Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

الكتاب : شرح رياض الصالحين - 02
المؤلف : محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى : 1421هـ)

173 - وعن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من دل على خير فله مثل أجر فاعله رواه مسلم

الشَّرْحُ

بقي من الآيات التي ذكرها المؤلف في باب الدلالة على الخير قوله تعالى ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون هذا أمر من الله عز وجل بأن يكون منا هذه الأمة والأمة بمعنى الطائفة وترد الأمة في القرآن الكريم على أربعة معان أمة بمعنى الطائفة وأمة بمعنى الملة وأمة بمعنى السنين وأمة بمعنى الإيمان فمن الطائفة هذه الآية { ولتكن منكم أمة } أي طائفة { يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف } إلى آخره والأمة بمعنى الدين مثل قوله تعالى { وإن هذه أمتكم أمة واحدة } أي دينكم دين واحد والأمة بمعنى السنين مثل قوله تعالى { وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة } أي بعد زمن والأمة بمعنى الإيمان مثل قوله تعالى { إن إبراهيم كان أمة قانتا } فقوله هنا { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير } اللام في قوله { ولتكن } للأمر ومن في قوله { منكم } فيها قولان لأهل العلم منهم من قال إنها للتبعيض ومنهم من قال إنها لبيان الجنس فعلى القول الأول يكون الأمر هنا أمرا كفائيا أي إنه إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين لأنه قال { ولتكن منكم } يعني بعض منكم يدعون إلى الخير وعلى القول الثاني يكون الأمر أمرا عينيا وهو أنه يجب على كل واحد أن يكرس جهوده لهذا الأمر يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر والدعوة إلى الخير تشمل كل شيء فيه مصلحة للناس في معاشهم ومعادهم لأن الخير كما يكون في عمل الآخرة يكون في عمل الدنيا كما قال الله تعالى { ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة } وما ينفع الناس من الأمور الدنيوية فهو خير ولهذا سمى الله سبحانه وتعالى المال خيرا فقال { وإنه لحب الخير لشديد } { ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } المعروف ما عرفه الشرع وأقره والمنكر ما أنكره ونهى عنه فإذن يكون الأمر بالمعروف هو الأمر بطاعة الله والنهي عن المنكر هو النهي عن معصية الله فهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ولكن لا بد للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من شروط هي الشرط الأول أن يكون الآمر أو الناهي عالما بأن هذا معروف يأمر به وهذا منكر ينهى عنه فإن لم يكن عالما فإنه لا يجوز أن يأمر وينهى لقوله تعالى { ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا } والتحريم والتحليل لا يكون بحسب العاطفة لأنه لو كان بحسب العاطفة والهوى لوجدنا من الناس من يكره كل شيء يستغربه حتى لو حصل شيء ينفع الناس وهو مستغرب له قال هذا منكر ومن الناس من هو بالعكس يتهاون ويرى أن كل شيء معروف فالمعروف والمنكر أمرهما إلى الشارع ويذكر لي أنه كان بعض الناس أول ما ظهرت السيارات يقولون إن الحج على السيارة ربع حجة ومقتضى هذا أن الإنسان لا يؤدي الفرض إلا بأربع حجج يعني كل واحدة ربع ما تكون واحدة كاملة إلا بأربع مرات فقال بعض الناس ونحن نذكر هذا ونحن صغار إذن الحج على الطائرات بمقتضى قياسهم يكون ثمن حج أو عشر على كل حال بعض الناس إذا استغرب شيئا قال هذا منكر كذلك أول ما ظهرت مكبرات الصوت أنكرها بعض الناس وقال إن هذا منكر كيف نؤدي الصلاة أو الخطبة بهذه الأبواق التي تشبه بوق اليهود ومن العلماء المحققين كشيخنا عبد الرحمن السعدي رحمه الله قال إن هذه من نعمة الله أن الله يسر لعباده ما يوصل أصوات الحق إلى الخلق وأن مثل هذه كمثل نظارات العين فالعين إذا ضعف النظر تحتاج إلى تقوية بلبس النظارات فهل نقول لا تلبس النظارات لأنها تقوي النظر وتكبر الصغير لا لا نقول هكذا فالحاصل أن المعروف والمنكر أمرهما إلى الله ورسوله لا إلى ذوق الإنسان أو هوى الإنسان أو فكر الإنسان إذن لا بد أن يكون الإنسان عالما بأن هذا معروف وهذا منكر هذا معروف يأمر به وهذا منكر ينهى عنه ولكن ما الطريق إلى معرفة ذلك ؟ الطريق إلى معرفة ذلك الكتاب والسنة فقط أو إجماع الأمة أو القياس الصحيح وإجماع الأمة والقياس الصحيح كلاهما مستند إلى الكتاب والسنة ولولا الكتاب والسنة ما عرفنا أن الإجماع حجة وأن القياس حجة والشرط الثاني أن يعلم بوقوع المنكر من الشخص المدعو أو بتركه للمعروف فإن كان لا يعلم فإنه لا يرجم الناس بالغيب مثال ذلك لو أن رجلا دخل المسجد وجلس فإن الذي تقتضيه الحكمة أن يسأله لماذا جلس ولم يصل ولا ينهاه أو يزجره بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب الناس يوم الجمعة فدخل رجل فجلس فقال له أصليت ؟ قال لا قال قم فصل ركعتين فلم يزجره حين ترك الصلاة لأنه يحتمل أن يكون صلى والنبي عليه الصلاة والسلام لم يره كذلك أيضا إذا رأيت شخصا يأكل في نهار رمضان أو يشرب في نهار رمضان فلا تزجره بل اسأله ربما يكون له عذر في ترك الصيام قل له لماذا لم تصم ؟ فقد يكون مسافرا وقد يكون مريضا مرضا يحتاج معه إلى شرب الماء بكثرة مثل أوجاع الكلى تحتاج إلى شرب ماء كثير ولو كان الإنسان صحيحا فيما يظهر للناس فالمهم أنه لابد أن تعرف أنه ترك المعروف حتى تأمره به ولابد أيضا أن تعرف أنه وقع في المنكر حتى تنهاه عنه لأنه قد لا يكون واقعا في المنكر وأنت تظنه واقعا مثال ذلك إذا رأيت رجلا في سيارة ومعه امرأة فهناك احتمال أن المرأة أجنبية منه وهناك احتمال أن تكون المرأة من محارمه أو أنها زوجته إذا لا تنكر عليه حتى تعلم أنه فعل منكرا وذلك بقرائن الأحوال لو فرضنا مثلا أن الإنسان رأى ريبة من هذا الشخص لكونه أهلا لسوء الظن ورأى حركات والإنسان العاقل البصير يعرف فهذا ربما نقول يتوجه ويسأل من هذه المرأة التي معك ؟ أو لماذا تحمل امرأة في سيارتك ليست من محارمك ؟ ولكن ليس ذلك لمجرد أن ترى رجلا يمشي مع امرأة أو حاملا امرأة في سيارته تنكر عليه وأنت لا تدري هل هذا منكر أم لا والمهم أنه لابد من العلم بأن هذا معروف وهذا منكر ولابد من العلم أن هذا ترك المعروف وفعل المنكر الشرط الثالث: أن لا يتحول المنكر إذا نهى عنه إلى أنكر منه وأعظم مثال ذلك لو رأينا شخصا يشرب الدخان فشرب الدخان حرام لا شك ومنكر يجب إنكاره لكننا لو أنكرنا عليه لتحول إلى شرب الخمر يعني أنه ذهب إلى الخمارين وشرب الخمر فهنا لا ننهاه عن منكره الأول لأن منكره الأول أهون وارتكاب أهون المفسدتين واجب إذا كان لابد من ارتكاب العليا ودليل هذا الشرط قول الله عز وجل { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم } فسب آلهة المشركين من الأمور المطلوبة شرعا ويجب علينا أن نسب آلهة المشركين وأن نسب أعياد الكفار وأن نحذر منها وأن لا نرضى بها وأن نبصر إخواننا الجهال السفهاء بأنه لا يجوز مشاركة الكفار في أعيادهم لأن الرضا بالكفر يخشى أن يوقع صاحبه في الكفر والعياذ بالله هل ترضى أن شعائر الكفر تقام وتشارك فيها لا يرضى بها أحد من المسلمين لهذا قال ابن القيم رحمه الله وهو من تلاميذ شيخ الإسلام البارزين قال إن الذي يشارك هؤلاء في أعيادهم ويهنئهم فيها إن لم يكن أتى الكفر فإنه فعل محرما بلا شك وصدق رحمه الله ولهذا يجب علينا أن نحذر إخواننا المسلمين من مشاركة الكفار في أعيادهم لأن مشاركتهم في أعيادهم أو تهنئتهم فيها مثل قول عيد مبارك أو هنأك الله بالعيد وما أشبه ذلك لا شك أنه رضا بشعائر الكفر والعياذ بالله أقول إن سب آلهة المشركين وشعائر المشركين وغيرهم من الكفار الكتابيين أمر مطلوب شرعا ولكن إذا كان يؤدي إلى شيء أعظم منه نكرا فإنه ينهى عنه يقول الله عز وجل { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله } يعنى الأصنام لا تسبوها { فيسبوا الله عدوا بغير علم } يعني إنكم إذا سببتم آلهتهم سبوا إلهكم وهو الله عز وجل { عدوا بغير علم } يعني عدوانا منهم بغير علم أما أنتم إذا سببتم آلهة المشركين فإنه بعدل وعلم لكن سبهم لإلهكم عدوان بلا علم فأنتم لا تسبوهم فيسبوا الله إذن نأخذ من هذه الآيات الكريمة أنه إذا كان نهى الإنسان عن منكر ما يوقع الناس فيما هو أنكر منه فإن الواجب الصمت، الصمت حتى يأتي اليوم الذي يتمكن فيه من النهي عن المنكر ليتحول إلى معروف ويذكر أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مر في الشام على قوم من التتار والتتار أمة معروفة سلطها الله على المسلمين في سنة من السنوات وحصل بهم فتنة كبيرة عظيمة ومعه صاحب له مر شيخ الإسلام ابن تيمية بقوم منهم يشربون الخمر فسكت وما نهاهم فقال له صاحبه لماذا لم تنه عن هذا المنكر ؟ قال له إن نهيناهم عن هذا الشيء لذهبوا يفسدون نساء المسلمين بالزنى ويستبيحون أموالهم وربما يقتلونهم وشرب الخمر أهون وهذا من فقهه رحمه الله ورضى عنه أن الإنسان إذا كان يخشى أن يزول المنكر ويتحول إلى أنكر منه فإن الواجب الصمت ومن آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وليس من شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون الإنسان أول فاعل للمعروف وأول منته عن المنكر بمعنى أنه لا يأمر بالمعروف ثم لا يفعله أو لا ينه عن المنكر ثم يقع فيه لأن هذا داخل في قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون } وفي الحديث الصحيح إنه يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار حتى تندلق أقتاب بطنه أقتاب بطنه يعني أمعاءه وتندلق يعني تنفجر فيدور عليها كما يدور الحمار على رحاه فيجتمع إليه أهل النار ويقولون له ما لك يا فلان ألست تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر فيقول كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وكنت أنهاكم عن المنكر وآتيه فيقول ما لا يفعل والعياذ بالله فمن آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون الإنسان أول ممتثل للأمر وأول منته عن النهي ذكر أن ابن الجوزي الواعظ المشهور وهو من أصحاب الإمام أحمد يعني ممن يقلدون الإمام أحمد وكان واعظا مشهورا بالوعظ يوضع له كرسي يوم الجمعة ويلقي المواعظ ويحضره مئات الآلاف وكان من شدة تأثيره على القلوب أن بعض الحاضرين يصعق ويموت فجاءه ذات يوم عبد رقيق فقال له يا سيدي إن سيدي يتعبني ويشق علي ويأمرني بأشياء ما أطيقها فلعلك تعظ الناس وتحثهم على العتق فيعتقني فقال نعم أفعل فبقي جمعة أو جمعتين أو ما شاء الله ولم يتكلم عن العتق بشيء ثم تكلم يوما من الأيام عن العتق فأثر ذلك في نفوس الناس فأعتق الرجل عبده فجاء إليه العبد وقال له يا سيدي أنا قلت لك تكلم عن العتق منذ زمن ولم تتكلم إلا الآن قال نعم لأني لست أملك عبدا فأعتقه ولا أحب أن أحث على العتق وأنا ما عتقت سبحان الله فلما من الله علي بعبد وأعتقته صار لي مجال أن أتكلم في العتق فالحاصل أن هذا من آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الداعين إلى الخير الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر إنه جواد كريم


174 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقض ذلك من آثامهم شيئا رواه مسلم


175 - وعن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر لأعطين هذه الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجو أن يعطاها فقال أين علي بن أبي طالب ؟ فقيل يا رسول الله هو يشتكي عينيه قال فأرسلوا إليه فأتي به فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه ودعا له فبرئ حتى كأن لم يكن به وجع فأعطاه الراية قال علي رضي الله عنه يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا ؟ فقال انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم متفق عليه

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا من دعا إلى هدى يعني بينه للناس ودعاهم إليه مثل أن يبين للناس أن ركعتي الضحى سنة وأنه ينبغي للإنسان أن يصلي ركعتين في الضحى ثم تبعه الناس وصاروا يصلون الضحى فإن له مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيئا لأن فضل الله واسع أو قال للناس مثلا اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا ولا تناموا إلا على وتر إلا من طمع أن يقوم من آخر الليل فليجعل وتره في آخر الليل فتبعه ناس على ذلك فإن له مثل أجرهم يعني كلما أوتر واحد هداه الله على يده فله مثل أجره وكذلك بقية الأعمال الصالحة ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا أي إذا دعا إلى زور وإلى ما فيه الإثم مثل أن يدعو الناس إلى لهو أو باطل أو غناء أو ربا أو غير ذلك من المحارم فإن كل إنسان تأثر بدعوته فإنه يكتب له مثل أوزارهم لأنه دعا إلى الوزر والعياذ بالله .
واعلم أن الدعوة إلى الهدى والدعوة إلى الوزر تكون بالقول كما لو قال افعل كذا افعل كذا وتكون بالفعل خصوصا من الذي يقتدي به من الناس فإنه إذا كان يقتدي به ثم فعل شيئا فكأنه دعا الناس إلى فعله ولهذا يحتجون بفعله ويقولون فعل فلان كذا وهو جائز أو ترك كذا وهو جائز فالمهم أن من دعا إلى هدى كان له مثل أجر من اتبعه ومن دعا إلى ضلالة كان عليه مثل وزر من اتبعه وفي هذا دليل على أن المتسبب كالمباشر المتسبب للشيء كالمباشر له فهذا الذي دعا إلى الهدى تسبب فكان له مثل أجر من فعله والذي دعا إلى السوء أو إلى الوزر تسبب فكان عليه مثل وزر من اتبعه وقد أخذ العلماء الفقهاء رحمهم الله من ذلك قاعدة بأن السبب كالمباشرة لكن إذا اجتمع سبب ومباشرة أحالوا الضمان على المباشرة لأنها أمس بالإتلاف أما حديث أبي العباس سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر لأعطين الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله وهذا يتضمن بشرى عامة وبشرى خاصة أما العامة فهي قوله يفتح الله على يديه وأما الخاصة فهي قوله يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله وخيبر مزارع وحصون لليهود كانت نحو مائة ميل في الشمال الغربي من المدينة سكنها اليهود كما سكن طائفة منهم المدينة نفسها لأن اليهود يقرءون في التوراة أنه سيبعث نبي وسيكون مهاجره إلى المدينة وتسمى في العهد القديم يثرب لكنه نهى عن تسميتها يثرب وأنه سيهاجر إلى المدينة وسيقاتل وينتصر على أعدائه فعلموا أن هذا حق وذهبوا إلى المدينة وسكنوها وسكنوا خيبر وكانوا يظنون أن هذا النبي سيكون من بني إسرائيل فلما بعث من بني إسماعيل من العرب حسدوهم وكفروا به والعياذ بالله بعد أن كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به وقالوا ليس هذا هو النبي الذي بشرنا به وحصل منهم ما حصل من العهد مع النبي عليه الصلاة والسلام ثم الخيانة وكانوا في المدينة ثلاث قبائل بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة وكلهم عاهد النبي عليه الصلاة والسلام ولكنهم نقضوا العهد كلهم فهزمهم الله والحمد لله على يد النبي صلى الله عليه وسلم وكان آخرهم بني قريظة الذين حكم فيهم سعد بن معاذ رضي الله عنه بأن تقتل مقاتلتهم وتسبى نساؤهم وذريتهم وتغنم أموالهم وكانوا سبعمائة فأمر النبي رضي الله عنه بقتلهم فحصدوهم عن آخرهم وهكذا اليهود أهل غدر وخيانة ونقض للعهود منذ بعث فيهم موسى عليه الصلاة والسلام إلى يومنا هذا وإلى يوم القيامة هم أغدر الناس بالعهد وأخونهم بالأمانة ولذلك لا يوثق منهم أبدا لا صرفا ولا عدلا ومن وثق بهم أو وثق منهم فإنه في الحقيقة لم يعرف سيرتهم منذ عهد قديم المهم أن خيبر كانت حصون ومزارع لهم وغزاهم النبي عليه الصلاة والسلام وفتح الله على يديه فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأعطين الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله وهذان منقبتان عظيمتان .
الأولى: أن يفتح الله على يديه لأن من فتح الله على يديه نال خيرا كثيرا فإنه إن هدى الله به رجلا واحدا كان خيرا له من حمر النعم يعني من الإبل الحمر وإنما خص الإبل الحمر لأنها أغلى الأموال عند العرب الثانية: يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله وفي ذلك فضل لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه لأن الناس في تلك الليلة جعلوا يدركون يعني يخوضون ويتكلمون من هذا الرجل ؟ فلما أصبح النبي صلى الله عليه وسلم قال أين علي بن أبي طالب ؟ فقيل هو يشتكي عينيه يعني أن عينيه توجعه ويشتكيها فدعا به فأتى به فبصق في عينيه ودعا له فبرئ كأن لم يكن به وجع وهذه من آيات الله عز وجل فليس هناك قطرة ولا كي وإنما هو ريق النبي صلى الله عليه وسلم ودعاؤه وفي هذا الحديث دليل على أنه يجوز للناس أن يتحدثوا في الأمر ليتفرسوا فيمن يصيبه لأن الصحابة صاروا في تلك الليلة يدركون ليلتهم من يحصل هذا ؟ وكل واحد يقول لعله أنا وفيه أيضا دليل على أن الإنسان قد يهبه الله تعالى من الفضائل ما لم يخطر له على بال فعلي ليس حاضرا وربما لا يكون عنده علم بأصل المسألة ومع ذلك جعل الله له هذه المنقبة ففي هذا دليل على أن الإنسان قد يحرم الشيء مع ترقبه له وقد يعطى الشيء مع عدم خطورته على باله فأعطاه الراية الراية يعني العلم والعلم الذي يكون علما على القوم في حال الجهاد لأن الناس في الجهاد يقسمون هؤلاء إلى جانب وهؤلاء إلى جانب وهذه القبيلة وهذه القبيلة أو هذا الجنس من الناس كالمهاجرين مثلا والأنصار كل له راية أي علم يدل عليه فقال علي رضي الله عنه يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا يعني أقاتلهم حتى يكونوا مسلمين أم ماذا ؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ولم يقل له قاتلهم حتى يكونوا مثلنا وذلك لأن الكفار لا يقاتلون على الإسلام ويرغمون عليه وإنما يقاتلون ليذلوا لأحكام الإسلام فإن أسلموا فلهم وإن كفروا فعليهم ولكن يذلوا لأحكام الإسلام فيعطون الجزية عن يد وهم صاغرون أو يدخلون في الإسلام .
وقد اختلف العلماء رحمهم الله هل هذا خاص بأهل الكتاب أي مقاتلتهم حتى يعطوا الجزية أو أنه عام لجميع الكفار ؟ فأكثر العلماء يقولون إن الذي يقاتل حتى يعطى الجزية أو يسلم هم أهل الكتاب اليهود والنصارى وأما غيرهم فيقاتلون حتى يسلموا ولا يقبل منهم إلا الإسلام واستدلوا بقوله تعالى { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } فقال قاتلوهم { حتى يعطوا الجزية } والصحيح أنه عام ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر وهم ليسوا أهل كتاب كما أخرجه البخاري ودليل آخر حديث بريدة بن الحصيب الذي أخرجه مسلم أن النبي كان إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه ومن معه من المسلمين خيرا وذكر في الحديث أنه يدعوهم إلى الإسلام فإن أبو فالجزية فإن أبو يقاتلهم والصحيح أن هذا عام ولذلك لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم لعلي حين سأله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا نعم قاتلهم حتى يكونوا مثلنا وإنما أرشده أن يفعل ما أمره به وأن يمشي على رسله حتى ينزل بساحتهم قوله على رسلك أي لا تمشي عجلا فتتعب أنت وتتعب الجيش ويتعب من معك ولكن على رسلك حتى تنزل بساحتهم أي بجانبهم ثم ادعهم إلى الإسلام قوله صلى الله عليه وسلم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه فأمره صلى الله عليه وسلم بأمرين الأمر الأول الدعوة إلى الإسلام بأن يقول لهم أسلموا إذا كانوا يعرفون معنى الإسلام ويكفي ذلك وإن كانوا لا يعرفونه فإنه يبين لهم أن الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت الأمر الثاني قال وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه وهو السمع والطاعة لأوامر الله ورسوله لأجل أن يكون الداخل في الإسلام داخلا على بصيرة لأن بعض الناس يدخل في الإسلام على أنه دين ولكن لا يدري ما هو ثم إذا بينت له الشرائع ارتد والعياذ بالله فصار كفره الثاني أعظم من كفره الأول لأن الردة لا يقر عليها صاحبها بل يقال له إما أن ترجع لما خرجت منه وإما أن نقتلك ولهذا ينبغي لنا في هذا العصر لما كثر الكفار بيننا من نصارى وبوذيين ومشركين وغيرهم إذا دعوناهم إلى الإسلام أن نبين لهم الإسلام أولا ونشرحه شرحا يتبين فيه الأمر حتى يدخلوا على بصيرة لا نكتفي بقولنا أسلموا فقط لأنهم لا يعرفون ما يجب عليهم من حق الله تعالى في الإسلام فإذا دخلوا على بصيرة صار لنا العذر فيما بعد إذا ارتدوا أن نطلب منهم الرجوع إلى الإسلام أو نقتلهم أما إن بين لهم إجمالا هكذا فإنها دعوة قاصرة والدليل على هذا حديث سهل بن سعد رضي الله عنه الذي نشرحه .
وفي هذا الحديث في قوله صلى الله عليه وسلم فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم يهديه أي يوفقه بسببك إلى الإسلام فإنه خير لك من حمر النعم يعنى من الإبل الحمر وذلك لأن الإبل الحمر عند العرب كانت من أنفس الأموال إن لم تكن أنفس الأموال ففعل رضي الله عنه ونزل بساحتهم ودعاهم إلى الإسلام ولكنهم لم يسلموا ثم في النهاية كانت الغلبة ولله الحمد للمسلمين ففتح الله على يدي علي بن أبي طالب والقصة مشهورة في كتب المغازي والسير لكن الشاهد من هذا الحديث أنه أمره أن يدعوهم إلى الإسلام وأن يخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه وفي هذا الحديث من الفوائد ظهور آية من آيات النبي صلى الله عليه وسلم وهي أنه لما بصق في عيني علي بن أبي طالب برئ حتى كأن لم يكن به وجع وفيه أيضا آية أخرى وهو قوله يفتح الله على يديه وهو خبر غيبي ومع ذلك فتح الله على يديه وفيه أيضا من الفوائد أنه ينبغي نصب الرايات في الجهاد وهي الأعلام وأن يجعل لكل قوم راية معينة يعرفون بها كما سبقت الإشارة إليه وفيه أيضا من الفوائد تحري الإنسان للخير والسبق إليه لأن الصحابة جعلوا في تلك الليلة يدوكون ليلتهم يعني يدوكون في ليلتهم فهي منصوبة على الظرفية يعني أنهم يبحثون من يكون وفيه أيضا أن الإنسان قد يعطى الشيء من غير أن يخطر له على بال وأنه يحرم من كان متوقعا أن يناله هذا الشيء لأن علي بن أبي طالب كان مريضا في عينيه ولا أظن أنه يخطر بباله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيعطيه الراية ومع ذلك أدركها ففضل الله تعالى يؤتيه من يشاء والله الموفق .


176 - وعن أنس رضي الله عنه أن فتى من أسلم قال يا رسول الله إني أريد الغزو وليس معي ما أتجهز به قال ائت فلانا فإنه قد كان تجهز فمرض فأتاه فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرئك السلام ويقول أعطني الذي تجهزت به فقال يا فلانة أعطيه الذي تجهزت به ولا تحبسي منه شيئا فوالله لا تحبسين منه شيئا فيبارك لنا فيه رواه مسلم

الشَّرْحُ

هذا الحديث الذي ذكره المؤلف فيه الدلالة على الخير فإن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلب منه أن يتجهز إلى الغزو فأرشده النبي صلى الله عليه وسلم ودله على رجل كان قد تجهز براحلته وما يلزمه لسفره ولكنه مرض فلم يتمكن من الخروج إلى الجهاد فجاء الرجل إلى صاحبه الذي كان قد تجهز فأخبره بما قال النبي صلى الله عليه وسلم فقال الرجل لامرأته أخرجي ما تجهزت به ولا تحبسي منه شيئا فوالله لا تحبسين منه فيبارك لنا فيه .
ففي هذا دليل على أن الإنسان إذا دل أحدا على الخير فإنه يثاب على ذلك وقد سبق أنه من دل على خير فله مثل أجر فاعله وفيه دليل أيضا على أن من أراد عملا صالحا فحبسه عنه مرض فإنه ينبغي أن يدفع ما بذله لهذا العمل الصالح إلى من يقوم به حتى يكتب له الأجر كاملا لأن الإنسان إذا مرض وقد أراد العمل وتجهز له ولكن حال بينه وبينه مرضه فإنه يكتب له الأجر كاملا ولله الحمد قال الله تعالى ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وفيه دليل أيضا من كلام الصحابة رضي الله عنهم أن الإنسان إذا بذل الشيء في الخير فإن الأفضل أن ينفذه فمثلا لو أردت أن تتصدق بمال وعزلت المال الذي تريد أن تتصدق به أو تبذله في مسجد أو في جمعية خيرية أو ما أشبه ذلك فلك الخيار أن ترجع عما فعلت لأنه ما دام الشيء لم يبلغ محله فهو بيدك ولكن الأفضل أن تنفذه ولا ترجع فيما أردت من أجل أن تكون من السباقين إلى الخير والله الموفق


باب في التعاون على البر والتقوى


قال الله تعالى { وتعاونوا على البر والتقوى } وقال تعالى { والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر } قال الإمام الشافعي رحمه الله كلاما معناه إن الناس أو أكثرهم في غفلة عن تدبر هذه السورة

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله تعالى باب التعاون على البر والتقوى التعاون معناه التساعد وأن يعين بعضهم بعضا على البر والتقوى فالبر فعل الخير والتقوى اتقاء الشر وذلك أن الناس يعملون على وجهين على ما فيه الخير وعلى ما فيه الشر فأما ما فيه الخير فالتعاون عليه أن تساعد صاحبك على هذا الفعل وتيسر له الأمر سواء كان هذا يتعلق بك أو مما يتعلق بغيرك وأما الشر فالتعاون فيه بأن تحذر منه وأن تمنع منه ما استطعت وأن تشير على من أراد أن يفعله بتركه وهكذا فالبر فعل الخير والتعاون عليه والتساعد عليه وتيسيره للناس والتقوى اتقاء الشر والتعاون عليه بأن تحول بين الناس وبين فعل الشر وأن تحذرهم منه حتى تكون الأمة أمة واحدة والأمر في قوله وتعاونوا أمر إيجاب فيما يجب واستحباب فيما يستحب وكذلك في التقوى أمر إيجاب فيما يحرم وأمر استحباب فيما يكره وأما الدليل الثاني في التعاون على البر والتقوى فهو ما ذكره المؤلف رحمه الله من سياق سورة العصر حيث قال الله تعالى { والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر } فأقسم الله تعالى بالعصر الذي هو الزمن وإنما أقسم الله تعالى به لأن الزمن هو وعاء الأعمال والناس فيه منهم من يملؤه خيرا ومنهم من يملؤه شرا فأقسم بالعصر لمناسبة المقسم به للمقسم عليه وهو أعمال العباد فقال { إن الإنسان لفي خسر } الإنسان عام يشمل كل إنسان من مؤمن وكافر وعدل وفاسق وذكر وأنثى كل الإنسان في خسر خاسر كل عمله خسران عليه تعب في الدنيا وعدم فائدة في الآخرة إلا من جمع هذه الأوصاف الأربعة { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر } فأصلحوا أنفسهم بالإيمان والعمل الصالح وأصلحوا غيرهم بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر فالإيمان يكون بالإيمان بكل ما يجب الإيمان به مما أخبر به الله ورسوله وقد بينه الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره ستة أركان وأما عمل الصالحات فهو كل ما يقرب إلى الله ولا يكون العمل صالحا إلا بشرطين هما الإخلاص لله عز وجل والمتابعة لرسوله الإخلاص لله بمعنى ألا تقصد بعملك مراءاة عباد الله لا تقصد إلا وجه الله والدار الآخرة وأما المتابعة فهي المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم بحيث لا تأت ببدعة لأن البدعة وإن أخلص الإنسان فيها مردودة من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد والعبادة التي فيها الاتباع ولكن فيها رياء مردودة أيضا لقوله تعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه وهو حديث قدسي وأما قوله { وتواصوا بالحق } يعني أن بعضهم يوصى بعضهم بالحق وهو ما جاءت به الرسل وتواصوا بالصبر عليه لأن النفس تحتاج إلى صبر لفعل الطاعات وترك المحرمات قال الشافعي رحمه الله لو لم ينزل الله على عباده سورة غير هذه السورة لكفتهم لأنها جامعة مانعة نسأل الله تعالى أن يجعلني وإياكم من المؤمنين العاملين الصالحات المتواصين بالحق المتواصين بالصبر


177 - عن أبي عبد الرحمن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا ومن خلف غازيا في أهله بخير فقد غزا متفق عليه


178 - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بعثا إلى بني لحيان من هذيل فقال لينبعث من كل رجلين أحدهما والأجر بينهما رواه مسلم

الشَّرْحُ

ذكر المؤلف رحمه الله في هذا باب التعاون على البر والتقوى ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا ومن خلف غازيا في أهله بخير فقد غزا وهذا من التعاون على البر والتقوى إذا جهز الإنسان غازيا يعني براحلته ومتاعه وسلاحه ثلاثة أشياء الراحلة والمتاع والسلاح إذا جهزه بذلك فقد غزا كتب له أجر الغازي لأنه أعانه على الخير .
وكذلك من خلفه في أهله بخير فقد غزا يعني لو أن الغازي أراد أن يغزو ولكنه أشكل عليه أهله من يكون عند حاجاتهم فانتدب رجلا من المسلمين وقال أنا أخلفك في أهلك بخير فإن هذا الذي خلفه يكون له أجر الغازي أجر الغازي لأنه أعانه إذا فإعانة الغازي تكون على وجهين الأول أن يعينه في رحله ومتاعه وسلاحه والثاني أن يعينه في كونه خلف عنه في أهله لأن هذا من أكبر العون فإن كثيرا من الناس يشكل عليه من يكون عند أهله يقوم بحاجاتهم فإذا قام الرجل بحاجة أهله وخلفه فيهم بخير فقد غزا ومن ذلك ما جرى لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه حين خلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزو تبوك خلفه في أهله فقال يا رسول الله أتدعني مع النساء والصبيان فقال له أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي يعني أن أخلفك في أهلي كما خلف موسى هارون في قومه حينما ذهب إلى ميقات ربه ويؤخذ من هذا أن كل من أعان شخصا في طاعة الله فله مثل أجره فإذا أعنت طالب علم في شراء الكتب له أو تأمين السكن أو النفقة أو ما أشبه ذلك فإن لك أجرا أي مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيئا وهكذا أيضا لو أعنت مصليا على تسهيل مهمته في صلاته في مكانه وثيابه أو في وضوئه في أي شيء فإنه يكتب لك في ذلك أجر فالقاعدة العامة أن من أعان شخصا في طاعة من طاعة الله كان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيئا


179 - وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي ركبا بالروحاء فقال من القوم ؟ قالوا: المسلمون فقالوا من أنت ؟ قال رسول الله فرفعت إليه امرأة صبيا فقالت ألهذا حج ؟ قال نعم ولك أجر رواه مسلم

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي ركبا بالروحاء والروحاء مكان بين مكة والمدينة وكان هذا في حجة الوداع فقال لهم من القوم ؟ قالوا المسلمون فمن أنت ؟ قال أنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفعت إليه امرأة صبيا فقالت ألهذا حج ؟ قال نعم ولك أجر رواه مسلم ففي هذا الحديث من الفوائد ما ساقه المؤلف من أجله وهو أن من أعان شخصا على طاعة فله أجر لأن هذه المرأة سوف تقوم برعاية ولدها إذا أحرم وفي الطواف وفي السعي وفي الوقوف وغير ذلك قال له حج ولك أجر .
وهذا كالذي سبق فيمن جهز غازيا أو خلفه في أهله فإنه يكون له أجر الغازي وفي هذا الحديث من الفوائد أن الإنسان ينبغي له أن يسأل عمن يجهله إذا دعت الحاجة إلى ذلك لأن الرسول صلى الله عليه وسلم سأل من القوم يخشى أن يكونوا من العدو فيخونوا أو يغدروا أما إذا لم تدع الحاجة إلى ذلك فلا حاجة أن تسأل عن الشخص فتقول من أنت لأن هذا قد يكون داخلا فيما لا يعنيك ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه لكن إذا دعت الحاجة فاسأل حتى تكون على بينه من الأمر وعلى بصيرة وفي هذا الحديث دليل على أن وصف الإنسان نفسه بالصفات الحميدة إذا لم يقصد الفخر وإنما يقصد التعريف لا بأس به لأن هؤلاء الصحابة لما سئلوا من أنتم ؟ قالوا مسلمون والإسلام لا شك أنه وصف مدح لكن إذا أخبر الإنسان به عن نفسه فقال أنا مسلم أنا مؤمن لمجرد الخبر لا من أجل الافتخار فإن ذلك لا بأس به وكذلك لو قاله على سبيل التحدث بنعمة فلو قال الحمد الله الذي جعلني من المسلمين وما أشبه ذلك فإنه لا بأس به بل يكون محمودا إذا لم يحصل فيه محظور .
ومن فوائد هذا الحديث أن الإنسان إذا وصف نفسه بصفة هي فيه بدون فخر فإنه لا يعد هذا من باب مدح النفس وتزكية النفس الذي نهى الله عنه في قوله فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى وفيه دليل أيضا على أن الإنسان ينبغي له أن يغتنم وجود العالم لأن هؤلاء القوم لما أخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رسول الله جعلوا يسألونه فينبغي للإنسان أن يغتنم فرصة وجود العالم من أجل أن يسأله عما يشكل عليه ومن فوائده أيضا أن الصبي إذا حج له وليه فله أجر والحج يكون للصبي لا للولي وقد اشتهر عند عامة الناس أن الصبي يكون حجة لوالديه وهذا لا أصل له بل حج الصبي له لقول النبي صلى الله عليه وسلم لما قالت المرأة ؟ ألهذا حج ؟ قال نعم ولك أجر فالحج له وليعلم أن الصبي بل كل من دون البلوغ يكتب له الأجر ولا يكتب عليه الوزر .
واستدل بعض العلماء بقوله نعم له حج أنه إذا أحرم الصبي لزمه جميع لوازم الحج يلزمه الطواف والسعي والوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة ومنى ورمي الجمرات يفعل ما يقدر عليه وما لا يقدر عليه يفعل عنه إلا الطواف والسعي فإنه يطاف ويسعى به .
وقال بعض أهل العلم لا بأس أن يتحلل الصبي ولو بدون سبب لأنه قد رفع عنه القلم وليس بمكلف ولا يقال إن نفل الحج كفرضه لا يجوز الخروج منه وهذا الصبي متنفل فلا يجوز له أن يخرج لأن أصل الصبي من غير المكلفين فلا تلزمه بشيء وهو غير مكلف وهذا مذهب أبي حنيفة رحمه الله أن الصبي لا يلزم بإتمام الحج ولا بواجبات الحج ولا باجتناب محذوراته وأن ما جاء منه قبل وما تخلف لا يسأل عنه وهذا يقع كثيرا من الناس الآن حيث يحرمون بصبيانهم ثم يتعب الصبي ويأبى أن يكمل ويخلع إحرامه فعلى مذهب جمهور العلماء لابد أن نلزمه بالإتمام وعلى مذهب أبي حنيفة وهو الذي مال إليه صاحب الفروع رحمه الله من أصحاب الإمام أحمد ومن تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا يلزم لأنه ليس أهلا للتكليف وفي هذا الحديث أيضا ما يدل على أن الصبي وإن كان غير مميز فإنه يصح منه الحج ولكن كيف تصح نيته وهو غير مميز ؟ قال العلماء ينوي عنه وليه بقلبه أنه أدخله في الإحرام ويفعل وليه كلما يعجز عنه وفي هذه المناسبة نود أن نبين هل يجب على من دخل في الحج أن ينوي الطواف بنية مستقلة والسعي بنية مستقلة والرمي كذلك أولا يشترط ؟ هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء من العلماء من قال إذا أحرم الإنسان بالحج وطاف وسعى على النية الأولى يعني لم يجدد نيته عند الطواف ولا عند السعي فإن حجه صحيح قال تعليلا لقوله إن الطواف والسعي والوقوف والرمي والمبيت كلها أجزاء من عبادة فتكفي النية الأولى كما أن الإنسان إذا صلى ونوى عند الدخول في الصلاة أنه دخل في الصلاة فإنه لا يلزمه أن ينوي الركوع ولا السجود ولا القيام ولا القعود لأنها أجزاء من العبادة فكذلك الحج وهذا القول ينبغي أن يؤتى به عند الضرورة يعني لو جاءك مستفت يقول أنا دخلت المسجد الحرام وطفت وفي تلك الساعة لم تكن عندي نية فهنا ينبغي أن يفتى بأنه لا شيء عليه وأن طوافه صحيح أما عند السعة فينبغي أن يقال إنك إذا نويت أحسن وهو على كل حال لابد أن ينوي الطواف ولكن أحيانا يغيب عن ذهنه أنه طواف الركن أو طواف التطوع وما أشبه ذلك


180 - وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الخازن المسلم الأمين الذي ينفذ ما أمر به فيعطيه كاملا موفرا طيبة به نفسه فيدفعه إلى الذي أمر له به أحد المتصدقين متفق عليه .
وفي رواية الذي يعطي ما أمر به وضبطوا المتصدقين بفتح القاف مع كسر النون على التثنية وعكسه على الجمع وكلاهما صحيح

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الخازن المسلم الأمين الذي ينفذ ما أمر به فيعطه كاملا موفرا طيبة به نفسه فيدفعه إلى الذي أمر به أحد المتصدقين متفق عليه الخازن مبتدأ وأحد المتصدقين خبر يعني أن الخازن الذي جمع هذه الأوصاف الأربعة المسلم الأمين الذي ينفذ ما أمر به طيبة بها نفسه فهو مسلم احترازا من الكافر فالخازن إذا كان كافرا وإن كان أمينا وينفذ ما أمر به ليس له أجر لأن الكفار لا أجر لهم في الآخرة فيما عملوا من الخير قال الله تعالى وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا وقال تعالى { ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } أما إذا عمل خيرا ثم أسلم فإنه يسلم على ما أسلف من خير ويعطى أجره الوصف الثاني: الأمين يعني الذي أدى ما أؤتمن عليه فحفظ المال ولم يفسده ولم يغز فيه ولم يتعد فيه الوصف الثالث الذي ينفذ ما أمر به يعني يفعله لأن من الناس من يكون أمينا لكنه متكاسل فهذا أمين ومنفذ يفعل ما أمر به فيجمع بين القوة والأمانة الوصف الرابع أن تكون طيبة به نفسه إذا نفذ وأعطى ما أمر به أعطاه وهو طيبة به نفسه يعني لا يمن على المعطي أو يظهر أن له فضلا عليه بل يعطيه طيبة به نفسه هذا يكون أحد المتصدقين مع أنه لم يدفع من ماله فلسا واحدا مثال ذلك إذا كان عند رجل مال وكان أمين الصندوق صندوق المال مسلما أمينا ينفذ ما أمره به ويعطيه صاحبه طيبة به نفسه فإذا قال لهم صاحب الصندوق يا فلان أعط هذا الفقير عشرة آلاف ريال فأعطاه على الوصف الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم إنه يكون كالذي تصدق بعشرة آلاف ريال من غير أن ينقص من أجر المتصدق شيئا ولكنه فضل من الله عز وجل ففي هذا الحديث دليل على فضل الأمانة وعلى فضل التنفيذ فيما وكل فيه وعدم التفريط فيه ودليل على أن التعاون على البر والتقوى يكتب لمن أعان مثل ما يكتب لمن فعل وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء


باب النصيحة


قال تعالى { إنما المؤمنون إخوة } وقال تعالى إخبارا عن نوح صلى الله عليه وسلم { وأنصح لكم } وعن هود صلى الله عليه وسلم { وأنا لكم ناصح أمين }

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله تعالى باب النصيحة النصيحة هي بذل النصح للغير والنصح معناه أن الشخص يحب لأخيه الخير ويدعوه إليه ويبينه له ويرغبه فيه وقد جعل النبي الدين النصيحة فقال الدين النصيحة ثلاث مرات قالوا لمن يا رسول الله ؟ قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم وضد النصيحة المكر والغش والخيانة والخديعة ثم صدر المؤلف هذا الباب بثلاث آيات الآية الأولى: قوله تعالى إنما المؤمنون إخوة وإذا ثبتت هذه الجملة بالمؤمن أي إذا تحققت فيهم واتصفوا بها فإنه لابد أن تكون هذه الإخوة مثمرة للنصيحة والواجب على المؤمنين أن يكونوا كما قال الله عز وجل { إنما المؤمنون إخوة } وهم إخوة في الدين، والأخوة في الدين أقوى من الأخوة في النسب بل إن الأخوة في النسب مع عدم الدين ليست بشيء ولهذا قال الله تعالى عز وجل لنوح لما قال { إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق } قال تعالى { إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح } أما المؤمنين فإنهم وإن تباعدت أقطارهم وتباينت لغاتهم فإنهم إخوة مهما كان والأخ لابد أن يكون ناصحا لأخيه مبديا له الخير مبينا ذلك له داعيا له أما الآية الثانية فهي قول نوح وهو أول الرسل يقول لقومه حين دعاهم إلى الله تعالى { وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون } يعني لست بغاش لكم ولا خادع ولا غادر ولكني ناصح أما الآية الثالثة فقول الله تعالى عن هود { وأنا لكم ناصح أمين } وعلى كل حال يجب على المرء أن يكون لإخوانه من الناصحين مبديا لهم الخير داعيا لهم إليه حتى يحقق بذلك الأخوة الإيمانية .
وأما الأحاديث


181 - فالأول عن أبي رقية تميم بن أوس الداري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الدين النصيحة قلنا لمن ؟ قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم رواه مسلم

الشَّرْحُ

ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في باب النصيحة ثلاثة أحاديث الحديث الأول عن تميم بن أوس الداري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الدين النصيحة الدين النصيحة الدين النصيحة كررها ثلاثا صلى الله عليه وسلم لأجل أن ينتبه المخاطب والسامع حتى يتلقى ما يقول النبي بانتباه قلنا لمن يا رسول الله ؟ قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم خمسة أشياء هي محل النصيحة والنصيحة لله عز وجل تكون بالإخلاص لله تعالى والتعبد له محبة وتعظيما لأن الله عز وجل يتعبد له العبد محبة فيقوم بأوامره طلبا للوصول إلى محبته عز وجل وتعظيما فينتهي عند محارمه خوفا منه سبحانه وتعالى ومن النصيحة لله أن يكون الإنسان دائما ذاكرا لربه بقلبه ولسانه وجوارحه أما القلب فإنه لا حدود لذكره والإنسان يستطيع أن يذكر الله بقلبه على كل حال وفي كل ما يشاء وفي كل ما يسمع لأن في كل شيء لله تعالى آية تدل على وحدانيته وعظمته وسلطانه يفكر في خلق السماوات والأرض يفكر في الليل والنهار يفكر في آيات الله من الشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وغير ذلك فيحدث هذا ذكرا لله عز وجل في قلبه .
من النصيحة لله أن تكون غيرته لله فيغار لله عز وجل إذا انتهكت محارمه كما كان النبي صلى الله عليه وسلم هكذا فإنه عليه الصلاة والسلام كان لا ينتقم لنفسه أبدا مهما قال الناس فيه لا ينتقم لنفسه ولكنه إذا انتهكت محارم الله صار أشد الناس انتقاما ممن ينتهك حرمات الله تعالى فيغار الإنسان على ربه فلا يسمع أحدا يسب الله أو يشتم الله أو يستهزئ بالله إلا غار من ذلك حتى إذا كان له أن يقتل قتله لأن هذا من النصيحة لله عز وجل ومن النصيحة لله أن يذب عن دين الله تعالى الذي شرعه لعباده فيبطل كيد الكائدين ويرد على الملحدين الذين يعرضون الدين وكأنه قيود تقيد الناس عن حرياتهم والحقيقة أنها قيود حرية لأن الإنسان يتقيد لله عز وجل وبالله وفي دين الله من لم يتقيد بهذا تقيد للشيطان وفي خطوات الشيطان لأن النفس همامة دائما فلا تسكن نفس أحد أبدا بل لابد أن تكون لها همم في أي شيء إما في خير وإما في شر وما أحسن قول ابن القيم رحمه الله في النونية حيث قال
هربوا من الرق الذي خلقوا له ...
وبلوا برق النفس والشيطان
هربوا من الرق الذي خلقوا له ما هو الرق الذي خلقنا له عبادة الله قال تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون لكنهم هربوا من هذا الرق الذي هو كمال الحرية وكمال السعادة إلى رق النفس والشيطان .
والنفس نعوذ بالله من شرها تسترق الإنسان وتملي عليه الهوى فيكون خاضعا لهواها وإذا غلب الهوى زال العقل وكما قال الشاعر
سكران سكر هوى وسكر مدامة ...
فمتى إفاقة من به سكران ؟
يصف شخصا يشرب الخمر والعياذ بالله فيقول إنه فيه سكران سكر الهوى وسكر المدامة فمتى إفاقة من به سكران ؟ وواضح أن هذا لا ترجى له إفاقة فالحاصل أن الإنسان يتعبد لله عز وجل لا للنفس ولا للشيطان حتى يتحرر من القيود التي تضره ولا تنفعه ومن النصيحة لله عز وجل أن يكون باثا دين الله في عباد الله لأن هذا مقام الرسل كلهم فهم دعاة إلى الله يدعون الناس إلى الله عز وجل كما قال الله تعالى عنهم { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة } وقوله تعالى { فمنهم } أي من الأمة التي بعث فيها الرسول نسأل الله تعالى أن يهدينا وإياكم صراطه المستقيم ثم قال صلى الله عليه وسلم ولكتابه يعني أيضا من الدين النصيحة لكتاب الله عز وجل وهذا يشمل كتاب الله الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم والذي أنزل من قبل والنصيحة لهذه الكتب بتصديق أخبارها أي أن ما أخبرت به يجب أن نصدقه أما بالنسبة للقرآن فظاهر لأن القرآن ولله الحمد نقل بالتواتر من عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا وإلى أن يرفعه الله عز وجل في آخر الزمان يقرأه الصغير والكبير وأما الكتب السابقة فإنها قد حرفت وغيرت وبدلت لكن ما صح منها فإنه يجب تصديق خبره واعتقاد صحة حكمه لكننا لسنا متعبدين بأحكام الكتب السابقة إلا بدليل من شرعنا ومن النصيحة لكتاب الله أن يدافع الإنسان عنه يدافع من حرفه تحريفا لفظيا , تحريفا معنويا أو من زعم أن فيه نقصا أو أن فيه زيادة فالرافضة مثلا يدعون أن القرآن فيه نقص وأن القرآن الذي نزل على محمد أكثر من هذا الموجود بين أيدي المسلمين فخالفوا بذلك إجماع المسلمين والقرآن ولله الحمد لم ينقص منه شيء ومن زعم أنه قد نقص منه شيء فقد كذب قوله تعالى { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } فالله عز وجل تكفل بحفظه ومن ادعى أنه قد نقص حرفا واحدا اختزل منه فقد كذب الله عز وجل فعليه أن يتوب ويرجع إلى الله من هذه الردة ومن النصيحة لكتاب الله أن ينشر الإنسان معناه بين المسلمين المعنى الصحيح الموافق لظاهره بحيث لا يكون فيه تحريف ولا تغيير فإذا جلس مجلسا فإن من الخير والنصيحة لكتاب الله أن يأتي بآية من كتاب الله عز وجل يبينها للناس ويوضح معناها ولا سيما الآيات التي تكثر قراءتها بين المسلمين مثل الفاتحة فإن الفاتحة كما نعلم جميعا ركن من أركان الصلاة في كل ركعة للإمام والمأموم والمنفرد فيحتاج الناس إلى معرفتها فإذا فسرها بين يدي الناس وبينها لهم فإن هذا من النصيحة لكتاب الله عز وجل ومن النصيحة لكتاب الله أن تؤمن بأن الله تعالى تكلم بهذا القرآن حقيقة وأنه كلامه عز وجل الحرف والمعنى ليس الكلام الحروف دون المعاني ولا المعاني دون الحروف بل إنه كلام الله لفظا ومعنى تكلم به وتلقاه منه جبريل ثم نزل به على محمد صلى الله عليه وسلم وقد قال الله تعالى وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين وتأمل كيف قال على قلبك مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم يسمعه بأذنيه ولكن الأذن إن لم يصل مسموعها إلى القلب فإنه لا يستقر في النفس فلا يستقر في النفس إلا ما وصل إلى القلب عن طريق الأذن أو عن طريق الرؤيا بالعين أو المس باليد أو الشم بالأنف أو الذوق بالفم فالمهم القرار وهو القلب ولهذا قال { على قلبك لتكون من المنذرين } وعلى هذا فليس من النصيحة الخوض في الكلام على القرآن هل هو كلام الله حقيقة أو ليس بكلام الله حقيقة أو أن يقول إنه خلق من مخلوقات الله أو ما أشبه ذلك بل من النصيحة أن تؤمن بأنه كلام الله حقا اللفظ والمعنى ومن النصيحة لكتاب الله تعالى أن يقوم الإنسان باحترام هذا القرآن العظيم فمن ذلك أن لا يمس القرآن إلا وهو طاهر من الحدثين الأصغر والأكبر لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا يمس القرآن إلا طاهر أو من وراء حائل لأن من مسه من وراء حائل فإنه لم يمسه في الواقع وينبغي لا على سبيل الوجوب أن لا يقرأ القرآن ولو عن ظهر قلب إلا متطهرا لأن هذا من احترام القرآن ومن النصيحة لكتاب الله عز وجل أن لا تضعه في موضع يمتهن فيه ويكون وضعه فيه امتهانا له كمحل القاذورات وما أشبه ذلك ولهذا يجب الحذر مما يصنعه بعض الصبيان إذا انتهوا من الدروس في مدارسهم ألقوا مقرراتهم والتي من بينها الأجزاء من المصحف في الطرقات وفي الزبالة أو ما أشبه ذلك والعياذ بالله وأما وضع المصحف على الأرض الطاهرة الطيبة فإن هذا لا بأس به ولا حرج فيه لأن هذه ليس فيه امتهان للقرآن ولا إهانة له وهو يقع كثيرا من الناس إذا كان يصلي ويقرأ من المصحف وأراد السجود يضعه بين يديه فهذا لا يعد امتهانا ولا إهانة للمصحف فلا بأس به والله أعلم وأما الثالثة فقال النبي ولرسوله والنصيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم تتضمن أشياء الأول الإيمان التام برسالته وأن الله تعالى أرسله إلى جميع الخلق عربهم وعجمهم بل إنسهم وجنهم قال الله تعالى { وأرسلناك للناس رسولا } وقال تعالى { تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا } وقال تعالى { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين والآيات في هذه كثيرة فيؤمن بأن محمدا رسول الله إلى جميع الخلق من جن وإنس ومن النصيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم تصديق خبره وأنه صادق مصدوق صادق فيما يخبر به مصدوق فيما أخبر به من الوحي فما كذب ولا كذب صلى الله عليه وسلم ومن النصيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم صدق الاتباع له بحيث لا تتجاوز شريعته ولا تنقص عنها فتجعله إمامك في جميع العبادات فإن الرسول صلى الله عليه وسلم هو إمام هذه الأمة وهو متبوعها ولا يحل لأحد أن يتبع سواه إلا إن كان واسطة بينه وبين الرسول بحيث يكون عنده من علم السنة ما ليس عندك فحينئذ لا حرج أن تتبع هذا الرجل بشرط أن تكون معتقدا بأنه واسطة بينك وبين الشريعة لا أنه مستقل لأنه لا أحد يستقل بالتشريع إلا الرسول أما من سواه فهو مبلغ عن الرسول كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم بلغوا عني ولو آية ومن النصيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذب عن شريعته وحمايتها فالذب عنها بأن لا ينتقصها أحد والذب عنها بأن لا يزيد فيها أحد ما ليس منها فتحارب أهل البدع القولية والفعلية والعقدية لأن البدع كلها باب واحد كلها حقل واحد كلها ضلالة كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم كل بدعة ضلالة لا يستثنى من هذا بدعة قولية ولا فعلية ولا عقدية كل ما خالف هدي النبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به في العقيدة أو القول أو في العمل فهو بدعة فمن النصيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن تحارب أهل البدع بمثل ما يحاربون به السنة إن حاربوا بالقول فبالقول وإن حاربوا بالفعل فبالفعل جزاء وفاقا لأن هذا من النصيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومن النصيحة للنبي احترام أصحابه وتعظيمهم ومحبتهم لأن صحب الإنسان لا شك أنهم خاصته من الناس وأخص به ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم خير القرون لأنهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن سب الصحابة أو أبغضهم أو لمزهم أو أشار إلى شي يبهتهم فيه فإنه لم ينصح للرسول صلى الله عليه وسلم وإن زعم أنه ناصح للرسول فهو كاذب كيف تسب أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم وتبغضهم وأنت تحب الرسول وتنصح له وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل فإذا كان أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم يسبهم الساب المفتري الكذاب فإنه في الحقيقة قد سب الرسول صلى الله عليه وسلم ولم ينصح به بل هو في الحقيقة قدح في الشريعة لأن حملة الشريعة إلينا هم الصحابة فإذا كانوا أهلا للسب والقدح لم يوثق بالشريعة لأن نقلتها أهل ذم وقدح بل إن سب الصحابة سب لله عز وجل نسأل الله العافية وقدح في حكمته أن يختار لنبيه صلى الله عليه وسلم ولحمل دينه من هم أهل للذم والقدح إذن من النصيحة للرسول صلى الله عليه وسلم محبة أصحابه واحترامهم وتعظيمهم فهذا من الدين فصار النصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم يتضمن هذه الأمور كلها الرابع قال ولأئمة المسلمين الأئمة جمع إمام والمراد بالإمام من يقتدي به ويؤتمر بأمره وينقسم إلى قسمين إمامة في الدين وإمامة في السلطة .
فالإمامة في الدين هي بيدي العلماء فالعلماء هم أئمة الدين الذين يقودون الناس لكتاب الله ويهدونهم إليه ويدلونهم على شريعة الله قال الله تبارك وتعالى في دعاء عباد الرحمن } ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما { فهؤلاء ما سألوا الله إمامة السلطة والإمارة بل سألوا الله إمامة الدين لأن عباد الرحمن لا يريدون السلطة على الناس ولا يطلبون الإمارة بل قد قال الرسول صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه لا تسأل الإمارة فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أوتيتها عن غير مسألة أعنت عليها لكنهم يسألون إمامة الدين التي قال الله عنها } وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون { فقال } أئمة يهدون بأمرنا { والنصح لأئمة المسلمين أي إمامة الدين والعلم هو أن الإنسان يحرص على تلقي ما عندهم من العلم فإنهم الواسطة بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين أمته فيحرص على تلقي العلم عنهم بكل وسيلة والوسائل في وقتنا ولله الحمد كثرت من كتابة وتسجيل وتلق وغير ذلك فالوسائل والحمد لله كثيرة فليحرص على تلقي العلم من العلماء وليكن تلقيه على وجه التأني لا على وجه التسرع لأن الإنسان إذا تسرع في تلقي العلم فربما يتلقاه على غير ما ألقاه إليه شيخه وقد أدب الله النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأدب فقال تعالى } لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه { لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبادر جبريل إذا ألقى عليه القرآن فيقرأ فقال الله تعالى } لا تحرك به لسانك لتعجل به { يعني اسكت لا تحرك اللسان ولا سرا حتى ينته جبريل من القراءة ثم بعد ذلك اقرأه } ثم إن علينا بيانه { وتكفل الرب عز وجل ببيانه يعني أنك لن تنساه مع أن المتوقع أن الإنسان إذا سكت حتى ينتهي الملقي من إلقائه ربما ينسى بعض الجمل لكن قال الله عز وجل } ثم إن علينا بيانه { ومن النصح أيضا لعلماء المسلمين أن لا يتتبع الإنسان عوراتهم وزلاتهم وما يخطئون فيه لأنهم غير معصومين قد يزلون وقد يخطئون وكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون ولا سيما من يتلقى العلم فإنه يجب أن يكون أبلغ الناس في تحمل الأخطاء التي يخطئ بها شيخه وينبهه عليها فكم من إنسان انتفع من تلاميذه ينبهونه على بعض الشيء على الخطأ أو على الخطأ العلمي وعلى أخطاء كثيرة لأن الإنسان بشر لكن الشيء المهم أن لا يكون حريصا على تلقي الزلات فإنه جاء في الحديث يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل في قلبه لا تؤذوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من تتبع عورة أخيه فضحه الله ولو في بيت أمه هذا وهم مسلمون عامة فكيف بالعلماء ؟ إن الذين يلتقطون زلات العلماء ليشيعوها ليسوا مسيئين للعلماء شخصيا وحسب بل مسيئون للعلماء شخصيا مسيئون إلى علمهم الذي يحملونه ومسيئون إلى الشريعة التي تتلقى من جهتهم لأن العلماء إذا لم يثق الناس فيهم وإذا اطلعوا على عوراتهم التي قد لا تكون عورات إلا على حسب نظر هذا المغرض فإنهم تقل ثقتهم بالعلماء وبما عندهم من العلم فيكون في هذا جناية على الشرع الذي يحملونه من سنة الرسول عليه الصلاة والسلام لذلك من نصيحتك لأئمة المسلمين من أهل العلم أن تدافع عن عوراتهم وأن تسترها ما استطعت وأن لا تسكت بل نبه العالم وابحث معه واسأله ربما ينقل عنه أشياء غير صحيحة وقد نقل عنا وعن غيرنا أشياء غير صحيحة لكن نسأل الله العافية إذا كان لهم هوى وأحبوا شيئا وعرفوا أحدا من أهل العلم يقبل الناس قوله نسبوه لهذا العالم ثم إذا سألت نفس الذي إليه القول قال أبدا ما قلت كذا وقد يخطئ السائل مثلا في صيغة السؤال فيجيب العالم على قدر السؤال ويفهمه السائل على حسب ما في نفسه هو فيحصل الخطأ وقد يجيب العالم بالصواب بعد فهم السؤال لكن يفهمه السائل على غير وجهه فيخطئ في النقل وعلى كل حال من النصيحة لأئمة المسلمين في العلم والدين أن لا يتتبع الإنسان عوراتهم بل يلتمس العذر لهم لا مانع من أن يتصل بهم فإذا أراد التأكد من شيء سمعه ويرى أنه خطأ فإذا اتصل به ربما بين له وربما يشرح له شيئا لا يعرفه ويظن أنه أخطأ فيه وربما قد خفي عليه شيء فتنبه أنت وتكون مشكورا على هذا وقد قال أول إمام في الدين والسلطة في هذه الأمة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم أبو بكر رضي الله عنه حيث خطب أول خطبة قال للناس وهو يخاطبهم يتحدث عن نفسه إن اعوججت فأقيموني وذلك لأن الإنسان بشر فقوم أخاك ولا سيما أهل العلم لأن العالم خطره عظيم الخطر الزللي والخطر الرفيع لأن كلمة الخطر تكون للعلو والنزول فهو خطره عظيم إن أصاب هدى الله على يده خلقا كثيرا وإن أخطأ ضل على يده خلق كثير فزلة العالم من أعظم الزلات ولهذا أقول يجب أن نحمي أعراض علمائنا وأن ندافع عنهم ونلتمس العذر لأخطائهم ولا يمنع هذا أن نتصل بهم وأن نسألهم وأن نبحث معهم وأن نناقشهم حتى نكون مخلصين ناصحين لأئمة المسلمين النوع الثاني من أئمة المسلمين أئمة السلطة وهم الأمراء والأمراء في الغالب أكثر خطأ من العلماء لأنه لسلطته قد تأخذه العزة بالإثم فيريد أن يفرض سلطته على الصواب والخطأ فالغالب من أئمة المسلمين في السلطة وهم الأمراء أن الخطأ فيهم أكثر من العلماء إلا ما شاء الله .
والنصيحة لهم هي أن تكف عن مساوئهم وأن لا تنشرها بين الناس وأن نبذل لهم النصيحة ما استطعنا بالمباشرة إذا كنا نستطيع أن نباشرهم أو بالكتابة إذا كنا لا نستطيع أو بالاتصال بمن يتصل بهم إذا كنا لا نستطيع الكتابة لأنه أحيانا ما يستطيع الإنسان لهم الكتابة ولو كتب لم تصل إلى المسئول فيتصل بأحد يتصل بالمسئول وينبهه فهذا من النصح أما نشر مساوئهم فليس به عدوان شخصي عليهم فقط بل هو عدوان شخصي عليهم وعلى الأمة جميعا لأن الأمة إذا امتلأت صدورها من الحقد على ولاة أمورها عصت الولاة ونابذتهم وحينئذ تحصل الفوضى ويسود الخوف ويزول الأمن فإذا بقيت هيبة ولاة الأمور في الصدور صار لهم هيبة وحميت أوامرهم ونظمهم التي لا تخالف الشريعة فالمهم أن أئمة المسلمين تشمل النوعين أئمة الدين وهم العلماء وأئمة السلطان وهم الأمراء وإن شئت فقل أئمة البيان وأئمة السلطان أئمة البيان وهم العلماء الذين يبينون للناس وأئمة السلطان وهم الأمراء الذين ينفذون شريعة الله بقوة السلطان إذن أئمة المسلمين سواء العلم والبيان أو أئمة القوة والسلطان يجب علينا أن نناصحهم وأن نحرص على بذل النصيحة لهم في الدفاع عنهم وستر معايبهم وعلى أن نكون معهم إذا أخطأوا في بيان ذلك الخطأ لهم بيننا وبينهم لأنه ربما نعتقد أن هذا العالم مخطئ أو أن هذا الأمير مخطئ وإذا ناقشناه تبين لنا أنه غير مخطئ كما يقع هذا كثيرا كذلك أيضا ربما تنقل لنا هذه الأشياء عن العالم أو عن الأمير على غير وجهها إما لسوء القصد من الناقل لأن بعض الناس والعياذ بالله يحب تشهير السوء بالعلماء وبالأمراء فيكون سيئ القصد ينقل عليهم ما لم يقولوا وينسب إليهم ما لا يفعلون فلابد إذا سمعنا عن عالم أو عن أمير ما نرى أنه أخطأ لابد في تمام النصيحة من الاتصال به ومناقشته وبيان الأمر وتبينه حتى نكون على بصيرة أما آخر الحديث فيقول وعامتهم يعني النصح لعامة المسلمين وقدم الأئمة على العامة لأن الأئمة إذا صلحوا صلحت العامة فإذا صلح الأمراء صلحت العامة وإذا صلح العلماء صلحت العامة لذلك بدأ بهم وليعلم أن أئمة المسلمين لا يراد بهم الأئمة الذين لهم الإمامة العظمى ولكن يراد به ما هو أعم فكل من له إمرة ولو في مدرسة فإنه يعتبر من أئمة المسلمين إذا نوصح وصلح صلح من تحت يده والنصيحة لعامة المسلمين بأن تحب لهم ما تحب لنفسك وأن ترشدهم إلى الخير وأن تهديهم إلى الحق إذا ضلوا عنه وأن تذكرهم به إذا نسوه وأن تجعلهم بمنزلة الإخوة لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال المسلم أخو المسلم وقال المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وقال مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر فأنت إذا أحسست بألم في أطراف شيء من أعضائك فإن هذا الألم يسري على جميع البدن كذلك ينبغي أن تكون للمسلمين هكذا إذا اشتكى أحد من المسلمين فكأنما الأمر يرجع إليك أنت .
وليعلم أن النصيحة هي مخاطبة الإنسان سرا بينك وبينه لأنك إذا نصحته سرا بينك وبينه أثرت في نفسه وعلم أنك ناصح لكن إذا تكلمت أمام الناس عليه فإنه قد تأخذه العزة بالإثم فلا يقبل النصيحة وقد يظن أنك إنما تريد الانتقام منه وتوبيخه وحط منزلته بين الناس فلا يقبل لكن إذا كان السر بينك وبينه صار لها ميزان كبير عنده وقيمة وقبل منك .
}


182 - الثاني عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم متفق عليه


183 - الثالث عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه متفق عليه

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله عن جرير بن عبد الله البجلي قال بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم .
هذه ثلاثة أشياء حق محض لله وحق للآدمي محض وحق مشترك أما الحق المحض لله فهو قوله إقام الصلاة ومعنى إقام الصلاة: أن يأتي بها الإنسان مستقيما على الوجه المطلوب فيحافظ عليها في أوقاتها ويقوم بأركانها وواجباتها وشروطها ويتمم ذلك بمستحباتها ومن هذا بالنسبة للرجال إقامة الصلاة في المساجد مع الجماعة فإن هذا من إقامة الصلاة ومن تخلف عن الجماعة بلا عذر فهو آثم بل هو عن بعض العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إذا صلى بدون عذر مع غير الجماعة فصلاته باطلة مردودة عليه لا تقبل منه ولكن الجمهور على أنها تصح مع الإثم وهذا هو القول الراجح وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد وهو الذي عليه جمهور من قالوا بوجوب صلاة الجماعة .
ومن إقامة الصلاة الخشوع فيها والخشوع هو حضور القلب وتأمله بما يقوله المصلي وما يفعله وهو أمر مهم لأن الصلاة بلا خشوع كالجسد بلا روح فأنت إذا صليت وقلبك يدور في كل واد فإنك تصلي حركات بدنية فقط فإذا كان قلبك حاضرا تشعر كأنك بين يدي الله عز وجل تناجيه بكلامه وتتقرب إليه بذكره ودعائه فهذا هو لب الصلاة وروحها وأما قوله إيتاء الزكاة يعني إعطائها لمستحقها وهذه جامعة بين حق الله وحق العباد أما كونها حقا لله فلأن الله فرض على عباده الزكاة وجعلها من أركان الإسلام وأما كونها حقا للآدمي فلما فيها من قضاء حوائج المحتاجين وغير ذلك من المصالح المعلومة في معرفة أهل الزكاة وأما قوله النصح لكل مسلم فهذا هو الشاهد من الحديث للباب أي أن ينصح لكل مسلم قريب أو بعيد صغير أو كبير ذكر أو أنثى وكيفية النصح لكل مسلم هي كما ذكره في حديث أنس بعد لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه هذه هي النصيحة أن تحب لإخوانك ما تحب لنفسك بحيث يسرك ما يسرهم ويسوءك ما يسوءهم وتعاملهم بما تحب أن يعاملوك به وهذا الباب واسع كبير جدا .
فنفى النبي عليه الصلاة والسلام الإيمان عمن لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه في كل شيء ونفي الإيمان قال العلماء المراد به نفي الإيمان الكامل يعني لا يكمل إيمانك حتى تحب لأخيك ما تحب لنفسك وليس المراد انتفاء الإيمان بالكلية ويذكر أن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه حين بايع النبي عليه الصلاة والسلام على النصح لكل مسلم أنه اشترى فرسا من شخص بدراهم فلما اشتراه وذهب به وجد أنه يساوي أكثر فرجع إلى البائع وقال له إن فرسك يساوي أكثر فأعطاه ما يرى أنها قيمته فانصرف وجرب الفرس فإذا به يجده يساوي أكثر مما أعطاه أخيرا فرجع إليه وقال له إن فرسك يساوي أكثر فأعطاه ما يرى أنها قيمته وكذلك مرة ثالثة حتى بلغ من مائتي درهم إلى ثماني مائة درهم لأنه بايع الرسول صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم وإذا بايع النبي صلى الله عليه وسلم أحدا على شيء لا يختص به فهو عام لجميع الناس كل الناس مبايعون الرسول عليه الصلاة والسلام على النصح لكل مسلم بل على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وإسداء النصح لكل مسلم والمبايعة هنا بمعنى المعاهدة لأن المبايعة تطلق على البيع والشراء وتطلق على المعاهدة كما قال تعالى إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله وسميت مبايعة لأن كلا من المتبايعين يمد باعه إلى الآخر يعني يده من أجل أن يمسك بيد الآخر ويقول بايعتك على كذا وكذا


باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر


قال الله تعالى { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون } وقال تعالى { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر } وقال تعالى { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } وقال تعالى { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } وقال تعالى { لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون }

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله تعالى باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فالمعروف كل ما عرفه الشرع وأقره من العبادات القولية والفعلية الظاهرة والباطنة والمنكر كل ما أنكره الشرع ومنعه من أنواع المعاصي من الكفر والفسوق والعصيان والكذب والغيبة والنميمة وغير ذلك والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية إذا قام به من يكفي حصل المقصود وإذا لم يقم به من يكفي وجب على جميع المسلمين كما قال الله تعالى ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فبدأ بالدعوة إلى الخير ثم ثنى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وذلك لأن الدعوة إلى الخير قبل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الخير هي بيان الخير للناس بأن يدعوهم إلى الصلاة وإلى الزكاة وإلى الحج وإلى الصيام وإلى بر الوالدين وإلى صلة الأرحام وما أشبه ذلك ثم بعد هذا يأتي دور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيأمر يقول صل إما على سبيل العموم أو على سبيل الخصوص بأن يمسك برجل متهاون بالصلاة ويقول صل .
وهناك مرحلة أخرى وهي التغيير الذي قال فيه الرسول عليه الصلاة والسلام من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ولم يقل فلينه عنه لأنه هذه مرحلة فوق النهي فإن لم يستطع فبلسانه وإن لم يستطع فبقلبه اللسان هو مرحلة النهي عن المنكر إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يتكلم فإنه ينكر بقلبه بكراهته وبغضه لهذا المنكر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحتاج إلى أمور: الأمر بالمعروف أن يكون الإنسان عالما بالمعروف والمنكر فإن لم يكن عالما بالمعروف فإنه لا يجوز أن يأمر به لأنه قد يأمر بأمر يظنه معروفا وهو منكر ولا يدري فلابد أن يكون عالما أن هذا من المعروف الذي شرعه الله ورسوله ولابد أن يكون عالما بالمنكر أي عالما بأن هذا منكر فإن لم يكن عالما بذلك فلا ينه عنه لأنه قد ينهى عن شيء هو معروف فيترك المعروف بسببه أو ينهى عن شيء وهو مباح فيضيق على عباد الله بمنعهم مما أباح الله لهم فلا بد أن يكون عالما بأن هذا منكر وقد يتسرع كثير من إخواننا الغيورين فينهون عن أمور مباحة يظنونها منكرا فيضيقون على عباد الله .
فالواجب أن لا تأمر بشيء إلا وأنت تدري أنه معروف وأن لا تنه عن شيء إلا وأنت تدري أنه منكر .
الأمر الثاني أن تعلم بأن هذا الرجل تارك للمعروف أو فاعل للمنكر ولا تأخذ الناس بالتهمة أو بالظن فإن الله تعالى يقول يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا { فإذا رأيت شخصا لا يصلي معك في المسجد فلا يلزم من ذلك أنه لا يصلي في مسجد آخر بل قد يكون يصلي في مسجد آخر وقد يكون معذورا فلا تذهب من أجل أن تنكر عليه حتى تعلم أنه يتخلف بلا عذر نعم لا بأس أن تذهب وتسأله وتقول يا فلان نحن نفقدك في المسجد لا بأس عليك أما أن تنكر أو أشد من ذلك أن تتكلم به في المجالس فهذا لا يجوز لأنك لا تدري ربما يكون يصلي في مسجد آخر أو يكون معذورا ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يستفهم أولا قبل أن يأمر فإنه ثبت في صحيح مسلم أن رجلا دخل يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فجلس ولم يصل تحية المسجد فقال النبي صلى الله عليه وسلم أصليت ؟ قال لا قال قم فصل ركعتين ولم يأمره أن يصلي ركعتين حتى سأله هل صلى أم لا مع أن ظاهر الحال أنه رجل دخل وجلس ولم يصل ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام خاف أن يكون قد صلى وهو لم يشعر به فقال أصليت ؟ فقال لا قال قم فصل ركعتين كذلك في المنكر لا يجوز أن تنكر على شخص إلا إذا علمت أنه وقع في المنكر فإذا رأيت مع شخص امرأة في سيارة مثلا فإنه لا يجوز أن تتكلم عليه أو على المرأة لأنه ربما أن تكون هذه المرأة من محارمه زوج أو أم أو أخت أو ما أشبه ذلك حتى تعلم أنه قد أركب معه امرأة ليست من محارمه وأمثال هذا كثير المهم أنه لابد من علم الإنسان أن هذا معروف ليأمر به أو منكر لينهى عنه ولابد أن يعلم أيضا أن الذي وجه إليه الأمر أو النهي قد وقع في أمر يحتاج إلى أمر فيه أو نهي عنه ثم إن الذي ينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون رفيقا بأمره رفيقا في نهيه لأنه إذا كان رفيقا أعطاه الله سبحانه وتعالى ما لا يعطي على العنف كما قال النبي عليه الصلاة والسلام إن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي عن العنف فأنت إذا عنفت على من تنصح ربما ينفر وتأخذه العزة بالإثم ولا ينقاد لك ولكن إذا جئته بالتي هي أحسن فإنه ينتفع .
ويذكر أن رجل من أهل الحسبة يعني من الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر في زمان مضى قديما مر على شخص يسنى على إبله أي يستخرج لها الماء من البئر عند أذان المغرب وعادة الناس الذين يسنون أن يحدوا بالإبل يعني ينشد شعرا من أجل أن تخف الإبل لأن الإبل سبحان الله تطرب لنشيد الشعر فجاء هذا الرجل ومعه غيره وتكلم على هذا بكلام قبيح على العامل الذي يسنى والعامل متعب من الشغل وضاقت عليه نفسه فضرب الرجل بالمسوقة المسوقة عصا طويلة متينة فشرد الرجل وذهب إلى المسجد والتقى بالشيخ عالم من العلماء من أحفاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله وقال إني فعلت كذا وكذا وإن الرجل ضربني بالمسوقة فلما كان من اليوم الثاني ذهب الشيخ بنفسه إلى المكان قبل غروب الشمس وتوضأ ووضع مشلحه على خشبة حول منحاة ثم أذن المغرب فوقف كأنه يريد أن يأخذ المشلح فقال له يا فلان يا أخي جزاك الله خيرا أنت تطلب الخير في العمل هذا وأنت على خير لكن الآن أذن لو أنك تذهب وتصلي المغرب وترجع ما فاتك شيء الكلام اللين هين قال له جزاك الله خيرا مر علي رجل أمس جلف وقام ينتهرني وقال لي أنت فيك ما فيك وما ملكت نفسي حتى ضربته بالمسوقة قال الأمر لا يحتاج إلى الضرب أنت عاقل تكلم معه بكلام لين فأسند المسوقة العصا التي يضرب بها الإبل ثم ذهب يصلي بانقياد .
وكان هذا لأن الأول عامله بالعنف والثاني عامله بالرفق ونحن وإن لم تحصل هذه القضية فلدينا كلام الرسول صلى الله عليه وسلم يقول إن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف ويقول صلى الله عليه وسلم ما كان الرفق في شيء إلا زانه وما ينزع من شيء إلا شانه فعلى الآمر أن يحرص على أن يكون أمره ونهيه رفيقا الشرط الثالث أن لا يزول المنكر إلى ما هو أعظم منه فإن كان هذا المنكر لو نهينا عنه زال إلى ما هو أعظم منه فإنه لا يجوز أن ننهى عنه درءا لكبرى المفسدتين بصغراهما لأنه إذا تعارض عندنا مفسدتان وكانت إحداهما أكبر من الأخرى فإننا نتقي الكبرى بالصغرى مثال ذلك لو أن رجلا يشرب الدخان أمامك فأردت أن تنهاه وتقيمه من المجلس ولكنك تعرف أنك لو فعلت لذهب يجلس مع السكارى ومعلوم أن شرب الخمر أعظم من شرب الدخان فهنا لا ننهاه بل نعالجه بالتي هي أحسن لئلا يؤول الأمر إلى ما هو أنكر وأعظم .
ويذكر أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه مر بقوم في الشام من التتار ووجدهم يشربون الخمر وكان معه صاحب له فمر بهم شيخ الإسلام ولم ينههم فقال له صاحبه لماذا لم تنههم ؟ قال لو نهيناهم لذهبوا يهتكون أعراض المسلمين وينهبون أموالهم وهذا أعظم من شربهم الخمر فتركهم مخافة أن يفعلوا ما هو أنكر وأعظم وهذا لا شك أنه من فقهه رحمه الله فالمهم أنه يشترط لوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن لا يتضمن ذلك ما هو أكبر ضررا وأعظم إثما فإن تضمن ذلك فإن الواجب دفع أعلى المفسدتين بأدناهما ودفع أكبرهما بأصغرهما وهذه قاعدة مشهورة عند العلماء الشرط الرابع اختلف العلماء رحمهم الله في اشتراط أن يكون الآمر والناهي فاعلا لما أمر به تاركا لما نهى عنه والصحيح أنه لا يشترط وأنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ولو كان لا يفعل المعروف ولا يتجنب المنكر فإن ذنبه عليه لكن يجب أن يأمر وينهى لأنه إذا ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه لا يفعل المأمور ولا يترك المحظور لأضاف ذنبا إلى ذنبه لذا فإنه يجب عليه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وإن كان يفعل المنكر ويترك المعروف ولكن في الغالب بمقتضى الطبيعة الفطرية أن الإنسان لا يأمر الناس بشيء لا يفعله بل يستحي ويخجل ولا ينهى الناس عن شيء يفعله لكن الواجب أن يأمر بما أمر به الشرع وإن كان لا يفعله وأن ينهى عما نهى عنه الشرع وإن كان لا يتجنبه لأن كل واحد منهما واجب منفصل عن الآخر وهما غير متلازمين ثم إنه ينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يقصد بذلك إصلاح الخلق وإقامة شرع الله لا أن يقصد الانتقام من المعاصي أو الانتصار لنفسه فإنه إذا نوى هذه النية لم ينزل الله البركة في أمره ولا في نهيه بل يكون كالطبيب يريد معالجة الناس ودفع البلاء عنهم فينوي بأمره أولا إقامة شرع الله وثانيا إصلاح خلق الله وكذلك نهيه حتى يكون مصلحا وصالحا نسأل الله أن يجعلني وإياكم من الهداة المهتدين المصلحين الصالحين إنه جواد كريم وفي ختام الآية يقول الله عز وجل } وأولئك هم المفلحون { وأولئك } المشار إليهم تلك الأمة التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر والمفلح هو الذي فاز بمطلوبه ونجا من مرهوبه .
وهنا قال { وأولئك هم المفلحون } وهذه الجملة تفيد عند أهل العلم باللغة العربية تفيد الحصر أي إن الفلاح إنما يكون لهؤلاء الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويدعون إلى الخير .
ثم قال الله عز وجل بعدها { ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات } والنهي عن التفرق بعد ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يدل على أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب للتفرق وذلك أن الناس إذا كانت لهم مشارب متعددة مختلفة تفرقوا فهذا يعمل طاعة وهذا يعمل معصية وهذا يسكر وهذا يصلي وما أشبه ذلك فتتفرق الأمة ويكون لكل طائفة مشرب ولهذا قال { ولا تكونوا كالذين تفرقوا } إذن لا يجمع الأمة إلا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلو أن الأمة أمرت بالمعروف ونهت عن المنكر وتحاكمت إلى الكتاب والسنة ما تفرقت أبدا ولحصل لهم الأمن ولكان لهم أمن أشد من كل أمن كما قال الله تعالى { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون } الدول الآن الكبرى والصغرى كلها تكرس الجهود الكبيرة الجبارة لحفظ الأمن ولكن كثيرا من المسلمين غفلوا عن هذه الآية الأمن التام موجود في هاتين الكلمتين { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } إذا تحقق الإيمان في الشعب ولم يلبس إيمانه بظلم فحينئذ يحصل له الأمن وأضرب مثلا قريبا للأفهام بعيدا للأزمان في صدر هذه الأمة المباركة كان أكبر مسئول فيها ينام وحده في المسجد ويمشي في السوق وحده لا يخاف إلا الله عمر بن الخطاب رضي الله عنه يكوم الحصبة في المسجد وينام عليها ليس عنده حارس ولا يحتاج لأحد يحرسه لا في السوق ولا في بيته ولا في المسجد لأن الإيمان الخالص لم يلبس بظلم أي لم يخلط بظلم كان في ذلك الوقت فكان الناس آمنين ثم ذهب عهد الخلفاء الراشدين وجاء عهد بني أمية وصار في أمراء بني أمية من حاد عن سبيل الخلفاء الراشدين فحصل الاضطراب وحصلت الفتن وقامت الخوارج وحصل الشر ثم جاء عهد عمر بن عبد العزيز رحمه الله فاستتب الأمن وصاروا يسافرون ويذهبون ويجيئون وهم آمنون ولكن الله عز وجل من حكمته لم يمد له في الخلافة فكانت خلافته سنتين وأشهرا فالمهم أن الأمن كل الأمن ليس بكثرة الجنود ولا بقوة السلاح ولا بقوة الملاحظة والمراقبة ولكن الأمن في هذين الأمرين فقط { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون } ثم ذكر المؤلف رحمه الله في سياق الآيات قول الله تعالى { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم } المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض كل واحد يتولى الثاني ينصره ويساعده وانظر إلى هذه الآية في المؤمنين حيث قال { والمؤمنات بعضهم أولياء بعض } وفي المنافقين قال { المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض } وليسوا أولياء بعض بل المؤمن هو ولي أخيه يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وفي هذه الآية دليل على أن وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليست خاصة بالرجال بل حتى النساء عليهن أن يأمرن بالمعروف وينهين عن المنكر ولكن في حقول النساء ليس في مجامع الرجال وفي أسواق الرجال لكن في حقول النساء ومجتمعات النساء في أيام العرس وفي أيام الدراسة وما أشبه ذلك إذا رأت المرأة منكرا تنهى عنه وإذا رأت تفريطا في واجب تأمر به لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل مؤمن ومؤمنة { يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم } نسأل الله أن يعمنا وإياكم برحمته ومغفرته ذكر رحمه الله هذه الآية { لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون } اللعن هو الطرد والإبعاد من رحمة الله والعياذ بالله ولا يستحقه إلا من فعل كبيرة من كبائر الذنوب وبنو إسرائيل هم بنو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم فإسرائيل هذه لقب ليعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، إبراهيم له ولدان إسماعيل وإسحاق إسماعيل هو الولد الأكبر وهو الذي أمره الله بذبحه أمره الله أن يذبحه ثم من الله عليهما جميعا برفع هذا الأمر ونسخه وفداه الله عز وجل بذبح عظيم وأما إسحاق وهو الولد الثاني لإبراهيم وهو من زوجته وأما إسماعيل فهو من سريته هاجر رضي الله عنها بنو إسرائيل هم من نسل يعقوب بن إسحاق وأرسل الله لهم الرسل الكثيرة وكان منهم المعتدون الذين يقتلون الأنبياء بغير حق والعياذ بالله وكانوا أيضا لا ينهون عن منكر فعلوه بل يرى بعضهم المنكر ولا ينهى عنه وقصة القرية التي كانت حاضرة البحر مشهورة معلومة في القرآن الكريم وهم قوم من اليهود حرم الله عليهم الصيد من البحر يوم السبت فكان في يوم السبت تأتي الحيتان شرعا على وجه الماء من كثرتها ويوم لا يسبتون لا تأتيهم فطال عليهم الأمد فقالوا لا بد أن نتخذ حيلة نتوصل بها إلى الصيد فقالوا نضع شباكا في البحر فإذا جاءت الحيتان يوم السبت مسكتها الشباك فإذا كان يوم الأحد أخذناها ففعلوا ذلك فكان منهم من يعظون وينهون عن هذا المنكر وقوم ساكتين وقوم فاعلين فعاقبهم الله عز وجل وقال { كونوا قردة خاسئين } فكانوا والعياذ بالله قردة بنو آدم انقلبوا قردة خاسئين أذلة والشاهد من هذا أن فيهم قوما لم يعظوا ولم يقوموا بما أوجب الله عليهم من النهي عن المنكر فكانوا ممن دخلوا في هذه اللعنة ولهذا قال { على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون } وداود متأخر عن موسى بكثير وعيسى ابن مريم كذلك فهذان النبيان لعنا الذين لا يتناهون عن منكر فعلوه وقد حكى ذلك عنهما مقرا ذلك فصار من لا يتناهى عن المنكر من الملعونين والعياذ بالله وفي هذا دليل على وجوب النهي عن المنكر وعلى أن تركه سبب اللعن والطرد عن رحمة الله


وقال تعالى { وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } وقال تعالى { فاصدع بما تؤمر } وقال تعالى { أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون } والآيات في الباب كثيرة معلومة

الشَّرْحُ

ثم قال المؤلف رحمه الله فيما ساقه من الآيات وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر الحق من الله عز وجل من الرب الذي خلق الخلق والذي له الحق في أن يوجب على عباده ما شاء الحق منه فيجب علينا قبوله { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } هذه الجملة ليست للتخيير وأن الإنسان مخير إن شاء آمن وإن شاء كفر ولكنها للتهديد والدليل على هذا آخر الآية وهو قوله { إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا } فمن شاء فليؤمن فله الثواب الجزيل ومن شاء فليكفر فعليه العقاب الأليم ويكون من الظالمين كما قال تعالى { والكافرون هم الظالمون } ففي هذا تهديد لمن لم يؤمن بالله عز وجل وأن الحق بين وظاهر جاء به محمد عليه الصلاة والسلام من رب العالمين فمن اهتدى فقد وفق نسأل الله لنا ولكم الهداية ومن ضل والعياذ بالله فقد خزي والله المستعان ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما ذكره من الآيات الدالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ساق رحمه الله تعالى قوله عز وجل { فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين } والخطاب هنا للنبي صلى الله عليه وسلم وليعلم أن الخطاب الموجه للرسول صلى الله عليه وسلم ينقسم إلى قسمين قسم خاص به وقسم له ولأمته والأصل أنه له ولأمته لأن لأمته أسوة حسنة فيه عليه الصلاة والسلام لكن إذا وجدت قرينة تدل على أن الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام كان خاصا به مثل قوله تعالى { ألم نشرح لك صدرك } ومثل قوله تعالى { والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك } فهذا خاص بالرسول عليه الصلاة والسلام أما مثل قوله تعالى { يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك } فهذا له ولأمته { يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن } فهذا له ولأمته { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك } فهذا له ولأمته لقوله صلى الله عليه وسلم بلغوا عني فهنا يقول الله عز وجل لرسوله { فاصدع بما تؤمر } يعني أظهر ما تؤمر به وبينه ولا تأخذك في الله لومة لائم وهذا له ولأمته كل الأمة يجب عليها أن تصدع بما أمرها الله به تأمر به الناس وأن تصدع بما نهى الله عنه تنهى عنه الناس لأن النهي عن الشيء أمر بتركه { فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين } يعني لا تهتم بهم في حالهم ولا فيما يأتي من أذاهم يعني لا تحزن لعدم إيمانهم كما قال تعالى { فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا } { لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين } يعني لعلك مهلك نفسك إذا لم يؤمنوا بك يعني لا تبالي بهم بل أعرض عنهم فيما يحصل منهم من أذى فإن العاقبة لك وفعلا صارت العاقبة للرسول عليه الصلاة والسلام صبر وظفر فإنه عليه الصلاة والسلام خرج من مكة مهاجرا متخفيا يخشى على نفسه وقد جعلت قريش لمن يأت به وبصاحبه أبي بكر مائتين من الإبل عن كل واحد مائة ولكن الله تعالى أنجاهما وبعد مضي سنوات قليلة رجع النبي عليه الصلاة والسلام فاتحا مكة ظافرا مظفرا كانت له المنة على الملأ من قريش حتى وقف على باب الكعبة يقول يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم ؟ { كلهم تحته أذلة قالوا خيرا أخ كريم وابن أخ كريم قال فإني أقول لكم ما قال يوسف لإخوته لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين اذهبوا فأنتم الطلقاء فمن عليهم عليه الصلاة والسلام بعد أن كان قادرا عليهم .
فالحاصل أن قوله } وأعرض عن المشركين { يشمل أمرين أعرض عن المشركين لا تهتم بحالهم إذا لم يؤمنوا ولا تحزن عليهم وأعرض عن المشركين فيما يحصل لك من أذى فإنه سوف تكون العاقبة لك وهذا هو الواقع ولهذا قال بعد الآية نفسها } إنا كفيناك المستهزئين الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين { وتأمل كيف أمر الله تعالى بتسبيحه بحمده بعد أن قال } ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون { لأن المقام هنا مقام يحتاج إلى تنزيه الرب عز وجل وحمده من هذه الضائقة التي تصيب النبي عليه الصلاة والسلام من قريش يعني نزهه عن كل ما لا يليق به واعلم أن ما أجراه جل وعلا فهو في غاية الحكمة وهو كذلك فإنه صار في غاية الحكمة وفي غاية الرحمة التي يحمد عليهما عز وجل ثم قال في آخر ما ساقه من الآيات قال الله عز وجل } فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون { هذه هي قصة القرية التي أشرنا إليها قبل وهي قرية على البحر حرم الله عليهم أن يصطادوا السمك في يوم السبت وابتلاهم عز وجل فصار السمك يوم السبت يأتي بكثرة شرعا على سطح الماء وفي غير يوم السبت لا يرونها فطال عليهم الأمد فتحيلوا بحيلة لم تنفعهم شيئا فوضعوا شبكا في يوم الجمعة فإذا جاء يوم السبت وقع الحيتان في هذا الشبك فإذا صار يوم الأحد أخذوا هذه الحيتان .
فكان النكال من الله عز وجل أن قال لهم } كونوا قردة خاسئين { قال لهم قولا قدريا } كونوا قردة خاسئين { فأصبحوا قردة ولو قال كونا حميرا لكانوا حميرا لكن قال } كونوا قردة { لأن القرد أشبه ما يكون بالإنسان وفعلهم الخبيث أشبه بالحلال لأنه حيلة فالذي يراهم ظاهريا يقول ما صادوا يوم السبت بل وضعوا الشبك يوم الجمعة وأخذوها يوم الأحد فصورة ذلك صورة حلال لكنه حرام فصارت العقوبة مناسبة تماما للعمل وفي هذا قاعدة ذكرها الله عز وجل في كتابه أن الجزاء من جنس العمل فقال } فكلا أخذنا بذنبه { كل إنسان يؤخذ بمثل جريمته فهؤلاء قيل لهم كونوا قردة خاسئين فأصبحوا قردة يتعاوون والعياذ بالله في الأسواق وعلى الجانب الآخر قال تعالى } وأنجينا الذين ينهون عن السوء { وذلك حيث كانوا قد انقسموا ثلاثة أقسام قسم فعل الحيلة وقسم سكت وقسم نهى وكان الذين سكتوا يقولون للذين ينهون عن السوء } لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديد { يعني اتركوهم هؤلاء هالكين لا تعظوهم ما تنفع فيهم الموعظة قالوا } معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون { يعني دعونا نستفيد فائدتين المعذرة إلى الله بأن يكون لنا عذر عند الله عز وجل ولعلهم يتقون كما قال الله تعالى في فرعون } فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى { فهنا قال } لعلهم يتقون { ولكن سكت الله عز وجل عن هذه الطائفة الثالثة قال تعالى } أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون { فاختلف العلماء هل الطائفة الساكتة أخذت بالعذاب أم أنها نجت والذي ينبغي أن نسكت كما سكت الله نقول أما التي نهت فقد نجت وأما التي وقعت في الحرام فقد هلكت وأخذت بالعذاب وأما الساكتة فقد سكت الله عنها ويسعنا ما في كتاب الله عز وجل }


186 - الثالث عن أبي الوليد عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا وعلى أن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله تعالى فيه برهان وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم متفق عليه .
المنشط والمكره بفتح ميميهما أي في السهل والصعب والأثرة الاختصاص بالمشترك وقد سبق بيانها بواحا بفتح الباء الموحدة بعدها واو ثم ألف ثم حاء مهملة أي ظاهرا لا يحتمل تأويلا

الشَّرْحُ

قال رحمه الله تعالي فيما نقله عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثره علينا بايعنا أي بايع الصحابة رضي الله عنهم الرسول صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة يعني لمن ولاه الله الأمر لأن الله تعالى قال يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم وقد سبق لنا بيان من هم أولوا الأمر وذكرنا أنهم طائفتان العلماء والأمراء كلهم ولاة أمور لكن العلماء أولياء أمر في العلم والبيان وأما الأمراء فهم أولياء أمر في التنفيذ والسلطان يقول بايعناه على السمع والطاعة يستثنى من هذا معصية الله عز وجل فلا يبايع عليها أحد لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ولهذا قال أبو بكر رضي الله عنه حين تولى الخلافة قال أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم فإذا أمر ولي الأمر بمعصية من المعاصي فإنه لا يجوز لأحد أن يسمع له أو يطيع لأن ملك الملوك رب العالمين عز وجل ولا يمكن أن يعصى رب العالمين لطاعة من هو مملوك مربوب لأن كل من سوى الله فإنهم مملكون لله عز وجل فكيف يقدم الإنسان طاعتهم على طاعة الله إذن يستثني من قوله السمع والطاعة ما دلت عليه النصوص من أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وقوله في العسر واليسر يعني سواء كنا معسرين في المال أو كنا موسرين يجب علينا جميعا أغنيائنا وفقرائنا أن نطيع ولاة أمورنا ونسمع لهم وكذلك في منشطنا ومكرهنا يعني سواء كنا كارهين لذلك لكونهم أمروا بما لا نهواه ولا نريده أو كنا نشيطين في ذلك لكونهم أمروا بما يلائمنا ويوافقنا المهم أن نسمع ونطيع في كل حال إلا ما استثنى فيما سبق قال وأثرة علينا أثرة يعني استئثارا علينا يعني لو كان ولاة الأمر يستأثرون على الرعية بالمال أو غيره مما يرفهون به أنفسهم ويحرمون من ولاهم الله عليهم فإنه يجب علينا السمع والطاعة لا نقول أنتم أكلتم الأموال وأفسدتموها وبذرتموها فلا نطيعكم بل نقول سمعا وطاعة لله رب العلمين ولو كان استئثار علينا ولو كنا نحن لا نسكن إلا الأكواخ ولا نفترش إلا الخلق من الفرش وأنتم تسكنون القصور وتتمتعون بأفضل الفرش لا يهمنا هذا لأن هذا كله متاع الدنيا وستزولون عنه أو يزول عنكم إما هذا أو هذا أما نحن فعلينا السمع والطاعة ولو وجدنا من يستأثر علينا من ولاة الأمور وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث آخر اسمع وأطع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك واعلم أنك سوف تقتص منه يوم القيامة من حسناته فإن بقى من حسناته شيء وإلا أخذ من سيئات من ظلمهم ثم طرح عليه ثم طرح في النار والعياذ بالله الأمر مضبوط ومحكم لا يضيع على الله شيء ثم قال وألا ننازع الأمر أهله يعني لا ننازع ولاة الأمور ما ولاهم الله علينا لنأخذ الإمرة منهم فإن هذه المنازعة توجب شراً كثيراً وفتناً عظيمة وتفرقاً بين المسلمين ولم يدم للأمة الإسلامية إلا منازعة الأمر أهله من عهد عثمان رضي الله عنه إلى يومنا هذا ما أفسد الناس إلا منازعة الأمر أهله قال إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان ثلاثة شروط إذا رأينا هذا وتحت الشروط الثلاثة فحينئذ ننازع الأمر أهله ونحاول إزالتهم عن ولاية الأمر لكن بشروط ثلاثة الأول أن تروا فلابد من علم مجرد الظن لا يجوز الخروج على الأئمة لابد أن نعلم الثاني أن نعلم كفراً لا فسقاً الفسوق مهما فسق ولاة الأمور لا يجوز الخروج عليهم لو شربوا الخمر لو زنوا لو ظلموا الناس لا يجوز الخروج عليهم لكن إذا رأينا كفراً صريحاً يكون بواحاً الثالث الكفر والبواح وهذا معناه الكفر الصريح والبواح الشيء البين الظاهر فأما ما يحتمل التأويل فلا يجوز الخروج عليهم يعني لو قدرنا أنهم فعلوا شيئاً نرى أنه كفر لكن فيه احتمال أنه ليس بكفر فإنه يجوز أن ننازعهم أو نخرج عليهم ونولهم ما تولوا لكن إذا كان بواحاً صريحاً مثل لو أن ولى من ولاة الأمور قال لشعبه إن الخمر حلال اشربوا ما شئتم وإن اللواط حلال تلوطوا بما شئتم وإن الزنى حلال ازنوا بمن شئتم فهذا كفر بواح ما فيه إشكال هذا يجب على الرعية أن يزيلوه بكل وسيلة ولو بالقتل لأن هذا كفر بواح الشرط الرابع عندكم فيه من الله برهان يعني عندنا دليل قاطع على أن هذا كفر فإن كان الدليل ضعيفاً في ثبوته أو ضعيفا في دلالته فإنه لايجوز الخروج عليهم لأن الخروج فيه شر كثير جدا ومفاسد عظيمة فهذه إن شئتم فقولوا ثلاثة شروط وإن شئتم فقولوا أربعة أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان هذه أربعة شروط وإذا رأينا هذا مثلا فلا تجوز المنازعة حتى تكون لدينا قدرة على إزاحته فإن لم يكن لدينا قدرة فلا تجوز المنازعة لأنه ربما إذا نازعنا وليس عندنا قدرة يقضى على البقية الصالحة وتتم سيطرته فهذه الشروط شروط للجواز أو للوجوب وجوب الخروج على ولي الأمر لكن بشرط أن يكون لدينا قدرة فإن لم يكن لدينا قدرة فلا يجوز الخروج لأن هذا من إلقاء النفس في التهلكة، أي فائدة إذا خرجنا على هذا الولي الذي رأينا عنده كفرا بواحا عندنا فيه من الله برهان، ونحن لا نخرج إليه إلا بسكين المطبخ، وهو معه الدبابات والرشاشات ؟ ! ! لا فائدة، ومعنى هذا أننا خرجنا لنقتل أنفسنا، نعم لابد أن نتحيل بكل حيلة على القضاء عليه وعلى حكمه، لكن بالشروط الأربعة التي ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام: أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان .
عرفنا فيما سبق حق ولاة الأمر على الرعية، ولكن بقي أن نقول: فما حق الناس على ولاة الأمر ؟ حق الناس على ولاة الأمر أن يعدلوا فيهم، وأن يتقوا الله تعالى فيهم، وأن لا يشقوا عليهم، وأن لا يولوا عليهم من يجدون خيرا منه فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال اللهم من ولى من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه دعاء من الرسول عليه الصلاة والسلام أن من ولى من أمور المسلمين شيئا صغيرا كان أم كبيرا وشق عليهم قال فاشقق عليه وما ظنك بشخص شق الله عليه والعياذ بالله إنه سوف يخسر وينحط وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه ما من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح لهم إلا لم يدخل معهم الجنة لأنه يجب على الأمير أن ينصح للرعية ويختار لها الأصلح وأن يولي على الأمور أهلها بدون أي مراعاة ينظر لمصلحة العباد فيولي عليهم من هو أولى بهم والولايات تختلف فإمام المسجد مثلا أولى الناس به من هو أقرأ لكتاب الله والأمور الأخرى كالجهاد أولى الناس بها من هو أعلم بالجهاد وهلم جرا المهم أنه يجب على ولي المسلمين أن يولي على المسلمين خيارهم ولا يجوز أن يولى على الناس أحداً وفيهم من هو خير منه لأن هذا خيانة وكذلك أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة والعياذ بالله فولاه الأمور عليهم حقوق عظيمة لمن ولاهم الله عليهم كما أن على المولى عليهم حقوقا عظيمة يجب عليهم أن يقوموا بها لولاة الأمر فلا يعصونهم حتى وإن استأثر ولاة الأمور بشيء فإن الواجب لهم السمع والطاعة في المنشط والمكره والعسر واليسر إلا إذا كان ذلك في معصية الله يعني لو أمروا بمعصية الله فإنه لا يجوز أن يأمروا بمعصية الله ولا يجوز لأحد أن يطيعهم في معصية وأما قول بعض الناس السفهاء إنه لا تجب علينا طاعة ولاة الأمور إلا إذا استقاموا استقامة تامة فهذا خطأ وهذا غلط وهذا ليس من الشرع في شيء بل هذا من مذهب الخوارج الذين يريدون من ولاة الأمور أن يستقيموا على أمر الله في كل شيء وهذا لم يحصل من زمن فقد تغيرت الأمور ويذكر أن أحد ملوك بني أمية سمع أن أناسا يتكلمون فيه وفي خلافته فجمع أشراف الناس ووجهائهم وتكلم فيهم وقال لهم إنكم تريدون منا أن نكون مثل أبي بكر وعمر قالوا نعم أنت خليفة وهم خلفاء قال كونوا أنتم مثل رجال أبي بكر وعمر نكن نحن مثل أبي بكر وعمر وهذا جواب عظيم فالناس إذا تغيروا لابد أن يغير الله ولاتهم كما تكونون يولى عليكم أما أن يريد الناس من الولاة أن يكونوا مثل الخلفاء وهم أبعد ما يكونون عن رجال الخلفاء هذا غير صحيح والله حكيم عز وجل { وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون } وذكروا أن رجلا من الخوارج الذين خرجوا على علي بن أبي طالب جاءوا إلى علي فقال له يا علي ما بال الناس قد تغيروا عليك ولم يتغيروا على أبي بكر وعمر ؟ قال لأن رجال أبي بكر وعمر أنا وأمثالي ورجالي أنت وأمثالك وهذا كلام جيد يعني أنك ما فيك خير ولذلك تغير الناس علينا لكن في عهد أبي بكر وعمر رجالهم مثل علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وغيرهم من الصحابة الفضلاء فلم يتغيروا على ولاتهم فالحاصل أنه يجب علينا أن نسمع ونطيع لولاة أمورنا في كل شيء إلا في معصية الخالق لأن معصية الخالق ليس لهم أن يأمروا الناس بها فلما لم يكن لهم أن يأمروا الناس بها لم يكن للناس عليهم طاعة في معصية الله عز وجل وكذلك أيضا يجب على الرعية أن ينصحوا لولى الأمر ولا يكذبون عليه ولا يخدعوه ولا يغشوه ومع الأسف الناس اليوم عندهم كذب وتحايل على أنظمة الدولة ورشاوي وغير ذلك مما لا يليق بالعاقل فضلا عن المسلم إذا كانت الدول الكافرة تعاقب من يأخذ الرشوة ولو كان من أكبر الناس فالذي يعاقب الذي يأخذ الرشوة هو الله عز وجل نحن نؤمن بالله وما جاء على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لعن الراشي والمرتشي فعقوبة الله أشد من عقوبة الآدميين ومع ذلك نجد الرشوة مع الأسف موجودة في جميع قطاعات الدولة إلا أن يشاء الله وكذلك تجد الكذب والجدل من الناس على الحكومة مثل أن يأتي المزارع يدخل زرع غيره باسمه وهو كاذب ولكن من أجل مصلحة ومن أجل أن يأكل بها أحيانا قد تكون الدولة قد استلمت الحب ولم يبق إلا الدراهم عند الدولة فيأتي الإنسان ويبيعها على آخر يبيع دراهم بدراهم مع التفاضل ومع تأخير القبض إلى غير ذلك من المعاصي التي يرتكبها الشعب ثم يريدون من ولاتهم أن يكونوا مثل أبي بكر وعمر فهذا ليس بصحيح ومن الأمور التي يهملها كثير من الناس أنهم لا يحترمون أعراض ولاة الأمور تجد فاكهة مجالسهم نسأل الله العافية وأن يتوب علينا وعليهم أن يتكلموا في أعراض ولاة الأمور لو كان هذا الكلام مجديا وتصلح به الحال لقلنا لا بأس وهذا طيب لكن هذا لا يجدي ولا تصلح به الحال وإنما يوغر الصدور على ولاة الأمور سواء كانوا من العلماء أو الأمراء تجد الآن بعض الناس همه إذا جلس في المجلس لا يستأنس إلا إذا مسك عالم من العلماء أو وزير من الوزراء أو أمير من الأمراء ولا من فوقه ليتكلم في عرضه وهذا غير صحيح ولو كان هذا الكلام يجدي لكنا أول من يشجع عليه ولقلنا لا بأس المنكر يجب أن يزال والخطأ يجب أن يصحح لكنه لا يجدي إنما يوغر الصدور ويكره ولاة الأمور إلى الناس ويكره العلماء إلى الناس ولا يحصل فيه فائدة وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام كلمة جامعة مانعة جزاه الله عن أمته خيرا من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت والعجب أن بعض الناس من أهل الدين لو أردت أن تتكلم في شخص عادي من الناس قالوا لا تغتبه هذا حرام لكن لو تكلمت في واحد من ولاة الأمور تكيف مع إنه في غير ولاة الأمور ما يرضى أن يتكلم أحد في عرض أحد عنه لكن في ولاة الأمور يرى أن هذا لا بأس به وهذه مسألة مرض بها كثير من الناس وأنا أعتبرها مرض نسأل الله أن يعافينا وإياكم من هذا الداء ابتلى به كثير من الناس ولو أن الناس كفوا ألسنتهم ونصحوا لولاة أمورهم ولا أقول اسكت على الخطأ لكن اكتب لولاة الأمور اكتب كتاب إن وصل فهذا هو المطلوب وإذا انتفعوا به فهذا أحسن وإذا لم ينتفعوا به فالإثم عليهم إذا كان خطأ صحيحا وإذا لم يصل إليهم فالإثم على من منعه عنهم قوله رضي الله عنه فيما بايعوا عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأن نقول بالحق أينما كنا يعني أن يقوم بالحق الذي هو دين الإسلام وشرائعه العظام أينما كنا يعني في أي مكان سواء في البلد أو في البر أو في البحر أو في أي مكان وسواء في بلاد الكفر أو في بلاد الإسلام نقوم بالحق أينما كنا لا تأخذنا في الله لومة لائم يعني لا يهمنا إذا لامنا أحد في دين الله لأننا نقوم بالحق فمثلا لو أراد الإنسان أن يطبق سنة يستنكرها العامة فإن هذا الاستنكار لا يمنع الإنسان من أن يقوم بهذه السنة ولنضرب لهذا مثلا تسوية الصفوف في صلاة الجماعة أكثر العوام يستنكر إذا قال الإمام استووا وجعل ينظر إليهم ويقول تقدم يا فلان تأخر يا فلان أو تأخر الإمام عن الدخول في الصلاة حتى تستوي الصفوف يستنكرون هذا ويغضبون منه حتى إن بعضهم قيل له مرة من المرات يا فلان تأخر إنك متقدم فقال من الغضب والزعل إن شئت طلعت من المسجد كله وخليته لك فمثل هذا لا ينبغي للإنسان أن تأخذه لومة لائم في الله بل يصبر ويمرن الناس على السنة والناس إذا تمرنوا على السنة أخذوا عليها وهانت عليهم لكن إذا رأى أن هؤلاء العوام جفاة جدا ففي هذه الحال ينبغي أن يعلمهم أولا حتى تستقر نفوسهم وتألف السنة إذا طبقت فيحصل بذلك الخير ومن ذلك أيضا أن العامة يستنكرون سجود السهو بعد السلام ومعلوم أن السنة وردت به إذا كان السهو عن زيادة أو عن شك مترجح به أحد الطرفين فإنه يسجد بعد السلام لا قبل السلام هذه هي السنة حتى إن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال إنه يجب أن يسجد بعد السلام إذا كان السجود بعد السلام وقبل السلام إذا كان السجود قبله يعني لم يجعل هذا على سبيل الأفضلية بل على سبيل الوجوب سجد أحد الأئمة بعد السلام لسهو سهاه في صلاته زاد أو شك شكا مترجحا فيه وبنى على الراجح فسجد بعد السلام فلما سجد بعد السلام ثار عليه العامة وما هذا الدين الجديد هذا غلط قال رجل من الناس فقلت لهم هذا حديث الرسول عليه الصلاة والسلام سلم الرسول عليه الصلاة والسلام من ركعتين ثم أخبروه فأكمل صلاته ثم سلم ثم سجد للسهو بعد السلام قالوا أبدا ولا نقبل قيل من ترضون من العلماء قالوا نرضى فلانا وفلانا فلما ذهبوا إليه قال لهم هذا صحيح وهذا هو السنة فبعض الأئمة يأنف أن يسجد بعد السلام وهو يعلم أن السنة أن السجود بعد السلام خوفا من السنة العامة وهذا خلاف ما بايع النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه عليه قم بالحق ولا تخف في الله لومة لائم كذلك أيضا فيما يتعلق بالصدق في المعاملة بعض الناس إذا أخبر الإنسان بما عليه الأمر بحسب الواقع قالوا هذه وساوس وليس بلازم أن أعلم الناس بكل شيء مثلا عيب في السلعة قالوا هذا سهل والناس يرضونه والواجب أن الإنسان يتقي الله عز وجل ويقوم بالعدل ويقوم باللازم ولا تأخذه في الله لومة لائم ولكن كما قلت أولا إذا كان عند عامة جفاة فالأحسن أن يبلغهم الشرع قبل أن يطبق من أجل أن تهدأ نفوسهم وإذا طبق الشرع بعد ذلك إذا هم قد حصل عندهم علم منه ولم يحصل منهم نفور والخطيئة التي وقعت منه أن الله سبحانه وتعالى قال له ولزوجه حين أسكنهما الجنة { وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين } شجرة عينها الله عز وجل وليس لنا في معرفة نوعها كبير فائدة ولهذا فنحن لا نعرف نوع هذه الشجرة هل هي من شجر الزيتون أم من الحنطة أم من العنب أم من النخل لا ندري فالواجب أن نبهمها كما أبهمها الله عز وجل ولو كان لنا في تعينها فائدة لبينها الله عز وجل


187 - الرابع عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا رواه البخاري

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن النعمان بن بشير الأنصاري رضي الله عنهما في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال مثل القائم في حدود الله والواقع فيها القائم فيها يعني الذي استقام على دين الله فقام بالواجب وترك المحرم والواقع فيها أي في حدود الله أي الفاعل للمحرم أو التارك للواجب كمثل قوم استهموا على سفينة يعني ضربوا سهما وهو ما يسمى بالقرعة أيهم يكون الأعلى فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها وكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء يعني إذا طلبوا الماء ليشربوا منه مروا على من فوقهم يعني الذين في أعلاها لأن الماء لا يقدر عليه إلا من فوق فقالوا لو خرقنا في نصيبنا يعني لو نخرق خرقا في مكاننا نستقي منه حتى لا نؤذي من فوقنا هكذا قدروا وأرادوا قال النبي عليه الصلاة والسلام فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا لأنهم إذا خرقوا خرقا في أسفل السفينة دخل الماء ثم أغرق السفينة وإن أخذوا على أيديهم ومنعوهم من ذلك نجوا ونجوا جميعا يعني نجا هؤلاء وهؤلاء وهذا المثل الذي ضربه النبي هو من الأمثال التي لها مغزى عظيم ومعنى عال فالناس في دين الله كالذين في سفينة في لجة النهر فهم تتقاذفهم الأمواج ولابد أن يكون بعضهم إذا كانوا كثيرين في الأسفل وبعضهم في الأعلى حتى تتوازن حمولة السفينة وحتى لا يضيق بعضهم على بعض وفيه أن هذه السفينة المشتركة بين هؤلاء القوم إذا أراد أحد منهم أن يخربها فإنه لابد أن يمسكوا على يديه وأن يأخذوا على يديه لينجوا جميعا فإن لم يفعلوا هلكوا جميعا هكذا دين الله إذا أخذ العقلاء وأهل العلم والدين على الجهال والسفهاء نجوا جميعا وإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا كما قال الله تعالى واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة وفي هذا المثل دليل على أنه ينبغي لمعلم الناس أن يضرب لهم الأمثال ليقرب لهم المعقول بصورة المحسوس قال الله تعالى { وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون } وكم من إنسان تشرح له المعنى شرحا كثيرا وتردده عليه فلا يفهم فإذا ضربت له مثلا بشيء محسوس يعرفه فهم وانظر إلى المثل العجيب الذي ضربه النبي لرجل من الأعراب صاحب بادية إبل جاء إلى النبي يقول يا رسول الله إن زوجتي ولدا غلاما أسود يعني وأنا أبيض والمرأة بيضاء من أين جاءنا هذا الأسود فقال النبي صلى الله عليه وسلم هل لك من إبل ؟ قال نعم قال ما ألوانها قال حمر قال هل فيها من أوراق يعني أسود ببياض قال نعم قال من أين جاءها ذلك قال لعله نزعه عرق يعني ربما يكون له أجداد أو جدات سابقة لونها هكذا فنزعه هذا العرق قال فابنك هذا لعله نزعه عرق يمكن واحد من أجداده أو جداته أو أخواله أو آبائه لونه أسود فجاء الولد عليه فاقتنع الأعرابي تمام الاقتناع لو جاءه النبي عليه الصلاة والسلام يشرح له شرحا فهو أعرابي لا يعرف لكن أتاه بمثال من حياته التي يعيشها فانطلق وهو مقتنع وهكذا ينبغي لطالب العلم بل ينبغي للمعلم أن يقرب المعاني المعقولة لأذهان الناس يضرب الأمثال المحسوسة كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وفي هذا الحديث إثبات القرعة وأنها جائزة وقد وردت الآيات والأحاديث بالقرعة في موضعين من كتاب الله وفي ستة مواضع من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم أما الموضعين من كتاب الله وكلكم يقرأها والحمد لله الموضع الأول في سورة آل عمران { وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون } الموضع الثاني في صورة الصافات { وإن يونس لمن المرسلين إذ أبق إلى الفلك المشحون فساهم فكان من المدحضين فالتقمه الحوت وهو مليم فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون } يونس أحد الأنبياء ركب مع قوم في سفينة فضاقت بهم وقالوا وإن بقينا كلنا على ظهرنا هلكنا وغرقت لابد أن ننزل بعضنا في البحر فمن ننزل أول راكب أم أكبر راكب أم أكبر بدنا فعملوا قرعة فصارت القرعة على جماعة منهم يونس لأن الآية تقول { فساهم فكان من المدحضين } إذن معه ناس نزلوهم والذين معه الله أعلم بهم لا نعرف ماذا صار لهم أما هو فالتقمه حوت عظيم أي ابتلعه بلعا دون أن يعلكه فصار في بطن الحوت فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت إني كنت من الظالمين فلفظه الحوت على سيف البحر وأنبت الله عليه شجرة من يقطين يقطين قال العلماء قرع النجد قرع النجد لين وأوراقه لينة كالإبريسم ومن خصائصه أنه لا يقع عليه الذباب فأنبت الله عليه شجرة من يقطين حتى ترعرع بعد أن بقى في بطن الحوت ثم أنجاه الله عز وجل المهم أن القرعة من الأمور المشروعة الثابتة بالكتاب والسنة وقد ذكر ابن رجب رحمه الله في كتابه القواعد الفقيهة ذكر قاعدة في الأشياء التي تستعمل فيها القرعة من أول الفقه إلى آخره


188 - الخامس عن أم المؤمنين أم سلمة هند بنت أبي أمية حذيفة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع قالوا يا رسول الله ألا نقاتلهم قال لا ما أقاموا فيكم الصلاة رواه مسلم معناه من كره بقلبه ولم يستطع إنكارا بيد ولا لسان فقد برئ من الإثم وأدى وظيفته ومن أنكر بحسب طاقته فقد سلم من هذه المعصية ومن رضي بفعلهم وتابعهم فهو العاصي

الشَّرْحُ

وفي هذا الحديث الذي ذكره المؤلف أخبر عليه الصلاة والسلام أنه يستعمل علينا أمراء يعني يولون علينا من قبل ولى الأمر فتعرفون وتنكرون يعني أنهم لا يقيمون حدود الله ولا يستقيمون على أمر الله تعرفون منهم وتنكرون وهم أمراء لولى الأمر الذي له البيعة فمن كره فقد برء ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضى وتابع يعني أنه يهلك كما هلكوا ثم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم ألا نقاتلهم قال لا ما أقاموا فيكم الصلاة فدل هذا على أنهم أي الأمراء إذا رأينا منهم ما ننكر فإننا نكره ذلك وننكر عليهم فإن اهتدوا فلنا ولهم وإن لم يهتدوا فلنا وعليهم وأنه لا يجوز أن نقاتل الأمراء الذين نرى منهم المنكر لأن مقاتلهم فيها شر كثير ويفوت بها خير كثير لأنهم إذا قوتلوا أو نبذوا لم يزدهم ذلك إلا شرا فإنهم أمراء يرون أنفسهم فوق الناس فإذا نابذهم الناس أو قاتلوهم ازداد شرهم إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم شرط ذلك بشرط قال ما أقاموا فيكم الصلاة فدل ذلك على أنه إذا لم يقيموا الصلاة فإننا نقاتلهم وفي هذا الحديث دليل على أن ترك الصلاة كفر وذلك لأنه لا يجوز قتال ولاة الأمور إلا إذا رأينا كفرا بواحا عندنا فيه من الله برهان فإذا أذن لنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نقاتلهم إذا لم يقيموا الصلاة دل ذلك على أن ترك الصلاة كفر بواح عندنا فيه من الله برهان وهذا هو القول الحق أن تارك الصلاة تركا مطلقا لا يصلي مع الجماعة ولا في بيته كافر كفرا مخرجا عن الملة ولم يرد على النبي أن تارك الصلاة في الجنة أو أنه مؤمن أو أنه ناج من النار أو ما أشبه ذلك فالواجب إبقاء النصوص على عمومها في كفر تارك الصلاة ولم يأت أحد بحجة تدل على أنه لا أنه لا يكفر إلا حججا لا تنفعهم لأنها تنقسم إلى خمسة أقسام إما أنها ليس فيها دليل أصلا وإما أنها مقيدة بوصف لا يمكن معه ترك الصلاة وإما أنها مقيدة بحال يعذر فيه من ترك الصلاة وإما أنها عامة خصت بنصوص كفر تارك الصلاة فالنبي ضرب مثلا للقائم في حدود الله والمتعدي فيها الواقع فيها بقوم استهموا على سفينة فكان بعضهم في أعلاها وبعضهم في أسفلها وكان الذين في أسفلها يستقون الماء من فوق فقالوا أفلا نخرق في نصيبنا خرقا يعني على الماء حتى لا نؤذي من فوقنا قال النبي صلى الله عليه وسلم إن أخذوا على أيديهم نجوا جميعا وإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وبينا أنه ينبغي للمعلم إذا كان المعقول بعيدا عن التصور والأفهام أن يضرب مثلا بالمحسوس وفي هذا الحديث الذي ذكره المؤلف في درسنا اليوم أخبر عليه الصلاة والسلام أنه سيكون علينا أمراء يعني يولون علينا من قبل ولي الأمر يكون فيهم ما نعرف وما ننكر يعني أنهم لا يقيمون حدود الله ولا يستقيمون على أمر الله تعرف منهم وتنكر وهم أمراء لولي الأمر الذي له البيعة فمن أنكر أو كره فقد سلم ومن رضي وتابع فإنه يهلك كما هلكوا ثم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أفلا نقاتلهم قال لا ما أقاموا فيكم الصلاة فدل هذا على أنهم أي الأمراء إذا رأينا منهم ما ننكر فإننا نكره ذلك وننكر عليهم فإن اهتدوا فلنا ولهم وإن لم يهتدوا فلنا وعليهم وأنه لا يجوز أن نقاتل الأمراء الذين نرى منهم المنكر لأن مقاتلتهم فيها شر كثير ويفوت بها خير كثير لأنهم إذا قوتلوا أو نوبذوا لم يزدهم ذلك إلا شرا فإنهم أمراء يرون أنفسهم فوق الناس فإذا نابذهم الناس أو قاتلوهم ازداد شرهم إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترط لقتالهم شرطا فقال ما أقاموا فيكم الصلاة فدل هذا على أنهم إذا لم يقيموا الصلاة فإننا نقاتلهم وفي هذا الحديث دليل على أن ترك الصلاة كفر وذلك لأنه يجوز قتال ولاة الأمور إلا إذا رأينا كفرا بواحا عندنا فيه من الله برهان فإن أذن لنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نقاتلهم إذا لم يقيموا الصلاة دل ذلك على أن ترك الصلاة كفر بواح عندنا فيه من الله برهان وهذا هو القول الحق أن تارك الصلاة تركا مطلقا لا يصلي مع الجماعة ولا في بيته كافر كفرا مخرجا عن الملة ولم يرد عن النبي أن تارك الصلاة في الجنة أو أنه مؤمن أو أنه ناج من النار أو ما أشبه ذلك فالواجب إبقاء النصوص على عمومها في كفر تارك الصلاة ولم يأت أحد بحجة تدل على أنه لا يكفر إلا حججا لا تنفعهم لأنها تنقسم إلى خمسة أقسام 1 - إما أنها ليس فيها دليل أصلاً 2 - وإما أنها مقيدة بوصف لا يمكن معه ترك الصلاة 3 - وإما أنها مقيدة بحال يعذر فيه ترك الصلاة 4 - وإما أنها عامة خصت بنصوص كفر تارك الصلاة 5 - وإما أنها ضعيفة فهذه خمسة أقسام لا تخلو أدلة من قال إنه لا يكفر منها أبدا فالصواب الذي لا شك فيه عندي أن تارك الصلاة كافر كفرا مخرجا عن الملة وأنه أشد كفرا من اليهود والنصارى لأن اليهود والنصارى يقرون على دينهم أما هو لا يقر لأنه مرتد فإن تاب وإلا قتل


189 - السادس عن أم المؤمنين أم الحكم زينب بنت جحش رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها فزعا يقول لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بإصبعيه الإبهام والتي يليها فقلت يا رسول الله أنهك وفينا الصالحون قال نعم إذا كثر الخبث متفق عليه

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله فيما نقله عن أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها محمرا وجهه يقول لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب دخل عليها بهذه الصفة متغير اللون محمر الوجه يقول لا إله إلا الله تحقيقا للتوحيد وتثبيتا له لأن التوحيد هو القاعدة الذي تبنى عليها جميع الشريعة قال الله تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون وقال تعالى { وما أرسلنا من قبلك رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون } فتوحيد الله بالعبادة والمحبة والتعظيم والإنابة والتوكل والاستعانة والخشية وغير ذلك هو أساس الملة ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لا إله إلا الله في هذه الحال التي كان فيها فزعا متغير اللون تثبيتا للتوحيد وتطمينا للقلوب ثم حذر العرب فقال ويل للعرب من شر قد اقترب وحذر العرب لأن العرب هم حاملوا لواء الإسلام فالله تعالى بعث محمد صلى الله عليه وسلم في الأميين في العرب { يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم } فبين النبي عليه الصلاة والسلام هذا الوعيد للعرب لأنهم حاملوا لواء الإسلام وقوله من شر قد اقترب الشر هو الذي يحصل بيأجوج ومأجوج ولهذا فسره بذلك فقال فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وأشار بالسبابة والإبهام يعني أنه جزء ضعيف ومع ذلك فإنه يهدد العرب فالعرب الذين حملوا لواء الإسلام من عهد الرسول عليه الصلاة والسلام إلى يومنا هذا مهددون من قبل يأجوج ومأجوج المفسدين في الأرض كما حكى تعالى عن ذي القرنين أنه قيل له { إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض } فهم أهل الشر وأهل الفساد ثم قالت زينب يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون قال نعم إذا كثر الخبث الصالح لا يهلك وإنما هو سالم ناج لكن إذا كثر الخبث هلك الصالحون لقوله تعالى { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب } والخبث هنا يراد به شيئان الأول الأعمال الخبيثة والثاني البشر الخبيث فإذا كثرت الأعمال الخبيثة السيئة في المجتمع ولو كانوا مسلمين فإنهم عرضوا أنفسهم للهلاك وإذا كثر فيهم الكفار فقد عرضوا أنفسهم للهلاك أيضا ولهذا حذر النبي عليه الصلاة والسلام من بقاء اليهود والنصارى والمشركين في جزيرة العرب حذر من ذلك فقال أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب وقال في مرض موته أخرجوا المشركين من جزيرة العرب وفي آخر حياته لئن عشت لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع فيها إلا مسلما هكذا صح عنه عليه الصلاة والسلام ومع الأسف الشديد الآن تجد الناس كأنما يتسابقون إلى جلب اليهود والنصارى والوثنيين إلا بلادنا للعمالة ويدعى بعضهم أنهم أحسن من المسلمين نعوذ بالله من الخذلان وانتكاس الفطرة هكذا يلعب الشيطان بعقول الناس حتى يفضل الكافر على المؤمن والله عز وجل يقول { ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون } فالحذر الحذر من استجلاب اليهود والنصارى والوثنين من والبوذيين وغيرهم إلى هذه الجزيرة لأنها جزيرة إسلام منها بدأ وإليها يعود فكيف نجعل هؤلاء الخبث بين أظهرنا وفي أولادنا وفي أهلنا وفي مجتمعنا هذا مؤذن بالهلاك ولابد ولهذا من تأمل أحوالنا اليوم وقارن بينها وبين أحوالنا بالأمس وجد الفرق الكبير ولولا الناشئة الطيبة التي من الله عليها بالالتزام والتي نسأل الله أن يثبتها عليه لولا هذا لرأيت شرا كثيرا ولكن لعل الله أن يرحمنا بعفوه ثم بهؤلاء الشباب الصالح الذين لهم نهضة طيبة أدام الله عليهم فضله وأعاذنا وإياهم من الشيطان الرجيم


190 - السابع عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إياكم والجلوس في الطرقات فقالوا يا رسول الله مالنا من مجالسنا بد نتحدث فيها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه فقالوا وما حق الطريق يا رسول الله قال غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر متفق عليه

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله فيما نقله عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إياكم والجلوس في الطرقات هذه الصيغة صيغة تحذير يعني أحذركم من الجلوس على الطرقات وذلك لأن الجلوس على الطرقات يؤدي إلى كشف عورات الناس الذاهب والراجع وإلى النظر فيما يحملونه من الأغراض التي قد تكون خاصة مما لا يحبون أن يطلع عليها أحد وربما يفضى أيضا إلى الكلام والغيبة فيمن يمر إذا مر من عند هؤلاء الجالسين أحد أخذوا يتكلمون في عرضه المهم أن الجلوس على الطرقات يؤدي إلى مفاسد ولكن لما قال إياكم والجلوس في الطرقات وحذرهم قالوا يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بد يعني أننا نجلس نتحدث ويأنس بعضنا ببعض ويألف بعضنا بعضا ويحصل في ذلك خير لأن كل واحد منا يعرف أحوال الآخر فلما رأى النبي عليه الصلاة والسلام أنهم مصممون على الجلوس قال فإن أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه ولم يشدد عليهم عليه الصلاة والسلام ولم يمنعهم من هذه المجالس بعضهم فيها إلى بعض ويألف بعضهم بعضا ويأنس بعضهم ببعض لم يشق عليهم في هذا وكان عليه الصلاة والسلام من صفته أنه بالمؤمنين رءوف رحيم فقال إن أبيتم إلا المجلس يعني إلا الجلوس فأعطوا الطريق حقه قالوا وما حقه يا رسول الله قال غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خمسة أشياء أولا غض البصر أن تغضوا أبصاركم عمن يمر سواء كان رجلا أو امرأة لأن المرأة يجب غض الإنسان من بصره عنها والرجل كذلك تغض البصر عنه لا تحد البصر فيه حتى تعرف ما معه وكان الناس في السابق يأتي الرجل بأغراض البيت يوميا فيحملها في يده ثم إذا مر بهؤلاء شاهدوها وقالوا ما الذي معه وما أشبه ذلك وكانوا إلى وقت غير بعيد إذا مر الرجل ومعه اللحم لأهل بيته صاروا يتحدثون فلان قد أتى اليوم بلحم لأهله فلان أتى بكذا فلان أتى بكذا فلهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بغض البصر ثانيا كف الأذى أي كف الأذى القولي والفعلي أما الأذى القولي فبأن يتكلموا على الإنسان إذا مر أو تحدثوا فيه بعد ذلك بالغيبة والنميمة الأذى الفعلي بأن يضايقوه في الطريق بحيث يملأون الطريق حتى يؤذوا المارة ولا يحصل المرور إلا بتعب ومشقة ثالثا رد السلام إذا سلم أحد فردوا عليه السلام هذا من حق الطريق لأن السنة أن المار يسلم على الجالس فإذا كانت السنة أن يسلم المار على الجالس فإذا سلم فردوا السلام رابعا الأمر بالمعروف فالمعروف هو كل ما أمر الله تعالى به أو أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنك تأمر به فإذا رأيتم أحد مقصرا سواء كان من المارين أو من غيرهم فأمروه بالمعروف وحثوه على الخير وزينوه له ورغبوه فيه خامسا النهي عن المنكر فإذا رأيتم أحد مر وهو يفعل المنكر مثل أن يمر وهو يشرب الدخان أو ما أشبه ذلك من المنكرات فانهوه عن ذلك فهذا حق الطريق ففي هذا الحديث يحذر النبي المسلمين من الجلوس على الطرقات فإن كان لابد من ذلك فإنه يجب أن يعطي الطريق حقه وحق الطريق خمسة أمور بينها النبي عليه الصلاة والسلام وهي غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هذه حقوق الطريق لمن كان جالسا فيه كما بينها النبي صلى الله عليه وسلم والله الموفق


191 - الثامن عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى خاتما من ذهب في يد رجل فنزعه فطرحه وقال يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده فقيل للرجل بعد ما ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم خذ خاتمك انتفع به قال لا والله لا آخذه أبدا وقد طرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه مسلم

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم رأي رجلا وفي يده خاتم من ذهب فنزعه النبي صلى الله عليه وسلم من يده وطرحه في الأرض وقال يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده فلما ذهب النبي صلى الله عليه وسلم قيل للرجل خذ خاتمك انتفع به قال والله لا آخذ خاتما طرحه النبي صلى الله عليه وسلم أتى المؤلف رحمه الله تعالى بهذا الحديث في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن فيه تغيير المنكر باليد فإن لباس الرجل الذهب محرم ومنكر كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في الذهب والحرير أنهما أحلا لنساء أمتي وحرما على ذكورها فلا يجوز للرجل أن يلبس خاتما من ذهب ولا أن يلبس قلادة من ذهب ولا أن يلبس ثيابا فيها أزرة من ذهب ولا غير ذلك يجب أن يتجنب الذهب كله وذلك أن الذهب إنما يلبسه من يحتاج إلى الزينة والتجمل كالمرأة تتجمل لزوجها حتى يرغب فيها قال الله عز وجل أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين يعني النساء النساء ينشأن في الحلية ويربين عليها { وهو في الخصام غير مبين } أي عيية لا تفصح على كل حال الذهب يحتاج إليه النساء للتجمل للأزواج والرجل ليس بحاجة إلى ذلك الرجل يتجمل له ولا يتجمل لغيره اللهم إلا الرجل فيما بينه وبين زوجه كل يتجمل للآخر لما في ذلك من الإلفة ولكن مهما كان فإن الرجل لا يجوز له أن يلبس الذهب بأي حال من الأحوال وأما لباس الفضة لا بأس به يجوز أن يلبس الرجل خاتما من فضة ولكن بشرط أن لا يكون هناك عقيدة في ذلك كما يفعله بعض الناس الذين اعتادوا عادات النصارى في مسألة الدبلة التي يلبسها البعض عند الزواج الدبلة يقولون إن النصارى إذا أراد الرجل منهم أن يتزوج جاء إليه القسيس بمنزلة العالم عند المسلمين وأخذ الخاتم ووضعه في أصابعه إصبع بعد إصبع حتى ينتهي إلى ما يريد ثم يقول هذا الرباط بينك وبين زوجتك فإذا لبس الرجل هذه الدبلة معتقدا ذلك فهو تشبه بالنصارى مصحوب بعقيدة باطلة فلا يجوز حينئذ للرجل أن يلبس هذه الدبلة أما لو لبس خاتما عاديا بغير عقيدة فإن هذا لا بأس به وليس التختم من الأمور المستحبة بل هو من الأمور التي إذا دعت الحاجة إليها فعلت وإلا فلا تفعل بدليل أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يلبس الخاتم لكنه لما قيل له إن الملوك والرؤساء لا يقبلون الكتاب إلا بختم اتخذ خاتما نقش في فصه محمد رسول الله حتى إذا انتهى من الكتاب ختمه بهذا الخاتم وفي هذا الحديث دليل على استعمال الشدة في تغيير المنكر إذا دعت الحاجة إلى ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل له إن الذهب حرام فلا تلبسه أو فاخلعه بل هو بنفسه خلعه وطرحه في الأرض ومعلوم أن هناك فرقا بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبين تغيير المنكر لأن تغيير المنكر يكون في ذي سلطة قادر مثل الأمير ومن جعل له تغيره ومثل الرجل في أهل بيته والمرأة في بيتها وما أشبه ذلك فهذا له السلطة أن يغير بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه أما الأمر فهو واجب بكل حال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب بكل حال لأنه ليس فيه تغيير بل فيه أمر بالخير ونهي عن الشر وفيه أيضا دعوة إلى الخير والمعروف وإلى ترك المنكر فهذه ثلاث مراتب دعوة وأمر ونهي وتغيير أما الدعوة فمثل أن يقوم الرجل خطيبا في الناس يعظهم ويذكرهم ويدعوهم إلى الهدي وأما الأمر فإن يأمر أمرا موجها إلى شخص معين أو إلى طائفة معينة يا فلان احرص على الصلاة اترك الكذب اترك الغيبة وما أشبه ذلك أما التغيير فأن يغير هذا الشيء يزيله من المنكر إلى المعروف كما صنع النبي صلى الله عليه وسلم حين نزع الخاتم من صاحبه نزعا وطرحه على الأرض طرحا وفيه أيضا دليل على جواز إتلاف ما يكون به المنكر لأن الرسول عليه الصلاة والسلام طرحه لما نزعه من يده ولم يقل له خذه وأعطه أهلك مثلا ولهذا كان من فقه هذا الرجل أنه لما قيل له خذ خاتمك قال لا آخذ خاتما طرحه النبي صلى الله عليه وسلم لأنه فهم أن هذا من باب التعزيز وإتلافه عليه لأنه حصلت به المعصية والشيء الذي تحصل به المعصية أو ترك الواجب لا حرج على الإنسان أن يتلفه انتقاما من نفسه بنفسه كما فعل نبي الله سليمان عليه الصلاة والسلام حين عرضت عليه الخيل الجياد ولهى بها حتى غربت الشمس فاشتغل بها عن صلاة العصر ففاتته ثم دعا بها عليه الصلاة والسلام وجعل يضربها يعقرها ويقطع أعناقها كما قال تعالى { فطفق مسحا بالسوق والأعناق } أتلفها انتقاما من نفسه لرضي الله عز وجل فإذا رأى الإنسان أن شيئا من ماله ألهاه عن طاعة الله وأراد أن يتلفه انتقاما من نفسه وتعزيزا لها فإن ذلك لا بأس به وفي هذا الحديث دليل على أن لبس الذهب موجب للعذاب بالنار والعياذ بالله لقوله عليه الصلاة والسلام يعمد أحدكم إلي جمرة من نار فيضعها في يده فإن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل هذا جمرة من نار يعني يعذب بها يوم القيامة وهو عذاب جزئي أي على بعض البدن على الجزء الذي حصلت به المخالفة ونظيره قوله صلى الله عليه وسلم فيمن جر ثوبه أسفل من الكعبين قال ما أسفل من الكعبين ففي النار ونظيره أيضا حين قصر الصحابة في غسل أرجلهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم ويل للأعقاب من النار فهذه ثلاثة نصوص من السنة كلها فيها إثبات أن العذاب بالنار قد يكون على جزء معين من البدن وفي القرآن أيضا من ذلك كقوله تعالى { يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم } مواضع معينة فالعذاب كما يكون عاما على جميع البدن قد يكون خاصا ببعض أجزائه وهو ما حصلت به المخالفة ومن فوائد هذا الحديث أيضا بيان كمال صدق الصحابة في إيمانهم فإن هذا الرجل لما قيل له خذ خاتمك انتفع به قال لا آخذ خاتما طرحه النبي عليه الصلاة والسلام وذلك من كمال إيمانه رضي الله عنه ولو كان ضعيف الإيمان لأخذه وانتفع به ببيع أو بإعطائه أهله أو ما أشبه ذلك ومن فوائد هذا الحديث أيضا أن الإنسان يستعمل الحكمة في تغيير المنكر فهذا الرجل كما ترون استعمل معه النبي عليه الصلاة والسلام شيئا من الشدة لكن الأعرابي الذي بال في المسجد لم يستعمل معه النبي عليه الصلاة والسلام الشدة ولعل ذلك لأن هذا الذي لبس خاتم الذهب علم النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان عالما بالحكم والتحريم ولكنه متساهل بخلاف الأعرابي فإنه كان جاهلا لا يعرف جاء ووجد هذه الفسحة في المسجد فجعل يبول يحسب نفسه أنه في البر ولما قام إليه الناس يزجرونه نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وكذلك استعمل النبي صلى الله عليه وسلم اللين مع معاوية بن الحكم السلمي حين تكلم في الصلاة وكذلك مع الرجل الذي جامع زوجته في نهار رمضان فلكل مقام مقال فعليك يا أخي المسلم أن تستعمل الحكمة في كل ما تفعل وكل ما تقول فإن الله تعالى يقول في كتابه { يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب } نسأل الله أن يجعلنا ممن أوتي الحكمة ونال بها خيرا كثيرا


ا193 - العاشر عن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم رواه الترمذي وقال حديث حسن

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن رسول الله عز وجل قال والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف وتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم قوله عليه الصلاة والسلام والذي نفسي بيده هذا قسم يقسم فيه النبي صلى الله عليه وسلم بالله لأنه هو الذي أنفس العباد بيده جل وعلا يهديها إن شاء ويضلها إن شاء ويميتها إن شاء ويبقيها إن شاء فالأنفس بيد الله هداية وضلالة وإحياء وإماتة كما قال الله تبارك وتعالى ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها فالأنفس بيد الله وحده ولهذا أقسم النبي صلى الله عليه وسلم وكان يقسم كثيرا بهذا القسم والذي نفسي بيده وأحيانا يقول والذي نفس محمد بيده لأن نفس محمد صلى الله عليه وسلم أطيب الأنفس فأقسم بها لكونها أطيب الأنفس ثم ذكر المقسم عليه وهو أن نقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو يعمنا الله بعقاب من عنده حتى ندعوه فلا يستجيب لنا نسأل الله العافية وقد سبق لنا عدة أحاديث كلها تدل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتحذير من عدمه فالواجب علينا جميعا أن نأمر بالمعروف فإذا رأينا أخا لنا قد قصر في واجب أمرناه به وحذرناه من المخالفة وإذا رأينا أخا لنا قد أتى منكرا نهيناه عنه وحذرناه من ذلك حتى نكون أمة واحدة لأننا إذا تفرقنا وصار كل واحد منا له مشرب حصل بيننا من النزاع والفرقة والاختلاف ما يحصل فإذا اجتمعنا كلنا على الحق حصل لنا الخير والسعادة والفلاح وفي هذا الحديث دليل على جواز القسم بدون أن يستقسم الإنسان أي جواز القسم دون أن يطلب من الإنسان أن يقسم ولكن هذا لا ينبغي إلا في الأمور التي لها أهمية ولها شأن فهذه يقسم عليها الإنسان أما الشيء الذي ليس له أهمية ولا شأن فلا ينبغي أن تحلف عليه إلا إذا استحلفت للتوكيد فلا بأس فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم واجبات الدين وفروضه حتى إن بعض العلماء عده ركنا سادسا من أركان الإسلام والصحيح أنه ليس ركنا سادسا وإنما هو من أوجب الواجبات والأمة إذا لم تقم بهذا الواجب فإنها سوف تتفرق وتتمزق يكون كل قوم لهم منهاج يسيرون عليه ولكنهم إذا أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر اتفق منهاجهم وصاروا أمة واحدة كما أمرهم الله بذلك { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله } { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم } ولكن على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يلاحظ مسألة مهمة وهي أن يكون قصده بذلك إصلاح أخيه لا الانتقام منه والاستئثار عليه لأنه ربما إذا قصد الانتقام منه والاستئثار عليه يعجب بنفسه وبعلمه ويحقر أخاه وربما يستبعد أن يرحمه الله ويقول هذا بعيد من رحمة الله ثم بعد يحبط عمله كما جاء ذلك في الحديث الذي صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا قال لرجل آخر مسرف على نفسه والله لا يغفر الله لفلان فقال الله عز وجل من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان وقد غفرت له وأبطلت عملك فانظر إلى هذا الرجل تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته هلك كل عمله وسعيه لأنه حمله إعجابه بنفسه واحتقاره لأخيه واستبعاده رحمه الله على أن يقول هذه المقالة فحصل بذلك أن أوبقت هذه الكلمة دنياه وآخرته فالمهم أنه يجب على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يستحضر هذا المعنى أن لا يكون قصده الانتصار لنفسه أو الانتقام من أخيه بل يكون كالطيب المخلص الذي قصده دواء هذا المريض الذي مرض بالمنكر فيعمل على أن يعالجه معالجة تقيه شر هذا المنكر أو ترك واجبا فيعالجه معالجة تحمله على فعل الواجب إذا علم الله من نيته الإخلاص جعل في سعيه بركة وهدى به من شاء من عباده فحصل على خير كثير وحصل منه خير عظيم والله الموفق


194 - الحادي عشر عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله فيما نقله عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر فللسلطان بطانتان بطانة السوء وبطانة الخير بطانة السوء تنظر ماذا يريد السلطان ثم تزينه له وتقول هذا هو الحق هذا هو الطيب وأحسنت وأوفدت ولو كان والعياذ بالله من أجور ما يكون تفعل ذلك مداهنة للسلاطين وطلبا للدنيا أما بطانة الحق فإنها تنظر ما يرضى الله ورسوله وتدل الحاكم عليه هذه هي البطانة الحسنة كلمة الباطل عند سلطان جائر هذه والعياذ بالله ضد الجهاد وكلمة الباطل عند سلطان جائر تكن بأن ينظر المتكلم ماذا يريد السلطان فيتكلم به عنده ويزينه له وقول كلمة الحق عند سلطان جائر من أعظم الجهاد وقال عند سلطان جائر لأن السلطان العادل كلمة الحق عنده لا تضر قائلها لأنه يقبل أما الجائر فقد ينتقم من صاحبها ويؤذيه فالآن عندنا أربع أحوال 1 - كلمة حق عند سلطان عادل وهذه سهلة 2 - كلمة باطل عند سلطان عادل وهذه خطيرة لأنك قد تفتن السلطان العادل بكلمتك بما تزينه له من الزخارف 3 - كلمة الحق عند سلطان جائر وهذه أفضل الجهاد 4 - كلمة باطل عند سلطان جائر وهذه أقبح ما يكون فهذه أقسام أربعة لكن أفضلها كلمة الحق عند السلطان الجائر نسأل الله أن يجعلنا ممن يقول الحق ظاهرا وباطنا على نفسه وعلى غيره


197 - الرابع عشر عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه رواه أبو داود والترمذي والنسائي بأسانيد صحيحة

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال أما بعد أيها الناس فإنكم تقرأون هذه الآية يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم وهذه الآية ظاهرها أن الإنسان إذا اهتدى بنفسه فإنه لا يضره ضلال الناس لأنه استقام بنفسه فإذا استقام بنفسه فشأن أجره على الله عز وجل فقد يفسرها بعض الناس ويفهم منهم معنى فاسدا يظن أن هذا هو المراد بالآية الكريمة وليس كذلك فإن الله اشترط لكون من ضل لا يضرنا أن نهتدي فقال { لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ } ومن الاهتداء أن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر فإن كان هذا من الاهتداء فلابد أن نسلم من الضرر وذلك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولهذا قال رضي الله عنه وإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أو فلم يأخذوا على يد الظالم أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده يعني أنهم يضرهم من ضل إذا كانوا يرون الضال ولا يأمرونه بالمعروف ولا ينهونه عن المنكر فإنه يوشك أن يعمهم الله بالعقاب الفاعل والغافل الفاعل للمنكر والغافل الذي لم ينه عن المنكر وفي هذا دليل على أنه يجب على الإنسان العناية بفهم كتاب الله عز وجل حتى لا يفهمه على غير ما أراد الله وأن الناس قد يظنون المعنى على خلاف ما أراد الله في كتابه فيضلوا بتفسير القرآن ولهذا جاء في الحديث الوعيد علي من قال في القرآن برأيه أي فسره بما يرى ويهوي لا بمقتضى اللغة العربية والشريعة الإسلامية فإذا فسر الإنسان القرآن بهواه ورأيه فليتبوأ مقعده من النار أما من فسره بمقتضى اللغة العربية وهو ممن يعرف اللغة العربية فهذا لا إثم عليه لأن القرآن نزل باللسان العربي فيفسر بما يدل عليه وكذلك إذا كانت الكلمات قد نقلت من المعنى اللغوي إلى المعنى الشرعي وفسرها بمعناها الشرعي فلا حرج عليه فالمهم أنه يجب على الإنسان أن يكون فاهما لمراد الله عز وجل في كتابه وكذلك المراد النبي صلى الله عليه وسلم في سنته حتى لا يفسرهما إلا بما أراد الله ورسوله والله الموفق


باب تغليظ عقوبة من أمر بمعروف أو نهى عن منكر وخالف قوله فعله


قال الله تعالى { أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } وقال تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُون كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ } وقال تعالى إخبارا عن شعيب صلى الله عليه وسلم { وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ }

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله تعالى باب تغليظ عقوبة من أمر بمعروف أو نهي عن منكر وخالف فعله وقوله لما كان الباب الذي قبله في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان المناسب ذكر هذا الباب في تغليظ عقوبة من أمر بمعروف ولم يفعله أو نهى عن منكر وفعله والعياذ بالله وذلك أن من هذه حاله لا يكون صادقا في أمره ونهيه لأنه لو كان صادقا في أمره معتقدا أن ما أمر به معروف وأنه نافع لكان هو أول من يفعله لو كان عاقلا وكذلك لو نهى عن منكر وهو يعتقد أنه ضار وأن فعله إثم لكان أول من يتركه لو كان عاقلا فإذا أمر بمعروف ولم يفعله أو نهى عن منكر وفعله علم أن قوله ليس مبنيا على عقيدة والعياذ بالله ولهذا أنكر الله على من فعل ذلك فقال تعالى أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ والاستفهام هنا للإنكار يعني كيف تأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم فلا تفعلونه وأنتم تتلون الكتاب وتعرفون البر من غير البر أفلا تعقلون وهذا الاستفهام للتوبيخ يقول لهم كيف يقع منكم هذا الشيء أين عقولكم لو كنتم صادقين مثال ذلك رجل يأمر بترك الناس للربا ولكنه يتعامل به أو يفعل ما هو أعظم منه فهو يقول في الناس مثلا لا تأخذوا الربا في معاملات البنوك ثم يذهب فهو يأخذ الربا بالحيلة والمكر والخداع ولم يعلم أن ما وقع هو فيه من الحيلة والمكر والخداع فهو ذنبا وأعظم إثما ممن أتى الأمر على وجهه ولهذا قال أيوب السختياني رحمه الله في أهل الحيل والمكر إنهم يخادعون الله كما يخادعون الصبيان لو أنهم أتوا الأمر على وجهه لكان أهون وصدق رحمه الله كذلك أيضا رجل يأمر الناس بالصلاة ولكنه هو نفسه لا يصلي فكيف يكون هذا كيف تأمر بالصلاة وترى أنها معروف ثم لا تصلي هل هذا من العقل ليس من العقل فضلا أن يكون من الدين فهو مخالف للعقل وسفه في الدين نسأل الله العافية وقال الله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ } { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } خاطبهم بالإيمان لأن مقتضى الإيمان ألا يفعل الإنسان هذا وألا يقول ما لا يفعل ثم وبخهم بقوله { لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ } ثم بين أن هذا الفعل مكروه عند الله مبغض لديه أشد البغض فقال { كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ } والمقت قال العلماء هو أشد البغض فالله تعالى يبغض الرجل الذي هذه حاله يقول ما لا يفعل وبين الله عز وجل لعباده أن ذلك مما يبغضه من أجل أن يبتعدوا عنه لأن المؤمن حقا يبتعد عما نهى الله عنه وقال عن شعيب { وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ } يعني أنه يقول لقومه لا يمكن أن أنهاكم عن الشرك وأنهاكم عن نقص المكيال والميزان وأنا أفعله لا يمكن أبدا لأن الرسل عليهم السلام هم أنصح الخلق للخلق وهم أشد الناس تعظيما لله وامتثالا لأمره واجتنابه لنهيه فلا يمكن أن يخالفهم إلى ما ينهاهم عنه فيفعله وفي هذا دليل على أن الإنسان الذي يفعل ما ينهى عنه أو يترك ما أمر به مخالف لطريقة الرسل عليهم الصلاة والسلام لأنهم لا يمكن أن يخالفوا الناس إلى ما ينهوهم عنه وستأتي الأحاديث إن شاء الله في بيان عقوبة من ترك ما أمر به أو فعل ما نهى عنه والله الموفق


198 - وعن أبي زيد أسامة بن زيد بن حارثة رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار في الرحا فيجتمع إليه أهل النار فيقولون يا فلان ما لك ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فيقول بلى كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه متفق عليه قوله تندلق هو بالدال المهملة ومعناه تخرج و الأقتاب الأمعاء واحدها قطب

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن أسامة بن زيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار في الرحا فيجتمع عليه أهل النار فيقولون يا فلان ما لك ألم تك تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فيقول بلى كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه فهذا الحديث فيه التحذير الشديد من الرجل الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويخلف قوله فعله يقول يؤتى بالرجل يوم القيامة أي تأتي به الملائكة فيلقى في النار إلقاء لا يدخلها برفق ولكنه يلقى فيها كما يلقى الحجر في اليم فتندلق أقتاب بطنه يعني أمعاءه الأقتاب جمع قتب وهو المعي ومعنى تندلق تخرج من بطنه من شدة الإلقاء والعياذ بالله فيدور به كما يدور الحمار في الرحا وهذا التشبيه للتقبيح شبهه بالحمار الذي يدور على الرحا وصفة ذلك أنه في المطاحن القديمة قبل أن توجد هذه الآلات والمعدات الحديدية كان يجعل حجران كبيران وينقشان فيما بينهما أي ينقران ويوضع للأعلى منهما فتحة تدخل فيها الحبوب وفيها خشبة تربط بمتن الحمار ثم يستدير على الرحا وفي استدارته تطحن الرحا فهذا الرجل الذي يلقى في النار على أمعائه والعياذ بالله كما يدور الحمار على رحاه فيجتمع إليه أهل النار فيقولون له ما لك أي شيء جاء بك إلى هنا وأنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فيقول مقرا على نفسه كنت آمر بالمعروف ولا آتيه يقول للناس صلوا ولا يصلي ويقول لهم زكوا أموالكم ولا يزكي ويقول بروا الوالدين ولا يبر والديه وهكذا يأمر بالمعروف ولكنه ولا يأتيه وأنهى عن المنكر وآتيه يقول للناس لا تغتابوا الناس لا تأكلوا الربا لا تغشوا في البيع لا تسيئوا العشرة لا تسيئوا الجيرة وما أشبه ذلك من الأشياء المحرمة التي ينهى عنها ولكنه يأتيها والعياذ بالله يبيع بالربا ويغش ويسئ العشرة ويسئ إلى الجيران وغير هذا فهو بذلك يأمر بالمعروف ولا يأتيه وينهى عن المنكر ويأتيه نسأل الله العافية فيعذب هذا العذاب ويخزى هذا الخزي فالواجب على المرء أن يبدأ بنفسه فيأمرها بالمعروف وينهاها عن المنكر لأن أعظم الناس حقا عليك بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسك
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها ...
فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
ابدأ بها ثم حاول نصح إخوانك وأمرهم بالمعروف وانههم عن المنكر لتكون صالحا مصلحا نسأل الله أن يجعلني وإياكم من الصالحين إنه جواد كريم


باب الأمر بأداء الأمانة


قال الله تعالى { إِنَّ اللهَ يَأمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا }

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله باب الأمر بأداء الأمانة الأمانة تطلق على معان متعددة منها ما ائتمنه الله على عباده من العبادات التي كلفهم بها فإنها أمانة ائتمن الله عليها العباد ومنها الأمانة المالية وهي الودائع التي تعطى للإنسان ليحفظها لأهلها وكذلك الأموال الأخرى التي تكون بيد الإنسان لمصلحته أو مصلحته ومصلحة مالكها وذلك أن الأمانة التي بيد الإنسان إما أن تكون لمصلحة مالكها أو لمصلحة من هي بيده أو لمصلحتها جميعا فأما الأول فالوديعة الوديعة تجعلها عند شخص تقول مثلا هذه ساعتي عندك احفظها لي أو هذه دراهم احفظها لي وما أشبه ذلك فهذه وديعة المودع فيها بقيت عنده لمصلحة مالكها وأما التي لمصلحة من هي بيده فالعارية يعطيك شخص شيئا يعيرك إياه من إناء أو فراش أو ساعة أو سيارة فهذه بقيت في يدك لمصلحتك وأما التي لمصلحة مالكها ومن هي بيده فالعين المستأجرة فهذه مصلحتها للجميع استأجرت مني سيارة وأخذتها فأنت تنتفع بها في قضاء حاجتك وأنا أنتفع بالأجرة وكذلك البيت والدكان وما أشبه ذلك كل هذه من الأمانات ومن الأمانة أيضا أمانة الولاية وهي أعظمها مسئولية الولاية العامة والولايات الخاصة فالسلطان مثلا الرئيس الأعلى في الدولة أمين على الأمة كلها على مصالحها الدينية ومصالحها الدنيوية على أموالها التي تكون في بيت المال لا يبذرها ولا ينفقها في غير مصلحة المسلمين وما أشبه ذلك وهناك أمانات أخرى دونها كأمانة الوزير مثلا في وزارته وأمانة الأمير في منطقته وأمانة القاضي في عمله وأمانة الإنسان في أهله المهم أن الأمانة بابا واسع جدا وأصلها أمران أمانة في حقوق الله وهي أمانة العبد في عبادات الله عز وجل وأمانة في حقوق البشر وهي كثيرة جدا وقد أشرنا إلى شيء منها وكلها يؤمر الإنسان بأدائها إِنَّ اللهَ يَأمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا تأمل هذه الصيغة إن الله يأمركم صيغة قوة وسلطان لم يقل أدوا الأمانة ولم يقل إني آمركم ولكن قال إن الله يأمركم يأمركم بألوهيته العظيمة يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها فأقام الخطاب مقام الغائب تعظيما له لهذا المقام ولهذا الأمر وهذا كقول السلطان ولله المثل الأعلى إن الأمير يأمركم إن الملك يأمركم فهذا أبلغ وأقوى من قوله إني آمركم كما قال ذلك علماء البلاغة أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها من لازم الأمر بأداء الأمانة إلى أهلها الأمر بحفظها لأنه لا يمكن أداؤها إلى أهلها إلا بحفظها وحفظها ألا يتعدى فيها ولا يفرط بل يحفظها حفظا تاما ليس فيه تعد ولا تفريط حتى يوديها إلى أهلها وأداء الأمانة من علامات الإيمان فكلما وجدت الإنسان أمينا فيما يؤتمن عليه مؤديا له على الوجه الأكمل فاعلم أنه قوي الإيمان وكلما وجدته خائنا فاعلم أنه ضعيف الإيمان ومن الأمانات ما يكون بين الرجل وصاحبه من الأمور الخاصة التي لا يجب أن يطلع عليها أحد فإنه لا يجوز لصاحبه أن يخبر بها فلو استأمنت على حديث حدثك به وقال لك هذا أمانة فإنه لا يحل لك أن تخبر به أحد من الناس ولو كان أقرب الناس إليك سواء أوصاك بأن لا تخبر به أحدا أو علم من قرائن الأحوال أنه لا يحب أن يطلع عليه أحد ولهذا قال العلماء إذا حدثك الرجل بحديث والتفت فهذه أمانة لماذا ؟ لأن كونه يلتفت فإنه يخشى بذلك أن يسمع أحد إذن فهو لا يحب أن يطلع عليه أحد فإذا ائتمنك الإنسان على حديث فإنه لا يجوز لك أن تفشيه ومن ذلك أيضا ما يكون بين الرجل وبين زوجته من الأشياء الخاصة فإن شر الناس منزلة عند الله تعالى يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم يروح ينشر سرها ويتحدث بما جرى بينهما فلا يجوز للإنسان أن يتحدث بما جرى بينه وبين زوجته وكثير من الشباب السفهاء يتفكهون في المجالس بذكر تلك الخصوصيات يقول الواحد منهم فعلت بامرأتي كذا وكذا من الأمور التي لا تحب هي أن يطلع عليها أحد وكذلك كل إنسان عاقل له ذوق سليم لا يحب أن يطلع أحد على ما جرى بينه وبين زوجته إذن علينا أن نحافظ على الأمانات وأول شيء أن نحافظ على الأمانات التي بيننا وبين ربنا لأن حق ربنا أعظم الحقوق علينا ثم بعد ذلك ما يكون من حقوق الخلق الأقرب فالأقرب والله الموفق


وقال تعالى { إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً }

الشَّرْحُ

سبق الكلام على أن الأمانات شاملة لحقوق الله وحقوق العباد وأنها أنواع كثيرة وذكرنا ما تيسر منها وتكلمنا عن قوله عز وجل إِنَّ اللهَ يَأمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ثم قال تعالى في الآية نفسها { إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ } فأثنى الله عز وجل على ما يعظنا من الأوامر والنواهي من الأوامر التي يريد منا فعلها والنواهي التي يريد منا تركها ثم ختم الآية بقوله { إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا } سميعا لما تقولون بصيرا لما تفعلون وختم الآية بهذين الاسمين الكريمين المتضمنين لشامل سمع الله وبصره يقتضي التهديد فهو يهدد عز وجل من لم يقم بأداء الأمانات إلى أهلها ثم ذكر المؤلف رحمه الله قوله تعالى { إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً } عرض الله الأمانة وهي التكليف والإلزام بما يجب عرضها على السماوات والأرض والجبال ولكنها أبت أن تحملها لما فيها من المشقة والخشية هذه الثلاثة السماوات والأرض والجبال من إضاعتها فإذا قال قائل كيف يعرض الله الأمانة على السماوات والأرض والجبال وهي جماد ليس لها عقل ولا تشعر فالجواب أن كل جماد فهو بالنسبة لله عز وجل عاقل يفهم ويمتثل أرأيت إلى قوله تعالى فيما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى لما خلق القلم قال له اكتب فخاطب الله القلم وهو جماد ورد عليه القلم قال وماذا أكتب لأن الأمر مجمل ولا يمكن الامتثال للأمر المجمل إلا ببيانه قال اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة فكتب القلم بأمر الله ما هو كائن إلى يوم القيامة هذا أمر وتكليف وإلزام فهنا بين الله عز وجل أنه عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبت أن تحملها وقال تعالى { ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } فخاطبها بالأمر وقال ائتيا طوعا أو كرها فقالتا أتينا طائعين ففهمت السماوات والأرض خطاب الله وامتثلتا وقالتا أتينا طائعين وعصاة بني آدم يقولون سمعنا وعصينا الأمانة حملها الإنسان وكيف حملها ؟ حملها بأمرين العقل والرسل العقل الذي أعطاه الله عز وجل وفضله به على كثير ممن خلق تفضيلا والرسل الذين أرسلهم الله عز وجل للإنسان وبينوا له الحق من الضلال فلم يبق له عذر ولكن مع ذلك وصف الإنسان بأنه ظلوم جهول فاختلف العلماء هل الإنسان هنا عام أم خاص بالكافر فقال بعض العلماء إنه خاص بالكافر فهو الظلوم الجهول أما المؤمن فهو ذو عدل وعلم وحكمة ورشد وقال بعض العلماء بل هو عام والمراد الإنسان بحسب طبيعته أما المؤمن فإن الله من عليه بالهداية فيكون مستثنى من هذا وأيا كان فمن قام بالأمانة انتفى عنه وصف الظلم والجهالة التي في قوله تعالى { وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً }


199 - عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان متفق عليه وفي رواية وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم الآية يعني العلامة كما قال تعالى أَوَ لَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ يعني أو لم يكن لهم علامة على صدق ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وصحة شريعته وأن هذا القرآن حق { أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ } ويعلمون أنه هو الذي بشر به عيسى عليه الصلاة والسلام وكذلك قوله تعالى { وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ } آية يعني علامة فعلامة المنافق ثلاث والمنافق هو الذي يسر الشر ويظهر الخير ومن ذلك أن يسر الكفر ويظهر الإسلام وأصله مأخوذ من نافقاء اليربوع اليربوع أو الذي نسميه الجربوع يحفر له جحرا في الأرض ويفتح له بابا ثم يحفر في أقصى الحجر خرقا للخروج لكنه خرق خفي لا يعلم به بحيث إذا حجره أحد من عند الباب ضرب هذا الخرق الذي في الأسفل برأسه هرب منه فالمنافق يظهر الخير ويبطن الشر يظهر الإسلام ويبطن الكفر وقد برز النفاق في عهد النبي بعد غزوة بدر لما قتل صناديد قريش في بدر وصارت الغلبة وللمسلمين ظهر النفاق فأظهر هؤلاء المنافقون أنهم مسلمون وهم كفار كما قال تعالى { وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ } قال الله تعالى { اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } وقال عنهم أيضا { إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ } يوكدون كلامهم بالشهادة و بإن و اللام فقال الله تعالى { وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ } فشهد شهادة أقوى منها بأنهم لكاذبون في قولهم نشهد إنك لرسول الله لا في أن محمدا رسول الله ولهذا استدرك فقال { وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ } المنافق له علامات يعرفها الذي أعطاه الله فراسة ونورا في قلبه يعرف المنافق من تتبع أحواله وهناك علامات ظاهرة ما تحتاج إلى فراسة منها هذه الثلاث التي بينها النبي صلى الله عليه وسلم إذا حدث كذب يقول مثلا فلان فعل كذا وكذا فإذا بحثت وجدته كذب وهذا الشخص لم يفعل شيئا فإذا رأيت الإنسان يكذب فاعلم أن في قلبه شعبة من النفاق الثاني إذا وعد أخلف يعك ولكن يخلف يقول لك مثلا سآتي إليك في الساعة السابعة صباحا ولكن لا يأتي أو يقول سآتي إليك غدا بعد صلاة الظهر ولكن ما يأتي يقول أعطيك كذا وكذا وما يعطيك فهو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا وعد أخلف والمؤمن إذا وعد وفي كما قال الله تعالى { وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا } لكن المنافق يعدك ويغرك فإذا وجدت الرجل يغدر كثيرا بما يعد ولا يفي فاعلم أن في قلبه شعبة من النفاق والعياذ بالله الثالث إذا ائتمن خان وهذا الشاهد من هذا الحديث بالباب فالمنافق إذا ائتمنته على مال خانك وإذا ائتمنته على سر بينك وبينه خانك وإذا ائتمنته على أهلك خانك وإذا ائتمنته بيع أو شراء خانك كلما ائتمنته على شيء يخونك والعياذ بالله يدل ذلك على أن في قلبه شعبة من النفاق وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الخبر لأمرين الأمر الأول أن نحذر من هذه الصفات الذميمة لأنها من علامات النفاق ويخشى أن يكون هذا النفاق العملي مؤديا إلى نفاق في الاعتقاد والعياذ بالله فيكون الإنسان منافقا نفقا اعتقاديا فيخرج من الإسلام وهو لا يشعر فأخبرنا الرسول عليه الصلاة والسلام لنحذر من ذلك الأمر الثاني لنحذر من يتصف بهذه الصفات ونعلم أنه منافق يخدعنا ويلعب بنا ويغرنا بحلاوة لفظه وحسن قوله إذن عكس ذلك يكون من علامات الإيمان فالمؤمن إذا وعد أوفى المؤمن إذا ائتمن أدى الأمانة على وجهها هذا هو المؤمن وكذلك إذا حدث كان صادقا في حديثه مخبرا بما هو الواقع فعلا ومن الأسف فإن قوما من السفهاء عندنا إذا وعدته بوعد يقول وعد إنجليزي أم وعد عربي يعني أن الإنجليز هم الذين يوفون بالوعد هذا بلا شك أنه سفه وغرور بهؤلاء الكفرة الإنجليز فيهم مسلمون ومؤمنون ولكن جملتهم كفار ووفاؤهم بالوعد لا يبتغون به وجه الله لكن يبتغون به أن يحسنوا صورتهم عند الناس ليغتر الناس بهم المؤمن في الحقيقة هو الذي يفي تماما ولهذا إذا أردت أن تتأكد فقل لصاحبك تعدني وعد مؤمن أم وعد منافق ؟ هذا هو الصواب فمن أوفى بالوعد فهو مؤمن ومن أخلف الوعد كان فيه من خصال النفاق


200 - وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين قد رأيت أحدهما وأنا انتظر الآخر حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السنة ثم حدثنا عن رفع الأمانة فقال ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل الوكت ثم ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل أثر المجل كجمر دحركته رجلك فنفط فتراه منتبرا وليس فيه شيء ثم أخذ حصاة فدحرجها على رجله فيصبح الناس يتبايعون فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة حتى يقال إن في بني فلان رجلا أمينا حتى يقال للرجل ما أجلده ما أظرفه ما أعقله وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان ولقد أتى على زمان وما أبالي أيكم بايعت لئن كان مسلما ليردنه على دينه وإن كان نصرانيا أو يهوديا ليردنه على ساعيه وأما اليوم فما كنت أبايع منكم إلا فلانا وفلانا متفق عليه قوله جذر بفتح الجيم وإسكان الذال المعجمة وهو أصل الشيء و الوكت بالتاء المثناة من فوق الأثر اليسير والمجل بفتح الميم وإسكان الجيم وهو تنفظ في اليد ونحوها من اثر عمل وغيره

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحدث أصحابه به يراه مناسبا والنبي عليه الصلاة والسلام إذا حدث أحدا بشيء فإنه حديث له وللأمة إلى يوم القيامة وحذيفة بن اليمان رضي الله عنه يقال له صاحب السر لأن النبي صلى الله عليه وسلم حدثه عن قوم من المنافقين علمهم النبي صلى الله عليه وسلم فأخبر بهم حذيفة وكانوا نحو ثلاثة عشر رجلا سماهم بأسمائهم وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه لشدة خوفه من الله يلتقي بحذيفة فيقول أنشدك الله هل سماني لك رسول الله صلى الله عليه وسلم مع من سماهم من المنافقين هذا وهو عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي هو أفضل هذه الأمة بعد نبيها وأبي بكر رضي الله عنهم أجمعين فهو الثاني بعد الرسول عليه الصلاة والسلام في هذه الأمة ولو من اليقين والمقامات العظيمة ما هو معلوم حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام إن يكن فيكم محدثون فعمر يعنى إن كان فيكم أحد ملهم للصواب فهو عمر يمدحه ويثني عليه لموافقته للصواب وإيمانه رضي الله عنه معروف مشهور ومع ذلك يقول أنشدك الله هل سماني لك رسول الله مع من سماهم من المنافقين فيقول حذيفة لا ولا أزكى بعدك أحدا فذكر رضي الله عنه ما حدثه به النبي صلى الله عليه وسلم من نزع الأمانة من قلوب الرجال فقوله صلى الله عليه وسلم إن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال يعني في أصلها ثم أنزل عليهم من القرآن والسنة ما يثبت ويؤيد هذا الأصل فجاء القرآن والسنة مؤيدا للفطرة التي فطر الناس عليها وعلموا من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فازدادوا بذلك إيمانا وثباتا وأداء للأمانة ولكن أخبر بالحديث الثاني أن هذه الأمانة سوف تنزع من قلوب الرجال والعياذ بالله تنزع فيصبح الناس يتحدثون إن في بني فلان رجل أمين يعني أنك لا تكاد تجد في القبيلة رجلا واحدا أمينا والباقي كلهم على خيانة لم يؤدوا الأمانة ولقد شاهد الناس اليوم مصداق هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنك تستعرض الناس رجلا رجلا حتى تبلغ إلى حد المائة أو المئات لا تجد الرجل الأمين الذي أدى الأمانة كما ينبغي في حق الله ولا في حق الناس قد تجد رجلا أمينا في حق الله يؤدي الصلاة يؤدي الزكاة يصوم يحج يذكر الله كثيرا يسبح لكنه في المال ليس أمينا إن وكل إليه عمل حكومي فرط وصار لا يأتي للدوام إلا متأخرا ويخرج قبل انتهاء الوقت ويضيع الأيام الكثيرة في أشغاله الخاصة ولا يبالي مع أنك تجده في مقدمة الناس في المساجد وفي الصدقات وفي الصيام وفي الحج لكنه ليس أمينا من جهة أخرى كذلك تجد الرجل يقيم الصلاة ويصوم ويحج ويتصدق لكنه ليس أمينا في وظيفته يعرف أنه لا يجوز للموظف أن يتاجر أو يفتح محل تجارة ولكنه لا يبالي ويفتح محل تجارة إما باسمه صريحا أو باسم مستعار وإما برجل أجنبي يجعله في هذا الدكان وما أشبه ذلك فيكذب ويخون الدولة ويأكل المال بالباطل وهذا الذي يأكله من الحرام مانع لإجابة دعوته والعياذ بالله قال النبي عليه الصلاة والسلام إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى يا أيها الذين آمنوا كلوا من طبيات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون وقال تعالى { يا أيها الرسل كلوا من الطبيات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم } ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وغذى بالحرام فأنى يستجاب لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم أنى يستجاب لذلك بعيد أن يستجيب الله لهذا الرجل الذي هو أشعث أغبر يمد يديه للسماء يا رب يا رب ومع ذلك يبعد أن الله يستجيب له لأنه يأكل الحرام هذا الذي يكون موظفا بمقتضى عهد الوظيفة فإنه يمنع من مزاولة التجارة فكل كسب كسبه من هذه التجارة فهو حرام عليه سحت والعياذ بالله نقول لمثل هذا أنت الآن بالخيار إن شئت أن تبقى على الوظيفة فاترك التجارة وإن رأيت أن التجارة أنسب لك وأكثر فائدة فاترك الوظيفة قال الله تعالى { أوفوا بالعقود } { وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئولاً } يتعلل بعض الناس فيقول كيف تمنعوني من التجارة وهناك وزراء يتاجرون بالأراضي وعندهم شركات كبيرة فنقول إذا ضل الناس لم يكن ضلالهم هدي وإذا كانوا هم ضالين ظالمين بما صنعوا فلا تضل أنت فإذا قال مثلا هذه النظم جاءت من تحت أيديهم هم الذين شرعوها فكيف يخالفونها نقول حسابهم على الله سيكونون هم أول من يحزن ويتحسر على ما صنعوا يوم القيامة حيث لا مال عندهم يفدون به أنفسهم ولا خدم ولا حراس يحجزون عنهم ولا نسب ولا قرابة تنفعهم فأنت لا تتخذ من مخالفات الناس دليلا وسلما لمعصية الله ولكن عليك بالوفاء لما عاهدت غيرك عليه وإن كان غيرك خالف ذلك فليس لك أن تخالفه أنت


201 - وعن حذيفة وأبي هريرة رضي الله عنه قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع الله تبارك وتعالى الناس فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة فيأتون آدم صلوات الله عليه فيقولون يا أبانا استفتح لنا الجنة فيقول وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم لست بصاحب ذلك اذهبوا إلي ابنى إبراهيم خليل الله قال فيأتون إبراهيم فبقول إبراهيم لست بصاحب ذلك إنما كنت خليلا من وراء وراء اعمدوا إلى موسى الذي كلمه الله تكليما فيأتون موسى فيقول إبراهيم لست بصاحب ذلك اذهبوا إلى عيسى كلمة الله وروحه فيقول عيسى لست بصاحب ذلك فيأتون محمد صلى الله عليه وسلم فيقوم فيؤذن له وترسل الأمانة والرحم فيقومان جنبتى الصراط يمينا وشمالا فيمر أولكم كالبرق قلت بأبي وأمي أي شيء كمر البرق قال ألم تروا كيف يمر ويرجع في طرفة عين ثم كمر الريح ثم كمر الطير وأشد الرجال تجري بهم أعمالهم ونبيكم قائم على الصراط يقول رب سلم سلم حتى تعجز أعمال العباد حتى يجئ الرجل لا يستطيع السير إلا زحفا وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به فمخدوش ناج ومكردس في النار والذي نفس أبي هريرة بيده إن قعر جهنم لسبعون خريفا رواه مسلم قوله وراء وراء هو بالفتح فيهما وقيل بالضم بلا تنوين ومعناه لست بتلك الدرجة الرفيعة وهي كلمة تذكر على سبيل التواضع وقد بسطت معناها في شرح صحيح مسلم والله أعلم

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله فيما نقاه عن حذيفة وأبي هريرة رضي الله عنهما في حديث الشفاعة وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم وعده ربه أن يبعثه مقاما محمودا فقال جل وعلا وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا وإذا جاءت { عسى } من الله فهي واجبة بخلاف عسى من الخلق فإنها للترجي فإذا قلت عسى الله أن يهديني عسى الله أن يغفر لي عسى الله أن يرحمني فهذا رجاء أما إذا قال الله { عسى } فهذا وعد لذلك قالوا عسى من الله واجبة مثل قوله تعالى { فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم } وقوله { فَعَسَى اللهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِنْدِهِ } وما أشبه ذلك فالله عز وجل وعد نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبعثه مقاما محمودا أي مقاما يحمده فيه الأولون والآخرون وذلك من عدة أوجه منها حديث الشفاعة فإن الناس يبعثون يوم القيامة حفاة عراة غرلا حفاة لا يلبسون النعال وعراة ليس عليهم ثياب وغرلا أي غير مختونين يعني أن ما قطع منهم في الدنيا أثناء الختان سيعود إليهم يوم القيامة كما قال تعالى { كما بدأنا أول خلق نعيده } فيجمع الله الخلائق والشمس فوقهم قدر ميل أهوال عظيمة يشاهدون الجبال تمر مر السحاب تكون هباء منثورا فيلحقهم من الهم والغم ما لا يطيقون فيقول بعضهم لبعض ألا تطلبون من يشفع لنا عند الله فيذهبون إلى آدم ويطلبونه الشفاعة فيذكر خطيئته التي وقعت منه فقال عز وجل لآدم وحواء { ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين } فأتاهما الشيطان فوسوس لهما ودلاهما بغرور وقاسمهما إني لكم لمن الناصحين وهكذا يفعل في بني آدم يغرهم ويوسوس لهم ويقسم لهم إني ناصح هو كذوب فالشاهد من حديثنا أن آدم عليه السلام خطيئته هو وزوجته وهي أكلهما من الشجرة التي حظرها الله عليهما ولكنه تاب إلى الله تعالى من ذلك فأمره الله سبحانه أن يهبط هو وزوجته إلى الأرض فهبطا وكانت منهما هذه الذرية فمنهم الشهداء والرسل والأنبياء والصالحون ومنهم غير ذلك من أهل الفساد والكفر والنفاق والإلحاد والضلال فعندما يذهب الناس إلى آدم عليه السلام في هذا الموقف العظيم يوم القيامة يعتذر عن مساعدتهم ويتذكر خطيئته التي أخرجته من الجنة أما القصة التي تروى عن ابن عباس رضي الله عنهما في سبب خروج آدم وحواء من الجنة وأن حواء حملت فجاءها الشيطان فقال سميا الولد عبد الحارث أو لأجعلن له قرنا فيخرج من بطنه فيشقه فأبيا أن يطيعا فجاءهم في المرة الثانية فأبيا أن يطيعا فجاءهم في المرة الثالثة فأدركهما حب الولد فسمياه عبد الحارث وجعل ذلك تفسيرا لقوله تعالى { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } فإن هذه القصة قصة مكذوبة ليست بصحيحة وحتى إن صحت عن ابن عباس فإنه رضي الله عنه ممن عرفوا بالأخذ من بني إسرائيل فتكون هذه القصة من الإسرائيليات فنحن نعلم من خلال حديث الشفاعة وما تقرر من عصمة الأنبياء أن هذا الفعل لا يصح من آدم أبدا لأنه شرك والشرك لا يقع من الأنبياء يعتذر آدم عن الشفاعة فيأتي الناس نوحا عليه السلام وهو أول رسول أرسله الله إلى الأرض فيخاطبه الناس بهذه المنقبة فيقولون له أنت أول رسول بعثه الله إلى الأرض اشفع لنا عند ربك فيعتذر لأنه سأل ربه ما ليس له به علم وذلك حين قال { رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ } وكان لنوح ولد كافر به ولد رسول ولكنه كفر بالرسول والعياذ بالله لأن النسب لا ينفع الإنسان فابن العالم لا يأتي عالما بل قد يكون جاهلا وكذلك ابن العابد لا يأتي عابدا قد يكون فاسقا فاجرا ابن الرسول لا يكون مؤمنا بل هذا ابن نوح عليه السلام أحد أبنائه كان كافرا كان أبوه يقول { يا بني اركب معنا ولا تكن من الكافرين } فيجيب قائلا { قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ } فيعتذر نوح بأنه سأل ما ليس له به علم والشافع لابد أن لا يكون بينه وبين المشفوع إليه جفوة لأن الشافع إذا كان بينه وبين المشفوع إليه جفوة فكيف يكون شافعا الشافع لابد أن يكون بينه وبين المشفوع إليه صلة قوية لا يخدشها شيء مع أن نوحا عليه السلام غفر الله له وآدم غفر الله له اجتباه ربه فتاب فغفر الله له ولكن لكمال مرتبتهم وعلو مقامهم جعلوا هذا الذنب الذي غفر لهم مانعا من الشفاعة كل هذا تعظيما لله عز وجل وحياء منه وخجلا منه ثم يأتون إلى إبراهيم خليل الله عز وجل فيعتذر ويقول إنه كذب في ذات الله ثلاث كذبات وهذه الكذبات الذي كذبها ليس كذبا في الواقع لأنه عليه الصلاة والسلام قد تأول فيها والتأول ليس بكذب لكن لشدة تعظيمه لله عز وجل رأى أن هذا مانع للشفاعة أي من أن يتقدم للشفاعة لأحد ثم يأتون موسى ويقولون له إن الله كلمك وكتب لك التوراة بيده فيعتذر بأنه قتل نفسا لم يؤمر بقتلها وذلك أن موسى عليه الصلاة والسلام كان من أشد الرجال وأقواهم فمر ذات يوم برجلين يقتتلان هذا من شيعته يعني من بني إسرائيل وهذا من عدوه يعني من آل فرعون من القبط فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه يعني طلب منه أن يغيثه وأن يعنينه على هذا الرجل فوكزه موسى أي وكز الذي من عدوه فقضى عليه أي أهلكه ومات بوكزة واحدة لأنه كان قويا شديدا عليه الصلاة والسلام فقال { هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين } وفي الصباح وجد صاحبه الذي بالأمس يتنازع مع شخص آخر قال تعالى { فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ } يعني بالأمس كنت تنازع رجلا واليوم تنازع آخر فهم موسى أن يبطش بالذي هو عدو لهما فقال له الإسرائيلي { أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ } وكان الناس يحسسون من الذي قتل الرجل بالأمس ففطن لذلك الفرعوني فأخبر الناس أن موسى قاتله فالشاهد من ذلك أن موسى عليه السلام يعتذر إلى الخلق يوم القيامة لأنه قتل نفسا لم يؤمر بقتلها ثم يذهبون إلى عيسى ويقولون له أنت كلمة الله وروحه كلمة الله يعني أنك خلقت بكلمة الله وروحه أي أنك روح من أرواح الله عز وجل التي خلقها فيعتذر ولكنه لا يذكر ذنبا أو لا يذكر شيئا يعتذر به فيحيلهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيقول اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فيأتون إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيقوم فيؤذن له فيشفع يشفع الناس حتى يقضي بينهم وفي هذا الحديث الذي ذكره المؤلف رحمه الله أن الأمانة والرحم تقفان على جانبي الصراط والصراط جسر ممدود على متن جهنم واختلف العلماء في هذا الجسر هل هو جسر واسع أو هو جسر ضيق ففي بعض الروايات أنه أدق من الشعر وأحد من السيف ولكن الناس يعبرون عليه والله على كل شيء قدير وعلى هذا الجسر كلاليب تخطف الناس بأعمالهم فمن الناس أن يخطف فيلقى في النار ومنهم من يمر سريعا كلمح البرق ومنهم من يمر كركاب الإبل أو كريح حسب درجاتهم وأعمالهم تجرى بهم أعمالهم كل من كان في هذه الدنيا أسرع إلى التزام صراط الله عز وجل واتباع شريعته كان على هذا الصراط أسرع مرورا ومن كان متباطئا عن الشرع في الدنيا كان سيره هناك بطيئا ودعاء الرسل يومئذ اللهم سلم سلم كل يخاف على نفسه لأن الأمر ليس بهين الأمر شديد الناس فيه أشد ما يكون خوفا ووجلا حتى يعبر المسلمون هذا الصراط إلى الجنة ومن الناس من يكردس في نار جهنم ويعذب على حسب عمله أما الكفار الخلص فإنهم لا يصعدون هذا الصراط ولا يمرون عليه بل يذهب بهم إلى جهنم قبل أن يصعدوا هذا الصراط ويذهب بهم إلى جهنم وردا إنما يصعده المؤمنون فقط لكن من كان له ذنوب لم تغفر فإن قد يقع في نار جهنم ويعذب بحسب أعماله والله أعلم


باب تحريم الظلم والأمر برد المظالم


قال الله تعالى { مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ } وقال تعالى { وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِير } وأما الأحاديث فمنها حديث أبي ذر رضي الله عنه المتقدم في آخر باب المجاهدة


203 - وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم رواه مسلم

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله تعالى ( باب تحريم الظلم والأمر برد المظالم ) يعني إلى أهلها هذا الباب يشتمل على أمرين الأمر الأول تحريم الظلم والأمر الثاني وجوب رد المظالم واعلم أن الظلم هو النقص قال الله تعالى كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئًا يعني لم تنقص منه شيئا والنقص إما أن يكون بالتجرؤ على ما لا يجوز للإنسان وإما بالتفريط فيما يجب عليه وبذلك يدور الظلم على هذين الأمرين إما ترك واجب وإما فعل محرم والظلم نوعان ظلم يتعلق بحقوق الله عز وجل وظلم يتعلق بحقوق العباد وأعظمهما المتعلق بحدود الله والإشراك به فإن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي الذنب أعظم فقال أن تجعل لله ندا وهو خلقك ويليه الظلم في الكبائر ثم الظلم في الصغائر أما في حقوق الله فالظلم يدور على ثلاثة أشياء بينها النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الودائع فقال إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا الظلم في النفس هو الظلم في الدماء يكون بأن يعتدي الإنسان على حق غيره يسفك الدماء أو الجروح أو ما أشبه ذلك الظلم في الأموال بأن يعتدي الإنسان ويظلم غيره من الأموال إما بعد بذل الواجب وإما بإتيان محرم وإما بأن يمتنع من واجب عليه وإما بأن يفعل شيئا محرما في مال غيره وأما الظلم في الأعراض فيشمل الاعتداء على الغير بالزنى واللواط والقذف وما أشبه ذلك وكل الظلم بأنواعه محرم ولن يجد الظالم من ينصره أمام الله تعالى قال الله تعالى { مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ } أي أنه يوم القيامة لا يجد الظالم حميما أي صديقا ينجيه من عذاب الله ولا يجد شفيعا يشفع له فيطاع لأنه منبوذ بظلمه وغشمه وعدوانه وقال تعالى { وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ } يعني لا يوجدون أنصارا ينصرونهم ويخرجونهم من عذاب الله سبحانه وتعالى في ذلك اليوم ثم ذكر المؤلف رحمه الله حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال اتقوا الظلم اتقوا يعني احذروا والظلم هو كما سبق أن بينا يكون في حق الله ويكون في حق العباد فقوله صلى الله عليه وسلم اتقوا الظلم أي لا تظلموا أحدا لا أنفسكم ولا غيركم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ويوم القيامة ليس هناك نور إلا من أنار الله تعالى له وأما من لم يجعل الله له نورا فما له من نور الإنسان إن كان مسلما فله نور بقدر إسلامه ولكن إن كان ظالما فقد من هذا النور بمقدار ما حصل من الظلم لقوله صلى الله عليه وسلم اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ومن الظلم مطل الغنى يعني أن لا يوفي الإنسان ما عليه وهو غني به لقوله صلى الله عليه وسلم مطل الغنى ظلم وما أكثر الذين يماطلون في حقوق الناس يأتي إليه صاحب الحق فيقول يا فلان أعطني حقي فيقول غدا فيأتيه من غد فيقول بعد غد وهكذا فإن هذا الظلم يكون ظلمات يوم القيامة على صاحبه واتقوا الشح الشح الحرص على المال فإنه أهلك من كان قبلكم لأن الحرص على المال نسأل الله السلامة يوجب للإنسان أن يكسب المال من أي وجه كان من حلال أو حرام بل قال النبي عليه الصلاة والسلام حملهم أي حمل من كان قبلنا على على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم يسفك الشحيح الدماء إذا لم يتوصل إلى طعمه إلا بالدماء كما هو الواقع عند أهل الشح يقطعون الطريق على المسلمين ويقتلون الرجل ويأخذون متاعه ويأخذون بعيره وكذلك أيضا يعتدون على الناس في داخل بيوتهم ويهتكون حجب بيوتهم فيأخذون المال بالقوة والغلبة فحذر النبي صلى الله عليه وسلم من أمرين من الظلم ومن الشح فالظلم هو الاعتداء على الغير والشح هو الطمع فيما عند الغير فكل ذلك حرام ولهذا قال الله تعالى في كتابه { وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } فدلت الآية على أن من لم يوق شح نفسه فلا فلاح له المفلح من وقاه الله شح نفسه نسأل الله السلامة أن يعيذنا وإياكم من الظلم وأن يقينا شح أنفسنا وشرورها


204 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى اله عليه وسلم قال لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء رواه مسلم

الشَّرْحُ

نقل المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء ففي هذا الحديث أقسم النبي صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدق بغير قسم أقسم أن الحقوق ستؤدى إلى أهلها يوم القيامة ولا يضيع لأحد حق الحق الذي لك إن لم تستوفيه في الدنيا استوفيته في الآخرة حتى إنه يقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء الجلحاء التي ليس لها قرن والقرناء التي لها قرن والغالب أن التي لها قرن إذا ناطحت الجلحاء التي ليس لها قرن تؤذيها أكثر فإذا كان يوم القيامة قضى الله بين هاتين الشاتين واقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء هذا وهن بهائم لا يعقلن ولا يفهمن لكن الله عز وجل حكم عدل أراد أن يرى عباده كمال عدله حتى في البهائم العجم فكيف ببني آدم وفي هذا الحديث دليل على أن البهائم تحشر يوم القيامة كذلك تحشر الدواب وكل ما فيه روح يحشر يوم القيامة قال الله تعالى وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم أمم كثيرة أمة الذر أمة الطيور أمة السباع أمة الحيات وهكذا { إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ } وكل شيء مكتوب حتى أعمال البهائم والحشرات مكتوبة في اللوح المحفوظ { مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ } على كل حال ففي يوم القيامة يقتص للمظلوم من الظالم ويؤخذ من حسنات الظالم فتضاف إلى حسنات المظلوم إلا إذا نفذت حسناته فيؤخذ من سيئات المظلوم فتطرح عليه قال النبي عليه الصلاة والسلام من تعدون المفلس فيكم قالوا المفلس من لا درهم عنده ولا متاع قال المفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات مثل الجبال فيأتي وقد ضرب هذا وشتم هذا وآخذ مال هذا وسفك دم هذا فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن بقى من حسناته شيء وإلا آخذ من سيئاتهم فطرت عليه ثم طرح في النار لابد أن يقتص للمظلوم من الظالم ولكن إذا آخذ المظلوم بحقه في الدنيا فدعا على الظالم بقدر مظلمته واستجاب الله دعاءه فيه فقد اقتص لنفسه قبل أن يموت لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب فإذا دعا المظلوم على ظالمه في الدنيا واستجيب لدعائه فقد اقتص منه في الدنيا أما إذا سكت فلم يدع عليه ولم يعف عنه فإنه يقتص له منه يوم القيامة


205 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال كنا نتحدث عن حجة الوداع والنبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا ولا ندري ما حجة الوداع حتى حمد الله ورسول الله صلى الله عليه وسلم وأثنى عليه ثم ذكر المسيح الدجال فأطنب في ذكره وقال ما بعث الله من نبي إلا أنذره أمته أنذره نوح والنبيون من بعده وإنه إن يخرج فيكم فما خفي عليكم من شأنه فليس يخفى عليكم إن ربكم ليس بأعور وإنه أعور عين اليمنى كأن عينه عنبة طافية ألا إن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا ألا هل بلغت قالوا نعم قال اللهم اشهد ثلاثا ويلكم أو ويحكم انظروا لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض رواه البخاري وروى مسلم بعضه

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال كنا نقول والنبي حي ما حجة الوداع وحجة الوداع هي الحجة التي حجها النبي صلى الله عليه وسلم في السنة العاشرة من الهجرة وودع الناس فيها وقال لعلي ألقاكم بعد عامي هذا ولم يحج النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة إلا هذه المرة فقط وقد ذكر أنه حج قبل الهجرة مرتين ولكن الظاهر والله أعلم أنه حج أكثر لأنه كان هناك في مكة وكان يخرج في الموسم يدعو الناس والقبائل إلى دين الله عز وجل فيبعد أنه يخرج ولا يحج وعلى كل حال الذي يهمنا أنه صلى الله عليه وسلم حج في آخر عمره في السنة العاشرة من الهجرة ولم يحج قبلها بعد هجرته وذلك لأن مكة كانت بأيدي المشركين إلى السنة الثامنة من الهجرة ففتحها النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان في السنة الثامنة ثم خرج بعد ذلك إلى الطائف وغزا ثقيفا وحصلت غزوة الطائف المشهورة ثم رجع بعد هذا ونزل في الجعرانة وأتى بعمرة ليلا ولم يطلع عليه كثير من الناس ثم عاد إلى المدينة هذا في السنة الثامنة وفي السنة التاسعة كانت الوفود إلى النبي من كل ناحية فبقى في المدينة ليتلقى الوفود حتى لا يثقل عليهم بطلبه حتى إذا جاء الوفود إلى المدينة وجدوا النبي صلى الله عليه وسلم ولم يتعبوا في طلبه ويلحقونه يمينا وشمالا فلم يحج في السنة التاسعة لتلقي الوفود هذا من وجه ومن وجه آخر في السنة التاسعة حج مع المسلمين المشركون لأنهم لم يمنعوا من دخول مكة ثم منعوا من دخول مكة وأنزل الله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وأذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان وكان أمير الناس في تلك الحجة أعني حجة سنة تسع أبا بكر رضي الله عنه ثم أردفه النبي بعلي بن أبي طالب في السنة العاشرة وأعلن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سيحج وقدم المدينة بشر كثير يقدرون نحو مائة ألف والمسلمون كلهم مائة وأربعة وعشرون ألفا أي لم يتخلف من المسلمين إلا القليل فحجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم هذه الحجة التي سميت حجة الوداع لأن النبي صلى الله عليه وسلم ودع الناس فيها بقوله لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا فصار الأمر كذلك فإنه توفي بعد رجوعه من المدينة في ربيع الأول أي بعد حجة فمضى محرم وصفر واثنا عشر يوما من ربيع الأول صلوات الله وسلامه عليه كان صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع يخطب الناس خطبهم في عرفة وخطبهم في منى فذكر المسيح الدجال وعظم من شأنه وحذر منه تحذيرا بالغا وفعل ذلك أيضا في المدينة ذكر الدجال وحذر منه وبالغ في شأنه حتى قال الصحابة كنا نظن أنه في أفراخ النخل أي قد جاء ودخل من شدة قول النبي فيه ثم أخبر عليه الصلاة والسلام أنه ما من نبي إلا أنذره قومه فكل الأنبياء ينذرون قومهم من الدجال يخوفونهم ويعظمون شأنه عندهم وإنما كانوا ينذرون قومهم الدجال مع أن الله يعلم أنه لن يكون إلا في آخر الدنيا من أجل الاهتمام به وبيان خطورته وأن جميع الملل تحذر منه لأن هذا الدجال وقانا الله وإياكم فتنته وأمثاله هذا الدجال يأتي إلى الناس يدعوهم إلى أن يعبدوه ويقول أنا ربكم وإن شئتم أريتكم أني ربكم فيأمر السماء يقول لها أمطري فتمطر ويأمر الأرض فيقول لها أنبتي فتنبت أما إذا عصوا أمر الأرض فأمحلت والسماء فقحطت وأصبح الناس ممحلين هذا لا شك أنه خطر عظيم لاسيما في البادية التي لا تعرف إلا الماء والمرعى فيتبعه أناس كثيرون إلا من عصم الله ومع هذا فله علامات بينة تدل على أنه كذاب منها أنه مكتوب بين عينيه كافر ( ك .
ف .
ر .
) يقرأها المؤمن فقط وإن كان لا يعرف القراءة ويعجز عنها الكافر وإن كان يقرأ لأن هذه الكتابة ليست كتابة عادية إنما هي كتابة إلهية من الله عز وجل ومن علاماته أنه أعور العين اليمنى والرب عز وجل ليس بأعور الرب عز وجل كامل الصفات ليس في صفاته نقص بوجه من الوجوه أما هذا فإنه أعور عينه اليمنى كأنها عنبة طافية وهذه علامة حسية واضحة كل يعرفها فإن قال قائل إذا كان فيه هذه العلامة الحسية فكيف يفتن الناس به نقول إن الله قال في كتابه { وَمَا تُغْنِي الآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ } الذين أضلهم الله لا تنفعهم علامات الضلال تحذيرا ولا علامات الهدى تبشيرا ولا يستفيدون من آيات الله ودلائل وحدانيته وألوهيته وإن كانت العلامات ظاهرة ثم بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن هذه العلامات لا تخفى على أحد وبين في حديث آخر أنه إن خرج والنبي فيهم فهو حجيجه دونهم يحجه النبي صلى الله عليه وسلم ويكشف زيغه وضلاله قال وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه والله خليفتي على كل مسلم فوكل الله عز وجل فالحاصل أن الرسول عليه الصلاة والسلام حذر من الدجال تحذيرا بالغا وأخبر أن الدجال الأكبر يخرج في آخر الزمان ويبقى في الأرض أربعين يوما فقط ولكن اليوم الأول كسنة اثنا عشر شهرا تبقى الشمس في أوج السماء ستة أشهر من المشرق إلى المغرب ما تغيب هذه الفترة الطويلة وتبقى غائبة ليلا ستة أشهر هذا أول يوم واليوم الثاني كشهر والثالث كجمعة وبقية الأيام كسائر الأيام سبعة وثلاثون يوما كسائر الأيام لما حدث النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بهذا الحديث لم يستشكلوا كيف تبقى الشمس سنة كاملة ما تدور على الأرض وهي تدور عليها في كل أربع وعشرين ساعة فقدرة الله فوق ذلك وأن الله على كل شيء قدير والصحابة لا يسألون في الغالب عن المسائل الكونية والقدرية لأنهم يعلمون قدرة الله عز وجل لكن يسألون عن الأمور التي تهمهم وهي الأمور الشرعية فلما حدثهم بأن اليوم الأول كسنة قالوا يا رسول الله اليوم الذي كسنة هل تكفينا فيه صلاة واحدة قال لا اقدروا له قدرة يعني قدروا ما بين الصلاتين وصلوا مثلا إذا طلع الصبح نصلي الصبح إذا انقضى الوقت ما بين الصبح والزوال صلينا الظهر حتى لو كانت الشمس في أول المشرق وهي تكون أول المشرق لأنها تبقى ستة أشهر كاملة فيقدرون له قدرة إذن نصلي في اليوم الأول صلاة سنة والصيام نصوم شهرا ونقدر للصوم والزكاة كذلك وهذا ربما يلغز بها فيقال مال لم يمض عليه إلا يوم وجبت فيه الزكاة كذلك اليوم الثاني نقدر فيه صلاة شهر والثالث صلاة أسبوع وبعده تعود الأيام كما هي وفي إلهام الله للصحابة أن يسألوا هذا السؤال عبرة لأنه يوجد الآن في شمالي الأرض وجنوبي الأرض يوجد أناس تغيب عنهم الشمس ستة أشهر وتطلع عليه ستة أشهر لولا هذا الحديث لأشكل على الناس كيف يصلي هؤلاء وكيف يصومون لكن الآن نطبق هذا الحديث على حال هؤلاء فنقول هؤلاء الذين تكون الشمس عندهم ستة أشهر كاملة يقدرون للصلاة وقتها كما أرشد النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة في أيام الدجال


206 - وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين متفق عليه


207 - وعن أبي موسى رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله ليملي للظالم فإذا آخذه لم يفلته ثم قرأ { وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ } متفق عليه

الشَّرْحُ

نقل المؤلف عن عائشة رضي الله عنها أن النبي قال من ظلم من الأرض قيد شبر طوقه يوم القيامة من سبع أرضين هذا الحديث يتناول نوعا من أنواع الظلم وهو الظلم في الأراضي وظلم الأراضي من أكبر الكبائر لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن من غير منار الأرض قال العلماء منار الأرض حدودها لأنه مأخوذ من المنور وهو العلامة فإذا غير الإنسان من هذه الأرض بأن أدخل شيئا من هذه الأرض إلى أرض غيره فإنه ملعون على لسان النبي صلى الله عليه وسلم واللعنة الطرد والإبعاد عن رحمة الله وثمة عقوبة أخرى وهو ما ذكره في هذا الحديث أنه إذا ظلم قيد شبر طوقه يوم القيامة من سبع أرضين لأن الأرضين سبع كما جاءت به السنة صريحا وكما ذكره الله تعالى في القرآن إشارة في قوله تعالى اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ ومعلوم أن المماثلة هاهنا ليست في الكيفية لآن بين السماء والأرض من الفرق كما بينهما من المسافة السماء أكبر بكثير من الأرض وأوسع وأعظم قال الله تعالى { والسماء بنيناها بأيد } أي بقوة وقال تعالى { وبنينا فوقكم سبعا شدادا } أي قوية فالإنسان إذا ظلم قيد شبر من الأرض فإنه يطوق من سبع أرضين يوم القيامة أي يجعل له طوقا في عنقه والعياذ بالله يحمله أمام الناس أمام العالم يخزي به يوم القيامة وقوله قيد شبر من الأرض ليس هذا على سبيل القيد بل هو على سبيل المبالغة يعني فإن ظلم ما دونه طوقه أيضا لكن العرب يذكرون مثل هذا للمبالغة يعني لو كان شيئا قليلا فإنه سيطوقه يوم القيامة وفي هذا الحديث دليل على أن من ملك الأرض ملك قعرها إلى الأرض السابعة فليس لأحد أن يضع نفقا تحت أرضه إلا بإذنه يعني لو فرض أن لك أرضا مسافتها ثلاثة أمتار بين أرض لجارك فأراد جارك أن يفتح نفقا بين الأرضين ويمر من تحت أرضك فليس له الحق في ذلك لأنك تملك الأرض وما تحتها إلى الأرض السابعة كما أن الهواء لك إلى السماء فلا أحد يستطيع أن يبني على أرضك سقفا إلا بإذنك ولهذا قال العلماء الهواء تابع للقرار والقرار ثابت إلى الأرض السابعة فالإنسان له من فوق ومن تحت لا أحد عليه يتجرأ قال أهل العلم ولو كان عند جارك شجرة فامتدت أغصانها إلى أرضك وصار الغصن إلى أرضك فإن الجار يلويه عن أرضك وإن لم يمكن ليه فإنه يقطع إلا بإذن منك وإقرار لأن الهواء لك وهو تابع للقرار أما حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله ليملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته يملي له يعني يمهل له حتى يتمادى في ظلمه والعياذ بالله فلا يعجل له العقوبة وهذا من البلاء نسأل الله أن يعيذنا وإياكم فمن الاستدراج أن يملي للإنسان في ظلمه فلا يعاقب له سريعا حتى يتكدس على الإنسان المظالم فإذا أخذه الله لم يفلته أخذه أخذ عزيز مقتدر ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم { وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ } فعلى الإنسان الظالم أن لا يغتر بنفسه ولا بإملاء الله له فإن ذلك مصيبة فوق مصيبته لأن الإنسان إذا عوقب بالظلم عاجلا فربما يتذكر ويتعظ ويدع الظلم لكن إذا أملى له وأكتسب آثاما أو ازداد ظلما ازدادت عقوبته والعياذ بالله فيؤخذ على غرة حتى إذا أخذه الله لم يفلته نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الاعتبار بآياته وأن يعيذنا وإياكم من ظلم أنفسنا ومن ظلم غيرنا إنه جواد كريم


208 - وعن معاذ رضي الله عنه قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فإن هم أطاعوا لك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب متفق عليه

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله فيما نقله من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن وكانت بعثته إياه في ربيع من السنة العاشرة من الهجرة بعثه صلى الله عليه وسلم إلى اليمن وكانوا أهل الكتاب وقال له إنك تأتي قوم من أهل الكتاب أخبره بحالهم لكي يكون مستعدا لهم لأن الذي يجادل أهل الكتاب لابد أن يكون معه من الحجة أكثر وأقوى مما عند المشرك لأن المشرك جاهل والذي هو من أهل الكتاب عنده علم وأيضا أعلمه بحالهم لينزلهم منزلتهم فيجادلهم بالتي هي أحسن ثم وجهه عليه الصلاة والسلام في أن أول ما يدعوهم إليه التوحيد والرسالة قال له ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله أن يشهدوا أن لا إله إلا الله أي لا معبود بحق إلا الله سبحانه وتعالى فهو المستحق للعبادة وما عداه فلا يستحق للعبادة بل عبادته باطلة كما قال تعالى ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ وأني رسول الله يعني مرسله الذي أرسله إلى الإنس والجن وختم به الرسالات ومن لم يؤمن به فإنه من أهل النار ثم قال فإن هم أطاعوا لذلك يعني شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله فأعلمهم أن الله أفترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة وهي الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر لا يجب شيء من الصلوات اليومية إلا هذه الخمس فالسنن الرواتب ليست بواجبة والوتر ليس بواجب وصلاة الضحى ليست بواجبة وأما صلاة العيد والكسوف فإن الراجح هو القول بوجوبهما وذلك لأمر عارض له سبب يختص به ثم قال له فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم وهذه هي الزكاة الزكاة صدقة واجبة في المال تؤخذ من الغني وترد في الفقير والغني هنا من يملك نصابا زكويا وليس الغني هنا الذي يملك المال الكثير بل من يملك نصابا فهو الغني ولو لم يكن عنده إلا نصابا واحدا فإنه غني وقوله ترد في فقرائهم أي تصرف في فقراء البلد لآن فقراء البلد أحق من تصرف إليهم صدقات أهل البلد ولهذا يخطئ قوم يرسلون صدقاتهم إلى بلاد بعيدة وفي بلادهم من هو محتاج فإن ذلك حرام عليهم لأن النبي قال تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم ولأن الأقربين أولى بالمعروف ولأن المقربين يعرفون المال الذي عندك ويعرفون أنك غني فإذا لم ينتفعوا بمالك فإنه سيقع في قلوبهم من العداوة والبغضاء ما تكون أنت السبب فيه ربما إذا رأوا أنك تخرج صدقة إلى بلاد بعيدة وهم محتاجون ربما يعتدون عليك ويفسدون أموالك ولهذا كان من الحكمة أنه مادام في أهل بلدك من هو في حاجة أن لا تصرف صدقتك إلى غيره ثم قال له صلى الله عليه وسلم فإن هم أطاعوا لذلك يعني انقادوا ووافقوا فإياك وكرائم أموالهم يعني لا تأخذ من أموالهم الطيب ولكن خذ المتوسط لا تظلم ولا تظلم واتق دعوة المظلوم يعني أنك إذا أخذت من نفائس أموالهم فإنك ظالم لهم وربما يدعون عليك فاتق دعوتهم فإنه ليس بينه وبين الله حجاب تصعد إلى الله تعالى ويستجيبها وهذا هو الشاهد من هذا الحديث في الباب الذي ذكره المؤلف فيه أن الإنسان يجب عليه أن يتقي دعوة المظلوم ويستفاد من هذا الحديث فوائد كثيرة منها ما يتعلق بهذا الباب ومنها ما يتعلق بغيره فينبغي أن نعلم أولا أن الكتاب والسنة نزلا ليحكما بين الناس فيما اختلفوا فيه والأحكام الشرعية من الألفاظ مما دلت عليه منطوقا ومفهوما وإشارة والله سبحانه وتعالى يفضل بعض الناس على بعض في فهم كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولهذا لما سأل أبو جحيفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه هل عهد إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا لله قال لا إلا فهما يؤتيه الله تعالى من شاء في كتاب الله وما في هذه الصحيفة وبين له ما في تلك الصحيفة فقال العقل وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر الشاهد قوله إلا فهما يؤتيه الله من شاء في كتاب الله فالناس يختلفون والذي ينبغي لطالب العلم خاصة أن يحرص على استنباط الفوائد والأحكام من نصوص الكتاب والسنة لأنها هي المورد المعين فاستنباط الأحكام منهما بمنزلة الرجل يرد على الماء فيستسقى منه في إنائه فمقل ومكثر وهذا الحديث العظيم الذي بين فيه معاذ بن جبل رضي الله عنه بماذا بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن فيه فوائد كثيرة منها أولا وجوب بعث الدعاة إلى الله وهذا من خصائص ولي الأمر يجب على ولي أمر المسلمين أن يبعث الدعاة إلى الله في كل مكان كل مكان يحتاج إلى الدعوة فإن على ولي أمر المسلمين أن يبعث من يدعو الناس إلى دين الله عز وجل لأن هذا دأب النبي صلى الله عليه وسلم وهديه أن يبعث الرسل يدعون إلى الله عز وجل ومنها أنه ينبغي أن يذكر للمبعوث حال المبعوث إليه حتى يتأهب لهم وينزلهم منازلهم لئلا يأتيهم على غرة فيوردون عليه من الشبهات ما ينقطع به ويكون في هذا مضرة عظيمة على الدعوة فينبغي على الداعي أن يكون على أهبة واستعداد لما يلقيه إليه المدعوون حتى لا يأتيه الأمر على غرة فيعجز وينقطع وحينئذ يكون في ذلك ضرر على الدعوة ومنها أن أول ما يدعى إليه الناس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وذلك قبل كل شيء لا تقل للكفار مثلا إذا أتيت لتدعوهم اتركوا الخمر اتركوا الزنى اتركوا الربا هذا غلط أصل الأصل أولا ثم فرغ الفروع فأول ما تدعو أن تدعو إلى التوحيد والرسالة أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ثم بعد ذلك عليك ببقية أركان الدين الأهم فالأهم ومنها أنه إذا كان المدعو فاهما للخطاب فلا يحتاج إلى شرح فإنه قال أن تدعوهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله ولم يشرحها لهم لأنهم يعرفون معناها لسنهم لسان عربي لكن لو كنا نخاطب بذلك من لا يعرف المعنى وجب أن نفهمه المعنى لأنه إذا لم يفهم المعنى لم يستفد من اللفظ ولهذا لم يرسل الله تعالى رسولا إلا بلسان قومه ولغتهم حتى يبين لهم فمثلا إذا كنا نخاطب شخصا لا يعرف معنى لا إله إلا الله فلابد أن نشرحها له ونقول معنى لا إله إلا الله فلابد أي لا معبود حق إلا الله كل ما عبد من دون الله فهو باطل كما قال تعالى { ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِير } كذلك أيضا أن محمدا رسول الله لا يكفي أن يقولها الإنسان بلسانه أو يسمعها بأذنه دون أن يفهمها بقلبه فيبين له معنى أن محمدا رسول الله فيقال مثلا محمد هو ذلك الرجل الذي بعثه الله عز وجل من بني هاشم بعثه ليخرج الناس من الظلمات إلى النور أرسله بالهدى ودين الحق فبين للناس كل خير ودعاهم إليه وبين لهم كل شر وحذرهم منه وهو رسول الله الذي يجب أن يصدق فيما أخبر ويطاع فيما أمر ويترك ما عنه نهى وزجر ويبين له أيضا بأنه رسول وليس برب وليس بكذاب بل هو عبد لا يعبد ورسول لا يكذب صلوات الله وسلامه عليه ويبين له أيضا أن هاتين الشهادتين هما مفتاح الإسلام ولهذا لا تصح أي عبادة إلا بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ومن فوائد هذا الحديث أن أهم شيء بعد الشهادتين هي الصلاة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة ومن فوائده أن الوتر ليس بواجب لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكره ولم يذكر إلا خمس صلوات فقط وهذا القول هو القول الراجح من أقوال أهل العلم ومن العلماء من قال إن الوتر واجب ومنهم من فصل وقال من كان له ورد من الليل وقيام من الليل فالوتر عليه واجب ومن لا فلا والصحيح أنه ليس بواجب مطلقا لأنه لو كان واجبا لبينه الرسول صلى الله عليه وسلم ومن فوائد هذا الحديث أن الزكاة واجبة وهي فرض من فروض الإسلام وهي الركن الثالث من أركان الإسلام والثاني بعد الشهادتين ولهذا قال أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم ومن فوائد هذا الحديث أن الزكاة واجبة في المال لا في الذمة لكن الصحيح أنها واجبة في المال ولها تعلق بالذمة ويتفرع على هذا فوائد منها لو قلنا إنها واجبة في الذمة لسقطت الزكاة على من عليه دين لأن محل الدين الذمة وإذا قلنا محل الزكاة الذمة وكان عليه ألف وبيده ألف لم تجب عليه الزكاة لأن الحق تعارضا والصحيح أنها واجبة في المال لقوله تعالى { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً } وقال في هذا الحديث أعلمهم أن الله افترض عليهم الصدقة في أموالهم لكن لها تعلق بالذمة بمعنى أنها إذا وجبت وفرط الإنسان فيها فإنه يضمن ومن فوائد هذا الحديث أيضا أن الزكاة لا تجب على الفقير لقوله من أغنيائهم فترد من فقرائهم ولكن من هو الغني أهو الذي يملك ملايين الغني في هذا الباب هو الذي يملك نصابا إذا ملك الإنسان نصابا فهو غني تجب عليه الزكاة وإن كان قد يكون فقيرا من وجه آخر لكنه غني من حيث وجوب الزكاة عليه ومن فوائد هذا الحديث أن الزكاة تصرف من فقراء البلد لقوله فترد في فقرائهم ولا تخرج عن البلد إلا لسبب أما مادام في البلد مستحقون فإنهم أولى من غيرهم وقد حرم بعض العلماء إخراج الزكاة عن البلد إذا كان فيهم مستحقون واستدل بهذا الحديث وبأن فقراء البلد تتعلق أنفسهم بما عند أغنيائهم وبأن الأغنياء إذا صرفوها إلى خارج البلد ربما يعتدي الفقراء عليهم ويقولون حرمتمونا من حقنا فيتسلطون عليهم بالنهب والإفساد ولا شك أنه من الخطأ أن يخرج الإنسان زكاة ماله إلى البلاد البعيدة مع وجود مستحق في بلده لأن الأقرب أولى بالمعروف والمراد بالصدقة في هذا الحديث هي الزكاة وهي بذل النصيب الذي أوجبه الله تعالى في الأموال الزكوية وسميت صدقة لأن بذل المال دليل على صدق باذله فإن المال محبوب إلى النفوس كما قال الله تعالى { وتحبون المال حبا جما } والإنسان لا يبذل المحبوب إلا لما هو أحب منه فإذا كان هذا الرجل أو المرأة بذل المال مع حبه له دل ذلك على أنه يحب ما عند الله أكثر من حبه لماله وهو دليل على صدق الإيمان وفي قوله تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم دليل على أن لولي الأمر أن يأخذ الزكاة من أهلها ويصرفها في مصارفها وأنه إذا فعل ذلك برئت الذمة ولكن لو قال قائل أنا لا أأمن أن يتلاعب بها من يأخذها ثم يصرفها في غير مصرفها نقل له أنت إذا أديت ما عليك فقد برئت ذمتك سواء صرفت مصارفها أو لم تصرف لكن قال الإمام أحمد إذا رأى أن الإمام لا يصرفها في مصرفها فلا يعطيه إلا إذا طلب منه ذلك وألزمه به وحينئذ تبرأ ذمته وبناء على هذا فلا بأس أن يخفي الإنسان شيئا من ماله إذا كان الذي يأخذها لا يصرفها في مصارفها لأجل أن يؤدي هو نفسه الزكاة الواجبة عليه وإذا قدر أن ولي الأمر أخذ أكثر مما يجب فإن ذلك ظلم لا يحل لولي الأمر أما صاحب المال فعليه السمع والطاعة لقول النبي صلى الله عليه وسلم اسمع وأطع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك وإذا قدر أن ولي الأمر أخذ دون الواجب وجب على صاحب المال أن يخرج البقية ولا يقول إنه أخذ مني وبرئت الذمة لأنه إذا كانت الزكاة ألفا وأخذ ثمانمائة فعليك أن تكمل المائتين فتخرجها ومن فوائد هذا الحديث أنه يجوز صرف الزكاة في صنف واحد من أصناف الزكاة وأصناف الزكاة ثمانية الفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فإذا أداها المزكي إلى صنف من هذه الأصناف أجزأ بل إذا أداها إلى فرد من نوع من هذه الأنواع أجزأ مثل لو أعطى مزك زكاته كلها فقيرا واحدا فلا حرج فلو قدر مثلا أن شخص عليه مائة ألف ريال دينا وزكاتك مائة ألف ريال وقضيت دينه كله فإن ذمتك تبرأ بهذا وعليه فيكون معنى قوله تعالى { إنما الصدقات للفقراء } بيان المصارف فقط ولا يجب أن تعطى كل الأصناف الثمانية ولا يجب أن تعطى ثلاثة من كل صنف بل إذا أديتها لواحد من صنف واحد أجزأ ذلك كما في هذا الحديث ويستفاد منه أن الزكاة تصرف في بلدها أي في بلد المال وقد سبق ذلك وبيان أنه لا يجوز أن تخرج الزكاة عن البلد الذي فيه المال إلا إذا كان هناك مصلحة أو حاجة أكثر وأما مادام فيه مستحقون فلا يخرجها بل يؤد الزكاة في نفس البلد وفي الحديث أيضا دليل على تحريم الظلم وأنه لا يجوز للساعي على الزكاة أن يأخذ أكثر من الواجب ولهذا حذر النبي معاذا فقال له إياك وكرائم أموالهم والكرائم جمع كريمة وهي الحسنة المرغوبة وفيه دليل على أن دعوة المظلوم مستجابة لقوله فإنه ليس بينها وبين الله حجاب وفيه دليل على أنه يجب على الإنسان أن يتقي الظلم ويخاف من دعوة المظلوم لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بذلك قال اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب


210 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو من شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه رواه البخاري

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله فيما نفله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من كان عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو غيره فليتحلله منه اليوم يعني في الدنيا قبل ألا يكون دينار ولا درهم وذلك يوم القيامة فإنه في الدنيا يمكن أن يتحلل الإنسان من المظالم التي عليه بأدائها إلى أهلها أو استحلالهم منها لكن في الآخرة ليس هناك شيء إلا الأعمال الصالحة فإذا كان يوم القيامة اقتص من الظالم للمظلوم من حسناته يؤخذ من حسناته التي هي رأس ماله في ذلك اليوم فإن بقى منه شيء وإلا أخذ من سيئات المظلوم وحملت على الظالم والعياذ بالله فازداد بذلك سيئات إلى سيئاته وظاهر هذا الحديث أنه يجب على الإنسان أن يتحلل من ظلم أخيه حتى في العرض سواء علم أم لا يعلم وذلك أن المظالم إما أن تكون بالنفس أو بالمال أو بالعرض لقول النبي صلى الله عليه وسلم إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم فإذا كانت بالنفس مثل أن يكون قد جنى عليه أو ضربه حتى جرحه أو قطع عضوا من أعضائه أو قتل له قتيلا فإنه يتحلل منه بأن يمكن صاحب الحق من القصاص أو من بذل الذمة إذا لم يكن القصاص أو اختيرت الدية أما إن كانت في المال فإنه يعطيه ماله إذا كان عنده مال لأحد فالواجب أن يعطيه صاحبه فإن غاب عنه ولم يعرف مكانه وأيس منه فإنه يتصدق به عنه والله سبحانه وتعالى يعلم ويؤدي إلى صاحب الحق حقه وإن كان قد مات أي صاحب الحق فإنه يوصله إلى ورثته لأن المال بعد الموت ينتقل إلى الورثة فلابد أن يسلمه للورثة فإن لم يعلمهم بأن جهلهم ولم يدر عنهم تصدق به عنهم والله تعالى يعلمهم ويعطيهم حقهم أما إذا كانت في العرض مثل أن يكون قد سبب شخصا في مجالس أو اغتابه فلابد أن يتحلل منه إذا كان قد علم بأنه سب فيذهب إليه ويقول أنا فعلت كذا وفعلت كذا وأنا جئتك معتذرا فإن عذره فهذا من نعمة الله على الجميع لأن الله يقول فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وإن لم يعف فليعطه مالا يشبعه من المال حتى يحلله فإن أبى فإن الله تعالى إذا علم أن توبة الظالم توبة حقيقية فإنه سبحانه وتعالى يرضى المظلوم يوم القيامة وقال بعض العلماء في مسألة العرض إن كان المظلوم لم يعلم فلا حاجة أن يعلمه مثل أن يكون قد سبه في مجلس من المجالس وتاب فإن لا حاجة أن يعلمه ولكن يستغفر له ويدعو له ويثنى عليه بالخير في المجالس التي كان يسبه فيها وبذلك يتحلل منه والمهم أن الأمر خطير وحقوق الناس لابد أن تعطى لهم إما في الدنيا وإما في الآخرة


211 - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه متفق عليه

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله فيما رواه عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه والمسلم يطلق على معان كثيرة منها المستسلم فالمستسلم لغيره يقال له مسلم ومنه على أحد التفسيرين قوله تعالى قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا أي قولوا استسلمنا ولم نقاتلكم والقول الثاني في الآية إن المراد بالإسلام الإسلام لله عز وجل وهو الصحيح والمعنى الثاني يطلق الإسلام على الأصول الخمسة التي بينها النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل حين سأل عن الإسلام فقال أن تشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت ويطلق الإسلام على السلامة يعني أن يسلم الناس من شره فيقال أسلم بمعنى دخل في السلم أي المسالمة للناس بحيث لا يؤذي الناس ومن هذا الحديث المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده سلم المسلمون من لسانه فلا يسبهم ولا يلعنهم ولا يغتابهم ولا ينم بينهم ولا يسعى بينهم بأي نوع من أنواع الشر والفساد فهو قد كف لسانه وكف اللسان من أشد ما يكون على الإنسان وهو من الأمور التي تصعب على المرء وربما يستسهل إطلاق لسانه ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لمعاذ بن جبل أفلا أخبرك بملاك ذلك كله ؟ قلت بلى يا رسول الله فأخذ بلسان نفسه وقال كف عليك هذا قلت يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به يعني هل نؤاخذ بالكلام فقال ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو قال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم فاللسان من أشد الجوارح خطرا على الإنسان ولهذا إذا أصبح الإنسان فإن الجوارح اليدين والرجلين والعينين كل الجوارح تكفر اللسان وكذلك أيضا الفرج لأن الفرج فيه شهوة النكاح واللسان فيه شهوة الكلام وقل من سلم من هاتين الشهوتين فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه أي كف عنهم لا يذكرهم إلا بخير ولا يسب ولا يغتاب ولا ينم ولا يحرش بين الناس فهو رجل مسالم إذا سمع السوء حفظ لسانه وليس كما يفعل بعض الناس والعياذ بالله إذا سمع السوء في أخيه المسلم طار به فرحا وطار به في البلاد نشرا وإذاعة فإن هذا ليس بمسلم الثاني من سلم المسلمون من يده فلا يعتدي عليهم بالضرب أو الجرح أو أخذ المال أو ما أشبه ذلك قد كف يده لا يأخذ إلا ما يستحقه شرعا ولا يعتدي على أحد فإذا اجتمع للإنسان سلامة الناس من يده ومن لسانه فهذا هو المسلم وعلم من هذا الحديث أن من لم يسلم الناس من لسانه أو يده فليس بمسلم فمن كان ليس له هم إلا القيل والقال في عباد الله وأكل لحومهم وأعراضهم فهذا ليس بمسلم وكذلك من كان ليس له هم إلا الاعتداء على الناس بالضرب وأخذ المال وغير ذلك مما يتعلق باليد فإنه ليس بمسلم هكذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام وليس إخبار النبي صلى الله عليه وسلم لمجرد أن نعلم به فقط بل لنعلم به ونعمل به وإلا فما الفائدة من كلام لا يعمل به إذن فاحرص إن كنت تريد الإسلام حقا على أن يسلم الناس من لسانك ويدك حتى تكون مسلما حقا أسأل الله أن يكفينا ويكف عنا ويعافنا ويعفو عنا أنه جواد كريم


213 - وعن أبي بكرة نفيع بن الحارث رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب الذي بين جمادى وشعبان أي شهر هذا قلنا الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال أليس ذا الحجة ؟ قلنا بلى قال فأي بلد هذا ؟ قلنا الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال أليس البلدة ؟ قلنا بلى قال فأي يوم هذا ؟ قلنا الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال أليس يوم النحر قلنا بلى قال فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم ألا فلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ألا ليبلغ الشاهد الغائب فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه ثم قال ألا هل بلغت ألا هل بلغت ؟ قلنا نعم قال اللهم اشهد متفق عليه

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن أبي بكرة نفيل بن الحارث رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم يوم النحر وذلك في حجة الوداع فأخبرهم عليه الصلاة والسلام أن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض يعني أن الزمان وإن كان قد غير وبدل فيه لما كانوا يفعلون في الجاهلية حيث كانوا يفعلون النسئ فيحلون الحرام ويحرمون الحلال يعني يجعلون الأشهر الحرم في أشهر أخرى فيحلون الشهر الحرام ويحرمون الشهر الحلال ولكن صادف في تلك السنة أن النسئ صار موافقا لما شرعه الله عز وجل في الأشهر الحرم ثم بين عليه الصلاة والسلام أن عدة الشهور اثنا عشر شهرا وهي المحرم وصفر وربيع الأول وربيع الثاني وجمادى الأولى وجمادى الثانية ورجب وشعبان ورمضان وشوال وذو القعدة وذو الحجة هذه هي الأشهر الاثنا عشر شهرا التي جعلها الله أشهرا لعباده منذ خلق السماوات والأرض كانوا في الجاهلية يحلون المحرم ويحرمون صفر وبين عليه الصلاة والسلام أن هذه الاثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاثة متوالية وواحد منفرد الثلاثة المتوالية هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم جعلها الله تعالى أشهر محرمة يحرم فيها القتال ولا يعتدي فيها أحد على أحد لأن هذه الأشهر هي أشهر سير الناس إلى حج بيت الله فجعلها الله عز وجل محرمة لئلا يقع القتال في هذه الأشهر والناس سائرون إلى بيت الله الحرام وهذه من حكمة الله عز وجل والصحيح أن القتال مازال محرما وأنه لم ينسخ إلى الآن وأنه يحرم ابتداء القتال فيه يقول النبي عليه الصلاة والسلام ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان وهو الشهر الرابع وكانوا في الجاهلية يؤدون العمرة فيه فيجعلون شهر رجب للعمرة والأشهر الثلاثة للحج فصار هذا الشهر محرما يحرم فيه القتال كما يحرم في ذي القعدة وذي الحجة والمحرم إذن الأشهر السنوية التي جعلها الله لعباده اثنا عشر شهرا منها أربعة محرم كما في القرآن الكريم ذي القعدة وذي الحجة والمحرم ورجب ثم سألهم النبي عليه الصلاة والسلام أي شهر هذا وأي بلد هذا وأي يوم هذا ؟ سألهم عن ذلك من أجل استحضار همهم وانتباههم لأن الأمر أمر عظيم فسألهم أي شهر هذا ؟ قالوا الله ورسوله أعلم لأنهم استبعدوا أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الشهر وهو معروف أنه ذي الحجة ولكن من أدبهم رضي الله عنه أنهم لم يقولوا هذا شهر ذي الحجة لأن الأمر معلوم بل من أدبهم أنهم قالوا الله ورسوله أعلم ثم سكت لأجل أن الإنسان إذا تكلم ثم سكت انتبه الناس ما الذي أسكته ؟ وهذه طريقة متبعة في الإلقاء أن الإنسان إذا رأى من الناس الذين حوله عدم إنصات يسكت حتى ينتبهوا لأن الكلام إذا كان مسترسلا فقد يحصل للسامع غفلة لكن إذا توقف فإنهم سينتبهون لماذا وقف وسكت النبي عليه الصلاة والسلام يقول أبو بكر حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه ثم قال أليس ذا الحجة ؟ قالوا بلى ثم قال عليه الصلاة والسلام أي بلد هذا ؟ قالوا الله ورسوله أعلم هم يعلمون أنه مكة لكن لأدبهم واحترامهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقولوا هذا شيء معلوم يا رسول الله كيف تسأل عنه بل قالوا الله ورسوله أعلم ثم سكت حتى ظنوا أنه سيسميه بغير اسمه فقال أليس البلدة ؟ والبلدة اسم من أسماء مكة ثم قال أي يوم هذا قالوا الله ورسوله أعلم مثل ما قالوا في الأول قال أليس يوم النحر ؟ قالوا بلى يا رسول الله وهم يعلمون أن مكة حرام وأن شهر ذي الحجة حرام وأن يوم النحر حرام يعني كلها حرم محترمة فقال عليه الصلاة والسلام إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا وبلدكم هذا في شهركم هذا فأكد عليه الصلاة والسلام تحريم هذه الثلاثة الماء والأموال والأعراض فكلها محرمة والدماء تشمل النفوس وما دونها والأموال تشمل القليل والكثير والأعراض تشمل الزنى واللواط والقذف وربما تشمل الغيبة والسب والشتم فهذه الأشياء حرام على المسلم أن ينتهكها من أخيه المسلم فلا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاثة الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة الأموال أيضا حرام فلا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه وقال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ والأعراض أيضا محترمة لا يحل للمسلم أن يغتاب أخاه أو أن يقذفه بل إن القاذف إذا قذف شخصا عفيفا بعيدا عن التهمة وقال يا زاني أو أنت زاني أو أنت لوطي أو ما أشبه ذلك فإما أن يأتي بأربعة شهداء يشهدون على الزنى صريحا وإلا فإن هذا القاذف يعاقب بثلاث عقوبات العقوبة الأولى أن يجلد ثمانين جلدة والعقوبة الثانية ألا تقبل له شهادة أبدا كلما شهد عند القاضي ترد شهادته سواء شهد بالأموال أو شهد بالدماء أو شهد برؤية الهلال أو شهد بأي شيء آخر يرفض القاضي شهادته ويردها العقوبة الثالثة الفسق أن يكون فاسقا بعد أن كان عدلا فلا يزوج ابنته ولا أخيه ولا يتقدم إماما في المسلمين عند كثير من العلماء ولا يولى أي ولاية لأنه صار فاسقا هذه عقوبة من يرمي شخصا بالزنى أو باللواط إلا أن يأتي بأربعة شهداء قال الله تعالى لَوْلاَ جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ حتى لو فرض أن هذا الرجل من أصدق الناس ولم يأت بالأربعة شهداء فإنه يجلد ثمانين جلدة ولهذا شهد أربعة من الرجال على رجل بأنه زنى عند عمر بن الخطاب فجاء بهم عمر فسألهم قال للأول تشهد أنه زنى قال نعم قال تشهد أنك رأيت ذكره في فرجها غائبا كما يغيب المرود في المكحلة قال نعم فجاء بالثاني قال نعم فجاء بالثالث قال نعم فجاء بالرابع فتوقف قال أنا لا أشهد بالزنى لكني رأيت أمرا منكرا قال رأيت رجلا على امرأة يتحرك كتحرك المجامع لكن لا أشهد فجلد الثلاثة الأولين على ثمانين جلدة لأنه تبين أنهم كذبة وأطلق الرابع فالأعراض من أشد الأشياء حرمة ولهذا كما سمعتم قال الله تعالى وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً هذه هي العقوبة الأولى وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وهذه هي الثانية وأولئك هم الفاسقون وهذه هي الثالثة إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ يعني لا يكونون فساقا لكن بشرط التوبة والإصلاح ما يكفي أن يقول أنا تائب حتى ننظر هل الرجل يصلح أم لم يصلح إذن جدير بمن كانت هذه حاله أن يؤكد النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الخطبة العظيمة في مشهد الصحابة في يوم النحر في منى يقول عليه الصلاة والسلام إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ثم قال ألا لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض لأن المسلمين لو صاروا يضرب بعضهم رقاب بعض صاروا كفارا لأنه لا يستحل دم المسلم إلا الكافر فالمسلم لا يمكن أن يشهر السلاح على أخيه لكن لا أحد يشهر السلاح على المسلم إلا الكافر ولهذا وصف النبي الصلاة والسلام المسلمين إذا اقتتلوا بأنهم كفار قال ألا فلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض وهذه المسألة بحسب النصوص فيها تفصيل إن قاتل المسلم مستحلا لقتله بغير إذن شرعي فهو كافر كفرا مخرجا عن الملة وإن قاتله بتأويل أو لقصد رئاسة أو لقصد سلطان فهذا لا يكفر كفر الردة ولكنه كفر دون كفر ودليل ذلك قوله تعالى وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وهذا هو الجمع بين هذه الآية وبين الحديث فيقال إن تقاتل المسلمون مستحلا كل واحد دم أخيه فهو كافر كفرا مخرجا عن الملة وإن كان لرئاسة أو عصبية أو حمية أو ما أشبه ذلك فإنه لا يكفر كفر ردة بل يكون كفره كفرا دون كفر وعليه أن يتوب ويستغفر ثم قال عليه الصلاة والسلام ألا هل بلغت ؟ ألا هل بلغت ؟ يسأل الصحابة رضي الله عنهم قالوا نعم أي بلغت فتأمل كيف يقرر النبي عليه الصلاة والسلام أنه بلغ في المواطن العظيمة الكثيرة الجمع في عرفة خطبهم عليه الصلاة والسلام قال ألا هل بلغت ؟ قالوا نعم فجعل يرفع أصبعه إلى السماء وينكتها إلى الناس يقول اللهم اشهد عليهم أنني بلغتهم وكذلك أشهد ربه على أنه بلغ أمته وأقروا بذلك يوم النحر ونحن نشهد ونشهد الله وملائكته ومن سمعنا من خلقه أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغ البلاغ المبين وأنه بلغ الأمانة وأدى الرسالة ونصح الأمة فما ترك خيرا إلا ودل أمته عليه ولا شرا إلا وحذرهم منه وأنه ترك أمته على المحجة البيضاء وأنه ما بقي شيء من أمور الدين أو الدنيا تحتاجه الأمة إلا بينه عليه الصلاة والسلام ولكن الخطأ ممن يبلغه الخبر فهو الذي قد يكون قاصرا في فهمه وقد يكون له نية سيئة فيحرم الصواب وقد يكون هناك أسباب أخرى وإلا فالرسول عليه الصلاة والسلام بلغ بلاغا تاما كاملا والصحابة رضي الله عنهم بلغوا جميع ما سمعوه منه عليه الصلاة والسلام ما كتموا من سنته شيئا وبلغوا ما جاء به من الوحي ولم يكتموا منه شيئا فجاءت الشريعة ولله الحمد كاملة من كل وجه بلغها النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه ثم بلغها الصحابة رضي الله عنهم ثم التابعون عمن قبلهم وهكذا إلى يومنا هذا ولله الحمد ثم أمر عليه الصلاة والسلام أن يبلغ الشاهد الغائب يعني يبلغ من شهده وسمع خطبته أن يبلغ باقي الأمة وأخبر عليه الصلاة والسلام أنه ربما يكون مبلغ أوعى للحديث من سامع وهذه الوصية من الرسول عليه الصلاة والسلام وصية لمن حضر في ذلك اليوم ووصية لمن سمع حديثه إلى يوم القيامة فعليتا إذا سمعنا حديثا عن الرسول عليه الصلاة والسلام أن نبلغه إلى الأمة ونحن محملون بأن نبلغ ومنهيون بأن نكون كاليهود الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها وقد وصفهم الله بأبشع وصف فقال مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا فالحمار إذا حمل أسفارا يعني كتبا فإنه لا ينتفع منها إذا كان الحمار يحمل أسفارا لا ينتفع منها فالذي يحمل القرآن والسنة ولا ينتفع منها كمثل الحمار يحمل أسفارا نسأل الله أن يرزقني وإياكم العلم النافع والعمل الصالح ويستفاد من هذا الحديث تحذير النبي عليه الصلاة والسلام أمته من قتال بعضهم بعضا ولكن مع الأسف أنه وقع بينهم السيف وصارت الفتن منذ عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى يومنا هذا وما زالت الفتن قائمة بين الناس لكن أحيانا تشتعل اشتعالا واسعا وأحينا تكون في مناطق معينة ولكن الواجب على المسلم أن يتقي دم أخيه ما استطاع نعم إذا بلى الإنسان بنفسه وصيل عليه يريد الصائل نفسه أو ماله أو حرمته فله أن يدافع عن نفسه ولكن بالأسهل فالأسهل فإن لم يندفع الصائل إلا بالقتل قتله فإن قتله فالصائل في النار وإن قتل الدافع فهو شهيد كما جاء ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي هذا الحديث تحذير من أعراض المسلمين وأنه لا يجوز للمسلم أن ينتهك عرض أخيه لا صادقا ولا كاذبا لأنه إن كان صادقا فقد اغتابه وإن كان كاذبا فقد بهته وأنت إذا رأيت من أخيك شيئا تنتقده فيه في عباداته أو في أخلاقه أو في معاملاته فعلك بنصيحته فهذه من واجبه عليك وتنصحه فيما بينك وبينه مشافهة أو مكاتبة وبهذا تبرئ ذمتك لكن هنا شيء لابد منه وهو أنك إذا أردت أن تناصحه بالمكاتبة فلابد أن تذكر اسمك ولا تخف ولا تكن جبانا اذكر وقل من فلان إلى أخيه فلان بن فلان السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد فأنا أنتقد عليك كذا وكذا وكذا من أجل أنه إذا عرف اسمك دعاك أو أتى إليك وناقشك في الأمر أما أن تكون جبانا ترمي من وراء جدار فهذا لا يليق بالمسلم وليس هذا بنصح لأنك ستبقى حاملا عليه في قلبك فيما تراه أنه أخطأ فيه وهو سيبقى ويستمر على ما هو فيه لأن الذي كتب له بالنصيحة ليس أمامه حتى يشرح له وجهة نظره ويستفسر منه عن وجهة نظره هو الآخر فيبقى الشر على ما هو عليه والخطأ على ما هو عليه لكن إذا كتب اسمه كان مشكورا على هذا وكان بإمكان المكتوب إليه المنصوح أن يخاطبه وأن يبين له ما عنده حتى يقتنع أحد الرجلين بما عند الآخر


216 - وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لما كان يوم خيبر أقبل نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا فلان شهيد وفلان شهيد حتى مروا على رجل فقالوا فلان شهيد فقال النبي صلى الله عليه وسلم كلا إني رأيته في النار في بردة غلها أو عباءة رواه مسلم


217 - وعن أبي قتادة الحارث بن ربعي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قام فيهم فذكر لهم أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال فقام رجل فقال يا رسول الله أرأيت إن قتلت في سبيل الله أتكفر عن خطاياي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف قلت ؟ قال أرأيت إن قتلت في سبيل الله أتكفر عني خطاياي ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر إلا الدين فإن جبريل قال لي ذلك رواه مسلم

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله في بيان فضيلة الجهاد في سبيل الله والشهادة فالجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم والشهادة في سبيل الله تكفر كل شيء إلا الدين وكذلك إذا غل الإنسان شيئا مما غنمه فإنه لا يقال له شهيد والبردة نوع من الثياب والعباءة معروفة غلها يعني كتمها غنمها من أموال الكفار وقت القتال فكتمها يريد أن يختص بها لنفسه فعذب بها في نار جهنم وانتفت عنه هذه الصفة العظيمة وهي الشهادة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال كلا يعني ليس بشهيد لأنه غل هذا الشيء البسيط فأحبط جهاده وصار في النار قال الله تعالى وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ففي هذا دليل على أنه لا ينبغي لنا أن نحكم على شخص بأنه شهيد وإن قتل في معركة بين المسلمين والكفار لا نقول فلان شهيد لاحتمال أن يكون غل شيئا من الغنائم أو الفيء ولو غل قرشا واحدا ولو مسمارا زال عنه اسم الشهادة وكذلك لاحتمال أن تكون نيته غير صواب بأن ينوي بذلك الحمية أو أن يرى مكانه ولهذا سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل يرى مكانه أي ذلك في سيبل الله قال من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله والنية أمر باطني في القلب لا يعلمه إلا الله ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام ما من مكلوم يكلم في سبيل الله أي ما من مجروح يجرح في سبيل الله والله أعلم بمن يكلم في سبيله قد نظن أنه يقاتل في سبيل الله ونحن لا نعلم والله أعلم بمن يكلم في سبيله إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دما اللون لون الدم والريح ريح المسك ولهذا ترجم البخاري رحمه الله في صحيحه قال باب لا يقال فلان شهيد يعني لا تعين وتقول فلان شهيد إلا إذا عينه الرسول عليه الصلاة والسلام أو ذكر عند الرسول صلى الله عليه وسلم وأقره فحينئذ يحكم بشهادته بعينه وإلا فلا تشهد لشخص بعينه ونحن الآن في عصرنا هذا أصبح لقب الشهادة سهلا ويسيرا كل يعطى هذا الوسام حتى لو قتل ونحن نعلم أنه قتل حمية وعصبية ونعلم عن حاله بأنه ليس بذلك الرجل المؤمن ومع ذلك يقولون فلان شهيد استشهد فلان وقد نهى عمر رضي الله عنه أن يقال فلان شهيد قال إنكم تقولون فلان شهيد فلان قتل في سبيل الله ولعله يكون كذا وكذا يعني غل ولكن قولوا من قتل في سبيل الله أو مات فهو شهيد عمم أما قول فلان شهيد وإن كان في المعركة يتشحط بدمه فلا تقل شهيدا علمه عند الله قد يكون في قلبه شيء لا نعلمه ثم نحن شهدنا أو لو لم نشهد إن كان شهيدا عند الله فهو شهيد وإن لم نقل إنه شهيد وإن لم يكن شهيدا عند الله فليس بشهيد وإن قلنا إنه شهيد إذن نقول نرجو أن يكون فلان شهيدا أو نقول عموما من قتل في سيبل الله فهو شهيد وما أشبه ذلك أما الحديث الثاني ففيه دليل على أن الشهادة إذا قاتل الإنسان في سبيل الله صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر فإن ذلك يكفر عنه خطيئاته وسيئاته إلا الدين إذا كان عليه دين فإنه لا يسقط بالشهادة لأنه حق آدمي لابد من وفائه .
وفي هذاك دليل على عظم الدين، وأنه لا ينبغي لإنسان أن يتساهل به، ومع الأسف أننا في عصرنا الآن يتساهل الكثير منا في الدين، فتجد البعض يشتري الشيء وهو ليس في حاجة إليه، بل هو من الأمور الكمالية، يشتريه في ذمته بالتقسيط أو ما أشبه ذلك، ولا يهمه هذا الأمر وقد تجد إنساناً فقيراً يشتري سيارة بثمانين ألفاً أو يزيد، وهو يمكنه أن يشتري سيارة بعشرين ألفاً، كل هذا من قلة الفقه إلى الدين، وضعف اليقين، احرص على ألا تأخذ شيئاً بالتقسيط، وإن دعتك الضرورة إلى ذلك، فاقتصر على أقل ما يمكن لك الاقتصار عليه بعيداً عن الدين .
نسأل الله أن يحمينا وإياكم مما يغضبه، وأن يقضي عنا وعنكم دينه ودين عباده


218 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أتدرون ما المفلس ؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع .
فقال إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار رواه مسلم .

الشَّرْحُ

قال المؤلف - رحمه الله - فيما نقله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أتدرون ما المفلس ؟ الاستفهام هنا للاستعلام الذي يراد به الإخبار ؛ لأن المستفهم تارة يستفهم عن جهل ولا يدري فيسأل غيره، وتارة يستفهم لتنبيه المخاطب لما يلقى إليه أو لتقرير الحكم، فمثال الثاني قول النبي صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن بيع الرطب بالتمر: أينقض إذا جف ؟ يعني الرطب، قالوا: نعم فنهى عن ذلك .
أما في هذا الحديث فسيخبر الصحابة عن أمر لا يعلمونه، أو لا يعلمون مراد النبي صلى الله عليه وسلم به، قال: أتدرون من المفلس ؟ قالوا: يا رسول الله، المفلس فينا من لا درهم عنده ولا متاع، يعني ليس عنده نقود ولا عنده متاع، أي: أعيان من المال، أي: إن المفلس يعني الفقير، وهذا هو المعروف من المفلس بين الناس، فإذا قالوا: من المفلس ؟ يعني الذي ليس عنده فلوس، ولا عنده متاع، بل هو فقير .
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة وفي رواية: من يأتي بحسنات مثل الجبال أي يأتي بحسنات عظيمة، فهو عنده ثروة من الحسنات لكنه يأتي وقد شتم هذا، وضرب هذا، وأخذ مال هذا، وسفك دم هذا، أي: اعتدى على الناس بأنواع الاعتداء، والناس يريدون أخذ حقهم، ما لا يأخذونه في الدنيا يأخذونه في الآخرة، فيقتص لهم منه، فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته، وهذا من حسناته بالعدل والقصاص بالحق، فإن فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح في النار، والعياذ بالله .
تنقضي حسناته، ثواب الصلاة ينتهي، وثواب الزكاة ينتهي، وثواب الصيام ينتهي، كل ما عنده من حسناته ينتهي، فيؤخذ من سيئاتهم ويطرح عليه، ثم يطرح في النار، والعياذ بالله .
وصدق النبي صلى الله عليه وسلم فإن هذا هو المفلس حقاً، أما مفلس الدنيا فإن الدنيا تأتي وتذهب، ربما يكون الإنسان فقيراً فيمسى غنياً، أو بالعكس، لكن الإفلاس كل الإفلاس أن يفلس الإنسان من حسناته التي تعب عليها، وكانت أمامه يوم القيامة يشاهدها، ثم تؤخذ منه لفلان وفلان .
وفي هذا: التحذير من العدوان على الخلق، وأنه يجب على الإنسان أن يؤدي ما للناس في حياته قبل مماته، حتى يكون القصاص في الدنيا مما يستطيع، أما في الآخرة فليس هناك درهم ولا دينار حتى يفدي نفسه، ليس فيه إلا الحسنات، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم ثم طرح عليه، وطرح في النار .
ولكن هذا الحديث لا يعني أنه يخلد في النار، بل يعذب بقدر ما حصل عليه من سيئات الغير التي طرحت عليه، ثم بعد ذلك مآله إلى الجنة ؛ لأن المؤمن لا يخلد في النار، ولكن النار حرها شديد، لا يصبر الإنسان على النار ولو للحظة واحدة، هذا على نار الدنيا فضلاً عن نار الآخرة، أجارني الله وإياكم منها .


219 - وعن أم سلمة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له بنحو ما أسمع فمن قضيت له بحق أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار متفق عليه .

الشَّرْحُ

ذكر المؤلف - رحمه الله - في باب تحريم الظلم ووجوب رد المظالم إلى أهلها عن أم سلمة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنما أنا بشر مثلكم وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له بنحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار ففي هذا الحديث: دليل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم بشر مثلنا، ليس ملاكاً من الملائكة، بل هو بشر يعتريه البشر بمقتضى الطبيعة البشرية، فهو صلى الله عليه وسلم يجوع ويعطش، ويبرد ويحتر، وينام ويستيقظ، ويأكل ويشرب، ويذكر وينسى، ويعلم ويجهل بعض الشيء كالبشر تماماً .
يقول صلى الله عليه وسلم: إنما أنا بشر مثلكم .
وهكذا أمره الله عز وجل أن يعلن للملأ فيقول: قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فلست إلهاً يعبد، ولا ربا ينفع ويضر، بل عليه الصلاة والسلام لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً .
وبهذا تنقطع جميع شبه الذين يتعلقون بالرسول صلى الله عليه وسلم ممن يدعونه أو يعبدونه أو يؤملونه ؛ لكشف الضر أو يؤملونه ؛ لجلب الخير، فإنه عليه الصلاة والسلام لا يملك ذلك { قل إني لا أملك لكم ضراً ولا رشداً قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحداً إلا بلاغاً من الله ورسالاته } .
لو أراد الله أن يصيبني بسوء ما أجارني منه أحد .
وفي قوله: إنما أنا بشر مثلكم تمهيد لقوله: وإنكم تختصمون إلي يعني: فإذا كنت بشراً مثلكم فإني لا أعلم من المحق منكم ومن المبطل تختصمون إلي: يعني تحاكمون إلي في الخصومة، فيكون بعضكم ألحن من البعض الآخر في الحجة، أي: أفصح وأقوى كلاماً، يقال: فلان حجيج وفلان ذو جدل، يقوى على غيره في الحجة، كما قال الله تعالى: { فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب } أي: غلبني في الخطاب والمخاصمة، فهكذا هنا ألحن يعن أبين وأفصح وأظهر .
وهذا مشاهد فقد تحد اثنين يتحاكمان إلى القاضي، أحدهما يكون عنده لسان وعنده بيان وحجة وقوة وجدل، والثاني دون ذلك وإن كان الحكم معه، فيحكم القاضي للأول، ولهذا قال: وإنما أقضي بنحو ما أسمع .
وفي قوله: أقضي بنحو ما أسمع فسحة كبيرة للقضاة، وأنهم لا يكلفون بشيء غاب عنهم، بل يقضون حسب البيانات التي بين أيديهم، فإن أخطأوا فلهم أجر، وإن أصابوا فلهم أجران، ولا يكلفون ما وراء ذلك، بل ولا يحل لهم أن يحكموا خلاف الظاهر ؛ لأنهم لو حكموا بخلاف الظاهر لأدى ذلك إلى الفوضى، وأدى ذلك إلى الاشتباه وإلى التهمة، ولقيل القاضي يحكم بخلاف الظاهر لسبب من الأسباب .
لهذا كان الواجب على القاضي أن يحكم بالظاهر، والباطن يتولاه الله عز وجل، فلو ادعى شخص على آخر بمائة ريال، وأتى المدعي بشهود اثنين فعلى القاضي أن يحكم بثبوت المائة في ذمة المدعى عليه، وإن كان يشتبه في الشهود، إلا أنه في حال الاشتباه يجب أن يتحرى، لكن إذا لم يوجد قدح ظاهر فإنه يجب عليه أن يحكم، وإن غلب على ظنه أن الأمر بخلاف ذلك، لقوله: إنما أقضي بنحو مما أسمع .
ولكن النبي صلى الله عليه وسلم توعد من قضى له بغير حق، فقال: فمن قضيت له بحق أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار يعني أن حكم الحاكم لا يبيح الحرام، فلو أن الحاكم حكم للمبطل بمقتضى ظاهر الدعوى، فإن ذلك لا يحل له ما حكم له به، بل إنه يزداد إثماً ؛ لأنه توصل إلى الباطل بطريق باطلة، فيكون أعظم ممن أخذه بغير هذه الطريق .
وفي هذا: الحديث التحذير الشديد من حكم الحاكم بغير ما بين يديه من الوثائق، مهما كان الأمر، ولو كان أقرب قريب لك، واختلف العلماء - رحمهم الله -: هل يجوز للحاكم أن يحكم بعلمه أم لا ؟ فقيل: لا يجوز ؛ لأنه قال: فأقضي له بنحو ما أسمع، ولأنه لو قضى بعلمه لأدى ذلك إلى التهمة ؛ لأنه العلم ليس شيئاً ظاهراً يعرفه الناس حتى يحكم له به، وقال بعض العلماء: بل يحكم بعلمه، وقال آخرون: بل يتوقف إذا وصلت البينة إلى ما يخالف علمه .
والأصح أنه لا يحكم بعلمه إلا في مسائل خاصة، ومثال ذلك إذا حكم بعلمه بمقتضى حجة المتخاصمين في مجلس الحكم، فمثلاً إذا تحاكم إليه شخصان فأقر أحدهما بالحق، ثم مع المداولة والأخذ والرد أنكر ما أقر به أولاً، فهنا للقاضي أن يحكم بعلمه لأنه علمه في مجلس الحكم .
ومثال آخر إذا كان الأمر مشتهراً، مثل أن يشتهر أن هذا الملك وقف عام للمسلمين أو يشتهر أنه ملك فلان ويشتهر ذلك بين الناس فهنا له أن يحكم بعلمه ؛ لأنه التهمة في هذه الحال منتفية، ولا يتهم القاضي بشيء ولا يمكن أن يتجرأ أحد للحكم بعلمه وهو خاطئ بناء على أنه أمر مشهور .
والقول الصحيح في هذا هو التفصيل، وإلا فإن الواجب أن يكون القضاء على حسب الظاهر لا على حسب علم القاضي .
وإذا جاء الشيء على خلاف علمه تحول المسألة إلى قاضي آخر، ويكون هو شاهد من الشهود، مثل أن يدعي شخص على آخر بمائة ريال فينكر المدعى عليه والقاضي عنده علم بثبوت المائة على المدعى عليه، فلا يحكم هنا بعلمه ولا يحكم بخلاف علمه، بل يقول: أحولها على قاضي آخر، وأنا لك أيها المدعي شاهد، فتحول القضية إلى قاض آخر، ثم يكون القاضي هذا شاهداً، فيحكم بيمين المدعي وشهادة القاضي .


220 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً رواه البخاري .

الشَّرْحُ

قال المؤلف - رحمه الله تعالى - في باب تحريم الظلم ووجوب التحلل منه، قال فيما نقله عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله، قال: لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً، لا يزال المؤمن في فسحة أي: في سعة من دينه ، ما لم يصب دماً حراماً يعني: ما لم يقتل مؤمناً أو ذمياً أو معاهداً أو مستأمناً، فهذه هي الدماء المحرمة، وهي أربعة أصناف: دم المسلم ودم الذمي، ودم المعاهد، ودم المستأمن، وأشدها وأعظمها دم المؤمن، أما الكافر الحربي فهذا دمه غير حرام، فإذا أصاب الإنسان دما حراماً فإنه يضيق عليه دينه، أي: إن صدره يضيق به حتى يخرج منه، والعياذ بالله ويموت كافراً .
وهذا هو السر في قوله تعالى: ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً فهذه خمس عقوبات والعياذ بالله: جهنم، خالد فيها، وغضب الله عليه، ولعنه، وأعد له عذاباً عظيماً، لمن قتل مؤمناً متعمداً ؛ لأنه إذا قتل مؤمناً متعمداً فقد أصاب دماً حراماً، فيضيق عليه دينه، ويضيق به صدره، حتى ينسلخ من دينه بالكلية، ويكون من أهل النار المخلدين فيها .
وفي هذا: دليل على أن إصابة الدم الحرام من كبائر الذنوب، ولا شك في هذا، فإن قتل النفس التي حرم الله بغير حق من كبائر الذنوب .
ولكن إذا تاب الإنسان من هذا القتل فهل تصح توبته ؟ جمهور العلماء على أن توبته تصح لعموم قوله تعالى: { والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً } فهنا نص على أن من تاب من قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وآمن وعمل عملاً صالحاً، فإن الله يتوب عليه .
وقال تعالى: { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه الغفور الرحيم } ولكن بماذا تكون التوبة ؟ قتل المؤمن عمداً يتعلق به ثلاثة حقوق الحق الأول: حق الله، الحق الثاني: حق المقتول، الحق الثالث: حق أولياء المقتول .
أما حق الله فإذا تاب منه تاب الله عليه، ولا شك في هذا، وأما حق المقتول: فالمقتول حقه عنده، وهو قد قتل الآن، ولا يمكن التحلل منه في الدنيا، ولكن هل توبته تقضي أن يتحمل الله عنه حق المقتول فيؤديه عنه أم لابد من أخذه بالاقتصاص منه يوم القيامة ؟ هذا محل نظر، فمن العلماء من قال إن حق المقتول لا يسقط بالتوبة ؛ لأن من شروط التوبة رد المظالم إلى أهلها، والمقتول لا يمكن رد مظلمته إليه ؛ لأنه قتل، فلابد أن يقتص من قاتله يوم القيامة، ولكن ظاهر الآيات الكريمة التي ذكرناها في سورة الفرقان يقتضي أن الله يتوب عليه توبة تامة، وأن الله جل وعلا إذا علم من عبده صدق التوبة فإنه يتحمل عنه حق أخيه المقتول .
أما الحق الثالث فهو حق أولياء المقتول، وهذا لابد من التخلص منه ؛ لأنه يمكن للإنسان أن يتخلص منه، وذلك بأن يسلم نفسه إليهم، ويقول لهم أنا قتلت صاحبكم، فافعلوا ما شئتم، وحينئذ يخيرون بين أمور أربعة: إما أن يعفوا عنه مجاناً وأما أن يقتلوه قصاصاً، وإما أن يأخذوا الدية منه، وإما أن يصالحوه مصالحة على أقل من الدية أو على الدية، هذا جائز بالاتفاق .
فإن لم يسقط حقهم إلا بأكثر من الدية ففيه خلاف بين العلم، منهم من يقول: لا بأس أن يصالحوا على أكثر من الدية ؛ لأن الحق لهم، فإن شاءوا قالوا: نقتل وإن شاءوا قالوا: لا نعفو إلا بعشر ديات، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، أنه يجوز المصالحة عن القصاص بأكثر من الدية، والتعليل هو ما ذكرنا من أن الحق لهم، أي: لأولياء المقتول فلهم أن يمتنعوا عن إسقاطه إلا بما تطيب به نفوسهم من المال .
إذن نقول: توبة القاتل عمداً تصح للآية التي ذكرناها، من سورة الفرقان، وهي خاصة في القتل، وللآية الثانية العامة: { إن الله يغفر الذنوب جميعاً } وهذا الحديث يدل على عظم قتل النفس، وأنه من أكبر الكبائر، والعياذ بالله، وأن القاتل عمداً يخشى أن يسلب دينه .


221 - وعن خولة بنت عامر الأنصارية، وهي امرأة حمزة رضي الله عنه وعنها، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن رجالاً يتخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة رواه البخاري .

الشَّرْحُ

قال المؤلف - رحمه الله - فيما نقله عن خولة زوجة حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن رجالاً يتخوضون في مال الله بغير حق، فلهم النار يوم القيامة هذا أيضاً مما يدل على تحريم الظلم في الأموال الذي هو خلاف العدل .
وفي قوله: يتخوضون: دليل على أنهم يتصرفون تصرفاً طائشاً غير مبني على أصول شرعية، فيفسدون الأموال ببذلها فيما يضر، مثل من يبذل أمواله في الدخان، أو في المخدرات، أو في شرب الخمور أو ما أشبه ذلك، وكذلك أيضاً يتخوضون فيها بالسرقات والغصب وما أشبه ذلك، وكذلك يتخوضون فيها بالدعاوي الباطلة، كأن يدعي ما ليس له وهو كاذب وما أشبه ذلك .
فالمهم أن كل من يتصرف تصرفاً غير شرعي في المال - سواء ماله أو مال غيره - فإن له النار والعياذ بالله يوم القيامة إلا أن يتوب، فيرد المظالم إلى أهلها، ويتوب مما يبذل ماله فيه من الحرام ؛ كالدخان والخمر وما أشبه ذلك، فإن من تاب تاب الله عليه، لقول الله تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ وفي هذا الحديث: تحذير من بذل المال في غير ما ينفع والتخوض فيه ؛ لأن المال جعله الله قياماً للناس تقوم به مصالح دينهم ودنياهم، فإذا بذله في غير مصلحة كان من المتخوضين في مال الله بغير حق .


باب تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم


قال الله تعالى: { ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ } وقال تعالى: { وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ } وقال تعالى: { وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ } وقال تعالى: { مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا }

الشَّرْحُ

قال المؤلف - رحمه الله تعالى - ( باب تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم )، فالمسلم له حق على أخيه المسلم بل له حقوق متعددة، بينها النبي صلى الله عليه وسلم في مواضع كثيرة .
منها: إذا لقيه فليسلم عليه، يلقي عليه السلام، يقول: السلام عليك أو السلام عليكم، ولا يحل له أن يهجر أخاه فوق ثلاث يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيركما الذي يبدأ بالسلام .
ولكن لك أن تهجره لمدة ثلاثة أيام، إذا رأيت في هذا مصلحة، ولك أن تهجره أكثر إذا رأيته على معصية أصر عليها ولم يتب منها، فرأيت أن هجره يحمله على التوبة، ولهذا كان القول الصحيح في الهجر أنهم رخصوا فيه خلال ثلاثة أيام، وما زاد على ذلك فينظر فيه للمصلحة، إن كان فيه خير فليفعل، وإلا فلا، حتى لو جهر بالمعصية، فإذا لم يكن في هجره مصلحة فلا تهجره .
ثم ساق المؤلف عدة آيات منها قوله تعالى: وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ من يعظم حرماته: أي ما جعله محترماً من الأماكن أو الأزمان أو الأشخاص، فالذي يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه، ومن كان يكره أو يشق عليه تعظيم هذا المكان كالحرمين مثلاً والمساجد، أو الزمان كالأشهر الحرم ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب وما أشبه ذلك، فليحمل على نفسه وليكرهها على التعظيم .
ومن ذلك: تعظيم إخوانه المسلمين، وتنزيلهم منزلتهم، فإن المسلم لا يحل له أن يحقر أخاه المسلم، قال النبي عليه الصلاة والسلام: بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم بحسب الباء هنا زائدة والمعنى: حسبه من الشر أن يحقر أخاه المسلم بقلبه، أو أن يتعدى فوق ذلك بلسانه أو بيده على أخيه المسلم، فإن ذلك حسبه من الإثم والعياذ بالله، وكذلك أيضاً تعظيم ما حرمه الله عز وجل في المعاهدات التي تكون بين المسلمين وبين الكفار، فإنه لا يحل لأحد أن ينقض عهداً بينه وبين غيره من الكفار .
ولكن المعاهدون ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: قسم: أتموا عهدهم فهؤلاء نتمم عهدهم .
وقسم آخر: خانوا أو نقضوا قال تعالى: { فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ } فهؤلاء ينتقض عهدهم كما فعلت قريش في الصلح الذي جرى بينها وبين النبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية، فإنهم وضعوا الحرب بينهم عشر سنين، ولكن قريشاً نقضوا العهد فهؤلاء ينتقض عهدهم، ولا يكون بيننا بينهم عهد، وهؤلاء قال الله فيهم: { أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } والقسم الثالث: من لم ينقض العهد لكن نخاف منه أن ينقض العهد، فهؤلاء نخبرهم بألا عهد بيننا وبينهم، كما قال تعالي: { وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ } فهذه من حرمات الله عز وجل، وكل شيء جعله الله محترماً من زمان أو مكان أو عيان فهو من حرمات الله عز وجل، فإن الواجب على المسلم أن يحترمه، ولهذا قال تعالى: { وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ } وقال { وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ } الشعائر: العبادات الظاهرة سواء كانت كبيرة أم صغيرة، مثل الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والأذان والإقامة وغيرهما من شعائر الإسلام، فإنها إذا عظمها الإنسان كان ذلك دليلاً على تقواه، فإن التقوى هي التي تحمل العبد على تعظيم الشعائر .
أما الآية الثالثة: فهي قوله تعالى: { وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ } وفي الآية الأخرى: { لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } والمعنى تذلل لهم ولن لهم في المقال والفعال ؛ لأن المؤمن مع أخيه المؤمن رحيم به، شفيق به، كما قال الله تعالى في وصف النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه: { أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ } وفي قوله: { واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين } دليل على أن الإنسان مأمور بالتواضع لإخوانه، وإن كان رفيع المنزلة، كما يرتفع الطير بجناحيه، فإنه وإن كان رفيع المنزلة فليخفض جناحه وليتذلل وليتطامن لإخوانه، وليعلم أن من تواضع لله رفعه عز وجل، والإنسان ربما يقول: لو تواضعت للفقير وكلمت الفقير، أو تواضعت للصغير وكلمته أو ما أشبه ذلك، فربما يكون في هذا وضع لي، وتنزيل من رتبتي، ولكن هذا من وساوس الشيطان، فالشيطان يدخل على الإنسان في كل شيء، قال تعالى عنه: { فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ( 16 ) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ } فالشيطان يأتي الإنسان ويقول له: كيف تتواضع لهذا الفقير ؟ كيف تتواضع لهذا الصغير ؟ كيف تكلم فلاناً ؟ كيف تمشي مع فلان ؟ ولكن من تواضع لله رفعه الله عز وجل، حتى وإن كان عالماً أو كبيراً أو غنياً، فإنه ينبغي أن يتواضع لمن كان مؤمنا، أما من كان كافراً فإن الإنسان لا يجوز له أن يخفض جناحه، لكن يجب عليه أن يخضع للحق بدعوته إلى الدين، ولا يستنكف عنه، ويستكبر فلا يدعوه، بل يدعوه ولكن بعزة وكرامة، دون إهانة له فهذا معنى قوله: { وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ } .
وفي الآية الثانية: { واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين }، فهذه وظيفة المسلم مع إخوانه، أن يكون هيناً ليناً بالقول والفعل ؛ لأن هذا مما يوجب المودة والألفة بين الناس، وهذه الألفة والمودة أمر مطلوب للشرع، ولهذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن كل ما يوجب العداوة والبغضاء، مثل البيع على بيع المسلم، والسوم على سوم المسلم، وغير ذلك مما هو معروف لكثير من الناس والله الموفق .
وقال تعالى: { مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا }


222 - وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً وشبك بين أصابعه .
متفق عليه .

الشَّرْحُ

سبق ذكر عدة آيات في بيان تعظيم حرمات المسلمين، والرفق بهم والإحسان إليهم ومن جملة الآيات التي فيها بيان تعظيم حرمة المسلم قوله تعالى: مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا، بين الله في هذه الآية أن من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ؛ لأن حرمة المسلمين واحدة، ومن انتهك حرمة شخص من المسلمين، فكأنما انتهك حرمة جميع المسلمين، كما أن من كذب رسولاً واحداً من الرسل، فكأنما كذب جميع الرسل، ولهذا اقرأ قوله تعالى: { كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ }، مع أنهم لم يكذبوا إلا واحداً، فإنه، لم يبعث رسول قبل نوح، وما بعد نوح لم يدركه قومه، لكن من كذب رسولاً واحداً فكأنما كذب جميع الرسل، ومن قتل نفساً محرمة، فكأنما قتل الناس جميعاً ؛ لأن حرمة المسلمين واحدة، ومن أحياها - أي سعى في إحيائها وإنقاذها من هلكة - فكأنما أحيا الناس جميعاً .
وإحياؤها وإنقاذها من الهلكة تارة يكون من هلكة لا قبل للإنسان بها فتكون من الله، مثل أن يشب حريق في بيت رجل، فتحاول إنقاذه، فهذا إحياء للنفس، وأما القسم الثاني: فهو ما للإنسان فيه قبل، مثل أن يحاول رجل العدوان على شخص ليقتله، فتحول بينه وبينه وتحميه من القتل، فأنت الآن أحييت نفساً، ومن فعل ذلك فكأنما أحيا الناس جميعاً ؛ لأن إحياء شخص مسلم كإحياء جميع الناس .
وقوله عز وجل: { بِغَيْرِ نَفْسٍ } يستفاد منه أن من قتل نفساً بنفس فهو معذور ولا حرج عليه، قال الله تعالى: { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ }، فإذا قتل شخصاً بحق أي بنفس أخرى فلا لوم عليه ولا إثم، ويرث القاتل من المقتول إذا قتله بحق، ولا يرث القاتل من المقتول إذا قتله بغير حق .
ولنضرب لهذا مثلاً بثلاثة إخوة قتل الكبير منهم الصغير عمداً فالذي يرث الصغير أخوه الأوسط، وأخوه الكبير لا يرثه لأنه قتله بغير حق، ثم طالب الأوسط بدم أخيه الصغير فقتل أخاه الكبير قصاصا فهل يرث الأوسط من أخيه الكبير وهو قاتله ؟ نعم يرث لأنه قتله بحق والكبير الذي قتل الصغير لا يرث لأنه قتله بغير حق .
فالقتل بحق لا لوم فيه وليس له أثر لأنه قصاص والله تعالى يقول { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } .
وقوله عز وجل { أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ } والفساد في الأرض ليس معناه أن يسلط الإنسان الحفار فيهدم بيتا ولو كان ذلك بغير حق فهذا وإن كان فسادا لكن لا يحل به دم مسلم الفساد في الأرض إنما يكون بنشر الأفكار السيئة أو العقائد الخبيثة أو قطع الطريق أو ترويج المخدرات أو ما أشبه ذلك هذا هو الفساد في الأرض فمن أفسد في الأرض على هذا الوجه فدمه هدر حلال يقتل لأنه ساع في الأرض بالفساد .
بل إن الله قال في نفس السورة { إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ } .
على حسب جريمتهم إن كانت كبيرة فبالقتل وإن كانت دونها فبالصلب وإن كانت دونها فتقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى وإن كان دون ذلك فينفوا من الأرض إما بالحبس مدى الحياة كما قال بذلك بعض أهل العلم وإما بالطرد عن المدن كما قاله آخرون لكن إذا كان لا يندفع شرهم بطردهم من المدن حبسوا إلى الموت .
فالحاصل أن من قتل نفسا لإفسادها في الأرض فلا لوم عليه بل إن قتل النفس التي تسعى للإفساد واجب وقتل النفس بالنفس مباح إلا على رأي الإمام مالك - رحمه الله - وشيخ الإسلام ابن تيمية فإن قتل الغيلة واجب فيه القصاص يعني من غافل شخصا فقتله فإنه يقتل حتى ولو عفا أولياء المقتول لأن الغيلة شر وفساد ولا يمكن التخلص منها .
مثلا يجئ إنسان لشخص أثناء نومه فيقتله فهذا يقتل على كل حال حتى ولو قال أولياء المقتول عفونا عنه ولا نبغي شيئا هذا رأى الإمام مالك وشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - وهو القول الحق أنه إذا قتل إنسان غيلة فلابد من قتل القاتل ولا خيار لأولياء المقتول في ذلك فالحاصل أن الله بين في هذه الآية أن قتل نفس واحدة بغير نفس أو فساد في الأرض كقتل جميع الناس وإحياء نفس واحدة كإحياء جميع الناس وهذا يدل على عظم القتل ولو أن إنسانا أحصى كم قتل من بني آدم بغير حق لم يقدر ومع ذلك فكل نفس تقتل فعلى ابن آدم الأول الذي قتل أخاه كفل منها وعليه من إثمه نصيب وابن آدم الذي قتل أخاه قتله حسدا حيث كان أول ما جاء آدم من الأبناء اثنين من بني آدم أول ما جاء آدم من الأبناء في أول بطن وقد قربا قربانا قربة إلى الله فتقبل الله من واحد ولم يتقبل من الآخر فقال الثاني الذي لم يتقبل الله منه لأخيه لأقتلنك لماذا يتقبل اله منك ولا يتقبل مني حسده على فضل الله تعالى عليه فقال له ربه { إنما يتقبل الله من المتقين } يعني اتق الله ويقبل الله منك لكن من توعد أخاه بالقتل فليس بمتق لله في النهاية قتله والعياذ بالله { فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين } خسر والعياذ بالله بهذه الفعلة الشنيعة التي أقدم عليها ويقال إنه بقي يحمل أخاه الذي قتله أربعين يوما على ظهره ما يدري ماذا يفعل به لأن القبور ما عرفت في ذلك الوقت فبعث الله غرابا يبحث في الأرض يعني بأظافره ليريه كيف يواري سوءة أخيه وقيل إن غرابين اقتتلا فقتل أحدهما الآخر فحفر أحدهما للثاني فدفنه فاقتدى به هذا القاتل ودفن أخاه وهذا من العجائب أن تكون الغربان هي التي علمت بني آدم الدفن فالحاصل أن كل نفس تقتل بغير حق فعلى القاتل الأول من إثمها نصيب والعياذ بالله وهكذا أيضا من سن القتل بعد أمن الناس وصار يغتال الناس وما أشبه ذلك وتجرأ الناس على هذا من أجل فعله فإن عليه من الإثم نصيبا لأنه هو الذي كان سببا في هذا ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم الدين نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من دعاة الخير وفاعليه إنه جواد كريم


223 - وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مر في شيء من مساجدنا أو أسواقنا ومعه نبل فليمسك أو ليقبض على نصالها بكفه أن يصيب أحدا من المسلمين منها بشيء متفق عليه


225 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قبل النبي صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي رضي الله عنهما وعنده الأقرع بن حابس فقال الأقرع إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من لا يرحم لا يرحم متفق عليه

الشَّرْحُ

ذكر المؤلف رحمه الله جملة من أحاديث الرفق بالمسلمين منها حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من مر في شيء من مساجدنا أو أسواقنا ومعه نبل فليمسك أو ليقبض على نصالها بكفه النبل السهام التي يرمى بها وأطرافها تكون دائما دقيقة تنفذ فيما تصيبه من المرمى فإذا أمسك الإنسان بها وقى الناس شرها وإذا تركها هكذا فربما تؤذي أحدا من الناس ربما يأتي أحد بسرعة فتخدشه أو يمر الرجل الذي يمسك بها وهي مفتوحة غير ممسكة فتخدشهم أيضا ومثل ذلك أيضا العصي إذا كان معك عصا فأمسكها طولا يعني اجعل رأسها إلى السماء ولا تجعلها عرضا لأنك إذا جعلتها عرضا آذيت الناس الذين وراءك وربما تؤذي الذين أمامك ومثله الشمسية أيضا إذا كان معك شمسية وأنت في السوق فارفعها لئلا تؤذي الناس فكل شيء يؤذي المسلمين أو يخشى من أذيته فإنه يتجنبه الإنسان لأن أذية المسلمين ليست بالهينة قال الله تعالى والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا ومن الأحاديث التي ذكرها المصنف حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل الحسن بن علي بن أبي طالب وكان عنده الأقرع بن حابس والحسن بن علي بن أبي طالب هو ابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فجده من أمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبوه علي بن أبي طالب ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الحسن والحسين لأنهما سبطاه ويفضل الحسن على الحسين فالحسن قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين فكان الأمر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما حصلت الفتنة في زمن معاوية وآلت الخلافة إلى الحسن بعد أبيه علي بن أبي طالب رضي الله عنه تنازل عنها رضي الله عنه لمعاوية بن أبي سفيان حنا لدماء المسلمين لأنه يعلم أن في الناس أشرار وأنهم ربما يأتون إليه ويغرونه كما فعلوا بأخيه الحسين بن علي رضي الله عنهم غره أهل العراق وحصل ما حصل من المقتلة العظيمة في كربلاء وقتل الحسين أما الحسن رضي الله عنه فإنه تنازل عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان فصار ذلك مصداقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين كان عند النبي صلى الله عليه وسلم الأقرع بن حابس من زعماء بني تميم والغالب أن أهل البادية وأشباههم يكون فيهم جفاء فقبل النبي صلى الله عليه وسلم الحسن فقال الأقرع إن لي عشرة من الولد ما قبلت واحدا منهم أعوذ بالله من قلب قاس ما يقبلهم ولو كانوا صغارا فنظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: من لا يرحم لا يرحم يعني أن الذي لا يرحم عباد الله لا يرحمه الله ويفهم من هذا أن من رحم عباد الله رحمه الله وهو كذلك فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم الراحمون يرحمهم الرحمن ففي هذا دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يستعمل الرحمة في معاملة الصغار ونحوهم وأنه ينبغي للإنسان أن يقبل أبناءه وأبناء بناته وأبناء أبنائه يقبلهم رحمة بهم واقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم أما ما يفعله بعض الناس من الجفاء والغلظة بالنسبة للصبيان فتجده لا يمكن صبيه من أن يحضر إلى مجلسه ولا أن يمكن صبيه من أن يطلب منه شيئا وإذا رآه عند الرجال انتهره فهذا خلاف السنة وخلاف الرحمة كان النبي عليه الصلاة والسلام يصلي بالناس إحدى صلاتي العشي إما العصر وإما الظهر فجاءته بنت بنته أمامة فكان النبي صلى الله عليه وسلم يحملها وهو يصلي بالناس إذا قام حلمها وإذا سجد وضعها أين هذا الخلق من أخلاقنا اليوم الآن لو يجد الإنسان صبيه في المسجد أخرجه فضلا عن كونه يحمله في الصلاة وكان النبي صلى الله عليه وسلم يوما من الأيام ساجدا فجاءه الحسن أو الحسين فركب عليه أي جعله راحلة فأطال النبي صلى الله عليه وسلم السجود فلما سلم قال: إن ابني ارتحلني وإني كرهت أن أقوم حتى يقضي نهمته وكان صلى الله عليه وسلم يخطب الناس يوما على المنبر فأقبل الحسن والحسين وعليهما ثوبان جديدان يعثران بهما فنزل النبي صلى الله عليه وسلم وحملهما بين يديه وقال صدق الله { إنما أموالكم وأولادكم فتنة } نظرت إلى هذين الصبيين يعثران فلم أصبر يعني فما طابت نفسه حتى نزل وحملهما ففي هذا كله وأمثاله دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يرحم الصغار ويلطف بهم وأن ذلك سبب لرحمة الله عز وجل نسأل الله أن يعمنا وإياكم برحمته ولطفه وإحسانه


226 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت قدم ناس من الأعراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أتقبلون صبيانكم فقال: نعم قالوا: لكنا والله ما نقبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أملك إن كان الله نزع من قلوبكم الرحمة متفق عليه


227 - وعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من لا يرحم الناس لا يرحمه الله متفق عليه


228 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا صلى أحدكم للناس فليخفف فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء متفق عليه وفي رواية وذا الحاجة

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاء قوم من الأعراب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسألوا هل تقبلون صبيانكم قال النبي صلى الله عليه وسلم نعم والأعراب كما نعلم جميعا جفاة وعندهم غلظة وشدة ولاسيما رعاة الإبل منهم فإن عندهم من الغلظة والشدة ما يجعل قلوبهم كالحجارة نسأل الله العافية قالوا إنا لسنا نقبل صبياننا قال النبي عليه الصلاة والسلام أو أملك إن كان الله نزع من قلوبكم الرحمة يعني لا أملك لكم شيئا إذا نزع الله الرحمة من قلوبكم وفي هذا دليل على تقبيل الصبيان شفقة عليهم ورقة لهم ورحمة بهم وفيه دليل على أن الله تعالى قد أنزل في قلب الإنسان الرحمة وإذا أنزل الله في قلب الإنسان الرحمة فإنه يرحم غيره وإذا رحم غيره رحمه الله عز وجل كما في الحديث الثاني حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من لا يرحم الناس لا يرحمه الله نسأل الله العافية الذي لا يرحم الناس لا يرحمه الله عز وجل والمراد بالناس الناس الذين هم أهل للرحمة كالمؤمنين وأهل الذمة ومن شابههم وأما الكفار الحربيون فإنهم لا يرحمون بل يقتلون لأن الله تعالى في وصف النبي وأصحابه أشداء على الكفار رحماء بينهم وقال تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم { يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير } ذكر الله تعالى هذه الآية في سورتين من القرآن الكريم بهذا اللفظ نفسه { يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير } ذكرها الله في سورة التوبة وفي سورة التحريم وقال تعالى { ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح } وكذلك أيضا رحمة الدواب والبهائم فإنها من علامات رحمة الله عز وجل للإنسان لأنه إذا رق قلب المرء رحم كل شيء ذي روح وإذا رحم كل شيء ذي روح رحمه الله قيل يا رسول الله ألنا في البهائم أجر قال نعم في كل ذات كبد رطبة أجر ومن الشفقة والرحمة بالمؤمنين أنه إذا كان الإنسان إماما لهم فإنه لا ينبغي له أن يطيل عليهم في الصلاة ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام إذا أم أحدكم الناس فليخفف فإن من ورائه السقيم والضعيف وذا الحاجة والكبير يعني من ورائه أهل الأعذار الذين يحتاجون إلى التخفيف والمراد بالتخفيف ما وافق سنة النبي صلى الله عليه وسلم هذا هو التخفيف وليس المراد بالتخفيف ما وافق أهواء الناس حتى صار الإمام يركض في صلاته ولا يطمئن قال أنس بن مالك رضي الله عنه ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم صلاة من النبي صلى الله عليه وسلم ومع ذلك فكان يقرأ في فجر الجمعة ألم تنزيل السجدة كاملة في الركعة الأولى وهل أتى على الإنسان كاملة في الركعة الثانية وكان يقرأ بسورة الدخان في المغرب ويقرأ فيها بالمرسلات ويقرأ فيها بالطور وربما قرأ فيها بالأعراف ومع هذا فهي خفيفة قال أنس رضي الله عنه ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم صلاة من النبي صلى الله عليه وسلم وليس هذا الحديث حجة للذين يريدون من الأئمة أن يخففوا تخفيفا ينقص الأجر ويخالف السنة ثم اعلم أنه قد يكون التخفيف عارضا طارئا مثل ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل كان يدخل في الصلاة وهو يريد أن يطيل فيها فيسمع بكاء الصبي فيوجز مخافة أن تفتن أمه فإذا حصل طارئ يوجب أن يخفف الإنسان صلاته فليخفف لكن على وجه لا يخل بالواجب فالتخفيف نوعان تخفيف دائم وهو ما وافق سنة النبي صلى الله عليه وسلم وتخفيف طارئ يكون أخف وهو ما دعت إليه الحاجة وهو أيضا من السنة فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع بكاء الصبي خفف الصلاة حتى لا تفتن أمه والمهم أنه ينبغي للإنسان مراعاة أحوال الناس ورحمتهم


229 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم متفق عليه


230 - وعنها رضي الله عنها قالت نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال رحمة لهم فقالوا: إنك تواصل قال: إني لست كهيئتكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني متفق عليه معناه يجعل في قوة من أكل وشرب

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن عائشة رضي الله عنها في باب الرفق بالمسلمين والشفقة عليهم قالت عائشة رضي الله عنها إن كان النبي صلى الله عليه وسلم ليدع العمل وهو يحب أن يفعله خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم قولها إن كان إن هذه مخففة من الثقيلة وأصلها إن ويقول النحويون إن اسمها محذوف ويسمونه ضمير الشأن وجملة كان ليدع خبرها فالجملة هنا ثبوتية وليست سلبية والمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يترك العمل وهو يحب أن يفعله لئلا يعمل به الناس فيفرض عليهم فيشق عليهم ومن ذلك ما فعله في رمضان عليه الصلاة والسلام صلى في رمضان ذات ليلة فعلم به أناس من الصحابة فاجتمعوا إليه وصلوا معه وفي الليلة الثانية صلوا أكثر وفي الثالثة أكثر وأكثر ثم ترك الصلاة في المسجد فقال عليه الصلاة والسلام أما بعد فإنه لم يخف على مكانكم يعني ما جرى منهم من الاجتماع ولكني كرهت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها فترك هذا القيام جماعة خوفا من أن تفرض على الأمة وهذا من شفقته وكان يقول لولا أن أشق على أمتي لفعلت كذا وكذا أو لأمرت بكذا وكذا مثل قوله لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ومثله قوله صلى الله عليه وسلم حين تأخر في صلاة العشاء حتى ذهب عامة الليل فقال إنه لوقتها يعني آخر الوقت ثم قال لولا أن أشق على أمتي فهو عليه الصلاة والسلام كان يدع العمل ويدع الأمر بالعمل خوفا من أن يشق على الأمة ومن ذلك أيضا ما روته عائشة رضي الله عنها أنه نهاهم عن الوصال رحمة بهم يعني نهى الصحابة عن الوصال والوصال يعني أن يصل الإنسان يومين فأكثر في الصيام من غير فطر يعني يصوم الليل والنهار يومين أو ثلاثة أو أكثر فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ولكنهم رضي الله عنهم فهموا أنه نهاهم رحمة بهم لا كراهة للعمل فواصلوا ثم واصلوا حتى هل شهر شوال فقال صلى الله عليه وسلم لو تأخر الهلال لزدتكم يعني لأبقيتكم تواصلون قال ذلك تنكيلا لهم حتى يعرفوا ألم الجوع والعطش ويكفوا عن الوصال من أنفسهم المهم أنه نهاهم عن الوصال رحمة بهم فقالوا إنك تواصل ونحن نقتدي بك فقال: إني لست كهيئتكم إني يطعمني ربي ويسقيني يعني أنه عليه الصلاة والسلام ليس كالأمة بل هو يبيت عند ربه يطعمه ويسقيه ومعنى ذلك أنه عليه الصلاة والسلام يتهجد بالليل ويخلو بالله عز وجل بذكره وقراءة كلامه وغير ذلك مما يغنيه عن الأكل والشرب لأن الإنسان إذا اشتغل بالشيء نسي الأكل والشرب خصوصا إذا كان الشيء مما يحبه ويرضاه ولهذا قال الشاعر في محبوبته
لها أحاديث من ذكراك تشغلها ...
عن الشراب وتلهيها عن الزاد
يعني أنها إذا قعدت تتحدث عن هذا الرجل تكثر من ذكره حتى يلهيها ذلك عن الطعام والشراب وهو أمر واقع واضح حتى إن الإنسان قد يكون في الأشغال يشتغل بها فيلهو عن الأكل والشرب مثل طالب العلم الذي يكون منهوما بالعلم شغوفا به ربما يبقى في مكتبته يطالع من الصباح إلى السماء فينسى الأكل والشرب ينسى الغداء والعشاء وربما ينسى النوم وكذلك طالب الدنيا منهوم لا يشبع ربما يبقى في دفاتره وحساباته فينشغل عن الأكل والشرب ويذكر أن رجلا غنيا كان يشتغل بحساباته وبكتاباته وماله وله زوجة وكان له جار فقير متزوج وكانوا يشعرون بأن هذا الجار الفقير يعاشر زوجته بالمعروف فغارت زوجة الغني لأن الغني غافل عنها فقالت له ألا تنظر إلى جارنا يعاشر زوجته بالمعروف ويستأنس مع أهله ففطن الرجل العني لهذا فدعا الرجل الفقير وقال له إنك رجل فقير تحتاج إلى المال وأنا سأعطيك مالا تتجر به فأعطاه المال يتجر به فانشغل به الفقير عن أهله وصار لا يعاشرهم ولا يؤانسهم فصار مثل التاجر فالحاصل أن الإنسان إذا انشغل بالشيء المحبوب إليه أنساه كل شيء ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني فلست كهيئتكم وما زعمه بعض أهل العلم من أن المراد بالإطعام والإسقاء الإطعام من الجنة والإسقاء من الجنة فليس بصحيح لأنه لو طعم طعاما حسيا وشرب شرابا حسيا لم يكن واصلا وإنما المراد بالطعام والسقي ما يشتغل به صلى الله عليه وسلم من ذكر الله بقلبه ولسانه وجوارحه فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين


231 - وعن أبي قتادة الحارث بن ربعي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لأقوم إلى الصلاة وأريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه رواه البخاري


232 - وعن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى صلاة الصبح فهو في ذمة الله فلا يطلبنكم الله في ذمته بشيء فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه ثم يكبه على وجهه في نار جنهم رواه مسلم

الشَّرْحُ

ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في باب الرفق بالمسلمين فيما نقله عن أبي قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إني لأقوم إلى الصلاة وأريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز كراهية أن أشق على أمه هذا الحديث من النماذج التي تدل على رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بأمته كما وصفه الله تعالى به في قوله: لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم فهو يدخل في صلاة الجماعة يريد أن يطيل فيها والمراد الإطالة النسبية ليست الإطالة الزائدة عن ما كان يفعله من قبل فإذا سمع بكاء الصبي أوجز وخفف مخافة أن يشق على أمه لأن أمه إذا سمعت بكاءه فإنه يشق عليها أن تسمع بكاء ابنها وربما يشغلها كثيرا عن الصلاة فيخفف عليه الصلاة والسلام لأجل ذلك .
ففي هذا الحديث فوائد منها أولا رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بأمته وشفقته عليها ثانيا جواز حضور النساء إلى المساجد ليصلين مع الجماعة وهذا ما لم تخرج المرأة على وجه لا يجوز مثل أن تخرج متعطرة أو متبرجة فإن ذلك لا يجوز لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهد معنا صلاة العشاء ثالثا جواز إدخال الصبيان للمسجد هذا إذا كان صبيها معها وإن كان خارج المسجد قريبا منه فليس فيه دلالة ولكنه يصعب أن تسمع المرأة بكاء صبيها في البيت وهي في المسجد فالظاهر أن صبيانهن كانوا معهن فيكون فيه دليل على جواز إدخال الصبيان المساجد لكن بشرط أن لا يحصل منهم أذية لا على المسجد ولا على المصلين فإن كان يخشى منهم أذية على المسجد كتلويثه بالبول والنجاسة فإنهم يمنعون وكذلك إذا كان يخشى منهم التشويش على الناس بالصراخ والركض والجلبة فإنهم يمنعون أيضا أما إذا لم يكن منهم بأس فإنه لا بأس أن يؤتى بهم إلى المساجد وإما حديث جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم فهو ضعيف رابعا أنه يجوز للمصلي أن يسمع ما حوله ولا يلزمه أن يسد أذنيه بل له أن يسمع لكن إذا كان ما حوله يشوش عليه إذا سمعه فلا يصلين حوله وإنما يبعد كما لو أراد الإنسان أن يصلي في المسجد وحوله حلقة ذكر أو حلقة قرآن ويخشى أن يشوشوا عليه إذا دنا منهم فليبعد وأما إذا لم يشوشوا فلا بأس أن يسمع بخلاف الاستماع فإن المصلي لا يستمع إلا إلى قراءة الإمام وعلى هذا إذا كنت تصلي وجاء القارئ يقرأ حديثا أو موعظة فلا تشد سمعك إليه لا تستمع إليه ولا تجعل تركيزك معه أما إذا سمعته ولكنك ماض في صلاتك لم تهتم به ولم تلفتت إليه فلا بأس خامسا ومن فوائد هذا الحديث أن يجوز للمصلي أن يغير نيته من تطويل إلى تقصير أو العكس إذا وجد سببا لذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخل في الصلاة ناويا أن يطيلها فيوجز لما ذكره من السبب ثم ذكر المؤلف رحمه الله حديث جندب بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من صلى الفجر فهو في ذمة الله الفجر هي الصلاة الأولى عند بعض العلماء وعند بعض العلماء أن الصلاة الأولى هي صلاة الظهر ولكن الأصح أن الصلاة الأولى هي صلاة الفجر والثانية الظهر والثالثة العصر وهي الوسطى والرابعة المغرب والخامسة العشاء وصلاة الفجر تأتي وكثير من الناس نيام ولهذا يتكاسل عنها المنافقون كما قال النبي صلى الله عليه وسلم أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا وهي صلاة العصر أفضل الصلوات الخمس لقول النبي صلى الله عليه وسلم من صلى البردين دخل الجنة والبردان هما الفجر والعصر لأن الفجر براد الليل والعصر براد النهار وقوله من صلى الفجر ظاهره من صلى في جماعة أو غير جماعة .
وقوله فهو في ذمة الله أي في عهده يعني أنه دخل في عهد الله فكأنه معاهد لله عز وجل أن لا يصيبه أحد بسوء ولهذا قال عليه الصلاة والسلام فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء يعني لا يترك عهده على من صلى الفجر لأنه في ذمة الله وفي عهده فإياكم أن يطلبكم الله تعالى من ذمته بشيء فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه ثم يكبه على وجهه في النار ففي هذا دليل على أنه يجب احترام المسلمين الذي صدقوا إسلامهم بصلاة الفجر لأن صلاة الفجر لا يصليها إلا مؤمن فالمنافقون لا يشهدون الجماعة ولا يصلون الفجر أبدا لأنهم إنما يصلون مراءاة للناس فإذا لم يكن الناس ينتبهون لهم فإنهم لا يصلون والفجر في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ليست كالفجر في يومنا بل كان الليل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ليلا حالكا لا يرى الناس فيه فيأتي الإنسان ويذهب وهو لا يعرف لكن الآن ليلنا والحمد كنهارنا بما أنعم الله علينا به من هذه الإضاءة بالكهرباء لكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لظلمة الليل وعدم وضوح الرؤية كان المنافقون لا يصلون الفجر والعشاء جماعة والمهم أن هذا الحديث يدل على وجوب احترام المسلمين الذين برهنوا على إسلامهم بصلاة الفجر وأنه لا يجوز لأحد أن يعتدي عليهم


233 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة متفق عليه

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: المسلم أخو المسلم يعني في الدين كما قال الله تبارك وتعالى فأصبحتم بنعمته إخوانا وقال الله تعالى { فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين } وهذه الأخوة هي أوثق الأخوات أوثق من أخوة النسب فإن أخوة النسب قد يختلف مقتضاها فيكون أخوك من النسب عدوا لك كارها لك وذلك يكون في الدنيا وفي الآخرة قال الله تعالى { الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين } أما أخوة الدين فإنها أخوة ثابتة راسخة في الدنيا وفي الآخرة تنفع الإنسان في حياته وبعد مماته لكن هذه الأخوة لا يترتب عليها ما يترتب على إخوة النسب من التوارث ووجوب النفقة وما أشبه ذلك ثم قال: لا يظلمه ولا يسلمه لا يظلمه لا في ماله ولا في بدنه ولا في عرضه ولا في أهله يعني لا يظلمه بأي نوع من الظلم ولا يسلمه يعني لا يسلمه لمن يظلمه فهو يدافع عنه ويحميه من شره فهو جامع بين أمرين الأمر الأول أنه لا يظلمه والأمر الثاني أنه لا يسلمه لمن يظلمه بل يدافع عنه ولهذا قال العلماء رحمهم الله يجب على الإنسان أن يدافع عن أخيه في عرضه وبدنه وماله في عرضه يعني إذا سمع أحدا يسبه ويغتابه يجب عليه أن يدافع عنه وكذلك أيضا في بدنه إذا أراد أحد أن يعتدي على أخيك المسلم وأنت قادر على دفعه وجب عليك أن تدافع عنه وكذلك في ماله لو أراد أحد أن يأخذ ماله فإنه يجب عليك أن تدافع عنه ثم قال عليه الصلاة والسلام والله في حاجة العبد ما كان العبد في حاجة أخيه يعني أنك إذا كنت في حاجة أخيك تقضيها وتساعده عليها فإن الله تعالى يساعدك في حاجتك ويعينك عليها جزاء وفاقا ويفهم من ذلك أن الإنسان إذا ظلم أخاه فإن أخوته ناقصة وإذا أسلمه إلى من يظلمه فإن أخوته ناقصة وإذا لم يكن في حاجته فإن هذا يفوته الخير العظيم وهو كون الله تعالى في حاجته ثم قال ومن فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة الكرب ما يضيق على الإنسان ويشق عليه ويجد له في نفسه هما وغما فإذا فرجت عن أخيك هذه الكربة فرج الله عنك كربة من كرب يوم القيامة وتفريج الكربات يكون في أمور متعددة إن كانت كربة مالية فبإعطائه المال الذي تزول به الكربة وإن كانت كربة معنوية فبالحرص على رد معنويته ورد اعتباره حتى تزول عنه الكربة وإذا كانت كربة هم وغم فبأن توسع عليه وتنفس له وتبين له أن الأمور لا تدوم وأن داوم الحال من المحال وتبين له ما في هذا من الأجر والثواب العظيم حتى تهون عليه الكربة ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة ستر يعني غطى عيبه ولم يبينه فإن الله يستره في الدنيا والآخرة وهذا ليس على إطلاقه فهناك نصوص تدل على أنه غير مطلق فالستر قد يكون مأمورا به محمودا وقد يكون حراما فإذا رأينا شخصا على معصية وهو رجل شرير منهمك في المعاصي لا يزيده الستر إلا طغيانا فإننا لا نستره بل نبلغ عنه حتى يردع ردعا يحصل به المقصود أما إذا لم تبدر منه بوادر سيئة ولكن حصلت منه هفوة فإن من المستحب أن تستره ولا تبينه لأحد لا للجهات المسئولة ولا لغيرها فإذا سترته ستر الله عليك في الدنيا والآخرة ومن ذلك أيضا أن تستر عنه العيب الخلقي إذا كان فيه عيب في خلقته كجروح مؤثرة في جلده أو برص أو بهق أو ما أشبه ذلك وهو يتستر ويحب ألا يطلع عليه الناس فإنك تستره إذا سترته سترك الله في الدنيا والآخرة وكذلك إذا كان سيئ الخلق لكنه يتظاهر للناس بأنه حسن الخلق وواسع الصدر وأنت تعرف عنه خلاف ذلك فاستره فمن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة فالستر كما قلت بالنسبة للأعمال السيئة التي يقول بها الإنسان ينقسم إلى قسمين قسم يكون من شخص منهمك في المعاصي مستهتر فهذا لا نستر عليه قسم آخر حصل منه هفوة فهذا هو الذي نستر عليه أما الأمور الأخرى فالستر فيها أكمل وأفضل والله المستعان


234 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلم أخو المسلم لا يخونه ولا يكذبه ولا يخذله كل المسلم على المسلم حرام عرضه وماله ودمه التقوى هاهنا بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم رواه الترمذي وقال: حديث حسن

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال المسلم أخو المسلم وقد تقدم الكلام على هذه الجملة وأن هذه الأخوة أخو الإيمان وأنها أقوى رابطة وأوثق من أخوة النسب وبينا وجه ذلك فيما سبق وبين هنا في هذا الحديث أنه لا يظلمه ولا يخونه ولا يكذبه لا يخونه يعني لا يغدر به في محل الائتمان إذا ائتمنه على شيء أو على مال أو على سر أو على غير ذلك فإنه لا يخونه والخيانة هي الغدر بالشخص في موضع الائتمان ولا يجوز لأحد أن يخون أخاه المسلم حتى وإن خانه يعني وإن خانك أخوك المسلم فلا تخنه لقول النبي صلى الله عليه وسلم أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك فلو فرضنا أن شخصا خانك في مال بأن أقرضته مالا أي سلفته ثم أنكر بعد ذلك وقال لم تقرضني شيئا فإنه لا يحل لك أن تخونه فتقترض منه ثم تنكره بل أد إليه أمانته واسأل الله الحق الذي لك لقوله عليه الصلاة والسلام لا تخن من خانك كذلك أيضا لا يكذبه أي لا يحدثه بكذب والكذب حرام وكلما كانت آثاره أسوأ كان أشد إثما وليس في الكذب شيء حلالا وأما ما ادعاه بعض العامة حيث يقولون إن الكذب نوعان أسود وأبيض فالحرام هو الأسود والحلال هو الأبيض فجوابه أن الكذب كله أسود ليس فيه شيء أبيض لكن يتضاعف إثمه بحسب ما يترتب عليه فإذا كان يترتب عليه أكل مال المسلم أو غرر على مسلم صار أشد إثما وإذا كان لا يترتب عليه أي شيء من الأضرار فإنه أخف ولكنه حرام لكن ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رخص في الكذب عند الإصلاح بين الناس وفي الحرب وفي حديث الرجل امرأته وحديثها إياه ولكن كثيرا من العلماء قال إن المراد بالكذب في هذا الحديث ليس الكذب الصريح وإنما هو التورية والتروية تسمى كذبا كما قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين يأتي الناس له يوم القيامة ليشفع لهم إنه كذب ثلاث كذبات وهو لم يكذب ولكنه ورى تورية يعني أظهر للمخاطب شيئا غير الذي يريده هو فبعض العلماء يقول إن هذا الحديث الذي فيه أن الكذب يجوز في هذه الأشياء الثلاثة يراد به كذب التورية لا الكذب الصريح وعلى هذا فلا يستثنى من الكذب شيء وكل الكذب حرام ثم اعلم أن الكذب يحار فيه الإنسان ويعجز عن معالجته كما قيل
لي حيلة في من ينم ...
وليس في الكذاب حيلة
من كان يخلق ما يقول ...
فحيلتي فيه قليلة
الذي ينم وهو الذي يلقي النميمة بين الناس لي فيه حيلة أي يمكن أن أحتال وأتخلص منه ومن شره لكن الذي يكذب يقول فعلت وفعلت وهو كاذب ليس لي فيه حيلة إذا كان يخلق ما يقول وما شاء قاله فهذا مشكل ليس لي فيه حيلة ولهذا قال هنا ولا يكذبه وفي لفظ ولا يحقره ولا يستصغره حتى وإن كان أكبر منه سنا وإن كان أكثر منه مالا وإن كان أغزر منه علما فلا يحقره واحتقار الناس من الكبر والعياذ بالله قال النبي صلى الله عليه وسلم الكبر بطر الحق وغمط الناس بطر الحق يعني رده وغمط الناس يعني احتقارهم وازدراءهم فالمسلم يرى أخاه بعين الإكبار ويحترمه ويعظمه والعامة يقولون احترم الناس يحترموك واحتقر الناس يحتقروك يعني من رأى الناس بعين الاحتقار رأوه بعين الاحتقار ومن رآهم بعين الإكبار والإجلال رأوه بعين الإكبار والإجلال وهذا شيء مشاهد ولهذا تجد الرجل المتواضع اللين الهين محترما عند الناس كلهم لا أحد يكرهه ولا أحد يسبه والإنسان الشامخ بأنه المستكبر المحتقر لغيره تجده مكروها مذموما عند الناس ولولا حاجة الناس إليه إذا كانوا يحتاجون إليه ما كلمه أحد لأنهم يحتقرونه ثم قال عليه الصلاة والسلام التقوى هاهنا أشار إلى صدره ثلاث مرات يعني أن التقوى في القلب فإذا اتقى القلب اتقت الجوارح وإذا لم يتق القلب لم تتق الجوارح وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب فإذا كان في قلب الإنسان تقوى لله عز وجل وخوف منه وخشية له استقامت أعماله الظاهرة لأن الأعمال الظاهرة تتبع القلب وقد مثل بعض العلماء ومنهم أبو هريرة رضي الله عنه القلب بالملك المطاع مع جنوده فالملك المطاع مع جنوده إذا أمرهم بشيء أطاعوه ولكن بعض العلماء قال: إن هذا المثال أنقص من قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلحت صلح الجسد كله وذلك لأن الملك مع جنوده وإن كان مطاعا فإنهم لا يصلحون بصلاحه لكن القلب إذا صلح صلح الجسد وإذا اتقى اتقى الجسد واعلم أن من الناس من يجادل بالباطل بهذا الحديث فإذا أمرته بمعروف أو نهيته عن منكر قال التقوى هاهنا تقول له لا تحلق لحيتك فحلق اللحية حرام وحلق اللحية من هدي المجوس والمشركين وإعفاء اللحية من هدي النبيين والمرسلين وأولياء الله الصالحين إذا قلت له هذا قال التقوى هاهنا التقوى هاهنا نقول له كذبت وإنه ليس في قلبك تقوى لو كان في قلبك تقوى لاتقيت الله لأن القلب إذا اتقى اتقت الجوارح وإذا انهمك في معصية الله انهمكت الجوارح وفي قوله التقوى هاهنا وإشارته إلى صدره دليل على أن العقل في القلب الذي في الصدر وهذا هو المطابق للقرآن تماما قال الله تعالى أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور فقال { قلوب يعقلون بها } ثم قال: { ولكن تعمي القلوب التي في الصدور } وليس القلب هو المخ كما يظنه بعض الجهال فالعقل في القلب ولكن المخ لا شك أن له أثرا في أعمال العبد في حركاته وفي سكناته لكنهم قالوا إن المخ مثل الخادم يهيئ الأشياء ويطبخها ثم يبعث بها إلى القلب ثم يصدر القلب الأوامر على المخ من أجل أن المخ يدبر الأعصاب وبقية الجسم فيكون هذا المخ خادما للقلب عند تصدير الأشياء إليه واستصدارها منه فالأشياء تمر من القلب ذاهبة وآتية إلى المخ والمخ هو الذي يحرك البدن ولذلك إذا اختل المخ اختل كل شيء ثم قال صلى الله عليه وسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه كل المسلم على المسلم حرام دمه فلا يعتدي على المسلم بقتل أو جرح أو غير ذلك وماله فلا يؤخذ ماله لا غصبا ولا سرقة ولا خيانة ولا دعوى ما ليس له ولا غير ذلك بأي طريق فلا يحل لك أن تأخذ مال أخيك بغير حق فإنه حرام عليك وعرضه بأن لا تنتهك عرضه وتتكلم فيه بين الناس سواء كنت صادقا فيما تقول أو كاذبا لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الغيبة فقال: ذكرك أخاك بما يكره قالوا: يا رسول الله أرأيت إن كان في أخي ما أقول قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته فالواجب على المسلم أن يحترم أخاه في ماله وعرضه ودمه كما قال صلى الله عليه وسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه


235 - وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونا عباد الله إخوانا المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره ولا يخذله التقوى هاهنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه رواه مسلم النجش أن يزيد في ثمن سلعة ينادي عليها في السوق ونحوه ولا رغبة له في شرائها بل يقصد أن يغر غيره وهذا حرام والتدابر أن يعرض عن الإنسان ويهجره ويجعله كالشيء الذي وراء الظهر والدبر

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تحاسدوا أي لا يحسد بعضكم بعضا والحسد أن يكره الإنسان ما أنعم الله به على غيره هذا هو الحسد ومثاله أن تكره أن الله أنعم على هذا الرجل بالمال أو بالبنين أو بالزوجة أو بالعلم أو بالعبادة أو بغير ذلك من النعم سواء تمنيت أن تزول أم لم تتمن وإن كان بعض العلماء يقول إن الحسد أن يتمنى زوال نعمة الله على غيره لكن هذا أخبثه وأشده وإلا فمجرد كراهة الإنسان أن ينعم الله على شخص فهو حسد والحسد من خصال اليهود فمن حسد فهو متشبه بهم والعياذ بالله قال الله تعالى: ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم وقال تعالى فيهم { أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما } ولا فرق بين أن تكره ما أنعم الله به على غيرك ليعود هذا الشيء إليك أو ليرتفع عن أخيك وإن لم يعد إليك واعلم أن في الحسد مفاسد كثيرة منها أنه تشبه باليهود أخبث عباد الله وأخس عباد الله الذين جعل الله منهم القردة والخنازير وعبدة الطاغوت ومنها أن فيه دليل على خبث نفس الحاسد وأنه لا يحب إخوانه ما يحب لنفسه لأن من أحب لإخوانه ما يحب لنفسه لم يحسد الناس على شيء بل يفرح إذا أنعم الله على غيره بنعمة ويقول الله آتني مثلها كما قال الله تعالى { ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله } ومنها أن فيه اعتراضا على قدر الله عز وجل وقضائه وإلا فمن الذي أنعم على هذا الرجل الله عز وجل فإذا كرهت ذلك فقد كرهت قضاء الله وقدره ومعلوم أن الإنسان إذا كره قضاء الله وقدره فإنه على خطر في دينه نسأل الله العافية لأنه يريد أن يزاحم رب الأرباب جل وعلا في تدبيره وتقديره ومن مفاسد الحسد أنه كلما أنعم الله على عباده نعمة التهبت نار الحسد في قلبه فصار دائما في حسرة ودائما في غم لأن نعم الله على العباد لا تحصى وهو رجل خبيث كلما أنعم الله على عبده نعمة غلى ذلك الحسد في قلبه حتى يحرقه ومن مفاسد الحسد أنه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب كما قال صلى الله عليه وسلم إياكم والحسد فإنه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ومن مفاسده أنه يعرقل الإنسان عن السعي في الأشياء النافعة لأنه دائما يفكر ويكون في غم كيف جاء هذا الرجل مال كيف جاءه علم كيف جاءه ولد كيف جاءه زوجة وما أشبه ذلك فتجده دائما متحسرا منطويا على نفسه ليس له هم إلا تتبع نعم الله على العباد واغتمامه بها نسأل الله العافية ومن مفاسد الحسد أنه ينبئ عن نفس شريرة ضيقة لا تحب الخير وإنما هي نفس أنانية تريد أن يكون كل شيء لها ومن مفاسد الحسد أيضا أنه لا يمكن أن يغير شيئا مما قضاه الله عز وجل أبدا مهما عملت ومهما كرهت ومهما سعيت لإخوانك في إزالة نعم الله عليهم فإنك لا تستطيع شيئا ومن مفاسده أنه ربما يترقى بالإنسان إلى أن يصل إلى درجة العائن والعائن الذين تسميه النحوت يعين الناس لأن العائن أصله أن نفسه شريرة حاسدة حاقدة إذا رأى ما يعجبه انطلق من هذه النفس الخبيثة مثل السهم حتى يصيب بالعين فالإنسان إذا حسد وصار فيه نوع من الحسد فإنه يترقى به الأمر حتى يكون من أهل العيون الذين يؤذون الناس بأعينهم ولا شك أن العائن عليه من الوبال والنقمة بقدر ما ضر العباد إن ضرهم بأموالهم فعليه من ذلك إثم أو بأبدانهم أو بمجتمعهم ولهذا ذهب كثير من أهل العلم إلى تضمين العائن كل ما أتلف يعني إذا نحت أحدا وأتلف شيئا من ماله أو أولاده أو غيرهم فإنه يضمن كما أنهم قالوا إن من اشتهر بذلك فإنه يجب أن يحبس إلا أن يتوب يحبس اتقاء شره لأنه يؤذي الناس ويضرهم فيحبس كفا لشره ومن مفاسد الحسد أنه يؤدي إلى تفرق المسلمين لأن الحاسد مكروه عند الناس مبغض والإنسان الطيب القلب الذي يحب لإخوانه ما يحبه لنفسه تجده محبوبا من الناس الكل يحبه ولهذا دائما نقول والله فلان هذا طيب ما في قلبه حسد وفلان رجل خبيث حسود وحقود وما أشبه ذلك فهذه عشر مفاسد كلها في الحسد وبهذا نعرف حكمة النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال لا تحاسدوا أي لا يحسد بعضكم بعضا فإن قال قائل ربما يجد الإنسان في نفسه أنه يحب أن يتقدم على غيره في الخير فهل هذا من الحسد فالجواب أن ذلك ليس من الحسد بل هذا من التنافس في الخيرات قال الله تعالى { لمثل هذا فليعمل العاملون } وقال تعالى { وفي ذلك فليتنافس المتنافسون } فإذا أحب الإنسان أن يتقدم على غيره في الخير فهذا ليس من الحسد في شيء الحسد أن يكره الخير لغيره واعلم أن للحسد علامات منها أن الحاسد يحب دائما أن يخفي فضائل غيره فإذا كان إنسان ذو مال ينفق ماله في الخير من صدقات وبناء مساجد وإصلاح طرق وشراء كتب يوقفها على طلبة العلم وغير ذلك فتجد هذا الرجل الحسود إذا تحدث الناس على هذا المحسن يسكت وكأنه لم يسمع شيئا هذا لا شك أن عنده حسدا لأن الذي يحب الخير يحب نشر الخير للغير فإذا رأيت الرجل إذا تكلم عن أهل الخير بإنصاف وأثنى عليهم وقال هذا فيه خير وهذا محسن وهذا كريم فهذا يدل على طيب قلبه وسلامته من الحسد نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من الحسد ومن منكرات الأخلاق والأعمال أما قوله ولا تناجشوا فالنجش هو أن يزيد في السلعة على أخيه وهو لا يريد شراءها وإنما يريد أن يضر المشتري أو ينفع البائع أو الأمرين جميعا مثال ذلك عرضت سلعة في السوق فصار الناس يتزايدون فيها فقام رجل فجعل يزيد فيها وهو لا يريد الشراء تسام بمائة فقال بمائة وعشرة وهو لا يريد أن يشتري ولكنه يريد أن يزيد الثمن على المشتري أو يريد أن ينفع البائع فيزيد الثمن له أو الأمرين جميعا فهذا حرام ولا يجوز لما فيه من العدوان أما إذا زاد الإنسان في الثمن عن رغبة في السلعة ولكن لما ارتفعت قيمتها تركها فهذا لا بأس به فإن كثيرا من الناس يزيد في السلعة لأنه يرى أنها رخيصة فإذا زادت قيمتها تركها فهذا ليس عليه بأس كما أن من الناس من يزيد في السلعة يريدها ويزيد في ثمنها حتى تخرج عن قيمتها كثيرا فالناس على زيادتهم في السلعة على ثلاثة أقسام القسم الأول نجش وهو حرام الثاني يزيد فيها لأنه يرى أنها رخيصة وأنها ستكسبه وليس له قصد في عين السلعة ولا يريدها بعينها لكن لما رأى أنها رخيصة وأنها ستكسبه جعل يزيد فلما ارتفعت قيمتها تركها فهذا أيضا لا بأس به الثالث أن يكون له غرض في السلعة يريد أن يشتري هذه السلعة فيزيد حتى يطيب خاطره ويظفر بها فهذا أيضا لا بأس به وقوله صلى الله عليه وسلم ولا تباغضوا أي لا يبغض بعضكم بعضا وهذا بالنسبة للمؤمنين بعضهم مع بعض فلا يجوز للإنسان أن يبغض أخاه أي يكرهه في قلبه لأنه أخوه ولكن لو كان هذا لأخ من العصاة الفسقة فإنه يجوز لك أن تبغضه من أجل فسقه لا تبغضه بغضا مطلقا لكن أبغضه على ما فيه من المعصية وأحبه على ما فيه من الإيمان ومن المعلوم أننا لو وجدنا رجلا مسلما يشرب الخمر ويشرب الدخان ويجر ثوبه خيلاء فإننا لا نبغضه كما نبغض الكافر فمن أبغضه كما يبغض الكافر فقد انقلب على وجهه كيف تسوي بين مؤمن عاص فاسق وبين الكافر هذا خطأ عظيم ربما بعض الناس يكره المؤمن الذي عنده هذا الفسق أكثر مما يكره الكافر وهذا والعياذ بالله من انقلاب الفطرة فالمؤمن مهما كان خير من الكافر فأنت أبغضه على ما فيه من المعصية وأحبه على ما معه من الإيمان فإن قلت كيف يجتمع حب وكراهية في شيء واحد فالجواب أنه يمكن أن يجتمع حب وكراهية في شيء واحد أرأيت لو أن الطبيب وصف لك دواء مرا منتن الرائحة ولكنه قال اشربه وتشفى بإذن الله فإنك لا تحب هذا الدواء على سبيل الإطلاق لأنه مر وخبيث الرائحة ولكنك تحبه من جهة أنه سبب للشفاء وتكرهه لما فيه من الرائحة الخبيثة والطعم المر هكذا المؤمن العاصي لا تكرهه بالمرة بل تحبه على ما معه من الإيمان وتكرهه على ما معه من المعاصي ثم إن كراهتك إياه لا توجب أن تعرض عن نصيحته بأن تقول أنا ما أتحمل أن أواجه هذا الرجل لأني أكره منظره بل اغصب نفسك واتصل به وانصحه ولعل الله أن ينفعه على يديك ولا تيأس كم من إنسان استبعد الإنسان أن يهديه الله فهداه الله عز وجل والأمثلة على هذا كثيرة في وقتنا الحاضر وفيما سبق في وقتنا الحاضر يوجد أناس فسقة يسر الله لهم من يدعوهم إلى الحق فاهتدوا وصاروا أحسن من الذي دعاهم وفيما سبق من الزمان أمثلة كثيرة فهذا خالد بن الوليد رضي الله عنه كان سيفا مسلولا على المسلمين ومواقفه في أحد مشهورة حيث كر هو وفرسان من قريش على المسلمين من عند الجبل وحصل ما حصل من الهزيمة ثم هداه الله تعالى وعمر بن الخطاب رضي الله عنه كان من أكره الناس لما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام فهداه الله وكان من أولياء الله فكان الثاني في هذه الأمة لذلك فلا تيأس ولا تقل إنني لا أطيق هذا الرجل لا منظرا ولا مسمعا ولا يمكن أن أذهب إليه بل اذهب ولا تيأس فالقلوب بيد الله عز وجل نسأل الله أن يهدينا وإياكم صراطه المستقيم فإن قال قائل البغضاء هي انفعال في النفس والأشياء الانفعالية قد لا يطيقها الإنسان كالحب مثلا فالحب بما يملك الإنسان أن يحب شخصا أو أن يقلل من محبته أو أن يزيد في محبته إلا بأسباب ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام وهو يقسم بين زوجاته اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلومني فيما لا أملك يعني في المحبة ومن المعلوم أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يحب عائشة رضي الله عنها أكثر من غيرها من زوجاته لكن هذا بغير اختبار فإذا قال قائل الغضب انفعال لا يمكن للإنسان أن يسيطر عليه فالجواب الانفعال يحصل بفعل فأنت مثلا لا تحب شخصا إلا لأسباب إيمانه نفعه للخلق حسن خلقه خدمته لك أو غيرها من الأشياء الكثيرة تذكر هذه الأسباب فتحبه ولا تكره شخصا إلا لسبب تذكر الأسباب التي توجب الكراهة فتكرهه لكن مع ذلك ينبغي للإنسان أن يعرض عن الأسباب التي توجب البغضاء مع أخيه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تباغضوا لكن أقول إن البغضاء لها أسباب والمحبة لها أسباب فإذا عرضت عن أسباب البغضاء وتناسيتها وغفلت عنها زالت بإذن الله وهذا هو الذي أراده النبي عليه الصلاة والسلام بقوله لا تباغضوا وهو نظير قوله للرجل الذي قال يا رسول الله أوصني قال: لا تغضب قال: أوصني قال: لا تغضب قال: أوصني قال: لا تغضب ردد مرارا قال: لا تغضب قد يقول الإنسان إن الغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم كما جاء في الحديث فلا سبيل له إلى إخماده ونقول بل له سبيل افعل الأسباب التي تخفف الغضب حتى يزول عنك الغضب قال ولا تدابروا فهل المراد ألا يولي بعضكم دبر بعض من التدابر الحسي بمعنى مثلا أن تجلس وتخلي الناس وراءك في المجالس نعم هذا من المدابرة ومن المدابرة أيضا المقاطعة في الكلام حين يتكلم أخوك معك وأنت قد صددت عنه أو إذا تكلم وليت وخليته فهذا من التدابر وهذا التدابر حسي وهناك تدابر معنوي وهو اختلاف الرأي بحيث يكون كل واحد منا له رأي مخالف للآخر وهذا التدابر في الرأي أيضا نهى عنه الرسول عليه الصلاة والسلام وعندي أن من التدابر ما يفعله بعض الأخوة إذا سلم من الصلاة تقدم على الصف مقدار شبر أو نحوه فهذا فيه نوع من التدابر ولهذا شكا إلى بعض الناس هذه الحال قال بعض الناس إذا سلمنا تقدم قليلا ثم يحول بيني وبين الإمام لاسيما إذا كان هناك درس فإنه يحول بيني وبين مشاهدة الإمام ومعلوم أن الإنسان إذا كان يرى المدرس كان أنبه له وأقرب للفهم والإدراك فبعض الناس يكره هذا الشيء لذا أيضا ينبغي للإنسان أن يكون ذا بصيرة وفطنة فلا تتقدم على إخوانك وتلقيهم وراءك إذا كان بودك أن تتوسع فقم وتقدم بعيدا واجلس إذا كنت في الصف الأول وإن كنت في الصف الثاني تأخر أما أن تتقدم على الناس وتبقى لهم ظهرك فهذا فيه نوع من سوء الأدب وفيه نوع من التدابر فينبغي في هذه المسألة وفي غيرها أن يتفطن الإنسان لغيره بل لا يكون أنانيا يفعل فقط ما طرأ على باله فعله دون مراعاة للناس ودون حذر من فعل ما ينتقد عليه أما الجملة الخامسة فهي قوله ولا يبع بعضكم على بيع بعض لا يبع بعضكم على بيع بعض لأن هذا يؤدي إلى الكراهية والعداوة والبغضاء ومثال بيع الإنسان على بيع أخيه أن يذهب لمن اشترى سلعة من شخص بمائة فيقول أنا أعطيك مثلها بثمانين أو أعطيك أحسن منها بمائة فيرجع المشتري ويفسخ العقد الأول ويعقد مع الثاني ففي هذا عدوان ظاهر على حق البائع الأول وهذا العدوان يوجب العداوة والبغضاء بين المسلمين ومثل ذلك الشراء على شرائه مثل أن يذهب إلى شخص باع سلعة بمائة فيقول له أنا اشتريها منك بمائة وعشرين فيذهب البائع ويفسخ العقد ويبيع على الثاني فهذا أيضا حرام لأنه بمعنى البيع على البيع ولكن هل هذا خاص في زمن الخيار أو عام الحديث عام أنه لا يحل لك أن تبيع على بيع أخيك سواء في زمن الخيار أو لا وقال بعض العلماء إنه محمول على ما إذا كان ذلك في زمن الخيار لأنه إذا انتهى زمن الخيار فإنه لا يستطيع أن يفسخ العقد ومثال ذلك رجل باع على شخص سيارة بعشرة آلاف ريال وجعل له الخيار ثلاثة أيام فذهب شخص إلى المشتري وقال أنا أعطيك أحسن منها بعشرة آلاف ريال يسهل على المشتري أن يذهب للبائع ويقول فسخت العقد أو يذهب شخص إلى البائع يقول سمعت أنك بعت سيارتك على فلان بعشرة آلاف ريال أنا أعطيك أحد عشر ألفا فيفسخ البيع ويرد ويبيعها على الثاني أما إذا كان بعد انتهاء المدة فقال بعض العلماء أنه لا بأس يعني بعد أن باعه وجعل له الخيار ثلاثة أيام وانتهت الأيام الثلاثة فلا بأس أن يذهب إلى الشخص الذي اشتراها ويقول أنا أعطيك مثلها بأقل أو أحسن منها بالثمن الذي اشتريت به وعللوا ذلك بأنه لا يمكنه حينئذ أن يفسخ البيع لانتهاء زمن الخيار ولكن ظاهر الحديث العموم لأنه وإن كان لا يمكنه أن يفسخ البيع لانتهاء زمن الخيار فإنه قد يحاول أن يوجد مفسدا للعقد أو على الأقل يندم على شرائه ويعتقد أن البائع غبنه وأنه لعب عليه فيحدث له بذلك العداوة والبغضاء وهذا مع قرب المدة أما إذا طالت المدة فلا بأس بها لأنه إذا طالت المدة فإنه من المتعذر أو المتعسر كثيرا أن يفسخ العقد والحاصل أن لدينا ثلاث حالات الحال الأولى أن يكون البيع أو الشراء على أخيه في زمن الخيار فلا شك في أنه حرام والحال الثانية أن يكون بعد انتهاء زمن الخيار بمدة قريبة ففيه خلاف بين العلماء والصحيح أنه حرام والحال الثالثة أن يكون بعد زمن بعيد كشهر أو شهرين أو أكثر فهذا لا بأس به ولا حرج فيه لأن الناس يتبادلون السلع فيما بينهم على هذا الوجه وعلى وجوه أخرى ومثل ذلك: الإجازة على إجارته مثل أن يذهب شخص إلى آخر استأجر بيتا من إنسان السنة بألف ريا، وقال له: أنا عندي لك أحسن منه بثمانمائة ريال، فهذا حرام لأنه عدوان كالبيع على بيعه، ومثل ذلك أيضا السوم على سومه وقد جاء صريحا فيما رواه مسلم ويسوم عل سومه كما إذا سام شخص سلعة من آخر وركن إليه صاحب السلعة ولم يبق إلا العقد مثل أن يقول بعها على بألف فيركن إليه البائع ولكن لم يتم العقد بل يجزم أن يبيع عليه فيأتي إنسان آخر ويقول: أنا أعطيك بها ألفا ومائة فإن هذا لا يجوز لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يسم على سوم أخيه ومثل ذلك أيضا في النكاح إذا خطب شخص من آخر فلا يحل لأحد أن يخطب على خطبته لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ولا يخطب على خطبة أخيه وكل هذا احتراما لحقوق المسلمين بعضهم على بعض فلا يحل للإنسان أن يعتدي على حق إخوانه لا ببيع ولا شراء ولا إجازة ولا سوم ولا نكاح ولا غير ذلك من الحقوق بقى الكلام على قوله عليه الصلاة والسلام: التقوى هاهنا ويسير إلى صدره وقد سبق لنا أن المعنى أن التقوى في القلب فإذا اتقى القلب اتقت الجوارح وإذا زاغ القلب زاغت الجوارح والعياذ بالله قال تعالى: { ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاسْمَعُوا وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } وأعلم أن زيغ القلب لا يكون إلا بسبب الإنسان فإذا كان الإنسان يريد الشر ولا يريد الخير فإنه يزيغ قلبه والعياذ بالله ودليل هذا قوله تعالى: { فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم } وقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَنْ فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأسْرَى إِن يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُّؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } فإذا علم الله من العبد نية صالحة وإرادة للخير يسر الله له ذلك وأعانه عليه قال: الله تعالى: { فأما من أعطى وأتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى } وقوله عليه الصلاة والسلام: بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم يعني لو لم يكن للإنسان من الشر إلا أن يحقر أخاه المسلم لكان كافيا وهذا يدل على كثرة إثم من حقر إخوانه المسلمين لأن الواجب على المسلم أن يعظم إخوانه المسلمين ويكبرهم ويعتقد لهم منزلة في قلبه وأما احتقارهم وازدراؤهم فإن في ذلك من الإثم ما يكفى نسأل الله السلامة ثم قال صلى الله عليه وسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه يعني أن المسلم حرام على المسلم في هذه الأمور الثلاثة أي في كل شيء لأن هذه الأمور الثلاثة تتضمن كل شيء الدم: كالقتل والجراح وما أشبهها والعرض كالغيبة والمال كأكل المال وأكل المال له طرق كثيرة منها السرقة ومنها الغصب وهو أخذ المال قهرا ومنها أن يجحد ما عليه من الدين لغيره ومنها أن يدعي ما ليس له، وغير ذلك وكل هذه الأشياء حرام ويجب على المسلم أن يحترم أخاه في ماله ودمه وعرضه


236 - وعن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه متفق عليه


237 - وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انصر أخاك ظلما أو مظلوما فقال: رجل يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوما أرأيت إن كان ظالما كيف أنصره ؟ قال: تحجزه - أو تمنعه - من الظلم فإن ذلك نصره رواه البخاري

الشَّرْحُ

ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه لا يؤمن يعني لا يكون مؤمناً حقا تام الإيمان إلا بهذا الشرط أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير وما يحب لنفسه من ترك الشرك يعني ويكره لأخيه ما يكره لنفسه هذا هو المؤمن حقا وإذا كان الإنسان يعامل إخوانه هذه المعاملة فإنه لا يمكن أن يغشهم أو يخونهم ولا يكذب عليهم ولا يعتدي عليهم كما أنه لا يحب أن يفعل به مثل ذلك وهذا الحديث يدل على أن من كره لأخيه ما يحبه لنفسه أو أحب لأخيه ما يكرهه لنفسه فليس بمؤمن يعني ليس بمؤمن كامل الإيمان ويدل على أن ذلك من كبائر الذنوب إذا أحببت لأخيك ما تكره لنفسك أو كرهت له ما تحب لنفسك وعلى هذا فيجب عليك أخي المسلم أن تربي نفسك على هذا على أن تحب لإخوانك ما تحب لنفسك حتى تحقق الإيمان وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ويحب أن يأتي إلى الناس ما يؤتى إليه الأول حق الله والثاني: حق العباد تأتيك المنية وأنت تؤمن بالله وباليوم الآخر نسأل الله أن يجعلنا وإياكم كذلك وأن تحب أن يأتي لأخيك ما تحب أن يؤتى إليك أما حديث أنس الثاني من قول النبي صلى الله عليه وسلم: انصر أخاك ظالما أو مظلوما النصر بمعنى الدفاع عن الغير أي دفع ما يضره انصر أخاك أي ادفع ما يضره سواء كان ظالما أو مظلوما فقال رجل يا رسول الله: أرأيت إن كان ظالما فكيف أنصره ؟ ولم يقل فلا أنصره بل قال: كيف أنصره يعني سأنصره ولكن أخبرني كيف أنصره قال: تمنعه أو قال تحجزه من الظلم فإن ذلك نصره فإذا رأيت هذا الرجل يريد أن يعتدي على الناس فتمنعه فهذا نصره أي: بأن تمنعه أما إذا كان مظلوما فنصره أن تدفع عنه الظالم وفي هذا دليل على وجوب نصر المظلوم وعلى وجوب نصر الظالم على هذا الوجه الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم


238 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض واتباع الجنائز وإجابة الدعوة وتشميت العاطس متفق عليه .
وفي رواية لمسلم: حق المسلم ست إذا لقيته فسلم عليه وإذا دعاك فأجبه وإذا استنصحك فانصح له وإذا عطس فحمد الله فشمته وإذا مرض فعده وإذا مات فاتبعه

الشَّرْحُ

ذكر المؤلف رحمه الله تعالى هنا ما نقله عن أبي هريرة رضي الله عنه في بيان حقوق المسلم على أخيه وحقوق المسلم على أخيه كثيرة لكن النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا يذكر أشياء معينة من أشياء كثيرة عناية بها واحتفاء بها فمن ذلك ما ذكره أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام يعني إذا سلم عليك فرد عليه وفي الحديث الثاني حق المسلم على المسلم ست إذا لقيته فسلم عليه فهذان أمران ابتداء السلام المأخوذ من قوله إذا لقيته فسلم عليه ورد السلام المأخوذ من قوله: رد السلام فابتداء السلام سنة مؤكدة وإذا كان الحامل لتركه الهجر كان حراما فيما زاد على ثلاثة أيام أما في الثلاثة أيام فأقل فلا بأس أن تهجره ومن المعلوم أن الإنسان لن يهجر أخاه إلا لسبب فأجاز النبي عليه الصلاة السلام للمسلم أن يهجر أخاه ثلاثة أيام فأقل لأن الإنسان بشر فقد يكون في النفوس شيء ولا يتحمل المرء أن يسلم عليه، أو أن يرد السلام فرخص له ثلاثة أيام فأقل وابتداء السلام يكون من الصغير على الكبير ومن الماشي على القاعد ومن الراكب على الماشي كل بحسبه وصيغة السلام المشروعة أن يقول الإنسان السلام عليك أو السلام عليكم كلاهما جائز والرد المشروع أن يقول عليك السلام أو وعليكم السلام بهذا يتضح لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن من الحقوق التي للمسلم على أخيه السلام ردا وابتداء وحكم السلام أن ابتداءه سنة ورده فرض، فرض عين على من قصد به وفرض كفاية إذا قصد به جماعة فإنه يجزئ رد أحدهم والسلام حسنة من الحسنات إذا قام به الإنسان فله عشر أمثاله لأن الحسنة بعشر أمثالها يعني إذا سلمت على أخيك وقلت السلام عليك فلك عشر حسنات أجرا باقيا تجده أحوج ما تكون إليه ونحن نعلم أنه لو قيل لشخص كلما لقيت أحدا فسلمت عليه بكل تسليمة درهم واحد لوجدت الإنسان يطلب الناس ليسلم عليهم ابتغاء هذا الدرهم الواحد مع أن الدرهم الواحد يفنى ويزول والأجر والثواب الباقي نجدنا - عاملنا الله وإياكم بعفوه - فاترين فيه متهاونين به فالذي ينبغي لك كلما لقيك أحد من إخوانك المسلمين أن تسلم عليه أما غير المسلم فلا تسلم عليه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام وإذا وجدتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه فاليهودي والنصراني والمشرك والملحد والمرتد كالذي لا يصلي والمبتدع بدعة يكفر بها كل هؤلاء لا يحل ابتداء السلام عليهم ولو كانوا أقرب الناس إليك لكن إذا سلموا فرد عليهم بمثل ما سلموا به إذا قالوا أهلا ومرحبا فقل أهلا ومرحبا وإذا قالوا السلام عليكم قل وعليكم السلام وإذا شككت هل هو يقول السلام عليكم أو يقول السام عليكم فقل وعليكم بل إذا لم تتيقن أنه قال السلام عليكم باللام فقل وعليكم وذلك أن اليهود كانوا يمرون بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيسلمون عليه لكن يقولون السام عليكم يدغمونها والسام يعني الموت فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن اليهود إذا لقوكم قالوا السام عليكم فقولوا وعليكم أي إن كانوا يدعون لنا بالسلام فعليهم السلام وإن كانوا يدعون علينا بالموت فعليهم الموت وهذا من العدل: وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها فهذا من العدل ولهذا ذكر ابن القيم رحمه الله في كتابه أحكام أهل الذمة أنهم إذا قالوا السلام عليكم بكلام بين فلك أن تقول عليكم السلام وأما أهل المعاصي فإن كان في هجرهم فائدة فاهجرهم والفائدة أن يقلعوا عن معصيتهم وإن لم يكن في هجرهم فائدة فهجرهم حرام لأنهم من المؤمنين وإذا كانوا من المؤمنين فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: لا يحل لأحد أن يهجر أخاه المؤمن فوق ثلاث يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام إما إذا كان يفيد بحيث يرتدعون عن المعصية وينتهون عنها فهجرهم مطلوب إما واجب وإما مستحب وانظر إلى ما حصل من فائدة هجر كعب بن مالك رضي الله عنه وصاحبيه حتى تخلفوا عن غزوة تبوك فخلفوا عن قبول عذرهم انظر ماذا حصل لهم من قوة الإيمان والصبر على ما حصل وانتظار الفرج من الله عز وجل ما نالوا به ما هو من أعظم المثوبات نالوا به كلام رب العالمين الذي يقرأ في الليل والنهار من كل مسلم حتى في الصلوات من الناس يثني عليه في الصلوات الفريضة والنافلة { وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم } وهذا نص وإن كانوا لم يذكروا بأسمائهم لكن ذكروا بوصف لا ينطبق على من سواهم وأما ما ذهب إليه كثير من المفسرين في قوله تعالى: { وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى } بأن هذا هو أبو بكر فهذا ليس كالنص الحاصل لهؤلاء الثلاثة ولذلك لا نعلم أن أحدا من الصحابة أثنى عليه بهذا النص مثل ما أثنى على هؤلاء الثلاثة وقد هجرهم النبي عليه الصلاة والسلام أربعين ليلة لا يكلمهم وقال للناس: لا تكلموها فلم يكلمهم أحد وبعد تمام الأربعين أمرهم أن يعتزلوا نساءهم ولما جاء الرسول إلى كعب بن مالك - الرسول الذي أرسله النبي صلى الله عليه وسلم بأن يعتزل امرأته قال له كعب: أأطلقها ؟ يعني فأنا مستعد أم ماذا قال الرسول لا أدري إن النبي صلى الله عليه وسلم أمرك أن تعتزل امرأتك ولا أدري فانظر كيف كان هذا الامتثال العظيم مع هذه المحنة العظيمة التي لا ترد على قلب فينجو منها إلا من عصمه الله عز وجل فالمهم أن الهجر إذا كان ينفع في تقليل المعصية أو التوبة منها فأنه مطلوب إما على سبيل الوجوب أو على سبيل الاستحباب أما إذا كان لا ينفع وإنما يزيد العاصي عتوا ونفورا من أهل الخير فلا تهجره لأن الإنسان مهما كان عنده من المعاصي وهو مسلم فهو مؤمن لكنه ناقص الإيمان أما الحق الثاني فهو عيادة المريض: المريض إذا مرض وانقطع في بيته فإنه له حقا على إخوانه المسلمين أن يعودوه ويذكروه ما ينبغي أن يذكروه به من التوبة والوصية وكثرة الذكر والاستغفار وقراءة القرآن وغير ذلك من الأعمال الصالحة وكذلك يدعون له بالشفاء مثل أن يقولوا لا بأس طهور إن شاء الله وما أشبه ذلك وعيادة المريض فرض كفاية لابد أن يعود المسلمون أخاهم وإذا عاده واحد منهم حصلت به الكفاية وقد تكون فرض عين إذا كان المريض من الأقارب وعدت عيادته من الصلة فإن صلة الأرحام واجبة فتكون فرض عين واعلم أن العلماء رحمهم الله ذكروا لعيادة المريض آدابا منها: ألا يكثر العائد للمريض محادثته بالسؤال عن حاله وعن نومه وأكله وشربه وما أشبه ذلك إلا إذا كان يأنس بهذا ويسر به أما إذا كان يتضجر ولا يحب أن يكثر أحد الكلام معه كما هو حال بعض المرضى فإنك لا تتبع معه الكلام ولا تضجر بالمساءلات لذلك قالوا ينبغي ألا يكثر المقام عنده ويطيل لأنه قد يكون له حاجة مع أهله أو في نفسه ولا يحب أن يطيل الجلوس عنده أحد لكن إذا علمت أنه يستأنس بهذا ويفرح فإنك تنظر ما فيه المصلحة قالوا: ينبغي أيضا ألا يزوره في الأوقات التي يكون الغالب فيها النوم والراحة كالقيلولة والليل وما أشبه هذا لأن ذلك يضجره وينكد عليه بل يكون بكرة وعشيا حسب ما تقتضيه الحال قالوا: ولا ينبغي أيضا أن يكثر من عيادته بحيث يأتيه صباحا ومساء إلا إذا اقتضت الحاجة ذلك والحاصل أن العائد للمريض ينبغي أن يراعي المصلحة في كل ما يكون مع المريض وفي كل ما يترك ثم إنه إذا كان المرض مما يعلم أن له دواء معينا فينبغي أن تذكر له هذا الدواء لأن الدواء مباح بل هو سنة إذا رجي نفعه وغلب علي الظن لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تداووا ولا تداووا بحرام وكذلك ينبغي أن يسأله كيف يصلي ؟ لأن كثيرا من المرضي يجهل هل يصلي بالماء أو بالتيمم وهل يصلي كل صلاة في وقتها أو يجمع لأن هذا الأمر مهم قد يخفى على بعض المرضى حتى إن بعض المرضي يظنون أنه إذا جاز لهم الجمع جاز لهم القصر وهم في بلادهم وهذه الأشياء التي يجب التنبه لها نعم إذا كان المريض مسافرا إلى مستشفى في غير بلده فله أن يقصر ويجمع أما إذا كان في بلده فلا يقصر لكن إن شق عليه أن يصلي كل صلاة في وقتها فله الجمع ولو كان في بلده لكنه جمع بلا قصر لأن الجمع والقصر لا يتلازمان قد يشرع القصر دون الجمع وقد يشرع الجمع دون القصر وقد يشرعان جميعا فالمسافر الذي يشق عليه أن يصلي كل صلاة في وقتها بحيث يكون قد جد به السير يشرع له الجمع والقصر والمسافر المقيم يشرع له القصر دون الجمع وإن جمع فلا بأس أما الحق الثالث فهو اتباع الجنائز وتشييعها فإن من حق المسلم على أخيه أن يتبع جنازته من بيته إلى المصلى - سواء في المسجد أو في مكان آخر - إلى المقبرة وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من شهد الجنازة حتى يصلي عليها فله قيراط ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان قيل وما القيراطان يا رسول الله ؟ قال: مثل الجبلين العظيمين وفي رواية: أصغرهما مثل أحد وهذا فضل عظيم وأجر كبير ولما بلغ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما هذا الحديث قال لقد فرطنا في قراريط كثيرة ثم صار بعد ذلك لا يرى جنازة إلا تبعها رضي الله عنه لأن هذه غنيمة ‍ ! ! غنيمة أن يحصل الإنسان مثل الجبلين العظيمين في عمل يسير وهذا الأجر متى يلقاه ؟ يلقاه في يوم هو أحوج ما يكون إليه في يوم ليس عنده درهم ولا دينار ولا متاع ولا قرابة ولا زوجة تنفعه يوم القيامة إلا العمل الصالح فهو إذا تبع الجنازة حتى يصلي عليها ثم حتى تدفن فله قيراطان مثل الجبلين العظيمين أصغرهما مثل أحد وينبغي لمن اتبع الجنازة أن يكون خاشعا مفكرا في مآله يقول لنفسه يا نفسي أنت مآلك كمآل هذا الذي فوق أعناقنا عن قريب أو بعيد وربما يكون عن قريب ويتذكر هذا الرحيل يتذكر أن أقرب الناس إليه وأولى الناس به وأشفق الناس عليه من يسلمه إلى حفرته ويدفنه ويرمسه ويتخلى عنه وأقرب الناس إليك الذي يحملك إلى مدفنك ثم ينصرف عنك ويدعك في هذا اللحد وحيدا بأعمالك إن خيرا فخير وإن شرا فشر ولهذا قال العلماء يكره للإنسان المتبع للجنازة أن يتحدث في شيء من أمور الدنيا أو أن يتبسم ويضحك وكذلك أيضا إذا وصلت إلى المقبرة وجلست تنتظر دفنها فينبغي أن تفكر في مآلك وإنك سوف ينتظر دفنك كما انتظر دفن هذا الرجل وإذا كان حولك أناس وحدثتهم بما حدثه به النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه حينما خرج في جنازة رجل من الأنصار فانتهى إلى القبر ولما يلحد فجلس عليه الصلاة السلام وحوله أصحابه وفي يده مخصرة أي عود ينكت به الأرض يعتبر عليه الصلاة والسلام ويفكر ويحدث أصحابه بما يكون عند الاحتضار وعند الدفن حتى يكون جامعا بين الموعظة بين تشييع الجنازة ولكن ليست هذه الموعظة كما يفعله بعض إخواننا الآن في بعض المحلات حيث يقوم الرجل خطيبا يعظ الناس فإن هذا ليس معروفا في عهد النبي عليه الصلاة السلام ولا عهد أصحابه لكن لما جلس النبي صلى الله عليه وسلم ينتظر لحد هذا الميت وجلس أصحابه حدثهم حديث المجالس بما ينفعهم وبما يناسب وكذلك كان عليه الصلاة والسلام حاضرا دفن إحدى بناته وكان على شفير القبر وعيناه تدمعان فقال عليه الصلاة والسلام ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار قالوا يا رسول الله أفلا ندع العمل ونتكل على ما كتب لنا قال لا اعملوا فكل ميسر لما خلق له أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة ثم قرأ قوله تعالى { فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى } نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل السعادة الذين يسروا لليسرى وجنبوا العسرى فإذا شرعوا في الدفن فينبغي للإنسان أن يشارك في الدفن بأن يحثوا بيديه ثلاث حثيات ثم ينصرف وإن شاء شارك إلى إنهاء الدفن فإذا فرغوا من دفنه وقف عليه وإذا كان مطاعا كالعالم قال للناس استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل فإن النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل الآن حين فرغ من دفنه وانتهى الناس منه وسلموه لعالم الآخرة يأتيه عالم الآخرة يأتيه ملكان يسألانه عن ربه ودينه ونبيه فيجيب المؤمن قائلا ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد أسأل الله أن يجعلني وإياكم ممن يجيب بهذا الجواب أما غير المؤمن المرتاب الشاك فيقول ها ها لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته يعني ولم يصل الإيمان إلى قلبه والعياذ بالله فينبغي لك أن تقف بعد انتهاء الدفن وتقول اللهم اغفر له اللهم ثبته اللهم اغفر له اللهم ثبته اللهم اغفر له اللهم ثبته لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا دعا ثلاثا فتدعوا ثلاثا ثم تنصرف ولا حاجة إلى إطالة الوقوف وإذا انصرف الناس عن الميت حتى إنه ليسمع قرع نعالهم وهم ينصرفون عنه يسمع قرع النعال أي ضربه بالأرض وهم ينصرفون عنه جاءه ملكان فأجلساه وسألاه عن ربه ودينه ونبيه ويجلسانه في القبر وإن كان القبر ضيقا لكنه يجلس كما أن النائم الآن يرى نفسه أنه قائم وأنه ماش وأنه قاعد وهو ملتحف في فراشه لم يتحرك منه لأن أحوال البرزخ أبلغ من أحوال الدنيا وأعظم ففيه أشياء لا تنطبق على أحوال الدنيا فها هو الميت المؤمن يفسح له في قبره مد البصر والمقبرة كلها ليست بشيء فهي ليست مد البصر لكن أحوال الآخرة لا تقاس بأحوال الدنيا وواجبنا فيما جاء في كتاب الله أو صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمور الآخرة أن نقول سمعنا وصدقنا وآمنا وكل من عند ربنا والله على كل شيء قدير الحق الرابع إجابة الدعوة فمن حق المسلم على أخيه إذا دعاه أن يجيبه والإجابة إلى الدعوة مشروعة بلا خلاف بين العلماء فيما نعلم إذا كان الداعي مسلما ولم يكن مجاهرا بالمعصية ولم تكن الدعوة مشتملة على معصية لا يستطيع إزالتها ولكنها لا تجب عند جمهور العلماء إلا في دعوة العرس إذا دعاه الزوج أول مرة في اليوم الأول فإن الإجابة واجبة إذا عينه بالشروط السابقة التي ذكرناها فإن كان الداعي غير مسلم فلا تجب الإجابة بل ولا تشرع الإجابة إلا إذا كان في ذلك مصلحة فإذا كان في ذلك مصلحة كرجاء إسلامه والتأليف فلا بأس بإجابة غير المسلم لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاب دعوة يهودي دعاه في المدينة وإن كان الداعي مسلما مجاهرا بالمعصية كحلق اللحية مثلا أو شرب الدخان علنا في الأسواق أو غير ذلك من المحرمات فإن إجابته ليست بواجبة ولكن إن كان في إجابته مصلحة أجابه وإن كان ليست في إجابته مصلحة نظرت فإن كان في عدم إجابته مصلحة بحيث إذا رأى نفسه بأنه قد هجر وأن الناس لا يجيبون دعوته تاب وأناب فلا تجب دعوته لعل الله يهديه وإن كان لا فائدة من ذلك فأنت بالخيار إن شئت فأجب وإن شئت فلا تجب وإذا كان في الدعوة منكر فإن كان الإنسان قادرا على التغيير وجبت عليه الإجابة من وجهين الوجه الأول إزالة المنكر والوجه الثاني إجابة دعوة أخيه إذا كان في العرس وكان ذلك في أول يوم وأما إذا كان منكر في الدعوة لا تستطيع تغييره كما لو كان في الدعوة شرب دخان أو شيشة أو كان هناك أغاني محرمة فإنه لا يجوز لك أن تجيب قال أهل العلم إلا إذا كان المنكر في محل آخر وأنت تجيب إلى محل ليس فيه منكر وكان الداعي من أقاربك الذين لو تركت إجابتهم لعد ذلك قطيعة فلا بأس بالإجابة في هذه الحال وإن كان الهجر يترتب عليه ترك هذه المعصية فاهجره يعني مثلا لو دعاك قريبك وأنت تعلم أنه سيكون في الدعوة محرم وقلت له أنا لا أجيبك إلا بشرط ألا يكون في الدعوة محرم وقبل بذلك فأجب وأما إن أصر على وجود المحرم فلا تجب لأن حضور المحرم ولو مع كراهة الإنسان له بقلبه يكون فيه الإنسان مشاركا للفاعل لقول الله تعالى { وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم } هذا حكم إجابة الدعوة فهذه الحقوق التي بينها النبي صلى الله عليه وسلم كلها إذا قام بها الناس بعضهم مع بعض حصل بذلك الإلفة والمودة وزال ما في القلوب والنفوس من الضغائن والأحقاد والحق الخامس تشميت العاطس يعني أن من حقوق المسلم على المسلم أن يشمته إذا عطس هكذا في الرواية الأولى التي أخرجها البخاري ومسلم وفي الرواية الثانية التي أخرجها مسلم إذا عطس فحمد الله فشمته فقيد ذلك بما إذا حمد الله فإذا عطس الرجل وحمد الله وسمعته فشمته يعني قل يرحمك الله فإذا قلت يرحمك الله وجب عليه أن يقول يهديكم الله ويصلح بالكم هكذا جاء الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أن يقول في الجواب يهديكم الله ويصلح بالكم لكن هل تشميت العاطس إذا حمد فرض عين أو فرض كفاية يعني هل يكفي واحد من الجماعة إذا شمته عن الجماعة أم لابد على كل من سمعه أن يشمته والجواب أنه ذهب بعض العلماء إلى أن التشميت فرض كفاية فإذا كنا جماعة وعطس رجل وقال الحمد لله فقال أحدنا له يرحمك الله كفى وقال بعض العلماء بل تشميته فرض عين على كل من سمعه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال كان حقا على كل من سمعه أن يقول يرحمك الله وظاهر هذا أنه فرض عين فعلى هذا كل من سمعه يقول له يرحمك الله ويقول هو يهديكم الله ويصلح بالكم ويكفي منه رد واحد على الجميع إذا نواه للجميع كفى فإن عطس ولم يحمد الله فلا تقل يرحمك الله تعزيرا له على عدم حمده لله عز وجل يعني كما أنه لم يحمد الله فأحرمه هذا الدعاء فلا تقل له يرحمك الله ثم هل تذكره وتقول قل الحمد لله أو لا تذكره والجواب من المعلوم أنه يحتمل أنه قد ترك الحمد تهاونا ويحتمل أنه تكره نسيانا فإن كان تركه نسيانا فذكره وقل له احمد الله وإن كان تركه تهاونا فلا تذكره ولكن أين لي العلم بذلك وكيف أعلم أنه نسيان أو أنه تهاون ظاهر الحديث فحمد الله فإذا لم يحمد لا تشمته ولا تذكره مطلقا ولكن يمكنك فيما بعد أن تعلمه وتقول له إن الإنسان إذا عطس فإنه يحمد الله على هذا العطاس لأن العطاس من الله والتثاؤب من الشيطان العطاس دليل على نشاط جسم الإنسان ولهذا يجد الإنسان بعد العطاس خفة ثم إن التشميت بقول يرحمك الله مقيد بثلاث إذا شمته ثلاث مرات يعني عطس فحمد الله فقلت يرحمك الله ثم عطس فحمد الله فقلت يرحمك الله ثم عطس فحمد الله فقلت يرحمك الله ثم عطس الرابعة فقل عافاك الله إنك مزكوم تدعو له بالعافية وتبين أنه مزكوم لئلا يقول لماذا لا تقول يرحمك الله كما كنت بالأول تقول يرحمك الله فتبين العلة حين تقول إنك مزكوم وفي هذا تنبيه له على أن يحاول الاحتراز مما يزيد الزكام وإلا فإن الزكام في الغالب لا دواء له إذا أصاب الإنسان وأنه لا يذهب عنه حتى ينتهي منه لكن من أسباب تخفيف هذا الزكام عدم التعرض للهواء البارد وعدم شرب الماء البارد وعدم التعرض للبرد بعد الدفء والإنسان طبيب نفسه ثم إن ما يقوله بعض العامة إذا قلت له يرحمك الله حيث يقول يهدينا ويهديكم الله فهذا ليس بصحيح لأن الرجل دعا لك أنت فقال يرحمك الله فكيف تقول يهدينا ويهديكم الله فتدعو لنفسك قبله نعم لو قال يرحمنا ويرحمك الله فقل يهدينا ويهديكم الله لكن هو قال يرحمك الله كما أمر فأنت أجبه كما أمرت فقل يهديكم الله ويصلح بالكم وذكر أن اليهود كانوا يتعاطسون عند النبي عليه الصلاة والسلام يتعاطسون يعني يتكلفون العطاس من أجل أن يقول لهم يرحكم الله لأنهم يعلمون أنه نبي وأن دعاءه بالرحمة قد ينفعهم ولكنه لا ينفعهم لأن الكفار لو دعوت لهم بالرحمة لا ينفعهم ذلك ولا يحل لك أن تدعو لهم بالرحمة إذا ماتوا ولا بالمغفرة لقول الله تعالى { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم } فإن قيل أليس إبراهيم استغفر لأبيه وإبراهيم على الحنيفية وعلى التوحيد والجواب يتضح في قول الله تعالى { وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم } وعن


239 - وعن أبي عمارة البراء بن عازب رضي الله عنهما قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع أمرنا بعيادة المريض واتباع الجنازة وتشميت العاطس وإبرار المقسم ونصر المظلوم وإجابة الداعي وإفشاء السلام ونهانا عن خواتيم أو تختم بالذهب وعن شرب بالفضة وعن المياثر الحمر وعن القسي وعن لبس الحرير والإستبرق والديباج متفق عليه وفي رواية وإنشاد الضالة في السبع الأول المياثر بياء مثناة قبل الألف وثاء مثلثة بعدها وهي جمع ميثرة وهي شيء يتخذ من حرير ويحشى قطنا أو غيره ويجعل في السرج وكور البعير يجلس عليه الراكب والقسي بفتح القاف وكسر السين المهملة المشددة وهي ثياب تنسج من حرير وكتان مختلطين وإنشاد الضالة تعريفها

الشَّرْحُ

ذكر المؤلف رحمه الله في بيان حقوق المسلم على أخيه حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا بسبع ونهانا عن سبع وقد تقدم الكلام على خمسة من هذه الأمور التي أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث تقدم الكلام عليها في الحديث السابق فلا حاجة إلى إعادتها وفي هذا الحديث من الزيادة على ما سبق قوله نصر المظلوم الحق السادس من حقوق المسلم على أخيه المسلم نصر المظلوم يعني دفع الظلم عنه سواء كان ظلمه في المال أو في العرض أو في النفس فيجب على المسلم أن ينصر أخاه المسلم ولقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام انصر أخاك ظالما أو مظلوما قالوا يا رسول الله هذا المظلوم يعني ندفع عنه الظلم فكيف نصر الظالم قال تمنعه من الظلم فذلك نصره لأن الظالم قد غلبته نفسه حتى ظلم فتنصره أنت على نفسه حتى تمنعه من الظلم فإذا رأيت شخصا يظلم جاره بالإساءة إليه وعدم المبالاة به فإنه يجب عليك أن تنصر هذا وهذا الظالم والمظلوم فتذهب إلى الظالم الجار الذي أخل بحقوق جاره وتنصحه وتبين له ما في إساءة الجوار من الإثم والعقوبة وما في حسن الجوار من الأجر والمثوبة وتكرر عليه حتى يهديه الله فيرتدع وتنصر المظلوم الجار وتقول له أنا سوف أنصح جارك وأكلمه فإن هداه الله فهذا هو المطلوب وإن لم يهتد فأخبرني حتى نكون أنا وأنت عند القاضي أو الحاكم سواء نتعاون على دفع ظلم هذا الظالم وكذلك إذا وجدت شخصا جحد لأخيه حقا تدري أنه جحده وأن لأخيه عليه هذا الحق فتذهب إلى هذا الظالم الذي جحد حق أخيه وتنصحه وتبين له ما في أكل المال بالباطل من العقوبة وأنه لا خير في أكل المال بالباطل لا في الدنيا ولا في الآخرة بل هو شر حتى يؤدي ما عليه وتذهب إلى صاحب الحق وتقول له أنا معك واصبر ها نحن ننصحه ها نحن نوبخه وهكذا بقية المظالم تنصر أخاك ظالما أو مظلوما والظالم نصرك إياك أن تمنعه عن الظلم الحق السابق إبرار القسم يعني إذا أقسم عليك أخوك بشيء فبره ووافقه على ما قسم عليه فإذا حلف قال والله لتفعلن كذا وكذا فإن من حقه عليك أن تبر بيمينه وأن توافقه إلا إذا كان في ذلك ضرر عليك مثل لو حلف عليك أن تخبره عما في بيتك من الأشياء التي لا تحب أن يطلع عليها أحد فلا تخبره لأنه معتد لكونه يطلب منك أن تبين له ما كان سرا عندك وإذا كان معتديا فإن المعتدي جزاؤه أن يترك ولا يوافق على اعتدائه لكن إذا لم يكن عدوان وحلف عليك فإن من حقه أن تبر بيمينه وتعطيه ما حلف عليه إلا إذا كان معصية فإذا كان معصية لا تجبه مثل لو أقسم عليك أن تعطيه دراهم يشتري بها دخان فهذا لا يلزمك بل لا يجوز لك أن توافقه لأنك تعينه على الإثم والعدوان أو كان في ذلك ضرر عليك كما مثلنا بمن حلف عليك أن تخبره بما في سر البيت من الأمور التي لا تحب أن يطلع عليها أحد أو حلف عليك بشيء يضرك مثل أن يحلف عليك بشيء يضرك إذا وافقته عليه كأن يقول أبوك مثلا والله لا تحج البيت والحج واجب عليك فإنك لا تطعه لأن في هذا تركا للواجب ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق أو حلف عليك ألا تزور أمك وقد طلقها وصار بينه وبينها مشاكل فكرهها فقال لك والله لا تذهب إلى أمك فهذا لا يطعه وذلك لأنه آثم بكونه يحول بينك وبين صلة الرحم وصلة الرحم واجبة وبر الوالدين واجب فلا تطعه ومن ذلك أيضا إذا حلف ألا تزور أحدا من إخوانك أو أعمامك أو أقاربك فلا تطعه ولا تبر يمينه ولو كان أباك لأن صلة الرحم واجبة ولا يحل له أن يحلف مثل هذا الحلف وصلة الرحم إذا قام بها الإنسان فإن الله تعالى يصله فقد تعهد الله للرحم أن يصل من وصلها وأن يقطع من قطعها فإذا انتفت الموانع فإن الأولى أن تبر بهن وهاهنا مسألة وهي أنه ربما يحلف هو وتحلف أنت وهذا يقع كثيرا في الضيف إذا نزل عليك قال والله ما تذبح لي فتحلف أنت وتقول والله لأذبح لك فهنا من الذي يبر الأول أم الثاني يبر الأول لأن حقه ثابت ونقول للثاني صاحب البيت الذي حلف أن يذبح نقول لا تذبح وكفر عن يمينك لأن الأول أحق بالبر وأسبق وهنا مسألة يجب أن يتفطن لها أيضا في هذا الأمر وهو أن بعض السفهاء إذا نزل به ضيف طلق الضيف أن لا يذبح له قال علي الطلاق من امرأتي أو من نسائي إن كان له أكثر من امرأة أن لا تذبح لي فيقول صاحب البيت وأنا علي الطلاق أن أذبح لك وهذا غلط قال النبي عليه الصلاة والسلام من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت أما الطلاق فلا ما ذنب المرأة حتى تطلقها وهو من الخطأ العظيم وأقول لكم إن المفتيين اليوم وأنا منهم نفتي بأن الإنسان إذا أراد بذلك التهديد أو التأكيد فإنه لا طلاق وعليه كفارة يمين يعني أن حكمه حكم اليمين ولكني أقول لكم إن أكثر أهل العلم ومنهم أصحاب المذاهب الأربعة على أن هذا طلاق وعلى أنه إذا لم يف بما قال طلقت امرأته فالمسألة خطيرة لا تظنوا أن الناس إذا أفتوا بالأمر السهل أن المسألة سهلة بل هي خطيرة جدا إذا كان أصحاب المذاهب الأربعة المالكي والشافعي والحنفي والحنبلي كلهم يرون أن مثل هذا يكون طلاقا وأنه إذا طلق ألا تذبح وذبحت طلقت زوجته وإذا طلقت أن تذبح ولم تذبح طلقت زوجتك وهذه المذاهب الأربعة ليست بهينة والخلاف في هذا ليس بهين فلا تستهينوا بهذا الأمر فهو خطير جدا وأنت الآن مثلا إذا رجعت إلى زوجتك وكانت هذه آخر طلقة فأنت تطؤها على المذاهب الأربعة وطئا حراما وعلى القول أنه يمين تكفر عن يمينك وتحل لك فالمسألة خطيرة للغاية لذلك يجب علينا أن نتناهى عنها وألا نقول إذا حصل اذهب لابن باز أو لابن عثيمين أو الثاني أو الثالث فهذا ما ينفعك فهناك علماء أجلاء أكبر منهم يرون أن هذا طلاق وأنه إذا كان هذا آخر طلقة فإن المرأة تبين بها ولا تحل لزوجها إلا بعد زوج آخر أقول هذا من أجل ألا تتهاونوا في هذا الأمر فهذا الأمر خطير جدا فمن كان حالفا فليحلف بالله يقول والله ثم إني أشير عليكم بأمر هام أنك إذا حلفت على يمين فقل إن شاء الله ولو لم يسمعها صاحبك قل إن شاء وإن لم يسمعها صاحبك لأنك إذا قلت إن شاء الله يسر الله لك الأمر حتى تبر بيمينك وإذا قدر أنه ما حصل الذي تريد فلا كفارة عليك وهذه فائدة عظيمة فلو قلت لواحد مثلا والله ما تذبح لي ثم قلت بينك وبين نفسك إن شاء الله بينك وبين نفسك ثم ذبح فلا عليك شيء ولا عليك كفارة يمين وكذلك أيضا بالعكس لو قلت والله لأذبح ثم قلت بينك وبين نفسك إن شاء الله وهو ما سمع صاحبك فإنه إذا لم تذبح ليس عليك كفارة لقول النبي صلى الله عليه وسلم من حلف على يمين فقال إن شاء الله لم يحنث وهذه فائدة عظيمة اجعلها على لسانك دائما اجعل الاستثناء ب إن شاء الله على لسانك دائما حتى يكون فيه فائدتان الفائدة الأولى أن تيسر لك الأمور والفائدة الثانية أنك إذا حنثت ما يلزمك الكفارة أما السبع التي نهى عنها عليه الصلاة والسلام في حديث البراء فمنها التختم بالذهب والتختم بالذهب خاص بالرجال فالرجل لا يحل له أن يلبس الذهب وأن يتختم بالذهب ولا أن يلبس سوارا من ذهب ولا أن يلبس قلادة من ذهب ولا أن يلبس خرصا من ذهب ولا أن يلبس على رأسه شيئا من الذهب كل الذهب حرام على الرجل لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في رجل رأى عليه خاتما من ذهب قال يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيضعها في أصبعه أو قال في يده ثم نزع النبي صلى الله عليه وسلم الخاتم فرمى به فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم قالوا للرجل خذ خاتمك انتفع به قال والله لا آخذ خاتما طرحه النبي صلى الله عليه وسلم وقال عليه الصلاة والسلام في حديث علي بن أبي طالب أحل الذهب والحرير لإناث أمتي وحرم على ذكورها وأما تختم المرأة بالذهب فلا بأس به ولا حرج فيه فيجوز لهن التختم بالذهب والتسور به وأن يلبسن ما شئن منه إلا إذا بلغ حد الإسراف فإن الإسراف لا يحل لقول الله تعالى ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين وقد حكى بعض العلماء إجماع أهل العلم على جواز لباس المرأة للخاتم والسوار ونحوهما وأما الأحاديث الواردة في النهي عن الذهب المحلق للنساء فهي أحاديث إما ضعيفة وإما شاذة ترك العمل بها وتواترت الأحاديث الكثيرة التي فيها إقرار النبي صلى الله عليه وسلم النساء على لبس المحلق من الأسورة وكذلك من الخواتم ولكن يجب على المرأة إذا كان عندها ما يبلغ النصاب من الحلي من الذهب أداء زكاته بأن تقومه كل سنة بما يساويه وتخرج منه ربع العشر لأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى امرأة وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من الذهب يعني سوارين غليظين فقال أتودين زكاة هذا قالت لا قال أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار يوم القيامة فخلعتهما وأعطتهما النبي صلى الله عليه وسلم وقالت هما لله ورسوله ونهى أيضا في هذا الحديث وعن الشرب في آنية الفضة يعني نهانا أن نشرب في آنية الفضة سواء كان الشراب ماء أو لبنا أو مرقا أو غير ذلك وسواء كان الشارب رجلا أو امرأة لأن تحريم الأواني من الذهب والفضة شامل للرجال والنساء ولا فرق بين الفضة الخالصة وبين المموه بالفضة كل ذلك حرام وأما آنية الذهب فهي أشد وأشد وقد ثبت النهي عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال لا تشربوا في آنية الذهب ولا تأكلوا في صحافهما فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة أما المياثر الحمر فهي مثل المخدة يجعل في حشوها قطن ويجعل على هذا القطن خرقة من الحرير وتربط في سرج الفرس أو في كور البعير من أجل أن يجلس عليها الراكب فيستريح وكذلك القسي وغيرها فإنها كلها من أنواع الحرير وهي حرام على الرجال لأنه لا يجوز للرجل أن يلبس الحرير ولا أن يجلس عليه ولا أن يفترشه ولا أن يلتحفه وأما المرأة فيجوز لها لبس الحرير لأنها محتاجة إلى الزينة والتجمل كما قال الله تعالى { أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين } يعني أو من يرفه في الحلية وهو في الخصام غير مبين كمن ليس كذلك وهم الرجال فالرجال لا يرفهون في الحلية ولا ينشئون فيها لأنهم مستغنون ببطولتهم ورجولتهم عن التزين والتجمل بهذه الأشياء وأما افتراش المرأة للحرير والتحافها به وجلوسها عليه فقد اختلف فيه العلماء منهم من منع وحرم واستدل بعموم هذا الحديث وأن الرسول عليه الصلاة والسلام نهى عن المياثر الحمر وشبهها وقال إن المرأة يباح لها أن تلبس الحرير لاحتياجها إليه أما أن تفترشه فلا حاجة لها إلى أن تفترش الحرير وهذا القول أقرب من القول بالحل مطلقا أي بحل الحرير للنساء مطلقا لأن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما بقى الكلام على قوله وإنشاد الضالة يعني مما أمرهم به إنشاد الضالة يعني أن الإنسان إذا وجد ضالة وجب عليه إنشادها أي طلب من هي له والضالة هي ما ضاع من البهائم وقد قسم العلماء رحمهم الله الضالة إلى قسمين الأول قسم يمتنع من الذئاب ونحوها من صغار السباع فهذا لا يجوز التقاطه ولا إيواؤه ومن آوى ضالة فهو ضال مثل الإبل أو ما يمتنع بطيرانه مثل الطيور كالصقور والحمام وشبهها أو ما يمتنع بعدوه كالظباء ونحوها فالذي يمتنع من صغار السباع كالذئاب وشبهها ثلاثة أنواع ما يمتنع من السباع لكبر جثته وقوته مثل الإبل وما يمتنع من السباع لطيرانه كالصقور والحمام وما يمتنع من السباع لعدوه وسرعة سعيه كالظباء فهذه لا يجوز للإنسان أن يلتقطها ولا يجوز له أن يؤويها بل يطردها من إبله ويطردها من حمامه إذا آوت إلى حمامه فإن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ضالة الإبل فقال ما لك ولها معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها معها سقاؤها يعني بطنها تملؤه ماء وحذاؤها يعني خفها تمشي عليه ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها فلا يجوز لك أن تؤوى هذه الضالة ولا أن تلتقطها ولو كنت تريد الخير اللهم إلا إذا كنت في أرض فيها قطاع طريق تخشى أن يأخذوها ويضيعوها على صاحبها فلا بأس أن تأخذها حينئذ أو إذا كنت تعرف صاحبها فتأخذها لتردها عليه فهذا لا بأس به الثاني ما لا يمتنع من صغار السباع يعني الذي يعجز أن يفك نفسه مثل الغنم أو الماعز أو الشياه أو ما أشبه ذلك فإنك تأخذها كما قال النبي عليه الصلاة والسلام هي لك أو لأخيك أو للذئب ولكن يجب عليك أن تبحث عن صاحبها وقوله هي لك يعني إن لم تجد صاحبها أو لأخيك يعني صاحبها إذا عرفته أو للذئب إذا لم يجدها أحد أكلها للذئب فهذه تؤخذ ويبحث عن صاحبها فإذا تمت السنة ولم يوجد صاحبها فهي لمن وجدها وإنشاد الضالة له معنيان المعنى الأول ما ذكرنا وهذا واجب على الإنسان المعنى الثاني منهي عنه وذلك مثل ما يقع في المساجد وهو أن يطلب الإنسان الضالة فيه مثل أن يقول من عين كذا وكذا أو يا أيها الناس قد ضاع لي كذا وكذا فمن وجدها فهذا لا يجوز في المسجد قال النبي عليه الصلاة والسلام إذا سمعتم أحدا ينشد ضالة في المسجد فقولوا له لا ردها الله عليك فإن المساجد لم تبن لهذا إنسان يقف في المسجد ويقول يا جماعة من عين لي شاة من عين لي عنزة من عين لي كذا فهذا حرام والمساجد ما بنيت لهذا ونحن مأمورون أن ندعو الله عليه فنقول لا ردها الله عليك كما أننا إذا سمعنا شخصا يبيع ويشتري في المسجد فإننا نقول لا أربح الله تجارتك لأن المساجد لم تبن للبيع والشراء فهذه الأوامر التي أمر بها النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم كلها خير والنواهي التي نهى عنها كلها شر لأن قاعدة الشريعة تأمر بالمصالح وتنهي عن المفاسد وإذا اجتمع في الشيء مفسدة ومصلحة غلب الأقوى منهما والأكثر فإن كان الأكثر المصلحة غلبت وإن كانت المفسدة غلبت وإن تساوى الأمران غلبت المفسدة لأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح


باب ستر عورات المسلمين والنهي عن إشاعتها لغير ضرورة


قال الله تعالى { إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة }

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله باب ستر عورات المسلمين والنهي عن إشاعتها العورة هنا هي العورة المعنوية لأن العورة نوعان عورة حسية وعورة معنوية فالعورة الحسية هي ما يحرم النظر إليه كالقبل والدبر وما أشبه ذلك مما هو معروف في الفقه .
والعورة المعنوية وهي العيب والسوء الخلقي أو العملي ولا شك أن الإنسان كما وصفه الله عز وجل في قوله إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا فالإنسان موصوف بهذين الوصفين الظلم والجهل فإما أن يرتكب الخطأ عن عمد فيكون ظالما وإما أن يرتكب الخطأ عن جهل فيكون جهولا هذه حال الإنسان إلا من عصم الله عز وجل ووفقه للعلم والعدل فإنه يمشي بالحق ويهدي إلى الحق وإذا كان الإنسان من طبيعته التقصير والنقص والعيب فإن الواجب على المسلم نحو أخيه أن يستر عورته ولا يشيعها إلا من ضرورة فإذا دعت الضرورة إلى ذلك فلابد منه لكن بدون ضرورة فالأولى والأفضل أن يستر عورة أخيه لأن الإنسان بشر ربما يخطئ عن شهوة يعني عن إرادة سيئة أو عن شبهة حيث يشتبه عليه الحق فيقول بالباطل أو يعمل به والمؤمن بأن يستر عورة أخيه .
هب أنك رأيت رجلا على كذب وغش في البيع والشراء فلا تفضحه بين الناس بل انصحه واستر عليه فإن توفق واهتدى وترك ما هو عليه كان ذلك هو المراد وإلا وجب عليك أن تبين أمره للناس لئلا يغتروا به وهب أنك وجدت إنسانا مبتلى بالنظر إلى النساء ولا يغض بصره فاستر عليه وانصحه وبين له أن هذا سهم من سهام إبليس لأن النظر والعياذ بالله سهم من سهام إبليس يصيب به قلب العبد فإن كان عنده مناعة اعتصم بالله من هذا السهم الذي ألقاه الشيطان في قلبه وإن لم يكن عنده مناعة أصابه السهم وتدرج به إلى أن يصل إلى الفحشاء والمنكر والعياذ بالله فما دام الستر ممكنا ولم يكن في الكشف عن عورة أخيك مصلحة راجحة أو ضرورة ملحة فاستر عليه ولا تفضحه ثم استدل المؤلف رحمه الله بقول الله تعالى { إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة } هؤلاء الذين يحبون أن تشيع فكيف بمن أشاع الفاحشة والعياذ بالله ولمحبة شيوع الفاحشة في الذين آمنوا معنيان: المعنى الأول: محبة شيوع الفاحشة في المجتمع المسلم ومن ذلك من يبثون الأفلام الخليعة والصحف الخبيثة الداعرة فإن هؤلاء لا شك أنهم يحبون أن تشيع الفاحشة في المجتمع المسلم ويريدون أن يفتتن المسلم في دينه بسبب ما يشاع من هذه المجلات الخليعة الفاسدة والأفلام الخليعة الفاسدة أو ما أشبه ذلك وكذلك تمكين هؤلاء مع القدرة على منعهم داخل في محبة أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا فالذي يقدر على منع هذه المجلات وهذه الأفلام الخليعة ويمكن من شيوعها في المجتمع المسلم هو ممن يحب أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا { لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة } أي عذاب مؤلم في الدنيا والآخرة المعنى الثاني محبة أن تشيع الفاحشة في شخص معين وليس في المجتمع الإسلامي كله فهذا أيضا له عذاب أليم في الدنيا والآخرة فمن أحب أن تشيع الفاحشة في زيد من الناس لسبب ما هذا أيضا له عذاب أليم في الدنيا والآخرة لاسيما فيمن نزلت الآية في سياق الدفع عنه وهي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لأن هذه الآية في سياق آيات الإفك والإفك هو الكذب الذي افتراه من يكرهون النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ومن يحبون أن يتدنس فراشه ومن يحبون أن يعير بأهله من المنافقين وأمثالهم وقضية الإفك مشهورة وهي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه وذلك من عدله عليه الصلاة والسلام فأيتهن خرج سهمها خرج بها فأقرع بين نسائه ذات سفر فخرج السهم لعائشة فخرج بها وفي أثناء رجوعهم عرسوا في الطريق يعني ناموا في آخر الليل فلما ناموا احتاجت عائشة رضي الله عنها أن تبرز لتقضي حاجتها فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالرحيل في آخر الليل فجاء القوم فحملوا هودجها ولم يشعروا أنها ليست فيه لأنها كانت صغيرة ما أخذها اللحم فقد تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم ولها ست سنين ودخل عليها ولها تسع سنين ومات عنها ولها ثماني عشر سنة فحملوا الهودج وظنوا أنها فيه ثم ساروا ولما رجعت لم تجد القوم في مكانهم ولكن من عقلها وذكائها لم تذهب يمينا وشمالا تطلبهم بل بقيت في مكانها وقالت سيفقدونني ويرجعون إلى مكاني ولما طلعت الشمس إذا برجل يقال له صفوان بن المعطل وكان من قوم إذا ناموا لم يستيقظوا كما هو حال بعض الناس الذين إذا ناموا لا يستيقظون حتى ولو علت الأصوات من حوله فكان صفوان من جملة هؤلاء القوم فكان إذا نام تعمق في النوم فلا يمكن أن يستيقظ إلا إذا أيقظه الله عز وجل كأنه ميت فلما استيقظ وجاء وإذا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وحدها في مكان في البر وكان يعرفها قبل أن ينزل الحجاب فما كان منه إلا أن أناخ بعيره ولم يكلمها بكلمة والسبب في أنه لم يتكلم هو احترامه لفراش رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرد أن يتكلم مع أهله بغيبته رضي الله عنه فأناخ البعير ووضع يده على ركبة البعير ولم يقل اركبي ولا تكلم بشيء فركبت ثم ذهب بها يقودها وما نظر إليها رضي الله عنه ولا كلمها كلمة واحدة .
ولما أقبل على القوم ضحى قد ارتفع النهار فرح المنافقون أعظم فرح أن يجدوا مدخلا للطعن في رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتهموا الرجل بالعفاف الرزان الطاهرة النقية فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم اتهموه بها وصاروا يشيعون الفاحشة بأن هذا الرجل فعل ما فعل وسقط في ذلك أيضا ثلاثة من الصحابة الخلص وقعوا فيما وقع فيه المنافقون مسطح بن أثاثة ابن خالة أبي بكر وحسان بن ثابت رضي الله عنهما وحمنة بنت جحش فصارت ضجة وصار الناس يتكلمون ما هذا وكيف يكون من مشتبه عليه الأمر ومن منكر غاية الإنكار وقالوا لا يمكن يتدنس فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه أطهر الفراش على وجه الأرض وأراد الله بعزته وقدرته وحكمته أن تمرض عائشة رضي الله عنها وبقيت حبيسة البيت لا تخرج وكان النبي صلى الله عليه وسلم من عادته إذا عادها في مرضها سأل وتكلم أما في ذلك الوقت فكان عليه الصلاة والسلام لا يتكلم يأتي ويدخل ويقول كيف تيكم ؟ أي كيف هذه ثم ينصرف وقد استنكرت ذلك منه رضي الله عنها ولكنها ما كان يخطر ببالها أن أحدا يتكلم في عرضها وفيما فيه دنس فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أشاع المنافقون هذه الفرية لا كراهة لعائشة رضي الله عنها لذاتها فإنهم يكرهون كل المؤمنين وإنما بغضا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومحبة لإيذائه والانتقام منه قاتلهم الله أنى يوفكون ولكن الله تعالى أنزل في هذه القصة عشر آيات من القرآن ابتدأها بقوله { إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم } والذي تولى كبره هو رأس المنافقين عبد الله بن أبي المنافق فإنه هو الذي كان يشيع الخبر لكنه خبيث لا يشيعه بلفظ صريح فيقول مثلا إن فلانا زنى بفلانة لكنه يشيع ذلك بالتعريض والتلميح لأن المنافقين جبناء يتسترون ولا يصرحون بما في نفوسهم فيقول عز وجل { والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين } وفي هذا توبيخ من الله عز وجل للذين تكلموا في هذا الأمر يقول هلا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وذلك أن أم المؤمنين أمهم فكيف يظنون بها ما لا يليق وكان الواجب عليهم لما سمعوا هذا الخبر أن يظنوا بأنفسهم خيرا ويتبرءوا منه وممن قاله { لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون } يعني هلا جاءوا عليه بأربعة شهداء يشهدون على هذا الأمر { فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون } ولو صدقوا ولهذا لو أن شخصا شاهد إنسانا يزني وجاء إلى القاضي وقال أنا أشهد أن فلانا يزني قلنا هات أربعة شهداء فإذا لم يأت بأربعة شهداء جلدناه ثمانين جلدة فإن جاء برجل ثان معه جلدناهم كل واحد ثمانين جلدة وثالث أيضا نجلد كل واحد منهم ثمانين جلدة فمثلا لو جاءنا ثلاثة يشهدون بأنهم رأوا فلانا يزني بفلانة ولم يثبت ذلك فإننا نجلد كل واحد ثمانين جلدة ولهذا قال الله تعالى { لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم } ولولا الفضل والرحمة من الله لأصابكم فيما أفضتم فيه العقاب المذكور وفي قوله { أفضتم فيه } دليل على أن الحديث انتشر وفاض واستفاض واشتهر لأنه أمر جلل عظيم خطير & والعادة جرت بأن الأمور الكبيرة تنتشر بسرعة وتملأ البيوت وتملأ الأفواه والآذان { ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم } .
{ إذ تلقونه بألسنتكم } من غير روية ومن غير بينة ومن غير يقين { وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم } لأنه قذف لأطهر امرأة على وجه الأرض هي وصاحباتها زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم فالأمر صعب وعظيم وفي ذلك أيضا تعريض برسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الله تعالى يقول { الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات } فإذا كانت عائشة أم المؤمنين زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحصل منها هذا الأمر وحاشاها منه فإن ذلك يدل على خبث زوجها والعياذ بالله لأن الخبيثات للخبيثين ولكنها رضي الله عنها طيبة وزوجها طيب فزوجها محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وسلم وهي الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها وعن أبيها ولهذا يقول تعالى { وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم } ثم قال & تعالى { ولولا إذ سمعتموه } يعني هلا إذ سمعتموه { قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم } وهذا هو الواجب عليك أن تنزه الله أن يقع مثل هذا من زوج النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا قال { سبحانك هذا بهتان عظيم } وتأمل كيف جاءت هذه الكلمة التي تتضمن تنزيه الله عز وجل إذ أنه لا يليق بحكمة الله & ورحمته وفضله وإحسانه أن يقع مثل هذا من زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال تعالى { يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين } يعني لا تعودوا لمثل هذا أبدا إن كنتم مؤمنين ثم قال تعالى { ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم } والحمد لله على بيانه ولهذا أجمع العلماء على أن من رمى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بما جاء في حديث الإفك فإنه كافر مرتد كالذي يسجد للصنم فإن تاب وأكذب نفسه وإلا قتل كافرا لأنه كذب القرآن .
على أن الصحيح أن من رمى زوجة من زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم بمثل هذا فإنه كافر لأنه متنقص لرسول الله صلى الله عليه وسلم كل من رمى زوجة من زوجات الرسول بما برأ الله منه عائشة فإنه يكون كافرا مرتدا يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل بالسيف وألقيت جيفته في حفرة من الأرض بدون تغسيل ولا تكفين ولا صلاة لأن الأمر خطير ثم قال عز وجل { إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رءوف رحيم } وسبق أن أشرنا إلى أن الثلاثة من الصحابة الخلص تورطوا في هذه القضية وهم حسان بن ثابت رضي الله عنه ومسطح بن أثاثة وهو ابن خالة أبي بكر وحمنة بنت جحش أخت زينب بنت جحش وزينب بنت جحش زوج الرسول عليه الصلاة والسلام وضرة عائشة ومع ذلك حماها الله لكن أختها تورطت ولما أنزل الله ببرائتها أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يحد هؤلاء الثلاثة حد القذف فجلد كل واحد منهم ثمانين جلدة أما المنافقون فلم يبق النبي صلى الله عليه وسلم عليهم الحد واختلف العلماء في ذلك .
فقيل لأن المنافقين ما كانوا يجزمون وإنما يقولون يقال أو يذكر أو سمعنا أو ما أشبه ذلك وقيل لأن المنافق ليس أهلا للتطهير فالحد طهرة للمحدود وهؤلاء المنافقون ليسوا بأهل للتطهير ولهذا لم يجلدهم الرسول عليه الصلاة والسلام لأنه لو جلدهم لطهرهم من دنس هذا الشيء لكنهم ليسوا أهلا للتطهير فهم في الدرك الأسفل من النار فتركهم وذنوبهم فليس فيهم خير وقيل غير ذلك وعلى كل حال فإن هذه القصة قصة عظيمة فيها عبر كثيرة


240 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يستر عبد عبدا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة رواه مسلم .

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يستر عبد عبدا في الدنيا إلا ستره الله تعالى يوم القيامة الستر يعني الإخفاء وقد سبق لنا أن الستر ليس محمودا على كل حال وليس مذموما على كل حال فهو نوعان النوع الأول: ستر محمود ويكون في حق الإنسان المستقيم الذي لم يعهد منه فاحشة ولم يحدث منه عدوان إلا نادرا فهذا ينبغي أن يستر وينصح ويبين له أنه على خطأ فهذا الستر محمود والنوع الثاني ستر شخص مستهتر متهاون في الأمور معتد على عباد الله شرير فهذا لا يستر بل المشروع أن يبين أمره لولاة الأمر حتى يردعوه عما هو عليه وحتى يكون نكالا لغيره فالستر يتبع المصالح فإذا كانت المصلحة في الستر فهو أولى وإن كانت المصلحة في الكشف فهو أولي وإن تردد الإنسان بين هذا وهذا فالستر أولي


241 - وعنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كل أمتي معافى إلا المجاهرين وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد ستره الله عليه فيقول يا فلان عملت البارحة كذا وكذا وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله متفق عليه

الشَّرْحُ

ذكر المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال كل أمتي معافى إلا المجاهرين يعني بكل الأمة أمة الإجابة الذين استجابوا للرسول صلى الله عليه وسلم معافى يعني قد عافهم الله عز وجل إلا المجاهرين والمجاهرون هم الذين يجاهرون بمعصية الله عز وجل وهم ينقسمون إلى قسمين: الأول أن يعمل المعصية وهو مجاهر بها فيعملها أمام الناس وهم ينظرون إليه هذا لا شك أنه غير معافى وهو من المجاهرين لأنه جر على نفسه الويل وجره على غيره أيضا أما جره على نفسه فلأنه ظلم نفسه حيث عصى الله ورسوله وكل إنسان يعصى الله ورسوله فإنه ظالم لنفسه قال الله تعالى وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون والنفس أمانة عندك يجب عليك أن ترعاها حق رعايتها وكما أنه لو كان لك ماشية فإنك تتخير لها المراعي الطيبة وتبعدها عن المراعي الخبيثة الضارة فكذلك نفسك يجب عليك أن تتحرى لها المراتع الطيبة وهي الأعمال الصالحة وأن تبعدها عن المراتع الخبيثة وهي الأعمال السيئة .
وأما جره على غيره فلأن الناس إذا رأوه قد عمل المعصية هانت في نفوسهم وفعلوا مثله وصار والعياذ بالله من الأئمة الذين يدعون إلى النار كما قال الله تعالى عن آل فرعون { وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون } وقال النبي عليه الصلاة والسلام من سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة فهذا نوع من المجاهرة ولم يذكره النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنه واضح لكنه ذكر آمرا آخر قد يخفى على بعض الناس فقال ومن المجاهرة أن يعمل الإنسان العمل السيئ في الليل فيستره الله عليه يعمل العمل في بيته فيستره الله عليه ولا يطلع عليه أحد ولو تاب فيما بينه وبين ربه لكان خيرا له ولكنه إذا قام في الصباح واختلط بالناس قال عملت البارحة كذا وعملت كذا وعملت كذا فهذا ليس معافي هذا والعياذ بالله قد ستر الله عليه فأصبح يفضح نفسه .
وهذا الذي يفعله بعض الناس أيضا يكون له أسباب السبب الأول أن يكون الإنسان غافلا سليما لا يهتم بشيء فتجده يعمل السيئة ثم يتحدث بها عن طيب قلب لا عن خبث قصد والسبب الثاني: أن يتحدث به تبجحا بالمعاصي واستهتارا بعظمة الخالق فيصبحون يتحدثون بالمعاصي متبجحين بها كأنما نالوا غنيمة فهؤلاء والعياذ بالله شر الأقسام ويوجد من الناس من يفعل هذا مع أصحابه يعني أنه يتحدث به مع أصحابه فيحدثهم بأمر خفي لا ينبغي أن يذكر لأحد لكنه لا يهتم بهذا الأمر فهذا ليس من المعافين لأنه من المجاهرين والحاصل أن ينبغي للإنسان أن يتستر بستر الله عز وجل وأن يحمد الله على العافية وأن يتوب فيما بينه وبين ربه من المعاصي التي قام بها وإذا تاب إلى الله ستره الله في الدنيا والآخرة .


242 - وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا زنت الأمة فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها ثم إن زنت الثانية فليجلدها الحد ولا يثرب عليها ثم إن زنت الثالثة فليبعها ولو بحبل من شعر متفق عليه التثريب التوبيخ

الشَّرْحُ

ذكر المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب والأمة هي المملوكة التي تباع وتشترى فإذا زنت فليجلدها الحد وحد الأمة نصف حد الحرة كما قال تعالى فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب والحرة إذا كانت بكرا وزنت تجلد مائة جلدة وتغرب سنة والأمة نصف ذلك يعني خمسين جلدة وأما تغريبها ففي ذلك قولان للعلماء منهم من قال تغرب نصف سنة ومنهم من قال إنها لا تغرب لأنه قد تعلق بها حق السيد ثم إن زنت الثانية فليجلدها الحد ولا يثرب ثم إن زنت يعني في الثالثة أو الرابعة فليبعها ولو بحبل من شعر يعني ولا يبقيها لأنه لا خير فيها ففي هذا دليل على أن السيد يقيم الحد على مملوكه وأما غير السيد فلا يقيم الحد


243 - وعنه قال أتى النبي صلى الله عليه وسلم برجل قد شرب خمرا قال اضربوه قال أبو هريرة: فمنا الضارب بيده والضارب بنعله والضارب بثوبه فلما انصرف قال بعض القوم أخزاك الله قال لا تقولوا هكذا لا تعينوا عليه الشيطان رواه البخاري

الشَّرْحُ

نقل المؤلف رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه: أتى النبي صلى الله عليه وسلم برجل قد شرب خمرا والخمر هي كل ما خامر العقل من أي شراب كان سواء كان مما اعتيد شربه أم لا وسواء كان من عصير العنب أو التمر أو الشعير أو البر أو غير ذلك من أنواع العصائر التي تسكر فالمدار كله على الإسكار كثيرة فقليله حرام .
ولذلك فلما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم هذا الشارب للخمر قال اضربوه فقال أبو هريرة فمنا الضارب بيده ومنا الضارب بسوطه ومنا الضارب بنعله ولم يحدد لهم النبي صلى الله عليه وسلم عددا معينا فلما انصرف بعضهم قال له رجل أخزاك الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تعينوا عليه الشيطان لأن الخزى معناه العار والذل فأنت إذ قلت لرجل أخزاك الله فإنك قد دعوت الله عليه بما يذله ويفضحه فتعين عليه الشيطان .
وفي هذا الحديث: دليا على أن عقوبة الخمر ليس لها حد معين ولهذا لم يحد لهم النبي صلى الله عليه وسلم حدا كل يضرب بما تيسر من يضرب بيده ومن يضرب بطرف ثوبه ومن يضرب بعصاه ومن يضرب بنعله لم يحد فيها حدا وبقي الأمر كذلك وفي عهد أبي بكر صارت تقدر بنحو أربعين وفي عهد عمر كثر الناس الذين دخلوا في الإسلام ومنهم من دخل من غير رغبة فكثر شرب الخمر في عهد عمر رضي الله عنه فلما رأى الناس قد أكثروا فيها استشار الصحابة فقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أخف الحدود ثمانون وهو حد القذف فرفع عمر رضي الله عنه عقوبة شارب الخمر إلى ثمانين جلدة .
ففي هذا الدليل على أن الإنسان إذا فعل ذنبا وعوقب عليه في الدنيا فإنه لا ينبغي لنا أن ندعو عليه بالخزى والعار بل نسأل الله له الهداية ونسأل الله المغفرة .


باب قضاء حوائج المسلمين


قال الله تعالى { وافعلوا الخير لعلكم تفلحون }


244 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة متفق عليه


245 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه رواه مسلم .

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله تعالى باب قضاء حوائج المسلمين الحوائج ما يحتاجه الإنسان ليكمل به أموره وأما الضروريات فهي ما يضطر إليه الإنسان ليدفع به ضررا ودفع الضرورات واجب فإنه يجب على الإنسان إذا رأى أخاه في ضرورة أن يدفع ضرورته فإذا رآه في ضرورة إلى الطعام أو إلى الشراب أو إلى التدفأة أو إلى التبردة وجب عليه أن يقضي حاجته ووجب عليه أن يزيل ضرورته ويرفعها .
حتى إن أهل العلم يقولون لو اضطر الإنسان إلى طعام في يد شخص أو إلى شرابه والشخص الذي بيده الطعام أو الشراب غير مضطر إلى هذا الطعام أو الشراب ومنعه بعد طلبه ومات هذا المضطر فإنه يضمن لأنه فرط في إنقاذ أخيه من هلكة أما إذا كان الأمر حاجيا وليس ضروريا فإن الأفضل أن تعين أخاك على حاجته وأن تيسرها له ما لم تكن الحاجة فيها مضرته فإن كانت الحاجة فيها مضرته فلا تعنه لأن الله يقول ولا تعاونوا على الإثم والعدوان فلو فرض أن شخصا احتاج إلى شرب دخان وطلب منك أن تعينه بدفع القيمة له أو شرائه له أو ما أشبه ذلك فإنه لا يحل لك أن تعينه ولو كان محتاجا حتى لو رأيته ضائقا يريد أن يشرب الدخان فلا تعنه لقول الله تعالى { ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } حتى لو كان أباك فإنك لا تعنه على هذا حتى لو غضب عليك إذا لم تأت به فليغضب لأنه غضب في غير موضع الغضب بل إنك إذا امتنعت من أن تأتي لأبيك بما يضره فإنك تكون بارا به ولا تكون عاقا له لأن هذا هو الإحسان فأعظم الإحسان أن تمنع أباك بما يضره قال النبي عليه الصلاة والسلام انصر أخاك ظالما أو مظلوما قالوا يا رسول الله كيف ننصره إذا كان ظالما قال تمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه وعلى هذا فإن ما ذكره المؤلف في باب قضاء حوائج المسلمين يريد بذلك الحوائج المباحة فإنه ينبغي لك أن تعين أخاك عليها فإن الله في عونك ما كنت في عون أخيك .
ثم ذكر المؤلف أحاديث مر الكلام عليها فلا حاجة إلى إعادتها إلا أن فيها بعض الجمل تحتاج إلى كلام منها قوله من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة فإذا رأيت معسرا ويسرت عليه الأمر يسر الله عليك في الدنيا والآخرة مثل أن ترى شخصا ليس بيده ما يشتري لأهله من طعام وشراب لكن ليس عنده ضرورة فأنت إذا يسرت عليه يسر الله عليك في الدنيا والآخرة ومن ذلك أيضا إذا كنت تطلب شخصا معسرا فإنه يجب عليك أن تيسر عليه وجوبا لقوله تعالى { وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة } وقد قال العلماء رحمهم الله من كان له غريم معسر فإنه يحرم عليه أن يطلب منه الدين أو أن يطالبه به أو أن يرفع أمره إلى الحاكم بل يجب عليه إنظاره ويوجد بعض الناس والعياذ بالله ممن لا يخافون الله ولا يرحمون عباد الله يطالبون المعسرين ويضيقون عليهم ويرفعونهم إلى الجهات المسئولة فيحبسون ويؤذون ويمنعون من أهلهم ومن ديارهم كل هذا بسبب الظلم وإن كان الواجب على القاضي إذا ثبت عنده إعسار الشخص فواجب عليه أن يرفع الظلم عنه وأن يقول لغرمائه ليس لكم شيء ثم إن بعض الناس والعياذ بالله إذا كان لهم غريم معسر يحتال عليه بأن يدينه مرة أخرى بربا فيقول مثلا اشتر مني السلعة الفلانية بزيادة على ثمنها وأوفني أو يتفق مع شخص ثالث يقول اذهب تدين من فلان وأوفني وهكذا حتى يصبح هذا المسكين بين يدين هذين الظالمين كالكرة بين يدي الصبي يلعب بها والعياذ بالله .
والمهم أن عليكم إذا رأيتم شخصا يطالب معسرا أن تبينوا له أنه آثم وأن ذلك حرام عليه وأنه يجب عليه إنظاره بقول الله تعالى { وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة } وأنه إذا ضيق على أخيه المسلم فإنه يوشك أن يضيق الله عليه في الدنيا أو في الآخرة أو في الدنيا والآخرة معا ويوشك أن يعجل به العقوبة ومن العقوبة أن يستمر في مطالبة هذا المعسر وهو معسر لأنه كلما طالبه ازداد إثما وعلى العكس من ذلك فإنه يوجد بعض الناس والعياذ بالله يماطلون بالحقوق التي عليهم مع قدرتهم على وفائهم فتجده يأتيه صاحب الحق فيقول غدا وإذا أتاه في غد قال بعد غد وهكذا وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال مطل الغنى ظلم وإذا كان ظلما فإن أي ساعة أو لحظة تمضي وهو قادر على وفاء دينه فإنه لا يزداد بها إلا إثما نسأل الله لنا ولكم السلامة والعافية .


باب الشفاعة


قال الله تعالى { من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها }


246 - وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه فقال اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما أحب متفق عليه وفي رواية ما شاء


247 - وعن ابن عباس رضي الله عنه في قصة بريرة وزوجها قال قال لها النبي صلى الله عليه وسلم لو راجعته قالت يا رسول الله تأمرني قال إنما أشفع قالت لا حاجة لي فيه رواه البخاري

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله تعالى باب الشفاعة والشفاعة هي التوسط للغير لجلب منفعة أو دفع مضرة .
مثال الأول: أن تتوسط لشخص عند آخر في أن يساعده في أمر من الأمور ومثال الثاني: أن تشفع لشخص عند آخر في أن يسامحه ويعفو عن مظلمته حتى يندفع عنه الضرر ومثال ذلك في الآخرة أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع في أهل الموقف ليقضى بينهم حين يصيبهم من الكرب والغم ما لا يطيقون فهذه شفاعة في دفع مضرة ومثالها في جلب منفعة أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة والمراد بالشفاعة في كلام المؤلف الشفاعة في الدنيا وهي أن يشفع الإنسان لشخص عند آخر يتوسط له لجلب المنفعة له أو دفع المضرة عنه .
والشفاعة أقسام: القسم الأول: شفاعة محرمة لا تجوز وهي أن يشفع لشخص وجب عليه الحد بعد أن يصل إلى الإمام فإن هذه شفاعة محرمة لا تجوز مثال ذلك رجل وجب عليه الحد في قطع يده للسرقة فلما وصلت إلى الإمام أو نائب الإمام أراد إنسان أن يشفع لهذا السارق أن لا تقطع يده فهذا حرام أنكره النبي عليه الصلاة والسلام إنكارا عظيما وذلك حينما أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن تقطع يد المرأة المخزومية امرأة من بني مخزوم من أشرف قبائل العرب كانت تستعير الشيء ثم تجحده أي تستعيره لتنتفع به ثم تنكر بعد ذلك أنها استعارت شيئا فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقطع يدها فاهتمت لذلك قريش قالوا امرأة من بني مخزوم تقطع يدها هذا عار كبير من يشفع لنا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرأوا أن أقرب الناس لذلك أسامة بن زيد بن حارثة وأسامة بن زيد ابن مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن زيد بن حارثة عبد أهدته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة ثم أعتقه وكان يحبه عليه الصلاة والسلام ويحب ابنه أسامة فذهب أسامة إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشفع لهذه المرأة ألا تقطع يدها فقال النبي عليه الصلاة والسلام أتشفع في حد من حدود الله قال ذلك إنكارا عليه ثم قام فخطب الناس وقال أيها الناس إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وايم الله يعني أقسم بالله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها وهذه المرأة المخزومية دون فاطمة شرفا ونسبا ومع ذلك فإنه صلى الله عليه وسلم قال لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ليسد باب الشفاعة والوساطة في الحدود إذا بلغت الإمام وقال عليه الصلاة والسلام من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره وقال صلى الله عليه وسلم إذا بلغت الحدود السلطان فلعن الله الشافع والمشفع ولما سرق رداء صفوان بن أمية وكان قد توسده في المسجد فجاء رجل فسرقه فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تقطع يد السارق انظر ماذا سرق سرق رداء فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تقطع يده فقال يا رسول الله أنا لا أريد ردائي يعني أنه رحم هذا السارق وشفع فيه أن لا تقطع يده قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم هلا كان ذلك قبل أن تأتيني به يعني لو عفوت عنه قبل أن تأتيني به لكان ذلك لك لكن إذا بلغت الحدود السلطان فلابد من تنفيذها وتحرم فيها الشفاعة القسم الثاني أن يشفع في شيء محرم مثل أن يشفع لإنسان معتد على أخيه أعرف مثلا أن هذا الرجل يريد أن يخطب امرأة مخطوبة من قبل والمرأة المخطوبة لا يحل لأحد خطبتها فذهب رجل ثان إلى شخص وقال يا فلان أحب أن تشفع لي عند والد هذه المرأة يزوجنيها وهو يعلم أنها مخطوبة فهنا لا يحل له أن يشفع لأن هذه شفاعة في محرم .
والشفاعة في المحرم تعاون على الإثم والعدوان وقد قال الله تعالى وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ومن ذلك أيضا أن يأتي رجل لشخص فيقول يا فلان أنا أريد أن أشتري دخانا من فلان وقد سمته بكذا وكذا وأبى علي إلا بكذا وكذا أكثر مما سمته به فأرجوك أن تشفع لي عنده ليبيعه علي بهذا السعر الرخيص فهنا لا تجوز الشفاعة لأن هذه إعانة على الإثم والعدوان القسم الثالث: الشفاعة في شيء مباح وهذه لا بأس بها ويكون للإنسان فيها أجر مثل أن يأتي شخص لآخر فيسوم منه بيتا ويقول له هذا الثمن قليل فيذهب السائم إلى شخص ثالث ويقول يا فلان اشفع لي عند صاحب البيت لعله يبيعه علي فيذهب ويشفع له فهذا جائز بل هو مأجور على ذلك ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه صاحب حاجة التفت إلى أصحابه وقال اشفعوا تؤجروا ويقضى الله على لسان نبيه ما شاء أو ما أحب فهنا يأمر عليه الصلاة والسلام أصحابه بأن يشفعوا لصاحب الحاجة ومثل ذلك أيضا لو وجب لك حق على شخص ورأيت أنك إذا تنازلت عنه هكذا ربما استخف بك في المستقبل وانتهك حرمتك فهنا لا حرج أن تقول مثلا لبعض الناس اشفعوا له عندي حتى تظهر أنت بمظهر القوى ولا تجبن أمامه ويحصل المقصود .
المهم أن الشفاعة في غير أمر محرم من الإحسان إلى الغير كما قال تعالى { من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها }


باب الإصلاح بين الناس


قال الله تعالى { لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس } وقال & تعالى { والصلح خير } وقال تعالى { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم } وقال تعالى { إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم }

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله تعالى باب الإصلاح بين الناس الإصلاح بين الناس هو أن يكون بين شخصين مع معاداة وبغضاء فيأتي رجل موفق فيصلح بينهما ويزيل ما بينهما من العداوة والبغضاء وكلما كان الرجلان أقرب صلة بعضهما من بعض فإن الصلح بينهما أوكد يعني أن الصلح بين الأب وابنه أفضل من الصلح بين الرجل وصاحبه والصلح بين الأخ وأخيه أفضل من الصلح بين العم وابن أخيه وهكذا كلما كانت القطيعة أعظم كان الصلح بين المتباغضين وبين المتقاطعين أكمل وأفضل وأوكد .
واعلم أن الصلح بين الناس من أفضل الأعمال الصالحة قال الله عز وجل لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس أي إلا نجوى من أمر بصدقة .
والنجوى الكلام الخفي بين الرجل وصاحبه فأكثر المناجاة بين الناس لا خير فيها إلا من أمر بصدقة أو معروف .
والمعروف كل ما أمر به الشرع يعني أمر بخير { أو إصلاح بين الناس } بين الرجل وصاحبه مفسدة فيأتي شخص موفق فيصلح بينهما ويزيل ما بين الرجل وصاحبه من العداوة والبغضاء ثم قال تعالى { ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما } فبين سبحانه في هذه الآية أن الخير حاصل فيمن أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس فهذا خير حاصل لا شك فيه أما الثواب فقال { ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما } فأنت يا أخي المسلم إذا رأيت بين شخصين عداوة وبغضاء وكراهة فاحرص على أن تسعى بينهما بالصلح حتى لو خسرت شيئا من مالك فإنه مخلوف عليك ثم أعلم أن الصلح يجوز فيه التورية أي أن تقول لشخص إن فلانا لم يتكلم فيك بشيء إن فلانا يحب أهل الخير وما أشبه ذلك أو تقول فلان يحبك إن كنت من أهل الخير وتضمر في نفسك جملة إن كنت من أهل الخير لأجل أن تخرج من الكذب وقال الله عز وجل { وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير } هذه جملة عامة { الصلح خير } في جميع الأمور .
ثم قال تعالى { وأحضرت الأنفس الشح } إشارة إلى أن الإنسان ينبغي له عند الإصلاح أن يتنازل عما في نفسه وأن لا يتبع نفسه لأنه إذا اتبع نفسه فإن النفس شحيحة ربما يريد الإنسان أن يأخذ بحقه كاملا وإذا أراد الإنسان أن يأخذ بحقه كاملا فإن الصلح يتعذر لأنك إذا أردت أن تأخذ بحقك كاملا وأراد صاحبك أن يأخذ بحقه كاملا لم يكن إصلاحا .
لكن إذا تنازل كل واحد منكما عما يريد وغلب شح نفسه فإنه يحصل الخير ويحصل الصلح وهذا هو الفائدة من قوله تعالى { وأحضرت الأنفس الشح } بعد قوله { والصلح خير } وقال تعالى { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما } فأمر الله عز وجل بالإصلاح بين المتقاتلين من المؤمنين .
المهم أن الإصلاح كله خير فعليك يا أخي المسلم إذا رأيت شخصين متنازعين متباغضين متعاديين أن تصلح بينهما لتنال الخير الكثير وابتغ في ذلك وجه الله وإصلاح عباد الله حتى يحصل لك الخير الكثير كما قال تعالى { ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما } أسأل الله أن يجعلني وإياكم من الصالحين المصلحين .


248 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل سلامي من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين الاثنين صدقة وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة والكلمة الطيبة صدقة وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة وتميط الأذى عن الطريق صدقة متفق عليه ومعنى تعدل بينهما تصلح بينهما بالعدل

الشَّرْحُ

سبق لنا ما ذكره المؤلف من الآية الكريمة الدالة على فضيلة الإصلاح بين الناس ثم ذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يصبح على كل سلامى من الناس صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس والسلامى هي العظام والمفاصل يعني كل يوم تطلع الشمس فعلى كل مفصل من مفاصلك صدقة .
قال العلماء من أهل الفقه والحديث وعدد السلامى في كل إنسان ثلاثمائة وستون عضوا أو مفصلا فعلى كل واحد من الناس أن يتصدق كل يوم تطلع فيه الشمس بثلاثمائة وستين صدقة ولكن الصدقة لا تختص بالمال بل كل ما يقرب إلى الله فهو صدقة بالمعنى العام لأن فعله يدل على صدق صاحبه في طلب رضوان الله عز وجل ثم بين صلى الله عليه وسلم هذه الصدقة فقال تعدل بين اثنين صدقة يعني رجلان يتخاصمان إليك فتعدل بينهما تحكم بينهما بالعدل وكل ما وافق الشرع فهو عدل وكل ما خالف الشرع فهو ظلم وجور وعلى هذا فنقول إن هذه القوانين التي يحكم بها بعض الناس وهي مخالفة لشريعة الله ليست عدلا بل هي جور وظلم وباطل ومن حكم بها معتقدا أنها مثل حكم الله أو أحسن منه فإنه كافر مرتد عن دين الله لأنه كذب قول الله تعالى ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون يعني لا أحد أحسن من الله حكما ولكن لا يفهم هذا إلا من يوقن أما الذي أعمى الله بصيرته فإنه لا يدري بل قد يزين له سوء عمله فيراه حسنا والعياذ بالله .
ومن العدل بين اثنين العدل بينهما بالصلح لأن الحاكم بين الاثنين سواء كان متطوعا أو من قبل ولى الأمر قد لا يتبين له وجه الصواب مع أحد الطرفين فإذا لم يتبين له فلا سبيل له إلا بالإصلاح فيصلح بينهما بقدر ما يستطيع وقد سبق لنا أنه لا صلح مع المشاحة يعني أن الإنسان إذا أراد أن يعامل أخاه بالمشادة فإنه لا يمكن الصلح كما قال تعالى { والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح } يشير إلى أن الصلح ينبغي للإنسان أن يبعد فيه عن الشح وأن لا يطالب بكامل حقه لأنه إن طالب بكامل حقه طالب الآخر بكامل حقه ولم يحصل بينهما صلح بل لابد أن يتنازل كل واحد منهم عن بعض حقه فإذا لم يمكن الحكم بين الناس بالحق بل اشتبه على الإنسان إما من حيث الدليل أو من حيث حال المتخاصمين فليس هناك إلا السعي بينهما بالصلح .
قال عليه الصلاة والسلام تعدل بين اثنين صدقة وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعا صدقة هذا أيضا من الصدقات أن تعين الرجل في دابته فتحمله عليها إذا كان لا يستطيع أن يركبها بنفسه أو تحمل له عليها متاعه تساعده على حمل المتاع على الدابة فهذا صدقة وتميط الأذى عن الطريق صدقة يعني إذا رأيت ما يؤلم المشاة فأمطته أي أزلته فهذه صدقة سواء كان حجرا أم زجاجا أم قشر بطيخ أم ثيابا يلتوي بعضها على بعض أو ما أشبه ذلك .
المهم كل ما يؤذي فأزله عن الطريق فإنك بذلك تكون متصدقا وإذا كان إماطة الأذى عن الطريق صدقة فإن إلقاء الأذى في الطريق سيئة .
ومن ذلك من يلقون قمامتهم في وسط الشارع أو يتركون المياه تجري في الأسواق فتؤذي الناس مع أن في ترك المياه مفسدة أخرى وهي استنفاد الماء لأن الماء مخزون في الأرض قال الله تعالى { فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين } والمخزون ينفد .
ولهذا نرى أن الذي يترك المياه ويسرف في صرفها ولا يبالي في ضياعها مسيء إلى كل الأمة لأن الماء مشترك فإذا أسأت في تصريفه وأنفقته ولم تبال به كنت مسرفا والله لا يحب المسرفين وكنت مسيئا لتهديد الأمة في نقص مائها أو زواله وهذا ضرر عام .
المهم أن الذين يلقون في الأسواق ومسار الناس ما يؤذيهم هم مسيئون والذين يزيلون ذلك هم متصدقون ومحسنون وتميط الأذى عن الطريق صدقة والكلمة الطيبة صدقة وهذه ولله الحمد من أعم ما يكون الكلمة الطيبة تنقسم إلى قسمين طيبة بذاتها طيبة بغاياتها أما الطيبة بذاتها كالذكر لا إله إلا الله الله أكبر الحمد لله لا حول ولا قوة إلا بالله وأفضل الذكر قراءة القرآن وأما الكلمة الطيبة في غايتها فهي الكلمة المباحة كالتحدث مع الناس إذا قصدت بهذا إيناسهم وإدخال السرور عليهم فإن هذا الكلام وإن لم يكن طيبا بذاته لكنه طيب في غاياته في إدخال السرور على إخوانك وإدخال السرور على إخوانك مما يقربك إلى الله عز وجل فالكلمة الطيبة صدقة وهذا من أعم ما يكون ثم قال وفي كل خطوة تخطوها إلى الصلاة صدقة كل خطوة خطوة بالفتح يعني خطوة واحدة تخطوها إلى الصلاة ففيها صدقة عد الخطأ من بيتك إلى المسجد تجدها كثيرة ومع ذلك فكل خطوة فهي صدقة لك إذا خرجت من بيتك مسبغا الوضوء لا يخرجك من بيتك إلى المسجد إلا الصلاة فإن كل خطوة صدقة وكل خطوة تخطوها يرفع الله لك بها درجة ويحط عنك بها خطيئة وهذا فضل عظيم .
أسبغ الوضوء في بيتك واخرج إلى المسجد لا يخرجك إلا الصلاة وأبشر بثلاث فوائد الأولى صدقة والثانية رفع درجة والثالثة خط خطيئة كل هذا من نعم الله عز وجل


249 - وعن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط رضي الله عنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمى خيرا أو يقول خيرا متفق عليه وفي رواية مسلم زيادة قالت ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقوله الناس إلا في ثلاث تعني الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها .

الشَّرْحُ

هذا الحديث الذي ذكره المؤلف حديث أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمى خيرا أو يقول خيرا فالإنسان إذا قصد الإصلاح بين الناس وقال للشخص إن فلانا يثنى عليك ويمدحك ويدعو لك وما أشبه ذلك من الكلمات فإن ذلك لا بأس به .
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة هل المراد أن يكذب الإنسان كذبا صريحا أو أن المراد أن يوري بمعنى أن يظهر للمخاطب غير الواقع لكنه له وجه صحيح كأن يعني قوله مثلا فلان يثنى عليك أي على جنسك وأمثالك من المسلمين فإن كل إنسان يثنى على المسلمين من غير تخصيص .
أو يريد بقوله إنه يدعو لك أنه من عباد الله والإنسان يدعو لكل عبد صالح في كل صلاة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام إنكم إذا قلتم ذلك يعني قلتم السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فقد سلمتم على كل عبد صالح في السماء والأرض وقال بعضهم إن التورية تعد كذبا لأنها خلاف الواقع وإن كان المتكلم قد نوى بها معنى صحيحا واستدلوا على ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم إن إبراهيم عليه الصلاة والسلام يعتذر عن الشفاعة بأنه كذب ثلاث كذبات في ذات الله وهو لم يكذب عليه الصلاة والسلام ولكنه وري .
وعلى كل حال فالإنسان المصلح ينبغي له أن يتحرز من الكذب وإذا كان ولابد فليتأول ليكون بذلك موريا والإنسان إذا كان موريا فلا إثم عليه فيما بينه وبين الله والتورية جائزة عند المصلحة .
أما اللفظ الثاني ففيه زيادة عن الإصلاح بين الناس وهو الكذب في الحرب والكذب في الحرب هو أيضا نوع من التورية مثل أن يقول للعدو إن ورائي جنودا عظيمة وما أشبه ذلك من الأشياء التي يرهب بها الأعداء .
وتنقسم التورية في الحرب إلى قسمين: قسم في اللفظ وقسم في الفعل مثل ما فعل القعقاع بن عمرو رضي الله عنه في إحدى الغزوات فإنه أراد أن يرهب العدو فصار يأتي بالجيش في الصباح ثم يغادر المكان ثم يأتي به في الصباح يوم آخر وكأنه مدد جديد جاء ليساعد المحاربين المجاهدين فيتوهم العدو أن هذا مدد جديد جاء ليساعد المحاربين المجاهدين فيتوهم العدو أن هذا مدد جديد فيرهب ويخاف وهذا جائز للمصلحة .
أما المسألة الثالثة فهي أن يحدث الرجل زوجته وتحدث المرأة زوجها وهذا أيضا من باب التورية مثل أن يقول لها إنك من أحب الناس إلي وإني أرغب في مثلك وما أشبه ذلك من الكلمات التي توجب الألفة والمحبة بينهما ولكن مع هذا لا ينبغي فيما بين الزوجين أن يكثر الإنسان من هذا الأمر لأن المرأة إذا عثرت على شيء يخالف ما حدثها به فإنه ربما تنعكس الحال وتكرهه أكثر مما كان يتوقع وكذلك المرأة مع الرجل


250 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوت خصوم بالباب عالية أصواتهما وإذا أحدهما يستوضع الآخر ويسترفقه في شيء وهو يقول والله لا أفعل فخرج عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أين المتألى على الله لا يفعل المعروف فقال أنا يا رسول الله فله أي ذلك أحب متفق عليه معنى يستوضعه يسأله أن يضع عنه بعض دينه ويسترفقه يسأله الرفق والمتألى الحالف

الشَّرْحُ

هذا الحديث ذكره المؤلف رحمه الله في بيان الصلح بين اثنين متنازعين فإذا رأى شخص رجلين يتنازعان في شيء وأصلح بينهما فله أسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم وقد فعل خيرا كثيرا كما سبق الكلام فيه على قول الله تعالى لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما فالنبي صلى الله عليه وسلم لما سمع نزاع رجلين وقد علت أصواتهما خرج إليهما صلى الله عليه وسلم لينظر ماذا عندهما .
وفيه دليل على أنه لا حرج على الإنسان أن يتدخل في النزاع بين اثنين إذا لم يكن ذلك سرا بينهما لأن هذين الرجلين قد أعلنا ذلك وكانا يتكلمان بصوت مرتفع أما لو كان الأمر بين اثنين على وجه السر والإخفاء فلا يجوز للإنسان أن يتدخل بينهما لأن في ذلك إحراجا لهما فإن إخفاءهما للشيء يدل على أنهما لا يحبان أن يطلع عليه أحد من الناس فإذا أقحمت نفسك في الدخول بينهما أحرجتهما وضيقت عليهما وربما تأخذهما العزة بالإثم فلا يصطلحان والمهم أنه ينبغي للإنسان أن يكون أداة خير وأن يحرص على الإصلاح بين الناس وإزالة العداوة والضغائن حتى ينال خيرا كثيرا


باب فضل ضعفة المسلمين والفقراء والخاملين


قال الله تعالى { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم }

الشَّرْحُ

قال رحمه الله تعالى باب فضل ضعفاء المسلمين وفقرائهم والخاملين منهم المراد بهذا الباب تسلية من قدر الله عليه أن يكون ضعيفا في بدنه أو ضعيفا في عقله أو ضعيفا في ماله أو ضعيفا في جاهه أو غير ذلك مما يعده الناس ضعفا فإن الله سبحانه وتعالى قد يجعل الإنسان ضعيفا من وجه لكنه قوى عند الله عز وجل يحبه الله ويكرمه وينزله المنازل العالية وهذا هو المهم .
المهم أن تكون قويا عند الله عز وجل وجيها عنده ذا شرف يكرمك الله به ثم ذكر قول الله تعالى مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم في قوله واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم اصبر نفسك أي احبسها مع هؤلاء القوم الذين يدعون الله بالغداة أول النهار والعشي آخر النهار والمراد بالدعاء هنا دعاء المسألة ودعاء العبادة .
فإن دعاء المسألة يعتبر دعاء كقوله تعالى في الحديث القدسي من يدعوني فأستجيب له وقال تعالى { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم } ودعاء عبادة وهو أن يتعبد الإنسان لربه بما شرعه لأن العابد يدعو بلسان الحال ولسان المقال .
فالصلاة مثلا عبادة تشتمل على قراءة القرآن وذكر الله وتسبيحه ودعائه أيضا والصوم عبادة وإن كان في جوهره ليس فيه دعاء لكن الإنسان لم يصم إلا رجاء ثواب الله وخوف عقاب الله فهو دعاء بلسان الحال وقد تكون العبادة دعاء محضا يدعو الإنسان ربه بدعاء فيكون عابدا له وإن كان مجرد دعاء لأن الدعاء يعني افتقار الإنسان إلى الله وإحسان ظنه به ورجاءه والخوف من عقابه .
فقوله تعالى { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم } يدعون ربهم أي يسألونه حاجاتهم ويعبدونه لأن العابد داع بلسان الحال بالغداة أول النهار والعشي آخر النهار ولعل المراد بذلك يدعون ربهم دائما لكنهم يخصون الغداة والعشي بدعائه الخاص { يريدون وجهه } يعني لا يريدون عرضا من الدنيا إنما يريدون وجه الله عز وجل { لا تعد عيناك عنهم } يعني لا تتجاوز عيناك إلى غيرهم بل كن دائما ناظرا إليهم وكن معهم في دعائهم وعبادتهم وغير ذلك وهذا كقوله تعالى { ولا تمدن عينيك إلي ما متعنا به أزواجنا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى } فقوله تعالى { ولا تعد عيناك عنهم } يعني اجعل عينيك دائما فيهم وقوله تعالى { ولا تمدن عينيك إلي ما متعنا به أزواجنا منهم زهرة الحياة الدنيا } أي لا تنظر إلى أهل الدنيا وما متعوا به من النعيم ومن المراكب والملابس والمساكن وغير ذلك .
فكل هذا زهرة الدنيا والزهرة آخر مالها الذبول واليبس والزوال وهي أسرع أوراق الشجرة ذبولا وزوالا ولهذا قال زهرة وهي زهرة حسنة في رونقها وجمالها وريحها إن كانت ذات ريح لكنها سريعة الذبول وهكذا الدنيا زهرة تذبل سريعا نسأل الله أن يجعل لنا حظا ونصيبا في الآخرة يقول { لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى } أي رزق الله بالطاعة كما قال تعالى { وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى } وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى شيئا يعجبه من الدنيا قال اللهم إن العيش عيش الآخرة كلمتان عظيمتان فالإنسان إذا نظر إلى الدنيا ربما تعجبه فيلهو عن طاعة الله فينبغي أن يذكر نعيم الآخرة عند ذلك ويقارن بينه وبين هذا النعيم الدنيوي الزائل ثم يوطن نفسه ويرغبها في هذا النعيم الأخروي الذي لا ينقطع ويقول اللهم إن العيش عيش الآخرة وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم فعيش الدنيا مهما كان زائل ومهما كان فمحفوف بالحزن ومحفوف بالآفات ومحفوف بالنقص وكما يقول الشاعر في شعره الحكيم:
لا طيب للعيش مادامت منغصة ...
لذاته بادكار الموت والهرم
والعيش مآله أحد أمرين: إما الهرم حتى يعود الإنسان إلى سن الطفولة والضعف البدني مع الضعف العقلي ويكون عالة حتى على أهله فإنهم يعلونه وأما الموت فكيف يطيب العيش للإنسان العاقل ولولا أنه يؤمل ما في الآخرة وما يرجوه من ثواب الآخرة لكانت حياته عبثا .
على كل حال أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يصبر نفسه مع هؤلاء الذين يدعون الله بالغداة والعشى يريدون وجهه والآية ليست أمرا خاصا بالضعفاء وإن كان سبب النزول هكذا لكن العبرة بالعموم الذين يدعون الله ويعبدونه سواء كانوا ضعفاء أم أقوياء فقراء أم أغنياء كن معهم دائما لكن الغالب أن الملأ والأشراف يكونون أبعد عن الدين من الضعفاء والمستضعفين ولهذا تجد الذين يكذبون الرسل هم الملأ قال الملأ من قوم صالح { قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه } فنسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل الحق ودعاة الحق وأنصاره إنه جواد كريم


252 - عن حارثة بن وهب رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ألا أخبركم بأهل الجنة كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره ألا أخبركم بأهل النار كل عتل جواظ مستكبر متفق عليه العتل: الغليظ الجافي والجواظ بفتح الجيم وتشديد الواو وبالظاء المعجمة وهو الجموع المنوع وقيل الضخم المختال في مشيته وقيل القصير البطين

الشَّرْحُ

ذكر المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن حارثه بن وهب رضي الله عنه في باب ضعفاء المسلمين وأذلائهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ألا أخبركم بأهل الجنة كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره يعني هذه من علامات أهل الجنة أن الإنسان يكون ضعيفا متضعفا أي لا يهتم بمنصبه أو جاهه أو يسعى إلى علو المنازل في الدنيا ولكنه ضعيف في نفسه متضعف يميل إلى الخمول وإلى عدم الظهور لأنه يرى أن المهم أن يكون له جاه عند الله عز وجل لا أن يكون شريفا في قومه أو ذا عظمة فيهم ولكن همه كله هو أن يكون عند الله سبحانه وتعالى ذا منزلة كبيرة عالية .
ولذلك نجد أهل الآخرة لا يهتمون بما يفوتهم من الدنيا إن جاءهم من الدنيا شيء قبلوه وإن فاتهم شيء لم يهتموا به لأنهم يرون أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأن الأمور بيد الله وأن تغيير الحال من المحال وأنه لا يمكن دفع ما وقع ولا دفع ما قدر إلا بأسباب الشرعية التي جعلها الله تعالى سببا وقوله لو أقسم على الله لأبره يعني لو حلف على شيء ليسر الله له أمره حتى يحقق له ما حلف عليه وهذا كثيرا ما يقع أن يحلف الإنسان على شيء ثقة بالله عز وجل ورجاء ثوابه فيبر الله قسمه وأما الحالف على الله تعاليا وتحجرا لرحمته فإن هذا يخذل والعياذ بالله .
وهاهنا مثلان: المثل الأول: أن الربيع بنت النضر رضي الله عنها وهي من الأنصار كسرت ثنية جارية من الأنصار فرفعوا الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تكسر ثنية الربيع لقول الله تعالى وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس إلى قوله { والسن بالسن } فقال أخوها أنس بن النضر والله يا رسول الله لا تكسر ثنية الربيع فقال يا أنس كتاب الله القصاص فقال والله لا تكسر ثنية الربيع .
أقسم بهذا ليس ردا لحكم الله ورسوله ولكنه يحاول بقدر ما يستطيع أن يتكلم مع أهلها حتى يعفوا ويأخذوا الدية أو يعفو مجانا دون دية كأنه واثق من موافقتهم لا ودا لحكم الله ورسوله فيسر الله سبحانه وتعالى فعفى أهل الجارية عن القصاص فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره وهنا لا شك أن الحامل لأنس بن النضر هو قوة رجائه بالله عز وجل وأن الله ييسر من الأسباب ما يمنح كسر ثنية أخته الربيع أما المثل الثاني الذي أقسم على الله تأليا وتعارضا وترفعا فإن الله يخيب آماله ومثال ذلك الرجل الذي كان مطيعا لله عز وجل عابدا يمر على رجل عاص كلما مر عليه وجده على المعصية فقال والله لا يغفر الله لفلان حمله على ذلك الإعجاب بنفسه والتحجر بفضل الله ورحمته واستبعاد رحمة الله عز وجل من عباده .
فقال الله تعالى: من ذا الذي يتألى علي أي يحلف علي ألا أغفر لفلان قد غفرت له وأحبطت عملك فانظر الفرق بين هذا وهذا فقول الرسول صلى الله عليه وسلم إن من عباد الله فمن هنا للتبعيض إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره وذلك فيمن أقسم على الله ثقة به ورجاء لما عند الله عز وجل ثم قال صلى الله عليه وسلم ألا أخبركم بأهل النار كل عتل جواظ مستكبر هذه علامات أهل النار عتل يعني أنه غليظ جاف قلبه حجر والعياذ بالله كالحجارة أو أشد قسوة جواظ مستكبر الجواظ فيه تفاسير متعددة قيل إنه الجموع المنوع يعني الذي يجمع المال ويمنع ما يجب فيه والظاهر أن الجواظ هو الرجل الذي لا يصبر فجواظ يعني أنه جزوع لا يصبر على شيء ويرى أنه في قمة أعلى من أن يمسه شيء .
ومن ذلك قصة الرجل الذي كان مع الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة وكان شجاعا لا يدع شاذة ولا فاذة للعدو إلا قضى عليها فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن هذا من أهل النار فعظم ذلك على الصحابة وقالوا كيف يكون هذا من أهل النار وهو بهذه المثابة ثم قال رجل والله لألزمنه يعني لألازمه حتى أنظر ماذا يكون حاله فلزمه فأصاب هذا الرجل الشجاع سهم من العدو فعجز عن الصبر وجزع ثم أخذ بذبابة سيفه فوضعه في صدره ثم اتكأ عليه حتى خرج السيف من ظهره والعياذ بالله فقتل نفسه فجاء الرجل للرسول صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أشهد أنك لرسول الله قال وبم قال لأن الرجل الذي قلت إنه من أهل النار فعل كذا وكذا فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار فانظر إلى هذا الرجل جزع وعجز أن يتحمل فقتل نفسه فالجواظ هو الجزوع الذي لا يصبر دائما في أنين وحزن وهم وغم معترضا على القضاء والقدر لا يخضع له ولا يرضى بالله ربا .
وأما المستكبر فهو الذي جمع بين وصفين غمط الناس وبطر الحق لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال الكبر بطر الحق وغمط الناس وبطر الحق يعني رده وغمط الناس يعني احتقارهم فهو في نفسه عال على الحق وعال على الخلق لا يلين للحق ولا يرحم الخلق والعياذ بالله فهذه علامات أهل النار نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من النار وأن يدخلنا وإياكم الجنة إنه جواد كريم


253 - وعن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال مر رجل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال لرجل عنده جالس ما رأيك في هذا فقال رجل من أشراف الناس هذا والله حري إن خطب أن ينكح وإن شفع أن يشفع فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مر رجل آخر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأيك في هذا فقال يا رسول الله هذا رجل من فقراء المسلمين هذا حري إن خطب أن لا ينكح وإن شفع أن لا يشفع وإن قال أن لا يسمع لقوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا خير من ملء الأرض مثل هذا متفق عليه قوله حري هو بفتح الحاء وكسر الراء وتشديد الياء أي حقيق وقوله شفع بفتح الفاء .

الشَّرْحُ

ذكر المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال مر رجل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لرجل ما تقول في هذا قال رجل من أشراف الناس حرى إن خطب أن ينكح وإن شفع أن يشفع ثم مر رجل آخر فسأل عنه قال هذا رجل من ضعفاء المسلمين حرى إن خطب ألا ينكح وإن شفع ألا يشفع وإن قال ألا يسمع لقوله .
فهذان رجلان أحدهما من أشراف القوم وممن له كلمة فيهم وممن يجاب إذا خطب ويسمع إذا قال والثاني بالعكس رجل من ضعفاء الناس ليس له قيمة إن خطب فلا يجاب وإن شفع فلا يشفع وإن قال فلا يسمع فقال النبي صلى الله عليه وسلم هذا خير من ملء الأرض مثل هذا أي خير عند الله عز وجل من ملء الأرض من مثل هذا الرجل الذي له شرف وجاه في قومه لأن الله سبحانه وتعالى ليس ينظر إلى الشرف والجاه والنسب والمال والصورة واللباس والمركوب والمسكون وإنما ينظر إلى القلب والعمل فإذا صلح القلب فيما بينه وبين الله عز وجل وأناب إلى الله وصار ذاكرا لله تعالى خائفا منه مخبتا إليه عاملا بما يرضى الله عز وجل فهذا هو الكريم عند الله وهذا هو الوجيه عنده وهذا هو الذي لو أقسم على الله لأبره فيؤخذ من هذا فائدة عظيمة وهي أن الرجل قد يكون ذا منزلة عالية في الدنيا ولكنه ليس له قدر عند الله وقد يكون في الدنيا ذا مرتبة منحطة وليس له قيمة عند الناس وهو عند الله خير من كثير ممن سواه نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من الوجهاء عنده وأن يجعل لنا ولكم عنده منزلة عالية مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين


254 - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال احتجت الجنة والنار فقالت النار في الجبارون والمتكبرون وقالت الجنة في ضعفاء الناس ومساكينهم فقضي الله بينهما إنك الجنة رحمتي أرحم بك من أشاء وإنك النار عذابي أعذب بك من أشاء ولكليكما على ملؤها رواه مسلم

الشَّرْحُ

ذكر المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال احتجت الجنة والنار يعني تحاجا فيما بينهما كل واحدة تدلى بحجتها وهذا من الأمور الغيبية التي يجب علينا أن نؤمن بها حتى وإن استبعدتها العقول وحار الإنسان وقال كيف تتحاج الجنة والنار وهما جمادان فإننا نقول إن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير وقد أخبر الله سبحانه وتعالى أن الأرض يوم القيامة تحدث أخبارها بما أوحى الله إليها به فإذا أمر الله شيئا بأمر فإن هذا المأمور سيستجيب على كل حال الأيدي يوم القيامة والألسن والأرجل والجلود كلها تشهد مع أنها جماد وتشهد على صاحبها مع أنها أقرب الناس إليه لأن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير .
فالجنة احتجت على النار والنار احتجت على الجنة والنار احتجت بأن فيها الجبارين والمتكبرين الجبارون أصحاب الغلظة والقسوة والمتكبرون أصحاب الترفع والعلو الذين يغمطون الناس ويردون الحق كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الكبر إنه بطر الحق وغمط الناس فأهل الجبروت وأهل الكبرياء هم أهل النار والعياذ بالله وربما يكون صاحب النار لين الجانب للناس حسن الأخلاق لكنه جبار بالنسبة للحق مستكبر عن الحق فلا ينفعه لين جانبه وعطفه على الناس بل هو موصوف بالجبروت والكبرياء ولو كان لين الجانب للناس لأنه تجبر واستكبر عن الحق .
أما الجنة فقالت إن فيها ضعفاء الناس وفقراء الناس فهم في الغالب الذين يلينون للحق وينقادون له وأما أهل الكبرياء والجبروت ففي الغالب أنهم لا ينقادون فقضى الله عز وجل بينهما قال إنك الجنة رحمتي أرحم بك من أشاء وقال للنار إنك النار عذابي أعذب بك من أشاء إنك الجنة رحمتي يعني أنها الدار التي أنشأت من رحمة الله وليست رحمته التي هي صفته لأن رحمته التي هي صفته وصف قائم به لكن الرحمة هنا مخلوق أنت رحمتي يعني خلقتك برحمتي أرحم بك من أشاء وقال للنار أنت عذابي أعذب بك من أشاء كقوله تعالى { يعذب من يشاء ويرحم من يشاء } فأهل الجنة هم أهل رحمة الله نسأل الله أن يجعلني وإياك منهم وأهل النار هم أهل عذاب الله ثم قال عز وجل ولكليكما علي ملؤها تكفل عز وجل وأوجب على نفسه أن يملأ الجنة ويملأ النار وفضل الله سبحانه وتعالى ورحمته أوسع من غضبه فإنه إذا كان يوم القيامة ألقى من يلقى في النار وهي تقول هل من مزيد يعني أعطوني أعطوني زيدوا فيضع الله عليها رجله وفي لفظ عليها قدمه فينزوي بعضها على بعض ينضم بعضها إلى بعض من أثر وضع الرب عز وجل عليها قدمه وتقول قط قط يعني كفاية كفاية وهذا ملؤها .
أما الجنة فإن الجنة واسعة عرضها السماوات والأرض يدخلها أهلها ويبقى فيها فضل زائد على أهلها فينشئ الله تعالى لها أقواما فيدخلهم الجنة بفضله ورحمته لأن الله تكفل لها بملئها .
ففي هذا: دليل على أن الفقراء والضعفاء هم أهل الجنة لأنهم في الغالب هم الذين ينقادون للحق وأن الجبارين المتكبرين هم أهل النار والعياذ بالله لأنهم مستكبرون على الحق وجبارون لا تلين قلوبهم لذكر الله ولا لعباد الله .
نسأل الله لنا ولكم السلامة والعافية .


255 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إنه ليأتي الرجل السمين العظيم يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة متفق عليه

الشَّرْحُ

ذكر المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إنه ليأتي الرجل السمين العظيم يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة ذكر المؤلف هذا الحديث في باب المستضعفين والفقراء من المسلمين وذلك لأن الغالب أن السمنة إنما تأتي من البطنة أي من كثرة الأكل وكثرة الأكل تدل على كثرة المال والغني والغالب على الأغنياء البطر والأشر وكفر النعمة حتى إنهم يوم القيامة يكونون بهذه المثابة يؤتى بالرجل العظيم السمين يعني كثير اللحم والشحم عظيم كبير الجسم لا يزن عند الله يوم القيامة جناح بعوضة والبعوضة معروفة من أشد الحيوانات امتهانا وأهونها وأضعفها وجناحها كذلك وفي هذا الحديث إثبات الوزن يوم القيامة وقد دل على ذلك كتاب الله عز وجل قال الله تعالى ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين وقال جل وعلا { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } وقال النبي صلى الله عليه وسلم اتقوا النار ولو بشق تمرة فالوزن يوم القيامة وزن عدل ليس فيه ظلم يجازى فيه الإنسان على حسب ما عنده من الحسنات والسيئات قال أهل العلم فمن رجحت حسناته على سيئاته فهو من أهل الجنة ومن رجحت سيئاته على حسناته استحق أن يعذب في النار ومن تساوت حسناته وسيئاته كان من أهل الأعراف الذين يكونون بين الجنة والنار لمدة على حسب ما يشاء الله عز وجل وفي النهاية يدخلون الجنة .
ثم إن الوزن وزن حسي بميزان له كفتان توضع في إحداهما السيئات وفي الأخرى الحسنات وتثقل الحسنات وتخف السيئات إذا كانت الحسنات أكثر والعكس بالعكس ثم ما الذي يوزن ظاهر هذا الحديث أن الذي يوزن الإنسان وأنه يخف ويثقل بحسب أعماله .
وقال بعض العلماء بل الذي يوزن صحائف الأعمال توضع صحائف السيئات في كفة وصحائف الحسنات في كفة وما رجح فالعمل عليه وقيل بل الذي يوزن العمل لأن الله تعالى قال { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره } فجعل الوزن للعمل وقال تعالى { وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين } وقال النبي صلى الله عليه وسلم كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم فقوله صلى الله عليه وسلم كلمتان ثقيلتان في الميزان يدل على أن الذي يوزن هو العمل وهذا هو ظاهر القرآن الكريم وظاهر السنة وربما يوزن هذا وهذا أي توزن الأعمال وتوزن صحائف الأعمال .
وفي هذا الحديث التحذير من كون الإنسان لا يهتم إلا بنفسه أي بتنعيم جسده والذي ينبغي للعاقل أن يهتم بتنعيم قلبه ونعيم قلب الإنسان بالفطرة وهي التزام دين الله عز وجل وإذا نعم القلب نعم البدن ولا عكس قد ينعم البدن ويؤتى الإنسان من الدنيا ما يؤتى من زهرتها ولكن قلبه في جحيم والعياذ بالله .
وإذا شئت أن تتبين هذا فاقرأ قوله تعالى { من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } لم يقل فلننعمن أبدانهم بل قال فلنحيينه حياة طيبة وذلك بما يجعل الله في قلوبهم من الإنس وانشراح الصدر وطمأنينة القلب وغير ذلك حتى إن بعض السلف قال لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف يعني من انشراح الصدر ونور القلب والطمأنينة والسكون أسأل الله أن يشرح قلبي وقلوبكم للإسلام وينورها بالعلم والإيمان إنه جواد كريم


256 - وعنه أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد أو شابا ففقدها أو فقده رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عنها أو عنه فقالوا مات قال أفلا كنتم آذنتموني فكأنهم صغروا أمرها أو أمره فقال دلوني على قبره فدلوه فصلى عليها ثم قال إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها وإن الله تعالى ينورها لهم بصلاتي عليهم متفق عليه قوله تقم هو بفتح التاء وضم القاف: أي تكنس والقمامة الكناسة وآذنتموني بمد الهمزة أي أعلمتموني

الشَّرْحُ

ذكر المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد أو شابا وأكثر الروايات على أنها امرأة سوداء كانت تقم المسجد يعني تنظفه وتزيل القمامة فماتت في الليل فصغر الصحابة رضي الله عنهم شأنها وقالوا لا حاجة إلى أن نخبر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الليل فدفنوها ففقدها النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا إنها ماتت فقال أفلا كنتم آذنتموني يعني أعلمتموني حين ماتت ثم قال دلوني على قبرها فدلوه فصلى عليها ثم قال صلى الله عليه وسلم إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم ففي هذا الحديث عدة فوائد منها أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما يعظم الناس بحسب أعمالهم وما قاموا به من طاعة الله وعبادته .
ومن الفوائد جواز تولى المرأة لتنظيف المسجد وأنه لا يحجر ذلك على الرجال فقط بل كل من احتسب ونظف المسجد فله أجره سواء باشرته المرأة أو استأجرت من يقم المسجد على حسابها ومن فوائد هذا الحديث مشروعية تنظيف المساجد وإزالة القمامة عنها وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد القذاة الشيء الصغير يخرجه الرجل من المسجد فإنه يؤجر عليه وفي حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب فالمساجد بيوت الله ينبغي العناية بها وتنظيفها ولكن لا ينبغي زخرفتها وتنقشيها بما يوجب أن يلهو المصلون بما فيها من الزخرفة فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لتزخرفنها يعني المساجد كما زخرفها اليهود والنصارى ومن فوائد هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب ولهذا قال دلوني على قبرها فإذا كان لا يعلم الشيء المحسوس فالغائب من باب أولى فهو صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب وقد قال الله له قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي وقال له { قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون } ومن فوائد هذا الحديث مشروعية الصلاة على القبر لمن لم يصل عليه قبل الدفن لأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج فصلى على القبر حيث لم يصل عليها قبل الدفن ولكن هذا مشروع لمن مات في عهدك وفي عصرك أما من مات سابقا فلا يشرع أن تصلى عليه ولهذا لا يشرع لنا أن نصلي على النبي صلى الله عليه وسلم على قبره أو على قبر أبي بكر أو عمر أو عثمان أو غيرهم من الصحابة أو غيرهم من العلماء والأئمة وإنما تشرع الصلاة لمن مات في عهدك فمثلا إذا مات الإنسان قبل ثلاثين سنة وعمرك ثلاثون سنة فإنك لا تصلي عليه صلاة الميت لأنه مات قبل أن تخلق وقبل أن تكون من أهل الصلاة أما من مات وأنت قد كنت من أهل الصلاة من قريب أو أحد تحب أن تصلي عليه فلا بأس فلو فرض أن رجلا مات قبل سنة أو سنتين وأحببت أن تصلي على قبره وأنت لم تصل عليه من قبل فلا بأس ومن فوائد هذا الحديث حسن رعاية النبي صلى الله عليه وسلم لأمته وأنه كان يتفقدهم ويسأل عنهم فلا يشتغل بالكبير عن الصغير كل ما يهم المسلمين فإنه يسأل عنه صلى الله عليه وسلم ومن فوائد هذا الحديث جواز سؤال المرء ما لا تكون به منة في الغالب لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال دلوني على قبرها وهذا سؤال لكن مثل هذا السؤال ليس فيه منة بخلاف سؤال المال فإن سؤال المال محرم يعني لا يجوز أن تسأل شخصا مالا وتقول اعطني عشرة ريالات أو مائة ريال إلا عند الضرورة أما سؤال غير المال مما لا يكون فيه منة في الغالب فإن هذا لا بأس به ولعل هذا مخصص لما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يبايع أصحابه عليه حيث كان يبايعهم ألا يسألوا الناس شيئا وربما يؤخذ من هذا الحديث جواز إعادة الصلاة على الجنازة لمن صلى عليها من قبل إذا وجد جماعة لأن الظاهر أن الذين خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم صلوا معه وعلى هذا فتشرع إعادة صلاة الجماعة إذا صلى عليها جماعة آخرون مرة ثانية .
وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم وقالوا إنه كما أن صلاة الفريضة تعاد إذا صليتها ثم أدركتها مع جماعة أخرى فكذلك صلاة الجنازة وبناء على ذلك لو أن أحدا صلى على جنازة في المسجد ثم خرجوا بها للمقبرة ثم قام أناس يصلون عليها جماعة فإنه لا حرج ولا كراهة في أن تدخل مع الجماعة الآخرين فتعيد الصلاة لأن إعادة الصلاة هنا لها سبب ليست مجرد تكرار بل لها سبب وهو وجود الجماعة الأخرى فإذا قال قائل إذا صليت على القبر فأين أقف فالجواب أنك تقف وراءه تجعله بينك وبين القبلة كما هو الشأن فيما إذا صليت عليه قبل الدفن


257 - وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره رواه مسلم


258 - وعن أسامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال قمت على باب الجنة فإذا عامة من دخلها المساكين وأصحاب الجد محبوسون غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار وقمت على باب النار فإذا عامة من دخلها النساء متفق عليه والجد بفتح الجيم الحظ والغنى وقوله محبوسون أي لم يؤذن لهم بعد في دخول الجنة .

الشَّرْحُ

ذكر المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره وأشعث من صفات الشعر وشعره أشعث يعني ليس له ما يدهن به الشعر ولا ما يرجله وليس يهتم بمظهره وأغبر يعني أغبر اللون أغبر الثياب وذلك لشدة فقره .
مدفوع بالأبواب يعني ليس له جاه إذا جاء إلى الناس يستأذن لا يأذنون له بل يدفعونه بالباب أي إذ فتح صاحب البيت ووجد هذا الرجل دفع الباب في وجهه لأنه ليس له قيمة عند الناس لكن هذا الرجل له قيمة عند رب العالمين لو أقسم على الله لأبره لو قال والله لا يكون كذا لم يكن والله ليكونن كذا لكان لو أقسم على الله لأبره لكرمه عند الله عز وجل ومنزلته لكن بأي شيء يحصل هذا فربما يكون رجل أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله ما أبره ورب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره فما هو الميزان الميزان تقوى الله كما قال الله تعالى إن أكرمكم عند الله أتقاكم فمن كان أتقى لله فهو أكرم عند الله ييسر الله له الأمر يجيب دعاءه ويكشف ضره ويبر قسمه .
وهذا الذي أقسم على الله لن يقسم بظلم لأحد ولن يجترئ على الله في ملكه ولكنه يقسم على الله فيما يرضى الله ثقة بالله عز وجل أو في أمور مباحة ثقة بالله عز وجل وقد مر علينا في قصة الربيع بنت النضر وأخيها أنس بن النضر فإن الربيع كسرت ثنية جارية من الأنصار فاحتكموا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تكسر ثنية الربيع لأنها كسرت ثنية الجارية الأنثى فقال أخوها أنس يا رسول الله تكسر ثنية الربيع قال نعم كتاب الله القصاص السن بالسن قال والله لا تكسر ثنية الربيع قال ذلك ثقة بالله عز وجل ورجاء لتيسيره وتسهيله فأقسم هذا القسم ليس ردا لحكم الرسول كلا ولكن ثقة بالله عز وجل فهدى الله أهل الجارية ورضوا بالدية أو عفوا فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره لأنه يقسم على الله في شيء يرضاه الله عز وجل إحسانا في ظنه بالله عز وجل أما من أقسم على الله تأليا على الله واستكبارا على عباد الله وإعجابا بنفسه فهذا لا يبر الله قسمه لأنه ظالم ومن ذلك قصة الرجل العابد الذي كان يمر برجل مسرف على نفسه فقال والله لا يغفر الله لفلان أقسم أن الله لا يغفر له لماذا يقسم هل المغفرة بيده هل الرحمة بيده فقال الله جلا وعلا من ذا الذي يتألى على ألا أغفر لفلان استفهام إنكار قد غفرت له وأبطلت عمله نتيجة سيئة والعياذ بالله لم يبر الله بقسمه بل أحبط عمله لأنه قال ذلك إعجابا بعمله وإعجابا بنفسه واستكبارا على عباد الله عز وجل .
أما حديث أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول قمت على باب الجنة فإذا عامة من دخلها المساكين يعني أكثرهم أكثر ما يدخل الجنة الفقراء لأن الفقراء في الغالب أقرب إلى العبادة والخشية لله من الأغنياء { كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى } والغنى يرى أنه مستغن بماله فهو أقل تعبدا من الفقير وإن كان من الأغنياء من يعبد الله أكثر من الفقراء لكن الغالب وأصحاب الجد محبوسون يعني أصحاب الحظ والغنى محبوسون لم يدخلوا الجنة بعد الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار فقسم الرسول صلى الله عليه وسلم الناس إلى أقسام ثلاثة أهل النار دخلوا النار أعاذنا الله وإياكم منها والفقراء دخلوا الجنة والأغنياء من المؤمنين موقوفون محبوسون إلى أن يشاء الله .
أما أهل النار فأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق أن عامة من دخلها النساء أكثر من يدخل النار النساء لأنهم أصحاب فتنة ولهذا قال لهن الرسول صلى الله عليه وسلم يوم عيد من الأعياد يا معشر النساء تصدقن ولو من حليكن فإنكن أكثر أهل النار قالوا يا رسول الله لم قال لأنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير تكثرن اللعن أي السب والشتم فلسانهن سليط وكيدهن عظيم وتكفرن العشير أي المعاشر وهو الزوج لو أحسن إليها الدهر كله ثم رأت سيئة واحدة قالت ما رأيت خيرا قط تكفر النعمة ولا تقر بها في هذا الحديث دليل على أنه يجب على الإنسان أن يحترز من فتنة الغني فإن الغنى قد يطغي وقد يؤدي بصاحبه إلى الأشر والبطر ورد الحق وغمط الناس فاحذر نعمتين الغنى والصحة والفراغ أيضا سبب للفتنة فالثلاث هذه الغنى والصحة والفراغ هذه مما يغبن فيها كثير من النار نعمتان مغبون فيها كثير من الناس الصحة والفراغ والفراغ في الغالب يأتي من الغنى لأن الغني منكف عن كل شيء ومتفرغ نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من فتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال


259 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة عيسى ابن مريم وصاحب جريج وكان جريج رجلا عابدا فاتخذ صومعة فكان فيها فأتته أمه وهو يصلي فقالت يا جريج فقال يا رب أمي وصلاتي فأقبل على صلاته فانصرفت فلما كان من الغد أتته وهو يصلي فقالت يا جريج فقال أي رب أمي وصلاتي فأقبل على صلاته فلما كان من الغد أتته وهو يصلي فقالت يا جريج فقال أي رب أمي وصلاتي فأقبل على صلاته فقالت اللهم لا تمته حتى ينظر إلى وجوه المومسات فتذاكر بنو إسرائيل جريجا وعبادته وكانت امرأة بغي يتمثل بحسنها فقالت إن شئتم لأفتننه فتعرضت له فلم يلتفت إليها فأتت راعيا كان يأوى إلى صومعته فأمكنته من نفسها فوقع عليها فحملت فلما ولدت قالت هو من جريج فأتوه فاستنزلوه وهدموا صومعته وجعلوا يضربونه فقال ما شأنكم قالوا زنيت بهذه البغي فولدت منك قال أين الصبي فجاءوا به فقال دعوني حتى أصلي فصلى فلما انصرف أتى الصبي فطعن في بطنه وقال يا غلام من أبوك قال فلان الراعي فأقبلوا على جريج يقبلونه ويتمسحون به وقالوا نبني لك صومعتك من ذهب قال لا أعيدوها من طين كما كانت ففعلوا وبينا صبي يرضع من أمه فمر رجل راكب على دابة فارهة وشارة حسنة فقالت أمه اللهم اجعل ابني مثل هذا فترك الثدي وأقبل إليه فنظر إليه فقال اللهم لا تجعلني مثله ثم أقبل على ثديه فجعل يرتضع .
فكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحكى ارتضاعه بإصبعه السبابة في فيه فجعل يمصها قال ومروا بجارية وهم يضربونها ويقولون زنيت سرقت وهي تقول حسبي الله ونعم الوكيل فقالت أمه اللهم لا تجعل ابني مثلها فترك الرضاع ونظر إليها فقال اللهم اجعلني مثلها فهنالك تراجعا الحديث فقالت مر رجل حسن الهيئة فقلت اللهم اجعل ابني مثله فقلت اللهم لا تجعلني مثله ومروا بهذه الأمة وهم يضربونها ويقولون زنيت سرقت فقلت اللهم لا تجعل ابني مثلها فقلت اللهم اجعلني مثلها قال إن ذلك الرجل كان جبارا فقلت اللهم لا تجعلني مثله وإن هذه يقولون لها زنيت ولم تزن وسرقت ولم تسرق فقلت اللهم اجعلني مثلها متفق عليه والمومسات بضم الميم الأولى وإسكان الواو وكسر الميم الثانية وبالسين المهملة وهن الزواني والمومسة الزانية وقوله دابة فارهة بالفاء أي حاذقة نفيسة الشارة بالشين المعجمة وتخفيف الراء وهي الجمال الظاهر في الهيئة والملبس ومعنى تراجعا الحديث أي حدثت الصبي وحدثها والله أعلم

الشَّرْحُ

ذكر المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن أبي هريرة رضي الله عنه عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة أولا عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم وعيسى ابن مريم آخر أنبياء بني إسرائيل بل آخر الأنبياء قبل محمد صلى الله عليه وسلم فإنه لم يكن بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم نبي كما قال الله تعالى وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فليس بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين عيسى ابن مريم نبي .
وأما ما يذكر عند المؤرخين من وجود أنبياء في العرب كخالد بن سنان فهذا كذب ولا صحة له .
وعيسى ابن مريم كان آية من آيات الله عز وجل كما قال & تعالى { وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين } كان آية في منشئه وآية في وضعه أما في منشئه فإن أمه مريم رضي الله عنها حملت به من غير أب حيث أرسل الله عز وجل جبريل إليها فتمثل لها بشرا سويا ونفخ في فرجها فحملت بعيسى صلى الله عليه وسلم .
والله على كل شيء قدير فالقادر على أن يخلق الولد من المني قادر على أن يخلقه من هذه النفخة كما قال تعالى { إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } لا يستعصى على قدرة الله شيء إذا أراد شيئا قال له كن فكان فحملت وولدت وقيل إنه لم يبق في بطنها كما تبقى الأجنة ولكنها حملته وشب سريعا ثم وضعته .
وكان آية في وضعه حيث جاء مريم المخاض إلى جذع النخلة فقالت { يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا } هي لم تتمن الموت لكنها تمنت أنه لم يأتها هذا الشيء حتى الموت { فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا } أي عين تمشي تحت النخلة ثم قال { وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا } تهز الجذع وهي امرأة قد أتاها المخاض فتتساقط من هزها الرطب رطبا جنيا لا يفسد إذا وقع على الأرض وهذا خلاف العادة فالعادة أن المرأة عند النفاس تكون ضعيفة والعادة عند هز النخلة ألا تهز من أسفل بل تهز من فوق فمن الجذع لا تهتز لو هزها الإنسان والعادة أيضا أن الرطب إذا سقط فإنه يسقط على الأرض ويتمزق لكن الله قال { تساقط عليك رطبا جنيا فكلي واشربي وقري عينا } الله أكبر من آيات الله عز وجل الله على كل شيء قدير .
ولما وضعت الولد أتت به قومها تحمله تحمله طفلا وهي لم تتزوج فقالوا لها يعرضونها بالبغاء قالوا يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا يعني كأنهم يقولون من أين جاءك الزنى نسأل الله العافية وأبوك ليس امرأ سوء وأمك ليست بغية وفي هذا إشارة إلى أن الإنسان إذا زنى فقد يبتلى نسله بالزنى والعياذ بالله كما جاء في الحديث في الأثر من زنى زنى أهله فهؤلاء قالوا ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا فألهمها الله عز وجل فأشارت إلى الطفل أشارت إليه فكأنهم سخروا بها قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا هذا غير معقول ولكنه التفت إليهم وقال هذا الكلام البليغ العجيب قال { إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا } سبع جمل الله أكبر من طفل في المهد .
ولكن لا تتعجب فإن قدرة الله فوق كل شيء أليست جلودنا وأيدينا وأرجلنا وألسنتنا يوم القيامة تشهد علينا بما فعلنا بلى تشهد أليست الأرض تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها الأرض تشهد بما عملت عليها من قول أو فعل { يومئذ تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها } إذا هذا كلام عيسى ابن مريم تكلم بهذه الكلمات العظيمة سبع جمل وهو في المهد أما الثاني فهو صاحب جريج وجريج رجل عابد انعزل عن الناس والعزلة خير إذا كان في الخلطة شر أما إذا لم يكن في الخلطة شر فالاختلاط بالناس أفضل قال النبي صلى الله عليه وسلم المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم لكن إذا كانت الخلطة ضررا عليك في دينك فانج بدينك كما قال النبي صلى الله عليه وسلم يوشك أن يكون خير مال الرجل غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يعني يفر بدينه من الفتن .
فهنا جريج انعزل عن الناس وبنى صومعة يعني مكانا يتعبد فيه لله عز وجل فجاءته أمه ذات يوم وهو يصلي فنادته فقال في نفسه أي ربي أمي وصلاتي هل أجيب أمي وأقطع الصلاة أو أستمر في صلاتي فمضى في صلاته .
وجاءته مرة ثانية وقالت له مثل الأولى فقال مثل ما قال ثم استمر في صلاته فجاءته مرة ثالثة فدعته فقال مثل ما قال ثم استمر في صلاته فأدركها الغضب وقالت اللهم لا تمته حتى ينظر في وجوه المومسات أي الزواني حتى ينظر في وجوه الزواني والعياذ بالله .
والإنسان إذا نظر في وجوه الزواني افتتن لأن نظر الرجل إلى المرأة فتنة فكيف إذا كانت والعياذ بالله زانية بغية فأشد فتنة لأنه ينظر إليها على أنها تمكنه من نفسها فيفتتن فدعت عليه أمه بذلك يستفاد من هذه الجملة من هذا الحديث أن الوالدين إذا نادياك وأنت تصلي فإن الواجب إجابتهما لكن بشرط ألا تكون الصلاة فريضة فإن كانت فريضة فلا يجوز أن تجيبهما لكن إذا كانت نافلة فأجبهما .
إلا إذا كانا ممن يقدرون الأمور قدرها وأنهما إذا علما أنك في صلاة عذراك فهنا أشر إليهما بأنك في صلاة إما بالنحنحة أو بقول سبحان الله أو برفع صوتك في آية تقرؤها أو دعاء تدعو به حتى يشعر المنادي بأنك في صلاة فإذا علمت أن هذين الأبوين الأم والأب عندهما مرونة يعذرانك إذا كنت تصلي ألا تجيب فنبههم على أنك تصلي فمثلا إذا جاءك أبوك وأنت تصلي سنة الفجر قال يا فلان وأنت تصلي فإن كان أبوك رجلا مرنا يعذرك فتنحنح له أو قل سبحان الله أو ارفع صوتك بالقراءة أو بالدعاء أو بالذكر الذي أنت فيه حتى يعذرك .
وإن كان من الآخرين الذين لا يعذرون ويريدون أن يكون قولهم هو الأعلى فاقطع صلاتك وكلمهم وكذلك يقال في الأم .
أما الفريضة فلا تقطعها لأحد إلا عند الضرورة كما لو رأيت شخصا تخشى أن يقع في هلكة في بئر أو في بحر أو في نار فهنا اقطع صلاتك للضرورة وأما لغير ذلك فلا يجوز قطع الفريضة .
ويستفاد من هذه القطعة أن دعاء الوالد إذا كان بحق فإنه حرى بالإجابة فدعاء الوالد ولو كان على ولده إذا كان بحق فهو حرى أن يجيبه الله ولهذا ينبغي لك أن تحترس غاية الاحتراس من دعاء الوالدين حتى لا تعرض نفسك لقبول الله دعاءهما فتخسر وفي الحديث أيضا دليل على أن الشفقة التي أودعها الله في الوالدين قد يوجد ما يرفع هذه الشفقة لأن هذه الدعوة من هذه المرأة عظيمة أن تدعو على ولدها أن لا يموت حتى ينظر في وجوه المومسات لكن شدة الغضب والعياذ بالله أوجب لها أن تدعو بهذا الدعاء وذكرنا أن أمه لما نادته ثلاثا وهو يصلي فيقبل على صلاته وتنصرف دعت عليه في الثالثة فقالت اللهم لا تمته حتى ينظر في وجوه المومسات فتكلم فيه بنو إسرائيل وفي عبادته فقالت امرأة منهم أنا أكفيكم وأفتنه إن شئتم وفي قصته من الفوائد غير ما سبق أن الإنسان إذا تعرف إلى الله تعالى في الرخاء عرفه في الشدة فإن هذا الرجل كان عابدا يتعبد لله عز وجل فلما وقع في الشدة العظيمة أنجاه الله منها لما جاء إليه هؤلاء الذين كادوا له هذا الكيد العظيم ذهبت هذه المرأة إلى جريج لتفتنه لكنه لم يلتفت إليها فإذا راعي غنم يرعاها ثم يأوي إلى صومعة هذا الرجل فذهبت إلى الراعي فزنى بها والعياذ بالله فحملت منه .
ثم قالوا إن هذا الولد ولد زنى من جريج رموه بهذه الفاحشة العظيمة فأقبلوا عليه يضربونه وأخرجوه من صومعته وهدموها فطلب منهم أن يأتوا بالغلام الذي من الراعي فلما أتوا به ضرب في بطنه وقال من أبوك وهو في المهد فقال أبي فلان يعني ذلك الراعي فأقبلوا إلى جريج يقبلونه ويتمسحون به وقالوا له هل تريد أن نبني لك صومعتك من ذهب لأنهم هدموها ظلما قال لا ردوها على ما كانت عليه من الطين فبنوها له .
ففي هذه القصة أن هذا الصبي تكلم وهو في المهد وقال إن أباه فلان الراعي واستدل بعض العلماء من هذا الحديث على أن ولد الزني يلحق الزاني لأن جريج قال من أبوك قال أبي فلان الراعي وقد قصها النبي صلى الله عليه وسلم علينا للعبرة فإذا لم ينازع الزاني في الولد واستلحق الولد فإنه يلحقه وإلى هذا ذهب طائفة يسيرة من أهل العلم وأكثر العلماء على أن ولد الزنى لا يلحق الزاني لقول النبي صلى الله عليه وسلم الولد للفراش وللعاهر الحجر ولكن الذين قالوا بلحوقه قالوا هذا إذا كان له منازع كصاحب الفراش فإن الولد لصاحب الفراش وأما إذا لم يكن له منازع واستلحقه فإنه يلحقه لأنه ولده قدرا فإن هذا الولد لا شك أنه خلق من ماء الزاني فهو ولده قدرا ولم يكن له أب شرعي ينازعه وعلى هذا فيلحق به قالوا وهذا أولى من ضياع نسب هذا الولد لأنه إذا لم يكن له أب ضاع نسبه وصار ينسب إلى أمه .
وفي هذا الحديث دليل على صبر هذا الرجل جريج حيث إنه لم ينتقم لنفسه ولم يكلفهم شططا فيبنون له صومعته من ذهب وإنما رضي بما كان رضي به أولا من القناعة وأن تبنى من الطين أما الثالث الذي تكلم في المهد فهو هذا الصبي الذي مع أمه يرضع فمر رجل على فرس فارهة وعلى شارة حسنة وهو من أكابر القوم وأشراف القوم فقالت أم الصبي اللهم اجعل ابني هذا مثله فترك الصبي الثدي وأقبل على أمه بعد أن نظر إلى هذا الرجل فقال اللهم لا تجعلني مثله .
وحكى النبي صلى الله عليه وسلم ارتضاع هذا الطفل من ثدي أمه بأن وضع إصبعه السبابة في فمه يمص تحقيقا للأمر صلى الله عليه وسلم فقال اللهم لا تجعلني مثله ثم أقبلوا بجارية امرأة يضربونها ويقولون لها زنيت سرقت وهي تقول حسبنا الله ونعم الوكيل فقالت المرأة أم الصبي وهي ترضعه اللهم لا تجعل ابني مثلها فأطلق الثدي وجعل ينظر إليها وقال اللهم اجعلني مثلها فتراجع الحديث مع أمه طفل قام يتكلم معها قالت إني مررت أو مر بي هذا الرجل ذو الهيئة الحسنة فقلت اللهم اجعل ابني مثله فقلت أنت اللهم لا تجعلني مثله فقال نعم هذا رجل كان جبارا عنيدا فسألت الله ألا يجعلني مثله أما المرأة فإنهم يقولون زنيت وسرقت وهي تقول حسبي الله ونعم الوكيل فقلت اللهم اجعلني مثلها أي اجعلني طاهرا من الزنى والسرقة مفوضا أمري إلى الله في قولها حسبي الله ونعم الوكيل وفي هذا آية من آيات الله أن يكون هذا الصبي يشعر وينظر ويتأمل ويفكر وعنده شيء من العلم يقول هذا كان جبارا عنيدا وهو طفل وقال لهذه المرأة اللهم اجعلني مثلها علم أنها مظلومة وأنها بريئة مما اتهمت به وعلم أنها فوضت أمرها إلى الله عز وجل فهذا أيضا من آيات الله أن يكون عند هذا الصبي شيء من العلم والحاصل أن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير فقد يحصل من الأمور المخالفة للعادة ما يكون آية من آياته إما تأييدا لرسوله أو تأييدا لأحد من أوليائه


باب ملاطفة اليتيم والبنات وسائر الضعفة والمساكين والمنكسرين والإحسان إليهم والشفقة عليهم والتواضع معهم وخفض الجناح لهم


قال الله تعالى { واخفض جناحك للمؤمنين } وقال تعالى { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا }

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله تعالى ( باب ملاطفة اليتامى والضعفة والبنات ) ونحوهم ممن هم محل الشفقة والرحمة وذلك أن دين الإسلام دين الرحمة والعطف والإحسان وقد حث الله عز وجل على الإحسان في عدة آيات من كتابه وبين سبحانه وتعالى أنه يحب المحسنين والذين هم في حاجة إلى الإحسان يكون الإحسان إليهم أفضل وأكمل فمنهم اليتامى .
واليتيم هو الصغير الذي مات أبوه قبل بلوغه سواء كان ذكرا أو أنثى ولا عبرة بوفاة الأم يعني أن اليتيم هو الصغير الذي مات أبوه قبل بلوغه وإن كان له أم وأما من ماتت أمه وأبوه موجود فليس بيتيم خلافا لما يفهمه عوام الناس حيث يظنون أن اليتيم هو الذي ماتت أمه وليس كذلك بلا اليتيم هو الذي مات أبوه ويسمى يتيما ليتمه واليتم هو الانفراد لأن هذا الصغير انفرد عن كاسب وهو صغير لا يستطيع الكسب وقد أوصى الله سبحانه وتعالى في عدة آيات باليتامى وجعل لهم حقا خاصا لأن اليتيم قد انكسر قلبه بموت أبيه فهو محل للعطف والرحمة قال الله عز وجل وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا وكذلك البنات والنساء محل العطف والشفقة والرحمة لأنهن ضعيفات ضعيفات في العقل وفي العزيمة وفي كل شيء فالرجال أقوى من النساء في الأبدان والعقول والأفكار والعزيمة وغير ذلك ولهذا قال الله عز وجل { الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض } كذلك أيضا المنكسرين يعني الذين أصابهم شيء فانكسروا من أجله وليس هو كسر العظم بل كسر القلب يعني مثلا إصابته جائحة اجتاحت ماله أو مات أهله أو مات صديق له فانكسر قلبه والمهم أن المنكسر ينبغي ملاطفته ولهذا شرعت تعزية من مات له ميت إذا أصيب بموته يعزى ويلاطف ويبين له أن هذا أمر الله وأن الله سبحانه وتعالى إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون وما أشبه ذلك .
وكذلك ينبغي خفض الجناح لهم ولين الجانب قال الله تعالى { واخفض جناحك للمؤمنين } اخفض جناحك يعني تطامن لهم وتهاون ولهم وقال { واخفض جناحك } يعني حتى لو شمخت نفسك وارتفعت في الهواء كما يرتفع الطير فاخفض جناحك ولو كان عندك من المال ولك من الجاه والرئاسة ما يجعلك تتعالى على الخلق وتطير كما يطير الطير في الجو فاخفض الجناح اخفض الجناح حتى يكونوا فوقك { لمن اتبعك من المؤمنين } وهذا أمر للرسول عليه الصلاة والسلام وهو أمر للأمة كلها .
فيجب على الإنسان أن يكون لين الجانب لإخوانه المؤمنين ويجب عليه أيضا أنه كلما رأى إنسانا أتبع لرسول الله صلى الله عليه وسلم فليخفض له جناحه أكثر لأن المتبع للرسول عليه الصلاة والسلام أهل لأن يتواضع له وأن يكرم وأن يعزز لا لأنه فلان بن فلان لكن لأنه اتبع الرسول عليه الصلاة والسلام كل من اتبع الرسول عليه الصلاة والسلام فهو حبيبنا وهو أخونا وهو صديقنا وهو صاحبنا وكل من كان أبعد عن اتباع الرسول فإننا نبتعد عنه بقدر ابتعاده عن اتباع الرسول هكذا المؤمن يجب أن يكون خافضا جناحه لكل من اتبع الرسول عليه الصلاة والسلام { اخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين } وقال الله تعالى لرسوله { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا } فاصبر نفسك احسبها مع هؤلاء القوم السادة الكرماء الشرفاء الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يعني صباحا ومساء لا رياء ولا سمعة ولكنهم يريدون وجهه يريدون وجه الله عز وجل في دعائهم له وعبادتهم له وذكرهم له وتسبيحهم له { ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا } يعني لا تبعد عنهم واجعلهم يرونك لا تعد دائما عنهم عيناك أي لا تتجاوز عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا فمثلا إذا كان هناك رجلان أحدهما مقبل على طاعة الله يدعو ربه بالغداة والعشي ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويصوم ويحسن إلى الناس وآخر غني كبير عنده أموال وقصور وسيارات وخدم أيهم أحق أن نصبر أنفسنا معه الأول أحق أن نصبر أنفسنا معه وأن نجالسه وأن نخالطه وأن نتعداه نريد زينة الحياة الدنيا .
الحياة كلها ليست بشيء بل عرض زائل وما فيها من النعيم أو من السرور فإنه محفوف بالأحزان والتنكيد ما من فرح في الدنيا إلا ويتلوه الترح والحزن قال أظنه ابن مسعود رضي الله عنه ما ملئ بيت فرحا إلا ملئ حزنا وترحا وصدق رضي الله عنه لو لم يكن من ذلك إلا أنهم سيموتون تباعا واحدا بعد الثاني كلما مات واحد حزنوا عليه فتكون هذه الأفراح والمسرات تنقلب إلى أحزان وأتراح فالدنيا كلها ليست بشيء إذا { لا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا } بل كن معهم وكن ناصرا لهم ولا يهمنك ما متعنا به أحدا من الدنيا وهذا كقوله عز وجل { ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى } أسأل الله أن يحسن لي ولكم العاقبة وأن يجعل العاقبة لنا ولإخواننا المسلمين حميدة


وقال & تعالى { فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر }

الشَّرْحُ

ذكر المؤلف رحمه الله تعالى فيما ساقه من الآيات الكريمة في باب الحنو على الفقراء واليتامى والمساكين وما أشبههم قال وقول الله تعالى ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى ووجدك عائلا فأغنى فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر وأما بنعمة ربك فحدث الخطاب في قوله { ألم يجدك } للنبي صلى الله عليه وسلم يقرر الله تعالى في هذه الآيات أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتيما فإنه عليه الصلاة والسلام عاش من غير أم ولا أب فكفله جده عبد المطلب ثم مات وهو في السنة الثامنة من عمره صلى الله عليه وسلم ثم كفله عمه أبو طالب .
فكان يتيما وكان صلى الله عليه وسلم يرعى الغنم لأهل مكة على قراريط يعني على شيء يسير من الدراهم لأنه ما من نبي بعثه الله إلا ورعى الغنم فكل الأنبياء الذين أرسلوا أول أمرهم كانوا رعاة غنم من أجل أن يعرفوا ويتمرنوا على الرعاية وحسن الولاية واختار الله لهم أن تكون رعيتهم غنما لأن راعي الغنم يكون عليه السكينة والرأفة والرحمة لأنه يرعى مواشي ضعيفة بخلاف رعاة الإبل رعاة الإبل أكثر ما يكون فيهم الجفاء والغلظة لأن الإبل كذلك غليظة قوية جبارة فنشأ صلى الله عليه وسلم يتيما ثم إن الله سبحانه وتعالى أكرمه فيسر له زوجة صالحة وهي أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها تزوجها وله خمس وعشرون من العمر ولها أربعون سنة وكانت حكيمة عاقلة صالحة رزقه الله منها أولاده كلهم من بنين وبنات إلا إبراهيم فإنه كان من سريته مارية القبطية المهم أن الله يسرها له وقامت بشئونه ولم يتزوج سواها صلى الله عليه وسلم حتى ماتت .
أكرمه الله عز وجل بالنبوة فكان أول ما بدئ بالوحي أن يرى الرؤيا في المنام فإذا رأى الرؤيا في المنام جاءت مثل فلق الصبح في يومها بينة واضحة لأن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة فدعا إلى الله وبشر وأنذر وتبعه الناس وكان هذا اليتيم الذي يرعى الغنم كان إماما لأمة هي أعظم الأمم وكان راعيا لهم عليه الصلاة والسلام راعيا للبشر ولهذه الأمة العظيمة .
قال { ألم يجدك يتيما فآوى } آواك الله بعد يتمك ويسر لك من يقوم بشئونك حتى ترعرعت وكبرت ومن الله عليك بالرسالة العظمى { ووجدك ضالا فهدى } وجدك ضالا يعني غير عالم كما قال الله تعالى { وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك } وقال تعالى { وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما } وقال الله تعالى { ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان } ولكن صار بهذا الكتاب العظيم عالما كامل الإيمان عليه الصلاة والسلام { ووجدك ضالا } أي غير عالم ولكنه هداك بماذا هداه هداه الله بالقرآن { ووجدك عائلا } يعني فقيرا { فأغنى } أغناك وفتح الله عليك الفتوح حتى كان يقسم ويعطي الناس وقد أعطى ذات يوم رجلا غنما بين جبلين وكان يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة عليه الصلاة والسلام ثم تأملوا قوله تعالى { ألم يجدك يتيما فأوى } ما قال فآواك بل قال { فآوى } { ووجدك ضالا فهدى } ولم يقل فهداك { ووجدك عائلا فأغنى } ولم يقل فأغناك لماذا لمناسبتين إحداهما لفظية والثانية معنوية أما اللفظية فلأجل أن تتناسب رؤوس الآيات كقوله تعالى { والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى وللآخرة خير لك من الأولى ولسوف يعطيك ربك فترضى } كل آخر الآيات ألف فقوله { آلم يجدك يتيما فآوى } لو قال فآواك اختلف اللفظ ووجدك ضالا فهداك اختلف اللفظ ووجدك عائلا فأغناك اختلف اللفظ لكن جعل الآيات كلها على فواصل حرف واحد المناسبة الثانية المعنوية وهي أعظم { ألم يجدك يتيما فآوى } هل أواه الله وحده أو أواه وآوى أمته والجواب الثاني آواه الله وأوى على يديه أمما لا يحصيهم إلا الله عز وجل { ووجدك ضالا فهدى } هل هداه وحده لا هدى به أمما عظيمة إلى يوم القيامة { ووجدك عائلا فأغنى } هل أغناه الله وحده لا أغناه الله وأغنى به كم حصل للأمة الإسلامية من الفتوحات العظيمة { وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه } فأغناهم الله عز وجل بمحمد صلى الله عليه وسلم إذا { ألم يجدك يتيما } فآواك وآوى بك { ووجدك ضالا } فهداك وهدى بك { ووجدك عائلا } فأغناك وأغنى بك هكذا حال الرسول عليه الصلاة والسلام ثم قال { فأما اليتيم فلا تقهر } اذكر نفسك حين كنت يتيما فلا تقهر اليتيم بل يسر له أمره إذا صاح فسكته وإذا غضب فأرضه وإذا تعب فخفف عليه وهكذا { فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر } السائل يظهر من سياق الآيات أنه سائل المال الذي يقول أعطني مالا فلا تنهره لأنه قال { ووجدك عائلا فأغنى } فلما أغناك لا تنهر السائل تذكر حالك حينما كنت فقيرا ولا تنهر السائل ويحتمل أن يراد بالسائل سائل المال وسائل العلم حتى الذي يسأل العلم لا تنهره بل الذي يسأل العلم القه بانشراح صدر لأنه لولا أنه محتاج ولولا أن عنده خوف الله عز وجل ما جاء يسأل فلا تنهره اللهم إلا من تعنت فهذا لا حرج أن تنهره لو كنت تخبره ثم يقول لكل شيء لماذا هذا حرام ولماذا هذا حلال لماذا حرم الله الربا وأحل البيع لماذا حرم الله الأم من الرضاع وأشياء كثيرة من قبيل هذا فهذا الذي يتعنت انهره ولا حرج أن تغضب عليه كما فعل الرسول عليه الصلاة والسلام حين تشاجر رجل من الأنصار والزبير بن العوام في الوادي حيث يأتي السيل وكان الزبير رضي الله عنه حائطه قبل حائط الأنصاري فتنازعا الأنصاري يقول للزبير لا تحبس الماء عني والزبير يقول أنا أعلى فأنا أحق فتشاجروا وتخاصموا عند الرسول عليه الصلاة والسلام فقال النبي صلى الله عليه وسلم اسق يا زبير ثم أرسله إلى جارك وهذا حكم فقال أن كان ابن عمتك يا رسول الله كلمة لكن الغضب حمله عليها والعياذ بالله والزبير بن العوام بن صفية بنت عبد المطلب عمة الرسول عليه الصلاة والسلام قال إن كان ابن عمتك يا رسول الله فغضب الرسول صلى الله عليه وسلم وقال اسق يا زبير حتى يصل إلى الجدار ثم أرسله إلى جارك فالحاصل أن السائل للعلم لا تنهره بل تلقه بصدر رحب وعلمه حتى يفهم خصوصا في وقتنا الآن فكثير من الناس الآن يسألك وقلبه ليس معك تجيبه بالسؤال ثم يفهمه خطأ ثم يذهب يقول للناس أفتاني العالم الفلاني بكذا وكذا ولهذا ينبغي ألا تطلق الإنسان الذي يسألك حتى تعرف أنه عرف { وأما بنعمه ربك فحدث } نعمة الله عليك حدث بها قل الحمد لله رزقني الله علما رزقني الله مالا رزقني الله ولدا وما أشبه ذلك والتحديث بنعمة الله نوعان تحديث باللسان وتحديث بالأركان تحديث باللسان كأن تقول أنعم الله علي كنت فقيرا فأغناني الله كنت ما أعرف فعلمني الله وما أشبه ذلك والتحديث بالأركان أن ترى أثر نعمة الله عليك فإن كنت غنيا فلا تلبس ثياب الفقراء بل البس ثيابا تليق بك وكذلك في المنزل وكذلك في المركوب في كل شيء دع الناس يعرفون نعمة الله عليك فإن هذا من التحديث بنعمة الله عز وجل ومن التحديث بنعمة الله عز وجل إذا كنت قد أعطاك الله علما أن تحدث الناس به وتعلم الناس لأن الناس محتاجون وفقني الله والمسلمين لما يحب ويرضي


وقال تعالى { أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين }

الشَّرْحُ

ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في سياق الآيات التي فيها الحث على الرفق باليتامى ونحوهم من الضعفاء قال وقال تعالى أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين .
{ أرأيت } يقول العلماء إن معناها أخبرني يعني أخبرني عن حال هذا الرجل وماذا تكون والدين الجزاء يعني يكذب بالجزاء وباليوم الآخر ولا يصدق به وعلامة ذلك أنه يدع اليتيم يعني يدفعه بعنف وشدة ولا يرحمه { ولا يحض على طعام المسكين } أي لا يحث الناس على طعام المسكين وهو بنفسه لا يفعله أيضا ولا يطعم المساكين فحال هذا والعياذ بالله أسوأ حال لأنه لو كان يؤمن بيوم الدين حقيقة لرحم من أوصى الله برحمتهم وحض على طعام المساكين وفي سورة الفجر يقول الله تعالى { كلا بل لا تكرمون اليتيم ولا تحاضون على طعام المسكين } وهذه أبلغ مما في سورة الماعون لأنه قال { لا تكرمون اليتيم } وإكرامه أكثر من الوقوف بدون إكرام ولا إهانة فاليتيم يجب أنه يكرم وتأمل قوله { بل لا تكرمون اليتيم ولا تحاضون على طعام المسكين } فالمسكين حظه الإطعام ودفع حاجته أما اليتيم فالإكرام فإن كان غنيا فإنه يكرم ليتمه ولا يطعم لغناه وإن كان فقيرا أي اليتيم فإنه يكرم ليتمه ويطعم لفقره ولكن أكثر الناس لا يبالون بهذا الشيء واعلم أن الرفق بالضعفاء واليتامى والصغار يجعل في القلب رحمة ولينا وعطفا وإنابة إلى الله عز وجل لا يدركها إلا من جرب ذلك فالذي ينبغي لك أن ترحم الصغار وترحم الأيتام وترحم الفقراء حتى يكون في قلبك العطف والحنان والرحمة وإنما يرحم الله من عباده الرحماء نسأل الله أن يعمنا والمسلمين برحمته وفضله إنه كريم جواد


260 - عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ستة نفر فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست أسميهما فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع فحدث نفسه فأنزل الله تعالى { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه } رواه مسلم .

الشَّرْحُ

ذكر المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ستة نفر وهذا في أول الإسلام في مكة لأن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه من السابقين إلى الإسلام أسلم وأسلم معه جماعة .
ومن المعلوم أن من أول الناس إسلاما أبا بكر رضي الله عنه بعد خديجة وورقة بن نوفل وكان هؤلاء النفر ستة منهم ابن مسعود رضي الله عنه وكان راعي غنم فقيرا وكذلك بلال بن أبي رباح وكان عبدا مملوكا وكانوا مع الرسول عليه الصلاة والسلام يجلسون إليه ويستمعون له وينتفعون بما عنده وكان المشركون العظماء في أنفسهم يجلسون إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا له اطرد عنا هؤلاء قالوا هذا احتقارا لهؤلاء الذين يجلسون مع النبي صلى الله عليه وسلم فوقع في نفس النبي صلى الله عليه وسلم ما وقع وفكر في الأمر فأنزل الله تعالى ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه نهاه الله عز وجل أن يطرد هؤلاء وإن كانوا فقراء وإن لم يكن لهم قيمة في المجتمع لكن لهم قيمة عند الله لأنهم يدعون الله بالغداة والعشي يعني صباحا ومساء يدعونه دعاء مسألة فيسألونه رضوانه والجنة ويستعيذون به من النار .
ويدعونه دعاء عبادة فيعبدون الله وعبادة الله تشمل على الدعاء ففي الصلاة مثلا يقول الإنسان رب اغفر لي ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين وما أشبه ذلك ثم إن العابد أيضا إنما يعبد لنيل رضا الله عز وجل وفي قوله { يريدون وجهه } تنبيه على الإخلاص وأن الإخلاص له أثر كبير في قبول الأعمال ورفعة العمال عند الله عز وجل فكلما كان الإنسان في عمله أخلص كان أرضى لله وأكثر لثوابه وكم من إنسان يصلي وإلى جانبه آخر يصلي معه الصلاة ويكون بينهما من الرفعة عند الله والثواب والجزاء كما بين السماء والأرض وذلك لإخلاص النية عند أحدهما دون الآخر .
فالواجب على الإنسان أن يحرص غاية الحرص على إخلاص نيته لله في عبادته وألا يقصد بعبادته شيئا من أمور الدنيا لا يقصد إلا رضا الله وثوابه حتى ينال بذلك الرفعة في الدنيا والآخرة قال الله تعالى في آخر الآية { ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين } يعني ليس عليك شيء منهم ولا عليهم شيء منك حساب الجميع على الله وكل يجازى بعمله { فتطردهم فتكون من الظالمين } الفاء هذه التي في { فتكون } تعود على قوله { فتطردهم } لا على قوله { ما عليك } فعندنا هنا في الآية فاءان الفاء الأولى { فتطردهم } وهذه مرتبة على قوله { ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء } و { فتكون من الظالمين } مرتبة على قوله { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي } يعني فإن طردتهم فإنك من الظالمين .
ويستفاد من هذا الحديث أن الإنسان ينبغي له أن يكون جلساؤه من أهل الخير الذين يدعون الله صباحا ومساء يريدون وجهه وألا يهتم بالجلوس مع الأكابر والأشراف والأمراء والوزراء والحكام بل لا ينبغي أن يجلس إلى هؤلاء إلا أن يكون في ذلك مصلحة فإذا كان في ذلك مصلحة مثل أن يريد أن يأمرهم بمعروف أو ينهاهم عن منكر أو يبين لهم ما خفى عليهم من حال الأمة فهذا طيب وفيه خير أما مجرد الأنس بمجالستهم ونيل الجاه بأنه جلس مع الأكابر أو مع الوزراء أو مع الأمراء أو مع ولاة الأمور فهذا غرض لا يحمد عليه العبد إنما يحمد على الجلوس مع من كان أتقى لله من غنى وفقير وحقير وشريف المدار كله على رضا الله عز وجل وعلى محبة من أحب الله وقد ذاق طعم الإيمان من والى من والاه الله وعادى من عاداه الله وأحب في الله وأبغض في الله نسأل الله أن يجعلنا وإياكم كذلك وأن يهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .


261 - وعن أبي هبيرة عائد بن عمرو المزني وهو من أهل بيعة الرضوان رضي الله عنه أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر فقالوا ما أخذت سيوف الله من عدو الله مأخذها فقال أبو بكر رضي الله عنه أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال يا أبا بكر لعلك أغضبتهم لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك فأتاهم فقال يا إخوتاه آغضبتكم قالوا لا يغفر الله لك يا أخي رواه مسلم .
قوله مأخذها أي لم تستوف حقها منه وقوله يا أخي روى بفتح الهمزة وكسر الخاء وتخفيف الياء وروى بضم الهمزة وفتح الخاء وتشديد الياء

الشَّرْحُ

ذكر المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله في قضية الضعفاء والمساكين وأنه تجب ملاطفتهم والرفق بهم والإحسان إليهم أن أبا سفيان مر بسلمان وصهيب وبلال وهؤلاء الثلاثة كلهم من الموالي صهيب الرومى وبلال الحبشي وسلمان الفارسي فمر بهم فقالوا ما أخذت سيوف الله من عدو الله مأخذها يعني يريدون أنهم لم يشفوا أنفسهم مما فعل بهم أسيادهم من قريش الذين كانوا يعذبونهم ويؤذونهم في دين الله عز وجل فكأن أبا بكر رضي الله عنه لامهم على ذلك وقال أتقولون لسيد قريش هذا الكلام ثم إن أبا بكر أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال له لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك يعني أغضبت هؤلاء النفر مع أنهم من الموالي وليسوا بشيء في عداد الناس وأشرافهم لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك فذهب أبو بكر رضي الله عنه إلى هؤلاء النفر وسألهم آغضبتكم قالوا لا قال يا إخوتاه آغضبتكم قالوا لا يغفر الله لك يا أبا بكر فدل هذا على أنه لا يجوز للإنسان أن يترفع على الفقراء والمساكين ومن ليس لهم قيمة في المجتمع لأن القيمة الحقيقية هي قيمة الإنسان عند الله كما قال الله تعالى إن أكرمكم عند الله أتقاكم والذي ينبغي للإنسان أن يخفض جناحه للمؤمنين ولو كانوا غير ذى جاه لأن هذا هو الذي أمر الله به نبيه صلى الله عليه وسلم حيث قال { واخفض جناحك للمؤمنين } وفي هذا دليل على ورع أبي بكر رضي الله عنه وعلى حرصه على إبراء ذمته وأن الإنسان ينبغي له بل يجب عليه إذا اعتدى على أحد بقول أو فعل أو بأخذ مال أو سب أو شتم أن يستحله في الدنيا قبل يأخذ ذلك منه في الآخرة لأن الإنسان إذا لم يأخذ حقه في الدنيا فإنه يأخذه يوم القيامة ويأخذه من أشرف شيء وأعز شيء على الإنسان يأخذه من الحسنات من الأعمال الصالحة التي هو في حاجة إليها في ذلك المكان قال النبي عليه الصلاة والسلام ماذا تعدون المفلس فيكم قالوا من ليس له درهم ولا دينار أو قالوا ولا متاع فقال المفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال فيأتي وقد ضرب هذا وشتم هذا وأخذ مال هذا فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن بقى من حسناته شيء وإلا أخذ من سيئاتهم فطرح عليه ثم طرح في النار


262 - وعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما رواه البخاري وكافل اليتيم القائم بأموره


263 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة وأشار الراوي وهو مالك بن أنس بالسبابة والوسطى رواه مسلم وقوله صلى الله عليه وسلم اليتيم له أو لغيره معناه قريبه أو الأجنبي منه فالقريب مثل أن تكفله أمه أو جده أو أخوه أو غيرهم من قرابته والله أعلم .


264 - وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان ولا اللقمة واللقمتان إنما المسكين الذي يتعفف متفق عليه وفي رواية في الصحيحين ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن به فيتصدق عليه ولا يقوم فيسأل الناس

الشَّرْحُ

ذكر المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أنا وكافل اليتيم هكذا وأشار بالسبابة والوسطى يعني بالأصبع السبابة والوسطى والأصبع السبابة هي التي بين الوسطى والإبهام وتسمى السبابة لأن الإنسان يشير بها عند السب فإذا سب شخصا قال هذا وأشار بها وتسمى السباحة لأن الإنسان يشير بها أيضا عند التسبيح ولهذا يشير الإنسان بها في صلاته إذا جلس بين السجدتين ودعا رب اغفر لي وارحمني كلما دعا رفعها يشير إلى الله عز وجل لأن الله في السماء جلا وعلا وكذلك أيضا يشير بها في التشهد إذا دعا السلام عليك أيها النبي السلام علينا اللهم صلى على محمد اللهم بارك على محمد في كل جملة دعائية يشير بها إشارة إلى علو الله تعالى وتوحيده وفرج بينهما عليه الصلاة والسلام يعني قارن بينهما وفرج يعني أن كافل اليتيم مع النبي عليه الصلاة والسلام في الجنة قريب منه وفي هذا حث على كفالة اليتيم وكفالة اليتيم هي القيام بما يصلحه في دينه ودنياه بما يصلحه في دينه من التربية والتوجيه والتعليم وما أشبه ذلك وما يصلحه في دنياه من الطعام والشراب والمسكن .
واليتيم حده البلوغ فإذا بلغ الصبي زال عنه اليتيم وإذا كان قبل البلوغ فهو يتيم هذا إن مات أبوه وأما إذا ماتت أمه دون أبيه فإنه ليس بيتيم وكذلك الحديث الذي بعده فيه أيضا ثواب من قام بشئون اليتيم وإصلاحه أما الحديث الثالث فإن الرسول عليه الصلاة والسلام يقوم ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان ولا اللقمة واللقمتان إنما المسكين الذي يتعفف يعني المسكين ليس الشحاذ الذي يشحذ الناس ترده اللقمة واللقمتان يعني إذا أعطيته لقمة أو لقمتين أو تمرة أو تمرتين ردته بل المسكين حقيقة هو الذي يتعفف كما قال تعالى يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف هذا هو المسكين حقيقة لا يسأل فيعطى ولا يتفطن له فيعطي كما يقول العامة عاف كاف ما يدري عنه هذا هو المسكين الذي ينبغي للناس تفقده وإصلاح حاله والحنو عليه والعطف عليه وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي للمسكين أن يصبر وأن ينتظر الفرج من الله وأن لا يتكفف الناس أعطوه أو منعوه لأن الإنسان إذا علق قلبه بالخلق وكل إليهم كما جاء في الحديث من تعلق شيئا وكل إليه وإذا وكلت إلى الخلق نسيت الخالق بل اجعل أمرك إلى الله عز وجل وعلق رجاءك وخوفك وتوكلك واعتمادك على الله سبحانه وتعالى فإنه يكفيك { ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره } كل ما أمر الله عز وجل به فهو بالغك لا يمنعه شيء ولا يرده شيء فالمسكين يجب عليه الصبر ويجب عليه أن يمتنع عن سؤال الناس لا يسأل إلا عند الضرورة القصوى إذا حلت له الميتة حل له السؤال أما قبل ذلك ما دام يمكنه أن يتعفف ولو أن يأكل كسرة من خبز أو شقة من تمرة فلا يسأل ولا يزال الإنسان يسأل الناس ثم يسأل الناس ثم يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وما في وجهه مزعة لحم وليحذر الإنسان من التشبه ببعض الذين يترددون على الناس يسألونهم وهم أغنياء الذين إذا ماتوا وجد عندهم الآلاف توجد عندهم الآلاف من الذهب والفضة والدراهم القديمة والأوراق وهم إذا رأيتهم قلت إن هؤلاء أفقر الناس ثم هم يؤذون الناس بالسؤال أو يسألون الناس وهم ليس عندهم شيء لكن يريدون أن يجعلوا بيوتهم كبيوت الأغنياء وسياراتهم كسيارات الأغنياء ولباسهم كلباس الأغنياء فهذا سفه المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور اقتنع بما أعطاك الله إن كنت فقيرا فعلى حسب حالك وإن كنت غنيا فعلى حسب حالك أما أن تقلد الأغنياء وتقول أنا أريد سيارة فخمة وأريد بيتا فارها وأريد فرشا ثم تذهب تسأل الناس سواء سألتهم مباشرة قبل أن تشتري هذه الأشياء التي أردت أو تشتريها ثم تذهب تقول أنا على دين وما أشبه ذلك فكل هذا خطأ عظيم اقتصر على ما عندك وعلى ما أعطاك ربك عز وجل واسأل الله أن يرزقك رزقا لا يطغيك رزقا يغنيك عن الخلق وكفى نسأل الله لنا ولكم التوفيق والسلامة


265 - وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله وأحسبه قال وكالقائم الذي لا يفتر وكالصائم الذي لا يفطر متفق عليه

الشَّرْحُ

ذكر المؤلف رحمه الله في هذا الباب باب الرفق باليتامى والمستضعفين والفقراء ونحوهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله وأحسبه قال وكالقائم الذي لا يفتر وكالصائم لا يفطر والساعي عليهم هو الذي يقوم بمصالحهم ومئونتهم وما يلزمهم والأرامل هم الذين لا عائل لهم سواء كانوا ذكورا أو إناثا والمساكين هم الفقراء ومن هذا قيام الإنسان على عائلته وسعيه عليهم على العائلة الذين لا يكتسبون فإن الساعي عليهم والقائم بمئونتهم ساع على أرملة ومساكين فيكون مستحقا لهذا الوعد ويكون كالمجاهد في سبيل الله أو كالقائم الذي لا يفتر وكالصائم الذي لا يفطر وفي هذا دليل على جهل أولئك القوم الذين يذهبون يمينا وشمالا ويدعون عوائلهم في بيوتهم مع النساء ولا يكون لهم عائل فيضيعون لأنهم يحتاجون إلى الإنفاق ويحتاجون إلى الرعاية وإلى غير ذلك وتجدهم يذهبون يتجولون في القرى وربما في المدن أيضا بدون أن يكون هناك ضرورة ولكن شيء في نفوسهم يظنون أن هذا أفضل من البقاء في أهليهم بتأديبهم وتربيتهم وهذا ظن خطأ فإن بقاءهم في أهلهم وتوجيه أولادهم من ذكور وإناث وزوجاتهم ومن يتعلق بهم أفضل من كونهم يخرجون يزعمون أنهم يرشدون الناس وهم يتركون عوائلهم الذين هم أحق من غيرهم بنصيحتهم وإرشادهم ولهذا قال الله تعالى وأنذر عشيرتك الأقربين فبدأ بعشيرته الأقربين قبل كل أحد أما الذي يذهب إلى الدعوة إلى الله يوما أو يومين أو ما أشبه ذلك وهو عائد إلى أهله عن قرب فهذا لا يضره وهو على خير لكن كلامنا في قوم يذهبون أربعة أشهر أو خمسة أشهر أو سنة عن عوائلهم يتركونهم للأهواء والرياح تعصف بهم فهؤلاء لا شك أن هذا من قصور فقههم في دين الله عز وجل وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين فالفقيه في الدين هو الذي يعرف الأمور ويحسب لها ويعرف كيف تؤتى البيوت من أبوابها حتى يقوم بما يجب عليه


266 - وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال شر الطعام طعام الوليمة يمنعها من يأتيها ويدعى إليها من يأباها ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله رواه مسلم وفي رواية في الصحيحين عن أبي هريرة من قوله بئس الطعام طعام الوليمة يدعى إليها الأغنياء ويترك الفقراء

الشَّرْحُ

ذكر المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال شر الطعام الوليمة يمنعها من يأتيها ويدعي إليها من يأباها ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله قوله عليه الصلاة والسلام شر الطعام الوليمة يحتمل أن يكون المراد بالوليمة هنا وليمة العرس ويحتمل أن يكون أعم وأن المراد بالوليمة كل ما دعي إلى الاجتماع إليه من عرس أو غيره وسيأتي بيان ذلك في الأحكام إن شاء الله ثم فسر هذه الوليمة التي طعامها شر الطعام وهي التي يدعي إليها من يأباها ويمنعها من يأتيها يعني يدعي إليها الأغنياء والغني لا يحرص على الحضور إذا دعي لأنه مستغن بماله ويمنع منها الفقراء والفقير هو الذي إذا دعي أجاب فهذه الوليمة ليست وليمة مقربة إلى الله لأنه لا يدعي إليها من هم أحق بها وهم الفقراء بل يدعي إليها الأغنياء أما الوليمة من حيث هي ولاسيما وليمة العرس فإنها سنة مؤكدة قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف أولم ولو بشاة فأمره بالوليمة قال ولو بشاة يعني ولو بشيء قليل والشاة قليلة بالنسبة لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه لأنه من الأغنياء وقوله عليه الصلاة والسلام ومن لم يجب فقد عصي الله ورسوله يدل على أن إجابة دعوة الوليمة واجبة لأنه لا شيء يكون معصية بتركه إلا وهو واجب ولكن لابد فيها من شروط الشروط الأول أن يكون الداعي مسلما فإن لم يكن مسلما لم تجب الإجابة ولكن تجوز الإجابة لاسيما إذا كان في هذا مصلحة يعني لو دعاك كافر إلى وليمة عرسه فلا بأس أن تجيب لاسيما إن كان في ذلك مصلحة كتأليفه إلى الإسلام وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن يهوديا دعاه في المدينة فأجابه وجعل له خبزا من الشعير وإهالة سنخة يعني ودكا قديما متغيرا وأما اشتراط العدالة يعني اشتراط أن يكون الداعي عدلا فليس بشرط فتجوز إجابة دعوة الفاسق إذا دعاك مثل أن يدعوك إنسان قليل الصلاة مع الجماعة أو حليق اللحية أو شارب دخان فأجبه كما تجيب من كان سالما من ذلك لكن إن كان عدم الإجابة يفضي إلى مصلحة بحيث يخجل هذا الداعي ويترك المعصية التي كان يعتادها حيث الناس لا يجيبون دعوته فلا تجب دعوته من أجل مصلحته أما إذا كان لا يستفيد سواء أجبته أو لم تجبه فأجب الدعوة لأنه مسلم الشرط الثاني أن يكون ماله حالا فإن كان ماله حراما كالذي يكتسب ماله بالربا فإنه لا تجب إجابته لأن ماله حرام والذي ماله حرام ينبغي للإنسان أن يتورع عن أكل ماله ولكنه ليس بحرام يعني لا يحرم عليك أن تأكل من مال من كسبه حرام لأن النبي صلى الله عليه وسلم أكل من طعام اليهود وهم يأكلون الربا يأخذونه ويتعاملون به لكن الورع أن لا تأكل ممن ماله حرام أما إذا كان في ماله حرام يعني ماله مختلط يتجر تجارة حلالا ويكتسب كسبا محرما فلا بأس من إجابته ولا تتورع عن ماله لأنه لا يسلم كثير من الناس اليوم من أن يكون في ماله حرام فمن الناس من يغش فيكتسب من حرام ومنهم من يرابي في بعض الأشياء ومنهم الموظفون وكثير من الموظفين لا يقومون بواجب وظيفتهم فتجده يتأخر عن الدوام أو يتقدم فيخرج قبل وقت انتهاء الدوام وهذا ليس راتبه حلالا بل إنه يأكل من الحرام بقدر ما نقص من عمل الوظيفة لأنه ملتزم بالعقد مع الحكومة مثلا أنه يقوم بوظيفته من كذا إلى كذا فلو فتشت الناس اليوم لوجدت كثيرا منهم يكون في ماله دخن من الحرام الشرط الثالث ألا يكون في الدعوة منكر فإن كان في الدعوة منكر فإنه لا تجب الإجابة مثل لو علمت أنهم سيأتون بمغنيين أو عندهم شيش يشربها الحاضرون أو عندهم شراب دخان فلا تجب إلا إذا كنت قادرا على تغيير هذا المنكر فإنه يجب عليك الحضور لسببين السبب الأول إزالة المنكر والسبب الثاني إجابة الدعوة أما إذا كنت ستحضر ولكن لا تستطيع تغيير المنكر فإن حضورك حرام الشرط الرابع أن يعين المدعو ومعنى يعينه أن يقول يا فلان أدعوك إلى حضور وليمة العرس فإن لم يعينه بأن دعا دعوة عامة في مجلس فقال يا جماعة عندنا حفل زواج ووليمة عرس فاحضروا فإنه لا يجب عليك أن تحضر لأنه دعا دعوة عامة وما نص عليك فلابد أن يعينه فإن لم يعينه فإنها لا تجب ثم إنه ينبغي للإنسان أن يجيب كل دعوة لأن من حق المسلم على أخيه أن يجيب دعوته إلا إذا كان في امتناعه مصلحة راجحة فليتبع المصلحة


267 - وعن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين وضم أصابعه رواه مسلم جاريتين أي بنتين

الشَّرْحُ

أما هذا الحديث ففيه فضل عول الإنسان للبنات وذلك أن البنت قاصرة ضعيفة مهينة والغالب أن أهلها لا يأبهون بها ولا يهتمون بها فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين وضم أصبعيه السبابة والوسطى والمعنى أنه يكون رفيقا لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة إذا عال الجاريتين يعني الأنثيين من بنات أو أخوات أو غيرهما أي إنه يكون مع النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة والعول في الغالب يكون بالقيام بمئونة البدن من الكسوة والطعام والشراب والسكن والفراش ونحو ذلك وكذلك يكون في غذاء الروح بالتعليم والتهذيب والتوجيه والأمر بالخير والنهي عن الشر وما إلى ذلك ويؤخذ من هذا الحديث ومما قبله أيضا أنه ينبغي للإنسان أن يهتم بالأمور التي تقربه إلى الله لا بالأمور الشكليات أو مراعاة ما ينفع في الدنيا فقط بل يلاحظ هذا ويلاحظ ما ينفع في الآخرة أكثر وأكثر وقوله حتى تبلغا يعني حتى تصلا سن البلوغ وهو خمس عشرة سنة أو غير ذلك من علامات البلوغ في المرأة وعلامات البلوغ في المرأة أربع هي: الأولى تمام خمس عشرة سنة الثانية نبات العانة الثالثة الاحتلام الرابعة الحيض فإذا حاضت ولو كان لها أقل من خمس عشرة سنة فهي بالغ


268 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: دخلت على امرأة ومعها ابنتان لها تسأل فلم تجد عندي شيئا غير تمرة واحدة فأعطيتها إياها فقسمتها بين ابنتيها ولم تأكل منها ثم قامت فخرجت فدخل النبي صلى الله عليه وسلم علينا فأخبرته فقال: من ابتلى من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن كن له سترا من النار متفق عليه

الشَّرْحُ

ذكر المؤلف رحمه الله تعالى عن عائشة رضي الله عنها قصة عجيبة غريبة قالت دخلت علي امرأة ومعها ابنتان لها تسأل وذلك لأنها فقيرة قالت فلم تجد عندي شيئا إلا تمرة واحدة بيت من بيوت النبي عليه الصلاة والسلام لا يوجد فيه إلا تمرة واحدة قالت فأعطيتها إياها فقسمتها بين ابنتيها نصفين وأعطت واحدة نصف التمرة وأعطت الأخرى نصف التمرة الآخر ولم تأكل منها شيئا فدخل النبي صلى الله عليه وسلم على عائشة فأخبرته بتلك القصة العجيبة الغريبة فقال النبي صلى الله عليه وسلم من ابتلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن كن له سترا من النار وقوله صلى الله عليه وسلم من ابتلي ليس المراد به هنا بلوى الشر لكن المراد من قدر له كما قال الله تعالى ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون يعني من قدر له ابنتان فأحسن إليهما كن له سترا من النار يوم القيامة يعني أن الله تعالى يحجبه عن النار بإحسانه إلى البنات لأن البنت ضعيفة لا تستطيع التكسب والذي يكتسب هو الرجل قال الله تعالى { الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم } فالذي ينفق على العائلة ويكتسب هو الرجل أما المرأة فإنما شأنها في البيت تقيمه وتصلحه لزوجها وتؤدب أولادها وليست المرأة للوظائف والتكسب إلا عند الغرب الكفرة ومن كان على شاكلتهم ممن اغتر بهم فقلدهم وجعل المرأة مثل الرجل في الاكتساب وفي التجارة وفي المكاتب حتى صار الناس يختلطون بعضهم ببعض وكلما كانت المرأة أجمل كانت أحظى بالوظيفة الراقية عند الغرب ومن شاكلهم ومن شابههم ونحن ولله الحمد في بلادنا هذه نسأل الله أن يديم علينا هذه النعمة قد منعت الحكومة حسب ما قرأنا من كتاباتها أن يتوظف النساء لا في القطاع العام ولا في القطاع الخاص إلا فيما يتعلق بالنساء مثل مدارس البنات وشبهها لكن نسأل الله الثبات وأن يزيدها من فضله وأن يمنعها مما عليه الأمم اليوم هذا الاختلاط الضار ومما ورد في هذا الحديث من العبر أولا بيت من بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أشرف بيوته فيه أحب نسائه إليه لا يوجد به إلا تمرة واحدة ونحن الآن في بلدنا هذا يقدم للإنسان عند الأكل خمسة أصناف شتى فلماذا فتحت علينا الدنيا وأغلقت عليهم ألكوننا أحب إلى الله منهم لا والله هم أحب إلى الله منا ولكن فضل الله يؤتيه من يشاء ونحن ابتلينا بهذه النعم فصارت هذه النعم عند كثير من الناس اليوم سببا للشر والفساد والأشر والبطر حتى فسقوا والعياذ بالله ويخشى علينا من عقوبة الله عز وجل بسبب أن كثيرا منا بطروا هذه النعم وكفروها وجعلوها عونا على معاصي الله سبحانه وتعالى نسأل الله السلامة ثانيا وفيه أيضا ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من الإيثار فإن عائشة ليس عندها إلا تمرة ومع ذلك آثرت بها هذه المسكينة ونحن الآن عندنا أموال كثيرة ويأتي السائل ونرده لكن المشكلة في الحقيقة في رد السائل أن كثيرا من السائلين كاذبون يسأل وهو أغنى من المسئول وكم إنسان سأل ويسأل الناس ويلحف في المسألة فإذا مات وجدت عنده دراهم الفضة والذهب الأحمر والأوراق الكثيرة من النقود وهذا هو الذي يجعل الإنسان لا يتشجع على إعطاء كل سائل من أجل الكذب والخداع حيث يظهرون بمظهر العجزة والمعتوهين والفقراء وهم كاذبون ثالثا وفي الحديث أيضا من العبر أن الصحابة رضي الله عنهم يوجد فيهم الفقير كما يوجد فيهم الغني قال الله تعالى { أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا } ولولا هذا التفاوت ما اتخذ بعضنا بعضا سخريا ولو كنا على حد سواء واحتاج الإنسان منا مثلا لعمل ما كالبناء فجاء إلى الآخر فقال أريدك أن تبني لي بيتا فقال ما أبني أنا مثلك أنا غني فإذا أردنا أن نصنع بابا قال الآخر ما أصنع أنا غني مثلك فهذا التفاوت جعل الناس يخدم بعضهم بعضا
الناس للناس من بدو وحاضرة ...
بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم
حتى التاجر الغني صاحب المليارات يخدم الفقير كيف يورد الأطعمة والأشربة والأكسية ومواد البناء وغيرها يجلبها للفقير فينتفع بها فكل الناس بعضهم يحتاج لبعض ويخدم بعضهم بعضا وذلك حكمة من الله عز وجل رابعا وفي هذا الحديث أيضا دليل على فضل من أحسن إلى البنات بالمال والكسوة وطيب الخاطر ومراعاة أنفسهن لأنهن عاجزات قاصرات خامسا وفيه ما أشرنا إليه أولا من أن الذي يكلف بالنفقة وينفق هم الرجال أما النساء فللبيوت ولمصالح البيوت وكذلك للمصالح التي لا يقوم بها إلا النساء كمدارس البنات أما أن يجعلن موظفات مع الرجال في مكتب واحد أو سكرتيرات كما يوجد في كثير من بلاد المسلمين فإن هذا لا شك خطأ عظيم وشر عظيم وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها وذلك لأن أولها قريب من الرجال فصار شرا وآخرها بعيد عن الرجال فصار خيرا فانظر كيف ندب للمرأة أن تتأخر وتبتعد عن الإمام كل ذلك من أجل البعد عن الرجال نسأل الله أن يحمينا وإخواننا المسلمين من أسباب سخطه وعقابه


269 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها فأطعمتها ثلاث تمرات فأعطت كل واحدة منهما تمرة ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها فاستطعمتها ابنتاها فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما فأعجبني شأنها فذكرت الذي صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن الله قد أوجب لها بها الجنة أو أعتقها بها من النار رواه مسلم


270 - وعن أبي شريح خويلد بن عمرو الخزاعي رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم إني أخرج حق الضعيفين اليتيم والمرأة حديث حسن رواه النسائي بإسناد جيد .
ومعنى أحرج ألحق الحرج وهو الإثم بمن ضيع حقهما وأحذر من ذلك تحذيرا بليغا وأزجر عنه زجرا أكيدا


271 - وعن مصعب بن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما رأى سعد أن له فضلا على من دونه فقال النبي صلى الله عليه وسلم هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم رواه البخاري هكذا مرسلا فإن مصعب بن سعد تابعي ورواه الحافظ أبو بكر البرقاني في صحيحه متصلا عن مصعب عن أبيه رضي الله عنه


272 - وعن أبي الدرداء عويمر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أبغونى في الضعفاء فإنما تنصرون وترزقون بضعفائكم رواه أبو داود بإسناد جيد

الشَّرْحُ

هذه الأحاديث كلها تدل على مضمون ما سبق من الرفق بالضعفاء واليتامى والبنات وما أشبه ذلك وفي حديث عائشة الأول قصة كحديثها السابق لكن الحديث السابق أن عائشة رضي الله عنها أعطتها تمرة واحدة فشقتها بين ابنتيها أما هذا الحديث فأعطتها ثلاث تمرات فأعطت إحدى البنتين واحدة والثانية التمرة الأخرى ثم رفعت الثالثة إلي فيها لتأكلها فاستطعمتاها يعني أن البنتين نظرتا إلى التمرة التي رفعتها الأم فلم تطعمها الأم بل شقتها بينهما نصفين فأكلت كل بنت تمرة ونصفا والأم لم تأكل شيئا فذكرت ذلك للرسول صلى الله عليه وسلم وأخبرته بما صنعت المرأة فقال إن الله أوجب لها بها الجنة أو أعتقها بها من النار يعني لأنها لما رحمتهما هذه الرحمة العظيمة أوجب الله لها بذلك الجنة فدل ذلك على أن ملاطفة الصبيان والرحمة بهم من أسباب دخول الجنة والنجاة من النار نسأل الله أن يكتب لنا ولكم ذلك وفي الأحاديث الثلاثة التالية لهذا الحديث ما يدل على أن الضعفاء سبب للنصر وسبب للرزق فإذا حنا عليهم الإنسان وعطف عليهم وآتاهم مما آتاه الله عز وجل كان ذلك سببا للنصر على الأعداء وكان سببا للرزق لأن الله تعالى أخبر أنه إذا أنفق الإنسان لربه نفقة فإن الله تعالى يخلفها عليه قال الله تعالى وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين يخلفه أي يأتي بخلفه وبدله


باب الوصية بالنساء


قال الله تعالى { وعاشروهن بالمعروف } وقال تعالى { ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما }

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله تعالى باب الوصية بالنساء يعني الوصية على أن يرفق بهن الإنسان وأن يتقي الله تعالى فيهن لأنهن قاصرات يحتجن إلى من يجبرهن ويكملهن كما قال الله تعالى الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى بقول الله تعالى { وعاشروهن بالمعروف } يعني عاشروا النساء بالمعروف والمعاشرة معناها المصاحبة والمعاملة فيعاملها الإنسان بالمعروف ويصاحبها كذلك والمعروف ما عرفه الشرع وأقره واطرد به العرف والعبرة بما أقره الشرع فإذا أقر الشرع شيئا فهو المعروف وإذا أنكر شيئا فهو المنكر ولو عرفه الناس وقال تعالى { ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم } وهذا الخطاب لمن كان عنده زوجتان فأكثر يبين الله عز وجل أن الإنسان لا يستطيع أن يعدل بين النساء ولو حرص لأن هناك أشياء تكون بغير اختيار الإنسان كالمودة والميل وما أشبه ذلك مما يكون في القلب أما ما يكون بالبدن فإنه يمكن العدل فيه كالعدل في النفقة والعدل في المعاملة بأن يقسم لهذه ليلتها والكسوة وغير ذلك فهذا ممكن لكن ما في القلب لا يمكن أن يعدل الإنسان فيه لأنه بغير اختياره ولهذا قال الله تعالى { فلا تميلوا كل الميل فتذروها } أي تذروا المرأة التي ملتم عنها { كالمعلقة } أي بين السماء والأرض ليس لها قرار لأن المرأة إذا رأت أن زوجها مال مع ضرتها تعبت تعبا عظيما واشتغل قلبها فصارت كالمعلقة بين السماء والأرض ليس لها قرار ثم قال { وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما } يعني إن تسلكوا سبيل الإصلاح وتقوى الله عز وجل { فإن الله كان غفورا رحيما } يعني يغفر لكم ما لا تستطيعونه ولكنه يؤاخذكم بما تستطيعون وهاتان الآيتان وغيرهما من نصوص الكتاب والسنة كلها تدل على الرفق بالمرأة وملاحظتها ومعاشرتها بالتي هي أحسن وأن الإنسان لا يطلب منها حقه كاملا لأنه لا يمكن أن تأتي به على وجه الكمال فليعف وليصفح


273 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم استوصوا بالنساء خيرا فإن المرأة خلقت من ضلع وإن أعوج ما في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء متفق عليه وفي رواية في الصحيحين: المرأة كالضلع إن أقمتها كسرتها وإن استمتعت بها استمتعت وفيها عوج وفي رواية لمسلم: إن المرأة خلقت من ضلع لن تستقيم لك على طريقة فإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها قوله عوج هو بفتح العين والواو

الشَّرْحُ

ذكر المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن أبي هريرة رضي الله عنه في معاشرة النساء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال استوصوا بالنساء خيرا يعني اقبلوا هذه الوصية التي أوصيكم بها وذلك أن تفعلوا خيرا مع النساء لأن النساء قاصرات في العقول وقاصرات في الدين وقاصرات في التفكير وقاصرات في جميع شئونهن فإنهن خلقن من ضلع وذلك أن آدم عليه الصلاة والسلام خلقه الله من غير أب ولا أم بل خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ولما أراد الله تعالى أن يبث منه هذه الخليقة خلق منه زوجه فخلقها من ضلعه الأعوج فخلقت من الضلع الأعوج والضلع الأعوج إن استمتعت به استمتعت به وفيه العوج وإن ذهبت تقيمه انكسر فهذه المرأة أيضا إن استمتع بها الإنسان استمتع بها على عوج فيرضى بما تيسر وإن أراد أن تستقيم فإنها لن تستقيم ولن يتمكن من ذلك فهي وإن استقامت في دينها فلن تستقيم فيما تقتضيه طبيعتها ولا تكون لزوجها على ما يريد في كل شيء بل لابد من مخالفة ولابد من تقصير مع القصور الذي فيها فهي قاصرة بمقتضى جبلتها وطبيعتها ومقصرة أيضا فإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها يعني معنى ذلك أنك إن حاولت أن تستقيم لك على ما تريد فلا يمكن ذلك وحينئذ تسأم منها وتطلقها فكسرها طلاقها وفي هذا توجيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معاشرة الإنسان لأهله وأنه ينبغي أن يأخذ منهم العفو وما تيسر كما قال تعالى خذ العفو يعني ما عفي وسهل من أخلاق الناس { وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } ولا يمكن أن تجد امرأة مهما كان الأمر سالمة من العيب مائة بالمائة أو مواتية للزوج مائة بالمائة ولكن كما أرشد النبي عليه الصلاة والسلام استمتع بها على ما فيها من العوج وأيضا إن كرهت منها خلقا رضيت منها خلقا آخر فقابل هذا بهذا مع الصبر وقد قال الله تعالى { فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا }


274 - وعن عبد الله بن زمعة رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يخطب وذكر الناقة والذي عقرها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ انبعث أشقاها انبعث لها رجل عزيز عارم منيع في رهطه ثم ذكر النساء فوعظ فيهن فقال يعمد أحدكم فيجلد امرأته جلد العبد فلعله يضاجعها من آخر يومه ثم وعظهم في ضحكهم من الضرطة وقال لم يضحك أحدكم مما يفعل متفق عليه والعارم بالعين المهملة والراء هو الشرير المفسد وقوله انبعث أي قام بسرعة

الشَّرْحُ

ذكر المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن عبد الله بن زمعة رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يخطب على ناقته وكان عليه الصلاة والسلام خطبه على نوعين نوع راتب ونوع عارض فالخطب الراتبة كخطب يوم الجمعة وخطب العيدين والاستسقاء والكسوف وما أشبه ذلك والخطب العارضة هي التي يكون لها سبب فيقوم النبي صلى الله عليه وسلم فيخطب الناس ويعظهم ويبين لهم وأحيانا يخطب على المنبر وأحيانا يخطب قائما على الأرض وأحيانا يخطب على ناقته وأحيانا يخطب معتمدا على بعض أصحابه حسب ما تقتضيه الحال في وقتها لأن الرسول عليه الصلاة والسلام من هديه أنه لا يتكلف فلا يطلب المعدوم ولا يرد الموجود إذا لم يكن في ذلك تقصير في الشرع أو تجاوز فيه فكان صلى الله عليه وسلم يخطب وسمعه عبد الله بن زمعة ومن جملة ما خطب أنه قال يعمد أحدكم فيجلد امرأته جلد العبد يعني يجلدها جلد شخص كأنه لا علاقة بينه وبينها وكأنها عنده عبد أسير عان وهذا لا يليق لأن علاقة الرجل مع أهله علاقة خاصة ينبغي أن تكون مبنية على المحبة والألفة والبعد عن الفحشاء القولية أو الفعلية أما أن يجلدها كما يجلد العبد ثم في آخر اليوم يضاجعها كيف تضاجعها في آخر اليوم وتستمتع بها محبة وتلذذا وشهوة وأنت قد جلدتها جلد العبد فهذا تناقض ولهذا عتب النبي عليه الصلاة والسلام على هذا العمل فإنه لا ينبغي أن يقع هذا الشيء من الإنسان وصدق النبي عليه الصلاة والسلام فإن هذا لا يليق بالعاقل فضلا عن المؤمن ثم تحدث أيضا عن شيء آخر وهو الضحك من الضرطة يعني إذا ضرط الإنسان وخرجت الريح من دبره ولها صوت ضحكوا فقال صلى الله عليه وسلم واعظا لهم في ذلك لم يضحك أحدكم مما يفعل ألست أنت تضرط كما يضرط هذا الرجل بلى إذا كان كذلك فلماذا تضحك فالإنسان إنما يضحك ويتعجب من شيء لا يقع منه أما ما يقع منه فإنه لا ينبغي أن يضحك منه ولهذا عاتب النبي صلى الله عليه وسلم من يضحكون من الضرطة لأن هذا شيء يخرج منهم وهو عادة عند كثير من الناس كثير من الناس في بعض الأعراف لا يبالون إذا ضرط أحدهم وإلى جنبه إخوانه ولا يحتشمون من ذلك أبدا ويرون أنها من جنس العطاس أو السعال أو ما أشبه ذلك ولكن في بعض الأعراف ينتقدون هذا لكن كونك تضحك وتخجل صاحبك فهذا مما لا ينبغي وفي هذا إشارة إلى أن الإنسان لا ينبغي له أن يعيب غيره فيما يفعله هو بنفسه إذا كنت لا تعيبه بنفسك فكيف تعيبه بإخوانك وبهذه المناسبة أود أن أنبه على مسألة شائعة عند العامة فإنه من المعلوم أن لحم الإبل إذا أكل منه الإنسان وهو متوضئ انتقص وضوؤه ووجب عليه أن يتوضأ إذا أراد الصلاة سواء أكله نيئا أو مطبوخا وسواء كان هبرا أو كبدا أو مصرانا أو كرشا أو قلبا أو رئة كل ما حملت البعير فإن أكله ناقض للوضوء لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستثن شيئا وإنما قال توضئوا من لحوم الإبل وسئل أنتوضأ من لحوم الإبل فقال نعم قال من لحوم الغنم قال إن شئت لحم الغنم لا ينقض الوضوء لحم البقر لا ينقض الوضوء لحم الخيل لا ينقض الوضوء لكن لحم الإبل ينقض الوضوء إذا أكلته نيئا أو مطبوخا وجب عليك أن تتوضأ فأما شرب لبنها فإن الصحيح أنه ليس بناقض للوضوء لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر العرنيين أن يخرجوا إلى إبل الصدقة ويشربوا من أبوالها وألبانها لم يأمرهم بالوضوء ولو كان واجبا لأمرهم به فإن توضأت فهو أحسن أما الوجوب فلا وكذلك المرق لا يجب الوضوء منه وإن توضأت فهو أحسن أما اللحم فلابد وكذلك الشحم فلابد من الوضوء منه يقول بعض الناس إن السبب أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان في وليمة وكان لحمها لحم إبل وأنه خرجت ريح من بعض الحاضرين ولا يدري من فقال الرسول صلى الله عليه وسلم من أكل لحم إبل فليتوضأ فقام جميعهم يتوضئون وجعلوا هذا السبب في أن الإنسان يتوضأ من لحم الإبل وهذا حديث باطل لا أصل له وإنما الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء من لحم الإبل لحكمة يعلمها الله قد نعلمها نحن وقد لا نعلمها المهم نحن علينا أن نقول سمعنا وأطعنا أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن نتوضأ من لحوم الإبل إذا أكلنا منها فسمعا وطاعة


275 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها آخر أو قال غيره رواه مسلم وقوله يفرك هو بفتح الياء وإسكان الفاء معناه يبغض يقال فركت المرأة زوجها وفركها زوجها بكسر الراء يفركها بفتحها أي أبغضها والله أعلم

الشَّرْحُ

ذكر المؤلف فيما نقله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها خلقا آخر الفرك يعني البغضاء والعداوة يعني لا يعادي المؤمن المؤمنة كزوجة مثلا لا يعاديها ويبغضها إذا رأي منها ما يكرهه من الأخلاق وذلك لأن الإنسان يجب عليه القيام بالعدل وأن يراعي المعامل له بما تقتضيه حاله والعدل أن يوازن بين السيئات والحسنات وينظر أيهما أكثر وأيهما أعظم وقعا فيغلب ما كان أكثر وما كان أشد تأثيرا لأن هذا هو العدل يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا يعني لا يحملكم بغضهم على عدم العدل اعدلوا ولو كنتم تبغضونه ولهذا لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة إلى أهل خيبر ليخرص عليهم ثمر النخل وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد عامل أهل خيبر حين فتحها على أن يكفوه المئونة ويقوموا بإصلاح النخيل والزرع ولهم النصف .
فكان يبعث عليهم من يخرص عليهم الثمرة فبعث إليهم عبد الله بن رواحة فخرصها عليهم ثم قال لهم يا معشر اليهود أنتم أبغض الخلق إلي قتلتم أنبياء الله عز وجل وكذبتم على الله وليس يحملني بغضي إياكم على أن أحيف عليكم قد خرصت عشرين ألف وسق من تمر فإن شئتم فلكم وإن أبيتم فلي فقالوا بهذا قامت السماوات والأرض فالشاهد أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر أن يكون الإنسان حاكما بالعدل وبالقسط فقال لا يفرك مؤمن مؤمنة يعني لا يبغضها لأخلاقها إن كره منها خلقا رضي منها خلقا آخر إذا أساءت مثلا في ردها عليك مرة لكنها أحسنت إليك مرات أساءت ليلة لكنها أحسنت ليالي أساءت في معاملة الأولاد مرة لكن أحسنت كثيرا وهكذا فأنت إذا أساءت إليك زوجتك لا تنظر إلى الإساءة في الوقت الحاضر ولكن أنظر إلى الماضي وانظر للمستقبل واحكم بالعدل .
وهذا الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في المرأة يكون في غيرها أيضا ممن يكون بينك وبينه معاملة أو صداقة أو ما أشبه ذلك إذا أساء إليك يوما من الدهر فلا تنس إحسانه إليك مرة أخرى وقارن بين هذا وهذا وإذا غلب الإحسان على الإساءة فالحكم للإحسان وإن غلبت الإساءة على الإحسان فانظر إن كان أهلا للعفو فاعف عنه ومن عفا وأصلح فأجره على الله وإن لم يكن أهلا للعفو فخذ بحقك وأنت غير ملوم إذا أخذت بحقك لكن انظر للمصلحة فالحاصل أن الإنسان ينبغي له أن يعامل من بينه وبينه صلة من زوجية أو صداقة أو معاملة في بيع أو شراء أو غيره أن يعامله بالعدل إذا كره منه خلقا أو أساء إليه في معاملة أن ينظر للجوانب الأخرى الحسنة حتى يقارن بين هذا وهذا فإن هذا هو العدل الذي أمر الله به ورسوله كما قال تعالى { إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون }


276 - وعن عمرو بن الأحوص الجشمي رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع يقول بعد أن حمد الله تعالى وأثنى عليه وذكر ووعظ ثم قال ألا واستوصوا بالنساء خيرا فإنما هن عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا ألا إن لكم على نسائكم حقا ولنسائكم عليكم حقا فحقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم من تكرهون ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح قوله صلى الله عليه وسلم عوان أي أسيرات جمع عانية بالعين المهملة وهي الأسيرة والعانى الأسير شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم المرأة في دخولها تحت حكم الزوج بالأسير والضرب المبرح هو الشاق الشديد وقوله صلى الله عليه وسلم فلا تبغوا عليهن سبيلا أي لا تطلبوا طريقا تحتجون به عليهن وتؤذونهن به والله أعلم

الشَّرْحُ

ذكر المؤلف رحمه الله فيما نقله عن عمرو بن الأحوص الجشمي رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع يخطب وكان ذلك في عرفة لأن النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع قدم مكة يوم الأحد الرابع من ذي الحجة وبقي فيها إلى يوم الخميس الثامن من ذي الحجة وخرج ضحى يوم الخميس إلى منى فصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر فلما طلعت الشمس صار إلى عرفة فنزل بنمرة وهي مكان معروف قبل عرفة وليست من عرفة ثم زالت الشمس وحلت صلاة الظهر فأمر أن ترحل له ناقته فرحلت له وركب حتى بطن الوادي بطن عرنة وهو شعب عظيم يحد عرفة من الناحية الغربية إلى الناحية الشمالية فنزل ثم خطب الناس صلى الله عليه وسلم خطبة عظيمة بليغة ثم قال فيها من جملة ما قال موصيا أمته بالنساء استوصوا بالنساء خيرا فإنما هن عوان عندكم العواني جمع عانية وهي الأسيرة يعني أن الزوجة عند زوجها بمنزلة الأسير عند من أسره لأنه يملكها وإذا كان يملكها فهي كالأسير عنده ثم بين أنه لا حق لنا أن نضربهن إلا إذا أتين بفاحشة مبينة والفاحشة هنا عصيان الزوج بدليل قوله فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا يعني إن أهملت الزوجة في حق زوجها عليها فإنه يعظها أولا ثم يهجرها في المضجع فلا ينام معها ثم يضربها ضربا غير مبرح إن هي استمرت على العصيان هذه مراتب تأديب المرأة إذا أتت بفاحشة مبينة وهي عصيان الزوج فيما يجب له { فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا } يعني لا تضربوهن ولا تقصروا في حقهن لأنهن قمن بالواجب ثم بين صلى الله عليه وسلم الحق الذي لهن والذي عليهن فقال لكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه يعني لا يجعلن أحدا يدخل عليهن على فراش النوم أو غيره وأنت تكره أن يجلس على فراش بيتك وكأن هذا والعلم عند الله ضرب مثل والمعنى أن لا يكرمن أحدا تكرهونه هذا من المضادة لكم أن يكرمن من تكرهونه بإجلاسه على الفرش أو تقديم الطعام له أو ما أشبه ذلك وأن لا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون يعني لا يدخلن أحدا البيت وأنت تكره أن يدخل حتى لو كانت أمها أو أباها فلا يحل لها أن تدخل أمها أو أباها أو أختها أو أخاها أو عمها أو خالها أو عمتها أو خالتها إلى بيت زوجها إذا كان يكره ذلك وإنما نبهت على هذا لأن بعض النساء والعياذ بالله شر شر حتى على ابنتها إذا رأت حياة ابنتها مستقرة وسعيدة مع زوجها أصابتها الغيرة والعياذ بالله وهي الأم ثم حاولت أن تفسد ما بين ابنتها وزوجها فللزوج أن يمنع هذه الأم من دخول بيته وله أن يقول لزوجته لا تدخل بيتي له أن يمنعها شرعا وله أن يمنع زوجته من الذهاب إليها لأنها نمامة تفسد وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة قتات أي نمام ثم قال صلى الله عليه وسلم ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف فالزوج هو الذي ينفق على زوجته حتى لو كانت غنية ولو كانت موظفة فليس له حق في وظيفتها ولا في راتبها ليس له قرش واحد كله لها وتلزمه بأن ينفق عليها إذا قال كيف أنفق عليك وأنت غنية ولك راتب كراتبي نقول يلزمك الإنفاق عليها وإن كانت كذلك فإن أبيت فللحاكم القاضي أن يفسخ النكاح غصبا من الزوج وذلك لأنه ملتزم بنفقتها الحاصل أن خطبة حجة الوداع خطبة عظيمة قرر فيها النبي صلى الله عليه وسلم شيئا كثيرا من أصول الدين ومن الحقوق حتى قال صلى الله عليه وسلم من جملة ما قال ألا وإن ربا الجاهلية موضوع تحت قدمي كانوا في الجاهلية & نسأل الله العافية إذا حل الدين على الفقير قالوا له إما أن تربي وإما أن تقضي تقضي يعني توفينا تربي يعني نزيد عليك الدين حتى يصبح أضعافا مضاعفة .
فقال صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع حاكما ومشرعا إن ربا الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين يعني تحت رجلي ليس له قائمة ثم قال وأول ربا أضع ربا العباس بن عبد المطلب الله أكبر قوة عظيمة في تنفيذ أحكام الله وعدل قائم أول ربا أضع ربا العباس العباس عم الرسول صلى الله عليه وسلم فلا محاباة لأحد لقرابته ولا لنسبه ولا لسلطانه لو كان النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من أهل الدنيا لحابى عمه ولأبقي رباه على ما هو عليه لكن الرسول صلى الله عليه وسلم الذي هو غاية الخلق في العدل يقول أول ربا أضع ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله فليس لأحد ممن عليه الربا أن يوفيه فهو ساقط كأن لم يكن ليس للعباس إلا رأس ماله فقط وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم حينما جاء الناس يشفعون في امرأة من بني مخزوم كانت تستعير المتاع وتجحده تستعير المتاع كالقدر والفرش وغيره ثم إنها بعد أن تأخذ هذا المتاع كانت تنكر أنها أخذت شيئا فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تقطع يدها لأنها سارقة فأهم قريشا شأنها لأنها امرأة من بني مخزوم إحدى قبائل قريش الكبرى وقدموا أسامة بن زيد يشفع عند النبي صلى الله عليه وسلم وأسامة هو ابن عتيق الرسول زيد بن حارثة عبد أهدته خديجة للرسول صلى الله عليه وسلم فأعتقه ثم جاء بأسامة وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحبهما أسامة وأباه زيدا فقالوا لأسامة اشفع عند الرسول صلى الله عليه وسلم فلما جاء يشفع أنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال أتشفع في حد من حدود الله أنكر عليه إنكار توبيخ .
ثم قام فخطب الناس وقال لهم كلاما خالدا عظيما أيها الناس إنما هلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد والضعيف أحق بالعفو إن كان هناك تفريق ومحاباة ولكن ولله الحمد ليس هناك تفريق ولا محاباة في إقامة حدود الله ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها وهي أشرف من المخزومية نسبا وقدرا ودينا وهي بلا شك أفضل من المخزومية لأنها سيدة نساء أهل الجنة رضي الله عنها .
وقوله صلى الله عليه وسلم وايم الله حلف وإن لم يستحلف لتأكيد هذا الحكم وبيان أهميته لو أن فاطمة وهي أشرف من هذه المخزومية بنت محمد أشرف البشر سرقت لقطعت يدها ليقطع كل الحجج والوساطات والشفاعات وهذا يدل على كمال عدله صلى الله عليه وسلم المهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم خطب في حجة الوداع خطبة عظيمة بين فيها كثيرا من أحكام الإسلام وآدابه وقد قام بشرح هذه الخطبة الشيخ العلامة عبد الله بن محمد بن حميد رحمة الله عليه رئيس القضاة في هذه المملكة في زمنه شرحها شرحا موجزا لكنه مفيد فمن أحب فليرجع إليه


277 - وعن معاوية بن حيدة رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله: ما حق زوجة أحدنا عليه قال أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت حديث حسن رواه أبو داود وقال معنى لا تقبح أي لا تقل قبحك الله


278 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وخياركم خياركم لنسائهم رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح

الشَّرْحُ

ذكر المؤلف رحمه الله فيما نقل عن معاوية بن حيدة رضي الله عنه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم ما حق امرأة أحدنا عليه والصحابة رضي الله عنهم كانوا إذا سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فإنما يسألونه ليعلموا لا ليعلموا فقط خلافا لما عليه كثير من الناس اليوم يسألون ليعلموا ثم لا يعمل إلا قليل منهم وذلك أن الإنسان إذا علم من شريعة الله ما علم كان حجة له أو عليه إن عمل به فهو حجة له يوم القيامة وإن لم يعمل به كان حجة عليه يؤاخذ به وما أكثر ما كان الصحابة يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن أمور دينهم ففي القرآن مسائل كثيرة يسألونك ماذا ينفقون { ويسألونك عن اليتامى } { ويسألونك عن المحيض } { يسألونك عن الأهلة } كلها أسئلة يريد بها الصحابة رضي الله عنهم أن يعملوا منها حكم الله ثم يطبقوه في أنفسهم وفي أهليهم وهنا سأله معاوية ما حق امرأة أحدنا عليه قال أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت يعني لا تخص نفسك بالكسوة دونها ولا بالطعام دونها بل هي شريكة لك يجب عليك أن تنفق عليها كما تنفق على نفسك حتى إن كثيرا من العلماء يقول إذا لم ينفق الرجل على زوجته وطالبت بالفسخ عند القاضي فللقاضي أن يفسخ النكاح لأنه قصر بحقها الواجب لها .
قال ولا تضرب الوجه ولا تقبح فلا تضربها إلا لسبب وإذا ضربتها فاجتنب الوجه وليكن ضربا غير مبرح وقد سبق لنا أن الإنسان إذا رأي من امرأته نشوزا وترفعا عليه وأنها لا تقوم بحقه وعظها أولا ثم هجرها في المضجع ثم ضربها ضربا غير مبرح فإذا حق له أن يضربها لوجود السبب فإنه لا يضرب الوجه وكذلك غير الزوجة لا يضرب على الوجه فالابن إذا أخطأ لا يضرب على الوجه لأن الوجه أشرف ما في الإنسان وهو واجهة البدن كله فإذا ضرب كان أذل للإنسان مما لو ضرب غير وجهه يعني يضرب الرجل مع كتفه مع عضده مع ظهره فلا يري بذلك أنه استذل كما لو ضربته على وجهه ولهذا نهي عن ضرب الوجه وعن تقبيح الوجه قوله لا تقبح يعني لا تقل أنت قبيحة أو قبح الله وجهك ويشمل النهي عن التقبيح النهي عن التقبيح الحسي والمعنوي فلا يقبحها مثل أن يقول أنت من قبيلة رديئة أو من عائلة سيئة أو غير ذلك كل هذا من التقبيح الذي نهي الله عنه قال ولا تهجر إلا في البيت يعني إذا وجد سبب الهجر فلا تهجرها علنا وتظهر للناس أنك هجرتها اهجرها في البيت لأنه ربما تهجرها اليوم وتتصالح معها في الغد فتكون حالكما مستورة لكن إذا ظهرت حالكما للناس بأن قمت بنشر ذلك والتحديث به كان هذا خطأ اهجرها في البيت ولا يطلع على هجرك أحد حتى إذا اصطلحت معها رجع كل شيء على ما يرام دون أن يطلع عليه أحد من الناس أما الحديث الثاني حديث أبي هريرة رضي الله عنه فإنه حديث عظيم قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم أكمل الناس إيمانا أحسنهم خلقا الإيمان يتفاوت ويتفاضل كما قال الله تعالى { ويزداد الذين آمنوا إيمانا } وليس الناس في الإيمان سواء من الناس من يؤمن بالغيب وكأنه يشاهده شهود عيان يؤمن بيوم القيامة وكأنه الآن في تلك الساعات يؤمن بالجنة وكأنها ماثلة أمامه يؤمن بالنار وكأنه يراها بعينه يؤمن إيمانا حقيقيا مطمئنا لا يخالطه شك ومن الناس من يكون مزعزع الإيمان نسأل الله العافية كما قال تعالى { ومن الناس من يعبد الله على حرف } يعني على طرف { فإن أصابه خير } يعني إن لم يواجه أحدا يشككه في الدين ولم يواجه إلا صلحاء يعينونه { اطمأن به } أي ركن إليه { وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة } إن أصابته فتنة في بدنه أو ماله أو أهله انقلب على وجهه واعترض على القضاء والقدر وتسخط وهلك والعياذ بالله { خسر الدنيا والآخرة } فأكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وفي هذا حث عظيم على حسن الخلق حسن الخلق مع الله وحسن الخلق مع الناس أما حسن الخلق مع الله فأن يرضي الإنسان بشريعته وينقاد إليها مسلما راضيا مطمئنا بها سواء كان أمرا يأمر به أو نهيا ينهي عنه .
وأن يرضي الإنسان بقدر الله عز وجل ويكون الذي قدر الله عليه مما يسوءه كالذي قدر الله عليه مما يسره فيقول يا رب كل شيء من عندك فأنا راض بك ربا إن أعطيتني مما يسرني شكرت وإن أصابني ما يسوءني صبرت فيرضي بالله قضاء وقدرا وأمرا وشرعا هذا حسن الخلق مع الله أما حسن الخلق مع الناس فظاهر فكف الأذى وبذل الندي والصبر عليهم وعلى أذاهم هذا من حسن الخلق مع الناس أن تعاملهم بهذه المعاملة تكف أذاك عنهم وتبذل نداك الندي يعني العطاء سواء مالا أو جاها أو غير ذلك وكذلك تصبر على البلاء منهم فإذا كنت كذلك كنت أكمل الناس إيمانا ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي فخير الناس هو خيرهم لأهله لأن الأقربين أولى بالمعروف فإذا كان فيك خير فليكن أهلك هم أول المستفيدين من هذا الخير وهذا عكس ما يفعله بعض الناس اليوم تجده سيئ الخلق مع أهله حسن الخلق مع غيرهم وهذا خطأ عظيم أهلك أحق بإحسان الخلق أحسن الخلق معهم لأنهم هم الذين معك ليلا ونهارا سرا وعلانية إن أصابك شيء أصيبوا معك وإن سررت سروا معك وإن حزنت حزنوا معك فلتكن معاملتك معهم خيرا من معاملتك مع الأجانب فخير الناس خيرهم لأهله نسأل الله أن يكمل لي وللمسلمين الإيمان وأن يجعلنا خير عباد الله في أهلينا ومن لهم حق علينا


279 - وعن إياس بن عبد الله بن أبي ذباب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تضربوا إماء الله فجاء عمر رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ذئرن النساء على أزواجهن فرخص في ضربهن فأطاف بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء كثير يشكون أزواجهن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد أطاف بآل بيت محمد نساء كثير يشكون أزواجهن ليس أولئك بخياركم رواه أبو داود بإسناد صحيح قوله ذئرن هو بذال معجمة مفتوحة ثم همزة مكسورة ثم راء ساكنة ثم نون أي اجترا أن قوله أطاف أي أحاط


280 - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة رواه مسلم

الشَّرْحُ

ذكر رحمه الله تعالى فيما نقله فيما يتعلق بأمر النساء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تضربوا إماء الله يريد بذلك النساء فيقال أمة الله كما يقال عبد الله ويقال إماء الله كما يقال عباد الله ومن ذلك الحديث الصحيح لا تمنعوا إماء الله مساجد الله نهاهم عن ضرب النساء فكفوا عن ذلك لأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا من الطراز الأول والجيل المفضل الذين إذا دعوا إلى الله ورسوله قالوا سمعنا وأطعنا فكفوا عن ضرب النساء والنساء قاصرات عقل وناقصات دين فلما نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ضربهن اجترأن على أزواجهن كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه يا رسول الله إن النساء ذئرن على أزواجهن يعني اجترأن وتعالين على الرجال فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم ما قال عمر أجاز ضربهن فأفرط الرجال في ذلك وجعلوا يضربونهن حتى وإن لم يكن ذلك من حقهم فطافت النساء بآل النبي صلى الله عليه وسلم أي ببيوته وجعلن يتجمعن حول بيوت النبي صلى الله عليه وسلم يشكون أزواجهن فقال النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب الناس يخبرهم بأن هؤلاء الذين يضربون أزواجهن ليسوا بخيارهم أي ليسوا بخيار الرجال وهذا كقوله خيركم خيركم لأهله فدل هذا على أن الإنسان لا يفرط ولا يفرط في ضرب أهله إن وجد سببا يقتضي الضرب فلا بأس وقد بين الله عز وجل مراتب ذلك في كتابه فقال واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن المرتبة الثالثة الضرب وإذا ضربوهن فليضربوهن ضربا غير مبرح ثم ذكر المؤلف حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة فقوله صلى الله عليه وسلم الدنيا متاع يعني شيء يتمتع به كما يتمتع المسافر بزاده ثم ينتهي وخير متاعها المرأة الصالحة إذا وفق الإنسان لامرأة صالحة في دينها وعقلها فهذا خير متاع الدنيا لأنها تحفظه في سره وماله وولده وإذا كانت صالحة في العقل أيضا فإنها تدبر له التدبير الحسن في بيته وفي تربية أولادها إن نظر إليها سرته وإن غاب عنها حفظته وإن وكل إليها أمره لم تخنه فهذه المرأة هي خير متاع الدنيا ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم تنكح المرأة لأربع لمالها وحسبها وجمالها ودينها فاظفر بذات الدين تربت يداك يعني عليك بها فإنها خير من يتزوجه الإنسان فذات الدين وإن كانت غير جميلة الصورة لكن يجملها خلقها ودينها فاظفر بذات الدين تربت يداك .


باب حق الزوج على المرأة


قال الله تعالى { الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله } وأما الأحاديث فمنها حديث عمرو بن الأحوص السابق في الباب قبله


281 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فلم تأته فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح متفق عليه وفي رواية لهما: إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح وفي رواية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطا عليها حتى يرضي عنها

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله تعالى باب حق الزوج على المرأة لما ذكر رحمه الله حقوق الزوجة على زوجها ذكر حقوق الزوج على زوجته ثم استدل بقول الله تعالى الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله قوله تعالى { الرجال قوامون على النساء } يعني أن الرجل هو القيم الذي له الأمر على المرأة يدبرها ويوجهها ويأمرها فتطيع إلا إذا أمرها بمعصية الله فلا سمع له ولا طاعة لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق مهما كان هذا المخلوق وفي هذا دليل على سفه أولئك الكفار من الغربيين وغير الغربيين الذين صاروا أذنابا للغرب يقدسون المرأة أكثر من تقديس الرجل لأنهم يتبعون أولئك الأراذل من الكفار الذين لم يعرفوا لصاحب الفضل فضله فتجدهم مثلاص في مخاطباتهم يقدمون المرأة على الرجل فيقول أحدهم أيها السيدات والسادة وتجد المرأة في المكان الأعلى عندهم والرجل دونها ولكن هذا ليس بغريب على قوم يقدسون كلابهم حتى إنهم يشترون الكلب بالآلاف ويخصصون له من الصابون وآلات التطهير وغير ذلك ما يضحك السفهاء فضلا عن العقلاء ومع أن الكلب نجس العين لا يطهر أبدا فالحاصل أن الرجال هم القوامون على النساء { بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم } وهذا وجه آخر للقوامة على النساء وهو أن الرجل هو الذي ينفق على المرأة وهو المطالب بذلك وهو صاحب البيت وليست المرأة هي التي تنفق وهذا إشارة إلى أن أصحاب الكسب الذي يكسبون ويعملون هم الرجال أما المرأة فصناعتها بيتها تبقى في بيتها تصلح أحوال زوجها وأحوال أولادها وأحوال البيت هذه وظيفتها أما أن تشارك الرجال بالكسب وطلب الرزق ثم بالتالي تكون هي المنفقة عليه فهذا خلاف الفطرة وخلاف الشريعة فالله تعالى يقول { وبما أنفقوا من أموالهم } فصاحب الإنفاق هو الرجل قال تعالى { فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله } فالصالحات قانتات أي مديمات للطاعة الصالحة تقنت ليس معناها الدعاء بالقنوت بل القنوت دوام الطاعة كما قال تعالى { وقوموا لله قانتين } أي مديمين لطاعته { قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله } يعني يحفظن سر الرجل وغيبته وما يكون داخل جدرانه من الأمور الخاصة وتحفظه بما حفظ الله أي بما أمر الله تعالى بحفظه فهذه هي الصالحة فعليك بالمرأة الصالحة لأنها خير لك من امرأة جميلة ليست بصالحة ثم ذكر المؤلف رحمه الله حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت عليه لعنتها الملائكة حتى تصبح ولعن الملائكة يعني أنها تدعو على هذه المرأة باللعنة واللعنة هي الطرد والإبعاد عن رحمة الله فإذا دعاها إلى فراشه ليستمتع بها بما أذن الله له فيه فأبت أن تجيء فإنها تلعنها الملائكة والعياذ بالله أي تدعو عليها باللعنة إلى أن تصبح واللفظ الثاني أنها إذا هجرت فراش زوجها فإن الله تعالى يغضب عليها حتى يرضي عنها الزوج وهذا أشد من الأول لأن الله سبحانه وتعالى إذا سخط فإن سخطه أعظم من لعنة الإنسان نسأل الله العافية ودليل ذلك أن الله تعالى ذكر في آية اللعان أنه إذا لاعن الرجل يقول { أن لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين } وهي إذا لاعنت تقول { أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين } وهذا يدل على أن الغضب أشد وأيضا قال في الحديث إلا كان الذي في السماء ساخطا عليها حتى يرضى عنها أي الزوج وهنا قال حتى تصبح أما هنا فعلقه برضى الزوج وهذا قد يكون أقل وقد يكون أكثر يعني ربما يرضى الزوج عنها قبل طلوع الفجر وربما لا يرضى إلا بعد يوم أو يومين المهم ما دام الزوج ساخطا عليها فالله عز وجل ساخط عليها وفي هذا دليل على عظم حق الزوج على زوجته ولكن هذا في حق الزوج القائم بحق الزوجة أما إذا نشز ولم يقم بحقها فلها الحق أن تقتص منه وألا تعطيه حقه كاملا لقول الله تعالى { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } ولقوله تعالى { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } لكن إذا كان الزوج مستقيما قائما بحقها فنشزت هي وضيعت حقه فهذا جزاؤها إذا دعاها إلى فراشه فأبت أن تأتي والحاصل أن هذه الألفاظ التي وردت في هذا الحديث هي مطلقة لكنها مقيدة بكونه قائما بحقها أما إذا لم يقم بحقها فلها أن تقتص منه وأن تمنعه من حقه مثل ما منعها من حقها لقوله تعالى { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } وقوله { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } وفي هذا الحديث دليل صريح لما ذهب إليه أهل السنة والجماعة وسلف الأمة من أن الله عز وجل في السماء هو نفسه جل وعلا فوق عرشه فوق سبع سماوات وليس المراد بقوله في السماء أي ملكه في السماء بل هذا تحريف للكلم عن مواضعه وتحريف الكلم عن مواضعه من صفات اليهود والعياذ بالله الذين حرفوا التوراة عن مواضعها وعما أراد الله بها فإن ملك الله سبحانه وتعالى في السماء وفي الأرض كما قال تعالى { ولله ملك السماوات والأرض } وقال أيضا { قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه } وقال أيضا { له مقاليد السماوات والأرض } كل السماوات والأرض بيد الله عز وجل كلها ملك الله ولكن المراد هو نفسه عز وجل فوق سماواته على العرش استوى ولذلك نجد أن المسألة فطرية لا تحتاج إلى دراسة وتعب حتى يقر الإنسان أن الله في السماء بمجرد الفطرة يرفع الإنسان يديه إلى ربه إذا دعا ويتجه بقلبه إلى السماء واليد ترفع أيضا نحو السماء بلى حتى البهائم ترفع إلى السماء حدثني أحد الأساتذة في الجامعة عندنا عن شخص اتصل عليه من القاهرة إبان الزلزلة التي أصابت مصر يقول إنه قبل الزلزال بدقائق هاجت الحيوانات في مقرها الذي يسمونه حديقة الحيوانات هاجت هيجانا عظيما ثم بدأت ترفع رأسها إلى السماء سبحانه الله بهائم تعرف أن الله في السماء وأوادم من بني آدم ينكرون أن الله في السماء والعياذ بالله فالبهائم تدري وتعرف نحن نشاهد بعض الحشرات إذا طردتها أو آذيتها وقفت ثم رفعت قوائمها إلى السماء نشاهدها مشاهدة فهذا يدل على أن كون الله عز وجل في السماء أمر فطري لا يحتاج إلى دليل أو تعب أو عنت حتى الذين ينكرون أن الله في السماء نسأل الله لنا ولهم الهداية لو جاءوا يدعون أين يرفعون أيديهم إلى السماء فسبحان الله أفعالهم تكذب عقيدتهم هذه العقيدة الباطلة الفاسدة التي يخشى عليهم من الكفر بها وهذه جارية أمة مملوكة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أراد سيدها أن يعتقها فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ادعها فجاءت الجارية فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم أين الله قالت الله في السماء قال من أنا قالت أنت رسول الله قال لسيدها أعتقها فإنها مؤمنة وسبحان الله إن هؤلاء الذين يعتقدون أن الله ليس في السماء يقولون من قال إن الله في السماء فهو كافر والعياذ بالله نسأل الله لنا ولهم الهداية المهم أن من عقيدتنا التي ندين الله بها أن الله عز وجل فوق كل شيء وهو القاهر فوق عباده وأنه على العرش استوى وأن العرش على السماوات مثل القبة كأنه قبة أي خيمة مضروبة على السماوات والأرض والسماوات والأرض بالنسبة للعرش ليست بشيء وجاء في بعض الآثار أن السماوات السبع والأرضين السبع بالنسبة للكرسي كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض حلقة الدرع حلقة ضيقة ما يدخل فيها مفتاح إذا ألقيت في فلاة من الأرض ماذا تشغل من مساحة هذه الفلاة لا شيء قال وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الحلقة إذا الله أكبر من كل شيء ولهذا قال الله عز وجل { وسع كرسيه السماوات والأرض } يعني أحاط بها فما بالك بالرب عز وجل فالرب عز وجل فوق كل شيء هذه عقيدتنا التي نسأل الله تعالى أن نموت عليها ونبعث عليها هذه العقيدة التي يعتقدها أهل السنة والجماعة بالاتفاق


282 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه ولا تأذن في بيته إلا بإذنه متفق عليه وهذا لفظ البخاري

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن أبي هريرة رضي الله عنه إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه ولا تأذن في بيته إلا بإذنه هذا من حقوق الزوج على زوجته أنه لا يحل لها أن تصوم إلا بإذنه ما دام حاضرا في البلد أما إذا كان غائبا فلها أن تصوم ما شاءت لكن إذا كان في البلد فلا تصوم وظاهر الحديث أنها لا تصوم فرضا ولا نفلا إلا بإذنه أما النفل فواضح أنها لا تصوم إلا بإذنه لأن حق الزوج عليها واجب والنفل تطوع لا تأثم بتركه وحق الزوج تأثم بتركه وذلك أن الزوج ربما يحتاج إلى أن يستمتع بها فإذا كانت صائمة وأراد الاستمتاع بها صار في نفسه حرج وإلا فله أن يستمتع بها ويجامعها وهي صائمة صوم تطوع إذا لم يأذن فيه من قبل ولو أفسد صومها ولا إثم عليه لكن من المعلوم أنه سيكون في نفسه حرج لهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه أما صيام الفرض فإن كان قد بقي من السنة مدة أكثر مما يجب عليها فلا يحل لها أن تصوم إلا بإذن زوجها إذا كان شاهدا يعني مثلا عليها عشرة أيام من رمضان وهي الآن في رجب وقالت أريد أن أصوم القضاء نقول لا تصومي القضاء إلا بإذن الزوج لأن معك سعة من الوقت أما إذا كان بقي في شعبان عشرة أيام فلها أن تصوم وإن لم يأذن لأنه لا يحل للإنسان الذي عليه قضاء من رمضان أن يؤخره إلى رمضان الثاني وحينئذ تكون فاعلة لشيء واجب فرض في الدين وهذا لا يشترط فيه إذن الزوج ولا غيره فصوم المرأة فيه تفضيل أما التطوع فلا يجوز إلا بإذن الزوج وأما الفرض فإن كان الوقت متسعا فإنه لا يجوز إلا بإذن الزوج وإن كان لا يسع إلا مقدار ما عليها من الصوم فإنه لا يشترط إذن الزوج هذا إذا كان حاضرا أما إذا كان غائبا فلها أن تصوم وهل مثل ذلك الصلاة يحتمل أن تكون الصلاة مثل الصوم وأنها لا تتطوع في الصلاة إلا بإذنه ويحتمل أن لا تكون مثل الصوم لأن وقت الصلاة قصير بخلاف الصوم الصوم كل النهار والصلاة ليست كذلك الصلاة ركعتان إذا كانت تطوعا والفريضة معروف أنه لا يشترط إذنه والظاهر أن الصلاة ليست كالصوم فلها أن تصلي ولو كان زوجها حاضرا إلا أن يمنعها فيقول أنا نحتاج إلى استمتاع لا تصلين الضحى مثلا لا تتهجدين الليلة .
على أنه يجوز للزوج أن يحرم زوجته الخير إلا إذا كان هناك حاجة بأن غلبت عليه الشهوة ولا يتمكن من الصبر وإلا فعليه أن يكون عونا لها على طاعة الله وعلى فعل الخير لأنه يكون مأجورا بذلك كما أنها مأجورة أيضا على الخير وأما إدخال أحد بيته بغير إذنه فظاهر فلا يجوز أن تدخل أحد بيته إلا بإذنه لكن الإذن في إدخال البيت نوعان الإذن الأول إذن العرف يعني جري به العرف مثل دخول امرأة الجيران والقريبات والصاحبات والزميلات وما أشبه ذلك هذا جري العرف به وأن الزوج يأذن به فلها أن تدخل هؤلاء إلا إذا منع وقال لا تدخل عليك فلانة فهنا يجب المنع ويجب أن لا تدخل والإذن الثاني إذن لفظي بأن يقول لها أدخلي من شئتي ولا حرج عليك إلا من رأيتي منه مضرة فلا تدخليه فيتقيد الأمر بإذنه وفي هذا دليل على أن الزوج يتحكم في بيته أن يمنع حتى أم الزوجة إذا شاء أن يمنعها وحتى أختها وخالتها وعمتها لكنه لا يمنعها من هؤلاء إلا إذا كان هناك ضرر عليه وعلى بيته لأن بعض النساء والعياذ بالله لا يكون فيها خير تكون ضررا على ابنتها وزوجها تأتي إلى ابنتها وتحقنها من العداوة والبغضاء بينها وبين زوجها حتى تكره زوجها ومثل هذه الأم لا ينبغي أن تترك مع ابنتها لأنها تفسدها على زوجها فهي كالسحرة الذين يتعلمون ما يفرقون به بين المرء وزوجه


283 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته والأمير راع والرجل راع على أهل بيته والمرأة راعية على بيت زوجها وولده فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته متفق عليه


284 - وعن أبي علي طلق بن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا دعا الرجل زوجته لحاجته فلتأته وإن كانت على التنور رواه الترمذي والنسائي وقال الترمذي حديث حسن صحيح


285 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح


286 - وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة رواه الترمذي وقال حديث حسن

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته الخطاب للأمة جميعا يبين فيه الرسول صلى الله عليه وسلم أن كل إنسان راع ومسئول عن رعيته والراعي هو الذي يقوم على الشيء ويرعى مصالحه فيهيئها له ويرعى مفاسده فيجنبه إياها كراعي الغنم ينظر ويبحث عن المكان المربع حتى يذهب بالغنم إليه وينظر في المكان المجدب فلا يتركها في هذا المكان هكذا بنو آدم كل إنسان راع وكل مسئول عن رعيته فالأمير راع ومسئول عن رعيته والأمراء يختلفون في نفوذهم وفي مناطق أعمالهم قد يكون هذا الأمير أميرا على قرية صغيرة فتكون مسئوليته صغيرة وقد يكون أميرا على مدينة كبيرة فتكون مسئوليته كبيرة وقد يكون مسئولا عن أمة كالأمير الذي ليس فوقه أمير في منطقته كالملك مثلا هنا وكالرؤساء في البلاد الأخرى وكأمراء المؤمنين في عهد عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وكالخلفاء في زمن بني أمية وبني العباس وغيرهم المهم أن الرعاة تتنوع رعيتهم أو تتنوع رعايتهم ما بين مسئولية كبيرة واسعة ومسئولية صغيرة ولهذا قال الأمير راع يعني هو مسئول عن رعيته الرجل راع لكن رعيته محصورة هو راع في أهل بيته في زوجته في ابنه في بنته في أخته في عمته في خالته كل من في بيته هو راع في أهل بيته ومسئول عن رعيته يجب عليه أن يرعاهم أحسن رعاية لأنه مسئول عنهم كذلك المرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها يجب عليها أن تنصح في البيت في الطبخ في القهوة في الشاي في الفرش لا تطبخ أكثر من اللازم ولا تسوي الشاي أكثر مما يحتاج إليه يجب عليها أن تكون امرأة مقتصدة فإن الاقتصاد نصف المعيشة غير مفرطة فيما ينبغي مسئولة أيضا عن أولادها في إصلاحهم وإصلاح أحوالهم وشئونهم كإلباسهم الثياب وخلعهم الثياب غير النظيفة وتغيير فراشهم الذي ينامون عليه وتغطيتهم في الشتاء وهكذا مسئولة عن كل هذا مسئولة عن الطبخ وإحسانه ونضجه وهكذا مسئولة عن كل ما في البيت كذلك العبد مسئول وراع في مال سيده ومسئول عن رعيته يجب عليه أن يحفظ مال سيده وأن يتصرف فيه بما هو أحسن وألا يفرط فيه وألا يتعدى الحدود وهكذا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته أما بقية الأحاديث التي ساقها المؤلف فكلها أحاديث تحتاج إلى نظر في صحتها لكن مجمل ما تدل عليه عظم حق الزوج على زوجته وأن حق الزوج على زوجته عظيم يجب عليها أن تقوم به كما يجب عليه أن يقوم بحقها كما قال الله تعالى ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وهذا من المساواة والعدل في الحقوق والواجبات التي تمتاز به شريعتنا الإسلامية


288 - وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء متفق عليه

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله تعالى في نقله عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما إن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء والمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم يخبر بأنه ما ترك فتنة أضر على الرجال من النساء وذلك أن الناس كما قال الله تعالى زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث كل هذه مما زين للناس في دنياهم وصار سببا لفتنتهم فيها لكن أشدها فتنة النساء ولهذا بدأ الله بها فقال { زين للناس حب الشهوات من النساء } وإخبار النبي صلى الله عليه وسلم بذلك يريد به الحذر من فتنة النساء وأن يكون الناس منها على حذر لأن الإنسان بشر إذا عرضت عليه الفتن فإنه يخشى عليه منها ويستفاد منه سد كل طريق يوجب الفتنة بالمرأة فكل طريق يوجب الفتنة بالمرأة فإن الواجب على المسلمين سده ولذلك وجب على المرأة أن تحتجب عن الرجال الأجانب فتغطي وجهها وكذلك تغطي يديها ورجليها عند كثير من أهل العلم ويجب عليها كذلك أن تبتعد عن الاختلاط بالرجال لأن الاختلاط بالرجال فتنة وسبب للشر من الجانبين من جانب الرجال ومن جانب النساء ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها وما ذلك إلا من أجل بعد المرأة عن الرجال فكلما بعدت فهو خير وأفضل .
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر النساء أن يخرجن إلى صلاة العيد ولكنهن لا يختلطن مع الرجال بل يكون لهن موضع خاص حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خطب الرجال وانتهى من خطبتهم نزل فذهب إلى النساء فوعظهن وذكرهن وهذا يدل على أن النساء كن في مكان منعزل عن الرجال وكان هذا والعصر عصر قوة في الدين وبعد عن الفواحش فكيف بعصرنا هذا فإن الواجب نوقي فتنة النساء بكل ما يستطاع ولا ينبغي أن يغرنا ما يدعو إليه أهل الشر والفساد من المقلدين للكفار من الدعوة إلى اختلاط المرأة بالرجال فإن ذلك من وحي الشيطان والعياذ بالله هو الذي يزين ذلك في قلوبهم وإلا فلا شك أن الأمم التي كانت تقدم النساء وتجعلهن مع الرجال مختلطات لا شك أنها اليوم في ويلات عظيمة من هذا الأمر يتمنون الخلاص منه فلا يستطيعون ولكن مع الأسف فإن بعض الناس منا ومن أبنائنا ومن أبناء جلدتنا يدعون إلى التحلل من مكارم الأخلاق وإلى جلب الفتن إلى بلادنا عن طريق التوسع في خروج المرأة واختلاطها بالرجال ومحاولة توظيفهن مع الرجال جنبا إلى جنب نسأل الله تعالى أن يعصمنا والمسلمين من الشر والفتن إنه جواد كريم


باب النفقة على العيال


قال الله تعالى: { وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف } وقال تعالى { لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها } وقال تعالى { وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه }

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله تعالى باب النفقة على العيال العيال هم الذين يعولهم الإنسان من زوجة أو قريب أو مملوك وقد سبق الكلام على حقوق الزوجة أما الأقارب فلهم حق قال الله تعالى واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى فالقريب له حق في أن ينفق عليه يعني أن تبذل له من الطعام والشراب والكسوة والسكنى ما يقوم بكفايته كما قال تعالى { وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف } المولود له هو الأب عليه أن ينفق على أولاده وعلى زوجاته وعلى من أرضعت ولده ولو كانت في غير حباله لأنه قال { وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف } من أجل الإرضاع أما إذا كانت في حباله فلها النفقة من أجل الزوجية وقوله { وعلى المولود له } يشمل الأب الأدنى والأب الأعلى كالجد ومن فوقه فعليه أن ينفق على أولاد أولاده وإن نزلوا لكن يشترط لذلك شروط الشرط الأول أن يكون المنفق قادر على الإنفاق فإن كان عاجزا فإنه لا يجب عليه الإنفاق لقوله تعالى { لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها } أي إلا ما أعطاها { سيجعل الله بعد عسر يسرا } والشرط الثاني أن يكون المنفق عليه عاجزا عن الإنفاق على نفسه فإن كان قادرا على الإنفاق على نفسه فنفسه أولى ولا يجب على أحد أن ينفق عليه لأنه مستغن وإذا كان مستغنيا فإنه لا يستحق أن ينفق عليه والشرط الثالث أن يكون المنفق وارثا للمنفق عليه لقوله تعالى { وعلى الوارث مثل ذلك } فإن كان قريبا لا يرث فإنه لا يجب عليه الإنفاق فإذا تمت الشروط الثلاثة فإنه يجب على القريب أن ينفق على قريبه ما يحتاج إليه من طعام وشراب ولباس ومسكن ونكاح وإن كان قادرا على بعض الشيء دون بعض وجب على القريب الوارث أن يكمل ما نقص لعموم قوله تعالى { وعلى الوارث مثل ذلك } ثم ذكر المؤلف ثلاث آيات الآية الأولى قوله تبارك وتعالى { وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف } والآية الثانية { لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله } والآية الثالثة قوله تعالى { وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين } فقوله { وما أنفقتم من شيء } أي شيء قد أنفقتموه لله عز وجل { فهو يخلفه } أي يعطيكم خلفه وبدله وهو خير الرازقين


289 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دينار أنفقته في سبيل الله ودينار أنفقته في رقبة ودينار تصدقت به على مسكين ودينار أنفقته على أهلك أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك رواه مسلم


290 - وعن أبي عبد الله ويقال له أبي عبد الرحمن ثوبان بن بجدد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله ودينار ينفقه على دابته في سبيل الله ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله رواه مسلم


291 - وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله: هل لي في بني أبي سليمة أجر أن أنفق عليهم ولست بتاركتهم هكذا ولا هكذا إنما هم بني فقال نعم لك أجر ما أنفقت عليهم متفق عليه


292 - وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في حديثه الطويل الذي قدمناه في أول الكتاب في باب النية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها حتى ما تجعل في في امرأتك متفق عليه


293 - وعن أبي مسعود البدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا أنفق الرجل على أهله نفقة يحتسبها فهي له صدقة متفق عليه


294 - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت حديث صحيح رواه أبو داود وغيره ورواه مسلم في صحيحه بمعناه قال كفى بالمرء إثما أن يحبس عمن يملك قوته


295 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا ويقول الآخر اللهم أعط ممسكا تلفا متفق عليه


296 - وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى ومن يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله رواه البخاري

الشَّرْحُ

هذه الأحاديث التي ذكرها المؤلف في باب النفقة على الأهل كلها تدل على فضيلة الإنفاق على الأهل وأنه أفضل من الإنفاق في سبيل الله وأفضل من الإنفاق في الرقاب وأفضل من الإنفاق على المساكين وذلك لأن الأهل ممن ألزمك الله بهم وأوجب عليك نفقتهم فالإنفاق عليهم فرض عين والإنفاق على من سواهم فرض كفاية وفرض العين أفضل من فرض الكفاية وقد يكون الإنفاق على من سواهم على وجه التطوع والفرض أفضل من التطوع لقول الله تعالى في الحديث القدسي ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه لكن الشيطان يرغب الإنسان في التطوع ويزهده في الواجب فتجده مثلا يحرص على الصدقة ويدع الواجب يتصدق على مسكين أو ما أشبه ذلك ويدع الواجب لأهله يتصدق على مسكين أو نحوه ويدع الواجب لنفسه كقضاء الدين مثلا تجده مدينا يطالبه صاحب الدين بدينه وهو لا يوفي ويذهب يتصدق على المساكين وربما يذهب للعمرة أو لحج التطوع وما أشبه ذلك ويدع الواجب وهذا خلاف الشرع وخلاف الحكمة فهو سفه في العقل وضلال في الشرع والواجب على المسلم أن يبدأ بالواجب الذي هو محتم عليه ثم بعد ذلك ما أراد من التطوع بشرط ألا تكون مسرفا ولا مقطرا فتخرج عن سبيل الاعتدال لقول الله تعالى في وصف عباد الرحمن والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما يعني لا إقتار ولا إسراف بل قواما ولم يقل بين ذلك فقط بل بين ذلك قواما قد يكون الأفضل أن تزيد أو أن تنقص أو بين ذلك بالوسط على كل حال هذه الأحاديث كلها تدل على أنه يجب على الإنسان أن ينفق على من عليه نفقته وأن إنفاقه على من عليه نفقته أفضل من الإنفاق على الغير وفي هذه الأحاديث أيضا التهديد والوعيد على من ضيع عمن يملك قوته وهو شامل للإنسان وغير الإنسان فالإنسان يملك الأرقة مثلا ويملك المواشي من إبل وبقر وغنم فهو آثم إذا ضيع من يلزمه قوته من آدميين أو غير آدميين كفى بالمرء إثما أن يحبس عمن يملك قوتهم واللفظ الثاني في غير مسلم كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت وفي هذا دليل على وجوب رعاية من ألزمك الله بالإنفاق عليه


باب الإنفاق مما يحب ومن الجيد


قال الله تعالى { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } وقال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون }


297 - عن أنس رضي الله عنه قال: كان أبو طلحة رضي الله عنه أكثر الأنصار بالمدينة مالا من نخل وكان أحب أمواله إليه بيرحاء وكانت مستقبلة المسجد وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب قال أنس فلما نزلت هذه الآية { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } جاء أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن الله تعالى أنزل عليك: { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } وإن أحب مالي إلى بيرحاء وإنها صدقة لله تعالى أرجو برها وذخرها عند الله تعالى فضعها يا رسول الله حيث أراك الله .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بخ ذلك مال رابح ذلك مال رابح وقد سمعت ما قلت وإني أرى أن تجعلها في الأقربين .
فقال أبو طلحة أفعل يا رسول الله فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه متفق عليه وقوله صلى الله عليه وسلم مال رابح روى في الصحيحين رابح ورايح بالباء الموحدة وبالياء المثناة أي رايح عليك نفعه وببرحاء حديقة نخل وروى بكسر الباء وفتحها

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله تعالى باب الإنفاق مما يحب ومن الجيد لما ذكر رحمه الله وجوب الإنفاق على الزوجة وعلى الأقارب ذكر أنه ينبغي للإنسان أن يكون ذا همة عالية وأن ينفق من أطيب ماله ومما يحب من ماله وهناك فرق بين الأطيب وبين الذي يحب الغالب أن الإنسان لا يحب إلا أطيب ماله لكن أحيانا يتعلق قلبه بشيء من ماله وليس أطيب ماله فإذا أنفق من الطيب الذي هو محبوب لعامة الناس ومما يحبه هو بنفسه وإن لم يكن من الطيب كان ذلك دليلا على أنه صادق فيما عامل الله به ولهذا سميت الصدقة صدقة لدلالتها على صدق باذلها فالإنسان ينبغي له أن ينفق من أطايب ماله وينبغي له أن ينفق مما يحب حتى يصدق في تقديم ما يحبه الله عز وجل على ما تهواه نفسه ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى بآيتين من كتاب الله فقال قال الله تعالى لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون البر يعني الخير الكثير ومنه سمى البر للخلاء الواسع فالبر هو الخير الكثير يعني لن تنال الخير الكثير ولن تنال رتبة الأبرار حتى تنفق مما تحب والمال كله محبوب لكن بعضه أشد محبة من بعض فإذا أنفقت مما تحب كان ذلك دليلا على أنك صادق ثم نلت بذلك مرتبة الأبرار وقال تعالى { ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه } الخبيث من كل شيء بحسبه فالخبيث من المال يطلق على الرديء ويطلق على الكسب الرديء ويطلق على الحرام فمن إطلاقه على الرديء قوله تعالى { ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه } هذا بقية الآية التي أولها { يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض } والخارج من الأرض منه الطيب ومنه الرديء قال { ولا تيمموا الخبيث } أي لا تقصدوا الخبيث وهو الرديء تنفقون منه { ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه } يعني لو كان الحق لكم ما أخذتم الرديء إلا على إغماض وعلى كره فكيف ترضون لغيركم أن تعطوه الرديء وأنتم تأبون أن تأخذوه وهذا من باب الاستدلال على الإنسان بما يقر به ويعترف به لأنه لا يرضى أن يأخذ الرديء بدلا عن الطيب فكيف يرضى أن يعطى الرديء بدلا عن الطيب فالخبيث معنى الرديء ومن ذلك أيضا تسمية النبي صلى الله عليه وسلم البصل والكراث الشجرة الخبيثة لأنها رديئة منتنة كريهة حتى إن الإنسان إذا أكل منها وبقيت رائحتها في فمه فإنه يحرم عليه أن يدخل المسجد لا للصلاة ولا لغير الصلاة لأن المسجد معمور بالملائكة فإذا دخل المسجد آذى الملائكة والملائكة طيبون والطيبون للطيبات تكره الخبائث من الأعمال والأعيان فإذا دخلت المسجد وأنت ذو رائحة كريهة آذيت الملائكة وكان الرجل في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد وقد أكل كراثا أو بصلا طردوه طردا إلى البقيع والبقيع تعرفون المسافة بينه وبين المسجد النبوي وأنها بعيدة يطرد إلى البقيع ولا يقرب المسجد وللأسف أن بعض الناس نسأل الله لنا ولهم الهداية والعصمة يشرب الدخان أو الشيشة ويأتي إلى المسجد ورائحة الدخان والشيشة في فمه أو على ثيابه مع أن هذه رائحة كريهة كل يكرهها حتى أن بعض الناس لا يستطيع أن يصلي جنب مثل هؤلاء وهؤلاء يحرم عليهم أن يدخلوا المسجد والروائح الكريهة بفيهم .
وكذلك من به إصنان والإصنان رائحة كريهة تفوح من إبطيه أو تفوح من أذنيه أو تفوح من رأسه وتؤذي فإنه لا يجوز أن يصلي ما دامت الرائحة المؤذية فيه لا يجوز أن يدخل المسجد بل يبتعد والحمد لله فإن هذه من المصائب والبلاوي فإذا ابتلى بمثل هذا لا يقول كيف أحرم نفسي المسجد فهذا من الله عز وجل فاحرم نفسك المسجد ولا تؤذي الناس والملائكة وحاول بقدر ما تستطيع أن تتخلص من هذه الرائحة إما بالتنظيف التام أو بأن تضع رائحة طيبة تغطي الرائحة الكريهة وبهذا يمكن أن تعالج هذه الروائح فلا يشم منك إلا الرائحة الطيبة .
ومن إطلاق الخبيث على الكسب الرديء قول النبي صلى الله عليه وسلم كسب الحجام خبيث الحجام الذي يخرج الدم بالحجامة هذا كسبه خبيث يعني رديء وليس المراد أنه حرام قال ابن عباس رضي الله عنه وعن أبيه لو كان كسب الحجام حراما ما أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم أجرته فقد احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وأعطى الحجام أجره ولو كانت حراما ما أعطاه لأن الرسول لا يقر على الحرام ولا يعين على الحرام لكن هذا من باب أنه كسب رديء ينبغي للإنسان أن يتنزه عنه وأن يحجم الناس إذا احتاجوا إلى حجامته تبرعا وتطوعا ومن إطلاق الخبيث على المحرم قوله تعالى في وصف النبي صلى الله عليه وسلم { ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث } يعني يحرم عليهم الخبائث وهي ضد الطيبات مثل الميتة لحم الخنزير المنخنقة الخمر وما أشبه ذلك ومعنى الآية أنه لا يحرم إلا الخبائث وليس معناها أن كل خبيث يحرمه لأننا عرفنا الآن أن الخبيث يطلق على أوصاف متعددة لكن المعنى أنه صلى الله عليه وسلم لا يحرم إلا الخبائث فالحاصل أن الله عز وجل نهى أن يقصد الإنسان الرديء من ماله فيتصدق به وحث على أن ينفق مما يحب ومما هو خير .
ثم ذكر المؤلف حديث أبي طلحة زوج أم أنس رضي الله عنه وأبو طلحة أكثر الأنصار حقلا يعني أكثرهم مزارع وكان له بستان فيه ماء طيب مستقبل المسجد أي مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم يعني أن المسجد في قبلة هذا البستان وكان فيه ماء طيب عذب يأتيه النبي صلى الله عليه وسلم ويشرب منه .
فلما نزل قوله تعالى { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } بادر رضي الله عنه وسابق وسارع وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال يا رسول الله إن الله تعالى أنزل قوله { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } وإن أحب أموالي إلى بيرحاء وهذا اسم ذلك البستان وإني أضعها يعني بين يديك صدقة إلى الله ورسوله يعني تصرفها إلى الله ورسوله فقال النبي صلى الله عليه وسلم متعجبا بخ بخ كلمة تعجب يعني ما أعظم هذه الهمة وما أعلاها ذاك مال رابح ذاك مال رابح وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم فهذا المال رابح فكم من حسنة يربح هذا المال إذا كانت الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة صدق النبي صلى الله عليه وسلم ذاك مال رابح ذاك مال رابح ..
.
أرى أن تجعلها في الأقربين أرى أن تجعلها في الأقربين أي أقاربك ففعل رضي الله عنه وقسمها في أقاربه وبنى عمه وسيأتي إن شاء الله على بعض ما يستفاد من هذا الحديث لكن تعجبوا كيف كانت مبادرة الصحابة رضي الله عنهم ومسارعتهم إلى الخير وكان ابن عمر إذا أعجبه شيء في ماله وتعلقت به نفسه تصدق به لأجل أن يربحه ويلقاه فيما أمامه .
لكن ما تتمسك به فهو إما زائل عنك وإما أن تزول عنه أنت ولابد من أحد الأمرين إما أن يتلف أو تتلف أنت لكن الذي تقدمه هو الذي يبقى نسأل الله أن يعيننا والمسلمين على أنفسنا ويعيذنا من البخل والشح والحقيقة أن مالك الحقيقي هو ما تقدمه وقد ذبح آل النبي صلى الله عليه وسلم شاة وتصدقوا بها إلا كتفها فقدم النبي صلى الله عليه وسلم وقال ما بقي منها قالت عائشة رضي الله عنها ما بقي منها إلا كتفها يعني أنها تصدقت بها كلها إلا كتفها فقال النبي صلى الله عليه وسلم بقي كلها غير كتفها والمعنى أن الذي أكلتم هو الذي ذهب وأما ما تصدقتم به فهو الذي بقي لكم فالحاصل أن الصحابة وذوي الهمم العالية هم الذين يعرفون قدر الدنيا وقدر المال وأن ما قدموه هو الباقي وما أبقوه هو الفاني نسأل الله أن يعيذنا والمسلمين من الشح والبخل والجبن والكسل


باب وجوب أمر أهله وأولاده المميزين وسائر من في رعيته بطاعة الله تعالى ونهيهم عن المخالفة وتأديبهم ومنعهم عن ارتكاب منهى عنه


قال الله تعالى { وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها } وقال تعالى { يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا }


298 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال أخذ الحسن بن علي رضي الله عنهما تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كخ كخ إرم بها أما علمت أنا لا نأكل الصدقة متفق عليه وفي رواية إنا لا تحل لنا الصدقة وقوله كخ كخ يقال بإسكان الخاء ويقال بكسرها مع التنوين وهي كلمة زجر للصبي عن المستقذرات وكان الحسن رضي الله عنه صبيا

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله باب وجوب أمر أهله وأولاده المميزين وسائر من في رعيته بطاعة الله تعالى ونهيهم عن المخالفة وتأديبهم ومنعهم من ارتكاب منهى عنه ووجه المناسبة أن المؤلف رحمه الله لما ذكر ما يجب للأهل من غذاء الجسم ذكر لهم ما يجب من غذاء الروح على أبيهم ومن له ولاية عليهم وأولى ما يؤمر به وأوجب وأفضل هي الصلاة كما قال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى فأمره أن يأمر أهله بالصلاة والأهل كل من في البيت من زوجة وابن وبنت وعمة وخالة وأم كل من في البيت أهل أمره أن يأمرهم بالصلاة وأمره أن يصطبر عليهم يعني يحض نفسه على الصبر ولهذا جاءت التاء التي فيها زيادة البنية وفيها زيادة المعنى اصطبر لأن أصلها اصبر عليها وذكر الله عن إسماعيل أبي محمد صلى الله عليه وسلم إذ أنه أحد أجداده أنه كان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا فالإنسان مسئول عن أهله مسئول عن تربيتهم حتى ولو كانوا صغارا إذا كانوا مميزين أما غير المميز فإنه يؤمر بما يتحمله عقله ثم ذكر حديث الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما أنه أخذ تمرة من الصدقة فجعلها في فيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم كخ كخ يعني أنها لا تصلح لك ثم أمره أن يخرجها من فيه وقال إننا لا تحل لنا الصدقة فالصدقة لا تحل لآل محمد وذلك لأنهم أشرف الناس والصدقات والزكوات أوساخ الناس ولا يتناسب لأشراف الناس أن يأخذوا أوساخ الناس كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمه العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة إنما هي أوساخ الناس ففي هذا دليل على أن الإنسان يجب عليه أن يؤدب أولاده عن فعل المحرم كما يجب عليه أن يؤدبهم على فعل الواجب


299 - وعن أبي حفص عمر بن أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد ربيب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كنت غلاما في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا غلام سم الله تعالى وكل بيمينك وكل مما يليك فما زالت تلك طعمتي بعد متفق عليه وتطيش تدور في نواحي الصحفة

الشَّرْحُ

ذكر المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه وكان ربيب النبي صلى الله عليه وسلم لأنه ابن زوجته أم سلمة رضي الله عنها أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في طعام يأكل فجعلت يده تطيش في الصحفة يعني يمينا وشمالا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك فهذه ثلاثة آداب علمها النبي صلى الله عليه وسلم هذا الغلام وهي أولا قال سم الله وهذا عند الأكل فعند ابتداء الأكل يجب أن يقول الإنسان بسم الله ولا يحل له أن يتركها لأنه إذا تركها شاركه الشيطان في أكله أعدى عدو له يشاركه في الأكل إذا لم يقل بسم الله ولو زاد الرحمن الرحيم فلا بأس لأن قول الرسول صلى الله عليه وسلم سم الله يعني اذكر اسم الله والتسمية الكاملة هي أن يقول الإنسان بسم الله الرحمن الرحيم كما ابتدأ الله بها كتابه وكما أرسل بها سليمان صلى الله عليه وسلم إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم فإن اقتصرت على قول بسم الله فلا حرج وإن زدت الرحمن الرحيم فلا حرج الأمر في هذا واسع وأما التسمية على الذبيحة فهي شرط من شروط التذكية إذا لم تسم على الذبيحة فهي حرام ميتة كأنما ماتت بغير ذبح ولكن العلماء يقولون لا ينبغي أن يقول بسم الله الرحمن الرحيم لأنه الآن يريد أن يذبحها فالفعل ينافي القول بالنسبة لهذه الذبيحة لأنها ستذبح هكذا علل بعض العلماء ولكن لو قالها أيضا فلا حرج الأدب الثاني قوله وكل بيمينك وهذا أمر على سبيل الوجوب فيجب على الإنسان أن يأكل بيمينه وأن يشرب بيمينه لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يأكل الإنسان بشماله أو أن يشرب بشماله وقال إن الشيطان يفعل هذا فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله وقد نهينا عن اتباع خطوات الشيطان قال الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر } ولهذا كان القول الراجح وجوب الأكل باليمين ووجوب الشرب باليمين وأن الأكل بالشمال أو الشرب بالشمال حرم ثم إن الأكل بالشمال والشرب بالشمال مع كونه من هدى الشيطان فهو أيضا من هدى الكفار لأن الكفار يأكلون بشمائلهم ويشربون بشمائلهم ثم إن بعض الناس إذا كان على الأكل وأراد أن يشرب فإنه يمسك الكأس باليسار ويشرب ويقول أخشى أن تتلوث الكأس إذا شربت باليمين فنقول لتتلوث فإنها إذا تلوثت فإنما تتلوث بطعام ولم تتلوث ببول ولا غائط تلوثت بطعام ثم تغسل وبإمكانك أن تمسك الكأس من الأسفل بين إبهامك والسبابة وتجعلها كالحلقة ولا يتلوث منه إلا شيء يسير ولا عذر لأحد بالشرب بالشمال من أجل هذا لأن المسألة على سبيل التحريم والحرام لا يجوز إلا عند الضرورة والضرورة مثل أن تكون اليد اليمنى شلاء لا يمكن أن يرفعها إلى فيه أو مكسورة لا يمكن أن يرفعها إلى فيه فهذه ضرورة أو تكون متجرحة لا يمكن أن يأكل بها أو يشرب المهم إذا كان هناك ضرورة فلا بأس باليسار وإلا فلا يحل للمسلم أن يأكل باليسار ولا أن يشرب باليسار الأدب الثالث قوله وكل مما يليك يعني لا تأكل من حافة غيرك بل كل من الذي يليك لأنك إذا اعتديت على حافة غيرك فهذا سوء أدب فكل من الذي يليك إلا إذا كان الطعام أنواعا مثل أن يكون هناك لحم في غير الذي يليك فلا بأس أن تأكل أو يكون هناك قرع أو ما أشبه ذلك مما يقصد فلا بأس أن تأكل من الذي لا يليك لأن أنس بن مالك رضي الله عنه قال أكلت مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان يتتبع الدباء من حوالي القصعة الدباء القرع يتتبعه يعني يلقطه من على الصحفة ليأكله هذا لا بأس به .
وفي هذا الحديث من الفوائد أنه يجب على الإنسان أن يؤدب أولاده على كيفية الأكل والشرب وعلى ما ينبغي أن يقول في الأكل والشرب كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في ربيبه وفي هذا حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم وتعليمه لأنه لم يزجر هذا الغلام حين جعلت يده تطيش في الصحفة ولكن علمه برفق وناداه برفق يا غلام سم الله وكل بيمينك وليعلم أن تعليم الصغار لمثل هذه الآداب لا ينسى يعني أن الطفل لا ينسى إذا علمته وهو صغير لكن إذا كبر ربما ينسى إذا علمته وربما يتمرد عليك بعض الشيء إذا كبر لكن مادام صغيرا وعلمته يكون أكثر إقبالا ومن اتقى الله في أولاده اتقوا الله فيه ومن ضيع حق أولاده ضيعوا حقه إذا احتاج إليهم


301 - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وفرقوا بينهم في المضاجع حديث حسن رواه أبو داود


302 - وعن أبي ثرية سبرة بن معبد الجهني رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم علموا الصبي الصلاة لسبع سنين واضربوه عليها ابن عشر سنين حديث حسن رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن ولفظ أبي داود مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين

الشَّرْحُ

ذكر المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وهو حديث حسن له شاهد من حديث سبرة بن معبد الجهني رضي الله عنه وهذا من حقوق الأولاد على آبائهم أن يأمروهم بالصلاة إذا بلغوا سبع سنوات وأن يضربوهم عليها أي على التفريط فيها وإضاعتها إذا بلغوا عشر سنين ولكن بشرط أن يكونوا ذوي عقل فإن بلغوا سبع سنين أو عشر سنين وهم لا يعقلون يعني فيهم جنون فإنهم لا يؤمرون بشيء ولا يضربون على شيء لكن يمنعون من الإفساد سواء في البيت أو خارج البيت وقوله اضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين المراد بالضرب الذي يحصل به التأديب بلا ضرر فلا يجوز للأب أن يضرب أولاده ضربا مبرحا ولا يجوز أن يضربهم ضربا مكررا لا حاجة إليه بل إذا احتاج إليه مثل ألا يقوم الولد للصلاة إلا بالضرب فإنه يضربه ضربا غير مبرح بل ضربا معتادا لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أمر بضربهم لا لإيلامهم ولكن لتأديبهم وتقويمهم وفي هذا الحديث إشارة إلى أن ما ذهب إليه بعض المتأخرين ممن يدعون أنهم أصحاب تربية من أن الصغار لا يضربون في المدارس إذا أهملوا ففي هذا الحديث الرد عليهم وهو دليل على بطلان فكرتهم وأنها غير صحيحة لأن بعض الصغار لا ينفعهم الكلام في الغالب ولكن الضرب ينفعهم أكثر فلو أنهم تركوا بدون ضرب لضيعوا الواجب عليه وفرطوا في الدروس وأهملوا فلابد من ضربهم ليعتادوا النظام ويقوموا بما ينبغي أن يقوموا به وإلا لصارت المسألة فوضى إلا أنه كما قلنا لابد أن يكون الضرب للتأديب لا للإيلام والإيجاع فيضرب ضربا يليق بحاله ضربا غير مبرح لا يفعل كما يفعل بعض المعلمين في الزمن السابق يضرب الضرب العظيم الموجع ولا يهمل كما يدعي هؤلاء المربون الذين هم من أبعد الناس عن التربية لا يقال لهم شيء لأن الصبي لا يمتثل ولا يعرف لكن الضرب يؤدبه


باب حق الجار والوصية به


قال الله تعالى { واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم }


303 - وعن ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه متفق عليه


304 - وعن أبي ذر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك رواه مسلم وفي رواية له عن أبي ذر قال إن خليلي صلى الله عليه وسلم أوصاني إذا طبخت مرقا فأكثر ماءه ثم انظر أهل بيت من جيرانك فأصبهم منها بمعروف


305 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن قيل من يا رسول الله قال الذي لا يأمن جاره بوائقه متفق عليه وفي رواية لمسلم لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه البوائق الغوائل والشرور


306 - وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة متفق عليه


307 - وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره ثم يقول أبو هريرة مالي أراكم عنها معرضين والله لأرمين بها بين أكتافكم متفق عليه روى خشبه بالإضافة والجمع وروى خشبة بالتنوين على الإفراد وقوله مالي أراكم عنها معرضين يعني عن هذه السنة

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله تعالى باب حق الجار والوصية به الجار هو الملاصق لك في بيتك والقريب من ذلك وقد وردت بعض الآثار بما يدل على أن الجار أربعون دارا من كل جانب ولا شك أن الملاصق للبيت جار وأما ما وراء ذلك فإن صحت الأخبار بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم فالحق ما جاءت به وإلا فإنه يرجع في ذلك إلى العرف فما عده الناس جوارا فهو جوار ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى آية سورة النساء واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب الجار ذي القربى يعني الجار القريب والجار الجنب يعني الجار البعيد الأجنبي منك قال أهل العلم والجيران ثلاثة 1 - جار قريب مسلم فله حق الجوار والقرابة والإسلام 2 - وجار مسلم غير قريب فله حق الجوار والإسلام 3 - وجار كافر فله حق الجوار وإن كان قريبا فله حق القرابة أيضا فهؤلاء الجيران لهم حقوق حقوق واجبة وحقوق يجب تركها ثم ذكر المؤلف رحمه الله خمسة أحاديث عن ابن عمر وعن أبي ذر وعن أبي هريرة أما حديث ابن عمر ففيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه أي سينزل الوحي بتوريثه وليس المعنى أن جبريل يشرع توريثه لأن جبريل ليس له حق في ذلك لكن المعنى أنه سينزل الوحي الذي يأتي به جبريل بتوريث الجار وذلك من شدة إيصاء جبريل به النبي صلى الله عليه وسلم وأما حديث أبي ذر ففيه أن على الإنسان إذا وسع الله عليه برزق أن يصيب منه جاره بعض الشيء بالمعروف حيث قال صلى الله عليه وسلم إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك أكثر ماءها يعني زدها في الماء لتكثر وتوزع على جيرانك منها والمرقة عادة تكون من اللحم أو من غيره مما يؤتدم به وهكذا أيضا إذا كان عندك طعام غير المرق أو شراب كفضل اللبن مثلا وما أشبهه ينبغي لك أن تعاهد جيرانك به لأن لهم حقا عليك وأما أحاديث أبي هريرة ففيها أن النبي صلى الله عليه وسلم أقسم ثلاث مرات فقال والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن قالوا من يا رسول الله قال من لا يأمن جاره بوائقه يعني غدره وخيانته وظلمه وعدوانه فالذي لا يأمن جاره من ذلك ليس بمؤمن وإذا كان يفعل ذلك ويوقعه فعلا فهو أشد وفي هذا دليل على تحريم العدوان على الجار سواء كان ذلك بالقول أو بالفعل أما بالقول فأن يسمع منه ما يزعجه ويقلقه كالذين يفتحون الراديو أو التليفزيون أو غيرهما مما يسمع فيزعج الجيران فإن هذا لا يحل له حتى لو فتحه على كتاب الله وهو مما يزعج الجيران بصوته فإنه معتد عليهم ولا يحل له أن يفعل ذلك وأما بالفعل فيكون بإلقاء الكناسة حول بابه والتضييق عليه عند مداخل بابه أو بالدق أو ما أشبه ذلك مما يضره ومن هذا أيضا إذا كان له نخلة أو شجرة حول جدار جاره فكان يسقيها حتى يؤذي جاره بهذا السقي فإن ذلك من بوائق الجار فلا يحل له إذن يحرم على الجار أن يؤذي جاره بأي شيء فإن فعل فإنه ليس بمؤمن والمعنى أنه ليس متصفا بصفات المؤمنين في هذه المسألة التي خالف بها الحق وأما ما ذكره في حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره يعني إذا كان جارك يريد أن يسقف بيته ووضع الخشب على الجدار فإنه لا يحل لك منعه لأن وضع الخشب على الجدار لا يضر بل يزيده قوة ويمنع السيل منه ولاسيما فيما سبق حيث كان البناء من اللبن فإن الخشب يمنع هطول المطر على الجدار فيحميه وهو أيضا يشده ويقويه ففيه مصلحة للجار وفيه مصلحة للجدار فلا يحل للجار أن يمنع جاره من وضع الخشب على جداره وإن فعل ومنع فإنه يجبر على أن يوضع الخشب رغما عن أنفه ولهذا قال أبو هريرة مالي أراكم عنها معرضين والله لأرمين بها بين أكتافكم يعني من لم يمكن من وضع الخشب على جداره وضعناه على متن جسده بين أكتافه وهذا قاله رضي الله عنه حينما كان أميرا على المدينة في زمن مروان بن الحكم وهذا نظير ما قاله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في المشاجرة التي جرت بين محمد بن مسلمة وجاره حيث أراد أن يجري الماء إلى بستانه وحال بينه وبينه بستان جاره فمنعه الجار من أن يجري الماء من على أرضه فترافعا إلى عمر فقال والله لئن منعته لأجرينه على بطنك وألزمه أن يجري الماء لأن إجراء الماء ليس فيه ضرر لأن كل بستان زرع فإذا جرى الماء الساقي انتفعت الأرض وانتفع ما حول الساقي من الزرع وانتفع الجار نعم لو كان الجار يريد أن يبنيها بناء وقال لا أريد أن يجري الماء على الأرض فله المنع أما إذا كان يريد أن يزرعها فالماء لا يزيده إلا خيرا وبناء على هذا فتجب مراعاة حقوق الجيران فيجب الإحسان إليهم بقدر الإمكان ويحرم الاعتداء عليهم بأي عدوان وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره


باب بر الوالدين وصلة الأرحام


قال الله تعالى { واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم } وقال تعالى { واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام } وقال تعالى { والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل } وقال تعالى { ووصينا الإنسان بوالديه حسنا } وقال تعالى { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا } وقال تعالى { ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك }


312 - وعن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أحب إلى الله تعالى قال الصلاة على وقتها قلت ثم أي قال بر الوالدين قلت ثم أي قال الجهاد في سبيل الله متفق عليه


313 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجزي ولد والدا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه رواه مسلم

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله تعالى باب بر الوالدين وصلة الأرحام الوالدان هما الأب والأم وعبر بالبر اتباعا لما جاء في النص وعبر عن صلة الأرحام بالصلة لأنه هكذا جاء أيضا بالنص والأرحام هم القرابة .
وبر الوالدين من أفضل الأعمال بل هو الحق الثاني بعد حق الله ورسوله .
وذكر المؤلف رحمه الله آيات كثيرة في هذا المعنى كقوله تعالى واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وقوله تعالى { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا } وقوله تعالى { ووصينا الإنسان بوالديه حسنا } وقوله تعالى { ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلى المصير } وقوله تعالى { إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا } وكل هذه الآيات وغيرها تدل على عظم حق الوالدين وقد بين الله سبحانه وتعالى حال الأم وأنها تحمل ولدها وهنا على وهن أي ضعفا على ضعف من حين أن تحمل به إلى أن تضعه وهي في ضعف ومشقة وعناء وكذلك عند الوضع كما قال تعالى { حملته أمه كرها ووضعته كرها } كل هذا البيان سبب حقها العظيم ثم ذكر الله أشد حالة يكون عليها الوالدان فقال تعالى { إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف } لأن الوالدين إذا بلغا الكبر ضعفت نفوسهما وصارا عالة على الولد ومع ذلك يقول لا تقل لهما أف يعني لا تقل إني متضجر منكما بل عاملهما باللطف والإحسان والرفق ولا تنهرهما إذا تكلما وقل لهما قولا كريما يعني رد عليهما ردا جميلا لعظم الحق ثم ذكر حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حين سأله عبد الله بن مسعود أي العمل أحب إلى الله قال الصلاة على وقتها قلت ثم أي قال بر الوالدين قلت ثم أي قال الجهاد في سبيل الله فجعل النبي صلى الله عليه وسلم مرتبة البر بالوالدين مقدمة على مرتبة الجهاد في سبيل الله قال ولو استزدته لزادني وفي هذا دليل على فضل بر الوالدين فإن قال قائل ما هو البر قلنا هو الإحسان إليهما بالقول والفعل والمال بقدر المستطاع اتقوا الله ما استطعتم وضد ذلك العقوق ثم ذكر الحديث الثاني وهو قول الرسول صلى الله عليه وسلم لا يجزى ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه يعني يعتقه بشرائه لأنه فك أباه من رق العبودية للإنسان وهذا الحديث لا يدل على أن من ملك أباه لا يعتق عليه بل نقول إن معناه إلا أن يشتريه فيعتقه أي فيعتقه بشرائه لأن الإنسان إذا ملك أباه عتق عليه بمجرد الملك ولا يحتاج إلى أن يقول عتقته وكذلك إذا ملك أمه تعتق بمجرد الملك ولا يحتاج إلى أن يقول عتقتها .


315 - وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت هذا مقام العائذ بك من القطيعة قال نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك قالت بلى قال فذلك ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقرءوا إن شئتم { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم } متفق عليه وفي رواية للبخاري فقال الله تعالى من وصلك وصلته ومن قطعك قطعته


316 - وعنه رضي الله عنه قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي قال أمك قال ثم من قال أمك قال ثم من قال أمك قال ثم من قال أبوك متفق عليه وفي رواية يا رسول الله من أحق الناس بحسن الصحبة قال أمك ثم أمك ثم أمك ثم أباك ثم أدناك أدناك والصحابة بمعنى الصحبة وقوله ثم أباك هكذا هو منصوب بفعل محذوف أي ثم بر أباك وفي رواية ثم أبوك وهذا واضح

الشَّرْحُ

هذان الحديثان في بيان فضل صلة الرحم والرحم سبق لنا أنهم هم الأقارب وصلتهم بما جرى به العرف واتبعه الناس لأنهم لم يبين في الكتاب ولا السنة نوعها ولا جنسها ولا مقدارها لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقيده بشيء معين فلم يقيده بأن يأكلوا معك أو يشربوا معك أو يكتسوا معك أو يسكنوا معك بل أطلق ولذلك يرجع فيها للعرف فما جرى به العرف أنه صلة فهو الصلة وما تعارف عليه الناس أنه قطيعة فهو قطيعة هذا هو الأصل نعم لو فرض أن الأعراف فسدت وصار الناس لا يبالون بالقطيعة وصارت القطيعة عندهم صلة فلا عبرة بهذا العرف لأن هذا العرف ليس عرفا إسلاميا فإن الدول الكافرة الآن لا تتلاءم أسرها ولا يعرف بعضهم بعضا حتى إن الإنسان إذا شب ولده وكبر صار مثله مثل الرجل الأجنبي الذي لا يعرف أن له أبا لأنهم لا يعرفون صلة الأرحام ولا يعرفون حسن الجوار وكل أمورهم فوضى فاسدة لأن الكفر دمرهم تدميرا والعياذ بالله لكن كلامنا عن المجتمع المسلم المحافظ فما عده الناس صلة فهو صلة وما عدوه قطيعة فهو قطيعة وفي حديث أبي هريرة الأول أن الله سبحانه وتعالى تكفل للرحم بأن يصل من وصلها ويقطع من قطعها وفي هذا حث وترغيب في صلة الرحم فإذا أردت أن يصلك الله وكل إنسان يريد أن يصله ربه فصل رحمك وإذا أردت أن يقطعك الله فاقطع رحمك جزاء وفاقا وكلما كان الإنسان لرحمه أوصل كان الله له أوصل وكلما قصر جاءه من الثواب بقدر ما عمل لا يظلم الله أحدا وذكر المؤلف رحمه الله تعالى قوله سبحانه فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم فبين سبحانه وتعالى إن الذين يفسدون في الأرض ويقطعون أرحامهم ملعونون والعياذ بالله أي مطرودون ومبعدون عن رحمة الله وقد أصمهم الله أي جعلهم لا يسمعون الحق ولو سمعوا ما انتفعوا به وأعمى أبصارهم فلا يرون الحق ولو رأوه لم ينتفعوا به فسد عنهم طرق الخير لأن السمع والبصر يوصل المعلومات إلى القلب فإذا انسد الطريق لم يصل إلى القلب خير والعياذ بالله وقد ذكر أهل العلم من جملة الصلة النفقة على الأقارب فقالوا إن الإنسان إذا كان له أقارب فقراء وهو غني وهو وارث لهم فإنه يلزمه النفقة عليهم كالأخ الشقيق مع أخيه الشقيق إذا كان الأخ هذا يرثه لو مات فإنه يجب على الوارث أن ينفق على أخيه مادام غنيا وأخوه فقيرا عاجزا عن التكسب فإن هذا من جملة الصلة وقالوا أيضا إن من جملة الإنفاق أنه إذا احتاج إلى النكاح فإنه يزوجه لأن إعفاف الإنسان من أشد الحاجات وعلى هذا فإذا كان للإنسان أخ شقيق ولا يرثه إلا أخوه وأخوه غني وهو فقير عاجز عن التكسب وجب عليه أن ينفق عليه طعاما وشرابا وكسوة ومسكنا ومركوبا إذا كان يحتاجه وأن يزوجه أيضا إذا احتاج إلى النكاح لأن الإعفاف من أشد الحاجات فيدخل في صلة الرحم وهذه الأمور يجب على الإنسان إذا كان لا يعلم عنها شيئا أن يسأل أهل العلم حتى يدلوه على الحق لقوله تعالى { وما أرسلناك قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } والحديث الثاني في بيان أحق الناس بحسن صحبة الإنسان فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن أحق الناس بذلك الأم فأعيد عليه السؤال فقال أمك مرة ثانية كرر ذلك ثلاث مرات ثم بعد ذلك الأب لأن الأم حصل عليها من العناء والمشقة للولد ما لم يحصل لغيرها { حملته أمه وهنا على وهن } { حملته أمه كرها ووضعته كرها } وفي الليل تمهده وتهدئه حتى ينام وإذا أتاه ما يؤلمه لم تنم تلك الليلة حتى ينام ثم إنها تفديه بنفسها بالتدفئة عند البرد والتبريد عند الحر وغير ذلك فهي أشد عناية من الأب بالطفل ولذلك كان حقها مضاعفا ثلاث مرات على حق الأب ثم إنها ضعيفة أنثى لا تأخذ بحقها فلهذا أوصى بها النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات وأوصى بالأب مرة واحدة وفي ذلك الحث على أن يحسن الإنسان صحبة أمه وصحبة أبيه أيضا بقدر المستطاع أعاننا الله والمسلمين على ذلك وفق الله الجميع لما فيه الخير والصلاح ووصلنا والمسلمين بفضله وإحسانه


318 - وعنه رضي الله عنه أن رجلا قال يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني وأحسن إليهم ويسيئون إلي وأحلم عنهم ويجهلون علي فقال لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم الملل ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك رواه مسلم وتسفهم بضم التاء وكسر السين المهملة وتشديد الفاء والمل بفتح الميم وتشديد اللام وهو الرماد الحار أي كأنما تطعمهم الرماد الحار وهو تشبيه لما يلحقهم من الإثم بما يلحق آكل الرماد الحار من الألم ولا شيء على المحسن إليهم لكن ينالهم إثم عظيم بتقصيرهم في حقه وإدخالهم الأذى عليه والله أعلم


319 - وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه متفق عليه ومعنى ينسأ له في أثره أي يؤخر له في أجله وعمره


320 - وعنه قال كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالا من نخل وكان أحب أمواله بيرحاء وكانت مستقبلة المسجد وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب فلما نزلت هذه الآية { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن الله تبارك وتعالى يقول { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } وإن أحب مالي إلي ببرحاء وإنها صدقة لله تعالى أرجو برها وذخرها عند الله تعالى فضعها يا رسول الله حيث أراك الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بخ ذلك مال رابح ذلك مال ربح وقد سمعت ما قلت وإني أرى أن تجعلها في الأقربين فقال أبو طلحة أفعل يا رسول الله فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه متفق عليه وسبق بيان ألفاظه في باب الإنفاق مما يحب


321 - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: أقبل رجل إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من الله تعالى قال فهل من والديك أحد حي قال نعم بل كلاهما قال فتبتغي الأجر من الله تعالى قال نعم قال فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما متفق عليه وهذا لفظ مسلم وفي رواية لهما جاء رجل فاستأذنه في الجهاد فقال أحي والداك قال نعم قال ففيهما فجاهد


322 - وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها رواه البخاري وقطعت بفتح القاف والطاء ورحمه مرفوع


323 - وعن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله متفق عليه

الشَّرْحُ

هذه الأحاديث في بيان فضيلة صلة الرحم وأن الإنسان الواصل ليس المكافئ الذي إذا وصله أقاربه وصلهم ولكن الواصل هو الذي إذا قطعت رحمه وصلها فتكون صلته لله لا مكافأة لعباد الله ولا من أجل أن ينال بذلك مدحا عند الناس قال النبي صلى الله عليه وسلم ليس الواصل بالمكافئ يعني بالذي إذا وصله أقاربه وصلهم مكافأة لهم وإنما الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها وكذلك أيضا في هذه الأحاديث أن الرحم متعلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله وهذا يحتمل أن يكون خبرا وأن يكون دعاء يعني يحتمل أن الرحم تخبر بهذا أو تدعو الله عز وجل به وعلى كل حال فهو دليل على عظم شأن الرحم وصلتها وأنها تحت العرش تدعو بهذا الدعاء أو تخبر بهذا الخبر ثم ذكر المؤلف حديث الرجل الذي كان يحسن إلى قرابته فيسيئون إليه ويصلهم فيقطعونه فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن كنت يعني كما تقول فكأنما تسفهم المل والمل هو الرماد الحار وتسفهم يعني تجعله في أفواههم والمعنى أنك كأنما ترغمهم بهذا الرماد الحار عقوبة لهم ولا يزال لك من الله عليهم ظهير يعني عون عليهم مادمت على ذلك أي تصلهم وهم يقطعونك فكل هذه الأحاديث وما شابهها تدل على أنه يجب على الإنسان أن يصل رحمه وأقاربه بقدر ما يستطيع وبقدر ما جرى به العرف ويحذر من قطيعة الرحم


325 - وعن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما قالت: قدمت على أمي وهي مشركة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت قدمت على أمي وهي راغبة أفأصل أمي قال نعم صلى أمك متفق عليه وقولها راغبة أي طامعة عندي تسألني شيئا قيل كانت أمها من النسب وقيل من الرضاعة والصحيح الأول


326 - وعن زينب الثقفية امرأة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وعنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تصدقن يا معشر النساء ولو من حليكن قالت فرجعت إلى عبد الله بن مسعود فقلت له إنك رجل خفيف ذات اليد وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمرنا بالصدقة فأته فاسأله فإن كان ذلك يجزئ عنى وإلا صرفتها إلى غيركم فقال عبد الله بل ائتيه أنت فانطلقت فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجتي حاجتها وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ألقيت عليه المهابة فخرج علينا بلال فقلنا له ائت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره أن امرأتين بالباب تسألانك أتجزئ الصدقة عنهما على أزواجهما وعلى أيتام في حجورهما ولا تخبره من نحن فدخل بلال على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم من هما قال امرأة من الأنصار وزينب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الزيانب هي قال امرأة عبد الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهما أجران أجر القرابة وأجر الصدقة متفق عليه

الشَّرْحُ

قال المؤلف فيما نقله عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها وعن أبيها إن أمها قدمت عليها المدينة وهي راغبة فاستفتت النبي صلى الله عليه وسلم هل تصلها أم لا وقالت يا رسول الله إن أمي قدمت وهي راغبة أفأصلها فأمرها أن تصلها وقولها وهي راغبة قال بعض العلماء معناه وهي راغبة في الإسلام فيكون الأمر بصلتها من أجل تأليفها على الإسلام وقيل بل معنى قولها وهي راغبة أي راغبة في أن أصلها ومتطلعة إلى ذلك فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تصلها وهذا هو الأقرب أنها جاءت تتشوق وتتطلع إلى أن تعطيها ابنتها ما شاء الله ففي هذا دليل على أن الإنسان يصل أقاربه ولو كانوا على غير الإسلام لأن لهم حق القرابة ويدل لهذا قوله تعالى في سورة لقمان وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا يعني إن أمرك والداك وألحا في الطلب على أن تشرك بالله فلا تطعهما لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ولكن صاحبهما في الدنيا معروفا أي أعطهم من الدنيا ما يجب لهم من الصلة ولو كانا كافرين أو فاسقين لأن لهما حق القرابة وهذا الحديث يدل على ما دلت عليه الآية وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها وعن أبيها أن تصل أمها مع أنها كافرة ثم إن صلة الأقارب بالصدقة يحصل بها أجران أجر الصدقة وأجر الصلة ودليل ذلك حديث زينب بنت مسعود الثقفية امرأة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر النساء بالصدقة فرجعت إلى بيتها وكان زوجها عبد الله بن مسعود خفيف ذات اليد يعني أنه ليس عنده مال فأخبرته فطلب منها أن تتصدق عليه وعلى أيتام كانوا في حاجتها ولكنه أشكل عليه الأمر فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تستفتيه فلما وصلت إلى بيته وجدت عنده امرأة من الأنصار حاجتها كحاجة زينب تريد أن تسأل النبي صلى الله عليه وسلم أن تتصدق على زوجها ومن في بيتها فخرج بلال وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أعطاه الله المهابة العظيمة كل من رآه هابه لكنه من خالطه معاشرة أحبه وزالت عنه الهيبة لكن أول ما يراه الإنسان يهابه هيبة عظيمة فإذا خالطه وعاشره أحبه وألفه صلى الله عليه وسلم فخرج بلال فسألهما عن حاجتهما فأخبرتاه أنهما يسألان النبي صلى الله عليه وسلم هل تجوز الصدقة على أزواجهما ومن في بيتهما ولكنهما قالتا له لا تخبر الرسول صلى الله عليه وسلم من هما أحبتا أن تختفيا فدخل بلال على النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره وقال إن بالباب امرأتين حاجتهما كذا وكذا فقال من هما وحينئذ وقع بلال بين أمرين بين أمانة ائتمنتاه عليها المرأتان حيث قالتا لا تخبره من نحن ولكن الرسول قال من هما قال امرأة من الأنصار وزينب فقال أي الزيانب حيث اسم زينب كثير فقال امرأة عبد الله وكان عبد الله بن مسعود خادما للرسول صلى الله عليه وسلم يدخل بيته حتى بلا استئذان وقد عرف النبي صلى الله عليه وسلم أهله وعرف حاله وهو إنما أخبره مع قولهما له لا تخبره لأن طاعة النبي صلى الله عليه وسلم واجبة مقدمة على طاعة كل واحد فقال إن صدقتهما على هؤلاء صدقة وصلة يعني فيها أجران أجر الصدقة وأجر الصلة فدل ذلك على أنه يجوز للإنسان أن يتصدق على أولاده عند الحاجة ويتصدق على زوجته وكذلك الزوجة تتصدق على زوجها وأن ذلك عليهم صدقة وصلة أما الزكاة فإن كان مما يجب على الإنسان أن يدفعه فإنه لا يصح أن يدفع إليهم الزكاة لو كانت الزكاة لدفع حاجتهما من نفقة وهو ممن تجب عليه النفقة وماله يحتمل فإنه لا يجوز له أن يعطيهما من الزكاة أما إذا كان ممن لا يجب عليه كما إن قضي دينا عن أبيه أو عن ابنه أو زوجته أو قضت دينا على زوجها فإن ذلك لا بأس به إذا كان المدين حيا أما إذا كان المدين ميتا فلا يقضي عنه إلا تبرعا أو من التركة ولا يقضى عنه من الزكاة


327 - وعن أبي سفيان صخر بن حرب رضي الله عنه في حديثه الطويل في قصة هرقل أن هرقل قال لأبي سفيان فماذا يأمركم به يعني النبي صلى الله عليه وسلم قال قلت يقول اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا واتركوا ما يقول آباؤكم ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة متفق عليه


328 - وعن أبي ذر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنكم ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط وفي رواية ستفتحون مصر وهي أرض يسمى فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيرا فإن لهم ذمة ورحما وفي رواية فإذا افتتحتموها فأحسنوا إلى أهلها فإن لهم ذمة ورحما أو قال ذمة وصهرا رواه مسلم قال العلماء الرحم التي لهم كون هاجر أم إسماعيل صلى الله عليه وسلم منهم والصهر كون مارية أم إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم رواه مسلم


329 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال لما نزلت هذه الآية { وأنذر عشيرتك الأقربين } دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا فاجتمعوا فعم وخص وقال يا بني عبد شمس يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار يا فاطمة أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لكم من الله شيئا غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها رواه مسلم قوله صلى الله عليه وسلم ببلالها هو بفتح الباء الثانية وكسرها والبلال الماء ومعنى الحديث سأصلها شبه قطيعتها بالحرارة تطفأ بالماء وهذه تبرد بالصلة


330 - وعن أبي عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم جهارا غير سر يقول إن آل بني فلان ليسوا بأوليائي إنما وليى الله وصالح المؤمنين ولكن لهم رحم أبلها ببلالها متفق عليه واللفظ للبخاري

الشَّرْحُ

هذه الأحاديث التي ساقها المؤلف رحمه الله كلها تدل على أهمية صلة الرحم أي صلة القرابة وصدرها بحديث أبي سفيان صخر بن حرب حين وفد ومعه قوم من قريش على هرقل وكان قد وفد على هرقل قبل أن يسلم رضي الله عنه لأنه أسلم عام الفتح وأما قدومه إلى هرقل فكان بعد صلح الحديبية ولما سمع بهم هرقل وكان رجلا عاقلا عنده علم من الكتاب وعنده علم بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم وبما يدعوه إليه لأن صفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم موجودة في التوراة والإنجيل كما قال الله تبارك وتعالى النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل مكتوبا بصفته ومعروفا حتى إنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم لا يشكون فيهم فلما قدم هؤلاء الجماعة من العرب من مبعث النبي صلى الله عليه وسلم من الحجاز دعاهم يسألهم عن حال النبي صلى الله عليه وسلم وعما يأمر به وعما ينهى عنه وعن كيفية أصحابه ومعاملتهم له إلى غير ذلك مما سألهم عنه وقد ذكره البخاري مطولا في صحيحه وكان من جملة ما سألهم عنه ماذا يأمر به قالوا كان يأمرنا بالصلة والصدق والعفاف الصلة يعني صلة الرحم والصدق الخبر الصحيح المطابق للواقع والعفاف عن الزنى وعما في أيدي الناس من الأموال وكذلك الأعراض ثم إنه لما ذكر لهم ما ذكر قال له إن كان ما تقوله حقا فسيملك ما تحت قدمي هاتين يقول ذلك وهو أحد الرئيسين في الدولتين الكبيرتين الروم والفرس يقول ذلك وهو ملك له مملكة كبيرة عظيمة لكنه يعلم أن ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم حق وأنه هو الصواب المطابق للفطرة ولمصالح الخلق كان يأمر بالصدق والعفاف والصلة أي صلة الأرحام ثم ذكر المؤلف رحمه الله أحاديث في هذا المعنى أي في صلة الأرحام ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أنزل عليه { وأنذر عشيرتك الأقربين } جمع قريشا وعمم وخص وقال يا بني