Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

 

حاشية السندي على سنن ابن ماجة

المقدمة

قَوْله ( اِتِّبَاع سُنَّة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )
يَحْتَمِل أَنَّهُ أَرَادَ بِالسُّنَّةِ مَا هُوَ أَحَد الْأَدِلَّة الْأَرْبَعَة الْمَذْكُورَة فِي كُتُب الْأُصُول وَهِيَ الْكِتَاب وَالسُّنَّة وَإِجْمَاع الْأُمَّة وَالْقِيَاس وَالسُّنَّة بِهَذَا الْمَعْنَى تَشْمَل قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِعْله وَتَقْرِيره فَكُلّ ذَلِكَ مِنْ الْأَدِلَّة الَّتِي تَثْبُت بِهَا الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وَيَجِب عَلَى النَّاس اِتِّبَاعهَا وَاتِّبَاع السُّنَّة بِهَذَا الْمَعْنَى الْأَخْذ بِمُقْتَضَاهَا فِي تَمَام الْأَحْكَام الدِّينِيَّة مِنْ الْإِبَاحَة وَالْوُجُوب وَالْحُرْمَة وَالنَّدْب وَالْكَرَاهَة وَيَحْتَمِل أَنَّهُ أَرَادَ بِالسُّنَّةِ الطَّرِيقَة الْمَسْلُوكَة لَهُ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَشْمَل تَمَام الدِّين سَوَاء أَثْبَتَ بِالْكِتَابِ أَوْ بِالسُّنَّةِ وَاتِّبَاع السُّنَّة بِهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْأَخْذ بِهَا وَالسُّنَّة بِالْمَعْنَى الْأَوَّل مِنْ أَقْسَام الدَّلِيل وَبِالْمَعْنَى الثَّانِي هُوَ الْمَدْلُول وَأَحَادِيث الْبَاب تُنَاسِب الْمَعْنَيَيْنِ فِي الْجُمْلَة وَبَعْضهَا أَنْسَب بِالْمَعْنَى الْأَخِير كَالْحَدِيثِ الْآخَر فَإِنَّ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا سَبِيل اللَّه أَرْفَق بِتَمَامِ الدِّين الْمَتِين وَيُؤَيِّدهُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلَا قَوْله سُبْحَانه جَلَّ شَأْنه { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا } الْآيَة وَعَلَى الْمَعْنَيَيْنِ فَقَدْ أَحْسَنَ الْمُصَنِّف رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى وَأَجَادَ حَيْثُ بَدَأَ هَذَا الْكِتَاب الْمَوْضُوع لِتَحْقِيقِ السُّنَن السُّنِّيَّة بِهَذَا الْبَاب فَإِنَّ الْأَخْذ بِهَا مَدَاره عَلَى وُجُوب اِتِّبَاع السُّنَّة السُّنِّيَّة سَوَاء كَانَ الْمُرَاد بِالسُّنَّةِ مَا هُوَ أَحَد الْأَدِلَّة الْأَرْبَعَة أَوْ تَمَام الدِّين أَمَّا عَلَى الْأَوَّل فَظَاهِر وَأَمَّا عَلَى الثَّانِي فَلِأَنَّ الدِّين سَوَاء كَانَ ثَابِتًا بِالْكِتَابِ أَوْ بِالسُّنَّةِ يَحْتَاج طَالِبه إِلَى السُّنَّة فَإِنَّ الْكِتَاب بَيَانه بِالسُّنَّةِ لِقَوْلِهِ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَسْتَبِدّ بِالْكِتَابِ عَنْهَا وَلِذَلِكَ تَرَاهُ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَته يَأْتِيه الْأَمْر مِنْ أَمْرِي مِمَّا أَمَرْت بِهِ أَوْ نَهَيْت عَنْهُ فَيَقُول لَا نَدْرِي مَا وَجَدْنَا فِي كِتَاب اللَّه اِتَّبَعْنَاهُ وَيَقُول أَلَا إِنِّي أُوتِيت الْكِتَاب وَمِثْله مَعَهُ أَلَا يُوشِك رَجُل يَسْتَنِد عَلَى أَرِيكَته يَقُول عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآن فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَال فَأَحِلُّوهُ وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَام فَحَرِّمُوهُ قَالَ الْفَاضِل الطِّيبِيُّ فِي شَرْح الْحَدِيث السَّابِق وَفِي هَذَا الْحَدِيث تَوْبِيخٌ وَتَقْرِيعٌ نَشَأَ مِنْ تَعْظِيم عَظِيم عَلَى تَرْك السُّنَّة وَالْعَمَل بِالْحَدِيثِ اِسْتِغْنَاء عَنْهَا بِالْكِتَابِ هَذَا مَعَ الْكِتَاب فَكَيْف بِمَنْ رَجَّحَ الرَّأْي عَلَى الْحَدِيث وَإِذَا سَمِعَ حَدِيثًا مِنْ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة قَالَ لَا عَلَيَّ بِأَنْ أَعْمَلَ بِهَا فَإِنَّ لِي مَذْهَبًا أَتْبَعهُ اِنْتَهَى .
وَأَنْتَ تَعْلَم أَنَّ مِثْل هَذَا السِّبَاب الْمُكَنَّى عَنْهُ لِلْأَغْبِيَاءِ وَالْجَهَلَة الَّذِينَ لَا يَصْلُحُونَ لِلِاجْتِهَادِ أَصْلًا وَقَطْعًا فَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ لَيْسَا فِي ذَمّ الْمُجْتَهِد الَّذِي يَرُدّ الْحَدِيث إِذَا صَحَّ عِنْده وَحَاشَا أَنْ يَكُون مُجْتَهِد كَذَلِكَ بَلْ فِي ذَمّ الْمُقَلِّد إِذَا خَالَفَ قَوْلُ إِمَامِهِ الْحَدِيثَ فَيَرُدُّهُ وَيَعْتَذِر لِإِمَامِهِ بِأَنَّهُ قَدْ اِسْتَغْنَى بِالْكِتَابِ عَنْ هَذَا الْحَدِيث وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّ اِتِّبَاع السُّنَّة يَعُمّ تَمَام الْأُمَّة وَلَا يَخْتَصّ بِالْمُجْتَهِدِ عَنْ الْمُقَلِّد وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَم .


1 - قَوْله ( مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَخُذُوهُ إِلَى آخِره )
هَذَا الْحَدِيث كَالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { مَا آتَاكُمْ الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } وَمَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ شَرْطِيَّة كَمَا ذَكَرَ السُّيُوطِيُّ هَذَا الِاحْتِمَال لِأَنَّ الشَّرْطِيَّة أَظْهَر مَعْنًى وَفِي الْمَوْصُولَة يَلْزَم وُقُوع الْجُمْلَة الْإِنْشَائِيَّة خَبَرًا وَهُوَ مِمَّا اِخْتَلَفُوا فِيهِ وَكَثِير مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحّ إِلَّا بِتَأْوِيلٍ بِخِلَافِ الشَّرْطِيَّة فَإِنَّ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى أَنَّ خَبَرهَا جُمْلَة الشَّرْط لَا الْجَزَاء ثُمَّ قَوْله مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ يَعُمّ أَمْر الْإِيجَاب وَالنَّدْب وَقَوْله فَخُذُوهُ أَيْ تَمَسَّكُوا بِهِ لِمُطْلَقِ الطَّلَب الشَّامِل لِلْوُجُوبِ وَالنَّدْب فَيَنْطَبِق عَلَى الْقِسْمَيْنِ وَقِيلَ هَذَا مَخْصُوص بِأَمْرِ الْوُجُوب وَكَذَلِكَ قَوْله وَمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ يَعُمّ نَهْي تَحْرِيم وَتَنْزِيه وَكَذَا الطَّلَب فِي قَوْله فَانْتَهُوا يَعُمّ الْقِسْمَيْنِ وَيَحْتَمِل الْخُصُوص بِنَهْيِ التَّحْرِيم وَالْخِطَاب وَإِنْ كَانَ لِلْحَاضِرِينَ وَضْعًا لَكِنَّ الْحُكْم يَعُمّ الْمُغَيَّبِينَ اِتِّفَاقًا وَفِي شُمُول الْخِطَاب لَهُمْ قَوْلَانِ وَعَلَى التَّقْدِير فَإِطْلَاقه يَشْمَل الْمُجْتَهِد وَالْمُقَلِّد .


2 - قَوْله ( ذَرُونِي )
أَيْ اُتْرُكُونِي مِنْ السُّؤَال عَنْ الْقُيُود فِي الْمُطْلَقَات
قَوْله ( مَا تَرَكْتُكُمْ )
مَا مَصْدَرِيَّة ظَرْفِيَّة أَيْ مُدَّة مَا تَرَكْتُكُمْ عَنْ التَّكْلِيف بِالْقُيُودِ فِيهَا وَلَيْسَ الْمُرَاد لَا تَطْلُبُوا مِنِّي الْعِلْم مَا دَامَ إِلَّا أَنْ أُبَيِّن لَكُمْ بِنَفْسِي وَيَدُلّ عَلَى مَا ذَكَرنَا وُرُودُهُ لِمَنْ قَالَ هَلْ الْحَجّ كُلّ عَام فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ إِلَى آخِره يُرِيد أَنَّ الْأَمْر الْمُطْلَق لَا يَقْتَضِي دَوَام الْفِعْل وَإِنَّمَا يَقْتَضِي حُسْن الْمَأْمُور بِهِ وَأَنَّهُ طَاعَة مَطْلُوبَة فَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِي كُلُّ إِنْسَان مِنْهُ قَدْر طَاقَته وَأَمَّا النَّهْي فَيَقْتَضِي دَوَام التَّرْك .


3 - قَوْله ( مَنْ أَطَاعَنِي )
يُرِيد أَنَّهُ مُبَلِّغ عَنْ اللَّه فَمَنْ أَطَاعَهُ فِيمَا بَلَّغَ فَقَدْ أَطَاعَ الْآمِرَ الْحَقِيقِيَّ وَمِثْله الْمَعْصِيَة وَهَذَا مَضْمُون قَوْله تَعَالَى ( مَنْ يُطِعْ الرَّسُول فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاك عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ) لَكِنَّ سَوْق الْآيَة فِي نَسَق الْمَعْصِيَة لِإِفَادَةِ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الرَّسُول وَبَال مَعْصِيَته إِذْ لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا الْبَلَاغ لَا الْحِفْظ فَوَبَالُ الْمَعْصِيَة عَلَى ذَلِكَ الْعَاصِي .


4 - قَوْله ( لَمْ يَعْدُهُ )
بِسُكُونِ الْعَيْن أَيْ لَمْ يَتَجَاوَز بِالزِّيَادَةِ عَلَى قَدْر الْوَارِد فِي الْحَدِيث وَالْإِفْرَاط فِيهِ وَلَمْ يُقَصِّر فِي التَّقْصِير دُونه قَدَّرَ اللَّه قَبْل الْوُصُول إِلَيْهِ بِأَنْ لَا يَعْمَل بِذَلِكَ الْحَدِيث أَصْلًا أَوْ يَأْتِي بِأَقَلّ مِنْ الْقَدْر الْوَارِد وَالْحَاصِل أَنَّهُ كَانَ وَاقِفًا عِنْد الْحَدّ الْوَارِد فِي الْحَدِيث وَلَمْ يَأْتِ بِإِفْرَاطٍ فِيهِ وَلَا تَفْرِيط .
وَهَذَا الْحَدِيث مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ الْمُصَنِّف وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَم وَكَانَ اِبْن عُمَر بِشِدَّةِ اِتِّبَاعه الْحَدِيث مَعْرُوفًا وَرَوَى التِّرْمِذِيّ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْل الشَّام سَأَلَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ التَّمَتُّع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجّ فَقَالَ حَلَال فَقَالَ الشَّامِيّ إِنَّ أَبَاك قَدْ نَهَى عَنْهَا فَقَالَ عَبْد اللَّه أَرَأَيْت إِنْ كَانَ أَبِي نَهَى عَنْهَا وَصَنَعَهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْر أَبِي يُتَّبَع أَمْ أَمْر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ الرَّجُل بَلْ أَمْر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَقَدْ صَنَعَهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ التِّرْمِذِيّ هَذَا حَدِيث حَسَن صَحِيح فَانْظُرْ إِلَى اِبْن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا أَنَّهُ كَيْف خَالَفَ أَبَاهُ مَعَ عِلْمه بِأَنَّ أَبَاهُ قَدْ بَلَغَهُ الْحَدِيث وَأَنَّهُ لَا يُخَالِفهُ إِلَّا بِدَلِيلٍ هُوَ أَقْوَى مِنْهُ عِنْده وَمَعَ ذَلِكَ أَفْتَى بِخِلَافِ قَوْل أَبِيهِ وَقَالَ إِنَّ قَوْل أَبِيهِ لَا يَلِيق أَنْ يُؤْخَذ بِهِ وَقَدْ عَمِلَ بِمِثْلِ هَذَا سَالِم بْن عَبْد اللَّه حِين بَلَغَهُ حَدِيث عَائِشَة فِي الطِّيب قُبَيْل الْإِحْرَام وَقَبْل الْإِفَاضَة تَرَكَ قَوْل أَبِيهِ وَجَدّه وَقَالَ سُنَّة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَقّ أَنْ تُتَّبَع وَغَالِب أَهْل الزَّمَان عَلَى خِلَافَاتهمْ إِذَا جَاءَهُمْ حَدِيث يُخَالِف قَوْل إِمَامهمْ يَقُولُونَ لَعَلَّ هَذَا الْحَدِيث قَدْ بَلَغَ الْإِمَام وَخَالَفَهُ بِمَا هُوَ أَقْوَى عِنْده مِنْهُ وَرَوَى اِبْن عُمَر حَدِيث لَا تَمْنَعُوا إِمَاء اللَّه مَسَاجِد اللَّه فَقَالَ لَهُ بَعْض أَوْلَاده نَحْنُ نَمْنَع فَسَبَّهُ سَبًّا مَا سُمِعَ سَبَّ مِثْله قَطُّ وَقَطَعَ الْكَلَام مَعَهُ إِلَى الْمَوْت وَلَهُ رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُ فِي مُرَاعَاة دَقَائِق السُّنَن أَحْوَال مُدَوَّنَة فِي كُتُب الْحَدِيث مَشْهُورَة بَيْن أَهْله ذَكَرَ شَيْئًا مِنْهَا السُّيُوطِيُّ فِي حَاشِيَة الْكِتَابِ .


5 - قَوْله ( وَنَتَخَوَّفهُ )
أَيْ نُظْهِر الْخَوْف مِنْ لُحُوقه بِنَا
آلْفَقْر
بِمَدِّ الْهَمْزَة عَلَى الِاسْتِفْهَام وَهُوَ مَفْعُول مُقَدَّم لَتُصَبَّنَّ عَلَى بِنَاء الْمَفْعُول وَالنُّون الثَّقِيلَة
قَوْله ( لَا يَزِيغ )
مِنْ الْإِزَاغَة بِمَعْنَى الْإِمَالَة عَنْ الْحَقّ
قَوْله ( قَلْب أَحَدكُمْ )
بِالنَّصْبِ مَفْعُول بِهِ
( إِلَّا هِيهِ )
هِيَ ضَمِير الدُّنْيَا وَالْهَاء فِي آخِره لِلسَّكْتِ وَهُوَ فَاعِل يَزِيغ
قَوْله ( لَقَدْ تَرَكْتُكُمْ )
أَيْ مَا فَارَقْتُكُمْ بِالْمَوْتِ فَصِيغَة الْمَاضِي بِمَعْنَى الِاسْتِقْبَال أَوْ قَدْ اِجْتَهَدْت فِي إِصْلَاح حَالكُمْ حَتَّى صِرْتُمْ عَلَى هَذَا الْحَال تَرَكْتُكُمْ عَلَيْهَا وَاشْتَغَلْت عَنْهَا بِأُمُورِ أُخَر كَالْعِبَادَةِ فَصِيغَة الْمَاضِي عَلَى مَعْنَاهَا
قَوْله ( عَلَى مِثْل الْبَيْضَاء )
ظَاهِر السَّوْق أَنَّ هَذَا بَيَان لِحَالِ الْقُلُوب لَا لِحَالَةِ الْمِلَّة وَالْمَعْنَى عَلَى قُلُوب هِيَ مِثْل الْأَرْض الْبَيْضَاء لَيْلًا وَنَهَارًا وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون لَفْظ الْمِثْل مُقْحَمًا وَالْمَعْنَى عَلَى قُلُوب بَيْضَاء نَقِيَّة عَنْ الْمَيْل إِلَى الْبَاطِل لَا يُمِيلهَا عَنْ الْإِقْبَال عَنْ اللَّه تَعَالَى السَّرَّاء وَالضَّرَّاء فَلْيُفْهَمْ ثُمَّ الْحَدِيث مِمَّا اِنْفَرَدَ بِهِ الْمُصَنِّف رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى .


6 - قَوْله ( لَا تَزَال طَائِفَة )
الطَّائِفَة الْجَمَاعَة مِنْ النَّاس وَالتَّنْكِير لِلتَّقْلِيلِ أَوْ التَّعْظِيم لِعِظَمِ قَدْرهمْ وَوُفُور فَضْلهمْ وَيَحْتَمِل التَّكْثِير أَيْضًا فَإِنَّهُمْ وَإِنْ قَلُّوا فَهُمْ الْكَثِيرُونَ فَإِنَّ الْوَاحِد لَا يُسَاوِيه الْأَلْف بَلْ هُمْ النَّاس كُلّهمْ
قَوْله ( مَنْصُورِينَ )
أَيْ بِالْحُجَجِ وَالْبَرَاهِين أَوْ بِالسُّيُوفِ وَالْأَسِنَّة فَعَلَى الْأَوَّل هُمْ أَهْل الْعِلْم وَعَلَى الثَّانِي الْغُزَاة وَإِلَى الْأَوَّل مَالَ الْمُصَنِّف فَذَكَرَ الْحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب فَإِنَّهُ الْمَنْقُول عَنْ كَثِير مِنْ أَهْل الْعِلْم قَالَ أَحْمَد بْن حَنْبَل فِي هَذِهِ الطَّائِفَة إِنْ لَمْ يَكُونُوا هُمْ أَهْل الْحَدِيث فَلَا أَدْرِي مَنْ هُمْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِم فِي عُلُوم الْحَدِيث قَالَ عِيَاض وَإِنَّمَا أَرَادَ أَهْل السُّنَّة وَالْجَمَاعَة وَمَنْ يَعْتَقِد مَذْهَب أَهْل الْحَدِيث وَقَالَ الْبُخَارِيّ فِي صَحِيحه هُمْ أَهْل الْعِلْم قَالَ السُّيُوطِيُّ بَعْد نَقْله أَيْ الْمُجْتَهِدُونَ لِأَنَّ الْمُقَلِّد لَا يُسَمَّى عَالِمًا وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى اِسْتِمْرَار الِاجْتِهَاد إِلَى قِيَام السَّاعَة أَوْ مَجِيء أَشْرَاطهَا الْكُبْرَى اِنْتَهَى .
قُلْت كَأَنَّ السُّيُوطِي رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى قَصَدَ بِذَلِكَ التَّنْبِيه عَلَى صِحَّة دَعْوَاهُ فَإِنَّهُ رَحِمَهُ اللَّه كَانَ يَدَّعِي الِاجْتِهَاد الْمُطْلَق وَأَهْل عَصْره أَنْكَرُوا لَكِنَّ كَثِير مِمَّنْ جَاءَ بَعْده سَلَّمَ لَهُ بِذَلِكَ قَالَ النَّوَوِيّ يَحْتَمِل أَنْ تَكُون هَذِهِ الطَّائِفَة مُفَرَّقَة فِي أَنْوَاع الْمُؤْمِنِينَ مِمَّنْ يَقُوم لِلَّهِ مِنْ الْمُجَاهِدِينَ وَفَقِيه وَمُحَدِّث وَزَاهِد وَآمِر بِالْمَعْرُوفِ وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاع الْخَيْر وَلَا يَجِب اِجْتِمَاعهمْ فِي مَكَان وَاحِد بَلْ يَجُوز أَنْ يَكُونُوا مُفْتَرِقِينَ فِي أَقْطَار الْأَرْض
قَوْله ( مَنْ خَذَلَهُمْ )
أَيْ لَمْ يُعَاوِنهُمْ وَلَمْ يَنْصُرهُمْ مِنْ الْخَلْق فَإِنَّهُمْ مَنْصُورُونَ بِاَللَّهِ لِمَا فِيهِمْ مِنْ الْخَيْر ( إِنَّ اللَّه مَعَ الَّذِينَ اِتَّقُوا وَاَلَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ) أَيْ فَلَا يَضُرّهُمْ عَدَم نَصْر الْغَيْر
قَوْله ( حَتَّى تَقُوم السَّاعَة )
أَيْ سَاعَة مَوْت الْمُؤْمِنِينَ بِمَجِيءِ الرِّيح الَّتِي تَقْبِض رُوح كُلّ مُؤْمِن وَهِيَ السَّاعَة فِي حَقّ الْمُؤْمِنِينَ وَإِلَّا فَالسَّاعَة لَا تَقُوم إِلَّا عَلَى شِرَار خَلْق اللَّه .


7 - قَوْله ( قَوَّامَة عَلَى أَمْر اللَّه )
أَيْ بِأَمْرِهِ أَيْ بِشَرِيعَتِهِ وَدِينه وَتَرْوِيج سُنَّة نَبِيّه أَوْ بِالْجِهَادِ مَعَ الْكُفَّار .


8 - قَوْله ( حَدَّثَنَا بَكْر بْن زُرْعَة )
قَالَ السُّيُوطِيُّ هُوَ خَوْلَانِيّ شَامِيّ لَيْسَ لَهُ عِنْد الْمُصَنِّف سِوَى هَذَا الْحَدِيث وَلَيْسَ لَهُ عِنْد بَقِيَّة السِّتَّة شَيْءٌ
سَمِعْت أَبَا عِنَبَة
بِكَسْرِ الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَفَتْح النُّون ثُمَّ مُوَحَّدَة اِسْمه عَبْد اللَّه وَقِيلَ عُمَارَة وَأَنْكَرَ قَوْم صُحْبَته وَعَدُّوهُ فِي كِبَار التَّابِعِينَ وَقَالَ الْبَغَوِيُّ فِي مُعْجَمه كَانَ مِنْ أَصْحَاب مُعَاذ أَسْلَمَ وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيّ
قَوْله ( يَغْرِس )
كَيَضْرِب أَوْ مِنْ أَغَرَسَ يُقَال غَرَسَ الشَّجَر وَأَغْرَسَهُ إِذَا أَثْبَتَهُ فِي الْأَرْض وَالْمُرَاد يُوجَد فِي أَهْل هَذِهِ الدِّين وَلِذَا يُسْتَعْمَل أَهْل الدِّين فِي طَاعَته وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْمُجَدِّد لِلدِّينِ عَلَى رَأْس كُلّ مِائَة سَنَة وَيَحْتَمِل أَنَّهُ أَعَمّ فَيَشْمَل كُلّ مَنْ يَدْعُو النَّاس إِلَى إِقَامَة دِين اللَّه وَطَاعَته وَسُنَّة نَبِيّه صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ
وَغَرْسًا
بِمَعْنَى مَغْرُوسًا


9 - قَوْله ( أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ )
أَيْ لِيُصَدِّقُونِي فِيمَا أَقُولُ
قَوْله ( ظَاهِرُونَ )
غَالِبُونَ .


11 - قَوْله ( هَذَا سَبِيل اللَّه )
أَيْ مِثْل سَبِيله الْمُوَصِّلَة إِلَيْهِ الْمُقَرِّبَة السَّالِك فِيهَا الْمُرَاد بِهَا الدِّين الْقَوِيم وَالصِّرَاط الْمُسْتَقِيم وَبِتِلَاوَةِ الْآيَة بَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ بَاقِي الْخُطُوط مَثَل لِلسَّبِيلِ الْمُعَوِّقَة عَنْهُ وَالْمَطْلُوب بِالتَّمْثِيلِ تَوْضِيح حَال الدِّين وَحَال السَّالِك فِيهِ وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَدْنَى مَيْل عَنْهُ فَإِنَّهُ بِأَدْنَى مَيْل يَقَع فِي سَبِيل الضَّلَال لِقُرْبِهَا وَاشْتِبَاههَا وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .


12 - قَوْله ( يُوشِك الرَّجُل )
هُوَ مُضَارِع أَوْشَكَ قَالَ اِبْن مَالِك هُوَ أَحَد أَفْعَال الْمُقَارَبَة وَيَقْتَضِي اِسْمًا مَرْفُوعًا وَخَبَرًا يَكُون فِعْلًا مُضَارِعًا مَقْرُونًا بِأَنَّ وَلَا أَعْلَم تَجَرُّده مِنْ أَنَّ إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيث وَفِي بَعْض الْأَشْعَار
قَالَ السُّيُوطِيُّ قُلْت قَدْ رَوَاهُ الْحَاكِم بِلَفْظِ يُوشِك أَنْ يَقْعُد الرَّجُل عَلَى أَرِيكَته يُحَدَّث إِلَخْ أَرَادَ السُّيُوطِيُّ أَنَّ لَفْظ الْحَدِيث قَدْ غَيَّرَهُ الرُّوَاة وَإِلَّا فَإِنَّهَا مَوْجُودَة فِيهِ فِي الْأَصْل كَمَا فِي رِوَايَة الْحَاكِم مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَته أَيْ جَالِسًا عَلَى سَرِيره الْمُزَيَّن وَالظَّاهِر أَنَّهُ حَال مِنْ ضَمِير يُحَدَّث الرَّاجِع إِلَى الرَّجُل وَهُوَ عَلَى بِنَاء الْمَفْعُول وَجَعْله حَالًا مِنْ الرَّجُل بَعِيد مَعْنَى وَهَذَا بَيَان لِبَلَادَتِهِ وَسُوء فَهْمه أَيْ حَمَاقَته وَسُوء أَدَبه كَمَا هُوَ دَأْب الْمُتَنَعِّمِينَ الْمَغْرُورِينَ بِالْمَالِ وَالْجَاه
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ أَرَادَ بِهِ أَصْحَاب التَّرَفُّه وَالدَّعَة الَّذِينَ لَزِمُوا الْبُيُوت وَلَمْ يَطْلُبُوا بِالْأَسْفَارِ مِنْ أَهْله فَيَقُول أَيْ فِي رَدّ ذَلِكَ الْحَدِيث حَيْثُ لَا يُوَافِق هَوَاهُ أَوْ مَذْهَب إِمَامه الَّذِي قَلَّدَهُ
قَوْله ( اِسْتَحْلَلْنَاهُ )
اِتَّخَذْنَاهُ حَلَالًا أَيْ وَهَذَا الْحَدِيث زَائِد عَلَى مَا فِي الْقُرْآن فَلَا نَأْخُذ بِهِ
قَوْله ( أَلَا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ إِلَخْ )
أَلَا حَرْف تَنْبِيه وَإِنَّ مَا حَرَّمَ عَطْف عَلَى مُقَدَّر أَيْ أَلَا إِنَّ مَا فِي الْقُرْآن حَقّ وَأَنَّ مَا حَرَّمَ إِلَخْ مِثْل مَا حَرَّمَ اللَّه أَيْ عَطْف فِي الْقُرْآن وَإِلَّا فَمَا حَرَّمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ عَيْن مَا حَرَّمَ اللَّه فَإِنَّ التَّحْرِيم يُضَاف إِلَى الرَّسُول بِاعْتِبَارِ التَّبْلِيغ وَإِلَّا هُوَ فِي الْحَقِيقَة لِلَّهِ وَالْمُرَاد أَنَّهُ مِثْله فِي وُجُوب الطَّاعَة وَلُزُوم الْعَمَل بِهِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ يُحَذِّر بِذَلِكَ مُخَالَفَة السُّنَن الَّتِي سَنَّهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا لَيْسَ لَهُ فِي الْقُرْآن ذِكْر عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْخَوَارِج وَالرَّوَافِض فَإِنَّهُمْ تَعَلَّقُوا بِظَاهِرِ الْقُرْآن وَتَرَكُوا الَّتِي قَدْ ضُمِّنَتْ بَيَان الْكِتَاب فَتَحَيَّرُوا وَضَلُّوا قَالَ وَفِي الْحَدِيث دَلِيل عَلَى أَنَّهُ لَا حَاجَة بِالْحَدِيثِ أَنْ يُعْرَض عَلَى الْكِتَاب وَأَنَّهُ مَهْمَا ثَبَتَ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ حُجَّة بِنَفْسِهِ
قُلْت كَأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْعَرْض لِقَصْدِ رَدّ الْحَدِيث بِمُجَرَّدِ أَنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ مَا لَيْسَ فِي الْكِتَاب وَإِلَّا فَالْعَرْض لِقَصْدِ الْفَهْم وَالْجَمْع وَالتَّثَبُّت لَازِمٌ ثُمَّ قَالَ وَحَدِيث إِذَا جَاءَكُمْ حَدِيث فَاعْرِضُوهُ عَلَى الْقُرْآن كِتَاب اللَّه فَإِنْ وَافَقَهُ فَخُذُوهُ حَدِيث بَاطِل لَا أَصْل لَهُ وَرُوِيَ عَنْ يَحْيَى بْن مَعِين أَنَّهُ قَالَ هَذَا حَدِيث وَضَعَهُ الزَّنَادِقَة .


13 - قَوْله ( لَا أُلْفِيَنَّ )
صِيغَة الْمُتَكَلِّم الْمُؤَكَّدَة بِالنُّونِ الثَّقِيلَة مِنْ أَلْفَيْت الشَّيْء وَجَدْته ظَاهِره نَهْي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفْسه عَنْ أَنْ يَجِدهُمْ عَلَى هَذِهِ الْحَالَة وَالْمُرَاد نَهْيهمْ عَنْ أَنْ يَكُونُوا عَلَى هَذِهِ الْحَالَة فَإِنَّهُمْ إِذَا كَانُوا عَلَيْهَا يَجِدهُمْ صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِ عَلَيْهَا
وَقَوْله يَأْتِيه الْأَمْر
الْجُمْلَة حَال
وَالْأَمْر
بِمَعْنَى الشَّأْن فَيَعُمّ الْأَمْر وَالنَّهْي فَوَافَقَ الْبَيَان
بِقَوْلِهِ مِمَّا أَمَرْت بِهِ أَوْ نَهَيْت عَنْهُ فَيَقُول إِعْرَاضًا عَنْهُ لَا أَدْرِي
هَذَا الْأَمْر
مَا وَجَدْنَا
مَا مَوْصُولَة مُبْتَدَأ خَبَره
اِتَّبَعْنَاهُ
أَيْ وَلَيْسَ هَذَا مِنْهُ فَلَا نَتْبَعهُ وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون مَا نَافِيَة وَالْجُمْلَة كَالتَّأْكِيدِ لِقَوْلِهِ لَا أَدْرِي وَجُمْلَة
اِتَّبَعْنَاهُ
حَال أَيْ وَقَدْ اِتَّبَعْنَا
كِتَاب اللَّه
فَلَا نَتْبَع غَيْره قُلْت وَقَوْل بَعْض أَهْل الْأُصُول لَا يَجُوز الزِّيَادَة عَلَى الْكِتَاب بِخَبَرٍ فِي الصُّورَة أَشْبَه شَيْء بِهَذَا الْمَنْهِيّ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ لَا يَجُوز تَقْيِيد إِطْلَاق الْكِتَاب بِخَبَرِ الْآحَاد فَالِاحْتِرَاز عَنْ إِطْلَاق ذَلِكَ اللَّفْظ أَحْسَن وَأَوْلَى .


14 - قَوْله ( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرنَا )
أَيْ فِي شَأْننَا فَالْأَمْر وَاحِد الْأُمُور أَوْ فِيمَا أَمَرْنَا بِهِ فَالْأَمْر وَاحِد الْأَوَامِر أُطْلِقَ عَلَى الْمَأْمُورِيَّة وَالْمُرَاد عَلَى الْوَجْهَيْنِ الدِّين الْقَيِّم الْمَعْنَى عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي شَرْح الْمَصَابِيح مَنْ أَحْدَثَ فِي الْإِسْلَام رَأْيًا لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ الْكِتَاب وَالسُّنَّة سَنَد ظَاهِر أَوْ خَفِيّ مَلْفُوظ أَوْ مُسْتَنْبَط
فَهُوَ رَدٌّ
عَلَيْهِ أَيْ مَرْدُود وَالْمُرَاد أَنَّ ذَلِكَ الْأَمْر وَاجِب الرَّدّ يَجِب عَلَى النَّاس رَدّه وَلَا يَجُوز لِأَحَدٍ اِتِّبَاعه وَالتَّقْلِيد فِيهِ وَقِيلَ يَحْتَمِل أَنَّ ضَمِير فَهُوَ رَدٌّ لِمَنْ أَيْ فَذَاكَ الشَّخْص مَرْدُودٌ مَطْرُودٌ .


15 - قَوْله ( فِي شِرَاج الْحَرَّة )
بِكَسْرِ الشِّين الْمُعْجَمَة آخِره جِيم جَمْع شَرْجَة بِفَتْحِ فَسُكُون وَهِيَ مَسَايِل الْمَاء بِالْحَرَّةِ بِفَتْحِ فَتَشْدِيد وَهِيَ أَرْض ذَات حِجَارَة سُود
قَوْله ( سَرِّحْ الْمَاء )
مِنْ التَّسْرِيح أَيْ أَرْسِلْ
اِسْقِ
يَحْتَمِل قَطْع الْهَمْزَة وَوَصْلهَا
وَقَوْله أَنْ كَانَ
بِفَتْحِ الْهَمْزَة حَرْف مَصْدَرِيّ أَوْ مُخَفَّف أَنْ وَاللَّام مُقَدَّرَة أَيْ حَكَمْت بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ اِبْن عَمَّتك وَرُوِيَ بِكَسْرِ الْهَمْزَة عَلَى أَنَّهُ مُخَفَّف أَنْ وَالْجُمْلَة اِسْتِئْنَافِيَّة فِي مَوْضِع التَّعْلِيل
قَوْله ( فَتَلَوَّنَ )
أَيْ تَغَيَّرَ وَظَهَرَ فِيهِ آثَار الْغَضَب
إِلَى الْجَدْر
بِفَتْحِ الْجِيم وَكَسْرهَا وَسُكُون الدَّال الْمُهْمَلَة وَهُوَ الْجِدَار قِيلَ الْمُرَاد بِهِ مَا رُفِعَ حَوْل الْمَزْرَعَة كَالْجِدَارِ وَقِيلَ أُصُول الشَّجَر أَمَرَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلًا بِالْمُسَامَحَةِ وَالْإِيثَار بِأَنْ يَسْقِي شَيْئًا يَسِيرًا ثُمَّ يُرْسِلهُ إِلَى جَاره فَلَمَّا قَالَ الْأَنْصَارِيّ مَا قَالَ وَجَهِلَ مَوْضِع حَقّه أَمَرَهُ بِأَنْ يَأْخُذ تَمَام حَقّه وَيَسْتَوْفِيه فَإِنَّهُ أَصْلَح لَهُ وَفِي الزَّجْر أَبْلَغ وَقَوْل الْأَنْصَارِيّ مَا قَالَ وَقَعَ مِنْهُ فِي شِدَّة الْغَضَب بِلَا اِخْتِيَار مِنْهُ إِنْ كَانَ مُسْلِمًا وَيَحْتَمِل أَنَّهُ كَانَ مُنَافِقًا وَقِيلَ لَهُ أَنْصَارِيّ لِاتِّحَادِ الْقَبِيلَة وَقَدْ جَاءَ فِي النَّسَائِيِّ أَنَّهُ حَضَرَ بَدْرًا .


16 - قَوْله ( إِمَاء اللَّه )
أَيْ النِّسَاء
قَوْله ( اِبْن لَهُ )
اِسْمه بِلَال فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا قَدْ جَاءَ أَنَّهُ سَبَّهُ سَبًّا وَقَطَعَ الْكَلَام مَعَهُ إِلَى أَنْ مَاتَ .


17 - قَوْله ( فَخَذَفَ )
مِنْ الْخَذْف بِمُعْجَمَتَيْنِ وَفَاء وَهُوَ فِي الْحَصَاة وَالنَّوَاة يَأْخُذهَا بَيْن السَّبَّابَتَيْنِ وَيَرْمِي بِهَا
قَوْله ( نَهَى عَنْهَا )
أَيْ عَنْ هَذِهِ الْفِعْلَة
قَوْله ( وَقَالَ إِنَّهَا لَا تَصِيد إِلَخْ )
أَيْ إِنَّهَا ضَرَر لَا نَفْع فِيهَا
وَلَا تَنْكِي
مِنْ نَكَيْت الْعَدُوّ أَنَكِي نِكَايَة إِذَا كَثُرَتْ فِيهِمْ الْجِرَاح وَالْقَتْل فَنُهُوا لِذَلِكَ وَقَدْ يُهْمَز لُغَة فَيُقَال نَكَأَ كَمَنَعَ وَتَفْقَأ بِهَمْزَةٍ فِي آخِره أَيْ تَشُقُّ .


18 - قَوْله ( النَّقِيب )
أَيْ نَقِيب الْأَنْصَار لَيْلَة الْعَقَبَة
قَوْله ( كِسَر الذَّهَب )
بِكَسْرِ الْكَاف كَالْقِطْعَةِ لَفْظًا وَمَعْنَى وَجَمْعهَا كِسَر كَقِطَعِ وَالْمُرَاد أَنَّهُمْ يَتَبَايَعُونَهَا عَدَدًا
قَوْله ( وَلَا نَظِرَة )
فَتْح فَكَسْر أَيْ اِنْتِظَار وَلَا تَأْخِير مِنْ أَحَد الطَّرَفَيْنِ فِي هَذَا أَيْ فِيمَا ذَكَرْت مِنْ الذَّهَب وَالْفِضَّة
إِلَّا مَا كَانَ
أَيْ النَّسِيئَة يُرِيد لَا أَرَى الرِّبَا فِيهَا إِلَّا النَّسِيئَة
قَوْله ( إِمْرَة )
كَسْر الْهَمْزَة أَيْ حُكُومَة وِلَايَة
قَوْله ( فَقَبَّحَ )
بِالتَّخْفِيفِ فِي الْقَامُوس قَبَّحَهُ اللَّه نَحَّاهُ مِنْ الْخَيْر فَهُوَ مَقْبُوح
قَوْله ( وَأَمْثَالك )
بِالرَّفْعِ عَطْف عَلَى اِسْم لَيْسَ وَالنَّصْب عَلَى الْمَعِيَّة بَعِيد مَعْنَى
قَوْله ( هُوَ الْأَمْر )
أَيْ اِعْتَقَدُوا فِيهِ .


19 - قَوْله الَّذِي هُوَ أَهْنَاهُ
أَيْ الَّذِي هُوَ أَوْفَق بِهِ مِنْ غَيْره وَأَهْدَى وَأَلْيَق بِكَمَالِ هُدَاهُ
وَأَتْقَاهُ
أَيْ وَأَنْسَب بِكَمَالِ تَقْوَاهُ وَهُوَ أَنَّ قَوْله صَوَاب وَنُصْح وَاجِب الْعَمَل بِهِ لِكَوْنِهِ جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه تَعَالَى وَبَلَّغَهُ النَّاس بِلَا زِيَادَة وَنُقْصَان وَأَهْنَأ فِي الْأَصْل بِالْهَمْزَةِ اِسْم تَفْضِيل مِنْ هَنَأ الطَّعَام بِالْهَمْزَةِ إِذَا سَاغَ أَوْ جَاءَ بِلَا تَعَب وَلَمْ يَعْقُبهُ بَلَاء لَكِنْ قُلِبَتْ هَمْزَته أَلِفًا لِلِازْدِوَاجِ وَالْمُشَاكَلَة وَأَتْقَى اِسْم تَفْضِيل مِنْ الِاتِّقَاء عَلَى الشُّذُوذ لِأَنَّ الْقِيَاس بِنَاء اِسْم التَّفْضِيل مِنْ الثُّلَاثِيّ الْمُجَرَّد وَهُوَ مَبْنِيّ عَلَى تَوَهُّم أَنَّ التَّاء حَرْف أَصْلِيّ وَمِثْله يُمْكِن مِنْ الْمَكَارِه مَعَ كَثْرَته الْمِيم زَائِدَة وَهَذَا الْمَتْن مِمَّا اِنْفَرَدَ بِهِ الْمُصَنِّف .


21 - قَوْله ( لَا أَعْرِفَنَّ )
مِنْ الْمَعْرِفَة أَيْ لَا أَجِدَنَّ وَلَا أَعْلَمَنَّ وَهُوَ مِنْ قَبِيل لَا أُلْفِيَنَّ وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا
قَوْله ( مَا يُحَدِّث )
مَا مَصْدَرِيَّة وَيُحَدِّث مِنْ التَّحْدِيث عَلَى بِنَاء الْمَفْعُول أَيْ أَنْ يُحَدِّث فَيَقُول أَيْ فِي رَدّه
اِقْرَأْ قُرْآنًا
عَلَى صِيغَة الْأَمْر أَيْ يَقُول لِلرَّاوِيِّ اِقْرَأْ قُرْآنًا حَتَّى تَعْرِف بِهِ صِدْق هَذَا الْحَدِيث مِنْ كَذِبه أَوْ عَلَى صِيغَة الْمُتَكَلِّم أَيْ اِقْرَءُوهُ فَإِنْ وَجَدْته مُوَافِقًا لَهُ قُلْته وَنَكَّرَ الْقُرْآن لِأَنَّ مُرَاده بَعْض آيَاته الَّذِي بِقِرَاءَتِهِ يَظْهَر الْأَمْر بِزَعْمِهِ
قَوْله ( مَا قِيلَ مِنْ قَوْل )
فِي بَعْض النُّسَخ مِنْ قِيلَ وَهُوَ بِمَعْنَى الْقَوْل وَهَذَا مِنْ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَهُ رَدًّا عَلَى الْمُتَّكِئ بِأَنَّ رَدَّ الْمُتَّكِئ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرْدُود عَلَيْهِ وَإِنَّ قَوْله
قَوْل حَسَن
لَا يَصِحّ لِلرَّدِّ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُتَّكِئ أَوْ هُوَ مِنْ كَلَام الْمُتَّكِئ ذَكَرَهُ اِفْتِخَارًا بِمَقَالِهِ وَإِعْجَابًا بِرَأْيِهِ وَأَنَّ مَقَاله مِمَّا يَنْبَغِي لِلنَّاسِ الرُّجُوع إِلَيْهِ وَهَذَا الْمَتْن مِمَّا اِنْفَرَدَ بِهِ الْمُصَنِّف .


22 - قَوْله ( قَالَ لِرَجُلٍ )
أَيْ لِابْنِ عَبَّاس حِين رَوَى عَنْهُ حَدِيث الْوُضُوء مِمَّا مَسَّتْهُ النَّار فَقَالَ اِبْن عَبَّاس أَنَتَوَضَّأُ مِنْ الْحَمِيم أَيْ الْمَاء الْحَارّ أَيْ يَنْبَغِي عَلَى مُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الْإِنْسَان إِذَا تَوَضَّأَ بِالْمَاءِ الْحَارّ يَتَوَضَّأ ثَانِيًا بِالْمَاءِ الْبَارِد فَرَدَّ عَلَيْهِ أَبُو هُرَيْرَة بِأَنَّ الْحَدِيث لَا يُعَارَض بِمِثْلِ هَذِهِ الْمُعَارَضَات الْمَدْفُوعَة بِالنَّظَرِ فِيمَا أُرِيد بِالْحَدِيثِ فَإِنَّ الْمُرَاد أَنَّ أَكْل مَا مَسَّتْهُ النَّار يُوجِب الْوُضُوء لَا مَسّه وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَم .


23 - قَوْله ( مَا أَخْطَأَنِي اِبْن مَسْعُود )
أَيْ مَا فَاتَنِي لِقَاؤُهُ إِلَّا أَتَيْته فِيهِ اِسْتِثْنَاء مِنْ أَعَمّ الْأَحْوَال بِتَقْدِيرِ قَدْ وَضَمِيره لِلْعَشِيَّةِ بِاعْتِبَارِ الْوَقْت وَهَذَا الِاسْتِثْنَاء مِنْ قَبِيل لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْت إِلَّا الْمَوْتَة الْأُولَى مَعْلُوم أَنَّهُ لَا يَفُوتهُ الْمُلَاقَاة حَال إِتْيَانه إِيَّاهُ فَهَذَا تَأْكِيد لِلُزُومِ الْمُلَاقَاة فِي عَشِيَّة كُلّ خَمِيس وَيَحْتَمِل أَنَّ الْمُرَاد أَنَّ اِبْن مَسْعُود كَانَ يَجِيئهُ فَإِنْ كَانَ مَا جَاءَهُ يَوْمًا أَتَاهُ هُوَ فِيهِ
قَوْله ( يَقُول لِشَيْءٍ )
أَيْ فِي شَيْء أَوْ يُخَاطِب أَحَدًا أَوْ يَقُول لَهُ
كَانَ ذَات عَشِيَّة
ذَات بِالنَّصْبِ أَيْ كَانَ الزَّمَان ذَات عَشِيَّة أَوْ بِالرَّفْعِ وَكَانَ تَامَّة وَلَفْظ الذَّات مُقْحَم
قَوْله ( فَنَكَّسَ )
أَيْ طَأْطَأَ رَأْسه وَخَفَضَهُ
قَوْله ( مُحَلَّلَة )
بِفَتْحِ اللَّام الْأُولَى الْمُشَدَّدَة وَهُوَ مَنْصُوب
قَوْله ( أَزْرَار قَمِيصه )
بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ نَائِب الْفَاعِل
قَوْله ( قَدْ اِغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهُ )
فِي الْقَامُوس اِغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهُ دَمَعَتَا كَأَنَّهَا غَرِقَتَا فِي دَمْعهَا اِنْتَهَى .
قُلْت اِغْرَوْرَقَ عَنْ غَرَق كَاخْشَوْشِنْ مِنْ خَشِن وَهَذَا الْحَدِيث قَدْ اِنْفَرَدَ بِهِ الْمُصَنِّف وَفِي الزَّوَائِد إِسْنَاده صَحِيح اِحْتَجَّ الشَّيْخَانِ بِجَمِيعِ رُوَاته وَرَوَاهُ الْحَاكِم مِنْ طَرِيق اِبْن عَمْرو
قُلْت وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى مُسْلِم بْن عِمْرَان الْبَطِين قِيلَ عَنْهُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود وَقِيلَ عَنْهُ عَنْ أَبِي عَبْد الرَّحْمَن السُّلَمِيّ وَقِيلَ عَنْهُ عَنْ إِبْرَاهِيم التَّيْمِيِّ ا ه .


24 - قَوْله ( أَوْ كَمَا قَالَ )
تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ نَقْل بِالْمَعْنَى وَأَمَّا اللَّفْظ فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون هُوَ اللَّفْظ الْمَذْكُور وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون لَفْظًا آخَر وَهُوَ عَطْف عَلَى مَقُول قَالَ وَالتَّقْدِير قَالَ أَوْ مَا قَالَ لَا مَا قُلْت وَالْكَافّ زَائِدَة .


25 - قَوْله ( كَبِرْنَا )
بِكَسْرِ الْبَاء .


27 - قَوْله ( إِنَّا كُنَّا نَحْفَظ الْحَدِيث )
أَيْ نَأْخُذهُ عَنْ النَّاس وَنَحْفَظهُ اِعْتِمَادًا عَلَى صِدْقهمْ وَالْحَدِيث يُحْفَظ عَلَى بِنَاء الْمَفْعُول أَيْ هُوَ حَقِيق بِأَنْ يُعْتَنَى بِهِ
قَوْله ( رَكِبْتُمْ الصَّعْب وَالذَّلُول )
كِنَايَة عَنْ الْإِفْرَاط وَالتَّفْرِيط فِي النَّقْل بِحَيْثُ مَا بَقِيَ الِاعْتِمَاد عَلَى نَقْلهمْ
قَوْله ( فَهَيْهَاتَ )
أَيْ بَعْد أَخْذهمْ وَالْحِفْظ اِعْتِمَادًا عَلَيْهِمْ وَيَحْتَمِل أَنَّ الْمَعْنَى إِنَّا كُنَّا نَحْفَظ الْحَدِيث عَلَى النَّاس بِالْإِلْقَاءِ عَلَيْهِمْ وَفِي رِوَايَة لَهُمْ وَحَيْثُ ظَهَرَتْ فِيهِمْ الْخِيَانَة فَبَعِيد أَنْ نَرْوِي لَهُمْ وَفِيهِ أَنَّ كَذِب النَّاس يَمْنَع مِنْ الْأَخْذ لَا مِنْ تَعْلِيمهمْ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُون عِلَّة لِتَعْلِيمِهِمْ عَقْلًا فَإِنَّ الْجَهْل يُوجِب الْإِكْثَار فِي الْكَذِب إِلَّا أَنْ يُقَال إِنَّهُمْ كَانُوا يُغَيِّرُونَ فِي النَّقْل لِأَنَّهُمْ يَضَعُونَ الْحَدِيث وَمِثْل هَذَا إِذَا تَرَكْت تَعْلِيمه لَا يُنْقَل وَلَا يُغَيَّر وَالْحَدِيث قَدْ رَوَاهُ مُسْلِم فِي خُطْبَته .


28 - قَوْله ( وَشَيَّعَنَا )
بِتَشْدِيدِ الْيَاء أَيْ مَشَى مَعَنَا
قَوْله ( صِرَار )
فِي الْقَامُوس كَكِتَابِ مَوْضِع قُرْب الْمَدِينَة
قَوْله ( هَزِيز )
الْهَزِيز بِزَاءَيْنِ مُعْجَمَتَيْنِ الصَّوْت
قَوْله ( الْمِرْجَل )
بِكَسْرِ الْمِيم إِنَاء يَغْلِي فِيهِ الْمَاء سَوَاء كَانَ مِنْ نُحَاس أَوْ غَيْره وَلَهُ صَوْت عِنْد غَلَيَان الْمَاء فِيهِ وَفِي بَعْض النَّسْخ النَّحْل وَهُوَ ذُبَاب الْعَسَل وَالْمُرَاد لَهُمْ إِقْبَال عَلَى قِرَاءَة الْقُرْآن
قَوْله ( مَدُّوا إِلَيْكُمْ أَعْنَاقهمْ )
أَيْ لِلْأَخْذِ عَنْكُمْ وَتَسْلِيمًا لِلْأَمْرِ إِلَيْكُمْ وَتَحْكِيمًا لَكُمْ
فَأَقِلُّوا الرِّوَايَة
أَيْ لَا تُكْثِرُوا فِي الرِّوَايَة نَظَرًا إِلَى كَثْرَة طَلَبهمْ وَشَوْقهمْ فِي الْأَخْذ عَنْكُمْ تَعْظِيمًا لِأَمْرِ الرِّوَايَة عَنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ لِئَلَّا يَشْتَغِلُوا بِذَلِكَ عَنْ الْعِظَة وَالْمُصَنِّف ذَكَرَ الْحَدِيث فِي الْبَاب نَظَرًا إِلَى الِاحْتِمَال الْأَوَّل
قَوْله ( وَأَنَا شَرِيكُكُمْ )
أَيْ فِي الْأَجْر بِسَبَبِ أَنَّهُ الدَّالّ الْبَاعِث لَهُمْ عَلَى الْخَيْر وَالظَّاهِر أَنَّ الْحَدِيث مِنْ أَفْرَاد الْمُصَنِّف .


29 - قَوْله ( فَمَا سَمِعْته يُحَدِّث إِلَخْ )
وَلَعَلَّهُمْ كَانُوا يُحَدِّثُونَ عِنْد شِدَّة الْحَاجَة وَرَغْبَة الطَّالِب وَالْأَحَادِيث الْمَشْهُورَة عَنْهُمْ رَوَوْهَا عَلَى هَذَا الْوَجْه وَإِلَّا كَيْف أَشْهَر هَؤُلَاءِ هَذِهِ الْأَحَادِيث وَلَعَلَّهُمْ حَمَلُوا حَدِيث لِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ التَّبْلِيغ عِنْد الْحَاجَة أَوْ أَنَّهُمْ تَرَكُوا الرِّوَايَة بَعْد أَنْ بَلَّغُوا أَيْ بَعْض الْغَائِبِينَ مَا كَانَ عِنْدهمْ مِنْ الْحَدِيث وَرَأَوْا أَنَّ هَذَا كَافٍ فِي اِمْتِثَال الْأَمْر أَوْ حَمَلُوا ذَلِكَ عَلَى الْوُجُوب عَلَى الْكِفَايَة فَإِذَا قَامَ بِهِ الْبَعْض كَأَبِي هُرَيْرَة سَقَطَ الطَّلَب عَنْ الْبَاقِينَ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .


30 - قَوْله ( مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا )
أَيْ قَاصِدًا الْكَذِب عَلَيَّ لِغَرَضٍ مِنْ الْأَغْرَاض لَا أَنَّهُ وَقَعَ فِيهِ خَطَأ أَوْ سَهْوًا فَإِنَّ ذَلِكَ مُكَفِّر عَنْ هَذِهِ الْأُمَّة وَقَيْد التَّعَمُّد يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْكَذِب يَكُون بِدُونِ التَّعَمُّد أَيْضًا كَمَا عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ فَقَالُوا هُوَ الْإِخْبَار عَنْ الشَّيْء عَلَى خِلَاف مَا هُوَ عَلَيْهِ عَمْدًا كَانَ أَوْ سَهْوًا لَا كَمَا زَعَمْت الْمُعْتَزِلَة أَنَّ التَّعَمُّد شَرْط فِي تَحَقُّق الْكَذِب
قَوْله ( فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَده مِنْ النَّار )
أَيْ فَلْيَتَّخِذْ مَنْزِلَة مِنْهَا ثُمَّ قِيلَ أَنَّهُ دُعَاء بِلَفْظِ الْأَمْر أَيْ بَوَّأَهُ اللَّه ذَلِكَ وَقِيلَ خَبَر بِلَفْظِ الْأَمْر وَمَعْنَاهُ فَقَدْ اِسْتَوْجَبَ ذَلِكَ وَفِي التَّعْبِير بِلَفْظِ الْأَمْر الْوَاجِب إِشَارَة فِي تَحَقُّق الْوُقُوع
قَالَ النَّوَوِيّ مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ هَذَا جَزَاؤُهُ وَيَجُوز أَنَّ الْكَرِيم يَعْفُو عَنْهُ ثُمَّ إِنْ جُوزِيَ فَلَا يُخَلَّد فِيهَا وَفِي الْحَدِيث دَلَالَة عَلَى أَنَّ الْكَذِب عَلَيْهِ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَبِيرَة لَكِنْ لَا يَكْفُر مُرْتَكِبه وَكَانَ وَالِد إِمَام الْحَرَمَيْنِ يَقُول بِكُفْرِهِ لَكِنْ رَدَّهُ إِمَام الْحَرَمَيْنِ بِأَنَّهُ قَوْلٌ لَمْ يَقُلْهُ أَحَد مِنْ الْأَصْحَاب فَهُوَ هَفْوَةٌ عَظِيمَةٌ
وَهَلْ إِذَا تَابَ مَنْ تَعَمَّدَ الْكَذِب تُقْبَل تَوْبَته وَرِوَايَته ذَلِكَ فِيهِ قَوْلَانِ وَالصَّحِيح الْمُوَافِق لِلْقَوَاعِدِ الْقَبُول وَكَيْف وَالْكَافِر إِذَا تَابَ تُقْبَل تَوْبَته وَرِوَايَته وَالْكَاذِب مُتَعَمِّدًا دُون ذَلِكَ ثُمَّ مَعْنَى كَذَبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ نَسَبَ إِلَيْهِ مِنْ فِعْل أَوْ قَوْل مَا لَيْسَ لَهُ وَقَوْل مَنْ قَالَ كَذَبَ عَلَيْهِ فِي مُقَابَلَة كَذَبَ لَهُ فَمَفْهُوم الْحَدِيث أَنَّ الْكَذِب لَهُ جَائِز فَيَجُوز وَضْع الْحَدِيث فِي التَّرْغِيب وَالتَّرْهِيب وَالْمَوَاعِظ وَغَيْر ذَلِكَ فَإِنَّهُ كَذِب لَهُ لِأَنَّهُ لِأَجْلِ نَشْر دِينه جَهْلٌ بِاللُّغَةِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَكَانَ مَرْدُودًا هُنَا بِشَهَادَةِ جَمْع أَحَادِيث الْبَاب فَإِنَّ أَحَادِيث الْبَاب إِذَا جُمِعَتْ فَهِيَ تَدُلّ عَلَى أَنَّ الْكَذِب فِي شَأْنه مُطْلَقًا مِنْ أَشَدّ الذُّنُوب وَأَقْبَحهَا .


31 - قَوْله ( يُولِج )
مَنْ أَوْلَجَ بِمَعْنَى أُدْخِلَ أَيْ يَدْخُل كُلّ مَنْ لَهُ تَلَبُّس بِهِ وَلَوْ بِالدَّلَالَةِ عَلَيْهِ وَالرِّضَا بِهِ وَالرِّوَايَة لَهُ .


32 - قَوْله ( حَسِبْته قَالَ مُتَعَمِّدًا )
مِنْ الْحُسْبَان بِمَعْنَى الظَّنّ وَالْجُمْلَة مُعْتَرِضَة بَيْن الشَّرْط وَالْجَزَاء لِلْإِفَادَةِ فِي التَّقْيِيد بِالتَّعَمُّدِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة .


34 - قَوْله ( مَنْ تَقَوَّلَ )
يَدُلّ عَلَى أَنَّ التَّكَلُّف يُغْنِي عَنْ قَيْد التَّعَمُّد .


35 - قَوْله ( حَقًّا أَوْ صِدْقًا )
كَلِمَةُ أَوْ لِلشَّكِّ .


36 - قَوْله ( أَمَا إِنِّي لَمْ أُفَارِقهُ )
أَيْ لَيْسَ ذَلِكَ لِقِلَّةِ صُحْبَتِي بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد الْإِسْلَام وَمَعْلُوم أَنَّ إِسْلَامه قَدِيم
وَلَكِنِّي سَمِعْت إِلَخْ
أَيْ فَذَلِكَ الَّذِي يَمْنَعنِي عَنْ التَّحْدِيث لِأَنَّهُ قَدْ يُفْضِي إِلَى زِيَادَة وَنُقْصَان سَهْوًا أَوْ اِشْتِغَال بِمَا يُفْضِي إِلَيْهِ عَادَة كَالتَّعَمُّدِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَم .


38 - قَوْله ( وَهُوَ يُرَى أَنَّهُ كَذِب )
بِضَمِّ الْيَاء مِنْ يَرَى أَيْ مَنْ يَظُنّ قَالَ النَّوَوِيّ وَذَكَرَ بَعْض الْأَئِمَّة جَوَاز فَتْح الْيَاء مِنْ يَرَى وَمَعْنَاهُ يَعْلَم وَيَجُوز أَنْ يَكُون بِمَعْنَى يَظُنّ أَيْضًا فَقَدْ حُكِيَ رَأَى بِمَعْنَى ظَنَّ قُلْت اِعْتِبَار الظَّنّ أَبْلَغ وَأَشْمَل فَهُوَ أَوْلَى قَالَ النَّوَوِيّ وَقَيَّدَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَأْثَم إِلَّا بِرِوَايَةِ مَا يَعْلَمهُ أَوْ يَظُنّهُ كَذِبًا وَأَمَّا مَا لَا يَعْلَمهُ وَلَا يَظُنّهُ فَلَا إِثْم عَلَيْهِ فِي رِوَايَته وَإِنْ ظَنَّهُ غَيْره كَذِبًا أَوْ عَلِمَهُ
قُلْت وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لَا إِثْم عَلَى مَنْ يَرْوِي وَهُوَ فِي شَكّ فِي كَوْنه صَادِقًا أَوْ كَاذِبًا وَكَذَا مَنْ يَرْوِي وَهُوَ غَافِل عَنْ مُلَاحَظَة الْأَمْرَيْنِ وَالْأَقْرَب أَنَّ الْحَدِيث يَدُلّ مَفْهُومًا عَلَى أَنَّ غَيْر الظَّانّ لَا يُعَدّ مِنْ جُمْلَة الْكَاذِبِينَ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَّا أَنَّهُ لَا يَأْثَم فَلَا فَلْيَتَأَمَّلْ
قَوْله ( فَهُوَ أَحَد الْكَاذِبِينَ )
قَالَ النَّوَوِيّ الْمَشْهُور رِوَايَته بِصِيغَةِ الْجَمْع أَيْ فَهُوَ وَاحِد مِنْ جُمْلَة الْوَاضِعِينَ الْحَدِيث وَالْمَقْصُود أَنَّ الرِّوَايَة مَعَ الْعِلْم بِوَضْعِ الْحَدِيث كَوَضْعِهِ قَالُوا هَذَا إِذَا لَمْ يُبَيِّن وَضْعه وَقَدْ جَاءَ بِصِيغَةِ التَّثْنِيَة وَالْمُرَاد أَنَّ الرَّاوِي لَهُ يُشَارِك الْوَاضِع فِي الْإِثْم قَالَ الطِّيبِيُّ فَهُوَ كَقَوْلِهِمْ الْقَلَم أَحَد اللِّسَانَيْنِ وَالْجَدّ أَحَد الْأَبَوَيْنِ كَأَنَّهُ يُشِير إِلَى تَرْجِيح التَّثْنِيَة بِكَثْرَةِ وُقُوعهَا فِي أَمْثَاله فَهُوَ الْمُتَبَادَر إِلَى الْأَفْهَام .


42 - قَوْله ( ذَات يَوْم )
لَفْظَة ذَات مَقْحَمَة
قَوْله ( بَلِيغَة )
مِنْ الْمُبَالَغَة أَيْ بَالَغَ فِيهَا بِالْإِنْذَارِ وَالتَّخْوِيف لَا مِنْ الْمُبَالَغَة الْمُفَسَّرَة بِبُلُوغِ الْمُتَكَلِّم فِي تَأْدِيَة الْمَعْنَى حَدًّا لَهُ اِخْتِصَاص بِتَوْفِيَةِ خَوَاصّ التَّرَاكِيب وَإِيرَاد أَنْوَاع الْكَلَام مِنْ الْمَجَاز وَالْكِنَايَة وَالتَّشْبِيه عَلَى وَجْههَا لِعَدَمِ الْمُنَاسَبَة بِالْمَقَامِ
قَوْله ( وَجِلَتْ )
كَسَمِعَتْ أَيْ خَافَتْ
قَوْله ( وَذَرَفَتْ )
سَالَتْ وَفِي إِسْنَاده إِلَى الْعُيُون مَعَ أَنَّ السَّائِل دُمُوعهَا مُبَالَغَة وَالْمَقْصُود إِنَّهَا أَثَّرَتْ فِيهِمْ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا
قَوْله ( مُوَدِّع )
اِسْم فَاعِل مِنْ أَوْدَعَ أَيْ الْمُبَالَغَة تَدُلّ عَلَى أَنَّك تُوَدِّعنَا فَإِنَّ الْمُوَدِّع عِنْد الْوَدَاع لَا يَتْرُك شَيْئًا مِمَّا يَهْتَمّ بِهِ فَأَعْهِدْ أَوْ أَوْصِ إِلَيْنَا فَفَعَلَ بَعْد ذَلِكَ
قَوْله ( وَالسَّمْع وَالطَّاعَة )
أَيْ لِأَمْرِ الْخَلِيفَة
وَإِنْ
أَيْ وَإِنْ كَانَ الْأَمِير
عَبْدًا حَبَشِيًّا
فَالْكَلَام فِي أَمْر الْخَلِيفَة الَّذِي وَلَّاهُ الْخَلِيفَة لَا فِي الْخَلِيفَة حَتَّى يَرِد أَنَّهُ كَيْف يَكُون الْخَلِيفَة عَبْدًا حَبَشِيًّا عَلَى أَنَّ الْمَحَلّ مَحَلّ الْمُبَالَغَة فِي لُزُوم الطَّاعَة فَفَرَضَ الْخَلِيفَة فِيهِ عَبْدًا حَبَشِيًّا لِإِفَادَةِ الْمُبَالَغَة يَحْتَمِل
قَوْله ( وَسَتَرَوْنَ )
بِمَنْزِلَةِ التَّعْلِيل لِلْوَصِيَّةِ بِذَلِكَ أَيْ وَالسَّمْع وَالطَّاعَة مِمَّا يَدْفَع الْخِلَاف الشَّدِيد فَهُوَ خَيْر
قَوْله ( وَسُنَّة الْخُلَفَاء إِلَخْ )
قِيلَ هُمْ الْأَرْبَعَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ وَقِيلَ بَلْ هُمْ وَمَنْ سَارَ سِيرَتهمْ مِنْ أَئِمَّة الْإِسْلَام الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْأَحْكَام فَإِنَّهُمْ خُلَفَاء الرَّسُول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي إِعْلَاء الْحَقّ وَإِحْيَاء الدِّين وَإِرْشَاد الْخَلْق إِلَى الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم
قَوْله ( عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ )
بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَهِيَ الْأَضْرَاس قِيلَ أَرَادَ بِهِ الْجِدّ فِي لُزُوم السُّنَّة كَفِعْلِ مَنْ أَمْسَكَ الشَّيْء بَيْن أَضْرَاسه وَعَضَّ عَلَيْهِ مَنْعًا مِنْ أَنْ يَنْتَزِع أَوْ الصَّبْر عَلَى مَا يُصِيب مِنْ التَّعَب فِي ذَات اللَّه كَمَا يَفْعَل الْمُتَأَلِّم بِالْوَجَعِ يُصِيبهُ
قَوْله ( وَالْأُمُور الْمُحْدَثَات )
قِيلَ أُرِيد بِهَا مَا لَيْسَ لَهُ أَصْل فِي الدِّين وَأَمَّا الْأُمُور الْمُوَافِقَة لِأُصُولِ الدِّين فَغَيْر دَاخِلَة فِيهَا وَإِنْ أُحْدِثَتْ بَعْده صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْت هُوَ الْمُوَافِق لِقَوْلِهِ وَسُنَّة الْخُلَفَاء فَلْيَتَأَمَّلْ .


43 - قَوْله ( عَلَى الْبَيْضَاء )
أَيْ الْمِلَّة وَالْحُجَّة الْوَاضِحَة الَّتِي لَا تَقْبَل الشَّبَه أَصْلًا فَصَارَ حَال إِيرَاد الشُّبَه عَلَيْهَا كَحَالِ كَشْف الشُّبَه عَنْهَا وَدَفْعهَا وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ لَيْلهَا كَنَهَارِهَا
قَوْله ( فَإِنَّمَا الْمُؤْمِن )
أَيْ شَأْن الْمُؤْمِن تَرْك التَّكَبُّر وَالْتِزَام التَّوَاضُع فَيَكُون
كَالْجَمَلِ الْأَنِف
كَكَنِف أَيْ بِلَا مَدٍّ وَكَصَاحِبِ أَيْ بِالْمَدِّ وَالْأَوَّل أَصَحّ وَأَفْصَحُ أَيْ الَّذِي جُعِلَ الزِّمَام فِي أَنْفه فَيَجُرّهُ مَنْ يَشَاء مِنْ صَغِير وَكَبِير إِلَى حَيْثُ يَشَاء
حَيْثُمَا قِيدَ
أَيْ سِيقَ وَاللَّهُ أَعْلَم .


44 - قَوْله ( إِذَا خَطَبَ اِحْمَرَّتْ إِلَخْ )
يَفْعَل ذَلِكَ لِإِزَالَةِ الْغَفْلَة مِنْ قُلُوب النَّاس لِيَتَمَكَّن فِيهَا كَلَامه صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضْل تَمَكُّن أَوْ لِأَنَّهُ يَتَوَجَّه فِكْره إِلَى الْمَوْعِظَة فَيَظْهَر عَلَيْهِ آثَار الْهَيْبَة الْإِلَهِيَّة
قَوْله ( كَأَنَّهُ مُنْذِر جَيْش )
هُوَ الَّذِي يَجِيء مُخْبِرًا لِلْقَوْمِ بِمَا قَدْ دَهَمَهُمْ مِنْ عَدُوّ أَوْ غَيْره
قَوْله ( يَقُول )
ضَمِيره عَائِد لِلْمُنْذِرِ وَالْجُمْلَة صِفَته
قَوْله ( صَبَّحَكُمْ )
بِتَشْدِيدِ الْبَاء أَيْ نَزَلَ بِكُمْ الْعَدُوّ صَبَاحًا وَالْمُرَاد سَيَنْزِلُ وَصِيغَة الْمَاضِي لِلتَّحَقُّقِ
قَوْله ( مَسَّاكُمْ )
بِتَشْدِيدِ السِّين مِثْل صَبَّحَكُمْ وَيَحْتَمِل أَنَّ ضَمِير يَقُول لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْجُمْلَة حَال وَضَمِير صَبَّحَكُمْ لِلْعَذَابِ وَالْمُرَاد بِهِ قَرُبَ مِنْكُمْ إِنْ لَمْ تُطِيعُونِي
قَوْله ( بُعِثْت أَنَا وَالسَّاعَة )
قَالَ أَبُو الْبَقَاء لَا يَجُوز فِيهِ إِلَّا النَّصَب وَالْوَاو فِيهِ بِمَعْنَى مَعَ وَالْمُرَاد بِهِ الْمُقَارَبَة وَلَوْ رُفِعَ لَفَسَدَ الْمَعْنَى إِذْ لَا يُقَال بُعِثْت السَّاعَة وَفِي حَدِيث آخَر بُعِثْت وَالسَّاعَة كَهَاتَيْنِ اِنْتَهَى يُرِيد أَنَّ رِوَايَة تَرْك تَأْكِيد الْمَرْفُوع الْمُتَّصِل بِالْمُنْفَصِلِ يُرِيد النَّصْب عَلَى الْمَعِيَّة إِذْ لَا يَجُوز فِي تِلْكَ الرِّوَايَة الْعَطْف عِنْد كَثِيرِينَ مِنْ النُّحَاة وَالْمَشْهُور جَوَاز الرَّفْع وَالنَّصْب بَلْ قَالَ الْقَاضِي الْمَشْهُور الرَّفْع وَكَأَنَّهُ مَبْنِيّ عَلَى أَنَّ إِقَامَة السَّاعَة اُعْتُبِرَ بَعْثًا لَهَا وَيَلْزَم مِنْهُ الْجَمْع بَيْن الْحَقِيقَة وَالْمَجَاز فِي بُعِثْت وَقَدْ جَوَّزَهُ قَوْم فَيَصِحّ عِنْدهمْ فَلْيَتَأَمَّلْ
قَوْله ( كَهَاتَيْنِ )
حَال أَيْ مُقْتَرِنِينَ لَا وَاسِطَة بَيْننَا مِنْ نَبِيّ فَوَجْه الشَّبَه هُوَ الِانْضِمَام أَوْ الْمُدَّة الَّتِي هِيَ بَيْننَا قَلِيلَة فَوَجْه الشَّبَه قِلَّة مَا بَيْن رَأْسِي السَّبَّابَة وَالْوُسْطَى مِنْ التَّفَاوُت
قَوْله ( فَإِنَّ خَيْر الْأُمُور )
أَيْ خَيْر مَا يَتَعَلَّق بِهِ الْمُتَكَلِّم أَوْ خَيْر الْأُمُور الْمَوْجُودَة بَيْنكُمْ
وَخَيْر الْهَدْي
بِفَتْحِ هَاء وَسُكُون دَال هِيَ الطَّرِيقَة وَالسِّيرَة وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور أَوْ بِضَمِّ هَاء وَفَتْح دَال وَالْمَقْصُود أَنَّ خَيْر الْأَدْيَان دِينه
قَوْله ( وَشَرّ الْأُمُور )
بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ عَطْف عَلَى لَفْظ اِسْم إِنَّ وَبِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ عَطْف عَلَى الْمَحَلّ وَالْمُرَاد مِنْ شَرّ الْأُمُور وَإِلَّا فَبَعْض الْأُمُور السَّابِقَة مِثْل الشِّرْك شَرّ مِنْ كَثِير مِنْ الْمُحْدَثَات إِلَّا أَنْ يُرَاد بِالْمُحْدَثَاتِ مَا أَحَدَثَ النَّاس عَلَى مُقْتَضَى الْهَوَى مُطْلَقًا لَا مَا أَحْدَثُوهُ بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَدْخُل فِيهَا الْقَبَائِح
قَوْله ( مُحْدَثَاتهَا )
فَتْح الدَّال وَالْمُرَاد بِهَا مَا لَا أَصْل لَهُ فِي الدِّين مِمَّا أُحْدِثَ بَعْده صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا تَقَدَّمَ
قَوْله ( أَوْ ضَيَاعًا )
بِفَتْحِ الضَّاد الْمُعْجَمَة الْعِيَال وَأَصْله مَصْدَر أَوْ بِكَسْرِهَا جَمْع ضَائِع كَجِيَاعِ جَمْع جَائِع
قَوْله ( فَعَلَيَّ وَإِلَيَّ )
قَالَ السُّيُوطِيُّ فِيهِ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّب فَعَلَيَّ رَاجِع إِلَى الدَّيْن وَإِلَيَّ رَاجِع إِلَى الضَّيَاع .


45 - قَوْلُهُ ( إِنَّمَا هُمَا اِثْنَتَانِ )
ضَمِيرهمَا مِنْهُمْ مُفَسَّر
بِالْكِلَامِ وَالْهَدْي
أَيْ إِنَّمَا الْكِتَاب وَالسُّنَّة اللَّذَيْنِ وَقَعَ التَّكْلِيف بِهِمَا اِثْنَتَانِ لَا ثَالِث مَعَهُمَا حَتَّى يَثْقُل عَلَيْكُمْ الْأَمْر وَيَتَفَرَّق وَفَائِدَة الْإِخْبَار نَفْي أَنْ يَكُون مَعَهُمَا ثَالِث لِمَا ذَكَرْنَا وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمَقْصُود النَّهْي عَنْ ضَمّ الْمُحْدَثَات إِلَيْهِمَا كَأَنَّهُ قِيلَ الْمَقْصُود بَقَاؤُهُمَا اِثْنَتَانِ وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ضَمِيرهمَا لِمَا وَقَعَ بِهِ التَّكْلِيف مَعَ قَطْع النَّظَر عَنْ الْعَدَد وَإِنَّمَا ثَنَّى نَظَرًا إِلَى كَوْن ذَلِكَ فِي الْوَاقِع اِثْنَتَيْنِ فَحَصَلَ الْفَائِدَة فِي الْإِخْبَار بِاسْمِ الْعَدَد وَهَذَا مِثْل مَا قَالُوا فِي قَوْله تَعَالَى وَإِنْ كَانَتَا اِثْنَتَيْنِ وَيَحْتَمِل أَنْ يُقَال اِثْنَتَانِ تَمْهِيد لِمَا هُوَ الْخَبَر وَالْخَبَر فِي الْوَاقِع مَا هُوَ الْمُبْدَل مِنْ اِثْنَتَانِ وَهُمَا الْكَلَام وَالْهَدْي وَعَلَى الْوُجُوه تَأْنِيث اِثْنَتَانِ نَظَرًا إِلَى أَنَّهُمَا حُجَّتَانِ
قَوْله ( الْأَمَد )
أَيْ الْأَجَل وَفِي بَعْض النُّسَخ الْأَمَل وَطُوله تَابِع لِطُولِ الْأَجَل وَفِي طُولهمَا وَنِسْيَان الْمَوْت تَأْثِير يَتْبَع فِي قَسْوَة الْقُلُوب
وَقَوْله فَتَقْسُوا قُلُوبكُمْ
بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ جَوَاب النَّهْي
أَلَا مَا هُوَ آتٍ إِلَخْ
تَعْلِيم وَإِرْشَاد لِمَا يُنْتَفَع بِهِ طُول الْأَمَد
قَوْله ( أَلَا إِنَّمَا الشَّقِيّ إِلَخْ )
أَيْ فَعَلَيْكُمْ بِالتَّفَكُّرِ فِي ذَلِكَ وَالْبُكَاء لَهُ وَكَيْف الْقَسْوَة وَالضَّحِك مَعَ سَبْق التَّقْدِير فِي النِّهَايَة الْمَعْنَى إِنَّ مَا قَدَّرَ اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ فِي أَصْل خِلْقَته أَنْ يَكُون شَقِيًّا فَهُوَ الشَّقِيّ فِي الْحَقِيقَة لَا مَنْ عَرَضَ لَهُ الشَّقَاء بَعْد ذَلِكَ وَهُوَ إِشَارَة إِلَى شَقَاء الْآخِرَة لَا شَقَاء الدُّنْيَا
قَوْله ( مَنْ وُعِظَ )
عَلَى بِنَاء الْمَفْعُول أَيْ مَنْ وَفَّقَهُ اللَّه تَعَالَى لِلِاتِّعَاظِ فَرَأَى مَا جَرَى عَلَى غَيْره بِالْمَعَاصِي مِنْ الْعُقُوبَة فَتَرَكَهَا خَوْفًا مِنْ أَنْ يَنَالهُ مِثْل مَا نَالَ غَيْره
قَوْله ( كُفْر )
أَيْ مِنْ شَأْن الْكُفْر
وَسِبَابه
هُوَ كَالْقِتَالِ فِي الْوَزْن
فَسُوق
أَيْ مِنْ شَأْن الْفَسَقَة وَلَيْسَ الْمُرَاد أَنَّ مُرْتَكِب الْقِتَال كَافِر وَمُرْتَكِب السِّبَاب فَاسِق وَقِيلَ فِي التَّأْوِيل غَيْر ذَلِكَ
قَوْله ( أَنْ يَهْجُر أَخَاهُ )
يُفْهَم مِنْهُ إِبَاحَة الْهَجْر إِلَى ثَلَاث وَهُوَ رُخْصَة لِأَنَّ طَبْع الْآدَمِيّ عَلَى عَدَم تَحَمُّل الْمَكْرُوه ثُمَّ الْمُرَاد حُرْمَة الْهِجْرَان إِذَا كَانَ الْبَاعِث عَلَيْهِ وُقُوع تَقْصِير فِي حُقُوق الصُّحْبَة وَالْأُخُوَّة وَآدَاب الْعِشْرَة وَذَلِكَ أَيْضًا بَيْن الْأَجَانِب وَأَمَّا بَيْن الْأَهْل فَيَجُوز إِلَى أَكْثَر لِلتَّأْدِيبِ فَقَدْ هَجَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ شَهْرًا وَكَذَا إِذَا كَانَ الْبَاعِث أَمْرًا دِينِيًّا فَلْيَهْجُرْهُ حَتَّى يَنْزِع مِنْ فِعْله وَعَقْده ذَلِكَ فَقَدْ أَذِنَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هِجْرَان الثَّلَاثَة الَّذِينَ تَخَلَّفُوا خَمْسِينَ لَيْلَة حَتَّى صَحَّتْ تَوْبَتهمْ عِنْد اللَّه قَالُوا وَإِذَا خَافَ مِنْ مُكَالَمَة أَحَد وَمُوَاصَلَته مَا يُفْسِد عَلَيْهِ دِينه أَوْ يُدْخِل عَلَيْهِ مَضَرَّة فِي دُنْيَاهُ يَجُوز لَهُ مُجَانَبَته وَالْحَذَر مِنْهُ فَرُبَّ هَجْر جَمِيل خَيْر مِنْ مُخَالَطَة مُؤْذِيه
قَوْله ( لَا يَصْلُح )
لَا يَحِلّ أَوْ لَا يُوَافِق شَأْن الْمُؤْمِن
بِالْجِدِّ
أَيْ بِطَرِيقِ الْجِدّ
قَوْله ( وَلَا يَعِد الرَّجُل صَبِيّه )
أَيْ صَغِيره
قَوْله ( ثُمَّ لَا يَفِي لَهُ )
ظَاهِره أَنَّهُ عُطِفَ عَلَى لَا يَعِد وَهُوَ نَفْي بِمَعْنَى النَّهْي وَيَحْتَمِل أَنَّهُ نَهْي وَلَا يَفِي بِالنَّصْبِ إِجْرَاء ثُمَّ مَجْرَى الْوَاو وَيَحْتَمِل الرَّفْع عَلَى الِاسْتِئْنَاف
قَوْله ( يَهْدِي إِلَى الْفُجُور )
مِنْ الْهِدَايَة قِيلَ لَعَلَّ الْكَذِب بِخَاصِّيَّتِهِ يُفْضِي بِالْإِنْسَانِ إِلَى الْقَبَائِح وَالصِّدْق بِخِلَافِهِ وَيَحْتَمِل أَنَّ الْمُرَاد بِالْفُجُورِ هُوَ نَفْس ذَلِكَ الْكَذِب وَكَذَلِكَ الْبِرّ نَفْس ذَلِكَ الصِّدْق وَالْهِدَايَة إِلَيْهِ بِاعْتِبَارِ الْمُغَايَرَة الِاعْتِبَارِيَّة فِي الْمَفْهُوم وَالْعِنْوَان كَمَا يُقَال الْعِلْم يُؤَدِّي إِلَى الْكَمَال وَإِلَيْهِ يُشِير آخِر الْحَدِيث
وَالْبِرّ
قِيلَ هُوَ اِسْم جَامِع لِلْخَيْرِ وَقِيلَ هُوَ الْعَمَل الصَّالِح الْخَالِص مِنْ كُلّ مَذْمُوم قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ إِذَا تَحَرَّى الصِّدْق لَمْ يَعْصِ اللَّه لِأَنَّهُ إِنْ أَرَادَ أَنْ يَفْعَل شَيْئًا مِنْ الْمَعَاصِي خَافَ أَنْ يُقَال أَفَعَلْت كَذَا فَإِنْ سَكَتَ لَمْ يَأْمَن الرِّيبَة وَإِنْ قَالَ لَا كَذَبَ وَإِنْ قَالَ نَعَمْ فَسَقَ وَسَقَطَتْ مَنْزِلَته وَانْتُهِكَتْ حُرْمَته
قَوْله ( حَتَّى يُكْتَب عِنْد اللَّه )
الظَّاهِر أَنَّ الْمُرَاد كِتَابَته فِي دِيوَان الْأَعْمَال وَيَحْتَمِل أَنَّ الْمُرَاد إِظْهَاره بَيْن النَّاس بِوَصْفِ الْكَذِب .


46 - قَوْله ( يَا عَائِشَة إِذَا رَأَيْتُمْ )
نَادَى عَائِشَة لِحُضُورِهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْت وَعَدَلَ فِي ضَمِير الْخِطَاب إِلَى الْجَمْع لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ مَعْرِفَة هَذَا لَا يَخْتَصّ بِعَائِشَة بَلْ يَعُمّهَا وَغَيْرهَا وَخَاطَبَ الْغَائِبِينَ وَذَكَرَ الضَّمِير لِلتَّغْلِيبِ فَفِيهِ تَغْلِيبَانِ مُتَعَاكِسَانِ فَلْيَتَأَمَّلْ
قَوْله ( يُجَادِلُونَ فِيهِ )
أَيْ فِي الْقُرْآن بِدَفْعِ الْمُحْكَمَات بِالْمُتَشَابِهَاتِ
قَوْله ( عَنَاهُمْ اللَّه تَعَالَى )
أَيْ أَرَادَهُمْ بِقَوْلِهِ ( وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ زَيْغ ) إِلَخْ
قَوْله ( فَاحْذَرُوهُمْ )
أَيْ أَيّهَا الْمُسْلِمُونَ وَلَا تُجَالِسُوهُمْ وَلَا تُكَلِّمُوهُمْ فَإِنَّهُمْ أَهْل الْبِدْعَة فَيَحِقّ لَهُمْ الْإِهَانَة وَاحْتِرَازًا عَنْ الْوُقُوع فِي عَقِيدَتهمْ


47 - قَوْله ( إِلَّا أُوتُوا الْجَدَل )
هُوَ اِسْتِثْنَاء مِنْ أَعَمّ الْأَحْوَال بِتَقْدِيرِ قَدْ وَذُو الْحَال فَاعِل مَا ضَلَّ لَا الضَّمِير الْمُسْتَتِر الَّذِي فِي خَبَر كَانَ كَمَا تَوَهَّمَهُ الطِّيبِيُّ فَإِنَّهُ فَاسِد مَعْنَى وَإِنْ كَانَ الضَّمِير الْمَذْكُور رَاجِعًا إِلَى فَاعِل مَا ضَلَّ فَلْيُفْهَمْ
وَالْمُرَاد بِالْجِدَالِ الْخِصَام بِالْبَاطِلِ وَضَرْب الْحَقّ بِهِ وَضَرْب الْحَقّ بَعْضه بِبَعْضٍ بِإِبْدَاءِ التَّعَارُض وَالتَّدَافُع وَالتَّنَافِي بَيْنهمَا لَا الْمُنَاظَرَة لِطَلَبِ الثَّوَاب مَعَ تَفْوِيض إِلَى اللَّه عِنْد الْعَجْز عَنْ مَعْرِفَة الْكُنْه
ثُمَّ تَلَا
أَيْ تَوْضِيحًا لِمَا ذَكَرَ بِذِكْرِ مِثَال لَهُ لَا لِلِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى الْخَصْم الْمَذْكُور فَإِنَّهُ لَا يَدُلّ عَلَيْهِ فَإِنْ قُلْت قُرَيْش مَا كَانُوا عَلَى الْهُدَى فَلَا يَصْلُح ذِكْرهمْ مِثَالًا قُلْت نَزَّلَ تَمَكُّنهمْ مِنْهُ بِوَاسِطَةِ الْبَرَاهِين السَّاطِعَة مَنْزِلَة كَوْنهمْ عَلَيْهِ فَحَيْثُ دَفَعُوا بَعْد ذَلِكَ الْحَقّ بِالْبَاطِلِ وَقَرَّرُوا الْبَاطِل بِقَوْلِهِمْ آلِهَتنَا خَيْر أَمْ هُوَ يُرِيدُونَ أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَة وَهُمْ خَيْر مِنْ عِيسَى وَقَدْ عَبَدَهُ النَّصَارَى فَحَيْثُ صَحَّ لَهُمْ عِبَادَته صَحَّ لَنَا عِبَادَتهمْ بِالْأَوْلَى فَصَارُوا مِثَالًا لِمَا فِيهِ الْكَلَام .


48 - قَوْله ( وَلَا صَرْفًا وَلَا عَدْلًا )
قِيلَ هُمَا التَّوْبَة وَالْفِدْيَة وَكَأَنَّ الْمُرَاد التَّوْبَة مِنْ غَيْر الْبِدْعَة مِنْ الْإِسْلَام أَيْ مِنْ كَمَالِهِ .


49 - قَوْله ( أَبَى اللَّهُ )
أَيْ أَنَّهُ لَا يَقْبَل صَالِح عَمَلهمْ وَلَوْ شَفَعَ لَهُمْ شَفِيعٌ فِي قَوْلهمْ فَرْضًا وَلِإِفَادَةِ هَذَا الْمَعْنَى قِيلَ أَبَى اللَّهُ وَإِلَّا فَلَوْ قِيلَ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ لَكَفَى
قَوْله ( حَتَّى يَدَع )
غَايَة لِعَدَمِ الْقَبُول فَيَدُلّ عَلَى أَنَّهُ إِذَا تَابَ عَنْ بِدْعَته يَقْبَل عَمَله الَّذِي فَعَلَهُ حَال الْبِدْعَة وَلَوْ جَعَلَ غَايَة لِلْعَمَلِ لَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقْبَل عَمَله الَّذِي عَمَله حَال الْبِدْعَة وَإِنْ تَابَ وَهُوَ بَعِيدٌ لَفْظًا وَمَعْنًى وَلَعَلَّ الْمُرَاد بِالْبِدْعَةِ الِاعْتِقَاد الْفَاسِد دُون الْعَمَل الْفَاسِد كَمَا عَلَيْهِ الِاصْطِلَاح الْيَوْم فَإِنَّ صَاحِب الِاعْتِقَاد الْفَاسِد يُقَال لَهُ مُبْتَدِع وَصَاحِب الْعَمَل الْفَاسِد يُقَال لَهُ فَاسِق اِصْطِلَاحًا وَفِي الزَّوَائِد رِجَال إِسْنَاد هَذَا الْحَدِيث كُلّهمْ مَجْهُولُونَ قَالَهُ الذَّهَبِيّ وَقَالَ أَبُو زُرْعَة لَا أَعْرِف أَبِي زَيْد وَلَا أَبِي الْمُغِيرَة .


50 - قَوْله ( مَنْ تَرَكَ الْكَذِب وَهُوَ بَاطِل )
اِحْتَمَلَ أَنَّ الْمُرَاد بِالْكَذِبِ الْمِرَاء بِالْبَاطِلِ وَجُمْلَة وَهُوَ بَاطِل بِتَقْدِيرِ ذُو بَاطِل حَال مِنْ ضَمِير تَرَكَ أَيْ وَهُوَ مُبْطِل عَبَّرَ بِالْكَذِبِ لِلتَّنْبِيهِ مِنْ أَوَّل الْأَمْر عَلَى الْبُطْلَان وَإِلَى هَذَا يُشِير كَلَام اِبْن الْعَرَبِيّ فِي شَرْح التِّرْمِذِيّ وَيَحْتَمِل أَنَّهُ عَلَى ظَاهِره وَجُمْلَة وَهُوَ بَاطِل حَال مِنْ الْكَذِب وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ اِبْن رَجَب فِي شَرْح الْكِتَاب قَالَ هِيَ جُمْلَة حَالِيَّة أَيْ حَال كَوْنه بَاطِلًا فَفِي الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَيْسَ بِكَذَّابٍ مَنْ يُصْلِح بَيْن النَّاس فَيَقُول خَيْرًا وَيَنْمِي خَيْرًا وَرَخَّصَ فِي الْكَذِب فِي ثَلَاث فِي الْحَرْب وَإِصْلَاح ذَات الْبَيْن وَكَذِب الرَّجُل عَلَى اِمْرَأَته اه
قُلْت رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا أَنَا زَعِيم بَيْت فِي رَبَض الْجَنَّة لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاء وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا وَبِبَيْتٍ فِي وَسَط الْجَنَّة لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِب وَإِنْ كَانَ مَازِحًا وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّة لِمَنْ حَسُنَ خُلُقه وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يُرَاد بِبَاطِلٍ مَازَحَ بِتَقْدِيرِ ذُو بَاطِل وَتُجْعَل الْجُمْلَة حَالًّا مِنْ فَاعِل تَرَكَ لَا مِنْ مَفْعُوله وَجَعْله حَالًا مِنْ الْفَاعِل هُوَ الْمُوَافِق لِقَرِينَةِ أَعْنِي وَهُوَ مُحِقّ بَقِيَ أَنَّ بَيْن الْحَدِيثَيْنِ تَعَارُضًا وَالظَّاهِر أَنَّهُ وَقَعَ مِنْ تَغْيِير بَعْض الرُّوَاة
قَوْله ( فِي رَبَض الْجَنَّة )
بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ حَوَالَيْ الْجَنَّة وَأَطْرَافهَا لَا فِي وَسَطهَا وَلَيْسَ الْمُرَاد خَارِجًا عَنْ الْجَنَّة كَمَا قِيلَ
قَوْله ( وَمَنْ تَرَكَ الْمِرَاء )
بِكَسْرِ الْمِيم وَالْمَدّ أَيْ الْجِدَال خَوْفًا مِنْ أَنْ يَقَع صَاحِبه فِي اللِّجَاج الْمُوقِع فِي الْبَاطِل
قَوْله ( وَمَنْ حَسُنَ )
مِنْ التَّحْسِين وَالْحَدِيث هَذَا قَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ هَذَا حَدِيث حَسَن لَا نَعْرِفهُ إِلَّا مِنْ حَدِيث سَلَمَة بْن وَرْدَان عَنْ أَنَس وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .


51 - قَوْله ( اِنْتِزَاعًا )
أَيْ مَحْوًا مِنْ الصُّدُور وَهُوَ مَصْدَر لَقَبَضَ مِنْ غَيْر لَفْظه لِبَيَانِ النَّوْع نَحْو رَجَعَ الْقَهْقَرِيّ
وَقَوْله يَنْتَزِعهُ
جُمْلَة مُسْتَأْنَفَة لِبَيَانِ الْقَبْض اِنْتِزَاعًا أَيْ يَرْفَعهُ مِنْ قُلُوبهمْ وَقِيلَ صِفَة لَانْتِزَاعًا وَالظَّاهِر أَنَّ ضَمِيره لِلْعِلْمِ لَا لِلِانْتِزَاعِ فَلَا يَصْلُح أَنْ يَكُون صِفَة لِلِانْتِزَاعِ لِعَدَمِ الْعَائِد فَلْيَتَأَمَّلْ وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِنْتِزَاعًا مَصْدَر لِيَنْتَزِع قُدِّمَ عَلَى فِعْله وَجُمْلَة يَنْتَزِع حَال مِنْ فَاعِل يَقْبِض أَوْ مَفْعُوله
قَوْله ( فَإِذَا لَمْ يُبْقِ )
مِنْ الْإِبْقَاء
وَرُءُوسًا
بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَالْمَدّ عَلَى أَنَّهُ جَمْع رَئِيس فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْم لَا يَلْزَم مَذَمَّة الرَّأْي لِجَوَازِ أَنَّهُمْ يُفْتُونَ فِي بِلَاد رَأْي بِمُجَرَّدِ تَهَوُّر وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا دَلِيل فِيهِ عَلَى أَنَّ الرَّأْي الْمُعْتَبَر عِنْد الْفُقَهَاء مَذْمُوم
قَوْله ( فَضَلُّوا )
أَيْ بِالْفَتْوَى بِلَا عِلْم
وَأَضَلُّوا
أَتْبَاعهمْ الْآخِذِينَ بِفَتْوَاهُمْ .


52 - قَوْله ( مَنْ أُفْتِيَ )
عَلَى بِنَاء الْمَفْعُول أَيْ مَنْ وَقَعَ فِي خَطَأ بِفَتْوَى عَالِم فَلَا إِثْم عَلَى مُتَّبِع ذَلِكَ الْعَالِم وَهَذَا إِنْ لَمْ يَكُنْ الْخَطَأ فِي مَحَلّ الِاجْتِهَاد أَوْ كَانَ إِلَّا أَنَّهُ وَقَعَ فِيهِ لِعَدَمِ بُلُوغه فِي الِاجْتِهَاد حَقّه
قَوْله ( غَيْر ثَبَت )
هُوَ بِفَتْحَتَيْنِ الْعَدْل الصَّوَاب وَغَيْره هُوَ الْخَطَأ وَقِيلَ أَفْتَى الْأَوَّل عَلَى بِنَاء الْفَاعِل أَيْضًا كَالثَّانِي لَكِنَّ الثَّانِي بِمَعْنَى اِسْتَفْتَى أَيْ كَانَ إِثْمه عَلَى مَنْ اِسْتَفْتَاهُ كَأَنْ جَعَلَهُ فِي مَعْرِض الْإِفْتَاء بِغَيْرِ عِلْم قُلْت إِذَا كَانَ هَذَا الْمُفْتِي مَعْلُومًا بِالْجَهْلِ وَبِالْفَتْوَى بِهِ لَمْ يَجُزْ لِمَنْ يَسْأَلهُ .


53 - قَوْله ( الْعِلْم ثَلَاثَة )
أَيْ أَصْل عُلُوم الدِّين ثَلَاثَة
فَضْل
زَائِد يَعْنِي كُلّ عِلْم سِوَى هَذِهِ الْعُلُوم الثَّلَاثَة وَمَا يَتَعَلَّق بِهَا مِمَّا يَتَوَقَّف هَذِهِ الثَّلَاثَة عَلَيْهِ وَيُسْتَخْرَج مِنْهَا فَهُوَ زَائِد لَا ضَرُورَة فِي مَعْرِفَته
قَوْله ( آيَةٌ مُحْكَمَةٌ )
أَيْ غَيْر مَنْسُوخَة أَيْ عِلْمهَا فَالنَّكِرَة عَامّ فِي الْإِثْبَات كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( عَلِمَتْ نَفْسٌ ) وَالْمُضَاف مُقَدَّر قَبْلهَا وَكَذَا قَوْله
أَوْ سُنَّة قَائِمَة
أَيْ ثَابِتَة إِسْنَادًا بِأَنْ تَكُون صَحِيحَة أَوْ حُكْمًا بِأَنْ لَا تَكُون مَنْسُوخَة
قَوْله ( أَوْ فَرِيضَة عَادِلَة )
فِي الْقَسْم وَالْمُرَاد بِالْفَرِيضَةِ كُلّ حُكْم مِنْ أَحْكَام الْفَرَائِض يَحْصُل بِهِ الْعَدْل فِي قِسْمَة التَّرِكَات بَيْن الْوَرَثَة وَقِيلَ الْمُرَاد بِالْفَرِيضَةِ كُلّ مَا يَجِبُ الْعَمَل بِهِ وَبِالْعَادِلَةِ الْمُسَاوِيَة لِمَا يُؤْخَذ مِنْ الْقُرْآن وَالسُّنَّة وُجُوب الْعَمَل بِهَا فَهَذَا إِشَارَة إِلَى الْإِجْمَاع وَالْقِيَاس وَكَلَام الْمُصَنِّف مَبْنِيّ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى هُوَ الْأَوَّل إِنْ قَصَدَ إِبْطَال الرَّأْي الْمُصْطَلِح عَلَيْهِ بَيْن الْفُقَهَاء أَوْ فِيهِ أَيْضًا نَظَرٌ لِمَا ذَكَرْنَا فِي مَعْنَى وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَضْل فَلَعَلَّهُ أَرَادَ إِبْطَال الرَّأْي بِمَعْنَى الْحُكْم بِمُجَرَّدِ الْهَوَى وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .


54 - قَوْله ( عُبَادَةَ بْن نُسَيّ )
بِضَمِّ النُّون وَفَتْح السِّين الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْيَاء
قَوْله ( لَا تَقْضِيَنَّ )
نَهْي مُؤَكَّد بِالنُّونِ الثَّقِيلَة مِنْ الْقَضَاء
قَوْله ( وَلَا تَفْصِلَنَّ )
مِنْ الْفَصْل وَالْعَطْف قَرِيب مِنْ التَّفْسِير
قَوْله ( وَإِنْ أَشْكَلَ )
تُشْبِه
فَقِفْ
أَيْ لَا تَقْضِ فِيهِ حَال تَشَبُّهه حَتَّى تَعْلَمهُ وَهَذَا الْمَتْن مِمَّا اِنْفَرَدَ بِهِ الْمُصَنِّف وَفِي سَنَده مُحَمَّد بْن سَعِيد بْن حَسَّان وَهَذَا الْمَذْكُور مَتْرُوك الْحَدِيث كَمَا فِي الْأَطْرَاف وَفِي بَعْض نُسَخ الْكِتَاب تَنْبِيهٌ عَلَى ذَلِكَ فَفِيهِ بَعْد تَخْرِيج الْحَدِيث قَالَ أَبُو إِسْحَاق هَذَا حَدِيث ضَعِيف وَأَمَرَ أَنْ يُضْرَب عَلَيْهِ وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق مُحَمَّد بْن سَعِيد بْن حَسَّان زِنْدِيق سَمِعْت أَبَا حَاتِم يَقُول حَضَرْت أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه بْن يُونُس وَهُوَ يُحَدِّث عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَيَّاش عَنْ مُحَمَّد بْن سَعِيد فَقُلْت إِنَّ مُحَمَّد بْن سَعِيد زِنْدِيق فَغَضِبَ وَقَالَ وَكَانَ أَبُو بَكْر يُحَدِّث عَنْ زِنْدِيق كَانَ يَقُول أَيْ أَبُو حَاتِم إِنَّ أَحْمَد بْن يُونُس كَانَ لَيِّن الْجَانِب لَمْ يَعْرِف مِثْل هَذِهِ الْأَشْيَاء أَوْ كَمَا قَالَ اِنْتَهَى
( قُلْت ) وَهُوَ أَيْضًا مُعَارَض بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُور عَلَى الْأَلْسِنَة أَيْ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِمُعَاذٍ حِين بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَن كَيْف تَقْضِي قَالَ بِكِتَابِ اللَّه قَالَ فَإِنْ لَمْ تَجِد فِيهِ قَالَ فَبِسُنَّةِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَإِنْ لَمْ تَجِد فِيهَا وَلَا فِي كِتَاب اللَّه قَالَ أَجْتَهِد فَقَالَ الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُول رَسُوله لِمَا هُوَ مِنْ رَسُوله وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَفِي سَنَده مَجَاهِيل وَقَدْ أَوْرَدَهُ اِبْن الْجَوْزِيّ فِي الْمَوْضُوعَات قَالَ السُّيُوطِيُّ هُوَ مَوْقُوف وَبِالْجُمْلَةِ فَذَاكَ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا .


55 - قَوْله ( سَبَايَا الْأُمَم )
جَمْع سَبِيَّة وَهِيَ الْمَرْأَة الْمَنْهُوبَة فَعِيلَة بِمَعْنَى مَفْعُولَة وَفِي الزَّوَائِد إِسْنَاده ضَعِيف وَابْن أَبِي الرِّجَال اِسْمه حَارِثَة بْن عَبْد الرَّحْمَن وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .


56 - قَوْله ( بِضْع وَسِتُّونَ إِلَخْ )
الْبِضْع وَالْبِضْعَة بِكَسْرِ الْبَاء وَحُكِيَ فَتْحهَا الْقِطْعَة مِنْ الشَّيْء وَهُوَ فِي الْعَدَد مَا بَيْن الثَّلَاث إِلَى التِّسْع وَهُوَ الصَّحِيح لِأَنَّهُ قِطْعَة مِنْ الْعَدَد وَالْمُرَاد مِنْ الْأَبْوَاب الْخِصَال وَهَذَا كِنَايَة عَنْ الْكَثْرَة فَإِنَّ أَسْمَاء الْعَدَد كَثِيرًا مَا يَجِيء كَذَلِكَ فَلَا يَرِد أَنَّ الْعَدَد قَدْ جَاءَ فِي بَيَان الْأَبْوَاب مُخْتَلِف
قَوْله ( أَدْنَاهَا )
أَيْ دُونهَا مِقْدَارًا
وَإِمَاطَة
الشَّيْء عَنْ الشَّيْء إِزَالَته عَنْهُ وَإِذْهَابه
وَالْمُرَاد بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ
مَجْمُوع الشَّهَادَتَيْنِ عَنْ صِدْق قَلْب أَوْ الشَّهَادَة بِالتَّوْحِيدِ فَقَطْ لَكِنْ عَنْ صِدْق عَلَى أَنَّ الشَّهَادَة بِالرِّسَالَةِ بَاب آخَر
قَوْله ( وَالْحَيَاء )
بِالْمَدِّ لُغَة تَغَيُّر وَانْكِسَار يَعْتَرِي الْمُؤْمِن خَوْف مَا يُعَاب بِهِ وَفِي الشَّرْع خُلُق يَبْعَث عَلَى اِجْتِنَاب الْقَبِيح وَيَمْنَع مِنْ التَّقْصِير فِي حَقّ ذِي الْحَقّ وَالْمُرَاد هُنَا اِسْتِعْمَال هَذَا الْخُلُق عَلَى قَاعِدَة الشَّرْع وَقِيلَ الْحَيَاء نَوْعَانِ نَفْسَانِيّ وَإِيمَانِيّ فَالنَّفْسَانِيّ الْجِبِلِّيّ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّه فِي النُّفُوس كَالْحَيَاءِ مِنْ كَشْف الْعَوْرَة وَمُبَاشَرَة الْمَرْأَة بَيْن النَّاس حَتَّى نُفُوس الْكَفَرَة وَالْإِيمَانِيّ مَا يَمْنَع الشَّخْص مِنْ فِعْل الْقَبِيح بِسَبَبِ الْإِيمَان كَالزِّنَا وَشُرْب الْخَمْر وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْقَبَائِح وَهَذَا هُوَ الْمُرَاد فِي الْحَدِيث وَالشُّعْبَة غُصْن الشَّجَرَة وَفَرْع كُلّ أَصْل وَالتَّنْكِير فِيهَا لِلتَّعْظِيمِ أَيْ شُعْبَة عَظِيمَة لِأَنَّهُ يَمْنَع تَمَام الْمَعَاصِي .


57 - قَوْله ( يَعِظ أَخَاهُ فِي الْحَيَاء )
أَيْ يُعَاتِب عَلَيْهِ فِي شَأْنه وَيَحُثّهُ عَلَى تَرْكه
إِنَّ الْحَيَاء شُعْبَة مِنْ الْإِيمَان
أَيْ فَلَا تَمْنَعهُ مِنْهُ .


58 - قَوْله ( مِثْقَال ذَرَّة )
بِفَتْحِ الذَّال الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد الرَّاء وَاحِدَة الذَّرّ وَهُوَ النَّمْل الْأَحْمَر الصَّغِير وَسُئِلَ ثَعْلَب عَنْهَا فَقَالَ إِنَّ مِائَة نَمْلَة وَزْن حَبَّة وَقِيلَ الذَّرَّة لَا وَزْن لَهَا وَيُرَاد بِهَا مَا يُرَى فِي شُعَاع الشَّمْس الدَّاخِل فِي الْكُوَّة النَّافِذَة ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ
قَوْله ( مِنْ كِبْرٍ )
بِكَسْرِ الْكَاف وَسُكُون الْبَاء ظَاهِره يُوَافِق ظَاهِر قَوْله تَعَالَى ( تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْض وَلَا فَسَادًا ) وَلَعَلَّ الْمُرَاد لَا يَدْخُل الْجَنَّة أَوَّلًا وَالْمُرَاد بِالثَّانِي لَا يُخَلَّد فِي النَّار وَقِيلَ الْمُرَاد بِالْكِبْرِ التَّرَفُّع وَالتَّأَنِّي عَنْ قَبُول الْحَقّ وَالْإِيمَان فَيَكُون كُفْرًا فَلِذَلِكَ قُوبِلَ بِالْإِيمَانِ أَوْ الْمُرَاد أَنَّ مَنْ يَدْخُل الْجَنَّة يَخْرُج مِنْ قَلْبه الْكِبْر حِينَئِذٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورهمْ مِنْ غِلٍّ ) قِيلَ يَحْتَمِل أَنَّهُ مُبَالَغَة فِي التَّثَبُّت عَلَى الْإِيمَان وَالتَّشْدِيد عَلَى الْكِبْر .


59 - قَوْله ( إِذَا خَلَّصَ )
مِنْ التَّخْلِيص
وَأَمِنُوا
بِكَسْرِ الْمِيم مِنْ الْأَمْن
قَوْله ( فِي الْحَقّ يَكُون لَهُ )
الْجُمْلَة صِفَة الْحَقّ عَلَى أَنَّ تَعْرِيفه لِلْجِنْسِ مِثْل قَوْله ( كَمَثَلِ الْحِمَار يَحْمِل أَسْفَارًا )
قَوْله ( أَشَدّ )
بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ خَبَر مَا الْحِجَازِيَّة
قَوْله ( مُجَادَلَة )
بِالنَّصْبِ عَلَى التَّمْيِيز وَفِيهِ مُبَالَغَة حَيْثُ جَعَلَ الْمُجَادَلَة ذَات مُجَادَلَة فَوُصِفَتْ بِكَوْنِهَا أَشَدّ مُجَادَلَة وَلَا يُمْكِن جَرّ مُجَادَلَة بِإِضَافَةِ أَشَدّ إِلَيْهَا لِأَنَّ التَّنْكِير يَأْبَاهُ وَلِأَنَّهُ يَلْزَم الْجَمْع بَيْن الْإِضَافَة وَمِنْ وَالْقَاعِدَة أَنَّ اِسْم التَّفْضِيل يُسْتَعْمَل بِأَحَدِهِمَا وَاللَّام لَا بِهِمَا
قَوْله ( مِنْ الْمُؤْمِنِينَ )
أَيْ مِنْ مُجَادَلَة الْمُؤْمِنِينَ فِي إِخْوَانهمْ أَيْ فِي شَأْن إِخْوَانهمْ أَوْ لِأَجْلِ إِخْوَانهمْ
قَوْله ( الَّذِينَ أُدْخِلُوا )
عَلَى بِنَاء الْمَفْعُول
رَبّنَا
بِتَقْدِيرِ حَرْف النِّدَاء أَيْ يَا رَبّنَا
إِخْوَاننَا
أَيْ هُمْ إِخْوَاننَا أَوْ هُمْ مُبْتَدَأ خَبَره جُمْلَة كَانُوا إِلَخْ
وَقَوْله بِصُوَرِهِمْ
فَإِنَّ الْوَجْه لَا يَتَغَيَّر بِالنَّارِ لِأَنَّ النَّار لَا تَأْكُل أَعْضَاء السُّجُود فَانْظُرْ أَنَّهُ كَيْف يَكُون هَذَا لِمَنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْقُلُوب لَهُ مَحَبَّة فِي الدُّنْيَا فَلَعَلَّ مَنْ لَا يَتَحَابُّونَ لَا يَشْفَعُونَ هَذِهِ الشَّفَاعَة أَوْ اللَّهُ تَعَالَى يُدْخِل الْمَحَبَّة فِي قُلُوبهمْ فِي تِلْكَ الْحَالَة .


60 - قَوْله ( وَنَحْنُ فِتْيَان )
بِكَسْرِ الْفَاء جَمْع فَتًى
( حَزَاوِرَة )
جَمْع الْحَزْوَر بِفَتْحِ الْحَاء الْمُهْمَلَة وَسُكُون زَاي مُعْجَمَة وَفَتْح وَاو ثُمَّ رَاء وَيُقَال لَهُ الْحَزَوَّر بِتَشْدِيدِ الْوَاو هُوَ الْغُلَام إِذَا اِشْتَدَّ وَقَوِيَ وَحَزَمَ كَذَا فِي الصِّحَاح وَفِي النِّهَايَة هُوَ الَّذِي قَارَبَ الْبُلُوغ
قَوْله ( فَازْدَدْنَا بِهِ )
أَيْ بِسَبَبِ الْقُرْآن وَفِي الزَّائِد إِسْنَاد هَذَا الْحَدِيث صَحِيح رِجَاله ثِقَات .


61 - قَوْله ( صِنْفَانِ )
الصِّنْف النَّوْع وَالصِّنْفَانِ مُبْتَدَأٌ
قَوْله ( مِنْ هَذِهِ الْأُمَّة )
صِفَة
قَوْله ( لَيْسَ لَهُمَا فِي الْإِسْلَام نَصِيبٌ )
خَبَره وَرُبَّمَا يَتَمَسَّك بِهِ مَنْ يُكَفِّر الْفَرِيقَيْنِ قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ وَالصَّوَاب أَنْ لَا يُسَارَع إِلَى تَكْفِير أَهْل الْقِبْلَة الْمُتَأَوِّلِينَ لِأَنَّهُمْ لَا يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ اِخْتِيَار الْكُفْر وَقَدْ بَذَلُوا وُسْعهمْ فِي إِصَابَة الْحَقّ فَلَمْ يَحْصُل لَهُمْ غَيْر مَا زَعَمُوا فَهُمْ إِذْن بِمَنْزِلَةِ الْجَاهِل وَالْمُجْتَهِد الْمُخْطِئ وَهَذَا الْقَوْل هُوَ الَّذِي يَذْهَب إِلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ عُلَمَاء الْأُمَّة نَظَرًا وَاحْتِيَاطًا فَيَجْرِي قَوْله لَيْسَ لَهُمَا فِي الْإِسْلَام نَصِيب مَجْرَى الْإِشَاعَة فِي بَيَان سُوء حَظّهمْ وَقِلَّة نَصِيبهمْ مِنْ الْإِسْلَام نَحْو قَوْلك لَيْسَ لِلْبَخِيلِ مِنْ مَاله نَصِيب اِنْتَهَى
قُلْت فِي صَلَاحِيَّة هَذَا الْحَدِيث لِلِاسْتِدْلَالِ بِهِ فِي الْفُرُوع نَظَر كَمَا سَتَعْرِفُ فَضْلًا عَنْ الْأُصُول وَالْمَطْلُوب فِيهَا الْقَطْع فَكَيْف يَصِحّ التَّمَسُّك بِهِ فِي التَّكْفِير
قَوْله ( الْمُرْجِئَة وَالْقَدَرِيَّة )
خَبَر مُبْتَدَأ مَحْذُوف أَيْ هُمَا وَجَعْله بَدَلًا مِنْ صِنْفَانِ يُؤَدِّي إِلَى الْفَصْل بِأَجْنَبِيٍّ بَيْن التَّابِع وَالْمَتْبُوع وَيَجُوز الْجَرّ عَلَى أَنَّهُ بَدَل مِنْ ضَمِير لَهُمَا عِنْد مَنْ يُجَوِّز الْبَدَل مِنْ الرَّابِط وَالنَّصْب بِتَقْدِيرِ أَعْنِي مَشْهُور فِي مِثْله بَيْن الطَّلَبَة
وَالْمُرْجِئَة اِسْم فَاعِل مِنْ أَرْجَأْت الْأَمْر بِالْهَمْزَةِ وَأَرْجَيْت بِالْيَاءِ أَيْ أَخَّرْت وَهُمْ فِرْقَة مِنْ فِرَق الْإِسْلَام يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ لَا يَضُرّ مَعَ الْإِسْلَام مَعْصِيَة كَمَا أَنَّهُ لَا يَنْفَع مَعَ الْكُفْر طَاعَة سُمُّوا بِذَلِكَ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَرْجَأَ تَعْذِيبهمْ عَلَى الْمَعَاصِي أَيْ أَخَّرَهُ عَنْهُمْ وَبَعْده وَقِيلَ هُمْ الْجَبْرِيَّة الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْعَبْد كَالْجَمَادِ سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يُؤَخِّرُونَ إِلَى اللَّه
وَالْقَدَرِيَّة بِفَتْحَتَيْنِ أَوْ سُكُون الدَّال اِشْتَهَرَ بِهَذِهِ النِّسْبَة مَنْ يَقُول بِالْقَدَرِ لِأَجْلِ أَنَّهُمْ تَكَلَّمُوا فِي الْقَدَر وَأَقَامُوا الْأَدِلَّة بِزَعْمِهِمْ عَلَى نَفْيه وَتَوَغَّلُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة حَتَّى اِشْتَهَرُوا بِهَذَا الِاسْم وَبِسَبَبِ تَوَغُّلهمْ وَكَثْرَة اِشْتِغَالهمْ صَارُوا هُمْ أَحَقّ بِهَذِهِ النِّسْبَة مِنْ غَيْرهمْ فَلَا يَرِد أَنَّ الْمُثْبِت أَحَقّ بِهَذِهِ النِّسْبَة مِنْ النَّافِي عَلَى أَنَّ الْأَحَادِيث صَرِيحَة فِي أَنَّ الْمُرَاد هَاهُنَا النَّافِي فَانْدَفَعَ تَوَهُّم الْقَدَرِيَّة أَنَّ الْمُرَاد فِي هَذَا الْحَدِيث الْمُثْبِت لِلْقَدَرِ لَا النَّافِي ثُمَّ الْحَدِيث قَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ بِهَذَا الطَّرِيق وَطَرِيق آخَر وَقَالَ حَسَن غَرِيب وَسَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّف أَيْضًا بِطَرِيقٍ آخَر وَزَعَمَ الْحَافِظ السِّرَاج ++ الدِّين بُعْده وَبَيَّنَ أَنَّهُ مَوْضُوع وَرَدَّ عَلَيْهِ الْحَافِظ صَلَاح الدِّين ثُمَّ الْحَافِظ اِبْن حَجَر بِمَا يُبْعِدهُ عَنْ الْوَضْع وَيُقَرِّبهُ إِلَى الْحُسْن وَجَعَلَ نَظَرَهُمَا هُوَ تَعَدُّد الطُّرُق وَالْحَدِيث جَاءَ عَنْ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق وَمُعَاذ بْن جَبَل وَعَبْد اللَّه بْن عُمَر وَجَابِر بِطَرِيقِ مُعَاذ وَكَثْرَة الطُّرُق تُفِيد بِأَنَّ لَهُ أَصْلًا وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا يَنْفَع فِي الِاسْتِدْلَال فِي الْأُصُول .


62 - قَوْله ( لَا يُرَى )
ضُبِطَ بِالتَّحْتِيَّةِ الْمَضْمُومَة أَوْ بِالنُّونِ الْمَفْتُوحَة
قَوْله ( وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ )
أَيْ فَخِذَيْ نَفْسه جَالِسًا عَلَى هَيْئَة الْمُتَعَلِّم كَذَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيّ وَاخْتَارَهُ التُّورْبَشْتِيُّ بِأَنَّهُ أَقْرَب إِلَى التَّوْقِير مِنْ سَمَاع ذَوِي الْأَدَب أَوْ فَخِذ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ وَغَيْره وَيُؤَيِّدهُ الْمُوَافَقَة لِقَوْلِهِ فَأَسْنَدَ رُكْبَته إِلَى رُكْبَته وَرَجَّحَهُ اِبْن حَجَر بِأَنَّ فِي رِوَايَة اِبْن خُزَيْمَةَ ثُمَّ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَالظَّاهِر أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ الْمُبَالَغَة فِي تَعْمِيَة أَمْره لِيَقْوَى الظَّنّ بِأَنَّهُ مِنْ جُفَاة الْأَعْرَاب قُلْت وَهَذَا الَّذِي نُقِلَ مِنْ رِوَايَة اِبْن خُزَيْمَةَ هُوَ رِوَايَة النَّسَائِيِّ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَأَبِي ذَرٍّ وَالْوَاقِعَة مُتَّحِدَة
قَوْله ( يَا مُحَمَّد )
كَرَاهَة النِّدَاء بِاسْمِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَقّ النَّاس لَا فِي حَقّ الْمَلَائِكَة فَلَا إِشْكَال فِي نِدَاء جِبْرِيل بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ التَّعْمِيَة كَانَتْ مَطْلُوبَة
قَوْله ( قَالَ شَهَادَة إِلَخْ )
حَاصِله أَنَّ الْإِسْلَام هَذِهِ الْأَرْكَان الْخَمْسَة الظَّاهِرَة
قَوْله ( يَسْأَلهُ )
وَالسُّؤَال يَقْتَضِي الْجَهْل بِالْمَسْئُولِ عَنْهُ
قَوْله ( وَيُصَدِّقُهُ )
وَالتَّصْدِيق هُوَ الْخَبَر الْمُطَابِق لِلْوَاقِعِ وَهَذَا فَرْع مَعْرِفَة الْوَاقِع وَالْعِلْم بِهِ لِيَعْرِف مُطَابَقَة هَذَا لَهُ
قَوْله ( أَنْ تُؤْمِن بِاَللَّهِ )
أَيْ تُصَدِّق بِهِ فَالْمُرَاد الْمَعْنَى اللُّغَوِيّ وَالْإِيمَان الْمَسْئُول عَنْهُ الشَّرْعِيّ فَلَا دَوْر وَفِي هَذَا إِشَارَة إِلَى أَنَّ هَذَا الْفَرْق بَيْن الْإِيمَان الشَّرْعِيّ وَاللُّغَوِيّ بِخُصُوصِ الْمُتَعَلِّق فِي الشَّرْعِيّ وَحَاصِل الْجَوَاب أَنَّ الْإِيمَان هُوَ الِاعْتِقَاد الْبَاطِنِيّ
قَوْله ( مَا الْإِحْسَان )
أَيْ الْإِحْسَان فِي الْعِبَادَة وَالْإِحْسَان الَّذِي حَثّ اللَّه تَعَالَى عِبَاده عَلَى تَحْصِيله فِي كِتَابه بِقَوْلِهِ وَاَللَّه يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ
قَوْله ( كَأَنَّك تَرَاهُ )
صِفَة مَصْدَر مَحْذُوف أَيْ عِبَادَة كَأَنَّك فِيهَا تَرَاهُ أَوْ حَال أَيْ وَالْحَال كَأَنَّك تَرَاهُ وَلَيْسَ الْمَقْصُود عَلَى تَقْدِير الْحَالِيَّة أَنْ يَنْتَظِر بِالْعِبَادَةِ تِلْكَ الْحَال فَلَا يَعْبُد قَبْل تِلْكَ الْحَال بَلْ الْمَقْصُود تَحْصِيل تِلْكَ الْحَال فِي الْعِبَادَة وَالْحَاصِل أَنَّ الْإِحْسَان هُوَ مُرَاعَاة الْخُشُوع وَالْخُضُوع وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا فِي الْعِبَادَة عَلَى وَجْه رَاعَاهُ لَوْ كَانَ رَائِيًا وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ رَائِيًا حَال الْعِبَادَة لَمَا تَرَكَ شَيْئًا مِمَّا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ الْخُشُوع وَغَيْره وَلَا مَنْشَأ لِتِلْكَ الْمُرَاعَاة حَال كَوْنه رَائِيًا إِلَّا كَوْنه تَعَالَى رَقِيبًا عَالِمًا مُطَّلِعًا عَلَى حَاله وَهَذَا مَوْجُود وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْعَبْد يَرَاهُ تَعَالَى وَلِذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَعْلِيله فَإِنَّك إِنْ لَا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاك أَيْ وَهُوَ يَكْفِي فِي مُرَاعَاة الْخُشُوع عَلَى ذَلِكَ الْوَجْه فَإِنَّ عَلَى هَذَا وَصْلِيَّة اُسْتُعْمِلَتْ بِدُونِ الْوَاو تَشْبِيهًا لَهَا بِلَوْ كَمَا قَالُوا فِي قَوْله تَعَالَى ( قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْك إِنْ كُنْت تَقِيًّا ) لَا شَرْطِيَّة وَكَأَنَّهُ لِهَذَا أُلْغِيَتْ عَنْ الْعَمَل وَإِنْ قُلْنَا الْوَصْلِيَّة شَرْطِيَّة فِي الْأَصْل فَلَا بُدّ مِنْ الْعَمَل فَالْجَوَاب أَنَّهُ قَدْ يُعْطَى الْمُعْتَلّ حُكْم الصَّحِيح أَوْ هُوَ أَلِف الْإِشْبَاع فَلْيُفْهَمْ
قَوْله ( أَنْ تَلِد الْأَمَة رَبَّتهَا )
أَيْ أَنْ تَحْكُم الْبِنْت عَلَى الْأُمّ مِنْ كَثْرَة الْعُقُوق حُكْم السَّيِّدَة عَلَى أَمَتهَا وَلَمَّا كَانَ الْعُقُوق فِي النِّسَاء أَكْثَر خُصَّتْ الْبِنْتُ وَالْأَمَة بِالذِّكْرِ وَقَدْ ذَكَرُوا وُجُوهًا أُخَر فِي مَعْنَاهُ مِنْهَا مَا رَوَاهُ الْمُصَنِّف عَنْ وَكِيع وَهُوَ إِشَارَة إِلَى كَثْرَة السَّبَايَا
قَوْله ( الْحُفَاة الْعُرَاة )
كُلّ مِنْهُمَا بِضَمِّ الْأَوَّل
الْعَالَة
جَمْع عَائِل بِمَعْنَى الْفَقِير
رِعَاء الشَّاء
كُلّ مِنْهُمَا بِالْمَدِّ وَالْأَوَّل بِكَسْرِ الرَّاء وَالْمُرَاد الْأَعْرَاب وَأَصْحَاب الْبَوَادِي
يَتَطَاوَلُونَ
بِكَثْرَةِ الْأَمْوَال
قَوْله ( بَعْد ثَلَاث )
أَيْ ثَلَاث لَيَالٍ وَهَذَا بَيَان مَا جَاءَ فِي بَعْض الرِّوَايَات فَلَبِثْت مَلِيًّا أَيْ زَمَانًا طَوِيلًا
قَوْله ( مَعَالِم دِينكُمْ )
أَيْ دَلَائِله أَيْ مَسَائِله .


63 - قَوْله ( بَارِزًا لِلنَّاسِ )
أَيْ ظَاهِرًا لِأَجْلِهِمْ حَتَّى يَسْأَلُوهُ وَيَنْفَع كُلّ مَنْ يُرِيد
قَوْله ( وَلِقَائِهِ )
قِيلَ اللِّقَاء فِي الْكِتَاب وَالسُّنَّة يُفَسَّر بِالثَّوَابِ وَالْحِسَاب وَالْمَوْت وَالرُّؤْيَة وَالْبَعْث الْآخِر وَيُحْمَل هُنَا عَلَى غَيْر الْبَعْث الْآخِر لِأَنَّهُ مَذْكُور مِنْ بَعْد حَيْثُ قَالَ وَتُؤْمِن بِالْبَعْثِ الْآخِر قُلْت إذًا فُسِّرَ بِالْمَوْتِ فَالظَّاهِر أَنْ يُرِيد مَوْت الْعَالَم وَفَنَاء الدُّنْيَا بِتَمَامِهَا وَإِلَّا فَكُلّ أَحَد عَالِم بِمَوْتِهِ لَا يُمْكِن أَنْ يُنْكِرهُ فَلَا يَحْسُن التَّكْلِيف بِالْإِيمَانِ بِهِ وَأَمَّا الثَّوَاب وَالْحِسَاب فَهُمَا غَيْر الْبَعْث فَلَا تَكْرَار إِذَا أُرِيد أَحَدهمَا وَأَمَّا الرُّؤْيَة فَقَالَ النَّوَوِيّ لَيْسَ الْمُرَاد بِاللِّقَاءِ رُؤْيَة اللَّه تَعَالَى فَإِنَّ أَحَدًا لَا يَقْطَع لِنَفْسِهِ بِرُؤْيَةِ اللَّه تَعَالَى لِأَنَّ الرُّؤْيَة مُخْتَصَّة بِالْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَدْرِي بِمَاذَا يُخْتَم لَهُ اه
قُلْت وَقَدْ يُقَال الْإِيمَان بِتَحْقِيقِ هَذَا لِمَنْ أَرَادَ اللَّه تَعَالَى لَهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْر أَنْ يَخُصّ أَحَدًا بِعَيْنِهِ وَلَيْسَ فِي الْحَدِيث أَنْ يُؤْمِن كُلّ شَخْص بِرُؤْيَةِ اللَّه تَعَالَى لَهُ كَمَا لَا يَخْفَى وَهَذَا مِثْل الْإِيمَان بِالْحِسَابِ أَوْ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَاب مَعَ عَدَم هَذِهِ الْأَشْيَاء لِلْكُلِّ فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَدْخُل الْجَنَّة بِلَا حِسَاب وَكَمْ مَنْ لَا يُعَاقَب أَوْ يُثَاب
قَوْله ( أَنْ تَعْبُد اللَّه )
أَيْ تُوَحِّدهُ بِلِسَانِك عَلَى وَجْه يُعْتَدّ بِهِ فَيَشْمَل الشَّهَادَتَيْنِ فَوَافَقْت هَذِهِ الرِّوَايَة رِوَايَته ثُمَّ وَكَذَلِكَ حَدِيث بُنِيَ الْإِسْلَام وَجُمْلَة
وَلَا تُشْرِك بِهِ شَيْئًا
لِلتَّأْكِيدِ
قَوْله ( عَنْ أَشْرَاطهَا )
أَيْ عَلَامَاتهَا
قَوْله ( فِي خَمْس )
أَيْ وَقْت السَّاعَة فِي خَمْس لَا يَعْلَمهُنَّ إِلَّا اللَّهُ فَهُوَ خَبَر مَحْذُوف وَالْجُمْلَة دَلِيل عَلَى قَوْله مَا الْمَسْئُول عَنْهَا بِأَعْلَم مِنْ السَّائِل وَهَذَا هُوَ الْمُوَافِق لِلْأَحَادِيثِ وَقِيلَ فِي خَمْس حَال مِنْ رِعَاء أَيْ مُتَفَكِّرِينَ فِي خَمْس وَالْمُرَاد التَّنْبِيه عَلَى جَهْلهمْ وَحَمَاقَتهمْ .


64 - قَوْله ( الْإِيمَان مَعْرِفَةٌ بِالْقَلْبِ )
أَيْ التَّصْدِيق بِهِ
وَقَوْله بِاللِّسَانِ
هُوَ الشَّهَادَتَانِ
وَعَمَل بِالْأَرْكَانِ
أَيْ الْجَوَارِح كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْم وَالزَّكَاة وَالْحَجّ وَفِيهِ أَنَّ الْإِيمَان الْكَامِل لَا يُوجَد بِلَا إِسْلَام وَبِهِ حَصَلَ التَّوْفِيق بَيْن هَذَا الْحَدِيث إِنْ ثَبَتَ وَبَيْن حَدِيث جِبْرِيل السَّابِق وَالْحَدِيث عَدَّهُ اِبْن الْجَوْزِيّ فِي الْمَوْضُوعَات قَالَ فِيهِ أَبُو الصَّلْت مُتَّهَم مِمَّنْ لَا يَجُوز الِاحْتِجَاج بِهِ وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ جَمَاعَة مِنْهُمْ بَعْض شُرَّاح الْكِتَاب وَفِي الزَّوَائِد إِسْنَاد هَذَا الْحَدِيث ضَعِيف لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى ضَعْف أَبِي الصَّلْت الرَّاوِي قَالَ السُّيُوطِيُّ وَالْحَقّ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضُوعٍ وَأَبُو الصَّلْت وَثَّقَهُ اِبْن مَعِين وَقَالَ لَيْسَ مِمَّنْ يَكْذِب وَقَالَ فِي الْمِيزَان رَجُل صَالِح إِلَّا أَنَّهُ شِيعِيّ تَابَعَهُ عَلِيّ بْن غُرَاب وَقَدْ رَوَى لَهُ النَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ وَوَثَّقَهُ اِبْن مَعِين وَالدَّارَقُطْنِيّ قَالَ أَحْمَد أَرَاهُ صَادِقًا وَقَالَ الْخَطِيب كَانَ غَالِيًا فِي التَّشَيُّع وَأَمَّا فِي رِوَايَته فَقَدْ وَصَفُوهُ بِالصِّدْقِ ثُمَّ ذَكَرَ لَهُ بَعْض الْمُتَابَعَات
قَوْله ( لَبَرَأَ مِنْ جُنُونه )
لِمَا فِي الْإِسْنَاد مِنْ خِيَار الْعِبَاد وَهُمْ خُلَاصَة أَهْل بَيْت النُّبُوَّة رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُمْ وَهُوَ مِنْ بَرِئَ الْمَرِيض مِنْ الدَّاء لَا مِنْ بَرِئْت مِنْ الْأَمْر بِكَسْرِ الرَّاء أَيْ تَبَرَّأْت فَإِنَّ أَبَا الصَّلْت هُوَ الْقَائِل لِهَذَا الْقَوْل وَلَا يَسْتَقِيم عَنْهُ أَنْ يَقُول هَذَا الْقَوْل بِهَذَا الْمَعْنَى لَا بِالنَّظَرِ إِلَى نَفْسه وَلَا بِالنَّظَرِ إِلَى مَنْ بَعْده .


65 - قَوْله ( مَا يُحِبّ )
أَيْ مِنْ خَيْرَيْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَالْمُرَاد الْجِنْس لَا الْخُصُوص وَقَدْ يَكُون خَيْرًا لَا يَقْبَل الِاشْتِرَاك كَالْوَسِيلَةِ وَلَا لِغَيْرِ مَنْ لَهُ وَنَحْو ذَلِكَ ثُمَّ الْمُرَاد بِهَذِهِ الْغَايَات وَأَمْثَالهَا أَنَّهُ لَا يَكْمُل الْإِيمَان بِدُونِهَا لَا أَنَّهَا وَحْدهَا كَافِيَة وَلَا يَتَوَقَّف الْكَمَال بَعْد حُصُولهَا عَلَى شَيْء آخَر حَتَّى يَلْزَم التَّعَارُض بَيْن هَذِهِ الْغَايَات الْوَارِدَة فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث فَلْيَتَأَمَّلْ .


66 - قَوْله ( حَتَّى أَكُون أَحَبَّ )
هُوَ مَبْنِيّ لِلْمَفْعُولِ قِيلَ الْمُرَاد الْمَحَبَّة الِاخْتِيَارِيَّة لَا الطَّبِيعِيَّة وَكَذَا قَالُوا الْمُرَاد
بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُؤْمِن
لَا يَكْمُل إِيمَانُهُ .


67 - قَوْله ( لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّة )
لَا يَخْفَى أَنَّهُ نَفْي لَا نَهْي وَكَذَا قَوْله وَلَا تُؤْمِنُوا فَالْقِيَاس ثُبُوت النُّون فِيهِمَا فَكَأَنَّهَا حُذِفَتْ لِلْمُجَانَسَةِ وَالِازْدِوَاج وَقَدْ جَاءَ حَذْفهَا لِلتَّخْفِيفِ كَثِيرًا ثُمَّ الْكَلَام مَحْمُول عَلَى الْمُبَالَغَة فِي الْحَثّ عَلَى التَّحَابُب وَإِفْشَاء السَّلَام وَالْمُرَاد لَا تَسْتَحِقُّونَ دُخُول الْجَنَّة أَوَّلًا حَتَّى تُؤْمِنُوا إِيمَانًا كَامِلًا وَلَا تُؤْمِنُونَ ذَلِكَ الْإِيمَان الْكَامِل حَتَّى تَحَابُّوا بِفَتْحِ التَّاء وَأَصْله تَتَحَابُّونَ أَيْ يُحِبّ بَعْضكُمْ بَعْضًا وَأَمَّا حَمْل حَتَّى تُؤْمِنُوا عَلَى أَصْل الْإِيمَان وَحَمْل وَلَا تُؤْمِنُوا عَلَى الْكَمَال فَيَأْبَاهُ الْكَلَام عَلَى هَذِهِ الْأَشْكَال الْمَنْطِقِيَّة وَالظَّاهِر أَنَّهُ قَصَدَ بِهِ الْبُرْهَان وَهَذَا التَّأْوِيل يُحْمَل بِهِ الْإِخْلَال يُدْفَع بِعَدَمِ تَكْرَار الْحَدّ الْأَوْسَط فَلْيَتَأَمَّلْ
قَوْله ( أَفْشُوا السَّلَام )
مِنْ الْإِفْشَاء أَيْ أَظْهِرُوهُ وَالْمُرَاد نَشْر السَّلَام بَيْن النَّاس لِيُحْيُوا سُنَّته صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِ قَالَ النَّوَوِيّ أَقَلّه أَنْ يَرْفَع صَوْته بِحَيْثُ يَسْمَع الْمُسَلَّم عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَسْمَعهُ لَمْ يَكُنْ آتِيًا بِالسُّنَّةِ ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي حَاشِيَة أَبِي دَاوُدَ فِي شَرْح هَذِهِ اللَّفْظ قُلْت ظَاهِره أَنَّهُ حَمَلَ الْإِفْشَاء عَلَى رَفْع الصَّوْت بِهِ وَالْأَقْرَب حَمْله عَلَى الْإِكْثَار .


68 - قَوْله ( سِبَاب الْمُسْلِم )
بِكَسْرِ السِّين وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ قَرِيبًا .


69 - قَوْله ( وَعِبَادَته )
أَيْ تَوْحِيده فَهُوَ كَالتَّفْسِيرِ لِلْإِخْلَاصِ وَطَاعَته مُطْلَقًا فَذَكَرَ إِقَامَة الصَّلَاة وَإِيتَاء الزَّكَاة بَعْدهَا تَخْصِيص لِأَعْظَم الْعِبَادَات وَعَلَى الثَّانِي
قَوْله مَاتَ وَاللَّهُ عَنْهُ رَاضٍ
ظَاهِر وَعَلَى الْأَوَّل مَبْنِيّ أَنَّ مِثْله يُوَفَّق لِفِعْلِ الْخَيْرَات وَتَرْك الْمُنْكَرَات وَلِلتَّوْبَةِ عِنْد الْمَوْت
قَوْله ( قَبْل هَرْج الْأَحَادِيث )
بِفَتْحِ فَسُكُون كَثْرَتهَا وَاخْتِلَاطهَا فِي آخِر مَا نَزَّلَ اللَّه أَيْ سُورَة بَرَاءَة لِأَنَّهَا آخِر سُورَة ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي الزَّوَائِد هَذَا إِسْنَاد ضَعِيف الرَّبِيع بْن أَنْسَ ضَعِيف هُنَا قَالَ اِبْن حِبَّان النَّاس يَتَّقُونَ حَدِيثه مَا كَانَ مِنْ رِوَايَة أَبِي جَعْفَر عَنْهُ لِأَنَّ فِي أَحَادِيثه اِضْطِرَابًا كَثِيرًا وَرَوَاهُ الْحَاكِم مِنْ طَرِيق أَبِي جَعْفَر عَنْ الرَّبِيع وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد اه .
قُلْت وَالظَّاهِر أَنْ يُقَال أَبُو جَعْفَر ضَعِيف فِي الرَّبِيع لَا الرَّبِيع ضَعِيف إِذَا رَوَى عَنْهُ أَبُو جَعْفَر فَلْيَتَأَمَّلْ .


70 - قَوْله ( حَتَّى يَشْهَدُوا إِلَخْ )
قَدْ جَاءَتْ الْغَايَة مُخْتَلِفَة بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَان فَيَنْبَغِي أَنْ تُحْمَل عَلَى إِظْهَار شَعَائِر الْإِسْلَام لَا كَمَنْ حَمَلَ الْحَدِيث عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَبْل شَرْع الْجِزْيَة أَوْ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالنَّاسِ مَنْ لَا تُقْبَل مِنْهُمْ الْجِزْيَة كَمُشْرِكِي الْعَرَب .


71 - قَوْله ( عَنْ شَهْر بْن حَوْشَبٍ إِلَى قَوْله عَنْ مُعَاذ )
فِي الزَّوَائِد هُنَا إِسْنَاد حَسَن وَالْمُكَنَّى رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيث عُمَر اه قُلْت كَأَنَّهُ يُبْنَى عَلَى أَنَّ كَلَامهمْ فِي شَهْر بْن حَوْشَبٍ غَيْر مَسْمُوع وَإِلَّا فَقَدْ تَكَلَّمُوا فِيهِ حَتَّى قِيلَ مَتْرُوك .


72 - قَوْله ( صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي )
قَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيث قَرِيبًا
قَوْله ( الْإِيمَان يَزِيد وَيَنْقُص )
بِكَثْرَةِ النَّظَر وَوُضُوح الْأَدِلَّة وَلِهَذَا الصِّدِّيق أَقْوَى إِيمَانًا مِنْ غَيْره وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ كُلّ أَحَد يَعْلَم أَنَّ مَا فِي قَلْبه يَتَفَاضَل حَتَّى يَكُون فِي بَعْض الْأَحْيَان أَعْظَم يَقِينًا وَإِخْلَاصًا مِنْ بَعْضهَا وَمَا نُقِلَ عَنْ السَّلَف صَرَّحَ بِهِ عَبْد الرَّزَّاق فِي مُصَنَّفه عَنْ الثَّوْرِيِّ وَابْن جُرَيْجٍ وَمَعْمَر وَغَيْرهمْ وَهَؤُلَاءِ فُقَهَاء الْأَمْصَار فِي عَصْرهمْ وَلِذَلِكَ نَقَلَهُ أَبُو الْقَاسِم اللكائي فِي كِتَاب السُّنَّة عَنْ الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد بْن حَنْبَل وَإِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ وَأَبِي عُبَيْد وَغَيْرهمْ مِنْ الْأَئِمَّة وَرَوَى بِسَنَدِهِ الصَّحِيح عَنْ الْبُخَارِيّ قَالَ لَقِيت أَكْثَر مِنْ أَلْف رَجُل مِنْ الْعُلَمَاء بِالْأَمْصَارِ فَمَا رَأَيْت أَحَدًا مِنْهُمْ يَخْتَلِف فِي أَنَّ الْإِيمَان يَزِيد وَيَنْقُص وَأَطْنَبَ اِبْن أَبِي حَاتِم فِي بَاب الْإِيمَان فِي نَقْل ذَلِكَ بِالْأَسَانِيدِ عَنْ جَمْع كَثِير مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَكُلّ مَنْ يَدُور الْإِجْمَاع عَلَيْهِ مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَحَكَاهُ اِبْن عِيَاض وَوَكِيع عَنْ أَهْل السُّنَّة وَالْجَمَاعَة اه .
قُلْت وَبِالْجُمْلَةِ تَوَاطَأَتْ أَقْوَال الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ بَلْ الْكِتَاب وَالسُّنَّة عَلَى جَوَاز أَنْ يُقَال الْإِيمَان يَزِيد وَالنُّقْصَان مِنْ لَوَازِم الزِّيَادَة فَثَبَتَ أَنَّ الْإِيمَان يُوصَف بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَان فِي لِسَان الشَّرْع أَعَمّ مِنْ أَنْ يَكُون ذَلِكَ الْوَصْف وَصْفًا لَهُ بِاعْتِبَارِ نَفْس الْمَاهِيَّة أَوْ بِاعْتِبَارِ أُمُور خَارِجِيَّة عَنْهَا إِذْ السَّلَف كَانُوا يَتَّبِعُونَ الْوَارِد وَلَا يَلْتَفِتُونَ إِلَى نَحْو تِلْكَ الْمَبَاحِث الْكَلَامِيَّة الَّتِي اِسْتَخْرَجَهَا الْمُتَأَخِّرُونَ وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّ مَا وَقَعَ فِي بَعْض كُتُب الْفِقْه مِنْ عَدّ الْقَوْل بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَان مِنْ كَلِمَات الْكُفْر هَفْوَة عَظِيمَة نَسْأَل اللَّهَ الْعَفْو وَالْعَافِيَة .


( بَاب فِي الْقَدَرِ )
قَوْله ( فِي الْقَدَرِ ) بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ الْمَشْهُور وَقَدْ يُسَكَّن الدَّال وَهُوَ أَنْ يَعْتَقِد أَنَّ كُلّ مَا يُوجَد فِي الْعَالَم حَتَّى أَفْعَال الْعَبْد بِقَضَاءِ اللَّه تَعَالَى وَتَأْثِيرِهِ .


73 - قَوْله ( وَهُوَ الصَّادِق )
أَيْ الْكَامِل فِي الصِّدْق أَوْ الظَّاهِر كَوْنه صَادِقًا بِشَهَادَةِ الْمُعْجِزَات الْبَاهِرَات وَلَيْسَ الْمُرَاد أَنَّهُ الصَّادِق دُون غَيْره الْمُصَدَّق الَّذِي جَاءَهُ الصِّدْق مِنْ رَبّه وَلَيْسَ مَعْنَى الَّذِي بِفَتْحِ الذَّال الْمُشَدَّدَة أَيْ الَّذِي صَدَّقَهُ الْمُؤْمِنُونَ وَإِنْ كَانَ هُوَ فِي الْوَاقِع مَوْصُوفًا بِكَوْنِهِ مُصَدَّقًا أَيْضًا
قَوْله ( إِنَّهُ )
بِكَسْرِ الْهَمْزَة عَلَى حِكَايَة لَفْظه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ بِفَتْحِهَا
قَوْله ( يُجْمَعُ )
عَلَى بِنَاء الْمَفْعُول أَيْ يُجْمَع مَادَّة خَلْقه وَهُوَ الْمَاء وَالْمُرَاد بِبَطْنِ أُمّه رَحِمهَا أَيْ يَتِمّ جَمْعه فِي الرَّحِم فِي هَذِهِ الْمُدَّة وَهَذَا يَقْتَضِي التَّفَرُّق وَهُوَ كَمَا رُوِيَ أَنَّ النُّطْفَة فِي الطَّوْر الْأَوَّل تَسْرِي فِي جَسَد الْمَرْأَة ثُمَّ تُجْمَع فِي الرَّحِم فَتَصِير هُنَاكَ عَلَقَة أَيْ دَمًا جَامِدًا يُخْلَط تُرْبَة قَبْر الْمَوْلُود بِهَا عَلَى مَا قِيلَ مُضْغَة أَيْ قِطْعَة لَحْم قَدْر مَا يُمْضَغ ثُمَّ يُبْعَث أَيْ يُرْسَل بَعْد تَمَام الْخِلْقَة وَتَشَكُّله بِشَكْلِ الْآدَمِيّ بِالطَّوْرِ الْآخَر كَمَا قَالَ تَعَالَى { ثُمَّ خَلَقْنَا الْمُضْغَة عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَام لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَر ) أَيْ بِنَفْخِ الرُّوح وَلَعَلَّ الْأَطْوَار الْمَذْكُورَة فِي الْحَدِيث بَعْد الْأَرْبَعِينَ الثَّالِث يَحْصُل فِي مُدَّة يَسِيرَة فَلِذَا اُعْتُبِرَ الْبَعْث بَعْد الْأَرْبَعِينَ الثَّالِث وَكَذَا اُشْتُهِرَ بَيْن النَّاس أَنَّ نَفْخ الرُّوح عَقِب أَرْبَعَة أَشْهُر وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون بَعْث الْمَلَك بِأَرْبَعٍ قُبَيْل تَمَام الْخَلْق
قَوْله ( وَشَقِيّ أَمْ سَعِيد )
خَبَر مَحْذُوف أَيْ هُوَ وَالْجُمْلَة عَطْف عَلَى مَفْعُول اُكْتُبْ لِأَنَّهُ أُرِيد بِهَا لَفْظهَا بِاعْتِبَارِ الْوُجُود الْكَتْبِيّ دُون اللَّفْظِيّ فَإِنَّ اللَّفْظ لَا يَكُون لَفْظًا إِلَّا بِالتَّلَفُّظِ لَا بِالْكِتَابَةِ ثُمَّ التَّرْدِيد فِي الْحِكَايَة لَا فِي الْمَحْكِيّ وَإِنَّمَا جَاءَتْ الْحِكَايَة عَلَى لَفْظ التَّرْدِيد نَظَرًا إِلَى التَّوْزِيع وَالتَّقْسِيم عَلَى آحَاد الْمَوْلُود فَمِنْهُمْ شَقِيّ وَسَعِيد
قَوْله ( حَتَّى مَا يَكُون إِلَخْ )
كِنَايَة عَنْ غَايَة الْقُرْب
فَيَسْبِق
أَيْ يَغْلِب عَلَيْهِ الْكِتَاب
قَوْله ( الْكِتَاب )
أَيْ الْمَكْتُوب الَّذِي كَتَبَهُ الْمَلَك وَالْحَدِيث لَا يُنَافِي عُمُوم الْمَوَاعِيد الْوَارِدَة فِي الْآيَات الْقُرْآنِيَّة وَالْأَحَادِيث مِثْل { الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات إِنَّا لَا نُضِيع أَجْر مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ) لِأَنَّ الْمُعْتَبَر فِي كُلّهَا الْمَوْت عَلَى سَلَامَة الْعَاقِبَة وَحُسْن الْخَاتِمَة رَزَقْنَا اللَّه تَعَالَى إِيَّاهَا بِمَنِّهِ وَكَرْمه آمِينَ .


74 - قَوْله ( شَيْء مِنْ هَذَا الْقَدَر )
أَيْ لِأَجْلِ هَذَا الْقَدَر أَيْ الْقَوْل بِهِ يُرِيد أَنَّهُ وَقَعَ فِي نَفْسه مِنْ الشَّبَه لِأَجْلِ الْقَوْل بِالْقَدَرِ أَوْ الْمُرَاد بِالْقَدَرِ هُوَ الْقَوْل بِنَفْيِ الْقَدَر الَّذِي هُوَ مَذْهَب الْقَدَرِيَّة
قَوْله ( بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ )
أَيْ مِمَّا يَتَعَلَّق بِمَسْأَلَةِ الْقَدَر ثُبُوتًا
قَوْله ( لَعَلَّ اللَّه أَنْ يَنْفَعنِي )
دُخُول أَنْ فِي خَبَر لَعَلَّ لِلتَّشْبِيهِ بِعَسَى
وَقَوْله ( لَوْ أَنَّ اللَّه إِلَخْ )
قَالَ الطِّيبِيُّ إِرْشَاد عَظِيم وَبَيَان شَافٍ لِإِزَالَةِ مَا طَلَبَ مِنْهُ لِأَنَّهُ هَدَمَ بِهِ قَاعِدَة الْقَوْل بِالْحُسْنِ وَالْقُبْح عَقْلًا وَبَيَّنَ أَنَّهُ مَالِك الْمُلْك فَلَهُ أَنْ يَتَصَرَّف فِي مُلْكه كَيْف يَشَاء وَلَا يُتَصَوَّر فِي تَصَرُّفه ظُلْم لِأَنَّهُ تَصَرُّف فِي مُلْك الْغَيْر وَلَا مُلْك لِغَيْرِهِ أَصْلًا ثُمَّ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ وَلَوْ رَحِمَهُمْ إِلَخْ أَنَّ النَّجَاة مِنْ الْعَذَاب إِنَّمَا هِيَ بِرَحْمَتِهِ لَا بِالْأَعْمَالِ فَالرَّحْمَة خَيْر مِنْهَا
قَوْله ( مَا قُبِلَ مِنْك )
يُشِير إِلَى أَنَّهُ لَا قَبُول لِعَمَلِ الْمُبْتَدِع عِنْد اللَّه تَعَالَى أَوْ هُوَ مَبْنِيّ عَلَى الْقَوْل بِكُفْرِ مُنْكِره
قَوْله ( لِيُخْطِئَك )
أَيْ يَتَجَاوَز عَنْك فَلَا يُصِيبك بَلْ لَا بُدّ مِنْ إِصَابَته وَالْخَيْل غَيْر نَافِعَة فِي دَفْعه وَعُنْوَانُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَك يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ مُحَال أَنْ يُخْطِئك وَالْوَجْه فِي دَلَالَته إِنْ لَمْ يَكُنْ يَدُلّ عَلَى الْمُضِيّ وَلِيُخْطِئَك يَدُلّ عَلَى الِاسْتِقْبَال بِوَاسِطَةِ الصِّيغَة سِيَّمَا مَعَ أَنْ الْمُقَدَّرَة فَيَدُلّ عَلَى أَنَّهُ مَا كَانَ قَبْل الْإِصَابَة فِي الْأَزْمِنَة الْمَاضِيَة قَابِلًا لِأَنْ يُخْطِئك فِي الْمُسْتَقْبَل بِوَاسِطَةِ تَقْدِير اللَّه تَعَالَى وَقَضَائِهِ فِي الْأَزَل بِذَلِكَ .


75 - قَوْله ( فَنَكَتَ فِي الْأَرْض )
أَيْ ضَرَبَهَا ضَرْبًا أَثَّرَ فِيهَا
وَقَوْله وَمَقْعَده
الْوَاو بِمَعْنَى أَوْ
أَفَلَا نَتَّكِل
أَيْ الْعَمَل لَا يَرُدّ الْقَضَاء وَالْقَدَر السَّابِق فَلَا فَائِدَة فِيهِ فَنَبَّهَ عَلَى الْجَوَاب عَنْهُ بِأَنَّ اللَّه تَعَالَى دَبَّرَ الْأَشْيَاء عَلَى مَا أَرَادَ وَرَبَطَ بَعْضهَا بِبَعْضٍ وَجَعَلَهَا أَسْبَابًا وَمُسَبَّبَات وَمَنْ قَدَّرَهُ مِنْ أَهْل الْجَنَّة قَدَّرَ لَهُ مَا يُقَرِّبهُ إِلَيْهَا مِنْ الْأَعْمَال وَوَفَّقَهُ لِذَلِكَ بِأَقْدَارِهِ وَيُمَكِّنهُ مِنْهُ وَيُحَرِّضهُ عَلَيْهِ بِالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيب وَمَنْ قُدِّرَ لَهُ أَنَّهُ مِنْ أَهْل النَّار قُدِّرَ لَهُ خِلَاف ذَلِكَ وَخَذَلَهُ حَتَّى اِتَّبَعَ هَوَاهُ وَتَرَكَ أَمْر مَوْلَاهُ وَالْحَاصِل أَنَّهُ جَعَلَ الْأَعْمَال طَرِيقًا إِلَى نَيْل مَا قَدَّرَهُ لَهُ مِنْ جَنَّة أَوْ نَار فَلَا بُدّ مِنْ الْمَشْي فِي الطَّرِيق وَبِوَاسِطَةِ التَّقْدِير السَّابِق يَتَيَسَّر ذَلِكَ الْمَشْي لِكُلٍّ فِي طَرِيقه وَيُسَهَّل عَلَيْهِ وَتِلَاوَة الْآيَة لِلِاسْتِشْهَادِ عَلَى أَنَّ التَّيْسِير مِنْهُ تَعَالَى .


76 - قَوْله ( الْمُؤْمِن الْقَوِيّ )
أَيْ عَلَى أَعْمَال الْبِرّ وَمَشَاقّ الطَّاعَة وَالصَّبُور عَلَى تَحَمُّل مَا يُصِيبهُ مِنْ الْبَلَاء وَالْمُتَيَقِّظ فِي الْأُمُور الْمُهْتَدِي إِلَى التَّدْبِير وَالْمَصْلَحَة بِالنَّظَرِ إِلَى الْأَسْبَاب وَاسْتِعْمَال الْفِكْر فِي الْعَاقِبَة وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَاب الْقَضَاء عَنْ عَوْف بْن مَالِك أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بَيْن رَجُلَيْنِ فَقَالَ الْمَقْضِيّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ حَسْبِي اللَّه وَنِعْمَ الْوَكِيل فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّه تَعَالَى يَلُوم عَلَى الْعَجْز وَلَكِنْ عَلَيْك بِالْكَيْسِ وَالْكَيْس بِفَتْحِ الْكَاف هُوَ التَّيَقُّظ فِي الْأُمُور
قَوْله ( اِحْرِصْ )
مِنْ حَرَصَ كَضَرَبَ وَعَلَمَ
قَوْله ( لَوْ أَنِّي فَعَلْت كَذَا وَكَذَا )
أَيْ لَمَا أَصَابَنِي أَيْ وَلَوْ كَلِمَة لِلتَّمَنِّي عَمَل الشَّيْطَان أَيْ اِعْتِقَاد أَنَّ الْأَمْر مَنُوط بِتَدْبِيرِ الْعَبْد وَأَنَّ تَدْبِيره هُوَ الْمُؤَثِّر قَبْل النَّهْي لِلتَّنْزِيهِ لِأَنَّهُ وَرَدَ اِسْتِعْمَال لَوْ فِي الْأَحَادِيث عَلَى كَثْرَة وَقَدْ وَضَعَ الْبُخَارِيّ بَابًا فِي ذَلِكَ وَأَتَى بِأَحَادِيث كَثِيرَة وَقَالَ النَّوَوِيّ النَّهْي عَنْ إِطْلَاق ذَلِكَ فِيمَا لَا فَائِدَة فِيهِ وَأَمَّا مَا قَالَهُ تَأَسُّفًا عَلَى مَا فَاتَهُ مِنْ طَاعَة اللَّه تَعَالَى وَهُوَ مُتَعَذِّر عَلَيْهِ مِنْهَا وَنَحْو ذَلِكَ فَلَا بَأْس بِهِ وَعَلَيْهِ يُحْمَل أَكْثَر الِاسْتِعْمَال الْمَوْجُود فِي الْأَحَادِيث .


77 - قَوْله ( اِحْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى )
أَيْ تَحَاجَّا
وَقَوْله خَيَّبْتنَا
أَيْ جَعَلْتنَا خَائِبِينَ مَحْرُومِينَ وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ أَغْوَيْت النَّاس وَفَسَّرَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ بِأَنَّ سَجِيَّتك فِي الْإِغْرَاء سَرَتْ إِلَيْهِمْ فَإِنَّ الْعِرْق نَزَّاع
فَحَجّ
أَيْ غَلَبَ عَلَيْهِ بِالْحُجَّةِ بِأَنْ أَلْزَمَهُ بِأَنَّ الْعَبْد لَيْسَ بِمُسْتَقِلٍّ بِفِعْلِهِ وَلَا مُتَمَكِّن مِنْ تَرْكه بَعْد أَنْ قُضِيَ عَلَيْهِ مِنْ اللَّه تَعَالَى وَمَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَحْسُن اللَّوْم عَلَيْهِ عَقْلًا وَأَمَّا اللَّوْم شَرْعًا فَكَانَ مُنْتَفِيًا بِالضَّرُورَةِ إِذْ مَا شُرِعَ لِمُوسَى أَنْ يَلُوم آدَم فِي تِلْكَ الْحَال وَأَيْضًا هُوَ فِي عَالَم الْبَرْزَخ وَهُوَ غَيْر عَالَم التَّكْلِيف حَتَّى يَتَوَجَّه فِيهِ اللَّوْم شَرْعًا وَأَيْضًا لَا لَوْم عَلَى تَائِب وَلِذَلِكَ مَا تَعَرَّضَ لِنَفْيِهِ آدَم فِي الْحُجَّة وَعَلَى هَذَا لَا يَرِد أَنَّ هَذِهِ الْحُجَّة نَاهِضَة لِفَاعِلِ مَا يَشَاء لِأَنَّهُ مَلُوم شَرْعًا بِلَا رَيْب .


78 - قَوْله ( لَا يُؤْمِن عَبْدٌ حَتَّى يُؤْمِن بِأَرْبَعٍ )
قِيلَ هَذَا نَفْي لِأَصْلِ الْإِيمَان لَا نَفْي لِكَمَالِهِ فَمَنْ لَمْ يُؤْمِن بِوَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُور الْأَرْبَعَة لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا وَيَلْزَم مِنْهُ أَنْ يَكُون الْقَدَرِيّ كَافِرًا وَهُوَ خِلَاف مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُور فَلْيُتَأَمَّلْ .


79 - قَوْله ( طُوبَى لِهَذَا )
قِيلَ هُوَ اِسْم الْجَنَّة أَوْ شَجَرَة فِيهَا أَوْ أَصْلهَا فَعَلَى مِنْ الطِّيب وَفُسِّرَتْ بِالْمَعْنَى الْأَصْلِيّ فَقِيلَ أَطْيَب مَعِيشَة لَهُ وَقِيلَ فَرَح لَهُ وَقُرَّة عَيْن
قَوْله ( وَلَمْ يُدْرِكهُ )
أَيْ لَمْ يُدْرِك أَوْ أَنَّهُ بِالْبُلُوغِ
وَقَوْله أَوْ غَيْر ذَلِكَ
أَيْ بَلْ غَيْر ذَلِكَ أَحْسَن وَأَوْلَى وَهُوَ التَّوَقُّف قَالَ النَّوَوِيّ أَجْمَعَ مَنْ يُعْتَدّ بِهِ مِنْ عُلَمَاء الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْ أَطْفَال الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ مِنْ أَهْل الْجَنَّة وَالْجَوَاب عَنْ هَذَا الْحَدِيث أَنَّهُ لَعَلَّهُ نَهَاهَا عَنْ الْمُسَارَعَة إِلَى الْقَطْع مِنْ غَيْر دَلِيل أَوْ قَالَ ذَلِكَ قَبْل أَنْ يَعْلَم أَنَّ أَطْفَال الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّة اِنْتَهَى .
قُلْت قَدْ صَرَّحَ كَثِير مِنْ أَهْل التَّحْقِيق أَنَّ التَّوَقُّف فِي مِثْله أَحْوَط إِذْ لَيْسَتْ الْمَسْأَلَة مِمَّا يَتَعَلَّق بِهَا الْعَمَل وَلَا عَلَيْهَا إِجْمَاع وَهِيَ خَارِجَة عَنْ مَحَلّ الْإِجْمَاع عَلَى قَوْل الْأُصُول إِذْ مَحَلّ الْإِجْمَاع مَا يُدْرَك بِالِاجْتِهَادِ دُون الْأُمُور الْمُغَيَّبَة فَلَا اِعْتِدَاد بِالْإِجْمَاعِ فِي مِثْله لَوْ تَمَّ عَلَى قَوَاعِدهمْ فَالتَّوَقُّف أَسْلَمَ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاع لَوْ تَمَّ وَثَبَتَ لَا يَصِحّ الْجَزْم فِي مَخْصُوص لِأَنَّ إِيمَان الْأَبَوَيْنِ تَحْقِيقًا غَيْب وَهُوَ الْمُنَاط عِنْد اللَّه تَعَالَى .


80 - قَوْله ( فِي الْقَدَر )
أَيْ فِي إِثْبَات الْقَدَر
قَوْله ( ذُوقُوا مَسَّ سَقَر )
أَيْ عَلَى إِنْكَارِكُمْ الْقَدَرَ .


81 - قَوْله ( مَنْ تَكَلَّمَ فِي شَيْء مِنْ الْقَدَر )
أَيْ وَلَوْ يَسِيرًا فَكَيْف بِالْكَثِيرِ
سُئِلَ عَنْهُ
سُؤَال تَهْدِيد وَوَعِيد وَيَحْتَمِل أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ سُئِلَ عَنْهُ مُطْلَق السُّؤَال
وَبِقَوْلِهِ لَمْ يُسْأَل عَنْهُ
بِأَنْ يُقَال لَهُ لِمَ تَرَكْت التَّكَلُّم فِيهِ فَصَارَ تَرْك التَّكَلُّم فِيهِ خَيْرًا عَنْ التَّكَلُّم فِيهِ وَفِي الزَّوَائِد إِسْنَاد هَذَا الْحَدِيث ضَعِيف لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى ضَعْف يَحْيَى بْن عُثْمَان قَالَ فِيهِ اِبْن مَعِين وَالْبُخَارِيّ وَابْن حِبَّان مُنْكَر الْحَدِيث زَائِد زَادَ اِبْن حِبَّان لَا يَجُوز الِاحْتِجَاج بِهِ وَيَحْيَى بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي مُلَيْكَة قَالَ اِبْن حِبَّان فِي الثِّقَات يُعْتَبَر بِحَدِيثِهِ إِذَا رَوَى عَنْهُ غَيْر يَحْيَى بْن عُثْمَان .


82 - قَوْله ( وَهُمْ يَخْتَصِمُونَ فِي الْقَدَر )
بِالْإِثْبَاتِ وَالنَّفْي وَكَأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ كَانَ يَسْتَدِلّ بِمَا يُنَاسِب مَطْلُوبه مِنْ الْآيَات وَلِذَلِكَ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَضْرِبُونَ الْقُرْآن بَعْضه بِبَعْضٍ
قَوْله ( فَكَأَنَّمَا إِلَخْ )
أَيْ فَغَضِبَ فَاحْمَرَّ وَجْهه مِنْ أَجْل الْغَضَب اِحْمِرَارًا يُشْبِه فَقْء حَبّ الرُّمَّان فِي وَجْهه أَيْ يُشْبِه الِاحْمِرَار الْحَاصِل بِهِ أَوْ فَصَارَ كَأَنَّمَا يَفْقَأ إِلَخْ
وَيُفْقَأ
عَلَى بِنَاء الْمَفْعُول مِنْ فَقَأَ بِهَمْزَةٍ فِي آخِره أَيْ شُقَّ
قَوْله ( أَوْ لِهَذَا خُلِقْتُمْ )
أَيْ هَذَا الْبَحْث عَلَى الْقَدَر وَالِاخْتِصَام فِيهِ هَلْ هُوَ الْمَقْصُود مِنْ خَلْقكُمْ أَوْ هُوَ الَّذِي وَقَعَ التَّكْلِيف بِهِ حَتَّى اِجْتَرَأْتُمْ عَلَيْهِ يُرِيد أَنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَمْرَيْنِ فَأَيُّ حَاجَة إِلَيْهِ
قَوْله ( مَا غَبَطْت نَفْسِي )
مِنْ غَبَطَ كَضَرَبَ وَسَمِعَ إِذَا تَمَنَّى مَا لَهُ وَالْمُرَاد مَا اِسْتَحْسَنْت فِعْل نَفْسِي وَفِي الزَّوَائِد هَذَا إِسْنَاد صَحِيح رِجَاله ثِقَات قُلْت هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَم الِاعْتِبَار بِالتَّكَلُّمِ فِي رِوَايَة عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه وَإِلَّا فَالْكَلَام فِيهَا مَشْهُور وَبَالَغَ بَعْضهمْ حَتَّى عَدُّوا هَذَا الْإِسْنَاد مُطْلَقًا فِي الْمَوْضُوعَات فَلِذَلِكَ مَا خَرَّجَ صَاحِبَا الصَّحِيحَيْنِ فِي الصَّحِيحَيْنِ شَيْئًا بِهَذَا الْإِسْنَاد فَلَوْ قَالَ إِسْنَاد حَسَن كَانَ أَحْسَن وَالْمَتْن قَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة .


83 - قَوْله ( لَا عَدْوَى )
الْعَدْوَى مُجَاوَزَة الْعِلَّة مِنْ صَاحِبهَا إِلَى غَيْره بِالْمُجَاوَرَةِ وَالْقُرْب وَهُوَ يَحْتَمِل أَنَّ الْمُرَاد بِهِ نَفْي ذَلِكَ وَإِبْطَاله مِنْ أَصْله وَعَلَى هَذَا فَمَا جَاءَ مِنْ الْأَمْر بِالْفِرَارِ مِنْ الْمَجْذُوم وَنَحْوه فَهُوَ مِنْ بَاب الذَّرَائِع لِئَلَّا يَتَّفِق الشَّخْص يُخَالِط مَرِيضًا فَيُمْرِضهُ اللَّه تَعَالَى مِثْل مَرَضه بِتَقْدِيرِ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى اِبْتِدَاء لَا بِالْعَدْوَى الْمَنْفِيَّة فَيُظَنّ أَنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ مُخَالَطَته فَيَعْتَقِد صِحَّة الْعَدْوَى فَيَقَع فِي الْحَرَج وَيَحْتَمِل أَنَّ الْمُرَاد نَفْي التَّأْثِير وَبَيَان أَنَّ مُجَاوَرَة الْمَرِيض مِنْ الْأَسْبَاب الْعَادِيَة لَا هِيَ مُؤَثِّرَة كَمَا يَعْتَقِدهُ أَهْل الطَّبِيعَة وَعَلَى هَذَا فَالْأَمْر بِالْفِرَارِ وَغَيْره ظَاهِر
قَوْله ( وَلَا طِيَرَة )
هِيَ بِكَسْرِ الطَّاء وَفَتْح الْيَاء وَقَدْ سُكِّنَ التَّشَاؤُم بِالشَّيْءِ وَأَصْله أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة إِذَا خَرَجُوا لِحَاجَةٍ فَإِنْ رَأَوْا الطَّيْر طَارَ عَنْ يَمِينهمْ فَرِحُوا بِهِ وَاسْتَمَرُّوا وَإِذَا طَارَ عَنْ يَسَارهمْ تَشَاءَمُوا بِهِ وَرَجَعُوا وَرُبَّمَا هَيِّجُوا الطَّيْر لِتَطِيرَ فَيَعْتَمِدُوا ذَلِكَ فَكَانَ يَصُدّهُمْ ذَلِكَ عَنْ مَقَاصِدهمْ فَنَفَاهُ الشَّرْع وَأَبْطَلَهُ وَنَهَى عَنْهُ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا تَأْثِير لَهُ فِي جَلْب نَفْع أَوْ دَفْع ضُرّ
قَوْله ( وَلَا هَامَة )
تَخْفِيف الْمِيم وَجُوِّزَ تَشْدِيدهَا طَائِر كَانُوا يَتَشَاءَمُونَ بِهِ
قَوْله ( يَكُون بِهِ الْجَرَب )
فَتْحَتَيْنِ دَاء مَعْرُوف
قَوْله ( فَيُجْرِب الْإِبِل )
بِضَمِّ الْيَاء مِنْ أَجْرَب يَصِيرهَا أَجْرَب أَوْ فَتْحهَا مِنْ بَاب سَمِعَ أَيْ فَتَصِير الْإِبِل كُلّهَا أَجْرَب
قَوْله ( فَمَنْ أَجْرَبَ الْأَوَّل )
أَيْ كَمَا أَنَّ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى هُوَ الْمُؤَثِّر فِي جَرَب الْأَوَّل كَذَلِكَ هُوَ الْمُؤَثِّر فِي جَرَب الثَّانِي وَفِي الزَّوَائِد هَذَا إِسْنَاد ضَعِيف فَإِنَّ يَحْيَى بْن أَبِي حَيَّة كَانَ يُدَلِّس وَقَدْ رَوَى عَنْ أَبِيهِ بِصِيغَةِ الْعَنْعَنَة وَلَمْ يَتَفَرَّد اِبْن مَاجَهْ بِإِخْرَاجِ هَذَا الْمَتْن فَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن مَسْعُود اِنْتَهَى قُلْت بَلْ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ فِي الطِّبّ مِنْ طَرِيق أَبِي هُرَيْرَة نَعَمْ التِّرْمِذِيّ رَوَاهُ فِي الْقَدَر كَالْمُصَنِّفِ .


84 - قَوْله ( أَسْلِمْ )
مِنْ الْإِسْلَام وَالْمُرَاد الْإِسْلَام مَعَ طَهَارَة الْقَلْب كَمَا يَدُلّ عَلَيْهِ تَفْسِيره فَلَا يَرِد أَنَّ الْإِسْلَام بِالْمَعْنَى الَّذِي سَبَقَ فِي حَدِيث جِبْرِيل لَا يَسْتَلْزِم السَّلَامَة مِنْ النَّار فَكَيْف قَالَ تَسْلَم وَهُوَ بِفَتْحِ اللَّام مِنْ السَّلَامَة أَيْ تَكُنْ سَالِمًا مِنْ الْخُلُود فِي النَّار فَلَا دَلَالَة عَلَى أَنَّ الْمُسْلِم لَا يُعَذَّب
قَوْله ( قَالَ تَشْهَد )
بِتَقْدِيرِ أَنْ تَشْهَد فَيَجُوز نَصْبه أَوْ هُوَ مِنْ إِقَامَة الْمُضَارِع مَقَام الْمَصْدَر بِلَا تَقْدِير وَفِي الزَّوَائِد هَذَا إِسْنَاد ضَعِيف لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى ضَعْف عَبْد الْأَعْلَى وَلَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث جَابِر رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ .


85 - قَوْله ( مَثَلُ الْقَلْب )
قَالَ الطِّيبِيُّ الْمَثَل هُنَا بِمَعْنَى الصِّفَة لَا الْقَوْل السَّائِر وَالْمَعْنَى صِفَة الْقَلْب الْعَجِيبَة الشَّأْن وَوُرُود مَا يَرِد عَلَيْهِ مِنْ عَالِم الْغَيْب مِنْ الدَّوَاعِي وَسُرْعَة تَقَلُّبهَا بِسَبَبِ الدَّوَاعِي كَرِيشَةٍ وَاحِدَة تُقَلِّبهَا الرِّيَاح بِأَرْضٍ خَالِيَة مِنْ الْعُمْرَان فَإِنَّ الرِّيَاح أَشَدّ تَأْثِيرًا فِيهَا مِنْهَا فِي عُمْرَان تَقَلُّبهَا مِنْ الْقَلْب أَوْ التَّقْلِيب وَالثَّانِي هُوَ الْأَشْهَر الْأَظْهَر فِي مَقَام الْمُبَالَغَة لِدَلَالَتِهِ عَلَى التَّكْثِير وَهُوَ الْأَوْفَق بِجَمْعِ الرِّيَاح لِيَظْهَر التَّقَلُّب إِذْ لَوْ اِسْتَمَرَّ الرِّيح عَلَى جَانِب وَاحِد لَمْ يَظْهَر التَّقَلُّب وَالْجُمْلَة صِفَة لِلرِّيشَةِ لِكَوْنِ تَعْرِيفهَا لِلْجِنْسِ
قَوْله ( بِفَلَاةٍ )
فَتْح الْفَاء الْأَرْض الْخَالِيَة مِنْ الْعُمْرَان وَذَكَرَهَا لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّقْلِيب قِيلَ وَلِكَثْرَةِ التَّقْلِيب سُمِّيَ الْقَلْب قَلْبًا وَفِي الزَّوَائِد إِسْنَاده ضَعِيف فَفِيهِ يَزِيد الرَّقَاشِيّ وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى ضَعْفه .


86 - قَوْله ( أَعْزِلُ عَنْهَا )
أَيْ أَيَجُوزُ لِي الْعَزْل عَنْهَا أَمْ لَا وَالْعَزْل هُوَ الْإِنْزَال خَارِج الْفَرْج قَوْله ( سَيَأْتِيهَا إِلَخْ ) إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْأَوْلَى تَرْكُهُ إِذْ لَا فَائِدَة فِيهِ
قَوْله ( مَا قُدِّرَ )
عَلَى بِنَاء الْفَاعِل وَنَصْب شَيْئًا أَيْ قَدَّرَ اللَّه وَفِي بَعْض النُّسَخ شَيْء بِالرَّفْعِ فَقُدِّرَ عَلَى بِنَاء الْمَفْعُول وَضُبِطَ عَلَى بِنَاء الْمَفْعُول مَعَ نَصْب شَيْئًا وَكَانَ نَائِب الْفَاعِل الْجَار وَالْمَجْرُور وَهَذَا خِلَاف مَا عَلَيْهِ كَثِير مِنْ النُّحَاة أَنَّهُ إِذَا وُجِدَ الْمَفْعُول بِهِ تَعَيَّنَ لَهُ
قَوْله ( إِلَّا هِيَ كَائِنَة )
أَيْ النَّفْس كَائِنَة أَيْ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْء الْمُقَدَّر لَهَا وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ضَمِير هِيَ لِلشَّيْءِ الْمُقَدَّر وَتَأْنِيثه لِكَوْنِهِ عِبَارَة عَنْ النَّسَمَة وَهُوَ أَوْفَق بِرِوَايَاتِ الْحَدِيث وَفِي الزَّوَائِد إِسْنَاده صَحِيح اِنْتَهَى .
قُلْت لَمْ يَنْفَرِد اِبْن مَاجَهْ بِهَذَا الْحَدِيث فَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَأَبُو دَاوُدَ فِي النِّكَاح بِسَنَدِهِمَا عَنْ جَابِر .


87 - قَوْله ( لَا يَزِيد فِي الْعُمْر إِلَّا الْبِرُّ )
إِمَّا لِأَنَّ الْبَارّ يَنْتَفِع بِعُمْرِهِ وَإِنْ قَلَّ أَكْثَر مِمَّا يَنْتَفِع بِهِ غَيْره وَإِنْ كَثُرَ وَإِمَّا لِأَنَّهُ يُزَاد لَهُ فِي الْعُمْر حَقِيقَة بِمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ بَارًّا لَقَصُرَ عُمْره عَنْ الْقَدْر الَّذِي كَانَ إِذَا بَرَّ لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ يَكُون أَطْوَل عُمْرًا مِنْ غَيْر الْبَارّ ثُمَّ التَّفَاوُت إِنَّمَا يَظْهَر فِي التَّقْدِير الْمُعَلَّق لَا فِيمَا يَعْلَم اللَّه تَعَالَى أَنَّ الْأَمْر يَصِير إِلَيْهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَقْبَل التَّغَيُّر وَإِلَيْهِ يُشِير قَوْله تَعَالَى { يَمْحُو اللَّه مَا يَشَاء وَيُثْبِت وَعِنْده أُمّ الْكِتَاب ) وَمِثْله وَلَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ وَالْمُرَاد بِالْقَدَرِ الْمُقَدَّر وَلَا يَخْفَى مَا بَيْن الْحَصْرَيْنِ مِنْ التَّنَاقُض فَيَجِب حَمْل الْمُقَدَّر عَلَى غَيْر الْعُمْر فَلْيُتَأَمَّلْ .
قَالَ الْغَزَالِيّ فَإِنْ قِيلَ فَمَا فَائِدَة الدُّعَاء مَعَ أَنَّ الْقَضَاء لَا مَرَدّ لَهُ فَاعْلَمْ أَنَّ مِنْ جُمْلَة الْقَضَاء رَدّ الْبَلَاء بِالدُّعَاءِ فَإِنَّ الدُّعَاء سَبَب رَدّ الْبَلَاء وَوُجُود الرَّحْمَة كَمَا أَنَّ الْبَذْر سَبَب لِخُرُوجِ النَّبَات مِنْ الْأَرْض وَكَمَا أَنَّ التُّرْس يَدْفَع السَّهْم كَذَلِكَ الدُّعَاء يَرُدّ الْبَلَاء اِنْتَهَى قُلْت يَكْفِي فِي فَائِدَة الدُّعَاء أَنَّهُ عِبَادَة وَطَاعَة وَقَدْ أُمِرَ بِهِ الْعَبْد فَكَوْن الدُّعَاء ذَا فَائِدَة لَا يَتَوَقَّف عَلَى مَا ذَكَرَ فَلْيُتَأَمَّلْ قَوْله ( وَإِنَّ الرَّجُل لَيُحْرَمَ ) عَلَى بِنَاء الْمَفْعُول مِنْ الْحِرْمَان أَيْ يُمْنَع الرِّزْق الَّذِي جَاءَ وَدَخَلَ فِي يَده فَيَتْلَف عَلَيْهِ بِالْمَعْصِيَةِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوه وَالرِّزْق الَّذِي قُدِّرَ لَهُ لَوْ لَمْ يَعْصِ وَحِينَئِذٍ لَا بُدّ مِنْ التَّقْدِير فِي قَوْله وَلَا يَرُدّ الْقَدَر وَلَا يَبْطُل الْحَصْر فَلْيُتَأَمَّلْ وَفِي الزَّوَائِد سَأَلْت شَيْخنَا أَبَا الْفَضْل الْقَرَافِيّ عَنْ هَذَا الْحَدِيث فَقَالَ حَسَن وَرَوَى النَّسَائِيُّ مِنْهُ الْقِطْعَة الثَّالِثَة قُلْت وَالْأَوَّلِيَّانِ رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيّ عَنْ سَلْمَان .


88 - قَوْلُهُ ( الْعَمَل فِيمَا جَفَّ )
بِتَقْدِيرِ حَرْف الِاسْتِفْهَام أَيْ هَلْ الْعَمَل مَمْدُود فِي جُمْلَة الْمُقَدَّر الْمَكْتُوب الَّذِي فَرَغَ الْقَلَمُ مِنْ كَتْبه حَتَّى جَفَّ أَمْ هُوَ مَعْدُود فِي جُمْلَة مَا يَسْتَقْبِلهُ الْفَاعِل بِفِعْلِهِ أَيْ لَمْ يَسْبِق لَهُ قَضَاء وَهَذَا يَكْفِي فِيهِ فَرْض مَا يَسْتَقْبِلهُ الْفَاعِل وَلَا يَحْتَاج إِلَى أَنْ يَكُون لَهُ تَحَقُّق فَلْيُتَأَمَّلْ وَفِي الزَّوَائِد فِي إِسْنَاده مَقَال فَإِنَّ مُجَاهِدًا لَمْ يَسْمَع مِنْ سُرَاقَة فَلَزِمَ الِانْقِطَاع وَعَطَاء مُخْتَلَف فِيهِ اِنْتَهَى قُلْت وَالْمَتْن قَدْ ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَة اِبْن عُمَر .


89 - قَوْله ( إِنَّ مَجُوس هَذِهِ الْأُمَّة )
أَيْ أَنَّهُمْ كَالْمَجُوسِ فَإِنَّ الْمَجُوس يَقُولُونَ بِتَعَدُّدِ الْخَالِق وَكَذَلِكَ مَنْ يَقُول بِنَفْيِ الْقَدَر وَفِي الزَّوَائِد فِي إِسْنَاده بَقِيَّة وَهُوَ مُدَلِّس لَكِنْ لَمْ يَنْفَرِد اِبْن مَاجَهْ بِإِخْرَاجِ هَذَا الْمَتْن فَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنه مِنْ حَدِيث حُذَيْفَة اِنْتَهَى
قُلْت وَقَدْ جَاءَ أَصْل هَذَا الْمَتْن مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر أَيْضًا عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَحَسَّنَهُ وَقَدْ صَحَّحَهُ الْحَاكِم وَحَقَّقَ الْحَافِظ اِبْن حَجَر أَنَّهُ صَحِيح عَلَى شَرْط مُسْلِم فِي الِاكْتِفَاء بِالْمُعَاصَرَةِ فَلَا وَجْه لِلْحُكْمِ بِوَصْفِهِ كَمَا قِيلَ .


90 - قَوْله ( إِنِّي أَبْرَأ )
مِنْ بَرِئَ بِالْكَسْرِ بِمَعْنَى أَتَبَرَّأُ
قَوْله ( إِلَى كُلّ خَلِيل )
أَيْ كُلّ مَنْ يَزْعُم أَنِّي اِتَّخَذْته خَلِيلًا فَلَا يَشْمَل عُمُومُهُ الرَّبَّ الْجَلِيلَ سُبْحَانه وَتَعَالَى حَتَّى يَحْتَاج إِلَى الِاسْتِثْنَاء
قَوْله ( مِنْ خُلَّته )
ضَمّ الْخَاء مِنْ اِتِّخَاذِي إِيَّاهُ خَلِيلًا وَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى الْمُوَافِق لِلسَّوْقِ وَالْخُلَّة بِالضَّمِّ الصَّدَاقَة وَالْمَحَبَّة الَّتِي تَخَلَّلَتْ قَلْب الْمُحِبّ وَتَدْعُو إِلَى إِطْلَاع الْمَحْبُوب عَلَى سِرّه وَالْخَلِيل فَعِيلَ بِمَعْنَى الْمُحْتَاج إِلَيْهِ
وَقَوْله وَلَوْ كُنْت مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْت أَبَا بَكْر خَلِيلًا
مَعْنَاهُ عَلَى الْأَوَّل لَوْ جَازَ لِي أَنْ أَتَّخِذَ صِدِّيقًا مِنْ الْخَلْق تَتَخَلَّل مَحَبَّته فِي بَاطِنِي وَقَلْبِي وَيَكُون مُطَّلِعًا عَلَى سِرِّي لَاتَّخَذْت أَبَا بَكْر لَكِنَّ مَحْبُوبِي بِهَذِهِ الصِّفَة هُوَ اللَّه وَعَلَى الثَّانِي لَوْ اِتَّخَذْت مَنْ أَرْجِع إِلَيْهِ فِي الْحَاجَات وَاعْتَمَدْت عَلَيْهِ فِي الْمُهِمَّات لَاتَّخَذْت أَبَا بَكْر وَلَكِنَّ اِعْتِمَادِي فِي الْجَمِيع عَلَى اللَّه وَهُوَ مَلْجَئِي وَمَلَاذِي
قَوْله ( إِنَّ صَاحِبكُمْ خَلِيلُ اللَّه )
لِلسَّوْقِ بِالنَّظَرِ الْجَلِيّ أَنَّ الْمُرَاد إِنَّ صَاحِبكُمْ قَدْ اِتَّخَذَ اللَّه خَلِيلًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَّخِذ غَيْره خَلِيلًا اِحْتِرَازًا عَنْ الشَّرِكَة لَكِنَّ الْمُتَبَادَر إِلَى الْأَفْهَام مِنْ اللَّفْظ الْمُوَافِق لِلسَّوْقِ بِدَقِيقِ النَّظَر أَنَّ اللَّه اِتَّخَذَ صَاحِبكُمْ خَلِيلًا فَيَجِب عَلَيْهِ أَنْ يَنْقَطِع إِلَيْهِ فَكَيْف يَتَّخِذ غَيْره خَلِيلًا وَعَلَى الثَّانِي يُفْهَم مِنْ الْحَدِيث أَنَّ اللَّه تَعَالَى قَدْ اِتَّخَذَ نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلِيلًا كَمَا اِتَّخَذَهُ حَبِيبًا وَالْخُلَّة لَيْسَتْ مَخْصُوصَة بِإِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بَلْ حَاصِلَة لِنَبِيِّنَا صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِ بِأَكْمَل وَجْه وَأَتَمّ نَفْي أَنَّ اِتِّخَاذ اللَّه تَعَالَى أَحَدًا خَلِيلًا لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ لِلْمَعْنَيَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا فَيَعْتَقِد أَنَّهُ بِمَعْنًى آخَر مُنَاسِب لِجَنَابِهِ الْأَقْدَس سُبْحَانه وَتَعَالَى وَلَا يَخْفَى مَا فِي الْحَدِيث مِنْ الدَّلَالَة عَلَى فَضْل الصِّدِّيق وَأَنَّهُ يَصْلُح أَنْ يَكُون خَلِيلًا لِمِثْلِهِ صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِ لَوْ جَازَ لَهُ اِتِّخَاذ أَحَد خَلِيلًا سِوَى اللَّه تَعَالَى وَهَلْ يُعْقَل فِي الْعَقْل وَيُتَصَوَّر فِي النَّقْل دَرَجَة فَوْق هَذَا .


91 - قَوْله ( هَلْ أَنَا وَمَالِي إِلَخْ )
اُنْظُرْ إِلَى مُرَاعَاة التَّأَدُّب وَالتَّوَاضُع فِي حَضْرَته صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ جَعَلَ نَفْسه كَالْعَبْدِ وَكَذَلِكَ الْأَدَب فَالنَّبِيّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسهمْ وَفِي الزَّوَائِد قُلْت أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ إِلَى قَوْله فَبَكَى أَبُو بَكْر وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْه فِي الْمَنَاقِب وَإِسْنَاده إِلَى أَبِي هُرَيْرَة فِيهِ مَقَال لِأَنَّ سُلَيْمَان بْن مِهْرَانَ الْأَعْمَش يُدَلِّس وَكَذَلِكَ أَبُو مُعَاوِيَة إِلَّا أَنَّهُ صَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ فَزَالَ التَّدْلِيس وَبَاقِي رِجَاله ثِقَات اه قُلْت مَضْمُونه إِلَى قَوْله فَبَكَى أَبُو بَكْر فِي الصَّحِيح .


92 - قَوْله ( سَيِّدَا كُهُول )
بِضَمِّ الْكَاف جَمْع كَهْل وَهُوَ مَنْ خَالَطَهُ الشَّيْب قَالَ الطِّيبِيُّ اِعْتَبَرَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَإِلَّا فَلَيْسَ فِي الْجَنَّة كَهْل كَقَوْلِهِ تَعَالَى { وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالهمْ } قِيلَ فَالْمَعْنَى هُمَا سَيِّدَا مَنْ مَاتَ كَهْلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَإِذَا كَانَ سَيِّدَا الْكُهُول فَبِالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَا سَيِّدَا الشَّبَاب كَذَا قَالُوا وَقِيلَ أَرَادَ بِالْكَهْلِ هُنَا الْحَلِيم الْعَاقِل وَاللَّهُ تَعَالَى يُدْخِل فِي الْجَنَّة أَهْلهَا الْحُلَمَاء الْعُقَلَاء
قَوْله ( مَا دَامَا حَيَّيْنِ )
ذُكِرَ لِإِفَادَةِ التَّأْبِيد لِئَلَّا يُظَنّ تَخْصِيص النَّبِيّ بِالْحَالِ وَإِلَّا فَلَا يُتَصَوَّر الْإِخْبَار بَعْد الْمَوْت وَفِي مُسْنَده الْأَعْوَر الْحَارِث وَهُوَ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا فَالْحَدِيث قَدْ جَاءَ بِوُجُوهٍ مُتَعَدِّدَة عَنْ عَلِيّ وَغَيْره ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيّ وَقَدْ حَسَّنَهُ مِنْ بَعْض الْوُجُوه .


93 - قَوْله ( مَنْ أَسْفَل مِنْهُمْ )
مَنْ مَوْصُولَة وَأَسْفَل مَنْصُوب عَلَى الظَّرْفِيَّة أَيْ الَّذِينَ هُمْ فِي مَكَان أَسْفَل مِنْ مَكَانهمْ
قَوْله ( كَمَا يُرَى )
عَلَى بِنَاء الْمَفْعُول أَيْ يَرَى أَهْل الْأَرْض
قَوْله ( مِنْ آفَاق السَّمَاء )
بَيَان الْأُفُق
قَوْله ( وَأَنْعَمَا )
مِنْ أَنْعَمَ إِذَا زَادَ أَيْ زَادَ عَلَى تِلْكَ الْمَرْتَبَة وَالْمَنْزِلَة أَوْ مِنْ أَنْعَمَ إِذَا دَخَلَ فِي النَّعِيم قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي حَاشِيَة التِّرْمِذِيّ فِي تَارِيخ اِبْن عَسَاكِر فِي آخِر الْحَدِيث فَقُلْت لِأَبِي سَعِيد وَمَا أَنْعَمَا قَالَ هُمَا أَهْلٌ لِذَلِكَ وَفِي رِوَايَة أُخْرَى وَحُقَّ لَهُمَا ذَلِكَ وَمِثْله عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ .


94 - قَوْله ( مَا بَقَائِي )
مَا اِسْتِفْهَامِيَّة أَيْ لَا أَدْرِي أَقَلِيل مُدَّة مُقَامِي فِيكُمْ أَمْ كَثِير
قَوْله ( بِاَللَّذَيْنِ )
بِالتَّثْنِيَةِ وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى خِلَافَتهمَا بَعْده صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .


95 - قَوْله ( عَلَى سَرِيره )
قِيلَ لِلْغُسْلِ بَعْد الْمَوْت قُلْت أَوْ لِلْحَمْلِ إِلَى الْمَقْبَرَة وَهُوَ الْأَوْفَق بِقَوْلِهِ قَبْل أَنْ يُرْفَع
قَوْله ( يَثْنُونَ وَيُصَلُّونَ )
أَيْ يَتَرَحَّمُونَ عَلَيْهِ وَيَحْتَمِل عَلَيْهِ بَعْد صَلَاة الْجِنَازَة
وَقَوْله فَلَمْ يَرْعَنِي
مِنْ الرَّوْع
وَقَوْله مِنْك
خِطَاب لِعُمَر
قَوْله ( مَعَ صَاحِبَيْك )
أَيْ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْر فِي الْمَدْفِن وَقِيلَ فِي عَالَم الْقُدْس
قَوْله ( أَكْثَر مِنْ أَنْ أَسْمَع )
أَكْثَر بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأ مَحْذُوف الْخَبَر مِنْ قَبِيل أَخْطُب مَا يَكُون الْأَمِير وَالْجُمْلَة خَبَر كُنْت وَلَا يَصْلُح لَفْظ أَكْثَر لِكَوْنِهِ خَبَر كُنْت إِذْ لَمْ يُوصَف الشَّخْص بِأَنَّهُ أَكْثَر سَمَاعه يَقُول ذَهَبْت أَنَا وَأَبُو بَكْر وَعُمَر إِلَخْ بِتَأْكِيدِ الْمَرْفُوع الْمُتَّصِل بِالْمُفَصَّلِ لِيَصِحّ الْعَطْف وَفِي صَحِيح الْبُخَارِيّ بِلَا تَأْكِيد مَا عَدَا رِوَايَة الْأَصِيلِيّ فَفِيهَا بِالتَّأْكِيدِ فَزَعَمَ اِبْن مَالِك أَنَّهُ حُجَّة عَلَى النُّحَاة فِي وُجُوب التَّأْكِيد مَعَ أَنَّ الظَّاهِر أَنَّهُ مِنْ تَصَرُّفَات الرُّوَاة كَمَا يَدُلّ عَلَيْهِ رِوَايَة غَيْر الْأَصِيلِيّ فِي الصَّحِيح .


98 - قَوْله ( أَيْ النَّاس أَحَبّ إِلَخْ )
هَذِهِ الْمَحَبَّة كَانَتْ بِاعْتِبَارِ بَعْض الْوُجُوه فَمَرْجِعهَا إِلَى الْفَضْل الْجُزْئِيّ فَلَا يَدُلّ عَلَى الْفَضْل الْكُلِّيّ وَلِذَلِكَ جَاءَ فِيهَا تَقْدِيم أَبِي عُبَيْدَة عَلَى عُثْمَان وَعَلِيّ .


100 - قَوْله ( لَقَدْ اِسْتَبْشَرَ أَهْلُ السَّمَاء )
أَيْ أَظْهَرُوا الْفَرَح وَالسُّرُور بِإِسْلَامِهِ لِأَنَّهُ سَبَب لِتَقْوِيَةِ الدِّين الْحَقّ
وَفِي الزَّوَائِد إِسْنَاده ضَعِيف لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى ضَعْف عَبْد اللَّه بْن خِرَاش إِلَّا أَنَّ اِبْن حِبَّان ذَكَرَهُ فِي الثِّقَات وَأَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيث مِنْ طَرِيقه فِي صَحِيحه .


101 - قَوْله ( أَوَّل مَنْ يُصَافِحهُ الْحَقّ )
يَحْتَمِل أَنَّ الْمُرَاد صَاحِب الْحَقّ وَهُوَ الْمَلِك الَّذِي كَانَ إِلْهَام الصَّوَاب بِوَاسِطَتِهِ وَيَحْتَمِل أَنَّ الْمُرَاد بِالْحَقِّ مَا هُوَ ضِدّ الْبَاطِل وَمُصَافَحَته وَالتَّسْلِيم كِنَايَة عَنْ ظُهُوره لَهُ قَبْل غَيْره فِي الْمَشُورَة وَغَيْرهَا أَوْ هُوَ مَبْنِيّ عَلَى أَنَّ الْأَعْرَاض لَهَا صُوَر تَظْهَر فِيهَا يَوْم الْقِيَامَة ثُمَّ إِنَّهُ يَدْخُل الْجَنَّة بِوَاسِطَةِ تَوْفِيقه إِيَّاهُ وَهُوَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ وَأَوَّل مَنْ يَأْخُذ بِيَدِهِ إِلَخْ وَمَرْجِع الْمَعْنَيَيْنِ إِلَى الْفَضْل الْجُزْئِيّ بِوَاسِطَةِ تَوْفِيقه لِلصَّوَابِ وَحَمْل الْحَقّ عَلَى اللَّه تَعَالَى مَعَ بُعْده يَسْتَلْزِم الْفَضْل الْكُلِّيّ بَلْ عَلَى الْأَنْبِيَاء فَلَا وَجْه لَهُ فَلْيُتَأَمَّلْ
وَفِي الزَّوَائِد إِسْنَاده ضَعِيف فِيهِ دَاوُدَ بْن عَطَاء الْمَدِينِيّ وَقَدْ اِتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفه وَبَاقِي رِجَاله ثِقَات وَقَالَ السُّيُوطِيُّ قَالَ الْحَافِظ عِمَاد الدِّين بْن كَثِير فِي جَامِع الْمَسَانِيد هَذَا الْحَدِيث مُنْكَر جِدًّا وَمَا هُوَ أَبْعَد مِنْ أَنْ يَكُون مَوْضُوعًا وَالْآفَة فِيهِ مِنْ دَاوُدَ بْن عَطَاء اه .


102 - قَوْله ( اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَام بِعُمَر )
أَيْ قَوِّهِ وَانْصُرْهُ وَاجْعَلْهُ غَالِبًا عَلَى الْكُفْر كَقَوْلِهِ تَعَالَى { فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ } وَجَاءَ أَنَّهُ أَظْهَر الْإِسْلَام بَعْد أَنْ كَانَ مُخْتَفِيًا
وَقَوْله خَاصَّة
رِوَايَة الْكِتَاب وَرِوَايَة التِّرْمِذِيّ عَنْ اِبْن عُمَر اللَّهُمَّ أَعِزّ الْإِسْلَام بِأَحَبّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ بِأَبِي جَهْل أَوْ بِعُمَر وَكَانَ أَحَبّهُمَا إِلَيْهِ عُمَر رِوَايَته عَنْ اِبْن عَبَّاس اللَّهُمَّ أَعِزّ الْإِسْلَام بِأَبِي جَهْل أَوْ بِعُمَر فَلَعَلَّ الْخُصُوص بِاعْتِبَارِ الْمَآل وَالْوَاقِع أَوْ دَعَا أَوَّلًا بِالتَّرْدِيدِ وَثَانِيًا بِعُمَر خَاصَّة فِي الزَّوَائِد قَالَ التِّرْمِذِيّ فِي حَدِيث اِبْن عُمَر حَسَن صَحِيح وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس غَرِيب
قُلْت وَتُكَلِّمَ فِي رِوَايَته وَإِسْنَاده وَحَدِيث عَائِشَة ضَعِيف فِيهِ عَبْد الْمَلِك بْنُ الْمَاجِشُونِ ضَعَّفَهُ بَعْض وَذَكَرَهُ اِبْن حِبَّان فِي الثِّقَات وَفِيهِ مُسْلِم بْن خَالِد الزِّنْجِيّ قَالَ الْبُخَارِيّ مُنْكَر الْحَدِيث وَضَعَّفَهُ أَبُو حَاتِم وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرهمْ وَوَثَّقَهُ اِبْن مَعِين وَابْن حِبَّان .


104 - قَوْله ( فَإِذَا أَنَا بِامْرَأَةٍ تَتَوَضَّأ )
لَعَلَّ الْوُضُوء هُنَا لِتَعْظِيمِ التَّسْبِيح وَالذِّكْر فَإِنَّ النَّاس يَذْكُرُونَ اللَّه هُنَاكَ بِلَا تَكْلِيف لِلتَّلَذُّذِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ حَدَث وَلَا وَسَخ أَوْ يَكُون تَقْدِيره صَلَاح الْمَرْأَة فِي الدُّنْيَا وَكَثْرَة صَلَاتهَا وَوُضُوئِهَا جَزَيْنَاهَا الْجَنَّة
قَوْله ( غَيْرَته )
أَيْ غَيْرَة عُمَر
قَوْله ( عَلَيْك بِأَبِي )
أَيْ أَنْتَ مُفَدًّى بِأَبِي
أَغَارَ
مِنْ الْغَيْرَة قِيلَ هُوَ مِنْ بَاب الْقَلْب وَالْأَصْل عَلَيْهَا أَغَارَ مِنْك وُجِدَ فِي بَعْض الرِّوَايَات زِيَادَة وَهَلْ رَفَعَنِي اللَّه إِلَّا بِك وَهَلْ هَذَا اِنْتَهَى .


105 - قَوْله ( عَلَى لِسَان عُمَر )
قِيلَ تَعْدِيَته بِعَلَى لِتَضْمِينِهِ مَعْنَى الْإِجْرَاء وَفِيهِ تَعْيِين الظُّهُور .


106 - قَوْله ( وَرَفِيقِي إِلَخْ )
أَكْثَر مَا يُطْلَق الرَّفِيق عَلَى الصَّاحِب فِي السَّفَر وَقَدْ يُطْلَق عَلَى الصَّاحِب مُطْلَقًا وَهُوَ الْمُرَاد هَاهُنَا قُلْت وَلَعَلَّ سَبَب ذَلِكَ مَا يُشِير إِلَيْهِ قَوْله تَعَالَى { وَأَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّاتهمْ } فَتَكُون بَنَاته صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْده وَعُثْمَان لِكَوْنِهِ زَوْج الْبِنْتَيْنِ يَتْبَعهُمَا فَيَكُون عِنْده وَتَخْصِيص عُثْمَان إِنَّمَا هُوَ مِنْ أَجْل أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الذُّرِّيَّة وَعَلِيّ لِشِدَّةِ قَرَابَته وَلِكَوْنِهِ نَشَأَ فِي تَرْبِيَته مَعْدُود فِي الذُّرِّيَّة وَالْمَقْصُود هَاهُنَا هُوَ الْإِخْبَار بِأَنَّهُ يَكُون فِي الْجَنَّة رَفِيقًا لَا الْحَصْر .
وَفِي الزَّوَائِد إِسْنَاده ضَعِيف فِيهِ عُثْمَان بْن خَالِد وَهُوَ ضَعِيف بِاتِّفَاقِهِمْ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق طَلْحَة بْن عُبَيْد اللَّه وَقَالَ غَرِيب لَيْسَ إِسْنَاده بِالْقَوِيِّ وَهُوَ مُنْقَطِعٌ .


107 - قَوْله ( أَنَّ اللَّه قَدْ زَوَّجَك إِلَخْ )
ظَاهِره أَنَّهُ تَعَالَى كَانَ هُوَ الْعَاقِد كَمَا فِي أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْو زَيْنَب الْمَذْكُورَة فِي قَوْله تَعَالَى { فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكهَا } الْآيَة
قَوْله ( بِمِثْلِ صَدَاق إِلَخْ )
وَصَدَاق الْمَرْأَة مَهْرهَا وَالْكَسْر أَفْصَح مِنْ الْفَتْح
وَرُقَيَّة
ضُبِطَ بِضَمِّ الرَّاء وَفَتْح الْقَاف وَتَشْدِيد الْيَاء وَفِي الزَّوَائِد إِسْنَاد هَذَا الْحَدِيث كَاَلَّذِي قَبْله .


108 - قَوْله ( فَقَرَّبَهَا )
مِنْ التَّقْرِيب إِذْ ذَكَرَ أَنَّهَا قَرِيبَة
مُقَنَّع رَأْسه
مِنْ التَّقْنِيع وَهُوَ سَتْر الرَّأْس بِالرِّدَاءِ وَإِلْقَاء طَرَفه عَلَى الْكَتِف
وَالضَّبْع
الْعَضُد وَفِي الزَّوَائِد إِسْنَاده مُنْقَطِع قَالَ أَبُو حَاتِم مُحَمَّد بْن سِيرِينَ لَمْ يَسْمَع كَعْب بْن عُجْرَة وَبَاقِي رِجَاله ثِقَات .


109 - قَوْله ( إِنْ وَلَّاك اللَّه )
مِنْ التَّوْلِيَة أَيْ يَجْعَلك وَالِيًا لِهَذَا الْأَمْر
فَأَرَادُوك
أَيْ أَرَادُوا مِنْك الْخَلْع فَهُوَ عَلَى نَزْع الْخَافِض أَوْ قَهَرُوك عَلَى الْخَلْع وَيُؤَيِّدهُ مَا فِي بَعْض النُّسَخ عَلَى الْخَلْع فَتَعْدِيَة الْإِرَادَة إِلَى الْمُخَاطَب وَبِعَلَى لِتَضْمِينِهَا مَعْنَى الْقَهْر أَوْ الْمُرَاد قَصَدُوك لِخَلْعِهِ
وَالْمُرَاد بِالْقَمِيصِ
الْخِلَافَة
قَوْله ( قَمَّصَك )
مِنْ التَّقْمِيص أَيْ أَلْبَسَك اللَّهُ إِيَّاهُ .


110 - قَوْله ( عَهْدًا )
قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ أَوْصَانِي بِأَنْ أَصْبِر وَلَا أُقَاتِل وَفِي الزَّوَائِد إِسْنَاده صَحِيح رِجَاله ثِقَات وَرَوَاهُ اِبْن حِبَّان فِي صَحِيحه مِنْ طَرِيق وَكِيع فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ وَمَتْنه وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ عَنْ أَبِي سَهْلَة عَنْ عُثْمَان أَنَّهُ قَالَ لِي يَوْم الدَّار أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهِدَ إِلَيَّ عَهْدًا فَأَنَا صَابِر عَلَيْهِ فَذَكَرَ هَذَا الْقَدْر وَقَالَ هَذَا حَدِيث حَسَنٌ صَحِيحٌ .


111 - قَوْله ( عَهِدَ إِلَيَّ )
أَيْ ذَكَرَ لِي وَأَخْبَرَنِي بِذَلِكَ
لَا يُحِبّنِي
أَيْ حُبًّا لَائِقًا لَا عَلَى وَجْه الْإِفْرَاط فَإِنَّ الْخُرُوج عَنْ الْحَدّ غَيْر مَطْلُوب وَلَيْسَ مِنْ عَلَامَاته بَلْ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى الْكُفْر وَالطُّغْيَان فَإِنَّ قَوْمًا قَدْ خَرَجُوا عَنْ الْإِيمَان بِالْإِفْرَاطِ فِي حُبّ عِيسَى
وَلَا يُبْغِضنِي
بِلَا سَبَب دُنْيَوِيّ يُفْضِي إِلَى ذَلِكَ بِالطَّبْعِ وَإِلَّا فَالْبُغْض كَمَا يَجْرِي مِنْ الْمُعَامَلَات الْمُؤَدِّيَة إِلَيْهِ طَبْعًا لَيْسَ مِنْ النِّفَاق أَصْلًا كَيْف وَقَدْ سَبَّ الْعَبَّاسُ عَلِيًّا فِي بَعْض مَا جَرَى بَيْنهمَا فِي مَجْلِس عُمَر أَشَدّ سَبٍّ وَهُوَ مَشْهُور أَخْرَجَهُ .


112 - قَوْله ( أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُون مِنِّي إِلَخْ )
قَالَ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين اِسْتَخْلَفَهُ عَلَى الْمَدِينَة فِي غَزْوَة تَبُوك فَقَالَ عَلِيٌّ تُخَلِّفُنِي فِي النِّسَاء وَالصِّبْيَان كَأَنَّهُ اِسْتَنْقَصَ تَرْكه وَرَاءَهُ فَقَالَ أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُون مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُون مِنْ مُوسَى يَعْنِي حِين اِسْتَخْلَفَهُ عِنْد تَوَجُّهه إِلَى الطُّور إِذْ قَالَ لَهُ اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ أَيْ مَا تَرْضَى بِأَنِّي أَنْزَلْتُك مِنِّي فِي مَنْزِل كَانَ ذَلِكَ الْمَنْزِل لِهَارُون مِنْ مُوسَى وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيث تَعَرُّض لِكَوْنِهِ خَلِيفَة لَهُ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْده وَكَيْف وَهَارُون مَا كَانَ خَلِيفَة لِمُوسَى بَعْد مُوسَى .


113 - قَوْله ( فَأَمَرَ الصَّلَاة جَامِعَة )
أَيْ فَأَمَرَ بِالصَّلَاةِ وَقَالَ اِئْتُوا الصَّلَاة جَامِعَة فَفِي الْكَلَام اِخْتِصَار وَالصَّلَاة جَامِعَة كِلَاهُمَا بِالنَّصْبِ الصَّلَاة مَفْعُول وَجَامِعَة حَال
قَوْله ( فَقَالَ إِلَخْ )
قِيلَ سَبَب ذَلِكَ أَنَّ عَلِيًّا تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْض مِنْ كَانَ مَعَهُ فِي الْيَمَن فَأَرَادَ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا أَنْ يُحَبِّب إِلَيْهِمْ قُلْت فَفِي جَامِع التِّرْمِذِيّ عَنْ الْبَرَاء بَعَثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَيْشَيْنِ وَأَمَّرَ عَلَى أَحَدهمَا عَلِيًّا وَعَلَى الْآخَر خَالِدًا وَقَالَ إِذَا كَانَ الْقِتَال فَعَلِيٌّ فَافْتَتَحَ حِصْنًا وَأَخَذَ مِنْهُ جَارِيَة فَكَتَبَ لِي خَالِد كِتَابًا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَنِي بِهِ قَالَ فَقَدِمْت إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَرَأَ الْكِتَاب فَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ ثُمَّ قَالَ مَا تَرَى فِي رَجُل يُحِبّ اللَّه وَرَسُوله وَيُحِبّهُ اللَّه وَرَسُوله قَالَ قُلْت أَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ غَضَب اللَّه وَغَضَب رَسُوله وَإِنَّمَا أَنَا رَسُولٌ فَسَكَتَ قَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حَسَن وَعَلَى هَذَا أَلَسْت أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مَعْنَاهُ أَلَسْت أَحَقّ بِالْمَحَبَّةِ وَالتَّوْقِير وَالْإِخْلَاص بِمَنْزِلَةِ الْأَب لِلْأَوْلَادِ يُنَبِّهُ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى { وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ }
وَقَوْله فَهَذَا وَلِيّ مَنْ أَنَا مَوْلَاهُ
مَعْنَاهُ مَحْبُوب مَنْ أَنَا مَحْبُوبه قُلْت وَيَدُلّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى قَوْله اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَلَاهُ أَيْ أَحِبَّ مَنْ أَحَبَّهُ بِقَرِينَةِ اللَّهُمَّ عَادِ مَنْ عَادَاهُ وَعَلَى هَذَا فَهَذَا الْحَدِيث لَيْسَ لَهُ تَعَلُّق بِالْخِلَافَةِ أَصْلًا كَمَا زَعَمَتْ الرَّافِضَة وَيَدُلّ عَلَيْهِ أَنَّ الْعَبَّاس وَعَلِيًّا مَا فَهِمَا مِنْهُ ذَلِكَ كَيْف وَقَدْ أَمَرَ الْعَبَّاسُ عَلِيًّا أَنْ يَسْأَل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ هَذَا الْأَمْر فِينَا أَوْ فِي غَيْرنَا فَقَالَ لَهُ عَلَى إِنْ مَنَعَنَا فَلَا يُعْطِينَا أَحَد أَوْ كَمَا قَالَ هَذَا وَفِي الزَّوَائِد إِسْنَاده ضَعِيف لِضَعْفِ عَلِيّ بْن زَيْد بْن جُدْعَان قُلْت مَعْنَاهُ قَدْ جَاءَ بِوُجُوهٍ أُخَر .


114 - قَوْله ( وَأَنَا أَرْمَد الْعَيْن )
الرَّمَد بِفَتْحَتَيْنِ هَيَجَان الْعَيْن فَتَفَلَ أَيْ بَصَقَ
قَوْله ( لَأَبْعَثَنَّ )
أَيْ لِقِتَالِ أَهْل خَيْبَر
قَوْله ( لَيْسَ بِفَرَّارٍ )
كَعَلَّامٍ مُبَالَغَة مِنْ الْفِرَار
وَقَوْله فَتَشَرَّفَ
أَيْ اِنْتَظَرَ
قَوْله ( فَبَعَثَ إِلَى عَلِيٍّ )
أَيْ بَعَثَ الرَّسُول إِلَى عَلِيّ لِيَحْضُر عِنْده فَيُعْطِيه الرَّايَة فَجَاءَ فَأَعْطَى الرَّايَة إِيَّاهُ وَبَعَثَهُ لِقِتَالِ أَهْل خَيْبَر وَفِي الزَّوَائِد إِسْنَاده ضَعِيف اِبْن أَبِي لَيْلَى شَيْخ وَكِيع وَهُوَ مُحَمَّد ضَعِيف الْحِفْظ لَا يُحْتَجّ بِمَا يَنْفَرِدُ بِهِ .


115 - قَوْله ( سَيِّدَا شَبَاب أَهْل الْجَنَّة )
الشَّبَاب بِالْفَتْحِ وَالتَّخْفِيف جَمْع شَابّ وَهُوَ مَنْ بَلَغَ إِلَى ثَلَاثِينَ قِيلَ إِضَافَة الشَّبَاب إِلَى أَهْل الْجَنَّة بَيَانِيَّة فَإِنَّ أَهْل الْجَنَّة كُلّهمْ شَبَاب فَكَأَنَّهُ قِيلَ سَيِّدَا أَهْل الْجَنَّة وَحِينَئِذٍ لَا بُدّ مِنْ اِعْتِبَار الْخُصُوص أَيْ مَا سِوَى الْأَنْبِيَاء وَالْخُلَفَاء الرَّاشِدِينَ وَقِيلَ بَلْ الْمُرَاد أَنَّهُمَا سَيِّدَا كُلّ مِنْ مَاتَ شَابًّا وَدَخَلَ الْجَنَّة وَلَا يَلْزَم أَنَّهُمَا مَاتَا شَابَّيْنِ حَتَّى يَرِد أَنَّهُ لَا يَصِحّ فَإِنَّهُمَا مَاتَا شَيْخَيْنِ وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَا وَجْه حِينَئِذٍ لِتَخْصِيصِ فَضْلهمَا عَلَى مَنْ مَاتَ شَابًّا بَلْ هُمَا أَفْضَل عَلَى كَثِير مِمَّنْ مَاتَ شَيْخًا وَقَدْ يُقَال وَجْه التَّخْصِيص عَدّهمَا مِمَّنْ مَاتَ شَابًّا فَانْظُرْ إِلَى عَدَم بُلُوغهمَا عِنْد الْمَوْت أَقْصَى سِنّ الشُّيُوخَة وَلَا يَجُوز أَنْ يُقَال عَدَّهُمَا شَابَّيْنِ نَظَرًا إِلَى شَبَابهمَا حِين الْخِطَاب لِكَوْنِهِمَا كَانَا صَغِيرَيْنِ حِينَئِذٍ لَا شَابَّيْنِ .
وَفِي الزَّوَائِد رَوَاهُ الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرَك مِنْ طَرِيق الْمُعَلَّى بْن عَبْد الرَّحْمَن كَالْمُصَنِّفِ وَالْمُعَلَّى اُعْتُرِضَ بِوَضْعِ سِتِّينَ حَدِيثًا فِي فَضْل عَلِيّ قَالَهُ اِبْن مَعِين فَالْإِسْنَاد ضَعِيف وَأَصْله فِي التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيث حُذَيْفَة اِنْتَهَى .
قُلْت أَرَادَ أَنَّ فِي التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيِّ بِلَا زِيَادَة وَأَبُوهُمَا خَيْر مِنْهُمَا وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَة مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد أَيْضًا .


116 - قَوْله ( مِنِّي إِلَخْ )
أَيْ بَيْننَا قَرَابَة كَالْحُرِّيَّةِ وَقَوْله الْأَعْلَى لَمَّا فُرِضَ الْحَجّ أَمَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّه أَبَا بَكْر أَنْ يَحُجّ بِالنَّاسِ ثُمَّ بَعَثَ عَلِيًّا لِيَنْبِذ عَلَى الْمُشْرِكِينَ عَهْدهمْ وَيَقْرَأ عَلَيْهِمْ سُورَة بَرَاءَة وَكَانَ مِنْ عَادَة الْعَرَب إِذَا كَانَ بَيْنهمْ مُقَاوَلَة فِي صُلْح وَعَهْد وَنَقْض وَإِبْرَام لَا يُؤَدِّي إِلَّا سَيِّد الْقَوْم وَمَنْ يَلِيه مِنْ ذَوِي قَرَابَته الْقَرِيبَة وَلَا يَقْبَلُونَ مِمَّنْ سِوَاهُمْ فَقَالَ هَكَذَا تَكْرِيمًا لِعَلِيٍّ وَاعْتِذَارًا إِلَى أَبِي بَكْر رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُمَا .


117 - قَوْله ( أَنَا عَبْد اللَّه )
أَيْ مِنْ الَّذِينَ أَخْلِصُوا عِبَادَته وَوُفِّقُوا لَهَا وَهَذَا مِنْ جُمْلَة الْمَدْح وَمَدْح النَّفْس لِإِظْهَارِ مِنَّته تَعَالَى وَإِذَا دَعَا إِلَيْهِ دَاعٍ آخَر شَرْعِيّ جَازَ
قَوْله ( وَأَنَا الصِّدِّيق )
هُوَ لِلْمُبَالَغَةِ مِنْ الصِّدْق وَتَصْدِيق الْحَقّ بِلَا تَوَقُّف مِنْ بَاب الصِّدْق وَلَا يَكُون عَادَة إِلَّا مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الصِّدْق قِيلَ فَلِذَلِكَ سُمِّيَ أَبُو بَكْر صِدِّيقًا لِمُبَادَرَتِهِ إِلَى التَّصْدِيق قَالَ كَأَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ الصِّدِّيق الْأَكْبَر أَنَّهُ أَسْبَق إِيمَانًا مِنْ أَبِي بَكْر أَيْضًا وَفِي الْإِصَابَة فِي تَرْجَمَة عَلِيّ هُوَ أَوَّل النَّاس إِسْلَامًا فِي قَوْل الْكَثِير مِنْ أَهْل الْعِلْم
قَوْله ( صَلَّيْت قَبْل النَّاس بِسَبْعِ سِنِينَ )
وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ أَسْلَمَ صَغِيرًا وَصَلَّى فِي سِنّ الصِّغَر وَكُلّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ مُعَاصِرِيهِ مَا أَسْلَمَ فِي سِنّه بَلْ أَقَلّ مَا تَأَخَّرَ مَعَاصِره عَنْ سِنّه سَبْع سِنِينَ فَصَارَ كَأَنَّهُ صَلَّى قَبْلهمْ سَبْع سِنِينَ وَهُمْ تَأَخَّرُوا عَنْهُ بِهَذَا الْقَدْر وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ كَانَ سَبْع سِنِينَ مُؤْمِنًا مُصَلِّيًا وَلَمْ يَكُنْ غَيْره فِي هَذِهِ الْمُدَّة مُؤْمِنًا أَوْ مُصَلِّيًا ثُمَّ آمَنُوا وَصَلَّوْا وَيَحْتَمِل أَنَّهُ قَالَ لِأَنَّهُ مَا اِطَّلَعَ عَلَيْهِ وَفِيهِ بُعْدٌ لَا يَخْفَى
وَقَالَ اِبْن رَجَب رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي خَصَائِص عَلِيّ وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان هَذَا كَأَنَّهُ كَذِب عَلَى عَلِيّ
وَفِي الزَّوَائِد قُلْت هَذَا إِسْنَاد صَحِيح رِجَاله ثِقَات رَوَاهُ الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرَك عَنْ الْمِنْهَال وَقَالَ صَحِيح عَلَى شَرْط الشَّيْخَيْنِ وَالْجُمْلَة الْأُولَى فِي جَامِع التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر مَرْفُوعًا أَنْتَ أَخِي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَقَالَ حَدِيث حَسَن غَرِيب اِنْتَهَى
قُلْت فَكَأَنَّ مِنْ حَكَمَ بِالْوَضْعِ حَكَمَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ ظُهُور مَعْنَاهُ لَا لِأَجْلِ خَلَل فِي إِسْنَاده وَقَدْ ظَهَرَ مَعْنَاهُ بِمَا ذَكَرْنَا .


118 - قَوْله ( فَنَالَ مِنْهُ )
أَيْ نَالَ مُعَاوِيَة مِنْ عَلِيّ وَوَقَعَ فِيهِ وَسَبَّهُ بَلْ أَمَرَ سَعْدًا بِالسَّبِّ كَمَا قِيلَ فِي مُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ وَمَنْشَأ ذَلِكَ الْأُمُور الدُّنْيَوِيَّة الَّتِي كَانَتْ بَيْنهمَا وَلَا حَوْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ وَاَللَّهُ يَغْفِرُ لَنَا وَيَتَجَاوَز عَنْ سَيِّئَاتنَا وَمُقْتَضَى حُسْن الظَّنّ أَنْ يُحْمَل السَّبّ عَلَى التَّخْطِئَة وَنَحْوهَا مِمَّا يَجُوز بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَهْل الِاجْتِهَاد لَا اللَّعْن وَغَيْره
قَوْله ( لَأُعْطِيَنَّ )
بِالنُّونِ الثَّقِيلَة مِنْ الْإِعْطَاء قَالَهُ يَوْم فَتْح خَيْبَر ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا قِيلَ وَهَذَا سَبَب كَثْرَة مَا رُوِيَ فِي مَنَاقِبه رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُ كَمَا فِي الْإِصَابَة لِلْحَافِظِ اِبْن حَجَر قَالَ وَمَنَاقِبه كَثِيرَة حَتَّى قَالَ الْإِمَام أَحْمَد لَمْ يُنْقَل لِأَحَدٍ عَنْ الصَّحَابَة مَا نُقِلَ لِعَلِيٍّ وَقَالَ غَيْره وَسَبَب ذَلِكَ تَعَرُّض بَنِي أُمَيَّة لَهُ فَكَانَ كُلّ مَنْ كَانَ عِنْده عِلْم بِشَيْءٍ مِنْ مَنَاقِبه مِنْ الصَّحَابَة بَثَّهُ فَكُلَّمَا أَرَادُوا إِخْمَاد شَرَفه حَدَّثَ الصَّحَابَة بِمَنَاقِبِهِ فَلَا يَزْدَاد إِلَّا اِنْتِشَارًا وَتَتَبَّعَ النَّسَائِيُّ مَا خُصَّ بِهِ مِنْ دُون الصَّحَابَة فَجَمَعَ مِنْ ذَلِكَ أَشْيَاء كَثِيرَة أَسَانِيدهَا أَكْثَرُهَا جِيَادٌ اِنْتَهَى .


119 - قَوْله ( حَوَارِيّ )
بِتَشْدِيدِ الْيَاء لَفْظه مُفْرَد بِمَعْنَى الْخَالِص وَالنَّاصِر وَالْيَاء فِيهِ لِلنِّسْبَةِ وَأَصْل مَعْنَاهُ الْبَيَاض فَهُوَ مُنْصَرِف مَنُون
قَوْله ( وَإِنَّ حَوَارِيّ )
أَصْله بِالْإِضَافَةِ إِلَى يَاء الْمُتَكَلِّم لَكِنْ حَذَفَتْ الْيَاء اِكْتِفَاء بِالْكَسْرَةِ وَقَدْ تُبْدَل فَتْحَة لِلتَّخْفِيفِ وَيُرْوَى بِالْكَسْرَةِ وَالْفَتْحَة
قُلْت هَذَا تَخْفِيف لَا يُنَاسِب الِاكْتِفَاء وَالْوَجْه فِي الْفَتْح أَنَّهُ اِجْتَمَعَ ثَلَاث يَاءَات فَاسْتُثْقِلُوا فَحَذَفُوا إِحْدَى يَاء النِّسْبَة ثُمَّ أَدْغَمُوا الثَّانِيَة فِي يَاء الْمُتَكَلِّم وَيَاء الْمُتَكَلِّم تُفْتَح سِيَّمَا عِنْد اِلْتِقَاء السَّاكِنَيْنِ فَاخْتِلَاف الرِّوَايَتَيْنِ مَبْنِيّ عَلَى أَنَّ الْمَحْذُوف يَاء الْمُتَكَلِّم أَوْ إِحْدَى يَائَيْ النِّسْبَة وَمَعْنَاهُ أَنَّ خَاصَّتِي وَنَاصِرِي وَكَأَنَّ الْخَاصَّة مَنْ كَانَ مَطْلُوبًا بِالنِّدَاءِ فِي ذَلِكَ الْوَقْت .


120 - قَوْله ( جَمَعَ لِي )
أَيْ قَالَ مَثَلًا بِأَبِي وَأُمِّي أَيْ أَنْتَ مُفَدًّى بِهِمَا وَالْمَقْصُود بِهِ التَّشْرِيف وَالتَّعْظِيم وَفِيهِ جَوَاز الْمَدْح فِي حُضُور الْمَمْدُوح إِذَا كَانَ أَهْلًا .


121 - قَوْله ( مِنْ الَّذِينَ اِسْتَجَابُوا ) أَيْ مِنْ الَّذِينَ أَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى فِيهِمْ
( الَّذِينَ اِسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُول )
الْآيَة وَقِصَّتُهُمْ مَعْلُومَةٌ .


122 - قَوْله ( شَهِيدٌ يَمْشِي عَلَى وَجْه الْأَرْض )
قِيلَ إِنَّهُ قَدْ ذَاقَ الْمَوْت فِي سَبِيل اللَّه وَهُوَ حَيّ لَمَّا قِيلَ مُوتُوا قَبْل أَنْ تَمُوتُوا أَوْ الْمُرَاد بِالْمَوْتِ عَلَى هَذَا الْغَيْبُوبَة عَنْ عَالَم الشَّهَادَة بِالِاسْتِغْرَاقِ فِي ذِكْر اللَّه وَمَلَكُوته وَالِانْجِذَاب إِلَى جَنَاب قُدْسه وَقِيلَ أَيْ أَنَّهُ ذَاقَ أَلَم الْمَوْت فِي اللَّه وَهُوَ حَيّ فَهُوَ لَمَّا ذَاقَ مِنْ الشَّدَائِد فِي سَبِيل اللَّه كَأَنَّهُ مَاتَ وَقِيلَ هُوَ مُجَازًى بِالْأَوَّلِ أَيْ أَنَّهُ سَيَمُوتُ شَهِيدًا .


123 - قَوْله ( مِمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ )
أَيْ وَفَّى بِنَذْرِهِ وَعَزْمه عَلَى أَنْ يَمُوت فِي سَبِيل اللَّه تَعَالَى أَوْ يُحَارِب أَعْدَاء اللَّه تَعَالَى أَشَدّ الْمُحَارَبَة فَقَدْ مَاتَ أَوْ حَارَبَ كَمَا تَرَى قِيلَ وَكَانَ فِي الصَّحَابَة مِمَّنْ عَزَمُوا عَلَى ذَلِكَ فَطَلْحَةُ مِمَّنْ وَفَّى بِذَلِكَ .


125 - قَوْله ( شَلَّاء )
بِتَشْدِيدِ اللَّام مَمْدُودًا أَيْ يَابِسَة
وَقَى
كَرَمَى مِنْ الْوِقَايَة أَيْ جَعَلَ يَده وِقَايَة لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ قَدْ جَاءَ أَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ وِقَايَةً لَهُ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ يَقُول عُقِرْت يَوْمَئِذٍ فِي سَائِر جَسَدِي حَتَّى عُقِرْت فِي ذَكَرِي .


126 - قَوْله ( مَا رَأَيْت إِلَخْ )
لَا يَلْزَم مِنْهُ أَنَّهُ مَا جَمَعَ لِغَيْرِي فَلَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ جَمْعه لِلزُّبَيْرِ
اِرْمِ سَعْد
بِتَقْدِيرِ حَرْف النِّدَاء أَيْ يَا سَعْد .


127 - قَوْله ( جَمَعَ لِي )
ذَكَرَهُ لِبَيَانِ جَوَاز ذَلِكَ شَرْعًا أَوْ لِمِدْحَتِهِ بِنَفْسِهِ فِي مَقَام اِقْتَضَى ذَلِكَ شَرْعًا .


128 - قَوْله ( إِنِّي لَأَوَّلُ الْعَرَب )
قَالَ الطِّيبِيُّ التَّعْرِيف فِي الْعَرَب لِلْجِنْسِ رَمَى بِسَهْمٍ صِفَة لَهُ فَهُوَ كَقَوْلِهِ : وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيم يَسُبُّنِي : اِنْتَهَى وَالْكَلَام فِي الْعَرَب الْمَوْجُودِينَ فِي ذَلِكَ الْوَقْت فَلَا يُرِدْ أَنَّهُ مِنْ أَيْنَ عَلِمَ ذَلِكَ مَعَ جَوَاز أَنْ يَكُون فِيمَنْ سَبَقَ مَنْ رَمَى بِهِ فِي سَبِيل اللَّه وَيَحْتَمِل أَنَّهُ عَلِمَ بِهِ بِالسَّمَاعِ مِنْهُ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قِيلَ إِنَّهُ كَانَ فِي أَوَّل سَرِيَّة فِي الْإِسْلَام فِي سِتِّينَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ أَمِيرهمْ عُبَيْدَة بْن الْحَرْث عَقَدَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِوَاء وَهُوَ أَوَّل لِوَاء عُقِدَ لِقِتَالِ أَبِي سُفْيَان بْن حَرْب وَالْمُشْرِكِينَ فَلَمْ يَقَع بَيْنهمْ قِتَال غَيْر أَنَّ سَعْدًا رَمَى إِلَيْهِمْ بِسَهْمِهِ فَكَانَ أَوَّل سَهْم رُمِيَ فِي الْإِسْلَام وَكَانَ ذَلِكَ فِي السَّنَة الْأُولَى مِنْ الْهِجْرَة أَوَّل حَرْب وَقَعَتْ بَيْن الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ .


129 - قَوْله ( مَا أَسْلَمَ أَحَد فِي الْيَوْم الَّذِي أَسْلَمْت فِيهِ )
قَالَ اِبْن حَجَر فِي شَرْح الْبُخَارِيّ هَكَذَا رِوَايَة مَنْدَهْ فِي الْمَعْرِفَة وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنْ يُشَارِكهُ أَحَد فِي الْإِسْلَام قَبْل يَوْم أَسْلَمَ لَكِنَّ رِوَايَة الْبُخَارِيّ فِي صَحِيحه مَا أَسْلَمَ أَحَد إِلَّا فِي الْيَوْم الَّذِي أَسْلَمْت فِيهِ يُرِيد مَا سَبَقَ أَحَد بِالْإِسْلَامِ كَمَا وَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ بِلَفْظِ مَا أَسْلَمَ أَحَد قَبْلِي وَهَذَا لَا يَخْلُو عَنْ إِشْكَال فَقَدْ أَسْلَمَ قَبْله جَمَاعَة قِيلَ كَأَبِي بَكْر وَعَلِيّ وَزَيْد وَغَيْرهمْ فَيُحْمَل عَلَى أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ بِحَسَبِ عِلْمه
قَوْله ( وَإِنِّي لَثُلُث الْإِسْلَام )
بِضَمَّتَيْنِ أَوْ سُكُون الثَّانِي حَمَلَهُ الْإِسْلَام عَلَى الِاطِّلَاع قَالَ اِبْن حَجَر وَالسَّبَب فِيهِ أَنَّ مَنْ كَانَ أَسْلَمَ فِي اِبْتِدَاء الْأَمْر كَانَ يُخْفِي إِسْلَامه وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِالِاثْنَيْنِ الْآخَرِينَ أَبَا بَكْر وَخَدِيجَة قِيلَ وَالصَّوَاب أَنَّ الْمُرَاد ثُلُث الرِّجَال الْأَحْرَار وَمَا فِي الِاسْتِيعَاب أَنَّهُ أَسْلَمَ وَهُوَ سَابِع سَبْعَة فَالْمُرَاد بِهِ سَبْعَة أَشْخَاص
قَوْله ( وَلَقَدْ مَكَثْت سَبْعَة أَيَّام إِلَخْ )
يُرِيد أَنَّهُ بَقِيَ بَعْد الْإِسْلَام سَبْعَة أَيَّام عَلَى هَذِهِ ثُمَّ أَسْلَمَ مَنْ أَسْلَمَ .


130 - قَوْله ( فَقَالَ أَبُو بَكْر إِلَخْ )
الْمَذْكُور تِسْعَة فَكَأَنَّهُ أَرَادَ الْمُصَنِّف بِفَضَائِل الْعَشَرَة فَضَائِل غَالِبهمْ .


131 - قَوْله ( اُثْبُتْ حِرَاء )
فِيهِ حَذْف حَرْف النِّدَاء
أَوْ شَهِيد
أَرَادَ الْجِنْس فَإِنَّ الْمَذْكُورِينَ بَعْد الصِّدِّيق كُلّهمْ شُهَدَاء وَأَوْ لِمَنْعِ الْخُلُوّ وَقِيلَ بِمَعْنَى الْوَاو وَاسْتُشْكِلَ بِسَعْدٍ لِأَنَّهُ غَيْر مَقْتُول فَقَدْ ذَكَرَ فِي جَامِع الْأُصُول أَنَّهُ مَاتَ فِي قَصْره بِالْعَقِيقِ قَرِيبًا مِنْ الْمَدِينَة وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَدْخُل فِي الصِّدِّيق وَاسْم الصِّدِّيق وَإِنْ غَلَبَ عَلَى أَبِي بَكْر رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُ لَكِنَّ مَفْهُومه غَيْر مُنْحَصِر فِيهِ وَقَدْ سَبَقَ مَا جَاءَ عَنْ عَلِيّ أَنَا الصِّدِّيق الْأَكْبَر وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا أَيْضًا فِيمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث حُذَيْفَة كَمَا رَوَاهُ الْعُقَيْلِيّ فِي الضُّعَفَاء وَابْن عَدِيٍّ فِي الْكَامِل فِي مَنَاقِب عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ هَذَا أَوَّل مَنْ آمَنَ وَأَوَّل مَنْ يُصَافِحنِي يَوْم الْقِيَامَة وَهَذَا الصِّدِّيق الْأَكْبَر الْحَدِيث أَوْ الْمُرَاد بِالشَّهِيدِ مَنْ لَهُ ثَوَاب الشُّهَدَاء كَالْمَبْطُونِ وَأَمْثَاله .


132 - قَوْله ( حَقّ أَمِين )
أَيْ بَلَغَ فِي الْأَمَانَة الْغَايَة الْقُصْوَى قِيلَ الْأَمَانَة كَانَتْ مُشْتَرَكَة بَيْنه وَبَيْن غَيْره مِنْ الصَّحَابَة لَكِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَصَّ بَعْضهمْ بِصِفَاتٍ غَلَبَتْ عَلَيْهِ وَكَانَ بِهَا أَخَصّ وَقِيلَ خَصَّهُ بِالْأَمَانَةِ لِكَمَالِ هَذِهِ الصِّفَة فِيهِ
قَوْله ( فَتَشَرَّفَ )
أَيْ اِنْتَظَرَ لَهُ أَيْ لِلْبَعْثِ وَفِي نُسْخَة لَهَا أَيْ لِهَذِهِ الْكَلِمَة .


133 - قَوْله ( لِأَبِي عُبَيْدَة )
أَيْ فِي شَأْنه لِأَنَّهُ خَاطَبَهُ إِذْ مَقُول الْقَوْل لَا يُنَاسِب الْخِطَاب .


134 - قَوْله ( لَاسْتَخْلَفْت اِبْن أُمّ عَبْد )
هُوَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود قِيلَ يَدُلّ هَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ تَأْمِيره عَلَى جَيْش بِعَيْنِهِ أَوْ اِسْتِخْلَافه فِي أُمُور جِهَات أَوْ بِمَكَانٍ وَلَا يَجُوز أَنْ يَحْمِل عَلَى غَيْر ذَلِكَ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ الْعِلْم بِمَكَانٍ وَلَهُ الْفَضَائِل الْجَمَّة وَالسَّوَابِق الْجَلِيلَة فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ قُرَيْش وَقَدْ نَصَّ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْأَمْر فِي قُرَيْش فَلَا يَصْلُح لِأَحَدٍ حَمْله إِلَّا عَلَى الْوَجْه الَّذِي ذَكَرْنَا اِنْتَهَى
قُلْت يَحْتَمِل أَنْ يَكُون هَذَا الْحَدِيث قَبْل التَّنْصِيص عَلَى أَنَّ هَذَا الْأَمْر فِي قُرَيْش عَلَى أَنْ سَوْق الْحَدِيث لِإِفَادَةِ أَنَّ مَا يَحْتَاج إِلَى الْمَشُورَة مِمَّا يَتَوَقَّف عَلَيْهِ أَمْر الِاسْتِخْلَاف مِنْ الْكِمَالَات كُلّهَا مَوْجُودَة فِي اِبْن مَسْعُود وُجُودًا بَيِّنًا بِحَيْثُ لَا حَاجَة فِي اِسْتِخْلَافه إِلَى شُهْرَة مَعْرِفَة تِلْكَ الْكِمَالَات وَهَذَا لَا يُنَافِي عَدَم صِحَّة اِسْتِخْلَافه لِعَدَمِ كَوْنه مِنْ قُرَيْش فَلْيُتَأَمَّلْ .


135 - قَوْله ( غَضًّا )
بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة قِيلَ الْغَضّ الطَّرِيّ الَّذِي لَمْ يَتَغَيَّر أَرَادَ طَرِيقه فِي الْقِرَاءَة وَهَيْئَاته فِيهَا وَقِيلَ أَرَادَ الْآيَات الَّتِي سَمِعَهَا مِنْهُ مِنْ أَوَّل سُورَة النِّسَاء إِلَى قَوْله ( وَجِئْنَا بِك عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ) .


136 - قَوْله ( إِذْنك عَلَيَّ )
أَيْ فِي الدُّخُول عَلَيَّ
قَوْله ( وَأَنْ تَسْمَع سَوَادِي )
فِي النِّهَايَة السَّوَاد بِالْكَسْرِ السِّرَار كَأَنَّهُ جَوَّزَ لَهُ فِي الدُّخُول عَلَيْهِ حَيْثُ يَسْمَع كَلَام اللَّه وَيَعْلَم مَعَ وُجُوده إِلَّا أَنْ يَنْهَاهُ وَلَعَلَّ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الدَّار حُرْمَة وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يَخْدُمهُ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَالَات كُلّهَا فَيُهَيِّئُ طَهُوره وَيَحْمِل مَعَهُ الْمَطْهَرَة إِذَا قَامَ إِلَى الْوُضُوء وَيَأْخُذ نَعْله وَيَضَعهَا إِذَا جَلَسَ وَحِين يَنْهَض فَيَحْتَاج إِلَى كَثْرَة الدُّخُول عَلَيْهِ .


137 - قَوْله ( كُنَّا نَلْقَى )
مِنْ لَقِيَ بِكَسْرِ الْقَاف
فَيَقْطَعُونَ حَدِيثهمْ
أَيْ عِنْد لِقَائِنَا غَضَبًا وَعَدَاوَة لَنَا لَا إِخْفَاء لِلْحَدِيثِ عَنَّا لِكَوْنِهِ سِرًّا وَإِلَّا فَلَا لَوْم عَلَى إِخْفَاء الْأَسْرَار
قَوْله ( حَتَّى يُحِبّهُمْ لِلَّهِ )
أَيْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { قُلْ لَا أَسْأَلكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى }
وَفِي الزَّوَائِد رِجَال إِسْنَاده ثِقَات إِلَّا أَنَّهُ قِيلَ رِوَايَة مُحَمَّد بْن كَعْب عَنْ الْعَبَّاس مُرْسَلَة وَلَهُ شَاهِد رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ أَنَّ الْعَبَّاس دَخَلَ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُغْضَبًا فَقَالَ مَا أَغْضَبك قَالَ مَا لَنَا وَقُرَيْش إِذَا تَلَاقَوْا بَيْنهمْ تَلَاقَوْا بِوُجُوهٍ مُبْشِرَة وَإِذَا لَقَوْنَا لَقُونَا بِغَيْرِ ذَلِكَ فَغَضِبَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى اِحْمَرَّ وَجْهه ثُمَّ قَالَ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَدْخُل قَلْب رَجُل إِيمَان حَتَّى يُحِبّهُمْ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ الْحَدِيث اِنْتَهَى قُلْت قَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث صَحِيح .


138 - قَوْلُهُ ( تُجَاهِينَ )
قَالَ السُّيُوطِيُّ أَيْ مُتَقَابِلِينَ وَالتَّاء فِيهِ بَدَل وَاو وَجَاه وَفِي الْقَامُوس تُجَاهك وَوِجَاهك مِثْلَيْنِ تِلْقَاء وَجْهك
مُؤْمِن بَيْن خَلِيلَيْنِ
فَإِنَّهُ عَمّ لِأَحَدِهِمَا وَوَلَد بِوَسَائِط لِلْآخَرِ فَلِذَلِكَ يَكُون لَهُ قُرْب مِنْهُمَا
وَفِي الزَّوَائِد إِسْنَاده ضَعِيف لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى ضَعْف عَبْد الْوَهَّاب بَلْ قَالَ فِيهِ أَبُو دَاوُدَ يَضَع الْحَدِيث وَقَالَ الْحَاكِم رَوَى أَحَادِيث مَوْضُوعَة وَشَيْخه إِسْمَاعِيل اِخْتَلَطَ بِآخِرِهِ وَقَالَ اِبْن رَجَب اِنْفَرَدَ بِهِ الْمُصَنِّف وَهُوَ مَوْضُوع فَإِنَّهُ مِنْ بَلَايَا عَبْد الْوَهَّاب وَقَالَ فِيهِ أَبُو دَاوُدَ ضَعِيف الْحَدِيث .


139 - قَوْله ( قَالَ لِلْحَسَنِ )
أَيْ فِيهِ وَلِأَجْلِ الدُّعَاء لَهُ
أُحِبّهُ
أَيْ طَبْعًا فَيَقْتَضِي الْأَوَامِر الْإِلَهِيَّة بِالْوَصْلِ عُمُومًا وَخُصُوصًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى { قُلْ لَا أَسْأَلكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَيْ }
فَأَحِبَّهُ
أَيْ فَأَطْلُب مِنْك لِذَلِكَ أَنْ تُحِبّهُ وَضَمَّهُ عَطْف عَلَى قَالَ .


140 - قَوْله ( مَنْ أَحَبَّ الْحَسَن وَالْحُسَيْن )
بَيَان مَا بَيْنهمَا وَبَيْنه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الِاتِّحَاد بِسَبَبِ الْجُزْئِيَّة وَالْكُلِّيَّة فَصَارَ حُبّهمَا حُبّه وَبُغْضهمَا بُغْضه وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ مَحَبَّتهمَا فَرْض لَا يَتِمّ الْإِيمَان بِدُونِهَا ضَرُورَة أَنَّ مَحَبَّته كَذَلِكَ وَفِي الزَّوَائِد إِسْنَاده صَحِيح رِجَاله ثِقَات وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي الْمَنَاقِب عَنْ عَمْرو بْن مَنْصُور عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ عَنْ سُفْيَان بِهِ .


141 - قَوْله ( دُعُوا لَهُ )
عَلَى بِنَاء الْمَفْعُول
وَبَسَطَ يَدَيْهِ
كَأَنَّهُ يُرِيد يَأْخُذهُ بَيْنهمَا
يَفِرّ
كَعَادَةِ الصِّغَار إِذَا أَرَادَ أَحَد أَنْ يَأْخُذهُمْ
قَوْله ( فِي فَأْس رَأْسه )
بِالْهَمْزَةِ هُوَ طَرَف مُؤَخِّره الْمُنْتَشِر عَلَى الْقَفَا
قَوْله ( حُسَيْن مِنِّي وَأَنَا مِنْ حُسَيْن )
أَيْ بَيْننَا مِنْ الِاتِّحَاد وَالِاتِّصَال مَا يَصِحّ أَنْ يُقَال كُلّ مِنْهُمَا مِنْ الْآخَر
سِبْط
هُوَ وَلَد الْوَلَد خَرَجَ تَأْكِيدًا لِلِاتِّحَادِ وَالْبَعْضِيَّة وَتَقْرِيرًا لَهَا وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون فَائِدَة الْأَخْبَار بَيَان أَنَّهُ حَقِيق بِذَلِكَ وَأَهْل لَهُ وَلَيْسَ مِنْ الْأَوْلَاد الَّذِينَ يَنْفِي نَسَبهمْ عَنْ الْآبَاء كَمَا قَالَ تَعَالَى { إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِك } وَقِيلَ يُطْلَق السِّبْط عَلَى الْقَبِيلَة وَهُوَ الْمُرَاد هَاهُنَا وَالْمَقْصُود الْإِخْبَار بِبَقَائِهِ وَكَثْرَة أَوْلَاده وَقِيلَ الْمُرَاد أَنَّهُ أُمَّة مِنْ الْأُمَم فِي الْخَيْر عَلَى حَدّ قَوْله تَعَالَى { إِنَّ إِبْرَاهِيم كَانَ أُمَّة } وَفِي الزَّوَائِد إِسْنَاده حَسَن رِجَاله ثِقَات وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ مِنْ قَوْله حُسَيْن مِنِّي إِلَخْ وَلَمْ يَذْكُر الْقِصَّة قَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ .


142 - قَوْله ( أَنَا سِلْم )
بِكَسْرِ السِّين وَيُفْتَح الصُّلْح أَيْ مُصَالِح وَكَذَا
حَرْب
أَيْ مُحَارِب وَجَعَلَ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفْسه نَفْس الصُّلْح وَالْجَوَاب مُبَالَغَة كَقَوْلِهِ رَجُل عَدْل .


143 - قَوْله ( بِالطَّيِّبِ ) كَأَنَّهُ جَبَل عَلَى الِاسْتِقَامَة وَالسَّلَامَة ثُمَّ زَادَ اللَّه تَعَالَى ذَلِكَ بِمَا أَعْطَاهُ مِنْ عِلْم الْكِتَاب وَالسُّنَّة فَقِيلَ
( الطَّيِّب الْمُطَيَّب )
.


144 - قَوْله ( عَلَى عَلِيّ فَقَالَ مَرْحَبًا إِلَخْ )
هَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة مَوْقُوف مُوَافِق لِلْمَرْفُوعِ فَنِعْمَتْ الْمُوَافَقَة
قَوْله ( مُلِئَ )
عَلَى بِنَاء الْمَفْعُول
إِيمَانًا
تَمْيِيز
إِلَى مُشَاشه
بِضَمِّ مِيم وَتَخْفِيف هِيَ رُؤْس الْعِظَام كَالْمِرْفَقَيْنِ وَالْكَتِفَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَعَلَى هَذَا فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَال إِنَّهُ طَيِّب بِأَصْلِ الْخِلْقَة وَاللَّهُ تَعَالَى أَرَادَ فِيهِ ذَلِكَ بِحَيْثُ مَلَأَهُ مِنْهُ .


145 - قَوْله ( إِلَّا اِخْتَارَ الْأَرْشَد مِنْهُمَا )
لِمَا جُبِلَ عَلَيْهِ مِنْ الِاسْتِقَامَة وَالسَّدَاد .


146 - قَوْله ( إِنَّ اللَّه أَمَرَنِي )
الظَّاهِر أَنَّهُ أَمْر إِيجَاب وَيَحْتَمِل النَّدْب وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ فَمَا أُمِرَ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ أُمِرَ بِهِ أُمَّته فَيَنْبَغِي لِلنَّاسِ أَنْ يُحِبُّوا هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة خُصُوصًا .


147 - قَوْله ( كَانَ أَوَّل مَنْ أَظْهَر إِسْلَامه )
أَيْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُخْفُونَ إِسْلَامهمْ خَوْفًا مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ وَهَؤُلَاءِ السَّبْعَة سَبَقُوهُمْ بِإِظْهَارِ الْإِسْلَام
وَقَوْله فَمَنَعَهُ اللَّه
أَيْ عَصَمَهُ مِنْ آذَاهُمْ
وَصَهَرُوهُمْ
مِنْ صَهَرَ كَمَنَعَ أَيْ عَذَّبُوهُمْ
قَوْله ( إِلَّا وَقَدْ وَاتَاهُمْ )
هَكَذَا فِي النُّسَخ الصَّحِيحَة وَهُوَ مِنْ الْمُؤَاتَاة بِمَعْنَى الْمُوَافَقَة فِي الصِّحَاح فِي بَاب الْهَمْز وَاطَأَتْهُ عَلَى الْأَمْر مُوَاطَأَة إِذَا وَافَقْته وَقَالَ الْأَخْفَش قَوْله تَعَالَى { لِيُوَاطِئُوا عِدَّة مَا حَرَّمَ اللَّهُ } هُوَ مِنْ الْمُوَاطَأَة قَالَ وَمِثْلهَا قَوْله أَشَدّ وَطَاء بِالْمَدِّ أَيْ مُوَاطَأَة قَالَ وَهِيَ مُؤَاتَاة السَّمْع وَالْبَصَر إِيَّاهُ اِنْتَهَى إِلَّا وَقَدْ وَافَقَهُمْ عَلَى مَا أَرَادُوا مِنْ تَرْك إِظْهَار الْإِسْلَام ثُمَّ رَأَيْت ذَكَرَ الْقَاضِي الْبَيْضَاوِيُّ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى { وَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا } وَفِي قِرَاءَة وَأَتَيَا مِنْ الْمُؤَاتَاة أَيْ لِتُوَافِق كُلّ وَاحِدَة أُخْتهَا فَمَا أَرَدْت مِنْكُمَا وَقَالَ الشِّهَاب فِي حَاشِيَته الْمُؤَاتَات مُفَاعَلَة أَتَيْته فَفِي الْمِصْبَاح آتَيْته عَلَى الْأَمْر إِذَا وَافَقْته وَفِي لُغَة لِأَهْلِ الْيَمَن تُبْدَل الْهَمْزَة وَاوًا فَيُقَال وَآتَيْته عَلَى الْأَمْر مُوَاتَاة وَهُوَ الْمَشْهُور عَلَى أَلْسِنَة النَّاس اِنْتَهَى
قُلْت ثُمَّ رَأَيْت فِي الصِّحَاح قَالَ تَقُول آتَيْته عَلَى ذَلِكَ الْأَمْر مُؤَاتَاة إِذَا وَافَقْته وَطَاوَعْته وَالْعَامَّة تَقُول وَأَتَيْته
قَوْله ( فَإِنَّهُ هَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسه )
أَيْ صَغُرَتْ وَحَقُرَتْ عِنْده لِأَجْلِهِ تَعَالَى وَفِي شَأْنه وَفِي الزَّوَائِد إِسْنَاده ثِقَات رَوَاهُ اِبْن حِبَّان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرَك مِنْ طَرِيق عَاصِم بْن أَبِي النَّجُود بِهِ .


148 - قَوْله ( وَمَا يُؤْذَى )
أَيْ مِنْكُمْ مَا أُوذِيَ فَمَقَامه أَرْفَع فَأُوذِيَ عَلَى قَدْر مَقَامه
قَوْله ( أُخِفْت )
عَلَى بِنَاء الْمَفْعُول مِنْ الْإِخَافَة أَيْ خُوِّفْت فِي دِين اللَّه تَعَالَى وَمَا يَخَاف أَحَد مِثْل تِلْكَ الْإِخَافَة
قَوْله ( وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَالِثَة )
أَيْ لَيْلَة ثَالِثَة وَلَفْظ التِّرْمِذِيّ وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مَا بَيْن يَوْم وَلَيْلَة
قَوْله ( ذُو كَبِد )
بِفُتَحٍ فَكَسْرٍ أَيْ يَأْكُلهُ حَيّ
قَوْله ( إِلَّا مَا وَارَى )
مِنْ الْمُوَارَاة وَالْحَدِيث أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ عَنْهُ فِي أَوَاخِر أَبْوَاب الزُّهْد وَقَالَ هَذَا حَدِيث حَسَن صَحِيح وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيث حِين خَرَجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَارِبًا مِنْ مَكَّة وَمَعَهُ بِلَال إِنَّمَا مَا كَانَ مَعَ بِلَال مِنْ الطَّعَام مَا يَحْمِل تَحْت إِبْطه اِنْتَهَى كَلَامُ التِّرْمِذِيِّ .


149 - قَوْله ( مَدَحَ بِلَال بْن عَبْد اللَّه )
اِبْن عُمَر الَّذِي غَضِبَ عَلَيْهِ أَبُوهُ حِين ذَكَرَ حَدِيث لَا تَمْنَعُوا إِمَاء اللَّه الْحَدِيث فَقَالَ نَحْنُ نَمْنَعهُنَّ كَذَبْت مَا أَحَقُّ اِبْن عُمَر أَنْ يُقَال لَهُ كَذَبْت وَقَدْ صَدَقْت .


150 - قَوْله ( عُمَر فَقَالَ اُدْنُ )
أَيْ كُنْ قَرِيبًا مِنِّي فِي بَعْض النُّسَخ بِزِيَادَةِ هَاء السَّكْت
قَوْله ( إِلَّا عَمَّار )
بِالرَّفْعِ بَدَل مِنْ أَحَد وَيَجُوز فِي مِثْله النَّصْب فَيَجُوز أَنْ يُنْصَب وَيُعْتَذَر عَنْ تَرْك الْأَلِف بِأَنَّهُ مَبْنِيّ عَلَى مُسَامَحَة أَهْل الْحَدِيث فِي الْكِتَابَة وَهَذَا اِعْتِذَارٌ مَشْهُورٌ لَكِنَّ هَاهُنَا غَيْر مُسْتَحْسَن لِعَدَمِ الْحَاجَة إِلَيْهِ
قَوْله ( فَجَعَلَ خَبَّابًا )
أَيْ تَصْدِيقًا لِعُمَر
قَوْله ( مِمَّا عَذَّبَهُ )
أَيْ مِنْ أَجْله وَمَا مَصْدَرِيَّة وَفِي الزَّوَائِد إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ .


151 - قَوْله ( وَأَصْدَقهمْ حَيَاء )
أَيْ أَكْثَرهمْ حَيَاء فَإِنَّ الْأَكْثَر حَيَاء يَكُون أَدَقّ فِي إِظْهَار آثَاره
قَوْله ( وَأَقْضَاهُمْ )
قِيلَ هَذِهِ مَنْقَبَة عَظِيمَة لِأَنَّ الْقَضَاء بِالْحَقِّ وَالْفَصْل بَيْنه وَبَيْن الْبَاطِل يَقْتَضِي عِلْمًا كَثِيرًا وَقُوَّة عَظِيمَة فِي النَّفْس
قَوْله ( وَاقْرَءُوهُمْ )
أَيْ أَخْرَجهمْ قِرَاءَة
قَوْله ( وَأَفْرَضهمْ )
أَيْ أَكْثَرهمْ عِلْمًا بِالْفَرَائِضِ وَهَذَا الْحَدِيث صَرِيح فِي تَعَدُّد جِهَات الْخَيْر فِي الصَّحَابَة وَاخْتِصَاص بَعْضهَا بِبَعْضٍ لَكِنَّ الْفَضِيلَة بِمَعْنَى كَثْرَة الثَّوَاب عِنْد اللَّه عَلَى التَّرْتِيب وَذَلِكَ شَيْء آخَر .


152 - قَوْله ( مَا أَقَلَّتْ الْغَبْرَاء )
أَيْ مَا حَمَلَتْ الْأَرْض
وَالْخَضْرَاء
السَّمَاء
مِنْ رَجُل
مِنْ زَائِدَة
قَوْله ( لَهْجَة )
اللَّهْجَة اللِّسَان وَمَا يَنْطِق بِهِ مِنْ الْكَلَام وَلَيْسَ الْمُرَاد أَنَّهُ فَاضِل فِي الصِّدْق عَلَى غَيْره حَتَّى الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِمْ الصَّلَاة وَالسَّلَام بَلْ الْمُرَاد بِهِ أَنَّهُ بَلَغَ فِي الصِّدْق نِهَايَته وَالْمَرْتَبَة الْأَعْلَى بِحَيْثُ لَمْ يَكُنْ يَفْصِل فِي وَصْف الصِّدْق وَهُوَ يَمْنَع الْمُسَاوَاة فِي وَصْف الصِّدْق مَعَ الْأَنْبِيَاء وَلَا بُعْد فِيهَا عَقْلًا أَوْ الْمُرَاد بِهِ لَا يَزِيد عَلَيْهِ أَحَد مِنْ جِنْسه فِي الصِّدْق وَأَمَّا الْأَنْبِيَاء فَلَا كَلَام فِيهِمْ بَلْ هُمْ مَعْلُومُونَ بِرُتْبَتِهِمْ وَقِيلَ يُمْكِن أَنْ يُرَاد بِهِ أَنَّهُ لَا يَذْهَب إِلَى الِاحْتِمَال فِي الصِّدْق وَالْمَعَارِيض فِي الْكَلَام فَلَا يُرْخَى عِنَان كَلَامه وَلَا يُوَارِي مَعَ النَّاس وَلَا يُسَامِحهُمْ وَيُظْهِر الْحَقّ الْبَحْت وَالصِّدْق الْمَحْض .


153 - قَوْله ( سَرَقَة )
بِفَتْحَتَيْنِ قِطْعَة مِنْ الْحَرِير الْأَبْيَض أَيْ الْحَرِير مُطْلَقًا
فَجَعَلَ الْقَوْم
أَيْ الصَّحَابَة
يَتَنَاوَلُونَهَا بَيْنهمْ
أَيْ يَأْخُذهَا بَعْضهمْ مِنْ بَعْض تَعَجُّبًا مِنْ لِينهَا وَحُسْنهَا فَخَافَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَيْل فِي الدُّنْيَا فَزَهَّدَ فِيهَا وَرَغَّبَهُمْ فِي الْآخِرَة بِمَا قَالَ .


154 - قَوْله ( اِهْتَزَّ )
أَيْ تَحَرَّكَ فَرِحًا بِقُدُومِهِ أَوْ حُزْنًا عَلَى اِنْقِطَاع مَا يُرْفَع إِلَيْهِ مِنْ خَيْرَاته .


155 - قَوْله ( مَا حَجَبَنِي )
أَيْ مَا مَنَعَنِي الدُّخُول عَلَيْهِ حِين أَرَدْت ذَلِكَ .


156 - قَوْله ( كَذَلِكَ هُمْ )
أَيْ الْمَلَائِكَة الَّذِينَ شَهِدُوا بَدْرًا وَفِي الزَّوَائِد قُلْت أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي بَاب فَضْل مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ حَدِيث يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ مُعَاذ بْن رُفَاعَة بْن رَافِع عَنْ أَبِيهِ فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَيَجُوز أَنْ يَكُون لِيَحْيَى شَيْخَانِ فَإِنَّ الْجَمِيع ثِقَات .


157 - قَوْله ( لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي )
قِيلَ الْخِطَاب لِمَنْ بَعْد الصَّحَابَة تَنْزِيلًا لَهُمْ مَنْزِلَة الْمَوْجُودِينَ الْحَاضِرِينَ وَقِيلَ لِلْمَوْجُودِينَ مِنْ الْعَوَامّ فِي ذَلِكَ الزَّمَان الَّذِينَ لَمْ يُصَاحِبُوهُ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُفْهَم خِطَاب مَنْ بَعْدهمْ بِدَلَالَةِ النَّصّ وَقِيلَ الْخِطَاب بِذَلِكَ لِبَعْضِ الصَّحَابَة لِمَا وَرَدَ أَنَّ سَبَب الْحَدِيث أَنَّهُ كَانَ بَيْن خَالِد بْن الْوَلِيد وَعَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف شَيْء فَسَبَّهُ خَالِد وَالْمُرَاد بِأَصْحَابِي الْمَخْصُوصِينَ وَهُمْ السَّابِقُونَ عَلَى الْمُخَاطَبِينَ فِي الْإِسْلَام وَقِيلَ يُنَزَّل الثَّانِي لِتَعَاطِيهِ بِمَا لَا يَلِيق مِنْ السَّبّ مَنْزِلَة غَيْرهمْ فَخُوطِبَ خِطَاب غَيْر الصَّحَابَة وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدِّين السُّبْكِيّ الظَّاهِر أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ أَصْحَابِي مَنْ أَسْلَمَ قَبْل الْفَتْح وَأَنَّهُ خِطَاب لِمَنْ أَسْلَمَ بَعْد الْفَتْح وَيُرْشِد إِلَيْهِ قَوْله صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ إِلَى آخِره مَعَ قَوْله تَعَالَى { لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْل الْفَتْح وَقَاتَلَ } الْآيَة وَلَا بُدّ لَنَا مِنْ تَأْوِيل بِهَذَا أَوْ بِغَيْرِهِ لِيَكُونَ الْمُخَاطَبُونَ غَيْر الْأَصْحَاب الْمُوصَى بِهِمْ اِنْتَهَى
قُلْت وَالتَّأْوِيل غَيْر لَازِم لِتَصْحِيحِ الْخِطَاب لِجَوَازِ أَنْ يَكُون لَا يَسُبّ بَعْضهمْ بَعْضًا فَإِذَا مَنَعَ صَحَابِيّ آخَر فَغَيْرهمْ بِالْأَوْلَى كَيْف يَجُوز أَنْ يُقَال لَا تَسُبّ نَفْسك فَضْلًا عَنْ أَنْ يُقَال لِجَمَاعَةٍ لَا تَسُبُّوا أَنْفُسكُمْ بِمَعْنَى يَسُبّ بَعْضكُمْ بَعْضًا لَكِنَّهُ لَازِم لِأَجْلِ آخِر الْحَدِيث وَهُوَ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدكُمْ إِلَى آخِره
قَوْله ( مُدّ )
بِضَمٍّ فَتَشْدِيد مِكْيَال مَعْلُوم
وَالنَّصِيف
لُغَة فِي النِّصْف وَهُوَ مِكْيَال دُون الْمُدّ وَالضَّمِير عَلَى الْأَوَّل لِلْمُدِّ وَعَلَى الثَّانِي لِأَحَدِهِمْ .


158 - فَلَمُقَام أَحَدهمْ
قِيَامه فِي الْجِهَاد فِي طَاعَة الرَّسُول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بِأَيِّ وَجْه كَانَ أَوْ وُجُوده عِنْده وَفِي الزَّوَائِد إِسْنَاده صَحِيح وَالطَّرِيق الْأَوَّل رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي الْجَامِع مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد وَقَالَ حَسَن صَحِيح .


159 - قَوْله ( مَنْ أَحَبَّ الْأَنْصَار )
لِنُصْرَتِهِمْ لِدِينِهِ تَعَالَى كَذَلِكَ مَنْ أَبْغَضَهُمْ وَإِلَّا فَكَثِيرًا مَا تَجُرِّي مُعَامَلَة تُؤَدِّي إِلَى الْمَحَبَّة وَالْبُغْض وَهُمَا خَارِجَانِ عَمَّا يَقْتَضِيه الْمَقَام .


160 - قَوْله ( شِعَار )
بِكَسْرِ الشِّين هُوَ الثَّوْب الَّذِي يَلِي الْجَسَد
وَالدِّثَار
بِكَسْرِ الدَّال ثَوْب يَكُون فَوْق ذَلِكَ أَيْ الْأَنْصَار هُمْ الْخَوَاصّ وَالنَّاس عَوَامّ يُرِيد أَنَّ الْأَنْصَار لِكَثْرَةِ إِخْلَاصهمْ وَإِحْسَانهمْ يَسْتَحِقُّونَ أَنْ يَتَّخِذُوهُمْ أَخِلَّاء وَخَوَاصّ لَهُ أَوْ هُمْ لِذَلِكَ خَوَاصّ بِخِلَافِ النَّاس الْآخَرِينَ فَإِنَّ غَالِبهمْ لَا يَسْلَمُونَ لِذَلِكَ بَلْ هُمْ مِنْ الْعَوَامّ
قَوْله ( أَوْ شِعْبًا )
بِكَسْرِ الشِّين الطَّرِيق فِي الْجَبَل أَوْ اِنْفِرَاج بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ يُرِيد أَنَّهُ لَا يُفَارِقهُمْ وَلَا يَسْكُن إِلَّا مَعَهُمْ كَمَا زَعَمَ الْبَعْض أَنَّهُ يَسْكُن مَكَّة بَعْد فَتْحهَا
قَوْله ( وَلَوْلَا الْهِجْرَة )
أَيْ لَوْلَا شَرَفهَا وَجَلَالَة قَدْرهَا عِنْد اللَّه
قَوْله ( لَكُنْت اِمْرَأَ مِنْ الْأَنْصَار )
أَيْ لَعَدَدْت نَفْسِي وَاحِدًا مِنْهُمْ لِكَمَالِ فَضْلهمْ وَشَرَفهمْ بَعْد فَضْل الْهِجْرَة وَشَرَفهَا وَالْمَقْصُود الْإِخْبَار بِمَا لَهُمْ مِنْ الْمَزِيَّة بَعْد مَزِيَّة الْهِجْرَة وَأَنَّهَا مَزِيَّة يَرْضَى بِهَا مِثْله وَإِلَّا فَالِانْتِقَال لَا يُتَصَوَّر سِيَّمَا الِانْتِسَاب بِالنَّسَبِ فَإِنَّهُ حَرَام دِينًا أَيْضًا وَفِي الزَّوَائِد إِسْنَاده ضَعِيف وَالْآفَة مِنْ عَبْد الْمُهَيْمِن وَبَاقِي رِجَاله ثِقَات اِنْتَهَى قُلْت وَالْمَتْن صَحِيح نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ فِي الزَّوَائِد أَيْضًا .


161 - قَوْله ( رَحِمَ اللَّه إِلَخْ )
الظَّاهِر أَنَّهُ دُعَاء لِلْقُرُونِ الثَّلَاثَة وَأَرَادَ بِالْأَبْنَاءِ الْأَبْنَاء الصُّلْبِيَّة فِي الْمَوْضِعَيْنِ إِذْ لَوْ أَرَادَ أَعَمّ لَمَا اِحْتَاجَ إِلَى وَأَبْنَاء أَبْنَاء الْأَنْصَار وَيَحْتَمِل عَلَى بُعْد أَنَّ الْمُرَاد الْعُمُوم فِي أَبْنَاء الْأَبْنَاء ثُمَّ الظَّاهِر أَنَّ الْمُرَاد بِالْأَبْنَاءِ الْأَوْلَاد فَالدُّعَاء شَامِل لِلذُّكُورِ وَالْإِنَاث وَفِي الزَّوَائِد إِسْنَاده ضَعِيف فَإِنَّ كَثِير بْن عَبْد اللَّه مُتَّهَم وَرَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم مِنْ حَدِيث زَيْد بْن أَرْقَم بِلَفْظِ اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْبَاقِي مِثْله وَفِي جَامِع التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث أَنَس كَمَا هُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَقَالَ حَسَن غَرِيب مِنْ هَذَا الْوَجْه .


162 - قَوْله ( عَلَّمَهُ الْحِكْمَة )
قِيلَ الْمُرَاد بِالْحِكْمَةِ مَعْرِفَة حَقَائِق الْأَشْيَاء وَالْعَمَل بِمَا يَنْبَغِي وَهُوَ الْمَذْكُور فِي كِتَاب اللَّه تَعَالَى وَقِيلَ الظَّاهِر أَنْ يُرَاد بِهَا السُّنَّة لِأَنَّهَا قُرِنَتْ بِالْكِتَابِ قَالَ تَعَالَى { وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَاب وَالْحِكْمَة } .


163 - قَوْله ( مُخْدَج الْيَد )
بِخَاءِ مُعْجَمَة ثُمَّ دَال مُهْمَلَة ثُمَّ جِيم اِسْم مَفْعُول مِنْ أَخْدَجَ أَيْ نَاقِص الْيَد أَيْ قَصِيرهَا وَكَذَا
مُودَن الْيَد
بِالدَّالِ الْمُهْلَة لَفْظًا وَمَعْنَى
وَمَثَدُونِ
كَمَفْعُولِ بِثَاءِ مُثَلَّثَة وَدَال مُهْمَلَة أَيْ صَغِير الْيَد مُجْتَمَعهَا وَالْمَثْدُون النَّاقِص الْخَلْق وَقِيلَ أَصْله الثُّنُود بِتَقْدِيمِ النُّون عَلَى الدَّال أَيْ يُشْبِه مَنْ وَهَى رَأْسه فَقَدَّمَ الدَّال عَلَى النُّون
قَوْله ( وَلَوْلَا أَنْ تَبْطَرُوا )
كَتَفْرَحُوا لَفْظًا وَمَعْنَى وَالْمُرَاد لَوْلَا خَشْيَة أَنْ تَفْرَحُوا فَرَحًا يُؤَدِّي إِلَى تَرْك الْأَعْمَال وَكَثْرَة الطُّغْيَان .


164 - قَوْله ( أَحْدَاث الْأَسْنَان )
أَيْ صِغَار الْأَسْنَان أَيْ ضُعَفَاء الْأَسْنَان فَإِنَّ حَدَاثَة السِّنّ مَحَلّ لِلْفَسَادِ عَادَة
قَوْله ( سُفَهَاء الْأَحْلَام )
ضُعَفَاء الْعُقُول
يَقُولُونَ مِنْ خَيْر قَوْل النَّاس
أَيْ يَقُولُونَ قَوْلًا هُوَ مِنْ خَيْر قَوْل النَّاس أَيْ ظَاهِرًا قِيلَ أُرِيد بِذَلِكَ قَوْلهمْ لَا حُكْم إِلَّا لِلَّهِ حِين التَّحْكِيم وَلِذَلِكَ قَالَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُ فِي حَرْبهمْ كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِل وَقِيلَ وَمِثْله دُعَاؤُهُمْ إِلَى كِتَاب وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمُرَاد أَنَّهُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِبَعْضِ الْأَقْوَال الَّتِي هِيَ مِنْ خِيَار قَوْل النَّاس فِي الظَّاهِر
قَوْله ( لَا يُجَاوِز تَرَاقِيهمْ )
أَيْ حُلُوقهمْ بِالصُّعُودِ إِلَى مَحَلّ الْقَبُول أَوْ النُّزُول إِلَى الْقُلُوب لِيُؤَثِّر فِي قُلُوبهمْ
قَوْله ( يَمْرُقُونَ )
كَيَخْرُجُونَ لَفْظًا وَمَعْنَى
قَوْله ( مِنْ الرَّمِيَّة )
بِفَتْحِ الرَّاء وَتَشْدِيد الْيَاء هِيَ الرمية يَرْمِيهَا الرَّامِي عَلَى الصَّيْد
قَوْله ( فَإِنَّ قَتْلهمْ أَجْر )
أَيْ ذُو أَجْر .


165 - قَوْله ( فِي الْحَرُورِيَّة )
بِفَتْحِ الْحَاء وَضَمّ الرَّاء الْأُولَى نِسْبَة إِلَى حَرُورَاء بِالْمَدِّ وَالْقَصْر وَهُوَ مَوْضِع قَرِيب مِنْ الْكُوفَة أَيْ فِي الْخَوَارِج فَإِنَّ خُرُوجهمْ كَانَ مِنْهَا وَيَتَعَبَّدُونَ أَيْ يَتَكَلَّفُونَ فِي الْعِبَادَة
قَوْله ( يَحْقِر )
كَيَضْرِب وَيُحْقِر كَيُكْرِم إِذَا كَانَ لَازِمًا أَيْ يَعُدْ صَلَاته حَقِيرَة قَلِيلَة بِالنَّظَرِ إِلَى صَلَاتهمْ
قَوْله ( أَخَذَ )
أَيْ الرَّامِي
فَلَمْ يَرَ شَيْئًا
أَيْ مِنْ الدَّم مَلْصُوقًا بِهِ لِسُرْعَةِ خُرُوجه
فِي رِصَافه
بِكَسْرِ الرَّاء قِيلَ وَبِالضَّمِّ وَصَادَ مُهْمَلَة وَفَاء جَمْع رَصَفَة بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ عَصْب يُلْوَى عَلَى مَدْخَل النَّصْل فِي السَّهْم
فِي قَدَحه
بِكَسْرِ الْقَاف وَسُكُون الدَّال الْمُهْمَلَة وَهُوَ خَشَب السَّهْم
وَقَوْله فِي الْقُذَذ
بِضَمِّ الْقَاف وَفَتْح الْمُعْجَمَة الْأُولَى هِيَ رِيش السَّهْم وَاحِدهَا قُذَّة بِالضَّمِّ
وَفَتَمَارَى
أَيْ شَكَّ .


166 - قَوْله ( هُمْ شِرَار الْخَلْق وَالْخَلِيقَة )
الْخَلْق النَّاس وَالْخَلِيقَة الْبَهَائِم وَقِيلَ هُمَا بِمَعْنًى وَيُرِيد بِهِمَا جَمِيع الْخَلْق .


167 - قَوْله ( عَنْ سِمَاك عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس )
فِي الزَّوَائِد هَذَا إِسْنَاد ضَعِيف وَالْعِلَّة فِيهِ مِنْ سِمَاك قَالَ النَّسَائِيُّ وَيَعْقُوب بْن شُبَيْب رِوَايَته عَنْ عِكْرِمَة مُضْطَرِبَة وَعَنْ غَيْره صَالِحَة قُلْت وَالْمَتْن بِرِوَايَةِ غَيْر اِبْن عَبَّاس فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرهمَا وَنَبَّهَ عَلَى بَعْض ذَلِكَ فِي الزَّوَائِد أَيْضًا فَذَكَرَ أَنَّهُ فِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ .


168 - قَوْله ( بِالْجِعْرَانَةِ )
بِكَسْرِ الْجِيم وَسُكُون الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الرَّاء أَوْ بِكَسْرِ الْعَيْن وَتَشْدِيد الرَّاء وَالْأَوَّل صَوَّبَهُ غَيْر وَاحِد مَوْضِع بِقُرْبِ مَكَّة
قَوْله ( التِّبْر )
بِكَسْرِ التَّاء وَسُكُون الْمُوَحَّدَة الذَّهَب وَالْفِضَّة قَبْل أَنْ يُضَاع
قَوْله ( وَهُوَ فِي حِجْر بِلَال )
هُوَ بِتَقْدِيمِ الْحَاء الْمُهْمَلَة الْمَفْتُوحَة أَوْ الْمَكْسُورَة عَلَى الْجِيم السَّاكِنَة قِيلَ هُوَ الصَّوَاب
قَوْله ( وَمَنْ يَعْدِل بَعْدِي )
فَإِنَّهُمْ أُمِرُوا بِاتِّبَاعِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا لَمْ يَعْدِل يَتَّبِعُونَ فِيهِ فَمَنْ يَعْدِلُ
قَوْله ( إِنَّ هَذَا فِي أَصْحَاب )
أَيْ لَيْسَ بِوَاحِدٍ حَتَّى يَنْدَفِع شَرّه بِقَتْلِهِ بَلْ مَعَ أَصْحَاب وَأَمْثَال
وَقَوْله أَوْ فِي أُصَيْحَاب
بِالتَّصْغِيرِ وَفِي الزَّوَائِد إِسْنَاده صَحِيح وَنَبَّهَ عَلَى أَنَّ الْمَتْن أَخْرَجَهُ غَيْره أَيْضًا .


169 - قَوْله ( عَنْ الْأَعْمَش عَنْ اِبْن أَبِي أَوْفَى )
وَفِي الزَّوَائِد أَنَّ رِجَال الْإِسْنَاد ثِقَات إِلَّا أَنَّ فِيهِ اِنْقِطَاعًا فَإِنَّ الْأَعْمَش لَمْ يَسْمَع مِنْ اِبْن أَبِي أَوْفَى قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ .


170 - قَوْله ( يَنْشَأ نَشْء )
فِي الْقَامُوس النَّاشِئ بِهَمْزَةٍ فِي آخِره الْغُلَام وَالْجَارِيَة جَاوَزَ حَدّ الصِّغَر وَالْجَمْع نَشْوَة وَيُحَرَّك وَفِي الصِّحَاح الْأَوَّل كَصَحْبٍ جَمْع صَاحِب وَالثَّانِي كَجَمْعِ طَلَبَة
قَوْله ( كُلَّمَا خَرَجَ قَرْن )
أَيْ ظَهَرَتْ طَائِفَة مِنْهُمْ
( قُطِعَ )
اِسْتَحَقَّ أَنْ يُقْطَع وَكَثِيرًا مَا يُقْطَع أَيْضًا كَالْحَرُورِيَّة قَطَعَهُمْ عَلِيٌّ
( فِي عِرَاضهمْ )
فِي خِدَاعهمْ أَيْ أَنَّ آخِرهمْ يُقَابِلهُمْ وَيُنَاظِرهُمْ فِي الْأَعْلَام وَفِي بَعْض النُّسَخ أَعْرَاضهمْ وَهُوَ جَمْع عَرْض بِفَتْحِ فَسُكُون بِمَعْنَى الْجَيْش الْعَظِيم وَهُوَ مُسْتَعَار مِنْ الْعَرْض بِمَعْنَى نَاحِيَة الْجَبَل أَوْ بِمَعْنَى السَّحَاب الَّذِي يَسُدّ الْأُفُق وَهَذِهِ النُّسْخَة أَظْهَر مَعْنًى وَفِي الزَّوَائِد إِسْنَاده صَحِيح وَقَدْ اِحْتَجَّ الْبُخَارِيّ بِجَمِيعِ رُوَاته .


171 - قَوْله ( سِيمَاهُمْ التَّحْلِيق )
قَالَ النَّوَوِيّ الْعَلَامَة وَإِلَّا فَصَحَّ فِيهَا الْقَصْر وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآن وَالْمَدّ لُغَة وَالْمُرَاد بِالتَّحْلِيقِ حَلْق الرَّأْس وَلَا دَلَالَة فِيهِ عَلَى كَرَاهَة الْحَلْق فَإِنَّ كَوْن الشَّيْء عَلَامَة لَهُمْ لَا يُنَافِي الْإِبَاحَة كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآيَتهمْ رَجُل أَسْوَد إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْل ثَدْي الْمَرْأَة مَعْلُوم أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِحَرَامٍ وَلَا مَكْرُوه وَقَدْ جَاءَ فِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيح أَنَّهُ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى صَبِيًّا قَدْ حُلِقَ بَعْض رَأْسه فَقَالَ اِحْلِقُوهُ كُلّه أَوْ اُتْرُكُوهُ كُلّه وَهَذَا صَرِيح فِي إِبَاحَة حَلْق الرَّأْس لَا يَحْتَمِل تَأْوِيلًا اِنْتَهَى وَقَدْ يُنَاقَش فِي اِسْتِدْلَاله عَلَى أُصُول مَذْهَب النَّوَوِيّ بِأَنَّهُ يَجُوز عِنْدهمْ تَمْكِين الصَّغِير بِمَا يَحْرُمُ عَلَى الْبَالِغ كَالْحَرِيرِ وَالذَّهَب فَلْيُتَأَمَّلْ .


172 - قَوْله ( شَرّ قَتْلَى إِلَخْ )
قَالَهُ حِين رَأَى رُؤْس الْخَوَارِج فَالتَّقْدِير هُمْ شَرُّ قَتْلَى
( قُتِلُوا )
عَلَى بِنَاء الْمَفْعُول
وَأَدِيم السَّمَاء
مَا يَظْهَر مِنْ جِلْده
قَوْله ( وَخَيْر قَتِيل مَنْ قَتَلُوا )
عَلَى بِنَاء الْفَاعِل وَالضَّمِير لِلْخَوَارِجِ وَالْعَائِد إِلَى الْمَوْصُول مُقَدَّر أَيْ خَيْر قَتِيل مَنْ قَتَلَهُ الْخَوَارِج فَإِنَّهُ شَهِيد
قَوْله ( كِلَاب أَهْل النَّار )
خَبَر ثَانٍ وَهَذَا صَرِيح فِي أَنَّ الْخَوَارِج كَفَرَة وَيُؤَيِّدهُ يَخْرُجُونَ مِنْ الدِّين وَنَحْوه وَالْجُمْهُور عَلَى عَدَم تَكْفِيرهمْ فَيُؤَوَّل هَذَا بِكُفْرَانِ نِعْمَة الْإِيمَان حَتَّى الْمَشْي عَلَى وَفْقه وَيُؤَوَّل يَخْرُجُونَ مِنْ الدِّين بِالْخُرُوجِ مِنْ كَمَالِهِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .


قَوْله ( فِيمَا أَنْكَرَتْ الْجَهْمِيَّةُ )
هُمْ الطَّائِفَة مِنْ الْمُبْتَدِعَة يُخَالِفُونَ أَهْل السُّنَّة فِي كَثِير مِنْ الْأُصُول كَمَسْأَلَةِ الرُّؤْيَة وَإِثْبَات الصِّفَات يُنْسَبُونَ إِلَى جَهْم بِفَتْحِ فَسُكُون هُوَ جَهْم بْنُ صَفْوَان مِنْ أَهْل الْكُوفَة .


173 - قَوْله ( كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَر )
أَيْ مِنْ غَيْر مُزَاحَمَة كَمَا يُفِيدهُ آخِر الْكَلَام وَإِلَّا فَهَذِهِ رُؤْيَة فِي جِهَة وَتِلْكَ رُؤْيَة لَا فِي جِهَة وَفِي جَامِع الْأُصُول قَدْ يُخَيَّل إِلَى بَعْض السَّامِعِينَ أَنَّ الْكَاف فِي كَمَا تَرَوْنَ لِتَشْبِيهِ الْمَرْئِيّ بِالْمَرْئِيِّ وَإِنَّمَا هِيَ تَشْبِيه الرُّؤْيَة بِالرُّؤْيَةِ وَهُوَ فِعْل الرَّائِي وَمَعْنَاهُ تَرَوْنَ رَبّكُمْ رُؤْيَة يَزُول مَعَهَا الشَّكّ كَرُؤْيَتِكُمْ الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر وَلَا تَرْتَابُونَ فِيهِ وَلَا تَمْتَرُونَ اِنْتَهَى وَهَذَا وَجْه وَجِيه لَكِنَّ آخِر الْحَدِيث أَنْسَب بِمَا ذَكَرَ وَأَمَّا تَخْيِيل تَشْبِيه الْمَرْئِيّ بِالْمَرْئِيِّ فَبَاطِل فَإِنَّهُ مِنْ الْجَهْل بِالْعَرَبِيَّةِ وَإِلَّا فَكَمَا تَرَوْنَ صِفَة مَصْدَر فَهُوَ نَصٌّ فِي تَشْبِيه الرُّؤْيَة لَا الْمَرْئِيّ
قَوْله ( لَا تُضَامُونَ )
بِفَتْحِ التَّاء وَتَشْدِيد الْمِيم أَيْ لَا تَزْدَحِمُونَ أَوْ بِضَمِّ التَّاء وَتَخْفِيف الْمِيم أَيْ لَا يَلْحَقكُمْ ضَيْم وَمَشَقَّة
قَوْله ( أَنْ لَا تُغْلَبُوا )
عَلَى بِنَاء الْمَفْعُول أَيْ لَا يَغْلِبكُمْ الشَّيْطَان حَتَّى تَتْرُكُوهُمَا أَوْ تُؤَخِّرُوهُمَا عَنْ الْأَوَّل وَقَرَأَ " وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبّك " إِلَخْ وَفِي تَرْتِيب قَوْله فَإِنْ اِسْتَطَعْتُمْ عَلَى مَا فِي قَبْله دَلَالَة عَلَى أَنَّ الْمُحَافِظ عَلَى هَذَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ خَلِيقٌ بِأَنْ يَرَى رَبَّهُ .


174 - قَوْله ( تُضَامُونَ فِي رُؤْيَة الْقَمَر )
بِتَقْدِيرِ حَرْفِ الِاسْتِفْهَام وَالْوَجْهَانِ السَّابِقَانِ جَارِيَانِ فِيهِ .


175 - قَوْله ( تُضَارُّونَ )
أَيْ هَلْ تُضَارُّونَ وَهُوَ بِفَتْحِ وَتَشْدِيد الرَّاء أَيْ هَلْ يُصِيبكُمْ ضَرَر وَيَحْتَمِل أَنَّهُ بِالتَّخْفِيفِ عَلَى بِنَاء الْمَفْعُول مِنْ الضَّيْر لُغَة فِي الضَّرَر وَفِي بَعْض النُّسَخ تُضَامُونَ
مِنْ غَيْر سَحَاب
أَيْ لَا فِي سَحَاب وَلَيْسَ الْمُرَاد أَنَّهَا تَكُون فِي شَيْء غَيْر السَّحَاب وَفِي بَعْض النُّسَخ مِنْ غَيْر سَحَاب .


176 - قَوْله ( وَمَا آيَةُ ذَلِكَ )
أَيْ عَلَامَته
قَوْله ( مُخْلِيًا بِهِ )
اِسْم فَاعِل مِنْ أَخْلَى أَيْ مُنْفَرِدًا بِرُؤْيَتِهِ مِنْ غَيْر أَنْ يُزَاحِمهُ صَاحِبه فِي ذَلِكَ .


177 - قَوْله ( ضَحِكَ )
كَفَرِحَ رَبّنَا بِالرَّفْعِ فَاعِل ضَحِكَ قِيلَ الضَّحِك مِنْ اللَّه الرِّضَا وَإِرَادَة الْخَيْر وَقِيلَ بَسَطَ الرَّحْمَة بِالْإِقْبَالِ وَبِالْإِحْسَانِ أَوْ بِمَعْنَى أَمَرَ مَلَائِكَته بِالضَّحِكِ وَأَذِنَ لَهُمْ فِيهِ كَمَا يُقَال السُّلْطَان قَتَلَهُ إِذَا أَمَرَ بِقَتْلِهِ قَالَ اِبْن حِبَّان فِي صَحِيحه هُوَ مِنْ نِسْبَة الْفِعْل إِلَى الْآمِر وَهُوَ فِي كَلَام الْعَرَب كَثِير قُلْت وَالتَّحْقِيق مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بَعْض الْمُحَقِّقِينَ أَنَّ الضَّحِك وَأَمْثَاله مِمَّا هُوَ مِنْ قَبِيل الِانْفِعَال إِذَا نُسِبَ إِلَى اللَّه تَعَالَى يُرَاد بِهِ غَايَته وَقِيلَ بَلْ الْمُرَاد بِهِ إِيجَاد الِانْفِعَال فِي الْغَيْر فَالْمُرَاد هَاهُنَا الْإِضْحَاك وَمَذْهَب أَهْل التَّحْقِيق أَنَّهُ صِفَة سَمْعِيَّة يَلْزَم إِثْبَاتهَا مَعَ نَفْي التَّشْبِيه وَكَمَال التَّنْزِيه كَمَا أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ مَالِك وَقَدْ سُئِلَ عَنْ الِاسْتِوَاء فَقَالَ الِاسْتِوَاء مَعْلُوم وَالْكَيْف غَيْر مَعْلُوم وَالْإِيمَان بِهِ وَاجِب وَالسُّؤَال عَنْهُ بِدْعَة
قَوْله ( مِنْ قُنُوط عِبَاده )
وَالْقُنُوط كَالْجُلُوسِ وَهُوَ الْيَأْس وَلَعَلَّ الْمُرَاد هَاهُنَا هُوَ الْحَاجَة وَالْفَقْر أَيْ يَرْضَى عَنْهُمْ وَيُقْبَل بِالْإِحْسَانِ إِذَا نَظَرَ إِلَى فَقْرهمْ وَفَاقَتهمْ وَذِلَّتهمْ وَحَقَارَتهمْ وَضَعْفهمْ وَإِلَّا فَالْقُنُوط مِنْ رَحْمَته يُوجِب الْغَضَب لَا الرِّضَا قَالَ تَعَالَى { لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَة اللَّه } وَقَالَ { لَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْح اللَّه إِنَّهُ لَا يَيْأَس مِنْ رَوْح اللَّه إِلَّا الْقَوْم الْكَافِرُونَ } إِلَّا أَنْ يُقَال ذَلِكَ هُوَ الْقُنُوط بِالنَّظَرِ إِلَى كَرْمه وَإِحْسَانه مِثْل أَنْ لَا يَرَى لَهُ كَرَمًا وَإِحْسَانًا أَوْ يَرَى قَلِيلًا فَيَقْنَط كَذَلِكَ فَهَذَا هُوَ الْكُفْر وَالْمَنْهِيّ عَنْهُ أَشَدّ النَّهْي وَأَمَّا الْقُنُوط بِالنَّظَرِ إِلَى أَعْمَاله وَقَبَائِحه فَهُوَ مِمَّا يُوجِب لِلْعَبْدِ تَوَاضُعًا وَخُشُوعًا وَانْكِسَارًا فَيُوجِب الرِّضَا وَيَجْلِب الْإِحْسَان وَالْإِقْبَال مِنْ اللَّه تَعَالَى وَمَنْشَأ هَذَا الْقُنُوط هُوَ الْغَيْبَة عَنْ صَالِح الْأَعْمَال وَاسْتِعْظَام الْمَعَاصِي إِلَى الْغَايَة وَكُلّ مِنْهُمَا مَطْلُوب وَمَحْبُوب وَلَعَلَّ هَذَا سَبَب مَغْفِرَة ذُنُوب مَنْ أَمَرَ أَهْله بِإِحْرَاقِهِ بَعْد الْمَوْت حِين أَيِسَ مِنْ الْمَغْفِرَة فَلْيُتَأَمَّلْ
وَقَوْله ( وَقُرْبِ غِيَرِهِ )
ضُبِطَ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة فَفَتْح يَاء بِمَعْنَى فَقِير الْحَال وَهُوَ اِسْم مِنْ قَوْلِك غَيَّرْت الشَّيْء فَتَغَيَّرَ حَاله مِنْ الْقُوَّة إِلَى الضَّعْف وَمِنْ الْحَيَاة إِلَى الْمَوْت وَهَذِهِ الْأَحْوَال مِمَّا تَجْلِب الرَّحْمَة لَا مَحَالَة فِي الشَّاهِد فَكَيْف لَا تَكُون أَسْبَابًا عَادِيَة لِجَلْبِهَا مِنْ أَرْحَم الرَّاحِمِينَ جَلَّ ذِكْرُهُ وَثَنَاؤُهُ وَالْأَقْرَب أَنَّ الْغَيْر بِمَعْنَى تَغَيُّر الْحَال وَتَحْوِيله وَبِهِ تُشْعِر عِبَارَة الْقَامُوس لَا تُغَيِّرهُ وَلَا تُحَوِّلهُ كَمَا فِي النِّهَايَة وَالضَّمِير لِلَّهِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى يَضْحَك مِنْ أَنَّ الْعَبْد يَصِير مَأْيُوسًا مِنْ الْخَيْر بِأَدْنَى شَرّ وَقَعَ عَلَيْهِ مَعَ قُرْب تَغْيِيره تَعَالَى الْحَال مِنْ شَرّ إِلَى خَيْر وَمِنْ مَرَض إِلَى عَافِيَة وَمِنْ بَلَاء وَمِحْنَة إِلَى سُرُور وَفَرْحَة لَكِنَّ الضَّحِك عَلَى هَذَا لَا يُمْكِن تَفْسِيره بِالرِّضَا قُلْت لَنْ نَعْدَم مِنْ عَدَم كَعَلَمِ إِذَا فَقَدَهُ يُرِيدَانِ الرَّبّ الَّذِي مِنْ صِفَاته الضَّحِك لَا نَفْقِد خَيْره بَلْ كُلَّمَا اِحْتَجْنَا إِلَى خَيْر وَجَدْنَاهُ فَإِنَّا إِذَا أَظْهَرْنَا الْفَاقَة لَدَيْهِ يَضْحَك فَيُعْطِي وَفِي الزَّوَائِد وَكِيع ذَكَرَهُ اِبْن حُبَّانِ فِي الثِّقَات وَبَاقِي رِجَاله اِحْتَجَّ بِهِمْ مُسْلِم اِنْتَهَى أَيْ فَالْحَدِيث حَسَن .


178 - قَوْله ( أَيْنَ كَانَ رَبّنَا )
قِيلَ هُوَ بِتَقْدِيرِ أَيْنَ كَانَ عَرْش رَبّنَا قَالَ وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله قَبْل ثُمَّ خَلَقَ عَرْشه عَلَى الْمَاء وَعَلَى هَذَا يَحْتَمِل قَوْله قَبْل أَنْ يَخْلُق خَلْقه عَلَى غَيْر الْعَرْش وَمَا يَتَعَلَّق بِهِ وَحِينَئِذٍ لَا إِشْكَال فِي الْحَدِيث أَصْلًا وَالْعَمَاء بِالْفَتْحِ وَالْمَدّ السَّحَاب كَذَا فِي النِّهَايَة وَمَنْ لَا يَقْدِر مُضَافًا يَقُول لَيْسَ الْمُرَاد مِنْ الْعَمَاء شَيْئًا مَوْجُودًا غَيْر اللَّه لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَقُول مِنْ قَبِيل الْخَلْق وَالْكَلَام مَفْرُوض قَبْل أَنْ يَخْلُق الْخَلْق بَلْ الْمُرَاد لَيْسَ مَعَهُ شَيْء وَيَدُلّ عَلَيْهِ رِوَايَة كَانَ فِي عَمًى بِالْقَصْرِ فَإِنَّ الْعَمَى بِالْقَصْرِ مُفَسَّر بِهِ قَالَ التِّرْمِذِيّ قَالَ يُرِيد الْعَمَاء أَيْ لَيْسَ مَعَهُ شَيْء وَعَلَى هَذَا كُلّه وَفِي
قَوْله كَانَ فِي عَمَاء
بِمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ مَعَ عَدَم شَيْء آخَر وَيَكُون حَاصِل الْجَوَاب الْإِرْشَاد إِلَى عَدَم الْمَكَان وَإِلَى أَنَّهُ لَا أَيْنَ ثَمَّةَ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُون هُوَ فِي مَكَان وَقَالَ كَثِير مِنْ الْعُلَمَاء هَذَا مِنْ حَدِيث الصِّفَات فَنُؤْمِن بِهِ وَنَكِلُ عِلْمه إِلَى عَالِمه
وَمَا فِي مَا تَحْته هَوَاء
نَافِيَة لَا مَوْصُولَة وَكَذَا قَوْله وَمَا فَوْقه وَأَمَّا
قَوْله وَمَا ثَمَّ خَلْقٌ إِلَخْ
هَكَذَا فِي نُسَخ اِبْن مَاجَهْ الْمُعْتَمَدَة وَالظَّاهِر أَنَّ قَوْله وَمَا تَأْكِيد لِلنَّفْيِ السَّابِق وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ثَمَّ بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَة اِسْم إِشَارَة إِلَى الْمَكَان وَخَلْق بِمَعْنَى مَخْلُوق
وَقَوْله عَرْشه عَلَى الْمَاء
جُمْلَة أُخْرَى وَبَعْضهمْ جَعَلَ وَمَاء بِالْمَدِّ عَطْفًا عَلَى هَوَاء وَالْأَقْرَب أَنَّهُ تَصْحِيفٌ .


179 - قَوْله ( فِي النَّجْوَى )
بَرِيد مُنَاجَاة اللَّه لِلْعَبْدِ يَوْم الْقِيَامَة وَالنَّجْوَى اِسْم يَقُوم مَقَام الْمَصْدَر
قَوْله ( يُدْنَى )
عَلَى بِنَاء الْمَفْعُول مِنْ الْإِدْنَاء
قَوْله ( كَنَفه )
بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ سِتْره عَنْ أَهْل الْمَوْقِف حَتَّى لَا يَطَّلِع عَلَى سِرّه غَيْره
قَوْله ( ثُمَّ يُقَرِّرُهُ )
مِنْ التَّقْرِير بِمَعْنَى الْحَمْل عَلَى الْإِقْرَار هَلْ تَفْسِير لِلتَّقْرِيرِ بِتَقْدِيرِ الْقَوْل أَيْ يَقُول لَهُ هَلْ تَعْرِف
قَوْله ( حَتَّى إِذَا بَلَغَ )
أَيْ الْمُؤْمِن مِنْ الْإِقْرَار وَحَتَّى إِذَا بَلَغَ أَيْ الْفَزَع مِنْهُ أَيْ مِنْ الْمُؤْمِن .


180 - قَوْله ( إِذْ سَطَعَ لَهُمْ )
أَيْ ظَهَرَ وَارْتَفَعَ
قَوْله ( قَدْ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ )
أَيْ ظَهَرَ مِنْ فَوْقهمْ فِيهِ إِثْبَات لِلْجِهَةِ ظَاهِرًا فَلَا بُدّ مِنْ التَّأْوِيل إِنْ ثَبَتَ الْحَدِيث يَحْمِلهُ عَلَى الْعُلُوّ اللَّائِق بِجَنَابِهِ الْعَلِيّ أَيْ يَظْهَر عَلَيْهِمْ حَال كَوْنه عَالِيًا عُلُوًّا يَلِيق بِهِ تَعَالَى فَيَنْظُر إِلَيْهِمْ أَيْ يَبْدُو لَهُمْ أَنَّهُ نَاظِر إِلَيْهِمْ أَوْ يَنْظُر إِلَيْهِمْ نَظَر رَحْمَة فَوْق مَا كَانُوا فِيهَا وَإِلَّا فَهُوَ نَاظِر إِلَيْهِمْ عَلَى الدَّوَام لَا يَغِيب عَنْ نَظَره شَيْء وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون التَّفْرِيع بِالنَّظَرِ إِلَى قَوْله وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ وَفِي الزَّوَائِد إِسْنَاده ضَعِيف لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى ضَعْف الرَّقَاشِيّ قَالَ السُّيُوطِيُّ أَوْرَدَهُ اِبْن الْجَوْزِيّ فِي الْمَوْضُوعَات وَقَالَ الْفَضْل الرَّقَاشِيّ رَجُل سُوء وَرَوَاهُ عَنْهُ أَبُو عَاصِم وَلَا يُتَابَع عَلَيْهِ كَذَا ذَكَرَهُ عَنْ الْعُقَيْلِيّ وَاَلَّذِي رَأَيْته أَنَا فِي كِتَاب الْعُقَيْلِيّ مَا نَصّه أَبُو عَاصِم مُنْكَر الْحَدِيث وَالْعُقَيْلِيّ يَرْوِي لَهُ الْقَدْر لِأَنَّهُ كَادَ أَنْ يَغْلِب عَلَى حَدِيثه الْوَهْم وَهَذَا لَا يَقْتَضِي الْحُكْم بِالْوَضْعِ وَلَهُ طَرِيق آخَر مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ذَكَرَهُ فِي اللآلي اِنْتَهَى .


181 - قَوْله ( تَرْجُمَانِ )
بِفَتْحِ التَّاء وَضَمّ الْجِيم وَيَجُوز ضَمّ أَوَّله اِتِّبَاعًا وَيَجُوز فَتْح الْجِيم وَهُوَ مُعَرَّب وَقِيلَ عَرَبِيّ وَالْمُرَاد أَنَّهُ لَا وَاسِطَة فِي الْبَيْن
قَوْله ( إِلَّا شَيْئًا قَدَّمَهُ )
أَيْ مِنْ الْأَعْمَال
( فَتَسْتَقْبِلهُ )
أَيْ تَظْهَر لَهُ
قَوْله ( وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَة )
بِكَسْرِ الشِّين أَيْ نِصْفهَا أَيْ فَلْيَتَصَدَّقْ بِهِ .


182 - قَوْله ( جَنَّتَانِ )
مُبْتَدَأ وَالِابْتِدَاء بِالنَّكِرَةِ جَائِز إِذَا كَانَ الْكَلَام مُفِيدًا
قَوْله ( مِنْ فِضَّة )
يَحْتَمِل أَنَّهُ خَبَر لِجَنَّتَان بِتَقْدِيرِ كَائِنَتَانِ مِنْ فِضَّة
وَقَوْله آنِيَّتهمَا وَمَا فِيهِمَا
بَدَل اِشْتِمَال مِنْ جَنَّتَانِ أَوْ مِنْ ضَمِير كَائِنَتَانِ وَبِتَقْدِيرِ كَائِنَة مِنْ فِضَّة وَآنِيَّتهمَا فَاعِل الْجَار وَالْمَجْرُور وَيَحْتَمِل أَنَّهُ خَبَر لِمَا بَعْده وَالْجُمْلَة خَبَر لِجَنَّتَان
قَوْله ( بَيْن الْقَوْم )
أَيْ أَهْل الْجَنَّة
قَوْله ( فِي جَنَّة عَدْن )
حَال مِنْ ضَمِير يَنْظُرُونَ وَالظَّاهِر أَنَّ الْمُرَاد بِرِدَاءِ الْكِبْرِيَاء نَفْس صِفَة الْكِبْرِيَاء عَلَى أَنَّ الْإِضَافَة بَيَانِيَّة وَهَذَا هُوَ الْمُوَافِق لِحَدِيثِ الْكِبْرِيَاء رِدَائِي وَحِينَئِذٍ لَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِر هَذَا الْحَدِيث يُفِيد أَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَهُ تَعَالَى فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ رِدَاء الْكِبْرِيَاء مَانِعًا عَنْ نَظَر أَهْل جَنَّة عَدْن فَكَيْف غَيْرهمْ وَصِفَة الْكِبْرِيَاء مِنْ لَوَازِم ذَاته تَعَالَى لَا يُمْكِن زَوَالهَا عَنْهُ فَيَدُوم الْمَنْع بِدَوَامِهَا إِلَّا أَنْ يُقَال هِيَ مَانِعَة عَنْ دَوَام النَّظَر لَا عَنْ أَصْل النَّظَر عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْله وَبَيْن أَنْ يَنْظُرُوا أَيْ وَبَيْن أَنْ يُدِيمُوا فَلَوْلَا هِيَ لِدَوَامِ نَظَرَهُمْ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَنْع مِنْ مُقْتَضَيَات الْمُعَامَلَة بِهَذِهِ الصِّفَة وَهِيَ غَيْر لَازِمَة وَبِهَذَا صَارَتْ صِفَة الْكِبْرِيَاء مَانِعَة عَنْ دَوَام النَّظَر دُون أَصْله فَلْيُتَأَمَّلْ وَيُمْكِن أَنْ يُقَال الْمُرَاد بِرِدَاءِ الْكِبْرِيَاء هُوَ الْمُعَامَلَة بِمُقْتَضَاهَا لَا نَفْس صِفَة الْكِبْرِيَاء كَمَا هُوَ مُقْتَضَى الْإِضَافَة إِذْ الْأَصْل التَّغَايُر لَا التَّبَايُن وَهُوَ الْمُنَاسِب لِلتَّعْبِيرِ بِالرِّدَاءِ بِنَاء عَلَى أَنَّ الْمُرَاد عَادَة لَا يَلْزَم اللَّابِس لُزُوم الْإِزَار وَحِينَئِذٍ فَرِدَاء الْكِبْرِيَاء وَإِنْ كَانَ مَانِعًا مِنْ أَصْل النَّظَر لَكِنَّهُ غَيْر لَازِم فَيُمْكِن النَّظَر وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ فَالْحَدِيث مَسُوق لِإِفَادَةِ كَمَالِ قُرْب أَهْل جَنَّة عَدْن مِنْهُ تَعَالَى .


183 - قَوْله ( يَا أَهْل الْجَنَّة )
تَفْسِير لِلنِّدَاءِ بِتَقْدِيرِ يَقُول
( أَنْ يُنْجِزَكُمُوهُ )
مِنْ الْإِنْجَاز وَهُوَ الْإِيفَاء
قَوْله ( أَلَم يُثَقِّل )
مِنْ الثَّقِيل هَذَا مَبْنِيّ عَلَى أَنَّهُمْ يَنْسَوْنَ الْوَعْد بِالرُّؤْيَةِ وَفِيهِ أَنَّ اللَّه تَعَالَى يُزِيل عَنْ قُلُوبهمْ الْحِرْص وَيُعْطِيهِمْ مَا لَا يَطْمَعُونَ الْمَزِيد عَلَيْهِ وَيُرْضِيهِمْ بِفَضْلِهِ
قَوْله ( وَيُبَيِّض )
مِنْ التَّبْيِيض وَيُدْخِلنَا مِنْ الْإِدْخَال وَيُنَجِّنَا مِنْ الْإِنْجَاء وَالتَّنْجِيَة وَفِي بَعْض النُّسَخ وَيُنَجِّينَا بِإِثْبَاتِ الْيَاء كَمَا فِي التِّرْمِذِيّ مَعَ أَنَّهُ مَعْطُوف عَلَى الْمَجْزُوم إِمَّا لِلْإِشْبَاعِ أَوْ لِلتَّنْزِيلِ مَنْزِلَة الصَّحِيح
قَوْله ( فَيَكْشِف )
يُزِيل وَيَرْفَع
( الْحِجَاب )
أَيْ الَّذِي حَجَبَهُمْ عَنْ إِبْصَاره وَلَا تَعَارُض بَيْنَ الْأَحَادِيث الَّتِي وَرَدَتْ فِي الرُّؤْيَة مُخْتَلِفَة فِي الْكَيْفِيَّة لِكَوْنِهَا تَكُون مِرَارًا مُتَعَدِّدَة .


184 - قَوْله ( وَسِعَ )
كَسَمِعَ سَمْعُهُ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ فَاعِل وَسِعَ الْأَصْوَات بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُوله أَيْ أَحَاطَ سَمْعه بِالْأَصْوَاتِ كُلّهَا لَا يَفُوتهُ مِنْهَا شَيْء وَنَصْب السَّمْع وَرَفْع الْأَصْوَات كَمَا ضُبِطَ فِي بَعْض النُّسَخ بَعِيدٌ مَعْنًى وَلَفْظًا وَهَذَا ثَنَاء عَلَى اللَّه تَعَالَى حِين ظَهَرَ عِنْدهَا آثَار سَعَة سَمْعه وَهَذَا لَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ لَيْسَتْ عَالِمَة بِذَلِكَ قَبْلُ حَتَّى يُقَال كَيْف خَفِيَ عَلَى مِثْلهَا هَذَا الْأَمْر .


185 - قَوْله ( رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي )
مَفْعُول كَتَبَ وَقَوْله كَتَبَ عَلَى نَفْسه يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ سَاقَ هَذَا الْكَلَام عَلَى أَنَّهُ وَعَدَ بِأَنَّهُ سَيُعَامِلُ بِالرَّحْمَةِ مَا لَا يُعَامِل بِالْغَضَبِ لَا أَنَّهُ إِخْبَار عَنْ صِفَة الرَّحْمَة وَالْغَضَب بِأَنَّ الْأُولَى دُون الثَّانِيَة لِأَنَّ صِفَاته كُلّهَا كَامِلَة عَظِيمَة وَلِأَنَّ مَا فَعَلَ مِنْ آثَار الْأُولَى فِيمَا سَبَقَ أَكْثَر مِمَّا فَعَلَ مِنْ آثَار الثَّانِيَة وَلَا يُشْكِل هَذَا الْحَدِيث بِمَا جَاءَ أَنَّ الْوَاحِد مِنْ الْأَلْف يَدْخُل الْجَنَّة وَالْبَقِيَّة النَّار أَمَّا لِأَنَّهُ يُعَامِل بِمُقْتَضَى الرَّحْمَة وَلَا يُعَامَل بِمُقْتَضَى الْغَضَب كَمَا قَالَ ( مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلهَا ) وَقَالَ ( مَثَل الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهمْ فِي سَبِيل اللَّه كَمَثَلِ حَبَّة ) الْآيَة وَقَالَ ( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ ) الْآيَة وَأَمَّا لِأَنَّ مَظَاهِر الرَّحْمَة أَكْثَر مِنْ مَظَاهِر الْغَضَب فَإِنَّ الْمَلَائِكَة كُلّهمْ مَظَاهِر الرَّحْمَة وَهُمْ أَكْثَر خَلْق اللَّه وَكَذَا مَا خَلَقَ اللَّه فِي الْجَنَّة مِنْ الْحُور وَالْوِلْدَان وَغَيْر ذَلِكَ .


186 - قَوْله ( لَمَّا قُتِلَ عَبْد اللَّه )
هُوَ أَبُو جَابِر
بْن حَرَام
ضِدّ الْحَلَال جُعِلَ عَلَمًا
اُسْتُشْهِدَ
عَلَى بِنَاء الْمَفْعُول
عِيَالًا
بِكَسْرِ الْعَيْن
قَوْله ( مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا )
أَيْ لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي عَالَم الْبَرْزَخ
قَوْله ( كِفَاحًا )
بِكَسْرِ الْكَاف أَيْ مُوَاجِهَة لَيْسَ بَيْنهمَا حِجَاب وَلَا رَسُول
قَوْله ( تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِيك )
ظَاهِره عُمُوم الْمَفْعُول أَيْ مَا شِئْت كَمَا يُفِيدهُ حَذْف الْمَفْعُول وَالْمَقَام فَيُشْكِل بِأَنَّ عُمُوم الْوَعْد شَمَلَ الْأَحْيَاء وَهُوَ لَا يُخْلِف الْمِيعَاد فَكَيْف مَا أَحْيَاهُ وَيُمْكِن الْجَوَاب بِأَنَّ خِلَاف الْمِيعَاد الْمَعْهُود مُسْتَثْنًى مِنْ الْعُمُوم فَإِنَّ الْغَايَة مِنْ جُمْلَة الْمُخَصِّصَات كَمَا ذَكَرَهُ أَهْل الْأُصُول
قَوْله ( تُحْيِينِي )
هَذَا مِنْ مَوْضِع الْإِخْبَار مَوْضِع الْإِنْشَاء لِإِظْهَارِ كَمَال الرَّغْبَة وَإِلَّا فَالْمَقَام يَقْتَضِي أَحْيِنِي أَيْ أَحْيِنِي فِي الدُّنْيَا وَإِلَّا فَالشُّهَدَاء أَحْيَاء وَهُوَ حَيّ يَتَكَلَّم فَكَيْف يَطْلُب الْإِحْيَاء وَهُوَ تَحْصِيل الْحَاصِل
قَوْله ( فَأُقْتَلُ )
عَلَى بِنَاء الْمَفْعُول وَضَبَطَهُ بَعْضهمْ بِالنَّصْبِ وَكَأَنَّهُ مَبْنِيّ عَلَى أَنَّهُ جَوَاب الْأَمْر مَعْنَى لِمَا ذَكَرْنَا
قَوْله ( فَأُبْلِغْ )
مِنْ الْإِبْلَاغ أَيْ حَالنَا تَرْغِيبًا لَهُمْ فِي الْجِهَاد
وَفِي الزَّوَائِد إِسْنَاده ضَعِيف وَطَلْحَة بْن حَوَّاش قِيلَ فِيهِ رَوَى عَنْ جَابِر مَنَاكِير وَمُوسَى بْن إِبْرَاهِيم ذَكَرَهُ اِبْن حِبَّان فِي الثِّقَات وَقَالَ يُخْطِئ اِنْتَهَى
قُلْت لَيْسَ الْحَدِيث مِنْ أَفْرَاد اِبْن مَاجَهْ لَا مَتْنًا وَلَا سَنَدًا فَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير فَقَالَ حَدِيث يَحْيَى بْن حَبِيب بْن عَرَبِيّ ثُمَّ ذَكَرَهُ بِسَنَدِهِ لِلْمُصَنِّفِ ثُمَّ قَالَ هَذَا حَدِيث حَسَن غَرِيب لَا نَعْرِفهُ إِلَّا مِنْ حَدِيث مُوسَى بْن إِبْرَاهِيم رَوَاهُ عَنْهُ كِبَار أَهْل الْحَدِيث وَقَدْ رَوَى عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد عَنْ جَابِر شَيْئًا مِنْ هَذَا اِنْتَهَى .


187 - قَوْله ( يَضْحَك إِلَى رَجُلَيْنِ )
قَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُهُ وَتَعْدِيَته بِإِلَى بِمَعْنَى الْإِقْبَال دَخَلَ أَفْرَاده لِأَفْرَادِ كِلَاهُمَا لَفْظًا وَمُرَاعَاةُ لَفْظه أَرْجَحُ قَالَ تَعَالَى { كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا } .


188 - ( قَوْله يَقْبِض اللَّهُ إِلَخْ )
هَذَا الْحَدِيث كَالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْم الْقِيَامَة وَالسَّمَوَات مَطْوِيَّات بِيَمِينِهِ } وَالْمَقْصُود بَيَان غَايَة عَظَمَته تَعَالَى وَحَقَارَة الْأَفْعَال الْعِظَام الَّتِي تَتَحَيَّر فِيهَا الْأَوْهَام بِالْإِضَافَةِ إِلَى كَمَالِ قُدْرَته وَهَذَا الْمَقْصُود حَاصِل بِهَذَا الْكَلَام وَإِنْ لَمْ يُعْرَف كَيْفِيَّة الْقَبْض وَحَقِيقَة الْيَمِين فَالْبَحْث عَنْهُمَا خَارِج عَنْ الْقَدْر الْمَقْصُود إِفْهَامه فَلَا يَنْبَغِي .


189 - قَوْله ( مَا تُسَمُّونَ )
هَذِهِ الْإِشَارَة إِلَى السَّحَاب
قَالُوا السَّحَاب
بِالنَّصْبِ أَيْ نُسَمِّيه السَّحَاب أَوْ بِالرَّفْعِ أَيْ هِيَ السَّحَاب وَكَذَا الْوَجْهَانِ فِي الْمُزْن وَالْعَنَان
وَالْمُزْن
بِضَمِّ الْمِيم السَّحَاب أَوْ أَبْيَضُهُ
وَالْعَنَان
كَسَحَابِ وَزْنًا
وَمَعْنَى قَوْله ( إِمَّا وَاحِدًا أَوْ اِثْنَيْنِ )
قِيلَ لَعَلَّ التَّرْدِيد مِنْ شَكّ الرَّاوِي وَقَدْ جَاءَ فِي الْأَخْبَار أَنَّ بُعْد مَا بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض خَمْسُمِائَةِ فَقَالَ الطِّيبِيُّ الْمُرَاد بِالسَّبْعِينَ فِي الْحَدِيث التَّكْثِير دُون التَّحْدِيد وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَا فَائِدَة حِينَئِذٍ لِزِيَادَةِ وَاحِد وَاثْنَيْنِ قُلْت لَعَلَّ التَّفَاوُت لِتَفَاوُتِ السَّائِر إِذْ لَا يُقَاسُ سَيْر الْإِنْسَان بِسَيْرِ الْفَرَس كَذَلِكَ ذَكَرْته فِي حَاشِيَة أَبِي دَاوُدَ ثُمَّ رَأَيْت فِي حَاشِيَة السُّيُوطِيِّ عَلَى الْكِتَاب أَنَّ الْحَافِظ اِبْن حَجَر ذَكَرَ مِثْله فَلِلَّهِ الْحَمْد عَلَى التَّوَافُق
بَحْر
بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَعْطُوف عَلَى اِسْم إِنَّ فِي قَوْله فَإِنَّ بَيْنكُمْ
قَوْله ( ثُمَّ فَوْق السَّمَاء )
عَطْف عَلَى خَبَر إِنَّ أَوْعَال وَفِي بَعْض النُّسَخ ثَمَانِيَّة أَوْعَال جَمْع وَعْل بِفَتْحٍ فَكَسْر تَيْس جَبَل وَالْمُرَاد مِنْ الْمَلَائِكَة عَلَى صُورَة الْأَوْعَال وَالْأَظْلَاف جَمْع ظِلْف بِالْكَسْرِ وَهُوَ لِلْبَقَرِ وَالْغَنَم كَالْحَافِرِ لِلْفَرَسِ وَرُكَبهمْ بِضَمٍّ فَفَتْح ثُمَّ اللَّه فَوْق ذَلِكَ تَصْوِير لِعَظَمَتِهِ سُبْحَانه وَتَعَالَى وَفَوْقِيَّته عَلَى الْعَرْش بِالْعُلُوِّ وَالْعَظَمَة وَالْحُكْم لَا الْحُلُول وَالْمَكَان .


190 - قَوْله ( إِذَا قَضَى )
أَيْ تَكَلَّمَ بِهِ
خُضْعَانًا
بِالضَّمِّ مَصْدَر خَضَعَ كَالْغُفْرَانِ وَالْكُفْرَان وَيُرْوَى بِالْكَسْرِ كَالْوِجْدَانِ وَالْعِرْفَان وَهُوَ جَمْع خَاضِع كَالْحَيَوَانِ فَإِنْ كَانَ جَمْعًا فَهُوَ حَال وَإِنْ كَانَ مَصْدَرًا جَازَ أَنْ يَكُون مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِمَا فِي ضَرْب الْأَجْنِحَة مِنْ مَعْنَى الْخُضُوع أَوْ مَفْعُولًا وَذَلِكَ لِأَنَّ الطَّائِر إِذَا اِسْتَشْعَرَ خَوْفًا أَرْخَى جَنَاحَيْهِ مُرْتَعِدًا
قَوْله ( كَأَنَّهُ )
أَيْ الْقَوْل
قَوْله ( سِلْسِلَة )
أَيْ صُورَة وَقَعَ سِلْسِلَة الْحَدِيد
( عَلَى صَفْوَان )
هُوَ الْحَجَر الْأَمْلَس
( فَزِعَ )
أَيْ كُشِفَ عَنْهُمْ الْفَزَع وَأُزِيل
( قَالُوا مَاذَا قَالَ )
أَيْ بَعْض الْمَلَائِكَة قَالُوا أَيْ الْمَلَائِكَة الْمُقَرَّبُونَ
( مُسْتَرِقُوا )
أَيْ الشَّيْطَان
( فَيَسْمَع )
أَيْ الشَّيْطَان .


191 - قَوْله ( قَامَ فِينَا إِلَخْ )
أَيْ قَامَ خَطِيبًا فِينَا مُذَكِّرًا بِخَمْسِ كَلِمَات فَقَوْله فِينَا وَبِخَمْسِ كَلِمَات مُتَرَادِفَانِ أَوْ مُتَدَاخِلَانِ وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون فِينَا مُتَعَلِّقًا بِقَامَ عَلَى تَضْمِين مَعْنَى خَطَبَ وَبِخَمْسٍ حَال أَيْ خَطَبَ قَائِمًا مُذَكِّرًا بِخَمْسِ كَلِمَات وَالْقِيَام عَلَى الْوَجْهَيْنِ عَلَى ظَاهِره وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون بِخَمْسٍ مُتَعَلِّقًا بِقَامَ وَفِينَا بَيَان وَالْقِيَام عَلَى هَذَا مِنْ قَامَ بِالْأَمْرِ شَمَّرَ وَتَجَلَّدَ لَهُ أَيْ تَشَمَّرَ بِحِفْظِ هَذِهِ الْكَلِمَات وَكَانَ السَّامِع حِين سَمِعَ ذَلِكَ قَالَ فِي حَقّهَا كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ قُلْت وَفِي الْوَجْه الثَّالِث لَوْ جَعَلَ فِينَا مُتَعَلِّقًا بِقَامَ مِنْ غَيْر اِعْتِبَار أَيْ قَامَ بِخَمْسِ كَلِمَات فِي حَقّنَا وَلِأَجْلِ اِنْتِفَاعنَا كَانَ صَحِيحًا وَالْأَقْرَب أَنَّ الْمَعْنَى قَامَ فِيمَا بَيْننَا بِتَبْلِيغِ خَمْس كَلِمَات أَيْ بِسَبَبِهِ فَالْجَارَانِ مُتَعَلِّقَانِ بِالْقِيَامِ وَهُوَ عَلَى ظَاهِره وَذَلِكَ أَنْ تَجْعَل الْقِيَام مِنْ قَامَ بِالْأَمْرِ وَتَجْعَل فِينَا بَيَانًا مُتَعَلِّقًا بِهِ أَيْضًا
قَوْله ( بِخَمْسِ كَلِمَات )
أَيْ بِخَمْسِ فُصُول وَالْكَلِمَة لُغَة تُطْلَق عَلَى الْجُمْلَة الْمُرَكَّبَة الْمُفِيدَة
( لَا يَنَام )
إِذْ النَّوْم لِاسْتِرَاحَةِ الْقَوِيّ وَالْحَوَاسّ وَهِيَ عَلَى اللَّه تَعَالَى مُحَال
وَلَا يَنْبَغِي لَهُ
أَيْ لَا يَصِحّ وَلَا يَسْتَقِيم لَهُ النَّوْم فَالْكَلِمَة الْأُولَى دَالَّة عَلَى عَدَم صُدُور النَّوْم وَالثَّانِيَة لِلدَّلَالَةِ عَلَى اِسْتِحَالَته عَلَيْهِ تَعَالَى وَلَا يَلْزَم مِنْ عَدَم الصُّدُور اِسْتِحَالَته فَلِذَلِكَ ذُكِرَتْ الْكَلِمَة الثَّانِيَة بَعْد الْأُولَى
قَوْله ( يَخْفِض الْقِسْط وَيَرْفَعهُ )
قِيلَ أُرِيد بِالْقِسْطِ الْمِيزَان وَسُمِّيَ الْمِيزَان قِسْطًا لِأَنَّهُ يَقَع بِهِ الْمُعَادَلَة فِي الْقِسْمَة وَهُوَ الْمُوَافِق لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة يَرْفَع الْمِيزَان وَيَخْفِضهُ وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّه يَخْفِض وَيَرْفَع مِيزَان أَعْمَال الْعِبَاد الْمُرْتَفِعَة إِلَيْهِ وَأَرْزَاقهمْ النَّازِلَة مِنْ عِنْده كَمَا يَرْفَع الْوَزَّان يَده وَيَخْفِضهَا عِنْد الْوَزْن فَهُوَ تَمْثِيل وَتَصْوِير لِمَا يُقَدِّر اللَّه تَعَالَى وَيُنَزِّل وَيَحْتَمِل أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى قَوْله تَعَالَى { كُلَّ يَوْم هُوَ فِي شَأْن } أَيْ أَنَّهُ يَحْكُم بَيْن خَلْقه بِمِيزَانِ الْعَدْل فَأَمْره كَأَمْرِ الْوَزَّان الَّذِي يَزِن فَيَخْفِض يَده وَيَرْفَعهَا وَهَذَا الْمَعْنَى أَنْسَب بِمَا قَبْله كَأَنَّهُ قِيلَ كَيْف كَانَ يَجُوز عَلَيْهِ النَّوْم وَهُوَ الَّذِي يَتَصَرَّف أَبَدًا فِي مُلْكه بِمِيزَانِ الْعَدْل وَقِيلَ أُرِيد بِالْقِسْطِ الرِّزْق لِأَنَّهُ قِسْط كُلّ مَخْلُوق أَيْ نَصِيبه وَخَفْضه تَقْلِيله وَرَفْعه تَكْثِيره
قَوْله ( يُرْفَع إِلَيْهِ )
أَيْ لِلْعَرْضِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ هُوَ تَعَالَى أَعْلَم بِهِ لِيَأْمُر الْمَلَائِكَة بِإِمْضَاءِ مَا قَضَى لِفَاعِلِهِ جَزَاء لَهُ عَلَى فِعْله وَيَرْفَع أَيْ خَزَائِنه لِيَحْفَظ إِلَى يَوْم الْجَزَاء
قَوْله ( قَبْل عَمَل اللَّيْل )
أَيْ قَبْل أَنْ يَشْرَع الْعَبْد فِي عَمَل اللَّيْل أَوْ قَبْل أَنْ يُرْفَع الْعَمَل بِاللَّيْلِ وَالْأَوَّل أَبْلَغ لِمَا فِيهِ مِنْ الدَّلَالَة عَلَى مُسَارَعَة الْكِرَام الْكَتَبَة إِلَى رَفْع الْأَعْمَال وَسُرْعَة عُرُوجهمْ إِلَى مَا فَوْق السَّمَوَات
قَوْله ( حِجَابه )
الْحِجَاب هُوَ الْحَائِل بَيْن الرَّائِي وَالْمَرْئِيّ وَالْمُرَاد هَاهُنَا هُوَ الْمَانِع لِلْخَلْقِ عَنْ إِبْصَاره فِي دَار الْفِنَاء وَالْكَلَام فِي دَار الْبَقَاء فَلَا يَرِد أَنَّ الْحَدِيث يَدُلّ عَلَى اِمْتِنَاع الرُّؤْيَة فِي الْآخِرَة وَكَذَا لَا يَرِد أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَانِع عَنْ الْإِدْرَاك فَكَيْف قِيلَ حِجَابه النُّور يُرِيد أَنَّ حِجَابه عَلَى خِلَاف الْحُجُب الْمَعْهُودَة فَهُوَ مُحْتَجِب عَلَى الْخَلْق بِأَنْوَارِ عِزّه وَجَلَاله وَسَعَة عَظَمَته وَكِبْرِيَائِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْحِجَاب الَّذِي تُدْهَش دُونه الْعُقُول وَتَذْهَب الْأَبْصَار وَتَتَحَيَّر الْبَصَائِر
قَوْله ( لَوْ كَشَفَ ذَلِكَ الْحِجَاب )
وَتَجَلَّى لِمَا وَرَاءَهُ مَا تَجَلَّى مِنْ حَقَائِق الصِّفَات وَعَظَمَة الذَّات لَمْ يَبْقَ مَخْلُوق إِلَّا اِحْتَرَقَ وَهَذَا مَعْنَى قَوْله لَوْ كَشَفَهُ أَيْ رَفَعَهُ وَأَزَالَهُ هَذَا هُوَ الْمُتَبَادَر مِنْ كَشْف الْحِجَاب وَيُفْهَم مِنْ كَلَام بَعْض أَنَّ الْمُرَاد لَوْ أَظْهَرَهُ لَاحْتَرَقَ
قَوْله ( سُبُحَات وَجْهه )
السُّبُحَات أَيْ بِضَمَّتَيْنِ جَمْع سُبْحَة كَغُرْفَةٍ وَغُرُفَات وَفَسَّرَ سُبُحَات الْوَجْه بِجَلَالَتِهِ وَقِيلَ مَحَاسِنه لِأَنَّك إِذَا رَأَيْت الْوَجْه الْحَسَن قُلْت سُبْحَان اللَّه وَقِيلَ قَالَ بَعْض أَهْل التَّحْقِيق إِنَّهَا الْأَنْوَار الَّتِي إِذَا رَآهَا الرَّاءُونَ مِنْ الْمَلَائِكَة سَبِّحُوا وَهَلَّلُوا لِمَا يَرُوعهُمْ مِنْ جَلَال اللَّه وَعَظَمَته قُلْت ظَاهِر الْحَدِيث يُفِيد أَنَّ سُبُحَات الْوَجْه لَا تَظْهَر لِأَحَدٍ وَإِلَّا لَاحْتَرَقَتْ الْمَخْلُوقَات فَكَيْف يُقَال إِنَّ الْمَلَائِكَة يَرَوْنَهَا فَلْيُتَأَمَّلْ
قَوْله ( مَا اِنْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ )
أَيْ كُلّ مَخْلُوق اِنْتَهَى إِلَى ذَلِكَ الْمَخْلُوق بَصَرُهُ تَعَالَى وَمَعْلُوم أَنَّ بَصَره مُحِيط بِجَمِيعِ الْكَائِنَات مَعَ وُجُود الْحِجَاب فَكَيْف إِذَا كَشَفَ فَهَذَا كِنَايَة عَنْ هَلَاك الْمَخْلُوقَات أَجْمَع وَقِيلَ الْمُرَاد مَا اِنْتَهَى بَصَره إِلَى اللَّه تَعَالَى أَيْ كُلّ مَنْ يَرَاهُ يَهْلِك فَكَأَنَّهُمْ رَاعُوا أَنَّ الْحِجَاب مَانِع عَنْ أَبْصَارهمْ فَعِنْد الرَّفْع يَنْبَغِي أَنْ يَعْتَبِر أَبْصَارهمْ وَإِلَّا فَإِبْصَاره تَعَالَى دَائِم فَلْيُتَأَمَّلْ وَقِيلَ الْمُرَاد بِالْبَصَرِ النُّور وَالْمَعْنَى أَيْ كُلّ مَخْلُوق اِنْتَهَى إِلَى ذَلِكَ نُوره تَعَالَى
وَقَوْله مِنْ خَلْقه
عَلَى الْوُجُوه بَيَان لِمَا فِي قَوْله مَا اِنْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ .


192 - قَوْله ( لَوْ كَشَفَهَا )
لَعَلَّ تَأْنِيث الضَّمِير بِتَأْوِيلِ النُّورِ بِالْأَنْوَارِ .


193 - قَوْله ( يَمِين اللَّه )
قِيلَ أُرِيدَ بِالْيَمِينِ النِّعَم
وَمَعْنَى مَلْأَى
كَثِيرَة الْعَطَاء وَقِيلَ أُرِيدَ بِالْيَمِينِ الْخَزَائِن الَّتِي تَتَصَرَّف فِيهَا بِالْيَمِينِ
( لَا يَغِيضهَا )
لَا يُنْقِصهَا خَيْر بَعْد خَيْر
( سَحَّاء )
بِتَشْدِيدِ الْحَاء وَالْمَدّ دَائِمَة الصَّبّ بِالْعَطَاءِ مِنْ سَحَّ سَحًّا وَرُوِيَ بِالتَّنْوِينِ مَصْدَرًا قِيلَ مَا أَتَمّ هَذِهِ الْبَلَاغَة وَأَحْسَن هَذِهِ الِاسْتِعَارَة فَلَقَدْ نَبَّهَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا اللَّفْظ عَلَى مَعَانٍ دَقِيقَة مِنْهَا وَصْف يَده تَعَالَى فِي الْإِعْطَاء بِالتَّفَوُّقِ وَالِاسْتِعْلَاء فَإِنَّ السُّحّ إِنَّمَا يَكُون مِنْ عُلُوّ وَمِنْهَا أَنَّهَا الْمُعْطِيَة عَنْ ظَهْر غِنًى لِأَنَّ الْمَائِع إِذَا اِنْصَبَّ مِنْ فَوْق اِنْصَبَّ بِسُهُولَةِ وَمِنْهَا جَزَالَة عَطَايَاهُ سُبْحَانه فَإِنَّ السُّحّ يَسْتَعْمِل فِيمَا اِرْتَفَعَ عَنْ حَدّ التَّقَاطُر إِلَى حَدّ السَّيْلَانِ وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا مَانِع لَهَا لِأَنَّ الْمَاء إِذَا أَخَذَ فِي الِانْصِبَاب مِنْ فَوْق لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَد أَنْ يَرُدّهُ
قَوْله ( اللَّيْل وَالنَّهَار )
ظَرْف لِسَحَّاء وَالْمُرَاد بِهِ عَدَم الِانْقِطَاع لِمَادَّةِ عَطَائِهِ تَعَالَى
قَوْله ( وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى )
قُلْت هَذَا اللَّفْظ مَعْنَاهُ كَمَا ذَكَرُوا فِي الْيَمِين مِنْ الْمَجَاز فَلْيُتَأَمَّلْ وَالْوَجْه مَذْهَب السَّلَف فَالْوَاجِب فِيهِ وَفِي أَمْثَاله الْإِيمَان بِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيث وَالتَّسْلِيم وَتَرْك التَّصَرُّف فِيهِ لِلْعَقْلِ وَيَسْتَقِلّ بِنَوْعِ بَسْط
قَوْله ( يَرْفَع الْقِسْط وَيَخْفِضهُ )
قِيلَ هُوَ إِشَارَة إِلَى إِنْزَال الْعَدْل إِلَى الْأَرْض مَرَّة وَرَفْعه أُخْرَى
قَوْله ( مَا أَنْفَقَ )
أَيْ قَدْر مَا أَنْفَقَ .


194 - قَوْله ( وَقَبَضَ بِيَدِهِ )
الظَّاهِر أَنَّ الضَّمِير لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ يُرِيهِمْ بِهَذَا كَيْفِيَّة الْقَبْض بَعْد الْبَسْط
قَوْله ( أَسَاقِطٌ )
بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَام وَهُوَ اِسْتِفْهَام جَرَى بَيْنه وَبَيْن نَفْسه وَالْحَقّ فِي هَذَا الْحَدِيث وَكَذَا فِيمَا قَبْله وَبَعْده مَا ذَكَرَهُ الْمُحَقِّقُونَ قَالَ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْح السُّنَّة كُلّ مَا جَاءَ فِي الْكِتَاب وَالسُّنَّة مِنْ هَذَا الْقَبِيل فِي صِفَاته تَعَالَى كَالنَّفْسِ وَالْوَجْه وَالْعَيْن وَالْأُصْبُع وَالْيَد وَالرِّجْل وَالْإِتْيَان وَالْمَجِيء وَالنُّزُول إِلَى السَّمَاء وَالِاسْتِوَاء عَلَى الْعَرْش وَالضَّحِك وَالْفَرَح فَهَذِهِ وَنَظَائِرهَا صِفَات اللَّه تَعَالَى عَزَّ وَجَلَّ وَرَدَ بِهَا السَّمْع فَيَجِب الْإِيمَان بِهَا وَإِبْقَاؤُهَا عَلَى ظَاهِرهَا مُعْرِضًا فِيهَا عَنْ التَّأْوِيل مُجْتَنِبًا عَنْ التَّشْبِيه مُعْتَقِدًا أَنَّ الْبَارِي سُبْحَانه وَتَعَالَى لَا يُشْبِه مِنْ صِفَاته صِفَات الْخَلْق كَمَا لَا تُشْبِه ذَاته ذَوَات الْخَلْق قَالَ تَعَالَى { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير } وَعَلَى هَذَا مَضَى سَلَف الْأُمَّة وَعُلَمَاء السُّنَّة تَلْقَوْهَا جَمِيعًا بِالْقَبُولِ وَتَجَنَّبُوا فِيهَا عَنْ التَّمْثِيل وَالتَّأْوِيل وَوَكَلُوا الْعِلْم فِيهَا إِلَى اللَّه تَعَالَى كَمَا أَخْبَرَ سُبْحَانه عَنْ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْم فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ { وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم يَقُولُونَ آمَنَا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْد رَبّنَا } قَالَ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ كُلّ مَا وَصَفَ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى بِهِ نَفْسه فِي كِتَابه فَتَفْسِيره قِرَاءَته وَالسُّكُوت عَلَيْهِ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُفَسِّرهُ إِلَّا اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَرُسُله وَسَأَلَ رَجُل مَالِك بْن أَنَس عَنْ قَوْله تَعَالَى { الرَّحْمَن عَلَى الْعَرْش اِسْتَوَى } كَيْف اِسْتَوَى فَقَالَ الِاسْتِوَاء غَيْر مَجْهُول وَالْكَيْف غَيْر مَعْقُول وَالْإِيمَان بِهِ وَاجِب وَالسُّؤَال عَنْهُ بِدْعَة وَمَا أَرَاك إِلَّا ضَالًّا وَأُمِرَ بِهِ أَنْ يُخْرَج مِنْ الْمَجْلِس وَقَالَ الْوَلِيد بْن مُسْلِم سَأَلْت الْأَوْزَاعِيَّ وَسُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ وَمَالِكًا عَنْ هَذِهِ الْأَحَادِيث فِي الصِّفَات وَالرُّؤْيَة فَقَالَ أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ بِلَا كَيْف وَقَالَ الزُّهْرِيُّ عَلَى اللَّه الْبَيَان وَمَا عَلَى الرَّسُول إِلَّا الْبَلَاغ وَعَلَيْنَا التَّسْلِيم وَقَالَ بَعْض السَّلَف قَدَمُ الْإِسْلَام لَا تَثْبُتُ إِلَّا عَلَى قَنْطَرَة التَّسْلِيم اِنْتَهَى وَبِنَحْوِ هَذَا صَرَّحَ كَثِير مِنْ الْمُحَقِّقِينَ فَعَلَيْك بِهِ وَاللَّهُ الْمُوَفِّق .


195 - قَوْله ( أَقَامَهُ )
أَيْ عَلَى الْحَقّ
قَوْله ( أَزَاغَهُ )
أَيْ عَنْهُ وَفِي الزَّوَائِد إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ .


196 - قَوْله ( إِلَى ثَلَاثَة )
تَعْدِيَة الضَّحِك بِإِلَى لِتَضْمِينِهِ مَعْنَى الْإِقْبَال وَذِكْر اللَّام فِي التَّفْصِيل لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُ يَضْحَك تَشْرِيفًا لَهُمْ
قَوْله ( خَلْف الْكَتِيبَة )
أَيْ خَلْف الْجَيْش بِمَعْنَى أَنَّهُ يُقَاتِل بَعْد أَنْ ظَفِرُوا لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ يُقَاتِل بَعْد أَنْ ظَفِرَ وَإِلَّا بِمَعْنَى أَنَّهُ يَقُوم خَلْفهمْ وَيُقَاتِل وَفِي الزَّوَائِد فِي إِسْنَاده مَقَال فَإِنَّ مُجَاهِدًا وَلَوْ أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِم فِي صَحِيحه فَإِنَّمَا أَخْرَجَ لَهُ مَقْرُونًا بِغَيْرِهِ قَالَ اِبْن عَدِيٍّ عَامَّة مَا يَرْوِيه غَيْر مَحْفُوظ وَعَبْد اللَّه بْن إِسْمَاعِيل قَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِم وَالذَّهَبِيّ فِي الْكَاشِف مَجْهُولٌ .


197 - قَوْله ( يَعْرِض )
عَنْ الْعَرْض أَيْ يَظْهَر فِي الْمَوْسِم أَيْ مَوْسِم الْحَجّ بِمَكَّة فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَحُجُّونَ زَمَن الْجَاهِلِيَّة
قَوْله ( أَنْ أُبَلِّغَ )
مِنْ الْإِبْلَاغ أَوْ التَّبْلِيغ
كَلَام رَبِّي
فَفِي إِضَافَة الْكَلَام إِلَى اللَّه تَعَالَى دَلِيل عَلَى أَنَّهُ مُتَكَلِّمٌ وَأَنَّ الْقُرْآن كَلَامه تَعَالَى أَنَّهُ أُظْهِرَ فِي جِسْم وَنَحْوه .


198 - قَوْله ( وَيُفَرِّج كَرْبًا )
فِي الصِّحَاح الْكَرْب كَالضَّرْبِ هُوَ الْغَمّ الَّذِي يَأْخُذ بِالنَّفْسِ وَتَفْرِيج الْغَمّ إِزَالَته فِي الصِّحَاح وَفَرْج الْكَرْب كَأَفْرَج اللَّه غَمّك تَفْرِيجًا وَفَرْج اللَّه عَنْك غَمّك يُفَرِّج بِالْكَسْرِ اِنْتَهَى يُرِيد أَنَّهُ جَاءَ بِالتَّشْدِيدِ وَمَعْنَى التَّخْفِيف مِنْ بَاب ضَرَبَ وَالتَّخْفِيف هَاهُنَا أَنْسَب لَفْظًا وَالتَّشْدِيد مَعْنَى لِمَا فِيهِ مِنْ الدَّلَالَة عَلَى الْمُبَالَغَة وَفِي الزَّوَائِد إِسْنَاده حَسَن لِتَقَاصُرِ الرُّوَاة عَنْ دَرَجَة الْحِفْظ وَالْإِتْقَان قَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِم صَالِح وَقَالَ دُحَيْم لَيْسَ بِشَيْءٍ وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ كَانَ يُعَدّ مِنْ الْإِبْدَال وَرُبَّمَا أَخْطَأَ وَذَكَرَهُ اِبْن حِبَّان فِي الثِّقَات وَرَوَاهُ الْبُخَارِيّ مَوْقُوفًا فِي تَفْسِير سُورَة الرَّحْمَن وَرَوَاهُ اِبْن حِبَّان فِي صَحِيحه مِنْ طَرِيق أُمّ الدَّرْدَاء بِهِ .


199 - قَوْله ( سُنَّة حَسَنَة )
أَيْ طَرِيقَة مَرَضِيَّة يَقْتَدِي فِيهَا وَالتَّمْيِيز بَيْن الْحَسَنَة وَالسَّيِّئَة بِمُوَافَقَةِ أُصُول الشَّرْع وَعَدَمهَا
قَوْله ( فَعَمِلَ بِهَا )
الْفَاء لِلتَّفْسِيرِ وَهُوَ تَفْسِير لِقَوْلِهِ سَنَّ بِأَنْ عَمِلَ بِهَا وَمِثْله قَوْله تَعَالَى { وَنَادَى نُوحٌ رَبّه فَقَالَ رَبِّي } الْآيَة وَأَمْثَاله كَثِيرَة وَالْمُرَاد فَعَمِلَ بِهَا أَوَّلًا وَهُوَ عَلَى بِنَاء الْمَفْعُول وَهُوَ وَاضِح
قَوْله ( أَجْرهَا )
أَيْ أَجْر عَمَلهَا وَالْإِضَافَة لِأَدْنَى مُلَابَسَة فَإِنَّ السُّنَّة الْحَسَنَة لَمَّا كَانَتْ سَبَبًا فِي ثُبُوت أَجْر عَامِلهَا أُضِيف الْأَجْر إِلَيْهَا بِهَذِهِ الْمُلَابَسَة كَذَلِكَ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ وَقَالَ التُّورْبَشْتِيُّ وَالصَّوَاب أَجْره لِعَوْدِ الضَّمِير إِلَى صَاحِب الطَّرِيقَة أَيْ لَهُ أَجْر عَمَله وَهُوَ غَيْر لَازِم وَلَا وَجْه لِتَغْلِيظِ الرُّوَاة إِذَا اِحْتَمَلَ الْكَلَام التَّصْحِيح بِوَجْهٍ مَا فَكَيْف وَالتَّصْحِيح هَاهُنَا وَاضِح
قَوْله ( لَا يَنْقُص )
عَلَى بِنَاء الْفَاعِل وَضَمِيره لِإِعْطَاءِ مِثْل أَجْر الْعَامِلِينَ لِمَنْ سَنَّ
( مِنْ أُجُورهمْ )
أَيْ أُجُور الْعَامِلِينَ .


200 - قَوْله ( فَحَثَّ عَلَيْهِ )
أَيْ عَلَى التَّصَدُّق
قَوْله ( كَذَا وَكَذَا )
أَيْ مِنْ الْمَال وَأَنَا أَتَصَدَّق بِهِ ثُمَّ جَاءَ بِهِ قَبْل النَّاس فَتَبِعَهُ النَّاس فِي التَّصَدُّق فَلِذَلِكَ ذَكَرَ فِيهِ مَنْ اِسْتَنَّ خَيْرًا إِلَخْ
قَوْله ( بِمَا قَلَّ )
بِقَلِيلٍ أَوْ كَثِير فَمَا مَوْصُوفَة وَجَعْلُهَا مَوْصُولَة لَا يُسَاعِدهُ الْمَقَام
مَنْ اِسْتَنَّ خَيْرًا
عَلَى بِنَاء الْمَفْعُول أَيْ عَمِلَ بِهِ
قَوْله فَاسْتَنَّ بِهِ
عَلَى بِنَاء الْمَفْعُول أَيْ فَعَمِلَ النَّاس بِذَلِكَ الْخَيْر وَفِي الزَّوَائِد إِسْنَاده صَحِيح وَرَوَاهُ مُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث جَرِير .


201 - قَوْله ( فَاتُّبِعَ )
بِتَشْدِيدِ التَّاء الْمَضْمُومَة مِنْ اِتَّبَعَهُ بِتَشْدِيدِ التَّاء الْمَفْتُوحَة وَلَا يَنْقُص ذَلِكَ إِلَخْ وَلِأَنَّ الدَّاعِي يَسْتَحِقّ ذَلِكَ الدُّعَاء وَالْعَامِل لِلْعَمَلِ فَلَا وَجْه لِلنُّقْصَانِ وَفِي الزَّوَائِد إِسْنَاده ضَعِيف لِضَعْفِ سَعْد بْن سِنَان وَلَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيّ وَهُوَ مَا رَوَاهُ الْمُصَنِّف بَعْدُ .


203 - قَوْله ( عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ )
فِي الزَّوَائِد فِي هَذَا الْإِسْنَاد ضَعْف إِسْرَائِيل لَكِنَّ الشَّوَاهِد فِي الْبَاب كَافِيه فِي قُوَّة الْمَتْن .


204 - وَقَوْله إِلَّا وُقِفَ يَوْم الْقِيَامَة
عَلَى بِنَاء الْمَفْعُول مِنْ الْمُتَعَدَّى وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى وَقِفُوهُمْ
لَازِمًا لِدَعْوَتِهِ
حَال مِنْ ضَمِير الدَّاعِي أَيْ حَال كَوْنه غَيْر مُفَارِق عَنْ دَعْوَته بَلْ مَعَهُ دَعْوَته أَوْ هُوَ صِفَة مَصْدَر أَيْ وَقْفًا لَازِمًا لِأَجْلِ دَعْوَته وَفِي الزَّوَائِد إِسْنَاده ضَعِيف وَاللَّيْث هُوَ اِبْن أَبِي سَلِيم ضَعَّفَهُ الْجُمْهُور .


205 - قَوْله ( مَنْ أَحْيَا سُنَّة إِلَخْ )
قِيلَ الْمُرَاد بِالسُّنَّةِ هُنَا مَا وَضَعَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْأَحْكَام وَهِيَ قَدْ تَكُون فَرْضًا كَزَكَاةِ الْفِطْر وَغَيْر فَرْض كَصَلَاةِ الْعِيد وَصَلَاة الْجَمَاعَة وَقِرَاءَة الْقُرْآن مِنْ غَيْر الصَّلَاة وَتَحْصِيل الْعِلْم وَنَحْو ذَلِكَ وَإِحْيَاؤُهَا أَنْ يَعْمَل بِهَا وَيُحَرِّض النَّاس وَيَحُثّهُمْ عَلَى إِقَامَتهَا
قَوْله ( مِنْ سُنَّتِي )
قِيلَ النَّظَر يَقْتَضِي مِنْ سُنَن بِصِيغَةِ الْجَمْع لَكِنَّ الرِّوَايَة بِصِيغَةِ الْإِفْرَاد فَيُحْمَل الْمُفْرَد عَلَى الْجِنْس الشَّائِع فِي أَفْرَاده
قَوْله ( وَمَنْ اِبْتَدَعَ بِدْعَة )
وَهِيَ مَا لَا يُوَافِق أُصُول الشَّرْع كَمَا سَبَقَ التَّنْبِيه عَلَى ذَلِكَ فَعُمِلَ بِهَا عَلَى بِنَاء الْمَفْعُول وَلَمْ يَقُلْ فَعَمِلَ بِهَا النَّاس كَمَا قَالَ فِي السُّنَّة إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَأْن النَّاس الْعَمَل بِالْبِدَعِ وَإِنَّمَا مِنْ شَأْنهمْ الْعَمَل بِالسُّنَنِ فَالْعَامِل بِالْبِدْعَةِ لَا يُعَدّ مِنْ النَّاس وَيَحْتَمِل عَلَى بُعْد أَنْ يَكُون عَمِلَ عَلَى بِنَاء الْفَاعِل وَفِيهِ ضَمِير النَّاس وَإِفْرَاده لِإِفْرَادِ النَّاس لَفْظًا .


206 - وَقَوْله أُمِيتَتْ بَعْدِي
قِيلَ لَمَّا اُسْتُعِيرَ الْإِحْيَاء لِلْعَمَلِ بِهَا وَحَثَّ النَّاس عَلَيْهَا اُسْتُعِيرَ الْإِمَاتَة لِمَا يُقَابِلهُ مِنْ التَّرْك وَمَنْع النَّاس عَنْ إِقَامَتهَا وَهِيَ كَالتَّرْشِيحِ لِلِاسْتِعَارَةِ الْأُولَى .
قَوْله ( لَا يَرْضَاهَا اللَّه تَعَالَى )
هَذَا تَقْبِيح لِلْبِدْعَةِ وَإِلَّا فَكُلّ بِدْعَة كَذَلِكَ بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَهُوَ مَا لَا يُوَافِق أُصُول الشَّرْع وَقِيلَ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ مِنْ الْبِدَع مَا يَرْضَاهَا اللَّه وَرَسُوله كَالتَّصْنِيفِ وَبِنَاء الْمَدَارِس وَنَحْو ذَلِكَ قُلْت وَهَذَا مَبْنِيّ عَلَى أَنَّ الْبِدْعَة مُطْلَق الْأَمْر الْمُحْدَث بَعْده .


207 - قَوْله ( خَيْركُمْ إِلَخْ )
يُرَاد بِمِثْلِهِ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَة الْأَخْيَار لَا أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الْكُلّ وَبِهِ يَنْدَفِع التَّدَافُع بَيْن الْأَحَادِيث الْوَارِدَة بِهَذَا الْعِنْوَان ثُمَّ الْمَقْصُود فِي مِثْله بَيَان أَنَّ وَصْف تَعَلُّم الْقُرْآن وَتَعْلِيمه مِنْ جُمْلَة خِيَار الْأَوْصَاف فَالْمَوْصُوف بِهِ يَكُون خَيْرًا مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَة أَوْ يَكُون خَيْرًا إِنْ لَمْ يُعَارِض هَذَا الْوَصْف مُعَارِضٌ فَلَا يَرِدُ أَنَّهُ كَثِيرًا مَا يَكُون الْمَرْء مُتَعَلِّمًا أَوْ مُعَلِّمًا الْقُرْآن وَيَأْتِي بِالْمُنْكَرَاتِ فَكَيْف يَكُون خَيْرًا وَقَدْ يُقَال الْمُرَاد مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآن وَعَلَّمَهُ مَعَ مُرَاعَاته عَمَلًا وَإِلَّا فَغَيْر الْمُرَاعِي يُعَدّ جَاهِلًا .


209 - قَوْله ( قَالَ )
أَيْ بَعْض رُوَاة هَذَا الْحَدِيث وَأَخَذَ أَيْ شَيْخِي الَّذِي سَمِعْت مِنْهُ الْحَدِيث وَهَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ فِيهِ مَجَازًا فِي الْإِسْنَاد أَقْرَأ مِنْ الْإِقْرَاء وَفِي التِّرْمِذِيّ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي عَبْد الرَّحْمَن عَنْ عُثْمَان أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآن وَعَلَّمَهُ قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَن فَذَاكَ الَّذِي أَقْعَدَنِي مَقْعَدِي هَذَا وَعَلَّمَ الْقُرْآن فِي زَمَان عُثْمَان حَتَّى بَلَغَ الْحَجَّاج بْن يُوسُف وَفِي الزَّوَائِد إِسْنَاده ضَعِيفٌ لِضَعْفِ الْحَرْث بْن نَبْهَان رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِي الْعَلَاء عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْحَرْث بْنِ نَبْهَان بِهِ .


210 - قَوْله ( كَمَثَلِ الْأُتْرُجَّة )
بِضَمِّ الْمَهْزَة وَالرَّاء وَتَشْدِيد الْجِيم وَفِي بَعْض النُّسَخ أُتْرُنْجَة بِزِيَادَةِ النُّون وَتَخْفِيف الْجِيم وَهِيَ مِنْ أَفْضَل الثِّمَار لِكِبَرِ جُرْمهَا وَمَنْظَرهَا وَطِيب طَعْمهَا وَلِينَ مَلْمَسهَا وَلَوْنُهَا يَسُرّ النَّاظِرِينَ وَفِيهِ تَشْبِيه الْإِيمَان بِالطَّعْمِ الطَّيِّب لِكَوْنِهَا خَيْرًا بَاطِنِيًّا لَا يَظْهَر لِكُلِّ أَحَد وَالْقُرْآن بِالرِّيحِ الطَّيِّب يَنْتَفِع بِسَمَاعِهِ كُلّ أَحَد وَيَظْهَر بِمَحَاسِنِهِ لِكُلِّ سَامِع .


211 - قَوْله ( أَهْلِينَ )
بِكَسْرِ اللَّام جَمْع أَهْل جُمِعَ بِالْيَاءِ وَالنُّون لِكَوْنِهِ مَنْصُوبًا عَلَى أَنَّهُ اِسْم إِنَّ كَمَا يُجْمَع بِالْوَاوِ وَالنُّون إِذَا كَانَ مَرْفُوعًا وَإِنَّمَا يُجْمَع تَنْبِيهًا عَلَى كَثْرَتهمْ
قَوْله ( هُمْ أَهْل الْقُرْآن )
أَيْ حَفَظَة الْقُرْآن يُقْرَأ أَنَاءَ اللَّيْل وَأَطْرَاف النَّهَار الْعَامِلُونَ بِهِ
قَوْله ( أَهْل اللَّه )
بِتَقْدِيرِ أَنَّهُمْ أَهْل اللَّه أَيْ أَوْلِيَاؤُهُ الْمُخْتَصُّونَ بِهِ اِخْتِصَاص أَهْل الْإِنْسَان بِهِ وَفِي الزَّوَائِد إِسْنَاده صَحِيح .


212 - قَوْله ( مَنْ قَرَأَ الْقُرْآن )
أَيْ غَيْبًا وَلَوْ بِالنَّظَرِ
قَوْله ( وَحَفِظَهُ )
أَيْ بِمُرَاعَاةٍ بِالْعَمَلِ بِهِ وَالْقِيَام بِمُوجِبِهِ أَوْ الْمُرَاد بِالْحِفْظِ قِرَاءَته غَيْبًا وَالْوَاو لَا تُفِيد التَّرْتِيب فَيَحْتَمِل أَنَّ الْمَعْنَى مَنْ حَفِظَ الْقُرْآن وَدَاوَمَ عَلَى قِرَاءَته بَعْد ذَلِكَ وَلَا يَتْرُكهُ وَيَحْتَمِل أَنَّ الْمَعْنَى مَنْ دَاوَمَ عَلَى قِرَاءَته حَتَّى حَفِظَهُ وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَر مَعَ ذَلِكَ الْعَمَل بِهِ أَيْضًا إِذْ غَيْر الْعَامِل يُعَدّ جَاهِلًا وَرِوَايَة التِّرْمِذِيّ صَرِيحَة فِي اِعْتِبَار أَنَّهُ يَقْرَأ بِالْغَيْبِ وَإِثْبَاته بِهِ
قَوْله ( أَدْخَلَهُ اللَّه الْجَنَّة )
أَيْ اِبْتِدَاء وَإِلَّا فَكُلّ مُؤْمِن يَدْخُلُهَا
( وَشَفَّعَهُ )
بِتَشْدِيدِ الْفَاء أَيْ قَبِلَ شَفَاعَته
قَوْله ( قَدْ اِسْتَوْجَبُوا النَّار )
أَيْ بِالذُّنُوبِ لَا بِالْكُفْرِ نَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْهُ .


213 - قَوْله ( وَاقْرَءُوهُ )
أَيْ دَاوِمُوا عَلَى قِرَاءَته مَعَ الْعَمَل بِهِ
وَارْقُدُوا
أَيْ ذَلِكَ ذَكَرَهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ قَارِئ الْقُرْآن لَا يُمْنَع عَنْ النَّوْم وَلَا يُعَاقَب عَلَيْهِ إِذَا كَانَ مَعَ أَدَاء حَقّ الْقُرْآن وَإِنَّمَا يُعَاقَب عَلَيْهِ إِذَا لَزِمَ عَلَيْهِ عَدَم أَدَاء حَقّ الْقُرْآن
قَوْله ( فَقَامَ بِهِ )
تَشَمَّرَ لِأَدَاءِ حَقّه قِرَاءَة وَعَمَلًا كَمِثْلِ جِرَاب بِكَسْرِ الْجِيم وِعَاء مَعْرُوف وَفِي الصِّحَاح وَالْعَامَّة تَفْتَحهَا وَفِي الْقَامُوس وَلَا يُفْتَح أَوْ هِيَ لُغَيَّة وَفِي الْقِسْط مِنْ بَاب اللُّطْف قَوْل مَنْ قَالَ لَا تَكْسِر الْقَصْعَة وَلَا تَفْتَح الْجِرَاب
قَوْله ( مَحْشُوًّا )
بِتَشْدِيدِ الْوَاو كَمَدْعُوًّا أَيْ مَمْلُوءًا
فَرَقَدَ
أَيْ غَفَلَ وَنَامَ
( أُوكِيَ )
عَلَى بِنَاء الْمَفْعُول مِنْ أَوَكَيْت السِّقَاء إِذَا رَبَطْت فَمه بِالْوِكَاءِ وَالْوِكَاء بِالْكَسْرِ خَيْط تُشَدّ بِهِ الْأَوْعِيَة وَالْمَعْنَى أَنَّهُ مَلَأَهُ مِسْكًا وَرَبَطَ فَمه عَلَى الْمِسْك أَيْ لِأَجْلِهِ .


214 - قَوْله ( قَاضٍ )
أَيْ بِالْحَقِّ
( قَالَ عُمَر )
تَقْرِيرًا لِاسْتِحْقَاقِهِ الِاسْتِخْلَاف
قَوْله ( بِهَذَا الْكِتَاب )
أَيْ بِقِرَاءَتِهِ أَيْ بِالْعَمَلِ بِهِ
قَوْله ( أَقْوَامًا )
أَيْ مِنْهُمْ مَوْلَاك
( وَيَضَع بِهِ )
أَيْ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُ وَتَرْك الْعَمَل بِمُقْتَضَاهُ .


215 - قَوْله ( لَأَنْ تَغْدُو )
بِفَتْحِ اللَّام لِلِابْتِدَاءِ وَأَنْ بِفَتْحِ الْهَمْزَة مَصْدَرِيَّة وَهُوَ مُبْتَدَأ خَبَره خَبَر مِثْل وَأَنْ تَصُومُوا خَيْر لَكُمْ أَيْ خُرُوجك مِنْ الْبَيْت غَدْوَة
( فَتَعَلَّمَ )
مِنْ الْعِلْم أَوْ مِنْ التَّعَلُّم بِحَذْفِ التَّاء وَالثَّانِي أَظْهَر مَعْنَى
( مِائَة رَكْعَة )
أَيْ نَافِلَة فَإِنَّ الْآيَة فَرْض وَلَوْ عَلَى سَبِيل الْكِفَايَة بِخِلَافِ النَّافِلَة مِنْ الصَّلَاة
قَوْله ( عَمِلَ بِهِ أَوْ لَمْ يَعْمَل بِهِ )
أَيْ سَوَاء كَانَ عِلْمًا مُتَعَلِّقًا بِكَيْفِيَّةِ الْعَمَل كَالْفِقْهِ أَوْ لَا بِأَنْ يَكُون مُتَعَلِّقًا بِالِاعْتِقَادِ مِثْلًا وَلَيْسَ الْمُرَاد أَنْ يَكُون عِلْمًا لَا يَنْتَفِع بِهِ نُقِلَ أَنَّهُ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ إِسْنَاده حَسَن لَكِنْ فِي الزَّوَائِد أَنَّهُ ضُعِّفَ عَبْد اللَّه بْن زِيَاد وَعَلِيّ بْن زَيْد بْن جُدْعَان قَالَ وَلَهُ شَاهِدَانِ أَخْرَجَهُمَا التِّرْمِذِيّ .


216 - قَوْله ( مَنْ يُرِدْ اللَّه بِهِ خَيْرًا إِلَخْ )
قِيلَ إِنْ لَمْ نَقُلْ بِعُمُومِ مَنْ فَالْأَمْر وَاضِح إِذْ هُوَ فِي قُوَّة بَعْض مَنْ أُرِيدَ لَهُ الْخَيْر وَإِنْ قُلْنَا بِعُمُومِهَا يَصِير الْمَعْنَى كُلّ مَنْ يُرِيد بِهِ الْخَيْر وَهُوَ مُشْكِلٌ بِمَنْ مَاتَ قَبْل الْبُلُوغ مُؤْمِنًا وَنَحْوه فَإِنَّهُ قَدْ أُرِيدَ بِهِ الْخَيْر وَلَيْسَ بِفَقِيهٍ وَيُجَاب بِأَنَّهُ عَام مَخْصُوص هُوَ أَكْثَر الْعُمُومَاتِ وَالْمُرَاد مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا خَاصًّا عَلَى حَذْف الصِّفَة اِنْتَهَى قُلْت الْوَجْه حَمْل الْخَيْر عَلَى أَنَّ التَّنْكِير لِلتَّعْظِيمِ فَلَا إِشْكَال عَلَى أَنَّهُ يُمْكِن حَمْل الْخَيْر عَلَى الْإِطْلَاق وَاعْتِبَار تَنْزِيل غَيْر الْفِقْه فِي الدِّين مَنْزِلَة الْعَدَم بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْفِقْه فِي الدِّين فَيَكُون الْكَلَام مَبْنِيًّا عَلَى الْمُبَالَغَة كَانَ مَنْ لَمْ يُعْطَ الْفِقْه فِي الدِّين مَا أُرِيدَ بِهِ الْخَيْرُ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْوُجُوه لَا يُنَاسِب الْمَقْصُود وَيُمْكِن حَمْل مَنْ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ لِأَنَّ كَلَام الشَّارِع غَالِبًا يَتَعَلَّق بِبَيَانِ أَحْوَالهمْ فَلَا يَرِدُ مَنْ مَاتَ قَبْل الْبُلُوغ وَأَسْلَمَ أَوْ مَاتَ قَبْل مَجِيء وَقْت الصَّلَاة مَثَلًا أَيْ قَبْل تَقَرُّر التَّكْلِيف وَالْفِقْه فِي الدِّين هُوَ الْعِلْم الَّذِي يُورِث الْخَشْيَة فِي الْقَلْب وَيَظْهَر أَثَره عَلَى الْجَوَارِح وَيَتَرَتَّب عَلَيْهِ الْإِنْذَار كَمَا يُشِير إِلَيْهِ قَوْله تَعَالَى { فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَة لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّين وَلِيُنْذِرُوا قَوْمهمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } وَعَنْ الدَّارِمِيِّ عَنْ عِمْرَان قَالَ قُلْت لِلْحَسَنِ يَوْمًا فِي شَيْء يَا أَبَا سَعِيد لَيْسَ هَكَذَا يَقُول الْفُقَهَاء فَقَالَ وَيْحك هَلْ رَأَيْت فَقِيهًا قَطُّ إِنَّمَا الْفَقِيه الزَّاهِد فِي الدُّنْيَا الرَّاغِب فِي الْآخِرَة الْبَصِير بِأَمْرِ دِينه الْمُدَاوِم عَلَى عِبَادَة رَبّه وَفِي الزَّوَائِد قُلْت رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس وَقَالَ حَسَن صَحِيح وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَمُعَاوِيَة اِنْتَهِي وَإِسْنَاد أَبِي هُرَيْرَة ظَاهِره الصِّحَّة وَلَكِنْ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى الزُّهْرِيِّ قَرَّرَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَقَالَ الصَّوَاب رِوَايَة الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ مُعَاوِيَة كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ .


217 - قَوْله ( الْخَيْر عَادَة إِلَخْ )
أَيْ الْمُؤْمِن الثَّابِت عَلَى مُقْتَضَى الْإِيمَان وَالتَّقْوَى يَنْشَرِح صَدْره لِلْخَيْرِ فَيَصِير لَهُ عَادَة وَأَمَّا الشَّرّ فَلَا يَنْشَرِح لَهُ صَدْره فَلَا يَدْخُل فِي قَلْبه إِلَّا بِلَجَاجَةِ الشَّيْطَان وَالنَّفْس الْأَمَارَة وَهَذَا هُوَ الْمُوَافِق لِحَدِيثِ دَعْ مَا يَرِيبك إِلَى مَا لَا يَرِيبك وَالْإِثْم مَا حَاكَ فِي صَدْرك وَإِنْ أَفْتَاك الْمَفْتُون وَالْمُرَاد أَنَّ الْخَيْر مُوَافِق لِلْعَقْلِ السَّلِيم فَهُوَ لَا يَقْبَل إِلَّا إِيَّاهُ وَلَا يَمِيل إِلَّا إِلَيْهِ بِخِلَافِ الشَّرّ فَإِنَّ الْعَقْل السَّلِيم يَنْفِر عَنْهُ وَيُقَبِّحهُ وَهَذَا رُبَّمَا يَمِيل إِلَى الْقَوْل بِالْحُسْنِ وَالْقُبْح الْعَقْلِيِّينَ فِي الْأَحْكَام فَلْيُتَأَمَّلْ وَيَحْتَمِل أَنَّ الْمُرَاد بِالْخَيْرِ وَالشَّرّ الْحَقّ وَالْبَاطِل وَلِلْحَقِّ نُور فِي الْقَلْب يَتَبَيَّن بِهِ أَنَّهُ الْحَقّ وَلِلْبَاطِلِ ظُلْمَة يَضِيق بِهَا الْقَلْب عَنْ قَبُوله فَلَا يَدْخُل فِيهِ إِلَّا بِتَرَدُّدٍ وَانْقِبَاض لِلْقَلْبِ عَنْ قَبُوله وَهَذَا هُوَ الْمُوَافِق لِلْمَثَلِ الْمَشْهُور الْحَقّ أَبْلَجُ وَالْبَاطِل كجلج مِنْ غَيْر أَنْ يَنْفُذ وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون هَذَا بَيَان مَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُون الْمُؤْمِن عَلَيْهِ أَيْ اللَّائِق بِحَالِهِ أَنْ يَكُون الْخَيْر عَادَته وَالشَّرّ مَكْرُوهًا لَا يَدْخُل عَلَيْهِ إِلَّا لِلَّجَاجَةِ وَفِي الزَّوَائِد رَوَاهُ اِبْن حِبَّان فِي صَحِيحه مِنْ طَرِيق هَاشِم بْن عَمَّار بِإِسْنَادِهِ وَمَتْنه سَوَاء فَجَعَلَهُمْ فِي الثَّانِيَة الْمَشْهُورَة .


218 - قَوْله ( أَشَدّ عَلَى الشَّيْطَان إِلَخْ )
وَذَلِكَ أَنَّ غَايَة هِمَّة الْعَابِد أَنْ يُخَلِّص نَفْسه مِنْ مكائد الشَّيْطَان وَقَدْ لَا يَقْدِر عَلَيْهِ فَيُدْرِكُهُ الشَّيْطَان مِنْ حَيْثُ لَا يَدْرِي بِخِلَافِ الْفَقِيه فَقَدْ يُخَلِّص اللَّه تَعَالَى عَلَى يَدَيْهِ الْعِبَاد مِنْ مَكَايِد الشَّيْطَان .


219 - قَوْله ( فِي مَسْجِد دِمَشْق )
بِكَسْرِ الدَّال وَفَتْح الْمِيم
قَوْله ( فَمَا جَاءَ بِك تِجَارَة )
بِتَقْدِيرِ حَرْف الِاسْتِفْهَام وَلَا جَاءَ بِك غَيْره أَيْ غَيْر ذَلِكَ الْحَدِيث مِنْ الْأُمُور
قَوْله ( فَإِنِّي سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَخْ )
يَحْتَمِل أَنَّ هَذَا الْحَدِيث هُوَ الْحَدِيث الْمَطْلُوب لِلرَّجُلِ أَوْ غَيْره ذَكَرَهُ تَبْشِيرًا لَهُ وَتَرْغِيبًا فِي مِثْل مَا فَعَلَ
( سَهَّلَ اللَّه لَهُ )
هُوَ إِمَّا كِنَايَة عَنْ التَّوْفِيق لِلْخَيْرَاتِ فِي الدُّنْيَا أَوْ عَنْ إِدْخَال الْجَنَّة بِلَا تَعَب فِي الْآخِرَة
قَوْله ( وَإِنَّ الْمَلَائِكَة إِلَخْ )
مَعْطُوف عَلَى الْجُمْلَة الشَّرْطِيَّة كَذَا الْجُمْلَة بَعْدهَا
قَوْله ( لَتَضَعُ أَجْنِحَتهَا )
يَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَلَى حَقِيقَته وَإِنْ لَمْ يُشَاهِد أَيْ لَمْ تَضَعهَا لِتَكُونَ وَطَاء لَهُ إِذَا مَشَى أَوْ تَكُفّ أَجْنِحَتهَا عَنْ الطَّيَرَان وَتَنْزِل لِسَمَاعِ الْعِلْم وَأَنْ يَكُون مَجَازًا عَنْ التَّوَاضُع تَعْظِيمًا لِحَقِّهِ وَمَحَبَّة لِلْعِلْمِ
قَوْله ( رِضًا )
مَفْعُول لَهُ وَلَيْسَ فِعْلًا لِفَاعِلٍ مُقَدَّر فَيُقَدَّر مُضَاف أَيْ إِرَادَة رِضَا
قَوْله ( يَسْتَغْفِر لَهُ )
إِذَا لَحِقَهُ ذَنْب وَمُجَازَاة عَلَى حُسْن صَنِيعه بِإِلْهَامٍ مِنْ اللَّه تَعَالَى إِيَّاهُمْ ذَلِكَ وَذَلِكَ لِعُمُومِ نَفْع الْعِلْم فَإِنَّ مَصَالِح كُلّ شَيْء وَمَنَافِعه مَنُوطَة بِهِ
وَالْحِيتَان فِي الْمَاء
جَمْع حُوت وَفِي رِوَايَة فِي الْبَحْر
قَوْله ( كَفَضْلِ الْقَمَر )
فَإِنَّ كَمَالَ الْعِلْم كَمَالٌ يَتَعَدَّى آثَاره إِلَى الْغَيْر وَكَمَالَ الْعِبَادَة كَمَالٌ غَيْر مُتَعَدٍّ آثَاره فَشَابَهُ الْأَوَّل بِنُورِ الْقَمَر وَالثَّانِي بِنُورِ سَائِر الْكَوَاكِب وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ كَمَال الْعِلْم لَيْسَ لِلْعَالِمِ مِنْ ذَاته بَلْ تَلَقَّاهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَنُورِ الْقَمَر فَإِنَّهُ مُسْتَفَاد مِنْ نُور الشَّمْس ثُمَّ الْمُرَاد بِالْعَالِمِ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الِاشْتِغَال بِالْعِلْمِ مَعَ اِشْتِغَاله بِالْأَعْمَالِ الضَّرُورِيَّة وَبِالْعَابِدِ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْعِبَادَة مَعَ اِطِّلَاعه عَلَى الْعِلْم الضَّرُورِيّ وَأَمَّا غَيْرهَا فَبِمَعْزِلٍ عَنْ الْفَضْل
( لَمْ يُوَرِّثُوا )
مِنْ التَّوْرِيث
( أَخَذَهُ بِحَظٍّ )
نَصِيب
( وَافِر )
تَامّ .


220 - قَوْله ( طَلَبُ الْعِلْم فَرِيضَةٌ )
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَدْخَل أَرَادَ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَم الْعِلْم الَّذِي لَا يَسَع الْبَالِغ الْعَاقِل جَهْله أَوْ عِلْم مَا يَطْرَأُ لَهُ أَوْ أَرَادَ أَنَّهُ فَرِيضَة عَلَى كُلّ مُسْلِم حَتَّى يَقُوم بِهِ مَنْ فِيهِ كِفَايَة وَقَالَ سُئِلَ اِبْن الْمُبَارَك عَنْ تَفْسِير هَذَا الْحَدِيث فَقَالَ لَيْسَ هُوَ الَّذِي يَظُنُّونَ إِنَّمَا هُوَ أَنْ يَقَع الرَّجُل فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُور دِينه فَيَسْأَل عَنْهُ حَتَّى يَعْلَمهُ وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ الْمُرَاد مِنْ الْعِلْم مَا لَا مَنْدُوحَة لِلْعَبْدِ مِنْهُ كَمَعْرِفَةِ الصَّانِع وَالْعِلْم بِوَحْدَانِيِّتِهِ وَنُبُوَّة رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَيْفِيَّة الصَّلَاة فَإِنَّ تَعَلُّمه فَرْض عَيْن وَقَالَ الثَّوْرِيُّ هُوَ الَّذِي لَا يُعْذَر الْعَبْد فِي الْجَهْل بِهِ وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو حَفْص هُوَ الْمَشْهُور فَإِنَّ غَيْره اُخْتُلِفَ فِي الْعِلْم الَّذِي هُوَ فَرِيضَة فَقِيلَ هُوَ عِلْم الْإِخْلَاص مَأْمُور بِهِ كَمَا أَنَّ الْعِلْم مَأْمُور بِهِ وَشَهَوَات النَّفْس تُخَرِّب مَبَانِي الْإِخْلَاص مِنْ الْمَأْمُور بِهِ فَصَارَ عِلْم ذَلِكَ فَرْضًا وَقِيلَ مَعْرِفَة الْخَوَاطِر وَتَفْصِيلهَا فَرِيضَة لِأَنَّ الْخَوَاطِر فِي نَشْأَة الْعَقْل وَبِذَلِكَ يُعْلَم الْفَرْق بَيْن لَمَّة الْمَلَك وَلَمَّة الشَّيْطَان وَقِيلَ هُوَ طَلَب عِلْم الْحَلَال حَيْثُ كَانَ أَكْل الْحَلَال فَرِيضَة وَقِيلَ هُوَ عِلْم الْبَيْع وَالشِّرَاء وَالنِّكَاح وَالطَّلَاق إِذَا أَرَادَ الدُّخُول فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ يَجِب عَلَيْهِ طَلَب عِلْمه وَقِيلَ هُوَ عِلْم الْفَرَائِض الْخَمْس الَّتِي بُنِيَ عَلَيْهَا الْإِسْلَام وَقِيلَ هُوَ طَلَب عِلْم التَّوْحِيد بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَال وَالنَّقْل وَقِيلَ هُوَ طَلَب عِلْم الْبَاطِن وَهُوَ مَا يَزْدَاد بِهِ الْعَبْد يَقِينًا وَهُوَ الَّذِي يُكْتَسَبُ بِصُحْبَةِ الصَّالِحِينَ وَالزُّهَّاد وَالْمُقَرَّبِينَ فَهُمْ وَرَثَة عِلْم النَّبِيِّينَ صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ اِنْتَهَى
قَوْله ( عَلَى كُلّ مُسْلِم )
أَيْ مُكَلَّف لِيَخْرُج غَيْر الْمُكَلَّف مِنْ الصَّبِيّ وَالْمَجْنُون وَمَوْضُوعه الشَّخْص فَيَشْمَل الذَّكَر وَالْأُنْثَى وَقَالَ السَّخَاوِيّ فِي الْمَقَاصِد أَلْحَقَ بَعْض الْمُصَنَّفِينَ بِآخِرِ هَذَا الْحَدِيث وَمُسْلِمَة وَلَيْسَ لَهَا ذِكْر فِي شَيْء مِنْ طُرُقه وَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَة الْمَعْنَى وَوَاضِعٌ عِنْد غَيْرِ أَهْلِهِ قَالَ الطِّيبِيُّ هَذَا يُشْعِر بِأَنَّ كُلّ مُسْلِم يَخْتَصّ بِاسْتِعْدَادٍ وَلَهُ أَهْل فَإِذَا وَضَعَهُ فِي غَيْر مَوْضِعه فُقِدَ فَمِثْلُهُ تَقْلِيدُ أَخَسّ الْحَيَوَانَات بِأَنْفَس الْجَوَاهِر تَهْجِينًا لِذَلِكَ الْوَضْع وَتَنْفِيرًا عَنْهُ وَفِي تَعَقُّب هَذَا التَّمْثِيل قَوْله طَلَبُ الْعِلْم إِعْلَامٌ بِأَنَّهُ يَنْبَغِي لِكُلِّ أَحَد طَلَبُ مَا يَلِيق بِاسْتِعْدَادِهِ وَيُوَافِق مَنْزِلَته بَعْد حُصُول مَا هُوَ وَاجِب مِنْ الْفَرَائِض الْعَامَّة وَعَلَى الْعَالِم أَنْ يَخُصّ كُلّ طَالِب بِمَا هُوَ مُسْتَعِدٌّ لَهُ اِنْتَهَى وَفِي الزَّوَائِد إِسْنَاده ضَعِيف لِضَعْفِ حَفْص بْن سُلَيْمَان وَقَالَ السُّيُوطِيُّ سُئِلَ الشَّيْخ مُحْيِي الدِّين النَّوَوِيّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى عَنْ هَذَا الْحَدِيث فَقَالَ إِنَّهُ ضَعِيفٌ أَيْ سَنَدًا وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا أَيْ مَعْنًى وَقَالَ تِلْمِيذه جَمَال الدِّين الْمِزِّيُّ هَذَا الْحَدِيث رُوِيَ مِنْ طُرُق تَبْلُغ رُتْبَة الْحَسَن وَهُوَ كَمَا قَالَ فَإِنِّي رَأَيْت لَهُ نَحْو خَمْسِينَ طَرِيقًا وَقَدْ جَمَعْتهَا فِي جُزْء اِنْتَهَى .


221 - قَوْله ( مَنْ نَفَّسَ )
بِالتَّشْدِيدِ أَيْ فَرَّجَ
كُرْبَة
بِضَمٍّ فَسُكُون أَيْ غَمًّا وَشِدَّة
( مِنْ كُرَب الدُّنْيَا )
بِضَمٍّ فَفَتْح جَمْع كُرْبَة
قَوْله ( وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا )
أَيْ بِثَوْبٍ أَوْ بِتَرْكِ التَّعَرُّض لِكَشْفِ حَاله بَعْد أَنْ رَآهُ يَرْتَكِبُ ذَنْبًا
( وَمَنْ يَسَّرَ )
بِالتَّشْدِيدِ أَيْ سَهَّلَ
( عَلَى مُعْسِر )
مِنْ الْإِعْسَار أَيْ مَدْيُون فَقِير بِالتَّجَاوُزِ عَنْ الدَّيْن كُلًّا أَوْ بَعْضًا أَوْ بِتَأْخِيرِ الْمُطَالَبَة عَنْ وَقْته
قَوْله ( فِي عَوْن أَخِيهِ )
أَيْ بِأَيِّ وَجْه كَانَ مِنْ جَلْب نَفْع أَوْ دَفْع ضُرّ سُهِّلَ لَهُ بِهِ أَيْ بِسُلُوكِهِ وَالْبَاء لِلسَّبَبِيَّةِ
قَوْله ( فِي بَيْت مِنْ بُيُوت اللَّه )
قَالَ الطِّيبِيُّ شَامِل لِجَمِيعِ مَا يُبْنَى لِلَّهِ تَقَرُّبًا إِلَيْهِ مِنْ الْمَسَاجِد وَالْمَدَارِس وَالرُّبَط
قَوْله ( يَتَدَارَسُونَهُ )
قِيلَ شَامِل لِجَمِيعِ مَا يَتَعَلَّق بِالْقُرْآنِ مِنْ التَّعَلُّم وَالتَّعْلِيم وَالتَّفْسِير وَالِاسْتِكْشَاف عَنْ دَقَائِق مَعَانِيه
( إِلَّا حَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ )
أَيْ طَافُوا بِهِمْ وَأَدَارُوا حَوْلهمْ تَعْظِيمًا لِصَنِيعِهِمْ
قَوْله ( السَّكِينَة )
هِيَ مَا يَحْصُلُ بِهِ صَفَاء الْقَلْب بِنُورِ الْقُرْآن وَذَهَاب ظُلْمَته النَّفْسَانِيَّة
( وَغَشِيَتْهُمْ )
أَيْ غَطَّتْهُمْ وَسَتَرَتْهُمْ
( فِيمَنْ عِنْده )
مِنْ الْمَلَأ الْأَعْلَى الطَّبَقَة الْأُولَى مِنْ الْمَلَائِكَة قِيلَ ذَكَرَهُمْ مُبَاهَاة بِهِمْ
( وَمَنْ أَبْطَأَ بِهِ )
الْبَاء لِلتَّعْدِيَةِ يُقَال بَطَّأَ بِهِ بِالتَّشْدِيدِ وَأَبْطَأَ بِهِ بِمَعْنَى أَيْ مَنْ أَخَّرَهُ عَنْ الشَّيْء تَفْرِيطُهُ فِي الْعَمَل الصَّالِح لَمْ يَنْفَعهُ فِي الْآخِرَة شَرَفُ النَّسَب وَقِيلَ يُرِيد أَنَّ التَّقَرُّب لِلَّهِ لَا يَحْصُلُ بِالنَّسَبِ كَثْرَة الْعَشَائِر بَلْ بِالْعَمَلِ الصَّالِح فَمَنْ لَمْ يَتَقَرَّب بِذَلِكَ لَا يَتَقَرَّب إِلَيْهِ بِعُلُوِّ النَّسَب .


222 - قَوْله ( أُنْبِطُ الْعِلْم )
مِنْ نَبَطَ الْبِئْر كَضَرَبَ وَنَصَرَ إِذَا اِسْتَخْرَجَ مَاءَهُ وَالْمُرَاد أَطْلُب الْعِلْم وَأَسْتَخْرِجُهُ مِنْ قُلُوب الْعُلَمَاء وَأُحَصِّلُهُ فِي قَلْبِي وَقَالَ السُّيُوطِيُّ تَبَعًا لِصَاحِبِ النِّهَايَة أَيْ اِسْتَنْبَطَهُ أَيْ أُظْهِرُهُ وَأُفْشِيه فِي النَّاس اِنْتَهَى وَظَاهِره أَنَّهُ خَرَجَ يُعَلِّمُ النَّاس وَهُوَ لَا يُنَاسِب اللَّفْظ وَلَا آخِر الْحَدِيث فَلْيُتَأَمَّلْ وَفِي الزَّوَائِد رِجَال إِسْنَاده ثِقَات إِلَّا أَنَّ عَاصِم بْن أَبِي النَّجُود اِخْتَلَطَ بِآخِرِهِ وَالْمَتْن مِنْ رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ مَعْلُوم وَقَدْ سَبَقَ .


223 - قَوْله ( مَنْ جَاءَ مَسْجِدِي هَذَا )
أَرَادَ مَسْجِده وَتَخْصِيصه بِالذِّكْرِ إِمَّا لِخُصُوصِ هَذَا الْحُكْم بِهِ أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ مَحَلًّا لِلْكَلَامِ حِينَئِذٍ وَحُكْم سَائِر الْمَسَاجِد كَحُكْمِهِ
قَوْله ( لَمْ يَأْتِهِ إِلَّا لِخَيْرٍ )
الْجُمْلَة حَال أَيْ حَال كَوْنه آتِيًا لِلْخَيْرِ لَا لِغَيْرِهِ وَالْكَلَام فِيمَنْ لَمْ يَأْتِ الصَّلَاة وَإِلَّا فَالْإِتْيَان لَهَا هُوَ الْأَصْل الْمَطْلُوب فِي الْمَسَاجِد
قَوْله ( بِمَنْزِلَةِ الْمُجَاهِد )
وَجْه مُشَابَهَة طَلَب الْعِلْم بِالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيل اللَّه أَنَّهُ إِحْيَاء لِلدِّينِ وَإِذْلَال لِلشَّيْطَانِ وَإِتْعَاب النَّفْس وَكَسْر ذُرَى اللَّذَّة كَيْف وَقَدْ أُبِيحَ لَهُ التَّخَلُّف عَنْ الْجِهَاد فَقَالَ تَعَالَى { وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا } الْآيَة
قَوْله ( وَمَنْ جَاءَهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ )
أَيْ مِمَّنْ لَمْ يَأْتِ الصَّلَاة كَمَا تَقَدَّمَ
قَوْله ( فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ إِلَخْ )
أَيْ بِمَنْزِلَةِ مَنْ دَخَلَ السُّوق لَا يَبِيع وَلَا يَشْتَرِي بَلْ لِيَنْظُر إِلَى أَمْتِعَة النَّاس فَهَلْ يَحْصُل لَهُ بِذَلِكَ فَائِدَة فَكَذَلِكَ هَذَا وَفِيهِ أَنَّ مَسْجِده صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُوق الْعِلْم فَيَنْبَغِي لِلنَّاسِ شِرَاء الْعِلْم بِالتَّعَلُّمِ وَالتَّعْلِيم وَفِي الزَّوَائِد إِسْنَاده صَحِيح عَلَى شَرْط مُسْلِم وَقَوْل الْحَافِظ ثَمَّ فِيهِ عَلَى شَرْط الشَّيْخَيْنِ غَلَط فَإِنَّ الْبُخَارِيّ لَمْ يَحْتَجّ بِحُمَيْد بْن صَخْر وَلَا أَخْرَجَ لَهُ فِي صَحِيحه وَإِنَّمَا أَخْرَجَ لَهُ فِي الْأَدَب الْمُفْرَد وَإِنَّمَا اِحْتَجَّ بِهِ مُسْلِم .


224 - قَوْله ( بِهَذَا الْعِلْم )
الْإِشَارَة إِلَى عِلْم الدِّين الَّذِي بُعِثَ صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِ لِنَشْرِهِ فَإِنَّهُ الْمَعْهُود فِي كَلَام الْحَاضِر بِحُضُورِهِ فَصَحَّ الْإِشَارَة إِلَيْهِ
قَوْله ( أَنْ يُرْفَع )
أَيْ مِنْ عِنْدكُمْ بِرَفْعِ مَنْ جَاءَ بِهِ مِنْ الدُّنْيَا
( وَجَمَعَ )
أَيْ إِشَارَة إِلَى قُرْب أَوَان الْقَبْض لِمَا بَيْنهمَا مِنْ الِاتِّصَال أَوْ جَمَعَ يُشِير بِهِمَا إِلَى كَيْفِيَّة الرَّفْع إِلَى السَّمَاء بِأَنْ أَشَارَ بِهِمَا إِلَى جِهَة الْعُلُوّ
قَوْله ( وَلَا خَيْر )
هُوَ مِثْل مَنْ يُرِدْ اللَّه بِهِ خَيْرًا يُفَقِّههُ فِي الدِّين فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ طَالِب الْفِقْه كَالْفَقِيهِ وَمَنْ لَا فِقْه لَهُ وَلَا طَلَب فَلَا خَيْر لَهُ لِتَنْزِيلِ الْحِرْمَان عَنْ خَيْر الْفِقْه مَنْزِلَة الْحِرْمَان عَنْ مُطْلَق الْخَيْر وَفِي الزَّوَائِد فِي إِسْنَاده عَلِيّ بْن زَيْد بْن جُدْعَان وَالْجُمْهُور عَلَى تَضْعِيفه .


225 - قَوْله ( بِحَلْقَتَيْنِ )
الْحَلْقَة بِفَتْحٍ فَسُكُون هُوَ الْمَشْهُور وَقَدْ جُوِّزَ كَسْر اللَّام وَفَتْحهَا وَأَنْكَرَ بَعْضهمْ الْفَتْح وَقَالَ آخَرُونَ هِيَ لُغَة ضَعِيفَة
قَوْله ( فَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُمْ )
أَيْ مَطْلُوبهمْ إِذْ لَا وُجُوب عَلَيْهِ تَعَالَى لَكِنْ فِي تَرْك هَذَا فِيمَا بَعْد تَنْبِيه عَلَى أَنَّ إِعْطَاء أُولَئِكَ مَطْلُوبهمْ كَالْمُتَحَقِّقِينَ فَفِيهِ إِشَارَة إِلَى بَوْن بَعِيد بَيْنهمَا وَقَدْ أَخْرَجَ بَعْضهمْ حَدِيث مَنْ يُرِدْ اللَّه بِهِ خَيْرًا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى فَقَالَ لَا يَدْرِي أَحَد أَنَّهُ أُرِيدَ لَهُ الْخَيْر فِي الدُّنْيَا إِلَّا الْفُقَهَاء وَكَأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد أَنَّ مَنْ يُرِيد لَهُ الْخَيْر يُفَقِّههُ لَا غَيْره بِنَاء عَلَى اِعْتِبَار مَفْهُوم الشَّرْط لَكِنَّ هَذَا الْمَعْنَى بَعِيد وَهَذَا الْإِطْلَاق لَا يَنْبَغِي شَرْعًا فَلْيُتَأَمَّلْ
وَفِي قَوْله وَإِنَّمَا بُعِثْت مُعَلِّمًا
إِشْعَار بِأَنَّهُمْ مِنْهُ وَهُوَ مِنْهُمْ وَمِنْ ثَمَّةَ جَلَسَ فِيهِمْ وَفِي الزَّوَائِد إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ دَاوُدُ وَبَكْر وَعَبْد الرَّحْمَن كُلُّهُمْ ضُعَفَاءُ .


226 - قَوْله ( نَضَّرَ اللَّهُ اِمْرَأَ )
قَالَ الْخَطَّابِيُّ دَعَا لَهُ بِالنَّضَارَةِ وَهِيَ النِّعْمَة يُقَال نَضَّرَ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف وَهُوَ أَجْوَد وَفِي النِّهَايَة يُرْوَى بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف مِنْ النَّضَارَة وَهِيَ فِي الْأَصْل حُسْن الْوَجْه وَالْبَرِيق وَأَرَادَ حُسْن قَدْره وَقِيلَ رُوِيَ مُخَفَّفًا وَأَكْثَر الْمُحَدِّثِينَ يَقُول بِالتَّثْقِيلِ وَالْأَوَّل الصَّوَاب وَالْمُرَاد أَلْبَسهُ اللَّه النَّضْرَة وَهِيَ الْحُسْن وَخُلُوص اللَّوْن أَيْ جَمَّلَهُ وَزَيَّنَهُ وَأَوْصَلَهُ اللَّه إِلَى نَضْرَة الْجَنَّة أَيْ نَعِيمهَا وَنَضَارَتهَا قَالَ اِبْن عُيَيْنَةَ مَا مِنْ أَحَد يَطْلُب الْحَدِيث إِلَّا وَفِي وَجْهه نضرة لِهَذَا الْحَدِيث وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّب الطَّبَرِيُّ رَأَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَام فَقُلْت يَا رَسُول اللَّه أَنْتَ قُلْت نَضَّرَ اللَّه اِمْرَأَ وَتَلَوْت عَلَيْهِ الْحَدِيث جَمِيعه وَوَجْهُهُ يَتَهَلَّل فَقَالَ لِي نَعَمْ أَنَا قُلْته
قَوْله ( فَرَبُّ حَامِل فِقْه )
بِمَنْزِلَةِ التَّعْلِيل لِمَا يُفْهَم مِنْ الْحَدِيث أَنَّ التَّبْلِيغ مَطْلُوب وَالْمُرَاد بِحَامِلِ الْفِقْه حَافِظُ الْأَدِلَّةِ الَّتِي يُسْتَنْبَطُ مِنْهَا الْفِقْهُ
غَيْر فَقِيهِ
أَيْ غَيْر قَادِر عَلَى اِسْتِنْبَاط الْفِقْه مِنْ تِلْكَ الْأَدِلَّة إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ أَيْ هُوَ فَقِيهٌ أَيْضًا لَكِنَّهُ يَحْمِل الْفِقْه إِلَى أَفْقَه مِنْهُ بِأَنْ كَانَ الَّذِي يَسْمَع مِنْهُ أَفْقَه مِنْهُ وَأُقْدَر عَلَى اِسْتِنْبَاطه
قَوْله ( ثَلَاث )
أَيْ خِصَال ثَلَاث أَيْ ثَلَاث خِصَال مَخْصُوصَة بِالْإِضَافَةِ أَوْ التَّوْصِيف فَصَحَّ وُقُوعهَا مُبْتَدَأ عِنْد الْكُلّ
قَوْله ( لَا يُغِلّ )
بِكَسْرِ الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد اللَّام عَلَى الْمَشْهُور وَالْيَاء تَحْتَمِل الضَّمّ وَالْفَتْح فَعَلَى الْأَوَّل مِنْ أَغَلَّ إِذَا خَانَ وَعَلَى الثَّانِي مِنْ غَلَّ إِذَا صَارَ ذَا حِقْد وَعَدَاوَة
قَوْله ( عَلَيْهِنَّ )
فِي مَوْضِع الْحَال أَيْ حَال كَوْنه كَائِنًا عَلَيْهِنَّ أَيْ مَا دَامَ الْمُؤْمِن عَلَى هَذِهِ الْخِصَال الثَّلَاث
قَوْله ( قَلْب اِمْرِئٍ )
لَا يَدْخُل فِي قَلْبه خِيَانَة أَوْ حِقْد يَمْنَعهُ مِنْ تَبْلِيغ الْعِلْم فَيَنْبَغِي لَهُ الثَّبَاتُ عَلَى هَذِهِ الْخِصَال حَتَّى لَا يَمْنَعُهُ شَيْءٌ مِنْ التَّبْلِيغ وَبِهَذَا ظَهَرَ مُنَاسَبَة هَذِهِ الْجُمْلَة بِمَا قَبْلهَا
قَوْله ( إِخْلَاصُ الْعَمَل لِلَّهِ )
أَيْ جَعَلَ الْعَمَل خَالِصًا لِلَّهِ لَا لِغَيْرِهِ مِنْ مَحَبَّته أَيْ بِلَا عَدَاوَة
قَوْله ( وَالنُّصْح )
أَيْ إِرَادَة الْخَيْر وَلَوْ لِلْأَئِمَّةِ وَفِيهِ أَنَّ إِرَادَة النُّصْح لِلْأَئِمَّةِ يَكْفِي فِي إِرَادَته لِكُلِّ أَحَد لِأَنَّ فَسَاد الرَّعَايَا يَتَعَدَّى آثَاره إِلَيْهِمْ وَيُؤْخَذ مِنْ هَذَا أَنَّ رَئِيس الْأَئِمَّة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنُصْحُهُ مَطْلُوبٌ بِهَذَا الْحَدِيث أَوَّلًا وَنُصْحُهُ يَتَضَمَّنُ النُّصْح لِتَمَامِ أُمَّته صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .


227 - قَوْله ( بِالْخِيفِ مِنْ مِنًى )
الْخِيف بِفَتْحِ فَسُكُون الْمَوْضِع الْمُرْتَفِع عَنْ مَجْرَى السَّيْل الْمُنْحَدِر عَنْ غِلَظ الْجَبَل وَمَسْجِد مِنًى يُسَمَّى مَسْجِد الْخِيف لِأَنَّهُ فِي سَفْح جَبَلهَا .


228 - قَوْله ( عَنْ أَبِيهِ )
أَيْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود
قَوْله ( سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا )
أَيْ سَمِعَ بِلَا وَاسِطَة أَوْ بِوَاسِطَةٍ وَهِيَ مَعْنَى سَمِعَ مَقَالَتِي وَلَا يَتَقَيَّد بِالسَّمَاعِ مِنْ فِيهِ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى هَذَا الْعُلَمَاء
قَوْله ( أَحْفَظُ )
أَيْ أَفْطَنُ وَأَفْهَمُ أَوْ أَكْثَرُ مُرَاعَاة لِمَعْنَاهُ وَعَمَلًا بِمُقْتَضَاهُ وَلَيْسَ الْمُرَاد الْحِفْظ اللِّسَانِيّ .


229 - قَوْله ( وَعَنْ رَجُل آخَر )
قِيلَ الرَّجُل الْآخَر هُوَ حُمَيْدُ بْن عَبْد اللَّه الْخَيْرِيّ
قَوْله ( لِيُبَلِّغ )
أَمْر مِنْ الْإِبْلَاغ أَوْ التَّبْلِيغ وَالثَّانِي هُوَ الْمَشْهُور
قَوْله ( الشَّاهِد )
أَيْ الْحَاضِر إِسْمَاع الْعِلْم وَهُوَ بِالرَّفْعِ فَاعِل لِيُبَلِّغ
وَالْغَائِب
بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُول أَوَّل وَالْمَفْعُول الثَّانِي مَحْذُوف أَيْ الْعِلْم الَّذِي حَضَرَ سَمَاعه أَيْ لِيَعُمّ الْبَلَاغ الْكُلّ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى عُمُوم الرِّسَالَة إِلَيْهِمْ وَلِأَنَّهُ قَدْ يَفْهَم الْمُبَلَّغُ مَا لَا يَفْهَمهُ الْحَامِلُ مِنْ الْأَسْرَار وَالْعُلُوم
وَهَذَا مَعْنَى قَوْله رُبَّ مُبَلَّغ
بِفَتْحِ اللَّام مِنْ الْإِبْلَاغ أَوْ التَّبْلِيغ
يُبَلِّغُهُ
عَلَى بِنَاء الْمَفْعُول مِنْ أَحَد النَّائِبِينَ وَنَائِب الْفَاعِل ضَمِير مُبَلَّغ وَالضَّمِير الْمَنْصُوب لِلْعِلْمِ
أَوْعَى إِلَيْهِ
أَيْ أَحْفَظ لَهُ بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَا فِي الْحَدِيث السَّابِق وَقَدْ تَكَلَّمَ فِي الزَّوَائِد عَلَى بَعْض الْأَحَادِيث إِلَّا أَنَّ مُتُونهَا ثَابِتَة عَنْ الْأَئِمَّة .


233 - قَوْله ( إِنَّ مِنْ النَّاس مَفَاتِيح لِلْخَيْرِ )
الْمِفْتَاح بِكَسْرِ الْمِيم آلَة لِفَتْحِ الْبَاب وَنَحْوه وَالْجَمِيع مَفَاتِيح وَمَفَاتِح أَيْضًا
وَالْمِغْلَاق
بِكَسْرِ الْمِيم هُوَ مَا يُغْلَق بِهِ وَجَمْعه مَغَالِيق وَمَغَالِق وَلَا بُعْد أَنْ يُقَدَّر ذَوِي مَفَاتِيح لِلْخَيْرِ أَيْ أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَجْرَى عَلَى أَيْدِيهمْ فَتْح أَبْوَاب الْخَيْر كَالْعِلْمِ وَالصَّلَاح عَلَى النَّاس حَتَّى كَأَنَّهُ مَلَّكَهُمْ مَفَاتِيح الْخَيْر وَوَضَعَهَا فِي أَيْدِيهمْ وَلِذَلِكَ قَالَ جَعَلَ اللَّه مَفَاتِيح الْخَيْر عَلَى يَدَيْهِ وَتَعْدِيَة الْجَعْل بِعَلَى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى الْوَضْع
قَوْله ( فَطُوبَى )
فُعْلَى مِنْ الطِّيب كَمَا تَقَدَّمَ
وَالْوَيْل
الْهَلَاك وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَوَّل يُشَارِك الْعَامِلِينَ بِالْخَيْرِ فِي الْأَجْر وَالثَّانِي يُشَارِك الْعَامِلِينَ بِالشَّرِّ فِي الْوِزْر وَبِمَا ذَكَرْنَا فِي الْمَعْنَى ظَهَرَ لَك ذِكْر هَذَا الْبَاب فِي مَسَائِل الْعِلْم وَفِي الزَّوَائِد إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ مِنْ أَجْل مُحَمَّد بْن أَبِي حُمَيْدٍ فَإِنَّهُ مَتْرُوك وَكَذَا إِسْنَاده الثَّانِي ضَعِيفٌ لِضَعْفِ عَبْد الرَّحْمَن .


234 - قَوْله ( إِنَّ هَذَا الْخَيْر إِلَخْ )
أَيْ ذُو خَزَائِنِ .


235 - قَوْله ( إِنَّهُ لَيَسْتَغْفِرُ لِلْعَالِمِ )
أَجْزَاء مِنْ الْمَتْن الْكَبِير الَّذِي سَبَقَ وَقَدْ أَخْرَجَهُ غَيْره نَعَمْ فِيهِ طَالِب الْعِلْم وَهَاهُنَا الْعَالِم فَكَأَنَّهُ أَطْلَقَ عَلَيْهِ اِسْمه بِالْمَآلِ وَلَمَّا كَانَ عَادَة الْعَالِم التَّعْلِيم ذَكَرَهُ الْمُصَنِّف فِي هَذَا الْبَاب .


236 - قَوْله ( مَنْ عَلَّمَ )
مِنْ التَّعْلِيم وَيَحْتَمِل أَنَّهُ مِنْ الْعِلْم وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ فَمَعْنَى
فَلَهُ أَجْر مَنْ عَمِلَ بِهِ
أَيْ بِذَلِكَ الْعِلْم أَيْ مِثْل أَجْره بِشَرْطِ الْوُصُول إِلَيْهِ مِنْ طَرِيقه إِذْ لَوْ كَانَ عَالِم الْعِلْم مُعَلِّمًا لَهُ لَكَانَ الْعَامِل وَصَلَ إِلَيْهِ مِنْ غَيْره فَلَيْسَ لَهُ ثَوَاب عِلْمه
قَوْله ( لَا يَنْقُص )
عَلَى بِنَاء الْفَاعِل أَيْ ثُبُوت مِثْل أَجْر الْعَامِل لِلْمُعَلِّمِ لَا يَنْقُص وَعَلَى بِنَائِهِ لِلْمَفْعُولِ وَالْمَتْن ثَابِت مَعْنَى وَإِنْ تَكَلَّمَ فِي الزَّوَائِد عَلَى إِسْنَاده فَقَالَ فِيهِ سَهْل بْن مَعَاذ ضَعَّفَهُ بْن مَعِين وَوَثَّقَهُ الْعِجْلِيُّ وَذَكَرَهُ اِبْن حِبَّان فِي الثِّقَات وَالضُّعَفَاء وَيَحْيَى بْن أَيُّوب قِيلَ إِنَّهُ لَمْ يُدْرِك سَهْل بْن مُعَاذ فَفِيهِ اِنْقِطَاعٌ .


237 - قَوْله ( مَا يُخَلِّفُ الرَّجُل )
مِنْ خَلَّفَهُ بِالتَّشْدِيدِ أَيْ أَخَّرَهُ بَعْد
قَوْله ( يَدْعُو لَهُ )
أَيْ فَيَصِل إِلَيْهِ آثَار دُعَائِهِ كَمَا يَصِل إِلَيْهِ آثَار صَلَاحه وَفِيهِ حَثّ لِلْأَوْلَادِ عَلَى الدُّعَاء لِلْآبَاءِ
قَوْله ( وَصَدَقَة تَجْرِي )
كَالْوَقْفِ وَمَا أَوْصَى بِهِ مِنْ الصَّدَقَة الْمُسْتَمِرَّة فَإِنْ أَجْرهَا لَهُ وَلِوَارِثِهِ
( وَعِلْمٌ يُعْمَل بِهِ )
التَّصْنِيف وَالتَّعْلِيم وَهَذَا الْحَدِيث هُوَ مَضْمُون حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة إِذَا مَاتَ اِبْن آدَم اِنْقَطَعَ عَمَله إِلَّا مِنْ ثَلَاث الْحَدِيث رَوَاهُ مُسْلِم وَغَيْره فَهُوَ صَحِيح مَعْنًى فَبَقِيَ الْكَلَام فِي خُصُوص هَذَا الطَّرِيق فَفِي الزَّوَائِد مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ صَحِيحٌ رَوَاهُ اِبْن حِبَّان فِي صَحِيحه .


238 - قَوْله ( إِنَّ مِمَّا يَلْحَق الْمُؤْمِن )
الْجَار وَالْمَجْرُور خَبَر إِنَّ مُقَدَّم عَلَى الِاسْم
( وَعِلْمًا )
بِالنَّصْبِ اِسْمهَا
( نَشَرَهُ )
بِالتَّصْنِيفِ
( وَوَلَدًا )
عَدُّ الْوَلَد الصَّالِح مِنْ الْعَمَل وَالتَّعْلِيم حَسَنٌ لِأَنَّ الْوَالِد هُوَ سَبَب فِي وُجُوده وَسَبَب لِصَلَاحِهِ بِإِرْشَادِهِ إِلَى الْهُدَى كَمَا جَعَلَ نَفْس الْعَمَل فِي قَوْله تَعَالَى إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِح
قَوْله ( وَمُصْحَفًا وَرَّثَهُ )
مِنْ التَّوْرِيث أَيْ تَرَكَهُ إِرْثًا وَهَذَا مَعَ مَا بَعْده مِنْ قَبِيل الصَّدَقَة الْجَارِيَة حَقِيقَة أَوْ حُكْمًا فَهَذَا الْحَدِيث كَالتَّفْصِيلِ لِحَدِيثِ اِنْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاث وَأَوْ فِي قَوْله أَوْ بَيْتًا لِلتَّنْوِيعِ وَالتَّفْصِيل
قَوْله ( فِي صِحَّته وَحَيَاته )
أَيْ أَخْرَجَهَا فِي زَمَان كَمَالِ حَاله وَوُفُور اِفْتِقَاره إِلَى مَاله وَتَمَكُّنه مِنْ الِانْتِفَاع بِهِ وَفِيهِ تَرْغِيب إِلَى ذَلِكَ لِيَكُونَ أَفْضَل صَدَقَة كَمَا يَدُلّ عَلَيْهِ جَوَابه صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ قَالَ أَيُّ الصَّدَقَة أَعْظَم أَجْرًا فَقَالَ أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيح شَحِيح الْحَدِيث وَإِلَّا فَكَوْن الصَّدَقَة جَارِيَة لَا يَتَوَقَّف عَلَى ذَلِكَ نُقِلَ عَنْ اِبْن الْمُنْذِر أَنَّهُ قَالَ إِسْنَاده حَسَن وَفِي الزَّوَائِد إِسْنَاده غَرِيب وَمَرْزُوق مُخْتَلَف فِيهِ وَقَدْ رَوَاهُ اِبْن خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحه عَنْ مُحَمَّد بْن يَحْيَى الذُّهْلِيِّ بِهِ .


239 - قَوْله ( ثُمَّ يُعَلِّمهُ )
مِنْ التَّعْلِيم وَفِي الزَّوَائِد إِسْنَاده ضَعِيف فَإِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم ضَعِيف وَكَذَلِكَ يَعْقُوب وَالْحَسَن لَمْ يَسْمَع مِنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَهُ غَيْر وَاحِد اِنْتَهَى .


قَوْله ( مَنْ كَرِهَ أَنْ يُوطَأ عَقِبَيْهِ )
أَيْ أَنْ يَمْشِي أَحَد وَرَاءَهُ فَيَطَأ مَحَلّ عَقِبَيْهِ وَكَأَنَّهُ لِاعْتِبَارِ حَذْف الْمُضَاف وَتَرْك الْمُضَاف إِلَيْهِ عَلَى حَاله جَاءَ عَقِبَيْهِ كَمَا نَبَّهْت وَإِلَّا فَالظَّاهِر عَقِبَاهُ كَمَا فِي بَعْض النُّسَخ لِأَنَّهُ نَائِب الْفَاعِل ثُمَّ كَأَنَّهُ وَضَعَ هَذَا الْبَاب فِي كِتَاب الْعِلْم لِأَنَّ دَأْب الْمَشَايِخ أَنْ يَتَقَدَّمُوا عَلَى التَّلَامِذَة فِي الْمَشْي فَنَبَّهَ بِهَذَا عَلَى أَنَّ تَرْكه أَوْلَى .


240 - قَوْله ( يَأْكُل مُتَّكِئًا )
الِاتِّكَاء هُوَ أَنْ يَتَمَكَّن فِي الْجُلُوس مُتَرَبِّعًا أَوْ يَسْتَوِي قَاعِدًا عَلَى وِطَاء أَوْ يُسْنِد ظَهْره إِلَى شَيْء أَوْ يَضَع إِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْض وَكُلُّ ذَلِكَ خِلَاف الْأَدَب الْمَطْلُوب حَال الْأَكْل وَبَعْضه فِعْل الْمُتَكَبِّرِينَ وَبَعْضه فِعْل الْمُكْثِرِينَ مِنْ الطَّعَام قَالَ الْكَرْمَانِيُّ وَلَيْسَ الْمُرَاد بِالِاتِّكَاءِ الْمَيْل وَالِاعْتِمَاد عَلَى أَحَد جَانِبَيْهِ كَمَا يَجْلِسُهُ الْعَامَّة وَمَنْ حَمَلَ عَلَيْهِ تَأْوِيل عَلَى مَذْهَب الطِّبّ بِأَنَّهُ لَا يَنْحَدِر فِي مَجَارِي الطَّعَام سَهْلًا وَلَا يَسِيغهُ هَنِيئًا وَرُبَّمَا يَتَأَذَّى بِهِ
قَوْله ( وَلَا يَطَأ عَقِبَيْهِ رَجُلَانِ )
أَيْ لَا يَمْشِي رَجُلَانِ خَلْفه فَضْلًا عَنْ الزِّيَادَة يَعْنِي أَنَّهُ مِنْ غَايَة التَّوَاضُع لَا يَتَقَدَّم أَصْحَابه فِي الْمَشْي بَلْ إِمَّا أَنْ يَمْشِي خَلْفهمْ كَمَا جَاءَ وَيَسُوق أَصْحَابه أَوْ يَمْشِي فِيهِمْ وَحَاصِل الْحَدِيث أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى طَرِيق الْمُلُوك وَالْجَبَابِرَة فِي الْأَكْل وَالْمَشْي صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ وَكَرَّمَ وَالرَّجُلَانِ بِفَتْحِ الرَّاء وَضَمّ الْجِيم هُوَ الْمَشْهُور وَيَحْتَمِل كَسْر الرَّاء وَسُكُون الْجِيم أَيْ الْقَدَمَانِ وَالْمَعْنَى لَا يَمْشِي خَلْفه أَحَد ذُو رِجْلَيْنِ بَلْ هُوَ أَقْرَب بِتَثْنِيَةِ عَقِبَيْهِ كَمَا هُوَ رِوَايَة الْمُصَنِّف وَقَدْ ضُبِطَ كَذَلِكَ فِي بَعْض النُّسَخ وَالْحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْأَطْعِمَة .


241 - قَوْله ( وَقَرَ ذَلِكَ فِي نَفْسه )
أَيْ ثَقُلَ فَكَرِهَهُ لِئَلَّا يَقَع إِلَخْ هَذَا عَلَى حَسْب ظَنّ الرَّاوِي فَقَدْ لَا يَكُون السَّبَب ذَلِكَ بَلْ هُوَ غَيْره كَمَا سَيَجِيءُ فِي الْحَدِيث الْآتِي وَعَلَى تَقْدِير أَنَّ الرَّاوِي أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ جِهَته فَيُمْكِنُهُ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى ضَعْف حَالَة الْبَشَر وَأَنَّهُ مَحَلّ لِلْآفَاتِ كُلّهَا لَوْلَا عِصْمَة اللَّه الْكَرِيم فَلَا يَنْبَغِي لَهُ الِاغْتِرَار بَلْ يَنْبَغِي لَهُ زِيَادَة الْخَوْف وَالْأَخْذ بِالْأَحْوَطِ وَالتَّجَنُّب عَنْ الْأَسْبَاب الْمُؤَدِّيَة إِلَى الْآفَات النَّفْسَانِيَّة وَفِي الزَّوَائِد إِسْنَاده ضَعِيف لِضَعْفِ رُوَاته قَالَ اِبْن مَعِين عَلِيُّ بْن زَيْد عَنْ الْقَاسِم عَنْ أَبِي أُمَامَةَ هِيَ ضِعَاف كُلّهَا اِنْتَهَى قُلْت ضَمِير هِيَ لِرِوَايَةِ السَّنَد غَيْر دَاخِل فِيهِمْ أَبُو أُمَامَة .


242 - قَوْله ( لِلْمَلَائِكَةِ )
أَيْ تَعْظِيمًا لِلْمَلَائِكَةِ الْمَاشِينَ خَلْفه لَا لِدَفْعِ التَّضْيِيق عَنْهُمْ وَفِي الزَّوَائِد رِجَال إِسْنَاده ثِقَات وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .


قَوْله ( الْوَصَاة إِلَخْ )
بِفَتْحِ الْوَاو وَفِي الصِّحَاح أَوْصَيْته أَيْضًا وَوَصَّيْته تَوْصِيَة بِمَعْنَى وَالِاسْم الْوَصَاة وَالطَّلَبَة بِفَتْحَتَيْنِ جَمْع طَالِب .


243 - قَوْله ( سَيَأْتِيكُمْ )
الْخِطَاب لِلصَّحَابَةِ وَيَلْحَق بِهِمْ الْعُلَمَاء
قَوْله ( مَرْحَبًا )
قِيلَ فِي مِثْله أَيْ صَادَفْت رَحْبًا أَوْ لَقِيت رَحْبًا وَسَعَة وَقِيلَ رَحَّبَ اللَّه بِك تَرْحِيبًا فَوَضَعَ مَرْحَبًا مَوْضِع تَرْحِيبًا وَقِيلَ التَّقْدِير أَتَيْت رَحْبًا أَوْ رَحُبَتْ بِك الدَّار مَرْحَبًا اِنْتَهَى
وَالْمُرَاد
بِالْوَصِيَّةِ
مَنْ أَوْصَى بِهِمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْبَاء صِلَة الْفِعْل عَلَى بَعْض التَّقَادِير وَصِلَة مُقَدَّر وَالْجَار وَالْمَجْرُور صِفَة مَرْحَبًا عَلَى بَعْض وَالْأَصْل صَادَفْتهمْ أَوْ لَقِيتهمْ أَوْ أَتَيْتُمْ رَحْبًا بِكُمْ يَا وَصِيَّة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْ يَا مَنْ أَوْصَى بِهِمْ رَسُول اللَّه أَوْ رَحَّبَ اللَّه بِكُمْ أَوْ رَحُبَتْ الدَّار بِكُمْ مَرْحَبًا يَا وَصِيَّة رَسُول اللَّه ثُمَّ بِالِاخْتِصَارِ وَالْحَذْف رَجَعَ إِلَى مَا تَرَى وَيَحْتَمِل أَنَّ الْبَاء لِلسَّبَبِيَّةِ وَالْوَصِيَّة بِمَعْنَاهَا أَيْ قُلْنَا لَكُمْ مَرْحَبًا بِسَبَبِ وَصِيَّة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكُمْ
قَوْله ( وَأَفْتُوهُمْ )
أَمْرٌ مِنْ الْإِفْتَاء .


244 - قَوْله ( فَقَبَضَ رِجْلَيْهِ )
أَيْ تَوْقِيرًا لَهُمْ أَوْ كَثْرَة الزِّحَام
( فَرَحِّبُوا )
مِنْ التَّرْحِيب أَيْ قُولُوا لَهُمْ مَرْحَبًا
( وَحَيُّوهُمْ )
مِنْ التَّحِيَّة
قَوْله ( قَالَ فَأَدْرَكْنَا إِلَخْ )
هَذَا مِنْ قَوْل الْحَسَن
وَالْمُرَاد بِأَقْوَامٍ
أَقْوَام مِنْ الْمَشَايِخ لَا التَّلَامِذَة وَكَتَبَ الْفَقِيه أَحْمَد بْنُ أَبِي الْخَيْر أَنَّ قَوْل الْحَسَن هَذَا يُحْمَل عَلَى مَنْ أَدْرَكَ مِنْ غَيْر الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُمْ فَإِنَّ أَكْثَر عِلْمه إِنَّمَا أَخَذَهُ مِنْ غَيْرهمْ اِنْتَهَى
قَوْله ( فَيَجْفُونَا )
بِالْجِيمِ مِنْ الْجَفَاء وَفِي الزَّوَائِد إِسْنَاده ضَعِيف فَإِنَّ الْمُعَلَّى بْن هِلَال كَذَّبَهُ أَحْمَد وَابْن مَعِين وَغَيْرهمَا وَنَسَبَهُ إِلَى وَضْع الْحَدِيث غَيْر وَاحِد وَإِسْمَاعِيل هُوَ اِبْن مُسْلِم اِتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفه وَلَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد قَالَ التِّرْمِذِيّ فِيهِ لَا نَعْرِفهُ إِلَّا مِنْ حَدِيث أَبِي هَارُون عَنْ أَبِي سَعِيد قُلْت أَبُو هَارُون الْعَبْدِيّ ضَعِيف بِاتِّفَاقِهِمْ اِنْتَهَى .


245 - قَوْله ( إِنَّ النَّاس لَكُمْ تَبَع )
بِفَتْحَتَيْنِ جَمْع تَابِع كَطَلَبٍ جَمْع طَالِب وَقِيلَ مَصْدَر وُضِعَ مَوْضِع الصِّفَة مُبَالَغَة نَحْو رَجُل عَدْل
قَوْله ( مِنْ أَقْطَار الْأَرْض )
أَيْ جَوَانِبهَا
( يَتَفَقَّهُونَ )
أَيْ يَطْلُبُونَ الْفِقْه فِي الدِّين
( فَاسْتَوْصُوا )
قِيلَ حَقِيقَة اُطْلُبُوا الْوَصِيَّة وَالنَّصِيحَة لَهُمْ عَلَى أَنْفُسكُمْ وَفِيهِ مُبَالَغَة حَيْثُ أُمِرُوا بِأَنْ يُجَرِّدُوا عَنْ أَنْفُسهمْ آخَر يَطْلُبُونَ مِنْهُمْ التَّوْصِيَة فِي حَقّ طَلَبَة الْعِلْم وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .


246 - قَوْله ( مِنْ عِلْم لَا يَنْفَعُ )
فَإِنَّ مِنْ الْعِلْم مَا لَا يَنْفَع صَاحِبه بَلْ يَصِير عَلَيْهِ حُجَّة وَقَالَ السُّيُوطِيُّ فِي بَيَان الْعِلْم الْغَيْر النَّافِع إِنَّهُ الَّذِي لَا يُهَذِّب الْأَخْلَاق الْبَاطِنَة فَيَسْرِي مِنْهَا إِلَى الْأَفْعَال الظَّاهِرَة فَيَفُوز بِهَا إِلَى الثَّوَاب الْآجِل وَفِي اِسْتِعَاذَته صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ هَذِهِ الْأُمُور إِظْهَار لِلْعُبُودِيَّةِ وَإِعْظَام لِلرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَأَنَّ الْعَبْد يَنْبَغِي لَهُ مُلَازَمَة الْخَوْف وَدَوَام الِافْتِقَار إِلَى جَنَابه تَعَالَى وَفِيهِ حَثّ لِأُمَّتِهِ عَلَى ذَلِكَ وَتَعْلِيم لَهُمْ وَإِلَّا فَهُوَ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْصُوم مِنْ هَذِهِ الْأُمُور وَفِيهِ أَنَّ الْمَمْنُوع مِنْ السَّجْع مَا يَكُون عَنْ قَصْده إِلَيْهِ وَتَكَلُّف فِي تَحْصِيله وَأَمَّا مَا اِتَّفَقَ حُصُوله بِسَبَبِ قُوَّة السَّلِيقَة وَفَصَاحَة اللِّسَان فَبِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ
قَوْله ( وَمِنْ دُعَاء لَا يُسْمَع )
أَيْ لَا يُسْتَجَاب فَكَأَنَّهُ غَيْر مَسْمُوع حَيْثُ لَمْ يَتَرَتَّب عَلَيْهِ فَائِدَة السَّمَاع الْمَطْلُوبَة مِنْهُ
قَوْله ( لَا تَشْبَع )
أَيْ حَرِيص عَلَى الدُّنْيَا لَا تَشْبَع مِنْهَا وَأَمَّا الْحِرْص عَلَى الْعَمَل وَالْخَيْر فَمَحْمُودٌ مَطْلُوب قَالَ تَعَالَى { وَقُلْ رَبّ زِدْنِي عِلْمًا } .


247 - قَوْله ( وَالْحَمْد لِلَّهِ عَلَى كُلّ حَال )
زِيَادَة الْعِلْم وَقَبْل أَنْ يَزْدَاد وَظَاهِر الْعِطْف يَقْتَضِي أَنَّ الْجُمْلَة إِنْشَائِيَّة فَلِذَلِكَ عُطِفَتْ عَلَى إِنْشَائِيَّة .


248 - قَوْله ( أَبِي طُوَالَة )
بِضَمِّ الْمُهْمَلَة كَذَا فِي التَّقْرِيب
قَوْله ( مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْه اللَّه )
بَيَان لِلْعِلْمِ أَيْ الْعِلْم الَّذِي يُطْلَب بِهِ رِضَا اللَّه وَهُوَ الْعِلْم الدِّينِيّ فَلَوْ طَلَبَ الدُّنْيَا بِعِلْمِ الْفَلْسَفَة وَنَحْوه فَهُوَ غَيْر دَاخِل فِي أَهْل هَذَا الْوَعِيد
قَوْله ( عَرَضًا )
بِفَتْحَتَيْنِ وَإِهْمَال الْعَيْن أَيْ مَتَاعًا وَفِيهِ دَلَالَة عَلَى أَنَّ الْوَعِيد الْمَذْكُور لِمَنْ لَا يَقْصِد بِالْعِلْمِ إِلَّا الدُّنْيَا وَأَمَّا مَنْ طَلَبَ بِعِلْمِهِ رِضَا الْمَوْلَى وَمَعَ ذَلِكَ لَهُ مَيْل مَا إِلَى الدُّنْيَا فَخَارِج عَنْ هَذَا الْوَعِيد
قَوْله ( عَرْف الْجَنَّة )
بِفَتْحِ الْعَيْن وَسُكُون الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ الرَّائِحَة مُبَالَغَة فِي تَحْرِيم الْجَنَّة لِأَنَّ مَنْ لَا يَجِد رِيح الشَّيْء لَا يَتَنَاوَلهُ قَطْعًا وَهَذَا مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ يَسْتَحِقّ أَنْ لَا يَدْخُل وَالْآثِم أَمْره إِلَى اللَّه تَعَالَى كَأَمْرِ صَاحِب الذُّنُوب إِذَا مَاتَ عَلَى الْإِيمَان وَقِيلَ بَلْ الْمُرَاد أَنَّهُ يَكُون مَحْرُومًا مِنْ رِيح الْجَنَّة وَإِنْ دَخَلَهَا وَقِيلَ بَلْ هَذَا الْحُكْم مَخْصُوص بِيَوْمِ الْقِيَامَة كَمَا هُوَ الْمَذْكُور فِي لَفْظ الْحَدِيث وَهُوَ مِنْ حِين أَنْ يُحْشَر إِلَى أَنْ يَسْتَقِرّ أَهْل كُلّ دَار مَقَرّه وَبَيَانه أَنَّ الْأَخْيَار سِيَّمَا الْعُلَمَاء إِذَا وَرَدُوا يَوْم الْقِيَامَة يَجِدُونَ رَائِحَة الْجَنَّة قَبْل أَنْ يَدْخُلُوهَا تَقْوِيَة لِقُلُوبِهِمْ وَتَسْلِيَة لِهُمُومِهِمْ عَلَى مِقْدَار مَرَاتِبهمْ وَهَذَا الْقِيَاس لِلْمُبْتَغِي لِلْأَعْرَاضِ الْفَانِيَة يَكُون فِي ذَلِكَ الْوَقْت كَصَاحِبِ أَمْرَاض حَادِثَة فِي الدِّمَاغ مَانِعَة مِنْ إِدْرَاك الرَّوَائِح لَا يَجِد رَائِحَة الْجَنَّة .


249 - قَوْله ( حَدَّثَنَا أَبُو كَرِب )
بِفَتْحِ الْكَاف وَكَسْر الرَّاء مَجْهُول كَذَا فِي التَّقْرِيب
قَوْله ( لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاء )
أَيْ يُجَادِل بِهِ ضِعَاف الْعُقُول
قَوْله ( أَوْ لِيُبَاهِيَ بِهِ )
أَيْ يُفَاخِر
( أَوْ لِيَصْرِفَ وُجُوه النَّاس إِلَيْهِ )
أَيْ يَنْوِي بِهِ تَحْصِيل الْمَال وَالْجَاه وَصَرْف وُجُوه النَّاس الْعَوَامّ إِلَيْهِ وَجَعْلهمْ كَالْخَدَمِ لَهُ أَوْ جَعْلهمْ نَاظِرِينَ إِذَا تَكَلَّمَ مُتَعَجِّبِينَ مِنْ كَلَامه إِذَا تَكَلَّمَ مُجْتَمَعِينَ حَوْله إِذَا جَلَسَ
قَوْله ( فَهُوَ فِي النَّار )
مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَسْتَحِقّهَا بِلَا دَوَام ثُمَّ فَضْل اللَّه وَاسِع فَإِنْ شَاءَ عَفَا بِلَا دُخُول وَفِي الزَّوَائِد إِسْنَاده ضَعِيف لِضَعْفِ حَمَّاد وَأَبِي كَرِب لَكِنْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث كَعْب وَتَكَلَّمَ فِي إِسْنَاده وَرَوَاهُ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر وَقَالَ حَسَن قُلْت وَإِسْنَاد التِّرْمِذِيّ غَيْر إِسْنَاد الْمُصَنِّف .


250 - قَوْله ( لَا تَعَلَّمُوا )
أَيْ لَا تَتَعَلَّمُوا بِالتَّاءَيْنِ فَحُذِفَتْ إِحْدَاهُمَا وَيَحْتَمِل أَنَّهُ مِنْ الْعِلْم وَهُوَ بَعِيدٌ
قَوْله ( وَلَا تَخَيَّرُوا بِهِ الْمَجَالِس )
أَيْ لَا تَخْتَارُوا بِهِ خِيَار الْمَجَالِس وَصُدُورهَا
قَوْله ( فَالنَّار )
أَيْ فَلَهُ النَّار أَوْ فَيَسْتَحِقّ النَّار وَالنَّارُ مَرْفُوع عَلَى الْأَوَّل مَنْصُوب عَلَى الثَّانِي وَفِي الزَّوَائِد رِجَال إِسْنَاده ثِقَات وَرَوَاهُ اِبْن حِبَّان فِي صَحِيحه مِنْ حَدِيث اِبْن أَبِي مَرْيَم بِهِ وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي مَرْيَم مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا .


251 - قَوْله ( سَيَتَفَقَّهُونَ )
أَيْ يَدْعُونَ الْفِقْه فِي الدِّين
قَوْله ( وَلَا يَكُون ذَلِكَ )
أَيْ يَتَحَقَّق ذَلِكَ وَهُوَ الْإِصَابَة مِنْ الدُّنْيَا وَالِاعْتِزَال عَنْ النَّاس بِالدِّينِ
قَوْله ( كَمَا لَا يُجْتَنَى )
عَلَى بِنَاء الْمَفْعُول مِنْ جَنَى الثَّمَرَة وَاجْتَنَاهَا
وَالْقَتَاد
شَجَر ذُو شَوْك لَا يَكُون لَهُ ثَمَر سِوَى الشَّوْك فَنَبَّهَ بِهَذَا التَّمْثِيل عَلَى أَنَّ قُرْب الْأُمَرَاء لَا يُفِيد سِوَى الْمَضَرَّة الدِّينِيَّة أَصْلًا وَهَذَا إِمَّا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مَا قُدِّرَ لَهُ مِنْ الدُّنْيَا فَهُوَ آتٍ لَا مَحَالَة سَوَاء أَتَى أَبْوَاب الْأُمَرَاء أَمْ لَا فَحِينَئِذٍ مَا بَقِيَ فِي إِتْيَان أَبْوَابهمْ فَائِدَة إِلَّا الْمَضَرَّة الْمَحْضَة أَوْ عَلَى أَنَّ النَّفْع الدُّنْيَوِيّ الْحَاصِل بِصُحْبَتِهِمْ بِالنَّظَرِ إِلَى الضَّرَر الدِّينِيّ كَلَا شَيْء فَمَا بَقِيَ إِلَّا الضَّرَر وَعَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي سَلَمَة الذُّبَاب عَلَى الْعَذِرَات أَحْسَن مِنْ قَارِئ عَلَى بَاب هَؤُلَاءِ وَفِي الزَّوَائِد إِسْنَاده ضَعِيف وَعُبَيْد اللَّه بْن أَبِي بُرْدَة لَا يُعْرَف .


252 - قَوْله ( مِنْ جُبّ الْحَزَن )
الْجُبّ بِضَمِّ الْجِيم وَتَشْدِيد الْبَاء الْمُوَحَّدَة الْبِئْر الَّتِي لَمْ تُطْوَ وَالْحَزَن بِفَتْحَتَيْنِ أَوْ بِضَمٍّ فَسُكُون ضِدّ الْفَرَح قَالَ الطِّيبِيُّ هُوَ عِلْم وَالْإِضَافَة كَمَا فِي دَار السَّلَام أَيْ دَار فِيهَا السَّلَام مِنْ الْآفَات
قَوْله ( تَعَوَّذُ )
أَيْ يَتَعَوَّذ كَمَا فِي بَعْض النُّسَخ وَتَعَوُّذ جَهَنَّم الظَّاهِر أَنَّهُ عَلَى حَقِيقَته فَإِنَّهُ تَعَالَى قَادِر عَلَى كُلّ شَيْء وَالْمُرَاد سَائِر أَوْدِيَة جَهَنَّم وَقِيلَ كِنَايَة عَنْ شِدَّة عَذَاب هَذَا الْمَحَلّ وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ يَنْبَغِي أَنْ يُرَاد بِجَهَنَّم مَا أُعِدّ لِتَعْذِيبِ الْعُصَاة لَا الْكَفَرَة وَالْمُنَافِقِينَ
( الْمُرَائِينَ )
مِنْ الرِّيَاء
( الْجَوَرَة )
كَالظَّلَمَةِ لَفْظًا وَمَعْنَى جَمْع جَائِر .


253 - قَوْله ( لَوْ أَنَّ أَهْل الْعِلْم إِلَخْ )
يُرِيد أَنَّ الْعِلْم رَفِيع الْقَدْر يَرْفَع قَدْرَ مَنْ يَرْفَعهُ عَنْ الِابْتِذَال فِي غَيْر الْمُحَال قَالَ الزُّهْرِيُّ الْعِلْم ذَكَرٌ لَا يُحِبّهُ إِلَّا ذُكُورُ الرِّجَال أَيْ الَّذِينَ يُحِبُّونَ الْمَعَالِي مِنْ الْأُمُور
قَوْله ( فَهَانُوا عَلَيْهِمْ )
فَإِنَّهُمْ أَهَانُوا رَفِيعًا فَأَهَانَهُمْ اللَّه
قَوْله ( نَبِيّكُمْ )
قَالَ الطِّيبِيُّ هَذَا الْخِطَاب تَوْبِيخ لِلْمُخَاطِبِينَ حَيْثُ خَالَفُوا أَمْر نَبِيّهمْ
قَوْله ( مَنْ جَعَلَ الْهُمُوم هَمًّا وَاحِد )
أَيْ مَنْ جَعَلَ هَمَّهُ وَاحِدًا مَوْضِع الْهُمُوم الَّتِي لِلنَّاسِ أَوْ مَنْ كَانَ لَهُ هُمُوم مُتَعَدِّدَة فَتَرَكَهَا وَجَعَلَ مَوْضِعهَا الْهَمّ الْوَاحِد
قَوْله ( وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُوم )
أَيْ تَفَرَّقَ فِيهِ الْهُمُوم أَوْ فَرَّقَتْهُ الْهُمُوم وَالْبَاء عَلَى الْأَوَّل بِمَعْنَى فِي وَعَلَى الثَّانِي لِلتَّعْدِيَةِ وَإِنْ جُعِلَتْ لِلْمُصَاحَبَةِ أَيْ مَصْحُوبَة مَعَهُ كَانَ صَحِيحًا
قَوْله ( لَمْ يُبَالِ اللَّه )
كِنَايَة عَنْ عَدَم الْكِفَايَة وَالْعَوْن مِثْل مَا يَحْصُل لِلْأَوَّلِ وَفِي الزَّوَائِد إِسْنَاده ضَعِيف فِيهِ نَهْشَل بْن سَعِيد قِيلَ إِنَّهُ يَرْوِي الْمَنَاكِير وَقِيلَ بَلْ الْمَوْضُوعَات وَلَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر صَحَّحَهُ الْحَاكِم .


255 - قَوْله ( عَنْ حُذَيْفَة قَالَ سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول لَا تَعَلَّمُوا الْعِلْم )
الْحَدِيث وَفِي الزَّوَائِد إِسْنَاده ضَعِيف فِيهِ بِشْر بْن مَيْمُون قَالَ اِبْن مَعِين أَجْمَعُوا عَلَى طَرْح حَدِيثه وَقَالَ الْبُخَارِيّ مُنْكَر الْحَدِيث بَلْ مُتَّهَم بِالْوَضْعِ .


256 - قَوْله ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ تَعَلَّمَ الْعِلْم )
الْحَدِيث وَفِي الزَّوَائِد إِسْنَاده ضَعِيف لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى عَبْد اللَّه بْن سَعِيد بِالْوَضْعِ .


257 - قَوْله ( مَا مِنْ رَجُل يَحْفَظ عِلْمًا )
قَيَّدَ بِالْحِفْظِ إِذْ لَا كِتْمَان بِدُونِهِ
فَكَتَمَهُ
أَيْ إِذَا سُئِلَ عَنْهُ كَمَا فِي رِوَايَات الْحَدِيث وَكَأَنَّهُ تَرَكَ ذِكْره إِذْ لَا يَظْهَر الْكِتْمَان قَبْل ذَلِكَ
( أَتَى يَوْم الْقِيَامَة )
الظَّاهِر أَنَّ الْمُرَاد حَضَرَ فِي الْمَحْشَر كَذَلِكَ ثُمَّ أَمْره إِلَى اللَّه بَعْد ذَلِكَ لِأَنَّهُ أَمْسَكَ فَمه عَنْ كَلِمَة الْحَقّ وَقْت الْحَاجَة وَالسُّؤَال فَجُوزِيَ بِمِثْلِهِ حَيْثُ أَمْسَكَ اللَّه فَمه فِي وَقْت اِشْتِدَاد الْحَاجَة لِلْكَلَامِ وَالْجَوَاب عِنْد السُّؤَال عَنْ الْأَعْمَال ثُمَّ لَعَلَّ هَذَا مَخْصُوص بِمَا إِذَا كَانَ السَّائِل أَهْلًا لِذَلِكَ الْعِلْم وَيَكُون الْعِلْم نَافِعًا وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ هُوَ فِي الْعِلْم الضَّرُورِيّ كَمَا لَوْ قَالَ عَلِّمْنِي الْإِسْلَام وَالصَّلَاة وَقَدْ حَضَرَ وَقْتهَا وَهُوَ لَا يُحْسِنهَا لَا فِي نَوَافِل الْعِلْم الَّتِي لَا ضَرُورَة بِالنَّاسِ إِلَى مَعْرِفَتهَا .


258 - قَوْله ( لَوْلَا آيَتَانِ فِي كِتَاب اللَّه )
أَيْ فِي ذَمّ كِتْمَان الْعِلْم وَالْمُرَاد آيَتَانِ وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا مِنْ الْآيَات وَالْأَحَادِيث فِي ذَمّ الْكِتْمَان وَإِلَّا لَوْ فُرِضَ عَدَم الْآيَتَيْنِ مَعَ وُجُود الْبَاقِي يَكْفِي فِي اِقْتِضَاء التَّحْدِيث وَعَدَم جَوَاز الْكِتْمَان .


259 - قَوْله ( إِذَا لَعَنَ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّة إِلَخْ )
أَيْ إِذَا كَثُرَ الْجَهْل وَحَصَلَتْ الْحَاجَة إِلَى الْعِلْم لِأَنَّ مَنْشَأ اللَّعْن هُوَ الْجَهْل أَوْ الْمُرَاد إِذَا جَهِلُوا بِفَضَائِل الصَّحَابَة وَحُرْمَة اللَّعْن فَسَبُّوهُمْ وَعَلَى هَذَا فَمَعْنَى فَمَنْ كَتَمَ حَدِيثًا أَيْ فِي فَضَائِل الصَّحَابَة وَحُرْمَة اللَّعْن وَفِي الزَّوَائِد فِي إِسْنَاده حُسَيْن بْن أَبِي السَّرِيّ كَذَّاب وَعَبْد اللَّه بْن السَّرِيّ ضَعِيف وَفِي الْأَطْرَاف أَنَّ عَبْد اللَّه بْن السَّرِيّ لَمْ يُدْرِك مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر وَذَكَرَ أَنَّ بَيْنهمَا وَسَائِط فَفِيهِ اِنْقِطَاع أَيْضًا .


260 - قَوْله ( سَمِعْت أَنَس بْن مَالِك إِلَخْ )
فِي الزَّوَائِد إِسْنَاد حَدِيث أَنْسَ فِيهِ يُوسُف بْن إِبْرَاهِيم قَالَ الْبُخَارِيّ هُوَ صَاحِب عَجَائِب وَقَالَ اِبْن حِبَّان رَوَى عَنْ أَنَس مِنْ حَدِيثه مَا لَا يُخِلّ بِالرِّوَايَةِ اِنْتَهَى وَاتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفه اِنْتَهَى وَكَأَنَّهُ لِهَذَا أَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ هَذَا الْمَتْن مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَقَالَ حَدِيث حَسَن قَالَ وَفِي الْبَاب عَنْ جَابِر وَعَبْد اللَّه بْن عُمَر وَلَمْ يَقُلْ عَنْ أُنْس وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمَتْن ثَابِت وَالْكَلَام فِي خُصُوص الْأَسَانِيد .


261 - قَوْله ( عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ إِلَخْ )
فِي إِسْنَاده مُحَمَّد بْن دَابٍ كَذَّبَهُ أَبُو زُرْعَة وَغَيْره وَنُسِبَ إِلَى الْوَضْع وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَم .