَمَنْ هَلّلَ الله مِائةً بالغَدَاةِ وَمائةً
ـــــــ
"باب"
قوله: "أخبرنا أبو سفيان الحميري" بكسر الحاء المهملة وسكون الميم وفتح التحتانية إسمه سعيد بن يحيى بن مهدي بن عبد الرحمن الحذاء الواسطي صدوق وسط من التاسعة "عن الضحاك بن حمرة" بضم الحاء المهملة وسكون الميم وفتح الراء المهملة الأملوكي الواسطي ضعيف من السادسة. ووقع في النسخة الأحمدية عن الضحاك بن حمزة بالحاء والميم والزاي المنقوطة وهو غلط. قوله: "من سبح الله مائة" أي من قال سبحان الله مائة مرة "بالغداة ومائة بالعشي" أي أول النهار وأول الليل أو في الملوين 1 "كان كمن حج مائة حجة" أي نافلة. دل الحديث على أن الذكر بشرط الحضور مع الله بسهولته أفضل من العبادات الشاقة بغفلته ويمكن أن يكون الحديث من باب إلحاق الناقص بالكامل مبالغة في الترغيب أو يراد التساوي بين التسبيح المضاعف بالحجج الغير المضاعفة "كان كمن حمل" بالتخفيف أي أركب مائة نفس "على مائة فرس في سبيل الله" أي في نحو
ـــــــ
1 كذا ورد بالأصل

(9/440)


بالْعَشِيّ كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ مِائَةَ رَقَبَةٍ مِنَ وَلد إِسْمَاعِيلَ، وَمَنْ كَبّرَ الله مِائةً بالغَدَاةِ وَمِائةً بالعَشِيّ لَمْ يَأْتِ في ذَلِكَ اليَوْمِ أحَدٌ بأَكْثَرَ مِمّا أتَى بِهِ إِلاّ مَنْ قالَ مِثْلَ ما قَالَ أَو زَادَ عَلَى ما قالَ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
3539 ـ حدثنا الْحُسَيْنُ بنُ الأَسْوَدِ العِجْلِيّ البَغْدَادِيّ، أخبرنا يَحْيَى بنُ آدَمَ عَن الْحَسَنِ بنِ صَالحٍ عَن أَبي بِشْرٍ عَن الزّهْرِيّ قال:
ـــــــ
الجهاد إما صدقة أو عارية "أو قال غزا مائة غزوة" شك من الراوي "ومن هلل الله" أي قال لا إله إلا الله "كان كمن أعتق مائة رقبة" فيه تسلية للذاكرين من الفقراء العاجزين عن العبادات المالية المختصة بها الأغنياء "من ولد إسماعيل" بضم الواو وسكون اللام وبفتحهما يقع على الواحد والتثنية والجمع فإن قلت ما وجه تخصيص الذكر من ولد إسماعيل عليه السلام؟ قلت لأن عتق من كان من والده له فضل على عتق غيره. وذلك أن محمداً وإسماعيل وإبرايم صلوات الله عليهم وسلامه بعضهم من بعض "لم يأت في ذلك اليوم أحد" أي يوم القيامة "بأكثر" أي بثواب أكثر أو المراد بعمل أفضل وإنما عبر بأكثر لأنه معنى أفضل "مما أتى به" أي جاء به أو بمثله، قيل ظاهره أن هذا أفضل من جميع ما قبله، والذي دلت الأحاديث الصحيحة الكثيرة أن أفضل هذا التهليل فالتحميد فالتكبير فالتسبيح فحينئذ يؤول بأن يقال لم يأت في ذلك اليوم أحد غير المهلل والحامد المذكورين أكثر مما أتى به. قوله "هذا حديث حسن غريب" في سنده الضحاك بن حمرة وهو ضعيف وأخرجه النسائي أيضاً.
قوله: "حدثنا الحسين بن الأسود العجلي البغدادي" هو الحسين بن علي ابن الأسود العجلي البغدادي "عن الحسن بن صالح" بن صالح بن حي الهمداني "عن أبي بشر" قال في الميزان: أبو بشر عن الزهري لا يعرف تفرد عنه

(9/441)


"تَسْبِيحَةٌ في رَمَضَانَ أَفْضَلُ مِنْ ألْفِ تَسْبِيحَةٍ في غَيْرِهِ" .
ـــــــ
الحسن بن صالح بن حي. قوله: "تسبيحة في رمضان أفضل من ألف تسبيحة من غيره" هذا قول الزهري ولم أقف على حديث مرفوع يدل على ذلك.

(9/442)


64 ـ باب
3540 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ، أخبرنا اللّيْثُ عَن الْخَلِيلِ بنِ مُرّةَ عَن أزْهَرَ بنِ عَبْدِ الله عَن تَمِيم الدّارِيّ عَن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أَنّهُ قالَ: "مَنْ قالَ أشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إلاّ الله وحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ إلَهاً وَاحِداً أحَداً صَمَداً لَمْ يَتّخِذْ صَاحِبَةً وَلاَ
ـــــــ
"باب"
قوله: "أخبرنا الليث" بن سعد "عن أزهر بن عبد الله" الحرازي الحمصي يقال هو أزهر بن سعيد تابعي حسن الحديث لكنه ناصبي ينال من علي رضي الله عنه كذا في الميزان. قوله: "إلهاً واحداً أحداً" الواحد والأحد هنا بمعنى فذكر الأحد بعد الواحد للتأكيد، ومما يفيد الفرق بينهما ما قاله الأزهري أنه لا يوصف بالأحدية غير الله تعالى لا يقال رجل أحد ولا درهم أحد كما يقال رجل واحد ودرهم واحد، قيل والواحد يدخل في الأحد والأحد لا يدخل فيه، فإذا قلت لا يقاومه واحد جاز أن يقال لكنه يقاومه اثنان بخلاف قولك لا يقاومه أحد. وذكر أحد في الإثبات مع أن المشهور أنه يستعمل بعد النفي كما أن الواحد لا يستعمل إلا بعد الإثبات. يقال في الدار واحد وما في الدار أحد، فالجواب عنه ما قال ابن عباس أنه لا فرق بينهما في المعنى، واختاره أبو عبيدة ويؤيده قوله تعالى {فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ} عليه فلا يختص أحدهما بحمل دون آخر وإن اشتهر استعمال أحدهما في النفي والآخر في الإثبات "صمداً" الصمد هو الذي يصمد إليه في الحاجات أي

(9/442)


وَلَداً ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفْواً أَحَدٌ. عَشْرَ مَرّاتٍ كَتَبَ الله لَه أَرْبَعِينَ أَلْفَ أَلْفَ حَسَنَةٍ" . هَذا حديثٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَالْخَلِيلُ بنُ مُرّةَ لَيْسَ بالْقَوِيّ عِنْدَ أَصْحابِ الحَدِيثِ. قالَ مُحمّدُ بنُ إسْمَاعِيلَ هُوَ مُنْكَرُ الحَدِيثِ.
3541 ـ حدثنا إِسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ، أخبرنا عَلِيّ بنُ مَعْبَدٍ المصري أخبرنا عُبَيْدُ الله بنُ عَمْرٍو الرّقّيّ عَن زَيْدِ بنِ أَبي أُنَيْسَةَ عَن شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ عَن عَبْدِ الرّحْمَنِ بنُ غَنْمٍ عَن أبي ذَرّ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ قالَ في دُبُرِ صَلاَةِ الفَجْرِ وَهُوَ ثان رِجْلَيْهِ
ـــــــ
يقصد لكونه قادراً على قضائها فهو فعل بمعنى مفعول كالقبض بمعنى المقبوض لأنه مصمود إليه أي مقصود إليه. قال الزجاج: الصمد السيد الذي انتهى إليه السؤدد فلا سيد فوقه، وقيل هو المستغني عن كل أحد والمحتاج إليه كل أحد "لم يتخذ صاحبة" أي زوجة "ولا ولداً" لأن الصاحبة تتخذ للحاجة والولد للاستئناس به والله تعالى منزه عن كل نقص "ولم يكن له كفواً أحد" أي مكافياً ومماثلاً. قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه أحمد "والخليل بن مرة ليس بالقوي عند أصحاب الحديث الخ". فالحديث ضعيف ومع ضعفه منقطع قال الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمة أزهر بن عبد الله: روى عن تميم الداري مرسلاً.
قوله: "حدثنا إسحاق بن منصور" الكوسج "أخبرنا علي بن معبد" ابن شداد الرقي نزيل مصر ثقة فقيه من كبار العاشرة "عن عبد الرحمن بن غنم" بفتح المعجمة وسكون النون الأشعري. قوله: "من قال في دبر صلاة الفجر وهو ثان رجليه" أي عاطف رجليه في التشهد قبل أن ينهض، وفي رواية أحمد من قال قبل أن ينصرف ويثني رجله من صلاة المغرب والصبح أي قبل أن ينصرف من مكان صلاته وقبل أن يعطف رجله ويغيرها عن هيئة التشهد

(9/443)


قَبْلَ أَنْ يَتَكَلّمَ: لاَ إله إلاّ الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. عَشْرَ مَرّاتٍ كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ وَمُحِيَ عَنْهُ عَشْرُ سَيّئَاتٍ وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ وكانَ يَوْمَهْ ذَلِكَ كُلّهُ في حِرْزٍ مِنْ كُلّ مَكْرُوهٍ وَحُرِسَ مِنَ الشّيْطَانِ وَلَمْ يَنْبَغِ لِذَنْبٍ أَنْ يُدْرِكَهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ إِلاّ الشّرْكَ بالله" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غَريبٌ.
ـــــــ
قال في النهاية هذا ضد الأول في اللفظ ومثله في المعنى لأنه أراد قبل أن يصرف رجله عن حالتها التي هي عليها في التشهد "كتبت له عشر حسنات" يجوز في مثل هذا تذكير الفعل وتأنيثه ولذلك ذكر الفعل في القرينتين الآتيتين، أما التأنيث فلا كتاب لفظ عشر التأنيث من الإضافة وأما التذكير فبظاهر اللفظ "وكان" أي القائل "يومه" بالنصب على الظرفية "في حرز" أي حفظ "من كل مكروه" أي من الآفات "وحرس" بفتح المهملة وسكون الراء هو بمعنى الحرز والحفظ "من الشيطان" تخصيص بعد تعميم لكمال الاعتناء "ولم ينبغ" أي لم يجز، وفي رواية أحمد لم يحل "أن يدركه" أي يهلكه ويبطل عمله "إلا الشرك بالله" أي إن وقع منه. قال الطيبي فيه استعارة ما أحسن موقعها فإن الداعي إذا دعا بكلمة التوحيد فقد أدخل نفسه حرماً آمناً فلا يستقيم للذنب أن يحل ويهتك حرمة الله فإذا خرج عن حرم التوحيد أدركه الشرك لا محالة، والمعنى لا ينبغي لذنب أي ذنب أن يدرك القائل ويحيط به ويستأصله سوى الشرك. قوله: "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه النسائي والطبراني في الأوسط وأخرجه أحمد من طريق شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير ذكر أبي ذر.
تنبيه: ظاهر هذه الأحاديث أن هذه الفضائل لكل ذاكر، وذكر القاضي عن بعض العلماء أن الفضل الوارد في مثل هذه الأعمال الصالحة والأذكار إنما هو لأهل الفضل في الدين والطهارة من الجرائم العظام وليس

(9/444)


ـــــــ
من أصر على شهواته وانتهك دين الله وحرماته بلا حق بالأفاضل المطهرين من ذلك، ويشهد له قوله تعالى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} الآية.

(9/445)


65 ـ باب مَا جَاءَ في جَامِعِ الدّعَوَاتِ عَن رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم
3542 ـ حدثنا جَعْفَرُ بنُ مُحمّدِ بنِ عِمْرَانَ الثّعْلَبِيّ الكُوفِيّ، أخبرنا زَيْدُ بنُ حُبَابٍ عن مَالِكِ بنِ مِغْوَلٍ عَن عَبْدِ الله بنِ بُرَيْدَةَ الأسْلَمِيّ عَن أَبِيهِ قالَ: "سَمِعَ النبيّ صلى الله عليه وسلم رَجُلاً يَدْعُو وهُوَ يَقُولُ: اللّهُمّ إِنّي أَسْألُكَ بِأنّي أَشْهَدُ أَنّكَ أَنْتَ الله لا إلَهَ إِلاّ أَنْتَ الأحَدُ الصّمَدُ الّذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفْواً أحَدٌ. قالَ: فقالَ: وَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ سَألَ الله باسْمِهِ
ـــــــ
"باب ما جاء في جامع الدعوات"
هو من إفاضة الصفة إلى الموصوف أي الدعوات الجامعة لمعان كثيرة في ألفاظ يسيرة.
قوله: "الثعلبي" بفتح المثلثة وسكون المهملة وفتح اللام وكسر الموحدة "اللهم إني أسألك" لم يذكر المسؤول لعدم الحاجة إليه "بأني أشهد" الباء للسببية أي بسبب أني أشهد أنك أنت الله الخ "الأحد" أي بالذات والصفات "الصمد" أي المقصود في الحوائج على الدوام "الذي لم يلد" لانتفاء مجانسته "ولم يولد" لانتفاء الحدوث عنه "ولم يكن له كفواً أحد" أي مكافياً ومماثلاً فله متعلق بكفواً وقدم عليه لأنه محط القصد بالنفي وأخر أحد وهو اسم يكن عن خبرها رعاية للفاصلة "قال" أي بريدة "فقال" أي النبي صلى الله عليه وسلم "لقد

(9/445)


الأعْظَمِ الّذِي إذَا دُعِيَ بِهِ أجَابَ وَإذَا سُئِلَ بِهِ أعْطَى" قالَ زيْدٌ فَذَكَرْتُهُ لِزُهَيْرِ بنِ مُعَاوِيَةَ بَعْدَ ذَلِكَ بِسِنِينَ فقالَ حدثني أَبُو إسْحَاقَ عَن مَالِكِ بنِ مِغْوَلٍ قالَ زَيْدٌ ثُمّ ذَكَرْتُهُ لِسُفْيَانَ فَحَدّثَنِي عَن مالِكٍ".
هَذا حديثٌ حَسنٌ غَريبٌ. وَرَوَى شَرِيكٌ هَذَا الحَدِيثَ عَن أَبي إسْحَاقَ عَن ابنِ بُرَيْدَةَ عَن أَبيهِ وَإِنّمَا أخَذَهُ أَبُو إسْحَاقَ الهمداني عَن مَالِكِ بنِ مِغْوَلٍ.
ـــــــ
سأل الله باسمه الأعظم" قال الطيبي: فيه دلالة على أن لله تعالى اسما أعظم إذا دعي به أجاب وأن ذلك مذكور ههنا، وفيه حجة على من قال كل اسم ذكر بإخلاص تام مع الإعراض عما سواه هو الاسم الأعظم إذ لا شرف للحروف، وقد ذكر في أحاديث أخر مثل ذلك وفيها أسماء ليست في هذا الحديث إلا أن لفظ الله مذكور في الكل فيستدل بذلك على أنه الاسم الأعظم انتهى "الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى" السؤال أن يقول العبد أعطني الشيء الفلاني فيعطي، والدعاء أن ينادي ويقول يا رب فيجيب الرب تعالى ويقول لبيك يا عبدي، ففي مقابلة السؤال الإعطاء وفي مقابلة الدعاء الإجابة وهذا هو الفرق بينهما، ويذكر أحدهما مقام الآخر أيضاً. وقال الطيبي: إجابة الدعاء وتدل على وجاهة الداعي عند المجيب فيتضمن قضاء الحاجة بخلاف الإعطاء فالأخير أبلغ "قال زيد" أي ابن حباب "فذكرته" أي هذا الحديث "بعد ذلك" أي بعد ما سمعه من مالك بن مغول "فقال" أي زهير "حدثني" أي هذا الحديث "أبو إسحاق" هو السبيعي. قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح على شرطهما. قال المنذري في تلخيص السنن: قال شيخنا الحافظ أبو الحسن المقدسي رضي الله عنه وهو إسناد لا مطعن فيه ولا اعلم أنه روى في هذا الباب حديث أجود إسناداً منه وهو يدل على بطلان مذهب من ذهب إلى نفي القول

(9/446)


3543 ـ حدثنا عَلِيّ بنُ خَشْرَمٍ أَخبرنا عِيسَى بنُ يُونُسَ عَن عُبَيْدِ الله بنِ أَبي زِيَادٍ القَدّاحِ كذا قال عَن شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ عَن أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "اسْمُ الله الأعْظَمُ في هَاتَيْنِ الاَيَتَيْنِ {وَإِلَهُكُمْ إلَهٌ وَاحِدٌ لاَ إِلَهَ إلاّ هُوَ الرّحْمَنُ الرّحِيمُ} . وَفَاتِحَة آلِ عِمْرَانَ: {أَلم الله لا إلَهَ إلاّ هُوَ الْحَيّ القَيّومُ} " . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
بأن الله إسماً هو الإسم الأعظم وهو حديث حسن انتهى "وروى شريك" هو ابن عبد الله النخعي القاضي "وإنما أخذه أبو إسحاق عن مالك بن مغول" كما رواه زهير بن معاوية.
قوله: "عن عبيد الله بن أبي زياد القداح" المكي كنيته أبو الحصين ليس بالقوى. قوله: "وفاتحة آل عمران" بالجر على أنها وما قبلها بدلان ويجوز الرفع والنصب ووجههما ظاهر " {ألم الله} الخ" بدل مما قبله. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة قال المنذري في تلخيص السنن ما لفظه: وأخرجه الترمذي وقال حديث حسن هذا آخر كلامه. وشهر بن حوشب وثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وتكلم فيه غير واحد، وفي إسناده أيضاً عبيد الله بن أبي زياد القداح المكي وقد تكلم فيه غير واحد انتهى.
اعلم أن هذا الحديث والذي قبله يدلان على أن لله تعالى اسما أعظم إذا دعي به أجاب، وفي الباب أحاديث أخرى وقد أنكره بعض أهل العلم، والقول الراجح قول من أثبته، وأحاديث الباب حجة على المنكرين. قال الحافظ في الفتح: وقد أنكره قوم كأبي جعفر الطبري وأبي الحسن الأشعري وجماعة بعدهما كأبي حاتم بن حبان والقاضي أبي بكر الباقلاني فقالوا لا يجوز تفضيل بعض الأسماء على بعض، ونسب ذلك بعضهم لمالك لكراهيته أن تعاد سورة أو ترددون غيرها من السور لئلا يظن أن بعض القرآن أفضل من بعض فيؤذن ذلك باعتقاد نقصان المفضول عن الأفضل، وحملوا ما ورد من ذلك على أن

(9/447)


ـــــــ
المراد بالأعظم العظيم وأن أسماء الله كلها عظيمة. وقال ابن حبان الأعظمية الواردة في الأخبار إنما يراد بها مزيد ثواب الداعي بذلك كما أطلق ذلك في القرآن والمراد به مزيد ثواب القاري. وقال آخرون استأثر الله تعالى بعلم الاسم الأعظم ولم يطلع عليه أحداً من خلقه وأثبته آخرون معيناً واضطربوا في ذلك، قال وجملة ما وقفت عليه في ذلك أربعة عشر قولاً فذكرها ومنها الله لأنه اسم لم يطلق على غيره ولأنه الأصل في الأسماء الحسنى ومن ثم أضيفت إليه، ومنها الرحمن الرحيم الحي القيوم لما أخرج الترمذي من حديث أسماء بنت يزيد يعني حديثها المذكور في هذا الباب، ومنها الحي القيوم أخرج ابن ماجة من حديث أبي أمامة: الاسم الأعظم في ثلاث سورة البقرة وآل عمران وطه، قال القاسم الراوي عن أبي أمامة التمسته منها فعرفت أنه الحي القيوم وقواه الفخر الرازي واحتج بأنهما يدلان من صفات العظمة بالربوبية ما لا يدل على ذلك غيرهما كدلالتهما، ومنها: الحنان المنان بديع السماوات والأرض ذو الجلال والإكرام الحي القيوم، ورد ذلك مجموعاً في حديث أنس عند أحمد والحاكم وأصله عند أبي داود والنسائي وصححه ابن حبان، ومنها الله لا إله إلا هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة وابن حبان والحاكم من حديث بريدة. قال الحافظ وهو أرجح من حيث السند من جميع ما ورد في ذلك انتهى وإن شئت الوقوف على الأقوال الباقية فارجع إلى الفتح. وقال الشوكاني في تحفة الذاكرين: قد اختلف في تعيين الإسم الأعظم على نحو أربعين قولاً قد أفردها السيوطي بالتصنيف قال ابن حجر: وأرجحها من حيث السند الله لا إله إلا هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. وقال الجزري في شرح الحصن الحصين: وعندي أن الإسم الأعظم لا إله إلا هو الحي القيوم. وذكر ابن القيم في الهدى أنه الحي القيوم فينظر في وجه ذلك انتهى.

(9/448)


66 ـ باب
3544 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ أخبرنا رِشدِينُ بنُ سَعْدٍ عَن أبي هانئ الْخَوْلاَنيّ عَن أبي عَلِيّ الْجَنْبِيّ عَن فَضَالَةَ بنِ عُبَيْدٍ قالَ: "بَيْنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قاعِدٌ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ فَصَلّى فقالَ اللّهُمّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عَجِلْتَ أَيّهَا المُصَلّي إِذَا صَلّيْتَ فَقَعَدْتَ فاحْمَدِ الله بِمَا هُوَ أَهْلُهُ وَصَلّ عَلَيّ ثُمّ ادْعُهُ، قالَ ثُمّ صَلّى رَجُلٌ آخَرُ بَعْدَ ذَلِكَ فَحَمِدَ الله وصَلّى عَلَى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقَالَ لَهُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: أيّهَا المُصَلّي ادْعُ تُجَبْ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ وَقَدْ رَوَاهُ حَيْوَةُ بنُ شُرَيْحٍ عَن أَبي هانئ الخَوْلاَنِيّ. وَأبُو هَانِئ اسَمُهُ حُمَيْدُ بنُ هَانِئ، وَأبُو عَلِيّ الْجَنْبِيّ اسْمُهُ عَمْرُو بنُ مالِكٍ.
ـــــــ
"باب"
قوله: "بينا" وفي رواية بينما "فقال" أي في آخر صلاته أو بعدها "عجلت" بكسر الجيم ويجوز الفتح والتشديد قاله الأبهري "فقعدت" قال الطيبي: إما عطف على مقدر أي إذا صليت وفرغت فقعدت للدعاء فاحمد الله، وإما عطف على المذكور أي إذا كنت مصلياً فقعدت للتشهد فاحمد الله أي اثن عليه بقولك التحيات لله الخ قال القارى: ويؤيد الأول إطلاق قوله "فاحمد الله بما هو أهله" أي من كل ثناء جميل. قلت: ويؤيد الاحتمال الثاني الرواية الآتية فإن فيها يدعو في صلاته والروايات بعضها يفسر بعضاً "ثم ادعه" بهاء الضمير وقيل بهاء السكت "فحمد الله وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم" أي ولم يدع "أدع تجب" على بناء المجهول مجزوماً على جواب الأمر دلهما عليه السلام على الكمال. قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه أبو داود والنسائي.

(9/449)


3545 ـ حدثنا عَبْدُ الله بنُ مُعَاوِيَةَ الْجُمَحِيّ، أخبرنا صَالحٌ المرّيّ عَن هِشَامِ بنِ حَسّانَ عَن مُحمّدِ بنِ سِيرِينَ عَن أبي هُرَيْرَةَ قالَ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أُدْعُوا الله وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بالإجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنّ الله لا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لاَهٍ" . هَذا حديثٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
3546 ـ حدثنا محْمودُ بنُ غَيْلاَنَ أخبرنا المقريءُ أخبرنا حَيْوَةُ بن شريح حدثني أَبُو هَانِئ أَنّ عَمْرَو بنَ مالِكٍ الْجَنْبِيّ أَخْبَرَهُ أَنّهُ
ـــــــ
قوله: "وأنتم موقنون بالإجابة" أي والحال أنكم موقنون بها أي كونوا عند الدعاء على حالة تستحقون بها الإجابة من إتيان المعروف واجتناب المنكر ورعاية شروط الدعاء كحضور القلب وترصد الأزمنة الشريفة والأمكنة المنيفة واغتنام الأحوال اللطيفة كالسجود إلى غير ذلك حتى تكون الإجابة على قلوبكم أغلب من الرد، أو أراد وأنتم معتقدون أن الله لا يخيبكم لسعة كرمه وكمال قدرته وإحاطة علمه لتحقق صدق الرجاء وخلوص الدعاء، لأن الداعي ما لم يكن رجاؤه واثناً لم يكن دعاؤه صادقاً "من قلب غافل" بالإضافة وتركها أي معرض عن الله أو عما سأله "لاه" من اللهو أي لاعب بما سأله أو مشتغل بغير الله تعالى. وهذا عمدة آداب الدعاء ولذا خص بالذكر. قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه الحاكم وقال: مستقيم الإسناد تفرد به صالح المري وهو أحد زهاد البصرة. قال المنذري: صالح المري لا شك في زهده لكن تركه أبو داود والنسائي انتهى. قلت: وللحديث شاهد من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "القلوب أوعية وبعضها أوعى من بعض فإذا سألتم الله عز وجل يا أيها الناس فاسألوه وأنتم موقنون بالإجابة فإن الله لا يستجيب لعبد دعاه عن ظهر قلب غافل" . أخرجه أحمد وحسن المنذري إسناده.
قوله: "أخبرنا المقرئ" اسمه عبد الله بن يزيد المكي أبو عبد الرحمن "حدثنا حيوة" بن شريح بن صفوان. قوله: "فلم يصل على النبي صلى الله عليه

(9/450)


سَمِعَ فَضَالَةَ بنَ عُبَيْدٍ يَقُولُ: "سَمِعَ النبيّ صلى الله عليه وسلم رَجُلاً يَدْعُو في صَلاَتِهِ فَلَمْ يُصَلّ عَلَى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم عَجِلَ هَذَا ثُمّ دَعَاهُ، فقالَ لَهُ ولِغَيْرِهِ: إِذَا صَلّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ الله وَالثّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمّ ليُصَلّ عَلَى النبيّ صلى الله عليه وسلم ثُمّ ليَدْعُ بَعْدُ ما شَاءَ" .
هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
وسلم" وفي رواية أبي داود لم يمجد الله ولم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم "ثم ليدع بعد " أي بعد التحميد والصلاة "ما شاء" أي من دين أو دنيا مما يجوز طلبه. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" تقدم تخريجه.

(9/451)


67 ـ باب
3547 ـ حدثنا أَبُو كُرَيْب، أخبرنا أبو مُعَاوِيَة بنُ هِشَامٍ عَن حَمْزَةَ الزّيّات عَن حَبِيبِ بنِ أَبي ثَابِتٍ عن عُرْوَةَ عَن عَائِشَةَ قَالَتْ: "كانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: اللّهُمّ عَافِني في جَسَدِي، وَعَافِني في بَصَرِي وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنّي، لاَ إلَهَ إلاّ الله الْحَلِيمُ
ـــــــ
"باب"
قوله: "اللهم عافني في جسدي" أي في بدني "وعافني في بصري" أي في عيني والمعنى احفظهما عن جميع الأسقام والأمراض "واجعله الوارث مني" قال الجزري في النهاية: أي إبق البصر صحيحاً سليماً إلى أن أموت، وقيل أراد بقاءه وقوته عند الكبر وانحلال القوى النفسانية فيكون البصر وارث سائر القوى والباقي بعدها انتهى "لا إله إلا الله الحليم" أي الذي لا يعجل بالعقوبة

(9/451)


الكَرِيمُ، سُبْحَانَ الله رَبّ العَرْشِ العَظِيمِ، وَالْحَمْدُ لله رَبّ العَالمِينَ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ غريبٌ. قال: سَمِعْتُ مُحّمداً يَقُولُ حَبِيبُ بنُ أَبي ثابِتٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُرْوَةَ بنِ الزّبَيْرِ شَيْئاً.
ـــــــ
فلا يعاجل بنقمته على من قصر في طاعته "الكريم" هو الجواد المعطي الذي لا ينفد عطاؤه وهو الكريم المطلق. قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه الحاكم. قوله: "سمعت محمداً يقول حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة بن الزبير شيئاً" قال الحافظ في تهذيب التهذيب بعد نقل كلام الترمذي هذا: وقال ابن أبي حاتم في كتاب المراسيل عن أبيه أهل الحديث اتفقوا على ذلك يعني على عدم سماعه منه قال واتفاقهم على شيء يكون حجة انتهى.

(9/452)


68 ـ باب
3547 ـ حدثنا أَبُو كُرَيْبٍ، أخبرنا أَبُو أُسَامَةَ عَنِ الأعْمَشِ عَن أَبي صَالِحٍ عَن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: "جاءَتْ فاطِمَةُ إِلى النبيّ صلى الله عليه وسلم تَسْألُهُ خَادِماً فقالَ لهَا: قُولِي: اللّهُمّ رَبّ السّمَاوَاتِ السّبْعِ وَرَبّ العَرْشِ العَظِيمِ، رَبّنَا وَرَبّ كُلّ شَيْءٍ: مُنْزِلَ التّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ وَالقُرْآنِ فالِقَ الحَبّ وَالنّوَى. أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ كُلّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، أَنْتَ الأوّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وأَنْتَ الآخِرُ
ـــــــ
"باب"
قوله: "أخبرنا أبو أسامة" إسمه حماد بن أسامة. قوله: "تسأله خادماً" هو واحد الخدم ويقع على الذكر والأنثى لأنه جرى مجرى إسم غير مشتق "اللهم رب السماوات السبع ورب العرش العظيم ربنا ورب كل شيء الخ" سبق شرحه قبل باب ما جاء فيمن يقرأ من القرآن عند المنام.

(9/452)


فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وأَنْتَ الباطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيءٌ، اقْضِ عَنّي الدّيْنَ وَاغْنِني مِنَ الفَقْرِ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَريبٌ. وَهَكَذَا رَوَى بَعْضُ أصْحابِ الأعْمَشِ عَن الأَعْمَشِ نَحْوَ هَذَا، وروى بَعْضُهُمْ عَن الأعْمَشِ عَن أَبي صَالحٍ مُرْسَلاً ولَمْ يَذْكُرْ فيهِ عَن أبي هُرَيْرَةَ.

(9/453)


69 ـ باب
3549 ـ حدثنا أَبُو كُرَيْبٍ، أخبرنا يَحْيَى بنُ آدَمَ عَن أَبي بَكْرٍ بنِ عَيّاشٍ عَن الأعْمَشِ عَن عَمْرِو بنِ مُرّةَ عَن عبْدِ الله بنِ الْحَارِثِ عَن زُهَيْرِ بنِ الأَقْمَرِ عَن عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو قالَ: "كانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: اللّهُمّ إنّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ قَلْبٍ لا يَخْشَعُ، وَمِنْ دُعَاءٍ لا يُسْمَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لا تَشْبَعُ، وَمِنْ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَؤُلاَءِ الأرْبَعِ" . وفي البابِ
ـــــــ
"باب"
قوله: "عن عبد الله بن الحارث" الزبيدي بضم الزاي النجراني بنون وجيم الكوفي المعروف بالمكتب ثقة من الثالثة "عن زهير بن الأقمر" كنيته أبو كثير الزبيدي بالتصغير الكوفي مقبول من الثالثة. قوله: "اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع" أي لا يسكن ولا يطمئن بذكر الله "ومن دعاء لا يسمع" بصيغة المجهول أي لا يستجاب "ومن نفس لا تشبع" أي بما آتاها الله ولا تقنع بما رزقها ولا تفتر عن جمع المال لما فيها من شدة الحرص أو من نفس تأكل كثيراً. قال ابن الملك أي حريصة على جمع المال وتحصيل المناصب "ومن علم لا ينفع"

(9/453)


عَن جَابِر وَأَبي هُرَيْرَةَ وَابنِ مَسْعُودٍ.
هذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
ـــــــ
أي علم لا أعمل به ولا أعلم الناس ولا يهذب الأخلاق والأقوال والأفعال، أو علم لا يحتاج إليه أو لم يرد في تعلمه إذن شرعي. قال الطيبي: اعلم أن في كل من القرائن الأربع ما يشعر بأن وجوده مبني على غايته وأن الغرض منه تلك الغاية وذلك أن تحصيل العلوم إنما هو للانتفاع بها فإذا لم ينتفع به لم يخلص منه كفافاً بل يكون وبالاً ولذلك استعاذ، وأن القلب إنما خلق لأن يتخشع لبارئه وينشرح لذلك الصدر ويقذف النور فيه فإذا لم يكن كذلك كان قاسياً فيجب أن يستعاذ منه قال تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ} وأن النفس يعتد بها إذا تجافت عن دار الغرور وأنابت إلى دار الخلود. وهي إذا كانت منهومة لا تشبع حريصة على الدنيا كانت أعدى عدو المرء فأولى الشيء الذي يستعاذ منه هي أي النفس، وعدم استجابة الدعاء دليل على أن الداعي لم ينتفع بعلمه وعمله ولم يخشع قلبه ولم تشبع نفسه انتهى. قوله: "وفي الباب عن جابر وأبي هريرة وابن مسعود" أما حديث جابر فأخرجه ابن حبان عنه قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "اللهم إني أسألك علماً نافعاً وأعوذ بك من علم لا ينفع"، وأما حديث أبي هريرة فأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة والحاكم، وأما حديث ابن مسعود فأخرجه الحاكم في مستدركه وابن أبي شيبة في مصنفه. قوله: "وهذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه النسائي وأخرجه مسلم من حديث زيد بن أرقم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه أتم منه.

(9/454)


70 ـ باب
3550 ـ حدثنا أحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ، أخبرنا أبُو مُعَاوِيَةَ عَن شَبِيبٍ بنِ شَيْبَةَ عَن الحَسَنِ البَصْرِيّ عَن عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ قالَ: "قالَ
ـــــــ
"باب"
قوله: "عن شبيب بن شيبة" بن عبد الله التميمي المنقري أبي معمر البصري

(9/454)


النبيّ صلى الله عليه وسلم لأَبي: يا حُصَيْنُ كَمْ تَعْبُدُ اليَوْمَ إلهاً؟ قالَ أَبِي: سَبْعَةً, سِتّةً في الأَرْضِ، وَوَاحِداً في السّمَاءِ، قالَ: فأَيّهُمْ تَعُدّ لِرَغْبَتِكَ وَرَهْبَتِكَ؟ قالَ الّذِي في السّمَاءِ، قالَ يا حصينُ أما إنك لَوْ أَسْلَمْتَ عَلّمْتُكَ كَلِمَتَيْنِ تَنْفَعَانِكَ، قالَ: فَلَمّا أَسْلَمَ حُصَيْنٌ قالَ يا رَسُولَ الله عَلّمْنِي الكَلِمَتَيْنِ اللّتَيْنِ وَعَدْتَنِي، فقالَ قُل اللّهُمّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي، وَأَعِذْنِي مِنْ شَرّ نَفْسِي" . هَذا حديثٌ حسن غَريبٌ. وَقدْ رُوِيَ هذا الْحَدِيثُ عنْ عِمْرَانَ بن حُصَيْنٍ منْ غيْر هذا الْوَجْهِ.
ـــــــ
الخطيب البليغ أخباري صدوق يهم في الحديث من السابعة "عن عمران بن حصين" ابن عبيد الخزاعي كنيته أبو نجيد بنون وجيم مصغراً أسلم عام خيبر وصحب وكان فاضلاً وقضي بالكوفة "لأبي" أي لوالدي حال كفره "يا حصين كم تعبد اليوم" اللام للمعهود الحاضري نحو قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} "إلهاً" قال ابن حجر المكي هو تمييز لكم الاستفهامية ولا يضره الفصل لأنه غير أجنبي "قال أبي سبعة" أي أعبد سبعة من الآلهة "ستة في الأرض وواحداً في السماء" أي ستة آلهة في الأرض وإلهاً واحداً في السماء "فأيهم تعد" بفتح التاء وضم العين "لرغبتك ورهبتك" قال الطيبي الفاء جزاء شرط محذوف أي إذا كان كذلك فأيهم تخصه وتلتجئ إليه إذا نابتك نائبة "أما" بالتخفيف للتنبيه "إنك" بكسر الهمزة "كلمتين" أي دعوتين "تنفعانك" أي في الدارين "اللهم ألهمني رشدي" بضم فسكون وبفتحتين أي وفقني إلى الرشد وهو الاهتداء إلى الصلاح "وأعذني من شر نفسي" أي أجرني واحفظني من شرها فإنها منبع الفساد. وهذا الحديث من جوامع الكلم النبوية لأن طلب إلهام الرشد يكون به السلامة من كل ضلال والاستعاذة من شر النفس يكون بها السلامة من غالب معاصي الله سبحانه فإن أكثرها من جهة النفس الأمارة بالسوء

(9/455)


71 ـ باب
3551 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ، أخبرنا أبُو عَامِرٍ العقدي، أخبرنا أبُو مُصْعَبٍ المدني عَن عَمْرِو بنِ أبِي عَمْرٍو مَوْلَى المُطّلِبِ عَن أنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ "كَثِيراً مَا كُنْتُ أَسْمَعُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَدْعُو بِهؤُلاَءِ الكَلِمَاتِ: اللّهُمّ إنّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمّ والْحزنِ والعَجْزِ والكَسَلِ والبُخْلِ وضَلَعِ الدّيْنِ وَقَهْرِ الرّجَالِ" . هَذا حديثٌ غَريبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بنِ أبي عَمْرٍو.
ـــــــ
"باب"
قوله: "أخبرنا أبو عامر" هو العقدي "أخبرنا أبو مصعب" إسمه عبد السلام ابن حفص ويقال ابن مصعب الليثي أو السلمي المدني وثقه ابن معين من السابعة. قال في تهذيب التهذيب في ترجمته: روي عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب وغيره وعنه أبو عامر العقدي وغيره. قوله: "من الهم والحزن" الحزن خشونة في النفس لحصول غم، والهم حزن يذيب الإنسان فهو أخص من الحزن، وقيل هو بالاَتي والحزن بالماضي وقيل هما بمعنى "والعجز" بفتح العين وسكون الجيم "والكسل" بفتح الكاف والسين. قال النووي: العجز هو عدم القدرة على الخير وقيل هو ترك ما يجب فعله والتسويف به. أما الكسل فهو عدم انبعاث النفس للخير وقلة الرغبة مع إمكانه انتهى. "والبخل" بضم الباء وسكون الخاء وبفتحهما وهو ضد السخاوة "وضلع الدين" أصل الضلع هو بفتح المعجمة واللام الاعوجاج يقال ضلع بفتح اللام يضلع والمراد به هنا ثقل الدين وشدته وذلك حيث لا يجد من عليه الدين وفاء ولا سيما مع المطالبة، وقال بعض السلف: ما دخل هم الدين قلباً إلا أذهب من العقل ما لا يعود إليه "وقهر الرجال" وفي بعض النسخ: غلبة الرجال أي شدة تسلطهم

(9/456)


3552 ـ حدثنا عَلِيّ بنُ حُجْر، أخبرنا إسماعيل بنُ جَعْفَرٍ عَن حُمَيْدٍ عَن أنَسٍ "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَدْعُو يَقُولُ: اللّهُمّ إنّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الكَسَلِ والهَرَمِ والْجُبْنِ والبُخْلِ وفِتْنَةِ المَسِيحِ وَعَذَابِ القَبْرِ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
كاستيلاء الرعاع هرجاً ومرجاً. قال الكرماني: هذا الدعاء من جوامع الكلم لأن أنواع الرذائل ثلاثة: نفسانية وبدنية وخارجية، فالأولى بحسب القوى التي للإنسان وهي ثلاثة: العقلية والغضبية والشهوانية، فالهم والحزن يتعلق بالعقلية والجبن بالغضبية والبخل بالشهوانية والعجز والكسل بالبدنية، والثاني يكون عند سلامة الأعضاء وتمام الآلات والقوى والأول عند نقصان عضو ونحوه، والضلع والغلبة بالخارجية، فالأول مائي والثاني جاهي والدعاء مشتمل على جميع ذلك. قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.
قوله: "والهرم" بفتحتين أي من كبر سن يؤدي إلى تساقط بعض القوى وضعفها "والجبن" بضم الجيم وسكون الموحدة أي عدم الإقدام على مخالفة النفس والشيطان "وفتنة المسيح" أي الدجال يعني من ابتلائه وامتحانه، ويأتي وجه تلقيب الدجال بالمسيح بعد خمسة أبواب.

(9/457)


72 ـ باب مَا جَاءَ في عَقْدِ التّسْبِيحِ باليَد
3553 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ عَبْدِ الأَعْلَى، أخبرنا عثامُ بنُ عَلِيّ عَن الأَعْمَشِ عَن عَطَاءِ بنِ السّائِبِ عَن أبيهِ عَن عَبْدِ الله بنِ عَمْرو قالَ: "رَأَيْتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم يَعْقِدُ التّسْبِيحَ بِيَدِهِ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ الأعْمَشِ عَن
ـــــــ
باب "مَا جَاءَ في عَقْدِ التّسْبِيحِ باليَد"
قوله: "أخبرنا عثام" بفتح العين المهملة وتشديد المثلثة "بن علي" بن هجير بجيم مصغراً العامري الكلابي أبو علي الكوفي صدوق من كبار التاسعة. قوله: "يعقد التسبيح بيده" وفي رواية أبي داود قال ابن قدامة بيمينه، وأبو قدامة هذا هو شيخ أبي داود واسمه محمد. وفي الحديث مشروعية عقد التسبيح بالأنامل وعلل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث يسيرة الذي أشار إليه الترمذي بأن الأنامل مسؤولات مستنطقات يعني أنهن يشهدن بذلك، فكان عقدهن بالتسبيح من هذه الحيثية أولى من السبحة والحصى، ويدل على جواز عد التسبيح بالنوى والحصى حديث سعد بن أبي وقاص أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة وبين يديها نوى أو حصى تسبح به الحديث، وحديث صفية قالت دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين يدي أربعة آلاف نواة أسبح بها الحديث. أخرجهما الترمذي فيما بعد. قال الشوكاني في النيل ص 211 ج 2 هذان الحديثان يدلان على جواز عد التسبيح بالنوى: والحصى وكذا بالسبحة لعدم الفارق لتقريره صلى الله عليه وسلم للمرأتين على ذلك وعدم إنكاره والإرشاد إلى ما هو أفضل لا ينافي الجواز وقد وردت

(9/458)


عَطَاءِ بنِ السّائِبِ وَرَوَى شُعْبَةُ والثّوْرِيّ هَذَا الحَدِيثَ عَن عَطَاءِ بنِ السّائِبِ بِطُولِهِ وفي البابِ عَن يُسَيْرَةَ بِنْتِ يَاسِرٍ.
3554 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ أخبرنا سَهْلُ بنُ يُوسُفَ أخبرنا حُمَيْدٌ عَن ثَابِتٍ البُنَانِيّ عَن أنَسِ بنِ مَالِكٍ وأخبرنا محمد بن المثنى أخبرنا
ـــــــ
بذلك آثار ففي جزء هلال الحفار من طريق معتمر بن سليمان عن أبي صفية مولى النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يوضع له نطع ويجاء بزنبيل فيه حصى فيسبح به إلى نصف النهار ثم يرفع فإذا صلى أتى به فيسبح حتى يمسح. وأخرجه الإمام أحمد في الزهد. وأخرج ابن سعد عن حكيم بن الديلمي أن سعد بن أبي وقاص كان يسبح بالحصى. وقال ابن سعد في الطبقات: أخبرنا عبد الله بن موسى أخبرنا إسماعيل عن جابر عن امرأة خدمته عن فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب أنها كانت تسبح بخيط معقود فيها. وأخرج عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد الزهد عن أبي هريرة أنه كان له خيط فيه ألف عقدة فلا ينام حتى يسبح. وأخرج أحمد في الزهد عن القاسم بن عبد الرحمن قال لأبي الدرداء نوى عن العجوة في كيس فكان إذا صلى الغداة أخرجها واحدة يسبح بهن حتى ينفذهن. وأخرج ابن سعد عن أبي هريرة أنه كان يسبح بالنوى المجموع. وأخرج الديلمي في مسند الفردوس من طريق زينب بنت سليمان بن علي عن أم الحسن بنت جعفر عن أبيها عن جدها عن علي رضي الله عنه مرفوعاً: "نعم المذكر السبحة". وقد ساق السيوطي آثاراً في الجزء الذي سماه المنحة في السبحة وهو من جملة كتابه المجموع في الفتاوى وقال في آخره ولو ينقل عن أحد من السلف ولا من الخلف المنع من جواز عد الذكر بالسبحة بل كان أكثرهم يعدونه بها ولا يرون ذلك مكروها انتهى. قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أبو داود وسكت عنه، ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره وأخرجه النسائي والحاكم وصححه. قوله: "وفي الباب عن يسيرة بنت ياسر" أخرج حديثها الترمذي في أحاديث شتى.

(9/459)


خالد بن الحارث عن حميد عن ثابت عن أنس بن مالك "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم عَادَ رَجُلاً قَدْ جهِدَ حتى صَارَ مِثْلَ الفَرْخ، فَقَالَ لَهُ: أَمَا كنت تدعو؟ أما كنت تسأل ربك العافية، قال: كنت أقول: اللهم ما كُنْتَ مُعَاقِبِي بِهِ فِي الآخرة فَعجّلَهُ لِي في الدّنْيَا فَقَالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم سُبْحَانَ الله إنّكَ لاَ تُطِيقُهُ أو لا تَسْتَطِيعُهُ أفَلاَ كُنْتَ تَقُولُ اللّهُمّ آتِنَا في الدّنْيَا حَسَنَةً وفي الآخرة حَسَنَةً وقِنَا عَذَابَ النّارِ؟" .
هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غريبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ. وقد روي من غير وجه عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
قوله: "عاد" من العيادة "رجلاً" أي مريضاً "قد جهد" بصيغة المجهول. قال في القاموس: جهد المرض فلاناً هزله "مثل فرخ" هو ولد الطير أي مثله في كثرة النحافة وقلة القوة "أما كنت تدعو أما كنت تسأل ربك العافية" بهمزة الاستفهام وما النافية في الجملتين، وفي رواية مسلم هل كنت تدعو الله بشيء أو تسأله إياه؟ "ما كنت معاقبي به" ما موصولة أو شرطية "إنك لا تطيقه" أي في الدنيا "أو لا تستطيعه" أو للشك من الراوي، قال النووي: في هذا الحديث النهي عن الدعاء بتعجيل العقوبة وفيه فضل الدعاء باللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وفيه جواز التعجب يقول سبحان الله وقد سبقت نظائره، وفيه استحباب عيادة المريض والدعاء له، وفيه كراهة تمني البلاء لئلا يتضجر منه ويسخطه وربما شكا. وأظهر الأقوال في تفسير الحسنة في الدنيا أنها العبادة والعافية وفي الآخرة الجنة والمغفرة. وقيل الحسنة نعم الدنيا والآخرة ولا مناسبة لحديث أنس هذا بالباب فلعله كان قبل هذا الحديث باب بغير ترجمة فسقط. قوله: "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه مسلم

(9/460)


73 ـ باب
3555 ـ حدثنا مَحْمُودُ بن غَيْلاَنَ، أخبرنا أبُو دَاوُدَ قَالَ أنْبَأَنَا شُعْبَةُ عَن أبي إسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ أبَا الأَحْوَصِ يُحَدّثُ عَن عَبْدِ الله "أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَدْعُو: اللّهُمّ إِنّي أَسْألُكَ الهُدَى والتّقَى والعَفَافَ والغنِى" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
"باب"
قوله: "أخبرنا أبو داود" الطيالسي "عن أبي إسحاق" السبيعي "سمعت أبا الأحوص" إسمه عوف بن مالك بن نضلة الجشمي. قوله: "اللهم إني أسألك الهدى والتقى" أي الهداية والتقوى. قال الطيبي أطلق الهدى والتقى ليتناول كل ما ينبغي أن يهتدي إليه من أمر المعاش والمعاد ومكارم الأخلاق وكل ما يجب أن يتقي منه من الشرك والمعاصي ورذائل الأخلاق، وطلب العفاف والغنى تخصيص بعد تعميم انتهى "العفاف والغنى" العفاف والعفة هو التنزه عما لا يباح والكف عنه، والغنى ههنا غنى النفس والاستغناء عن الناس وعما في أيديهم. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم وابن ماجة

(9/461)


74 ـ باب
3556 ـ حدثنا أَبُو كُرَيْبٍ، أخبرنا مُحَمّدُ بنُ فَضْيل عَن مُحّمدٍ بنِ سَعْدٍ الأَنْصَارِيّ عَن عَبْدِ الله بنِ رَبِيعَةَ الدّمَشْقِيّ، قَالَ: حَدثني عَائِذُ الله
ـــــــ
"باب"
قوله: "عن محمد بن سعد الأنصاري" الشامي صدوق من السادسة

(9/461)


أبُو إدْرِيسَ الخَوْلاَنِيّ عَن أَبي الدّرْداءِ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "كَانَ مِنْ دُعَاءِ دَاوُدَ يَقُولُ: اللّهُمّ إِنّي أَسْألُكَ حُبّكَ وَحُبّ مَنْ يُحِبّكَ والعَمَلَ الّذِي يُبَلّغُنِي حُبّكَ. اللّهُمّ أجْعَلْ حُبّكَ أحَبّ إليّ مِنْ نَفْسِي وأَهْلِي وَمِنْ المَاءِ البَارِدِ. قَالَ وَكَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا ذَكَرَ دَاوُدَ يُحَدّثُ عَنْهُ قَالَ كَانَ أَعْبَدَ البَشَرِ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
ـــــــ
"عن عبد الله بن ربيعة" بن يزيد الدمشقي وقيل ابن يزيد بن ربيعة مجهول من السادسة.
قوله: "يقول" اسم كان بحذف إن أي قوله: "اللهم إني أسألك حبك" من إضافة المصدر إلى الفاعل أو المفعول والأول أظهر إذ فيه تلميح إلى قوله تعالى: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} "وحب من يحبك" كما سبق إما الإضافة إلى المفعول فهو ظاهر كمحبتك للعلماء والصلحاء. وإما الإضافة إلى الفاعل فهو مطلوب أيضاً كما ورد في الدعاء: حببنا إلى أهلها وحبب صالحي أهلها إلينا. وأما ما ورد في الدعاء من سؤال حب المساكين فمحتمل "والعمل" بالنصب عطف على المفعول الثاني "الذي يبلغني" بتشديد اللام أي يوصلني ويحصل لي "حبك" يحتمل الاحتمالين "اللهم اجعل حبك" أي حبي إياك "من نفسي ومالي" أي من حبهما حتى أوثره عليهما "ومن الماء البارد" أعاد من ههنا ليدل على استقلال الماء البارد في كونه محبوباً وذلك في بعض الأحيان فإنه يعدل بالروح "قال" أي أبو الدرداء "إذا ذكر داود" بالنصب على المفعولية "يحدث عنه" أي يحكى عنه. قال الطيبي: قوله يحدث يروي مرفوعاً جزاء للشرط إذا كان ماضيا والجزاء مضارعاً يسوغ فيه الوجهان انتهى، قال القاري: ومراده أن الرفع متعين ولو قيل إن إذا يجزم كما ذكروا في قوله: وإذا تصبك خصاصة فتجمل، فإن الشرط الجازم المتفق عليه إذا كان ماضياً والجزاء مضارعاً يسوغ فيه الوجهان فكيف إذا كان الشرط جازماً مختلفاً فيه فيتعين على كل تقدير ولا يجوز الجزم لعدم وروده رواية لكن لو ورد له وجه في الدراية "كان" أي داود "أعبد البشر" أي في زمانه كذا قيد الطيبي. قال القاري: وعلى

(9/462)


75 ـ باب
3557 ـ حدثنا سُفْيَانُ بنُ وَكِيعٍ، أخبرنا ابنُ أبي عَدِيّ عَن حَمّادِ بنِ سَلَمَةَ عَن أَبي جَعْفَرٍ الْخَطْمِيّ عَن مُحمّدِ بنِ كَعْبٍ القُرَظِيّ عَن عَبْدِ الله بنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيّ الأَنْصَارِيّ عَن رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم أَنّه كانَ يَقُولُ في دُعَائِهِ "اللّهُمّ ارْزُقْنِي حُبّكَ وَحُبّ مَنْ يَنْفَعُنِي حُبّهُ عِنْدَكَ. اللّهُمّ مَا رَزَقْتَنِي مِمّا أُحِبّ فاجْعَلْهُ قُوّةً لِي فِيمَا تُحِبّ. اللّهُمّ مَا زَوَيْتَ عَنّي مِمّا أُحِبّ فاجْعَلْهُ فراغا لِي فيمَا تُحِبّ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ وأَبُو جَعْفَرٍ الْخَطْمِيّ اسْمُهُ عُمَيْرُ بنُ يَزِيدَ بنُ خُمَاشَةَ.
ـــــــ
"باب"
قوله: "عن أبي جعفر الخطمي" بفتح المعجمة وسكون الطاء إسمه عمير بن يزيد بن عمير بن حبيب بن خماشة الأنصاري المدني نزيل البصرة صدوق من السادسة. قوله: "اللهم ارزقني حبك" أي لأنه لا سعادة للقلب ولا لذة ولا نعيم ولا صلاح إلا بأن يكون الله أحب إليه مما سواه "اللهم ما رزقتني مما أحب" أي الذي أعطيتني من الأشياء التي أحبها من صحة البدن وقوته وأمتعة الدنيا من المال والجاه والأولاد والفراغ "فاجعله قوة لي" أي عدة لي "فيما تحب" أي بأن أصرفه فيما تحبه وترضاه من الطاعة والعبادة "اللهم وما زويت" من الزي بمعنى القبض والجمع ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: "اللهم ازو لنا الأرض وهون علينا السفر" . أي اطوها كما في رواية أخرى. أي وما قبضته ونحيته "عني" أي بأن منعتني ولم تعطني "مما أحب" أي مما أشتهيه من المال والجاه

(9/463)


ـــــــ
والأولاد وأمثال ذلك "فاجعله فراغاً لي" أي سبب فراغ خاطري "فيما تحب" أي من الذكر والفكر والطاعة والعبادة. قال القاضي: يعني ما صرفت عني من محابي فنحه عن قلبي واجعله سبباً لفراغي لطاعتك ولا تشغل به قلبي فيشغل عن عبادتك. وقال الطيبي: أي إجعل ما نحيته عني من محابي عوناً لي على شغلي بمحابك وذلك أن الفراغ خلاف الشغل فإذا ذوي عنه الدنيا ليتفرغ بمحاب ربه كان ذلك الفراغ عوناً له على الاشتغال بطاعة الله كذا في المرقاة. قوله: "إسمه عمير" بالتصغير "بن يزيد بن خماشة" بضم خاء معجمة وخفة ميم وإعجام شين.

(9/464)


76 ـ باب
3558 ـ حدثنا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ، أخبرنا أَبُو أحْمَدَ الزّبَيْرِيّ قَالَ: حدثني سَعْدُ بنُ أَوْسٍ عَن بِلاَلِ بنِ يَحْيَى العَبْسِيّ عَن شُتَيْرِ بنِ شَكَلٍ عَن أبيهِ شَكَلِ بنِ حُمَيْدٍ قَالَ "أَتَيْتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم فُقْلتُ يَا رَسُولَ الله عَلّمْنِي تَعَوّذاً أَتَعَوّذُ بِهِ، قَالَ فَأَخَذَ بِكَتفي فَقَالَ: قُل اللّهُمّ إِنّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ سَمْعِي وَمِنْ شَرّ بَصَرِي وَمِنْ شَرّ لِسَانِي
ـــــــ
"باب"
قوله: "حدثنا سعد بن أوس" العبسي أبو محمد الكاتب الكوفي ثقة لم يصب الأزدي في تضعيفه من السابعة "عن شتير" بضم الشين المعجمة وفتح الفوقية مصغراً "بن شكل" بشين معجمة وكاف مفتوحتين وباللام العبسي بموحدة الكوفي ثقة من الثالثة "من أبيه شكل بن حميد" العبسي الكوفي صحابي له هذا الحديث. قوله: "علمني تعوذا" أي ما يتعوذ به. قال الطيبي: العوذ والمعاذ والتعويذ بمعنى "أتعوذ به" أي لخاصة نفسي "قال فأخذ بكفي" كان أخذه صلى الله عليه وسلم كفه لمزيد الاعتناء والاهتمام بالتعليم وقد تقدم بيانه في باب المصافحة "اللهم

(9/464)


ومِنْ شَرّ قَلْبِي ومِنْ شَرّ مَنِيّي يَعْنِي فَرْجَهُ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُه إلاّ مِنْ هَذَا الوَجْهِ من حديث سَعْدِ بنِ أَوسٍ عَن بِلاَلِ بنِ يَحْيَى.
ـــــــ
إني أعوذ بك من شر سمعي" أي حتى لا أسمع به ما تكرهه "ومن شر بصري" أي حتى لا أرى شيئاً لا ترضاه "ومن شر لساني" أي حتى لا أتكلم بما لا يعنيني "ومن شر قلبي" أي حتى لا أعتقد اعتقاداً فاسداً ولا يكون فيه نحو أحد حقد وحسد وتصميم فعل مذموم أبداً "ومن شر منيي" وهو أن يغلب عليه حتى يقع في الزنا أو مقدماته "يعني فرجه" هذا تفسير من بعض الرواة لقوله منيى أي يريد شر فرجه. قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أبو داود والنسائي ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره.

(9/465)


77 ـ باب
3559 ـ حدثنا الأَنْصَارِيّ، أخبرنا مَعْنٌ، أخبرنا مَالِكٌ عَن أبي الزّبَيْرِ المَكّيّ عَن طَاوُسٍ اليَمانِيّ عَن عَبْدِ الله بنِ عَبّاسٍ "أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يُعَلّمُهُم هَذَا الدّعَاءَ كما يُعَلّمُهُمْ السّورَةَ مِنَ القُرْآنِ: اللّهُمّ إنّي أعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنّمَ ومنْ عَذَابِ القَبْرِ وَأعُوذُ بِكَ
ـــــــ
"باب"
قوله: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم" أي أصحابه أو أهل بيته "هذه الدعاء" أي الذي يأتي. قال النووي: ذهب طاؤس إلى وجوبه وأمر ابنه بإعادة الصلاة حين لم يدع بهذا الدعاء فيها، والجمهور على أنه مستحب "اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم" فيه إشارة إلى أنه لا مخلص من عذابها إلا بالالتجاء إلى بارئها "ومن عذاب القبر" فيه استعاذة للأمة أو تعليم لهم لأن

(9/465)


مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدّجّالِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا والمَمَاتِ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غريب.
3560 ـ حدثنا هَارُونُ بنُ إسحاق الهَمْدَانيّ، أخبرنا عَبْدَةُ بنُ سُلَيْمَانَ عَنِ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عَن أبيهِ عَن عَائِشَةَ قَالتْ "كانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَدْعُو بهَؤُلاءِ الكَلِمَاتِ اللّهُمّ إنّي أعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ النّارِ وعَذَابِ النّارِ وعَذَابِ القَبْرِ وفِتْنَةِ القَبْرِ وَمِنْ شَرّ فِتْنَةِ الغِنَى
ـــــــ
الأنبياء لا يعذبون "وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال" أي على تقدير لقبه قال أهل اللغة: الفتنة الامتحان والاختبار، وقال عياض واستعمالها في العرف لكشف ما يكره، والمسيح يطلق على الدجال وعلى عيسى بن مريم عليه السلام لكن إذا أريد الدجال قيد به. واختلف في تلقيب الدجال بذلك فقيل لأنه ممسوح العين، وقيل لأنه أحد شقي وجهه خلق ممسوحاً لا عين فيه ولا حاجب، وقيل لأنه يمسح الأرض إذا خرج. وأما عيسى فقيل سمي بذلك لأنه خرج من بطن أمه ممسوحاً بالدهن، وقيل لأن زكريا مسحه، وقيل لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا بريء، وقيل لأنه كان يمسح الأرض بسياحته، وقيل لأن رجله كانت لا أخمص لها، وقيل لليسه المسوح "وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات" هذا تعميم بعد تخصيص، قال ابن دقيق العيد: فتنة المحيا ما يعرض للإنسان مدة حياته من الافتنان بالدنيا والشهوات والجهالات وأعظمها والعياذ بالله أمر الخاتمة عند الموت، وفتنة الممات يجوز أن يراد بها الفتنة عند الموت أضيفت إليه لقربها منه ويكون المراد بفتنة المحيا على هذا ما قيل ذلك ويجوز أن يراد بها فتنة القبر، وقد صح في حديث أسماء: أنكم تفتنون في قبوركم مثل أو قريباً من فتنة الدجال ولا يكون مع هذا فالوجه متكرراً مع قوله عذاب القبر لأن العذاب مرتب عن الفتنة والسبب غير المسيب انتهى. قوله: "هذا حديث صحيح غريب" وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي.
قوله: "اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار" أي فتنة تؤدي إلى النار لئلا

(9/466)


ومِنْ شَرّ فِتْنَةِ الفَقْرِ ومِنْ شَرّ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدّجّالِ. اللّهُمّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِمَاءِ الثّلْجِ والبَرَدِ وأنْقِ قَلْبِي من الْخَطَايَا كَمَا أَنْقَيْتَ الثّوْبَ الأَبْيَضَ مِنَ الدّنَسِ وَبَاعِدَ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدَتَ بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ اللْهمّ إنّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الكَسَلِ والهَرَمِ والمأْثَمِ والمَغْرَمِ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
يتكرر، ويحتمل أن يراد بفتنة النار سؤال الخزنة على سبيل التوبيخ وإليه الإشارة بقوله تعالى: {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ} "وعذاب النار" أي من أن أكون من أهل النار وهم الكفار فإنهم هم المعذبون وأما الموحدون فإنه مؤدبون ومهذبون بالنار لا معذبون بها "وعذاب القبر" وهو ضرب من لم يوفق للجواب بمقامع من الحديد وغيره من العذاب. والمراد بالقبر البرزخ والتعبير به للغالب أو كل ما استقر أجزاؤه فيه فهو قبره "وفتنة القبر" أي التحير في جواب الملكين "ومن شر فتنة الغني" وهي البطر والطغيان وتحصيل المال من الحرام وصرفه في العصيان والتفاخر بالمال والجاه "ومن شر فتنة الفقر" وهي الحسد على الأغنياء والطمع في أموالهم والتذلل بما يدنس العرض ويثلم الدين وعدم الرضا بما قسم الله له وغير ذلك مما لا تحمد عاقبته. قال الغزالي: فتنة الغني الحرص على جمع المال والحب على أن يكسبه من غير حله ويمنعه من واجبات إنفاقه وحقوقه، وفتنة الفقر يراد به الفقر الذي لا يصحبه صبر ولا ورع حتى بتورط صاحبه بسببه فيما لا يليق بأهل الدين والمروءة ولا يبالي بسبب فاقته على أي حرام وثب "اللهم اغسل خطاياي" أي أزلها عني "والبرد" بفتحتين وهو حب الغمام جمع بينهما مبالغة لأن ما غسل بالثلاثة أنقى مما غسل بالماء وحده فسأل بأن يطهره التطهير الأعلى الموجب لجنة المأوى والمراد طهرني بأنواع مغفرتك "وانق" من الإنقاء وفي رواية مسلم: نق من التنقية "من الدنس" أي الوسخ "وباعد" أي أبعد وعبر بالمفاعلة مبالغة، والمراد بالمباعدة محرماً ما حصل منها والعصمة عما سيأتي منها وهو مجاز لأن

(9/467)


3561 ـ حدثنا هارُونَ بن إسحاق أَخبرنا عَبْدَةُ عَن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عَن عَبّادِ بنِ عَبْدِ الله بنِ الزّبَيْرِ عَن عَائِشَةَ قَالَتْ "سَمِعْتُ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ عِنْدَ وَفَاتِهِ: اللّهُمّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وألْحِقْنِي بالرّفِيقِ الأعْلَى" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
حقيقة المباعدة إنما هي في الزمان والمكان وموقع التشبيه أن النقاء المشرق والمغرب مستحيل فكأنه أراد أن لا يبقى لها منه اقتراب بالكلية "والمأثم" أي مما يأثم به الإنسان أو مما فيه إثم أو مما يوجب الإثم أو الإثم نفسه "والمغرم" هو مصدر وضع موضع الاسم يريد به مغرم الذنوب والمعاصي وقيل المغرم كالغرم وهو الدين ويريد به ما استدين فيما يكرهه الله أو فيما يجوز ثم عجز عن أدائه، فأما دين احتاج إليه وهو قادر على أدائه فلا يستعاذ منه. قاله الجزري في النهاية، قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة.
قوله: "حدثنا هارون" هو ابن إسحاق الهمداني "أخبرنا عبده" هو ابن سليمان الكلابي قوله: "وألحقني بالرفيق الأعلى" المراد بالرفيق الأعلى هنا جماعة الأنبياء الذين يسكنون أعلى عليين وهو إسم جاء على فعيل ومعناه الجماعة كالصديق والخليط يقع على الواحد والجمع. والمراد هنا الجمع كقوله تعالى: {وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً} كذا قال الجزري وغيره وعند البخاري من طريق سعد عن عروة عن عائشة قالت كنت أسمع أنه لا يموت نبي حتى يخير بين الدنيا والآخرة فسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول في مرضه الذي مات فيه وأخذته بحة يقول: {مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} الآية. فظننت أنه خير. قال الحافظ وفي رواية المطلب عن عائشة عند أحمد فقال: مع الرفيق الأعلى: {مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ} إلى قوله {رَفِيقاً} . قال: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.

(9/468)


78 ـ باب
3562 ـ حدثنا الأَنْصَارِيّ، أخبرنا مَعْنٌ، أخبرنا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عَن مُحمّدِ بنِ إِبْرَاهيمَ التّيْمِيّ أَنّ عَائِشَةَ قالَتْ: "كُنْتُ نَائِمَةً إلى جَنْبِ رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم فَفَقَدْتُهُ مِنَ اللّيْلِ فَلَمَسْتُهُ فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى قَدَمَيْهِ وَهُوَ سَاجِدٌ وهُوَ يَقولُ: أعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، لا أُحْصِى ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجهٍ عَن عَائِشَةَ.
3563 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ أخبرنا اللّيْثُ عَن يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ بِهَذَا الإسْنَادِ نَحْوَه وزَادَ فِيهِ: "وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ" .
ـــــــ
"باب"
قوله: "اللهم إني أعوذ بك برضاك من سخطك الخ" يأتي شرحه في أحاديث شتى في باب دعاء الوتر. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم.

(9/469)


79 ـ باب
3564 ـ حدثنا الأَنْصَارِيّ، أخبرنا مَعْنٌ، أخبرنا مَالِكٌ عَن أَبي الزّنَادِ عَن الأعْرَجِ عَن أَبي هُرَيْرَةَ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "لاَ يَقُولُ أَحَدُكُمْ اللّهُمّ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْتَ، اللّهُمّ ارْحَمْنِي إنْ شِئْتَ. لِيَعْزِم المَسْأَلَةَ فإِنّه لاَ مُكْرِهَ لَهُ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
"باب"
قوله: "ليعزم المسألة" المراد بالمسألة الدعاء قال العلماء: عزم المسألة الشدة في طلبها والحزم به من غير ضعف في الطلب ولا تعليق على مشيئة ونحوها: وقيل هو حسن الظن بالله تعالى في الإجابة. ومعنى الحديث استحباب الجزم في الطلب وكراهة التعليق على المشيئة. قال العلماء سبب كراهته أنه لا يتحقق استعمال المشيئة إلا في حق من يتوجه عليه الإكراه والله تعالى منزه عن ذلك وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث فإنه لا مستكره له. وقيل سبب الكراهة أن في هذا اللفظ صورة الاستغناء عن المطلوب والمطلوب منه قال النووي "فإنه لا مكره له" بضم الميم وسكون الكاف وكسر الراء من الإكراه. وفي رواية للشيخين لا مستكره له وهما بمعنى. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وأبو داود.

(9/470)


80 ـ باب
3565 ـ حدثنا الأنْصَارِيّ، أخبرنا مَعْنٌ، أخبرنا مَالِكٌ عَن ابنِ شِهَابٍ عَن أَبي عَبْدِ الله الأغَرّ وَعَن أَبي سَلَمةَ بنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "يَنْزِلُ رَبّنَا كُلّ لَيْلَةٍ إِلى السّمَاءِ الدّنْيَا حَتّى يَبْقَى ثُلثُ اللّيْلِ الآخر فَيَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فأسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْألُنِي فأُعْطِيَهُ، وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فأَغْفِرَ لَهُ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. وأَبُو عَبْدِ الله الأغَرّ اسْمُهُ سَلْمَان. وفي البابِ عَن عَلِيّ وَعَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ وَأَبي سَعيدٍ وَجُبَيْرِ بنِ مُطْعَمٍ ورِفَاعَةَ الْجُهَنِيّ وأَبي الدّرْدَاءِ وعُثْمَانَ بنِ أبي العَاصِ.
3566 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ يَحْيى الثّقَفِيّ المِرْوَزِيّ، أخبرنا حفْصُ بنُ غِياثٍ عَن ابنِ جُرَيْجٍ عَن عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ سَابِطٍ عَن أبي أُمَامَةَ قَالَ: "قِيلَ يا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أَيّ الدّعَاءِ أسْمَعُ؟ قالَ: جَوْف اللّيْلِ الآخر،
ـــــــ
"باب"
قوله: "قال ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا الخ" قد تقدم هذا الحديث في باب نزول الرب تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا من أبواب الصلاة وتقدم هناك شرحه.
قوله: "حدثنا محمد بن يحيى" بن أيوب بن إبراهيم الثقفي أبو يحيى المروزي القصري المعلم ثقة حافظ من العاشرة. قوله: " أي الدعاء أسمع" أي أوفق إلى السماء أو أقرب إلى الإجابة "جوف الليل" روى بالرفع وهو الأكثر على أنه

(9/471)


وَدُبُرَ الصّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ. وَقَدْ رُوِيَ عَن أَبي ذَرّ وابنِ عُمَرَ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم أَنّهُ قالَ: "جَوْفُ اللّيْلِ الآخر الدّعَاءُ فِيهِ أَفْضَلُ أو أَرْجَى" أوَ نَحْوَ هَذَا
ـــــــ
خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره محذوف على حذف مضاف وإقامة المضاف إليه مقامه مرفوعاً أي دعاء جوف الليل أسمع، وروى بنصب جوف على الظرفية أي في جوفه "الآخر" صفة جوف فيتبعه في الإعراب، قيل والجوف الآخر هو وسط النصف الآخر من الليل بسكون السين لا بالتحريك "ودبر الصلوات المكتوبات" عطف على جوف تابع له في الإعراب.

(9/472)


81 ـ باب
3567 ـ حدثنا عبْدُ الله بنُ عبد الله عَبْدِ الرّحْمَنِ أخبرنا حَيْوَةُ بنُ شُرَيْحٍ الْحِمْصِيّ عَن بَقِيّةَ بنِ الْوَلِيدِ عَن مُسْلِمِ بنِ زِيَادٍ قال: "سَمِعْتُ أَنَساً يَقُولُ إِنّ رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ اللّهُمُ أَصْبَحْنَا نُشْهِدُكَ ونُشْهِدُ حَمَلَةَ عَرْشِكَ
ـــــــ
"باب"
قوله: "أخبرنا حيوة بن شريح" بن يزيد الحضرمي أبو العباس الحمصي ثقة من العاشرة. قال في تهذيب التهذيب في ترجمته: روى عن أبيه وبقية وغيرهما وروى عنه إسحاق بن منصور الكوسج وعبد الله الدارمي وغيرهما "عن مسلم بن زياد" الحمصي مقبول من الرابعة. قوله: "نشهدك" من الإشهاد أن نجعلك شاهداً على إقرارنا بوحدانيتك في الألوهية والربوبية وهو إقرار للشهادة وتأكيد لها وتجديد لها في كل صباح ومساء وعرض من أنفسهم أنهم ليسوا عنها غافلين

(9/472)


وَمَلاَئِكَتَكَ وَجمِيعَ خَلْقِكَ بِأَنّكَ الله لا إلَهَ إلاّ أَنْتَ وَحْدَكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ، وَأَنّ مُحمّداً عَبْدُكَ ورَسُولُكَ إلاّ غَفَرَ الله لَهُ مَا أَصَابَ في يَوْمِهِ ذَلِكَ، وإنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي غَفَرَ الله لَهُ ما أَصَابَ في تِلْكَ اللّيْلَةِ مِنْ ذَنْبٍ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
ـــــــ
"وملائكتك" بالنصب عطف على ما قبله تعميماً بعد تخصيص "وجميع خلقك" أي مخلوقاتك تعميم آخر "إلا غفر الله له ما أصاب في يومه ذلك" أي من ذنب قال القاري استثناء مفرغ مما هو جواب للشرط المذكور أي الذي قال فيه ذلك الذكر تقديره: ما قال قائل هذا الدعاء إلا غفر الله له. أو يقدر نفي أي من قال ذلك لم يحصل له شيء من الأحوال إلا هذه الحالة العظيمة من المغفرة الجسيمة فعلى هذا من في من قال بمعنى ما النافية ويمكن أن تكون إلا زائدة انتهى. قلت كون إلا ههنا زائدة هو الظاهر وقد صرح صاحب القاموس بأنها قد تكون زائدة "من ذنب" أي أي ذنب كان واستثنى الكبائر وكذا ما يتعلق بحقوق العباد والإطلاق للترغيب مع أن الله يغفر ما دون الشرك لمن يشاء. قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه أبو داود والنسائي في عمل اليوم والليلة.

(9/473)


82 ـ باب
3568 ـ حدثنا عَلِيّ بنَ حُجْرٍ، أخبرنا عَبْدُ الْحَمِيدِ بنِ عُمرَ الْهِلاَليّ عَن سَعِيدِ بنِ إياسٍ الجُرَيْرِيّ عَن أَبي السّلِيلِ عَن
ـــــــ
"باب"
قوله: "أخبرنا عبد الحميد بن عمر الهلالي" قال الحافظ في تهذيب التهذيب: عبد الحميد بن الحسن الهلالي أبو عمرو وقيل أبو أمية الكوفي سكن الري روى له الترمذي حديثاً واحداً في الدعاء في الليل إلا أنه سمى أباه فيه عمر وقال في التقريب: صدوق يخطئ من الثامنة "عن أبي السليل" بفتح المهملة وكسر اللام

(9/473)


أَبي هُرَيْرَةَ أَنّ رَجُلاً قالَ "يا رَسولَ الله سَمِعْتُ دَعاءَكَ اللّيْلَةَ فكانَ الّذِي وصَلَ إليّ مِنْهُ أَنّكَ تَقُولُ: اللّهُمّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، وَوَسِعْ لِي في دَارِي، وَبَارِكْ لِي فِيمَا رَزَقْتَنِي، قالَ فَهَلْ تَرَاهُنّ تَرَكْنَ شَيْئاً" . وَأَبُو السّلِيلِ اسْمُهُ ضُرَيْبُ بن ُنُقَيْر وَيُقَالُ ابن نُفَيْرٍ ٍ. وهَذا حديثٌ غَرِيبٌ.
ـــــــ
اسمه ضريب بضم الضاد المعجمة وفتح الراء المهملة آخره موحدة مصغراً ابن نقير بنون وقاف مصغراً القيسي الجريري بضم الجيم مصغراً ثقة الثالثة. قوله: "اللهم اغفر لي ذنبي" أو ما لا يليق أو إن وقع "ووسع لي في داري" أي وسع لي في مسكني في الدنيا لأن ضيق مرافق الدار يضيق الصدر ويجلب الهم ويشغل البال ويغم الروح أو المراد القبر فإنه الدار الحقيقية، ووقع في بعض النسخ وسع لي في رأيي أي اجعل رأيي واسعاً لا ضيق فيه "وبارك لي في رزقي" أي اجعله مباركاً محفوفاً بالخير ووفقني للرضا بالمقسوم منه وعدم الالتفات لغيره "قال" أي النبي صلى الله عليه وسلم "فهل تراهن" أي هذه الكلمات المذكورة والاستفهام للإنكار "تركن شيئاً" أي من خير الدنيا والآخرة. قوله: "اسمه ضريب بن نقير" أي بالقاف "ويقال نفير" أي بالفاء. قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه أحمد والطبراني من حديث رجل من الصحابة رضي الله عنهم وأخرجه النسائي وابن السني من حديث أبي موسى قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بوضوء فتوضأ فسمعته يدعو يقول "اللهم أصلح لي الخ" قال في الأذكار إسناده صحيح.

(9/474)


83 ـ باب
3569 ـ حدثنا عَلِيّ بنُ حُجْرٍ أخبرنا ابنُ المُبَارَكِ، أخبرنا يَحْيَى بنُ أَيّوبَ عَن عُبَيْدِ الله بنِ زَحر عَن خَالِدِ بنِ أَبِي عِمْرَانَ أنّ ابنَ عُمَرَ قَالَ: "قَلّما كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ حَتّى يَدْعُوَ بِهَؤُلاَءِ الدعواتِ لأَصْحَابِهِ: اللّهُمّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وبَيْنَ مَعَاصِيكَ ومِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلّغُنَا بِهِ جَنّتَكَ. ومِنَ اليَقينِ مَا تُهَوّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدّنْيَا ومَتّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وأَبْصَارِنَا وقُوّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا
ـــــــ
"باب"
قوله: "أخبرنا يحيى بن أيوب" الغافقي "عن خالد بن أبي عمران" التجيبي أبي عمر قاضي أفريقية فقيه صدوق من الخامسة. قوله: "قلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تتصل ما بقل فيقال قلما جئتك وتكون ما كافة عن عمل الرفع فلا اقتضاء للفاعل، وتستعمل قلما لمعنيين أحدهما النفي الصرف والثاني إثبات الشيء القليل "اللهم أقسم لنا" أي اجعل لنا "من خشيتك" أي من خوفك "ما" أي قسماً ونصيباً "يحول" من حال يحول حيلولة أي يحجب ويمنع "بيننا وبين معاصيك" لأن القلب إذا امتلأ من الخوف أحجمت الأعضاء عن المعاصي "ومن طاعتك" أي بإعطاء القدرة عليها والتوفيق لها "ما تبلغنا" بالتشديد أي توصلنا أنت "به جنتك" أي مع شمولنا برحمتك وليست الطاعة وحدها مبلغة "ومن اليقين" أي اليقين بك وبأن لا مرد لقضائك وبأنه لا يصيبنا إلا ما كتبته علينا وبأن ما قدرته لا يخلو عن حكمة ومصلحة مع ما فيه من مزيد المثوبة "ما تهون به" أي تسهل أنت بذلك اليقين "مصيبات الدنيا" فإن من علم يقيناً أن مصيبات الدنيا مثوبات الأخرى لا يغتم بما أصابه ولا يحزن بما نابه "ومتعنا" من

(9/475)


واجْعَلْهُ الوَارِثَ مِنّا واجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا ولاَ تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا في دِيِننَا ولاَ تَجْعَلْ الدّنْيَا أَكْبَرَ هَمّنَا ولاَ مَبْلَغَ عِلْمِنَا وَلاَ تُسَلّطَ عَلَيْنَا مَن لاَ يَرْحَمُنَا" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ غريبٌ.
ـــــــ
التمتيع أي اجعلنا متمتعين ومنتفعين "بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا" أي بأن نستعملها في طاعتك. قال ابن الملك التمتع بالسمع والبصر إبقاؤهما صحيحين إلى الموت "ما أحييتنا" أي مدة حياتنا. وإنما خص السمع والبصر بالتمتيع من الحواس لأن الدلائل الموصلة إلى معرفة الله وتوحيده إنما تحصل من طريقهما. لأن البراهين إنما تكون مأخوذة من الآيات وذلك بطريق السمع أو من الآيات المنصوبة في الأفاق والأنفس فذلك بطريق البصر، فسأل التمتيع بهما حذراً من الانخراط في سلك الذين ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة، ولما حصلت المعرفة بالأولين يترتب عليها العبادة فسأل القوة ليتمكن بها من عبادة ربه قاله الطيبي. والمراد بالقوة قوة سائر الأعضاء والحواس أو جميعها فيكون تعميماً بعد تخصيص "واجعله" أي المذكور من الأسماع والأبصار والقوة "الوارث" أي الباقي "منا" أي بأن يبقى إلى الموت. قال في اللمعات: الضمير في قوله اجعله للمصدر الذي هو الجعل أي اجعل الجعل وعلى هذا الوارث مفعول أول ومنا مفعول ثان أي اجعل الوارث من نسلنا لا كلالة خارجة منا والكلالة قرابة ليست من جهة الولادة، وهذا الوجه قد ذكره بعض النحاة في قولهم إن المفعول المطلق قد يضمر ولكن لا يتبادر إلى الفهم من اللفظ ولا ينساق الذهن إليه كما لا يخفى، والثاني أن الضمير فيه للتمتع الذي هو مدلول متعناً والمعنى اجعل تمتعنا بها باقياً مأثوراً فيمن بعدنا لأن وارث المرء لا يكون إلا الذي يبقى بعده فالمفعول الثاني الوارث وهو المعنى يشبه سؤال خليل الرحمن على نبينا وعليه الصلاة والسلام "واجعل لي لسان صدق في الآخرين" وقيل معنى وراثته دوامه إلى يوم الحاجة إليه يعني يوم القيامة، والأول أوجه لأن الوارث إنما يكون باقياً في الدنيا والثالث أن الضمير للأسماع والأبصار والقوى بتأويل المذكور،

(9/476)


وقد رَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الحَدِيثَ عَن خَالِدِ بنِ أبي عِمْرَانَ عَن نَافِعٍ عَن ابنِ عُمَرَ.
3570 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ، أخبرنا أبُو عَاصِمٍ، أخبرنا عثمان الشّحّامُ قال: حدّثَنا مُسْلِمُ بنُ أَبي بَكْرَةَ قَالَ: "سَمِعَنِي أَبي وَأنَا أقُولُ:
ـــــــ
ومثل هذا شائع في العبارات لا كثير تكلف فيها وإنما التكلف فيما قيل إن الضمير راجع إلى أحد المذكورات، ويدل على ذلك على وجود الحكم في الباقي لأن كل شيئين تقاربا في معنييهما فإن الدلالة على أحدهما دلالة على الآخر، والمعنى بوراثتها لزومها إلى موته لأن الوارث من يلزم إلى موته انتهى "واجعل ثأرنا" بالهمز بعد المثلثة المفتوحة أي إدراك ثأرنا "على من ظلمنا" أي مقصوراً عليه ولا تجعلنا ممن تعدى في طلب ثأره فأخذ به غير الجاني كما كان معهوداً في الجاهلية، فنرجع ظالمين بعد أن كنا مظلومين، وأصل الثأر الحقد والغضب يقال ثأرت القتيل وبالقتيل أي قتلت قاتله "ولا تجعل مصيبتنا في ديننا" أي لا تصبنا بما ينقص ديننا من اعتقاد السوء وأكل الحرام والفترة في العبادة وغيرها "ولا تجعل الدنيا أكبر همنا" أي لا تجعل طلب المال والجاه أكبر قصدنا أو حزننا بل اجعل أكبر قصدنا أو حزننا مصروفاً في عمل الآخرة، وفيه أن قليلاً من الهم فيما لا بد منه في أمر المعاش مرخص فيه بل مستحب بل واجب "ولا مبلغ علمنا" أي غاية علمنا أي لا تجعلنا حيث لا نعلم ولا نتفكر إلا في أمور الدنيا. بل اجعلنا متفكرين في أحوال الآخرة متفحصين من العلوم التي تتعلق بالله تعالى وبالدار الآخرة، والمبلغ الغاية التي يبلغه الماشي والمحاسب فيقف عنده "ولا تسلط علينا من لا يرحمنا" أي لا تجعلنا مغلوبين للكفار والظلمة أو لا تجعل الظالمين علينا حاكمين فإن الظالم لا يرحم الرعية. قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه النسائي والحاكم وقال صحيح على شرط البخاري.
قوله: "أخبرنا أبو عاصم" النبيل "أخبرنا عثمان الشحام" العدوي أبو سلمة

(9/477)


اللّهُمّ إنّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمّ والكَسَلِ وَعَذَابِ القَبْرِ. قَالَ يَا بُنَيّ مِمّنْ سَمِعْتَ هَذَا؟ قَالَ قُلْتُ سَمِعْتُكَ تَقُولُهُنّ. قَالَ. الْزَمْهُنّ فَإِنّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُهُنّ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَريبٌ.
ـــــــ
البصري يقال اسم أبيه ميمون أو عبد الله لا بأس به من السادسة "حدثنا مسلم بن أبي بكرة" بن الحارث الثقفي البصري صدوق من الثالثة. قوله: "اللهم إني أعوذ بك من الهم والكسل" تقدم معناهما "الزمهن" أي هذه الكلمات. قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرج أحمد في مسنده بنحوه.

(9/478)


84 ـ باب
3571 ـ حدثنا عَلِيّ بنُ خَشْرَمٍ أخبرنا الفَضْلُ بنُ مُوسَى عَن الْحُسَيْنِ بنِ وَاقِدٍ عَن أَبي إسْحَاقَ عَن الحَارِثِ عَن عَلِيّ رضي الله عنه قَالَ: "قَالَ لِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ألاَ أُعَلّمُكَ كلِمَاتٍ إذَا قُلتهُنّ غَفَرَ الله لَكَ وإنْ كُنْتَ مَغْفُوراً لَكَ؟ قالَ قُلْ لا إلَهَ إِلاّ الله العَلِيّ العَظِيمُ. لا إلَهَ إلاّ الله
ـــــــ
"باب"
قوله: "عن الحارث" هو الأعور. قوله: "غفر الله لك" أي الصغائر "وإن كنت مغفوراً لك" أي الكبائر كذا في التيسير فعلى هذا كلمة إن للشرط والواو للموصل، وقيل يحتمل أن تكون جملة مستقلة معطوفة على السابقة وجزاؤه محذوف أي إن كنت مغفوراً فيرفع الله به الدرجات وإن تكون كلمة إن مخففة من المثقلة فالجملة تأكيد للأولى "العلى" هو الذي ليس فوقه شيء في المرتبة والحكم فعيل بمعنى فاعل من علا يعلو "العظيم" هو الذي جاوز قدره وجل عن حدود العقول حتى لا تتصور الإحاطة بكنهه وحقيقته والعظم في صفات الأجسام كبر الطول والعرض والعمق، والله تعالى جل قدره

(9/478)


الْحَلِيمُ الكَرِيمُ. لا إلَهَ إلاّ الله سُبْحَانَ الله رَبّ العَرْشِ العَظِيمِ" . قال عَلِيّ بنُ خَشْرَمٍ وَأَخْبَرَنَا عَلِيّ بنُ الحُسَيْنِ بنِ وَاقِدٍ عَن أَبِيهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ إلاّ أَنّهُ قالَ في آخِرِهَا الْحَمدُ لله رَبّ العَالِمين. هَذا حديثٌ غَرِيبٌ لا نَعْرفُهُ إلاّ مِنْ هَذَا الوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ أبي إسْحَاقَ عَن الْحَارِثِ عَن عَلِيّ.
ـــــــ
من ذلك "الحليم" أي الذي لا يعجل بالعقوبة "الكريم" هو الجواد المعطي الذي لا ينفذ عطاؤه وهو الكريم المطلق.

(9/479)


85 ـ باب
35572 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ يَحْيَى، أخبرنا مُحمّدُ بنُ يُوسُفَ، أخبرنا يُونُسُ بنُ أبِي إسْحَاقَ عَن إبْرَاهِيمَ بنِ مُحمّدِ بنِ سَعْدٍ عَن أبيهِ سَعْدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "دَعْوَةُ ذِي النّونِ إذْ دَعَا وَهُوَ في بَطْنِ الحُوتِ لا إلَهَ إلاّ أنْتَ سُبْحَانَكَ إنّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ فَإِنّهُ لَمْ يَدْعُ بهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ في شَيْءٍ قَطّ إلاّ اسْتَجَابَ الله لَهُ" . وقَالَ مُحمّدُ بنُ يُوسُفَ
ـــــــ
"باب"
قوله: "حدثنا محمد بن يحيى" هو الإمام الذهلي "أخبرنا محمد بن يوسف" الضبي الفريابي "عن إبراهيم بن محمد بن سعد" بن أبي وقاص المدني ثم الكوفي ثقة قال ابن حبان لم يسمع من صحابي من السادسة. قوله: "دعوة ذي النون" أي دعاء صاحب الحوت وهو يونس عليه الصلاة والسلام "إذ دعا" أي ربه وهو ظرف دعوة "وهو في بطن الحوت" جملة حالية "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين" خبر لقوله دعوة ذي النون فإنه الضمير للشأن "لم يدع بها" أي بتلك الدعوة أو بهذه الكلمات "في شيء" أي من الحاجات والتقدير

(9/479)


مرّة عَن إبْرَاهِيمَ بنِ مُحمّدِ بنِ سَعْدٍ عَن سَعْدٍ. وَقد رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ هَذَا الحَدِيثَ عَن يُونُسَ بنِ أَبي إِسْحَاقَ عَن إبْرَاهِيمَ بنِ مُحمّدِ بنِ سَعْدٍ عَن سَعْدٍ وَلَمْ يَذْكُروا فِيهِ عَن أبِيهِ. وَرَوَى بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَبُو أَحْمَدَ الزّبْيَرِيّ عَن يُونُسَ فَقَالُوا: عَن إبْرَاهيمَ بنِ مُحمّدِ بنِ سَعْدٍ عَن أبيهِ عَن سَعْدٍ نَحْوَ رِوَايَةِ مُحمّدِ بنِ يُوسُفَ.
ـــــــ
فعليك أن تدعو بهذه الدعوة فإنه لم يدع بها الخ. وحديث سعد هذا أخرجه أيضاً النسائي والحاكم وقال صحيح الإسناد وزاد في طريق عنده فقال رجل: يا رسول الله هل كانت ليونس خاصة أم للمؤمنين عامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا تسمع إلى قول الله عز وجل {وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} كذا في الترغيب.

(9/480)


86 ـ باب
3573 ـ حدثنا يُوسُفُ بنُ حَمّادٍ البَصْرِيّ، أخبرنا عَبْدُ الأَعْلَى عَن سَعِيدٍ عَن قَتَادَةَ عَن أَبي رَافِعٍ عَن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِنّ لله تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْماً مائَةً غَير وَاحِدٍ مَنْ أَحْصَاها
ـــــــ
"باب"
قوله: "أخبرنا عبد الأعلى" هو ابن عبد الأعلى "عن سعيد" بن أبي عروبة "عن أبي رافع" اسمه نفيع الصائغ المدني نزيل البصرة ثقة ثبت مشهور بكنيته من الثانية. قوله: "إن لله تسعة وتسعين اسماً" فيه دليل على أن أشهر أسمائه سبحانه وتعالى الله لإضافة هذه الأسماء إليه. وقد روى أن الله هو اسمه الأعظم. قال أبو القاسم الطبري: وعليه ينسب كل اسم له فيقال الرؤوف والكريم

(9/480)


دَخَلَ الْجَنّةَ" . قالَ يُوسُفُ، وَأخبرنا عَبْدُ الأَعْلَى عَن هِشَامِ بنِ حَسّانَ عَن محمّدِ بنِ سِيرينَ عَن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم بِمِثْلِهِ. هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ وَقد رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَن أبي هُرَيْرَةَ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
من أسماء الله تعالى ولا يقال من أسماء الرؤوف أو الكريم الله. واتفق العلماء على أن هذا الحديث ليس فيه حصر لأسمائه سبحانه وتعالى فليس معناه أنه ليس له أسماء غير هذه التسعة والتسعين وإنما مقصود الحديث أن هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة. فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها لا الإخبار بحصر الأسماء، ولهذا جاء في الحديث الآخر: أسألك بكل اسم سميت به نفسك أو استأثرت به في علم الغيب عندك. كذا في شرح مسلم للنووي. قلت: الحديث الآخر الذي ذكره النووي أخرجه أحمد وصححه ابن حبان من حديث ابن مسعود "ومائة غير واحدة" اختلفت الروايات في لفظ واحدة ففي بعضها بالتأنيث كما هنا وفي بعضها بالتذكير قال الحافظ في الفتح: خرج التأنيث على إرادة التسمية، وقال السهيلي: بل أنث الاسم لأنه كلمة واحتج بقول سيبويه: الكلمة اسم أو فعل أو حرف فسمي الاسم كلمة. وقال ابن مالك أنث باعتبار معنى التسمية أو الصفة أو الكلمة. وقال جماعة من العلماء: الحكمة في قوله مائة غير واحد بعد قوله تسعة وتسعون أن يتقرر ذلك في نفس السامع جمعاً بين جهتي الإجمال والتفصيل أو دفعاً للتصحيف الخطي والسمعي "من أحصاها" وفي رواية لمسلم: من حفظها. وفي رواية للبخاري: لا يحفظها أحد، وهذا اللفظ يفسر معنى قوله أحصاها فالإحصاء هو الحفظ، وقيل أحصاها قرأها كلمة كلمة كأنه يعدها، وقيل أحصاها علمها وتدبر معانيها واطلع على حقائقها، وقيل أطاق القيام بحقها والعمل بمقتضاها. قال الشوكاني التفسير الأول هو الراجح المطابق للمعنى اللغوي وقد فسرته الرواية المصرحة بالحفظ، وقال النووي قال البخاري وغيره من المحققين معناه حفظها وهذا هو الأظهر لثبوته نصا في الخير. وقال في الأذكار هو قول الأكثرين "دخل

(9/481)


ـــــــ
الجنة" ذكر الجزاء بلفظ الماضي تحقيقاً له لأنه كائن لا محالة. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة والحاكم في مستدركه وابن حبان

(9/482)


87 ـ باب
3574 ـ حدثنا إبْرَاهيمُ بنُ يَعْقُوب، أَخبرنا صَفْوَانُ بنُ صَالِح أخبرنا الوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ، أخبرنا شُعَيْبُ ابنُ أبي حَمْزَةَ عَن أبي الزّنَادِ عَن الأَعْرَجِ عَن أبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "إنّ لله تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْماً مِائَةً غيرَ وَاحِدَةٍ مَنْ أَحْصَاها دَخَلَ الجَنّةَ. هُوَ الله الّذِي لا إلَهَ إلاّ هُوَ الرّحمنُ الرّحيمُ المَلِك القُدّوسُ السّلاَمُ المُؤْمِنُ
ـــــــ
"باب"
قوله: "حدثنا إبراهيم بن يعقوب" الجوزجاني، "أخبرنا الوليد بن مسلم" القرشي الدمشقي. قوله: "هو الله الذي لا إله إلا هو" الاسم المعدود في هذه الجملة من أسمائه هو الله لا غيره من هو وإله والجملة تفيد الحصر والتحقيق لإلهيته ونفي ما عداه عنها، قال الطيبي: الجملة مستأنفة إما بيان لكمية تلك الأعداد أرقاماً هي في قوله: إن لله تسعة وتسعين اسما وذكر الضمير. نظراً إلى الخبر وإما بيان لكيفية الإحصاء في قوله: "من أحصاها دخل الجنة". فإنه كيف يحصي فالضمير راجع إلى المسمى الدال عليه قوله لله كأنه لما قيل ولله الأسماء الحسنى، سئل وما تلك الأسماء؟ فأجيب هو الله أو لما قيل من أحصاها دخل الجنة سئل كيف أحصاها فأجاب قل هو الله. فعلى هذا الضمير ضمير الشأن مبتدأ والله مبتدأ ثان. وقوله: الذي لا إله إلا هو خبره والجملة خبر الأول والموصول مع الصلة صفة الله انتهى. والله علم دال على المعبود بحق دلالة جامعة لجميع معاني الأسماء الآتية "الرحمن الرحيم" هما اسمان مشتقان من

(9/482)


المُهَيمِنُ العَزِيزُ الجَبّارُ المُتَكَبّر الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوّرُ الغَفّارُ القَهّارُ
ـــــــ
الرحمة مثل ندمان ونديم وهما من أبنية المبالغة ورحمان أبلغ من رحيم، والرحمن خاص لله لا يسمى به غيره ولا يوصف، والرحيم يوصف به غير الله تعالى فيقال رجل رحيم ولا يقال رحمن "الملك" أي ذو الملك التام والمراد به القدرة على الإيجاد والاختراع من قولهم فلان يملك الانتفاع بكذا إذا تمكن منه فيكون من أسماء الصفات، وقيل المتصرف في الأشياء بالإيجاد والإفناء والإماتة والإحياء فيكون من أسماء الأفعال كالخالق "القدوس" أي الطاهر المنزه من العيوب وفعول من أبنية المبالغة "السلام" مصدر نعت به للمبالغة قيل سلامته مما يلحق الخلق من العيب والفناء. والسلام في الأصل السلامة يقال سلم يسلم سلامة وسلاماً. ومنه قيل للجنة دار السلام لأنها دار السلامة من الآفات، وقيل معناه المسلم عباده عن المهالك "المؤمن" أي الذي يصدق عباده وعده فهو من الإيمان التصديق أو يؤمنهم في القيامة من عذابه فهو من الأمان والأمن ضد الخوف كذا في النهاية "المهيمن" الرقيب المبالغ في المراقبة والحفظ ومنه هيمن الطائر إذا نشر جناحه على فراخه صيانة لها، وقيل الشاهد أي العالم الذي لا يعرب عنه مثقال ذرة، وقيل الذي يشهد على كل نفس بما كسبت ومنه قوله تعالى: {وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} أي شاهداً وقيل القائم بأمور الخلق، وقيل أصله مؤيمن أبدلت الهاء من الهمزة فهو مفتعل من الأمانة بمعنى الأمين الصادق الوعد "العزيز" أي الغالب القوي الذي لا يغلب. والعزة في الأصل القوة والشدة والغلبة، تقول عز يعز بالكسر إذا صار عزيزاً وعز يعز بالفتح إذا اشتد "الجبار" معناه الذي يقهر العباد على ما أراد من أمر ونهي، يقال جبر الخلق وأجبرهم فأجبر أكثر، وقيل هو العالي فوق خلقه، وفعال من أبنية المبالغة ومنه قولهم نخلة جبارة وهي العظيمة التي تفوت يد المتناول "المتكبر" أي العظيم ذو الكبرياء، وقيل المتعالي عن صفات الخلق، وقيل المتكبر على عتاة خلقه، والتاء فيه للتفرد والتخصيص لا تاء التعاطي والتكلف والكبرياء العظمة والملك، وقيل هي عبارة عن كمال الذات وكمال الوجود ولا يوصف بها إلا الله تعالى وهو من الكبر وهو العظمة

(9/483)


الوَهّابُ الرّزّاقُ الفتّاحُ العَلِيمُ القَابِضُ البَاسِطُ الخافضُ الرّافِعُ المعزّ المذِل
ـــــــ
"الخالق" أي الذي أوجد الأشياء جميعها بعد أن لم تكن موجودة، وأصل الخلق التقدير فهو باعتبار تقدير ما منه وجودها وباعتبار الإيجاد على وفق التقدير خالق "البارئ" أي الذي خلق الخلق لا عن مثال، ولهذه اللفظة من الاختصاص بخلق الحيوان ما ليس لها بغيره من المخلوقات وقلما تستعمل في غير الحيوان، فيقال: برأ الله النسمة وخلق السماوات والأرض "المصور" أي الذي صور جميع الموجودات ورتبها فأعطى كل شيء منها صورة خاصة وهيئة منفردة يتميز بها على اختلافها وكثرتها "الغفار" قال الجزري في النهاية في أسماء الله: الغفار الغفور وهما من أبنية المبالغة ومعناهما الساتر لذنوب عباده وعيوبهم المتجاوز عن خطاياهم وذنوبهم، وأصل الغفر التغطية يقال غفر الله لك غفراً وغفراناً ومغفرة، والمغفرة إلباس الله تعالى العفو المذنبين "القهار" أي الغالب جميع الخلائق يقال قهره يقهره قهراً فهو قاهر وقهار للمبالغة "الوهاب" الهبة العطية الخالية عن الأعواض والأغراض فإذا كثرت سمي صاحبها وهاباً "الرزاق" أي الذي خلق الأرزاق وأعطى الخلائق أرزاقها وأوصلها إليهم، والأرزاق نوعان ظاهرة للأبدان كالأقوات وباطنة للقلوب والنفوس كالمعارف والعلوم "الفتاح" أي الذي بفتح أبواب الرزق والرحمة لعباده، وقيل معناه الحاكم بينهم، يقال فتح الحاكم بين الخصمين إذا فصل بينهما، الفاتح والحاكم والفتاح من أبنية المبالغة "العليم" أي العالم المحيط علمه بجميع الأشياء ظاهرها وباطنها دقيقها وجليلها على أتم الإمكان وفعيل من أبنية المبالغة "القابض" أي الذي يمسك الرزق وغيره من الأشياء عن العباد بلطفه وحكمته ويقبض الأرواح عند الممات "الباسط" أي الذي يبسط الرزق لعباده ويوسعه عليهم بجوده ورحمته ويبسط الأرواح في الأجساد عند الحياة "الخافض" أي الذي يخفض الجبارين والفراعنة أي يضعفهم ويهينهم ويخفض كل شيء يريد خفضه، والخفض ضد الرفع "الرافع" أي الذي يرفع المؤمنين بالإسعاد وأولياءه بالتقريب وهو ضد الخفض "المعز" الذي يهب العز لمن يشاء من عباده "المذل" الذي يلحق الذل بمن

(9/484)


السّمِيعُ البَصِيرُ الحَكَمُ العَدْلُ اللّطِيفُ الخَبِيرُ الحَلِيمُ العَظِيمُ الغَفُورُ الشّكُورُ العَلِيّ الكَبِيرُ الحَفِيظُ المُقِيتُ الحَسِيبُ الجَلِيلُ الكَرِيمُ
ـــــــ
يشاء من عباده وينفي عنه أنواع العز جميعها "السميع" المدرك لكل مسموع "البصير" المدرك لكل مبصر "الحكم" أي الحاكم الذي لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه "العدل" أي الذي لا يميل به الهوى فيجور في الحكم وهو في الأصل مصدر سمي به فوضع موضع العادل وهو أبلغ منه لأنه جعل المسمى نفسه عدلاً "اللطيف" أي الذي اجتمع له الرفق في الفعل والعلم بدقائق المصالح وإيصالها إلى من قدرها له من خلقه، يقال لطف به وله بالفتح يلطف لطفاً إذا رفق به، فأما لطف بالضم يلطف فمعناه صغر ودق "الخبير" أي العالم ببواطن الأشياء من الخبرة وهي العلم بالخفايا الباطنة "الحليم" الذي لا يستخفه شيء من عصيان العباد ولا يستفزه الغضب عليهم ولكنه جعل لكل شيء مقدار فهو منته إليه "العظيم" أي الذي جاوز قدره وجل عن حدود العقول حتى لا تتصور الإحاطة بكنهه وحقيقته، والعظم في صفات الأجسام كبر الطول والعرض والعمق والله تعالى جل قدره عن ذلك "الغفور" تقدم معناه "الشكور" الذي يعطي الثواب الجزيل على العمل القليل أو المثنى على عباده المطيعين "العلى" فعيل من العلو وهو البالغ في علو الرتبة بحيث لا رتبة إلا وهي منحطة عن رتبته. وقال بعضهم: هو الذي علا عن الإدراك ذاته وكبر عن التصور صفاته "الكبير" وضده الصغير يستعملان باعتبار مقادير الأجسام باعتبار الرتب وهو المراد هنا إما باعتبار أنه أكمل الموجودات وأشرفها من حيث أنه قديم أزلي غني على الإطلاق وما سواه حادث مفتقر إليه في الإيجاد والإمداد بالاتفاق. وإما باعتبار أنه كبير عن مشاهدة الحواس وإدراك العقول "الحفيظ" أي البالغ في الحفظ يحفظ الموجودات من الزوال والاختلال مدة ما شاء "المقيت" أي الحفيظ، وقيل المقتدر، وقيل الذي يعطي أقوات الخلائق وهو من أقاته يقيته إذا أعطاه قوته وهي لغة في قاته يقوته وأقاته أيضاً إذا حفظه "الحسيب" أي الكافي

(9/485)


الرّقِيبُ المُجِيبُ الْوَاسِعُ الحَكِيمُ الوَدُودُ المَجِيدُ البَاعِثُ الشّهِيدُ الحَق الوَكِيلُ القَوِيّ المَتِينُ الوَلِيّ الحَمِيدُ المُحْصِي المُبْدِئ المُعِيدُ المُحْيِي
ـــــــ
فعيل بمعنى مفعل من أحسبني الشيء إذا كفاني وأحسبته بالتشديد أعطيته ما يرضيه حتى يقول حسبي، وقيل إنه مأخوذ من الحسبان أي هو المحاسب للخلائق يوم القيامة فعيل بمعنى مفاعل "الجليل" أي الموصوف بنعوت الجلال والحاوي جميعها هو الجليل المطلق "الكريم" أي كثير الجود والعطاء الذي لا ينفد عطاؤه ولا تفني خزائنه وهو الكريم المطلق "الرقيب" أي الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء فعيل بمعنى فاعل "المجيب" أي الذي يقابل الدعاء والسؤال بالقبول والعطاء وهو اسم فاعل من أجاب يجيب "الواسع" أي الذي وسع غناه كل فقير ورحمته كل شيء، يقال وسعة الشيء يسعه سعة فهو واسع ووسع بالضم وساعة فهو وسيع، والوسع والسعة الجدة والطاقة "الحكيم" أي الحاكم بمعنى القاضي فعيل بمعنى فاعل أو هو الذي يحكم الأشياء ويتقنها فهو فعيل بمعنى مفعل، وقيل الحكيم ذو الحكمة والحكمة عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، ويقال لمن يحسن دقائق الصناعات ويتقنها حكيم "الودود" هو فعول بمعنى مفعول من الود المحبة، يقال وددت الرجل أوده وداً إذا أحببته، فالله تعالى مودود أي محبوب في قلوب أوليائه أو هو فعول بمعنى فاعل أي أنه يحب عباده الصالحين بمعنى أنه يرضى عنهم "المجيد" هو مبالغة الماجد من المجد وهو سعة الكرم فهو الذي لا تدرك سعة كرمه "الباعث" أي الذي يبعث الخلق أي يحييهم بعد الموت يوم القيامة وقيل أي باعث الرسل إلى الأمم "الشهيد" أي الذي لا يغيب عنه شيء، والشاهد الحاضر، وفعيل من أبنية المبالغة في فاعل، فإذا اعتبر العلم مطلقاً فهو العليم وإذا أضيف إلى الأمور الباطنة فهو الخير، وإذا أضيف إلى الأمور الظاهرة فهو الشهيد، وقد يعتبر مع هذا أن يشهد على الخلق يوم القيامة بما علم "الحق" أي الموجود حقيقة المتحقق وجوده وإلهيته، والحق ضد الباطل "الوكيل" أي القائم بأمور عباده المتكفل بمصالحهم "القوي" أي ذو القدرة التامة

(9/486)


المُمِيتُ الحَيّ القَيّومُ الوَاجِدُ المَاجِدُ الوَاحِدُ الصّمَدُ القَادِرُ المُقْتَدِرُ المُقَدّمُ المُؤَخّرُ الأوّلُ الآخر الظّاهِرُ البَاطِنُ الوَالِي المُتَعَالِي البَرّ
ـــــــ
البالغة إلى الكمال الذي لا يلحقه ضعف "المتين" أي القوي الشديد الذي لا يلحقه في أفعاله مشقة ولا كلفة ولا تعب، والمتانة الشدة والقوة فهو من حيث أنه بالغ القدرة تامها قوي ومن حيث أنه شديد القوة متين "الولي" أي الناصر وقيل المتولي لأمور العالم والخلائق القائم بها وقيل المحب لأوليائه "الحميد" أي المحمود المستحق للثناء على كل حال، فعيل بمعنى مفعول "المحصى" أي الذي أحصى كل شيء بعلمه وأحاط به فلا يفوته دقيق منها ولا جليل والإحصاء العد والحفظ "المبدئ" أي الذي أنشأ الأشياء واخترعها ابتداء من غير سابق مثال "المعيد" أي الذي يعيد الخلق بعد الحياة إلى الممات في الدنيا وبعد الممات إلى الحياة يوم القيامة "المحيي" أي معطي الحياة "المميت" أي خالق الموت ومسلطه على من شاء "الحي" أي الدائم البقاء "القيوم" أي القائم بنفسه والمقيم لغيره "الواجد" بالجيم أي الغني الذي لا يفتقر وقد وجد يجد جدة أي استغنى غنى لا فقر بعده، وقيل الذي يجد كل ما يريده ويطلبه ولا يفوته شيء "الماجد" بمعنى المجيد لكن المجيد للمبالغة "الواحد" أي الفرد الذي لم يزل وحده لم يكن معه آخر "الصمد" هو السيد الذي انتهى إله السؤدد، وقيل هو الدائم الباقي، وقيل هو الذي لا جوف له، وقيل الذي يصمد في الحوائج إليه أي يقصد "القادر المقتدر" معناهما ذو القدرة إلا أن المقتدر أبلغ في البناء من معنى التكلف والاكتساب فإن ذلك وإن امتنع في حقه تعالى حقيقة لكنه يفيد المعنى مبالغة "المقدم" أي الذي يقدم الأشياء ويضعها في مواضعها فمن استحق التقديم قدمه "المؤخر" الذي يؤخر الأشياء فيضعها في مواضعها وهو ضد المقدم "الأول" أي الذي لا بداية لأوليته "الآخر" أي الباقي بعد فناء خليقته ولا نهاية لآخريته "الظاهر" أي الذي ظهر فوق كل شيء وعلا عليه، وقيل هو الذي عرف بطرق الاستدلال العقلي بما ظهر لهم من آثار أفعاله وأوصافه "الباطن" أي المحتجب عن أبصار الخلائق وأوهامهم فلا يدركه بصر ولا يحيط به وهم "الوالي"

(9/487)


التّوّابُ المنتقم العَفُوّ الرّؤُوف مَالِكُ المُلْكِ ذُو الجَلاَلِ وَالإكْرَامِ المُقْسِطُ الجَامِعُ الغَنِيّ المُغْنِي المَانِعُ الضّارّ النّافِعُ النّورُ الهَادِي البَدِيعُ
ـــــــ
أي مالك الأشياء جميعها المتصرف فيها "المتعالى" الذي جل عن إفك المفترين وعلا شأنه، وقيل جل عن كل وصف وثناء وهو متفاعل من العلو "البر" أي العطوف على عباده ببره ولطفه، والبر بالكسر الإحسان "التواب" الذي يقبل توبة عباده مرة بعد أخرى "المنتقم" أي المبالغ في العقوبة لمن يشاء وهو مفتعل من نقم ينقم إذا بلغت به الكراهة حد السخط "العفو" فعول من العفو وهو الذي يمحو السيئات ويتجاوز عن المعاصي وهو أبلغ من الغفور لأن الغفران ينبئ عن الستر والعفو ينبئ عن المحو، وأصل العفو المحو والطمس وهو من أبنية المبالغة يقال عفا يعفو عفواً فهو عاف وعفو "الرؤوف" أي ذو الرأفة وهي شدة الرحمة "مالك الملك" أي الذي تنفذ مشيئته في ملكه يجري الأمور فيه على ما يشاء أو الذي له التصرف المطلق "ذو الجلال والإكرام" أي ذو العظمة والكبرياء وذو الإكرام لأوليائه بإنعامه عليهم "المقسط" أي العادل يقال أقسط يقسط فهو مقسط إذا عدل، وقسط يقسط فهو قاسط إذا جار، فكأن الهمزة في أقسط للسلب كما يقال شكا إليه فأشكاه "الجامع" أي الذي يجمع الخلائق ليوم الحساب، وقيل هو المؤلف بين المتماثلات والمتباينات والمتضادات في الوجود "الغني" أي الذي لا يحتاج إلى أحد في شيء وكل أحد يحتاج إليه وهذا هو الغني المطلق ولا يشارك الله فيه غيره "المغني" أي الذي يغني من يشاء من عباده "المانع" أي الذي يمنع عن أهل طاعته ويحوطهم وينصرهم. وقيل يمنع من يريد من خلقه ما يريد ويعطيه ما يريد "الضار" أي الذي يضر من يشاء من خلقه حيث هو خالق الأشياء كلها خيرها وشرها ونفعها وضرها "النافع" أي الذي يوصل النفع إلى من يشاء من خلقه حيث هو خالق النفع والضر والخير والشر "النور" أي الذي يبصر بنوره ذو العماية ويرشد بهداه ذو الغواية، وقيل هو الظاهر الذي به كل ظهور فالظاهر في نفسه المظهر لغيره يسمى نوراً "الهادي" أي الذي بصر عباده وعرفهم طريق معرفته حتى أقروا بربوبيته وهدى كل مخلوق إلى ما لا بد له منه في بقائه ودوام

(9/488)


البَاقِي الوَارِثُ الرّشِيدُ الصّبُور" . هَذا حديثٌ غَرِيبٌ حَدّثَنا بِهِ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ صَفْوَانَ بنِ صَالِحٍ وَلاَ نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حَدِيثِ صَفْوَانَ بنِ صَالحٍ وهُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الحدِيثِ. وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم وَلا نَعْلَمُ في كَبِيرِ شَيْءٍ مِنَ الرّوَايَاتِ ذِكْرَ الأسْمَاءِ إلاّ في هَذَا الحَدِيثِ، وَقَدْ رَوَى آدَمُ بنُ أبي إيَاسٍ هَذَا الحدِيثَ بإِسْنَادٍ غَيْرِ هَذَا عَن
ـــــــ
وجوده "البديع" أي الخالق المخترع لا عن مثال سابق فعيل بمعنى مفعل يقال أبدع فهو مبدع "الباقي" أي الدائم الوجود الذي لا يقبل الفناء "الوارث" أي الذي يرث الخلائق ويبقى بعد فنائم "الرشيد" أي الذي أرشد الخلق إلى مصالحهم أي هداهم ودلهم عليها فعيل بمعنى مفعل، وقبل هو الذي تنساق تدبيراته إلى غاياتها على سننن السداد من غير إشارة مشير ولا تسديد مسدد "الصبور" أي الذي لا يعاجل العصاة بالانتقام وهو من أبنية المبالغة ومعناه قريب من معنى الحليم والفرق بينهما أن المذنب لا يأمن العقوبة في صفة الصبور كما يأمنها في صفة الحليم.
قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه ابن ماجة وابن حبان والحاكم في مستدركه والبيهقي في الدعوات الكبير. قوله: "ولا نعرفه إلا من حديث" صفوان بن صالح وهو ثقة عند أهل الحديث قال الحافظ: ولم ينفرد به صفوان فقد أخرجه البيهقي من طريق موسى بن أيوب النصيبي وهو ثقة عن الوليد أيضاً وقد اختلف في سنده على الوليد، ثم ذكر الحافظ الاختلاف وبسط الكلام ههنا "وقد روى هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا نعلم في كبير شيء من الروايات ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث" المراد بكبير شيء من الروايات أي في كثير منها، واختلف العلماء في سرد الأسماء هل هو مرفوع أو مدرج في الخبر من بعض الرواة فمشى كثير منهم على الأول واستدلوا به على جواز تسمية الله تعالى بما لم يرد في القرآن بصيغة الاسم لأن كثيراً من

(9/489)


أبي هُرَيْرَةَ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم وذَكَرَ فِيهِ الأسْمَاءَ وَلَيْسَ لَهُ إسْنَادٌ صحيحٌ.
3575 ـ حدثنا ابنُ أَبي عُمَرَ أخبرنا سُفْيَانُ بن عيينة عَن أَبي الزّنَادِ عَن الأعْرَجِ عَن أبي هُرَيْرَةَ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "إِنّ لله تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْماً مَنْ أَحْصَاها دَخَلَ الْجَنّةَ" . وَلَيْسَ في هَذَا الحَديثِ ذِكْرُ الأسْمَاءِ. وهو حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ رَوَاهُ أَبُو اليَمَانِ عَن شُعَيْبِ بنِ أبي حَمْزَةَ عَن أَبي الزّنَادِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الأسْمَاءَ.
ـــــــ
هذه الأسماء كذلك. وذهب آخرون إلى أن التعين مدرج لخلو أكثر الروايات عنه ونقله عبد العزيز اليخشبي عن كثير من العلماء. قال الحاكم بعد تخريج الحديث من طريق صفوان بن صالح عن الوليد بن مسلم صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بسياق الأسماء الحسنى، والعلة فيه عندهما تفرد الوليد بن مسلم قال: ولا أعلم خلافاً عند أهل الحديث أن الوليد أوثق وأحفظ وأجل وأعظم من بشر بن شعيب وعلي بن عياش وغيرهما من أصحاب شعيب، يشير إلى أن بشراً وعلياً وأبا اليمان رووه عن شعيب بدون سياق الأسماء فرواية أبي السيمان عند البخاري ورواية علي عند النسائي ورواية بشر عند البيهقي، قال الحافظ وليست العلة عند الشيخين تفرد الوليد فقط بل الاختلاف فيه والاضطراب وتدليسه واحتمال الإدراج "وقد روى آدم بن أبي إياس هذا الحديث بإسناد غير هذا إلى قوله وليس له إسناد صحيح" قال الحافظ في التلخيص بعد نقل كلام الترمذي هذا ما لفظه: الطريق الذي أشار إليها الترمذي رواها الحاكم في المستدرك من طريق عبد العزيز بن الحصين عن أيوب وعن هشام بن حسان جميعاً عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة وفيها زيادة ونقصان وقال محفوظ عن أيوب وهشام بدون ذكر الأسامي، قال الحاكم وعبد العزيز ثقة قال الحافظ بل متفق على ضعفه وهاه البخاري ومسلم وابن معين وقال البيهقي: هو ضعيف عند أهل النقل انتهى.

(9/490)


3576 ـ حدثنا إبْرَاهيمُ بنُ يَعْقوب، أخبرنا زيْدُ بنُ حُباب أنّ حُمَيْد المَكّي مَوْلَى ابنِ عَلْقَمَةَ حَدّثَهُ أنّ عَطَاءَ بنَ أبي رَبَاح حَدّثَهُ عَن أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا مَرَرْتُم بِرِيَاضِ الْجَنّةِ فارْتَعُوا، قُلْتُ يا رَسُولَ الله وَمَا رِيَاضُ الْجَنّةِ؟ قالَ: المَسَاجِدُ، قُلْتُ ومَا الرّتْعُ يَا رَسُولَ الله؟ قالَ: سُبْحَانَ الله والْحَمْدُ لله وَلاَ إِلَه إِلاّ الله وَالله أَكْبَرُ" . هَذا حديثٌ حسنٌ غَرِيبٌ.
3577 ـ حدثنا عَبْدُ الوَارِثِ بنُ عَبْدِ الصّمَدِ بنِ عَبْدِ الوَارِثِ
ـــــــ
قوله: "حدثنا زيد بن حباب" العكلي "أن حميد المكي مولى ابن علقمة" في التقريب مجهول في الخلاصة قال البخاري لا يتابع. وفي تهذيب التهذيب له في الترمذي حديث واحد: إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا. قوله: "إذا مررتم برياض الجنة" الرياض جمع الروضة وهي أرض مخضرة بأنواع النبات يقال لها بالفارسية مرغزار "فارتعوا" في القاموس. رتع كمنع رتعا ورتوعاً ورتاعاً بالكسر أكل وشرب ما شاء في خصب وسعة أو هو الأكل والشرب رغداً في الريف "قال المساجد" وفي حديث أنس الآتي: حلق الذكر ولا تنافي بينهما لأن حلق الذكر تصدق بالمساجد وغيرها فهي أعم وخصت المساجد هنا لأنها أفضل وجعل المساجد رياض الجنة بناء على أن العبادة سبب للحصول في رياض الجنة "قلت وما الرتع يا رسول الله قال سبحان الله والحمد الله الخ" وضع الرتع موضع القول لرعاية المناسبة لفظاً ومعنى لأن هذا القول سبب لنيل الثواب الجزيل، والرتع هنا كما في قوله تعالى: {يَرْتَعْ} وهو أن يتسع في أكل الفواكه والمستلذات والخروج إلى التنزه في الأرياف والمياه كما هو عادة الناس إذا خرجوا إلى الرياض ثم اتسع واستعمل في الفوز بالثواب الجزيل، وتلخيص معنى الحديث "إذا مررتم بالمساجد فقولوا هذا القول". قاله الطيبي. قوله: "هذا حديث غريب" في سنده حميد المكي وهو مجهول كما عرفت.

(9/491)


قالَ حدثني أَبِي قالَ حدثني مُحمّدُ بنُ ثَابِتٍ هُوَ البُنَانِيّ حدثني أبِي عَن أنَسِ بنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "إذَا مَرَرْتُمْ برِيَاضِ الْجَنّةِ فارْتَعُوا، قالُوا وَمَا رِيَاضُ الْجَنّةِ؟ قالَ حِلَقُ الذّكْرِ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ ثابِتٍ عَن أنَسٍ.
ـــــــ
قوله: "حلق الذكر" أي هي حلق الذكر، قال في النهاية الحلق بكسر الحاء وفتح اللام جمع الحلقة مثل قصعة وقصع ومر الجماعة من الناس مستديرون كحلقة الباب وغيره، والتحلق تفعل منها وهو أن يتعمدوا ذلك. وقال الجوهري جمع الحلقة حلق بفتح الحاء على غير قياس، وحكي عن أبي عمرو أن الواحد حلقه بالتحريك والجمع حلق بالفتح وقال ثعلب كلهم يجيزه على ضعفه. قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد والبيهقي في شعب الإيمان

(9/492)


88 ـ باب
3578 ـ حدثنا إبْرَاهيمُ بنُ يَعْقُوبَ، أخبرنا عَمْرُو بنُ عَاصمٍ، أخبرنا حَمّادُ بنُ سَلمَةَ عَن ثابِتٍ عَن عُمَرَ بنِ أَبي سَلَمَةَ عَن أُمّهِ أُمّ سَلَمَةَ عَن أبِي سَلَمةَ أَنّ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "إِذَا أَصَابَ أَحَدَكُمْ مُصِيبَةٌ فَلْيَقُلْ إنّا لله وَإِنّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللّهُمّ عِنْدَكَ أحْتَسِبُ مُصِيبَتِي فأجُرْنِي فِيهَا وَأبْدِلْنِي مِنْهَا خَيْراً. فَلَمّا احتضِرَ
ـــــــ
"باب"
قوله: "أخبرنا عمرو بن عاصم" بن عبيد الله الكلابي "عن ثابت" البناني "عن عمر بن أبي سلمة" هو ربيب النبي صلى الله عليه وسلم قوله: "إنا لله" أي ملكاً وخلقاً "وإنا إليه راجعون" أي في الآخرة "اللهم عندك أحتسب مصيبتي"

(9/492)


أبُو سَلَمَةَ قالَ: اللّهُمّ اخْلُفْ في أهْلِي خَيْراً مِنّي. فَلَمّا قُبِضَ قالَتْ أُمّ سَلَمَةَ إِنّا لله وَإنّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ، عِنْدَ الله أحْتَسِبُ مُصِيبَتِي فأْجُرْنِي فِيهَا" . هَذا حديثٌ حسن غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ. وَرُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ عَن أُمّ سَلَمةَ "عن النبي صلى الله عليه وسلم". وَأبُو سَلمَةَ اسمُهُ عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الأَسَدِ.
ـــــــ
قال الجزري في النهاية الاحتساب من الحسب كالاعتداد من العد وإنما قيل لمن ينوي بعمله وجه الله أحتسب لأن له حينئذ أن يعتد عمله فجعل في حال مباشرة الفعل كأنه معتد به، والحسبة اسم من الاحتساب كالعدة من الاعتداد وهو لاحتساب في الأعمال الصالحة، وعند المكروهات هو البدار إلى طلب الأجر وتحصيله بالتسليم والصبر وباستعمال أنواع البر والقيام بها على الوجه المرسوم فيها طلباً للثواب المرجو منها "فأجرني" بسكون الهمزة وضم الجيم وبالمد وكسر الجيم قال في النهاية: آجره يؤجره إذا أثابه وأعطاه الأجر والجزاء وكذلك أجره يأجره والأمر منهما آجرني "وأبدلني منها" أي من مصيبتي "خيراً" مفعول ثان لأبدلني "فلما احتضر أبو سلمة" بصيغة المجهول أي دنا موته، يقال حضر فلان واحتضر إذا دنا موته "قال اللهم اخلف في أهلي خيراً مني" يقال خلف الله لك خلفاً بخير وأخلف عليك خيراً أي أبدلك بما ذهب منك وعوضك عنه، وقيل إذا ذهب للرجل ما يخلفه مثل المال والولد قيل أخلف الله لك وعليك، وإذا ذهب له ما لا يخلفه غالباً كالأب والأم قيل خلف الله عليك، وقد يقال خلف الله عليك إذا مات لك ميت أي كان الله خليفة عليك وأخلف الله عليك أي أبدلك كذا في النهاية "فلما قبض" أي قبض روحه ومات. قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه ابن ماجة "وروى هذا الحديث من غير هذا الوجه عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم" أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي في عمل اليوم والليلة "وأبو سلمة اسمه عبد الله بن عبد الأسد" بن هلال

(9/493)


ـــــــ
بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي أخو النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة وابن عمته برة بنت عبد المطلب كان من السابقين شهدا بدراً ومات في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، مات في جمادي الآخرة سنة أربع بعد أحد فتزوج النبي صلى الله عليه وسلم بعده بزوجته أم سلمة.

(9/494)


89 ـ باب
3579 ـ حدثنا يُوسُفُ بنُ عِيسَى، أخبرنا الفَضْلُ بنُ مُوسَى أخبرنا سَلَمَةُ بنُ وَرْدَانَ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ "أَنّ رَجُلاً جاءَ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالَ يَا رَسُولَ الله أيّ الدّعَاءِ أفْضَلُ؟ قالَ: سَلْ رَبّكَ العَافِيَةَ وَالمُعَافَاةَ في الدّنْيَا والآخرة، ثُمّ أَتَاهُ في اليَوْمِ الثّانِي فقَالَ يا رَسُولَ الله أيّ الدّعَاءِ أفْضَلُ؟ فقالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمّ أَتَاهُ في اليَوْمَ الثّالِثِ فقالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ قَالَ: فإِذَا أُعْطِيتَ العَافِيَةَ في الدّنْيَا وأُعْطِيتَهَا في الآخرة فَقَدْ أفْلَحْتَ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ إِنّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ بنِ وَرْدَانَ.
ـــــــ
"باب"
قوله: "حدثنا يوسف بن عيسى" بن دينار المروزي "أخبرنا الفضل بن موسى" السيناني المروزي "حدثنا سلمة بن وردان" الليثي المدني. قوله: "سل ربك العافية والمعافاة" قال الجزري في النهاية: العافية أن تسلم من الأسقام والبلايا وهي الصحة وضد المرض، والمعافاة هي أن يعافيك الله من الناس ويعافيهم منك أي يغنيك عنهم ويغنيهم عنك ويصرف أذاهم عنك وأذاك عنهم، وقيل هي مفاعلة من العفو وهو أن يعفوا عن الناس ويعفوهم عنه انتهى. وقال في القاموس: والعافية دفاع الله عن العبد عافاه الله من المكروه معافاة وعافية وهب له العافية من العلل والبلاء كأعفاء "فقال له مثل ذلك"

(9/494)


3580 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ، أخبرنا جَعْفَرُ بنُ سُلَيْمَانَ الضّبَعِيّ عَن كَهْمَسِ بنِ الْحَسَنِ عَن عَبْدِ الله بنِ بُرَيْدَةَ عَن عَائِشَةَ قالَتْ: "قُلْتُ يا رَسُولَ الله أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أيّ لَيْلَةٍ لَيْلَةٍ القَدْرِ مَا أقُولُ فِيهَا؟ قالَ: قُولِي اللّهُمّ إِنّكَ عَفُوّ كريم تُحِبُ العَفْوَ فاعْفُ عَنّي" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
أي مثل ذلك القول فنصبه على المصدرية "ثم أتاه يوم الثالث" وفي رواية ابن ماجة: ثم أتاه في اليوم الثالث "فقد أفلحت" أي فزت بمرادك وظفرت بمقصودك وفي الحديث التصريح بأن الدعاء بالعافية أفضل الدعاء ولا سيما بعد تكريره للسائل في ثلاثة أيام حين أن يأتيه للسؤال عن أفضل الدعاء، فأفاد هذا أن الدعاء بالعافية أفضل من غيره من الأدعية، ثم في قوله: "فإذا أعطيت العافية في الدنيا الخ" دليل ظاهر واضح بأن الدعاء بالعافية يشمل أمور الدنيا والآخرة لأنه قال هذه المقالة بعد أن قال له "سل ربك العافية" ثلاث مرات. فكان ذلك كالبيان لعموم بركة هذه الدعوة بالعافية لمصالح الدنيا والآخرة، ثم رتب على ذلك الفلاح الذي هو المقصد الأسنى والمطلوب الأكبر. قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه ابن ماجة "إنما نعرفه من حديث سلمة بن وردان" وهو ضعيف.
قوله: "عن عبد الله بن بريدة" الأسلمي المروزي قوله: "أرأيت" أي أخبرني "إن علمت" جوابه محذوف يدل عليه ما قبله "أي ليلة" مبتدأ وخبره "ليلة القدر" والجملة سدت مسد المفعولين لعلمت تعليقاً قيل القياس آية ليلة فذكر باعتبار الزمان كما ذكر في قوله صلى الله عليه وسلم: "أي آية من كتاب الله معك أعظم" ؟ باعتبار الكلام واللفظ "ما أقول" متعلق بأرأيت "فيها" أي في تلك الليلة، قال الطيبي: ما أقول فيها جواب الشرط وكان حق الجواب أن يؤتي بالفاء ولعله سقط من قلم الناسخ وتعقب عليه القاري بأن دعوى السقوط من قلم الناسخ ليست بصحيحة وقد جاء حذف الفاء على القلة "اللهم إنك عفو" أي كثير العفو. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والنسائي وابن ماجة والحاكم.

(9/495)


3581 ـ حدثنا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ، أخبرنا عُبَيْدَة بنُ حمَيْدٍ عَن يَزِيدَ بنِ أَبِي زِيَادٍ عَن عَبْدِ الله بنِ الْحَارِثِ عَن العَبّاسِ بنِ عَبْدِ المُطّلِبِ قالَ: "قُلْتُ يا رَسُولَ الله عَلّمْنِي شَيْئاً أسْألُه الله عز وجلّ، قالَ: سَلِ الله العَافِيَةَ، فَمَكَثْتُ أَيّاماً ثُمّ جِئْتُ فَقُلْتُ يا رَسُولَ الله عَلّمْنِي شَيْئاً أسْأَلُه الله؟ فقالَ لِي: يَا عَبّاسُ يَا عَمّ رَسُولِ الله سل الله العَافِيَةَ في الدّنْيَا والآخرة" . هَذا حديثٌ صحيحٌ. وَعَبْدُ الله هو ابنِ الحَارِثِ بنِ نَوْفَلٍ وقَدْ سَمِعَ مِنَ العَبّاسِ بنِ عَبْدِ المُطّلِبِ.
ـــــــ
قوله: "عن يزيد بن أبي زياد" القرشي الهاشمي الكوفي "عن عبد الله بن الحارث" بن نوفل الهاشمي المدني. قوله: "اسأله الله" أي اطلبه من الله تعالى "سل الله العافية" في أمره صلى الله عليه وسلم للعباس بالدعاء بالعافية بعد تكرير العباس سؤاله بأن يعلمه شيئاً يسأل الله به دليل جلى بأن الدعاء بالعافية لا يساويه شيء من الأدعية ولا يقوم مقامه شيء من الكلام الذي يدعى به ذو الجلال والإكرام، وقد تقدم تحقيق معنى العافية أنها دفاع الله عن العبد، فالداعي بها قد سأل ربه دفاعه عن كل ما ينويه، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل عمه العباس منزلة أبيه ويرى له من الحق ما يرى الولد لوالده ففي تخصيصه بهذا الدعاء وقصره على مجرد الدعاء بالعافية تحريك لهمم الراغبين على ملازمته وأن يجعلوه من أعظم ما يتوسلون به إلى ربهم سبحانه وتعالى ويستدفعون به في كل ما يهمهم، ثم كلمه صلى الله عليه وسلم بقوله: "سل الله العافية في الدنيا والآخرة" . فكان هذا الدعاء من هذه الحيثية قد صار عدة لدفع كل ضر وجلب كل خير، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جداً. قال الجزري في عدة الحصن الحصين: لقد تواتر عنه صلى الله عليه وسلم دعاءه بالعافية وورد عنه صلى الله عليه وسلم لفظاً ومعنى من تحو من خمسين طريقاً. قوله: "هذا حديث صحيح" وأخرجه الطبراني بأسانيد ورجال بعضها رجال الصحيح غير يزيد بن أبي زياد وهو حسن الحديث كذا في مجمع الزوائد وأخرجه أحمد أيضاً.

(9/496)


90 ـ باب
3582 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ، أخبرنا إبْرَاهيمُ بنُ عُمَرَ بنِ أَبي الوَزِيرِ أخبرنا زَنْفَلُ بنُ عَبْدِ الله أبُو عَبْدِ الله عَن ابنِ أَبي مُلَيْكَةَ عَن عَائشَةَ عَن أبي بَكْرٍ الصّدّيِق "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كانَ إِذَا أرَادَ أمْراً قالَ: اللّهُمّ خِرْ لِي وَاخْتَرْ لِي" . هَذا حديثٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حَدِيثِ زَنْفَلٍ وهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَيُقَالُ لَهُ زَنْفَلُ بنُ عَبْدِ الله العَرَفِيّ وكَانَ يسكنُ عَرَفاتٍ وَتَفَرّدَ بهَذَا الْحَدِيثِ وَلاَ يُتَابَعُ عَلَيْهِ.
ـــــــ
"باب"
قوله: "اللهم خر لي واختر لي" أي اجعل أمري خيراً وألهمني فعله واختر لي أصلح الأمرين. قوله: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث زنفل" بفتح الزاي وسكون النون وبالفاء بوزن جعفر "وهو ضعيف عند أهل الحديث" قال الحافظ في تهذيب التهذيب بعد نقل كلام الترمذي هذا: وقال ابن حبان كان قليل الحديث وفي قلته مناكير لا يحتج به، وفي تاريخ البخاري كان به خبل "ويقال له زنفل بن عبد الله العرفي" بفتح العين المهملة والراء

(9/497)


91 ـ باب
3583 ـ حدثنا إسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ، أخبرنا حِبّانُ بنُ هِلاَلٍ أخبرنا أبَانُ هُوَ ابنُ يَزِيدَ العَطّارُ، أخبرنا يَحْيَى أنّ زَيْدَ بنَ سَلاّمٍ
ـــــــ
"باب"
قوله: "أخبرنا يحيى" هو ابن أبي كثير الطائي "أن زيد بن سلام" بن أبي

(9/497)


حدّثَهُ أَنّ أبا سَلاّمٍ حَدّثَهُ عَن أبي مَالِكٍ الأَشْعَرِيّ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "الوُضُوءُ شَطْرُ الإيمانِ، وَالْحَمْدُ لله تَمْلأُ المِيزَانَ، وسُبْحَانَ الله والْحَمْدُ لله تَمْلاَنِ أَوْ تَمْلأُ مَا بَيْنَ السّمَاوَاتِ والأرْضِ، والصّلاَةُ نُورٌ، وَالصّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالقُرْآنُ
ـــــــ
سلام الحبشي "أن أبا سلام" اسمه ممطور الحبشي "عن أبي مالك الأشعري" اسمه الحارث بن الحارث صحابي تفرد بالرواية عند أبو سلام. قوله: "الوضوء" بضم أوله "شطر الإيمان" وفي رواية مسلم: الطهور شطر الإيمان. وفي الحديث جرى النهدي الآتي: الطهور نصف الإيمان. قال النووي. اختلف العلماء في معناه فقيل معناه أن الأجر فيه ينتهي تضعيفه إلى نصف أجر الإيمان، وقيل معناه أن الإيمان يجب ما قبله من الخطايا وكذلك الوضوء إلا أن الوضوء لا يصح إلا مع الإيمان فصار لتوقفه على الإيمان في معنى الشطر، وقيل المراد بالإيمان هنا الصلاة كما قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} والطهارة شرط في صحة الصلاة فصارت كالشطر وليس يلزم في الشطر أن يكون نصفاً حقيقياً وهذا القول أقرب الأقوال، ويحتمل أن يكون معناه أن الإيمان تصديق بالقلب وانقياد بالظاهر وهما شطران للإيمان والطهارة متضمنة الصلاة فهي انقياد في الظاهر انتهى "والحمد لله تملأ الميزان" معناه عظم أجرها وأنه يملأ الميزان وقد تظاهرت نصوص القرآن والسنة على وزن الإيمان وثقل الموازين وخفتها "تملاَن أو تملأ" شك من الراوي، قال النووي: ضبطناهما بالتاء المشاة من فوق، وقال صاحب التحرير يجوز يملاَن بالتأنيث والتذكير جميعاً. قال الطيبي فالأول أي تملاَن ظاهر والثاني فيها ضمير الجملة أي الجملة الشاملة لهما ويمكن أن يكون الإفراد بتقدير كل واحدة منهما "ما بين السموات والأرض" معناه أنه لو قدر ثوابهما جسماً لملاَ ما بين السماوات والأرض، وسبب عظم فضلهما ما اشتملتا عليه من التنزيه لله بقوله سبحان الله. والتفويض والافتقار إلى الله تعالى بقوله الحمد لله "والصلاة نور" معناه أنها تمنع من المعاصي وتنهى عن الفحشاء والمنكر. وتهدي إلى الصواب. كما أن

(9/498)


حُجّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ كُلّ النّاسِ يَغْدُو، فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أوْ مُوبِقُهَا" . هَذا حديثٌ حسن صحيحٌ.
ـــــــ
النور يستضاء به، وقيل معناه أنه يكون أجرها نوراً لصاحبها يوم القيامة وقيل لأنها سبب لاشراق أنوار المعارف وانشراح القلب ومكاشفات الحقائق لفراغ القلب فيها وإقباله إلى الله تعالى بظاهره وباطنه، وقد قال الله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ} وقيل معناه أنها تكون نوراً ظاهراً على وجهه يوم القيامة ويكون في الدنيا أيضاً على وجهه البهاء بخلاف من لم يصل "والصدقة برهان" معناه يفزع إليها كما يفزع إلى البراهين كأن العبد إذا سئل يوم القيامة عن مصرف ماله كانت صدقاته براهين في جواب هذا السؤال فيقول تصدقت به، ويجوز أن يوسم المتصدق بسيما يعرف بها فيكون برهاناً له على حاله ولا يسأل عن مصرف ماله، وقيل معناه الصدقة حجة على إيمان فاعلها فإن المنافق يمتنع منها لكونه لا يعتقدها فمن تصدق استدل بصدقته على صدق إيمانه "والصبر ضياء" معناه الصبر المحبوب في الشرع وهو الصبر على طاعة الله تعالى والصبر عن معصيته والصبر أيضاً على النائبات وأنواع المكاره في الدنيا، والمراد أن الصبر المحمود لا يزال صاحبه مستضيئاً مهتدياً مستمراً على الصواب. قال إبراهيم الخواص: الصبر هو الثبات على الكتاب والسنة "والقرآن حجة لك أو عليك" معناه ظاهر أي تنتفع به إن تلوته وعملت به وإلا فهو حجة عليك "كل الناس يغدو" أي يصبح "فبايع نفسه فمعتقها أو موبقها" أي كل إنسان يسعى بنفسه فمنهم من يبيعها لله تعالى بطاعته فيعتقها من العذاب ومنهم من يبيعها للشيطان والهوى باتباعهما فيوبقها أي يهلكها. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد ومسلم والنسائي.

(9/499)


92 ـ باب
3584 ـ حدثنا الحَسَنُ بنُ عَرَفَةَ، أخبرنا إسْمَاعِيلُ بنُ عَيّاشٍ عَن عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ زِيَادٍ عَن عَبْدِ الله بنِ يَزِيدِ عَن عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "التّسْبِيحُ نِصْفُ المِيزَانِ والْحَمْدُ لله يَمْلَؤُهُ. وَلاَ إلَهَ إلاّ الله لَيْسَ لَهَا دُونَ الله حِجَابٌ حَتّى تَخْلُصَ إلَيْهِ" . هَذا حديثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ولَيْسَ إسْنَادُهُ بالقَوِيّ.
ـــــــ
"باب"
قوله: "عن عبد الرحمن بن زياد" بن أنعم الأفريقي "عن عبد الله بن يزيد" هو أبو عبد الرحمن الجبلي المصري المعافري. قوله: "التسبيح نصف الميزان" أي ثوابه بعد تجسمه يملأ نصف الميزان والمراد به إحدى كفتيه الموضوعة لوضع الحسنات فيها "والحمد لله يملؤه" أي الميزان أو نصفه وهو أظهر لأن الأذكار تنحصر في نوعين التنزيه والتحميد. قال الطيبي فيكون الحمد نصفه الآخر فهما متساويان، ويلائمه حديث ثقيلتان في الميزان، ويحتمل تفضيل الحمد بأنه يملأ الميزان وحده لاشتماله على التنزيه ضمناً لأن الوصف بالكمال متضمن نفي النقصان ويؤيده قوله: "ولا إله إلا الله ليس لها دون الله حجاب" فإنها تتضمن التحميد والتنزيه ولذا صارت موجبة للقرب وهو معنى قوله: "حتى تخلص" بضم اللام "إليه" أي تصل عنده وتنتهي إلى محل القبول بالمراد بهذا وأمثاله سرعة القبول والإجابة وكثرة الأجر والإثابة. وفيه دلالة ظاهرة على أن لا إله إلا الله أفضل من سبحان الله والحمد لله. قوله: "وليس إسناده بالقوي" لأن فيه عبد الرحمن بن زياد الإفريقي وهو ضعيف وإسماعيل بن عياش وهو صدوق في روايته عن أهل بلده مخلط في غيرهم.

(9/500)


3585 ـ حدثنا هَنّادٌ، أخبرنا أَبُو الأحْوَصِ عَن أبي إسْحَاقَ عَن جُرَيَر النّهْدِي عَن رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ قال: "عَدّهُنّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في يَدِي أوْ فِي يَدِهِ: التّسْبِيحُ نِصْفُ المِيزَانِ والْحَمْدُ لله يَمْلَؤُهُ. والتّكْبِيرُ يَمْلأُ مَا بَيْنَ السّماءِ وَالأَرْضِ، والصّوْمُ نِصْفُ الصّبْرِ، وَالطّهُورُ نِصْفُ الإيمَانِ" . قال أبو عيسى هَذا حديثٌ حَسَنٌ. وقَدْ رَوَاه شُعْبَةُ والثّوْرِيّ عَن أبي إسْحَاقَ.
ـــــــ
قوله: "أخبرنا أبو الأحوص" اسمه سلام بن سليم الحنفي "عن أبي إسحاق" السبيعي "عن جري" بضم الحيم وفتح الراء وتشديد التحتية تصغير جرو بن كليب النهدي الكوفي مقبول من الثالثة "عن رجل من بني سليم" بالتصغير. قوله: "عدهن" أي الخصال الآتية فهو ضمير مبهم يفسره ما بعده كقوله تعالى: {فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} والمفسر هنا قوله التسبيح الخ "في يدي" أي أخذ أصابع يدي وجعل يعقدها في الكف خمس مرات على عد الخصال لمزيد التفهيم والاستحضار "أو في يده" شك من الراوي "والصوم نصف الصبر" وهو الصبر على الطاعة فبقي النصف الآخر عن المعصية أو المصيبة. أو الصوم صبر عن الحلق والفرج فبقي نصفه الآخر من الصبر عن سائر الأعضاء "والطهور" بضم أوله "نصف الإيمان" لأن الإيمان تطهير السر عن دنس الشرك فمن طهر جوارحه فقد طهر ظاهره وهو آت بنصف الإيمان فإن طهر باطنه استكمل الإيمان. قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه أحمد من طريق شعبة عن أبي إسحاق عن جري النهدي.

(9/501)


93 ـ باب
3586 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ حَاتِمٍ المُؤَدّبُ، أخبرنا عَلِيّ بنُ ثابِتٍ حدثني قَيْسُ بنُ الرّبِيعِ وكَانَ مِنْ بَنِي أسَدٍ عَن الأَغَرّ بنِ الصّبّاحِ عَن خَلِيفَةَ بنِ حُصَيْنٍ عَن عَلِيّ بنِ أَبي طالِبٍ قالَ: "أكْثَرُ مَا دَعَا بِهِ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَشِيّةَ عَرَفَةَ في المَوْقِفِ: اللّهُمّ لَكَ الْحَمْدُ كالّذِي نَقُولُ وخَيْراً مِمّا نَقُولُ. اللّهُمّ لَكَ صَلاَتِي ونُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي، وإلَيْكَ مَآبي، وَلَكَ رَبّ تُرَاثي. اللّهُمّ إِنّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَوَسْوَسَةِ الصّدْرِ، وَشَتَاتِ الأمْرِ. اللّهُمّ إِنّي
ـــــــ
"باب"
قوله: "أخبرنا علي بن ثابت" الجزري الهاشمي "عن الأغر بن الصباح" التميمي المنقري "عن خليفة بن حصين" بن قيس التميمي المنقري. قوله: "كالذي تقول" بالفوقية أي كالحمد الذي تحمد به نفسك "وخيراً مما نقول" بالنون أي وخيراً مما نحمدك به من المحامد "اللهم لك" أي لا لغيرك "ونسكى" أي وسائر عباداتي أو تقربي بالذبح "ومحياي ومماتي" أي حياتي وموتي. وقال الطيبي أي وما آتيه في حياتي وما أموت عليه من الإيمان والعمل الصالح "وإليك مآبي" أي مرجعي "ولك رب" أي يا رب "ترائي" بضم الفوقية وبالراء وبالمثلثة، قال المناوي هو ما يخلفه الإنسان لورثته فبين أنه لا يورث وأن ما يخلفه صدقه لله "ووسوسة الصدر" أي حديث النفس بما لا ينبغي "وشتات الأمر" بفتح المعجمة وخفة المثناة الفوقية أي تفرقه وعدم انضباطه وذلك هو من أعظم أسباب الضرر اللاحق لمن لا تنضبط له الأمور. قوله:

(9/502)


أَعُوذَ بِكَ مِنْ شَرّ مَا تَجِيءُ بِهِ الرّيحُ" . هَذا حديثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ولَيْسَ إِسْنَادُهُ بالْقَوِيّ.
ـــــــ
"هذا حديث غريب" وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان "وليس إسناده بالقوي" لأن فيه قيس بن الربيع وهو صدوق تغير لما كبر وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به.

(9/503)


94 ـ باب
3587 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ حَاتِمٍ المُؤَدّبُ، أخبرنا عَمّارُ بنُ مُحَمدِ بنِ أُخْتِ سُفْيَانَ الثّوْرِيّ أخبرنا لَيْثُ بنُ أَبي سُلَيْمٍ عَن عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ سَابِطٍ عَن أبي أُمَامَةَ قالَ: "دعَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِدُعَاءٍ كَثِيرٍ لَمْ نَحْفَظْ مِنْهُ شَيْئاً، قُلْنَا يَا رَسُولَ الله دَعَوْتَ بِدُعَاءٍ كَثِيرٍ لَمْ نَحْفَظْ مِنْهُ شَيْئاً فقالَ: أَلاَ أَدُلّكُمْ عَلَى مَا يَجْمَعُ ذَلِكَ كُلّهُ؟ نَقُولُ اللّهُمّ إنّا نَسْألُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ مِنْهُ نَبِيّكَ مُحمّدٌ صلى الله عليه وسلم، ونَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ ما اسْتَعَاذَ مِنْهُ نَبِيّكَ مُحمدٌ صلى الله عليه وسلم وأنْتَ الْمُسْتَعَانُ وعَلَيْكَ البَلاَغُ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوّةَ إلاّ بالله" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
ـــــــ
"باب"
قوله: "على ما يجمع ذلك كله" أي على دعاء يجمع كل ما دعوت به من الدعاء الكثير "وعليك البلاغ" قال في النهاية: البلاغ ما يتبلغ ويتوصل به إلى الشيء المطلوب. وقال في المجمع: وحديث فلا بلاغ اليوم إلا بك أي لا كفاية. قال

(9/503)


ـــــــ
الشوكاني ولا شيء أجمع ولا أنفع من هذا الدعاء فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صح عنه من الأدعية الكثير الطيب وصح عنه من التعوذ مما ينبغي التعوذ منه الكثير الطيب حتى لم يبق خير في الدنيا والآخرة إلا قد سأله من ربه. ولم يبق شر في الدنيا والآخرة إلا وقد استعاذ ربه منه، فمن سأل الله عز وجل من خير ما سأله منه نبيه صلى الله عليه وسلم واستعاذ من شر ما استعاذ منه نبيه صلى الله عليه وسلم فقد جاء في دعائه بما لا يحتاج بع د إلى غيره وسأله الخير على اختلاف أنواعه واستعاذ من الشر على اختلاف أنواعه وحظي بالعمل بإرشاده صلى الله عليه وسلم إلى هذا القول الجامع والدعاء النافع انتهى. قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه الطبراني في الكبير.

(9/504)


95 ـ باب
3588 ـ حدثنا أبُو مُوسَى الأنْصَارِيّ، أخبرنا مُعَاذُ بنُ مُعَاذٍ عَن أبي كَعْبٍ صَاحِبِ الْحَرِيرِ قالَ حدثني شَهْرُ بنُ حَوْشَبٍ قالَ قُلْتُ لأمّ سَلَمَةَ: "يَا أُمّ المُؤْمِنينَ ما كانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم إِذَا كانَ عِنْدَكِ؟ قالَتْ كانَ أَكْثَرُ دُعَائِهِ: يَا مُقَلّبَ القلُوبِ ثَبّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ. قالَتْ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ الله ما لأَكْثَرِ دُعَائكَ
ـــــــ
"باب"
قوله: "حدثنا أبو موسى الأنصاري" هو إسحاق بن موسى "أخبرنا معاذ ابن معاذ" العنبري التميمي البصري "عن أبي كعب صاحب الحرير" اسمه عبد ربه بن عبيد الأزدي مولاهم ثقة من السابعة. قال في تهذيب التهذيب روى له الترمذي حديثاً واحداً: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" . قوله: "يا مقلب القلوب الخ" تقدم شرحه في باب ما جاء أن القلوب بين إصبعي الرحمن من أبواب القدر "قالت" أي أم سلمة "ما لأكثر دعائك" أي ما السبب في إكثارك

(9/504)


يَا مُقَلّبَ القُلُوب ثَبّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ؟ قالَ: يَا أُمّ سَلمَةَ إنّهُ لَيْسَ آدَمِيّ إلاّ وَقَلْبُهُ بَيْنَ أَصْبعَيْنِ مِنْ أصَابعِ الله فَمَنْ شَاءَ أَقَامَ وَمَنْ أشَاءَ أزَاغَ" . فَتَلاَ مُعَاذٌ {رَبّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنَا} . وفي البابِ عن عائِشَةِ والنّوّاسِ بنِ سمْعَانَ وَأنَسٍ وَجَابِرٍ وَعَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو وَنُعَيْمِ بنِ حمَارٍ. هَذا حديثٌ حَسَنٌ.
ـــــــ
هذا الدعاء "قال" أي النبي صلى الله عليه وسلم "إنه" الضمير للشأن "فمن شاء أقام" أي فمن شاء الله أقام قلبه وثبته على دينه وطاعته "ومن شاء أزاغ" أي ومن شاء الله أمال قلبه وصرفه عن دينه وطاعته "فتلا معاذ" أي ابن معاذ المذكور. قوله: "وفي الباب عن عائشة والنواس بن سمعان الخ" أما حديث النواس فأخرجه أحمد، وأما حديث أنس فأخرجه أحمد وابن ماجة والحاكم وأخرجه الترمذي أيضاً في القدر، وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه أحمد ومسلم، وأما أحاديث بقية الصحابة فلينظر من أخرجها. قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه أحمد.

(9/505)


96 ـ باب
3589 ـ حدثنا مُحمدُ بنُ حَاتِمٍ المُؤَدّبُ، أخبرنا الْحَكَمُ بنُ ظُهَيْرٍ حدثنا عَلْقَمَةُ بنُ مَرْثَدٍ عن سُلَيْمَانَ بنِ بُرَيْدَة عَن أبِيهِ قالَ: "شَكَا خَالِدُ بنُ الوَلِيدِ الْمَخْزومِيّ إِلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالَ يا رَسُولَ الله مَا أَنَامُ اللّيْلَ مِنَ الأرَقِ. فقالَ نبيّ الله صلى الله عليه وسلم
ـــــــ
"باب"
قوله: "أخبرنا الحكم بن ظهير" بالمعجمة مصغراً الفزاري أبو محمد وكنية

(9/505)


إذَا أَوَيْتَ إلى فِرَاشِكَ فَقُلِ اللّهُمّ رَبّ السّمَاوَاتِ السّبْعِ وَمَا أَظَلّتْ، وَرَبّ الأرَضِينِ ومَا أَقَلّتْ، ورَبّ الشّيَاطِينِ وَمَا أضَلّتْ، كُنْ لِي جَاراً مِنْ شَرّ خَلْقِكَ كُلّهِمْ جَمِيعاً أَنْ يَفْرُطَ عَلَيّ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَوْ أَنْ يَبْغَى. عَزّ جَارُكَ وَجَلّ ثَنَاؤُكَ وَلاَ إلَهَ غَيْرُكَ ولاَ إلَهَ إلاّ أَنْتَ" . هَذا حديثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بالْقَوِيّ. وَالحَكَمُ بنُ ظُهَيْرٍ قَدْ تَرَكَ حَدِيثَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثَ. وَيُرْوَى هَذَا الْحَدِيث عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم مُرْسلاً مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ.
ـــــــ
أبيه أبو ليلى ويقال أبو خالد متروك رمي بالرفض واتهمه ابن معين من الثامنة "عن أبيه" هو بريدة بن الحصيب الأسلمي. قوله: "فقال يا رسول الله ما أنام الليل من الأرق" هذا بيان لقوله شكا والأرق بفتحتين أي من أجل السهر وهو مفارقة الرجل النوم من وسواس أو حزن أو غير ذلك "إذا أويت" بالقصر "وما أظلت" أي وما أوقعت ظلها عليه "وما أقلت" أي حملت ورفعت من المخلوقات "وما أضلت" أي وما أضلت الشياطين من الإنس والجن، فما هنا بمعنى من. وفيما قبل غلب فيها غير العاقل، ويمكن أن ما هنا للمشاكلة "كن لي جاراً" من استجرت فلاناً فأجارني ومنه قوله تعالى: {وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْه} أي كن لي معيناً ومانعاً ومجيراً وحافظاً "أن يفرط على أحد منهم" أي من أن يفرط على أنه بدل اشتمال من شر خلقك أو لئلا يفرط أو كراهة أن يفرط، يقال فرط عليه أي عدا عليه ومنه قوله تعالى: {أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى} بكسر الغين أي يظلم على أحد "عز جارك" أي غلب مستجيرك وصار عزيزاً "وجل" أي عظم "ثناؤك" يحتمل إضافته إلى الفاعل والمفعول ويحتمل أن يكون المثنى غيره أو ذاته فيكون كقوله صلى الله عليه وسلم: "أنت كما أثنيت على نفسك" . قوله: "هذا حديث ليس إسناده بالقوي الخ" والحديث أخرجه الطبراني وابن أبي شيبة من حديث خالد بن الوليد.

(9/506)


3590 ـ حدثنا عَلِيّ بنُ حُجْرٍ، أخبرنا إسْمَاعِيلُ بنُ عَيّاشٍ عَن مُحمّدِ بنِ إسْحَاقَ عَن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عَن أَبيهِ عَن جَدّهِ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "إذَا فَزِعَ أَحَدُكُمْ في النّوْمِ فَلْيَقُلْ أعُوذُ بِكَلِمَاتِ الله التّامة مِنْ غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ وشَرّ عِبَادِهِ، ومِنْ هَمَزَاتِ الشّيَاطِينِ وأَنْ يَحْضُرُونِ فإِنّهَا لَنْ تَضُرّهُ فكانَ عَبْدُ الله بنُ عَمْرٍو يلقنها مَنْ بَلَغَ مِنْ وَلَدِهِ، وَمَنْ لَمْ يَبْلُغْ مِنْهُمْ كَتَبَهَا في صَك ثُمّ عَلّقَهَا في عُنُقِهِ" .
هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
ـــــــ
قوله: "إذا فزع" بكسر الزاي أي خاف "في النوم" أي في حال النوم أو عند إرادته "أعوذ بكلمات الله التامة" أي الكاملة الشاملة الفاضلة وهي أسماؤه وصفاته وآيات كتبه "وعقابه" أي عذابه "شر عباده" من الظلم والمعصية ونحوهما "ومن همزات الشياطين" أي نزغاتهم وخطراتهم ووساوسهم وإلقائهم الفتنة والعقائد الفاسدة في القلب وهو تخصيص بعد تعميم "وأن يحضرون" بحذف الياء وإبقاء الكسرة دليلاً عليها أي ومن أن يحضروني في أموري كالصلاة وقراءة القرآن وغير ذلك لأنهم إنما يحضرون بسوء "فإنها" أي الهمزات "لن تضره" أي إذا دعا بهذا الدعاء وفيه دليل على أن الفزع إنما هو من الشيطان "يلقنها" أي هذه الكلمات وهو من التلقين، وفي بعض النسخ يعلمها من التعليم "من بلغ من ولده" أي ليتعوذ بها "في صك" أي في ورقة "ثم علقها" أي علق الورقة التي هي فيها "في عنقه" أي في رقبة ولده الذي لم يبلغ. قال الشيخ عبد الحق الدهلوي في اللمعات: هذا هو السند في ما يعلق في أعناق الصبيان من التعويذات وفيه كلام، وأما تعليق الحرز والتمائم مما كان من رسوم الجاهلية فحرام بلا خلاف انتهى. قلت تقدم الكلام في تعليق التعويذات في باب كراهية التعليق من أبواب الطب. قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أبو داود والنسائي والحاكم وقال صحيح الإسناد وليس عنده تخصيصها بالنوم.

(9/507)


97 ـ باب
3591 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ، أخبرنا مُحمّدُ بنُ جَعْفَر، أخبرنا شُعْبَة عَن عَمْرِو بنِ مُرّةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الله بنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ قُلْت لَه أنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ عَبْدِ الله؟ قالَ نَعَمْ. وَرَفَعَهُ أَنّهُ قالَ "لا أَحَدَ أَغْيَرُ مِنَ الله وَلِذَلِكَ حَرّمَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ منها وَمَا بَطَنَ، ولاَ أَحَدَ أحَبّ إِلَيْهِ المَدْحُ مِنَ الله وَلِذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
"باب"
قوله: "أخبرنا محمد بن جعفر" المعروف بغندر "عن عمر بن مرة" الجملي المرادي "قلت له" أي لأبي وائل وهذا قول عمرو بن مرة "قال نعم" أي قال أبو وائل نعم قد سمعت هذا الحديث من عبد الله بن مسعود "ورفعه" أي رفع ابن مسعود الحديث يعني رواه مرفوعاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله "لا أحد أغير" أفعل التفضيل من الغيرة بفتح الغين وهي الأنفة والحمية. قال النحاس هو أن يحمي الرجل زوجته وغيرها من قرابته ويمنع أن يدخل عليهن أو يراهن غير ذي محرم، والغيور ضد الديوث والقندع بضم الدال وفتحها الديوث هذا في حق الآدميين، وأما في حق الله فقد جاء مفسراً في الحديث وغيرة الله تعالى أن يأتي المؤمن ما حرمه الله عليه أي أن غيرته منعه وتحريمه، ولما حرم الله الفواحش وتواعد عليها وصفه صلى الله عليه وسلم بالغيرة وقال صلى الله عليه وسلم "من غيرته أن حرم الفواحش" "ولذلك" أي لأجل الغيرة "حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن" قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} قال ابن جرير إن أهل التأويل اختلفوا في المراد بالفواحش فمنهم من حملها على العموم وساق ذلك عن قتادة قال المراد سر الفواحش وعلانيتها، ومنهم من حملها على نوع خاص وساق عن ابن عباس قال كانوا في الجاهلية لا يرون بالزنا بأساً في السر ويستقبحونه في العلانية فحرم الله الزنا في السر

(9/508)


ـــــــ
والعلانية. ومن طريق سعيد بن جبير ومجاهد: ما ظهر نكاح الأمهات وما بطن الزنا، ثم اختار ابن جرير القول الأول قال وليس ما روى عن ابن عباس وغيره بمدفوع ولكن الأولى الحمل على العموم انتهى "ولا أحد أحب إليه المدح من الله" يجوز في أحب الرفع والنصب وهو أفعل التفضيل بمعنى المفعول، وقوله المدح بالرفع فاعله، وحب الله المدح ليس من جنس ما يعقل من حب المدح وإنما الرب أحب الطاعات ومن جملتها مدحه ليثيب على ذلك فينتفع المكلف لا لينتفع هو بالمدح. ونحن نحب المدح لننتفع ويرتفع قدرنا في قومنا. فظهر من غلط العامة قولهم: إذا أحب الله المدح فكيف لا نحبه نحن فافهم "ولذلك" أي ولأجل حبه المدح. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.

(9/509)


98 ـ باب
3592 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ، أخبرنا اللّيْثُ عَن يَزِيدَ بنِ أبي حَبِيبٍ عَن أبي الْخَيرِ عَن عَبْدِ الله بنِ عَمْرِو عَن أَبي بَكْرٍ الصّدّيقِ أَنّهُ قَالَ: "يا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عَلّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ في صَلاَتِي قَالَ: قُلْ: اللّهُمْ إنّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْماً كَثِيراً ولاَ يَغْفِرُ الذّنُوبَ إلاّ أنْتَ فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِك َ
ـــــــ
"باب"
قوله: "عن أبي الخير" اسمه مرثد بن عبد الله اليزني بفتح التحتانية والزاي بعدها نون "عن عبد الله بن عمرو" بن العاص السهمي قوله: "أدعو به في صلاتي" أي عقب التشهد كما قيده بعض علمائنا قاله القاري. قلت: وإلى هذا احتج البخاري في صحيحه فقال باب الدعاء قبل السلام ثم ذكر حديث أبي بكر هذا. وقال ابن دقيق العيد في الكلام على هذا الحديث هذا يقتضي الأمر بهذا الدعاء في الصلاة من غير تعيين محله ولعل الأولى أن يكون في أحد موطنين السجود والتشهد لأنهما أمر فيهما بالدعاء "ظلمت نفسي" أي بملابسة ما يستوجب العقوبة أو ينقص الحظ وفيه أن الإنسان لا يعري عن تقصير ولو كان صديقاً "ولا يغفر الذنوب

(9/509)


وَارْحَمْنِي إِنّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرّحيمُ" .
هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيح غَرِيبٌ وهُو حَدِيثُ لَيْثِ بنِ سَعْدٍ وأَبُو الْخَيْرِ اسْمُهُ مَرْثَدُ بنُ عَبْدِ الله اليَزَنِيّ.
ـــــــ
إلا أنت" فيه إقرار بالوحدانية واستجلاب للمغفرة وهو كقوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} الآية فأثنى على المستغفرين وفي ضمن ثنائه عليهم بالاستغفار لوح بالأمر به كما قيل إن كل شيء أثنى الله على فاعله فهو آمر به وكل شيء ذم فاعله فهو ناه عنه "مغفرة من عندك" قال الطيبي: دل التنكير على أن المطلوب غفران عظيم لا يدرك كنهه ووصفه بكونه من عنده سبحانه وتعالى مريداً لذلك لأن العظم الذي يكون من عند الله لا يحيط به وصف "إنك أنت الغفور الرحيم" هما صفتان ذكرتا ختماً للكلام على جهة المقابلة لما تقدم، فالغفور مقابل لقوله "اغفر لي" . والرحيم مقابل ارحمني وهي مقابلة مرتبة. قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة.

(9/510)


99 ـ باب
3593 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ حَاتِمٍ المكتب، أخبرنا أبُو بَدْرٍ شُجَاعُ بنُ الوَلِيدِ عَن الرّحيلِ بنِ مُعَاوِيَةَ أَخِي زُهَيْرِ بن مُعَاويةَ عَن الرّقَاشِيّ عَن أنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: "كَانَ النبيّ صلى الله عليه وسلم إِذَا كَرَبَهُ أَمْرٌ قَالَ: يَا حَيّ يَا قَيّومُ بِرَحْمَتِكَ أسْتَغِيثُ" . وَبإِسْنَادِهِ قالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "أَلِظّوا
ـــــــ
"باب"
قوله: "عن الرحيل" بضم الراء وفتح الهاء المهملة مصغراً "بن معاوية" ابن حديج بضم المهملة وآخره جيم الجعفي الكوفي صدوق من السابعة "عن الرقاشي" بفتح الراء وتخفيف القاف اسمه يزيد بن أبان. قوله: "إذا كربه أمر" أي أصابه كرب وشدة "يا حي" أي الدائم البقاء "يا قيوم" أي المبالغ في القيام بتدبير خلقه "برحمتك أستغيث" أي أطلب الإغاثة وأطلب الإعانة، قوله:

(9/510)


بِيَاذَا الْجَلاَلِ والإِكْرَامِ" . وهَذا حديثٌ غَرِيبٌ. وَقَدْ رُوِيَ هذا الحَدِيثُ عن أنَسٍ مِنْ غَيْرِ هذا الوجهٍ.
3594 ـ حدثنا مَحْمُودُ بنُ غَيْلاَنَ، أخبرنا مُؤَمّلٌ عَن حَمّادِ بنِ سَلَمَةَ عَن حُمَيْدٍ عَن أنَسٍ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ "أَلِظّوا بِيَاذَا الْجَلاَلِ والإِكْرَامِ" . هَذا حديثٌ غَرِيبٌ وَلَيْسَ بمَحْفُوظٍ وَإنّمَا يُرْوَى هَذَا عَن حَمّادِ بنِ سَلَمَةَ عَن حُمَيْدٍ عَن الحَسَنِ البَصْرِيّ عَن النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَهَذَا أَصَحّ. ومؤمل غَلطَ فِيهِ فَقَالَ عن حماد عَن حُمَيْدٍ عَن أنَسٍ وَلاَ يُتَابَعُ فِيهِ.
3595 ـ حدثنا مَحمُودُ بنُ غَيْلاَنَ، أخبرنا وَكِيعٌ، أخبرنا سُفْيَانُ عَن الجُرَيْرِيّ عَن أَبي الوَرْدِ عَن اللّجْلاَجِ عَن مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ قَالَ "سَمِعَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم رَجلاً يَدْعُو يَقُولُ اللّهُمّ إِنّي أَسْأَلُكَ تمَامَ النّعْمَةِ، فَقَالَ أَيّ شَيْءٍ تمَامُ النّعْمَةِ؟ قَالَ دَعْوَةٌ دَعَوْتُ بِهَا أرْجُو بِهَا
ـــــــ
"وبإسناده" أي بإسناد الحديث المذكور "ألظوا بياذا الجلال والإكرام" أي ألزموه وأثبتوا عليه وأكثروا من قوله والتلفظ به في دعائكم، يقال ألظ بالشيء يلظ إلظاظ إذا لزمه وثابر عليه كذا في النهاية قوله: "أخبرنا مؤمل" هو ابن إسماعيل العدوي "عن حماد بن سلمة" بن دينار البصري. قوله: "هذا حديث غريب" قال السيوطي في الجامع الصغير بعد ذكر حديث "ألظوا بياذا الجلال والإكرام". رواه الترمذي عن أنس وأحمد والنسائي والحاكم عن ربيعة بن عامر هو الطويل. قوله: "حدثنا سفيان" هو الثوري "عن الجريري" بالتصغير هو سعيد بن إياس "عن أبي

(9/511)


الْخَيْرَ، قالَ: فَإِنّ مِنْ تَمَامِ النّعْمَةِ دُخُولَ الْجَنّةِ والفَوْزَ مِنَ النّارِ" . وسَمِعَ رَجُلاً وهُوَ يَقُولُ ياذَا الْجَلاَلِ والإِكْرَامِ فَقَالَ "قَدْ اسْتَجِيبَ لَكَ فَسَلْ وَسَمِعَ النبيّ صلى الله عليه وسلم رَجُلاً وَهُوَ يَقُولُ: اللّهُمّ إِنّي أَسْألُكَ الصّبْرَ قالَ سَأَلْتَ الله البَلاَءَ فسْأَلْهُ العَافِيةَ" .
3496 ـ حدثنا أحْمَدُ بنُ مَنيعٍ، أخبرنا إسْمَاعِيلُ بنُ إبْرَاهيمَ عَن الجُرَيْرِيّ بهذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ. هَذا حديثٌ حَسَنٌ.
ـــــــ
الورد" هو ابن ثمامة بن حزن القشيري البصري مقبول من السادسة "عن اللجلاج العامري" صحابي سكن دمشق. قوله: "يقول" بدل أو حال "فقال" أي النبي صلى الله عليه وسلم سؤال امتحان "دعوة" أي مستجابة ذكره الطيبي أو هو دعوة أو مسألة دعوة "أرجو بها الخير" وفي المشكاة أرجو بها خيراً. قال القاري أي مالاً كثيراً. قال الطيبي: وجه مطابقة الجواب السؤال هو أن جواب الرجل من باب الكناية أي أسأله دعوة مستجابة فيحصل مطلوبي منها، ولما صرح بقوله خيراً فكان غرضه المال الكثير كما في قوله تعالى: {إِنْ تَرَكَ خَيْراً} فرده صلى الله عليه وسلم بقوله: "إن من تمام النعمة الخ" وأشار إلى قوله تعالى: {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} انتهى. قال القاري: والأظهر أن الرجل حمل النعمة على النعم الدنيوية الفانية وتمامها على مدعاه في دعائه فرده صلى الله عليه وسلم عن ذلك ودله على أن لا نعمة إلا النعمة الباقية الأخروية "فإن من تمام النعمة دخول الجنة" ابتداء "والفوز" الخلاص والنجاة "من النار" أي ولو انتهاء "وسمع" أي النبي صلى الله عليه وسلم "ياذا الجلال والإكرام" أي ياذا العظمة والكبرياء والإكرام لأوليائه "قد استجيب لك فسل" أي ما تريد، وفيه دليل على أن استفتاح الدعاء بقول الداعي: يا ذا الجلال والإكرام يكون سبباً في الإجابة وفضل الله واسع "قال" أي النبي صلى الله عليه وسلم "سألت الله البلاء" أي لأنه يترتب عليه "فاسأله العافية" أي فإنها أوسع وكل أحد لا يقدر أن يصبر على البلاء،

(9/512)


ـــــــ
ومحل هذا إنما هو قبل وقوع البلاء وأما بعده فلا منع من سؤال الصبر بل مستحب لقوله: {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً} قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه أحمد.

(9/513)


100 ـ باب
3597 ـ حدثنا الحَسَنُ بنُ عَرَفَةَ، أخبرنا إِسْمَاعِيلُ بنُ عَيّاشٍ عَن عَبْدِ الله بنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ أَبي حُسَيْنٍ عَن شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ عَن أَبي أُمَامَةَ البَاهلِيّ قالَ: سَمِعْتُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنْ أَوَى إِلى فِرَاشِهِ طَاهراً يَذْكُرُ الله حَتّى يُدْرِكَهُ النّعَاسُ لَمْ يَنْقَلِبْ سَاعَةً مِنَ اللّيْلِ يَسْألُ الله شَيْئاً مِنْ خَيْرِ الدّنْيَا والآخرة إلاّ أَعْطاهُ الله إيّاهُ" . هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَقَدْ رُوِيَ هَذَا أَيْضاً عَن شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ عن أَبِي ظَبْيَةَ عَن عَمْرِو بنِ عَبسَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
"باب"
قوله: "من أوى إلى فراشه" أي لينام "طاهراً" أي متوضئاً "يذكر الله" جملة حالية "حتى يدركه النعاس" بضم النون يعني حتى ينام "لم ينقلب" من الانقلاب. وفي بعض النسخ لم يتقلب من التقلب والمراد من الانقلاب هنا الاستيقاظ والانتباه.
قوله: "عن أبي ظبية" بفتح المعجمة وسكون الموحدة بعدها تحتانية ويقال بالمهملة وتقديم التحتانية والأول أصح السلفي بضم المهملة الكلاعي بفتح الكاف نزل حمص مقبول من الثامنة "عن عمرو بن عبسة عن النبي صلى الله عليه وسلم" حديث عمرو بن عبسة هذا أخرجه أحمد في مسنده.

(9/513)


101 ـ باب
3598 ـ حدثنا الحَسَنُ بنُ عَرَفَةَ، أخبرنا إسْمَاعيلُ بنُ عَيّاشٍ عَن مُحمّدِ بنِ زِيَادٍ عَن أبي رَاشِدٍ الْحُبرانِيّ قالَ: "أتَيْتُ عَبْدَ الله بنَ عَمْرِو بنِ العَاصِ فَقُلْتُ لَهُ حَدّثنا مِمّا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فألْقَى إليّ صَحِيفَةً فقالَ: هَذَا مَا كَتَبَ لِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قالَ فَنَظَرْتُ فِيهَا فإِذَا فِيهَا أَنّ أبَا بَكْرٍ الصّدّيقَ رضي الله عنه قالَ يا رَسُولَ الله عَلّمْنِي مَا أقُولُ إِذَا أَصْبَحْتُ وإذَا أمْسَيْتُ، فقالَ: يا أبَا بَكْرٍ قُلْ: اللّهُمّ فَاطِرَ السّماوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الغَيْبِ والشّهَادَةِ لاَ إلَهَ إلاّ أَنْتَ رَبّ كُلّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ نَفْسِي ومِنْ شَرّ الشّيْطَانِ وَشركِهِ وَأَنْ أَقْتَرِفَ عَلَى نَفْسِي سُوءًا أوْ أَجُرّهُ إِلى مُسْلِمٍ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
3599 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ حُمَيْدٍ الرّازِيّ، أخبرنا الفَضْلُ بنُ مُوسَى عَن الأَعْمَشِ عَن أَنَسِ بنِ مالِك "أنّ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم
ـــــــ
"باب"
قوله: "عن محمد بن زياد" الألهاني "عن أبي راشد الحبراني" بضم المهملة وسكون الموحدة الشامي قيل اسمه أخضر وقيل النعمان ثقة من الثالثة. قوله: "فألقى" أي عبد الله بن عمرو "إلي" بتشديد الياء "صحيفة" أي كتاباً "هذا" أي الذي ألقيت إليك "اللهم فاطر السماوات والأرض إلى قوله ومن شر الشيطان وشركه" تقدم شرحه بعد باب الدعاء إذا أصبح وإذا أمسى "وأن

(9/514)


مَرّ بِشَجَرَةٍ يَابِسَةِ الوَرَقِ فَضَرَبَهَا بِعَصَاهُ فَتَنَاثَرَ الوَرَقُ. فقالَ إنّ الْحَمْدَ لله وَسُبْحَانَ الله ولاَ إلَهَ إلاّ الله والله أكْبَرُ لَتُسَاقِط مِنَ ذُنُوبِ العَبْدِ كَمَا تَسَاقَطَ وَرَقُ الشّجَرَةِ هذه " . هَذا حديثٌ غَرِيبٌ وَلاَ نعرف لِلأَعْمَشِ سَمَاعاً مِنْ أَنَسٍ إِلاّ أنّهُ قَدْ رَآهُ ونَظَر إلَيْهِ.
3600 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ، أخبرنا اللّيْثُ عَن الْجُلاَحِ أبي كَثِيرٍ عَن أبي عَبْدِ الرّحْمَنِ الْحُبُلِيّ عَن عُمَارَةَ بنِ شَبِيبٍ السبائيّ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "مَنْ قالَ لا إِلَه إلاّ الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ عَشْرَ مَرّاتٍ عَلَى أَثَرِ الْمَغْرِبِ
ـــــــ
أقترف" أي أكتسب وأعمل "أو أجره" من الجر والضمير المنصوب راجع إلى قوله سوء. قوله: "فضربها" أي أغصان الشجرة "فتناثر الورق" أي تساقط "إن الحمد لله وسبحان الله الخ" قال الطيبي: هذه الكلمات كلها بالنصب على اسم لمن وخبرها قوله: "لتساقط" بضم التاء من باب المفاعلة "من ذنوب العبد" أي المتكلم بهذه الكلمات "كما تساقط ورق الشجرة هذه" بصيغة الماضي المعلوم ومن باب التفاعل، والمعنى أن هذه الكلمات تساقط ذنوب العبد فتتساقط كما تساقط ورق هذه الشجرة. قوله: "هذا حديث غريب ولا نعرف للأعمش سماعاً من أنس الخ" قال المنذري: وأخرجه أحمد من غير طريق الأعمش ورجاله رجال الصحيح.
قوله: "عن الجلاح" بضم الجيم وخفة اللام وبالحاء المهملة "أبي كثير" المصري مولى الأمويين صدوق من السادسة "عن عمارة" بضم العين وتخفيف الميم "بن شبيب" بفتح المعجمة وكسر الموحدة الأولى "السبائي" بفتح المهملة والموحدة وبالهمزة المقصورة ويقال فيه عمار يقال له صحبة، وقال ابن حبان في ثقاته: من زعم أن له صحبة فقد وهم. قال في تهذيب التهذيب: روى حديثاً واحداً عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا إله إلا الله"، وقيل عن رجل

(9/515)


بَعَثَ الله لَهُ مَسْلَحةً يَحْفَظُونَهُ مِنَ الشّيْطَانِ حَتّى يُصْبِحَ وَكَتَبَ الله لَهُ بِهَا عَشْرَ حَسَنَاتٍ مُوجِبَاتٍ ومَحى عَنْهُ عَشْرَ سَيّئَاتٍ مُوبِقَاتٍ وَكانَتْ لَهُ بِعِدْلِ عَشْرِ رَقَاب مُؤْمِنَاتٍ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَريبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حَدِيثِ لَيْثِ بنِ سَعْدٍ وَلاَ نَعْرِفُ لِعِمَارَةَ بنِ شَبِيبٍ سَمَاعاً مِنَ النبيّ صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
من الأنصار عن النبي صلى الله عليه وسلم. قوله: "على أثر المغرب" بفتح الهمزة والمثلثة أو بكسر الهمزة وسكون المثلثة أي بعده "بعث الله له مسلحة" قال في النهاية: المسلحة القوم الذين يحفظون الثغور من العدو وسموا مسلحة لأنهم يكونون ذوي سلاح أو لأنهم يسكنون المسلحة وهي كالثغر. والمرقب يكون فيه أقوام يرقبون العدو لئلا يطرقهم على غفلة فإذا رأوه أعلموا أصحابهم ليتأهبوا له وجمع المسلح مسالح "عشر حسنات موجبات" أي للجنة "موبقات" بكسر الموحدة أي مهلكات "وكانت له بعدل عشر رقبات" أي مثل عتقها والعدل بفتح العين وكسرها بمعنى المثل، وقيل بالفتح المثل من غير الجنس وبالكسر من الجنس وقيل بالعكس. قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه النسائي.

(9/516)


102 ـ باب ما جاء في فَضْلِ التّوْبَةِ وَالاسْتِغْفَارِ وَمَا ذُكِرَ مِنْ رَحْمَةِ الله لِعِبَادِه
3601 ـ حدثنا ابنُ أبي عُمَرَ، أخبرنا سُفْيَانُ عَن عَاصِمِ بنِ أَبِي النّجُودِ عَن زِرّ بنِ حُبَيْشٍ قال: "أتَيْتُ صَفْوَانَ بنَ عَسّالٍ المُرَادِيّ أَسْألَهُ عَنِ المَسْحِ عَلَى الخُفّيْنِ فقالَ ما جَاءَ بِكَ يَا زِر؟ فَقلت: ابْتِغَاءَ العِلْمِ. فقالَ: إنّ المَلاَئِكَةَ لَتَضَعُ أجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ العِلْمِ رِضاً بِمَا يَطْلُبُ، فقلت: إِنّهُ حَكّ في صَدْرِيَ المْسَحُ عَلَى الْخُفّيْنِ بَعْدَ الغَائِطِ وَالبَوْلِ وكُنْتَ امْرَءًا مِنْ أصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم فَجِئْتُ أَسْأَلُكَ هلْ سَمِعْتَهُ يَذْكُرُ في ذَلِكَ شَيْئاً؟ قالَ نَعَمْ كَانَ يَأْمُرُنَا إِذَا كُنّا سفراً أَوْ مُسَافِرينَ أنْ لاَ نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلاثَةَ أَيّامٍ وَلَيَالِيهِنّ إِلاّ مِنْ جَنَابَةٍ لَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ1. قالَ: فَقلت: هَلْ سَمِعْتَهُ يَذْكُرُ في الْهَوى شَيْئاً؟ قالَ:
ـــــــ
باب "ما جاء في فضل التوبة والاستغفار وما ذكر من رحمة الله لعباده"
قوله: "فقلت ابتغاء العلم" أي جاء بي عندك طلب العلم "فقال إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب" تقدم شرحه في باب فضل الفقه على العبادة من أبواب العلم "قلت إنه" الضمير للشأن "حك في صدري" قال في النهاية: حك الشيء في نفسي إذا لم تكن منشرح الصدر به وكان في قلبك منه شيء من الشك والريب "المسح على الخفين" بالرفع على أنه فاعل حك "وكنت" بصيغة الخطاب "هل سمعته" أي النبي صلى الله عليه وسلم "قال كان يأمرنا إذا كنا سفراً أو مسافرين إلى قوله لكن غائط وبول ونومٍ"
1 كذا بالأصل والمعنى "لا من غائط...الخ".

(9/517)


نَعَمْ؟ كُنّا مَعَ رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم في سَفَرٍ فَبَيْنَا نَحْنُ عِنْدَهُ إذْ نَادَاهُ أعْرَابِيّ بِصَوْتٍ لَهُ جَهْورِيّ يَا مُحَمدُ. فأَجَابَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى نَحْوٍ مِنْ صَوْتِهِ هَاؤُمُ. قَقُلْنَا لَهُ اغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ فإِنّكَ عِنْدَ النبيّ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ نُهِيتَ عَن هَذَا، فقالَ وَالله لاَ أغْضُضُ. قالَ الأعْرَابيّ: المَرْءُ يُحِبّ القَوْمَ ولَمّا يَلْحَقْ بِهِمْ، قالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبّ يَوْمَ القِيَامَةِ فَمَا زَالَ يُحَدّثُنَا حَتّى ذكَرَ بَاباً مِنْ قِبَلِ الْمَغْرِبِ مَسِيره سبعين عاماً عَرْضه أَوْ يَصِيرُ الرّاكِبُ في عَرْضِهِ
ـــــــ
تقدم شرح في باب المسح على الخفين للمسافر والمقيم "يذكر في الهوى شيئاً" بفتح الهاء والواو وهو الحب. قال في القاموس هويه كرضيه هوى فهو أي أحبه "بصوت له جهوري" بفتح الجيم وسكون الهاء ثم واو مفتوحة ثم راء مكسورة ثم ياء مشددة أي عال "هاؤم" قال في النهاية: هاؤم بمعنى تعال وبمعنى خذ، ويقال للجماعة كقوله تعالى: {هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ} وإنما رفع صوته عليه الصلاة والسلام من طريق الشفقة عليه لئلا يحبط عمله من قوله تعالى: {لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} فعذره لجهله ورفع النبي صلى الله عليه وسلم صوته حتى كان مثل صوته أو فوقه لفرط رأفته به انتهى "أغضض من صوتك" أي اخفضه "وقد نهيت عن هذا" أي عن رفع الصوت فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم "فقال والله لا أغضض" إنما قال هذا لأنه كان أعرابياً جلفاً جافياً كما في الرواية الآتية "ولما يلحق بهم" جملة حالية أي والحال أنه لم يلحق بهم. ووقع في حديث أنس عند مسلم: ولم يلحق بعملهم. وفي حديث أبي ذر ولا يستطيع أن يعمل بعملهم، وفي بعض طرق حديث صفوان بن عسال عند أبي نعيم ولم يعمل بمثل عملهم وهو يفسر المراد "المرء مع من أحب يوم القيامة" قال النووي: ولا يلزم من كونه معهم أن تكون منزلته وجزاؤه مثلهم من كل وجه "فما زال يحدثنا" هذا قول زر بن حبيش "من قبل المغرب"

(9/518)


أرْبَعِينَ أوْ سَبْعِينَ عاماً قالَ سُفْيَانُ: قِبَلَ الشّامِ خَلَقَهُ الله يَوْمَ خَلَقَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ مَفْتُوحاً يَعْنِي للتّوْبَةِ لاَ يُغْلِقُ حَتّى تَطْلُعَ الشّمْسُ مِنْهُ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
3602 ـ حدثنا أَحْمَدُ بنُ عَبْدَةَ الضّبّيّ، أخبرنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عَن عَاصِمٍ عَن زِرّ بنِ حُبَيْشٍ قالَ: "أتَيْتُ صَفْوَانَ بنَ عَسّالٍ المُرَادِيّ فقالَ لِي: مَا جَاءَ بِكَ، قلت: ابْتِغَاءَ العِلْمِ، قالَ: بَلَغَنِي أَنّ المَلاَئِكَةَ تَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ العِلْمِ رِضاً بِمَا يَفْعَلُ. قالَ: قلت: لَهُ إِنّهُ حَاكَ أوْ حَكّ في نَفْسِي شَيْءٌ مِنَ المَسْحِ عَلَى الْخُفّيْنِ فَهَلْ حَفِظْتَ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فِيهِ شَيْئاً؟ قالَ نَعَمْ كُنّا إذَا كُنّا في سَفَر أوْ مُسَافِرِينَ أَمَرَنَا أنْ لا نَخْلَعَ خِفَافَنَا ثَلاَثاً إلاّ مِنْ جَنَابَةٍ وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ، قالَ: فَقلت: فَهَلْ حَفِظْتَ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في الْهَوَى شَيْئاً؟ قالَ: نَعَمْ. كُنّا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في بَعْضِ أَسْفَارِهِ فَنَادَاهُ رَجُلٌ كانَ في آخِرِ القَوْمِ بِصَوْتٍ جَهورِي
ـــــــ
بكسر القاف وفتح الموحدة أي من جانبه "مسيرة عرضه أو يسير الراكب في عرضه" كلمة أو للشك من الراوي وكذلك في قوله أربعين أو سبعين عاماً وفي الرواية الآتية سبعين عاماً من غير شك "حتى تطلع الشمس منه" أي من المغرب. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه ابن ماجة وابن حبان والحاكم وقال صحيح الإسناد.
قوله: "حاك أو حك" شك من الراوي وقد تقدم تفسير حك وأما معنى حاك فقال في القاموس حاك الثوب حوكاً وحياكاً وحياكة نسجه وحاك الشيء

(9/519)


أعْرَابِيّ جِلْف جَاف. فقالَ يا مُحمّدُ يا مُحمّدُ. فقالَ لَهُ القَوْمُ: مَهْ إنّكَ قَدْ نُهِيتَ عَنْ هَذَا، فأَجَابَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى نَحْوٍ مِنْ صَوْتِهِ هاؤُمُ. فقالَ: الرّجُلُ يُحِبّ القَوْمَ وَلَمّا يَلْحَقْ بِهِمْ. قالَ فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبّ. قال زِرّ فَمَا بَرِحَ يُحَدّثُنِي حَتّى حَدّثَنِي أَنّ الله عَزّ وَجَلّ جَعَلَ بالْمَغْرِبِ بَاباً عَرْضُهُ مَسِيرَةُ سَبْعِينَ عاماً لِلتّوْبَةِ لاَ يُغْلَقُ ما لم تَطْلُع الشّمْسُ مِنْ قِبَلِهِ وَذَلِكَ قَوْلُ الله تَبَارَكَ وَتَعَالى {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبّكَ لاَ يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا} " الآية. هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
في صدري رسخ وقال حاك القول في القلب حيكاً أخذ "أعرابي جلف جاف" هذه الثلاثة صفات لقوله رجل فالجلف بكسر الجيم وسكون اللام الأحمق وأصله من الجلف وهي الشاة المسلوخة التي قطع رأسها وقوائمها ويقال للدن أيضاً شبه الأحمق بهما لضعف عقله وجاف مشتق من الجفاء. قال في النهاية: من بدا جفا أي من سكن البادية غلظ طبعه لقلة مخالطة الناس والجفاء. غلظ الطبع انتهى. "مه" هو اسم مبنى على السكون بمعنى أسكت "قال زر" أي ابن حبيش "فما برح" أي فما زال "يحدثني" أي صفوان بن عسال {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} هو طلوع الشمس من مغربها {لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا ... الآية } تمامها {لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ}

(9/520)


103 ـ باب
3603 ـ حدثنا إبْرَاهيمُ بنُ يَعْقُوبَ، أخبرنا علِيّ بنُ عَيّاشٍ الْحِمْصِيّ أخبرنا عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ ثابِتِ بنِ ثَوْبَانَ عَن أبِيهِ عَن مَكْحُولٍ عَن جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ عَن ابنِ عُمَرَ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "إنّ الله يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ ما لَمْ يُغَرْغِرْ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
3604 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ، أخبرنا أبُو عامِرٍ العَقَدِيّ عَن عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ ثابِتِ بنِ ثَوْبَانَ عَن أَبِيهِ عَن مَكْحُولٍ عَن جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ عَن ابنِ عُمَرَ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم بهذا الإسناد نحْوَهُ بِمَعْنَاهُ.
ـــــــ
"باب"
قوله: "حدثنا إبراهيم بن يعقوب" الجوزجاني "أخبرنا علي بن عياش" بفتح المهملة وشدة التحتانية وبالمعجمة "الحمصي" الألهاني بفتح الهمزة وسكون اللام ثقة ثبت من التاسعة. قوله: "إن الله يقبل توبة العبد" ظاهره الإطلاق وقيده بعض الحنفية بالكافر قاله القاري. قلت: الظاهر المعول عليه هو الأول "ما لم يغرغر" من الغرغرة أي ما لم تبلغ الروح إلى الحلقوم يعني ما لم يتيقن بالموت فإن التوبة بعد التيقن بالموت لم يعتد بها لقوله تعالى: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} قيل وأما تفسير ابن عباس حضوره بمعاينة ملك الموت فحكم أغلبي لأن كثيراً من الناس لا يراه وكثيراً يراه قبل الغرغرة. قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد وابن ماجة وابن حبان والحاكم والبيهقي في شعب الإيمان

(9/521)


104 ـ باب
3605 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ، أخبرنا المُغِيرَةُ بنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ عَن أَبي الزّنادِ عَن الأَعْرَجِ عَن أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لله أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ أَحَدِكُمْ مِنْ أَحَدِكُمْ بِضَالَتِهِ إذَا وَجَدَهَا" . وفي البابِ عَن ابنِ مَسْعُودٍ والنّعْمَانِ بنِ بَشِيرٍ وأنَسٍ. قال: وهَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيح غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ
ـــــــ
"باب"
قوله: "لله أفرح" بلام التأكيد المفتوحة، وفي حديث ابن مسعود عند مسلم: لله أشد فرحاً. قال النووي: قال العلماء فرح الله تعالى هو رضاه، وقال المازري الفرح ينقسم على وجوه منها السرور والسرور يقارنه الرضا بالمسرور به، قال فالمراد هنا أن الله تعالى يرضى بتوبة عبده أشد مما يرضى واجد ضالته بالفلاة، فعبر عن الرضا بالفرح تأكيداً لمعنى الرضا في نفس السامع ومبالغة في تقريره انتهى. قلت: لا حاجة إلى التأويل، ومذهب السلف في أمثال هذا الحديث إمرارها على ظواهرها من غير تكييف ولا تشبيه ولا تأويل وقد سبق بيانه في باب فضل الصدقة "من أحدكم بضالته" قال في النهاية. الضالة هي الضائعة من كل ما يقتني من الحيوان وغيره، يقال ضل الشيء إذا ضاع وهي في الأصل فاعلة ثم اتسع فيها فصارت من الصفات الغالبة وتقع على الذكر والأنثى والاثنين والجمع. قوله: "وفي الباب عن ابن مسعود والنعمان بن بشير وأنس" أما حديث ابن مسعود وحديث أنس فأخرجهما الشيخان، وأما حديث النعمان بن بشير فأخرجه مسلم. قوله: "وهذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه الشيخان

(9/522)


105 ـ باب
3606 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ، أخبرنا الّليْثُ عَن مُحمّدِ بنِ قَيْسٍ قَاصّ عُمَرَ بنِ عَبْدِ العَزِيزِ عَن أَبي صِرْمَةَ عَن أَيّوبَ أَنّهُ قالَ حِينَ حَضرَتْهُ الوَفاةُ: "قَدْ كَتَمْتُ عَنْكُمْ شَيْئاً سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: لَوْلاَ أَنّكُمْ تُذْنِبُونَ لَخَلَقَ الله خَلْقاً يُذْنِبُونَ فَيَغْفِر لَهُمْ" .
هَذا حديثٌ
ـــــــ
"باب"
قوله: "عن محمد بن قيس قاص عمر بن عبد العزيز" قال في التقريب محمد ابن قيس المدني القاص ثقة من السادسة وحديثه عن الصحابة مرسل "عن أبي صرمة" بكسر الصاد المهملة وسكون الراء الأنصاري "عن أبي أيوب" الأنصاري. قوله: "قد كتمت عنكم شيئاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم" إنما كتمه أولاً مخافة اتكالهم على سعة رحمه الله تعالى وإنهماكهم في المعاصي وإنما حدث به عند وفاته لئلا يكون كاتماً للعلم، وربما لم يكن أحد يحفظه غيره فتعين علته أداؤه "لو لا أنكم تذنبون" أي أيها المؤمنون "لخلق الله خلقاً" أي قوماً آخرين من جنسكم أو من غيركم "يذنبون فيغفر لهم" وفي رواية مسلم لجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم. قال الطيبي: ليس في الحديث تسلية للمنهمكين في الذنوب كما يتوهمه أهل الغرة بالله تعالى فإن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم إنما بعثوا ليردعوا الناس عن غشيان الذنوب بل بيان لعفو الله تعالى وتجاوزه عن المذنبين ليرغبوا في التوبة، والمعنى المراد من الحديث هو أن الله كما أحب أن يعطي المحسنين أحب أن يتجاوز عن المسيئين، وقد دل على ذلك غير واحد من أسمائه الغفار الحليم التواب العفو، أو لم يكن ليجعل العباد شأناً واحداً كالملائكة مجبولين على التنزه من الذنوب بل يخلق

(9/523)


حَسَنٌ غَرِيبٌ وقَدْ رُوِيَ هَذَا عَن مُحمّدِ بنِ كَعْبٍ عَن أَبي أَيّوبَ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ.
3607 ـ حدثنا بِذَلِكَ قُتَيْبَةُ، أخبرنا عبْدُ الرّحْمَن بنُ أبي الرجال عَن عُمَرَ مَوْلَى غَفْرَةَ عَن مُحمّدِ بنِ كَعْبٍ القُرَظِيّ عَن أبي أَيّوبَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ.
ـــــــ
فيهم من يكون بطبعه ميالاً إلى الهوى متلبساً بما يقتضيه ثم يكلفه التوقي عنه ويحذره عن مداناته ويعرفه التوبة بعد الابتلاء فإن وفي فأجره على الله وإن أخطأ الطريق فالتوبة بين يديه كذا في المرقاة. قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد ومسلم.
قوله: "عن عبد الرحمن بن أبي الرجال" بكسر الراء ثم جيم واسمه محمد ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن حارثة بن النعمان الأنصاري المدني نزيل الثغور صدوق ربما أخطأ من الثامنة "عن عمر" بن عبد الله المدني كنيته أبو حفص "مولى غفرة" بضم الغين المعجمة وسكون الفاء ضعيف وكان كثير الإرسال من الخامسة

(9/524)


106 ـ باب
3608 ـ حدثنا عبْدُ الله بنُ إسْحَاقَ الجَوْهَرِيّ، أخبرنا أَبُو عاصِمٍ، أخبرنا كثيّر بنُ فَائدٍ، أخبرنا سَعِيدُ بنُ عُبَيْدٍ قالَ: سَمِعْتُ
ـــــــ
"باب"
قوله: "حدثنا عبد الله بن إسحاق الجوهري" البصري مستملي أبي عاصم يلقب بدعة بكسر الموحدة وسكون المهملة ثقة حافظ من الحادية عشرة "حدثنا أبو عاصم" اسمه الضحاك النبيل "أخبرنا كثير بن فائد" بالفاء البصري مقبول

(9/524)


بَكْرَ بنَ عَبْدِ الله المُزَنِي يَقُولُ: أخبرنا أَنَسُ بنُ مالِكٍ قال سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "قالَ الله تَبَارَكَ وتعَالى: يا ابنَ آدَمَ إِنّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى ما كانَ فِيكَ وَلاَ أُبَالِي. يا ابنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَت ذُنُوبُكَ عَنَانَ السّمَاءِ ثُمّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلاَ أُبَالِي. يا ابنَ آدَمَ إنّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأرْضِ خَطَايَا ثُمّ لَقِيتَنِي لاَ تُشْرِكُ بي شَيْئاً لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً" . هَذا حديثٌ حسن غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
ـــــــ
من السابعة "أخبرنا سعيد بن عبيد" الهنائي البصري. قوله: "إنك ما دعوتني ورجوتني" ما مصدرية ظرفية أي ما دمت تدعوني وترجوني يعني في مدة دعائك ورجائك "غفرت لك على ما كان فيك" أي من المعاصي وإن تكررت وكثرت "ولا أبالي" أي والحال أني لا أتعظم مغفرتك على وإن كان ذنباً كبيراً أو كثيراً. قال الطيبي: في قوله ولا أبالي معنى لا يسأل عما يفعل "عنان السماء" يفتح العين أي سحابها وقيل ما علا منها أي ظهر لك منها إذا رفعت رأسك إلى السماء. قال الطيبي: العنان السحاب وإضافتها إلى السماء تصوير لارتفاعه وأنه بلغ مبلغ المساء "بقراب الأرض" بضم القاف ويكسر أي بما يقارب ملءها "خطايا" تمييز قراب أي بتقدير تجسمها "لا تشرك بي شيئاً" الجملة حال من الفاعل أو المفعول على حكاية الحال الماضية لعدم الشرك وقت اللقي "بقرابها مغفرة" قال الطيبي: ثم هذه للتراخي في الإخبار وأن عدم الشرك مطلوب أولى ولذلك قال لقيتني وقيد به وإلا لكان يكفي أن يقال خطايا لا تشرك بي. قال القاري: فائدة القيد أن يكون موته على التوحيد. قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد والدارمي عن أبي ذر.

(9/525)


107 ـ باب
3609 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ، أخبرنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ مُحمّدٍ عَن العَلاَءِ بنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ عَن أَبِيهِ عَن أبي هُرَيْرَةَ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "خَلَقَ الله مِائَةَ رَحْمَةٍ فَوَضَعَ رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ خَلْقِهِ يَتَرَاحُمونَ بِهَا وَعِنْدَ الله تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ رَحْمَةً" . وفي البابِ عَن سَلْمَانَ وجُنْدُبِ بنِ عَبْدِ الله بنِ سُفْيَانَ البَجَلِيّ. هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
"باب"
قوله: "خلق الله" أي يوم خلق السماوات والأرض كما في حديث سلمان عند مسلم. قال القرطبي. يجوز أن يكون معنى خلق اخترع وأوجد ويجوز أن يكون بمعنى قدر وقد ورد خلق بمعنى قدر في لغة العرب فيكون المعنى أن الله أظهر تقديره لذلك يوم أظهر تقديره السماوات والأرض "فوضع رحمة واحدة بين خلقه" أي من جملة المائة، وفي رواية لمسلم: إن لله مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام فبها يتعاطفون وبها يتراحمون وبها تعطف الوحش على ولدها "وعند الله تسعة وتسعون رحمة" وفي رواية لمسلم: وأخر الله تسعاً وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة. قال الطيبي: رحمة الله تعالى لا نهاية لها فلم يرد بما ذكره تحديداً بل تصويراً للتفاوت بين قسط أهل الإيمان منها في الآخرة وقسط كافة المربوبين في الدنيا. قوله: "وفي الباب عن سلمان وجندب بن عبد الله بن سفيان البجلي" أما حديث سلمان فأخرجه مسلم، وأما حديث جندب بن عبد الله فأخرجه أحمد في مسنده. قوله: "وهذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان

(9/526)


108 ـ باب
3610 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ، أخبرنا عبْدُ العَزِيزِ بنُ مُحمّدٍ عَن العَلاَءِ بنِ عَبْدِ الرّحمَنِ عَن أَبِيهِ عَن أبي هُرَيْرَةَ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ "لَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ مَا عِنْدَ الله مِنَ العُقُوبَةِ مَا طَمَعَ في الجَنّةِ أحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الكافِرُ مَا عِنْدَ الله مِنَ الرّحْمَةِ مَا قَنَطَ مِنَ الْجَنّةِ أَحَدٌ" هَذا حديثٌ حَسَنٌ لا نَعْرِفُه إِلاّ من حَدِيثِ العَلاَءِ بنِ عَبْدِ الرّحمَنِ عَن أَبِيهِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ.
ـــــــ
"باب"
قوله: "من العقوبة" بيان لما "ما طمع" من باب سمع أي ما رجا "أحد" أي من المؤمنين فضلاً عن الكافرين ولا بعد أن يكون أحد على إطلاقه من إفادة العموم إذ تصور ذلك وحده يوجب اليأس من رحمته، وفيه بيان كثرة عقوبته لئلا يغتر مؤمن بطاعته أو اعتماداً على رحمته فيقع في الأمن {فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} "ما قنط" من القنوط هو اليأس من باب نصر وضرب وسمع "أحد" أي من الكافرين. قال الطيبي: الحديث في بيان صفتي القهر والرحمة لله تعالى فكما أن صفات الله تعالى غير متناهية لا يبلغ كنه، معرفتها أحد كذلك عقوبته ورحمته، فلو فرض أن المؤمن وقف على كنه صفته القهارية لظهر منها ما يقنط من ذلك الخواطر فلا يطمع بجنته أحد. وهذا معنى وضع أحد موضع ضمير المؤمن، ويجوز أن يراد بالمؤمن الجنس على سبيل الاستغراق. فالتقدير أحد منهم ويجوز أن يكون المعنى على وجه آخر وهو أن المؤمن قد اختص بأن يطمع بالجنة فإذا انتفي الطمع منه فقد انتفى عن الكل، وورد الحديث في بيان كثرة رحمته وعقوبته كيلا يغتر مؤمن برحمته فيأمن من عذابه ولا ييأس كافر من رحمته ويترك بابه، كذا في المرقاة. قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه الشيخان

(9/527)


109 ـ باب
3611 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ، أخبرنا اللّيْثُ عَن ابنِ عجْلاَنَ عَن أَبِيهِ عَن أَبي هُرَيْرَةَ عَن رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِنّ الله حينَ خَلَقَ الْخَلْقَ كَتَبَ بِيَدِهِ عَلَى نَفْسِهِ أَنّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي" .
هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيح.
ـــــــ
"باب"
قوله: "عن ابن عجلان" اسمه محمد "عن أبيه" هو عجلان المدني مولى فاطمة بنت عتبة لا بأس به من الرابعة. قوله: "إن الله حين خلق الخلق" أي المخلوقات "كتب بيده على نفسه أن رحمتي تغلب غضبي" بفتح الهمزة وتكسر على حكايته مضمون الكتاب، وفي رواية للبخاري في التوحيد: أن الله لما قضى الخلق كتب عنده فوق عرشه أن رحمتي سبقت غضبي. قال الجزري قوله: إن رحمتي تغلب غضبي هو إشارة إلى سعة الرحمة وشمولها الخلق كما يقال غلب على فلان الكرم أي هو أكثر خصالة وإلا فرحمة الله وغضبه صفتان راجعتان إلى إرادته للثواب والعقاب. وصفاته لا توصف بغلبة إحداهما الأخرى وإنما وعلى سبيل المجاز للمبالغة انتهى. وقال الطيبي: أي لما خلق الخلق حكم حكماً جازماً ووعد وعداً لازماً. لا خلف فيه بأن رحمتي سبقت غضبي فإن المبالغ في حكمه إذا أراد إحكامه عقد عليه سجلاً وحفظه، ووجه المناسبة بين قضاء الخلق وسبق الرحمة أنهم مخلوقون للعبادة شكراً للنعم الفائضة عليهم. ولا يقدر أحد على أداء حق الشكر وبعضهم يقصرون فيه فسبقت رحمته في حق الشاكر بأن وفي جزاءه وزاد عليه ما لا يدخل تحت الحصر، وفي حق المقصر إذا تاب ورجع بالمغفرة والتجاوز، ومعنى سبقت رحمتي تمثيل لكثرتها وغلبتها على الغضب بفرسي رهان تسابقتا فسبقت إحداهما الأخرى. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.

(9/528)


3612 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ عبد أَبِي الثَلْجٍ ـ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَغْدَادَ أَبُو عَبْدِ الله صَاحِبُ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ ـ حَدّثَنَا يُونُسُ بنُ مُحمّدٍ، أخبرنا سَعِيدُ بنُ زَرْبِيّ عَن عَاصِمٍ الأَحْوَلِ وَثَابِتٍ عَن أَنَسٍ قَالَ: "دَخَلَ النبيّ صلى الله عليه وسلم المَسْجِدَ وَرَجُلٌ قَدْ صَلّى وَهُوَ يَدْعُو وَهُوَ يَقُولُ في دُعَائِهِ: اللّهُمّ لا إلَهَ إِلاّ الله أَنْتَ المَنّانُ، بَدِيع السّمَاوَاتِ والأَرْضِ ذَا الْجَلاَلِ والإِكْرَامِ. فقَالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: أَتَدْرُونَ بمَا دَعَا الله؟ دَعَا الله باسْمِهِ الأَعْظَمِ الّذِي إِذا دُعِي به أجَابَ وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى" . هَذا حديثٌ غَرِيب مِنْ حديث ثابت عن أنس وقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ هَذَا الوَجْهِ عَن أَنَسٍ.
ـــــــ
قوله: "حدثنا يونس بن محمد" المؤدب "أخبرنا سعيد بن زربي" بفتح الزاي وسكون الراء بعدها موحدة مكسورة الخزاعي البصري العباداني أبو عبيدة أو أبو معاوية منكر الحديث من السابعة. قوله: "اللهم لا إله إلا أنت المنان" قال في النهاية: المنان هو المنعم المعطي من المن العطاء لا من المنة وكثيراً ما يرد المن في كلامهم بمعنى الإحسان إلى من لا يستثيبه ولا يطلب الجزاء عليه فالمنان من أبنية المبالغة كالسفاك والوهاب "ذا الجلال والإكرام" أي ياذا العظمة والكبرياء وذا الإكرام لأوليائه "أتدرون بما دعا الله" أي تعلمون بالاسم الذي دعا الله به هذا الرجل "دعا الله باسمه الأعظم" جملة مستأنفة بيان لما دعا الله به وقد تقدم الكلام في ما يتعلق بالاسم الأعظم في باب جامع الدعوات "الذي إذا دعي به أجاب الخ" تقدم شرحه في الباب المذكور. قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم.

(9/529)


110 ـ باب
3613 ـ حدثنا أَحْمَدُ بنُ إِبْرَاهِيمَ الدّوْرَقِيّ، أخبرنا رِبْعِيّ بنُ إِبْرَاهِيمَ عَن عَبْدِ الرّحمَنِ بنِ إِسْحَاقَ عَن سَعيدِ بنِ أَبي سَعِيدٍ الْمَقْبُريّ عَن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "رَغِمَ أنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلّ عَلَيّ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ. وَرَغِم أَنْفُ رَجُلٍ أَدْرَكَ عِنْدَهُ أَبَوَاهُ الكِبَرَ فَلمْ يُدْخِلاَهُ الْجَنّةَ. قَالَ عَبْدُ الرّحمَنِ وَأظُنّهُ قَالَ أوْ أَحَدُهُما" وفي البابِ
ـــــــ
"باب"
قوله: "أخبرنا ربعي" بكسر الراء المهملة وسكون الموحدة وكسر العين المهملة وشدة التحتية "بن إبراهيم" بن مقسم الأسدي أبو الحسن البصري أخو إسماعيل بن عليه وهو أصغر منه ثقة صالح من التاسعة "عن عبد الرحمن بن إسحاق" القرشي المدني. قوله: "رغم أنف رجل" أي لصق أنفه بالتراب كناية عن حصول الذل. قال في النهاية: رغم برغم ورغم يرغم رغماً ورغماً ورغماً وأرغم الله أنفه أي ألصقه بالرغام وهو التراب. هذا هو الأصل ثم استعمل في الذل والعجز عن الانتصاف والانقياد على كره انتهى وهذا إخبار أو دعاء "ذكرت" بالبناء للمفعول "فلم يصل علي" قال الطيبي: الفاء استبعادية والمعنى: بعيد على العاقل أن يتمكن من إجراء كلمات معدودة على لسانه فيفوز بها فلم يغتنمه فحقيق أن يذله الله، وقيل إنها للتعقيب فتقيد به ذم التراخي عن الصلاة عليه عند ذكره صلى الله عليه وسلم "ثم انسلخ" أي انقضى "قبل أن يغفر له" أي بأن لم يتب أو لم يعظمه بالمبالغة في الطاعة حتى يغفر له "فلم يدخلاه الجنة" لعقوقة وتقصيره في حقهما. والإسناد مجازي فإن المدخل

(9/530)


عَن جَابرٍ وَأَنَسٍ. وهَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ ورِبْعِيّ بنُ إبْرَاهيمَ هُوَ أخُو إسْمَاعِيلَ بنِ إبْرَاهيمَ وهُوَ ثِقَةٌ وهُوَ ابنُ عُلَيّةَ. وَيُرْوَى عَن بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ قَالَ إذَا صَلّى الرّجُلُ عَلَى النبيّ صلى الله عليه وسلم مَرّةً في المَجْلِسِ أَجْزَأَ عَنْهُ مَا كَانَ في ذَلِكَ المَجْلِسِ.
3614 ـ حدثنا يَحْيَى بنُ موسى: أخبرنا أبُو عَامِرٍ العَقَدِيّ عَن سُلَيْمَانَ بنِ بِلاَلٍ عَن عمَارَةَ بنِ غَزِيّةَ عَن عَبْدِ الله بنِ عَلِيّ بنِ حُسَيْنِ بنِ عَليّ بنِ أَبي طَالِبٍ عَن أَبِيهِ عَن حُسَيْنِ بنِ عَلِيّ بنِ أَبي طَالِبٍ عَن عَلِيّ بنِ أَبي طَالِبٍ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "البَخِيلُ الّذِي مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلّ عَلَيّ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صحيحٌ.
ـــــــ
حقيقة هو الله يعني لم يخدمهما حتى يدخل بسببهما الجنة. قوله: "وفي الباب عن جابر وأنس" أما حديث جابر يعني ابن سمرة فأخرجه الطبراني بأسانيد أحدها حسن، وأما حديث أنس فأخرجه أحمد والنسائي والطبراني في الأوسط وابن حبان في صحيحه وغيرهم. قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه ابن حبان في صحيحه والبزار في مسنده والحاكم في مستدركه وقال صحيح "وهو ابن علية" أي إسماعيل بن إبراهيم هو ابن علية، وعلية اسم أمه "ويروى عن بعض أهل العلم قال: إذا صلى الرجل على النبي صلى الله عليه وسلم مرة في المجلس أجزأ عنه ما كان في ذلك المجلس" أي ما دام كان في ذلك المجلس.
قوله: "عن عبد الله بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب" مقبول من الخامسة "عن أبيه" هو المعروف بزين العابدين. قوله: "البخيل" أي الكامل في البخل "الذي من" قال الطيبي: الموصول الثاني مقحم بين الموصول الأول

(9/531)


ـــــــ
وصلته تأكيداً. كما في قراءة زيد بن علي {الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} أي بفتح الميم انتهى. وقيل يمكن أن تكون شرطية والجملة صلة والجزاء فلم يصل على "ذكرت عنده" أي ذكر اسمي بمسمع منه "فلم يصل علي" لأنه بخل على نفسه حيث حرمها صلاة الله عليه عشراً إذا هو صلى واحدة. قاله المناوي. وقال القاري: فمن لم يصل عليه فقد بخل ومنع نفسه من أن يكتال بالمكيال الأوفى فلا يكون أحد أبخل منه كما تدل عليه رواية: البخيل كل البخيل انتهى. قلت: أشار القاري بقوله ومنع نفسه من أن يكتال بالمكيال الأوفى إلى حديث أبي هريرة: من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت فليقل اللهم صلى على محمد النبي الأمي الحديث رواه أبو داود. قال الحافظ ابن كثير بعد ذكر حديث علي وحديث أبي هريرة المذكورين فيهما دليل على وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كلما ذكر وهو مذهب طائفة من العلماء منهم الطحاوي والحليمي ويتقوى بالحديث الآخر الذي رواه ابن ماجة: حدثنا جبارة بن المغلس حدثنا حماد بن زيد حدثنا عمرو بن دينار عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نسي الصلاة علي أخطأ طريق الجنة" . جبارة ضعيف ولكن رواه إسماعيل القاضي من غير وجه عن أبي جعفر محمد بن على الباقر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نسي الصلاة علي أخطأ طريق الجنة" . وهذا مرسل يتقوى بالذي قبله. وذهب آخرون إلى أنه تجب الصلاة عليه في المجلس مرة واحدة ثم لا تجب في بقية ذلك المجلس بل يستحب. نقله الترمذي عن بعضهم، ويتأيد بالحديث الذي رواه الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة يوم القيامة فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم" انتهى. قوله: "هذا حديث حسن غريب صحيح" وأخرجه أحمد والنسائي وابن حبان والحاكم عن الحسين بن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم.

(9/532)


111 ـ باب
3615 ـ حدثنا أَحْمَدُ بنُ إبْرَاهِيمَ الدّوْرَقِيّ، أخبرنا عُمَرُ بنُ حَفْصِ بنِ غِيَاثٍ، أخبرنا أَبي عَن الحَسَنِ بنِ عُبَيْدِ الله عَن عَطَاءِ بنِ السّائِبِ عَن عَبْدِ الله بنِ أبي أَوْفَى قَالَ كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ "اللّهُمّ بَرّدْ قَلْبِي بالثّلْجِ والبَرَدِ والمَاءِ البَارِدِ، اللّهُمّ نَقّ قَلْبِي مِنَ الْخَطَايَا كَمَا نَقّيْتَ الثّوْبَ الأَبْيَضَ مِنَ الدّنَسِ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غريبٌ.
ـــــــ
"باب"
قوله: "عن الحسن بن عبيد الله" بن عروة النخعي. قوله: "اللهم برد قلبي" أي اجعله بارداً "والبرد" بفتحتين هو حب الغمام. قوله: "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه أحمد بنحوه

(9/533)


112 ـ باب
3616 ـ حدثنا الحَسَنُ بنُ عَرَفَةَ، أخبرنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ عَن عَبْدِ الرّحمَنِ بنِ أبي بَكْرٍ القُرَشِيّ الملكي عَن مُوسَى بنِ عُقْبَةَ عَن نَافِعٍ عَن ابنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ فُتِحَ لَهُ مِنْكُمْ بابُ الدّعاءِ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الرّحْمَةِ ومَا سُئِلَ الله شَيْئاً يعني أحَبّ إلَيهِ
ـــــــ
"باب"
قوله: "من فتح له منكم باب الدعاء" أي بأن وفق لأن يدعو الله كثيراً مع وجود شرائطه وحصول آدابه "فتحت له أبواب الرحمة" يعني أنه يجاب

(9/533)


مِنْ أَنْ يُسْأَلَ العَافِيَةَ وَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: إِنّ الدّعاءَ يَنْفَعُ مِمّا نَزَلَ وَمِمّا لَمْ يَنْزِلْ فَعَلَيْكُمْ عِبَادَ الله بالدّعَاءِ" . هَذا حديثٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرّحمَنِ بنِ أبي بَكْرٍ القُرَشِيّ وهُوَ المَكّيّ المُلَيْكِيّ وهُوَ ضَعِيفٌ في الحَدِيثِ قد تكلم فيه بَعْضُ أهْلِ الحديث مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ وقد رَوَى إسْرَائِيلُ هَذَا الحَدِيثَ عَن عَبْدِ الرحْمَنِ بنِ أَبي بَكْرٍ عَن مُوسَى بنِ عُقْبَةَ عَن نَافِعٍ عَن ابنِ عُمَرَ عَن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ "مَا سُئِلَ الله شَيْئاً أَحَبّ إِلَيْهِ مِنَ العَافِيةِ" .
3617 ـ حدثنا بِذَلِكَ القَاسِمُ بنُ دِينَارٍ الكُوفيّ، أخبرنا إِسحاقُ بنُ مَنْصُورٍ الكُوفيّ عَن إسْرَائِيلَ بهَذَا.
ـــــــ
لمسئوله تارة ويدفع عنه مثله من السوء أخرى كما في بعض الروايات فتحت له أبواب الإجابة، وفي بعضها فتحت له أبواب الجنة "وما سئل الله شيئاً يعني أحب إليه" قال الطيبي: أحب إليه تقييد للمطلق بيعني وفي الحقيقة صفة شيئاً "من أن يسأل العافية" أن مصدرية والمعنى: ما سئل الله سؤالاً أحب إليه من سؤال العافية "إن الدعاء ينفع مما نزل" أي من بلاء نزل بالرفع إن كان معلقاً وبالصبر إن كان محكماً. فيسهل عليه تحمل ما نزل به فيصبره عليه أو يرضيه به حتى لا يكون في نزوله متمنياً خلاف ما كان بل يتلذذ بالبلاء كما يتلذذ أهل الدنيا بالنعماء "ومما لم ينزل" أي بأن يصرفه عنه ويدفعه منه أو يمده قبل النزول بتأييد من يخف معه أعباء ذلك إذا نزل به "فعليكم عباد الله بالدعاء" أي إذا كان هذا شأن الدعاء فالزموا يا عباد الله الدعاء. قوله: "هذا حديث غريب" قال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث: رواه الترمذي والحاكم كلاهما من رواية عبد الرحمن بن أبي بكر المليكي وهو ذاهب الحديث عن موسى بن عقبة عن نافع عنه، وقال الترمذي حديث غريب وقال الحاكم صحيح الإسناد.

(9/534)


3618 ـ حدثنا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ، أخبرنا أَبُو النّضْرِ، أخبرنا بَكْرُ بنُ خُنَيْسٍ عَن مُحّمدٍ القُرَشِيّ عَن رَبيعَةَ بنِ يَزِيدَ عَن أَبي إدْرِيسَ الخَوْلاَنِيّ عَن بِلاَلٍ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ "عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللّيْلِ فإِنّهُ دَأْبُ الصّالِحينَ قَبْلَكُمْ وَإِنّ قِيَامَ اللّيْلِ قُرْبَةٌ إلى الله وَمَنْهَاةٌ عَن الإِثْمِ وتَكْفِيرٌ للسّيّئَاتِ ومَطْرَدَةٌ للدّاءِ عَن الجَسَدِ" . هذَا حديثٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ بِلاَلٍ إِلاّ مِنْ هَذَا الوَجهِ ولا يصح مِنْ قِبَلِ إسْنَادِهِ سَمِعْتُ مُحمّدَ بنَ إسْمَاعِيلَ يَقولُ مُحمّدٌ القُرَشِيّ هُوَ
ـــــــ
قوله: "حدثنا إسحاق بن منصور الكوفى" السلولي "عن إسرائيل" بن يونس. قوله: "أخبرنا أبو النضر" اسمه هاشم بن القاسم البغدادي "عن بلال" بن رباح المؤذن وهو ابن حمامة وهي أمه كنيته أبو عبد الله مولى أبي بكر من السابقين الأولين شهد بدراً والمشاهد مات بالشام سنة سبع عشرة أو ثمان عشرة وقيل سنة عشرين وله بضع وستون سنة. قوله: "عليكم بقيام الليل" أي التهجد فيه "فإنه دأب الصالحين" بسكون الهمزة ويبدل ويحرك أي عادتهم وشأنهم. قال الطيبي: الدأب العادة والشأن وقد يحرك وأصله من دأب في العمل إذا جد وتعب "وإن قيام الليل قربة إلى الله" أي مما يتقرب به إلى الله تعالى: "ومنهاة" مصدر ميمي بمعنى اسم الفاعل أي ناهية "عن الإثم" أي عن ارتكابه قال الله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} وقال {إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} "وتكفير للسيئات" أي مكفرة للسيئات وساترة لها "ومطردة للداء عن الجسد" أي طارد ومبعد للداء عن البدن. قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه أحمد والحاكم والبيهقي في السنن الكبرى "وسمعت محمد بن إسماعيل" هو الإمام البخاري "يقول محمد القرشي هو محمد بن سعيد الشامي وهو ابن أبي قيس وهو محمد بن حسان وقد ترك حديثه" قال في التقريب: محمد بن سعيد بن حسان بن قيس الأسدي الشامي المصلوب ويقال له ابن سعيد ابن عبد العزيز أو ابن أبي

(9/535)


مُحمّدُ بنُ سَعِيدٍ الشّامِيّ وَهُوَ ابنُ أَبي قَيْسٍ وَهُوَ مُحمّدُ بنُ حَسّانَ وقد تُرِكَ حَدِيثُهُ. وقَد رَوَى هذَا الحَدِيثُ مُعَاوِيَةُ بنُ صَالِحٍ عَن رَبِيعَةَ بنِ يَزِيدَ عَن أبي إدْرِيسَ الْخَوْلاَنِيّ عن أبي أُمَامَةَ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
3619 ـ حدثنا بِذَلِكَ مُحمّدُ بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ صَالِحٍ حدثني مُعَاوِيَةَ بنُ صَالِحٍ عَن رَبِيعَةَ بنِ يَزِيدَ عَن أبي إِدْرِيسَ الْخَوْلاَنيّ عَن أَبي أُمَامَةَ عَن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أنّهُ قالَ: "عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللّيْلِ فإِنّهُ دَأْبُ الصّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَهُوَ قُرْبَةٌ إِلى رَبّكُمْ وَمَكْفَرَةٌ للِسّيّئَاتِ وَمَنْهَاةٌ لِلإِثْمِ" . وهَذَا أصَحّ مِنْ حَدِيثِ أَبي إدْرِيسَ عَن بِلاَلٍ.
ـــــــ
عتبة أو ابن قيس أو ابن أبي حسان ويقال له ابن الطبري أبو عبد الرحمن وأبو عبد الله أو أبو قيس وقد ينسب لجده وقيل إنهم قلبوا اسمه على مائة وجه ليخفى. كذبوه وقال أحمد بن صالح وضع أربعة آلاف حديث وقال أحمد: قتله المنصور على الزندقة وصلبه من السادسة. قوله: "حدثنا بذلك محمد بن إسماعيل" هو محمد بن إسماعيل الترمذي أو هو الإمام البخاري لم يتعين لي "أخبرنا عبد الله ابن صالح" الجهني "حدثني معاوية بن صالح" الحضرمي قوله: "ومكفرة للسيئات" مصدر ميمي بمعنى اسم الفاعل أي مكفرة للذنوب قوله: "وهذا أصح من حديث أبي إدريس عن بلال" لأن في سند حديث بلال محمد القرشي وقد عرفت حالة. وحديث أبي أمامة هذا أخرجه أيضاً ابن أبي الدنيا في كتاب التهجد وابن خزيمة في صحيحه والحاكم كلهم من رواية عبد الله بن صالح وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري كذا في الترغيب. وفي الباب عن أبي الدرداء عند ابن عساكر وعن سلمان الفارسي عند الطبراني وعن جابر عند ابن السني

(9/536)


113 ـ باب
3620 ـ حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَرَفَةَ قال حدثني عَبْدُ الرّحْمنِ بنُ مُحمّدٍ المُحَارِبيّ عَن مُحمّدِ بنِ عَمْرٍو عَن أَبي سَلَمَةَ عَن أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أَعْمَارُ أُمّتِي مَا بَيْنَ السّتّينَ إلى السَبْعِينَ وَأَقَلّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ" . هَذا حديثٌ غَرِيبٌ حَسَنٌ مِنْ حَدِيثِ مُحمّدِ بنِ عَمْرٍو عَن أبي سَلَمَةَ عَن أَبي هُرَيْرَةَ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم لا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وقَدْ رُوِيَ عَن أَبي هُرَيْرَةَ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ.
ـــــــ
قوله: "حدثني عبد الرحمن بن محمد" بن زياد المحاربي أبو محمد الكوفي لا بأس به كان يدلس قاله أحمد من التاسعة "عن محمد بن عمرو" بن علقمة بن وقاص الميثي. قوله: "أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين" أي نهاية أكثر أعمار أمتي غالباً ما بينهما "وأقلهم من يجوز ذلك" أي يتجاوز السبعين فيصل إلى المائة فما فوقها قال القاري: وأكثر ما اطلعنا على طول العمر في هذه الأمة من المعمرين في الصحابة والأئمة سن أنس بن مالك فإنه مات وله من العمر مائة وثلاث سنين وأسماء بنت أبي بكر ماتت ولها مائة سنة، ولم يقع لها سن ولم ينكر في عقلها شيء وأزيد منهما عمر حسان بن ثابت مات وله مائة وعشرون سنة عاش منها ستين في الجاهلية وستين في الإسلام، وأكثر منه عمراً سلمان الفارسي فقيل عاش مائتين وخمسين سنة وقيل ثلثمائة وخمسين سنة والأول أصح. قوله: "هذا حديث غريب حسن" وأخرجه ابن ماجة "وقد روي عن أبي هريرة من غير هذا الوجه" أخرجه الترمذي في باب أعمار هذه الأمة من أبواب الزهد.

(9/537)


114 ـ باب
3621 ـ حدثنا مَحْمُودُ بنُ غَيْلاَنَ، أخبرنا أبُو دَاوُدَ الْحَفْرِيّ عَن سُفْيَانَ الثّوْرِيّ عَن عَمْرِو بنِ مُرّةَ عَن عَبْدِ الله بنِ الحَارِثِ عَن طُلَيْقِ بنِ قَيْسٍ عَن ابنِ عَبّاسٍ قالَ: "كَانَ النبيّ صلى الله عليه وسلم يَدْعُو يَقُولُ: رَبّ أَعِنّي وَلاَ تُعِنْ عَلَيّ، وانْصُرْني وَلاَ تَنْصُرْ عَلَيّ وَامْكُرْ لِي ولاَ تَمْكُرْ عَلَيّ، وَاهْدِنِي وَيَسّرْ الْهُدَى لِي، وَانْصُرْني عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيّ. رَبّ اجْعَلْنِي لَكَ شَكّاراً، لَكَ ذَكّاراً، لَكَ رَهّاباً، لَكَ مِطْوَاعاً، لَكَ مُخْبِتاً، إِلَيْكَ أَوّاهاً مُنِيباً. رَبّ تَقَبّلْ تَوْبَتِي،
ـــــــ
قوله: "عن عمر بن مرة" الجملي المرادي "عن عبد الله بن الحارث" الزبيدي المكتب "عن طليق" بالتصغير بن قيس الحنفي الكوفي ثقة من الثالثة. قوله: "يقول" بدل من يدعو أو حال "رب أعنى" أي على أعدائي في الدين والدنيا من النفس والشيطان والجن والإنس "وامكر لي ولا تمكر علي" قال الطيبي: المكر الخداع وهو من الله إيقاع بلائه بأعدائه من حيث لا يشعرون، وقيل هو استدراج العبد بالطاعة فيتوهم أنها مقبولة وهي مردودة، وقال ابن الملك المكر الحيلة والفكر في دفع عدو بحيث لا يشعر به العدو، فالمعنى: "اللهم اهدني إلى طريق دفع أعدائي عني ولا تهد عدوي إلى طريق دفعه إياه عن نفسه" كذا في المرقاة "واهدني" أي دلني على الخيرات "ويسر لي الهدي" أي وسهل اتباع الهداية أو طرق الدلالة حتى لا أستثقل الطاعة ولا أشتغل عن الطاعة "وانصرني على من بغا علي" أي ظلمني وتعدى علي "رب اجعلني لك شكاراً" أي كثير الشكر على النعماء والآلاء وتقديم الجار والمجرور للاهتمام والاختصاص أو

(9/538)


وَاغْسِلْ حَوْبَتِي، وَأَجِبْ دَعْوَتِي، وَثَبّتْ حُجّتِي، وَسَدّدْ لِسَانِي، وَاهْدِ قَلْبِي، وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ صَدْرِي" .
قالَ مَحْمودُ بنُ غَيْلاَنَ وحَدّثَنا مُحمّدُ بنُ بِشْرٍ العَبْدِيّ عَن سُفْيَانَ الثّوْرِيّ بهذا الإسناد نَحْوَهُ. هذا حديث حسن صحيح.
ـــــــ
لتحقيق مقام الاخلاص "لك ذكاراً" أي كثير الذكر "لك رهاباً" أي كثير الخوف "لك مطواعاً" بكسر الميم مفعال للمبالغة أي كثير الطوع وهو الانقياد والطاعة "لك مخبتاً" أي خاضعاً خاشعاً متواضعاً من الإخبات قال في القاموس: أخبت خشع "إليك أواهاً" أي متضرعاً فعال للمبالغة من أوه تأويها وتاوه تأوهاً إذا قال أوه أي قائلاً كثيراً لفظ أوه وهو صوت الحزين. أي اجعلني حزيناً ومتفجعاً على التفريط أو هو قول النادم من معصيته المقصر في طاعته وقيل الأواه البكاء "منيباً" أي راجعاً قيل التوبة رجوع من المعصية إلى الطاعة والإنابة من الغفلة إلى الذكر والفكرة والأوبة من الغيبة إلى الحضور والمشاهدة قال الطيبي: وإنما اكتفى في قوله أواهاً منيباً بصلة واحدة لكون الإنابة لازمة للتأوه ورديفاً له فكأنه شيء واحد ومن قوله: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ} "رب تقبل توبتي" أي بجعلها صحيحة بشرائطها واستجماع آدابها فإنها لا تتخلف عن حيز القبول قال الله تعالى {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} . "واغسل حوبتي" بفتح الحاء ويضم أي امح ذنبي "وأجب دعوتي" أي دعاني "وثبت حجتي" أي على أعدائك في الدنيا والعقبي وثبت قولي وتصديقي في الدنيا وعند جواب الملكين "وسدد لساني" أي صوبه وقومه حتى لا ينطق إلا بالصدق ولا يتكلم إلا بالحق "واهد قلبي" أي إلى الصراط المستقيم "واسلل" بضم اللام الأولى أي أخرج من سل السيف إذا أخرجه من الغمد "سخيمة صدري" أي غشه وغله وحقده. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم وابن أبي شيبة.

(9/539)


115 ـ باب
3622 ـ حدثنا هَنّادٌ، أخبرنا أَبُو الأَحْوَصِ عَن أبي حَمْزَةَ عَن إِبْرَاهِيمَ عَن الأَسْوَدِ عَن عَائِشَةَ قالَتْ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "مَنْ دَعَا عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ فَقَدِ انْتَصَرَ" . هَذا حديثٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حَدِيثِ أَبي حَمْزَةَ وَقَدْ تَكَلّمَ بَعْض أَهْلِ العِلْمِ في أَبي حَمْزَةَ من قبل حفظه وَهُوَ مَيْمُون الأَعْوَرُ.
3623 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ، أخبرنا حُمَيْدُ بنُ عَبْدِ الرّحمنِ الرّؤَاسِي عَن أبي الأَحْوَصِ عَن أبي حَمْزَةَ بهَذَا الإسْنَادِ نَحْوَهُ.
ـــــــ
"باب"
قوله: "أخبرنا أبو الأحوص" اسمه سلام بن سليم "عن أبي حمزة" الأعور القصاب اسمه ميمون قوله: "من دعا على من ظلمه فقد انتصر" أي انتقم منه. قال المناوي: أي أخذ من عرض الظالم فنقص من إثمه ثواب المظلوم بحسبه. قوله: "هذا حديث غريب" في سنده أبو حمزة الأعور وهو ضعيف.

(9/540)


116 ـ باب
3624 ـ حدثنا مُوسَى بنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ الكِنْدِيّ الكُوفِيّ أخبرنا زَيْدُ بنُ حُبَابٍ قالَ وَأَخْبَرَنِي سُفْيَانُ الثّوْرِيّ عَن مُحمّدِ بنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ أبي ليلى عَن الشّعْبِيّ عَن عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ أَبي لَيْلَى عَن أَبي
ـــــــ
"باب"
قوله: "حدثنا زيد بن حباب" أبو الحسين العكلي "عن محمد بن عبد الرحمن"

(9/540)


أَيُوبَ الأَنْصَارِيّ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ قالَ عَشْرَ مَرّاتٍ لاَ إلَهَ إِلاّ الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يحي ويميت وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. كَانَتْ لَهُ عِدْلُ أَرْبَعِ رِقَابٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ" . وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ عَن أَبي أَيّوبَ مَوْقُوفاً.
ـــــــ
لسفيان الثوري عدة شيوخ أسماؤهم محمد بن عبد الرحمن ولم يتعين لي أن محمد بن عبد الرحمن هذا من هو. قوله: "كانت له عدل أربع رقاب" قال في النهاية: العدل والعدل بالكسر والفتح وهما بمعنى المثل وقيل هو بالفتح ما عاد له من جنسه وبالكسر ما ليس من جنسه وقيل بالعكس "من ولد إسماعيل" بفتح الواو واللام وبضم الأول وسكون الثاني خصص بني إسماعيل لشرفهم وإنافتهم على غيرهم من العرب والعرب أفضل الأمم ولقربهم منه عليه السلام ومزيد اهتمامه بهم، ويستفاد منه جواز استرقاق العرب خلافاً لمن منع ذلك. وحديث أبي أيوب هذا أخرجه الشيخان أيضاً

(9/541)


117 ـ باب
3625 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ، أخبرنا عبْدُ الصّمَدِ بن عَبْدِ الْوَارِثِ أخبرنا هَاشِمٌ وهُوَ ابنُ سَعِيدٍ الكُوفِيّ، حدّثَنَا كِنَانَةُ مَوْلى صَفِيّةَ قالَ: سَمِعْتُ صَفِيّةَ تَقُولُ: "دَخَلَ عَلَيّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَبَيْنَ يَدَيّ أرْبَعَةُ آلاَفِ نَوَاةٍ أُسَبّحُ بِهَا. قالَ: "لَقَدْ سَبّحْتِ بِهَذِهِ
ـــــــ
"باب"
قوله: "حدثنا كنانة" بكسر الكاف وخفة النون الأولى "مولى صفية" يقال اسم أبيه نبيه مقبول ضعفه الأزدي بلا حجة من الثالثة "قال سمعت صفية" بنت حي بن أخطب الإسرائيلية أم المؤمنين تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم

(9/541)


ألاَ أُعلّمُكِ بأَكْثَرَ مِمّا سَبّحْتِ بِهِ؟ فَقُلْتُ بَلَى عَلّمْنِي، فقَالَ: قُولِي سُبْحَانَ الله عَدَدَ خَلْقِهِ" . هَذا حديثٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ صَفِيّةَ إلاّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ هَاشِمِ بنِ سَعِيدٍ الكُوفيّ وَلَيْسَ إسْنَادُهُ بمَعْرُوفٍ. وفي البابِ عَن ابنِ عَبّاسٍ.
3626 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ، أخبرنا مُحمّدُ بنُ جَعْفَرٍ عَن شُعْبَةَ عَن مُحمّدِ بنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ قالَ سَمِعْتُ كُرَيْباً يُحَدّثُ عَن ابنِ عَبّاسٍ عَن جُوَيْرِيّةَ بِنْتِ الحارِثِ: "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم مَرّ عَلَيْهَا وَهِيَ في مَسْجِدِهَا، ثُمّ مَرّ النبيّ صلى الله عليه وسلم بِهَا قَرِيباً مِنْ نِصْفِ النَهارِ فقالَ لَهَا مَا زِلْتِ عَلَى حَالِكِ؟ قالَتْ نَعَمْ، فقَالَ: ألاَ أُعَلّمُكِ
ـــــــ
بعد خيبر ماتت سنة ست وثلاثين وقيل في ولاية معاوية وهو الصحيح. قوله: "وبين يدي" أي قدامى والواو للحال "أربعة آلاف نواة" بفتح النون وهي عظم التمر "لقد سبحت بهذه" أي بهذه النواة "عدد خلقه" منصوب صفة مصدر محذوف تقديره أسبحه تسبيحاً عدد خلقه. قال القاري هذا الحديث أصل صحيح لتجويز السبحة بتقريره صلى الله عليه وسلم فإنه في معناها إذ لا فرق بين المنظومة والمنثورة فيما بعد به. ولا يعتد بقول من عدها بدعة انتهى. قلت: تقدم الكلام في هذه المسألة في باب عقد التسبيح باليد. قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه الحاكم. قوله: "وليس إسناده بمعروف" تفرد به هاشم بن سعيد وهو ضعيف. قوله: "وفي الباب عن ابن عباس" أخرج حديثه أبو داود.
قوله: "عن محمد بن عبد الرحمن" بن عبيد القرشي التيمي "عن جويرية" بالتصغير "بنت الحارث" بن أبي ضرار الخزاعية من بني المصطلق أم المؤمنين كان اسمها برة فغيرها النبي صلى الله عليه وسلم وسباها في غزوة المريسيع

(9/542)


كَلِمَاتٍ تَقولِينَها: سُبْحَان الله عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبْحَانَ الله عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبْحَانَ الله عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبْحَانَ الله رِضَي نَفْسِهِ، سُبحَانَ الله رَضَي نَفْسِهِ، سُبحَانَ الله رِضَي نَفْسِهِ، سُبحَانَ الله زِنَةَ عَرْشِهِ، سُبْحَانَ الله زِنَةَ عَرْشِهِ، سُبْحَانَ الله زِنَةَ عَرْشِهِ، سُبحَانَ الله مِدَادَ كَلِمَاتِهِ، سُبحَانَ الله مِدَادَ كَلِمَاتِهِ، سُبحَانَ الله مِدَادَ كَلِمَاتِهِ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. وَمُحمّدُ بنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ هُوَ مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ وَهُوَ شَيْخٌ مَدينِيّ ثِقَةٌ وقَدْ رَوَى عَنْهُ المَسْعُودِيّ وسفيان الثّوْرِيّ هَذَا الْحَدِيثَ.
ـــــــ
ثم تزوجها وماتت سنة خمسين على الصحيح. قوله: "وهي في مسجدها" بفتح الجيم وبكسر أي موضع سجودها للصلاة "ما زلت" بكسر التاء "على حالك" أي على الحال التي فارقتك عليها "عدد خلقه" منصوب على نزع الخافض أي بعدد كل واحد من مخلوقاته. وقال السيوطي نصب على الظرف أي قدر عدد خلقه "سبحان الله رضي نفسه" أي أسبحه قدر ما يرضاه "سبحان الله زنة عرشه" أي أسبحه بمقدار وزن عرشه ولا يعلم وزنه إلا الله تبارك وتعالى "سبحان الله مداد كلماته" بكسر الميم أي مثل عددها وقيل قدر ما يوازيها في الكثرة عيار كيل أو وزن أو عدد أو ما أشبهه من وجوه الحصر والتقدير، وهذا تمثيل يراد به التقريب لأن الكلام لا يدخل في الكيل والوزن وإنما يدخل في العدد، والمداد مصدر كالمدد يقال مددت الشيء مداً ومداداً وهو ما يكثر به ويزاد كذا في النهاية. والحديث دليل على فضل هذه الكلمات وأن قائلها يدرك فضيلة تكرار القول بالعدد المذكور ولا يتجه أن يقال إن مشقة من قال هكذا أخف من مشقة من كرر لفظ الذكر حتى يبلغ إلى مثل ذلك العدد فإن هذا باب منحه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعباد الله وأرشدهم ودلهم عليه

(9/543)


ـــــــ
تخفيفاً لهم وتكثيراً لأجورهم من دون تعب ولا نصب فلله الحمد. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجة.

(9/544)


118 ـ باب
3627 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ، أخبرنا ابنُ أَبي عَدِيّ قَالَ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بنُ مَيْمُونٍ صَاحِبُ الأَنْمَاطِ عَن أبي عُثْمَانَ النّهْدِيّ عَن سَلْمَانَ الفَارِسِيّ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "إِنّ الله حَيِيّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي إذَا رَفَعَ الرّجُلُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدّهُمَا صِفْراً خَائِبَتَيْنِ" . هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. ورواه بَعْضُهُمْ ولَمْ يَرْفَعْهُ.
3628 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ أخبرنا صَفْوَانُ بنُ عِيسَى أخبرنا مُحمّدُ بنُ عَجْلاَنَ عَن القَعْقَاعِ عَن أبي صالحٍ عَن أبي هُرَيْرَةَ
ـــــــ
"باب"
قوله: "إن الله حي" فعيل من الحياء أي كثير الحياء ووصفه تعالى بالحياء يحمل على ما يليق له كسائر صفاته نؤمن بها ولا نكيفها "كريم" هو الذي يعطي من غير سؤال فكيف بعده "صفراً" بكسر الصاد المهملة وسكون الفاء أي خاليتين، قال الطيبي يستوي فيه المذكر والمؤنث والتثنية والجمع "خائبتين" من الخيبة وهو الحرمان. وفي الحديث دلالة على استحباب رفع اليدين في الدعاء والأحاديث فيه كثيرة، وأما حديث أنس لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا في الاستسقاء فالمراد به المبالغة في الرفع. قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أبو داود وابن ماجة والبيهقي في الدعوات الكبير وصححه الحاكم.

(9/544)


"أَنّ رَجُلاً كانَ يَدْعُو بإِصْبَعَيْهِ فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَحّدْ أَحّدْ" . هذا حديث حسن غريب. ومعنى هَذَا الحَدِيثِ إذَا أشَارَ الرّجُلُ بِإِصْبَعَيْهِ في الدّعَاءِ عِنْدَ الشّهَادَةِ فَلاَ يُشِيرُ إلاّ بأَصْبُعٍ وَاحِدَةٍ.
ـــــــ
قوله "عن القعقاع" بن حكيم. قوله "كان يدعو" أى يشير "بأصبعيه" الظاهر أنهما الممبحتان "أحد أحد" كرر للتأكيد في التوحيد أى أشر بأصبع واحدة لأن الذي تدعوه واحد سبحانه، وأصله واحد أمر مخاطب من التوحيد وهو القول بأن الله واحد قلبت الواو همزة. قوله "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه النسائي والبيهقي في الدعوات الكبير.

(9/545)