Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

شرح سنن أبي داود للعيني

1 - كتاب الطهارة
[بسْم اللّه الرّحْمن الرّحيم
1- باب: الرخصة في ذلك (1)
1- حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن
محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان، عن عبد الله بن عمر
قال: " لقد ارتقيتُ على ظهر البيت، فرأيتُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على لبنتيْن،
مُسْتقْبل بيْت المقدس لحاجته " ] (2) ، (3) .
/وحكى صاحب " المطالع " لغتين أخرتين: " أحدهما: فتح القاف
بغير همز، والأخرى فتحها مع الهمز " . وقال الجوهري: " رقيت في
السلم- بالكسر- رقْياً ورُقيا، إذا صعدت، وارتقيت مثله " (4) .
فإن قلت: كيف نظر ابنُ عمر- رضي اللّه عنه- إلى رسول الله وهو
في تلك الحالة، ولا يجوز ذلك؟ قلت: وقعت تلك منه اتفاقاً من غير
قصد لذلك.
قوله: " على لبنتين " تثنية لبنةٍ ، " بفتح (5) اللام، وكسر الباء،
__________
(1) أي: الرخصة في استقبال القبْلة عند قضاء الحاجة.
(2) مفقود من الأصل، وأثبتناه من سنن أبي داود.
(3) البخاري: كتاب الوضوء، باب: من تبرز على لبنتين (145) ، مسلم:
كتاب الطهارة، باب: الاستطابة (266/ 61، 62) ، الترمذي: كتاب
الطهارة، باب:[ما جاء من] (كذا في الأصل بين معقوفتين) الرخصة في
ذلك (11) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: الرخصة في ذلك في البيوت
(1/23- 24) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة وسننها، باب: الرخصة في
ذلك في الكنيف، وإباحته دون الصحاري (323) .
(4) انظره في: شرح صحيح مسلم (3/158) .
(5) انظر: شرح صحيح مسلم (3/158) .

(1/59)


ويجوز إسكان الباء مع فتح اللام ومع كسرها، وكذلك كل ما كان على
هذا الوزن- أعني: مفتوح الأول، مكسور الثاني- يجوز فيه الأوجه
الثلاثة ككتف، فإن كان ثانيه أو ثالثه حرف حلق، جاز فيه وجه رابع
وهو: كسر الأول والثاني كفخذٍ " .
قوله: " لحاجته " أي: لقضاء حاجته. وحديث ابن عمر أخرجه
البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه
2- ص- حدثنا محمد بن بشار قال: ثنا وهب بن جرير قال: نا أبي
قال: سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن أبان بن صالح، عن مجاهد،
عن جابر بن عبد الله قال: " نهى نبيُّ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن نستقبل القبلة ببول، فرأيتُه
قبل أن يُقبض بعامٍ يستقبلُها " (1) .
ش- محمد بن بشار بن عثمان بن داود بن كيسان العبدي البصري،
يكنى أبا بكر بندار، والبندار: الحافظ، سمع معتمر بن سليمان،
ويحيى بن سعيد القطان، ووكيعاً، وأبا داود الطيالسي وجماعة آخرين.
روي عنه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي،
وابن ماجه، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وعبد اللّه بن أحمد، وجماعة
آخرون. ولد سنة سبع وستين ومائة، ومات في رجب، سنة ثنتين
وخمسين ومائتين (2) .
ووهب بن جرير بن حازم أبو العباس البصري، سمع أباه، وشعبة،
وهشاماً، وجماعة آخرين. روى عنه: أحمد بن حنبل، وأبو خيثمة،
ويحيى بن معين، وعلي بن حرب، ومحمد بن بشار، وجماعة آخرون.
قال أحمد ين عبد اللّه: كان عفان يتكلم في وهب بن جرير.
__________
(1) الترمذي: كتاب الطهارة، باب[ما جاء من] (كذا في الأصل بين معقوفتين)
الرخصة في ذلك (9) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: الرخصة في ذلك
في الكنيف، وإباحته دون الصحاري (325) .
(2) انظر ترجمته في : تهذيب الكمال (24/5086) .

(1/60)


مات بالمنْجشانية على ستة أميال من البصرة، منصرفاً من الحج، فحمل
ودفن بالبصرة سنة ست ومائتين. روى له الجماعة (1) .
ومحمد بن إسحاق بن يسار بن كُوثان أبو بكر، ويقال: أبو عبد اللّه
المدني القرشي، مولى قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف، وكان
يسار من سبي عين التمر، رأى محمدُ بن إسحاق أنس بن مالك،
وسعيد بن المسيب، وسالم بن عبد الله بن عمر، وأبان بن عثمان،
وسمع القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، ونافعاً مولى[ابن]
عمر، وأبا سلمة بن عبد الرحمن، والزهري، وجعفر بن عمر بن أمية
الضمري، وشعبة، وجماعة آخرين. روى عنه: سفيان الثوري،
وسفيان بن عيينة، وشعبة، وجماعة آخرون. وقال ابن معين: ثقة وليس
بحجة. وقال شعبة: صدوق في الحديث. وقال أحمد بن حنبل: كثير
التدليس جدا، والمقصود أنه كان كثير الحديث، وقد كتب عنه العلماء،
ومنهم من يستضعفه، أخرج له مسلم في المتابعات، واستشهد به البخاري
في مواضع يسيرة، روى له أبو داود وابن ماجه. توفي ببغداد سنة
خمسين ومائة، ودفن في مقابر الخيرزان (2) .
وأبان بن صالح بن[عمير بن]عبيد القرشي مولاهم أبو بكر المدني،
وقيل: إنه مكي، أصله من العرب وأصابه سباء، روى عن: أنس بن
مالك، وعمر بن عبد العزيز، ومجاهد بن جبر، وعطاء بن أبي رباح
وغيرهم، روى عنه محمد بن إسحاق، ومحمد بن عجلان، وسعد بن
إسحاق، وغيرهم. قال أبو زرعة: هو مكي ثقة، وكذا قال أبو حاتم،
روى له: البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (3) .
ومجاهد بن جبر، ويقال: ابن جبير، والأول أصح، المكي
أبو الحجاج المخزومي، مولى عبد الله بن السائب المخزومي القارئ،
__________
(1) المصدر السابق (31/6753) . (2) المصدر السابق (24/5057) .
(3) المصدر السابق (2/137) .

(1/61)


ويقال: مولى السائب بن أبي السائب، ويقال: مولى قيس بن الحارث،
سمع عبد اللّه بن عباس، وعبد اللّه بن عمر، وأبا هريرة، وأبا سعيد
الخدري، وجابر بن عبد اللّه، وعبد الله بن عمر[و]، وعائشة،
وغيرهم. روى عنه: عطاء، وطاوس، وعكرمة، وعمرو بن دينار،
والأعمش، وجماعة آخرون. قال يحيى بن معين: ثقة. وقال أبو زرعة:
مكي ثقة. مات سنة ثلاث أو أربع ومائة، روى له الجماعة (1) .
وجابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بن عمرو بن سواد/بن سلمة،
ويقال: ابن حرام بن ثعلبة بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة
ابن سعد بن عدي بن ساردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج الأنصاري
السلمي، يكنى أبا عبد اللّه، ويقال: أبا عبد الرحمن، ويقال: أبا محمد
المدني، روي له عن رسول اللّه ألف حديث وخمسمائة حديث وأربعون
حديثاً، أخرجا له مائتي حديث وعشرة أحاديث، اتفقا منها على ثمانية
وخمسين، وانفرد البخاري بست وعشرين، ومسلم بمائة وست وعشرين،
وروى عن أبي بكر، وعمر، وعلي، وأبي عبيدة، ومعاذ، وخالد بن
الوليد، وأبي هريرة، روى عنه: أبو سلمة، محمد بن المنكدر،
وعطاء، وعمرو بن دينار، ومجاهد، وخلق كثير. مات بالمدينة سنة
ثلاث وسبعين، وكان قد ذهب بصرُه، وصلى عليه أبان بن عثمان، روى
له الجماعة (2) .
قوله: " أن نستقبل القبْلة ببول " من باب الاكتفاء، والمعنى: " ببول
وغائط " نحو قوله تعالى: (سرابيل تقيكُمُ الحر) (3) أي: والبرد أيضاً.
قوله: " قبل أن يُقبض " من قولهم: قُبض المريضُ إذا تُوفي، وإذا
أشرف على الموت.
__________
(1) المصدر السابق (27/5783) .
(2) انظر ترجمته في: الاستيعاب (1/221) بهامش الإصابة، وأسد الغابة
(1/307) ، والإصابة (1/213) .
(3) سورة النحل: (81) .

(1/62)


قوله: " مستقبلها " أي: يستقبل القبْلة. وبحديث جابر هذا احتج من
حرم الاستقبال والاستدبار في الصحراء، وأباحهما في البنيان. ورواه
أيضاً الترمذي وابن ماجه. وقال الترمذي: حديث حسن غريب.
***
2- باب: كيف التكشفُ عند الحاجة
اعلم أن " كيف " اسم، لدخول الجار عليه بلا تأويل في قولهم:
على كيف تبيع الأحمرين؟ ولإبدال الاسم الصريح منه، نحو: كيف
أنت أصحيح أم سقيم؟ وللإخبار به مع مباشرة الفعل في نحو: كيف
كنت؟ فبالإخبار به انتفت الحرفية، وتستعمل على وجهين: أحدهما: أن
يكون شرطاً فيقتضي فعلين متفقي اللفظ والمعنى، غير مجزومين، نحو:
كيف تصنعُ أصنعُ. ولا يجوز: كيف تجلس أذهبُ، باتفاق، ولا:
كيف تجلسْ أجلسْ، بالجزم عند البصريين، خلافاً لقطرب.
والثاني وهو الغالب فيها: أن تكون استفهاماً عن الحال، نحو: كيف
زيد؟ يعني: ما حاله؟ و " كيف " الذي هاهنا من القبيل الثاني.
وقوله: " عند الحاجة " أي: قضاء الحاجة من البول والغائط.
3- ص- حدثنا زهير بن حرب، قال: ثنا وكيع، عن الأعمش، عن
رجل، عن ابن عمر، عن (1) النبي- عليه السلام-: " كان إذا أراد حاجةً
لا يرفعُ ثوبهُ حتى يدنُو من الأرض " (2) . قال أبو داود: رواه عبد السلام
ابن حرب، عن الأعمش، عن أنس بن مالك، وهو ضعيف (3) ، (4) .
ش- زهير بن حرب بن شداد النسائي أبو خيثمة، سكن بغداد، وكان
__________
(1) كذا في الأصل، وفي السنن: " أن " . (2) تفرد به أبو داود.
(3) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في الاستتار عند الحاجة (14)
(4) في المطبوع من سنن أبي داود زيد بين معقوفتين الآتي: " قال أبو عيسى
الرملي: حدثنا أحمد بن الوليد، ثنا عمرو بن عون، أخبرنا عبد السلام
به " . ا هـ. وانظر: التحفة (892) .

(1/63)


اسم جده أشتال، فعُرب شداداً (1) ، وهو مولى بني الحريش بن كعب
ابن عامر بن صعصعة (2) ، سمع سفيان بن عيينة، ووكيعاً، وابن علية،
وأبا الوليد الطيالسي، وجماعة آخرين. روى عنه: ابنه أحمد،
وأبو زرعة، وأبو حاتم، والبخاري، ومسلم، وأبو داود وابن ماجه،
ويعقوب بن شيبة، وجماعة آخرون. وتوفي ببغداد سنة أربع وثلاثين
ومائتين، وهو ابن أربع وسبعين سنة (3) .
قوله: " إذا أراد حاجة " أي: قضاء حاجة.
قوله: " حتى يدنو " أي: حتى يقرب من الأرض، وذلك حفظاً
لكشف العورة، واحترازاً عن كشف العورة.
قوله: " رواه عبد السلام " أي: روى هذا الحديث عبد السلام بن
حرب المُلائيُّ- بضم الميم وبالمد- وهو نسبة إلى بيع المُلاء، وهو الإزار،
أي: الملحفة، ويكنى أبو (4) بكر الكوفي، سمع أيوب السختياني،
ويونس بن عبيد، وأبا خالد الدالاني، وهشام بن حسان، روى عنه:
عبد الرحمن بن محمد المحاربيُ، وأبو نعيم، وأبو سعيد الأشج وغيرهم.
وقال حسن بن عيسى: سألت ابن المبارك عن عبد السلام بن حرب فقال:
قد عرفتُه، وكان إذا قال: " قد عرفتُه " فقد أهلكه. وقال أحمد: قيل
لابن المبارك فيه فقال: ما تحملني رجلاي إليه. وقال يحيى بن معين:
صدوق، وفي رواية: إنه ليس به بأس، يكتب حديثه. وقال أبو حاتم:
ثقة. وقال البخاري: مات سنة ست أو سبع وثمانين، روى له
الجماعة (5) . وأخرج الترمذي حديث الأعمش عن أنس، وأشار إلى
حديث الأعمش عن ابن عمر، وقال: وكلا الحديثين مرسل. وقال:
__________
(1) في الأصل: " شداد " كذا.
(2) في الأصل: " ... ابن عامر بن كعب بن صعصعة " ، والتصويب من
مصادر الترجمة.
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (9/2010) ، وطبقات ابن سعد (7/354) .
(4) كذا. (5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (18/3418) .

(1/64)


لم يسمع الأعمش من أنس بن مالك، ولا من أحد من أصحاب/النبي
- عليه السلام-، وقد نظر إلى أنس بن مالك، قال: رأيته يصلي،
فذكر عنه حكاية في الصلاة (1) . وذكر أبو نعيم الأصبهاني أن الأعمش
رأى أنس بن مالك وابن أبي أوفى، وسمع منهما، والذي قاله الترمذي
هو المشهور.
***
3- باب: كراهية الكلام على الخلاء (2)
" كراهية " : بتخفيف الياء مصدر من كرهت الشيء أكرهه كراهة
وكراهية، فهو شيء كريه ومكروه، والكُره بالضم: المشقة. وقال
الكسائي: الكُرْهُ والكرْهُ بالضم والفتح لغتان.
4- ص- حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة قال: ثنا ابن مهدي قال: ثنا
عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن عياض قال: حدثني
أبو سعيد قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " لا يخرجُ الرجلان يضربان
الغائط كاشفيْن عن عورتهما يتحدثان، فإن الله- عز وجل- يمقُتُ على
ذلك " (3) . قال أبو داود: لم يسنده إلا عكرمة بن عمار.
ش- عُبيد الله بن عمر بن ميسرة القواريري أبو سعيد الجُشمي،
مولاهم البصري، نزل بغداد، سمع حماد بن زيد، وجعفر بن سليمان،
وأبا معشر يوسف، وسفيان بن عيينة، وأبا عوانة، وجماعة آخرين.
روى عنه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وأبو قدامة، وأبو زرعة،
وأبو حاتم، وأبو يعلى، وأبو القاسم البغوي، وغيرهم. قال يحيى بن
__________
(1) انظر: جامع الترمذي (1/22) .
(2) في سنن أبي داود: " باب: كراهية الكلام عند الحاجة " .
(3) ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: النهي عن الاجتماع على الخلاء (342) من
طريق عكرمة بن عمار.
5. شرح سنن أبي داوود 1

(1/65)


معين: ثقة. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث ثقة، توفي ببغداد سنة
خمس وثلاثين ومائتين (1) .
ومهدي بن حرب الهجري المحاربي، روى عن عكرمة مولى ابن
عباس، روى عنه حوشب بن عقيل. قال يحيى بن معين: لا أعرفه.
روى له أبو داود وابن ماجه (2) .
وعكرمة هو ابن عمار أبو عمار اليمامي العجلي البصري، روى عن
الهرماس بن زياد، سمع أبا غادية اليمامي، وسالم بن عبد الله،
ونافعاً، وطاوساً، وغير هم. روى عنه: الثوري، وشعبة، ويحيى
القطان، وابن المبارك، ووكيع، وجماعة آخرون. وقال أحمد بن
حنبل: مضطرب الحديث عن غير إياس، وكل حديثه عنه صالح، وحديثه
عن يحيى بن[أبي]كثير صالح. وقال ابن معين: صدوق، ليس به
بأس، وفي رواية: كان أميناً، وكان حافظاً. وقال أبو حاتم: كان
صدوقاً، وربما وهم في حديثه، وربما دلس، وفي حديثه عن يحيى بن
أبي كثير بعض الأغاليط. وقال وكيع: كان ثقة. روى له الجماعة إلا
البخاري (3) .
ويحيى بن أبي كثير أبو نصر اليمامي الطائي مولاهم، واسم أبي كثير:
صالح بن المتوكل، ويقال: يسار، ويقال: دينار، وكان دينار مولى
لعلي- رضي الله عنه- رأى أنس بن مالك، وسمع السائب بن يزيد،
وهلال بن أبي ميمونة، وأبا سعيد مولى المهْريً، وغيرهم، روى عنه:
يحيى بن سعيد الأنصاري، وأيوب السختياني، والأوزاعي، وجماعة
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (19/3669) .
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (28/6220) .
تنبيه: كذا ترجم المصنف لمهدي بن حرب، والذي في سند الحديث هو
عبد الرحمن بن مهدي، فليتنبه.
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (20/4008) .

(1/66)


آخرون. وقال أحمد بن عبد الله: هو ثقة، مات سنة تسع وعشرين
ومائة، روى له الجماعة (1) .
وهلال بن عياض، ويقال: عياض بن هلال، روى عنه يحيى بن
أبي كثير، روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه (2) .
وأبو سعيد: سعد بن مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة بن عبيد بن
الأبجر، وهو خُدرة بن عوف بن الحارث بن الخزرج أبو سعيد الخدري
الأنصاري، روي له عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ألف حديث ومائة حديث
وسبعون حديثاً، اتفقا على ستة وأربعين حديثاً، وانفرد البخاري بسبعة
عشر حديثاً، ومسلم باثنين وخمسين. وقد روى عن: أبي بكر،
وعمر، وعثمان، وعبد اللّه بن سلام، وأبي قتادة، وغيرهم. روى عنه:
عبد اللّه بن عمر بن الخطاب، وجابر بن عبد اللّه الأنصاري، وزيد بن
ثابت، وعبد اللّه بن عباس، وغيرهم من الصحابة والتابعين. مات
بالمدينة سنة أربع وستين، وهو ابن أربع وسبعين سنة، روى له
الجماعة (3)
قوله: " يضربان الأرض " . قال أبو عمر صاحب ثعلب (4) : " يقال:
ضربت الأرض إذا أتيت الخلاء، وضربت في الأرض إذا سافرت. وقال
غيره: ذهب يضرب الغائط والخلاء والأرض، إذا ذهب لقضاء الحاجة " .
قوله: " كاشفيْن " حال عن قوله: " الرجلان " ، وقوله: " يتحدثان "
أيضاً حال بعد حال، إما من الأحوال المتداخلة، أو المترادفة، وقد علم
أن الجملة الفعلية إذا كان فعلها مضارعاً مثبتاً، لا يحتاج إلى الواو.
__________
(1) المصدر السابق (31/6907) .
(2) المصدر السابق (22/4612) .
(3) انظر ترجمته في: الاستيعاب (2/47) بهامش الإصابة، وأسد الغابة
(2/365) ، والإصابة (2/35) .
(4) انظره في: معالم السنن (1/16) .

(1/67)


قوله: " فإن الله " : جواب النفي.
قوله: " يمقت " : من المقت وهو أشد البغض، وفعله من باب نصر
ينصر.
قوله: " على ذلك " : إشارة إلى الكشف والتحدث فيه.
قوله: " لم يسنده إلا عكرمة " ، وقد احتج به مسلم في " صحيحه " ،
وضعفه (1) بعض/الحفاظ حديث (1) عكرمة هذا عن يحيى بن أبي كثير،
وقد أخرج مسلم حديثه عن يحيى بن أبي كثير، واستشهد البخاري بحديثه
عن يحيى بن أبي كثير، وأخرج هذا الحديث أيضاً ابن ماجه.
***
4- ص- باب: في الرجل يرد السلام وهو يبول (2)
ارتفاع " بابٌ " على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا باب.
وقوله: " يرد " وقعت حالاً من " الرجل " ، والتقدير: باب فيه حكم
الرجل يرد السلام.
وقوله: " وهو يبول " جملة اسمية وقعت حالاً من الضمير الذي في
" يرد " ، والجملة الاسمية إذا وقعت حالاً لا بد فيها من " واو " ، وقد
تحذف في الندرة، نحو: كلمته فوه إليّ.
5- ص- حدثنا عثمان وأبو بكر ابنا أبي شيبة قالا: ثنا عمر بن سعد، عن
سفيان، عن الضحاك بن عثمان، عن نافع، عن ابن عمر قال: " مرّ رجُل
على النبي- عليه السلام- وهو يبُولُ، فسلّم[عليه] (3) فلم يردّ عليْه " (4) .
__________
(1) كذا. (2) في سنن أبي داود: " باب: أيرد السلام وهو يبول؟ " .
(3) زيادة من سنن أبى داود.
(4) مسلم: كتاب الحيض، باب: التيمم (370/115) ، الترمذي: كتاب
الطهارة، باب: كراهة رد السلام غير متوضئ (90) ، النسائي: كتاب
الطهارة، باب: السلام على من يبول (1/25) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة،
باب: الرجل يسلم عليه وهو يبول (353) .

(1/68)


قال أبو داود: وروي عن ابن عمر وغيره: " أن النبي- عليه السلام- تيمم،
ثم ردّ على الرجل السلام " (1) .
ش- عثمان بن محمد بن إبراهيم بن خواستي الكوفي أبو الحسن
العبسي بن أبي شيبة، أخو أبي بكر وقاسم، وهو أكبر من أبي بكر، نزل
بغداد، ورحل إلى مكة والري، وكتب الكثير، وصنف المسند والتفسير،
سمع سفيان بن عيينة، وشريك بن عبد اللّه النخعي، ووكيع بن الجراح،
وجماعة آخرين. روى عنه ابنه محمد، ومحمد بن سعد، ومحمد بن
يزيد بن ماجه، ومسلم، وأبو داود، وأبو يعلى الموصلي، وأبو زرعة،
وأبو حاتم، وروى النسائي عن رجل عنه، وجماعة آخرون. وقال
عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول حين نُعي إليه عثمان بن
أبي شيبة فقال: تلك الأحاديث التي حدث بها، ما كان أخوه تطيب نفسه
لمثل هذا، وأنكرُها: حديث جرير عن شيبة بن نعامة، عن فاطمة (2) .
وحديث جرير عن الثوري، عن أبي عقيل، عن جابر (3) . وقال
أبو حاتم: كان عثمان أكبر من أبي بكر، إلا أن أبا بكر صنف ما كان
يُطلب، وعثمان لم يصنف. وقال أحمد بن عبد اللّه: ثقة، مات لثلاث
مضين من المحرم سنة تسع وثلاثين ومائتين (4) .
وأبو بكر عبد اللّه بن محمد المذكور آنفاً، كان أحد حُفاظ الدنيا،
__________
(1) أخرجه أبو داود بنحوه من طريق نافع في باب التيمم من كتاب الطهارة (314) .
(2) رواه الخطيب في تاريخه (11/285) بسنده إلى شيبة، عن فاطمة بنت الحسين،
عن فاطمة الكبرى قالت: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كل بني أم ينتمون إلى
عصبة، غير ولد فاطمة، فأنا أبوهم، وأنا عصبتهم " .
(3) رواه الخطيب أيضاً في تاريخه (11/285- 286) بلفظ: " كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في
أول الأمر يشهد مع المشركين أعيادهم، حتى نهي عنه " وقال الإمام أحمد
ابن حنبل كما في تهذيب الكمال (19/483) : " ... هذه أحاديث موضوعة
أو كأنها موضوعة " .
(4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (19/3857) .

(1/69)


والمكثرين من الحديث مع تثبت وإتقان. روى عن ابن المبارك، وشريك
ابن عبد اللّه، وابن عيينة، ويحيى بن سعيد القطان، وجماعة آخرين.
روى عنه أحمد بن حنبل، وابنه عبد اللّه بن أحمد، والبغوي، وغيرهم.
وقال أبو زرعة: ما رأيت أحفظ من أبي بكر بن أبي شيبة. وقال الذهبي:
روى عنه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، وأبو يعلى، والباغندي،
وهو صاحب المصنف، ولد سنة تسع وخمسين ومائة، وتوفي في سنة
أربع وثلاثين ومائتين (1) .
وعمر بن سعد الكوفي أبو داود الحفريُّ- بفتح الحاء المهملة والفاء-،
نسبة إلى حفر، موضع بالكوفة، روى عن: مسعر بن كدام، وشريك
ابن عبد اللّه النخعي، وسفيان الثوري، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن
حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو بكر بن أبى شيبة، وجماعة آخرون،
روى له الجماعة إلا البخاري (2) .
وسفيان هذا: سفيان بن سعيد بن مسروق بن حبيب بن رافع بن
عبد اللّه بن موْهبة بن أبي[بن] (3) عبد اللّه بن منقذ بن نصر بن الحارث
ابن ثعلبة بن[عامر بن] (3) ملكان بن ثور بن عبد مناة بن أدّ بن طابخة
الثوري، سمع أبا إسحاق السبيعي، وأيوب السختياني، وعتبة بن عون،
ويحيي بن أبي كثير، ومحمد بن عجلان، وجماعة آخرين. روى عنه:
الأوزاعي، وشعبة، وابن إسحاق، وابن عيينة، ووكيع، وجماعة
آخرون. وقال أبو عاصم: سفيان الثوري: أمير المؤمنين في الحديث.
وقال ابن المبارك: كتبت عن ألف شيخ ومائة، ما كتبت عن أفضل من
سفيان الثوري. ولد سنة سبع وتسعين، وتوفي سنة ستين ومائة، روى
له الجماعة (4) .
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (16/3526) .
(2) المصدر السابق (21/4241) . (3) زيادة من مصادر الترجمة.
(4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (11/2407) ، وطبقات ابن سعد
(6/371) ، والسير (7/229) .

(1/70)


والضحاك بن عثمان بن عبد اللّه بن خالد بن حزام بن خويلد بن أسد
ابن عبد العزى بن قصي القرشي الأسدي الحزامي أبو عثمان المدني،
سمع نافعاً، وعبد اللّه بن دينار، وصدقة بن يسار وغيرهم. روى عنه:
الثوري، ويحيى القطان، والواقدي. قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا
يحتج به، وهو صدوق. وقال أبو زرعة: ليس بقوي. وقال أحمد
وابن معين: ثقة. مات بالمدينة سنة ثلاث وخمسين ومائة، روى له
الجماعة إلا البخاري (1) .
ونافع القرشي/العدوي المدني، مولى عبد اللّه بن عمر بن الخطاب
- رضي الله عنهم-، أصله من المغرب، وقيل: من نيسابور. ويقال:
كان في سبي كابُل، أصابه عبد اللّه في بعض غزواته، سمع عبد اللّه بن
عمر، وأبا هريرة، وأبا سعيد الخدري، ورافع بن خديج، وعائشة
أم المؤمنين، وغيرهم من الصحابة والتابعين. روى عنه: يحيى بن
سعيد، وصالح بن كيسان، وأيوب السختياني، والأعمش، وخلق كثير
سواهم. قال أحمد بن عبد الله: تابعي ثقة. مات بالمدينة سنة سبع
عشرة ومائة، روى له الجماعة (2) .
قوله: " وهو يبول " جملة اسمية وقعت حالاً من النبي - عليه السلام-
وإنما لم يرُد عليه السلام في هذه الحالة؛ لأن السلام اسم من أسماء اللّه
تعالى، كما جاء في حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة- رضي اللّه عنه-
قال:[قال]رسول اللّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن السلام اسم من أسماء اللّه تعالى،
فأفشوه بينكم " (3) . ولم ير عليه السلام أن يذكر اسم اللّه تعالى في تلك
الحالة، وأيضاً هذا تعليم للأمة أن لا يسلموا على الرجل وهو يبول أو
يتغوط، ولما فيه من إشغال الرجل عن جمع حاله من وصول النجاسة
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (13/2922) .
(2) المصدر السابق (29/6373) .
(3) البخاري في: الأدب المفرد (989) ، وصححه الشيخ الألباني في الصحيحة
(184) .

(1/71)


إليه، أو ربما يقع نظر المسلم على عورته، فيأثم بذلك الناظر والمنظور
إليه.
قوله: " تيمم ثم رد " إنما تيمم رسول اللّه- عليه السلام- ثم رد على
الرجل السلام لما قلنا: إن السلام اسم من أسماء اللّه تعالى،. ولم ير أن
يذكره بلا طهارة، والتيمم أيضاً طهارة، وهذا هو اللائق بحاله- عليه
السلام-، وفعْلُهُ- عليه السلام- هذا للفضيلة والاستحباب، ويفهم من
هذا أن رد السلام واجب، وأنه لا يسقط بالتأخير، ولا يأثم به الرجل إذا
كان عن عذر، وحديث ابن عمر هذا أخرجه مسلم والترمذي والنسائي
وابن ماجه.
6- ص- حدثنا محمد بن المثنى قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد،
عن قتادة، عن الحسن، عن حُضين بن المنذر، عن المهاجر بن قنفذ: " أنه
أتى النبي- عليه السلام- وهو يبولُ، فسلّم عليه، فلم يرد[عليه[ (1)
حتى توضأ، ثم اعتذر إليه، قال (2) : إني كرهتُ أن أذكُر الله تعالى إلا على
طُهْرٍ " أو قال: " على طهارة " (3) .
ش- محمد بن المثنىً بن عبيد بن قيس بن دينار أبو موسى العنزيُ
البصري، المعروف بالزمن، سمع سفيان بن عيينة، ووكيعاً، ويحيى بن
سعيد، وجماعة آخرين. روى عنه الجماعة، وأبو زرعة، وأبو حاتم،
وأبو يعلى، وجماعة آخرون. قال محمد بن يحيى: هو حجة. وقال
صالح بن محمد: هو صدوق اللهجة، وكان في عقله شيء. وقال
النسائي: لا بأس به. مات بالبصرة سنة اثنتين وخمسين ومائتين (4) .
وعبد الأعلى هذا ابن عبد الأعلى السامي القرشي أبو همام، ويقال:
__________
(1) زيادة من سنن أبي داود. (2) في سنن أبي داود: " فقال " .
(3) النسائي: كتاب الطهارة، باب: رد السلام بعد الوضوء (1/37) ، ابن
ماجه: كتاب الطهارة، باب: الرجل يسلم عليه وهو يبول (350) .
(4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (26/5579)

(1/72)


أبو محمد البصري، سمع حميداً (1) الطويل، ويونس بن عبيد،
وسعيد بن أبي عروبة، وغيرهم. روى عنه: عياش بن الوليد، ومحمد
ابن المثنى، والفضل بن يعقوب، وغيرهم. وقال ابن معين وأبو زرعة:
ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. مات سنة سبع وثمانين ومائة،
في شعبان. روى له الجماعة (2) .
وسعيد هذا ابن أبي عروبة، واسمه مهران أبو النضر البصري العدوي،
عدي بن يشكر مولاهم، روى عن الحسن، وابن سيرين، وسمع النضر
ابن أنس، وقتادة، وغيرهم. روى عنه: الأعمش، والثوري،
وشعبة، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة.
وقال أبو زرعة: ثقة مأمون، مات سنة سبع وخمسين ومائة، روى له
الجماعة (3) .
والحسن بن أبي الحسن[واسمه]يسار البصري الإمام المشهور، سمع
عبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وسمرة، وغيرهم من الصحابة
والتابعين. روى عنه: يونس بن عبيد، وقتادة، وحُميد الطويل، وخلق
كثير سواهم. توفي سنة عشر ومائة، روى له الجماعة (4) .
وحُضين بن المنذر بن الحارث بن وعلة بن مجالد أبو محمد البصري،
سمع عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والمهاجر بن قنفذ،
وغيرهم. روى عنه: الحسن البصري، وغيره. مات سنة ست وتسعين،
روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (5) .
وحُضين: بضم الحاء المهملة، وفتح الضاد المعجمة، وفي آخره نون.
والمهاجر بن قنفذ بن عمير بن جُدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن
تيم بن مُرة بن لؤي بن غالب القرشي التيمي، أسلم يوم فتح مكة،
سكن البصرة ومات بها، روى له: أبو داود، والنسائي،
__________
(1) في الأصل: " حميد " . (2) المصدر السابق (16/3687) .
(3) المصدر السابق (11/2327) . (4) المصدر السابق (6/1216) .
(5) المصدر السابق (6/1382) .

(1/73)


وابن ماجه. والهاجر وقنفذ لقبان، واسم المهاجر عمرو، واسم قنفذ
خلف (1) .
قوله: " وهو يبول " جملة اسمية وقعت حالاً من النبي- عليه السلام-.
قوله: " ثم اعتذر إليه " استعطاف منه- عليه السلام- لخاطر الرجل،
وتطييب لقلبه، حيث أخر جواب سلامه، حتى لا يخطُر بباله أنه- عليه
السلام- قد تغير عليه، وهذا من آدابه- عليه السلام- وأخلاقه الحسنة.
قوله: " طهر " الطهر والطهارة، كلاهما مصدران، بمعنى: النظافة.
***
/5- باب: الرجل (2) يذكر الله على غير طُهر
أي: بابٌ في حكم رجل يذكر اللّه وهو على غير طهارة.
7- ص- حدثنا محمد بن العلاء قال: ثنا ابن أبي زائدة، عن أبيه، عن
خالد بن سلمة (3) ، عن البهي، عن عروة، عن عائشة- رضي الله عنها-
قالت: " كان رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يذكُرُ الله على كُل أحيانه " (4) .
ش- محمد بن العلاء بن كريب أبو كريب الهمداني الكوفي، سمع
ابن المبارك، ووكيعاً، ويحيى بن زكرياء بن أبي زائدة، وأبا أسامة،
__________
(1) انظر ترجمته في: الاستيعاب (3/436) بهامش الإصابة، وأسد الغابة
(5/272) ، والإصابة (3/466) .
(2) في المطبوع من السنن: " باب: في الرجل... " .
(3) وقع في " سنن أبي داود " ط. الريان: " خالد بن مسلمة " خطأ.
(4) مسلم: كتاب الطهارة، باب: ذكر الله تعالى في حال الجنابة وغيرها
(17/1373) ، الترمذي: كتاب الدعاء، باب: ما جاء أن دعوة المسلم
مستجابة (3384) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ذكر الله- عز وجل-
على الخلاء ... (302) ، أحمد (6/70، 153، 278) ، والبخاري تعليقاً
قبل (634) .

(1/74)


وجماعة آخرين، روى عنه البخاري، ومسلم، وأبو زرعة، وأبو حاتم،
وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأبو يعلى الموصلي،
وابن خزيمة. توفي سنة ثمان وأربعين ومائتين (1) .
وابن أبي زائدة اسمه زكرياء، واسم أبي زائدة خالد بن ميمون بن
فيروز أبو يحيى الهمداني الوداعي (2) الكوفي، مولى عمرو بن عبد اللّه
الوداعي، روى عن الشعبي، وخالد بن سلمة، وعبد الرحمن بن
الأصبهاني، وغيرهم. روى عنه: الثوري، وشعبة، ويحيى القطان،
وابنه يحيى بن زكرياء، ووكيع، وغيرهم. قال أحمد: حُلْوُ الحديث.
وقال ابن معين: صالح. وقال أحمد بن عبد اللّه: وكان ثقة إلا أن
سماعه من أبي إسحاق بآخرة. مات سنة ثمان وأربعين ومائة. روى له
الجماعة (3) ، وأبوه هو أبو زائدة خالد بن ميمون.
وخالد بن سلمة بن العاص بن هشام بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمر بن
مخزوم القرشي المخزومي أبو سلمة الكوفي، يُعرفُ بالفأفأ. روى عن:
سعيد بن المسيب، وأبي بردة، وعروة بن الزبير، وعبد الله بن رافع،
وغيرهم. روى عنه: يحيى الأنصاري، والثوري، وزكريا بن أبي زائدة،
وجماعة آخرون. وقال أحمد وابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: شيخ
يكتب حديثه. قُتل بواسط مظلوماً مع أبي هُبيرة. روى له الجماعة إلا
البخاري (4) .
البهي اسمه: عبد اللّه البهي مولى مصعب بن الزبير، روى عن عبد اللّه
ابن عمر، وعبد اللّه بن الزبير، وعائشة. روى عنه: أبو إسحاق
السبيعي، ويزيد بن أبي زياد. روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي،
وابن ماجه (5) .
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (26/5529) .
(2) كذا، وفي تهذيب الكمال: " الوادعي "
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (9/1992) .
(4) المصدر السابق (8/1619) . (5) المصدر السابق (16/3677) .

(1/75)


وعروة هذا عروة بن الزبير بن العوام أبو عبد الله الأسدي المدني، سمع
أباه، وأخاه عبد الله، وأمه أسماء بنت أبي بكر، وخالته عائشة،
وعبد اللّه بن العباس، وغيرهم من الصحابة والتابعين. روى عنه:
عطاء، وعراك بن مالك، وعمر بن عبد العزيز، وجعفر بن محمد
الصادق، وعبد اللّه البهي، وغيرهم. توفي سنة تسع وتسعين. روى له
الجماعة (1) .
وعائشة أم المؤمنين- رضي اللّه عنها-، روي لها عن رسول اللّه ألفا
حديث ومائتا حديث وعشرة أحاديث (2) ، اتفقا على مائة وأربعة وسبعين
حديثاً، وانفرد البخاري بأربعة وخمسين، ومسلم بثمانية وستين. روى
عنها عبد اللّه بن عباس، وعبد اللّه بن الزبير، وأبو موسى الأشعري،
وأبو هريرة. توفيت سنة سبع وخمسين، وصلى عليها أبو هريرة. روى
لها الجماعة (3) .
قوله: " يذكر الله " عام يشمل جميع أنواع الذكر: من التهليل،
والتسبيح، والتحميد، والتكبير، وأشباه ذلك. و " الأحيان " جمع
حين، وهو الوقت، ويستثنى من الذكر قراءة القرآن في حين الجنابة
والحيض؛ لأنه ثبت بدلائل أخر عدم جواز القراءة للجنب والحائض
فافهم. وحديث عائشة هذا أخرجه مسلم والترمذي وابن ماجه وأحمد في
" مسنده " ، وقال الترمذي: حديث حسن غريب.
__________
(1) المصدر السابق (20/3905) .
(2) في الأصل: " ألف حديث وعشرة أحاديث " ، والتصويب من " الرسائل
الخمس " لابن حزم.
(3) انظر ترجمتها في: الاستيعاب (4/356) ، وأسد الغابة (7/ 188) ، والإصابة
(4/359) .

(1/76)


6- باب: الخاتم فيه (1) ذكر اللّه يُدخلُ به الخلاء؟
أي: باب في حكم خاتم مكتوب عليه ذكر اللّه، وهو في يد رجُلٍ
يدخل به بيت الخلاء.
8- ص- حدثنا نصر بن علي، عن أبي علي الحنفي، عن همام، عن
ابن جريج، عن الزهري، عن أنس قال: " كان رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا دخل
الخلاء وضع خاتمهُ " (2) .
قال أبو داود: هذا حديث منكر، وإنما يعرف عن ابن جريج، عن زياد بن
سعد، عن الزهري، عن أنس. " أن النبي- عليه السلام- اتخذ خاتماً من
ورق، ثم ألقاهُ " . والوهم فيه من همام، ولم يروه إلا همام.
ش- نصر بن علي بن نصر بن علي بن صُهبان أبو عمرو الصغير
الجهضمي البصري، سمع ابن عيينة، ومحمد بن عرعرة، ووهب بن
جرير، ويحيى بن سعيد، وجماعة آخرين. روى عنه: أبو زرعة،
وأبو حاتم، والجماعة، وعبد اللّه بن أحمد بن حنبل، وجماعة آخرون.
قال أحمد: ما به بأس. وقال ابن خراش:/هو ثقة، وأبوه صدوق.
وقال البخاري: مات سنة خمسين ومائتين (3) .
وأبو علي: عبيد اللّه بن عبد المجيد أبو علي الحنفي البصري. روى
عن: رباح، وعباد بن راشد، ومالك بن أنس، وغيرهم. روى عنه:
علي ابن المديني، ونصر بن علي، ومحمد بن المثنى. وقال ابن معين:
ليس به بأس. روى له الجماعة (4) .
__________
(1) في سنن أبي داود: " باب: الخاتم يكون فيه... " .
(2) الترمذي: كتاب اللباس، باب: ما جاء في لبس الخاتم في اليمين (1746) ،
وفي الشمائل (94) ، النسائي: كتاب الزينة، باب: نزع الخاتم عند دخول
الخلاء (8/178) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ذكر الله- عز وجل-
على الخلاء، والخاتم في الخلاء (303) .
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (29/6406) .
(4) الصدر السابق (19/3661) .

(1/77)


وهمام بن يحيى بن دينار العوْذيُ، من بني عوْذ بن سود بن الحجْر بن
عمران بن عمرو (1) أخو طاحية وزهران، أبو عبد اللّه المُحلّميُّ، ويقال:
أبو بكر البصري. سمع الحسن بن أبي الحسن، وعطاء، وقتادة،
وثابتاً (2) البناني، ونافعاً، وغيرهم. روى عنه: الثوري، ووكيع،
وأبو نعيم، وأبو داود، وأبو الوليد الطيالسيان، وجماعة آخرون. وقال
يزيد بن هارون: كان همام قويا في الحديث. وقال أحمد بن حنبل:
همام ثبت في كل المشايخ. وقال ابن معين: ثقة، صالح. وقال ابن
سعد: كان ثقة، وربما غلط في الحديث. روى له الجماعة (3) .
وابن جُريج اسمه: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج المكي أبو الوليد
أو أبو خالد الأموي المكي، سمع عطاء بن أبي رباح، لازمه تسع عشرة
سنة، ومجاهداً، والزهري، وهشام بن عروة، وغيرهم. روى عنه:
الأوزاعي، والثوري، وابن عيينة، ويحيى القطان، وجماعة آخرون
كثيرة. قال أحمد: ثبت صحيح الحديث. مات سنة تسع وأربعين ومائة،
وقد جاوز المائة، روى له الجماعة (4) .
قوله: " وضع خاتمه " من وضع الشيء من يده يضعه وضعاً إذا ألقاه.
قوله: " قال أبو داود: هذا حديث منكر " المنكر: الحديث الذي ينفرد به
الرجل، ولا يعرف متنه في غير روايته، لا من الوجه الذي رواه منه،
ولا من وجه آخر. والأحسن أن يقال: إن الراوي المنفرد إن كان عدلاً
حافظاً موثوقاً بإتقانه وضبطه، قُبل ما انفرد به، ولم يقدح الانفراد منه،
وإن لم يكن ممن يُوثق بحفظه وإتقانه لذلك الذي انفرد به، كان انفراده
خارماً له، مُزحْزحاً له عن حيز الصحيح، فإذا كان الأمر كذلك،[فإن]
__________
(1) كذا في الأصل، وفي " جمهرة أنساب العرب " لابن حزم (ص/371) ووقع
في تهذيب الكمال (30/302) : " ابن عمرو بن عمران " كذا.
(2) في الأصل: " ثابت "
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (30/6602) .
(4) المصدر السابق (18/3539) .

(1/78)


تفرد همام بهذا الحديث لا يوهنه، لما ذكرنا من حال همام، ولاتفاق
البخاري ومسلم على الاحتجاج بحديثه، وغاية ما في الباب[أن]يكون
حديثه هذا غريباً، ولأجل هذا قال الترمذي بعد أن أخرج هذا الحديث:
هذا حديث حسن صحيح غريب، فيترجح كلام الترمذي على كلام
أبي داود بهذا الطريق، وقد عرفت أن الغريب في الاصطلاح هو الذي
ينفرد الرجل[فيه]بالحديث، فإذا روى رجلان أو ثلاثة واشتركوا فيه،
سمي عزيزاً، وإذا روى الجماعة عنهم، سمي مشهوراً كما عرف في
موضعه. وأخرج هذا الحديث أيضاً النسائي وابن ماجه. وقال النسائي:
وهذا الحديث غير محفوظ.
قوله: " عن زياد " هو زياد بن سعد بن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن
الخراساني، شريك ابن جريج، سكن مكة، ثم تحول إلى اليمن فسكن
عك، روى: عن عمرو بن دينار، والزهري، وثابت الأحنف،
وأبي الزبير المكي، وضمرة بن سعيد المازني، وعبد اللّه بن الفضل،
وسليمان بن عتيق (1) ، وهلال بن أسامة، وعمرو بن مسلم. روى عنه:
ابن جريج، ومالك بن أنس، وابن عيينة، وأبو معاوية الضرير، والعوام
ابن حوشب، ومعاذ بن عقبة، وغيرهم، وكان عالماً بمذهب الزهري.
وقال أحمد وابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم: ثقة. روى له: البخاري،
ومسلم، وأبو داود، والنسائي (2) .
قوله: " من ورق " بكسر الراء: الفضة، وقد تسكن الراء.
__________
(1) في الأصل: " سليمان بن عتيك " ، وفي ترجمته من تهذيب الكمال
(12/2549) قال الحافظ المزي: " سليمان بن عتيق، حجازي، ويقال:
عتيك وهو وهم " وذكره الحافظ المزي كذلك فيمن روى عنه زياد بن سعد
في ترجمة زياد (9/475) : بـ " عتيق " ، وقال محققه في الهامش: " جاء
في حواشي النسخ من تعقبات المؤلف على صاحب الكمال قوله: كان فيه ابن
عتيك وهو وهم " .
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (9/2048) .

(1/79)


7- باب: الاستنزاه (1) من البول
الاستنزاه: طلب النُزْه، والنُزْهُ بضم النون وسكون الزاي: البُعد،
ومنه تنزيه اللّه تعالى في تفسير " سبحان اللّه " ، أي: إبعاده عن السوء
وتقديسه، وفي حديث أبي هريرة: " الإيمانُ نزه " أي: بعيد عن
المعاصي، وفي بعض النسخ: " باب الاستبراء من البول " . الاستبراء:
طلب البراءة.
9- ص- حدثنا زهير بن حرب وهناد قالا: ثنا وكيع قال: ثنا الأعمش
قال: سمعت مجاهداً يحدث عن طاوس، عن ابن عباس- رضي الله عنه-
قال: " مر النبيُ- عليه السلام- على قبرين فقال: إنهما ليُعذبان، وما
يُعذبان في كبير، أما هذا فكان لا يسْتترُ (2) من البوْل، وأما هذا فكان يمشي
بالنميمًة، ثم دعا بعسيب رطب، فشقه باثنين، ثم غرس على هذا واحداً،
وعلى هذا واحدا، وقال: لعلهُ يخففُ عنهما ما لم ييْبسا " (3) .
ش- زهير بن حرب/قد مر ذكره مرة.
وهناد بن السري بن مصعب بن أبي بكر بن شبْر- بفتح الشين
المعجمة، وسكون الباء الموحدة- ابن صعْفُوق بن عمرو بن زرارة بن
عدس بن زيد بن عبد اللّه بن دارم الدارمي التميمي الكوفي أبو السري،
سمع شريكاً، ووكيعاً، ويونس بن بكير، وغيرهم. روى عنه: مسلم،
وأبو داود، والترمذي، والنسائي- وقال: ثقة- وأبو زرعة،
__________
(1) في سنن أبي داود: " باب: الاستبراء .... " .
(2) في سنن أبي داود: " لا يستنزه " .
(3) البخاري: كتاب الوضوء، باب: من الكبائر أن لا يستتر من بوله (216) ،
مسلم: كتاب الطهارة، باب: الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه
(292/111) ، الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في الشديد في
البول (70) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: التنزه عن البول (1/28- 30) ،
ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: التشديد في البول (347) .

(1/80)


وأبو حاتم، وابن ماجه. مات في جمادى الأولى من سنة ثلاث وأربعين
ومائتين (1) .
ووكيع بن الجراح قد مضى ذكره ، وكذلك سليمان الأعمش، ومجاهد
ابن جبر.
وطاوس بن كيسان اليمانيُ أبو عبد الرحمن الحمْيريُّ، سمع ابن
عباس، وابن عمر، وابن عمرو، وجابر بن عبد اللّه، وأبا هريرة،
وزيد بن ثابت، وزيد بن أرقم، وعائشة- رضي اللّه عنها-. روى
عنه: ابنه عبد الله، ومجاهد، وعمرو بن دينار، وجماعة آخرون. مات
بمكة قبل يوم التروية بيوم، سنة ست ومائة، وصلى عليه هشام بن
عبد الملك، روى له الجماعة (2) .
وعبد اللّه بن عباس قد مضى ذكره.
قوله: " إنهما ليعذبان " ، وفي بعض الروايات: " يعذبان " بدون
اللام، وفيه تأكيد من ثلاث وجوه: الأول: كونه جملة اسمية. والثاني:
كونها مصدرة ب " إن " . والثالث: دخول اللام في الخبر. وهذا من
قبيل إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر، فيُجعلُ فيه غيرُ السائل
كالسائل، ويُلْقى إليه الخبرُ كما يُلْقى إلى السائل، من قبيل قوله تعالى:
(ولا تُخاطبْني في الذين ظلمُوا إنهُم مُّغْرقون) (3) ، (وما أُبرّئُ نفْسي
إن النفْس لأمارة بالسُوء) (4) ، وقد يكون ذلك لإظهار الجزع والتاً سف،
نحو قوله تعالى: (ربّ إنّي وضعْتُها أنثى) (5) على ما عرف في
موضعه، وفي هذا الكلام حذف أيضاً، وهو قوله: " إنهما " أي: إن
صاحبهما؛ لأن نفس القبرين لا يعذبان، وإنما يعذب صاحباهما،
والعذاب للعقوبة، وقد عذبته تعذيباً.
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (30/6603) .
(2) المصدر السابق (13/2958) .
(3) سورة هود: (37) .
(4) سورة يوسف: (53) .
(5) سورة آل عمران: (36) .
6. شرح سنن أبي داوود 1

(1/81)


قوله: " وما يعذبان في كبير " قال الخطابي: " معناه: أنهما لم يعذبا
في أمر كان يكبر عليهما، أو يشق فعله لو أرادا أن يفعلاه، وهو التنزه من
البول، وترك النميمة، ولم يرد أن المعصية في هاتين الخصلتين ليست
بكبيرة في حق الدين " (1) . ويقال: إن هذا ليس من الكبائر، ويكون
المعنى التحذير من الكبائر، لأنه إذا عذب في القبر على ما ليس من
الكبائر، فكيف بالكبائر؟، " (2) ويقال: ليس بكبير عندكم وهو عند اللّه
كبير، يدل عليه ما ذكره البخاري في الروايتين: أحدهما في كتاب
الأدب، في باب النميمة: " وما يعذبان في كبير، وإنه لكبير " (3) ،
والأخرى في كتاب الوضوء: " وما يعذبان في كبير، بلى إنه كبير " (4) ،
أي: بلى إنه لكبير عند اللّه، ومصداقه: (وتحْسبُونهُ هيّناً وهُو عند الله
عظيمٌ) (5) . ويقال: يحتمل أن يكون هذا إشارة إلى حقارة هذا الذنب
في الذنوب، فإن النميمة من الدناءة المستحقرة، بالإضافة إلى المروءة،
وكذلك التلبس بالنجاسة، ولا يفعلها إلا حقير الهمة. ويقال: ليس هو
بأكبر الكبائر، وإن كان كبيراً.
فإن قلت: ما سبب كونهما كبيرين؟ قلت: لأن عدم التنزه من البول
يلزم منه بطلان الصلاة، وتركها كبيرة بلا شك، والمشي بالنميمة هو
السعي بالفساد، وهو من أقبح القبائح، ولا سيما مع قوله- عليه
السلام-: " كان يمشي " ، بلفظ: " كان " التي للحالة المستمرة غالباً " (6) .
قوله: " أما هذا فكان لا يستتر من البول " كلمة " أما " هاهنا للتفصيل،
وفيه معنى الشرط، بدليل لزوم الفاء بعده.
__________
(1) انظر: معالم السنن (1/17) ، باب: الاستبراء من البول.
(2) انظر: " شرح صحيح مسلم " (3/201) .
(3) البخاري (6055) ، ووقع عنده: " وما يعذبان في كبيرة... " .
(4) البخاري (216) ، وليس عنده: " إنه كبير " ، ورواه (6055) بلفظ: " وما
يعذبان في كبيرة، وإنه لكبير " .
(5) سورة النور: (15) .
(6) إلى هنا انتهى النقل من " شرح صحيح مسلم " .

(1/82)


قوله: " لا يستتر " فيه خمس روايات: " يستتر " بتاءين مثناتين،
و " يستنزه " بالزاي والهاء، و " يستبرئ " بالباء الموحدة وبالهمزة بعد الراء،
وهذه في البخاري وغيره، وكلها صحيحة. و " يستنتر " من نتر الذكر
بالنون والتاء المثناة من فوق، و " يستنثر " بالنون والثاء المثلثة.
ومعنى الرواية الأولى يحتمل وجهين: أحدهما: أن تحمل على حقيقتها
من الاستتار عن الأعين، ويكون العذاب على كشف العورة.
والثاني- وهو الأقرب-: أن تحملا على المجاز، ويكون المراد
بالاستتار: التنزه من البول، والتوقي منه، إما بعدم ملابسته، وإما
بالاحتراز عن مفسدة تتعلق به.
ومعنى الرواية الثانية: لا يبعد منه، لأنا قد ذكرنا أن معنى التنزه البعد.
ومعنى الثالثة: لا يستفرغ بقية البول، ولا يتقي موضعه/ومخرجه،
حتى يُبرئهما منه، أي: يبينه عنهما، كما يُبرئ من الدين والمرض، فإذا
لم يستبرء منه يخرج منه بعد الوضوء ما ينقض وضوءه، فيصلي بغير
وضوء، ويكون الإثم لأجل الصلاة.
ومعنى الرابعة: لا يُمر أصابعه من ظاهر ذكره على مجرى البول حتى
يخرج ما فيه؛ لأن نتْر الذكر هو إمرار أصابع اليد من ظاهره على مجرى
البول.
ومعنى الخامسة: لا ينْثُرُ بوله من قناة الذكر كما ينثر الماء من أنفه بعد
استنشاقه.
قوله: " فكان يمشي بالنميمة " النميمة: " (1) نقل الحديث من قوم إلى
قوم على جهة الفساد والشر، يقال: نم الحديث ينُمُه وينمه نما، فهو
نمام، والاسم نميمة، ونمّ الحديث إذا ظهر، فهو لازم ومتعد، وبابه من
باب نصر ينصر، وضرب يضرب " .
__________
(1) انظر: " شرح صحيح مسلم " (2/112) تحت حديث (105) .

(1/83)


قوله: " ثم دعا بعسيب " أي: طلب عسيباً، والعسيب- بفتح العين
وكسر السين المهملتين- الجريد والغصن من النخل. ويقال: العسيب من
الجريد ما لم ينبت عليه الخوص، وما نبت عليه الخوص فهو السعْفُ.
قوله: " فشقه باثنين " الباء في " باثنين " زائدة للتأكيد، واثنين منصوب
على الحال، وزيادة الباء في الحال مشهورة.
قوله: " لعله يخفف عنهما " الضمير في " لعله " راجع إلى العذاب،
الذي دل عليه قوله: " يعذبان " ، وقد علم أن " لعل " حرف ينصب
الاسم، ويرفع الخبر، وعن البعض أنه ينصبهما، وزعم ابن يونس أنه
لغة بعض العرب، وحكي: لعل أباك منطلقاً، وفيه عشر لغات، ولها
معاني: أحدها: التوقع، وهو ترجي المحبوب، والإشفاق في المكروه.
والثاني: التعليل، أثبته جماعة، منهم الأخفش، نحو: (فقُولا لهُ
قوْلا ليناً لعلهُ يتذكرُ) (1) ، ومن لم يثبته يحمله على الرجاء، أي: اذهبا
على رجائكما. والثالث: الاستفهام: نحو: (وما يُدْريك لعلّهُ
يزكى) (2) ، و " لعل " هاهنا من القبيل الأول.
قوله: " ما لم ييبسا " " ما " هاهنا بمعنى المدة الزمانية، والتقدير:
يخفف عنهما العذاب مدة عدم يُبس العسيب، أو يكون المعنى: يخفف
عنهما العذاب في زمان عدم اليبس، و " ما لم ييبسا " بفتح الباء الموحدة
مثل السين، ويجوز كسر الباء أيضاً، ثم إن وضع الجريدتين على القبرين
" (3) إما لأنه- عليه السلام- سأل الشفاعة لهما فأجيب إليها، كما ورد
في رواية مسلم: " فأجيبت شفاعتي " (4) ، وإما أنه- عليه السلام-
كان يدعو لهما تلك المدة. وقيل: لكونهما يسبحان ما داما
__________
(1) سورة طه: (44) .
(2) سورة عبس: (3) .
(3) انظر: " شرح صحيح مسلم " (3/202) .
(4) مسلم: كتاب الزهد والرقائق، باب: حديث جابر الطويل (3012) ، وكذا
في الأصل وفي " شرح صحيح مسلم " ، ووقع عند مسلم: " فأحببت
بشفاعتي أن يرفه عنهما... " .

(1/84)


رطبتين، وليس لليابس تسبيح، وهذا مذهب جماعة من المفسرين في
قوله تعالى: (وإن مّن شيء إلا يُسبحُ بحمْده) (1) ، وقالوا: معناه:
وإن من شيء حي، ثم قالوا: حياة كل شيء بحسبه، فحياة الخشب ما
لم ييبس، والحجر ما لم يُقطع، وذهب المحققون من المفسرين وغيرهم
إلى أن الآية على عمومها، ثم اختلفوا، هل تسبيح حقيقي؟ أم فيه دلالة
على الصانع فيكون مسبحاً منزهاً بصورة حاله؟، والمحققون على أنه
تسبيح حقيقي، وقد أخبر اللّه تعالى: " وإن من الحجارة (2) لما يهبط من
خشية اللّه " .
فإن قيل: فعلى قولهم ما يكون فائدة قوله: " بعسيب رطب؟ " قلت:
ليس ذلك من أجل أن في الجريد الرطب معنى ليس في اليابس، بل
لأجل التبرك بأثر النبي- عليه السلام- ودعائه بالتخفيف، فكأنه جعل
مدة بقاء النداوة فيهما حدا لما وقعت به المسألة من تخفيف العذاب. ويستفاد
من هذا الحديث فوائد: الأولى: إثبات عذاب القبر خلافاً للمعتزلة:
الثانية: إثبات نجاسة الأبوال.
الثالثة: إثبات غلظ تحريم النميمة.
الرابعة: إثبات انتفاع الميت بتسبيح غيره، ولهذا استحب العلماء قراءة
القرآن عند القبر؛ لأنه إذا كان يرجى التخفيف لتسبيح الجريد، فبتلاوة
القرآن أوْلى " (3) .
__________
(1) سورة الإسراء: (44) .
(2) كذا في الأصل، وفي " شرح صحيح مسلم " .
(3) إلى هنا انتهى النقل من " شرح صحيح مسلم " . وفي الفائدة الرابعة نظر من
وجهين:
أحدهما: أن الميت لا ينتفع إلا بعمله لقوله تعالى: (وأن ليس للإنسان إلا
ما سعى) ، وما أثبه السنة كقوله-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا
من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له " ، وما
فعله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهو خاص به، بدليل أنه لم يفعل هذا مع سائر القبور، ولم يفعله-

(1/85)


10- ص- حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: ثنا جرير، عن منصور عن
مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي- عليه السلام- بمعناه،[قال:] " كان
لا يسْتترُ من بوْله " (1) .
قال (2) أبو داود: قال هناد: " يستتر " مكان " يستنزه " ، وقال زهير:
" يستنزه " (2) .
ش- عثمان بن أبي شيبة قد مضى مرة.
وجرير هذا ابن عبد الحميد بن قرط بن هلال الضبي أبو عبد اللّه
الرازي، رأى أيوب السختياني بمكة، سمع عبد الملك بن عمير، ويحيى
ابن سعيد، ومنصور بن المعتمر، وهشام بن عروة، والأعمش، ومالك
ابن أنس، والثوري، وغيرهم. روى عنه: ابن المبارك، وأبو داود
الطيالسي، وأحمد بن حنبل، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأخوه عثمان،
وغيرهم، وهو مجمع على ثقته، مات سنة ثمان وثمانين ومائة،/وهو
ابن ثمان وسبعين، روى له الجماعة (3) .
ومنصور بن المعتمر بن عبد الله بن رُبيعة- بضم الراء- أبو عتاب
السُلميُ الكوفي، سمع زيد بن وهب، وإبراهيم النخعي، والشعبي،
والزهري، ومجاهدا، وغيرهم. روى عنه: أيوب السختياني،
__________
الخلفاء الراشدون، وكبار الصحابة، ولو كان مشروعاً لبادروا إليه، وإنما فعله
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعلمه بعذاب صاحبي القبرين، وهذه خصوصية به صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ثانيهما: أن جمهور السلف كأبي حنيفة ومالك وأحمد كرهوا قراءة القرآن عند
القبور، فقد قال أبو داود في مسائله (ص/158) : " سمعت أحمد سئل عن
القراءة عند القبر؟ فقال: لا " . وقال مالك كما في " اقتضاء الصراط
المستقيم " (ص/182) : " ما علمت أحداً يفعل ذلك " ، ولينظر كلام شيخ
الإسلام في " اقتضاء الصراط المستقيم " ، فإنه مهم مفيد في بابه.
(1) انظر التخريج السابق.
(2) في المطبوع من سنن أبي داود: " وقال أبو معاوية: يستنزه " .
(3) انظر ترجمه في: تهذيب الكمال (4/918) .

(1/86)


والأعمش، والثوري، وهو أثبت الناس فيه، وسفيان بن عيينة وغيرهم،
وكان فيه تشيع قليل، وكان[قد]عمش من البكاء، وصام ستين سنة
وقامها. توفي سنة ثنتين وثلاثين ومائة (1) .
ومجاهد بن جبر، وعبد اللّه بن عباس، وهناد قد ذكروا. وهذا
الحديث الذي رواه ابن عباس أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي
وابن ماجه.
11- ص- ثنا مسدد قال: ثنا عبد الواحد بن زياد قال: ثنا الأعمش،
عن زيد بن وهب، عن عبد الرحمن ابن حسنة قال: " انطلقتُ أنا وعمرُو
ابنُ العاص إلى النبي- عليه السلام- فخرج ومعهُ درقة، ثم اسْتتر بها، ثم
بال، فقُلنا: انظُرُوا إليه يبُولُ كما تبولُ المرأة، فسمع ذلك فقال: ألم تعْلمُوا
ما لقي صاحبُ بني إسرائيل؟ كانُوا إذا أصابهُمُ البوْلُ قطعُوا ما أصابهُ البولُ
منهم، فنهاهُمْ، فعُذب قي قبْره " (2) . قال أبو داود: قال منصور، عن
أبي وائل، عن أبي موسى (3أ: " جلد أحدهمْ " . وقال عاصم، عن
أبي وائل، عن أبي موسى (4) : " جسد احدهم " .
ش- عبد الواحد بن زياد أبو بشر، ويقال: أبو عبيدة البصري
العبدي. روى عن العاصم الأحول، والأعمش، وعمارة بن القعقاع،
وغيرهم. روى عنه: قتيبة بن سعيد، وأبو هشام المخزومي، وأبو داود
الطيالسي، وغيرهم. وقال ابن معين وأبو حاتم وأبو زرعة: ثقة. مات
سنة سبع وسبعين ومائة (5) .
وزيد بن وهب الجهني أبو سليمان الكوفي، رحل إلى النبي- عليه
__________
(1) المصدر السابق (28/6201) .
(2) النسائي: كتاب الطهارة، باب: البول إلى السترة يستتر بها (1/26- 27) ،
ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: التشديد في البول (34) .
(3) في السنن: " عن أبي موسى، وفي هذا الحديث " .
(4) في السنن: " عن أبي موسى، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " .
(5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (18/3585) .

(1/87)


السلام- فقبض وهو في الطريق. سمع عمر بن الخطاب، وعلي بن
أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وغيرهم. روى عنه سلمة بن كهيل،
والأعمش، ومنصور بن المعتمر، وغيرهم. قال ابن معين: هو ثقة.
مات سنة ست وتسعين. روى له الجماعة (1) .
وعبد الرحمن ابن حسنة هو أخو شرحبيل ابن حسنة، وحسنة أمهما،
وكانت مولاة لعمر (2) بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح، وهو
عبد الرحمن بن عبد اللّه بن المطاع بن الغطريف، روى له: أبو داود،
والنسائي، وابن ماجه (3) .
وعمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سُعيد- بضم السين وفتح
العين- ابن سعد بن سهم بن عمرو بن هُصيص بن كعب بن لؤي بن
غالب القرشي السهمي، يكنى أبا عبد الله، ويقال: أبو محمد، روي
له عن رسول اللّه- عليه السلام- سبعة وثلاثون حديثاً (4) ، اتفقا على
ثلاثة أحاديث، ولمسلم حديثان، وللبخاري طرف من حديث. روى عنه
أبو عثمان النهدي، وعروة بن الزبير، وقيس مولاه. مات بمصر عاملاً
عليها سنة اثنتين، وقيل: ثلاث وأربعين، يوم الفطر، ودفن بالمقطم في
ناحية الفتح، وكان له يوم مات سبعون سنة، روى له الجماعة (5) .
قوله: " درقة " بفتح الدال والراء هي الجحفة، وهذه جملة اسمية
وقعت حالاً من الضمير الذي في " خرج " ، وإنما استتر بها لئلا يطلع
أحد إلى عورته، وهذا تعليم منه لأمته، وليكون أيضاً حاجزاً بينه وبين
القبْلة، وإنما قالا: " كما تبول المرأة " لاستتاره - عليه السلام - بالدرقة
__________
(1) المصدر السابق (10/2131) .
(2) في: تهذيب الكمال: " معمر " .
(3) المصدر السابق (17/3800) .
(4) كذا، وفي " الرسائل الخمس " لابن حزم: " 39 حديثاً " . وقال الذهبي في
السير (3/55) : " تبلغ بالمكرر الأربعين " .
(5) انظر ترجمته في: الاستيعاب (2/508) ، وأسد الغابة (4/244) ، والإصابة
(2/3) .

(1/88)


كما تستتر المرأة، ولم يقولا هذا القول بطريق الاستهزاء والاستخفاف؛
لأن الصحابة أبرياء من هذا الأمر، وإنما وقع منهما هذا الكلام من غير
قصد، أو وقع بطريق التعجب، أو بطريق الاستفسار عن هذا الفعل،
فلذلك أجاب- عليه السلام- بقْوله: " ألم تعلموا ما لقي صاحبُ بني
إسرائيل؟ " ، وهو موسى- عليه السلام-، وإنما لم يصرح باسمه
- عليه السلام- للاشتهار بينهم، أي: الذي لقي من بني إسرائيل أموراً
عظيمة، وهو موسى، وإن كان بعث فيهم أنبياء غيره، ولكن أشهرهم
وأعظمهم موسى- عليه السلام-، أو لأجل تعظيمه- عليه السلام-
كما قال تعالى: (تلك الرُسُلُ فضلنا بعْضهُمْ على بعْض منْهُم من كلم
اللهُ) (1) ، ولم يقل موسى.
قوله: " ما أصابه البول " في محل النصب على أنه مفعول " قطعوا " .
وقوله: " جلد أحدهم " مفعول قائم مقام فاعل " فعُذب " أي: فعذب
اللّه جلد أحدهم في قبره. والفرق بين الروايتين: أن الجلد أخص من
الجسد، ولكنه مشتمل على جميع الجسد، فبعذابه يعذب الجسد كله.
فإن قلت: كيف يترتب قوله: " فعُذب " على قوله:/ " فنهاهم " ؟
قلت: فيه حذف، وتقديره: فنهاهم عن إصابة البول ولم ينتهوا، فعذب
الله، والفاء في قوله: " فعذب " فاء السببية، نحو قوله تعالى:
(فوكزهُ مُوسى فقضى عليْه) (2) ، وقوله: (فتلقى آدمُ من ربه كلمات
فتاب عليْه) (3) .ًً
قوله: " عن أبي (4) وائل " وأبو وائل هذا شقيق بن سلمة الأسدي،
أسد خزيمة، أحد بني مالك بن ثعلبة بن دودان الكوفي، أدرك زمان النبي
- عليه السلام- ولم يره، فروى عن أبي بكر، وسمع عمر بن
الخطاب، وعثمان بن عفان، وعليا، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس،
__________
(1) سورة البقرة: (253) .
(3) سورة البقرة: (37) .
(2) سورة القصص: (15) .
(4) في الأصل: " ابن " خطأ.

(1/89)


وغيرهم من الصحابة والتابعين. روى عنه: الشعبي، والأعمش،
ومنصور، وجماعة آخرون كثيرة . وقال ابن معين: ثقة لا يسأل عنه.
وقال أحمد بن عبد اللّه: رجل صالح جاهلي. مات سنة تسع وتسعين.
روى له الجماعة (1)
وعاصم هذا هو عاصم بن سليمان الأحول التميمي مولاهم أبو عبد الرحمن
البصري، ويقال: مولى عثمان بن عفان، كان محتسباً بالمدائن، سمع
عبد اللّه بن سرْجس، وأنس بن مالك، والحسن البصري، وغيرهم.
روى عنه: قتادة، والثوري، وشعبة، وابن المبارك، وجماعة آخرون.
وقال ابن معين: كان يحيى بن سعيد يُضعف عاصماً ا لأحول، وقال: لم
يكن بالحافظ. وعن ابن معين: إنه ثقة. وقال أبو حاتم: صالح
الحديث. مات سنة إحدى وأربعين ومائة، روى له الجماعة (2) .
وأبو موسى هو عبد اللّه بن قيس الأشعري، وقد ذكر مرة. وحديث
عبد الرحمن ابن حسنة هذا أخرجه النسائي، وابن ماجه، وأبو بكر بن
أبي شيبة.
***
8- باب: البول قائماً
أي: باب حكم بول الرجل حال كونه قائماً.
12- ص- حدثنا حفص بن عمر ومسلم بن إبراهيم قالا: ثنا شعبة.
قال: وثنا مسدد قال: ثنا أبو عوانة- وهذا لفظ حفص- عن سليمان، عن
أبي وائل، عن حذيفة قال: " أتى رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُباطة قوْم فبال قائماً، ثم
دعا بماء فمسح على خُفيْه " .
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (12/2767) .
(2) المصدر السابق (13/3008) .

(1/90)


]قال أبو داود:] (1) قال مسدد:[قال] (1) : " فذهبْتُ أتباعدُ فدعاني
حتّى كُنتُ عند عقبه " (2) .
ش- حفص بن عمر بن الحارث بن سخبرة النمري البصري، سمع
هشاماً الدستوائي، وهمام بن يحيى، وشعبة، وغيرهم. روى عنه:
أبو حاتم، والبخاري، وأبو داود، وروى النسائي عن رجل عنه،
وجماعة آخرون. مات سنة خمس وعشرين ومائتين (3) .
ومسلم بن إبراهيم أبو عمرو البصري القصاب الفراهيدي مولاهم.
سمع شعبة، وهشاماً، وابن المبارك، وغيرهم. روى عنه: ابن معين،
والبخاري، ومحمد بن إسحاق الصغاني، وأبو زرعة، وجماعة
آخرون. وكان قد عمي بآخرة. مات سنة اثنتين وعشرين ومائتين. روى
له الجماعة (4) .
وأبو عوانة اسمه: الوضاح مولى يزيد بن عطاء الواسطي، ويقال:
مولى عطاء بن عبد اللّه الواسطي، كان في سبْي جُرجان، رأى الحسن
وابن سيرين، وسمع من محمد بن المنكدر حديثاً واحداً، وسمع عمرو
ابن دينار، وقتادة، وأيوب السختياني، والأعمش، وجماعة آخرين.
روى عنه: شعبة، ووكيع، وأبو داود الطيالسي، ومسدد، وقتيبة بن
سعيد، وجماعة آخرون. وقال أحمد ويحيى: كان ثقة. توفي سنة
ست وسبعين ومائة، وقيل: خمس وسبعين. روى له الجماع (5) .
__________
(1) زيادة من سنن أبي داود.
(2) البخاري: كتاب الوضوء، باب: البول قائماً وقاعداً (224) ، مسلم: كتاب
الطهارة، باب: المسح على الخفين (73/273) ، الترمذي: كتاب الطهارة،
باب: الرخصة في ذلك (13) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: الرخصة
في البول في الصحراء قائماً (1/25) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما
جاء في البول قائماً (305) ، أحمد (5/382، 402) .
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (7/1397) .
(4) المصدر السابق (27/5916) . (5) المصدر السابق (30/6688) .

(1/91)


]1/7 حا[
وحذيفة بن اليمان، واسم اليمان: حسْل، ويقال: حُسيْل بن جابر
ابن[أسيد بن]عمرو بن ربيعة بن جُرْوة بن الحارث أبو عبد الله. روى
عنه: عمار بن ياسر، وأبو حذيفة، وربعي بن حراش، وأبو وائل،
وغيرهم. مات بالمدائن والياً عليها سنة ست وثلاثين،. بعد قتل عثمان
بأربعين ليلة. روى له الجماعة (1) .
قوله: " سباطة قوم " بضم السين، وتخفيف الباء الموحدة، وهي مُلقى
الزبالة والتراب ونحوهما، يكون بفناء الدور مرفقاً لأهلها. وقال
الخطابي: " ويكون في الأغلب سهلاً دمثاً، لا (2) يخد فيها البول، ولا
يرتد على البائل " (3) . ويقال: السُباطة: الكُناسة نفسها، وإضافتها
إلى القوم إضافة تخصيص لا ملك، لأنا كانت مواتاً مباحة.
قوله: " فبال قائماً " فيه وجوه: " (4) الأول: ما روي عن الشافعي:
أن العرب كانت تستشفي لوجع الصلب بالبول قائماً، قال: فنرى أنه كان
به- عليه السلام- وجع الصلب إذ ذاك.
والثاني: ما رواه البيهقي برواية ضعيفة " أنه- عليه السلام- بال
قائماً لعلة بمأبضه " (5) والمأبضُ- بهمزة ساكنة بعد الميم، ثم باء موحدة-
وهو/باطن الركبة.
والثالث: أنه- عليه السلام- لم يجد مكاناً للقعود، فاضطر إلى
القيام، لكون الطرف الذي يليه في السباطة كان عالياً مرتفعاً.
والرابع: ما ذكره القاضي عياض، لكون البول قائماً حالة يؤمن فيها
__________
(1) انظر ترجمته في: الاستيعاب (1/277) بهامش الإصابة، وأسد الغابة
(1/468) ، والإصابة (1/317) .
(2) كذا، وفي " معالم السنن " و " شرح صحيح مسلم " : " سهلاً منثالاً " .
(3) انظر: معالم السنن (1/18) ، باب: البول قائماً.
(4) انظر: شرح صحيح مسلم (3/165- 166) تحت شرح حديث الباب.
(5) البيهقي: كتاب الظهارة، باب: البول قائماً (1/101) من حديث أبي هريرة.

(1/92)


خروج الحدث من السبيل الآخر في الغالب، بخلاف- حالة القعود،
ولذلك قال عمر- رضي اللّه عنه-: البول قائماً حصن للدبر.
والخامس: أنه فعله- عليه السلام- بياناً للجواز في هذه المرة،
وكانت عادته المستمرة البول قاعداً، يدل عليه حديث عائشة- رضي اللّه
عنها- قالت: " من حدثكم أن النبي- عليه السلام- كان يبول قائماً
فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعداً " رواه أحمد والنسائي والترمذي
بإسناد جيد (1) . وقد روي في النهي عن البول قائماً أحاديث لا تثبت (2) ،
ولكن حديث عائشة هذا ثابت، فلهذا قالت العلماء: يكره البول قائماً
إلا لعذر، وهي كراهة تنزيه لا تحريم. وقال ابن المنذر في " الإشراف " :
اختلفوا في البول قائماً، فثبت عن عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت وابن
عمر وسهل بن سعد أنهم بالوا قياماً، وروي ذلك عن أنس وعليّ
وأبي هريرة، وفعل ذلك ابن سيرين وعروة بن الزبير، وكرهه ابن مسعود
والشعبي وإبراهيم بن سعد، وكان إبراهيم لا يجيز شهادة من بال قائماً.
وقال ابن المنذر: وفيه قول ثالث: أنه إن كان في مكان يتطاير إليه من
البول شيء فهو مكروه، وإن كان لا يتطاير فلا بأس، وهو قول مالك.
وقال ابن المنذر: البول جالساً أحب إليّ، وقائماً مباح، وكل ذلك ثابت
عن النبي- عليه السلام-.
__________
(1) أحمد (1/136، 192، 213) ، والترمذي في: كتاب الطهارة، باب: ما
جاء في النهي عن البول قائماً (12) ، والنسائي في: كتاب الطهارة، باب:
البول في البيت جالساً (1/26) ، وكذا ابن ماجه قي: كتاب الطهارة، باب:
في البول قاعداً (307) بنحوه 0
(2) منها ما رواه الترمذي (عقب رقم/12) ، وابن ماجه (308) ، والبيهقي
(1/102) من حديث عمر أنه قال: " رآني النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنا أبول قائماً فقال:
يا عمر، لا تبل قائماً، فما بُلتُ قائماً بعد " . وقال الترمذي: " إنما رفع
هذا الحديث عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو ضعيف عند أهل الحديث،
ضعّفه أيوب السختياني وتكلم فيه " . 1هـ. ومنها ما رواه ابن ماجه (309)
من حديث جابر بن عبد الله قال: " نهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يبول قائماً " وفيه
عدي بن الفضل متفق على ضعفه، قال في التقريب: " متروك " .

(1/93)


وأما بوله- عليه السلام- في سباطة القوم يحتمل وجوهاً:
الأول- وهو الأظهر-: أنهم كانوا يؤثرون ذلك ولا يكرهونه، بل
يفرحون به، ومن كان هذا حاله جاز البول في أرضه، والأكل من
طعامه، والاستمداد من بحيرته، ولهذا ذكر علماؤنا أن من دخل بستان
غيره يباح له الأكل من فاكهته، إذا كان بينه وبين صاحب البستان انبساط
ومحبة.
والثاني: أنها لم تكن مختصة بهم، بل كانت بفناء دورهم للناس
كلهم، فأضيف إليهم لقربها منهم.
والثالث: أن يكونوا أذنوا لمن أراد قضاء الحاجة، إما صريحاً أو دلالة..
فإن قلت: قد روي: " أنه- عليه السلام-[كان]إذا أراد حاجة
أبعد " (1) ، فكيف بال في السباطة التي بقرب الدور؟ قلت: لعله كان
مشغولاً بأمور المسلمين، والنظر في مصالحهم، وطال عليه مجلسٌ حتى
حزقه البول، فلم يمكنه التباعد، ولو أبعد لتضرر، وارتاد السباطة
لدمثها (2) ، وقام حذيفة بقربه ليستره من الناس " (3) .
قوله: " ثم دعا بماء فمسح على خفيه " فيه حذف، أي: بعد أن فرغ
من البول طلب ماء فتوضأ ومسح على خفيه.
قوله: " فذهبت أتباعد " من قول حذيفة. فإن قلت: كيف أدناه، وفي
حديث آخر لما أراد قضاء الحاجة قال: " تنح " ؟. قلت (4) : " إنما أدناه
__________
(1) أخرجه بهذا اللفظ النسائي في: كتاب الطهارة، باب: الإبعاد عند قضاء
الحاجة (1/17- 18) ، وابن ماجه بنحوه في كتاب الطهارة، باب: التباعد
للبراز في الفضاء (334) من حديث عبد الرحمن بن أبي فراد. وأخرجه
أبو داود (1) ، والترمذي (20) ، والنسائي (1/18) ، وابن ماجه (331) من
حديث المغيرة بن شعبة بلفظ: " كان إذا ذهب المذهب أبعد " .
(2) سهُل ولان.
(3) إلى هنا انتهى النقل من " شرح صحيح مسلم " .
(4) انظر: " شرح صحيح مسلم " (3/167) .

(1/94)


هاهنا ليستتر به عن أعين المارة؛ لأن السباطة تكون في الأفنية والمحال
المسكونة، أو قريباً منها، ولا تكاد تخلو هذه المواضع من المارة، ولأنه
كان يبول قائماً، ويؤمن معه من خروج الحدث الآخر، والرائحة
الكريهة، فلهذا استدعاه، وأما في الحديث الثاني فلكونه كان يقضي حاجته
قاعداً، ويحتاج إلى الحدثين جميعاً، فتحصل الرائحة المستكرهة، فلذلك
قال: " تنح عني " ، وعن هذا قال بعض العلماء: في هذا الحديث من
السُّنّة: القرب من البائل إذا كان قائماً، والبعد إذا كان قاعدا.
قوله: " عن عقبه " : العقب بفتح العين وكسر القاف: مؤخر القدم،
وهي مؤنثة. ويستفاد من هذا الحديث فوائد: الأولى: جواز المسح على
الخف.
والثانية: جواز المسح في الحضر.
والثالثة: جواز البول قائماً.
والرابعة: جواز قرب الإنسان من البائل.
والخامسة: جواز طلب البائل من صاحبه الذي يدل عليه القرب منه،
ليستره.
والسادسة: استحباب التستر.
والسابعة: جواز البول بقرب الديار " (1) .
والثامنة: فيه دليل على أن مدافعة البول ومصابرته مكروهة، لما فيه من
الضرر.
وهذا الحديث أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي،
وابن ماجه، وأحمد بن حنبل، وأبو بكر بن أبي شيبة في " مصنفه " .
__________
(1) إلى هنا انتهى النقل من " شرح صحيح مسلم "

(1/95)


/9- باب: الرجل يبول في الإناء يضعه عنده بالليل (1)
أي: هذا باب فيه حكم الرجل يبول في إناء يضعه عنده في الليل.
13- ص- ثنا محمد بن عيسى قال: نا حجاج، عن ابن جريج، عن
حُكيمة[بنت] أميمة بنت رُقيقة، عن أمها قالت: " كان للنبيّ- عليه
السلام- قدح من عيْدانٍ تحت سريره يبولُ فيه بالليل " (2) .
ش- محمد بن عيسى هذا هو الطباع، أخو إسحاق ويوسف، انتقل
إلى الشام، وسكن أذنة. سمع هشيماً (3) ، ومالك بن أنس، وحماد
ابن زيد، وغيرهم. روى عنه: البخاري تعليقاً، وأبو حاتم الرازي،
وأبو داود، وغيرهم. وروى له النسائي وقال: ثقة. وقال أبو حاتم:
ثقة مأمون. وقال أبو داود: كان ربما دلس، توفي سنة أربع وعشرين
ومائتين (4) .
وحجاج هذا هو ابن محمد الأعور أبو محمد، مولى سليمان بن
مجالد، مولى أبي جعفر المنصور، ترمذي الأصل، سكن بغداد، ثم
تحول إلى المصيصة. سمع ابن جريج، وابن أبي ذئب، والليث بن
سعد، وشعبة، وحمزة الزيات. روى عنه: أحمد بن حنبل، وأبو خيثمة،
وعباس الدوري، ويحيى بن يحيى، وغيرهم. وقال النسائي: ثقة.
توفي ببغداد في ربيع الأول من سنة ست ومائتين. وقال ابن سعد: وكان
تغير في آخر عمره، وكان ثقة صدوقاً. روى له الجماعة (5) .
وابن جريج قد مضى ذكره.
وأميمة بنت رُقيقة هي أميمة بنت عبيد، ويقال: بنت عبد اللّه بن بجاد
__________
(1) في سنن أبي داود: " باب: في الرجل يبول بالليل في الإناء ثم يضعه عنده " .
(2) النسائي في: كتاب الطهارة، باب: البول في الإناء (1/31) .
(3) في الأصل: " هشيم " .
(4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (26/5534) .
(5) المصدر السابق (5/1127) .

(1/96)


ابن عُمير بن الحارث بن حارثة بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي
ابن غالب، أمها رقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم بن عبد مناف. روى
عنها محمد بن المنكدر، وابنتها حكيمة بنت أميمة. روى لها: أبو داود،
والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (1) .
قوله: " قدح من عيْدان " القدح- بفتح القاف والدال- مشهور.
والعيْدان- بفتح العين المهملة، وسكون الياء آخر الحروف- الطوال في
النخيل، الواحدة: عيْدانة. والسرير: التخت.
قوله: " يبول فيه " جملة في محل الرفع؛ لأنها وقعت صفة لقوله:
" قدح " ، والباء في قوله: " بالليل " بمعنى: " في " . وحديث حكيمة
هذا أخرجه النسائي.
***
10- باب: المواضع التي نهي عن البول فيها (2)
أي: باب فيه بيان المواضع التي نهى النبي- عليه السلام- أن يبال فيها.
14- ص- حدثنا قتيبة بن سعيد قال: ثنا إسماعيل بن جعفر، عن العلاء
ابن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " اتقُوا
اللاعنيْن! قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال: الذي يتخلّى في طريق
الناس أو ظلّهمْ " (3) .
ش- قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف بن عبد اللّه أبو رجاء البغلاني
الثقفي مولاهم، وبغلان قرية من قرى بلخ. وقال ابن عدي: اسمه:
يحيى بن سعيد، وقتيبة لقب. سمع مالك بن أنس، والليث بن سعد،
__________
(1) انظر ترجمتها في: الاستيعاب (4/239) بهامش الإصابة، وأسد الغابة
(7/27) ، والإصابة (4/240) .
(2) في سنن أبي داود: " باب: المواضع التي نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن البول فيها " .
(3) مسلم: كتاب الطهارة، باب: النهي عن التخلي في الطرق والظلال
(269/68) .
7* شرح سنن أبي داود 1

(1/97)


وأبا عوانة، ووكيعاً، وابن عيينة، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن
حنبل، ويحيى بن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو بكر بن
أبي شيبة، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي،
وابن ماجه (1) ، وغيرهم. توفي في شعبان سنة أربعين ومائتين (2) .
وإسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري أبو إبراهيم (3) الزرقي
مولاهم المدني. سمع عبد الله بن دينار، وحميداً (4) الطويل، ومالك
ابن أنس، وغيرهم. روى عنه: يحيى بن يحيى، وقتيبة بن سعيد،
ويحيى بن أيوب، وغيرهم. وقال ابن معين: ثقة مأمون، قليل الخطإ،
صدوق. وقال أبو زرعة: ثقة. مات ببغداد سنة ثمانين ومائة. روى له
الجماعة (5) .
والعلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب أبو شبل الحُرقي الجهني مولاهم.
سمع أباه وعبد اللّه بن عمر، وأنس بن مالك، وعباس بن سهل،
وغيرهم 0 روى عنه: مالك بن أنس، وابن جريج، وشعبة، وابن
عيينة، وإسماعيل بن جعفر، وغيرهم. وقال أبو حاتم: هو صالح.
وقال ابن معين: ليس حديثه بحجة. وقال ابن سعد: ثقة كثير الحديث،
ثبت. روى له الجماعة إلا البخاري (6) .
قوله: " اتقوا اللاعنيْن " بفتح النون أي: اجتنبوهما، " (7) يريد
الأمرين الجالبين[للعن] (8) ، الحاملين للناس عليه، وذلك أن من
__________
(1) كذا، والذي في تهذيب الكمال (23/527) : " روى عنه الجماعة سوى ابن
ماجه " .
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (23/4852) .
(3) كذا، وفي تهذيب الكمال (3/56) : " أبو إسحاق " ولم يحك غيره.
(4) في الأصل: " حميد " .
(5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (3/433) .
(6) المصدر السابق (22/4577) .
(7) انظر: معالم السنن (1/19) .
(8) زيادة من معالم السنن.

(1/98)


فعلهما لُعن وشُتم، فلما صارا سبباً لذلك أضيف إليهما الفعل، فكان
كأنهما اللاعنان، وقد يكون اللاعن أيضاً بمعنى الملعون، فاعل بمعنى
مفعول، كقولهم: سر كاتم، وعيشة راضية،/أي: مكتوم ومرضية " ،
وهذا من أقسام المجاز العقلي، وهو إسناد الفعل أو معناه إلى ملابس له
بتأول.
قوله: " الذي يتخلى " أي: الرجل الذي يتفرغ لقضاء حاجته في طريق
الناس، والتقدير: أحدهما الذي يتخلى.
قوله: " أو ظلهم " أي: أو الذي يتخلى في ظل الناس، والمراد به
مستظل الناس الذي اتخذوه مقيلاً ومناخاً ينزلونه، وليس كل ظل يحرم
القعود للحاجة تحته، فقد قعد رسول اللّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لحاجته تحت حائش من
النخل، وللحائش لا محالة ظل. وقال ابن الأثير: الحائش: " النخل
الملتف المجتمع، كاًنه لالتفافه يحوش بعضه إلى بعض، وأصله
واوي " (1) . وحديث أبي هريرة هذا أخرجه مسلم.
15- ص- وثنا إسحاق بن سويد الرملي وعمر بن الخطاب- وحديثه
أتم-، أن سعيد بن الحكم حدثهم قال: أخبرني نافع بن يزيد قال: حدثني
حيوة بن شريح، أن أبا سعيد الحميري حدثه، عن معاذ بن جبل قال: قال
رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اتقُوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، وقارعة الطّريق،
والظّلّ " (2)

ش- إسحاق بن سويد الرملي، روى عن: سعيد بن الحكم بن
أبي مريم، وإسماعيل بن أبي أويس، والوليد بن نصر. روى عنه:
أبو داود، والنسائي- وقال: ثقة- ومحمد بن محمد الباغندي،
ومكحول البيْروتي (3) .
__________
(1) انظر: النهاية لابن الأثير (1/468) مادة: " حيش " ، وقال: أصله واوي،
وإنما ذكرناه هاهنا لأجل لفظه.
(2) ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: النهي عن الخلاء على قارعة الطريق (328) .
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (2/327) .

(1/99)


وعمر بن الخطاب السجستاني أبو حفص روى عن سعيد بن الحكم بن
أبي مريم المصري، ومحمد بن كثير، ومحمد بن يوسف الفريابي،
وغيرهم. روى عنه: أبو داود، وأبو بكر بن أبي عاصم، وأحمد بن
عبد الكريم، وغيرهم. مات بكرمان سنة أربع وستين ومائتين (1) .
وسعيد بن الحكم بن أبي مريم الجمحي أبو محمد المصري، سمع
مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، والليث بن سعد، وعبد الله بن
وهب، وغيرهم. روى عنه: يحيى بن معين، ومحمد بن يحيى،
وأبو حاتم الرازي، والبخاري، وروى مسلم عن رجل عنه، وجماعة
آخرون. مات سنة أربع وعشرين ومائتيْن، وولد سنة أربع وأربعين ومائة.
روى له الجماعة (2) .
ونافع بن يزيد أبو يزيد المصري، روى عن: أبي سفيان طلحة (3) ،
وأبي هانئ الخولاني، وقيس بن الحجاج. روى عنه: عبد اللّه بن لهيعة،
وعبد اللّه بن صالح كاتب الليث، وعبد اللّه بن وهب. وقال أحمد بن
صالح: كان من ثقات الناس. وقال أبو حاتم: لا بأس به. روى له
الجماعة إلا الترمذي (4) .
وحيوة بن شُريح هذا هو ابن صفوان بن مالك التجيبي أبو زرعة
المصري الفقيه الزاهد العابد، سمع أباه، وربيعة بن يزيد، وأبا هانئ
الخولاني، وغيرهم. روى عنه الليث بن سعد، وابن لهيعة،
وأبو زرعة، ونافع بن يزيد، وغيرهم. وقال أحمد بن حنبل وابن معين:
ثقة مات سنة تسع وخمسين ومائة. روى له الجماعة (5) .
__________
(1) المصدر السابق (21/4226) .
(2) المصدر السابق (10/2235) .
(3) كذا: " عن أبي سفيان طلحة " ، وفي تهذيب الكمال (29/296) :
" أبي سفيان بن جابر بن عتيك " ، وكتب المعلق في الهامش: " جاء في
حاشية نسخة المؤلف التي بخطه من تعليقاته على صاحب " الكمال " قوله:
" كان فيه: وأبي سفيان طلحة بن نافع وهو خطأ " .
(4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (29/6371) .
(5) المصدر السابق (7/1580) .

(1/100)


وأبو سعيد الحميري روى عن معاذ بن جبل، روى عنه حيوة بن
شريح، روى له أبو داود، وابن ماجه (1) .
ومعاذ بن جبل بن عمرو بن أوس بن عايذ - بالياء آخر الحروف،
وبالذال المعجمة- ابن عدي بن كعب بن عمرو بن أدي بن سعد بن عليّ
ابن أسد بن ساردة بن تزيد- بتاء مثناة من فوق- ابن جشم بن الخزرج
الأنصاري المدني، يكنى أبا عبد الرحمن، روي له عن رسول اللّه- عليه
السلام- مائة حديث وسبعة وخمسون حديثاً، اتفقا على حديثين، وانفرد
البخاري بثلاثة، ومسلم بحديث واحد. روى عنه: عبد اللّه بن عمر
ابن الخطاب، وعبد اللّه بن عباس، وعبد اللّه بن عمرو، وعبد اللّه بن
أبي أوفى، وأنس بن مالك، وغيرهم من الصحابة والتابعين. مات
بناحية الأردن في طاعون عمواس، سنة ثماني عشرة، وهو ابن ثلاث
وثلاثين سنة، وقبره بغوربيسان في شرقيه (2) .
قوله: " الملاعن " جمع ملعنة، وهي موضع اللعن، ويفهم من تفسير
الخطابي: أن المُلاعن- بضم الميم وفتح العين- وهو " اسم موضع
اللعن " (3) من الثلاثي المزيد فيه. وقال ابن الأثير: " المُلاعن جمع
ملعنة، وهي الفعلة التي يلعن بها فاعلها، كأنها مظنة للعْن، ومحل
له " (4) .
قوله: " البراز " يجوز بالرفع على أن يكون خبر مبتدإ محذوف،
والتقدير: أحدها البراز، ويجوز بالنصب على البدلية، وكذلك الكلام
في " قارعة الطريق والظل " . وقد ذكرنا أن البراز- بفتح الباء- كناية
عن قضاء الغائط، كما كنوا عنه بالخلاء.
__________
(1) المصدر السابق (33/7395) .
(2) انظر ترجمته في: الاستيعاب (3/355) بهامش الإصابة، وأسد الغابة
(5/194) ، والإصابة (3/426) .
(3) انظر: معالم السنن (1/19) . (4) انظر: النهاية (4/254) .

(1/101)


قوله: " في الموارد " وهي جمع موردة، وهي مشرع المياه.
قوله:/ " وقارعة الطريق " قارعة الطريق وسطه، وقيل: أعلاه،
والمراد به هاهنا نفس الطريق ووجهه.
قوله: " والظل " أي: الظل الذي اتخذه الناس مقيلاً كما ذكرناه.
وحديث معاذ هذا أخرجه ابن ماجه.
***
(1) 16- ص- وثنا أحمد بن حنبل والحسن بن علي قالا: ثنا
عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر قال: أخبرني أشعث. قال الحسن: أشعث
ابن عبد الله، عن الحسن، عن ابن مُغفل قال: قال رسول الله-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا يبُولن
أحدُكُم في مُستحمّه، ثم يغتسل فيه " . قال أحمد: " ثم يتوضأ فيه، فإن
عامة الوسْواس منه " (2) .
ش- أحمد بن حنبل هو أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد
ابن إدريس الشيباني أبو عبد اللّه، ولد ببغداد، ونشأ بها، ومات بها،
ودخل الكوفة والبصرة ومكة والمدينة واليمن والشام والجزيرة، وسمع ابن
عيينة، ويحيى بن سعيد القطان، ووكيعاً، وأبا داود الطيالسي، والفضل
ابن دكين، وجماعة آخرين. روى عنه: الشافعي، والبخاري،
ومسلم، وأبو داود، وأكثر عنه في كتابه هذا، وروى الترمذي عن أحمد
__________
(1) في سنن أبي داود قبل هذا الحديث: " باب: في البول في المستحم " .
(2) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في كراهية البول في المغتسل (21) ،
النسائي: كتاب الطهارة، باب: كراهية البول في المستحم (1/34) ، ابن
ماجه: كتاب الطهارة، باب: كراهية البول في المغتسل (304) ، أحمد في
مسنده (5/56) في موضعين، ولم ترد: " ثم يتوضأ فيه " إلا عند أحمد في
الموضع الثاني فقط.
تنبيه: وقع في سند النسائي: " عن معمر، عن الأشعث بن عبد الملك (كذا)
عن الحسن " ، وفي شرح السيوطي قال: " الأشعث هو ابن عبد الله بن جابر
الحُداني " . أقول: ومعمر لا يروي عن أشعث بن عبد الملك، وإنما يروي
عن أشعث بن عبد الله.

(1/102)


ابن الحسن الترمذي عنه، وروى ابن ماجه عن محمد بن يحيى الذهلي
عنه، وجماعة كثيرون، وهو أجل من أن يذكر بطول، وهو أحد الأئمة
الكبار، الذين أحيوا الدين النبوي- رضي اللّه عنه-. توفي في سنة
إحدى وأربعين ومائتين (1) .
والحسن بن علي بن محمد أبو محمد الخلال الحُلواني، سكن مكة.
سمع عبد الرزاق بن همام، وأبا أسامة، ويحيى بن آدم، ووكيعاً،
وغير هم. روى عنه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي،
وابن ماجه، وغيرهم. مات سنة اثنتين وأربعين ومائتين (2) .
وعبد الرزاق بن همام بن نافع أبو بر الصنعاني اليماني الحميري
مولاهم. سمع عبد اللّه بن عمر العُمري، وأخاه عبيد الله بن عمر (3) ،
وسعيد بن مسلم، وسفيان، ومالك بن أنس، وغيرهم. روى عنه:
ابن عيينة، ومعتمر بن سليمان، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين،
والحسن بن علي، وغيرهم. مات سنة إحدى عشرة ومائتين، روى له
الجماعة (4)
ومعمر هذا هو ابن راشد أبو عروة بن أبي عمرو البصري، مولى
عبد السلام بن[عبد القدوس أخي]صالح 0 سمع عمرو بن دينار،
والزهري، وقتادة، وعاصماً الأحول، وصالح بن كيسان، وغيرهم.
روى عنه: عمرو بن دينار، والثوري، وشعبة، وابن عيينة، وابن
المبارك، وعبد الرزاق بن همام، وغيرهم. وقال ابن معين: معمر ثقة،
ومعمر عن ثابت ضعيف. وقال أبو حاتم: ما حدث معمر بالبصرة فيه
أغاليط، وهو صالح الحديث. مات سنة أربع وخمسين ومائة، وله ثمان
وخمسون سنة. روى له الجماعة (5) .
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (1/96) 0
(2) المصدر السابق (6/1250) .
(3) في الأصل: " عبد الله بن عمر " خطأ.
(4) المصدر السابق (18 /3415) .
(5) المصدر السابق (28/6104) .
(3) انظر: معالم السنن بتصرف يسير جدا (1/20) .

(1/103)



وأشعث بن عبد اللّه بن جابر الأعمى أبو عبد اللّه البصري، روى عن
أنس بن مالك، والحسن بن أبي الحسن، ومحمد بن سيرين، وشهر بن
حوشب. روى عنه: معمر، وشعبة، ويحيى القطان، وغيرهم. روى
له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (1) .
والحسن هو الحسن البصري، وقد مر مرة.
وابن مُغفّلٍ هو عبد اللّه بن مُغفل بن عبد نُهم بن عُفيف بن أسحم بن
ربيعة المزني أبو سعيد، وقيل: أبو عبد الرحمن، روي له عن رسول اللّه
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثلاثة وأربعون حديثاً، اتفقا منها على أربعة، وانفرد البخاري
بحديث، ومسلم بآخر. روى عنه الحسن البصري، ومُطرفُ بن عبد اللّه
ابن الشخير، وسعيد بن جُبير، وغيرهم. مات بالبصرة سنة ستين في
آخر خلافة معاوية. روى له الجماعة (2) .
قوله: " في مُستحمه " المُستحم- بضم الميم، وفتح الحاء-
(3) " الموضع الذي يغتسل فيه، وسمي مستحماً باسم الحميم، وهو الماء
الحار الذي يغتسل به، ثم قيل للاغتسال بأي ماء كان استحمام، وإنما
نهى عن ذلك إذا لم يكن له مسلك يذهب فيه البول، ويسيل منه الماء،
أو كان المكان صُلباً فيخيل إليه أنه أصابه شيء من رشاشه، فيحصل منه
الوسواس " .
قوله: " قال أحمد " يعني: ابن حنبل.
قوله: " فإن عامة الوسواس منه " أي: من هذا الفعل. والوسواس
- بفتح الواو-: الاسم، وبكسرها: المصدر، يقال: وسوستْ إليه
نفسُه وسوسةً/ووسواساً بالكسر، والوسوسة حديث النفس.
__________
(1) المصدر السابق (3/527) ، وفيه: " روى له الأربعة " ، وانظر التعليق على
تخريج الحديث السابق.
(2) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (2/325) ، وأسد الغابة
(3/398) ، والإصابة (2/372) .

(1/104)


17- ص- ثنا أحمد بن يونس قال: ثنا زهير، عن داود بن عبد الله، عن
حميد الحميري- وهو ابن عبد الرحمن- قال: لقيت رجلاً صحب النبي
- عليه السلام- كما صحبه أبو هريرة قال: " نهى رسول الله- عليه السلام-
أن يمتشط أحدُكم (1) كلّ يوم، أو يبول في مُغْتسله " (2) .
ش- أحمد بن يونس بن زهير بن جميل بن الأعرج بن عاصم بن ربيعة
ابن مسعود أبو العباس الضبي، كوفي الأصل، سكن بغداد، ثم انتقل
إلى أصبهان، سمع بدمشق أبا مسهر، وهشام بن عروة، ودحيماً.
وروى عنهم وعن غيرهم، روى عنه: ابن أبي حاتم الرازي، وعبد اللّه
ابن جعفر، ومحمد بن يعقوب، وغيرهم. قال الدارقطني: صدوق
ثقة. توفي سنة ثمان وسبعين ومائتين.
وزهير هذا هو ابن معاوية بن حُديج- بالحاء المضمومة المهملة- ابن
الرحيْل بن زهير بن خيثمة الجعفي، أبو خيثمة الكوفي، سكن الجزيرة،
سمع أبا إسحاق السبيعي، وأبا الزبير المكي، وهشام بن عروة وغيرهم.
روى عنه: يحيى القطان، ويحيى بن آدم، ويحيى بن يحيى، ويحيى
ابن أبي بكير، وأبو داود الطيالسي، وغيرهم. وقال ابن معين: ثقة.
وقال أبو زرعة: ثقة، إلا أنه سمع من أبي إسحاق بعد الاختلاط، توفي
سنة سبع وسبعين ومائة. روى له الجماعة (3) .
وداود بن عبد اللّه الأودي أبو العلاء الزعافري الكوفي، روى عن:
أبيه (4) ، وحميد بن عبد الرحمن الحميري، والشعبي. روى عنه:
__________
(1) في سنن أبي داود: " أن يمتشط أحدنا " ، وهي رواية ذكرها في الشرح.
(2) النسائي: كتاب الزينة، باب: الأخذ من الشارب (8/131) ، وفي كتاب
الطهارة، باب: ذكر النهي عن الاغتسال بفضل الجنب (1/130) ، وزاد في
هذا الموضع: أو يغتسل الرجل بفضل المرأة، والمرأة بفضل الرجل،
وليغترفا جميعاً " .
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (9/2019) .
(4) قال محقق تهذيب الكمال (8/411) : " جاء في حواشي النسخ من تعقبات=

(1/105)


أبو عوانة، وأبو خالد الدالاني، ووكيع، وغيرهم. قال ابن معين:
ثقة. روى له أبو داود (1) .
وحميد بن عبد الرحمن الحميري البصري، سمع أبا هريرة، وعبد الله
ابن عمر، وابن عباس، وسعد بن هشام، وعمر بن سعيد، وغيرهم.
وقال أحمد بن عبد اللّه: تابعي ثقة. روى له الجماعة إلا البخاري (2) .
قوله: " أن يمتشط " في محل نصب على المفعولية، والمعنى: نهى
رسول اللّه امتشاط أحدكم، وفي بعض الرواية: " أن يمتشط أحدنا " (3) ،
وإنما نهى رسول اللّه عن الامتشاط كل يوم؛ لأن الامتشاط كل يوم مما
يخفف اللحية، وقد أمر رسول الله بإعفاء اللحية، وقص الشارب، ألا
ترى أنه- عليه السلام- " كان يدهن كل يوم " ، وفي رواية: " كل يوم
مرتين " ؟ وكذلك ابنُ عمر على ما روى ابن أبي شيبة في " مصنفه " :
حدثنا وكيع، عن. جويرية، عن نافع: " أن ابن عمر كان ربما ادهن في
اليوم مرتين " (4) ، وذلك إنما كانوا يفعلونه لتربية اللحية، والامتشاط كل
يوم ينافي ذلك.
وقال أيضاً: حدثنا وكيع، عن أبي خزيمة، عن الحسن قال: " نهى
رسول اللّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الترجل إلا غبا " (5) . والترجل هو الامتشاط. وقال
ابن الأثير في معنى قوله: " نهى عن الترجل إلا غبا " : " الترجل
والترجيل: تسريح الشعر وتنظيفه وتحسينه، كأنه كره كثرة الترفه والتنعم،
والمرجل والمسرح- بكسر الميم فيهما-: المشط " (6) .
__________
المؤلف على " صاحب الكمال " قوله: " ذكر في الأصل أنه روى عن أبيه
وذلك وهم، وإنما الذي يروي عن أبيه داود بن يزيد الأودي، وسيأتي " .
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (8/1769) ، وفيه: " روى له الأربعة " .
(2) المصدر السابق (7/1533) ، وفيه: " روى له الجماعة " .
(3) النسائي (1/130) ، و (8/131) .
(4) ابن أبي شيبة (8/392) .
(5) المصدر السابق، ورواه النسائي في كتاب الزينة، باب: الترجل غبا (8/132) .
(6) انظر: ا لنهاية (2/203) .

(1/106)


قوله: " أو يبول " بالنصب عطفاً على قوله: " أن يمتشط " .
و " المُغتسل " بضم الميم، وفتح السين: موضع الاغتسال.
18- ص- (1) حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة قال: نا معاذ بن هشام
قال: حدثني أبي، عن قتادة، عن عبد الله بن سرْجس: " أن النبيّ- عليه
السلام- نهى أن يُبال في الجُحْر " . " [قال:]قالوا لقتادة: ما يكره من
البول في الجحر؟ قال: كان يقال: إنها مساكن الجن " (2) .
ش- عبيد اللّه بن عمر بن ميسرة قد مر ذكره.
ومعاذ بن هشام بن أبي عبد اللّه الدّستوائي البصري، سكن ناحية من
اليمن، ومات بالبصرة، وأصله بصري، سمع أباه، روى عنه: عفان
ابن مسلم، وأحمد بن حنبل، وابن المديني، ومحمد بن المثنى،
وغيرهم. وقال ابن معين: صدوق وليس بحجة. روى له الجماعة.
قال أبو داود: مات سنة مائتين (3) . واسم أبي عبد اللّه سنْبر، ويكنى
هشام بأبي بكر الربعي الدّستوائي، نسبة إلى دستواء، كُورة من كُور
الأهواز، كان يبيع الثياب التي تُجلب منها (4) فنسب إليها. روى عن:
أبي الزبير المكي، وقتادة، ويحيى بن أبي كثير، ومطر الوراق،
وغيرهم. روى عنه: شعبة، ويحيى القطان، وابنه معاذ بن هشام،
وغيرهم. وقال أحمد بن عبد اللّه: بصري، ثمة ثبت في الحديث، كان
يقول بالقدر ولم يكن يدعو إليه. مات سنة اثنتين/وخمسين ومائة.
روى له الجماعة (5) .
وعبد اللّه بن سرْجس المزني البصري المخزومي، روي له عن رسول اللّه
- عليه السلام- سبعة عشر حديثاً. روى عنه: عاصم بن سليمان،
__________
(1) في سنن أبي داود: " باب: النهي عن البول في الجُحْر،.
(2) النسائي: كتاب الطهارة، باب: كراهية البول في الجُحر (1/33) .
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (28/6038) .
(4) في الأصل: " إليها " خطأ.
(5) المصدر السابق (30/6582) .

(1/107)


وقتادة. روى له مسلم حديثاً واحداً، روى له: أبو داود، والترمذي،
والنسائي، وابن ماجه (1) .
قوله: " في الجُحر " بضم الجيم، وسكون الحاء المهملة، واحد الجحرة
والأجحار.
قوله: " ما يكره...؟ " استفهام، والمعنى: أي شيء يكره؟ والضمير
في " إنها " راجع إلى " الجحر " ، وقد قلنا: إنه جمع، فلذلك أنث
الضمير باعتبار الجمعية. وأخرج هذا الحديث النسائي.
***
11- باب: ما يقول إذا خرج من الخلاء؟ (2)
أي: هذا باب في حكم ما يقول المتوضئ إذا خرج من بيت الماء.
19- ص- حدثنا عمرو بن محمد قال: ثنا هاشم بن القاسم قال: ثنا
إسرائيل، عن يوسف بن أبي بردة، عن أبيه قال: حدثتني عائشة- رضي الله
عنها-: " أن النبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا خرج من الغائط قال: غُفْرانك " (3) .
ش- عمرو بن محمد بن بكير بن سابور- بالسين المهملة- الناقد
أبو عثمان البغدادي، سكن الرقة، سمع سعيد بن جشم، وعيسى بن
يونس، وهاشم بن القاسم، ووكيعاً، وغيرهم. روى عنه: أبو زرعة،
وأبو حاتم، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، وعبد اللّه بن أحمد بن
حنبل، وعبد الله البغوي، وغيرهم. وقال أبو حاتم: ثقة صدوق أمين.
__________
(1) انظر ترجمته في الاستيعاب بهامش الإصابة (2/384) ، وأسد الغابة
(3/256) ، والإصابة (2/315) .
(2) في السنن: " باب ما يقول الرجل إذا... " .
(3) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما يقول إذا خرج من الخلاء؟ (7) ،
النسائي في "عمل اليوم والليلة " (12/17694- تحفة) ، ابن ماجه: كتاب
الطهارة، باب: ما يقول إذا خرج من الخلاء؟ (300) .

(1/108)


توفي ببغداد يوم الخميس لأربع خلون من ذي الحجة، سنة اثنتين وثلاثين
ومائتين (1) .
وهاشم بن القاسم بن شيبة التميمي أبو النضر، ويقال: الليثي من بني
الليث بن كنانة، من أنفسهم الخراساني، نزل بغداد، ويلقب قيصر.
رأى الثوري بمكة، وسمع من شعبة أربعة آلاف حديث، ما أملاه ببغداد،
وشيبان بن عبد الرحمن، وشريك بن عبد اللّه النخعي، وغيرهم. روى
عنه: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبو خيثمة، وإسحاق بن
راهويه، وأبو بكر بن أبي شيبة، وجماعة آخرون. مات ببغداد سنة سبع
ومائتين. روى له الجماعة (2) .
وإسرائيل هذا هو إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الهمداني
أبو يوسف الكوفي، أخو عيسى، سمع جده أبا إسحاق، وعبد الملك
ابن عمير، والمقدام بن شريح، ويوسف بن أبي بردة، وعيرهم. روى
عنه: وكيع، وأبو نعيم، وإسحاق بن منصور، والهاشم بن القاسم،
وغيرهم. وقال أبو حاتم: ثقة مُتْقن. ولد سنة مائة، ومات سنه ستين
ومائة. روى له الجماعة (3) .
ويوسف بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري الكوفي، روى عن أبيه،
روى عنه: إسرائيل بن يونس، وسعيد بن مسروق. روى له: أبو داود،
والترمذي، وابن ماجه (4) .
قوله: " قال: غفرانك " : الغفران مصدر من غفر يغفر، من باب
ضرب يضرب، وأصل الغفْر التغطية، يقال: غفر الله لك يغفر غُفْراً
وغُفْراناً ومغْفرةً، والمغفرة: إلباسُ اللّه تعالى العفْو للمذنبين.
و " غفرانك " منصوب بإضمار: أطلب وأسأل غفرانك، كما تقول:
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (22/4442) .
(2) الصدر السابق (30/6540) .
(3) المصدر السابق (2/402) .
(4) المصدر السابق (32/7128) .

(1/109)


عفوك ورحمتك، تريد: هب لي عفوك ورحمتك. قلت: فعلى هذا
التقدير يكون " غفرانك " مفعولاً به، لا مفعولاً مطلقاً، وقد ذكر عن
سيبويه أنه من المصادر التي يعمل فيها الفعل مضمراً، تقديره: اغفر لنا
غفرانك، فعلى هذا يكون مفعولاً مطلقاً، ويقال: معناه: أستغفرك،
فهو مصدر موضوع موضع الخبر.
فإن قيل: ما الحكمة في هذا الدعاء عقيب الخروج من الخلاء؟ قلت:
فيه وجهان، الأول: أنه قد استغفر من تركه ذكر اللّه مدة لُبثه على
الخلاء، فكأنه رأى ذلك تقصيراً، وعده على نفسه ذنباً، فتداركه
با لاستغفار.
والثاني: التوبة من تقصيره في شكر النعمة؛ لأن اللّه تعالى أطعمه،
ثم هضمه، ثم سهل خروج الأذى منه، فرأى شكره قاصراً عن بلوغ
حق هذه النعمة، ففزع إلى الاستغفار منه. وحديث عائشة هذا أخرجه
الترمذي والنسائي وابن ماجه. وقال الترمذي (1) : " هذا حديث حسن
غريب، ولا يعرف في هذا الباب إلا حديث عائشة " .
وفي الباب حديث أبي ذر قال: " كان النبي- عليه السلام- إذا خرج
من الخلاء قال: الحمد للّه الذي أذهب عني الأذى وعافاني " (2) .
وحديث أنس بن مالك، عن النبي- عليه السلام- مثله (3) ، وفي
لفظ: " الحمد لله الذي أحسن إلي في أوله وآخره " (4) .
وفي حديث عبد اللّه بن عمر: أن النبي- عليه السلام- كان إذا خرج
قال:/ " الحمد دله الذي أذاقني لذته، وأبقى فيّ قوته، وأذهب عني أذاه (5)
__________
(1) انظر: جامع الترمذي (1/12- 13) .
(2) ابن السني في " عمل اليوم والليلة " (21) .
(3) ابن ماجه في: كتاب الطهارة، باب: ما يقول إذا خرج من الخلاء (301) .
(4) ابن السني في " عمل اليوم والليلة " (23) .
(5) أخرجه ابن السني في " عمل اليوم والليلة " ، والطبراني.

(1/110)


غير أن هذه الأحاديث أسانيدها ضعيفة، ولهذا قال أبو حاتم الرازي:
أصح ما فيه حديث عائشة- رضي اللّه عنها-.
***
12- باب: كراهية مس الذكر في الاستبراء باليمنى (1)
قوله: " باليمنى " متعلق بقوله: " مس الذكر " . و " الاستبراء " طلب
البراءة، وقد ذكرناه مرة.
20- ص- حدثنا مسلم بن إبراهيم وموسى بن إسماعيل قالا: ثنا أبان
قال: ثنا يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" إذا بال أحدُكُم فلا يمس ذكره بيمينه، فإذا أتى الخلاء فلا يتمسحْ بيمينه،
وإذا شرب فلا يشربْ نفساً واحداً " (2) .
ش- مسلم بن إبراهيم أبو عمرو القصاب مضى ذكره، وكذلك موسى
المنقري. وأبان هذا هو أبان بن يزيد العطار البصري، يكنى أبو (3) يزيد،
سمع قتادة، وغيلان بن جرير، ويحيى بن أبي كثير، وغيرهم. روى
عنه: الطيالسي، وحبان بن هلال، وعفان بن مسلم، ومسلم بن
إبراهيم، وموسى بن إسماعيل. روى له مسلم، واستشهد به البخاري
في غير موضع (4) .
ويحيى هو يحيى بن أبي كثير، وقد مر ذكره.
__________
(1) في سنن أبي داود: " كراهية مس الذكر باليمين في الاستبراء " .
(2) البخاري: كتاب الوضوء، باب: لا يمسك ذكره بيمينه إذا بال (154) ،
مسلم: كتاب الطهارة، باب: النهي عن الاستنجاء باليمن (63/267:
65) ، الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في كراهة الاستنجاء باليمين
(15) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: النهي عن الاستنجاء باليمين
(1/43- 44) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: كراهة مس الذكر
باليمن والاستنجاء باليمين (310) .
(3) كذا.
(4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (2/143) .

(1/111)


وعبد الله بن أبي قتادة هو عبد اللّه بن الحارث بن ربعي الأنصاري
السّلمي، وهو ابن أبي قتادة فارس رسول اللّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبو إبراهيم، ويقال:
أبو يحيى، سمع أباه. روى عنه: إسماعيل بن أبي خالد، ويحيى بن
أبي كثير، وبكير بن عبد اللّه الأشج، وغيرهم. توفي بالمدينة في خلافة
الوليد بن عبد الملك، روى له الجماعة (1) .
وأبو قتادة هو الحارث بن ربعي بن بلذُمة بن خناس بن سنان بن عُبيد بن
عدي بن غنم بن[كعب بن]سلمة- بكسر اللام- السلمي المدني
أبو قتادة. و " بلذُمة " بالضم والفتح أشهر، وبالذال المعجمة المضمومة،
فارس رسول اللّه، شهد أحُداً والخندق وما بعد ذلك، روي له عن
رسول اللّه- عليه السلام- مائة حديث وسبعون حديثاً، اتفقا منها على
أحد عشر حديثاً، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بثمانية أحاديث.
روى عنه: ابنه عبد الله، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد اللّه،
وسعيد بن المسيب، وعبد الله بن ناقع، وعطاء، وغيرهم. توفي
بالمدينة سنة أربع وخمسين، وهو ابن سبعين سنة، روى له الجماعة (2) .
قوله: " فلا يمس ذكره بيمينه " تنزيهاً لها عن مباشرة العضو الذي يكون
منه الأذى والحدث، وهذه الكراهة كراهة تنزيه لا تحريم.
فإن قلت: قد نهى عن الاستنجاء باليمين، ومس الذكر باليمنى،
فكيف يعمل إذا أراد الاستنجاء من البول؟ فإنه إن أمسك ذكره بشماله
احتاج إلى أن يستنجي بيمينه، وإن أمسكه بيمينه يقع الاستنجاء بالشمال،
فقد دخل في النهي.
قلت: قال الخطابي (3) : " الصواب في مثل هذا أن يتوخى الاستنجاء
__________
(1) المصدر السابق (15/3487 مكرر) .
(2) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (1/294) ، وأسد الغابة
(1/391) ، والإصابة (4/185) .
(3) انظر: معالم السنن (1/21) .

(1/112)


بالحجر الضخم، الذي لا يزول عن مكانه بأدنى حركة تصيبه، أو
بالجدار، أو بالموضع الناتئ من وجه الأرض، فإن أدته الضرورة إلى
الاستنجاء بالحجارة، فالوجه أن يأتي لذلك بأن يلصق مقعدته إلى
الأرض، ويمسك الممسوح[بين عقبيه]ويتناول عضوه بشماله " .
قوله: " فإذا أتى الخلاء " بالمد أي: الغائط.
قوله: " فلا يشرب نفساً واحداً " نهي تأديب، وذلك لأنه إذا جرعه
جرعا، واستوفى ريّه منه نفساً واحداً، تكاثر الماء في موارد حلقه،
وأثقل معدته، وقد روي: " إن الكُباد من العب " . ويستوي فيه شرب
الماء واللبن، وجميع المائعات التي تشرب، يدل على ذلك تركه- عليه
السلام- مفعول " وإذا شرب " ؛ لان حذف المفعول يُنبئ عن عموم
الفعل، ثم الظاهر أن قوله: " فلا يمس " و " فلا يتمسح " و " فلا يسرب "
نهي وليس بنفي، فينبغي أن يقرأ جميعها مجزوماً. ويجوز في قوله:
" فلا يمس " ثلاثة أوجه من حيث القاعدة: فتح السين لخفة الفتحة،
وكسرها؛ لأن الساكن إذا حُرك حُرّك بالكسر، وفك الإدغام على ما عرف
في موضعه.
وقوله: " فلا يتمسح " من باب التفعل، أشار به إلى أنه لا يتكلف
المسح باليمين؛ لأن باب التفعل للتكلف، وإذا جوز " فلا يمس " ، وما
بعده نفياً ينبغي أن تضم السين والحاء والباء فافهم. وهذا الحديث أخرجه
البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه مطولاً ومختصراً.
21- ص- حدثنا محمد بن آدم بن سليمان المصيصي قال: ثنا ابن
أبي زائدة قال: حدثني أبو أيوب الأفريقي، عن عاصم، عن المسيب بن
رافع/ومعبد، عن حارثة بن وهب الخزاعي قال: حدثتني حفصة زوج النبي
- عليه السلام-: " [أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] (1) كان يجعلُ يمينهُ لطعامه وشرابه
وثيابه، ويجعل شمالهُ لما سوى ذلك " (2) 0
__________
(1) زيادة من السنن المطبوع.
(2) تفرد به أبو داود.
8* شرح سنن أبي داوود 1

(1/113)


ش- محمد بن آدم بن سليمان المصيصي روى عن: ابن أبي زائدة،
وأبي خالد الأحمر، وأبي المليح الرقي، وعبد الله بن المبارك. روى عنه:
أبو داود، والنسائي، وأبو حاتم الرازي وقال: صدوق. مات سنة
خمسين ومائتين (1) .
وابن أبي زائدة هو زكرياء، وقد مر ذكره.
وأبو أيوب الأفريقي عبد الله بن علي الكوفي الأزرق، روى عن:
عاصم، وصفوان بن سليم، وابن شهاب، وسالم أبي النضر، وغيرهم
روى عنه: موسى بن عقبة، وابن أبي زائدة، وعبد الرحيم بن
سليمان (2) . وقال أبو زرعة: ليس بالمتين في حديثه إنكار، وهو لين.
روى له: أبو داود والترمذي (3) .
وعاصم هذا هو عاصم بن بهدلة[ابن]أبي النجود أبو بكر المقرئ
الأسدي الكوفي، سمع أبا وائل، وأبا رزين، وأبا صالح السمان،
وغيرهم. روى عنه: عطاء، والأعمش، ومنصور بن المعتمر،
والثوري، وابن عيينة، وجماعة آخرون. وقال ابن علية: كل من اسمه
عاصم سيء الحفظ. وقال أبو حاتم: محله عندي الصدق، صالح
الحديث، ولم يكن بذاك الحافظ. وقال الدارقطني: في حفظه شيء.
مات سنة سبع وعشرين ومائة، روى له الجماعة إلا البخاري، روى له
مسلم مقروناً بعبدة بن أبي لبابة (4) ، (5) .
والمسيب بن رافع الأسدي الجاهلي أبو العلاء، والد العلاء، سمع
البراء بن عازب، وروى عن: أبي سعيد الخدري، وجابر بن سمرة،
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (24/5051) .
(2) في الأصل: " عبد الرحمن بن سليمان " خطأ.
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (15/3437) .
(4) كذا، وفي تهذيب الكمال (13/480) : " روى له البخاري ومسلم مقروناً
بغيره " ، وفي التقريب: " وحديثه في الصحيحين مقروناً " .
(5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (13/3002) .

(1/114)


وسمع أبا إياس، والأسود بن يزيد، ووراداً (1) كاتب المغيرة، روى له
الجماعة (2) .
ومعبد هذا، هو معبد بن خالد القيسي الكوفي العاصي، سمع حارثة
ابن وهب، والنعمان بن بشير، وعبد الله بن شداد، وغيرهم. روى
عنه: الثوري، وشعبة، وعاصم بن بهدلة، وغيرهم. وقال ابن معين:
ثقة 0 وقال أبو حاتم: صدوق. توفي سنة ثمان عشرة ومائة. روى له
الجماعة (3) .
وحارثة بن وهب الخزاعي أخو عبيد الله بن عمر بن الخطاب لأمه،
يعد في الكوفيين، روي له عن رسول اللّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ستة أحاديث، اتفقا منها
على أربعة أحاديث، روى عنه: أبو إسحاق السبيعي، ومعبد بن خالد،
روى له الجماعة (4) .
وحفصة بنت عمر بن الخطاب- رضي الله عنهما، زوج النبي- عليه
السلام-، روي لها عن رسول الله- عليه السلام- ستون حديثاً،
اتفقا على ثلاثة، وانفرد مسلم بستة، روى عنها (5) عبد الله بن عمر
أخوها، والمطلب بن أبي وداعة، وعبد اللّه بن صفوان. توفيت سنة
إحدى وأربعين، وصلى عليها مروان بن الحكم، روى لها الجماعة (6) .
قوله: " لطعامه " يعني: لأجل طعامه، والطعام اسم لما يؤكل، وربما
خُص بالبُسر، والشراب اسم لما يشرب، والمعنى: كان- عليه السلام-
يأكل بيمينه، ويشرب بيمينه، ويلبس بيمينه.
__________
(1) في الأصل: " ووراد " . (2) المصدر السابق (27/5970) .
(3) المصدر السابق (28/6070) .
(4) انظر ترجمته في: الاستيعاب (1/285) ، وأصد الغابة (1/430) ، والإصابة (1/299)
(5) في الأصل: " لها " خطأ.
(6) انظر ترجمتها في: الاستيعاب (1/268) ، وأسد الغابة (7/65) ، والإصابة
(4/273) .

(1/115)


22- ص- ثنا أبو توبة الربيع بن نافع قال: ثنا عيسى بن يونس، عن ابن
أبي عروبة، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن عائشة- رضي الله عنها-
قالت: " كانت يدُ رسول الله اليُمنى لطُهُوره وطعامه، وكانت يدُهُ اليُسرى
لخلائه، وما كان منْ أذى " (1) .
ش- الربيع بن نافع أبو توبة الحلبي، سكن طرسوس، وسمع معاوية
ابن سلام، ومحمد بن مهاجر، وعطاء بن مسلم، وهشام بن يحيى،
وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، وأبو حاتم، والبخاري،
ومسلم، والنسائي، وابن ماجه عن رجل عنه، وأبو داود، وغيرهم (2) .
وعيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي قد مر في أول الكتاب.
وابن أبي عروبة هو سعيد بن أبي عروبة، وقد مضى ذكره.
وأبو معشر هو زياد بن كليب التميمي الحنظلي أبو معشر الكوفي،
روى عن: إبراهيمْ النخعي، وسعيد بن جبير، وفضيل بن عمرو. روى
عنه: قتادة، وأيوب السختياني، وسعيد بن أبي عروبة، وشعبة،
وغيرهم. روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي (3) .
وإبراهيم هو ابن يزيد النخعي، وقد ذكر مرة.
__________
(1) أخرجه أبو داود (34) ، وفي كتاب اللباس، باب: في الانتعال (4140) ،
والبخاري في: كتاب الوضوء، باب: التيمن في الوضوء والغسل (168) ،
ومسلم في: كتاب الطهارة، باب: التيمن في الطهور وغيره (268/66) ,
67) ، والترمذي في: كتاب الصلاة، باب: ما يستحب من التيمن في
الطهور (608) ، والنسائي في: كتاب الطهارة، باب: بأي الرجلين يبدأ
بالغسل (1/78) ، وفي كتاب الزينة، باب: التيمن في الترجل (8/133) ،
وابن ماجه في: كتاب الطهارة، باب: التيمن في الوضوء (401) ،
كلهم من طريق أشعث بن أبي الشعثاء، عن أبيه، عن مسروق، عن عائشة
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (9/1872) .
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (9/2065) .

(1/116)


قوله: " لطُهوره " الطهور بالضم: الفعل، وبالفتح: الماء الذي يتطهر
به. وقال سيبويه: الطهور بالفتح: يقع على الماء والمصدر معاً.
قوله: " وما كان من أذى " عطف على قوله: " لخلائه " فيكون محله
من الإعراب الجر، والأذى: النجاسة. وهذا الحديث منقطع؛ لأن
إبراهيم/لم يسمع من عائشة، وأخرجه من حديث الأسود عن عائشة
بمعناه، وأخرجه في " اللباس " من حديث مسروق عن عائشة بمعناه،
ومن ذلك الوجه أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه (1) .
23- ص- وثنا محمد بن حاتم بن بزيع قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء،
عن سعيد، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، عن
النبي- عليه السلام- بمعناه (1) .
ش- محمد بن حاتم بن بزيع البصري، يكنى أبا عبد اللّه، ويقال:
أبو سعيد، سمع الأسود بن عامر، ويحيى بن[أبي]بكير، وجعفر بن
عون، وإسحاق بن منصور. روى عنه: البخاري، ومسلم،
وأبو داود، والنسائي، وقال: ثقة. مات سنة تسع وأربعين ومائتين (2) .
وعبد الوهاب بن عطاء أبو نصر الخفاف البصري العجلي مولاهم،
سكن بغداد، سمع سليمان التيمي، وعبد اللّه بن عون، ويونس بن
عبيد، وحميداً (3) الطويل، وشعبة، ومالك بن أنس، وغيرهم. روى
عنه: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأحمد بن الوليد، وغيرهم.
مات سنة أربع ومائتين. روى له الجماعة إلا البخاري (4) .
وسعيد هو سعيد بن أبي عروبة، وأبو معشر هو زياد، وإبراهيم هو
النخعي، وقد ذكروا.
والأسود هذا هو ابن يزيد بن قيس بن عبد اللّه بن مالك بن علقمة بن
سلامان بن كهل بن بكر بن عوذ النخعي أبو عمرو، ويقال:
__________
(1) انظر التخريج السابق.
(2) المصدر السابق (25/5124) .
(3) في الأصل: " حميد " .
(4) المصدر السابق (18/3605)

(1/117)


أبو عبد الرحمن الكوفي، أخو عبد الرحمن بن يزيد، وابن أخي علقمة
ابن قيس، وكان أسن من علقمة، وهو خال إبراهيم بن يزيد النخعي،
رأى أبا بكر وعمر وروى عنهما، وعن علي بن أبي طالب، وسلمان
الفارسي، وسمع عبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل،. وأبا موسى
الأشعري، وعائشة زوج النبي- عليه السلام-. روى عنه: ابنه
عبد الرحمن بن الأسود، وإبراهيم بن يزيد النخعي، وأبو إسحاق
السبيعي. وقال أحمد بن حنبل: هو ثقة. مات سنة أربع وسبعين.
روى له الجماعة (1) .
***
13- باب: الاستتار في الخلاء
أي: باب في حكم الاستتار في الخلاء.
24- ص- ثنا إبراهيم بن موسى الرازي قال: أنبأ عيسى بن يونس، عن
ثور، عن الحصين الحُمْراني (2) ، عن أبي سعيد، عن أبي هريرة، عن النبي
- عليه السلام- قال: " من اكْتحل فليُوترْ، منْ فعل فقدْ أحسن، ومن لا
فلا حرج، ومن اسْتجْمر فليُوترْ، منْ فعل فقدْ أحسن، ومن لا فلا حرج،
ومنْ كل فما تخلل فليلفظْ، وما لاك بلسانه فليبْتلعْ، منْ فعل فقدْ أحسن،
ومنْ لا فلا حرج، ومنْ أتى الغائط فليستتر، فإنْ لمْ يجدْ إلا أنْ يجْمع كثيباً
من رمْل فليسْتدْبرْهُ، فإن الشيطان يلعبُ بمقًاعد بنى آدم، منْ فعل فًقدْ
أحسن، ومن لا فلا حرج " (3) .
ش- إبراهيم بن موسى بن يزيد بن زاذان التميمي الرازي أبو إسحاق
الفراء، يعرف بالصغير، سمع عبد الوارث بن سعيد، وأبا الأحوص،
__________
(1) المصدر السابق (3/509) .
(2) في سنن أبي داود: " الحبراني " وهو مروي فيه.
(3) ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: الارتياد للغائط والبول (337) ، وروى
الجملة الأولى فقط في الطب (3498) .

(1/118)


ويحيى بن زكرياء، وخالد بن عبد اللّه، وغيرهم. روى عنه: البخاري،
ومسلم، وأبو داود، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وروى الترمذي عن
البخاري عنه، وروى له ابن ماجه (1) .
وعيسى بن يونس قد مر ذكره.
وثور بن يزيد بن زياد الكلاعي، ويقال: الرحبيُ أبو خالد، الشامي
الحمصي، سمع خالد بن معدان، ومكحولاً، وأبان بن أبي عياش،
وعمرو بن شعيب، والزهري، ونافعاً، وغيرهم. روى عنه: مالك،
والثوري، وابن عيينة، ومحمد بن إسحاق بن يسار، وابن المبارك،
وجماعة آخرون كثيرة. وقال ابن سعد: ثقة في الحديث، ويقال: إنه
كان قدريا. وقال ابن عدي: لا أرى بحديثه بأساً إذا روى عنه ثقة أو
صدوق. توفي بالقدس سنة ثلاث وخمسين ومائة، وهو ابن بضع وستين
سنة. روى له الجماعة إلا مسلماً (2) .
والحصين الحُمْراني- بضم الحاء المهملة، وسكون الميم- ويقال:
الحُبْراني، روى عنه: ثور المذكور، وأبو عاصم عن ثور عنه (3) .
وأبو سعيد هذا هو أبو سعيد الخير الحمصي، روى عن أبي هريرة.
روى عنه حصين الحُمراني 0 وقال أبو داود: أبو سعيد الخير من الصحابة.
وروى ثور بن يزيد، عن الحصن الحُمْراني[عنه. قال عبد الرحمن بن
أبي حاتم:] (4) سألت أبا زرعة عنه فقال: لا أعرفه. قلت: لقي
أبا هريرة؟ قال: على هذا يوضع (5) .
قوله: " من اكتحل فليوتر " أي: فليجعل الاكتحال فرداً، إما واحدة،
أو ثلاثاً، أو خمساً، وإنما أمر بالإيتار لقوله- عليه السلام-: " إن اللّه
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (2/254) .
(2) الصدر السابق (4/862) .
(3) الصدر السابق (6/1378) .
(4) زيادة من تهذيب الكمال.
(5) الصدر السابق (33/7394) .

(1/119)


وتر يحب الوتر " (1) . وهذا الأمر من الأمور الندبية، كقوله تعالى:
(فكاتبُوهُمْ) (2) ، والأولى أن يكون للإرشاد، والفرق بينهما:/أن
الندب لثواب الآخرة، والإرشاد لمنافع الدنيا، غير مشتمل على ثواب
الآخرة فافهم. وقد علم في الأصول أن الأمر يستعمل في أكثر من خمسة
عشر معنى.
قوله: " من فعل فقد أحسن " أي: من فعل الإيتار فقد أحسن في فعله،
أي: أتى بالفعل الحسن، ولتضمن " منْ " هاهنا معنى الشرط دخل في
جوابه الفاء.
قوله: " ومن لا فلا حرج " أي: ومن لم يفعل الإيتار فلا حرج عليه،
أي: لا إثم عليه. وقد دل معنى الحرج على أن الإيتار ليس بواجب،
وإنما هو مندوب كما ذكرناه.
قوله: " ومن استجمر فليوتر " الاستجمار: التمسح بالجمار، وهي
الأحجار الصغار، ومنه سُميت جمار الحج، وهي الحصى التي يرمى
بها، سمي استجماراً (3) لأنه يطيب المحل كما تطيبه الاستجمار بالبخور.
وقد قيل في قوله: " من استجمر فليوتر " إنه البخور، مأخوذ من الجمر
الذي يوقد فيه، وقد كان الإمام مالك يقوله ثم رجع عنه، ومعنى قوله:
" فليوتر " : اجعل الحجارة التي تستنجي بها فرداً، إما واحدة، أو ثلاثاً،
أو خمساً، وبهذا احتج أبو حنيفة وأصحابه على أن الاستنجاء ليس فيه
عدد مسنون؛ لأن الإيتار يقع على الواحد كما يقع على الثلاثة.
قوله: " من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج " قال الخطابي (4) :
" معناه: التخيير بين الماء الذي هو الأصل، وبين الأحجار التي هي
__________
(1) البخاري: كتاب الدعوات، باب: لله مائة اسم غير واحدة (6410) ، مسلم:
كتاب الذكر والدعاء، باب: في أسماء اللّه تعالى وفضل من أحصاها
(2677/5، 6) من حديث أبي هريرة.
(2) سورة النور: (33) .
(3) في الأصل: " استجمارٌ " .
(4) انظر: معالم السنن (1/22) .

(1/120)


للترخيص، لكنه إذا استجمر بالحجارة فليجعل وترا ثلاثاً وإلا فلا حرج إن
تركه إلى غيره، وليس معناه ترك التعبد أصلاً، بدليل حديث سلمان:
" نهانا أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار " (1) .
قلت: قال الأستاذ فخر الدين في التمسك بالحديث: الشارعُ نفى
الحرج عن تارك الاستنجاء، فدل على أنه ليس بواجب، وكذلك ترك
الإيتار لا يضر؛ لأن ترك أصله لما لم يكن مانعاً، فما ظنك في ترك
وصفه؟ فدل الحديث على انتفاء المجموع.
وقال الخطابي (2) : " وفيه وجه آخر: وهو رفع الحرج في الزيادة على
الثلاث، وذلك أن مجاوزة الثلاث في الماء عدوان، وترك للسُنة،
والزيادة في الأحجار ليست بعدوان وإن صارت شفعاً " .
قلت: هذا الوجه لا يفهم من هذا الكلام على ما لا يخفى على
الفطن، وأيضاً مجاوزة الثلاث في الماء، كيف يكون عدواناً إذا لم تحصل
الطهارة بالثلاث؟ والزيادة في الأحجار وإن كانت شفعاً كيف لا تصير
عدواناً، وقد نص على الإيتار؟ فافهم.
قوله: " ومن كل فما تخلّل فليلفظْ " " الفاء " في قوله: " فما تخلل "
للترتيب المعنوي، وهو عطف مفصل على مجمل، نحو قوله: " توضأ،
فغسل وجهه ويديه، ومسح على رأسه، وغسل رجليه " . وقوله:
" تخلل " أي: تخلل بالخلال بعد الأكل.
قوله: " فليلفظْ " أي: فليرم؛ لا معنى " اللفظ " في اللغة: الرمي،
يقال: أكلت التمرة ولفظت نواها، ولفظت الرحى الدقيق، أي: رمتهُ،
وهذا أيضاً من الأمور الإرشادية.
قوله: " وما لاك " عطف على قوله: " فما تخلل " من اللوْك، يقال:
لكْتُ الشيء في فمي ألوكه، إذا علكتُه، وقد لاك الفرس اللجام.
__________
(1) مسلم: كتاب الطهارة، باب: الاستطابة (262/57) .
(2) المصدر قبل السابق.

(1/121)


قوله: " فليبتلع " أمر من الابتلاع، البلع والابتلاع بمعنى، وإنما أمر في
التخلل برمي الخلالة، لأنها تنْتنُ بين الأسنان، فتصير مستقذرة، وروي
عن ابن عمر أن تركها توهن الأضراس. وفي اللوْك بالابتلاع؛ لأن رمي
اللقمة بعد لوكها إسراف وبشاعة للحاضرين.
قوله: " كثيباً من رمل " الكثيب: الرمل المستطيل المُحْدودب.
قوله: " فليستدبره " أي: فليستدبر الكثيب، أي: يجعله عند دبره.
قوله: " فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم " يعني: أن الشياطين تحضر
تلك الأمكنة وترصدها بالأذى والفساد؛ لأنها موضع يخلى منها ذكر اللّه
تعالى، وتكشف فيها العورات، وهو معنى قوله: " إن هذه الحشوش
محتضرة " (1) . وأمر بالتستر ما أمكن، وألا يكون قعوده في براح من
الأرض تقع عليه أبصار الناظرين، أو تهب الريح عليه، فيصيبه نشر
البول، فيلوث بدنه أو ثيابه، وكل ذلك من لعب الشيطان به، والمقاعد:
مواضع قعود الناس في الأسواق وغيرها، ولعب الشيطان بمقاعد بني آدم
كناية عن إيصاله الأذى والفساد إليهم.
قوله: " من فعل فقد أحسن... " يعني: من فعل الاستدبار بالكثيب
ونحوه فقد أحسن فيه، ومن تركه فلا حرج عليه، وإنما قلنا هكذا لأن
التستر واجب، وكيف لا يكون/في تركه حرج؟ اللهم إلا إذا كان في
حالة لا يقدر فيها على التستر أصلاً، يكون حينئذ لا حرج عليه، ويكون
المعنى في هذه الصورة: ومن لم يفعل ذلك لأجل ضرورة لا حرج عليه،
فافهم، فإنه موضع دقيق.
ص- قال أبو داود: رواه أبو عاصم عن ثور. قال حصين الحمراني:
ورواه عبد الملك بن الصباح عن ثور فقال: أبو سعيد الخبر. قال أبو داود:
أبو سعيد الخير هو من أصحاب النبي- عليه السلام-.
__________
(1) أبو داود: كتاب الطهارة، باب: ما يقول الرجل إذا دخل الخلاء (6) ، ابن
ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما يقول الرجل إذا دخل الخلاء (296) من
حديث زيد بن أرقم.

(1/122)


ش- أبو عاصم هو: الضحاك بن مخلد بن الضحاك البصري،
أبو عاصم النبيل، سمع عبد اللّه بن عون، والأوزاعي، وثور بن يزيد
وغيرهم. روى عنه: محمد بن المثنى، وابن بشار، وأحمد بن حنبل،
وغيرهم. وقال ابن معين: ثقة. توفي سنة اثنتي عشرة ومائتين بالبصرة،
وهو ابن تسعين سنة. روى له الجماعة. سمي نبيلاً لأنه [كان لا يلبس
الخُزُوز (1) وجيد] (2) الثياب (3) .
وعبد الملك بن الصباح المسْمعي أبو محمد البصري، روى عن عبد الله
ابن عون، وهشام بن حسان، وثور بن يزيد، وعمران بن حدير (4) ،
وشعبة، وعبد الحميد بن جعفر الأنصاري. روى عنه: إسحاق بن
راهويه، ومحمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، ونعيم بن حماد،
وغيرهم. قال أبو حاتم: هو صالح. روى له: البخاري، ومسلم،
وابن ماجه (5) .
***
14- باب: ما ينهى عنه أن يستنجى به
أي: باب في حكم الشيء الذي نُهي عن الاستنجاء به.
25- ص- حدثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الهمداني قال:
ثنا الفضل- يعني: ابن فضالة المصري- عن عياش بن عباس القتباني، أن
شييْم بن بيْتان أخبره، عن شيبان القتباني: " أن مسلمة بن مُخلد استعمل
رُويفع بن ثابت على أسفل الأرض. قال شيبانُ: فسرْنا معه من كوم شريك
إلى علقماء، أو من علقماء إلى كوْم شريكٍ - يُريدُ علقام- فقال رويفعٌ : إن
__________
(1) جمع خز، والخز من الثياب ما ينسج من صوف وحرير خالص.
(2) غير واضح في الأصل، وأثبتناه من تهذيب الكمال.
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (13/2927) .
(4) في الأصل: " حديث " خطأ. (5) المصدر السابق (18/3534) .

(1/123)


كان أحدُنا في زمن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليأخذُ نضْو أخيه على أن له النصف مما
يغنمُ وله (1) النصف، وإن كان أحدُنا ليطيرُ له النّصْلُ والريشُ، وللآخر
القدحُ، ثم قال لي رسولُ الله: يا رويفع، لعل الحياة ستطولُ بك بعدي،
فأخبر الناس أنه من عقد لحيته، أو تقلد وتراً، أو استنجى برجيع دابة أو
عظمٍ ، فإن محمداً منه بريء " (2) .
ش- يزيد بن خالد بن يزيد بن عبد اللّه بن موْهب الهمداني الرملي
أبو خالد، روى عن الليث بن سعد، وعبد اللّه بن وهب، ويحيى بن
زكرياء، وغيرهم روى عنه: أبو زرعة، وأبو داود، وجعفر بن محمد
الفريابي وغيرهم. مات سنة ثلاث، وقيل: سبع ومائتين (3) .
والمُفضل بن فضالة بن عبيد بن ثمامة بن مزيد بن نوف بن النعمان بن
مسروق أبو معاوية الرعُيني ثم القتباني المصري قاضيها. روى عن عُقيل بن
خالد، وعياش. بن عباس، وابنه عبد اللّه بن عياش، ومحمد بن
عجلان، وغيرهم. روى عنه: قتيبة بن سعيد، وابنه فضالة بن المفضل،
ويحيى بن غيلان وغيرهم. قال ابن معين: ثقة، وفي رواية: رجل
صدق. وقال أبو زرعة: لا بأس به. توفي في شوال سنة إحدى وثمانين
ومائة، وصلى عليه إسماعيل بن صالح أمير البلد، وولي القضاء بمصر
مرتين، وولد سنة سبع ومائة روى له الجماعة (4) .
وعياش بن عباس بن جابر بن ياسين أبو عبد الرحيم القتباني، وقتبان
من رُعى المصري، رأى عبد اللّه بن الحارث بن جزء الزبيدي، وروى
عن: أبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبي النضر سالم، والضحاك بن
زمل، وغيرهم. روى عنه الليث بن سعد، والمُفضل بن فضالة، وابنه
أبو جعفر عبد الله بن عياش، وحيوة بن شريح، وغيرهم. وقال ابن
__________
(1) في سنن أبي داود: " ولنا " .
(2) النسائي: كتاب الزينة، باب: عقد اللحية (8/135) .
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (32/6982) .
(4) المصدر السابق (28/6151) .

(1/124)


معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. توفي سنة ثلاث وثلاثين ومائة.
روى له الجماعة إلا البخاري (1) .
وشييم- بكسر الشين المعجمة، وياء آخر الحروف مكررة- ابن بيْتان
- بباء موحدة، بعدها ياء آخر الحروف، ثم تاء مثناة من فوق- القتباني
المصري روى عن: رويفع بن ثابت الأنصاري، وجنادة بن أمية،
وأبي حذيفة شيبان بن أمية. روى عنه: عياش بن عباس، وخير بن نُعيم.
قال ابن معين (2) : ثقة. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي (3) .
وشيبان بن أمية، ويقال: ابن قيس القتباني أبو حذيفة، روى عن
مسلمة بن مُخلد الزرقي، روى عنه شييم المذكور، وبكر بن سوادة
الحزامي، روى له أبو داود (4) .
/ومسلمة بن مُخلّد الزُرقي الأنصاري، سكن مصر، وكان والياً من
قبل معاوية. روى عنه شيبان بن أمية القتباني. روى له أبو داود.
و " مُخلّد " بضم الميم، وتشديد اللام المفتوحة (5) .
ورويفع بن ثابت بن سكن بن عدي بن حارثة بن عمرو بن زيد مناة بن
عدي بن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاري، سكن مصر، واختط بها
داراً، وأمره معاوية على أطرابلس سنة ست وأربعين، فغزى من أطرابلس
إفريقية سنة سبع وأربعين، ودخلها، وانصرف من عامه. يقال: مات
بالشام، ويقال ببرْقة وهو الأرجح. قال البرقي: توفي ببرق (6) وهو
أمير عليها. قال أحمد: ولقد رأيت قبره بها روى عنه شيبان بن أمية،
ومرثد بن عبد اللّه. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي (7) .
قوله: " على أسفل الأرض " أسفل الأرض يُعبر به عن الوجه البحري
في مصر.
__________
(1) المصدر السابق (22/4600) . (2) في الأصل: " نعيم " خطا.
(3) المصدر السابق (12/2792) . (4) المصدر السابق (12/2783) .
(5) المصدر السابق (27/5962) . (6) كذا، وفي تهذيب الكمال: " ببرقة " .
(7) المصدر السابق (9/1939) .

(1/125)


قوله: " من كوْم شريك " هي بلد في طريق الإسكندرية، وشريك هذا
هو ابن سمي المرادي الغُطيفي، وفد على رسول اللّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وشهد فتح
مصر (1) .
قوله: " إلى علقماء " بفتح العين المهملة، وسكون اللام، وفتح
القاف، والميم المقصورة (2) : بلدة في طريق الإسكندرية، وهي اليوم
خراب. و " علقام " مثله، إلا أنه بالألف قبل الميم، وهي أيضاً بلدة،
واليوم خراب.
قوله: " إن كان أحدنا " أصله: " إنه كان " ، وتسمى هذه " إنْ "
المخففة من المثقلة، فتدخل على الجملتين، فإن دخلت على الاسمية جاز
إعمالها، وإن دخلت على الفعلية وجب إهمالها، والأكثر كون الفعل
ماضياً ناسخاً، نحو: (وإن كانتْ لكبيرةً) (3) ، وأمثال ذلك كثيرة في
القرآن وغيره.
قوله: " ليأخذ نضْو أخيه " النضْو- بكسر النون، وسكون الضاد
المعجمة-: البعير المهزول، يقال: بعير نضو، وناقة نضو ونضوة.
وقال ابن الأثير (4) : " النضو: الدابة التي أهزلتها الأسفار، وأذهبت
لحمها " .
(5) وي هذا حجة لمن أجاز أن يعطي الرجل فرسه أو بعيره على
شطر ما يصيبه المستأجر من الغنيمة، وهو قول أحمد والأوزاعي، ولم
يجوز ذلك أكثر العلماء، وأوجبوا في مثل هذا أجرة المثل " .
قوله: " وإن كان أحدُنا ليطيرُ له النصْلُ والريشُ وللآخر القدحُ " أي: إنه
كان أحدنا ليطير له، أي: يصيبه في القسمة، يقال: طار لفلان النصف
ولفلان الثلث إذا وقع في القسمة ذلك. وقال ابن الأثير (6) : " إن
__________
(1) انظر ترجمته في: الإصابة (2/150) .
(2) كذا، والجادة: " وبعد الميم ألف ممدودة " كما في معجم البلدان.
(3) سورة البقرة: (143) . (4) انظر: النهاية (5/72) .
(5) انظر: معالم السنن (1/23) . (6) انظر: النهاية (3/151) .

(1/126)


الرجلين كانا يقتسمان السهم فيقع لأحدهما نصله، وللآخر قدْحه، وطيرُ
الإنسان ما حصل له في علم اللّه مما قدر له " .
وقال الخطابي (1) : " وفيه دليل على أن الشيء المشترك إذا احتمل
القسمة، وطلب أحد الشركاء المقاسمة كان ذلك له؛ لأن القدح قد ينتفع
به عرياً من الريش والنصل، وكذلك ينتفع بالنصل والريش وإن لم يكونا
مركبين في قدح " .
والنصل نصل السهم والسيف والسكن والرمح، والجمع " نصول "
و " نصال " . والريش للطائر جمع " ريشة " . والقدح بكسر القاف،
وسكون الدال: خشب السهم، ويقال للسهم أول ما يقطع: قطع بكسر
القاف، ثم ينحت ويُبرى فيسمى بريا، ثم يُقومُ فسمي قدحاً، ثم يراش
ويركب نصله فيسمى سهماً.
قوله: " من عقد لحيته " قيل: " (1) كانوا يفعلونه في الحرب، وهو
من زي الأعاجم. وقيل معناه: معالجة الشعر ليتعقد ويتجعد، وذلك من
قبيل التوضيع والتأنيث، فلأجل ذلك نهاه- عليه السلام- " .
قوله: " أو تقلد وتراً " قيل: هي التمائم التي يشدونها بالأوتار،
وكانوا يرون أنها تعصمهم من الآفات، وتدفع عنهم المكاره، فأبطل
النبي- عليه السلام- ذلك. وقيل: هي الأجراس التي يعلقونها بها.
قوله: " أو استنجى برجيع " قد ذكرنا أن الرجيع العذرة والروث،
وذلك لأن النجس لا يزيل النجس.
قوله: " أو عظم " أي: أو استنجى بعظم؛ لأنه زاد الجن، وهو
بعمومه يتناول كل عظم من الميتة أو الذكي.
قوله: " فإن محمداً " جواب قوله: " من عقد... " ، ودخل الفاء فيه
لتضمن " منْ " معنى الشرط، فانظر إلى هذه التأكيدات: الجملة الاسمية
__________
(1) انظر: معالم السنن (1/24) .

(1/127)


التي تدل على الثبات، ودخول " إن " التي للتأكيد، وتقديم الظرف على
خبر المبتدأ. وحديث شيبان هذا أخرجه النسائي.
26- ص- حدثنا يزيد بن خالد قال: ثنا مفضل، عن عياش، عن
شييم/بن بيتان، أخبره بهذا الحديث عن أبي سالم الجيشاني، عن عبد الله بن
عمرو، ويذكر ذلك وهو معه مرابط بحصن باب أليُون قال أبو داود:
حصن أليون بالفسطاط على جبل (1) . قال أبو داود: هو شيبان بن أمية،
يكنى أبا حذيفة.
ش- يزيد بن خالد ومن بعده قد ذكروا.
وأبو سالم الجيشاني يروي عن زيد بن خالد الجهني، روى عنه: بكر
ابن سوادة.
والجيشاني بالجيم وسكون الياء آخر الحروف، وبالشين المعجمة، نسبة
إلى جيشان، قبيل من اليمن (2) .
وعبد اللّه بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم بن
عمرو، وقد ذكرنا بقية نسبه عند أبيه عمرو، يكنى أبا محمد، وقيل:
أبو عبد الرحمن. أسلم قبل أبيه. روي له عن رسول اللّه- عليه
السلام- سبعمائة حديث، اتفقا على سبعة عشر حديثاً، وانفرد البخاري
بثمانية، ومسلم بعشرين. روى عنه: سعيد بن المسيب، وعروة بن
الزبير، ومسروق بن الأجدع، وغيرهم. مات بمكة، وقيل بالطائف،
وقيل بمصر سنة خمس وستين، وهو ابن اثنين وسبعين سنة، روى له
الجماعة (3)
__________
(1) في سنن أبي داود: " على جبل بالفسطاط " ، وانظر تخريجه في الحديث
السابق.
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (11/2417) . قلت: واسم أبي سالم:
سفيان بن هانئ.
(3) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (2/346) ، وأسد الغابة
(3/349) ، والإصابة (2/351) .

(1/128)


قوله: " حصن أليون بالفسطاط " الفسطاط مدينة مصر، وفي الأصل
الفسطاط بيت من شعر، ولكن سميت بها مدينة مصر؛ لأن عمرو بن
العاص لما فتحها ضرب فسطاطه على موضع الجامع المعروف به، فبنى
الجامع، وبنى المسلمون حواليه دوراً ومساجد وأسواقاً، ولم نزل مصر
- وهي الفسطاط- كرسي المملكة، حتى تولى مصر أحمدُ بنُ طولون من
جهة المعتز باللّه في سنة أربع وخمسين ومائتين، فبنى له ولعسكره القطائع
في شمالي مصر، وبنى عند القطائع جامعه المعروف به في سنة تسع
وخمسين ومائتين، ثم لم يزل الأمر كذلك حتى بنيت القاهرة في سنة ثمان
وخمسين [وثلاثمائة]على يد جوهر القائد المعزي.
27- ص- حدّثنا أحمد بن محمد بن حنبل قال: ثنا روحُ بنُ عُبادة قال:
ثنا زكريا بن إسحاق قال: ثنا أبو الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله يقول:
" نهانا رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن نتمسح بعظم أو بعْرة " (1) .
ش- أحمد بن حنبل الإمام قد مضى ذكره.
وروح بن عُبادة- بضم العين، وعبادة بفتح العين لم تقع إلا في
البخاري وسنن ابن ماجه فقط- وهو: ابن العلاء بن حسان بن عمرو بن
مرثد القيسي أبو محمد البصري، من بني قيس بن ثعلبة من أنفسهم،
روى عن عمران بن حدير، وسعيد بن أبي عروبة، ومالك بن أنس،
والثوري، وشعبة، والأوزاعي وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل،
إسحاق بن راهويه، وأحمد بن منيع، ويعقوب بن شيبة، ومحمد بن
لمثنى، وغيرهم. روى له الجماعة (2) .
وزكرياء بن إسحاق المكي، روى عن: عطاء بن أبي رباح، وعمرو
ابن دينار، ويحيى بن عبد الله، روى عنه: ابن المبارك، ووكيع،
__________
(1) في سنن أبي داود: " أو بعر " ، والحديث أخرجه مسلم في كتاب الطهارة،
باب: الاستطابة (263/58) .
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (9/1930) .
9* شرح سنن أبي داوود 1

(1/129)


وأبو عاصم النبيل. وقال أحمد وابن معين: ثقة. وقال أبو زرعة
وأبو حاتم: لا بأس به، روى له الجماعة (1) .
وأبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس أبو الزبير المكي الأسدي، مولى
حكيم بن حزام، وقد مضى ذكره.
قوله: " أن نتمسح " من باب التفعل، أشار به إلى أن لا يتكلف المسح
بالعظم والبعرة، أما العظم فلما ذكرنا، وأما البعرة فلأنها نجس، فلا
يزيل النجس. وحديث جابر هذا أخرجه مسلم.
28- ص- حدثنا حيوة بن شريح الحمصي قال: ثنا ابن عياش، عن
يحيى بن أبي عمرو السيْباني، عن عبد الله ابن الديلمي، عن عبد الله بن
مسعود قال: " قدم وفدُ الجن على رسول اله- عليه السلام- فقالوا:
يا محمدُ، انْه أمتك أن يستنجُوْا بعظمٍ ، أو روثة، أو حُممة، فإن الله تعالى
جعل لنا فيها رزْقاً. قال: فنهى النبيُ- عليه السلاًم- " (2) .
ش- حيوة قد ذكر.
وابن عياش هو: إسماعيل بن عياش بن سُليم السامي الحمصي العنسيُّ
- بالنون-، سمع شرحبيل بن مسلم، وثور بن يزيد، والأوزاعي،
ويحيى بن سعيد الأنصاري، وهشام بن عروة، وغيرهم. روى عنه:
ابن المبارك (3) ، وعبد الله بن وهب، ويحيى بن معين، وجماعة آخرون
كثيرة، وفيه مقال كثير، توفي سنة إحدى وثمانين ومائة. روى له:
الترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (4) .
ويحيى بن أبي عمرو، واسم أبي عمرو زرعة، يكنى أبا زرعة السّيْباني
- بالسين المهملة، بعدها ياء آخر الحروف، وبعدها باء موحدة- ونسبته
__________
(1) المصدر السابق (9/1990) .
(2) في سنن أبي داود: " فنهى النبي- عليه السلام- عن ذلك " ، والحديث تفرد
به أبو داود.
(3) مكرر في الأصل. (4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (3/472) .

(1/130)


إلى سيْبان بن الغوث بن سعد الشامي الحمصي، وهو ابن عم أبي عمرو
الأوزاعي الإمام. روى عن أبيه، وعبد الله ابن الديلمي، وأبي سلام
الأسود، وغيرهم. روى عنه: الأوزاعي، وابن المبارك، وعطاء بن
أبي مسلم، وإسماعيل بن عياش، وغيرهم. وقال أحمد: ثقة. توفي
سنة ثمان وأربعين ومائة. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي،
وابن ماجه (1) .
وعبد اللّه بن فيروز الديلمي أبو بُسر- بالسين المهملة، وقيل:
بالمعجمة- روى عن أبيه/، وعبد اللّه بن مسعود، وأبي سعيد الخدري،
وعبد اللّه بن عمرو، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وغيرهم. روى
عنه: يحيى بن أبي عمرو السيباني، وعروة بن رُويم، ومحمد بن سيرين،
وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. روى له: أبو داود، والترمذي،
والنسائي، وابن ماجه (2) .
وعبد اللّه بن مسعود بن غافل- بالغين المعجمة والفاء- ابن حبيب بن
شمْخ بن مخزوم الهذلي، يكنى أبا عبد الرحمن، شهد بدراً والمشاهد،
وهو صاحب نعل رسول الله- عليه السلام-، روي له عن رسول اللّه
ثمانمائة حديث وثمانية وأربعون حديثاً، اتفقا منها على أربعة وستين،
وانفرد البخاري بأحد وعشرين، ومسلم بخمسة وثلاثين روى عنه:
أنس بن مالك، وأبو رافع مولى النبي- عليه السلام-، وأبو موسى
الأشعري، وغيرهم من الصحابة والتابعين، نزل الكوفة، ومات بها سنة
ثلاث وثلاثين، وقيل: مات بالمدينة، وصلى عليه عثمان بن عفان،
ودفن بالبقيع، روى له الجماعة (3)
__________
(1) المصدر السابق (31/6893) .
(2) المصدر السابق (15/3484) ، وفيه وفي التقريب وغيرهما أن الترمذي لم يرو
له.
(3) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (2/316) ، وأسد الغابة
(3/384) ، والإصابة (2/368) .

(1/131)


قوله: " قدم وفد الجن " الوفد: " القوم يجتمعون ويردُون البلاد،
وواحدهم وافد، كركب وراكب، وكذلك الذين يقصدون الأمراء لزيارة
أو استرفاد وانتجاع، وغير ذلك، تقول: وفد يفد فهو وافد، وأوفدته
فوفد وأوفد على الشيء فهو مُوفد إذا أشرف " (1) . والجن خلاف
الإنس، والواحد جني، سميت بذلك لأنها تبقى ولا ترى، " وأصله من
جنّ إذا ستر، ومنه سمي الجن لاستتارهم واختفائهم عن الأبصار، ومنه
الجنين لاستتاره في بطن أمه، والجنة من الاجتنان وهو الستر، لتكاثف
أشجارها وتظليله بالتفاف أغصانها " (2) .
والجن ولد إبليس، والكافر منهم شيطان، ولهم ثواب وعقاب،
واختلف في دخولهم الجنة. وعن ابن عباس: " إنهم ولد الجن بني
الجان، وليسوا بشياطين، فمنهم كافر ومنهم مؤمن، ويعيشون ويموتون،
والشياطين لا يموتون إلا عند موت إبليس. وكانت هذه القضية في مكة،
لما روي عن قتادة، عن النبي- عليه السلام- أنه قال: " إني أمرت أن
أقرأ على الجن، فأيكم يتبعني؟ فاتبعه عبد اللّه بن مسعود، فدخل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
شعب الحجون، وخط على ابن مسعود خطا وقال: إياك أن تخرج من
هذا الخط، فإنك إن خرجت منه لم تلقني إلى يوم القيامة، وتوجه إليهم
يقرئهم القرآن، ويدعوهم إلى الصبح " الحديث (3) ، وكانوا من جن
نصيبين: وقال ابن عباس: من أهل نينوي. وقال مجاهد: من أهل
حران. وقال عكرمة: من حرين الموصل ابني عثر. وقال زر بن حبيش:
كانوا تسعة. وقال ابن عباس: سبعة. وقال مجاهد: ثلاثة من أهل
نجران، وأربعة من نصيبين، وهم شاحر، وناحر، ودسّ، ومسّ،
والأزد، والابنان، والأحقم.
__________
(1) انظر: النهاية (5/209) . (2) انظر: النهاية (1/307) .
(3) أخرجه من هذه الطريق المرسلة ابن جرير في تفسيره (26/31) ، ولأصل
الحديث طرق صحيحة متصلة، وقد جمعها الحافظ ابن كثير عند تفسير الآية
التاسعة والعشرين وما بعدها من سورة الأحقاف، فانظرها هناك.

(1/132)


قوله: " أو حُممة " بضم الحاء المهملة، وفتح الميمين، وهي الفحم،
وما احترق من الخشب والعظام ونحوهما، وجمعها " حُمم " .
قوله: " فيها " أي: في العظم والروثة، والحُممة. وظاهر الحديث:
أن رزقهم من هذه الأشياء، فلذلك منع النبي- عليه السلام- عن
الاستنجاء بها، ولكون الروثة نجساً، والحُممة ليس لها ثبات فتفتت
بالتماس.
***
15- باب: الاستنجاء بالأحجار
أي: هذا باب فيه بيان حكم الاستنجاء بالأحجار.
29- ص- حدثنا سعيد بن منصور وقتيبة بن سعيد قالا: ثنا يعقوب بن
عبد الرحمن، عن أبي حازم، عن مسلم بن قرط، عن عروة، عن عائشة
- رضي الله عنها-: أن رسول الله-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إذا ذهب أحدُكم إلى الغائط
فليذهبْ معه بثلاثة أحجار يستطيبُ بهن، فإنها تُجزئُ عنه " (1) .
ش- سعيد بن منصور بن سعيد أبو عثمان الخراساني المروزي، ويقال:
الطالقاني، ويقال: ولد بجوزجان، ونشاً ببلخ، سكن مكة، ومات
بها سنة سبع وعشرين ومائتين. سمع مالك بن أنس، وابن عيينة،
والليث بن سعد، وعبد العزيز الدراوردي، وغيرهم. روى عنه: أحمد
ابن حنبل، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والبخاري، ومسلم، وأبو داود،
وروى البخاري ومسلم والترمذي عن رجل عنه (2) -
وقتيبة بن سعيد مضى ذكره.
ويعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد اللّه بن عبد القاري
- بتشديد الياء- حليف بني زهرة المدني، سكن الإسكندرية، سمع أباه،
__________
(1) النسائي: كتاب الطهارة، باب: الاجتزاء في الاستطابة بالحجارة دون غيرها
(1/41) ، والدارقطني: كتاب الطهارة (1/54- 55) .
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (11/2361) .

(1/133)


وأبا حازم، وموسى بن عقبة،/ومحمد بن عجلان وغيرهم. روى
عنه: عبد اللّه بن وهب، وقتيبة بن سعيد، ويحيى بن يحيى،
وأبو صالح عبد الغفار الحراني. قال ابن معين: كان ثقة. روى له
الجماعة إلا ابن ماجه (1) .
وأبو حازم سلمة بن دينار المدني الأعرج الأفزر المخزومي، مولى
الأسود بن سفيان، سمع سهل بن سعد، وعطاء بن أبي رباح، وسعيد
ابن المسيب، وأبا صالح ذكوان، ومسلم بن قرط، وعمرو بن شعيب،
وغيرهم. روى عنه ابناه: عبد العزيز، وعبد الجبار، والزهري وهو أكبر
منه، ومالك بن أنس، ومحمد بن إسحاق، ومحمد بن عيينة أخو سفيان،
وغيرهم. قال أحمد وأبو حاتم: ثقة. توفي سنة خمس وثلاثين ومائة.
روى له الجماعة (2) .
ومسلم بن قرط الحجازي روى عن عروة بن الزبير، روى عنه أبو حازم،
روى له أبو داود، والنسائي (3) .
وعروة بن الزبير مر ذكره.
قوله: " فليذهب معه " " مع " اسم بدليل التنوين في قولك: معاً،
ودخول الجار في قولك: ذهبت منْ معه، حكاه سيبويه. ولها ثلاث
معان: موضعُ الاجتماع، ولهذا يخبر بها عن الذوات، نحو (واللهُ
معكُمْ) (4) ، وزمانية، نحو: جئتك مع العصر، ومرادفة " عند " ،
وتكون حالاً، نحو: جاء زيد وعمرو معاً، يعني: مجتمعين، وهاهنا
يجوز أن تكون للحال، والتقدير: فليذهب بثلاثة أحجار مصاحبة معه،
و " الباء " في قوله: " بثلاثة أحجار " باء التعدية؛ لأن " ذهب " لازم.
وقوله: " يستطيب بهن " في محل الجر؛ لأنها وقعت صفة لقوله:
" بثلاثة أحجار " ، ولا يجوز أن يكون حالاً؛ لأن الاستطابة لا تحصل
__________
(1) المصدر السابق (32/7095) . (2) المصدر السابق (11/2450) .
(3) المصدر السابق (27/5937) .
(4) سورة محمد: (35) .

(1/134)


حالة الذهاب، والاستطابة والإطابة كناية عن الاستنجاء، سمي بها من
الطيب؛ لأنه يطيب جسده بإزالة ما عليه من الخبث بالاستنجاء، أي:
يطهره، يقال: من أطاب واستطاب، وقد ذكرناه.
قوله: " فإنها " أي: الأحجار " تجزئ عنه " من قولك: أجزأني الشيء
أي: كفاني، وهو بالهمزة، وثلاثيه: جزأ، يقال: جزأ عني هذا
الأمر، أي: قضى، والضمير في " عنه " راجع إلى الاستطابة التي دل
عليها قوله: " يستطيب بهن " ، وإنما ذكره باعتبار المذكور المقدر، وبهذا
احتج الشافعي على تنصيص العدد، والجواب عنه أنه متروك الظاهر، فإنه
لو استنجى بحجر له ثلاثة أحرف جاز بالإجماع. وحديث عائشة هذا
أخرجه النسائي والدارقطني.
30- ص- حدّثنا عبد الله بن محمد النُّفيلي قال: ثنا أبو معاوية، عن
هشام بن عروة، عن عمرو بن خزيمة، عن عمارة بن خزيمة، عن خزيمة بن
ثابت قال: " سُئل رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الاسْتطابة فقال: بثلاثة أحجار ليس فيها
رجيع " (1) قال أبو داود: هكذا رواه أبو أسامة وابن نمير عن هشامً.
ش- عبد اللّه بن محمد النفيلي قد مر ذكره، وكذلك أبو معاوية محمد
ابن خازم الضرير.
وهشام بن عروة بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي المدني أبو المنذر،
رأى عبد اللّه بن عمر، ومسح رأسه، ودعى له، وجابر بن عبد اللّه،
وسهل بن سعد، وأنس بن مالك، وسمع عبد اللّه بن الزبير، وأباه،
وإخوته: عبد الله، وعثمان، ووهب بن كيسان، وجماعة آخرين.
روى عنه: زهير بن معاوية، ويحيى بن زكرياء، والضحاك بن عثمان،
وأبو معاوية الضرير، ويحيى القطان، وجماعة آخرون كثيرة. وقال
__________
(1) ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: الاستنجاء بالحجارة والنهي عن الروث
و الرمة (315) .

(1/135)


ابن سعد: كان ثقة ثبتاً، كثير الحديث، حُجة. مات ببغداد، ودفن في
مقبرة الخيرزان في سنة ست وأربعين ومائة. روى له الجماعة (1) .
وعمرو بن خزيمة ويقال: أبو خزيمة المزني، روى عن عمارة بن خزيمة
روى عنه هشام بن عروة، روى له: أبو داود، وابن ماجه حديثه عن
أهل المدينة (2) .
وعمارة بن خزيمة بن ثابت الأنصاري الأوسي أبو عبد اللّه، ويقال:
أبو محمد المدني، روى عن أبيه وعمه، روى عنه: عمرو بن خزيمة،
والزهري، وأبو جعفر الخطمي، ومحمد بن زرارة. روى له: أبو داود،
والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (3) .
وخزيمة بن ثابت بن الفاكه بن ثعلبة بن ساعدة بن عامر (4) بن غيان بن
عامر بن خطمة بن مالك بن أوس الأنصاري الأوسي، يكنى أبا عمارة
ذو الشهادتين. روي له عن رسول اللّه ثمانية وثلاثون حديثاً، روى عنه
إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص، روى له الجماعة إلا البخاري (5) .
وأبو أسامة: حماد بن أسامة بن زيد القرشي الكوفي، سمع هشام بن
عروة، والأعمش، وابن جريج، وغيرهم روى عنه: الشافعي،
وقتيبة، وابن معين، وغيرهم توفي سنة إحدى ومائتين، روى له
الجماعة (6)
/وابن نمير هو: عبد اللّه بن نمير أبو هشام الخارفي الكوفي، سمع
هشام بن عروة، وإسماعيل بن أبي خالد، وعبد الله بن عمر العمري،
والأعمش، والثوري، والأوزاعي، وغيرهم. روى عنه ابنه محمد،
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (30/6585) .
(2) المصدر السابق (21/4359) . (3) المصدر السابق (21/4182) .
(4) في الأصل: " عمار " ، وما أثبتناه من مصادر الترجمة.
(5) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (1/417) ، وأسد الغابة
(2/133) ، والإصابة (1/425) .
(6) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (7/1471) .

(1/136)


وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة،
وغيرهم من الثقات. توفي في ربيع الأول من سنة تسع وتسعين ومائة،
وولد سنة خمس عشرة ومائة، روى له الجماعة (1) . وحديث خزيمة هذا
أخرجه ابن ماجه.
***
16- باب: في الاستبراء
أي: هذا باب في بيان طلب البراءة من الحدث؛ لأن " سين "
الاستفعال للطلب.
31- ص- حدثنا قتيبة بن سعيد وخلف بن هشام المقرئ المعنى قالا: ثنا
عبد الله بن يحيى التوأم. ونا أبو داود قال: ثنا عمرو بن عون قال: أنا
أبو يعقوب التوأم، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن أمه، عن عائشة
- رضي الله عنها- قالت: " بال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقام عمرُ خلفهُ بكُوز من ماء،
فقال: ما هذا يا عمرُ؟ " قال: ماء توضبه " (2) . قال: ما أمرت كًلما بُلتُ
أن أتوضأ، ولو فعلتُ لكانتْ سُنةً " (3) .
ش- خلف بن هشام بن ثعلب- بالثاء المثلثة- أبو محمد البزار
- آخره راء- البغدادي، ويقال: خلف بن هشام بن طالب بن غراب
المقرئ، سمع مالك بن أنس، وحماد بن زيد، وشريك بن عبد اللّه
النخعي، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، وابنه عبد اللّه بن
أحمد، وأبو زرعة، ومسلم، وأبو داود، وجماعة آخرون. وقال
النسائي: هو بغدادي ثقة. مات سنة تسع وعشرين ومائتين (4) .
__________
(1) الصدر السابق (16/3618) .
(2) في سنن أبي داود: " فقال: هذا ماء تتوضأ به " ، وانظر تعليق الشارح
عليه.
(3) ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: من بال ولم يمس ماء (327) .
(4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (8/1713) .

(1/137)


وعبد اللّه بن يحيى التوأم أبو يعقوب الثقفي المصري، ولد هو وأخوه
في بطن واحد، روى عن عبد اللّه بن أبي مليكة، روى عنه: عمرو بن
عون. قال يحيى: التوأم عن ابن أبي مليكة ضعيف. روى له: أبو داود،
وابن ماجه (1) .
وعبد اللّه بن عبيد اللّه بن أبي مليكة، واسم أبي مليكة: زهير بن
عبد اللّه بن جُدْعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة التيمي
أبو بكر المكي الأحول، كان قاضياً لعبد اللّه بن الزبير، ومؤذناً له.
سمع عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو،
والمسور بن مخرمة، وعقبة بن الحارث، وعائشة وأسماء ابنتي أبي بكر
الصّدّيق- رضي اللّه عنهم-. روى عنه: عطاء بن أبي رباح، وعمرو
ابن دينار، وأيوب السختياني، وابن جريج، ونافع بن عمر، والليث
ابن سعد، وغيرهم. قال أبو زرعة وأبو حاتم: مكي ثقة. توفي سنة
سبع عشرة ومائة. روى له الجماعة (2) .
قوله: " توضأ به " أصله: " تتوضأ به " فحذفت منه إحدى التاءين،
كقوله تعالى: (ناراً تلظى) (3) أصله: تتلظى.
قوله: " لكانت " أي: الفعلة التي دل عليها قوله: " فعلت " ، وهذا
الحديث رد على من يقول: شرطُ الوضوء الحدث. ووجه هذا التبويب
بالاستبراء كون عمر- رضي الله عنه- أتى بالماء إلى رسول الله بعد أن
بال ليتوضأ به، ويستبرئ من الحدث. وروى هذا الحديث ابن ماجه أيضاً.
***
17- باب: الاستنجاء بالماء
ولما فرغ عن بيان الاستنجاء بالأحجار ونحوها، شرع في بيان
الاستنجاء بالماء.
__________
(1) المصدر السابق (16/3650) . (2) المصدر السابق (15/3405) .
(3) سورة الليل: (14) .

(1/138)


32- ص- حدثنا وهب بن بقية، عن خالد (1) الواسطي، عن خالد
- يعني: الحذاء- عن عطاء بن أبي ميمونة، عن أنس بن مالك: " أن
رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دخل حائطاً ومعه غُلام معه ميضأةٌ ، وهو أصْغرُنا، فوضعها
عند السّدرة، فقضى حاجتهُ، فخرج علينا وقد استنجى بالماء " (2) .
ش- وهب بن بقية بن عثمان بن سابور- بالسين المهملة- ابن عبيد
ابن آدم بن زياد بن ضبع بن قيس بن سعد بن عبادة أبو محمد الواسطي،
يعرف ب " وهْبان " ، سمع خالد بن عبد الله، وجعفر بن سليمان،
وهشيم بن بشير، ونوح بن قيس، روى عنه: مسلم، وأبو داود،
وحنبل بن إسحاق، وغيرهم، روى النسائي عن رجل عنه. ولد سنة
خمس وخمسين ومائة، ومات سنة تسع وثلاثين ومائتين (3) .
وخالد بن مهران الحذاء أبو المُنازل البصري القرشي مولاهم، وقيل:
مولى بني مجاشع، رأى أنس بن مالك، وسمع أبا عثمان النهدي،
وعطاء بن أبي ميمونة، وعطاء بن أبي رباح، وغيرهم. سمع منه محمد
ابن سيرين، والأعمش، ومنصور. وروى عنه: ابن جريج، والثوري،
وشعبة، وغيرهم. وقال ابن معين: ثقة. وقال أحمد: ثبت. مات سنة
ثنتين وأربعين ومائة، روى له الجماعة (4) .
__________
(1) في الأصل: " خلف " خطأ، وإنما هو خالد بن عبد الله الواسطي.
(2) البخاري: كتاب الوضوء، باب: حمل العنْزة مع الماء في الاستنجاء (152) ،
مسلم: كتاب الطهارة، باب. الاستنجاء بالماء من التبرز (270، 271) ،
النسائي: كتاب الطهارة، باب: الاستنجاء بالماء (1/42) .
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (31/6750) . قلت: أهمل المصنف
ترجمة خالد الواسطي، وهو خالد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد أبو الهيثم،
ويقال: أبو محمد الواسطي. روى عن: خالد الحذاء، وسعيد بن
أبي عروبة، وسهيل بن أبي صالح روى عنه: عبد الرحمن بن المبارك،
وعبد الرحمن بن مهدي، ووهب بن بقية، وغيرهم. مات سنة تسع وسبعين
ومائة، روى له الجماعة، وانظر ترجمته قي: تهذيب الكمال (8/1625) .
(4) المصدر السابق (8/1655) .

(1/139)


وعطاء بن أبي ميمونة البصري،/مولى أنس بن مالك، ويقال:
مولى عمران بن حصين. سمع أنس بن مالك، وأبا رافع الصائغ. روى
عنه: خالد الحذاء، وروح بن القاسم، وشعبة. وقال أبو زرعة: ثقة.
وقال أبو حاتم: يحتج بحديثه (1) . وقال ابن عدي: وفي حديثه بعض
ما ينكر عليه. توفي سنة إحدى وثلاثين ومائة. روى له الجماعة إلا
الترمذي (2) .
قوله: " دخل حائطاً " الحائط: البستان من النخيل إذا كان عليه حائط،
أي: جدار، وجمعه: " الحوائط " ، والحائط بمعنى الجدار، ويجمع
على حيطان.
قوله: " ميضأة " بكسر الميم، وبهمزة بعد الضاد، وهي الإناء الذي
يتوضأ به، كالركوة والإبريق ونحوهما، وقوله: " معه ميضأة " جملة
وقعت صفة لـ " غلام " .
قوله: " وهو أصغرنا " جملة وقعت حالاً عن " غلام " ؛ لأن تقدير
الكلام: ودخل معه غلام، والحال أنه أصغرنا في السن في هذا الوقت.
قوله: " فوضعها عند السدرة " أي: وضع الميضأة بحضرة السدرة؛ لأن
" عند " للحضرة، و " السدرة " - بكسر السين-: شجرة النبق.
قوله: " فقضى حاجته " أي: قضى رسول اللّه حاجته.
قوله: " وقد استنجى بالماء " جملة فعلية وقعت حالاً، وقد علم أن
الجملة الفعلية إذا وقعت حالاً وكان فعلها ماضياً مثبتاً، لا بد فيه من " قد "
إما محققة أو مقدرة، نحو: جاء زيد قد ضحك، وقوله تعالى: (أوْ
جاءُوكُمْ حصرتْ صُدُورُهُمْ) (3) أي: قد حصرت، وذلك لأن الماضي
__________
(1) كذا في الأصل، والذي في الجرح والتعديل (6/الترجمة 1862) ، وتهذيب
الكمال: " صالح لا يحتج بحديثه، وكان قدريا " .
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (25/3942) .
(3) سورة النساء: (90) .

(1/140)


من حيث إنه منقطع الوجود عن زمن الحال، مناف للحال المتصف
بالثبوت، فلا بد من " قد " ليقرب به من الحال، فإن القريب من الشيء
في حكمه، وجوز البعض الترك (1) مطلقاً إذا وجد الواو، والأصح ما
قلنا.
ويستفاد من هذا الحديث فوائد، الأولى: استحباب التباعد لقضاء
الحاجة عن الناس.
والثانية: الاستتار عن أعين الناظرين.
والثالثة: جواز استخدام الرجل الفاضل بعض أصحابه في حاجته.
والرابعة: استحباب خدمة الصالحين وأهل الفضل، والتبرك بذلك (2) .
والخامسة: جواز استخدام الصغار.
والسادسة: جواز الاستنجاء بالماء، واستحبابه، ورجحانه على
الاقتصار على الحجر. وقد اختلف الناس في هذه المسألة، والذي عليه
الجمهور من السلف والخلف أن الأفضل أن يجمع بين الماء والحجر، فإن
اقْتصر اقْتصر على أيهما شاء، لكن الماء أفضل، لأصالته في التنقية، وقد
قيل: إن الحجر أفضل. وقال ابن حبيب المالكي: لا يجزئ الحجر إلا
لمن عدم الماء. وحديث أنس هذا أخرجه البخاري ومسلم.
33- ص- حدثنا محمد بن العلاء قال: أنا معاوية بن هشام، عن يونس
ابن الحارث، عن إبراهيم بن أبي ميمونة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة،
عن النبي- عليه السلام- قال: " نزلتْ هذه الآية في أهل قُباء: (فيه رجال
__________
(1) في الأصل: " ترك " .
(2) ليس ثمة دليل على جواز التبرك بأهل الفضل والصلاح، بل السلف- رحمهم
الله- على خلاف ذلك، وما ورد من تبرك الصحابة- رضوان الله عليهم-
بوضوء رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ونخامته وغير ذلك، فهو أمر يقيني، وأما الصلاح
والتقوى في حق غيره فهو ظني، ولا يقاس ظني على يقيني، ولو كان ذلك
جائزا لفعله صحابته- رضوان الله عليهم- بعضهم مع بعض! والله أعلم.

(1/141)


يُحبُّون أن يتطهرُوا ( (1) قال: " كانُوا يستنجُون بالماء، فنزلتْ فيهم هذه
الآيةُ " (2) .
ش- محمد بن العلاء بن كريب أبو كريب الهمداني الكوفي، وقد
ذكرناه.
ومعاوية بن هشام أبو الحسن القصار الكوفي، سمع ابن عيينة (3) ،
وحمزة الزيات، وشريك بن عبد اللّه، وغيرهم. روى عنه: أبو بكر
وعثمان ابنا أبي شيبة، وأبو كريب، وغيرهم. قال ابن معين: صالح
وليس بذاك. وقال أبو حاتم: هو أقوى حديثاً من يحيى بن يمان، وهو
صدوق، روى له الجماعة إلا البخاري (4) 0
ويونس بن الحارث الطائفي، روى عن: أبي بردة بن أبي موسى،
وأبي عون، وإبراهيم بن أبي ميمونة، روى عنه: وكيع بن هشام،
ووكيع بن الجراح،ْ وأبو عاصم النبيل، وغيرهم. وقال ابن معين: كان
ضعيفاً، وكان أحمد بن حنبل يضعفه. وقال ابن عدي: ليس به بأس.
روى له: الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه (5) .
وإبراهيم بن أبي ميمونة روى عن أبي صالح السمان، روى عنه يونس
ابن الحارث، روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (6) و
وأبو صالح ذكوان قد مر.
قوله: " في أهل قُباء " بضم القاف، وتخفيف الباء المقصورة، وقال
صاحب " المطالع " : قبا على ثلاثة أميال من المدينة، وأصله أسم بئر
__________
(1) سورة التوبة: (108) .
(2) الترمذي: كتاب تفسير القران، باب: ومن سورة التوبة (3100) ، ابن
ماجه: كتاب الطهارة، باب: الاستنجاء بالماء (357) .
(3) كذا، والذي في تهذيب الكمال وغيره: " سفيان الثوري " ، ولم أره فيمن
روى عن ابن عيينة في ترجمته، وإنما وجدته في ترجمة سفيان الثوري فيمن
روى عنه، والله أعلم.
(4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (28/ 6067) .
(5) المصدر السابق (32/7173) . (6) المصدر للسابق (2/259) .

(1/142)


هنالك، وألفه واو يمد ويقصر، ويصرف ولا يصرف، وأنكر البكري
القصر فيه، ولم يحك فيه أبو علي سوى المد. وقال الخليل: هو
مقصور. قال:/وهو قرية بالمدينة.
قوله تعالى: (فيه رجال يُحبُون أن يتطهرُوا) أي: في مسجد قباء،
وهو أول مسجد بني في الإسلام. وحديث أبي هريرة هذا أخرجه الترمذي
وابن ماجه. وقال الترمذي: غريب.
***
18- باب: الرجل يدلك يده با لأرض إذا استنجى
أي: باب في حكم الرجل الذي يدلك يده بالأرض إذا استنجى، من
دلكت الشيء بيدي أدلكه دلكاً، من باب نصر ينصر.
34- ص- ثنا محمد بن عبد الله المخرمي قال: ثنا وكيع، عن شريك
المعنى. قال: وثنا إبراهيم بن خالد قال: ثنا أسود بن عامر قال: ثنا شريك
- وهذا لفظه- عن إبراهيم بن جرير، عن أبي زرعة (1) ، عن أبي هريرة
قال: " كان النبيُ- عليه السلام- إذا أتى الخلاء أتيتُه بماء في توْر أو ركْوةٍ
فاستنجى " . قال أبو داود: في حديث وكيع: " ثم مسح يًده على الأرض،
ثم أتيتُهُ بإناء آخر فتوضأ " . قال أبو داود: حديثُ الأسود أتم، يعني: أسود
ابن عامر (2) .
ش- محمد بن عبد الله بن عمار بن سوادة أبو جعفر المُخرميُ البغدادي
الموصلي نزيلها، أحد الحُفاظ المكثرين، سمع ابن عيينة، ووكيعاً،
وهشيماً، وعبد الله بن إدريس، وغيرهم. روى عنه: النسائي، وعلي
__________
(1) في سنن أبي داود: " عن إبراهيم بن جرير، عن المغيرة، عن أبي زرعة " ،
وفي التحفة (10/14886) ، وسنن ابن ماجه: " إبراهيم بن جرير، عن
أبي زرعة " ، وهو الصواب، وفد نبه على الخطأ الواقع في السنن صاحب
" عون المعبود " (1/16) فأجاد وأفاد، فليراجع.
(2) ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: من دلك يده بالأرض بعد الاستنجاء.
(358) .

(1/143)


ابن حرب، ويعقوب بن سفيان، والباغندي، وغيرهم. وقال النسائي:
ثقة. وقال عبد الله بن أحمد: كان ثقة. توفى ببغداد سنة إحدى وثلاثين
ومائتين (1) .
ووكيع هو ابن الجراح، وقد مر.
وشريك هذا هو: شريك بن عبد الله بن أبي شريك الكوفي أبو عبد الله
النخعي، ولد ببخارى سنة خمس وسبعين، أدرك عمر بن عبد العزيز،
وسمع أبا إسحاق السبيعي، وسماك بن حرب، وغيرهم. روى عنه:
وكيع بن الجراح، ويحيى بن سعيد القطان، وابن المبارك، وأبو بكر بن
أبي شيبة، وغيرهم. وقال ابن معين: ثقة إلا أنه لا ينقد (2) ويغلط،
ويذهب بنفسه على سفيان وشعبة. وقال أبو زرعة: كان كثير الغلط،
صاحب وهم، يغلط أحياناً. وقال أحمد بن عبد الله: كوفي ثقة مات
بالكوفة سنة سبع أو ثمان وتسعين ومائة. روى له الجماعة إلا البخاري،
روى له مسلم في المتابعات (3) .
وإبراهيم بن خالد هذا هو: إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي
أبو ثور البغدادي، سمع سفيان بن عيينة، وإسماعيل ابن علية، ووكيع
ابن الجراح، وأبا معاوية الضرير، ومحمد بن إدريس الشافعي، وغيرهم.
روى عنه: أبو داود، ومسلم، وأبو حاتم، والترمذي، وابن ماجه،
وغيرهم. وقال النسائي: ثقة مأمون، أحد الفقهاء. مات سنة أربعين
ومائتين في صفر (4) .
وأسود بن عامر: شاذان أبو عبد الرحمن، أصله شامي، سكن
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (25/5362) .
(2) في تهذيب الكمال (12/468) : " لا يتقن " ، وفي نسخة: " لا ينقر " ،
وفي أخرى: " لا ينقل " .
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (12/2736) .
(4) المصدر السابق (2/169) .

(1/144)


بغداد، وسمع الثوري، وشعبة، وشريك بن عبد اللّه، والحسن بن
صالح، وابن المبارك، وغيرهم. روى عنه: بقية بن الوليد، وأحمد
ابن حنبل، وعلي بن المديني، وأبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة. وقال
أحمد بن حنبل: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال ابن معين: لا
بأس به. مات سنة ثمان ومائتين. روى له الجماعة (1) .
وإبراهيم بن جرير بن عبد اللّه البجلي، روى عن أبيه، وأبي زرعة.
روى عنه: أبان بن عبد اللّه، وشريك بن عبد اللّه، وحميد بن مالك،
وداود بن عبد الجبار. قال ابن معين: لم يسمع من أبيه شيئاً. روى له:
أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (2) .
وأبو زرعة اسمه: هرمُ بن عمرو بن جرير بن عبد اللّه البجلي الكوفي
أبو زرعة. وقيل: اسمه عبد الرحمن. وقيل: عمرو. سمع جده
جريراً، وأبا هريرة، وروى عن أبي ذر، ومعاوية. روى عنه: إبراهيم
النخعي، وإبراهيم بن جرير، ويحيى بن سعيد، وغيرهم. قال ابن
معين: ثقة. روي له الجماعة (3) .
قوله: " في تور " التور- بفتح التاء المثناة من فوق، وسكون الواو-:
إناء من صُفر أوً حجارة، كالإجانة يتوضأ منه، ويؤكل فيه، وجمعه
" أتْوارٍ " .
قوله: " أو ركْوة " بفتح الراء، وسكون الكاف: إناء صغير من جلد،
يشرب منه الماء، والجمع : " ركاءٌ " . ويستفاد من هذا الحديث فائدتان:
الأولى: استحباب دلك اليد على الأرض (4) بعد الفراغ من
الاستنجاء، لتزُول الرائحة الكريهة إن كانت.
والثانية: أن يكون إناء الوضوء غير إناء الاستنجاء، وهذا أيضاً
__________
(1) المصدر السابق (3/503) . (2) المصدر السابق (2/157) .
(3) المصدر السابق (33/7370) .
(4) في الأصل: " استحباب دلك الأرض على اليد " .
10. شرح سنن أبي داوود 1

(1/145)


مستحب، فن توضأ من الإناء الذي استنجى فيه جاز. وحديث
أبي هريرة هذا أخرجه ابن ماجه.
***
19- باب: السواك
أي: هذا باب في أحكام السواك. السّواك- بالكسر- والمسواك: ما
تدلك به الأسنان من العيدان، يقال: ساك/فاه يسُوكه، إذا دلكه
بالسواك، فإذا لم تذكر الفم قلت: استاك.
واعلم أن أبواب الكتاب من أوله إلى هاهنا كانت في أحكام قضاء
الحاجة والاستنجاء، وكلها حكم واحد، فلذلك لم نذكر المناسبة بين
أبوابها؛ لأن مناسبتها طاهرة عقلاً ووضعاً، ولما فرغ عن ذلك شرع في
بيان أحكام السواك بستة أبواب، ومناسبة أبواب السواك بالأبواب التي
مضت؛ لأن استعمال السواك غالباً يكون عند الوضوء بعد الاستنجاء،
فلذلك أدخل أبوابه بين أبواب الاستنجاء وأبواب الوضوء.
35- ص- ثنا قتيبة بن سعيد، عن سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة يرفعه قال: " لوْلا أن أشُق على المُؤْمنين لأمرتُهمْ بتأخير
العشاء، وبالسّواك عند كُل صلاة " (1) .
ش- سفيان الثوري، وقد ذكر.
وأبو الزناد عبد اللّه بن ذكوان أبو عبد الرحمن القرشي المكي، ولقبه
أبو الزناد- بالنون-، سمع عروة بن الزبير، والأعرج، وروي له عن
__________
(1) البخاري: كتاب الجمعة، باب: السواك يوم الجمعة (887) ، مسلم: كتاب
الطهارة، باب: السواك (252/42) ، الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما
جاء في السواك (22) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: الرخصة في السواك
بالعشي للصائم (1/12) ، وفي كتاب المواقيت، باب: ما يستحب من
العشاء (1/266- 267) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: السواك
(287) .

(1/146)


أنس بن مالك وغيره. روى عنه: مالك بن أنس، والثوري، وابن
عيينة، وغيرهم. مات فجأة في مغتسله ليلة الجمعة لسبع عشرة خلت من
رمضان، سنة ثلاثين ومائة. روى له الجماعة (1) .
والأعرج هو: عبد الرحمن بن هرمز أبو داود القرشي. سمع
أبا هريرة، وأبا سعيد الخدري، وغيرهما. روى عنه: الزهري، ويحيى
ابن سعيد، وغيرهما. مات بالإسكندرية سنة سبع عشرة ومائة، روى له
الجماعة (2) .
قوله: " يرفعه " أي: يرفع أبو هريرة هذا الحديث إلى رسول اللّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
وهذا (3) وأمثاله جملة فعلية وقعت حالاً، والجملة الفعلية إذا وقعت حالاً،
وكان فعلها مضارعاً مثبتاً لا يحتاج إلى الواو؛ لأنه يكون كاسم الفاعل في
المعنى، وجارٍ عليه في اللفظ: في الحركات والسكون، نحو: جاء زيد
يضحك، مثل: جاء زيد ضاحكاً، معنىً ولفظاً، فأجري مجراه في
الاستغناء عن الواو.
وقال الخطيب: قول التابعي: " يرفع الحديث " ، و " يُنْميه " ، و " يبلغ
به " كلها كناية عن رفع الصحابي للحديث، وروايته إياه عن رسول اللّه
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا يختلف أهل العلم أن الحكم في هذه الأخبار وفيما صرح برفعه
سواء في وجوب القبول، والتزام العمل " . انتهى كلامه.
ويشبه أن يكون التابعي قد تحقق أن الصحابي رفع له الحديث إلى
رسول اللّه، غير أنه شك، هل قال له: " سمعت رسول اللّه " ، أو
" قال رسول اللّه " ؟ فلما لم يمكنه الجزم بما قاله أتى بلفظ يرفع به الحديث
إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قوله: " لولا " كلمة لربط امتناع الثانية لوجود الأولى، نحو: لولا زيد
رمتك، أي: لولا زيد موجود. والمعنى هاهنا: لولا مخافةُ أن أشق
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (14/3253) .
(2) المصدر السابق (3/3983) . (3) في الأصل: " وهذه " .

(1/147)


لأمرتهم أمر إيجاب، وإلا لانعكس معناها، إذ الممتنع المشقة، والموجود
الأمر.
فإن قلت: كيف تثبت سُنة السواك بهذا الحديث؟ قلت: لما امتنع
الوجوب لوجود المشقة، ثبت ما دون الوجوب، وهو السُّنة، لعدم
المانع، وهو المشقة؛ لأنه سبيل من ترك السُنة فافهم! فإنه كلام دقيق،
سنح به خاطري من الأنوار الرحمانية.
قوله: " بتأخير العشاء " بكسر العين وبالمد: والمراد به العشاء الآخرة؛
لأن المغرب يطلق عليه العشاء أيضاً، مأخوذ من عُشْوة الليل، وهي ظلمته.
وقيل: هي من أوله إلى رُبْعه. وحديث أبي هريرة أخرجه النسائي.
36- ص- ونا إبراهيم بن موسى قال: أنا عيسى بن يونس قال:
أنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة بن
عبد الرحمن، عن زيد بن خالد الجهني قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:
" لولا أنْ أشقّ على أمتي لأمرتُهُم بالسواك عند كُلّ صلاة " (1) .
ش/- إبراهيم بن موسى بن يزيد قد مر ذكره، وكذلك عيسى بن يونس
ابن أبي إسحاق السبيعي، وكذلك محمد بن إسحاق بن يسار.
محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد بن صخر بن عامر بن كعب بن
سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي المدني،
وجده من المهاجرين من أصحاب النبي- عليه السلام-، سمع عبد الله
ابن عمر بن الخطاب، وأنس بن مالك، وعلقمة بن وقاص، وأبا سلمة
ابن عبد الرحمن، وعطاء بن يسار، وعروة بن الزبير، وغيرهم. روى
عنه: يحيى بن سعيد الأنصاري، ومحمد بن إسحاق، ومحمد بن مسلم
الزهري، ومحمد بن عجلان، وعمارة بن غزيّة، وعبد الله بن طاوس،
وعبيد الله بن/عمر العمري، ويحيى بن أيوب المصري، وأسامة بن زيد
الليثي، وابنه موسى بن محمد بن إبراهيم. وقال ابن سعد:
__________
(1) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في السواك (23) .

(1/148)


كان فقيهاً محدثاً، توفي بالمدينة سنة إحدى وعشرين ومائة. روى له
الجماعة (1) .
وأبو سلمة عبد اللّه وقد مر.
وزيد بن خالد الجهني من جهينة أبو عبد الرحمن، روي له عن
رسول اللّه أحد وثمانون حديثاً، اتفقا على خمسة. روى عنه: يزيد
مولى المنبعث، وعبد الرحمن بن أبي عمرة، وغيرهما. مات بالكوفة،
وقيل: بالمدينة سنة ثمان وسبعين. روى له: أبو داود، والترمذي،
وابن ماجه، والنسائي (2) 0
والحديث أخرجه البخاري ومسلم والنسائي، وعنده في رواية " عند كل
وضوء " ، وكذا عند ابن خزيمة، ورواه الترمذي أيضاً وقال: حديث
حسن صحيح، وصحّحه الحاكم أيضاً (3) .
ص- قال أبو سلمة: فرأيت زيداً يجلس في المسجد وإن السواك من أذنه
بموضع القلم من أذن الكاتب، فكلما قام إلى الصلاة استاك (4) .
ش- أي: زيد بن خالد الجهني، والمعنى: كان السواك مغروزاً وراء
أذنه موضع غرز قلم الكاتب.
وأخرج البيهقي من طريق ابن إسحاق، عن أبي جعفر، عن جابر بن
عبد اللّه قال: " كان السواك من أذن النبي- عليه السلام- موضع القلم
من أذن الكاتب " (5) . وبهذا احتج بعض الشافعية أن السُّنّة أن يستاك
كلما قام إلى الصلاة.
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (24/5023) .
(2) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (1/558) ، وأسد الغابة
(2/284) ، والإصابة (1/565) .
(3) يعني حديث أبي هريرة، وليس حديث زيد كما يوهم كلام المصنف، واللّه
أعلم.
(4) البيهقي: كتاب الطهارة، باب: تأكيد السواك عند القيام للصلاة (1/37) .
(5) البيهقي: كتاب الطهارة، باب: تأكيد السواك عند القيام إلى الصلاة (1/37) -

(1/149)


37- ص- وثنا محمد بن عوف الطائي، نا أحمد بن خالد، نا محمد
ابن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر
قال: قلت: أرأيت توضؤ ابن عمر لكل صلاة طاهراً وغير طاهر عم ذلك؟
فقال: حدثته (1) أسماء بنت زيد بن الخطاب، أن عبد الله بن حنظلة بن
أبي عامر حدثها: " أن رسول الله أمر بالوضوء عند كل صلاة طاهراً وغير
طاهر، فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك لكل صلاة " ، فكان ابن عمر يرى أن
به قوة، فكان لا يدع الوضوء لكل صلاة " (2) .
ش- محمد بن عوف بن سفيان الطائي الحافظ أبو جعفر الحمصي،
سمع محمد بن يوسف الفريابي، والهيثم بن جميل، وأحمد بن خالد،
وغيرهم. روى عنه: أبو داود، والنسائي، وأبو زرعة الدمشقي،
وأبو حاتم وغيرهم. توفي سنة اثنتين وسبعين ومائتين (3) .
وأحمد بن خالد الوهبي الكندي أبو سعيد الحمصي، روى عن (4) :
محمد بن إسحاق بن يسار، وعبد العزيز الماجشون، وشيبان النحوي.
روى عنه: محمد بن عوف، وعمرو بن عثمان، وأبو زرعة الدمشقي.
قال ابن معين: ثقة. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن
ماجه (5) .
ومحمد بن يحيى بن حبان-- بفتح الحاء والباء الموحدة- ابن منقذ بن
عمرو بن مالك الأنصاري المازني النجاري أبو عبد اللّه المدني، سمع أنس
ابن مالك. روى عن عبد اللّه بن عبد اللّه بن عمر، وسمع عمه واسع
__________
- وقال البيهقي: " يحيى بن يمان- الراوي عن محمد بن إسحاق- ليس
بالقوي عندهم، ويشبه أن يكون غلط من حديث محمد بن إسحاق الأول إلى
هذا " ، وقال في " نصب الراية " (1/9) : " قال البيهقي: يشبه أن يكون
وهم من حديث زيد بن خالد إلى هذا " .
(1) في سنن أبي داود: " حدثتنيه " . (2) تفرد به أبو داود.
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (26/5527) .
(4) في الأصل. " روى عنه " خطأ. (5) المصدر السابق (1/30) .

(1/150)


ابن حبان، والأعرج، وغيرهم. روى عنه: يحيى بن سعيد الأنصاري،
والزهري، ومحمد بن إسحاق. " ثقة كثير الحديث، مات بالمدينة سنة
إحدى وعشرين ومائة " (1) . روى له الجماعة (2) .
وعبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، سمع أباه، روى عنه
الزهري، ونافع، وغيرهما. قال وكيع: ثقة. توفي في أول خلافة
هشام بن عبد الملك. روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود،
والنسائي (3) .
وأسماء بنت زيد بن الخطاب القرشية العدوية روت عن عبد اللّه بن
حنظلة بن أبي عامر. روى عنها عبد اللّه بن عبد اللّه بن عمر. روى لها
أبو داود (4) .
وعبد الله بن حنظلة بن أبي عامر، واسمه: عبد عمرو بن صيفي بن
زيد، وأبوه حنظلة غسيل الملائكة، غسلته يوم أحُد؛ لأنه قتل وهو
جنب. روى عنه: عبد اللّه بن يزيد الخطمي، وأسماء بنت زيد،
وغيرهما. قتل يوم الحرة سنة ثلاث وستين. روى له أبو داود (5) .
قوله: " أرأيت " بمعنى: أخبرني عن توضؤ ابن عمر.
قوله: " طاهرا " حال من ابن عمر.
قوله: " عم ذلك " أصله: عن ما ذلك، وهو استفهام، والمعنى:
لأجل أي شيء كان توضؤه لكل صلاة طاهراً كان أو محدثاً؟
قوله: " فقال: حدثته " أي: قال عبد الله بن عبد الله،0 والضمير
المنصوب في " حدثته " راجع إليه، وفي بعض النسخ: " حدثتني أسماء "
والضمير المنصوب في " حدثها " راجع إلى أسماء.
__________
(1) قاله الواقدي كما في تهذيب الكمال
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (26/5681) .
(3) المصدر السابق (15/3366) . (4) المصدر السابق (35/7781) .
(5) المصدر السابق (14/3236) .

(1/151)


قوله: " أن رسول الله أمر بالوضوء " على صيغة المجهول، يعني: أمره
اللّه به.
قوله: " فلما شق ذلك عليه " أي: لما ثقل التوضؤ لكل صلاة طاهراً
وغير طاهر على رسول اللّه " أمر بالسواك " أي: باستعماله؛ لأن نفس
السواك لا يؤمر به، وإنما يؤمر باستعماله، و " أمر " هذا أيضاً مجهول.
قوله: " يرى أن به قوة " أي: يظن أن به قوة يتحمل الوضوء لكل صلاة
طاهراً كان أو غير طاهر.
قوله: " فكان لا يدع " أي: لا يترك، وهو من الألفاظ التي أماتوا
ماضيها.
ص- قال أبو داود: إبراهيم بن سعد رواه/عن ابن إسحاق قال:
عبيد الله بن عبد الله.
ش- إبراهيم بن سعد بن[إبراهيم بن]عبد الرحمن بن عوف الزهري
القرشي المدني، سكن بغداد، وسمع أباه، والزهري، وهشام بن
عروة، وابن إسحاق، وغيرهم. روى عنه: شعبة، وأحمد، والليث،
وغيرهم. قال أبو حاتم: ثقة. وقال أبو زرعة: لا بأس به. توفي
ببغداد سنة ثلاث وثمانين ومائة، ودفن في مقابر باب النبي. روى له
الجماعة (1) .
وعبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب أبو بكر المدني، أخو
عبد اللّه وزيد وواقد وحمزة، سمع أباه. وروى عنه: الزهري، والوليد
ابن كثير، وابن إسحاق. قال أبو زرعة: ثقة. روى له الجماعة (2) .
قوله: " رواه " أي: روى هذا الحديث إبراهيم بن سعد عن محمد بن
إسحاق قال في حديثه: " عبيد الله " بالتصغير " ابن عبد الله " ، وفي
الرواية الأولى: " عبد الله " بالتكبير " ابن عبد اللّه " .
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (2/174) .
(2) المصدر السابق (19/3654) .

(1/152)


20- باب: كيف يستاك؟
أي: هذا باب فيه بيان كيفية الاستياك.
38-ص- نا مسدد وسليمان بن داود العتكي قالا: نا حماد بن زيد، عن غيلان
ابن جرير، عن أبي بردة، عن أبيه قال: " أتينا رسول الله نستحملُه، فرأيتُه
يستاكُ على لسانه " . قال أبو داود: قال سليمان: قال: " دخلتُ على النبي
- عليه السلام- وهو يستاكُ، وقد وضع السواك على طرف لسانه وهو يقول:
إه إه " (1) يعني: يتهوع. قال مسدد: وكان حديثاً طويلاً ولكنه اختصره.
ش- سليمان بن داود أبو الربيع الزهراني العتكي، سكن بغداد، سمع
[من]مالك بن أنس حديثاً واحداً، وسمع حماد بن زيد، وابن عيينة،
وغيرهم. روى عنه: أحمد، وابنه عبد اللّه بن أحمد، وإسحاق بن
راهويه، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، وغيرهم. مات بالبصرة سنة
أربع وثلاثين ومائتين (2) .
وحماد بن زيد بن درهم أبو إسماعيل الأزدي الأزرق البصري، سمع
ثابتاً، وابن سيرين، وعمرو بن دينار، وغيرهم. روى عنه: الثوري،
وابنُ عيينة، ووكيع، وجماعة آخرون. مات في رمضان سنة تسع
وسبعين ومائة، وهو ابن إحدى وثمانين. روى له الجماعة (3) .
وغيلان بن جرير الأزدي البصري، روى عن: أنس بن مالك،
ومُطرف، وأبي بردة. روى عنه: شعبة، وحماد بن زيد، وأبو هلال،
وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. روى له الجماعة (4) .
وأبو بردة اسمه: عامر بن أبي موسى عبد اللّه بن قيس الأشعري
__________
(1) البخاري: كتاب الوضوء، باب: السواك (244) ، مسلم: كتاب الطهارة،
باب: السواك (45/254) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: كيف يستاك
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (11/2513) .
(3) المصدر السابق (7/1481) . (4) المصدر السابق (23/4700) .

(1/153)


الكوفي الصحابي، وقيل: اسمه الحارث. روى عن الزبير بن العوام،
وعوف بن مالك، وسمع أباه، وعليا، وابن عمر، وعائشة. روى
عنه: الشعبي، وعمر بن عبد العزيز، وثابت البناني، وغيرهم. توفي
بالكوفة سنة ثلاث ومائة. روى له الجماعة (1) .
قوله: " نستحمله " : جملة حالية، والمعنى: أتيناه طالبين أن يحملنا
عليه حتى ما يركبون عليه.
قوله: " يتهوعّ " تفسير قوله: " إه، إه " . وجاء في حديث آخر: " كان
إذا تسوك قال: اعْ اعْ، كأنه يتهوعّ " أي: يتقيأ، والهواع: القيء.
قوله: " وكان حديثاً طويلاً " أي: كان حديث أبي بردة طويلاً: " ولكنه
اختصر " ، وفي نسخة: " ولكن (2) اختصرتُه " . وقد روى البخاري
ومسلم بإسنادهما إلى أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه قال: " أتيتُ
رسول اللّه في رهْط من الأشعريين نستحملُه- فقال: لا والله ما
أحملكم... " الحديث، ورواه أحمد أيضاً بالطريقين في " مسنده " (3) .
***
21- باب: الرجل (4) يستاك بسواك غيره
أي: هذا باب في بيان الرجل الذي يستاك بسواك غيره.
39- ص- نا محمد بن عيسى، نا عنبسة بن عبد الواحد، عن هشام بن
عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: " كان رسولُ الله يسْتنُ وعنده رجلان:
أحدُهما أكبرُ من الآخر، فأوحي إليه في فضل السواك أن كبر: أعط السواك
أكبرهُما " (5) .
__________
(1) المصدر السابق (33/7220) . (2) في الأصل: " ولكنه " .
(3) البخاري: كتاب الأيمان والنذور (6623) ، مسلم: كتاب الأيمان، باب:
ندب من حلف يميناً، فرأى غيرها خيراً منها أن يأتي الذي هو خير، ويكفر
عن يمينه (1649/7 : 9) ، أحمد (4/398، 401، 418) .
(4) في سنن أبي داود: " باب في الرجل 0.. " .
(5) البخاري تعليقا في كتاب الوضوء، باب: دفع السواك إلى الأكبر (246) ،=

(1/154)


ش- محمد بن عيسى الطباع.
وعنبسة بن عبد الواحد بن أمية بن عبد الله بن سعيد بن العاص أبو خالد
الأموي القرشي الكوفي. روى عن: عبد الملك بن عمير، وعوف
الأعرابي، وهشام بن عروة، وغيرهم. روى عنه: إبراهيم بن موسى
الرازي، والفضل بن مُوفق، وابن الطباع. قال أحمد: لا بأس به.
وقال ابن معين: ثقة. استشهد به البخاري بحديث واحد. روى له
أبو داود (1) .
قوله: " يستن " من الاستنان، وهو الاستياك، وهو دلك الأسنان
وحكها بما يجلوها، مأخوذ من السن، وهو إمرار الشيء الذي فيه
خشونة على شيء آخر، ومنه المسن الذي يُشحذ به الحديد ونحوه.
وقال ابن الأثير: " الاستنان استعمال السواك، افتعال من الأسنان،
أي: يُمرُهُ عليها " (2) :
قوله: " وعنده رجلان " جملة حالية.
قوله: " فأوحي إليه " من الإيحاء، والوحي: الرسالة،/ويجيء
بمعنى الإلهام والإشارة.
قوله: " أن كبّر " " أن " هاهنا مفسرة، بمنزلة " أي " ، والمعنى:
فأوحي إليه أي: كبر، من قبيل قوله تعالى: (فأوْحيْنا إليْه أن اصْنع
الفُلك) (3) ، وقوله: (ونُودوا أن تلكُمُ الجنةُ) (4) ، ويحتمل أن
__________
ورواه مسلم في: كتاب الرؤيا، باب: رؤيا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (2271) ، وفي كتاب
الزهد (3003) بلفظ: " أراني في المنام أتسوك بسواك، فجذبني رجلان:
أحدهما أكبر من الآخر، فناولت السواك الأصغر منهما، فقيل لي: كبر،
فدفعته إلى الأكبر " .
تنبيه: زيد في سنن أبي داود بين معقوفتين: " قال أحمد- هو ابن حزم-:
قال لنا أبو سعيد- هو ابن الأعرابي-: هذا مما تفرد به أهل المدينة " .
(1) انظر ترجمته في : تهذيب الكمال (22/4537) . (2) انظر: النهاية (2/411) .
(3) سورة المؤمنون: (27) . (4) سورة الأعراف: (43) .

(1/155)


تكون مصدرية، والمعنى: فأوحي إليه التكبير ومعنى " كبر " : قدم
السن ووقره. واستفيد من هذا الحديث فوائد: الأولى: " (1) تقديم حق
الأكابر من جماعة الحضور، وتبديته على من هو أصغر منه، وهو السُنة
أيضاً في السلام، والتحية، والشراب، والطّيب، ونحو ذلك من
الأمور (2) ، وفي هذا المعنى تقديم ذوي السن بالركوب، وشبهه من
الإرفاق.
الثانية: أن استعمال سواك الغير ليس بمكروه، إلا أن السُنة فيه أن
يغسله، ثم يستعمله " (3) .
الثالثة: أن هذا صريح في فضيلة السواك.
وحديث عائشة هذا أخرجه مسلم بمعناه من حديث ابن عمر مسنداً،
وأخرجه البخاري تعليقاً.
40- ص- وثنا إبراهيم بن موسى قال: أنا عيسى، عن مسعر، عن
المقدام بن شريح، عن أبيه قال: قلت لعائشة: " بأي شيء كان يبدأ رسولُ الله
إذا دخل بيتهُ؟ قالت: بالسواك " (4) .
ش- عيسى هو: عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وقد مر
ذكره.
ومسعر هو: ابن كدام بن ظُهيْر (5) بن عُبيد- بضم العين- بن
__________
(1) انظر: معالم السنن (1/27) .
(2) قال المهلب- كما في " الفتح " (1/425) -: " هذا ما لم يترتب القوم في
الجلوس، فإذا ترتبوا فالسنة حينئذٍ تقديم الأيمن " . قال الحافظ: " وهو
صحيح " .
(3) إلى هنا انتهى النقل من معالم السنن.
(4) مسلم: كتاب الطهارة، باب: السواك (43/253) ، النسائي: كتاب الطهارة،
باب: السواك في كل حين (1/13) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب:
السواك (290) .
(5) في الأصل: " ظهيرة " كذا.

(1/156)


الحارث بن هلال أبو سلمة الهلالي العامري الكوفي، روى عن عمير بن
سعيد النخعي، وأبي إسحاق السبيعي، وقتادة، والمقدام بن شريح،
وسماك بن حرب، والأعمش، وغيرهم. روى عنه: الثوري،
وشعبة، ومحمد بن إسحاق بن يسار، ووكيع، وغيرهم. مات سنة
خمس وخمسين ومائة. روى له الجماعة (1) .
والمقدام بن شُريح بن هانئ أبو يزيد الحارثي الكوفي، سمع أباه،
روى عنه عبد الملك بن أبي سليمان، والأعمش، والثوري، ومسعر،
وشعبة، وشريك، وابنه يزيد بن المقدام قال ابن حنبل: ثقة. وقال
أبو حاتم: ثقة صالح الحديث. روى له الجماعة إلا البخاري (2) .
وأبوه شريح بن هانئ بن كعب الحارثي الكوفي، من أهل اليمن،
أدرك النبي- عليه السلام- ولم يره، وسمع أباه، وعليّ بن أبي طالب،
وسعد (3) بن أبي وقاص، وعائشة زوج النبي- عليه السلام-،
وأبا هريرة. روى عنه ابناه: محمد والمقدام، والشعبي، وغيرهم.
وقال ابن معين: ثقة. وقتل بسجسْتان مع عبيد اللّه بن أبي بكرة، وعاش
عشرين ومائة سنة. روى له الجماعة إلا البخاري (4) .
قوله: " بأي شيء " " أي " اسم يأتي على ستة أوجه: شرطاً، نحو:
(أياما تدْعُوا) (5) . وموصولاً، نحو: (أيُّهُمْ اشدُ على الرحْمن) (6)
والتقدير: الذي هو أشد. وصفة للنكرة، نحو: زيد رجل أي رجل،
أي: كامل في صفات الرجال. وحالاً للمعرفة، كمررت بعبد الله أي
رجل. ووصلة إلى نداء ما فيه " أل " ، نحو: يا أيها الرجل.
واستفهاماً، نحو: (فبأي حديث بعْدهُ يُؤْمنُون) (7) . و " أي " الذي
في الحديث من هذا القبيل. "
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (27/5906) .
(2) المصدر السابق (28/6163) . (3) في الأصل: " سعيد " خطأ.
(4) المصدر السابق (12/2729) . (5) سورة الإسراء: (110) .
(6) سورة مريم: (69) . (7) سورة المرسلات: (50) .

(1/157)


قوله: " بالسواك " أي: يبدأ بالسواك، أي باستعماله.
***
22- باب: غسْل السواك
أي: هذا باب في بيان غسل السواك عند دفعه إلى غيره، أو عند أخذه
من غيره.
41- ص- ثنا محمد بن بشار قال: ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري قال:
ثنا عنبسة بن سعيد الكوفي الحاسب (1) قال: حدثني كثير، عن عائشة أنها
قالت: " كان نبيُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسْتاكُ، فيُعْطيني السّواك لأغْسلهُ، فأبدا به فأسْتاكُ
ثم اغْسلُهُ، فأدفعُهُ إليه " (2)

ش- محمد بن بشار بن عثمان بن داود بن كيسان العبدي البصري،
يكنى أبا بكر بندار، قد ذكر مرة.
ومحمد بن عبد اللّه الأنصاري هو ابن المثنى بن عبد اللّه بن أنس بن
مالك أبو عبد اللّه الأنصاري البصري، قاضي البصرة. سمع أباه،
وحميداً (3) الطويل، وسليمان التيمي، ومالك بن دينار، وقرة بن
خالد، وابن جريج، وغيرهم. روى عنه: قتيبة بن سعيد، وأبو الوليد
الطيالسي، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن بشار، ومحمد بن المثنى،
ومحمد بن يحيى، والبخاري، والترمذي، وغيرهم. مات بالبصرة في
رجب سنة خمس عشرة ومائتين. روى له الجماعة (4) .
وعنبسة بن سعيد بن كثير بن عُبيد أبي العنْبس الحاسب الكوفي، روى
عن جده كثير، وكثير هذا رضيع/عائشة الصديقة، روى عنها. روى
__________
(1) وقع في " سنن أبي داود " ط. الريان: " الحاسد " خطأ، وانظر مصادر
الترجمة.
(2) تفرد به أبو داود، وانظر: " صحيح أبي داود " .
(3) في الأصل: " حميد " .
(4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (25/5372) .

(1/158)


عنه: محمد بن عبد الله الأنصاري، وعبد الرحمن المهدي، وأبو الوليد
الطيالسي وقال: كان ثقة. وقال ابن معين وأبو حاتم: هو ثقة. روى
له أبو داود (1) .
وكثير هذا هو: كثير بن عبيد القرشي التيمي أبو سعيد، مولى أبي بكر
الصديق- رضي الله عنه- رضيع عائشة- رضي اللّه عنها-. روى عن
زيد بن ثابت، وأبي هريرة، وسمع عائشة، وأختها أسماء. روى عنه:
ابنه سعيد، وعبد الله بن عون، ومجالد بن سعيد، وابن ابنه عنبسة،
ومُطرف بن طريف، وعبد الله بن دُكين. روى له أبو داود (2) .
قوله: " فأبدأ به " أي: بالسواك. وفي بعض النسخ: " فأنْدأ به " من
الإنداء، من ندي الشيء إذا ابْتُلّ فهو ند، مثال: تعب فهو تعب،
وأنديتُه أنا وندّيْتُه تنْدية. واستفيد من الحديث جواز الاستياك بسواك غيره،
ولكنه يغسل قبل أن يسْتاك، فذا فرغ يغسله أيضاً، ويدفعه إلى صاحبه.
***
23- باب: السواك من الفطرة
الفطرة هي السُّنّة هاهنا.
42- ص- حدثنا يحيى بن معين قال: ثنا وكيع، عن زكرياء بن أبي زائدة،
عن مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب، عن ابن الزبير، عن عائشة
- رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " عشْر من الفطرة: قصُّ
الشارب، وإعفاءُ اللحية، والسواكُ، والاستنشاقُ بالماء، وقص الأظفار،
وغسلُ البراجم، ونتْفُ الإبط، وحلقُ العانة، وانتقاصُ الماء " يعني:
الاستنجاء بالماء. قال زكرياء: قال مصعب بن شيبة: ونسيت العاشرة إلا أن
تكون المضمضة (3) .
__________
(1) المصدر السابق (22/4533) . (2) المصدر السابق (24/4950) .
(3) مسلم: كتاب الطهارة، باب: خصال الفطرة (56/261) ، النسائي: كتاب
الزينة، باب: من السنن: الفطرة (8/126) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة،
باب: الفطرة (293)

(1/159)


ش- يحيى بن معين بن عون بن زياد بن بسطام بن عبد الرحمن المُري
مُرّة غطفان، مولاهم أبو زكريا البغدادي، إمام أهل الحديث، والمشار
إليه. سمع ابن المبارك، وابن عيينة، وهشيماً، ووكيعاً، ويحيى
القطان، وأبا معاوية الضرير، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل،
وأبو خيثمة، ومحمد بن إسحاق الصغاني، ومحمد بن سعد، ومحمد
ابن هارون، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو يعلى، والبخاري،
ومسلم، وأبو داود، والترمذي عن رجل عنه، والنسائي، وابن ماجه عن
رجل عنه. مات بالمدينة سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، وغسل على أعواد
النبي- عليه السلام- وله سبع وسبعون سنة إلا نحواً من عشر أيام،
وحُمل على سرير النبي- عليه السلام- (1) .
ومصعب بن شيبة بن جبير بن شيبة بن عثمان بن أبي طلحة بن
عبد العزى بن عبد الدار القرشي العبدري المكي. روى عن: صفية بنت
شيبة، وطلق بن حبيب. روى عنه: عبد الملك بن عمير، وعبد اللّه بن
أبي السّفر، وزكرياء بن أبي زائدة، وابن جريج، ومسعر. قال أحمد
ابن حنبل: روى أحاديث مناكير. وقال ابن معين: ثقة. وقال
أبو حاتم : ليس بقوي. وقال ابن سعد: كان قليل الحديث. روى له
الجماعة إلا البخاري (2) .
وطلق بن حبيب العنزي- بالنون والزاي- البصري. روى عن:
عبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وجابر بن عبد الله، وجندب
ابن عبد الله. روى عنه: عمرو بن دينار، وسعد بن إبراهيم، وعبد الله
الدّاناج، ومصعب بن شيبة، وغيرهم. قال أبو حاتم: صدوق في
الحديث، وكان يرى الإرجاء. روى له الجماعة إلا البخاري (3) .
وابن الزبير هو: عبد اللّه بن الزبير بن العوام أبو بكر، ويقال:
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (31/6926) .
(2) المصدر السابق (28/5985) . (3) المصدر السابق (13/2988) .

(1/160)


أبو خُبيب الأسدي، روي له عن رسول اللّه- عليه السلام- ثلاثة
وثلاثون حديثاً، اتفقا على ستة، وانفرد مسلم بحديثين روى عنه أخوه
عروة، وعباس بن سهل، وثابت بن أسلم، وعطاء بن أبي رباح،
ووهب بن كيسان، وغيرهم. ولى الخلافة تسع سنين، وقتل بمكة في
النصف من جمادى الآخرة، سنة ثلاث وسبعين، وهو ابن اثنين وسبعين
سنة، قتله الحجاج، وصلبه بمكة. روى له الجماعة (1) .
قوله: " عشر من الفطرة " مبتدأ وخبر، وإنما صح وقوع " عشر " مبتدأ،
لأنه أريد به العدد المعروف، فيكون علماً، فيقع مبتدأ، وقد علم أن
العدد إذا ذُكر وأريد به المعدود فهو غير علم، وهو منصرف، كقولك:
" عندي ستة " ؛ لأن المراد بهذه الستة هو المعدود لا العدد؛ لأن العدد ليس
شيئاً يكون عندك، وإذا أراد به العدد فيحتمل أن يكون ستة من الدراهم أو
الدنانير، أو غيرهما، فإذا كان كذلك تكون نكرة، وأما إذا أريد به العدد
المعروف يكون علماً غير منصرف للعلمية والتأنيث، تقول: عشرةٌ ضعفُ
خمسة ، و " عشر " هاهنا منصرف، لعدم العلتين، ثم إنه يُفسرُ باسم
جمع، وهو نحو: " خصالٍ " ،/والتقدير: عشر خصال من الفطرة
وقد علم أن " عشراً وأخواته " إذا فسر باسم جنس، أو اسم جمع مؤنث
لا يقال بالتاء، نحو: ثلاث من التمْر وعشر من الإبل، وكقوله- عليه
السلام-: " ليس فيما دون خمس من الإبل صدقة " (2) ، وإذا كان
المعدود مما يذكر ويؤنث: كحال، وعضد، ولسان، يجوز تذكير عدده
وتأنيثه، فيقال: ثلاثة أحوال، وثلاث أحوال، ويكثر الوجهان في اسم
جنس تمييز واحده بالتاء كبقر، ونخل، فيقال: ثلاث من البقر، وثلاثة
__________
(1) انظر ترجمته في: الاستيعاب (2/299) بهامش الإصابة، وأسد الغابة
(3/241) ، والإصابة (2/308) .
(2) أخرجه بهذا اللفظ النسائي في كتاب الزكاة، باب: زكاة الورق (5/37) ،
وابن ماجه في كتاب الزكاة، باب: صدقة الإبل (1799) من حديث
أبي سعيد الخدري.
11. شرح سنن أبي داوود ا

(1/161)


من البقر. وإن كان المفسرُ صفة نابت عن موصوفها يعتبر في الغالب حاله
لا حالها، فيقال: ثلاثة ربْعات، بالتاء إذا أريد به رجال، وثلاث
ربْعات، إذا أريد به النساء، قال تعالى: (من جاء بالحسنة فلهُ عشْرُ
أمْثالها) (1) ، إذ تقديره: عشر حسنات أمثالها. وجاء. عن بعض
العرب: ثلاثُ دواب، وإن كانت الدابة صفة نابت عن موصوفها اعتبارا
للفظ الدابة، وإن موصوفها مذكر. و " الفطرة " السُنة كما قلنا،
وتأويله: إن هذه الخصال من سنن الأنبياء، الذين أُمرْنا أن نقتدي بهم
لقوله تعالى: (فبهُداهُمُ اقْتدهْ) (2) ، وأول من أُمر بها إبراهيم- عليه
السلام-، وذلك قوله تعالى: (وإذا ابْتلى إبْراهيم ربهُ بكلمات) (3) ،
قال ابن عباس- رضي الله عنه-: أمره بعشر خصال، ثم عدّهن،
فلما فعلهن قال: (إني جاعلُك للنّاس إماماً) ليُقْتدى بك، وقد أخذت
هذه الأمة بمتابعته خصوصاً بقوله تعالى: (ثُم أوْحيْنا إليْك أن اتبعْ ملة
إبْراهيم) (4) ، ويقال: إنها كانت عليه فرضاً، وهي لنا سُنة، وقوله:
" من الفطرة " إشارة إلى عدم الانحصار في العشر، لأن " من " للتبعيض
والسُّنّة كثيرة، ومن جملتها هذه العشر.
قوله: " قص الشارب " أي: أحدها: قص الشارب، فيكون ارتفاعه
على أنه خبر مبتدأ محذوف، ويجوز أن يُقرأ بالجر على أن يكون بدلاً من
" الفطرة " ، وكذا الكلام في المعطوفات عليه. والقص من قصصت
الشعر قطعته، ومنه: طير مقصوص الجناح، " (5) ويستحب أن يبدأ
بالجانب الأيمن، وهو مخير بين القص بنفسه، وبين أن يولي ذلك غيره،
لحصول المقصود، بخلاف الإبط والعانة، وأما حدُ ما يقصه فالخيار أن
يقص حتى تبدو أطرافُ الشفة، ولا يحفه من أصله، وأما روايات:
__________
(1) سورة الأنعام: (160) . (2) سورة الأنعام: (90) .
(3) سورة البقرة: (124) . (4) سورة النحل: (123) .
(5) انظر: شرح صحيح مسلم (3/149- 150) .

(1/162)


" أحفوا الشوارب " (1) فمعناه: أحفوا ما طال على الشفتين، وذكر
أصحابنا أنه يقطع إلى أن يبقى قدر حاجبه.
قوله: " وإعفاء اللحية " إعفاؤها: إرسالها وتوفيرها؛ لأن بعض
الأعاجم كان من زيهم قص اللحى، وتوفير الشوارب، فندب- عليه
السلام- أمته إلى مخالفتهم، وأصله من عفى الشيء إذا كثر وزاد،
يقال: أعفيتُه وعفيتُه، وكذلك عفى الزرعُ، قال تعالى: (حتى
عفوْا) (2) أي: كثروا. وقد ذكر العلماء في اللحية اثني عشر خصلة
مكروهة، بعضها أشد قبحاً من بعض: أحدها: خضابها بالسواد، لا
لغرض الجهاد.
الثانية: خضابها بالصفرة تشبهاً بالصالحين، لا لاتباع السُنة.
الثالثة: تبييضها بالكبريت أو غيره، استعجالاً للشيخوخة، لأصل
الرياسة والتعظيم..
الرابعة: نتفها أول طلوعها، إيثاراً للمروءة وحسن الصورة.
الخامسة: نتف الشيب.
السادسة: تصفيفها طاقة فوق طاقة تصنعاً، لتستّحسنه النساء وغيرهن.
السابعة: الزيادة فيها، والنقص منها بالزيادة في شعر العذارين من
الصدغين، أو أخذ بعض العذار في حلق الرأس، ونتف جانبي العنْفقة (3)
وغير ذلك.
الثامنة: تسريحها تصنعاً لأجل الناس.
التاسعة: تركها شعثة منتفشة، إظهار للزهادة، وقلة المبالاة بنفسه.
العاشرة: النظر إلى سوادها أو بياضها إعجاباً وخيلاء، وغرة بالشباب،
وفخراً بالمشيب، وتطاولاً على الشباب.
__________
(1) مسلم: كتاب الطهارة، باب: خصال الفطرة (259/52) من حديث ابن عمر.
(2) سورة الأعراف: (95) . (3) شعيرات بين الشفة السفلى والذقن.

(1/163)


الحادية عشر: عقدها وضفرها.
الثانية عشر: حلقها.
إذا نبتت للمرأة لحية يستحب حلقها " (1) .
قوله: " والسواك " أي: استعمال السواك، ويستحب أن يكون من
شجر مُرّ؛ لأنه يطيب النكهة، ويشد الأسنان، ويقوي المعدة، ويكون
في غلظ الخنصر، وطول الشبر. وقال بعض/أصحابنا: يستحب أن
يكون من شجر الأراك، فإن لم يجد فمن الأشجار المرة، فإن لم يجد
فبالإصبع (2) ، ويستاك عرضاً لا طولاً، وقيل: عرضاً وطولاً (3) ،
وسواء كان مبلولاً أو رطباً صائماً أو غير صائم، قبل الزوال وبعده،
وعند تغير الفم مستحب بالإجماع، ولا يسن في حق النساء، لضعف
أسنانهن (4) .
__________
(1) إلى هنا انتهى النقل من " شرح صحيح مسلم " .
(2) قال البيهقي في " سننه الكبرى " (1/40) : " ورد في الاستياك بالإصبع
حديث ضعيف " ، ثم روى من طريق عيسى بن شعيب، عن عبد الحكم
القسملي، عن أنس قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " تجزئ من السواك الأصابع "
وعيسى صدوق له أوهام، وعبد الحكم ضعيف كما في التقريب، وله ألفاظ
أُخر عند البيهقي لا تخلو من مقال، والحديث ضعفه المناوي في فيض القدير
(3/180) ، وابن عدي في " الكامل " ترجمة عبد الحكم بن عبد الله
القسملي، وبهذا لا تثبت سنية التسوك بالأصابع، خاصة لما قد يعلق بها من
بعض الأتربة، فتسبب كثيراً من الأمراض، والله أعلم.
(3) جاء فيه أحاديث كثيرة، منها ما أخرجه البيهقي (1/40) من حديث عطاء بن
أبي رباح قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إذا شربتم فاشربوا مصا، وإذا استكتم فاستاكوا عرضاً " ، ومنها ما رواه ابن حبان في " المجروحين " (1/199) ،
والطبراني في " الكبير " ، والبيهقي في " سننه " (1/40) من حديث بهز:
" كان يستاك عرضاً... " ، وكلها أحاديث ضعيفة، وانظرها في " الضعيفة "
للشيخ الألباني (940، 941، 942) .
(4) بل هو سُنة للرجال والنساء على السواء، لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما رواه البخاري ومسلم=

(1/164)


قوله: " والاستنشاق " وهو تبليغ الماء إلى خياشيمه، وهو من
استنشاق الريح إذا شمها مع قوة. وقال أصحابنا: الاستنشاق تحريك الماء
في الأنف، واحتج به أبو حنيفة وأصحابه- رحمهم الله- وبقوله في آخر
الحديث: " إلا أن تكون المضمضة " على كون الاستنشاق والمضمضة سُنة
في الوضوء، وهو حجة على مالك وأحمد حيث أوجباهما فيه.
قوله: " وقص الأظفار " وإطلاق الحديث يقتضي القص مطلقاً، ويروى
عن علي- رضي اللّه عنه- أنه يبتدئ بخنصر اليمنى، ثم بوسطاها، ثم
بإبهامها، ثم ببنصرها، ثم بمسبحتها، ثم بمسبحة الشمال، ثم ببنصرها،
ثم بوسطاها، ثم بإبهامها، ثم بخنصرها. وقد جمع ذلك بعض
الأفاضل بحروف " خوابس " (1) ، ففي اليمنى تعد من " الخاء " ، وفي
الشمال من " السين " بالعكس، ولا يؤقت، فمتى استحق القص فعل.
قوله: " وغسل البراجم " البراجم- بفتح الباء وبالجيم-: جمع بُرْجمة
- بضم الباء وبالجيم-، وهي عقد الأصابع ومفاصلها كلها. وقال
الخطابي: " أصل البراجم العقد التي تكون في ظهور الأصابع والرواجب
ما بين البراجم، وغسل البراجم تنظيف المواضع التي يجتمع فيها
الوسخ " (2) .
ويلحق بذلك ما يجتمع من الوسخ في معاطف الأذن، وقعر الصماخ،
فتزيله بالمسح، لأنه ربما أضرت كثرتُه بالسمع، وكذلك ما يجتمع في
داخل الأنف، وكذلك جميع الوسخ المجتمع على أي موضع كان من
البدن بالعرق والغبار ونحوهما.
قوله: " ونتف الإبط " " (1) والأفضل فيه النتف لمن قوي عليه،
__________
= من حديث أبي هريرة مرفوعا: " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند
كل صلاة " ، ولم يستثن النساء، وكذلك لحديث الباب.
(1) ظاهره: أن تكون الإبهام قبل الوسطى في الشمال، وهذا لا يتفق وكلام
المصنف، والله أعلم.
(2) انظر: معالم السنن (1/28) . (2) انظر: شرح صحيح مسلم (149) .

(1/165)


ويحصل أيضاً بالحلق والنورة. وحكي عن يونس بن عبد الأعلى قال:
دخلت على الشافعي وعنده المزين يحلق إبطه، فقال الشافعي: علمت أن
السُّنّة النتف، ولكني لا أقوى على الوجع. ويستحب أن يبدأ بالإبط
اليمنى " .
قوله: " وحلق العانة " (1) " والمراد بالعانة: الشعر فوق ذكر الرجل
وحواليه، وكذلك الشعر الذي حوالي فرج المرأة. ونقل عن أبي العباس
ابن سريح: إنه الشعر النابت حول حلقة الدبر، فيجعل من مجموع هذا
استحباب حلق جميع ما على القبل والدبر وحولهما، والأفضل فيه
الحلق، ويجوز بالقص والنتف والنورة، ولا يؤقت، بل يرصد بالحاجة،
فإذا طال حلق، وكذلك الشارب، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار،
وتأويل حديث أنس- رضي اللّه عنه-: " وُقّت لنا في قص الشارب
وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة " (2)
فمعناه: لا يترك تركاً يتجاوز به أربعين، لا أنه وقت لهم الترك أربعين.
قوله: " وانتقاص الماء " بالقاف والصاد المهملة، وقد فسره وكيع بأنه
الاستنجاء. وقال أبو عبيد وغيره: معناه: انتقاص البول بسبب استعمال
الماء في غسل مذاكيره. وقيل: هو الانتضاح. وجاء في رواية:
" الانتضاح " بدل " انتقاص الماء " . وقال الجمهور: الانتضاح: نضح
الفرج بماء قليل بعد الوضوء، لينفي عنه الوسواس. وذكر ابن الأثير أنه
روي " انتفاص الماء " بالفاء والصاد المهملة، وقال في " فصل الفاء " :
قيل: الصواب أنه بالفاء، قال: والمراد نضحه على الذكر، من قولهم:
لنضح الدم القليل نفصة، وجمعها: نُفُصٌ .
وقال الشيخ محيي الدين في " شرح مسلم " : " وهذا الذي نقله شاذ،
والصواب الأول " (3) .
__________
(1) انظر: شرح صحيح مسلم (150- 151) .
(2) مسلم: كتاب الطهارة، باب: خصال الفطرة (1/258) .
(3) إلى هنا انتهى النقل من شرح صحيح مسلم.

(1/166)


قوله: " ونسيت العاشرة " أي الخصلة العاشرة.
قوله: " إلا أن تكون المضمضة " استثناء من قوله: " نسيت " ، ويجوز
أن تكون " إلا " زائدة، وتكون " أن تكون المضمضة " بدلاً من " العاشرة "
ويكون المعنى: ونسيت كون العاشرة مضمضة، فيكون نبه به على أن
الخصلة العاشرة من العشرة هي المضمضة مع نسيانه إياها. والمضمضة:
تحريك الماء في الفم. وحديث عائشة هذا أخرجه مسلم والترمذي
والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
43- ص- حدثنا موسى بن إسماعيل وداود بن شبيب قالا: نا حماد،
عن عليّ بن زيد، عن سلمة بن محمد، عر، عمار بن ياسر. قال موسى:
عن أبيه. وقال داود: عن عمار بن ياسر: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إن من
الفطرة المضمضةُ والاستنشاقُ " ، فذكر نحوه، ولم يذكر " إعفاء اللحية " ،
وزادوا " الختان " وقال: " والانتضاح "، ولم يذكر " انتقاص الماء " (1)
يعني: الاستنجاء. قال أبو داود: وروي نحوه عن ابن عباس قال: " خمس
كلها في الرأس " ذكر/فيها " الفرق " ، ولم يذكر قيها " إعفاء اللحية " .
قال أبو داود: وروي نحو حديث حماد، عن طلق بن حبيب ومجاهد.
وعن بكر بن عبد الله المزني قولهم: لم يذكر " إعفاء اللحية " . وفي حدي
محمد بن عبد الله بن أبي مريم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة عن النبي
- عليه السلام- فيه: " وإعفاء اللحية " . وعن إبراهيم النخعي نحوه وذكر
" إعفاء اللحية والختان " .
ش- موسى بن إسماعيل المنقري البصري قد ذكر غير مرة.
وداود بن شبيب البصري: أبو سليمان الباهلي. روى عن: حماد بن
سلمة، وهمام بن يحيى، وأبي هلال الراسبي، وإبراهيم بن عثمان،
وحبيب بن أبى حبيب الجرمي. روى عنه: محمد بن أيوب، وعبد القد[و]س
ابن بكر (2) ، والبخاري، وأبو داود، وروى ابن ماجة عن
__________
(1) ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: الفطرة (294) .
(2) كذا، وفي ترجمته: " عبد القدوس بن محمد الحبحابي " .

(1/167)


رجل عنه. قال أبو حاتم: صدوق. مات سنة ثنتين وعشرين
ومائتين (1) .
وحماد هو: ابن سلمة بن دينار أبو سلمة الربعي، سمع زيد بن
أسلم، وثابتاً، وأنس بن سيرين، وعمرو بن دينار، وقتادة، وغيرهم.
روى عنه: الثوري، وشعبة، وابن المبارك، ويحيى بن سعيد،
وأبو الوليد الطيالسي، وغيرهم. مات سنة سبع وستين ومائة. روى له
الجماعة إلا البخاري (2) .
وعليّ بن زيد بن جُدْعان بن عمرو بن زهير القرشي التيمي أبو الحسن
البصري الأعمى، ويقال المكي، نزل البصرة، سمع أنس بن مالك،
وأبا عثمان النهدي، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وغيرهم.
روى عنه: قتادة، والثوري، وابن عيينة، وشعبة، والحمادان، وشريك
النخعي، وغيرهم. روى له مسلم مقروناً بثابت البناني، وأبو داود،
والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (3) .
وسلمة بن محمد بن عمار بن ياسر المديني العنسي. روى عن عمار
ابن ياسر. روى عنه علي بن زيد. قال البخاري: لا يعرف له سماع.
روى حديثه موسى بن إسماعيل، وداود بن شبيب، عن حماد، عن
عليّ بن زيد عنه، وقال موسى: عن أبيه. روى له أبو داود، وابن
ماجه (4) .
وعمار بن ياسر بن مالك بن الحصن بن قيس بن ثعلبة أبو اليقظان،
شهد بدراً والمشاهد كلها. روي له عن رسول اللّه- عليه السلام- اثنان
وستون حديثاً، اتفقا منها على حديثين، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم
بحديث واحد. روى عنه: عليّ بن أبي طالب، وعبد اللّه بن عباس،
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (8/1763) .
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (7/1482) .
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (20/4070) .
(4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (11/2469) .

(1/168)


وأبو موسى الأشعري، وجماعة آخرون من الصحابة. قتل بصفين سنة
سبع وثلاثين، وهو ابن أربع وتسعين سنة. روى له الجماعة (1) .
وطلق ومجاهد ذكرا مرة.
وبكر بن عبد اللّه بن عمرو بن هلال المزني أبو عبد الله المصري، أخو
علقمة بن عبد الله، سمع عبد اللّه بن عمر، وأنس بن مالك، وعروة بن
المغيرة بن شعبة، وغيرهم. روى عنه: قتادة، وحميد الطويل، وحبيب
ابن الشهيد، وأبو الأشهب، ومخالب القطان. وقال ابن معين: ثقة.
مات سنة ثمان ومائة. روى له الجماعة (2) .
ومحمد بن عبد اللّه بن أبي مريم، مولى بني سليم، وقال البخاري:
مولى خزاعة. روى عن سعيد بن المسيب. روى عنه: مالك، ويحيى
ابن سعيد القطان، وصفوان بن عيسى.
قوله: " عن سلمة بن محمد، عن عمار بن ياسر " ، وفي رواية: " عن
سلمة بن محمد بن عمار بن ياسر " .
قوله: " قال موسى " أي: موسى بن إسماعيل المذكور " عن أبيه " أي:
عن أبي سلمة، يعني: روى سلمة عن أبيه. وقال البخاري: لا يعرف
له سماع من عمار، كما ذكرنا.
قوله: " وقال داود: عن عمار بن ياسر " أي: قال داود بن شبيب
المذكور: عن سلمة، عن عمار بن ياسر.
وقال أبو داود المؤلف: وحديث سلمة بن محمد عن أبيه مرسل؛ لأن
أباه ليست له صحبة، وحديثه عن جده عمار. وقال ابن معين أيضاًً:
مرسل. وقال غيره: إنه لم ير جده.
__________
(1) انظر ترجمته في: الاستيعاب (2/476) بهامش الإصابة، وأسد الغابة
(4/129) ، والإصابة (2/512) .
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (4/747) .

(1/169)


قوله: " فذكر نحوه " أي: نحو الحديث الذي روته عائشة، ولكنه لم
يذكر " إعفاء اللحية " ، ولكنه زاد: " الختان " ، وقال: " والانتضاح " :
ولم يذكر " انتقاص الماء " . وأخرجه ابن ماجه أيضاً، ورواه أحمد بن
حنبل في " مسنده " وقال: ثنا عفان قال: ثنا حماد قال: ثنا علي بن
زيد، عن سلمة بن محمد بن عمار بن ياسر، عن عمار بن ياسر: أن
رسول اللّه قال: " إن من الفطرة- أو الفطرةُ- المضمضةُ، والاستنشاقُ،
وقص الشارب، والسواكُ، وتقليمُ الأظفار، وغسلُ البراجم، ونتفُ
الإبْط، والاستحدادُ، والختانُ، والانتضاحُ " (1) .
التقليم تفعيل من القلم، وهو القطع، والاستحداد: استعمال الحديدة،
وهي الموسى، والمراد منها: حلق العانة،/والختان، وفي رواية:
" والاختتان " ، وهو واجب عندنا وعند الشافعية والحنابلة، وقال مالك:
سُنة، وعند الشافعي: واجب على الرجال والنساء، والواجب أن يقطع
جميع الجلدة التي تغطي الحشفة، حتى ينكشف جميع الحشفة. ووقته
وقت البلوغ، وقيل: بتسع ستين، وقيل بعشر، وقيل: متي كان يطيق
ألم الختان ختن، وإلا يؤخر إلى وقت الطاقة، وعند الشافعي أنه في حال
الصغر جائز، وفي وجه أنه يحب على الولي أن يختن الصغير قبل
بلوغه، وفي وجه يحرم ختانه قبل عشر ستين، وفي وجه يستحب أن يختن
يوم السابع من ولادته، وإذا ولد مختوناً لا يختن إلا إذا كان شيء يواري
بعض الحشفة، والشيخ الكبير إذا أسلم ولم يُطق ألم الختان يترك، وكذا
إذا مات بلا ختان، وعن الشافعية ثلاث وجوه: الصحيح أنه لا يختن
صغيراً كان أو كبيراً. والثاني: أنه يختن إذا كان صغيراً. والثالث:
بالعكس.
وقال الشيخ محيي الدين: " ومن له ذكران، فإن كانا عاملين وجب
ختانهما، وإن كان أحدهما عاملاً دون الآخر يختن العامل، ومما يعتبر
العمل به وجهان: أحدهما بالبول، والآخر بالجماع " (2) .
__________
(1) مسند أحمد (4/264) . (2) انظر: شرح صحيح مسلم (3/148) .

(1/170)


قوله: " والانتضاح " وهو رش الماء على الفرج بعد الوضوء، لينفي عنه
الوسواس، وقيل: هو الاستنجاء بالماء.
قوله: " وروي نحوه عن ابن عباس " أي: رُوي نحو حديث عمار بن
ياسر، عن عبد الله بن عباس أيضاً.
قوله: " قال: خمس كلها في الرأس " أي: قال ابن عباس: خمس
خصال كلها في الرأس، ذكر منها- أي من الخمس- " الفرْق " ولم
يذكر فيها " إعفاء اللحية " ، فالخمسة التي رويت عن ابن عباس في الرأس
هي: " المضمضة، والاستنشاق، وقص الشارب، والسواك، والفرْق "
وهو من فرق إذا جعل شعره فرقتين، وذكر في " المطالع " : وكانوا
يفرقون- بالتخفيف- أشهر، وقد شددّا بعضهم، والمصدر الفرْق
بالسكون، وقد انفرق شعره: انقسم في مفرقه، وهو وسط رأسه،
وأصله الفرق بين الشيئين، والمفرق مكان فرق الشعر من الجبين إلى دائرة
وسط الرأس، يقال بفتح الراء والميم وكسرهما، وكذلك مفرق الطريق.
وقال الشيخ زكي الدين: وقيل: إنه من سُنة إبراهيم وملته- عليه
السلام- وهو أن يقسم شعر ناصيته يميناً وشمالاً، فتظهر جبهته وجبينه من
الناحيتين، وهو أوْلى من السدْل؛ لأنه آخر ما كان عليه رسول الله،
والفرق لا يكون إلا مع كثرة الشعر، والسّدْل ترك الشعر مُنسدلاً سائلاً
على هيئته.
***
24- باب: السواك لمن قام من الليل
أي: هذا باب في بيان استعمال السواك لمن قام من الليل.
يجوز أن تكون " منْ " هاهنا بمعنى " في " ، كقوله تعالى: (إذا
نُودي للصلاة من يوْم الجُمُعة) (1) أي: في يوم الجمعة.
__________
(1) سورة الجمعة (9) .

(1/171)


44- ص- حثثنا محمد بن كثير قال: أخبرنا سفيان، عن منصور،
وحصين، عن أبي وائل، عن حذيفة: " أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا قام من
الليل يُشُوصُ فاه بالسواك " (1) .
ش- محمد بن كثير أبو عبد اللّه العبدي البصري، أخو سليمان،
وسليمان أكبر منه بخمسين سنة. سمع سفيان الثوري، وسعيدا (2) ،
وإسرائيل بن يونس، وأخاه سليمان. روى عنه: علي بن المديني،
ومحمد بن يحيى الذهلي، ويعقوب بن شيبة، وأبو حاتم الرازي،
والبخاري، وأبو داود، وأبو زرعة، وروى الترمذي عن الدرامي عنه
والنسائي عن رجل عنه. وقال ابن معين: لا تكتبوا عنه، لم يكن
بالثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين (3) .
وسفيان هو الثوري، ومنصور هو ابن المعتمر، وقد ذكرا.
وحصين هو: ابن عبد الرحمن أبو الهذيل السلمي الكوفي، سمع
جابر بن سمرة، وعياض بن سمرة، وعبد الرحمن بن أبي ليلى،
وأبا صالح، وأبا عطية، وأبا وائل، وغيرهم. روى عنه: الأعمش،
والثوري، وشعبة، وأبو عوانة، وغيرهم. وقال ابن معين: ثقة ثقة.
وقال أبو حاتم: ثقة، وفي آخر عمره ساء حفظه، صدوق. مات سنة
ست وثلاثين ومائة. روى له الجماعة (4) .
وأبو وائل هو شقيق بن سلمة، وحذيفة بن اليمان، وقد ذكرا.
قوله: " يشوص فاه " من الشوص وهو الغسل، وقيل: الحكّ، وقيل:
__________
(1) البخاري: كتاب الوضوء، باب: السواك (245) ، مسلم: كتاب الطهارة،
باب: السواك (46/255) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: السواك إذا قام
من الليل (1/8) ، وفي كتاب قيام الليل، باب: ما يفعل إذا قام من الليل
من السواك (3/112) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: السواك (286) .
(2) في الأصل: " سعيد " .
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (26/5571) .
(4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (6/1358) .

(1/172)


الدلك، وقيل: التنقية وقال وكيع: الشوص بالطول، والسواك
بالعرض. وقال غيره: وعرض الفم إلى الأضراس. وقال غيره:
يشوص/: يستاك عرضاً. وقيل: شاص يشوص وماصه يمُوصه بمعنى
واحد، وهو الغسل. وقال ابن دريد: الشوص: الاستياك من سُفلٍ إلى
علو، ومنه سمي هذا الداء شوْصة؛ لأنه ريح يرفع القلب عن موضعه.
والشوص وجع الضرس أيضاً، وفي الحديث: " من سبق العاطس بالحمد
أمن من الشوص واللّوص والعلّوْص " .
ويقال: الشوص: وجع في البطن من ريح تنعقد تحت الأضلاع.
وأخرج هذا الحديث البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.
45- ص- حدّثنا موسى بن إسماعيل قال: نا حماد قال: أخبرنا بهز بن
حكيم، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة- رضي الله
عنها-: " أن النبيّ- عليه السلام- كان يُوضعُ له وضوؤُه وسواكُهُ، فإذا قام
من الليل تخلّى، ثم اسْتاك " (1) .
ش- بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري أبو عبد الملك البصري.
روى عن أبيه، عن جده، وعن زرارة بن أوفى. روى عنه: عبد اللّه بن
عون، وحماد بن سلمة، ويحيى بن سعيد القطان، وغيرهم. قال
ابن معين: ثقة وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. روى له:
أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (2) .
وزرارة بن أوفى العامري الحرشي أبو حاجب البصري. سمع عبد اللّه
ابن عباس، وأبا هريرة، وعمران بن حصين، وأنس بن مالك. روى
عنه: أيوب السختياني، وقتادة، وبهز بن حكيم. وقال محمد بن
سعد: كان ثقة وله أحاديث. مات وهو ساجد، روى له الجماعة (3) .
وسعد بن هشام بن عامر الأنصاري، ابن عم أنس بن مالك المدني.
__________
(1) تفرد به أبو داود. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (4/775) .
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (9/1977) .

(1/173)


روى عن أنس بن مالك، وعائشة، وأبي هريرة. روى عنه زرارة بن
أوفى، وحميد بن عبد الرحمن الحميري، والحسن البصري. ذكر
البخاري أنه قتل في أرض مكْران على أحسن حاله، روى له الجماعة إلا
البخاري (1) .
قوله: " وضوؤه " الوضوء- بفتح الواو-: الماء الذي يتوضأ به،
كالفطور والسّحور، لما يُفطر عليه، ويتسحر به. وبالضم: التوضؤ
والفعل نفسه، وقد أثبت سيبويه الوضُوء والطّهور والوقُود بالفتح في
المصادر، فهي تقع على الاسم والمصدر، وأصل الكلمة من الوضاءة،
وهي: الحسن.
قوله: " تخلى " من الخلاء، وهو من قضاء الحاجة، ومنه يتخلى
بطريق المسلمين، تقول: تخلّى يتخلى تخلياً، والتخلي: التفرغ إلى
أمر، ومنه تخلى للعبادة.
46- ص- حدثنا ابن كثير قال: أخبرنا همام، عن علي بن زيد، عن
أم محمد، عن عائشة- رضي الله عنها-: " أن النبي- عليه السلام- كان
لا يرْقُدُ من ليل ولا نهار فيستيقظُ إلا تسوك قبل أنْ يتوضأ " (2) .
ش- ابن كثير هو: محمد بن كثير، وقد ذكرناه، وهمام هو: ابن
يحيى بن دينار، وقد ذكر مرة، وعلي بن زيد بن جُدعان فيه مقال، لا
يحتج به، وقد ذكرناه.
وأم محمد هي امرأة زيد بن عبد الله بن جُدعان (3) ، روت عن عائشة
- رضي اللّه عنها-، روى عنها علي بن زيد المذكور، وروى لها
أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (4) .
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (10/2228) .
(2) تفرد به أبو داود.
(3) في الأصل: " علي بن زيد بن جُدعان " خطأ، وانظر ترجمته وترجمة عائشة
من تهذيب الكمال، والصواب أنها امرأة أبيه زيد.
(4) انظر ترجمتها في: تهذيب الكمال (35/7792، 8010) .

(1/174)


قوله: " لا يرقد " نفي، وكلمة " من " يجوز أن تكون بمعنى " في "
كما ذكرنا، وقوله: " فيستيقظ " بالرفع عطف على قوله: " لا يرقد " ،
والمعنى: لا يوجد منه رقدة في ليل أو نهار واستيقاظ، إلا وقد يوجد منه
التسوك قبل أن يتوضأ، وبهذا وأمثاله احتج داود (1) الظاهري أن السواك
واجب، وحكى عن إسحاق بن راهويه أنه واجب، إن تركه عمداً بطلت
صلاته، وهذا خلاف الإجماع.
47- ص- حدّثنا محمد بن عيسى قال: نا هشيم قال: أخبرنا حصين،
عن حبيب بن أبي ثابت، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه،
عن جده عبد الله بن عباس قال: " بتّ ليلة عند النبي- عليه السلام- فلما
استيقظ من منامه أتى طهوره، فأخذ سواكه فاستاك، ثم تلا هذه الآيات:
(إن في خلق السموات والأرْض واخْتلاف الليْل والنّهار لآيات لأولي
الألباب ...) (2) حتى قارب أن يختم السورة أو ختمها، ثم توضأ، فأتى
مصلاه، فصلى ركعتين، ثم رجع إلى فراشه فنام ما شاء الله، ثم استيقظ،
ففعل مثل ذلك، ثم رجع إلى فراشه فنام، ثم استيقظ ففعل مثل ذلك، كل
ذلك يستاك ويصلي ركعتين، ثم أوتر " (3) .
/ش- محمد بن عيسى بن الطباع وقد ذكرناه.
__________
(1) في الأصل: " أبو داود " خطأ. (2) سورة آل عمران: (190) .
(3) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب: في صلاة الليل (1323، 1324) ،
وفي باب: في صلاة الليل (1334، 1336) ، وفي كتاب الأدب، باب:
في النوم على طهارة (5043) ، والبخاري في كتاب العلم، باب: السمر في
العلم (117) ، ومسلم في كتاب الطهارة، باب: غسل الوجه واليدين إذا
استيقظ من النوم (20/304) ، وفي كتاب صلاة المسافرين، باب: الدعاء
في صلاة الليل وقيامه (763) ، والترمذي في كتاب الصلاة، باب: ما جاء
في الرجل يصلي ومعه رجل (232) ، والنسائي في كتاب الطهارة، باب:
الدعاء في السجود (2/218) ، وفي كتاب قيام الليل، باب: ذكر الاختلاف
على حبيب بن أبي ثابت (3/236- 237) ، وابن ماجه في كتاب الطهارة،
باب: وضوء النوم (508) .

(1/175)


وهشيم بن بشير بن القاسم بن دينار السلمي أبو معاوية الواسطي،
سمع عبد اللّه بن عون، وعمرو بن دينار، والزهري، وحصين بن
عبد الرحمن، ومنصور بن زاذان، والأعمش، وغيرهم روى عنه:
مالك بن أنس، والثوري، وشعبة، وابن المبارك، ومحمد بن عيسى بن
الطباع، وهو أعلمهم به، وغيرهم. وقال أحمد بن عبد اللّه: ثقة وكان
يدلس. وقال ابن سعد: ثقة كثير الحديث، ثبت، يدلس كثيراً، فما
قال في حديثه: " أنا " فهو حجة، وما لم يقل فيه: " أنا " فليس
بشيء. توفي ببغداد في شعبان، سنة ثلاث وثمانين ومائة، وهو ابن تسع
وسبعين سنة. روى له الجماعة (1) .
وحصن بن عبد الرحمن قد ذكر.
وحبيب بن أبي ثابت هو: حبيب بن قيس بن دينار أبو يحيى الأسدي
مولاهم الكوفي، مولى بني أسد بن عبد العزيز، سمع عبد اللّه بن
عمر، وعبد اللّه بن عباس، ومحمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس،
وطاوسا (2) ، وعطاء بن يسار وغيرهم. روى عنه: عطاء بن أبي رباح،
والأعمش، والثوري، وشعبة، وحصين بن عبد الرحمن، وغيرهم.
وقال أحصد بن عبد اللّه: تابعي ثقة. وقال ابن معين وأبو حاتم: ثقة.
مات سنة اثنتين وعشرين ومائة. روى له الجماعة (3) .
ومحمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب أبو عبد اللّه
القرشي الهاشمي المدني، ولد بالحُميمة من أرض الشراة، في ناحية
البلقاء، هو أبو الخلائف، وهو والد أمير المؤمنين: عبد اللّه بن محمد
السفاح. روى عن أبيه، وعمر بن عبد العزيز، وابن الحنفية روى
عنه: الحسن البصري، وهشام بن عروة، وعبد اللّه بن سليمان النوفلي،
وغيرهم. توفي في الشراة في خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك، سنة
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (30/6595) . (2) في الأصل: " وطاوس ".
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (5/1079) .

(1/176)


خمس وعشرين ومائة، وهو يومئذ ابن ستين سنة. روى له مسلم،
وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (1) .
وعليّ بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي أبو محمد،
ويقال: أبو عبد اللّه، ويقال: أبو الفضل المدني. روى عن: أبيه،
وسمع أبا سعيد الخدري، وغيرهما. روى عنه: ابنه محمد بن عليّ،
والزهري، ومنصور بن المعتمر، وأبان بن صالح، وغيرهم. ولد ليلة
قتل علي بن أبي طالب في شهر رمضان سنة أربعين، فسُمي باسمه،
وكان ثقة قليل الحديث، توفي بالشام سنة سبع عشرة ومائة. روى له
الجماعة (2) .
قوله: " أتى طهوره " بفتح الطاء، وقد مر غير مرة.
قوله: " فأتى مُصلاه " بضم اليم: الموضع الذي كان يصلي فيه.
قوله: " ثم أوتر " أي: ثم صلى الوتر. ويستفاد من هذا الحديث فوائد:
الأولى: استحباب تهيئة الطّهور في كل وقت، والتأهب بأسباب العبادة
قبل وقتها، والاعتناء بها.
الثانية: استحباب السواك عند القيام من النوم.
والثالثة: استحباب قراءة هذه الآيات: (إنّ في خلق السموات
والأرْض...) إلى آخر السورة عقيب القيام من النوم.
والرابعة: فيه جواز قراءة القرآن للمحدث، وعليه الإجماع.
والخامسة: استحباب تأخير الوتر.
وأخرج مسلم في " صحيحه " هذا الحديث مطولاً، والنسائي مختصراً،
وأخرجه أبو داود أيضاً في " كتاب الصلاة " من رواية كريب عن ابن عباس
بنحوه أتم منه. ومن ذلك الوجه أخرجه البخاري ومسلم والترمذي
والنسائي وابن ماجه مطولا ومختصراً.
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (26/5485) .
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (21/4097) .
12. شرح سنن أبي داوود

(1/177)


ص- قال أبو داود: روى (1) ابن فضيل، عن حصين قال: " وتسوك (2) ،
وتوضأ، وهو يقول: (إن في خلق السموات والأرْض) حتى ختم
السورة.
ش- ابن فضيل هو: محمد بن فضيل بن غزوان بن جرير الضبي
أبو عبد الرحمن مولاهم الكوفي، سمع الأعمش، وحصين بن
عبد الرحمن، وعُمارة بن القعقاع، ومالك بن مغْول، وجماعة آخرين
كثيرة روى عنه: الثوري، وأحمد بن حنبل، وأبو بكر بن أبي شيبة،
وإسحاق بن راهويه، وغيرهم. قال أبو زرعة: هو صدوق من أهل
العلم. توفي سنة أربع وتسعين ومائة. روى له الجماعة (3) .
قوله: " وهو يقول " : جملة اسمية وقعت حالاً من الضمير الذي في
" توضأ " ، وهذه الرواية تدل على أنه- عليه السلام- قرأ هذه الآيات
والحال أنه يتوضأ.
***
25- باب: فرض الوضوء
أي: هذا باب في بيان فرضية الوضوء. ولما فرغ عن أبواب الاستنجاء
وأبواب السواك، شرع في بيان أبواب الوضوء، والمناسبة بين أبواب
الوضوء والأبواب التي قبلها ظاهرة، والوُضوء- بضم/الواو-: اسم
للفعل من وضُؤ- من باب حسُن- وضاءةً، والوضاءة: الحسن والنظافة،
وسمي وضوء الصلاة وضوء؛ لأنه ينظف المتوضئ ويحسنه. وفي الشرع:
الوُضوء: غسلٌ ومسح في أعضاء مخصوصة، فالغسل هو الإسالة،
والمسح هو الإصابة.
48- ص- حدّثنا مسلم بن إبراهيم قال : نا شعبة، عن قتادة، عن
__________
(1) في سنن أبي داود: " رواه " (2) في سن أبي داود: " فتسوك "
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (26/5548) .

(1/178)


أبي المليح، عن أبيه، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " لا يقبلُ اللهُ- عزّ وجل صدقةً من
غُلولٍ ، ولا صلاةً بغير طُهُورٍ " (1) .
ش- مسلم بن إبراهيم البصري القصاب، قد مر ذكره، وكذلك ذكر
شعبة وقتادة.
وأبو المليح- بفتح الميم وكسر اللام- اسمه: عامر بن أسامة بن
عمير: وقيل: عمير، وقيل: زيد بن عامر بن عمير بن حُنيف بن ناجية
أبو المليح الهذلي. روى عن أبيه، وبريدة بن الحصيب، وعبد اللّه بن
عمرو بن العاص، وجابر بن عبد اللّه، ومعاوية بن أبي سفيان، وأنس،
وواثلة بن الأسقع، وغيرهم. روى عنه: أبو قلابة، وأيوب السختياني،
وقتادة، وغيرهم. وقال أبو زرعة: بصري ثقة. توفي سنة اثنتي عشرة
ومائة. روى له الجماعة (2) .
وأسامة بن عمير بن عامر بن الأشتر الهذلي البصري، والد أبي المليح
المذكور. روى عنه ابنه أبو المليح، ولم يرو عنه غيره. روى له:
أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (3) .
قوله: " من غُلُول " الغُلُول- بضم الغين- الخيانة في المغنم والسرقة،
من الغنيمة قبل القسمة، يقال: غل في المغنم يغلُّ- من باب ضرب
يضرب- غلولاً فهو غال، وكل من خان في شيء خفية فقد غل،
وسميت غلولاً؛ لأن الأيدي فيها مغلولة، أي: ممنوعة، مجْعول فيها
غُل، وهو الحديدة التي تجمع يد الأسير إلى عنقه، ويقال لها: جامعة
أيضاً، والحاصل في ذلك أن كل مالٍ يأخذه الرجل من غير حل، ثم
يتصدق به، لم يقبل عنه، وكذلك إن نوى التصدق عن صاحبه، ولم
__________
(1) النسائي: كتاب الطهارة، باب: فرض الوضوء (1/87) ، ابن ماجه: كتاب
الطهارة، باب: لا يقبل الله صلاة بغير طهور (271) . وأخرجه مسلم
(224) ، والترمذي (1) ، وابن ماجه (272) من حديث ابن عمر.
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (34/7648) .
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (2/319) .

(1/179)


تسقط عنه تبعته أبداً، اللهم إلا إذا رضي صاحبه، وجعله في حل من
ذلك، ويدخل فيه صدقة المرأة من مال زوجها بغير رضاه، وصدقة العبد
من مال سيده، وصدقة الوكيل من مال موكله، والمضارب من مال رب
المال، والشريك من مال شريكه، ونحو ذلك، ويدخل فيه الوصيُّ الذي
أوصى إليه رجل بأن يتصدق ببعض (1) ماله، فأنفقه على نفسه، أو
أخرجه في غير مصرفه، ونُظار الأوقاف الذين يتناولون من ريعها من غير
استحقاق، ثم يتصدقون بها، أو يصرفون ريعها في غير ما عينه أصحاب
الوقف، وإذا كان عند رجل مال من حرام، فمات صاحبه يرده على
ورثته، فإن لم يكن له ورثة يتصدق عنه، ويرجى له الخلاص يوم
القيامة، وكذا إذا لم يدْر صاحبه.
قوله: " ولا صلاة " أي: ولا يقبل اللّه صلاة " بغير طُهور " .
وقوله: " صلاة " نكرة في سياق النفي فتعم، ويشمل سائر الصلوات
من الفرض والنفل. والطُّهور- بضم الطاء- والمراد به الفعل، وهو
قول الأكثرين، وقد قيل: يجوز فتحها، وهو بعمومه يتناول الماء
والتراب. والاستدلال بهذا الحديث على فرضية الطهارة ظاهر؛ لأنه تعالى
إذا لم يقبل الصلاة إلا بالطهارة، تكون صحتها موقوفة على وجود
الطهارة، فالموقوف فرض، وكذا الموقوف عليه، فيكون شرطاً،
والمشروط لا يوجد بدونه.
فإن قلت: ما سبب وجوب الطهارة؟ قلت: إرادة الصلاة بشرط
الحدث، لقوله تعالى: (إذا قُمْتُمْ إلى الصلاة فاغْسلُوا) (2) أي: إذا
أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون فاغسلواً، لا القيام مطلقاً كما هو
مذهب أهل الظاهر، ولا الحدث مطلقاً كما هو مذهب أهل الطرد،
وفسادهما ظاهر، ثم اختلفوا متى فرضت الطهارة للصلاة؟ فذهب ابن
الجهم إلى أن الوضوء في أول الإسلام كان سُنة، ثم نزل فرضه في آية
__________
(1) في الأصل: " بعض " .
(2) سورة المائدة: (6) .

(1/180)


التيمم وقالت الجمهور: بل كان قبل ذلك فرضا، ثم الحكمة في
جمعه- عليه السلام- بين الصدقة والصلاة في هذا الحديث، أن العبادة
على نوعين: مالي وبدني، فاختار من أنواع المال الصدقة، لكثرة نفعها،
وعموم خيرها، ومن أنواع البدني الصلاة، لكونها تالية الإيمان في
الكتاب والسُّنّة، ولكونها عماد الدين، والفارقة بين الإسلام والكفر،
ولكون كل منهما محتاجاً إلى الطهارة، أما الصدقة فلاحتياجها إلى طهارة
المال، وأما الصلاة فلاحتياجها إلى طهارة البدن من الحدث./وحديث
أبي المليح هذا أخرجه النسائي وابن ماجه، وأخرجه مسلم والترمذي وابن
ماجه من حديث ابن عمر- رضي اللّه عنه-، و " الصلاة " في حديثهم
الجميع مقدمة على " الصدقة " .
49- ص- حدّثنا أحمد بن محمد بن حنبل قال: نا عبد الرزاق قال:
أخبرنا معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" لا يقبلُ اللهُ صلاة أحدكُمْ إذا أحْدث حتّى يتوضّأ " (1)
ش- عبد الرزاق هو ابن همام، وقد ذكرناه، وكذلك معمر بن راشد.
وهمام بن منبه أبو عقبة الصنعاني، أخو وهب، وكان أكبر من وهب،
سمع ابن عباس، وأبا هريرة، ومعاوية بن أبي سفيان، روى عنه أخوه
وهب، ومعمر بن راشد، وعقيل بن معْقل، وعلي بن الحسن بن أتش.
قال ابن معين: ثقة. توفي سنة إحدى وثلاثين ومائة. روى له
الجماعة (2) .
قوله: " لا يقبل الله صلاة أحدكم " ، وفي رواية " لا تُقبلُ صلاة أحدكم " ،
قوله: " إذا أحدث " أي: إذا أصابه الحدث، أو: إذا وطئ في
الحدث، والحدث من الحدوث، وهو كون الشيء لم يكن.
__________
(1) البخاري: كتاب الوضوء، باب: لا تقبل صلاة بغير طهور (135) ، مسلم:
كتاب الطهارة، باب: وجوب الطهارة للصلاة (2/225) ، الترمذي: كتاب
الظهارة، باب: ما جاء في الوضوء من الريح (76) .
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (30/6600) .

(1/181)


قوله: " حتى يتوضأ " معناه: حتى يتطهر بماء أو تراب، وإنما اقتصر
- عليه السلام- على الوضوء، لكونه الأصل، أو لكونه الغالب،
وكلمة " حتى " هاهنا لانتهاء الغاية، والمعنى: عدم قبول الصلاة مُغي
بالتوضؤ. وحديث أبي هريرة هذا أخرجه البخاري ومسلم والترمذي.
50- ص- حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: نا وكيع، عن سفيان، عن ابن
عقيل، عن محمد ابن الحنفية، عن علي- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مفتاح الصلاة الطهُورُ، وتحريمُها التكْبيرُ، وتحليلُها التسْليمُ " (1) 0
ش- ابن عقيل هو: عبد اللّه بن محمد بن عقيل بن أبي طالب
أبو محمد الهاشمي المدني، وأمه زينب الصغرى بنت عليّ بن أبي طالب
- كرّم اللّه وجهه (2) - سمع عبد اللّه بن عمر بن الخطاب، وجابر بن
عبد الله، وأنس بن مالك، والرُّبيع بنت مُعوذ، ومحمد ابن الحنفية،
والزهري، وغيرهم. روى عنه: سفيان بن عيينة، وسفيان الثوري،
وشريك، ومحمد بن عجلان، وجماعة آخرون. وقال الحاكم: كان
أحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم يحتجان بحديثه، ولكن ليس بالمتين
عندهم. وقال محمد بن سعد: كان منكر الحديث، لا يحتج بحديثه،
__________
(1) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء أن مفتاح الصلاة الطهور (3) ، ابن
ماجه: كتاب الطهارة، باب: مفتاح الصلاة الطهور (275) .
(2) هذه اللفظة قد شاعت وذاعت، وملأت الطروس والأسماع، وهو من فعل
الرافضة، وفيه هضم للخلفاء الثلاثة قبله، فليتنبهْ إلى مسالك المبتدعة
وألفاظهم، فكم من لفظ ظاهره السلامة، وباطنه الإثم، وآخره الندامة. فلم
يثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا عن أحد من الصحابة- رضوان الله عليهم أجمعين-
تخصيص علي بن أبي طالب بهذا الوصف أبداً، فلا ينبغي لأهل السُنة أن
يتلفظوا بألفاظ المبتدعة، وانظر تفسير ابن كثير (3/516) ، والسنة للألكائي
(4/1396) ، وجلاء العينين للآلوسي (62) ، والتذكرة التيمورية (282-
283) ، والآداب الشرعية لابن مفلح، مجموع الفتاوى (4/96) ، وفتاوى ابن
حجر الهيتمي (1/42) ، ومعجم المناهي للشيخ بكر أبي زيد (212، 271) .

(1/182)


وكان كثير العلم، مات سنة خمس وأربعين ومائة. روى له: أبو داود،
والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (1) 0
ومحمد ابن الحنفية هو: محمد بن علي بن أبي طالب القرشي
الهاشمي أبو القاسم، ويقال: أبو عبد اللّه، المعروف بابن الحنفية،
واسمها: خولة بنت جعفر بن قيس، كانت من سبي اليمامة، دخل على
عمر بن الخطاب، وسمع عثمان بن عفان، وأباه علي بن أبي طالب،
روى عنه بنوه: الحسن وعبد اللّه وإبراهيم وعون، وسالم بن أبي الجعد،
وأبو يعلى،[و] الثوري، وعبد الله بن محمد بن عقيل، وعبد الأعلى
ابن عامر، وغيرهم. مات سنة ثمانين. روى له الجماعة (2) .
وعلي بن أبي طالب- رضي الله عنه- روي له عن رسول الله- عليه
السلام- خمسمائة حديث وستة وثمانون حديثاً، اتفقا منها على عشرين
حديثاً، وانفرد البخاري بتسعة، ومسلم بخمسة، روى عنه بنوه:
الحسن، والحسين، ومحمد، وعبد اللّه بن مسعود، وعبد الله بن عمر،
وعبد اللّه بن قيس، وأبو موسى، وعبد اللّه بن عباس، وعبد الله بن
جعفر، وأبو سعيد الخدري، وغيرهم من الصحابة والتابعين، ولي
الخلافة خمس سنين، وقيل: إلا أربعة أشهر، وقُتل ليلة الجمعة لسبع
عشرة بقيت من رمضان، سنة أربعين، وهو عام الجماعة، وهو ابن
ثلاث وستين سنة، روى له الجماعة (3) .
قوله: " مفتاح الصلاة " المفتاح مفعال من الفتح، شبه الصلاة بالخزانة
المقفولة على طريق الاستعارة بالكناية، وهي التي لا يذكر فيها سوى
المشبه، ثم أثبت لها المفتاح على سبيل الاستعارة الترشيحية، وهي ما
يقارن ما يلائم المستعار منه، والكلام في " الطهور " قد مر غير مرة،
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (16/3543) .
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (26/5484) .
(3) انظر ترجمته في: الاستيعاب (3/26) بهامش الإصابة، وأسد الغابة (4/91) ،
والإصابة (2/507) .

(1/183)


وهو بعمومه يتناول التراب والماء، وأجمعت الأمة على تحريم الصلاة بغير
طهارة من ماء أو تراب، أي صلاة كانت، حتى سجدة التلاوة، وسجدة
الشكر، وصلاة الجنازة، وحكى أبن جرير عن الشعبي أن صلاة الجنازة
بغير طهارة جائزة، وهذا مذهب باطل، فلو صلى محدثاً متعمداً بلا عذر
أثم ولا يكفر.
قوله: " تحريمها التكبير " أي: تحريم الصلاة الإتيان بالتكبير، كأن
المصلي بالتكبير والدخول فيها، صار ممنوعاً من الكلام والأفعال الخارجة
عن كلام الصلاة وأفعالها، فقيل للتكبير تحريم لمنعه المصلي من ذلك،
/ولهذا سميت تكبيرة الإحرام، أي الإحرام بالصلاة، وبهذا استدل
علماؤنا على فرضية تكبيرة الإحرام، واستدل به أبو يوسف على أن
الشروع في الصلاة لا يصح إلا بألفاظ مشتقة من التكبير، وهي ثلاثة:
اللّه أكبر، اللّه الأكبر، اللّه الكبير. واستدل[به]الشافعي ومالك[على]
أنه لا يصير شارعاً إلا بلفظ واحد، وهو: اللّه أكبر. وقال أبو حنيفة
ومحمد: يصح شروعه في الصلاة بكل ذكر هو ثناء خالص للّه تعالى،
يراد به تعظيمه لا غير، مثل أن يقول: اللّه أكبر، أو: اللّه الأكبر، اللّه
الكبير، اللّه أجل، اللّه أعظم، أو يقول: الحمد للّه، أو: سبحان
اللّه، أو: لا إله إلا اللّه، وكذلك كل اسم ذكر مع الصفة نحو أن يقول:
الرحمن أعظم، الرحيم أجل، لقوله تعالى: (وذكر اسْم ربّه
فصلّى) (1) ، والمرادُ ذكرُ اسم الربّ لافتتاح الصلاة؛ لأنه عقبت الصلاة
الذكر بحرف يوجب التعقيب بلا فصل، والذكر الذي تعقبه الصلاة بلا
فصل هو تكبيرة الافتتاح، فقد شُرع الدخولُ في الصلاة بمطلق الذكر،
فلا يجوز تقييده باللفظ المشتق من الكبرياء بأخبار الآحاد (2) ، وبه تبين أن
الحكم يتعلق بتلك الألفاظ من حيث هي مطلق الذكر، لا من حيث هي
ذكر، بل بلفظ خاص، وأن الحديث معلول به، ولو لم يُعلّل احتجنا
__________
(1) سورة الأعلى: (15) .
(2) انظر لحجية خبر الآحاد: الرسالة للشافعي (25/175) ، والكفاية للخطيب
(ص/66) ، والموافقات للشاطبي (1/36) ، والاعتصام له (1/109) ،
و (2/252) ، والإحكام لابن حزم (ص 113) ، والفصل له (2/182)
وشرح الطحاوي (ص/307- 308) .

(1/184)


إلى رده أصلاً، لمخالفة الكتاب، فإذن ترك التعليل هو المؤدي إلى إبطال
حكم النص دون التعليل.
قوله: " وتحليلها التسليم " أي: صار المصلي بالتسليم يحل له ما حرم
عليه فيها بالتكبير، من الكلام والأفعال الخارجة عن كلام الصلاة وأفعالها،
كما يحل للمحرم بالحج عند الفراغ منه ما كان حراماً عليه، وبهذا استدل
أصحابنا على أن لفظة " السلام " واجبة. وقال الشافعي: هي فرض؛
لأن الألف واللام فيه للتعريف أو الجنس، ولم يسبق معهود حتى ينصرف
إليه، فكان لاستغراق الجنس، وقد جعل جميع أجناس التحليل بالسلام،
فيكون فرضاًً قياساً على التكبير قلنا: هذا من أخبار الآحاد، وبمثله لا
تثبت الفرضية، إلا أنا أثبتنا الوجوب به احتياطاً. وحديث علي- رضي اللّه
عنه- هذا أخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا الحديث
أصح شيء في هذا الباب. ورواه الحاكم في " المستدرك " وقال: حديث
صحيح الإسناد، على شرط مسلم ولم يخرجاه.
26- باب: الرجل يجدد الوضوء من غير حدث
أي : هذا باب في بيان الرجل المتوضئ جدد وضوءه من غير حدث،
طلباً لزيادة الثواب.
51- ص- حدّثنا محمد بن يحيى بن فارس قال: حدثنا عبد الله بن يزيد
المقرئ ح، وحدثنا مسدد قال: نا عيسى بن يونس قالا: نا عبد الرحمن بن
زياد- يعني: ابن أنعم (1) -، عن أبي غطيف (2) . وقال محمد بن يحيى
ابن فارس: عن أبي غُطيف الهذلي قال: كنتُ عند عبد الله بن عُمر، فلما
نُودي بالظهر توضأ فصلى، فلما نودي بالعصر توضأ، فقلتُ له؟ فقال:
كان رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " منْ توضأ على طُهْرٍ كتب اللهُ له عشْر
حسناتٍ " (3) . قال أبو داود: وحديث مسدد أتم.
__________
(1) في سن أبي داود بدلاً من هذه الجملة: " قال أبو داود: وأنا لحديث ابن
يحيى أتقن " .
(2) في سنن أبي داود: " عن غطيف " ، وهو الأقرب للصواب
(3) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في الوضوء لكل صلاة (59) ، ابن
ماجه: كتاب الطهارة، باب: الوضوء على الطهارة (512) .

(1/185)


ش- محمد بن يحيى بن عبد اللّه بن خالد بن فارس الذهلي أبو عبد اللّه
النيسابوري الإمام، وقد ذكرناه.
وعبد اللّه بن يزيد المقرئ المدني المخزومي، مولى الأسود (1) بن
عبد الأسد، سمع أبا سلمة بن عبد الرحمن، ومحمد بن عبد الرحمن
ابن ثوبان، وأبا عياش. روى عنه: يحيى بن أبي كثير، ومالك بن
أنس، وأسامة بن زيد. وقال أحمد بن حنبل: هو ثقة. روى له الجماعة
إلا النسائي (2) .
وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم- بفتح الهمزة، وسكون النون،
والعين المهملة- ابن ذري- بفتح الذال المعجمة، وكسر الراء- ابن
محمد بن معدي كرب الشعباني أبو أيوب الأفريقي قاضيها، عداده في
أهل مصر، سمع أبا عبد الرحمن الحُبُلي، وعبد الرحمن بن رافع
التنوخي، وبكر بن سوادة، وعمارة بن راشد، وغيرهم. روى عنه:
الثوري، وعبد اللّه بن وهب، وابن المبارك، وعيسى بن يونس،
وغيرهم. وقال يحيى بن سعيد القطان: ثقة. وقال ابن معين: ضعيف
ويكتب حديثه. توفي سنة ست وخمسين ومائة. روى له أبو داود،
والترمذي، وابن ماجه (3) .
وأبو غُطيْف- بضم الغين المعجمة، وفتح الطاء المهملة، وسكون الياء
آخر الحروف، وبعدها فاء- سئل أبو زرعة عن اسمه فقال: لا أعرف
اسمه. روى عن عبد اللّه بن عمر. روى عنه: أبو خالد عبد الرحمن
ابن زياد الأفريقي. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (4) .
قوله: " فلما نُودي بالظهر " أي: فلما أُذن بصلاة الظهر،/يجوز أن
تكون " الباء " بمعنى " في " أي: أُذن في وقت الظهر، ويُحتملُ أن
__________
(1) في الأصل: " الأسد " خطأ.
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (16/3664) .
(3) المصدر السابق (17/3817) . (4) المصدر السابق (34/7566) .

(1/186)


تكون للسببية، أي: فلما أذن بسبب صلاة الظهر، كقوله تعالى:
(ظلمْتُمْ أنفُسكُم باتخاذكُمُ العجْل) (1) .
قوله: " فقلت له " فيه حذف، أي: فقلت لابن عمر- رضي اللّه
عنه- في صلاته العصر بوضوء جديد.
قوله: " على طُهر " أي: طهارة، يعني: من توضأ وهو على وضوء.
قوله: " عشر حسنات " الحسنات جمع حسنة، وهي الفعلة الحسنة من
الحُسْن خلاف القبح، وسقوط " التاء " من " عشر " لكون مفسرها جمع
مؤنث، وهذا من باب المقابلة والمشاكلة؛ لأن الحسنة هي الخصلة التي
يعملها العبد، والذي يعطيه ربه عليها تُسمى جزاء وثواباً، فحق المعنى:
كتب الله له عشر ثوابات، أو عشر أجزية، ولكنها ذكرت بالحسنات
للتشاكل والتقابل، ومعنى قوله: " كتب الله له " قدر الله له فيما عنده،
أو يكتبه في اللوح. وحديث علي هذا أخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال
الترمذي: وهو إسناد ضعيف، والله أعلم.
***
27- باب: ما ينجس الماء
لما فرغ عن بيان فرضية الوضوء، شرع يذكر أحوال المياه، لتقدم معرفة
المياه على معرفة الوضوء.
52- ص- حدثنا محمد بن العلاء وعثمان بن أبي شيبة والحسن بن علي
وغيرهم قالوا: أنا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن
الزبير، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه: " سُئل النبيُ- عليه
السلام- عن الماء وما ينُوبُهُ من الدواب والسباع، فقال: إذا كان الماءُ قُلتيْن
لم يحمل الخبثً " (2) [قال أبو داود:]وهذا لفظ ابن العلاء. وقال
__________
(1) سورة البقرة: (54) .
(2) الترمذي: كتاب الطهارة، باب منه آخر (67) ، النسائي: كتاب المياه،
باب: التوقيت في الماء (1/175) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: مقدار=

(1/187)


عثمان والحسن بن علي: محمد بن عباد بن جعفر. قال أبو داود: وهو
الصواب.
ش- محمد بن العلاء بن كريب قد ذكر، وكذلك عثمان، والحسن
أبو محمد الخلال، وأبو أسامة حماد بن أسامة.
والوليد بن كثير أبو محمد القرشي المخزومي مولاهم المدني، روى
عن: محمد بن كعب القرظي، وعبد اللّه بن عبد اللّه بن عمر، ووهب
ابن كيسان، ونافع مولى ابن عمر، وجماعة آخرين. روى عنه:
إبراهيم بن سعد، وأبو أسامة، ومحمد الواقدي، وسفيان بن عيينة،
وغيرهم. وقال ابن معين: هو ثقة. مات بالكوفة سنة إحدى وخمسين
ومائة (1) .
وعبد اللّه بن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب أبو عبد الرحمن المدني،
سمع أباه، وأوصى إليه أبوه. روى عنه: الزهري، ونافع، ومحمد بن
عباد بن جعفر، ومحمد بن جعفر بن الزبير. وقال وكيع: هو ثقة.
توفي في أول خلافة هشام بن عبد الملك. روى له: البخاري، ومسلم،
وأبو داود، والنسائي (2) .
ومحمد بن عباد بن جعفر بن رفاعة بن أمية بن عابد- بالباء الموحدة-
ابن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي المكي، وأمه زينب بنت
عبد اللّه بن السائب بن أبي السائب المخزومي. سمع عبد الله بن عمر،
وأبا هريرة، وجابر بن عبد اللّه، وعبد اللّه بن عمرو بن العاص، وعبد اللّه
ابن المسيب العابدي. روى عنه: ابن جريج، وعبد الحميد بن جبير
__________
- الماء الذي لا ينجس (517) ، أحمد (2/27) ، ابن خزيمة (1/49، رقم
92) ، ابن حبان (4/1249، 1253) ، الدارقطني (1/13) ، وانظر ما بعد
الحاكم (1/132) ، البيهقي (1/260، 262) .
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (31/6733) .
(2) المصدر السابق (15/3366) .

(1/188)


ابن شيبة، وزياد بن إسماعيل. قال ابن سعد: كان ثقة، قليل
الحديث. روى له الجماعة (1) .
قوله: " وما ينُوبُه من الدواب " أي: سئل أيضاً عن الماء الذي ينوبه
الدواب، أي: تقصده، يقال: نابه ينوبه نوباً، وانتابه إذا قصده مرة بعد
أخرى، ويقال: معنى تنوبه الدواب أي: تنزل به للشرب، والدواب
جمع " دابة " ، وهو اسم ما يدب على وجه الأرض في اللغة، وفي
العرف: الدابة تطلق على ذوات الأربع مما يركب. وقال في " الصحاح " :
الدابة التي تركب. والسباع جمع " سبع " ، وهو كل حيوان عادٍ مفترس
ضار ممتنع.
قوله: " فقال " أي- عليه السلام-: " إذا كان الماء قلتين " القلتان
تثنية قلة، وهي الحُب (2) العظيم، والجمع قلال، واختلفوا في تفسير
القلة، فقيل: خمس قرب، كل قربة خمسون منا (3) . وقيل: القلة:
جرة تسع فيها مائة وخمس وعشرون منا. وقيل: القلتان: خمسمائة
رطل بالبغدادي وقيل: القلتان خمسمائة منٍّ .
وقال الخطابي (4) : " قد تكون القلة الإناء الصغير الذي تنقله الأيدي،
ويتعاطى فيه الشراب كالكيزان ونحوها، وتكون القلة الجرة الكبيرة التي
ينقلها القوي من الرجال، إلا أن مخرج الخبر قد دلّ على أن المراد ليس
النوع الأول؛ لأنه إنما سئل عن الماء الذي يكون بالفلاة من الأرض في
المصانع والوهاد والغدران/ونحوها، ومثل هذه المياه لا تُحدُّ بالكوز
والكوزين في العرف والعادة، لأن أدنى النجس إذا أصابه نجسهُ، فعلم أنه
بمعنى الثاني، وقد روي في غير طريق أبي داود من رواية ابن جريج: " إذا
__________
(1) المصدر السابق (25/5320) . (2) الجرةُ.
(3) معيار قديم كان يكالُ به أو يوزن، وقدره إذ ذاك رطلان بغداديان، والرّطل
عندهم اثنتا عشرة أوقية بأواقيهم.
(4) معالم السنن (1/30- 31) .

(1/189)


كان الماء قلتين بقلال هجر " (1) ، وقلال هجر مشهورة الصنعة، معلومة
المقدار، وهي أكبر ما يكون من القلال وأشهرها، ولذلك قيل: قلتين
على لفظ التثنية، ولو كان وراءها قلة في الكبر لأشكلت دلالته، فلما
ثناها دل على أنه أكبر القلال؛ لأن التثنية لا بد لها من فائدة، وليست
فائدتها إلا ما ذكرناه " . انتهى كلامه.
وهجر التي ينسب إليها قرية كانت ببلاد البحرين، ويقال: إنها تنسب
إلى هجر التي باليمن، وهي قاعدة البحرين، وهي إما أن تكون عملت
بها، وجلبت إلى المدينة، وإما أن تكون عملت في المدينة على مثلها.
قوله: " لم يحمل الخبث " بفتح الخاء والباء، أي: لم يحمل النجس،
واحتج الشافعي وأصحابه بهذا الحديث على أن الماء إذا بلغ قلتين لا ينجس
إلا بالتغيير، وهو مذهب أحمد وأبي ثور، وفسروا قوله- عليه السلام-:
" لم يحمل الخبث " أي: يدفعه عن نفسه، كما يقال: فلان لا يحمل
الضيم إذا كان يأباه ويدفعه عن نفسه، ويؤكد ذلك الرواية الأخرى: " فانه
لا ينجس " ، وروى هذا الحديث أيضاً الترمذي والنسائي وابن ماجه وابن
حبان في " صحيحه " في القسم الثاني منه، وأعاده في القسم الثالث،
ولفظه: " لم ينجسه شيء " .
ورواه الحاكم في " مستدركه " وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم
يخرجاه، وأظنه لاختلاف فيه على أبي أسامة، عن الوليد بن كثير.
وقال البيهقي (2) : " باب قدر القلتين " أسند فيه عن الشافعي، أخبرنا
مسلم بن خالد، عن ابن جريج بإسناد لا يحضرني ذكره، أن رسول اللّه
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إذا كان الماءُ قلتين لم يحملْ خبثاً " ، وقال في الحديث:
__________
(1) أخرجه البيهقي (1/263) من طريق ابن جريج، وابن عدي في الكامل
(8/82- ترجمة المغيرة بن سقلاب) من طريق المغيرة، وذكر ابن عدي أن
هذه الزيادة غير محفوظة، وكذا الحافظ في " التلخيص " ، والشيخ الألباني في
" الإرواء " (23) .
(2) السنن الكبرى (1/263) .

(1/190)


" بقلال هجر " . قال الشافعي: كان مسلم يذهب إلى أن ذلك أقل من
نصف القربة، أو نصف القربة، فيقول: خمس قرب[هو] (1) أكثر ما
يسع قلتين، وقد تكون القلتان أقل من خمس قرب، فالاحتياط أن تكون
القلة قربتين ونصفاً، فإذا كان الماء خمس قرب لم يحمل نجساً في جر كان
أو غيره، إلا أن يظهر في الماء منه ريح أو طعم أو لون، وقربُ الحجاز
كبار، فلا يكون الماء الذي لا يحمل النجاسة إلا بقرب كبار.
ثم أسند البيهقي عن محمد، عن يحيى [بن عقيل، عن يحيى] (1)
ابن يعمر: أنه- عليه السلام- قال: " إذا كان الماء قلتين لم يحمل نجساً
ولا بأساً " . قال: فقلت ليحيى بن عقيل: قلال هجر؟ قال:[قلال
هجر. قال:] (1) أظن أن كل قلة تأخذ فرقيْن " . زاد أحمد بن علي
في روايته: " والفرقُ ستة عشر رطلاً " . ثم ذكر البيهقي عن محمد بن
يحيى المذكور قال: فرأيت قلال هجر، فأظن أن كل قلة تأخذ قربتين.
قال البيهقي: كذا في كتاب شيخي " قربتين " ، وهذا أقرب مما قال مسلم
ابن خالد " (2) .
وقال أبو حنيفة وأصحابه: كل ماء وقعت فيه النجاسة لم يحز الوضوء
به قليلاً كان أو كثيراً، لقوله- عليه السلام-: " لا يبولن أحدكم في
الماء الدائم، ولا يغتسلن فيه من الجنابة " (3) من غير فصل بين القليل
والكثير، والقلتين وغيرها، وأما حديث القلتين ففيه اضطراب لفظاً ومعنى،
" (4) أما اضطرابه في اللفظ فمن جهة الإسناد والمتن، أما إسناده فمن
ثلاث روايات: أحدها: رواية الوليد بن كثير، رواها أبو داود عن محمد
ابن العلاء إلى آخره، ورواه هكذا عن أبي أسامة، عن الوليد، عن
محمد بن جعفر، عن عبد اللّه بن عبد اللّه جماعة منهم: إسحاق بن
راهويه، وأحمد بن جعفر الوكيعي، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو عبيدة
__________
(1) زيادة من سنن البيهقي. (2) إلى هنا انتهى كلام البيهقي.
(3) يأني تخريجه برقم (58، 59) .
(4) انظر: نصب الراية (1/105- 112) .

(1/191)


ابن أبي السّفر، ومحمد بن عبادة- بفتح العين-، وحاجب بن سليمان،
وهناد بن السري، والحسين بن حريث، وذكر ابن منده أن أبا ثور رواه
عن الشافعي، عن عبد اللّه بن الحارث المخزومي، عن الوليد بن كثير
قال: ورواه موسى بن أبي الجارود، عن البويطي، عن الشافعي، عن
أبي أسامة وغيره، عن الوليد بن كثير، فدل (1) روايته على أن الشافعي
سمع هذا الحديث من عبد اللّه بن الحارث، وهو من الحجازيين، ومن
أبي أسامة وهو كوفي، جميعاً عن الوليد بن كثير، وقد اختلف الحُفّاظ
في هذا الاختلاف بين محمد بن عباد ومحمد بن جعفر، فمنهم من ذهب
إلى الترجيح، فنقل عن أبي داود أنه لما ذكر حديث محمد بن عباد قال:
هو الصواب. وذكر عبد الرحمن بن أبي حاتم في " كتاب العلل " /عن
أبيه أنه قال: محمد بن عباد ثقة، ومحمد بن جعفر ثقة، والحديث
لمحمد بن جعفر أشبه، وكذلك ابن منده صوّب أن يكون لمحمد بن
جعفر، والدارقطني جمع بين الروايتين، وكذلك البيهقي، وحكى البيهقي
في كتاب " المعرفة " عن شيخه أبي عبد اللّه الحافظ، أنه كان يقول: الحديث
محفوظ عن عبيد اللّه بن عبد اللّه وعبد اللّه بن عبد اللّه، كلاهما رواه عن
أبيه، وذهب إليه كثير من أهل الرواية، وهذا خلاف ما يقتضيه كلام
أبي زرعة، فيما حكاه عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: سألت أبا زرعة
عن حديث محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، فقلت
له: تقول عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عمر، عن أبيه، عن النبي- عليه
السلام-، ورواه الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن
عبد اللّه بن عبد اللّه بن عمر، عن أبيه، عن النبي- عليه السلام- قال:
" إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء " قال أبو زرعة: ابن إسحاق ليس
يمكن أن يقضى له. قلت له: ما حال محمد بن جعفر؟ فقال: صدوق.
والرواية الثانية: رواية محمد بن إسحاق لهذا الحديث، وقد أخرجه
الترمذي من حديث هناد (2) ، وأبو داود من حديث حماد بن سلمة ويزيد
__________
(1) كذا.
(2) (67) .

(1/192)


ابن زريع (1) ، وابن ماجه من حديث/يد بن هارون وابن المبارك (2) ،
كلهم عن ابن إسحاق. ورواه أحمد بن خالد الوهبي، وإبراهيم بن سعد
الزهري، وزائدة بن قدامة. ورواه عبيدا الله بن محمد ابن عائشة، عن
حماد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق بسنده، وقال فًيه: " إن رسول الله
سئل عن الماء يكون بالفلاة وترده السباع والكلاب فقال: إذا كان الماء قلتين
لا يحمل الخبث " . رواه البيهقي وقال: كذا قال: " السباع والكلاب "
وهو غريب،[وكذا قاله موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة[ (3) .
وقال إسماعيل بن عياش: عن محمد بن إسحاق: " الكلاب والدواب " .
ورواه محمد بن وهب، عن ابن عباس، عن ابن إسحاق، عن
الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عر أبي هريرة، عن النبي- عليه
السلام-: " أنه سئل عن القليب يلقى فيه الجيف، وتشرب منه الكلاب
والدواب، فقال: ما بلغ الماء قلتين فما فوق ذلك لم ينجسه شيء " رواه
الدارقطني.
والرواية الثالثة: رواية حماد بن سلمة، عن عاصم بن المنذر،
واختلف في إسنادها ومتنها، أما الإسناد فرواه أبو داود وابن ماجه عن
موسى بن إسماعيل، عن حماد، عن عاصم، عن عبيد اللّه بن عبد اللّه
ابن عمر قال: حدثني أبي: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إذا كان الماء قلتين
فإنه لا ينجس " ، وخالف حماد بن يد (4) ، فرواه عن عاصم بن
المنذر، عن أبي بكر بن عبيد الله بن عبدا اللّه موقوفاً. قال الدارقطني:
وكذلك رواه إسماعيل ابن علية، عن عاصم بن المنذر، عن رجل لم
يسمه، عن ابن عمر موقوفاً أيضاً.
وأما الاختلاف في اللفظ فإن يزيد بن هارون رواه عن حماد بن سلمة،
فاختلف فيه على يزيد، فقال الحسن بن محمد الصباح عنه، عن حماد،
عن عاصم قال: دخلت مع عبيد الله بن عبد الله بن عمر بستاناً فيه
__________
(1) (64) . (2) (517) .
(3) زيادة من نصب الراية. (4) في الأصل: " سلمة " خطأ.
13* شرح سنن أبي داوود 1

(1/193)


مقراةُ (1) ماءٍ ، فيه جلد بعير ميت، فتوضأ فيه، فقلت له: أتتوضأ منه
وفيه جلد بعير ميت؟ فحدثني عن أبيه، عن النبي- عليه السلام- قال:
" إذا بلغ الماء فلتين أو ثلاثاً لم ينجسه شيء " . أخرجه الدارقطني.
وكذلك رواه وكيع، عن حماد بن سلمة وقال: " إذا بلغ الماء قلتين أو
ثلاثة لم ينجسه شيء " رواه ابن ماجه في " سننه " .
وأما الاضطراب في متنه فما (2) تقدم، وروى الدارقطني في " سننه "
وابن عدي في " الكامل " ، والعقيلي في كتابه عن القاسم بن عبيد اللّه
العمري، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد اللّه قال: قال
رسول اللّه- عليه السلام-: " إذا بلغ الماء أربعين قلة فإنه لا يحمل
الخبث " . وقال الدارقطني: القاسم العمري وهم في إسناده، وكان
ضعيفاً، كثير الخطأ. وروى الدارقطني أيضاً من جهة بشر بن السرى،
عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سليمان بن سنان، عن
عبد الرحمن بن أبي هريرة، عن أبيه قال: " إذا كان الماء قدر أربعين قلة
لم يحمل خبثاً " قال: وخالفه غير واحد رووه عن أبي هريرة فقالوا:
" أربعين غرباً " ، ومنهم من قال: " أربعين دلواً " .
وأيضاً الاضطراب في معناه، فقيل: إن " القلة " اسم مشترك يطلق
على الجرّة، وعلى القربة، وعلى رأس الجبل، وروى الشافعي في
تفسيرها حديثاً، فقال في " مسنده " : أخبرني مسلم بن خالد الزنجي،
عن ابن جريج/بإسناد لا يحضرني ذكره: أن رسول اللّه- عليه السلام-
قال: " إذا كان الماء قلتين لم يحمل خبثاً " ، وقال في الحديث: " بقلال
هجر " . قال ابن جريج: وقد رأيت قلال هجر، فالقلة تسع قربتين،
أو قربتين وشيئاً. قال الشافعي: فالاحتياط أن تجعل القلة قربتين ونصفاً،
فإذا كان الماء خمس قرب كبار كقرب الحجاز، لم تحمل نجساً، إلا أن
يظهر في الماء ريح أو طعم أو لون.
__________
(1) في الأصل: " مقرا " .
(2) كذا، وفي نصب الراية: " فقد " .

(1/194)


والجواب عن ذلك: أن في هذا الحديث ثلاثة أشياء:
أحدها: أن مسلم بن خالد ضعفه جماعة، والبيهقي أيضاً في " باب
من زعم أن التراويح بالجماعة أفضل " .
الثاني: أن الإسناد الذي لم يحضره ذكره مجهول، فهو كالمنقطع،
فلا تقوم به حجة.
الثالث: أن قوله: " وقال في الحديث: " بقلال هجر " يوهم أنه من
لفظ النبي- عليه السلام-، والذي وجد في رواية ابن جريج أنه قول
يحيى بن عقيل " (1) .
والجواب عما أسنده البيهقي عن محمد، عن يحيى بن يعمر الذي
ذكرناه في أول الكلام، أن فيه أشياء: الأول: أنه مرسل.
والثاني: أن محمداً المذكور ويحيى على ما قال أبو أحمد الحافظ:
يحتاج إلى الكشف.
الثالث: أنه ظن في غير جزم.
الرابع: أنه إذا كان " الفرقُ " ستة عشر رطلاً يكون مجموع القلتين
أربعة وسنين رطلاً، وهذا لا يقول به البيهقي وإمامه، ولما وضح هذا
الطريق، وعُرف أن حجة أصحابنا هي أقوى من حجة الخصوم، أوَّلنا
قوله- عليه السلام-: " لم يحمل الخبث " بمعنى: تضْعُفُ عن احتمال
النجاسة، يريد أنه لقلته يضْعف عن احتمال الخبث، كما يقال: فلان لا
يحتمل الضرب، وهذه الدابة لا تحتمل هذا المقدار من الحمل، وهذه
الأسطوانة لا تحتمل ثقل السقف.
53- ص- حدثنا موسى بن إسماعيل قال: نا حماد. ج ونا أبو كامل
قال: نا يزيد- يعني: ابن زريع-، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن
جعفر.- قال أبو كامل: ابن الزبير-، سنن عبيد الله بن عبد الله بن عمر،
__________
(1) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.

(1/195)


عن أبيه: " أن رسول الله- عليه السلام- سُئل عن الماء يكونُ في الفلاة "
فذكر معناه (1) .ً
ش- أبو كامل فضيل بن الحسين بن طلحة أبو كامل الجحْدري
البصري. روى عن: حماد بن زيد، وأبي عوانة، وحماد بن سلمة،
ويزيد بن زريع، وغيرهم. روى عنه: أبو زرعة، والبخاري تعليقاً،
ومسلم، وأبو داود، والنسائي عن رجل عنه، وغيرهم. مات سنة سبع
وثلاثين ومائتين (2) .
والجحْدري بفتح الجيم وإسكان الحاء.
ويزيد بن زريع البصري أبو معاوية العائشي، سمع هشام بن عروة،
وأيوب السختياني، وعبد اللّه بن عون، وحميداً الطويل، والثوري،
وغيرهم. روى عنه: ابن المبارك، وعبد الرحمن بن مهدي، وبهز بن
أسد، وأبو كامل الجحْدري، وقتيبة بن سعيد، وغيرهم. وقال ابن
معين: يزيد بن الزريع الصدوق الثقة المأمون. توفي بالبصرة سنة اثنتين
وثمانين ومائة، روى له الجماعة (3) .
قوله: " في الفلاة " وهي الصحراء.
54- ص- وحدثنا موسى بن إسماعيل قال: نا حماد قال: أنا عاصم بن
المنذر، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر قال: حدثني[أبي]: أن رسول الله
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إذا كان الماءُ قُلتين فإنه لا ينْجُسُ " (4) .
ش- عاصم بن المنذر بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي الحجازي،
روى عن جدته أسماء بنت أبي بكر الصديق، وسمع عروة بن الزبير،
وعبيد الله بن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب. روى عنه: هشام بن عروة،
__________
(1) انظر التخريج السابق.
(2) انظر ترجمته في تهذيب الكمال (23/4758) .
(3) المصدر السابق (7/6987) . (4) انظر التخريج قبل السابق.

(1/196)


وحماد بن سلمة. قال أبو زرعة: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح
الحديث. روى له أبو داود وابن ماجه (1) .
وقد ذكرنا هذه الطرق كلها بوجوهها مستوفاة، واللّه أعلم.
***
28- باب: في بئر بُضاعة (2)
أي: هذا باب في بيان أحكام بئر بُضاعة، وهي بكسر الباء وضمها.
وقال ابن الأثير (3) : " المحفوظ ضم الباء، وحكى بعضهم بالصاد
المهملة " .
وقال زكي الدين عبد العظيم: " بئر بضاعة دار لبني ساعدة بالمدينة،
وبئرها معلوم، وبها مال من أموال أهل المدينة " .
55- ص- حدّثنا محمد بن العلاء والحسن بن علي ومحمد بن سليمان
الأنباري قالوا: ثنا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن كعب، عن
عُبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج، عن أبي سعيد الخدري: أنه قيل
لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أنتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئرٌ يُطرح فيها الحيضُ،
ولحم الكلاب والنتْنُ؟ فقال رسولُ اله- عليه السلام-: الماءُ طهورٌ ، لا
يُنجسهُ شيءٌ ج (4) .
ش- الحسن بن علي هو الخلال/وقد ذكر
ومحمد بن سليمان الأنباري، وهو ابن أبي داود. روى عن:
أبي أسامة، وأبي معاوية الضرير، ووكيع بن الجراح، وعبد الرحمن بن
]مهدي، وعبد الوهاب بن]عطاء، د. أبي عامر العقدي. روى عنه:
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (28/3013) .
(2) في سنن أبي داود: " باب ما جاء في بئر بُضاعة " .
(3) انظر: النهاية (1/134) .
(4) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء أن الماء لا ينجسه شيء (66) ،
النسائي: كتاب المياه، باب: ذكر بئر بضاعة (1/174) .

(1/197)


أبو داود، ويعقوب بن شيبة. وكان ثقة. مات سنة أربع وثلاثين
ومائتين (1) .
ومحمد بن كعب بن مالك بن أبي القيْن الأنصاري السلمي المدني.
روى عن أخيه عبد الله، روى عنه الوليد بن كثير. روى له: مسلم،
وأبو داود، وابن ماجه (2) .
وعبيد اللّه بن عبد اللّه بن رافع بن خديج أبو الفضل، يروي عن أبيه،
وأبي رافع. روى عنه سليط بن أبي أيوب، وغيره (3) .
وأبو سعيد الخدري هو: سعد بن مالك، وقد ذكر مرة.
قوله: " أنتوضأ " خطاب للنبي- عليه السلام-.
قوله: " يطرح فيها الحيض " الحيضُ- بكسر الحاء، وفتح الياء-:
جمع حيْضة- بكسر الحاء، وسكون الياء-، وهي: خرقة الحيض،
ويقال لها أيضاً المحيضة، وتجمع على المحايض.
قوله: " والنتْنُ " الرائحة الكريهة، ويقع أيضاً على كل مستقْبح، وبهذا
الحديث استدل مالك[على]أن الماء لا يتنجس بوقوع النجاسة- وإن كان
قليلاً- ما لم تتغير أحد أوصافه.
والجواب عن هذا: " (4) أن هذه البئر كانت في حدور من الأرض،
والسيول كانت تكسح هذه الأقذار من الطرق والأفنية، وتحملها فتلقيها
فيها، وكان الماء لكثرته لا يؤثر فيه وقوعُ هذه الأشياء، ولا تغيره،
فسألوا رسول اللّه- عليه السلام- عن شأنها، ليعلموا حكمها في
الطهارة والنجاسة، فكان في جوابه- عليه السلام- لهم: أن الماء لا
ينجسه شيء، يريد الكثير منه، الذي صفته صفة ماء هذه البئر في
غزارته؛ لأن السؤال إنما وقع عنها، فخرج الجواب عليها " . على أن
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (25/5264) .
(2) المصدر السابق (26/5574) . (3) المصدر السابق (19/3657) .
(4) انظر: معالم السنن (1/32- 33) .

(1/198)


بعضهم قد تكلم في هذا الحديث، منهم ابن القطان في كتابه " الوهم
والإيهام " ضعفه وقال: " (1) إن في إسناده اختلافاً: فقوم يقولون:
عبيد الله بن عبد الله بن رافع، وقوم يقولون: عبد اللّه بن عبد الله بن
رافع، ومنهم من يقول: عبيد اللّه بن عبد الرحمن بن رافع، ومنهم من
يقول: عبد اللّه، ومنهم من يقول: عن عبد الرحمن بن رافع. قال:
فيحصل فيه خمسة أقوال، وكيف ما كان فهو لا يعرف له حال " . وقال
أحمد بن حنبل: حديث بئر بضاعة صحيح. وأخرجه الترمذي والنسائي.
ص- قال أبو داود: وقال بعضهم: عبد الرحمن بن رافع.
56- نا أحمد بن أبي شعيب وعبد العزيز بن يحيى الحرّانيان قالا: نا
محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق/عن سليط بن أيوب، عن عبيد الله
ابن عبد الرحمن بن رافع الأنصاري ثم العدوي، عن أبي سعيد الخدري
قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يقال له: " إنه يُسْتقى لك من بئر بضاعة،
وهي بئرٌ يُلقى فيها لُحومُ الكلاب، والمحايضُ، وعذرُ الناس، فقال
رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إن الماء طهور لا يُنجسُهُ شيء " (2) .
ش- عبد الرحمن بن رافع مولى النبي- عليه السلام-، روى عن
عبد اللّه بن جعفر، وعمته سلمى. روى عنه حماد بن سلمة. قال ابن
معين: هو صالح. روى له أبو داود، وابن ماجه (3) .
وأحمد بن أبي شعيب هو: أحمد بن عبد الله بن أبي شعيب الحراني
أبو الحسين القرشي الأموي، مولى عمر بن عبد العزيز، واسم
أبي شعيب مسلم، سمع زهير بن معاوية، وموسى بن أبي الفرات،
ومحمد بن سلمة، وموسى بن أعين. روى عنه: أبو زرعة، وأبو حاتم،
والبخاري، وأبو داود، والنسائي، وروى الترمذي والنسائي عن
__________
(1) انظر: نصب الراية (1/113) . (2) انظر التخريج السابق.
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (17/3812) وفيه: " عبد الرحمن بن
أبي رافع، روى له الأربعة " .

(1/199)


رجل عنه. وقال أبو زرعة: صدوق ثقة. مات سنة ثلاث وثلاثين
ومائتين (1) .
وعبد العزيز بن يحيى بن يوسف أبو الأصبغ الحراني، مولى بني
البكاء. سمع عيسى بن يونس الكوفي، ومحمد بن سلمة، وعتاب بن
بشير، والوليد بن مسلم، وغيرهم. روى عنه: البخاري في غير
الصحيح، وأبو داود، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائي عن رجل
عنه، وقال: صدوق. وقال البخاري: لا يتابع عليه. وقال ابن عدي:
لا بأس برواياته توفي سنة خمس وثلاثين ومائتين (2) .
ومحمد بن سلمة بن عبد الله أبو عبد اللّه الباهلي الحراني، مولى بني
قتيبة. سمع هشام بن حسان، ومحمد بن إسحاق بن يسار، ومحمد بن
عبد اللّه بن علاثة. روى عنه: أحمد بن حنبل، وأبو داود، وعبد العزيز
ابن يحيى، وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقة فاضلاً عالماً. توفي سنة
إحدى وتسعين ومائة، روى له الجماعة إلا البخاري (3) .
ومحمد بن إسحاق بن يسار قد ذكر.
وسليط بن أيوب، عن ابن أبي سعيد الخدري، عن أبيه. وعن
عبيد اللّه بن عبد اللّه بن رافع. روى عنه محمد بن إسحاق، وخالد بن
أبي نوف. أخرج له أبو داود/والنسائي (4) .
وعبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج الأنصاري العدوي.
روى عن أبي سعيد الخدري، وجابر بن عبد اللّه. روى عنه: سليط بن
أيوب، وهشام بن عروة، والوليد بن كثير. روى له: أبو داود،
والترمذي، والنسائي (5) .
قوله: " وقال بعضهم: عبد الرحمن بن رافع " يعني: قال بعض الرواة:
__________
(1) المصدر السابق (1/61) . (2) المصدر السابق (18/3480) .
(3) المصدر السابق (25/5255) (4) المصدر السابق (11/2480) .
(5) المصدر السابق (19/3657) ، وقد تقدمت ترجمته تحت الحديث قبل السابق.

(1/200)


عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع موضع عبيد اللّه بن عبد اللّه بن رافع،
وهو قول هشام بن عروة. وقول الوليد: عبيد اللّه بن عبد اللّه بن رافع.
وقال عبد الله بن أبي سلمة: عبد الله بن عبد اللّه بن رافع، كلاهما
مكبر، وقد ذكرنا الاختلاف فيه.
قوله: " وهو يقال له " جملة اسمية وقعت حالاً من قوله: " رسول الله " ،
أي: والحال أنه يقول له قائل كذا وكذا.
قوله: " إنه يستقى لك " مقول قوله: " وهو يقال له " ، والضمير في
" إنه " للشأن، و " يستقى " من الاستقاء، وهو النزح.
قوله: " والمحايض " جمع محيضة، وهي خرقةُ الحيض، وقد قلناه.
قوله: " وعذرُ الناس " العذرُ- بفتح العين، وكسر الذال المعجمة-:
جمع " عذرة " .
قوله: " إن الماء طهور " أكد الكلام في هذه الرواية بـ " إن " التي هي
للتأكيد، وقد قلنا: إن ماء هذه البئر كان جارياً في البساتين، وذكرت عن
عائشة- رضي الله عنها- أنها كانت قناة، ولها منفذ إلى بساتينهم،
ويسقى منها خمسة بساتين أو سبعة.
وقال الخطابي (1) : " قد يتوهم من سمع حديث أبي سعيد أن هذا كان
منهم عادة، وأنهم كانوا يأتون هذا الفعل قصداً وتعمداً، وهذا ما لا يجوز
أن يظن بذمي، بل وثني، فضلاً عن مسلم، ولم يزل من عادة الناس
قديماً وحديثاً، مسلمهم وكافرهم، تنزيه المياه، فكيف يظن بأعلى طبقات
الدين، وأفضل جماعة المسلمين، والماء ببلادهم أعز، والحاجة إليه
أمس، أن يكون صنيعهم به هكذا؟ وقد " لعن رسول اللّه- عليه السلام-
من تغوط في موارد الماء ومشارعه " ؟ فكيف من اتخذ عيون الماء ومنابعه
رصداً للأنجاس؟ ومطرحاً للأقذار؟ مثل هذا الظن لا يليق بهم،
__________
(1) انظر: معالم السنن (1/32- 33) .

(1/201)


ولا يجوز فيهم، وإنما كان ذلك من أجل أن هذه البئر موضعها في حدور
من الأرض، وأن السيول كانت تكسح هذه الأقذار من الطرق والأفنية،
فتحملها فتلقيها فيه، وكان الماء لكثرته لا يؤثر فيه وقوعُ هذه الأشياء، ولا
تغيره، فسألوا رسول الله عن شأنها، ليعلموا حكمها في الطهارة
والنجاسة، فكان من جوابه لهم: " إن الماء لا ينجسه شيء " يريد الكثير
منه، الذي صفته صفة ماء هذه البئر في غزارته، لأن السؤال إنما وقع
عنها نفسها، فخرج الجواب عليها " .
قلت: على هذا التقرير انظر إلى حديث القلتين ما يكون حكمه؟
ص- قال أبو داود: سمعت قتيبة بن سعيد يقول: سألت قيم بئر بضاعة
عن عمقها، قلت (1) : أكثر ما يكون فيها[الماء] (2) ؟ قال: إلى العانة،
قلت: فإذا نقص؟ قال: دون العورة. قال أبو داود: وقدرتُ بئر بضاعة
بردائي، مددته عليها، ثم ذرعتُه، فإذا عرضها ستة أذرع. وسألت الذي فتح
لي باب البستان فأدخلني إليه: هل غر بناؤها عما كانت عليه؟ فقال: لا،
ورأيت فيها ماءً متغير اللون.
ش- غرض أبي داود من هذا الكلام أن يبين أن ماء هذه البئر
كثيراً، لا يؤثر فيه وقوع الأشياء المذكورة، والإجماع على أن الماء الكثير
إذا لم يتغير طعمه ولونه وريحه، لا يتنجس بوقوع الأشياء؛ لأنه ح (3)
حكمه حكم الجاري، وهذا الكلام أيضاً مما يضعف حكم حديث القلتين،
فافهم!
قوله: " قيم بئر بضاعة " القيمُ- بفتح القاف، وكسر الياء آخر الحروف
المشددة-: الذي يقوم بأمور الشيء، ومنه قيم المسجد، وقيّم الحمام،
وأصله قيوم، اجتمعت الواو والياء، فسبقت أحدهما بالسكون، فقلبت
الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء.
قوله: " مددتُّه عليها " جملة حالية بتقدير " قد " ، والتقدير: قد مددته
__________
(1) في سنن أبي داود: " قال " . (2) زيادة من سنن أبي داود 0
(3) كذا، وهي بمعنى: " حينئذ " .

(1/202)


عليها، وقد عُرف أن الجملة الفعلية إذا وقعت حالاً، وكان فعلها ماضياً
مثبتاً، لا بد فيه من " قد " إما صريحاً أو مقدراً.
قوله: " ثم ذرعته " أي: ثم قست الرداء بالذراع، و " الفاء " في قوله:
" فإذا عرضها " فاء المفاجأة، مثل قولك: خرجت فإذا السبعُ واقفاً،
والضمير في " عرضها " /راجع إلى البئر. ويقال: كان وسع البئر
ثمانية في ثمانية.
57- ص- حدثنا (1) مسدد قال: نا أبو الأحوص قال: نا سماك، عن
عكرمة، عن ابن عباس قال: " اغتسل بعضُ أزواج النبي- عليه السلام-
في جفْنة، فجاء النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليتوضأ منْها- أو يغتسل- فقالتْ له: يا رسول الله
إني كنت جُنباً، فقال رسولُ الله: إنّ الماء لا يُجْنب " (2) .
ش- أبو الأحوص اسمه: عوف بن مالك بن نضلة بن خديج الكوفي
التابعي، لأبيه صحبة، سمع أباه، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن
مسعود. روى عنه: الحسن البصري، وعطاء بن السائب، والشعبي،
وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. روى له الجماعة إلا البخاري- رحمه
اللّه (3) .
وسماك هو ابن حرب بن أوس بن خالد بن نزار بن معاوية بن حارثة
الذهلي البكري، وقيل: الهذلي أبو المغيرة الكوفي، أخو محمد
وإبراهيم ابني حرب. سمع جابر بن سمرة، والنعمان بن بشير، وأنس
ابن مالك، وسعيد بن جبير، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وغيرهم.
قال سماك: أدركت ثمانين من أصحاب النبي- عليه السلام-، وكان قد
ذهب بصري، فدعوت الله- عز وجلّ- فرد علي بصري. روى عنه :
__________
(1) وقع هذا الحديث في سنن أبي داود تحت " باب الماء لا يجنب " .
(2) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في الرخصة في ذلك (65) ،
النسائي: كتاب المياه (1/173) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب:
الرخصة بفضل طهور المرأة (370) .
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (22/4548) .

(1/203)


إسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، والثوري، وشعبة، وأبو الأحوص،
وغيرهم وقال أبو حاتم: صدوق. وقال ابن معين: ثقة. روى له
الجماعة إلا البخاري (1) .
وعكرمة هو القرشي الهاشمي أبو عبد الله المدني، مولى عبد اللّه بن
عباس بن عبد المطلب، أصله من البربر من أهل المغرب، سمع ابن
عباس، وأبا قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري، وعبد الله بن عمر
وعبد اللّه بن عمرو بن العاص، وأبا هريرة، وأبا سعيد الخدري،
ومعاوية بن أبي سفيان، وغيرهم. روى عنه: عمرو بن دينار، والشعبي،
والزهري، وقتادة، وسماك بن حرب، والأعمش، والسدي، وغيرهم
من خلق كثيرين. وقال ابن معين: ثقة. وقال ابن سعد: كان كثير
العلم، بحراً من البحور، وليس يحتج بحديثه، ويتكلم الناس فيه.
وقال[أبو] أحمد بن عدي: إذا روى عنه الثقات فهو مستقيم الحديث،
إلا أن يروي عنه ضعيف فيكون قد أتى من قبل الضعيف، لا من قبله،
ولم يمتنع الأئمة من الرواية عنه. توفي سنة سبع ومائة، روى له
الجماعة (2)
قوله: " في جفنة " الجفنة- بفتح الجيم-: القصعة الكبيرة، وكلمة
" في " هاهنا بمعنى " من " ، أي: اغتسلت من جفنة كان فيها ماء؛ لأنه
لا يتصور أن يجعل " في " على حقيقته، وقد جاء " في " بمعنى " من "
في قول الأغر:
وهل يعمنْ من كان أحدثُ عهده ... ثلاثين شهراً في ثلاثة أحوال
قوله: " إني كنت جنباً " الجنب: الذي يحب عليه الغسل بالجماع
وخروج المني، ويقع على الواحد والاثنين والجمع والمؤنث بلفظ واحد،
وقد يجمع على أجناب وجُنُبين، وأجنب يجنب إجناباً، والجنابة الاسم،
__________
(1) المصدر السابق (12/2579) .
(2) المصدر السابق (20/4009) .

(1/204)


وهي في الأصل البعد، وسمي الإنسان جنباً؛ لأنه نُهي أن يقرب مواضع
الصلاة ما لم يتطهر، وقيل: لمجانبته الناس حتى يغتسل.
قوله: " إن الماء لا يُجنب " بضم الياء وكسر النون، أي: لا يتنجس،
والمعنى: إن الماء لا يصير نجساً لملامسة الجنب إياها، والحاصل أن مثل هذا
الفعل لا يؤدي الماء إلى حالة يُجتنب عنه، فلا يستعمل منه، " (1) وقد
روي: " أربع لا تنجس: الثوب، والإنسان، والأرض، والماء "
وفسروه أن الثوب إذا أصابه عرق الجنب والحائض لم ينجس، والإنسان إذا
أصابته الجنابة لم ينجس، وإن صافحه جنب أو مشرك لم ينجس، والماء
إن أدخل يده فيه جنب، أو اغتسل منه لم ينجس، والأرض إن اغتسل
عليها جنب لم تنجس " . وقوله- عليه السلام-: " إن الماء لا يُجْنب "
من قبيل المشاكلة والمقابلة، فافهم! وأخرج هذا الحديث الترمذي والنسائي
وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
***
29- باب: البول في الماء الراكد
أي: هذا باب في بيان حكم البول في الماء الراكد، أي: الواقف،
من ركد يركد إذا أقام، من باب نصر ينصر.
58- ص- حدثنا أحمد بن يونس قال: نا زائدة في حديث هشام، عن
محمد، عن أبي هريرة، عن النبي- عليه السلام- قال: " لا يبولن أحدُكُم
في الماء الدائم، ثم يغتسل منه " (2) .
__________
(1) انظر: معالم السنن (1/33) .
(2) البخاري: كتاب الوضوء، باب: البول في الماء الدائم (239) ، مسلم:
كتاب الطهارة، باب: النهي عن الاغتسال في الماء الراكد (283/97) ،
الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في كراهية البول في الماء الراكد
(68) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: النهي عن البول في الماء الراكد
(1/125) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: النهي عن البول في الماء
الراكد (344) .

(1/205)


ش- أحمد بن يونس بن زهير أبو العباس الضبي قد ذكر مرة.
وزائدة بن قدامة الثقفي أبو الصلت الكوفي، سمع هشام بن عروة،
وسعيد بن مسروق، وأبا الزناد، وسماك بن حرب،/وغيرهم. روى
عنه: سليمان التيمي (1) ، وابن المبارك، وأبو داود الطيالسي، وابن
عيينة، وغيرهم. قال أبو زرعة: هو صدوق من أهل العلم. توفي في
أرض الروم عام غزا الحسن بن قحطبة سنة ستين ومائة روى له
الجماعة (2) .
وهشام هو ابن عروة بن الزبير، وقد ذكر.
ومحمد هو ابن سيرين أبو بكر الأنصاري مولاهم البصري، أخو معبد
وأنس ويحيى وحفصة وكريمة بني سيرين، وسيرين يكنى أبا عمرة، وهو
من سبْي عين التمر، أسرهم خالد بن الوليد، وهو مولى أنس بن مالك
خادم النبي- عليه السلام- دخل على زيد بن ثابت، وسمع عبد اللّه بن
عمر بن الخطاب، وجندب بن عبد اللّه، وأبا هريرة، وعبد اللّه بن
الزبير، وأن بن مالك، وعمران بن حصين، وعدي بن حاتم،
وسلمان بن عامر، وأم عطية الأنصارية، ومن التابعين: مسلم بن يسار،
وعبد الرحمن بن أبي بكرة، ويونس بن جبير، وغيرهم. وروى عن
عبد اللّه بن عباس، والصحيح أن بينهما عكرمة. روى عنه: الشعبي،
وأيوب السختياني، وقتادة، ويحيى بن عتيق، وجماعة آخرون كثيرة.
وقال ابن سعد: كان ثقة مأموناً، عالياً رفيعاً، فقيهاً إماماً، كثير العلم
ورعاً، وكان به صمم. وقال أحمد ويحيى: هو من الثقات. مات سنة
عشر ومائة، بعد الحسن بمائة يوم. روى له الجماعة (3) .
قوله: " لا يبولن " نهي مؤكد بنون التأكيد الثقيلة، وأصله: لا يبل
أحدكم، فلما دخلت نون التأكيد عادت الواو المحذوفة.
__________
(1) في الأصل: " التميمي " .
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (9/1950) .
(3) المصدر السابق (25/5280) .

(1/206)


قوله: " في الماء الدائم " أي: الواقف الذي لا يجري، من دام يدوم،
إذا طال زمانه.
قوله: " ثم يغتسل منه " برفع اللام؛ لأنه خبر مبتدأ محذوف،
والتقدير: ثم هو يغتسل منه، ويجوز الجزم عطفاً على محل " لا يبولن " ،
لأنه مجزوم، وعدم ظهور الجزم لأجل نون التوكيد، وقد قيل: يجوز
النصب بإضمار " أنْ " ، ويعطى لـ " ثم " حكم " واو الجمع " .
فلت: هذا فاسد؛ لأنه يقتضي أن المنهي عنه الجمع بينهما دون إفراد
أحدهما، وهذا لم يقله أحد، بل البول فيه منهي[عنه]، سواء أراد
الاغتسال فيه، أو منه، أو لا، فافهم.
واحتج أصحابنا بهذا الحديث[على]أن الماء إذا لم يبلغ الغدير العظيم
إذا وقعت فيه النجاسة، لم يجز به الوضوء، قليلاً كان أو كثيراً،
واستدلوا به أيضا على أن القلتين تحمل النجاسة؛ لأن الحديث مطلق،
فبإطلاقه يتناول الماء القليل والكثير، والقلتين والأكثر، ولو قلنا: إن
القلتين لا تحمل النجاسة لم يكن للنهي فائدة، على أن هذا أصح من
حديث القلتين، وقد رواه البخاري ومسلم من حديث أبي الزناد، عن
الأعرج، عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم
الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه " ، وفي لفظ: " ثم يغتسل منه " ،
ورواه الترمذي ولفظه: " ثم يتوضأ منه " ، وكذا أخرجه النسائي، وروى
البيهقي (1) من حديث ابن عجلان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن
أبي هريرة، عن النبي- عليه السلام-: " أنه نهى أن يبال في الماء
الراكد، وأن يغتسل فيه من الجنابة " ، وروى ابن أبي شيبة في " مصنفه" (2)
من طريق جابر قال: " نهى رسول الله أن يبال في الماء الراكد " ، ومن
طريق أبي هريرة: " لا يبل أحدكم في الماء الدائم، ثم يغتسل منه " .
__________
(1) السنن الكبرى (1/238) .
(2) المصنف (1/141) .

(1/207)


ويستفاد من هذا الحديث فوائد: الأولى: حرمة البول في الماء الواقف
مطلقاً.
الثانية: جواز البول في الماء الجاري، ولكن الأولى اجتنابه، ومنهم
من فصله فقال: إن كان جارياً كثيراً جاز البول فيه، وإن كان قليلاً لا
يجوز.
الثالثة: فيه دلالة على تنجيس البول.
الرابعة: يفهم منه أن التغوط فيه أيضاً حرام؛ لأنه كالبول، بل هو
أقبح، وكذلك يحرم أن يبول في إناء، ثم صبه فيه، وكذا إذا بال بقرب
الماء ثم جرى إليه، فاختلط به.
الخامسة: فيه دليل على أنه إذا بال فيه ثم اغتسل[منه]لا يجوز،
وكذا قال الشافعي، حتى صرح بقوله: وسواء قليل الراكد وكثيره لإطلاق
الحديث. ومن الشافعية من يقول: إنما ينجس الماء بالبول فيه إذا كان دون
القلتين، وكذا قال الخطابي (1) .
قلت: هذا تحكم بلا دليل، وترك لإطلاق الحديث، وكيف يعار[ض[
به حديث القلتين مع الكلام فيه كما ذكرناه؟
59- ص- حدثنا مسدد قال: ثنا يحيى، عن محمد بن عجلان قال:
سمعت أبي يحدث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله- عليه السلام-:
" لا يبولن أحدُكم في الماء/الدائم، ولا يغتسل فيه من الجنابة " (2) .
ش- يحيى هذا هو يحيى بن سعيد بن فرُوخ القطان الأحول أبو سعيد
التميمي، مولاهم البصري، سمع يحيى بن سعيد الأنصاري، ومحمد
ابن عجلان وابن جريج، ومالك بن أنس، وشعبة، وابن عيينة،
وغيرهم. روى عنه: ابن معين، والثوري، ومسدد، وغيرهم. وقال
__________
(1) معالم السنن (1/34) .
(2) ابن ماجه في كتاب الطهارة (343) .

(1/208)


أبو زرعة : من الثقات الحُفاظ. توفي في صفر سنة ثمان وتسعين ومائة.
وولد سنة عشرين ومائة. روى له الجماعة (1) .
ومحمد بن عجلان ذكر مرة.
وعجلان والده مولى فاطمة بنت عتبة بن ربيعة. روى عن أبي هريرة،
وروى عنه ابنه محمد، وبكير بن عبد الله[بن]الأشج. روى له:
مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (2) .
قوله: " ولا يغتسل " بالرفع والجزم كما ذكرناه الآن، وأخرجه ابن ماجه
ولفظه: " لا يبولن أحدكم في الماء الراكد " .
***
30- باب: الوضوء بسؤر الكلب
أي: هذا باب فيه بيان الوضوء بسؤر الكلب، والسؤر: بقية الماء التي
يبقيها الشارب، والجمع " أسار " ، والنعت سئار، مثل حبّار على غير
قياس؛ لأن القياس مسئر؛ لأنه من اسأر، يقال إذا شربت فاسْئر، أي:
أبق شيئاً من الشراب في قعر الإناء.
60- ص- حدثنا أحمد بن يونس قال: نا زائدة في حديث هشام، عن
محمد، عن أبي هريرة، عن النبي- عليه السلام- قال: " طُهُورُ إناء
أحدكُمْ إذا ولغ الكلبُ فيه أن يُغْسل سبع مرارٍ ، أولاهن بالتراب " (3) .
قال أبو داود: وكذلك قال أيوب وحبيب بن الشهيد عن محمد.
ش- أيوب هذا ابن[أبي]تميمة، واسمه: كيسان أبو بكر السختياني
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (31/6834) .
(2) المصدر السابق (19/3878) .
(3) البخاري: كتاب الطهارة، باب: إذا شرب الكلب ما في الإناء بأطراف لسانه
سبعاً (172) ، مسلم: كتاب الطهارة (279) ، الترمذي: كتاب الطهارة
(91) ، النسائي: كتاب الطهارة (1/52- 53) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة
(363) .
14. شرح سنن أبي داوود 1

(1/209)


البصري، مولى جهينة، رأى أنس بن مالك، وسمع عمرو بن سلمة،
وأبا عثمان النهدي، ومحمد بن سيرين، ومجاهد بن جبر، وسعيد بن
جبير، والزهري، وجماعة آخرين. روى عنه: قتادة، ويحيى بن
أبي كثير، والثوري، وابن عيينة، والحمادان، وجماعة آخرون كثيرة.
قال ابن معين: ثقة. توفي سنة إحدى وثلاثين ومائة. روى له الجماعة (1) .
وحبيب بن الشهيد البصري أبو شهيد الأزدي، مولى قُريْبة. روى
عن: الحسن، ومحمد وأنس ابني سيرين، وعكرمة مولى ابن عباس،
وغيرهم. روى عنه: شعبة، ويحيى بن سعيد، وإسماعيل ابن علية،
وغيرهم. قال أحمد: ثقة مأمون، وهو أثبت من حميد الطويل. وقال
ابن معين وأبو حاتم: ثقة. توفي سنة خمس وأربعين ومائة. روى له
الجماعة (2) .
قوله: " طُهورُ إناء أحدكم " الطُهور- بضم الطاء- وهو الأشهر،
ويقال بفتحها أيضاً لغتان، وقد مر الكلام فيه، وارتفاعه على أنه مبتدأ
وخبره قوله: " أن يغسل " ، و " أن " هاهنا مصدرية، والتقدير: طهارة
إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه غسلها سبع مرار.
قوله: " إذا ولغ " يقال: " (3) ولغ الكلب في الإناء، يلغ- بفتح
اللام فيهما- ولوغاً، إذا شرب بأطراف لسانه. قال أبو زيد: يقال:
ولغ الكلب بشرابنا وفي شرابنا ومن شرابنا " .
وقال ابن الأثير: وأكثر ما يكون الولوغ من السباع.
قوله: " أولاهن بالتراب " جملة محلها النصب من الإعراب؛ لأنها
وقعت صفة لقوله: " سبع مرار " ، والأولى تأنيث الأول، وإنما أنثه
باعتبار المرة، واحتج الشافعي بهذا الحديث[على]أن الكلب إذا ولغ في
الإناء لا يطهر إلا بالغسل سبع مرات، إحداهن بالتراب، وهو مذهب
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (3/607) .
(2) المصدر السابق (5/1090) . (3) انظر: شرح صحيح مسلم (3/184) .

(1/210)


أحمد أيضاً، وبه قال مالك لكن استحباباً، وعن الشافعي يغسل سبعاً
أُولاهن أو أخراهن (1) بالتراب، وعن أحمد ثمانية.
وقال أصحابنا: " (2) يغسل ثلاثاً لا غير، واحتجوا بما رواه الدارقطني
في " سننه " (3) عن عبد الوهاب بن الضحاك، عن إسماعيل بن عياش،
عن هشام بن عروة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال:
قال رسول اللّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثاً، أو خمساً،
أو سبعاً " . وقال الدارقطني: تفرد به عبد الوهاب عن ابن عياش وهو
متروك، وغيره يرويه عن ابن عياش بهذا الإسناد: " فاغسلوه سبعاً " وهو
الصواب. وأخرج الدارقطني (4) أيضاً عن عبد الملك بن أبي سليمان،
عن عطاء، عن أبي هريرة قال: " إذا ولغ الكلب في الإناء فأهرقه، ثم
اغسله ثلاث مرات " ، وأخرجه بهذا الإسناد عن أبي هريرة: " أنه كان إذا
ولغ الكلب في الإناء أهراقه، وغسله ثلاث مرات " .
وقال الشيخ تقي الدين في " الإمام " : " هذا سند صحيح " . وجه
استدلال أصحابنا بهذا ظاهر، ووجه الاستدلال بحديث الدارقطني: أنه
- عليه السلام-/خيّر فيما زاد على الثلاث، والتخيير ينافي الوجوب،
وما ورد من الأمر فيه محمول على الندب.
والجواب عن الأحاديث التي يحتج بها الخصوم، وهي التي رواها (5)
الأئمة الستة في كتبهم من حديث أبي هريرة، فرواية البخاري ومسلم من
حديث الأعرج عن أبي هريرة: أن النبي- عليه السلام- قال: إذا
شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات " (6) ، ورواية مسلم من
حديث عبد اللّه بن مغفل: أن رسول اللّه- عليه السلام- قال: " إذا
__________
(1) في الأصل: " وأخراهن " خطأ.
(2) انظره في: نصب الراية (1/131- 132) . (3) (1/65) .
(4) (1/66) . (5) في الأصل: " رواه " .
(6) البخاري (172) ، مسلم (279/90) .

(1/211)


ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات، والثامنة عفروه بالتراب " (1) ،
وأخرجه أيضاً أبو داود والنسائي وابن ماجه، ورواية أبي داود من حديث
محمد عن أبي هريرة، عن النبي- عليه السلام- قال : " طُهورُ إناء
أحدكم " (2) الحديث، وأخرجه مسلم والنسائي، وأخرجه الترمذي (3)
وفيه: " أولاهن أو أخراهن بالتراب، وإذا ولغت فيه الهرة غسل مرة "
وقال: هذا حديث حسن صحيح. أنها محمولة على ابتداء الإسلام،
قلعاً لهم عما ألفوه من مخالطة الكلاب، فقال النبي- عليه السلام-
هذا القول للتغليظ عليهم، ولهذا أمر بقتل الكلاب أيضاً، ثم رخص في
كلب الصيد وفي كلب الغنم، كما روي في البخاري مثله.
وقال الطحاوي- وهو إمام في الحديث، عالم بمعانيه وعلله-: ثبت
بذلك- أي: بما روي عن أبي هريرة من حديث عبد الملك- نسخ السبع؛
لأنا نحسن الظن بأبي هريرة، ولا يجوز عليه أن يترك ما سمعه من النبي
- عليه السلام-، وإلا سقطت عدالته، ولم تقبل روايته، بل كان يجب
على الخصم المخالف أن يعمل بحديث عبد اللّه بن المغفل، عن النبي-
عليه السلام-: " إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات، والثامنة
عفروه بالتراب " ؛ لأنه قد زاد على السبع، والأخذ بالزائد أوجب عملاً
بالحديثين، وهم لا يقولون به، فثبت أنه منسوخ " .
وقال الخطابي (4) : " فيه دليل على أن الكلب نجس الذات " .
قلنا: نسلم أن فيه دليلاً على أن الكلب نجس، ولكن لا نسلم أنه نجس
الذات؛ لأن هذا قدر زائد ليس في الحديث دلالة عليه، وفرغ على كلامه
أن بيع الكلب حرام.
وقال أيضاً (4) : " وفيه البيان الواضح أنه لا يطهره- أي الإناء- أقل
من عدد السبع، وأن تعفيره بالتراب واجب " .
__________
(1) مسلم (93/280) ، أبو داود (74) ، النسائي (1/54) ، ابن ماجه (365) .
(2) مسلم (91/279) .، أبو داود (72، 73) ، النسائي (1/177- 178) .
(3) الترمذي (91) . (4) معالم السنن (1/34- 35) .

(1/212)


قلنا: كما ورد السبع ورد الثلاث كما بينا، والأمر بالتعفير محمول
على الندب.
وقال (1) : " وفيه دليل على أن الماء المولوغ فيه باق على طهارته، إذ
لم يأمره بإراقته، وقد يكون لبناً وزيتاً " .
قلنا: لا نسلم ذلك؛ لأن الإناء إذا تنجس بملاقاة لسانه، فالماء بطريق
الأولى.
فإن قيل: جاز أن يكون المراد بغسل الإناء التعبد لا التنجس.
قلنا: هذا لا يصح؛ لأن الجمادات لا تلحقها حكم العبادات؛ ولأنه
لو كان تعبداً لوجب غسل غير موضع النجاسة كما في الحدث، ولا يقال
الحجر الذي استعمل في رمي الجمار يغسل ويرمى ثانياً؛ لأنا نقول: إن
الحجر لإقامة القربة
وذهب أهل الظاهر إلى أن الماء طاهر، وأن غسل الإناء تعبدٌ ، وهذا
فاسد كما قررنا، وذهب مالك إلى أنه إذا لم يجد ماء غيره توضأ به،
وزاد الثوري: ثم يتيمم.
ثم قوله- عليه السلام-: " إذا ولغ الكلب " معرف باللام يتناول
جنس الكلاب، سواء كان كلب البدوي، أو الحضري، أو كلب الصيد،
أو كلب الزرع، أو غير ذلك. وعن مالك أربعة أقوال: طهارته،
ونجاسته، وطهارة سؤر المأذون في اتخاذه دون غيره، وهذه الثلاثة عن
مالك. والرابع عن عبد الملك بن الماجشون: أن يفرق بين البدوي
والحضري، والخنزير كالكلب عندنا. وقال مالك: سؤر الخنزير أيضاً
طاهر.
61- ص- نا مسدد قال: نا المعتمر بن سليمان. قال: ونا محمد بن
عبيد قال: نا حماد بن زيد جميعاً عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة
بمعناه ولم يرفعاه، وزاد: " وإذا ولغ الهر غُسل مرةً " (2) .
__________
(1) معالم السنن (1/34- 35) . (2) انظر تخريج الحديث رقم (71) .

(1/213)


ش- معتمر بن سليمان بن طرخان أبو محمد التيمي البصري، سمع
أباه، وعبد الملك بن عمير، وعاصماً الأحول، وأيوب السختياني،
وشعبة، وجماعة آخرين. روى عنه: ابن المبارك، ومسدد، وأحمد بن
حنبل، وعبد الأعلى بن حماد، وغيرهم. قال محمد بن سعد: كان
ثقة. ولد سنة ست ومائة، ومات سنة سبع وثمانين ومائة بالبصرة، روى
له الجماعة (1) .
ومحمد بن عبيد بن حساب/الغُبري- بالغين المعجمة- البصري،
سمع حماد بن زيد، ومعاوية بن عبد الكريم، وعبد الوارث بن سعيد،
وغيرهم. روى عنه: مسلم، وأبو داود، والنسائي عن رجل عنه،
وأبو يعلى الموصلي، وغيرهم. مات سنة ثمان وثلاثين ومائتين (2) .
وحماد بن زيد بن درهم قد مر ذكره، وأيوب هو السختياني، ومحمد
هو ابن سيرين، وأبو هريرة عبد الرحمن، وقد ذكروا.
قوله: " بمعناه " أي: بمعنى الحديث الذي سبقه.
قوله: " لم يرفعاه " الضمير المرفوع الذي فيه يرجع إلى المسدد وإلى
محمد بن عبيد، بمعنى: أن كلا منهما روى هذا الحديث موقوفاً على
أبي هريرة، وزاد فيه: " وإذا ولغ الهر غسل مرة " .
وقال البيهقي (3) : " أدرجه بعض الرواة في حديثه عن النبي- عليه
السلام-، ووهموا فيه، الصحيح أنه في ولوغ الكلب مرفوع، وفي
ولوغ الهرة موقوف " .
وقوله: " الهر " بكسر الهاء وتشديد الراء، وجمعه " هررةٌ " ، كقرد
وقردة، والأنثى هرة وجمعها " هررٌ " ، مثل قربة وقرب.
62- ص- حدثنا موسى بن إسماعيل قال: نا أبان قال: نا قتادة: أن
محمد بن سيرين حدثه عن أبي هريرة: أن نبي الله- عليه السلام- قال:
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (28/6080) .
(2) المصدر السابق (26/5441) . (3) السنن الكبرى (1/247) .

(1/214)


" إذا ولغ الكلبُ في الإناء فاغْسلُوه سبْع مرار (1) ، السابعة بالتراب " (2) .
قال أبو داود: وأما أبو صالح وأبو رزين والأعرج وثابتٌ الأحنفُ وهمام بن
منبه [ أخو وهب بن منبه] (3) وأبو السدي عبد الرحمن رووه[كلهم] (3)
عن أبي هريرة فلم يذكروا التراب.
ش- أبان هو أبان بن يزيد العطار البصري، يكنى أبا يزيد، سمع
قتادة، وغيلان بن جرير، ويحيى بن أبي كثير، وأبا عمران الجوْني.
روى عنه: الطيالسي، وحبان بن هلال، ويزيد بن هارون، وموسى بن
إسماعيل. روى له مسلم، وأبو داود، واستشهد به البخاري في غير
موضع (4) .
وأبو صالح ذكوان السمان قد ذكر.
وأبو رزين اسمه: مسعود بن مالك أبو رزين الكوفي الأسدي أسد
خزيمة، مولى أبي وائل شقيق بن سلمة. روى عن: علي بن أبي طالب،
وعبد اللّه بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وأبي هريرة. روى عنه:
إسماعيل بن سميع، وإسماعيل بن أبي خالد، وابنه عبد اللّه بن مسعود،
والأعمش. قال أبو زرعة: ثقة. روى له الجماعة إلا البخاري (5) .
والأعرج هو عبد الرحمن، وقد ذكر.
وثابت الأحنف هو ابن عياض الأعرج الأحنف القرشي العدوي، مولى
عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب. وقال ابن سعد: ثابت بن الأحنف بن
عياض سمع عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الزبير،
(1) في سنن أبي داود: " سبع مرات " . (2) انظر تخريج الحديث رقم (60) .
(3) غير موجود في سنن أبي داود.
(4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (2/143) وفيه: " روى له الجماعة إلا
النسائي " .
(5) المصدر السابق (27/5912) .

(1/215)


وأبا هريرة. روى عنه: عمرو بن دينار، ويحيى بن سعيد الأنصاري،
وسليمان الأحول، وغيرهم. قال أبو حاتم: لا بأس به روى له:
البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي (1) .
وهمام بن منبه أبو عقبة قد ذكر.
وأبو السدي عبد الرحمن بن أبي كريمة، روى عن أبي هريرة- رضي
اللّه عنه-. وقال الحافظ الذهبي في " تذهيب التهذيب " : عبد الرحمن
ابن أبي كريمة عن أبي هريرة، وعنه ابنه إسماعيل السدي حديث: " الإيمانُ
قيدُ الفتْك، لا يفتكُ مؤمن " (2) .
قوله: " رووه كلهم " أي: رووا هذا الحديث كل هؤلاء المذكورين،
فلم يذكروا في روايتهم " التراب " ، ومعنى قوله: " السابعة " أي: المرة
السابعة بالتراب،. وهذه جملة لا محل لها من الإعراب؛ لأنها وقعت
كالتفسير لقوله: " سبع مرار " ، والأولى أن تكون صفة للسبع، ويكون
محلها النصب، و " (3) معنى الغسل بالتراب: أن يخلط التراب بالماء
حتى يتكدر، ولا فرق بين أن يطرح الماء على التراب، أو التراب على
الماء، أو يأخذ الماء الكدر من موضع فيغسل به، فأما مسح موضع
النجاسة بالتراب فلا يجزئ. وقال الشيخ محيى الدين: ولا يحب إدخال
اليد في الإناء، بل يكفي أن يلقيه في الإناء ويحركه، ويستحب أن يكون
التراب في غير الغسلة الأخيرة، ليأتي عليه ما ينظفه، والأفضل، أن يكون
في الأولى " (غ) .
قلت: هذه الرواية تدل على أن يكون التراب سابع سبعة " فكيف
يكون الأولى هو الأفضل؟ وأما الرواية الأخرى تدل على أن تكون السابعة
__________
(1) المصدر السابق (4/825) . (2) المصدر السابق (17/3940) .
(3) انظر: " شرح صحيح مسلم " (3/186) .
(4) إلى هنا انتهى النقل من " شرح صحيح مسلم " .

(1/216)


هي الأولى، فح (1) لا يترجح أحدهما على الآخر، بل له أن يجعل
التراب إما أولاً، وإما آخراً من غير ترجيح أحدهما على الآخر.
وقال أيضاً: " ولا يقوم الصابون والأشنان وما أشبههما/مقام التراب
على الأصح " (2) .
63- ص- حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل قال: نا يحيى بن سعيد،
عن شعبة قال: نا أبو التياح، عن مطرف، عن ابن مغفل: " أن رسول الله
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بقتل الكلاب " ، ثم قال: " ما لهم ولها؟ فرخّص في كلب الصيد،
وفي كلب الغنم " ، وقال: " إذا ولغ الكلبُ في الإناء فاغسلُوه سبع مرار،
والثامنة عفًرُوه بالتراب " (3) ، (4) .
ش- يحيي بن سعيد هو القطان، وقد ذكر.
وأبو التياح- بتاء مثناة من فوق، بعدها ياء آخر الحروف مشددة، وفي
آخره حاء مهملة- اسمه: يزيد بن حميد الضبعي من أنفسهم، سمع
أنس بن مالك، وعمران بن حصين، وأبا جمرة نصر بن عمران،
وأبا زرعة، وغيرهم روى عنه: شعبة، والحمادان، والحسن بن
دينار، وغيرهم. قال أحمد: ثبت ثقة. مات سنة ثمان وعشرين ومائة.
روى له الجماعة (5) .
ومطرف بن عبد الله بن الشخير بن عوف بن كعب أبو عبد اللّه
البصري. روى عن عثمان بن عفان، وسمع عليّ بن أبي طالب،
وعمران بن الحصين، وعبد اللّه بن مغفل، وغيرهم. روى عنه: أخوه
أبو العلاء، والحسن البصري، ومحمد بن واسع، وأبو التياح، وغيرهم.
مات سنة خمس وتسعين. روى له الجماعة (6) .
__________
(1) أي: " فحينئذ " . (2) انظر المصدر السابق.
(3) زيد في سنن أبي داود بين معقوفتين: " قال أبو داود: هكذا قال ابن مغفل " .
(4) مسلم: كتاب الطهارة (28) ، النسائي: كتاب الطهارة (1/54) ، ابن ماجه:
كتاب الطهارة (365) ، وفي كتاب الصيد (3200، 3201) .
(5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (32/6978) .
(6) المصدر السابق (28/6001) .

(1/217)


وابن مغفل هو: عبد اللّه بن مغفل المزني الصحابي، وقد ذكر.
قوله: " أمر بقتل الكلاب " إنما أمر بذلك تغليظاً عليهم؛ لأنهم كانوا
متولعين بها، وهذا منسوخ؛ لأنه- عليه السلام- أمر بذلك مرة، ثم
صح أنه نهى عن قتلها، ثم إن كان الكلب عقوراً يجوز قتله، لقوله
- عليه السلام-: " خمس من الفواسق يقتلن في الحل والحرم... "
وعد منها " الكلب العقور " (1) ، وإن لم يكن عقوراً لم يجز قتله
مطلقاً، سواء كان للصيد أو الزرع، أو غير ذلك.
قوله: " ثم قال: ما لهم ولها؟ " أي: ما حالهم وحال الكلاب، وهذا
إشارة إلى النهي عن اقتنائها، " (2) واتفقوا على أنه يحرم اقتناء الكلاب
لغير حاجة، مثل أن يقتني كلباً إعجاباً لصورته أو للمفاخرة به، فهذا
حرام بلا خلاف، وأما الحاجة التي يجوز الاقتناء لها فقد رخص فيه
- عليه السلام-، وهو قول عبد اللّه بن مغفل: " فرخص في كلب
الصيد، وفي كلب الغنم " ، وفي الرواية الأخرى: " وكلب الزرع " ،
وهذا جائز بلا خلاف، وفي هذا المعنى من اقتناه لحراسة الدُّور والدُّرُوب،
واختُلف فيمن اقتنى كلب صيدٍ وهو لا يصيد " .
قوله: " والثامنة عفروه " أي: المرة الثامنة عفروا الإناء بالتراب. وقال
في " المطالع " : معناه: اغسلوه بالتراب، وهو من العفر- بالتحريك-
وهو التراب، يقال: عفرهُ في التراب يُعفّرُهُ عفْراً وعفرهُ تعْفيراً، أي:
مرغه، وشيء معْفُورٌ ومُعفرٌ مُترّبٌ .
وقال الشيخ محيي الدين (3) : " وأما رواية: " وعفروه الثامنة بالتراب "
__________
(1) البخاري: كتاب جزاء الصيد، باب: ما يقتلُ المحرمُ من الدواب (1829) ،
مسلم: كتاب الحج، باب: ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب في الحل
والحرم (1198/66) من حديث عائشة.
(2) انظره في شرح صحيح مسلم (3/186) .
(3) انظر: شرح صحيح مسلم (1/185) .

(1/218)


فمذهبنا ومذهب الجماهير أن المراد اغسلوه سبعاً، واحدة منهن تراب مع
الماء، فكان التراب قائم مقام غسلة، فسميت ثامنة لهذا " .
قلت: هذا مخالف لصريح الحديث؛ لأن صريحه يدل على أن يكون
الغسل بالماء سبع مرات، ويكون التعفير بالتراب مرة ثامنة، وكذا روي
عن الحسن البصري أنه قال: يفتقر إلى دفعة ثامنة، وهي رواية عن الإمام
أحمد على ما ذكرناه وأخرج هذا الحديث مسلم والنسائي وابن ماجه.
***
31- باب: سؤر الهر
أي: هذا باب في بيان أحكام سؤر الهر.
64- ص- حدثنا عبدُ الله بن مسلمة القعْنبي، عن مالك، عن إسحاق
ابن عبد الله بن أبي طلحة، عن حميدة بنت عُبيد بن رفاعة، عن كبشة بنت
كعب بن مالك- وكانت تحت ابن أبي قتادة-: أن أبا قتادة دخل عليها (1)
فسكبت له وضوءاً، فجاءت هرة فشربت منه، فأصغى لها الإناء حتى
شربت. قالت كبشة: فرآني انظر إليه، فقال: أتعجبين يا بنت أخي (2) ؟
فقلت: نعم، فقال: إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إنها ليستْ بنجسٍ ، إنها من
الطوافين عليكم والطوافات " (3) .
ش- عبد اللّه بن مسلمة قد ذكر. ومالك هو مالك بن أنس الإمام،
وقد ذكر أيضاً.
وإسحاق بن عبد الله بن زيد أبي طلحة بن سهل الأنصاري النجاري
المدني، سمع أباه، وعمه أنس/بن مالك، وأبا صالح ذكوان، ورافع
ابن إسحاق، وغيرهم. روى عنه: مالك بن أنس، وابن عيينة،
__________
(1) ساقط من سنن أبي داود. (2) في سنن أبي داود: " يا ابنة أخي " .
(3) الترمذي: كتاب الطهارة (92) ، النسائي: كتاب الطهارة (1/55) ، ابن
ماجه: كتاب الطهارة (367) .

(1/219)


ويحيى بن سعيد الأنصاري، وغيرهم. قال أبو زرعة: هو ثقة. توفي
سنة اثنتين وثلاثين ومائة. روى له الجماعة (1) .
وحميدة- بفتح الحاء- بنت عُبيد بن رفاعة الأنصارية الزرقية،
روت عن كبشة بنت كعب، روى عنها إسحاق بن عبد اللّه، روى لها:
أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (2) .
وكبشة بنت كعب بن مالك، روت عن أبي قتادة، روت عنها حميدة
المذكورة، روى لها: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (3) .
وابن أبي قتادة اسمه: عبد اللّه، وأبو قتادة الحارث بن ربعي،
وكلاهما قد ذكرا.
قوله: " وضوءاً " بفتح الواو، وهو الماء الذي يتوضأ به.
قوله: " فأصغى لها الإناء " أي: أماله، ليسْهُل عليها الشربُ.
قوله: " نعم " بفتح النون، وكنانة تكسرها، وبها قراءة الكسائي،
وهي حرف تصديق ووعد وإعلام، فالأول بعد الخبر، والثاني بعد " افْعل "
و " لا تفعل " ، والثالث بعد الاستفهام.
قوله: " إنها ليست بنجس " بفتح الجيم، يقال لكل مستقذر نجسٌ ، قال
اللّه تعالى: (إنّما المُشْركُون نجس) (4) ، وهذا تعليل لإصغائه الإناء
لها.
وقوله: " إنها من الطوافين عليكم " تعليل لقوله: " إنها ليست بنجس " ،
والطوافون هم بنو آدم، يدخل بعضهم على بعض بالتكرار، والطوافات
هي المواشي التي يكثر وجودها عند الناس، مثل الغنم والبقر والإبل،
وجعل النبي- عليه السلام- الهر من القبيلين، لكثرة طوافه واختلاطه
بالناس، وأشار إلى الكثرة بصيغة التفعيل؛ لأنه للتكثير والمبالغة،
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (2/366) .
(2) المصدر السابق (35/7822) . (3) المصدر السابق (35/7916) .
(4) سورة التوبة: (28) .

(1/220)


وموصوف كل واحد من الطوافين والطوافات محذوف، أقيمت الصفة
مقام موصوفها، ويقدر ذلك بحسب ما يليق له، مثل ما يقال: خدمٌ
طوافون، وحيوانات طوافات، وقد قال الله تعالى: (طوافُون عليكم
بعْضُكُمْ على بعْض) (1) يعني المماليك والخدم الذين لا يُقْدر على
التحفظ منهم غالبا، ويروى: " والطوافات " بواو العطف كما وقع
هاهنا، ويروى بأو التي للشك وغيره، وروي الوجهان عن مالك- رحمه
الله-، واحتج بذلك أبو يوسف من أصحابنا على أن سؤر الهر طاهر
غير مكروه، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد، وقال أبو حنيفة ومحمد:
طاهر مكروه، واحتجا بقوله- عليه السلام-: " السنور سبُع " رواه
الحاكم في " مستدركه " من حديث عيسى بن المسيب، ثنا أبو زرعة، عن
أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " السنور سبُع " . قال الحاكم:
حديث صحيح ولم يخرجاه (2) .
ورواه أيضاً الدارقطني في " سننه " في حديث طويل آخره: " السّنّورُ
سبُع " ، ثم أخرجه مختصراً من جهة وكيع ومحمد بن ربيعة كلاهما عن
عيسى بن المسيب (3) ، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه
- عليه السلام-: " السنور سبُع " وقال وكيع: " الهر سبُع " (4) .
ووجه الاستدلال: أن المراد منه بيان الحكم لا بيان الخلقة؛ لأنه- عليه
السلام- مبعوث لبيان الأحكام والشرائع، لا لبيان الحقائق، فيكون
حكم الهر كحكم السباع في النجاسة، ولكن النجاسة سقطت بعلة
الطّوْف، فانتفت النجاسة، وبقيت الكراهة عملاً بالحديثين. وقال بعض
أصحابنا: إن حديث الطوْف محمول على ما قبل التحريم فح (5) يكون
هذا الحديث منسوخا، فلم يبق العمل إلا بالحديث الثاني. وحديث
الطوْف أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه. وقال الترمذي: هذا
__________
(1) سورة النور: (58) . (2) (1/183) .
(3) في الأصل: " سعيد بن المسيب " خطا (4) سنن الدارقطني (1/63) .
(5) أي: " فحينئذٍ " .

(1/221)


حديث حسن صحيح. وقال: وهذا أحسن شيء في هذا الباب، وقد
جود مالك هذا الحديث عن إسحاق بن عبد اللّه بن أبي طلحة، ولم يأت
أحد أتم من مالك، وقال البخاري: جود مالك بن أن هذا الحديث،
وروايته أصح من رواية غيره.
65- ص- حدثنا عبد الله بن مسلمة قال:[ثنا]عبد العزيز، عن داود
ابن صالح بن دينار التّمار، عن أمه، أن مولاتها أرسلتها بهريسة إلى عائشة
- رضي الله عنها- فوجدتها تُصلي، فأشارت إليّ أن ضعيها، فجاءت هرةٌ
فأكلت منها، فلما انصرفتْ أكلت من حيث أكلت الهرةُ، فقالت: إن
رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إنها ليستْ بنجس، إنما هي من الطّوافين عليكم،
/وقد رأيتُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتوضأ بفضْلها " (1) .
ش- عبد العزيز بن محمد بن عبيد بن أبي عبيد الدراوردي أبو محمد
الجهني مولاهم المدني، وقد ذكر مرة.
وداود بن صالح الأنصاري مولاهم التمار، قيل: إنه مولى أبي قتادة
الأنصاري، سمع أبا أمامة بن سهل، وسالم بن عبد اللّه، وأباه صالحاً،
وروى عن أمه. روى عنه: عبد العزيز الدراوردي، وهشام بن عروة،
والوليد بن كثير، وغيرهم. قال أحمد: لا أعلم به بأساً. روى له
أبو داود (2) .
قوله: " بهريسة " الهريسةُ: طعام من قمح ولحم مدقوق، من الهرْس
وهو الدق.
ويستفاد من هذا الحديث فوائد: الأولى: جواز الإهداء بالطعام وقبوله.
والثانية: جواز إشارة المصلي بيده أو عينه.
والثالثة: جواز أكل سؤر الهرة.
والرابعة: جواز التوضئ بسؤر الهرة.
__________
(1) تفرد به أبو داود.
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (8/1764) .

(1/222)


وروى هذا الحديث الطحاوي في " شرح الآثار " ، والدارقطني في
" سننه " ثم قال: تفرد به عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن داود بن
صالح، عن أمه بهذه الألفاظ (1) ، واللّه أعلم.
***
32- باب: الوُضوء بفضل وضوء المرأة
أي: هذا باب في بيان أحكام الوُضوء بفضل وضوء المرأة. الوُضوء
الأول بضم الواو اسم للفعل، والثاني بفتح الواو اسم الماء الذي يتوضأ
66- ص- حدثنا مسدد قال: ثنا يحيى، عن سفيان قال: حدثني
منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة- رضي الله عنها- قالت:
" كُنتُ أغتسلُ أنا ورسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في إناء واحد ونحنُ جُنُبان " (2) .
ش- مسدد بن مسرهد، ويحيى القطان، وسفيان الثوري، ومنصور
ابن المعتمر، وإبراهيم النخعي، والأسود بن يزيد، كلهم ذكروا.
قوله: " ورسول الله " عطف على قوله: " أنا " ، وقد علم أن العطف
على المرفوع المتصل لا يجوز إلا إذا أكد بمنفصل، نحو: ضربت أنا
وزيد، ولا يجوز: ضربت وزيد، وذلك لأن المتصل المرفوع لما تأكد
اتصاله صار كالجزء، فإذا عطفت عليه توهم عطف الاسم على الفعل.
قوله: " ونحن جنبان " جملة اسمية وقعت حالاً من المعطوف والمعطوف
__________
(1) سنن الدارقطني (1/70) .
(2) البخاري: كتاب الغسل، باب: غسل الرجل مع امرأته (250) ، مسلم:
كتاب الطهارة، باب: القدر المستحب في غسل الجنابة (319) ، الترمذي:
كتاب الطهارة، باب: ما جاء في وضوء الرجل والمرأة من إناء واحد (62) ،
النسائي: كتاب الطهارة، باب: ذكر اغتسال الرجل والمرأة من نسائه في إناء
واحد (1/129) .

(1/223)


عليه، وقوله: " جنبان " على إحدى اللغتين في الجنب، أنه يثنى ويجمع
فيقال: جنبان وجنبون وأجناب، واللغة الأخرى: رجل جنب، ورجلان
جنب، ورجال جنب، ونساء جنب، بلفظ واحد، قال اللّه تعالى:
(وإن كُنتُمْ جُنُباً) (1) ، وقال: (ولا جُنُباً إلا عابري سبيل) (2) ، وهذه
اللغة أفصح وأشهر. ويستفاد من هذا الحديث فوائد:
الأولى: أن الجنب ليس بنجس.
والثانية: أن فضل وضوء المرأة طاهر.
والثالثة: جواز اغتسال الاثنين أو أكثر من إناء واحد.
وأخرج النسائي هذا الحديث مختصراً، ومسلم من حديث أبي سلمة بن
عبد الرحمن، عن عائشة، والبخاري من حديث عروة، عن عائشة
قالت: " كنت أغتسلُ أنا ورسولُ الله- عليه السلام- من إناء واحد من
جنابة " .
67- ص- حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي قال: نا وكيع، عن أسامة بن
زيد، عن ابن خربوذ، عن أم صُبية الجهنية قالت: " اختلفتْ يدي ويدُ
رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الوُضوء من إناء واحد " (3)
ش- أسامة بن زيد الليثي مولاهم أبو زيد المدني، روى عن: يعقوب
ابن عبد اللّه بن أبي طلحة، وأبي سعيد مولى عبد الله بن عامر بن كريز،
ونافع، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، والزهري، وغيرهم.
روى عنه: الثوري، وابن المبارك، وابن وهب، ووكيع، وغيرهم.
قال ابن معين: هو ثقة حجة. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج
به. وقال النسائي: ليس بالقوي. روى له الجماعة، واستشهد به
البخاري (4) .
__________
(1) سورة المائدة: (6) . (2) سورة النساء: (43) .
(3) ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: الرجل والمرأة يتوضأن من إناء واحد
(382) .
(4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (2/317) .

(1/224)


وابن خربوذ هو سالم بن سرْج- بالجيم-، وهو ابن خرّبُوذ
أبو النعمان، ويقال سالم بن النعمان، مولى أم صُبية الجهنية، روى عن
مولاته أم صُبية ولها صحبة. روى عنه أسامة بن زيد المدني وغيره. وثقه
ابن معين وغيره. روى له البخاري في " الأدب " ، وأبو داود، وابن
ماجه (1) .
و " خربُوذ " بفتح الخاء المعجمة، والراء المشددة،/وضم الباء
الموحدة، وفي آخره ذال معجمة، وهو لا ينصرف للعلمية والعجمة.
وأم صُبية اسمها: خولة بنت قيس بن قهد بن قيس بن ثعلبة بن غنم بن
مالك بن النجار. روى عنها معروف (2) بن خربوذ، روى لها أبو داود،
وابن ماجه (3) .
و " أم صُبية " بضم الصاد، وفتح الباء الموحدة، وتشديد الياء آخر
الحروف وفتحها، وبعدها تاء تأنيث.
قوله: " اختلفت يدي ويدُ رسول الله " بمعنى: أنها كانت تغرف هي مرة
ورسول اللّه مرة. ويستفاد من هذا فائدتان: الأولى: جواز توضئ
الاثنين من إناء واحد.
والثاني: جواز توضئ الرجل والمرأة من إناء واحد.
وأخرج هذا الحديث ابنُ ماجه.
68- ص- حدّثنا مسدد قال: نا حماد، عن أيوب، عن نافع ج، وحدثنا
عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: " كان الرجالُ
والنساءُ يتوضوءُون في زمان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " . قال مسدد: " من الإناء
الواحد جميعاً " (4) .
__________
(1) المصدر السابق (10/2147) . (2) كذا (3) المصدر السابق (35/7987) .
(4) البخاري: كتاب الوضوء، باب: وضوء الرجل مع امرأته (193) ، النسائي:
كتاب الطهارة، باب: وضوء الرجال والنساء جميعاً (1/57) ، ابن ماجه:
كتاب الطهارة، باب: الرجل والمرأة يتوضأن من إناء واحد (381) .
15. شرح سنن أبي داوود 1

(1/225)


ش- حماد بن زيد، وأيوب السختياني، ونافع مولى ابن عمر،
ومالك بن أنس ذكروا كلهم.
روى أبو داود هذا الحديث من طريقين كما ترى.
قوله: " جميعاً " حال من الرجال والنساء، والمعنى مجتمعين.
وأخرجه النسائي وابن ماجه، وأخرجه البخاري وليس فيه: " من الإناء
الواحد " .
69- ص- حدّثنا مسدد قال: ثنا يحيى، عن عبيد الله قال: حدثني نافع،
عن عبد الله بن عمر قال: " كنا نتوضأ نحنُ والنساءُ ونغتسلُ من إناء واحد
على عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " زاد فيه: " نُدْلي فيه أيدينا " (1) ، (2) .
ش- يحيى هو القطان، وعبيد اللّه هو ابن عمر بن حفص بن عاصم
ابن عمر بن الخطاب القرشي العدوي أبو عثمان المدني، أخو عبد الله
وأبي بكر وعاصم، سمع أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص،
وسالم بن عبد الله، وكريباً مولى ابن عباس، وسعيداً (3) المقبري،
ونافعاً مولى ابن عمر، وعمرو بن الدينار وغيرهم. روى عنه: أيوب
السختياني، وحميد الطويل، وابن جريج، والثوري، والليث بن
سعد، ويحيى القطان، وابن المبارك، وجماعة آخرون كثيرة. روى له
الجماعة (4) .
قوله: " والنساء " عطف على قوله: " نحن " ، وقد قلنا: إن الضمير
المرفوع المتصل لشدة اتصاله بالفعل، لا يعطف عليه إلا بضمير منفصل،
حتى لا يتوهم عطف الاسم على الفعل.
قوله: " ندلي " من الإدلاء، والإدلاء: هو إرسال الدلو في البئر،
__________
(1) في سنن أبي داود: " كنا نتوضأ نحن والنساء على عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من إناء
واحد، ندلي فيه أيدينا " كذا.
(2) انظر التخريج السابق. (3) في الأصل: " وسعيد " .
(4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (19/3668) .

(1/226)


يقال: اً دْليْتُ الدلو ودلّيْتُها إذا أرسلتها، ودلوْتُها أدْلُوها فأنا دال إذا
أخرجتها، والمعنى هاهنا: إرسال أيديهم في الإناء مثل ما يرسلُ الدلو.
ويستفاد من هذا الحديث جواز توضئ الرجال والنساء واغتسالهم من
إناء واحد، ولكن المراد من هذا توضؤُ النساء واغتسالهن مع أزواجهن لأن
" الألف واللام " في قوله: " والنساء " بدل من المضاف إليه، والتقدير:
نتوضأ نحن ونساؤنا، يعني: أزواجنا، وذلك لأن الأجنبية لا يجوز لها
أن تغتسل مع الرجل من إناء واحد؛ لأن الاختلاء بها حرام والاغتسال لا
يكون إلا في الخلوة، لاحتياج الإنسان إلى كشف البدن، يدل على ذلك
ما مر من حديث عائشة- رضي الله عنها-، وأما توضؤ المرأة مع الرجل
الأجنبي من إناء واحد، فظاهر حديث أم صُبية يدل على جوازه، ولأن
فيه لا يحتاج إلى الاختلاء، ولا كشف العورة، ووجه الحرة ويداها ليست
بعورة، وفي قدمها روايتان.
***
33- باب: النهي عن ذلك
أي: هذا باب في بيان حكم النهي عن توضئ الرجل واغتساله بفضل
المرأة.
70- ص- حدثنا أحمد بن يونس قال: نا زهير، عن داود بن عبد الله.
ج وحدثنا مسدد قال: نا أبو عوانة، عن داود بن عبد الله، عن حُميد
الحمْيري قال: لقيتُ رجلاً صحب رسول الله-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أربع سنين- كما صحبهُ
أبو هريرة- قال: " نهى رسولُ الله أن تغتسل المرأةُ بفضل الرجل، أو يغتسل
الرجلُ بفضل المرأة " ، زاد مسدد: " وليغْترفا جميعاً " (1) .
ش- زهير هو ابن معاوية، وداود بن عبد الله الأودي، وأبو عوانة
اسمه: الوضاح، وحميد بن عبد الرحمن، ذكروا كلهم.
__________
(1) النسائي: كتاب الظهارة، باب: ذكر النهي عن الاغتسْال بفضل الجنب
(1/130) .

(1/227)


/قوله: " بفضل الرجل " أي: بالماء الذي فضل من الرجل، وبالماء
الذي فضل من المرأة. " (1) وجه الجمع بين أحاديث هذا الباب وأحاديث
الباب الذي قبله أن النهي هاهنا إنما وقع عن التطهر بفضل ما تستعمله المرأة
من الماء، وهو ما سال من أعضائها دون الفضل الذي تُسْئرُهُ في الإناء،
وجواب آخر: أن النهي محمول على الاستحباب، وجواب آخر: أن
إسناد عائشة في الإناء أجود من إسناد خبر النهي. وقال محمد بن
إسماعيل البخاري: حديث الأقرع لا يصح، والصحيح في هذا الباب
حديث عبد الله بن سرجس، وهو موقوف، ومن رفعه فقد أخطأ " .
والإجماع على أن تطهر الرجل والمرأة من إناء واحد جائز، وكذلك
تطهر المرأة بفضل الرجل جائز بالإجماع، وأما تطهر الرجل بفضلها فهو
جائز عند جماهير العلماء منهم: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي سواء
خلت به أو لم تخلْ، وذهب أحمد بن حنبل وداود إلى أنها إذا خلت
بالماء واستعملته لا يجوز للرجل استعمال فضلها، وروى هذا عن عبد الله
ابن سرجس، والحسن البصري، ورُوي عن أحمد كمذهب الجمهور،
ورُوي عن الحسن، وسعيد بن المسيب كراهة فضلها مطلقاً، والمختار ما
قاله الجماهير للأحاديث الصحيحة التي وردت في تطهره- عليه السلام-
مع أزواجه، وكل واحد منهما مستعمل فضل صاحبه، ولا تأثير للخلوة،
وقد ثبت في الحديث الآخر: " أنه- عليه السلام- اغتسل بفضل بعض
أزواجه " رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي وأصحاب السنن. قال
الترمذي: هو حديث حسن صحيح.
قوله: " وليغترفا جميعاً " أي: ليغترف الرجل والمرأة مجتمعين في حالة
واحدة، وهذه الزيادة في رواية مسدد. وأخرج هذا الحديث النسائي.
71- ص- حدثنا ابن بشار قال: ثنا أبو داود قال: ثنا شعبة، عن عاصم،
__________
(1) انظر: معالم السنن (1/36) .

(1/228)


عن أبي حاجب، عن الحكم بن عمرو- وهو الأقرع-: " أن النبي- عليه
السلام- نهى أن يتوضأ الرجلُ بفضْل طهور المرأة " .
ش- ابن بشار هو محمد بن بشار بُنْدار، وقد ذكر.
وأبو داود هذا هو سليمان بن داود بن الجارود أبو داود الطيالسي
البصري، أصله فارسي، مولى القريش (1) . وقال ابن معين: مولى
لآل (2) الزبير بن العوام، سمع الثوري، وشعبة، وأبان العطار،
وهشاماً الدسْتُوائي، وأبا عوانة، وابن المبارك، وجماعة آخرين. روى
عنه: أحمد بن حنبل، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأخوه عثمان، ومحمد
ابن بشار، ومحمد بن المثنى، ومحمد بن سعد، وجماعة آخرون.
وعن عمرو بن علي: ما رأيت في المحدثين أحفظ من أبي داود الطيالسي
سمعته يقول: أسردُ ثلاثين ألف حديث ولا فخر. وقال يونس بن
حبيب: قدم علينا أبو داود فأملى علينا من حفظه مائة ألف حديث، أخطأ
في سبعين موضعاً فأصلحوها، مات سنة أربع ومائتين وهو ابن إحدى
وسبعين، روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي،
والنسائي، وابن ماجه (3) .
وشعبة هو ابن الحجاج، وعاصم بن سليمان الأحول.
وأبو حاجب سوادة بن عاصم العنزي أبو حاجب، وليس بأخي نصر
ابن عاصم. روى عن: الحكم بن عمرو الغفاري، وعائذ بن عمرو.
روى عنه: سليمان التيمي، وعاصم الأحول، وشعبة. قال ابن معين:
ثقة. روى له: الترمذي، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه (4) .
والحكم بن عمرو بن مُجْدح (5) بن حذْيم بن حُلْوان بن الحارث
__________
(1) في الأصل: " لقريش " . (2) في الأصل: " مولى " .
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (11/2507) .
(4) المصدر السابق (12/2635) .
(5) كذا بالحاء، وفي أسد الغابة والإصابة وتهذيب الكمال: " مُجدع " بالعين=

(1/229)


الغفاري ويقال له: الحكم بن الأقرع. قال ابن سعد: صحب النبي
- عليه السلام- حتى قبض ثم تحول إلى البصرة فنزلها. انفرد به البخاري
فروى له حديثاً واحداً. روى عنه: عبد اللّه بن الصامت، وسوادة بن
عاصم، وابن سيرين، وغيرهم. توفي بمرو سنة خمسين، ودفن هو
وبريدة الأسلمي الصحابي في موضع واحد. روى له: أبو داود،
والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (1) .
قوله: " بفضل طهور المرأة " بفتح الطاء، وقد ذكرنا حكم هذا
الحديث، وقد قال جماعة من المحدثين: إن هذا الحديث لا يصح، ومنهم
البخاري كما ذكرنا. وقال البخاري: سوادة بن عاصم أبو حاجب
العنزي لا أراه يصح عن الحكم بن عمرو. وأخرج الترمذي وابن ماجه
هذا الحديث. وقال الترمذي: " هذا حديث حسن " ، ولو كان صحيحاً
لنص عليه، وأشار الخطابي أيضاً إلى عدم صحته.
***
/34- بابُ: الوضوء بماء البحر
أي: هذا باب في بيان حكم التوضئ بماء (2) البحر.
72- ص- حدّثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن صفوان بن سليم،
عن سعيد بن سلمة بن الأزرق من آل (3) ابن الأزرق: أن المغيرة بن أبي بردة
- وهو من بني عبد الدار- أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول: سأل رجلٌ
رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: " يا رسول الله، إنّا نركبُ البحر، ونحملُ معنا القليل
__________
= المهملة، وقال محققه: " جاء في حاشية نسخة المؤلف بخطه: كذا قيده ابن
ماكولا (7/223) ، وقال غيره: مجدح بالحاء " . قلت: وكذا هو في
الاستيعاب، إلا أنه تصحف إلى " محدج " بالجيم.
(1) انظر ترجمته في: الاستيعاب (1/314) بهامش الإصابة، وأسد الغابة
(2/40) ، والإصابة (1/346) .
(2) في الأصل: " بباب " . (3) في الأصل: " مولى " خطأ.

(1/230)


من الماء، فإن توضأ نا به عطشْنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" هو الطهُورُ ماؤُه، الحل ميتتهُ " (1) .
ش- مالك هو: ابن أنس الإمام.
وصفوان بن سليم المدني أبو عبد الله، ويقال: أبو الحارث الزهري
أبوه سُليم مولى حميد بن عبد الرحمن بن عوف. روى عن: عبد اللّه
ابن عُمر، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن جعفر، وسمع أنس بن
مالك، وحميد بن عبد الرحمن، وعبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري،
وغيرهم. روى عنه: مالك بن أنس، والثوري، وابن عيينة، وزياد بن
سعد، وجماعة آخرون. قال أحمد: ثقة، من خيار عباد الله. توفي
بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين ومائة. روى له الجماعة (2) .
وسعيد بن سلمة المخزومي من آل بني (3) الأزرق، روى عن المغيرة بن
أبي بردة. روى عنه: صفوان بن سليم، روى له أبو داود، والترمذي،
والنسائي، وابن ماجه (4) .
والمغيرة بن أبي بردة رجل من بني [ عبد ] الدار، روى عن أبي هريرة 0
روى عنه: يحيى بن سعيد الأنصاري، وصفوان بن سليم، وأبو مرزوق
التُجيبي، وغيرهم. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن
ماجه (5) .
قوله: " وهو من بني [ عبد ] الدار " أي: المغيرة بن أبي بردة رجل من
بني [ عبد ] ا لدار.
__________
(1) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في ماء البحر أنه طهور (69) ،
النسائي: كتاب الطهارة، باب: في ماء البحر (1/50) ، ابن ماجه: كتاب
الطهارة، باب: الوضوء بماء البحر (386) .
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (13/2882) .
(3) كذا.
(4) المصدر السابق (10/2289) .
(5) المصدر السابق (28/6123) .

(1/231)


قوله: " هو الطهور ماؤه " " هو " مبتدأ، و " الطهور " مبتدأ ثان، و " ماؤه"
خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر المبتدأ الأول.
ويجوز أن يكون ارتفاع " ماؤه " بإسناد " الطهُور " إليه، ويكون الفاعل
مع فعله خبراً للمبتدأ؛ لأن الطّهور اسم بمعنى المطهّر، واسم الفاعل
يعمل عمل فعله كما عرف في موضعه، وهذا التركيب فيه القصر؛ لأن
المبتدأ والخبر وقعا معرفتين، وهو من جملة طرق القصر، وهو من قبيل
قصر الصفة على الموصوف؛ لأنه قصر الطهورية على ماء البحر، وقصر
الصفة على الموصوف أن لا تجاوز الصفة ذلك الموصوف إلى موصوف
آخر، لكن يجوز أن يكون لذلك الموصوف صفات أخر، وهذا قصر
ادعائي، وهو يكون فيما إذا قصد به المبالغة لعدم الاعتداد بغيره؛ لأنه لا
يجوز أن يكون قصراً حقيقيا؛ لأن الطهورية ليست بمقصورة على ماء البحر
فقط، ولكن النبي- عليه السلام- لشدة اعتنائه ببيان طهورية ماء البحر
قصرها عليه مبالغة " وادعاء، وهذا من قبيل القصر القلب؛ لأن السائل كان
في اعتقاده أن التوضأ بماء البحر غير جائز، فأثبته- عليه السلام- بعكس
ما في قلبه، ويجوز أن يكون قصر تعيين؛ لأنه كان يتردد بين جواز
الوضوء به، وبن عدمه من غير علم بالتعيين، فعينه- عليه السلام-
بقوله: " هو الطهور ماؤه " ، وهذا أولى من الأول، فافهم.
قوله: " الحل ميتته " التقدير: هو الحل ميتته، والكلام فيه مثل الكلام
في " هو الطهور ماؤه " ، والحل- بكسر الحاء- بمعنى الحلال ضد
الحرام، من حلّ يحلُّ من باب ضرب يضرب ويقال: رجل حلال وحل
وحرام وحرم، و " الميتة " بفتح الميم، وعوام الرواة يكسرون الميم وهو
خطأ، ولما كان بين الجملتين اتصالاً ومماسه في الحكم فصل بينهما ولم
يوصل بالعاطف، لئلا يُشعر إلى المغايرة.
واحتج مالك والشافعي وأحمد بهذا الحديث على أن جميع ما في البحر
حلال إلا الضفدع في رواية عن أحمد وقول الشافعي، وعنهم: لا يحل
في البحر ما لا يحل مثله في البر. وقال أصحابنا: لا يؤكل من حيوان

(1/232)


الماء إلا السمك بأنواعه لقوله تعالى: (ويُحرّمُ عليْهمُ الخبائث) (1) وما
سوى السمك خبث، والجواب عن الحديث: أن الميتة فيه محمولة على
السمك بدليل قوله- عليه السلام-: " أحلت لنا ميتتان ودمان، أما
الميتتان: فالسمك والجراد " (2) الحديث.
ويستفاد من هذا الحديث/فوائد:
الأولى: أن العالم والمُفْتي إذا سئل عن شيء وهو يعلم أن بالسائل
حاجة إلى معرفة ما وراءه من الأمور التي تتضمنها مسألته كان مستحبا له
تعليمه إياه، ألا ترى أن السائل سأله - عليه السلام- عن ماء البحر لا
رأى تغيره في اللون، وملوحته في الطعم؟ أجابه- عليه السلام- وزاد
فائدة أخرى، وهي كون ميتته حلا، وذلك لاحتياجه إليه أو كأنه- عليه
السلام- علم بالوحي أنه كان يسأل عن ميتته أيضاً، فأجابه قبل السؤال
إسراعاً إلى فضيلة التعليم.
الثانية: أن العالم إذا تفرد بالجواب يتعين عليه ذلك.
الثالثة: أنه يحب على كل أحد أن يسأل أهل العلم عما لا يعلمه أو
يتردد فيه.
الرابعة: فيه دليل على أن الماء لا يفسد بموت السمك فيه، وعلى قول
الخصوم لا يفسد بموت جميع ما فيه من الحيوان، ومنهم من استثنى
الضفدع لأنه- عليه السلام- ينهى عن قتله.
الخامسة: فيه دليل على أن ماء البحر يجوز به التوضؤ والاغتسال.
السادسة: فيه دليل على أن السمك يجوز أكله بجميع أنواعه إلا الطافي
منه، لورود النهي عن الطافي.
السابعة: فيه دليل على أن السمك لا ذبح فيه، لإطلاق اسم الميتة عليه.
__________
(1) سورة الأعراف: (157) .
(2) ابن ماجه: كتاب الأطعمة، باب: الكبد والطحال (3314) .

(1/233)


وأخرج هذا الحديث الترمذيُّ، والنّسائيُّ، وابن ماجه. وقال
الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الترمذي: سألت محمد بن
إسماعيل البخاري عن هذا الحديث فقال: هو حديث صحيح.
قال البيهقي: وإنما لم يخرجه البخاري ومسلم في " صحيحيهما "
لأجل اختلاف وقع في اسم سعيد بن سلمة والمغيرة بن أبي بردة.
***
35- باب: الوضوء بالنبيذ
أي: هذا باب في بيان حكم الوضوء بنبيذ التمر. النبيذ: ما يعمل من
الأشربة من التمر والزبيب والعسل والحنطة والشعير، وغير ذلك. يقال:
نبذت التمر والعنب إذا تركت عليه الماء ليصير نبيذاً، فصُرف من مفعول
إلى فعيل. وانتبذته: اتخذته نبيذاً، وسواء كان مسكراً أو غير مسكر فإنه
يقال له: نبيذ، ويقال للخمر المعتصر من العنب نبيذ، كما يقال للنبيذ
خمرٌ .
73- ص- حدّثنا هناد وسليمان بن داود العتكي، قالا: ثنا شريك، ص 0
أبي فزارة، عن أبي زيد، عن عبد الله بن مسعود: أن النبيّ- عليه السلام
قال[له] (1) ليلة الجنّ: " ما في إداوتك؟ " قال: نبيذٌ ، قال: " تمْرةٌ طيبّة
وماءٌ طهور " . قال أبو داود: قال سليمان بن داود: عن أبي زيد أو زيد قال:
كذا قال شريك، ولم يذكر هناد " ليلة الجن " (2) .
ش- هناد هو ابن السرى، وسليمان بن داود، وشريك بن عبد اللّه
النخعي، قد ذكروا.
وأبو فزارة راشد بن كيسان العبسي أبو فزارة الكوفي، روى عن
عبد الرحمن بن أبي ليلى، وميمون بن مهْران، ويزيد بن الأصم، وأبي زيد
__________
(1) زيادة من سنن أبي داود.
(2) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في الوضوء بالنبيذ (88) ، ابن
ماجه: كتاب الطهارة، باب: الوضوء بالنبيذ (384) .

(1/234)


]مولى]عمرو بن حريث. روى عنه: جرير بن حازم، وسفيان
الثوري، وشريك، وحماد بن زيد، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة.
وقال أبو حاتم: صالحٌ . روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي،
وابن ماجه (1) .
وأبو زيد مولى عمرو بن حريث، ولا يُعرف له اسم (2) .
وزيد بن وهب الجهني، وقد ذكر.
قوله: " في إداوتك " الإداوة بكسر الهمزة: إناء صغير من جلد يُتخذ
للماء كالسطحة ونحوها، وجمعها " أداوى " ، ويجوز أن تكون كلمة
" ما " في قوله: " ماذا (3) في إداوتك؟ " استفهاماً، و " ذا " إشارة نحو:
ماذا التواني؟ ويجوز أن تكون " ما " استفهاماً و " ذا " موصولة،
والمعنى: ما الذي في إداوتك؟ ويجوز أن تكون " ماذا " كله استفهاماً على
التركيب، ويجوز أن تكون " ما " استفهاماً و " ذا " زائدة، والتقدير: ما
في إداوتك؟ وقد أجاز هذا الوجه جماعة منهم: ابن مالك.
قوله: " نبيذ " مرفوع على الابتداء وخبره محذوف، والتقدير: فيها
نبيذ؟، والنكرة تقع مبتدأ إذا كان خبره ظرفاً مقدماً نحو: في الدار رجل،
وهو من جملة المخصصات.
قوله: " تمرة طيبة " ارتفاع " تمرة لما على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي:
هو تمرة. وارتفاع " طيبة " على أنها صفة للتمرة، والطيب خلاف
الخبيث، والطهور بفتح الطاء.
/وقد احتج أبو حنيفة بهذا الحديث أن الرجل إذا لم يجد إلا نبيذ التمر
يتوضأ ولا يتيمم. وقال أبو يوسف: لا يتوضأ به ويتيمم (4) ، وهو قول
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (9/1828) .
(2) المصدر السابق (33/7375) .
(3) كذا، ولفظ الحديث: " ما " .
(4) في الأصل: " يتوضأ ولا يتيمم به " خطأ، وانظر: المجموع للإمام النووي
(1/93) .

(1/235)


أبي حنيفة المرجوع إليه، وقول مالك والشافعي وأحمد وزفر، وقال
محمد: يجمع بين الوضوء به والتيمم، وقد دفعوا هذا الحديث بثلاثة (1)
علل: " (2) الأولى: جهالة أبي زيد، فقد قال الترمذي: أبو زيد رجل
مجهول لا يعرف له غير هذا الحديث. وقال ابن حبان في كتاب
" الضعفاء " : أبو زيد شيخ يروي عن ابن مسعود وليس يُدرى من هو،
ولا يعرف أبوه ولا بلده، ومن كان بهذا النعت، ثم لم يرو إلا خبرا
واحداً خالف فيه الكتاب والسُّنة والإجماع والقياس، استحق مجانبته.
وقال ابن أبي حاتم في " كتاب العلل " : سمعت أبا زرعة يقول: حديث
أبي فزارة في الوضوء بالنبيذ ليس بصحيح، وأبو زيد مجهول، وذكر ابن
عدي عن البخاري قال: أبو زيد الذي روى حديث ابن مسعود في
الوضوء بالنبيذ مجهول لا يعرف بصحبة عبد اللّه، ولا يصح هذا الحديث
عن النبي- عليه السلام-، وهو خلاف القرآن.
والعلة الثانية: هي التردد في أبي فزارة، فقيل: هو راشد بن كيسان،
وهو ثقة أخرج له مسلم، وقيل: هما رجلان، وهذا ليس براشد بن
كيسان، وإنما هو رجل مجهول، وقد نقل عن الإمام أحمد أنه قال:
أبو فزارة في حديث ابن مسعود رجل مجهول، وذكر البخاري أن أبا فزارة
العبسي غير مسمى فجعلهما اثنين.
العلة الثالثة: هي إنكار كون ابن مسعود شهد ليلة الجن، وذلك لما
روى مسلم من حديث الشعبي عن علقمة قال: " سألت ابن مسعود هل
كان منكم أحد مع رسول اللّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: لا... " (2) الحديث، وفي
لفظ له قال: " لم أكن مع النبي- عليه السلام- ليلة الجن، ووددت
أني كنت معه " (3) . وما روى أبو داود عن علقمة قال: قلت لعبد الله
ابن مسعود: من كان منكم مع النبي- عليه السلام-؟ قال:
__________
(1) كذا.
(2) انظر: نصب الراية (1/138- 139) .
(3) مسلم (: كتاب الصلاة، باب: الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن (450) .

(1/236)


" ما كان معه منا أحد " . ورواه الترمذي أيضاً في تفسير سورة
الأحقاف " (1) .
والجواب عن العلة الأولى: أن هذا الحديث رواه جماعة عن أبي فزارة،
فرواه عنه شريك كما أخرجه الترمذي وأبو داود، ورواه سفيان، والجراح
ابن مليح كما أخرجه ابن ماجه، ورواه عنه إسرائيل كما أخرجه عبد الرزاق
في " مصنفه " (2) ، ورواه عنه قيس بن الربيع كما أخرجه عبد الرزاق (2) ،
والجهالة عند المحدثين نزول برواية اثنين فصاعداً، فأين الجهالة بعد ذلك؟
إلا أن يراد جهالة الحال، هذا وقد صرح ابن عدي بأنه راشد بن كيسان
فقال: مدار هذا الحديث على أبي فزارة عن أبي زيد، وأبو فزارة اسمه
كيسان، وهو مشهور، وأبو زيد [ مولى ] عمرو بن حريث مجهول،
وحكي عن الدارقطني أنه قال: أبو فزارة في حديث النبيذ اسمه: راشد
ابن كيسان. وقال ابن عبد البر في كتاب " الاستيعاب " : أبو فزارة العبسي
راشد بن كيسان ثقة عندهم.
والجواب عن العلة الثالثة: أن هذا الحديث له سبعة طرق جميعها أن
ابن مسعود كان مع النبي- عليه السلام- " (3) الأول: ما رواه أحمد في
" مسنده " ، والدارقطني في " سننه " : عن سعيد مولى بني هاشم، عن
حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي رافع، عن ابن مسعود: أن
النبي- عليه السلام- قال له ليلة الجن: " أمعك ماء؟ " قال: لا.
قال: " أمعك نبيذ؟ " قال: أحسبه قال: نعم فتوضأ به " (4) .
__________
(1) يأني برقم (74) ، وإلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.
(2) (1/179) .
(3) انظر هذه الطرق والروايات بالتفصيل في: نصب الراية (1/141- 147) .
(4) أحمد (1/455) ، الدارقطني (1/77) ، وقال الدارقطني: " علي بن زيد
ضعيف، وأبو رافع لم يثبت سماعه من ابن مسعود، وليس هذا الحديث في
مصنفات حماد بن سلمة، وقد رواه أيضاً عبد العزيز بن أبي رزمة، وليس هو
بقوي " .

(1/237)


الثاني: ما رواه الدارقطني من طريق محمد بن [ عيسى بن ] حيان،
عن الحسن بن قتيبة، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن
أبي عبيدة وأبي الأحوص، عن ابن مسعود قال: مر بي رسول اللّه- غليه
السلام- فقال: " خذ معك إداوة من ماء " ، ثم انطلق وأنا معه، فذكر
حديثه ليلة الجن، وفيه (1) : " فلما أفرغت عليه من الإداوة إذا هو نبيذ،
فقلت: يا رسول اللّه، أخطأت بالنبيذ، فقال: تمرة حلوة وماء عذب " (2) .
الثالث: ما رواه الدارقطني أيضاً عن معاوية بن سلام عن أخيه زيد،
عن جده أبي سلام، عن ابن غيلان الثقفي: أنه سمع عبد الله بن مسعود
يقول: " دعاني رسول اللّه ليلة الجن بوضوء، فجئته بإداوة فإذا فيها نبيذ،
فتوضأ رسول اللّه- عليه السلام- " (3) .
الرابع: ما رواه الدارقطني أيضاً عن الحسين بن عبيد اللّه العجلي، ثنا
أبو معاوية، عن الأعمش،/عن أبي وائل قال: سمعت ابن مسعود
يقول: " كنت مع النبي- عليه السلام- ليلة الجن، فأتاهم فقرأ عليهم
القرآن، فقال لي رسول الله في بعض الليل: أمعك ماء يا ابن مسعود؟
قلت: لا واللّه يا رسول اللّه إلا إداوة فيها نبيذ، فقال- عليه السلام-:
تمرة طيبة، وماء طهور، فتوضأ به " (4) .
الخامس: ما رواه الطحاوي في " كتابه " : حدثنا يحيى بن عثمان، ثنا
أصبغ بن الفرج وموسى بن هارون البردي قالا: ثنا جرير بن عبد الحميد،
عن قابوس، عن أبيه، عن ابن مسعود قال: " انطلق رسول الله إلى
البراز فخط خطا وأدخلني فيه، وقال: لا تبرح حتى أرجع إليك،
__________
(1) غير واضحة في الأصل، وغير موجودة في سنن الدارقطني.
(2) الدارقطني (1/78) وقال: " تفرد به الحسن بن قتيبة، عن يونس، عن
أبي إسحاق، والحسن بن قتيبة ومحمد بن عيسى ضعيفان " .
(3) الدارقطني (1/78) وقال: الرجل الثقفي الذي رواه عن ابن مسعود مجهول.
قيل: اسمه عمرو، وقيل: عبد الله بن عمرو بن غيلان.
(4) الدارقطني (1/78) وقال: " الحسن بن عبيد الله يضع الحديث على الثقات " .

(1/238)


ثم أبطاً فما جاء حتى السّحر، وجعلت أسمع الأصوات، ثم جاء
فقلت: أين كنت يا رسول اللّه؟ قال: أُرْسلت إلى الجن، فقلت: ما
هذه الأصوات التي سمعت؟ قال: هي أصواتهم حين ودعوني وسلموا
علي " . قال الطحاوي: ما علمنا لأهل الكوفة حديثاً يثبت أن ابن مسعود
كان مع النبي- عليه السلام- ليلة الجن مما يقبل مثله إلا هذا.
السادس: ما رواه ابن عدي في " الكامل " من حديث أبي عبد الله
الشقري عن شريك القاضي، عن أبي زائدة، عن ابن مسعود قال: " قال
لي رسول الله: أمعك ماء؟ قلت: لا، إلا نبيذٌ في إداوة، قال: تمرة
طيبة وماء طهور فتوضأ " (1) .
والسابع: ما رواه أبو داود هذا، وأخرجه الترمذي، وابن ماجه،
وفي حديث الترمذي: " قال: فتوضأ منه " (2) .
فإن قلت: هذه الطرق كلها مخالفة لما في " صحيح مسلم " أنه لم
يكن معه. قلت: التوفيق بينها أنه لم يكن معه- عليه السلام- حين
المخاطبة، وإنما كان بعيداً منه. وقد قال بعضهم: إن ليلة الجن كانت
مرتين، ففي أول مرة خرج إليهم ولم يكن مع النبي- عليه السلام- ابن
مسعود ولا غيره كما هو ظاهر حديث مسلم، ثم بعد ذلك خرج معه ليلة
أخرى كما روى ابن أبي حاتم في " تفسيره " في أول سورة الجن من
حديث ابن جريج قال: قال عبد العزيز بن عمر: أما الجن الذين لقوه
بنخلة فجن نينوي. وأما الجن الذين لقوه بمكة فجن نصيبين!. وقد
علمت الصحابة بهذا الحديث على ما في " سنن الدارقطني " عن عبد اللّه
ابن محرر (3) ،[عن قتادة]، عن عكرمة، عن ابن عباس' قال:
" النبيذ وضوء من لم يجد الماء " (4) .
__________
(1) الكامل (9/194) ترجمة أبي زيد مولى عمرو بن حريث.
(2) تقدم برقم (73) .
(3) في الأصل: " محرز " خطأ.
(4) الدارقطني (1/76) وقال: " ابن محرر متروك الحديث " .

(1/239)


وأخرج أيضاً عن الحارث، عن علي: " أنه كان لا يرى بأساً بالوضوء
بالنبيذ " (1) . وأخرج أيضاً عن مزيدة بن جابر عن علي- رضي الله
عنه- قال: " لا باًس بالوضوء بالنبيذ " (2) . وروى الدارقطني أيضاً في
" سننه " من حديث مُجاعة عن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال:
قال رسول اللّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إذا لم يجد أحدكم ماء ووجد النبيذ فليتوضأ " (3) .
74- ص- حدّثنا موسى بن إسماعيل قال: ثنا وُهيب، عن داود، عن
عامر، عن علقمة قال: قلت لعبد الله بن مسعود: من كان منكم مع رسول الله
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليلة الجن؟ فقال: ما كان معه منا أحد (4) .
ش- وهيب هو ابن خالد بن عجلان، وقد ذكر.
وداود هو ابن أبي هند، واسم أبي هند دينار بن عُذافر ويقال: اسمه
طهمان البصري أبو بكر، رأى أنس بن مالك، وسمع أبا العالية،
والحسن البصري، وابن سيرين، والشعبي، وعكرمة، وغيرهم. روى
عنه: يحيى بن سعيد الأنصاري، وقتادة، والثوري، وابن جريج،
وشعبة، ووهيب، وغيرهم. وقال ابن معين: ثقة. توفي سنة سبع
وثلاثين ومائة بطريق مكة. روى له الجماعة[إلا]البخاري استشهاداُ (5) .
وعامر هو عامر بن شراحيل بن عبد ابن أخي قيس الشعبي الكوفي من
شعب همْدان. روى عن: علي بن أبي طالب وابنيه الحسن والحسين،
وسعد بن أبي وقاص، وغيرهم. وقال منصور بن عبد الرحمن: قال
__________
(1) الدارقطني (1/79) وقال: " تفرد به حجاج بن أرطأة، لا يحتج به " .
(2) الدارقطني (1/79) .
(3) الدارقطني (1/76) وقال: " أبان بن أبي عياش متروك الحديث، ومُجاعة
ضعيف، والمحفوظ أنه رأي عكرمة غير محفوظ ". (1) هـ. وإلى هنا انتهى
النقل من نصب الراية.
(4) مسلم: كتاب الصلاة، باب: الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن
(450) ، الترمذي: كتاب التفسير، باب: ومن سورة الأحقاف (3258) .
(5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (8/1790) .

(1/240)


الشعبي: أدركت خمسمائة من أصحاب رسول اللّه يقولون: علي وطلحة
والزبير في الجنة. روى عنه: عبد الله بن بريدة، وقتادة، وداود بن
أبي هند، والأعمش، وجماعة آخرون. قال ابن معين: ثقة. توفي
سنة أربع ومائة، وبلغ ثنتين وثمانين سنة. روى له الجماعة (1) .
وعلقمة بن قيس بن عبد اللّه بن[مالك بن]علقمة بن سلامان بن
كُهيل بن بكر بن عوف بن النخع النخعي. روى عن أبي بكر الصّديق.
وسمع عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب،
وعبد الله بن مسعود، وغيرهم. روى عنه: أبو وائل، والشعبي،
والنخعي،/ومحمد بن سيرين، وعبد الرحمن بن الأسود، وغيرهم.
قال ابن معين: ثقة. توفي سنة اثنتين وستين. روى له الجماعة إلا ابن
ماجه (2) .
وأخرج مسلم هذا الحديث، والترمذي مطولاً 0
75- ص- حدّثنا محمد بن بشار قال: نا عبد الرحمن قال: نا بشر بن
منصور، عن ابن جريج، عن عطاء: " أنهُ كره الوُضُوء باللبن والنبيذ،
وقال: إن التيمم أعجب إلي منهُ " (3) .
ش- محمد بن بشار هو بندار.
وعبد الرحمن هو ابن مهدي بن حسان بن عبد الرحمن أبو سعيد
العنْبري، وقيل: الأزدي، مولاهم البصري اللؤلؤي، سمع أبا خلدة،
ومالك بن أنس، والثوري، وابن عيينة، وشعبة، وغيرهم. روى عنه:
عبد اللّه بن وهب، وأحمد بن حنبل، وابن معين، وغيرهم. توفي سنة
ثمان وتسعين ومائة، وهو ابن ثلاث وستين سنة. روى له الجماعة (4) 0
وبشر بن منصور السلمي أبو محمد البصري، سمع أيوب السختياني،
__________
(1) المصدر السابق (14/3042) . (2) المصدر السابق (20/4017) .
(3) تفرد به أبو داود.
(4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (17/3969) .
16* شرح سنن أبي داوود 1

(1/241)


وابن جريج، والثوري، ومحمد بن عجلان، وغيرهم. روى عنه:
عبد الرحمن بن مهدي، وسليمان بن حرب، وشيبان بن فروخ،
وغيرهم. وقال ابن معين: ثقة. روى له مسلم، وأبو داود،
والنسائي (1) .
وعطاء بن أبي رباح، واسم أبي رباح: أسلم المكي أبو محمد
القرشي، ولد في آخر خلافة عثمان، ونشأ بمكة، ورأى عقيل بن
أبي طالب، وأبا الدرداء. وسمع عبد اللّه بن عباس، وابن عُمر، وابن
عمرو، وابن الزُّبير، وأبا هريرة، وغيرهم. روى عنه: عمرو بن
دينار، والزهري، وأيوب السختياني، وابن جريج، وجماعة آخرون
كثيرة. وقال ابن معين وأبو زرعة: ثقة. مات سنة أربع عشرة ومائة.
روى له الجماعة، وكان أسود أعور أفطس أشل أعرج، ثم عمي بعد
ذلك، وكان فقيهاً عالماً كثير الحديث (2) .
قوله: " باللبن وبالنبيذ " أما التوضؤ باللبن فلا يخ (3) إما أن يكون بنفس
اللبن أو بماء خالطه لبن، فالأول لا يجوز بالإجماع، وأما الثاني:
فيجوز عندنا خلافاً للشافعي. وأما التوضؤ بالنبيذ فقد ذكرنا أنه يجوز عند
أبي حنيفة، ولكن بشرط أن يكون حلواً رقيقاً، يسيل على الأعضاء
كالماء، وما اشتد منها صار حراماً لا يجوز التوضؤ به، وإن غيرته النار
فما دام حلواً فهو على الخلاف ولا يجوز التوضؤُ بما سواه من الأنبذة جرياً
على قضية القياس.
قوله: " وقال: إن التيمم أعجب إلي منه " أي: من الوضوء باللبن
وبالنبيذ، وهذه العبارة تشعرُ أن التوضأ بهما يجوز عند العلماء، ولكن
الأولى التيمم.
76- ص- حدثنا محمد بن بشار قال: نا عبد الرحمن قال: نا أبو خلدة
__________
(1) المصدر السابق (4/708) .
(2) المصدر السابق (20/3933) .
(3) كذا، ولعلها بمعنى: " يخرج " .

(1/242)


قال: سألت أبا العالية عن رجل أصابته جنابة وليس عنده ماء وعنده نبيذ
أيغتسل به؟ قال: لا (1) .
ش- عبد الرحمن هو ابن مهدي.
وأبو خلدة خالد بن دينار التميمي السّعدي أبو خلدة البصري الخيّاط.
روى عن: أنس بن مالك، وأبي العالية، والحسن البصري، ومحمد بن
سيرين. روى عنه: يحيى القطان، ووكيع، ويزيد بن زريع، وأبو نعيم،
وغيرهم. قال أحمد: شيخ ثقة. روى له: البخاري، وأبو داود،
والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (2) .
وأبو العالية رُفيع- بضم الراء- بن مهران البصري الرياحي، مولى
أُمية امرأة من بني رياح من يربوع حي في بني تميم، أعتقته سائبة، أدرك
الجاهلية، وأسلم بعد موت النبي- عليه السلام- بسنتين. وروى عن:
علي، وابن مسعود، وأبي بن كعب، وأبي هريرة، وغيرهم. روى
عنه: قتادة، وعاصم الأحول، وأبو خلدة، وغيرهم. قال ابن معين:
وأبو زرعة وأبو حاتم: ثقة. روى له الجماعة (3) .
قوله: " وليس عنده ماء " جملة وقعت حالاً عن " رجل " ، أي: ماء
مطلق، والهمزة في قوله: " أيغتسل " للاستفهام.
***
36- باب: الرجل يصلي وهو حاقن
أي: هذا باب في بيان حكم الرجل الذي يصلي الصلاة والحال أنه
حاقن، والحاقن: الذي حبس بوله، والحاقن والحقنُ سواء، والحاقن:
الذي حبس غائطه، وفي بعض النسخ: " باب أيصلي الرجل وهو
حاقن؟ " وفي بعضها: " باب الرجل يُصلي وهو حقن " . وكان ينبغي
ذكر هذا الباب بين أبواب الاستنجاء، أو بين أبواب ما يكره في الصلاة.
__________
(1) تفرد به أبو داود.
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (8/1606) .
(3) المصدر السابق (9/1922) .

(1/243)


77- ص- حدّثنا أحمد بن يونس قال: نا زهير، قال: نا هشام بن
عروة [عن أبيه]، عن عبد الله بن أرقم: أنه خرج حاجا أو معتمراً ومعه
الناسُ وهو يؤُمُهم، فلما كان ذات يومٍ أقام الصلاة: صلاة الصُّبْح ثم قال:
ليتقدمْ أحدُكُم وذهب الخلاء، فإني سمعتُ رسول الله يقول: " إذا أراد
أحدُكُمْ أن يذْهب الخلاء وقامت الصّلاةُ فليبدأ بالخلاء " (1) .
قال أبو داود: روى هذا الحديث / وهيب بن خالد وشعيب بن إسحاق،
وأبو ضمرة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن رجل حدثه، عن عبد الله بن
أرقم، والأكثر (2) الذين رووْهُ عن هشامٍ قالوا كما قال زهير.
ش- عبد اللّه بن أرقم بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زُهرة
القرشي الزهري، كتب للنبي- عليه السلام-، ثم لأبي بكر وعمر،
أسلم عام الفتح. روى عن النبي- عليه السلام- حديثاً واحداً وهو هذا
الحديث. روى عنه ابن الزبير. روى له: أبو داود، والترمذي،
والنسائي، وابن ماجه (3) .
ووهيب بن خالد بن عجلان.
وشعيب بن إسحاق بن عبد الرحمن بن عبد اللّه بن راشد القرشي
مولاهم الدمشقي، سمع هشام بن عروة، والحسن بن دينار، وأبا حنيفة،
وابن جريج، وغيرهم. روى عنه: إبراهيم بن موسى الرازي، وداود
ابن رشيد، والليث بن سعد 0 قال أبو حاتم: صدوق. وقال
(1) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء وإذا أقيمت الصلاة (142) ،
النسائي: كتاب الإمامة في الصلاة، باب: الغدو في ترك الجماعة
(1/110) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في النهي للحاقن أن
يصلي (616) .
(2) في سنن أبي داود: " والأكثرون " .
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (14/3160) .

(1/244)


النسائي: ثقة. توفي في رجب سنة ثمان وتسعين ومائة، وله اثنتان
وسبعون سنة. روى له الجماعة إلا الترمذي (1) .
وأبو ضمرة أنس بن عياض بن ضمرة أبو ضمرة المدني، أخو يزيد بن
عياض، سمع ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وأبا حازم الأعرج، وهشام
ابن عروة، وشريك بن عبد اللّه. روى عنه: بقية بن الوليد ومات قبله،
وأحمد بن حنبل، وقتيبة، ومحمد بن إسحاق، ومحمد بن إدريس
الشافعي، وغيرهم. قال أبو زرعة: لا بأس به. وقال ابن عدي:
ثقة. ولد سنة أربع ومائة، ومات سنة ثمانين ومائة 0 روى له الجماعة (2) .
قوله: " صلاة الصبح " منصوب على أنه بدل من قوله: " الصلاة " .
قوله: " فليبدأ بالخلاء " وذلك لأنه إذا صلى وهو حاقن لا يتفرغ للعبادة،
ويكون قلبه مشغولاً.
وأخرج هذا الحديث الترمذي، والنسائي، وابن ماجه. وقال
الترمذي: حديث عبد اللّه بن أرقم حديث حسن صحيح.
78- ص- حدّثنا أحمد بن محمد بن حنبل/ (3) ومحمد بن عيسى
المعنى ومسدد قالوا/: نا يحيى بن سعيد، عن أبى حزرة قال: نا عبد الله بن
محمد قال ابن عيسى: في حديثه ابن أبي بكر- ثم اتفقوا: أخو القاسم بن
محمد قال: كنا عند عائشة- رضي الله عنها- فجيء بطعامها، فقام القاسمُ
ابنُ محمد يُصلي فقالت: سمعت رسول الله- عليه السلام- يقولُ: " لا
يُصلى بحضرة الطعام، ولا وهو يدافُعُه الأخْبثان " (4) .
ش- أبو حزْرة اسمه يعقوب بن مجاهد القاص ويقال: كنيته
__________
(1) المصدر السابق (12/2742) .
(2) المصدر السابق (3/567) .
(3) في الأصل: " ومحمد بن عيسى ومسدد (بياض قدر سلمة) المعنى قال " كذا،
وما أثبتناه من سنن أبي داود.
(4) مسلم: كتاب الصلاة، باب: كراهية الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله
في الحال، وكراهة الصلاة مع مدافعة الأخبثين (67/560) .

(1/245)


أبو يوسف، وأبو حزْرة لقب له، مولى بني مخزوم المدني، روى عن:
عبادة بن الوليد بن عبادة، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق،
وعبد الرحمن بن جابر بن عبد اللّه. روى عنه: يحيى بن سعيد
الأنصاري، ويحيى القطان، وإسماعيل بن جعفر، وغيرهم. قال
أبو زرعة: لا بأس به. روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي (1) .
وحزرة بفتح الحاء المهملة، وسكون الزاي بعدها الراء.
وعبد اللّه بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق القرشي المدني
التيمي، سمع عائشة أم المؤمنين، وعامر بن سعد بن أبي وقاص. روى
عنه: شريك بن عبد اللّه، وأبو حزرة، وخالد بن سعد، وغيرهم.
قال مصعب: كان امرءاً صالحاً، وكانت فيه دعابة. وقال أحمد بن
عبد اللّه: مدني ثقة. روى له مسلم حديثين، وروى له: أبو داود،
والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (2) .
وابن عيسى هو: محمد بن عيسى الطّباع، وقد ذُكر.
والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصّدّيق أبو محمد، ويقال:
أبو عبد الرحمن التيمي المدني. روى عن: عبد اللّه بن عباس، وعبد اللّه
ابن عمر، وأبي هريرة، ومعاوية بن أبي سفيان، وعائشة الصديقة،
وغيرهم. روى عنه: نافع، والزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري،
وأيوب السختياني، وجماعة آخرون كثيرة. مات سنة اثنتي عشرة ومائة،
وكان قد ذهب بصرُهُ، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة. روى له الجماعة (3) .
قوله: " ابن أبي بكر " صفة لقوله: " محمد " .
وقوله: " قال ابن عيسى " معترض بين الصفة والموصوف.
قوله: " ثم اتفقوا " أي: أحمد ومحمد ومسدّد.
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (32/7102) .
(2) المصدر السابق (16/3530) . (3) المصدر السابق (23/4819) .

(1/246)


قوله: " أخو القاسم " صفة لقوله: " عبد اللّه بن محمد " ، ولذا رفع
الأخ.
قوله: " لا يُصلّى بحضرة الطعام " أي: لا يصلي الرجل والطعامُ قد
حضر، وذلك لتأخذ النفس حاجتها منه فيفي بحقوق الصلاة، وهذا ما
لم يكن في ضيق من الوقت، ثم هذا اللفظ بعمومه يتناول سائر
الصلوات، ويشمل سائر أنول الأطعمة.
قوله: " ولا وهو يدافُعُه الأخبثان " أي: ولا يصلي والحال أنه يدافعه
الأخبثان، وهما البول والغائط، وذلك لعدم التفرغ إلى العبادة بقلب
فارغ.
وقوله: " وهو " مبتدأ/و " يدافعه الأخبثان " : خبره، والجملة محلها
النصب على الحال، وارتفاع الأخبثين على أنه فاعل " يدافعه " ، وإنما
ذكر المدافعة من باب المفاعلة الذي هو لمشاركة اثنين فصاعداً؛ لأن كل
واحد من المصلي والأخبثين كأنه يدافع الآخر، فدفع المصلي بحبسه إياه،
ومنعه من الخروج، ودفع الأخبثين بطلب الخروج.
79- ص- حدّثنا محمد بن عيسى قال: نا ابن عياش، عن حبيب بن
صالح، عن يزيد بن شريح الحضرمي، عن أبي حي المؤذن، عن ثوبان قال:
قال رسول الله- عليه السلام-: " ثلاثٌ لا يحل لأحد أن يفعلهُن: لا يؤُمُّ
رجلٌ قوماً فيخص نفسهُ بالدعاء دونهُم، فإنْ فعل فقد خًانهُم، ولا ينظُرُ في
قعر بيت قبل أن يسْتأذن، فإنْ فًعل فقد دخل، ولا يُصفي وهو حاقنٌ (1)
حتى يتخًفف " (2) .
__________
(1) في سنن أبي داود: " حقنٌ " .
(2) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في كراهية أن يخص الإمام نفسه
بالدعاء (357) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: ولا يخص الإمام
نفسه بالدعاء (923) ، وبعضه: " الجزء الأخير منه " ابن ماجه: كتاب
الطهارة وسننها، باب: ما جاء في النهي للحاقن أن يصلي (617) .

(1/247)


ش- ابن عياش: هو إسماعيل بن عياش، وقد ذكر.
وحبيب بن صالح الطائي أبو موسى الشامي، سمع عليّ بن أبي طلحة،
ويزيد بن شريح الحضرمي، وراشد بن سعد، وغيرهم. روى عنه:
بقية بن الوليد، وإسماعيل بن عياش، وصفوان بن عمرو، وغيرهم.
روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (1) .
ويزيد بن شريح الحضرمي الحمصي، سمع أبا حي (2) المؤذن. روى
عن: أبي أمامة الباهلي، وثوبان مولى النبي- عليه السلام- وسمع
كعب الأحبار، وعائشة الصديقة. روى عنه: حبيب بن صالح،
ومحمد بن الوليد، وثور بن يزيد، وغيرهم. روى له: أبو داود،
والترمذي، وابن ماجه (3) .
وأبو حي اسمه: شداد بن حي، أبو حي المؤذن الحمصي. روى عن
ثوبان. روى عنه: راشد بن سعد، ويزيد بن شريح. حديثه في أهل
الشام. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (4) .
وثوبان بن بُجدد ويقال ابن جُحدر القرشي الهاشمي، يكنى أبا عبد اللّه
مولى رسول اللّه، روي له عن رسول اللّه مائة حديث وسبعة وعشرون
حديثاً، انفرد به مسلم، فروى له عشرة أحاديث. روى عنه: معدان بن
أبي طلحة، وجُبير بن نفير، وأبو إدريس الخولاني، وأبو حي المؤذن،
وغيرهم. توطن بحمص ومات بها سنة خمس وأربعين. روى له الجماعة
إلا البخاري (5) .
وبُجْدُد بضم الباء الموحدة، وسكون الجيم، وضم الدال الأولى.
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (5/1091) .
(2) في الأصل: " يحيى " خطأ.
(3) المصدر السابق (32/7002) .
(4) المصدر السابق (12/2705) .
(5) انظر ترجمته في: الاستيعاب (1/209) بهامش الإصابة، وأسد الغابة
(1/296) ، والإصابة (1/204) .

(1/248)


قوله: " ثلاث " أي: ثلاث خصال، وارتفاعه على أنه مبتدأ، وقد
ذكرنا وجه وقوعه مبتدأ.
وقوله: " لا يحل لأحد أن يفعلهن " خبره.
قوله: " لا يؤم رجلٌ قوماً " إحدى الخصال الثلاث.
وقوله: " فيخص " بالرفع عطف على قوله: " لا يؤم " ، والمعنى: لا
ينبغي أن توجد من إمامة قوم وتخصيص نفسه بالدعاء دونهم، والمعنى لا
يحل اجتماعهما؛ لأن في ذلك توهم حصر الخير لنفسه وحجره عن غيره.
قوله: " فإن فعل " أي: فإن خص نفسه بالدعاء دونهم فقد خانهم؛
لأنه ضيع حقهم في الدعاء. والفاء في قوله: " فإن فعل " فاء التفسير،
والتي في قوله: " فقد خانهم " فاء الرابطة للجواب 0
قوله: " ولا ينظر في قعر بيت " الخصلة الثانية، وهو برفع الراء عطف
على قوله: " ولا يؤم " . والمراد من قعر البيت: أرضه، كما في قوله
- عليه السلام-: " والشمس لم تخرج من قعر حجرتها " أي: من
أرض الحجرة، وقعر كل شيء عمقه، ومنه قعر البئر، وقعر الإناء.
قوله: " فإن فعل فقد دخل " أي: فإن نظر في قعر بيت قبل الاستئذان
فقد دخل، أي: فقد صار داخلاً فيه بلا إذن، والدخول في بيت أحد بلا
إذن صاحبه حرام.
قوله: " ولا يُصفي " الخصلة الثالثة.
قوله: " وهو حاقن " جملة حالية في الضمير الذي في " لا يُصلي " ،
وكلمة حتى لانتهاء الغاية، والمعنى: ترك الصلاة مغياه بالتخفيف،
والتخفيف كناية عن قضاء الحاجة.
ثم في هذا الحديث ثلاث منهيات، الأول: نهي تنزيه، والثاني: نهي
تحريم، والثالث: نهي شفقة، حتى لو صلى وهو حاقن صحت صلاته،
فإن قيل: كيف يجوز أن يفرق بين أشياء يجمعها نظم واحد؟ قلت: قد
جاء مثل ذلك كثيراً عند قيام دليل لبعضها بصفة مخصوصة، كما روي:

(1/249)


" أنه كره من الشاة سبعاً: الدم، والمرارة، والحياء، والغُدة، والذكر،
والأنثيين، والمثانة " والدم حرام بالإجماع،/وبقية المذكورات معه
مكروهة غير محرمة.
فإن قيل: وكيف يكون ذلك هاهنا، وقد نص- عليه السلام- بقوله:
" لا يحل لأحد أن يفعلهن " ؟ قلت: هذا خارج مخرج البالغة في المنع،
وأمثال هذا كثيرة في النصوص. وحديث ثوبان أخرجه الترمذي وابن ماجه،
وحديث ابن ماجه مختصر. وقال الترمذي: حديث ثوبان حديث حسن،
وذكر حديث يزيد بن شريح عن أبي أمامة، وحديث يزيد بن شريح عن
أبي هريرة في ذلك قال: وكأن حديث يزيد بن شريح عن أبي حي المؤذن،
عن ثوبان في هذا أجود إسناداً وأشهرُ، واللّه أعلم.
80- ص- حدثنا محمود بن خالد بن أبي خالد السُلمي قال: حدثنا
أحمد بن علي قال: نا ثور، عن يزيد بن شريح الحضرمي، عن أبي حب
المؤذن، عن أبي هريرة، عن النبي- عليه السلام- قال:[ " لا يحلُّ لرجل
يُؤمنُ بالله واليوم الآخر أن يُصلي وهو حقنٌ حتى يتخفف " ثم ساق نحوه
على هذا اللفظ قال: " و] (1) لا يحل لرجلٍ يؤمنُ بالله واليوم الآخر أن يؤُم
قوماً إلا بإذنهم، ولا يختص نفسهُ بدعوة دونهم، فإنْ فعل فقد خانهُمْ " (2) .
ش- محمود بن خالد بن أبي خالدً يزيد أبو علي السّلمي الدمشقي،
سمع أباه، وعبد الله بن كثير القارئ، وخالد بن عبد الرحمن الخراساني،
ويحيى بن معين، وغيرهم. روى عنه: أبو داود، والنسائي، وابن
ماجه، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وجماعة آخرون. وقال أبو حاتم:
ثقة، وكذا قال النسائي. ولد سنة ست وسبعين ومائة، ومات سنة تسع
وأربعين ومائتين. والسُلمي نسبة إلى سُلمية الشام (3) .
__________
(1) زيادة من سنن أبي داود، وتحفة الأشراف (10/14879) .
(2) تفرد به أبو داود.
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (27/5813) .

(1/250)


وأحمد بن علي روى عن ثور بن يزيد. روى عنه محمود بن خالد.
روى له أبو داود (1) .
وثور هو ابن يزيد بن زياد الكلاعي، قد مر ذكره.
قوله: " يؤمن باللّه واليوم الآخر " في محل الجر؛ لأنها وقعت صفة
للرجل، والمعنى: لا يحل لرجل التزم شرائع الإسلام؛ لأن كل من آمن
باللّه وباليوم الآخر فقد التزم شرائع الإسلام.
قوله: " أن يؤمّ قوماً " في محل الرفع على أنه فاعل لقوله: " لا يحل " ،
والتقدير: " (2) لا يحل إمامة رجل قوماً إلا بإذنهم، والمعنى: إذا لم
يكن بأقرئهم ولا بأفقههم لم يجزْ له الاستبداد عليهم بالإمامة، فأما إذا
كان جامعاً لأوصاف الإمامة، فهو أحقهم أذنوا له أو لم يأذنوا، وقد
قيل: إن النهي عن الإمامة إلا بالاستئذان إذا كان في بيت غيره، فأما في
سائر البقاع فلا حاجة به إلى الاستئذان إذا وجدت فيه أوصاف الإمامة " .
وعن هذا قال أصحابنا: إذا كره أهل حارة إمامهم لهم أن يستبدلوه
بغيره.
قوله: " ولا يختص نفسه بدعوة " يقال خصه بشيء واختصه به،
والدعوة بفتح الدال الدّعاء إلى اللّه تعالى، والدعاء إلى الطعام وغيره،
وبكسر الدال في النسب وبضمها في دار الحرب.
قوله: " فإن فعل " يشمل الفعلين جميعاً، والمعنى: فإن أمهم بلا
إذنهم، واختص نفسه بدعوة دونهم، فقد خانهم؛ لأنه ضيع حقهم،
وكل من ضيع حقوق الناس فهو خائن، والخيانة من أوصاف النفاق، فلا
يفعلها من يؤمن باللّه واليوم الآخر.
__________
(1) المصدر السابق (1/83) .
(2) انظر: معالم السنن (1/39- 40) .

(1/251)


37- باب: ما يجزئ من الماء في الوضوء
أي: هذا باب في بيان ما يكفي من الماء في الوضوء.
81- ص- حدثنا محمد بن كثير قال: أخبرنا همام، عن قتادة، عن
صفية بنت شيبة، عن عائشة- رضي الله عنها-: " أن النبي- عليه السلام-
كان يغْتسلُ بالصّاع ويتوضأ بالمُدّ " . قال أبو داود (1) : رواه أبان، عن قتادة
قال: سمعت صفية.
ش- محمد بن كثير البصري، وهمام بن يحيى بن دينار، وقتادة بن
دعامة ذكروا.
وصفية بنت شيبة الحاجب بن عثمان بن أبي طلحة. واسم أبي طلحة:
]عبد الله بن]عبد العزى بن عبد الدار بن قصي القرشية. روى عنها
ابنها منصور بن عبد الرحمن، والحسن بن مسلم، ومصعب بن شيبة.
روي لها عن رسول اللّه خمسةُ أحاديث اتفقا على روايتها عن عائشة.
روى لها: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (2) .
قوله: " بالصاع " فيه لغتان: التذكير والتأنيث، ويقال: صاع وصوع،
بفتح الصاد والواو، وصُواع ثلاث لغات، والجمع " أصْوع " ، وإن
شئت أبدلت من الواو المضمومة همزة 0 قال ابن الأثير (3) : " الصاع:
مكيال يسع أربعة أمداد، والمُدُّ مختلف فيه، فقيل هو: رطل وثلث
بالعراقي، وبه يقول الشافعي وفقهاء الحجاز. وقيل: هو رطلان، وبه
__________
(1) البخاري: كتاب الطهارة (325) ، مسلم: كتاب الحيض، باب: القدر
المستحب في غسل الجنابة (53) ، الترمذي: كتاب الطهارة، باب: في
الوضوء بالمد (56) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: القدر الذي يكتفي به
الإنسان من الماء للوضوء والغسل (1/179) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة،
باب: ما جاء في مقدار الماء للوضوء وللغسل من الجنابة (268) .
(2) انظر ترجمتها في: الاستيعاب (4/349) بهامش الإصابة، وأسد الغابة
(7/172) ، والإصابة (4/348) .
(3) نظر: النهاية (3/60) .

(1/252)


يقول أبو حنيفة وفقهاء العراق، فيكون الصاع خمسة أرطال وثلثا أو ثمانية
أرطال " .
قلت: الصاع عند أبي يوسف خمسة أرطال وثلث رطل عراقية، وبه
قال مالك والشافعي/وأحمد. وقال أبو حنيفة ومحمد: الصاع ثمانية
أرطال. حجة أبي يوسف: ما رواه الطحاوي عنه قال: " قدمت المدينة
فاخرج إليّ من أثق به صاعاً وقال: هذا صاع النبي- عليه السلام-
فوجدته خمسة أرطال وثلثا. قال الطحاوي: وسمعتُ ابن عمران يقول:
الذي أخرجه لأبي يوسف هو مالك. وقال عثمان بن سعيد الدارمي:
سمعت عليّ بن المديني يقول: عيّرتُ صاع النبي- عليه السلام-
فوجدته خمسة أرطال وثلث رطل، وأخرج الدارقطني في " سننه " (1)
عن عمران بن موسى الطائي: حدثنا إسماعيل بن سعيد الخراساني، ثنا
إسحاق بن سليمان الرازي قال: قلت لمالك بن أنس: يا أبا عبد اللّه،
كم وزن صاع النبي- عليه السلام-؟ قال: خمسة أرطال وثلث
بالعراقي، أنا حزْرتُه. قلت: يا أبا عبد اللّه، خالفت شيخ القوم.
قال: من هو؟ قلت: أبو حنيفة، يقول: ثمانية أرطال. فغضب غصباً
شديداً وقال: قاتله اللّه، ما أجرأه على الله، ثم قال لبعض جلسائه: يا
فلان، هات صاع جدك، ويا فلان، هات صاع عمك، ويا فلان،
هات صاع جدتك، فجمعت آصُع، فقال مالك: ما تحفظون في هذه؟
فقال أحدهم: حدثني أبي، عن أبيه: أنه كان يؤدي بهذا الصاع إلى
رسول الله. وقال الآخر: حدثني أبي، عن أخيه: أنه كان يؤدي بهذا
الصاع إلى رسول اللّه. قال مالك: أنا حزرْتُ هذه فوجدتها خمسة
أرطال وثلثا. وقال صاحب " التنقيح " : إسناده مظلم، وبعض رجاله
غير مشهورين. واحتج أبو حنيفة ومن معه بما أخرجه ابن عدي في
" الكامل " (2) عن عمر بن موسى أبي وجيه الوجيهي، عن عمرو. بن
__________
(1) (2/151) 0
(2) (6/23، ترجمة عمر بن موسى) .

(1/253)


دينار، عن جابر قال: " كان النبي- عليه السلام- يتوضأ بالمد رطلين،
ويغتسل بالصاع ثمانية أرطال " ، وعمر بن موسى ضعيف. وبما أخرجه
الدارقطني عن جعفر بن عون، ثنا ابن أبي ليلى، ذكره عن عبد الكريم،
عن أنس قال: " كان رسول اللّه- عليه السلام- يتوضأ بمد رطلين،
ويغتسل بالصاع ثمانية أرطال " (1) . وأخرجه الدارقطني من طريقين
آخرين: من طريق موسى بن نصر الحنفي (2) ، ومن[طريق]صالح بن
موسى (3) ، وكلاهما ضعيفان. والبيهقي ضعف أسانيد الثلاثة (4) .
وروى ابن أبي شيبة في " مصنفه " (5) في كتاب الزكاة: حدثنا يحيى بن
آدم قال: سمعت حسن بن صالح يقول: صاع عمر ثمانية أرطال. وقال
شريك: أكثر من سبعة أرطال وأقل من ثمانية. وأخرج الطحاوي في
" كتابه " عن إبراهيم النخعي قال: عيّرنا صاعاً، فوجدناه حجّاجيا،
والحجاجي عندهم ثمانية أرطال بالبغدادي. قال: وصنع الحجاج هذه
على صاع عمر. وأما الذي أخرجه البخاري ومسلم من حديث عبد اللّه
ابن جبر، عن أنس بن مالك قال: " كان النبيُّ- عليه السلام- يتوضأ
بالمد، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد " (6) فليس فيه الوزن. وأخرجه
مسلم من حديث سفينة بنحوه (7) ، وأخرج النسائي وابن ماجه مثل رواية
أبي داود، وأخرجه الدارقطني من رواية معاذ بن هشام، عن أبيه، عن
قتادة وقال: " بنحو المدّ وبنحو الصاع " (8) ، وأخرجه البيهقي من رواية
عفان، عن أبان، عن قتادة: حدثتني صفية فذكره (9) . وقال النووي:
حديث عائشة حديث حسن.
__________
(1) سنن الدارقطني (2/154) . (2)
(1/94) ، و (2/153) .
(3) (2/153) .
(4) (4/171) .
(5) (3/54) كتاب الزكاة.
(6) البخاري: كتاب الوضوء، باب: الوضوء بالمد (201) ، مسلم: كتاب
الحيض، باب: القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة (325/51) .
(7) مسلم (326/52، 53) .
(8) (1/94) .
(9) البيهقي (1/195) .

(1/254)


قوله: " قال أبو داود: رواه أبان، عن قتادة قال: سمعت صفية "
مقصوده: أن قتادة مُدلس، وقد اتفقوا على أن المدلس إذا قال: " عن "
لا يحتج به إلا أن يثبت من طريق آخر أنه سمع ذلك الحديث من ذلك
الشخص، وقد قال قتادة في الطريق الأول: عن صفية، فبين أبو داود
أنه سمعه من صفية، فصرح بلفظ السماع.
82- ص- حدّثنا أحمد بن محمد بن حنبل قال: نا هشيم قال: نا يزيد
ابن أبي زياد، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر قال: " كان النبيُّ- عليه
السلام- يغْتسلُ بالصّاع، ويتوضأ بالمُدّ " (1) .
ش- هشيم بن بشير قد ذكر، ويزيد بن أبي زياد، ويقال: يزيد بن
زياد القرشي الدمشقي. روى عن: الزهري، وسليمان بن حبيب،
وسليمان بن داود الخولاني. روى عنه: محمد بن ربيعة، ووكيع،
وأبو نعيم، ويحيى بن صالح. قال ابن نُمير: ليس بشيء. وقال
أبو حاتم: ضعيف الحديث، كأن أحاديثه موضوعة. وقال النسائي:
متروك الحديث. وقال الترمذي: ضعيف في الحديث. وقال ابن معين:
ليس بشيء. روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي (2) .
وسالم بن أبي الجعد رافع الأشجعي، سمع أباه، وجابر بن عبد اللّه،
وأنس بن مالك. وروى عن: ابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو بن
العاص. روى عنه: أبو إسحاق الهمداني، وعمرو بن دينار، وقتادة،
والأعمش، وغيرهم. قال يحيى: ثقة. وقال أبو زرعة: كوفي ثقة.
مات سنة إحدى ومائة. روى له الجماعة (3) .
وجابر بن عبد اللّه الأنصاري قد ذكر، والحديث انفرد به أبو داود عن
بقية الستة، ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في " مصنفه " بهذه الطريق (4) ،
__________
(1) أخرجه ابن ماجه في كتاب الطهارة، باب: ما جاء في مقدار الماء للوضوء
والغسل من الجنابة (269) من طريق أبي الزبير، عن جابر به.
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (32/6990) .
(3) المصدر السابق (10/2142) .
(4) (1/66) .

(1/255)


وأخرجه الحاكم في " المستدرك " (1) بهذا اللفظ من طريق محمد بن
فضيل، عن حصين، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر به. قال
النووي: حديث جابر ضعيف، فيه يزيد بن أبي زياد ضعيف. وقال
المنذري: لا يحتج به.
قلت: قد تابعه عليه حصين كما رواه الحاكم في " المستدرك " ، فيكون
حديثه حسناً بالمتابعة، على أن يزيد لم يُنسب للكذب، ولا للفسق، ولا
فحُش خطؤه عن سالم بن أبي الجعد، وهو مدلس كما قال الذهبي،
وقد عنعن.
قلت: لعل أبا داود اطلع على تصريحه بسماعه من جابر كما بين في
السابق تصريح قتادة بالسماع له من صفية.
83- ص- حدثنا محمد بن بشار قال: نا محمد بن جعفر قال: نا شعبة،
عن حبيب الأنصاري قال: سمعت عباد بن تميم، عن جدته وهي أم عمارة:
" أن النبي- عليه السلام- توضأ فأتي بإناء فيه ماءٌ قدْر ثُلُثي المدّ " (2) .
ش- محمد بن جعفر هذا هو الهذليً مولاهم البصري المعروف بغُندر،
يكنى أبا عبد اللّه، سمع ابن جريج، وسعيد بن أبي عروبة، والثوري،
وابن عيينة،/وشعبة، وغيرهم، وكان شعبة زوج أمه. روى عنه:
أحمد بن حنبل، وابن معين، وابن بشار، وابن المثنى، وابن الوليد،
ومسدد، وأبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة، وغيرهم. توفي سنة أربع
وتسعين ومائة. روى له الجماعة. وإنما سُمي غندراً لأنه كان يكثر الشّغْب
على ابن جريج فقال له: اسكت يا غندر (3) .
وأهل الحجاز يُسمون المشغب غُندر، والشغْب- بسكون الغين
المعجمة- تهييج الشر.
__________
(1) (1/161) .
(2) النسائي: كتاب الطهارة، باب: القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للوضوء
(1/57) .
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (25/5120) .

(1/256)


وحبيب الأنصاري هو ابن زيد الأنصاري المدني. روى عن عباد بن
تميم، وليلى. روى عنه شعبة، وشريك النخعي. وقال أبو حاتم: هو
صالح. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (1) .
وعباد بن تميم بن زيد بن عاصم بن غزيّة- بفتح الغين المعجمة، وكسر
الزاي، وتشديد الياء آخر الحروف- ابن عمرو بن عطية الأنصاري المازني
المدني. روى عن عمه عبد اللّه بن زيد، وأبي بشير الأنصاري 0 روى
عنه: الزهري، وحبيب بن زيد، ومحمود بن لبيد. قال عباد: أنا يوم
الخندق ابن خمس ستين، فأذكر أشياء وأعيها، وكنا مع النساء في
الآطام (2) . روى له الجماعة (3) .
وأم عمارة هي نسيبةُ بنت كعب بن عمرو بن عوف بن[عمرو بن[
مبذول بن عمرو بن غنم النجارية، وهي أم عبد اللّه وحبيب ابني زيد،
شهدت العقبة مع السبعين، وشهدت أحداً، وأبلت يومئذ بلاءً حسناً هي
وابنها عبد اللّه وزوجها، وجُرحت يومئذ أحد عشر جُرحاً، وشهدت بيعة
الرضوان، وشهدت اليمامة، وجُرحت أيضاً احد عشر جرحاً، وقطعت
يدها يومئذ. روى عنها عباد بن تميم، وهي جدته. روى لها: أبو داود،
والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (4) .
ونسيبة بفتح النون، وكسر السين المهملة، هذا هو الأشهر، ويقال:
اسمُها لُسينة باللام المضمومة والنون.
قوله: " توضأ فأتي بإناء " معناه: أراد الوضوء فأتي بالماء من قبيل قوله
تعالى: (فإذا قرأت القُران فاسْتعذْ) (5) أي: إذا أردت أن تقرأ القرآن.
__________
(1) المصدر السابق (5/1084) .
(2) الحصن المبني بحجارة، وقيل: كل بيت مربع مسطح.
(3) المصدر السابق (14/3075) .
(4) انظر ترجمتها في: الاستيعاب بهامش الإصابة (4/417) ، وأسد الغابة
(7/280) ، والإصابة (4/418) .
(5) سورة النحل: (98) .
517 شرح سنن أبي داوود 1

(1/257)


قوله: " فيه ماء " جملة في محل الجر على أنها وقعت صفة " للإناء " .
قوله: " قدر " منصوب على الحال، والتقدير: حال كونه مقدراً بهذا
المقدار، ويجوز أن ينتصب بنزع الخافض، والتقدير بمقدار ثلثي المد،
ويجوز الرفع على أن يكون صفة للماء، أو يكون خبر مبتدأ محذوف،
أي هو: قدر ثلثي المد. وأخرج هذا الحديث النسائي، وفيه قال شعبة:
" فأحفظ أنه غسل ذراعيه وجعل يدلكها، ومسح أذنيه باطنهما، ولا
أحفظ أنه مسح ظاهرهما " . ورواه ابن خزيمة في " صحيحه " (1) عن
أبي كريب محمد بن العلاء، وابن حبان في " صحيحه " (2) من طريق
أبي كريب، والحاكم في " مستدركه " (3) من طريق إبراهيم بن موسى
الرازي كلاهما عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن شعبة، عن حبيب
ابن زيد، عن عباد بن تميم، عن عبد اللّه بن زيد: " أن النبي- عليه
السلام- أُتي بثلثي مد من ماء فتوضأ، فجعل يدلك ذراعيه " . قال
الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال
النووي: حديث أم عمارة حديث حسن.
84- ص- حدّثنا محمد بن الصباح البزاز، قال: أخبرنا شريك، عن
عبد الله بن عيسى، عن عبد الله بن عبد الله بن جبْر، عن أنس قال: " كان
النبيُّ- عليه السلام- يتوضأ بإناء يسعُ رطلين، ويغتسلُ بالصاع " (4) .
قال أبو داود: رواه يحيى بن آدم، عن شريك، قال: عن ابن جبْر بن
عتيك. ورواه شعبة فقال: حدثني عبد الله بن عبد الله بن جبر قال: سمعت
أنساً إلا أنه قال: " يتوضأ بمكُوك " ولم يذكر " رطلين " . ورواه سفيان، عن
عبد الله ابن عيسى قال: حدثني جبر بن عبد الله.
__________
(1) (1/62) .
(2) (13/1083) .
(3) (1/161) .
(4) مسلم: كتاب الحيض، باب: القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة (326) ،
الترمذي: كتاب الطهارة، باب: في الوضوء بالمد (56) ، النسائي: كتاب
المياه، باب: القدر الذي يكتفي به الإنسان من الماء للوضوء والغسل (2/180) ،
ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في مقدار الماء للوضوء (267) .

(1/258)


ش- محمد بن الصباح الدولابي البغدادي البزاز- بالزاي المكررة-
صاحب السنن أبو جعفر مولى مزينة، سمع شريك بن عبد الله النخعي،
وزيد بن هارون، ومحمد بن عبيد، وسفيان بن عيينة، وابن المبارك،
ووكيعاً، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، وابن معين،
ْوأبو زرعة، والبخاري، ومسلم، وأبو داود. روى له: ابن ماجه،
والترمذي عن البخاري عنه، وروى له النسائي أيضاً. قال ابن معين:
ثقة مأمون. مات في آخر المحرم سنة سبع وعشرين ومائتين (1) .
وشريك هو ابن عبد الله النّخعي.
وعبد اللّه بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي،
سمع جده عبد الرحمن بن أبي ليلى، والشعبي، وعطية، وسعيد بن
جبير، والزهري، وعبد اللّه بن عبد اللّه بن جبر، وغيرهم. روى عنه:
الثوري، وشعبة، وشريك بن عبد الله، وزهير بن معاوية، وغيرهم.
قال ابن معين: هو ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. مات سنة ثلاثين
ومائة. روى له الجماعة (2) .
وعبد الله بن عبد الله بن جبر- بفتح الجيم وإسكان الباء الموحدة- ابن
عتيك، وقيل: ابن جابر. سمع ابن عمر، وأنس بن مالك، وعتيك
ابن الحارث. روى عنه: مالك، ومسْعر، وشعبة، وعبد اللّه بن
عيسى. روى له: البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي (3) .
ويحيى بن آدم بن سليمان الكوفي أبو زكرياء الأموي، مولى خالد بن
خالد بن عمارة. سمع مالك بن أنس، ومالك بن مغول،/ومسعر بن
كدام، والثوري، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، وأبو بكر
وعثمان ابنا أبي شيبة، وابن معين، وغيرهم. وقال ابن معين: ثقة.
مات سنة ثلاث ومائتين بفم الصلح. روى له الجماعة (4) .
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (25/5298) .
(2) المصدر السابق (15/3473) .
(3) المصدر السابق (15/3362) .
(4) المصدر السابق (31/6778) .

(1/259)


وسفيان هو الثوري.
قوله: " مكُوك " المكُّوك: إناء يسعُ الماء، معروف عندهم. وقال ابن
الأثير (1) : " المكُّوكُ: المُدُّ، وقيل: الصاع، والأول أشبه؛ لأنه جاء
في الحديث مفسراً بالمد. وقال أيضاً: المكوك اسم للمكيال، ويختلف
مقداره باختلاف اصطلاح الناس عليه في البلاد، ويجمع على مكاكي،
على إبدال الياء من الكاف الأخيرة، ويجيء أيضاً على مكاكيك " .
وأخرجه النسائي ولفظه: " كان رسولُ اللّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يغتسلُ بمكُّوك،
ويغتسلُ بخمس مكاكي " . وأخرجه مسلم ولفظه: " كان رسولُ اللّه
- عليه السلام- يغتسلُ بخمس مكاكيك، ويتوضأ بمكُوكٍ " . وفي
رواية (2) : " مكاكيّ " والياء في مكاكي مشددة. وقال النووي: حديث
أنس إسناده صحيح، إلا أن فيه شريك بن عبد اللّه النخعي القاضي، وقد
ضعّفه الأكثرون. وقد ذكر أبو داود أن شعبة وسفيان روياه أيضاً، فلعله
اعتضد عنده، فصار حسناً، فسكت عليه.
[قال ابن الأعرابي] (3) : قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول:
الصاعُ خمسة أرطال. قال أبو داود: وهو صاع ابن أبي ذئب، وهو صاع
النبي- عليه السلام-.
ش- قوله: " قال ابن الأعرابي:... " إلى آخره: ليس بموجود في غالب
النسخ.
وابن الأعرابي: اسمه أحمد بن محمد بن سعيد بن زياد بن بشر بن
الأعرابي أبو سعيد، حدث عن أحمد بن منصور الرمادي، والحسين بن
علي بن عفان، والترمذي. وحدث بالسنن عن أبي داود، وحدث عنه
جماعة منهم الخطابي. توفي بمكة يوم الأحد لتسع وعشرين خلت من ذي
القعدة، سنة أربعين وثلثمائة.
__________
(1) النهاية (4/350) .
(2) مسلم (325/50) .
(3) ساقط من سنن أبي داود.

(1/260)


وابن أبي ذئب اسمه محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن
أبي ذئب هشام بن شعبة (1) القرشي العامري المدني، سمع نافعاً،
والزهري، وعكرمة، وغيرهم 0 روى عنه: الثوري، ووكيع، وابن
المبارك، وغيرهم. قال أحمد: ثقة صدوق. مات بالكوفة سنة تسع
وخمسين ومائة. روى له الجماعة (2) .
***
38- باب: في إسباغ الوضوء (3)
أي: هذا باب في بيان إسباغ الوضوء. و " إسباغ الوضوء " إتمامه من
قولهم شيءٌ سابغ، أي: كامل وافٍ، وسبغت النعمة تسبغ- بالضم-
سُبُوغاً اتسبغت، وأسبغ اللّه عليه النعمة : أتمها.
85- ص- حدّثنا مسدد قال: نا يحيى، عن سفيان قال: حدثني منصور،
عن هلال بن يساف، عن أبي يحيى، عن عبد اللّه بن عمرو: أن النبيّ- عليه
السلام- رأى قوْماً وأعقابهم تلُوحُ فقال: " ويْل للأعْقاب من النار، أسْبغُوا
الوُضُوء " (4) .
ش- يحيى القطان، وسفيان الثوري، ومنصور بن المعتمر.
وهلال بن يساف بفتح الياء آخر الحروف، ويقال: إساف- بالهمزة-
أبو الحسن الأشجعي مولاهم الكوفي، أدرك عليّ بن أبي طالب. وروى
عن ابنه الحسن، وسمع أبا مسعود الأنصاري، وأبا عبد الرحمن
السلمي، وغيرهم. روى عنه: إسماعيل بن[أبي]خالد، ومنصور
__________
(1) في الأصل: " سعيد " خطأ.
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (25/5408) .
(3) في سنن أبي داود جاء هذا الباب بعد الباب الآتي: " باب الإسراف في الماء " ،
وبالتالي اختلف ترتيب الأحاديث.
(4) البخاري: كتاب الوضوء، باب: غسل الأعقاب (166) ، مسلم: كتاب
الطهارة، باب : وجوب غسل الرجلين بكمالهما (241) ، النسائي: كتاب
الطهارة، باب: إيجاب غسل الرجلين (111) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة،
باب: غسل العراقيب (450) .

(1/261)


ابن المعتمر، وعمرو بن مرة، وأبو مالك الأشجعي، وغيرهم. قال
احمد بن عبد اللّه: كوفي ثقة. روى له الجماعة (1) .
وأبو يحيى اسمه: مصدع- بكسر الميم- الأعرج المُعرْقبُ- بفتح
القاف- الأنصاري، مولى معاذ بن عفراء، ويقال: اسمه زياد. روى
عن: عليّ بن أبي طالب، وعبد اللّه بن عباس، وعبد اللّه بن عمرو،
وعائشة. روى عنه: شمر بن عطية، وهلال بن يساف، وسعيد بن
أبي الحسن، وغيرهم. روى له الجماعة إلا البخاري (2) .
وعبد اللّه بن عمرو بن العاص قد ذكر.
قوله: " وأعقابهم تلُوح " جملة اسمية وقعت حالاً، والأعقاب جمع
" عقب " - بفتح العين وكسر القاف وسكونها- وهي مؤخر القدم، وهي
مؤنثة.
وقوله: " تلُوح " من لاح الشيء يلوح لوْحاً إذا لمع.
قوله: " ويل للأعقاب من النار " الويل في الأصل مصدر لا فعل له،
وإنما ساغ الابتداء به وهو نكرة؛ لأنه دعاء، والدعاء يدل على الفعل،
والفعل مخصص له؛ لأن المعنى في قولهم: " ويلٌ لزيد " أدعو عليه
بالتحسر أو بالهلاك، ومنه قوله تعالى: (ويْلٌ للمُطفّفين) (3) وأمثاله
كثيرة في القرآن، ويقال: أصله: وي لفلان أي: الحزن، فقُرن بلام
الإضافة تخفيفاً. والويل: الهلاك، وقيل: أشد العذاب، وقيل:
النداء بالخسار، وفيه دليل على وجوب تعميم الأعضاء بالمطهر، وأن ترك
البعض منها غير مُجزئ، وإنما نص في الأعقاب لأنه ورد على سبب؛
لأنه- عليه السلام- رأى قوماً وأعقابهم تلوح، فتكون الألف واللام في
الأعقاب للعهد، والمراد: الأعقاب التي رآها كذلك لم يمسها الماء.
ويحتمل أن لا تخص بتلك الأعقاب/التي رآها، وتكون الأعقاب التي
صفتها هذه، ولا يجوز أن تكون الألف واللام للعموم المطلق كما لا
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (30/6634) .
(2) المصدر السابق (28/5978) .
(3) سورة المطففين: (1) .

(1/262)


يخفى على الفطن الذكي، وإنما خص العقب بالعذاب؛ لأنه العضو الذي
لم يغسل، وقيل: أراد صاحب العقب فحذف المضاف، وإنما قال ذلك
لأنهم كانوا لا يستقْصُون غسل أرجلهم في الوضوء.
قوله: " أسبغوا الوضوء " أي: أكملوه وأتموه كما مر أن الإسباغ الإتمام
وإنما ترك العاطف؛ لأن هذه الجملة وقعت كالبيان للجملة الأولى، فلا
يحتاج إلى العاطف. وأخرجه مسلم، والنسائي، وابن ماجه، واتفق
البخاري ومسلم على إخراجه من حديث يوسف بن ماهك عن عبد اللّه بن
عمرو بنحوه (1) .
**
39- باب: الإسراف في الوضوء (2)
أي: هذا باب في بيان الإسراف في ماء الوضوء. و " الإسراف " :
التبذير. وفي بعض النسخ: " باب الإسراف في الماء " ، وكلاهما قريب.
86- ص- حدثنا موسى بن إسماعيل قال: نا حماد قال: أخبرنا سعيد
الجريري، عن أبي نعامة: أن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: " اللهمّ إني
اً سْألُك القصْر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتُها. قال: يا بُنيّ (3) سل الله
- عزّ وجلّ- الجنة، وتعوذ به من النّار، فإنّي سمعتُ رسول الله يقول: " إنه
سيكونُ في هذه الأمّة قوم يعْتدُون في الطُّهُور والدُعاء " (4) .
ش- سعيد الجُريري- بضم الجيم- نسبة إلى جُرير- بالضم- هو
__________
(1) البخاري: كتاب الوضوء، باب: غسل الرجلين، ولا يمسح على القدمين
(163) ، مسلم: كتاب الطهارة، باب: وجوب غسل الرجلين بكمالهما
(27/241) .
(2) في سنن أبي داود: " باب الإسراف في الماء " ، وهي نسخة كما أوضحها
المصنف.
(3) في سنن أبي داود: " أي بني " .
(4) ابن ماجه: كتاب الدعاء، باب: كراهية الاعتداء في الدعاء (3864) .

(1/263)


ابن إياس أبو مسعود الجُريري البصري، وجُرير هو ابن عُباد- بضم العين
وتخفيف الباء- اخو الحارث بن عباد بن ضُبيْعة، ويقال: جُرير بن عبادة
ابن ثعلبة. روى عن: أبي الطفيل، وأبي نضرة، وأبي عثمان النهدي،
وعبد اللّه بن شقيق، وغيرهم. روى عنه: الثوري، وشعبة،
والحمادان، وابن علية، وابن المبارك، وغيرهم. وقال ابن معين: ثقة.
وقال أبو حاتم: تغير حفظه قبل موته، فمن كتب عنه قديماً فهو صالح،
وهو حسن الحديث. توفي سنة أربع وأربعين ومائة. روى له الجماعة (1) .
وأبو نعامة- بفتح النون- اسمه قيس بن عباية البصري الحنفي. روى
عن: أنس بن مالك، وابن عبد اللّه بن مغفل (2) . روى عنه: الجُريري،
وزياد بن مخراق، وعثمان بن غياث، وأيوب السختياني، وغيرهم.
قال ابن معين: ثقة. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن
ماجه (3) .
وابن عبد الله بن مغفل هو سعيد وقيل زياد، ولم يُبين هاهنا. وذكر
المزي يحتمل أن يكون الداعي بهذا الدعاء يزيد، ويحتمل أن يكون غيره،
فقد ذُكر عن الحسن البصري أنه كان لعبد اللّه بن مغفل سبعة أولاد أسمى
بعضهم كلهم زياداً أو سعيداً.
قوله: " اللهم " معناه: يا الله، وقد ذكرناه.
قوله: " عن يمين الجنة " كلمة " عن " هاهنا ليست على حقيقته، وهو
إما بمعنى " على " نحو (فإنما يبْخلُ عن نفسه) (4) أي: على نفسه.
والمعنى: القصر الأبيض الذي على يمين الجنة، وإما بمعنى " في " كما في
قول الشاعر:
ولا تك عن حمل الرباعة وانياً
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (10/2240) .
(2) في تهذيب الكمال: " وابنٍ لعبد الله بن مغفل " .
(3) المصدر السابق (24/4913) .
(4) سورة محمد: (38) .

(1/264)


قوله: " يا بني " تصغير الشفقة كما في قوله تعالى: (وإذْ قال لُقْمانُ
لابْنه وهُو يعظُهُ يا بُنيّ) (1) ، وأمثال ذلك كثيرة في القرآن، وأصل ابن
بنوً، فلما جيء بالهمزة في أوله حذفت الواو، وإنما صُغر على هذه
الصيغة لأن الهمزة غير معتد بها، فيبقى الاسم بعد التصغير على بنيو،
واجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون، فأبدلت الواو ياء،
وأدغمت الياء في الياء، وصار " بُني " ، فإن قيل: لم وجب حذف
الهمزة؟ قلت: لأنها إما أن تثبت وصلاً أو تحذف، فإن حذفت أُقبل بياء
فُعيل، فإن بقيت رجعت همزة الوصل قطعية، فإن قيل: من أين قلت:
إن أصل ابن بنو؟ قلت: لأنك تقول في مؤنثه بنت كما تقول في مؤنث
الأخ أخت، ولم نر هذه التاء تلحق مؤنثاً إلا ومذكره محذوف الواو،
يدل على ذلك أخوات، فافهم.
قوله: " سل اله " أصله " اسأل " فخفف بحذف الهمزة في الموضعين،
وحركت السن لتعذر الابتداء بالساكن، يقال: سألته الشيء، وسألته
عن الشيء سؤالاً ومسألة، وهو يتعدى إلى مفعولين؛ لأن الفعل لا يخ (2)
إما أن يتعدى إلى واحد أو اثنين أو ثلاثة كما عرف في موضعه. والجنة في
اللغة: البستان، سميت داراً لبقائها إما لاشتمالها على الجنان وهي
البساتين، أو لاستتارها عن أعين الناس.
قوله: " وتعوذ به " أي: بالله، من قولك: عُذت بفلان، واستعذت
به أي: لجأت إليه.
قوله: " فإني " الفاء فيه للتعليل.
قوله: " يقول " جملة حالية من الرسول.
قوله: " إنه " أي: إن الشأن.
قوله: " في هذه الأمة " الأمة في الأصل: الجماعة. قال الأخفش:
هو في اللفظ واحد، وفي المعنى جمع، وكل جنس/في الحيوان أمة.
__________
(1) سورة لقمان: (13) .
(2) كذا، ولعلها بمعنى " لا يخرج " .

(1/265)


وفي الحديث: " لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها " (1) .
والأمة: الطريقة والدين، يقال : فلان لا أمة له. أي: لا دين له.
والأمة: الحين. قال تعالى: (وادّّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ) (2) والإمة بالكسر:
النعمة، والإمة أيضاً لغة في الأمة، وهي الطريقة.
قوله: " قوم " القوم: الرجال دون النساء، لا واحد له من لفظه.
وقال تعالى: (لا يسْخرْ قوْم مّن قوْم) ، (ولا نساءٌ من نساء) (3) ،
وربما دخل النساء فيه على سبيل الجمع؛ لأن قوم كل نبي رجال ونساء،
وجمع القوم " أقوام " ، وجمع الجمع " أقاويم " ، والقوم يذكر ويؤنث؛
لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كان للآدميين يذكر
ويؤنث، مثل: رهط، ونفر، وقوم. قال اللّه تعالى: (وكذب به
قوْمُك) (4) ، وقال: (كذبتْ قوْمُ نُوج) (5) .
قوله: " يعتدون " من الاعتداء، وهو التجاوز عن الحد. وقال ابن
الأثير (6) : " ومعنى يعتدون في الدعاء: هو الخروج فيه عن الوضع
الشرعي والسُّنّة المأثورة " .
وأما الاعتداء في الطهور أن يسرف في الماء، بأن يكثر صبه أو يزيد في
الأعداد، والطهور يحتمل فيه وجهان: ضم الطاء بمعنى الفعل، ويكون
المعنى: يعتدون في نفس الطهور بأن يزيدوا في أعداده، وذلك إما من
الإسراف وهو حرام، وإما من الوسوسة وهي من الشيطان. وفتحها
__________
(1) أبو داود في: كتاب الصيد، باب: في اتخاذ الكلب للصيد وغيره (845) ،
والترمذي في: كتاب الأحكام، باب: ما جاء في قتل الكلاب (1486) ،
والنسائي في: كتاب الصيد والذبائح، باب: صفة الكلاب التي أمر بقتلها
(7/185) ، وابن ماجه في: كتاب الصيد، باب: النهي عن اقتناء الكلب
إلا كلب صيد أو حرث أو ماشية (3205) من حديث عبد الله بن مغفل.
(2) سورة يوسف: (45) .
(3) سورة الحجرات: (11) .
(4) سورة الأنعام: (66) .
(5) سورة الشعراء: (105) .
(6) النهاية (3/193) .

(1/266)


بمعنى المطهر ويكون المعنى: يعتدون في الماء، بأن يكثروا صبه وسكبه.
وأخرجه ابن ماجه مقتصراً منه على الدعاء. وأخرجه الحاكم في " مستدركه "
عن أبي بكر بن إسحاق، عن محمد بن أيوب، عن موسى بن إسماعيل،
وأشار إلى صحته. وأخرجه البيهقي في " سننه " عنه، وابن حبان في
" صحيحه " ، وصحّحه النووي في " شرحه " .
فإن قلت: الجُريري مشهور بالاختلاط، اختلط أيام الطاعون، وذلك
عام اثنتين وثلاثين ومائة 0 قلنا: أبو داود إمام عظيم الشأن، وسكت على
هذا، فدل على كونه مأخوذاً عن الجُريري قبل الاختلاط، وأيضاً فإن
حماد بن سلمة إمام ورع من شيوخ الإسلام، فلا يعتقد أنه يحدث عنه
بشيء سمعه منه بعد الاختلاط .
***
40- باب: الوضوء من آنية الصُّفْر
أي: هذا باب في بيان الوضوء من آنية الصُّفر- بضم الصاد وسكون
الفاء- وقال في الصحاح: " الضُفر بالضم: الذي يعمل منه الأواني،
ويقال: الشبه هو الصُفر، سمي به لأنه يشبه الذهب، ويعلم من هذا أن
الصفر النحاس الأصفر " .
87- ص- حدّثنا موسى بن إسماعيل قال: نا حماد، قال: أخبرني
صاحب لي، عن هشام بن عروة: أن عائشة- رضي الله عنها- قالت:
" كُنتُ أغتسلُ أنا ورسول الله- عليه السلام- في توْرٍ من شبهٍ " (1) .
ش- أخرج الشيخ هذا الحديث من طريقين: أحدهما: منقطعة وفيها
مجهول. والأخرى: متصلة وفيها مجهول.
قوله: " ورسولُ الله " عطف على " أنا " ، وقد مر نظيره مع الكلام فيه.
قوله: " في توْرٍ " التًوْرُ بفتح التاء المثناة من فوق، وسكون الواو وفي
__________
(1) تفرد به أبو داود.

(1/267)


آخره راء: إناء من صُفر أو حجارة كالإجانة وقد يتوضأ منه، وكلمة " في "
هاهنا بمعنى " من " أي: من تور، وقد ذكر مثل هذا مرةً.
قوله: " من شبه " بيان للتور، والشبه بفتح الشن المعجمة، والباء
الموحدة المخففة: هًو الصفر كما ذكرنا. ويستفاد من هذا الحديث فائدتان،
الأولى: جواز اغتسال الرجل والمرأة من إناء واحد. والثانية: جواز
استعمال الأواني من النحاس.
88- ص- حدثنا محمد بن العلاء: أن إسحاق بن منصور حدثهم،
عن حماد بن سلمة، عن رجل، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة- رضي الله
عنها- عن النبي- عليه السلام- نحوه (1) .
ش- إسحاق بن منصور السلولي مولاهم أبو عبد الرحمن الكوفي.
سمع إبراهيم بن سعد، وأسباط بن نصر، وداود الطائي، وغيرهم.
روى عنه: أبو كريب، وأبو نعيم، وعباس الدوري، وغيرهم 0 قال
ابن معين: ليس به بأس. مات سنة خمس ومائتْين. روى له
الجماعة (2) .
وهشام هو ابن عروة.
واعلم أن الرجل المبهم الذي بيْن حماد بن سلمة وهشام بن عروة (3)
قد فُسّر في رواية البيهقي وغيره لهذا الحديث من رواية حوثرة بن أشرس،
عن حماد بن سلمة، عن شعبة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن
عائشة- رضي اللّه عنها- قالت: " كنت أغتسل أنا ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في تور
من شبه يبادرني وأبادره " تبين أن الرجل المبهم شعبة. وحوثرة بالحاء
المهملة وًالثاء المثلثة، ثقة مشهور، ذكره ابن حبان في " الثقات " .
قوله: " نحوه " أي: الحديث المذكور.
__________
(1) تفرد به أبو داود.
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (2/384) .
(3) في الأصل: " هشام بن سلمة " خطأ.

(1/268)


89- ص- حدثنا الحسن بن عليّ قال: نا أبو الوليد وسهل بن حماد
قالا: نا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه،
عن عبد الله بن زيد قال: " جاءنا رسولُ الله- عليه السلام- فأخرجنا له ماءً
في تورٍ[من صفرٍ] (1) فتوضأ " (2)
ش- الحسن بن علي الخلال، وقد ذُكر.
وأبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي البصري. سمع شعبة،
والحمادين، وابن عيينة، وغيرهم. روى عنه: البخاري، وأبو زرعة،
وأبو حاتم، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم. قال أبو حاتم: إمام فقيه
ثقة حافظ. مات سنة سبع وعشرين ومائتين. روى له الجماعة (3) .
وسهل بن حماد أبو عتاب الدلال البصري العنْقزي بعين مهملة
ونون وقاف وزاي 0 سمع شعبة، وأبا مكين نوح بن ربيعة، وعيسى بن
عبد الرحمن السلمي. روى عنه: عديّ-بن المديني، ونصر بن علي،
وعمرو ابن علي (4) ، وغيرهم. قال أحمد: لا باس به. وقال أبو زرعة
وأبو حاتم: صالح الحديث. روى له الجماعة إلا البخاري (5) .
وعبد العزيز بن عبد اللّه بن أبي سلمة ميمون الماجشون أبو عبد الله
المدني/الفقيه، سكن بغداد. سمع محمد بن المنكدر، والزهري،
وعمه يعقوب بن[أبي]سلمة، ووهب بن كيسان، وعمرو بن أبي عمرو
__________
(1) ساقط من سنن أبي داود.
(2) البخاري: كتاب الوضوء، باب: مسح الرأس كله (185) ، مسلم: كتاب
الطهارة، باب آخر في صفة الوضوء (18/235) ، الترمذي: كتاب الطهارة،
باب: المضمضة والاستنشاق (28) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: حد
الغسل (1/71) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في مسح الرأس
(434) .
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (30/6584) .
(4) في الأصل: " عُمر بن علي " حطأ، وإنما هو " الفلاس " .
(5) المصدر السابق (12/2608) .

(1/269)


[و]جماعة آخرين. روى عنه: الليث بن سعد، ووكيع بن الجراح،
وأبو داود الطيالسي، وغيرهم. قال أبو زرعة وأبو حاتم: ثقة. مات
ببغداد سنة أربع وستين ومائة. روى له الجماعة (1) .
وعمرو بن يحيى بن عُمارة بن أبي الحسن الأنصاري المازني المدني،
روى عن أبيه، وعباد بن تميم، ومحمد بن يحي بن حبان، وعباس بن
سهل، وغيرهم. روى عنه: أيوب السختياني، ويحيى بن أبي كثير،
وابن جريج، وشعبة، والثوري، وابن عيينة، وعبد العزيز بن أبي سلمة،
وغيرهم. وقال أبو حاتم: ثقة. روى له الجماعة (2) .
ويحيى بن عمارة الأنصاري سمع أبا سعيد الخدري، وعبد اللّه بن زيد
ابن عاصم المازني. روى عنه ابنه عمرو، والزهري، ومحمد بن يحيى،
وغيرهم. قال عبد الرحمن بن خراش: ثقة. روى له الجماعة (3) .
وعبد اللّه بن زيد بن عاصم بن[كعب]بن عمرو بن عوف المازني
الأنصاري المدني، رويا له ثمانية أحاديث. روى عنه: سعيد بن المسيب،
وابن أخيه عباد بن تميم، ويحيى بن عُمارة، وواسع بن حبان. قُتل
بالحرة سنة ثلاث وستين، وهو ابن سبعين سنة. روى له الجماعة (4) .
قوله: " فتوضأ " أي: منه، وفي رواية ابن ماجه: " فتوضأ به " (5)
وكذا في رواية ابن أبي شيبة، وروى ابن أبي شيبة عن عبد اللّه بن نمير،
عن عبيد اللّه، عن نافع، عن ابن عمر: " أنه كان لا يشرب في قدح
من صُفْر، ولا يتوضأ فيه " . وروى أيضاً عن وكيع قال: ثنا سفيان،
عن عبد اللّه بن دينار، عن ابن عمر: " أنه كان يكره الصُّفْر، وكان لا
يتوضأ فيه " . وهذا محمول على أنه إنما كرهه لأنه كان يكره رائحة الصُفْر.
__________
(1) المصدر السابق (18/3455) .
(2) المصدر السابق (22/4475) .
(3) المصدر السابق (31/6889) .
(4) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (2/312) ، وأسد الغابة
(3/250) ، والإصابة (2/302) .
(5) (471) .

(1/270)


41- باب: التسمية عند الوضوء على الوضوء (1)
أي: هذا باب في بيان التسمية عند الوضوء على الوضوء. و " على
الوضوء " متعلق بالتسمية، وفي النسخ الصحيحة: " باب في التسمية
على الوضوء " .
90- ص- حدثنا قتيبة بن سعيد قال: نا محمد بن موسى، عن يعقوب
ابن سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا صلاة لمن
لا وُضُوء له، ولا وُضُوء لمن لم يذْكر[اسم]الله عليه " (2) .
ش- محمد بن موسى هو: ابن أبي عبد اللّه الفطري- بالفاء
المكسورة- مولى أبي مخزوم. روى عن: عبد الله بن[عبد اللّه بن]
أبي طلحة، وعون بن محمد، ويعقوب بن سلمة، وغيرهم. روى
عنه: عبد الله بن نافع، وابن مهدي، وقتيبة، وغيرهم. وقال الترمذي:
ثقة. وقال الطحاوي: محمودٌ في روايته. روى له الجماعة إلا
البخاري (3) .
ويعقوب بن سلمة الليثي مولاهم. روى عن أبيه. روى عنه: محمد
ابن إسماعيل بن أبي فديك، ومحمد بن موسى، وأبو عقيل يحيى بن
المتوكل. روى له: أبو داود، وابن ماجه. وليس ليعقوب بن سلمة
وأبيه عندهما سوى هذا الحديث الواحد (4) .
وسلمة الليثي والد يعقوب. روى عن أبي هريرة. روى عنه ابنه
__________
(1) في سنن أبي داود: " باب[في]التسمية على الوضوء " ، وهي نسخة كما
ذكر المصنف.
(2) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في التسمية عند الوضوء (25) ، ابن
ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في التسمية عند الوضوء (399) .
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (26/5639) .
(4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (32/7089) .

(1/271)


يعقوب، ومحمد بن موسى الفطري، وأبو عقيل يحيى. روى له:
أبو داود، وابن ماجه (1) .
قوله: " لا صلاة لمن لا وضوء له " كلمة " لا " هاهنا لنفي الجنس،
وخبرها محذوف، والتقدير: " لا صلاة حاصلة لمن لا وضوء له " .
و " لا " الثانية بمعنى " ليس " ، والمعنى: " لا صلاة أيُ صلاة كانت من
الفرض والنفل لمن ليس له وضوء موجود " ، وهذا بإجماع المسلمين من
السلف والخلف، أن الصلاة لا تصح إلا بالوضوء. ثم الكلام في
التسمية فظاهر الحديث يقتضي أن لا يصح الوضوء إلا بالتسمية، وإليه
ذهب أهل الظاهر، وإسحاق بن راهويه. وقال إسحاق: إذا ترك
التسمية عامداً يجب عليه إعادة الوضوء. وعن أحمد أنها واجبة، وروي
عنه أنه قال: ليس في هذا حديث يثبت، وأرجو أن يجزئه الوضوء؛
لأنه ليس في هذا حديث أحكم به. وقال جماهير العلماء: إنها سُنّة أو
مستحبة، والأحاديث التي وردت في هذا كلها ليست بصحيحة، ولا
أسانيدها مستقيمة. وقال أحمد: لا أعلم في هذا الباب حديثاً له إسناد
جيد، وأخرج الإمام أحمد في " مسنده " (2) هذا الحديث، ورواه عن
الشيخ الذي رواه أبو داود بسنده، وهو أمثل الأحاديث الواردة إسناداً.
مع أن البخاري ذكر في " تاريخه الكبير " (3) : " لا يعرف لسلمة سماع
من أبي هريرة، ولا ليعقوب من أبيه " . وأخرجه الترمذي، وابن ماجه
، من حديث سعيد بن زيد، عن رسول الله./وفي إسناده أبو ثفال،
عن رباح، أنه سمع جدته (4) . ورواه الحاكم أيضاً في " مستدركه "
وصححه (5) .
__________
(1) المصدر السابق (11/2477) .
(2) (2/418) .
(3) (4/ترجمة 2006) .
(4) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في التسمية عند الوضوء (25، 26)
ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في التسمية في الوضوء (398) .
(5) (4/64) ، وفي النسخة المطبوعة سكت عنه الحاكم والذهبي.

(1/272)


وقال ابن القطان في كتاب " الوهم والإيهام " (1) : فيه ثلاثة مجاهيل
الأحوال: جدة رباح، ولا يُعرف لها اسم ولا حال، ولا تُعرف بغير
هذا، ورباح أيضاً مجهول الحال، وكذلك أبو ثفال مجهول الحال، مع
أنه أشهرهم لرواية جماعة عنه منهم الدراوردي. وقال ابن أبي حاتم في
كتاب " العلل " : هذا الحديث ليس عندنا بذاك الصحيح، وأبو ثفال
مجهول، ورباح مجهول " (2) .
ورواه ابن ماجه أيضاً من حديث كثير بن زيد، عن رُبيح بن
عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري: أن النبي
- عليه السلام- قال: " لا وضوء لمن لم يذكر اسم اللّه عليه " (3) .
ورواه الحاكم أيضاً في " مستدركه " وصححه (4) . وقال محمد بن
إسماعيل: " رُبيح بن عبد الرحمن منكر الحديث " . ورواه الطبراني
أيضاً من حديث أبي سبْرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا صلاة إلا
بوضوء، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم اللّه عليه " ، ولئن سلمنا صحة هذا
الحديث فهو محمول على نفي الفضيلة، حتى لا يلزم الزيادة على مطلق
الكتاب بخبر الواحد، وذلك نحو قوله- عليه السلام-: " لا صلاة
لجار المسجد إلا في المسجد " (5) .
فإن قيل: " (6) يشكل على أحاديث التسمية حديث أخرجه أبو داود
__________
(1) انظره في: نصب الراية (1/4) .
(2) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.
(3) ابن ماجه (397) : كتاب الطهارة، باب: ما جاء في التسمية في الوضوء.
(1/147) .
(5) روي من حديث أبي هريرة، وجابر بن عبد الله، وعائشة مرفوعاً، وعن علي
موقوفاً. فأما حديث أبي هريرة فرواه الدارقطني (1/420) ، والحاكم
(1/246) ، والبيهقي (3/57) ، وأما حديث جابر فرواه الدارقطني أيضا
(1/420) ، وفيه زيادة، وأما حديث عائشة فأخرجه ابن حبان في " الضعفاء " ،
وأما أثر علي فأخرجه الدارقطني (1/420) ، والحديث ضعفه الشيخ الألباني
في الإرواء (491) ، ومنه استفدت التخريجات، وكذا الضعيفة (103) .
(6) انظره في: نصب الراية (1/5، 6) .
18* شرخ سن أبي داوود 1

(1/273)


والنسائي وابن ماجه عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن حضين بن
المنذر، عن المهاجر بن قنفذ قال: " أتيتُ النبي- عليه السلام- وهو
يتوضأ (1) ، فسلمتُ عليه فلم يرد على، فلما فرغ قال: " إنه لم يمنعْني
أن أردّ عليك إلا أني كنتُ على غير وُضوء " (2) . ورواه ابن حبان في
" صحيحه " ، والحاكم في " مستدركه " (3) وقال: إنه صحيح على شرط
الشيخين ولم يخرجاه.
والجواب عنه من وجهين، الأول: أنه معلول. والآخر: أنه معارض.
أما كونه معلولاً فقال ابن دقيق العيد في " الإمام " : سعيد بن أبي عروبة
كان قد اختلط في آخره، فيراعى فيه سماع من سمع منه قبل الاختلاط.
قال: وقد رواه النسائي من حديث شعبة (4) ، عن قتادة به، وليس فيه:
" إنه لم يمنعْني " إلى آخره. ورواه حماد بن سلمة، عن حميد وغيره عن
الحسن، عن مهاجر منقطعاً، فصار فيه ثلاث علل.
وأما كونه معارضاً مما رواه البخاري ومسلم من حديث كريب، عن ابن
عباس قال: " بت عند خالتي ميمونة... " (5) الحديث، ففي هذا ما
يدل على جواز ذكر اسم اللّه تعالى، وقراءة القرآن مع الحدث " (6) 0
91- ص- حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح قال: نا ابن وهب، عن
الدراوردي قال: وذكر ربيعة أن تفسير حديث النبي- عليه السلام-: " لا
وُضُوء لمن لم يذْكُر اسم الله عليه " أنه الذي يتوضأ أو يغتسلُ ولا ينوى
وُضُوءاً للصلاة، ولا غُسْلاً للجنابة (7) .
__________
(1) في سنن أبي داود: " يبول " بدل " يتوضأ " .
(2) تقدم برقم (6) .
(3) (1/167) .
(4) قال الحافظ ابن حجر في النكت الظراف (8/11580 تحفة) : " وهو كذلك في
رواية ابن حيوية وابن الأحمر، وغيرهما- يعني: وجود سعيد في السند-
ولكن وقع في أصولنا من سنن النسائي رواية ابن السني " شعبة " وهو
تصحيف، فقد رواه أحمد بن حنبل في " مسنده " (4/345) عن محمد بن
جعفر، عن سعيد بن أبي عروبة ".اهـ.
(5) تقدم برقم (47) .
(6) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.
(7) تفرد به أبو داود.

(1/274)


ش- أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السرح أبو الطاهر
القرشي الأموي، مولاهم المصري، مولى نهيك مولى عتبة بن أبي سفيان.
سمع سفيان بن عيينة، وعبد اللّه بن وهب، وبشر بن بكر، وغيرهم.
روى عنه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وأبو زرعة،
وأبو حاتم وقال: لا بأس به. توفي سنة تسع وأربعين ومائتين (1) .
-وعبد اللّه بن وهب بن مسلم المصري أبو محمد القرشي الفهري. سمع
مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وعبد العزيز
الماجشون، وغيرهم. روى عنه: الليث بن سعد، ويحيى بن بكير،
وأحمد بن عمرو، وأبو الربيع سليمان بن داود، وغيرهم. وهو من أجل
الناس وثقاتهم. توفي بمصر سنة سبع وتسعين ومائة. روى له الجماعة (2) .
والدراوردي هو عبد العزيز بن محمد، وقد ذكر.
وربيعة بن أبي عبد الرحمن المدني أبو عثمان القرشي مولاهم التيمي،
ويقال: أبو عبد الرحمن مولى آل المنكدر. سمع أنس بن مالك،
والسائب بن يزيد، ومحمد بن يحيى بن حبان، وسعيد بن المسيب،
وسليمان وعطاء ابني يسار، ومكحولاً ا لشامي، وغيرهم. روى عنه:
يحيى الأنصاري، وأخوه عبد ربه، ومالك بن أنس، والثوري،
وشعبة، والليث بن سعد، والأوزاعي، وغيرهم. وقال أحمد: ثقة.
وقال الحميدي: كان حافظاً. توفي بالمدينة سنة ست وثلاثين ومائة.
روى له الجماعة (3) .
قوله: " إنه " الضمير إلى الذي لا يذكر الله على الوضوء، وإنما حمل
ربيعة هذا الحديث على النية، وذلك لأن النسيان محله القلب/فوجب أن
يكون أيضاً محلاً للذكر الذي يضاد النسيان، وذكر القلب إنما هو النية.
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (1/86) .
(2) المصدر السابق (16/3645) .
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (1881/9) .

(1/275)


هذا توجيه كلام ربيعة، ولكن الذكر الذي يضاد النسيان هو بضم الذال؛
لأن ذكر القلب لا يجيء إلا بالضم، والذكر بالكسر يكون باللسان،
والمراد بالذكر المذكور في الحديث هو ذكر اللسان بالكسر، فكيف يلتئم
كلام ربيعة؟ والظاهر أن فيه تعسفاً وتأويلاً بعيداً لا يدل عليه قط قرينة من
قرائن اللفظ، ولا من قرائن الحال، ولا حاجة إلى هذا التكلّف إذا
حملناه على نفي الفضيلة كما ذكرنا.
***
42- باب: في الرجل يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها
أي: هذا باب في بيان حكم الرجل إذا أدخل يده في الإناء قبل أن
يغسلها. وفي بعض النسخ: " باب: يدخل يده في الإناء قبل أن
يغسلها؟ " .
92- ص- حدثنا مسدد قال: نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي رزين
وأبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إذا قام أحدُكُمْ من
الليل فلا يغْمسْ يدهُ في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات، فإنه لا يدْري أين
باتتْ يدُهُ " (1) .
ش- أبو معاوية الضرير، وسليمان الأعمش، وأبو رزين مسعود بن
مالك، وأبو صالح ذكوان السمان، كلهم قد ذكروا.
قوله: " من الليل " أي: من نوم الليل، وإنما قيد الليل لكونه الغالب،
__________
(1) البخاري: كتاب الوضوء، باب: الاستجمار وتراً (162) ، مسلم: كتاب
الطهارة، باب: كراهية غمس المتوضئ وغير. يده المشكوك في نجاستها في
الإناء قبل غسلها ثلاثاً له (278) ، الترمذي: كتاب الطهارة، باب: إذا استيقظ
أحدكم من منامه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها (24) ، النسائي:
كتاب الطهارة، باب: الوضوء من النوم (1/99) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة
وسننها، باب: الرجل يستيقظ من منامه هل يدخل يده في الإناء قبل أن
يغسلها؟ (395) .

(1/276)


وإلا فالحكم ليس بمخصوص بالقيام من النوم، بل المعتبر فيه الشك في
نجاسة اليد، فمتى شك في نجاستها كُره له غمسها في الإناء قبل غسلها،
سواء قام من نوم الليل أو من نوم النهار، أو شك في نجاستها من غير
نوم، وهذا مذهب الجمهور. وعن أحمد: أنه إن قام من نوم الليل
كرهه كراهة تحريم، وإن قام من نوم نهار كُره كراهة تنزيه، ووافقه داود
الظاهري اعتماداً على لفظ المبيت.
والجواب ما ذكرناه.
قوله: " فلا يغمسْ يده في الإناء " " (1) الجمهور على أن هذا نهي تنزيه
لا تحريم حتى لو غمس يده لم يُفسد الماء، ولم يأثم الغامس. وعن
الحسن البصري، وإسحاق بن راهويه، ومحمد بن جرير الطبري: إنه
ينجس إن قام من نوم الليل، وهذا ضعيف؛ لأن الأصل في الماء واليد
الطهارة، فلا ينجس بالشك، ولا يمكن أن يقال الظاهر في اليد النجاسة.
وقوله: " في الإناء " محمول على ما[إذا]كانت الآنية صغيرة
كالكُوز، أو كبيرة كالحُب ومعه آنية صغيرة، أما إذا كانت الآنية كبيرة،
وليس معه آنية صغيرة، فالنهي محمول على الإدخال على سبيل المبالغة،
حتى لو أدخل أصابع يده اليسرى مضمومة في الإناء دون الكف ويرفع الماء
من الحُب، ويصب على يده اليمنى، ويدلك الأصابع بعضها ببعض،
فيفعل كذلك ثلاثاً ثم يدخل يده اليمنى بالغاً ما بلغ في الإناء إن شاء.
وهذا الذي ذكره أصحابنا. وقال الشيخ محي الدين النووي: " وإذا كان
الماء في إناء كبير بحيث لا يمكن الصب منه، وليس معه إناء صغير يغترف
به، فطريقه أن يأخذ الماء بفمه، ثم يغسل به كفيه، أو يأخذه بطرف ثوبه
النظيف، أو يستعين بغيره " (2) .
قلنا: لو فرضنا أنه عجز عن أخذه بفمه، ولم يعتمد على طهارة
__________
(1) انظر: " شرح صحيح مسلم " (3/180- 181) .
(2) إلى هنا انتهى النقل من " شرح صحيح مسلم " .

(1/277)


ثوبه، ولم يجد من يستعين به، ماذا يفعل؟ وما قاله أصحابنا أحسن
وأوسع.
قوله: " فإنه لا يدري أين باتت يده " الفاء فيه للتعليل، وذلك
" (1) لأنهم كانوا يستنجون بالأحجار، وبلادهم حارة،. فإذا نام أحدهم
عرق، فلا يأمن أن تطوف يده على ذلك الموضع النجس، أو على بثرة أو
قذرٍ[أو]غير ذلك " .
وقوله: " أين باتت يده " كناية عن وقوعها على دبره أو ذكره، أو
نجاسة، أو غير ذلك من القذر (2) ، وإنما ذكر بلفظ الكناية تحاشياً من
التصريح به، وذلك من آداب النبي- عليه السلام-، ونظائر ذلك كثيرة
من القرآن والحديث. ويستفاد من هذا الحديث فوائد:
الأولى: أن الماء القليل تؤثر فيه النجاسة وإن لم تغيره، وهذا حجة
قوية لأصحابنا في نجاسة القلتين بوقوع النجاسة فيه وإن لم تغيره، وإلا لا
يكون للنهر فائدة. وجمهور أصحابنا استدلوا على نجاسة القلتين بهذا
الحديث الصحيح، الذي أخرجه الأئمة الستة وغيرهم، ولم يعملوا
بحديث القلتين لكونه ضعيفاً كما ذكرناه.
والثانية:/استحباب غسل النجاسة ثلاثاً لأنه إذا أُمر به في المتوهمة
ففي المحققة أوْلى، ولم يزد شيء فوق الثلاث إلا في ولوغ الكلب، وقد
ذكرنا فيه أنه- عليه السلام- أوجب فيه الثلاث وخيّر فيما زاد.
الثالثة: أن موضع الاستنجاء لا يطهر بالمسح بالأحجار، بل يبقى نجساً
معفواً عنه في حق الصلاة، حتى إذا أصاب موضع المسح بلل وابتل به
سراويله أو قميصه تُنجسه.
الرابعة: أن النجاسة المتوهمة يستحب فيها الغسلُ، ولا يؤثر فيها الرّشُّ،
فإنه - عليه السلام - قال: " حتى يغسلها " ، ولم يقل: " حتى يرُشها " .
__________
(1) انظر: " شرح صحيح مسلم " (3/179) .
(2) المصدر السابق (3/179- 181) .

(1/278)


الخامسة: استحباب الأخذ بالاحتياط في باب العبادات.
السادسة: أن الماء يتنجس بورود النجاسة عليه، وهذا بالإجماع، وأما
ورود الماء على النجاسة فكذلك عندنا. وقال الشافعي: لا ينجس. وقال
الشيخ محيى الدين في هذا الحديث: والفرق بين ورود الماء على النجاسة
وورودها عليه: أنها (1) إذا وردت عليه نجسته، وإذا ورد عليها أزالها،
فكأنه مشعر بذلك على الخلاف المذكور. قلنا: سلمنا أنها إذا وردت عليه
نجسته وسلمنا أنه إذا ورد عليها أزالها، ولكن لا نسلم أنه يبقى طاهراً بعد
أن أزالها.
السابعة: استحباب استعمال الكنايات في المواضع التي فيها استهجان.
واعلم أن هذا كله إذا شك في نجاسة اليد، أما إذا تيقن طهارتها وأراد
غمسها قبل غسلها ثلاثاً له الخيار، إن شاء غمسها قبل الغسل، وإن شاء
بعده، وهذا مذهب الجمهور؛ لأنه- عليه السلام- نبه على العلة وهي
الشك، فإذا انتفت العلة انتفت الكراهة، ولو كان النهي عاما لقال: " إذا
أراد أحدكم استعمال الماء فلا يغمسْ يده حتى يغسلها " ، وكان أعم
وأحسن. وعن بعض الشافعية: حكمه حكم الشك؛ لأن أسباب
النجاسة قد تخفى في حق معظم الناس فيسد الباب، لئلا يتساهل فيه من
لا يعرف " (2) ، وما ذكرناه يرد هذا.
وروى هذا الحديث البخاريُ من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن
الأعرج، عن أبي هريرة: أن رسول اللّه و قال: " إذا توضأ أحدُكُم
فليجعل في أنفه، ثم لينتثر (3) ، ومن استجمر فليوتر، وإذا استيقظ
أحدُكم من نومه فليغسلْ يده قبل أن يُدخلها في الإناء، فإن أحدكم لا
يفري أين باتت يدُهُ " . ورواه مسلم مثل رواية أبي داود، ورواه ابن ماجه
__________
(1) في الأصل: " وأنها " .
(2) إلى هنا انتهى النقل من " شرح صحيح مسلم " .
(3) في صحيح البخاري (162) : " ثم لينثر "

(1/279)


من حديث أبي الزبير، عن جابر مرفوعاً: " إذا قام أحدُكم من النوم،
فأراد أن يتوضأ، فلا يُدخل يده في وضُوئه حتى يغسلها، فإنه لا يدري أين
باتت يدُهُ، ولا على ما (1) وضعها " . ورواه الترمذي: " إذا استيقظ
أحدُكم من الليل، فلا يُدخلُ يده في الإناء حتى يُفرغ عليها مرتين أو
ثلاثاً، فإنه لا يدري أين باتت يدُهُ " . وقال: هذا حديث حسن صحيح.
وأما الذي رواه أصحابنا منهم صاحب الهداية: " فلا يغمسن " بنون
التأكيد المشددة لم يقع إلا في " مسند البزار " ، فإنه رواه من حديث هشام
ابن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعاً: " إذا
استيقظ أحدُكم من منامه فلا يغمسن يده في طهُوره حتى يُفرغ عليها ... "
الحديث.
93- ص- حدُّثنا مسدد قال: نا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن
أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي- عليه السلام-: " مرتين أو ثلاثا... "
نحوه (2) . ولم يذكر أبا رزين.
ش- هذا الطريق فيه مسدد، عن عيسى بن يونس بن أبي إسحاق
السبيعي موضع أبي معاوية الضرير، عن سليمان الأعمش، عن أبي صالح
ذكوان السمان. وأسقط أبا رزين، بينهما، وذكر فيه الغسل مرتين أو ثلاثاً
نحو ما ذكره في الرواية الأولى. ويستفاد من هذه الرواية: أنه إذا اكتفى
بالغسل مرتين يجوز؛ لأنه مستحب ثلاثاً.
قلنا: إن هذا إذا شك في نجاسة اليد، أما إذا تحقق يجب عليه الغسل
إلى أن يطهر، سواء كان بالثلاث أو بما فوق ذلك.
94- ص- حدثنا أحمد بن عمرو بن السرج، ومحمد بن سلمة المرادي
قالا: نا ابن وهب، عن معاوية بن صالح، عن أبي مريم قال: سم ص.-
أبا هريرة يقول: سمعتُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " إذا استيقظ أحدُكُم من نومه
__________
(1) في الأصل: " م " .
(2) انظر تخريج الحديث (92) .

(1/280)


فلا يُدخلُ يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات، فإن أحدكم لا يدري أين
باتتْ يدهُ، أو أين كانت تطُوفُ يدُهُ " (1) .
ش- ابن وهب هو عبد اللّه بن وهب.
ومعاوية بن صالح بن حُديْر أبو عمرو/الحمْصي الحضرمي، نزل
الأندلس، وكان قاضياً بها. سمع: شداداً، وسعيد بن سُويد، وزياد
ابن أبي سودة، وأيوب بن زياد الحمصي، وأبا مريم الأنصاري،
والأوزاعي، وغيرهم. روى عنه: الثوري، والليث بن سعد، وعبد اللّه
ابن وهب، والواقدي، وغيرهم. وقال أبو زرعة: ثقة محدث. وقال
أبو حاتم: صالحُ الحديث، حسنُ الحديث، يكتبُ حديثُه، ولا يحتج
به. وقال ابن معين: ليس برضى. توفي سنة ثمان وخمسين ومائة.
روى له الجماعة إلا البخاري (2) .
وأبو مريم الأنصاري. روى عن أبي هريرة. روى عنه: معاوية
ابن صالح، ويحيى بن أبي عمرو السيباني. روى له: الترمذي،
وأبو داود (3) .
قوله: " أو أين كانت تطوفُ يدُه " شك من الراوي. والطوْفُ:
الدوران، والمعنى: فإن أحدكم لا يدري أين دارت يده: على موضع
النجاسة أو لا؟
43- باب: في صفة وضوء رسول اللّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
لما فرغ عن أحكام المياه وما يتعلق بها، شرع في بيان صفة الوضوء.
الصفة والوصف مصدران، والفرق بينهما أن الصفة ما يقوم بالموصوف،
__________
(1) انظر تخريج الحديث (92) .
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (28/6058)
(3) المصدر السابق (34/7619) .

(1/281)


والوصف ما يقوم بالواصف، والصفة أصلها وصفة كعدةٍ أصلها وعدة،
حذفت الواو منها تبعاً لفعلها المضارع؛ لأن أصل يصف توْصف.
وعندهم قاعدة: أن الواو إذا وقعت بين الياء والكسرة تحذف طلباً للخفة.
95- ص- حدثنا الحسن بن عليّ الحُلواني، قال:[حدثنا] (1)
عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي،
عن حُمران بن أبان مولى عثمان بن عفان قال: " رأيتُ عثمان بن عفان
- رضي الله عنه- توضأ فأفرغ على يديه ثلاثاً، فغسلهما، ثم مضْمض (2)
واستنْثر، ثم غسل وجْههُ ثلاثاً، وغسلً يده اليُمْنى إلى المرْفق ثلاثاً، ثم
اليُسْرى مثل ذلك، ثم مسح رأسه، ثم غسل قلمه اليُمنى ثلاثاً، ثم اليُسْرى
مثل ذلك، ثم قال: رأيتُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توص مثل وُضُوئي هذا، ثم قال:
من توضأ مثل وُضُوئي هذا، ثم صلّى ركْعتين لا يحدثُ فيهما نفْسه، غفر
الله له ما تقدم من ذنبه " (3) .
ش- حُمران بن أبان بن خالد بن عبد عمرو القرشي الأموي المدني،
مولى عثمان بن عفان، كان في سبي عين التمر. سمع: عثمان بن عفان،
وعبد اللّه بن عمر (4) ، ومعاوية بن أبي سفيان. روى عنه: عروة بن
الزبير، ومسلم بن يسار، والحسن البصري، وعطاء بن يزيد، ونافع
مولى[ابن]عمر، وجماعة آخرون كثيرة. روى له الجماعة (5) .
__________
(1) زيادة من سنن أبي داود. (2) في سنن أبي داود: " تمضمض " .
(3) البخاري: كتاب الطهارة، باب: الوضوء ثلاثاً ثلاثاً (159) ، مسلم: كتاب
الطهارة، باب: صفة الوضوء وكماله (226) ، النسائي: كتاب الطهارة،
باب : المضمضة والاستنشاق (1/64) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب:
ثواب الطهور (285) .
(4) قال محقق تهذيب الكمال (7/301) : " جاء في حاشية النسخة تعليق
للمؤلف، يتعقب فيه صاحب الكمال، قال: " ذكر في شيوخه عبد الله بن
عمر، وإنما ذلك حُمران مولى العبلات المذكور فيما بعدُ، وهو الذي يروي
عنه عطاء الخراساني " .
(5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (7/1496) .

(1/282)


وعثمان بن عفان أبو عمرو، ويقال: أبو عبد اللّه، ويقال: أبو ليلى
عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف،
يلتقي مع رسول اللّه في الأب الرابع، وهو عبد مناف. رُوي له عن
رسول اللّه- عليه السلام- مائة حديث وستة وأربعون حديثاً، اتفقا منها
على ثلاثة أحاديث، وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بخمسة. روى
عنه: زيد بن خالد الجهني، وعبد اللّه بن الزبير، ومحمود بن لبيد،
وابنه أبان بن عثمان، وحُمْران بن أبان، ومروان بن الحكم، وغيرهم.
ولد في السنة السادسة بعد الفيل، وقتل يوم الجمعة لثمان عشرة خلون من
ذي الحجة، سنة خمس وثلاثين، وهو ابن تسعين سنة، وصلى عليه
جبير بن مطعم، ودفن بحش كوكب، ولي الخلافة ثنتي عشر سنة.
روى له الجماعة (1) .
قوله: " فأفرغ على يديه " من أفرغت الإناء إفراغاً، وفرغته تفريغاً إذا
قلبت ما فيه، والفاء فيه فاء التفسير، وانتصاب " ثلاثاً " على أنه صفة
لمصدر محذوف أي: " إفراغاً ثلاثاً " .
قوله: " ثم مضمض " المضمضة: تحريك الماء في الفم. وقال الشيخ
محيي الدين (2) : " حقيقة المضمضة وكمالها: أن يجعل الماء في فمه،
ثم يُديره فيه، ثم يمجه، وأما أقلها فأن يجعل الماء في فمه، ولا يُشترط
إدارته على المشهور الذي قاله الجمهور. وقال جماعة من أصحابنا:
يشترط. وقال الزندوستي من أصحابنا: الأولى أن يدخل إصبعه في فمه
وأنفه، والمبالغة فيهما سُنًة. وقال الصدر الشهيد: المبالغة في المضمضة
الغرغرة.
قوله: " واستنثر " " (3) قال جمهور أهل اللغة والفقهاء والمحدثون:
__________
(1) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (3/69) ، وأسد الغابة
(3/584) ، والإصابة (2/462) .
(2) انظر: " شرح صحيح مسلم " (3/105) .
(3) انظر: " شرح صحيح مسلم " (3/105) .

(1/283)


الاستنثار هو إخراج الماء من الأنف بعد الاستنشاق. وقال ابن الأعرابي،
وابن قتيبة: الاستنثار هو الاستنشاق. وقال الشيخ محيي الدين:
الصواب الأول يدل عليه الرواية الأخرى: استنشق واستنثر،/فجمع
بينهما. قال أهل اللغة: هو مأخوذ من النثرة، وهي طرف الأنف.
وقال الخطابي وغيره: هي الأنف. وقال الأزهري: روى سلمة، عن
الفراء أنه يقال: نثر الرجل وانتثر واستنثر إذا حرك النّثْرة في الطهارة " .
وقال ابن الأثير (1) : " نثر ينثر بالكسر: إذا امتخط، واستنثر استفعل
منه، أي: استنشق الماء، ثم استخرج ما في الأنف فينثرُه، وقيل: هو
من تحريك النّثْرة، وهي طرف الأنف " .
والصواب ما قاله ابن الأعرابي: أن المراد من قوله: " واستنثر "
الاستنشاق. وقول محيي الدين: أن الصواب هو الأول يدل عليه الرواية
الأخرى: " استنشق واستنثر " لا يدل على ما ادعاه؛ لأن المراد من
الاستنثار في هذه الرواية الامتخاط، وهو أن يمتخط بعد الاستنشاق.
قوله: " ثم غسل وجهه " الوجه: ما يواجه الإنسان وهو من قصاص
الشعر إلى أسفل الذقن طولاً، ومن شحمة الأذن إلى شحمة الأذن عرضاً.
قوله: " ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق " اليد في اللغة: اسم من رؤوس
الأصابع إلى الآباط، ولكنه سقط ما وراء المرفق بالنص. والمرفق- بكسر
الميم وفتح الفاء، وبفتح الميم أيضاً-: هو موْصل الذراع في العضد.
قوله: " ثم اليسرى مثل ذلك " أي: ثم غسل يده اليسرى مثل الأولى
ثلاث مرات.
قوله: " ثم مسح رأسه " المسح: هو الإصابة، والرأس مشتمل على
الناحية والقفا والفوْدين (2) ، وظاهر الكلام يُشعر أنه مسح جميع رأسه؛
__________
(1) النهاية (5/15) .
(2) الفوْدُ: جانب الرأس مما يلي الأذن، والشعر النابت فوقه، وهما فودان.

(1/284)


لان اسم الرأس حقيقة في العضو كله، والفقهاء اختلفوا في القدر
الواجب من المسح، وليس في الحديث ما يدل على ذلك.
قوله: " ثم غسل قدمه اليمنى " أي: رجله اليمنى، وفيه رد صريح
على الروافض في قولهم: إن الواجب في الرجلين المسح.
وقوله: " ثلاثاً " يدل على أن المستحب غسل الرجلين ثلاثاً، رد القول
بعضهم أنهم لا يرون بهذا العدد في الرجل كما في غيرها من الأعضاء،
وهم يستدلون بما ورد في بعض الروايات: " فغسل رجليه حتى أنقاهما "
ولم يذكر عدداً، ولكن الأخذ بالرواية التي فيها العدد أوْلى لما فيها من
الزيادة
قوله: " ثم اليسرى مثل ذلك " أي: ثم غسل قدمه اليسرى مثل ذلك
ثلاث مرات، وهذا الحديث أصل عظيم في صفة الوضوء، والأصل في
الواجب غسل الأعضاء مرة مرة، والزيادة عليها سُنّة؛ لان الأحاديث
الصحيحة وردت بالغسل ثلاثاً ثلاثاً، ومرة مرة، وبعض الأعضاء ثلاثا
ثلاثاً، وبعضها مرتين، وبعضها مرة، فالاختلاف على هذه الصفة دليل
الجواز في الكل، وأن الثلاث هي الكمال، والواحدة تجزئ، وعن هذا
قال أصحابنا: الأولى فرض، والثانية مستحبة، والثالثة سُنّة، ويقال:
كلاهما سُنة، ويقال: كلاهما مستحب، وأما ما اختلف الرواة فيه عن
الصحابي الواحد في القضية الواحدة، فذلك محمول على أن بعضهم
حفظ وبعضهم نسي، فيؤخذ بما زاده الثقة. ويستفاد من هذا الحديث فوائد:
الأولى: استحباب غسل اليدين في ابتداء الوضوء قبل إدخالهما في
الإناء، سواء قام من النوم أو لا، يدل عليها قوله: " فأفرغ على يديه " ،
وحديث المستيقظ لا يفيد الاستحباب إلا عند القيام من النوم.
الثانية: استحباب الإفراغ على اليدين معاً يدل عليها قوله: " على
يديه " ، وقد تبين في حديث آخر أنه أفرغ بيده اليمنى على اليسرى، ثم
غسلهما، وقوله: " غسلهما " قدر مشترك بين كونه غسلهما مجموعتين أو
متفرقتين، واختلف الفقهاء أيهما أفضل.

(1/285)


الثالثة: فيه بيان لما أُهمل من ذكر العدد في حديث أبي هريرة: " إذا
استيقظ أحدُكم من نومه فليغسلْ يديْه " (1) بدون ذكر العدد، وقد ورد في
حديث أبي هريرة أيضاً ذكر العدد في الصحيح، يدل عليها قوله:
" ثلاثاً " .
الرابعة: فيه بيان استحباب الترتيب المفهوم من كلمة " ثم " المقتضي
للترتيب
قوله: " ثم قال " أي: ثم قال عثمان- رضي اللّه عنه- بعد فراغه من
وضوئه.
قوله: " توضأ مثل وُضوئي هذا " اعلم[أن]كلمة المثل بكسر الميم
وسكون الثاء، والمثلُ بفتحتين، كلاهما بمعنى النظير، يقال: مثل ومثل
ومثيل، كشبْهٍ وشبهٍ وشبيهٍ ، والمثل في اصطلاحهم المجاز المركب الذي
يقال له: التمثيل على سبيل الاستعارة لا على سبيل/التشبيه ولا في
معناه الأصلي.
قوله: " من توضأ وُضوئي هذا " أي: كوضوئي أو نحو وضوئي، وفي
رواية مسلم: " نحو وضوئي هذا " . وقال الشيخ محيي الدين (2) :
" إنما قال: نحو وضوئي ولم يقل " مثل " لأن حقيقة مماثلته لا يقدر عليها
غيره " .
قلنا: معنى " نحو " هاهنا أيضاً معنى المثل؛ لأن كلا منهما من
أدوات (3) التشبيه، ولو قال: مثل وضوئي أيضاً لا يلزم ما ذكره؛ لأن
التشبيه لا عموم له.
قوله: " ثم صلى ركعتين " هذه الصلاة مستحبة، وقالت الشافعية:
__________
(1) البخاري (162) ، ومسلم (278/88 مكرر) .
(2) انظر: " شرح صحيح مسلم " (3/108) .
(3) في الأصل: " أدات " بدون " واو " .

(1/286)


سُنّة مؤكدة. ويرُدُ ذلك عليهم ما ورد في الصحيح: " هل علي غيرهن؟
قال: لا، إلا أن تطوع " (1) .
قوله: " لا يحدث فيهما نفسه " (2) المعنى: لا يحدث بشيء في أمور
الدنيا، وما لا يتعلق بالصلاة، ولو عرض له حديث فأعرض عنه،
فبمجرد إعراضه عنه عُفي له ذلك، وجعلت له هذه الفضيلة؛ لأن هذا
ليس من فعله، وقد عُفي لهذه الأمة عن الخواطر التي تعرض ولا تستقر.
وقال القاضي عياض: يريد بحديث النفس الحديث المجْتلبُ والمكتسب،
وأما ما يقع في الخاطر غالباً فليس هو المراد، وقوله: " لا يحدث نفسه "
إشارة إلى أن ذلك الحديث مما يكتسب لإضافته إليه.
وقال بعضهم: هذا الذي يكون من غير قصد يرجى أن تُقبل معه
الصلاة، ويكون دون صلاة من لم يحدث نفسه بشيء؛ لأن النبي- عليه
السلام- ضمن الغُفران لمراعي ذلك؛ لأنه قل من تسْلمُ صلاتُه من
حديث النفس، وإنما حصلت له هذه المرتبة لمجاهدة نفسه من خطرات
الشياطين، ونفيها عنه، ومحافظته عليها، حتى لم يشتغل عنها طرفة
عين، وسلم من الشيطان باجتهاده، وتفريغه قلبه، ولو حدث نفسه فيما
يتعلق بأمور الآخرة، كالفكر في معاني المتلو من القرآن العزيز،
والمذكور (3) من الدعوات والأذكار أو في أمر محمود أو مندوب إليه لا
يضر ذلك، وقد ورد عن عمر- رضي اللّه عنه- أنه[قال: إني] (4)
لأجهز الجيش وأنا في الصلاة " ، أو كما قال.
قوله: " غفر الله له ما تقدم من ذنبه " الغفْر والغُفْران: الستر، ومنه
المغْفر لأنه يستر الرأس. وقال ابن الأثير: " أصل الغفر: التغطية،
والمغْفرةُ: إلباس اللّه تعالى العفو للمذنبين " (5) .
__________
(1) يأتي برقم (375) . (2) انظر: " شرح صحيح مسلم " (9/103) .
(3) في الأصل: " والمذك " ، وما أثبتناه من " عمدة القاري " (2/301) .
(4) غير واضح في الأصل، وما أثبتناه من " عمدة القاري " (2/301) .
(5) انظر: النهاية (3/373) .

(1/287)


فظاهر الحديث يعم جميع الذنوب، وقد خصوا مثله بالصغائر فقالوا:
إنما الكبائر إنما تكفّرُ بالتوبة. وأخرج هذا الحديث البخاري، ومسلم،
والنسائي.
96- ص- حدثنا محمد بن المثنى قال: نا الضحاك بن مخلد قال:
أخبرنا عبد الرحمن بن وردان قال: نا أبو سلمة بن عبد الرحمن قال:
حدّثني حُمْرانُ قال: رأيت عثمان بن عفان توضأ، فذكره نحوه، ولم يذكر
" المضمضة والاستنثار (1) " قال: وفيه: " ومسح رأسه ثلاثاً، ثم غسل
رجليْه " ثم قال: رأيتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ هكذا، وقال: " من توضأ دون
هذا كفاه " ولم يذكر أمر الصلاة (2) .
ش- الضحاك بن مخلد بن الضحاك بن مسلم بن رافع بن وكيع
أبو عاصم النبيل، وقد ذُكر مرة بكنيته.
وعبد الرحمن بن وردان أبو بكر الغفاري. سمع: أبا سلمة بن
عبد الرحمن، وسعيد [ا] المقبري. روى عن أنس بن مالك. روى
عنه: أبو عاصم النبيل، ومروان بن معاوية. وقال ابن معين: صالح.
روى له أبو داود (3) .
وأبو سلمة قد ذُكر.
قوله: " فذكر نحوه " أي: نحو الحديث الذي مضى.
قوله: " ولم يذكر المضمضة والاستنثار " قد قلنا: إن الرُواة إذا اختلفوا
عن الصحابي في قضية واحدة يُعمل برواية منْ زاد إذا كان ثقة، وقد
عملنا بالزيادتين، الزيادة الواحدة في الرواية التي مضت، والزيادة
الأخرى في هذه الرواية، وهى قوله: " ومسح رأسه ثلاثاً " ، وبهذه
الزيادة تمسكت الشافعية أن السُّنة في مسح الرأس: أن يمسح ثلاثاً،
ولكن عندنا هذا محمول[على]المسح ثلاثاً بماء واحد، وهو
__________
(1) في سنن أبي داود: " والاستنشاق " . (2) انظر: تخريج الحديث (95) .
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (17/3988) .

(1/288)


مشروع عندنا على ما روي عن أبي حنيفة، صرح بذلك صاحب
" الهداية " .
قوله: " من توضأ دون هذا " أشار بهذا إلى أنه لو غسل أعضاءه مرة،
ومسح رأسه مرة كفاه؛ لأنه ورد ذلك أيضاً في " صحيح " (1) كما ذكرناه.
97- ص- حدّثنا محمد بن داود بن أبي ناجية الإسكندراني قال:
أخبرنا زياد بن يونس قال: نا سعيد بن زياد المؤذن/عن عثمان بن
عبد الرحمن التيمي قال: سُئل ابنُ أبي مُليكة عن الوُضُوء فقال: رأيتُ
عثمان بن عفان يُسأل عن الوضوء، فدعا بماء، فأتي بميْضأة، فأصْغاها على
يده اليُمنى، ثم أدْخلها في الماء، فتمضمض ثلاثاً، واسْتنْثر ثلاثاً، وغسل
وجْههُ ثلاثاً، وغسل (2) يده اليُمنى ثلاثاً، وغسل يدهُ اليُسرى ثلاثاً، ثم
اًدْخل يده فأخذ ماءً فمسح برأسه وأذنيه، فغسل بُطُونهُما وظُهُورهُما مرةً
واحدةً، ثم غسل رجْليْه، ثم قال. أين السّائلون عن الوُضوء؟ هكذا رأيتُ
رسول الله يتوضأ " (3) .
ش- محمد بن داود بن أبي سفيان رزق بن داود بن ناجية بن عمير،
وهو ابن أبي ناجية الإسكندراني أبو عبد اللّه. روى عن: عبد الرزاق،
وزياد بن يونس الحضرمي. روى عنه: أبو داود، والنسائي، وعمر بن
أحمد بن السُّني. مات سنة إحدى وخمسين ومائتين بالإسكندرية (4) 0
وزياد بن يونس روى عن: نافع بن عمر الجُمحي، ونافع بن أبي نعيم،
وسعيد بن زياد المؤدب. روى عنه: محمد بن داود الإسكندراني،
ويونس بن عبد الأعلى. روى له أبو داود (5) .
وسعيد بن زياد المكتب المؤذن مولى بني زهرة. روى عن: عثمان بن
__________
(1) كذا، ويعني: " الصحيح " . (2) في سنن أبي داود: " ثم غسل "
(3) انظر تخريج الحديث (95) .
(4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (25/5201) .
(5) المصدر السابق (9/2074) .
19 * شرح سنن أبي داوود 1

(1/289)


عبد الرحمن، وسليمان بن يسار، وعبد اللّه بن محمد. روى عنه:
وكيع، وزياد بن يونس، وخالد بن مخلد. روى له: أبو داود،
والنسائي (1) .
وعثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد اللّه التيمي القرشي الحجازي
أخو معاذ. روى عن أبيه وأخيه. سمع: أنس بن مالك، وربيعة بن
عبد الله. روى عنه: يحيى بن محمد بن طحْلاء، وأبو بكر بن المنكدر،
والضحاك بن عثمان، ومحمد بن طلحة، وغيرهم. وقال أبو حاتم:
ثقة. روى له: البخاري، وأبو داود، والترمذي (2) .
وابن أبي مُليكة: عبد الله بن عبيد الله بن أبي مُليكة القرشي التيمي،
وقد ذكر.
قوله: " رأيت عثمان " بمعنى: أبصرت، فلهذا اقتصر على مفعول
واحد.
وقوله: " يسأل " حال من عثمان.
قوله: " فأتي بميضأة " بكسر الميم، وهي المطهرة يتوضأ بها مفْعلة من
الوضوء.
قوله: " فأصغاها " أي: أمالها من الإصغاء، والمعنى: أمالها حتى
سكب على يده الماء.
قوله: " ثم أدخل يده " أي: في الميضأة " فأخذ ماء، فمسح برأسه
وأذنيه " ، وهو حجة لأبي حنيفة على أن الأذنين يُمسحان بماء الرأس.
قوله: " فغسل بطونهما وظهورهما " والمراد: بطناهما وظهراهما،
ويطلق الجمع على التثنية مجازاً كما في قوله تعالى: (فقدْ صغتْ
قُلُوبُكُما) (3) أي: قلْباكُما، وأطلق الغسل على المسح مجازاً؛ لأن
الأذنين لا يغسلان بالإجماع.
__________
(1) المصدر السابق (10/2275) . (2) المصدر السابق (19/3836) .
(3) سورة التحريم: (4) .

(1/290)


ص- قال أبو داود: أحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على مسح الرأس
أنه مرة، فإنهم ذكروا الوضوء ثلاثاً، وقالوا (1) فيها (1) : مسح رأسه، ولم
يذكروا عدداً كما ذكروا في غيره.
" الصحاح " : صفة لقوله: " أحاديث " ، وهي مبتدأ وخبره قوله:
" تدل " .
قوله: " أنه " أي: أن مسح الرأس.
وقوله: " مرة " بالرفع خبر " أنّ " ، ومحل " أنه مرةٌ " جر؛ لأنها بدل
من قوله: " على مسح الرأس " والفاء في قوله: " فإنهم " تعليل لقوله:
" تدل على مسح الرأس أنه مرة " .
قوله: " في غيره " أي: في غير مسح الرأس.
98- ص- حدثنا إبراهيم بن موسى قال: نا عيسى قال: نا عبيد الله
- يعني: ابن أبي زياد-، عن عبد الله بن عبيد بن عُمير، عن أبي علقمة:
" أن عثمان رضي الله عنه دعا بماء فتوضأ، فأفرغ بيده اليُمْنى على اليُسرى،
ثم غسلهُما إلى الكُوعيْن، قال: ثم تمضمض (2) واسْتنْشق ثلاثاً، ثم ذكر
الوضوء ثلاثاً، قال: ثم مسح (3) برأسه، ثم غسل رجليْه وقال: رأيتُ
رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توضأ مثل ما رأيتُمُوني تًوضأتُ " ثم ساق نحو حديث
الزهري وأتم (4) .
ش- إبراهيم بن موسى بن يزيد، وعيسى بن يونس ذُكرا.
وعبيد اللّه بن أبي زياد المكي. روى عنه (5) : عبيد اللّه بن موسى،
ويعقوب بن إبراهيم. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه،
والنسائي (6) . وفي بعض النسخ " عبد اللّه بن أبي زياد " مكبراً. وقال
زكي الدين: فيه مقال (7) .
__________
(1) في الأصل: " قالوا وفيها " ، وما أثبتناه من سنن أبي داود.
(2) في سنن أبي داود: " مضمض " . (3) في سنن أبي داود: " ومسح " .
(4) انظر تخريج الحديث (95) . (5) في الأصل: " عن " خطأ.
(6) كذا، ولم يذكر المزيُ " النسائي " فيمن روى له.
(7) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (19/3635) .

(1/291)


وعبد اللّه بن عبيد بن عمير بن قتادة بن سعد بن عامر بن جُنْدع بن ليث
أبو هاشم الليثي المكي. روى عن: أبيه، وعبد الله بن عمر، وعائشة،
والحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة. روى عنه: الزهري (1) .
[ (2) 99- حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا
إسرائيل، عن عامر بن شقيق بن جمرة، عن شقيق بن سلمة قال: " رأيتُ
عثمان بن عفان غسل ذراعيه ثلاثاً ثلاثاً، ومسح رأسه ثلاثاً، ثم قال: رأيتُ
رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فعل هذا " (3) .
قال أبو داود: رواه وكيع عن إسرائيل قال: توضأ ثلاثاً، فقط.
100- حدثنا مُسدد، حدثنا أبو عوانة، عن خالد بن علقم عن عبد خير،
قال: " أتانا علي- رضي الله عنه- وقد صلى، فدعا بطهُور، فقلنا: ما
يصنعُ بالطهُور وقد صلى؟ ما يريد إلا ليُعلمنا، فأتي بإناء فيه ماءٌ وطسْت،
فافرغ من الإناء على يمينه فغسل يديه ثلاثاً، ثم تمضمضً واستنثر ثلاثاً،
فمضمض ونثر من الكفً الذي يأخذ فيه، ثم غسل وجههُ ثلاثاً، ثم غسل
يده اليُمنى ثلاثاً، وغسل يده الشمال ثلاثاً، ثم جعل يده في الإناء، فمسح
برأسه مرة واحدة، ثم غسل رجله اليُمنى ثلاثاً، ورجله الشمال ثلاثاً، ثم
قال. من سره أن يعلم وُضوء رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهو هذا " (4) .
101- حدثنا الحسن بن علي الحُلواني، حدثنا الحُسين بن علي الجُعْفي،
__________
(1) المصدر السابق (15/3406) .
(2) سقط من التصوير ورقة كاملة، وهي[1/41- ب: 42- أ]، وفيها الأحاديث
(110: 116، وبعض 117) بترقيم سنن أبي داود المطبوع، وقد رأيت
إثباتها من سنن أبي داود لتعم الفائدة.
(3) تفرد به أبو داود.
(4) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في وضوء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كيف كان
(48) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: عدد غسل الوجه، وباب: عدد
غسل اليدين (1/68) .

(1/292)


عن زائدة، حدثنا خالد بن علقمة الهمداني، عن عبد خير، قال : صلى
علي رضي الله عنه الغداة، ثم دخل الرّحْبة فدعا بماء، فأتاه الغلامُ بإناء فيه
ماءٌ وطسْت، قال: فأخذ الإناء بيده اليُمنى فأفرغ عفى يده اليُسْرى وغسل
كفيه[ثلاثا]، ثم ادخل يده اليُمنى في الإناء فمضمض ثلاثاً، ثم ساق قريباً
من حديث أبي عوانة، قال: ثم مسح رأسه مُقدمه ومُؤخّره مرة، ثم ساق
الحديث نحوه " (1) .
102- حدثنا محمد بن المثنى، حدثني محمد بن جعفر، حدثني شعبة،
قال: سمعتُ مالك بن عُرْفُطة، سمعت عبْد خيْر " رأيت عليا- رضي الله
عنه- أتي بكرسي فقعد عليه، ثم أتي بكُوز من ماء، فغسل يديه ثلاثاً، ثم
تمضمض مع الاستنشاق بماء واحدٍ ، وذكر الحديث " (2) .
103- حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا أبو نعيم، حدّثنا ربيعةُ الكنانيُّ،
عن المنْهال بن عمرو، عن زرّ بن حُبيْش: أنه سمع عليا- رضي الله عنه-
وسئل عن وُضوء رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فذكر الحديث، وقال: " ومسح على
رأسه حتى الماء يقطُرُ، وغسلً رجليه ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: هكذا كان وُضوءُ
رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " (3) .
104- حدثنا زياد بن أيوب الطوسي، حدثنا عُبيد الله بن موسى، حدّثنا
فطرٌ ، عن أبي فرْوة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: " رأيت عليا
- رضي الله عنه- توضأ فغسل وجهه ثلاثاً، وغسل ذراعيه ثلاثاً، ومسح
برأسه واحدة، ثم قال. هكذا توضأ رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " (4) .
105- حدّثنا مُسدد وأبو توْبة، قالا: حدًّثنا أبو الأحوص، ح، وحدثنا
عمرو بن عون، أخبرنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي حية، قال:
__________
(1) انظر التخريج السابق. (2) انظر تخريج الحديث رقم (100) .
(3) تفرد به أبو داود.
(4) تفرد به أبو داود.

(1/293)


" رأيت عليا- رضي الله عنه- توضأ، فذكر وُضوءه كله ثلاثاً ثلاثا، قال:
ثم مسح رأسه، ثم غسل رجليه إلى الكعبين، ثم قال: إنما أحببتُ أن أريكم
طُهور رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " (1) .
106- حدّثنا عبد العزيز بن يحيى الحراني، حدثنا محمد- يعني: ابن
سلمة- عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن طلحة بن يزيد بن رُكانة،
عن عبيد الله الخولاني، عن ابن عباس]/قال: " دخل عليَّ عليُّ بن
أبي طالب- رضي الله عنه- وقد أهْراق الماء، فدعا بوضُوء، فأتيناه بتوْرٍ فيه
ماء حتى وضعناه بين يديْه فقال: يا ابن عباس، ألا أريك كيْف كان يتوضأ
رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قلت: بلى، فأصْغى الإناء على يده فغسلهما (2) ، ثم ادخل
يده اليُمنى، وأفْرغ (3) بها على الأخْرى، ثم غسل كفّيْه ثلاثاً، ثم تمضْمض
واسْتنثر، ثم أدخل يديْه في الإناء جميعا، فأخذ بهما حفنة من ماء، فضرب
بها على وجْهه، ثم ألقم إبْهاميْه ما أقبل من أذُنيه، ثم الثانية، ثم الثالثة مثل
ذلك، ثم أخذ بكفه اليمنى قبضة من ماء فصبها على ناصيته، فتركها
يسْتن (4) على وجْهه، ثم غسل ذراعيْه إلى المرفقين ثلاثاً (5) ، ثم مسح رأسهُ
وظُهُور أذنيه، ثم أدخل يديه جميعاً، فأخذ حفنة من ماء فضرب بها على
رجْله، وفيها النعْلُ، ففتلها بها، ثم الأخرى مثل ذلك. قال: قلتُ: وفي
النعْلين؟ قال: وفي النعلين. قال: قلتُ: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين.
قال: قلتُ: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين " (6) .
ش- محمد بن إسحاق بن يسار.
__________
(1) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في وضوء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كيف كان؟
(48) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: عدد غسل الرجلين (1/79) .
(2) في سنن أبي داود: " فغسلها " . (3) في سنن أبي داود: " فأفرغ " .
(4) في سنن أبي داود: " تسْتن " . (5) في سنن أبي داود: " ثلاثاً ثلاثاً " .
(6) تفرد به أبو داود.

(1/294)


ومحمد بن طلحة بن يزيد بن رُكانة بن عبد يزيد بن المطلب بن
عبد مناف القرشي المُطلبي. روى عن: عبيد الله الخولاني، وسالم بن
عبد الله، وعكرمة مولى ابن عباس. روى عنه: عمرو بن دينار،
ومحمد بن إسحاق بن يسار، وحصين بن عبد الرحمن. قال ابن معين:
هو ثقة روى له: أبو داود، وابن ماجه (1) .
وعبيد اللّه بن الأسود الخولاني، ربيب ميمونة زوج النبي- عليه
السلام-. روى عن: عثمان بن عفان، وميمونة. روى عنه عاصم بن
عمر (2) بن قتادة. كذا قال في " الكمال " ، وقال ابن حبان: عبيد الله
ابن راشد الخولاني ربيب ميمونة. روى عن: عثمان، وزيد بن خالد.
عداده من أهل المدينة. روى عنه: صم بن عمر (2) ، وبُسْر بن
سعيد (3) .
قوله: " وقد أهراق " أي: أراق، والهاء فيه زائدة.
قوله: " ألا أريك " " ألا " كلمة تنبيه تدل على تحقق ما بعدها، وتجيء
بمعنى التوبيخ، والإنكار، والتمني، والاستفهام عن النفي، والعرض،
والتحضيض.
قو له: " فأصغى " أي: أمال.
قوله: " واستنثر " أي: استنشق، وفي بعض الرواية: " هكذا " .
وقال الخطابي: معناه: استنشق الماء، ثم أخرجه من أنفه.
قوله: " حفْنة " الحفنة: ملء الكف.
قوله: " فضرب بها " أي: بالحفنة وجهه. فيه دليل على أن ضرب الماء
على وجهه في الوضوء لا يكره، ردا على قول من يرى كراهة ذلك.
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (25/5314) .
(2) في الأصل: " عاصم بن عمرو " خطأ.
(3) في الأصل: " بشر بن سعد " ، وانظر ترجمته في: تهذيب الكمال
(19/ص 6، ترجمة 3619 م) .

(1/295)


قوله: " ثم ألقم إبهاميه " أي: أدخل إبهاميه ما أقبل من أذنيه، من
الإلقام، كأنه جعلهما لقمة لأذنيه، وقوله: " ما أقبل " مفعول " ألقم " .
قوله: " ثم الثانية " أي: ثم فعل المرة الثانية والثالثة مثل ما فعل في
الأولى.
قوله: " يسْتنُ على وجهه " أي: يسيلُ وينصب من سننْت الماء إذا صببته
صبا سهلاً.
قوله: " وظهور أذنيه " أي: مسح ظهري أذنيه، أطلق الجمع على
التثنية مجازاً، ومن هذا أخذ الشعبي وقال: إن ظاهر الأذنين من الرأس،
وباطنها من الوجه.
قوله: " وفيها النعل " جملة وقعت حالاً من رجله، النعل مؤنثة، وهي
التي تلبس في المشي، تُسمّى الآن: تاسُومة.
قوله: " ففتلها بها " أي: فتل النعل بتلك الحفنة من الماء، ومعنى
فتلها: أدار بيده فوق القدم وتحت النعل.
قوله: " ثم الأخرى مثل ذلك " أي: فعل في رجله الأخرى مثل ما فعل
في الأولى.
قوله: " قال: قلت " الضمير فيهما راجع إلى عبيد اللّه الخولاني،
والضمير الذي في قوله: " قال: وفي النعلين " راجع إلى ابن عباس
- رضي اللّه عنه-. واحتج بهذا الحديث الروافض ومن ذهب مذهبهم في
إباحة المسح على الرجلين في الطهارة من الحدث، واحتج بذلك أيضاً
بعضُ أهل الكلام منهم: الجبائي في أن المرء مُخير بين غسل الرجل
ومسحها، وحكي ذلك أيضاً عن محمد بن جرير، واحتجوا في ذلك
أيضاً بقراءة الجر في قوله تعالى: (وأرْجُلكُم) (1) . والجواب عن
الحديث أن فيه مقالاً، وقد قال الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل عنه
__________
(1) سورة المائدة: (6) .

(1/296)


فضعفه وقال: " ما أدري ما هذا " . وعلى تقدير ثبوت الحديث يحتمل
أن تكون (1) تلك/الحفنةُ من الماء قد وصلت إلى ظاهر القدم وباطنه،
وإن كان في النعل، ويدل على ذلك قوله: " ففتلها بها، ثم الأخرى
مثل ذلك " ، والحفنة من الماء ربما كفت مع الرفق في مثل هذا، ولو كان
أراد المسح على بعض القدم لكان يكفيه ما دون الحفنة. وقد روي عن علي
- رضي اللّه عنه- في غير هذه الرواية: " أنه توضأ ومسح على نعليه،
وقال: هذا وضوء من لم يحدث " (2) .
والجواب عن قراءة الجر في الآية: " (3) أن العطف قد يقع مرة على
اللفظ المجاور، ومرة على المعنى المجاور، فالأول كقولهم: جحر ضب
خربٍ ، والخرب من نعت الجحر وهو مرفوع، والآخر كقول الشاعر:
مُعاوي إننا بشرٌ فأسجح ... فلسنا بالجبال ولا الحديدا
وإذا كان الأمر في ذلك على مذهب اللغة وحكم الإعراب سواء في
الوجهين، وجب الرجوع إلى بيان النبي- عليه السلام-، وقد ثبت عنه
أنه قال: " ويل للأعقاب من النار " (4) ، فثبت أن استيعاب الرجلين
غسلاً واجب، وقد يكون المسح في كلام العرب بمعنى الغسل.
وعن أبي زيد الأنصاري: المسح في كلام العرب يكون غسلاً ويكون
مسحاً، ومنه يقال للرجل إذا توضأ فغسل أعضاءه قد تمسح، ويقال:
مسح اللّه ما بك، أي: أذهبه عنك وطهرك من الذنوب " (5) .
وعن عليّ- رضي اللّه عنه-: أنه أشرف على فتية من قريش، فرأى
في وضوئهم تساهلاً فقال: " ويل للأعقاب من النار " ، فلما سمعوا
جعلوا يغسلونها غسلاً، ويدلكونها دلكاً.
__________
(1) في الأصل: " يكون " .
(2) النسائي في كتاب الطهارة، باب: الاعتداء في الوضوء (1/84- 85) . وقال
الحافظ في " الفتح " : " وهي- أي هذه الزيادة- على شرط الصحيح " .
(3) انظر: معالم السنن 11/43- 44) . (4) تقدم برقم (85) .
(5) إلى هنا انتهى النقل من معالم السنن.

(1/297)


وعن ابن عباس، عن النبي- عليه السلام-: " ويل للأعقاب من
النار " . وعن جابر عنه: " ويل للعراقيب " . وعن عائشة: " لأن
تُقطعا أحب إليّ من أن أمسح على القدمين من غير خُف " . وعن عطاء:
واللّه ما علمت أن أحداً من أصحاب رسول اللّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مسح على القدمين.
ص- قال أبو داود: وحديث ابن جريج عن شيبة يُشبه حديث علي؛
لأنه قال فيه: حجاج بن محمد، عن ابن جريج: " ومسح برأسه مرة
واحدة " . وقال ابن وهب فيه: عن ابن جريج: " ومسح برأسه ثلاثاً " .
ش- شيبة هذا قد سمع محمد بن علي بن الحسين بن عليّ بن
أبي طالب. روى عنه ابن جريج. روى له: أبو داود، والنسائي (1) .
وحجاج بن محمد بن الأعور قد ذكر.
وابن وهب هو عبد الله بن وهب، وقد ذكر غير مرة.
107- ص- حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن عمرو بن يحيى
المازني، عن أبيه، أنه قال لعبد الله بن زيد بن عاصم- وهو جد عمرو بن
يحيى-: " هل تستطيعُ أن تُريني كيف كان رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتوضأ؟ فقال
عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بوضُوء، فأفرغ على يديْه، فغسل يديه، ثم
تمضمض، واسْتنْثر ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يديه مرتين مرتين
إلى المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر:[بدأ] (2) بمُقدّم رأسه
ثم ذهب بهما إلى قفاهُ، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه، ثم
غسل رجليه " (3) .
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (12/2790) .
(2) ساقط من الأصل، وأثبتناه من سنن أبي داود.
(3) البخاري: كتاب الوضوء، باب: مسح الرأس كله (185) ، مسلم: كتاب
الطهارة، باب آخر في صفة الوضوء (235) ، الترمذي: كتاب أبواب
الطهارة، باب: المضمضة والاستنشاق من كف واحد (28) ، النسائي: كتاب
الطهارة، باب: حد الغسيل (1/71) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب:
ما جاء في مسح الرأس (434) .

(1/298)


ش- مالك هو: ابن أنس الإمام، وعمرو بن يحيى وأبوه يحيى،
وعبد اللّه بن زيد الصحابي، كلهم ذكروا.
قوله: " وهو جد عمرو بن يحيى " أي: عبد اللّه بن زيد هو جد عمرو
ابن يحيى من الأم؛ لا امرأة يحيى هي ابنة عبد اللّه بن زيد.
قوله: " فدعا بوضوء " : بفتح الواو وهو الماء الذي يتوضأ به.
قوله: " فأفرغ على يده (1) " أي: صبه وسكبه، فيه استحباب تقديم
غسل اليدين قبل غمسهما في الإناء.
قوله: " ثم تمضمض واستنثر ثلاثاً " أي: تمضمض ثلاث مرات،
واستنشق ثلاث مرات فيه دلالة ظاهرة أن السُّنة في المضمضة والاستنشاق
أن يكون كل واحد منهما ثلاث مرات.
قوله: " ثم غسل يديه مرتين مرتين " فيه دلالة على جواز مخالفة
الأعضاء، وغسل بعضها ثلاثاً، وبعضها مرتين، وبعضها مرة، وهذا
جائز. والوضوء على هذه الصفة صحيح بلا شك، ولكن المستحب
التثليث، وأن ما كانت مخالفتها من النبي- عليه السلام- في بعض
الأوقات بيان للجواز، كما توضأ بمرة مرة في بعض الأوقات بياناً
للجواز، وكان في ذلك الوقت أفضل في حقه- عليه السلام-؛ لأن
البيان واجب عليه- عليه السلام-، فإن قيل: البيان يحصل بالقول.
قلنا: بالفعل أوقع في النفوس، وأبعد من التأويل.
قوله: " ثم مسح رأسه بيديه " إلى آخره، هذا هو المستحب باتفاق
العلماء/فإنه طريق إلى استيعاب الرأس، ووصول الماء إلى جميع
شعره، وليس فيه دليل لوجوب الاستيعاب؛ لأن الحديث ورد في كمال
الوضوء، لا فيما لا بد منه.
قوله: " ثم غسل رجليه " فيه رد على الروافض أيضاً. وهذا الحديث
__________
(1) كذا، وفي الحديث: " يديه " .

(1/299)


أخرجه أبو داود بثلاث روايات كما ترى، وأخرجه البخاري، ومسلم،
والترمذي، والنسائي، وابن ماجه مطولاً ومختصراً.
108- ص- حدثنا مسدد قال: نا خالد، عن عمرو بن يحيى المازني،
عن أبيه، عن عبد الله بن زيد بن عاصم، بذا الحديث قال: فمضمض
واسْتنْشق من كف واحدة " ، يفعلُ ذلك ثلاثاً، ثم ذكر نحوه (1) .
ش- خالد هو: خالد بن عبد اللّه بن عبد الرحمن بن يزيد الواسطي
أبو الهيثم الطحان، ويقال: أبو محمد المزني مولاهم. سمع:
أبا إسحاق الشيباني، وحصين بن عبد الرحمن، وعمرو بن يحيى
الأنصاري، وغيرهم. روى عنه: يحيى بن سعيد، وقتيبة، وعمرو بن
عون، ووكيع، ومسدد، وغيرهم. قال أحمد: كان ثقة صالحاً في
نفسه (2) ، بلغني أنه اشترى نفسه من اللّه ثلاث مرات. توفي بواسط سنة
اثنتين وثمانين ومائة. روى له الجماعة (3) .
قوله: " بهذا الحديث " أشار به إلى الحديث الذي مضى، الذي فيه
الإمام مالك.
قوله: " فمضمض واستنشق من كفّ واحدة " فيه دلالة على أن يكون
المضمضة والاستنشاق بثلاث غرفات، يتمضمض في كل واحدة ثم
يستنشق منها وهو أحد الوجوه عند الشافعية.
قوله: " ثم ذكر نحوه " أي: نحو الحديث الذي مضى.
109- ص- حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح قال: نا ابن وهب، عن
عمرو بن الحارث: أن حبان بن واسع حدثه، أن أباه حدثه، أنه سمع
عبد الله بن زيد بن عاصم المازني يذكر أنه رأى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فذكر وُضوءه
قال: " ومسح رأسه بماء غير فضل يده، وغسل رجْليه حتى أنقاهما " (4) .
__________
(1) انظر الحديث السابق. (2) في تهذيب الكمال: " صالحاً في دينه " .
(3، انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (8/1625) .
(4) مسلم: كتاب الطهارة، باب : في وضوء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (236) ، الترمذي:
كتاب الطهارة، باب: ما جاء أنه يأخذ لرأسه ماء جديداً (35) .

(1/300)


ش- عمرو بن الحارث بن يعقوب بن عبد الله بن الأشج أبو أمية
الأنصاري المصري، مولى قيس بن سعد بن عبادة. سمع: أباه، وزيد
ابن أسلم، وعمرو بن دينار، وقتادة، وحبان بن واسع، والزهري،
وغيرهم. روى عنه: صالح بن كيسان، وأسامة بن زيد، وعبد الله بن
وهب، وغيرهم. قال أبو زرعة: لم يكن له نظير في الحفظ في زمانه.
وقال النسائي: مصري ثقة. ولد سنة أربع وتسعين، ومات بمصر سنة
ثمان أو سبع أو تسع وأربعين ومائة. روى له الجماعة (1) .
وحبّان بن واسع بن حبان بن منقذ الأنصاري المازني المدني، وجده
صحابي. روى عن: أبيه، وعبد الله بن زيد. روى عنه: عمرو بن
الحارث، وعبد الله بن لهيعة. روى له: مسلم، وأبو داود،
والترمذي (2) .
وواسع بن حبان ذكرناه.
قوله: " يذكر " جملة وقعت حالاً من عبد اللّه.
قوله: " بماء غير فضل يده " معناه: أنه مسح رأسه بماء جديد لا ببقية ماء
يديه، وفيه دلالة على أن الماء المستعمل لا يصح الطهارة به، وفي بعض
الرواية: " غير فضل يديه " .
110- ص- حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل قال: نا أبو المغيرة، حدثنا
حريز قال: حدثني عبد الرحمن بن ميسرة الحضرمي قال: سمعت المقدام
ابن معد يكرب الكندي قال: " أتي رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بوضوء فتوضأ: فغسل
كفيه ثلاثاً، وغسل وجْهه ثلاثاً، ثم غسل ذراعيه ثلاثاً ثلاثاً،[ثم تمضمض
واسْتنشق ثلاثاً] (3) ، ثم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما " (4) .
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (21/4341) .
(2) المصدر السابق (5/1065) .
(3) هذه الجملة وقعت في سنن أبي داود بين معقوفتين، بعد قوله: " فغسل فيه
ثلاثاً " وهو الجادة.
(4) ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في مسح الأذنين (442)

(1/301)


ش- أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج الحمصي الخولاني الشامي.
سمع: صفوان بن عمرو، والأوزاعي، وسعيد بن سنان، وغيرهم.
روى عنه: أحمد بن حنبل، وابن معين، وعبد الله بن عبد الرحمن
الدارمي، وغيرهم. وقال الدارقطني: ثقة. مات سنة اثنتي عشرة
ومائتين. روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي (1) .
وحريز - بفتح الحاء المهملة، وكسر الراء، وفي آخره زاي- ابن
عثمان بن جبر- بالجيم والباء الموحدة- بن أحمر بن أسعد الحمصي
الشامي أبو عون، ويقال: أبو عثمان الرحبي المشرقي، ورحبية - بفتح
الحاء والباء الموحدة- في حمْير. سمع: عبد اللّه بن بسر الصحابي،
وراشد بن سعد، وعبد الرحمن بن ميسرة، وسعيد بن مرثد، وغيرهم.
روى عنه الوليد، وإسماعيل بن عياش، وأبو المغيرة الخولاني، وسفيان
ابن حبيب، وغيرهم. وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة
متقن. توفي سنة ثلاث وستين ومائة. روى له الجماعة إلا النسائي (2) .
وحُريز بضم الحاء المهملة وفتح الراء، وفي آخره زاي (3)
وعبد الرحمن بن ميسرة الحضرمي. سمع: المقدام بن معدي كرب،
/وأبا أمامة الباهلي، وأبا راشد الحُبْراني، وجُبير بن نفير. روى عنه
حريز بن عثمان. وقال ابن المديني: عبد الرحمن بن ميسرة مجهول، لم
يرو عنه غير حريز. وقال أحمد بن عبد الله العجلي: هو شامي تابعي
ثقة. روى له: أبو داود، وابن ماجه (4) .
والمقدام بن معدي كرب بن عمرو بن يزيد بن معدي كرب، أبو كريمة،
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (18/3495) .
(2) المصدر السابق (5/1175) .
(3) كذا، وقد ذكر في أول الترجمة أنه " بفتح الحاء المهملة، وكسر الراء " وهو
الصواب.
(4) المصدر السابق (17/3973) .

(1/302)


أو أبو صالح، أو أبو يحيى، أو أبو بشر الكندي، سكن حمص. روي
له عن رسول الله سبعة وأربعون حديثاً. روى عنه: خالد بن معدان،
وشريح بن عبيد، وعبد الرحمن بن ميسرة، وغيرهم. مات سنة سبع
وثمانين، وهو ابن إحدى وتسعين سنة. روى له الجماعة إلا مسلماً (1) .
قوله: " بوضوء " بفتح الواو.
قوله: " ظاهرهما " مجرور لأنه بدل عن أذنيه، أي: مسح بظاهر أذنيه
وباطنهما. فيه دلالة على شيئين، الأول: أن الأذنين يمسحان بماء الرأس،
وبه قال أبو حنيفة. والثاني: أن السُنة مسح ظاهر الأذنين وباطنهما
جميعاً.
111- ص- حدثنا محمود بن خالد ويعقوب بن كعب الأنطاكي لفظُهُ
قالا: نا الوليد بن مسلم، عن حريز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن ميسرة،
عن المقدام بن معدي كرب، قال: رأيتُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توضأ، فلما بلغ
مسْح رأسه وضع كفيْه على مُقدم رأسه فأمرهما حتى بلغ القفا، ثم ردهما
إلى المكان الذي بدأ منه " (2) . قال محمود: قال: أخبرني حريز.
ش- محمود بن خالد السلمي الدمشقي قد ذكر
ويعقوب بن كعب بن حامد أبو يوسف الأنطاكي الحلبي. سمع:
الوليد بن مسلم، وعطاء بن مسلم الحلبي، وشعيب بن إسحاق،
وعبد اللّه بن وهب، وأبا معاوية الضرير وغيرهم. روى عنه: أبو داود،
وعبد العزيز بن سليمان الأنطاكي، وأبو الليث يزيد بن جهُور الطرْسُوسي،
وإبراهيم بن يعقوب الجُوزجاني، وغيرهم. وقال أحمد بن عبد اللّه:
ثقة، رجل صالح صاحب سُنة (3) .
__________
(1) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (3/483) ، وأسد الغابة
(5/254) ، والإصابة (3/455) 0
(2) انظر الحديث السابق.
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (32/7100) .

(1/303)


والوليد بن مسلم الدمشقي أبو العباس الأموي مولاهم، وقيل: مولى
العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب. سمع:
الأوزاعي، والثوري، والليث بن سعد، وعبد الرزاق بن عمر،
وعبد الرحمن بن حسان الكناني، وجماعة آخرين. روى عنه: أحمد بن
حنبل، وأبو خيثمة، وهشام بن عمار، ويعقوب بن كعب الحلبي،
ومحمد بن وهب، وخلق سواهم. وقال أبو حاتم: صالح. توفي سنة
أربع وتسعين ومائة بذي المروة منصرفه من الحج، وله ثلاث وسبعون سنة.
روى له الجماعة (1) .
قوله: " فأمرهما " بتشديد الراء من الإمرار.
112- ص- حدثنا محمود بن خالد وهشام بن خالد المعنى، قالا: نا
الوليد بهذا الإسناد، قال: " مسح (2) بأذُنيْه ظاهرهما وباطنهما " ، زاد
هشامٌ : " وأدخل أصابعه في صماخ أذنيه " (3) .
ش- هشام بن خالد بن زيد بن مروان ويقال: خالد بن يزيد الأزرق
السلاميّ، ويقال: مولى بني أمية الدمشقي. روى عن: الوليد بن
مسلم، وبقية بن الوليد، وخالد بن يزيد، وشعيب بن إسحاق،
وغيرهم. روى عنه: أبو داود، وابن ماجه، وأبو حاتم، وقال:
صدوق. توفي سنة تسع وأربعين ومائتين (4) .
قوله: " في صماخ أذنيه " : الصماخُ- بكسر الصاد- ثقب الأذن،
ويقال: بالسين، وأخرجه ابن ماجه مختصراً.
113- ص- حدثنا مؤمل بن الفضل الحراني، قال: نا الوليد بن مسلم،
قال: نا عبد الله بن العلاء قال: نا أبو الأزهر المغيرة بن فروة ويزيد بن
أبي مالك: " أن مُعاوية توضأ للناس كما رأى رسول الله- عليه السلام-
__________
(1) المصدر السابق (31/6737) . (2) في سنن أبي داود: " ومسح " .
(3) انظر الحديث السابق.
(4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (30/6574) .

(1/304)


يتوضأ، فلما بلغ رأسه غرف غرفةً من ماء، فتلقاها بشماله حتى وضعها على
وسط رأسه، حتى قطر الماءُ أو كاد يقْطُرُ، ثم مسح من مُقدمه إلى مُؤخره،
ومن مُؤخّره إلى مُقدمه " (1) .
ش- مؤمل بن الفضل بن مجاهد، ويقال: ابن الفضل بن عمير
أبو سعيد الحراني. سمع: الوليد بن مسلم، وعيسى بن يونس،
ومروان بن معاوية الفزاري، ومحمد بن شعيب، وغيرهم. روى عنه:
محمد بن يحيى الذهلي، وأبو حاتم الرازي، وأبو داود، وأبو سعيد
الحراني. قال أبو حاتم: هو ثقة رضي. مات سنة سبع وعشرين
ومائتين. روى له النسائي (2) .
وعبد الله بن العلاء بن زبْر (3) بن[عُطارد بن]عمرو (4) بن حُجْر
ابن منقذ بن أسامة الشامي الدمشقي أبو زبْر الربعي. روى عن: القاسم
ابن محمد بن أبي بكر، وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، ونافع
مولى ابن عمر/وأبي الأزهر مغيرة بن فروة (5) ، والزهري، وغيرهم.
روى عنه: الوليد بن مسلم، وأبو مُسهر، ومصعب بن سلام، وجماعة
آخرون. قال دُحيم: هو ثقة جدا. وقال ابن معين: ثقة. مات سنة
أربع وستين ومائة، وهو ابن تسع وثمانين. روى له الجماعة إلا مسلماً (6) .
وأبو الأزهر المغيرة بن فروة الثقفي، ويقال: أبو الحارث الدمشقي.
روى عن معاوية بن أبي سفيان، ومالك بن هُبيرة، ورأى واثلة بن
الأسقع. روى عنه: عبد الله بن العلاء، ويحيى بن الحارث الذماري،
وسعيد بن عبد العزيز. روى له أبو داود (7) .
ويزيد بن أبي مالك، واسم أبي مالك هانئ الدمشقي الفقيه الهمداني،
__________
(1) تفرد به أبو داود.
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (29/6322) .
(3) في الأصل: " زيد " خطأ. (4) في الأصل: " عمر " خطأ.
(5) في الأصل: " مغيرة بن أبي فروة " خطأ.
(6) المصدر السابق (15/3471) . (7) المصدر السابق (28/6140) .
20. شرح سنن أبي داوود 1

(1/305)


قاضي دمشق روى عن: أبي أيوب الأنصاري، وأنس بن مالك،
وواثلة بن الأسقع، وغيرهم من الصحابة والتابعين. روى عنه:
الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، وعبدة بن رباح، وغيرهم. قال
أبو حاتم: من فقهاء الشام ثقة. وقال الدارقطني: هو من الثقات.
مات سنة ثلاثين ومائة. روى له: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (1) .
ومعاوية بن أبي سفيان: صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن
عبد مناف القرشي الأموي، يكنى أبا عبد الرحمن، هو وأبوه من مسْلمة
الفتح. رُوي له عن رسول اللّه مائةُ حديث وثلاثة وسبعون حديثاً، اتفقا
على أربعة أحاديث، وانفرد البخاري بمثلها، ومسلم بخمسة. روى عنه
عبد اللّه بن عباس، وأبو سعيد الخدري، والسائب بن يزيد، وغيرهم
من الصحابة والتابعين، كان أميراً عشرين سنة، وخليفة عشرين سنة،
وتوفي بدمشق يوم الخميس لثمان بقين من رجب، سنة تسع وخمسين
وهو ابن اثنتين وثمانين سنة، وقيل: ست وثمانين. روى له الجماعة (2) .
قوله: " على وسط رأسه " الوسْط- بالسكون- يقال فيما كان متفرق
الأجزاء، غير متصل كالناس والدواب، وغير ذلك، تقول: قعدتُ
وسْط الناس بالسكون، فإذا كان متصل الأجزاء كالدار والرأس، فهو
بالفتح، ويقال: كل منهما يقع موقع الآخر.
قوله: " أو كاد يقطر " اعلم أن كاد من أفعال المقاربة، وضعت لتقرير
اسمه على صفة على سبيل المقاربة من رجاء أو حصول، ويحب أن يكون
خبرها فعلاً مضارعاً، ومعنى " كاد يقطر " : أن دُنُوه قد حصل من
القطر، مثلُ قولك: كادت الشمس تغرب. يعني: أن دُنُوها من الغروب
قد حصل.
__________
(1) المصدر السابق (32/7022) .
(2) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (3/395) ، وأسد الغابة
(5/209) ، و الإصابة (3/433) .

(1/306)


114- ص- حدثنا محمود بن خالد قال: نا الوليد في هذا الإسناد قال:
" فتوضأ ثلاثاً ثلاثاً، وغسل رجْليه " (1) بغير عدد.
ش- هذه رواية أخرى، وقوله: " بغير عدد " يتناول المرة والمرتين
والثلاث؛ لأن الراوي ما عين العدد.
115- ص- حدثنا مسدد قال: نا بشر بن المفضل قال: نا عبد الله بن
محمد بن عقيل، عن الربيع بنت مُعوذ بن عفراء قالت: " كان رسولُ الله
- عليه السلام- يأتينا، فحدثتْنا أنه قال: " اسْكُبي لي وضوءاً، فذكرتْ
وُضوء رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالت (2) فيه: " فغسل كفيْه ثلاثاً، ووضأ وجْههُ ثلاثاً،
ومضْمض واستنشق مرة، ووضأ يديْه ثلاثاً ثلاثاً، ومسح برأسه مرتين: يبدأ
بمُؤخر رأسه ثم بمُقدّمه، ثم بأذُنيْه: كلتيْهما ظهورهما وبطونهما، ووضأ
رجْليْه ثلاثاً ثًلاثاً " (3) .
قال أبو داود: هذا معنى حديث مسدد.
ش- بثر بن المفضل بن لاحق الرقاشي مولاهم أبو إسماعيل البصري.
سمع: محمد بن المنكدر، وعبد الله بن عون، وقرة بن خالد، وعلي
ابن زيد بن جُدعان، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، ومسدد بن
مُسرْهد، وعلي بن المديني، وأبو الوليد الطيالسي، وغيرهم. وقال أبو زرعة
وأبو حاتم: بصري ثقة. توفي سنة ست وثمانين ومائة. روى له الجماعة (4) .
وعبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب الهاشمي قد ذكر.
والرُبيّعُ بنتُ مُعوّذ بن الحارث بن رفاعة بن الحارث (5) بن سواد بن
مالك بن غنم بن النجار الأنصارية، وأبوها يعرف بابن عفراء، دخل
__________
(1) انظر الحديث السابق. (2) في الأصل: " قال " خطأ.
(3) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء أنه يبدأ بمؤخر الرأس (33) ، ابن
ماجه: كتاب الطهارة وسننها، باب: الرجل يستعين على وضوئه يصب
عليه (390) .
(4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (4/707) .
(5) " ابن الحارث " مكررة في الأصل.

(1/307)


عليها النبي- عليه السلام- صبيحة بُني بها. روى لها البخاري حديثين،
واتفقا على حديث واحد. روى لها الجماعة. روى عنها: عبد الله بن
محمد بن عقيل، وخالد بن ذكوان (1) .
و " الرُبيع " بضم الراء، وفتح الياء الموحدة، وتشديد الباء آخر
الحروف وكسرها، وبعدها عين مهملة. و " مُعوذ " بضم الميم، وفتح
العين/المهملة، وتشديد الواو وكسرها، وبعدها ذال معجمة. و " عفراء "
بفتح العين المهملة، وسكون الفاء، وبعدها راء مهملة، وهو ممدود.
قوله: " وضوءاً " بفتح الواو.
قوله: " وضأ وجهه " أي: غسل وجهه، أطلقت على غسل الوجه
الوضوء من باب إطلاق الكل على الجزء.
قوله: " ظهورهما " بالجر على أنه بدل من قوله: " بأذنيه " كما قلنا
غير مرة.
116- ص- حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا سفيان، عن ابن عقيل
بهذا الحديث، يُغير بعض معاني بشر، قال فيه: " وتمضمض واسْتنْثر
ثلاثاً " (2) .
ش- إسحاق بن إسماعيل الطالقاني أبو يعقوب. سمع: ابن عيينة،
ومحمد بن فضيل، ووكيعاً، وغيرهم. روى عنه: أبو داود، وإبراهيم
ابن إسحاق الحربي، وأبو القاسم البغوي، وغيرهم. قال ابن معين:
أرجو أن يكون صدوقاً. توفي في رمضان سنة ثلاثين ومائتين، وهو أول
شيخ كتب عنه البغوي (3) .
وسفيان هو ابن عيينة، وقد ذكر. وابن عقيل هو عبد الله بن محمد
ابن عقيل المذكور آنفاً.
__________
(1) انظر ترجمتها في: الاستيعاب بهامش الإصابة (4/308) ، وأسد الغابة
(7/107) ، والإصابة (4/300) .
(2) انظر الحديث السابق. (3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (2/341) .

(1/308)


قوله: " يُغيرُ بعض معاني بشر " وهو بشر بن المفضل المذكور، وهذه
جملة وقعت حالاً عن ابن عقيل، وهذه الرواية أخرجها الترمذي مختصراً
وقال: هذا حديث حسن، وحديث عبد اللّه بن زيد أصح من هذا وأجود
إسناداً.
117- ص- حدثنا قتيبة بن سعيد ويزيد بن خالد الهمداني قالا: نا
الليث، عن ابن عجلان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن رُبيع بنت
مُعوّذ بن عفراء: " أنّ رسول الله توضأ فمسح الرأس كُلّه من قرْن الشعْر،
كل ناحية بمُنصبّ (1) الشّعر، لا يُحركُ الشّعر عن هيئته " (2) .
ش- الليث هو ابن سعد بن عبد الرحمن المصري أبو الحارث الفهْمي،
موْلى عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، ولد بقلقشنْدة (3) قرية نحو أربعة
فراسخ من مصر. سمع: عطاء بن أبي رباح، ونافعاً، والزهري،
وأبا الزناد، وغيرهم. روى عنه: محمد بن عجلان، وابن المبارك،
وعبد اللّه بن وهب، وجماعة آخرون كثيرة. والأصح أنه كان على مذهب
أبي حنيفة. وقال ابن معين: ثقة. وعن الشافعي: إنه أفقه من مالك،
إلا أنه ضيعه أصحابه، وكان سريا نبيلاً سخيا. توفي بمصر في شعبان سنة
خمس وسبعين ومائة، وقد استكمل إحدى وثمانين سنة. روى له
الجماعة (4)
وابن عجلان هو: محمد بن عجلان، وهو من شيوخ الليث، وقد
ذكر.
قوله: " من قرْن الشعر " أي: من ناحيته وجانبه.
__________
(1) في سنن أبي داود: " لمنصب " . (2) انظر الحديث السابق.
(3) كذا، وفي تهذيب الكمال: " قرقشندة " ، وفي تهذيب التهذيب (8/412) :
" قرقشندة على أربعة فراسخ من الفسطاط " .
(4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (24/5016) .

(1/309)


قوله: " بمنصب الشعر " أي: أصل الشعر، من قولهم: نصاب الرجل
ومنصبه، أصله.
قوله: " لا يحركُ الشعر " جملة وقعت حالاً عن الضمير الذي في
" مسح " ، وقد عُلم أن الجملة الفعلية إذا وقعت حالاً، وكان فعلها
مضارعاً منفيا، يجوز فيه الوجهان: إتيان الواو وتركه.
وقوله: " عن هيئته " أي: عن صفته التي كان عليها من كونه مضْفوراً
أو غير مضفورٍ ، والهيئة الشارة، كذا في " الصحاح " .
118- ص- حدثنا قتيبة بن سعيد قال: نا بكر- يعني ابن مضر- عن
ابن عجلان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الربيع بنت معوذ بن
عفراء أخبرته قالت: " رأيتُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتوضأ " قالت: " فمسح رأسه،
ومسح ما أقبل منه وأدبر، وصُدْغيه وأذنيه مرة واحدة " (1) .
ش- بكر- بفتح الباء- ابن مضر بن محمد بن حكيم بن سلمان (2)
المصري أبو محمد، مولى ربيعة بن شُرحبيل بن حسنة. سمع: جعفر
ابن ربيعة، ويزيد بن عبد الله بن أسامة، وغيرهم. روى عنه: عبد الله
ابن وهب، وعبد اللّه بن صالح، وقتيبة بن سعيد، وغيرهم. قال أحمد
ابن حنبل: ثقة، ليس به بأس. توفي يوم عرفة، سنة أربع وسبعين
ومائة، وولد سنة مائة. روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود (3) .
قوله: " وصُدغيه " الصُاع- بضم الصاد- ما بين العين والأذن،
ويسمى أيضاً الشعر المتدلي عليها صُدغاً، يقال: صُدغ معقرب، وهذا
أيضاً حجة للحنفية. وأخرجه الترمذي. وقال: " حديث الربيع حديث
حسن صحيح " .
__________
(1) انظر الحديث السابق.
(2) في تاريخ البخاري الصغير، وثقات ابن حبان، والجمع لابن القيسراني:
" سليمان " .
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (4/756) .

(1/310)


119- ص- حدثنا مسدد قال: نا عبد الله بن داود، عن سفيان بن
سعيد، عن ابن عقيل، عن الرْبيع: " أنّ النبي- عليه السلام- مسح رأسه
من ماءٍ (1) كان في يده " (2) .
ش- عبد الله بن داود بن عامر بن الربيع الخُريْبي أبو محمد البصري
الهمداني الشعبي، أصله كوفي، نزل البصرة بالخُريبة،/وهي محلة
بها. سمع: هشام بن عروة، وإسماعيل بن أبي خالد، والأعمش،
والثوري، والأوزاعي، وغيرهم. روى عنه: مسدد، وابن المثنى،
وابن بشار، وسفيان بن عيينة، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة مأمون.
توفي سنة ثلاث عشرة ومائتين. روى له الجماعة إلا مسلماً (3) .
وسفيان بن سعيد هو الثوري.
قوله: " كان في يده " : جملة في محل الجر؛ لأنها صفة لقوله: " من
ماء " ، وهذا أيضاً حجة لأبي حنيفة.
120- ص- حدثنا إبراهيم بن سعيد قال: نا وكيع، قال: نا الحسن بن
صالح، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الربيع بنت مُعوذ: " أن النبي
- عليه السلام- توضأ، فأدْخل إصْبعيْه في جُحْريْ أذنيه " (4) .
ش- إبراهيم بن سعيد أبو إسحاق الجوهري البغدادي. سمع: ابن
عيينة، ووكيعاً، وروح بن عُبادة، وأبا صالح الفراء، وغيرهم. روى
عنه: أبو حاتم، وابن أبي الدنيا، وموسى بن هارون، وغيرهم. وقال
النسائي: بغدادي ثقة. روى له الجماعة إلا البخاري (5) .
ووكيع هو ابن الجراح.
__________
(1) في سنن أبي داود: " مسح برأسه من فضل ماء " .
(2) انظر الحديث السابق.
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (14/3248) .
(4) ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في مسح الأذنين (441) .
(5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (2/176) .

(1/311)


والحسن بن صالح بن صالح الهمداني الثوري الكوفي العابد. سمع:
عبد اللّه بن دينار، وسماك بن حرب، وعاصماً الأحول، وغيرهم.
روى عنه: وكيع، وابن المبارك، وأبو نعيم، وغيرهم. وقال أبو حاتم:
ثقة حافظ متقن. وقال ابن معين: ثقة مأمون. مات سنة شبع وستين
ومائة. روى له الجماعة إلا البخاري (1) .
قوله: " في جُحري أذنيه " الجحر بضم الجيم وسكون الحاء المهملة:
الثقب. وأخرجه ابن ماجه.
121- ص- حدّثنا محمد بن عيسى ومسدد قالا: نا عبد الوارث، عن
ليث، عن طلحة بن مُصرف، عن أبيه، عن جده قال: " رأيتُ رسول الله
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمسحُ رأسه مرةً واحدة حتى بلغ القذال، وهو أولُ القفا " . وقال مسدد:
" مسح رأسه من مُقدمّه إلى مُؤخره حتى أخرج يديه من تحت أذنيه" (2) .
ش- عبد الوارث هو ابن سعيد بن ذكوان التميمي العنبري أبو عُبيدة
البصري. روى عن: عبد العزيز بن صهيب، وأيوب السختياني،
ويونس بن عبيد، وغيرهم. روى عنه: ابنه عبد الصمد، والثوري،
ومسدد، وعفان بن مسلم، وغيرهم. وقال محمد بن سعْد: كان ثقة
حجة. مات بالبصرة في المحرم سنة ثمانين ومائة 0 روى له الجماعة (3) .
وليث هذا هو ليث بن أبي سليم أبو بكر الكوفي القرشي مولى عتبة،
واسم أبي سليم أيمن روى عن: مجاهد، وطاوس، وطلحة بن
مصرف، وعطاء بن أبي رباح، وغيرهم. روى عنه الثوري، وشعبة،
وزائدة، وغيرهم. قال أحمد: هو مضطرب الحديث. وقال الدارقطني:
صاحب سُنّة، يُخرجُ حديثه. مات سنة ثلاث وأربعين ومائة. روى له
الجماعة إلا النسائي (4) .
__________
(1) المصدر السابق (6/1238) . (2) تفرد به أبو داود.
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (18/3595) .
(4) المصدر السابق (24/5017) .

(1/312)


وطلحة بن مُصرف بن عمرو بن كعب بن جحْدب (1) بن معاوية بن
سعْد بن الحارث بن ذُهل أبو محمد الكوفي. سمع: عبد الله بن
أبي أوفى، وأنس بن مالك، وسعيد بن جبير، ويروي عن أبيه، عن
جده. روى عنه: ابنه محمد، وليث بن أبي سُليم، وفطر بن خليفة،
وغيرهم. مات سنة ثلاث عشرة ومائة. روى له الجماعة (2) .
وأبو طلحة هو مُصرف بن عمرو الكوفي. روى عن أبيه، عن النبي
- عليه السلام- في مسح الرأس، ويُقال: له صحبة. روى عنه ابنه
طلحه. روى له أبو داود (3) .
وجد طلحة هو عمرو بن كعب الهمداني الصحابي، روى له
أبو داود (4) .
قوله: " القذال " بفتح القاف والذال المعجمة: جماع مؤخر الرأس،
وهو معقد العداد من الفرس خلف الناصية، ويقال: القذالان: ما اكتنفا
ما بين القفا عن يمين وشمال، ويجمع على أقْذلة وقُذُل.
ص- قال أبو داود: قال مسدد: فحدثت به يحيى فأنكره.
قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول ابن عيينة (5) زعموا أنه كان
ينكره، ويقول: أيش هذا طلحة بن مصرف، عن أبيه، عن جده؟
ش- قوله: " حدثت به يحيى " أي: حدثت بهذا الحديث يحمص بن
سعيد القطان الأحول فأنكره. وابن عيينة هو سفيان بن عيينة.
قوله: " كان يُنكره " أي: كان ابن عيينة ينكر هذا الحديث ، وذلك
لأجل طلحة هذا، حتى قال: أيش هذا طلحة بن مصرف؟ فكأنه جعله
__________
(1) في الأصل: " جحدر " خطأ.
(2) المصدر السابق (2/2982) .
(3) المصدر السابق (28/5979) .
(4) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (3/296) ، وأسد الغابة
(4/485) ، والإصابة (3/300) .
(5) في سنن أبي داود: " إن ابن عيينة " .

(1/313)


مجهولاً، وأيش أصله: " أي شيء " ، فخفف لكثرة الاستعمال. وفي
" الكمال " يذكر في مصرف: روى عنه ابنه طلحة. قال ابن أبي حاتم:
سمعت أبي يقول ذلك، ويقول: هذا خطأ، طلحة رجل من الأنصار،
وليس هو ابن مصرف، ولو كان ابن مصرف لم يُختلف فيه، ومن الناس
من ينكر صحبة عمرو بن كعب أيضاً جد طلحة.
122- ص- حدثنا الحسن بن علي قال: نا يزيد بن هارون قال: أخبرنا
عباد بن منصور، عن عكرمة بن خالد، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس
- رضي الله عنه-: " رأى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتوضأ " ، فذكر الحديث كله:
" ثلاثاً ثلاثاً " . قال: " ومسح برأسه وبأذُنيْه مسحةً واحدة " (1) .
ش- الحسن بن علي الخلال قد ذكر.
ويزيد بن هارون بن زاذي بن ثابت السلمي أبو خالد الواسطي.
سمع: سليمان التيمي، وداود بن أبي هند،/ويحيى بن سعيد
الأنصاري، وسعيد بن أبي عروبة، وغيرهم. روى عنه: أبو سلمة
موسى بن إسماعيل، وقتيبة، وأحمد بن حنبل، وابن معين، وغيرهم.
وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة إمام صدوق، لا يسأل عن
مثله. توفي سنة ست ومائتين، وولد سنة سبع عشرة ومائة. روى له
الجماعة (2)
وعباد بن منصور: أبو سلمة الناجي البصري قاضيها. روى عن:
أبي رجاء العطاردي، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصدّيق، وأيوب
السختياني، وعكرمة بن خالد، وغيرهم. روى عنه: وكيع، والثوري،
وشعبة، ويحيى القطان، وغيرهم. وقال النسائي: ضعيف. روى له:
أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (3) .
__________
(1) تفرد به أبو داود.
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (32/7061) .
(3) المصدر السابق (14/3093) .

(1/314)


وعكرمة بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمرو
ابن مخزوم المخزومي القرشي المكي، أخو الحارث بن خالد الشاعر.
سمع: عبد اللّه بن عباس، وعبد اللّه بن عمر، وسعيد بن جبير. روى
عنه: عمرو بن دينار، وعبد اللّه بن طاوس، وقتادة، وعامر الأحول،
وابن جريج، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. روى له: مسلم،
وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (1) .
وسعيد بن جبير بن هشام الكوفي أبو محمد الأسدي الوالبي مولاهم.
سمع: عبد اللّه بن عباس، وعبد اللّه بن عمر، وعبد الله بن الزبير،
وعبد اللّه بن مغفل، وأبا مسعود عقبة بن عامر البدري، وأنس بن مالك،
وغيرهم من الصحابة والتابعين. روى عنه: محمد بن واسع، ومالك بن
دينار، وعمرو بن دينار، والزهري، وأيوب السختياني، والأعمش،
وغيرهم. قتله الحجاج صبراً سنة خمس وتسعين في شعبان، وهو ابن
تسع وأربعين سنة. روى له الجماعة (2) .
وهذا الحديث حجة قوية للحنفية.
123- ص- حدثنا سليمان بن حرب قال: نا حماد ح، و[نا]مسدد
وقتيبة، عن حماد بن زيد، عن سنان بن ربيعة، عن شهر بن حوشب، عن
أبي أمامة ذكر وضوء النبي- عليه السلام- قال: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمسح
المأقين. قال: وقال: " الأذنان من الر أس " (3) .
قال سليمان بن حرب: يقولها أبو أمامة. قال قتيبة: قال حماد: لا أدري
__________
(1) المصدر السابق (20/4004) .
(2) الصدر السابق (10/2245) .
(3) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء أن الأذنين من الرأس (37) ، ابن
ماجه: كتاب الطهارة، باب: الأذنان من الرأس (444)

(1/315)


هو من قول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو من أبي أمامة. يعني: قصة الأذنين. قال قتيبة:
عن سنان بن أبي ربيعة (1) .
ش- سليمان بن حرب بن بجيلة الأردني الواشحي- وواشح من الأزد-
أبو أيوب البصري، نزل مكة وكان قاضيها. سمع: جرير بن حازم،
والحمادين، وسليمان بن مغيرة، وغيرهم. روى عنه: يحيى بن سعيد،
وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأحمد بن سعيد الدارمي،
ويعقوب بن شيبة، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو داود، وأحمد بن
عمرو، وغيرهم. توفي في ربيع الآخر سنة أربع وعشرين ومائتين،
ومولده سنة أربعين ومائة. روى له الجماعة (2) .
وحماد هو ابن سلمة، ومسدد بن مسرهد، وقتيبة بن سعيد، وحماد
ابن زيد، كلهم ذكروا.
وسنان بن ربيعة أبو ربيعة البصري. روى عن: أنس بن مالك،
وثابت البناني، وشهر بن حوشب. روى عنه: الحمادان، وعبد اللّه بن
بكر، وعبد الوارث بن سعيد. قال ابن معين: ليس بالقوي. وقال
أبو حاتم: شيخ، مضطرب الحديث. روى له: البخاري، وأبو داود،
والترمذي، وابن ماجه (3) .
وشهر بن حوشب أبو سعيد، ويقال: أبو عبد الله، ويقال:
أبو عبد الرحمن الأشعري الشامي الحمصي، وقيل: الدمشقي. سمع:
عبد اللّه بن عمر، وابن عباس، وعبد اللّه بن عمرو، وأبا سعيد الخدري،
وغيرهم من الصحابة والتابعين. روى عنه: قتادة، ومعاوية بن قرة،
وعوف الأعرابي، والحكم بن أبان، وغيرهم. قال يعقوب بن شيبة:
__________
(1) في سنن أبي داود: " سنان بن ربيعة " .
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (11/2502) 0
(3) المصدر السابق (12/2593) .

(1/316)


هو ثقة. أخرج له مسلم مقروناً مع غيره، وأخرج له الجماعة إلا
البخاري (1) .
وأبو أمامة: صدي بن عجلان بن واثلة بن رياح بن الحارث بن معن بن
مالك الباهلي، سكن حمص. رُوي له عن رسول اللّه- عليه السلام-
مائتا حديث وخمسون حديثاً، روى البخاري خمسة أحاديث، ومسلم
ثلاثة. روى عنه: رجاء بن حيوة، ومحمد بن زياد الألهاني،
وأبو غالب، وجماعة آخرون. مات بالشام سنة إحدى وثمانين، وقد
قيل: إنه آخر من مات من أصحاب النبي- عليه السلام- بالشام. روى
له الجماعة (2) .
قوله: " مسح المأقين " المأق: بهمز ولا تهمز هو الموق، وموق العين:
طرفها مما/يلي الأنف. واللحاظ طرفها مما يلي الأذن.
قال الخطابي: من العرب من يقول: مُأق ومُوق بضمهما، وبعضهم
يقول: مأق وموق بكسرهما، وبعضهم يقول: ماق بلا همز كماض،
والأفصح الأكثر المأقي بالهمز والياء. والمُؤق بالهمز والضم، وجمع
المُؤق " آماق " و " أماق " ، وجمع المأقي " مآقي " . وفي " المطالع " فيه
لغات: مُوق وماق وموق وماق على مثال ماض، ومُوق على مثال معط
ناقص أيضاً، ومُوقي على مثال موقع، وأُمق على مثال عنق، وماقي.
ثم إن هذا المسح يجوز أن يكون خوفاً عن عدم وصول الماء إليه؛ لأن
هذا الموضع داخل في الفرض، وقد لا يلحقه الماء، ويجوز أن يكون
المسح بمعنى الغسل، كما ذكرنا أن المسح يجيء بمعنى الغسل في لغة
العرب.
__________
(1) المصدر السابق (12/2781) .
(2) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (2/ 198) ، وأسد الغابة
(3/16) ، والإصابة (2/182) .

(1/317)


قوله: " قال وقال " الضمير المرفوع في " قال " الأول يرجع إلى شهر بن
حوشب، والذي في الثاني يرجع إلى أبي أمامة.
قوله: " الأذنان من الرأس " أي: تابعان للرأس في المسح، والمراد به
بيان الحكم دون الخلقة؛ لأنه- عليه السلام- لم يبعث لبيان الخلقة،
فثبت أنهما من أجزاء الرأس، فيمسحان بما مسح به الرأس، فإن قلت:
إذا كان الأذنان ممسوحين بماء الرأس ينبغي أن ينوب مسحهما عن مسح
الرأس؟ قلت: النص دلّ على أن المسح من الرأس، فلو جاز مسح
الأذنين عن مسح الرأس يلزم ترك النص بخبر الواحد، وهو لا يجوز (1) .
فإن قلت: إذا كانا من الرأس ينبغي أن يمسحان كالرأس؟ قلت: لا
يصح أن يقال: يمسحان كالرأس لكونهما من الرأس؛ لأنه لو كان كذلك
لجاز أن يقال الرجلان من الوجه؛ لأنهما يغسلان كالوجه، فلما بطل هذا
علمنا أنهما تابعان للرأس في المسح، ولذلك قال هما من الرأس؛ لأن
" من " للتبعيض، فكأنه جعلهما بعض الرأس في الحكم.
قوله: " قال حماد: لا أدري " إلى آخره، يعني: قصة الأذنين.
" (2) وأخرجه الترمذي وابن ماجه. وقال الترمذي: هذا حديث ليس
إسناده بذاك القائم. وقال الدارقطني: رفعه وهم، والصواب أنه
موقوف، وشهر بن حوشب ليس بالقوي. قلت: قد وقفه سليمان بن
حرب وهو ثقة، ووثقه أيضاً أحمد، ويحيى، والعجلي، ويعقوب بن
شيبة. وسنان بن أبي ربيعة أخرج له البخاري. وقال ابن القطان في كتابه
" الوهم والإيهام " : " شهر بن حوشب ضعفه قوم، ووثًقه آخرون،
وممن وثقه ابن حنبل، وابن معين. وقال أبو زرعة: لا بأس به، قال:
ولا أعرف لمضعفه حجة، وقد صحح الترمذي في كتابه حديث شهر بن
حوشب، عن أم سلمة: أن النبي- عليه السلام- لف على الحسن
__________
(1) تقدم الكلام على حجية خبر الآحاد (ص/184) .
(2) انظر: نصب الراية (1/18- 19) .

(1/318)


والحسين وعلي وفاطمة كساء، وقال: " هؤلاء أهل بيتي " ، ثم قال:
هذا حديث حسن صحيح (1) .
وقال البيهقي في " سننه " : حديث الأذنان من الرأس أشهر إسناد فيه
حديث حماد بن زيد، عن سنان بن ربيعة، عن شهر بن حوشب، عن
أبي أمامة. وكان حماد يشك في رفعه في رواية قتيبة عنه، فيقول: " لا
أدري من قول النبي أو من قول أبي أمامة. وكان سليمان بن حرب يرويه
عن حماد ويقول: هو من قول أبي أمامة. قلت: وقد اختلف فيه على
حماد، فوقفه ابن حرب عنه، ورفعه أبو الربيع. واختلف أيضاً على
مسدد عن حماد، فروى عنه الرفع، وروى عنه الوقف. وإذا رفع ثقة
حديثاً ووقفه آخر، أو فعلهما شخص واحد في وقتين ترجح الرافع؛ لأنه
أتى بزيادة، ويجوز أن يسمع الرجل حديثاً فيفتي به في وقت، ويرفعه في
وقت آخر وهو الأولى من تغليط الراوي.
وأخرج ابن ماجه في " سننه " (2) عن سويد بن سعيد، ثنا يحيى بن
زكرياء بن أبي زائدة، عن شعبة، عن حبيب بن زيد، عن عباد بن
تميم، عن عبد الله بن زيد قال: قال رسول اللّه- عليه السلام-:
" الأذنان من الرأس " . وهذا أمثل إسناد في الباب، لاتصاله وثقة رواته،
فابن أبي زائدة وشعبة وعباد احتج بهم الشيخان، وحبيب بن زيد/ذكره
ابن حبان في " الثقات " في أتباع التابعين.
وسويد بن سعيد احتج به مسلم، وأخرج الدارقطني عن أبي كامل
الجحدري: ثنا غندر محمد بن جعفر، عن ابن جريج، عن عطاء،
عن ابن عباس: أن النبي- عليه السلام- قال: " الأذنان من الرأس" (3)
قال ابن القطان: إسناده صحيح لاتصاله، وثقة رواته " .
__________
(1) الترمذي: كتاب المناقب، باب: فضل فاطمة بنت محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (3871) .
(2) كتاب الطهارة، باب: الأذنان من الرأس (443) .
(3) سنن الدارقطني (1/99) .

(1/319)


فانظر إلى البيهقي كيف أعرض عن حديث عبد الله بن زيد، وحديث
ابن عباس، واشتغل بحديث أبي أمامة، وزعم أن إسناده أشهر إسناد لهذا
الحديث، وترك هذين الحديثين، وهما أمثل منه، ومن هنا يظهر تحامله.
وروى الطحاوي أيضاً في " شرح الآثار " بإسناده: " أن النبي- عليه
السلام- توضأ فمسح أذنيه مع الرأس " ، وقال: " الأذنان من الرأس " (1) .
قوله: " قال قتيبة: عن سنان بن أبي ربيعة " يعني: قال: سنان هو ابن
أبي ربيعة. وقال أبو داود: هو ابن ربيعة، وكنيته أبو ربيعة.
***
44- باب: الوضوء ثلاثاً ثلاثاً
أي: هذا باب في بيان وضوء النبي- عليه السلام- ثلاثاً ثلاثاً.
124- ص- حدثنا مسدد، نا أبو عوانة، عن موسى بن أبي عائشة، عن
عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: " أن رجلاً أتى النبي- عليه السلام-
فقال: يا رسول الله، كيف الطُهُورُ؟ فدعا بماء في إناء فغسل كفيه ثلاثاً،
وغسل (2) وجهه ثلاثا، ثم غسل فراعيه ثلاثاً، ثم مسح برأسه وأدخل (3)
إصبعيه السباحتين في أذنيه، ومسح بإبْهاميْه ظاهر (4) أذُنيه، وبالسباحتين
باطن أذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: " هكذا الوُضوءُ، فمن زاد
على هذا أو نقص فقد أساء وظلم " أو " ظلم وأساء " (5) .
ش- أبو عوانة الوضاح قد ذكر.
وموسى بن أبي عائشة أبو الحسن الكوفي الهمداني، مولى آل جعدة
__________
(1) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.
(2) في سنن أبي داود: " ثم غسل " .
(3) في سنن أبي داود: " فأدخل " 0
(4) في سنن أبي داود: " على ظاهر " .
(5) النسائي: كتاب الطهارة، باب: الاعتداء في الوضوء (1/88) ، ابن ماجه:
كتاب الطهارة، باب: الأذنان من الرأس (422) .

(1/320)


ابن هبيرة. روى عن: سليمان بن صُرد، وعمرو بن حريث. وسمع:
عبيد اللّه بن عبد الله، وسعيد بن جبير. روى عنه: الثوري، وزائدة،
وأبو الأحوص، وأبو عوانة. وقال ابن عيينة: كان من الثقات. وقال
أبو حاتم: صالح يكتبُ حديثه. روى له الجماعة (1) .
وعمرو بن شعيب بن محمد بن عبد اللّه بن عمرو بن العاص أبو إبراهيم
السهمي القرشي المدني. سمع أباه، وجُل روايته عنه، وسعيد بن
المسيب، وطاوساً (2) ، ومجاهداً، وعروة بن الزبير، وغيرهم. روى
عنه: عطاء بن أبي رباح، والزهري، وعمرو بن دينار، وقتادة، وثابت
البناني، وجماعة آخرون كثيرة. وقال أبو زرعة: روى عنه الثقات،
وإنما أنكروا عليه كثرة روايته عن أبيه، عن جده، وإنما سمع أحاديث
يسيرة، وأخذ صحيفة كانت عنده فرواها، وما أقل ما نصيبُ عنه مما روى
عن غير أبيه، عن جده من المنكر، وعامة هذه المناكير التي تُروى عنه إنما
هي عن المثنى بن الصباح، وابن لهيعة والضعفاء. وقال أبو زرعة أيضاً:
هو مكي ثقة في نفسه. وقال العجلي: هو ثقة. وقال يحيي بن سعيد:
إذا روى الثقات عنه فهو ثقة يحتج به. وقال الدارقطني: هو ثقة. وقال
يحيى القطان: هو عندنا واهي الحديث. وقال يحيى بن معين: ثقة.
وقال مرة: ليس بذلك. وقال أحمد: ليس بحجة، وقال مرة: ربما
احتججنا به، وربما وجس في القلب منه شيء، وله مناكير. وقال
البخاري: رأيت أحمد بن حنبل وعلي بن عبد الله والحميدي وإسحاق بن
إبراهيم يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. روى له:
أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (3) .
وأبوه شعيب بن محمد ابن عمرو. سمع: جده عبد الله بن عمرو بن
العاص، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد اللّه بن عباس. روى
عنه: ابناه عُمر وعمرو ابنا شعيب، وثابت البناني، وعطاء الخراساني،
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (29/6271) .
(2) في الأصل: " وطاوس " .
(3) المصدر السابق (22/4385) .
21. شرح سنن أبي داوود (1)

(1/321)


وزياد بن عمرو. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن
ماجه (1) .
وجد شعيب عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد ذكرنا كلا منهما مرة.
قوله: " كيف الطُهورُ؟ " بضم الطاء.
قوله: " السباحتين " السباحة والمُسبحة: الإصبع التي تلي الإبهام،
سميت بذلك لأنها يُشار بها عند التسبيح.
قوله: " فقد أساء " أي: في الأدب، بتركه السُّنّة، والتأدب بآداب
الشرع، وظلم نفسه بما نقصها من الثواب بترداد المرات في الوضوء،
[وقيل: إن الإساءة ترجع إلى الزيادة،/والظلم يرجع إلى النقصان؛ لأن
الظلم وضع الشيء في غير موضعه. قلت: هذا إنما يمشي في رواية
تقديم الإساءة على النقصان. وقيل: معناه زاد على الثلاث معتقداً أن
السُنّة لا تحصل بالثلاث، أو نقص معتقداً أن الثلاث بخلاف السُنّة.
فإن قلت: كيف يكون ظالماً في النقصان، وقد ورد في الأحاديث
الوضوء مرة مرة، ومرتين مرتين. قلت: الجواب عن ذلك من ثلاثة
وجوه:
الأول: أن المعنى يكون ظالماً لنفسه في تركه الفضيلة والكمال، وإن
كان يجوز مرة مرة أو مرتين مرتين.
والثاني: أنه إنما يكون ظالماً إذا اعتقد خلاف السُنّة في الثلاث كما
ذكرنا.
والثالث: أن هذا الحديث فيه مقال من جهة عمرو بن شعيب كما
ذكرنا. وقال (2) الشيخ تقي الدين في " الإمام " : هذا الحديث صحيح
عند من يصحح حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، لصحة
الإسناد إلى عمرو.
__________
(1) المصدر السابق (12/2756) .
(2) انظر: نصب الراية (1/29) .

(1/322)


وأخرج النسائي، وابن ماجه هذا الحديث أيضاً من حديث عمرو بن
شعيب، وفي لفظ لابن ماجه: " وتعدى وظلم " ، وللنسائي: " فقد
أساء وتعدى وظلم " .
***
45- باب: الوضوء مرتين
أي: هذا باب في بيان الوضوء مرتين مرتين.
125- ص- حدثنا محمد بن العلاء قال: نا زيد- يعني: ابن حُباب-
عن عبد الرحمن بن ثوبان قال: نا عبد الله بن الفضل الهاشمي، عن
الأعرج، عن أبي هريرة: " أن النبي- عليه السلام- توضأ مرتين مرتين " (1) .
ش- زيد بن الحباب بن الريان، وقيل: [ ابن] رومان أبو الحسن
العكليُ الكوفي التميمي (2) . سمع: مالك بن أنس، وحماد بن سلمة،
وعكرمة بن عمار، وابن المبارك، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن
حنبل، وعلي بن المديني (3) ، ونصر بن عليّ، وأبو كريب، ومحمد بن
رافع، وجماعة آخرون. وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم:
صدوق صالح. توفي سنة ثلاث ومائتين. روى له الجماعة إلا
البخاري (4) .
وعبد الرحمن بن ثوبان أبو عبد اللّه العنْسي- بالنون- الزاهد الدمشقي.
سمع أباه، ونافعاً، وعطاء بن أبي رباح، والزهري، ومنصور بن
المعتمر، وعبد الله بن الفضل، وغيرهم روى عنه: الوليد بن مسلم،
وعلي بن عياش، وزيد بن الحباب، وعاصم بن علي، وغيرهم. وقال
ابن المديني: ليس به بأس، وكذا قال ابن معين. وقال أبو حاتم: أبوه
__________
(1) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في الوضوء مرتين مرتين (43) .
(2) في الأصل: " التيمي " .
(3) في الأصل: " علي بن المدائني " .
(4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (10/2095) .

(1/323)


من كبار أصحاب مكحول، ثقة، وتغير عقله في آخر حياته، وهو
مستقيم الحديث. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (1) .
وعبد اللّه بن الفضل بن عبد الرحمن (2) بن العباس بن ربيعة بن
الحارث بن عبد المطلب الهاشمي المدني. سمع: أنس بن مالك،
وأبا سلمة بن عبد الرحمن، ونافع بن جبير بن مطعم، وعبد الرحمن بن
هرمز الأعرج. روى عنه: موسى بن عقبة، ومالك بن أنس، ومحمد
ابن إسحاق بن يسار. وقال أحمد بن حنبل: لا بأس به. وقال ابن معين
وأبو حاتم: ثقة. روى له الجماعة (3) .
والأعرج هو عبد الرحمن.
قوله: " مرتين " نصبه على أنه مصدر في الأصل؛ لأن معنى قولك:
ضربت مرة أو مرتين ضربة أو ضربتين. وأما التّكْرار فهو للتأكيد، ومعنى
قوله: " توضأ مرتين " يعني: غسل أعضاءه الثلاثة، ومسح رأسه مرتين
مرتين. وأخرجه الترمذي وقال: " هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه
إلا من حديث ابن ثوبان، عن عبد اللّه بن الفضل، وهو إسناد حسن
صحيح " . والحديث الذي يلي هذا الحديث مذكور في بعض النسخ في
" باب الوضوء مرة مرة " .
126- ص- حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: نا محمد بن بشر قال: نا
هشام بن سعد قال: نا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار قال: قال لنا ابنُ
عباس: أتحبون أنْ أريكم كيف كان رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتوضأ؟ فدعا بإناء فيه ماءٌ ،
فاغْترف غرفة بيده اليُمنى، فتمضْمض واستنْشق، ثم اخذ أخرى فجمع
__________
(1) المصدر السابق (17/3775) .
(2) قال محقق " تهذيب الكمال " : " جاء في حواشي النسخ تعليق للمصنف
يتعقب فيه صاحب " الكمال " نصه: كان فيه عبد الله بن الفضل بن
عبد الرحمن بن العباس. وعبد الرحمن زيادة لا حاجة إليها. وقد ذكر
الواقدي الفضل بن العباس هذا فيمن قتل بالحرة " .
(3) المصدر السابق (15/3483) .

(1/324)


بها يديه، ثم غسل وجهه، ثم اخذ أخرى فغسل بها يده اليُمنى، ثم اخذ
أخرى فغسل بها يده اليُسْرى، ثم قبض قبضةً[أخرى] (1) من الماء، ثم
نفض يده، ثم مسح رأسهُ (2) وأذنيه، ثم قبض قبضةً أخْرى من الماء فرش
على رجْله اليُمنى وفيها النعْلُ، ثم مسحها بيده (3) يد فوق القدم ويد تحت
النعْل، ثم صنع باليُسْرى مثل ذلك " (4) .
ش- محمد بن بشر العبدي. روى عنه/البخاري. وروى له
أبو داود (5) .
وهشام بن سعد أبو سعيد (6) ، ويقال: أبو عباد المدني القرشي،
مولى آل أبي لهب. سمع: نافعاً، وزيد بن أسلم، والزهري،
وغيرهم. روى عنه: الثوري، والقعنبي، وأبو نعيم، والليث بن سعد،
وغيرهم وقال أحمد: لم يكن بالحافظ، وفي رواية: ليس بمحكم
الحديث. وعن ابن معين: فيه ضعف، وفي رواية: هو صالح. وقال
أبو حاتم: يكتبُ حديثُه، ولا يحتج به، هو ومحمد بن إسحاق عندي
واحد. وقال أبو زرعة: محله الصدق. روى له الجماعة إلا البخاري (7) 0
وزيد بن أسلم أبو أسامة القرشي العدوي المدني، مولى عمر بن
الخطاب. روى عن: أبيه، وعبد اللّه بن عمر، وأنس بن مالك،
وجابر بن عبد اللّه، وعطاء بن يسار، وعمران بن أبان، وغيرهم.
__________
(1) غير موجود في سنن أبي داود.
(2) في سنن أبي داود: " مسح بها رأسه " .
(3) في سنن أبي داود: " بيديه: يد فوق " .
(4) البخاري: كتاب الطهارة، باب: الوضوء مرة مرة، الترمذي: كتاب
الطهارة، باب: ما جاء في الوضوء مرة مرة (42) ، النسائي: كتاب الطهارة،
باب: الوضوء مرة مرة (1/62) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء
في الوضوء مرة مرة (411) .
(5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (24/ 5088) ، وفيه: " روى له الجماعة".
(6) في الأصل: " أبو سعد " خطأ.
(7) المصدر السابق (30/6577) .

(1/325)


روى عنه: مالك، ومعمر، وهشام بن سعد، والزهري، والثوري،
وغيرهم. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. توفي سنة ثلاث
وثلاثين ومائة بالمدينة. روى له الجماعة (1) .
وعطاء بن يسار: أبو محمد المدني الهلالي، مولى ميمونة زوج النبي
- عليه السلام-، أخو سليمان وعبد الملك وعبد اللّه. سمع: أبي بن
كعب، وعبد اللّه بن مسعود، وعبد اللّه بن سلام، وابن عباس، وابن
عُمر، وابن عمرو، وأبا أيوب الأنصاري، وأبا واقد الليثي، وأبا رافع
مولى النبي- عليه السلام-، وأبا هريرة، وأبا سعيد الخدري،
وغيرهم. روى عنه: أبو سلمة بن عبد الرحمن، وعمرو بن دينار،
وزيد بن أسلم، وصفوان بن سُليم، وغيرهم. وقال ابن معين وأبو زرعة:
هو ثقة. توفي سنة ثلاث أو أربع ومائة " روى له الجماعة (2) .
قوله: " أتحبون " الهمزة فيها للاستفهام، تدخل النفي والإثبات في
الاستعمال.
قوله: " فمضمض واستنشق " أي: بتلك الغرفة الواحدة، وفيه دليل
لأحد الوجوه للشافعية في المضمضة والاستنشاق.
قوله: " ثم أخذ أخرى " أي: قبضة أخرى.
قوله: " ثم مسح رأسه وأذنيه " فيه دليل للحنفية.
قوله: " وفيها النعل " جملة وقعت حالاً من قوله: " على رجله " .
قوله: " ثم مسحها " أي: غسلها، كما ذكرنا أن المسح يجيء بمعنى
الغسل، والنعل لا يمنع غسل الرجل؛ لأنه لا يغطي الرجل، ولا يمنع
من وصول الماء إليها، والدليل على أنه غسل قوله: " يد فوق القدم ويد
تحت القدم " ، ولو كان هذا مثل مسح الخفين لكان اكتفى بمسح بعض
القدم، وكونه استغرقها يدل على أنه غُسل؛ لأن الغسل هو الإسالة،
وقد حصلت بتلك الضربة، ولا سيما إذا رفق بها الرجل.
__________
(1) المصدر السابق (10/2088) .
(2) المصدر السابق (20/3946) .

(1/326)


وقوله: " يد فوق القدم " مجرور على أنه بدل من قوله: " بيده " ،
والدليل على ما قلنا رواية البخاري في هذا الحديث: " ثم أخذ غرفة من
ماء، فرش على رجله اليمنى حتى غسلها، ثم أخذ غرفه أخرى، فغسل
بها رجله اليسرى " ، وفي لفظ النسائي: " ثم غرف غرفة فغسل رجله
اليمنى، ثم غرف غرفة فغسل رجله اليسرى " ، وأخرجه الترمذي أيضاً
وابن ماجه مفرقاً بنحوه مختصراً، وأخرجه البخاري مطولاً ومختصرا،
وكل ذلك يُوضح ما أبهم في رواية أبي داود.
46- باب: الوضوء مرّة مرّة
أي: هذا باب في بيان الوضوء مرة مرة.
127- ص- حدثنا مسدد قال: نا يحيى، عن سفيان قال: حدثني زيد
ابن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس- رضي الله عنه- قال: " ألا
أخبركم بوُضوء رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فتوضأ مرةً مرةً " (1) .
ش- مسدد بن مسرهد، ويحيى القطان، وسفيان الثوري، وهذا
الحديث طرف من الحديث الذي قبله، وترجم له باباً على حدة كما ترجم
البخاري والترمذي والنسائي على طرف من هذا الحديث " الوضوء مرة
مرة " .
47- باب: الفرق بين المضمضة والاستنشاق
أي: هذا باب في بيان أن المضمضة ينبغي أن تفرق وتفصل من
الاستنشاق.
128- ص- حدثنا حُميد بن مسعدة قال: نا معتمر، قال: سمعت ليْثاً
يذكرُ عن طلحة، عن أبيه، عن جده قال: " دخلتُ- يعني: على النبي
__________
(1) انظر الحديث السابق، فهو طرف منه.

(1/327)


- عليه السلام- وهو يتوضأ، والماءُ يسيلُ من وجْهه ولحْيته على صدْره،
فرأيتُهُ يفْصلُ بين المضمضة والاسْتنْشاق " (1) .
ش- حُميد بن مسْعدة بن المنير السامي الباهلي (2) أبو علي روى
عن: حماد/بن زيد، وحرب بن ميمون، وجعفر بن سليمان، ومعتمر
ابن سليمان، وغيرهم. روى عنه: أبو زرعة، ومسلم، وأبو داود،
والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم. وقال أبو حاتم: كان
صدوقاً. توفي سنة أربع وأربعين ومائتين (3) .
ومعتمر بن سليمان بن طرخان قد ذكر. وليث هو ابن أبي سُليم، وقد
ذكر. وطلحة هو ابن مصرف بن عمر[و]بن كعب، كلهم قد ذكروا.
قوله: " وهو يتوضأ " جملة وقعت حالاً من " النبي- عليه السلام- " .
قوله: " والماء يسيل من وجهه " أيضاً جملة وقعت حالاً، ويجوز أن
يكون من الأحوال المتداخلة، أو الأحوال المترادفة، وفيه دليل أن الماء
المستعمل لا يُعطى له حكم الاستعمال إلا بالاستقرار في موضع، وهو
القول الصحيح للحنفية.
قوله: " فرأيته " أي: فرأيت النبي- عليه السلام- يفصل بين المضمضة
والاستنشاق بالماء، والمعنى: أخذ لكل منهما ماء برأسه؛ لأن الفصل لا
يكون إلا هكذا.
__________
(1) تفرد به أبو داود.
(2) قال محقق تهذيب الكمال: " قال مغلطاي- وهو محق-: أنًى يجتمع سامة
ابن لؤي بن غالب وباهلة بن أعصر؟ هذا ما لا يمكن إلا بأمر مجازي لا
يستعمل هنا "
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (17/538) .

(1/328)


48- باب: في الاستنثار
أي: هذا باب في بيان الاستنثار، وهو استفعال من نثر ينثر- بالكسر-
إذا امتخط، وقد بينا الكلام فيه مستوفى.
129- ص- حدّثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن أبي الزناد، عن
الأعرج، عن أبي هريرة: أن رسول الله-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إذا توضأ أحدُكُم فليجعلْ
في أنْفه ماءً، ثم لينثرْ (1) " (2) .
ش- قوله: " ثم لينتثر " أي: ليمتخط، وهذا يدل على[أن]
الاستنثار غير الاستنشاق، وأنه هو إخراج الماء بعد الاستنشاق مع ما في
الأنف من مخاط وشبهه، وهذا يرد على من ذكر في الروايات المتقدمة أن
الاستنثار والاستنشاق واحد، وقد تمسك به من يقول بوجوب الاستنشاق
لمطلق الأمر. قلنا: الأمر محمول على الندب لقيام الأدلة الدالة عليه.
وأخرجه البخاري، والنسائي، ومسلم أيضاً من وجه آخر.
130- ص- حدّثنا إبراهيم بن موسى قال: أخبرنا وكيع قال: نا ابن
أبي ذئب، عن قارظ، عن أبي غطفان، عن ابن عباس قال: قال رسولُ الله
- عليه السلام-: " اسْتنْثرُوا مرتين بالغتين أو ثلاثاً " (3) .
ش- إبراهيم بن موسى بن يزيد بن زاذان (4) قد ذر، وكذا وكيع بن
الجراح، وكذلك ابن أبي ذئب.
وقارظ - بالقاف والظاء المعجمة- ابن شيبة بن قارظ، من بني ليث
__________
(1) في سنن أبي داود: " لينثر " .
(2) البخاري: كتاب الوضوء، باب: الاستنثار في الوضوء (161) ، مسلم:
كتاب الطهارة، باب: الإيتار في الاستنثار والاستجمار (237) ، النسائي:
كتاب الطهارة، باب: الاستنثار (1/65، 66) .
(3) ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: المبالغة في الاستنشاق والاستنثار (408) .
(4) في الأصل: " ذان " .

(1/329)


ابن بكر بن عبد مناة بن كنانة أخو عمرو، من حُلفاء بني زهرة. روى
عن: سعيد بن المسيب، وأبي غطفان. روى عنه: أخوه عمرو، وابن
أبي ذئب. توفي بالمدينة في خلافة عبد الملك، وكان قليل الحديث.
روى له: أبو داود، وابن ماجه (1) .
وأبو غطفان بن طريف المُري، ويقال: ابن مالك. روى عن: ابن
عباس، وأبي هريرة. روى عنه: إسماعيل بن أمية، وعمر بن حمزة بن
عبد الله بن عمر بن الخطاب، وداود بن الحصين، وقارظ بن شيبة. قال
محمد بن سعد: كان قد لزم عثمان، وكتب له، وكتب أيضاً لمروان.
روى له الجماعة إلا البخاري (2) .
قوله: " بالغتين " أي: كاملتين فيه دليل على أن الاستنثار لا يلزم أن
يكون مع كل استنشاقة. وأخرجه ابن ماجه.
131- ص- حدثنا قتيبة بن سعيد في آخرين قالوا: نا يحيى بن سليم،
عن إسماعيل بن كثير، عن عاصم بن لقيط بن صبرة، عن أبيه لقيط بن
صبرة قال: كُنتُ وافد بني المنتفق أو في وفد بني المنتفق إلى رسول الله-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قال: فلما قدمنا على رسول الله فلمْ نُصادفْهُ في منزله، وصادقْنا عائشة
أمّ المؤمنين- رضي الله عنها- قال: فأمرتْ كنا بخزيرة فصُنعتْ لنا. قال:
واتينا بقناع- ولم يُقمْ (3) قتيبة القناع، والقناعُ طبق فيه تمر- ثم جاء
رسولُ الله فقال: هلْ أصبتُمْ شيئاً؟ أوْ أمر لكم بشيء؟ قال: فقلنا: نعم
يا رسول الله، قال: فبيْنا نحنُ مع رسول الله جُلوس إذ دفع الراعي غنمهُ إلى
المُراح، ومعه سخْلة تيْعرُ، فقال: ما ولدت يا فُلانُ، قال: بهْمة، قال:
فاذبحْ لنا مكانها شاة ثم قال: لا تحسبن، ولم يقل: لا تحسبن أنا من أجْلك
ذبحناها، لنا غنم مائة لا نُريدُ أن تزيد، فإذا ولد الراعي بهمة ذبحْنا مكانها
شاة، قال: قلتُ: يا رسول الله، إن لي امرأة وإن في لسانها شيئاً- يعني:
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (23/4779) .
(2) المصدر السابق (34/7565) .
(3) في سنن أبي داود: " ولم يقل " .

(1/330)


البذاء-/قال: فطلّقْها إذاً. قال: قلتُ: يا رسول الله، إن لها صُحْبةً ولي
منها ولدٌ . قال: فمُرْها. يقول: عظها، فإنْ يكُ فيها خيرٌ فستفْعل، ولا
تضربْ ظعينتك كضرْبك أُميّتك. قلت: يا رسول الله، أخبرني عن
الوُضوء. قال: أسْبغ الوُضوء، وخلّلْ بين الأصابع، وبالغْ في الاسْتنشاق إلا
أن تكون صائماً " (1)
ش- يحيى بن سُليم أبو محمد ويقال: أبو زكريا القرشي الطائفي
الخراز- بالخاء المعجمة، والراء وفي آخره زاي- الحذاء المكّي. روى
عن موسى بن عقبة (2) ، وسمع: إسماعيل بن أمية، وإسماعيل بن
كثير، وابن جريح، وغيرهم. روى عنه: ابن المبارك، ووكيع،
والشافعي، وأبو بكر بن أبي شيبة، وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقة
كثير الحديث. روى له الجماعة (3) .
وإسماعيل بن كثير المكي أبو هاشم. روى عن: مجاهد، وسعيد بن
جبير، وعاصم بن لقيط بن صبرة. روى عنه: ابن جريج، والثوري،
ويحيى بن سُليم الطائفي، وداود بن عبد الرحمن العطار. قال أحمد:
ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. وقال ابن سعد: ثقة كثير الحديث
روي له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (4) .
وعاصم بن لقيط بن صبرة العُقيلي الحجازي. روى عن أبيه. روي
عنه إسماعيل بن كثير. قال البخاري: هو عاصم بن أبي رزين. روى
له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (5) .
__________
(1) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في تخليل الأصابع (38) ، وكتاب:
الصوم، باب: ما جاء في كراهية مبالغة الاستنشاق للصائم (788) ،
النسائي: كتاب الطهارة، باب: المبالغة في الاستنشاق (87) ، ابن ماجه:
كتاب الطهارة، باب: المبالغة في الاستنشاق والاستنثار (407) .
(2) في الأصل: " عيينة " خطأ.
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (31/6841) .
(4) المصدر السابق (3/473) .
(5) المصدر السابق (13/3025) .

(1/331)


ولقيط (1) بن صبرة بن عبد اللّه بن المنتفق بن عامر بن عقيل أبو رزين
العقيلي، عداده في أهل الطائف، ومنهم من يجعل لقيط بن صبرة لقيط
ابن عامر بن صبرة، ومنهم من يجعله غيره. قال ابن عبد البر: وليس
بشيء. وقال أبو محمد عبد الغني: أبو رزين العقيلي لقيط بن عامر،
وهو لقيط بن صبرة. وقيل: إنه غيره، وليس بصحيح. كان النبي
- عليه السلام- يكره المسائل، فإذا سأله أبو رزين أعجبه (2) مسألته.
روى عنه: ابن أخيه وكيع بن عُدُس، ويقال: ابن حدس، وابنه
عاصم، وعمرو بن أوس روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي،
وابن ماجه (3) .
وصبرة: بفتح الصاد المهملة، وكسر الباء الموحدة، وفتح الراء
المهملة، وبعدها تاء تأنيث، وبعضهم يُسكن الباء.
قوله: " في آخرين " أي: في جماعة آخرين، أشار بهذا إلى أن
أبا داود روى هذا الحديث عن قتيبة وهو بين جماعة كثيرة، وكل واحد
منهم حدّث عن يحيى بن سُليم، وموضعها النصب على الحال،
والتقدير: حدثنا قتيبة بهذا الحديث حال كونه مُحدثاً به في جماعة آخرين.
و " آخرين " جمع " آخر " بفتح الخاء، والفرق بين " الآخر " بالفتح،
و " الآخر" بالكسر: أن المفتوح اسم التفضيل وفيه معنى الصفة؛ لأن
__________
(1) قال الحافظ في " التهذيب " (8/457) : " تناقض في هذا المزي، فجعلهما
هنا واحدا، وفي الأطراف اثنين، وقد جعلهما ابن معين واحداً، وقال: ما
يعرف لقيط غير أبي رزين، وكذا حكى الأثرم عن أحمد بن حنبل، وإليه
نحا البخاري، وتبعه ابن حبان وابن السكن، وأما عليّ بن المديني وخليفة بن
خياط وابن أبي خيثمة وابن سعد ومسلم والترمذي وابن قانع والبغوي وجماعة
فجعلوهما اثنين. وقال الترمذي: سألت عبد الله بن عبد الرحمن عن هذا،
فأنكر أن يكون لقيط بن صبرة هو لقيط بن عامر " .
(2) كذا، وفي تهذيب الكمال: " أعجبته " .
(3) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (3/324) ، و (4/71) ، وأسد
الغابة (4/522- 523) ، والإصابة (3/329) .

(1/332)


" أفعل من كذا " لا يكون إلا في الصفة، ومعناه أحد الشيئين، والأنثى منه
أخرى، والجمع " آخرون " . وأما المكسورة فهي صفة، ومعناه: بعد
الأول، تقول: جاء آخر، أي: أخيراً، والأنثى منه: آخرة، والجمع
" أواخر.
فإن قيل: إذا كان آخر- بالفتح- اسم التفضيل، ينبغي أن يستعمل
باللام أو الإضافة، أو " من " كما عرف في اسم التفضيل. قلت: قد
يستعمل اسم التفضيل مجرداً عن هذه الثلاثة نحو: اللّه أكبر، أي: أكبر
من كل شيء، وهنا أيضاً إذا قلت: حدثني فلان وفلان آخر معناه آخر
من الأول فافهم.
قوله: " كنت وافد بني المنتفق " الوافد واحد الوفد، والوفْد: القوم
الذين يأتون الملوك ركباناً، وقيل: هم القوم يجتمعون ويردُون البلاد،
والذين يقصدون الأمراء للزيارة أو الاسترفاد، تقول: وفد يفد فهو وافد،
وأوفدته فوفد، وأوفد على الشيء فهو مُوفد، والمنتفق: بضم الميم،
وسكون النون، وفتح التاء المثناة من فوق، وكسر الفاء، وبعدها قاف:
هو المنتفق بن عامر بن عُقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن
معاوية بن بكر بن هوازن، قبيل مشهور منهم جماعة من الصحابة،
وغيرهم.
قوله: " فلم نُصادفه " أي: لم نجده، قال في " الصحاح " : صادفت
فلاناً وجدته.
قوله: " في منزله " المنزل المنهل، والدار والمنزلة مثله.
قوله: " بخزيرة " الخزيرة من الأطعمة: بفتح الخاء المعجمة، وكسر
الزاي، وسكون الياء آخر الحروف، وبعدها راء مهملة، وتاء تأنيث:
ما اتخذ من دقيق ولحم، يقطع اللحم/صغاراً، ويصب عليه الماء،
فإذا نضج ذُر عليه الدقيق، فإن لم يكن فيها لحم فهي عصيدة، والحريرة:
بفتح الحاء المهملة، ورائين مهملتين: حساء من دقيق ودسم.

(1/333)


قوله: " بقناع " القناع: بكسر القاف- كذا ذكر في " دستور اللغة " في
باب القاف المكسورة-: وهو الطبق الذي يؤكل عليه.
وقال الخطابي (1) : " سُمي قناعاً لأن أطرافه قد أقنعت إلى داخل،
أي: عُطفت " .
وقال ابن الأثير (2) : " ويقال له: القُنع بالكسر والضم، وقيل:
القناع جمعه، وهو الطبق من عُسُب النخل " .
قوله: " ولم يُقم قتيبةُ القناع " أي: لم يثبته.
قوله: " هل أصبتم شيئاً؟ " أي: هل وجدتم شيئاً مما يؤكل؟
قوله: " فبينا نحن " أصل " بينا " : " بين " ، فأشبعت الفتحة وصارت
ألفاً يقال: بينا وبينما، وهما ظرفا زمان بمعنى المناجاة، ويضافان إلى
جملة من فعل وفاعل، أو مبتدأ وخبر، ويحتاجان إلى جواب يتم به
المعنى، والأفصح في جوابهما: أن لا يكون فيه إذ وإذا، وقد جاءا كثيراً
في الجواب تقول: بينا زيد جالس دخل عليه عمرو، وإذ دخل عليه،
وإذا دخل عليه ومنه قول الحرقة بنت النعمان:
بينا نسوس الناس والأمرُ أمرُنا ... إذا نحن فيهم سوقة تتنصف
وقوله: " نحن " مبتدأ وخبره قوله: " جلوس " ، والجلوس جمع
" جالس " كالسجود جمع " ساجد " ، وهي جملة أضيفت إليها، فـ " بينا "
وجوابها قوله: " إذ دفع الراعي غنمه " ، وفي بعض النسخ: " إذ رفع "
بالراء، والغنم اسم مؤنث موضوع للجنس، يقع على الذكور وعلى
الإناث، وعليهما جميعاً.
قوله: " إلى المُراح " المراح- بضم الميم- الموضع الذي تروح إليه
الماشية، أي: تأوي إليه ليلاً، وأما بالفتح فهو الموضع الذي يروح إليه
القوم، أو يروحون منه، كالمغذى للموضع الذي يُغذى منه.
__________
(1) معالم السنن (1/46) .
(2) النهاية (4/115) .

(1/334)


قوله: " ومعه سخلة " السخلة- بفتح السين المهملة، وسكون الخاء
المعجمة- وقال أبو زيد: يقال لأولاد الغنم ساعة وضعه من الضأن والمعز
جميعاً، ذكراً كان أو أنثى سخلةٌ ، وجمعه سخل وسخالٌ .
قوله: " تيعر " صفة للسخلة، من اليعار وهو صوت الشاة.
وقال ابن الأثير: يقال (1) : " تعرت العنز تيعر- بالكسر- يُعاراً
- بالضم- أي: صاحت " . وفي " الجمهرة " : تيعر وتيعر- بالكسر
والفتح-، وكذا في " الدستور " .
قوله: " ما ولدت " : بتشديد اللام على معنى خطاب الشاهد. وقال
الخطابي (2) : " وأصحاب الحديث يروونه على معنى الخبر، يقولون: ما
ولدت- خفيفة اللام ساكنة التاء- أي: ما ولدت الشاة، وهو غلط،
يقال: وّلدت الشاة إذا حضرت ولادتها فعالجتها حتى يبين منها الولد " .
والمُولِّد والناتج للماشية كالقابلة للنساء، والمولدة القابلة.
قوله: " بهمة " والبهمةُ: ولد الشاة أول ما تولد، يقال للمذكر
والمؤنث، والسخال أولاد المعز، فإذا اجتمع البهائم والسخال قلت لهما
جميعاً بهام وبُهم أيضاً، وجعل لبيد في شعره أولاد البقر بهاماً، وقيل:
البُهمة الذكر والأنثى من أولاد بقر الوحش والغنم والماعز. وقيل: قوله
- عليه السلام-: " ما ولدت " وجوابه: " ببُهمة " يدل على أن البُهمة
اسم للأنثى؛ لأنه إنما سأله ليُعلمه أذكر ولَّد أم أنثى، وإلا فقد كان يعلم
أنه إنما ولد أحدهما.
قوله: " لا تحسبن أنا من أجلك ذبحناها " : " (3) معناه: ترك الاعتداد
به على الضيف، والتبرؤ من الرياء، و " تحسبن " مكسورة السن إنما هي
لغة عليا مصر، و " تحسبن " بفتحها لغة: سفلاها، وهو القياس عند
النحويين؛ لأن المستقبل من فعل مكسور العين " يفعل " مفتوحها كعلم
__________
(1) النهاية (5/297) .
(2) معالم السنن (1/46) .
(3) انظر: معالم السنن (1/47) .

(1/335)


يعْلمُ، وعجل يعْجل، إلا أن حروفاً شاذة قد جاءت نحو: نعم ينعم،
ويئس ييئس، وحسب يحسب، وهذا في الصحيح، فأما المعتل فقد جاء
فيه: ورم يرمُ، ووثق يثقُ، وورع يرعُ " .
قوله: " أنا من أجلك " بالفتح؛ لأن أن مع اسمه وخبره سدّ مسد
مفعولي: " لا تحسين " .
قوله: " لنا غنم مائة " جملة وقعت كالتعليل في ذبح الشاة.
قوله: " فإذا ولد الراعي " بتشديد اللام.
قوله: " البذاء " بالذال المعجمة ممدوداً: الفحش في القول، وقيل فيه:
بالقصر، وليس بالكثير.
/قوله: " عظها " أمر من وعظ يعظ، وأصله أوعظ، فحذفت الواو
تبعاً لمضارعه، واستغنى عن الهمزة بحركة العين، فصار " عظ " على
وزن " علْ " ؛ لأن الساقط منه فاء الفعل.
قوله: " فإن يك " أصله: " يكُن " حذفت النون للتخفيف، وهو كثير
في كلام العرب.
قوله: " ولا تضرب ظعينتك " الظعينة- بفتح الظاء المعجمة، وكسر
العين المهملة-: المرأة، سميت بذلك لأنها تظعن مع الزوج، وتنتقل
بانتقاله، وأصله الهوادج التي تكون بها، ثم تسمى النساء كذلك،
وقيل: لا تسمى إلا المرأة الراكبة، وكثر حتى استعمل في كل امرأة،
وحتى سمي الجمل الذي تركب عليه ظعينة، ولا يقال ذلك إلا للإبل التي
عليها الهوادج.
قوله: " كضربك أميتك " الضرب مصدر مضاف إلى فاعله، ومفعوله
" أميتك " ، والأمية تصغير أمة، صغرها لتحقير قدرها بالنسبة إلى الحرة.
قوله: " أسبغ الوضوء " أي: أكمله وتممه.
قوله: " وخلل بين الأصابع " التخليل: إدخال الشيء في خلال الشيء،

(1/336)


وهو وسطه، والمعنى: أن يُدخل بعض أصابعه في بعض، مبالغة في
استيفاء الفرض، والنقول عن مشايخنا في التخليل أنه من الأسفل إلى
فوق، لما روي في " شرح مختصر الكرخي " عن أنس: " أنه- عليه
السلام- كان إذا توضأ شبك أصابعه، كأنها أسنان المُشط " (1) ، ولكن
الحديث بعمومه يتناول أي تخليل كان، ويتناول أيضاً تخليل أصابع اليدين
والرجلين.
قوله: " وبالغ في الاستنشاق " والمبالغة فيه: أن يتمخط في كل مرة،
ويقال: يدخل إصبعه في أنفه، وإنما استثنى حالة الصوم؛ لأنه يخاف
عليه دخول الماء من خيشومه إلى حلقه، فيفسد صومه.
فإن قيل: " (1) السائل سأل عن الوضوء بقوله: أخبرني عن الوضوء،
فظاهر هذا السؤال يقتضي الجواب عن جملة الوضوء، ليطابق الجواب
السؤال، ولم يجبه- عليه السلام- إلا عن بعض الوضوء، وهو خارج
عن أركانه؟ قلت: اقتصر- عليه السلام- في الجواب على تخليل
الأصابع والاستنشاق، لعلمه أنه لم يسأل عن حكم ظاهر الوضوء، وإنما
سأله عما يخفى من حكم باطنه، وذلك لأن غسل باطن الأنف غير
معقول من نص الكتاب في الآية، ثم أوصاه بتخليل الأصابع؛ لأن آخذ
الماء قد يأخذه بجميع الكف، وضم الأصابع بعضها إلى بعض، فيسد ما
بينهما، فربما لا يصل الماء إلى باطنها، وكذلك في أصابع الرجل لأنها
ربما يركبُ بعضها على بعض حتى تكاد تلتحم، فقدم له الوضاءة
بتخليلها، وأكد القول فيها لئلا يغفلها.
ويستفاد من هذا الحديث فوائد، الأولى: أن الرجل إذا نزل عند أحد
ضيفاً ولم يجده في منزله، فالمستحب لأهله أن يطعموه شيئاً، ولا
يؤخروه إلى حضور صاحب المنزل.
والثانية: يستحب أن يقدم للضيف خيار ما عندهم من المأكول.
__________
(1) انظره في معالم السنن (1/47- 48) ، فقد نقل المصنف معظمه، وزاد عليه.
22. شرح سنن أبي داوود 1

(1/337)


والثالثة: يستحب للرجل إذا أتى منزله ووجد فيه ضيفاً يسأل عنه، هل
أكل شيئاً؟
والرابعة: يكره للرجل أن يمن على ضيفه، أو يرائي في فعله.
والخامسة: يستحب للرجل أن يفارق المرأة الفحاشة.
والسادسة: يستحب له أن ينصحها ويعظها من الآيات والحديث.
والسابعة: أنه لا يأثم على إمساك امرأة فحاشة؛ لأنه لما قال: " إن لها
صحبة، ولي منها ولد " ، ما أمره بالطلاق، بل أمره بالوعظ والنصيحة.
والثامنة: يفهم من صريح النهي عدم جواز ضرب المرأة، وقد استدل
البعض بقوله: " لا تضرب ظعينتك " على عدم جواز ضرب الرجل
امرأته، وهذا ليس بصحيح؛ لأن اللّه تعالى أباح ذلك بقوله:
(واضْربُوهُن) (1) فله أن يضربها عند الحاجة إليه، وإنما المراد من النهي
هاهنا تبريح الضرب، كما تضرب المماليك في عادات من يستجيز ضربهن
ويستعمل سوء الملكة فيهم، وتمثيله بضرب المماليك لا يوجب إباحة
ضربهم، وإنما جرى ذكره في هذا على طريق الذم لأفعالهم، ونهاه عن
الاقتداء بهم، وقد نهى- عليه السلام- عن ضرب المماليك إلا في
الحدود،/وأمرنا بالإحسان إليهم وقال: " من لم يوافقكم منهم فبيعوه،
ولا تعذبوا خلق الله " ، وأما ضرب الدواب فمباح؛ لأنها لا تنادى
بالكلام، ولا تعقل معاني الخطاب كما يعقل الإنسان، وإنما يكون تقويمها
غالباً بالضرب، وقد ضرب رسول اللّه- عليه السلام- بعيره بمحجنه،
ونخس جمل جابر حين أبطأ عليه فسبق الركب حتى ما ملك رأسه.
والتاسعة: يستحب للرجل أن يسأل أهل العلم عما لا يعلمه.
والعاشرة: يستحب للعالم أن يجيب عن مسائل الناس ولا يكتم علمه،
فإن تعين عليه يحب علي الجواب.
__________
(1) سورة النساء: (34) .

(1/338)


الحادية عشر: فيه دليل على أن إسباغ الوضوء سُنّة.
الثانية عشر: فيه دليل على أن تخليل الأصابع سُنّة.
الثالثة عشر: فيه دليل على أن الاستنشاق سُنة، وقد ذهب بعضهم
إلى أنه واجب بظاهر الأمر، وتخصيصه بالذكر مرتين أفعال الوضوء.
قلنا: قد دلت دلائل أخرى على أنه سُنة، فيحمل الأمر هاهنا كذلك
ولو كان واجباً لكان على الصائم كهو على المفطر، وأما تخصيصه بالذكر
والتحريض عليه، إنما جاء لما فيه من المعونة على القراءة، وتنقية مجرى
النفس الذي يكون به التلاوة، وبإزالة ما فيه من الثقل تصح مخارج
الحروف. وقال ابن أبي ليلى، وإسحاق بن راهويه: إذا ترك الاستنشاق
في الوضوء أعاد الصلاة، وكذلك إذا ترك المضمضة.
الرابعة عشر: فيه دليل على أن المبالغة في الاستنشاق في حق الصائم
مكروهة، وكذلك المضمضة.
الخامسة عشر: فيه دليل على أنه إذا بالغ فيه ذاكرا لصومه، فوصل الماء
إلى دماغه فقد أفسد صومه " (1) .
132- ص- وحدثنا عقبة بن مُكْرمٍ قال: نا يحيى بن سعيد قال: نا ابن
جريج قال: حدثني إسماعيل بن كثير، عن عاصم بن لقيط بن صبرة، عن
أبيه وافد بني المنتفق: أنه أتى عائشة، فذكر معناه، قال: فلم ينْشبْ (2) أن
جاء النبيُ- عليه السلام- يتقلعُ يتكفأ، وقال: " عصيدة " مكان " خزيرة " (3) .
ش- عقبة بن مكرم بن أفلح أبو عبد الملك العمي البصري. روى عن:
محمد بن جعفر غندر، وربعي ابن عُلية، وأبي عاصم النبيل، وغيرهم.
روى عنه: مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والبغوي،
وغيرهم. مات بالبصرة سنة ثلاث وأربعين ومائتين. قال الخطيب: وكان
ثقة (4) .
__________
(1) إلى هنا انتهى النقل من معالم السنن.
(2) في سنن أبي داود: " ننشب "
(3) انظر الحديث رقم (131) .
(4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (20/3988) .

(1/339)


قوله: " فذكر معناه " أي: معنى الحديث المذكور. واختلف في نقل
الحديث بالمعنى، فقالت طائفة من أصحاب الحديث، والفقه،
والأصول: لا يجوز مطلقاً، وجوز بعضهم في غير حديث النبي- عليه
السلام- ولم يجوزوا فيه، وعند الجمهور يجوز في الجميع. إذا جزم بأنه
أدى المعنى، وهذا هو الصواب الذي تقتضيه أحوال الصحابة فمن بعدهم
في روايتهم القضية الواحدة بألفاظ مختلفة.
قوله: " فلم ينشب " يقال: لم ينشب أن فعل كذا، أي: لم يلبث،
وحقيقته: لم يتعلق بشيء غيره ولا سواه من نشب الشيء ينشبُ- مثل:
علم يعلم- نُشوباً، أي: علق فيه، وأنشبته أنا: أعلقته فانتشب،
وأنشب العابد: أعلق، ونشبت الحرب بينهم: علقت، و " أن " في
قوله: " أن جاء " مفسرة، مثل قوله تعالى: (فأوْحيْنا (1) إليْه أن اصْنع
الفُلك) (2) ، ويجوز أن تكون مصدرية، والمعنى لم يلبث مجيئه.
قوله: " يتقلع يتكفأ " حالان إما من الأحوال المتداخلة، أو من الأحوال
المترادفة، ومعنى " يتقلع: يمشي بقوة، كأنه يرفع رجليه من الأرض رفعاً
قويا، لا كمن يمشي اختيالاً ويقارب خطاه، فإن ذلك من مشي الشاء،
ويوصفْن به. ومعنى " يتكفأ " يتمايل كما تتمايل السفينة يميناً وشمالاً،
كذا فسره بعضهم. وقال الأزهري: " هذا خطأ، وهذه مشية المختال،
وإنما معناه: يميل إلى جهة ممشاه ومقصده، وقد يكون مذموماً إذا قُصد،
فأما إذا كان خلْقة فلا " . وقال ابن الأثير (3) : " روي غير مهموز،
والأصل الهمز، وبعضهم يرويه مهموزاً، ومعنى " يتكفأ " : يتمايل إلى
قُدام " .
133- ص- ونا محمد بن يحيى بن فارس قال: نا أبو عاصم قال: نا
ابن جريج بهذا الحديث قال فيه: " إذا توضأت فمضمض " (4) .
__________
(1) في الأصل: " وأوحينا " .
(2) سورة المؤمنون: (27) .
(3) النهاية (4/183) .
(4) انظر الحديث رقم (131) .

(1/340)


ش- محمد بن يحيى بن عبد اللّه بن خالد بن فارس أبو عبد الله
النيسابوري الإمام، وأبو عاصم النبيل، وعبد الملك بن جريج.
قوله: " بهذا الحديث " إشارة إلى الحديث الذي سبق.
/قوله: " قال فيه " أي: في هذا الحديث. وأخرجه الترمذي في
الطهارة، وفي الصوم مختصراً، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
وأخرجه النسائي في الطهارة، والوليمة مختصرا وأخرجه ابن ماجه في
الطهارة مختصرا.
***
49- باب: تخليل اللحية
أي: هذا باب في بيان حكم تخليل اللحية.
134- ص- حدثنا أبو توبة- يعني: الربيع بن نافع- قال: نا أبو المليح،
عن الوليد بن زوران، عن أنس بن مالك: " أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا توضأ
اخذ كفا من ماء فأدخلهُ تحت حنكه، فخلّل به لحْيته، فقال: هكذا أمرني
ربي عزّ وجلّ " (1)

ش- أبو المليح المدني، روى عن أبي صالح، روى عنه وكيع، روى
له أبو داود (2) .
والوليد بن زوران السلمي الرقي. روى عن: أنس بن مالك،
وميمون بن مهران روى عنه: أبو المليح الرقي، وحجاج بن الحجاج،
وجعفر بن برقان. روى له أبو داود (3) .
قوله: " تحت حنكه " الحنك: ما تحت الذقن من الأسنان وغيره. وبهذا
استدل أبو يوسف من أصحابنا أن تخليل اللحية سُنة. " (4) وروى أيضاً
__________
(1) تفرد به أبو داود.
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (6/1255) .
(3) المصدر السابق (31/6704) .
(4) انظره كاملاً في نصب الراية (1/23- 26)

(1/341)


أبو بكر بن أبي شيبة في " مصنفه " فقال: حدثنا وكيع، ثنا الهيثم بن
جماز، عن يزيد بن أبان، عن أنس: أن النبي- عليه السلام- قال:
" أتاني جبريلُ فقال: إذا توضأت فخلل لحيتك " . ورواه ابن عدي في
" الكامل " ، ولفظه: " جاءني جبريلُ فقال: يا محمد، خلل لحيتك بالماء
عند الطهور " (1) . وروى تخليل اللحية عن النبي- عليه السلام- من
الصحابة: عثمان، وأنس، وعمار، وابن عباس، وأبو أيوب، وابن
عمر، وأبو أمامة، وعبد اللّه بن أبي أوفى، وأبو الدرداء، وكعب بن
عمرو، وأبو بكرة، وعائشة، وجابر، وأم سلمة.
أما حديث عثمان فما رواه الترمذي، وابن ماجه من حديث عامر بن
شقيق الأسدي، عن أبي وائل، عن عثمان: " أن رسول اللّه- عليه
السلام- كان يخلل لحيته " وقال الترمذي: " إنه- عليه السلام-
توضأ وخلل لحيته " ، وقال: حديث حسن صحيح. وقال البخاري:
أصح شيء في هذا الباب حديث عامر بن شقيق عن أبي وائل، عن
عثمان- رضي اللّه عنه-. ورواه ابن حبان في " صحيحه " ، والحاكم
في " مستدركه " ، وقال: صحيح الإسناد (2) .
وأما حديث أنس- رضي اللّه عنه- فما رواه أبو داود.
وأما حديث عمار بن ياسر فما رواه الترمذي وابن ماجه: حدثنا محمد
ابن أبي عمر العدني، ثنا سفيان، عن عبد الكريم بن أبي المخارق، عن
حسان بن بلال، عن عمار بن ياسر قال: " رأيتُ رسول اللّه- عليه
السلام- يخلل لحيته " (3) .
وأما حديث ابن عباس فما رواه الطبراني في " معجمه الوسط " :
__________
(1) الكامل (8/396، ترجمة الهيثم بن جماز) .
(2) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في تخليل اللحية (31) ، ابن ماجه:
كتاب الطهارة، باب: ما جاء في تخليل اللحية (430) ، الحاكم (1/149) .
(3) الترمذي (29) ، ابن ماجه (429) .

(1/342)


حدثنا أحمد بن إسماعيل الوساوسي البصري، ثنا شيبان بن فروخ، ثنا
نافع أبو هرمز، عن عطاء، عن ابن عباس قال: دخلت على رسول اللّه
وهو يتوضأ، فغسل يديه، ومضمض، واستنشق ثلاثاً ثلاثاً، وغسل
وجهه ثلاثاً، وخلل لحيته ... " الحديث (1) .
وأما حديث أبي أيوب الأنصاري فرواه ابن ماجه من حديث واصل بن
السائب، عن أبي سورة، عن أبي أيوب قال: " رأيت رسول اللّه توضأ
فخلل لحيته " (2) .
وأما حديث ابن عمر فرواه ابن ماجه أيضاً: حدثنا هشام بن عمار،
ثنا عبد الحميد بن حبيب، ثنا الأوزاعي، ثنا عبد الواحد بن قيس،
حدثني نافع، عن ابن عمر قال: " كان رسول اللّه إذا توضأ عرك
عارضته بعض العرْك، ثم شبك لحيته بأصابعه من تحتها " (3) .
وأما حديث أبي أمامة فرواه الطبراني في " معجمه " ، وابن أبي شيبة
في " مصنفه " .
وأما حديث عبد اللّه بن أبي أوفى فرواه الطبراني أيضاً.
وأما حديث أبي الدرداد فرواه الطبراني أيضاً.
وأما حديث كعب بن عمرو فرواه الطبراني أيضاً.
وأما حديث أبي بكرة فرواه البزار في " مسنده " .
وأما حديث عائشة فرواه الحاكم في " المستدرك " وأحمد في " مسنده " .
وأما حديث جابر فرواه ابن عدي في " الكامل " (4) .
وأما حديث أم سلمة فرواه الطبراني في " معجمه " ، وكلها مدخولة
وأمثلها حديث عثمان كما ذكرنا.
وقال ابن أبي حاتم في " كتاب العلل " : سمعت أبي يقول: لا يثبت
في تخليل اللحية حديث " (5) . ولأجل هذا قال أبو حنيفة: تخليل
اللحية فضيلة وليست بسُنة، وبه قال محمد.
(1) العجم الأوسط (2/2277) .
(2) ابن ماجه (433) .
(3) ابن ماجه (432) .
(4) الكامل (2/89، ترجمة أصرم بن غياث) .
(5) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.

(1/343)


ص- قال أبو داود: الوليد بن زوران روى عنه الحجاج بن الحجاج،
وأبو المليح الرقي.
ش- هذه ليست بموجودة في النسخ الصحيحة، وحجاج بن الحجاج
الأحول البصري الباهلي.
***
/50- باب: المسح على العمامة
أي: هذا باب في بيان المسح على العمامة.
135- ص- حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل قال: نا يحيى بن سعيد،
عن ثور، عن راشد بن سعد، عن ثوبان قال: " بعث رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (1)
سريةً فأصابهُمُ البردُ، فلما قدموا على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمرهم أن يمْسحُوا على
العصائب والتساخين " (2) .
ش- يحيى بن سعيد القطان، وثور بن يزيد قد ذُكرا.
وراشد بن سعد المقرائي، ويقال: الحُبْراني. سمع: معاوية بن
أبي سفيان وشهد معه صفين، وثوبان مولى رسول اللّه- عليه السلام-،
ويعلى بن مرة، وأبا أمامة الباهلي. روى عن: أنس بن مالك، وعمرو
ابن العاص، وغيرهما من الصحابة والتابعين. روى عنه: ثور بن يزيد،
وحريز بن عثمان، ومعاوية بن صالح، وغيرهم. قال أحمد: لا بأس
به. وقال ابن معين: ثقة. مات سنة ثمان ومائة. روى له: أبو داود،
والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (3) .
وثوبان بن بُجدد مولى النبي- عليه السلام- قد ذكر.
قوله: " سرية " السرية: طائفة من الجيش يبلغ أقصاها أربعمائة، تبعث
إلى العدو، وجمعها: " السرايا " ، سموا بذلك لأنهم يكونون خلاصة
__________
(1) في الأصل: " عليه وسلم " .
(2) تفرد به أبو داود.
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (9/1826) .

(1/344)


العسكر وخيارهم من الشيء السري النفيس، وقيل: سموا بذلك لأنهم
ينفذون سرا وخفية، وهذا ليس بشيء لأن لام السر " راء " ، وهذه "ياء".
قوله: " على العصائب " العصائب: العمائم، سميت بذلك لأن
الرأس يعصب بها، وكل ما عصبت به رأسك من عمامة أو منديل أو خرقة
فهو عصابة.
قوله: " والتساخين " (1) التساخين: الخفاف، ويقال: أصل ذلك:
كل ما تسخن به القدم من خُف وجورب ونحوهما، ولا واحد للتساخين
من لفظها، وقيل: واحدها: تسْخان، وتسخن، وتسخن، والياء فيها
زائدة. وذكر حمزة الأصفهاني (2) أن التّسخان فارسي معرب " تثْكن " ،
وهو اسم غطاء من أغطية الرأس، كان العلماء والموابذةُ يأخذونه على
رؤوسهم خاصة دون غيرهم. وقال: من تعاطى تفسيره هو الخفُ لم
يعرف فارسيته " (3) .
" (4) وقد اختلف أهل العلم في المسح على العمامة، فذهب إلى
جوازه جماعة من السلف. وقال به من فقهاء الأمصار: الأوزاعي،
وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، وداود. وقال أحمد:
قد جاء ذلك عن النبي- عليه السلام- من خمسة أوجه، وشرط من
جوّز المسح على العمامة أن يعتم الماسح عليها بعد كمال الطهارة، كما
يفعله من يريد المسح على الخفين. وروي عن طاوس أنه قال: " لا يمسح
على العمامة التي تجعل تحت الذقن، وأبى المسح على العمامة أكثر الفقهاء،
وتأولوا الخبر في المسح على العمامة على معنى أنه كان يقتصر عل مسح
بعض الرأس، فلا يمسحه كله مقدمه ومؤخره، ولا ينزع عمامته عن رأسه
__________
(1) انظر: النهاية في غريب الحديث (2/352) .
(2) في الأصل: " الأصهاني " ، وهو صاحب كتاب الموازنة.
(3) إلى هنا انتهى النقل من النهاية.
(4) انظر: معالم السنن (1/49) .

(1/345)


ولا ينقضها، وجعلوا خبر المغيرة بن شعبة (1) كالمفسر له، وهو أنه
وصف وضوءه ثم قال: " ومسح بناصيته وعلى عمامته " فوصل مسح
الناصية بالعمامة، وإنما وقع أداء الواجب في مسح الرأس بمسح الناصية،
إذ هي جزء من الرأس، وصارت العمامة تبعاً له، كما روي: أنه مسح
أسفل الخف وأعلاه، ثم كان مسح الواجب (2) في ذلك مسح أعلاه،
وصار مسح أسفله كالتبع له، والأصل: أن اللّه فرض المسح، وحديث
ثوبان محتمل للتأويل، فلا يترك الأصل المتيقن وجوبه بالحديث المحتمل،
ومن قاسه على مسح الخفين فقد أبعد؛ لأن الخفّ يُشق خلعه ونزعه،
ونزع العمامة لا يشق " (3) . وهنا جواب آخر: أنه يجوز أن يكون هذا
من قبيل ذكر الحال، وإرادة المحل، ذكر العصائب وأراد ما تحويه
العصائب مجازاً.
136- ص- حدثنا أحمد بن صالح قال: نا ابن وهب، قال: حدثني
معاوية بن صالح، عن عبد العزيز بن مسلم، عن أبي معقل، عن أنس بن
مالك قال: " رأيتُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتوضأ وعليه عمامةٌ قطريةٌ ، فادخل يده
من تحت العمامة، فمسح مُقدم رأسه، ولم ينقض العمامة " (4) .
ش- أحمد بن صالح أبو جعفر المصري يعرف بابن الطبري، كان أبوه
من أهل طبرستان من الجند، وكان أحد الحُفاظ المبرزين، والأئمة
المذكورين. سمع: ابن عيينة، وعبد الله بن وهب، وإبراهيم بن
الحجاج، وغيرهم. روى عنه: ابن المثنى، والبخاري، والترمذي،
وأبو داود، وأبو زرعة، وغيرهم. وقال البخاري: ثقة صدوق. توفي
في ذي القعدة سنة ثلاث وأربعين/ومائتين (5) .
وعبد العزيز بن مسلم: أبو زيد القسْملي مولاهم الخُراساني المرْوزي،
__________
(1) يأتي برقم (139) .
(2) في معالم السنن: " ثم كان الواجب " .
(3) إلى هنا انتهى النقل من معالم السنن.
(4) ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في المسح على العمامة (564) .
(5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (1/49) .

(1/346)


أخو المغيرة السراج، سكن البصرة، وقيل: نزل القسامل فنسب إليهم.
روى عن: عبد اللّه بن دينار، وأبي إسحاق الهمداني، وحصين بن
عبد الرحمن، والربيع بن أنس، والأعمش، وغيرهم. روى عنه:
مسلم بن إبراهيم، و[أبو]الوليد الطيالسي، وداود بن بلال، وغيرهم.
قال ابن معين وأبو حاتم: ثقة. وكان من الأبدال. روى له الجماعة إلا
ابن ماجه (1) .
وأبو معقل روى عن أنس بن مالك، روى عنه عبد العزيز بن مسلم
القسملي، روى له أبو داود، وابن ماجه (2) .
قوله: " عمامة قطرية " هي ثياب حُمر لها أعلام فيها بعض الخشونة،
منسوبة إلى قطر، موضع بين عمان وسيف البحر، وعن الأزهري:
وقيل: هي حلل جياد تُحمل من البحرين، القطر- بفتح القاف والطاء-:
قرية في بلاد البحرين. وقال ابن الأثير: " وأحسن الثياب القطرية نسبت
إليها، فكسروا القاف للنسبة وخففوا " .
قوله: " فمسح مُقدم رأسه " بضم الميم، وفتح الدال المشددة، ويجوز
ضم الميم وكسر الدال المخففة.
***
51- باب: غسل الرجل (3)
أي: هذا باب في بيان غسل الرجل.
137- ص- حدثنا قتيبة بن سعيد قال: نا ابن لهيعة، عن يزيد بن
عمرو، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن المستورد بن شداد قال: " رأيتُ
رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا توضأ يدْلُكُ أصابع رجليه بخنْصره " (4) .
__________
(1) المصدر السابق له 1/3473) .
(2) المصدر السابق (34/7641) .
(3) في سنن أبي داود: " الرجلين " .
(4) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في تخليل الأصابع (40) ، ابن
ماجه: كتاب الطهارة، باب: تخليل الأصابع (446) .

(1/347)


ش- ابن لهيعة هو: عبد اللّه بن لهيعة بن عُقبة بن فُرعان
الحضرمي الأعدُولي من أنفسهم، ويقال: الغافقي المصري قاضي مصر
أبو عبد الرحمن. سمع: الأعرج، وعطاء بن أبي رباح، ومحمد بن
المنكدر، ويزيد بن عمرو، وغيرهم. روى عنه: الأوزاعي، والثوري،
والليث بن سعد، وابن المبارك، وعبد اللّه بن وهب، وغيرهم. وقال
ابن معين: ضعيف الحديث. توفي سنة أربع وسبعين ومائة. روى له:
أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (1) .
ولهيعة بفتح اللام، وكسر الهاء.
ويزيد بن عمرو المعافري المصري. روى عن: أبي عبد الرحمن الحُبُلي،
وشُفى بن ماتع الأصْبحي. روى عنه: الليث بن سعد، وعمرو بن
الحارث، وعبد اللّه بن لهيعة. قال أبو حاتم: لا بأس به. روى له:
أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (2) .
وأبو عبد الرحمن اسمه: عبد الله بن يزيد الحُبُلي المعافري. سمع:
ابن عمرو بن العاص، وابن عمر، والمستورد، وغيرهم. روى عنه:
يزيد بن عمرو، وعقبة بن مسلم، وأبو هانئ الخولاني، وغيرهم. توفى
بإفريقية سنة مائة. روى له الجماعة (3) .
والحُبُلي بضم الحاء المهملة والباء الموحدة.
والمستورد بن شداد بن عمرو الفهري القرشي. روي له عن رسول اللّه
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سبعة أحاديث، سكن الكوفة. روى عنه الكوفيون والمصريون،
روى له مسلم حديثين. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (4) .
قوله: " يدلك أصابعه " من دلكت الشيء بيدي أدلكه دلكاً. وفيه دليل
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (15/3513) .
(2) المصدر السابق (32/7032) .
(3) المصدر السابق (16/3663) .
(4) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (3/482) ، وأسد الغابة
(5/154) ، والإصابة (3/407) .

(1/348)


على أن الدلك سُنة، ودليل أن الرجل مغسول، ولهذا بوب أبو داود
بقوله: " باب غسل الرجل " . وكان الأولى أن يبوب بقوله: " باب
دلك الرجل في الوضوء " . وأخرجه الترمذي وابن ماجه. وقال
الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة.
***
52- باب: المسح على الخفين
أي: هذا باب في بيان المسح على الخفين، إنما قدم أبواب المسح على
الخفين على أبواب الغسل؛ لأن المسح من توابع الوضوء، وقدمها على
أبواب التيمم؛ لأن التيمم خلفٌ عن الكل، والمسح خلفٌ عن الجزء،
والجزء مقدم على الكل، مع أنه لا يراعي المناسبة بين أبواب الكتاب،
ولا كُتبه.
138- ص- حدثنا أحمد بن صالح قال: ثنا عبد الله بن وهب قال:
أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب قال: حدثني عباد بن زياد: أن عروة
ابن المغيرة بن شعبة أخبره: أن أباه المغيرة بن شعبة يقول: " عدل رسولُ الله
وأنا معهُ في غزوة تبوك قبل الفجر، فعدلتُ معهُ، فأناخ النبيُّ- عليه
السلام- فتبرّز ثم جاء، فًسكبتُ على يده من الإداوة، فغسل كفيْه، ثم غسل
وجْههُ، ثم حسر/عن ذراعيه فضاق كُما جُبته، فأدخل يديه فأخرجهُما من
تحت الجُبة، فغسلهما إلى المرفق، ومسح برأسه، ثم توضأ على خُفيه، ثم
ركب، فأقبلنا نسيرُ حتى نجد الناس في الصلا قد قدموا عبد الرحمن بن
عوف، فصلّى بهم حين كان وقتُ الصلاة، ووجدنا عبد الرحمن قدْ ركع
بهم ركعةً من صلاة الفجر، فقام رسولُ الله فصف مع المسلمين، فصلّى
وراء عبد الرحمن بن عوف الركعة الثانية، ثم سلم عبدُ الرحمن، فقام