Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

 

الكتاب : شرح رياض الصالحين - 01
المؤلف : محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى : 1421هـ)

باب الإخلاص وإحضار النية في جميع الأعمال والأقوال البارزة والخفية


قال تعالى: { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة } وقال تعالى { لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم } وقال تعالى: { قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله }

الشَّرْحُ

قال المؤلف باب الإخلاص النية محلها القلب، ولا محل لها في اللسان في جميع الأعمال ولهذا كان من نطق بالنية عند إرادة الصلاة أو الصوم أو الحج أو الوضوء أو غير ذلك من الأعمال كان مبتدعاً قائلاً في دين الله ما ليس منه .
لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ ويصلي ويتصدق ويصوم ويحج ولم ينطق بالنية وذلك لأن النية محلها القلب .
والله عز وجل يعلم ما في القلب ولا يخفى عليه شيء كما قال تعالى في الآية التي ساقها المؤلف: قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويجب على الإنسان أن يخلص النية لله في جميع عباداته، وأن لا ينوي بعبادته إلا وجه الله والدار الآخرة .
وهذا هو الذي أمر الله به في قوله: { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين } أي مخلصين له العمل .
وينبغي أن يستحضر النية في جميع العبادات .
فينوي مثلاً الوضوء وأنه توضأ لله وأنه توضأ امتثالاً لأمر الله .
فهذه ثلاثة أشياء: 1 - نية العبادة .
2 - ونية أن تكون لله .
3 - ونية أنه قام بها امتثالا لأمر الله .
هذا أكمل شيء في النية كذلك في الصلاة وفي كل العبادات .
وذكر المؤلف عدة آيات كلها تدل على أن النية محلها القلب، وأن الله سبحانه عالم بنية العبد .
ربما يعمل عملاً يظهر أمام الناس أنه عمل صالح وهو عمل فاسد أفسدته النية لأن الله يعلم ما في القلب .
وما يجازى الإنسان يوم القيامة إلا على ما في قلبه لقول الله تعالى: { إنه على رجعه لقادر يوم تبلى السرائر فما له من قوة ولا ناصر } أي يوم تختبر السرائر - البواطن - كقوله: { أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور } ففي الآخرة يكن الثواب والعقاب والاعتبار بما في القلب، أما في الدنيا فالعبرة بما ظهر، فيعامل الناس بظواهر أحوالهم .
ولكن هذه الظواهر إن وافقت ما في البواطن صلح ظاهره وباطنه وسريرته وعلانيته وإن خالفت وصار القلب منطوياً على نية فاسدة فما أعظم خسارته .
يعمل ويتعب ولا حظ له في العمل كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله قال أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه فالله الله أيها الإخوة بالإخلاص لله .
واعلم أن الشيطان قد يأتيك عند إرادة عمل الخير فيقول إنك إنما تعمل هذا رياء فيحبط همتك ويثبطها ولكن لا تلتفت إلى هذا ولا تطعه بل اعمل لأنك لو سئلت هل أنت الآن تعمل هذا رياء وسمعة ؟ قلت: لا إذن فهذا الوسواس الذي أدخله الشيطان في قلبك لا تلتفت له .


1 - وعن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي العدوي رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه متفق على صحته .
رواه إماما المحدثين: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة الجعفي البخاري، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري رضي الله عنهما في صحيحيهما اللذين هما أصح الكتب المصنفة .

الشَّرْحُ

لما كان هذا الباب في الإخلاص لله، وأنه ينبغي أن تكون النية المخلصة لله في كل قول وفي كل فعل وعلى كل حال وذكر المؤلف من الآيات ما يتعلق بهذا المعنى، ذكر رحمه الله من الأحاديث ما يتعلق به أيضاً، وصدر هذا بحديث عمر بن الخطاب الذي قال فيه سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى هاتان الجملتان اختلف العلماء - رحمهم الله - فيهما، فقال بعض العلماء إنهما جملتان بمعنى واحد، وأن الجملة الثانية تأكيد للجملة الأولى .
ولكن هذا ليس بصحيح وذلك لأن الأصل في الكلام أن يكون تأسيساً لا تأكيداً .
ثم إنهما عند التأمل يتبين أن بينهما فرقاً عظيماً، فالأولى سبب، والثانية نتيجة .
الأولى سبب يبين فيها النبي صلى الله عليه وسلم أن كل عمل لابد فيه من نية كل عمل يعمله الإنسان وهو عاقل مختار فلابد فيه من نية ولا يمكن لأي عاقل مختار أن يعمل عملاً إلا بنية .
حتى قال بعض العلماء: لو كلفنا الله عملاً بلا نية لكان من تكليف ما لا يطاق وهذا صحيح، كيف تعمل وأنت عاقل في عقلك وأنت مختار غير مكره عملاً بلا نية ؟ هذا مستحيل لأن العمل ناتج عن إرادة وقدرة، والإرادة هي النية، إذا فالجملة الأولى معناها أنه ما من عامل إلا وله نية ولكن النيات تختلف اختلافاً عظيما وتتباين تبايناً بعيداً كما بين السماء والأرض .
من الناس من نيته في القمة في أعلى شيء ومن الناس من نيته في القمامة في أخس شيء وأدنى شيء .
حتى إنك لترى الرجلين يعملان عملاً واحداً يتفقان في ابتدائه وانتهائه وفي أثنائه وفي الحركات والسكنات والأقوال والأفعال، وبينهما كما بين السماء والأرض كل ذلك باختلاف النية .
إذاً الأساس أنه: ما من عمل بلا نية .
نتيجة قوله: وإنما لكل امرئ ما نوى إن نويت الله والدار الآخرة في أعمالك الشرعية حصل لك ذلك، وإن نويت الدنيا فقد تحصل وقد لا تحصل .
قال الله: من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ما قال عجلنا له ما يريد بل قال ما نشاء أي لا ما يشاء هو لمن نريد لا لكل إنسان فقيد المعجل والمعجل له .
إذاًَ من الناس من يعطى ما يريد من الدنيا ومنهم من يعطى شيئاً منه ومنهم من لا يعطى شيئاً أبداً .
هذا معنى قوله { عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد } أما { ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكوراً } لابد أن يجني هذا العمل الذي أراد به وجه الله والدار الآخرة .
وقوله: إنما الأعمال بالنيات ..
إلخ هذه ميزان لكل عمل، لكنه ميزان الباطن وقوله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها: من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ميزان للأعمال الظاهرة .
ولهذا قال أهل العلم: هذان الحديثان يجمعان الدين كله ثم ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً يطبق هذا الحديث عليه، قال فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه الهجرة: أن ينتقل الإنسان من دار الكفر إلى دار الإسلام، مثل أن يكون في أمريكا - وأمريكا دار كفر - فيسلم ولا يتمكن من إظهار دينه هناك، فينتقل إلى البلاد الإسلامية هذه هي الهجرة .
إذا هاجر الناس، فهم يختلفون في الهجرة، منهم من يهاجر ويدع بلده إلى الله ورسوله، يعني إلى شريعة الله التي شرعها الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم هذا هو الذي ينال الخير، وينال مقصوده ولهذا قال: فهجرته إلى الله ورسوله أي فقد أدرك ما نوى الثاني: هاجر لدنيا يصيبها، مثلاً رجل يحب جمع المال فسمع أن في بلاد الإسلام مرتعاً خصباً لاكتساب الأموال فهاجر من بلد الكفر إلى بلد الإسلام فقط، لا يقصد أن يستقيم على دينه ولا يهتم لدينه، إنما همه المال .
ثالثاً: رجل هاجر من بلد الكفر إلى بلد الإسلام يريد امرأة يتزوجها قيل له لا نزوجك إلى في بلاد الإسلام ولا تسافر بها إلى بلاد الكفر، فهاجر من بلده إلى بلاد الإسلام من أجل المرأة .
فمريد الدنيا ومريد المرأة لم يهاجر إلى الله ورسوله، ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: فهجرته إلى ما هاجر إليه وهنا قال: إلى ما هاجر إليه ولم يقل فهجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فلماذا ؟ قيل لطول الكلام، فإذا قيل فهجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها طال الكلام وقيل بل لم ينص عليهما احتقاراً وإعراضاًَ عن ذكرهما لأنها نية فاسدة منحطة .
وعلى كل حال فإن هذا الذي نوى بهجرته الدنيا أو المرأة لاشك أن نيته سافلة منحطة هابطة بخلاف الأول الذي هاجر إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم .
أقسام الهجرة: الهجرة تكون للعمل، وتكون للعامل، وتكون للمكان .
القسم الأول: هجرة المكان: فأن ينتقل الإنسان من مكان تكثر فيه المعاصي ويكثر فيه الفسوق وربما يكون بلد كفر إلى بلد لا يوجد فيه ذلك .
وأعظمه الهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، وقد ذكر أهل العلم أنه تجب الهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يظهر دينه .
وأما إذا كان قادراً على إظهار دينه ولا يعارض إذا أقام شعائر الإسلام فإن الهجرة لا تجب عليه ولكنها تستحب، وبناء على ذلك يكون السفر إلى بلد الكفر أعظم من البقاء فيه، فإذا كان بلد الكفر الذي كان وطن الإنسان إذا لم يستطع إقامة دينه فيه وجب عليه مغادرته والهجرة منه .
فكذلك إذا كان الإنسان من أهل الإسلام ومن بلاد المسلمين فإنه لا يجوز له أن يسافر إلى بلد الكفر لما في ذلك من الخطر على دينه وعلى أخلاقه ولما في ذلك من إضاعة ماله ولما في ذلك من تقوية اقتصاد الكفار ونحن مأمورون بأن نغيظ الكفار بكل ما نستطيع كما قال الله تبارك تعالى: { يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين } وقال تعالى: { ولا يطئون موطئاً يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلاً إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين } فالكافر أياً كان، سواء كان من النصارى أو من اليهود أو من الملحدين، وسواء تسمى بالإسلام أو لم يتسم بالإسلام، الكافر عدو لله ولكتابه ولرسوله وللمؤمنين جميعاً، مهما تلبس بما يتلبس به فإنه عدو .
فلا يجوز للإنسان أن يسافر إلى بلد الكفر إلا بشروط ثلاثة: الشرط الأول: أن يكون عنده علم يدفع به الشبهات، لأن الكفار يوردون على المسلمين شبهاً في دينهم وفي رسولهم وفي كتابهم وفي أخلاقهم، في كل شيء يوردون الشبهة ليبقى الإنسان شاكاً متذبذباً، ومن المعلوم أن الإنسان إذا شك في الأمور التي يجب فيها اليقين فإنه لم يقم بالواجب، فالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره يجب أن يكون يقيناً فإن شك الإنسان في شيء من ذلك فهو كافر .
فالكفار يدخلون على المسلمين الشك حتى أن بعض زعمائهم صرح قائلاً: لا تحاولوا أن تخرجوا المسلم من دينه إلى دين النصارى ولكن يكفي أن تشككوه في دينه، لأنكم إذا شككتموه في دينه سلبتموه الدين وهذا كاف .
أنتم أخرجوه من هذه الحظيرة التي فيها العزة والغلبة والكرامة ويكفي، أما أن تحاولوا أن تدخلوه في دين النصارى المبني على الضلال والسفاهة فهذا لا يمكن، لأن النصارى ضالون كما جاء في الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم وإن كان فدين المسيح دين حق لكنه دين الحق في وقته قبل أن ينسخ برسالة النبي صلى الله عليه وسلم .
الشرط الثاني: أن يكون عنده دين يحميه من الشهوات لأن الإنسان الذي ليس عنده دين إذا ذهب إلى بلاد الكفر انغمس لأنه يجد زهرة الدنيا هناك، من خمر وزنى ولواط وغير ذلك .
الشرط الثالث: أن يكون محتاجاً إلى ذلك مثل أن يكون مريضاً يحتاج إلى السفر إلى بلاد الكفر للاستشفاء، أو يكون محتاجاً إلى علم لا يوجد في بلاد الإسلام تخصص فيه فيذهب إلى هناك أو يكون الإنسان محتاجاً إلى تجارة، يذهب ويتجر ويرجع المهم أن يكون هناك حاجة ولهذا أرى أن الذين يسافرون إلى بلد الكفر من أجل السياحة فقط أرى أنهم آثمون، وأن كل قرش يصرفونه لهذا السفر فإنه حرام عليهم وإضاعة لمالهم وسيحاسبون عنه يوم القيامة حين لا يجدون مكاناً يتفسحون فيه أو يتنزهون فيه .
حين لا يجدون إلا أعمالهم لأن هؤلاء يضيعون أوقاتهم ويتلفون أموالهم ويفسدون أخلاقهم وكذلك ربما يكون معهم عوائلهم، ومن عجب أن هؤلاء يذهبون إلى بلاد الكفر التي لا يسمع فيها صوت مؤذن ولا ذكر ذاكر وإنما يسمع فيها أبواق اليهود ونواقيس النصارى ثم يبقون فيها مدة هم وأهلوهم وبنوهم وبناتهم فيحصل في هذا شر كثير نسأل الله العافية والسلامة .
وهذا من البلاء الذي يحل الله به النكبات والنكبات التي تأتينا والتي نحن الآن نعيشها كلها بسبب الذنوب والمعاصي، كما قال الله: { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير } نحن غافلون في بلادنا كأن ربنا غافل عنا كأنه لا يعلم، كأنه لا يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته .
والناس يعصرون في هذه الحوادث ولكن قلوبهم قاسية والعياذ بالله وقد قال الله سبحانه: { ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون } أخذهم العذاب ونزل بهم ومع ذلك ما استكانوا إلى الله وما تضرعوا إليه بالدعاء وما خافوا من سطوته، لكن قست القلوب نسأل الله العافية وماتت حتى أصبحت الحوادث المصيرية تمر على القلب وكأنها ماء بارد .
نعوذ بالله من موت القلب وقسوته وإلا لو كان الناس في عقل وصحوة وفي قلوب حية ما ساروا على هذا الوضع الذي عليه نحن الآن مع أننا في وضع نعتبر أننا في حال حرب مدمرة مهلكة، حرب غازات الأعصاب والجنود وغير ذلك ومع هذا لا تجد أحداً حرك ساكناً إلا أن يشاء الله .
إن أناساً في هذه الظروف العصيبة ذهبوا بأهليهم يتنزهون في بلاد الكفر وفي بلاد الفسق وفي بلاد المجون والعياذ بالله .
أقول مرة ثانية إن الهجرة من بلد الكفر الذي لا يستطيع أن يقيم الإنسان فيه دينه واجبة .
والسفر إلى بلاد الكفر للدعوة يجوز إذا كان له أثر وتأثير هناك فإنه جائز لأنه سفر لمصلحة، وبلاد الكفر كثير من عوامهم قد عمي عليهم الإسلام لا يدرون عن الإسلام شيئاً بل قد ضللوا وقيل لهم إن الإسلام دين وحشية وهمجية ورعاع ولا سيما إذا سمع الغرب هذه الحوادث التي جرت على يد أناس يقولون إنهم مسلمون سيقولون أين الإسلام ؟ هذه وحشية فينفرون من الإسلام بسبب المسلمين وأفعالهم، نسأل الله أن يهدينا أجمعين .
القسم الثاني: هجرة العمل، وهي أن يهجر الإنسان ما نهاه الله عنه من المعاصي والفسوق كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه فاهجر كل ما حرم الله عليك سواء كان مما يتعلق بحقوق الله أو مما يتعلق بحقوق عباد الله فتهجر السب والشتم والقتل والغش وأكل المال بالباطل وعقوق الوالدين وقطيعة الأرحام وكل شيء حرم الله تهجره، حتى لو أن نفسك دعتك إلى هذا وألحت عليك فذكرها أن الله حرم ذلك حتى تهجره وتبعد عنه .
القسم الثالث: هجرة العامل، فالعامل قد تجب هجرته أحياناً، قال أهل العلم: مثل الرجل المجاهر بالمعصية الذي لا يبالي بها فإنه يشرع هجره إذا كان في هجره فائدة ومصلحة .
والمصلحة والفائدة أنه إذا هجر عرف قدر نفسه ورجع عن المعصية .
ومثال ذلك: رجل معروف بالغش بالبيع والشراء فيهجره الناس فإذا هجروه تاب من هذا ورجع وندم ورجل ثان يتعامل بالربا فيهجره الناس ولا يسلمون عليه ولا يكلموه فإذا عرف هذا خجل من نفسه وعاد إلى صوابه .
أما إذا كان الهجر لا يفيد ولا ينفع وهو من أجل معصية لا من أجل كفر لأن الكافر المرتد يهجر على كل حال - أفاد أم لم يفد - لكن صاحب المعصية التي دون الكفر إذا لم يكن في هجره مصلحة فإنه لا يحل هجره لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: لا يحل لمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام ومن المعلوم أن المعاصي التي دون الكفر عند أهل السنة والجماعة لا تخرج من الإيمان فيبقى النظر هل الهجر يفيد أم لا، فإن أفاد فإنه يهجر ودليل ذلك قصة كعب بن مالك، وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع رضي الله عنهم الذين تخلفوا عن غزوة تبوك فهجرهم النبي صلى الله عليه وسلم وأمر المسلمين بهجرهم لكنهم انتفعوا في ذلك انتفاعاً عظيماً، ولجؤوا إلى الله وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم وأيقنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه فتابوا وتاب الله عليهم .
هذه أنواع الهجرة: هجرة المكان، وهجرة العمل، وهجرة العامل .


2 - وعن أم المؤمنين أم عبد الله عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يغزو جيش الكعبة فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم وآخرهم قالت: قلت يا رسول الله، كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم ؟ قال، يخسف بأولهم وآخرهم، ثم يبعثون على نياتهم متفق عليه، هذا لفظ البخاري .

الشَّرْحُ

قوله: يغزو جيش الكعبة الكعبة المشرفة حماها الله وأنقذها من كل شر .
هذه الكعبة هي بيت الله بناه إبراهيم وابنه إسماعيل، وكانا يرفعان القواعد من البيت ويقولان: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم هذا البيت أراد أبرهة أن يغزوه من اليمن فغزاه بجيش عظيم في مقدمه فيل عظيم يريد أن يهدم به الكعبة بيت الله فلما قرب من الكعبة ووصل إلى مكان يقال له المغمس حرن الفيل، وأبى أن يتقدم فجعلوا ينهرونه ليتقدم إلى الكعبة فأبى، فإذا صرفوا نحو اليمن هرول وأسرع ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام في غزوة الحديبية لما أن ناقته حرنت وأبت أن تمشي فقال الصحابة: خلأت القصواء، خلأت القصواء - يعني حرنت وبركت من غير علة - قال الرسول صلى الله عليه وسلم: والله ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق النبي عليه الصلاة والسلام يدافع عن بهيمة، لأن الظلم لا ينبغي ولو على البهائم ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق - أي عادة بل حبسها حابس الفيل وحابس الفيل: هو الرب سبحانه وتعالى: والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أجبتهم عليها .
المهم أن الكعبة غزيت من قبل اليمن في جيش عظيم يقوده هذا الفيل العظيم ليهدم الكعبة فلما وصلوا إلى المغمس أبى الفيل أن يمشي وحرن فانتهروه ولكن لا فائدة فبقوا هناك وانحبسوا فأرسل الله عليهم طيراً أبابيل، والأبابيل: الجماعات الكثيرة من الطيور وكل طير يحمل حجراً قد أمسكه برجله ثم يرسله على الواحد منهم حتى يضربه مع هامته حتى يخرج إلى دبره: { فجعلهم كعصف مأكول } كأنهم زرع أكلته البهائم، واندكوا في الأرض، وفي هذا يقول أمية بن الصلت:
حبس الفيل بالمغمس حتى ...
صار يحبوا كأنه معقور
فحمى الله عز وجل بيته من كيد هذا الملك الظالم الذي جاء لكي يهدم بيت الله وقد قال الله عز وجل: { ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم } في آخر الزمان يغزو قوم الكعبة، جيش عظيم .
وقوله: حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض أي: بأرض واسعة، خسف الله بأولهم وآخرهم .
خسفت بهم الأرض وساخوا فيها هم وأسواقهم وكل من معهم .
وفي هذا دليل على أنهم جيش عظيم لأن معهم أسواقهم للبيع والشراء وغير ذلك .
فيخسف الله بأولهم وآخرهم .
لما قال الرسول صلى الله عليه وسلم هذا ورد على خاطر عائشة رضي الله عنها سؤال: كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم ؟ أسواقهم الذين جاءوا للبيع والشراء ليس لهم قصد سيئ في غزو الكعبة وفيهم أناس ليسوا منهم تبعوهم من غير أن يعلموا بخطتهم فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: يخسف بأولهم وآخرهم وأسواقهم ومن ليس منهم ثم يبعثون يوم القيامة على نياتهم كل له ما نوى .
هذا فرد من أفراد قول الرسول عليه الصلاة والسلام: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى وفي هذا الحديث عبرة: أن من شارك أهل الباطل وأهل البغي والعدوان فإنه يكون معهم في العقوبة الصالح والطالح، العقوبة إذا وقعت تعم ولا تترك أحداً ثم يوم القيامة يبعثون على نياتهم .
يقول الله عز وجل: { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب } والشاهد من هذا الحديث قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ثم يبعثون على نياتهم فهو كقوله: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى .


3 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا متفق عليه .
ومعناه: لا هجرة من مكة لأنها صارت دار إسلام .

الشَّرْحُ

في هذا الحديث نفى رسول الله صلى الله عليه وسلم الهجرة بعد الفتح فقال: لا هجرة وهذا النفي ليس على عمومه، يعني أن الهجرة لم تبطل بالفتح فإنه لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تخرج الشمس من مغربها كما جاء ذلك في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن المراد بالنفي هنا نفي الهجرة من مكة كما قال المؤلف - رحمه الله - لأن مكة بعد الفتح صارت بلاد إسلام ولن تعود بعد ذلك بلاد كفر ولذلك نفى النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون هجرة بعد الفتح .
وكانت مكة تحت سيطرة المشركين وأخرجوا منها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهاجر بإذن ربه إلى المدينة وبعد ثمان سنوات رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة فاتحاً مظفراً منصوراً صلوات الله وسلامه عليه .
فصارت البلد بدل كونها بلد كفر صارت بلد إيمان وبلد إسلام ولم يكن منها هجرة بعد ذلك .
وفي هذا: دليل على أن مكة لن تعود لتكون بلاد كفر بل ستبقى بلاد إسلام إلى أن تقوم الساعة أو إلى أن يشاء الله .
ثم قال: ولكن جهاد ونية أي الأمر بعد هذا جهاد، أي يخرج أهل مكة من مكة إلى الجهاد .
والنية: أي النية الصالحة للجهاد في سبيل الله وذلك بأن ينوي الإنسان بجهاده، أن تكون كلمة الله هي العليا .
ثم قال عليه الصلاة والسلام: وإذا استنفرتم فانفروا يعني: إذا استنفركم ولي أمركم للجهاد في سبيل الله فانفروا وجوباً، وحينئذ يكون الجهاد فرض عين .
فلا يتخلف أحد إلا من عذره الله، لقول الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل، إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليما ويستبدل قوماً غيركم ولا تضروه شيئاً وهذا أحد المواضع التي يكون فيها الجهاد فرض عين .
والموضع الثاني: إذا حصر بلدة العدو، أي جاء العدو حتى وصل إلى البلد وحصر البلد صار الجهاد فرض عين ووجب على كل أحد أن يقاتل حتى على النساء والشيوخ القادرين في هذه الحال لأن هذا قتال دفاع .
وفرق بين قتال الدفاع وقتال الطلب .
فيجب في هذه الحال أن ينفر الناس كلهم للدفاع عن بلدهم .
الحالة الثالثة: إذا حضر الصف والتقى الصفان، صف الكفار وصف المسلمين صار الجهاد حينئذ فرض عين ولا يجوز لأحد أن ينصرف كما قال الله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار، ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير } وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم التولي يوم الزحف من السبع الموبقات .
الموضع الرابع: إذا احتيج إلى الإنسان بأن يكون السلاح لا يعرفه إلا فرد من الأفراد وكان الناس يحتاجون إلى هذا الرجل لاستعمال هذا السلاح الجديد مثلاً فإنه يتعين عليه أن يجاهد وإن لم يستنفره الإمام وذلك لأنه محتاج إليه .
ففي هذه المواطن الأربعة، يكون الجهاد فرض عين .
وما سوى ذلك فإنه يكون فرض كفاية .
قال أهل العلم: ويجب على المسلمين أن يكون منهم جهاد في العام مرة واحدة يجاهد أعداء الله لتكون كلمة الله هي العليا لا لأجل أن يدافعوا عن الوطن لأنه وطن، لأن الدفاع عن الوطن من حيث هو وطن يكون من المؤمن والكافر، حتى الكفار يدافعون عن أوطانهم لكن المسلم يدافع عن دين الله، فيدافع عن وطنه لا لأنه وطنه مثلاً، ولكن لأنه بلد إسلامي فيدافع عنه حماية للإسلام .
ولهذا يجب علينا في مثل هذه الظروف التي نعيشها اليوم يجب علينا أن نذكر جميع العامة بأن الدعوة إلى تحرير الوطن وما أشبه ذلك دعوة غير مناسبة، وأنه يجب أن يعبأ الناس تعبئة دينية، ويقال: إننا ندافع عن ديننا قبل كل شيء لأن بلدنا بلد دين وإسلام يحتاج إلى حماية ودفاع، فلابد أن ندافع عنه بهذه النية .
أما الدفاع بنية الوطنية أو بنية القومية فهذا يكون من المؤمن والكافر ولا ينفع صاحبه يوم القيامة، وإذا قتل وهو يدافع بهذه النية فليس بشهيد، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يقاتل حمية ويقاتل شجاعة ويقاتل ليرى مكانه أي ذلك في سبيل الله ؟ فقال من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله انتبه إلى هذا القيد .
إذا كنت تقاتل لوطنك فأنت والكافر سواء، لكن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ممثلة في بلدك لأن بلدك بلد الإسلام ففي هذه الحال ربما يكون القتال قتالاً في سبيل الله .
وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما من مكلوم يكلم في سبيل الله - والله أعلم بمن يكلم في سبيله - أي يجرح - إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثغب دماً اللون لون الدم والريح ريح المسك فانظر كيف اشترط النبي صلى الله عليه وسلم للشهادة أن يكون الإنسان يقاتل في سبيل الله .
فيجب على طلبة العلم أن يبينوا هذا والله الموفق .


4 - وعن أبي عبد الله جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة فقال: إن بالمدينة لرجالاً ما سرتم مسيراً، ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم حبسهم المرض وفي رواية إلا شركوكم في الأجر رواه مسلم .
ورواه البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: رجعنا من غزوة تبوك مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أقواماً خلفنا بالمدينة ما سلكنا شعباً ولا وادياً إلا وهم معنا، حبسهم العذر .

الشَّرْحُ

قوله: في غزاة أي في غزوة .
فمعنى الحديث أن الإنسان إذا نوى العمل الصالح ولكنه حبسه عنه حابس فإنه يكتب له الأجر، أجر ما نوى .
أما إذا كان يعمله في حال عدم العذر، أي لما كان قادراً كان يعمله ثم عجز عنه فيما بعد فإنه يكتب له أجر العمل كاملاً لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحاً مقيماً .
فالمتمني للخير، الحريص عليه إن كان من عادته أنه كان يعمله ولكنه حبسه عنه حابس، كتب له أجره كاملاً .
فمثلاً: إذا كان الإنسان من عادته أن يصلي مع الجماعة في المسجد ولكنه حبسه حابس كنوم أو مرض أو ما أشبه فإنه يكتب له أجر المصلي مع الجماعة تماماً من غير نقص .
وكذلك إذا كان من عادته أن يصلي تطوعاً ولكنه منعه منه مانع ولم يتمكن منه فإنه يكتب له أجره كاملاً، وغيره من الأمثلة الكثيرة .
أما إذا كان ليس من عادته أن يفعله فإنه يكتب له أجر النية فقط دون أجر العمل .
ودليله: أن فقراء الصحابة رضي الله عنهم قالوا: يا رسول الله سبقنا أهل الدثور بالأجور والنعيم المقيم - يعني أن أهل الأموال سبقوهم بالصدقة والعتق - فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا أخبركم بشيء إذا فعلتموه أدركتم من سبقكم ولم يدرككم أحد إلا من عمل مثل ما عملتم فقال: تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين ففعلوا فعلم الأغنياء بذلك ففعلوا مثلما فعلوا .
فجاء الفقراء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله .
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، ولم يقل لهم إنكم قد أدركتم أجر عملهم لكن لاشك أن لهم أجر نية العمل .
ولهذا ذكر النبي عليه الصلاة والسلام فيمن آتاه الله مالاً فجعل ينفقه في سبل الخير وكان رجل فقير يقول لو أن لي مال فلان لعملت فيه عمل فلان، قال النبي صلى الله عليه وسلم: فهو بنيته فهما في الأجر سواء .
أي: سواء في أجر النية أما العمل فإنه لا يكتب له أجره إلا إن كان من عادته أن يعمله .
وفي هذا الحديث: إشارة إلى أن من خرج في سبيل الله في الغزو والجهاد، فإنه له أجر ممشاه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً ولا شعباً إلا وهم معكم .
ويدل لهذا قوله تعالى: ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئاً يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلاً إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين، ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون وادياً إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون ونظير هذا: أن الرجل إذا توضأ في بيته فأسبغ الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة فإنه لا يخطو خطوة إلا رفع الله له بها درجة وحط عنه بها خطيئة .
وهذا من فضل الله عز وجل أن تكون وسائل العمل فيها هذا الأجر الذي بينه الرسول صلى الله عليه وسلم والله الموفق .
اه


5 - وعن أبي يزيد معن بن يزيد بن الأخنس رضي الله عنهم، وهو وأبوه وجده صحابيون، قال: كان أبي يزيد أخرج دنانير يتصدق بها فوضعها عند رجل في المسجد فجئت فأخذتها فأتيته بها، فقال: والله ما إياك أردت فخاصمته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لك ما نويت يا يزيد، ولك ما أخذت يا معن رواه البخاري .

الشَّرْحُ

هذا الحديث الذي ذكره المؤلف رحمه الله في قصة معن بن يزيد وأبيه رضي الله عنهما، أن أباه يزيد أخرج دراهم عند رجل في المسجد ليتصدق بها على الفقراء فجاء ابنه معن فأخذها، ربما يكون ذلك الرجل الذي وكل فيها لم يعلم أنه ابن يزيد، ويحتمل أنه أعطاه لأنه من المستحقين .
فبلغ ذلك أباه يزيد فقال: ما إياك أردت أي: ما أردت أن أتصدق بهذه الدراهم عليك فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لك يا يزيد ما نويت، ولك يا معن ما أخذت فقوله عليه الصلاة والسلام: لك يا يزيد ما نويت يدل على أن الأعمال بالنيات وأن الإنسان إذا نوى الخير حصل له، وإن كان يزيد لم ينو أن يأخذ هذه الدراهم ابنه لكنه أخذها وابنه من المستحقين فصارت له ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: لك يا معن ما أخذت ففي هذا الحديث: دليل كما ساقه المؤلف من أجله على أن الأعمال بالنيات وأن الإنسان يكتب له أجر ما نوى وإن وقع الأمر على خلاف ما نوى، وهذه القاعدة لها فروع كثيرة .
منها ما ذكره العلماء - رحمهم الله - أن الرجل لو أعطى زكاته شخصاً يظن أنه من أهل الزكاة فتبين أنه غني وليس من أهل الزكاة فإن زكاته تجزئ وتكون مقبولة تبرأ بها ذمته لأنه نوى أن يعطيها من هو أهل لها، فإذا نوى فله نيته .
ومنها: أن الإنسان لو وقف شيئاً، كمثل أن يقف بيتاً صغيراً، فقال: وقفت بيتي الفلانى وأشار إلى الكبير لكنه خلاف ما نواه بقلبه، فإنه على ما نوى وليس على ما سبق به لسانه .
ومنها: لو أن إنساناً جاهلاً لا يعرف الفرق بين العمرة والحج، فحج مع الناس فقال لبيك حجاً وهو يريد عمرة يتمتع بها إلى الحج فإنه له ما نوى، ما دام أن قصده يقيم العمرة لكن قال لبيك حجاً مع الناس فله ما نوى، ولا يضر سبق لسانه بشيء .
ومنها أيضاً: لو قال الإنسان لزوجته: أنت طالق وأراد أنت طالق من قيد لا من نكاح فله ما نوى، ولا تطلق بذلك زوجته .
المهم أن هذا الحديث له فوائد كثيرة وفروع منتشرة في أبواب الفقه .
ومن فوائده: أنه يجوز للإنسان أن يتصدق على ابنه وهو كذلك، يعني أنه يجوز .
والدليل على هذا: ما في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حينما قال لزوجته - وقد أرادت أن تتصدق - قال لها: زوجك وولدك أحق من تصدقت عليه .
وكان الرسول عليه الصلاة والسلام قد أمر بالصدقة وحث عليها، فأرادت زينب زوجة عبد الله بن مسعود أن تتصدق بشيء من مالها فقال لها زوجها ما قال لأنه كان فقيراً رضي الله عنه فقالت: لا حتى أسأل النبي صلى الله عليه وسلم فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: صدق عبد الله، زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم ومن فوائد الحديث: أنه يجوز أن يعطي الإنسان ولده من الزكاة بشرط أن لا يكون في ذلك إسقاط لواجب عليه .
يعني مثلاً: لو كان الإنسان عنده زكاة وأراد أن يعطيها ابنه من أجل أن لا يطالبه بالنفقة فهذا لا يجزئ لأنه أراد بالإعطاء أن يسقط واجب نفقته .
أما لو أعطاه ليقضي ديناً عليه مثل أن يكون على الإبن حادث ويعطيه أبوه من الزكاة ما يسدد به هذه الغرامة فإن ذلك لا بأس به وتجزئه من الزكاة، لأن ولده أقرب الناس إليه وهو الآن لم يقصد بهذا إسقاط واجب عليه، إنما قصد بذلك إبراء ذمة ولده لا الإنفاق عليه، والله الموفق .
أه


6 - وعن أبي إسحاق سعد بن أبي وقاص مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي الزهري رضي الله عنه أحد العشرة المشهود لهم بالجنة رضي الله عنهم قال: جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي فقلت: يا رسول الله إني قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأتصدق بثلثي مالي ؟ قال: لا قلت: فالشطر يا رسول الله ؟ فقال: لا قلت فالثلث يا رسول الله ؟ قال الثلث والثلث كثير أو كبير إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعل في في امرأتك قال فقلت: يا رسول الله أخلف بعد أصحابي ؟ قال إنك لن تخلف فتعمل عملاً تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون اللهم أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم، لكن البائس سعد بن خولة يرثى له رسوله الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة متفق عليه .

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه يعوده في مرض ألم به وذلك في مكة، ولكن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه من المهاجرين الذين هاجروا من مكة إلى المدينة فتركوا بلدهم لله عز وجل، وكان من عادة النبي صلى الله عليه وسلم، أنه يعود المرضى من أصحابه، كما أنه يزور من يزور منهم لأنه صلى الله عليه وسلم كان أحسن الناس خلقاً على أنه الإمام المتبوع صلوات الله وسلامه عليه كان من أحسن الناس خلقاً وألينهم بأصحابه، وأشدهم تحبباً إليهم .
فجاءه يعوده فقال يا رسول الله: إني قد بلغ بي من الوجع ما ترى أي: أصابه الوجع العظيم الكبير وأنا ذو مال كثير أو كبير أي أن عنده مالاً كبيراً ولا يرثني إلا ابنة لي أي ليس له ورثة بالفرض إلا هذه البنت أفأتصدق بثلثي مالي أي اثنين من ثلاثة قال: لا، قلت الشطر يا رسول الله أي بالنصف قال لا قلت فالثلث .
قال الثلث، الثلث كثير .
قوله: أفأتصدق أي أعطيه صدقة فمنع النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك لأن سعداً في تلك الحال كان مريضاً مرضا يخشى منه الموت، فلذلك منعه الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتصدق بأكثر من الثلث .
لأن المريض مرض الموت المخوف لا يجوز أن يتصدق بأكثر من الثلث، لأن ماله قد تعلق به حق الغير وهم الورثة .
أما من كان صحيحاً ليس فيه مرض أو فيه مرض يسير لا يخشى منه الموت فله أن يتصدق بما شاء بالثلث أو بالنصف أو بالثلثين أو بماله كله لا حرج عليه .
لكن لا ينبغي أن يتصدق بماله كله إلا إن كان عنده شيء يعرف أنه سوف يستغني به عن عباد الله .
المهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم منعه أن يتصدق بأكثر من الثلث، وقال الثلث والثلث كثير أو كبير وفي هذا دليل على أنه إذا نقص عن الثلث فهو أحسن وأكمل ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الثلث والثلث كثير .
وقال أبو بكر رضي الله عنه: أرضى ما رضيه الله لنفسه يعني الخمس، فأوصى بالخمس رضي الله عنه .
وبهذا نعرف أن عمل الناس اليوم وكونهم يوصون بالثلث خلاف الأولى وإن كان هو جائزاً لكن الأفضل أن يكون أدنى من الثلث إما الربع أو الخمس .
قال فقهاؤنا رحمهم الله والأفضل أن يوصى بالخمس لا يزيد عليه اقتداء بأبي بكر الصديق رضي الله عنه ثم قال الرسول عليه الصلاة والسلام إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس .
أي كونك تبقي المال ولا تتصدق به حتى إذا مت وورثه الورثة صاروا أغنياء به هذا خير من أن تذرهم عالة لا تترك لهم شيئاً يتكففون الناس أي يسألون الناس بأكفهم أعطونا أعطونا .
وفي هذا: دليل على أن الميت إذا خلف مالاً للورثة فإن ذلك خيراً له .
لا يظن الإنسان أنه إذا خلف المال وورث منه قهراً عليه إنه لا أجر له في ذلك لا بل له أجر، حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: خير من أن تذرهم عالة إلخ لأنك إذا تركت المال للورثة انتفعوا به وهم أقارب وإن تصدقت به انتفع به الأباعد .
والصدقة على القريب أفضل من الصدقة على البعيد لأن الصدقة على القريب صدقة وصلة .
وقوله: يا رسول الله أخلف بعد أصحابي ؟ فقال: إنك لن تخلف بل قال قبل ذلك وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعل في في امرأتك تنفق نفقة: أي مالاً إما من الدراهم أو الدنانير أو الثياب أو الفرش أو طعاماً أو غير ذلك تبتغي به وجه الله إلا أجرت عليه .
الشاهد من هذا قوله: تبتغي به وجه الله أي تقصد به وجه الله عز وجل، بدخولك الجنة ورؤيته سبحانه وتعالى فيها .
لأن أهل الجنة - جعلني الله وإياكم منها - يرون الله سبحانه وتعالى وينظرون إليه عياناً بأبصارهم كما يرون الشمس صحوا ليس دونها سحاب وكما يرون القمر ليلة البدر .
يعني أنهم يرون ذلك حقاً .
فقال: إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعل في في امرأتك أي: حتى اللقمة التي تطعمها امرأتك تؤجر عليها إذا قصدت بها وجه الله، مع أن الإنفاق على الزوجة أمر واجب، لو لم تنفق لقالت أنفق أو طلق، ومع هذا إذا أنفقت على زوجتك تريد به وجه الله آجرك الله على ذلك .
وكذلك إذا أنفقت على أولادك إذا أنفقت على أمك على أبيك بل إذا أنفقت على نفسك تبتغي بذلك وجه الله فإن الله يثيبك على هذا .
ثم قال رضي الله عنه: أخلف بعد أصحابي ؟ يعني: أو خلف بعد أصحابي، أي هل أتأخر بعد أصحابي فأموت بمكة فبين النبي صلى الله عليه وسلم أنه لن يخلف فقال: إنك لن تخلف وبين له أنه لو خلف ثم عمل عملاً يبتغي به وجه الله لازداد به عند الله درجة ورفعة .
يعني: لو فرض أنك خلفت ولم تتمكن من الخروج من مكة وعملت عملاً تبتغي به وجه الله فإن الله سبحانه يزيدك به رفعة ودرجة، رفعة في المقام والمرتبة ودرجة في المكان .
فيرفعك الله عز وجل في جنات النعيم درجات، حتى لو عملت بمكة وأنت قد هاجرت منها .
ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: ولعلك أن تخلف أن تخلف: هنا غير أن تخلف الأولى .
لعلك أن تخلف: أي أن تعمر في الدنيا وهذا هو الذي وقع فإن سعد بن أبي وقاص عمر زماناً طويلاً .
حتى أنه رضي الله عنه كما ذكر العلماء خلف سبعة عشر ذكراً واثنتي عشرة بنتاً .
وكان في الأول ما عنده إلا بنت واحدة، ولكن بقي وعمر ورزق أولاداً .
وقوله: حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون وهذا الذي حصل، فإن سعداً رضي الله عنه خلف وصار له أثر كبير في الفتوحات الإسلامية، وفتح فتوحات عظيمة كبيرة فانتفع به أقوام وهم المسلمون وضر به آخرون وهم الكفار .
ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم امض لأصحابي هجرتهم سأل الله أن يمضي لأصحابه هجرتهم وذلك بأمرين .
الأمر الأول: ثباتهم على الإيمان لأنه إذا ثبت الإنسان على الإيمان ثبت على الهجرة .
والأمر الثاني: أن لا يرجع أحد منهم إلى مكة بعد أن خرج منها مهاجراً إلى الله ورسوله .
لأنك إذا خرجت من البلد مهاجراً إلى الله ورسوله فهو كالمال الذي تتصدق به لا يمكن أن ترجع فيه .
وهكذا كل شيء تركه الإنسان لله لا يرجع فيه .
ومن ذلك: ما وفق فيه كثير من الناس من إخراج التليفزيون من بيوتهم توبة إلى الله وابتعاداً عنه وعما فيه من الشرور فهؤلاء قالوا هل يمكن أن نعيده الآن إلى البيت ؟ نقول: لا، بعد أن أخرجتموه لله لا تعيدوه لأن الإنسان إذا ترك شيئاً لله وهجر شيئاً لله فلا يعود فيه ولهذا سأل الرسول عليه الصلاة والسلام ربه أن يمضي لأصحابه هجرتهم .
وقوله: ولا تردهم على أعقابهم أي: لا تجعلهم ينتكسون عن الإيمان فيرتدون على أعقابهم لأن الكفر تأخر والإيمان تقدم وهذا عكس ما يقوله الملحدون اليوم حيث يصفون الإسلام بالمرجعية، ويقولون: إن التقدمية أن ينسلخ الإنسان من الإسلام وأن يكون علمانياً لا يفرق بين الإيمان والكفر والعياذ بالله ولا بين الفسوق والطاعة، فالإيمان هو التقدم في الحقيقة .
المتقدمون هم المؤمنون والتقدم يكون بالإيمان والردة تكون نكوصاً على العقبين كما قال النبي عليه الصلاة والسلام هنا: ولا تردهم على أعقابهم .
وفي هذا الحديث فوائد عظيمة كثيرة: منها: أن من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم عيادة المرضى لأنه عاد سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وفي عيادة المرضى فوائد للعائد وفوائد للمعود .
أما العائد فإنه يؤدي حق أخيه المسلم لأن من حق أخيك المسلم أن تعوده إذا مرض .
ومنها: أن الإنسان إذا عاد المريض فإنه لا يزال في مخرفة الجنة يعني يجني ثمار الجنة حتى يعود .
ومنها: أن في ذلك تذكيراً للعائد بنعمة الله عليه بالصحة، لأنه إذا رأى هذا المريض ورأى ما هو فيه من المرض ثم رجع إلى نفسه رأى ما فيها من الصحة والعافية عرف قدر نعمة الله عليه بهذه العافية لأن الشيء إنما يعرف بضده .
ومنها: أن فيها جلباً للمحبة والمودة فإن الإنسان إذا عاد المريض صارت هذه العيادة في قلب المريض دائما على قلبه يتذكرها، وكلما ذكرها أحب الذي يعوده وهذا يظهر كثيراً فيما إذا برأ المريض وحصلت منه ملاقاة لك تجده يتشكر منك وتجد أن قلبه ينشرح بهذا الشيء .
أما المعود: فإن له فيها فائدة أيضاً، لأنه تؤنسه وتشرح صدره ويزول عنه ما فيه من الهم والغم ومن المرض وربما يكون العائد موفقاً يذكره بالخير والتوبة والوصية إذا كان يريد أن يوصي بشيء عليه من الديون وغيرها فيكون في ذلك فائدة للمعود .
ولهذا قال العلماء: ينبغي لمن عاد المريض أن ينفس له في أجله أي يفرحه يقول: ما شاء الله أنت اليوم في خير وما أشبهه، ليس لازماً أن يقول له أنت طيب مثلاً لأنه قد يكون اليوم أشد مرضاً من أمس لكن يقول أنت اليوم في خير لأن المؤمن كل أمره خير أن أصابه ضراء فهو في خير وإن أصابه سراء فهو في خير .
والأجل محتوم إن كان هذا المرض أجله مات وإن كان بقي له شيء من الدنيا بقي .
وينبغي أيضاً أن يذكره التوبة لكن لا يقول له ذلك بصفة مباشرة لأنه ربما ينزعج ويقول في نفسه لو أن مرضي غير خطير ما ذكرني بالتوبة .
لكن يبدأ بذكر الآيات والأحاديث التي فيها الثناء على التائبين ما يتذكر به المريض وينبغي كذلك أن يذكره الوصية لا يقول له أوص فإن أجلك قريب لو قال هكذا انزعج بل مثلاً يذكره بقصص واردة عليه .
قال أهل العلم: وينبغي أيضاً إذا رأى منه تشوفاً إلى أن يقرأ عليه فليقرأ عليه، ينفث عليه بما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام .
مثل قوله: اللهم رب الناس أذهب البأس، اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقماً ومثل قوله: ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض كما رحمتك في السماء فاجعل رحمتك في الأرض أنت رب الطيبين اغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنزل رحمة من رحمتك، وشفاء من شفائك على هذا الوجع فيبرأ أو يقرأ عليه بسورة الفاتحة لأن الفاتحة رقية يقرأ بها على المرضى وعلى الذين لدغتهم العقرب أو الحية وما أشبه ذلك .
المهم أنه إذا رأى من المريض أنه يحب أن يقرأ عليه فليقرأ عليه، لئلا يلجئه إلى طلب القراءة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: رأيت مع أمتي سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب وقال: هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون فقوله: لا يسترقون أي: لا يطلبون أحداً يقرأ عليهم .
كذلك أيضاً إذا رأيت أن المريض يحب أن تطيل المقام عنده فأطل المقام، فأنت على خير وعلى أجر .
أطل المقام عنده وأدخل عليه السرور، وربما يكون في دخول السرور على قلبه سبباً لشفائه لأن سرور المريض وانشراح صدره من أكبر أسباب الشفاء، فأطل الجلوس عنده حتى تعرف أنه قد مل .
أما إذا رأيت المريض متكلف ولا يحب أنك تبقى، أو يحب أن تذهب عنه لكي يبقى مع أهله ويأنس بهم فلا تتأخر، اسأل عن حاله ثم انصرف .
ففي حديث سعد بن أبي وقاص مشروعية عيادة المريض .
ومن فوائده: حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقاً لأن الله قال: ن والقلم وما يسطرون، ما أنت بنعمة ربك بمجنون، وإن لك لأجراً غير ممنون، وإنك لعلى خلق عظيم فأعظم الناس خلقاً وأحسن الناس خلقاً رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ولهذا كان يعود أصحابه ويزورهم ويسلم عليهم حتى إنه يمر بالصبيان الصغار فيسلم عليهم، صلوات الله وسلامه عليه .
ومنها: أنه ينبغي للإنسان مشاورة أهل العلم لأن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه استشار النبي صلى الله عليه وسلم حينما أراد أن يتصرف بشيء من ماله فقال: يا رسول الله إني ذو مال كثير ولا يرثني إلا ابنة لي أفأتصدق بثلثي مالي ؟ قال: لا ..
.
الحديث .
ففيه استشارة أهل العلم والرأي، وكل إنسان بحسبه فمثلاً إذا كنت تريد أن تقدم على شيء من أمور الدين فشاور أهل العلم لأنهم أعلم بأمور الدين من غيرهم، إذا أردت أن تشتري بيتاً فشاور أصحاب المكاتب العقارية، إذا أردت أن تشتري سيارة فاستشر المهندسين في ميكانيكية السيارات وهكذا .
ولهذا يقال: ما خاب من استخار ولا ندم من استشار .
والإنسان بلا شك لا ينبغي له أن يكمل نفسه، من ادعى الكمال لنفسه فهو الناقص بل لابد أن يراجع خصوصاً في الأمور الهامة التي تتعلق بمسائل الأمة فإن الإنسان قد يحمله الحماس والعاطفة على فعل شيء هو في نفسه حق ولا بأس به لكن التحدث عنه قد يكون غير طيب إما في الزمان أو في المكان أو في الحال .
ولهذا ترك النبي صلى الله عليه وسلم بناء الكعبة على قواعد إبراهيم خوفاً من الفتنة فقال لعائشة رضي الله عنها: لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لبنيت الكعبة على قواعد إبراهيم ولجعلت لها بابين، باباً يدخل منه الناس وباباً يخرجون منه .
من أجل أن يتمكن الناس من دخول بيت الله عز وجل، لكن ترك ذلك خوف الفتنة مع كونه مصلحة .
بل أعظم من ذلك أن الله نهى أن نسب آلهة المشركين مع أن آلهة المشركين جديرة بأن تسب وتعاب وينفر منها لكن لما كان سبها يؤدي إلى سب الرب العظيم المنزه عن كل عيب ونقص، قال الله عز وجل: { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون } فالمهم أنه ينبغي أن نعلم أن الشيء قد يكون حسناً في حد ذاته وفي موضوعه لكن لا يكون حسناً ولا يكون من الحكمة ولا من العقل ولا من النصح ولا من الأمانة أن يذكر في وقت من الأوقات أو في مكان من الأماكن أو في حال من الأحوال وإن كان هو في نفسه حقاً وصدقاً وحقيقة واقعة ومن ثم كان ينبغي للإنسان أن يستشير ذوي العلم والرأي والنصح في الأمر قبل أن يقدم عليه حتى يكون لديه برهان لأن الله قال لأشرف خلقه عليه الصلاة والسلام وأسدهم رأياًَ وأبلغهم نصحاً محمد صلى الله عليه وسلم قال: { فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله } هذا وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم أسد الناس رأياً وأرجحهم عقلاً، وأبلغهم نصحاً .
الإنسان ربما تأخذه العاطفة فيندفع ويقول هذا لله هذا أنا سأفعله، سأصدع بالحق سأقول سوف لا تأخذني في الله لومة لائم وما أشبه ذلك من الكلام ثم تكون العاقبة وخيمة، ثم إن الغالب أن الذي يحكم العاطفة ويتبع العاطفة ولا ينظر للعواقب ولا للنتائج ولا يقارن بين الأمور الغالب أنه يحصل على يديه من المفاسد ما لا يعلمه إلا الله عز وجل مع أن نيته طيبة وقصده حسن لكن لم يحسن أن يتصرف لأن هناك فرقاً بين حسن النية وحسن التصرف قد يكون الإنسان حسن النية لكنه سيئ التصرف وقد يكون سيئ النية والغالب أنه سيئ النية سيئ التصرف، لكن مع ذلك قد يحسن التصرف لينال غرضه السيئ .
فالإنسان يحمد على حسن نيته لكن قد لا يحمد على سوء فعله إلا أنه إذا علم منه أنه معروف بالنصح والإرشاد فإنه يعذر بسوء تصرفه ويلتمس له العذر ولا ينبغي أيضاً أن يتخذ من فعله هذا الرأي لم يكن موافقاً للحكمة بل لا يجوز أن يتخذ منه قدح في هذا المتصرف وأن يحمل ما لا يتحمله لكن يعذر ويبين له وينصح ويرشد ويقال يا أخي هذا كلامك أو فعلك حسن طيب وصواب في نفسه لكنه غير صواب في محله أو في زمانه أو في مكانه .
المهم أن في حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يستشير من هو أكمل منه رأياً وأكثر منه علماً .
وفيه من الفوائد: أنه ينبغي للمستشير أن يذكر الأمر على ما هو عليه حقيقة لا يلوذ يميناً وشمالاً بل يذكر الأمر حقاً على ما هو عليه حتى يتبين للمستشار حقيقة الأمر ويبني مشورته على هذه الحقيقة ولهذا قال سعد: إني ذو مال ولا يرثني إلا ابنة .
فقوله: إني ذو مال بيان لسبب العطية التي يريد أن يعطيها ولا يرثني إلا ابنة بيان لانتفاء المانع، يعني لا مانع من أن أوصي كثيراً لانتفاء الوارث .
والمستشار عليه أن يتقي الله عز وجل فيما أشار فيه وأن لا تأخذه العاطفة في مراعاة المستشير لأن بعض الناس إذا استشاره الشخص ورأى أنه يميل إلى أحد الأمرين أو الرأيين ذهب يشير عليه به .
ويقول: أنا أحب أن أوافق الذي يرى أنه يناسبه وهذا خطأ عظيم بل خيانة، الواجب إذا استشارك أن تقول له ما ترى أنه حق وأنه نافع سواء أرضاه أم لم يرضه، وأنت إذا فعلت هذا كنت ناصحاً وأديت ما عليك ثم إن أخذ به، ورأي أنه صواب فذاك وإن لم يأخذ به فقد برئت ذمتك .
مع أنك ربما تستنتج شيئاً خطأ، قد تستنتج أنه يريد كذا وهو لا يريده فتكون خسراناً من وجهين: من جهة الفهم السيئ، ومن جهة القصد السيئ .
وفي قول الرسول عليه الصلاة والسلام لا دليل على أنه لا حرج أن يستعمل الإنسان كلمة لا وليس فيها شيء، فالنبي عليه الصلاة والسلام استعمل كلمة لا وأصحابه رضي الله عنهم استعملوا كلمة لا .
فجابر رضي الله عنه لما أعيا جمله، ولحقه النبي عليه الصلاة والسلام، كيف لحقه وهو هزيل هل الجمل قدام الناس ؟ لا لكن من عادة الرسول عليه الصلاة والسلام لأنه راعي أمته أن يمشي في الآخر لا يمشي قدامهم بل يمشي وراءهم لأجل أنه إذا احتاج أحد إلى شيء يساعده عليه الصلاة والسلام، انظر إلى التواضع وحسن الرعاية .
لحق جابراً وكان جمله قد أعيا لا يمشي فضربه النبي صلى الله عليه وسلم ودعا له وقال: بعنيه بوقية قال جابراً لا قال لا للرسول عليه الصلاة والسلام ولم ينكر عليه الرسول عليه الصلاة والسلام .
فلا مانع من كلمة لا فإنها ليست سوء أدب وخلق، كثير من الناس الآن يأنف أن يقول لا يقول سلامتك، هذا طيب أن تدعو له بالسلامة لكن إذا قلت لا فلا عيب عليك .
ومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز للمريض مرضاً مخوفاً أن يعطي أكثر من الثلث إلا إذا أجازه الورثة لأن الورثة تعلق حقهم بالمال لما مرض الرجل لقول النبي صلى الله عليه وسلم: الثلث والثلث كثير وفيه دليل على أنه ينبغي أن يكون عطاؤه أقل من الثلث كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الثلث والثلث كثير .
ومنها: أنه لا يجوز للإنسان إذا كان مريضاً مرضاً يخشى منه الموت أن يتبرع بأكثر من الثلث من ماله، لا صدقة ولا مشاركة في بناء مساجد ولا هبة ولا غير ذلك لا يزيد على الثلث لأن النبي صلى الله عليه وسلم منع سعداً من أن يتصدق بأكثر من الثلث .
والوصية كالعطية فلا يجوز أن يوصي الإنسان بشيء من ماله بعد موته زائداً على الثلث .
والأفضل في الوصية أن تكون بالخمس لأثر أبي بكر المتقدم آنفاً .
ومنها: إذا كان مال الإنسان قليلاً وكان ورثته فقراء فالأفضل أن لا يوصي بشيء لا قليل ولا كثير لقوله عليه الصلاة والسلام: إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة خلافاً لما يظنه بعض العوام أنه لابد من الوصية هذا خطأ، الإنسان الذي ماله قليل وورثته فقراء ليس عندهم مال لا ينبغي له أن يوصي، الأفضل أن لا يوصي .
ويظن بعض العامة أنه إذا لم يوص فإنه لا أجر له وليس كذلك بل إذا ترك المال لورثته فهو مأجور في هذا، وإن كان الورثة يرثونه قهراً، لكن إذا كان مسترشداً بهدي النبي صلى الله عليه وسلم لقوله: إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة فإن أجره بذلك أفضل من أن يتصدق عنه بشيء من ماله .
ومنها: خوف الصحابة المهاجرين من مكة أن يموتوا فيها، لأن سعداً رضي الله عنه قال: أخلف بعد أصحابي وهذه الجملة استفهامية والمعنى أأخلف ؟ وهذا استفهام توقعي مفروض يعني أنه لا يحب أن يتخلف فيموت في مكة وقد خرج منها مهاجراً إلى الله ورسوله .
ومنها: ظهور معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال له: إنك لن تخلف وسوف تخلف حتى يضر بك أقوام وينتفع بك آخرون فإن الأمر كما توقعه النبي صلى الله عليه وسلم فإن سعداً عمر إلى خلافة معاوية .
وهذه من آيات النبي صلى الله عليه وسلم أن يخبر عن أمر مستقبل فيقع كما أخبر به، ولكن هذا ليس خبراً محضاً ولكن توقع لقوله: لعلك أن تخلف فلم يجزم ولكن كان الأمر كما توقعه النبي صلى الله عليه وسلم .
ومنها: أنه ما من إنسان يعمل عملاً يبتغي به وجه الله إلا ازداد به رفعة ودرجة حتى وإن كان في مكان لا يحل له البقاء فيه، لأن العمل شيء والبقاء شيء آخر .
ولهذا كان القول الراجح من أقوال أهل العلم أن الإنسان إذا صلى في أرض مغصوبة فإن صلاته صحيحة لأن النهي ليس عن الصلاة بل النهي عن الغصب .
فالنهي منصب على شيء غير الصلاة فتكون صلاته صحيحة في هذا المكان المغصوب لكنه آثم ببقائه في هذا المكان المغصوب، نعم لو ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا تصل في أرض مغصوبة، لقلنا إذا صليت في الأرض المغصوبة فصلاتك باطلة كما نقول إنك إن صليت في المقبرة فصلاتك باطلة لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام هذا غير صلاة الجنازة لأنها تجوز حتى في المقبرة .
ومنها: أن الإنسان إذا أنفق نفقة يبتغي وجه الله فإنه يثاب عليها، حتى النفقات على أهله وعلى زوجته بل وعلى نفسه إذا ابتغى بها وجه الله أثابه الله عليها .
وفيه: إشارة أنه ينبغي للإنسان أن يستحضر نية التقرب إلى الله في كل ما ينفق حتى يكون له في ذلك أجر .
وقوله: اللهم امض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم سأل النبي صلى الله عليه وسلم ربه أن يمضي لأصحابه هجرتهم وذلك بثباتهم على الإيمان وبقائهم في الأوطان التي هاجروا إليها من مكة ولهذا قال: ولا تردهم على أعقابهم الرد على العقب يعني الكفر بعد الإسلام والعياذ بالله كما قال تعالى: { ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } وقوله: لكن البائس سعد بن خولة ..
.
يقوله النبي عليه الصلاة والسلام .
سعد بن خولة رضي الله عنه من المهاجرين الذين هاجروا من مكة ولكن الله قدر أن يموت فيها فمات فيها فرثى له النبي عليه الصلاة والسلام أي توجع له أن مات بمكة وقد كانوا يكرهون للمهاجر أن يموت في الأرض التي هاجر منها .
هذا ما تيسر من الكلام على هذا الحديث، والمؤلف رحمه الله تعالى ذكره في باب النية لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسعد: إنك لن تعمل عملاً تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة وقال له: إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها فأشار في هذا الحديث إلى الإخلاص في كون الإنسان يبتغي بعمله وبإنفاق ماله وجه الله حتى ينال على ذلك الأجر وزيادة الدرجات والرفعة عند الله عز وجل والله الموفق .


7 - وعن أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله لا ينظر إلى أجسامكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم رواه مسلم .

الشَّرْحُ

وقوله: ولكن ينظر إلى قلوبكم وفي لفظ: قلوبكم وأعمالكم هذا الحديث يدل على ما يدل عليه قول الله تعالى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم فالله سبحانه وتعالى لا ينظر إلى العباد إلى أجسامهم هل هي كبيرة أو صغيرة أو صحيحة أو سقيمة ولا ينظر إلى الصور هل هي جميلة أو ذميمة .
كل هذا ليس بشيء عند الله، وكذلك لا ينظر إلى الأنساب هل هي رفيعة أو دنيئة، ولا ينظر إلى الأموال ولا ينظر إلى شيء من هذا أبداً .
ليس بين الله وبين خلقه صلة إلا بالتقوى، فمن كان لله أتقى كان من الله أقرب وكان عند الله أكرم إذن لا تفخر بمالك ولا بجمالك ولا ببدنك ولا بأولادك ولا بقصورك ولا بسيارتك ولا بشيء من هذه الدنيا أبداً، إنما إذا وفقك الله للتقوى فهذا من فضل الله عليك فاحمد الله عليه .
واعلم أن الأعمال بالنيات، والقلوب هي التي عليها المدار .
كم من إنسان ظاهر عمله أنه صحيح وجيد وصالح لكن لما بني على خراب صار خراباً .
النية هي الأصل، تجد رجلين يصليان في صف واحد مقتدين بإمام واحد يكون بين صلاتيهما كما بين المشرق والمغرب، لأن القلب مختلف أحدهما قلبه غافل بل، وربما يكون مرائياً في صلاته والعياذ بالله يريد بها الدنيا، الآخر قلبه يريد بصلاته وجه الله واتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فبينهما فرق عظيم، فالعلم على ما في القلب، وعلى ما في القلب يكون الجزاء يوم القيامة كما قال سبحانه: { إنه على رجعه لقادر، يوم تبلى السرائر } أي: تختبر السرائر لا الظواهر في الدنيا الحكم بين الناس على الظاهر لقول النبي صلى الله عليه وسلم: إنما أقضي بنحو ما أسمع لكن في الآخرة العلم على ما في السرائر نسأل الله أن يطهر سرائرنا وإياكم .
فإذا كانت السريرة جيدة صحيحة فأبشر بالخير وإن كانت الأخرى فقدت الخير كله وقال الله عز وجل: { أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور، وحصل ما في الصدور } فالعلم على ما في القلب .
وإذا كان الله في كتابه، وكان رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته يؤكدان على إصلاح النية فالواجب على الإنسان أن يصلح نيته، يصلح قلبه، ينظر ما في قلبه من الشك فيزيله إلى اليقين كيف ذلك ؟ يكون ذلك نظره إلى الآيات قال الله عز وجل: { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب } وقال { إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين، وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون } فأنت انظر لآيات الله .
إذا ألقى الشيطان في قلبك الشك فانظر في آيات الله، انظر إلى هذا الكون من يدبره، انظر كيف تتغير الأحوال كيف يداول الله الأيام بين الناس حتى تعلم أن لهذا الكون مدبراً حكيماً عز وجل .
الشرك طهر قلبك منه، كيف أطهر نفسي منه ؟ أطهر قلبي بأن أقول لنفسي إن الناس لا ينفعوني إن عصيت الله ولا ينقذوني من العقاب وإن أطعت الله لم يجلبوا إلي الثواب .
فالذي يجلب الثواب ويدفع العقاب هو الله، إذا كان الأمر كذلك فلماذا تشرك بالله عز وجل، لماذا تنوي بعبادتك أن تتقرب إلى الخلق ولهذا من تقرب إلى الخلق بما يتقرب به إلى الله ابتعد الله عنه وابتعد عنه الخلق .
يعنى لا يزيده تقربه إلى الخلق بما يقربه إلى الله إلا بعداً من الله ومن الخلق، لأن الله إذا رضي عنك أرضى الناس عنك وإذا سخط عليك أسخط عليك الناس نعوذ بالله من سخطه ومن عقابه .
المهم يا أخي عالج القلب دائماً، كن دائما في غسيل للقلب حتى يطهر كما قال الله عز وجل: { أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم } فتطهير القلب أمر مهم جداً أسأل الله أن يطهر قلبي وقلوبكم وأن يجعلنا له مخلصين ولرسوله متبعين


8 - وعن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله متفق عليه .

الشَّرْحُ

وفي لفظ للحديث: ويقاتل ليرى مكانه أي في ذلك سبيل الله ؟ قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله وقوله: من قاتل لتكون في هذا إخلاص النية لله عز وجل وهذا الذي ساق المؤلف الحديث من أجله .
فقد سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الذي يقاتل على أحد الوجوه الثلاثة .
شجاعة، وحمية، وليرى مكانه .
أما الذي يقاتل شجاعة: فمعناه أنه رجل شجاع يحب القتال لأن الرجل الشجاع متصف بالشجاعة، والشجاعة لابد لها من ميدان تظهر فيه فتجد الشجاع يحب أن الله ييسر له قتالاً ليقاتل ويظهر شجاعة .
فهو يقاتل لأنه شجاع يحب القتال .
الثاني: يقاتل حمية حمية على قومية، حمية على قبيلة، حمية على وطن، حمية لأي عصبية كانت .
الثالث: يقاتل ليرى مكانه: أي ليراه ويعرفوا أنه شجاع فعدل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال كلمة موجزة ميزاناً للقتال فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله وعدل النبي عليه الصلاة والسلام عن ذكر هذه الثلاثة ليكون أعم وأشمل لأن الرجل ربما يقاتل من أجل الاستيلاء على الأوطان والبلدان، يقاتل من أجل أن يحصل على امرأة يسيبها من هؤلاء القوم .
المهم أن النيات ما لها حد لكن هذا الميزان الذي ذكره النبي عليه الصلاة والسلام ميزان تام عدل ومن هنا نعلم أنه يجب أن تعدل اللهجة التي يتفوه بها اليوم كثير من الناس .
اللهجة لهجتان .
لهجة قوم يقاتلون للقومية، القومية العربية والقتال للقومية العربية قتال جاهلي، من قتل فيه فليس شهيداً، فقد الدنيا وخسر الآخرة، لأن ذلك ليس في سبيل الله .
لذلك على الرغم من قوة الدعاية للقومية العربية لم نستفد منها شيئاً .
اليهود استولوا على بلادنا، نحن تفككنا، دخل في ميزان هذه القومية قوم كفار من النصارى وغير النصارى وخرج منها مسلمون من غير العرب فخسرنا ملايين العالم من أجل هذه القومية، ودخل فيها قوم لا خير فيهم، قوم إذا دخلوا في شيء كتب عليه الخذلان والخسارة .
واللهجة الثانية: قوم يقاتلون للوطن، ونحن إذا قاتلنا من أجل الوطن لم يكن هناك فرق بيننا وبين الكافر لأنه أيضا يقاتل من أجل وطنه .
والذي يقتل من أجل الدفاع عن الوطن فقط ليس بشهيد .
ولكن الواجب علينا ونحن مسلمون وفي بلد إسلامي ولله الحمد ونسأل الله أن يثبتنا على ذلك، الواجب أن يقاتل من أجل الإسلام في بلادنا .
انتبه للفرق نقاتل من أجل الإسلام في بلادنا، فنحمي الإسلام الذي في بلادنا سواء كان في أقصى الشرق والغرب، فيجب أن تصحح هذه النقطة: فيقال نحن نقاتل من أجل الإسلام في وطننا أو من أجل وطننا لأنه إسلامي ندافع عن الإسلام الذي فيه .
أما مجرد الوطنية فإنها نية باطلة لا تفيد الإسلام شيئاً، ولا فرق بين الإنسان الذي يقول إنه مسلم والإنسان الذي يقول إنه كافر إذا كان القتال من أجل الوطن لأنه وطن .
وما يذكر من أن حب الوطن من الإيمان وأن ذلك حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كذب .
حب الوطن إن كان إسلامياً فهذا تحبه لأنه إسلامي، ولا فرق بين وطنك الذي هو مسقط رأسك أو الوطن البعيد عن بلاد المسلمين، كلها وطن إسلامي يجب أن نحميه .
على كل حال يجب أن نعلم أن النية الصحيحة هي أن نقاتل من أجل الإسلام في بلادنا أو من أجل وطننا لأنه إسلامي لا لمجرد الوطنية .
أما قتال الدفاع: أي لو أحداً صال عليك في بيتك يريد أخذ مالك أو أن ينتهك عرض أهلك مثلاً فإنك تقاتله كما أمرك بذلك النبي عليه الصلاة والسلام .
فقد سئل عن الرجل يأتيه الإنسان ويقول له: أعطني مالك ؟ قال: لا تعطه قال أرأيت إن قاتلني ؟ قال: قاتله، قال: أرأيت إن قتلني ؟ قال: إن قتلك فأنت شهيد .
قال: أرأيت إن قتلته ؟ قال: إن قتلته فهو في النار لأنه معتد ظالم حتى وإن كان مسلماً، إذا جاءك المسلم يريد أن يقاتلك من أجل أن يخرجك من بلدك أو من بيتك فقاتله إن قتلته فهو في النار وإن قتلك فأنت شهيد .
لا تقل كيف أقتل مسلماً ؟ هو المعتدي: ولو كتفنا أيدينا أمام المعتدين الظالمين الذين لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ولا ديناً، لكان المعتدون لهم السلطة ولأفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ولذلك نقول: هذه المسألة ليست من باب قتال الطلب .
قتال الطلب معلوم إنني لا أذهب أقاتل مسلماً أطلبه، ولكن أدفع عن مالي ونفسي وأهلي ولو كان مؤمناً مع أنه لا يمكن أبداً أن يكون شخص معه إيمان يقدم على مسلم يقاتله ليستولي على أهله وماله أبداً .
ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر لا إيمان لإنسان يقاتل المسلمين إطلاقاً فإذا كان الرجل فاقداً الإيمان أو ناقص الإيمان فيجب أن نقاتله دفاعاً عن النفس وجوباً لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قاتله وقال: إن قتلته فهو في النار وقال: وإن قتلك فأنت شهيد .
الحاصل أن هناك قتالين: قتالاً للطلب أذهب أنا أقاتل الناس مثلاً في بلادهم هذا لا يجوز إلا في شروط معينة .
مثلاً: قال العلماء إذا ترك أهل قرية الأذان وهو ليس من أركان الإسلام وجب على ولي الأمر أن يقاتلهم حتى يؤذنوا لأنهم تركوا شعيرة من شعائر الإسلام .
وإذا تركوا صلاة العيد، وقالوا لا نصليها لا في بيوتنا ولا في الصحراء يجب أن نقاتلهم، حتى لو فرض أن قوماً حاجونا وقالوا: هل الأذان من أركان الإسلام قلنا: لا ولكنه من شعائر الإسلام فنقاتلكم حتى تؤذنوا .
إذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين وجب علينا أن نصلح بينهما فإن بغت إحداهما على الأذب وجب أن نقاتلها حتى تفيء إلى أمر الله مع أنها مؤمنة، ولكن هناك فرق بين قتال الدفاع وقتال الطلب، الطلب ما نطلب إلا من أباح الشارع قتاله وأما الدفاع فلابد أن يدافع .
والحاصل أنه لابد من تصحيح النية، ونرجو منكم أن تنبهوا على هذه المسألة لأننا نرى في الجرائد والصحف الوطن الوطن الوطن وليس فيها ذكر للإسلام وهذا نقص عظيم يجب أن توجه الأمة إلى النهج والمسلك الصحيح ونسأل الله لنا ولكم التوفيق لما يحب ويرضى .


9 - وعن أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار قلت: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول ؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه متفق عليه

الشَّرْحُ

قوله: إذا التقى المسلمان بسيفيهما أي: يريد كل واحد منهما أن يقتل الآخر فسل عليه السيف وكذلك لو أشهر عليه السلاح كالبندقية أو غيرهما مما يقتل كحجر ونحوه .
فذكر السيف هنا على سبيل التمثيل وليس على سبيل اليقين بل إذا التقى المسلمان بأي وسيلة يكون بها القتل فقتل أحدهما الآخر فالقاتل والمقتول في النار والعياذ بالله فقال أبو بكرة للنبي صلى الله عليه وسلم: هذا القاتل ؟ يعني أن كونه في النار واضح لأنه قتل نفساً مؤمنة متعمداً والذي يقتل نفساً مؤمنة متعمداً بغير حق فإنه في نار جهنم .
قال الله تعالى: ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً فأبو بكرة رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: هذا القاتل وهذه الجملة هي ما يعرف في باب المناظر بالتسليم يعني سلمنا أن القاتل في النار فما بال المقتول كيف يكون في النار ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لأنه كان حريصاً على قتل صاحبه فهو حريص على قتل صاحبه ولهذا جاء بآلة القتل ليقتله ولكن تفوق عليه الآخر فقتله فيكون هذا والعياذ بالله بنيته القتل وعمله السبب الموصل للقتل يكون كأنه قاتل ولهذا قال لأنه كان حريصاً على قتل صاحبه .
ففي هذا الحديث: دليل على أن الأعمال بالنيات وأن هذا لما نوى قتل صاحبه صار كأنه فاعل ذلك أي كأنه قاتل وبهذا نعرف الفرق بين هذا الحديث وبين قوله صلى الله عليه وسلم: من قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد وقوله فيمن أتى ليأخذ مالك: إن قتلته فهو في النار وإن قتلك فأنت شهيد .
وذلك لأن الإنسان الذي يدافع عن ماله وأهله ونفسه وعرضه إنما دافع رجلاً معتدياً صائلاً لا يندفع إلا بالقتل، فهنا إذا قتل الصائل كان في النار وإن قتل الدافع كان شهيداً في الجنة فهذا هو الفرق بينهما، فبهذا علم أن من قتل أخاه مريداً لقتله فإنه في النار ومن قتله أخوه وهو يريد قتل أخيه لكن عجز فالمقتول أيضاً في النار .
وفي هذا الحديث: دليل على عظم القتل وأنه من أسباب دخول النار والعياذ بالله .
وفيه: دليل على أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يوردون على الرسول صلى الله عليه وسلم الشبهة فيجيب عنها .
ولهذا لا نجد شيئاً من الكتاب والسنة فيه شبهة حقيقية إلا وقد وجد حلها، إما أن يكون حلها بنفس الكتاب والسنة من غير إيراد سؤال وإما أن يكون بإيراد سؤال يجاب عنه .
ومن ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما أخبر الدجال يمكث في الأرض أربعين يوماً اليوم الأول كسنة والثاني كشهر والثالث كالأسبوع وبقية الأيام كأيامنا سأله الصحابة هذا اليوم كسنة هل تكفينا فيه صلاة يوم واحد ؟ قال: لا، لكن اقدروا له قدره ففي هذا أبين دليل على أنه لا يوجد والحمد لله في الكتاب والسنة شيء مشتبه لا حل له لكن الذي يوجد قصور الأفهام تعجز عن معرفة الحل أو تقصير في الطلب والتأمل والتفتيش فيشتبه عليه الأمر .
أما في الواقع فليس في الكتاب والسنة شيء مشتبه إلا وجد حله في الكتاب أو السنة إما ابتداء وإما جواباً عن سؤال يقع من الصحابة والله الموفق .


10 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في سوقه وبيته بضعاً وعشرين درجة، وذلك أن أحدهم إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى المسجد لا يريد إلا الصلاة، لا ينهزه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد، فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه، والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه يقولون: اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم تب عليه، ما لم يؤذ فيه، ما لم يحدث فيه متفق عليه، وهذا لفظ مسلم وقوله صلى الله عليه وسلم: ينهزه هو بفتح الياء والهاء وبالزاي: أي يخرجه وينهضه .

الشَّرْحُ

معنى الحديث: أنه إذا صلى الإنسان في المسجد مع الجماعة كانت هذه الصلاة أفضل من الصلاة في بيته أو في سوقه سبعاً وعشرين مرة لأن الصلاة مع الجماعة قيام بما أوجب الله من صلاة الجماعة .
فإن القول الراجح من أقوال أهل العلم أن صلاة الجماعة فرض عين وأنه يجب على الإنسان أن يصلي مع الجماعة في المسجد لأحاديث وردت في ذلك ولما أشار إليه الله سبحانه وتعالى في كتابه حيث قال: وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك فأوجب الله الجماعة في حال الخوف فإذا أوجبها في حال الخوف ففي حال الأمن من باب أولى وأحرى .
ثم ذكر السبب في ذلك بأن الرجل إذا توضأ في بيته فأسبغ الوضوء ثم خرج من بيته إلى المسجد لا ينهزه أو لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفع الله له بها درجة وحط عنه بها خطيئة سواء أقرب مكانه من المسجد أم بعد، كل خطوة يحصل به فائدتان: الفائدة الأولى: أن الله يرفعه بها درجة .
والفائدة الثانية: أن الله يحط عنه بها خطيئة وهذا فضل عظيم .
وقوله: فإنه في صلاة ما انتظر الصلاة وهذه أيضاً نعمة عظيمة لو بقيت منتظراً للصلاة مدة طويلة وأنت جالس لا تصلي بعد أن صليت تحية المسجد وما شاء الله فإنه يحسب لك أجر الصلاة لا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة وهناك أيضاً شيء رابع: أن الملائكة تصلي عليه مادام في مجلسه الذي صلى فيه تقول اللهم صل عليه، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم تب عليه وهذا أيضاً فضل عظيم لمن حضر بهذه النية وبهذه الأفعال .
والشاهد من هذا الحديث قوله: ثم خرج من بيته إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة فإنه يدل على اعتبار النية في حصول هذا الأجر العظيم .
أما لو خرج من بيته لا يريد الصلاة فإنه لا يكتب له هذا الأجر مثل أن يخرج إلى دكانه لما أذن ذهب يصلي فإنه لا يحصل على هذا الأجر لأن الأجر إنما يحصل لمن خرج من البيت لا يخرجه إلا الصلاة .
لكن ربما يكتب له الأجر من حين أن ينطلق من دكانه أو من مكان بيعه وشرائه إلى أن يصل إلى المسجد ما دام انطلق من هذا المكان وهو على طهارة والله الموفق .


11 - وعن أبي العباس عبد الله بن عباس بن عبد المطلب رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما يروي عن ربه، تبارك وتعالى قال: إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك: فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله تبارك وتعالى عنده حسنة كاملة وإن هم بها فعملها كتبها الله عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة متفق عليه .

الشَّرْحُ

قوله: إن الله كتب الحسنات والسيئات كتابته للحسنات والسيئات تشمل معنيين: المعنى الأول: كتابة ذلك في اللوح المحفوظ فإن الله تعالى كتب فيه كل شيء كما قال الله: إنا كل شيء خلقناه بقدر وقال تعالى: { وكل صغير وكبير مستطر } فالله سبحانه وتعالى كتب السيئات والحسنات في اللوح المحفوظ .
والمعنى الثاني: كتابته إياهما إذا عملها العبد فإن الله تعالى يكتبها حسب ما تقتضيه حكمته وحسب ما يقتضيه عدله وفضله .
فهاتان كتابتان: كتابة سابقة: لا يعلمها إلا الله عز وجل فكل واحد منا لا يعلم ماذا كتب الله له من خير أو شر حتى يقع ذلك الشيء .
وكتابة لاحقة: إذا عمل الإنسان العمل كتب له حسب ما تقتضيه الحكمة والعدل والفضل: ثم بين ذلك أي: ثم بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك كيف يكتب فبين أن الإنسان إذا هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله حسنة كاملة .
هم أن يتصدق وعين المال الذي يريد أن يتصدق به ثم أمسك ولم يتصدق فيكتب له بذلك حسنة كاملة .
هم أن يصلي ركعتين فأمسك ولم يصل فإنه يكتب له بذلك حسنة كاملة .
فإن قال قائل: كيف يكتب له حسنة وهو لم يفعلها ؟ فالجواب على ذلك: أن يقال إن فضل الله واسع، هذا الهم الذي حدث منه يعتبر حسنة لأن القلب همام إما بخير أو بشر فإذا هم بالخير فهذه حسنة تكتب له فإن عملها كتبها الله عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة .
وهذا التفاوت مبني على الإخلاص والمتابعة فكلما كان الإنسان في عبادته أخلص لله كان أجره أكثر وكلما كان الإنسان أتبع في عبادته للرسول صلى الله عليه وسلم كانت عبادته أكمل وثوابه أكثر .
وأما السيئة فقال: وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله حسنة كاملة كرجل هم أن يسرق ولكن ذكر الله عز وجل فأدركه خوف الله فترك السرقة فإنه يكتب له بذلك حسنة كاملة لأنه ترك فعل المعصية لله فأثيب على ذلك كما جاء ذلك مفسراً في لفظ آخر: لأنه تركها من جراي أي من أجلي .
فإن عمل السيئة كتبت سيئة واحدة فقط لا تزيد لقوله تعالى: { ومن جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون } وهذا الحديث فيه: دليل على اعتبار النية وأن النية قد توصل صاحبها إلى الخير .
وسبق لنا أن الإنسان إذا نوى الشر وعمل العمل الذي يوصل إلى الشر ولكنه عجز عنه فإنه يكتب عليه إثم الفاعل كما سبق فيمن التقيا بسيفيهما من المسلمين: إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار قالوا: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول ؟ قال: لأنه كان حريصاً على قتل صاحبه والله الموفق .


12 - وعن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غار فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار فقالوا إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله تعالى بصالح أعمالكم، قال رجل منهم اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً فنأى بي طلب الشجر يوماً فلم أرح عليهما حتى ناما فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أوقظهما وأن أغبق قبلهما أهلا أو مالا فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر والصبية يتضاغون عند قدمي فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج منه قال الآخر اللهم إنه كانت لي ابنة عم كانت أحب الناس إلي وفي رواية: كنت أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء فأردتها على نفسها فامتنعت مني حتى ألمت بها سنة من السنين فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها ففعلت، حتى إذا قدرت عليها وفي رواية فلما قعدت بين رجليها قالت اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فانصرفت عنها وهى أحب الناس إلي وتركت الذهب الذي أعطيتها اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها وقال الثالث اللهم استأجرت أجراء وأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال فجاءني بعد حين فقال يا عبد الله أد إلي أجري، فقلت كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق فقال يا عبد الله لا تستهزئ بي فقلت لا أستهزئ بك، فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئاً اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون متفق عليه .

الشَّرْحُ

قوله انطلق ثلاثة نفر أي ثلاثة رجال .
فآواهم المبيت فدخلوا في غار يعني ليبيتوا فيه، والغار هو ما يكون في الجبل مما يدخله الناس يبيتون فيه أو يتظللون فيه عن الشمس وما أشبه ذلك فهم دخلوا حين آواهم المبيت إلى هذا الغار فتدحرجت عليهم صخرة من الجبل حتى سدت عليهم باب الغار، ولم يستطيعوا أن يزحزحوها لأنها صخرة كبيرة فرأوا أن يتوسلوا إلى الله تعالى بصالح أعمالهم .
فذكر أحدهم بره التام بوالديه، وذكر الثاني عفته التامة، وذكر الثالث ورعه ونصحه .
أما الأول: يقول إنه كان له أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا الأهل مثل الزوجة والأولاد والمال مثل الأرقاء وشبهه .
وكان له غنم فكان يسرح فيها ثم يرجع في آخر النهار ويحلب الغنم ويعطي أبويه الشيخين الكبيرين ثم يعطي بقية أهله وماله .
يقول: فنأى به طلب الشجر ذات يوم أي أبعد بي طلب الشجر الذي يرعاه فرجع فوجد أبويه قد ناما فنظر هل يسقي أهله وماله قبل أبويه أو ينتظر حتى يستيقظ الأبوان فرجح الثاني يعني أنه بقي فأمسك الإناء بيده حتى برق الفجر، أي حتى طلع الفجر وهو ينتظر أبويه فلما استيقظا وشربا اللبن أسقى أهله وماله .
قال: اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه والمعنى إن كنت مخلصاً في عملي هذا فعلته من أجلك ففرج عنا ما نحن فيه .
وفي هذا: دليل على الإخلاص لله عز وجل في العمل وأن الإخلاص عليه مدار كبير في قبول العمل فتقبل الله منه هذه الوسيلة وانفرجت الصخرة لكن انفراجاً لا يستطيعون الخروج منه .
الثاني توسل إلى الله عز وجل بالعفة التامة وذلك أنه كان له ابنة عم وكان يحبها حباً شديداً كأشد ما يحب الرجال النساء فأراداها عن نفسها أي بالزنا ليزني بها ولكنها لم توافق وأبت، فألمت بها سنة من السنين أي أصابها فقر وحاجة فاضطرت إلى أن تجود بنفسها في الزنا من أجل الضرورة وهذا لا يجوز، ولكن هذا الذي حصل فجاءت إليه فأعطاها مائة وعشرين ديناراً أي: مائة وعشرين جنيهاً من أجل أن تمكنه من نفسها .
ففعلت من أجل الحاجة والضرورة، فلما جلس منها مجلس الرجل من امرأته على أنه يريد أن يفعل بها قالت هذه الكلمة العجيبة العظيمة: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه .
فخوفته بالله عز وجل وأشارت إليه إلا أنه إن أراد هذا بالحق فلا مانع عندها لكن كونه يفض الخاتم بغير حق هي لا تريده، ترى أن هذا من المعاصي ولهذا قالت له اتق الله فلما قالت هذه الكلمة التي خرجت من أعماق قلبها دخلت في أعماق قلبه وقام عنها وهي أحب الناس إليه، يعني ما زالت رغبته عنها ولا كرهها بل حبها باق في قلبه، لكن أدركه خوف الله عز وجل فقام عنها وترك لها الذهب الذي أعطاها مائة وعشرين ديناراً، ثم قال: اللهم إن كنت فعلت هذا لأجلك فافرج عنا ما نحن فيه فانفجرت الصخرة إلا أنهم لا يستطيعون الخروج وهذا من آيات الله لأن الله على كل شيء قدير لو شاء الله تعالى لانفرجت عنهم لأول مرة .
ولكنه سبحانه وتعالى أراد أن يبقي هذه الصخرة حتى يتم لكل واحد منهم ما أراد أن يتوسل به من صالح الأعمال .
أما الثالث فتوسل إلى الله عز وجل بالأمانة والإصلاح والإخلاص في العمل فإنه يذكر أنه استأجر أجراء، على عمل من الأعمال فأعطاهم أجورهم إلا رجلاً واحداً ترك أجره فلم يأخذه، فقام هذا المستأجر فثمر المال فصار يتكسب به بالبيع والشراء وغير ذلك حتى نما وصار منه إبل وبقر وغنم ورقيق وأموال عظيمة .
فجاءه بعد حين فقال له يا عبد الله أعطني أجري فقال له كل ما ترى فهو لك من الإبل والبقر والغنم والرقيق فقال لا تستهزئ بي، الأجرة التي لي عندك قليلة كيف لي كل ما أرى من الإبل والبقر والغنم والرقيق لا تستهزئ بي فقلت هو لك فأخذه واستاقه كله ولم يترك له شيئاً اللهم إن كنت فعلت ذلك من أجلك فافرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة وانفتح الباب فخرجوا يمشون لأنهم توسلوا إلى الله بصالح أعمالهم التي فعلوها إخلاصا لله عز وجل .
ففي هذا الحديث من الفوائد والعبر فضيلة بر الوالدين وأنه من الأعمال الصالحة التي يفرج بها الكربات ويزيل بها الظلمات .
وفيه فضيلة العفة عن الزنا وأن الإنسان إذا عف عن الزنا مع قدرته عليه فإن ذلك من أفضل الأعمال وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله .
فهذا الرجل مكنته هذه المرأة التي يحبها من نفسها فقام خوفاً من الله عز وجل فحصل عنده كمال العفة فيرجى أن يكون ممن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله .
وفي هذا الحديث دليل على فضل الأمانة وإصلاح العمل للغير فإن هذا الرجل بإمكانه لما جاءه الأجير أن يعطيه أجره ويبقي هذا المال له، ولكن لأمانته وثقته وإخلاصه لأخيه ونصحه له أعطاه كل ما أثمر أجره .
ومن فوائد هذا الحديث بيان قدرة الله عز وجل حيث إنه تعالى أزال عنهم الصخرة بإذنه لم تأت سيارة تزيلها ولم يأت رجال يزحزحونها وإنما هو أمر الله عز وجل .
أمر الله هذه الصخرة أن تنحدر فتنطبق عليهم ثم أمرها أن تنفرج عنهم والله سبحانه على كل شيء قدير .
وفيه من العبر: أن الله سميع الدعاء فإنه سمع دعاء هؤلاء واستجاب لهم .
وفيه من العبر: أن الإخلاص من أسباب تفريج الكربات لأن كل واحد منهم يقول: اللهم إن كنت فعلت ذلك من أجلك فافرج عنا ما نحن فيه .
أما الرياء والعياذ بالله والذي لا يعمل الأعمال إلا رياء وسمعة حتى يمدح عند الناس فإن هذا كالزبد يذهب جفاء لا ينتفع منه صاحبه نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الإخلاص له .
الإخلاص هو كل شيء لا تجعل نصيباً من عبادتك لأحد اجعلها كلها لله عز وجل حتى تكون مقبولة عند الله لأنه ثبت عن النبي، فيما يرويه عن الله أنه قال: أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه والله الموفق .


باب التوبة قال العلماء: التوبة واجبة من كل ذنب، فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلق بحق آدمي، فلها ثلاثة شروط: أحدها: أن يقلع عن المعصية .
والثاني: أن يندم على فعلها .
والثالث: أن يعزم أن لا يعود إليها أبداً، فإن فقد أحد الثلاثة لم تصح توبته .
وإن كانت المعصية تتعلق بآدمي فشروطها أربعة: هذه الثلاثة، وأن يبرأ من حق صاحبها: فإن كانت مالاً أو نحوه رده إليه، وإن كانت حد قذف ونحوه مكنه منه أو طلب عفوه وإن كانت غيبة استحله منها ويجب أن يتوب من جميع الذنوب فإن تاب من بعضها صحت توبته عند أهل الحق من ذلك الذنب وبقي عليه الباقي وقد تظاهرت دلائل الكتاب، والسن، وإجماع الأمة على وجوب التوبة:


قال الله تعالى { وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون } وقال تعالى { وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه } وقال تعالى { يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً }

الشَّرْحُ

التوبة لغة: من تاب يتوب إذا رجع، وشرعاً الرجوع من معصية الله تعالى إلى طاعته .
وأعظمها وأوجبها التوبة من الكفر إلى الإيمان قال الله تعالى قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ثم يليها التوبة من كبائر الذنوب .
ثم المرتبة الثالثة التوبة من صغائر الذنوب .
والواجب على المرء، أن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى من كل ذنب وللتوبة شروط ثلاثة كما قال المؤلف - رحمه الله - ولكنها بالتتبع تبلغ خمسة: الشرط الأول: الإخلاص له، بأن يكون قصد الإنسان بتوبته وجه الله عز وجل لأن يتوب الله عليه، ويتجاوز عما فعل من المعصية لا يقصد بذلك مراءة الناس والتقرب إليهم، ولا يقصد بذلك دفع الأذية من السلطان وولي الأمر .
وإنما يقصد بذلك وجه الله والدار الآخرة وأن يعفو الله عن ذنوبه .
الشرط الثاني: الندم على ما فعل من المعصية لأن شعور الإنسان بالندم هو الذي يدل على أنه صادق في التوبة، يعني بمعنى أن يتحسر على ما سبق منه، وينكسر من أجله ولا يرى أنه في حل منه حتى يتوب منه إلى الله .
الشرط الثالث: أن يقلع عن الذنب الذي هو فيه وهذا من أهم شروطه، والإقلاع عن الذنب إن كان الذنب ترك واجب فالإقلاع عنه بفعله مثل أن يكون شخص لا يزكي فأراد أن يتوب إلى الله فلابد من أن يخرج الزكاة التي مضت ولم يؤدها .
إذا كان الإنسان مقصراً في بر الوالدين فإنه يجب عليه أن يقوم ببرهما .
إذا كان مقصراً في صلة الرحم فإنه يجب عليه أن يصل الرحم وإن كانت المعصية بفعل محرم فالواجب أن يقلع عنه فوراً ولا يبقى فيه ولا لحظة .
إذا كان مثلا من آكلي الربا فالواجب أن يتخلص من الربا بتركه والبعد عنه وإخراج ما اكتسبه عن طريق الربا .
إذا كان المعصية بالغش والكذب على الناس وخيانة الأمانة، فالواجب أن يقلع عن ذلك، وإذا كان اكتسب مالا من هذا الطريق المحرم فالواجب عليه أن يرده إلى صاحبه أو يستحله منه .
إذا كانت غيبة فالواجب أن يقلع عن غيبة الناس والتكلم في أعراضهم، أما أنه يقول إنه تائب إلى الله وهو مصر على ترك الواجب أو مصر على فعل المحرم، فإن هذه التوبة غير مقبولة بل إن هذه التوبة كالاستهزاء بالله عز وجل، كيف تتوب إلى الله عز وجل وأنت مصر على معصيته .
لو أنك تعامل بشراً من الناس، تقول أنا تبت إليك وأنا نادم لا أعود ثم في نيتك وقلبك أنك ستعود وعدت فإن هذه سخرية بالرجل فكيف بالله رب العالمين فالإنسان التائب حقيقة هو الذي يقلع عن الذنب .
من الغريب أن بعض الناس تجلس إليه، وتجده يتأوه من وجود الربا وهو في نفسه يرابي والعياذ بالله .
أو يتأوه من الغيبة وأكل لحوم الناس وهو من أكثر الناس غيبة نسأل الله العافية أو يتأوه من الكذب وضياع الأمانة عند الناس، وهو من أكذب الناس وأضيعهم للأمانة .
على كل حال الإنسان لابد أن يقلع عن الذنب الذي تاب منه فإن لم يقلع فتوبته مردودة ولا تنفعه عند الله عز وجل والإقلاع عن الذنب إما أن يكون إقلاعاً عن ذنب يتعلق بحق الله عز وجل فهذا يكفي أن تتوب بينك وبين ربك ولا ينبغي بل قد نقول لا يجوز أن تحدث الناس بما صنعت من المحرم أو ترك الواجب .
لأن هذا بينك وبين الله فإذا كان الله قد من عليك بالستر، وسترك عن العباد فلا تحدث أحداً بما صنعت إذا تبت إلى الله وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام كل أمتي معافى إلا المجاهرين ومن المجاهرة كما جاء في الحديث أن يفعل الذنب ثم يصبح يحدث به الناس يقول فعلت كذا وكذا .
إلا أن بعض العلماء قال: إذا فعل الإنسان ذنبا فيه حد فإنه لا بأس أن يذهب إلى الإمام الذي يقيم الحدود مثل الأمير ويقول إنه فعل الذنب الفلاني ويريد أن يطهره منه، ومع ذلك فالأفضل أن يستر على نفسه .
يعني يباح له أن يذهب إلى ولي الأمر إذا فعل معصية فيها حد كالزنا مثلاً فيقول إنه فعل كذا كذا يطلب إقامة الحد عليه لأن الحد كفارة للذنب .
أما المعاصي الأخرى فاسترها على نفسك كما سترها الله وكذلك الزنا وشبهه استره على نفسك - بالنسبة لغير ولي الأمر - لا تفضح نفسك .
ما دمت أنك تبت فيما بينك وبين الله فإن الله يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات .
أما إذا كان الذنب بينك وبين الخلق فإن كان مالا فلابد أن تؤديه إلى صاحبه ولا تقبل التوبة إلا بأدائه مثل أن تكون سرقت مثلا من شخص وتبت من هذا فلابد أن توصل المسروق إلى المسروق منه .
جحدت حقاً لشخص كأن يكون في ذمتك دين لإنسان وأنكرته عليه وتقر عنده وتعترف حتى يأخذ حقه .
فإن كان قد مات فإنك تعطيه ورثته فإن لم تعرفه أو غاب عنك هذا الرجل ولم تعرف له مكاناً فتصدق به عنه تخلصا منه والله سبحانه وتعالى يعلمه ويؤديه إليه .
أما إذا كانت المعصية التي فعلتها مع البشر ضرباً وما أشبه فاذهب إليه ومكنه من أن يضربك مثل ما ضربته إن كان على الظهر فعلى الظهر وإن كان على الرأس فعلى الرأس أو في أي مكان ضربته فليقتص منك لقول الله سبحانه { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ولقوله { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } وإن كان بقول أي أذية بالقول، مثل أن تكون قد سببته بين الناس ووبخته وعيرته فلابد أن تذهب إليه وتستحل منه بما تتفقان عليه حتى لو قال لا أسمح لك إلا بكذا وكذا من الدراهم فأعطه .
الرابع أن يكون الحق غيبة، يعني أنك تكلمت به في غيبته وقدحت فيه عند الناس وهو غائب .
فهذه اختلف فيها العلماء فمنهم من قال لابد أن تذهب إليه تقول له يا فلان إني تكلمت فيك عند الناس فأرجوك أن تسمح عنى وتحللني وقال بعض العلماء لا تذهب إليه بل فيه تفصيل إن كان قد علم بهذه الغيبة فلابد أن تذهب إليه وتستحله، وإن لم يكن علم فلا تذهب إليه واستغفر له وتحدث بمحاسنه في المجالس التي كنت تغتابه فيها فإن الحسنات يذهبن السيئات وهذا القول أصح وهو أن الغيبة إذا كان صاحبها لا يعلم بأنك اغتبته فإنه يكفي أن تذكره بمحاسنه في المجالس التي اغتبته فيها وأن تستغفر له تقول: اللهم اغفر له كما جاء في الحديث: كفارة من اغتبته أن تستغفر له فلابد من التوبة من أن تصل الحقوق إلى أهلها .
أما الشرط الرابع فهو العزم على أن لا تعود في المستقبل إلى هذا العمل فإن كنت تنوي أن تعود إليه عندما تسمح لك الفرصة فإن التوبة لا تصح مثل: رجل كان والعياذ بالله يستعين بالمال على معصية الله يشتري به المسكرات يذهب إلى البلدان من أجل الزنا والعياذ بالله والسكر فأصيب بفقر وقال: اللهم إني تبت إليك وهو كاذب، وهو في نيته أنه إذا عادت الأمور إلى مجاريها الأولى فعل فعله الأول .
فهذه توبة عاجز، تبت أم لم تتب لست بقادر على فعل المعصية لأنه يوجد بعض الناس يصاب بفقر فيقول تركت الذنوب، لكن يحدث قلبه أنه لو عاد إليه ما افتقده لعاد إلى المعصية مرة ثانية فهذه توبة غير مقبولة .
الشرط الخامس: أن تكون في زمن تقبل فيه التوبة فإن تاب في زمن لا تقبل فيه التوبة لم تنفعه التوبة وذلك على نوعين: النوع الأول باعتبار كل إنسان بحسبه .
والنوع الثاني باعتبار العموم .
أما الأول: فلابد أن تكون التوبة قبل حلول الأجل يعني الموت، فإن كان بعد حلول الأجل فإنها لا تنفع التائب لقول الله سبحانه { وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن } هؤلاء ليس لهم توبة .
وقال تعالى { فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون } فالإنسان إذا عاين الموت وحضره الأجل فهذا يعني أنه يسن من الحياة فتكون توبته في غير محلها بعد أن يئس من الحياة وعرف أنه لا بقاء له يذهب فيتوب هذه توبة اضطرار فلا تنفعه ولا تقبل منه لابد أن تكون التوبة سابقة .
النوع الثاني هو العموم فإن الرسول عليه الصلاة والسلام أخبر بأن الهجرة لا تنقطع حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها .
فإذا طلعت الشمس من مغربها لم تنفع أحداً توبة قال الله سبحانه { يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً } وهذا البعض هو طلوع الشمس من مغربها كما فسر ذلك النبي عليه الصلاة والسلام .
إذاً فلابد أن تكن التوبة في وقت تقبل فيه التوبة فإن لم تكن كذلك فلا توبة للإنسان ثم اختلف العلماء - رحمهم الله - هل تقبل التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره أو لا في هذا ثلاثة أقوال لأهل العلم 1 - منهم من قال: إنها تصح التوبة من الذنب وإن كان مصراً على ذنب آخر، فتقبل توبته من هذا الذنب ويبقى الإثم عليه في الذنب الآخر بكل حال .
2 - ومنهم من قال: لا تقبل التوبة من الذنب مع الإصرار على ذنب آخر .
3 - ومنهم من فصل فقال: إن كان الذنب الذي أصر عليه من جنس الذنب الذي تاب منه فإنه لا تقبل وإن لا قبلت .
مثال ذلك: رجل تاب من الربا ولكنه يزني والعياذ بالله أو يشرب الخمر ولنقل إنه يشرب الخمر، تاب من الربا ولكنه مصر على شرب الخمر .
فهناك من العلماء من قال إن توبته من الربا لا تقبل كيف يكون تائباً إلى الله وهو مصر على معصيته ؟ وقال بعض العلماء: بل تقبل لأن الربا شيء وشرب الخمر شيء آخر وهذا هو الذي مشى عليه المؤلف - رحمه الله - وقال إنها تقبل التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره عند أهل الحق .
فهذا فيه الخلاف أما إذا كان من الجنس مثل أن يكون الإنسان والعياذ بالله مبتلى بالزنا ومبتلى بالاطلاع على النساء والنظر إليهن بشهوة ومات أشبه ذلك فهل تقبل توبته من الزنا وهو مصر على النظر إلى النساء لشهوة ؟ أو بالعكس ؟ هذا فيه أيضاً خلاف فمنهم من يقول: تصح ومنهم من يقول لا تصح التوبة .
ولكن الصحيح في هذه المسألة أن التوبة تصح من كل ذنب مع الإصرار على غيره لكن لا يعطى الإنسان اسم التائب على سبيل الإطلاق ولا يستحق المدح الذي يمدح به التائبون لأن هذا لم يتب توبة تامة بل توبة ناقصة .
تاب من هذا الذنب فيرتفع عنه إثمه، لكنه لا يستحق أن يوصف بالتوبة على سبيل الإطلاق فهذا هو القول الذي تطمئن إليه النفس أنه لا يعطى الوصف على سبيل الإطلاق ولا يحرم من التوبة التي تابها من هذا الذنب .
سبق أن المؤلف - رحمه الله - قال إن النصوص من الكتاب والسنة تظاهرت وتضافرت على وجوب التوبة من جميع المعاصي وصدق - رحمه الله - فإن الآيات كثيرة في الحث على التوبة وبيان فضلها وأجرها وكذلك الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وقد بين الله في كتابه أنه سبحانه يحب التوابين ويحب المتطهرين، التوابون الذين يكثرون التوبة إلى الله عز وجل كلما أذنبوا تابوا إلى الله .
ذكر المؤلف من الآيات قول الله تعالى { وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون } هذه الجملة ختم الله بها آيتي وجوب غض البصر .
وهي قوله { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون، وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن } إلى قوله: { أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون } ففي هذه الآية: دليل على وجوب التوبة من عدم غض البصر وحفظ الفرج لأن غض البصر قصره وعدم إطلاقه ولأن ترك غض البصر وحفظ الفرج كل ذلك من أسباب الهلاك وأسباب الشقاء وأسباب البلاء وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء وإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء .
ولهذا كان أعداؤنا أعداء الإسلام بل أعداء الله ورسوله من اليهود والنصارى والمشركين والشيوعيين وأشباههم وأذنابهم وأتباعهم كل هؤلاء يحرصون غاية الحرص على أن يفتنوا المسلمين بالنساء يدعون إلى التبرج يدعون إلى اختلاط المرأة بالرجل يدعون إلى التفسخ في الأخلاق يدعون إلى ذلك بألسنتهم وأقلامهم وأعمالهم والعياذ بالله .
لأنهم يعلمون أن الفتنة العظيمة التي ينسى بها الإنسان ربه ودينه إنما تكون في النساء .
النساء اللاتي يفتن أصحاب العقول كما قال النبي عليه الصلاة والسلام ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن هل تريد شيئاً أبين من هذا .
أذهب للب الرجل الحازم فما بالك بالمهين الذي ليس عنده حزم ولا عزم ولا دين ولا رجولة يكون أشد وأشد والعياذ بالله .
لكن الرجل الحازم تذهب النساء عقله نسأل الله العافية وهذا هو الواقع لذلك قال الله عقب الأمر بغض البصر بقوله: { وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون } فيجب علينا أن نتواصى بالتوبة وأن يتفقد بعضنا بعضاً هل الإنسان تاب من ذنبه أو بقى مصراً عليه لأنه وجه الخطاب للجميع: { وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون } وفي قوله: { لعلكم تفلحون } دليل على أن التوبة من أسباب الفلاح والفلاح كما قال أهل العلم بالتفسير وباللغة أنها كلمة جامعة يحصل بها المطلوب ويزول بها المرهوب .
وكل إنسان يطلب خير الدنيا والآخرة، حتى الكافر يريد الخير لكن من الناس من يوفق ومنهم من لا يوفق الكافر يريد الخير لكنه يريد خير الدنيا لأنه رجل بهيمي هو شر الدواب عند الله { إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون } شر من كل دابة تدب على الأرض الكافر، ومع ذلك يريد الخير والرفاهية والتنعم بهذه الدنيا كلها أي الدنيا جنته والآخرة والعياذ بالله عذابه وناره .
المهم أن كل إنسان يريد الفلاح لكن حسب الهمة من أسباب الفلاح التوبة إلى الله عز وجل كما في الآية والله الموفق .


13 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: والله إني لأستغفر لله، وأتوب إليه، في اليوم أكثر من سبعين مرة رواه البخاري .


14 - وعن الأغر بن يسار المزني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه فإني أتوب في اليوم في اليوم مائة مرة رواه مسلم .

الشَّرْحُ

تقدم الكلام على ما ذكره المؤلف - رحمه الله - ليستدل على ذلك بالنسبة .
لأنه كلما تضافرت الأدلة على شيء قوي وصار أوكد وصار أوجب فذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أقسم بأنه يستغفر الله ويتوب إليه أكثر من سبعين مرة .
هذا وهو الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر .
وفي حديث الأغر بن يسار المزني أنه صلى الله عليه وسلم قال: يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة .
ففي هذين الحديثين: دليل على وجوب التوبة لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بها فقال: يا أيها الناس توبوا إلى الله فإذا تاب الإنسان إلى ربه حصل بذلك فائدتين: الفائدة الأولى: امتثال أمر الله ورسوله وفي امتثال أمر الله ورسوله كل خير فعلى امتثال أمر الله ورسوله تدور السعادة في الدنيا والآخرة .
والفائدة الثانية: الاقتداء برسول الله، حيث كان صلى الله عليه وسلم يتوب إلى الله في اليوم مائة مرة يعني يقول أتوب إلى الله أتوب إلى الله ..
.
إلخ .
والتوبة لابد فيها من صدق بحيث إذا تاب الإنسان إلى الله أقلع عن الذنب، أما الإنسان الذي يتوب بلسانه وقلبه منطو على فعل المعصية أو على ترك الواجب أو يتوب إلى الله بلسانه، وجوارحه مصرة على فعل المعصية فإن توبته لا تنفعه بل إنها أشبه ما تكون بالاستهزاء بالله عز وجل .
كيف تقول أتوب إلى الله من معصية وأنت مصر عليها أو تقول أتوب إلى الله من معصية وأنت عازم على فعلها ؟ الإنسان لو عامل بشراً مثله بهذه المعاملة لقال هذا يسخر بي ويستهزئ بي كيف يتنصل من أمر عندي وهو متلبس به ما هذا إلا هزؤ ولعب، فكيف برب العالمين .
إن من الناس من يقول إنه تائب من الربا ولكنه والعياذ بالله مصر عليه يمارس الربا صريحاً ويمارس الربا مخادعة وقد مر بنا كثيراً أن الذي يمارس الربا بالمخادعة أعظم إثماً وجرماً من الذي يمارس الربا بالصراحة لأن الذي يمارس الربا بالمخادعة جنى على نفسه مرتين: أولاً: الوقوع في الربا، وثانياً: مخادعة الله عز وجل وكأن الله لا يعلم وهذا يوجد كثيراً في الناس اليوم الذين يتعاملون في الربا صريحاً أمرهم واضح لكن من الناس من يتعامل في الربا خيانة ومخادعة تجد عنده أموالاً لها سنوات عديدة في دكان فيأتي الغني بشخص فقير يقوده للمذبحة والعياذ بالله .
فيأتي إلى صاحب الدكان الذي عنده هذه البضاعة ويبيعها على الفقير بالدين بيعاً صورياً وكل يعلم أنه ليس بيعاً حقيقياً لأن هذا المشتري المدين لا يقلبه ولا ينظر إليه ولا يهمه بل لو كان أكياساً من الرمل وبيعت عليه على أنها رز أو سكر أخذها .
يهمه أن يقضي حاجة فيبيعها عليه مثلاً بعشرة آلاف لمدة وينصرف بدون أن ينقلها من مكانها ثم يبيعها هذا المدين على صاحب الدكان بتسعة آلاف مثلا فيؤكل هذا الفقير من وجهين: من جهة هذا الذي دينه، ومن جهة صاحب الدكان ويقولون: إن هذا صحيح .
بل يسمونه التصحيح يقول قائلهم: أصحح عليك أو أصحح لك كذا وكذا ؟ سبحان الله هل هذا تصحيح ؟ هذا تلطيخ بالذنوب والعياذ بالله .
ولهذا يجب علينا إذا كنا صادقين مع الله سبحانه وتعالى في التوبة أن نقلع عن الذنوب والمعاصي إقلاعاً حقيقياً ونكرهها ونندم على فعلها حتى تكون التوبة توبة نصوحاً .
وفي هذين الحديثين: دليل على أن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أشد الناس عبادة لله وهو كذلك .
فإنه أخشانا لله وأتقانا لله وأعلمنا بالله صلوات الله وسلامه عليه .
وفيه دليل على أنه عليه الصلاة والسلام معلم الخير بلسانه وفعاله .
فكان يستغفر الله ويأمر الناس بالاستغفار حتى يتأسوا به امتثالاً للأمر واتباعاً للفعل .
وهذا من كمال نصحه صلوات الله وسلامه عليه لأمته، فينبغي لنا نحن أيضاً أن نتأسى به إذا أمرنا الناس بأمر أن نكون أول من يمتثل هذا الأمر .
وإذا نهيناهم عن شيء أن نكون أول من ينتهي عنه لأن هذا هو حقيقة الداعي إلى الله بل هذه حقيقة الدعوة إلى الله عز وجل أن تفعل ما تأمر به وتترك ما تنهى عنه كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالتوبة وهو عليه الصلاة والسلام يتوب أكثر منا نسأل الله أن يتوب علينا وعليكم وأن يهدينا وإياكم صراطاً مستقيما والله الموفق .


15 - وعن أبي حمزة أنس بن مالك الأنصاري خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة متفق عليه .
وفي رواية لمسلم لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، وقد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح

الشَّرْحُ

قوله - رحمه الله - خادم النبي صلى الله عليه وسلم وكان رضي الله عنه حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أتت به أمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت له هذا أنس بن مالك يخدمك، فقبل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وصار أنس من خدام النبي صلى الله عليه وسلم .
ذكر أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لله أشد فرحاً بتوبة عبده إذا تاب إليه من هذا الرجل الذي سقط عن راحلته بعد أن أضلها وذكر القصة ..
.
رجل كان بأرض فلاة ليس حوله أحد لا ماء ولا طعام ولا أناس ضل بعيره أي ضاع فجعل يطلبه فلم يجده فذهب إلى شجرة، ونام تحتها ينتظر الموت قد أيس من بعيره وأيس من حياته لأن طعامه وشرابه على بعير والبعير قد ضاع .
فبينما هو كذلك إذا بناقته عنده قد تعلق خطامها بالشجرة التي هو نائم تحتها، فبأي شيء تقدرون هذا الفرح هذا الفرح لا يمكن أن يتصوره أحد إلا من وقع في مثل هذه الحال لأنه فرح عظيم، فرح بالحياة بعد الموت ولهذا أخذ بالخطام فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك أراد أن يثني على الله فيقول: اللهم أنت ربي وأنا عبدك لكن من شدة فرحه أخطأ فقلب القضية .
ففي هذا الحديث: دليل على فرح الله عز وجل بالتوبة من عبده إذا تاب إليه وأنه يحب ذلك سبحانه وتعالى محبة عظيمة ولكن لا لأجل حاجته إلى أعمالنا وتوبتنا فالله غني عنا ولكن لمحبته سبحانه للكرم فإنه يحب أن يعفو وأن يغفر أحب إليه من أن ينتقم ويؤاخذ ولهذا يفرح بتوبة الإنسان .
ففي هذا الحديث حث على التوبة لأن الله يحبها وهي من مصلحة العبد .
وفيه: إثبات الفرح لله عز وجل، فهو سبحانه وتعالى يفرح ويغضب ويكره ويحب لكن هذه الصفات ليست كصفاتنا لأن الله يقول ليس كمثله شيء وهو السميع البصير بل هو فرح يليق بعظمته وجلاله ولا يشبهه فرح المخلوقين ولا يشبه فرح المخلوقين .
وفيه دليل على أن الإنسان إذا أخطأ في قول من الأقوال ولو كان كفراً سبق لسانه إليه فإنه لا يؤاخذ به فهذا الرجل قال كلمة كفر لأن قول الإنسان لربه أنت عبدي وأنا ربك هذا كفر لا شك فيه .
لكن لما هذا صدر عنه خطأ من شدة الفرح صار غير مؤاخذ به، وكذلك غيرها من الكلمات لو سب أحداً على وجه الخطأ بدون قصد أو طلق زوجته على وجه الخطأ دون القصد أو أعتق على وجه الخطأ بدون قصد، فكل هذا لا يترتب عليه شيء لأن الإنسان لم يقصده فهو كاللغو في اليمين وقد قال الله تعالى { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } بخلاف المستهزئ فإنه يكفر إذا قال كلمة الكفر لقول الله سبحانه { ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم } فالمستهزئ قصد الكلام وقصد معناه لكن على سبيل السخرية والهزؤ فلذلك كان كافرا بخلاف الإنسان الذي لم يقصد فإنه لا يعتبر قوله شيئاً .
وهذا من رحمة الله عز وجل والله الموفق .


16 - وعن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها رواه مسلم .


17 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه رواه مسلم .


18 - وعن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله عز وجل يقبل توبة العبد ما لم يغرغر رواه الترمذي وقال حديث حسن .

الشَّرْحُ

هذه الأحاديث الثلاثة التي ذكرها المؤلف - رحمه الله - كلها تتعلق بالتوبة .
أما حديث أبي موسى فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ..
.
الحديث وهذا من كرمه عز وجل أنه يقبل التوبة حتى وإن تأخرت، فإذا أذنب الإنسان ذنباً في النهار فإن الله تعالى يقبل توبته ولو تاب بالليل .
وكذلك إذا أذنب في الليل وتاب في النهار فإن الله يقبل توبته بل إن الله يبسط يده حتى يتلقى هذه التوبة التي تصدر من عبده المؤمن وفي هذا الحديث دليل على محبة الله سبحانه وتعالى للتوبة وقد سبق في الحديث السابق في قصة الرجل الذي أضل راحلته حتى وجدها أن الله يفرح بتوبة عبده المؤمن إذا تاب إليه أشد فرحاً من هذا براحلته .
وفيه إثبات اليد لله عز وجل في حديث أبي موسى وهو كذلك بل له يدان جل وعلا كما قال تعالى: وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان وهذه اليد التي أثبتها الله لنفسه بل اليدان يجب علينا أن نؤمن بهما وأنهما ثابتتان لله .
ولكن لا يجوز أن نتوهم أنها مثل أيدينا لأن الله يقول في كتابه { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } وهكذا كل ما مر بك من صفات الله فأثبتها لله عز وجل لكن بدون أن تمثلها بصفات المخلوقين لأن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته عز وجل .
وفي هذا الحديث أن الله سبحانه وتعالى يقبل توبة العبد وإن تأخرت لكن المبادرة بالتوبة هي الواجب لأن الإنسان لا يدري قد يفجأه الموت فيموت قبل أن يتوب، فالواجب المبادرة لكن مع ذلك لو تأخرت تاب الله على العبد .
وفي هذا الحديث: أن الشمس إذا طلعت من مغربها انتهى قبول التوبة ولكن قد يسأل السائل ويقول هل الشمس تطلع من مغربها ؟ المعروف أن الشمس تطلع من المشرق ؟ فنقول نعم هذا هو المعروف والمطرد منذ خلق الله الشمس إلى يومنا هذا لكن في آخر الزمان يأمر الله الشمس أن ترجع من حيث جاءت فتنعكس الدورة .
تدور بالعكس تطلع من مغربها فإذا رآها الناس آمنوا كلهم حتى الكفار اليهود والنصارى والبوذيون والشيوعيون وغيرهم كلهم يؤمنون ولكن الذي لم يؤمن قبل أن تطلع الشمس من مغربها لا ينفعه إيمانه .
كل يتوب أيضاً لكن الذي لم يتب قبل أن تطلع الشمس من مغربها لا تقبل توبته لأن هذه آية يشهدها كل أحد وإذا جاءت الآيات المنذرة لم تنفع التوبة ولم ينفع الإيمان .
أما حديث ابن عمر إن الله يقبل توبة عبده ما لم يغرغر أي ما لم تصل الروح الحلقوم، فإذا وصلت الروح الحلقوم فلا توبة وقد بينت النصوص الأخرى أنه إذا حضر الموت فلا توبة لقوله تعالى { وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن } فعليك يا أخي المسلم أن تبادر بالتوبة إلى الله من الذنوب وأن تقلع عما كنت متلبساً به من المعاصي وأن تقوم بما فرطت به من الواجبات وتسأل الله قبول توبتك والله الموفق


19 - وعن زر بن حبيش قال: أتيت صفوان بن عسال رضي الله عنه أسأله عن المسح على الخفين فقال ما جاء بك يا زر فقلت ابتغاء العلم فقال إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضاء بما يطلب فقلت إنه قد حك في صدري المسح على الخفين بعد الغائط والبول وكنت امرءا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فجئت أسألك هل سمعته يذكر في ذلك شيئاً قال نعم كان يأمرنا إذا كنا سفراً - أو مسافرين أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة لكن من غائط وبول ونوم فقلت هل سمعته يذكر في الهوى شيئاً قال نعم كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فبينا نحن عنده إذ ناداه أعرابي بصوت له جهوري يا محمد فأجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوا من صوته هاؤم فقلت له ويحك اغضض من صوتك فإنك عند النبي صلى الله عليه وسلم وقد نهيت عن هذا فقال والله لا أغضض قال الأعرابي المرء يحب القوم ولما يلحق بهم قال النبي صلى الله عليه وسلم المرء مع من أحب يوم القيامة فما زال يحدثنا حتى ذكر باباً من المغرب مسيرة عرضه أو يسير الراكب في عرضه أربعين أو سبعين عاماً قال سفيان أحد الرواة قبل الشام خلقه الله تعالى يوم خلق السماوات والأرض مفتوحاً للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس منه رواه الترمذي وغيره وقال حديث حسن صحيح هذا الحديث من أحاديث التوبة التي ساقها المؤلف - رحمه الله - في بيان متى تنقطع التوبة لكنه يشتمل على فوائد: منها أن زر بن حبيش أتى إلى صفوان بن عسال رضي الله عنه من أجل العلم فقال له صفوان بن عسال إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضى بما يطلب وهذه فائدة عظيمة تدل على فضيلة العلم وطلب العلم والمراد به العلم الشرعي، أي علم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم أما علم الدنيا فللدنيا لكن طلب العلم الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي فيه الثناء والمدح والحق عليه في القرآن والسنة وهو نوع من الجهاد في سبيل الله لأن هذا الدين قام بأمرين قام بالعلم وبالسلاح والسنان .
حتى إن بعض العلماء قال إن طلب العلم أفضل من الجهاد في سبيل الله بالسلاح لأن حفظ الشريعة إنما يكون بالعلم والجهاد بالسلاح مبني على العلم لا يسير المجاهد ولا يقاتل ولا يحجم ولا يقسم الغنيمة ولا يحكم بالأسرى إلا عن طريق العلم فالعلم هو كل شيء ولهذا قال الله عز وجل { يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات } ووضع الملائكة أجنحتها لطالب العلم رضى بما يطلب واحتراماً له وتعظيماً له ولا يرد على هذا أن يقول القائل أنا لا أحس بذلك، لأنه صح عن الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه كالمشاهد عياناً .
أرأيت قوله صلى الله عليه وسلم إن الله ينزل من السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له .
نحن لا نسمع هذا الكلام من الله عز وجل لكن لما صح عن نبينا صلى الله عليه وسلم صار كأننا نسمعه ولذلك يجب علينا أن نؤمن بما قال الرسول صلى الله عليه وسلم وبما صح عنه مما يذكر في أمور الغيب وأن نكون متيقنين لها كأنما نشاهدها بأعيننا ونسمعها بآذاننا .
ثم ذكر زر بن حبيش لصفوان بن عسال أنه حك في صدره المسح على الخفين بعد البول أو الغائط .
يعنى أن الله تعالى ذكر في القرآن قوله { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين } فيقول إنه حك في صدري أي صار عندي توقف وشك في المسح على الخفين بعد البول أو الغائط هل هذا جائز أو لا ؟ فبين له صفوان بن عسال رضي الله عنه أن ذلك جائز لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم إذا كانوا سفراً أو مسافرين أن لا ينزعوا خفافهم إلا من جنابة ولكن من غائط وبول ونوم فدل هذا على جواز المسح على الخفين بل إن المسح على الخفين أفضل إذا كان الإنسان لابساً لهما وقد ثبت في الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أنه كان مع الرسول صلى الله عليه وسلم في سفر فتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم فأهوى المغيرة لينزع خفيه فقال دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين فمسح عليهما .
ففي هذا دليل واضح على أن الإنسان الذي عليه جوارب أو عليه خفان أن الأفضل أن يمسح عليهما ولا يغسل رجليه .
ومنها أنه ينبغي إذا أشكل عليه شيء أن يسأل ويبحث عمن هو أعلم بهذا الشيء حتى لا يبقى في قلبه حرج مما سمع لأن بعض الناس يسمع الشيء من الأحكام الشرعية ويكون في نفسه حرج ويبقى متشككاً مترددا لا يسأل أحداً يزيل عنه هذه الشبهة وهذا خطأ بل الإنسان ينبغي له أن يسأل حتى يصل إلى أمر يطمئن إليه ولا يبقى عنده قلق .
فهذا زر بن حبيش - رحمه الله - سأل صفوان بن عسال رضي الله عنه عن المسح على الخفين وهل عنده شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك فقال نعم كان يأمرنا ..
.
الحديث .
فهذا الحديث فيه ثبوت المسح على الخفين وقد تواترت الأحاديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك وأخذ بهذا أهل السنة حتى إن بعض أهل العلم الذين صنفوا في كتب العقائد ذكروا المسح على الخفين في كتاب العقائد وذلك لأن الرافضة خالفوا في ذلك فلم يثبتوا المسح على الخفين وأنكروه والعجب أن ممن روى المسح على الخفين علي بن أبي طالب رضي الله عنه .
ومع ذلك هم ينكروه ولا يقولون به فكان المسح على الخفين من شعار أهل السنة الأمور المتواترة عندهم التي ليس عندهم فيها شك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال الإمام أحمد: ليس في قلبي من المسح شك أو قال شيء فيه أربعون حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ولكن لا بد من شروط لجواز المسح على الخفين .
الشرط الأول: أن يضعهما على طهارة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمغيرة بن شعبة رضي الله عنه حينما أراد أن ينزع خفي النبي صلى الله عليه وسلم قال دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين فمسح عليهما ولا فرق بين أن تكون هذه الطهارة قد غسل فيها الرجل أو مسح فيها على خف سابق فمثلا لو توضأ وضوءاً كاملاً وغسل رجليه ثم لبس الجوارب أو الخفين فهنا لبسهما على طهارة .
كذلك لو كان قد لبس جوارب من قبل ومسح عليهما ثم احتاج إلى زيادة جورب ولبسه على الجورب الأول الذي مسحه وهو على طهارة فإنه يمسح الثاني لكن يكون ابتداء المدة من المسح الأول لا من المسح على الثاني هذا هو القول الصحيح إنه إذا لبس خفاً على خف ممسوح فإنه يمسح على الأعلى لكن يبني على مدة المسح على الأول .
ولا بد أيضاً أن تكون الطهارة بالماء فلو لبسهما على طهارة تيمم فإنه لا يمسح عليهما مثل رجل مسافر لا يمسح بماء فتيمم ولبس الخفين على طهارة تيمم ثم بعد ذلك وجد الماء وأراد أن يتوضأ ففي هذه الحال لا بد أن يخلع الخفين ويغسل قدميه عند الوضوء ولا يجوز المسح عليهما في هذه الحال لأنه لم يلبسهما على طهارة غسل فيها الرجل فإن التيمم يتعلق بعضوين فقط وهما الوجه والكفين .
الشرط الثاني أن يكون المسح عليهما في الحدث الأصغر ولهذا قال صفوان بن عسال إلا من جنابة لكن من غائط وبول ونوم فإذا صار على الإنسان جنابة فإنه لا يجزئ أن يمسح على الجوربين أو الخفين بل لا بد من نزعهما وغسل القدمين وذلك لأن الطهارة الكبرى ليس فيها مسح إلا للضرورة في الجبيرة ولهذا لا يمسح فيها الرأس .
الشرط الثالث: أن يكون المسح في المدة التي حددها النبي صلى الله عليه وسلم وهي يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر .
كما صح ذلك أيضاً من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه في صحيح مسلم قال جعل النبي صلى الله عليه وسلم للمقيم يوماً وليلة وللمسافر ثلاثة أيام بلياليها أي في المسح على الخفين .
فإذا انتهت المدة فلا مسح لا بد أن يخلع الجوربين أو الخفين ثم يغسل القدمين ولكن إذا انتهيت المدة وأنت على طهارة فاستمر على طهارتك لا تنتقض الطهارة ولكن إذا أردت أن تتوضأ بعد أن انتهت المدة فلابد من غسل القدمين .
ثم أن زر بن حبيش سأل صفوان بن عسال هل سمع من النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الهوى شيئاً الهوى : المحبة والميل فقال نعم ثم ذكر قصة الأعرابي الذي كان جهوري الصوت فجاء ينادي يا محمد بصوت مرتفع .
فقيل ويحك تنادي رسول الله بصوت مرتفع والله عز وجل يقول { يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون } ولكن الأعراب لا يعرفون الآداب كثيراً لأنهم بعيدون عن المدن وبعيدون عن العلم فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم بصوت مرتفع كما سأل الأعرابي لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكمل الناس هدياً يعطي كل إنسان بقدر ما يتحمله عقله .
فخاطبه بمثل ما خاطب به النبي صلى الله عليه وسلم قال له الأعرابي: المرء يحب القوم ولما يلحق بهم يعني يحب القوم ولكن عمله دون عملهم لا يساويهم في العمل مع من يكون أيكون معهم أو لا ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم المرء مع من أحب يوم القيامة .
الحمد لله نعمة عظيمة وقد روى أنس بن مالك هذه القطعة من الحديث في أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لرجل يحب الله ورسوله: إنك مع من أحببت قال أنس فأنا أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وأرجو أن أكون معهم .
وهكذا أيضاً نحن نشهد الله عز وجل على محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين وأصحابه وأئمة الهدي من بعدهم ونسأل الله أن يجعلنا معهم .
هذه بشرى للإنسان أنه إذا أحب قوماً صار معهم وإن قصر به عمله يكون معهم في الجنة ويجمعه الله معهم في الحشر ويشربون من حوض الرسول صلى الله عليه وسلم جميعاً ..
.
وواجب المسلم أن يكره الكفار وأن يعلم أنهم أعداء له مهما أبدوا من الصداقة والمودة والمحبة فإنهم لن يتقربوا إليك إلا لمصلحة أنفسهم ومضرتك، أما أن يتقربوا إليك لمصلحتك فهذا شيء بعيد إن كان يمكن أن نجمع بين الماء والنار فيمكن أن نجمع بين محبة الكفار لنا وعداوتهم لنا .
لأن الله تعالى سماهم أعداء قال { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء } وقال عز وجل { من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين } .
كل كافر فإن الله عدو له وكل كافر عدو لنا وكل كافر فإنه لا يضمر لنا إلا الشر .
ولهذا يجب عليك أن تكره من قلبك كل كافر مهما كان جنسه ومهما كان تقربه إليك فاعلم أنه عدوك قال تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء } إذا نأخذ من هذه قاعدة أصلها النبي صلى الله عليه وسلم ألا وهي: المرء مع من أحب فعليك يا أخي أن تشد قلبك على محبة الله ورسوله وخلفائه الراشدين وأصحابه الكرام وأئمة الهدي من بعدهم لتكون معهم نسأل الله أن يحقق لنا ذلك بمنه وكرمه والله الموفق


20 - وعن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب فأتاه فقال إنه قتل تسعة وتسعين نفسا، فهل له من توبة ؟ فقال لا فقتله فكمل به مائة ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم فقال إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة فقال نعم ومن يحول بينه وبين التوبة ؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناساً يعبدون الله تعالى فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فقالت ملائكة الرحمة جاء تائباً مقبلا بقلبه إلى الله تعالى وقالت ملائكة العذاب إنه لم يعمل خيرا قط فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم - أي حكما - فقال قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة متفق عليه .
وفي رواية في الصحيح فكان إلى القرية الصالحة أقرب بشبر فجعل من أهلها وفي رواية في الصحيح فأوحى الله تعالى إلى هذه أن تباعدي وإلى هذه أن تقربي وقال قيسوا ما بينهما فوجدوه إلى هذه أقرب بشبر فغفر له وفي رواية فنأى بصدره نحوها .

الشَّرْحُ

نقل المؤلف - رحمه الله - عن أبي سعيد بن مالك بن سنان الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً ثم إنه ندم وسأل عن أعلم أهل الأرض يسأله هل له من توبة فدل على رجل، فإذا هو راهب يعني عابدا ولكن لا علم عنده، فلما سأله قال إنه قتل تسعة وتسعين نفساً فهل له من توبة ؟ فاستعظم الراهب هذا الذنب وقال ليس لك توبة فغضب الرجل وانزعج وقتل الراهب فأتم مائة نفس ثم إنه سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم فقال له إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة قال نعم ومن الذي يحول بينه وبين التوبة باب التوبة مفتوح ولكن اذهب إلى القرية الفلانية فإن فيها قوماً يعبدون الله والأرض التي كان فيه كأنها والله أعلم دار كفر فأمره هذا العالم أن يهاجر بدينه إلى هذه القرية التي يعبد فيها الله عز وجل فخرج تائباً نادماً مهاجراً بدينه إلى الأرض التي فيها القوم الذين يعبدون الله عز وجل وفي منتصف الطريق أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب لأن الكافر والعياذ بالله تقبض روحه ملائكة العذاب والمؤمن تقبض روحه ملائكة الرحمة فاختصموا ملائكة العذاب تقول إنه لم يعمل خيراً قط أي بعد توبته ما عمل خيراً وملائكة الرحمة تقول إنه تاب وجاء نادماً تائباً فحصل يبنهما خصومة فبعث الله إليهم ملكاً ليحكم بينهم .
فقال قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أقرب فهو له أي فهو من أهلها إن كانت أرض الكفر أقرب إليه فملائكة العذاب تقبض روحه وإن كان إلى بلد الإيمان أقرب فملائكة الرحمة تقبض روحه .
فقاسموا ما بينهما فإذا البلد التي اتجه إليها وهي بلد الإيمان أقرب من البلد التي هاجر منها بنحو شبر - مسافة قريبة - فقبضته ملائكة الرحمة .
ففي هذا دليل على فوائد كثيرة: منها أن القاتل له توبة ودليل ذلك في كتاب الله قوله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء يعنى ما دون الشرك فإن الله يغفره إذا شاء .
وهذا الذي عليه جمهور أهل العلم .
وذكر عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن القاتل ليس له توبة لأن الله يقول { ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزؤاه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً } ولكن ما ذهب إليه الجمهور هو الحق وما روي عن ابن عباس فإنه يمكن أن يحمل على أنه ليس له توبة بالنسبة للمقتول وذلك لأن القاتل إذا قتل تعلق فيه ثلاثة حقوق .
الحق الأول لله والثاني للمقتول والثالث لأولياء المقتول .
أما حق الله فلا شك أن الله يغفره بالتوبة لقول الله تعالى { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً } ولقوله تعالى { والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات } وأما حق المقتول فإن توبة القاتل لا تنفعه ولا تؤديه حقه لأنه مات ولا يمكن الوصول إلى استحلاله أو التبرؤ من دمه فهذا هو الذي يبقى مطالباً به القاتل ولو تاب وإذا كان يوم القيامة فالله يفصل بينهم .
وأما حق أولياء المقتول فإنها لا تصح توبة القاتل حتى يسلم نفسه إلى أولياء المقتول ويقر بالقتل ويقول أنا القاتل وأنا بين أيديكم إن شئتم اقتلوني وإن شئتم خذوا الدية وإن شئتم اسمحوا .


22 - وعن أبي نجيد - بضم النون وفتح الجيم - عمران بن الحصين الخزاعي رضي الله عنهما أن امرأة من جهينة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي حبلى من الزنا فقالت يا رسول الله أصبت حداً فأقمه علي فدعا نبي الله صلى الله عليه وسلم وليها فقال أحسن إليها فإذا وضعت فأتني ففعل فأمر بها نبي الله صلى الله عليه وسلم فشدت عليها ثيابها ثم أمر بها فرجمت ثم صلى عليها فقال له عمر تصلي عليها يا رسول الله وقد زنت قال لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله عز وجل رواه مسلم .

الشَّرْحُ

قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهي حبلى من الزنا يعني حاملاً قد زنت رضي الله عنها .
فقالت يا رسول الله إني قد أصبت حداً فأقمه علي أي أصبت شيئاً يوجب الحد فأقمه علي .
فدعا النبي صلى الله عليه وسلم وليها وأمره أن يحسن إليها فإذا وضعت فليأتي بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما وضعت أتى بها وليها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمر بها فشدت عليها ثيابها أي لفت ثيابها وربطت لئلا تنكشف ثم أمر بها فرجمت أي بالحجارة - وهي ليست كبيرة ولا صغيرة - حتى ماتت ثم صلى عليها النبي صلى الله عليه وسلم .
ودعا لها دعاء الميت فقال له عمر تصلي عليها يا رسول الله وقد زنت أي: والزنا من كبائر الذنوب .
فقال: لقد تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم يعني توبة واسعة لو قسمت على سبعين كلهم مذنب لوسعتهم ونفعتهم .
وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله عز وجل أي هل وجدت أفضل من هذه الحال امرأة جاءت فجادت بنفسها يعني سلمت نفسها من أجل التقرب إلى الله عز وجل والخلوص من إثم الزنا ما هناك أفضل من هذا .
ففي هذا الحديث دليل على فوائد كثيرة .
منها أن الزاني إذا زنى وهو محصن - يعني قد تزوج - فإنه يجب أن يرجم وجوباً وقد كان هذا في كتاب الله عز وجل آية قرأها المسلمون وحفظوها ووعوها ونفذوها .
رجم النبي صلى الله عليه وسلم ورجم الخلفاء من بعده ولكن الله بحكمته نسخها من القرآن لفظاً وأبقى حكمها في هذه الأمة فإذا زنى المحصن - وهو الذي قد تزوج - فإنه يرجم حتى يموت يوقف في مكان واسع ويجتمع الناس ويأخذون من الحصى يرمونه به حتى يموت .
وهذه من حكمة الله عز وجل أي أنه لم يأمر الشرع بأن يذبح بالسيف وينتهي أمره بل يرجم بهذه الحجارة حتى يتعذب ويذوق ألم العذاب في مقابل ما وجده من لذة الحرام لأن هذا الزاني تلذذ جميع جسده بالحرام فكان من الحكمة أن ينال هذا الجسد من العذاب بقدر ما نال من اللذة .
ولهذا قال العلماء - رحمهم الله - إنه لا يجوز أن يرجم بالحجارة الكبيرة لأن الحجارة الكبيرة تجهز عليه ويموت سريعاً فيستريح ولا بالصغيرة جداً لأن هذه تؤذيه وتطيل موته ولكن بحصى متوسط حتى يذوق الألم ثم يموت .
فإذا قال قائل أليس قد قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة والقتلة بالسيف أريح للمرجوم من الرجم بالحجارة .
قلنا بلى قد قاله الرسول عليه الصلاة والسلام لكن إحسان القتلة يكون بموافقتها للشرع فالرجم إحسان لأنه موافق للشرع ولذلك لو أن رجلاً جانياً جنى على شخص فقتله عمداً وغرر به قبل أن يقتله فإننا نغرر بهذا الجاني إذا أردنا قتله قبل أن نقتله .
مثلاً لو أن رجلاً جانياً قتل شخصاً فقطع يديه ثم رجليه ثم لسانه ثم رأسه فإننا لا نقتل الجاني بالسيف بل نقطع يديه ثم رجليه ثم لسانه ثم نقطع رأسه مثلما فعل ويعتبر هذا إحساناً في القتلة لأن إحسان القتلة أن يكون موافقاً للشرع على أي وجه كان .
وفي هذا الحديث دليل على جواز إقرار الإنسان على نفسه بالزنى من أجل تطهيره بالحد لا من أجل فضحه نفسه فالإنسان الذي يتحدث عن نفسه أنه زنى عند الإمام أو نائبه من أجل إقامة الحد عليه هذا لا يلام ولا يذم .
وأما الإنسان الذي يخبر عن نفسه أنه زنى يخبر بذلك عامة الناس فهذا فاضح نفسه وهو من غير المعافين لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: كل أمتي معافى إلا المجاهرين قالوا من المجاهرون ؟ قال الذي يفعل الذنب ثم يستره الله عليه ثم يصبح يتحدث به هناك قسم ثالث فاسق مارد ماجن يتحدث بالزنا افتخارا والعياذ بالله يقول إنه سافر إلى البلد الفلاني وإلى البلد الفلاني وفجر وفعل وزنى بعدة نساء وما أشبه ذلك يفتخر بهذا هذا يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل لأن الذي يفتخر بالزنا مقتضى حاله أنه استحل الزنا والعياذ بالله ومن استحل الزنا فهو كافر .
ويوجد بعض الناس الفسقة يفعل ذلك .
الذين أصيب المسلمون بالمصائب من أجلهم ومن أجل أفعالهم .
يوجد من يتبجح بهذا الأمر إذا سافر إلى بلد معروف بالفسق والمجون مثل بانكوك وغيرها من البلاد الخبيثة التي كلها زنى ولواط وخمر وغير ذلك رجع إلى أصحابه يتبجح بما فعل .
هذا كما قلت يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل لأن من استحل الزنا أو غيره من المحرمات الظاهرة المجمع عليها فإنه يكفر .
إذا قال قائل هل الأفضل للإنسان إذا زنى أن يذهب إلى القاضي ليقر عنده فيقام عليه الحد أو الأفضل أن يستر نفسه ؟ فيه تفصيل قد يكون الإنسان تاب توبة نصوحاً وندم وعرف من نفسه أنه لن يعود فهذا الأفضل أن لا يذهب ولا يخبر عن نفسه بل يجعل الأمر سراً بينه وبين الله ومن تاب تاب الله عليه .
وأما من خاف أن لا تكون توبته نصوحاً وخاف أن يعود ويرجع إلى الذنب مرة أخرى فهذا الأفضل في حقه أن يذهب إلى ولي الأمر - القاضي أو غيره - ليقر عنده فيقام عليه الحد .


23 - وعن ابن عباس وأنس بن مالك رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لو أن لابن آدم واديا من ذهب أحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب ويتوب الله على من تاب متفق عليه .


24 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يضحك الله سبحانه وتعالى إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل، ثم يتوب الله على القاتل فيسلم فيستشهد متفق عليه .

الشَّرْحُ

هذان الحديثان في بيان التوبة وأن من تاب تاب الله عليه مهما عظم ذنبه لأن الله تعالى قال في كتابه والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيما فالحديث الأول عن ابن عباس ومعناه أن ابن آدم لن يشبع من المال ولو كان له واد واحد لابتغى أي طلب أن يكون له واديان ولا يملأ جوفه إلا التراب وذلك إذا مات ودفن وترك الدنيا وما فيها حينئذ يقتنع لأنها فاتته ولكن مع ذلك حث الرسول صلى الله عليه وسلم على التوبة لأن الغالب أن الذي يكون عنده طمع في المال أنه لا يحترز من الأشياء المحرمة من الكسب المحرم ولكن دواء ذلك بالتوبة إلى الله ولذلك قال { ويتوب الله على من تاب } فمن تاب من سيئاته ولو كانت هذه السيئات مما يتعلق بالمال فإن الله يتوب عليه وأما الحديث الثاني فهو عن أبي هريرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال يضحك الله إلى رجلين ..
.
الحديث .
وسبب ضحك الله أنه كان بينهما تمام العداوة في الدنيا حتى إن أحدهما قتل الآخر فقلب الله هذه العداوة التي في قلب كل واحد منهما وأزال ما في نفوسهما من الغل لأن أهل الجنة يطهرون من الغل والحقد كما قال الله في وصفهم { إخوانا على سرر متقابلين } وقال قبلها { ونزعنا ما في صدورهم من غل } فهذا وجه العجب من هذين الرجلين .
ففيه دليل على أن الكافر إذا تاب من كفره ولو كان قد قتل أحداً من المسلمين فإن الله تعالى يتوب عليه لأن الإسلام يهدم ما قبله .


باب الصبر


قال الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا } وقال تعالى { ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين } وقال تعالى { إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } وقال تعالى { ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور } وقال تعالى { استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين } وقال تعالى { ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين } والآيات في الأمر بالصبر وبيان فضله كثيرة معروفة .

الشَّرْحُ

الصبر لغة الحبس وشرعاً حبس النفس على ثلاثة أمور .
الأول: طاعة الله الثاني عن محارم الله الثالث على أقدار الله المؤلمة هذه أنواع الصبر التي ذكرها أهل العلم .
الأمر الأول أن يصبر الإنسان على طاعة الله لأن الطاعة ثقيلة على النفس تصعب على الإنسان وكذلك ربما ثقيلة على البدن بحيث يكون مع الإنسان شيء من العجز والتعب وكذلك أيضاً يكون فيها مشقة من الناحية المالية كمسألة الزكاة ومسألة الحج .
المهم أن الطاعات فيها شيء من المشقة على النفس والبدن فتحتاج إلى صبر وإلى معاناة قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا الأمر الثاني الصبر عن محارم الله بحيث يكف الإنسان نفسه عما حرم الله عليه لأن النفس الأمارة بالسوء تدعو إلى السوء فيصبر الإنسان نفسه، مثل الكذب والغش في المعاملات وأكل المال بالباطل بالربا أو غيره والزنى وشرب الخمر والسرقه وما أشبه ذلك من المعاصي الكثيرة فيحبس الإنسان نفسه عنها حتى لا يفعلها وهذا يحتاج أيضاً إلى معاناة ويحتاج إلى كف النفس والهوى .
أما الأمر الثالث: فهو الصبر على أقدار الله المؤلمة لأن أقدار الله عز وجل على الإنسان ملائمة ومؤلمة .
الملائمة: تحتاج إلى الشكر والشكر من الطاعات فالصبر عليه من النوع الأول ومؤلمة بحيث لا تلائم الإنسان فيبتلى الإنسان في بدنه يبتلى في ماله - يفقده - يبتلى في أهله ويبتلى في مجتمعه، المهم أن أنواع البلايا كثيرة تحتاج إلى صبر ومعاناة فيصبر الإنسان نفسه عما يحرم عليه من إظهار الجزع باللسان أو بالقلب أو بالجوارح، لأن الإنسان عند حلول المصيبة له أربع حالات: الحال الأولى: أن يتسخط، والحال الثانية أن يصبر، والحال الثالثة أن يرضى، والحال الرابعة: أن يشكر .
هذه أربع حالات تكون للإنسان عندما يصاب بالمصيبة .
أما الحال الأولى: أن يسخط إما بقلبه أو بلسانه أو بجوارحه .
التسخط بالقلب أن يكون في قلبه شيء على ربه من السخط والشره على الله والعياذ بالله وما أشبهه، ويشعر وكأن الله قد ظلمه بهذه المصيبة .
وأما باللسان فأن يدعو بالويل والثبور، يا ويلاه يا ثبوراه وأن يسب الدهر فيؤذي الله عز وجل وما أشبهه التسخط بالجوارح مثل أن يلطم خده أو يصفع رأسه أو ينتف شعره أو يشق ثوبه وما أشبه هذا .
هذا حال السخط حال الهلعين الذين حرموا من الثواب ولم ينجوا من المصيبة بل الذين اكتسبوا الإثم فصار عندهم مصيبتان مصيبة في الدين بالسخط ومصيبة في الدنيا لما أتاهم مما يؤلمهم .
أما الحال الثانية فالصبر على المصيبة بأن يحبس نفسه هو يكره المصيبة ولا يحبها ولا يحب أن وقعت لكن يصبر نفسه لا يتحدث باللسان بما يسخط الله ولا يفعل بجوارحه ما يغضب الله ولا يكون في قلبه على الله شيء أبداً صابر لكنه كاره لها .
والحال الثالثة الرضى بأن يكون الإنسان منشرحاً صدره بهذه المصيبة ويرضى بها رضاءاً تاماً وكأنه لم يصب بها .
والحال الرابعة الشكر فيشكر الله عليها وكان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا رأى ما يكره قال الحمد لله على كل حال .
فيشكر الله من أجل أن الله يرتب له من الثواب على هذه المصيبة أكثر مما أصابه ولهذا يذكر عن بعض العابدات أنها أصيبت في أصبعها فحمدت الله على ذلك فقالوا لها كيف تحمدين الله والأصبع قد أصابه ما أصابه قالت إن حلاوة أجرها أنستني مرارة صبرها والله الموفق .
قال رحمه الله تعالى في الحث على الصبر والثناء على فاعليه وقول الله سبحانه { يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا } فأمر الله المؤمنين بمقتضى إيمانهم وبشرف إيمانهم بهذه الأوامر الثلاثة بل أربعة .
اصبروا، وصابروا، ورابطوا، واتقوا الله .
فالصبر عن المعصية والمصابرة على الطاعة والمرابطة كثرة الخير وتتابع الخير والتقوى تعم ذلك كله .
فاصبروا عن محارم الله: لا تفعلوها تجنبوها ولا تقربوها .
ومن المعلوم أن الصبر عن المعصية لا يكون إلا حيث دعت إليه النفس أما الإنسان الذي لم تطرأ على باله المعصية فلا يقال إنه صبر عنها ولكن إذا دعتك نفسك إلى المعصية فاصبر واحبس النفس .
وأما المصابرة فهي على الطاعة لأن الطاعة فيها أمران الأمر الأول فعل يتكلف به الإنسان ويلزم نفسه به .
والأمر الثاني ثقل على النفس لأن فعل الطاعة كترك المعصية ثقيلة على النفوس الأمارة بالسوء .
فلهذا كان الصبر على الطاعة أفضل من الصبر على المعصية ولهذا قال الله تعالى { صابروا } كأن أحداً يصابرك كما يصابر الإنسان عدوه في القتال والجهاد .
وأما المرابطة فهي كثرة الخير والاستمرار عليه ولهذا جاء في الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطى إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط لأن فيه استمرارا في الطاعة وكثرة لفعلها .
وأما التقوى فإنها تشمل ذلك كله لأن التقوى اتخاذ ما يقي من عقاب الله وهذا يكون بفعل الأوامر واجتناب النواهي .
وعلى هذا فعطفها على ما سبق من باب عطف العام على الخاص ثم بين الله تعالى أن القيام بهذه الأوامر سبب للفلاح فقال { لعلكم تفلحون } والفلاح كلمة جامعة تدور على شيئين على حصول المطلوب وعلى النجاة من المرهوب فمن اتقى الله عز وجل حصل له مطلوبه ونجا من مرهوبه .
وأما الآية الثانية فقال رحمه الله وقوله تعالى { ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين } هذه الآية فيها قسم من الله عز وجل أن يختبر العباد بهذه الأمور .
فقوله { لنبلونكم } أي لنختبرنكم .
{ بشيء من الخوف } لا الخوف كله بل شيء منه لأن الخوف كله مهلك ومدمر لكن بشيء منه .
{ الخوف } هو فقد الأمن وهو أعظم من الجوع ولهذا قدمه الله عليه لأن الإنسان الجائع ربما يتعلل ويذهب يطلب ولو كان لحاء شجر لكن الخائف والعياذ بالله لا يستقر لا في بيته ولا في سوقه، وأخوف ما نخاف منه ذنوبنا لأن الذنوب سبب لكل الويلات وسبب المخاطر والمخاوف والعقوبات الدينية والدنيوية .
و { والجوع } أي يبتلى بالجوع .
والجوع يحمل معنين: المعنى الأول: أن يحدث الله سبحانه في العباد وباء هو وباء الجوع بحيث يأكل الإنسان ولا يشبع وهذا يمر على الناس وقد مر بهذه البلاد سنة معروفة عند العامة تسمى سنة الجوع يأكل الإنسان الشيء الكثير ولكنه لا يشبع والعياذ بالله أبداً .
نحدث أن الإنسان يأكل من التمر محفراً كاملاً في آن واحد ولا يشبع والعياذ بالله ويأكل الخبز الكثير ولا يشبع لمرض فيه .
النوع الثاني الجدب والسنين الممحلة التي لا يدر فيها ضرع ولا ينمو فيها زرع هذا من الجوع وقوله { ونقص من الأموال } يعني نقص الاقتصاد بحيث تصاب الأمة بقلة المادة والفقر ويتأخر اقتصادها وترهق حكومتها بالديون التي تأتي نتيجة لأسباب يقدرها الله عز وجل ابتلاءا وامتحانا .
وقوله { والأنفس } أي الموت بحيث يحل في الناس أوبئة تهلكهم وتقضي عليهم .
وهذا أيضاً يحدث كثيرا ولقد حدثنا أنه حدث في هذه البلاد أي البلاد النجدية حدث فيها وباء عظيم تسمى سنته عند العامة سنة الرحمة إذا دخل الوباء في البيت لم يبق منهم أحد إلا دفن والعياذ بالله .
يدخل في البيت فيه عشرة أنفس أو أكثر فيصاب هذا بعرض ومن غد الثاني والثالث والرابع حتى يموتوا عن آخرهم وحدثنا أنه قدم في هذا المسجد - مسجد الجامع الكبير بعنيزة - وكان الناس بالأول في قرية صغيرة ما فيها ناس كثير كما هو الحال اليوم يقدم أحياناً فرض الصلاة الواحد سبع إلى ثمان جنائز نعوذ بالله من الأوبئة .
وقوله { والثمرات } أي أن لا يكون هناك جوع ولكن تنقص الثمرات تنزع بركتها في الزروع والنخيل وفي الأشجار الأخرى والله عز وجل يبتلي العباد بهذه الأمور ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون .
فيقابل الناس هذه المصائب بدرجات متنوعة بالتسخط بالصبر وبالرضا بالشكر كما قلناه فيما سبق والله الموفق .
قوله { إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } يوفى الصابرون أي يعطى الصابرون أجرهم ثوابهم .
وقوله { بغير حساب } لأن الأعمال الصالحة مضاعفة الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبع مائة ضعف إلى أضعاف كثيرة .
أما الصبر فإن مضاعفته تأتي بغير حساب من عند الله عز وجل وهذا يدل على أن أجره عظيم وأن الإنسان لا يمكن أن يتصور هذا الأجر لأنه لم يقابل بعدد بل هو أمر معلوم عند الله ولا حساب لا يقال مثلاً الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبع مائة ضعف بل يقال إنه يوفى أجره بغير حساب وفي هذه الآية من الترغيب في الصبر ما هو ظاهر وقوله { ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور } أي أن الذي يصبر على أذى الناس ويحتملهم ويغفر لهم سيئاتهم التي يسيئون بها إليه فإن ذلك من عزم الأمور أي من معزوماتها وشدائدها التي تحتاج إلى مقابلة ومصابرة ولا سيما إذا كان الأذى الذي ينال الإنسان بسبب جهاده في الله عز وجل وبسبب طاعته لأن أذية الناس لك لها أسباب متعددة متنوعة فإذا كان سببها طاعة الله عز وجل والجهاد في سبيله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن الإنسان يثاب على ذلك من وجهين: الأول: من الأذية التي تحصل له .
الثاني: صبره على هذه الطاعة التي أذي في الله من أجلها .
وفي هذه الآيج حث على صبر الإنسان على أذية الناس ومغفرته لهم ما أساؤوا فيه ولكن ينبغي أن يعلم أن المغفرة لمن أساء إليك ليست محمودة على الإطلاق فإن الله قيد هذا بأن يكون العفو مقروناً بالإصلاح فقال { فمن عفا وأصلح فأجره على الله } أما إذا لم يكن في العفو والمغفرة إصلاح فلا تعف ولا تغفر .
مثاله لو كان الذي أساء إليك شخصاً معروفاً بالشر والفساد وأنك لو عفوت عنه لكان في ذلك زيادة في شره .
ففي هذه الحال الأفضل أن لا تعفو عنه بل تأخذ بحقك من أجل الإصلاح أما إذا كان الشخص إذا عفوت عنه لم يترتب على العفو عنه مفسدة فإن العفو أفضل وأحسن لأن الله يقول { فمن عفا وأصلح فأجره على الله } وإذا كان أجرك على الله كان خيراً لك من أن يكون ذلك بمعاوضة تأخذ من أعمال صاحبك الصالحة .
وقوله { استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين } أمر الله سبحانه وتعالى أن نستعين على الأمور بالصبر عليها لأن الإنسان إذا صبر وانتظر الفرج من الله سهلت عليه الأمور .
فأنت إذا أصبت بشيء يحتاج إلى صبر فاصبر وتحمل واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسراً وأما الصلاة فإنها تعين على الأمور الدينية والدنيوية حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام ذكر عنه أنه إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة .
وبين الله في كتابه أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر فإذا استعان الإنسان بالصلاة على أموره يسر الله له ذلك لأن الصلاة صلة بين العبد وبين ربه فيقف الإنسان فيها بين يدي الله ويناجيه يدعوه ويتقرب إليه بأنواع القربات التي تكون في هذه الصلاة فكانت سبباً للمعونة قوله { إن الله مع الصابرين } يعني بذلك كلمة المعية الخاصة لأن معية الله سبحانه تنقسم إلى قسمين: 1 - معية عامة شاملة لكل أحد وهي المذكورة في قوله تعالى { وهو معكم أين ما كنتم } وفي قوله تعالى { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا } وهذه المعية العامة شاملة لجميع الخلق فما من مخلوق إلا والله معه يعلمه ويحيط به سلطاناً وقدرة وسمعا وبصراً وغير ذلك .
2 - أما المعية الخاصة فهي المعية التي تقتضي النصر والتأييد وهذه خاصة بالرسل وأتباعهم ليست لكل واحد فـ { إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون } والله مع الصابرين وما أشبه من ذلك الآيات الدالة على هذه المعية الخاصة ولكن هاتين كلتيهما لا تدلان على أن الله سبحانه مع الناس في أمكنتهم بل هو مع الناس وهو فوق سماواته على عرشه ولا مانع من ذلك لأن الشيء يكون فوق وهو معك والعرب يقولون ما زلنا نسير والقمر معنا .
وكل يعلم أن القمر في السماء ويقولون ما زلنا نسير وسهيل معنا - وهو نجم معروف - وهو في السماء فما بالك بالخالق عز وجل هو فوق كل شيء استوى على عرشه ومع ذلك هو محيط بكل شيء مع كل أحد، مهما انفردت فإن الله تعالى محيط بك علماً وقدرة وسلطانا وسمعاً وبصراً وغير ذلك .
وفي قوله { إن الله مع الصابرين } دليل على أنه معان من قبل الله، وأن الله يعين الصابر ويؤيده ويكلؤه حتى يتم له الصبر على ما يحبه الله عز وجل .
ثم ذكر رحمه الله آخر آية ساقها وهي قوله { ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم } لنبلونكم لنختبرنكم فالابتلاء بمعنى الاختبار .
يعني أن الله اختبر العباد في فرض الجهاد عليهم ليعلم من يصبر ومن لا يصبر ولهذا قال الله في آية أخرى { ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم ويدخلهم الجنة عرفها لهم } وقوله { حتى نعلم المجاهدين } قد يتوهم بعض من قصر علمه أن الله سبحانه لا يعلم الشيء حتى يقع وهذا غير صحيح فالله يعلم الأشياء قبل وقوعها كما قال { ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير } ومن ادعى أن الله لا يعلم بالشيء إلا بعد وقوعه فإنه مكذب لهذه الآية وأمثالها من الآيات الدالة على أن الله تعالى قد علم الأشياء قبل أن تقع .
لكن العلم الذي في هذه الآية { حتى نعلم المجاهدين } هو العمل الذي يترتب عليه الثواب أو العقاب لأن علم الله بالشيء قبل أن يكون لا يترتب عليه شيء من جهة فعل العبد لأن العبد لم يبل به حتى يتبين الأمر، فإذا اختبر به العبد حينئذ يتبين أنه استحق الثواب أو العقاب فيكون المراد بقول: { حتى نعلم المجاهدين } أي علماً يترتب عليه الجزاء .
وقال بعض أهل العلم المراد بقوله { حتى نعلم المجاهدين } أي علم ظهور، يعنى حتى يظهر الشيء لأن علم الله بالشيء قبل أن يكون علم بأنه سيكون وعلمه بعد كونه علم بأنه كان وفرق بين العلمين .
ويظهر الفرق فيما لو قال لك شخص سوف أفعل كذا غداً فالآن حصل عندك علم بما أخبر به ولكن إذا فعله غداً صار عندك علم آخر أي علم بأن الشيء الذي حدثك أنه سيفعله قد فعله فعلاً فهذان وجهان في تفسير قوله { حتى نعلم } وقوله { المجاهدين } المجاهد هو الذي بذل جهده لإعلاء كلمة الله فيشمل المجاهد بعلمه والمجاهد بالسلاح كلاهما مجاهد في سبيل الله فالمجاهد بعلمه يتعلم العلم ويعلمه وينشره بين الناس ويجعل هذا وسيلة لتحكيم شريعة الله هذا مجاهد والذي يحمل السلاح لمقاتلة الأعداء هو أيضاً مجاهد في سبيل الله إذا كان المقصود في الجهادين أن تكون كلمة الله هي العليا .
وقوله { والصابرين } أي الذين يصبرون على ما كلفوا فيه من الجهاد ويحملونه ويقومون به .
وقوله { ونبلو أخباركم } أي نختبرها وتتبين لنا وتظهر لنا ظهوراً يترتب عليه الثواب والعقاب لما ذكر الله هذا الابتلاء قال { وبشر الصابرين } والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ولكل من يبلغه هذا الخطاب .
يعني بشر يا محمد وبشر يا من يبلغه هذا الكلام الصابرين الذين يصبرون على هذه البلوى فلا يقابلونها بالتسخط وإنما يقابلونها بالصبر .
وأكمل من ذلك أن يقابلونها بالرضا وأكمل من ذلك أن يقابلوها بالشكر كما مر علينا في مراتب التحمل في أقدار الله المؤلمة .
وقوله { قالوا إنا لله } إذا أصابتهم مصيبة اعترفوا لله عز وجل بعموم ملكه وأنهم ملك لله ولله أن يفعل في ملكه ما شاء ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام لإحدى بناته قال فإن لله ما أخذ وله ما أبقى فأنت ملك لربك عز وجل يفعل بك ما يشاء حسب ما تقتضيه حكمته تبارك وتعالى .
ثم قال { وإنا إليه راجعون } يعترفون بأنهم لابد أن يرجعوا إلى الله فيجازيهم إن تسخطوا جازاهم على سخطهم وإن صبروا كما هو شأن هؤلاء القوم فإن الله يجازيهم على صبرهم على هذه المصائب فيبتلي عز وجل بالبلاء ويثيب الصابر عليه .
قال الله عز وجل { أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة } أولئك يعني الصابرين والصلوات جمع صلاة وهي ثناء الله عليهم في الملأ الأعلى عند الملائكة .
وقوله { وأولئك هم المهتدون } الذين هداهم الله عز وجل عند حلول المصائب فلم يتسخطوا ولكن صبروا على ما أصابهم وفي هذه الآية دليل على أن صلاة الله عز وجل ليست هي رحمة بل هي أخص وأكمل وأفضل ومن فسرها من العلماء بأن الصلاة من الله الرحمة ومن الملائكة الدعاء ومن الآدميين الاستغفار، إن هذا لا وجه له بل الصلاة غير الرحمة لأن الله عطف الرحمة على الصلوات والعطف يقتضي المغايرة ولأن العلماء مجمعون على أنك يجوز لك أن تقول لأي شخص من المؤمنين اللهم ارحم فلاناً .
واختلفوا هل يجوز أن يصلى عليه أو لا يجوز على أقوال ثلاثة فمنهم من أجازها مطلقاً ومنهم من منعها مطلقا ومنهم من أجازها إذا كانت تبعاً والصحيح أنها تجوز إذا كانت تبعاً كما في قوله اللهم صل على محمد وعلى آل محمد أو لم تكن تبعاً ولكن لا سبب كما قال الله { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم } فإذا كان لها سبب ولم تتخذ شعاراً فإنه لا بأس به فلا بأس أن تقول اللهم صل على فلان فلو جاءك رجل وقال لك خذ زكاتي وفرقها على الفقراء فلك أن تقول صلى الله عليك تدعو له بأن الله يصلي عليه كما أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بذلك .


25 - وعن أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان وسبحانه الله والحمد لله تملآن - أو تملأ - ما بين السماوات والأرض والصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء والقرآن حجة لك أو عليك كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها رواه مسلم .

الشَّرْحُ

سبق لنا الكلام على الآيات التي ساقها المؤلف رحمه الله في الصبر وثوابه والحث عليه ثم شرع رحمه الله في بيان الأحاديث الواردة في ذلك .
فذكر حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال سبحان الله والحمد لله الحديث إلى قوله والصبر ضياء فبين النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن الصبر ضياء يعني أنه يضيء للإنسان .
يضيء له عندما تحتلك الظلمات وتشتد الكربات فإذا صبر فإن هذا الصبر يكون له ضياء يهديه إلى الحق ولهذا ذكر الله عز وجل أنه من جملة الأشياء التي يستعان بها فهو ضياء للإنسان في قلبه وضياء له في طريقه ومنهاجه وعمله لأنه كلما سار إلى الله عز وجل على طريق الصبر فإن الله تعالى يزيده هدى وضياء في قلبه ويبصره .
أما بقية الحديث فقال عليه الصلاة والسلام الطهور شطر الإيمان الطهور: يعني بذلك طهارة الإنسان .
شطر الإيمان نصف الإيمان وذلك لأن الإيمان تخلية وتحلية .
يعني تبرؤا من الشرك والفسوق تبرؤا من المشركين والفساق بحسب ما معهم من الفسق فهو تخل .
وهذا هو الطهور أن يتطهر الإنسان طهارة حسية ومعنوية من كل ما فيه أذى فلهذا جعله الرسول عليه الصلاة والسلام شطر الإيمان .
قوله والحمد لله تملأ الميزان ذكر ابن علان ما مختصره أي هذه الجملة بخصوصها لأنها أفضل صيغ الحمد ولذا بدئ بها الكتاب العزيز .
والحمد لله هو الثناء على الله بالجميل الاختياري والإذعان له والرضا بقضائه والميزان المراد منه حقيقته أي ما توزن به الأعمال إما بأن تجسم الأعمال أو توزن صحائفها فتطيش بالسيئة وتثقل بالحسنة .
وهذه الكلمة كان لها هذا الثوب العظيم بحيث تملأ كفة الميزان مع سعتها لأن معاني الباقيات الصالحات في ضمنها لأن الثناء تارة يكون بإثبات الكمال وتارة بنفي النقص وتارة بالاعتراف بالعجز وتارة بالتفرد بأعلى المراتب والألف واللام في الحمد لاستغراق جنس المدح والحمد مما علمناه وجهلناه وإنما يستحق الإلهية من اتصف بذلك، فاندرج الجميع تحت الحمد لله .
وقوله وسبحان الله والحمد لله تملآن - أو قال تملأ - ما بين السماوات والأرض شك من الراوي والمعنى لا يختلف أي سبحان الله والحمد لله تملأ ما بين السماوات والأرض وذلك لأن هاتين الكلمتين مشتملتان على تنزيه الله من كل نقص في قوله سبحان الله وعلى وصف الله بكل كمال في قوله والحمد لله فقد جمعت هاتان الكلمتان بين التخلية والتحلية كما يقولون .
فالتسبيح تنزيه الله عما لا يليق به في أسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه .
فالله منزه عن كل عيب في أسماءه وصفاته وأفعاله وأحكامه لا تجد في أسمائه اسما يشتمل على نقص أو على عيب ولهذا قال تعالى ولله الأسماء الحسنى ولا تجد في صفاته صفة تشتمل على عيب أو نقص ولهذا قال الله { ولله المثل الأعلى } بعد قوله { للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى } فالله عز وجل له الوصف الأكمل الأعلى من جميع الوجوه وله الكمال المنزه عن كل عيب في أفعاله كما قال الله { وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين } فليس في خلق الله لعب ولهو وإنما هو خلق مبني على الحكمة .
كذلك أحكامه لا تجد فيها عيبا ولا نقصا كما قال الله { أليس الله بأحكم الحاكمين } وقال عز وجل: { أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون } والله عز وجل يحمد على كل حال وكان الرسول عليه الصلاة والسلام إذا أصابه ما يسر به قال الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وإذا أصابه سوى ذلك قال الحمد لله على كل حال ثم إن ها هنا كلمة شاعت أخيراً عند كثير من الناس وهي قولهم الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه هذا حمد ناقص لأن قولك على مكروه سواه تعبير يدل على قلة الصبر أو على الأقل على عدم كمال الصبر وأنك كاره لهذا الشيء ولا ينبغي للإنسان أن يعبر هذا التعبير بل ينبغي له أن يعبر بما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعبر به فيقول الحمد لله على كل حال أو يقول الحمد لله الذي لا يحمد على كل حال سواه .
أما التعبير الأول فإنه تعبير واضح على مضادة ما أصابه من الله عز وجل وأنه كاره له وأنا لا أقول إن الإنسان لا يكره مما أصابه من البلاء بطبيعة الإنسان أن يكره ذلك لكن لا تعلن هذا بلسانك في مقام الثناء على الله بل عبر كما عبر النبي صلى الله عليه وسلم قوله صلى الله عليه وسلم والصلاة نور فالصلاة نور للعبد في قلبه وفي وجهه وفي قبره وفي حشره ولهذا تجد أكثر الناس نوراً في الوجوه أكثرهم صلاة وأخشعهم فيها لله عز وجل وكذلك تكون نورا للإنسان في قلبه تفتح عليه باب المعرفة لله عز وجل وباب المعرفة في أحكام الله وأفعاله وأسمائه وصفاته وهي نور في قبر الإنسان لأن الصلاة عمود الإسلام إذا قام العمود قام البناء وإذا لم يقم العمود فلا بناء .
كذلك نور في حشره يوم القيامة كما أخبر بذلك الرسول أن من حافظ عليها كانت له نورا وبرهاناً يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نوراً ولا برهاناً ولا نجاة يوم القيامة وحشر مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف فهي نور للإنسان في جميع أحواله وهذا يقتضي أن يحافظ الإنسان عليها وأن يحرص عليها وأن يكثر منها حتى يكثر نوره وعلمه وإيمانه .
وأما الصبر فقال إنه ضياء أي فيه نور لكن نور مع حرارة كما قال الله تعالى { هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً } فالضوء لابد فيه من حرارة وهكذا الصبر لابد فيه من حرارة وتعب لأن فيه مشقة كبيرة ولهذا كان أجره بغير حساب .
فالفرق بين النور في الصلاة والضياء في الصبر أن الضياء في الصبر مصحوب بحرارة لما في ذلك من التعب القلبي والبدني في بعض الأحيان .
وقوله الصدقة برهان الصدقة بذل لمال تقربا لله عز وجل للأهل والفقراء والمصالح العامة مثل بناء المساجد وغيرها هذا برهان .
برهان على إيمان العبد وذلك لأن المال محبوب إلى النفوس والنفوس شحيحة به فإذا بذله الإنسان لله فإن الإنسان لا يبذل ما يحب إلا لما هو أحب إليه منه .
ولهذا تجد أكثر الناس إيماناً بالله عز وجل وبالإخلاف تجدهم أكثرهم صدقة ثم قال الرسول عليه الصلاة والسلام والقرآن حجة لك أو عليك لأن القرآن هو حبل الله المتين وهو حجة الله على خلقه فإما أن يكون لك وذلك فيما إذا توصلت به إلى الله وقمت بواجب هذا القرآن العظيم من التصديق بالأخبار وامتثال الأوامر واجتناب النواهي وتعظيم هذا القرآن الكريم واحترامه ففي هذه الحال يكون حجة لك أما إن كان الأمر بالعكس أهنت القرآن وهجرته لفظاً ومعنى وعملاً ولم تقم بواجبه فإنه يكن عليك شاهداً يوم القيامة ولم يذكر الرسول صلى الله عليه وسلم مرتبة بين هاتين المرتبتين .
يعني لم يذكر أن القرآن لا لك ولا عليك لأنه لا بد أن يكون إما لك وإما عليك على كل حال فنسأل الله أن يجعله لنا ولكم حجة نهتدي به في الدنيا والآخرة إنه جواد كريم قوله كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها أي كل الناس يبدأ يومه من الغدوة بالعمل وهذا شيء مشاهد فإن الله تعالى جعل الليل سكنا وقال { وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه } فهذا النوم الذي يكون في الليل هو وفاة صغرى تهدأ فيه الأعصاب ويستريح فيه البدن ويستجد نشاطه للعمل المقبل ويستريح من العمل الماضي .
فإذا كان الصباح وهو الغدوة سار الناس واتجهوا كل لعمله فمنهم من يتجه إلى الخير وهم المسلمون ومنهم من يتجه إلى الشر وهم الكفار والعياذ بالله .
المسلم أول ما يغدو يتوضأ ويتطهر والطهور شطر الإيمان كما في هذا الحديث ثم يذهب فيصلي فيبدأ يومه بعبادة الله عز وجل بل يفتتحه بالتوحيد لأنه يشرع للإنسان إذا استيقظ من نومه أن يذكر الله عز وجل وأن يقرأ عشر آيات من سورة آل عمران وهي قوله { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب } إلى آخر السورة هذا المسلم هذا الذي يغدو في الحقيقة بائع نفسه لكن هل باعها بيعاً يعتقها فيه ؟ نعم المسلم باعها بيعاً يعتقها فيه ولهذا قال فبائع نفسه فمعتقها هذا قسم أو موبقها أي بائع نفسه فموبقها .
الكافر يغدو إلى العمل الذي فيه الهلاك لأن معنى أوبقها أي أهلكها وذلك أن الكافر يبدأ يومه بمعصية الله حتى لو بدأ بالأكل والشرب فإن أكله وشربه يعاقب عليه يوم القيامة كل لقمة يرفعها الكافر إلى فمه فإنه يعاقب عليها وكل وشربة يبتلعها من الماء فإنه يعاقب عليها وكل لباس يلبسه فإنه يعاقب عليه .
والدليل على هذا قوله تعالى { قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا } للذين آمنوا لا غيرهم { خالصة يوم القيامة } يعني ليس عليهم من شوائبها يوم القيامة فمفهوم الآية الكريمة أنها لغير المؤمنين حرام وأنها ليست خالصة لهم يوم القيامة وأنهم سيعاقبون عليها .
وقال الله في سورة المائدة وهي من آخر ما نزل والآية التي سقتها الآن في سورة الأعراف وهي مكية .
قال في المائدة { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا } فمفهوم الآية الكريمة أن على غير المؤمنين جناح فيما طعموه .
فالكافر من حين ما يصبح والعياذ بالله وهو بائع نفسه فيما يهلكها أما المؤمن فبائع نفسه فيما يعتقها وينجيها من النار نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم .
في آخر هذا الحديث بين الرسول عليه الصلاة والسلام أن الناس ينقسمون إلى قسمين قسم يكون القرآن حجة لهم كما قال والقرآن حجة لك .
وقسم يكون القرآن حجة عليهم كما قال أو عليك وقسم يعتقون أنفسهم بأعمالهم الصالحة .
وقسم يهلكونها بأعمالهم السيئة والله الموفق


26 - وعن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري رضي الله عنهما أن ناساً من الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم ثم سألوه فأعطاهم حتى نفد ما عنده فقال لهم حين أنفق كل شيء بيده ما يكن عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله وما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر متفق عليه .

الشَّرْحُ

قوله إن ناسا من الأنصار إلى قوله حتى نفد ما عنده كان من خلقه الكريم أنه لا يسأل شيئاً يجده إلا أعطاه وما عهد عنه أنه صلى الله عليه وسلم منع سائلاً بل كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر ويعيش في بيته عيش الفقراء وربما ربط على بطنه الحجر من الجوع فهو عليه الصلاة والسلام أكرم الناس وأشجع الناس .
فلما نفد ما في يده أخبرهم أنه ما يكن عندي من خير فلن أدخره عنكم أي لا يمكن أن يدخر خيراً عنهم فيمنعهم ولكن ليس عنده شيء .
ثم حث الرسول عليه الصلاة والسلام على الاستعفاف والاستغناء والصبر فقال ومن يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله ومن يتصبر يصبره الله .
هذه ثلاثة أمور أولا من يستعفف يعفه الله فمن يستعفف عما حرم الله عليه من النساء يعفه الله عز وجل والإنسان الذي يتبع نفسه هواها فيما يتعلق بالعفة فإنه يهلك والعياذ بالله لأنه إذا أتبع نفسه هواها وصار يتتبع النساء فإنه يهلك .
تزني العين وتزني الأذن وتزني اليد وتزني الرجل ثم يزني الفرج وهو الفاحشة والعياذ بالله فإذا استعف الإنسان عن هذا المحرم أعفه الله عز وجل وحماه وحمى أهله أيضاً .
ثانياً من يستغن يغنه الله أي من يستغن بما عند الله عما في أيدي الناس يغنه الله عز وجل وأما من يسأل الناس ويحتاج لما عندهم فإنه سيبقى قلبه فقيراً والعياذ بالله ولا يستغني .
والغنى غنى القلب فإذا استغنى الإنسان بما عند الله عما في أيدي الناس أغناه الله عن الناس وجعله عزيز النفس بعيداً عن السؤال .
ثالثاً: من يتصبر يصبره الله أن يعطه الله الصبر .
فإذا حبست نفسك عما حرم الله عليك وصبرت على ما عندك من الحاجة والفقر ولم تلح على الناس بالسؤال فإن الله تعالى يصبرك ويعينك على الصبر وهذا هو الشاهد من الحديث لأنه في باب الصبر .
ثم قال الرسول صلى الله عليه وسلم وما أعطى أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر أي ما من الله على أحد بعطاء من رزق أو غيره خيرا وأوسع من الصبر لأن الإنسان إذا كان صبوراً تحمل كل شيء إن أصابته الضراء صبر وإن عرض له الشيطان بفعل المحرم صبر وإن خذله الشيطان عن ما أمر الله صبر .
فإذا كان الإنسان قد من الله عليه بالصبر فهذا خير ما يعطاه الإنسان وأوسع ما يعطاه ولذلك تجد الإنسان الصبور لو أذى من قبل الناس لو سمع منهم ما يكره لو حصل منهم اعتداء عليه تجده هادئ البال لا يتصلب ولا يغضب لأنه صابر على ما ابتلاه الله به فلذلك تجد قلبه دائماً مطمئناً ونفسه مستريحة .
ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم ما أعطى أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر والله الموفق .


27 - وعن أبي يحيى صهيب بن سنان رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له رواه مسلم .

الشَّرْحُ

صهيب هو الرومي وقوله عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير أي إن الرسول عليه الصلاة والسلام أظهر العجب على وجه الاستحسان لأمر المؤمن أي لشأنه فإن شأنه كله خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن .
ثم فصل الرسول عليه الصلاة والسلام هذا الأمر الخير فقال إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له هذه حال المؤمن وكل إنسان فإنه في قضاء الله وقدره بين أمرين: إما سراء وإما ضراء والناس في هذه الإصابة ينقسمون إلى قسمين مؤمن وغير مؤمن فالمؤمن على كل حال ما قدر الله له فهو خير له إن أصابته الضراء صبر على أقدار الله وانتظر الفرج من الله واحتسب الأجر على الله فكان خيراً له فنال بهذا أجر الصابرين .
وإن أصابته سراء من نعمة دينية كالعلم والعمل الصالح ونعمة دنيوية كالمال والبنين والأهل شكر الله وذلك بالقيام بطاعة الله عز وجل .
فيشكر الله فيكون خيراً له، ويكون عليه نعمتان نعمة الدين ونعمة الدنيا نعمة الدنيا بالسراء ونعمة الدين بالشكر هذه حال المؤمن .
وأما الكافر فهو على شر والعياذ بالله إن أصابته الضراء لم يصبر بل يضجر ودعا بالويل والثبور وسب الدهر وسب الزمن بل وسب الله عز وجل .
وإن أصابته سراء لم يشكر الله فكانت هذه السراء عقابا عليه في الآخرة لأن الكافر لا يأكل أكلة ولا يشرب شربة إلا كان عليه فيها إثم وإن كان ليس فيها إثم بالنسبة للمؤمن لكن على الكافر إثم كما قال الله تعالى قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة هي للذين آمنوا خالصة لهم يوم القيامة أما الذين لا يؤمنون فليست لهم ويأكلونها حراماً عليهم ويعاقبون عليها يوم القيامة .
فالكافر شر سواء أصابته الضراء أم السراء بخلاف المؤمن فإنه على خير .
وفي هذا الحديث الحث على الإيمان وأن المؤمن دائماً في خير ونعمة .
وفي الحث على الصبر على الضراء وأن ذلك من خصال المؤمنين فإذا رأيت نفسك عند إصابة الضراء صابراً محتسباً تنتظر الفرج من الله سبحانه وتعالى وتحتسب الأجر على الله فذلك عنوان الإيمان، وإن رأيت بالعكس فلم نفسك وعدل مسيرك وتب إلى الله .
وفي هذا الحديث الحث على الشكر عند السراء لأنه إذا شكر الإنسان ربه على نعمة فهذا من توفيق الله له وهو من أسباب زيادة النعم كما قال الله { وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد } وإذا وفق الله العبد لشكره فهذه نعمة تحتاج إلى شكرها مرة ثانية فإذا وفق فهي نعمة تحتاج إلى شكرها مرة ثالثة وهكذا لأن الشكر قل من يقوم به فإذا من الله عليك وأعانك عليه فهذه نعمة .
ولهذا قال بعضهم
إذا كان شكري نعمة الله نعمة ...
علي له في مثلها يجب الشكر
فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله ...
وإن طالت الأيام واتصل العمر
وصدق - رحمه الله - فإن الله إذا وفقك للشكر فهذه نعمة تحتاج إلى شكر جديد فإن شكرت فإنها نعمة تحتاج إلى شكر ثان وهلم جرا ولكننا في الحقيقة في غفلة من هذا نسأل الله أن يوقظ قلوبنا وقلوبكم ويصلح أعمالنا وأعمالكم إنه جواد كريم


34 - وعن أنس رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله عز وجل قال إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة يريد عينيه رواه البخاري .

الشَّرْحُ

نقل المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله من الأحاديث الواردة في الصبر حديث عائشة وحديث أنس بن مالك رضي الله عنه أما حديث عائشة فإن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر أن الطاعون رجس أي عذاب أرسله الله سبحانه وتعالى من يشاء من عباده .
والطاعون قيل إنه وباء معين وقيل إنه كل وباء عام يحل بالأرض فيصيب أهلها ويموت الناس منه .
وسواء كان معيناً أم كل وباء عام مثل الكوليرا وغيرها فإن هذا الطاعون رجس عذاب أرسله الله عز وجل ولكنه رحمة للمؤمن إذا نزل بأرضه وبقي فيها صابراً محتسباً يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له فإن الله يكتب له مثل أجر الشهيد ولهذا جاء في الحديث الصحيح عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه إذا وقع الطاعون في أرض فإننا لا نقدم عليها لأن الإقدام عليها إلقاء بالنفس إلى التهلكة ولكنه إذا وقع في أرض فإننا لا نخرج منها فراراً منه لأنك مهما فررت من قدر الله إذا نزل بالأرض فإن هذا الفرار لن يغني عنك من الله شيئاً .
واذكر القصة التي قصها الله علينا في الذين خرجوا من ديارهم حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم ليبين لهم أنه لا مفر من قضاء الله إلا إلى الله .
خرجوا من ديارهم وهم ألوف - قال بعض العلماء في تفسير الآية إنه نزل في الأرض وباء فخرجوا منها فقال لهم الله موتوا فماتوا ثم أحياهم حتى يتبين لهم أنه لا مفر من الله إلا إليه .
ففي حديث عائشة رضي الله عنها دليل على فضل الصبر والاحتساب وأن الإنسان إذا صبر نفسه في الأرض التي نزل فيها الطاعون ثم مات به كتب الله له مثل أجر الشهيد .
وذلك أن الإنسان إذا نزل الطاعون في أرضه فإن الحياة غالية عند الإنسان سوف يهرب يخاف من الطاعون فإذا صبر وبقي واحتسب الأجر وعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له ثم مات به فإنه يكتب له مثل أجر الشهيد وهذا من نعمة الله عز وجل .
أما حديث أنس بن مالك رضي الله عنه ففيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال عن ربه تبارك وتعالى إنه ما من إنسان يقبض الله حبيبتيه يعني عينيه فيعمى ثم يصبر إلا عوضه الله بهما الجنة لأن العين محبوبة للإنسان فإذا أخذهما الله سبحانه وتعالى وصبر الإنسان واحتسب فإن الله يعوضه بهما الجنة .
والجنة تساوي كل الدنيا بل قد قال النبي صلى الله عليه وسلم لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها أي مقدار متر لأن ما في الآخرة باق لا يفنى ولا يزول والدنيا كلها فانية زائلة فلهذا كانت هذه المساحة القليلة من الجنة خيراً من الدنيا وما فيها .
واعلم أن الله سبحانه إذا قبض من الإنسان حاسة من حواسه فإن الغالب أن الله يعوضه في الحواس ما يخفف عليه ألم فقد هذه الحاسة التي فقدها .
فالأعمى يمن عليه بقوة الإحساس والإدراك حتى أن بعض الناس إذا كان أعمى تجده في السوق يمشي وكأنه مبصر يحس بالمنعطفات في الأسواق ويحس بالمنحدرات وبالمرتفعات حتى أن بعضهم يتفق مع صاحب السيارة - سيارة الأجرة - يركب معه من أقصى البلد إلى بيته وهو يقول لصاحب السيارة تيامن تياسر حتى يوقفه عند بابه لأن صاحب السيارة لا يعرف البيت والله الموفق .


29 - وعن أبي زيد أسامة بن زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحبه وابن حبه رضي الله عنهما قال أرسلت بنت النبي صلى الله عليه وسلم إن ابني قد احتضر فاشهدنا فأرسل يقرئ السلام ويقول إن لله ما أخذ، وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى فلتصبر ولتحتسب فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينها فقام ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ورجال رضي الله عنهم فرفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبي فأقعده في حجره ونفسه تقعقع ففاضت عيناه فقال سعد يا رسول الله ما هذا فقال هذه رحمة جعلها الله تعالى في قلوب عباده وفي رواية في قلوب من شاء من عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء متفق عليه ومعنى تقعقع تتحرك وتضطرب

الشَّرْحُ

أسامة بن زيد بن حارثة وزيد بن حارثة كان مولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عبداً فأهدته إليه خديجة رضي الله عنها فأعتقه فصار مولى له وكان يلقب بحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أي حبيبه وابنه حب فأسامه حبه وابن حبه رضي الله عنهما ذكر أن إحدى بنات الرسول صلى الله عليه وسلم أرسلت إليه رسولاً تقول له إن ابنها قد احتضر أي حضره الموت وأنها تطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يحضر فبلغ الرسول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له مرها فلتصبر ولتحتسب فإن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى أمر الرسول الرسول بهذا قوله فلتصبر أي فلتحبس نفسها عن السخط وتتحمل المصيبة .
وقوله ولتحتسب أي تحتسب الأجر على الله بصبرها لأن الناس من يصبر ولا يحتسب يصبر على المصيبة ولا يتضجر لكنه ما يؤمل أجرها على الله فيفوته بذلك خير كثير لكن إذا صبر واحتسب الأجر على الله فهذا هو الاحتساب .
قوله: فإن لله ما أخذ وله ما أعطى هذه جملة عظيمة إذا كان الشيء كله لله إن أخذ منك شيئاً فهو ملكه وإن أعطاك شيئا فهو ملكه فكيف تسخط إذا أخذ منك ما يملكه هو .
عليك إذا أخذ الله منك شيئا محبوبا لك أن تقول هذا لله أن يأخذ ما شاء وله أن يعطي ما شاء .
ولهذا يسن للإنسان إذا أصيب بمصيبة أن يقول إنا لله وإنا إليه راجعون يعني نحن ملك لله يفعل بنا ما يشاء كذلك ما نحبه إذا أخذه من بين أيدينا فهو له عز وجل حتى الذي يعطيك أنت لا تملكه هو لله ولهذا لا يمكن أن تتصرف فيما أعطاك الله إلا على الوجه الذي أذن لك فيه وهذا دليل على أن ملكنا لما يعطينا الله ملك قاصر ما نتصرف فيه تصرفاً مطلقاً .
لو أراد الإنسان أن يتصرف في ماله تصرفاً مطلقا على وجه لم يأذن به الشرع قلنا له أمسك لا يمكن لأن المال مال الله كما قال سبحانه وآتوهم من مال الله الذي آتاكم فلا تتصرف فيه إلا على الوجه الذي أذن لك فيه .
ولهذا قال ولله ما أخذ وله ما أعطى فإذا كان لله ما أخذ فكيف نجزع وكيف نتسخط أن يأخذ المالك ما ملك هذا خلاف المعقول والمنقول .
قال وكل شيء عنده بأجل مسمى فكل شيء عنده بمقدار كما قال الله في القرآن الكريم { وكل شيء عنده بمقدار } بمقدار في زمانه ومكانه وذاته وصفاته وكل ما يتعلق به فهو عند الله مقدر وأجل مسمى أي معين فإذا أيقنت بهذا اقتنعت وهذه الجملة الأخيرة تعني أن الإنسان لا يمكن أن يغير المكتوب المؤجل لا بتقديم ولا بتأخير كما قال الله { لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } فإذا كان الشيء مقدرا لا يتقدم ولا يتأخر فلا فائدة من الجزع والتسخط لأنه وإن جزعت أو تسخطت لن تغير شيئاً من المقدور .
ثم إن الرسول أبلغ البنت أن ما أمره أن يبلغه إياها ولكنها أرسلت إليه تطلب أن يحضر فقام عليه الصلاة والسلام هو وجماعة من أصحابه فوصل إليها فرفع إليه الصبي ونفسه تتقعقع أي تضطرب تصعد وتنزل فبكى الرسول عليه الصلاة والسلام ودمعت عيناه فقال سعد بن عبادة - وكان معه وهو سيد الخزرج - ما هذا ؟ ظن أن الرسول صلى الله عليه وسلم بكى جزعاً فقال الرسول عليه الصلاة والسلام هذه رحمة أي بكيت رحمة بالصبي لا جزعا بالمقدور ثم قال عليه الصلاة والسلام إنما يرحم الله من عباده الرحماء في هذا دليل على جواز البكاء رحمة بالمصاب إذا رأيت مصابا في عقله أو بدنه فبكيت رحمة به فهذا دليل على أن الله جعل في قلبك رحمة وإذا جعل الله في قلب الإنسان رحمة كان من الرحماء الذين يرحمهم الله عز وجل نسأل الله أن يرحمنا وإياكم برحمته ففي هذا الحديث دليل على وجوب الصبر لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال مرها فلتصبر ولتحتسب وفيه دليل على أن هذه الصيغة من العزاء أفضل صيغة .
أفضل من قول بعض الناس أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك وغفر لميتك هذه صيغة اختارها بعض العلماء لكن الصيغة التي اختارها الرسول عليه الصلاة والسلام أفضل لأن المصاب إذا سمعها اقتنع أكثر .
والتعزية في الحقيقة ليست تهنئة كما ظنها بعض العوام يحتفل بها ويوضع لها الكراسي وتوضع لها الشموع ويحضر لها القراء والأطعمة لا التعزية تسلية وتقوية للمصاب أن يصبر ولهذا لو أن أحدا لم يصب بالمصيبة كما لو مات له ابن عم ولم يهتم به فإنه لا يعزي ولهذا قال العلماء تسن تعزية المصاب ولم يقولوا تسن تعزية القريب لأن القريب ربما لا يصاب بموت قريبه والبعيد يصاب لقوة صداقة بينهما مثلاً أما الآن مع الأسف انقلبت الموازين وصارت التعزية للقريب حتى وإن فرح وضرب الطبول لموت قريبه فإنه يعزى .
ربما يكون بعض الناس فقيراً وبينه وبين ابن عمه مشاكل كثيرة ومات ابن عمه وله ملايين الدراهم هل يفرح إذا مات ابن عمه في هذه الحال أو يصاب غالباً يفرح ويقول الحمد لله الذي فكنى من مشاكله وورثني ماله .
هذا لا يعزى هذا يهنأ لو أردنا أن نقول شيئا والله الموفق .


30 - وعن صهيب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كان ملك فيمن قبلكم وكان له ساحر فلما كبر قال للملك إني قد كبرت فابعث إلي غلاما أعلمه السحر فبعث إليه غلاما يعلمه وكان في طريقه إذا سلك راهب فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه وكان إذا أتى الساحر مر بالراهب وقعد إليه فإذا أتى الساحر ضربه فشكا ذلك إلى الراهب فقال إذا خشيت الساحر فقل حبسني أهلي وإذا خشيت أهلك فقل حبسني الساحر فبينما هو على ذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس فقال اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل .
فأخذ حجراً فقال اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس فرماها فقتلها ومضى الناس فأتى الراهب فأخبره فقال له الراهب أي بني أنت اليوم أفضل مني قد بلغ من أمرك ما أرى وإنك ستبتلى فإن ابتليت فلا تدل علي وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ويداوي الناس من سائر الأدواء فسمع جليس للملك كان قد عمي فأتاه بهدايا كثيرة فقال ما ههنا لك أجمع إن أنت شفيتني فقال إني لا أشفي أحداً إنما يشفي الله تعالى فإن آمنت بالله تعالى دعوت الله فشفاك فآمن بالله تعالى فشفاه الله تعالى فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس فقال له الملك من رد عليك بصرك قال ربي قال أولك رب غيري قال ربي وربك الله فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام فجيء بالغلام فقال له الملك أي بني قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والبرص وتفعل وتفعل فقال إني لا أشفي أحداً إنما يشفي الله تعالى فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب فجيء بالراهب فقيل له ارجع عن دينك فأبى فدعا بالمنشار فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه حتى وقع شقاه ثم جيء بجليس الملك فقيل له ارجع عن دينك فأبى فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه ثم جيء بالغلام فقيل له ارجع عن دينك فأبى فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا فاصعدوا به الجبل فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه فذهبوا به فصعدوا به الجبل فقال اللهم اكفنيهم بما شئت فرجف بهم الجبل فسقطوا وجاء يمشي إلى الملك فقال له الملك ما فعل أصحابك فقال كفانيهم الله تعالى فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال اذهبوا به فاحملوه في قرقور وتوسطوا به البحر فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه فذهبوا به فقال اللهم اكفنيهم بما شئت فانكفأت بهم السفينة فغرقوا وجاء يمشي إلى الملك فقال له الملك ما فعل أصحابك فقال كفانيهم الله تعالى فقال للملك إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به قال ما هو قال تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع ثم خذ سهما من كنانتي ثم ضع السهم في كبد القوس ثم قل بسم الله رب الغلام ثم ارمني فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني فجمع الناس في صعيد واحد وصلبه على جذع ثم أخذ سهماً من كنانته ثم وضع السهم في كبد القوس ثم قال بسم الله رب الغلام ثم رماه فوقع في صدغه فوضع يده في صدغه فمات فقال الناس آمنا برب الغلام فأتي الملك فقيل له أرأيت ما كنت تحذر قد والله نزل بك حذرك قد آمن الناس فأمر بالأخدود بأفواه السكك فخدت وأضرم فيها النيران وقال من لم يرجع عن دينه فاقحموه فيها أو قيل له اقتحم ففعلوا حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها فتقاعست أن تقع فيها فقال لها الغلام يا أمه اصبري فإنك على الحق رواه مسلم .
ذروة الجبل أعلاه وهي بكسر الذال المعجمة وضمها والقرقور بضم القافين نوع من السفن والصعيد هنا الأرض البارزة والأخدود الشقوق في الأرض كالنهر الصغير وأضرم أوقد وانكفأت أي انقلبت وتقاعست توقفت وجبنت .

الشَّرْحُ

هذا الحديث الذي ذكره المؤلف - رحمه الله تعالى - في باب الصبر فيه قصة عجيبة وهي أن رجلاً من الملوك فيمن سبق كان عنده ساحر اتخذه الملك بطانة من أجل أن يستخدمه في مصالحه ولو على حساب الدين لأن هذا الملك لا يهتم إلا بما فيه مصلحته وهو ملك مستبد قد عبد الناس لنفسه كما سيأتي في آخر الحديث .
هذا الساحر لما كبر قال للملك إني قد كبرت فابعث إلي غلاماً أعلمه السحر .
واختار الغلام لأن الغلام أقبل للتعليم ولأن التعليم للغلام الشاب هو الذي يبقى ولا ينسى ولهذا كان التعلم في الصغر خيرا بكثير من التعلم في الكبر وفي كل خير لكن التعلم في الصغر فيه فائدتان عظيمتان بل أكثر: الفائدة الأولى أن الشاب في الغالب أسرع حفظاً من الكبير لأن الشاب فارغ البال ليست عنده مشاكل توجب انشغاله .
وثانيا أن ما يحفظه الشاب يبقى وما يحفظه الكبير ينسى ولهذا كان من الحكمة الشائعة بين الناس إن العلم في الصغر كالنقش على الحجر لا يزول وفيه فائدة ثالثة وهي أن الشاب إذا ثقف العلم من أول الأمر صار العلم كالسجية له والطبيعة له وصار كأنه غريزة قد شب عليه فيشيب عليه .
فهذا الساحر ساحر كبير قد تقدمت به السن وجرب الحياة وعرف الأشياء فطلب من الملك أن يختار له شاباً غلاماً يعلمه السحر فبعث إليه غلاما فعلمه ما علمه ولكن الله تعالى قد أراد بهذا الغلام خيراً .
مر هذا الغلام يوماً من الأيام براهب فسمع منه فأعجبه كلامه لأن هذا الراهب - يعني العابد - عابد لله عز وجل لا يتكلم إلا بالخير وقد يكون راهباً عالما لكن تغلب عليه العبادة فسمي بما يغلب عليه من الرهبانية .
المهم أنه أعجبه وصار إذا خرج هذا الغلام من أهله جلس عند الراهب فتأخر على الساحر فجعل الساحر يضربه لماذا تتأخر فشكا الغلام إلى الراهب ما يجده من الساحر من الضرب إذا تأخر .
فلقنه الراهب أمراً يتخلص به قال إذا ذهبت إلى الساحر وخشيت أن يعاقبك فقل إن أهلي حبسوني أي تأخر عند أهله وإذا أتيت عند أهلك فقل إن الساحر حبسني، حتى تنجو من هذا ومن هذا وكأن الراهب والله أعلم أمره بذلك مع أنه كذب لعله رأى أن المصلحة في هذا تربو على مفسدة الكذب مع أنه يمكن أن يتأول .
ففعل فصار الغلام يأتي إلى الراهب ويسمع منه ثم يذهب إلى الساحر فإذا أراد أن يعاقبه على تأخره قال إن أهلي أخروني وإذا رجع إلى أهله وتأخر عند الراهب قال إن الساحر حبسني فمر ذات يوم بدابة عظيمة ولم يعين في الحديث ما هذه الدابة قد حبست الناس عن التجاوز فلا يستطيعون أن يتجاوزوها فأراد هذا الغلام أن يختبر هل الراهب خير له أم الساحر فأخذ حجراً ودعا الله سبحانه وتعالى إن كان أمر الراهب خيراً أن يقتل هذا الحجر هذه الدابة فرمى بالحجر فقتل الدابة فمشى الناس فعرف الغلام أن أمر الراهب خير من أمر الساحر وهذا أمر لا شك فيه لأن الساحر إما معتد ظالم وإما كافر مشرك فإن كان يستعين على سحره بالشياطين يتقرب إليهم ويعبدهم ويدعوهم ويستغيث بهم فهو كافر مشرك وإن كان لا يفعل هذا لكن يعتدي على الناس بأدوية فيها سحر فهذا ظالم معتد أما الراهب فإن كان يعبد الله على بصيرة فهو مهتد وإن كان عنده شيء من الجهل والضلال فنيته طيبة وإن كان عمله سيئاً .
المهم أن هذا الغلام أخبر الراهب بما جرى فقال له الراهب أنت اليوم خير مني وذلك لأن الغلام دعا الله فاستجاب الله له .
وهذا من نعمة الله على العبد أن الإنسان إذا شك في الأمر ثم طلب من الله آية تبين له شأن هذا الأمر فبينه الله له فإن هذا من نعمة الله عليه .
ومن هنا شرعت الاستخارة للإنسان إذا هم بالأمر وأشكل عليه هل في إقدامه خير أم في إحجامه خير فإنه يستخير الله وإذا استخار الله بصدق وإيمان فإن الله يعطيه على ما يستدل به على أن الخير في الإقدام أو الإحجام إما بشيء يلقيه في قلبه ينشرح صدره لهذا أو لهذا وإما برؤيا يراها في المنام وإما بمشورة أحد من الناس وإما بغيره .
المهم أن هذا الغلام كان من كراماته أنه يبرئ الأكمه والأبرص، يعني أنه يدعو لهم فيبرؤون، وهذا من كرامات الله له .
وليس كقصة عيسى ابن مريم يمسح صاحب العاهة فيبرأ بل هذا يدعو الله فيستجيب الله دعاءه، فيبرأ بدعائه الأكمه والأبرص .
وقد أخبر الراهب الغلام أنه سيبتلى يعني سيكون له محنة واختبار وطلب منه أن لا يخبر به إن هو ابتلي بشيء وكان هذا الغلام والله أعلم مستجاب الدعوة إذا دعا الله قبل منه وكان للملك جليس أعمى - لا يبصر - فأتى بهدايا كثيرة لهذا الغلام حين سمع عنه ما سمع وقال لك ما هاهنا أجمع - أي كله - إن أنت شفيتني فقال إنما يشفيك الله .
انظر إلى الإيمان لم يغتر بنفسه وادعى أنه هو الذي يشفي المرضى بل قال إنما يشفيك الله عز وجل .
يشبه هذا من بعض الوجوه ما جرى لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمة الله عليه - حينما جيء إليه برجل مصروع قد صرعه الجني فقرأ عليه الشيخ ولكنه لم يخرج فجعل شيخ الإسلام يضربه على رقبته ضرباً شديدا حتى أن يد الشيخ أوجعته من الضرب فتكلم الجني الذي في الرجل وقال أخرج كرامة للشيخ .
فقال له الشيخ: لا تخرج كرامة لي ولكن أخرج طاعة لله ورسوله لا يريد أن يكون له فضل بل الفضل لله أولاً وآخراً فخرج الجني وعندها استيقظ الرجل فقال ما الذي جاء بي إلى حضرة الشيخ لأنه حينما صدع يمكن أنه كان في بيته أو سوقه فقالوا سبحان الله ألم تحس بالضرب الذي كان يضربك قال ما أحسست به ولا أوجعني فأخبروه فبرئ الرجل .
الشاهد أن أهل العلم والإيمان لا ينسبون نعمة الله إليهم وإنما ينسبونها إلى موليها عز وجل وهو الله وقال له إن أنت آمنت دعوت الله لك فآمن الرجل فدعا الغلام ربه أن يشفيه فشفاه الله فأصبح مبصراً فجاء هذا الجليس إلى الملك وجلس عنده على العادة وأتى بالغلام وأخبره بالخبر وعذبه تعذيبا شديداً قال من الذي علمك بهذا الشيء وكان الراهب قد قال له إنك ستبتلى فإن ابتليت فلا تخبر عني ولكن لعله عجز عن الصبر فأخبر عن الراهب .
وكان هذا الملك بالجبار والعياذ بالله قد عذب هذا الجليس الأعمى الذي آمن بدعوة هذا الغلام عذبه تعذيباً شديداً حيث قال آمنت بالله قال أولك رب غيري - نعوذ بالله .
لما دلوا على الراهب جيء بالراهب والراهب عابد يعبد الله - فدعا إلى أن يقول هذا الملك هو ربه ولكنه أبى أن يرجع عن دينه .
فأتوا بالمنشار فنشروه من مفرق رأسه - نصف الجسم - فبدؤوا بالرأس ثم الرقبة ثم الظهر حتى انقسم قسمين - شقين شق هنا وشق هنا - ولكنه لم يثنه ذلك عن دينه أبى أن يرجع ورضي أن يقتل هذه القتلة ولا يرجع عن دينه ما شاء الله ثم جيء بالرجل الأعمى الذي كان جليساً عند الملك وآمن وكفر بالملك فدعي أن يرجع عن دينه فأبى ففعل به كما فعل بالراهب ولم يرده ذلك عن دينه وهذا يدل على أنه ينبغي للإنسان أن يصبر وأن يحتسب .
ولكن هل يجب على الإنسان أن يصبر على القتل أو يجوز أن يقول كلمة الكفر ولا تضره إذا كان مكرها ؟ هذا فيه تفصيل إن كانت المسألة تتعلق به نفسه فله الخيار إن شاء قال كلمة الكفر دفعا للإكراه مع طمأنينة القلب بالإيمان وإن شاء أصر وأبى ولو قتل هذا إذا كان الأمر عائداً إلى الإنسان بنفسه .
إما إذا كان الأمر يتعلق بالدين بمعنى أنه لو كفر ولو ظاهراً أمام الناس لكفر الناس فإنه لا يجوز له أن يقول كلمة الكفر بل يجب أن يصبر ولو قتل كالجهاد في سبيل الله المجاهد يقاتل ولو قتل لأنه يريد أن تكون كلمة الله هي العليا فإذا كان إماماً للناس وأجبر على أن يقول كلمة الكفر فإنه لا يجوز أن يقول كلمة الكفر لا سيما في زمن الفتنة بل عليه أن يصبر ولو قتل .
ومثل ذلك ما وقع للإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - حين امتحن المحنة العظيمة المشهورة على أن يقول إن القرآن مخلوق وليس كلام الله فأبى فأوذي وعزر حتى إنه يجر بالبغلة بالأسواق إمام أهل السنة يجر بالبغلة بالأسواق ويضرب بالسوط حتى يغشى عليه ولكنه كلما أفاق قال القرآن كلام ربي غير مخلوق .
وإنما لم يجز لنفسه أن يقول كلمة الكفر مع الإكراه لأن الناس ينتظرون ماذا يقول الإمام أحمد فلو قال القرآن مخلوق لصار كل الناس يقولون القرآن مخلوق وفسد الدين .
ولكنه رضي الله عنه جعل نفسه فداءً للدين ومع هذا صبر واحتسب وكانت العاقبة له ولله الحمد مات الخليفة ومات الخليفة الثاني الذي بعده وأتى الله بخليفة صالح أكرم الإمام أحمد إكراماً عظيما فما مات الإمام أحمد حتى أقر الله عينه بأن يقول الحق عالياً مرتفع الصوت ويقول الناس الحق معه .
وخذل أعداؤه ولله الحمد وهذا دليل على أن العاقبة للصابرين وهو كذلك، والله الموفق فأبى الغلام أن يرجع عن دينه فدفعه الملك إلى نفر من أصحابه أي جماعة من الناس وقال لهم اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا جبل معروف عندهم شاهق رفيع وقال لهم إذا بلغوا ذروته فاطرحوه يعني على الأرض ليقع من رأس الجبل فيموت بعد أن تعرضوا عليه أن يرجع عن دينه فإن رجع وإلا فاطرحوه فلما بلغوا به قمة الجبل فطلبوا منه أن يرجع عن دينه فأبى لأن الإيمان قد وقر في قلبه ولا يمكن أن يتحول أو يتزحزح فلما هموا أن يطرحوه قال اللهم اكفنيهم بما شئت دعوة مضطر مؤمن اللهم اكفنيهم بما شئت أي بالذي تشاء ولم يعين فرجف الله بهم الجبل فسقطوا وهلكوا وجاء الغلام إلى الملك فقال ما الذي جاء بك أين أصحابك فقال قد كفانيهم الله عز وجل ثم دفعه إلى جماعة آخرين وأمرهم أن يركبوا البحر في قرقور أي سفينة فإذا بلغوا لجة البحر عرضوا عليه أن يرجع عن دينه فإن لم يفعل رموه في البحر .
فلما توسطوا من البحر عرضوا عليه أن يرجع عن دينه وهو الإيمان بالله عز وجل فقال لا فقال اللهم اكفنيهم بما شئت فانقلبت السفينة وغرقوا وأنجاه الله ثم جاء إلى الملك فقال له أين أصحابك فأخبره بالخير ثم قال له إنك لست قاتلي حتى تفعل ما آمرك به قال وما هو قال تجمع الناس في صعيد واحد كل أهل البلد ثم تصلبني على جذع ثم تأخذ سهماً من كنانتي فتضعه في كبد القوس ثم ثم ترميني به وتقول بسم الله رب الغلام فإنك إن فعلت ذلك قتلتني .
فجمع الملك الناس في صعيد واحد وصلب الغلام وأخذ سهما من كنانته فوضعها في كبد القوس ثم رماه وقال بسم الله رب الغلام ثم رماه فأصابه السهم في صدغه فوضع .
يده عليه ومات فأصبح الناس يقولون آمنا برب الغلام وآمنوا بالله وكفروا بالملك وهذا هو الذي كان يريده هذا الغلام .
ففي هذه القطعة من الحديث دليل على مسائل أولاً على قوة إيمان هذا الغلام وأنه لم يتزحزح عن إيمانه ولم يتحول .
ثانياً فيه آية من آيات الله حيث أكرمه الله عز وجل بقبول دعوته فزلزل الجبل بالقوم الذين يريدون أن يطرحوه من رأس الجبل حتى سقطوا .
ثالثاً أن الله عز وجل يجيب دعوة المضطر إذا دعاه فإذا دعا الإنسان ربه في حال ضرورة موقناً أن الله يجيبه فإن الله تعالى يجيبه حتى الكفار إذا دعوا الله في حال الضرورة أجابهم الله مع أنه يعلم أنهم سيرجعون إلى الكفر إذا غشيهم موج كالظلل في البحر دعوا الله مخلصين له الدين فإذا نجاهم أشركوا فينجيهم لأنهم صدقوا في الرجوع إلى الله عند دعائهم وهو سبحانه يجيب المضطر ولو كان كافراً .
رابعاً أن الإنسان يجوز أن يغرر بنفسه في مصلحة عامة للمسلمين فإن هذا الغلام دل الملك على أمر يقتله به ويهلك به نفسه وهو أن يأخذ سهما من كنانته ..
إلخ قال شيخ الإسلام لأن هذا جهاد في سبيل الله آمنت أمة وهو لم يفتقد شيئاً لأنه مات وسيموت آجلاً أو عاجلاً فأما ما يفعله بعض الناس من الانتحار بحيث يحمل آلات متفجرة ويتقدم بها إلى الكفار ثم يفجرها إذا كان بينهم فإن هذا من قتل النفس والعياذ بالله .
ومن قتل نفسه فهو خالد مخلد في نار جهنم أبد الآبدين كما جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام لأن هذا قتل نفسه لا في مصلحة الإسلام لأنه إذا قتل نفسه وقتل عشرة أو مائة أو مائتين لم ينتفع الإسلام بذلك فلم يسلم الناس بخلاف قصة الغلام وهذا ربما يتعنت العدو أكثر ويوغر صدره هذا العمل حتى يفتك بالمسلمين أشد الفتك .
كما يوجد من صنع اليهود مع أهل فلسطين فإن أهل فلسطين إذا مات الواحد منهم بهذه المتفجرات وقتل ستة أو سبعة أخذوا من جراء ذلك ستين نفراً أو أكثر فلم يحصل في ذلك نفع للمسلمين ولا انتفاع للذين فجرت المتفجرات في صفوفهم .
ولهذا نرى أن ما يفعله بعض الناس من هذا الانتحار نرى أنه قتل للنفس بغير حق وأنه موجب لدخول النار والعياذ بالله وأن صاحبه ليس بشهيد لكن إذا فعل الإنسان هذا متأولاً ظاناً أنه جائز فإننا نرجوا أن يسلم من الإثم وأما أن تكتب له الشهادة فلا، لأنه لم يسلك طريق الشهادة ومن اجتهد وأخطأ فله أجر .


31 - وعن أنس رضي الله عنه قال مر النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة تبكي عند قبر فقال اتقي الله واصبري فقالت إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي ولم تعرفه فقيل لها إنه النبي صلى الله عليه وسلم فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين فقالت لم أعرفك فقال إنما الصبر عند الصدمة الأولى متفق عليه وفي رواية لمسلم تبكي على صبي لها

الشَّرْحُ

عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بامرأة وهي عند قبر صبي لها قد مات وكانت تحبه حباً شديداً فلم تملك نفسها أن تخرج إلى قبره لتبكي عنده فلما رآها الرسول صلى الله عليه وسلم أمرها بتقوى الله والصبر .
قال لها: اتقي الله واصبري فقالت له إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي إليك عني أي أبعد عني .
وهذا يدل على أن المصيبة قد بلغت منها مبلغاً عظيماً، فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم عنها .
ثم قيل لها إن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فندمت وجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بابه وليس على الباب بوابون أي ليس عنده أحد يمنع الناس من الدخول عليه فأخبرته وقالت إنني لم أعرفك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما الصبر عند الصدمة الأولى الصبر الذي يثاب عليه الإنسان هو أن يصبر أول ما تصيبه المصيبة هذا هو الصبر أما الصبر بعد ذلك فإن هذا ربما يكون تسلياً كما تتسلى البهائم فالصبر حقيقة أن الإنسان إذا صدم أول ما يصدم ويصبر ويحتسب ويحسن أن يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها .
ففي هذا الحديث عدة فوائد: أولاً حسن خلق الرسول عليه الصلاة والسلام ودعوته إلى الحق وإلى الخير فإنه لما رأى هذه المرأة تبكي عند القبر أمرها بتقوى الله والصبر .
ولما قالت إليك عني لم ينتقم لنفسه ولم يضربها ولم يقمها بالقوة لأنه عرف أنه أصابها من الحزن ما لا تستطيع أن تملك نفسها ولهذا خرجت من بيتها لتبكي على هذا القبر فإن قال قائل أليست زيارة القبور حراماً على النساء قلنا بلى هي حرام على النساء بل هي من كبائر الذنوب لأن الرسول عليه الصلاة والسلام لعن زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج لكن هذه لم تخرج للزيارة وإنما خرجت لما في قلبها من لوعة فراق هذا الصبي والحزن الشديد لم تملك نفسها أن تأتي ولهذا عذرها النبي عليه الصلاة والسلام ولم يقمها بالقوة ولم يجبرها أن ترجع إلى بيتها .
ومن فوائد هذا الحديث أن الإنسان يعذر بالجهل سواء أكان جهلاً بالحكم الشرعي أم جهلاً بالحال فإن هذه المرأة قالت للرسول صلى الله عليه وسلم إليك عني وقد أمرها بالخير والتقوى والصبر ولكنها لم تعرف أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلهذا عذرها الرسول عليه الصلاة والسلام .
ومنها أنه لا ينبغي للإنسان المسؤول عن حوائج المسلمين أن يجعل على بيته بواباً يمنع الناس إذا كان الناس يحتاجون إليه إلا إذا كان الإنسان يخشى من كثرة الناس وإرهاق الناس وإشغال الناس عن شيء يمكن أن يتداركوا شغلهم في وقت آخر فلهذا لا بأس به .
وما جعل الاستئذان إلا من أجل النظر كما في الحديث وإلا من أجل أن الإنسان يتصرف في بيته في إدخال من شاء ومنع من شاء .
ومن فوائده أن الصبر الذي يحمد فاعله الصبر عند الصدمة الأولى يصبر الإنسان ويحتسب ويعلم أن لله ما أخذ وله ما أعطى وأن كل شيء عنده بأجل مسمى .
ومنها أن البكاء عند القبر ينافي الصبر ولهذا قال لها الرسول صلى الله عليه وسلم اتقي الله واصبري .
ويوجد من الناس من يبتلى فإذا مات له ميت صار يتردد على قبره ويبكي عنده وهذا ينافي الصبر بل نقول إن شئت أن تنفع الميت فادع الله وأنت في بيتك ولا حاجة أن تتردد على القبر لأنه يجعل الإنسان يتخيل هذا الميت دائماً في ذهنه ولا يغيب عنه وحينئذ لا ينسى المصيبة أبداً مع أن الأفضل للإنسان أن يتلهى وأن ينسى المصيبة بقدر ما يستطيع والله الموفق .


32 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يقول الله تعالى ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة رواه البخاري .

الشَّرْحُ

هذا الحديث يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن الله ويسمي العلماء - رحمهم الله - هذا القسم من الحديث، الحديث القدسي لأن الرسول صلى الله عليه وسلم رواه عن الله .
والصفي من يصطفيه الإنسان ويختاره من ولد، وأخ أو عم أو أب أو أم أو صديق المهم أن ما يصطفيه الإنسان ويختاره ويرى أنه ذو صلة منه قوية إذا أخذه الله عز وجل ثم احتسبه الإنسان، فليس له جزاء إلا الجنة .
ففي هذا دليل على فضيلة الصبر على قبض الصفي من الدنيا وأن الله عز وجل يجازي الإنسان إذا احتسب يجازيه الجنة .
وفيه دليل على فضل الله سبحانه وتعالى وكرمه على عباده فإن الملك ملكه والأمر أمره وأنت وصفيك كلاكما لله عز وجل ومع ذلك إذا قبض الله صفي الإنسان واحتسب فإن له هذا الجزاء العظيم .
وفي هذا الحديث أيضاً من الفوائد الإشارة إلى أفعال الله من قوله إذا قبضت صفيه ولا شك أن الله سبحانه فعال لما يريد ولكن يجب علينا أن نعلم أن فعل الله كله خير لا ينسب الشر إلى الله أبداً والشر إذا وقع فإنما يقع في المفعولات ولا يقع في الفعل .
فمثلاًَ إذا قدر الله على الإنسان ما يكره فلا شك أن ما يكره الإنسان بالنسبة إليه شر لكن الشر في هذا القدر لا في تقدير الله لأن الله لا يقدره إلا لحكمة عظيمة إما للمقدر عليه وإما لعامة الخلق .
أحياناً تكون الحكمة خاصة في المقدر عليه وأحياناً في الخلق على سبيل العموم .
المقدر عليه إذا قدر الله عليه شراً وصبر واحتسب نال بذلك خيراً، إذا قدر الله عليه شراً ورجع إلى ربه بسبب هذا الأمر لأن الإنسان إذا كان في نعمة دائماً قد ينسى شكر المنعم عز وجل ولا يلتفت إلى الله فإذا أصيب بالضراء تذكر ورجع إلى ربه سبحانه وتعالى ويكون في ذلك فائدة عظيمة له .
أما بالنسبة للآخرين فإن هذا المقدر على الشخص إذا ضره قد ينتفع به الآخرون .
ولنضرب لذلك مثلاً برجل عنده بيت من الطين فأرسل الله مطراً غزيراً دائماً فإن صاحب هذا البيت يتضرر لكن المصلحة العامة للناس مصلحة ينتفعون بها .
صار هذا شراً على شخص وخيراً للآخرين ومع ذلك فكونه شراً لهذا الشخص أمر نسبي إذ أنه شر من وجه لكنه خير له من وجه آخر فيتعظ به ويعلم أن الملجأ هو الله عز وجل لا ملجأ إلا إليه فيستفيد من هذا فائدة أكبر مما حصل له من المضرة .
المهم أن المؤلف ذكر هذا الحديث في باب الصبر لأن فيه فائدة عظيمة فيما إذا صبر الإنسان على قبض صفيه أنه ليس له جزاء إلا الجنة والله الموفق


33 - وعن عائشة رضي الله عنها أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون فأخبرها أنه كان عذاباً يبعثه الله تعالى على من يشاء فجعله الله تعالى رحمة للمؤمنين فليس من عبد يقع في الطاعون فيمكث في بلده صابراً محتسبا يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد رواه البخاري


34 - وعن أنس رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله عز وجل قال إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة يريد عينيه رواه البخاري .

الشَّرْحُ

نقل المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله من الأحاديث الواردة في الصبر حديث عائشة وحديث أنس بن مالك رضي الله عنه أما حديث عائشة فإن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر أن الطاعون رجس أي عذاب أرسله الله سبحانه وتعالى من يشاء من عباده .
والطاعون قيل إنه وباء معين وقيل إنه كل وباء عام يحل بالأرض فيصيب أهلها ويموت الناس منه .
وسواء كان معيناً أم كل وباء عام مثل الكوليرا وغيرها فإن هذا الطاعون رجس عذاب أرسله الله عز وجل ولكنه رحمة للمؤمن إذا نزل بأرضه وبقي فيها صابراً محتسباً يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له فإن الله يكتب له مثل أجر الشهيد ولهذا جاء في الحديث الصحيح عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه إذا وقع الطاعون في أرض فإننا لا نقدم عليها لأن الإقدام عليها إلقاء بالنفس إلى التهلكة ولكنه إذا وقع في أرض فإننا لا نخرج منها فراراً منه لأنك مهما فررت من قدر الله إذا نزل بالأرض فإن هذا الفرار لن يغني عنك من الله شيئاً .
واذكر القصة التي قصها الله علينا في الذين خرجوا من ديارهم حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم ليبين لهم أنه لا مفر من قضاء الله إلا إلى الله .
خرجوا من ديارهم وهم ألوف - قال بعض العلماء في تفسير الآية إنه نزل في الأرض وباء فخرجوا منها فقال لهم الله موتوا فماتوا ثم أحياهم حتى يتبين لهم أنه لا مفر من الله إلا إليه .
ففي حديث عائشة رضي الله عنها دليل على فضل الصبر والاحتساب وأن الإنسان إذا صبر نفسه في الأرض التي نزل فيها الطاعون ثم مات به كتب الله له مثل أجر الشهيد .
وذلك أن الإنسان إذا نزل الطاعون في أرضه فإن الحياة غالية عند الإنسان سوف يهرب يخاف من الطاعون فإذا صبر وبقي واحتسب الأجر وعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له ثم مات به فإنه يكتب له مثل أجر الشهيد وهذا من نعمة الله عز وجل .
أما حديث أنس بن مالك رضي الله عنه ففيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال عن ربه تبارك وتعالى إنه ما من إنسان يقبض الله حبيبتيه يعني عينيه فيعمى ثم يصبر إلا عوضه الله بهما الجنة لأن العين محبوبة للإنسان فإذا أخذهما الله سبحانه وتعالى وصبر الإنسان واحتسب فإن الله يعوضه بهما الجنة .
والجنة تساوي كل الدنيا بل قد قال النبي صلى الله عليه وسلم لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها أي مقدار متر لأن ما في الآخرة باق لا يفنى ولا يزول والدنيا كلها فانية زائلة فلهذا كانت هذه المساحة القليلة من الجنة خيراً من الدنيا وما فيها .
واعلم أن الله سبحانه إذا قبض من الإنسان حاسة من حواسه فإن الغالب أن الله يعوضه في الحواس ما يخفف عليه ألم فقد هذه الحاسة التي فقدها .
فالأعمى يمن عليه بقوة الإحساس والإدراك حتى أن بعض الناس إذا كان أعمى تجده في السوق يمشي وكأنه مبصر يحس بالمنعطفات في الأسواق ويحس بالمنحدرات وبالمرتفعات حتى أن بعضهم يتفق مع صاحب السيارة - سيارة الأجرة - يركب معه من أقصى البلد إلى بيته وهو يقول لصاحب السيارة تيامن تياسر حتى يوقفه عند بابه لأن صاحب السيارة لا يعرف البيت والله الموفق .


35 - وعن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس رضي الله عنهما ألا أريك امرأة من أهل الجنة فقلت بلى قال هذه المرأة السوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إني أصرع وإني أتكشف فادع الله تعالى لي قال إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت دعوت الله تعالى أن يعافيك فقالت أصبر فقالت إني أتكشف فادع الله أن لا أتكشف فدعا لها متفق عليه .

الشَّرْحُ

قوله ألا أريك امرأة من أهل الجنة يعرض عليه وذلك لأن أهل الجنة ينقسمون إلى قسمين قسم نشهد لهم بالجنة بأوصافهم وقسم نشهد لهم بالجنة بأعيانهم .
1 - أما الذين نشهد لهم بالجنة بأوصافهم فكل مؤمن لك متق فإننا نشهد له أنه من أهل الجنة .
كما قال الله سبحانه وتعالى في الجنة أعدت للمتقين وقال { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً } فكل مؤمن متق يعمل الصالحات فإننا نشهد أنه من أهل الجنة .
ولكن لا نقول هو فلان وفلان لأننا لا ندري ما يختم له ولا ندري هل باطنه كظاهره فلذلك لا نشهد له بعينه .
نقول مثلا إذا مات رجل مشهود له بالخير قلنا نرجوا أن يكون من أهل الجنة لكن ما نشهد أنه من أهل الجنة .
2 - قسم آخر نشهد له بعينه وهم الذين شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم في الجنة مثل العشرة المبشرين بالجنة وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسعيد بن زيد وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وطلحة بن عبيد الله وأبو عبيدة عامر بن الجراح والزبير بن العوام ومثل ثابت بن قيس بن شماس ومثل سعد بن معاذ رضي الله عنه ومثل عبد الله بن سلام ومثل بلال بن رباح وغيرهم ممن عينهم الرسول عليه الصلاة والسلام .
هؤلاء نشهد لهم بأعيانهم نقول نشهد بأن أبا بكر في الجنة ونشهد بأن عمر في الجنة وهكذا .
من ذلك هذه المرأة التي قال ابن عباس لتلميذه عطاء بن أبي رباح ألا أريك امرأة من أهل الجنة قلت بلى قال هذه المرأة السوداء امرأة سوداء لا قيمة لها في المجتمع كانت تصرع وتنكشف فأخبرت الرسول عليه الصلاة والسلام وسألته أن يدعو الله لها فقال لها إن شئت دعوت الله وإن شئت صبرت ولك الجنة قالت أصبر وإن كانت تتألم وتتأذى من الصرع لكنها صبرت من أجل أن تكون من أهل الجنة ولكنها قالت يا رسول الله إني أتكشف فادع الله أن لا أتكشف فدعا الله أن لا تتكشف فصارت تصرع ولا تتكشف .
والصرع نعوذ بالله منه نوعان 1 - صرع بسبب تشنج الأعصاب وهذا مرض عضوي يمكن أن يعالج من قبل الأطباء بإعطاء العقاقير التي تسكنه أو تزيله بالمرة 2 - وقسم آخر بسبب الشياطين والجن يتسلط الجني على الإنسي فيصرعه ويدخل فيه ويضرب به على الأرض ويغمى عليه من شدة الصرع ولا يحس ويتلبس الشيطان أو الجني بنفس الإنسان ويبدأ يتكلم على لسانه الذي يسمع الكلام يقول إن الذي يتكلم الإنسي ولكنه الجني ولهذا تجد في بعض كلامه الاختلاف لا يكون ككلامه وهو مستيقظ لأنه يتغير نطق الجني .
هذا النوع من الصرع نسأل الله أن يعيذنا وإياكم منه ومن غيره من الآفات هذا النوع علاجه بالقراءة من أهل العلم والخير أحياناً يخاطبهم الجني ويتكلم معهم ويبين السبب الذي جعله يصرع هذا الإنسي وأحياناً لا يتكلم وقد ثبت هذا أعني صرع الجني للإنسي بالقرآن والسنة والواقع .
ففي القرآن قال الله سبحانه { الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس } وهذا دليل على أن الشيطان يتخبط الإنسان من المس وهو الصرع .
وفي السنة روى الإمام أحمد في مسنده أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان في سفر من أسفاره فمر بامرأة معها صبي يصرع فأتت به إلى النبي عليه الصلاة والسلام وخاطب الجني وتكلم معه وخرج الجني فأعطت أم الصبي الرسول صلى الله عليه وسلم هدية على ذلك وكان أهل العلم أيضا يخاطبون الجني في المصروع ويتكلمون معه ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله .
ذكر ابن القيم وهو تلميذه أنه جيء إليه برجل مصروع فجعل يقرأ عليه ويخاطبه ويقول لها اتقي الله اخرجي - لأنها امرأة - فتقول له إني أريد هذا الرجل وأحبه فقال لها شيخ الإسلام لكنه لا يحبك اخرجي قالت إني أريد أن أحج به قال هو لا يريد أن تحجي به اخرجي فأبت فجعل يقرأ عليها ويضرب الرجل ضرباً عظيما حتى أن يد شيخ الإسلام أوجعته من شدة الضرب .
فقالت الجنية أنا أخرج كرامة للشيخ قال لا تخرجي كرامة لي اخرجي طاعة لله ورسوله فما زال بها حتى خرجت .
لما خرجت استيقظ الرجل فقال ما الذي جاء بي إلى حضرة الشيخ قالوا سبحان الله أما أحسست بالضرب الذي كان يضربك أشد ما يكون قال ما أحسست بالضرب ولا أحسست بشيء والأمثل على هذا كثيرة .
هذا النوع من الصرع له علاج يدفعه وله علاج يرفعه .
فهو نوعان 1 - أما دفعه فبأن يحرص الإنسان على الأوراد الشرعية الصباحية والمسائية وهي معروفة في كتب أهل العلم منها آية الكرسي فإن من قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح .
ومنها سورة الإخلاص والفلق والناس ومنها أحاديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام فليحرص الإنسان عليها صباحاً ومساء فإن ذلك من أسباب دفع آذية الجن .
2 - وأما الرفع فهو إذا وقع بالإنسان فإنه يقرأ عليه آيات من القرآن فيها تخويف وتذكير واستعاذة بالله عز وجل حتى يخرج .
الشاهد من هذا الحديث قول الرسول صلى الله عليه وسلم لهذه المرأة إن شئت صبرت ولك الجنة فقالت أصبر ففيه دليل على فضيلة الصبر وأنه سبب لدخول الجنة والله الموفق


36 - وعن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبياً من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه يقول اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون متفق عليه .

الشَّرْحُ

هذا الحديث يحكي الرسول صلى الله عليه وسلم فيه شيئاً مما جرى للأنبياء عليهم الصلاة والسلام والأنبياء كلفهم الله بالرسالة لأنهم أهل لها كما قال الله تعالى الله أعلم حيث يجعل رسالته فهم أهل لها في التحمل والتبليغ والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على ذلك .
وكان الرسل عليهم الصلاة والسلام يؤذون بالقول والفعل وربما بلغ الأمر إلى قتلهم وقد بين الله ذلك في كتابه حيث قال لنبيه { ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى آتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء فتأتيهم بآية } أي إن استطعت أن تفعل ذلك فافعل { ولو شاء الله لجمعهم على الهدى } ولكن لحكمة اقتضت أن يكذبوك حتى يتبين الحق من الباطل بعد المصارعة والمجادلة { فلا تكونن من الجاهلين } حكى نبينا صلى الله عليه وسلم عن نبي من الأنبياء أن قومه ضربوه ولم يضربوه إلا حيث كذبوه حتى أدموا وجهه فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون .
هذا غاية ما يكون من الصبر لأن الإنسان لو ضرب على شيء من الدنيا لاستشاط غضباً وانتقم ممن ضربه وهذا يدعوا إلى الله ولا يتخذ على دعوته أجراً مع هذا يضربونه حتى يدموا وجهه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون .
وهذا الذي حدثنا به الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحدثنا به عبثا أو لأجل أن يقطع الوقت علينا بالحديث وإنما حدثنا بذلك من أجل أن نتخذ به عبرة نسير عليها كما قال سبحانه { لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب } العبرة من هذا أن نصبر على ما نؤذي به من قول أو فعل في سبيل الدعوة إلى الله وأن نقول متمثلين
هل أنت إلا إصبع دميت ...
وفي سبيل الله ما لقيت
وأن نصبر على ما يصيبنا مما نسمعه أو ينقل إلينا مما يقال فينا بسبب الدعوة إلى الله وأن نرى أن هذا رفعة لدرجاتنا وتكفير لسيئاتنا فعسى أن يكون في دعوتنا خلل من نقص في الإخلاص أو من كيفية الدعوة وطريقها فيكون هذا الأذى الذي نسمع يكون كفارة لما وقع منا لأن الإنسان مهما عمل فهو ناقص لا يمكن أن يكمل عمله أبداً إلا أن يشاء الله فإذا أصيب وأوذي في سبيل الدعوة إلى الله فإن هذا من باب تكميل دعوته ورفعة درجته وليحتسب ولا ينكص على عقبيه لا يقول لست بملزم أنا أصابني الأذى أنا تعبت بل الواجب الصبر الدنيا ليست طويلة أيام ثم تزول فاصبر حتى يأتي الله بأمره وفي قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحكي لنا فيه دليل على أن المحدث أو المخبر يخبر بما يؤيد ضبطه للخبر والحديث وهو أمر شائع عند جميع الناس يقول كأني أنظر إلى فلان وهو يقول كذا وكذا أي إني ضبطت القصة فإذا استعمل الإنسان مثل هذا الأسلوب لتثبيت ما يحدث به فله في ذلك أسوة من السلف الصالح رضي الله عنه والله الموفق


37 - وعن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه متفق عليه و الوصب المرض


38 - وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوعك فقلت يا رسول الله إنك توعك وعكاً شديداً قال أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم قلت ذلك أن لك أجرين قال أجل ذلك كذلك ما من مسلم يصيبه أذى شوكة فما فوقها إلا كفر الله بها سيئاته وحطت عنه ذنوبه كما تحط الشجرة ورقها متفق عليه و الوعك مغث الحمى وقيل الحمى .

الشَّرْحُ

في حديث أبي سعيد وأبي هريرة وابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين فيه دليل على أن الإنسان يكفر عنه بما يصيبه من الهم والنصب والغم وغير ذلك وهذا من نعمة الله سبحانه وتعالى يبتلي سبحانه وتعالى عبده بالمصائب وتكون تكفيراً لسيئاته وحطا لذنوبه والإنسان في هذه الدنيا لا يمكن أن يبقى مسروراً دائما بل هو يوم يسر ويوم يحزن ويوم يأتيه شيء ويوم لا يأتيه فهو مصاب بمصائب في نفسه ومصائب في بدنه ومصائب في مجتمعه ومصائب في أهله ولا تحصى المصائب التي تصيب الإنسان ولكن المؤمن أمره كله خير إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له وإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له فإذا أصبت بالمصيبة فلا تظن أن هذا الهم الذي يأتيك أو هذا الألم الذي يأتيك ولو كان شوكة لا تظن أنه يذهب سدى بل ستعوض عنه خيراً منه ستحط عنك الذنوب كما تحط الشجرة ورقها وهذا من نعمة الله .
وإذا زاد الإنسان على ذلك الصبر الاحتساب أي احتساب الأجر كان له مع هذا أجر فالمصائب تكون على وجهين: 1 - تارة إذا أصيب الإنسان تذكر الأجر واحتسب هذه المصيبة على الله فيكون فيها فائدتان تكفير الذنوب وزيادة الحسنات .
2 - وتارة يغفل عن هذا فيضيق صدره ويغفل عن نية الاحتساب والأجر على الله فيكون في ذلك تكفير لسيئاته إذا هو رابح على كل حال في هذه المصائب التي تأتيه فإما أن يربح تكفير السيئات وحط الذنوب بدون أن يحصل له أجر لأنه لم ينو شيئاً ولم يصبر ولم يحتسب الأجر وإما أن يربح شيئين كما تقدم .
ولهذا ينبغي للإنسان إذا أصيب ولو بشوكة فليتذكر الاحتساب من الله على هذه المصيبة وهذا من نعمة الله سبحانه وتعالى وجوده وكرمه حيث يبتلي المؤمن ثم يثيبه على هذه البلوى أو يكفر عنه سيئاته فالحمد لله رب العالمين .


39 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يرد الله به خيراً يصب منه رواه البخاري وضبطوا يصب بفتح الصاد وكسرها .


40 - وعن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتمنين أحدكم الموت لضر أصابه فإن كان لا بد فاعلا فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي متفق عليه

الشَّرْحُ

ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في حديثين عن أبي هريرة وأنس بن مالك رضي الله عنهما في ثواب الصبر والاحتساب وأن الإنسان يجب عليه أن يصبر وأن يتحمل .
أما حديث أبي هريرة فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قال من يرد الله به خيرا يصب منه ويصب قرأت على وجهين بفتح الصاد يصب وكسرها يصب وكلاهما صحيح أما يصب منه فالمعنى أن الله يقدر عليه المصائب حتى يبتليه بها أيصبر أم يضجر أما يصب منه فهي أعم أي يصاب من الله ومن غيره ولكن هذا الحديث المطلق مقيد بأحاديث أخرى تدل على أن المراد: من يرد الله به خيرا فيصبر ويحتسب فيصيب الله منه حتى يبلوه .
أما إذا لم يصبر فإنه قد يصاب الإنسان ببلايا كثيرة وليس فيها خير ولم يرد الله به خيرا فالكفار يصابون بمصائب كثيرة ومع هذا يبقون على كفرهم حتى يموتوا عليه وهؤلاء بلا شك لم يرد الله بهم خيراً لكن المراد من يصبر على هذه المصائب فإن ذلك من الخير له لأنه سبق أن المصائب يكفر بها الذنوب ويحط بها الخطايا ومن المعلوم أن تكفير الذنوب والسيئات وحط الخطايا لا شك أنه خير للإنسان لأن المصائب غاية ما فيها أنها مصائب دنيوية تزول بالأيام كلما مضت الأيام خففت عليك المصيبة لكن عذاب الآخرة باق والعياذ بالله فإذا كفر الله عنك بهذه المصائب صار ذلك خيراً لك أما الثاني فهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى أن يتمنى الإنسان لضر نزل به وذلك أن الإنسان ربما ينزل به ضر يعجز عن التحمل ويتعب فيتمنى الموت، يقول يا رب أمتني سواء قال ذلك بلسانه أو بقلبه فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك لأنه قد يكون خيراً له هذا الضر ولكن إذا أصبت بضر فقل اللهم أعني على الصبر عليه حتى يعينك الله فتصبر ويكون ذلك لك خيراً أما أن تتمنى الموت فأنت لا تدري ربما يكون الموت شراً عليك لا يحصل به راحة فليس كل موت راحة كما قال الشاعر:
ليس من مات فاستراح بميت ...
إنما الميت ميت الأحياء
الإنسان ربما يموت إلى عقوبة وعذاب قبر وإذا بقي في الدنيا فربما يستعتب ويتوب ويرجع إلى الله فيكون خيرا له .
المهم أنه إذا نزل بك ضر فلا تتمن الموت وإذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام نهى أن يتمنى الإنسان الموت للضر الذي نزل به فكيف بمن يقتل نفسه إذا نزل به الضر كما يوجد من بعض الحمقى الذين إذا نزلت بهم المضائق خنقوا أنفسهم أو نحروها أو أكلوا سما وما أشبه ذلك فإن هؤلاء ارتحلوا من عذاب إلى أشد منه فلم يستريحوا انتقلوا من عذاب إلى أشد لأن الذي يقتل نفسه يعذب بما قتل به نفسه في نار جهنم خالداً فيها أبداً كما جاء ذلك عن الرسول صلى الله عليه وسلم إن قتل نفسه بحديدة - خنجر أو سكين أو مسمار أو غيره - فإنه يوم القيامة في جهنم يطعن نفسه بهذه الحديدة التي قتل بها نفسه .
إن قتل نفسه بسم فإنه يتحساه في نار جهنم إن قتل نفسه بالتردي من جبل فإنه ينصب له جبل في جهنم يتردى منه أبد الآبدين وهلم جراً فأقول إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتمنى الإنسان الموت لضر نزل به فإن أعظم من ذلك أن يقتل الإنسان نفسه ويبادر الله بنفسه نسأل الله العافية .
ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام لما نهى عن شيء كان من عادته إذا كان له بديل من المباح أن يذكر بديله من المباح اقتداءً بالرب عز وجل قال الله سبحانه يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا فلما نهى الله عن كلمة راعنا بين لنا الكلمة المباحة قال وقولوا انظرنا .
ولما جيء إلى الرسول عليه الصلاة والسلام بتمر جيد استنكره وقال أكل تمر خيبر هكذا قالوا لا ولكنا نشتري الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة قال لا تفعل لكن بع التمر - يعني الرديء - بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيباً أي اشتر الجنيب وهو من أعلى أنواع التمر فلما منعه بين الوجه المباح .
هنا قال: لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به فإن كان لا بد فاعلا فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي وتوفني إذا علمت الوفاة خيراً لي فتح لك الباب لكنه باب سليم لأن تمني الموت يدل على ضجر الإنسان وعدم صبره على قضاء الله لكن هذا الدعاء يكل الإنسان فيه أمره إلى الله لأن الإنسان لا يعلم الغيب فيكل الأمر إلى عالمه عز وجل .
وتمني الموت استعجال من الإنسان بأن يقطع الله حياته وربما يحرمه من خير كثير، ربما يحرمه من التوبة وزيادة الأعمال الصالحة، ولهذا جاء في الحديث: ما من ميت يموت إلا ندم فإن كان محسناً ندم أن لا يكون ازداد، وإن كان مسيئاً ندم أن لا يكون استعتب أي استعتب من ذنبه وطلب العتبة وهي المعذرة، فإن قال قائل كيف يقول: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي وتوفني ما علمت الوفاة خيراً لي ؟ نقول نعم لأن الله سبحانه يعلم ما سيكون أما الإنسان فلا يعلم كما قال الله: { قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله } { وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي تموت } فأنت لا تدري قد تكون الحياة خيراً لك وقد تكون الوفاة خيراً لك .
ولهذا ينبغي للإنسان إذا دعا لشخص بطول العمر أن يقيد هذا فيقول أطال الله بقاءك على طاعته، حتى يكون في طول بقائه خير، فإن قال قائل إنه قد جاء تمني الموت من مريم ابنة عمران حيث قالت { يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسياً } فكيف وقعت فيما فيه النهي ؟ فالجواب عن ذلك أن نقول أولاً يجب أن نعلم أن شرع من قبلنا إذا ورد شرعنا بخلافه فليس بحجة، لأن شرعنا نسخ كل ما سبقه من الأديان .
ثانياً: أمر مريم لم تتمن الموت لكنها تمنت الموت قبل هذه الفتنة ولو بقيت ألف سنة ولم تتمن استعجال الموت .
المهم أن تموت بلا فتنة ومثله قول يوسف عليه الصلاة والسلام { أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلماً وألحقني بالصالحين } ليس معناه سؤال الله أن يتوفاه بل هو يسأل أن يتوفاه الله على الإسلام، وهذا لا بأس به كأن تقول اللهم توفني على الإسلام وعلى الإيمان وعلى التوحيد والإخلاص أو توفني وأنت راض عني وما أشبه ذلك فيجب معرفة الفرق بين شخص يتمنى الموت من ضيق نزل به وبين شخص يتمنى الموت على صفة معينة يرضاها الله عز وجل .
فالأول: هو الذي نهى عنه الرسول عليه الصلاة والسلام .
والثاني: جائز .
وإنما نهى الرسول عليه الصلاة والسلام عن تمني الموت لضر نزل به لأن من تمنى الموت لضر نزل به ليس عنده صبر والواجب أن يصبر الإنسان على الضر وأن يحتسب الأجر من الله عز وجل، فإن الضرر الذي يصيبك من هم أو غم أو مرض أو أي شيء مكفر لسيئاتك فإن احتسبت الأجر كان رفعة لدرجاتك وهذا الذي ينال الإنسان من الأذى والمرض وغيره لا يدوم ولا بد أن ينتهي فإذا انتهى وأنت تكسب حسنات باحتساب الأجر على الله عز وجل ويكفر عنك من سيئاتك بسببه صار خيراً لك كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له وإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له فالمؤمن على كل حال هو في خير في ضراء أو في سراء


41 - وعن أبي عبد الله خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا ؟ فقال قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون رواه البخاري .
وفي رواية وهو متوسد بردة وقد لقينا من المشركين شدة

الشَّرْحُ

حديث أبي عبد الله خباب بن الأرت رضي الله عنه يحكي ما وجده المسلمون من الأذية من كفار قريش في مكة فجاؤوا يشكون إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فبين النبي عليه الصلاة والسلام أن من كان قبلنا ابتلي في دينه أعظم مما ابتلي به هؤلاء يحفر له حفرة ثم يلقى فيها ثم يؤتى بالمنشار على مفرق رأسه ويشق، وأيضا يمشط بأمشاط الحديد ما بين جلده وعظمه وهذا تعزير عظيم وأذية عظيمة .
ثم أقسم عليه الصلاة والسلام أن الله سبحانه سيتم هذا الأمر يعني سيتم ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام من دعوة الإسلام حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون أي فاصبروا وانتظروا الفرج من الله فإن الله سيتم هذا الأمر وقد صار الأمر كما أقسم عليه الصلاة والسلام ففي هذا الحديث آية من آيات الله حيث وقع الأمر مطابقاً لما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام .
وآية من آيات النبي عليه الصلاة والسلام حيث صدقه الله بما أخبر به وهذه شهادة له من الله بالرسالة كما قال الله لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيداً وفيه أيضاً دليل على وجوب الصبر على أذية أعداء المسلمين وإذا صبر الإنسان ظفر فالواجب على الإنسان أن يقابل ما يحصل من أذية الكفار بالصبر والاحتساب وانتظار الفرج ولا يظن الأمر ينتهي بسرعة وينتهي بسهولة .
قد يبتلي الله عز وجل المؤمنين بالكفار يؤذنهم وربما يقتلونهم كما قتلوا الأنبياء .
اليهود من بني إسرائيل قتلوا الأنبياء الذين هم أعظم من الدعاة وأعظم من المسلمين، فليصبر ولينتظر الفرج ولا يمل ولا يضجر بل يبقى راسيا كالصخرة والعاقبة للمتقين والله تعالى مع الصابرين .
فإذا صبر وثابر وسلك الطرق توصل إلى المقصود ولكن بدون فوضى وبدون استنفار وبدون إثارة بطريق منظمة لأن أعداء المسلمين من المنافقين والكفار يمشون على خطا ثابتة منظمة ويحصلون مقصودهم .
أما السطحيون الذين تأخذهم العواطف حتى يثوروا ويستنفروا فإنه قد يفوتهم شيء كثير وربما حصل منهم زلة تفسد كل ما بنوا إن كانوا قد بنوا شيئاً .
لكن المؤمن يصبر ويتئد ويعمل بتؤده ويوطن نفسه ويخطط تخطيطاً منظماً يقضي به على أعداء الله من المنافقين والكفار ويفوت عليهم الفرص لأنهم يتربصون الدوائر بأهل الخير يريدون أن يثيروهم حتى إن حصل من بعضهم ما يحصل حينئذ استعلوا عليهم وقالوا هذا الذي نريد وحصل بذلك شر كبير .
فالرسول عليه الصلاة والسلام قال لأصحابه اصبروا فالمؤمن فيمن قبلكم - وأنتم أحق بالصبر منه - كان يعمل به هذا العمل ويصبر فأنتم يا أمة محمد أمة الصبر والإحسان فاصبروا حتى يأتي الله بأمره والعاقبة للمتقين .
فأنت أيها الإنسان لا تسكت عن الشر ولكن اعمل بنظام وبتخطيط وبحسن تصرف وانتظر الفرج من الله ولا تمل فالدرب طويل لا سيما إذا كنت أول الفتنة فإن القائمين بها سوف يحاولون ما استطاعوا أن يصلوا إلى قمة ما يريدون فاقطع عليهم السبيل وكن أطول منهم نفساً وأشد منهم مكراً فإن هؤلاء الأعداء يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين والله الموفق .


42 - وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال لما كان يوم حنين آثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ناساً في القسمة فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل وأعطى عيينة بن حصن مثل ذلك وأعطى ناساً من أشراف العرب وآثرهم يومئذ في القسمة فقال رجل والله إن هذه قسمة ما عدل فيها وما أريد فيها وجه الله فقلت والله لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته فأخبرته بما قال فتغير وجهه حتى كان كالصرف ثم قال فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله ثم قال يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر فقلت لا جرم لا أرفع إليه بعدها حديثاً متفق عليه .
وقوله كالصرف هو بكسر الصاد المهملة وهو صبغ أحمر .

الشَّرْحُ

قوله لما كان غزوة حنين وهي غزوة الطائف التي كانت بعد فتح مكة غزاهم الرسول صلى الله عليه وسلم وغنم منهم غنائم كثيرة جداً من إبل وغنم ودراهم ودنانير ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم نزل بالجعرانة وهي محل عند منتهى الحرم من جهة الطائف .
نزل بها وصار يقسم الغنائم، وقسم في المؤلفة قلوبهم - أي في زعماء القبائل يؤلفهم على الإسلام، وأعطاهم عطاء كثيراً حتى كان يعطي الواحد منهم مائة من الإبل .
فقال رجل من القوم والله إن هذه قسمة ما عدل فيها وما أريد فيها وجه الله نعوذ بالله .
يقول هذا القول في قسمة قسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن حب الدنيا والشيطان يوقع الإنسان في الهلكة .
هذه الكلمة كلمة كفر أن ينسب الله ورسوله إلى عدم العدل وإلى أن النبي لم يرد بها وجه الله .
ولاشك أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد بها وجه الله أراد أن يؤلف كبار القبائل والعشائر من أجل أن يتقوى الإسلام لأن أسياد القوم إذا ألفوا الإسلام وقوي إيمانهم بذلك حصل منهم خير كثير وتبعهم على ذلك قبائل وعشائر، واعتز الإسلام بهذا ولكن الجهل والعياذ بالله يوقع صاحبه في الهلكة .
عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لما سمع هذه الكلمة تقال في رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره بها ورفعها إليه أخبره بأن هذا الرجل يقول كذا وكذا فتغير وجه الرسول صلى الله عليه وسلم حتى كان كالصرف - أي كالذهب - من صفرته وتغيره .
ثم قال فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله وصدق الرسول عليه الصلاة والسلام إذا كانت قسمة الله ليست عدلاً وقسمة رسوله ليست عدلاً فمن يعدل إذا ثم قال: يرحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر والشاهد هذه الكلمة هي أن الأنبياء يؤذون ويصبرون، فهذا نبينا صلى الله عليه وسلم قيل له هذا الكلام بعد ثماني سنين من هجرته يعني ليس في أول الدعوة بل بعدما مكن الله له وبعدما عرف صدقه وبعدما أظهر الله آيات الرسول في الآفاق وفي أنفسهم مع ذلك يقال هذه القسمة لم يعدل فيها ولم يرد بها وجه الله .
فإذا كان هذا قول رجل في صحابة الرسول عليه الصلاة والسلام للنبي صلى الله عليه وسلم فلا تستغرب أن يقول الناس في عالم من العلماء إن هذا العالم فيه كذا وفيه كذا ويصفونه بالعيوب، لأن الشيطان هو الذي يؤز هؤلاء على أن يقدحوا في العلماء .
لأنهم إذا قدحوا في العلماء وسقطت أقوالهم عند الناس ما بقي للناس أحد يقودهم بكتاب الله بل تقودهم الشياطين وحزب الشيطان ولذلك كان غيبة العلماء أعظم بكثير من غيبة غير العلماء، لأن غيبة غير العلماء غيبة شخصية إن ضرت فإنها لا تضر إلا الذي اغتاب والذي قيلت فيه الغيبة، لكن غيبة العلماء تضر الإسلام كله لأن العلماء حملة لواء الإسلام فإذا سقطت الثقة بأقوالهم، سقط لواء الإسلام، وصار في هذا ضرر على الأمة الإسلامية .
فإذا كانت لحوم الناس بالغيبة لحوم ميتة فإن لحوم العلماء لحوم ميتة مسمومة لما فيه من الضرر العظيم .
فأقول: لا تستغرب إذا سمعت أحداً يسب العلماء وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل فيه ما قيل فاصبر واحتسب الأجر من الله عز وجل واعلم أن العاقبة للتقوى .
ما دام الإنسان في تقوى وعلى نور من الله عز وجل فإن العاقبة له .
كذلك يوجد بعض الناس يكن له صديق أو قريب يخطئ مرة واحدة فيصفه بالعيب والسب والشتم في خطيئة واحدة .
على هذا الذي وصف بالعيب أن يصبر وأن يعلم أن الأنبياء قد سبوا وأوذوا وكذبوا وقيل إنهم مجانين وإنهم شعراء وإنهم كهنة وإنهم سحرة فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا هكذا يقول الله عز وجل .
ففي هذا الحديث: دليل على أن للإمام أن يعطي من يرى في عطيته المصلحة ولو أكثر من غيره، إذا كان في هذا مصلحة للإسلام .
ليست مصلحة شخصية يحابي من يحب ويمنع من لا يحب، لا إذا رأى في هذا مصلحة للإسلام وزاد في العطاء فإن هذا إليه وهو مسؤول أمام الله ولا يحل لأحد أن يعترض عليه فإن اعترض عليه فقد ظلم نفسه .
وفيه أن الرسول عليه الصلاة والسلام يعتبر بمن مضى من الرسل ولهذا قال لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر لأن الله يقول: { لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب } ويقول: { أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده } فأمر الله نبيه أن يقتدي بهدي الأنبياء قبله .
وهكذا ينبغي لنا نحن أن نقتدي بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الصبر على الأذى وأن نحتسب الأجر على الله وأن نعلم أن هذا زيادة في درجاتنا مع الاحتساب وتكفير لسيئاتنا والله الموفق .


43 - وعن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد الله بعبده خيراً عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قوماً ابتلاهم فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط رواه الترمذي وقال حديث حسن .

الشَّرْحُ

الأمور كلها بيد الله عز وجل وبإرادته لأن الله يقول عن نفسه فعال لما يريد ويقول { إن الله يفعل ما يشاء } فكل الأمور بيد الله والإنسان لا يخلو من خطأ ومعصية وتقصير في الواجب، فإذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا إما بماله أو بأهله أو بنفسه أو بأحد ممن يتصل به .
المهم أن تعجل له العقوبة، لأن العقوبات تكفر السيئات فإذا تعجلت العقوبة وكفر الله بها عن العبد فإن يوافي الله وليس عليه ذنب قد طهرته المصائب والبلايا حتى إنه ليشدد على الإنسان موته لبقاء سيئة أو سيئتين عليه، حتى يخرج من الدنيا نقيا من الذنوب، وهذه نعمة لأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة .
لكن إذا أراد الله بعبده الشر أمهل له واستدرجه وأدر عليه النعم ودفع عنه النقم حتى يبطر ويفرح فرحاً مذموما بما أنعم الله به عليه .
وحينئذ يلاقي ربه وهو مغمور بسيئاته فيعاقب بها في الآخرة نسأل الله العافية فإذا رأيت شخصاً يبارز الله بالعصيان وقد وقاه الله البلاء وأدر عليه النعم فاعلم أن الله إنما أراد به شراً لأن الله أخر عنه العقوبة حتى يوافي بها يوم القيامة .
ثم ذكر في هذا الحديث أن عظم الجزاء من عظم البلاء يعني أنه كلما عظم البلاء عظم الجزاء فالبلاء السهل له أجر يسير والبلاء الشديد له أجر كبير لأن الله عز وجل ذو فضل على الناس إذا ابتلاهم بالشدائد أعطاهم عليها من الأجر الكبير وإذا هانت المصائب هان الأجر .
وإن الله إذا أحب قوم ابتلاهم فمن رضى فله الرضى ومن سخط فله السخط وهذه بشرى للمؤمن إذا ابتلي بالمصيبة فلا يظن أن الله سبحانه يبغضه بل قد يكون هذا من علامة محبة الله للعبد يبتليه سبحانه بالمصائب فإذا رضي الإنسان وصبر واحتسب فله الرضى وإن سخط فله السخط .
وفي هذا حث على أن الإنسان يصبر على المصائب حتى يكتب له الرضى من الله عز وجل والله الموفق


44 - وعن أنس رضي الله عنه قال: كان ابن لأبي طلحة رضي الله عنه يشتكي فخرج أبو طلحة فقبض الصبي فلما رجع أبو طلحة قال: ما فعل ابني ؟ قالت أم سليم وهي أم الصبي: هو أسكن ما كان فقربت إليه العشاء فتعشى ثم أصاب منها، فلما فرغ قالت: واروا الصبي فلما أصبح أبو طلحة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال أعرستم الليلة قال نعم قال اللهم بارك لهما فولدت غلاماً فقال لي أبو طلحة احمله حتى تأتي به النبي صلى الله عليه وسلم وبعث معه بتمرات فقال أمعه شيء قال نعم تمرات فأخذها النبي رضي الله عنهم فمضغها ثم أخذها من فيه فجعلها في فى الصبي ثم حنكه وسماه عبد الله متفق عليه وفي رواية للبخاري قال ابن عيينة فقال رجل من الأنصار فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرؤوا القرآن يعني من أولاد عبد الله المولود .
وفي رواية لمسلم مات ابن لأبي طلحة من أم سليم فقالت لأهلها: لا تحدثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أحدثه، فجاء فقربت إليه عشاء فأكل وشرب ثم تصنعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك فوقع بها، فلما أن رأت أنه قد شبع وأصاب منها قالت: يا أبا طلحة، أرأيت لو أن قوماً أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم ألهم أن يمنعوهم ؟ قال لا فقالت فاحتسب ابنك قال فغضب ثم قال تركتني حتى إذا تلطخت ثم أخبرتني بابني فانطلق حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما كان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بارك الله في ليلتكما قال فحملت قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر وهي معه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى المدينة من سفر لا يطرقها طروقاً فدنوا من المدينة فضربها المخاض، فاحتبس عليها أبو طلحة وانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يقول أبو طلحة إنك لتعلم يا رب أنه يعجبني أن أخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج، وأدخل معه إذا دخل، وقد احتبست بما ترى تقول أم سليم يا أبا طلحة ما أجد الذي كنت أجد انطلق، فانطلقنا، وضربها المخاض حين قدما فولدت غلاماً فقالت لي أمي يا أنس لا يرضعه أحد حتى تغدو به على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أصبح احتملته فانطلقت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر تمام الحديث .

الشَّرْحُ

حديث أنس بن مالك عن أبي طلحة أنه كان له ابن يشتكي يعني مريضاً، وأبو طلحة كان زوج أم أنس بن مالك رضي الله عنهم وكان هذا الصبي يشتكي فخرج أبو طلحة لبعض حاجاته فقبض الصبي يعني مات .
فلما رجع سأل أمه عنه فقال كيف ابني قالت: هو أسكن ما يكون وصدقت في قولها هو أسكن ما يكون لأنه مات ولا سكون أعظم من الموت وأبو طلحة رضي الله عنه فهم أنه أسكن ما يكون من المرض وأنه في عافية فقدمت له العشاء فتعشى على أن ابنه برئ وطيب ثم أصاب منها يعني جامعها، فلما انتهى قالت له واروا الصبي أي ادفنوا الصبي فإنه قد مات .
فلما أصبح أبو طلحة رضي الله عنه ووارى الصبي وعلم بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم فسأل هل أعرستم الليلة قال نعم فدعا لهما بالبركة اللهم بارك لهما في ليلتهما فولدت غلاماً سماه عبد الله وكان لهذا الولد تسعة أولاد كلهم يقرؤون القرآن ببركة دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم ففي هذا الحديث: دليل على قوة صبر أم سليم رضي الله عنها وأن ابنها الذي مات بلغ بها الحال إلى أن تقول لزوجها هذا القول وتواري هذه التورية وقدمت له العشاء ونال منها ثم قالت ادفنوا الولد .
وفي هذا دليل على جواز التورية يعني أن يتكلم الإنسان بكلام تخالف نيته ما في ظاهر هذا الكلام فله ظاهر هو المتبادر إلى ذهن المخاطب وله معنى آخر مرجوح لكن هو المراد في نية المتكلم فيظهر خلاف ما يريد .
وهذا جائز ولكنه لا ينبغي إلا للحاجة إذا احتاج الإنسان إليه لمصلحة أو دفع مضرة فليوار وأما مع عدم الحاجة فلا ينبغي أن يواري لأنه إذا وارى وظهر الأمر على خلاف ما يظنه المخاطب نسب هذا المواري إلى الكذب وأساء الظن به لكن إذا دعت الحاجة فلا بأس ومن التورية المفيدة التي يحتاج إليها الإنسان: لو أن شخصاً ظالما يأخذ أموال الناس بغير حق وأودع إنسان عندك مالا قال هذا مالي عندك وديعة أخشى أن يطلع عليه هذا الظالم فيأخذه .
فجاء الظالم إليك وسألك هل عندك مال فلان فقلت والله ما عندي شيء .
المخاطب يظن أن هذا نفي وأن المعنى ما عندي له شيء لكن أنت تنوي بـ ما الذي أي الذي عندي له شيء فيكون هذا الكلام مثبتاً لا منفياً هذا من التورية المباحة بل المطلوبة إذا دعت الحاجة إليها .
وفي هذا الحديث: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما جاء أنس بن مالك بأخيه من أمه ابن أبي طلحة جاء به إلى النبي عليه الصلاة والسلام ومعه تمرات فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم ومضغ التمرات ثم جعلها في في الصبي أي أدخلها في فمه وحنكه أي أدخل أصبعه وداره في حنكه وذلك تبركاً بريق الرسول عليه الصلاة والسلام ليكون أول ما يصل إلى بطن هذا الصبي ريق الرسول عليه الصلاة والسلام وكان الصحابة يفعلون هذا إذا ولد لهم أولاد بنين وبنات وجاؤوا بهم إلى رسول الله وجاؤوا بالتمرات معهم من أجل أن يحنكه .
وهذا التحنيك هل هو لبركة ريق النبي صلى الله عليه وسلم أو من أجل أن يصل التمر إلى معدة الصبي قبل كل شيء .
إن قلنا بالأول صار التحنيك من خصائص الرسول عليه الصلاة والسلام فلا يحنك أحد صبيا لأنه لا أحد يتبرك بريقه وعرقه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وإن قلنا بالثاني إنه من أجل التمرات يكون هو أول ما يصل إلى معدة الصبي لأنه يكون لها بمنزلة الدباغ فإننا نقول كل مولود يحنك .
وفي هذا الحديث: آية من آيات الله عز وجل حيث دعا لهذا الصبي فبارك الله فيه وفي عقبه وكان له كما ذكرنا تسعة من الولد كلهم يقرؤون القرآن ببركة دعاء الرسول عليه الصلاة والسلام .
وفيه أنه يستحب التسمية بعبد الله فإن التسمية بهذا وبعبد الرحمن أفضل ما يكون قال النبي صلى الله عليه وسلم إن أحب أسمائكم إلى الله عبد الله وعبد الرحمن وأما ما يروى أن خير الأسماء ما حمد وعبد فلا أصل له وليس حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث الصحيح أحب الأسماء إلى الله عبد الرحمن وعبد الله وأصدقها حارث وهمام لأنها مطابقة للواقع كل واحد من بني آدم فهو حارث يعمل وكل واحد من بني آدم فهو همام يهم وينوي ويقصد وله إرادة .
قال الله تعالى: يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه كل إنسان يعمل، ولهذا ينبغي للإنسان أن يختار لأبنائه وبناته أحسن الأسماء لينال بذلك الأجر وليكون محسناً لأبنائه وبناته .
أما أن يأتي بأسماء غريبة على المجتمع فإن هذا قد يوجب مضايقات نفسية للأبناء والبنات في المستقبل ويكون كل هم ينال الولد من هذا الاسم فعليك إثمه ووباله لأنك أنت المتسبب لمضايقته بهذا الاسم الغريب الذي يشار إليه ويقال انظر إلى هذا الاسم انظر إلى هذا الاسم ولهذا ينبغي للإنسان أن يختار أحسن الأسماء .
ويحرم أن يسمي الإنسان أسماء من خصائص أسماء الكفار مثل جورج وما أشبه ذلك من الأسماء التي يتقلب بها الكفار لأن هذا من باب التشبه بهم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم من تشبه بقوم فهو منهم ويجب علينا نحن المسلمين أن نكره الكفار كرها عظيما وأن نعاديهم وأن نعلم أنهم أعداء لنا مهما تزينوا لنا وتقربوا لنا فهم أعداؤنا حقا وأعداء الله عز وجل وأعداء الملائكة وأعداء الأنبياء وأعداء الصالحين فهم أعداء ولو تلبسوا بالصداقة أو زعموا أنهم أصدقاء فإنهم والله هم الأعداء فيجب أن نعاديهم ولا نفرق بين الكفار الذين لهم شأن وقيمة في العالم أو الكفار الذين ليس لهم شأن .
حتى الخدم والخادمات يجب أن نكره في بلدنا خادم أو خادمة من غير المسلمين .
لا سيما وأن نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم يقول أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب ويقول لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلماً ويقول في مرض موته في آخر حياته وهو يودع الأمة أخرجوا المشركين من جزيرة العرب وبعض الناس الآن يخير بين عامل مسلم وعامل كافر فيختار الكافر نسأل الله العافية .
قلوب زائغة ضالة ليست إلى الحق مائلة .
يزين لهم الشيطان أعمالهم يقولون كذبا وزوراً وبهتاناً إن الكافر أخلص في عمله من المسلم أعوذ بالله .
يقولون إن الكافر لا يصلي بل يستغل وقته في العمل في وقت الصلاة، ولا يطلب الذهاب إلى العمرة أو الحج ولا يصوم هو دائماً في عمل .
ولا يهمهم هذا الشيء مع أن خالق الأرض والسماوات يقول { ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه } فيجب عليكم أيها الإخوة يا من استمعتم إلى قولنا هذا أن تناصحوا إخوانكم الذين اغتروا وزين لهم الشيطان جلب الكفار إلى بلادنا خدماً وعمالاً وما أشبه ذلك، يجب أن يعلموا أن في ذلك إعانة كبيرة للكفار على المسلمين .
لأن هؤلاء الكفار يؤدون ضرائب لحكوماتهم لتقويتها على المسلمين .
والشواهد على هذا كثيرة فالواجب علينا أن نتجنب الكفار بقدر ما نستطيع فلا نتسمى بأسمائهم ولا نوادهم ولا نحترمهم ولا نبدؤهم بالسلام ولا نفسح لهم الطريق لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام وإذا لقيتموهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيقه أين نحن من هذه التعليمات أين نحن من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى ؟ لماذا لا نحذر إذا كثر فينا الخبث من الهلاك ؟ استيقظ النبي عليه الصلاة والسلام ذات ليلة محمراً وجهه فقال لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب إنذار وتحذير ويل للعرب حملة لواء الإسلام من شر قد اقترب - فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وقال بأصبعه والسبابة قالت زينب يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون قال نعم إذا كثر الخبث الخبث العملي والخبث البشري .
إذا كثر الخبث في أعمالنا فنحن عرضة للهلاك، إذا كثر البشر النجس في بلادنا فنحن عرضة للهلاك والواقع شاهد بهذا نسأل الله أن يحمي بلادنا من أعدائنا الظاهرين والباطنين وأن يكبت المنافقين والكفار ويجعل كيدهم في نحورهم إنه جواد كريم .
قوله أرأيت لو أن قوماً أعاروا عاريتهم أهل بيت ثم طلبوا عاريتهم ألهم أن يمنعوهم قال لا، فقالت فاحتسب عند الله ابنك .
يعني أن الأولاد عندنا عارية وهم ملك لله عز وجل متى شاء أخذهم فضربت له هذا المثل من أجل أن يقتنع، ويحتسب الأجر على الله سبحانه وتعالى .
وهذا يدل على ذكائها رضي الله عنها وعلى أنها امرأة عاقلة صابرة محتسبة وإلا فإن الأم كالأب ينالها من الحزن على ولدها مثل ما ينال الأب وربما تكون أشد لضعفها وعدم صبرها .
وفي هذا الحديث بركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم حيث إنه كان له تسعة من الولد كلهم يقرؤون القرآن .
وفيه: كرامة لأبي طلحة رضي الله عنه لأن أبا طلحة كان قد خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر وكانت معه أم سليم بعد أن حملت فلما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من السفر أتاها المخاض أي جاءها الطلق قبل أن يصلوا إلى المدينة وكان الرسول صلى الله عليه وسلم لا يحب أن يطرق أهله طروقاً أي لا يحب أن يدخل عليهم ليلاً دون أن يخبرهم بالقدوم فدعا أبو طلحة رضي الله عنه ربه وقال اللهم إنك تعلم أنني أحب أن لا يخرج النبي مخرجاً إلا وأنا معه وألا يرجع مرجعاً إلا وأنا معه وقد أصابني ما ترى - يناجي ربه سبحانه وتعالى - تقول أم سليم: فما وجدت الذي كنت وجدته من قبل يعني هان عليها الطلق ولا كأنها تطلق .
قالت أم سليم لزوجها أبي طلحة انطلق، فانطلق، ودخل المدينة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ولما وصلوا إلى المدينة وضعت ففي هذا كرامة لأبي طلحة رضي الله عنه حيث خفف الله الطلق على امرأته بدعائه ثم لما وضعت قالت أم سليم لابنها أنس بن مالك وهو أخو هذا الحمل الذي ولد من أمه .
قالت احتمله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أي اذهب به كما هي عادة أهل المدينة إذا ولد لهم ولد يأتون به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعهم تمر فيأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم التمرة فيمضغها بفمه ثم يحنك بها الصبي لأن في ذلك فائدتين: الأولى بركة ريق النبي صلى الله عليه وسلم وكان الصحابة رضي الله عنهم يتبركون بريق النبي صلى الله عليه وسلم وبعرقه، حتى إنه من عادتهم أنه إذا كان في الصباح وصلوا الفجر أتوا بآنية فيها ماء، فغمس الرسول صلى الله عليه وسلم يديه في الماء، وعرك يديه في الماء، فيأتي الصبيان بهذا الماء، ثم ينطلقون به إلى أهليهم يتبركون بأثر النبي صلى الله عليه وسلم وكان الصحابة إذا توضأ النبي عليه الصلاة والسلام كادوا يقتتلون على وضوئه أي فضل الماء يتبركون به وكذلك من عرقه وشعره .
حتى كان عند أم سلمة - إحدى زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام وإحدى أمهات المؤمنين - عندها جلجل من فضة أي مثل الطابوق فيه شعرات من شعرات النبي صلى الله عليه وسلم يستشفون بها أي يأتون بشعرتين أو ثلاث فيضعونها في الماء، ثم يحركونها من أجل أن يتبركوا بهذا الماء لكن هذا خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام .
الفائدة الثانية: من التمر الذي كان يحنكه الصبيان أن التمر فيه خير وبركة وفيه فائدة للمعدة فإذا كان أول ما يصيب الطفل مما يصل إلى معدته من التمر كان ذلك خيراً للمعدة .
فحنكه الرسول عليه الصلاة والسلام ودعا له بالبركة .
والشاهد من هذا الحديث أن أم سليم قالت لأبي طلحة احتسب ابنك أي اصبر على ما أصابك من فقده واحتسب الأجر على الله والله الموفق .


45 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب متفق عليه .
و الصرعة بضم الصاد وفتح الراء وأصله عند العرب من يصرع الناس كثيراً


46 - وعن سليمان بن صرد رضي الله عنه قال كنت جالساً مع النبي صلى الله عليه وسلم ورجلان يستبان وأحدهما قد احمر وجهه وانتفخت أوداجه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد لو قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ذهب عنه ما يجد فقالوا له إن النبي صلى الله عليه وسلم قال تعوذ بالله من الشيطان الرجيم متفق عليه

الشَّرْحُ

هذان الحديثان اللذان ذكرهما المؤلف في الغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم فيستشيط غضباً ويحتمي جسده وتنتفخ أوداجه ويحمر وجهه ويتكلم بكلام لا يعقله أحياناً ويتصرف تصرفاً لا يعقله أيضاً ولهذا جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أوصني قال لا تغضب قال أوصني قال لا تغضب قال أوصني قال لا تغضب .
وبين النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة هذا الذي ذكره المؤلف رحمه الله أن الشديد ليس بالصرعة فقال ليس الشديد بالصرعة أي ليس القوي في الصرعة الذي يكثر صرع الناس فيطرحهم ويغلبهم .
هذا يقال عنه عند الناس إنه شديد وقوي ولكن النبي صلى الله عليه وسلم يقول ليس هذا هو الشديد حقيقة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب أي القوى الحقيقة هو الذي يصرع نفسه إذا صارعته وغضب ملكها وتحكم فيها لأن هذه هي القوة الحقيقية .
قوة داخلية معنوية يتغلب بها الإنسان على الشيطان لأن الشيطان هو الذي يلقي الجمرة في قلبك من أجل أن تغضب .
ففي هذا الحديث الحث على أن يملك الإنسان نفسه عند الغضب وأن لا يسترسل فيه لأنه يندم بعده كثيراً ما يغضب الإنسان فيطلق امرأته وربما تكون هذه الطلقة آخر تطليقة .
كثيراً ما يغضب الإنسان فيتلف ماله إما بالحرق أو بالتكسير، كثيرا ما يغضب على ابنه حتى يضربه وربما مات بضربه وكذلك يغضب على زوجته مثلاً فيضربها ضرباً مبرحاً وما أشبه ذلك من الأشياء الكثيرة التي تحدث للإنسان وقت الغضب ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان لأن الغضب يمنع القاضي من تصور المسألة ثم من تطبيق الحكم الشرعي عليها، فيهلك ويحكم بين الناس بغير الحق .
وكذلك ذكر المؤلف رحمه الله حديث لسليمان بن صرد رضي الله عنه في رجلين استبا عند الرسول صلى الله عليه وسلم فغضب أحدهما حتى انتفخت أوداجه واحمر وجهه فقال النبي صلى الله عليه وسلم إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد لو قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم أعوذ بالله أي اعتصم به .
من الشيطان الرجيم لأن ما أصابه من الشيطان .
وعلى هذا فنقول المشروع للإنسان إذا غضب أن يحبس نفسه وأن يصبر وأن يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم وأن يتوضأ فإن الوضوء يطفئ الغضب .
وإن كان قائماً فليقعد وإن كان قاعداً فليضطجع وإن خاف خرج من المكان الذي هو فيه حتى لا ينفذ غضبه فيندم بعد ذلك والله الموفق .


47 - وعن معاذ بن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله سبحانه وتعالى على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره من الحور العين ما شاء رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن


48 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم أوصني قال لا تغضب فردد مراراً قال لا تغضب رواه البخاري .
49 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح .

الشَّرْحُ

هذه الأحاديث في باب الصبر تدل على فضيلة الصبر .
أما الحديث الأول: حديث معاذ بن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله سبحانه وتعالى على رؤوس الخلائق يوم القيامة الحديث .
الغيظ هو الغضب الشديد، والإنسان الغاضب هو الذي يتصور نفسه أنه قادر على أن ينفذ لأن من لا يستطيع لا يغضب لكنه يحزن ولهذا يوصف الله بالغضب ولا يوصف بالحزن لأن الحزن نقص والغضب في محله كمال فإذا اغتاظ الإنسان من شخص وهو قادر على أن يفتك به ولكنه ترك ذلك ابتغاء وجه الله وصبر على ما حصل له من أسباب الغيظ فله هذا الثواب العظيم أنه يدعى على رؤوس الخلائق يوم القيامة ويخير من أي الحور شاء .
وأما حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال يا رسول الله أوصني قال لا تغضب فردد مراراً فقال لا تغضب فقد سبق الكلام عليه .
والحديث الثالث دليل على أن الإنسان إذا صبر واحتسب الأجر عند الله كفر الله عنه سيئاته إذا أصيب الإنسان ببلاء في نفسه أو ولده أو ماله ثم صبر على ذلك فإن الله سبحانه وتعالى لا يزال يبتليه بهذا حتى لا يكون عليه خطيئة .
ففيه دليل على أن المصائب في النفس والولد والمال تكون كفارة للإنسان حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة ولكن هذا إذا صبر .
أما إذا تسخط فإن من تسخط فله السخط والله الموفق .


50 - وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال قدم عيينة بن حصن فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس وكان من النفر الذين يدنيهم عمر رضي الله عنه وكان القراء أصحاب مجلس عمر رضي الله عنه ومشاورته كهولاً كانوا أو شباناً فقال عيينة لابن أخيه يا ابن أخي لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه فاستأذن فأذن له عمر فلما دخل قال هي يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل ولا تحكم فينا بالعدل فغضب عمر رضي الله عنه حتى هم أن يوقع به فقال له الحر يا أمير المؤمنين إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } وإن هذا من الجاهلين، والله ما جاوزها عمر حين تلاها، وكان وقافاً عند كتاب الله تعالى رواه البخاري .

الشَّرْحُ

ذكر المؤلف في سياق ذكر أحاديث الصبر حديث ابن عباس عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمير المؤمنين الخليفة الثاني وأبو بكر هو الأول .
وكان قد اشتهر بالعدل بين الرعية وبالتواضع بالحق حتى أن المرأة ربما تذكرة بالآية في كتاب الله فيقف عندها ولا يتجاوزها فقد قدم عليه عيينة بن حصن وكان من كبار قومه فقال له هي يا ابن الخطاب هذه كلمة استنكار وتلون وقال له إنك لا تعطينا الجزل ولا تحكم فينا بالعدل .
انظر إلى هذا الرجل يتكلم على هذا الخليفة المشهور بالعدل بهذا الكلام مع أن عمر كما قال ابن عباس رضي الله عنه كان جلساؤه القراء القراء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم جلساؤه سواء كانوا شيوخاً أو كهولا أو شباناً يشاورهم ويدنيهم وهكذا ينبغي لكل أمير أو خليفة أن يكون جلساؤه الصالحين، لأنه إن قيض له جلساء غير صالحين هلك وأهلك الأمة .
وإن يسر الله له جلساء صالحين نفع الله به الأمة، فالواجب على ولي الأمر أن يختار من الجلساء أهل العلم والإيمان وكان الصحابة رضي الله عنهم القراء منهم هم أهل العلم، لأنهم لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل .
لما قال هذا الرجل الكلام لعمر، غضب رضي الله عنه غضباً حتى كاد أن يهم به أي يضربه أو يبطش به .
ولكن ابن أخي عيينة بن حصن الحر بن قيس قال له يا أمير المؤمنين إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين وإن هذا من الجاهلين فوقف عندها عمر ولم يتجاوزها لأنه وقافاً عند كتاب الله رضي الله عنه وأرضاه فوقف ما ضرب الرجل وما بطش به لأجل الآية التي تليت عليه .
وانظر إلى أدب الصحابة رضي الله عنهم عند كتاب الله لا يتجاوزون .
إذا قيل لهم هذا قول الله وقفوا مهما كان .
فقوله تعالي: { خذ العفو } أي خذ ما عفا الناس وما تيسر ولا تطلب حقك كله لأنه لا يحصل لك .
وقوله { وأمر بالعرف } أي أمر بما عرفه الشرع وعرفه الناس، ولا تأمر بمنكر، ولا بغير العرف لأن الأمور ثلاثة أقسام: 1 - منكر يجب النهي عنه .
2 - وعرف يؤمر به .
3 - وما ليس بهذا ولا بهذا فإنه يسكت عنه .
ولكن على سبيل النصيحة لا يقول قولاً إلا فيه الخير لقول النبي صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت وأما قوله: { وأعرض عن الجاهلين } فالمعنى أن من جهل عليك وتطاول عليك فأعرض عنه، لا سيما إذا كان إعراضك ليس ذلاً وخنوعاً .
مثل عمر بن الخطاب: إعراضه ليس ذلاً وخنوعاً فهو قادر على أن يبطش بالرجل لكن امتثل هذا الأمر وأعرض عن الجاهلين .
الجهل له معنيان: أحدهما عدم العلم بالشيء والثاني السفه والتطاول ومنه قول الشاعر الجاهلي .
ألا لا يجهلن أحد علينا ...
فنجهل فوق جهل الجاهلينا
أي لا يسفه علينا أحد ويتطاول علينا فنكون أشد منه لكن هذا شعر جاهلي أما الأدب الإسلامي فإن الله يقول { ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم } سبحان الله إنسان بينك وبينه عداوة أساء إليك ادفع بالتي هي أحسن فإذا دفعت بالتي هي أحسن فوراً يأتيك الثواب والجزاء وقوله { ولي حميم } أي قريب صديق في غاية ما يكون من الصداقة والقرب الذي يقوله من .
هو الله عز وجل مقلب القلوب، ما من قلب من قلوب بني آدم إلا بين أصبعين من أصابع الرحمن عز وجل يصرفه كيف يشاء .
فهذا الذي كان عدواً لك ودافعته بالتي هي أحسن فإنه ينقلب بدل العداوة صداقة فالحاصل أن هذه الآية الكريمة { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } تليت على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقف ولم يبطش بالرجل ولم يأخذه على جهله .
فينبغي لنا إذا حصلت هذه الأمور كالغضب والغيظ أن نتذكر كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من أجل أن نسير على هديه، من أجل أن لا نضل فإن من تمسك بهدى الله فإن الله يقول { فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى } والله الموفق .


51 - وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إنها ستكون بعدي إثرة وأمور تنكرونها قالوا يا رسول الله فما تأمرنا قال تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم متفق عليه والأثرة الانفراد بالشيء عمن له فيه حق


52 - وعن أبي يحيى أسيد بن حضير رضي الله عنه أن رجلاً من الأنصار قال يا رسول الله ألا تستعملني كما استعملت فلانا فقال إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض متفق عليه .
وأسيد بضم الهمزة وحضير بحاء مهملة مضمومة وضاد معجمة مفتوحة والله أعلم .

الشَّرْحُ

هذان الحديثان حديث ابن مسعود: وحديث أسيد بن حضير ذكرهما المؤلف في باب الصبر لأنهما يدلان على ذلك .
أما حديث عبد الله بن مسعود فأخبر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنها ستكون بعدي أثرة والأثرة يعني الاستئثار عمن له فيه حق .
يريد بذلك أنه يستولي على المسلمين ولاة يستأثرون بأموال المسلمين يصرفونها كما شاءوا ويمنعون المسلمين حقهم فيها .
وهذه أثرة وظلم من الولاة أن يستأثروا بالأموال التي للمسلمين فيها الحق ويستأثروا بها لأنفسهم عن المسلمين ولكن قالوا ما تأمرنا ؟ قال تؤدون الحق الذي عليكم يعني لا يمنعكم استئثارهم بالمال عليكم أن تمنعوا ما يجب عليكم نحوهم من السمع والطاعة وعدم الإثارة وعدم التشويش عليهم .
بل اصبروا واسمعوا وأطيعوا ولا تنازعوهم الأمر الذي أعطاهم الله وتسألون الله الذي لكم أي اسألوا الحق الذي لكم من الله .
أي اسألوا الله أن يهديهم حتى يؤدوكم الحق الذي عليهم لكم وهذا من حكمة النبي صلى الله عليه وسلم فإنه عليه الصلاة والسلام علم أن النفوس شحيحة وأنها لن تصبر على من يستأثر عليهم بحقوقهم ولكنه عليه الصلاة والسلام أرشد إلى أمر قد يكون فيه الخير .
وذلك بأن نؤدي ما يجب علينا نحوهم من السمع والطاعة وعدم منازعة الأمر وغير ذلك وندعو الله لهم بأن يعطونا حقنا كان في هذا خير من جهتين .
وفيه دليل على نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه أخبر بأمر وقع فإن الخلفاء والأمراء منذ عهد بعيد كانوا يستأثرون بالمال فنجدهم يأكلون إسرافاً ويشربون إسرافاً ويلبسون إسرافاً ويسكنون إسرافاً ويركبون إسرافاً .
وقد استأثروا بمال الناس لمصالح أنفسهم الخاصة .
ولكن هذا لا يعني أن ننزع يداً من طاعة أو أن ننابذهم بل نسأل الله الذي لنا ونقوم بالحق الذي علينا .
وفيه استعمال الحكمة في الأمور التي قد تقتضي الإثارة فإنه لا شك أن استئثار الولاة بالمال دون الرعية يوجب أن تثور الرعية وتطالب بحقها ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام أمر بالصبر على هذا وأن نقوم بما يجب وأن نسأل الله الذي لنا .
وحديث أسيد بن حضير مثل حديث عبد الله بن مسعود أخبر النبي صلى الله عليه وسلم إنها ستكون امرأة ولكنه قال اصبروا حتى تلقوني على الحوض يعني أنكم إذا صبرتم فإن جزاء الله لكم على صبركم أن يسقيكم من حوضه حوض النبي صلى الله عليه وسلم اللهم اجعلنا جميعاً ممن يرده ويشرب منه .
هذا الحوض الذي يكون في يوم القيامة في مكان وزمان أحوج ما يكون الناس إليه لأنه في ذلك المكان والزمان في يوم الآخرة يحصل على الناس من الهم والغم والكرب والعرق والحر ما يجعلهم في أشد الضرورة إلى الماء، فيردون حوض الرسول صلى الله عليه وسلم حوض عظيم طوله شهر وعرضه شهر يصب عليه ميزابان من الكوثر وهو نهر في الجنة أعطيه النبي صلى الله عليه وسلم .
فيصبان عليه ماء أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل وأطيب من رائحة المسك وفيه أواني كنجوم السماء في اللمعان والحسن والكثرة من شرب منه شربة واحدة لم يظمأ بعدها أبداً اللهم اجعلنا ممن يشرب منه .
فأرشده النبي عليه الصلاة والسلام إلى أن يصبروا على ما سيرونه من الأثرة فإن صبرهم على ظلم الولاة من أسباب الورود على الحوض والشرب منه .
إذا في هذين الحديثين حث على الصبر على استئثار ولاة الأمور في حقوق الرعية ولكن يجب أن نعلم أن الناس كما يكونون يولى عليهم .
إذا أساءوا فيما بينهم وبين الله فإن الله يسلط عليهم ولاتهم كما قال تعالى وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون فإذا صلحت الرعية يسر الله لهم ولاة صالحين وإذا كانوا بالعكس كان الأمر بالعكس ويذكر أن رجلاً من الخوارج جاء إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقال له يا علي ما بال الناس انتقدوا عليك ولم ينتقدوا على أبي بكر وعمر ؟ فقال له إن رجال أبي بكر وعمر كنت أنا وأمثالي أما رجالي فكنت أنت وأمثالك .
معناه إنك أنت ما فيك خير فصار سببا في تسلط الناس وتفرقهم على علي بن أبي طالب وخروجهم عليه حتى قتلوه رضي الله عنه .
ويذكر أن أحد ملوك بني أمية سمع مقالة الناس فيه فجمع أشراف الناس ووجهاءهم وكلمهم وأظنه عبد الملك بن مروان وقال لهم أيها الناس أتريدون أن نكون لكم مثل أبي بكر وعمر ؟ قالوا نعم قال إذا كنتم تريدون ذلك فكونوا لنا مثل رجال أبي بكر وعمر فالله سبحانه وتعالى حكيم يولي على الناس من يكون بحسب أعمالهم إن أساؤوا يساء إليهم وإن أحسنوا أحسن إليهم .
ولكن مع ذلك لا شك أن صلاح الراعي هو الأصل وأنه إذا أصلح الراعي صلحت الرعية لأنه لا سلطة يستطيع أن يعدل من مال وأن يؤدب من عال وجار والله الموفق .
53


- وعن أبي إبراهيم عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أيامه التي لقي فيها العدو انتظر حتى إذا مالت الشمس قام فيهم فقال يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم متفق عليه

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله فيما نقله عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في بعض غزواته فانتظر حتى زالت الشمس، وذلك من أجل أن تقبل البرودة ويكثر الظل وينشط الناس، ـ فانتظر حتى إذا مالت الشمس قام فيهم خطيباً وكان صلى الله عليه وسلم يخطب الناس خطبا دائمة ثابتة كخطبة يوم الجمعة .
وخطباً عارضة إذا دعت الحاجة إليها قام فخطب عليه الصلاة والسلام وهذه كثيرة جداً فقال في جملة ما قال لا تتمنوا لقاء العدو أي لا ينبغي للإنسان أن يتمنى لقاء العدو ويقول اللهم ألقني عدوي واسألوا الله العافية قل اللهم عافني فإذا لقيتموهم وابتليتم بذلك فاصبروا هذا هو الشاهد من الحديث أي اصبروا على مقاتلتهم واستعينوا بالله عز وجل وقاتلوا لتكون كلمة الله هي العليا .
واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف نسأل الله من فضله .
فالجنة تحت ظلال السيوف التي يحملها المجاهد في سبيل الله وإن المجاهد في سبيل الله إذا قتل صار من أهل الجنة كما في قوله تعالى ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين والشهيد إذا قتل في سبيل الله فإنه لا يحس بالطعنة أو بالضربة كأنها ليست بشيء ما يحس إلا أن روحه تخرج من الدنيا إلى نعيم دائم أبداً .
ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف وكان من الصحابة رضي الله عنهم أنس بن النضر قال إني لأجد ريح الجنة دون أحد انظر كيف فتح الله مشامه حتى شم ريح الجنة دون أحد فقتل شهيداً رضي الله عنه ولهذا قال عليه الصلاة والسلام واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف .
ثم قال عليه الصلاة والسلام اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم وهذا دعاء ينبغي للمجاهد أن يدعو به إذا لقي العدو فهنا توسل الرسول عليه الصلاة والسلام بالآيات الشرعية والآيات الكونية توسل بإنزال الكتاب وهو القرآن الكريم أو يشمل كل كتاب ويكون المراد به الجنس أي منزل الكتب على محمد وعلى غيره .
ومجري السحاب هذه آية كونية فالسحاب المسخر بين السماء والأرض لا يجريه إلا الله عز وجل لو اجتمعت الأمم كلها بآلاتها ومعداتها على أن تجري هذا السحاب أو أن تصرف وجهه ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً وإنما يجزيه من إذا أراد شيئاً قال له كن فيكون .
وهازم الأحزاب فإن الله عز وجل وحده هو الذي يهزم الأحزاب ومنه أن الله هزم الأحزاب في غزوة الأحزاب والتي قد تجمع فيها أكثر من عشرة آلاف مقاتل حول المدينة ليقاتلوا الرسول عليه الصلاة والسلام .
ولكن الله تعالى هزمهم ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً فأرسل عليهم ريحاً وجنوداً زلزلت بهم وكفأت قدورهم وأسقطت خيامهم وصار لا يستقر لهم قرار ريح شديد باردة شرقية حتى ما بقوا وانصرفوا .
قال الله عز وجل { ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً وكفى الله المؤمنين القتال } فالله عز وجل هو هازم الأحزاب، ليست قوة الإنسان التي هزم بل القوة سبب قد تنفع وقد لا تنفع .
ونحن مأمورون بفعل السبب المباح لكن هازم الأحزاب حقيقة هو الله عز وجل ففي هذا الحديث عدة فوائد: منها: أن لا يتمنى الإنسان لقاء العدو، وهذا غير تمني الشهادة تمني الشهادة جائز ولا منهي عنه بل قد يكون مأموراً به أما تمني لقاء العدو فلا تتمنه لأنه نهي عن ذلك .
منها أن يسأل الإنسان الله العافية والسلامة لا يعدلها شيء فلا تتمن الحروب ولا المقاتلة واسأل الله العافية والنصر لدينه ولكن إذا لقيت العدو فاصبر .
ومنها أن الإنسان إذا لقي العدو فإن الواجب عليه أن يصبر قال الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين } ومنها أنه ينبغي لأمير الجيش أو السرية أن يرفق بهم وأن لا يبدأ القتال إلا في الوقت المناسب سواء كان مناسباً من الناحية اليومية أو من الناحية الفصلية فمثلاً في أيام الصيف لا ينبغي أن يتحرى القتال فيه لأن فيه مشقة .
وفي أيام البرد الشديد لا يتحر ذلك أيضاً، لأن في ذلك مشقة لكن إذا أمكن أن يكون بين بين بأن يكون في الخريف فهذا أحسن ما يكون .
ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يدعو بهذا الدعاء اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم ومنها الدعاء على الأعداء بالهزيمة لأنهم أعداؤك وأعداء الله فإن الكافر ليس عدوا لك وحدك بل هو عدو لك ولربك ولأنبيائه ولملائكته ولرسله ولكل مؤمن والله الموفق .


باب الصدق


قال الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين } وقال تعالى { الصادقين والصادقات } وقال تعالى { فلو صدقوا الله لكان خيراً لهم }

الشَّرْحُ

الصدق معناه مطابقة الخبر الواقع هذا في الأصل ويكون في الإخبار فإذا أخبرت بشيء وكان خبرك مطابقاً للواقع قيل أنه صدق مثل أن تقول عن هذا اليوم يوم الأحد فهذا خبر صدق وإذا قلت اليوم يوم الإثنين فهذا خبر كذب فالخبر إن وافق الواقع فصدق وإلا فكذب .
وكما يكون الصدق في الأقوال فهو في الأفعال وهو أن يكون الإنسان باطنه موافقاً لظاهره بحيث إذا عمل عملاً يكون موافقاً لما في قلبه .
فالمرائي مثلاً ليس بصادق لأنه يظهر للناس بأنه من العابدين وليس كذلك .
والمشرك مع الله ليس بصادق لأنه يظهر بأنه موحد وليس كذلك .
والمنافق ليس بصادق لأنه يظهر بأنه موحد وليس كذلك .
والمنافق ليس بصادق لأنه يظهر الإيمان وليس بمؤمن .
والمبتدع ليس بصادق لأنه يظهر الاتباع للرسول عليه الصلاة والسلام وليس بمتبع المهم أن الصدق مطابقة الخبر للواقع وهو من سمات المؤمنين وعكسه الكذب وهو من سمات المنافقين .
ثم ذكر آيات في ذلك فقال: وقول الله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين هذه الآية نزلت بعد ذكر قصة الثلاثة الذين خلفوا عن غزوة تبوك ومنهم كعب بن مالك الذي سنذكر حديثه إن شاء الله .
كان هؤلاء الثلاثة حين رجع النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك وكانوا قد تخلفوا عنها بلا عذر وأخبروا الرسول عليه الصلاة والسلام بأنهم لا عذر لهم فخلفهم أي تركهم فمعنى { وعلي الثلاثة الذين خلفوا } أي تركوا فلم يبت في شأنهم لأن المنافقين لما قدم الرسول عليه الصلاة والسلام من غزوة تبوك جاؤوا إليه يعتذرون إليه ويحلفون بالله إنهم معذورون وفيهم أنزل الله هذه الآية { سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين } أما هؤلاء الثلاثة فصدقوا الرسول عليه الصلاة والسلام وأخبروه بأنهم ليس لهم عذر فأرجأهم الرسول عليه الصلاة والسلام خمسين ليلة حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم أنزل الله توبته عليهم .
ثم قال بعد ذلك { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين } فأمر الله تعالى المؤمنين بأن يتقوا الله وأن يكون يكونوا مع الصادقين لا مع الكاذبين وقال الله تعالى { والصادقين والصادقات } هذه في جملة الآية الطويلة التي ذكرها الله في سورة الأحزاب وهي { إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات } إلى أن قال { والصادقين والصادقات } إلى قوله { أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً } فذكر الله الصادقين والصادقات في مقام الثناء وفيما لهم من الأجر العظيم .
وقال تعالى { فلو صدقوا الله لكان خيراً لهم } أي لو عاملوا الله بالصدق لكان خيراً لهم ولكن عاملوا الله بالكذب فنافقوا بالكذب وأظهروا خلاف ما في قلوبهم وعاملوا النبي صلى الله عليه وسلم بالكذب فأظهروا أنهم متبعون له وهم مخالفون له، فلو صدقوا الله بقلوبهم وأعمالهم وأقوالهم لكان خيراً لهم ولكنهم كذبوا الله فكان شراً لهم .
وقال الله { ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب } فدل ذلك على أن الصدق أمره عظيم وأنه محل للجزاء من الله تعالي .
إذن علينا أن نصدق وعلينا أن نكون صادقين وعلينا أن نكون صرحاء وعلينا أن لا نخفي الأمر عن غيرنا مداهنة أو مراء .
كثير من الناس إذا حدث عن شيء فعله وكان لا يدري فعله أم لا فإنه يكذب ويقول ما فعلت .
لماذا ؟ أتستحي من الخلق وتبارز الخالق بالكذب ؟ قل الصدق ولا يهمنك أحد وأنت إذا عودت نفسك الصدق فإنك في المستقبل سوف تصلح حالك أما إذا أخبرت بالكذب وسوف تكتم عن الناس وتكذب عليهم فإنك سوف تستمر في غيك ولكن إذا صدقت فإنك تعدل مسيرك ومنهاجك .
فعليك بالصدق فيما لك وفيما عليك حتى تكون مع الصادقين الذين أمرك الله أن تكون معهم .
أما حديث كعب بن مالك: فهو في قصة تخلفه عن غزوة تبوك وكانت في السنة التاسعة من الهجرة غزا النبي صلى الله عليه وسلم الروم وهم على دين النصارى حين بلغه أنهم يجمعون له فغزاهم النبي عليه الصلاة والسلام وقام بتبوك عشرين ليلة ولكنه لم ير كيداً ولم ير عدواً فرجع وكانت هذه الغزوة في أيام الحر حين طابت الثمار والرطب وصار المنافقون يفضلون الدنيا على الآخرة فتخلف المنافقون عن هذه الغزوة ولجؤوا إلى الظل والرطب والتمر وبعدت عليهم الشقة والعياذ بالله .
أما المؤمنون الخلص فإنهم خرجوا مع الرسول عليه الصلاة والسلام ولم يثن عزمهم بعد الشقة ولا طيب الثمار .
إلا أن كعب بن مالك رضي الله عنه تخلف عن غزوة تبوك بلا عذر وهو من المؤمنين الخلص ولهذا قال إنه ما تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن غزوة غزاها قط - فهو من المجاهدين في سبيل الله إلا في غزوة بدر فقد تخلف فيها كعب وغيره لأن الرسول عليه الصلاة والسلام خرج من المدينة لا يريد القتال ولذلك لم يخرج معه إلا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا لأنهم كانوا يريدون أن يأخذوا عيراً لقريش أي حملة قدمت من الشام تريد مكة وتمر قرب المدينة .
فخرج النبي عليه الصلاة والسلام من أجل أن يستقبل هذه العير ويأخذها وذلك لأن أهل مكة أخرجوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من ديارهم وأموالهم .
فلهذا كانت أموالهم غنيمة للنبي عليه الصلاة والسلام ويحل له أن يخرج ليأخذها وليس في ذلك عدوان من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بل هذا أخذ لبعض حقهم المهم أن الرسول خرج في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً ليس معهم إلا سبعون بعيراً وفرسان فقط، وليس معهم عدة والعدد قليل ولكن الله جمع بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد لينفذ ما أراد عز وجل .
فسمع أبو سفيان وهو قائد العير أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إليه ليأخذ العير فعدل عن سيره إلى الساحل وأرسل إلى قريش صارخاً يستنجدهم - أي يغيثهم - ويقول: أنقذوا العير .
فاجتمعت قريش وخرج كبراؤها وزعماؤها وشرفاؤها فيما بين تسعمائة إلى ألف رجل خرجوا كما قال الله عنهم، خرجوا بطراً ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله .
ولما كانوا في أثناء الطريق وعلموا أن العير نجت تراجعوا فيما بينهم وقالوا العير نجت فما لنا وللقتال فقال أبو جهل والله لا نرجع حتى نقدم بدراً فنقيم فيها ثلاثاً ننحر الجزور ونسقي الخمور ونطعم الطعام وتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا أبداً .
هكذا قالوا، بطراً واستكباراً وفخراً ولكن الحمد لله صارت العرب تتحدث بهم بالهزيمة النكراء التي لم يذق العرب مثلها، لما التقوا بالرسول عليه الصلاة والسلام وكان ذلك في رمضان في السنة الثانية من الهجرة في اليوم السابع عشر منه .
التقوا فأوحى الله عز وجل إلى الملائكة: { إني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا } انظر في الآية تثبيت للمؤمنين وإلقاء الرعب في قلوب الذين كفروا، فهو أقرب النصر في هذه الحال .
فثبت الله المؤمنين ثباتاً عظيماً وأنزل في قلوب الذين كفروا الرعب .
قال الله سبحانه: { فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان } أي كل مفصل فالأمر ميسر لكم .
فجعل المسلمون ولله الحمد يجلدون فيهم فقتلوا سبعين رجلاً وأسروا سبعين رجلاً والذين قتلوا ليسوا من أطرافهم، الذين قتلوا كلهم من صناديدهم وكبرائهم، وأخذ منهم أربعة وعشرين رجلاً يسحبون سحبا وألقوا في قليب من قلب بدر .
سحبوا جثثا هامدة ووقف عليهم الرسول عليه الصلاة والسلام وقال لهم يا فلان ابن فلان يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً فقالوا يا رسول الله كيف تكلم أناساً قد جيفوا ؟ قال والله ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يجيبون لأنهم موتى وهذه ولله الحمد نعمة علينا أن نشكر الله عليها كلما ذكرناها .
نصر الله نبيه وسمى الله هذا اليوم يوم الفرقان يوم التقى الجمعان .
هذا اليوم فرق الله فيه بين الحق والباطل تفريقاً عظيما وانظر إلى قدرة الله عز وجل في هذا اليوم انتصر ثلاثمائة رجل وبضعة عشر رجلاً على نحو ألف رجل أكمل منهم عدة وأقوى وهؤلاء ليس معهم إلا عدد قليل من الإبل والخيل لكن نصر الله عز وجل إذا نزل لقوم لم يقم أمامهم أحد وإلى هذا أشار الله بقوله { ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة } ليس عندكم شيء { فاتقوا الله لعلكم تشكرون } ولما كان المسلمون حين فتحوا مكة وخرجوا باثني عشر ألفاً وأمامهم هوازن وثقيف فأعجب المسلمون بكثرتهم وقالوا: لن نغلب اليوم عن قلة فغلبهم ثلاثة آلاف وخمس مائة رجل غلبوا اثني عشر ألف رجل بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم لماذا .
لأنهم أعجبوا بكثرتهم قالوا لن نغلب اليوم عن قلة فأراهم الله عز وجل أن كثرتهم لن تنفعهم .
قال الله تعالى: { ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين } المهم أن كعب بن مالك رضي الله عنه لم يشهد بدراً لكن تخلف عنها لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخرج لقتال إنما خرج للعير ولكن الله جمع بينه وبين عدوه على غير ميعاد .
أتدرون ماذا حصل لأهل بدر ؟ اطلع الله عليهم وقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، كل معصية تقع منهم فإنها مغفورة لأن الثمن مقدم .
فهذه الغزوة صارت سببا لكل خير، حتى أن حاطب بن أبي بلتعه رضي الله عنه لما حصل منه ما حصل في كتابه لأهل مكة عندما أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يغزوهم غزوة الفتح كتب هو رضي الله عنه إلى أهل مكة يخبرهم ولكن الله أطلع نبيه على ذلك .
أرسل حاطب بن أبي بلتعه الكتاب مع امرأة، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك عن طريق الوحي فأرسل علي بن أبي طالب وواحداً معه حتى لحقوها في روضة تسمى روضة خاخ، فأمسكوها وقالوا لها أين الكتاب ؟ فقالت ما معي كتاب فقالوا لها والله ما كذبنا ولا كذبنا أين الكتاب، لتخرجنه أو لننزعن ثيابك ؟ فلما رأت الجد أخرجته فإذا هو من حاطب بن أبي بلتعه إلى قريش فأخذوه .
والحمد لله أنه لم يصل إلى قريش فصار بهذا نعمة من الله على المسلمين وعلى حاطب لأن الذي أراد ما حصل .
فلما ردوا الكتاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال له يا حاطب كيف فعلت كذا فاعتذر فقال عمر يا رسول الله ألا أضرب عنقه فإنه قد نافق قال له النبي عليه الصلاة والسلام أما علمت أن الله اطلع على أهل بدر أو إلى أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم وكان حاطب من أهل بدر رضي الله عنه .
فالمهم أن هذه الغزاة تخلف عنها كعب، لكنها ليست غزاة في أول الأمر إلا في ثاني الحال وكانت غزاه مباركة ولله الحمد، ثم ذكر بيعته النبي صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة في منى، حيث بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام وقال إنه لا يحب أن يكون له بدلها بدر .
أي هي أحب إليه من غزوة بدر لأنها بيعة عظيمة .
لكن يقول كانت بدر أذكر في الناس منها أي أكثر ذكراً لأنها غزوة اشتهرت بخلاف البيعة .
على كل حال كأنه يسلي نفسه بأنه إن فاتته بدر فقد حصلت له بيعة العقبة فرضي الله عن كعب وعن جميع الصحابة .
يقول رضي الله عنه إني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة أي غزوة تبوك كان قوي البدن ميسور الحال حتى إنه كان عنده راحلتان في تلك الغزوة وما جمع راحلتين في غزوة قبلها أبداً .
وقد استعد وتجهز، وكان من عادة النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا أراد غزوة - ورى بغيرها - أي أظهر خلاف ما يريد وهذا من حكمته وحنكته في الحرب، لأنه لو أظهر وجهه تبين ذلك لعدوه فربما يستعد له أكثر وربما يذهب عن مكانه الذي قصده النبي صلى الله عليه وسلم فيه .
فكان مثلاً إذا أراد أن يخرج إلى الجنوب ورى وكأنه يريد أن يخرج إلى الشمال أو أراد أن يخرج إلى الشرق ورى وكأنه يريد أن يخرج إلى الغرب حتى لا يطلع العدو على أسراره إلا في غزوة تبوك فإنه قد بين أمرها ووضحها وجلاها لأصحابه وذلك لأمور: أولاً لأنها كانت في شدة الحر حين طابت الثمار والنفوس مجبوله على الركون إلى الكسل وإلى الرخاء .
ثانياً: أن المدى بعيد من المدينة إلى تبوك ففيها مفاوز ورمال وعطش وشمس .
ثالثاً أن العدو كبير وهم الروم اجتمعوا في عدد هائل حسب ما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم فلذلك أوضح أمر الغزوة وأخبر أنه خارج إلى تبوك إلى عدو كثير وإلى مكان بعيد حتى يتأهب الناس فخرج المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتخلف إلا من خذله الله بالنفاق وثلاثة رجال فقط هم كعب بن مالك ومرارة بين الربيع وهلال بن أمية رضي الله عنهم .
هؤلاء من المؤمنين الخلص لكن تخلفوا لأمر أراده الله عز وجل أما غيرهم ممن تخلف فإنهم منافقون ومنغمسون في النفاق فخرج النبي عليه الصلاة والسلام بأصحابه وهم كثير إلى جهة تبوك حتى نزل بها هناك ولكن الله لم يجمع بينه وبين عدوه بل بقي عشرين يوماً في ذلك المكان ثم انصرف على غير حرب .
يقول كعب بن مالك: إن الرسول صلى الله عليه وسلم تجهز هو والمسلمون وخرجوا من المدينة أما هو رضي الله عنه فتأخر وجعل يغدو كل صباح يرحل راحلته ويقول ألحق بهم ولكنه لا يفعل شيئاً ثم يفعل كل يوم حتى تمادى به الأمر ولم يدرك .
وفي هذا دليل على أن الإنسان إذا لم يبادر بالعمل الصالح فإنه حرى أن يحرم إياه كما قال الله سبحانه: { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون } فالإنسان إذا علم الحق ولم يقبل عليه ولم يعمل به أول مرة فإن ذلك قد يفوته ويحرم إياه والعياذ بالله كما أن الإنسان إذا لم يصبر أول مرة فإنه يحرم أجرها لقول النبي عليه الصلاة والسلام إنما الصبر عند الصدمة الأولى فعليك يا أخي أن تبادر بالأعمال الصالحة ولا تتأخر فتتمادى بك الأيام ثم تعجز وتكسل ويغلب عليك الشيطان والهوى فتتأخر .
هو رضي الله عنه كل يوم يقول: أخرج ولكن تمادى به الأمر ولم يخرج .
يقول فكان يحز في نفسي أنه إذا خرج إلى سوق المدينة وإذا المدينة ليس فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا السابقين من المهاجرين والأنصار إلا رجل مغموس في النفاق والعياذ بالله قد غمسه نفاقه فلم يخرج، أو رجل معذور عذره الله عز وجل فكان يعتب على نفسه كيف لا يبقى في المدينة إلا هؤلاء وأقعد معهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يذكره ولم يسأل عنه حتى وصل إلى تبوك .
فبينما هو جالس وأصحابه في تبوك سأل عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أين كعب بن مالك فتكلم فيه رجل من بني سلمة وغمزه ولكن دافع عنه معاذ بن جبل رضي الله عنه فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجب بشيء لا على الذي غمزه ولا على الذي رد عنه .
فبينما هو كذلك إذ رأى رجلاً مبيضاً بياضاً يزول به السراب من بعيد فقال النبي صلى الله عليه وسلم كن أبا خيثمة الأنصاري فكان أبا خيثمة وهذا من فراسة النبي عليه الصلاة والسلام أو من قوة نظره ولا شك أنه أقوى الرجال نظراً وسمعاً ونطقا وفي كل شيء وأعطي قوة ثلاثين رجلاً بالنسبة للنساء .
أبو خيثمة هذا هو الذي تصدق بصاع عندما حث النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة فتصدق الناس كل بحسب حاله فكان الرجل إذا جاء بالصدقة الكثيرة قال المنافقون هذا مزاء ما أكثر الصدقة ابتغاء وجه الله .
وإذا جاء الرجل الفقير بالصدقة اليسيرة قالوا إن الله غني عن صاع هذا انظر - والعياذ بالله - يلمزون المؤمنين من هنا وهنا كما قال الله { الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم } أي إذا تصدقوا بما يستطيعون قالوا إن الله غني عن صاعك { فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم } وهكذا المنافق شر على المسلمين، فإن رأى أهل الخير لمزهم وإن رأى المقصرين لمزهم وهو أخبث عباد الله فهو في الدرك الأسفل من النار .
المنافقون في زمننا هذا إذا رأوا أهل الخير وأهل الدعوة وأهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قالوا هؤلاء متزمتون وهؤلاء متشددون وهؤلاء أصوليون هؤلاء رجعيون وما أشبه من الكلام .
فكل هذا موروث عن المنافقين في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام إلى يومنا هذا، لا تقولوا ليس عندنا منافقون بل عندنا منافقون ولهم علامات كثيرة .
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في كتابه مدارج السالكين في الجزء الأول صفات كثيرة من صفات المنافقين كلها مبينة في كتاب الله عز وجل .
فإذا رأيت رجلا يلمز المؤمنين من هنا ومن هنا فاعلم أنه منافق والعياذ بالله فاستفدنا فائدتين عظيمتين: الفائدة الأولى: أن الإنسان لا ينبغي له أن يتأخر عن فعل الخير بل لابد أن يتقدم ولا يتهاون أو يتكاسل .
وأذكر حديثاً قال النبي عليه الصلاة والسلام في الذين يتقدمون إلى المسجد ولكن لا يتقدمون إلى الصف الأول بل يكونون في مؤخره، قال لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله إذا عود الإنسان نفسه على التأخر أخره الله عز وجل فبادر بالأعمال الصالحة من حين أن يأتي طلبها من عند الله عز وجل .
الفائدة الثانية أن المنافقين يلمزون المؤمنين كما سبق .
وأبو خيثمة هو الذي تصدق بصاع فقال المنافقون إن الله غني عن صاع هذا الرجل ولكنهم منافقون لا يؤمنون .
ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام إن الرجل يتصدق بعدل تمرة أي بما يعادل تمرة فيأخذها الله عز وجل فيربيها كما يربي أحدكم فلوه - أي مهمره الحصان الصغير حتى تكون مثل الجبل بل قال الرسول عليه الصلاة والسلام اتقوا النار ولو بشق تمرة أي نصف تمرة بل قال الله عز وجل { فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره } والله لا يضيع أجر المحسنين .
يقول رضي الله عنه إنه لما بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم رجع قافلاً من الغزو بدأ يفكر ويشاور ماذا يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رجع يريد أن يتحدث بحديث وإن كان كذبا من أجل أن يعذره النبي صلى الله عليه وسلم فيه ويجعل يشاور ذوي الرأي من أهله ماذا يقول ولكن يقول رضي الله عنه فلما بلغ النبي عليه الصلاة والسلام المدينة، ذهب عنه كل ما جمعه من الباطل وعزم على أن يبين الحق فقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ودخل المسجد وكان من عادته وسنته أنه إذا قدم بلده فأول ما يفعل أن يصلي في المسجد عليه الصلاة والسلام .
وهكذا أمر جابراً رضي الله عنه كما سأذكره إن شاء الله فدخل المسجد وصلى وجلس للناس فجاءه المخلفون الذين تخلفوا من غير عذر من المنافقين وجعلوا يحلفون له إنهم معذرون فيبايعهم ويستغفر لهم ولكن ذلك لا يفيدهم والعياذ بالله، لأن الله قال { استغفر لهم أولا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم } فيقول أما أنا فعزمت أن أصدق النبي عليه الصلاة والسلام فدخلت المسجد فسلمت عليه فتبسم تبسم المغضب - أي الذي غير راض عني - ثم قال تعال فدنوت منه فلما دنوت منه قال لي ما خلفك فقال رضي الله عنه يا رسول الله لم أتخلف لعذر وما جمعت راحلتين قبل غزوتي هذه وإني لو جلست عند أحد من ملوك الدنيا لخرجت منه بعذر فلقد أوتيت جدلاً أي لو أني جلست عند شخص من الملوك لعرفت كيف أتخلص منه لأن الله قد أعطاني جدلاً .
ولكني لا أحدثك اليوم حديثاً ترضى به عني فيوشك أن يسخط الله علي في ذلك انظر إلى الإيمان فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بالصدق فأجله .
وفي هذا فوائد أولا أن الله سبحانه وتعالى قد يمن على العبد فيعصمه من المعصية إذا علم من قلبه حسن النية .
فإن كعباً لما هم أن يزور على الرسول عليه الصلاة والسلام جلى الله ذلك عن قلبه وأزاله عن قلبه، وعزم على أن يصدق النبي عليه الصلاة والسلام .
ثانياً أن الإنسان إذا قدم بلده أن يعمد إلى المسجد قبل أن يدخل إلى بيته فيصلي فيه ركعتين لأن هذه سنة الرسول عليه الصلاة والسلام القولية والفعلية .
أما الفعلية فكما في حديث كعب بن مالك .
وأما القولية فإن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حين باع على النبي صلى الله عليه وسلم جمله في أثناء الطريق واستثنى أن يركبه إلى المدينة وأعطي النبي صلى الله عليه وسلم شرطه فقدم جابر المدينة وقد قدم النبي صلى الله عليه وسلم قبله فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره أن يدخل المسجد ويصلي ركعتين .
وما أظن أحداً من الناس اليوم إلا قليلاً يستعمل هذه السنة، وهذا لجهل الناس بهذا وإلا فهذا سهل والحمد لله .
وسواء صليت في مسجدك الذي كنت تصلي فيه القريب من بيتك أو صليت في أدنى مسجد من مساجد البلد الذي أنت فيه ثالثاُ أن كعب بن مالك رجل قوي الحجة فصيح ولكن لتقواه وخوفه من الله امتنع أن يكذب وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بالحق .
رابعاً أن الإنسان المغضب قد يبتسم فإذا قال قائل كيف أعرف أن هذا تبسم رضى أو تبسم سخط ؟ قلنا إن هذا يعرف بالقرائن كتلون الوجه وتغيره .
فالإنسان يعرف أن هذا الرجل تبسم رضا بما صنع أو سخطاً عليه خامسا أنه يجوز للإنسان أن يسلم قائماً على القاعد لأن كعباً سلم وهو قائم فقال له النبي عليه الصلاة والسلام تعال سادسا أن الكلام عن قرب أبلغ من الكلام عن بعد فإنه كان بإمكان الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكلم كعب بن مالك ولو كان بعيداً عنه لكنه أمره أن يدنو منه لأن هذا أبلغ في الأخذ والرد والمعاتبة، فلهذا قال له الرسول عليه الصلاة والسلام ادن .
سابعاً ومنها كمال يقين كعب بن مالك رضي الله عنه حيث أنه قال إنني أستطيع أن أخرج بعذر من الرسول ولكن لا يمكن أن أخرج منه بعذر يعذرني فيه اليوم ثم يغضب الله على فيه غداً .
ثامناً إن الله يعلم السر وأخفى فإن كعباً خاف أن يسمع الله محاورته للرسول عليه الصلاة والسلام فينزل الله فيه قرآناً كما أنزل في قصة المرأة المجادلة التي جاءت إلى الرسول عليه الصلاة والسلام تشكو زوجها حين ظاهر منها فأنزل الله فيها آية من القرآن { قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير } يقول كعب إنه أتى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وصدقه القول وأخبره أنه لا عذر له لا في بدنه ولا في ماله بل إنه لم يجمع راحلتين في غزوة قبل هذه .
فقال النبي صلى الله عليه وسلم أما هذا فقد صدق ويكفي له فخراً أن وصفه الرسول عليه الصلاة والسلام بالصدق فاذهب حتى يقضي الله فيك ما شاء فذهب الرجل مستسلماً لأمر الله عز وجل مؤمناً بالله وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن .
فلحقه قومه من بني سلمة وجعلوا يزينون له أن يرجع عن إقراره وقالوا له إنك لم تذنب ذنباً قبل هذا المعنى ما تخلفت به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكفيك أن يستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا استغفر لك الرسول صلى الله عليه وسلم غفر الله لك .
فارجع كذب نفسك قل إني معذور حتى يستغفر لك الرسول عليه الصلاة والسلام فيمن استغفر لهم ممن جاؤوا يعتذرون إليه فهم أن يفعل رضي الله عنه ولكن الله سبحانه أنقذه وكتب له هذه المنقبة العظيمة التي تتلى في كتاب الله إلى قيام الساعة .
فسأل قومه هل أحد صنع مثلما صنعت قالوا نعم هلال بن أمية ومرارة بن الربيع قالا مثلما قلت وقيل لهما مثلما قيل لك .
يقول فذكروا لي رجلين صالحين شهدا بدراً لي فيهما أسوة أحياناً يقيض الله للإنسان ما يجعله يدع الشر اقتداء بغيره وتأسياً به فهو رضي الله عنه لما ذكر له هذان الرجلان وهما من خيار عباد الله من الذين شهدوا بدراً .
فقال لي فيهما أسوة فمضيت أي لم يرجع إلى النبي عليه الصلاة والسلام فأمر الرسول عليه الصلاة والسلام الناس أن يهجروهم فلا يكلموهم .
فهجرهم المسلمون ولكنهم بعد ذلك صاروا يمشون وكأنهم بلا عقول قد ذهلوا، وتنكرت لهم الأرض فما هي بالأرض التي كانوا يعرفونها لأنهم يمشون إن سلموا لا يرد عليهم السلام وإن قابلهم أحد لم يبدأهم بالسلام، وحتى النبي عليه الصلاة والسلام أحسن الناس خلقاً لا يسلم عليهم السلام العادي .
يقول كعب كنت أحضر وأسلم على النبي فلا أدري أحرك شفتيه برد السلام أم لا .
هذا هو النبي عليه الصلاة والسلام وما ظنك برجل يهجر في هذا المجتمع الإسلامي الذي هو خير القرون حتى تضيق عليه الأرض، وفعلاً ضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه وبقوا على هذه الحال مدة خمسين يوماً أي شهراً كاملاً وعشرين يوماً .
والناس قد هجروهم فلا يسلمون عليهم ولا يردون السلام إذا سلموا وكأنهم في الناس إبل جرب لا يقربهم أحد .
فضاقت عليهم الأمور وصعبت عليهم الأحوال وفروا إلى الله عز وجل ولكن مع ذلك لم يكن كعب بن مالك يدع الصلاة مع الجماعة .
فكان يحضر ويسلم على النبي عليه الصلاة والسلام ولكن في آخر الأمور ربما يتخلف عن الصلوات لما يجد في نفسه من الضيق والحرج لأنه يخجل أن يأتي إلى قوم يصلي معهم وهم لا يكلمونه أبداً لا بكلمة طيبة ولا بكلمة تأنيب .
فضاقت عليهم الأرض وبقوا على هذه الحالة خمسين ليلة تامة ولما تمت لهم أربعون ليلة أرسل إليهم النبي عليه الصلاة والسلام أن يعتزلوا نساءهم ..
.
إلى هذا الحد .
وما ظنك بكعب بن مالك وهو شاب يعزل عن امرأته أمر عظيم ولكن مع ذلك لما جاءهم رسول رسول الله عليه الصلاة والسلام وقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك قال أطلقها أم لا لأنه لو قال له طلقها طلقها بكل سهولة طاعة لله ورسوله فقال له رسول الرسول إن الرسول عليه الصلاة والسلام يأمرك أن تعتزل أهلك وبقي على ظاهر اللفظ .
حتى الصحابي الذي أرسل ما حرف النص لا معنى ولا لفظاً قال هكذا قال ولا أدري وهذا من أدب الصحابة رضي الله عنهم ما قال أظن أنه يريد أن تطلقها ولا أظن أنه يريد أن لا تطلقها ما قال شيئاً بل قال إن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا فقال كعب لزوجته الحقى بأهلك فلحقت بأهلها وسيأتي .
يقول رضي الله عنه فأما صاحباي فاستكانا في بيوتهما يبكيان لأنهما لا يستطيعان أن يمشيا في الأسواق والناس قد هجروهم لا يلتفت إليهم أحد فعجزوا عن تحمل هذه الحال فبقيا في بيوتهما يبكيان .
يقول وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم أشبهم أقواهم وأجلدهم أصبرهم لأنه أصغر منهم سنا فكان يشهد الجماعة مع المسلمين ويطوف بأسواق المدينة لا يكلمه أحد .
يقول وكنت آتي المسجد فأصلي وأسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس للناس بعد الصلاة فأقول هل حرك شفتيه برد السلام أم لا أي ما يرد عليه رداً يسمع هذا مع أن النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقاً ولكن امتثالاً لما أوحى الله إليه أن يهجر هؤلاء القوم هجرهم .
ويقول كنت أصلي وأسارق النبي صلى الله عليه وسلم النظر أي أنظر إليه أحياناً وأنا أصلي فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي وإذا التفت إليه أعرض عني .
كل هذا من شدة الهجر .
يقول فبينما أنا أمشي ذات يوم في أسواق المدينة وطال علي جفوة الناس تسورت حائطا لأبي قتادة رضي الله عنه أي دخله من فوق الجدار من دون الباب وكأن الباب مغلق والعلم عند الله .
يقول فسلمت عليه فوالله ما رد علي السلام وهو ابن عمه وأحب الناس إليه ومع ذلك لم يرد عليه السلام .
مع أن الرجل كان مجفيا من الناس منبوذاً لا يكلم ولا يسلم عليه ولا يرد عليه السلام ومع ذلك لم يعطف عليه ابن عمه أبو قتادة كل هذا طاعة لله ورسوله لأن الصحابة رضي الله عنهم لا تأخذهم في الله لومة لائم ولا يحابون أحداً في دين الله ولو كان من أحب الناس إليه فقلت له أنشدك الله هل تعلم أني أحب الله ورسوله فلم يرد عليه .
فقلت أنشدك الله هل تعلم أني أحب الله ورسوله فلم يرد عليه .
مرتين يناشده وأبو قتادة يدري أن كعب بن مالك يحب الله ورسوله، فلما رد عليه الثالثة وقال أنشدك الله هل تعلم أني أحب الله ورسوله فقال الله ورسوله أعلم لم يكلمه فلم يقل نعم ولا قال لا قال كلمة لا تعد خطاباً يقول ففاضت عيناي - أي بكي - أن رجلاً ابن عمه أحب الناس إليه لا يكلمه مع هذه المناشدة العظيمة .
مع أنها مسألة تعبدية لأن قوله أنشدك الله هل تعلم أني أحب الله ورسوله شهادة ومع ذلك لم يشهد له مع أنه يعلم أنه يحب الله ورسوله .
وتسور البستان أي خرج إلى السوق فبينما هو يمشي إذا برجل نبطي من أنباط الشام والنبطي الذي ليس بعربي ولا بعجمي وسموا بذلك لأنهم كانوا يخرجون في البراري يستنبطون الماء يقول من يدلني على كعب بن مالك أهل الشر ينتهزون الفرص .
فعندما قال من يدلني على كعب بن مالك قلت أنا هو فأعطاني الورقة وكنت كاتباً لأن الكتاب في ذلك العهد قليلون جداً .
يقول فقرأت الكتاب فإذا فيه أما بعد فقد بلغنا أن صاحبك جفاك أي الرسول عليه الصلاة والسلام وكان هذا الملك ملك غسان كافراً وإنك لست بدار هوان ولا مضيعة أي لا تبقى في الدار في ذل وضياع وهوان فتعال إلينا الحق بنا نواسك أي تعالى إلينا نواسك بأموالنا وربما نواسك بملكنا .
ولكن الرجل رجل مؤمن بالله ورسوله ومحب لله ورسوله قال وهذه من البلاء أي الإمتحان وصدق رضي الله عنه .
رجل مجفو لا يكلم مهجور منبوذ حتى من أقرب الناس إليه لو كان في قلبه ضعف إيمان لانتهز الفرصة بدعوة هذا الملك وذهب إليه .
ثم ذهب إلى التنور فسجره فيه أي أوقدها .
وإنما أوقدها في التنور ولم يجعلها معه لئلا توسوس له نفسه بعد ذلك أن يذهب إلى هذا الملك .
فأتلفها لكي ييأس منها ولا يحاول أن يجعلها حجة يذهب بها إلى هذا الملك ثم بقى على ذلك مدة .
ففي هذه القطعة من الحديث دليل على جواز التخلف عن الجماعة إذا كان الإنسان مهجوراً منبوذاً وعجزت نفسه أن تتحمل هذا كما فعل صاحبا كعب لأنه لا يشك أنه من الضيق والحرج أن يأتي الإنسان إلى المسجد مع الجماعة لا يسلم عليه ولا يرد سلامه ومهجور ومنبوذ هذا تضيق به نفسه ذرعاً، وهذا عذر كما قال العلماء .
ومن فوائده شدة امتثال الصحابة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم ودليل ذلك ما جرى لأبي قتادة مع كعب .
ومن فوائده أنه يجب التحرز من أصحاب الشر وأهل السوء الذين ينتهزون الضعف في الإنسان والفرص في إضاعته وهلاكه .
فإن هذا الملك انتهز الفرصة في كعب يدعوه إلى الضلال لعله يرجع عن دينه إلى دين هذا الملك بسبب حال كعب .
ومن فوائده قوة كعب بن مالك في دين الله وأنه من المؤمنين الخلص وليس ممن قال الله فيهم { ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله } من الناس من يقول آمنا بالله ولكن إيمانه ضعيف إذا أوذي في الله ارتد والعياذ بالله وفسق وترك الطاعة .
كعب بن مالك أوذي في الله إيذاء أيما إيذاء لكنه صبر واحتسب وانتظر الفرج ففرج الله له تفريجا لم يكن لأحد غيره وصاحبيه أنزل الله فيهم ثناء عليهم آيات تتلى إلى يوم القيامة، نحن نقرأ قصتهم في القرآن في صلاتنا هذا فضل عظيم .
ومن فوائد الحديث أنه ينبغي للإنسان إذا رأى فتنة أو خوف فتنة أن يتلف هذا الذي يكون سبباً لفتنته .
فإن كعباً لما خاف على نفسه أن تميل فيما بعد إلى هذا الملك ويتخذ هذه الورقة وثيقة حرقها رضي الله عنه .
ومنه أيضاً ما جرى لسليمان بن داود عليهما السلام حينما عرضت عليه الخيل الصافنات الجياد في وقت العصر فغفل فيما عرض عليه الصلاة حتى غابت الشمس فلما غابت الشمس وهو لم يصل العصر دعا بها فجعل يضرب أعناقها وسوقها انتقاماً من نفسه لنفسه لأنه انتقم من نفسه التي لهت بهذه الصافنات الجياد عن ذكر الله { فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق } فالمهم أنك إذا رأيت شيئاً من مالك يصدك عن ذكر الله فأبعده عنك بأي وسيلة تكون حتى لا يكون سبباً لإلهائك عن ذكر الله .
فإن الذي يلهى عن ذكر الله خسارة كما قال تعالى { يا أيها آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون } يقول رضي الله عنه فلما تمت لنا أربعون ليلة أي شهر وعشرة أيام وكان الوحي قد استلبث أي لم ينزل كل هذه المدة وهذا من حكمة الله عز وجل في الأمور الكبيرة العظيمة يستلبث الوحي كما في هذه القصة وكما في قصة الإفك حين انقطع الوحي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا لحكمة الله عز وجل حتى يتشوف الناس إلى الوحي ويتشرقوا إليه ماذا سينزل رب العالمين عز وجل .
بقى الوحي أربعين ليلة ما نزل فلما تمت أربعون ليلة أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى كعب وصاحبيه أن يعتزلوا نساءهم وقد سبق .
وجاءت زوجة هلال بن أمية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرته بأنه في حاجة إليها لتخدمه لأنه ليس له خادم فأذن لها النبي صلى الله عليه وسلم بشرط أن لا يقربها فقالت: إنه ليس له في هذا الأمر من شيء يعني أنه ليس له شهوة في النساء وإنه ما زال يبكي رضي الله عنه منذ أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهجرهم إلى يومه هذا لأنه ما يدري ماذا تكون النهاية .
يقول رضي الله عنه فلما مضى عشر ليال بعد هذا وكنت ذات يوم أصلي الصبح على سطح بيت من بيوتنا لأنه كما مر كانوا رضي الله عنهم قد ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم .
يقول فسمعت صارخاً يقول وهو على سلع - وهو جبل معروف في المدينة وصاح بأعلى صوته يقول يا كعب بن مالك أبشر يقول فعلمت أن الله قد أنزل في فرجي وركب فارس من المسجد يؤم بيت كعب بن مالك يبشره .
وذهب مبشرون إلى هلال بن أمية ومرارة بن الربيع يبشرونهما بتوبة الله عليهما .
انظر إلى فرح المسلمين بعضهم مع بعض كل يسعى ويركض من جهة .
يقول فجاء الصارخ وجاء صاحب الفرس فكانت البشرى للصارخ لأن الصوت أسرع من الفرس يقول فأعطيته ثوبي الإزار والرداء وليس يملك غيرهما لكن استعار من أهله أو جيرانه ثوبين فلبسهما وأعطى ثوبيه هذا الذي بشره .
أعطاه كل ما يملك، لكنها والله بشرى عظيمة أن ينزل الله توبتهم ويمن عليهم بالتوبة .
ثم نزل متوجهاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جزاه الله عن أمته خيراً قد بشر الناس بعد صلاة الصبح بأن الله أنزل توبته على هؤلاء الثلاثة، لأنه يحب من أصحابه وأمته إلى أن يتوبوا ويرجعوا إلى الله .
يقول فذهبت أتأمم الرسول فجعل الناس يلاقونني أفواجاً أي جماعات يهنئونه بتوبة الله عليه .
هؤلاء القوم يحبون لإخوانهم ما يحبون لأنفسهم فلم يحسدوهم على ما أنعم الله به عليهم من إنزال القرآن العظيم بتوبتهم بل جعلوا يهنئونهم حتى دخل المسجد .
وفي هذا فوائد: أولاً شدة هجر النبي عليه الصلاة والسلام لهؤلاء الثلاثة حتى إنه أمرهم أن يعتزلوا نساءهم والتفريق بين الرجل وامرأته أمر عظيم .
ثانياً وفيه قول الرجل لامرأته الحقي بأهلك ليس بطلاق لأن كعباً فرق بين قوله الحقي بأهلك وبين الطلاق، فإذا قال الرجل لامرأته الحقي بأهلك ولم ينو الطلاق فليس بطلاق .
أما إذا نوى الطلاق فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى الحديث فإذا ما نوى بهذه الكلمة وأمثالها الطلاق فله ما نوى .
ثالثاً: شدة امتثال الصحابة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم أنه رضي الله عنه ما تردد ولا قال لعلي أراجع الرسول عليه الصلاة والسلام .
أو قال للرسول الذي أرسله النبي صلى الله عليه وسلم ارجع إليه لعله يسمح بل وافق بكل شيء .
رابعاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان رحيما بأمته فإنه بعد أن أمره باعتزال النساء لهن رخص لهلال بن أمية لأنه يحتاج لخدمة امرأته .
خامساً جواز حكاية الحال عند الاستفتاء أو الشهادة أو ما أشبه ذلك، وإن كان المحكي عنه قد لا يحب أن يطلع عليه الناس لأن امرأة هلال بن أمية ذكرت من حاله أنه ليس له حاجة إلى شيء من النساء .
سادساً أن الإنسان إذا حصل له مثل هذه الحال وهجره الناس وصار يتأذى من مشاهدتهم ولا يتحمل فإنه له أن يتخلف عن صلاة الجماعة وإن هذا عذر لأنه لو جاء إلى المسجد في هذه الحال سوف يكون متشوشاً غير مطمئن في صلاته ولهذا صلى كعب بن مالك صلاة الفجر على ظهر بيت من بيوته وسبق لنا ذكر هذه الفائدة سابعاً حرص الصحابة على التسابق إلى البشرى لأن البشرى فيها إدخال السرور على المسلم وإدخال السرور على المسلم مما يقرب إلى الله عز وجل لأنه إحسان والله سبحانه يحب المحسنين ولا يضيع أجرهم .
فلذلك ينبغي لك إذا رأيت من أخيك شيئاً يسره كأن يكون خبراً ساراً أو رؤيا سارة ؟ أو ما أشبه ذلك أن تبشره بذلك لأنك تدخل السرور عليه .
ثامناً أنه ينبغي مكافأة من بشرك بهدية تكون مناسبة للحال لأن كعب بن مالك أعطى الذي بشره ثوبيه وهذا نظير ما صح به الخبر عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وكان يأمر الناس إذا حجوا أن يتمتعوا بالعمرة إلى الحج وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ينهى عن المتعة لأنه يحب أن يعتمر الناس في وقت حتى يكون البيت دائماً معموراً بالزوار، فعل هذا اجتهاداً منه رضي الله عنه وهو من الاجتهاد المغفور وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام أولى .
المهم أن رجلاً استفتى عبد الله بن عباس في هذه المسألة فأمره أن يتمتع وأن يحرم بالعمرة ويحل منها .
فرأى هذا الرجل في المنام شخصاً يقول له حج مبرور وعمرة متقبلة فأخبر بذلك عبد الله بن عباس الذي أفتاه، ففرح بذلك ابن عباس وأمره أن يبقى حتى يعطيه من عطائه أي يعطيه هدية على ما بشره به من هذه الرؤيا التي تدل على صواب ما أفتاه به ابن عباس .
والمهم أن من بشرك بشيء فأقل الأحوال أن تدعو له بالبشارة أو تهدي له ما تيسر وكل إنسان بقدر حاله .
يقول رضي الله عنه حتى دخلت المسجد وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وحوله أصحابه فقام إلى كعب طلحة بين عبيد الله رضي الله عنه فصافحه وهنأه بتوبة الله عليه .
يقول والله ما قام إلي أحد من المهاجرين رجل غير طلحة فكان لا ينساها له حيث قام ولاقاه وصافحه وهنأه حتى وقف على النبي صلى الله عليه وسلم وإذا وجهه تبرق أساريره لأنه عليه الصلاة والسلام سره أن يتوب الله على هؤلاء الثلاثة الذين صدقوا الله ورسوله وأخبروا بالصدق عن إيمان وحصل عليهم ما جرى من الأمر العظيم من هجر الناس لهم خمسين يوماً حتى نسائهم بعد الأربعين أمر الرسول عليه الصلاة والسلام أن يعتزلوهن .
ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك وصدق النبي صلى الله عليه وسلم لأنه الله أنزل توبته وتوبة صاحبيه في قرآن يتلى تكلم به رب العالمين عز وجل وأنزله على محمد صلى الله عليه وسلم محفوظاً بواسطة جبريل ومحفوظاً إلى يوم القيامة .
ولا يوجد أحد سوى الأنبياء أو من ذكرهم الله في القرآن حفظت قصته كما حفظت قصة كعب بن مالك وصاحبيه .
بقيت هذه القصة تتلى في كتاب الله في المحاريب وعلى المنابر وفي كل مكان ومن قرأ هذه القصة فله بكل حرف عشر حسنات .
فقلت له أمن عندك يا رسول الله أو من عند الله ؟ قال لا بل من عند الله عز وجل لأنه إذا كان من عند الله كان أشرف وأفضل وأعظم .
فقال كعب إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله أي يتخلى عنه ويجعله صدقة إلى الله ورسوله شأنه وتدبيره فقال النبي صلى الله عليه وسلم أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك فأمسكه رضي الله عنه .
ففي هذه القطعة من الحديث فوائد: أولاً فيها دليل على أن من السنة إذا أتى الإنسان ما يسره أن يهنأ به ويبشر به سواء كان خير دين أو خير دنيا .
ولهذا بشرت الملائكة إبراهيم عليه السلام بغلام حليم وبغلام عليم .
الغلام الحليم إسماعيل والغلام العليم إسحاق ثانياً إنه لا بأس بالقيام إلى الرجل لمصافحته وتهنئته بما يسره والقيام إلى الرجل لا بأس به قد جاءت به السنة وكذلك القيام للرجل وأنت باق في مكانك لا تتحرك إليه فهذا أيضاً لا بأس به إذا اعتاد الناس لأنه لم يرد النهي عنه وإنما النهي والتحذير من الذي يقام له لا من القائم فإن من يقام له قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام من أحب أن يتمثل له الناس قياماً فليتبوأ مقعده من النار قال أهل العلم والقيام ثلاثة أقسام .
الأول قيام إلى الرجل الثاني قيام للرجل .
والثالث: قيام على الرجل فالقيام إلى الرجل لا بأس به وقد جاءت به السنة أمراً وإقرارً وفعلاً أما الأمر فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما أقبل سعد بن معاذ رضي الله عنه عند تحكيمه في بني قريظة قال الرسول عليه الصلاة والسلام قوموا إلى سيدكم وكان سعد بن معاذ رضي الله عنه قد أصيب في غزوة الأحزاب في أكحله - وهو عرق في اليد إذا انفجر مات الإنسان - فدعا الله أن لا يميته حتى يقر عينه في بني قريظة وكانوا حلفاء للأوس وخانوا عهد النبي عليه الصلاة والسلام وصاروا مع الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما طعن سعد قال اللهم لا تمتني حتى تقر عيني في بني قريظة وكان من علو منزلته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يضرب له خباء في المسجد - أي خيمة صغيرة - لأجل أن يعوده من قريب فكان يعوده من قريب .
ولما حصلت غزوة قريظة ورضوا أن يحكم فيهم سعد بن معاذ أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يحضر سعد إلى بني قريظة فجاء راكباً على حمار لأنه قد أنهكه الجرح فلما أقبل قال الرسول عليه الصلاة والسلام قوموا إلى سيدكم فقاموا فأنزلوه فقال الرسول عليه الصلاة والسلام له إن اليهود من بني قريظة حكموك فقال رضي الله عنه حكمي نافذ فيهم قال نعم وأقروا به وقالوا نعم حكمك نافذ .
قال وفيمن هاهنا - يشير إلى الرسول عليه الصلاة والسلام والصحابة قالوا نعم فقال أحكم فيهم أن تقتل مقاتلهم وتسبى ذريتهم ونساؤهم وتغنم أموالهم حكم صارم .
قال الرسول عليه الصلاة والسلام حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماواته فنفذ النبي صلى الله عليه وسلم حكمه وقتل منهم سبعمائة رجل وسبي نساءهم وذرياتهم وغنم أموالهم .
الشاهد قوله قوموا إلى سيدكم هذا فعل أمر ولما دخل كعب إلى المسجد قام إليه طلحة بن عبيد الله والنبي صلى الله عليه وسلم يشاهد ولم ينكر عليه .
ولما قدم وفد ثقيف إلى الرسول عليه الصلاة والسلام بالجعرانة قبل الغزوة قام لهم أو قام إليهم عليه الصلاة والسلام .
الثاني القيام للرجل هذا لا بأس به لاسيما إذا اعتاد الناس ذلك وصار الداخل إذا لم تقم له يعد ذلك امتهاناً له فإن ذلك لا بأس به وإن كان الأولى تركه كما في السنة لكن إذا اعتاده فلا حرج فيه .
الثالث القيام عليه كأن يكون جالساً ويقوم واحد على رأسه تعظيماً له فهذا منهي عنه قال الرسول عليه الصلاة والسلام لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضا حتى إنه في الصلاة إذا صار الإمام لا يستطيع القيام وصلى جالسا فإن المأمومين يصلون جلوسا ولو كانوا يقدرون على القيام لئلا يشبهوا الأعاجم الذين يقومون على ملوكهم .
فالقيام على الرجل منهي عنه اللهم إلا إذا دعت الحاجة لذلك كأن خاف على الرجل أن يعتدي عليه أحد فلا بأس أن يقوم عليه القائم وكذلك إذا قام الرجل إكراما له في حال بقصد فيه إكرامه وإهانة العدو مثل ما حصل من المغيرة بن شعبة رضي الله عنه في صلح الحديبية حينما كانت قريش تراسل النبي صلى الله عليه وسلم للمفاوضة فيما بينهم .
كان المغيرة بن شعبة رضي الله عنه واقفا على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيده السيف تعظيماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإهانة لرسل الكفار الذين يأتون للمفاوضة .
وفي هذا دليل على أنه ينبغي لنا نحن المسلمين أن نغيظ الكفار بالقول وبالفعل لأنا هكذا أمرنا قال الله سبحانه { يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم } وقال تعالى { ليغيظ بهم الكفار } وقال الله تعالى { ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح } ومن المؤسف أن منا من يدخل عليهم السرور والفرح وربما يشاركهم في أعيادهم والعياذ بالله الكفرية التي لا يرضاها الله بل يسخط عليها والتي يخشى أن ينزل العذاب عليهم وهم يلعبون بهذه الأعياد يوجد من الناس من لا قدر للدين عنده كما قال ابن القيم في أحكام أهل الذمة .
أدخل عليهم ما يحزنهم ويغطيهم ويدخل عليهم أشد ما يكون من الضيق هكذا أمرنا لأنهم أعداء لله ولدينه وللملائكة والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين .
المهم أن المغيرة بن شعبة واقف على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيده السيف تعظيماً له حتى أنه في أثناء المراسلة فعل الصحابة شيئاً لا يفعلونه في العادة .
كان عليه الصلاة والسلام إذا تنخع تلقوا نخامته بأيدهم ثم يمسحون بها وجوههم وصدورهم مع أنهم ما كانوا يفعلون هذا لكن لأجل إذا ذهب رسول الكفار إلى الكفار بين لهم حال الصحابة مع نبيهم عليه الصلاة والسلام .
ولذلك لما رجع الرسول إلى قريش قال والله لقد دخلت على الملوك وكسرى وقيصر والنجاشي فلم أر أحداً يعظمه أصحابه مثلما يعظم أصحاب محمد محمداً رضي الله عنهم وأرضاهم وجزاهم الله عنا خيراً .
المهم أن القيام على الرجل إن كان المقصود به حفظ الرجل أو كان المقصود به إغاظة العدو فإن هذا لا بأس به .
ثالثاً أن من أنعم الله عليه بنعمة فإن من السنة أن يتصدق بشيء من ماله فإن النبي صلى الله عليه وسلم أقر كعب بن مالك على أن يتصدق بشيء من ماله توبة إلى الله عز وجل لما حصل له من هذا الأمر العظيم الذي كان فخراً له يوم القيامة .
ذكر كعب بن مالك أن من توبته أن لا يحدث بحديث كذب بعد إذ نجاه الله تعالى بالصدق، ومازال كذلك ما حدث بحديث كذب أبداً بعد أن تاب الله عليه فكان رضي الله عنه مضرب المثل في الصدق حتى إن الله أنزل فيه وفي صاحبيه { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين } أنزل الله تعالى الآيات في بيان منته عليهم بالتوبة من قوله تعالى { لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم } ففي هذه الآية أكد الله توبته على النبي والمهاجرين والأنصار أكدها بقوله { لقد تاب الله } .
فأما النبي فهو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين الذي غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر .
وأما المهاجرون فهم الذين هاجروا من بلادهم من مكة إلى المدينة هاجروا إلى الله ورسوله فجمعوا في ذلك بين الهجرة ومفارقة الوطن ومفارقة الديار وبين نصرة النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم إنما هاجروا إلى الله ورسوله .
أما الأنصار فهم الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم أهل المدينة رضي الله عنهم الذين آووا النبي ونصروه ومنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم وقدم الله المهاجرين لأنهم أفضل من الأنصار لجمعهم بين الهجرة والنصرة .
وقوله { الذين اتبعوه في ساعة العسرة } وذلك في الخروج معه إلى غزوة تبوك إلى بلاد بعيدة والناس في أشد ما يكونون في الحر والناس في أطيب ما يكونون لو بقوا في ديارهم لأن الوقت وقت قيظ والوقت وقت طيب الثمار وحسن الظلال ولكنهم رضي الله عنهم خرجوا في هذه الساعة الحرجة في ساعة العسرة { من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم } فإن بعضهم كاد يتخلف بدون عذر فيزيغ قلبه ولكن الله عز وجل من عليهم بالاستقامة حتى خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم .
وقوله { ثم تاب عليهم } أكد ذلك مرة أخرى { إنه بهم رءوف رحيم } شملهم بالرأفة والرحمة والرأفة أرق من الرحمة لأنها رحمة ألطف وأعظم من الرحمة العامة .
ثم قال { وعلى الثلاثة الذين خلفوا } والثلاثة هم كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية وخلفوا أي خلف البت في أمرهم وليس المراد تخلفوا عن الغزوة بل خلفهم الرسول عليه الصلاة والسلام لكي ينظر في أمرهم ماذا يكون حكم الله تعالى فيهم .
وقوله { حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت } ضاقت عليهم الأرض مع سعتها والرحب السعة .
حتى قال كعب بن مالك لقد تنكرت لي الأرض حتى قلت لا أدري هل أنا في المدينة أو غيرها من شدة الضيق عليهم .
{ وضاقت عليهم أنفسهم } نفس الإنسان ضاقت عليه فهي لا تتحمل أن تبقى ولكنهم صبروا حتى فرج الله عنهم .
وقوله { وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه } الظن هنا بمعنى اليقين أي أيقنوا أن لا ملجأ من الله أي أنه لا أحد ينفعهم ولا ملجأ من الله إلا إلى الله فالله بيده كل شيء عز وجل .
وقوله { ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم } تاب عليهم لينالوا مراتب التوبة التي لا ينالها إلا أحباب الله كما قال الله { إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين } أما أولئك الذين اعتذروا من المنافقين إلى الرسول عليه الصلاة والسلام واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله فإن الله أنزل فيهم شر ما أنزل في بشر .
فقال { سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم } فلا تلومونهم { فأعرضوا عنهم إنهم رجس } أعوذ بالله رجس الخمر رجس القذر الذي يخرج من دبر الإنسان رجس روث الحمير رجس هؤلاء مثلهم { ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون } بئس المأوى والعياذ بالله إنهم ينتقلون من الدنيا إلى جهنم نسأل الله العافية، نار حامية تطلع على الأفئدة مؤصدة عليهم في عمد ممدة .
{ يحلفون لكم لترضوا عنهم } لأنكم لا تعلمون سرائرهم ولا يبدو لكم إلا الظواهر { فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين } إذا رضى الناس عنك كلهم والله لم يرض عنك فإنه لا ينفعك .
إذا رضى الله عنك أرضى عنك الناس وأمال قلوبهم إليك كما جاء في الحديث إن الله عز وجل إذا أحب شخصا نادى جبريل يا جبريل إني أحب فلاناً فأحبه يعين الله الرجل له فيحبه جبريل ثم ينادى في السماء ثم يوضع له القبول في الأرض فيكون مقبولاً لدى أهل الأرض .
كما قال الله عز وجل { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وداً } لكن إذا التمس الإنسان رضى الناس بسخط الله فالأمر بالعكس يسخط الله عليه ويسخط عليه الناس .
ولهذا لما تولي معاوية رضي الله عنه الخلافة كتبت له عائشة رضي الله عنها قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول من التمس رضى الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس ومن التمس رضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس وما أكثر الذين يطلبون رضى الناس بسخط الخالق عز وجل .
هؤلاء في سخط الله ولو رضى عنهم الناس، فلا ينفعهم رضى الناس قال الله هنا { فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين } حتى لو رضى عنهم النبي أشرف الخلق ما نفعهم لأن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين .
وفي هذه الآية تحذير من الفسق وهو ارتكاب المعاصي التي أعظمها الكفر وكل فسق فإنه ينقص من رضى الله عن الإنسان بحسبه، لأن الحكم المعلق بالوصف يزداد بزيادته وينقص بنقصانه ويقوى بقوته ويضعف بضعفه .
الفسق سبب عدم رضى الله وهو أنواع كثيرة ومراتب عظيمة مثلا عقوق الوالدين من الفسوق وقطيعة الرحم من الفسوق وغش الناس من الفسوق والغدر بالعهد من الفسوق، والكذب من الفسوق، فكل معصية من الفسوق .
لكن صغائر الذنوب تكفرها حسنات الأعمال إذا أصلح الإنسان الحسنات كما قال الله { أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً } وقال { إن الحسنات يذهبن السيئات } أما الكبائر فلا ينفع فيها إلا التوبة .
على كل حال الفسق من أسباب انتفاء رضى الله عن العبد والطاعة من أسباب الرضا .
فعليك يا أخي التزام طاعة الله إن كنت تريد رضاه وإن كنت تريد رضى الناس فأرض الله ذكر رضي الله عنه أنه خرج من المدينة، في يوم الخميس وكان يحب أن يخرج فيه ولكن ذلك ليس بدائم أحياناً يخرج يوم السبت كما خرج في آخر سفرة سافرها في حجة الوداع وربما يخرج في أيام آخر لكن غالب ما يخرج فيه هو يوم الخميس .
وذكر أن البني صلى الله عليه وسلم عاد إلى المدينة ضحى وأنه دخل المسجد فصلى فيه ركعتين وكان هذا من سنته صلى الله عليه وسلم أنه إذا قدم بلده لم يبدأ بشيء قبل المسجد وقد تقدم .
وهاتان الركعتان تشمل كل الوقت حتى أوقات النهي لأنها صلاة سببية فليس عنها نهي في أي وقت وجد سببها حل فعلها .
وأما الأحاديث


54 - فالأول عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقاً وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذاباً متفق عليه .

الشَّرْحُ

قوله عليكم بالصدق أي ألزموا الصدق والصدق مطابقة الخبر للواقع وقد سبق في حديث كعب وصاحبيه ما يدل على فضيلة الصدق وحسن عاقبته وأن الصادق هو الذي له العاقبة والكاذب هو الذي يكون عمله هباء لهذا يذكر أن بعض العامة قال إن الكذب ينجي فقال له أخوه الصدق أنجى وأنجى هذا صحيح واعلم أن الكذب يكون باللسان ويكون بالأركان .
أما باللسان فهو القول وأما بالأركان فهو الفعل ولكن يكون الكذب بالفعل إذا فعل الإنسان خلاف ما يبطن فهذا قد كذب بفعله فالمنافق مثلاً كاذب لأنه يظهر للناس أنه مؤمن يصلي مع الناس ويصوم مع الناس ويتصدق ولكنه بخيل وربما يحج فمن رأى أفعاله حكم عليه بالصلاح ولكن هذه الأفعال لا تنبئ عما في الباطن فهي كذب .
ولهذا نقول الصدق يكون باللسان وبالأركان فمتى طابق الخبر الواقع فهو صدق وهذا باللسان ومتى طابقت أعمال الجوارح ما في القلب فهي صدق وهذا صدق بالأقوال .
ثم بين النبي عليه الصلاة والسلام عندما أمر بالصدق بين عاقبتهم فقال: إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة .
البر كثرة الخير ومنه من أسماء الله البر أي كثير البر والإحسان عز وجل .
والبر من نتائج الصدق وقوله وإن البر يهدي إلى الجنة فصاحب البر نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منه يهديه بره إلى الجنة والجنة غاية كل مطلب .
ولهذا يؤمر الإنسان أن يسأل الله الجنة ويستعيذ به من النار فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاح الغرور وقوله إن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقاً وفي رواية: ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً .
الصديق في المرتبة الثانية من الخلق من الذين أنعم الله عليهم كما قال الله سبحانه { ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين } فالرجل الذي يتحرى الصدق يكتب عند الله صديقاً ومعلوم أن الصديقية درجة عظيمة لا ينالها إلا أفذاذ من الناس .
وتكون في الرجال وتكون في النساء قال الله تعالى { ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة } وأفضل الصديقين على الإطلاق أصدقهم، وهو أبو بكر الصديق رضي الله عنه عبد الله بن عثمان بن أبي قحافة الذي استجاب للنبي صلى الله عليه وسلم حين دعاه إلى الإسلام ولم يحصل عنده أي تردد وأي توقف بمجرد ما دعاه الرسول إلى الإسلام أسلم، وصدق النبي صلى الله عليه وسلم حين كذبه قومه، وصدقه حين تحدث عن الإسراء والمعراج وكذبه الناس وقالوا كيف تذهب يا محمد من مكة إلى بيت المقدس وترجع في ليلة واحدة ثم تقول إنك صعدت إلى السماء هذا لا يمكن .
ثم ذهبوا إلى أبي بكر وقالوا له أما تسمع ما يقول صاحبك ؟ قال ماذا قال ؟ قالوا إنه قال كذا وكذا قال إن كان قد قال ذلك فقد صدق فمنذ ذلك اليوم سمى الصديق رضي الله عنه .
وأما الكذب فإنه قال وإياكم والكذب .
إياكم التحذير أي احذروا الكذب وهو الإخبار بما يخالف الواقع سواء كان بالقول أو بالفعل .
فإذا قال قائل ما اليوم فقلت اليوم يوم الخميس أو يوم الثلاثاء فكذب لأنه لا يطابق الواقع لأن اليوم الأربعاء .
والمنافق كاذب لأن ظاهره يدل على أنه مسلم وهو كافر فهو كاذب بفعله .
وقوله وإن الكذب يهدي إلى الفجور يعني الخروج عن طاعة الله لأن الإنسان يفسق ويتعدى طوره ويخرج عن طاعة الله إلى معصيته وأعظم الفجور الكفر .
فإن الكفرة فجرة كما قال الله تعالى { أولئك هم الكفرة الفجرة } وقال تعالى { كلا إن كتاب الفجار لفي سجين وما أدراك ما سجين كتاب مرقوم ويل يومئذ للمكذبين الذين يكذبون بيوم الدين } وقال تعالى { وإن الفجار لفي جحيم } فالكذب يهدي إلى الفجور والفجور يهدي إلى النار .
وقوله وإن الرجل ليكذب وفي لفظ: لا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا والكذب من الأمور المحرمة بل قال بعض العلماء إنه من كبائر الذنوب لأن الرسول صلى الله عليه وسلم توعده بأنه يكتب عند الله كذاباً .
ومن أعظم الكذب ما يفعله الناس اليوم يأتي بالمقالة كذبا لكن من أجل أن يضحك الناس وقد جاء في الحديث الوعيد على هذا فقال الرسول عليه الصلاة والسلام ويل لمن حدث فكذب ليضحك به القوم ويل له ثم ويل له وهذا وعيد على أمر سهل عند كثير من الناس .
فالكذب كله حرام وكله يهدي إلى الفجور ولا يستثنى منه شيء ورد في الحديث أنه يستثنى من ذلك ثلاثة أشياء في الحرب والإصلاح بين الناس وحديث المرأة زوجها وحديثه إياها .
ولكن بعض أهل العلم قال: إن المراد بالكذب في هذا الحديث التورية وليس الكذب الصريح وقال التورية قد تسمى كذبا كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات ثنتين فيهن في ذات الله تعالى قوله إني سقيم وقوله بل فعله كبيرهم هذا وواحدة في شأن سارة الحديث وهو لم يكذب إنما ورى تورية هو فيها صادق .
وسواء كان هذا أو هذا فإن الكذب لا يجوز إلا في هذه الثلاث على رأي كثير من أهل العلم .
وأشد شيء في الكذب أن يكذب ويحلف ليأكل أموال الناس بالباطل مثل أن يدعي عليه بحق ثابت فينكر ويقول والله مالك على حق أو يدعي ما ليس له فيقول لي عندك كذا وكذا وهو كاذب فهذا إذا حلف على دعواه وكذب فإن ذلك هو اليمين الغموس التي تغمس صاحبها في الإثم ثم تغمسه في النار والعياذ بالله .
وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من حلف على يمين صبر هو فيها فاجر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان فالحاصل أن الكذب حرام ولا يجوز للإنسان أن يكذب مطلقا إلا على المسائل الثلاث على الخلاف السابق .


55 - الثاني عن أبي محمد الحسن بن علي بن أبي طالب قال حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة رواه الترمذي وقال حديث صحيح قوله يريبك هو بفتح الياء وضمها ومعناه اترك ما تشك في حله واعدل إلى ما لا تشك فيه .

الشَّرْحُ

قوله دع أي اترك ما يريبك بفتح الياء أي تشك فيه ولا تطمئن إليه إلى ما لا يريبك أي إلى الشيء الذي لا ريب فيه .
وهذا الحديث من أحاديث الأربعين النووية وهو حديث جامع مهم وهو باب عظيم من أبواب الورع والاحتياط .
وقد سلك أهل العلم رحمهم الله في أبواب الفقه هذا المسلك وهو الأخذ بجانب الاحتياط وذكروا لذلك أشياء كثيرة .
منها إنسان أصاب ثوبه نجاسة ولا يدري هل هي في مقدم الثوب أو في مؤخره إن غسل المقدم صار عنده ريبة لاحتمال أن تكون في مؤخر الثوب وإن غسل المؤخر صار عنده ريبة لاحتمال أن تكون في مقدم الثوب فما هو الاحتياط ؟ ومنها لو شك الإنسان في صلاته هل صلى ركعتين أو ثلاث ركعات ولم يترجح عنده شيء فهنا إن أخذ بركعتين صار عنده ريبة فلعله نقص وإن أخذ بالثلاث صار عنده ريبة فلعله لم ينقص لكن يبقى قلقا فهنا يعمل بما لا ريبة فيه فيعمل بالأقل فإذا شك هل هي ثلاث أو أربع فليجعلها ثلاثاً وهكذا .
فهذا الحديث أصل من أصول الفقه أن الشيء الذي تشك فيه اتركه إلى شيء لا شك فيه ثم إن فيه تربية نفسية وهي أن الإنسان يكون في طمأنينة ليس في قلق لأن كثيراً من الناس إذا أخذ ما يشك فيه يكون عنده قلق إذا كان حي القلب فإذا قطع الشك باليقين زال عنه ذلك .
قال النبي صلى الله عليه وسلم فإن الصدق طمأنينة وهذا وجه الشاهد من هذا الحديث لهذا الباب فالصدق طمأنينة لا يندم صاحبه أبداً ولا يقول ليتني وليت لأن الصدق منجاة والصادقون ينجيهم الله بصدقهم وتجد الصادق دائماً مطمئناً لأنه لا يتأسف على شيء حصل أو يحصل في المستقبل لأنه قد صدق ومن صدق نجا .
أما الكذب فبين النبي عليه الصلاة والسلام أنه ريبة ولهذا تجد أول من يرتاب في الكاذب نفسه فيرتاب هل يصدقه الناس أو لا يصدقونه .
ولهذا تجد الكاذب إذا أخبرك بالخبر قام يحلف بالله صدق لئلا يرتاب في خبره مع أنه محل ريبة .
تجد المنافقين مثلا يحلفون بالله ما قالوا ولكنهم في ريبة قال الله ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا فالكذب لا شك أنه ريبة وقلق للإنسان ويرتاب الإنسان هل علم الناس بكذبه أم لم يعلموا فلا يزال في شك واضطراب .
إذا نأخذ من هذا الحديث أنه يجب على الإنسان أن يدع الكذب إلى الصدق لأن الكذب ريبة والصدق طمأنينة وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام دع ما يريبك إلى ما لا يريبك والله الموفق .


56 - الثالث: عن أبي سفيان صخر بن حرب رضي الله عنه في حديثه الطويل في قصة هرقل قال هرقل فماذا يأمركم يعني النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو سفيان قلت يقول اعبدوا الله وحده لا تشركوا به شيئاً واتركوا ما يقول آباؤكم ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة .
متفق عليه

الشَّرْحُ

قال المؤلف - رحمه الله تعالى فيما نقله عن أبي سفيان بن حرب، وكان أبو سفيان مشركاً لم يسلم إلا متأخرا وفيما بين صلح الحديبية وفتح مكة وصلح الحديبية كان في السنة السادسة من الهجرة وفتح مكة كان في السنة الثامنة من الهجرة .
قدم أبو سفيان ومعه جماعة من قريش إلى هرقل في الشام وهرقل كان ملك النصارى في ذلك الوقت وكان قد قرأ في التوراة والإنجيل وعرف الكتب السابقة وكان ملكاً ذكيا فلما سمع بهم أي بأبي سفيان ومن معه وهم قادمون من الحجاز دعا بهم وجعل يسألهم عن حال النبي صلى الله عليه وسلم وعن نسبه وعن أصحابه وعن توقيرهم له عن وفائه صلى الله عليه وسلم وكلما ذكر شيئاً أخبروه عرف أنه النبي أخبرت به الكتب السابقة، ولكنه والعياذ بالله شح بملكه فلم يسلم للحكمة التي أرادها الله عز وجل .
لكن سأل أبا سفيان عما كان يأمرهم به صلى الله عليه وسلم فأخبر بأنه يأمرهم أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئاً فلا يعبدوا غير الله لا ملكاً ولا رسوله ولا شجراً ولا حجراً، ولا شمساً ولا قمراً ولا غير ذلك فالعبادة لله وحده وهذا الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم قد جاءت به الرسل كلهم قال الله وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون وقال الله تعالى { ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } أي اعبدوا الله واجتنبوا الشرك .
هذه دعوة الرسل فجاء النبي صلى الله عليه وسلم بما جاءت به الأنبياء من قبله .
ويقول اتركوا ما كان عليه آباؤكم انظر كيف الصدق بالحق كل ما كان عليه آباؤهم من عبادة الأصنام أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بتركه وأما ما كان عليه آباؤهم من الأخلاق الفاضلة فإنه لم يأمرهم بتركه كما قال الله تعالى { قل إن الله لا يأمر بالفحشاء } فالحاصل أن الرسول عليه الصلاة والسلام أمر أمته الذين باشر دعوتهم أن يدعو ما كان عليه آباؤهم من الإشراك بالله .
وقوله وكان يأمرنا بالصلاة الصلاة صلة بين العبد وبين ربه وهي آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين وبها يتميز المؤمن من الكافر فهي العهد التي بيننا وبين المشركين والكافرين كما قال النبي عليه الصلاة والسلام العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر أي كفر كفراً مخرجاً عن الملة .
لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فهذا حد فاصل بين المؤمنين وبين الكافرين .
ولقد أبعد النجعة من قال من العلماء أن المراد بالكفر هنا الكفر الأصغر كالذي في قوله صلى الله عليه وسلم اثنتان في الناس هما بهما كفر لأنه من تدبر الحديث علم أن هذا تأويل خاطئ وأن الصواب المتعين أن المراد بالكفر هنا الكفر الأكبر المخرج عن الملة لأن الفاصل بين الإيمان والكفر لابد أن يميز أحدهما الآخر وإلا لما صح أن يكون فاصلاً .
الحدود التي بين أرضين إحداهما لزيد والأخرى لعمرو فإن هذه الحدود فاصلة لا تدخل أرض أحدهما في الأخرى وكذلك الصلاة حد فاصل من كان خارجا منها فليس داخلا فيما وراءها .
إذا الصلاة بين سائر الأعمال إذا تركها الإنسان فهو كافر لو ترك الإنسان صيام رمضان وصار يأكل ويشرب بالنهار ولا يبالي لم نقل إنه كافر .
لكن لو ترك الصلاة قلنا إنه كافر ولو ترك الزكاة وصار لا يزكي لم نقل إنه كافر لكن لو ترك الصلاة قلنا إنه كافر ولو لم يحج مع قدرته على الحج لم نقل إنه كافر لكن لو ترك الصلاة قلنا إنه كافر .
قال عبد الله بن شقيق رحمه الله وهو من المشهورين من التابعين كان أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة .
إذا الصلاة التي كان الرسول عليه الصلاة والسلام يأمر بها إذا تركها الإنسان فهو كما لو ترك التوحيد أي يكون كافراً مشركاً والعياذ بالله وإلى هذا يشير حديث جابر الذي رواه مسلم عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة وقوله وكان يأمرنا بالصدق وهذا هو الشاهد من الحديث وهذا كقوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين } والصدق قسمان صدق مع الله وصدق مع عباد الله وضد الصدق الكذب وهو الإخبار بخلاف الواقع وهو من أخلاق المنافقين كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام آية المنافق ثلاث وذكر منها إذا حدث كذب وبعض الناس والعياذ بالله مبتلي بهذا المرض فلا يستأنس صدره إلا بالكذب .
إن حدثك بحديث إذا هو كاذب إن جلس في مجلس جعل يفتعل الأفاعيل ليضحك بها الناس .
وقوله العفاف أي العفة والعفة نوعان عفة عن شهوة الفرج وعفة عن شهوة البطن أما العفة الأولى فهي أن يبتعد الإنسان عما حرم عليه من الزنا ووسائله وذرائعه لأن الله عز وجل يقول { ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلاً } .
وأوجب على الزاني أن يجلد مائة جلدة ويطرد عن البلد سنة كاملة إن كان لم يتزوج من قبل أما إذا كان قد تزوج وجامع زوجته وزنى بعد ذلك فإنه يرجم رجماً بالحجارة حتى يموت كل هذا ردعا للناس عن أن يقعوا في هذه الفاحشة لأنها تفسد الأخلاق والأديان والأنساب وتوجد أمراضاً عظيمة ظهرت آثارها في هذا الزمن لما كثرت فاحشة الزنى والعياذ بالله .
ومنع الله كل ما يوصل إليه ويكون ذريعة له فمنع المرأة أن تخرج متبرجة فقال { وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى } فأفضل مكان للمرأة أن تبقى في بيتها ولا تخرج إلا إذا دعت الحاجة أو الضرورة إلى ذلك فلتخرج كما أخبرها الرسول عليه الصلاة والسلام تفلة أي غير متطيبة ولا متبرجة .
كذلك أمر باحتجاب المرأة إذا خرجت عن كل ليس من محارمها والحجاب الشرعي هو أن تغطي المرأة جميع ما يكون النظر إليه ذريعة إلى الفاحشة وأهمه الوجه فإن الوجه يجب حجبه عن الرجال الأجانب أكثر مما يجب حجب الرأس وحجب الذراع وحجب القدم ولا عبرة بقول من يقول إنه يجوز كشف الوجه لأن قوله هذا فيه شيء من التناقض .
كيف يجوز للمرأة أن تكشف وجهها ويجب عليها عند هذا القائل أن تستر قدميها أيهما أعظم فتنة وأيهما أقرب إلى الزنى أن تكشف المرأة وجهها أو قدميها ؟ كل إنسان عاقل يفهم ما يقول إن الأقرب إلى الزنى والفتنة أن تكشف عن وجهها .
نسأل الله العافية ولا يجوز لأحد أن يمكن أهله من ذلك أبداً وعليه أن يتفقدهم سواء كانت الزوجة أو البنت أو الأخت أو الأم أو غير ذلك .
أما النوع الثاني من العفاف فهو العفاف عن شهوة البطن أي عن ما في أيدي الناس كما قال الله تعالى { يحسبهم الجاهل أغنياء عن التعفف } أي من التعفف عن سؤال الناس بحيث لا يسأل الإنسان أحداً شيئاً لأن السؤال مذلة والسائل يده دنيا سفلى والمعطي يده عليا فلا يجوز أن تسأل أحداً أي إلا ما لابد منه كما لو كان الإنسان مضطراً أو محتاجاً حاجة شبه ضرورية فحينئذ لا بأس أن يسأل .
أما بدون حاجة ملحة أو ضرورة فإن السؤال محرم، وقد وردت أحاديث في التحذير منه أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن السائل يأتي يوم القيامة وما في وجهه مزعة لحم قد ظهر منه العظم أمام الناس في هذا المقام العظيم المشهود .
ثم إن الصحابة رضي الله عنهم بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على أن لا يسألوا الناس شيئاً حتى يكون سوط أحدهم يسقط من على راحلته ولا يقول لأحد ناولني السوط بل ينزل ويأخذ السوط .
والإنسان الذي أكرمه الله بالغنى والتعفف لا يعرف قدر السؤال إلا إذا ذل أمام المخلوق كيف تمد يدك إلى مخلوق وتقول له أعطني وأنت مثله وإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله وقوله الصلة هذا هو الخامس .
والصلة أن تصل ما أمر الله به أن يوصل من الأقارب الأدنى فالأدنى وأعلاهم الوالدان فإن صلة الوالدين بر وصلة والأقارب لهم من الصلة بقدر ما لهم من القرب فأخوك أوكد صلة من عمك وعمك أشد صلة من عم أبيك وعلى هذا فقس .
والصلة جاءت في الكتاب والسنة وغير مقيدة وكل ما جاء في الكتاب والسنة غير مقيد فإنه يحمل على العرف فما جرى العرف على أنه صلة فهو صلة .
وهذا يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمان والأماكن مثلاً إذا كان قريبك مستغنياً عنك وصحيح البدن وتسمع عنه أنه لا يحتاج إلى شيء فهذا صلته لو تحددت بشهر أو شهر ونصف وما أشبه ذلك فإن هذه صلة بعرفنا .
وذلك لأن الناس والحمد لله قد استغنى بعضهم عن بعض وكل واحد منهم لا يشره على الآخر لكن لو كان هذا الرجل قريبا جداً كالأب والأم والأخ والعم فإنه يحتاج إلى صلة أكثر وكذلك لو كان فقيراً فإنه يحتاج إلى صلة أكثر وكذلك لو مرض فإنه يحتاج إلى صلة أكثر وهكذا .
المهم أن الصلة عندما جاءت في القرآن غير مقيدة فإنه يتبع في ذلك العرف ويختلف هذا باختلاف الأمور التي ذكرنا .
وقد وردت النصوص الكثيرة في الترغيب في وصلها والترهيب من قطعها .


57 - الرابع: عن أبي ثابت وقيل أبي سعيد وقيل أبي الوليد سهل بن حنيف وهو بدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من سأل الله تعالى الشهادة بصدق بلغه منازل الشهداء وإن مات على فراشه رواه مسلم

الشَّرْحُ

هذا الحديث ذكره المؤلف رحمه الله في باب الصدق والشاهد منه قوله من سأل الله تعالى الشهادة بصدق والشهادة مرتبة عليا بعد الصديقية كما قال الله سبحانه ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين منها الشهادة بأحكام الله عز وجل على عباد الله وهذه شهادة العلماء التي قال الله فيها { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم } والشهادة أنواع كثيرة .
وقد ذهب كثير من العلماء في تفسير قوله { والشهداء } إلى أنهم العلماء ولا شك أن العلماء شهداء، فيشهدون بأن الله تعالى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ويشهدون على الأمة بأنها بلغت شريعة الله ويشهدون في أحكام الله هذا حلال وهذا حرام وهذا واجب وهذا مستحب وهذا مكروه ولا يعرف هذا إلا أهل العلم لذلك كانوا شهداء ومن الشهداء أيضاً من يصاب بالطعن والبطن والحرق والغرق وما أشبههم .
ومن الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله .
ومن الشهداء الذين يقتلون دون أموالهم ودون أنفسهم كما قال النبي عليه الصلاة والسلام حينما سأله رجل وقال أرأيت يا رسول إن جاءني شخص يطلب مالي أي عنوة - قال لا تعطه قال أرأيت إن قاتلني ؟ قال قاتله قال أرأيت إن قتلته ؟ قال هو في النار - لأنه معتد ظالم - قال أرأيت إن قتلني قال إن قتلك فأنت شهيد وقال الرسول عليه الصلاة والسلام من قتل دون ماله وأهل فهو شهيد ومن الشهداء أيضاً من قتلوا ظلماً كأن يعتدي عليه إنسان فيقتله غلية ظلماً فهذا أيضاً شهيد .
ولكن أعلى الشهداء هم الذين يقتلون في سبيل الله كما قال الله تعالى { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين } وهؤلاء هم الذين قاتلوا لتكون كلمة الله هي العليا فما قاتلوا لحظوظ أنفسهم، وما قاتلوا لأموالهم وإنما قاتلوا لتكون كلمة الله هي العليا كما قال ذلك النبي عليه الصلاة والسلام حين سئل عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل ليرى مكانه أي ذلك في سبيل الله قال من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله هذا ميزان عدل وضعه النبي صلى الله عليه وسلم يزن الإنسان به عمله .
فمن قاتل لهذه الكلمة فهو في سبيل الله إن قتلت فأنت شهيد وإن غنمت فأنت سعيد كما قال الله سبحانه { قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين } إما الشهادة وإما الظفر والنصر { نحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا } أي إما أن الله يعذبكم ويقينا شركم كما فعل الله تعالى بالأحزاب الذين تجمعوا على المدينة يريدون قتال الرسول عليه الصلاة والسلام فأرسل الله عليهم ريحاً وجنوداً وألقى في قلوبهم الرعب .
وقوله { أو بأيدينا } كما حصل في بدر، فإن الله عذب المشركين بأيدي الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه .
فإذا سأل الإنسان ربه قال اللهم إني أسألك الشهادة في سبيلك ولا تكون الشهادة إلا بالقتال لتكون كلمة الله هي العليا فإن الله تعالى إذا علم منه صدق القول والنية أنزله منازل الشهداء وإن مات على فراشه .
بقي علينا الذي يقاتل دفاعاً عن بلده هل هو في سبيل الله أو لا ؟ نقول إن كنت تقاتل عن بلدك لأنها بلد إسلامي فتريد أن تحميها من أجل أنها بلد إسلامي فهذا في سبيل الله لأنك قاتلت لتكون كلمة الله هي العليا .
أما إذا قاتلت لأجل أنها وطن فقط فهذا فقط ليس في سبيل الله لأن الميزان الذي وضعه النبي عليه الصلاة والسلام لا ينطبق عليه وقد تقدم الكلام على هذه المسألة والله الموفق


58 - الخامس: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا نبي من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم فقال لقومه لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولما بين بها ولا أحد بنى بيوتاً لم يرفع سقوفها، ولا أحد اشترى غنما أو خلفات وهو ينتظر أولادها فغزا فدنا من القرية صلاة العصر أو قريباً من ذلك فقال للشمس إنك مأمورة وأنا مأمور اللهم احبسها علينا فحبست حتى فتح الله عليه فجمع الغنائم فجاءت يعني النار لتأكلها فلم تطعمها فقال إن فيكم غلولاً فليبايعني من كل قبيلة رجل فلزقت يد رجل بيده فقال فيكم الغلول فليبايعني قبيلتك فلزمت يد رجلين أو ثلاثة يده فقال فيكم الغلول فجاءوا برأس مثل رأس بقرة من الذهب فوضعها فجاءت النار فأكلتها فلم تحل الغنائم لأحد قبلنا ثم أحل الله لنا الغنائم لما رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا متفق عليه .
الخلفات بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام جمع خلفة وهي الناقة الحامل

الشَّرْحُ

هذا الحديث الذي نقله المؤلف فيه آيات عظيمة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم حدث عن نبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أنه غزا قوما أمر بجهادهم لكنه عليه والسلام منع كل إنسان عقد على امرأة ولم يدخل بها وكل إنسان بنى بيتاً ولم يرفع سقفه وكل إنسان اشترى غنما خلفات وهو ينتظر أولادها وذلك هؤلاء يكونون شغولين بما أهمهم الذي رفع بيتا ولم يرفع سقفه هو أيضاً بهذا البيت الذي يريد أن يسكنه هو وأهله وكذلك صاحب الخلفات والغنم مشغول بها ينتظر أولادها .
والجهاد ينبغي أن يكون الإنسان فيه متفرغاً ليس له هم إلا الجهاد ولهذا قال الله سبحانه فإذا فرغت فانصب أي إذا فرغت من شئون الدنيا بحيث لا تشتغل بها فانصب للعبادة .
وقال النبي عليه الصلاة والسلام لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان فدل على أنه ينبغي للإنسان إذا أراد طاعة أن يفرغ قلبه وبدنه لها حتى يأتيها وهو مشتاق إليها وحتى يؤديها على مهل وطمأنينة وإنشراح صدر .
ثم إنه غزا فنزل بالقوم بعد صلاة العصر وقد أقبل الليل وخاف إن أظلم الليل أن لا يكون هناك انتصار فجعل يخاطب الشمس يقول أنت مأمورة وأنا مأمور لكن أمر الشمس أمر كوني وأما أمره فأمر شرعي .
فهو مأمور بالجهاد والشمس مأمورة أن تسير حيث أمرها الله عز وجل قال الله { والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم } منذ خلقها الله عز وجل وهي سائرة حيث أمرت لا تتقدم ولا تتأخر ولا ترتفع .
قال اللهم فاحبسها عنا فحبس الله الشمس ولم تغب في وقتها حتى غزا هذا النبي وغنم غنائم كثيرة ولما غنم الغنائم وكانت الغنائم في الأمم السابقة لا تحل للغزاة بل حل الغنائم من خصائص هذه الأمة ولله الحمد .
أما الأمم السابقة فكانوا يجمعون الغنائم فتنزل عليها نار من السماء فتحرقها فجمعت الغنائم فلم تنزل النار وتأكلها فقال فيكم الغلول .
ثم أمر من كل قبيلة أن يتقدم واحد يبايعه على أنه لا غلول فلما بايعوه على أنه لا غلول لزقت يد أحد منهم بيد النبي عليه الصلاة والسلام فلما لزقت قال فيكم الغلول أي القبيلة هذه ثم أمر بأن يبايعه كل واحد على حدة من هذه القبيلة، فلزقت يد رجلين أو ثلاثة منهم فقال فيكم الغلول فجاءوا به .
والغلول هو السرقة من الغنيمة بأن تخفى شيئاً منها فإذا هم قد أخفوا مثل رأس الثور من الذهب فلما جيء به ووضع مع الغنائم أكلتها النار وهذه من آيات الله عز وجل .
ففي هذا الحديث دليل على فوائد عديدة .
منها أن الجهاد مشروع في الأمم السابقة كما هو مشروع في هذه الأمة وقد دل على هذا كتاب الله في قوله { وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا } وكذلك قصة طالوت وجالوت وداود عليه الصلاة والسلام في سورة البقرة وفيها دليل على عظمة الله عز وجل وأنه هو مدبر الكون وأنه سبحانه وتعالى يجري الأمور على غير طبائعها إما بتأييد الرسول وإما بدفع شر عنه وإلا لمصلحة في الإسلام .
المهم أن آيات الأنبياء فيها تأييد لهم بأي وجه كانت وذلك لأن الشمس حسب طبيعتها التي خلقها الله عليها تجري دائماً ولا تقف ولا تتقدم ولا تتأخر إلا بأمر الله لكن الله هنا أمرها أن تنجس فطال وقت ما بين صلاة العصر إلى المغرب حتى فتح الله على يد النبي .
وفيها رد على أهل الطبيعة الذين يقولون إن الأفلاك لا تتغير ؟ سبحان الله من الذي خلق الأفلاك ؟ الله عز وجل فالذي خلقها قادر على تغييرها لكن هم يرون أن هذه الأفلاك تجري بحسب الطبيعة ولا أحد يتصرف فيها والعياذ بالله لأنهم ينكرون الخالق .
وقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة على أن الأفلاك تتغير بأمر الله، فهذا النبي دعا الله ووقفت الشمس .
ومحمد رسول الله طلب منه المشركون آية تدل على صدقه فأشار صلى الله عليه وسلم إلى القمر فانشق شقتين وهم يشاهدونه شقة على الصفا وشقه على المروة .
وفي هذا يقول الله عز وجل { اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر } .
قالوا هذا محمد سحرنا والقمر لم ينشق بل أفسد نظرنا وعيوننا لأن الكافر والعياذ بالله الذي حقت عليه كلمة الله لا يؤمن كما قال الله { إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية } القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء ويصرفها كيف يشاء، فالذي حقت عليه كلمة العذاب لا يؤمن أبداً ولو جئته بكل آية ولهذا طلبوا من الرسول آية وأراهم هذه الآية العجيبة التي لا يقدر أحد عليها وقالوا { سحر مستمر وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر } وفيها بيان نعمة الله على هذه الأمة حيث أحل لها المغانم التي تغنمها من الكفار كانت حراماً على من سبقنا لأن هذه الغنائم فيها خير كثير على الأمة الإسلامية تساعدها على الجهاد وتعينها عليه .
فهم يغنمون من الكفار أموالاً يقاتلونهم بها مرة أخرى وهذا من فضل الله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي وذكر أنه أحلت له الغنائم ولم تحل لأحد كان قبله وفي الحديث من آيات الله أن الذين غلوا لزقت أيديهم بأيدي النبي وهذا خلاف العادة ولكن الله على كل شيء قدير لأن العادة إذا صافحت اليد يداً أخرى أنها تنطلق ومنها أن الأنبياء لا يعلمون الغيب وهو واضح إلا ما أطلعهم عليه أما هم فلا يعلمون الغيب .
وشواهد هذا كثيرة فيما جرى لنبينا محمد عليه الصلاة والسلام حيث يخفى عليه أشياء كثيرة كما قال الله { قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير } أما هو فلا يعلم الغيب .
وأصحابه يكونون معه يخفون عليه فكان معه ذات يوم أبو هريرة فانخنس وكان عليه جنابة فقال له عندما رجع من غسل الجنابة أين كنت يا أبا هريرة إذا فالرسول لا يعلم الغيب ولا أحد من الخلق يعلم الغيب كما قال الله عز وجل { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً } ومنها دليل على قدرة الله من جهة أن هذه النار لا يدري من أين جاءت بل تنزل من السماء لا هي من أشجار الأرض ولا من حطب الأرض بل من السماء يأمرها الله فتنزل فتأكل هذه الغنيمة التي جمعت والله الموفق .


59 - السادس: عن أبي خالد حكيم بن حزام رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كذباً وكتما محقت بركة بيعهما متفق عليه

الشَّرْحُ

البيعان البائع والمشتري وأطلق عليهما اسم البيع من باب التغليب كما يقال القمران للشمس والقمر والعمران لأبي بكر وعمر .
وقوله بالخيار أي كل منهما يختار ما يريد ما لم يتفرقا أي ما داما في مكان العقد لم يتفرقا فإنهما بالخيار .
ومثاله رجل باع على آخر سيارة بعشرة آلاف فما داما في مكان العقد ولم يتفرقا فهما بالخيار إن شاء البائع فسخ البيع وإن شاء المشتري فسخ البيع وذلك من نعمة الله سبحانه وتعالى وتوسيعه على العباد لأن الإنسان إذا كانت السلعة عند غيره صارت غالية في نفسه يحب أن يحصل عليها بكل وسيلة فإذا حصلت له فربما تزول رغبتة عنها لأنه أدركها فجعل الشارع له الخيار لأجل أن يتروى ويتزود بالتأني والنظر .
فمادام الرجلان لم يتفرقا فهما بالخيار وإن طال الوقت لعموم قوله ما لم يتفرقا وفي حديث ابن عمر أو يخير أحدهما الآخر أي أو يقول أحدهما للآخر الخيار لك وحدك فحينئذ الخيار له وحده، والثاني لا خيار له، أو يقولا جميعاً لا خيار بيننا .
فالصور أربع: 1 - إما أن يلبث الخيار لهما وذلك عند البيع المطلق الذي ليس فيه شرط .
2 - وإما أن يتبايعا على أن لا يكون الخيار لواحد منهما وحينئذ يلزم البيع لمجرد العقد ولا خيار لأحد .
3 - وإما أن يتبايعا أن الخيار للبائع وحده دون المشتري وهنا يكون الخيار للبائع والمشتري لا خيار له .
4 - وإما أن يتبايعا على أن الخيار للمشتري والبائع لا خيار له وحينئذ يكون الخيار للمشتري وليس للبائع خيار وذلك لأن الخيار حق للبائع والمشتري فإذا رضينا بإسقاطه أو رضى أحدهما دون الآخر فالحق لهما لا يعدوهما، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام المسلمون على شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً وقول النبي عليه الصلاة والسلام ما لم يتفرقا لم يبين التفرق ولكن المراد التفرق بالبدن فإن تفرقا بطل الخيار ولزم البيع قال النبي صلى الله عليه وسلم فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وهذا هو الشاهد من الحديث في الباب لأن الباب باب الصدق .
قوله فإن صدقا وبينا إن صدقا فيما يصفان السلعة به من الصفات المرغوبة وبينا فيما يصفان به السلعة من الصفات المكروهة فمثلا لو باع عليه هذه السيارة وقال هذه السيارة جديدة موديلها كذا ونظيفة ويمدحها بما ليس فيها نقول هذا كذب فيما قال وإذا باعه السيارة وفيها عيب ولم يخبره بالعيب نقول هذا كتم ولم يبين والبركة في الصدق والبيان فالفرق بين الصدق والبيان أن الصدق فيما يكون مرغوباً من الصفات والبيان فيما يكون مكروهاً من الصفات فكتمان العيب هذا ضد البيان ووصفه السلعة بما ليس فيها هذا ضد الصدق .
ومثال آخر باع عليه شاة وفيها مرض غير بين لكنه كتمه نقول هذا لم يبين وإذا وصفها بما ليس فيها من الصفات المطلوبة فهذا قد كذب ولم يصدق .
ومنه ما يفعله بعض الناس الآن نسأل الله العافية يجعل الطيب من المال فوق والرديء أسفل فهذا لم يبين ولم يصدق لم يبين لأنه ما بين التمر المعيب ولم يصدق لأنه أظهر التمر بمظهر طيب وليس كذلك .


باب المراقبة


قال الله تعالى { الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين } وقال الله تعالى { وهو معكم أين ما كنتم } وقال تعالى { إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء } وقال تعالى { إن ربك لبالمرصاد } وقال تعالى { يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور } والآيات في الباب كثيرة معلومة .

الشَّرْحُ

لما ذكر المؤلف رحمه الله باب الصدق وذكر الآيات والأحاديث الواردة في ذلك أعقب هذا باب المراقبة والمراقبة لها وجهان: الوجه الأول أن تراقب الله عز وجل .
والوجه الثاني: أن الله تعالى رقيب عليك كما قال الله وكان الله على كل شيء رقيباً أما مراقبتك لله أن تعلم أن الله تعالى يعلم كل ما تقوم به من أقوال وأفعال واعتقادات .
كما قال الله تعالى { وتوكل على العزيز الرحيم الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين } يراك حين تقوم أي في الليل حين يقوم الإنسان في مكان خال لا يطلع عليه أحد فالله سبحانه يراه حتى ولو كان في أعظم ظلمة وأحلك ظلمة فإن الله يراه .
وقوله { وتقلبك في الساجدين } أي وأنت تتقلب في الذين يسجدون لله في هذه الساعة يعني تقلبك فيهم أي معهم فإن الله سبحانه يرى الإنسان حين قيامه وحين سجوده .
وذكر القيام والسجود لأن القيام في الصلاة أشرف من السجود بذكره والسجود أفضل من القيام بهيئته .
أما كون القيام أفضل من السجود بذكره فلأن الذكر المشروع في القيام هو قراءة القرآن والقرآن أفضل الكلام .
أما السجود فهو أشرف من القيام بهيئته لأن الإنسان الساجد أقرب ما يكون من ربه عز وجل كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ولهذا أمرنا أن نكثر من الدعاء في السجود كذلك من مراقبتك لله أن تعلم أن الله يسمعك بأي قول قلت كما قال الله { أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون } ومع هذا فإن الذي تتكلم به خيراً أم شراً معلناً أم مسراً فإنه يكتب لك أو عليك كما قال الله تبارك وتعالى { ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } فاعلم هذا وإياك أن تخرج من لسانك قولاً تحاسب عليه يوم القيامة .
اجعل دائماً لسانك يقول الحق أو ليصمت كما قال النبي عليه الصلاة والسلام من كان يؤمن بالله وباليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت وراقب الله في سرك وفي قلبك .
انظر ماذا في قلبك ؟ من الشرك بالله والرياء وانحرافات والحقد على المؤمنين وبغضاء وكراهية ومحبة للكافرين وما أشبه ذلك من الأشياء التي لا يرضاها الله عز وجل .
راقب قلبك فإن الله يقول { ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسك } قبل أن ينطق به .
فراقب الله في هذه المواضع الثلاثة في فعلك وفي قولك وفي قلبك حتى يتم لك المراقبة ولهذا لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإحسان قال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك اعبد الله كأنك تراه وتشاهده رأى عين فإن لم تكن تراه فانزل إلى المرتبة الثانية فإنه يراك فالأول عبادة رغبة وطمع والثاني عبادة رهبة وخوف ولهذا قال فإن لم تكن تراه فإنه يراك فلابد أن يراقب الإنسان ربه وأن تعلم أن الله رقيب عليك أي شيء تقوله أو تفعله أو تضمره في سرك فالله تعالى عليم به وقد ذكر المؤلف من الآيات ما يدل على هذا فبدأ بالآية التي ذكرناها وهي قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم { وتوكل على العزيز الرحيم الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين إنه هو السميع العليم } وقال تعالى { إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء } شيء نكرة في سياق النفي في قوله { ولا يخفى } فتعم كل شيء فكل شيء لا يخفى على الله في الأرض ولا في السماء وقد فصل الله هذا في قوله تبارك وتعالى { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين } قال العلماء إذا كانت الأوراق الساقطة يعلمها فكيف بالأوراق النامية التي ينبتها ويخلقها فهو بها أعلم عز وجل .
أما قوله { ولا حبة في ظلمات الأرض } حبة نكرة في سياق النفي في قوله { وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة } فهي نكرة في سياق النفي المؤكد إذا يشمل كل ورقة صغيرة كانت أو كبيرة .
ولنفرض أن حبة صغيرة في ظلمات الأرض وظلمات الأرض خمسة أنواع لنفرض أن حبة صغيرة منغمسة في طين البحر فهي في خمس ظلمات .
الظلمة الأولى ظلمة الطين المنغمسة فيه .
الثانية ظلمة الماء في البحر .
الثالثة ظلمة الليل .
الرابعة ظلمة السحاب المتراكم .
الخامسة ظلمة المطر النازل .
خمس ظلمات فوق هذه الحبة الصغيرة والله عز وجل يعلمها .
وقوله { ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين } مكتوب مبين ظاهر معلوم عند رب العالمين عز وجل .
إذا من كان هذا سعة علمه فعلى المؤمن أن يراقب الله سبحانه وتعالى وأن يخشاه في السر كما يخشاه في العلانية بل الموفق الذي يجعل خشية الله في السر أعظم وأقوى من خشيته في العلانية لأن خشية الله في السر أقوى في الإخلاص لأنه ليس عندك أحد لأن خشية الله في العلانية ربما يقع في قلبك الرياء ومراءاة الناس .
فاحرص يا أخي المسلم على مراقبة الله عز وجل وان تقوم بطاعته امتثالاً لأمره واجتناباً لنهيه ونسأل الله العون على ذلك لأن الله إذا لم يعنا فإننا مخذولون كما قال تعالى { إياك نعبد وإياك نستعين } فإذا وفق العبد للهداية والاستعانة في إطار الشريعة فهذا هو الذي أنعم الله عليه { إياك نعبد وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم } لابد أن تكون العبادة في نفس هذا الصراط المستقيم وإلا كانت ضررا على العبد .
فهذه ثلاثة أمور، هي منهج الذين أنعم الله عليهم وقوله تعالى { وهو معكم أين ما كنتم } الضمير { هو } يعود على الله أي الله سبحانه مع عباده أينما كانوا في بر أو بحر أو جو أو في ظلمة أو في ضياء وفي أي حال هو معكم أينما كنتم .
وهذا يدل على كمال إحاطته عز وجل بنا علماً وقدرة وسلطاناً وتدبيراً وغير ذلك .
ولا يعني أنه سبحانه وتعالى معنا في نفس المكان الذي نحن فيه لأن الله فوق كل شيء كما قال الله { الرحمن على العرش استوى } وقال { وهو القاهر فوق عباده } وقال { أأمنتم من في السماء } وقال { وهو العلي العظيم } وقال { سبح اسم ربك الأعلى } إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة على أنه فوق كل شيء لكنه عز وجل ليس كمثله شيء في جميع نعوته وصفاته هو علي في دنوه قريب في علوه جل وعلا كما قال الله تعالى { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان } ولكن يجب أن نعلم أنه ليس في الأرض لأننا لو توهمنا هذا لكان فيه إبطال لعلو الله سبحانه وتعالى وأيضاً فإن الله سبحانه لا يسعه شيء من مخلوقاته { وسع كرسيه السماوات والأرض } الكرسي محيط بالسماوات والأرض كلها والكرسي هو موضع قدمي الرحمن عز وجل والعرش أعظم وأعظم كما جاء في الحديث إن السماوات السبع والأرضيين السبع بالنسبة للكرسي كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض حلقة كحلقة المغفر صغيرة ألقيت في فلاة من الأرض أي مكان متسع نسبة هذه الحلقة إلى الأرض الفلاة ليس بشيء .
قال وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الحلقة فما بالك بالخالق جل وعلا .
الخالق لا يمكن أن يكون في الأرض لأنه سبحانه أعظم من أن يحيط به شيء من مخلوقاته واعلم أن المعية التي أضافها الله إلى نفسه تنقسم بحسب السياق والقرائن فتارة يكون مقتضاها الإحاطة بالخلق علماً وقدرة وسلطاناً وتدبيراً وغير ذلك مثل هذه الآية: { وهو معكم أين ما كنتم } ومثل قوله { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم } وتارة يكون المراد بها التهديد والإنذار كما في قوله { يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطاً } فإن هذا تهديد وإنذار لهم أن يبتوا ما لا يرضى من القول يكتمونه عن الناس يظنون أن الله لا يعلم والله سبحانه عليم بكل شيء .
وتارة يراد بها النصر والتأييد والتثبيت وما أشبه مثل قوله تعالى { إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون } ومثل قوله { فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم } والآيات في هذا كثيرة .
وهذا القسم الثالث من أقسام المعية تارة يضاف إلى المخلوق بالوصف وتارة يضاف إلى المخلوق بالعين .
فقوله: { إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون } هذا مضاف إلى المخلوق بالوصف فأي إنسان يكون كذلك فالله معه .
وتارة يكون مضافا إلى المخلوق بعين الشخص مثل قوله تعالى { إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا } هذا مضاف إلى الشخص بعينه .
هذه معية للرسول عليه الصلاة والسلام وأبي بكر رضي الله عنه وهما في الغار لما قال أبو بكر للرسول يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى قدميه لأبصرنا لأن قريشا كانت تطلب الرسول صلى الله عليه وسلم بكل جد .
ما من جبل إلا صعدت عليه وما من واد إلا هبطت فيه وما من فلاة إلا بحثت وجعلت لمن يأتي بالرسول وأبي بكر مائتا بعير مئتي للرسول ومائة لأبي بكر ونقب الناس وهم يطلبونهما ولكن الله معهما، حتى وقفوا على الغار يقول أبو بكر لو نظر أحدهم إلى قدميه لأبصرنا فيقول له الرسول صلى الله عليه وسلم لا تحزن إن الله معنا فما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟ والله ظننا أن لا يغلبهما أحد وإلا يقدر عليهما أحد وفعلا هذا الذي حصل ما رأوهما مع عدم المانع ما كان عش كما يقولون ولا حمامة وقعت على الغار ولا شجرة نبتت على فم الغار، ما كان إلا عناية الله عز وجل لأن الله معهما .
وكما في قوله سبحانه لموسى وهارون لما أمر الله موسى وأرسله إلى فرعون هو وهارون { قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى } الله أكبر { إنني معكما أسمع وأرى } إذا كان الله معهما هل يمكن أن يضرهما فرعون وجنوده ؟ لا يمكن هذه معية خاصة مقيدة بالعين { إنني معكما أسمع وأرى } إلخ ..
المهم أنه يجب علينا أن نؤمن بأن الله مع الخلق لكنه فوق عرشه ولا يساميه أحد في صفاته ولا يدانيه أحد في صفاته ولا يمكن أن تورد على ذهنك أو على غيرك كيف يكون الله معنا وهو في السماء ؟ نقول الله عز وجل لا يقاس بخلقه مع أن العلو والمعية لا منافاة بينهما حتى في المخلوق فول سألنا سائل أين موضع القمر ؟ جـ قلنا في السماء كما قال الله { وجعل القمر فيهن نورا } وإذا قال أين موضع النجم ؟ جـ - قلنا في السماء واللغة العربية يقول المتكلمون فيها مازلنا نسير والقمر معنا ومازلنا نسير والنجم معنا مع أن القمر في السماء والنجم في السماء لكن هو معنا لأنه ما غاب عنا فالله معنا وهو على عرشه سبحانه فوق جميع الخلق .
ما الذي تقتضي هذه الآية بالنسبة للأمر المسلكي المنجهي ؟ جـ: تقتضي هذه الآية بأنك إذا آمنت بأن الله معك فإنك تتقيه وتراقبه لأنه لا يخفى عليه عز وجل حالك مهما كنت لو كنت في بيت مظلم وما فيه أحد ولا حولك أحد فإن الله تعالى معك لكن ليس في نفس المكان لكنه محيط بك عز وجل لا يخفى عليه شيء من أمرك فتراقب الله وتخاف الله وتقوم بطاعته وتترك مناهيه والله الموفق قوله { إن ربك لبالمرصاد } وهذه الآية ختم الله بها ما ذكره من عقوبة عاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد { وثمود الذين جابوا الصخر بالواد وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد } فبين عز وجل أنه بالمرصاد لكل طاغية وأن كل طاغية فإن الله يقصم ظهره ويبيده ولا يبقى له باقية .
فعاد إرم ذات العماد أي ذات البيوت العظيمة المبنية على العمد القوية أعطاهم الله قوة شديدة فاستكبروا في الأرض وقالوا من أشد منا قوة ؟ إلى هذا الحد فقال الله عز وجل { أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة } فبين الله أنه هو أشد منهم قوة واستدل لذلك بدليل عقلي وهو أن الله هو الذي خلقهم ولهذا قال { أو لم يروا أن الله الذي خلقهم } ولم يقل أو لم يروا أن الله هو أشد منهم قوة لأنه من المعلوم بالعقل علما ضرورياً أن الخالق أقوى من المخلوق فالذي خلقهم هو أشد منهم قوة { كانوا بآياتنا يجحدون } فأصابهم الله عز وجل فأرسل الله عليهم الريح العقيم في صباح يوم من الأيام أقبلت الريح ريح عظيمة تحمل من الرمال والأتربة ما صار كأنه سحاب مركوم .
{ فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا } حكمة من الله عز وجل لم تأتهم الريح هكذا بل جاءتهم وهم يؤملون أنها غيث ليكون وقعها أشد .
فكون العذاب يأتي في حال يتأمل فيها الإنسان كشف الضرر يكون أعظم وأعظم مثل ما لو منيت شخصاً بدراهم ثم سحبتها منه صار أشد وأعظم: { فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به } لأنهم كانوا يتحدون نبيهم إن كان عندك عذاب فأت به إن كنت صادقاً .
{ ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم } والعياذ بالله هاجت عليهم سبع ليال وثمانية أيام لأنها بدأت من الصباح وانتهت بالغروب فصارت سبع ليال وثمانية أيام حسوما متتابعة قاطعة لدابرهم تحسمهم حسما حتى أنها تحمل الواحد منهم إلى عنان السماء ثم ترمي به فصاروا كأنهم أعجاز نخل خاوية أي مثل أصول النخل الخاوية ملتوين على ظهورهم والعياذ بالله كهيئة السجود لأنهم يريدون أن يتخلصوا من هذه الريح بعد أن تحملهم وتضرب بهم الأرض ولكن لم ينفعهم هذا .
قال الله تعالى { فأرسلنا عليهم ريحا صرصراً في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون } والعياذ بالله .
أما ثمود الذين جابوا الصخر بالواد هم أيضاً نفس الشيء عندهم عتو وطغيان وتحد لنبيهم حتى قالوا له { قد كنت فينا مرجواً قبل هذا } أي كنا نرجوك ونظنك عاقلاً، أما الآن فأنت سفيه لأنه ما من رسول أرسل إلا قال له قومه ساحر أو مجنون كما قال الله { كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون } .
فأنظرهم ثلاثة أيام { فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب } فلما تمت الثلاثة والعياذ بالله ارتجفت بهم الأرض، وصيح بهم فأصبحوا كهشيم المحتظر أي مثل سعف النخل إذا طالت عليه المدة صار كأنه هشيم محترق من الشمس والهواء صاروا كهشيم المحتظر وماتوا عن آخرهم .
أما فرعون وما أدراك ما فرعون فهو ذلك الرجل الجبار المتكبر الذي طغى وأنكر الله عز وجل وقال لموسى ما رب العالمين وقال قومه ما لكم من إله غيري .
نعوذ بالله وقال لهامان وزيره { ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى } يقوله تهكماً والعياذ بالله { وإني لأظنه كاذباً } وكذب في قوله وإني لأظنه كاذباً لأنه يعلم أنه صادق كما قال الله تعالى في مناظرته مع موسى قال له موسى { لقد علمت } التاء للخطاب فهي مفتوحة { لقد علمت } يا فرعون { ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبوراً } وما قال ما علمت بل سكت في مقام التحدي والمناظرة ذلك يدل على الانقطاع وعدم الجواب .
وقال الله عنه وعن قومه { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوا } فرعون وجنوده يعلمون أن موسى صادق لكنهم مستكبرون جاحدون ماذا حصل لهم ؟ حصل لهم هزائم أعظمها الهزيمة التي حصلت للسحرة .
جمع جميع السحرة في بلاده باتفاق مع موسى عليه الصلاة والسلام وموسى هو الذي عين الموعد أمام فرعون مع أن موسى أمام فرعون يعتبر ضعيفاً لولا أن الله نصره وأيده قال لهم موسى { موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى } يوم الزينة يوم العيد لأن الناس يتزينون فيه ويلبسون الزينة وقوله { وأن يحشر } يجمع { الناس ضحى } لا في الليل في الخلفاء .
جمع فرعون جميع من عنده من السحرة من عظمائهم وكبرائهم واجتمعوا بموسى عليه الصلاة والسلام وألقوا حبالهم وعصيهم في الأرض فصارت الأرض كلها ثعابين حيات تمشي أرهبت الناس كلهم حتى موسى أوجف في نفسه خيفة فأيده الله وقال له { لا تخف إنك أنت الأعلى وألق ما في يمينك } ألقى ما في يمنيه وهي العصا فإذا هي تلقف ما يأفكون كل الحبال والعصى وأكلتها هذه العصا سبحان الله العظيم وأنت تعجب أين ذهبت العصا ؟ ليست كبيرة حتى تأكل هذه الدنيا لكن الله عز وجل على كل شيء قدير التهمت الحبال والعصى وكان السحرة أعلم الناس بالسحر بلا شك يعرفون أن الذي حصل لموسى وعصاه ليس بسحر وأنه آية من آيات الله عز وجل { فألقي السحرة سجداً } وانظر إلى كلمة { فألقي } كأن هذا السجود جاء اندفاعا بلا شعور ما قال سجدوا ألقوا ساجدين كأنهم من شدة ما رأوا اندفعوا من غير شعور ولا اختيار حتى سجدوا مؤمنين بالله ورسوله { قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون } توعدهم فرعون واتهمهم وهو الذي جاء بهم قال { إنه لكبيركم الذي علمكم السحر } علمهم السحر وأنت الذي أتيت بهم سبحان الله لكن المكابرة تجعل المرء يتكلم بلا عقل قال { فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف } أقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى { ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى } ما الذي قالوا له { قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات } ما يمكن أن نقدمك على ما رأينا من البينات أنت كذاب لست برب الرب رب موسى وهارون { على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض } انظر إلى الإيمان إذا دخل القلوب رخصت عليهم الدنيا كلها { فاقض ما أنت قاض } أي افعل ما تريد إنما تقضي هذه الحياة الدنيا إذا قضيت علينا أن نفارق الدنيا { وما أكرهتنا عليه من السحر } لأنه قد أكرهم لكي يأتوا ويقابلوا موسى { والله خير وأبقى } اللهم اجعلنا من المؤمنين الموقنين الإيمان إذا دخل القلب واليقين إذا دخل القلب لا يفتنه شيء وإلا في السحرة جنود فرعون كانوا في أول النهار سحرة كفرة وفي آخر النهار مؤمنين برزة يتحدون فرعون لما دخل في قلبهم من الإيمان هذه هزيمة نكراء لفرعون لكن مع ذلك مازال في طغيانه وفي النهاية جمع الناس على أنه سيقضي على موسى فخرج موسى في قومه هربا منه متجها بأمر الله إلى البحر الأحمر ويسمى بحر القلزم متجها إليه مشرقا تكون مصر خلفه غربا لما وصل إلى البحر وإذا فرعون بجنوده العظيمة وجحافله القوية خلفهم والبحر أمامهم { قال أصحاب موسى إنا لمدركون } البحر أمامنا وفرعون وجنوده خلفنا أي نفر { قال كلا إن معي ربي سيهدين } هكذا يقين الرسل عليهم الصلاة والسلام في المقامات الحرجة الصعبة تجد عندهم من اليقين ما يجعل الأمر العسير بل الذي يظن أنه متعذر أمرا يسيرا سهلا فأوحى إليه أن أضرب بعصاك البحر الأحمر فضرب البحر بعصاه ضربة واحدة فانفلق البحر أثنى عشر طريقا لأن بني إسرائيل كانوا أثنى عشرة قبيلة ( سبطا ) والسبط بمعنى القبيلة عند العرب لا إله إلا الله هذا البحر صار أثنى عشر طريقا وكم بقى من مدة لكي ييبس بلحظة يبس { فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى } فعبر موسى بقومه في أمن وأمان الماء بين هذه الطرق مثل الجبال كأنه جبل واقف وأنتم تعلمون أن الماء جوهر سيال لكنه بأمر الله صار واقفا كالجبال حتى إن بعض العلماء قال إن الله سبحانه وتعالى جعل في كل طود من هذه المياه جعل فيها فرجا حتى ينظر بنو إسرائيل بعضهم إلى بعض لئلا يظنوا أن أصحابهم قد غرقوا وهلكوا فلما انتهى موسى وقومه خارجين دخل فرعون وقومه فلما تكاملوا أمر الله البحر أن يعود على حاله فانطبق عليهم وكان بنو إسرائيل من شدة خوفهم من فرعون في نفوسهم أن فرعون لم يغرق فأظهر الله جسد فرعون على سطح الماء قال { فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية } حتى يشاهدوا بأعينهم ويطمئنوا أن الرجل قد هلك فتأمل يا أخي هؤلاء الأمم الثلاثة الذين هم في غاية الطغيان كيف أخذهم الله عز وجل وكان لهم بالمرصاد قوم عاد قالوا من أشد منا قوة فأهلكوا بالريح وهي أصلا لطيفة وسهلة قوم صالح أهلكوا بالرجفة والصيحة فرعون أهلك بالماء والغرق وكان يفتخر بالماء لقوله { أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون أم أنا خير من هذا الذي هو مهين } يعني موسى { ولا يكاد يبين فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين } فأغرقه الله تعالى بالماء فهذه جملة ما تشير إليه هذه الآية الكريمة { إن ربك لبالمرصاد } وقوله عن الله عز وجل يقوله عن نفسه { يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور } يعلم يعني الله عز وجل وخائنة الأعين خيانتها فالخائنة مصدر كالعاقبة وما أشبهها ويجوز أن تكون اسم فاعل على أنها من خان يخون فيكون من باب إضافة الصفة إلى موصوفها على كل حال هذه مسألة ما تهم هنا المهم أن للأعين خيانة وذلك أن الإنسان ينظر إلى الشيء ولا تظن أنه ينظر إليه نظرا محرما ولكن الله عز وجل يعلم أنه ينظر نظرا محرما كذلك ينظر إلى الشخص نظر كراهية والشخص المنظور لا يدري أن هذا نظر كراهية ولكن الله يعلم أنه ينظر نظر كراهية كذلك ينظر الشخص إلى شيء محرم ولا يدري الإنسان الذي يرى هذا الناظر لا يدري أنه ينظر إلى الشيء نظر إنكار أو نظر رضا ولكن الله سبحانه هو الذي علم ذلك فهو سبحانه وتعالى يعلم خائنة الأعين ويعلم أيضا ما تخفي الصدور أي القلوب لأن القلوب في الصدور والقلوب هي التي يكون بها العقل ويكون بها الفهم ويكون بها التدبير كما قال الله { أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها } وقال { فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور } سبحان الله كأن هذه الآية تنزل على حال الناس اليوم بل حال الناس في القديم يعني هل العقل في الدماغ أو العقل في القلب ؟ هذه مسألة أشكلت على كثير من النظار الذين ينظرون إلى الأمور نظرة مادية لا يرجعون فيها إلى قول الله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم وإلا فالحقيقة أن الأمر فيها واضح أن العقل في القلب وأن القلب في الصدر { أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها } وقال { فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور } ولم يقل القلوب التي في الأدمغة فالأمر فيه واضح جدا أن العقل يكون في القلب ويؤيد هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب فما بالك بأمر شهد به كتاب الله والله هو الخالق العالم بكل شيء وشهدت به سنة الرسول صلى الله عليه وسلم إن الواجب علينا إزاء ذلك أن نطرح كل قول يخالف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأن نجعله تحت أقدامنا وأن لا نرفع به رأسا إذا القلب هو محل العقل ولا شك ولكن الدماغ محل التصور ثم إذا تصورها وجهزها بعث بها إلى القلب ثم القلب يأمر أو ينهي فكأن الدماغ سكرتير يجهز الأشياء ثم يدفعها إلى القلب ثم القلب يأمر أو ينهي وهذا ليس بغريب { وفي أنفسكم أفلا تبصرون } وفي هذا الجسم أشياء غريبة تحار فيها العقول وأيضا قلنا هذا لأن النبي عليه الصلاة والسلام إذا صلحت صلح الجسد فلولا أن الأمر للقلب ما كان إذا صلح صلح الجسد وإذا فسد فسد الجسد كله إذا فالقلوب هي محل العقل والتدبير للشخص ولكن لا شك أن لها اتصالا بالدماغ ولهذا إذا اختل الدماغ فسد التفكير وفسد العقل فهذا مرتبط بهذا لكن العقل المدبر في القلب والقلب في الصدر { ولكن تعمى القلوب التي في الصدور } ثم ذكر المؤلف رحمه الله حديث عمر بن الخطاب هذا الحديث العظيم الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم في آخره أتدرون من السائل ؟ قالوا الله ورسوله أعلم قال فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم إذا ديننا في هذا الحديث لأنه مشتمل على كل الدين على الإسلام والإيمان والإحسان قال المؤلف رحمه الله


60 - وأما الأحاديث فالأول عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه وقال يا محمد أخبرني عن الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا قال صدقت فعجبنا له يسأله ويصدقه قال فأخبرني عن الإيمان قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره قال صدقت قال فأخبرني عن الإحسان قال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك قال: فأخبرني عن الساعة قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل قال: فأخبرني عن أماراتها قال: أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان ثم انطلق فلبثت مليا ثم قال: يا عمر أتدري من السائل قلت: الله ورسوله أعلم قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم رواه مسلم ومعنى تلد الأمة ربتها أي سيدتها ومعناه أن تكثر السراري حتى تلد الأمة السرية بنتا لسيدها وبنت السيد في معنى السيد وقيل غير ذلك والعالة الفقراء وقوله مليا أي زمنا طويلا وكان ذلك ثلاثا

الشَّرْحُ

قوله بينما هذه ظرف تدل على المفاجأة ولهذا تأتي بعدها إذ المفيدة المفاجأة وكان الصحابة رضي الله عنهما يجلسون عند النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا لأن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يغيب عن أصحابه أو أهله إما في البيت في شؤون بيته صلوات الله وسلامه عليه يحلب الشاة ويرقع الثوب ويخصف النعل وإما مع أصحابه في المسجد وإما ذاهبا إلى عيادة مريض أو زيارة قريب أو غير ذلك من الأمور التي لا يمضي منها إلا وهو في طاعة الله عليه الصلاة والسلام قد حفظ الوقت ليس مثلنا نضيع الأوقات والغريب أن أغلى شيء عند الإنسان هو الوقت وهو أرخص شيء قال الله حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت حتى لا يضيع علي الوقت ما يقول لعلي أتمتع في المال أو أتمتع بالزوجة أو أتمتع في المركوب أو أتمتع في القصور بل يقول لعلي أعمل صالحا فيما تركت مضى علي الوقت وما استفدت منه هو أغلى شيء لكن هو أرخص شيء عندنا الآن نمضي أوقاتا كثيرة بغير فائدة بل نمضي أوقاتا كثيرة فيما يضر ولست أتحدث عن رجل واحد بل عن عموم المسلمين اليوم مع الأسف الشديد أنهم في سهو ولهو وغفلة ليسوا جادين في أمور دينهم أكثرهم في غفلة وفي ترف ينظرون ما يترف به أبدانهم وإن أتلفوا أديانهم فالرسول عليه الصلاة والسلام كان دائما في المصالح الخاصة أو العامة فبينما الصحابة عنده جلوس إذ طلع عليهم رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد وهذا غريب ليس مسافرا حتى نقول إنه غريب عن البلد ولا يعرف فنقول إنه من أهل البلد فتعجبوا منه ثم هذا الرجل الذي جاء نظيفا شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر أي شاب لا يرى عليه أثر سفر لأن المسافر لاسيما في ذلك الوقت يكون أشعث أغبر لأنهم يمشون على الإبل أو على الأقدام والأرض غير مسفلتة كلها غبار لكن هذا لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد فهو غريب ليس بغريب حتى جاء وجلس إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهذا الرجل هو جبريل عليه الصلاة والسلام أحد الملائكة العظام بل هو أفضل الملائكة فيما نعلم لشرف عمله لأنه يقوم بحمل الوحي من الله إلى الرسل عليهم الصلاة والسلام فهو ملك عظيم رآه النبي على صورته التي خلق عليها مرتين مرة في الأرض ومرة في السماء مرة في الأرض في غار حراء رآه وله ستمائة جناح قد سد الأفق كل الأفق أمام الرسول لا يرى السماء من فوق لأن هذا الملك قد سد الأفق سبحان الله لأن الله يقول في الملائكة { جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة } لهم أجنحة يطيرون بها طيرانا سريعا والمرة الثانية عند سدرة المنتهى قال الله تبارك وتعالى { إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى } هذا في الأرض دنا جبريل من فوق فتدلى أي قرب إلى محمد صلى الله عليه وسلم فأوحى إلى عبده الرسول ما أوحاه من وحي الله الذي حمله إياه أما الثانية فقال { ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى } فهذا جبريل لكن الله جعل للملائكة قدرة على أن يتشكلوا بغير أشكالهم الأصلية فها هو قد جاء في صورة هذا الرجل قوله حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه أي أسند ركبة جبريل إلى ركبة النبي صلى الله عليه وسلم ووضع كفيه على فخذه قال العلماء وضع كفيه على فخذي نفسه لا على فخذي النبي صلى الله عليه وسلم وذلك من كمال الأدب في جلسة المتعلم أمام المعلم بأن يجلس بأدب واستعداد لما يسمع مما يقال من الحديث جلس هذه الجلسة ثم قال يا محمد أخبرني عن الإسلام ولم يقل يا رسول الله أخبرني صنيع أهل البادية الأعراب لأن الأعراب إذا جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقولون يا محمد أما الذين سمعوا أدب الله عز وجل لهم فإنهم لا يقولون يا محمد وإنما يقولون يا رسول الله لأن الله قال في كتابه { لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا } وهذا يشمل دعاءه عند النداء باسمه ويشمل دعاءه إذا أمر أو نهى فلا نجعل أمره كأمر الناس إن شئنا امتثلنا وإن شئنا تركنا ولا نجعل نهيه كنهي الناس إن شئنا تركنا وإن شئنا فعلنا كذلك إذا دعوناه لا ندعوه كدعاء بعضنا بعضا فنقول يا فلان يا فلان مثلما تنادي صاحبك وإنما تقول يا رسول الله لكن الأعراب لبعدهم عن العلم وجعل أكثرهم ينادونه باسمه فيقولون يا محمد قال أخبرني عن الإسلام أي ما هو الإسلام فقال النبي صلى الله عليه وسلم أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله هذا الركن الأول تشهد بلسانك نطقا وبقلبك إقرارا أن لا إله إلا الله يعني لا معبود بحق إلا الله سبحانه وتعالى وألوهية الله فرع عن ربوبيته لأن من تأله لله فقد أقر بالربوبية إذ إن المعبود لابد أن يكون ربا ولابد أن يكون كامل الصفات ولهذا تجد الذين ينكرون صفات الله عز وجل عندهم نقص عظيم في العبودية لأنهم يعبدون لا شيء فالرب لابد أن يكون كامل الصفات حتى يعبد بمقتضى هذه الصفات ولهذا قال الله تعالى { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها } أي تعبدوا له وتوسلوا بأسمائه إلى مطلوبكم فالدعاء هنا يشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة المهم أنه قال أن تشهدوا أن لا إله إلا الله فلا إله من الخلق لا لملك مقرب ولا نبي مرسل ولا شمس ولا قمر ولا شجر ولا حجر ولا بر ولا بحر ولا ولي ولا صديق ولا شهيد لا إله إلا والله وحده وهذه الكلمة أرسل الله بها جميع الرسل فقال الله تعالى { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون } وقال تعالى { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } أي ابتعدوا عن الشرك هذه الكلمة إذا حققها الإنسان وقالها من قلبه ملتزما بما تقتضيه من الإيمان والعمل الصالح فإنه يدخل الجنة بها قال النبي صلى الله عليه وسلم من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة جعلنا الله وإياكم منهم وقوله وأن محمدا رسول الله أي تشهد أن محمد بن عبد الله الهاشمي القرشي العربي رسول الله ولم يذكر من سواه من الرسل لأنه نسخ جميع الأديان كل الأديان باطلة ببعثة الرسول عليه الصلاة والسلام فدين اليهود باطل ودين النصارى باطل غير مقبول عند الله لقول الله تعالى { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين } يتعبون في عباداتهم التي ابتدعوها تعبا عظيما وينصبون نصبا عظيما وكل هذا هباء لا ينفعهم بشيء وقوله { وهو في الآخرة من الخاسرين } فلو ربحوا في الدنيا ما ربحوا في الآخرة لأن أديانهم باطلة فالذين يدعون الآن من النصارى أنهم ينتسبوا إلى عيسى ابن مريم هم كاذبون والمسيح برئ منهم ولو جاء المسيح لقاتلهم وسينزل في آخر الزمان ولا يقبل إلا الإسلام فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية فلا يقبلها من أحد لا يقبل إلا الإسلام وقوله وأن محمدا رسول الله إلى من جـ: إلى الخلق كافة كما قال الله { تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا } للعالمين كلهم وقال الله تعالى { قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله ولكماته واتبعوه لعلكم تهتدون } فهو رسول إلى جميع الخلق وقد أقسم صلى الله عليه وسلم أنه لا يسمع به أحد يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بما جاء به إلا كان من أصحاب النار ولذلك نحن نؤمن ونعتقد بأن جميع النصارى واليهود وغيرهم من الكفرة كلهم من أصحاب النار لأن هذا شهادة النبي عليه الصلاة والسلام والجنة حرام عليهم لأنهم كفرة أعداء لله ولرسوله أعداء لإبراهيم ونوح ومحمد وموسى وعيسى وجميع الرسل ليسوا على شيء قوله أن تشهد أن لا إله إلا الله مع قوله وأن محمدا رسول الله هذان جمعا شرطي العبادة وهما الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه من قال لا إله إلا الله أخلص لله ومن شهد أن محمدا رسول الله اتبع رسول الله ولم يتبع سواه ولهذا عد هذان ركنا واحدا من أركان الإسلام لأنهما يعودان إلى شيء واحد وهو تصحيح العبادات لأن العبادات لا تصح إلا بمقتضى هاتين الشهادتين شهادة أن لا إله إلا الله التي يكون بها الإخلاص وأن محمدا رسول الله التي يكون بها الاتباع وقوله وأن محمدا رسول الله فإنه يجب أن تشهد بلسانك مقرا بقلبك أن محمدا رسول الله أرسله الله إلى العالمين جميعا رحمة بالعالمين كما قال الله { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } وأن تؤمن بأنه خاتم النبيين كما قال الله تعالى { ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين } فلا نبي بعده ومن ادعى النبوة بعده فهو كافر كاذب ومن صدقه فهو كافر ويلزم من هذه الشهادة أن تتبعه في شريعته وفي سنته وأن لا تبتدع في دينه ما ليس منه ولهذا نقول إن أصحاب البدع الذين يبتدعون في شريعة الرسول صلى الله عليه وسلم ما ليس منها إنهم لم يحققوا شهادة أن محمدا رسول الله حتى وإن قالوا إننا نحبه ونعظمه فإنهم لو أحبوه تمام المحبة وعظموه تمام التعظيم ما تقدموا بين يديه ولا أدخلوا في شريعته ما ليس منها فالبدعة مضمونها حقيقة القدح برسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما يقول هذا المبتدع إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكمل الدين ولا الشريعة لأن هناك دينا وشريعة ما جاء بها ثم في البدعة محذور آخر وهو عظيم جدا وهو أن يتضمن تكذيب قول الله { اليوم أكملت لكم دينكم } لأن الله إذا كان أكمل الدين فمعناه أنه لا دين بعدما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام وهؤلاء المبتدعون شرعوا في دين الله ما ليس منه من تسبيحات وتهليلات وحركات وغير ذلك فهم في الحقيقة مكذبون لمضمون قوله تعالى { اليوم أكملت لكم دينكم } وكذلك قادحون برسول الله صلى الله عليه وسلم متهمون إياه بأنه لم يكمل الشريعة للبشر وحاشاه من ذلك ومن تمام شهادة أن محمدا رسول الله أن تصدقه فيما أخبر به فكل ما صح عنه وجب عليك أن تصدق به وأن لا تعارض هذا بعقلك وتقديراتك وتصوراتك لأنك لو لم تؤمن إلا بما صدق به عقلك لم تكن مؤمنا حقيقة بل متبعا لهواك لا آخذا بهداك الإنسان الذي يؤمن بالرسول عليه الصلاة والسلام حقا يقول فيما صح عنه من الأخبار سمعنا وآمنا وصدقنا أما أن يقول كيف يكون كذا كيف يكون كذا فهذا غير مؤمن حقيقة ولذلك يخشى على أولئك القوم الذي يحكمون عقولهم فيما أخبر به الرسول عليه الصلاة والسلام لأنهم إن كانوا لا يقبلون إلا بما شهدت به عقولهم وعقولهم لا شك أنها قاصرة فإنهم لم يؤمنوا حقا برسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يشهدوا أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه الحقيقة عندهم من ضعف هذه الشهادة بمقدار ما عندهم من التشكك فيما أخبر به كذلك من تحقيق شهادة أن محمدا رسول الله أن لا تغلوا فيه فتنزله بمنزلة أكبر من المنزلة التي أنزله الله إياها مثل أولئك الذين يعتقدون أن الرسول صلى الله عليه وسلم يكشف الضر حتى أنهم عند قبره يسألون النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة أن يكشف الضر عنهم وأن يجلب النفع لهم هذا غلو في الرسول وشرك بالله عز وجل لا يقدح على ذلك أحد إلا الله سبحانه وتعالى والنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته لا يملك لنفسه شيئا أبدا حتى الصحابة لما أصابهم القحط في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه واستقوا في مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام ما جاءوا إلى القبر يسألون الرسول أو يقولون ادعوا الله لنا أو اشفع لنا عند الله حتى ينزل الغيث قال عمر يدعو الله اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإننا نتوسل إليك بعم نبينا ثم أمر العباس أن يقوم ويدعو الله بإنزال الغيث لماذا جـ - لأن النبي صلى الله عليه وسلم ميت لا عمل له بعد موته هو الذي قال إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له فالنبي صلى الله عليه وسلم بنفسه لا يملك شيئا أن يدعو لك وهو في قبره أبدا فمن أنزله فوق منزلته التي أنزله الله فإنه لم يحقق شهادة أن محمدا عبده ورسوله بل شهد أن محمدا رب مع الله نعوذ بالله لأن معنى كونه رسولا أنه عبد لا يعبد ورسول لا يكذب نحن في صلاتنا كل يوم نقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فهو عبد كغيره من العباد مربوب والله هو المعبود وهو الرب إذا نقول لهؤلاء الذين نجدهم يغلون برسول الله صلى الله عليه وسلم وينزلونه فوق منزلته التي أنزله الله نقول لهم إنكم لم تحققوا لا شهادة أن لا إله إلا الله ولا شهادة أن محمدا رسول الله فالمهم أن هاتين الشهادتين عليهما كل الإسلام لذلك لو أراد الإنسان أن يتكلم على ما يتعلق بهما منطوقا ومفهوما ومضمونا وإشارة لاستغرق أياما ولكن نحن أشرنا إشارة إلى ما يتعلق بهما ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يحققهما عقيدة وقولا وفعلا الركن الثاني إقام الصلاة الصلاة سميت صلاة لأنها صلة بين العبد وبين الله فإن الإنسان إذا قام يصلي فإنه يناجي ربه ويحاوره يأخذ معه ويرد كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله سبحانه قال قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال { الحمد لله رب العالمين } قال حمدني عبدي فإذا قال { الرحمن الرحيم } قال أثنى علي عبدي فإذا قال { مالك يوم الدين } قال مجدني عبدي فإذا قال { إياك نعبد وإياك نستعين } قال هذا بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال { اهدنا الصراط المستقيم } قال الله هذا لعبدي ولعبدي ما سأل فتأمل أخذ وإعطاء ومحاورة ومناجاة بين الإنسان وبين ربه ومع ذلك فالكثير منا في هذه المناجاة معرض بقلبه تجده يتجول يمينا وشمالا مع أنه يناجي من يعلم ما في الصدور عز وجل وهذا من جهلنا وغفلتنا فالواجب علينا ونسأل الله أن يعيننا عليه أن تكون قلوبنا حاضرة في حال الصلاة حتى تبرأ ذمتنا وحتى ننتفع بها لأن الفوائد المترتبة على الصلاة إنما تكون على صلاة كاملة ولهذا كلنا يقرأ قول الله عز وجل { وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } ومع ذلك يأتي الإنسان ويصلي فلا يجد في قلبه إنكارا لمنكر أو عرفا لمعروف زائدا عما دخل في الصلاة يعني لا يتحرك القلب ولا يستفيد لأن الصلاة ناقصة هذه الصلاة أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين وقد فرضها الله عز وجل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بدون واسطة من الله إلى رسول الله وفرضها عليه في أعلى مكان وصله بشر وفرضها عليه في أشرف ليلة كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهي ليلة المعراج وفرضها عليه خمسين صلاة في اليوم والليلة وهذه أربعة أمور أولا لم يكن فرضها كفرض الصيام والحج بل هو من الله مباشرة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ثانيا من ناحية المكان فهو في أفضل مكان وصل إليه البشر فلم تفرض على النبي وهو في الأرض ثالثا من ناحية الزمان في أشرف ليلة كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهي ليلة المعراج رابعا في الكمية لم تفرض صلاة واحدة بل خمسين صلاة مما يدل على محبة الله لها وأنه يحب من عبده أن يكون دائما مشغولا بها ولكن الله جعل لكل شيء سببا لما نزل الرسول عليه الصلاة والسلام مسلما لأمر الله قانعا بفريضة الله ومر بموسى وسأله موسى ماذا فرض الله على أمتك ؟ قال خمسين صلاة في اليوم والليلة قال إن أمتك لا تطيق ذلك إنني جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة اذهب إلى ربك واسأله أن يخفف عن أمتك فذهب على الله وجعل يتردد بين موسى وبين الله حتى جعلها الله خمسا لكن الله بمنه وكرمه وله الحمد والفضل قال هي خمس بالفعل وخمسون في الميزان وليس هذا من قبيل الحسنة بعشر أمثالها بل من قبيل الفعل الواحد يجزئ عن خمسين فعلا فالخمس صلوات هذه عن خمسين صلاة فكأنما صلينا خمسين صلاة كل صلاة الحسنة بعشر أمثالها لأنه لو كان هذا من باب مضاعفة الحسنات لم يكن هناك فرق بين الصلوات وغيرها لكن هذه خاصة وهذا يدل على عظم هذه الصلوات ولهذا فرضها الله على عباده في اليوم والليلة خمس مرات لابد منها لابد أن تكون مع الله خمس مرات في اليوم تناجيه لو أن أحدا من الناس حصل له مقابلة بينه وبين الملك خمس مرات باليوم لعد ذلك من مناقبه ولفرح بذلك أنت تناجي ملك الملوك في اليوم خمس مرات على الأقل فلماذا لا تفرح بهذا أحمد الله على هذه النعمة وأقم الصلاة وقول النبي صلى الله عليه وسلم وتقيم الصلاة يعني تأتي بها قويمة سالمة بشروطها وأركانها وواجباتها فمن أهم شروطها الوقت لقول الله سبحانه { إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا } وإذا كانت الصلوات خمسا فأوقاتها خمسة أو ثلاثة خمسة لغير أهل الأعذار وثلاثة لأهل الأعذار الذي يجوز لهم الجمع فالظهر والعصر يكون وقتاهما وقتا واحدا إذا جاز الجمع والمغرب والعشاء يكون وقتاهما وقتا واحدا إذا جاز الجمع والفجر وقت واحد ولهذا فصلها الله عز وجل { أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر } ولم يقل لدلوك الشمس إلى طلوع الشمس بل قال إلى غسق الليل وغسق الليل يكون عند منتصفه لأن أشد ما يكون ظلمة في الليل منتصف الليل لأن منتصف الليل هو أبعد ما تكون الشمس عن النقطة التي فيها هذا المنتصف ولهذا كان القول الراجح أن الأوقات خمسة كما يلي 1 - الفجر من طلوع الفجر الثاني وهو البياض المعترض في الأفق إلى أن تطلع الشمس وهنا أنبه فأقول إن التقويم تقويم أم القرى فيه تقديم خمس دقائق في أذان الفجر على مدار السنة فالذي يصلي أول ما يؤذن يعتبر أنه صلى قبل الوقت وهذا شيء اختبرناه في الحساب الفلكي واختبرناه أيضا في الرؤية فلذلك لا يعتمد هذا بالنسبة لأذان الفجر لأنه مقدم وهذه مسألة خطرة جدا لو تكبر للإحرام فقط قبل أن يدخل الوقت ما صحت صلاتك فريضة وقد حدثني أناس كثيرون ممن يعيشون في البر وليس حولهم أنوار أنهم لا يشاهدون الفجر إلا بعد هذا التقويم بثلث ساعة أي عشرون دقيقة أو ربع ساعة أحيانا لكن التقاويم الأخرى الفلكية التي بالحساب بينها وبين هذا التقويم خمس دقائق على كل حال وقت صلاة الفجر من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس 2 - والظهر من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله لكن بعد أن تخصم ظل الزوال لأن الشمس خصوصا في أيام الشتاء يكون لها ظل نحو الشمال وهذا ليس بعبرة بل العبرة أنك تنظر إلى الظل مادام ينقص فالشمس لم تزل فإذا بدأ يزيد أدنى زيادة فإن الشمس قد زالت اجعل علامة على ابتداء زيادة الظل فإذا صار ظل الشيء كطوله خرج وقت الظهر ودخل وقت العصر 3 - ووقت العصر إلى أن تصفر الشمس والضرورة إلى غروبها 4 - ووقت المغرب من غروب الشمس إلى مغيب الشفق الأحمر وهو يختلف أحيانا يكون بين الغروب وبين مغيب الشفق ساعة وربع وأحيانا يكون ساعة واثنان وثلاثون دقيقة ولذلك وقت العشاء عند الناس الآن لا بأس به واحدة ونصف لا يضر ( 1 .
30 ) غروبي لو تأخر عن دخول الوقت ما يهم 5 - وقت العشاء من خروج وقت المغرب إلى منتصف الليل المعنى أنك تقدر ما بين غروب الشمس وطلوع الفجر ثم تنصفه فالنصف هو منتهى صلاة العشاء ويترتب على هذا فائدة عظيمة لو طهرت المرأة في الثلث الأخير من الليل فليس عليها صلاة عشاء ولا المغرب لأنها طهرت بعد الوقت وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي عليه الصلاة والسلام قال وقت العشاء إلى نصف الليل وليس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث يدل على أن وقت العشاء يمتد إلى طلوع الفجر أبدا ولهذا القول الراجح إلى نصف الليل والآية الكريمة تدل على هذا لأنه فصل الفجر عن الأوقات الأربعة { أقم الصلاة لدلوك الشمس } أي زوالها { إلى غسق الليل } جمع الله بينها لأنها ليس بينها فاصل أما الفجر فقال { وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا } فالفجر لا تتصل بصلاة لا قبلها ولا بعدها لأن بينها وبين الظهر نصف النهار الأول وبينها وبين صلاة العشاء نصف الليل الآخر والله الموفق اعلم أن الصلاة قبل دخول الوقت لا تقبل حتى لو كبر تكبيرة الإحرام ثم دخل الوقت بعد التكبيرة مباشرة فإنها لا تقبل على أنها فريضة لأن الشيء الموقت بوقت لا يصح قبل وقته كما لو أراد الإنسان أن يصوم قبل رمضان ولو بيوم واحد فإنه لا يجزئه عن رمضان كذلك الصلاة لكن إن كان جاهلا لا يدري صارت نافلة ووجب عليه إعادتها فريضة أما إذا صلاها بعد الوقت فلا يخلوا من حالين أ - إما أن يكون معذورا بجهل أو نسيان أو نوم فهذا تقبل منه - الجهل مثل أن لا يعرف أن الوقت قد دخل وقد خرج فهذا لا شيء عليه متى علم فإنه يصلي الصلاة وتقبل منه لأنه معذور - والنسيان مثل أن يكون الإنسان اشتغل بشغل عظيم شغله وألهاه حتى خرج الوقت فإن هذا يصليها ولو بعد خروج الوقت والنوم كذلك فلو أن شخصا نام على أنه سيقوم عند الأذان ولكن صار نومه ثقيلا فلم يسمع الأذان ولا المنبه الذي وضعه عند رأسه حتى خرج الوقت فإنه يصلي إذا استيقظ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك ب - فأما الحالة الثانية فإن يؤخر الصلاة عن وقتها عمدا من غير عذر فاتفق العلماء على أنه آثم وعاص لله ورسوله وقال بعض العلماء إنه يكفر بذلك كفرا مخرجا عن الملة نسأل الله العافية ولكن الصحيح أنه لا يكفر وهذا قول الجمهور ولكن اختلفوا فيما لو صلاها في هذه الحال أي بعد أن أخرجها عن وقتها عمدا بلا عذر ثم صلى فمنهم من قال إنها تقبل أي صلاة لأنه عاد إلى رشده وصوابه ولأنه إذا كان الناس تقبل منه الصلاة بعد الوقت فالمتعمد كذلك لكن القول الصحيح الذي تؤيده الأدلة أنها لا تقبل منه إذا أخرها عن وقتها ولو صلى ألف مرة وذلك لقول النبي عليه الصلاة والسلام من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد يعني مردود غير مقبول عند الله وإذا كان مردودا فلن يقبل وهذا الذي أخرج الصلاة عمدا عن وقتها إذا صلاها فقد صلاها على غير أمر الله ورسوله وأما المعذور فهو معذور ولهذا أمره الشارع أن يصليها إذا زال عذره أما من ليس بمعذور فإنه لو بقي يصلي كل دهره فإنها لا تقبل منه هذه الصلاة التي أخرجها عن وقتها بلا عذر فعليه أن يتوب إلى الله ويستقيم ويكثر من العمل الصالح والاستغفار ومن تاب تاب الله عليه الشرط الثاني الطهارة ومن إقام الصلاة الطهارة فإنه لا تقبل صلاة بغير طهور قال النبي عليه الصلاة والسلام لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ فلابد أن يقوم الإنسان بالطهارة على الوجه الذي أمر به فإن أحدث حدثا أصغر مثل البول والغائط والريح والنوم وأكل لحم الإبل فإنه يتوضأ وفروض الوضوء كما يلي غسل الوجه واليدين إلى المرفقين ومسح الرأس وغسل الرجلين إلى الكعبين كما أمر الله بذلك في قوله { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين } ومن الرأس الأذنان ومن الوجه المضمضة والاستنشاق في الفم والأنف فلابد في الوضوء من غسل هذه الأعضاء الأربعة غسل في ثلاثة ومسح في واحد وأما الاستنجاء أو الاستجمار فهو إزالة نجاسة لا علاقة له بالوضوء فلو أن الإنسان بال أو تغوط واستنجى ثم ذهب لشغله ثم دخل لوقت فإنه يتوضأ بتطهيره الأعضاء الأربعة ولا حاجة إلى أن يستنجي لأن الاستنجاء إزالة نجاسة متى أزيلت فإنه لا يعاد الغسل مرة ثانية إلا إذا رجعت مرة ثانية والصحيح أنه لو نسى أن يستجمر استجمارا شرعيا ثم توضأ فإن وضوءه صحيح لأنه كما قلت ليس هناك علاقة بين الاستنجاء وبين الوضوء أما إذا كان محدثا حدثا أكبر مثل الجنابة فعليه أن يغتسل فيعمم جميع بدنه بالماء لقوله تعالى { وإن كنتم جنبا فاطهروا } ومن ذلك المضمضة والاستنشاق لأنهما داخلان في الوجه فيجب تطيرهما كما يجب تطهير الجبهة والخد واللحية والغسل الواجب الذي يكفي أن تعم جميع بدنك بالماء سواء بدأت بالرأس أو بالصدر أو بالظهر أو بأسفل البدن أو انغمست في بركة وخرجت منها بينة الغسل والوضوء في الغسل سنة وليس بواجب ويسن قبل أن يغتسل وإذا اغتسل فلا حاجة إليه مرة ثانية لأنه لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه توضأ بعد اغتساله فإذا لم يجد الماء أو كان مريضا يخشى من استخدام الماء أو كان برد شديد وليس عنده ما يسخن به الماء فإنه يتيمم لقوله تعالى { وَإِن كُنْتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنْكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْه } فبين الله حال السفر والمرض أنه يتيمم فيهما إذا لم يجد الماء في السفر أما خوف البرد فدليله قصة عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه في سرية فأجنب فتيمم وصلى بأصحابه إماما فلما رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال له أصليت بأصحابك وأنت جنب ؟ ! قال نعم يا رسول الله ذكرت قول الله تعالى { ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما } وخفت البرد فتيممت صعيدا طيبا فصليت فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك ولم يأمره بالإعادة لأن من خاف الضرر كمن فيه الضرر لكن بشرط أن يكون الخوف غالبا أو قاطعا أما مجرد الوهم فهذا ليس بشيء واعلم أن طهارة التيمم تقوم مقام طهارة الماء ولا تنتقض إلا بما تنتقض به طهارة الماء أو بزوال العذر المبيح للتيمم فمن تيمم لعدم وجود الماء ثم وجده فإنه لابد أن يتطهر بالماء لأن الله تعالى إنما جعل التراب طهارة إذا عدم الماء وفي الحديث الذي أخرجه أهل السنن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الصعيد الطيب وضوء المسلم أو قال طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين فإن وجده فليتق الله وليمسه بشرته وفي صحيح البخاري في حديث عمران بن حصين الطويل في قصة الرجل الذي اعتزل فلم يصل مع النبي صلى الله عليه وسلم فسألته فقال ما منعك أن تصلي معنا ؟ قال أصابتني جنابة ولا ماء فقال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك ثم حضر الماء فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرجل ماء وقال أفرغه على نفسك أي اغتسل به فدل هذا على أنه إذا وجد الماء بطل التيمم وهذه ولله الحمد قاعدة حتى عند العامة يقولون إذا حضر الماء بطل التيمم أما إذا لم يحضر الماء ولم يزل العذر فإنه يقوم مقام طهارة الماء ولا يبطل بخروج الوقت فلو تيمم الإنسان وهو مسافر ولا ماء عنده لصلاة الظهر مثلا وبقي لم يحدث إلى العشاء فإنه لا يلزمه إعادة التيمم لأن التيمم لا يبطل بخروج الوقت لأنه طهارة شرعية كما قال الله في القرآن الكريم { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم } فبين الله أن طهارة التيمم طهارة وقال الرسول صلى الله عليه وسلم جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا بفتح الطاء أي أنها تطهر فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل وفي حديث آخر فعنده مسجده وطهوره يعني فليتطهر وليصل هذا من الأشياء المهمة في إقامة الصلاة المحافظة على الطهارة واعلم أن من المحافظة على الطهارة إزالة النجاسة من ثوبك وبدنك ومصلاك الذي تصلي عليه فلابد من الطهارة في هذه المواضع الثلاث البدن والثوب والمصلى 1 - ودليل هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر النساء اللاتي يصلين في ثيابهن وهن يحضن بهذه الثياب أن تزيل المرأة الدم الذي أصابها من ثوبها تحكه بظفرها ثم تقرصه بأصبعيها الإبهام والسبابة ثم تغسله ولما صلى ذات يوم بأصحابه وعليه نعاله خلع نعليه فخلع الناس نعالهم فلما سلم سألهم لماذا خلعوا نعالهم ؟ قالوا رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا قال إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرا فدل هذا على أنه لابد من اجتناب النجاسة في الملبوس 2 - أما المكان فإن دليله أن أعرابيا جاء فبال في طائفة من المسجد أي في طرف منه لكنه أعرابي والأعراب الغالب عليهم الجهل فصاح به الناس وزجروه ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم بحكمته نهاهم وقال اتركوه فلما قضى بوله دعاه النبي صلى الله عليه وسلم وقال له إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من الأذى أو القذر إنما هي للصلاة والتسبيح وقراءة القرآن أو كما قال صلى الله عليه وسلم فقال الأعرابي اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا لأن الصحابة زجروه وأما النبي صلى الله عليه وسلم فكلمه بلطف فظن أن الرحمة ضيقة لا تتسع للجميع ويذكر أن الرسول قال له لقد تحجرت واسعا وأمر الرسول عليه الصلاة والسلام أن يصب على البول ذنوب من ماء مثل الدلو لتطهر الأرض 3 - وأما طهارة البدن فقد ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس أن الرسول صلى الله عليه وسلم مر بقبرين فقال إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة بين الناس والعياذ بالله فدل هذا على أنه لابد من التنزه من البول وهكذا بقية النجاسات ولكن لو فرض أن الإنسان في البر وتنجس ثوبه وليس معه ما يغسله به فهل يتيمم من أجل صلاته في هذا الثوب جـ - لا يتيمم وكذلك لو أصابه بدنه نجاسة رجله أو يده أو ساقه أو ذراعه وليس عنده ما يغسله فإنه لا يتيمم لأنه التيمم إنما هو بطهارة الحدث فقط أما النجاسة فلا يتيمم لها لأن النجاسة عين قذرة تطهيرها بإزالتها إن أمكن فذاك وإن لم يمكن تبقى حتى يمكن إزالتها والله أعلم أحكام المسح على الخفين والجبيرة سبق أن للوضوء أربعة أركان اثنان يغسلان وواحد يمسح وواحد يغسل ويمسح أما الوجه فلا يمكن أن يمسح إلا إذا كان هناك جبيرة أي لزقة على جرح وما أشبهه فلو أن إنسانا غطى وجهه بشيء من سموم شمس أو غيره فإنه لا يمسح عليه بل يزيل الغطاء ويغسل الوجه إلا إذا كان هناك ضرورة فإنه يمسح ما غطى به وجهه على سبيل البدل من الغسل وأما اليدان فكذلك لا تمسحان بل لابد من غسلها إلا إذا كان هناك ضرورة مثل أن يكون فيهما حساسية يضرها الماء وجعل عليهما لفافة أو لبس قفازين من أجل أن لا يأتيهما الماء فلا بأس أن يمسح مسح جبيرة للضرورة وأما الرأس فيمسح وطهارته أخف من غيره ولهذا لو كان المرأة على رأسها حناء ملبد عليه أو لبد المحرم رأسه في حال إحرامه كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام فإنه يمسح هذا الملبد ولا حاجة إلى أن يزيله - أما الرجلان فتغسلان وتمسحان ولهذا جاء القرآن الكريم على وجهين في قراءة قوله تعالى { وأرجلكم } بالفتح والكسر أما قراءة الكسر { وأرجلكم } فهي عطفا على قوله { وامسحوا برءوسكم } أي وامسحوا بأرجلكم وأما النصب { وأرجلكم } فهي عطفا على قوله تعالى { فاغسلوا وجوهكم } أي واغسلوا أرجلكم ولكن متى تمسح الرجل جـ - تمسح الرجل إذا لبس عليها الإنسان جوارب أو خفين الجوارب ما كان من القطن أو الصوف أو نحوه والخفان ما كان من الجلد أو شبهه فإنه يمسح عليهما لكن بشروط أربعة الأول الطهارة أي طهارة الخفين أو الجوربين فلو كانا من جلد نجس فإنه لا يصح المسح عليهما لأن النجس خبيث لا يتطهر مهما مسحته وغسلته أما إذا كانتا متنجستين فمن المعلوم أن الإنسان لا يصلي فيهما فلا يمسح عليهما الثاني أن يلبسهما على طهارة بالماء فإن لبسهما على تيمم فإنه لا يمسح عليهما فلو أن شخصا مسافرا لبس الجوارب على طهارة تيمم ثم قدم البلد فإنه لا يمسح عليهما لأنه لبسهما على طهارة تيمم وطهارة التيمم إنما تتعلق بالوجه والكفين لا علاقة لها بالرجلين وعلى هذا يكون الشرط مأخوذا من قول النبي صلى الله عليه وسلم للمغيرة بن شعبة إني أدخلتهما طاهرتين الثالث أن يكونا في الحدث الأصغر أي في الوضوء أما الغسل فلا تمسح فيه الخفان ولا الجوارب بل لابد من خلعهما وغسل الرجلين لو كان على الإنسان جنابة فإنه لا يمكن أن يمسح على خفيه الرابع أن يكون في المدة المحددة شرعا وهي يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام للمسافر ولكن متى تبتدئ ؟ جـ: تبتدئ من أول مرة مسح بعد الحدث أما ما قبل المسح الأول فلا يحسب من المدة فلو فرض أن شخصا لبسها على طهارة في صباح يوم الثلاثاء وبقي إلى أن صلى العشاء في طهارته ثم نام في ليلة الأربعاء ولما قام لصلاة الفجر مسح فيوم الثلاثاء لا يحسب عليه لأنه قبل المسح بل يحسب عليه من فجر يوم الأربعاء لأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوما وليلة للمقيم وقال صفوان بن عسال أمرنا رسول الله أن نمسح خفافنا ثلاثة أيام بلياليهن إذا كنا سفرا فالعبرة بالمسح لا باللبس ولا بالحدث بعد اللبس فيتم المقيم يوما وليلة أي ( 24 ) ساعة ويتم المسافر ثلاثة أيام بلياليهن أي ( 72 ) ساعة فإن مسح الإنسان وهو مقيم وسافر قبل أن تتم المدة فإنه يتمم مسح مسافر ثلاثة أيام مثلا لو لبس اليوم لصلاة الفجر ومسح لصلاة الظهر ثم سافر بعد الظهر فإنه يتمم ثلاثة أيام ولو كان بالعكس مسح وهو مسافر ثم أقام فإنه يتمم مسح مقيم لأن العبرة بالنهاية لا بالبداية وهذا الذي رجع إليه الإمام أحمد رحمه الله وكان بالأول يقول إن الإنسان إذا مسح مقيما ثم سافر أتم مسح مقيم ولكنه رجع عن هذه الرواية وقال إنه يتمم مسح مسافر ولا تستغرب أن العالم يرجع عن قوله لأن الحق يجب أن يتبع فمتى تبين للإنسان الحق وجب عليه ابتاعه فالإمام أحمد رحمه الله أحيانا يروى عنه في المسألة الواحدة أربعة أقوال أو خمسة إلى سبعة أقوال في مسألة واحدة وهو رجل واحد أحيانا يصرح بأنه رجع وأحيانا لا يصرح إن صرح بأنه رجع عن قوله الأول فإنه لا يجوز أن ينسب إليه القول الأول الذي رجع عنه إلا مقيدا فيقال قال به أولا ثم رجع أما إذا لم يصرح بالرجوع فإنه يجب أن يحسب القولان له والإمام أحمد تكثر الرواية عنه لأنه أثرى يأخذ بالآثار والذي يأخذ بالآثار ليس تأتيه الآثار دفعة واحدة حتى يحيط بها مرة واحدة ويستقر على قول منها لكن الآثار تتجدد ينقل له حديث اليوم وينقل له حديث في اليوم الثاني وهكذا واعلم أن الإنسان إذا تمت المدة وهو على طهارة فإنه لا تنتقض طهارته لكن لو انتقضت فلابد من خلع الخفين وغسل القدمين لكن مجرد تمام المدة لا ينقض الوضوء كذلك إذا خلعهما بعد المسح وهو على طهارة فإنها لا تنتقض طهارته بل يبقى على طهارته فإذا أراد أن يتوضأ فلابد من أن يغسل قدميه بعد أن نزع والقاعدة في هذا أنه متى نزع الممسوح فإنه لا يعاد ليمسح بل لابد من غسل الرجل ثم إعادته إذا أراد الوضوء الشرط الثالث استقبال القبلة فاستقبال القبلة شرط من شروط الصلاة لا تصح الصلاة إلا به لأن الله تعالى أمر وكرر الأمر به في أول الجزء الثاني من القرآن الكريم قال تعالى { ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره } أي جهته وكان النبي عليه الصلاة والسلام أول ما قدم المدينة كان يصلي إلى بيت المقدس فيجعل الكعبة خلف ظهره والشام قبل وجهه ولكنه بعد ذلك ترقب أن الله سبحانه وتعالى يشرع له خلاف ذلك فجعل يقلب وجهه في السماء ينتظر متى ينزل عليه جبريل بالوحي في استقبال بيت الله الحرام كما قال الله تعالى { قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام } فأقره الله أن يستقبل المسجد الحرام أي جهته إلا أن يستثنى من ذلك ثلاث مسائل المسألة الأولى إذا كان عاجزا كمريض وجهه إلى غير القبلة ولا يستطيع أن يتوجه إلى القبلة فإن استقبال القبلة يسقط عنه في هذه الحال لقوله { فاتقوا الله ما استطعتم } وقوله تعالى { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } وقول النبي صلى الله عليه وسلم إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم المسألة الثانية إذا كان في شدة الخوف كإنسان هارب من عدو أو هارب من سبع أو هارب من نار أو هارب من واد يغرقه المهم أنه في شدة خوف فهنا يصلي حيث كان وجهه ودليله قوله تعالى { فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون } فإن قوله { فإن خفتم } عام يشمل أي خوف وقوله { فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون } على أن أي ذكر تركه الإنسان من أجل الخوف فلا حرج عليه فيه ومن ذلك استقبال القبلة ويدل عليه ما سبق من الآيتين الكريمتين والحديث النبوي في أن الوجوب معلق بالاستطاعة المسألة الثالثة في النافلة في السفر سواء كان على طائرة أو على سيارة أو على بعير فإنه يصلي حيث كان وجهه في صلاة النفل مثل الوتر وصلاة الليل والضحى وما أشبه ذلك والمسافر ينبغي له أن يتنفل بجميع النوافل كالمقيم سواء إلا في الرواتب كراتبة الظهر والمغرب والعشاء فالسنة تركها فإذا أراد أن يتنفل وهو مسافر فليتنفل حيث كان وجهه لأن ذلك هو الثابت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذه ثلاث مسائل لا يجب فيها استقبال القبلة أما الجاهل فيجب عليه أن يستقبل القبلة لكن إذا اجتهد وتحرى ثم تبين له الخطأ بعد الاجتهاد فإنه لا إعادة عليه ولا نقول إنه يسقط عنه الاستقبال بل يجب عليه الاستقبال ويتحرى بقدر استطاعته فإذا تحرى بقدر استطاعته ثم تبين له الخطأ فإنه لا يعيد صلاته ودليل ذلك أن الصحابة الذين لم يعلموا بتحويل القبلة إلى الكعبة كانوا يصلون ذات يوم صلاة الفجر في مسجد قباء فجاءهم رجل فقال إن النبي صلى الله عليه وسلم أنزل عليه قرآن وأمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها فاستداروا بعد أن كانت الكعبة وراءهم جعلوها أمامهم فاستداروا واستمروا على صلاتهم وهذا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن إنكارا له فيكون ذلك مشروعا يعني أن الإنسان إذا أخطأ في القبلة جاهلا فإنه ليس عليه إعادة ولكن إذا تبين له ولو في أثناء الصلاة وجب عليه أن يستقيم إلى القبلة فهذا استقبال القبلة شرط من شروط الصلاة لا تصح الصلاة إلا به إلا في المواضع الثلاثة وإلا إذا أخطأ الإنسان بعد الاجتهاد والتحري وهنا مسألة يجب على من نزل على شخص ضيفا وأراد أن يتنفل أن يسأل عن القبلة فإذا أخبره اتجه إليها لأن بعض الناس تأخذه العزة بالإثم ويمنعه الحياء وهو في غير محله عن السؤال عن القبلة فبعض الناس يستحي من السؤال حتى لا يقول الناس لا يعرف لا يضر فليقولوا ما يقولونه بل اسأل عن القبلة حتى يخبرك صاحب البيت أحيانا بعض الناس تأخذه العزة بالإثم ويتجه بناء على ظنه إلى جهة ما ويتبين له أنها ليست القبلة وفي هذه الحال يجب عليه أن يعيد الصلاة لأنه استند إلى غير مستند شرعي والمستند إلى غير مستند شرعي لا تقبل عبادته لقول النبي صلى الله عليه وسلم من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد الشرط الرابع النية فإن الصلاة لا تصح إلا بنية لقول النبي صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات ..
الحديث وقد دلت الآيات الكريمة على اعتبار النية في العبادات مثل قوله تعالى في وصف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه { تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا } وقال تعالى { وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله } والآيات في هذا كثيرة وقال { ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله } فالنية شرط من شروط صحة الصلاة لا تصح الصلاة إلا بها وهي في الحقيقة ليست بالأمر الصعب كل إنسان عاقل مختار يفعل فعلا فإنه قد نواه فلا تحتاج إلى تعب ولا إلى نطق محلها القلب إنما الأعمال بالنيات ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينطق بالنية ولا أمر أمته بالنطق بها ولا فعلها أحد من أصحابه فأقره على ذلك فالنطق بالنية بدعة هذا هو القول الراجح لأنك كما تشاهد الرسول وأصحابه يصلون ليس فيهم أحد نطق قال اللهم إني نويت أن أصلي وما أظرف قصة ذكرها لي بعض الناس عليه رحمة الله قال لي إن رجلا في المسجد الحرام قديما أراد أن يصلي فأقيمت الصلاة فقال اللهم إني نويت أن أصلي الظهر أربع ركعات لله تعالى خلف إمام المسجد الحرام لما أراد أن يكبر قال له اصبر بقي عليك قال ما الباقي قال له قل في اليوم الفلاني وفي التاريخ الفلاني من الشهر والسنة حتى لا تضيع هذه الوثيقة فتعجب الرجل والحقيقة أنها محل التعجب هل أنت تعلم الله عز وجل بما تريد الله يعلم ما توسوس به نفسك هل تعلم الله بعدد الركعات والأوقات لا داعي له هو يعلم هذا فالنية محلها القلب ولكن كما نعلم أن الصلوات تنقسم إلى أقسام نفل مطلق ونفل معين وفريضة الفرائض خمس الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء إذا جئت إلى المسجد في وقت الفجر فماذا تريد أتريد أن تصلي المغرب الفجر وهناك مسألة إذا جئت وكبرت وغاب عن ذهنك أي صلاة هي وهذا يقع كثيرا إذا جاء بسرعة يخشى أن تفوته الركعة فهنا لا حاجة ووقوع الصلاة في وقتها دليل على أنه إنما أردت هذه الصلاة ولهذا لو سألك أي واحد هل أردت الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء لقلت أبدا ما أردت إلا الفجر إذا لا حاجة إلى أن أنوي أنها الفجر صحيح إنني إن نويتها الفجر أكمل لكن أحيانا يغيب عن الذهن التعيين فنقول يعينها الوقت إذا الفرائض يكون تعيينها على وجهين الوجه الأول أن يعينها بعينها فيقول بقلبه إنه نوى الظهر وهذا واضح الوجه الثاني الوقت فما دمت تصلي الصلاة في هذا الوقت فهي هي الصلاة هذا الوجه الثاني إنما يكون في الصلاة المؤداة في وقتها أما لو فرض أن على إنسان صلوات مقضية كما لو نام يوما كاملا عن الظهر والعصر والمغرب فهنا إذا أراد أن يقضي لابد أن يعين بعينها لأنه لا وقت لها النوافل المعينة مثل الوتر وركعتي الضحى والرواتب فهذه لابد أن تعينها بالاسم لكن بالقلب لا باللسان فإذا أردت أن تصلي الوتر مثلا وكبرت ولكن ما نويت الوتر وفي أثناء الصلاة نويتها الوتر هذا لا يصح لأن الوتر نفل معين والنوافل المعينة لابد أن تعين بعينها النوافل المطلقة ما تحتاج إلى نية إلا نية الصلاة نية الصلاة لابد منها مثل إنسان في الضحى توضأ وأراد أن يصلي ما شاء الله نقول يكفي نية الصلاة وذلك لأنها صلاة غير معينة إذا أراد الإنسان أن ينتقل في الصلاة من نية إلى نية هل هذا ممكن جـ - ننظر الانتقال من معين إلى معين أو من مطلق إلى معين لا يصح مثال المطلق إنسان قام يصلي صلاة نافلة مطلقة وفي أثناء الصلاة ذكر أنه لم يصل راتبة الفجر فنواها لرابتة الفجر نقول لا تصح لراتبة الفجر لأنه انتقال من مطلق إلى معين المعين لابد أن تنويه من أوله فراتبة الفجر من التكبير إلى التسليم ومثال معين إلى معين رجل قام يصلي العصر وفي أثناء صلاته ذكر أنه لم يصل الظهر أو أنه صلاها بغير وضوء فقال الآن نويتها للظهر هنا لا تصح للظهر لأنه من معين إلى معين ولا تصح أيضا صلاة العصر التي ابتدأ لأنه قطعها بانتقاله إلى الظهر أما الانتقال من معين إلى مطلق فإنه يصح مثل إنسان شرع في صلاة الفريضة ثم لما شرع ذكر أنه على ميعاد لا يمكنه أن يتأخر فيه فنواها نفلا فإنها تصح إذا كان الوقت متسعا ولم يفوت الجماعة هذان شرطان الشرط الأول إذا كان الوقت متسعا والثاني إذا لم يفوت الجماعة فمثلا إذا كان في صلاة جماعة فلا يمكن أن يحولها إلى نفل مطلق لأن هذا يستلزم أن يدع صلاة الجماعة إذا كان الوقت ضيقا فلا يصح أن يحولها إلى نفل مطلق لأن صلاة الفريضة إذا ضاق وقتها لا يتحمل الوقت سواها فصارت الحالات ثلاثا 1 - من مطلق إلى معين لا يصح المعين ويبقى المطلق 2 - من معين إلى معين يبطل الأول ولا ينعقد الثاني 3 - من معين إلى مطلق يصح ويبقى المعين عليه نية الإمام والائتمام الجماعة تحتاج إلى إمام ومأموم وأقلها اثنان إمام ومأموم وكلما كان أكثر فهو أحب إلى الله ولابد من نية المأموم والائتمام وهذا شيء متفق عليه يعني إذا دخلت في جماعة فلابد أن تنوي الائتمام بإمامك الذي دخلت معه ولكن النية لا تحتاج إلى كبير عمل لأن من أتى إلى المسجد فإنه نوى أن يأتم ومن قال لشخص صل بي فإنه قد نوى أن يأتم أما الإمام فقد اختلف العلماء رحمهم الله هل يجب أن ينوي أن يكون إماما أو لا يجب فقال بعض أهل العلم لابد أن ينوي أنه الإمام على هذا فلو جاء رجلان ووجدا رجلا يصلي ونويا أن يكون الرجل إماما لهما فصفا خلفه وهو لا يدري بهما فمن قال إنه لابد للإمام أن ينوي الإمامة فقال إن صلاة الرجلين لا تصح وذلك لأن الإمام لم ينو الإمامة ومن قال إنه لا يشترط قال إن صلاة هذين الرجلين صحيحة لأنهما ائتما به فالأول هو المشهور من مذهب الإمام أحمد والثاني هو مذهب الإمام مالك واستدل بأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ذات ليلة في رمضان وحده فدخل أناس المسجد فصلوا خلفه والنبي صلى الله عليه وسلم كان أول ما دخل الصلاة لم ينو أن يكون إماما واستدلوا كذلك بأن ابن عباس رضي الله عنهما بات عند النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل قام يصلي وحده فقام ابن عباس فتوضأ ودخل معه الصلاة ولكن لا شك أن هذا الثاني ليس فيه دلالة لأن النبي صلى الله عليه وسلم نوى الإمامة لكن نواها في أثناء الصلاة ولا بأس بأن ينويها في أثناء الصلاة على كل حال الاحتياط في هذه المسألة أن نقول إنه إذا جاء رجلان إلى شخص يصلي فلينبهاه على أنه إمام لهما فإن سكت فقد أقرهما وإن رفض وأشار بيده أن لا تصليا خلفي فلا يصليا خلفه هذا هو الأحوط والأولى ثانيا هل يشترط أن تتساوى صلاة الإمام مع صلاة المأموم في جنس المشروعية بمعنى هل يصح أن يصلي الفريضة خلف من يصلي النافلة أو أن يصلي النافلة خلف من يصلي الفريضة جـ - أما الإنسان الذي يصلي نافلة خلف من يصلي فريضة فلا بأس بهذا لأن السنة قد دلت على ذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم انفتل من صلاة الفجر ذات يوم في مسجد الخيف بمنى فوجد رجلين لم يصليا فقال ما منعكما أن تصليا في القوم قالا يا رسول الله صلينا في رحالنا يحتمل أنهما صليا في رحالهما لنظنهما أنهما لا يدركان صلاة الجماعة أو لغير ذلك من الأسباب فقال إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما جماعة فصليا فإنها لكما نافلة فإنها الأولى أو الثانية جـ - الثانية لأن الأولى حصلت بها الفريضة وانتهت وبرئت الذمة إذا إذا كان المأموم هو الذي يصلي النافلة والإمام هو الذي يصلي الفريضة فلا بأس بذلك كما دلت عليه هذه السنة أما العكس إذا كان الإمام يصلي النافلة والمأموم يصلي الفريضة وأقرب مثال لذلك في أيام رمضان إذا دخل الإنسان وقد فاتته صلاة العشاء ووجد الناس يصلون صلاة التراويح فهل يدخل معهم بنية العشاء أو يصلي الفريضة وحده ثم يصلي التراويح جـ هذا محل خلاف بين العلماء فمنهم من قال لا يصح أن يصلي الفريضة خلف النافلة لأن الفريضة أعلى ولا يمكن أن تكون صلاة المأموم أعلى من صلاة الإمام ومنهم من قال بل يصح أن يصلي الفريضة خلف النافلة لأن السنة وردت بذلك وهي أن معاذ بن جبل رضي الله عنه كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء ثم يذهب إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة فهي له نافلة ولهم فريضة ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم فإنه قال قائل لعل النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم فالجواب عن ذلك أن نقول إن كان قد علم فقد تم الاستدلال لأن معاذ بن جبل رضي الله عنه قد شكى إلى الرسول في كونه يطول صلاة العشاء فالظاهر أن الرسول أخبر بكل القضية وبكل القصة وإذا قدر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعلم أن معاذا يصلي معه ثم يذهب إلى قومه ويصلي بهم فإن رب الرسول صلى الله عليه وسلم قد علم وهو الله جل وعلا لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء وإذا كان الله قد علم ولم ينزل على نبيه إنكارا لهذا العمل دل ذلك على جوازه لأن الله لا يقر عباده عل شيء غير مشروع لهم إطلاقا فتم الاستدلال حينئذ على كل تقدير إذا فالصحيح أنه يجوز أن يصلي الإنسان صلاة الفريضة خلف من يصلي صلاة النافلة والقياس الذي ذكر استدلالا على المنع قياس في مقابلة النص فيكون مطروحا فاسدا لا يعتبر إذن إذا أتيت في أيام رمضان والناس يصلون صلاة التراويح ولم تصل العشاء فأدخل معهم بنية صلاة العشاء ثم إن كنت قد دخلت في أول ركعة فإذا سلم الإمام فصل ركعتين لتتم الأربع وإن كنت دخلت في الثانية فصل إذا سلم الإمام ثلاث ركعات لأنك صليت مع الإمام ركعة وهذا منصوص الإمام أحمد مع أن مذهبه خلاف ذلك لكن منصوصه الذي نص عليه شخصيا أن هذا جائز إذن تلخص الآن من صلى فريضة خلف فريضة فجائز فريضة خلف نافلة فيها خلاف نافلة خلف فريضة جائزة قولا واحدا المسألة الثالثة في جنس الصلاة هل يشترط أن تتفق صلاة الإمام والمأموم في نوع الصلاة أي ظهر مع ظهر وعصر مع عصر أم لا جـ - في هذا أيضا خلاف فمن العلماء من قال يجب أن تتفق الصلاتان فيصلي الظهر خلف من يصلي الظهر ويصلي العصر خلف من يصلي العصر ويصلي المغرب خلف من يصلي المغرب وهكذا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنما جعل الإمام ليؤتم به ومن العلماء من قال لا يشترط فيجوز أن تصلي العصر خلف من يصلي الظهر أو الظهر خلف من يصلي العصر أو العصر خلف من يصلي العشاء لأن الائتمام في هذه الحال لا يتأثر وإذا جاز أن يصلي الفريضة خلف النافلة مع اختلف الحكم فكذلك اختلاف الاسم لا يضر وهذا القول أصح فإذا قال إنسان كيف يصلي الظهر خلف من يصلي العشاء جـ حضرت لصلاة العشاء بعد أن أذن ولما أقيمت الصلاة تذكرت أنك صليت الظهر بغير وضوء نقول له ادخل مع الإمام وصل الظهر أنت نيتك الظهر والإمام نيته العشاء ولا يضر إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه فليس معناه فلا تختلفوا عليه في النية لأنه فصل وبين فقال فإذا كبر فكبروا وإذا سجد فاسجدوا وإذا رفع فارفعوا أي تابعوه ولا تسبقوه وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم يفسر بعضه بعضا هذا البحث يفرع عليه بحث آخر إذا اتفقت الصلاتان في العدد والهيئة فلا إشكال في هذا مثل ظهر خلف عصر العدد واحد والهيئة واحدة هذا لا إشكال فيه لكن إذا اختلفت الصلاتان بأن كانت صلاة المأموم ركعتين والإمام أربع وبالعكس أو المأموم ثلاث والإمام أربع أو بالعكس فتقول إن كانت صلاة المأموم أكثر فلا إشكال مثل لو صلى العصر خلف من يصلي المغرب مثل رجل دخل المسجد يصلي المغرب ولما أقيمت الصلاة ذكر أنه صلى العصر بلا وضوء فهنا صار عليه صلاة العصر نقول ادخل مع الإمام بنية صلاة العصر وإذا سلم الإمام فإنك تأتي بواحدة لتتم لك الأربع هذا لا إشكال فيه إذا كانت صلاة الإمام أكثر من صلاة المأموم فهذا نقول إن دخل المأموم في الركعة الثانية فما بعدها فلا إشكال وإن دخل في الركعة الأولى فحينئذ يأتي الإشكال ولنمثل إذا جئت والإمام يصلي العشاء وهذا يقع كثيرا في أيام الجمع يأتي الإنسان من البيت والمسجد جامع للمصر وما أشبهه فإذا جاء وجدهم يصلون العشاء لكن وجدهم يصلون في الركعتين الأخيرتين نقول ادخل معهم بنية المغرب صل الركعتين وإذا سلم الإمام تأتي بركعة ولا إشكال وإذا جئت ووجدتهم يصلون العشاء الآخر لكنهم في الركعة الثانية نقول ادخل معهم بنية المغرب وسلم مع الإمام ولا يضر لأنك ما زدت ولا نقصت هذا أيضا لا إشكال فيه هذا فيه إشكال عند البعض ويقول إذا دخلت معه في الركعة الثانية ثم جلست في الركعة التي هي للإمام الثانية وهي لك الأولى فتكون جلست في الأولى للتشهد نقول هذا لا يضر ألست إذا دخلت مع الإمام في صلاة الظهر في الركعة الثانية فالإمام سوف يجلس للتشهد وهي لك الأولى هذا نفسه ولا إشكال الإشكال إذا جئت إلى المسجد ووجدتهم يصلون العشاء وهم في الركعة الأولى ودخلت معهم فيها حينئذ ستصلي ثلاثا مع الإمام والإمام سيقوم للرابعة فماذا تصنع إن قمت معه زدت ركعة والمغرب ثلاثة لا أربع وإن جلست تخلفت عن الإمام فماذا تصنع نقول اجلس وإذا كنت تريد أن تجمع فانو المفارقة واقرأ التحيات وسلم ثم ادخل مع الإمام فيما بقى من صلاة العشاء لأنك يمكن أن تدركه أما إذا كنت لا تنوي الجمع أو ممن لا يحق له الجمع فإنك في هذه الحال تخير إن شئت فاجلس للتشهد وانتظر الإمام حتى يكمل الركعة ويتشهد وتسلم معه وإن شئت فانوي الانفراد وسلم وهذا الذي ذكرناه هو القول الراجح وهو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله ونية الانفراد هنا للضرورة لأن الإنسان لا يمكن أن يزيد في المغرب على ثلاث فالجلوس لضرورة شرعية ولا بأس بهذا ومما يدخل في قوله وتقيم الصلاة أركان الصلاة والأركان هي الأعمال القولية أو الفعلية التي لا تصح الصلاة إلا بها ولا تقوم إلا بها فمن ذلك تكبيرة الإحرام أن يقول الإنسان عند الدخول في الصلاة الله أكبر لا يمكن أن تنعقد الصلاة إلا بذلك فلو نسى الإنسان تكبيرة الإحرام فصلاته غير صحيحة وغير منعقدة إطلاقا لأن تكبيرة الإحرام لا تنعقد الصلاة إلا بها قال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل علمه كيف يصلي قال إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر فلابد من التكبير وكان النبي صلى الله عليه وسلم مداوما على ذلك ومن ذلك قراءة الفاتحة فإن قراءة الفاتحة ركن لا تصح الصلاة إلا به لقوله تعالى { فاقرءوا ما تيسر من القرآن } وهذا أمر وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم هذا المبهم في قوله { ما تيسر } وأن هذا هو الفاتحة فقال صلى الله عليه وسلم لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتابوقال كل صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب أو بأم القرآن فهي خداج أي فاسدة غير صحيحة فقراءة الفاتحة ركن على كل مصل الإمام والمأموم والمنفرد لأن النصوص الواردة في ذلك عامة لم تستثن شيئا وإذا لم يستثن الله ورسوله شيئا فإن الواجب الحكم بالعموم لأنه لو كان هناك مستثنى لبينه الله ورسوله كما قال الله { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء } ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث صحيح صريح في سقوط الفاتحة عن المأموم لا في السرية ولا في الجهرية لكن الفرق بين السرية والجهرية أن الجهرية لا تقرأ فيها إلا الفاتحة وتسكت وتسمع لقراءة إمامك أما السرية فتقرأ الفاتحة وغيرها حتى يركع الإمام لكن دلت السنة على أنه يستثنى من ذلك ما إذا جاء الإنسان والإمام راكع فإنه إذا جاء والإمام راكع تسقط عنه قراءة الفاتحة ودليل ذلك ما أخرجه البخاري عن أبي بكرة رضي الله عنه أنه دخل والرسول صلى الله عليه وسلم راكع في المسجد فأسرع وركع قبل أن يدخل في الصف ثم دخل في الصف فلما سلم النبي صلى الله عليه وسلم قال أيكم الذي صنع هذا ؟ قال أبو بكرة أنا يا رسول الله قال زادك الله حرصا ولا تعد لأن النبي صلى الله عليه وسلم علم أن الذي دفع أبا بكرة لسرعته والركوع قبل أن يصل إلى الصف هو الحرص على إدراك الركعة فقال له زادك الله حرصا ولا تعد أي لا تعد لمثل هذا العمل فتركع قبل الدخول في الصف وتسرع قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتيتم الصلاة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء الركعة التي أسرع لإدراكها ولو كان لم يدركها لأمره الرسول صلى الله عليه وسلم بقضائها لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يؤخر البيان عن وقت الحاجة لأنه مبلغ والمبلغ يبلغ متى احتيج إلى التبليغ فإذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام لم يقل له إنك لم تدرك الركعة علم أنه قد أدركها وفي هذا الحال تسقط عنه الفاتحة وهنا تعليل مع الدليل وهو أن الفاتحة إنما تجب مع القيام والقيام في هذه الحال قد سقط من أجل متابعة الإمام فإذا سقط القيام سقط الذكر الواجب فيه فصار الدليل والتعليل يدلان على أن من جاء والإمام راكع فإنه يكبر تكبيرة الإحرام وهو قائم ولا يقرأ بل يركع لكن إن كبر للركوع مرة ثانية فهو أفضل وإن لم يكبر فلا حرج وتكفيه التكبيرة الأولى ويجب أن يقرأ الإنسان الفاتحة وهو قائم وأما ما يفعله بعض الناس إذا قام الإمام للركعة الثانية مثلا تجده يجلس ولا يقوم مع الإمام وهو يقرأ الفاتحة فتجده يجلس إلى أن يصل نصف الفاتحة ثم يقوم وهو قادر على القيام نقول لهذا الرجل إن قراءتك للفاتحة غير صحيح لأن الفاتحة يجب أن تقرأ في حال القيام وأنت قادر على القيام وقد قرأت بعضها وأنت قاعد فلا تصح هذه القراءة أما ما زاد على الفاتحة فهو سنة في الركعة الأولى والثانية وأما في الركعة الثالثة في المغرب أو في الرابعة في الظهر والعصر والعشاء فليس بسنة فالسنة الاقتصار فيما بعد الركعتين على الفاتحة وإن قرأ أحيانا في العصر والظهر شيئا زائدا على الفاتحة فلا بأس به لكن الأصل الاقتصار على الفاتحة في الركعتين اللتين بعد التشهد الأول إن كانت رباعية أو الركعة الثالثة إن كانت ثلاثية ومن أركان الصلاة الركوع وهو الانحناء تعظيما لله عز وجل لأنك تستحضر أنك واقف بين يدي الله فتنحني له عز وجل ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام أما الركوع فعظموا فيه الرب أي قولوا سبحان ربي العظيم لأن الركوع تعظيم بالفعل وقول سبحان ربي العظيم تعظيم بالقول فيجتمع التعظيمان بالإضافة إلى التعظيم الأصلي وهو تعظيم القلب لله فيجتمع في الركوع ثلاث تعظيمات 1 - تعظيم القلب 2 - تعظيم الجوارح 3 - تعظيم اللسان والواجب في الركوع الانحناء بحيث يتمكن الإنسان من مس ركبتيه بيديه فالانحناء اليسير لا ينفع فلابد من أن تهصر ظهرك حتى تتمكن من مس ركبتيك بيدك وقال بعض العلماء إن الواجب أن يكون إلى الركوع التام أقرب منه إلى القيام التام والمؤدي متقارب المهم أنه لابد من هصر الظهر ومما ينبغي في الركوع أن يكون الإنسان مستوي الظهر لا محدودبا وأن يكون رأسه حاذيا لظهره وأن يضع يديه على ركبتيه مفرجتي الأصابع وأن يجافي عضديه عن جنبيه ويقول سبحان ربي العظيم يكررها ويقول سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي ويقول سبوح قدوس رب الملائكة والروح ومن أركان الصلاة السجود قال الله عز وجل { يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم } وقال النبي صلى الله عليه وسلم أمرت أن نسجد على سبعة أعظم على الجبهة وأشار بيده إلى أنفه والكفين والركبتين وأطراف القدمين فالسجود لابد مه لأنه ركن لا تتم الصلاة إلا به ويقول في سجوده سبحان ربي الأعلى وتأمل الحكمة أنك في الركوع تقول سبحان ربي العظيم لأن الهيئة هيئة تعظيم وفي السجود تقول سبحان ربي الأعلى لأن الهيئة هيئة نزول فالإنسان نزل أعلى ما في جسده وهو الوجه إلى أسفل ما في جسده وهو القدمين فترى في السجود أن الجبهة والقدمين في مكان واحد وهذا غاية ما يكون من التنزيه ولهذا تقول سبحان ربي الأعلى أن أنزه ربي الأعلى الذي هو فوق كل شيء عن كل سفل ونزول أما أنا فمنزل رأسي وأشرف أعضائي إلى محل القدمين ومداسها فتقول سبحان ربي الأعلى تكررها ما شاء الله ثلاثا أو أكثر حسب الحال وتقول سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي وتقول سبوح قدوس رب الملائكة والروح وتكثر من الدعاء بما شئت من أمور الدين ومن أمور الدنيا لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول أما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم وقال: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثر من الدعاء بما شئت من سؤال الجنة والتعوذ من النار وسؤال علم نافع وعمل صالح وإيمان راسخ وهكذا وسؤال بيت جميل وامرأة صالحة وولد صالح وسيارة وما شئت من خير الدين والدنيا لأن الدعاء عبادة ولو في أمور الدنيا قال الله { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم } وقال { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان } وفي هذه الأيام العصيبة ينبغي أن نطيل السجود وأن نكثر من الدعاء بأن يأخذ الله على أيدي الظالمين المعتدين ونلح ولا نستبطئ الإجابة لأن الله حكيم قد لا يجيب الدعوة بأول مرة أو ثانية أو ثالثة من أجل أن يعرف الناس شدة افتقارهم إلى الله فيزدادوا دعاء والله سبحانه وتعالى أحكم الحاكمين حكمته بالغة لا نستطيع أن نصل إلى معرفتها ولكن علينا أن نفعل ما أمرنا به من كثرة الدعاء ويسجد الإنسان بعد الرفع من الركوع ويسجد على ركبتيه أولا ثم كفيه ثم جبهته وأنفه ولا يسجد على اليدين أولا لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك فقال إذا سجد أحدكم فلا يبرك بروك البعير وبروك البعير يكون على اليدين أولا كما هو مشاهد وإنما نهى الرسول عن ذلك لأن تشبه بني آدم بالحيوان ولاسيما في الصلاة أمر غير مرغوب فيه لم يذكر الله تشبيه بني آدم بالحيوان إلا في مقام الذم استمع إلى قول الله تعالى { واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث } وقال { مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله } وقال الرسول صلى الله عليه وسلم العائد في هبته كالكلب يقيئ ثم يعود في قيئه وقال الذي يتكلم يوم الجمعة والإمام يخطب كمثل الحمار حمل أسفارا فأنت ترى أن تشبيه بني آدم بالحيوان لم يكن إلا في مقام الذم ولهذا نهى المصلي أن يبرك كما يبرك البعير فيقدم يديه بل قدم الركبتين إلا إذا كان هناك عذر كرجل كبير يشق عليه أن ينزل الركبتين أولا فلا حرج أو إنسان مريض أو إنسان في ركبتيه أذى وما أشبه ذلك ولابد أن يكون السجود على الأعضاء السبعة الجبهة والأنف تبع لها والكفين هذه ثلاثة والركبتين هذه خمسة وأطراف القدمين هذه سبعة أمرنا أن نسجد عليها كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام والذي أمرنا ربنا عز وجل فنقول سمعا وطاعة ونسجد على الأعضاء السبعة في جميع السجود فما دمنا ساجدين فلا يجوز أن نرفع شيئا من هذه الأعضاء بل لابد أن تبقى هذه الأعضاء ما دمنا ساجدين وفي حال السجود ينبغي للإنسان أن يضم قدميه بعضهما إلى بعض ولا يفرج أما الركبتان فلم يرد فيهما شيء فتبقى على ما هي عليه وأما اليدان فتكون على حذو المنكبين أي الكتفين أو تقدمها قليلا حتى تسجد بينهما فلها صفتان كلتاهما وردتا عن الرسول عليه الصلاة والسلام وينبغي أن تجافي عضديك عن جنبيك وأن ترفع ظهرك إلا إذا كنت في الصف وخفت أن يتأذى جارك من مجافاة العضدين فلا تؤذ جارك لأنه ما ينبغي أن تفعل سنة يتأذى بها أخوك المسلم وتشوش عليه وقد رأيت بعض الإخوة الذين يحبون أن يطبقوا السنة يمتدون في حال السجود امتدادا طويلا حتى تكاد تقول أنهم منبطحون وهذا لا شك أنه خلاف السنة وهو بدعة بل السنة أن ترفع ظهرك وأن تعلو فيه وهذه الصفة كما أنها خلاف السنة ففيها إرهاق عظيم للبدن لأن التحمل يكون على الجبهة والأنف في هذه الحال وتجد الإنسان يضجر من إطالة السجود ففيها مخالفة السنة وتعذيب البدن فلهذا ينبغي إذا رأيتم أحدا يسجد على هذه الكيفية أن ترشدوه إلى الحق وتقولوا له هذا ليس بسنة وينبغي في حال السجود أيضا أن يكون الإنسان خاشعا لله عز وجل مستحضرا علو الله سبحانه وتعالى لأنك سوف تقول سبحان ربي الأعلى أي تنزيها له بعلوه عز وجل عن كل سفل ونزول ونحن نعتقد بأن الله عال بذاته فوق جميع مخلوقاته كما قال الله { سبح اسم ربك الأعلى } وإثبات علو الله في القرآن والسنة أكثر من أن يحصر والإنسان إذا دعا يرفع يديه إلى السماء فوق كل شيء وقد ذكر الله أنه استوى على عرشه في سبع آيات من القرآن والعرش أعلى المخلوقات والله فوق العرش جل وعلا ومن أركان الصلاة الطمأنينة أي الاستقرار والسكون في أركان الصلاة يطمئن في القيام وفي الركوع وفي القيام بعد الركوع وفي السجود وفي الجلوس بين السجدتين وفي بقية أركان الصلاة وذلك لما أخرج الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا جاء فدخل المسجد فصلى ثم سلم على النبي صلى الله عليه وسلم فرد عليه السلام وقال ارجع فصل فإنك لم تصل أي لم تصل صلاة تجزئك فرجع الرجل فصلى ثم جاء فسلم على النبي فرد عليه وقال ارجع فصل فإنك لم تصل فرجع وصلى ولكنه كصلاته الأولى ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فرد عليه وقال ارجع فصل فإنك لم تصل فقال والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا فعلمني وهذه هي الفائدة من كون النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلمه لأول مرة بل رده حتى صلى ثلاث مرات من أجل أن يكون متشوقا للعلم مشتاقا إليه حتى يأتيه العلم ويكون كالمطر النازل على أرض يابسة تقبل الماء ولهذا أقسم بأنه لا يحسن غير هذا وطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلمه ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم سيعلمه لكن فرق بين المطلوب والمجلوب إذا كان هو الذي طلب أن يعلم صار أشد تمسكا وحفظا لما بلغ إليه وتأمل قسمه بالذي بعث الرسول صلى الله عليه وسلم بالحق فقال والذي بعثك بالحق وما قال والله لماذا ؟ جـ - لأجل أن يكون معترفا غاية الاعتراف بأن ما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم حق فقال له النبي عليه الصلاة والسلام إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء أي توضأ وضوءا كاملا ثم استقبل القبلة فكبر أي قل الله أكبر وهذه تكبيرة الإحرام ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن وقد بينت السنة أنه لابد من قراءة الفاتحة ثم اركع حتى تطمئن راكعا أي لا تسرع بل اطمئن واستقر ثم ارفع حتى تطمئن قائما أي إذا رفعت من الركوع اطمئن كما كنت في الركوع ولهذا من السنة أن يكون الركوع والقيام من الركوع متساويين أو متقاربين ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا أي تطمئن وتستقر ثم ارفع حتى تطمئن جالسا وهذه الجلسة بين السجدتين ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا هذا هو السجود الثاني ثم افعل ذلك في صلاتك كلها أي افعل هذه الأركان القيام والركوع والرفع منه والسجود والجلوس بين السجدتين والسجدة الثانية في جميع الصلاة الشاهد من هذا قول حتى تطمئن وقوله فيما قبل إنك لم تصل فدل هذا على أنه من لا يطمئن في صلاته فلا صلاة له ولا فرق في هذا بين الركوع والقيام بعد الركوع والسجود والجلوس بين السجدتين كلها لابد أن يطمئن الإنسان فيها قال بعض العلماء إن الطمأنينة أن يستقر بقدر ما يقول الذكر الواجب في الركن ففي الركوع بقدر ما تقول سبحان ربي العظيم وفي السجود كذلك وهكذا ولكن الذي يظهر من السنة أن الطمأنينة أمر فوق ذلك لأن كون الطمأنينة بمقدار أن تقول سبحان ربي العظيم في الركوع لا يظهر لها أثر لأن الإنسان إذا قال الله أكبر سبحان ربي العظيم ثم يرفع أين الطمأنينة الظاهر أنه لابد من استقرار بحيث يقال هذا الرجل مطمئن وعجبا لابن آدم كيف يلعب به الشيطان هو واقف بين يدي الله عز وجل يناجي الله ويتقرب إليه بكلامه وبالثناء عليه وبالدعاء ثم كأنه ملحوق في صلاته كأن عدوا لاحق له فتراه يهرب من الصلاة أنت لو وقفت بين يدي ملك من ملوك الدنيا يناجيك ويخاطبك لو بقيت معه ساعتين تكلمه لوجدت ذلك سهلا يمكن لو تقف على قدميك ولا تنتقل من ركوع إلى سجود إلى جلوس وتفرح أن هذا الملك يكلمك فكيف وأنت تناجي ربك الذي خلقك ورزقك وأمدك وأعدك تناجيه وتهرب هذا الهروب لكن الشيطان عدو للإنسان والعاقل الحازم المؤمن هو الذي يتخذ الشيطان عدوا كما قال الله { إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير } فالواجب على الإنسان أن يطمئن في صلاته طمأنينة تظهر عليه في جميع أفعال الصلاة وكذلك أقوالها مسألة ما حكم من لم يقم الصلاة ؟ جـ: الجواب عن ذلك أن نقول أما من لم يقمها على وجه الكمال يعني أنه أخل ببعض الأشياء المكملة للصلاة فإن هذا محروم من الأجر الذي يحصل له بإكمال الصلاة لكنه ليس بآثم مثلا لو اقتصر على سبحان ربي العظيم في الركوع مع الطمأنينة لكان كافيا لكنه محروم من زيادة الأجر في التسبيح وأما من لم يقهما أصلا يعني أنه تركها بالكلية فهذا كافر مرتد عن الإسلام كفرا مخرجا عن الملة يخرج من عداد المسلمين في الدنيا ويكون في عداد الكافرين في الآخرة أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يحشر مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف هؤلاء رؤوس الكفرة يحشر معهم أما في الدنيا فإنه كافر مرتد يجب على ولي الأمر أن يدعوه للصلاة فإن صلى فذاك وإن لم يصل قتله قتل ردة والعياذ بالله وإذا قتل قتل ردة حمل في سيارة بعيدا عن البلد وحفر له حفرة ورمس فيها حتى لا يتأذى الناس برائحته ولا يتأذى أهله وأصحابه بمشاهدته إذا فلا حرمة له لو أبقى على ظهر الأرض هكذا فلا حرمة له ولهذا ما نغسله ولا نكفنه ولا نصلي عليه ولا ندنيه من مساجد المسلمين للصلاة عليه لأنه كافر مرتد فإذا قال قائل ما هذا الكلام ؟ أهذا جزاف أم تحامل أم عاطفة ؟ قلنا لا ليس جزافا ولا تحاملا ولا عاطفة ولكننا نقوله بمقتضى دلالة كلام الله وكلام رسوله وكلام أصحاب رسوله أما كلام الله فقد قال الله في سورة التوبة عن المشركين { فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين } وإن لم يكن ؟ جـ - فليسوا إخوانا لنا في الدين وإذا لم يكونوا كذلك فهو كفرة لأن كل مؤمن ولو كان عاصيا أكبر معصية لكنها لا تخرج من الإسلام فهو أخ لنا إذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين فمن المعلوم أن قتال المسلم كفر لكن لا يخرج من الملة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ومع ذلك فإن هذا المقاتل لأخيه أخ لنا وما يخرج من دائرة الإيمان لقول الله تعالى { وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ } إذا الطائفتان المقتتلتان إخوة لنا مع أنها معصية عظيمة فإذا قال الله في المشركين { فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين } إذا إذا لم يقوموا بهذه الأعمال فليسوا بإخوة لنا أما من السنة فاستمع إلى ما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة والبينية تقتضي التمييز والتفريق وأن كل واحد غير الآخر بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة فإذا تركها صار غير مسلم صار مشركا أو كافرا وما رواه أهل السنن عن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر العهد الذي بيننا وبين الكفار أي الأمر الفاصل الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر صار منهم وليس منا وهذا نص في الموضوع أما ما قاله الصحابة فاستمع إلى ما قاله عبد الله بن شقيق وهو من التابعين المشهورين قال رحمه الله كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة وقد نقل إجماع الصحابة على كفر تارك الصلاة إسحاق بن راهويه الإمام المشهور وبعض أهل العلم وإذا قدر أن فيهم من خالف فإن جمهورهم أهل الفتوى منهم يقولون إنه كافر هذه أدلة من كلام الله وكلام رسوله وكلام الصحابة وقال عمر بن الخطاب وناهيك به لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة ولا نافية للجنس تنفي الكثير والقليل والذي لا حظ له لا قليل ولا كثير في الإسلام ما هو إلا كافر ويترتب على ترك الصلاة أمور دنيوية وأمور أخروية الأمور الدنيوية أولا: أنه يدعى إلى الصلاة فإن صلى وإلا قتل وهذا واجب على ولاة الأمور وهم إذا فرطوا في هذا فسوف يسألهم الله إذا وقفوا بين يديه لأن كل مسلم ارتد عن الإسلام فإنه يدعى إليه فإن رجع وإلا قتل قال الرسول صلى الله عليه وسلم من بدل دينه فاقتلوه ثانيا لا يزوج إذا خطب وإن زوج فالعقد باطل والمرأة لا تحل له أن يطأها وهو يطأ أجنبية والعياذ بالله لأن العقد غير صحيح لقوله تعالى { فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن } ثالثا أنه لا ولاية له على أولاده ولا على أخواته ولا على أحد من الناس لأن الكافر لا يمكن أن يكون وليا على مسلم أبدا حتى بنته لا يزوجها لو فرضنا واحدا بعدما تزوج وكبر وصار له بنات صار لا يصلي والعياذ بالله فإنه لا يمكن أن يزوج بنته ولكن إذا قال قائل هذا مشكل يوجد أناس عندهم بنات وهم لا يصلون كيف نعمل جـ - نقول في مثل هذه الحال إذا كان لا يمكن التخلص من أن يعقد النكاح للبنات فإن الزوج يجعل أخاها يعقد له بالسر حتى تحل له أو عمها مثلا أو أحدا من عصباتها الأقرب فالأقرب حسب ترتيب الولاية حتى يتزوج امرأة بعقد صحيح أما عقد أبيها لها وهو مرتد كافر فلا يصح ولو كان ألف مرة وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يكفر كفرا مخرجا عن الملة واستدلوا ببعض النصوص ولكن هذه النصوص لا تخرج عن أحوال خمسة 1 - إما أنه ليس فيها دلالة أصلا على هذا مثل قول بعضهم إن هذا يعارضه قول الله { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } ومن جملته تارك الصلاة فنقول إن تارك الصلاة في ظاهر حديث جابر الذي رواه مسلم أنه مشرك وإن كان لا يسجد للصنم لكنه متبع لهواه وقد قال الله { أرءيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا } ثم على فرض أن مفهوم الآية أن ما دون الشرك تحت المشيئة فإن هذا المفهوم خص بالأحاديث الدالة على أن تارك الصلاة كافر وإذا كان المنطوق وهو أقوى دلالة من المفهوم يخصص عمومه بما دل على التخصيص فما بالك بالمفهوم 2 - أو استدلوا بأحاديث مقيدة بما لا يمكن لمن اتصف به أن يدع الصلاة مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله فإن قوله يبتغي بذلك وجه الله تمنع منعا باتا أن يدع الإنسان الصلاة لأن من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله فلابد أن يعمل عملا لما يبتغيه وهو وجه الله وأعظم عمل يحصل به رضى الله عز وجل هو الصلاة فهذا الحديث ليس فيه دلالة على أن تارك الصلاة لا يكفر لأنه مقيد بقيد يمتنع معه غاية الامتناع أن يدع الإنسان الصلاة 3 - أو مقيد بحال يعذر فيها من ترك الصلاة مثل حديث حذيفة الذي أخرجه بعض أهل السنن في قوم لا يعرفون من الإسلام إلا قول لا إله إلا الله وهذا في وقت الإسلام والعياذ بالله وصار لا يعلم عن شيء منه إلا قول لا إله إلا الله فإنها تنجيهم من النار لأنهم معذورون بعدم العلم بفرائض الإسلام ونحن نقول بهذا لو أن قوما في بادية بعيدون عن المدن وبعيدون عن العلم لا يفهمون من الإسلام إلا لا إله إلا الله وماتوا على ذلك فليسوا كفارا 4 - واستدلوا بأحاديث عامة هذه العامة من قواعد أصول الفقه أن العام يخصص بالخاص فالأحاديث العامة الدالة على أن من قال لا إله إلا الله فهو في الجنة وما أشبه ذلك نقول هذه مقيدة أو مخصوصة بأحاديث كفر تارك الصلاة 5 - واستدلوا بأحاديث ضعيفة لا تقاوم الأحاديث الصحيحة الدالة على كفر تارك الصلاة فضلا عن أن تعارضها ثم إن بعضهم لما لم يتيسر له إقامة الدليل على أن تارك الصلاة لا يكفر قال إنه يحمل قوله صلى الله عليه وسلم بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة على الكفر الأصغر والشرك الأصغر فيكون بمعنى قول ابن عباس رضي الله عنهما ( كفر دون كفر ) فيقال ما الذي يوجب لنا أن نحمل الحديث على ذلك لأن الكفر إذا أطلق ولم يوجد له معارض فهو الكفر الحقيقي الأكبر كيف وقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام بين الرجل وبين الكفر والشرك فجعل هناك حدا فاصلا بين والبينية تقتضي أن المتباين منفصلان بعضهما عن بعض وأن المراد بالكفر الأكبر وحينئذ تكون أدلة القول بكفر تارك الصلاة موجبة لا معارض لها ولا مقام لها والواجب على العبد المؤمن إذا دل كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم على حكم من الأحكام أن يقول به لأننا نحن لسنا بمشرعين بل المشرع الله ما قاله الله وقاله رسوله هو الشرع نأخذ به ونحكم بمقتضاه ونؤمن به سواء وافق أهواءنا أم خالفها لابد أن نأخذ بما دل عليه الشرع واعلم أن كل خلاف يقع بين الأمة إذا كان الحامل عليه حسن القصد مع بذل الجهد في التحري فإن صاحبه لا يلام عليه ولا يضلل لأنه مجتهد وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام إذا حكم الحاكم فاجتهد وأخطأ فله أجر وإن اجتهد وأصاب فله أجران وليس من حق الإنسان أن يقدح في أخيه إذا خالفه في الرأي بمقتضى الدليل عنده أما من عاند وأصر بعد قيام الحجة عليه فهذا هو الذي يلام وذكرنا في الدرس الماضي ما يترتب على ترك الصلاة من أحكام وأنها هي الأحكام المترتبة على الردة تماما ومنها لو ترك الصلاة في أثناء زواجه انفسخ نكاحه ومثاله رجل تزوج امرأة وهي تصلي وهو يصلي وبعد ذلك ترك الصلاة فإننا نقول يجب التفريق بينهما وجوبا فإذا فرقنا بينهما واعتدت فإنه لا يمكن أن يرجع إليه أما قبل انتهاء العدة فإنه إذا أسلم ورجع إلى الإسلام وصلى فهي زوجته أما إذا انتهت العدة فقد انفصلت منه ولا تحل له إلا بعقد جديد على قول جمهور أهل العلم وبعضهم يقول إنها إذا انتهت من العدة ملكت نفسها ولكن لو أسلم وأرادت أن ترجع إليه فلا بأس بدون عقد وهذا القول هو الراجح لدلالة السنة عليه لكن فائدة العدة أنها قبل العدة إذا أسلم لا خيار لها وأما بعد العدة فلها الخيار إذا أسلم ولا يحل لأحد عنده شخص يعرف أنه لا يصلي أن يغسله أو يكفنه أو يقدمه للمسلمين يصلون عليه لأنه يكون بذلك غاشا للمسلمين فإن الكافر قال الله لنبيه عليه الصلاة والسلام في حق المنافقين وهم كفار لكنهم يظهرون الإسلام قال { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله } فدل هذا على أن الكفر مانع من الصلاة ومن القيام على القبر بعد الدفن وقال الله { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم } ويسأل بعض الناس عن الرجل المتهم بترك الصلاة يقدم للصلاة عليه بعد موته وأنت شاك هل هو يصلي أو لا ؟ جـ: فنقول إذا كان هذا الشك مبينا على أصل فإنك إذا أردت أن تدعو له تقول اللهم إن كان مؤمنا فاغفر له وارحمه فتقيده وبهذا تسلم من شره وبهذا التقرير نعرف أنه يجب الحذر التام من التهاون بالصلاة وأنه يجب على من رأى شخصا متهاونا فيها أن ينصحه عزيمة وجد لعل الله أن يهديه على يده فينال بهذا خيرا كثيرا وقوله وإيتاء الزكاة إيتاء بمعنى إعطاء وإتيان بمعنى مجيء وأتى بمعنى جاء فإيتاء الزكاة يعني إعطاءها لمن عين الله سبحانه أن يعطوا إياها والزكاة مأخوذة من الزكاء وهو الطهارة والنماء لأن المزكي يطهر نفسه من البخل وينمي ماله بالزكاة قال الله تعالى { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها } والزكاة تعريفها نصيب مقدر شرعا في مال مخصوص لطائفة مخصوصة نصيب من مال وليس كل المال بل أموال معينة بينها الرسول عليه الصلاة والسلام وبعضها مبين في القرآن وليس كل هذه الأجناس من المال تجب فيه الزكاة بل لابد من شروط والزكاة جزء بسيط يؤدي بها الإنسان ركنا من أركان الإسلام يطهر بها نفسه من البخل والرذيلة ويطهر بها صفحات كتابه من الخطايا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار وأفضل الصدقات الزكاة فدرهم تخرجه في زكاتك أفضل من درهم تخرجه تطوعا لأن الله تعالى قال في الحديث القدسي ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه وركعة من صلاة مفروضة أفضل من ركعة من صلاة تطوع ففي الزكاة تكفير الخطايا وفيها الإحسان إلى الخلق لأن المزكي يحسن إلى المدفوع إليه الزكاة فيدخل في عداد المحسنين يدخلون في محبة الله كما قال الله تعالى { وأحسنوا إن الله يحب المحسنين } وفي الزكاة أيضا تأليف بين الناس لأن الفقراء إذا أعطاهم الأغنياء من الزكاة ذهب ما في نفوسهم من الحقد على الأغنياء أما إذا منعهم الأغنياء ولم يتفضلوا عليهم بشيء صار في نفوسهم أحقاد على الأغنياء وفي الزكاة أيضا إغناء للفقراء عن التسلط لأن الفقير إذا قدر أن الغني لا يعطيه شيئا فإنه يخشى منه أن يتسلط وأن يكسر الأبواب وينهب الأموال لأنه لابد أن يعيش فيأكل ويشرب فإذا كان لا يعطى شيئا فإن الجوع والعطش والعرى يدفعونه على أن يتسلط على الناس بالسرقة والنهب وغير ذلك وفي الزكاة أيضا جلب للخيرات من السماء فإنه قد ورد في الحديث ما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء فإذا أدى الناس زكاة أموالهم أنزل الله لهم بركة من السماء والأرض وحصل في هذا نزول المطر ونبات الأرض وشبع المواشي وسقى الناس بهذا الذي ينزل من السماء وغير ذلك من المصالح الكثيرة وفي الزكاة أيضا إعانة للمجاهدين في سبيل الله لأن من أصناف الزكاة الجهاد في سبيل الله كما قال الله { وفي سبيل الله } وفي الزكاة تحرير العبيد فإن الإنسان يجوز له أن يشتري عبدا مملوكا من الزكاة فيعتقه لأن الله قال { وفي الرقاب } وفي الزكاة أيضا فك الذمم من الديون كم من إنسان من حمولة ذات حسب وجاه ابتلى بتراكم الديون عليه فتؤدى عنه من الزكاة فيحصل في هذا خير كثير فكاك لذمته ورد حق لمن له الحق وفي الزكاة إعانة المسافرين الذين تنقطع بهم السبل فيضيع ماله الذي أتى به معه ولا يجد ما يوصله إلى بلده فهذا يعطى من الزكاة ما يوصله إلى بلده ولو كان غنيا في بلده المهم أن الزكاة فيها مصالح كثيرة ولهذا صارت ركنا من أركان الإسلام واختلف العلماء فيما لو تهاون الإنسان بل هل يكفر كما يكفر بالتهاون بالصلاة أو لا ؟ جـ: والصحيح أنه لا يكفر ودليله ما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمى عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي بين العباد ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار فإن هذا الحديث يدل على أنه لا يكفر لأنه لو كان كافرا بترك الزكاة لم يكن له سبيل إلى الجنة والحديث يقول ثم يرى سيبله إما إلى الجنة وإما إلى النار وعن الإمام أحمد رضي الله عنه رواية أنه يكفر إذا بخل بالزكاة قال لأنها ركن من أركان الإسلام وإذا فات ركن من أركان البيت سقط البيت ولكن الصحيح أنه لا يكفر إلا أنه على خطر عظيم والعياذ بالله ومنه هذا الوعيد الشديد مسألة في الأموال الزكوية لأن الأموال ليس كلها فيها زكاة بل منها ما فيه الزكاة ومنها ما لا زكاة فيه فالزكاة واجبة في أمور أولا في الذهب والفضة على أي حال كانا سواء كانت نقودا كالدراهم والدنانير أو تبرا كالقطع من الذهب والفضة أو حليا يلبس ويستعار أو غير ذلك المهم أن نفس هذا المعدن وهو الذهب والفضة فيه الزكاة على كل حال لكن بشرط أن يبلغ النصاب لمدة سنة كاملة والنصاب من الذهب 85 غم خمس وثمانون غراما والنصاب من الفضة ست وخمسون ريالا سعوديا وهي خمس مائة وخمس وتسعون غراما ( 595 ) فمن عنده من الذهب أو الفضة هذا المقدار ملك النصاب فإذا استمر ذلك إلى تمام السنة ففيه الزكاة وإن نقص فلا زكاة فيه فلو كان عنده ثمانون غراما فلا زكاة عليه أو كان عنده خمس مائة وتسعون غراما ( 590 ) من الفضة فلا زكاة عليه واختلف العلماء هل يكمل نصاب الذهب بالفضة أو لا ؟ يعني لو ملك نصف نصاب من الذهب ونصف نصاب من الفضلة فهل يكمل بعضها ببعض ونقول إنه ملك نصابا فتجب عليها الزكاة أو لا ؟ جـ الصحيح لأنه لا يكمل الذهب من الفضة ولا الفضة من الذهب كل واحد مستقل بنفسه كما أنه لا يكمل البر من الشعير أو الشعير من البر فكذلك لا يكمل الذهب بالفضة ولا الفضة بالذهب ويلحق بذلك ما جرى مجرى الذهب والفضلة وهي العملة النقدية من ورق أو نحاس أو غيره فإن هذه فيها الزكاة إذا بلغت نصابا بأحد النقدين بالذهب أو بالفضة فإن لم تبلغ فلا زكاة فمثلا إذا كان عن الإنسان ثلاثمائة من الريالات الورقية لكنها لا تبلغ نصابا من الفضة فلا زكاة عليه لأن هذه مربوطة بالفضة وأما الجواهر الثمينة من غير الذهب والفضة مثل اللؤلؤ والمرجان والمعادن الأخرى كالألماظ وشبهه فهذه ليس فيها زكاة ولو كثر ما عند الإنسان منها إلا ما أعده للتجارة فما أعده للتجارة ففيه الزكاة من أي صنف كان الصنف الثاني مما تجب فيه الزكاة بهيمة الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم ففيها الزكاة لكن بشرط أن تبلغ نصابا وأقل نصاب في الإبل خمس وأقل نصاب في البقر ثلاثون وأقل نصاب في الغنم أربعون والبهيمة ليست كغيرها من الأموال إذا بلغت النصاب فما زاد فبحسابه بل هي مرتبة ففي أربعين من الغنم شاة وفي مائة شاة حتى تبلغ مائة وإحدى وعشرين ( 121 ) فيكون فيها شاتان فالوقص ما بين النصابين ليس فيه زكاة فمن أربعين إلى مائة وعشرين كلها ليس فيها إلا شاة واحدة ومن مائة وإحدى وعشرين إلى مائتين فيه شاتان وفي مائتين وواحدة ( 201 ) ثلاث شياه ثلاثمائة ثلاث شياه ثلاثمائة وتسع وتسعين ثلاث شياه أربعمائة أربع شياه المهم أنها تختلف وفي الإبل من أربع وعشرين فأقل زكاتها من الغنم على كل خمس شاة ومن الخمس وعشرين فما فوق زكاتها من الإبل لكنها بأسنان مختلفة بهيمة الأنعام يشترط لوجوب الزكاة فيها أن تبلغ النصاب وأن تكون سائمة السائمة الراعية التي ترعى في البر ولا تعلف إما السنة كلها وإما أكثر السنة فإذا كان عند الإنسان أربعون شاة تسرح وترعى كل السنة ففيها الزكاة وإذا كانت تسرح وترعى ثماني أشهر ففيها الزكاة ومثلها سبعة أشهر أما إذا كانت تسرح سنة وتعلف سنة فليس فيها زكاة وهكذا إن قلت أشهر السوم وإذا كان الإنسان متاجرا في الغنم مثلا وليس يبقيها للتنمية والنسل فهذا عليه الزكاة ولو لم يكن عنده إلا واحدة إذا بلغت نصابا في الفضة لأن عروض التجارة فيها الزكاة بكل حال ونصابها مقدر بنصاب الذهب أو الفضة والغالب أو الأرخص للفقراء هو الفضة في زماننا لأن الذهب غالي الثالث من الأموال الزكوية الخارج من الأرض من حبوب وثمار مثل التمر والبر والأرز والشعير وما أشبهها وهذا لابد فيه من بلوغ النصاب وهو ثلاثمائة صاع بصاع النبي صلى الله عليه وسلم ويعرفه الذين يأخذون الزكاة من الفلاحين فإذا كان عند الإنسان نخل يثمر وبلغت ثماره نصابا وجب عليه الزكاة ويجب عليه أن يخرج من متوسط الثمر لا من الطيب فيظلم ولا الرديء فيظلم وإذا باع الإنسان ثمره فإنه يزكي من الثمن ومقدار الزكاة في الخارج من الأرض نصف العشر أو العشر إن كان يشرب سيحا بدون مكائن أو مواتير فإن فيه العشر كاملا أي واحد من عشرة فإذا كان عنده مثلا عشرة آلاف كيلوا فالواجب عليه ألف كيلو أما إذا كان يستخرج الماء بوسيلة كالمواتير والمكائن وشبهها فإن عليه نصف العشر ففي عشرة آلاف خمسمائة فقط وذلك لأن الذي يسقى بمؤنة يغرم فيه الفلاح أكثر من الذي يسقى بلا مؤونة فكان من حكمة الله ورحمته أن خفف الزكاة على هذا الذي يسقيه بالمؤنة والتعب أما الرابع من أصناف الزكاة فهو عروض التجارة وعروض التجارة كل ما أعده الإنسان للتجارة من عقارات وأقمشة وأواني وسيارات وغيرها فليس لها شيء معين ومقدار الزكاة فيه ربع العشر كالذهب والفضة أي واحد في الأربعين وفي المائة اثنان ونصف وإذا كان لديك مال وأردت أن تعرف مقدار الزكاة فالمسألة سهلة أقسم المال على أربعين والخارج بالقسمة هو الزكاة فإن كان عند الإنسان أربعون ألفا من الدراهم فزكاتها ألف درهم وفي مائة وعشرين ألف ثلاثة آلاف ريال وهلم جرا وسمى عروض التجارة عروضا لأنه ليس بثابت بل يعرض ويزول فكل شيء يعرض ويزول يسمى عرضا كما قال الله { تبتغون عرض الحياة الدنيا } والأموال التجارية هكذا عند التجار يشتري الإنسان السلعة لا يريد عينها بل يريد ما وراءها من كسب ولهذا تجده يشتريها في الصباح وتكسبه في آخر النهار فيبيعها وكيفية زكاة العروض أنه إذا جاء وقت الزكاة في مالك تقوم كل ما عندك من هذه العروض وتخرج ربع عشر قيمتها حتى وإن كنت لم تشترها إلا أخيرا مثال ذلك إنسان تحل زكاته في شهر رجب واشترى سلعة في شهر ربيع فنقول له إذا جاء شهر رجب فقدر قيمتها بما تساوي وأخرج زكاتها فإذا قال إنها لم تتم عندي سنة ؟ قلنا لا عبرة في عروض التجارة بالسنة عروض التجارة مبينة على القيمة والقيمة لها سنة عندك فتقدرها بما تساوي وقت الوجوب سواء كانت أكثر مما اشتريتها به أم أقل فإذا قدر أنك اشتريتها بعشرة آلاف ريال ( 10000 ) وكانت عند وجوب الزكاة تساوي ثمانية آلاف ريال ( 8000 ) فالزكاة على ثمانية وإذا اشتريتها بثمانية وكانت تساوي عند وجوب الزكاة عشرة فالزكاة على العشرة وإذا كنت لا تدري هل تكسب أو لا تكسب فالمعتبر رأس المال إلى من تصرف الزكاة ؟ جـ - إنها تصرف إلى الذين عينهم الله بحكمته فقال تعالى { إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله } أي لابد أن تكون في هذه الأصناف { والله عليكم حكيم } فالفقراء والمساكين هم الذين لا يجدون كفايتهم وكفاية عوائلهم لمدة سنة مثاله رجل موظف وظيفة براتب شهري قدره أربعة آلاف ريال لكن عنده عائلة يصرف ستة آلاف ريال هذا يكون فقيرا لأنه لا يجد ما يكفيه فنعطيه أربعة وعشرين ألفا من الزكاة من أجل أن نكمل نفقته ورجل آخر راتبه ستة آلاف في الشهر لكنه عنده عائلة كبيرة والمؤنة شديدة لا يكفيه إلا اثنا عشر ألفا فنعطيه من الزكاة اثنين وسبعين ألفا ولا نعطيه أكثر من كفاية سنة لأنه على مدار السنة تأتي زكاة جديدة تسد حاجته فلهذا قدرها العلماء بالسنة فإذا قال قائل أيهما أسد حاجة الفقير أو المسكين ؟ جـ: قال العلماء إنما يبدأ بالأهم فالأهم والله قد بدأ بالفقير فيكون الفقير أشد حاجة من المسكين الثالث العاملون عليه أي الذين ولاهم رئيس الدولة أمر الزكاة يأخذونها من أهلها وينفقونها في مستحقها فيعطيهم رئيس الدولة مقدار أجرتهم ولو كانوا أغنياء لأنهم يستحقونها بالعمل لا بالحاجة فإذا قال ولي الأمر هؤلاء الواحد منهم إذا عمل بالشهر فراتبه ألف ريال فنعطيهم على ألف ريال من الزكاة وذلك لأنهم يتصرفون في الزكاة لمصلحة الزكاة فأعطوا منها لكن إذا أحب ولي الأمر أن يعطيهم من بيت مال المسلمين المال العام ليوفر الزكاة لمستحقيها فلا بأس الرابع المؤلفة قلوبهم وهم الذين يؤلفون على الإسلام يكون رجل آمن حديثا ويحتاج أن نقوي إيمانه فنعطيه من الزكاة من أجل أن يألف الإسلام ويحب المسلمين ويتقوى ويعرف أن دين الإسلام دين صلة ودين رابطة ومن التأليف أن نعطي شخصا للتخلص من شره ويزول ما في قلبه من الحقد على المسلمين والعداوة واختلف العلماء هل يشترط في المؤلفة قلوبهم أن يكون لهم سيادة وشرف في قومهم أو لا يشترط ؟ جـ: الصحيح أنه لا يشترط حتى لو أعطيت فردا من الناس لتؤلفه على الإسلام كفي أما إذا أعطيت فردا من الناس من أجل أن تدفع شره فهذا لا يجوز لأن الواحد من الناس ترفعه إلى ولاة الأمور ويأخذون حقك منه الخامس وفي الرقاب ذكر العلماء أنها تشمل ثلاثة أنواع النوع الأول أن تشتري عبدا فتعتقه والنوع الثاني أن تساعد مكاتبا في مكاتبته والمكاتب هو العبد الذي اشترى نفسه من سيده الثالث أن تفك بها أسيرا مسلما عند الكفار أو عند غيرهم حتى لو اختطف مسلم عند أناس ظلمة ولم يفكوه إلا بفداء من الزكاة فلا بأس السادس قوله { والغارمين } الغارم هو الذي يكون في ذمته دين لا يستطع وفاءه أو يكون في ذمته دين لمصلحة عامة وإن كان يستطيع وفاءها ولهذا قال العلماء إن الغرم نوعان النوع الأول الغارم لغيره والثاني الغارم لنفسه الغارم لغيره هو الذي يغرم مالا لإصلاح ذات البين مثل أن يكون بين قبيلتين نزاع ومشاجرة ومخاصمة ومعاداة فيقوم رجل من أهل الخير فيصلح بين القبيلتين على مال يلتزم به في ذمته فهنا يكون غارما لكن ليس لنفسه بل لمصلحة عامة وهي الإصلاح بين هاتين القبيلتين قال العلماء فيعطي هذا الرجل ما يوفي به الغرم وإن كان غنيا لأن هذا ليس لنفسه بل لمصلحة الغير فلو قدر أن رجلا عنده مائة ألف ريال فأصلح بين قبيلتين بعشرة آلاف ريال يستطيع أن يوفيها من ماله لكن نقول لا ! لا يلزمه بل نعطيه من الزكاة ما يدفع به هذا الغرم لأن ذلك لمصلحة الغير ولأن هذا يفتح باب الإصلاح للناس لأننا لو لم نعن هذا الرجل ونعطيه ما غرم لتكاسل الناس عن الإصلاح بين القبائل المتناحرة أو المتعادية أما النوع الثاني فهو الغارم لنفسه مثل رجل استأجر بيتا بخمسة آلاف ريال وليس عنده ما يدفع به الإجارة هو نفسه في أكله وشربه ولباسه ليس محتاجا لكن يحتاج إلى وفاء الدين الذي لزمه بالاستئجار للبيت فنعطي هذا الرجل أجرة البيت من الزكاة لأنه من الغارمين كذلك إنسان أصيب بجائحة اجتاحت ماله مثل الحريق أو الغرق أو ما أشبه ذلك وقد لحقه في هذا دين فنعطيه ما يسدد دينه لأنه غير قادر على الوفاء هذا النوع من الغرم يشترط فيه أن يكون الغارم عاجزا عن وفاء الدين فإن كان قادرا فإنه لا يعطي ولكن هل يجوز أن يذهب الإنسان لمن له الدين ويقول له هذا الطلب الذي لك على فلان خذه وينويه من الزكاة ؟ جـ الجواب نعم يجوز وليس بشرط أن تعطي الغارم ليعطي الدائن لأن المقصود هو إبراء الذمة وهو حاصل سواء أخبرته أم لم تخبره وتأمل التعبير في الآية { إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم } كل هذه الثلاث معطوفة على قوله { للفقراء } باللام { وفي الرقاب } ولم يقل وللرقاب بل قال ( في ) الدالة على الظرفية يعني أنك إذا صرفت الزكاة في هذه الجهات يجوز وإن لم تعط صاحبها { والغارمين } معطوفة على { وفي الرقاب } فيه من مدخول ( في ) أي وفي الغرمين فإذا قال قائل هل الأحسن أن أذهب إلى الدائن وأوفيه أو أعطي الغريم لكي يوفي بنفسه ؟ جـ نقول في هذا تفصيل إذا كنت تخشى أنك لو أعطيت الغريم لم يوف بل أكل الدراهم وترك الدين على ما هو عليه فهنا لا تعط الغريم بل أعط الدائن أما إذا كان الغريم صاحب عقل ودين ولا يمكن أن يرضى ببقاء ذمته مشغولة ويغلب على ظني كثيرا أنني إذا أعطيته سوف يذهب فورا إلى الدائن ويقضي من دينه فهنا نعطي الغريم نقول خذ هذه الدراهم أوف بها عن نفسك لأن هذا أستر له وأحسن ولكن يجب علينا إذا كنا نوزع الزكاة أن نحذر من حيلة بعض الناس بعض الناس يقدم لك كشفا بالدين الذي عليه وتوفي ما شاء الله أن توفي وبعد سنة يقدم لك نفس الكشف ولا يخصم الذي أوفى عنه فانتبه لهذا لأن بعض الناس صار لا يهمه حلال أم حرام المهم اكتساب المال وقد قدم لنا من هذا النوع أشياء وذهبنا نسلم الدائن بناء على الكشف الذي قدم فقال الدائن إنه قد أوفى وهذه مشكلة لكن الإنسان يتحرز وهو إذا اتقى الله ما استطاع وتبين فيما بعد أن الذي أخذ الزكاة ليس أهلا لها فإن ذمته تبرأ وهذه من نعمة الله السابع قوله { وفي سبيل الله } أي الجهاد في سبيل الله وهو القتال لتكون كلمة الله هي العليا هكذا حدده النبي صلى الله عليه وسلم حينما سئل عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل ليرى مكانه أي ذلك في سبيل الله ؟ قال من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله وهذه كلمة جامعة مانعة وقد تقدم الكلام على هذا تنبيه: يجوز قتل المسلم الظالم وإن كان مسلما في الحرب فإذا قال قائل وإن كان مكرها ؟ جـ: الجواب أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال إذا قاتل المسلمون مع التتار فإنهم يقاتلون إن كانوا مسلمين ولو كانوا مكرهين فإن كانوا صادقين بأنهم مكرهون فإن لهم أجر الشهيد لأنهم قتلوا ظلما من الذي أكرههم لأن الظلم على الذي أكرههم وإن كانوا غير صادقين بل هم مختارون طائعون فهذا ما أصابهم وهم الذين جروه على أنفسهم وقد قال رحمه الله في تعليل ذلك إنه لا يعلم المكره من غير المكره لأن ذلك محله القلب فالاختيار والكراهة محلها القلب فلا يعلم المكره من غيره فيقتل المكره دفاعا عن الحق وحسابه على الله نعم لو فرض أنه أسر وهو مسلم حقيقة فإنه لا يجوز قتله أما في ميدان القتال فإنه يقتل وقد ذكرها رحمه الله في الفتاوى في كتاب الجهاد ج ( 28 ) ص ( 544 - 553 ) على كل حال نحن نقول إن الذي يقاتل حفظا لماله أو حفظا لبيته أو حفظا لبلاده فإنه لا يخرج عن أمرين إذا كان للبلاد إن كان يحافظ عليها لأنها بلاد إسلامية لما فيها من الإسلام فهو في سبيل الله ولا شك وإن كان يحافظ عليها لأنها بلده لا يريد أن يضيع كما لا يريد أن يضيع ماله فهذا إن قتل فهو شهيد كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم وقاتله إن قتل - أي المقاتل - فهو في النار والعياذ بالله وقوله سبحانه { وفي سبيل الله } يشمل إعطاء الزكاة للمجاهدين أنفسهم وشراء الأسلحة لهم فشراء الأسلحة من الزكاة جائز من أجل الجهاد في سبيل الله قال أهل العلم ومن ذلك أن يتفرغ شخص لطلب العلم قادر على التكسب لكنه تفرغ من أجل أن يطلب العلم فإنه يعطي من الزكاة مقدار حاجته لأن طلب العلم جهاد في سبيل الله أما من تفرغ للعبادة من الصلاة والصيام والذكر وقراءة القرآن فأعطوني من الزكاة واكفوني العمل نقول لا نعطيك بل اكتسب وجاء رجل آخر قال أنا أريد أن أتفرغ لطلب العلم وأنا قادر على التكسب لكن إن ذهبت أتكسب لم أطلب العلم فأعطوني ما يكفيني لكي أتفرغ لطلب العلم قلنا مرحبا نعطيك ما يكفيك لطلب العلم الثامن { وابن السبيل } وهو الصنف الثامن من أصناف أهل الزكاة وابن السبيل هو المسافر الذي انقطع به السفر ونفدت نفقته فلم يكن معه ما يوصله إلى بلده فإنه يعطى من الزكاة ما يوصله إلى بلده وإن كان غنيا وسمي ابن سبيل لمصاحبته للسفر كما يقال ابن الماء في طير الماء الذي يألف الماء فيقع عليه هؤلاء ثمانية أصناف لا يجوز صرف الزكاة في غيرهم فلا يجوز أن تصرف الزكاة في بناء المساجد ولا في إصلاح الطرق ولا في بناء المدارس ولا غيرها في طرق الخير لأن الله ذكر هذه الأصناف بصيغة محصورة فقال { إنما الصدقات } وإنما تفيد الحصر وهو إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه ولو قلنا بجواز صرف الزكاة في جميع وجوه الخير لفاتت فائدة الحصر ولكن بناء المساجد وإصلاح الطرق وبناء المدارس وما أشبهها تفعل عن طرق أخرى طريق البر والصدقات والتبرعات هذا هو الركن الثالث من أركان الإسلام الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل في حديثه الطويل أما الرابع فقد قال وصوم رمضان ورمضان شهر بين شعبان وشوال وسمي رمضان بهذا قيل لأنه كان أول تسمية الشهور فصادف أنه كان في شدة الرمضاء والحر فسمي رمضان وقيل لأنه تطفأ به حرارة الذنوب لأن الذنوب حارة ومن صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه والمهم أن هذا الشهر معلوم للسلمين ذكره الله تعالى باسمه في كتابه فقال { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن } ولم يذكر الله اسما لشهر من الشهور سوى هذا الشهر وصيام رمضان ركن من أركان الإسلام لا يتم الإسلام إلا به ولكنه لا يجب إلا على من تمت فيه الشروط الآتية أن يكون مسلما وأن يكون بالغا وعاقلا قادرا مقيما سالما من الموانع هذه ستة شروط - فإن كان صغيرا لم يجب عليه الصوم - فإن كان مجنونا لم يجب عليه الصوم - فإن كان كافرا لم يجب عليه الصوم - فإن كان عاجزا فعلى قسمين أ - إن كان عجزه يرجى زواله كالمرض الطارئ أفطر ثم قضى أياما بعدد ما أفطر ب - وإن كان عجزا لا يرجى زواله كالكبر والأمراض التي لا يرجى برؤها فإنه يطعم عن كل يوم مسكينا - ومقيما ضده المسافر فالمسافر ليس عليه صوم ولكنه يقضي أيام أخر - سالما من الموانع احترازا من الحائض والنفساء فإنهما لا يجب عليهما الصوم ولا يجوز لهما ولكنهما تقضيان صوم رمضان يكون بعدد أيامه إما تسعة وعشرين وإما ثلاثين حسب رؤية الهلال لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين عدة شعبان إن كان في أول الشهر وعدة رمضان إن كان في آخر الشهر الركن الخامس حج البيت وهو بيت الله سبحانه أي قصده لأداء المناسك التي بينها الله سبحانه في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم فحج البيت أحد أركان الإسلام ومن حج البيت العمرة فإن النبي صلى الله عليه وسلم سماها حجا أصغر ولكن له شروط منها البلوغ والعقل والإسلام والحرية والاستطاعة خمسة شروط فإذا اختل شرط واحد منها فإنه لا يجب ولكن العجز عن الحج إن كان بالمال فإن لا يجب عليه لا بنفسه ولا بنائبه وإن كان بالبدن إن كان عجزا يرجى زواله انتظر حتى يعافيه الله ويزول المانع وإن كان لا يرجى زواله كالكبر فإنه يلزمه أن ينيب عنه من يأتي بالحج لأن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم قالت إن أبي أدركته فريضة الله على عباده شيخا لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه قال نعم فأقرها النبي صلى الله عليه وسلم على أنها سمت هذا فريضة مع أنه لا يستطيع لكنه قادر بماله فقال لها الرسول حجي عنه هذه خمسة أركان هي أركان الإسلام فقال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم لما أخبره بذلك قال له صدقت قال عمر فعجبنا له يسأله ويصدقه لأن الذي يصدق الشخص بقوله يعني أنه عنده علما من ذلك السائل إذا أجيب يقول فهمت لا يقول صدقت لكن جبريل عليه الصلاة والسلام عنده علم من هذا ولهذا قال صدقت وقوله أخبرني عن الإيمان والإيمان محله القلب والإسلام محله الجوارح ولهذا نقول الإسلام عمل ظاهري والإيمان أمر باطني فهو في القلب فالإيمان هو اعتقاد الإنسان للشيء اعتقادا جازما به لا يتطرق إليه الشك ولا الاحتمال بل يؤمن به كما يؤمن بالشمس في رابعة النهار لا يمتري فيه فهو إقرار جازم لا يلحقه شك موجب للقبول والإذعان لقبول ما جاء في شرع الله والإذعان له إذعانا تاما فقال له الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره هذه ستة أركان هي أركان الإيمان قوله أن تؤمن بالله أي تؤمن بأن الله سبحانه موجود حي عليم قادر وأنه رب العالمين لا رب سواه وأن له الملك المطلق وله الحمد المطلق وإليه يرجع الأمر كله وأنه سبحانه هو المستحق للعبادة لا يستحقها أحد سواه سبحانه وتعالى وأنه هو الذي عليه التكلان ومنه النصر والتوفيق وأنه متصف بكل صفات الكمال على وجه لا يماثل صفات المخلوقين لأنه سبحانه وتعالى { ليس كمثله شيء } إذا تؤمن بوجود الله وبربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته لابد من هذا فمن أنكر وجود الله فهو كافر والعياذ بالله مخلد في النار ومن تردد في ذلك أوشك فهو كافر لأنه لابد في الإيمان من الجزم بأن الله حي عليم قادر موجود ومن شك في ربوبيته فإنه كافر ومن أشرك معه أحدا في ربوبيته فهو كافر فمن قال إن الأولياء يدبرون الكون ولهم تصرف في الكون فدعاهم واستغاث بهم واستنصر بهم فإنه كافر والعياذ بالله لأنه لم يؤمن بالله ومن صرف شيئا من أنواع العبادة لغير الله فهو كافر لأنه لم يؤمن بانفراده بالألوهية فمن سجد للشمس أو للقمر أو للشجر أو للنهر أو للجبال أو للملك أو لنبي من الأنبياء أو لولي من الأولياء فهو كافر كفرا مخرجا عن الملة لأنه أشرك بالله معه غيره وكذلك من أنكر على وجه التكذيب شيئا مما وصف الله به نفسه فإنه كافر لأنه مكذب لله ورسوله فإذا أنكر صفة من صفات الله على وجه التكذيب فهو كافر لتكذيبه لما جاء في الكتاب والسنة فإذا قال مثلا إن الله لم يستو على العرش ولا ينزل إلى السماء الدنيا فهو كافر وإذا أنكرها على وجه التأويل فإنه ينظر هل تأويله سائغ يمكن أن يكون محلا للاجتهاد أو لا فإن كان سائغا فإنه لا يكفر لكنه يفسق لخروجه عن منهج أهل السنة والجماعة وأما إذا كان ليس له مسوغ فإن إنكار التأويل الذي لا مسوغ له كإنكار التكذيب فيكون أيضا كافرا والعياذ بالله هذا الإيمان بالله عز وجل وإذا آمنت بالله على هذا الوجه فإنك سوف تقوم بطاعته ممتثلا أمره مجتنبا نهيه لأن الذي يؤمن بالله على الوجه الصحيح لابد أن يقع في قلبه تعظيم الله على الإطلاق ولابد أن يقع في قلبه محبة الله على الإطلاق فإذا أحب الله حبا مطلقا لا يساويه أي حب وإذا عظم الله تعظيما لا يساويه أي تعظيم فإنه بذلك يقوم بأوامر الله وينتهي عما نهى الله عنه كذلك يجب عليك من جملة الإيمان بالله أن تؤمن بأن الله فوق كل شيء على عرشه استوى والعرش فوق المخلوقات كلها وهو أعظم المخلوقات التي نعلمها لأنه جاء في الأثر إن السماوات السبع والأرضين السبع بالنسبة للكرسي كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض انتبه ألق حلقة من حلق المغفر في فلاة من الأرض وانظر نسبة هذه الحلقة بالنسبة للفلاة ماذا تكون ؟ جـ: لا شيء وفي بقية الأثر وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الحلقة إذا الكرسي بالنسبة للعرش كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض فانظر إلى عظم هذا العرش لهذا وصفه الله بالعظيم كما قال { رب العرش العظيم } وقال { ذو العرش المجيد } فوصفه الله بالمجد والعظمة وكذلك بالكرم فهذا العرش استوى الله فوقه فالله فوق العرش والعرش فوق جميع المخلوقات والكرسي وهو صغير بالنسبة للعرش وسع السماوات والأرض كما قال الله تعالى { وسع كرسيه السماوات والأرض } يجب عليك أن تؤمن بأن الله تعالى فوق كل شيء وأن جميع الأشياء ليست بالنسبة إلى الله شيئا فالله أعظم وأجل من أن يحيط به العقل أو الفكر بل حتى البصر إذا رأى الله والله سبحانه يراه المؤمنون في الجنة لا يمكن أن يدركوه أو يحيطوا به كما قال الله { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار } فشأن الله أعظم شأن وأجل شأن فلابد أن تؤمن بالله سبحانه وتعالى على هذا الوجه العظيم حتى يوجب لك أن تعبده حق عبادته ومن الإيمان بالله أن تؤمن بأن الله قد أحاط بكل شيء علما وأنه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ويعلم ما في السماوات وما في الأرض من قليل وكثير وجليل ودقيق { إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء } وكذلك تؤمن بأن الله تعالى على كل شيء قدير وأنه إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون مهما كان هذا الأمر وانظر إلى بعث الناس وخلق الناس الناس ملايين لا يحصيهم إلا الله عز وجل وقد قال الله تعالى { ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة } كل الخلائق خلقهم وبعثهم كنفس واحدة وقال الله عز وجل في البعث { فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة } وترى شيئا من آيات الله في حياتك اليومية فإن الإنسان إذا نام فقد توفاه الله كما قال الله { وهو الذي يتوفاكم بالليل } لكنها ليست وفاة تامة تفارق فيه الروح الجسد مفارقة تامة لكن مفارقة لها نوع اتصال بالبدن ثم يبعث الله النائم من نومه فيحس بأنه قد حي حياة جديدة ولكن أثر هذا يظهر قبل أن توجد هذه الأنوار الكهربائية لما كان الناس إذا غشيهم الليل أحسوا بالظلمة وأحسوا بالوحشة وأحسوا بالسكون فإذا انبلج الصبح أحسوا بالإسفار والنور والانشراح فيجدون لذة لإدبار الليل وإقبال النهار أما اليوم فقد أصبحت الليالي والأيام كأنها في النهار فلا تجد اللذة التي كنا نجدها من قبل لكن مع ذلك يحس الإنسان إذا استيقظ من نومه فكأنما استيقظ إلى حياة جديدة وهذه من رحمة الله وحكمته وكذلك نؤمن بأن الله سميع بصير يسمع كل ما نقول وإن كان خفيا قال الله تبارك وتعالى { أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون } وقال الله عز وجل { يعلم السر وأخفى } أي أخفى من السر وهو ما يكنه الإنسان في نفسه كما قال الله تعالى { ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه } أي ما تحدث به نفسه يعلمه الله وإن كان لم يظهر للعباد وهو عز وجل بصير دبيب النمل الأسود على الصخرة السوداء في ظلمة الليل لا يخفى عليه فإذا آمنت بعلم الله وقدرته وسمعه وبصره أوجب لك ذلك أن تراعي ربك عز وجل وأن لا تسمعه إلا ما يرضى به وأن لا تفعل إلا ما يرضى به لأنك إن تكلمت سمعك وإن فعلت رآك فأنت تخشى ربك وتخاف من ربك أن يراك حيث نهاك أو يفقدك حيث أمرك وكذلك تخشى من ربك أن تسمعه ما لا يرضاه وأن تسكت عما أمرك به كذلك إذا آمنت بتمام قدرة الله فإنك تسأله كلما تريده مما لا يكون فيه اعتداء في الدعاء ولا تقل إن هذا بعيد ولا يمكن كل شيء ممكن على قدرة الله فها هو موسى عليه السلام لما وصل إلى البحر الأحمر هاربا من فرعون وقومه أمره الله أن يضرب البحر بعصاه فضربه فانفلق أثنى عشر طريقا كان الماء بين هذه الطرق كالجبال وفي لحظة يبس البحر وصاروا يمشون كأنما يمشون على صحراء لم يصبها الماء أبدا بقدرة الله سبحانه وتعالى ويذكر أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لما كان يفتح بلاد فارس ووصل إلى دجلة النهر المعروف في العراق عبر الفرس النهر مشرقين وكسروا الجسور وأغرقوا السفن لئلا يعبر إليهم المسلمون فاستشار رضي الله عنه الصحابة وفي النهاية قرروا أن يعبروا النهر فعبروا النهر يمشون على سطح الماء بخيلهم وإبلهم ورجلهم لم يمسهم سوء فمن الذي أمسك هذا البحر حتى صار كالصفاء كالحجر يسير عليه الجند من غير أن يغرقوا إنه هو الله عز وجل الذي على كل شيء قدير وكذلك جرى للعلاء بن الحضرمي رضي الله عنه حينما غزا البحرين واعترض لهم البحر دعا الله سبحانه فعبروا على سطح الماء من غير أن يمسهم سوء وآيات الله كثيرة فكل ما أخبرك الله به في كتابه أو أخبر به رسوله عليه الصلاة والسلام أو شاهده الناس من خوارق العادات فإن الإيمان به من الإيمان بالله لأنه إيمان بقدرة الله سبحانه وتعالى ومن الإيمان بالله عز وجل أن تعلم أنه يراك فإن لم تكن تراه فإنه يراك وهذه مسألة يغفل عنها كثير من الناس تجده يتعبد لله وكأن العبادة أمر يفعله على سبيل العادة لا يفعلها كأنه يشاهد ربه عز وجل وهذا نقص في الإيمان ونقص في العمل ومن الإيمان بالله أن تؤمن بأن الحكم لله العلي الكبير الحكم الكوني والشرعي كله لله لا حاكم إلا الله سبحانه وتعالى وبيده بكل شيء كما قال الله { قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير } فكم من ملك سلب ملكه بين عشية وضحاها وكم من إنسان عادي صار ملكا بين عشية وضحاها لأن الأمر بيد الله وكم من إنسان عزيز يرى أنه غالب لكل أحد فيكون أذل عباد الله بين عشية وضحاها وكم من إنسان ذليل يكون عزيزا بين عشية وضحاها لأن الملك والحكم لله سبحانه وتعالى وكذلك الحكم الشرعي لله ليس لأحد فالله تعالى هو الذي يحلل ويحرم ويوجب وليس أحد من الخلق له الفضل في ذلك الإيجاب والتحليل والتحريم لله ولهذا نهى الله عباده أن يصفوا شيئا بالحلال والحرام بدون إذن فقال الله تبارك وتعالى { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع قليل ولهم عذاب أليم } فالحاصل أن الإيمان بالله بابه واسع جدا ولو ذهب الإنسان يتكلم عليه لبقى أياما كثيرة ولكن الإشارة تغني عن طويل العبارة وقوله صلى الله عليه وسلم وملائكته والملائكة هم عالم غيبي خلقهم الله سبحانه وتعالى من نور وجعل لهم أعمالا خاصة كل منهم يعمل بما أمره الله به وقد قال الله في ملائكة النار { عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون } فهم ليس عندهم استكبار عن الأمر ولا عجز عنه يفعلون ما أمروا به ويقدرون عليه بخلاف البشر البشر قد يستكبرون عن الأمر وقد يعجزون عنه أما الملائكة فخلقوا لتنفيذ أمر الله سواء في العبادات المتعلقة بهم أو في مصالح الخلق فمثلا جبريل أشرف الملائكة موكل بالوحي ينزل به من الله على رسله وأنبيائه فهو موكل بأشرف شيء ينتفع به الخلق والعباد وهو ذو قوة أمين مطاع بين الملائكة ولهذا كان أشرف الملائكة كما أن محمدا صلى الله عليه وسلم أشرف الرسل قال سبحانه وتعالى { علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى } يعني علم النبي صلى الله عليه وسلم القرآن شديد القوى أي ذو القوى الشديدة وهو جبريل { ذو مرة } أي ذو هيئة حسنة { فاستوى } أي كمل وعلا وهو بالأفق الأعلى وقال عز وجل { إنه لقول رسول كريم } أي جبريل { ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين } ومن هؤلاء أيضا من وكلوا بمصالح الخلق من جهة أخرى في حياة الأرض والنبات مثل ميكائيل فإن ميكائيل موكل بالقطر أي المطر والنبات وفيهما حياة الأبدان حياة الناس والبهائم فالأول جبريل موكل بما فيه حياة القلوب وهو الوحي وهذا موكل بما فيه حياة الأبدان وهو القطر والنبات ومنهم إسرافيل وهو أحد حملة العرش العظام وهو موكل بالنفح في الصور وهو قرن عظيم دائرة كما بين السماء والأرض فإذا سمعه الناس سمعوا صوتا لا عهد لهم به صوتا مزعجا فيفزعون ثم يصعقون أي يموتون من شدة هذا الصوت ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون تطاير الأرواح من هذا القرن ثم ترجع كل روح إلى بدنها الذي تعمره في الدنيا لا تخطئه شعرة بأمر الله عز وجل فكل هؤلاء الثلاثة موكلون بما فيه الحياة فجبريل موكل بحياة القلوب وميكائيل بما فيه من حياة النبات والأرض وإسرافيل بما فيه حياة الأبدان ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يثنى على الله بربوبيته لهؤلاء الملائكة الثلاثة في افتتاح صلاة الليل فكان يقول في افتتاح صلاة الليل بدل سبحانك اللهم وبحمدك يقول اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنه إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ومنهم من وكل بقبض الأرواح وهو ملك الموت وله أعوان يساعدونه على ذلك وينزلون بالكفن والحنوط للروح التي تخرج من الجسد إن كان من أهل الإيمان جعلنا الله منهم فإنهم ينزلون بكفن من الجنة وحنوط من الجنة وإن كانوا من أهل النيران نزلوا بحنوط من النار وكفن من النار ثم يجلسون عند المحتضر الذي حضر أجله ويخرجون روحه حتى تبلغ الحلقوم فإذا بلغت الحلقوم استلها ملك الموت ثم أعطاها إياها فوضعوها في الحنوط والكفن الملائكة تكفن وتحنط الروح والبشر يكفنون ويحنطون البدن انظر إلى عناية الله بالآدمي ملائكة يكفنون روحه وبشر يكفنون بدنه ولهذا قال الله عز وجل { حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون } لا يفرطون في حفظها ولا يفرطون فيها ملك الموت أعطاه الله قدرة على قبض الأرواح في مشارق الأرض ومغاربها يقبضها ولو ماتوا في لحظة واحدة ولا تستغرب لأن الملائكة لا يقاسون بالبشر لأن الله أعطاهم قدرة عظيمة أشد من الجن الجن أقوى من البشر والملائكة أقوى من الجن انظر قصة سليمان حيث قال { يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين قال عفريت من الجن } عفريت قوي شديد { أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين } أين مكان العرش ؟ جـ: في اليمن وسليمان في الشام مسيرة شهر بينهما وكان سليمان عادة يقوم من مقامه في ساعة معينة فـ { قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك } الثاني أسرع من الأول أي مدة بصرك ما ترده إلا وقد جاءك { فلما رآه } حالا رآه { مستقرا عنده } قال العلماء إن هذا الذي عنده من الكتاب دعا الله باسمه الأعظم فحملت الملائكة العرش من اليمن إلى الشام في هذه اللحظة إذا فالملائكة أقوى من الجن فلا تستغرب أن يموت الناس في مشارق الأرض ومغربها وأن يقبض أرواحهم ملك واحد كما قال الله { قل يتوفاكم ملك الموت الذي كل بكم ثم إلى ربكم ترجعون } إذا قال الله لهذا الملك اقبض روح كل من مات هل يمكن أن يقول لا ؟ لا يمكن لأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ولهذا لما قال الله للقلم اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة القلم جماد فهل كتب أم لا ؟ جـ: كتب ما هو كائن إلى يوم القيامة فالله عز وجل إذا أمر لا يمكن أن يعصى إلا المردة من الجن أو من بني آدم أما الملائكة فلا يعصون الله والملك الخامس مالك الموكل بالنار وهو خازنها وقد ذكره الله في قوله عن أهل النار { ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون } ما معنى ليقض علينا ؟ جـ: يعني ليمتنا ويهلكنا ويرحنا مما نحن فيه قال إنكم ماكثون السادس خازن الجنة وورد في بعض الآثار أن اسمه ( رضوان ) وهذا وكل بالجنة كما أن مالكا وكل بالنار فمن علمنا اسمه من الملائكة آمنا به باسمه ومن لم نعلم باسمه آمنا به على سبيل الإجمال آمنا بعمله الذي نعلمه وبوصفه وبكل ما جاء به الكتاب والسنة من أوصاف هؤلاء الملائكة نحن قلنا إن الملائكة عالم غيبي فهل يمكن أن يروا ؟ جـ: الجواب نعم قد يرون إما على صورتهم التي خلقوا عليها وإما على صورة من أراد الله أن يكون على صورته فجبريل رآه النبي صلى الله عليه وسلم على صورته في الأرض وفي السماء عند سدرة المنتهى كما قال الله { ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى } أتدرون كيف رآه ؟ جـ: رآه وله ستمائة جناح قد سد الأفق أي ملأ الأفق كله ولا يعلم قدر الأجنحة إلا الله عز وجل لكن إذا كان الشيء عاليا وسد الأفق فهو معناه أنه واسع جدا هذا الذي رآه النبي صلى الله عليه وسلم على صورته مرتين أحيانا يأتيه بصورة إنسان كما في حديث عمر في قصة جبريل فقد جاءه بصورة رجل شديد سواد الشعر شديد بياض الثياب لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه الصحابة والله على كل شيء قدير قد أعطاهم الله سبحانه وتعالى ذلك أن يتصوروا بصور البشر إما بالاختيار وإما بالإرادة الله يأمرهم أن يكونوا على هذه الصورة فالله أعلم إنما هذه حال الملائكة عليهم الصلاة والسلام وتفاصيل ما ورد فيهم مذكور في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن علينا أن نؤمن بهؤلاء الملائكة وأنهم أقوياء أشداء قال الله لهم في غزوة بدر { أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان } فكانوا يقاتلون مع الصحابة في بدر فيرى الكافر يسقط مضروبا بالسيف على رأسه ولا يدري الذي قتله والذي قتله هم الملائكة لأن الله قال لهم { واضربوا منهم كل بنان ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب } فعلينا أن نؤمن بهم من علمناه بعينه آمنا به بعينه وإلا فالإجمال وأن نؤمن بمن جاء عنهم من عبادات وأعمال على وفق ما جاء في الكتاب والسنة والإيمان بهم أحد أركان الإيمان الستة ومن أنكرهم أو كذب بهم أو قال إنهم لا وجود لهم أو قال إنهم قوى الخير والشياطين قوى الشر فقد كفر كفرا مخرجا عن الملة لأنه مكذب لله ورسوله وإجماع المسلمين لقد ضل قوم غاية الضلال حيث أنكروا أن يكون هناك ملائكة والعياذ بالله وقالوا إن الملائكة عبارة عن قوى الخير وليس هناك شيء يسمى عالم الملائكة وهؤلاء إن قالوا هذا متأولين فإن الواجب أن نبين لهم أن هذا تأويل باطل بل تحريف وإن قالوه غير متأولين فإنهم كفار لأنهم مكذبون لما جاء به الكتاب والسنة وأجمعت عليه الأمة من جود الملائكة والله قادر على أن يخلق عالما كاملا لا يحس به البشر عن طريق حواسهم المعتادة فها هم الجن موجودون ولا إشكال في وجودهم ومع ذلك لا تدركهم حواسنا الظاهرة كما تدرك الأشياء الظاهرة ولله في خلقه شؤون وقوله وكتبه وهو الركن الثالث والكتب جمع كتاب والمراد به الكتاب الذي أنزله الله على الرسل فكل رسول له كتاب كما قال تعالى { الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان } وقال { لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط } لكن من الكتب ما لا نعلمه ومنها ما نعلمه فالتوراة وهو الكتاب الذي أنزله الله على موسى معلوم والإنجيل وهو الكتاب الذي أنزله الله على عيسى معلوم وصحف إبراهيم مذكورة في القرآن وزبور داود مذكور في القرآن وصحف موسى إن كانت غير التوراة مذكورة في القرآن أيضا فما ذكر الله اسمه في القرآن وجب الإيمان به بعينه واسمه وما لم يذكر فإنه يؤمن به إجمالا فنؤمن بأن الله أنزل على موسى كتابا هو التوراة وعلى عيسى كتابا هو الإنجيل وعلى داود كتابا هو الزبور وعلى إبراهيم صحفا هكذا نقول ولا يعني ذلك أن ما وجد عند النصارى اليوم هو الذي نزل على عيسى لأن الأناجيل الموجودة في أيدي النصارى اليوم محرفة ومغيرة ومبدلة لعب بها قساوسة النصارى فزادوا فيها ونقصوا وحرفوا ولهذا تجدها تنقسم إلى أربعة أقسام أو خمسة ومع ذلك فإن الكتاب الذي نزل على عيسى كتاب واحد لكن الله إنما تكفل بحفظ الكتاب الكريم الذي نزل على محمد لأنه لا نبي بعده بين الناس ما هو الصحيح وما هو المحرف أما الكتب السابقة فإنها لم تخل من التحريف لأنه سيبعث أنبياء يبينون فيها الحق ويبينون فيها المحرف وهذا هو السر في أن الله تكفل بحفظ القرآن دون غيره من الكتب من أجل أن يعلم الناس حاجتهم إلى الأنبياء إذا وجدوا الكتب محرفة فتأتي الأنبياء وتبين الحق فالمهم أن نؤمن بأن الكتاب الذي نزل على النبي المعين حق من عند الله لا على أن الكتاب الذي في أيدي أتباعه اليوم هو الكتاب الذي نزل بل قطعا إنه محرف ومغير ومبدل ومن الإيمان بالكتب أن تؤمن بأن كل خبر جاد فيها فهو حق كما أن كل خبر في القرآن فهو حق لأن الأخبار التي جاءت في الكتب التي نزلت على الأنبياء من عند الله وكل خبر من عند الله فهو حق وكذلك تؤمن بأن كل حكم فيها صحيح من عند الله فهو حق لأن جميع أحكام الله التي ألزم الله بها عباده كلها حق لكن هل هي بقيت إلى الآن غير محرفة ؟ هذا السؤال بينا الجواب عنه ولكن هل علينا أن نعمل بالأحكام التي جاءت بها الكتب السابقة ؟ جـ: نقول أما ما قصه الله علينا من هذه الكتب فإننا نعمل به ما لم يرد شرعنا بخلافه مثاله قوله تعالى عن التوراة { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون } هذه مكتوبة في التوراة ونقلها الله عز وجل في القرآن لكن الله عز وجل لم يقصها علينا إلا من أجل أن نعتبر ونعمل بها كما قال { لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب } وقال { أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده } فما قصه الله علينا وما نقله لنا من الكتب السابقة فهو شرع لنا لأن الله لم يذكره عبثا إلا إذا ورد شرعنا بخلافه فيصير ناسخا لها كما أن من الآيات الشرعية النازلة في شرعنا ما يكون منسوخا بآيات أخرى فكذلك ما ذكره الله عن الكتب السابقة نقلا فإنه قد ينسخ بهذه الشريعة أما ما جاء في كتبهم لهم فإننا لا نصدقه ولا نكذبه كما أمر بذلك النبي عليه الصلاة والسلام فيما إذا حدثنا بنو إسرائيل أن لا نصدقهم ولا نكذبهم لأننا ربما نصدقهم بالباطل وربما نكذبهم بحق فنقول آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم ولا نصدقهم ولا نكذبهم إذا لم يشهد شرعنا بصحته ولا بكذبه فإن شهد بصحته أو بكذبه عملنا ما تقتضيه هذه الشهادة ومن ذلك ما تقتضيه هذه الشهادة إلى بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كما ذكر عن داود أنه أعجبته امرأة رجل من جنده فأحبها وطلب من الجندي أن يذهب إلى العدو ويقاتل لعله يقتل فيأخذ امرأته من بعده وأنه أرسل الجندي فبعث الله إليه جماعة من الملائكة يختصمون إليه فقال أحد الخصمين { إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ } قالوا فهذا مثل ضربه الله لداود حيث كان عنده من النساء ما يبلغ تسعا وتسعين امرأة فحاول أن يأخذ امرأة هذا الجندي ليكمل بها المائة فهذه القصة كذب واضح لأن داود نبي من الأنبياء ولا يمكن أن يتحيل هذه الحيلة لو أنه غير نبي ما فعل هذا وهو عاقل فكيف وهو نبي ؟ فمثل هذه القصة جاءت عن بني إسرائيل نقول إنها كذب لأنها لا تليق بالنبي ولا بأي عاقل والخلاصة أن ما جاء في كتبهم ينقسم إلى قسمين رئيسيين أولا: ما قصه الله علينا في القرآن أو قصه علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا مقبول صحيح والثاني ما نقلوه هم فهذا لا يخلو من ثلاث حالات الحالة الأولى أن يشهد شرعنا بكذبه فيجب علينا أن نكذبه ونرده والثانية ما شهد شرعنا بصدقه فنصدقه ونقبله لشهادة شرعنا به والثالث ما ليس هذا ولا هذا فيجب علينا أن نتوقف لأنهم لا يؤمنون ويحصل فيخبرهم الكذب والتغيير والزيادة النقص قوله ورسله هذا هو الركن الرابع الرسل هم البشر الذين أرسلهم الله إلى الخلق وجعلهم واسطة بينهم وبين عباده في تبليغ شرائعه وهم بشر خلقوا بين أب وأم إلا عيسى ابن مريم فإن الله خلقه من أم بلا أب أرسلهم الله سبحانه وتعالى رحمة بالعباد وإقامة للحجة عليهم كما قال الله تعالى { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ } إلى قوله { رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا } وهم عدد كثير أولهم نوح وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم ودليل ذلك قوله تعالى { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ } وقد صح في الصحيحين وغيرهما في حديث الشفاعة أن الناس يوم القيامة يأتون إلى نوح فيقولون له أنت أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض أما دليل كون النبي عليه الصلاة والسلام آخر الرسل فهو قوله تعالى { ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين } وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال أنا خاتم النبيين علينا أن نؤمن أن جميع الأنبياء صادقون فيما بلغوا به عن الله وفي رسالتهم - علينا أن نؤمن بأسماء من عينت أسماؤهم لنا ومن لم تعين أسماؤهم لنا فإننا نؤمن لهم على سبيل الإجمال - علينا أن نؤمن أن ما من أمة إلا أرسل الله إليها رسولا لتقوم عليهم الحجة كما قال الله { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ } وقال تعالى { وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ } وعلينا أن نصدق بكل ما أخبرت به الرسل إذا صح عنهم من جهة النقل ونعلم أنه حق وعلينا أن نتبع خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم لأنه هو الذي فرض علينا اتباعه قال الله تعالى { قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } فأمرنا الله باتباعه وقال تعالى { قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله } أما ما سواه من الرسل فإننا نتبعهم إذا ورد شرعنا بالأمر باتباعهم مثل قوله عليه الصلاة والسلام أفضل الصلاة صلاة أخي داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه وأفضل صيام صيام أخي داود كان يصوم يوما ويفطر يوما فهذا حكاية لتعبد داود وتهجده في الليل وكذلك صيامه من أجل أن نتبعه فيه أما إذا لم يرد شرعنا بالأمر باتباعه فقد اختلف العلماء رحمهم الله هل شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بالأمر بخلافه أو أنه ليس شرع لنا حتى يرد شرعنا باتباعه ؟ والصحيح أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يرد شرعنا بخلافه لأنه تعالى لما ذكر الأنبياء والرسل قال لنبيه صلى الله عليه وسلم { أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ } فأمر الله نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بهدي من سبقه وقال الله تعالى { لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب } وهذه في آخر سورة يوسف التي قص الله علينا قصة مطولة من أجل أن تعتبر بما فيها ولهذا أخذ العلماء رحمهم الله من سورة يوسف فوائد كثيرة في أحكام شرعية في القضاء وغيرها وأخذوا منها العمل بالقرائن عند الحكم لقوله تعالى { وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ } فقالوا هذه قرينة لأنه إذا كان القميص قد من قبل فالرجل هو الذي طالبها فقدت قميصه وإذا كان من دبر من الخلف فهي التي طلبته وجرت قميصه حتى انقد فهذه قرينة ثبت بها الحكم والعلماء اعتمدوا هذه القرينة وإن كان في السنة ما يدل على الحكم بالقرائن في غير هذه المسألة لكن الراجح أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه وللرسل علينا أن نحبهم وأن نعظمهم بما يستحقون وأن نشهد أنهم في الطبقة العليا من طبقات أهل الخير والصلاح كما قال الله { وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا } أما الركن الخامس فهو الإيمان باليوم الآخر واليوم الآخر هو يوم القيامة وسمي بذلك لأنه لا يوم بعده فالإنسان له مراحل أربع مرحلة في بطن أمه ومرحلة في الدنيا ومرحلة في البرزخ مرحلة يوم القيامة هي آخر المراحل ولهذا سمي اليوم الآخر يسكن فيه الناس إما بالجنة نسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم وإما في النار والعياذ بالله الإيمان باليوم الآخر يدخل فيه كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتاب العقيدة الواسطية وهو كتاب مختصر في عقيدة أهل السنة والجماعة من أحسن ما كتبه شيخ الإسلام رحمه الله في جمعه ووضوحه وعدم الاستطرادات الكثيرة يقول رحمه الله يدخل في الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت فمن ذلك فتنة القبر إذا دفن الميت أتاه ملكان يجلسانه ويسألانه ثلاثة أسئلة يقولان من ربك ما دينك من نبيك فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت أسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم فيقول المؤمن ربي الله وديني الإسلام ونبي محمد فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له بابا إلي الجنة ويفسخ له في قبره مد البصر ويأتيه من الجنة من روحها ويشاهد فيها ما يشاهد من النعيم وأما المنافق أو الكافر فيقول هاه هاه ..
.
لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته لأن الإيمان لم يصل إلى قلبه وإنما هو بلسانه فقط فهو يسمع ولا يدري ما المعنى ولا يفتح عليه في قبره هذه فتنة عظيمة جدا ولهذا أمرنا النبي عليه الصلاة والسلام أن نستعيذ بالله منها في كل صلاة أعوذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن ذلك أن نؤمن بنعيم القبر وعذاب القبر نعيم القبر لمن يستحق النعيم من المؤمنين وعذاب القبر لمن يستحق العذاب وقد جاء ذلك في القرآن والسنة وأجمع عليه أهل السنة والجماعة ففي كتاب الله يقول الله تبارك وتعالى { كَذَلِكَ يَجْزِي اللهُ الْمُتَّقِينَ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلاَمٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } أي عند الوفاة ويقول الله سبحانه وتعالى في آخر سورة الواقعة { فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم } يقول هذا في ذكر حال المحتضر إذا جاءه الموت إذا كان من المقربين فله روح وريحان وجنة نعيم في نفس اليوم أما عذاب القبر فاستمع إلى قول الله عز وجل { ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت } أي سكرات الموات { والملائكة باسطوا أيديهم } ما دين أيديهم لهذا المحتضر من الكفار { أخرجوا أنفسكم } وكأنهم شحيحون بأنفسهم لأنها تبشر والعياذ بالله بالعذاب فتهرب في البدن وتتفرق ويشح بها الإنسان { اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون } اليوم يوم موتهم وقال الله سبحانه وتعالى في آل فرعون { النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة ادخلوا آل فرعون أشد العذاب } فقال { النار يعرضون عليها غدوا وعشيا } هذا قبل يوم القيامة { ويوم تقوم الساعة ادخلوا آل فرعون أشد العذاب } ولكن يجب علينا أن نعلم أن هذا النعيم والعذاب أمر غيبي لا نطلع عليه لأننا لو اطلعنا عليه ما دفنا أمواتنا لأن الإنسان لا يمكن أن يقدم ميته لعذاب يسمعه يفزع لأن الكافر أو المنافق إذا عجز عن الإجابة يضرب بمرزبة قطعة من الحديد مثل المطرقة فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان قال النبي صلى الله عليه وسلم ولو سمعها الإنسان لصعق وقال النبي صلى الله عليه وسلم لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم عذاب القبر ولكن من نعمة الله أننا لا نعلم به حسا بل نؤمن به غيبا كذلك لو كان عذاب القبر شهادة وحسا لكان فضيحة إذا مررت بقبر إنسان ورأيته يعذب ويصيح فيه فضيحة له ولو أن شهادة يحس لكان هذا قلقا على أهله وذويه فلا ينامون في الليل وهم يسمعون صاحبهم يصيح ليلا ونهارا من العذاب لكن من رحمة الله سبحانه وتعالى أن جعله غيبا لا يعلم عنه فلا يأت شخص ويقول إننا لو حضرنا القبر بعد يومين لم نجد أثرا للعذاب ؟ نقول لأن هذا أمر غيبي على أن الله تعالى قد يطلع على هذا الغيب من شاء من عباده فقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين في المدينة وقال إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة فاطلع الله نبيه على هذين القبرين أنهما يعذبان فالحاصل أنه يجب علينا أن نؤمن بفتنة القبر وهي سؤال الملكين عن ربه ودينه ونبيه وأن نؤمن بنعيم القبر أو عذابه - ومما يدخل في الإيمان باليوم الآخر أن يؤمن الإنسان بما يكون في نفس اليوم الآخر وذلك أنه إذا نفخ في الصور النفخة الثانية قام الناس من قبورهم لله رب العالمين حفاة ليس عليهم نعال وعراة ليس عليهم ثياب وغرلا ليسوا مختونين وبهما ليس معهم مال كل الناس حتى الأنبياء والرسل يبعثون هكذا كما قال الله { كما بدأنا أول خلق نعيده } فكما أن الإنسان يخرج من بطن أمه هكذا عاريا غير مختون ليس معه مال فكذلك يخرج من بطن الأرض يوم القيامة على هذه الصفة يقومون لرب العالمين الرجال والنساء والصغار والكبار والكفار والمؤمنون كلهم على هذا الوصف حفاة عراة غرلا بهما ولا ينظر بعضهم إلى بعض لأنه قد دهاهم من الأمر ما يشغلهم عن نظر بعضهم إلى بعض ربما تكون المرأة إلى جنب الرجل ولا ينظران إلى بعض كما قال الله عز وجل { فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ } ومن الإيمان باليوم الآخر أن تؤمن بأن الله سبحانه وتعالى يبسط هذه الأرض ويمدها كما يمد الأديم أي الجلد لأن أرضنا اليوم كرة مستديرة مبطحة بعض الشيء من الجنوب والشمال لكنها مستديرة كما يفيده قوله تعالى { إذا السماء انشقت وأذنت لربها وحقت وإذا الأرض مدت } معناه أنها لا تمد إلا إذا انشقت السماء وذلك يوم القيامة فتبسط الأرض كما يبسط الجلد المدبوغ ليس فيها أودية ولا أشجار ولا بناء ولا جبال يذرها الرب قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا يحشر الناس عليها على الوصف المذكور آنفا وتطوى السماوات يطويها الرب عز وجل بيمينه وتدنى الشمس من الخلق حتى تكون فوق رؤوسهم بقدر ميل إما مسافة وإما ميل المكحلة وأيا كان فهي قريبة من الرؤوس لكننا نؤمن أن من الناس من يسلم من حرها وهم الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ومنهم السبعة الذين ذكرهم الرسول في نسق واحد فقال عليه الصلاة والسلام سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل وشاب نشأ في طاعة الله ورجل قلبه معلق بالمساجد ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه 1 - الإمام العادل هو الذي عدل في رعيته ولا يعدل أقوام وأحب عند الله من أن يحكم فيهم شريعة الله هذا رأس العدل لأن الله يقول { إن الله يأمر بالعدل والإحسان } فمن حكم شعبه بغير شريعة الله فإنه ما عدل بل هو كافر والعياذ بالله لأن الله قال { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } فإذا وضع هذا الحاكم قوانين تخالف الشريعة وهو يعلم أنها تخالف الشريعة ولكنه عدل عنها وقال أنا لا أعدل عن القانون فإنه كافر ولو صلى ولو تصدق ولو صام ولو حج ولو ذكر الله ولو شهد للرسول بالرسالة فإنه كافر مخلد في نار جهنم يوم القيامة ولا يجوز أن يتولى على شعب مسلم إذا قدر الشعب على إزاحته عن الحكم فأهم العدل في الإمام أن يحكم في الناس بشريعة الله ومن العدل أن يسوي بين الفقير والغني وبين العدو والولي وبين القريب والبعيد حتى العدو يسوي بينه وبين الولي في مسألة الحكم حتى إن العلماء رحمهم الله قالوا لو دخل على القاضي رجلان أحدهما كافر والثاني مسلم حرم عليه أن يميز المسلم بشيء فيدخلان جميعا ويجلسان ويتحدث القاضي إليهما جميعا فلا يتحدث لواحد دون الآخر ولا يبش في وجه المسلم ويكشر في وجه الكافر والآن هما في مقام الحكم يجب أن يسوي بينهما مع أن الكافر لا شك أنه ليس كالمسلم { أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون } لكن في باب الحكم الناس سواء ومن العدل أن يقيم الحدود التي فرضها الله عز وجل على كل أحد حتى على أولاده وذريته فإن النبي صلى الله عليه وسلم وهو أعدل الأئمة لما شفع إليه في امرأة من بني مخزوم أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بقطع يدها فشفع إليه أسامة فيها فقال له أتشفع في حد من حدود الله أنكر عليه ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد ..
فإنما أهلك من كان من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وايم الله أي أحلف بالله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها صلى الله عليك يا رسول الله فاطمة بنت محمد أشرف النساء سيدة نساء أهل الجنة بنت أفضل البشر لو سرقت لقطع يدها وهو أبوها وتأمل لقطعت يدها ولم يقل لأمرت بقطع يدها فظاهره أنه هو الذي يباشر قطعها لو سرقت هذا العدل وبهذا قامت السماوات والأرض ومن عدل الإمام أن يولي المناصب من هو أهل لها في دينه وفي قوته فيكون أمينا وقويا أهلا لما ولي عليه وأركان الولاية اثنان القوة والأمانة قال الله تعالى { إن خير من استأجرت القوي الأمين } { قال عفريت من الجن } لسليمان { أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك } أي بعرش بلقيس { وإني عليه لقوي أمين } فمن العدل أن لا يولي أحدا منصبا إلا وهو أهل له في قوته وفي أمانته فإن فعل فليس بعادل أي إن ولى من ليس أهلا ويوجد من هو خير منه فليس بعادل المهم أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الإمام العادل من الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله وجعله أول هؤلاء السبعة لأن العدل في الرعية صعب جدا فإذا وفق المرء الذي يوليه الله على عباده للعدل نال في هذا خيرا كثيرا وانتفعت الأمة في عصره ومن بعده لأنه قدوة صالحة ثانيا شاب نشأ في طاعة الله الشاب ما بين الخمس عشرة سنة إلى الثلاثين ولا شك أن يكون للشاب اتجاهات وأفكار ولا يستقر على شيء لأنه شاب غض كل شيء يجذبه كل شيء يختطفه ولهذا الرسول صلى الله عليه وسلم في الحرب أمر أن تقتل شيوخ المقاتلين المشركين ويستبقى شبابهم لأن الشباب إذا عرض عليهم الإسلام ربما يسلمون فالشاب لما كان في سن الشباب يكون له أفكار وأهواء واتجاهات فكرية وخلقية وسلوكية صار الذي يمن الله عليه وينشأ في طاعته من الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله وطاعة الله هي امتثال أمر الله واجتناب نهيه ولا امتثال للأمر واجتناب للنهي إلا بمعرفة أن هذا أمر وهذا نهي إذن لابد من سبق العلم فيكون هذا الشاب طالبا للعلم ممتثلا للأمر مجتنبا للنهي الثالث رجل قلبه معلق بالمساجد أي يحب المساجد وهل المقصود أماكن السجود ؟ أي أنه يحب كثرة الصلاة أو المقصود المساجد المخصوصة يحتمل هذا وهذا هذا رجل دائما قلبه معلق بالمساجد وهو مشغول في أماكن الصلاة وفي الصلاة إذا انتهى من صلاة انتظر الأخرى وهكذا وهناك فرق بين قول الإنسان اللهم أرحني بالصلاة، واللهم أرحني من الصلاة أرحني بالصلاة هذا خير أي اجعل الصلاة راحة لقلبي وأرحني من الصلاة أي فكني عنها الرابع رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه أي حب بعضهما بعضا لا لشيء سوى الله عز وجل فليس بينهما قرابة ولا صلة مالية ولا صداقة طبيعية إنما أحبه في الله عز وجل لأنه رآه عابدا لله مستقيما على شرعه فأحبه وإذا كان قريبا أو صديقا وما أشبه ذلك فلا مانع من أن يحبه من وجهين من جهة القرابة والصداقة ومن الجهة الإيمانية فهذان تحابا في الله وصارا كالأخوين لما بينهما من الرابطة الشرعية الدينية وهي عبادة الله سبحانه وتعالى اجتمعا عليه في الدنيا وتفرقا عليه أي لم يفرق بينهما إلا الموت هذان يظلهما الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ويكونان يوم القيامة على محبتهما وعلى خلتهما كما قال الله تعالى { الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين } تبقى الصداقة في الدنيا والآخرة الخامس ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله رجل قادر على الجماع دعته امرأة ليجامعها بالزنا والعياذ بالله ذات منصب أي أنها من حمائل معروفة ليست من سقط النساء وهي جميلة دعته إلى نفسها في مكان خال لا يطلع عليهما أحد وهو فيه شهوة ويحب النساء لكن قال إني أخاف الله لم يمنعه من فعل هذا إلا خوف الله عز وجل فانظر إلى هذا الرجل المقتضي موجود لأنه قادر على الجماع والمرأة جميلة وهي ذات منصب والمكان خال لكن معه مانع أقوى من هذا المقتضي وهو خوف الله قال إني أخاف الله ما قال إني لا أشتهي النساء وما قال ما أنت جميلة وما قال أنت من أسافل النساء ولا أتنازل أن أجامعك وما قال إن حولنا أحدا قال إني أخاف الله هذا ممن يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله .
وانظر إلى يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه الصلاة والسلام وعمه إسماعيل لأن جده إسحاق بن إبراهيم وإسماعيل هو أبو العرب عشقته امرأة العزيز ملك مصر وكانت امرأة ملك على حال من الجمال والدلال غلقت الأبواب بينهما وبين الناس { وقالت هيت لك } يعني تدعوه إلى نفسها فكان رجلا شابا وبمقتضى الطبيعة البشرية هم بها وهمت به ولكن رأى برهان ربه ووقع في قلبه خوف الله فامتنع فهدته بالسجن فقال { قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الآَيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ } وسجن في ذات الله وامتنع عن الزنا مع قوة أسبابه لكنه رأى برهان ربه فخاف الله السادس ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه وهذا فيه كمال الإخلاص لا يريد من الناس أن يطلعوا على عمل من أعماله بل يريد أن يكون بينه وبين ربه فقط ولا يريد أن يظهر للناس بمظهر المنة على أحد لأن الذي يعطي أمام الناس تكون له منة على من أعطاه فهو يخفي الصدقة حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه أي من شدة إخفائه لو أمكن أن لا تعلم يده الشمال ما أنفقت يده اليمين لفعل فهذا مخلص غاية الإخلاص وهو بعيد عن المن بالصدقة يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ولكن لاحظ أن إخفاء الصدقة أفضل بلا شك إلا أنه ربما يعرض لهذا الأفضل ما يجعله مفضولا مثل أن يكون في إظهار الصدقة تشجيع للناس على الصدقة فإن هنا قد يكون إظهار الصدقة أفضل ولهذا امتدح الله سبحانه وتعالى الذين ينفقون سرا وعلانية على حسب ما تقتضيه المصلحة فالحال لا تخلوا من ثلاث مراتب إما أن يكون السر أنفع أو الإظهار نفع فإن تساوي الأمران فالسر أنفع السابع رجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ذكر الله بلسانه وبقلبه ليس عنده أحد يرائيه بهذا الذكر خاليا من الدنيا كلها قلبه معلق بالله عز وجل فلما ذكر الله بلسانه وبقلبه وتذكر عظمة الرب عز وجل اشتاق إلى الله ففاضت عيناه هذا ممن يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله هذه الأعمال السبعة قد يوفق الإنسان فيحصل على واحد منها أو اثنين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة أو سبعة هذا ممكن ولا يناقض بعضه بعضا فقد يوفق الإنسان فيأخذ كل واحدة من هذه بنصيب كما حدث الرسول أن للجنة أبوابا من كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب أهل الجهاد ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان ذكر أربعة فقال أبو بكر يا رسول الله ما على من دعي من واحد من هذه الأبواب من ضرورة أي الذي يدعي من باب واحد سهل فهل يدعى أحد من هذه الأبواب كلها قال: نعم وأرجو أن تكون من يا أبا بكر لأنه صاحب صلاة وصدقة وجهاد وصيام فكل مسائل الخير قد أخذ منها بنصيب رضي الله عنه وأرضاه وألحقنا به في جنات النعيم ومن علامات يوم القيامة أن الشمس تدنو من الخلائق قدر ميل وشرحنا حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله وهنا مسألة أحب أن أنبه عليها وهي أن بعض الناس يظنون أن المراد بالظل في ظله يوم لا ظل إلا ظله أنه ظل الرب عز وجل وهذا ظن خاطئ جدا لا يظنه إلا رجل جاهل وذلك أن من المعلوم أن الناس في الأرض وأن الظل هذا يكون عن الشمس فلو قدر أن المراد ظل الرب سبحانه وتعالى لزم من هذا أن تكون الشمس فوق الله ليكون حائلا بينه وبين الناس وهذا شيء مستحيل ولا يمكن لأن الله سبحانه قد ثبت له العلو المطلق من جميع الجهات ولكن المراد ظل يخلقه الله في ذلك اليوم يظلل من يستحقون أن يظلهم الله في ظله وإنما أضافه الله إلى نفسه لأنه في ذلك اليوم لا يستطيع أحد أن يظلل بفعل مخلوق لا هناك بناء ولا شيء يوضع على الرؤوس إنما يكون الظل ما خلقه الله لعباده في ذلك اليوم فلهذا أضافه الله إلى نفسه لاختصاصه به ومما يكون في ذلك اليوم نشر الدواوين أي صحائف الأعمال التي كتبت على المرء في حياته وذلك لأن الله وكل بكل إنسان ملكين أحدهما على اليمين وأحدهما على الشمال كما قال الله تبارك وتعالى { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } هذان الملكان الكريمان يكتبان كل ما يعمله المرء من قول أو فعل أما ما يحدث به نفسه فإنه لا يكتب عليه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم لكن القول والفعل يكتب على الإنسان كاتب الحسنات على اليمين وكاتب السيئات على الشمال فيكتبان كل ما أمرا بكتابته فإذا كان يوم القيامة ألزم كل إنسان هذا الكتاب في عنقه كما قال الله تعالى { وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ } ويخرج له هذا الكتاب فيقال { اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا } فيقرأه له ويتبين كل ما عنده هذا الكتاب المنشور من الناس من يأخذه بيمينه ومن الناس من يأخذه بشماله وراء ظهره أما من يأخذه بيمينه أسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم فإنه يقول للناس هاؤم اقرؤوا كتابيه يريهم إياه فرحا ومسرورا بما أنعم الله به عليه وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول حزنا وغما { يا ليتني لم أوت كتابيه } ومما يجب الإيمان به في ذلك اليوم أن تؤمن بالحساب بأن الله تعالى يحاسب الخلائق كما قال الله تعالى { وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ } وقال الله تعالى { فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا } فيحاسب الله الخلائق لكن حساب المؤمن حساب يسير ليس فيه مناقشة يخلو الله تعالى بعبده المؤمن ويضع عليه ستره ويقرره بذنوبه يقول أتذكر كذا أتذكر كذا حتى يقول نعم ويقر بذلك كله فيقول الله عز وجل له إني قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم وما أكثر الذنوب التي سترها الله علينا ؟ فإذا كان الإنسان مؤمنا قال الله له فإني قد سترتها عليك في الدنيا إلخ أما الكافر والعياذ بالله فإنه يفضح ويخزى وينادى على رؤوس الأشهاد { هَؤُلاَءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ } ومما يجب الإيمان به الحوض المورود لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهو حوض يصب عليه ميزابان من الكوثر وهو النهر الذي أعطيه الرسول صلى الله عليه وسلم في الجنة كما قال الله تعالى { إنا أعطيناك الكوثر } فيصب منه ميزابان على الحوض الذي يكون في عرصات يوم القيامة وصفه النبي عليه الصلاة والسلام بأن ماءه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل وأطيب من رائحة المسك وأن آنيته كنجوم السماء وأن طوله شهر وعرضه شهر وأن من شرب منه مرة واحدة فإنه لا يظمأ بعدها أبدا هذا الحوض يرده المؤمنون من أمة النبي صلى الله عليه وسلم أسأل الله أن يوردني وإياكم إياه يشربون منه وأما من لم يؤمن بالرسول عليه الصلاة والسلام فإنه يطرد عنه ولا يشرب منه وهذا الحوض الذي جعله الله للنبي عليه الصلاة والسلام هو أعظم حياض الأنبياء ولكن نبي حوض يرده المؤمنون من أمته لكنها لا تنسب إلى حوض الرسول صلى الله عليه وسلم لأن هذه الأمة يمثلون ثلثي أهل الجنة فلا جرم أن يكون حوض الرسول عليه الصلاة والسلام أعظم الحياض وأكبرها وأوسعها وأعظمها وأشملها ومما يجب الإيمان به في ذلك اليوم الإيمان بالصراط وهو جسر منصوب على متن وهو أدق من الشعر وأحد من السيف يمر الناس عليه قدر أعمالهم من كان مسارعا في الخيرات في الدنيا كان سريعا في المشي على هذا الصراط ومن كان متباطئا كان متباطئا ومن كان قد خلط عملا صالحا وآخر سيئا ولم يعف الله عنه فإنه ربما يكردس في النار والعياذ بالله يختلف الناس في المشي عليه فمنهم من يمر كلمح البصر ومنهم من يمر كالبرق ومنهم من يمر كالريح ومنهم من يمر كالفرس الجواد ومنهم من يمر كركاب الإبل ومنهم من يمشي ومنهم من يزحف ومنهم من يلقى في جهنم وهذا الصراط لا يمر عليه إلا المؤمنون فقط أما الكافرون فإنهم لا يمرون عليه وذلك لأنهم يساقون في عرصات القيامة إلى النار رأسا نسأل الله العافية والله أعلم فإذا عبروا على الصراط وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص من بعضهم لبعض وهذا القصاص غير القصاص الذي يكون في عرصات يوم القيامة هذا القصاص والله أعلم يراد به أن تتخلى القلوب من الأضغان والأحقاد والغل حتى يدخلوا الجنة وهم على أكمل حال وذلك أن الإنسان وإن اقتص له ممن اعتدى عليه فلابد أن يبقى في قلبه شيء من الغل والحقد على الذي اعتدى عليه ولكن أهل الجنة لا يدخلون الجنة حتى يقتص لهم اقتصاصا كاملا فيدخلونها على أحسن وجه فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة ولكن لا يفتح باب الجنة لأحد قبل الرسول صلى الله عليه وسلم ولهذا يشفع هو بنفسه لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة كما أنه شفع للخلائق أن يقضي بينهم ويستريحوا من الهول والكرب والغم الذي أصابهم في عرصات القيامة وهاتان الشفاعتان خاصتان برسول الله صلى الله عليه وسلم فأول من يدخل الجنة من الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأول من يدخلها من الأمم أمة النبي صلى الله عليه وسلم أما أهل النار والعياذ بالله فيساقون إلى النار زمرا ويدخلونها أمة بعد أمة كلما دخلت أمة لعنت أختها والعياذ بالله والثانية تلعن الأولى وهكذا ويتبرأ بعضهم من بعض نسأل الله العافية فإذا أتوا إلى النار وجدوا أبوابها مفتوحة حتى يبتغوا بعذابها والعياذ بالله فيدخلونها ويخلدون فيها أبد الآبدين إلى أبد لا منتهى له كما قال الله عز وجل في كتابه { إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا وكان ذلك على الله يسيرا } وقال سبحانه وتعالى { إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لاَّ يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولاَ وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا } وقال سبحانه { وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا } فهذه ثلاث آيات من كتاب الله عز وجل كلها فيها التصريح بأن أهل النار خالدون فيها أبدا ولا قول لأحد بعد كلام الله عز وجل كما أن أهل الجنة خالدون فيها أبدا فإن قال قائل إن الله تعالى قال في سورة هود { فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ } ففي أهل الجنة قال { عطاء غير مجذوذ } أي غير مقطوع بل هو دائم وفي أهل النار قال { إن ربك فعال لما يريد } فهل هذا يعني أن أهل النار ينقطع عنهم العذاب ؟ جـ: نقول لا ولكن لما كان أهل الجنة يتقلبون بنعمة الله بين الله أن عطاءهم لا ينقطع أما أهل النار فلما كانوا يتقلبون بعدل الله قال { إن ربك فعال لما يريد } ولا معقب لحكمه وقد أراد أن يكون أهل النار في النار هذا الكلام فيما تيسر مما يتعلق بالإيمان باليوم الآخر وقوله: وأن تؤمن بالقدر خيره وشره هذا الركن السادس القدر: هو تقدير الله سبحانه وتعالى لما يكون إلى يوم القيامة وذلك أن الله سبحانه خلق القلم فقال له أكتب قال ربي وما أكتب ؟ قال أكتب ما هو كائن فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه وقد ذكر الله هذا في كتابه إجمالا فقال { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ } وقال تعالى { ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير } من قبل أن نبرأها من قبل أن نخلقها أي من قبل أن نخلق الأرض ومن قبل أن نخلق أنفسكم ومن قبل أن نخلق المصيبة فإن الله كتب هذا من قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة قال أهل العلم ولابد للإيمان بالقدر من أن تؤمن بكل مراتبه الأربع المرتبة الأولى أن تؤمن بأن الله عليم بكل شيء وهذا كثير في الكتاب العظيم يذكر الله عموم علمه بكل شيء كما قال الله تعالى { لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما } ولقوله تعالى { وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } المرتبة الثانية أن تؤمن بأن الله تعالى كتب مقادير كل شيء إلى قيام الساعة كتبه قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة كل شيء كائن فإنه مكتوب قد انتهى منه جفت الأقلام وطويت الصحف فما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك فإن أصابك شيء لا تقل لو فعلت كذا ما أصابني لأن هذا شيء منته مكتوب لابد أن يقع كما كتب سبحانه فلا مفر منه مهما عملت فالأمر سيكون على ما وقع لا يتغير أبدا لأن هذا أمر قد كتب فإن قال قائل ألم يكن قد جاء في الحديث من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه فالجواب بلى قد جاء هذا ولكن الإنسان الذي بسط له في رزقه ونسئ له في أثره من أجل الصلة قد كتب ذلك له كتب أنه سيصل رحمه وأنه سيبسط له في الرزق وأنه سينسأ له في الأثر لابد أن يكون الأمر هكذا ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام قال من أحب ..
.
( الحديث ) من أجل أن نبادر ونسارع إلى صلة الرحم واعلم أن الكتابة في اللوح المحفوظ يعقبها كتابات أخر منها أن الجنين في بطن أمه إذا تم له أربعة أشهر أرسل إليه ملك موكل بالأرحام فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد فيكتب ذلك وهذه الكتابة غير الكتابة في اللوح المحفوظ هذه كتابة في مقتبل عمر الإنسان ولهذا يسميها العلماء الكتابة العمرية يعني نسبة للعمر هذا إذا تم له أربعة أشهر أي مائة وعشرون يوما ولهذا ترى أن الجنين إذا تم له أربعة أشهر بدأ يتحرك لأنه دخلت فيه الروح وقبل ذلك هو قطعة من اللحم كذلك هناك كتابة أخرى تكون في كل سنة وهي في ليلة القدر فإن ليلة القدر يكتب الله فيها ما يكون في تلك السنة كما قال الله { إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم } يفرق أي يبين ويفصل ولهذا سميت ليلة القدر المرتبة الثالثة للإيمان بالقدر أن تؤمن بأن كل شيء فهو بمشيئة الله لا يخرج عن مشيئته شيء ولا يفرق بين أن يكون هذا الواقع مما يختص الله به كإنزال المطر وإحياء الموتى وما أشبه ذلك أو مما يعلمه الخلق كالصلاة والصيام وما أشبهها فكل هذا بمشيئة الله قال الله { لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين } وقال الله { وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ } فبين الله لنا أنه لا مشيئة لنا إلا بمشيئة الله وأن أفعالنا واقعة بمشيئة الله { ولو شاء الله ما اقتتلوا } كل شيء فإنه واقع بمشيئة الله فلا يكون في ملكه ما لا يشاء أبدا ولهذا أجمع المسلمون على هذه الكلمة العظيمة ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأما المرتبة الرابعة فهي الإيمان بأن كل شيء مخلوق لله لقول الله تبارك وتعالى { الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل } وقال تعالى { وخلق كل شيء فقدره تقديرا } فكل شيء واقع فإنه مخلوق لله عز وجل الإنسان مخلوق لله وعمله مخلوق لله قال الله عن إبراهيم وهو خاطب قومه { والله خلقكم وما تعملون } ففعل العبد مخلوق لله لكن المباشر للفعل هو العبد وليس الله لكن الله هو الذي خلق هذا الفعل ففعله العبد فهو منسوب لله خلقا ومنسوب إلى العبد كسبا وفعلا فكل شيء مما يحدث فإنه مخلوق لله عز وجل لكن ما كان من صفات الله فليس بمخلوق فالقرآن مثلا أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم لكنه ليس بمخلوق لأن القرآن كلام الله وكلام الله صفة من صفاته سبحانه ليست بمخلوقة هذه مراتب أربع للإيمان بالقدر يجب أن تؤمن بها كلها وإلا فإنك لم تؤمن بالقدر وفائدة الإيمان بالقدر عظيمة جدا لأن الإنسان إذا علم أن الشيء لابد أن يقع كما أمر الله استراح فإذا أصيب بضراء صبر وقال هذا من عند الله وإن أصيب بسراء شكر وقال هذا من عند الله وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له لأن المؤمن يؤمن أن كل شيء بقضاء الله فيكون دائما في سرور ودائما في انشراح لأنه يعلم أن ما أصابه فإنه من الله إن كان ضراء صبر وانتظر الفرج من الله ولجأ إلى الله في كشف هذه الضراء إن كان سراء شكر وحمد الله وعلم أن ذلك لم يكن بحوله ولا قوته ولكن بفضل من الله ورحمة وقوله خيره وشره الخير ما ينتفع به الإنسان ويلائمه من علم نافع ومال واسع طيب وصحة وأهل وبنين وما أشبه ذلك والشر ضد ذلك من الجهل والفقر والمرض وفقدان الأهل والأولاد وما أشبهه كل هذا من الله سبحانه وتعالى الخير والشر فإن الله سبحانه يقدر الخير لحكمة ويقدر الشر لحكمة كما قال الله عز وجل { ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون } فإذا علم الله أن من الخير والحكمة أن يقدر الشر قدره لما يترتب عليه من المصالح العظيمة كقوله تعالى { ظهر الفساد في البر والبحر بما كسب أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون } فإذا قال قائل كيف تجمع بين قول النبي عليه الصلاة والسلام وأن تؤمن بالقدر خيره وشره وقوله صلى الله عليه وسلم الشر ليس إليك فنفى أن يكون الشر إليه ؟ جـ: فالجواب على هذا أن نقول إن الشر المحض لا يكون بفعل الله أبدا الشر المحض الذي ليس فيه خير لا حالا ولا مالا هذا لا يمكن أن يوجد في فعل الله أبدا هذا من وجه لأنه حتى الشر الذي قدره الله شرا لابد أن يكون له عاقبة حميدة ويكون شرا على قوم وخيرا على آخرين أرأيت لو أنزل الله المطر مطرا كثيرا فأغرق زرع إنسان لكنه نفع الأرض وانتفعت به أمة لكان هذا خيرا بالنسبة لمن انتفع به شرا بالنسبة لمن تضرر به فهو خير من وجه وشر من وجه ثانيا حتى الشر الذي يقدره الله على الإنسان هو خير في الحقيقة لأنه إذا صبر واحتسب الأجر من الله نال بذلك أجرا أكثر بأضعاف مضاعفة مما ناله من الشر ولهذا ذكر عن بعض العابدات أنها أصيبت في إصبعها أو يدها فانجرحت فصبرت وشكرت الله على هذا وقال ( إن حلاوة أجرها أنستني مرارة صبرها ) ثم نقول إن الشر حقيقة ليس في فعل الله نفسه بل في مفعولاته المفعولات هي التي فيها خير وشر أما الفعل نفسه فهو خير ولهذا قال الله عز وجل { قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق } أي من شر الذي خلقه الله يدلك لهذا أنه لو كان عندك مريض وقيل له إن من شفائه أن تكويه النار فكويته بالنار مؤلمة بلا شك لكن فعلك هذا ليس بشر بل هو خير للمريض لأنك إنما تنتظر عاقبة حميدة بهذا الكي كذلك فعل الله للأشياء المكروهة والأشياء التي فيها شر هي بالنسبة لفعله وإيجاده خير لأنه يترتب عليه خير كثير فإن قال قائل كيف تجمع بين هذا وبين قوله تعالى { ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك } جـ: فالجواب أن نقول { ما أصابك من حسنة فمن الله } يعني من فضله هو الذي من عليك بها أولا وآخرا { وما أصابك من سيئة فمن نفسك } أي أنت سببها وإلا فالذي قدرها هو الله لكن أنت السبب كما في قوله تعالى { وما أصابكم من مصيبة فما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير } وخلاصة الكلام أن كل شيء واقع فإنه بقدر الله سواء كان خيرا أم شرا أما الخير فأمره واضح أنه من الله وأما الشر فإننا نقول إن الشر ليس في فعل الله بل في مفعولاته ونقول أيضا هذه المفعولات التي فيها الشر قد تكون خيرا من وجه آخر إما للشخص المصاب بها نفسه وإما لغيره فمثلا إذا نزل المطر وأتلف زرع إنسان لكنه نفع الأمة فهنا صار شرا على شخص لكنه خير كثير بالنسبة للآخرين أو نقول هو شر لك من وجه وخير لك من وجه آخر لأن هذا الشر إن أصابك لك فيه أجر كثير وربما يكون سببا لاستقامتك ومعرفتك قدر نعمة الله عليك فتكون العاقبة حميدة قال عمر فيما نقله عن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم أخبرني عن الإحسان قال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك الإحسان ضد الإساءة والمراد بالإحسان هنا إحسان العمل فبين النبي عليه الصلاة والسلام أن الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه يعني مثلا تصلي وكأنك ترى الله عز وجل وتزكي وكأنك تراه وتصوم وكأنك تراه وتحج وكأنك تراه وهكذا بقية الأعمال وكون الإنسان يعبد الله كأنه يراه فإن ذلك دليل على الإخلاص لله عز وجل وعلى إتقان العمل في متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم لأن كل من عبد الله على هذا الوصف فلابد أن يقع في قلبه من محبة الله وتعظيمه ما يحمله على إتقان العمل وإحكام العمل فإن لم تكن تراه فإنه يراك أي فإن لم تعبد الله على هذا الوصف فاعبده على سبيل المراقبة والخوف فإنه يراك ومعلوم أن عبادة الله على وجه الطلب أكمل من عبادته على وجه الهرب فهاهنا مرتبتان المرتبة الأولى أن تعبد الله كأنك تراه وهذه مرتبة الطلب والثانية أن تعبده كأنك تعلم أنه يراك وهذه مرتبة الهرب وكلتاهما مرتبتان عظيمتان لكن الأولى أكمل وأفضل ثم قال جبريل أخبرني عن الساعة أي عن قيام الساعة التي يبعث فيها الناس ويجازون فيها على أعمالهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما المسؤول عنها بأعلم من السائل المسؤول عنها يعني نفسه عليه الصلاة والسلام بأعلم من السائل يعني جبريل يعني إذا كنت أنت يا جبريل تجهلها فأنا كذلك أجهلها فهذان رسولان كريمان أحدهما رسول ملكي والثاني رسول بشري وهما أكمل الرسل فأكمل الرسل من الملائكة جبريل وأكمل الرسل من البشر محمد صلى الله عليه وسلم ومع ذلك فكل منهما ينفي أن يكون له علم بالساعة لأن علم الساعة عند من بيده إقامتها عز وجل وهو تبارك وتعالى كما قال الله في آيات متعددة { يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي } { يسألك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله } فعلمها عند الله فمن ادعى علم الساعة فإنه كاذب ومن أين له أن يعلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعلم وجبريل لا يعلم وهما أفضل الرسل ولكن الساعة لها أمارات كما قال الله تعالى { فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها } أي علاماتها ولهذا لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم جبريل أنه لا يعلم بذلك قال فأخبروني عن أمارتها أي علاماتها الدالة على قربها فقال أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان الأول أن تلد الأمة ربتها يعني أن تكون الأمة المملوكة تتطور بها الحال حتى تكون ربة للمماليك الآخرين وهو كناية عن كثرة الأموال وكذلك الثاني وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان الحفاة الذين ليس لهم نعال من الفقر والعراة ليس لهم كسوة من الفقر العالة الفقراء يتطاولون في البنيان يعني أنهم لا يلبثون إلا أن يكونوا أغنياء يتطاولون في البنيان حسا ومعنى حسا بأن يرفعوا بنيانهم إلى السماء ومعنى بأن يحسنوها ويزينوها ويدخلوا عليها كل ما يكون من مكملاتها لأن لديهم وفرة من المال وكل هذا وقع وهناك أمارات أخرى وعلامات أخرى ذكرها أهل العلم في باب الملاحم والفتن وأشراط الساعة وهي كثيرة ثم انطلق جبريل عليه الصلاة والسلام ولبثوا ما شاء الله أن يلبثوا ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر أتدري من السائل ؟ قال الله ورسوله أعلم قال فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم وفي هذا الحديث من الفوائد إلقاء المسائل على الطلبة ليمتحنهم كما ألقى النبي عليه الصلاة والسلام المسألة على عمر وفيه جواز قول الإنسان الله ورسوله أعلم ولا يلزمه أن يقول الله ثم رسوله أعلم لأن علم الشريعة الذي يصل إلى النبي عليه الصلاة والسلام من علم الله فصح أن يقال الله ورسوله أعلم كما قال الله { ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله } ولم يقل ثم رسوله لأن الإيتاء هنا إيتاء شرعي وإيتاء النبي صلى الله عليه وسلم الشرعي من إيتاء الله فالمسائل الشرعية يجوز أن تقول الله ورسوله بدون ( ثم ) أما المسائل الكونية كالمشيئة وما أشبهها فلا تقال الله ورسوله بل الله ثم رسوله ولهذا لما قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم ما شاء الله وشئت قال أجعلتني لله ندا بل ما شاء الله وحده وفي هذا دليل على أن السائل إذا سأل عن شيء يعلمه من أجل أن ينتفع الحاضرون فإنه يكون معلما لهم لأن الذي أجاب النبي عليه الصلاة والسلام وجبريل سائل لم يعلم الناس لكن كان سببا في هذا الجواب الذي انتفع به الناس فقال بعض العلماء إنه ينبغي لطالب العلم إذا جلس مع عالم في مجلس أن يسأل عن مسائل تهم الحاضرين وإن كان يعلم حكمها من أجل أن ينفع الحاضرين ويكون معلما لهم وفي هذا دليل على بركة العلم وأن العلم ينتفع به السائل والمجيب كما قال هنا يعلمكم دينكم وفيه أن هذا الحديث حديث عظيم يشتمل على الدين كله ولهذا قال يعلمكم دينكم لأنه مشتمل على أصول العقائد وأصول الأعمال أصول العقائد أركان الإيمان وأصول الأعمال أركان الإسلام الخمسة والله الموفق


61 - الثاني عن أبي ذر جندب بن جنادة وأبي عبد الرحمن معاذ بن جبل رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اتق الله حيثما كنت واتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن رواه الترمذي وقال حديث حسن

الشَّرْحُ

هذا الحديث من أحاديث الأربعين النووية للمؤلف رحمه الله وفيها أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بثلاث وصايا عظيمة الوصية الأولى قال اتق الله حيثما كنت وتقوى الله هي اجتناب المحارم وفعل الأوامر هذه هي التقوى أن تفعل ما أمرك الله به إخلاصا لله واتباعا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأن تترك ما نهى الله عنه امتثالا لنهي الله عز وجل وتنزها عن محارم الله مثاله تقوم بما أوجب الله عليك في أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين وهي الصلاة فتأتي بها كلمة بشروطها وأركانها وواجباتها وتكملها بالمكملات فمن أخل بشيء من شروط الصلاة أو واجباتها فإنه لم يتق الله بل نقص من تقواه ما نقص من المأمور في الزكاة تقوى الله فيها أن تحصي جميع أموالك التي فيها الزكاة وتخرج زكاتك طيبة بها نفسك من غير بخل ولا تقتير ولا تأخير فمن لم يفعل فإنه لم يتق الله في الصيام تأتي بالصوم كما أمرت مجتنبا فيه اللغو والرفث والصخب والغيبة والنميمة وغير ذلك مما ينقص الصوم ويزيل روح الصوم ومعناه الحقيقي وهو الصوم عما حرم الله عز وجل وهكذا بقية الواجبات تقوم بها طاعة لله وامتثالا لأمره وإخلاصا له واتباعا لرسوله وكذلك في المنهيات تترك ما نهى الله عنه امتثالا لنهي الله عز وجل حيث نهاك فانتهي الوصية الثانية أتبع السيئة الحسنة تمحها أي إذا عملت سيئة فاتبعها بحسنة فإن الحسنات يذهبن السيئات ومن الحسنات بعد السيئات أن تتوب إلى الله من السيئات فإن التوبة من أفضل الحسنات كما قال الله عز وجل إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين وقال الله تعالى { وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون } وكذلك الأعمال الصالحة تكفر السيئات كما ما قال النبي عليه الصلاة والسلام الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهن ما اجتنبت الكبائر وقال العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما فالحسنات يذهبن السيئات الوصية الثالثة خالق الناس بخلق حسن والوصيتان الأوليان في معاملة الخالق والثالثة في معاملة الخلق أن تعاملهم بخلق حسن تحمد عليه ولا تذم فيه وذلك بطلاقة الوجه وصدق القول وحسن المخاطبة وغير ذلك من الأخلاق الحسنة وقد جاءت النصوص الكثيرة في فضل الخلق الحسن حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وأخبر أن أولى الناس به صلى الله عليه وسلم وأقربهم منه منزلة يوم القيامة أحاسنهم أخلاقا فالأخلاق الحسنة مع كونها مسلكا حسنا في المجتمع ويكون صاحبها محبوبا إلى الناس هي فيها أجر عظيم يناله الإنسان في يوم القيامة فاحفظ هذه الوصايا الثلاث من النبي صلى الله عليه وسلم والله الموفق


62 - الثالث عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوما فقال يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وفي رواية غير الترمذي احفظ الله تجده أمامك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا

الشَّرْحُ

قوله كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم أي راكبا معه قوله فقال لي يا غلام احفظ الله يحفظك قال له يا غلام لأن ابن عباس رضي الله عنهما كان صغيرا فإن النبي صلى الله عليه وسلم توفى وقد ناهز الاحتلام يعني من الخامسة عشرة إلى السادسة عشرة أو أقل فكان راكبا خلف الرسول صلى الله عليه وسلم فوجه إليه هذا النداء يا غلام احفظ الله يحفظك كلمة جليلة عظيمة احفظ الله وذلك بحفظ شرعه ودينه بأن تمتثل لأوامره وتجتنب نواهيه وكذلك بأن تتعلم من دينه ما تقوم به عبادتك ومعاملاتك وتدعو به إلى الله عز وجل لأن كل هذا من حفظ الله الله سبحانه وتعالى نفسه ليس بحاجة إلى أحد حتى يحفظه ولكن المراد حفظ دينه وشريعته كما قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم وليس المعنى تنصرون ذات الله لأن الله سبحانه وتعالى غني عن كل أحد ولهذا قال في آية أخرى { ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم } ولا يعجزونه { وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض } إذا احفظ الله يحفظك جملة تدل على أن الإنسان كلما حفظ دين الله حفظه الله ولكن حفظه في ماذا ؟ جـ: حفظه في بدنه وحفظه في ماله وأهله وفي دينه وهذا أهم الأشياء وهو أن يسلمك من الزيغ والضلال لأن الإنسان كلما اهتدى زاده الله هدى { والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم } وكلما ضل والعياذ بالله فإنه يزداد ضلالا كما جاء في الحديث إن الإنسان إذا أذنب صار في قلبه نكتة سوداء فإن تاب محيت وإن أذنب ثانية انضم إليها نكتة ثانية وثالثة ورابعة حتى يطبع على قلبه نسأل الله العافية إذا يحفظك في دينك وفي بدنك ومالك وأهلك وقوله احفظ الله تجده تجاهك وفي لفظ آخر تجده أمامك احفظ الله أيضا بحفظ شريعته بالقيام بأمره واجتناب نهيه تجده تجاهك وأمامك ومعناهما واحد يعين تجد الله أمامك يدلك على كل خير ويذود عنك كل شر ولاسيما إذا حفظت الله بالاستعانة به فإن الإنسان إذا استعان بالله وتوكل على الله كان الله حسبه وكافيه ومن كان الله حسبه فإنه لا يحتاج إلى أحد بعد الله قال الله { يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين } أي وحسب من اتبعك من المؤمنين { وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله } فإذا كان الله حسب الإنسان أي كافيه فإنه لن يناله سوء ولهذا قال احفظ الله تجده تجاهك أو تجده أمامك ثم قال له إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله أي لا تعتمد على أحد مخلوق مثلا إنسان فقير ليس عنده مال يسأل الله يقول اللهم ارزقني اللهم هيء لي رزقا فيأتيه الرزق من حيث لا يحتسب لكن لو سأل الناس فربما يعطونه أو يمنعونه ولهذا جاء في الحديث لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب ثم يبيعه لكان خيرا له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه فكذلك أنت إذا سألت فاسأل الله قل اللهم ارزقني اللهم أغنني بفضل عمن سواك وما أشبهه من الكلمات التي تتجه بها إلى الله عز وجل وكذلك أيضا إذا استعنت فاستعن بالله الاستعانة طلب العون فلا تطلب العون من أي إنسان إلا للضرورة القصوى ومع ذلك إذا اضطررت إلى الاستعانة بالمخلوق فاجعل ذلك وسيلة وسببا لا ركنا تعتمد عليه اجعل الركن الأصيل هو الله عز وجل وفي هاتين الجملتين دليل على أنه من نقص التوحيد أن الإنسان يسأل غير الله ولهذا تكره المسألة لغير الله عز وجل في قليل أو كثير والله سبحانه إذا أراد عونك يسر لك العون سواء كان أسباب معلومة أو غير معلومة قد يعينك الله بسبب غير معلوم لك فيدفع عنك من الشر ما لا طاقة لأحد به وقد يعينك الله على يد أحد من الخلق يسخره لك ويذلله لك حتى يعينك ولكن مع ذلك لا يجوز لك إذا أعانك الله على يد أحد أن تنسى المسبب وهو الله عز وجل كما يفعله بعض الجهلة الآن لما استعانت الدولة بالكفار وما علموا أنهم أعداء لهم سواء أعانوهم أم لا هم أعداء لكم إلى يوم القيامة ولا يجوز لأحد أن يواليهم أو يناصرهم أو يدعو لهم كما سمعنا من بعض العامة الجهال يقول سوف نضحي لفلان وفلان من الكفرة والعياذ بالله ونسمي أبناءنا بأسمائهم نسأل الله العافية وندعو لهم هم لولا أن الله سخرهم وذللهم لكم ما نفعوكم بشيء النافع الضار هو الله وهو الذي يسرهم وسخرهم ليعينوكم ويدافعوا عنكم وهو من تسخير الله سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين أن يسخر لهم كفارا يذودون عنهم كما جاء في الحديث إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر فيجب علينا أن لا ننسى فضل الله الذي سخرهم لنا ويجب علينا أن ننبه العامة إذا سمعنا أحدا يركن إليهم ويقول هم الذين نصرونا مائة بالمائة وهم الأول والآخر فيجب علينا أن نبين لهم أن هذا خلل في التوحيد والله أعلم وقوله واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك فبين النبي عليه الصلاة والسلام في هذه الجملة أن الأمة لو اجتمعت كلها على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك فإذا وقع منهم نفع لك فاعلم أنه من الله لأنه هو الذي كتبه فلم يقل النبي صلى الله عليه وسلم لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك بل قال لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك فالناس بلا شك ينفع بعضهم بعضا ويساعد بعضهم بعضا لكن كل هذا مما كتبه الله للإنسان فالفضل لله فيه أولا عز وجل هو الذي سخر لك من ينفعك ويحسن إليك ويزيل كربتك وكذلك بالعكس لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك والإيمان بهذا يستلزم أن يكون الإنسان متعلقا بربه ومتكلا عليه لا يهتم بأحد لأنه يعلم أنه لو اجتمع كل الخلق على أن يضروه بشيء لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه وحينئذ يعلق رجاءه بالله ويعتصم به ولا يهمه الخلق ولو اجتمعوا عليه ولهذا نجد الناس في سلف هذه الأمة لما اعتمدوا على الله وتوكلوا عليه لم يضرهم كيد الكائدين ولا حسد الحاسدين { وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط } ثم قال عليه الصلاة والسلام رفعت الأقلام وجفت الصحف يعني أن ما كتبه الله فقد انتهى ورفع والصحف جفت من المداد ولم يبق مراجعة فما أصابك لم يكن ليخطئك كما في اللفظ الثاني وما أخطأك لم يكن ليصيبك وفي اللفظ الثاني قال واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا يعني اعلم علم يقين أن النصر مع الصبر فإذا صبرت وفعلت ما أمرك الله به من وسائل النصر فإن الله تعالى ينصرك والصبر هنا يشمل الصبر على طاعة الله وعن معصيته وعلى أقداره المؤلمة لأن العدو يصيب الإنسان من كل جهة فقد يشعر الإنسان أنه لن يطيق عدوه فيستحسر ويدع الجهاد وقد يشرع في الجهاد ولكن إذا أصابه الأذى استحسر وتوقف وقد يستمر ولكنه يصيبه الألم من عدوه فهذا أيضا يجب أن يصبر عليه قال الله { إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله } وقال تعالى { ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما } فإذا صبر الإنسان وصابر ورابط فإن الله سبحانه ينصره وقوله واعلم أن الفرج مع الكرب كلما اكتربت الأمور وضاقت فإن الفرج قريب لأن الله عز وجل يقول في كتابه { أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون } فكلما اشتدت الأمور فانتظر الفرج من الله سبحانه وتعالى وقوله { وإن مع العسر يسرا } فكل عسر فبعده يسر بل أن العسر محفوف بيسرين يسر سابق ويسر لاحق قال الله تعالى { ورفعنا لك ذكرك فإن مع العسر يسرا } وقال ابن عباس رضي الله عنهما لن يغلب عسر يسرين فهذا الحديث الذي أوصى به عبد الله بن عباس ينبغي للإنسان أن يكون على ذكر له دائما وأن يعتمد على هذه الوصايا النافعة التي أوصى بها النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما والله الموفق


63 - الرابع عن أنس رضي الله عنه قال إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات رواه البخاري وقال الموبقات المهلكات


64 - الخامس عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله تعالى يغار وغيرة الله تعالى أن يأتي المرء ما حرم الله عليه متفق عليه والغيرة بفتح الغين وأصلها الأنفة

الشَّرْحُ

أنس بن مالك من المعمرين فبقى بعد النبي صلى الله عليه وسلم حوالي تسعين سنة فتغيرت الأمور في عهده رضي الله عنه واختلفت أحوال الناس وصاروا يتهاونون في بعض الأمور العظيمة في عهد الصحابة رضي الله عنهم مثل صلاة الجماعة فقد كان الصحابة رضي الله عنهم لا يتخلف أحد عنها إلا منافق أو مريض معذور ولكن الناس تهاونوا بها ولم يكونوا على ما كان عليه الصحابة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم بل إن الناس في عهدنا صاروا يتهاونون بالصلاة نفسها لا بصلاة الجماعة فقط فلا يصلون أو يصلون ويتركون أو يؤخرون الصلاة عن وقتها كل هذه أعمال يسيرة عند بعض الناس لكنها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة كانت تعد من الموبقات كذلك أيضا الغش في عهد الصلاة والسلام قال من غش فليس مني لكن انظر إلى الناس اليوم تجد أن الغش عندهم أهون من كثير من الأشياء بل إن بعضهم والعياذ بالله يعد الغش من الشطارة في البيع والشراء والعقود ويرى أن هذا من باب الحذق والذكاء نسأل الله العافية مع أن النبي صلى الله عليه وسلم تبرأ من الإنسان الذي يغش الناس ومن ذلك الكذب وهو من الأشياء العظيمة في عهد الصحابة رضي الله عنهم فيرونه من الموبقات لكنه عند كثير من الناس يعده أمرا هينا فتجده يكذب ولا يبالي بالكذب مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا وربما يكذب في أمور أخطر فيجحد ما عليه للناس أو يدعي ما ليس له ويحاكمهم عند القاضي ويحلف على ذلك فيكون والعياذ بالله ممن يلقى الله وهو عليه غضبان إلى غير ذلك من المسائل التي يعدها الصحابة من المهلكات ولكن الناس اختلفوا فصارت في أعينهم أدق من الشعر وذلك أنه كلما قوي الإيمان عظمت المعصية عند الإنسان وكلما ضعف الإيمان خفت المعصية في قلب الإنسان ورآها أمرا هينا يتهاون ويتكاسل عن الواجب ولا يبال لأنه ضعيف الإيمان قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن أبي هريرة إن الله تعالى يغار وغيرة الله تعالى أن يأتي المرء ما حرم الله قوله محارمه أي محارم الله الغيرة صفة حقيقية ثابتة لله عز وجل ولكنها ليست كغيرتنا بل هي أعظم وأجل والله سبحانه بحكمته أوجب على العباد أشياء وحرم عليهم أشياء وأحل لهم أشياء فما أوجبه عليهم فهو خير لهم في دينهم ودنياهم وفي حاضرهم ومستقبلهم وما حرمه عليهم فإنه شر لهم في دينهم ودنياهم وحاضرهم ومستقبلهم فإذا حرم الله على عباده أشياء فإنه عز وجل يغار أن يأتي الإنسان محارمه وكيف يأتي الإنسان محارم ربه والله إنما حرمها من أجل مصلحة العبد أما الله فلا يضره أن يعصي الإنسان ربه لكن يغار كيف يعلم الإنسان أن الله سبحانه حكيم ورحيم ولا يحرم على عباده شيئا بخلا منه عليهم به ولكن من أجل مصلحتهم ثم يأتي العبد فيتقدم فيعصى الله عز وجل ولاسيما في الزنى فإنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمتهلأن الزنى فاحشة والزنى طريق سافل جدا ومن ثم حرم الله على عباده الزنى وجميع وسائل الزنى كما قال الله سبحانه ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا فإذا زنا العبد والعياذ بالله فإن الله يغار غيرة أشد وأعظم من غيرته على ما دونه من المحارم ومن باب أولى وأشد اللواط وهو إتيان الذكر الذكر فإن هذا أعظم وأعظم ولهذا جعله الله تعالى أشد في الفحش من الزنى فقال لوط لقومه { أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين } قال هنا { الفاحشة } وفي الزنى قال { الفاحشة } أي فاحشة من الفواحش أما اللواط فجعله الفاحشة العظمى نسأل الله العافية وكذلك أيضا السرقة وشرب الخمر وكل المحارم يغار الله منها لكن بعض المحارم تكون أشد غيرة من بعض حسب الجرم والمضار التي تترتب على ذلك وفي هذا الحديث إثبات الغيرة لله تعالى وسبيل أهل السنة والجماعة فيه وفي غيره من أحاديث الصفات وآيات الصفات أنهم يثبتونها لله سبحانه على الوجه اللائق به يقولون إن الله يغار لكن ليست كغيرة المخلوق وإن الله يفرح ولكن ليس كفرح المخلوق وإن الله له من الصفات الكاملة ما يليق به ولا تشبهه صفات المخلوقين والله الموفق


65 - السادس عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول إن ثلاثة من بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى أراد الله أن يبتليهم فبعث إليهم ملكا فأتى الأبرص فقال أي شيء أحب إليك ؟ قال لون حسن وجلد حسن ويذهب عني الذي قد قذرني الناس فمسحه فذهب عنه قذره وأعطي لونا حسنا قال فأي المال أحب إليك ؟ قال الإبل أو قال البقر شك الراوي فأعطي ناقة عشراء فقال بارك الله لك فيها فأتى الأقرع فقال: أي شيء أحب إليك ؟ قال شعر حسن ويذهب عني هذا الذي قذرني الناس فمسحه عنه وأعطي شعرا حسنا قال فأي المال أحب إليك ؟ قال البقر فأعطي بقرة حاملا وقال بارك الله لك فيها فأتى الأعمى فقال أي شيء أحب إليك قال أن يرد الله إلي بصري فأبصر الناس فمسحه فرد الله إليه بصره قال فأي المال أحب إليك ؟ قال الغنم فأعطي شاة والدا فأنتج هذان وولد هذا فكان لهذا واد من الإبل ولهذا واد من البقر ولهذا واد من الغنم ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته فقال رجل مسكين قد انقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيرا أتبلغ به في سفري فقال الحقوق كثيرة فقال كأني أعرفك ألم تكن أبرص يقذرك الناس فقيرا فأعطاك الله فقال إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر فقال إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت وأتى الأقرع في صورته وهيئته فقال له مثل ما قال لهذا ورد عليه مثل ما رد هذا فقال إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت وأتى الأعمى في صورته وهيئته فقال رجل مسكين وابن سبيل انقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري ؟ فقال قد كنت أعمى فرد الله إلي بصري فخذ ما شئت ودع ما شئت فوالله ما أجهدك اليوم بشيء أخذته لله عز وجل فقال أمسك مالك فإنما ابتليتم فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك متفق عليه والناقة العشراء بضم العين وبالمد هي الحامل قوله أنتج وفي رواية فنتج معناه تولى نتاجها والناتج للناقة كالقابلة للمرأة وقوله ولد هذا هو بتشديد اللام أي تولى ولادتها وهو بمعنى أنتج في الناقة فالمولد والناتج والقابلة بمعنى لكن هذا للحيوان وذاك لغيره وقوله انقطعت بي الحبال هو بالحاء المهملة والباء الموحدة أي الأسباب وقوله لا أجهدك معناه لا أشق عليك في رد شيء تأخذه أو تطلبه من مالي وفي رواية البخاري لا أحمدك بالحاء المهملة والميم ومعناه لا أحمدك بترك شيء تحتاج إليه كما قالوا ليس على طول الحياة ندم أي على فوات طولها

الشَّرْحُ

قوله ثلاثة من بني إسرائيل وإسرائيل هو إسحاق بن إبراهيم عليه الصلاة والسلام أخو إسماعيل ومن ذرية إسرائيل موسى وهارون وعيسى وجميع بني إسرائيل كلهم من ذرية إسحاق عليه الصلاة والسلام وإسماعيل أخو إسحاق فهم والعرب أبناء عم وقد جاءت أخبار كثيرة عن بني إسرائيل وهي ثلاثة أقسام الأول ما جاء في القرآن والثاني ما جاء في صحيح السنة والثالث ما جاء عن أخبارهم وعن علمائهم فأما الأول والثاني فلا شك في أنه حق ولا شك في قبوله مثل قوله تعالى ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله ومن السنة مثل هذا الحديث الذي رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأما ما روى عن أخبارهم وعلمائهم فإنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: ما شهد الشرع ببطلانه، فهذا باطل يجب رده وهذا يقع كثيرا فيما نقل من الإسرائيليات في تفسير القرآن فإنه ينقل في تفسير القرآن كثير من الأخبار الإسرائيلية التي يشهد الشرع ببطلانها والثاني: ما شهد الشرع بصدقه، فهذا يقبل لا لأنه من أخبار بني إسرائيل ولكن لأن الشرع شهد بصدقه وأنه حق والثالث: ما لم يكن في الشرع تصديقه ولا تكذيبه: فهذا يتوقف فيه لا يصدقون ولا يكذبون، لأننا إن صدقناهم فقد يكون باطلا فيكون قد صدقناهم بباطل، وإن كذبناهم فقد يكون حقا فقد كذبناهم بحق، ولهذا نتوقف فيه ولا حرج من التحديث به، فيما ينفع في ترغيب أو ترهيب .
ذكر النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث أن ثلاثة من بني إسرائيل ابتلاهم الله عز وجل بعاهات في أبدانهم، أحدهم أبرص، والثاني أقرع ليس على رأسه شعر، والثالث أعمى لا يبصر، فأراد الله سبحانه أن يبتليهم ويختبرهم لأن الله سبحانه يبتلي العبد بما شاء يبلوه هل يصبر أو يضجر إذا كان ابتلاه بضراء وهل يشكر أو يقتر إذا كان قد ابتلاه بسراء فبعث الله إليهم ملكا من الملائكة وأتاهم يسألهم أي شيء أحب إليهم فبدأ بالأبرص فقال: أي شيء أحب إليك ؟ قال: لون حسن وجلد حسن ويذهب عني الذي قذرني الناس به، لأن أهم شيء عند الإنسان أن يكون معافى من العاهات ولاسيما العاهات المكروهة عند الناس فمسحه الملك فبرأ بإذن الله وزال عنه البرص وأعطى لونا حسنا وجلدا حسنا ثم قال له: أي المال أحب إليك ؟ قال: الإبل أو قال البقر والظاهر أنه قال: الإبل لأنه في قصة الأقرع أعطى البقر، فأعطاه ناقة عشراء، وقال له: بارك الله لك فيها فذهب عنه البقر، وذهب عنه العيب البدني ودعا له الملك بأن يبارك الله له في هذه الناقة .
ثم أتى الأقرع وقال: أي شيء أحب إليك ؟ قال: شعر حسن ويذهب عني الذي قذرني الناس به، فمسحه فأعطى شعرا حسنا وقيل له أي المال أحب إليك ؟ قال: البقر فأعطى بقرة حاملا، وقال له: بارك الله لك فيها أما الأعمى فجاءه الملك فقال له: أي شيء أحب إليك ؟ قال: أن يرد الله علي بصري فأبصر به الناس وتأمل قول الأعمى هذا .
فإنه لم يسأل إلا بصرا يبصر به الناس فقط، أما الأبرص والأقرع فإن كل واحد منهما تمنى شيئا أكبر من الحاجة لأن الأبرص قال: جلدا حسنا ولونا حسنا ذاك قال: شعرا حسنا فليس مجرد جلد أو شعر أو لون بل تمنيا شيئا أكبر أما هذا فإن عنده زهدا لذا لم يسأل إلا بصرا يبصر به فقط ثم سأله: أي المال أحب إليك ؟ قال الغنم وهذا من زهده فلم يتمن الإبل ولا البقر بل الغنم ونسبة الغنم للبقر والإبل قليلة فأعطاه شاه والدا وقال: بارك الله لك فيها فبارك الله للأول في إبله والثاني في بقره وللثالث في غنمه وصار لكل واحد منهما واد مما أعطي .
ثم إن الملك أتى الأبرص في صورته وهيئته، صورته البدنية وهيئته الرثة، ولباسه لباس الفقير وقال له إني رجل فقير وابن سبيل، قد انقطعت بي الحال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك فتوسل إليه بذكر حاله أنه فقير وأنه ابن سبيل أي: مسافر وأن الحبال أي: الأسباب التي توصله إلى أهله قد انقطعت به وأنه لا بلاغ له إلا بالله ثم به وقال له اسألك بالذي أعطاك الجلد الحسن والمال بعيرا أتبلغ به في سفري لكنه قال: الحقوق كثيرة، وبخل بذلك مع أن له واديا من الإبل لكنه قال: الحقوق كثيرة وهو فيما يظهر والله أعلم أنه لا يؤدي شيئا منها ؛ لأن هذا أحق من يكون لأنه مسافر وفقير وانقطع به الحبال ومن أحق ما يكون استحقاقا للمال .
ومع ذلك اعتذر له فذكره بما كان عليه من قبل فقال له: قد كنت أعرفك، ألم تكن أبرص يقذرك الناس فقيرا فأعطاك الله المال وأعطاك اللون الحسن والجلد الحسن ولكنه قال والعياذ بالله إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر وأنكر نعمة الله فقال له الملك إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت أي: إن كنت كاذبا فيما تقول فصيرك الله إلى ما كنت من الفقر والبرص والذي يظهر أن الله استجاب دعاء الملك وإن كان دعاء مشروطا كان كاذبا بلا شك فإذا تحقق الشرط تحقق المشروط وأتى الأقرع فقال له مثلما قال الأبرص ورد عليه مثلما رد عليه الأبرص، فقال إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت وأتى الأعمى وذكره بنعمة الله عليه فقال له: قد كنت أعمى فرد الله علي بصري وكنت فقيرا فأعطاني الله المالفأقر بنعمة الله عليه فخذ ما شئت ودع ما شئت من الغنم فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله أي: لا أمنعك ولا أشق عليك بالمنع بشيء أخذته لله عز وجل انظر إلى الشكر والاعتراف بالنعمة فقال له الملك: أمسك عليك مالك إنما ابتليتم فقد رضي الله عنك وأسخط على صاحبيك وهذا يدل على أن القصة كانت مشهورة بين الناس ولهذا قال: سخط على صاحبيك فأمسك ماله وبقى قد أنعم الله عليه بالبصر وأما الآخران فإن الظاهر أن الله ردهما إلى ما كانا عليه من الفقر والعاهة والعياذ بالله وفي هذا دليل: على أن شكر نعمة الله على العبد من أسباب بقاء النعمة وزيادتها كما قال تعالى { وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد } وفي قصتهم آيات من آيات الله عز وجل: منها: إثبات الملائكة والملائكة هم عالم غيبي خلقهم الله عز وجل من نور وجعل لهم قوة في تنفيذ أمر الله وجعل لهم إرادة في طاعة الله فهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ومنها: أن الملائكة قد يكونون على صورة بني آدم، فإن الملك أتى لهؤلاء الثلاثة في المرة الثانية بصورة وهيئة ومنها: أيضا يتكيفون بصورة الشخص المعين كما جاء إلى الأبرص والأقرع والأعمى في المرة الثانية بصورة وهيئة ومنها: أيضا أنه يجوز الاختبار للإنسان في أن يأتي الشخص على هيئة معينة ليختبره فإن هذا الملك جاء على صورة الإنسان المحتاج المصاب بالعاهة ليرق له هؤلاء الثلاثة مع أن الملك فيما يبدو والعلم عند الله لا يصاب في الأصل بالعاهات ولكن الله سبحانه وتعالى جعلهم يأتون على هذه الصورة من أجل الاختبار ومنها: أن الملك مسح الأقرع والأبرص والأعمى مسحة واحدة فأزال الله عيبهم بهذه المسحة ؛ لأن الله إذا أراد شيئا قال له: كن فيكون ولو شاء الله لأذهب عنهم العاهة، ولكن الله جعل هذا سببا للابتلاء والامتحان ومنها: أن الله قد يبارك للإنسان بالمال حتى ينتج منه الشيء الكثير، فإن هؤلاء النفر الثلاثة صار لواحد واد من الإبل وللثاني واد من البقر وللثالث واد من الغنم وهذا من بركة الله عز وجل وقد دعا الملك لكل واحد منهم بالبركة ومنها: تفاوت بني آدم في شكر نعمة الله نفع عباد الله فإن الأبرص والأقرع وقد أعطاهم الله المال الأهم والأكبر، ولكن جحدا نعمة الله قالا: إنما ورثنا هذا المال كابرا عن كابر، وهم كذبة في ذلك فإنهم كانوا فقراء وأعطاهم الله المال أما الأعمى فقد شكر نعمة الله واعترف بالفضل ولذلك وفق وهداه الله وقال للملك خذ ما شئت ودع ما شئت ومنها أيضا: إثبات الرضا والسخط لله سبحانه وتعالى وهما من الصفات التي يجب أن نثبتها لربنا سبحانه وتعالى ؛ لأنه وصف نفسه بها ففي القرآن الكريم: الرضا { رضي الله عنهم ورضوا عنه } وفي القرآن { أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون } وفي القرآن الكريم: الغضب { وغضب الله عليه ولعنه } وهذه الصفات وأمثالها يؤمن بها أهل السنة والجماعة بأنها ثابتة لله على وجه الحقيقة لكنها لا تشبه صفات المخلوقين كما أن الله لا يشبه المخلوقين فكذلك صفاته لا تشبه صفات المخلوقين ومن فوائد هذا الحديث: أن في بني إسرائيل من العجب والآيات ما جعل النبي صلى الله عليه وسلم ينقل لنا من أخبارهم حتى نتعظ، ومثل هذا الحديث قصة النفر الثلاثة الذين لجأوا إلى غار فانطبقت عليهم صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار وعجزوا عن زحزحتها وتوسل كل واحد منهم إلى الله بصالح عمله فالنبي عليه الصلاة والسلام يقص علينا من أنباء بني إسرائيل ما يكون فيه الموعظة والعبرة، فعلينا أن نأخذ من هذا الحديث عبرة بأن الإنسان إذا شكر نعمة الله واعترف لله بالفضل، وأدى ما يجب عليه في ماله فإن ذلك من أسباب البقاء والبركة في ماله، والله الموفق


66 - السابع: عن أبي يعلى شداد بن أوس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني رواه الترمذي وقال حديث حسن قال الترمذي وغيره من العلماء: معنى دان نفسه حاسبها

الشَّرْحُ

قوله الكيس معناه الرجل الذي يغتنم الفرص ويتخذ لنفسه الحيطة حتى لا تفوت عليه الأيام والليالي فيضيع وقوله من دان نفسه أي: من حاسبها ونظر ماذا فعل من المأمورات وماذا ترك من المنهيات هل قام بما أمر به وهل ترك ما نهى عنه ؟ إذا ما رأى من نفسه تفريطا في الواجب استدركه إذا أمكن استدراكه وقام به أو بدله وإذا رأى من نفسه انتهاكا لمحرم أقلع عنه وندم وتاب واستغفر وقوله عمل لما بعد الموت يعني عمل للآخرة لأن ما بعد الموت فإنه من الآخرة وهذا هو الحق والحزم أن الإنسان يعمل لما بعد الموت لأنه في هذه الدنيا مار بها مرورا والمآل هو ما بعد الموت فإذا فرط ومضت عليه الأيام وأضاعها في غير ما ينفعه في الآخرة فليس بكيس الكيس هو الذي يعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وصار لا يهتم إلا بأمور الدنيا فيتبع نفسه هواها في التفريط في الأوامر وفعل النواهي ثم يتمنى على الله الأماني فيقول: الله غفور رحيم وسوف أتوب إلى الله في المستقبل وسوف أصلح من حالي إذا كبرت وما أشبهه من الأماني الكاذبة التي يمليها الشيطان عليه فربما يدركها وربما لا يدركها ففي هذا الحديث: الحث على انتهاز الفرص وعلى أن لا يضيع الإنسان من وقته فرصة إلا فيما يرضي الله عز وجل وأن يدع الكسل والتهاون والتمني فإن التمني لا يفيد شيئا كما قال الحسن البصري رحمه الله ( ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقته الأعمال ) فعلينا أيها الإخوة أن ننتهز الفرصة في كل ما يقرب إلى الله من فعل الأوامر واجتناب النواهي حتى إذا قدمنا على الله كنا على أكمل ما يكون من حال نسأل الله أن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته


67 - الثامن: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه حديث حسن رواه الترمذي وغيره


68 - التاسع: عن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يسأل الرجل فيم ضرب امرأته رواه أبو داود وغيره

الشَّرْحُ

إسلام المرء هو استسلامه لله عز وجل ظاهرا وباطنا فأما باطنا فاستسلام العبد لربه بإصلاح عقيدته وإصلاح قلبه وذلك بأن يكون مؤمنا بكل ما يجب الإيمان به على ما سبق في حديث جبريل وأما الاستسلام ظاهرا فهو إصلاح عمله الظاهر كأقواله بلسانه وأفعاله بجوارحه والناس يختلفون في الإسلام اختلافا ظاهرا كثيرا كما أن الناس يختلفون في أشكالهم وصورهم منهم الطويل ومنهم القصير ومنهم الضخم ومنهم من هم دون ذلك ومنهم القبيح ومنهم الجميل فيختلفون اختلافا ظاهرا فكذلك يختلفون في إسلامهم لله عز وجل حتى قال الله في كتابه لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى وإذا كان الناس يختلفون في الإسلام فإن مما يزيد في حسن إسلام المرء أن يدع ما لا يعنيه فمثلا: إذا كان هناك عمل وترددت هل تفعل أو لا تفعل انظر هل هو من الأمور الهامة في دينك ودنياك فافعله وإلا فاتركه السلامة أسلم كذلك أيضا ما تتدخل في أمور الناس إذا كان هذا لا يهمك وهذا خلاف ما يفعله بعض الناس اليوم من حرصه على اطلاعه على أعراض الناس وأحوالهم ويجد اثنين يتكلمان فيحاول أن يتقرب منهما حتى يسمع ما يقولان ويجد شخصا جاء من جهة الجهات فتراه يبعث وربما يبادر الشخص نفسه ويقول له: من أين جئت وماذا قال لك فلان وماذا قلت له وما أشبهه في أمور لا تعنيه ولا تهمه فالأمور التي لا تعنيك اتركها فإن هذا من حسن إسلامك وهو أيضا فيه راحة للإنسان فكون الإنسان لا يهمه إلا نفسه هذا هو الراحة أما الذي يتتبع أحوال الناس فإنه سوف يتعب تعبا عظيما ويفوت على نفسه خيرا كثيرا مع أنه لا يستفيد شيئا فأنت اجعل دأبك دأب نفسك وهمك هم نفسك وانظر إلى ما ينفعك فافعله والذي لا ينفعك اتركه وليس من حسن إسلامك أن تبحث عن أشياء لا تهمك ولو أننا مشينا على هذا وصار الإنسان دأبه دأب نفسه ولا ينظر إلى غيره لحصل خيرا كثيرا أما بعض الناس تجده مشغولا بشوؤن غيره فيما لا فائدة فيه فيضيع أوقاته ويشغل قلبه ويشتت فكره وتضيع عليه مصالح كثيرة وتجد الرجل الدؤوب الذي ليس له هم إلا نفسه وما يعنيه تجده ينتج ويثمر ويحصل ويكون في راحة فكرية وقلبية وبدنية ولذا يعد هذا الحديث من جوامع كلم النبي لله فإذا أردت شيئا فعلا أو تركا انظر هل يهمك أو لا ؟ إن كان لا يهمك اتركه واسترح منه وإن كان يهمك فاشتغل به بحسبه فعلي كل حال كل إنسان عاقل كما جاء في الحديث السابق الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت فكل إنسان عاقل يحرص أن يعمل لما بعد الموت ويحاسب نفسه على أعمالها والله الموفق


التاسع: عن عمر - رضي الله عنه - عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (( لا يسأل الرجل فيما ضرب امرأته)) رواه آبو داود وغيره (1)

الشَّرْحُ

تساهل المؤلف - رحمه الله- في هذا الحديث حيث قال: (( رواه أبو داود وغيره))، لأن الغير يشمل جميع من خرج الأحاديث، وان كان مثل هذه الصيغة لا يذكر الأعلى، فمثلا إذا قيل : ((رواه أبو داود وغيره)) فيعني ذلك أنه لم يروه البخاري ولا مسلم ولا من هو اعلي من أبي داود، و إنما رواه أبو داود وغيره ممن هو دونه. ومعني الحديث: إن الرجل المتقي الله - عز وجل - الذي انتهي به الأمر إلى آخر المراتب الثلاث التي أشار الله إليها في قوله { وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً } (النساء: من الآية34)، فالضرب آخر المراتب، فقد يضرب الرجل زوجته علي أمر يستحيا من ذكره، فإذا علم تقوي الرجل لله - عز وجل - وضرب امرأته فانه لا يسال، هذا إن صح الحديث، ولكن الحديث ضعيف. أما من كان سيئ العشرة فهذا يسال فيم ضرب امرأته، لأنه ليس عنده من تقوي الله تعالى ما يردعه عن ظلمها وضربها، حيث لا تستحق أن تضرب. والله الموفق
__________
(1) هذا الحديث لم يعلق عليه فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى في الجامع اثناء قراءة كتاب(( رياض الصالحين)) لهذا عرض الشيخ فهد بن ناصر السليمان جزاه الله خيرا على فضيلته رحمه الله تعالى ان يشرح هذا الحديث لخفاء معناه على كثير من الناس فاملى عليه رحمه الله تعالى ما هو مدون اعلاه و ذلك من فضل الله تعالى.
__________
هذا الحديث والتعليق عليه من الشيخ والحاشية ، ليس في نسخة موقع جامع الحديث النبوي
http://www.sonnhonline.com/Montaka/index.aspx
واستدركته من النسخة التي على موقع الشيخ ابن عثيمين
http://www.ibnothaimeen.com/all/books/article_18015.shtml


باب التقوى التقوى اسم مأخوذ من الوقاية وهو أن يتخذ الإنسان ما يقيه من عذاب الله والذي يقيك من عذاب الله فعل أوامر لله واجتناب نواهيه فإن هذا هو الذي يقي من عذاب الله عز وجل واعلم أن التقوى أحيانا تقترن بالبر فيقال بر وتقوى كما في قوله تعالى { وتعاونوا على البر والتقوى } وتارة تذكر وحدها فإن قرنت بالبر صار البر فعل الأوامر والتقوى ترك النواهي وإذا أفردت صارت شاملة تعم فعل الأوامر واجتناب النواهي وقد ذكر الله في كتابه أن الجنة أعدت للمتقين فأهل التقوى هم أهل الجنة ـ جعلنا الله وإياكم منهم ـ ولذلك يجب على الإنسان أن يتقي الله عز وجل امتثالا لأمره وطلبا لثوابه والنجاة من عقابه ثم ذكر المؤلف آيات متعددة فقال رحمه الله:


قال الله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته } وقال تعالى { فاتقوا الله ما استطعتم } وهذه الآية مبينة للمراد من الأولى وقال الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا } والآيات في الأمر بالتقوى كثيرة معلومة وقال تعالى { ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب } وقال تعالى { إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم } والآيات في الباب كثيرة معلومة

الشَّرْحُ

قوله يا أيها الذين آمنوا اتقو الله حق تقاته فوجه الأمر إلى المؤمنين لأن المؤمن يحمله إيمانه على تقوى الله وقوله { اتقوا الله حق تقاته } وحق التقوى مفسرا بما عقبه المؤلف من قوله تعالى { فاتقوا الله ما استطعتم } بعد هذه الآية أي: أن معنى قوله { حق تقاته } أن تتقي الله ما استطعت لأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها وهذه الآية ليست آية يقصد بها التهاون بتقوى الله بل يقصد بها الحث على التقوى على قدر المستطاع أي: لا تدخر وسعا في تقوى الله ولكن الله لا يكلف الإنسان شيئا لا يستطيعه ويستفاد من قوله { فاتقوا الله ما استطعتم } أن الإنسان إذا لم يستطع أن يقوم بأمر الله على وجه الكمال فإنه يأتي منه على قدر عليه ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب فرتب الرسول صلى الله عليه وسلم الصلاة بحسب الاستطاعة وبأن يصلي قائما فإن لم يستطع فقاعدا فإن بم يستطع فعلى جنب وهكذا بقية الأوامر ومثله الصوم إذا لم يستطع الإنسان أن يصوم في رمضان فإنه يؤخره { ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } وفي الحج { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } فإذا لم تستطع الوصول إلى البيت فلا حج عليك لكن إن كنت قادرا بمالك دون بدنك وجب عليك أن تقيم من يحج ويعتمر عنك فالحاصل أن التقوى كغيرها منوطة بالاستطاعة فمن لم يستطع شيئا من أوامر الله فإنه يعد إلى ما يستطيع ومن اضطره إلى شيء من محارم الله حل له ما ينتفع به في دفع الضرورة لقوله تعالى { وقد فصل لك ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه } حتى إن الرجل لو اضطر إلى أكل لحم الميتة أو أكل لحم الخنزير أو أكل الحمار أو غيره من المحرمات فإنه يجوز له أن يأكل منه ما تندفع منه ضرورته وقوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبك } فأمر الله بأمرين يتقوى الله وأن يقول الإنسان قولا سديدا أي: صوابا وقد سبق الكلام على التقوى أما القول السديد فهو القول الصواب وهو يشتمل كل قول فيه خير سواء كان من ذكر الله أو من طلب العلم أو من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو من الكلام الحسن الذي يستحلب به الإنسان مودة الناس ومحبتهم أو غير ذلك يجمعه قول النبي صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت وضد ذلك القول غير السديد وهو القول الذي ليس بصواب بل خطأ إما في موضوعه وإما في محله أما في موضوعه بأن يكون كلاما فاحشا يشتمل على السب والشتم والغيبة والنميمة وما أشبهه أو في محله أي: أن يكون هذا القول في نفسه هر خير لكن كونه يقال في هذا المكان ليس بخير لأن لكل مقام مقالا ففي هذا الموضوع لا يكون قولا سديدا بل خطأ وإن كان ليس حراما بذاته فمثلا لو فرض أن شخصا رأى إنسانا على منكر ونهاه عن المنكر لكن نهاه في حال لا ينبغي أن يقول له فيها شيئا أو أغلظ له في القول أو ما أشبهه لعد هذا قولا غير سديد فإذا اتقى الإنسان ربه وقال قولا سديدا حصل على فائدتين { يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم } فبالتقوى صلاح الأعمال ومغفرة الذنوب وبالقول السديد صلاح الأعمال ومغفرة الذنوب وعلم من هذه الآية أن من لم يتق الله ويقل قولا سديدا فإنه حري بأن لا يصلح الله له أعماله ولا يغفر له ذنبه ففيه الحث على تقوى الله وبيان فوائدها قال تعالى { ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب } يتق الله بأن يفعل ما أمر الله به ويترك ما نهى عنه يجعل له مخرجا من كل ضيق فكلما ضاق عليه الشيء وهو متقي الله عز وجل جعل له مخرجا سواء كان في معيشة أو في أموال أو في أولاد أو في مجتمع أو غير ذلك إذا كنت متقي الله فثق أن الله سيجعل لك مخرجا من كل ضيق واعتمد ذلك لأنه قول من يقول للشيء كن فيكون وما أكثر الذين اتقوا الله فجعل لهم مخرجا من ذلك قصة الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار فنزلت صخرة على باب الغار فسدته فأرادوا أن يزيحوها فعجزوا فتوسل كل واحد منهم بصالح عمله إلى الله عز وجل ففرج الله عز وجل عنهم وزالت الصخرة والأمثلة على هذه كثيرة وقوله { ويرزقه من حيث لا يحتسب } هذا أيضا فائدة عظيمة أن الله يرزقك من حيث لا تحتسب فمثلا لو فرضنا أن رجلا يكتسب المال من طريق محرم كطريق الغش أو الربا وما أشبهه ونصح في هذا وتركه لله فإن الله سيجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ولكن لا تتعجل ولا تظن أن الأمر إذا تأخر فلن يكون ولكن قد يبتلي الله العبد فيؤخر عنه الثواب ليختبره هل يرجع إلى الذنب أم لا فمثلا إذا كنت تتعامل بالربا ووعظك من يعظك من الناس وتركت ذلك ولكنك بقيت شهرا أو شهرين ما وجدت ربحا فلا تيأس وتقول: أين الرزق من حيث لا أحتسب ؟ بل انتظر وثق بوعد الله وصدق به وستجده ولا تتعجل ولهذا جاء في الحديث يستجاب لأحدكم ـ أي إذا دعا ـ ما لم يعجل يقول: دعوت ثم دعوت ثم دعوت فلم يستجب لي اصبر واترك ما حرم الله عليك وانتظر الفرج والرزق من حيث لا تحتسب وقوله تعالى { إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم } هذه ثلاث فوائد عظيمة الفائدة الأولى: { يجعل لكم فرقانا } أي: يجعل لكم ما تفرقون به بين الحق والباطل وبين الضار والنافع وهذا يدخل فيه العلم بحيث يفتح الله على الإنسان من العلوم ما لا يفتحها لغيره فإن التقوى يحصل بها زيادة الهدى وزيادة العلم وزيادة الحفظ ولهذا يذكر عن الشافعي ـ رحمه الله ـ أنه قال:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي ...
فأرشدني إلى ترك المعاصي
وقال اعلم بأن العلم نور ...
ونور الله لا يؤتاه عاصي
ولاشك أن الإنسان كلما ازداد علما ازداد معرفة وفرقانا بين الحق والباطل والضار والنافع وكذلك يدخل فيه ما يفتح الله على الإنسان من الفهم لأن التقوى سبب لقوة الفهم وقوة الفهم يحصل بها زيادة العلم فإنك ترى الرجلين يحفظان آية من كتاب الله يستطيع أحدهما أن يستخرج منها ثلاثة أحكام ويستطيع الآخر أن يستخرج أكثر من هذا بحسب ما آتاه الله من الفهم فالتقوى سبب لزيادة الفهم ويدخل في ذلك أيضا الفراسة أن الله يعطي المتقي فراسة يميز بها حتى بين الناس فبمجرد أن يرى الإنسان يعرف أنه كاذب أو صادق أو بر أو فاجر حتى أنه ربما يحكم علي الشخص وهو لم يعاشره ولم يعرف عنه شيئا بسبب ما أعطاه الله من الفراسة ويدخل في ذلك أيضا: ما يحصل للمتقين من الكرامات التي لا تحصل لغيرهم ومن ذلك مما حصل لكثير من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذات يوم يخطب على المنبر في المدينة فسمعوه يقول في أثناء الخطبة: يا سارية الجبل يا سارية الجبل فتعجبوا من يخاطب وكيف يقول هذا الكلام في أثناء الخطبة فإذا الله سبحانه وتعالى قد كشف له عن سرية في العراق كان قائدها سارية بن زنيم وكان العدو قد حصرهم فكشف الله لعمر عن هذه السرية كأنما يشاهدها رأى عين فقال لقائدها يا سارية الجبل أي تحصن بالجبل فسمعه سارية وهو القائد وهو في العراق ثم اعتصم بالجبل هذه من التقوى لأن كرامات الأولياء كلها جزاء لهم على تقواهم لله عز وجل فالمهم أن من آثار التقوى أن الله يجعل للمتقين فرقانا يفرق به بين أشياء كثيرة لا تحصل إلا للمتقي الفائدة الثانية: { ويكفر عنكم سيئاتكم } وتكفير السيئات يكون بالأعمال الصالحة فإن الأعمال الصالحة تكفر الأعمال السيئة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما ما اجتنب الكبائر وقال الرسول صلى الله عليه وسلم العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما فالكفارة تكون بالأعمال الصالحة وهذا يعني أن الإنسان إذا اتقى الله سهل له الأعمال الصالحة التي يكفر الله بها عنه الفائدة الثالثة: قوله { ويغفر لكم } بأن ييسركم للاستغفار والتوبة فإن هذا من نعمة الله على العبد أن ييسره للاستغفار والتوبة ومن البلاء للعبد أن يظن أن ما كان عليه من الذنوب ليس بذنب فيصر عليه والعياذ بالله كما قال الله تعالى { قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا } فكثير من الناس لا يقلع عن الذنب لأنه زين له والعياذ بالله فألفه وصعب عليه أن ينتشل نفسه لكن إذا كان متقيا لله عز وجل سهل الله ما له الإقلاع عن الذنوب حتى يغفر له وربما يغفر الله له بسبب تقواه فتكون تقواه مكفرة لسيئاته كما حصل لأهل بدر رضي الله عنهم فإن الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم فتقع الذنوب منهم وغفورة لما حصل لهم فيها أي: في الغزوة من الأجر العظيم وقوله { والله ذو الفضل العظيم } أي: صاحب الفضل العظيم الذي لا يعدله شيء ولا يوازيه شيء فإن كان الله موصوفا بهذه الصفة فاطلب الفضل منه سبحانه وتعالى وذلك بتقواه والرجوع إليه والله أعلم


69 - وأما الأحاديث فالأول عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قيل: يا رسول الله من أكرم الناس ؟ قال: أتقاهم فقالوا: ليس عن هذا نسألك قال فيوسف نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله قالوا: ليس عن هذا نسألك قال فعن معادن العرب تسألوني ؟ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا متفق عليه أبو و فقهوا: بضم القاف على المشهور وحكى كسرها أي: علموا أحكام الشرع

الشَّرْحُ

قوله من أكرم الناس ؟ قال أتقاهم أي: أكرم الناس أتقاهم لله عز وجل وهذا الجواب مطابق تماما لقوله تعالى إن أكرمكم عند الله أتقاكم فالله سبحانه لا ينظر إلى الناس من حيث النسب ولا من حيث الحسب ولا من حيث المال ولا من حيث الجمال وإنما ينظر سبحانه إلى الأعمال فأكرم الناس عنده أتقاهم إليه ولهذا يمد أهل التقوى بما يمدهم به من الكرامات الظاهرة أو الباطنة لأنهم أكرم خلقه عنده ففي هذا حث على تقوى الله عز وجل وأنه كلما كان الإنسان أتقى لله فهو أكرم عنده ولكن الصحابة لا يريدون بهذا السؤال الأكرم عند الله قالوا لسنا عن هذا نسألك ثم ذكر لهم أن أكرم الخلق يوسف ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله فهو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم فإنه عليه الصلاة والسلام كان نبيا من سلالة الأنبياء فكان من أكرم الخلق قالوا: لسنا عن هذا نسألك قال فعن معادن العرب تسألوني ؟ معادن العرب يعني أصولهم وأنسابهم خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا يعني أن أكرم الناس من حيث النسب والمعادن والأصول هم الخيار في الجاهلية لكن بشرط إذا فقهوا فمثلا بنو هاشم من المعروف هم خيار قريش فيكونون هم خيارهم في الإسلام لكن بشرط أن يفقهوا في دين الله وأن يتعلموا من دين الله فإن لم يكونوا فقهاء فإنهم وإن كانوا من خيار العرب معدنا فإنهم ليسوا أكرم الخلق عند الله وليسوا خيار الخلق ففي هذا دليل على أن الإنسان يشرف بنسبه لكن بشرط أن يكون له فقه في دينه ولاشك أن النسب له أثر ولهذا كان بنو هاشم أطيب الناس وأشرفهم نسبا ومن ثم كان منهم النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو أشرف الخلق { الله أعلم حيث يجعل رسالته } فلولا أن هذا البطن من بني آدم أشرف البطون ما كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم فلا يبعث الرسول صلى الله عليه وسلم إلا في أشرف البطون وأعلى الأنساب والشاهد من هذا الحديث قول الرسول صلى الله عليه وسلم إن أكرم الخلق أتقاكم فإذا كنت تريد أن تكون كريما عند الله وذا منزلة عنده فعليك بالتقوى فكلما كان الإنسان لله أتقى كان عنده أكرم أسأل الله أن يجعلني وإياكم من المتقين


70 - الثاني: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء رواه مسلم

الشَّرْحُ

هذا الحديث ساقه المؤلف لما فيه من أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتقوى بعد أن ذكر حال الدنيا فقال: إن الدنيا حلوة خضرة حلوة في المذاق خضرة في المرأي والشيء إذا كان خضرا حلوا فإن العين تطلبه أولا ثم تطلبه النفس ثانيا والشيء إذا اجتمع فيه طلب العين وطلب النفس فإنه يوشك للإنسان أن يقع فيه فالدنيا حلوة في مذاقها خضرة في مرآها فيغتر الإنسان بها وينهك فيها ويجعلها أكبر همه ولكن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن الله تعالى مستخلفا فيها فينظر كيف نعمل هل تقومون بطاعته وتنهون النفس عن الهوى وتقومون بما أوجب الله عليكم ولا تغتروا بالدنيا أو أن الأمر بالعكس ولهذا قال فاتقوا الدنيا أي: قوموا بما أمركم به واتركوا ما نهاكم عنه ولا تغرنكم حلاوة الدنيا ونضرتها كما قال تعالى فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور ثم قال فاتقوا الدنيا واتقوا النساء اتقوا النساء أي: احذروهن وهذا يشمل الحذر من المرأة في كيدها مع زوجها ويشمل أيضا الحذر من النساء وفتنتهن ولهذا قال فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء فافتتنوا في النساء فضلوا وأضلوا والعياذ بالله ولذلك نجد أعداءنا وأعداء ديننا أعداء شريعة الله عز وجل يركزون اليوم على مسالة النساء وتبرجهن واختلاطهن بالرجال ومشاركتهن للرجال في الأعمال حتى يصبح الناس كأنهم الحمير لا يهمهم إلا بطونهم وفروجهم والعياذ بالله وتصبح النساء كأنهن دمى أي: صور لا يهتم الناس إلا بشكل المرأة كيف يزينونها وكيف يجملونها وكيف يأتون لها بالمجملات والمحسنات وما يتعلق بالشعر وما يتعلق بالجلد ونتف الشعر والساق والذراع والوجه وكل شيء حتى يجعلوا أكبر هم النساء أن تكون المرأة كالصورة من البلاستيك لا يهمها عبادة ولا يهمها أولاد ثم إن أعداءنا أعداء الله وشريعته وأعداء الحياة يريدون أن يقحموا المرأة في وظائف الرجال حتى يضيقوا على الرجال الخندق ويجعلوا الشباب يتسكعون في الأسواق ليس لهم شغل ويحصل من فراغهم هذا شر كبير وفتنة عظيمة لأن الشباب والفراغ والغنى من أعظم المفاسد كما قيل:
إن الشباب والفراغ والجدة ...
مفسدة للمرء أي مفسدة
فهم يقحمون النساء الآن بالوظائف الرجالية ويدعون الشباب ليفسد الشباب وليفسد النساء أتدرون ماذا يحدث ؟ جـ: يحدث مفسدة الاختلاط ومفسدة الزنى والفاحشة سواء زنى العين أو زنى اللسان أو زنى اليد أو زنى الفرج كل ذلك محتمل إذا كانت المرأة مع الرجل في الوظيفة وما أكثر الفساد في البلاء التي يتوظف الرجال فيها مع النساء ثم إن المرأة إذا وظفت فإنها سوف تنعزل عن بيتها وعن زوجها وتصبح الأسرة متفككة ثم إنها إذا وظفت سوف يحتاج البيت إلى خادم وحينئذ نستجلب نساء العالم من كل مكان وعلى كل دين وعلى كل خلق ولو كان الدين على غير دين الإسلام ولو كان الخلق خلقا فاسدا نستجلب النساء ليكن خدما في البيوت ونجعل نساءنا تعمل في محل رجالنا فنعطل رجالنا ونشغل نساءنا وهذا فيه مفسدة عظيمة وهي تفكك الأسرة لأن الطفل إذا نشأ وليس أمامه إلا الخادم نسي أمه ونسى أباه وفقد الطفل تعلقه به ففسدت البيوت وتشتت الأسر وحصل في ذلك من المفاسد ما لا يعلمه إلا الله ولا شك أن أعداءنا وأذناب أعدائنا لأنه يوجد فينا أذناب لهؤلاء الأعداء درسوا عندهم وتلطخوا بأفكارهم السيئة ولا أقول إنهم غسلوا أدمغتهم بل أقول: إنهم لوثوا أدمغتهم بهذه الأفكار الخبيثة المعارضة لدين الإسلام قد يقولون: إنه لا يعارض العقيدة بل نقول: إنه يهدم العقيدة ليس معارضة العقيدة بأن يقول الإنسان بأن الله لا شريك أو أن الله ليس موجودا وما أشبهه فحسب بل هذه المعاصي تهدم العقيدة هدما لأن الإنسان يبقى ويكون كأنه ثور أو حمار لا يهتم بالعقيدة ولا بالعبادة لأنه متعلق بالدنيا وزخارفها وبالنساء وقد جاء في الحديث الصحيح ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء ولهذا يجب علينا نحن ونحن أمة مسلمة أن نعارض هذه الأفكار وأن نقف ضدها في كل مكان وفي كل مناسبة علما بأنه يوجد عندنا قوم لا كثرهم الله ولا أنالهم مقصودهم يريدون هذا الأمر لهذا البلد المسلم المسالم المحافظ لأنهم يعلمون أن آخر معقل للمسلمين هو هذه البلاد التي تشمل مقدسات المسلمين وقبلة المسلمين ليفسدوها حتى تفسد الأمة الإسلامية كلها فكل الأمة الإسلامية ينظرون إلى هذه البلاد ماذا تفعل فإذا انهدم الحياء والدين في هذه البلاد فسلام عليهم وسلام على الدين والحياء لهذا أقول: يا أخواني يجب علينا ـ شبابا وكهولا وشيوخا وعلماء ومتعلمين ـ أن نعارض هذه الأفكار وأن نقيم الناس كلهم ضدها حتى لا تسرى فينا سريان النار في الهشيم فتحرقنا نسأل الله أن يجعل كيد هؤلاء الذين يدبرون مثل هذه الأمور في نحورهم وأن لا يبلغهم منالهم وأن يكبتهم برجال صالحين حتى تخمد فتنتهم إنه جواد كريم


71 - الثالث: عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى رواه مسلم

الشَّرْحُ

كان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو الله عز وجل بهذا الدعاء اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى الهدى هنا بمعنى العلم والنبي صلى الله عليه وسلم محتاج إلى العلم كغيره من الناس لأن الله سبحانه قال له ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما وقال الله له { وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما } فهو عليه الصلاة والسلام محتاج إلى العلم فيسأل الله الهدى والهدى إذا ذكر وحده يشمل العلم والتوفيق للحق أما إذا قرن معه ما يدل على التوفيق للحق فإنه يفسر بمعنى العلم لأن الأصل في اللغة العربية أن العطف يقتضي المغايرة فيكون الهدى له معنى وما بعده مما يدل على التوفيق له معنى آخر وأما قوله والتقى فالمراد بالتقوى تقوى الله عز وجل فسأل النبي صلى الله عليه وسلم ربه التقى أي: أن يوفقه إلى تقوى الله لأن الله هو الذي بيده مقاليد كل شيء فإذا وكل العبد إلى نفسه ضاع ولم يحصل على شيء فإذا وفقه الله عز وجل ورزقه التقى صار مستقيما على تقوى الله وأما قوله العفاف فالمراد به أن يمن الله عليه بالعفاف والعفة عن كل ما حرم الله عليه فيكون عطفه على التقوى من باب عطف الخاص على العام إن خصصنا العفاف بالعفاف عن شيء معين وإلا فهو من باب عطف المترادفين فالعفاف أن يعف عن كل ما حرم الله عليه فيما يتعلق بجميع المحارم التي حرمها الله عز وجل وأما الغنى فالمراد به الغنى عما سوى الله أي: الغنى عن الخلق بحيث لا يفتقر الإنسان إلى أحد سوى ربه عز وجل والإنسان إذا وفقه الله ومن عليه بالاستغناء عن الخلق صار عزيز النفس غير ذليل لأن الحاجة إلى الخلق ذل ومهانة والحاجة إلى الله عز وعبادة فهو يسأل عليه الصلاة والسلام الغنى فينبغي لنا أن نقتدي بالرسول عليه الصلاة والسلام في هذا الدعاء وأن نسأل الله الهدى والتقى والعفاف والغنى وفي هذا دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا وأن الذي يملك ذلك هو الله وفيه: دليل على إبطال من تعلقوا بالأولياء والصالحين في جلب المنافع ودفع المضار كما يفعل بعض الجهال الذين يدعون الرسول عليه الصلاة والسلام إذا كانوا عنده قبره أو يدعون من يزعمونهم أولياء من دون الله فإن هؤلاء ضالون في دينهم سفهاء في عقولهم لأن هؤلاء المدعوين هم بأنفسهم لا يملكون لأنفسهم شيئا قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم { قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك } وقال له { قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله } وقال له { قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا } فالإنسان يجب أن يعلم أن البشر مهما أوتوا من الوجاهة عند الله عز وجل ومن المنزلة والمرتبة عند الله فإنهم ليسوا بمستحقين أن يدعوا من دون الله بل إنهم يتبرؤون تبرؤا تاما ممن يدعونهم من دون الله عز وجل قال عيسى عليه الصلاة والسلام لما قال الله له { أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق } ليس من حق عيسى ولا غيره أن يقول للناس اتخذوني إلها من دون الله { إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم } فالحاصل أن ما نسمع عن بعض جهال المسلمين في بعض الأقطار الإسلامية الذين يأتون إلى قبور من يزعمونهم أولياء فيدعون هؤلاء الأولياء فإن هذا العمل سفه في العقل وضلال في الدين وهؤلاء لن ينفعوا أحدا أبدا فهم جثث هامدة والله الموفق


72 - الرابع عن أبي طريف عدي بن حاتم الطائي رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من حلف على يمين ثم رأى أتقى لله منها فليأت التقوى رواه مسلم

الشَّرْحُ

اليمين هي الحلف بالله عز وجل أو باسم من أسمائه أو صفة من صفاته ولا يجوز الحلف بغير الله لا بالنبي صلى الله عليه وسلم ولا بجبريل ولا بأي أحد من الخلق لقول النبي صلى الله عليه وسلم من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت وقال من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك فمن حلف بغير الله فهو آثم ولا يمين عليه لأنها يمين غير منعقدة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ولا ينبغي للإنسان أن يكثر من اليمين ف