Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

شرح سنن أبي داود للعيني

2- كِتابُ الصَلاَةِ
أي: هذا الباب في أحكام الصلاة بأنواعها. ولما فرغ عن الطهارة
الصغرى والكبرى بأنواعهما التي هي شرط، شرع في بيان الصلاة التي
هي مشروط، والشرط يسبق المشروط. واشتقاقها من تحريك الصَّلَوَين.
وهما: العظمان الناتئان عند العجيزة، وقيل: من الدعاء؛ فإن كانت
من الأول تكون من الأسماء المغيرة شرعا، المقررة لغةَ، وإن كانت من
الثاني تكون من الأسماء المنقولة، ويقال: أصلها في اللغة: الدعاء؛
فسمّيت ببعض أجزائها.
وقيل: أصلها في اللغة: التعظيم، وسميت العبادة المخصوصة صلاة
لما فيها من تعظيم الربّ 0 والصلاة: اسمٌ وُضع مَوضع المصدر حتى
يقال: صليت صلاةَ، ولا يقال: صليت تصليةَ- وإن كان هو القياس.
وفي الشرع: الصلاة عبارة عن الأركان المعلومة، والأفعال
المخصوصة. وسببها: الوقت، وشرائطها وأركانها مذكورة في الفقه،
وحكمها: سقوط الواجب عن الذمة في الدنيا، وحصول الثواب في
العقبى، وحكمتها: تعظيم اللّه، يعني: بجميع الأركان والأعضاء
ظاهرِها وباطِنها تبرئا عن عبدة الأوثان قولا وفعلا وهيئةَ.
375- ص- (1) حدثنا عبد الله بنَ مسلمة، عن مالك، عنه عمّه
أبي سهيل بن مالك، عن أبيه، أنه سمع طلحة بنَ عُبَيدِ الله يقول: جَاءَ رجل
إلى رسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أهلِ نَجد، ثَائرَ الرأسِ يُسمَعُ دويُ صوتِه، ولا يُفقَهُ ما
يَقُولُ، حتى دنى فإذا هو يَسألُ عن الإسلام؟ فقالَ رسولُ اَلله: " خمسُ
صَلَواتِ في اليوم واللَّيلةِ " . قال: هل عَلىَّ غيرُهُنَّ؟ قال: (لا، إلا أن
تَطَّوَعَ " . قالَ: وذكر له رسولُ اللّه صيامَ رمضانَ (2) فقال: هل عليَّ غيرُه؟
__________
(1) في سنن أبي داود قبل هذا الحديث: " باب فرض الصلاة "
(2) في سنن أبى داود: " صيام شهر رمضان " .

(2/229)


قال: " لا، إلا أن تَطَّوَعَ " . قالَ: وذكر له رسولُ الله الصدقَةَ قالَ: لهل عَليَ
غيرُهَا؟ قال: " لا، إلا أن تَطَّوَّعَ " . قال: فأدبر الرَجلُ وهو يَقُولُ: والله لا
أزِيدُ على هذا ولا أنقُصُ، فقال رسولُ اللهِ: " أفلَحَ إن صَدقَ " (1) .
ش- مالك: ابن أنس بن مالك، وعمُه: أبُو لسُهَيل نافع بن مالك بن
أبي عامر الأصبحي، أَخو أنس وأُوَيس والربيع، حليف بني تميم.
سمع: أنس بن مالك، وأباه، وعمر بن عبد العزيز، والقاسم بن محمد
ابن أبي بكر، وسعيد بن المسيّب، وعلي بن الحسين. وروى عن:
عبد اللّه بن عُمر، وسهل بن سَعد. روى عنه: الزهري، ومالك بن
أنس، وإسماعيل ومحمد ابنا جَعفر، وعبد العزيز الدراورديّ،
وغيرهم 0 قال أحمد بن حنبل: هو من الثقات. روى له الجماعة (2) .
وأبوه (3) : مالك بن عامر، ويقال: ابن أبي عامر، وهو مالك بن
أبي حُمرة- بالحاء والراء المهملتين- أبو عطية الوداعي (4) الكوفي
الهمداني . سمع: عبد اللّه بن مَسعود وعائشة الصديقة. وقال ابن سَعد:
روى عن: عمر، وعثمان، وطلحة. روى عنه: خيثمة بن عبد الرحمن،
ومحمد بن سيرين، وعمارة بن عمير، والأعمش، وأبو إسحاق
السبيعي. قال ابن معين، وابن سَعد: هو ثقة، توفي في ولاية مُصعب
ابن الزبير على الكوفة. روى له الجماعة (5) .
قوله: " جاء رجل " هو ضمام (6) بن ثعلبة أخو بني سَعد بن بكر.
قوله: " من أهل نَجد " النجد: الناحية التي بين الحجاز والعراق،
ويقال: ما بَين العراق وبَين وَجرة وغمرة الطائف نجدٌ .
__________
(1) البخاري: كتاب الإيمان، باب: الزكاة من الإسلام (46) ، مسلم: كتاب
الإيمان، باب: الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام (8/11) ، النسائي:
كتاب الصلاة، باب: كم فرضت في اليوم والليلة (1/226) ، وكتاب الصوم
(4/120) ، وكتاب الإيمان (8/118) .
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (29/6368) .
(3) كذا ترجم المصنف لراو آخر، وأما صاحبنا وهو أبو مالك فهو مترجم في
تهذيب الكمال (27/5745) .
(4) كذا، وفي تهذيب الكمال " الوادعي " .
(5) المصدر السابق (34/7516) .
(6) بهامش الأصل كلمة غير مقروءة.

(2/230)


قوله: " ثائرَ الرأس " أي: قائم شعره، مُنتفِشُه. وقال ابن الأثير (1) :
" منتشر شعر الرأس قائمه، فحذف المضاف " .
قلت: مادته واويّة من ثار الغبارُ يثورُ ثورا، والثائر سَاعة ما يخرج من
التراب، ويجوز فيه الرفع على أنه صفة لرجل، ويجوز نَصبه على
الحال.
فإن قلت: إذا وقع الحال عن النكرة وجب تقديم الحال على ذي الحال
فكيف يكون هذا حالا؟ قلت: يجوز وقوع صاحبها نكرة من غير تأخيره
إذا اتصف بشيء كما في المبتدإ، نحو قوله تعالى: (يُفرَقُ كُلُّ أمرٍ
حَكِيمٍ * أمراً مَن عندنَا) (2) أو أضيف نحو: جاء غلام رجل قائما، أو
وقع بعد نفي كقولهَ تعَالى: (مَا أهلكنا مِن قَريَة إلا وَلَهَا كِتَابٌ معلُوم) (3)
وهنا- أيضاً- اتصف النكرة بقوله: " من أهلً نجد " فافهم.
قوله: " يُسمعُ دَوي/صوته ولا يُفقه ما يقولُ " . روي: " نسمع "
و " نفقه " . بالنون المفتوحة فيهما 0. وروي بالياء آخر الحروف المضمومة
فيهما على بناء المجهول؛ والأول أشهر وأكثر. و " دَوي " - بفتح الدال
وكسر الواو وتشديد الياء- بُعده في الهواء، وحكى صاحب " المطالع "
فيه ضم الدال- أيضَا-؛ والأول أشهر، ويشتق منه الفعل يقال: دَوّى
النحل تَدوِيةً إذا سمعت لهديره دويا، والمُدَوي: السحابُ ذو الرَّعد
المرتجس، والفقه: الفهمُ؛ قال تعالى: (يَفقَهُوا قَولِي) (4) أي:
حتى يفهموا.
فوله: " فإذا هو يسأل عن الإسلام " أي: عن أركان الإسلام؛ ولو كان
السؤال عن نفس الإسلام كان الجواب غير هذا؛ لأن الجَواب ينبغي أن
[ يكون ] مطابقا للسؤال، فلما أجاب النبي- عليه السلام- بقوله:
" خمس صلوات " عرف أن سؤاله عن أركان الإسلام وشرائعه، فأجاب
__________
(1) النهاية (1/229) .
(2) سورة الدخان: (4، 5) .
(3) سورة الحجر: (4) .
(4) سورة طه: (28) ، وذكرت في الأصل " حتى يفقهوا قولي " 0

(2/231)


مطابقا لسؤاله؛ لأن الصلوات الخمس وصيام رمضان وإيتاء الصدقة
المذكورة هاهنا ليست عَين الإسلام؛ وإنما هي أركان الإسلام وشرائعُه كما
ورد في حديث آخر: " بني الإسلام على خمس " الحديث؛ والمبنيّ غير
البني عليه. وقد تكلمت الناس في حقيقة الإسلام والإيمان؛ فقال
الزهري: الإسلام: الكلمة، والإيمان: العمل، واحتج بقوله تعالى:
(قَالَت الأعرَابُ آمنا قُل لَّم تُؤمنُوا وَلَكِن قُولُوا (1) أسلَمنَا) (2) . وقال
البغويَ: الإسلام: اسم لما ظَهر من الأعمال، والإيمان: اسم لما بطن
من الاعتقاد؛ لجوابه- عليه السلام- في سؤال جبريل عن الإيمان
والإسلام هكذا. وقال أصحابنا: الإيمان هو التصديق بوجود اللّه تعالى
وكمالاته وبملائكته وكتبه ورُسُله واليوم الآخر؛ قال اللّه تعالى: (اَمَنَ
الرَسُولُ بمَا أُنزِلَ إِلَيه مَن ربه) الآية (3) ، وقال النبي- عليه السلام-
حين سُئلَ عن الإيمانَ: " أنَ تؤمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله، واليوم
الآخر، والقدر خيره وشره من اللّه تعالى " والأعمال غير داخلة في ماهية
الإيمان؛ خلافا للأشعرية والمعتزلة والخوارج، والإيمان والإسلام
متلازمان، لا عبرة للتصديق بدون الانقياد للأوامر والنواهي، وكذا على
العكس. وأما قول النبي- عليه السلام-: " أن تشهد بأن لا إله إلا اللّه
وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة " الحديث، فالمراد به: شرائع الإسلام؛ لا
نفس ماهية الإسلام- كما ذكرنا-؛ لأن الفاسق مسلم عند أهل السنة.
وقال الشافعي: الإيمان: التصديق بالجنان، والإقرار باللسان، والعمل
بالأركان. ونقل ذلك عن عليّ- رضى اللّه عنه- (4) . وأما الإسلام:
فهو بمعنى الاستسلام- أي: الانقياد- لغة، وفي الشرع: الخضوع،
__________
(1) في الأصل: " قوالوا " .
(2) سورة الحجرات: (14) .
(3) سورة البقرة: (285) .
(4) ولا شك أن تعريف الإمام الشافعي للإيمان هو التعريف الذي يرتضيه أهل
العلم، ويعتقده أهل السنة والجماعة قاطبة، وانظر: العقيدة الطحاوية
(ص/332: 357) .

(2/232)


وقبول قول الرسول؛ فإن وجد معه اعتقاد وتصديق بالقلب فهو الإيمان،
وإلا فلا؛ فالإيمان أخصّ من الإسلام، وإطلاق أحدهما على الآخر جائز
بطريق التجوز.
قلنا: الإيمان هو التصديق باللّه، والإسلام: إما أن يكون مأخوذا من
التسليم؛ وهو تسليم العبد نفسه للّه، أو يكون مأخوذا من الاستسلام وهو
الانقياد. وكيف ما كان فهو راجع إلى ما ذكرنا من تصديقه بالقلب
واعتقاده أنه تعالى حالته لا شريك له.
وجواب آخر: قوله تعالى: (وَمَن يَبتَغ غَيرَ الإسلاَم دينا فَلَن يُقبَلَ
منهُ) (1) وقوله تعالى: (إِنَّ الدِّين عندَ الله الإِسلاَمُ) (2) بينَ أن دين اللّه
هَو الإسلام، وأن كل دين غير الإسَلامَ غير مقبول؛ والإيمان دين لا
محالة، فلو كان غير الإسلام لما كان مقبولاً؛ وليس كذلك.
وجواب آخر: لو كانا متغايرين لَتُصور أحدهما بدون الأخر، ولتُصور
مسلم ليس بمؤمن. والجواب عن الآية- أعني: قوله تعالى: (قَالَت
الأعرَابُ آمَنَّا) - أن المراد بـ " أسلمنا " : استَسلمنا أي: انقدنا، وسؤالَ
جبريل- عليه السلام- ما كان عن الإسلام؛ بل عن شرائع الإسلام.
قوله: " خمسُ صلوات " مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي: هو
خمس صلوات، ويجوز الجرّ؛ على أن يكون بدلا من الإسلام،
والنصب- أيضاً- على تقدير: خُذ أو هاك أو نحو ذلك. ثم هاهنا
محذوف تقديره: إقامة خمس صلوات؛ لأن غير الصلوات الخمس ليست
عَين الإسلام؛ بل إقامتها هي من شرائع الإسلام.
/قوله: " إلا أن تطوع " بتشديد الطاء؛ أصله: تتطوع، فأدغمت
إحدى التاءين في الطاء، وهذه قاعدةٌ: أن التاءين إذا اجتمعتا في باب
التفعل تدغم إحداهما في الأخرى طلبا للتخفيف. وقال ابن الصلاح:
محتمل للتشديد والتخفيف على الحذف، ثم الاستثناء فيه يجوز أن يكون
منقطعا بمعنى " لكن " ؛ والأصح أن يكون مُتصلا، ويستدل به على أن من
__________
(1) سورة اَل عمران: (85) .
(2) سورة آل عمران: (19) .

(2/233)


شرع في صلاة نفل أو صوم نفل وجب عليه إتمامُه، واستدلت الشافعية
بهذا أن الوتر غير واجب. والجواب عن هذا: أنه كان قبل وجوب الوتر
يدل أنه لم يذكر فيه الحًج، وسنتكلم على وجوبيّة الوتر في موضعه إن
شاء اللّه تعالى.
قوله: " وذكر له رسول الله الصدقة " المراد منها: الزكاة؛ كما في قوله
تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلفُقَرَاءِ) الآية (1) .
قوله: " فأدبر الر جل " أي: وَلَى.
قوله: " وهو يقول " جملة وقعت حالا عن الضمير الذي في " أدبر " .
قوله: " لا أزيد ولا أنقص " أي: لا أزيد على ما ذكرت ولا أنقص منه
شيئاً.
فإن قيل: كيف قال: " لا أزيد على هذا " وليس في هذا الحديث
جميع الواجبات، ولا المنهيات الشرعية، ولا السنن المندوبة؟ قلنا: قد
جاء في رواية البخاري في آخر هذا الحديث: قال: " فأخبره رسول الله
بشرائع الإسلام، فأدبر الرجل وهو يقولُ: لا أزيد ولا أنقص مما فرض
الله علي شيئاً " فعلى عموم قوله: " بشرائع الإسلام " وقوله: " مما
فرض الله " يزول الإشكال في الفرائض. وأما النوافل: فقيل: يحتمل
أن هذا كان قبل شرعها، وقيل: يحتمل أنه أراد أن لا أزيد في الفرض
بتغيير صفته؛ كأنه يقول: لا أصلي الظهر خمسَا، ويحتمل أنه أراد أنه لا
يصلي النافلة مع أنه لا يُخلُّ بشيء من الفرائض.
قوله: " أفلح إن صدق " أي: فاز وظفر بالنجاة إن صدق في قوله.
قيل: هذا الفلاح راجع إلى قوله: (ألا أنقص " خاصةَ.
قلت: الأظهر أنه عائد إلى المجموع، بمعنى أنه إذا لم يَزد ولم ينقص
كان مفلحا؛ لأنه أتى بما عليه، ومَن أتى بما عليه فهو مفلح، ينتج أن
هذا مفلح، وليس فيه أنه إذا أتى بزائد لا يكونُ مفلحا؛ لأنه يعرف
بالضرورة أن الذي يفلح بالواجب فبالندب أولى وأجدر.
__________
(1) سورة التوبة: (60) .

(2/234)


فإن قيل: لم يأت فيه ذكَر الحج، قلت: كان هذا قبل فرضية الحج؛
كما لم يذكر في بعض الأحاديث الصوم، ولم يذكر في بعضها الزكاة .
ويستفاد من هذا الحديث فوائد؛ الأولى: أن الصلاة ركن أركان
الإسلام.
الثانية: أنها خمس مرات في اليوم والليلة.
الثالثة: أن الصوم- أيضاً- ركن من أركان الإسلام؛ وهو في كل سنة
شهر واحد.
والرابعة: أن إيتاء الزكاة- أيضا- ركن من أركان الإسلام.
والخامسة: أن وجوب صلاة الليل منسوخ في حق الأمّة بالإجماع،
واختلف في حقه- عليه السلام-؛ والأصح نسخه.
والسادسة: أن صلاة العيد ليست بفريضة؛ خلافا لأبي سعيد
الإصطخري؛ فإنها فرض كفاية عنده.
والسابعة: أن صوم عاشوراء- ولا صومَ غيرِه- ليس بواجب،
واختلفوا أن صوم عاشوراء كان واجبا قبل رمضان أم لا؟ فعند الشافعي
في الأظهر: ما كان واجبا، وعند أبي حنيفة: كان واجبَا؛ وهو وجه
للشافعي.
والثامنة: أنه ليس في المال حق سوى الزكاة على من ملك نصابَا، وتم
عليه الحول.
التاسعة: أن من يأتي بهذه الخصال ويُواظِب عليها صار مفلحا بلا شك.
والعاشرة: أن السفر والارتحال من بلد إلى بلد لأجل تعلم علم الدين،
والسؤال عن الأكابر أمر مندوب محبوب.
376- ص- نا سليمان بن داود: نا إسماعيل بن جَعفر المَديني، عن
أبي سُهيل نافع بن مالك بن أبي عامر بإسناده بهذا الحديث قال: " أفلَحَ
وأبِيهِ إن صَدَقَ، دَخَلَ الجَنةَ وأبِيه إن صَدَقَ " (1) .
__________
(1) انظر الحديث السابق.

(2/235)


ش- سُليمان بن داود: أبو الرَّبيع الزهراني، وإسماعيل بن جَعفر:
ابن أبي كثير المدني الزرقي مولاهم.
قوله: " أفلح وَأبيه " الواو في " وأبيه " للقسم.
فإن قلت: قد نهى رسول اللّه- عليه السلام- أن يحلف الرجل بأبيه،
فكيف هذا؟ قلت (1) :/ليس هذا حَلفَا؛ إنما هو كلمة جرت عادة
العرب أن تُدخلها في كلامها غير قاصدة بَها حقيقة الحلِف؛ والنهي إنما
ورد فيمن قصد حقيقة الحلف لما فيه من إعظام المحلوف به، ومُضَاهاته
باللّه سبحانه وتعالى، وقد يقال: يحتمل أن يكون هذا قبل النهي عن
الحلف بغير اللّه تعالى، وقد يحتمل أن يكون- عليه السلام- أضمر فيه
اسم اللّه كاًن قال: " رب أبيه " ، وإنما نهاهم لأنهم لم يكونوا يضمرون
ذلك؛ وإنما مذهبهم التعظيم لآبائهم.
فإن قيل: لم قال: " إن صدق " ولم يقل: إذا صدق؟ قلت: لأن
صدقه أمر غير مجزوم، وأصل " إن " عدم جزم القائل بوقوع شرطها
ولا (1) وقوعه؛ بل تجويز كل منهما لكونه غير محقق الوقوع كما في
نحو: " إن تكرمني أكرمك " إذ لم يعلم القائل أيكرمه أم لا؟ وأصل " إذا "
الجزم بوقوع الشرط إما تحقيقا كما في: إذا طلعت الشمس، أو خطابيا
كقولك: إذا جاء مُحبّي، فإن مجيئه ليس قطعيّا تحقيقا كطلوع الشمس؛
بل تقديرا باعتبار خطابي- أي: ظني- وهو أنّ المُحبّ يَزورُ المُحِبّ.
والحديث أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي.
1- بَابُ: المَواقيت
أي: هذا باب في بيان مواقيت الصلاةَ؛ والمواقيت جمع وقت على
غير القياس، وفي الأصل جمع ميقات. وفي بعض النسخ: " باب ما
جاء في المواقيت " (2) ، وفي بعضها: " باب في المواقيت " . ولما كان
الوقت سببَا للصلاة قَدّمه عليها لتوقف صحتها على معرفة الوقت.
__________
(1) مكررة في الأصل.
(2) كما في سنن أبي داود.

(2/236)


377- ص- نا مسدد: نا يحيى، عن سفيان قال: حدثني عبد الرحمن
ابن فلان بن أبي ربيعة (1) ، عن حكيم بن حكيم، عن نافع بن جبير بن
مطعم، عن ابن عباس قال: قال رسولُ اللهِ: " أمَّنِي جبريلُ عندَ البيت مَرتينِ،
فصلَّى بِي الظُهرَ حينَ زالتِ الشمسُ، وكانت قَدرًا لشّرَاك، وصَلَى بي
العَصرَ حينَ كان ظلُّهُ مثلَه، وصلى بيَ المغربَ حين أفطرَ الصَائمُ، وصلًّى
بيَ العشَاءَ حين غَابً الَشَّفَقُ، وصَلَّى بي الفجرَ حين حَرُمَ الطعامُ والشرابُ
على الَصائِم، فلما كان الغَدُ صَلَى بيَ الظهرَ حين كان ظلُّهُ مثلَه، وصلَّى بي
العَصرَ حين كان ظلُّهُ مثلَيه، وصلَّى بيَ المغربَ حين أفطًرَ الصائمُ، وصفَى
بيَ العشاءَ إلى ثُلُثَ الليلِ، وصلَّى بيَ الفجرَ فأسفَر، ثم التفتَ إِليَّ فقال: يا
محمدُ! هذا وقتُ الأنبياءِ من قبلِكَ، والوقتُ ما بَين هذينِ الوَقتينِ " (2) .
ش- يحيى: ا لقطان، وسفيان: الثوري.
وعبد الرحمن بن الحارث بن عياش (3) بن أبي ربيعة؛ واسم أبي ربيعة:
عمرو بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي المدني أبو الحارث.
روى عن: حكيم بن حكيم، وعَمرو بن شعيب، وزيد بن علي بن
الحسين. روى عنه: الثوري، وسليمان بن بلال، وعبد العزيز بن
محمد، وغيرهم. قال ابن معين، وأبو حاتم: هو صالح. وقال ابن
سَعد: كان ثقةَ. ولد سنة ثمانين عام الجحاف (4) ، ومات سنة: ثلاث
وأربعين ومائة. روى له: الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه () .
وحكيم بن حكيم: ابن عباد بن حنيف بن واهب بن العكيم الأنصاري
الأوسي المديني . سمع: أبا أمامة بن سهل، ونافع بن جبير بن مطعم.
روى عنه: عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة، وسهيل بن
__________
(1) في سنن أبي داود بعد كلمة " ربيعة " : قال أبو داود: هو عبد الرحمن بن
الحارث بن عياش بن أبي ربيعة " .
(2) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في مواقيت الصلاة (149) .
(3) مكررة في الأصل.
(4) هو الطاعون الجارف الذي كان في تلك السنة، وهو سنة ثمانين.
(5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (1/37877) .

(2/237)


أبي صالح. قال ابن سعد: كان قليل الحديث ولا يحتجون بحديثه. وقد
روى عنه الكوفيون. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (1) .
ونافع بن جُبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف أبو. محمد، أو
أبو عبد الله القرشي النوفلي، كان ينزل دار أبيه بالمدينة، وبها مات سنة
تسع وتسعين. سمع: العباس بن عبد المطلب، وابنه: عبد اللّه،
وعليا، والزبير بن العوام، وأبا هريرة، وغيرهم. روى عنه: عروة بن
الزبير، وعمرو بن دينار، والزهري، وحكيم بن حكيم، وغيرهم.
قال أبو زرعة وأحمد بن عبد الله: ثقة. روى له الجماعة (2) .
قوله: " أمني جبريل " جبريل ملك ينزل بالوحي على الأنبياء، وأكثر
نزوله كان علَى نبتنا محمد- عليه السلام-، ومعنى " جبر " : عَبد،
و " إيل " : الله، ومعناه: عبد الله؛ وفيه تسع لغات حكاهن ابن
الأنباري: جبريل بفتح الجيم وكسرها- وجَبرئِل- بفتح الجيم وهمزة
مكسورة وتشديد اللام- وجبرائيل- بألفٍ وهمزة بعدها ياء- وجبراييل
- بيائين بعد الألف- وجبرئيل- بهمزة بعد الراء وياء بعد الهمزة
- وجبرئل- بكسر الهمزة وتخفيف اللام، وفتح الجيم والراء، وجبرين
بفتح الجيم وكسرها، وبدل اللام نون.
/قوله: " عند البيت " أي: بحضرة الكعبة، وأطلق البيت على الكعبة
بغلبة الاستعمال، كما أطلق النجم على الثريا، والصعِق على خويلد بن
نُفِيل بن عمرو بن كلاب.
قوله: " حين زالت الشمس " وزوالها: انحطاطها عن كبد السماء يسيرًا.
قوله: " وكانت قدر الشراك " الشراك: أحد سيور النعل التي تكون
على وجوهها؛ " (3) وقدره هاهنا ليس على معنى التحديد؛ ولكن زوال
الشمس لا يبينُ إلا بأقل ما يُرى من الظل وكان ح (4) بمكة هذا القدرُ،
__________
(1) المصدر السابق (7/1455)
(2) المصدر السابق (29/6359) .
(3) انظر: النهاية لابن الأثير (2/467- 468) .
(4) كذا، وهي بمعنى " حينئذ " .

(2/238)


والظل يَختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة؛ وإنما يتبين ذلك في مثل مكة من
البلاد التي يقِل فيها الظل، فإذا كان أطول النهار، واستوت الشمس فوق
الكعبة لم يُر لشيء من جوانبها ظل، فكل بلد يكون أقربَ إلى خط
الاستواء، ومعدّل النهار يكون الظل فيه أقصر، وكلما بَعد عنهما إلى
جهة الشمال يكون الظل فيه أطول " .
قوله: " حين كان ظله مثله " وفي بعض الرواية: " حين صار كل ظل
مثله " .
قوله: " حين غاب الشفق " وهو البياض المعترض في الأفق عند
أبي حنيفة، لأنه من أثر النهار. وبه قال زفر، وداود، والمزني،
واختاره المبرد والفراء، وهو قول أبي بكر الصديق، وعائشة،
وأبي هريرة، ومعاذ، وأبيٍّ ، وابن زبير، وعمر بن عبد العزيز،
والأوزاعي . وقال أبو يوسف، ومحمد: هو الحمرة. وهو قول مالك،
والشافعي، وأحمد، والثوري، وابن أبي ليلى، وإسحاق بن راهويه.
وروي ذلك عن ابن عمر، وابن عباس، وشداد بن أوس، وعبادة بن
الصامت، وحكِي عن مكحول وطاوس، وحكي عن أحمد: إنه البياض
في البنيان، والحمرة في الصحارَى. وقال بعضهم: الشفق: اسم
للحمرة والبياض معا؛ إلا أنه إنما يطلق في أحمر ليس بقانٍ ، وأبيض ليس
بناصع.
قوله: " حين حرم الطعام والشراب على الصائم " وهو أول طلوع الفجر
الثاني الصادق.
قوله: " حين كان ظله مثلَيه " وهذا آخر وقت الظهر عند أبي حنيفة؛
لأنه عنده إذا صار ظل كل شيء مثليه سوى في الزوال يخرج وقت الظهر،
ويدخل وقت العصر. وقال أبو يوسف، ومحمد: إذا صار ظل كل
شيء مثله يخرج وقت الظهر، ويدخل وقت العصر؛ وهو رواية الحسن
ابن زياد عنه. وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد، والثوري،
وإسحاق؛ ولكن قال الشافعي: آخر وقت العصر إذا صار ظل كل شيء
مثليه لمن ليس له عذر، وأما أصحاب العذر والضرورات فآخر وقتها لهم:
غروب الشمس، قبل أن يصلي منها ركعة.

(2/239)


ثم اعلم أن طريق معرفة الزوال أن يُنصب عود مُستو في أرض مُستوية،
فما دام ظل العُود في النقصان علم أن الشمس في الارتفاع لم نزل بعد،
وإن استوى الظلّ عُلم أنها حالة الزوال، فإذا أخذ الظل في الزيادة علم
أنها زالت، فيخط على رأس الزيادة، فيكون رأس الخط إلى العود في
الزوال، فإذا صار العُود مثليه من رأس الخط، لا من العُود خرج وقت
الطهر عند أبي حنيفة، وعندهما: إذا صار مثله من ذلك الخطِّ.
قوله: " وصلى بي المغربَ حين أفطر الصائم " يعني: حين غابت
الشمس، والإجماع على أن أول وقت المغرب: غروب الشمس.
واختلفوا في آخر وقتها؛ فقال مالك، والأوزاعي، والشافعي: لا وقت
للمغرب إلا وقت واحد. وفي كتب الشافعية: قال الشافعي: وقت
المغرب مقدر بمقدار وقوع فعلها فيه مع شروطها، حتى لو مضى ما يسع
فيه ذلك فقد انقضى الوقت. وقال أبو حنيفة وأصحابه: وقت المغرب:
من غروب الشمس إلى غروب الشفق. وبه قال أحمد، والثوري،
وإسحاق بن راهويه، والشافعي في " القديم " قال الثوري: هو
الصحيح، واختاره البغوي، والخطابيّ، والبيهقي، والغزالي. وعن
مالك ثلاث روايات؛ إحداها: كقولنا، والثانية: كقول الشافعي في
" الجديد " ، والثالثة: يبقى إلى طلوع الفجر؛ وهو قول عطاء، وطاوس.
قوله: " وصلى بي العشاء إلى ثلث الليل " يجوز أن يكون " إلى " هاهنا
بمعنى " في " أي: صلى في ثلث الليل؛ ومنه قوله تعالى: (لَيَجمَعَنَّكُم
إِلَى يَوم القيَامَة) (1) أي: في يوم القيامة؛ وهذا وقت استحباب؛ أما
وقت الجوازَ:َ ما لم يطلع الفجر. وقال الشافعي/، ومالك، وأحمد:
هو وقت الضرورة، والوقت المختار إلى ثلث الليل. وقولنا مروي عن
ابن عباس، وإليه ذهب عطاء، وطاوس، وعكرمة.
قوله: " وصلى بي الفجر فأسفر " أي: نَوّرَ. ولا خلاف في أول وقت
الفجر، وأما آخره: فعند أبي حنيفة وأصحابه: ما لم تطلع الشمس.
__________
(1) سورة النساء: (87) .

(2/240)


وقال الشافعي: إلى الإسفار لأصحاب الرفاهية ولمن لا عذر له. وقال:
من صلى ركعةَ من الصبح قبل طلوع الشمس لم يفته الصبح، وهذا في
أصحاب العُذر والضرورات. وقال مالك، وأحمد، وإسحاق بن
راهويه: من صلى ركعة من الصبح وطلعت الشمس أضاف إليها أخرى
وقد أدرك الصبح.
قوله: " هذا وقت الأنبياء من قبلك " هذا يدل على أن الأنبياء عليهم
السلام كانوا يصلون في هذه الأوقات؛ ولكن لا يلزم أن يكون قد صلى
كل منهم في جميع هذه الأوقات، والمعنى: إن صلاتهم كانت في هذه
الأوقات.
قوله: " والوقت " : مبتدأ، وخبره: قوله: " ما بَين هذين الوقتين "،
والإشارة إلى وقتي اليوم الأول واليوم الثاني الذي أم فيهما جبريلُ النبيَّ
- عليه السلام-.
فإن قيل: هذا يقتضي أن لا يكون الأول والآخر وقتا لها. قلت: لما
صلى في أول الوقت وآخره وجد البيان منه فعلا، وبقي الاحتياج إلى بيان
ما بين الأول والآخر فبين بالقول.
وجواب آخرُ: أن هذا بيان للوقت المستحبّ؛ إذ الأداء في أول الوقت
ممّا يتعسر على الناس، ويؤدي- أيضاً- إلى تقليل الجماعة، وفي التأخير
إلى آخر الوقت حسن الفوات، فكان المستحب ما بينهما مع قوله- عليه
السلام-: " خير الأمور أوساطها " (1) .
وهذا الحديث هو العمدة في هذا الباب؛ " (2) رواه جماعة من
الصحابة، منهم: ابن عباس، وجابر بن عبد اللّه، وأبو مسعود، وأبو هريرة،
وعمرو بن حزم، وأبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وابن عمر .
أما حديث ابن عباس: فهذا الذي أخرجه أبو داود، وأخرجه- أيضاً-
__________
(1) أخرجه البيهقي في سننه الكبرى (3/273) من حديث كنانة بن نعيم، وقال:
هذا منقطع.
(2) انظر: نصب الراية (1/221: 226) .
16* شرح سنن أبى داوود 2

(2/241)


الترمذي. وقال: حديث حسن. ورواه ابن حبان في " صحيحه "
والحاكم في " المستدرك " (1) . وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه،
وعبد الرحمن بن الحارث تكلم فيه أحمد وقال: متروك الحديث، ولينه
النسائي، وابن معين، وأبو حاتم الرازي، ووثقه ابن سَعد، وابن
حبان. قال في " الإمام " : ورواه أبو بكر بن خزيمة (2) في
" صحيح " (3) . وقال ابن عبد البر في " التمهيد " : وقد تكلم بعض الناس
في حديث ابن عباس هذا بكلام لا وجه له ورواته كلهم مشهورون بالعلم.
وقد أخرجه عبد الرزاق عن الثوري، وابن أبي سَبرة، عن عبد الرحمن
ابن الحارث بإسناده. وأخرجه- أيضاً- عن العمري، عن عمر بن نافع
ابن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن ابن عباس نحوه.
وأما حديث جابِر: فرواه الترمذي، والنسائي. وقال البخاري:
حديث جابر أصح شيء في المواقيت. ورواه ابن حبان في " صحيحه "
والحاكم في " مُستدركه " (4) .
وأما حديث أبي مسعود: فرواه إسحاق بن راهويه في " مسنده " .
وأما حديث أبي هريرة: فرواه البزار في " مصُنفه " . ورواه الحاكم في
" المستدرك " (5) . وقال: صحيح على شرط مسلم.
وأما حديث عمرو بن حزم: فرواه عبد الرزاق في " مُصنفه " وإسحاق
ابن راهويه في " مسنده " .
__________
(1) (1/193) . وأخرجه كذلك أحمد (1/333) ، والدارقطني (1/258) ،
والبيهقي (1/364) .
(2) في الأصل: " أبو بكر بن أبي خزيمة " خطأ.
(3) (1/168) كتاب الصلاة، باب: ذكر مواقيت الصلاة.
(4) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في المواقيت (150) ، النسائي:
كتاب المواقيت، باب: أول وقت العشاء (1/263) ، الحاكم (1/196) ،
والبيهقي (1/368) .
(5) (1/194) ، ورواه النسائي (1/249) ، والدارقطني (1/261) ، والبيهقي
(1/369) .

(2/242)


وأما حديث الخدري: فرواه أحمد في " مسنده " (1) . ورواه الطحاوي
في " شرح الآثار " (2) .
وأما حديث أنس: فرواه الدارقطني في " سننه " (3) .
وأما حديث ابن عُمر: فرواه الدارقطني (4) - أيضا- وسنذكر بَعضها
عن قريب إن شاء اللّه تعالى، وفي هذا القدر كفايةٌ لمن له إلمامٌ بالحديث،
ومَن لم يَعتن به لم يُفِده ولو رويتُ المسَانيدَ والسَنن كلها.
378- ص- نا محمد بن سَلمة المُراديُ: نا ابن وهب، عن أسامة بن
زيد الليثي أن ابن شهاب أخبره، أن عمر بن عبد العزيز كان قاعدا على
المنبر فأخر العصر شيئاً فقال له عروة بن الزبير: أما إن جبريل- عليه
السلام- قد أخبر محمدا- عليه السلامِ- بوقت الصلاة، فقال له عُمر:
اعلم ما تقول، فقال له عروةُ: سمِعتُ بشيرَ بن أبي مَسعود يقولُ: سمعتُ
أبا مسعود الأنصاريَّ يقولُ: سمعتُ رسولَ الله يقولُ: " نزلَ جبريلُ- عليه
السلام- فا " خبرَني بوقت/الصلاة، فصليت معه، ثم صليتُ معه، ثمِ
صليتُ معه، ثم صَليتَُ معه، ثم صَليتُ معه " يَحسُبُ بأصابعه خمس
صَلَوات، فرأيتُ رسولَ الله صَلى الظهرَ حين تزولُ الشمسُ، ورَبَّما أخّرَهَا
حين يَشًتدَ الحرُ، ورأيتُه يصلِّي العَصرَ والشمسُ مُرتفعةٌ بيضاءُ قبل أن
تدخلها الصَفراءُ، فيَنصَرِفُ الرجلُ من الصلاة، فيأتيَ ذا الحُلَيفَة قبل غرِوب
الشمسِ، ويُصلِّي المغربَ حين تَسقطُ الشمس، ويُصلِّي العِشَاء حين يسوَدُ
الأفُقُ، وربما أخّرَهَا حتى يَجتمعَ الناسُ، وصلَى الصبحَ مرةً بِغَلَس، ثم
صَلَّى مرةً أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاتُهُ بعدَ ذلكَ التَغلِيسَ حتى مًاتَ،
لم يَعُد إلى أن يُسفِرَ (5) .
__________
(1) (3/30) .
(2) (1/88) .
(3) (1/260) .
(4) (1/259) ، وإلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.
(5) البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب: مواقيت الصلاة وفضلها (521) ،
مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: أوقات الصلاة الخمس 166
(608) ، النسائي: كتاب المواقيت، باب: أخبرنا قتيبة (1/245) ، ابن
ماجه: كتاب الصلاة، باب: مواقيت الصلاة (688) .

(2/243)


ش- ابن وهب: عبد اللّه، وابن شهاب: الزهري.
وعمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أميّة بن
عبد شمس القرشي الأموي، أبو حفص، الإمام العادل، والخليفة
الراشد، أمه: أم عاصم حفصة بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، ولي
الخلافة بعد ابن عمه: سليمان بن عبد الملك، وكان من أئمة العدل،
وأهل الدين والفضل، وكانت ولايته مثل ولاية أبي بكر الصديق: تسعة
وعشرين شهراً. سمع أنس بن مالك، وصلى أنس خلفه. وقال: ما
رأيت أحداٌ أشبه صلاة برسول اللّه من هذا الفتى. وسمع السائب بن
يزيد. وروى عن: خولة بنت حكيم. وسمع من: عروة بن الزبير،
وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، والربيع بن سبرة،
والزهري، وابن المسيب، وغيرهم. روى عنه: أبو سلمة، والزهري،
وحُميد الطويل، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وجماعة آخرون. قال
الثوري: الخلفاء خمسة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعمر
ابن عبد العزيز. توفي سنة إحدى ومائة، وهو ابن تسع وثلاثين سنةَ
وستة أشهر، وكانت وفاته بدير سمعان، وقبره هناك. روى له
الجماعة (1)
وعروة: ابن الزبير بن العوام.
وبَشير بن أبي مَسعود- عقبة- بن عمرو البَدري الأنصاري، قيل: إنه
صحب النبي- عليه السلام- ولا يَثبُت سماعُه منه 0 روى عن: أبيه.
روى عنه: عروة بن الزبير، ويونس بن مَيسرة، وهلال بن جبر. روى
له البخاري، ومسلم، وابن ماجه (2) .
وأبو مَسعود: عقبة بن عَمرو بن ثعلبة البَدري، وقد ذكرناه.
قوله: " اعلم ما تقول " بجزم الميم على الأمر؛ وإنما أنكر عروةُ على
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (21/4277) .
(2) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (1/153) ، أسد الغابة
(1/233) ، الإصابة (1/168) .

(2/244)


عمر بن عبد العزيز محتجا بحديث أبي مسعود الأنصاري، وأما تأخيره
هو فلكونه لم يبلغه الحديث، أو كان يرى بجواز التأخير ما لم يخرج
الوقت كما هو مذهب الجمهور .
قوله: " يَحسُبُ بأصابعه " جملة وقعت حالا من الضمير الذي في
" يقول، وقد مر غير مرة أن الجملة الفعلية الضارعة المثبتة إذا وقعت حالا لا
تحتاج إلى الواو.
قوله: " قبل أن تدخلها الصَّفراءُ " أي: قبل أن تصفرَّ وتتضيف
للغروب . ومن هذا قالت أصحابنا: يكره تأخير العَصر إلى اصفرار
الشمسِ.
قوله: " فيأتي ذا الحليفة " ذو الحليفة هذا ميقات أهل المدينة، بينه وبن
المدينة ستّة أميال أو سَبعة، وهو ماء من مياه بني جُشم. وأما ذو الحليفة
الذي في حديث رافع بن خديج- رضي اللّه عنه- قال: " كنا مع النبي
- عليه السلام- بذي الحليفة من تهامة فأصَبنا نَهب إبل " فهي نحو ذات
عرق.
قوله: " ويُصلي المغرب حِين تَسقط الشمسُ " أي: حين تقع للغروب.
قوله: " ويُصلي العشاء حين يَسوَدُّ الأفق " والمعنى: حين يغيب الشفق،
لأن الشفق إذا غاب اسود الأفق.
قوله: " بغَلسٍ " الغلس: ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح :
وليس المراد منه: قبل طلوع الفجر الصادق؛ بل المراد أنه كان صلى
الصبح في أول وقته، وهو طلوع الفجر الصادق، وهذا الوقت يكون
غلسَا؛ لأن النور لا ينتشر فيه جدا. والحديث أخرجه البخاري،
ومسلم، والنسائي، وابن ماجه بنحوه، ولم يذكروا رؤيته لصلاة
رسول اللّه. قال الشيخ زكي الدين: وهذه الزيادة في قضية الإسفار
رواتها عن آخرهم ثقات، والزيادة من الثقة مقبولة.

(2/245)


فلتُ: فيهم أسامة بن زيد وهو متكلم فيه، وسنوضح الكلام في " باب
وقت الصبح " .
ص- قال أبو داود: روى هذا الحديث عن الزهري: معمر، ومالك،
وابن عُيَينة، وشعيب بن أبي حمزة، والليث بن سَعد، وغيرهم؛ لم يذكروا
الوقتَ/الذي صلى فيه ولم يُفَسروه.
ش- أي: روى الحديث المذكور عن محمد بن مسلم الزهري: معمر
ابن راشد، ومالك بن أنس، وسفيان بن عُيَينة، وشعيب بن أبي حمزة
القرشي الحمصي. ورواه ابن حبان في " صحيحه " عن ابن خزيمة بسنده
عن أسامة به، قال ابن حبان: " لم يُسفر النبي- عليه السلام- بالفجر
إلا مرةَ واحدةَ " ، وستأتي الأحاديث التي وردت في الإسناد.
ص- وكذلك- أيضاً- رواه هشام بن عروة، وحبيب بن أبي مرزوق،
عن عروة نحو رواية معمر وأصحابه؛ إلا أن حبيبا لم يذكر بشيرا.
ش- أي: كذلك روى هذا الحديث هشام بن عروة بن الزبير، وحبيب
ابن أبي مرزوق، عن عروة كرواية معمر بن راشد وأصحابه المذكورين؛
إلا أن حبيب بن أبي مرزوق لم يذكر بشير بن أبي مَسعود.
وحبيب بن أبي مرزوق الرقي سمع: نافعا مولى ابن عمر، وعطاء بن
أبي رباح، وعروة بن الزبير روى عنه: جَعفر بن برقان، وأبو المليح.
قال أحمد بن حنبل: ما أرى به بأسَا. وقال ابن معين: مشهور. وقال
هلال بن العلاء: شيخ صالح، بلغني أنه اشترى نفسه من الله عز وجل
ثلاث مرات. روى له: الترمذي، والنسائي (1) .
ص- وروى وهب بن كيسان، عن جابر، عن النبي- عليه السلام-:
وقت المغرب قال: ثم جاءه للمغرب حين غابت الشمسُ- يعني: من
الغد- وقتا واحداً.
شَ- الذي رواه وهبُ بن كيسان: " (2) أخرجه الترمذي (3) ،-
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (5/1098) .
(2) انظر: نصب الراية (1/222- 223) .
(3) (150) .

(2/246)


والنسائي (1) - واللفظ له- من طريق ابن المبارك، عن حسين بن علي
ابن الحسين: حدثني وهبُ بن كيسان، عن جابر بن عبد اللّه قال: جاء
جبريلُ إلى النبي- عليهما السلامُ- حيهما مَالتِ الشمسُ فقال: " قم يا
محمدُ فصلِّ الظهرَ " حين مالت الشمسُ، ثم مكث حتى إذا كان فيءُ
الرَّجُلِ مثله جاءه للعَصر فقال: " قم يا محمد فَصَلِّ العصرَ " ثم مكث
حتى إذا غابت الشمس جاءه فقال: " قم فصل المغربَ " فقامَ فصلاها
حين غابت الشمسُ سواءَ، ثم مكث حتى إذا غاب الشفقُ جاءه فقال:
" قم فصَل العشاءَ " فقامَ فصلاَّها، ثم جاءه حين سَطعَ الفجرُ بالصُّبح
فقال: " قم يا محمدُ فصَلِّ الصُّبحَ " ثم جاءه من الغد حين كان فيءُ
الرَّجُل مثله، فقال: " قم يا محمد فصَل " فصَلَّى الظهرَ، ثم جاءه حين
كان فيء الرجل مثلَيه فقال: قم يا محمد فصَلِّ " فصلى العَصرَ، ثم جاءه
للمغرب حين غابت الشمس وقتا واحدَا لم يزل عنه فقال: " قم يا محمد
فصَل " فصلى الغربَ، ثم جاءه للعشاء حين ذهب ثلثُ الليل الأول فقال:
" قم يا محمدُ فصل " فصلى العشاء، ثم جاءه للصبح حين أسفر جدًا
فقال: " قم يا محمد فصل " فصلى الصبح، ثم قال: " ما بَين هذين
وقتٌ كله ". قال الترمذي: قال محمد- يعني: البخاري-: حديث
جابر أصح شيء في المواقيت. قال: وفي الباب عن أبي هريرة،
وبريده وبي موسى، وأبي مسعود، وأبي سعيد، وجابر، وعمرو
ابن حزم، والبراء، وأنس.
وقال ابن القطان في كتابه: هذا الحديث يجب أن يكون مُرسلا؛ لأن
جابرا لم يذكر مَن حَدّثه بذلك، وجابرٌ لم يُشاهد ذلك صَبيحة الإسراء
لما عُلم أنه أنصاريّ؛ إنما صحب بالمدينة؛ ولا يلزم ذلك في حديث
أَبي هريرة وابن عباس؛ فإنهمَا رويا إمامة جبريل من قول النبي- عليه
السلام-، وقال في " الإمام " : هذا إرسالٌ غير ضارّ، فيَبعدُ أن يكون
جابرٌ قد سمعه من تابعي غير صحابيّ " (3) .
__________
(1) (1/263) .
(2) في الأصل: " بريرة " .
(3) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية .

(2/247)


واستدل الشافعي بهذا الحديث على أن وقت المغرب وقت واحدٌ ، وهو
عقيب غروب الشمس بقدر ما يتطهر، ويستر عورته، ويؤذن ويقيم؛ فإن
أخّر الدخول في الصلاة عن هذا الوقت أثم وصارَت قضاء، والمحققون
من أصحابه رجحوا قولنَا.
وقال الشيخ محيي الدين (1) : " وهو الصحيح كما ذكرناه. والجواب
عن هذا من ثلاثة أوجه؛ الأول: أنه اقتصر على بيان وقت الاختيار،
ولم يستَوعب وقت الجواز؛ وهذا جار في كل الصلوات سوى الظهر،
والثاني: أن هذا متقدم في أول الأمر بمكة؛ والأحاديث التي وردت بامتداد
وقت المغرب إلى غروب الشفق متأخرةٌ في أواخر الأمر/بالمدينة، فوجب
اعتمادها، والثالث: أن الأحاديث التي وردت بامتداد وقت المغرب إلى
غروب الشفق أصح إسنادًا من هذا الحديث فوجب تقديمها " .
وتلك الأحَاديث هي: قوله- عليه السلام-: " فإذا صليتم المغرب
فإنه وقت إلى أن يَسقط الشفق " وفي رواية: " وقت المغرب: ما لم يَسقط
ثور الشفق " وفي رواية: " ما لم يغب الشفق " وفي رواية: " ما لم
يسقط الشفق " وكل هذه في " صحيح مسلم ".
ووهب بن كيسان: أبو نعيم المدني القرشي مولاهم مولى آل الزبير بن
العوام. سمع: جابر بن عبد اللّه، وعمر بن أبي سلمة، وعُبَيد بن
عُمير. وروى عن: ابن الزبير، وابن الزبير. روى عنه: عبد اللّه،
وعبيد اللّه ابنا عمر العمريّان، وهشام بن عروة، وابن عجلان، ومالك
ابن أنس، وأيّوب السختياني، وغيرهم. وروى عنه ابنه قال: رأيت
سَعد بن أبي وقاص . توفي سنة سبع وعشرين ومائة. قال ابن سَعد:
كان ثقة. روى له الجماعة (2) .
ص- وكذلك رُوي عن أبي هريرة، عن النبي- عليه السلام- قال: ثم
صلى المغرب- يعني: من الغد- بوقت واحدٍ (3) .
__________
(1) شرح صحيح مسلم (5/111) .
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (31/6765) .
(3) في سنن أبي داود: " وقتا واحدا " .

(2/248)


ش- الذي رُوِيَ عن أبي هريرة: أخرجه البزار في " مُسنده " : حدثنا
إبراهيم بن نصر أبو نعيم: ثنا عمر بن عبد الرحمن بن أسيد، عن محمد
ابن عمار بن سَعد، أنه سمع أبا هريرة يذكر أن رسول اللّه- عليه السلام-
حدثهم أن جبريل- عليه السلام- جاءه فصلى به الصلوات وقتين وقتين
إلا الغرب، الحديث.
وأخرجه النسائي- أيضاًَ- في " سُننه " : أخبرنا الحُسين بن حريث
أبُو عمار: ثنا الفضل بن موسى، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة،
عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " هذا جبريل- عليه السلام-
جاءكم يعلمكم دينكم، فصلى الصبح حين طلع الفجرُ، وصلى الظهر
حين زاغت الشمس، ثم صلى العصر حين رأى الظل مثله، ثم صلى
المغرب حين غربت الشمس وحل فطر الصائم، ثم صلى العشاء حين
ذهب شفق الليل، ثم جاءه الغد فصلى به الصبح حين أسفر قليلا، ثم
صلى به الظهر حين كان الظل مثله، ثم صلى العَصر حين كان الظل
مثليه، ثم صلى المغرب بوقتٍ واحدٍ حين غربت الشمس وحَلّ فطر
الصائم، ثم صلى العشاء حين ذهب ساعة من الليل " ، ثم قال:
" الصلاة ما بين صلاتك أمسِ وصلاتك اليَوم " .
ورواهُ الحاكم كذلك في " المستدرك " وقال: صحيح على شرط مسلم.
ص- وكذلك رُوي عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص من حديث حسان
ابن عطية، عن عمرو بن شُعَيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي- عليه
السلام-.
ش- أي: كذلك رُوي من حديث حسان بن عطية الشامي، عن عمرو
ابن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، عبد (1) اللّه بن عمرو بن العاص،
عن النبي- عليه السلام- قال: " ثم صلى الغرب- يعني: من الغد-
بوقت واحد " .
379- ص- نا مسدد: نا عبدُ اللّه بن داود، عن بدر بن عثمان: نا
__________
(1) في الأصل: " عن عبد الله بن عمرو " خطأ.

(2/249)


أبو بكر بن أبي موسى، عن أبي موسى، أن سَائلاَ سأل النبيَّ- عليه السلام-
فلم يَردَ عليه شيئاً، حتى أمَرَ بلالاً فأقام الفجرَ حين انشق الفجرُ، فصلَى
حين كان الرجلُ لا يعرف وَجه صاحبه، أو إن الرجلَ لا يَعرفُ مَن إلى
جنبه، ثم أمَرَ بلالا فأقامَ الظهرَ حًين زالت الشمسُ، حتى قالَ القائِلُ:
انتصًفَ النهارُ- وهو أعلَمُ- ثمِ أمر بلالا فأقام العصرَ والشمسُ بيضاءُ
مُرتفعة، وأمرَ بلالا فأقامَ المغرب حين غابت الشمسُ، وأمر بلالا فأقام
العشاءَ حين غَابَ الشفقُ، فلما كان من الغَد صًلَى الفجرَ فانصرفَ فقلنا:
طلَعت (1) الشمسُ؟ فأقامَ الظهرَ في وقت الَعصرِ الذي كان قبله، وصلى
العصرً وقد اصفرت الشمسُ- أو قال: أَمَسى- وصلَّى المغربَ قبلَ أن
يغيبَ الشفقُ، وصَلًى العشاءَ إلى ثُلُث الليلِ، ثم قالَ: " أينَ السائلُ عن
وقتِ الصلاةِ؟ الوقتُ فيمَا بين هذينِ " (2) .
ش- عبد اللّه بن داود: الخُرَيبي البصري.
وبدر بن عثمان: القرشي الأموي (3) مولى عثمان بن عفان. روى
عن: الشعبي، وعكرمة، وأبي بكر بن أبي موسى. روى عنه: وكيع،
وأبو نعيم، وعبد اللّه بن داود الخُرَيبِي، وعثمان بن سعيد بن مرة. قال
ابن معين: ثقة. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي (4) .
/وأبو بكر بن أبي مُوسى هو ابن أبي مُوسى الأشعري. روى عن:
أبيه، وابن عباس، وعنه: أبو حمزة، وغيره. روى له الجماعة (5) .
وأبو موسى هو: عبد الله بن قَيس الأشعري.
__________
(1) في سنن أبي داود: " وانصرف، فقلنا: أطلعت " .
(2) مسلم: كتاب المساجد، باب: أوقات الصلوات الخمس (613) ، النسائي:
كتاب الصلاة، باب: آخر وقت المغرب (1/260) .
(3) في الأصل: " الأمواي " .
(4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (4/645) .
(5) المصدر السابق (33/7256) .

(2/250)


قوله: " لم يردّ عليه شيئا " أي: لم يرد جواباً ببيان الأوقات باللفظ؛ بل
قال له: صل معنا لتَعرف ذلك، ويحصل لك البيان بالفعل، واستدلّ به
من يَرى تأخير البيان إلى وقت الحاجة؛ وهو مذهب جمهور الأصوليين.
قوله: " حين كان الرجل لا يَعرفُ [ وجه ] صاحبه " معناه: أنه صَلى
في الغلس في أول الوقت؛ بدليل قوله: " حين انَشَق الفجر " . أي:
الفجر الصادق؛ لأن الفجر الكاذب من الليل من وقت العشاء والإفطار.
قوله: " مَن إلى جَنبه " كلمة " إلى " في مثل هذا الموضع للمعية
والمصاحبة؛ والمعنى: مَن بجنبه أو مع جَنبه، والحاصل: لا يعرف
مُصاحب جَنبِه مَن هو؟
قوله: " حَتى قال القائل " وفي رواية: " حِين قال القائل " والأول
أصح.
قوله: " وهو أعلم " جملة اسميّة وقعت حالا إما من الضمير الذي في
" فأقام الظهر " أو من الضمير الذي في " أمر بلالا " وهذا أوجه .
قوله: " وقد اصفرت الشمسُ " " الواو " فيه للحال، والمراد منه: وقد
أخذت في الاصفرار ولم يتغيّر قرصها؛ لأن تأخيرها إلى تغير القرص
مكروه لما رُوي " ذلك (1) صلاة المنافقين " 0 وتغير القرص هو أن يصير
بحال لاتحارُ فيه الأعين؛ وهو الصحيح. واعتبر سفيان وإبراهيم النخعي
تغيّر الضوء الذي يبقى على الجدران. ويقال: إذا بَقِيت الشمس للغروب
قدر رمح أو رمحن لم يتغيّر، وإذا صارت أقل من ذلك فقد تغيّر.
ويقال: يُوضعُ في الصحراء طست ماءٍ ويُنظر فيه فإن كان القرص لا يبدُو
للناظر فقد تغيّر.
قوله: " أو قال: أمسى " شك من الراوي أي: أمسى الوقت أي: دخل
في المَساء؛ وهو- أيضاً- عبارة عن تأخيره العصر إلى قريب الاصفرار.
__________
(1) كذا، والحديث بلفظ: " تلك " ويأتي برقم (397) 0

(2/251)


قوله: " إلى ثلث الليل " قد مر الكلام فيه عن قريب .
قوله: " الوقتُ " مبتدأ، وخبره قوله: " فيما بَين هذَين " أي. هذين
الوقتين أعني: وقت اليوم الأول ووقت اليوم الثاني، وقد بيّن- عليه
السلام- بفعله أول الوقت وآخره وبقوله: " ما بَينهما " . والحديث
أخرجه: مَسلمَ، والنسائي.
ص- قال أبو داود: رواه سليمان بن موسى، عن عطاء، عن جابر، عن
النبي- عليه السلام- في المغرب بنحو هذا قال: " ثم صلَّى العشاءَ " . قال
بعضهم: " إلى ثُلُثِ الليلِ " ، وقال بعضهم: " إلى شَطرِه " .
ش- أي: روى هذا الحديث سُلَيمان بن موسى، عن عطاء بن أبي رباح،
عن جابر- رصي اللّه عنه- عن النبي- عليه السلام- في المغرب بنحو
هذا. وأخرجه أحيد في " مسنده " : ثنا عبد اللّه بن الحارث قال:
حدثني ثور بن يزيد، عن سليمان بن مُوسى، عن عطاء بن أبي رباح،
عن جابر بن عبد اللّه قال: سال رجل رسول اللّه عن وقت الصلاة فقال:
" صلِّ معي " فصلى رسول الله الصبح حين طلع الفجر، ثم صلى الظهر
حين زاغت الشمس، ثم صلى العَصر حين كان فَيءُ الإنسانِ مثله، ثم
صلى المغرب حين وجبت الشمس، ثم صلى العشاء بَعد غيبوبة الشفق،
ثم صلى الظهر حين كان فَيءُ الإنسان مثلَه، ثم صلى العَصر حين كان
فَيءُ الإنسان مثلَيه، ثم صلى المغرب قبل غيبوبة الشفق، ثم صلى
العشاء، فقال بعضهم: ثلث الليل. وقال بعضهم: شطره. انتهى.
أي: نصفه وشطر الشيء: نصفُه.
وقال الطحاوي في " شرح الاَثار " (1) كلاما حسنا مُلخصه: أنه قال:
يظهر من مجموع الأحاديث أن آخر وقت العشاء إلى حين يطلع الفجر؛
وذلك أن ابن عباس، وأبا موسى، والخدريّ. رووا أن النبي- عليه
السلام- أخرها إلى ثلث الليل، وروى أبو هريرة، وأنس أنه أخرها حتى
انتصف الليل. وروى ابن عمر أنه أخرها حتى ذهب ثلث الليل، وروت
__________
(1) (1/93) ، وانظر: كذلك في: نصب الراية (1/234- 235) .

(2/252)


عائشة أنه أعتم بها حتى ذهب عامة الليل؛ وكل هذه الروايات في
" الصحيح " . قال: فثبت بهذا أن الليل كله وقت لها. ولكنه على أوقات
ثلاثة: فأما من حين يدخل وقتها إلى أن يَمضي ثلث الليل: فأفضل وقت
صليت فيه، وأما بعد ذلك إلى أن يتم نصف الليل: ففي الفضل دون
ذلك، وأما بعد نصف الليل فدونه، ثم ساق بسنده، عن نافع بن جُبير
قال: كتب عمر إلى أبي مُوسى: " وَصِّل العشاء أيُّ الليل شئت ولا
تغفلها " .
/ولمسلم في قصة التَّعريس (1) ، عن أبي قتادة أن النبي- عليه
السلام- قال: " ليس في النوم تفريط؛ إنما التفريط أن يؤخر صلاة حتى
يدخل وقت الأخرى " ؛ فدل على بقاء الأولى إلى أن يدخل وقت
الأخرى؛ وهو طلوع الفجر الثاني " (2) .
وسليمان بن موسى: أبو أيوب الدمشقي الأسدي الأشدق. ويقال:
أبو الربيع، مولى لآل أبي سفيان، فقيه أهل الشام. سمع: عطاء بن
أبي رباح، ونافعا مولى ابن عمر، ونافع بن جبير، وكريبا مولى ابن
عباس، وعبيد بن جريح، والزهري، وغيرهم. روى عنه: الأوزاعي،
وابن جريح، وزيد بن واقد، وجماعة آخرون. قال ابن دحيم: أوثق
أصحاب مكحول: سليمان بن موسى 0 وسئل ابن معين عنه: ما حاله
في الزهري؟ فقال: ثقة. وقال ابن جريج: كان سُليمان يُفتي في
العُضَل، وكان عنده مناكير. وقال ابن عدي: روى أحاديث ينفرد بها لا
يرويها غيرُه، وهو عندي ثبت صدوق. قيل: مات سنة تسع عشرة
ومائة. روى له الجماعة إلا البخاري (3) .
ص- وكذلك رواه ابنُ بُريدة، عَن أبيه، عن النبي- عليه السلام-.
__________
(1) قطعة من حديث طويل أخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة،
باب: قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها (681 / 311) .
(2) إلى هنا انتهى الحقل من نصب الراية.
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (12/2571) .

(2/253)


ش- أي: كذلك روى سُليمان بن بُرَيدة بن الحصيب الأسلمي،
وأخرج روايته مُسلم في " صحيحه " (1) أن رجلا أتى النبي- عليه
السلام- يسأله عن مواقيت الصلاة فقال: " اشهد معنا الصلاة " فأمر بلالا
فأذّن بغلسٍ فصلى الصبح حين طلع الفجر، ثم أمره بالظهر حين زالت
الشمس عن بطن السماء، ثم أمره بالعَصر والشمس مرتفعة، ثم أمره
بالمغرب حين وجبت الشمس، ثم أمره بالعشاء حين وقع الشفق، ثم
أمره الغَدَ فنوَر بالصبح، ثم أمره بالظهر فأبرد، ثم أمره بالعَصر والشمس
بيضاء نقية لم يخالطها صُفرة، ثم أمره بالمغرب قبل أن يقع الشفق، ثم
أمره بالعشاء عند ذهاب ثلث الليل أو بَعضه- شك حَرميّ- فلما أصبح
قال: " أين السائل ؟ ما بَين ما رأيت وقت " .
380- ص - ثنا عُبيد الله بن معاذ: فال أبي. قال: نا شعبة، عن قتادة.
سمِع أبا أيوب، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي- عليه السلام- أنه قال:
" وقتُ الظهرِ ما لم تحضُرِ العصرُ، ووقتُ العصرِ ما لم تصفرَ الشمس،
ووقت المغرب ما لم يَسقط ثورُ (2) الشفق، ووقتُ العشاء إلى نصف الليل،
ووقتُ صَلاة اَلفجرِ ما لم تطلع الشمسُ، (3) .
ش- عبيدَ اللّه بن معاذ، أبو عمرو البَصري، وأبوه: معاذ بن معاذ بن
حسّان، قاضي البصرة، وشعبة: ابن الحجاج، وقتادة: ابن دعامة.
وأبو أيوب: اسمه: يحيى بن مالك- ويقال: ابن حبيب بن مالك-
البصري، أبو أيوب الأزدي العتكي المُراغي بضم الميم- نسبة إلى مُراغة،
قبيل من الأزد. وقال الطبري: موضع بناحية عمان. روى عن: عبد اللّه
ابَن عمرو بن العاص، وعبد اللّه بن عباس، وأبي هريرة، وسمرة بن
جندب، وجويرية بنت الحارث أم المؤمنين. روى عنه: قتادة،
__________
(1) مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: أوقات الصلوات الخمس
(613 / 176) .
(2) كذا، وفي سنن أبي داود " فور " ، وانظر: الشرح.
(3) مسلم: كتاب المساجد، باب: أوقات الصلوات الخمس 172- (612) ،
النسائي: كتاب المواقيت، آخر وقت المغرب (1/260) .

(2/254)


وأبو عمران الجَوني، وعبد الحميد بن واصل. مات في ولاية الحجاج
على العراق. روى له: الجماعة إلا الترمذي (1) .
قوله: " فَور الشفق " بالفاء في رواية أبي داود؛ وهو: فورانه وبقية
حمرته، وصحفه بعضهم فقال: " نور الشفق " بالنون، ولو صحت
الرواية لكان له وجه. وفي رواية: " ثور الشفق " بالثاء المثلثة؛ وهو
انتشار حمرتها في الأفق، من ثار الشيءُ يثورُ إذا انتشر وارتفع.
والحديث: أخرجه مسلم، والنسائي.
2- بَابُ: وقت صلاة النبي- عليه السلام-
أي: هذا باب في بيان وقت صلاة النبي- عليه السلام-، وفي بعض
النسخ وفي آخره: " وكيف كان يُصليها " (2) وليس بموجود في النسخ
المعتمد عليها.
381- ص- ثنا مسلم بن إبراهيم: نا شعبة، عن سَعد بن إبراهيم، عن
محمد بن عَمرو قال: سألت (3) جابرًا عنِ وقت [ صلاة ] النبيَ- عليه
السلام- فقال: كان يُصفَي الظهرَ بالهاجرة، وَالعَصرَ والشمسُ حَيةٌ ،
والمغربَ إذا غربت الشمسُ، والعشاءَ: إذا كَثُرَ الناسُ عجلَ، وإذا قَلُوا
أخرَ، والصبحَ بغَلَسٍ " (4) .
ش- مُسلمَ بن إبراهيم: أبو عَمرو البصري القصاب.
وسَعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف بن عبد الحارث بن زهرة
القرشي، أبو إسحاق أو أبو إبراهيم، قاضي المدينة. روى عن: ابن
عمر. وسمع: عبد الله بن جعفر، وأنس بن مالك، ومحمد بن
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (33/7217) .
(2) كما في سنن أبي داود.
(3) في سنن أبي داود: " سألنا " .
(4) البخاري: كتاب: مواقيت الصلاة، باب: وقت المغرب (560) ، مسلم:
كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: استحباب التبكير بالصبح في أول
وقتها وهو التغليس وبيان قدر القراءة فيها (646) ، النسائي: كتاب المواقيت،
باب: تعجيل العشاء (1/261) .

(2/255)


حاطب بن أبي بلتعة، وأبا أمامة، وعروة بن الزبير، وغيرهم. روى عنه:
الزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والثوري، وابن عُيينة، وشعبة،
وغيرهم. قال ابن معين: ثقة، لا يُشك فيه. توفي بالمدينة سنة سبع
وعشرين ومائة؛ وهو ابن ثلاث وسبعن سنةَ 0 روى له الجماعة (1) .
ومحمد بن عمرو: ابن الحسن بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي
المدني، أبو عبد اللّه. سمع: جابر بن عبد اللّه الأنصاريّ. وروى عن:
عبد اللّه بن عباس. روى عنه: سَعد بن إبراهيم، ومحمد بن عبد الرحمن
ابن أسعد، وعبد اللّه بن ميمون. قال أبو زرعة:/مدني ثقة. روى
له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي (2) .
قوله: " بالهاجرة " الهاجرة والهجيرُ: اشتداد الحرّ نصف النهار
قوله: " والعَصر " أي: كان يُصلي العَصر؛ والواو في " والشمس
حيةٌ " واو الحال، والمراد منه: قبل تغير قرصها.
قوله: " والمغرب " أي: كان يُصلي المغرب.
قوله: " والعشاء " أي: كان يُصلي العشاء.
قوله: " إذا كثر الناسُ عجّل، وإذا قفوا أخر " بيان لكيفية صلاته العشاء.
قوله: " والصّبح بغلس " أي: كان يصلي الصبح في أول الوقت عند
اختلاط الظلام بالضياء؛ وًا لباء فيه بمعنى " في " أي: في غلسٍ.
والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي.
382- ص- ثنا حفص بن عمر: نا شعبة، عن أبي المنهال، عن أبي بَرزة
قال: كان رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصلِّي الظهر إذا زَالتِ الشمسُ، ويُصلِّي العصرَ
وإن أحدنا (3) ليَذهَبُ إلى أقصى المدينة ويَرجِعُ والشمسُ حَية، ونَسيتُ
المغربَ، وكان لا يُبالي بعضَ (4) تأخَيرِ العِشاءِ إلى ثُلُثِ الليلِ قَال:
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (10/2199) .
(2) المصدر السابق (26/5508) .
(3) في سنن أبي داود: " إحدانا " .
(4) كلمة " بعض " غير موجودة في سنن أبي داود.

(2/256)


ثم قال: إلى شَطرِ الليلِ. قال: وكان يَكرهُ النَومَ قَبلَها والحديثَ بَعدَها،
وكان يُصلِّي الصُّبح ويعرفُ أحدُنا جَليسَه الذي كان يَعرفُ (1) ، وكانَ
يَقرأ فيها من الستينَ إلى المائة (2) .
ش- حفص بن عمر: ابن الحارث البصري.
وأبو المنهال: سيّار بن سلامة البصري الرياحي. سمع: أبا برزة
الأسلمي، وأبا العالية الرياحي، وشهر بن حوشب. روى عنه: سليمان
التيمي، ويونس بن عبيد، وعوف الأعرابيّ، وغيرهم. قال ابن معين:
ثقة . وقال أبو حاتم: صدوق، صالح الحديث. روى له الجماعة (3) .
وأبو بَرزة: نضلة بن عُبيد. ويقال: نضلة بن عائذ. ويقال: ابن
عَمرو. ويقال: ابن عبد اللّه بن الحارث، الأسلمي، أسلم قديما،
وشهد مع رسول الله- عليه السلام- فتح مكة. رُوِيَ ده عن رسول اللّه
ستة وأربعون حديثَا؛ اتفقا على حديثين، وانفرد مسلم بأربعة، والبخاري
بحديثين. روى عنه: أبو المنهال، وأبو عثمان النهدي، والأزرق بن
قَيس، وغيرهم. نزل البصرة، ثم غزا خراسان ومات بها في آخر خلافة
معاوية أو في أيام يزيد. روى له الجماعة (4) .
قوله: " ويصلي العَصر وإن أحدنا ليذهب إلى أقصى المدينة ويَرجع لا
أقصى الشيء: مُنتهاه. والواو في " والشمس حية " للحال، وهذا يدلّ
على المبالغة في تعجيل العصرِ.
(1) في سنن أبي داود: " يعرفه " .
(2) أبو داود في كتاب الأدب (4849) بعضه، البخاري: كتاب مواقيت الصلاة،
باب: وقت الظهر عند الزوال (541) ، مسلم: كتاب المساجد، باب:
استحباب التبكير بالصبح في أول وقتها (235/647) ، النسائي: كتاب
المواقيت، باب: أول وقت الظهر (1/246) ، وباب: كراهية النوم بعد
صلاة الغرب (1/262) ، ابن ماجه: كتاب الصلاة، باب: وقت صلاة
الظهر (674) ببعضه.
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (12 / 2667) .
انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (4/24) ، أسد الغابة
(5/321) ، الإصابة (3/556) و (4/19) .
17* شرح سنن أبي داوود 2

(2/257)


قوله: " وكان يكره النوم قبلها " أي: قبل العشاء؛ وذلك لأنه تعرض
لفواتها باستغراق النوم.
قوله: " والحديث بَعدها " أي: كاد يكره الحديث بعد العشاء؛
" (1) وذلك لأن السَّهر في الليل سبب للكسل في اليوم عما يتوجه من
حقوق الدين والطاعات ومصالح الدين. قالوا: المكروه منه: ما كان في
الأمور التي لا مصلحة فيها؛ أما ما فيه مصلحة وخير فلا كراهة فيه؛
وذلك كمدارسة العلم، وحكايات الصالحين، ومحادثة الضيف والعروس
للتأنيس، ومحادثة الرجل أهله وأولاده للملاطفة والحاجة، ومحادثة
المسافرين لحفظ متاعهم أو أنفسهم، والحديث في الإصلاح بين الناس،
والشفاعة إليهم في خير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإرشاد
إلى مصلحة ونحو ذلك، وكل ذلك لا كراهة فيه، وقد جاءت أحاديث
صحيحة ببعضه، والباقي في مَعناه " .
قوله: " وكان يَقرأ فيها " أي: في صلاة الصبح من ستين آيةً إلى مائة
آيةٍ ؛ وهذا يدل على أنه كان يَبتدئ في أول الوقت.
والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه،
وأخرج الترمذي طرفا منه.
3- بَاب: في وَقت الظُّهرِ
أي: هذا باب في بيان وقت صلاة الظهر، وفي بعض النسخ: " باب
ما جاء في وقت الظهر " .
383- ص- نا أحمد بن حَنبل ومُسدّد قالا: نا عبّاد بن عباد: نا محمد
ابن عَمرو، عن سعيد بن الحارث الأنصاريّ، عن جابر بن عبد الله. قال:
" كنتُ أصلي الظهرَ معِ رسول الله فاخذُ قَبضةً من الحَصَى لتَبرُدَ في كَفِّي،
أضَعُهَا لجَبهَتِي أسجدُ عليها لِشدةِ اَلحرَ " (2) .
__________
(1) انظر: شرح صحيح مسلم (5/146) .
(2) النسائي: كتاب التطبيق، باب: تبريد الحصى للسجود عليه (2/204) .

(2/258)


ش- عباد بن عباد: ابن حبيب بن المهلب بن أبي صُفرة، أبو معاوية
العتكي المهلبي الأزدي البصري؛ واسم أبي صفرة: ظالم بن سارق،
نزل بغداد، ومات بها سنة إحدى وثمانين ومائة. سمع: أبا جمرة/
نصر (1) بن عمران الضبعي، وعبيد اللّه، وعبد الله ابني عمر، وهشام
ابن عروة، وكثير بن شنظير، وغيرهم. روى عنه: قتيبة بن سعيد،
وسليمان بن حرب، وأحمد بن حنبل، وغيرهم. وقال ابن معين،
والنسائي: هو ثقة. وقال ابن سَعد: لم يكن بالقوي فما الحديث.
روى له الجماعة (2) .
وسعيد بن الحارث: ابن أبي سعيد بن المعلى الأنصاري المدني قاضيها.
سمع. عبد اللّه بن عُمر بن الخطاب، وجابر بن عبد الله، وأبا سعيد
الخدري، وأبا هريرة. روى عنه: محمد بن عَمرو بن علقمة، وعمرو
ابن الحارث، وفليح بن سليمان، وعمارة بن غزيّة. روى له
الجماعة (3) .
قوله: " فاَخذُ " إخبارٌ عن نفسه من المستقبل، والمرادُ منِ إخراج هذا
الحديث أنه كان يُصلي الظهر في أول فَيئِهِ في الهاجرة، وسيروي حديث
الإبراد- أيضَا.
ويفهم من الحديث: أنهم كانوا يصلون على الأرض، وأن المسجد ما
كان فيه حُصرٌ ، وان السجدة على الحَصَى جائزة، وأن مَسك المُصلي في
كفه شيئا لا يُفسدُ صلاته. والحديث: أخرجه النسائي.
384- ص- نا عثمان بن أبي شيبة: نا عَبيدة بن حُمَيد، عن أبي مالك
الأشجعيّ: سَعد بن طارق، عن كثير بن مُدرَك، عن الأسود، عن عبد الله
ابن مَسعود قال: كَانت قَدرُ صَلاة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الصَيف ثلاثةَ أقدامٍ إلى
خمسةِ أقدامِ، وفي الشتاءِ خمسةَ أَقدامٍ إلىَ سَبعةِ أقدامٍ " (4) .
__________
(1) في الأصل: " نضرة " خطأ، وهو مترجم في تهذيب الكمال (29/6408) .
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (14/3083) .
(3) المصدر السابق (10/2247) .
(4) النسائي: كتاب المواقيت، باب: آخر وقت الظهر (1/249) .

(2/259)


ش- عَبيدة- بفتح العين- قد مر ذكره.
وأبو مالك: سَعد بن طارق بن الأشيم الكوفي الأشجعي. روى عن:
أبيه- ولأبيه صحبة- وأنس بن مالك، وكثير بن مدرك، وعيرهم.
روى عنه: الثوريّ، وشعبة، وأبو عوانة، وغيرهم. قال ابن معين:
ثقة. وقال أبو حاتم: صالح، يكتب حديثه. روى له الجماعة إلا
البخاريّ (1) .
وكثير بن مدرك الأشجعي، أبو مدرك الكوفي. روى عن: علقمة بن
قيس، والأسود بن يزيد، وأخيه: عبد الرحمن بن يزيد. روى عنه:
حُصين بن عبد الرحمن، ومنصور بن المعتمر، وأبو مالك الأشجعي.
روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي (2) .
قوله: " كانت قدر صلاة رسول الله " المراد منها: صلاة الظهر.
قوله: " ثلاثة أقدَام " اعلم أن هذا أمر يَختلف في الأقاليم والبلدان،
ولا يستوي في جميع المدن والأمصار؛ وذلك أن العلة في طول الظل
وقصره هو زيادة ارتفاع الشمس في السماء وانحطاطها، فكلما كانت
أعلى وإلى محاذاة الرءوس في مجراها أَقرب كان الظل أقصر، وكلما
كانت أخفض وفي محاذاة الرءوس أبعدَ كان الظلّ أطولَ؛ ولذلك ظلال
الشتاء تراها أبدا أطول من ظلال الضَيف في كل مكان، وكانت صلاة
رسول اللّه بمكة والمدينة- وهما من الإقليم الثاني- ويذكرون أن الظل
فيهما في أول الصيف في شهر اَذر: ثلاثة أقدام وشيء، ويشبه أن تكون
صلاته إذا اشتد الحر متأخرةَ عن الوقت المعهود (3) قبله فيكون الظل عند
ذلك خمسة أقدام. وأما الظل في الشتاء: فإنهم يذكرون أنه في تشرين
الأول: خمسة أقدام أو خمسة وشيء، وفي الكانون: سبعة أقدام أو
سبعة وشيء؛ فقول ابن مسعود مُنزل على هذا التقدير في ذلك الإقليم دون
سائر الأقاليم والبلدان التي هي خارجة عن الإقليم الثاني. والحديث:
أخرجه النسائيّ.
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (10/2211) .
(2) المصدر السابق (24/4962) .
(3) في الأصل: " العهود " .

(2/260)


385- ص- نا أبو الوليد الطيالسي: نا شعبة: أخبرني أبو الحسن قال:
سمعت زيد بن وهب يقول: سمعت أبا ذَر يَقول: كُنَّا مع النبيِّ- عليه
السلام- فأرادَ المؤذنُ أن يؤذنَ الظهرَ، فقال: " أبرِد " ثم أرادَ أن يُؤذنَ فقال:
" أبرِد " - مرِتين أو ثلاثا- حتى رأينا فَيءَ التُّلول، ثم قال: " إن شدةَ الحرِّ
من فيحِ جَهنم؛ فإذا اشتدَ الحرُّ فابردُوا بالصلاةِ " 11) .
ش- أبو الحسن: مُهاجر التيمي الصائغ. وزيد بن وهب: الجهمي؛
قد مر ذكره. وكذلك أبو ذر: جُندب بن جنادة.
قوله: " أبرد " بفتح الهمزة، أمر من الإبراد.
قوله: " فيء التلول " أي: ظلها، والتلول: جمع تَلّ- بتشديد
اللام- ويُجمعُ على تلالٍ - أيضا.
قوله: " من فيح جهنم " - بفاء مفتوحة وياء آخر الحروف ساكنة وحاء
مهملة- أي: " (2) سطوع حرّها وانتشاره وغليانها؛ وأصله في كلامهم:
السَّعة والانتشار، ومنه قولهم في الغارة: فيحي فياح،/ومكان أفيح
أي: واسع، وأرض فيحاء أي: واسعة؛ وللكلام وجهان: حقيقيّ؛
وهو أن تكون شدة حرّ الصيف من وهج حر جهنم على الحقيقة. وروي
أن اللّه تعالى أذن لجهنم في نفسَين: نفس في الصَيف، ونفس في الشتاء؛
فأشدّ ما تجدونه من الحرّ في الصيّف فهو من نفسها، وأشد ما تجدونه من
البَرد في الشتاء فهو منها. ومجازي؛ وهو أن يكون هذا الكلام من باب
التَّشبيه أي: كأنه نار جهنم في الحرّ فاحذرُوها واجتنبوا ضررَها " .
قوله: " فأبردوا بالصلاة " أي: بأداء الصلاة أي: أخروها عن وقت
__________
(1) البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب: الإبراد بالطهر في السفر (539) ،
مسلم: كتاب الساجد، باب: استحباب الإبراد بالطهر في شدة الحر لن
يمضي إلى جماعة، ويناله الحر في طريقه (184/616) ، الترمذي: كتاب
الصلاة، باب: ما جاء في تأخير الطهر في شدة الحر (158) ، تحفة الأشراف
(9/11914) .
(2) انظر : معالم السنن (1/111) .

(2/261)


الهاجرة إلى حين بَرد النهار، وانكسار وهج الحرّ. وقال بعض أهل
اللغة: أراد صلُّوها في أول وقتها، وبَرد النهار أوله.
قلت: هذا بعيدٌ ، يُنافيه قوله: " حتى رأينا فَيءَ التلول " ولذا قال
الخطابيّ: " ومن تأوله على بَردي النهار، فقد خرج عن جملة قول
الأمة " ، وبه استدل أصحابنا على أن تأخير الظهر والإبراد بها في الصيف
مستحب. وبه قال أحمد، وإسحاق بن راهوَيه. وقال الشافعي:
تعجيلها أولى، إلا أن يكون إمام جماعة ينتابه الناسُ من بُعد، فإنه يَبرد
بها في الصيف عند شدّة الحرّ.
وقال الشيخ محيي الدين: " (1) والصحيح: استحباب الإبراد : وهو
النصوص للشافعي، وبه قال جمهور أصحابه لكثرة الأحاديث الصحيحة
فيه المشتملة على فعله والأمر به في مواطن كثيرة ومن جهة جماعة من
الصحابة " .
فإن قلت: قد ذكر مُسلم حديث خبّاب: " شكونا إلى رسول الله حَرَّ
الرَّمضاء فلم يُشكِنَا. قال زُهير: قلت لأبيً إسحاق: أفي الظهر؟ قال:
نعم، قلتُ: أفي تعجيلها؟ قال: نعم " . قلت: هَذا الحديث مَنسوخ
بأحاديث الإبراد، ويقال: الإبراد رخصة، والتقديم أفضل، واعتمدوا
حديث خبّاب وحملوا حديث الإبراد على الترخيص والتخفيف في التأخير،
وهو قول بعض الشافعية. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم،
والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والطبراني في " محجمه " ،
وأبو بكر في " مصنفه " ، وأحمد في " مُسنده " .
ص- قال أبو داود: هو مُهاجر أبو الحسن.
ش- يعني قوله: " نا شعبة: أخبرني أبو الحسن " هو مُهاجر أبو الحسن
التيمي، مولى تيم اللّه الكوفي. سمع: عبد اللّه بن عباس، والبراء بن
عازب، ورجلا من أصحاب النبي- عليه السلام-، وزيد بن وهب،
__________
(1) شرح صحيح مسلم (5/117، 118) .

(2/262)


وعمرو بن ميمون، وعطاء بن يسار. روى عنه: الثوريّ، وشعبة،
والمَسعودي، وأبو عوانة. قال أحمد بن حنبل، وابن معين: ثقة. وقال
أبو زرعة: لا بأس به. روى له: البخاريّ، ومسلم، وأبو داود،
والترمذي، والنسائي (1) .
386- ص- نا يزيد بن خالد بن مَوهب الهمداني، وقُتَيبة الثقفيُّ، أن
الليث حدثهم، عن ابن شهاب، عن سَعيد بن المسيّب وأبي سلمة، عن
أبي هريرِة أن النبي- عليه السلام- قال: " إذا اشتدَّ الحرُّ فأبردوا عن الصلاة "
قال ابنُ موهبٍ : " بالصلاة " . " فإنَّ شدةَ الحَرَ من فيحِ جَهنمَ " (2) .
ش- قتيبة: ابن سعيد، والليث: ابن سعد، وابن شهاب:
الزهري، وأبو سلمة: عبد اللّه بن عبد الرحمن.
قوله: " فأبردوا عن الصلاة " أي: بالصلاة. و " عَن " تأتي بمعنى
" الباء " ؛ كما قيل: رمَيت عن القَوس، أي: رمَيتُ بها؛ كما جاءت
الباء بمعنى " عن " في قوله تعالى: (فَاسئَل به خَبيرًا) (3) أي: عنه.
وقد تكون " عن " زائدةَ أي: " أبردوا الصلاة " ؛ يَقال: أبرد الرجل كذا
إذا فعله في بَرد النهار.
387- ص- نا موسى بن إسماعيل: نا حمّاد، عن سماك بن حَرب،
عن جابر بن سمرة " أن بِلالاً كان يؤذن الظهرَ إذا دحَضَتِ الشمسُ " (4) .
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال ول 2/6219) .
(2) البخاري: كتاب المواقيت، باب: الإبراد بالظهر في شدة الحر (536) ،
مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: استحباب الإبراد بالظهر في
شدة الحر لمن يمضي إلى جماعة ويناله الحر في طريقه (180-615) ،
الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في تأخير الظهر في شدة الحر (157) ،
النسائي: كتاب المواقيت، باب: الإبراد بالظهر إذا اشتد الحر (1/248) ،
ابن ماجه: كتاب الصلاة، باب: الإبراد بالظهر في شدة الحر (678) .
(3) سورة الفرقان: (59) .
(4) مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: استحباب تقديم الظهر في أول
الوقت في غير شدة الحر 188 (618) ، النسائي: كتاب الافتتاح، باب:
ما يستحب من تأخير العشاء (1/265) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة
والسنة فيها، باب: وقت صلاة الظهر (673) .

(2/263)


ش- حماد: ابن سلمة. وجابر بن سمرة بن جنادة بن جندب،
أبو عبد اللّه، رُوِيَ له عن رسول اللّه مائة حديث وستة وأربعون حديثا؛
اتفقا على حديثين، وانفرد مسلم بستّة وعشرين. روى عنه: عبد الملك
ابن عُمير، وعامر بن سَعد بن أبي وقاص، وعامر الشعبي، وسماك بن
حرب، وجماعة آخرون. مات سنة ستة وستين، أيام المختار. روى له
الجماعة (1) .
قوله: " إذا دحضت الشمس " أي: زالت عن كبد السماء؛ وأصل
الدَّحض: الزلق؛ يُقال: دحضَت رجلهُ أي: زلت عن موضعها،
وأدحضتُ حجة فلان أي: أزلتُها وأَبطلتُها.
وأخرجه ابن ماجه. وفي رواية مسلم: " كان النبيّ- عليه السلام-
يُصلِي/الظهر إذا دحَضت الشمسُ. وقال الشيخ محيي الدين النووي (2) :
" وفيه دليل على استحباب تقديمها، وبه قال الشافعي، والجمهور " .
فلت: لا دليل فيه على ذلك؛ لأن الذي يُبرِدُ بها يَصدقُ عليه أنه
صلاها بعد أن دَحَضت الشمسُ.
4- بَابُ: مَا جَاء فِي وَقت العَصرِ (3)
أي: هذا باب في بيان ما جاء في وقت صلاة العصر، وفي بعض
النسخ: " بابُ وقت العَصر " .
388- ص- نا قتيبة بن سعيد: نا الليث، عن ابن شهاب، عن أنس بن
مالك، أنه أخبره " أن رسولَ اللّهِ- عليه السلام- كان يُصَلِّي العصرَ
__________
(1) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (1/224) ، أسد الغابة
(1/304) ، الإصابة (1/212) .
(2) شرح صحيح مسلم (5/121) .
(3) في سنن أبي داود: " ... وقت صلاة العصر " .

(2/264)


والشمسُ بَيضاءُ مُرتفعةٌ حَيَّةٌ ، ويَذهبُ الذَّاهبُ إلى العَوالي والشمسُ
مُرتفعةٌ " (1) .
ش- الواو في " والشمس " للحال في الموضعين؛ وحَياة الشمس:
شده وهجها، وبقاء حرها لمَ ينكسر منه شيء. وقيل: حياتها: صفاء
لونها، لَم يدخلها التغيير. قالوا: والشمس تُوصَف بالحياة ما دامت
قائمة الأعراض من الحرارة والضوء، فإذا كانت مع الغروب لم تُوصَف
بذاك. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه.
389- ص- نا الحسن بن علي: نا عبد الرزاق: أنا معمر، عن الزهريّ
قال: والعَوالي على ميلينِ أو ثلاثة. قال: وأحسبُه قال: وأربعة (2) (3) .
ش - الحسن بن عَلي: الخلالَ، وعبد الرزَاق: ابن همامَ، ومَعمر:
ابن راشد.
والعَوالي: أماكن بأعلى أراضى المدينة؛ والنَسَبُ إليها: " عُلوِي "
على غير قياسٍ ، قال ابن الأثير (4) : " وأدناها من المدينة على أربعة
أميال، وأبعدها من جهة نجد: ثمانية ". ولكن في رواية الزهري: أدناها
من المدينة على ميلين، مثل ما ذكره أبو داود.
وقال الشيخ محيي الدين (5) : " والمراد بهذا الحديث: المبادرة بصلاة
العصر أول وقتها؛ لأنه لا يمكن أن يذهب بعد صلاة العَصر ميلين وثلاثة،
والشمس بعد لم تتغير بصفرة ونحوها إلا إذا صلى العصر حين صار ظل
كل شيء مثله، ولا يكادُ يحصل هذا إلا في الأيام الطويلة. ثم قال:
وفيه دليل لمذهب مالك والشافعي وأحمد والجمهور: أن وقت العَصر
يدخل إذا صار ظل كل شيء مثله، وقال أبو حنيفة: لا يدخل حتى يصير
__________
(1) البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب: وقت العصر (550) ، مسلم:
كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: استحباب التبكير بالعصر
(192/621) ، النسائي: كتاب المواقيت، باب: وتت صلاة العصر
(1/252) ، ابن ماجه: كتاب الصلاة، باب: وقت صلاة العصر (682) .
(2) في سنن أبي داود : " أو أربعة " .
(3) تفرد به أبو داود.
(4) النهاية (3/295) .
(5) شرح صحيح مسلم (5/122- 123) .

(2/265)


ظل كل شيء مثليه؛ وهذا حجة للجماعة عليه مع حديث ابن عباس في
بيان المواقيت وحديث جابر وغير ذلك " .
قلنا: الجواب من جهة أبي حنيفة: أنه- عليه السلام- أمر بإبراد الظهر
بقوله: " أبردوا بالظهر " بمعنى: صلوها إذا سكنت شدة الحرّ؛ واشتداد
الحر في ديارهم يكون في وقت صيرورة ظل كل شيء مثله، ولا يفتر الحر
إلا بعد المثلَين؛ فإذا تعارضت الأخبار يبقى ما كان على ما كان، ووقت
الظهر ثابت بيقين، فلا يزول بالشك، ووقت العصر ما كان ثابتاً فلا
يدخل بالشكَّ ؛ وأما حديث ابن عباس، وجابر وغيرهما: فلا يدل على
أن لا يكون ما وراء وقت الإمَامة وقتا للظهر؛ ألا ترى أن جبريل- عليه
السلام- أم للفجر في اليوم الثاني حين أسفر، والوقت يبقى بعده إلى
طلوع الشمس ؟ وكذلك صلى العشاء حين ذهب ثلث الليل والوقت يبقى
بعده إلى طلوع الفجر.
390- ص- نا يوسف بن موسى: نا جرير، عن منصور، عن خيثمة
قال: حياتها: أن تجد حرها (1) .
ش- يوسف بن موسى: أبو يعقوب القطان الكوفي. وجرير: ابن
عبد الحميد، ومنصور: ابن المعتمر.
وخَيثمة: ابن عبد الرحمن بن أبي سَبرة، واسم أبي سَبرة: يزيد بن
مالك بن عبد الله بن ذؤيب بن سلمة بن عمرو بن ذهل بنُ مرَان (2) بن
جعفي الجُعفي الكوفي، وفد أبو سَبرة إلى النبي- عليه السلام- ومَعه
ابناه: سَبرة، وعزيز، فقال له النبي- عليه السلام-: " ما اسمك؟ "
قال: عزيز قال: " لا عزيز إلا الله، أنت عبد الرحمن (3) فأسلموا.
سمِعَ خيثمةُ: عبدَ الله بن عُمر، وابن عَمرو، والبراء بن عازب،
وغيرهم من الصحابة والتابعين. روى عنه: أبو إسحاق السبيعي،
وطلحة بن مصرف، والأعمش، ومنصور بن المعتمر، وغيرهم.
__________
(1) تفرد به أبو داود.
(2) في الأصل: " مروان " خطأ.
(3) أحمد: في مسنده (4/178) ، وابن سعد: في طبقاته (6/286) .

(2/266)


قال أحمد بن عبد اللّه العجلي: كوفي تابعي ثقة. روى له
الجماعة (1) .
391- ص- نا القعنبي قال: قرأت على مالك بن أنس، عن ابن
شهاب: قال عروة: ولقد حدثتني عائشةُ- رضي الله عنها-، " أن رسولَ الله
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يُصلي العَصر، والشمسُ في حُجرَتِهَا قبلَ أن تَظهَرَ " (2) .
ش- القعنبي: عبد الله بن مسلمة، وعروة: ابن الزبير. والواو في
" والشمس " للحال.
قوله: " قبل أن تظهر " معنى الظهور/هاهنا: الصُعُود؛ يُقال:
ظهرتُ على الشيء إذا علوتُه؛ ومنه قوله تعالى: (وَمَعارِجَ عَلَيهَا
يَظهَرُونَ) (3) ، وحجرة عائشة- رضي اللّه عنها- ضيقة الرقعة،
والشمس تقلص عنها سرِيعاً؛ فلا يُصلي العَصر قبل أن تصعد الشمس
عنها إلا وقد بكر بها. والحديث أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي،
والنسائي، وابن ماجه.
392- ص- نا محمد بن عبد الرحمن العَنبري: نا إبراهيم بن
أبي الوزير: نا محمد بن يزيد اليمامي: حدثني يزيد بن عبد الرحمن بن
علي بن شيبان، عن أبيه عن جده: علي بن شيبان قال: فَدمنَا على رسول الله
- عليه السلام- المَدِينةَ فكان يُؤَخرُ العَصرَ مادامتِ الشمس بَيضاءَ نَقيَّةً (4) .
ش- محمد بن عبد الرحمن: أبو عبد اللّه العنبري البصري. روى
عن: عبد الرحمن بن مهدي، وأمية بن خالد، وسلم بن قتيبة،
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (8 /1747) .
(2) البخاري: كتاب المواقيت، باب: وقت العصر (544) ، مسلم: كتاب
المساجد ومواضع الصلاة، باب: أوقات الصلوات الخمس (611) ، الترمذي:
كتاب الصلاة، باب: ما جاء في تعجيل العصر (159) ، النسائي: كتاب
المواقيت، باب: في تعجيل العصر (1/252) ، ابن ماجه: كتاب الصلاة،
باب: وقت صلاة العصر (683) .
(3) سورة الزخرف: (34) .
(4) تفرد به أبو داود.

(2/267)


وإبراهيم بن أبي الوزير. روى عنه: أبو داود، وأبو زرعة، وعلي بن
الحسين بن الجنيد. وقال: كان ثقة (1) .
وإبراهيم بن أبي الوزير: قد ذكر مرةً.
ومحمد بن يزيد اليمامي. روى عن: يزيد بن عبد الرحمن. روى
عنه: إبراهيم بن أبي الوزير. روى له: أبو داود (2) .
ويزيد بن عبد الرحمن بن علي بن شيبان اليمامي الحنفي. روى عن
أبيه، عن جذه. روى عنه: محمد بن يزيد. روى له: أبو داود (3) .
وأبوه: عبد الرحمن بن علي الحنفي اليمامي. روى عن: أبيه. روى
عنه: ابنه: محمد، وعبد اللّه بن بدر، ووعلة بن عبد الرحمن. روى
له: أبو داود، وابن ماجه (4) .
وجدّه : علي بن شيبان الحنفي السحيمي اليمامي الصحابيّ. روى عنه:
ابنه: عبد الرحمن. روى له: أبو داود، وابن ماجه (5) .
وهذا الحديث يدل على أنه- عليه السلام- كان يُصلي العَصر عند
صيرورة ظل كل شيء مثليه؛ وهو حجة لأبي حنيفة على مخالفيه.
393- ص- نا عثمان بن أبي شيبة: نا يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة،
ويزيد بن هارون، عن هشام بن حسّان، عن محمد، عن عَبيدةَ، عن عليّ
- رضي الله عنه-، أن رسول اللّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال يومَ الخندقً: " حَبَسُونَا عن صَلاة
الوُسطى، صَلاةِ العَصرِ، مَلأَ اللّهُ بُيوتَهم وقُبورَهم نارًا " (6) .
__________
(1) نظر ترجمته في: تهذيب الكمال (25/5401) .
(2) المصدر السابق (27/5705) .
(3) المصدر السابق (32/7021) .
(4) المصدر السابق (17/3912) .
(5) انظر ترجمته في ت الاستيعاب بهامش الإصابة (3/69) ، أسد الغابة
(4/90) ، الإصابة (2/507) .
(6) البخاري: كتاب الجهاد، باب: الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة
(2931) ، مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: التغليظ في
تفويت صلاة العصر (627) ، الترمذي: كتاب التفسير، باب: ومن سورة
البقرة (2984) ، النسائي: كتاب الصلاة، باب: المحافظة على صلاة العصر
(1/236) .

(2/268)


ش- يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة- واسم أبي زائدة: خالد (1) بن
ميمون- وقد ذكرناه في ترجمة زكرياء- أبو سعيد الكوفي الهمداني
الوداعي، مولى امرأة من وداعة. سمع: أباه، وعبد الملك. بن عمير،
وهشام بن عروة، وغيرهم. روى عنه: يحيى بن ادم، ويحيى بن يحيى
التميمي، وابن معين، وأحمد بن حنبل، وقتيبة بن سعيد، وغيرهم.
قال ابن المديني: هو من الثقات، قيل: مات بالمدينة قاضيا بها سنة اثنتين
وتسعين ومائة، وهو ابن ثلاث وستين. روى عنه: الجماعة (2) .
ويزيد بن هارون: أبو خالد الواسطي، قد ذكر غير مرة. وهشام بن
حسّان البصري، ذكر- أيضا- ومحمد بن سيرين، قد ذكر- أيضا-.
وعَبيدة- بفتح العَين وكسر الباء- هو عَبيدة بن عمرو، ويقال: ابن
قيس بن عَمرو السَّلماني- بفتح السين وسكوَن اللام- المُرَادي. وسلمان
هو ابن ناجية بن مراد، أسلم قبل وفاة النبي- عليه السلام- ولم يَلقه.
سمع: عمر بن الخطاب، وعليا، وابن مسعود، وابن الزبير روي
عنه: الشَعبي، وإبراهيم النخعي، وابن سيرين، وغيرهم . قال ابن
عيينة: كان عَبيدة يوازي شريحا في العلم والقضاء. وقال أحمد بن
عبد اللّه العجلَي: هو كوفي تابعي ثقة، جاهلي أسلم قبل وفاة النبي
- عليه السلام- بسنتَين، وكان أعور، توفي سنة اثنتين وسبعين، روى له
الجماعة (3)
قوله: " يوم الخندق " الخندق: فارسي معرّب؛ وأصله: كَنده أي:
محفور، وقد تكلمت به العَرب، ويوم الخندق كانت في السنة الخامسة
من الهجرة . وقيل : في الرابعة. وقد جاء أن النبي- عليه السلام-
ندب الناسَ يوم الخندق، وفي رواية: يوم الأحزاب، وفي رواية: يوم بني
__________
(1) هذا هو الذي جزم به البخاري، وابن أبي حاتم وغيرهما.
(2) انظر ترجمته في ت تهذيب الكمال (31/6826) .
(3) المصدر السابق (19/3756) .

(2/269)


قريظة، فانتدب الزبير، ويوم الخندق وهو يوم الأحزاب ويوم بني قريظة؛
وليس ذلك إشارة إلى يوم بعَينه؛ وإنما هو إلى الغزاة كما يقال: يوم
حنين، ويوم صِفين، وغير ذلك.
قوله: " صلاة العصر " بالجرّ- بدل من " صلاة الوُسطى " ؛ والوُسطى
- بضم الواو- تأنيث الأوسط بمعنى الفضلى، وأفعل التفضيل لا يبنى إلا
مما يقبل الزيادة والنقص، وكذا فعل التعجب، فلا يجوز: زيد أموت
الناس، ولا: ما أموت زيد، لأنه لا يقبل ذاك. وكون الشيء وسطا بين
شيئين لا يقبل الزيادة ولا النقص، لا يجوز أن يبنى منه أفعل التفضيل،
فتعين أن تكون الوسطى بمعنى الفضلى.
" (1) واختلف العلماء من الصحابة فمن بعدهم في الصلاة الوسطى
المذكورة في القرآن؛ فقالت جماعة: هي العَصر، ومنهم: عليّ، وابن
مسعود، وأبو أيوب، وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري،
وأبو هريرة، وعَبيدة السلماني، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي،
وقتادة، والضحاك، والكلبي، ومقاتل، وأبو حنيفة، وأحمد، وداود،
وابن المنذر، وغيرهم. وقال الترمذي: هو قول أكثر العلماء من
الصحابة/فمن بعدهم. قال الماوردي: هذا مذهب الشافعي لصحة
الأحاديث فيه. وقالت طائفة: هي الصُبح؛ ونقل ذلك عن عُمر بن
الخطاب، ومعاذ بن جبل، وابن عباس، وابن عُمر، وجابر، وعطاء،
وعكرمة، ومجاهد، والربيع بن أنس، ومالك بن أنس، والشافعي.
وقالت طائفة: هي الظهر؛ ونقل ذلك عن زيد بن ثابت، وأسامة بن
زيد، وأبي (2) سَعيد الخدري، وعائشة، وعبد الله بن شداد، وهو
رواية عن أبي حنيفة. وقال قبيصة بن ذ [ ؤ ] يب: هي المَغرب. وقال
غيره: هي العشاء. وقيل: إحدى الخمسة مبهمة. وقيل: الوسطى:
جميع الخَمس؛ حكاه القاضي عياض. وقيل: هي الجمعة. ويقال:
__________
(1) انظر: شرح صحيح مسلم (5/128- 129) .
(2) في الأصل: " وأبو " .

(2/270)


الصبح والعصر. ويقال: الجماعة. فهذه عشرة أقوال؛ وأصحها:
العصرُ؛ للأحاديث الصحيحة، والباقي بعضها ضعيف، وبَعضها غلط.
وفي المراد بالصلاة الوُسطى ثلاثة أقوال؛ أحدها: أنها أوسط الصلوات
مقدارا، والثاني: أنها أوسطها محلاّ، والثالث: أنها أفضلها، وأوسط
كل شيء أفضله؛ فمَن قال: الوُسطى: الفُضلى جاز لكل ذي مذهب أن
يَدّعيه، ومن قال: مقدارا فهي المغربُ؛ لأن أقلها: ركعتان، وأكثرها:
أربع. ومَن قال: محلاَ ذكر كل أحدٍ مناسبة يوجه بها.
قوله: " ملأ الله بيوتهم " جملة دعائيّة إنشاء في صورة الإخبار؛ والمعنى:
اللهم املأ بيوتهم وقبورهم نارَا؛ ومثل هذه الجملة لا محل لها من
الإعراب؛ وقد عرف أن الجملة ما لم تقعِ في موقع المفرد لا تكتسب
إعرابًا؛ لأن الجملة من المبنيّات. وإنما جمع فيه بين البيوت والقبور ليعتم
عليهم العذاب في الدنيا والآخرة، وخصّص النار لأنه أكبر أنواع العذاب.
والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.
394- ص- نا القعنبيُّ، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن القعقاع بن
حكيم، عن أبي يُونس مولى عائشةَ رضي الله عنها، أنه قال: أَمَرتنِي عائشةُ
أن أكتبَ لها مُصحفًا وقالت: إذا بلغت هذه الآيةَ فآذنَي (حَافظُوا عَلَى
الصَّلَوَات وَالصَّلاَة الوُسطى) (1) فلما بلغتُها آذنتُها فأملَت عَلً: حافظُوا
عَلَى الصَّلًوات والَصَّلاةِ الوُسطَى وصَلاة العَصرِ وقُومُوا لله قانتينَ، ثم قَالت
عائشةُ: سمعتُهَا من رسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (2) .
ش- أبو يونس مولى عائشة- رضى الله عنها-. روى عن:
__________
(1) سورة البقرة: (238) .
(2) مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: الدليل لمن قال الصلاة
الوسطى هي صلاة العصر (629) ، الترمذي: كتاب تفسير القراَن، سورة
البقرة (2982) ، النسائي: كتاب الصلاة، باب: المحافظة على صلاة العصر
(1/236) .

(2/271)


عائشة. روى عنه: القعقاع بن حكيم. روى له: مسلم، وأبو داود،
والترمذي، والنسائي (1) .
قوله: " فآذني " بالمدّ- أي: أعلمني؛ أمر من آذن يُؤذِن إيذانًا،
فاجتمعت نون الكلمة مع نون الوقاية فأدغمت إحداهما في الأخرى.
قوله: " فا " ملت عليَ " يُقال: أملّ عليه، وأملى عليه، واملل علمه إذا
لقنه ما يكتبه. " (2) واستدل به بعض الشافعية أن صلاة العصر ليست هي
الوسطى؛ لأن العطف يقتضي المغايرة؛ لأن قوله: " وصلاة العصر "
معطوف على قوله: " على الصلوات " لأنه هكذا هو في الروايات.
والجواب عن هذا: أن هذه قراءة شاذة لا يحتج بها، ولا يكون لها حكم
الخبر عن رسول اللّه؛ لأن ناقلها لم ينقلها على أنها قراَن، والقرآن لا يثبت
إلا بالتواتر بالإجماعَ.
قلت: يحوز أن يكون العطف فيه كالعطف في قول الشاعر
إلى الملك القَرم وابن الهمام... وليث الكَتِيبة في المُزدحم
فقد وُجد العطفُ هاهنا مع اتحاد الشَّخص، وعطف الصفات بعضها
على بعض موجودٌ في كلام العرب كثيرٌ .
395- ص- حدثنا محمد بن المثنى: نا محمد بن جَعفر: ثنا شعبة:
حدثني عَمرو بن أبي حكيم. قال: سمعت الزبرِقَانَ يحدث عن عروة بن
الزبير، عن زيد بن ثابت قال: كان رسولُ الله- عليه السلام- يُصلِّي
الظهرَ بالهَاجرَة، ولم يكن يُصَلِّي صلاةً أشدَّ عَلى أصحاب النبيِّ- عليه
السلام- منهَا، فنزلت (حَافظُوا عَلَى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسطَى) وقال:
" إن قبلَها صلاتينِ، وبَعدها صَلاتينِ " (3) .
ش- محمد بن جعفر- الهذلي مولاهم البصري، المعروف بغندر،
وقد ذكر غير مرة، وكان شعبة بن الحجاج زوج أمه.
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (34/7712) .
(2) انظر: شرح صحيح مسلم (5/130- 131) .
(3) تفرد به أبو داود.

(2/272)


وعَمرو بن أبي حكيم أبو سعيد. ويقال: أبو سَهل الواسطي الكردي.
ويقال: إنه مولى لآل الزُّبير. روى عن: عروة بن الزبير، وعبد اللّه بن
بُريدة، والزِّبرِقان. روى عنه سعيد. وروى عن: داود بن أبي هند،
عنه إن كان محفوظا. روى له: أبو داود (1) . والزِّبرقان: ابن عَمرو بن
أمية الضَّمري. وقيل: الزبرِقان/بن عبد اللّه بن عمرو بن أميّة. روى
عن: عروة بن الزبير، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبيه (2) ، وعن
زَهرة، عن زيد بن ثابت. روى عنه: عَمرو بن [ أبي ] حكيم وابن
أبي ذئب، وجَعفر بن ربيعة، ويَعقوب بن عَمرو. روى له: أبو داود،
وابن ماجه (3) .
وزيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عبد عوف بن
غنم بن مالك بن النجار الأنصاريّ، أبو سعيد. وقيل: أبو خارجة،
أخو يزيد بن ثابت لأبيه وأمه. روي له عن رسول اللّه- عليه السلام-
اثنان وتسعون حديثَا، اتّفقا منها على خمسة أحاديث، وانفرد البخاريّ
بأربعة ومسلم بحديثِ. وقد روى عن: أبي بكر، وعمر، وعثمان
- رضي اللّه عنهم-. روى عنه: ابن عُمر، وأنس بن مالك،
وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، ومروان بن الحكم، وسليمان وعطاء
ابنا يَسار، وابن المسيّب وغيرهم. وكان يكتب الوحي لرسول اللّه،
وكتب لعمر- أيضا- وكان يستخلفه- إذا صح- وكان معه حين قدم
الشام لفتح بيت القدس، وهو تولى قسمة غنائم اليرموك، ومات بالمدينة
سنة أربع وخمسين، وهو ابن خمسين. وقيل: خمس وأربعين، وقتل
أبوه ثابت في وقعة بعاث، كانت قبل هجرة النبي- عليه السلام-
بخمس ستين. روى له الجماعة (4) .
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (21/4349)
(2) كذا، وفي تهذيب الكمال أنه روى عن أبيه أو أخيه عبد الله بن عمرو بن
أمية، وعن زيد بن ثابت بلا واسطة .
(3) انظر ترجمته في تهذيب الكمال (9/1955) .
(4) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (1/551) ، أسد الغابة
(2/278) ، الإصابة (1/561) .
18 * شرح سنن أبي داوود 2

(2/273)


قوله: " بالهاجرة " أي: في الهاجرة؛ وهي اشتداد الحرّ نصف النهار.
قوله: " ولم يكن يصلي صلاة أشدَّ " وذلك لكَونه يُصَلِّي في قوة الحرَّ،
ثم أبرد بعد ذلك، وأمر بالإيراد- أيضَا-.
قوله: " إن قبلها " أي: قبل صلاة الوُسطى: " صلاتين وبَعدها صلاتين "
وبهذا يطلق على كل صلاة أنها وُسطى؛ لأن كل صلاة بحسبها وُسطى
يكون قبلها صلاتان وبعدها صلاتان؛ ولكن سياق الكلام يَدلّ على أن
المراد من الصلاة الوُسطى: الطهرُ؛ وذلك لأن نزول الآية كان عند
استثقالهم صلاة الظهر بالهاجرة، فبيَن أن المرادَ من قوله: (حَافظُوا عَلَى
الصَّلَوَات والصَّلاَةِ الوُسطَى) : صلاة الظهر؛ لأن قبلها صلاَتا الصّبح
والعشاء، وهما من وجه الليل، وبعدها: صلاتا العَصر والمغرب،
وهما من وجه النهار. وهو قول جماعة من الصحابة- كما ذكرنا-
والأصح: أنها صلاة العَصر- كما ذكرناه-. والحديث أخرجه البخاريّ
في " التاريخ الكبير " .
396- ص- ثنا الحسن بن الربيع: حدثني ابن المبارك، عن معمر، عن
ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من أدركَ من العَصرِ رَكعةَ قبلَ أن تَغرُبَ الشمسُ فقد أدركَ، ومن
أدرك من الفجرِ رَكعةَ قبلَ أن تطلُعَ الشمسُ فقد أدرك " (1) .
ش- الحسن بن الربيع: ابن سليمان البجلي القَسري، وقَسر من
بَجيلة، أبو علي الكوفي. سمع: حماد بن زيد، وأبا عوانة، وعبد الله
ابن المبارك، وجماعة آخرين. روى عنه: أبو زرعة، وأبو حاتم،
__________
(1) البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب: من أدرك من الفجر ركعة (579) ،
مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: من أدرك ركعة من الصلاة
فقد أدرك تلك الصلاة 165 (608) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما
جاء فيمن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس (186) ، النسائي:
كتاب المواقيت، باب: من أدرك ركعة من الصلاة (1/254) ، ابن ماجه:
كتاب الصلاة، باب: وقت الصلاة في العذر والضرورة (699) .

(2/274)


ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم. قال أحمد بن
عبد اللّه: كوفي ثقة، رجل صالح متعبّد، مات في رمضان سنة إحدى
وعشرين ومائتين (1) .
وابنُ طاوس: عبد اللّه بن طاوس بن كيسان، أبو محمد اليماني
الحِميري. سمع: أباه، وعكرمة بن خالد. روى عنه: عمرو بن دينار
وابن جريج، ومَعمر بن راشد، والثوري، وابن عيينة، وغيرهم. مات
سنة ثنتين وثلاثين ومائة. روى له الجماعة (2) .
قوله: " فقد أدرك " أي: أدرك وُجوبَها، حتى إذا أدرك الصبيُ قبل
غروب الشمس، أو أسلم الكافر، أو أفاق المجنون، أو طهُرَت الحائض
يجب عليه صلاة العَصر، ولو كان الوقت الذي أدركه جزءَا يسيرَا لا يسع
فيه الأداء، وكذلك هذا الحكم قبل طلوع الشمس. وقال زفر: لا
يجب، ما لم يجد وقتا يسع فيه الأداء حقيقة. وعن الشافعي قولان فيما
إذا أدرك دون ركعة كتكبيرة مثلا؛ أحدهما: لا يلزمه، والآخر: يلزمه؛
وهو أصحّهما؛ وذلك لأن من أدرك ركعة أو تكبيرةَ فقد أدرك حرمة
الصلاة، فاستوى فيه القليل والكثير.
فإن قلت: قيّد الركعة في الحديث، فينبغي أن لا يُعتبر أقل من الركعة،
قلت: التقييد بالركعة خرج مخرج الغالب؛ فإن غالب ما يمكن معرفة
إدراكه ركعة ونحوها، وأما التكبيرة فقد لا يكاد يُحَس (3) بها.
واعلم أن هذا الحديث دليل صريح في أن مَن صلى ركعةَ من العَصر،
ثم خرج الوقت قبل سلامه لا تبطل صلاته؛ بل يُتمّها؛ وهذا بالإجماع.
وأما في الصبح فكذلك عند الشافعي/ومالك وأحمد إلا عند أبي حنيفة؛
فإنه قال: تبطل صلاة الصبح بطلوع الشمس فيها. وقالت الشافعية:
الحديث حجّة على أبي حنيفة.
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (6/1230) .
(2) المصدر السابق (15/3346) .
(3) في الأصل: " يحسن " ، وانظر: شرح صحيح مسلم (5/105) .

(2/275)


واعلم أن هاهنا بحثا عظيما إذا وقفت عليه عَرَفت ما أسس عليه
أبو حنيفة، وعَرَفت أن الحديث ليس بحجة على أبي حنيفة، وأن غير هذا
الحديث من الأحاديث حجّة عليهم؛ فنقول: لا شك أن الوقت سبب
للصلاة وطرف لها؛ ولكن لا يمكن أن يكون كل الوقت سببًا، لأنه لو
كان كذلك يلزم تأخير الأداء عن الوقت، فتعين أن يجعل بعض الوقت
سببا، وهو الجزء الأول لسلامته عن المزاحم. فإن اتصل به الأداء تقررت
السببيّة وإلا ينتقل إلى الجزء الثاني والثالث والرابع وما بعده إلى أن يتمكن
فيه من عقد التحريمة إلى آخر جزء من أجزاء الوقت، ثم هذا الجزء إن
كان صحيحاً بحيث لم ينسب إلى الشيطان، ولم يوصف بالكراهة- كما
في الفجر- وجب عليه كاملا، حتى لو اعترض الفساد في الوقت بطلوع
الشمس من خلال الفجر فَسَدَ خلافا لهم؛ لاكك ما وجب كاملا لا يتأدى
بالناقص كالصوم المنذور المطلق، أو صوم القضاء لا يتأدى في أيام النحر
والتشريق، وإن كان هذا الجزء ناقضا بأن صار منسوبا إلى الشيطان كالعصر
وقت الاحمرار وجب ناقصَا؛ لأن نقصان السبب يؤثر في نقصان المسبّب،
فيتأدى بصفة النقصان؛ لأنه أرى كما لزم، كما إذا نذر صوم النَحر وأداه
فيه، فإذا غربت الشمس في أثناء الصلاة لم تفسد العَصر؛ لأن ما بعد
الغروب كامل فيتأدى فيه؛ لأن ما وجب ناقصًا يتأدى كاملا بالطريق
الأولى.
فإن قيل: يلزم أن يفسد العصر إذا شرع فيه من الجزء الصحيح، ومدّها
إلى أن غربَت، قلنا: لما كان الوقت متسعا جاز له شغل كل الوقت
فيعفَى الفساد الذي يتصل فيه بالبناء؛ لأن الاحتراز عنه مع الإقبال على
الصلاة متعذر.
والجواب عن الحديث: ما ذكره الطحاويّ في " شرح الاَثار " أن ورود
الحديث كان قبل نَهيه- عليه السلام- عن الصلاة في الأوقات المكروهة.
والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن
ماجه، من حديث الأعرج، وغيره، عن أبي هريرة- رضي اللّه عنه-.

(2/276)


397- ص- ثنا القعنبي، عن مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن أنه قال:
دَخلنَا على أنسِ بن مَالك بعدَ الظهرِ، فقامَ يُصلِّي العَصرَ، فلما فَرغَ من
صلاته ذكرنا تَعجيلَ الصَلاة أو ذَكَرَها فقال: سمعتُ رسولَ الله. صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقولُ:
" تلك ًصلاةُ المُنَافقينَ، تلكً صلاةُ المنافقينَ، تلك صلاةُ المنافقين، يَجلِسُ
أحَدهم حتى إذا اصفرت الشمس، فكانت بين قَرنَي الشيطانِ، أو على قَرني
الشيطانِ قَامَ (1) فنقَرَ أربَعًا، لا يذكر الله فيها إلا قليلاً " (2) .
ش- العلاء بن عبد الرحمن الحرقي الجُهني مولاهم، قد ذكرناه.
قوله: " بعد الظهر " أي: دخلنا على أنسٍ في داره بعد صلاة الظهر،
وكانت داره بجنب المسجد.
قوله: " تلك صلاة المنافقين " إشارة إلى صلاة العَصر التي تُصلَّى (3) في
اصفرار الشمس، وتؤخر هذا التأخير بلا عذر؛ وإنما كررها ثلاث مرات
ليكون أبلغ في ذم تأخيره بلا عذر.
قوله: " يجلس لما إلى آخره بيان لهيئة هذه الصلاة التي وقع فيها وفي
صاحبها الذمّ .
قوله: " فكانت " أي: الشمس " بين قرني الشيطان " " (4) اختلفوا فيه
على وجوه؛ فقيل: معناه: مقارنة الشيطان الشمس عند دنوها للغروب
على معنى ما روي " أن الشيطان يقارنها إذا طلعت، فإذا ارتفعت فارقها،
وإذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، فإذا دنت للغروب قارنها، فإذا
غربت فارقها " فحرمت الصلاة في هذه الأوقات الثلاثة لذلك، وقيل:
قرنُه: قوته، من قولك: أنا مُقرِن لهذا الأمر أي: مطيق له، قوي
__________
(1) في الأصل: " قال " ، وما أثبتناه من سنن أبي داود.
(2) مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: استحباب التبكير بالعصر
195 (622) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: في تعجيل العصر (160) ،
النسائي: كتاب المواقيت، باب: التشديد في تأخير العصر (1/254) .
(3) في الأصل: " يصلي " .
(4) انظر: معالم السنن (1/112- 113) .

(2/277)


عليه؛ وذلك لأن الشيطان إنما يقوى أمرُه في هذه الأوقات؛ لأنه يُسول
لعبَدة الشمس أن يسجدوا لها في هذه الأوقات الثلاثة . وقيل: قرنه:
حزبه وأصحابُه الذين يعبدون الشمس، يُقال: هؤلاء قرن أي: نَشؤٌ
جاءوا بعد قرن مَضى. وقيل: إن هذا تمثيل وتشبيه؛ وذلك أن تأخير
الصلاة إنما هو من تسويل الشيطان لهم وتَسويفِه وتَزيينه ذلك في قلوبهم،
وذوات القرون إنما تعالج الأشياء وتدفعها/بقرونها، فكأنهم لما دافعوها
وأخّروها عن أوقاتها بتسويل الشيطان لهم حتى اصفرت الشمس: صار
ذلك منه بمنزلة ما تعالجه ذوات القرون بقرونها، وتَدفعه بأرواقها. وفيه
وجه آخر: وهو أن الشيطان يقابل الشمس حين طلوعها، وينتصبُ
دونها، حتى يكون طلوعها بين قرنَيه- وهما جانبا رأسه- فينقلب سجود
الكفار للشمس عبادةَ له. وقرنا الرأس فَودَاهُ وجانباه، ومنه سمّي ذو
القرنَينِ؛ وذلك لأنه ضُرب على جانبي رأسه فلُقّب به واللّه أعلم (1) .
قلت: يمكن [ حمل ] الكلام على حقيقته، ويكون المراد: أنه يُحاذيها
بقَرنَيه عند غروبها، وكذا عند طلوعها؛ لأن الكفار يسجدون لها حينئذ
فيقارنَها ليكون الساجدون لها في صورة الساجدين له، ويُخيّل لنفسه
وأعوانه أنما يَسجدون له، فيكون له ولشيعته تَسلطٌ .
قوله: " فنقَرَ أربعا " أي: أَربع ركعات، ونقَر من نقر الديك أو
الغراب، وهو كناية عن تخفيفها جدا بحيث لا يمكثُ فيها إلا قدر وضع
الديك أو الغراب منقاره فيما يُريد أكله.
قوله: " لا يذكر الله فيها إلا قليلا " صفة لقوله: " أربعَا " ؛ وذلك
لاستعجاله فيها خوفا من غروب الشمس، لا يقدر أن يأتي بالقراءة كما
ينبغي، ولا بالتسبيحات والأدعية على صفتها، وانتصابُ " قليلاَ " على أنه
صفة لمصدر محذوف والتقدير: لا يَذكر اللّه فيها إلا ذكرا قليلا. وفيه
- أيضا- ذم صريح لمن يخفّف في الصلاة غايةَ بحيث أنه يؤدي إلى ترك
الواجبات. والحديث: أخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي.
__________
(1) إلى هنا انتهى النقل من معالم السنن.

(2/278)


398- ص- ثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن
رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " الذي تفوتُه صَلاةُ العَصر فكأنما وُتِرَ أهلَه ومَالَهُ " (1) .
ش- " الذي " مبتدأ وخبره: " فكأنما " ، وقد عرف أن المبتدأ إذا
تضمن معنى الشرط يدخل في خبره الفاء، نحو: الذي يأتيني فله درهم؛
وذلك إنما يكون إذا كان المبتدأ مَوصولا، صلته فعل مثل هذا، أو ظرف
نحو (وَما بكُم مَن نِّعمَة فَمِنَ اللهِ) (2) أو كان المبتدأ نكرة موصوفة
بأحدهما كقوَلك: كل رجًل يأتيني أو في الدار فله درهم؛ وإنما تدخل
الفاء لما فيه من القصد إلى أن الأول سبب للثاني فيكون كالشَّرط.
قوله: " أهلَه ومالَه " " (3) مَنصوبان، هو الصحيح المشهور الذي عليه
الجمهور على أنه مفعول ثان لِـ " وُتِرَ " ، فا " ضمر فيه مفعول ما لم يسمّ
فاعله عائدا إلى الذي فاتته الصلاة، ويجوز أن يكونا مَنصوبَين بنزع
الخافض؛ والمعنى: فكأنما وتر في أهله وماله، فلما حذف الخافض
انتصَبَ، والمعنى: نقص هو أهلَه ومالَه وسُلِبَهم، فبقي وترا فردًا بلا أهل
ومال، فليحذر من تفويتها كحذره من ذهاب أهله، وماله. وأما وجه
رفعهما: فعلى ما لم يُسم فاعله، ولا يكون حينئذ في " وُتر " إضمارٌ ،
بل يكون مُسندا إلى الأهل، والمال يكون معطوفا عليه، والمعنى: فكأنما
انتُزِعَ منه أهلُه ومالُه. وهذا تفسير مالك بن أنس. وقال أبو عمر بن
عبد البر: معناه عند أهل اللغة والفقه: أنه كالذي يُصاب بأهله وماله
إصابةَ يطلب بها وِتراً، والوِتر: الجنايةُ التي يُطلب ثأرها، فيجتمعَ عليه
غَمان: غم المصيبة، وغمّ مقاساة طلب الثأر. وقال الداودي من المالكية:
__________
(1) البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب: إثم من فاتته العصر (ه52) ،
مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: التغليظ في تفويت صلاة
العصر 201 (626) .
(2) سورة النحل: (53) .
(3) انظر: شرح صحيح مسلم (5/125-126) .

(2/279)


معناه: يتوجّه عليه من الاسترجاع ما يتوجه على من فقد أهله وماله،
فيتوجه عليه الندمُ والأسَف لتفويته الصلاة. وقيل: مَعناه: فاته من
الثواب ما يلحقه من الأسف عليه كما يلحق من ذهب أهله وماله " .
والحديث أخرجه البخاريّ، ومسلمٌ 0
ص- قال أبو داود: وقال عُبيد الله بن عُمر: أُتِرَ
ش- عُبيد اللّه بن عُمر القواريري أحدُ شيوخ أبي داود، والبخاريّ،
ومُسلم. وقال: " أُتر " موضع " وتر لما، " الهمزة " فيه بدلٌ من
" الواو " ، كما في " اقًّتت " أصله: " وُقِّتت " ، و " أحِّد " أصله:
" وَحّد " ، وأمثاله كثيرةٌ ، وكلاهما مجهول من وَتره يَتِرُه وَترًا ووترا وِتِرهً،
وكذلك: وَترَه حَقّه أي: نقصَه، وقوله تعالى: (لَن يتركُم
أَعمَالَكُم) (1) أي: لن ينتقصكم في أعمالكم، كما تقول: دخَلت
البيتَ وأنتَ تريدُ: دخلتُ في البَيت، وبابُه من ضرب يضرب، واصل:
يَتِر: يَوتِر؛ حذفت الواو لوقوعها بين الياء والكسرة، ومَصدره: فَعل
بالفتح وفعِل بالكَسر، وفعلة/كما ذكرنا وتِرةٌ أصله: وترٌ ، حذفت
الواو تبعاًَ لفِعلة، وعُوِّضتَ عَنها الهاءُ في آخرها، فصار تِرةٌ كما في عِدة.
ص- واختلف على أيّوب (2) .
ش- أي: اختلف على أيوب السختياني في روايته: هل كان " وُتر "
بالواو أو " أُتِر " بالهمزة؟ 0
ص- وقال الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي- عليه السلام- قال:
" وُتِر " .
ش- أي: قال محمد بن مسلم الزهري، عن سالم بن عبد الله بن
عمر بن الخطاب- رصي اللّه عنهم-، عن أبيه، عن النبي- عليه
السلام- قال: " وُتِر " بالواو؛ وأصحّ الأسانيد: الزهري، عن سالم،
عن أبيه.
__________
(1) سورة محمد: (35) .
(2) في سنن أبي داود: " .. أيوب فيه " .

(2/280)


399- ص- نا محمود بن خالد: نا الوليد قال: قال أبو عَمرو- يعني:
الأوزاعيّ: وذلك أن تَرى ما على الأرضِ من الشمسِ صَفراءَ (1) .
ش- محمود بن خالد: السلمي الدمشقي.
والوليد: ابن مُسلم، أبو العباس الدمشقي.
قوله: " ودلك " إشارة إلى الفوات الذي يَدلُّ عليه قوله: " تفوته " .
وقد اختلف العلماء في الفوات؛ " (2) فقال عبد الرحمن الأوزاعي: أن
يؤخرها إلى أن ترى ما على الأرض من الشمس صَفراء؛ والمعنى: إلى
أن تَصفر الشمسُ. وقال ابن وهب: هو فمِمَن لم يُصلها في وقتها
المختار. وقال سحنون: هو أن تفوته بغُروب الشمس. فقيل: ناسيًا.
روي ذلك عن سالم، وقيل: عامدا؛ وهو قول الداودي، والأظهر:
أن هذا فيمَن تَفُوته بخروج الوقت عامدًا. ويؤيده: ما رواه البخاريّ في
" صحيحه " : " مَن ترك صلاة العَصر حبط عملُه " ، وهذا إنما يكون في
العامد " .
فإن قيل: ما الحكمة في تخصيصه- علمِه السلام- العَصر بقوله:
" الذي تفوته صلاة العَصرِ " ؟ قلت: يحتملُ وجوها؛ الأول: أن يكون
جوابَا لسائل (3) سأل عن ذلك، الثاني: أنه تأكيدٌ وحَض على المثابرة
عليها؛ لأنها تأني في وقت اشتغال الناس، والثالثُ: لأنها على
الصحيح: الصلاة الوسطى، وبها تختم الصلوات، والرابع: أنها
مَشهودة، والخامس: أنها صلاة لا يُتنفّلُ بعدها، فإذا فاته العصر فاته
فضل الوقت.
فإن قلت: الصُّبح- أيضا- كذلك، وهي مشهودة- أيضا- قلت:
وقد أوصى بالصُّبح في الكتاب كما أوصى بها في السُّنَّة، فافهم. وأما
كونها مشهودة: فالكتاب عرّف قدرها كما عرفت السُّنَة قدر العصر.
__________
(1) تفرد به أبو داود.
(2) انظر: شرح صحيح مسلم (5/126) .
(3) في الأصل: " لسؤال " .

(2/281)


وأما تأويل ما رواه البخاري " من فاته " فوات مضيع متهاون بفضل وقتها
مع قدرته على أدائها، فحبط عمله في الصلاة خاصة أي: لا يحصل له
أجر المصلي في وقتها، ولا يكون له عمل ترفعه الملائكة. كذا قاله
المهلب. وقال غيرُه: تركها جاحدَا، فإذا فعل ذلك فقد كفر وحبط عمله.
قلت: هذا يُقال في سائر الصلوات، ويقال هذا على وجه التغليظ.
ويُقال: معناه: كاد أن يُحبط، ويُقال: يوقف عنه عملهُ مُدة يكون فيها
بمنزلة المحبط حتى يأتيه من فَضل اللّه ما يدرك به ثواب عمله.
5- بَاب: فِي وَقتِ المَغرب
أي: هذا باب في بيان وَقت المغرب.
400- ص- نا داود بن شبيب: نا حماد، عن ثابت البنانِي، عن أنس بن
مالك قال: كُنَا نُصَلِّي المغربَ مع النبيِّ- عليه السلام- ثم نرمي فيَرى احدنُا
مَوضعَ نَبلِهِ (1) .
ش- داود بن شبيب: البصري، وحماد: ابن سلمة.
قوله: " ثم نَرمي " أي: نَرمي النبل؛ والنبلُ: السهامُ العربية، ولا
واحد لها من لفظها، فلا يُقال: نَبلة، وإنما يُقال: سهم ونشابة؛
والمعنى: أنا نبكر بها في أول وقتها بمجرد غروب الشمس حتى ننصرف،
ويَرمي أحدُنا النبل عن قوسه ويُبصر موقعه لبقاء الضوء. وفي هذا الحديث
والأحاديث التي بَعدها أن المغرب يُعجل عقيب غروب الشمس، وهذا
مجمع عليه، وقد حكي عن الشيعة فيه شيء لا التفات إليه ولا أصل له.
فإن قيل: ما تقولُ في الأحاديث التي وردت في تأخير المغرب إلى
__________
(1) البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب: وقت المغرب (559) ، مسلم:
كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: بيان أن أول وقت المغرب عند غروب
الشمس 217- (637) ، النسائي: كتاب المواقيت، باب: تعجيل المغرب
(1/259) ، ابن ماجه: كتاب الصلاة، باب: وقت صلاة المغرب (687) .

(2/282)


قريب سقوط الشفق؟ قلت: تلك لبيان جواز التأخير، وهذه لبيان
الأوقات التي كان- عليه السلام- يُواظب عليها، لأجل فضيلتها إلا
لعُذرٍ ، فافهم. وأخرج البخاريّ، ومسلم، وابن ماجه نحوه من حديث
/رافع بن خديج، عن رسول اللّه- عليه السلام- وأخرج النسائي نحوه
من رواية رجل من أَسلم من أصحاب النبي- عليه السلام-، عن النبي
- عليه السلام-.
401- ص- نا عَمرو بن علي، عن صفوان بن عيسى، عن يزيد بن
أبي عُبيد، عن سَلَمةَ بنِ الأكوع قال: كان النبيُّ- عليه السلام- يُصلِّي
المغربَ ساعةَ تَغربُ الشمسُ إذا غَابَ حاجِبُها (1) .
ش- عَمرو بن علي: الصَّيرفي الباهلي البصري، وصفوان بن عيسى:
القرشي البصري.
ويزيد بن أبي عُبيد: الأَسلمي مولى سلمة بن الأكوع. روى عن:
سلمة بن الأكوع، وعمير مولى آبي اللحم. روى عنه: يحيى القطان،
وحفص بن غياث، وصفوان بن عيسى، وجماعة آخرون. مات سنة
سبع وأربعين ومائة. روى له الجماعة (2) .
وسلمة بن عَمرو بن الأكوع- واسم الأكوع: سنان بن عبد اللّه بن
قُشَير الأسلمي، أبو مُسلم أو أبو عامر، شهد بيعة الرضوان تحت
الشجرة، وبايع رسول الله يومئذ ثلاث مرار؛ في أول الناس وأوسطهم
وآخرهم. رُوِيَ له عن رسول الله- عليه السلام- سَبعةٌ وسَبعون حدينا؛
اتفقا على ستة عشر، وانفرد البخاري بخمسة ومسلم بسَبعة. روى عنه:
__________
(1) البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب: وقت المغرب (561) ، مسلم:
كتاب المساجد، باب: بيان أن أول وقت المغرب عند غروب الشمس (636) ،
الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في وقت المغرب (164) ، ابن
ماجه: كتاب الصلاة، باب: وقت صلاة المغرب (688) .
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (32/ 7028) .

(2/283)


ابنه: إياس، ومولاه: يزيد بن أبي عبيد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن،
وجماعة آخرون. مات بالمدينة سنة أربع وسَبعين، وهو ابن ثمانين سنةَ،
وكان يسكن الرَبذَة، وكان شجاعا راميَا محسناً خيِّرا. وقيل: إنه شهد
غزوة مؤتة . روى له الجماعة (1) .
قوله: " ساعة " نصب على الظرفية ومضاف إلى الجملة.
قوله: " إذا غاب حاجبُها " بدل من قوله: " ساعة تغرب الشمس " ؛
وحاجب الشمس: حرفها الأعلى من قُرصها وحواجبها: نواحيها.
وقيل: سمّي بذلك لأنه أول ما يَبدو منها كحاجب الإنسان، وعلى هذا
يختص الحاجب بالحرف الأعلى البادي أولا، ولا يسمّى جميع نواحيها
حواجب. وأخرجه: البخاريّ، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه بنحوه.
402- ص- نا عُبيد الله بن عُمر: نا يَزيد بن زُرَيع: نا محمد بن
إسحاق: نا يَزيد بنُ أبي حبيب، عن مَرثد بن عبد الله قال: قَدِمَ (2) علينا
أبو أيوبَ غَازيًا وعقبةُ بنُ عامر يومئذ على مصرَ، فأخَّرَ المغربَ، فقامَ إليه
أبو أيوبَ فقال له: مَا هذه الصًلاةُ يا عقبة؟! فقال له: شغِلنَا، قال: أما
سمعت رسولَ الله- عليه الَسلام- يَقولُ: " لا تَزالُ (3) أُمَّتي بخَيرٍ " أو قال:
" على الفِطرَةِ، مَا لم يؤَخِّرُوا المغربَ إلى أن تَشتبكَ النُّجومُ " (4) ؟.
ش- عبيد اللّه بن عُمر: القواريري، ويزيد بن زُريع: البصري،
ومحمد بن إسحاق: ابن يَسَار صاحب المغازي. ويزيد بن أبي حبيب-
واسم أبي حبيب: سويد المصري.
ومَرثد بن عبد اللّه- بفتحٍ الميم وسكون الراء وفتح الثاء المثلثة-
أبو الخير اليَزَني المصري، ويزن بطن من حمير. روى عن: سعيد بن زيد
__________
(1) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (2/87) ، أسد الغابة
(2/423) ،الإصابة (2/66) .
(2) في سنن أبي داود: " لما قدم " .
(3) في سنن أبي داود: " لا يزال " .
(4) تفرد به أبو داود.

(2/284)


ابن عمرو بن نفيل، وأبي أيوب الأنصاريّ، وعمرو بن العاص، وابنه:
عبد اللّه بن عَمرو، وزيد بن ثابت، وأبي نضرة الغفاري، وغيرهم.
روى عنه: عبد الرحمن بن شمّاسة، ويزيد بن أبي حبيب،. وجعفر بن
ربيعة، وغيرهم. قال أبو سَعيد بن يونس: كان مفتي أهل مصر في
زمانه، وكان عبد العزيز بن مَروان يُحضِره فيُجلسه للفُتيا. توفي سنة
تسعين. روى له الجماعة (1) .
وأبو أيوب: خالد بن زيد الأنصاري، مُضيِّف رسول اللّه. وَعُقبة بن
عامرٍ الجُهني.
قوله: " يومئذ " أي: يوم قدِم أبو أيوب مصر، وكان عقبة والياً على
مصر من قِبل معاوية، سنة أربع وأربعين.
قوله: " أو قال: على الفطرة " شكّ من الراوي؛ وكذا في رواية ابن
ماجه؛ رواها عن عباد بنَ العوام، عن عمر بن إبراهيم، عن قتادة،
عن الحسن، عن الأحنف بن قَيس، عن العباس بن عبد المطلب قال:
قال رسولُ اللّه- عليه السلام-: " لا تزال أمّتي على الفِطرة ما لم
يؤخروا المَغرب حتى تشتبك (2) النجوم (3) " . والمرادُ من الفطرة:
السُّنَّة؛ كما في قوله- عليه السلام-: " عشر من الفطرة " .
قوله: " إلى أن تَشتبك النجُوم " أن: مَصدرية، والتقدير: إلى اشتباك
النجوم. قال ابن الأثير (4) : " اشتبكت النجوم أي: ظهرت جميعها
واختلط بعضها ببعض لكثرة ما ظهر منها " . وجه التمسك بالحديث: أن
التأخير لما كان سببًا لزوال الخير كان التعجيل سببًا لاستجلابِه. وقال
الشيخ زكي الدين: في إسناده: محمد بن إسحاق بن يسار، وقد تقدم
الكلام عليه .
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (27/5850) .
(2) في الأصل: " يشتبك " .
(3) ابن ماجه: كتاب الصلاة، باب: وقت صلاة المغرب (689) .
(4) النهاية (2/441) .

(2/285)


قلتُ: كأنه أشار بهذا إلى ضعف الحديث؛ ولكن ليسَ الأمر كما
زعمه؛ أما أولا: فلأن/محمد بن إسحاق مُوثق عند الجمهور، وأما
ثانيا: فإن الحاكم رواه في " مُستدركه (1) " وقال: صحيح على شرط
مُسلم.
***
6- بَابُ: وَقتِ عشاءِ الآخرة
أي: هذا باب في بيان وقت عشاء الأخرة، وفي بَعض النسخ: " باب
ما جاء في وقت عشاء الآخرة " بالإضافة، وفي بعضها: " العشاء
الآخرة " بالصفة؛ وبالإضافة أصحّ.
403- ص- ثنا مُسدّد: نا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن بَشير بن ثابت،
عن حبيب بن سالمٍ ، عن النعمان بن بَشير قال: " أنا أعلمُ الناسِ بوقت هذه
الصلاة: صلاة العشاء الآخرة، كان رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَفَيها لسُقُوطِ اَلقَمرِ
لِثالثة " (2)
.ًً
شً- أبو عوانة: الوَضَّاحُ، وأبُو بشر هو: جَعفر بن أبي وَحشية
الواسِطيُّ.
وبَشِير- بفتح الباء- بن ثابت: الأنصاري. روى عن: حبيب
ابن سالم. روى عنه: شعبة وغيره. قال ابن معين: ثقة. روى له:
أبو داود، والترمذي، والنسائي (3) .
وحبِيب بن سالم: الأنصاري مولى النعمان بن بَشير. روى عن:
النعمان. روى عنه: محمد بن المُنتشر، وإبراهيم بن مهاجر، وأبو بشر
__________
(1) (1/ 190)
(2) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في وقت صلاة العشاء الآخرة
(165) النسائي: كتاب المواقيت، باب: ما يستحب من تأخير العشاء
(1/ 264)
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (4/715) .

(2/286)


جَعفر بن أبي وحشيّة، وغيرهم. قال أبو حاتم: ثقة. وقال البخاري:
فيه نطر. روى له: الجماعة إلا البخاريُّ (1) .
والنعمان بن بَشير بن سَعد بن ثعلبة بن جُلاس- بالجيم المضمومة-
أبو عبد الله، وهو أول مولود ولد في الأنصار بعد قدوم النبي- عليه
السلام-؛ ولد هو وعبد اللّه بن الزبير عام اثنتين من الهجرة. رُوِيَ له
عن رسول اللّه مائة حديث وأربعة عشر حديثا. روى عنه ابنه: محمد بن
النعمان، والشعبي، وحبيب بن سالم مولاه، وعروة بن الزبير،
وغيرهم، وكل غيلةً ما بَين حمص وسلميّة في أول سنة أربع وستين . وقال
في " الكمال " : قتل بقرية من قرى حمص يقال لها: حرب بنفسا (2) .
روى له الجماعة (3) .
قوله: " صلاة العشاء الآخرة " بدل من قوله: " الصلاة " في قوله:
" بوقت هذه الصلاة " .
قوله: " لسُقُوط القمر لثالثة " اللام في الوضعين للتوقيت أي: لوقت
سقوط القمر للَيلة ثالثة من الشهر؛ كما في قوله تعالى: (أقم الصَّلاَةَ
لدُلُوك الشمس) (4) أي: لوقت دلوكها، وسقوط القمرَ : وقوعُه
لَلغروبَ: ويغربُ القمر في الليلة الثالثة من الشهر على مُصي ثِنتين
وعشرين درجةً منِ غروب الشمس. وقال أبو بكر: حدثنا هشيم، عن
أبي بشر، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير قال: أنا من أعلم
الناس، أو كأعلم الناس بوقت صلاة رسول اللّه العِشاء، كان يُصلِيها بعد
سقوط القمر ليلة الثانية من أول الشهرِ. انتهى.
ويَغربُ القمرُ في الليلة الثانية من الشهرِ على مُضي ست (5) عشرة
درجةَ من غروب الشمس ... (6) . والحديث: أخرجه الَترمذي، والنسائيّ.
__________
(1) المصدر السابق (5/1085) .
(2) كذا، وفي " معجم البلدان " (2/236) : " حَر بَنَفسَا " .
(3) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (3/550) ، أسد الغابة
(5/327) ، الإصابة (3/559) .
(4) سورة الإسراء: (78) .
(5) في الأصل: " ستة " ، وهو خطأ.
(6) بياض في الأصل قدر سطرين.

(2/287)


404- ص- نا عثمان بن أبي شيبة: نا جرير، عن منصور، عن (1)
الحكم، عن نافع، عن عبد الله بن عُمر قال: مَكَثنَا ذاتَ ليلة نَنتظرُ رسولَ اللهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لصلاة العشاء، فخرجَ إلينا حينَ ذَهبَ ثُلُثُ الليلِ، أو بعًدَه، فلا نَدرِي:
أشيء شَغًلَهُ أَم غيَرُ ذلك؟ فقال حينَ خرجَ: " أتنتظِرونَ هذه الصلاةَ؟ لولا
أن يَثقُلَ (2) على أمَّتِي لصلَّيتُ بهم هذه الساعة " ثم أمر المؤذنَ فأقامَ
الصلاة " (3) .
شِ- جرير: ابن عبد الحميد، ومنصور: ابن المعتمر، والحكم: ابن
عتيبة.
قوله: " ذات ليلة " قد مر الكلام فيه غير مرة.
قوله: " لصلاة العشاء " أي: لأجل صلاة العشاء.
قوله: " أو بعده " أي: أو بعد الثلث.
قوله: " أشيءٌ شغله " أي: منعه عن الخروج في أول وقتها.
قوله: " هذه الساعةَ " إشارة إلى الساعة التي تلي الثلث الأول من
الليل، وبهذا استدل أصحابنا في فضل التأخير؛ وهو حجّة على مَن فضل
التقديم، وذلك لأنه نبه على تفضيل التأخير بقوله: " لولا أن يَثقل "
وصرّح بأن ترك التأخير إنما هو للمشقة، وأنه- عليه السلام- خشي أن
يُواظب عليه فيفرض عليهم، أو يتوهموا إيجابه، فلهذا تركه كما ترك
صلاة التراويح/وعلل تركها بخشية افتراضها والعجز عنها. وقال
الخطابيّ وغيره: إنما استحب تأخيرها لتطول مدة انتظار الصلاة، ومنتظر
الصلاة في صلاةٍ . والحديث: أخرجه مسلم، والنسائي.
405- ص- نا عمرو بن عثمان الحمصي، [ عن أبيه ] ، نا حَريز، عن
راشد بن سَعد، عن عاصم بن حُمَيدَ السَّكوني، أنه سمع معاذَ بن جبل
__________
(1) في الأصل " بن " خطأ.
(2) في سنن أبي داود: " تثقل " .
(3) مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: وقت العشاء وتأخيره 220
(639) ، النسائي: كتاب المواقيت، باب: آخر وقت العشاء (1/267) .

(2/288)


يَقول: بَقَينَا (1) النبيَ- عليه السلام- في صَلاة العَتمة، فتأخرَ (2) حتى ظَنَّ
الظانُ أنه ليسَ بخارج والقائلُ منا يقولُ: صلى، فإنا لكَذلك حتى خَرَج النبيُّ
- عليه السلام- فقالوا له كما قالوا، فقال (3) : " أَعتمُوا بهذه الصلاة؛
فإنكم قد فُضَلتُم بها على سائر الأمم، ولم يُصَلِّهَا (4) أمة قبلَكم " (5) .
ش- عَمرو بن عثمان القرشي الحمصي. وحَريز: ابن عثمان الحِمصي
الشامي أبو عون، وراشد بن سَعد: المقرائي.
وعاصم بن حُمَيد السكوني- بفتح السين- الحمصي، شهد خطبة
عمر بالجابية. وروى عن: عمر. وسمع: معاذ بن جبل، وعوف بن
مالك الأشجعي، وأزهر بن سَعد وغيرهم. روى عنه: راشد بن سَعد،
وغيره. وقال الدارقطني: ثقة. روى له: أبو داود، والنسائي، وابن
ماجه (6) .
قوله: " بَقَينا النبي- عليه السلام- " - بفتح القاف- أي: انتظرناه؛
يقال: بقَيت الرجل أبقيه إذا انتظرتَه؛ قال كثير.
فما زلتُ أَبقي الظُعنَ حتى كأنها ... أُواقِي سُديً يَغتالُهنّ الحوائلُ
قوله: " في صلاة العتمة " أي: صلاة العشاء الآخرة؛ وإنما قال
" العتمة " لأن العرب يُطلقون العشاء على المغرب، ولو قال في صلاة
العشاء رُبما توهم أن المراد المغرب.
قوله: " فإنا لكذلك " اللام المفتوحة فيه للتأكيد أي: فإنا على هذه
الحالة حتى خرج علينا النبي- عليه السلام-.
قوله: " أعتموا بهذه الصلاة " أي: أخروا هذه الصلاة- أي: العشاء
الآخرة.
__________
(1) في سنن أبي داود: " أبقينا " ، وفي التحفة (8/11319) " ارتقبنا " .
(2) في سنن أبي داود: " فأخر " .
(3) في سنن أبي داود: " فقال لهم "
(4) في سنن أبي داود: " ولم تصلها " .
(5) تفرد به أبو داود.
(6) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (13/3004) .
19 * شرح سنن أبي داوود 2

(2/289)


قوله: " فإنكم " " الفاء " فيه للتعليل.
قوله: " بها " أي: بصلاة العتمة.
فإن قيل: كيف يكون تفضيلهم بهذه الصلاة على سائر الأمم علةَ
للإعتام؟ قلتُ: لأن سائر الأمم لم يُعتموا؛ لأن قوله: " ولم يُصَفها أمة
قبلكم " يحتملُ مَعنيين؛ الأول: أنهم لم يُصلوا العتمة أصلا؛ وهو
الظاهر، والثاني: أنهم لم يُعتموا بها وإن كانوا صلوها، فيكون تفضيل
هذه الأمة على غيرهم، إما بمعنى أن غيرهم لم يُصلوها أصلا، أو بمعنى
أنهم أعتموا وغيرهم لم يُعتموا؛ والقَرينة تُرجح المعنى الثاني،. وأن
تَفضِيلهم على غيرهم بالإعتامَ، وأن الإعتامَ أفضلُ من التقديم.
فإن قيل: قد نهى عن إطلاق اسم العتمة على العشاء، كما في
" صحيح مسلم " : " لا يغلبنكم الأعراب على صلاتكم العشاء؛ فإنها في
كتاب اللّه: العشاء؛ وإنها تعتم بحلاب الإبل " معناه: أن الأعراب
يسمونها العتمة؛ لكونهم يعتمون بحلاب الإبل. أي: يؤخرونه إلى شدة
الظلام؛ وإنما اسمُها في كتاب اللّه: العشاء، في قوله تعالى: (وَمن
بَعد صَلاة العشَاء) (1) . فينبغي لكم أن تسموها العشاء. قلت: قَد
جاءَ في الَأحاَديثَ الصحيحة تمسيتها بالعتمة؛ كحديث: " لو يَعلمون ما
في الصبح والعتمة لأتوها ولو حَبوا " وغير ذلك.
وأما النهي: فهو للتنزيه؛ لا للتحريم، ويمكن أن يكون استعمالها
- أيضا- لمن لا يَعرف العشاء، فيُخاطب بما يعرفه، أو لأنها أشهر عند
العرب من العشاء.
406- ص- نا مسدد: نا بشرُ بن المُفضّل: ثنا داود بن أبي هند، عن
أبي نَضرة، عن أبي سَعيد الخدَريّ قال: صَلَّينَا مع رسول الله صَلاةَ العَتمَة
فلم يخرج حتى مَضى نحوٌ من شَطر الليلِ فقال: " خُذُوا مَقاعَدَكُم " فأخذناَ
مَقَاعِدَنَا، فقال: " إن الناس قد صلُوا وأخذُوا مضاجِعَهُم، وإَنكم لن تَزَالُوا
__________
(1) سورة النور: (58) .

(2/290)


في صَلاة ما انتظرتُمُ الصلاةَ، ولولا ضُعفُ الضَّعيفِ، وسِقَمُ السَّقِيم
لأخرتُ هًذه الصلاةَ إلى شَطرِ الليلِ " (1) .
ش- أبو نَضرة: منذرُ بن مالك العَوَقي- بفتح العين وفتح الواو
وبالقاف- العبدي البصري.
قوله: " فلم يخرج " أي: لم يخرج لصلاة العتمة حتى مَضى نحو من
شطر الليل؛ يَدُل عليه ما روى ابن ماجه هذا الحديث من رواية داود بن
أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، أن النبي- عليه السلام-
صلى المغربَ ثم لم يخرج حتى ذهبَ شَطرُ الليل، ثم خرج فصلى
بهم/وقال: " لولا الضَعيفُ والسقيمُ لأحبَبتُ أن أُؤخر هذه الصلاة إلى
شَطر الليل "
قوله: " حتى مضى نحوٌ " أي: مثل " من شطر الليل " أي: نصفه
وارتفاعه على أنه فاعل مضى.
قوله: " مقاعدكم " المقاعد: مواضع قعود الناس في دورهم وغَيرها.
والمضاجع: جمع مضجع، وهو موضع النوم.
قوله: " إن الناس قد صلُّوا " المراد منهم: المسلمون الذين لم يحضروا
صلاة العتمة في هذه الليلة مع النبي- عليه السلام-، فلهذا خاطب
الحاضرين بقوله: " إنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة " أي:
مادُمتم منتظرين الصلاة.
قوله: " ولولا ضُعف الضعيف وسقم السقيم " أي: لولا الضعف
والسقم مَوجودان بَين الناس لأخرتُ هذه الصلاة- أي: صلاة العتمة-
إلى نصف الليل كل وَقت؛ ولكن تركه لوجود الضعف والسقم؛ لأن
" لولا " لانتفاء الثاني لوجود الأول؛ نحو: لولا زيد لهلك عَمرو؛ فإن
هلاك عَمرو مُنتفٍ لوجود زَيد، وأما " لو " فإنه لانتفاء الثاني لانتفاء
الأول؛ نحو: لو جئتني لأكرمتًك؛ فإن الإكرام منتفٍ لانتفاء المجيء.
__________
(1) النسائي: كتاب المواقيت، باب: آخر وقت العشاء (1/268) ، ابن ماجه:
كتاب الصلاة، باب: وقت صلاة العشاء (693) .

(2/291)


فإن قيل: ما الفرق بَين الضُّعف والسقم، فهل هما واحد؟ فما كانت
الحاجة إلى ذكرهما معا؟ قَلت: الضُّعف والضَّعف- بالضم والفتح-
خلاف القوة، وقد ضَعُف- بالضمّ- فهو ضَعيف، والسقم- بالضم-
والسَّقَم- بفتحتين: المرض ، وكذلك السَقَامُ، وقد سَقِمَ- بالكسر-
فهو سقيمٌ ، فالضعيف أعم من السقيم؛ يتناول مَن به سَقمٌ ويَتناول مَن
ذهبت قوته كالشيخ الهرِم، ويتناول كل عاجز عن الحضور سواء كان به
سقم أولا؛ وإنما ذكر رسول اللّه كليهما ليتناول أنول الجنسَين، ويَعمّ
أصنافهما، فافهم.
وهذا الحديث- أيضا- حجة لأصحابنا على استحباب تأخير العشاء
إلى ما قبل نصف الليل، والحديث الذي تقدم يدل على استحباب التأخير
إلى الثلث؛ وكلاهما سواء؛ لأن قبل النصف في حكم الثلث.
فإن قلت: ينبغي أن تكون سنيّة التأخير كسنية السواك؛ حيث قال
- عليه السلام-: " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل
صلاة، ولأخرتُ العشاء إلى ثلث الليل " رواه الترمذي، والنسائي؛
وذلك لأن الأمر بالسواك وتأخير العشاء كلاهما مُنتفيان لوجود الشقة،
ومع هذا السواك: سُنَّة وتأخير العشاء: مستحبّ. قلت: لم تثبت
سنية السواك بعد هذا إلا بمواظبته- عليه السلام- ولولاها لقلنا باستحبابه
- أيضا- ولم توجد المواظبة في تأخير العشاء، فلم تثبت السّنية، فبقي
مُستحبا. وجوابٌ آخر: أنه قال في السواك: " لأمرتهم " وهو للوجوب؛
ولكن امتنع الوجوب لعارض المشقة، فيكون سُنَّة، وأما في التأخير فقد
قال: " لأخرتُ " وفعله مُطلقا يدل على الاستحباب لا على الوجوب.
***
7- بَاب: في وَقتِ الصُّبح
أي: هذا باب في بيان وقت الصبح.
407- ص- ثنا القعنبي، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عَمرةَ

(2/292)


بنتِ عبد الرحمن، عن عائشة- رضي الله عنها-، أنها قالت: إِن كان
رسولُ اللّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليُصَلِّي الصُبحَ فيَنصرفُ النِّساءُ مُتلفِّعاتٌ بمُرُوطهنَّ ما يُعرفنَ
من الغَلَسِ (1) .
ش- " إن " مخففة عن مثقلة، أصلُه: إنّه كان رسول اللّه. أي: إن
الشأن: كان رسول اللّه؛ وذلك لأجل التأكيد، وكذا اللام في قوله:
" ليصلي الصبح " للتأكيد.
قوله: " متلفعات " - بالعين المهملة بعد الفاء- أي: متجللات،
واللفاع: ثوب يجلل به الجسد كله، كساءً كان أو غيره، وتلفع بالثوب
إذا اشتمل به يعني: تجلل جميع جسده. وروى " مُتلفّفات " - بفائين-
والتلفّفُ قد يجيء بمعنى التلفع 0 والمروط: جمع مِرط- بكسر الميم-،
وهو كساء من صوف أو خزّ أو كتانٍ ، وقد مر مرةً.
قوله: " ما يُعرفن من الغلسِ " يَعصي: ما جُرفن أَنسَاءٌ هُن أم رجال ؟
قاله الداودي. وقيل: ما يُعرف أعيانهن. وقال الشيخَ محيي الدين (2) :
" وهذا ضعيف؛ لأن المتلفعة في النهار- أيضا- لا تعرف عينها : فلا
يبقى في الكلام فائدة " .
قلت: هذا ليس بضعيف : لأنه ليس المراد من قوله: " ما يُعرف
/أعيانهن " ما يُشَخّصنَ حقيقة التشخيص؛ بَل معناه 0 ما يُعرفن أرجال أو
صبيان أو نساء أو بنات ؟ فهو- أيضا- قريب من قول الداودي، فافهم.
و " الغلس " - بفتحتَين- بقاء ظلام الليل واختلاطه بضياء الصباح،
__________
(1) البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب: وقت الفجر (578) ، مسلم : كتاب
المساجد ومواضع الصلاة، باب: وقت العشاء وتأخيرها (645) ، الترمذي:
كتاب الصلاة، باب: في التغليس في الفجر (153) ، النسائي: كتاب
المواقيت، باب: التغليس في الحصر (1/271) ، ابن ماجه: كتاب الصلاة،
باب: وقت صلاة الفجر (669) .
(2) شرح صحيح مسلم (5/144-145) .

(2/293)


و " الغَبَس " قريب منه؛ إلا أنه دونه. وفيه حجة لمن رأى التغليسَ بالفجر؛
وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق بن راهويه. والحديث:
أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وأخرجه ابن ماجه،
وغيره من حديث عروة، عن عائشة- رضى اللّه عنها-.
408- ص- ثنا إسحاق بن إسماعيل: ثنا سفيان، عن ابن عجلان، عن
عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن
خديج قال: قال رسول الله- عليه السلام-: " أصبحُوا بالصبح؛ فإنه أعظم
لأجُورِكُم " أو " أعظمُ للأَجرِ " (1) 0
ش- إسحاق بن إسماعيل: الطالقاني، وسفيان: الثوري، ومحمد
ابن عجلان.
وعاصم بن عُمر " بن قتادة بن النعمان: ابن زيد بن عامر بن سواد بن
كعب، وهو ظَفَر بن الخزرج بن عمرو، وهو النَّبيت (2) بن مالك بن
أوس الظَفَري الأوسي الأنصاري أبو عُمر، ويقالَ: أبو عَمرو المدني.
سمع: جابر بن عبد اللّه، وأنس بن مالك، ومحمود بن لبيد. وسمع:
أباه، وغيرهم. روى عنه: ابنه: الفضل بن عاصم، ومحمد بن
عجلان، ومحمد بن إسحاق ، وغيرهم. قال ابن معين، وأبو زرعة:
ثقة. توفي بالمدينة سنة تسع وعشرين ومائة. روى له الجماعة (3) .
ومحمود بن لبيد: ابن عقبة بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن
عبد الأشهل الأشهلي الأنصاري، يكنى أبا نعيم، ولد في حياة رسول الله،
__________
(1) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في الإسفار بالفجر (154) ،
النسائي: كتاب المواقيت، باب: الإسفار (1/275) ، ابن ماجه: كتاب
الصلاة، باب: وقت صلاة الفجر (672) .
(2) في الأصل: " عمرو بن النبيت " وما أثبتناه من " تهذيب الكمال " وعلق
محققه في الحاشية بقوله: " جاء في حواشي النسخ من تعقبات المصنف على
صاحب " الكمال " قوله: " كان فيه: ابن عمرو بن النبيت " وهو خطأ " .
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (13/3020) .

(2/294)


ولم تصح له رواية ولا سماع من النبي- عليه السلام-، وقد روى عن
النبي أحاديث. وتوفي بالمدينة سنة ست وتسعين. قال ابن سَعد: وكان
ثقة قليل الحديث. وقال الواقدي: مات محمود بن لبيد، وهو ابن تسع
وتسعين. روى له: أبو داود، والنسائي (1) .
ورافع بن خديج: ابن رافع بن عديّ بن يزيد بن جُشم بن حارثة بن
الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن أَوس الأنصاري الحارثي،
أبو عبد اللّه. ويقال: أبو رافع، شهد أحدا والخندق. رُوِيَ له عن
رسول اللّه ثمانية وسبعون حديثًا؛ اتفقا على خمسة أحاديث، وانفرد
مسلم بثلاثة. روى عنه: عبد اللّه بن عُمر بن الخطاب، والسائب بن
يزيد، وحنظلة بن قيس، وغيرهم. مات بالمدينة سنة أربع وسبعين وهو
ابن ست وثمانين سنة. روى له الجماعة (2) .
قوله: " أصبحوا بالصُّبح " أي: نوِّروا به. وبه استدل أصحابنا على أن
الإسفار بالفجر أفضل، وبه قال سفيان الثوري وغيرُه.
واعلم أن الإسفار " (3) رُوي من حديث رافع بن خديج، ومن حديث
محمود بن لبيد، ومن حديث بلال، ومن حديث أنس، ومن حديث
قتادة بن النعمان، ومن حديث ابن مسعود، ومن حديث أبي هريرة،
ومن حديث حواء الأنصارية.
أما حديث رافع بن خديج: فرواه أصحاب السنن الأربعة من حديث
عاصم بن عمر، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج قال: قال
رسول اللّه: " أسفروا بالفجر؛ فإنه أعظم للأجر " ؛ الترمذي، عن
محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عُمر، والباقون: عن محمد بن
__________
(1) المصدر السابق (27/5820) .
(2) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (1/495) ، أسد الغابة
(2/190) ،الإصابة (1/495) .
(3) انظر: نصب الراية (1/235: 237) .

(2/295)


عجلان، عن عاصم به؛ قال الترمذي: حديث حسن صحيح؛ ولفظ
أبي داود: " أصبحوا بالصُّبح " وفي رواية: " أصبحوا بالفجر " ، قال
ابن القطان في " كتابه " : طريقه طريق صحيح. وعاصم بن عمر: وثقه
النسائي، وابن معين، وأبو زرعة وغيرهم، ولا أعرف أحدا ذكره في
الضعفاء ولا ضعّفه. ورواه ابن حبان في " صحيحه " في النوع الخامس
والأربعين من القسم الأول؛ وفي لفظ له: " أسفروا بصلاة الصبح؛ فإنه
أعظم للأجر " وفي لفظ له: " فكلما أصبحتم بالصبح؛ فإنه أعظم
لأجوركم " ، وفي لفظ للطبراني: " فكلما أسفرتم بالفجر؛ فإنه أعظم
للأجر " .
وأما حديث محمود بن لبيد: فرواه أحمد في " مسنده " : حدثنا
إسحاق بن عيسى: ثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن
محمود بن لبيد، عن النبي- عليه السلام- بنحوه؛ لم يذكر فيه رافع
ابن خديج، ومحمود بن لبيد صحابي مشهور- كما ذكرنا- فيحتمل أنه
سمعه من رافع أولا فرواه عنه، ثم سمعه من النبي- عليه السلام- فرواه
عنه؛ إلا أن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فيه ضعف.
وأمما حديث بلال: فرواه البزار في " مسنده "/: حدثنا محمد بن
عبد الرحيم: ثنا شبابة بن سوار: ثنا أيوب بن سيّار، عن ابن المنكدر
عن جابر، عن أبي بكر، عن بلال، عن النبي- عليه السلام- بنحوه 0
قال البزار: وأيّوب بن سيّار ليس بالقوي، وفيه ضَعف.
وأما حديث أنس: فرواه البزار- أيضا-: حدثنا محمد بن يحيى بن
عبد الكريم الأزدي: ثنا خالد بن مخلد: ثنا يزيد بن عبد الملك، عن
زيد بن أسلم، عن أنس بن مالك مرفوعا نحوه؛ ولفظه: " أسفروا
بصلاة الفجر؛ فإنه أعظم للأجر " .
وأما حديث قتادة بن النعمان: فرواه الطبراني في " معجمه " والبزار في
" مسنده " من حديث فليح بن سليمان: ثنا عاصم بن عمر بن قتادة بن
النعمان، عن أبيه، عن جده مرفوعا نحوه.

(2/296)


وأما حديث ابن مسعود: فرواه الطبراني في " معجمه " : حدثنا أحمد
ابن أبي يحيى الحضرمي: ثنا أحمد بن سهل بن عبد الرحمن الواسطي:
ثنا المعلى بن عبد الرحمن: ثنا سفيان الثوري وشعبة، عن زبيد، عن
مرة، عن عبد اللّه بن مسعود مرفوعا نحوه.
وأما حديث أبي هريرة: فرواه ابن حبان في كتاب " الضعفاء " من
حديث سعيد بن أوس أبي زيد الأنصاري، عن ابن عون، عن ابن
سيرين، عن أبي هريرة مرفوعا نحوه.
وأما حديث حواء: فرواه الطبراني في " معجمه " : حدثنا أحمد بن
محمد الجُمحي: ثنا إسحاق بن إبراهيم الحُنَيني: ثنا هشام بن سَعد،
عن زيد بن أسلم، عن ابن بُجَيد الحارثي، عن جدته الأنصاريّة- وكانت
من المبايعات- قالت: سمعتُ رسول الله يقولُ: " أسفِروا بالفجر؛ فإنه
أعظم للأَجر " . قال في " الإمام " : وإسحاق الحُنيني- بضم الحاء
بعدها نون ثم ياء آخر الحروف، ثم نون-. قال البخاريّ: في حديثه
نظر. وذكر له ابن عديّ أحاديث، ثم قال: وهو مع ضَعفه يكتب
حديثه. وابن بُجَيد- بضم الباء الموحدة وفتح الجيم بعدها [ ياء ] آخر
الحروف ساكنة- ذكره ابن حبان في " الثقات " . وجدّته: حواء بنت زيد
ابن السكن، أخت أسماء بنت زيد بن السكن.
وفيه آثار- أيضا- أخرج الطحاوي (1) ، عن داود بن يزيد الأودي،
عن أبيه قال: كان علي بن أبي طالب يصلي بنا الفجر ونحن نتراءى
الشمس، مخافة أن تكون قد طلعت. انتهى. وعن أبي إسحاق، عن
عبد الرحمن بن يزيد قال: كنا نصلي مع ابن مَسعود فكان يُسفِر بصلاة
الصبح. رواه ابن أبي شيبة في " مصنفه " (2) . وروى- أيضا- عن
أبى أسامة، عن أبي روق، عن زياد بن المقطع. قال: رأيت الحسين بن
__________
(1) شرح الاَثار (1/106) .
(2) (1/321) وإلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.

(2/297)


علي أسفر بالفجر جدا . وروى عن ابن فضيل، عن رضي بن أبي عقيل،
عن أبيه قال: كان ربيع بن حنين يقول له- وكان مؤدبه-: يا أبا عقيل
نَوَر نَور. وروى عن وكيع، عن عثمان بن أبي هند أن عمر بن عبد العزيز
كان يُسفر بالفجر. وعن وكيع- أيضا-، عن سفيان، عن الأعمش
قال: كان أصحاب عبد اللّه يسفرون بالفجر. وعن وكيع- أيضا-،
عن سفيان، عن عُبيد المكتب، عن إبراهيم أنه كان يُنور بالفجر. وعنه
- أيضا-، عن سفيان، عن حماد، عن إبراهيم قال: ما اجتمع
أصحاب محمد- عليه السلام- على شيء ما أجمعوا على التَنوير
بالفجر. وفي الباب أحاديث وآثار كثيرة غير ما ذكرنا.
فإن قيل: قد تأول الإسفار في هذه الأحاديث بظهور الفجر، وقد قال
الترمذي: وقال الشافعي، وأحمد، وإسحاق: معنى الإسفار أن يُصبح
الفجر ولا يُشك فيه، ولم يَروا أن معنى الإسفار تأخير الصلاة. قلت:
هذا التأويل غير صحيح؛ فإن الغلس الذي يقولون به هو اختلاط ظلام
الليل بنور النهار- كما ذكره أهل اللغة- وقبل ظهور الفجر لا تصح
صلاة الفجر، فثبت أن المراد بالإسفار إنما هو التنوير؛ وهو التأخير عن
الغلس وزوال الظلمة، وأيضا- فقوله: " أعظم للأجر " يقتضي حصول
الأجر في الصلاة بالغلس، فلو كان الإسفار هو وضوح الفجر وظهوره،
لم يكن في وقت الغلس أجر لخروجه عن الوقت، وأيضا- يُبطل تأويلهم
ذلك " (1) ما رواه ابن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، وأبو داود
الطيالسي في " مسَانيدهم " والطبراني في " معجمه " ، قال الطيالسي:
حدثنا إسماعيل بن إبراهيم المدني، وقال/الباقون: حدثنا أبو نعيم
الفضل بن دكن: ثنا إسماعيل بن إبراهيم المدني: ثنا هرير بن عبد الرحمن
ابن رافع بن خديج: سمِعتُ جذي: رافع بن خديج يقول: قال (2)
رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لبلال: " يا بلال! نور صلاة الصبح حتى يُبصر
__________
(1) انظر: نصب الراية (1/238- 239) 0
(2) مكررة في الأصل.

(2/298)


القوم مَواقع نَبلهم من الإِسفار " . ورواه ابن أبي حاتم في " علله " (1)
فقال: حدثنا هارون بن مَعروف وغيره، عن أبي إسماعيل المؤدب إبراهيم
ابن سليمان، عن هُرير، به. قال: ورواه أبو نعيم، عن إسماعيل بن
إبراهيم بن مجمع، عن (2) هُرير، به. ورواه ابن عدي- أيضا- في
" الكامل " عن أبي إسماعيل المؤدب واسند عن ابن معين أنه قال:
أبو إسماعيل المؤدب ضعيف. قال ابن عدي: ولم أجد في تضعيفه غير
هذا، وله أحاديث غرائب حسان تدلّ (3) على أنه من أهل الصدق وهو
ممن يكتب حديثه.
وحديث آخر يُبطل تأويلَهم. رواه الإمام أبو محمد القاسم بن ثابت
السرقسطي في كتاب " غريب الحديث " : حدثنا موسى بن هارون: ثنا
محمد بن عبد الأعلى: ثنا المعتمر: سمعت بيانا أبا سعيد قال: سمعت
أنسَا يقول: كان رسولُ اللّه يُصلي الصبح حين يفسح البَصرُ. انتهى.
قال: يُقال: فسح البصر، وانفسح إذا رأى الشيءَ عن بُعدٍ ، يَعني به
إسفار الصبح " (4) .
فإن قيل: قد قيل: إن الأمر بالإِسفار إنما جاء في الليالي المُقمرة؛ لأن
الصبح لا يتبين فيها جدا، فأمرهم بزيادة التَبين استظهار باليقين في
الصلاة. قلت: هذا تخصيص بلا مُخصّص، وهذا باطل، ويردّه
- أيضا- ما أخرجه ابن أبي شيبة (5) ، عن إبراهيم النخعي: " ما اجتمع
أصحاب محمد " الحديث؛ وقد ذكرناه. وكذلك أخرجه الطحاويّ في
" شرح الآثار " (5) بسند صحيح، ثم قال: " ولا يصح أن يجتمعوا على
خلاف ما كان رسول اللّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عليه " ، على أن الطحاويّ قد زعم أن
حديث الإسفار ناسخ لحديث التغليس، وأن حديث التغليس ليس فيه دليل
على الأفضل بخلاف حديث رافع، وأنهم كانوا يدخلون مغلِّسين
ويخرجون مُسفِرين.
__________
(1) (1/143) .
(2) مكررة في الأصل.
(3) في الأصل: " يدل " .
(4) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.
(5) (1/109) ، وانظره: نصب الراية (1/239) وكذلك ما بعده.

(2/299)


فإن قيل: قال الحازمي في كتابه " الناسخ والمنسوخ " : حديث التغليس
ثابت وإنه- عليه السلام- داوَم عليه إلى أن فارق الدنيا، ولم يكن- عليه
السلام- يُداوم إلا على ما هو الأفضل، ثم روى حديث ابن مسعود أنه
- عليه السلام- صلى الصبح بغلسٍ ، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها،
ثم كانت صلاته بعد ذلك بالغلس حتى مات- عليه السلام- لم يَعُد إلى
أن يُسفِر. رواه أبو داود، وابن حبان في " صحيحه " - كلاهما- من
حديث أسامة بن زيد الليثي.
فلتُ: يَردُ هذا: ما أخرجه البخاريّ، ومسلم، عن عبد الرحمن بن
يزيد، عن ابن مسعود قال: ما رأيتُ رسول اللّه- عليه السلام- صلى
صلاةً لغير وقتها إلا بجَمع، فإنه يَجمعُ بين المغرب والعشاء بَجمع،
وصلى صلاةَ الصُبح من الغد قبل وقتها. انتهى، قالت العلماء: يعني:
وقتها المُعتاد في كل يوم، لا أنه صلاّها قبل الفجر، وإنما غلس بها جدا،
ويوضحه رواية البخاري: " والفجر حين نزع " ؛ وهذا دليل على أنه
- عليه السلام- كان يُسفر بالفجر دائمًا، وقلما صلاّها بغلس. وبه
استدلّ الشيخ في " الإمام " لأصحابنا؛ على أن أسامة بن زَيد قد تكلم
فيه؛ فقال أحمد: ليس بشيء، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتجّ
به، وقال النسائي، والدارقًطني: ليس بالقوي. فثبت بهذا أن زعم
الطحاوي صحيح، وأن رَد الحَازميِّ كلامَ الطحاويِّ مَردود والحق أحق أن
يتبع؛ وهذه التأويلاتُ البعيدة والدوران البعيدُ كلها من آثارِ التعصب من
المتأخرين.
***
8- بَاب في المحافَظة على الوَقت (1)
أي: هذا باب في بيان المحافظة على الصلوات الخمس في أوقاتها.
409- ص- ثنا عَمرو بن عَون: فنا خالد، عن داود بن أبي هند، عن
أبي حرب بن أبي الأسود، عن عبد الله بن فضالة، عن أبيه قال: علَمنِي
__________
(1) في سنن أبي داود: " .. على وقت الصلوات " .

(2/300)


رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فكان فيما علَّمني: " وحَافظ على الصلَوات الخَمسِ " . قال:
قلتُ: إنَ هذه ساعات لي فيها أشغالٌ ، فأمرنِي (1) بأمرٍ جَامعٍ إذا أنا فعلته
أجزَأ عنِّي، فقال: " حًافظ عَلَى/العَصرَينِ " - وما كانت من لُغَتِنا- فقلتُ:
وما العَصرانِ؟ قال: " صَلاةٌ قبل طُلوع الشمسِ، وصلاة قبلَ غُروبِهَا " (2) .
ش- عَمرو بن عون: الواسطي البزاز، وخالد: ابن عبد اللّه
الواسطي، وأبو حرب بن أبي الأسود ظالم بن عمرو الديلي.
وعبد اللّه بن فضالة الليثي. روى عن: أبيه. روى عنه: أبو حَرب
وغيرُه. روى له: أبو داود (3) .
وفضالة الليثي الصحابيّ ، اختلف في اسم أبيه. فقيل: فضالة بن
عبد اللّه. وقيل: ابن وهب بن بجرة بن يحيى بن مالك الأكبر الليثي.
وقال بعضهم: الزهراني، يُعدّ في أهل البصرة. حديثه عن النبي- عليه
السلام- هذا الذي رواه أبو داود . روى عنه: ابنه: عبد اللّه. روى له:
أبو داود (4) .
قوله: " إن هذه ساعات " أشار بها إلى أوقات الصلوات الخَمس.
فوله: " فأمرني بأمرٍ جامعٍ " أي: جامع لأشياء كثيرة من الخيرات.
قوله: " إذا أنا فعلته أجزأ عني " أي: إذا فعلتُ ذلك الأمر الجامع أجزأ
عني، أي: كفى عني، يُقال: أجزأني الشيء أي: كفاني، ثم فسّر
ذلك الأمر بقوله: فقال: " حافِظ على العَصرين " أي: واظب عليهما
وأدّهما في وَقتيهما مع الجماعة. وحاصل كلام فضالة ومَعناه: أني إذا
واظبتُ على العَصرين كل واحد في وقته المُستحب مع الأداء بالجماعة أجزأ
عني فيما يقع عني من التقصير في غير الصلاة من طاعة الله تعالى من
أبواب الفضائل والقُربات، ويحتمل أن يكون المعنى: أجزأ عني إذا
__________
(1) في سنن أبي داود: " فمرني " .
(2) تفرد به أبو داود.
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (15/3482) .
(4) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (3/198) ، أسد الغابة
(4/364) ، الإصابة (3/208) .

(2/301)


قصرتُ في غير العصرين من الصلوات الخمس بأن أؤديها بغير الجماعة أو
في وقتها المكروه بسبب الاشتغال بالأعمال؛ فإن التقصير الذي يُوجد في
ذلك بهذه الحيثية رُبما يُجبرُ ويُجزئ عني بمُواظبتي على العَصرين في أوقاتهما
المُستحبة مع الجماعة؛ وليس المعنى: أنه يجزئ عنه إقامتهما عن غيرهما؛
فإن ذلك لا يجزئ إلا عنهما؛ لا عن غيرهما؛ وكذا كل صلاة تؤدى لا
تُجزئ إلا عن تلك الصلاة بعَينها؛ لا عن غيرها، فافهم
وإنما خصّ- عليه السلام- هذين الوقتين؛ لكثرة وقوع الثواني
والكسل فيهما؛ أما الصبح فلأنه عقيب النوم، والقيام من الفراش،
والاشتغال بالماء البارد، ولا سيما في أيام الشتاء، وأما العصر فلأنه في
وقت اشتغال الناس بالبَيع والشراء، والاشتغال بالأعمال، ولا يقوى
أعمال الناس وبَيعُهم وشراؤهم وسائر معاملاتهم إلا في آخر النهار.
قوله: " وما كانت من لغتنا " أي: لُغة إطلاق العَصرين على الصُبح
والعَصر ما كانت من لغتنا، فلذلك قال: " فقلت: ومَا العَصران " ؟
فأجاب- عليه السلام- بقوله ت " صلاةٌ " أي: أحدهما: صلاةٌ قبل
طلوع الشمس، وهي صلاة الصبح، والأخرى: صلاة قبلِ غروب
الشمس، وهي صلاة العَصر، والعرب قد تحمل أحد الاسمين على
الآخر، فتجمع بينهما في التسمية طلبا للتخفيف كقولهم: " سنة
العُمَرين " لأبي بكر وعمر- رضي اللّه عنهما- والأسودَين: للتمر والماء،
والأصل في العَصرين عند العرب: الليل والنهار. قال حُميد بن ثور.
ولن يَلبث العصران يومٌ وليلةٌ.... إذا طلبا أن يُدركا ما تيمّما
ويُشبه أن يكون إنما قيل لهاتين الصلاتين: العَصران؛ لأنهما يقعان في
طرفي العَصرين؛ وهما الليل والنهار، ويكون هذا من قبيل ذكر المحل
وإرادة الحال. وفي بعض النسخ هذا الحديث مؤخر عن الحديث الذي
يليه، وكذا في نسخة " مختصر السنن " لزكي الدين.
410- ص- ثنا محمد بن حرب الواسطي: ثنا يزيد بن هارون: أنا

(2/302)


محمد بن مُطرِّف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يَسار، عن عبد الله
الصُّنَابِحي قال: زعمَ أبو محمدٍ أن الوترَ واجبٌ فقال عبادةُ بنُ الصامت:
كَذَبَ أبو محمد، أشهدُ أني سمعتُ رسولَ اللهِ- عليه السلام- يقولُ:
" خمسُ صَلَواتً افترضَهُنَّ اللهُ عز وجل، مَن أحسن وضُوءَهُن وصَلاَّهن
لِوَقتِهِنَ، وأتَمَّ رُكوعَهنَّ وخُشُوعَهنَّ، كان له على الله عَهد أن يَغفرَ له، ومَن
لم يَفعل فليس له على اللهِ عها، إن شَاءَ غَفَرَ له، وإنَ شَاءَ عذبهُ " (1) .
ش- محمد بن حَرب: النشائي الواسطي. روى عن: إسماعيل بن
علية، ومحمد بن ربيعة، ويزيد بن هارون وغيرهم 0 روى عنه:
البخاري، ومسلم، وأبو داود، وأبو زرعة/وأبو حاتم. وقال:
صدوق، وغيرهم. قال سليمان بن أحمد الطبراني: كان ثقةَ، مات سنة
خمس وخمسين ومائتين (2) .
ويزيد بن هارون: أبو خالد الواسطي. ومحمد بن مطرف- ويقال:
ابن طريف- الليثي المدني . وزيد بن أسلمِ: أبو أسامة القرشي المدني
مولى عمر بن الخطاب. وعطاء بن يَسار: مولى ميمونة زوج النبي- عليه
السلام-.
وعبد اللّه الصنابحي . ويقال: عبد الرحمن بن عُسَيلة بن علي بن
عَسّال، أبو عبد اللّه الصُّنابحي المرادي؛ وهو منسوب إلى صُنابح بن
زاهر، بطنٌ من مُراد، رحل إلى النبي- عليه السلام- فقبض النبيّ- عليه
السلام- وهو في الطريق وهو بالجحفة قبل أن يصل بخمس أو ست ثم
نزل بالشام. وسمع: أبا بكر الصديق، وعبادة بن الصامت، وبلال بن
رباح، ومُعاذ بن جبل، وشداد بن أوس، وعائشة أم المؤمنين. روى عنه:
__________
(1) النسائي: كتاب الصلاة، باب: المحافظة على الصلوات الخمس (1/230) ،
ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسُنَة فيها، باب: ما جاء في فرض
الصلوات الخمس والمحافظة عليها (1401) .
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (25/5137) .

(2/303)


عبد اللّه بن محيريز، وعطاء بن يَسار، وربيعة بن يزيد الدمشقي،
وغيرهم. قال ابن سَعد: كان ثقةَ قليل الحديث. روى له الجماعة (1) .
وأبو محمد: اسمه: مَسعود البَدري الأنصاري، وله صُحبة.
وعبادة بن الصامت: ابن قيس بن أصرم بن فهر بن غنم بن سالم بن
عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج الأنصاري الخزرجي أبو الوليد، أحد
النقباء ليلة العقبة، شهد العقبة الأولى والثانية، وشهد بدرا وأحدا، وبيعة
الرضوان والمشاهد كلها. رُوِيَ له عن رسول اللّه مائة وأحد وثمانون
حديثا، اتفقا منها على ستة أحاديث، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم
بآخرين. روى عنه: أنس بن مالك، وجابر بن عبد اللّه، وشرحبيل بن
حَسنة، وغيرهم. قال الأوزاعي: أول من وُلي قضاء فلسطين: عبادة بن
الصامت، مات بالشام سنة أربع وثلاثين وهو ابن اثنتين وسبعين سنةَ.
ويقال: قبره ببَيت المقدس. ويقال: مات بالرَّملة روى له الجماعة (2) .
قوله: " زعم أبو محمد " زعم يجيء بمعنى " قال " وبمعنى " ظن " .
قوله: " كذب أبو محمد " يُريد أخطأ أبو محمد، ولم يُرد به تعمد
الكذب الذي هو ضد الصدق؛ لأن الكذب إنما يجري في الأخبار،
وأبو محمد هذا إنما أفتى فتيا، ورأى رأيَا ، فأخطأ فيما أفتى به، وهو
رجل من الأنصار له صحبة، والكذب عليه في الإخبار غير جائزِ،
والعرب تضع الكذب في مَوضع الخطإ فتقول: كذب سمعي، وكذب
بصري أي: زلّ ولم يدرك ما رأى وما سمع؛ ومن هذا: قوله- عليه
السلام- للرجل الذي وصَف له العَسل: " صدق الله وكذب بطنُ أخيك " .
وبهذا استدل الشافعية على أن الوتر ليس بواجب. والاستدلال به
ضعيفٌ ؛ لأن عبادة إنما أنكر أن يكون الوتر كفرض الصلوات الخمس دون
__________
(1) المصدر السابق (16/3679) .
(2) انظر ترجمته في الاستيعاب بهامش الإصابة (2/449) ، أسد الغابة
(3/160) ، الإصابة (2/268) .

(2/304)


أن يكون واجبَا؛ ولذلك استشهد بالصلوات الخمس المفروضة في اليوم
والليلة .
قوله: " مَن أحسن وضوءهن " إحسان الوضوء: إسباغه وإكماله.
قوله: " وصلاهن لوقتهن " أي: في وقتهن؛ " اللام " تجيء بمعنى
" في " كما في قوله تعالى: (وَنَضَعُ المَوَازينَ القسطَ ليَوم القيامَةِ) (1) ،
(لا يُجَلَيهَا لوَقتِهَا إلا هُوَ) (2) قيل: ومنه (يَا لَيتَنِي قًدَّمتُ لَحَيَاتِي) (3)
أي: في حيَاتي. ويجوز أن تكون بمعنى " عند " كقولهم. كتبته لخمسٍ
خلون.
قوله: " وأتم ركوعهن " وإتمام الركوع: أن يطمئن فيه ويأتي بتَسبيحه،
ولم يذكر السجود اكتفاء، أي: وسجودهن، كما في قوله تعالى:
(سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَ) (4) أي: والبَرد.
قوله: " وخشوعهن " الخشوعُ: الخَشيةُ؛ والخشوع يكون في الصوت
والبَصر كالخضوع في البدن؛ وإتمام الخشوع: أن تخافت في الأدعية وفي
القراءة فيما يخافت فيه، وأن يكون بَصرُه في موضع سجوده في القيام،
ولا يلتفتُ يمينا وشمالا، وفي ركوعه إلى أصابع رجليه، وفي سجوده
لطرف أنفه، وفي قعوده: إلى حجره.
قوله: " كان له على اللّه عَهدٌ " أي: يَمين؛ وليس هذا على اللّه بطريق
الوجوب؛ لأن العبد لا يجب له على اللّه شيء، وإنما يذكر (5) مثل هدا
بمعنى أنه متحقق لا محالة، أو يذكر على جهة المقابلة. وبنحوه روى
النسائي، وابن ماجه، وابن حبان في " صحيحه " .
411- ص- ثنا محمد بن عبد الله الخزاعي، وعبد الله بن مَسلمة قالا:
ثنا عبد الله بن عمر، عن القاسم بن غنام، عن بعض أمهاته، عن أم فروة
__________
(1) سورة الأنبياء (47) 0
(2) سورة الأعراف (187) .
(3) سورة الفجر: (24) .
(4) سورة النحل: (81) .
(5) مكررة في الأصل
20* شرح سنن أبي داوود 2

(2/305)


قالت: سُئلَ رسول اللّه: أَيُّ الأعمال أَفضلُ؟ قال: " الصلاة ير أول
وَقتِهَا " (1)

ش-/محمد بن عَبد اللّه: ابن عثمان الخزاعي البصري أبو عبد اللّه.
روى عن: عبد اللّه بن عمر العمري، وأبي الأشهب، وحماد بن
سلمة، ومالك بن أنس، وغيرهم. روى عنه: أبو داود، وأبو زرعة،
وأبو حاتم، وغيرهم. قال البخاري: قال لي علي بن محمد: ثقة.
مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين . روى عن : ابن ماجه (2) .
وعبد اللّه بن عُمر: ابن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب القرشي.
والقاسم بن غنّام: الأنصاري. روى عن: عمته أم فروة، وقيل:
عن بعض أمهاته، عن أم فروة. وقيل: عن جدة له، عن أم فروة.
روى عنه: الضحاك بن عثمان، وعبد اللّه بن عُمرَ. روى له: أبو داود،
والترمذي (3) .
وأم فروة: الأنصارية الصحابيّة، عمّة القاسم بن غنام، حَديثها عنده
عن بَعض أمهاته، عنها. روى لها أبو داود، والترمذي، لها حديث
في الصلاة (4) .
قوله: " أيُ الأعمال أَفضلُ؟ " قد ذكرتُ لك أَن " أيا " اسم مُبهم يُبيّنُه
ما يُضافُ إليه، وأنها خمسة أنواع: استفهاميّةٌ ، نحو: أي الأعمال
أفضلُ؟ والباقي قد ذكرناه.
قوله: " الصلاة في أول وقتها " أي: أداء الصلاة في أول وقتها أفضل
الأعمال؛ وذكر " أوّل " هاهنا لأجل الحثّ والتحضيض، والتأكيد على
__________
(1) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في الوقت الأوّل من الفضل (170) 0
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (25/5361) .
(3) المصدر السابق (23/4811) .
(4) انظر ترجمتها في: الاستيعاب بهامش الإصابة (4/484) ، أسد الغابة
(7/376) ، الإصابة (4/483) .

(2/306)


إقامة الصلوات في أوقاتها، وإلا فالذي يؤديها في ثاني الوقت أو ثالثه أو
رابعه كالذي يُؤديها في أوّله؛ بل الذي يُسفِر بالصُّبح أو يبرِد بالظهر في
الصَيف أفضلُ من الذي يؤديها في أوّل الوَقت.
فإن قيل: كيف التوفيقُ بَين هذا الحديث وبَين قوله- عليه السلام-
حين سُئل: " أفي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان باللّه " ؟ قلت: دلت
القرينة على أن المراد من قوله: أيُّ الأعمال أفضل أعمال الإيمان؟ أي:
أي أعمال الإيمان أفضل؟ قال: الصلاة، وعلى أن المراد من الحديث
الثاني: أيُ الأعمال التي يدخل بها الرجل في ملة الإسلام؟ قال: " إيمان
باللّه " أي: التصديق بقلبه، والإقرار بلسانه (1) ، فعلى هذا يكون الصلاة
لوقتها أفضل الأعمال بَعد الإيمان؛ لأن الإيمان أصل كل عبادة، ولا اعتبار
لجميع العبادات إلا بالإيمان.
وأما الأحاديث التي جعل في بعضها الجهاد أفضل الأعمال، وفي
بعضها: الحج، وفي بعضها: بر الوالدين، وفي بعضها: إطعام الطعام
ونحو ذلك فالتوفيق فيها: أنه لا يُرادُ أن كل واحد منها خير جميع الأشياء
من جميع الوجوه، وفي جميع الأحوال والأشخاص؛ بل في حال دون
حال، ويختلف ذلك باختلاف الأحوال والأشخاص، أو يقدر كلمة " مِن "
ويكون التقديرُ: من أفضل الأعمال: الجهاد، ومن أفضل الأعمال:
الحج، ونحو ذلك فافهم.
ص- قال الخزاعي في حديثه: عن عمة له يقال لها: أم فروة قد بايعت
النبي- عليه السلام- " أن النبيّ- عليه السلَام- سُئِل " .
ش- أي: قال محمد بن عبد اللّه الخزاعي في روايته الحديث عن عبد اللّه
ابن عمر، عن القاسم بن غنام، عن عمةٍ له يقال لها أتم فروة،
والحاصل: أنه أشار به إلى الاختلاف الذي ذكرناه في ترجمة القاسم بن
__________
(1) تقدم التعليق على أن الإيمان هو " التصديق بالجنان، والإقرار باللسان، والعمل
بالأركان " عند أول حديث في كتاب الصلاة.

(2/307)


غنام. فإن بعضهم قالوا: روى القاسم، عن عمّته أم فروة أن النبي
سُئِل، ومنهم الخزاعي المذكور. وبعضهم قالوا: عن بعض أمهاته، عن
أم فروة أن النبي سُئل؛ ومنهم: عبد اللّه بن مَسلمة المذكور في الحديث.
وفِي " مختصر السنن " : وأم فروة هي أخت أبي بكر الصديق لأبيه،
ومن قال فيها: أم فروة الأنصاريّة فقد وهم. وروى الترمذي حديثها هذا
وقال: حديث أم فروة لا يروى إلا من حديث عبد اللّه بن عُمر العُمري؛
وهو ليس بالقوي عند أهل الحديث، واضطربوا (1) في هذا الحديث،
وقد تكلم فيه يحيى بن سعيد من قبل حفظه.
412- ص- نا مسدد: نا يحيى، عنَ إسماعيل بن أبي خالد: نا أبو بكر
ابن عُمارة بن رُؤَيبة، عن أبيه: قال: سألَهُ رجلٌ من أهلِ البَصرةِ قال (2) :
أخبرني ما سمعتَ من رسول الله؟ قال: سمعت رسولَ اللهِ، يقولُ: " لا
يَلِج النارَ رجلٌ صَلَّى قبل طلوع الشمسِ، وقبلَ أن تَغرُبَ " قال: أنت
سمعتَه منه؟- ثلاث مرات- قال: نعم، كل ذلك يقولُ: سَمعَتهُ أذناي،
وَوَعَاهُ قَلبِي. قال الرجلُ: وأنَا سَمِعتُه يَقولُ ذلك (3) .
__________
(1) في جامع الترمذي (1/323) : " واضطربوا عنه في هذا الحديث، وهو
صدوق، وقد تكلم... " .
(2) في سنن أبي داود: " فقال " .
(3) مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل صلاتي الصبح والعصر
والمحافظة عليهما 213- (634) ، النسائي: كتاب الصلاة، باب: فضل
صلاة العصر (1/236) .
تنبيه: سقط من نسخة المصنف حديثان، وقد جاءا في سنن أبي داود برقم
(429، 430) وهما: حدثنا محمد بن عبد الرحمن العنبري، حدثنا أبو علي
الحنفي عبيد الله بن عبد المجيد، حدثنا عمران القطان، حدثنا قتادة وأبان،
كلاهما عن خليد العصري، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" خمس من جاء بهن مع إيمان دخل الجنة: من حافظ على الصلوات الخمس،
على وضوئهن، وركوعهن، وسجودهن، ومواقيتهن، وصام رمضان،
وحج البيت إن استطاع إليه سبيلا، وأعطى الزكاة طيبة بها نفسه، وأدى
الأمانة " قالوا: يا أبا الدرداء، وما أداء الأمانة؟ قال: الغسل من الجنابة.
حدثنا حيوة بن شريح المصري، حدثنا بقيهَ، عن ضبارة بن عبد الله بن
أبي سليك الألهاني، أخبرني ابن نافع، عن ابن شهاب الزهري، قال: قال
سعيد بن المسيب، إن أبا قتادة بن ربعي، أخبره قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:=

(2/308)


/ش- يحيى: القطان
وإسماعيل بن أبي خالد: أبو عبد اللّه البجلي الأَحمَسي مولاهم
الكوفي؛ واسم أبي خالد: هرمز، ويُقال: سَعد، ويُقال: كثير.،
رأى سلمة بن الأكوع، وأنس بن مالك. وسمع: عبد الله بن أبي أوفى،
وعمرو بن حريث، وأبا كاهل قيس بن عائذ، وأبا جحيفة، ومن
التابعين: قيس بن أبي حازم، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، والشعبي،
وأبا بكر بن عمارة بن رُؤَيبة وغيرهم. روى عنه: الثوري، وابن عُيَينة،
وشعبة، وابن المبارك، ووكيع، ويحيى القطان وغيرهم 0 وقال أحمد بن
عبد اللّه العجلي: هو كوفي ثقة، وكان رجلا صالحا. سمع من
خمسة (1) من أصحاب النبي- عليه السلام- وكان طحانا، توفي سنة
خمس وأربعين ومائة. روى له الجماعة (2) .
وأبو بكر بن عمارة بن رُؤيبة الثقفي البصري. سمع: أباه. روى
عنه: عبد الملك بن عُمَير، وإسماعيل بن أبي خالد، وأبو إسحاق،
ومسعر بن كدام. روى له: مُسلم، وأبو داود، والنسائي (3) .
وأبوه: عُمارة بن رُؤيبة الثقفي من بني جشم بن قسي- وهو ثقيف-
يكنى أبا زُهيرة. رُوِيَ له عن رسول اللّه تسعة أحاديث. روى له: مسلم
حديثين. روى عنه: ابنه أبو بكر بن عمارة، وحصين بن عبد الرحمن،
وأبو إسحاق السَبِيعي. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي (4) .
قوله: " لا يَلح النارَ " أي: لا يَدخلها، من ولج يلج، أصله:
يولج، كيعد أصله: يَوعدُ.
__________
- " قال الله تعالى: إني فرضت على أمتك خمس صلوات، وعهدت عندي
عهدا أن من جاء يحافظ عليهن لوقتهن أدخلته الجنة، ومن لم يحافظ عليهن
فلا عهد له عندي " .
(1) غير واضحة في الأصل، وأثبتناها من تهذيب الكمال.
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (3/439) .
(3) المصدر السابق (33/7250) .
(4) انظر ترجمته في : الاستيعاب بهامش الإصابة (3/20) ، أسد الغابة
(4/138) ، الإصابة (2/515) .

(2/309)


قوله: " صلى قبل طلوع الشمس " المراد منه: صلاة الصبح.
قوله: " وقبل أن تغرب " أي: وصلى- أيضا- قبل أن تغرب الشمس
المراد منه: صلاة العَصر.
قوله: " ووَعَاه قَلبي " أي: حفِظه؛ من وعَيتُ الحديثَ أعيه وَعيًا فأنا
واع إذا حفِظتَه وفهمتَه، وفلان أوعى من فلان، أي: أحفَظ وأفهمُ.
والحديث: أخرجه مسلم، والنسائي. وفي رواية اللؤلؤي يُقرأ الحديث
الذي قبله بعد هذا الحديث.
9- بَاب: إذا أَخّر الإمامُ الصلاة عَن الوَقت
أي: هذا باب في بيان ما إذا أخر الإمام الصلاة عن الوقت، والمرادُ
من الإمام: الذي يولَى على طائفة من المسلمين، ويُطلق على الإمام
الأعظم- أيضا- وهو الخليفة، وكل من يوليه من الحُكام فهو إمام؛ لأن
الناس يأتمون به في الصلاة وغيرها. وفي النسخ الصحيحة: " باب في
الإمام إذا أخر الصلاة عن الوَقت " .
413- ص- حدثنا مسدد: نا حماد بن زيد، عن أبي عمران، عن
عَبد الله بن الصامت، عن أبرا ذر قال: قال لي رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يا أبا ذر
كيف أنتَ إذا كانت عليكَ أمراء يُميتُون الصلاةَ " - أو قال: " يُؤَخِّرون
الصلاةَ؟ " قلتُ: يا رسولَ الله! فماَ تأمُرُني؟ قال: " صَلِّ الصلاةَ لوقتهَا،
فإن أدركتها معهم فَضَلِّه (1) ؛ فَإنها لك نَافَلة " (2) .
ش- أبو عمران: اسمُه: عبد الملك بن حبيب الأزدي البصري،
__________
(1) في سنن أبي داود: " فصلها " .
(2) مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: كراهية تأخير الصلاة عن
وقتها المختار 241- (648) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في تعجيل
الصلاة إذا أخرها الإمام (176) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب ما
جاء فيما إذا أخروا الصلاة عن وقتها (1256) ، تحفة الأشراف (9/11950) .

(2/310)


أبو عمران الجوني- بفتح الجيم-، وسكون الواو، وبالنون- رأى
عمران بن حُصَين. وسمع: أنس بن مالك، وجندب بن عبد اللّه
البجلي، وربيعة بن كعب الأسلمي، وعبد اللّه بن الصامت وغيرهم.
روى عنه: شعبة، والحمّادان، والحارث بن عبد اللّه وغيرهم. وعن ابن
معين: ثقة. مات سنة ثمان وعشرين ومائة. روى له الجماعة (1) .
وعبد اللّه بن الصامت: البصري الغفاري، ابن أخي أبي ذر الغفاري.
سمع: أبا ذر، وعبد اللّه بن عمر، وَرافع بن عُميرة الطائي. روى عنه:
حُميد بن هلال، وأبو عمران الجَوني، وأبو العالية البَراء وغيرهم. قال
أبو حاتم: بصري يكتب حديثه. روى له الجماعة إلا البخاريّ (2) .
قوله: " يُميتون الصلاة " يعني: يؤخرونها فيجعلونها كالميت الذي
خرجت روحه.
قوله: " أو قال: يؤخرون الصلاة " شك من الراوي؛ والمراد بتأخيرها
عن وقتها المختار؛ لا عن جميع وقتها؛ فإن المنقول عن الأمراء المتقدمين
والمتأخرين إنما هو تأخيرها عن وقتها المختار، ولم يؤخرها أحد منهم عن
جميع وقتها؛ فوجب حمل الأخبار على ما هو الواقع. هكذا قاله الشيخ
محيي الدين (3) ؛ ولكن لفظ " يُميتون الصلاة " ينافي هذا التأويل؛ لأن
معنى إماتة الصلاة: أن يُصليها خارج الوقت؛ لأن الصلاة مادامت في
وقتها/لا تُوصف بالميتة، وكذا قوله: " ولم يؤخرها أحد منهم عن
جميع وقتها " غير مُسلم؛ فإنه نُقل عن كثيرٍ من الخلفاء الفسَقة والسلاطين
الظلمة تركُ الصلوات، فضلا عن تأخير صلاة عن وقتها.
قوله: " صل الصلاة لوفتها " أي: وقتها المختار المستحب.
قوله: " فصَلِّه " الهاء فيه هاء السكتة، وليست بهاء الضمير.
قوله: " فإنها لك نافلة " أي: فإن الصلاة التي تدركها وتصليها مَعهم
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (18 /3521) .
(2) المصدر السابق (15/3339) .
(3) شرح صحيح مسلم (15/147) .

(2/311)


بعد أن تُصلِي في وقتها المختار لك نافلةٌ ؛ لأن الأولى وقعت فرضَا،
فيصير الثاني نفلاَ؛ وهذا مذهب الجمهور في أن الرجل إذا صلى الفرض
مرّنين تكون الأولى فرضَا والثانية نفلاَ؛ لأن صريح الحديث يدل على
هذا. وعن الشافعي أربعة أقوال، الصحيح: كمذهب الجمهور،
والثاني: أن الفرض أكملها، والثالث: كلاهما فرض، والرابع:
الفرض أحدهما- على الإبهام- يَحتسب اللّه بأيهما شاء. ثم الحديث
بعمومه يتناول هذا الحكم في جميع الصلوات؛ ولكن يُستثنى منها صلاة
الصُّبح والعَصر؛ لورود النهي عن الصلاة بعدهما؛ وهذا عندنا وعند
الشافعي في وجه، وفي الصحيح عنده: أنه لا يفرق بين صلاة وصلاة.
وأما المغرب: فعندنا ينبغي أن يضم إليه ركعةً رابعةَ؛ لأن التنفل بالبُتَيراء
مكروه- كما عُرِف في الفروع.
قوله: " نافلة " مرفوع بالابتداء، وخبره: قوله " لك " والجملة خبر
" إن " .
ويُستفادُ من هذا الحديث فوائد : الأولى: أن الإمام إذا أخر الصلاة عن
وقتها المُستحب يُستحب للمأموم أن يُصليها في وقتها المُستحب منفردا، ثم
يصليها معه إن أدرك فيَجمع بين الفضيلتَين، فإن أراد الاقتصار، فالأفضل
أن يقتصر على فعلها جماعةَ مادام في الوقت، وقيل: الأفضل: أن
يقتصر على فعلها منفردا في الوقت المستحب.
الثانية: فيه الحث على موافقة الأمراء في غير مَعصيةٍ ؛ لئلا تتفرق
الكلمة، وتقع الفتنة.
الثالثة: فيه الحث على الصلاة بالجماعة، وأنها أفضل من الانفراد.
الرابعة: فيه الحث على رعاية الوقت المُستحب للصلاة.
الخامسة: فيه ذمّ مَن أخر الصلاة عَن وقتها.
السادسة: فيه شيء من دلائل النبوة؛ حيث أخبر عن الأمراء الذين
يميتون الصلاة، وقد وقع هذا في زمن بني أمية ومَن بعدهم- أيضا- إلى
يَومنا هذا.

(2/312)


والحديث: أخرجه مسلم، و الترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
414- ص- نا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقيّ: نا الوليد: نا
الأوزاعيّ: حدثني حسان، عن عبد الرحمن بن سابط، عن عمرو بن
ميمون الأودي قال: قَدِمَ علينا معاذُ بنُ جبلٍ اليمنَ رسولُ رسولِ اللهِ- عليه
السلام- إلينا قال: فسمعتُ تَكبيرَه مع الفجرِ، رجل أَجشّ الصوتِ، قال:
فألقيتُ عليه مَحبَّتي، فما فارقتُه حتى دفنتُه بالشامِ ميتا، ثم نظرتُ إلى افقَه
الناسِ بَعدَه، فأتيتُ ابنَ مَسعود، فَلَزِمتُه حتى مَاتَ، فقال: قال لي رسولُ
الله: " كيفَ بكم إذا أتَت عليكُمً أمراءُ يُصلُّون الصلاةَ لغير مِيقَاتِهَا؟ " قلتُ:
فمَا تأمُرُني إن أدركَنِي ذلك يا رسولَ الله؟ قال: " صَلًّ الصلاةَ لميقاتِهَا،
واجعَل صَلاتَكَ معهُم سبحهً " (1) .
ش- عبد الرحمن بن إبراهيم: ابن عمرو بن ميمون القرشي،
أبو سعيد الدمشقي مولى آل عثمان بن عفان المَعروف بدُحَيم ويقال له:
ابن اليتيم، قاضي الأردن وفلسطين. سمع: الوليد بن مسلم، وعمر بن
عبد الواحد، ومحمد بن شعيب، وابن عيينة وغيرهم. روى عنه:
أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان، وأبو زرعهَ الدمشقي، وحنبل بن إسحاق،
والبخاري، وأبو داود، والنسائي. وقال: ثقة مأمون. وقال في موضع
آخر: لا بأس به-، وابن ماجه، وعبد اللّه بن عبد الرحمن الدارمي.
مات بالرملة سنة خمس وأربعين ومائتين، وكان ينتحل في الفقه مذهب
الأوزاعي (2) .
والوليد: ابن مُسلم الدمشقي، وعبد الرحمن: الأوزاعي، وحسان:
ابن عطية الشاميّ.
__________
(1) تفرد به أبو داود.
(2) انظر ترجمته في: تهذيب التهذيب (16/3747) .

(2/313)


وعبد الرحمن بن سابط: ابن أبي حميصة بن عمرو بن أهَيب بن
حذافة بن جُمح الجُمحيَ القرشي المكي. روى عن: عباس بن عبد
المطلب، ومعاذ بن جبل، وسَعد بن أبي وقاص، وجابر بن عبد الله/
وأبي أمامة الباهلي، وعمرو بن ميمون الأوَدي. روى عنه: مُوسى بن
مُسلم الطحان، وعلقمة بن مرثد، وابن جريج، والليث بن سَعد
وغيرهم. وسئل أبو زرعة عنه فقال: مكي ثقة. وكذا قال ابن معين.
مات سنة ثمان عشرة ومائة. روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي،
وابن ماجه (1) .
وعمرو بن مَيمون: أبو عبد اللّه أو أبو يحيى الكوفي الأوَدي من أود بن
مُصعب بن سَعد العشِيرة، من مَذحِج، أدرك الجاهلية، ولم يَلق النبيَّ
- عليه السلام- وسمع: عمر بن الخطاب، وسَعد بن أبي وقاص، وابن
مسعود، ومعاذ بن جبل، وأبا أيوب، وأبا مسعود، وابن عباس، وابن
عمرو، وأبا هريرة، وسلمان بن ربيعة، ومن التابعين: الربيع بن
خُثيم (2) ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى. روى عنه: أبو إسحاق السبيعي،
وسعيد بن جُبير، والحكم بن عُتَيبة وغيرهم. قال ابن معين: هو ثَقة.
مات سنة خمس وسبعين. روى له الجماعة (3) .
قوله: " رسولُ رسولِ الله " الرسول الأول مرفوع على أنه صفة لمعاذ،
ويحوز أن يكون بدلاً منه، ويحوز أن يُنصب على أنه حال؛ والأول
أصح. والرسول الثاني مجرور بالإضافة.
قوله: " إلينا " متعلق بالرسُول الأوّل.
قوله: " رجل أجش الصوت " ارتفاع رجل على أنه خبر مبتدإ محذوف،
أي: هو رجل أجَش الصَوت؛ وهو الذي في صوته جُشة، وهي شدة:
الصوت وفيها غنة.
__________
(1) المصدر السابق (17/3822) .
(2) في الأصل: " خيثم " خطأ.
(3) المصدر السابق (22/4458) .

(2/314)


قوله: " ميتا " حال من الضمير المنصوب في " دفنتُه " ، وقد ذكرنا أنه
دُفِن في شرقي غور بَيسَان سنة ثمان عشرة.
قوله: " كيفَ بكم؟ " أي: كيف شأنكم وحالكم؟ وقد استقصينا
البحث في " كيف " مرةَ، وأنه اسم، والغالب فيه الاستفهام، والباء في
" بكم " زائدة؛ لأنه أتى بها للتوصل حين ترك الضمير المنفصل، وجيء
عوضه بالضمير المتصل؛ لأن أصله: كيف أنتم؟ فأنتم: مُبتدأ، وحبرُه:
كيف مقدّما، ومعناه: كيف شأنكم؟- كما قلنا.
قوله: " لغَير ميقاتها " أي: في غير وقتها. وهذا يرد قول الشيخ محيى
الدين في تفسير الحديث السابق " ولم يؤخرها أحد منهم عن جميع
وقتها " ، وقد نبهنا عليه هناك.
قوله: " سبحة " - بضم السين وسكون الباء- والسبحة: ما يصليه المرء
نافلة من الصلوات، ومن ذلك سُبحة الضُحَى، وقال بعضهم: إنما
خُضت النافلة بالسُبحة وإن شاركتها الفريضة في معنى التَّسبيح؛ لأن
التَّسبيحات في الفرائض نوافل. فقيل: الصلاة النافلة: سُبحة؛ لأنها
نافلة كالتسبيحات والأذكار في أنها غير واجبة، وقيل في قوله تعالى:
(فَلَولاَ أَنَّهُ كَانَ منَ المُسبِّحِينَ) (1) أي: المُصلَين، وسُفيت الصلاة:
سُبحةَ وتسبيحَا؛ لما فيها من تعظيم اللّه وتنزيهه، ولم يفرق هؤلاء بين
فريضة ونافلة؛ والسُّبحة من التَّسبيح كالسُخرة من التَّسخير، تطلق على
الذكر وعلىَ صلاة النافلة، وعلى خرَزاتِ يُسَبح بها؛ وأصل التَسبيح:
التنزيه؛ ومعنى سبحان اللّه: التنزيهُ للّه. وفيه الفوائد التي ذكرناها في
الحديث السابق.
415- ص- نا محمد بن قدامة بن أعين: نا جريرٌ ، عن منصور، عن
هلال بن يَسَاف، عن أبي المثنى، عن ابن أخت عبادة بن الصامت، عن عبادة
ابن الصامت ح ونا محمد بن سليمان الأنباري: نا وكيع، عن سفيان، المعنى،
__________
(1) سورة الصافات: (143) .

(2/315)


عن منصور، عن هلال بن يَساف، عن أبي المثنى الحمصي، عن ابن امرأة
عُبادة بن الصامت، عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إنها
سَتَكُونُ عليكمُ بعدي أمراءُ تَشغَلُهم أشياءُ عن الصلاة لوَقتهَا حتى يَذهبَ
وقتُها، فصَلُّوا الصَلاةَ لوفتها " فقال رجلٌ : يا رسولَ اللهَ أصَلِّي معهُم؟
وقال سُفيان: " وإن أدركَتُ معهم أصلي (1) معهم؟َ قال: " نعم، إن
شئتَ " (2) .
ش- محمد بن قدامة بن أعين: ابن المسور، أبو جَعفر، ويُقال:
أبو عبد اللّه الجوهري الهاشمي مولاهم المَصِيصَي، حدّث عن: فضيل بن
عياض، وابن عيينة، وجرير بن عبد الحميد، ووكيع، وغيرهم. روى
عنه: النسائي، وأبو داود، وابنه، وأبو بكر بن أبي الدنيا، وعبد اللّه
ابن محمد البغوي، وغيرهم 0 قال النسائي: لا بأس به، وفي رواية:
صالح. وقال أبو داود: ضعيف، وقال ابن معين: ليس بشيء/. وقال
الدارقطني: ثقة. مات ببغداد سنة سبع وثلاثين ومائتين (3) .
وجَرير: ابن عبد الحميد الرازي. ومَنصور: ابن المُعتمر، وهلال بن
يَسَاف: أو أسَاف الكوفي.
وأبُو المثنى: الحمصي، اسمُه: ضمضم الا. ملوكي. روى عن: عتبة
ابن عبد السُّلمي، وكعب الأحبار، وأبي أُبيّ بن أم حرام. روى عنه:
صفوان بن عمرو، وهلال بن يَساف. روى له: أبو داود (4) .
وابن أخت عبادة: اسمُه: المثنى؛ كذا قال ابن حبان في " الثقات "
قال: المثنى ابن أخت عبادة بن الصامت. يروي عن: عبادة.
__________
(1) في سنن أبي داود: " أأصلي " .
(2) ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: ما جاء فيما إذا أخروا الصلاة عن
وقتها (1257) .
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (26 /5554) .
(4) المصدر السابق (13/2944) .

(2/316)


ومحمد بن سُليمان الأنباري، وهو ابن أبي داود؛ وقد ذكرناه. وهذا
الحديث- كما رأيته- فد رواه أبو داود من طريقين؛ الأول: عن جرير،
عن منصور، والثاني: عن سفيان، عن منصور؛ ففي الطريق الأول:
عن أبي المثنى، عن ابن أخت عبادة، وفي الثاني: عن ابن امرأة عبادة.
وكذا رواه أحمد في " مسنده " من طريقين؛ الأول: عن وكيع، عن
سفيان، عن منصور، عن هلال بن يَساف، عن أبي المثنى الحمصي،
عن أبِي أبَي ابن امرأة عبادة . والثاني: عن محمد بن جعفر، عن شعبة،
عن هلال بن يَساف، عن أبي المثنى، عن ابن امرأة عبادة 0 وفي بعض
نسخ أبي داود- أيضا- في طريقه الثاني: " عن أبي المثنى، عن أبي أُبي
ابن امرأة عبادة (1) " ؛ مثل طريق أحمد الثاني.
قوله: " إنها " أي: إن القصة والشأن.
قوله: " وقال سفيان " أي: قال سفيان في روايته: قال الرجل: يا
رسول الله! إن أدركت معهم، يعنىِ: إن أدركت زمانهم، وحصرت
معهم هل أصلي معهم؟ قال- عليه السلام-: نعم إن شئت الصلاة
معهم فصَل. ورواه- أيضا- ابن ماجه.
416- ص- نا أبو الوليد الطيالسي: نا أبو هاشم: حدثني صالح بن
عُبَيد، عن قَبِيصةَ بن وقاص قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَكُونُ عليكُم أمراءُ
من بَعدي يؤخِّرُونَ الصلاةَ، فهيَ لكم وهي علَيهم، فصلُوا معهم ما صَلُّوا
القِبلةَ " (2) .
ش- أبو هاشم: عمار بن عمارة البصري الزعفراني. روى عن:
الحسن، وابن سيرين، وصالح بن عُبيد وغيرهم. روى عنه: أبو الوليد،
وروح بن عبادة، وعبد الصمد بن عبد الوارث. قال ابن معين: ثقة .
وقال أبو حاتم: صالح. روى له: أبو داود (3) .
__________
(1) كما في سنن أبي داود.
(2) تفرد به أبو داود.
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (21/4168) .

(2/317)


وصالح بن عُبيد. روى عن: قَبيصة بن وقاص، ونابل (1) . روى
عنه: أبو هاشم الزعفراني، وعمرو بن الحارث الجُمحي. روى له:
أبو داود (2) . وقَبيصة بن وقاص، له صحبة من النبي- عليه السلام-،
عداده في أهل البصرة. روى عنه: صالح بن عبيد. روى له: أبو داود .
وذكر النمري أن قبيصة هذا سُلمي، سكن البصرة . رُوِيَ عنه حديث
واحدٌ لم يُحدث به غير أبى الوليد الطيالسي، وذكر هذا الحديث (3) .
قوله: " فهي لكم " أي: الصلاة لكم، بمعنى ثوابها يَحصل لكم.
قوله: " وهي عليهم " أي: الصلاة عليهم، بمعنى وزر تأخيرها عليهم.
قوله: " مَا صلوا القبلة " يعني: ماداموا يصلون القبلة : والمراد منه:
إظهار الطاعة، والامتثال للولاة والحُكام فيما وافق الحق، وإن كانوا
جائرين، وجواز الصلاة خلفهم ماداموا على الإسلام. وقد روى
الدارقطني بإسناده إلى أبي هريرة: " سَيليكم بعدي ولاةٌ ، فاسمعوا لهم
وأطيعوا فيما وافق الحق، وصلُّوا وراءهم، فإن أحسنوا فلهم، وإن
أساءوا فعليهم " .
واستفيد من الحديث: جواز الصلاة خلف البر والفاجر. وكان بعض
السلف يُصلون في بيوتهم في الوقت ثم يُعيدون معهم؛ وهو مذهب
مالك. وعن بعض السلف: لا يعيدون؛ قال النخعي: كان عبد اللّه
يُصلي معهم إذا أخروا عن الوقت قليلا، ويرى أن مأثم ذلك عليهم.
وروى ابن ماجه (4) بسند صحيح، عن ابن مسعود قال: قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
__________
(1) في الأصل: " نائل " خطأ، وهو مترجم في تهذيب الكمال (29/6349) .
(2) المصدر السابق (13/2826) .
(3) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (3/255) ، أسد الغابة
(4/384) ، الإصابة (3/223) .
(4) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء فيما إذا أخروا الصلاة عن وقتها
(1255) ، وأخرجه النسائي في: كتاب الإمامة، باب: الصلاة مع أئمة
الجور (2/75) .

(2/318)


" سَتُدركون أقوامًا يُصلون الصلاة لغير وقتها، فإن أدركتموهم فصلوا في
بيوتكم للوقت الذي تعرفون، ثم صلوا معهم واجعلوها سبحة " .
10- باب: مَن نامَ عَن صَلاَة أو نَسيَها
أي: هذا باب في بيان حكم مَن نام عن صًلاةٍ أوَ نسِيها. وفي بعض
النسخ: " باب ما جاء فيمن نام عن صلاة أو نسيها " .
417- ص- نا أحمد بن صالح: نا ابن وهب: أخبرني يونس، عن ابن
شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسولَ الله- عليه السلام-
حين قَفَلَ من غزوة خَيبرَ فسارَ ليلةً، حتى إذا أدركَنَا الَكَرَى عَرَس وقال
لبلال: " اكلأ لنا اللَيلَ " . قال: فغلبت بلالا عينَاه وهو مُستندٌ إلى راحلَته،
فلم يستيقظ النبيُّ- عليه السلام- ولا بلالٌ ولا أحدٌ من أصَحابه، حتىَ إَذا
ضرَبتهُم الشمسُ فكان رسولُ الله أولَّهُم استيقَاظاً، فَفَزِعَ رسولُ الله فقال:
" يا بلالُ " (1) قال: اخَذَ بنفسَي الذي أخذَ بنفسكَ بأبي أنتَ وَأمِّي يا
رسولَ الله، فاقتَادُوا رَوَاحِلَهم شيئاًَ، ثم تَوضأ لنبيُ- عليه السلام-، وأمرَ
بلالاً فأقامَ لهم الصلاة، وصلى لهم الصُّبحَ ، فلما قَضى الصلاة قال: " من
نَسيَ صَلاةً فليُصلِّها إذا ذَكَرَها؛ فإن اللهَ عز وجل قال: (أقم الصَّلاَةَ
لِلذَكرَى) (2) .
ش- أحمد بن صالح: المعروف بابن الطبري، وعبد اللّه: ابن وهب،
ويونس: ابن يزيد، وابن شهاب: الزهري/، وسعيد: ابن المُسيب.
قوله: " حين قَفل " أي: حين رجع؛ والقفولُ: الرجوع، ولا يقال
__________
(1) في سنن أبي داود: " فقال " .
(2) سورة طه: (14) ، وهي قراءة شاذة من غير القراءات السبع المتواترة، وانظر:
تعليق المصنف، والحديث أخرجه مسلم في: كتاب المساجد ومواضع الصلاة،
باب: قضاء الصلاة الفائتة، واستحباب تعجيل قضائها (680/ 309) ، وابن
ماجه في: كتاب الصلاة، باب: من نام عن الصلاة أو نسيها (697) .

(2/319)


ذلك في ابتداء السفر، وربما سمّيت الرفقة قافلة تفاؤلا لها بالسلامة،
ويقال: قد يقال للسفر قفول في الذهاب والمجيء، وأكثر ما يستعمل في
الرجوع، ويقال (1) من غزوة خيبر، ويُقال: غزوة حُنين- بالحاء المهملة
والنون- قاله الأصيلي، والصحيح: أنه غزوة خَيبر بالخاء المعجمة،
وهكذا هو في " صحيح مسلم " .
قوله: " إذا أدركَنا الكَرَى " بفتح الراء والكاف- والكرى فاعله وهو
بفتح الكاف: النُّعاس. وقيل: النوم. يُقال: من كرِي الرجلُ يكري
كَرا من باب علم يعلم فهو كرِ، وامرأة كرِيَة- بتخفيف الياء-.
قوله: " عَرّسَ " " (2) من التعريس، وهو نزول المسافرين آخر الليل
للنوم والاستراحة؛ هكذا قاله الخليل والجمهور. وقال أبو زيد: هو
النزول أيّ وقت كان من ليل أو نهار؛ وفي الحديث: " معرّسون في نحر
الظهيرة " .
قوله: " اكلأ " - بهمزة في آخره- أي: ارقُب لنا الليل واحفظه
واحرسه؛ وهو أمر من كلأ يكلأ كِلاءةَ- بكسر الكاف والمدّ- وقد مر
مثله مرةَ.
قوله: " عيناه " فاعل قوله: " غلبت " و " بلالا " منصوب مفعوله،
والواو في قوله: " وهو مستند " واو الحال.
قوله: " ففزعَ رسولُ الله " أي: انتبه وقام. يقال: أفزعتُ الرجلَ من
نَومه ففزع أي: أنبَهتُه فانتبه، وذكر أهل اللغة أنه يجيء بمعنى خاف،
وبمعنى بَادَر، وبمعنى: أغاث، وبمعنى: استغاث؛ وهو بكسر الزاي في
الكل، وقالوا في فزع بمعنى أغاث- بالفتح، فافهم.
قوله: " أخذ بنفسي " كناية عن النوم؛ بمعنى أنامني الذي أنامك.
قوله: " بأبي أنت وأمي " قد ذكرنا مرةَ أن " الباء " فيه متعلقة بمحذوف؛
__________
(1) غير واضحة في الإلحاق.
(2) انظر: شرح صحيح مسلم (5/182) .

(2/320)


قيل: هو اسم فيكون ما بعده مرفوعا تقديره: أنت مُفدَى بأبي وأمي.
وقيل: هو فعل، وما بعده منصوب. أي: فديتك بأبي وأمي، وحُذف
هذا المقدر تخفيفا لكثرة الاستعمال .
قوله: " فاقتادوا رواحلهم " أي: قادُوها، فقَادَ واقتادَ بمعنىَ واحد،
والرواحل: جمع راحلة؛ وهي الناقة التي تصلح لأن تُرحل؛ وإنما
اقتادوها لما ذكره في الرواية الثانية: " تحولوا عن مكانكم الذي أصابتكم
فيه الغفلة (1) " ، وفي رواية مسلم: " فإن هذا منزل حصرَنا فيه
الشيطانُ " . وفيه دلالة على أن قضاء الفائتة بعذر ليس على الفور؛ وهو
الصحيح ؛ ولكن يستحب قضاؤها على الفور. وحكى البغوي وجهاً عن
الشافعي أنه على الفور . وأما الفائتة بلا عُذر فالأصح قضاؤها على
الفور، وقيل: له التأخير- كما في الأول-.
وقال الخطابي (2) : " وقد اختلف الناس في معنى ذلك وتأويله- أي:
في قوله: " فاقتادوا رواحلهم شيئَا ثم توضأ النبي- عليه السلام- " -
فقال بعضهم: إنما فعل ذلك لترتفع الشمس فلا تكون صلاتهم في الوقت
المنهي عن الصلاة فيه- وذلك أول ما تَبزغ الشمسُ- قالوا: والفوائت لا
تُقضى في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها " .
قلت: هذا مذهب أبي حنيفة؛ ولكن قوله: " حتى إذا ضربتهم
الشمس، يدل على أن الشمس قد ارتفعت كثيرا، فكيف يكون انتقالهم
من ذلك المنزل لارتفاع الشمس؟ ثم الصلاة لا تجوز عند طلوع الشمس
مطلقا سواء كانت فرضَا أو نفلا، أو وتراَ (3) أو سجدة تلاوة أداء وقضاء.
وقيل: يجوز النفل مع الكراهة، وكذا عند غروبها واستوائها ؛ للحديث
المشهور. وقال مالك، والشافعي، وأحمد، والأوزاعي: تقضى
الفوائت في كل وقتِ نهي عن الصلاة فيه أو لم يُنه عنها.
__________
(1) يأتي في الحديث الآتي.
(2) معالم السن (1/118) .
(3) في الأصل: " أو ترا "
21* شرح منن أبي داوود 2

(2/321)


ثم اختلف أصحابنا في قدر الوقت الذي تباح فيه الصلاة بعد الطلوع.
قال في الأصل: حتى ترتفع قدر رمح أو رمحن. وقال أبو بكر محمد
ابن الفضل: مادام الإنسان يقدر على النظر إلى قرص الشمس، فالشمس
في الطلوع لا تباح فيه الصلاة، فإذا عجز عن النظر تباح. وقال
الفقيه أبو حَفص السَّفكَردري: يؤتى بطست ويوضع في أرض مستوية فما
دامت الشمس تقع في حيطانه، فهي في الًطلوع فلا تحل الصلاة، وإذا
وقعت في وَسطه فقد طلعت وحكت الصلاة.
قوله: " فأقام لهم الصلاة " فيه دليل على أن الفائتة يقام لها، وليس لها
أذان. وفي حديث أبي قتادة بعده إثبات الأذان للفائتة.
فإن قيل: كيف ترك الأذان في هذا الحديث؟ قلنا: لا يلزم من ترك
ذكره أنه لم يؤذن، فلعله أدّن وأهمله الراوي/أو لم يعلم به. وجواب
آخر: يجوز أن يكون تركه في هذه المرة لبيان جواز تركه، وإشارةَ إلى أنه
ليس بواجب محتم، ولا سيما في السفر.
قوله: " وصلى لهم الصبح " فيه: استحباب الجماعة في الفائتة.
قوله: " فليصلها إذا ذكرها " فيه دليل على وجوب قضاء الفائتة سواء
تركها بعذر كنوم ونسيان أم بغير عذر.
فإن قيل: الحديث مقيد بالنسيان؟ قلت: لخروجه على سَبَب؛ ولأنه
إذا وجب القضاء على المعذور فغيره أولى بالوجوب : وهو من باب التنبيه
بالأدنى على الأعلى. وقال الشيخ محيي الدين (1) : " وأما قوله- عليه
السلام- " فليصلها إذا ذكرها " فمحمول على الاستحباب؛ فإنه يجوز
تأخير قضاء الفائتة بعذر على الصحيح وقد بيّناه. وقد قال بعض أهل
الظاهر: إن الفائتة بغير عذر لا يجب قضاؤها؛ وهذا باطل " . وقال
الشيخ محيى الدين- أيضا- " وفيه دليل لقضاء السنن الراتبة " .
قلت: لا دليل فيه على ذلك؛ لأن قوله: " من نسي صلاةً " صلاة
الفرض بدلالة القرينة.
__________
(1) شرح صحيح مسلم (5/183) .

(2/322)


قوله: " أقم الصلاة للذكرَى " - بكسر الذال وسكون الكاف وفتح الراء-
وهي فعلَى مَصدر من ذكر يذكُر، وهكذا قرأ ابن شهاب لما نُبينه إن شاء
اللّه تعَالى. وأما القراءة المشهورة: " لذكري " - بكسر الراء وياء
الإضافة، والمعنى: لأوقات ذكري؛ وهي مواقيت الصلاة أو لذكر صلاتي،
وقيل: لأن أذكرك بالثناء، أو لذكري خاصةَ لا تراءي بها، ولا تسويها
بذكر غيري. وقيل: لذكري لأني ذكرتها في الكتب وأمرتُ بها.
" (1) فإن قيل: قد رُوِيَ عن النبي- عليه السلام- أنه قال: " تنام
عيناي ولا ينام قلبي " فكيف ذهب عنه الوقت ولم يشعُر به؟ قلنا:
الجواب عنه: أن ذلك خاص في أمر الحدث؛ لأن النائم قد يكون منه
الحدث وهو لا يشعر به، وليس كذلك رسول اللّه؛ فإن قلبه لا ينام حتى
لا يشعر بالحدث إذا كان منه. وجواب آخرُ: أن ذلك من أجل أنه يوحى
إليه في منامه، فلا ينبغي لقلبه أن ينام، فأما معرفة الوقت وإثبات رؤية
الشمس طالعة، فإن ذلك إنما يكون دركه ببصر العين دون القلب؛ فليس
فيه مخالفة للحديث الآخر " فافهم. والحديث: أخرجه مسلم،
والترمذي، وابن ماجه.
ص- قال يونس: وكان ابن شهاب يقرؤها كذلك. قال أحمد: قال
عنبسةُ- يعني: عن يونس في هذا الحديث: للذكرى (2) .
قال أحمد: الكَرَى: النعاسُ.
ش- أي: قال يونس بن يزيد الأيلي: وكان ابن شهاب الزهري يقرؤها
أي: يقرأ " الذكرى " كذلك أي: كما في الرواية على وزن فعلى
مصدرًا، كما ذكرناه.
قوله: " قال أحمد " أي: أحمد بن صالح: قال عنبسة: ابن خالد بن
يزيد الأيلي، عن يونس الأيلي.
418- ص- نا موسى بن إسماعيل: نا أبان: نا معمر، عن الزهري،
__________
(1) انظر معالم السنن (1/119) .
(2) في سنن أبي داود: " لذكري " .

(2/323)


عنِ سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة في هذا الخبر قال: فقال رسول الله:
" تَحولوا عن مكَانكُم الذي أصَابَتكم فيه الغَفلَةُ " . قال: فأمَر بلالا فأذنَ وأقامَ
َ (1)
وصلى.
ش- أبان: ابن يزيد العطار، ومَعمر: ابن راشد.
قو له: " تحولوا " أي: انتقلوا.
قوله: " الغفلة " أي: النسيان. وهذه الرواية فيها الأذان. وقد ذكرنا
وجه تركه في الرواية الأولى.
ص- قال أبو داود: رواه مالك، وسفيان بن عيينة، والأوزاعي،
وعبد الرزاق، عن معمر، وابن إسحاق، لم يذكر أحد منهم الأذان في
حديث الزهري هذا، ولم يُسنده منهم أحدٌ إلا الأوزاعيّ وأبان العَطار، عن
معمر.
ش- أي: روى هذا الحديث مالك بن أنس، وابن عُيينة، وعبد الرحمن
الأوزاعي، وعبد الرزاق بن همام، عن معمر بن راشد، ومحمد بن
إسحاق.
وقد اختلفوا في الفوائت هل يؤذن لها أم لا؟ فقال أبو حنيفة:
أذن للأولى وأقام وكان مخيرا في الباقي إن شاء أذن وأقام، وإن شاء اقتصر
على الإقامة. وبه قال أحمد. واختلف قول الشافعي في ذلك؛ فأظهر
أقاويله: أن يُقام للفوائت ولا يؤذن لها. والأصح ما قال أبو حنيفة لرواية
أبي هريرة. وروى هذا الحديث- أيضا- هشام، عن الحسن، عن
عمران بن حصين/فذكر فيه الأذان (3) . ورواه أبو قتادة الأنصاري، عن
النبي- عليه السلام-، فذكر الأذان والإقامة (4) ؛ والزيادات إذا صحت
مقبولة، والعمل بها واجبٌ " .
__________
(1) تفرد به أبو داود.
(2) انظر معالم السنن (1/119) 0
(3) يأتي بعد ستة أحاديث.
(4) يأتي بعد حديث، وله روايات، ويأتي بعد سبعة أحاديث ذكر الأذان والإقامة
من حديث عمرو بن أمية الضمري، وذي مخبر الحبشي.

(2/324)


419- ص- نا موسى بن إسماعيل: ثنا حماد، عن ثابت البناني، عن
عبد الله بن رباح الأنصاريّ قال: نا أبو قتادة، أن النبيَّ- عليه السلام- كان
في سَفر له، فمالَ رسولُ الله وملتُ معه. فقالَ: " انظُر " فقلتُ: هذا
راكب هًذانِ راكبان، هؤلاء ثَلاثة ، حتى صرنا سبعة فقال: " احفظُوا عَلينا
صلاتَنا " - يعني: صَلاةَ الفجرِ- فضُرٍبَ عَلى آذانهم، فما أيقَظَهُم إلا حر
الشمسِ، فقامُوا فساروا هَنيّةً، ثم نَزلُوا فتوضأوَا، وأذن بلال، فصلُّوا
ركعَتي الفجرِ، ثم صلُوا الفجرَ ورَكبوا وقال (1) بعضُهم لبَعض: قد فرَّطنَا
في صلاتنَا، فقال رسولُ اللّهِ: " إَنه لا تفريطَ في النوم : إنما التفريطُ في
اليقظَة؛َ فإذا سَهَى أحدُكُم عن صلاة فليُصَلِّهَا حين يَذكُرُها، ومن الغد
للوقتِ (2) .ً
ش- حماد: ابن سلمة.
وعبد اللّه بن رَباح- بفتح الراء والباء الموحدة- أبو خالد الأنصاريّ
المدني . روى عن: أبيّ بن كعب. وسمِع: أبا قتادة الأنصاري،
وأبا هريرة، وعمران بن الحُصَين، وابن عمرو، وعائشة. روى عنه:
ثابت البناني، وقتادة، وأبو عمران الجَوني، وغيرهم. قال أحمد بن
عبد اللّه: بصريّ ثقة، قتل في ولاية زياد. روى له الجماعة إلا البخاريّ (3) .
وأبو قتادة: الحارث بن ربعي السَّلمي المدني.
قوله: " فمال " أي: عَرج عن الطريق.
قوله: " فضُرب على آذانهم " " (4) كلمة فصيحة من كلام العرب
معناه: إنه حُجب الصَّوت والحسّ عن أن تلجأ آذانهم فينتبهوا؛ ومن هذا:
قوده تعالى: (فَضَرَب عَلَى آذانهم في الكَهف سنين عَددًا) (5) فكأنها قد
ضُرب عليها حجابٌ " .
__________
(1) في سنن أبي داود: " فقال " 0
(2) مسلم: كتاب المساجد، باب: قضاء الصلاة الفائتة ... (683 /313) ،
النسائي: كتاب المواقيت، باب: إعادة من نام عن الصلاة لوقتها من الغد (1/ 295) ،
ابن ماجه: كتاب الصلاة، باب: من نام عن الصلاة أو نسيها (698) .
(3) انظر ترجمته في : تهذيب الكمال (14/3257) .
(4) انظر: معالم السنن (1/120) .
(5) سورة الكهف: (11) .

(2/325)


قوله: " هُنَيةً " أي: قليلا من الزمان؛ وهي تصغير هنة، ويقال: هُنَيهة
- أيضا-؛ وانتصابها على أنها صفة لمصدر محذوف أي: ساروا سيرًا
هُنَيةً.
قوله: " فصلوا ركعتي الفجر " المراد بها: سُنَّة الفجر؛ وبهذا استدل
أصحابنا أن سُنَّة الفجر إذا فاتت مع الفرض تُقضى بعد طلوع الشمس مع
الفرض، وأما إذا فاتت السُّنَّة وحدها فلا تقضى؛ خلافا لمحمد؛ فإنه
يقيسها على ما إذا فاتت مع الفرض. ولهما: أن الأصل في السنن أن لا
تقضى؛ ولكن سُنة الفجر إذا فاتت مع الفرض خُصت بهذا الحديث.
قوله: " قد فرطنا " أي: قصرنا.
قوله : " لا تفريط في النوم " أي: لا تقصير فيه؛ لأن النائم ليس بمكلف.
فإن قيل: إذا أتلف النائم برجله أو بيده أو غير ذلك من أعضائه شيئا
يجب ضمانه، قلنا: غرامة المتلفات لا يشترط لها التكليف بالإجماع،
حتى لو أتلف الصبي أو المجنون شيئا يجب ضمانه من مالهما.
قوله: " إنما التفريط في اليقظة " لوجود التقصير منه من غير عذر.
قوله: " فليصلها حين يذكرها " أي: حين يذكر تلك الصلاة؛ وقد
ذكرنا أن هذا القيد ليس للوجوب، حتى لو صلاها بعد ذلك يجوز ولا
يأثم.
قوله: " ومن الغد للوقت " أي: وليصل- أيضا- من الغد في
الوقت، فطاهر هذا الكلام: أن الفائتة يُصليها مرة حين ذكرها، ومرةً من
الغد في وقتها؛ بدليل قوله في الرواية الأُخرى: " فليقض معها
مثلها (1) " ؛ ولكن هذا ليس بمراد، ولا هو قول أحدٍ ، ولذلك قال
الخطابي (2) : " فلا أعلم أحدًا من الفقهاء قال بها وجوبًا، ويُشبهُ أن
يكون الأمر به استحبابًا، لتُحرز (3) فضيلة الوقت في القضاء عند مصادفة
__________
(1) يأتي في الحديث الأتي.
(2) معالم السنن (1/ 120)
(3) في معالم السنن " ليحرز " .

(2/326)


الوقت " . ويقال: يحتمل أن يكون- عليه السلام- لم يرد إعادة الصلاة
المنسية حتى يصليها مرتين، وإنما أراد أن هذه الصلاة وإن انتقل وقتها
بالنسيان إلى وقت الذكر، فإنها باقية على وقتها فيما بعد مع الذكر، لئلا
يطن ظانّ أن وقتها قد تغير.
قلت: قوله: " فليقض معها مثلها " يدفع هذا الاحتمال، ويَعضد ما
قلناه. والحديث: أخرجه مسلم بنحوه أتم منه، وأخرج النسائي، وابن
ماجه طرفا منه.
420- ص- نا علي بن نصر: نا وهب بن جرير: نا الأسود بن شيبان:
نا خالد بن سُمَيرِ قال: قَدِمَ عَلَينا عبدُ اللّه بن ربَاحِ الأنصاريُّ من المدينةِ
- وكانت الأنصارُ/تفقهه- فحدَثنا قال: حَدثَّني أبو قتادةَ الأنصاريّ-
فارسُ رسولِ الله- قال: بَعَثَ رسولُ الله جيشَ الأمراء بهذه القصة قال:
فلم يُوقظنَا إلا الَشمسُ طالعةَ، فقُمنَا وَهِلِين لصلاتنَا،َ فقال النبيُ- عليه
السلام-: " رُوَيدًا رُوَيدَا " حتى إذا تعالَت اَلَشمسُ قالَ رسولُ اللّهِ: " مَن كان
منكُم يركعُ ركعتي الفجرِ فليركَعهُما " فَقامَ من كان يركعُهُما ومن لم يكن
يركعُهُما فركَعَهُما، ثم أمر رسولُ اللّهِ أن ينادَى بالصلاةِ، فنُوديَ بها، فقام
رسولُ اللهِ فصلَى بنا، فلما انصرفَ قال: " ألاَ إِنَا نحمَدُ اللهَ أنا لم نكن في
شَيء من أمورِ الدنيا تشغَلُنَا عن صلاتنا؛ ولكن أروَاحُنا كانت بيد الله،
فأرسَلَها أنَّى شَاءَ، فمَن أدركَ منكُم صَلاةَ الغَدَاة من غَد صالحَا، فلَيَقضَ
معها مِثلَهَا " (1)

ش- علي بن نصر: ابن علي بن نصر بن علي بن صهبان بن أبي،
أبو الحسن الأزدي الجَهضمي البصري الصغير، روى عن: وهب بن
جرير، وأبي داود الطيالسي، وعبد اللّه بن داود. روى عنه: أبو زرعة،
وأبو حاتم، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي. وقال: ثقة.
مات سنة خمسين ومائتين في شعبان (2) .
__________
(1) النسائي في الكبرى، كتاب: المناقب 34/ 1.
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (21/4144) .

(2/327)


والأسود بن شيبان: السَدُوسي، أبو شيبان البصري، مَولى أنس بن
مالك . روى عن: الحسن، ويزيد بن عبد اللّه، وموسى بن أنس،
وخالد بن سُمَير وغيرهم. روى عنه: ابن المبارك، ووكيع، ووهب بن
جرير وغيرهم. قال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث.
روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (1) .
وخالد بن سُمَير: السَّدُوسي البصري. روى عَن: عبد اللّه بن عُمر
ابن الخطاب. وسمع: أنس بن مالك، وبشير بن نهيك، وعبد اللّه بن
رباح الأنصاري. روى عنه: الأسود بن شيبان . روى له: أبو داود،
والنسائي، وابن ماجه (2) .
قوله: " قَدِمَ علينا " أي : في البصرة.
قوله: " تُفَقِّهه " - بالتشديد- أي: كانت الأنصار يَنسبُونه إلى الفقه،
ويجعلونه فقيها بينهم.
قوله: " بهذه القصّة " أي: حدث بهذه القصة؛ والمعنى: أنه ذكر هذه
القصة، ثم قال. " فلم يوقظنا إلا الشمسُ " وارتفاع الشمس بقوله:
" لم يوقظنا " و " طالعة " نصب على الحال من " الشمس " .
قوله: " وَهِلين " أي: فزعين، جمع وَهِل- بفتح الواو وكسر الهاء-
صفة مشبهة من وَهِل يُوهَل إذَا فزع لشيء يُصيبُه؛ وهو نصب على الحال
من الضمير الَّذي في قوله: " فقمنا " .
توله: " رويدًا رويدًا " اعلم أن " رُوَيدَ " من أسماء الأفعال؛ ومعناه:
امهل وتأنّ وهو تصغير " رَود " يقال: أروَدَ به إروادًا أي: رَفقَ، ويقال:
رُويدَ زيد، ورويدك زيدا، وهي فيه مصدر مضاف، وقد يكون صفةً
نحو: سارُوا سيرا رويدًا، وحالاَ نحو: ساروا رويدا، أي: مُرودين؛
وهو في هذه المواضع مُعرب، ويُبنى إذا كان اسما للفعل. وأما هاهنا:
__________
(1) المصدر السابق (3/502) .
(2) المصدر السابق (8/1620) .

(2/328)


فإنه وقع صفة، والمعنى: امهلوا امهالا رُويدًا، فلِذلك أُعرِبَ. وأمّا
التكرير فللتقرير والتأكيد.
فوله: " حتى إذا تعالت الشمسُ " يُريد استعلالها في السماء وارتفاعَها.،
إن كانت الرواية هكذا، وهو في سائر الروايات: " تعالت " ووزنه:
تفاعلت من العُلُو بمعنى: ارتفعت وظهرت.
قوله: " من كان منكم يركع ركعتي الفجر " أي: من كان منكم يُصلّي
سُنَّة الفجر فليركعهما: فليصليها أطلق الركوع على الصلاة من إطلاق
الجزء على الكل ؛ وفي هذا الأمر دليل على أن قوله عليه السلام:
" فليصلها إذا ذكرها " ليس على معنى تضييق الوقت وحَصره بزمان الذكر،
حتى لا يَعدُوه بعَينه؛ ولكنه على أن يأتي بها على حسب الإمكان، بشرط
أن لا يُغفِلها، ولا يتشاغل عنها بغيرها.
قوله: " أن يُنادَى " - بفتح الدال- والنداء بالصلاة: الأذان.
قوله: " ألا إنا نحمد اللّه " ألا- بفتح الهمزة والتخفيف- وهي للتنبيه
هاهنا، فيدل على تحقق ما بَعدها؛ ويدخل على الجملتين نحو (ألا إنَّهُم
هُمُ السُّفَهَاءُ) (1) ، (ألاَ يَومَ يأتيهِم لَيسَ مَصروفًا عَنهُم) (2) ويستفادُ
/منها معنى التحقيق من جهة كوَنها مركبةً من " الهمزة " و " لاَ " ؛
وهمزةُ الاستفهام إذا دخلت على النفي أفادَت التحقيق نحو (أليس ذَلكَ
بقَادر عَلَى أن يُحييَ المَوتَى) (3) . وقال الزمخشري: ولهذا لا تكادُ تَقعُ
اَلجمعة بعدها إلاَ مُصَدّرة بنحو ما يُتلقّى به القسمُ نحو (ألا إِنَّ أوليَاءَ
اللهِ) (4) وهاهنا كذلك وقع بعدها قوله: " إنا نحمد اللّه " بكسر الهمزةَ.
قوله : " أنا لم نكن " - بفتح الهمزة؛ والمعنى: نحمدُ اللّه على أنا لم
نكن، وهو في الواقع بمَعنى المصدر، والتقدير: نحمدُ اللّه على عدم
كوننا في شيء من أمور الدنيا.
__________
(1) سورة البقرة: (13) .
(2) سورة هود: (8) .
(3) سورة القيامة: (40) .
(4) سورة يونس: (62) .

(2/329)


قوله: " تشغلنا " صفة للأمور.
قوله: " ولكن أرواحنا " بسكون النون، وضم الحاء؛ وهي كلمة
استدراك، وهو أن يُنسب لما بعدها حكم مُخالف لحكم ما قبلها،
والمُشدّدة تنصب الاسم وترفع الخبر، والمخففة لا تعمل شيئاًَ؛ بل هي
حرف ابتداء لمجرد إفادة الاستدراك. والأرواح: جمع رُوح؛ وهو يُذكر
ويؤنث؛ وهو جوهر لطيف نُوراني يكدرهُ الغذاء والأشياء الردية الدنية،
مُدرك للجزئيات والكليات، حاصل في البدن، متصرفٌ فيه، غني عن
الاغتذاء، بريء عن التحلل والنماء؛ ولهذا يبقى بعد فنَاء البدن؛ إذ
ليست له حاجة إلى البدن، ومثل هذا الجوهر لا يكون من عالم العُنصر؛
بل من عالم الملكوت؛ فمن شأنه أن لا يضره خللُ البدن، ويلتذ بما
يلائمُه، ويتألم بما يُنافيه؛ والدليل على ذلك: قوله تعالى: (وَلا
تَحسَبَنَ الَّذينَ قُتلُوا فِي سَبيلِ الله أموَاتًا بَل أحيَاء) الآية (1) ، وقوله- عليه
السلام-َ: " إَذا وُضع اَلميت عَلى نعشه رفرف روحه فوق نعشه ويقول:
يا أهلي ويا ولدي " .
فإن قيل: كيف تفسر الروح وقد قال تعالى: (قُلِ الرُوحُ مِن أمرِ
رَبي) (2) ؟ قلت: مَعناه في الإبداعات الكائنة بكُن من غير مادة: ،
وتولد من أصلٍ ، على أن السؤال كان من قدمه وحدوثه، وليس فيه ما
ينافي جواز تفسيره. وأيضاً: إن أمر الروح كان مُبهما في التوراة فقالت
اليهود: نسأله عن أصحاب الكهف (3) وعن ذي القرنين وعن الروح،
فإن أجاب عنها أو سكت فليس بنبيّ، وإن أجاب عن بعض وسكت عن
بعض فهو نبيّ؛ فبَيّن لهم القِصتين، وأبهم الرُوحَ حتى لا يطعنوا في
نُبوّته، وأشار تعالى بقوله: (وَمَا أوتِيتُم مّنَ العلم إلاَّ قَليلاً) (4) إلى أن
الروح لا يمكن معرفة ذاته إلا بعوارض تمَيّزُه عمَا يَلَتبسُ، فلذلك اقتصر
__________
(1) سورة آل عمران: (169) .
(2) سورة الإسراء: (85) .
(3) في الأصل: " الكفهف " .
(4) سورة الإسراء: (85) .

(2/330)


على هذا الجواب بقوله: (قُل الرُّوحُ مِن أمرِ ربِّي) كما اقتصر مُوسى في
جواب (وَمَا رَبُّ العَالَمينَ) (1) بذكر بعض صفاته؛ على أن المفسرين
قد اختلفوا في الروح فيَ الآية؛ فعن ابن عباس: إنه جبريل، وعنه:
جندٌ من جنود اللّه، لهم أيدي وأرجل يأكلون الطعام، وعن الحسن:
القراَن، وعن علي: ملك له سبعون ألف وجه، لكل وجه سبعون ألف
لسان، يُسبح الله بجميع ذلك، فيخلق الله تعالى بكل تسبيحة ملكًا،
وقيل: عيسى- عليه السلام-، وعن عطية: روح الحيوان، وهو
للآدميين والملائكة والشياطين.
قوله: " فأرسلها أنى شَاءَ " أي: متى شاء. واعلم أنَّ " أنى " تجيء
بمعنى " كيف " ، وبمعنى " متى " ، وبمعنى الاستفهام، وبمعنى الشرط
نحو: (فَأتُوا حَرثَكُم أنى شِئتُم) (2) وأنَى القتال؟ و (أنَّى لَك
هَذَا) (3) وأنى تخرج أخرج. ثم إن اللّه تعالى أخبر في قوله: (اللهُ
يَتَوَفَّى الأنفُسَ (4) حينَ مَوتهَا) الآية (5) ، أنه يتوفى نفس النائم عند
المنام، ثم يُرسلها عنَد اليقظَة، ويتوفى نفس الميّت فيُمسكها عنده.
والتوفي هو مثل الاستيفاء، يُقال: توفيت العدد واستوفيته بمعنى واحد.
والحاصل في معنى الحديث: أنه- عليه السلام- يُبدي عُذره وعذر
أصحابه حين ناموا عن صلاة الصبح بقوله: " لكن أرواحنا كانت بيد اللّه "
يعني: في قدرته وتصرفه (6) ، إن أراد أرسلها إلى الأجساد بعد النوم،
وإن أراد يُمسكها عنده، وإذا أرسلها يُرسلها- أيضا- على قدر ما يتعلق
به إرادته من الوقت إن أراد يُعجل بالإرسال به وإن أراد يُبطئ
__________
(1) سورة الشعراء: (23) .
(2) سورة البقرة: (223) .
(3) سورة آل عمران: (37) .
(4) في الأصل: " الأنس " .
(5) سورة الزمر: (42) .
(6) بل وصف الله نفسه بأن له يدَا على الحقيقة، قال تعالى: (بل يداه
مبسوطتان) اعتقاد أهل السُنَة والجماعة، (ليس كمثله شيء وهو السميع
البصير) وانظر: العقيدة الواسطية

(2/331)


بالإرسال به، وله القدرة/الكاملة والتصرف في جميع الأشياء، وليس
لمخلوق في ذلك اشتراك وقدرة.
قوله: " فمن أدرك منكم صلاة الغداة من غد صالحا، فليقض معها
مثلها " أي: مع صلاة الغداة، وفي رواية: " فليصل معها مثلها " وهذا
تصريح- أيضا- أن الفائتة يُصليها مرتين؛ مرةً حين ذكرها، ومَرةً من
الغد في وقتها- كما قلنا في الحديث المتقدم، وجوابُه ما ذكرنا.
و " (1) قال البيهقي في كتاب " المعرفة " : وقد رواه خالد بن سُمَير،
عن عبد اللّه بن رباح، عن أبي قتادة، وفيه: فقال النبي- عليه
السلام-: " فمن أدركته هذه الصلاة من غد فليُصل معها مثلها " هكذا
أخرجه أبو داود في " سننه " ولم يتابع خالداً على هذه الرواية نفسُه (2) ،
وإنما اللفظ الصحيح فيه: " فإذا كان من الغد فليصلها عند وقتها " كما
رواه مسلم؛ ولكن حمله خالد على الوهم، وفي " الإمام " : الوهم فيه
للراوي، عن خالد، وهو: الأسود بن شيبان " .
421- ص- نا عَمرو بن عون: أنا خالد، عن حصين، عن ابن أبي قتادة
عن أبي قتادة في هذا الخبر قال: فقال: " إن اللهَ تبارك وتعالى قَبَضَ
أرواحَكُم حيثُ شَاءَ، ورها حيثُ شَاءَ، قُم فأذِّن بالصلاة " فقَامُوا فَتَطَهَرُوا،
حتى إذا ارتفعتِ الشمسُ، قامَ النبيُّ- عليه السلام- فصلًّى بالناسِ (3) .
ش- عمرو بن عون: الواسطي البزاز، وخالد: ابن عبد اللّه
الواسطي الطحان، وحُصَين بن عبد الرحمن (4) الكوفي. واسم ابن
أبي قتادة: عبدُ اللّه بن الحارث بن ربعي؛ وقد ذكرناه.
__________
(1) انظر: نصب الراية (2/158) .
(2) في نصب الراية: ولم يتابع خالد على هذه الرواية معه "
(3) البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب: الأذان بعد ذهاب الوقت (595) ،
النسائي: كتاب الإمامة، باب: الجماعة للفالت من الصلاة (2/106) .
(4) في الأصل: " حصين بن خالد الرحمن " .

(2/332)


قوله: " قال: فقال " أي: قال أبو قتادة: قال النبي- عليه السلام-.
قوله: " تبارك وتعالى " معنى تبارك: تكاثر خيرُه؛ من البركة وهي كثرة
الخير، أو نزايد عن كل شيء وتعالى عنه في صفاته وأفعاله؛ فإن البركة
تتضمن معنى الزيادة، وقيل: دام؛ من بروك الطائر على الماء، ومنه:
البركة لدوام الماء فيها، وهو لا ينصرف فيه ولا يُستعمل إلا للّه تعالى.
ومعنى " تعالى " : عَظُم شأنه؛ من العُلُو، وقيل : جَلّ عن إفك
المفترين، وعلا شأنه، وقيل: جلّ عن كل وصف وثناءٍ .
قوله: " حَيث شاء " اعلم أن " حيث " للمكان اتفاقا، قال الأخفش:
وقد ترد للزمان؛ وهاهنا بمعنى الزمان، والغالبُ كونها في محل نصب
على الظرفية، أو خفض بـ " من " ، ولغة طيّء: " حَوثُ " بالواو
موضع الياء. ويجوز بالضم والفتح فيهما، وحكى الكسائي: " حيثِ "
- بالكسرِ، وقد يجيء للتقليل، وإذا اتصل به " ما " يصير للمحازاة.
قوله: " فتطهروا " التطهر أعم من الوضوء والاغتسال.
422- ص- نا هناد: نا عَبثر، عن حُصَين، عن عبد الله بن أبي قتادة،
عن أبيه، عن النبي- عليه السلام- بمعناه قال: فتَوضئوا حين ارتَفَعت
الشمسُ، فَصلَى بِهِم (1) .
ش- هناد: ابن السري الكوفي.
وعَبثر: ابن القاسم، أبو زُبيد الزُّبَيدي الكوفي. روى عن:
أبي إسحاق الشيباني، والأعمش، وحُصَين بن عبد الرحمن، والثوري
وغيرهم. روى عنه: عمرو بن عون، ويحيى بن اَدم، وعبد الله
الأشجعي وغيرهم. قال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق.
مات سنة ثمان وسبعين ومائة. روى له الجماعة (2) . وعَبثر: بفتح العين
المهملة، وسكون الباء، وفتح الثاء المثلثة.
__________
(1) انظر التخريج المتقدم.
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (14/3150) .

(2/333)


قوله: " بمعناه " أي: بمعنى الحديث المذكور. وأخرج البخاري
والنسائي طرفًا منه.
423- ص- نا العباس العنبري: نا سليمان بن داود: نا سليمان- يعني:
ابن المغيرة-، عن ثابت، عن عبد الله بن رباع، عن أبي قتادة قال: قال
رسول الله- عليه السلام-: " لَيسَ في (1) النوم تفريط؛ إنما التفريطُ في
اليَقَظةِ: أن تُؤَخر صَلاةَ حتى يَدخُلَ وقتُ أخرى (2) .
ش- العباس: ابن عبد العظيم العنبري البصري، وسليمان بن داود
الطيالسي البصري.
وسليمان: ابن المغيرة، أبو سعيد القَيسي البصري. سمع: الحسن
البصري، وابن سيرين، وثابتًا البناني، وحميد بن هلال، وسعيد بن
إياس الجريري. روى عنه: الثوري، وشعبة، وأبو داود الطيالسي
وغيرهم. قال ابن معين: ثقة ثقة. وقال أحمد بن حنبل: ثبت ثبت.
روى له الجماعة؛ روى له البخاري حديثا واحدًا (3) .
قو له: " تفريط " أي: تقصير.
قوله: " في اليقَظة " /بفتح القاف؛ وهو اسم من أيقظته من نومه أي:
نبهتُه فتيقظ واستيقظ فهو يَقظانُ، والاستيقاظ: الانتباه من النوم؛ وقد
غلط التهامي في قوله: " والمنية يقظة " .
قوله: " أن تؤخر " - بفتح الهمزة- بدل من قوله: " إنما التفريط " ،
ويجوز أن يكون التقدير: إنما التفريط بأن تؤخر، و " أن " مصدرية أي:
__________
(1) سقطت كلمة " في " من سنن أبي داود.
(2) مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: قضاء الصلاة الفائتة واستحباب
تعجيل قضائها 311- (681) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في
النوم عن الصلاة 177، النسائي: كتاب المواقيت، باب: فيمن نام عن
صلاة (1/294) .
(3) انظر ترجمته في تهذيب الكمال (12/2567) .

(2/334)


تأخيرُه صلاةً " حتى يدخل وقت أخرى " أي: صلاة أخرى؛ وذلك بأن
تركها عامدا كسلا وتهاونا، حتى دخل وقت صلاة أخرى فإنه ح (1)
يكون مُفرَطا فيلام عليه. وأخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي بنحوه.
424- ص- نا محمد بن كثير: أنا همامِ، عن قتادة، عن أنس بن مالك،
أن النبي- عليه السلام- قال: " مَن نَسي صلاةً فليُصَفَها إذا ذَكَرَها، لا
كَفَّارةَ لها إلا ذلكَ " (2) .
ش- محمد بن كثير: العَبدي البصري، وهمام: ابن يحيى العَوذي
البصري، وقتادة: ابن دعامة.
قوله: " لا كفارة لها إلا ذلك " معناه: لا يجزئه إلا الصلاة مثلها، ولا
يلزمه مع ذلك شيء آخرُ مثل كفارة من صدقة ونحوها، وقيل: لا
يكفرها إلا قضاؤها، ولا يجوز تركها إلى بدل آخر.
وقوله: " ذلك " إشارة إلى القضاء الذي يدل عليه قوله: " فليصلها إذا
ذكرها " ؛ لأن الصلاة عند الذكر هو القضاء. وفيه دليل على أن أحدا لا
يُصلِّي عن أحد؛ وهو حجة على الشافعي. وفيه دليل- أيضا- أن
الصلاة لا تجبر بالمال كما يُجبر الصومُ وغيره، اللهم إلا إذا كانت عليه
صلوات فائتة فحضره الموت، فأوصى بالفدية عنها، فإنه يجوز كما بُين
في الفروع.
والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن
ماجه.
__________
(1) أي: " حينئذ " .
(2) البخاري: كتَاب مواقيت الصلاة، باب: من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها،
ولا يعيد إلا تلك الصلاة (597) ، مسلم: كتاب المواقيت، باب: قضاء
الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها 314- (684) ، الترمذي: كتاب
الصلاة، باب: ما جاء في الرجل ينسى الصلاة (178) ، النسائي: كتاب
المواقيت، باب: فيمن نسي صلاة (1/292) ، ابن ماجه: كتاب الصلاة،
باب: من نام عن الصلاة (696) .

(2/335)


425- ص- نا وهب بن بقية، عن خالد، عن يونس، عن الحسن، عن
عمران بن حُصَين: أن رسولَ الله كان في مَسيرِ له، فنَامُوا عن صَلاة الفَجرِ،
فاستيقَظُوا بحرِّ الشمسِ، فارتَفًعُوا قليلاً حَتى استَقَلَتِ الشمسُ، ثم أمر
مُؤَذنا فأذَّنَ، وصَلَّى (1) ركعتين قبلَ الفجرِ، ثم أقامَ، ثم صَلَّى الفَجرَ (2) .
ش- وهب بن بقية: الواسطي، وخالد: ابن عبد الله الواسطي،
ويونس : ابن عُبَيد البصري، والحسن: البصري، وعمران بن الحصين
ابن عُبيد بن خلف الخزاعي، أبو نجيد، أسلم أبو هريرة وعمران بن
الحصين عام خيبر، رُوِيَ له عن رسول اللّه مائة حديث وثمانون حديثا؛
اتفقا منها على ثمانية أحاديث، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بتسعة.
روى عنه: أبو رجاء العطاردي، ومطرف بن عبد اللّه، وزرارة بن أوفى،
والشعبي، وابن سيرين، والحسن البصري، وجماعة آخرون. روى له
الجماعة. توفي بالبصرة سنة اثنتين وخمسين (3) .
قوله: " في مَسير له " المسير: مصدر ميميّ؛ يقال: سار يَسيرُ سَيرا
ومَسِيرا وتَسيارًا.
قوله: " حتى استقلَّت الشمس " أي: ارتفعت وتعالت.
قوله: " وصلى ركعتين " أي: سنة الفجر؛ وفسّره بقوله: " قبل
الفجر " أي: الركعتين اللتين تُصليان قبل صلاة الفجر.
قوله: " ثم صلى الفجر " أي: صلاة الفجر. وقد أخرج البخاري،
ومسلم حديث عمران بن حُصَين مطولا من رواية أبي رجاء العطاردي،
عن عمران؛ وليس فيه ذكر الأذان والإقامة. وذكر علي بن المديني،
وأبو حاتم الرازي وغيرهما أن الحسن لم يسمع من عمران بن الحصين.
__________
(1) في سنن أبي داود: " فصلى " .
(2) تفرد به أبو داود.
(3) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (3/22) ، أسد الغابة (4/281) ،
الإصابة (3/26) .

(2/336)


قلتُ: رواه أحمد- أيضا- في " مسنده " (1) وابن حبان في
" صحيحه " بزيادة فيه، ورواه الحاكم في " المستدرك " (2) وقال: حديث
صحيح على ما قدمنا من صحة سماع الحسن من عمران.
426- ص- نا عباس العنبري ح ونا أحمد بن صالح- وهذا لفظ
عباس/- أن عبد الله بن يزيد حدثهم، عن حيوة بن شريح، عن عياش بن
عباس، أن كُلَيب بن صبح حدثه (3) أن الزبرِقانَ حدثه، عن عمّه: عمرو
ابن أمية الضَمري قال: كُنا مع رسول الله في بَعض أسفاره، فنامَ عن الصبحِ
حتى طلعتِ الشمسُ، فاستيقَظَ رسوَلُ الَله فقال: " تَنَحُّوا عن هذا المَكانِ ".
قال: ثم أمَرَ بلالا فأذَّنَ، ثم توضئوا، وصًلُّوا رَكعتي الفجرِ، ثم أمرَ بلالا
فأقامَ الصلاةَ، فصلّى بهم صَلاةَ الصُّبحِ (4) /.
ش- عبد اللّه بن يزيد: القرشي العَدوي، مولى آل عمر بن الخطاب،
أبو عبد الرحمن المقرئ، أصله من ناحية البصرة، وقيل: من ناحية
الأهواز، سكن الأهواز. سمع: كهمس بن الحسن، وحيوة بن
شريح، وعبد اللّه بن لهيعة وغيرهم . روى عنه: أحمد بن حنبل،
وعبد الرحمن- دُحَيم-، ونصر بن علي، والبخاري، وجماعة آخرون.
قال أبو حاتم: صدوق. وقال الخليل بن عبد اللّه: هو ثقة، مات بمكة
سنة ثلاث عشرة ومائتين. روى له الجماعة (5) .
وحيوة بن شُريح، أبو زرعة المصري. وعياش بن عباس- بالياء آخر
الحروف في الأول وبالباء الموحدة في الثاني- القِتباني المصري.
وكليب بن صُبح: الأصبحي المصري. روى عن: عقبة بن عامر
__________
(1) (4/441، 444) .
(2) (1/274) .
(3) في سنن أبي داود: " حدثهم " .
(4) تفرد به أبو داود.
(5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (16/3666) .
22* شرح سنن أبي داوود 2

(2/337)


الجهني، والزبرِقان. روى عنه: عياش بن عباس، وجعفر بن ربيعة.
قال ابن معين: ثقة. روى له: أبو داود (1) .
والزبرقان: ابن عَبد اللّه بن أمية الضَمري، وعمّه: عمرو بن أميّة:
ابن خويلد بن عبد اللّه الضَّمري. رُوِيَ له عن رسول اللّه- عليه السلام-
عشرون حديثا؛ اتفقا على حديث واحد، وللبخاري حديث. روى عنه:
ابناه: عبد اللّه، وجَعفر، وابن أخيه: الزبرقان بن عبد اللّه، له دار
بالمدينة وبها مات في زمن معاوية. روى له الجماعة (2) .
قوله: " تنحوا عن هذا المكان " قد قلنا: إن انتقالهم عن المكان الذي
ناموا فيه إما لأن ترتفع الشمس جدا لتحل الصلاة، وإما لقوله: " فإن
هذا منزل حضرنا فيه الشيطان " وفيه الأذان والإقامة- أيضا- وهو حجة
على الشافعي.
427- ص- نا إبراهيم بن الحسن: نا حجاج- يعني: ابن محمد-:
ثنا حَرِيز ح ونا عُبَيد بن أبي الوزَر (3) : نا مُبَشّر: نا حَرِيز بن عثمان قال:
حدثني يَزيد بن صبح (4) ، عن ذي مخبر الحَبَشِيّ- وكان يخدمُ النبيَّ
- عليه السلام- في هذا الخبر قال: فتوضأ- يعني: النبيَّ- عليه السلام-
وُضوءًا لم يَلُثَّ منه الترابُ. قال: ثم أمَرَ بلالا فأذَّنَ، ثم قامَ النبيُّ- عليه
السلام- فركع ركعتين غيرَ عجل (5) ، ثم قال لبلال: " أقِم الصلاةَ " ثم
صلى (6) وهو غَيرُ عجِلٍ (7) .
__________
ً
(1) المصدر السابق (24/4992) .
(2) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (2/497) ، أسد الغابة
(4/193) ، الإصابة (2/524) .
(3) في سنن أبي داود " الوزير " وكلاهما محكي فيه.
(4) كذا، وإنما حكي فيه في تهذيب الكمال " صالح، وصليح، وصبيح " فقط،
وسيحكي المصنف بعد قليل فيه " ابن صلح " ووقع في سنن أبي داود
" صالح " .
(5) في سنن أبي داود: " وهو غير عجل " .
(6) في سنن أبي داود: " ثم صلى الفرض " .
(7) تفرد به أبو داود.

(2/338)


ش- إبراهيم بن الحسن: العَبشمِي البَصري، وحجاج: ابن محمد
الأعور، وحَرِيز: ابن عثمان الحمصي الشامي. وعُبَيد بن أبي الوَزَر،
ويُقال: عُبيد اللّه الحلبي. روى عن: مبشر بن إسماعيل. روى عنه:
أبو داود (1) .
ومُبشر بن إسماعيل الحلبي الكَلبي.
ويزيد (2) بن صبح الأصبحي المصري. روى عن: عقبة بن عامر،
وجنادة بن أبي أميّة. وروى عنه: مَعروف بن سويد، والحسن بن ثوبان،
وعمرو بن الحارث وغيرهم. روى له: أبو داود.
و ذ [ و ] مخبر. وقيل: ذو مخمر: ابن أخي النجاشي، خادم رسول
اللّه، وكان الأوزاعي يأبى في اسمه إلا ذ [ و ] مخمر- بالميم-، لا
يرى غير ذلك. روى عنه: جُبير بن نفير، وخالد بن مَعدان، ويحيى
ابن أبي عمرو الشيباني، وأبو حي المؤذن، والعبّاس بن عبد الرحمن،
وأبو الزاهريّة حدير بن كُرَيب (3) وعَمرو بن عبد اللّه الحضرمي. روى
له: أبو داود (4) .
قوله: " في هذا الخبر " متعلّق بقوله: " حدثني يزيد بن صبح " .
وقوله: " وكان يخدمُ النبي " معترض بَينهما.
قوله: " لم يَلُث منه الترابُ " - بفتح الياء، وضم اللام- ورفع التراب
بمعنى: لم يَتلوث من وضوئه الترابُ، وفي رواية- بضم الياء، وكسر
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (19/3693) .
(2) كذا ترجم المصنف لراوٍ آخر، وأما راوي الحديث فهو يزيد بن صبيح الرحبي
الحمصي، وهو مترجم في تهذيب الكمال (32/7005) ، وأما الذي ترجمه
المصنف فهو يقع في الترجمة التي تليها.
(3) في الأصل: " وأبو الزاهرية وحدير " خطأ، وإنما هما واحد.
(4) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (1/483) ، أسد الغابة
(2/178) ، الإصابة (1/481) .

(2/339)


اللام ونَصب التراب- بمعنى: لم يخلط منه الترابَ. وضبط ابن دُحيم
بخَطّه عن أحمد بن حَزم: " لم يَلُث " بفتح الياء، وضم اللام، وبالثاء
المثلثة؛ من لاث يلوث لوثا من الالتياث وهو الاختلاط؛ وفيه يُرفع
الترابُ- أيضا- على الفاعلية. وفي رواية: " لم يَلث " - بفتح الياء
وسكون اللام وبالثاء المثلثة- من لثِي يَلثى- بالكسر- يَلثى لَثى أي:
نَديَ، وهذا ثوبٌ لَث على فعل إذا ابتلَ من العرق. وفي رواية: " لم
يُلث " - بضم الياء- من ألثى يُلثي إلثاء، إفعال من الثلاثي المذكور .
وهذا يُشعرُ أن الماء كان قليلا؛ ولا سيَّما إذا كان الوقت حارا، والأرض
حارةً.
قوله: " غير عجل " نصب على الحال من الضمير الذي في " فركع " .
والعجل: بفتح العين وكسر الجيم؛ يُقال: رجل عجل- بكسر الجيم-
وعجل- بضم الجيم- وعجول، وعجلان؛ كلها صفات مشبهة معناها:
بَيّن العجلة، من عَجِلَ يَعجَلُ من باب علم يعلم. وفيه حجة- أيضا-
لأبي حنيفة على الشافعي، فافهم.
ص- قال/عن حجاجِ، عن يزيد بن صُلَيح قال: حدثني ذو مخبر-
رجل من الحبشة. وقال عُبيد: يَزيد بن صُلح.
ش- أي: قال إبراهيم بن الحسن، عن حجاج الأعور: عن يَزيد بن
صُلَيح الرَحَبي الحمصي- بضم الصاد وفتح اللام وسكون الياء. وقال
عُبيد بن أبي الوزر: يَزيد بن صُلح- بضم الصاد وسكون اللام. وفي
" الكمال " : يزيد بن صالح؛ وفي أصل المصنف: " صُليح " - مُصغرا.
428- ص- نا مؤمل بن الفضل: نا الوليد بن [ مسلم ] ، عن حَريز،
عن يزيد بن صُليح، عن ذي مخبر ابن أخي النجاشي- في هذا الخبر- قال:
فأذَنَ وهو غيرُ عَجِلٍ (1) .
ش- مؤمل بن الفضل (2) : الحراني، والوليد بن مسلم الدمشقي.
__________
(1) انظر التخريج المتقدم.
(2) في الأصل " المفضل " خطأ.

(2/340)


قوله: وهو غير عجل " جملة وقعت حالا عن الضمير الذي في " أذّن " .
429- ص- نا ابن المثنى: نا محمد بن جعفر: نا شعبة، عن جامع بن
شداد قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي علقمة قال: سمعت. عبد الله بن
مَسعود قال: أقبلنَا معَ رسول اللّهَ- عليه السلام- من (1) الحديبية، فقال
النبيُّ- عليه السلام-: " مَن يَكلَؤُنَا؟ " فقال بلالٌ : أنا، فَنَامُوا حتى طلعت
الشمسُ، فاستيقَظَ النبيُ- عليه السلام- فقال: " افعَلُوا كما كُنتم تَفعلونَ " .
قال: ففعَلنَا، قال: " فكذلكَ فافعَلُوا لِمن نَامَ أو نَسِيَ " (2) .
ش- محمد: ابن المثنى، ومحمد بن جعفر المعروف بغندر،َ وجامع
ابن شداد: المحاربي الكوفي، وعبد الرحمن بن أبي علقمة، ويقال:
ابن علقمة الثقفي، قيل: له صُحبة، ذعر في الصحابة، وقال
أبو حاتم: ليست له صحبة.
قوله: " من الحُدَيبية " وفي بعض النسخ الصحيحة: " زمن الحُديبية "
والحُديبيَة: قرية قريبةٌ من مكة؛ سُمّيت ببئر هناك؛ وهي مخففة، وكثير
من الحدثين يشدِّدونها.
قوله: " مَن يكلؤنا " أي: من يَحرسنا، من كلأ يكلأ كِلاءةً؛ وقد مر
مرةً.
قوله: " أنا " أي: أنَا كلؤكم.
قوله: " كما كنتم تفعلون " من الطهارة والأذان والإقامة والصلاة.
قوله: " فكذلك " أي: مثل ما فعلتم افعلوا " لمن نام عن صلاة أو نسيها "
من غيركم؛ بمعنى: مُرُوهُم بذلك أو عَلِّموهُم. وروى البَيهقي بنحوه (3) .
***
11- بَاب: في بناء المَسجد
أي: هذا باب في بيان بناء المسجد. وَفي بعض النُّسخ: " باب ما
__________
(1) في سنن أبي داود: " زمن " ، وهي نسخة كما سيذكر المصنف.
(2) النسائي في الكبرى: كتاب السير.
(3) أخرجه البيهقي في كتاب " الأسماء والصفات " (ص/109) .

(2/341)


جاء في بناء المَسجد " ؛ المَسجد في اللغة: موضع السجود؛ وفي
العُرف: البقعة المشهورة.
430- ص- [ حدثنا ] محمد بن الصباح بن سفيان: أنا سفيان بن عُيينة،
عن سفيان الثوري، عن أبي فِزارة، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس قال:
قال رسول اللّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ما أمرت بتَشييد المَسَاجد " . قال ابن عباس: لَتُزخرفُنَّها
كما زَخرَفَتِ اليهودُ والنصارى (1) .
ش- أبو فزارة: راشد بن كيسان الكوفي.
ويزيد بن الأصم؛ واسم الأصم: عَمرو، ويقال: عبد عمرو- بن
عُدَس بن مُعاوية بن عبادة، أبو عوف الكوفي، سكن الرقة، وهو ابن
أخت ميمونة زوج النبي- عليه السلام-، وابن خالة ابن عباس، وقيل:
إن له رواية عن (2) النبي- عليه السلام-. روى عن: سعد بن
أبي وقاص. وسمع: ابن عباس، وأبا هريرة، ومعاوية بن أبي سفيان،
وعوف بن مالك، وخالته: ميمونة، وعائشة، وأم الدرداء، روى عنه:
ابنا أخيه: عبد اللّه وعبيد اللّه ابنا عبد اللّه، وميمون بن مهران، وجعفر
ابن برقان، وأبو فزارة، وغيرهم. قال أبو زرعة، وأحمد بن عبد اللّه:
هو ثقة. مات سنة ثلاث ومائة. روى له الجماعة إلا البخاري (3) .
قوله: " بتشييد المساجد " التشييد من شيد يُشيد، رفع البناء وتطويله،
ومنه (بُرُوجٍ مشَيََّدة) (4) وهي التي طوّل بناؤها.
قوله: " لتزخرفنها " - بضم الفاء وتشديد النون- أي: لَتُزيننّها؛
وأصل الزخرف: الذهب، يُريد تمويه المساجد بالذهب ونحوه، ومنه
قولهم: زخرف الرجل كلامَه إذا موّهه وزيّنه بالباطل؛ والمعنى: أن
اليهود والنصارى إنما زخرفوا المساجد عندما حرّفوا وبذلوا، وتركوا العمل
__________
(1) تفرد به أبو داود.
(2) في الأصل: " من " .
(3) انظر ترجمته في: أسد الغابة (5/477) ، الإصابة (3/672) .
(4) سورة النساء: (78) .

(2/342)


بما في كتبهم، يقول: فأنتم تصيرون إلى مثل حالهم إذا طلبتم الدنيا
بالدين، وتركتم الإخلاص في العمل، وصار أمركم إلى المراءاة
بالمساجد، والمباهاة بتشييدها وتزيينها. وبهذا استدل/أصحابنا على أن
نقش المسجد وتزيينه مكروه . وقول بعض أصحابنا: ولا بأس بنقش
المسجد معناه: تركه أولى، ولا يحوز من مال الوقف، ويغرم الذي
يُخرجه سواء [ كان ] ناظرا أو غيره.
فإن قيل: ما وجه الكراهة إذا كان من نفس ماله؟ قلت: إما إشغال
المصلي به، أو إخراج المال في غير وجهه.
431- ص- نا محمد بن عبد الله الخزاعي: نا حماد بن سلمة، عن
أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، وقتادة، عن أنس، أن النبي- عليه
السلام- قال: " لا تَقُومُ الساعةُ حتى يَتبَاهَى الناسُ في المَسَاجدِ " (1) .
ش- أيوب: السختياني. وأبو قلابة: عبد الله بن زيد الجرمي
البصري.
قوله: " حتى يتباهى " أي: حتى يتفاخر الناس؛ من المباهاة، وهي
المفاخرة؛ والمعنى: أنهم يزخرفون المساجد ويزينونها ثم يقعدون فيها
ويتمارون ويتباهون، ولا يشتغلون بالذكر، وقراءة القرآن والصلاة.
والحديث: أخرجه النسائي وابن ماجه.
432- ص- نا رجاء بن المرجَّى: نا أبو همام: نا سعيد بن السائب، عن
محمد بن عبد اللّه بن عياض، عن عثمان بن أبي العاص، أن النبيَّ- عليه
السلام- أمَرَهُ أن يَجعلَ مَسجدَ الطَائِفِ حيثُ كان طواغيتهم (2) (3) .
__________
(1) النسائي: كتاب المساجد، باب: المباهاة في المساجد (2/31) ، ابن ماجه:
كتاب المساجد والجماعات، باب: تشييد المساجد (739) .
(2) في سنن أبي داود: " طواغيتهم " .
(3) ابن ماجه: كتاب المساجد والجماعات، باب: أين يجوز بناء المساجد (743) .

(2/343)


ش- رجاء بن المرجى- بضم الميم وسكون الراء (1) - بن رافع،
أبو محمد أو أبو أحمد الحافظ المروزي. ويقال: السمرقندي، وهو ابن
أبي رجاء، سكن بغداد. سمع: شاذان بن عثمان، والنضر بن شميل،
والفضل بن دكين وغيرهم. روى عنه: أبو حاتم الرازي، وأبو بكر بن
أبي الدنيا، وأبو داود، وابن ماجه. قال أبو حاتم: صدوق، وقال
الخطيب: كان ثقةً ثبتًا إماما في علم الحديث وحفظه والمعرفة به. مات
ببغداد غرة جمادى الأولى سنة تسع وأربعين ومائتين (2) .
وأبو همام: محمد بن محبب- بالحاء المهملة- الدلال البصري،
صاحب الرقيق. سمع: الثوري، وإبراهيم بن طهمان، وهشام بن
سَعد، وسعيد بن السائب وغيرهم. روى عنه: ابن بشائر، وابن المثنى،
والبخاريّ، وأبو داود، وابن ماجه. قال أبو حاتم: صالح صدوق
ثقة (3) .
وسعيد بن السائب الطائفي. روى عن: أبيه، ونوح بن صعصعة.
روى عنه: مَعن بن عيسى، ووكيع، وشعيب بن حَرب وغيرهم. قال
ابن معين: ثقة. روى له: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (4) .
ومحمد بن عبد اللّه بن عياض. روى عن: عثمان بن أبي العاص.
روى عنه: سعيد بن السائب الطائفي. روى له: أبو داود (5) .
وعثمان بن أبي العاص: ابن بشر بن عبد دهمان بن عبد همام بن
أبان، أبو عَبد اللّه، قدم على النبي- عليه السلام- في وفد ثقيف،
واستعمله الني- عليه السلام- على الطائف، ثم أقره أبو بكر وعمر
- رضي الله عنهما-. رُوِيَ له عن رسول اللّه- عليه السلام- تسعة
__________
(1) كذا، والمعروف: بفتح الراء وتشديد الجيم.
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (9/1897) .
(3) المصدر السابق (26/5580)
(4) المصدر السابق (10/2280) .
(5) المصدر السابق (25/5367) .

(2/344)


أحاديث. روى له: مسلم ثلاثة أحاديث. روى عنه: سعيد بن
المسيّب، ونافع بن جبير، وأبو العلاء: يزيد بن عبد اللّه، والحسن بن
أبي الحسن- وقيل: لم يسمع منه. روى له: الترمذي، وأبو داود،
والنسائي، وابن ماجه (1) .
قوله: " طواغيهم " الطواغي: جمع طاغية، وهي الأصنام، وقيل:
بيوت الأصنام، وعليه يحملُ هذا الحديث. والطاغوت: الكاهن،
والشيطان، وكل رأس في الضلال، ويكون جمعا وواحداً ومذكرا
ومؤنثاً. ومن هذا الحديث أخذت الأمة أنهم أي بلدٍ يفتحونها يحولون
كنائسهم مَساجد ومَدارس. والحديث: أخرجه ابن ماجه.
433- ص- نا محمد بن يحيى بن فارس، ومجاهد بن موسى- وهو
أتم- قالا: نا يعقوب بن إبراهيم. نا أبي، عن صالح: نا نافع أن عبد الله بن
عمر أخبره، أن المسجدَ كان على عهد رسول الله مَبنيا باللَّبِنِ والجَرِيدِ،
وعمدة (2) - قال مجاهد:- عُمُدُهُ- خَشَب (3) النخَل، فلم يزد فيه
أبو بكرٍ شيئًا، وزاد فيه عُمَرُ، وبِناه على بُنيانه (4) في عهد رسولِ اللهِ باللَّبِنِ
والجرِيد، وأعاد عُمُمَه- قال مجاهد: عُمُمَهُ خشبا-، وغيًّرَه عثمانُ فزادَ فيه
زيادةً كَثَيرةً، وبَنى جدَارَه بالحجارةِ / المنقُوشَةِ والقصَّة، وجَعل عُمُدَهُ. قال
مجاهد: عُمُدُهُ (5) من حجارة منقوشَة، وسقفُهُ بالَسَّاجِ- قال مجاهد:
وَسَقفُه: السَاجُ (6) .
ش- مجاهد بن موسى: أبو علي الخوارزمي. ويَعقوب بن إبراهيم:
ابن سَعد الزهري المدني. وأبوه: إبراهيم بن سَعد بن إبراهيم بن
__________
(1) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (3/91) ، أسد الغابة
(3/579) ، الإصابة (2/460) .
(2) كلمة " وعمده " غير موجودة في سنن أبي داود.
(3) في سنن أبي داود: " عمده من خشب " .
(4) في سنن أبي داود: " بنائه " .
(5) غير موجود في سنن أبي داود
(6) البخاري: كتاب الصلاة، باب: بنيان المسجد (446) .

(2/345)


عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي المدني، وقد ذكرناهما. وصالح:
ابن كيسان المدني. ونافع: مولى عبد اللّه بن عمر.
قوله: " على عهد رسول الله " أي: في زمانه وأيامه.
قوله: " باللبن " اللبن- بفتح اللام وكسر الباء- جمع لبنة؛ وهي التي
يُبتنى بها الجدارُ، ويقال: اللبنة بكسر اللام وسكون الباء.
قلتُ: اللبنة: الآجر النَّيء؛ والجريد: الذي يُجردُ عنه الخُوص.
قوله: " وعُمُده " العُمُد- بضم العن والميم، وبفتحهما- جمع الكثرة
لعَمُود البيت؛ وجمع القلة: أعمدة.
قوله: " قال مجاهد " أي: قال مجاهد بن موسى المذكور في روايته:
" وعمُده خشبُ النخل " ؛ وهي جملة من المُبتدإ والخبر.
قوله: " فلم يزد فيه " أي: في مسجد النبي- عليه السلام- يعني:
أبو بكر- رضي الله عنه- لم يُغيّر شيئا بالزيادة والنقصان من مسجد
رسول الله.
قوله: " وأعاد عمده " أي: عُمده التي كان عليها المسجد في عهد النبي
- عليه السلام-.
قوله: " قال مجاهد: عمدَه خشبًا " أي: قال مجاهد في روايته: أعادَ
عمده خشبًا، وانتصابُ كل واحد منهما بـ " أعادَ " المقدّر.
قوله: " وقال مجاهد: عُمدَه " أي: قال مجاهد في روايته: أعاد
عثمان- رضى اللّه عنه- عمده من حجارة منقوشة؛ وهي جملة من
المبتدإ والخبر، وأزال العُمدَ التي كانت من خشبٍ .
قوله: " وسَقفَهُ " جملة من الفعل والفاعل والضمير فيه الذي يرجع إلى
عثمان والمفعول وهو الضمير المنصوب الذي يرجع إلى المسجد، ومعناه:
جَعل سقفه بالساج؛ وهو معطوف على قوله: " وجعَل عمده " ،
ويجوز أن يكون معطوفا على قوله " وبنى جدَاره " - هكذا هو في رواية

(2/346)


محمد بن يحيى بن فارس أي: بَنى عثمان سقف المَسجد بالسَّاج، السَاجُ
- بالسين المُهملة وبالجيم- ضَربٌ من الشجر.
قوله: " قال مجاهد: وسقفه الساج " أي: قال مجاهد بن موسى في
روايته: وسقف المسجد: الساج؛ وهي جملة من المبتدأ والخبر.
ص- قال أبو داود: والقَصَّةُ: الجصُّ.
ش- القَصّة- بفتح القاف وتشديد الصاد- الجَص والجصّ فارسي
مُعرّب ؛ وفيه لغتان: فتح الجيم وكسرها- وقيل: القصة شيء يشبه
الجص وليس به، وقيل: القصة: الجير، فإذا خلط بالنورة، فهو
الجيار، وقيل: الجيار: النورة وَحدها.
434- ص- نا محمد بن حاتم: نا عُبيدُ الله بن موسى، عن شيبان، عن
فِراس، عن عَطية، عن ابن عمر، أن مَسجد النبيِّ- عليه السلام- كانت
سَوَارِيه على عهدِ النبيِّ- عليه السلام- من جُذُوع النخلِ، أعلاهُ مُظلَّلٌ
بجريدَ النخلِ، ثم إنها نَخِرت في خلافة أَبي بكرٍ فبناها بجُذُوع النخلٍ ،
وبجريَد النخل، ثم إنها نَخرَت في خلافَة عثمانَ، فبناها بالآجر فلم تَزل
ثابتةً حتىَ الآن (1) .
ش- محمد بن حاتم: ابن بزيع البصري. وعُبيد اللّه بن موسى: ابن
باذام الكوفي.
وشيبان: ابن عبد الرحمن النحوي أبو معاوية التميمي المؤدب البصري .
روى عن: الحسن البصري، وقتادة، والأعمش، ومنصور وغيرهم.
روى عنه: عبد الرحمن بن مَهدي، ومعاذ بن معاذ، وعبيد اللّه بن
موسى وغيرهم. قال أبو حاتم: حسن الحديث، صالح الحديث، يكتب
حديثه، وعن ابن معين: ثقة. مات ببغداد سنة أربع وستين ومائة. روى
له الجماعة (2) .
__________
(1) تفرد به أبو داود.
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (12/2784) .

(2/347)


وفراس: ابن يحيى الهمداني المكتب الكوفي.
وعَطيّة: ابن سَعد بن جنادة العَوفي، أبو الحسن الكوفي. روى عن:
أبي سعيد الخدري، وابن عباس، وأبي هريرة، وابن عمر، وزيد بن
أرقم. روى عنه: فِراس بن يحيى، والأعمش، وفُضيل بن مرزوق
وغيرهم. وقال أحمد: ضعيف الحديث. وقال أبو زرعة: لين. وقال
أبو حاتم: ضعيف، يكتب حديثه. توفي سنة إحدى عشرة ومائة.
روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (1) .
قوله: " سواريه " جمع سَارية؛ وهي الأسطوانة؛ والجذوع: جمع
جِذع- بكسر الجيم.
قوله/: " نخرت " من نخر الشيء- بالكسر- إذا بَلي وتفتّت؛ يُقال:
عظام نَخرةٌ أي: بَالية.
قوله: " بالآجر " بضم الجيم وتشديد الراء؛ وهو فارسي معرّب،
وُيقال: أَجُور.
قوله. " حتى الآن " معناه: إلى الآن؛ وهو اسم للوقت الذي أنت
فيه؛ وهو ظرف غيرُ متمكن، وقع معرفة، ولم يدخل عليه الألف واللام
للتعريف؛ لأنه ليس له ما يشركه؛ وربما فتحوا اللام وحذفوا الهمزة.
435- ص- نا مسدد: نا عبد الوارث، عن أبي التياح، عن أنس بن
مالك قال: قَدِمَ رسولُ اللّه المدينةَ، فنزَلَ في عُلُوِّ المدينة في حي يقال لهم بنو
عمرو بن عوفٍ ، فأقامَ فيهَم أربعةَ (2) عَشَرَ لَيلةً، ثمَ أرسلَ إلى بني النجارِ
فَجَاءُوا متقلدين سُيوفهم، فقال أنسٌ : فكأني أنظُرُ إلى رسولِ الله على
راحلَتِهِ وأبو بكَرِ رِدفَهُ، ومَلأُ بني النجارِ حَولَهُ حتى ألقى بفناء أبي أيَوبَ،
وكاَن رسولُ الله يُصَلِّي حيثُ أدركتهُ الصلاةُ، ويُصلِّي في مَرَاَبضِ الغَنَم،
وأنه أمَرَ ببناءِ المَسجدِ، فأرسلَ إلى بني النجارِ وقال (3) : " يا بَني النجارِ!
__________
(1) المصدر السابق (20/3956) .
(3) في سنن أبي داود: " فقال " .
(2) في سنن أبي داود: " أربع " .

(2/348)


ثَامنُوني بحائِطِكُم هذا " فقالوا: واللهِ لا نَطلُبُ ثمنَه إلا إلى اللّهِ تعالى. قال
أنسٌ : وكَان فيه ما أقُولُ لكم، كانت فيه قُبورُ المُشرِكينِ، وكانت فيه خَرِبٌ ،
وكان فيه نَخلٌ ، فأمرَ رسولُ الله بقُبُورِ المشركين فنُبِشَت، وبالخَرب فسُوَيت،
وبالنخلِ فقُطِع ، فصفوا النخلِ قِبلةً للمسجد، وجَعَلُوا عَضادَتَيهِ حِجارةً،
وَجَعلُوا يَنقُلُونَ الصخرَ وهم يرتَجِزُون والنبيّ- عليه السلام- معهم وهو
يقولُ:
اللهم إن الخيرَ خيرُ الآخرة ... فانصرِ الأنصارَ والمُهاجرَه (1)
ش- عبد الوارث: ابن سعيد العنبري البصري، وأبو التياح: يزيد بن
حُمَيد الضُّبَعي.
قوله: " قدم رسول الله المدينة " قال الحاكم: تواترت الأخبار بورود
النبي- عليه السلام- قباء يوم الاثنين لثمان خلون من ربيع الأول. وقال
محمد بن موسى الخوارزمي: وكان ذلك اليوم: الخميس، الرابع من
تيرماه، ومن شهور الروم: العاشر من أيلول سنة سبع مائة وثلاثة
وَثلاثين لذي القرنين. قال الخوارزمي: من حين مولده إلى أن أُسري به:
أحد وخمسون سنة، وسبعة أشهر، وثمانية وعشرون يومًا، ومنه إلى
اليوم الذي هاجر: سنة وشهران ويوم؛ فذلك ثلاثة وخمسون سنة،
وكان ذلك يوم الخميس. وفي " طبقات ابنا سَعد " : أن رسول اللّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
خرج من الغار ليلة الاثنين لأربع ليال خلون من شهر ربيع الأول، فقالَ:
يوم الثلاثاء بقُديد، وقدم على ابن عَمرو بن عَوف للَيلتين (2) خلتا من
ربيع الأول، ويُقال: لاثَنتي عشرة ليلةً خلت من شهر ربيع الأول، فنزل
__________
(1) البخاري: كتاب الصلاة، باب: هل تنبش قبور مشركي الجاهلية، ويتخذ
مكانها مساجد (428) ، مسلم: كتاب الساجد ومواضع الصلاة، باب:
ابتناء باب مسجد النبي (9/524) ، النسائي: كتاب المساجد، باب: نبش
القبور واتخاذ أرضها مسجداً (701) ، ابن ماجه: كتاب المساجد والجماعات،
باب: أين يجوز بناء المسجد (742) .
(2) في الأصل: " لليتين " .

(2/349)


على كلثوم بن الهِدَم- وهو الثبت عندنا-، ولكنه كان يتحدث مع
أصحابه في منزل سَعد بن خيثمة؛ وكان يسمى مَنزل الغُراب؛ فلذلك
قيل: نزل على سَعد بن خيثمة. وذكر البرقي أن النبي- عليه السلام-
قدم المدينة ليلاً. وفي " شرف المصطفى " للنيسابوري: رُوي عن أبي بكر
أنه قال: أتينا المدينة ليلا، النبي- عليه السلام- وأنا معه. وعن جابر:
لما قدم النبي- عليه السلام- المدينة نحر جزورًا.
قوله: " فنؤل في عُلو المدينة " بضم العين وكسرها لغتان مشهورتان،
وقيل: لا يقال إلا بالكسر؛ وعلو المدينة هي العالية، وكل ما كانت من
جهة نجد من المدينة من قُراها وعمائرها [ من جهة نجد ] (1) فهي العالية،
وما كان دون ذلك من جهة تهامة فهي السافلة..
قوله: " في حب " الحيّ- بتشديد الياء- القبيلة؛ وجمعها: أحياء.
قوله: " فأقام فيهم " أي: في بني عمرو بن عوف " أربعة عشر ليلةً " .
وعن الزهري: أقام فيهم بضع عشرة ليلةَ، وعن عويمر بن ساعدة: لبث
فيهم ثمان عشرة ليلة ثم خرج.
قوله: " ثم أرسل إلى بني النجار " وبنو النجار هم تيم اللات بن ثعلبة
ابن عمر بن الخزرج، والنجار: قبيل كبير من الأنصار، منه بطون
وعَمائر (2) وأفخاذ وفصائلُ، واسمه: تيم اللات المذكور سمي بذلك
لأنه اختتن بقدوم (3) ، وقيل: بل ضرب رجلا بقدوم فجرحه. ذكره
الكلبي، وأبو عُبيدة.
قوله: " متقلدين " /نصب على الحال من الضمير الذي في " فجاءوا " .
قوله: " وأبو بكر ردفه " جملة اسمية وقعت حالاً؛ والردف- بكسر
الراء، وسكون الدالَ- المُرتدف؛ وهو الذي يركبُ خلف الراكب،
وأردفته أنا إذا أركبته معك، وذلك الوضع الذي يَركبُه: رداف، وكل
شيء تبعَ شيئًا فهو رِدفُه.
__________
(1) زيادة من معجم البلدان (4/71) .
(2) شعبة من القبيلة.
(3) كتب فوقها " خف " أي: بالدال المخففة.

(2/350)


قوله: " وملأُ بني النجار حوله " جملة اسمية وقعت حالا- أيضا-؛
المَلأُ: أشراف القوم ورؤساؤهم؛ سموا بذلك لأنهم مَلأ بالرأي والغنى؛
والمَلأ: الجماعة، والجمع : أملاء. قال ابن سيده: وليس الملأ من باب
رَهط وإن كانا اسمَين؛ لأن رهطا لا واحد له من لفظه، والملأ: رجل
مالئ جليلٌ يملأ العَين بجَهَرته، فهو كالعَزب والزوج، وحكى مَلأته على
الأمر أملؤه ومالأته، وكذلك الملأ إنما هم الشارَة، والتجمع: الإمارة،
ففارق باب رهط لذلك فالملا على هذا صفة غالبة وما كان هذا الأمر عن
ملإ منا أي: عن تشاورِ واجتماع؛ وفي الجامع: الملأ: الجماعة الكثيرة،
وقيل: هم الأشراف- كما ذكرنا.
قوله: " حتى ألقى بفناء أبي أيوب " يقال: ألقيت الشيء إذا طرحتَه،
ومفعول " ألقى " هاهنا محذوف تقديره: ألقى راحلته في فناء أبي أيوب.
والفناء- بكسر الفاء- سَعَة أمام الدار، والجمع: أفنية، وفي " المجمل " :
فناء الدار: ما امتد من جوانبها.
وأبو أيوب: اسمُه: خالد بن زيد الأنصاري، وقد ذكرناه مرة. وذكر
محمد بن إسحاق بن يسار في كتاب " المبتدأ وقصص الأنبياء- عليهم
السلام- " أن تبعا- وهو ابن حَسّان- لما قدم مكة- شرفها اللّه تعالى-
قبل مولد النبي- عليه السلام- بألف عامِ، وخرج منها إلى يثرب،
وكان معه أربع مائة رجل من الحكماء، فاجتمعوا وتعاقدوا على أن لا
يخرجوا منها، فسألهم تُبَّعٌ عن سر ذلك، فقالوا: إنا نجد في كتبنا أن
نبيا اسمه محمدٌ هذه دار مُهاجره، فنحن نُقيم لعلّ أن نلقاه، فأراد تُبَعٌ
الإقامة معهم، ثم بنى لكل واحد من أولئك دارا، واشترى له جاريةَ
وزوجها منه، وأعطاهم مالا جزيلا، وكتب كتابا فيه إسلامه وقوله:
شهدت على أحمد أنه ... رسول من اللّه بارئ النسم
في أبيات وختمه بالذهب، ودفعه إلى كبيرهم، وسأله أن يدفع إلى
محمد- عليه السلام- إن أدركه، وإلا من أدركه من ولده، وبنى للنبي
- عليه السلام- دارَا يَنزلها إذا قدم المدينة، فتداول الدارَ الملاكُ إلى أن

(2/351)


صارت لأبي أيوب؛ وهو من ولد ذلك العالم الذي دُفع إليه الكتابُ.
قال: وأهل المدينة الذين نصروه- عليه السلاَم- من ولد أولئك العلماء
الأربعمائة؛ ويزعم بعضهم أنهم كانوا الأوس والخزرجَ، ولما خرج النبي
- عليه السلام- أرسلوا إليه كتاب " تُبَع " مع رجل يسمى أبا ليلى، فلما
راَه النبي- عليه السلام- قال: " أنت أبو ليلى، ومعك كتاب تُبَّع
الأول " فبقي أبو ليلى متفكراً، ولم يَعرف النبيَ- عليه السلام-، فقال:
مَن أنت؟ فإنى لم أر في وجهك أثر السحر- وتوهم أنه ساحر- فقال:
" أنا محمد، هات الكتاب " فلما قرأه قال: " مرحبا بتبَّع الأخ الصالح "
- ثلاث مرات. وفي " سير " ابن إسحاق: اسمه: تبان أسعد أبو كرب؛
وهو الذي كسى البيت الحرام. وفي " مُغايص الجوهر في أنساب حمير " :
كان يَدين بالزَبور. وفي " معجم الطبراني " : قال- عليه السلام-:
" لا تَسبّوا تُبعًا " . وزعم السهيلي أن دار أبي أيوب هذه تصيرت بعده إلى
أفلح مولى أبي أيوب، فاشتراه منه بعد ما خرب المغيرة بن عبد الرحمن
ابن الحارث بن هشام بألف دينار بعد حيلة احتالها عليه المغيرة، فأصلحه
المغيرة وتصدق به على أهل بيت فقراء من المدينة.
قلت: لعل الحكمة في بروك ناقة النبي- عليه السلام- بفناء أبي أيوب
ما ذكر من المعنى.
قوله: " ويصلي في مرابض الغنم " المرابض: جمع مَربضٍ ؛ وهي
مأوى الغنم؛ وقد ذكرناه في كتاب الطهارة.
قوله: " وإنه أمَر " بكسر الهمزة؛ لأنه كلام مستقل بذاته.
قوله: " ببناء المسجد " المسجد- بكسر الجيم وفتحها- الموضع الذي
يُسجد فيه، وفي " الصحاح " : المسجد- بفتح الجيم-/موضع
السجود، وبكسرها: البيت الذي يُصلَى فيه. ومن العرب مَن يفتح في
كلا الوَجهين. وعن الفراء: سمعنا المسجِد والمسجَد، والفتح جائز،
وإن لم تسمعه. وفي " المعاني " للزجاج: كل موضع يتعبد فيه:
مَسجد.

(2/352)


قوله: " ثامنوني بحائطكم " أي: قدروا ثمنه لأشتريه منكم وبايعوني
فيه؛ يُقال: ثامنتُ الرجل في البَيع أثامنه إذا قاولته في ثمنه، وساومتَه على
بَيعه وشرائه. والحائط: البُستان؛ يؤيده: ما ذكر فيه من قوله: وكان فيه
نخل.
قوله: " إلا إلى الله " أي: لا نطلب ثمنه إلا من الله. وفي " صحيح
الإسماعيلي " هكذا: " إلا من الله " .
قلت: يحوز أن تكون " إلى " هاهنا على معناها لانتهاء الغاية؛ ويكون
التقدير: نُنهِي طلب الثمن إلى اللّه تعالى، كما في قولهم: أحمد إليك
اللّه؛ والمعنى: أُنهِي حمدَه إليك؛ والمعنى: لا نَطلبُ منك الثمن؛ بل
نتبرعُ به، ونطلب الثمن- أي: الأجر- من اللّه تعالى؛ وهذا هو
المشهور في " الصحيحين " - أيضا- وذكر محمد بن سَعد في " الطبقات "
عن الواقدي أن النبي- عليه السلام- اشتراه منهم بعشرة دنانير؛ دفعها
عنه: أبو بكر الصديق- رضي الله عنه-.
قوله: " وكانت فيه خَرِبٌ " قال أبو الفرجِ: الرواية المعروفة: " خَرِبٌ "
- بفتح الخاء المعجمة وكسر الراء- جمع خرِبَة؛ كما يقال: كلمة وكلم.
وقال أبو سليمان: وحدثناه الخيام بكسر الخًاء وفتح الراء؛ وهو جمع
الخراب؛ وهو ما يخرب من البناء في لغة بني تميم؛ وهما لغتان
صحيحتان رُوينا. وقال الخطابي: لعل صوابه: " خُرَب " - بضم الخاء-
جمع خُربة؛ وهي الخروق في الأرض؛ إلا أنهم يقولونها في كل ثُقبة
مستديرة في أرض أو جدار، قال: ولعل الرواية " جِرَف " جمع الجِرَفة؛
وهي جمع الجُرُف؛ كما يقال: خُرج وخُرَجة، وتُرس وتِرَسَة. وأبين
من ذلك- إن ساعدته الروايةُ- أن يكون: " حُدبا " جمع " حَدَبَةِ " ؛
وهو الذي يَليقُ بقوله فسُويت؛ وإنما يُسوى المكان المُحدودب أو موضع من
الأرض فيه خروق وهدُوم؛ فأما الخِرَبُ فإنها تُعَمَر ولا تُسوى. قال
عياض: هذا التكلف لا حاجة إليه؛ فإن الذي ثبت في الرواية صحيح
المعنى؛ كما أمر بقطع النخل لتسوية الأرض أمر بالخِرب فرفعت رسومها،
23 * شرح سنن أبي داوود 2

(2/353)


وسُوِّيت مواضعها، لتصير جميع الأرض مَبسوط مُستويةً للمصلين،
وكذلك فعل بالقبور. وفي " مصنف " ابن أبي شيبة بسند صحيح: " فأمر
بالحرث فحُرث " ؛ وهو الذي زعم ابن الأثير أنه رُوِيَ بالحاء المهملة والثاء
المثلثة، يريدُ الموضع المحروث للزراعة.
قوله: " فأمَر رسول الله بقبور المشركين فنُبشَت " إنما أمر بنبشها لأنهم لا
حرمة لهم.
فإن قيل: كيف يجوز إخراجهم من قبورهم، والقبر مختصّ بمن دفن
فيه، قد حازه فلا يجوز بيعه ولا نقله عنه؟ قلت: تلك القبور لم تكن
أملاكا لمن دفن فيها؛ بل لعلها غصب، ولذلك باعها مُلاكها، وعلى
تقدير التسليم أنها حُبست فهو ليس بلازم، إنما اللازم: تحبيس المسلمين،
لا الكفار. وجواب آخرُ: أنه دعت الضرورة والحاجة إلى نبشهم فجاز.
فإن قيل: هل يَجوز في هذا الزمان نبش قبور الكفار ليتخذ مكانها
مساجد؟ قلت: أجاز ذلك قوم؛ محتجين بهذا الحديث، وبما رواه
أبو داود (1) أن النبي- عليه السلام- قال: " هذا قبر أبي رِغال : وهو
أبو ثقيف، وكان من ثمود، وكان بالحرم يدفع عنه، فلما خرج أصابته
النقمة فدفن بهذا المكان، وآية ذلك: أنه دفن ومعه غُصنٌ من ذهب "
فابتدر الناس فنبشوه واستخرجوا الغُصن " . قالوا: فإذا جاز نبشُها لطلب
المال فنبشها للانتفاع بمواضعها أولى، وليس حرمتهم موتى بأعظم منها
أحياء؛ بل هو مأجورٌ في مثل ذلك. وإلى جواز نبش قبورهم للمال
ذهب الكوفيون، والشافعي، وأشهبُ بهذا الحديث. وقال الأوزاعي
لا يفعل؛ لأن رسول اللّه لما مر بالحجر قال: " لا تدخلوا بيوت الذين
ظلموا إلا أن تكونوا باكين " فنهى أن يدخل عليهم بيوتهم، فكيف
قبورهم؟. وقال الطحاوي: قد أباح دخولها/على وجه البكاء.
فإن قيل: هل يجوز أن تُبنى المساجد على قبور المسلمين؟ قلت:
__________
(1) كتاب الخراج، باب: نبش القبور العادية يكون فيها المال (3088)

(2/354)


قال ابن القاسم: لو أن مقبرة من مقابر المسلمين عفَت، فبنى قوم عليها
مسجداً لم أَر بذلك بأسًا؛ وذلك لأن المقابر وقف من أوقاف المسلمين
لدفن موتاهم، لا يجوز لأحد أن يملكها، فإذا درست واستُغنِيَ عن
الدفن (1) فيها جاز صرفها إلى المسجد؛ لأن المسجد- أيضا- وقف من
أوقاف المسلمين لا يجوز تمليكه لأحد؛ فمعناهما على هذا واحدٌ . وذكر
أصحابنا أن المسجد إذا خرب ودثر، ولم يبق حوله جماعة، والمقبرة إذا
عفت ودثرت يَعودُ ملكًا لأربابها، فإذا عادت ملكا يجوز أن يُبنى موضع
المسجد دار، وموضع المقبرة مسجد، وغير ذلك؛ فإن لم يكن لها أرباب
يكون لبيت المال.
فإن قيل: هل يدخل من يبني المسجد على مقبرة المسلمين بعد أن عفت
ودثرت في معنى لعنة اليهود، لاتخاذ قبور أنبيائهم مساجد؟ قلت: لا؛
لافتراق المعنى؛ وذلك أنه- عليه السلام- أخبر أن اليهود كانوا يتخذون
قبور أنبيائهم مساجد ويقصدونها بالعبادة، وقد نسخ اللّه جميع ذلك
بالإسلام والتوحيد، ثم في هذا الحديث دليل على أن القبور إذا لم يبق
فيها بقية من الميت أو من ترابه جازت الصلاة فيها، وأنها إذا درست يجوز
بيعها؛ لأنها باقية على ملك صاحبها وورثته من بعده.
قوله: " وبالنخل فقطع " أي: أمر بالنخل فقطع؛ وفيه دليل على
[ جواز ] قطع الأشجار المثمرة لأجل الحاجة؛ وأما اليابسة فقطعها جائز مطلقا.
قوله: " فصفوا النخل قبلةً للمَسجد " من صففتُ الشيء صفا، وفي
" شرح البخاري " : وجعل قبلته إلى القدس وجعل له ثلاثة أبواب : باباَ
في مؤخره، وباباً يقال له: باب الرحمة- وهو الباب الذي يُدعى: باب
عاتكة -، والثالث: الذي يدخل منه النبي- عليه السلام- وهو الباب
الذي يلي آل عثمان- وجعل طول الجدار قامة، وبُسطه وعمده: الجذوع،
وسقفه جريدًا، فقيل له: ألا تسقفه؟ فقال: " عريش كعريش مُوسى؛
__________
(1) في الأصل: " الدين " .

(2/355)


خُشَيبَاتٌ وثمامٌ ، الأمرُ أعجل من ذلك " وجعلوا طوله مما يلي القبلة إلى
مؤخره مائة ذراع، وفي هذين الجانبين مثل ذلك؛ فهو مربع- ويقال:
كان أقل من المائة-، وجعلوا الأساس قريبًا من ثلاثة أذرع على الأرض
بالحجارة، ثم بنوه باللَّبِن. وفي " المغازي " لابن بكير، عن ابن
إسحاق: جعلت قبلة المسجد من اللبن- ويقال: بل من حجارة- منضودة
بعضها على بعضٍ .
قوله: " وجَعلوا عضادتيه حجارة " العضادة- بكسر العين- هي جانب
الباب. وقال صاحب " العين " : أعضاَد كل شيء: ما يشده من حواليه
من البناء وغيره؛ مثل عضاد الحوض؛ وهي صفائح من حجارة تُنصَبن
على شفيره، وعضادتا الباب: ما كان عليهما يُطبق البابُ إذا اصفِق.
وفي " الَتهذيب " للأزهِري: عضادتا الباب: الخشبتان المنصوبتان عن يمين
الداخل منه وشماله، فوقهما العارضة.
فوله: " وهم يرتجزون " جملة اسمية وقعت حالا من الضمير الذي في
" ينقلون " يقال: ارتجزوا وتراجزوا إذا تعاطوا بَينهم الرَجزَ. واختلف
العروضيون في الرجز: هل هو شعر أم لا؟ مع اتفاقهم أن الشعر لا
يكون شعرا إلا بالقَصد، فإن جرى كلام موزون بغير قصد لا يكون شعرا؛
وعليه يحمل ما جاء عن النبي- عليه السلام- من ذلك؛ لأن الشعر
حرام عليه بنص القراَن. قال القرطبي: الصحيح في الرجز: أنه من
الشعر؛ وإنما أخرجه من الشعر من أشكل عليه إنشاد النبي- عليه السلام-
إياه فقال: لو كان شعرا لما عُلِّمه، قال: وهذا ليس بشيء؛ لأن من
أنشد القليل من الشعر أو قاله أو تمثل به على وجه الندور لم يستحق
اسم شاعرٍ ، ولا يقال فيه: إنه يعلم الشعر، ولا يُنسب إليه، ولو كان
ذلك كذلك للزم أن يقال للناس كلهم شعراء. وقال السفاقسي: لا
يطلق (1) على الرجز شعرا؛ إنما هو كلام مسجع؛ بدليل أنه يقال
__________
(1) في الأصل: " ينطلق "

(2/356)


لصانعه: راجز، ولا يقال: شاعر، ويُقال: أنشد/رجزا، ولا يقال:
أنشد شعراً.
ثم اعلم أن في الحديث: جواز الارتجاز وقول الأشعار في حال الأعمال
والأسفار ونحوها، لتَنشيط النفوس، وتَسهيل الأعمال والمضي عليها.
قوله: " والنبي معهم " حال، وكذلك قوله: " وهو يقول " حال
أُخرى.
قوله: " اللهم إن الخير خير الآخرة " وفي رواية: " لا خير إلا خير
الأخرة " ومعنى " اللهم " : يا أللّه؛ وقد ذكرنا طرفا منه، وقال
البصريون: " اللهم " : دعاء دله بجميع أسمائه؛ إذ الميم يُشعر بالجمع؛
كما في " عليهم " ، وقال الكوفيون: أصله: " اللّه أمّنا " بخيرٍ أي:
اقصدنا؛ فخفف فصار " اللهم " . وهو ضعيف؛ إذ لو كان كذلك لجاز
" يا اللهم " فلما لم يجز دلّ على أن أصله: " يا الله " فحذف " يا "
وعوض عنها الميم؛ ولا يجوز اجتماع العِوض والمعوض. وهو يُستعمل
على ثلاثة أنحاء؛ أحدها: للنداء المحض؛ وهو ظاهرٌ ، والثاني:
للإيذان بندرة المستثنى؛ كقولهم في أثناء الكلام: اللهم إلا أن يكون كذا
وكذا، والثالث: يستعمل فيه ليدل على تيقّن المجيب من الجواب المقترن
هو به؛ كقولك لمن قال: أزيد قائم: اللهم نعم، أو: اللهم لا؛ كأنه
يناديه: تعالى؛ مستشهداً على ما قال في الجواب.
قوله: " فانصر الأنصار والمهاجره " الأنصار: جمع نَصيرٍ ؛ كأشراف
جمع شريفٍ ؛ والنَّصِير الباهرُ: من نصَره اللّه على عَدُوّه ينصرُه نصرًا،
والاسم: النُّصرة؛ وسُمُّوا بذلك لأنهم أعانوه- عليه السلام- على
أعدائه وشدّوا منه. والمهاجره: الجماعة المهاجرة؛ وهم الذين هاجروا من
مكة إلى المدينة النبوية- على ساكنها أفضل الصلاة والسلام- محبةً فيه،
وطلبا للآخرة. والهجرة في الأصل: الاسم من الهَجر- ضد الوَصل-،
وقد هجَره هجرًا، وهجرانًا، ثم غلب على الخروج من أرض إلى

(2/357)


أرضٍ ، وترك الأولى للثانية يُقال منه: هاجر مُهاجرةً. والحديث: أخرجه
البخاريّ، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه.
436- ص- ثنا موسى بن إسماعيل: ثنا حماد، عن أبي التياح، عن
أنس بن مالك قال: كان مَوضعُ المسجدِ حَائطا لبني النجار، فيه حَرثٌ
ونَخل وقبورُ المشرِكينَ، فقال رسولُ اللّه: " ثَامِنُوني به " فقالوا: لا نَبغي (1) ،
فقُطِع النخلُ، وسُوِّي الحرثُ، ونُبشَ قبورُ المشركينَ. وساقَ الحديثَ،
وقال: " فاغفر " مكان " فانصُر " (2) .
ش- موسى بن إسماعيل: المنقري البصري، وحماد: ابن سلمة.
قوله: " موضع المسجد " الألف واللام فيه للعهد أي : مسجد النبي
- عليه السلام-.
فوله: " لا نبغي " أي: لا نطلب الثمن؛ من بغى يَبغي بغيةً وبُغًا من
باب ضرب يضرب، وبغى عليه: إذا تعدى وظلم، وبغت المرأة بِغاء
- بالكسر والمدّ- إذا فجرت؛ فهي بَغي، والجمع: بَغايَا، قال تعالى:
(وَمَا كَانت أُمُك بغيا) (3) وهذا مثل قولهم: ملحفة جديدٌ .
فوله: " وقال: فاغفر " أي: قال: فاغفر الأنصار مكان: فانصر
الأنصار
ص- قال موسى: نا عبد الوارث بنحوه. وكان عبد الوارث يقول:
خَرِب، فزعم عبد الوارث (4) أنه أفادَ حمادا هذا الحديثَ.
ش- أي: قال موسى بن إسماعيل- شيخ أبي داود- حدثنا
عبد الوارث بن سعيد البصري، بنحو المذكور من الرواية.
قوله: " وكان عبد الوارث يقول: خَرِب " - بفتح الخاء، وكسر
الراء-؛ وقد مر الكلام فيه مستوفى.
__________
(1) في سنن أبي داود: " لا نبغي به ثمنا " .
(2) انظر التخريج المتقدم.
(3) سورة مريم: (28) .
(4) في الأصل: " الحارث " خطأ.

(2/358)


12- باب : فِي المسَاجدِ تبنى في الدُّور
أي: هذا باب في حكم المساجد التي تُبنى في الدور. وفي بعض
النسخ: " باب اتخاذ المساجد في الدور " (1) وفي بعضها: " باب ما
جاء في المساجد تُبنى في الدور "
437- ص- نا محمد بن العلاء: نا حُسين بن علي، عن زائدة، عن
هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشةَ قالت: أَمرَ رَسولُ اللّهِ ببناءِ المساجدِ في
الدُّورِ، وأن تُنَظَّفَ وتطيب (2) .
ش- محمد بن العلاء: أبو كريب الكوفي، وحُسَين بن علي: ابن
الوليد الجُعفي، وزائدة: ابن قدامة الثقفي الكوفي.
قوله: " في الدُور " قال سفيان بن عيينة: الدورُ: القبائلُ. وذكر
الخطابيّ أنها البيوت، وحكى- أيضا- أنه يراد بها المحالّ التي فيها الدورُ.
قلتُ: الظاهر أن المراد بها ما قاله الخطابي؛ لورُود النهي عن اتخاذ
البيوت مثل المقابر؛ وفيه حجة لأصحابنا " (3) أن المكان لا يكون مسجدا
حتى يسبله (4) صاحبه، وحتى يُصلى الناس فيه جماعةً، ولو كان الأمر
حمى يسبله 0
يتم فيه بأن يجعله مسجدا بالتسمية فقط لكانت مواضع تلك المساجد/في
بيوتهم خارجةً عن أملاكهم، فدل أنه لا يصح أن تكون مسجدًا بنفس
التسمية " .
ولذلك قال صاحب " الهداية " : إن اتخذ وسط داره مَسجدا، وأذن
للناس بالدخول فيه، له أن يبيعه ويُورث عنه؛ لأن المسجد: ما لا يكون
لأحد فيه حق المنع، وإذا كان ملكه محيطا بجوانبه كان له حق المنع، فلم
يَصر مَسجدا.
__________
(1) كما في سنن أبي داود.
(2) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما ذكر في تطييب المساجد (594) ، ابن
ماجه: كتاب المساجد والجماعات، باب: تظهير المساجد وتطييبها (758) .
(3) انظر معالم السنن (1/123)
(4) أي: يجعله في سبيل الله

(2/359)


قوله: " وأن تُنظف " أي: أمَر- أيضا- بأن تُنظف أي: بتنظيفها
وتطييبها عن الأقذار؛ لأن لها حرمة لأجل إقامة الصلاة فيها، ولتشبهها
بالمساجد المُطلقة. وأخرجه الترمذي، وابن ماجه، وأخرجه الترمذي
مُرسلا وقال: هذا أصح من الحديث الأول.
438- ص- نا محمد بن داود بن سفيان: نا يحيى- يعني: ابن حسّان:
نا سليمان بن موسى: نا جعفرِ بن سَعد بن سَمُرة قال: حدثني خُبَيب بن
سليمان، عن أبيه سليمان بن سمُرة، عن أبيه سَمُرة أنه كتب إلى بَنيه (1) :
أمَّا بعدُ، فإنَ رسولَ الله- عليه السلام- كان يأمرنا بالمساجد أن نَصنَعَها في
ديَارِنا، ونُصلِحَ صَنعَتَهاَ ونُطهِّرَها (2) .
ش- محمد بن داود: الإسكندراني.
ويحيى: ابن حسّان بن حيان التنِّيسي، أبو زكرياء البَصري، سكن
تنيس. روى عن: الليث بن سَعد، ومُعاوية بن سلام، وحماد بن
سلمة وغيرهم. روى عنه: الشافعي، وأحمد بن صالح المصري،
ومحمد بن مسكين وغيرهم. قال أبو سعيد بن يونس: كان ثقة حسن
الحديث، وتوفي بمصر في رجب سنة ثمان ومائتين. روى له:
البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي (3) .
وسُليمان بن موسى: أبو داود الزهري، خراساني الأصل، سكن
الكوفة ثم تحول إلى دمشق. روى عن: موسى بن عبيدة، ومسعر بن
كدام، وجعفر بن سَعد بن سمرة وغيرهم. روى عنه: الوليد بن مسلم،
ومَروان الطاطري، ويحيى بن حسان (4) .
وجَعفر بن سَعد بن سَمُرة الفزاري أبو محمد. روى عنه: سليمان بن
موسى، ومحمد بن إبراهيم، وعبد الجبار بن العباس الشبامي، وصالح
ابن أبي عتيقة الكاهلي. روى له: أبو داود (5) .
__________
(1) في سنن أبي داود: " ابنه "
(2) تفرد به أبو داود.
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (9/31. ملأ) .
(4) المصدر السابق (12/2572) .
(5) المصدر السابق (5/942) .

(2/360)


وخُبَيب بن سليمان بن سَمُرة بن جندب الفزاري، أبو سليمان الكوفي.
روى عن: أبيه. روى عنه: جَعفر بن سَعد. روى له: أبو داود (1) .
وخُبيب: بضم الخاء المعجمة، وفتح الباء الموحدة.
وأبوه: سليمان بن سمرة بن جندب الفزاري. روى عن: أبيه. روى
عنه: ابنه: خُبَيب، وعلي بن ربيعة الوالبي. روى له: أبو داود (2)
وسَمُرة بن جُندب الصحابي الفزاري، قد ذكرناه.
قوله: " أما بعد " قد ذكرنا أنَ " أمّا " حرف شرط وتفصيل وتوكيد؛
و " أما " هاهنا فصل خطاب. وقد قيل في قوله تعالى: (واَتَينَاهُ الحكمَةَ
وَفَصلَ الخطَاب) (3) هو قوله " أما بعد " فأول من قالها: داود-َ عديه
السلام-.
قوله: " أن نَصنعها " بدل من قوله " بالمساجد " والمعنى: يأمرنا بصنع
المساجد في بيُوتنا، أو في المحالّ التي فيها دورنا.
قوله: " ونُصلح صنعتها " بأن يُجعلَ لها ما يُميزها عن غيرها من
البُيُوت.
قوله: " ونطهرها " بالنصب عطف على " نصلح " المنصوب المعطوف
على " أن نَصنع " ؛ وتطهيرها: تنظيفها عن الأقذار لما قلنا، واللّه أعلم.
***
13- بَاب : في السُرُج في المسَاجد
أي: هذا باب في بيان السُرُج في المساجد. وفي بعَض النسخ: " باب
ما جاء في السُّرج في المساجد " . والسُّرُج- بضمتين- جمع سِرَاج؛
ككُتُبٍ جمع كتابٍ .
439- ص- نا النُفيلي: نا مِسكين، عن سعيد بن عبد العزيز، عن ابن
__________
(1) المصدر السابق (8 /1676) .
(2) المصدر السابق (11/2526) .
(3) سورة ص: (20) .

(2/361)


أبي سودة (1) ، عن ميمونة مولاة النبي- عليه السلام- أنها قالت:
يا رسولَ الله ا أَفتنَا في بَيتِ المَقدسِ، فقال: " ائتُوهُ فَصَلُّوا فيه " - وكانتِ
البلادُ إذ ذاكً حَربا- " فإن لم تأتُوهُ وتُصلُّوا فيه، فَابعَثُوا بزَيت يُسرَجُ في
قَنَاديلِهِ " (2)
.ًَ
ش- النُّفيلي: عبد اللّه بن محمد.
ومِسكين: ابن بكير، أبو عبد الرحمن الحراني الحذاء. سمع: جعفر
ابن برقان، وثابت بن عجلان، والأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز
وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، والنفيلي، ونصر بن عاصم
الأنطاكي وغيرهم. وقال أحمد: لا بأس به. وقال أبو حاتم: لا بأس
به ، كان صالح الحديث يحفظ الحديث. روى له: الجماعة إلا ابن
ماجة (3) /وسعيد بن عبد العزيز: أبو يحيى التنوخي.
واسم ابن أبي سودة: عثمان المقدسي أخو زياد (4) . روى عن:
أبي هريرة، وأبي الدرداء، وأم الدرداء، وميمونة مولاة النبي- عليه السلام-
وأبي شعيب الحضرمي. روى عنه: أخوه: زياد، وشبيب بن أبي شيبة،
والأوزاعي وغيرهم. وقال مروان بن محمد: عثمان وزياد ابنا أبي سودة من
أهل بيت المقدس ثقتان ثَبتان. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه.
وميمونة بنت سَعد، وكانت خادما للنبي- عليه السلام-، روت
عن: النبي- عليه السلام- قالت: " مَثَلُ الرَّافلةِ في الزينة " (5) .
__________
(1) في سنن أبي داود: " زياد بن أبي سودة " .
(2) ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: ما جاء في الصلاة في مسجد بيت
المقدس (1407) .
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (27/5915) .
(4) كذا ترجم المصنف لعثمان، والذي في سند الحديث هو أخوه زياد، كما ثبت
في سنن أبي داود المطبوع، وكذلك لما ترجم الحافظ المزي لزياد في تهذيب
الكمال (9/2050) ذكر له هذا الحديث، وأخوه عثمان مترجم كذلك في
تهذيب الكمال (19/3821) .
(5) أخرجه الترمذي في كتاب الرضاع، باب: ما جاء في كراهية خروج النساء في=

(2/362)


وروت عن النبي- عليه السلام- في فضل بيت القدس. وقيل: إن
الذي روت في فصل بيت القدس مَيمونة أخرى غير بنت سَعد؛ والأول
أصح. روى عنها: عثمان بن أبي سودة، وأبو زيد الضبيّ، وأيّوب بن
خالد الأنصاري. روى لها: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن
ماجه (1) .
قوله: " إذ ذاك " يعني: حينئذ " حربًا " يعني: دار حَرب؛ لأنها لم
تفتح إلا في زمن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- سنة خمس عشرة
من الهجرة.
ويستفاد من الحديث فوائد؛ الأولى: فيه فضيلة بيت القدس.
والثانية: جواز بعث الزيت إلى المساجد للإصباح وإن كانت في غير
بلده.
والثالثة: إذا كان مسجد في دار حرب يجوز لن في دار الإسلام أن
يَبعث له زَيتًا يُسرج فيه، ويُقاسُ على هذا البُسط والحُصر والقناديل،
ونحو ذلك مما يحتاج إليه السجد.
14- بَاب: في حَصَى المَسجد
أي: هذا باب في بيان حَصَى المسجد. وفي بعض النسخ: " باب ما
جاء في حَصَاة المسجد " .
440- ص- نا سَهل بن تمام بن بَزيع: نا عُمر بن سُليم الباهلي، عن
__________
- الزينة (1167) وتمامه: " مثل الرافلة في الزينة في غير أهلها، كمثل ظلمة يوم
القيامة، لا نور لها " . وقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث
موسى بن عبيدة، وموسى بن عبيدة يُضعّفُ في الحديث مِن قِبَلِ حفظه، وهو
صدوق. وقد رواه بعضهم عن موسى بن عبيدة ولم يرفعه " .
(1) انظر ترجمتها في: الاستيعاب بهامش الإصابة (4/408) ، أسد الغابة
(7/274- 275) ، الإصابة (4/413) .

(2/363)


أبي الوليد قال: سألتُ ابنَ عُمرَ عن الحَصَى الذي في المَسجد، فقال: مُطِرنَا
ذاتَ لَيلة، فأصبحت الأرضُ مُبتلَّةً، فَجعلَ الرجلُ يَجيءُ (1) بالحصى في
ثوبه، فيَبسُطُهُ تحتَه، فَلما قضَى رسولُ اللهِ الصلاةَ قال: " مَا أحسنَ هذا " (2) .
ش- سهل بن تمام بن بَزيع: الطُّفاوي، أبو عَمرو. روى عن:
المبارك بن فَضالة، وقرة بن خالد، وأبيه: تمام، وعطية بن بهرام.
روى عنه: أبو زرعة، وأبو حاتم. وسئل أبو زرعة عنه فقال: لم يكن
بكذاب، كان ربما وهم في الشيء، وسئل عنه أبو حاتم فقال: شيخ.
وروى عنه: أبو داود (3) .
وعُمَر بن سُليم الباهلي: البصري. روى عن. أبي غالب، وعن
أبي الوليد، عن ابن عمر. روى عنه: سهل بن تمام، وعبد الوارث،
وابنه: عبد الصمد بنُ عبد الوارث وغيرهم. وقال أبو زرعة: صدوق.
روى له: أبو داود، وابن ماجة (4) . وأبو الوليد: اسمه: عبد الله بن
الحارث البصري، نسيب محمد بن سيرين وختنه على أخته : وهو والد
يوسف بن عبد اللّه بن الحارث. روى عن: ابن عباس، وابن عُمر،
وزيد بن أرقم، وأبي هريرة، وعائشة. روى عنه: أيوب السختياني،
وعاصم الأحول، وخالد الحذاء وغيرهم: قال أبو زرعة: ثقة، وقال
أبو حاتم: يكتب حديثه. روى له الجماعة (5) .
قوله: " عن الحَصَى " الحَصى جمع حَصَاةٍ .
قوله: " في المسجد " أي: في مسجد النبي- عليه السلام- .
قوله: " فأصبحت الأرض " أي: صارت " مُبتلةً " مثل قولك: أصبح
زيد غنيا.
قوله: " فجعل الرجل يجيءُ " اعلم أن " جعل " من أفعال المقاربة؛
__________
(1) في سنن أبي داود: " يأتي " .
(2) تفرد به أبو داود.
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (12/2606) .
(4) المصدر السابق (21/4248) .
(5) المصدر السابق (14/3217) .

(2/364)


ومعناها: دنو الخبر على سبيل الأخذ والشروع فيه، فمعنى " جعل الرجل
يجيء " : شرع أو أخذَ.
قوله: " ما أحسن هذا " أي: صنيعكم هذا، وهو فعل التعجب، وهو
ما وضع لإنشاء التعجب؛ والتعجب: انفعال النفس بما خفي سببه؛ ولذا
لا يصح التعجب من اللّه تعالى (1) ؛ وله صيغتان: ما أفعله، وأفعِل به؛
مثل: ما أحسن زيدا، وأحسِن به، و " ما " : مبتدأ نكرة بمعنى: شيء
حَسَن زيدًا، فإنه وإن كان نكرةً فهو يَصلح للابتداء؛ لأنه في المعنى فاعل
وما بعده في موضع رفع بأنه خبر. وقال الأخفش: " ما " في الأصل
موصولة، والجملة بعده صلة له، والخبر محذوف، فأصله: الذي حَسَّنَ
زيدا شيءٌ . وقال الكوفيون: " ما " استفهامية في الأصل، وما بعده
الخبر، فأصله: أي شِيء حَسَّن زيدَا؟ وفهم من الحديث/أن سقف
المَسجد كان رقيقًا، فلذلك كان يكفُّ عند المطر، وأنه لم يكن فيه حُصرٌ ،
وأن السجود على الأرض مستحب.
441- ص- نا عثمان بن أبي شيبة: نا أبو معاوية ووكيع قالا: نا
الأعمش، عن أبي صالح قال: كان يُقال: إن الرجلَ إذا أخرجَ الحَصى من
المَسجد يُناشدُه (2) .
ش- أبوَ معاوية: الضرير، وأبو صالح: ذكوان السمان.
قوله: " يناشده " أي: يَسأله بالله ويقسم عليه بالله أن لا يُخرجها؛ من
المسجد وأصله: رفع الصوت؛ ومنه: إنشاد الشعر؛ وهو رفع الصوت
به، ويقال: نشدتك اللّه، وأنشدك الله وبالله، وناشدتك الله وبالله أي:
سألتك وأقسمت عليك، ونشدتُه نشدةً ونشدانا ومُناشدةً. وقال في
" الصحاح " : نشدتُ الضالة أنشدها أيَ: طلبتَها، وأنشدتها أي: عرفتها.
فإن قلت: ما الحكمة من مناشدة الحصى؟ قلت: لعلها مادامت في
المَسجد تُسجدُ عليها وتبعدُ عن القاذورات، فإذا خرجت منه تَبعدُ عن
__________
(1) بل يصح التعجب منه سبحانه وتعالى، وانظر التعليقة (5/65) .
(2) تفرد به أبو داود.

(2/365)


هذا المعنى، وأما مناشدتها: فيجوز أن يكون بطريق الحقيقة؛ ولكن نحن
لا نكيفها، ويجوز أن. يكون مجازًا، تشبيهاً لها بمن يناشدُ صاحبه في أمر
عرض له.
442- ص- نا محمد بن إسحاق أبو بكر: نا أبو بدر شجاع بن الوليد:
نا شريك: نا أبو حَصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة- قال أبو بدر:
أُرَاهُ قد رفعه إلى النبيَّ عليه السلام- قال: " إن الحصَى (1) لَتُنَاشدُ الذي
يُخرِجُهَا من المسجدِ " (2) .
ش- محمد بن إسحاق: ابن جعفر، ويقال: ابن محمد الصاغاني،
خراساني سكن بغداد. روى عن: أبي عامر العقدي، وقراد أبي نوح،
والفضل بن دكين، وأبي بَدر شجاع بن الوليد وغيرهم. روى عنه
الجماعة إلا البخاريّ وغيرهم. قال الدارقطني: كان ثقةً. توفي سنة
سبعين ومائتين (3) .
وأبو بدر شجاع بن الوليد: ابن قَيس السكوني الكوفي، سكن بغداد.
سمع: عطاء بن السائب، وموسى بن عقبة، وهشام بن عروة وغيرهم.
روى عنه: ابنه أبو همام الوليد بن شجاع، وأحمد بن حنبل، وابن
معين، وإسحاق بن راهويه وغيرهم، وعن ابن معين: إنه ثقة. وقال
أحمد بن عبد الله: لا بأس به. وقال أبو حاتم: شيخ ليس بالمتين، لا
يحتج بحديثه. مات ببغداد سنة أربع ومائتين (4) .
وشريك: النخعي. وأبو حَصين- بفتح الحاء- اسمه: عثمان بن
عاصم بن حَصِين، ويقال: ابن عَاصم بن زيد بن كثير بن زيد بن مُرة
الأسدي الكوفي. سمع: ابن عباس، وابن الزبير، وجابر بن سمرة،
وأبا ريحانة شمعون. وروى عن: أبي سعيد الخدري، وأنس بن مالك،
__________
(1) في سنن أبي داود: " الحصاة " .
(2) تفرد به أبو داود.
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (24/5053) .
(4) المصدر السابق (12/2702) .

(2/366)


وعمران بن الحصن، ومن التابعين: شريحا القاضي، والشعبي،
وأبا صالح السمان، وغيرهم. روى عنه: سَعد بن طارق، وشعبة،
والثوري، وابن عيينة وغيرهم. قال ابن معين و أبو حاتم: هو ثقة.
توفي سنة ثمان وعشرين ومائة. روى له الجماعة (1) .
قوله: " قال أبو بدر " أي: شجاع بن الوليد " أراه قد رفعه " أي:
أظنّ أن أبا هريرة قد رفع الحديث إلى النبي- عليه السلام- قال: " إن
الحصَى 0.. " الحديث. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا أسباط بن
محمد، عن ليث، عن حبيب، عن سعيد بن جبير قال: " الحصاة
تَسُب وتلعنُ من يُخرجها من المَسجد ".
حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، عن مثنى بن سعيد، عن قتادة،
عن سليمان بن يَسار قال: " الحصاة إذا أخرجت من المسجد تصيح حتى
تُرَد إلى موضعها " . وعن ابن سيرين يقول لغلام له أو لخادمه: " إن
وجدت في خفي حصاة فَرُدها إلى المَسجد " .
***
15- بَاب: في كنسِ المسجدِ
أي: هذا باب في بيان كنس المسجد.
443- ص- ثنا عبد الوهاب بن عبد الحكم الخزاز: أنا عبد المجيد بن
عبد العزيز بن أبي رَواد، عن ابن جريج، عن المُطلِب بن عبد الله بن حَنطب،
عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " عُرِضت عَلَيَ أجورُ أُمَتِي حتى
القَذَاةُ يُخرِجُهَا الرجلُ من المسجد، وعُرِضَت عَلَيَ ذنوبُ أمتي، فلم أرَ ذَنبًا
أعظمَ من سُورة من القرآنِ أو آيةَ أوَتِيهَا رجلٌ ثم نَسِيَها " (2) .
ش- عبدًا لوهاب بن عبدَ الحكم/ويُقال: ابن الحكم البغدادي،
__________
(1) المصدر السابق (19/3828) .
(2) الترمذي: كتاب فضائل القرآن، باب: (19) ، رقم (2916) .

(2/367)


صاحب أحمد بن حنبل وخاصّته. سمع: معاذ بن معاذ، ويزيد بن
هارون، وعبد المجيد بن عبد العزيز وغيرهم. روى عنه: ابنه: الحسن،
وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأبو بكر بن أبي الدنيا
وغيرهم. قال النسائي: ثقة. وكذا قال الدارقطني. مات سنة إحدى
وخمسين ومائتين، ودفن بباب البَرَدان (1) .
وعبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد المكي، أصله مروزي، أبو عبد الحَميد
الأزدي مولاهم، واسم أبي رواد: مَيمون. روى عن: أبيه وعن:
مَعمر بن راشد، وابن جريج، واللَّيث بن سَعد. روى عنه: سريِج (2)
ابن يونس، والشافعي، وموسى بن طارق وغيرهم. قال ابن معين:
هو ثقة، كان يروي عن قوم ضعفاء، وكان أعلم الناس بحديث ابن
جريح، وكان يُعلن بالإرجاء0 قال عبد الرحمن: سألت أبي عنه فقال:
ليس بالقويّ، يكتب حديثه. وقال الدارقطني: لا يحتج به. روى له
مسلم مقرونا بهشام بن سليمان المكي، غير محتج به. وروى له:
أبو داود، والترمذي، والنسائي (3) .
وابن جريج: عبد الملك بن عبد العزيز القرشي.
والمطلب بن عبد اللّه بن حنطب: ابن الحارث بن عُبيد بن عمر بن
مخزوم أبو الحكم القرشي المخزومي المديني. روى عن: أبيه، وعُمر بن
الخطاب، وابنه عبد اللّه بن عمر بن الخطاب، وابن عباس، وأنس بن
مالك، وأبي هريرة، وأبي موسى، وأبي رافع، وعائشة، وأم سلمة.
روى عنه: ابنه عبد العزيز، ومحمد بن عَبّاد، وابن جريج، والأوزاعي
وغيرهم. قال ابن سَعد: وكان كثير الحديث، ولا يحتج بحديثه؛ لأنه
يُرسل عن النبي- عليه السلام- كثيرا، وليس له لقي، وعامة أصحابه
يُدلِّسُون. وقال الدارقطني، وأبو زرعة: ثقة. روى له: أبو داود،
والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (4) .
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (18 / 3602) .
(2) في الأصل: " شريح " خطأ.
(3) المصدر السابق (18 /3510) .
(4) المصدر السابق (28/6006) .

(2/368)


قوله: " عُرِضت عليّ أجورُ أمتي " يجوزُ أن يكون ذلك العرض ليلة
المعراج، ويجوز أن يكون في وقت آخر؛ وعَرض الأجور كناية عن
إحاطة علمه بها، ويَجوز أن يكون على وَجه الحقيقة بأن عُرضت. في صُوَرِ
حِسَان، وعُرِضَت الذُّنوبُ في صُوَرٍ قباح، كما تُوزن الأَعمال يَوم القيامة
في صوَر حسان وقباح.
قوله: " حتى القذاةُ " بالرَّفع عَطفًا على " الأجور " مثل قولك: جاء
الحُجاجُ حتى المُشاةُ؛ القذاةُ واحدة القَذى؛ وهي ما يقعُ في العَين والماء
والشراب من تُراب أو تبن أو وَسَخ أو غير ذلك؛ وهذا خارج مخرج
المبالغة، لأنه إذا حصل الأجر لمن يُخرج القذاة من المسجد، فالذي يكنُسُه
ويُزيلُ ترابَه وغُباره، ويُنظفه عن الأقذار والأوساخ بالطريق الأولى أن
يحصل له أجُور كثيرة؛ ولهذا بَوب الشيخ بقوله: " بابٌ في كنس
المسجد " ثم. بَيّن فيه إزالة القذى، وبين أن فيها أجرًا، ففي الكنس الذي
هو أعلى من إزالة القذى أولى وأجدر أن يكون فيها أجرٌ بل أجور كثيرة.
قوله: " من سورة من القرآن أو آية " السورة: الطائفة من القرآن المعبّر
عنها بسورة كذا التي أقلها ثلاث آيات، وواوها لا (1) إما أن تكون
أصلا أو منقلبة عن همزة؛ فإن كان الأول فيكون منقولا من سُورة المدينة
- وهي حائطها- لأنها طائفة من القرآن محدودة محوزةٌ على انفرادها
كالبلد المُسوّر، أو لأنها محتوية على فنون من العلم وأجناس من الفوائد
كاحتواء سور المدينة على ما فيها، وإن كان الثاني فلأنها قطعة وطائفة من
القرآن كالسُّؤر التي هي البقية من الشيء والفَضلة. والآية في اللغة:
العلامة؛ والأصل: أوَيَة- بالتحريك- قلبت الواو ألفا لتحركها،
وانفتاح ما قبلها فصار: آية؛ والنسبة إليه: أوَوَي، وجَمعها: آيٌ وأيَايٌ
وآياتٌ . والآية: طائفة من القرآن؛ أقلها ستة أحرف.
قوله: " أوتيها " أي: أعطيها رجل أي: أعطاه اللّهَّ إَياها.
__________
(1) كذا، ولعلها بمعنى " لا تخرج " .
24* شرح سنن أبي داوود 2

(2/369)


قوله: " ثم نَسِيها " أي: تركها ولم يَعمل بما فيها .
فإن قيل: كيف يكون هذا أعظم الذنوب وقد ورد في " الصحيح " :
أي الذنب أعظم عند اللّه؟ قال: " أن تجعل للّه ندا وهو خلقك " ثم ذكر
قتل الولد مخافة الفقر، ثم الزنا بحليلة الجار؟ قلت: هذا من الأمور
النسبية؛ فكل ذنب/فوقه ذنب وتحته ذنب؛ فهو بالنسبة إلى ما تحته
أعظم الذنوب؛ فالكفرُ أعظم الذنوب على الإطلاق؛ لأنه لا ذنب أعظم
منه، وما بعده أعظم بالنسبة إلى ما تحته؛ وهذا مثل ما يُقال: هذا صغيرة
وهذا كبيرة، وهذا أكبر الكبائر، كل ذلك أمُور نسبيّة، وكذلك يُقال في
فضائل الأعمال نحو هذا- وأيضًا- تختلف هذه الأشياء باختلاف
الأحوال والأشخاص والأزمان فافهم. والحديث: أخرجه الترمذي،
وقال: " هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، قال: وذاكرتُ
به محمدًا- يعني: البخاري- فلم يعرفه واستغربه؛ قال محمد: ولا
أعرف للمطلب سماعًا من أحد من أصحاب رسول اللّه- عليه السلام-
إلا قوله: حدثني من شهد خطبة النبي- عليه السلام-، قال:
وسمعتُ عبد الله بن عبد الرحمن يقول: لا نَعرف للمطلب سماعًا من
أحد من أصحاب رسول الله، قال عبد الله: وأنكر علي بن المديني أن
يكونَ المطلب سمع من أنسِ " .
قلت: قد ذكر صاحب " الكمال " أنه روى عن أنس وغيره- كما
ذكرنا في ترجمته عن قريب-.
***
16- بَاب: اعتزالُ النَسَاءِ في المَسَاجد عَن الرجالِ
أي: هذا باب في بيان حكم اعتزال النساء في الدخول في المساجد
والخروج عنها، والصلاة فيها عن الرجال. وفي بعض النسخ: " باب ما
جاء في اعتزال النساء " ؛ والأول أصحّ.
444- ص- نا عبد الله بن عَمرو أبو مَعمر: نا عبد الوارث: نا أيوب،

(2/370)


عن نافع، عن ابنِ عمرَ قال: قال رسولُ اللّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لو تَرَكنَا هذا البابَ
للنساء (1) " !
شَ- عبد اللّه بن عَمرو: ابن أبي الحجاج المنقري البَصري،
وعبد الوارث: ابن سَعيد بن ذكوان البصري، وأيوب: السختياني.
قوله: " لو تركنا هذا الباب " جواب " لو " محذوف تقديره: لو تركنا
هذا الباب للنساء لكان أولى أو حسنًا، ونحو ذلك. ويُفهم من هذا: أن
النساء إذا حضرن للجماعة مع الرجال ينبغي أن لا يختلطن بهم؛ فإن كان
ثمة باب مخصوص لهن يدخلن منه، ويخرجن منه، وإلا يحترزن عن
الاختلاط بهم ما أمكن.
ص- قال نافع: فلم يدخل منه ابنُ عُمرَ حتى ماتَ.
ش- أي: قال نافع مولى ابن عمر: فلم يدخل من هذا الباب الذي
أشار إليه النبي- عليه السلام- عبد اللّه بن عمر إلى أن مات رضي الله
عنه.
ص- قال غيرُ عبد الوارث: قال عُمر؛ وهو أصح.
ش- أي قال غيرُ عبد الوارث بن سعيد من الرواة: قال عُمر بن
الخطاب موضع ابن عمر، قال أبو داود: هو أصحّ من الأوّل، وبيّن
ذلك في بعض النسخ بقوله: نا أبو علي: نا أبو داود.
445- ص- نا محمد بن قدامة بن أعين قال: نا إسماعيل، عن أيوب،
عن نافع قال: قال عمر بمعناه؛ وهو أصح (2) .
قلت: ليس هذا بموجود في النسخ الصحيحة.
446- ص- نا قتيبة: نا بكر- يعني: ابن مضر-، عن عمرو بن
الحارث، عن بُكير، عن نافع أن عمر بن الخطاب كان يَنهى أن يُدخَل من
بالنساءِ (2) .
__________
(1) تفرد به أبو داود، ويأتي برقم (553) .
(2) تفرد به أبو داود.

(2/371)


ش- قتيبة: ابن سعيد، وبكر: ابن مُضر، أبو محمد المصري،
وعمرو بن الحارث: أبو أميّة الأنصاري المصري، وبكير: ابن عبد اللّه بن
الأشج.
قوله: " أن يُدخلَ " على صيغة المجهول.
قوله: " من باب النساء " أي: من الباب. المخصوص من أبواب المسجد
للنساء. ونافع عن عمر منقطعِ فافهم.:!
17- بَابٌ: فيمَا. يَقُولُ الرَّجُلُ عَندَ دُخُولِه المسجدَ
أي: هذا باب في بيان ما يقوله الرجل عند دخوله المسجد. وفي بعض
النسخ: " باب ما جاء فيما يقول الرجل " ، وفي بعضها: " باب ما
يقول " .
447- ص- نا محمد بن عثمان الدمشقي: نا عبد العزيز- يعني:
الدراوردي-، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن عبد الملك بن سعيد بن
سُوَيد قال: سمعتُ أبا حُمَيد أو أبا أسيد الأنصاريَ يقول: قال رسولُ الله:
" إِذا دَخَلَ أحدُكُمُ المسجدَ فليُسَلِّم على النبيَ- عليه السلام- ثم ليقل: اللهَم
افتح لي أبواب رحمَتِكَ، فإذا خرجَ فليقل: اللهم إني أسألُكَ من فَضلِك " (1) .
ش- محمد بن عثمان التنوخي الدمشقي، أبو عبد الرحمن، ويقال:
أبو الجماهر، من أهل كفر سوسية. سمع: عبد العزيز الدراوردي،
ومروان بن معاوية، وسليمان بن بلال وغيرهم. روى عنه: أبو زرعة،
وأبو حاتم، وأبو داود، وابن ماجه وغيرهم. وقال / أبو مسهر وعثمان
الدارمي: هو ثقة. مات سنة أربع وعشرين ومائتين (2) .
__________
(1) مسلم: كتاب صلاة المسافرين، باب.: ما يقول إذا دخل المسجد رقم (713) ،
النسائي: كتاب المساجد، باب: القول عند دخول المسجد وعند الخروج منه
(2/53) ، ابن ماجه: كتاب المساجد، باب: الدعاء عند دخول المسجد رقم
(772) .
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (26/5461) .

(2/372)


وعبد العزيز: ابن محمد الدراوردي المدني الجهني. وربيعة بن
أبي عبد الرحمن: الرأي المدني.
وعبد الملك بن سعيد بن سُوَيد: الأنصاري المدني. روى. عن: جابر
ابن عبد الله، وأبي حميد أو (1) أبي أسيد - وقال عبد الرحمن:
سمع من أبي حميد وأبي أُسَيد-. روى عنه: بكير بن عبد اللّه بن
الأشج ، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وعبد العزيز الدراوردي. روى
له: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (2)
وأبو حميد: اسمُه: المنذر- وقيل: عبد الرحمن- بن سَعد بن
المنذر. وفي " الكمال " : أبو حميد بن عمرو بن سَعد بن مالك بن خالد
ابن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج، ويقال:
ابن عمرو بن سَعد بن المنذر بن مالك الساعدي اسمه: عبد الرحمن،
وقيل: المنذر الساعدي. رُوِيَ له عن رسول اللّه- عليه السلام- ستة
وعشرون حديثًا؛ اتفقا منها على ثلاثة أحاديث، وللبخاري حديث،
ولمسلم آخر. روى عنه: جابر بن عبد اللّه، وعروة بن الزبير، وعباس
ابن سهل، وعمرو بن سُليم، وعبد الملك بن سعيد وغيرهم. توفي في
آخر خلافة معاوية، معدود في أهل المدينة. روى له الجماعة (3) .
وأبو أُسَيد- بضم الهمزة وفتح السين المهملة- اسمه: مالك بن ربيعة بن
البدن- بالباء الموحدة وفتح الدال المهملة وكسرها، ويقال: اليَدي- بفتح
الياء آخر الحروف وكسر الدال المهملة وبعدها ياء آخر الحروفَ- ابن
عمرو، ويقال: عامر بن عوف بن حارثة بن عمر [ و ] بن الخزرج
الأنصاري الساعدي، وقيل: اسمه: هلال؛ والأول أشهر وأكثر. شهد
بدرا. رُوِيَ له عن رسول اللّه- عليه السلام- ثمانية وعشرون حديثا؛
اتفقا على حديث واحد، وللبخاري حديثان ولمسلم آخرُ. روى عنه:
__________
(1) في الأصل: " ابن " خطأ.
(2) المصدر السابق (18/3530) .
(3) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (4/42) ، أسد الغابة (6/78) ،
الإصابة (4/46) .

(2/373)


أنس بن مالك، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وابنه: المنذر بن أبي أسيد،
وعباس بن سهل، وعبد الملك بن سعيد. مات بعد ما ذهب بصره سنة
أربعين عام الجماعة، وهو ابن ثمان وسبعين. روى له الجماعة. وهو
آخر البَدريين وفاةً (1) .
قوله: " اللهم افتح لي أبواب رحمتك " أي: أنواع رحمتك. وقد
جاءت في هذا الباب أذكار كثيرة ومختصر مجموعها: أن تقول: " أعوذ
بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم،
باسم اللّه، والحمد الله، اللهم صل على محمد، وعلى اَل محمدٍ
وسلَم، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك " ، وفي الخروج
يقوله؛ لكن يقول: " اللهم إني أسألك من فضلك " . والحديث:
أخرجه مسلم، والنسائي؛ وأخرجه ابن ماجه عن أبي حُميد وَحده.
448- ص- نا إسماعيل بن بشر بن منصور: نا عبد الرحمن بن مَهدي،
عن عبد الله بن المبارك، عن حَيوةَ بنِ شريح قال: لقيتُ عُقبةَ بن مُسلم فقلت
له: بَلغني أنك حُدِّثتَ عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبيَ- عليه
السلام-، أنه كان إذا دَخلَ المسجدَ قال: " أعُوذُ باللّه العَظيم، وبوجهِهِ
الكَرِيم، وسُلطانه القَديم من الشيطان الرجيم " قال: أَقطُ؟ قلتُ: نعَم،
قال: " فإذا قال فلَكَ، قال الشيطانُ: حفِظَ مِنّي سَائرَ اليوم " (2) .
ش- إسماعيل بن بشر بن منصور: أبو بشر السليمي. روى عن:
عبد الرحمن بن مهدي، وعمر بن علي (3) . روى عنه: أبو داود،
والنسائي، عن رجل، عنه، وابن ماجه (4) .
وعبد الرحمن بن مَهدي: البصري اللؤلؤي.
وعُقبة بن مسلم: أبو محمد التُجِيبي المصري القاضي، إمام مسجد
__________
(1) المصادر السابقة (4/8) ، (5/23- 24 و 6/13) ، (3/344) .
(2) تفرد به أبو داود.
(3) في الأصل " عمرو بن علي " خطأ.
(4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (3/427) .

(2/374)


الجامع العتيق بمصر. سمع: عبد اللّه بن عمرو بن العاص، وابن عُمر،
وعقبة بن عامر وغيرهم، ومن التابعين: أبا عبد الرحمن الحبلي، وسعد
ابن مَسعود التجيبي. روى عنه: حيوة بن شريح، وجعفر بن ربيعة،
وعبد اللّه بن لهيعة وغيرهم. قال أحمد بن عبد اللّه: مصري ثقة. توفي
قريبا من سنة عشرين ومائة. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي،
وابن ماجه (1) .
قوله: " أعُوذ بالله العظيم " أي: العظيم الشأن أو العظيم الصفات.
قوله: " وبوَجهه الكريم " أي: وبذاته الكريم (2) ؛ لأن الوجه يذكر
ويراد به الذات؛ كما في قوله تعالى: (وَيَبقَى وَجهُ ربكَ) (3) و (كُل
شَيء هَالكٌ إلا وَجهَهُ) (4) ومعنى الكريم: الجواد المُعطي الذي لا ينفذ
عطاؤه؛ وهو الكريم المُطلق، والكريم الجامع لأنواع الخير والشرف
والفضائل؛ ومنه: " إن الكريم/ابن الكريم " الحديث لأنه اجتمع له
شرف النبوة والعلم والجمال والعفة، وكرم الأخلاق والعَدل، ورئاسة
الدنيا والدين، والكرم نقيض اللؤم، وقد كرُم الرجل- بالضم- فهو
كريم ، وقوم كرام وكرماء ، ونسوة كرماء ، ويقال- أيضا- رجل كُرَ ثم
وامرأة ونسوة كَرَمٌ ، والكُرام- بالضم- مثل الكريم، فإذا أفرط في
الكرم قيل: كُرام بالتَشديد.
قوله: " وسُلطانه القديم " أي: حجته القديمة، وبرهانه القديم، أو
قهره القديم ؛ لأن السُلطان من السلاطَة؛ وهي القهر، والقديم من القِدمَ
- بكسر القاف وفتح الدال- وهو خلاف الحدوث.
قوله: " من الشيطان الرجيم " الشيطان فيعال من شطن أي بَعُد؛ قاله
البصريون. وقال الكوفيون: فعلان من شَاط يشيط أي: هلك، يدل
__________
(1) المصدر السابق (20 / 3987)
(2) بل المراد وجه الله تعالى، وجه يليق به سبحانه على الحقيقة، لا تأويل فيه،
ولا تشبيه ولا تعطيل، ولا تمثيل (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) ،
إجماع أهل السنة والجماعة، وانظر مجموع الفتاوى (3/129: 133) .
(3) سورة الرحمن: (27) .
(4) سورة القصص: (88) .

(2/375)


عليه أنه لا ينصرف، وهو المُبعّد من رحمة اللّه، المُهلك بعذابه. وقال ابن
عباس: الشيطان: كل متمرّد من الجن والإنس والدوابّ. والرجيم:
فعيل بمعنى مفعول أي: المرجوم بشُهب السماء واللَعن؛ والرَجم: القتل
بالحجارة، فسمّي كل طريد شتيم رجيما. وتضيف إلى هذا الدعاء ما
ذكرنا من قوله " بسم اللّه، والحَمد لله، واللهم صل على محمد " إلى
آخره، ومعنى قوله " باسم اللّه " أي: أدخل باسم الله؛ وكذا يقدر كل
فاعل يبتدئ بشيء بما يُناسب تلك الحالة. ومَعنى " اللهم صلّ على
محمدِ " : اللهُمّ عظّمه في الدنيا بإعلاء ذكره، وإظهار دعوته، وإبقاء
شريعته، وفي الآخرة: بتشفيعه في أمته وتضعيف أجره ومثوبته.
قوله: " قال: أقَطُ؟ " أي: قال حيوة بن شريح لعُقبة بن مُسلم: " أقَط "
أي: أحَسبُ، والهمزةُ فيه للاستفهام- وهو بفتح القاف وضم الطاء
المخففة، ويجوز التشديد فيه- أيضا- والمعنى: الذي ترويه هذا المقدار
أو أكثر من ذلك؟ والظاهر: أن المعنى: أهذا يكفيه " عن غيره من
الأذكار ؟ أو هذا يكفيه من شر الشيطان؟ فلهذا قال: " قلت: نعَم "
وفاعل قلتُ هو: عقبة بن مسلم إن كان السائل هو حيوة بن شريح، أو
عبد اللّه بن عَمرو إن كان السائل هو عقبة بن مسلم؛ فعلى الوجه الثاني
يكون فاعل " قال: أقط " - أيضا- هو عقبة بن مسلم.
قوله: " قال: فإذا قال " فاعل " قال " الأوّل يجوز أن يكون " عقبة " ،
ويجوز أن يكون " عبد اللّه بن عمرو " وفاعل " قال " الثاني هو الذي
يدخل المسجد؛ وذلك إشارة إلى الدعاء المذكور.
قوله: " سائر اليوم " أي: جميع اليوم؛ وهو نَصب على الظرفية.
18 - بَاب: الصَّلاة عندَ دُخُول المَسجد
أي: هذا باب في بيان حكم الصلاَة عند دخول المسَجد. وفي بعض
النسخ: " باب ما جاء في الصلاة عند دخول المسجد (1) " .
__________
(1) كما في سنن أبي داود.

(2/376)


449- ص- نا القعنبي: نا مالك، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن
عَمرو بن سُلَيم، عن أبي قتادة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إذا جَاءَ أحدُكُم
المسجدَ فليصَلِّ فيه (1) سَجدتينِ من قبلِ أن يَجلسَ " (2) .
ش- القعنبي: عبد اللّه بن مسلمة، ومالك: ابن أنس.
وعامر بن عبد اللّه بن الزُبير: ابن العوام القرشي الأسديّ المدني
أبو الحارث، أخو عبّاد وحمزة وثابت وخبيب، وموسى، وعُمر.
سمع: أباه، وأنس بن مالك، وعمرو بن سليم. روى عنه: سعيد
المقبري، ويحيى الأنصاري، ومالك بن أنس وغيرهم. قال ابن معين،
وأبو حاتم: ثقة، مات قبل هشام أو بعده بقليل، ومات هشام سنة أربع
وعشرين ومائة. روى له الجماعة إلا الترمذي (3) .
وعمرو بن سُليم: الزُّرقي الأنصاري الدني. وأبو قتادة: الحارث بن
ربعي السّلَمي.
وهذا الحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي،
وابن ماجه . ولفظ غيره: " إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتن قبل
أن يجلس " . ورواه الدارقطني- أيضا- والطبراني. وفي " المصنف "
لأبي بكر زيادة من طريق حسنة: " أعطوا الساجد حقها " قيل: يا رسول
اللّه ! وما حقها؟ قال: " ركعتين قبل أن يجلس " . وزاد أبو أحمد
__________
(1) كلمة " فيه " غير موجودة في سنن أبي داود.
(2) البخاري: كتاب الصلاة، باب: إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين
(444) ، مسلم: كتاب صلاة السافرين وقصرها، باب: استحباب تحية
المسجد بركعتين وكرامة الجلوس قبل صلاتها 69- (714) ، الترمذي: كتاب
الصلاة، باب: ما جاء إذا دخل أحدكم المسجد فليركع (316) ، النسائي:
كتاب المساجد، باب: الأمر بالصلاة قبل الجلوس فيه (2/53) ، ابن ماجه:
كتاب إقامة الصلاة، باب: من دخل المسجد فلا يجلس حتى يركع
(1013) .
(3) انظر ترجمته في تهذيب الكمال (14/3049) .

(2/377)


الجرجاني: " وإذا دخل بَيته فلا يجلس حتى يركع ركعتين؛ فإن اللّه
عز وجل جاعل له من ركعتيه في بَيته خيرا " . وإسناده منكر؛ قال
البخاريّ: هذه الزيادة لا أصل لها، وأنكر ذلك- أيضا- أبن القطان.
ثم اعلم أن هذه سنة بإجماع المسلمين؛ إلا ما رُوِيَ عن داود وأصحابه
وجوبها/بظاهر (1) الأمر؛ وليس كذلك؛ لأن الأمر محمول على
الاستحباب والندب لقوله- عليه السلام- للذي سأله عن الصلوات:
هل علي غيرها؟ قال: " لا، إلا أن تطوع (2) " وغير ذلك من
الأحاديث، ولو قلنا بوجوبهما لحرُم على المحدث الحدث الأصغر دخول
المسجد حتى يتوضأ؛ ولا قائل به، فإذا جاز دخول المسجد على غير
وضوء لزم منه أنه لا يجب عليه سجودهما عند دخوله، ثم إنه يصليهما
إلا في وقت النهي عند أبي حنيفة وأصحابه، وهو قول الأوزاعي،
واللَّيث، وحكي ذلك- أيضا- عن الشافعي، ومذهبه الصحيح: أنه
يصليهما في كل وقت؛ وهو قول أحمد، وإسحاق، والحسن،
ومكحول. وكذا لا يصلي عند أبي حنيفة إذا كان الإمام على المنبر؛ وهو
قول مالك، وابن سيرين، وعطاء بن أبي رباح، والنخعي، وقتادة،
والثوري. وقالت الشافعية: إن النهي إنما هو عما لا سبب لها؛ لأنه
- عليه السلام- صلى بعد العصر ركعتين قضاءَ سنة الظهر، فخص وقت
النهي، ولم يترك التحية في حال من الأحوالَ؛ بل أمر الذي دخل
المسجد يوم الجمعة وهو يخطب فجلس أن يقوم فيركع ركعتين، مع إن
الصلاة في حال الخطبة ممنوع منها إلا التحيّة. والجواب عن ذلك: أن
حديث النهي؛ وهو حديث ابن عباس الذي أخرجه الأئمة الستة في كتبهم
عنه قال: " شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر: أن رسول اللّه
- عليه السلام- نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وعن
الصلاة بَعد العصر حتى تغرب الشمس " خاص ، وحديث: " إذا
__________
(1) في الأصل: " بتظاهر " .
(2) تقدم برقم (375) .

(2/378)


دخل " عام بالنسبة إلى الأوقات؛ فيُخصّ بذاك الحديث؛ فإنه أخصّ من
عموم الأوقات، وهذه هي القاعدة فيما إذا تعارض نصان . والجواب عن
قولهم: " صلى بعد العصر ركعتين قضاء سُنَّة الظهر " : أنه- عليه
السلام- شغل عنهما أو نسيهما فصلاهما بعد العصر ثم أثبتَهما، وكان
إذا صلى صلاةً أثبتها- يعني: داوم عليها- مع أنه نهى غيره عنها، كما
أنه كان يُواصلُ وينهى عن الوصال، فافهم. والجواب عن أَمره للذي
دخل المسجد يوم الجمعة من وجهين؛ الأول: أن النبي- عليه السلام-
أَنصت له حتى فرغ من صلاته؛ بدليل: ما رواه الدارقطني في " سننه " (1)
من حديث عبيد بن محمد العَبدي: ثنا معتمر، عن أبيه، عن قتادة،
عن أنس قال: دخل رجل السجد ورسول الله يخطبُ فقال له النبي
- عليه السلام- : " قم فاركع ركعتين " وأَمسك عن الخطبة حتى فرغ من
صلاته. انتهى ثم قال. أسنده عبيد بن محمد العبدي؛ ووهم فيه. ثم
أخرجه عن أحمد بن حنبل: ثنا معتمر، عن أبيه قال: جاء رجل والنبي
- عليه السلام- يخطب فقال: " يا فلان أصليت؟ " قال: لا، قال:
" قم فصَلّ " ثم انتظره حتى صلى. قال: وهذا المرسل هو الصواب. ثم
أخرجه عن أبي معشر، عن محمد بن قيس أن النبي- عليه السلام-
قال (2) لما أمره- يعني: سُلَيكًا- أن يصلي ركعتين وهو يخطب-:
أمسك عن الخطبة حتى فرغ من ركعتيه، ثم عاد إلى خطبته. انتهى قال:
وهذا مرسل، وبهذا السند: دواه ابن أبي شيبة في " مصنفه " .
الثاني: أن ذلك كان قبل شروعه- عليه السلام- في الخطبة؛ وقد
بوّب النسائي في " سننه الكبرى " على حديث سُليك تال: " باب الصلاة
قبل الخطبة " ثم أخرجه عن أبي الزُبَير، عن جابر قال: جاء سُليك
الغطفاني ورسول اللّه قاعد على المنبر فقعد سُليك قبل أن يصلى فقال له
- عليه السلام-: " أركعت ركعتين؟ " قال: لا، قال: " قم فاركعهما " .
__________
(1) (2/15) .
(2) كذا.

(2/379)


فإن قيل: إذا تركهما الرجل هل يقضيهما؟ قلت: لا، حتى قال
الشافعي: ولم أعلم مخالفا أن من تركهما لم يقضهما. وقد ذكر المروذي
أنه قال لأبي عبد اللّه: حديث حميد بن عبد الرحمن، عن هشام بن
سَعد، عن نعيم المجمر، عن أبي هريرة، عن النبي- عليه السلام- أنه
دخل المسجد فاحتبى ولم يصل الركعتين أمحفوظ هو (1) ؟ قال: نعم،
قال: ورأيت أبا عبد اللّه كثيرا يدخل المسجد فيقعد ولا يصلي، ثم يخرج
ولا يصلي في أوقات الصلوات.
وفي " المصنف " : حدثنا الدراوردي، عن زيد بن أسلم قال: كان
أصحاب رسول الله يدخلون المسجد ثم يخرجون ولا يصلون، قال:
ورأيت ابن عُمر يفعله. وحدثنا وكيع، عن عبد اللّه بن سعيد بن أبي هند،
عن نافع أن.ابن عمر كان يمر في المسجد ولا يصلى فيه/ومرّ الشعبي فيه
فلم يُصلّ، وكذلك سُويد بن غَفَلة وسالم بن عبد اللّه بن عمر.
فإن قيل: ما روى من قوله- عليه السلام-: " قُم فاركع ركعتين "
لسُليك حين دخل وقعد ولم يُصل، هَل لا يَدُل على قضائهما؟ قلت :
لا؛ لأن ذلك كان على سبيل الاختيار لا الوجوب، فافهم.
450- ص- نا مسدد: نا عبد الواحد بن زياد: نا أبو عُمَيس عتبة بن
عبد اللّه، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن رجل من بني زُريق، عن
أبي قتادة، عن النبي- عليه السلام- نحوه؛ زادَ: " ثم ليقعد بعدُ إن شاءَ،
أو لِيذهَب لحاجَتِهِ " (2) .
ش- مُسدد: ابن مسرهد، وعبد الواحد بن زياد: أبو بشر البصري.
وأبو عُمَيس- بالسين المهملة- عتبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد اللّه بن
مسعود الهذلي المَسعودي الكوفي، أخو عبد الرحمن بن عبد اللّه. روى
عن: الشعبي، وأبي إسحاق، وعمرو بن مرة وغيرهم. روى عنه:
__________
(1) في الأصل: " المحفوظ هو " .
(2) انظر: التخريج المتقدم.

(2/380)


محمد بن إسحاق، وشعبة، وابن عيينة، ووكيع وغيرهم. قال ابن
معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث. روى له الجماعة (1) .
قوله: " عن رجل من بني زُريق " مجهول.
قوله: " نحوه " أي: نحو الحديث المذكور؛ ولكنه زاد في هذه
الرواية: " ثم ليقعد بعد " أي: بعد أن صلى ركعتين إن شاء القُعاد، أو
ليَمض إلى حاجته.
19- بَابُ: فَضلِ القُعُودِ في المَسجدِ
أي: هذا باب في بيان فضل القعود في المسجد، وفي بعض النسخ:
" باب في فضل " (2) .
451- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عنِ
أبي هريرة أن رسول اللّه قال: " المَلائكةُ تُصلِّي على أحدِكُم مادَامَ في مُصلاّهُ
الذي صَلَى فيه ما لم يُحدِث أو يَقُومُ (3) : اللهم اغفِر له، اللهم ارحَمهُا " (4) .
ش- أبو الزَناد: عبد الله بن ذكوان القرشي، والأعرج: عبد الرحمن
ابن هُرمز .
قوله: " الملائكة تصلي على أحدكم " أي: تَدعو لأحدكم؛ لأن الصلاة
في اللغة: الدعاء. وكلمة " ما " في " مادام " وفي " ما لم يُحدِث "
للمدّة؛ والمعنى: مُدة دوامه في مُصلاه الذي صلّى فيه مدة عدم الحدث أو
التحديث؛ على اختلاف تفسير " لم يحدث " .
قوله: " مُصلاه "- بضم الميم- اسم الموضع الذي صلى فيه.
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (19/3776) .
(2) كما في سنن أبي داود.
(3) في سنن أبي داود: " أو يقم " .
(4) البخاري: كتاب الصلاة، باب: الحدث في السجد (445) ، النسائي: كتاب
الساجد، باب: الترغيب في الجلوس في السجد وانتظار الصلاة (2/55) .

(2/381)


قوله: " ما لم يُحدِث " بدل من قوله: " مادامَ " وهو إما من الإحداث
بمَعنى: الحدث الناقض للطهارة؛ كما فسّره في الحديث الذي يأتي بقوله:
" ما يُحدث؟ قال: يَفسو أو يَضرط " ، وإما من التحديث؛ بمعنى:
الاشتغال بالحديث من غير ذكر اللّه عز وجل.
قوله: " أو يقومُ " بالرفع عطف على ما لم يُحدث من حيث المعنى؛
فلذلك لم يُحزم، ويجوز أن يكون مرفوعا على لغة من لا يجزم الفعل
ب " لَم " ؛ كما في قول الشاعر:
لولا فَوارسُ من نُعم وأسرتهِم ... يَومَ الصُلَيفاء لم يُوفُون بالجَارِ
قوله: " اللهم اغفر له، اللهم ارحمه " بيان وتفسير لقوله " تُصَلّي على
أحدكم " والمعنى: تدعو بقولهم " اللهم اغفر له، اللهم ارحمه " وبهذا
يندفع سؤال من يقول: ما موقع الجمع بين صلاة الملائكة إذا كانت معناها
الاستغفار وبَين قولنا (1) " اللهم اغفر له " ؟ وجواب آخرُ: أن الصلاة
والاستغفار وإن كانا يَرجعان لشيء واحد، فقد يكون أحدهما أخص وأقعد
بالمعنى وأبلغ، فتدعو الملائكة وتسأل الله ذلك المعنى باللفظين مَعا.
وجواب آخرُ: أن سؤالها بلفظ الصلاة إنما هو ليقع الثواب من جنس
العمل، فتكون صلاة منه بصلاة من الملائكة عليه، ثم لما حصل التجانس
بين العمل وجزائه، دعوا له بعد ذلك بلفظ الاستغفار والرحمة.
والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم من حديث أبي صالح، عن (2)
أبي هريرة أتم منه. وأخرجه النسائي- أيضا- وعند الحاكم على شرط
مسلم من حديث عقبة بن عامر مرفوعا: " والقاعد يرعى الصلاة
كالقانت، ويكتب من المصلين من حين يخرج من بَيته حتى يرجع " . وفي
" صحيح ابن حبان " : " ما توطن رجل مسلم المساجد للصلاة والذكر إلا
تبشبش اللّه إليه كما يَتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم عليهم " .
قال السَفاقسي: الحدث في المسجد خطيئة يُحرمُ به المحدثُ استغفار
__________
(1) كذا ، و الجاد : " قولهم " .
(2) في الأصل: " من " .

(2/382)


الملائكة. وقد قيل: من أراد أن يحط الله عنه ذنوبه فليلازم بصلاة بعد
الصلاة، ليستكثر من استغفار الملائكة له. وقد شبه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك بالرباط.
وقال الداودي: قوله: " ما لم يحدث " - بالتخفيف- يدل على جواز
الحدث في المسجد، وفي رواية بالتشديد أراد الحديث بغير ذكر اللّه تعالى
/قال السفاقسي: لم يذكر التشديد أحدٌ .
452- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن
أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " لا يَزالُ أحدُكُم في صَلاة ما كانت
الصلاةُ تَحبِسُهُ، لا يَمنَعُهُ أن يَنقَلِبَ إلى أهله إلاَ الصلاةُ " (1)

ش- أي: في حكم صلاةِ؛ والمعنىً: لا يزالُ أحدكم كأنه يُصلي ما
كانت الصلاة تحبسُه، أي: تمنعه من القيام والخروج، بمعنى: مادام
انتظار الصلاة يمنعه عن ذِلك كأنه في الصلاة.
قوله: " لا يَمنعه أن ينقلب إلى أهله " أي: أن يَرجع إلى أهله و " أن
ينقلب " محله النصب على المفعولية، وارتفاع الصلاة على الفاعلية؛
والمعنى: لا يَمنعه الانقلابَ إلى أهله إلا الصلاة. والحديث أخرجه مسلم.
453- ص- نا موسى بن إسماعيل: نا حماد، عن ثابت، عن أبي رافع،
عن أبي هريرة أن رسول الله- عليه السلام- قال: " لا يزالُ العبدُ في صَلاة
ما كان في مُصَلاهُ يَنتظرُ الصلاةَ، تقولُ الملائكةُ: اللهم اغفر له، اللهمَ
ارحَمهُ، حتى يَنصرفَ، أو يُحدثَ " فقيل: ما يُحدثُ؟ قال: " يَفسُو أو
يَضرطُ " (1)

ش- حماد: ابن سلمة، وثابت: البناني، وأبو رافع: نُفيع الصائغ
المدني.
__________
(1) البخاري: كتاب الصلاة، باب: الصلاة في مسجد السوق (477) ، مسلم:
كتاب المساجد، باب: فضل صلاة الجماعة وانتظار الصلاة (649) .
(2) مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل صلاة الجماعة وانتظار
الصلاة 274- (649) .

(2/383)


قوله: " قال: يفسو " أي: قال أبو هريرة؛ ففسر أبو هريرة قوله " أو
يُحدث " بالحدث الناقض للطهارة. وأخرجه مسلم.
454- ص- نا هشام بن عمار: نا صدقة بن خالد: نا عثمان بن
أبي العاتكة الأزدي، عن عُمَير بن هانِئ العَنسِي، عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله- عليه السلام-: " مَن أتى المَسجد لِشيءٍ فهو حَظهُ " (1) .
ش- هشام بن عمار: ابن نضير بن مَيسرة بن أبان أبو الوليد السُّلمي
الظّفريّ الدمشقي. سمع: يحيى بن حمزة، وابن عيينة، ومالك بن
أنس، وصدقة بن خالد وغيرهم. روى عنه: ابن مَعين، وابن سَعد،
والبخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والترمذي، عن
البخاري، عنه. قال ابن معين: هو كيس كيّس، وفي رواية: ثقة،
وقال النسائي: لا بأس به، وقال الدارقطني: صدوق، كبير المحل.
توفي بدمشق آخر المحرم سنة ست وأربعين ومائتين، وقيل: سنه
خمسين (2) .
وصدقة بن خالد: الدمشقي أبو العباس الأموي، مولى أم البنين
أخت معاوية بن أبي سفيان؛ قاله البخاري، وقال هشام بن عمار:
مولى أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان. روى عن: زيد بن واقد،
وعثمان بن أبي العاتكة، والأوزاعي، وغيرهم. روى عنه: الوليد بن
مسلم، وأبو مسهر، وهشام بن عمار وغيرهم. قال أحمد بن حنبل:
ثقة، ليس به بأس 0 وقال ابن معين وأبو حاتم: ثقة. توفي سنة ثمانين
ومائة. روى له: البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة (3) .
وعثمان بن أبي العاتكة- واسمه: سليمان- أبو حفص الأزدي
__________
(1) تفرد به أبو داود.
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (30/6586) .
(3) المصدر السابق (13/2861) .

(2/384)


الدمشقي القاصّ. سمع: عمير بن هانئ، وعمر [ و ] بن مهاجر،
وسليمان بن حبيب وغيرهم. روى عنه: صدقة بن خالد، والوليد بن
مسلم، ومحمد بن شعيب بن شابور وغيرهم. قال ابن معين: ليس
بشيء، وقال دحيم: لا بأس به، وقال أبو حاتم: لا بأس به؛ بليته من
كثرة روايته عن علي بن يزيد، فأما ما روى عن غيره [ فهو ] مقارب،
يكتب حديثه، وقال النسائي: هو ضعيف . توفي سنة نيف وأربعين
ومائة. روى له: أبو داود، وابن ماجه (1) .
وعُمَير بن هانئ: أبو الوليد العنسي- بالنون- الدمشقي الداراني.
سمع: عبد الله بن عُمر، ومعاوية بن أبي سفيان وأبا هريرة وغيرهم.
روى عنه: قتادة، والزهري، والأوزاعي وغيرهم. قال أحمد بن
عبد اللّه: هو ثقة، قتله الصفر بن حبيب بدارَيا سنة سبع وعشرين ومائة.
روى له: الجماعة إلا النسائي (2) .
قوله: " فهو حظه " أي: ذلك الشيء نصيبُه بمعنى: إن كان إتيانه لأجل
الصلاة أو الذكر، أو تلاوة القراَن، يكون ذلك نصيبهُ من الأجر
والثواب، وإن كان لأجل عمل من أعمال الدنيا، أو للنوم، أو للكلام أو
نحو ذلك، يكون ذلك- أيضا- نصيبَه من الوزر والخطيئة على حسب
ذلك الشيء وتفاوته والله أعلم/.
***
20- بَابٌ: فِي كرَاهِية إنشَادِ الضَّالَّة في المَسجِد
أي: هذا باب في بيان كراهية إنشاد الضالة في المسجد؛ والكراهية
مصدر كالطواعية بمعنى الكراهة بتخفيف الياء. والإنشادُ من نشدت الضالة
أنشُدُها أي: طلبتها، وأنشدتُها أي: عرفتُها؛ وقد ذكرناه في باب حصى
المسجد. والضالة- بتشديد اللام- الضائعة من كل ما يُقتنى من الحيوان
وغيره، يقال: ضل الشيء إذا ضاع، وضل عن الطريق إذا جَار، وهي
__________
(1) المصدر السابق (19/3827) .
(2) ا لمصدر السابق (22/4521) .
25* شرح سنن أبي داوود 2

(2/385)


في الأصل فاعلة، ثم اتسع فيها فصارت من الصفات الغالبة، وتقع على
الذكر والأنثى والاثنين والجميع، وتجمع على ضوَالّ.
455- ص- نا عُبَيد الله (1) بن عُمر الجُشَمي: نا عبد الله بن يزيد: نا
حَيوةُ قال: سمعتُ أبا الأسود يقول: أخبرني أبو عبد الله مولى شداد أنه
سمع أبا هريرة يَقولُ: سمعتُ رسول الله- عليه السلام-: " مَن سَمعَ
رجلاً ينشدُ ضَالَّةً في المسجد فليقل: لا أداها اللهُ إليكَ؛ فإن المساجدَ لم تبَنَ
لهذا " (2) .
ش- عُبَيد اللّه بن عُمر: القواريري البَصري، وعبد اللّه بن يزيد:
القرشي العدوي، وحيوة: ابن شريح.
وأبو الأسود: محمد بن عبد الرحمن بن الأسود بن نوفل بن خُويلد
ابن أسَد بن عبد العُزى، أبو الأسود الأسدي المدني، قدم مصر، وكان
جده: الأسود من مهاجرة الحبشة ومات بها. سمع: عروة، والقاسم
ابن محمد، والأعرج، ونافعا وغيرهم. روى عنه: الزهري، ومالك
ابن أنس، وحيوة بن شريح وغيرهم. روى له الجماعة (3) .
وأبو عبد اللّه مولى شداد بن الهاد. روى عن: أبي هريرة. روى
عنه: أبو الأسود. روى له: مسلم، وأبو داود، وابن ماجه (4) .
قوله: " يُنشد ضالة " أي: يُعرّفها؛ من الإنشاد.
فوله: " لم تبن لهذا " أي: لإنشاد الضالة؛ وإنما بُنيت لأداء الفرائض.
وقد يدخل في هذا كل أمرٍ لم يُبن له المسجد من البيع والشراء، ونحو
ذلك من أمور معاملات الناس واقتضاء حقوقهم. وقد كره بعض السلف
__________
(1) في سنن أبي داود: " عبد الله " خطأ.
(2) مسلم: كتاب المساجد، باب: النهي عن نشد الضالة (79/568) ، ابن
ماجه: كتاب المساجد والجماعات، باب: النهي عن إنشاد الضوال في المسجد
(767) .
(3) انظر ترجمته في تهذيب الكمال (25/5411) .
(4) المصدر السابق (10/2150) .

(2/386)


المسألة في المسجد. وبعض أصحابنا لا يرى أن يتصدق على السائل
المتعرض في المسجد. والحديث: أخرجه مسلم، وابن ماجه.
21- بَاب: في كرَاهِية البُزَاقِ في المَسجِد
أي: هذا باب في بيان كراهية البزاق في المَسجد، وفي بعض النسخ:
" باب في كراهة البزاق " . وقد ذكرنا أن الكراهية والكراهة كلاهما
مصدران من كره يكره من باب علم يعلم.
456- ص- نا مسلم بن إبراهيم: نا هشام وشعبة وأبان، عن قتادة، عن
أنس بن مالك أن النبي- عليه السلام- قال: " التَّفلُ في المسجد خَطيئةٌ ؛
وكفَّارَتُه: أن تُوارِيَهُ " (1) .
ش- مسلم بن إبراهيم: القصاب الفَراهيدي، وهشام: ابن أبي عبد الله
- سنبر- الدَّستوائي البصري، وشعبة: ابن الحجاج، وأبان: ابن
يزيد، وقتادة: ابن دعامة.
قوله: " التفل " - بفتح التاء المثناة من فوق، وإسكان الفاء- وهو:
البُصاق كما جاء في الحديث الآخر: " البصاق في المسجد خطيئة " .
واعلم أن البزاق في المسجد خطيئة مطلقا، سواء احتاج إلى البزاق أو
لم يحتج؛ بل يبزق في ثوبه، فإن بزق في المسجد فقد ارتكب خطيئة
وعليه أن يكفر هذه الخطيئة بدفن البزاق. وقال القاضي عياض: البزاق
ليس بخطيئة إلا في حق من لم يدفنه، فأما من أراد دفنه فليس بخطيئة.
وهذا باطل، والحق ما ذكرناه.
__________
(1) البخاري: كتاب الصلاة، باب: كفارة البزاق في المسجد (415) ، مسلم:
كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: النهي عن البصاق في المسجد في
الصلاة وغيره (56- 552) .

(2/387)


قوله: " وكفارته أن تواريه " أي: أن تُغيّبه يعني: تدفنه، و " أن "
مصدرية في محل الرفع على أنه خبر للمبتدأ، والتقدير: وكفارته
مُواراته؛ والمعنى: انه إن ارتكب هذه الخطيئة فعليه تكفيرها . واختلفوا في
المراد بدفنها؛ فالجمهور على أنه الدفن في تراب المسجد ورمله وحَصبائه إن
كانت فيه هذه الأشياء وإلا يُخرجها. وعن أصحاب الشافعي قولان؛
أحدهما: إخراجها مُطلقًا. والحديث: أخرجه مسلم.
457- ص- نا مسدد: نا أبو عوانة، عن قتادة، عن أنس قال: قال
رسولُ الله: " إن البُزَاقَ في المسجد خَطيئةٌ ، وكَفارتُها دَفنُها " (1) .
ش- أبو عوانة: الوضاح الوَاسطَي. والحديث: أخرجه البخاري،
والترمذي، والنسائي.
458- ص- نا أبو كامل: نا يزيد، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس بن
مالك. قال: قال رسول الله- عليه السلام-/: " النُخَاعةُ في المسجدِ "
فذكر مثله (2) .
ش- أبو كامل: فُضَيل بن الحُسين الجَحدري، ويزيد: ابن زُرَيع
البصري، وسعيد: ابن أبي عروبة.
قوله: " النخاعة " هي النخامة؛ يقال: تنخم وتنخع، وقيل: البزاق
من الفم، والمخاط من الأنف، والنخامة من الصَدر؛ وفرق بعضهم بين
النخاعة والنخامة؛ فالنخاعة- بالعين- من المصدر، والنخامة- بالميم-
من الرأس.
قوله: " فذكر مثله " أي: مثل الحديث المذكور.
459- ص- نا القَعنبي: نا أبو مودود، عن عبد الرحمن بنِ أبي حَدرد
الأسلمي قال: سمعت أبا هريرة يَقولُ: قال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " من دَخَلَ هذا
المسجدَ فبَزقَ فيه، أو تَنخمَ فليَحفر فليَدفنهُ، فإن لم يفعَل فليَبزُق في ثوبه،
ثم ليخرُج بهِ " (3) .
__________
(1) انظر: الحديث السابق.
(2) تفرد به أبو داود.
(3) تفرد به أبو داود.

(2/388)


ش- القعنبي: عبد اللّه بن مسلمة.
وأبو مَودود: عَبد العزيز بن أبي سليمان المدني الهُذَلي مولاهم؟ كان
قاضيا لأهل المدينة، رأى جابر بن عبد اللّه الأنصاري، وسهل بن سعد
الساعدي، وأنس بن مالك. وسمع: السائب بن يزيد، ونافعاً، وعبد الرحمن
ابن أبي حَدرد، ومحمد بن كعب القرظي. روى عنه: عبد الرحمن بن
مَهدي، وابن أبي فديك، ووكيع، والقعنبي وغيرهم. قال أحمد بن
حنبل: ثقة، وكذا قال ابن معين. روى له: أبو داود (1) .
وعبد الرحمن بن أبي الحَدرد- واسمُ أبي حَدرد: عَبد الأسلمي.
روى عن: أبي هريرة. وروى عنه: أبو مَودود. قال الدارقطني: لا
بأس به. روى له: أبو داود (2) .
قوله: " أو تنخم " من النخامة، وقال ابن الأثير: النخامة: البَزقة التي
تخرج من أقصى الحلق، ومن مخرج الخاء المعجمة.
قوله: " فليحفر " أي: فليحفر موضعا في المسجد إن كان يمكن الحَفرُ
فليدفنه.
قوله: " فإن لم يفعل " أي: فإن لم يحفر، أو لم يمكن الحفرُ فليبزق
في ثوبه " ثم ليخرج به " من المسجد؛ وهذا يدل على أن البزاق طاهرٌ ،
وكذا النخامة طاهرة، وليس فيه خلاف إلا ما حكِيَ عن إبراهيم النخعي أنه
يقول: البزاق نجسٌ .
460- ص- نا هنّاد بن السرِي، عن أبي الأحوص، عن منصور، عن
ربعي، عن طارق بن عبد الله المُحاربي قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِذا قامَ
الرجلُ إلى الصلاة، أو إذا صلَّى أحدُكُم فلا يَبزُقَنَّ أمامَه ولا عن يمينه،
ولكن عن تِلقاءِ يَساَرِهِ إن كان فَارغَا، أو تحتَ قدمِهِ اليُسرى، ثم ليقل به " (3) .
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (18 /3450) .
(2) المصدر السابق (17/3795) .
(3) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في كراهية البزاق في المسجد (571) ،-

(2/389)


ش- هَنّاد: الدارمي الكوفي، وأبو الأحوص: سلام بن سُلَيم
الكوفي. ومنصور: ابن المعتمر.
ورِبعي: ابن حراش بن جحش بن عمرو بن عبد اللّه الغطفاني العَبسي
أبو مريم الكوفي. روى عن: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب،
وحذيفة بن اليمان، وابن مسعود، وطارق بن عبد اللّه وغيره. روى
عنه: الشعبي، ومنصور، وعبد الملك بن عمير، وغيرهم، قدم ربعي
الشام. وسمع خطبة عمر بالجابية. قال أحمد بن عبد الله العجلي:
تابعيّ ثقة، ولم يكذب كذبة قط، واَلى أن لا يضحك حتى يعلم أفي
الجنة هو أم في النار؟ فأخبر غاسلُه أنه لم يزل مبتسمًا على سريره وهم
يغسلونه حتى فرغوا. توفي سنة إحدى ومائة 0 روى له الجماعة (1) .
وطارق بن عبد اللّه المحاربي: الكوفي، حديثه في أهل الكوفة. روى
عنه: ربعي، وجامع بن شداد. روى له: أبو داود، والترمذي،
والنسائي، وابن ماجه (2) .
قوله: " فلا يبزقن " بتشديد النون " أَمامه " أي: قدامه.
اعلم أن لفظ " أمام " يطلق على مَعنيين؛ بمعنى القدام، وبمعنى الخَلف؛
وهو من الجهات الست من القسم المبهم من المكان، وهو ماله اسم باعتبار
أمر غير داخل في مسمّاه، فإن نحو فوقك وتحتك يطلق على المكان باعتبار
جهة العُلو أو جهة السفل، وهذه الجهة لا تدخل في مسمى المكان؛ فإن
المكان الذي يصدق عليه الفوق قد يتبدل ويصير تحتاً إذا علاه الشخص،
وكذلك ما يكون يمينا يتبدل باليَسار، وكذلك القدام والإمام والخلف،
فهذه الأمور اعتبارية لا تدخل في مسمى المكان بخلاف الدار ونحوها.
__________
= النسائي: كتاب المساجد، باب: الرخصَة للمصلي أن يبصق خلفه أو تلقاء
شماله (1/52) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: المصلي يتنخم
(1021)
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (9 /1850) .
(2) المصدر السابق (13 /2950) ./

(2/390)


قوله: " ولكن عن تلقاء يساره " أي: عن جهة يساره؛ وقال في
" الصحاح " : التَّلقاء مَصدر مثل اللِّقاء، وذكر في كتاب " الهادي " أن
إزاء، وحذاء، وحذوة، وحذة، وحيالاً، ومَنًا، وأمما، وقبالةً
/ومُقابلاً، ومُستقبلا، ووُجَاهًا، وتُجاهًا، وَذَممًا، وتلقاءً كلها بمعنى
واحد، ويُقال: حذانا، وتلقانا، وإزانا، وداري حذاءَ دارك، وحذوة
داركَ، وحذ[ة] دارك، وأمَم دارك، وذَمَم دارك، ومنا دارك، وقَعدَ فَلانِّ
حِذاءَك وبحذائك، وحيالك، وبحيالك، وإزائك، وبإزائك، وتِلقاءك،
ولا يقال: بتلقائك، فافهم.
قوله: " إن كان فارغًا " أي: إن كان يَسارُه فارغًا- يَعني: إن تمكّن من
البَزق عن (1) يساره، وإن لم يتمكن فليبزق تحت قدمه اليُسرى، وهو
معنى قوله: " أو تحت قدمه اليُسرى " .
قوله: " ثم ليقل به " قد مرّ غير مرّة أن لفظ القول يُستعمل عند العرب
في مَعانِي كثيرة؛ والمعنى هاهنا: ثم ليدفنه. وهذا الحديث في حق من
كان خارج المسجد، أما الذي في المسجد فلا يبزقُ إلا في ثوبه لقوله
- عليه السلام- " البزاق في المسجد خطيئةٌ " فكيف يأذن فيه- عليه
السلام-، وإنما نهَى [ عن ] البُصاق أمامه تشريفا للقبلة، وعن يمينه تَشريفا
لليمين. وجاء في رواية للبخاري: " إن عن يمينه ملكا " .
ويُستفاد من الحديث: أن البُصاق لا يبطل الصلاة، وكذا التنخع إذا لم
يبن منه حروفٌ اللهم إذا غلب عليه. والحديث: أخرجه الترمذي،
والنسائي، وابن ماجه. وقال الترمذي: حديث طارق حديث حسن
صحيح.
461- ص- نا سليمان بن داود: نا حماد: نا أيوب، عن نافع، عن ابن
عمر قال: بَينما رسولُ الله- عليه السلام- يَخطُبُ يومًا إذ رأى نُخامةً في
قِبلَةِ المسجدِ، فَتغيَّظَ علىَ الناسِ ثم حَكَّها. قال: وأَحسَبُه قال: وَدَعَا
__________
(1) في الأصل " من " .

(2/391)


بزعفران فلطَّخَهُ به قال (1) : وقال: " إن اللهَ عز وجل قبَلَ وجه أَحدكُم إذا
صَلَّى، فًلا يَبزُق بَين يديهِ " (2) (3) .
ش- سليمان بن داود: الزَّهراني، وحماد: ابن زَيد، وأيوب:
السختياني.
قوله: " بَينما " قد ذكرنا مرة أن " بينما " أصله: " بَين " فأشبعت
الفتحة فصار: " بَينا " ثم ألحقت الميم فصار: " بَينما " فكلاهما
يستعملان بمَعنى المفاجأة، ويُضافان إلى جملة من فعل وفاعل أو مبتدأ
وخبرٍ ؛ وهاهنا أُضيفت " بينما " إلى المبتدأ والخبر؛ لأن قوله: " رسول
اللّه لما مبتدأ، وقوله: " يخطب " خبرُه، وهما يحتاجان إلى جواب يتم
به المعنى؛ وجواب " بينما " هاهنا: قوله: " إذ رأى نخامةً " .
قوله: " فتغيظ " من الغيظ؛ وهو صفة تعترض للرجل عند احتداده
لمُحركٍ لها.
قوله: " قال: وأحسبه قال " أي: قال نافع: وأظن ابن عمر قال:
" ودعا بزعفران " أي: وطلب رسول اللّه بزعفران " فلطخه " أي: لطخ
موضع النخامة بالزعفران.
__________
(1) كلمة " قال " غير موجودة في سنن أبي داود.
(2) البخاري: كتاب الصلاة، باب: حك البزاق باليد في المسجد (406) ،
مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: النهي عن البصاق في المسجد
في الصلاة وغيرها (50- 547) .
(3) جاء في سنن أبي داود بعد هذا الحديث: قال أبو داود: رواه إسماعيل
وعبد الوارث، عن أيوب، عن نافع. ومالك وعبيد الله وموسى بن عقبة،
عن نافع نحو حماد، إلا أنهم لم يذكروا " الزعفران " . ورواه معمر، عن
أيوب، وأثبت " الزعفران " فيه، وذكر يحيى بن سليم، عن عبيد الله، عن
نافع " الخلوق " .

(2/392)


قوله: " قال: وقال " أي: قال ابن عمر: وقال رسول اللّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قوله: " قبل وجه أحدكم إذا صلى " تأويله: أن القبلة التي أمره اللّه عز
وجل بالتوجه إليها للصلاة قبلَ وجهه، فليصنها عن النخامة؛ وفيه إضمار
وحذف واختصار؛ كقولهَ تعالى: (وَاشربُوا في قُلُوبهمُ العجلَ) (1)
أي: حُبّ العجل، وكقَوله تعالى: (واسأل القَرية) (2) أي: أهل
القرية؛ وإنما أضيفت تلك الجهة إلى الله تعالىَ على سبيل التكرمة؛ كما
يقال: بَيت اللّه، وكعبة اللّه، وناقة الله. والحديث: أخرجه البخاري،
ومسلم.
462- ص- ثنا يحمى بن الفضل السِّجستاني، وهشام بن عمار،
وسليمان بن عبد الرحمن (3) قالوا: نا حاتم- يعني: ابن إسماعيل-: نا
يعقوب بن مجاهد أبو حَزرة، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت
قال (4) : أتينا جابرًا- يعني: ابنَ عبدِ اللهِ- وهو في مسجده، فقال: أتَانا
رسولُ الله في مسجدِنَا هذا وفي يده عُرجونُ ابنِ طاب، فنظًرً فَرَأى في قبلَة
المسجد (5) نُخَامةً، فأقبلَ عليها فحَتَّهَا بالعُرجُونِ، ثمً قال: " أيكُم يُحبّ أنَ
يُعرِضً اللهُ- تعالى (6) عنه؟ إن أحدَكُم إذا قامَ يُصلِّي فإن اللهَ عز وجل
قِبَلَ وجهِهِ، فلا يَبصُقَنَّ قبَلَ وجهِهِ، ولا عن يمينِه، وليَبصُق عن يَساره تحتَ
رجلهِ اليُسرى، فإن عَجِلًت به بَادرَةٌ فليَقُل بثوبهَ هكذا " - وضَعَهُ (7) على
فيهِ ثَم دَلَكَهُ - " أرُونِي عَبيرا " فقامً فتًى من الحيًّ يَشتدُّ إلى أهلهِ فجَاءَ بخلُوق
في راحته، فأخذَهُ رسولُ اللهِ فجعَلَه على رأسِ العُرجُونِ، ثَم لَطَخَ به على
أثَرِ النُّخاَمَةِ. فقال جابرٌ : فَمِن هناك جَعلتُمُ الخَلُوقَ في مَساجِدِكُم (8) .
__________
(1) سورة البقرة: (93) .
(2) سورة يوسف: (82) .
(3) في سنن أبي داود: " .. وسليمان بن عبد الرحمن الدمشقيان بهذا الحديث،
وهذا لفظ يحيى بن الفضل السجستاني " .
(4) كلمة " قال " غير موجودة في سنن أبي داود.
(5) غير موجود في سنن أبي داود.
(6) في سنن أبي داود: " أن يعرض الله عنه بوجهه، ثم قال: إن.. " .
(7) في سنن أبي داود: " ووضعه " .
(8) تفرد به أبو داود.

(2/393)


ش- يحيى بن الفضل السَجِستاني: أحد شيوخ أبي داود، وكذلك
هشام بن عمار الدمشقي.
وسليمان بن عبد الرحمن: ابن عيسى بن ميمون، أبو أيوب التميمي
الدمشقي، ابن بنت شرحبيل. سمع: يحيى بن ضمرة، وابن عيينة،
وعيسى بن يونس وغيرهم. روى عنه: أبو حاتم، والبخاريّ. ثم روى
عن رجل، عنه، وأبو داود. وروى الترمذي، والنسائي، وابن ماجه،
عن رجل، عنه، وغيرهم. قال ابن معين: ليس به بأس. وقال
أبو حاتم: صدوق، مستقيم الحديث؛ ولكنه أروى الناس/عن الضعفاء
والمجهولين. توفي سنة اثنتين وثلاثين ومائتين (1) .
وحاتم: ابن إسماعيل الكوفي أبو إسماعيل المدني نزل المدينة، مولى
بني عبد المدَان من بني الحارث بن كعب. سمع: هشام بن عروة،
وجعفر بن محمد، وأبا حَزرة يعقوب بن مجاهد وغيرهم. روى عنه:
قتيبة بن سعيد، وإسحاق بن راهَويه، والقعنبي وغيرهم. سئل يحيى بن
معين عنه فقال: لا أعرفه، وأما أحاديثه فصحيحة. وقال الخطيب: كان
ثقة، مات ببغداد سنة ثمان وعشرين ومائتين في شهر رمضان (2) .
ويَعقوب بن مجاهد أبو حَزرة: القاصّ المدني.
وعبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت: أبو الصامت الأنصاري
المدني. سمع: كعب بن عَمرو، وجابر بن عبد اللّه، وأبا سعيد
الخدري، وأباه. روى عنه: يحيى بن سعيد الأنصاري، ويعقوب بن
مجاهد، ومحمد بن عجلان وغيرهم. روى له: مسلم، وأبو داود،
والنسائي، وابن ماجه (3) .
قوله: " وفي يده " الواو قيه للحال.
قوله: " عرجون ابن طاب " العُرجون- بضم العين- هو العُود الأصفر
__________
(1) انظر- ترجمته في: تهذيب الكمال (12/2544) .
(2) المصدر السابق (5/992) .
(3) المصدر السابق (14/3111) .

(2/394)


الذي فيه. الشماريخ إذا يبس واعوج؛ وهو من الانعراج، وهو الانعطاف،
وجمعه: عراجين، وذكره الجوهري في حرف النون، وقال غيره: الواو
والنون زائدتان، وقوله: " عرجون ابن طاب " وهو نوع من تمر المدينة
منسوب إلى ابن طاب، رجل من أهلها، كما قيل: لون ابن حبيق،
ولون كذا ولون كذا، فمن عادتهم ينسبون ألوان التمر كل لون إلى أحدٍ .
قوله: " فحتَّها بالعرجون " أي: حكها وقشرها؛ الحتُّ والحكّ والقشر
بمعنى واحد.
قوله: " فلا يبصقن قبل وجهه " تعظيما للقبلة، " ولا عن يمينه " لأجل
الملك أو لشرفها، " وليَبصُق عن يَساره تحت رجله اليسرى " هذا- أيضا-
في حق المصلي خارج المسجد ؛ لأنا قد ذكرنا أنه - عليه السلام - نهى
[ عن ] البُصَاق في المسجد مطلقا، وكيف يأمرُ به ولا يَبزق في المسجد إلا
في ثوبه؟ !
قوله: " فإن عجلت به بادرة " أي: حدّةٌ ؛ وبادرة الأمر: حدّته؛
والمعنى: إذا غلبه البصاق أو النخامة " فليَقُل بثوبه هكذا " .
قوله: " وضعه على فيه " تفسير لقوله " فليَقُل بثوبه " ولأجل ذلك ترك
العاطف أي: وضع ثوبه على فمه " ثم دلكه " أي: دلك الثوب حتى
يتلاشى البزاق منه. وهذا- أيضا- يدل على طهارة البزاق والنخامة.
قوله: " أروني عبيرا " العَبير- بفتح العين، وكسر الباء الموحدة،
وسكون الياء آخر الحروف- أخلاط تجمع بالزعفران؛ قاله الأصمعي.
وقال أبو عُبَيدة: العبِير عند العرب: الزعفران وحده. والصحيح: أنه
غير الزعفران.
قوله: " يشتَدّ إلى أهله " من قولهم: اشتد إذا عدى؛ والشد: العَدوُ.
قوله: " فجاء بَخَلُوق " - الخلوق- بفتح الخاء العجمة، وضم اللام،
وفي أخره قاف- طيب معروف مُركبٌ يتخذ من الزعفران وغيره من أنواع
الطيب، وتغلب عليه الحمرة والصّفرة، وهو من طيب النساء.

(2/395)


ويُستفاد من الحديث فوائد؛ الأولى: إذا رأى أحد نخامة في المسجد
يَحُتّها.
والثانية: أن المصلي لا يَبصق قبل القبلة ولا عن يمينه؛ بل يبصق تحت
رجله اليسرى، كما فسر في الحديث.
والثالثة: أن البصاق لا يفسد الصلاة.
والرابعة: جواز استعمال الخلوق في المساجد.
والخامسة: جواز حمل العصا. والحديث: أخرجه مسلم مُطولا.
وهذا الحديث متأخر عن الحديث الذي يأتي في بَعض النسخ، وكذا في
" مختصر السنن " لزكي الدين.
463- ص- نا يحيى بن حبيب بن عربي: نا خالد- يعني: ابن
الحارث-، عن محمد بن عجلان، عن عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد
الخدري أن النبيَ- عليه السلام- كان يُحب العَرَاجينَ، ولا يَزالُ في يده
منها، فدخل المسجدَ فرأى نُخَامة في قبلَةِ المسجدِ لحكَّها، ثم اقبلَ علىً
الناسِ مُغضبًا فقال: " أيَسُر أحدُكُم أنَ يُبصقَ في وجهِهِ؟ إن أحدَكُم إذا
استقبلَ القِبلةَ فإنما يَستقبلُ ربَّه عز وجل، والمَلَكُ عن يمينه، فلا يَتفُل عن
يمينه ولا في قبلَتِهِ، ولَيَبسُق (1) عن يَسارِه أو تحتَ قَدَمِهِ،َ فإن عَجِلَ به أمر
فليقل هكذا " . ووصفَ لنا ابنُ عَجلانَ ذلكَ: أن يَتفُلَ في ثَوبه ثم يَرُدَ بَعضَه
/على بعضٍ (2) .
ش- يحيى بن حبيب بن عربي: الحارثي، وقيل: الشيباني، أبو زكرياء
البَصري. روى عن: حماد بن زيد، ويزيد بن زريع، وخالد بن
الحارث وغيرهم. روى عنه: مُسلم، وأبو داود، والترمذي،
والنسائي، وابن ماجه، وأبو حاتم. وقال: صدوق. مات بالبصرة سنة
ثمان وأربعين ومائتين (3) .
__________
(1) في سنن أبي داود: " وليبصق " بالصاد، وهي لغة.
(2) تفرد به أبو داود.
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (31/ 6806) .

(2/396)


وخالد: ابن الحارث بن عُبيد بن سليمان، أبو عثمان البصري. روى
عن: هشام بن عروة، وأيوب السختياني، وابن عجلان وغيرهم. روى
عنه: محمد بن الثنى، وعمرو بن علي، ومحمد بن الفضل. وغيرهم.
قال أحمد بن حنبل: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة. قال أبو زرعة: كان
يقال له: خالد الصدق. توفى بالبصرة سنة ست وثمانين ومائهَ. روى له
الجماعة (1)
ومحمد بن عجلان، قد ذكر.
وعياض بن عبد اللّه: ابن سَعد بن أبي سَرح بن الحارث القرشي
العامري. روى عن: أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وجابر بن
عبد اللّه. روى عنه: زيد بن أسلم، وسعيد المقبري، ومحمد بن عجلان
وغيرهم. قال ابن معين: هو ثقة. مات بمكة. روى له الجماعة (2)
قوله: " يحب العراجين " جمع عرجون؛ وقد ذكرناه.
قوله: " مغضبًا " حال من الضمير الذي في " أقبل ".
قوله: " فلا يتفل عن يمينه " هذا تنزيه لجهة اليمين عن الأقذار كما نزهت
تصريف الميامين، أو تنزيه الملائكة كما جاء " والملك عن يمينه " وقال
بعضهم: فيه دليل على أن المصلي لا يكون عن يساره ملك؛ لأنه لا يجد
ما يكتب لكونه في طاعة؛ لأنه علّل منع البصاق لكون الملك هناك وأباحه
على اليسار. وعند ابن أبي شيبة بسند صحيح: " لا يبزق عن يمينه : فعن
يمينه كاتب الحسنات؛ ولكن يبزق عن شماله أو خلف ظهره " .
فإن قيل: قد رُوِيَ عنه- عليه السلام-: أن الكرام الكاتبين لا
يُفارقان العَبد إلا عند الخلاء والجماع. قلت: هذا حديث ضعيف لا
يحتج به.
قوله: " وليَبسق " بالسين لغة في " ليَبصُق " .
(1) المصدر السابق (8/1598) .
(2) أصدر السابق (22/4607) .

(2/397)


قوله: " فإن عجل به أمر " بمعنى: غلبه البُصاق.
464- ص- نا أحمد بن صالح: نا عبد الله بن وهب قال: أخبرني
عَمرو، عن بكر بن سَوادة الجُذامي، عن صالح بن خَيوان، عن أبي سَهلة
السائب بن خلاد- قال أحمد: من أصحاب النبي- عليه السلام- أن رجلاَ
أمَ قومًا فبَصقَ في القبلة ورسولُ الله ينظُرُ، فقال رسولُ الله حين فَرغَ: لا
يُصلِّي لكُم " فأراد بَعدً ذلكَ أن يصَلِّي لهم فمَنعُوهُ، وَأخبَرُوه بقول
رسول اللهِ، فذكَر ذلك لرسول الله فقال: " نعم " وحسبتُ أنه قال: " إنكً
آذَيتَ اَللهَ ورسولَه " (1)

ش- أحمد بن صالح: المعروف بابن الطبري. وعمرو: ابن الحارث
المصري. وبكر بن سوادة الجذامي المصري.
وصالح بن خيوان- بالخاء المعجمة- كذا قال في " الكمال " وعن
أبي داود: ليس أحد يقول: خيوان- يعني: بالخاء منقوطة- إلا قد
أخطأ. وقال ابن ماكولا: قال ابن يونس: بالحاء المهملة. وكذا قاله
البخاري؛ ولكنه وهم. وقال الدارقطني: بالخاء المعجمة- كما قال في
" الكمال " السَبي (2) المصري. روى عن: عقبة بن عامر الجهني،
وعبد اللّه بن عمر، وأبي سهلة السائب بن خلاد. روى عنه: بكر بن
سوادة الجذامي. روى له: أبو داود (3) .
والسائب بن خلاد الجهني أبو سَهلة. روى عن: النبي- عليه السلام-:
" مَن أخاف أهل المدينة " وحديث صالح بن خيوان عنه هذا الحديث.
روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (4) .
قوله: " قال أحمد: من أصحاب النبي " أي: قال أحمد بن صالح
__________
(1) تفرد به أبو داود.
(2) في الأصل: " الشيباني " خطأ.
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (13/2804) .
(4) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (2/103) ، أسد الغابة
(2/313) ، الإصابة (2/10) .

(2/398)


المذكور: السائب بن خلاد من أصحاب النبي- عليه السلام-؛ وإنما قال
ذلك لنفي قول بعضهم: إنه ليس بصحابي، أو إنه لم يَرو عن (1) النبي
- عليه السلام-.
قوله: " بصق " يعني: وهو في الصلاة.
قوله: " فذكر ذلك " أي: ذكر ذلك الرجل كون رسول الله منعه من
الإمامة، فقال رسول الله: " نعم " منعتك عن أن تؤم بهم.
قوله: " وحسبتُ أنه قال " من كلام الٍسائب أي: ظننت أنه- عليه
السلام- قال للرجل: " إنك آذيت الله ورسوله " ؛ والمعنى: إنه فعل
فعلا لا يُرضي الله ولا رسوله. وذكر ابن خالويه أن النبي- عليه السلام-
لما رأى النخامة في المحراب قال: " مَن إمام هذا المسجد؟ " قالوا:
فلان، قال: قد عزلته، فقالت امرأته: لم عزل النبي- عليه السلام-
زَوجي عن الإمامة؟ فقيل: رأى نخامة في للحراب، فعمدت إلى خلوق
طيب فخلقت به المحراب، فاجتاز- عليه السلام- بالمسجد فقال: " من
فعل هذا؟ " قيل: امرأة الإمام، قال: " قد وهبتُ ذنبه لامرأته،
ورددته إلى الإمامة " ، فكان هذا/أول خلوق كان في الإسلام.
465- ص- نا موسى بن إسماعيل: نا حماد: أنا سعيد الجُريري، عنِ
أبي العلاء، عن مُطرِّف، عن أبيه قال: أتيتُ رسولَ اللهِ وهو يُصَلَي فبَزق
تحتَ قَدمِهِ اليُسرى (2) .
ش- حماد: ابن سلمة، وسَعيد: ابن إياس، أبو مسعود الجُرَيري
النَّضريّ.
وأبو العلاء : يزيد بن عبد الله بن الشخير العامري الكوفي، أخو
مُطَرَف. روى عن أبيه عبد الله، وأخيه مُطَرف، وأبي هريرة، وابن
__________
(1) في الأصل: " من " .
(2) مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: النهي عن البصاق في السجد
في الصلاة وغيرها (58- 554) .

(2/399)


عَمرو، وعثمان بن أبي العاص وغيرهم. روى عنه: قتادة، والجُريري،
وكهمس وغيرهم. مات سنة إحدى عشرة ومائة. روى له الجماعة (1) .
ومُطرف: ابن عبد اللّه بن الشخير، أخو أبي العلاء المذكور؛ وقد
ذكرناه مرةً.
وأبوه: عبد اللّه بن الشخِّير بن عوف بن كعب العامري. روى عنه:
ابناه: مُطرف ويزيد. روى له: مسلم حديثا واحدًا. وروى له:
أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والنسائي (2) . والشخير: بكسر
الشين المعجمة، وتشديد الخاء المعجمة وكسرها، وسكون الياء آخر
الحروف، وبعدها راء مهملة.
قوله: " وهو يُصلي " جملة وقعت حالا؛ وهذا كان في غير المسجد؛
لأنه- عليه السلام- نهى عن البزاق في المسجد مُطلقا.
466- ص- نا مُسدد: نا يزيد بن زُريع، عن سعيد الجُريري، عن
أبي العلاء، عن أبيه بمعناه زاد: ثم دلكه بنعله (3) .
ش- أي بمعنى الحديث المذكور، وزاد في هذه الرواية بعد قوله:
" فبزق تحت قدمه اليُسرى " : " ثم دلكه بنعله " . وفيه استحباب دلك
البزاق بعد رَميه على الأرض. وأخرجه مسلم بنحوه.
467- ص- نا قتيبة بن سعيد: نا الفرج بن فضالة، عن أبي سَعد قال:
رأيتُ وَاثلةَ بنَ الأسقع في مَسجد دمشق بَصَقَ على البُوري ثم مَسحه
برجلِه فقيل له: لم فعلتَ هذا؟ قالَ: لأني رأيتُ رسولَ اللهِ يَفعلُه (4) .
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (32/7014) .
(2) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (2/88 3) ، أسد الغابة
(3/274) ، الإصابة (2/324) .
(3) مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: النهي عن البصاق في المسجد،
في الصلاة وغيرها (58 - 554) .
(4) تفرد به أبو داود.

(2/400)


ش- الفرجُ- بالجيم- بن فضالة: ابن النعمان بن نعيم الشامي
الحمصي، وقيل: الدمشقي، أبو فضالة القضاعي. روى عن: يحيى
ابن سعيد الأنصاري، وهشام بن عروة، وعبد اللّه بن عامر وغيرهم.
روى عنه: شعبة، وبقية بن الوليد، وقتيبة بن سعيد وغيرهم. قال ابن
سعد: كان يسكن مدينة أبي جعفر، ومات بها سنة ست وتسعين ومائة
وكان ضعيفا. وقال البخاري عن يحيى بن سعيد: منكر الحديث. وقال
البرقاني: سألت الدارقطني عنه فقال: ضعيف. وقال ابن عديّ: وهو
مع ضعفه يكتب حديثه. وقال معاوية بن صالح: قال أحمد: ثقة.
روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (1) .
وأبو سَعد: الدمشقي. روى عن: واثلة بن الأسقع. روى عنه:
الفرج بن فضالة. روى له: أبو داود (2) . وواثلة بن الأسقع: ابن
كعب بن عامر، أبو الأسقع، أو أبو قرفاصة، أو أبو محمد، أو
أبو الخطاب، أو أبو شداد، أسلم قبل تبوك والنبي- عليه السلام-
يتجهز لها، وشهدها مع النبي- عليه السلام-، وكان من أهل الصفة.
رُوِيَ له عن رسول اللّه ستة وخمسون حديثا. روى عن: أبي مرثد
الغنوي، وأم سلمة زوج النبي- عليه السلام-. روى له البخاري حديثًا
واحدا ومسلم آخر، سكن الشام، ونزل بيت جبرين من أرض الشام؛
وهي بلدة بالقرب من بيت المقدس، وقد دخل البَصرة وله بها دارٌ . روى
عنه: عبد الواحد بن عبد اللّه النصري، وشداد بن عبد اللّه، وأبو إدريس
الخولاني، ومكحول، وخلق سواهم، توفي بدمشق سنة ست وثمانين
في ولاية عبد الملك بن مروان، وهو ابن ثمان وتسعين. روى له
الجماعة (3)
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (23/4714) .
(2) المصدر السابق (33/7385) .
(3) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (3/643) ، أسد الغابة
(5/428) ، الإصابة (3/626) .
26 * شرح سنن أبي داوود 2

(2/401)


قوله: " على البوري " - بضم الباء الموحدة، وكسر الراء، وتشديد
الياء- وهو الحصير المعمول من القصب؛ يُقال: بُوريّة وبارِيّة- مشددتان
- وبُرِياء، وبَارياء- مخففتان ممدودتان. وقال الأصمعي: البُورياء
بالفارسية، وهو بالعربية: بَاري- وبوري وكذلك البارئةُ كلها بتشديد
الياء.
قوله: " لأني رأيتُ رسول الله يَفعله " أي: كان يفعل كما فعله.
فإن قلت: قد صح عنه- عليه السلام- أنه قال: " التفل في المسجد
خطيئة " كما ذكرنا، وكيف التوفيق بينه وبَين هذا الحديث؟ قلت: هذا
ليس بتَفل في المسجد؛ وإنما هو مثل التفل في ثوبه، على أن ذلك
الحديث/صحيح، وهذا حديث ضعيف؛ لأن فيه فرج بن فضالة.
***
22- بَاب: في المُشرك يَدخُل المَسجدَ
أي: هذا باب في بيان حكم المشرك إذا دخل المسجد، وفي بعض
النسخ: " باب ما جاء في المشرك يَدخل المسجد " (1) .
468- ص- نا عيسى بن حماد: أنا الليث، عن سعيد المقبري، عن
شريك بن عبد الله بن أبي نمر، أنه سمع أنس بن مالك يقولُ: دخلَ رجل
على جمَلٍ فأناخَهُ في المسجد ثم عَقَلَهُ، ثم قال: أيكُم محمدا ؟- ورسولُ
الله متكئ بينَ ظَهرَانَيهِم-، فقَلنا له: هذا الأبيضُ المتكئ ، فقال له الرجل: يا
ابن عبد المطلبِ! فقال له النبي- عليه السلام-: " قد أجبتُكَ " فقال
الرجل: إنى يا محمدُ سائِلُكَ (2) وَسَاقَ الحديثَ (3) .
__________
(1) كما في سنن أبي داود.
(2) في سنن أبي داود: " يا محمد! إني سائلك " .
(3) البخاري: كتاب العلم، باب: ما جاء في العلم (63) ، النسائي: كتاب
الصيام ، باب: وجوب الصيام (4/121) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة،
باب: ما جاء في فرض الصلوات الخمِس وللحافظة عليها (1402) .

(2/402)


ش- عيسى بن حماد: التُجِيبي المصري، والليث: ابن سَعد.
وشريك بن عبد اللّه بن أبي نمر: القرشي، أبو عبد اللّه المدني.
سمع: أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، وأبا سلمة بن عبد الرحمن
وغيرهم. روى عنه: سعيد المقبري، ومالك بن أنس، والثوري
وغيرهم. وقال ابن سَعد: كان ثقة كثير الحديث، توفي بعد سنة أربعين
ومائة. روى له: الجماعة إلا الترمذي (1) .
فوله: " على جمل " الجمل زوج الناقة، والجمع: جمال وأجمال
وجمالات وجمائل.
قو له: " فأناخه " أي: برَكه.
قوله: " ثم عَقَله " أي: ربطه بالعِقال؛ وهو الحبل الذي يعقل به
البعير، أي: يُشَذُ .
قوله: " متكئ بين ظَهرانيهم " يُقال: قعد بين ظَهرانيهم وبَين أظهُرهم؛
ومعناه: قعد عَلى سبيل الاستظهار والاستناد إليهم؛ وزيدت فيه ألف ونون
مفتوحة تأكيداً؛ ومعناه: أن ظَهراً منهم قدامه وظهراً وراءه ، فهو مكتوف
من جانبَيه ومن جوانبه إذا قيل: بَين أظهرهم. وقال الأصمعي: يقال:
بين ظَهريهم وظهرانَيهم ومعناه: بَينهم وبين أظهرهم. وقال غيره: العربُ
تضع الاثنين موضع الجمع. وقد قيل: أصل قولهم: " بين ظهرانيهم
وأظهرهم " : بينهم : وإنما زيد الظهر أو الأظهر للتأكيد. ومَعنى قوله :
" متكئ " قاعد على وَطاء. قال الخطابي (2) : " كل من استوى قاعدا
على وطاء فهو متكئ ، والعامّة لا تعرف المتكئ إلا مَن مالَ في قعوده
مُعتمدا علىً أحَد جَنبَيه (3) " .
قلت: متكئ: اسمُ فاعل من اتكأ، أصله: وَكأ ، فنُقِل إلى باب
الافتعال ، فصار اوتكا، فأبدلت الواو تاءَ، ثم أدغمت في الأخرى
فصار اتكأ.
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (12/ 2737) .
(2) معالم السنن (1/125) .
(3) في معالم السنن " شقيه " .

(2/403)


قوله: " قد أجَبتك " إنما قال له هذا القول ولم يتلفظ بالإجابة " (1) لأنه
كره أن يدعوه باسم جلّد، وأن يَنسبه إليه إذ كان جده عبد المطلب كافرا
غير مُسلم، وأحمت أن يدعوه باسم النبوة أو الرسالة.
فإن قيل: قد ثبت عنه أنه قال يوم حنين حين حمل على الكفار
فانهزموا:
أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب
قلت: لم يذكره افتخاراً؛ لأنه كان يكره الانتساب إلى الكفّار؛ كما
في هذا الحديث؛ ولكنه ذكّرهم بهذا رويا كان عبد المطلب رآها له أيام
حياته وكانت إحدى دلائل نبوته، وكانت القصة فيها مشهورة عندهم،
فعرفهم شأنها، وأذكرَهم بها، وخروج الأمر على الصدق فيها ".
قوله: " وساق الحديث " أي: سَاق أنس الحديث، وتمامه: يا محمدُ!
إني سَائلك فمُشتد عليك في المسألة ؛ فلا تجد عليَ في نفسك، فقال:
" سَل ما بَدا لك " فقال الرجل: نشدتك بربك ورب من كان قبلك، اللهُ
أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال رسول اللّه: " اللهم نعم " قال: فأنشدُك
اللّه، آللّهُ أمرَكَ أن نُصلي الصلوات الخَمس في اليوم والليلة؟ قال:
" اللهم نعم " ، قال: أنشدُك اللّه، آللهُ أمَرك أن تصومَ هذا الشهرَ من
السنةِ؟ قال رسول اللّه: " نعم " قال: أنشدك اللّه، اللهُ أمرك أن تأخذَ
هذه الصدَقةَ من أغنيائنا فتَقسمُها على فقرائنا؟ قال رسول الله: " اللهم
نعم " قال الرجل: آمنت بما جئتَ به؛ فأنا رسولُ مَن ورائي من قومي،
وأنا ضمامُ بن ثعلبة أخو بَني سَعد بن بكر " . أخرجه البخاري، والنسائي،
وابن مَاجه، وأحمد في " مسنده ". وقوله: " فلا تجد عليَ " من وَجَدَ
عليه إذا غضب. قوله: " ما بدا لك " أي: ما ظهر لك مما في خاطرك.
قوله: " نشدتُك بربك " أي: سألتك وأقسمت عليك بربك/وكذا
ناشدتك الله وباللّه، وأنشدك اللّه وباللّه، وقد ذكرناه مرة. قوله:
__________
(1) انظر: معالم السنن (1/125- 126) .

(2/404)


" آللهُ أرسلك " بهمزة الاستفهام في أوّله، وأصله أأدلهُ بهمزتين مفتوحتين،
فقلبت الثانية ألفًا للتخفيف فصار: " آللّه " - بالمد. قوله: " اللهم نَعَم "
ذكر " اللهم " هاهنا ليدل على تيقن المُجيب في الجواب، كأنه يناديه
تعالى مُستشهدا على ما قال من الجواب، كما في قولك لمن قال: أزيد
قائم: اللهم نعم. وقد ذكرنا مثل هذا مرةً.
فإن قيل: كيف قنع هذا الرجل باليمن ولم يطلب الدليل؟ قلت: إنه
استقرأ الأدلة قبل ذلك وأكَّد باليمن. قوله: " ضمام " بكسر الضاد
المعجمة؛ وكانت بنو سَعد بن بكر بعثوه وافدا إلى رسول اللّه، قال ابن
عباس: فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة. وقال
الواقدي عن ابن عباس قال: بعثت بنو سَعد بن بكر في رجب سنة خمس
من الهجرة. ويُستفاد من الحديث فوائد؛ الأولى: جواز دخول الكافر
المسجد؛ وهو حجة على مالك حيث منعه عن ذلك مستدلا بقوله: (إنَّما
المُشرِكُونَ نَجَسٌ) (1) قلنا: المراد به: نجاسة الاعتقاد؛ لا نجاسة الذاتَ.
الثانية: جواز إدخال الحيوان الذي يؤكل لحمه في السجد لأجل الحاجة.
الثالثة: فيه حجة لمن يقول بطهارة بول ما يؤكل لحمه من الحيوان،
فافهم وغير ذلك من الفوائد التي يستخرجها مَن له ذهن ذكي، وفهم
قوي.
469- ص- نا محمد بن عَمرو: نا سلمة: حدثني محمد بن إسحاق:
حدثني سلمة بن كُهيل ومحمد بن الوليد بن نُوَيفع، عن كُريب، عن ابن
عباس قال: بَعَثَت بنُو سَعدِ بنِ بَكرٍ ضمَامَ بنَ ثعلبةَ إلى رسول الله، فَقدمَ
عليه، فأناخَ بَعيرَه على باب المسجد،َ ثم عَقَلَهُ، ثم دَخَل المسجَدَ. فذكَرَ
نحوه، قال: فقال: أيُّكُم ابن عبد المطَلب؟ فقال رسول الله : " أنا ابن
عبدِ المطلبِ " قال: يا ابنَ عبدِ المطلَبِ، وسَاق الحديثَ (2) .
ش- محمد بن عَمرو: الطلاّس المَعروف بزُنَيج؛ وقد مر، وسلمة:
ابن الفضل، أبو عبد اللّه الأبرش، وسلمة بن كُهيل: الكوفي.
__________
(1) سورة التوبة: (28) .
(2) تفرد به أبو داود.

(2/405)


ومحمد بن الوليد بن نُويفع: المديني الأسدي، مولى الزبير بن
العوام. روى عن: كريب مولى ابن عباس، وأمّه مولاة لرافع بن
خَديج. روى عنه: ابن إسحاق. قال الدارقطني: هو من أهل المدينة
يُعتبر به. روى له: أبو داود (1) .
وهذه الرواية تدل على أنه لم يُدخل بَعيرَه في المَسجد؛ البعير: الجملُ
البازلُ، وقيل: الجذعُ، وقد يكون للأنثى، وحكى عن بعض العرب:
شربتُ من لين بعيري، وصَرعتني بعيرٌ لي، وفي " الجامع " : البعيرُ
بمنزلة الإنسان، يجمع المذكر والمؤنث من الناس، إذا رأيتَ جملا على
البُعد قلت: هذا بعيرٌ ، فإذا استثبتَّه قلت: جمل أو ناقة؛ ويجمع على
أبعرة وأباعِرَ وأباعِير وبُعران وبَعران.
470- ص- نا محمد بن يحيى بن فارس: نا عَبد الرزاق: أنا مَعمر،
عن الزهري: نا رجلٌ من مُزَينَة ونحنُ عندَ سعيد بنِ المسيّب، عن أبي هريرة:
قال: اليهودُ أَتَوا النبيَ- عليه السلام- وهو جَاَلسٌ في المسجد في أصحابه
فقالوا: يا أبا القَاسم ، في رجلِ وامرأةِ منهم زَنَيا (2) .
ش- رجل من مزينة مجهول. وقد أخرجه في الحدود والقضايا أتم
منه ، وإنما ذكر هذا المقدار هاهنا لأجل تَبويبه؛ وهو دخول المشرك المسجد؛
وسنذكر ما فيه من المعاني عند انتهائنا إلى كتاب الحدود إن شاء الله تعالى.
***
23- بَابُ: المَواضِع الّتي لا تَجُوز فيها الصلاة
أي: هذا باب في بيان حكم المواضع التي لا تجوز فيها الصلاة. وفي
بعض النسخ: " باب ما جاء في المواضع " .
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (26/5675) .
(2) تفرد به أبو داود، وأخرجه أبو داود كذلك برقم (3624، 4450
4451)

(2/406)


471- ص- نا عثمان بن أبي شيبة: نا جرير، عن الأعمش، عن
مجاهد، عن عُبيد بن عُمير، عن أبي ذر قال: قال رسول الله- عليه السلام-
" جُعِلَت ليَ الأرضُ طَهورًا ومَسجِدًا " (1) .
ش- جرير: ابن عبد الحميد الرازي.
وعُبيد بن عُمَير: ابن قتادة بن سَعد بن عامر بن جُندع الليثي،
أبو عاصم المكيّ، قيل: إنه رأى النبي- عليه السلام-، وقال مسلم بن
الحجاج: ولد في زمن النبي- عليه السلام-، وهو قاص أهل مكة.
سمع: عمر بن الخطاب، وابنه: عبد الله بن عمر، وابن عباس، وابن
عَمرو، وأبا هريرة، وعائشة، وأم سلمة وغيرهم. روى عنه: عطاء بن
أبي رباح، ومجاهد بن جبر، وعمرو بن دينار وغيرهم. قال ابن معين
وأبو زرعة: هو ثقة. روى له الجماعة (2) .
فوله: " طهورًا " - بفتح الطاء- وهو ما يتطهر به؛ وفيه إجمال يُفصّله
حديث حذيفة بن اليمان: " جعلت لنا الأرض مسجدا، وجعلت تربتها
لنا طَهُورا " /ولم يذكره أبو داود في هذا الباب؛ وإسناده جيد، عن
مسدّد، عن أبي عوانة، عن أبي مالك، عن ربعي بن حراش، عن
حذيفة. وهذا على مذهب الامتنان على هذه الأمّة بأن رخص لهم في
الطهور بالأرض، والصلاة عليها في بقاعِها، وكانت الأمم المتقدّمة لا
يصلون إلا في كنائسهم وبِيَعِهم؛ وإنما سيق هذا الحديث لهذا المعنى،
وبيان ما يجوز أن يتطهر به منها مما لا يجوز إنما هو في حديث حذيفة الذي
ذكرناه.
واحتج بهذا الحديث أبو حنيفة أن التيمم جائز بجميع أجزاء الأرض من
__________
(1) تفرد به أبو داود.
(2) انظر ترجمته في الاستيعاب بهامش الإصابة (2/441) ، أسد الغابة (3/545) ،
الإصابة (3/78) .

(2/407)


رَمل وجَص ونورة وزرنيخ ونحوها، وبه قال مالك وغيره. واحتج
الشافعي، وأحمد برواية حذيفة يناء على أصله أنه يحمل المطلق على المقيد.
وأخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي من حديث جابر بن عبد الله بمعناه
أتم منه.
472- ص- نا سليمان بن داود: أنا ابن وَهب: حدثني ابن لهيعة ويحيى
ابن أزهر، عن عمّار بن سَعد المرادي، عن أبي صالح الغفاري أن عليا
- رضيِ اللّه عنه- مَرّ ببابلَ وهو يَسيرُ، فجاءَهُ المُؤَذنُ يؤذِنُه بصلاة العَصرِ،
فلمّا بَرزَ منها أمر المؤذنَ فأقامَ الصَّلاةَ، فلما فرغَ قال: إن حِبِّي (1) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهانِي
أن أصلي في المَقبرَةِ، ونَهاني أن اصفي في أرضِ بابلَ؛ فإنها مَلعونةٌ (2) .
ش- سليمانِ بن داود: الزَّهراني، وعبد اللّه بن وهب، وعبد الله بن
لهيعة قاضي مصر.
ويحيى بن أزهر: المصري. روى عن: حجاج بن شداد، وأفلح بن
حميد، وعمار بن يسد. وروى عنه: ابن القاسم وغيره. قال الذهبي:
ثقة. توفي سنة إحدى وستين ومائة . روى له: أبو داود (3) .
وعمار بن سَعد: السَّلهَمي، وسَلهم من مُراد، المصري، حدّث
عن: أبي صالح الغِفاري، ويزيد بن رباح. روى عنه: ابن لهيعة،
وحيوة بن شريح، ويحيى بن أزهر وغيرهم. توفي سنة ثمان وأربعين
ومائة. روى له: أبو داود (4) .
وأبو صالح: سعيد بن عبد الرحمن الغِفاري مولاهم البصري. قال
في " الكمال " : روى عن: علي بن أبي طالب، وعقبة بن عامر،
وصلة بن الحارث الغِفاري صاحب النبي- عليه السلام-، وقال ابن
__________
(1) في سنن أبي داود: " حبيبي " .
(2) تفرد به أبو داود.
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (31/6779) .
(4) المصدر السابق (21/4162) .

(2/408)


يونس: يروي عن: علي بن أبي طالب وما أظنه سمع من عليّ. ويروي
عن: أبي هريرة. روى عنه: الحجاج بن شداد الصنعاني، وعمار بن
سعد (1) المرادي. روى له: أبو داود (2) .
قوله: " مر ببابلَ " بابل: أقدم أبنية العراق، ونُسب ذلك الإقليم إليها
لقدمه؛ وكانت ملوك الكنعانيين وغيرهم يقيمون بها، وبها آثار أبنية من
قديم الزمان، ويقال: إن الضحاك أول مَن بنى بابل، ويقال: القي
إبراهيم في النار ببابل، واليوم هي خراب، وفي موضعها قرية صغيرة :
وهي غير منصرف للعلمية والعجمة.
قوله: " يؤذنه " أي: يعلمه؛ من آذن- بالمد- يؤذن.
قوله: " إن حبّي " الحِب- بكسر الحاء- بمعنى: الحبيب، مثل خِدن
وخَدينٍ .
قوله: " أن أصلي في المقبرة " المقبرة- بفتح الباء وضمها- واحدة المقابر.
و " (3) اختلف العلماء في تأويل هذا الكلام؛ فكان الشافعي يقول:
إذا كانت المقبرة مختلطة التراب بلحوم الموتى وصديدهم، وما يخرج
منهم، لم تجز الصلاة فيها للنجاسة، فإن صلى رجل في مكان طاهر منها
أجزأته صلاته، قال: وكذلك الحمام إذا صلى في موضع نظيف منه فلا
إعادة عليه. وهذا- أيضا- قول أصحابنا. ورخّص عبد اللّه بن عمر في
الصلاة في المقبرة وحكِيَ عن الحسن البصري أنه صلى في المقابر. وعن
مالك : لا بأس بالصلاة في المقابر. وقال أبو ثور: لا يصلي في حمام
ولا مقبرة على ظاهر الحديث. وكان أحمد وإسحاق يكرهان ذلك.
ورُويت الكراهة فيه عن جماعة من السلف. واحتج بعض من لم يجز
الصلاة في المقبرة وإن كانت طاهرة التربة بقوله- عليه السلام-: " صَلُوا
في بيوتكم، ولا تتخذوها مقابر " قال: فدل ذلك على أن المقبرة ليست
بمحل للصلاة " .
__________
(1) في الأصل: " سعيد " خطأ.
(2) المصدر السابق (10/2318) .
(3) انظر معالم السنن (1/127) .

(2/409)


قلت: هذا استدلال ضعيف؛ لأن المعنى: لا تتخذوها خالية عن
العبادات كالمقابر؛ لا أن المعنى أن المقابر لا تجوز فيها الصلاة.
قوله: " فإنها ملعونة " أي: فإن أرض بابل ملعونة بمعنى: أن أهلها
كانت ملعونة، ولهذا خسف بهم ، والأرض لا توصف باللعنة؛ ويؤيد
ذلك ما روى ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن سفيان، عن عبد اللّه بن
شريك، عن عبد اللّه بن أبي المُحِلّ العامري قال: كنا مع على فمررنا
على الخسف الذي ببابلَ فلم يعدل حتى أجازه. وعن حجر بن عنبس
الحَضرمي، عن عليّ قال ما كانت لأصلي في أرض خسف اللّه بها ثلاث
مرار. قال البيهقي: وهذا النهي إن ثبتَ مرفوعا وليس بمعنى يرجع إلى
الصلاة، إذ لو صلى فيها لم يُعد، وإنما هو كما جاء في قضيّه الحجر.
وقال ابن يونس: أبو صالح الغفاري روى عن علي وما أظنه سمع منه.
وقال ابن القطان: في سَنده رجال لا يعرفون. وقال عبد الحق: هو
حديث واهي. وقال البَيهقي في " المعرفة " : إسناده غير قوي، وقال:
/في إسناد هذا الحديث مقال، ولا أعلم أحدا من العلماء حرّم الصلاةَ في
أرض بابل، وقد عارضه ما هو أصحّ منه وهو قوله- عليه السلام-:
" جُعلت لي الأرض مسجدا وطهورا " ، ويُشبه أن يكون معناه- إن
ثبت-: أنه نهاه أن يتخذ أرض بابل وطنا ودارا للإقامة، فتكون صلاته فيها
إذا كانت إقامته بها. ويخرج النهي فيه على الخصوص؛ ألا تراه يقول:
" نهاني " ؟ ولعل ذلك منه إنذار له بما أَصَابه مِن المحنة بالكوفة- وهي
أرض بابل- ولم ينتقل أحد من الخلفاء الراشدين قبله من المدينة.
473- ص- نا أحمد بن صالح: نا ابن وهب: أخبرني يحيى بن أزهر،
وابنُ لهيعة، عن الحجاج بن شداد، عن أبي صالح الغِفاريّ، عن عليّ
- رضى الله عنه- بمعنى سليمان بن داود قال: " فلمَا خرَجَ " مكان " لما
برز " (1)
__________
(1) انظر الحديث السابق.

(2/410)


ش- الحجاج بن شداد: الصنعاني، يُعذ في المصريين. روى عن:
أبي صالح. روى عنه: ابن لهيعة، ويحيى بن أزهر، وحيوة بن
شريح. روى له: أبو داود.
قوله: " بمعنى سليمان بن داود " أي: بمعنى، حديث سليمان بن داود
الزهراني المذكور.
قوله: " قال " أي: قال أحمد بن صالح في روايته: " فلما خرج منها "
مكان قوله: " فلما برز منها " وكلاهما سواء في المعنى.
474- ص- نا موسى بن إسماعيل: نا حماد ح ونا مُسدد: نا
عبد الواحد، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد قال: قال رسول
الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقال موسى في/حديثه فيما يحسب عَمرو: إن النبيَّ- عليه
السلام- قال: " الأرضُ كلها مَسجدا إلا الحمَامَ والمَقبُرةَ " (1) .
ش- حماد: ابن سلمة، وعبد الواحد: ابن زياد البصري، وعَمرو
ابن يحيى: ابن عمارة المدني، وأبوه: يحيى بن عمارة بن أبي حسن
الأنصاري المدني، وأبو سعيد: الخدري.
قوله: " وقال موسى " أي: موسى بن إسماعيل أحد شيوخ أبي داود.
قوله: " إلا الحمام والمقبرة " استثناء متصل مَنصوب؛ لأن المستثنى واجب
النصب في صور؛ منها: أن يكون بعد " إلا " غير صفة في كلام
مُوجب ذكر المستثنى منه؛ وهاهنا كذلك؛ إذ لو رفع لكان بدلاً من
المسجد لانتفاء بقية التوابع، ويكون بدل بعض لا غير، والبدل يحل محل
البدل منه؛ لأنه المقصود، فيكون التقدير: " الأرض كلها إلا الحمام "
فلم يستقم المعنى، أو نقول: إن البدل في حكم تكرير العامل، فيكون
الحمام مسجدا- أيضا- إذ تقدير الكلام: في الأرض كلها مسجد إلا
__________
(1) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء أن الأرض كلها مسجد إلا المقبرة
والحمام (317) ، ابن ماجه: كتاب المساجد والجماعات، باب: المواضع التي
تكره فيها الصلاة (745) .

(2/411)


الحمام مسجد؛ كما في قولك: جاءني القوم إلا زيدا، لو رفع " زيدا "
يكون التقدير جاءني القوم إلا جاءني زيد؛ وهو خلاف المقصود من
الكلام، فافهم. ثم الحمام إنما يخرج عن كونه مسجدا إذا كانت النجاسة
فيه ظاهرة، أو صلى في مَوضع فيه غُسالات، حتى لو صلى فيه في مكان
طاهر، أو غسل موضعا منه وصلى فيه، يحوز بلا كراهة. وكذلك
المقبرة إنما تخرج عن كونها مسجدا إذا ظهرت فيه صدائد الموتى ونحوها،
حتى إذا صلى في موضع طاهر منها يجوز- كما ذكرناه مفصلا مع
الخلاف- ورُوِيَ هذا الحديث مسندا ومرسلا، وأخرجه الترمذي، وابن
ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث فيه اضطراب، وذكر أن سفيان أرسله
وقال: وكأن راويه الثوري عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن النبي
- عليه السلام- أثبت وأصحّ.
***
24- باب: في الصَّلاة في مَبارِك الإبل
أي: هذا باب في بيان حكم الصلاَة في مبارك الَإبل، وفي بعض
النسخ: " باب ما جاء في الصلاة " . والمبارك: جمع مَبرك- بالميم
المفتوحة- وهو مَوضع البروك.
475- ص- نا عثمان بن أبي شيبة: نا أبو معاوية: نا الأعمش، عن
عبد الله بن عبد الله الرازي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن
عازب قال: سُئِلَ رسولُ الله عن الصلاة في مبَارك الإبِلِ فقال: " لا تُصَلُوا
في مَبَارِك الإبلِ؛ فإنها منَ الشياطين " وسُئِلَ عنَ الصَلاةِ في مَرَابِضِ الغَنَم
فقال: " صًلُوَا فيها؛ فإنها بَرَكَة " (1) .
ش- الحديث بعينه مع رواته بأعيانهم مع زيادة فيه قد مر في " باب
الوضوء من لحوم الإبل " ؛ فليراجع فيه/وقال البخاري: باب الصلاة
في مواضع الإبل (2) : حدثنا صدقة بن الفضل: حدثنا سليمان بن حيان:
__________
(1) تقدم برقم (171) .
(2) كتاب الصلاة: (430) .

(2/412)


حدثنا عبيد اللّه، عن نافع قال: رأيت ابن عُمر يصلي إلى بَعِيره وقال:
رأيتُ رسول اللّه يفعله.
قلت: ليس في هذا الحديث بيان أنه صلى في موضع الإبل.؛ وإنما صلى
إلى البعير؛ لا في موضعه؛ وليس إذا أنيخ بعير في موضع صار ذلك
عطنًا، ولا يعارضه النهي عن الصلاة في معاطن الإبل؛ لأن المعاطن
مواضع إقامتها عند الماء واستِيطانها.
***
25- باب: مَتَى يُؤمرُ الغلامُ بالصلاةِ
أي: هذا باب فيه بيان حكم الغلام متى يؤمر بالصلاة، وفي بعض
النسخ: " باب متى يؤمر الصبي بالصلاة " . وقال الجوهري : الصَبي:
الغلامُ، والجمع: صُبية وصبيان، وهو من " الواو " ولم يقولوا: أصبية
استغناء بصبية، كما لم يقولَوا: أغلمة استغناء بغلمة، وتصغير صِبيَة:
صُبَية في القياس. وقد جاء في الشعر: أصيبيَة كأنه تصغير أصبيَة؛
واشتقاقه من صَبَا يَصبو صُبُوا وصَبوةً أي: مال؛ ومنه سمي الصَّبي لميله إلى
كل شيء، وقال في " المجمل " : الغلامُ: الطار الشارب؛ وهو بَين
الغُلُومِيَّة؛ والجمع: غلمة وغلمان؛ وأصله: من اغتلم الفحلُ غلمةً،
وهاج من شهوة الضراب؛ والحاصل: أن الصبي والغلام لا يطلقان إلا
على مَن لم يُدرك ولم يبلغ.
476- ص- نا محمد بن عيسى: نا إبراهيم بن سَعد، عن عبد الملك
ابن الربيع بن سَبرة، عن أبيه، عِن جلة قال: قال النبيِ- عليه السلام-:
" مُرُوا الصبي بالصلاة إذا بلغَ سبع سنين، وإذا بَلَغَ عشرَ سنين فاضربُوه
عليها " (1)
.ًَ
ش- محمد بن عيسى: الطباع، وإبراهيم بن سَعد: ابن إبراهيم بن
عبد الرحمن بن عوف.
__________
(1) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء متى يؤمر الصبي بالصلاة (407) .

(2/413)


وعبد الملك بن الربيع بن سَبرة الجهني* سمع: أباه، روى عنه :
إبراهيم بن سعد، وزيد بن الحباب، وحرملة بن عبد العزيز وغيرهم.
روى له الجماعة إلا البخاريّ (1) .
وأبوه الربيع بن سَبرة بن مَعبد الجهني المدني. روى عن: أبيه، ويحيى
ابن سعيد بن العاص، وعمر بن عبد العزيز. روى عنه: الزهري،
وابناه: عبد الملك وعبد العزيز وغيرهم. قال أحمد بن عبد اللّه العجلي:
حجازيّ ثقة. روى له الجماعة إلا البخاري (2) .
وسَبرة بن مَعبد ويقال: ابن عوسجة بن حرملة بن سبرة بن خديج
الجُهني يكنى أبا ثُرية- بضم الثاء المثلثة- رُوِيَ له عن رسول الله تسعة
عشر حديثا. روى له مسلم حديثا واحدًا. روى عنه: ابنه: الربيعُ.
توفي في خلافة معاوية. روى له أبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن
ماجه (3) .
قوله: " مروا الصبيَّ " مرُوا أصله: أُأْمُروا؛ لأنه من أمَر يَأمر والأمر منه:
أأمُر، فحذفت الهمزة الثانية للتخفيف فصار أمُر، فاستغنى عن همزة
الابتداء فحذفت فصار: " مُر " على وزن " عُل " ؛ وهذا الأمرُ للإرشاد
والتأديب؛ وليس للوجوب؛ إذ الصبيّ مرفوع عنه القلم، فلا يكلف
بالأوامر والنواهي، وإنما عيّن السَنة السّابعة لأنها سنة التمييز، ألا يُرى أن
الحضانة تسقط عند انتهاء الصبيّ إلى سبع سنين؟ ولأن أوّل مراتب عقود
العدد المركب العشرة، والسَبعة أكثرها، وإنما أمر بالضرب عند عشر
ستين لأنه ح (4) يَقربُ إلى البلوغ؛ لأن أقلَّ البلوغ في حق الصبيّ
اثنا عشر سنةً، وهذا الأمر- أيضا- أمر تأديب وإرشاد ليتخلق
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (18 /3526) .
(2) المصدر السابق (9/1862) .
(3) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (2/75) ،
(2/325) ، الإصابة (2/14) . أسد الغابة
(4) أي: " حينئذ " .

(2/414)


بأخلاق المسلمين ويتعود بإقامة العبادات، وقال الخطابي: وهذا يدل على
إغلاظ العقوبة له إذا تركها متعمداً بعد البلوغ. وكان بعض أصحاب
الشافعي يحتج به في وجوب قتله إذا تركها متعمدا بعد البلوغ، ويَقول:
إذا استحق الصبي الضرب وهو غير بالغ، فقد عقل أنه بعد البلوغ يَستحق
من العقوبة ما هو أشد من الضرب، وليس بعد الضرب شيء مما قاله
العلماء أشد من القتل.
قلت: هذا استدلال ضعيف؛ لأنا / لا نسلم أن الضرب كان عليه
واجبًا قبل البلوغ حتى يستحق ما هو أشد من الضَرب، وهو القتل بعد
البلوغ، ولا نسلم- أيضا- أن القتل واجبٌ بالذنب؛ للحديث المشهور:
" أمرت أن أقاتل الناسَ حتى يقولوا: لا إله إلا الله " الحديث- وأيضا-
الضرب في نفسه يتفاوت، فيُضربُ بعد البلوغ ضربا مُبرَحا حتى يخرج
منه الدم، ويُحبس- كما هو مذهب أبي حنيفة- فهذا أشدُ من الضرب
المجرد، فكيف يَقولُ هذا القائل: " وليس بَعد الضرب شيء أشد من
القتل " ؟! وأيضا الضرب قبل البلوغ بطريق التأدب وبعده بطريق الزجر
والتعزير، فكان هذا أشد من الضرب الأول، فليت شعري الذي يستدل
بهذا الدليل الواهي كيف لا يُصحح إسلام الصَبيّ بهذا الحديث؟ لأنه إذا
كان يؤمر بالصلاة وعمره سبع سين، ويُضرب على تركها وعمره عشر
سنين " ، كيف لا يصح إسلامُه الذي هو أصلُ سائر العبادات؟ ولا تُقبل
الصلاة ولا غيرها إلا به؟ على أن الصلاة يحتاج فيها الصبي إلى تعقم
أمور كثيرة من الاستنجاء والطهارة، ومعرفة الوقت وغير ذلك من شرائط
الصلاة وأركانها ، بخلاف الإسلام ؛ فإنه مُجرد قولِ ، فافهم.
477- ص- نا مؤمل بن هشام: نا إسماعيل، عن سَوار أبي حمزة- قال
أبو داود: وهو سوّار بن داود أبو حمزة المزني الصيرفي-، عن عمرو بن
شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مُرُوا أولادَكُم
بالصلاة وهم أبناءُ سبع سِنين، واضرِبُوهُم عليها وهم أبناءُ عَشرِ سِنين،
وفَرقُوا بَينهم في المضَاجِع " (1) .
__________
(1) تفرد به أبو داود.

(2/415)


ش- مؤمل بن هشام: أبو هشام اليشكري البصري، ختن إسماعيل
ابن علية. روى عن: إسماعيل بن عليّة. روى عنه: البخاري،
وأبو داود، وابنه (1) عبد اللّه بن أبي داود، والنسائي، وأبو حاتم وقال:
صدوق، وغيرهم. مات سنة ثلاث وخمسين ومائتين (2) . وإسماعيل
ابن عُلية البصري، وقد ذكرناه مرة.
وسَوار: ابن داود، أبو حمزة الصَّيرفي المزني البصري، صاحب
الحُلي . سمع: ثابتا البناني، وعمرو بن شعيب. روى عنه: إسماعيل
ابن عُليّة، ووكيع، وابن المبارك وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: شيخ
بصري، لا بأس به. وقال ابن معين: ثقة. وقال الدارقطني: بصري،
لا يتابع على أحاديثه فيُعتبر به. روى له: أبو داود (3) .
قوله: " وهم أبناء " في موضعين وقع حالاً.
قوله: " وفرقوا بينهم في المضاجع " أي: في المراقد؛ وذلك لأنهم إذا
بلغوا إلى عشر سنين يقربون من أدنى حد البلوغ، وينتشر عليهم آلاتهم،
فيخاف عليهم من الفساد.
478- ص- نا زهير بن حرب: نا وكيع: حدثني داود بن سَوّار المزني
بإسناده ومعناه، وزاد:" وإذا زَوجَ أحدُكُم خَادمَهُ عَبدَهُ أو أجيرَهُ، فلا يَنظر
إلى ما دونَ السرة وفوقَ الرُكبَةِ " (4) .
ش- زهير بن حَرب: ابن شداد النسائي، ووكيع: ابن الجراح.
__________
(1) لم أجده فيمن روى عنه، والظاهر أن بصره فد انتقل للترجمة الني تليها،
وهي ترجمة مؤمل بن وهب، ففيها: روى عنه ابنه عبد الله بن المؤمل، والله
أعلم.
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (29 /6323) .
(3) المصدر السابق (12/2636) .
(4) تفرد به أبو داود. وأخرجه كذلك في كتاب اللباس، باب في قوله: (غير
أولي الإربة) (4113) .

(2/416)


قوله: " بإسناده " أي: بإسناد الحديث المذكور؛ ومعناه؛ ولكنه زاد في
روايته: " وإذا زوج أحدكم خادمه " الخادمُ: واحد الخدم، ويقع على
الذكر والأنثى، لإجرائه مجرى الأسماء غير المأخوذة من الأفعال كحائض
وعاتق؛ ولكن المراد هنا الأنثى بقرينة قوله: " عبده أو أجيره " لأن الذي
يزوجه منهما هي الأنثى؛ وإنما نهى أن لا ينظر إلى ما دون السُّرّة وفوق
الركبة، لأنه بتزويجه إياها حَرُمَت عليه، فصارت كجارية الأجنبي، فلا
يحوز له أن ينظر إلى عورتها؛ ولكن في جارية الأجنبي لا يحوز النظر-
أيضا- إلى بطنها وظهرها؛ لأن ظهرها وبطنها- أيضا- عورة في حق
الأجانب- كما عرف في الفروع.
ص- قال أبو داود: وهِمَ وكيع في اسمه. روى عنه: أبو داود الطيالسي
هذا الحديث قال: نا أبو حمزة سوار الصيرفي.
ش- أي: وهم وكيع بن الجراح في اسم سوّار بن داود فقلبه فقال:
داود بن سَوار؛ واستدل على وهمه بقوله: روى عنه- أي: عن سوار-
أبو داود: سليمان بن داود/الطيالسي قال: حدثنا أبو حمزة سوّار
الصيرفي. وهذا الحديث ذكره الشيخ في كتاب اللباس- أيضا-.
479- ص- نا سليمان بن داود المَهريُ: نا ابن وَهب: أخبرني هشام بن
سعد: حدثني معاذ بن عبد الله بن خُبيب الجُهني قال: دَخَلنَا عليه فقال
لامرأتهِ: متى يُصلِّي الصبيُ؟ فقالت: كان رجلٌ منَا يَذكرُ عن رسول الله أنه
سُئِلَ عن ذلك قال: " إذا عَرَفَ يمينَهُ من شِمَالِهِ، فمُروهُ بالصَلاةِ " (1) .
ش- سليمان بن داود: ابن حماد المَهري أبو الربيع المصري،
وعبد الله بن وهب، وهشام بن سعد المدني القرشي.
ومُعاذ بن عبد الله بن خُبيب- بضم الخاء المعجمة- الجهني المدني.
روى عن: أبيه، وعمه، وابن عباس، وجابر بن عبد اللّه، وجابر بن
أسامة. روى عنه: أسِيد بن أبي أسِيد، وأسامة بن زيد، وعثمان بن
__________
(1) تفرد به أبو داود.
27 * شرح سنن أبي داود 2

(2/417)


مرة، وزيد بن أسلم، وعبد اللّه بن سليمان. قال ابن معين: ثقة. روى
له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (1) .
قوله: " إذا عرف يمينه من شماله " هذا إنما يكون في سنة التمييز؛
ويختلف ذلك باختلاف ذكاوة الصبي وبلادته؛ فكم من صبي عمره خمس
سنين أو أكثر من ذلك بقليل يعرف ذلك، وكم من صبي عمره عشر سنين
أو " أقل من ذلك بقليل لا يَعرف ذلك؛ ولكن الغالب في ذلك سبع سنين؛
لأنه سنة التمييز- كما ذكرناه.
***
26- بَابُ: بَدء الأذَانِ
أي: هذا باب في بيان ابتداء الأذان. وفي بعض النسخ: " باب ما
جاء في بدء الأذان " . ولما فرغ عن بيان المواقيت ونحوها شرع في بيان
الأذان الذي هو إعلام للصلاة؛ وقدم المواقيت التي هي إعلام لما فيها من
معنى السببيّة، ثم ذكر الأذان الذي هو إعلام لتلك الإعلام؛ والأذان:
الإعلام بالشيء؛ يقال: آذن يؤذن إيذانا، وأدَّن يؤذن تأذينا؛ والمشدد
مخصوص في الاستعمال بإعلام وقت الصلاة. وفي " الصحاح " : وأذان
الصلاة معروف، والأذِينُ مثله، وقد ألحّن أذانا.
480- ص- نا عباد بن موسى الخُتلي. ونا زيادُ بن أيوب- وحديث
عباد أتم- قالا: نا هُشيم، عن أبي بشر، قال زيادٌ : أخبرنا أبو بشرِ، عن
أبي عُمير بن أنس، عن عُمُومة لهَ من الأنصارِ قال: اهتم النبيُ- عليه
السلام- للصلاة: كيفَ يَجمَعُ الناسَ لها ؟ فقيلَ له: انصب رايةَ عند
حُضُورِ الصلاة، فَإذا رَأوها آذَنَ بَعضُهم بَعضًا، فَلم يُعجبه ذَلك. قال:
فَذُكِرَ له القنعِ- يعني: الشّبّور- وقال زيادٌ : شَبورُ اليَهُود- فلم يُعجبهُ ذلك
وقال: " هُو مِن أمرِ اليَهُود " . قال: فَذُكِرَ له الناقُوسُ فقَال: " هو من أمرِ
النصَارى " . فانصرفَ عبدُ الله بنُ زيدٍ وهو مُهتَم لِهَم رَسُولِ الله، فأرِيَ
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (28/6031) .

(2/418)


الأذانَ في مَنامِهِ. قال: فَغَدا على رسول الله فأخبرَهَ، فقال (1) : يا رَسُولَ اللهِ،
إني لبين نائمٍ ويَقظانَ إذ أتاني آتٍ فأرَانيَ الأذانَ. قال: وكان عُمرُ بنُ
الخطاب قد راَهُ قبل ذلك فكَتَمَهُ عشرين يومًا. قال: ثم أخبره النبيَّ- عليه
السلام-، فقالَ له: " ما مَنَعكَ أنَ تُخبِرَنَا (2) ؟ " فقال: سَبَقَنِي عبدُ الله بن
زيد فاستحيَيتُ، فقالَ رسولُ الله: " يا بلالُ! قُم فانظُر ما يأمُرُكَ به عبدُ الله
ابنُ زَبد فافعله " . قالَ: فأذنَ بلالَ " (3) .
ش- عباد بن مُوسى: أبو محمد الختلي- بضم الخاء المعجمة والتاء
المثناة من فوق- وزياد بن أيوب: ابن زياد البغدادي. وهُشَيم: ابن بشَير
الواسطي. وأبو بشر: جَعفر بن أبي وَحشية الواسِطي. وأبو عُميِر بن
أنس بن مالك: الأنصاري. روى عن : عمومة له من الأنصار. روى
عنه: أبو بشر. قال الحاكم: اسم أبي عُمير: عبد اللّه. روى له:
أبو داود، والنسائي، وابن ماجه؛ وسماه: عبد اللّه- أيضا (4) -.
قوله : " عن عُمومة " العمومة: جمع عَم؛ كالبعولة: جمع بَعلٍ .
قوله: " انصب " - بكسر الصاد- لأنه من باب ضرب يضرب،
والرايةُ: العلم؛ وأصله واويّ.
قوله: " آذن " - بالمد- أي: أعلم؛ من الإيذان وهو الإعلام.
قوله: " فذُكرَ له القُنع " بضم القاف وسكون النون، و " القَبَعَ " بفتح
القاف والباء/َ المُوحدة، و " القَثع " بالثاء المثلثة الساكنة، و " القَتع "
بالتاء ثالثة الحروف؛ " (5) فمن قال بالنون- وهو الأكثر في الرواية-
فلإقناع الصوت به وهو رفعه، وأقنع الرجل صوته ورأسه إذا رفعه، ومن
أراد أن ينفخ في البُوق يرفع رأسه وصوته، أو لأن أطرافه أقنعت إلى
__________
(1) في سنن أبي داود: " فقال له " .
(2) في سنن أبي داود: " تخبرني " .
(3) تفرد به أبو داود.
(4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (34/7545) .
(5) انظر: النهاية (4/115- 116) .

(2/419)


داخله أي عُطفت. ومَن قال بالباء الموحدة لأنه يَتبع فَا (1) صاحبه أي:
يَستُره، وقبع الرجل رأسه في جَيبه إذا أدخله فيه؛ لأنه يقبَعُ فم النافخ
أي: يُواريه أو من قَبَع الجوالق أو الجراب إذا ثنَيت أطرافه إلى داخل، أو
من قولهم: قبَع في الأرض قبُوعًا ذهب لذهاب الصوت منه وشدته.
وأما الثاء المثلثة: فأثبته أبو عمر الزاهد، وأبطله الأزهري، كأنه من قَثع
مقلوب قعث وأقتعثه إذا أخذ كفه واستوعبه، لأخذ البوق نفس النافخ
واستيعابه له ؛ لأنه ينفخ بشدة ليرفع الصوت به ويُنوه به. ومَن قال بالتاء
ثالث الحروف قال: هو دود يكون في الخشب، وقيل: هذا الحرف
مَدارُه على هُشيم؛ وكان كثير اللحن والتحريف، على جلالة محلّه في
الحديث " .
قوله: " يعني: الشّبُور " تفسير القنع، والشبور بفتح الشين المعجمة
وضم الباء الموحدة المشددة. وقال في " الصحاح " : الشّبَور على وزن
التنور: البُوقُ؛ ويقال: هو مُعرب.
قوله: " الناقوس " خشبة طويلة تُضربُ بخشبة أصغر منها؛ والنصارى
يُعلمون بها أوقات صلواتهم. قال ابن الجواليقي: فأما الناقوس: فيُنظر
فيه أعربيّ هو أم لا؟
قلت: النَّقسُ: هو الضرب بالناقوس يدل على أنه عربي؛ ووزنه:
فاعُول كقَابُوس البحر، فيكون الألف والواو فيه زائدتان.
قوله: " لهَمِّ رسول الله " أي: لهم رسول اللّه في الصلاة كيف يجمع
الناس لها؟ وَالهم: الحَزَنُ، وأهمني (2) الأمر إذا أقلقك وَحَزنك.
قوله: " قم فانظر ما يأمرك به " فيه دليل على أن الواجب أن يكون الأذان
قائمًا؛ وكانت هذه القضية عند مَقدمه- عليه السلام- المدينة النبوية.
وفي " تاريخ النويري " : وفي السنة الثانية من الهجرة: رأى عبد اللّه بن
__________
(1) أي: " فمه ".
(2) كذا، والجادة : " وأهمك " .

(2/420)


زيد بن عبد ربّه الأنصاري صورة الأذان في النوم وورد الوَحي به. وروى
السُّهيلي بسنده من طريق البزار، عن علي بن أبي طالب، فذكر حديث
الإسراء وفيه: فخرج ملك من وراء الحجاب، فأذن بهذا الأذان وكلما
قال كلمةً صدقه اللّه تعالى، ثم أخذ الملك بيد محمد- عليه السلام-
فقدّمه، فأم بأهل السماء وفيهم اَدم ونوح " ثم قال السهيلي:. وأخلِق بهذا
الحديث أن يكون صحيحا؛ لما يَعضده ويشاكله من حديث الإِسراء.
فلت: ليس كما زعم السهيلي أنه صحيح؛ بل هو منكر؛ تفرد به:
زياد بن المنذر أبو الجارود الذي تُنسب إليه الفرقة الجارودية، وهو من
المتّهمين، ثم لو كان هذا قد سمعه رَسول الله ليلة الإِسراء، لأوشك أن
يأمر به بعد الهجرة في الدعوة إلى الصلاة.
ص- قال أبو بشر: فأخبرني أبو عَمير أن الأنصار تزعم أن عبد الله بن
زيد لولا أنه كان يومئذ مريضًا لجعله رسول الله مُؤذنًا.
ش- أي: يوم رأى الأذان في منامه كان ضعيفًا؛ وكان له- عليه
السلام- أربعة من المؤذنين؛ وهم: بلال، وعمرو بن أم مكتوم القرشي
العامِري الأعمى، وأبو محذورة أوسُ بن مِعيَرِ الجُمحي، وسَعد بن عائذ
مولى عمار بن ياسر بقُباء- رضى الله عنهم-. وأما عبد اللّه بن زيد:
فهو ابن عبد رَبه بن ثعلبة بن زيد بن الحارث بن الخزرج أبو محمد
الأنصاري الخزرجي، شهد العقبة وبدرًا. روى عنه: ابنه: محمد،
وسعيد بن المسيب، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وقال الترمذي: سمعتُ
محمد بن إسماعيل يقول: لا يُعرف لعبد الله بن زيد بن عبد ربه إلا
حديث الأذان. توفي بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين وهو ابن أربع وستين،
وصلى عليه عثمان بن عفان- رضى اللّه عنه- . روى له: أبو داود،
والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (1) .
__________
(1) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (2/311) ، أسد الغابة
(3/247) ، الإصابة (2/312) .

(2/421)


27- بَابُ: كيفَ الأذانُ؟
أي: هذا باب فيه كيفية الأذان.
481- ص- نا محمد بن منصور الطُّوسي: نا يعقوب: نا أبي، عن
محمد بن إسحاق:/حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التَّيمَي، عن
محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربّه: حدثني أبي: عبد الله بن زيد قال: لما
أمَرَ رسول الله بالناقُوسِ يُعملُ ليُضربَ به للناسِ لجمع الصلاة، طَافَ بي-
وأنا نَائم- رجَل يحمِلُ ناقُوسًا في يده، فقلتُ: يا عبدَ الله ! أتًبِيعُ الناقوسَ؟
قال: وما تَصنعُ به؟ فقلتُ: ندعو بهَ إلى الصلاةِ، قال:َ أفلا أدُلُك على ما
هو خير من ذلك؟ فقلتُ له: بلى، قال: فقال: تَقُول: اللهُ أكبر، اللهُ أكبر،
اللهُ أكبر، الله أكبر، أشهدُ أن لا إله إلا الله، أشهدُ أن لا إله إلا الله، أشهدُ أن
محمدَا رسول الله، أشهدُ أن محمدًا رسولُ الله، حب على الصلاة، حيَّ
على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاحَ، الله أكبر، الله أكبرَُ، لا إله
إلا الله. قالَ: ثم استَأخَرَ عنِّي غيرَ بَعيد. ثم قال: ثم تَقولُ (1) إذا أقَمتَ
الصلاةَ: اللّه أكبر الله أكبرُ، أشهد أنَ لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسولُ
الله، حيَّ على الصلاة، حَيَ على الفلاحِ، قد قَامَت الصلاةُ، قد قَامَتِ
الصَلاةُ، الله أكبر الله أكَبر، لا إله إلا الله. فلما أصبحَتَ أتيتُ رسولَ الله-
فأخبرتُه بما رأيتُ فقال: " إنها لرُؤيا حُقّ إن شاء الله، فقم مع بلال فألقِ عليه
ما رأيت، فليؤذِّن به؛ فإنه أندى صوتًا منك " فقمتُ مع بلالٍ فجًعلتُ ألقِيه
عليه ويُؤَذّنُ به. قال: فسمع ذلك عُمر بنُ الخطاب وهو في بَيته، فخرجَ
يَجرُ رداءَه يقول (2) : والذي بعثَكَ بالحقِّ يا رسولً الله لقد رأيَتُ مثلَ ما
أرِيَ (3) . فقال رسول اللهِ: " فللَهِ الحمدُ " (4) .
__________
(1) في سنن أبي داود: " وتقول " .
(2) في سنن أبي داود: " ويقول " .
(3) في سنن أبي داود: " رأى " ، وسيذكر المصنف أنها رواية.
(4) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في بدء الأذان (189) ، ابن ماجه:
كتاب الأذان، باب: بدء الأذان (706) .

(2/422)


ش- محمد بن منصور: ابن داود بن إبراهيم، أبو جعفر الطُوسي
العابد، سكن بغداد. سمع: يعقوب بن إبراهيم، وروح بن عبادة،
وإسماعيل بن عليّة، وابن عُيينة وغيرهم. روى عنه: أبو داود،
والنسائي، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة وغيرهم. قال النسائي: هو ثقة،
ومرة: لا بأس به. مات سنة أربع وخمسين ومائتين، وله ثمانون سنه (1) .
ويعقوب: ابن إبراهيم بن سعد الزهري. وأبوه: إبراهيم بن سَعد بن
إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي. ومحمد بن إسحاق:
ابن يسار.
ومحمد بن عبد الله بن زيد بن عبدا ربه الأنصاري الخزرجي المدني.
روى عن: أبيه، وأبي مسعود البدري. روى عنه: أبو سلمة، ونعيم
ابن عبد الله، ومحمد بن إبراهيم بن الحارث التَّيمي. روى له الجماعة (2) .
قوله: " طاف بي " من الطيف؛ وهو الخيال الذي يُلم بالنائم، يقال
منه: طاف يَطيف، ومن الطواف: طاف يطوف، ومن الإحاطة بالشيء:
أطاف يُطِيف.
قوله: " رجل " مرفوع على أنه فاعل طاف.
قوله: " وأنا نائم " جملة حالبّة معترضة بين الفعل والفاعل.
وقوله: " يحمل ناقوسَا " في محل الرفع؛ لأنه صفة رجل.
قوله: " أتبيع الناقوس " الهمزة فيه للاستفهام، وكذلك الهمزة في
قوله: " أفلا أدلك " والفاء للعطف.
قوله: " من ذلك " أي: من الناقوس، أي: من ضَربه.
قوله: " قال: فقال " أي: قال عبدُ الله بن زيد: قال الرجل الذي عمل
الناقوس.
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (26/5631) .
(2) المصدر السابق (25/5346) .

(2/423)


قوله: " الله كبر " إلى آخره مَقولُ القَول؛ ومعنى " اللّه أكبر " أي:
أكبر من كل شيء، وقد عرف أن أفعل التفضيل لا يستعمل إلا بأحد
الأشياء الثلاثة: الألف واللام، والإضافة، و " مِن " ؛ وقد يستعمل
مجردا عنها عند قيام القرينة كقوله تعالى: (يَعلمُ السِّرَّ وأخفَى) (1)
أي: أخفى من السِّرّ، ومنه " اللّه أكبر " ، وقد ذكرنا مرةً أن " أن " في
" أشهدُ أن " مخففة من مثقلة، وأن " إلا " بمعنى " غير " .
قوله: " حيّ على الصلاة " أي: أسرِعوا إليها وهلموا وأقبلوا وتعالوا،
وهو اسم لفعل الأمر، وفتحت الياء لسكونها وسكون ما قبلها؛ كما قيل
ليتَ، ولعلَّ، والعربُ تقول: حيَّ على الثريد. " والفلاح " : النجاة.
قوله: " ثم استأخر عني " استأخر مثل تأخر، أي: تأخر عني؛ وليس
السين فيه للطلب؛ وفيه دلالة على أن الإقامة تكون في غير موقف الأذان
مستحبةً.
قوله: " قد قامت الصلاة " أي: قد قربت وحانت؛ لأن " قد " فيها
للتقريب.
قوله: " إنها " أي: الرؤية التي رأيتها " لرؤيا حق " يعني: من اللّه
تعالى؛ والرُّؤيا على وزن فُعلى بلا تنوين؛ يقال: رَأى في منامه رؤيا؛
وجمع الرؤيا: رُؤًى بالتنوين مثل (2) رُعًى؛ وإنما قال: " إن شاء الله "
للتبرك؛ كقوله تعالى: (لَتَدخُلُنَّ المسجِدَ الحرامَ إِن شَاءَ الله) (3) .
/قوله: " فإنه أندى صوتَا منك " أي: أرفع وأعلى، وقيل: أحسن
وأَعذب، وفيل: أبعد، وهو أفعل من النَدَى- بفتح النون وبالقَصر-
وهو بمعنى الغاية، مثل المَدى، والنَدَى- أيضا- بعد ذهاب الصوت.
وفيه دليل على أن من كان أرفع صوتا كان أولى بالأذان؛ لأنه إعلام،
فكل من كان الإعلام بصوته أوقع كان به أحق وأجدر.
__________
(1) سورة طه: (7) .
(2) في الأصل: " مثال " .
(3) سورة الفتح: (27) .

(2/424)


قوله: " يَجرُّ رداءه " جملة وقعت حالاَ من الضمير الذي في " فخرج " ،
وكذلك قوله " يقول " حال- أيضا- والفعل الضارع المثبت إذا وقع حالا
لا يحتاج إلى الواو؛ وقد عُرف في مَوضعه.
قوله: " مثل ما أُرِي " - بضم الهمزة وكسر الراء- أيمما: مثل ما أُرِي
عبد اللّه بن زيد. وفي رواية: " مثل ما رأى " على صيغة المعلوم.
قوله: " فللَّه الحمد " الفاء فيه يجوز أن تكون عاطفة على محذوف
تقديره: للّه الشكر، فللَه الحمدُ، ويجوزُ أن تكون زائدة، قد زيدت فيه
لتَحبير الكلام.
و " (1) هذا الحديث والقصة: قد رُوِيَ بأسانيد مختلفة؛ وهذا الإسناد
أصحها. وفيه: أنه ثنى الأذان وأفرد الإقامة؛ واستدل به الشافعي علي
أن الإقامة فرادى. وبه قال مالك وأحمد، وهو قول الحسن، ومكحول،
والزهري، والأوزاعي، وإسحاق بن راهويه " .
واستدل أبو حنيفة بأحاديث- نذكرها عن قريب إن شاء اللّه تعالى-
على أن الإقامة مثل الأذان غير أن فيها " قد قامت الصلاة " مَرّتين.
" (2) والحديث: أخرجه الترمذي؛ فلم يذكر فيه كلمات الأذان، ولا
الإقامة، وقال: حديث حسن صحيح. ورواه ابن ماجه فلم يذكر فيه
لفظ الإقامة وزاد فيه شعرا. ورواه ابن حبّان في " صحيحه " في النوع
الرابع والتسعين من القسم الأول فذكر [ه] بتمامه. وقال البيهقي في
" المعرفة " : قال محمد بن يحيى الذهلي: ليس في أخبار عبد اللّه بن زيد
في قصة الأذان خبر أصح من هذا؛ لأن محمدا سمعه من أبيه، وابن
أبي ليلى لم يسمع من عبد اللّه بن زَيد. ورواه ابن خزيمة في " صحيحه "
وزاد: وخبر ابن إسحاق هذا ثابت صحيح؛ لأن محمد بن عبد اللّه بن
زيد سمعه من أبيه، ومحمد بن إسحاق سمعه من محمد بن إبراهيم
__________
(1) انظر: معالم السنن (1/131) .
(2) انظر: نصب الراية (1/259) .

(2/425)


التيمي؛ وليس هو مما دلّسه ابن إسحاق. وقال الترمذي في " علله
الكبير " : سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: هو عندي
صحيح. ورواه أحمد في " مسنده " (1) .
ص- قال أبو داود: هكذا رواية الزهري عن سعيد بن المسيّب، عن
عبد الله بن يزيد؛ وقال فيه ابن إسحاق، عن الزهري: " الله كبر، الله كبر،
الله كبر، الله أكبر " . وقال معمرٌ ويونس، عن الزهري فيه: " الله أكبر، الله
كبر " لم يُثنِّيا.
ش- أي: مثل رواية محمد بن إبراهيم التيمي، عن عبد الله بن زيد:
رواية ابن شهاب الزهري، عن سعيد بن المُسيب، عن عبد اللّه بن زيد.
وقال الحاكم في " المستدرك (2) " في فضائل عبد الله بن زيد بن عبد ربه:
" وإنما اشتهر عبد اللّه بن زيد بن عبد ربه بحديث الأذان؛ ولم يخرجاه في
" الصحيحين " لاختلاف الناقلين في أسانيده، وقد تداوله فقهاء الإسلام
بالقبول، وأمثل الروايات فيه: رواية سعيد بن المسيب، وقد توهم بعض
أئمتنا أن سعيدا لم يلحق عبد اللّه بن زَيد؛ وليس كذلك ، وإنما توفي
عبد اللّه بن زيد في أواخر خلافة عثمان. وحديث الزهري عن سعيد بن
المسيب مشهور؛ رواه يونس بن يزيد (3) ، ومعمر بن راشد، وشعيب
ابن أبي حمزة، ومحمد بن إسحاق وغيرهم.
قوله: " لم يُثنيا " أي: لم يُثَنيا " اللّه أكبر اللّه أكبر " بمعنى قالا في
روايتهما عن الزهري: " اللّه أكبر اللّه أكبر " مرةً واحدةً. وهو مذهب
مالك- رضى اللّه عنه-.
482- ص- نا مُسدد: نا الحارث بن عُبيد، عَن محمد بن عبد الملك بنِ
أبي مَحذورة، عن أبيه، عن جَده قال: قلتُ: يا رسولَ الله، عَلِّمني سُنةَ
الأذَانِ! قال: فمسَحَ مُقدَّمَ رأسِهِ (4) قال: تَقُولُ: " الله كبرَ، الله كَبر، الله
__________
(1) (3/43) وإلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.
(2) (3/336) .
(3) في الأصل: " زيد " خطأ.
(4) في سنن أبي داود: " رأسي وقال " .

(2/426)


أكبر، الله أكبر، تَرفعُ بها صَوتكَ، ثم تَقولُ: أشهدُ أن لا إله إلا الله، أشهد
أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسولُ الله، أشهد أن محمدًا رسولُ الله،
تَخفضُ بها صَوتَكَ، ثم تَرفعُ صوتَكَ بالشًّهادةِ: أشهدُ أن لا إله إلا اللهَ،
أشهَد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسولُ الله، أشهد أن محمدا
رسولُ الله، حَيَ على الصلاة، حَيَّ على الصلاة، حَيَّ على الفَلاح، حَيَّ
على الفَلاَح، فإن كان صلاة لصُّبحِ قلتَ: الصلَاةُ خَيرٌ من النوم، الصلاةُ
خيرٌ من النوم، الله كبر، الله أكبر، لا إله إلا الله " (1) .
ش- الحارث بن عُبيد: الإيادي أبو قدامة البصري/مؤذن مسجد
الري. روى عن: ثابت البناني، وأبي عمران الجَوني، ومالك بن دينار،
وعامر الأحول، ومحمد بن عبد الملك بن أبي محذورة، وعبد العزيز بن
صُهيب، وهود بن شهاب. روى عنه: ابن البارك، ومسدد، وسعيد
ابن منصور وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: مضطرب الحديث. وقال ابن
معين: ضعيف. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، يكتب حديثه ولا يحتج
به. وقال النسائي: ليس بذاك. روى له الجماعة إلا البخاريّ (2) .
ومحمد بن عبد الملك بن أبي محذورة: القرشي الجُمحي. روى عن:
أبيه، عن جده. روى عنه: الحارث بن عُبيد. روى له: أبو داود (3) .
وأبوه: عبد الملك بن أبي محذورة القرشي الجُمحي المكي. روى
عن: أبيه، وعبد اللّه بن محيريز. روى عنه ابنه: محمد، وابن ابنه:
إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك، والنعمان بن راشد، وإسماعيل بن
عبد الملك، وإبراهيم بن إسماعيل. روى له: أبو داود، والترمذي،
و النسائي (4) .
__________
(1) مسلم: كتاب الصلاة، باب: صفة الأذان (6/379) ، الترمذي: كتاب
الصلاة، باب: ما جاء في الترجيع في الأذان (191) ، النسائي: كتاب
الأذان، باب: كيف الأذان (2/4) ، ابن ماجه: كتاب الأذان، باب:
الترجيع في الأذان (708) .
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (5/1029) .
(3) المصدر السابق (26/5426) .
(4) المصدر السابق (18 /3553)

(2/427)


وأبو محذورة- بفتح الميم، وسكون الحاء المهملة، وبعدها ذال معجمة
مضمومة، وراء مفتوحة، وتاء تأنيت- اسمه: سَمُرة بن مِعيَرِ- بكسر
الميم، وسكون العين المهملة، وبعدها ياء آخر الحروف مفتوحة وراء-
وقيل: اسمه: سَلمان، وقيل: مسلمة، وقيل: أوس ابن معير بن
لوذان بن وهب بن سَعد بن جُمح. روى له: مسلم، وأبوَ داود،
والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (1) .
قوله: " فمسَح مُقدم رأسه " أي: مسح رسولُ اللّه مقدم رأس
أبي محذورة؛ ولذلك كان لا يَحُزُ ناصيته ولا يفرقها، لأنه- عليه السلام-
مسح عليها. وقوله " مقدم " : بفتح القاف وتشديد الدال المفتوحة.
" (2) وحديث أبي محذورة في الأذان: رواه الجماعة إلا البخاري؛
فأخرجه مسلم مقتصرا منه على الأذان خاصةً؛ وفيه التكبير مرتين
والترجيع، وأخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه مختصرا ومطولا،
وأخرجه ابن حبان في " صحيحه لما بلفظ أبي داود هذا المذكور. وبه
استدل الشافعي على الترجيع، وبه قال مالك؛ إلا أن عنده لا يؤتى
بالتكبير في أوله غير مرنين. وقال أحمد: إن رجّع فلا بأس به، وإن لم
يرجّع فلا بأس به. والجواب عن هذا: ما قاله الطحاوي في " شرح
الاَثار " : يحتمل أن الترجيع إنما كان لأن أبا محذورة لم يمدّ بذلك صوته
كما أراده النبي- عليه السلام-، فقال له- عليه السلام-: " ارجع
فامدد من صوتك " . وقال ابن الجوزي في " التحقيق " : إن أبا محذورة
كان كافرا قبل أن يُسلم، فلما أسلم ولقنه النبي- عليه السلام- الأذان،
أَعاد عليه الشهادة وكرّرها ليثبت عنده ويحفظها، ويكرّرها على أصحابه
المشركين، فإنهم كانوا ينفرون منها خلاف نفورهم من غيرها، فلما
__________
(1) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (4/177) ، أسد الغابة
(6/278) ، الإصابة (4/176) .
(2) انظر: نصب الراية (1/263- 264) .

(2/428)


كررها عليه ظنها من الأذان، فعَده تسع عشرة كلمةً- وأيضا- فأذان
أبي محذورة عليه أهل مكة؛ وما ذهبنا إليه عليه عمل أهل المدينة؛
والعمل على المتأخر من الأمور " .
فإن قيل: يرد هذا: ما ذكره من قوله: " قلتُ: يا رسولَ اللّه،
علمني سُنَّة الأذان " ؛ وفيه " ثم تقول: أشهد أن لا إله إلا اللّه، أشهد
أن محمدًا رسول الله تخفض بها صوتك، ثم ترفع صوتك بها " فجعله
من سُنَّة الأذان، وهو كذلك في " صحيح ابن حبّان " و " مسند
أحمد " (1) . قلت: هذا مُعارضُ بما أخرجه الطبراني عن أبي محذورة؛
وليس فيه ترجيع.
483- ص- نا الحسن بن علي: نا أبو عاصم وعبد الرزاق، عن ابن
جريج: أخبرني عثمان بن السائب: أخبرني أبي وأم عبد الملك بن
أبي محذورة، عن أبي محذورة، عن النبي- عليه السلام- نحو هذا
الخبر؛ وفيه: " الصلاةُ خَيرٌ من النوم، الصلاةُ خيرٌ من النوم " في الأول من
الصُّبح (2) .
ش- الحسن بن علي: ابن محمد الخلال الحلواني، وأبو عاصم:
النَّبيل، وعبد الرزاق: ابن همام، وعبد الملك: ابن جريج. وعثمان
ابن السائب: المكي. سمع: أباه، وأم عبد الملك بن أبي محذورة.
روى عنه: ابن جريج، وحديثه في المكيّين. روى له: أبو داود،
والنسائي (3) .
والسائب: المكي. سمع: أبا محذورة الجُمحي. روى عنه: ابنه:
عثمان. روى له: أبو داود، والنسائي (4) .
قوله: " في الأول " أي: في الأذان الأول من صلاة الصبح. وروى
__________
(1) (3/408) .
(2) النسائي: كتاب الأذان، باب: الأذان في السفر (2/7) .
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (19/3813) .
(4) المصدر السابق (10/2175) .

(2/429)


ابن حزم بإسناده إلى أبي محذورة قال: كنت أؤذن لرسول اللّه في صلاة
الفجر فأقول في الأذان الأول: حي على الفلاح قلت (1) : الصلاةُ خير
من النوم. وصحّحه.
وعند الدارقطني (2) : " فلما بلغتُ حي على الفلاح قال لي النبيُ
- عليه السلام-: ألحق فيها: الصلاة خير من النوم.
صِ- قال أبو داود: وحديث مُسدّد أبينُ قال فيه: قال: وعلّمني
الإقامة مرتين مرّتين: " الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله
إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله، حي على
الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح حي على الفلاح الله أكبر الله كبر
لا إله إلا الله " .
ش- أي: حديث مسدد بن مسرهد أظهر من حديث غيره؛ قال مسدد
في حديثه: قال أبو محذورة: " وعلمني الإقامة مرتين مرتين " إلى آخره.
وهذه الرواية حجّة على الشافعي ومَن معه.
ص- وقال أبو داود: قال عبد الرزاق: " وإذا أقمت فقلها مرتين: قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة أسَمِعتَ؟ " .
ش- أي: قال عبد الرزاق بن همام في روايته: " وإذا أقمت فقلها "
إلى آخره، والضمير من " فقُلها " يرجع إلى لفظة " قد قامت الصلاة "
ولا يُقال: إنه إضمار قبل الذكر؛ لأن الإضمار قبل الذكر إنما لا يجوز إذا
لم تكن ثَمَة قرينة تدل عليه؛ وهاهنا دلت القرينة عليه، ولا سيما فسره
بقوله: " قد قامت الصلاَة، قد قامت الصلاة " .
قوله: " أسمعتَ؟ " الألف فيه للاستفهام، والخطاب لأبي محذورة.
__________
(1) كذا، وفي المحلى (3/109- 110) : " أنه كان إذا بلغ " حي على الفلاح "
في الفجر فال: " الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم " .
(2) (1/237) .

(2/430)


ص- قال: فكان أبو محذورة لا يَجُر ناصيَتَه، ولا يَفرقُها، لأن النبيَ
- عليه السلام- مسَحَ عليها " .
ش- أي: قال أبو داود: فكان أبو محذورة لا يحزُ- أي: لا يقصّ-
من جززتُ البُر والنخل والصوف جزا؛ والناصية: مقدم الرأس؛ والمراد
منها: شعرها.
قوله: " ولا يَفرقها " مِن فرَقَ شَعرَه إذا جَعله فرِيقين.
484- ص- نا الحسن بن عليّ: نا عفانُ وسعيدُ بن عامر والحجّاج-
والمعنى واحد- قال عفان: نا همام: نا عامر الأحول: حدثني مكحول، أن
ابن مُحَيريز حدَّثه أن أبا مَحذورةَ حدثه (1) أن رسولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَمَهُ الأذانَ
تسعَة عَشَرَ كَلمةً، والإقامةَ سَبعَةَ عَشَرَ كَلمةً؛ الأذانُ: اللهَ كبر، الله كبر،
الله أكبر، الله أَكبر، أشهد أن لا إله إلا اللهَ، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن
محمدًا رسول اللّه، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن لا إله إلا الله،
أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسولُ اللهِ، أشهد أن محمدًا
رسولُ الله، حَي على الصلاة، حَي على الصلاة، حَي على الفلاح، حَيَّ
على الفلاح، اللّه أكبر، الله كبَر، لا إله إلا الله. واَلإقامة: الله كبر، الله أكبر،
الله كبر، الله كبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن
محمدًا رسول اللهِ، أشهد أن محمدًا رسول الله، حَب على الصلاة، حَب
على الصلاة، حَيَّ على الفلاح، حَي على الفلاَح، قد قَامت الصلَاةُ، قد
قامتِ الصلاَةُ، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله " . كذا في كتاَبِهِ في حديثِ
أبي مَحذورة (2) .
__________
(1) سقط من سنن أبي داود.
(2) مسلم: كتاب الصلاة، باب: صفة الأذان (6-379) ، الترمذي: كتاب
الصلاة، باب: ما جاء في الترجيع في الأذان (192) ، النسائي: كتاب
الأذان، باب: كم الأذان من كلمة (2/5) ، ابن ماجه: كتاب الأذان، كتاب
الترجيع في الأذان (708) .

(2/431)


ش- عفان: ابن مسلم بن عبد اللّه الصفّار البَصري الأنصاري،
أبو عثمان مولى عروة بن ثابت. سمع: شعبة، وهمام بن يحيى،
وسليمان بن المغيرة، وأبا عوانة، وحماد بن زيد وغيرهم. روى عنه:
أحمد بن حنبل، وقتيبة، والقواريري، وابن معين، وابنا أبي شيبة،
وأبو زرعة وغيرهم. وقال أبو حاتم: هو ثقة متقن متقن (1) . مات
ببغداد سنة عشرين ومائتين. روى له الجماعة (2) . وسعيدُ بن عامر:
الضبعي، أبو محمد البصري. سمع: سعيد بن أبي عروبة، وشعبة،
ومحمد بن عمرو بن علقمة وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل،
وإسحاق بن راهويه، وأبو بكر بن أبي شيبة وغيرهم. قال ابن معين:
الثقة المأمون. وقال أبو حاتم: كان رجلا صالحًا وفي حديثه بعض
الغلط، وهو صدوقي. توفي لأربع بقين من شوال سنة ثمان ومائتين،
وهو ابن ست وثمانين سنةً. روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود (3) .
والحجاج: الأعور، وهمام: بن يحيى بن دينار العَوذي.
وعامر الأحول: هو عامر بن عبد الواحد الأحول البصري. روى
عن: عائذ بن عمرو، وعطاء بن أبي رباح، ونافع مولى ابن عمر،
ومكحول وغيرهم. روى عنه: شعبة، والحمادان، وأبان بن يزيد
وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: ليس حديثه بشيء؛ وفي لفظ عنه:
ليس بالقوي. وقال أبو حاتم: هو ثقة لا بأس به، قيل: يحتج
بحديثه؟ قال: لا بأس به. وقال ابن معين: ليس به بأس. روى له:
الجماعة إلا البخاريّ (4) .
ومكحول: ابن زِير الدمشقي.
/وابن مُحَيرِيز: هو عبد اللّه بن مُحيريز بن جنادة بن وهب بن لوذان،
__________
(1) كذا بالتكرار، وفي تهذيب الكمال: " متقن متقن " .
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (20/3964) .
(3) المصدر السابق (10/2300) .
(4) المصدر السابق (14/3054) .

(2/432)


أبو محيريز المكي، نزل الشام وسكن بيت المقدس. سمعِ: أبا محذورة،
وعبادة بن الصامت، وأبا سعيد الخدريّ، وفضالة بن عُبيد، ومعاوية بن
أبي سفيان وغيرهم. روى عنه: أبو قلابة الجرمي، والزهري،
ومكحول، وعطاء الخراساني وغيرهم. قال أحمد بن عبد الله: هو ثقة،
من خيار الناس. روى له: البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والنسائي (1) .
قوله: " تسعة عشر كلمةَ " صوابه: تسع عشرة كلمة، وكذلك سَبع
عشرة.
قوله: " الأذان " مَرفوع بالابتداء، وخبره: " اللّه أكبر " إلى آخره؛
والتقدير: الأذان هذه الكلمات، وهي " اللّه أكبر " إلى آخره، وكذلك
قوله: " الإقامة " مَرفوع بالابتداء، وخبره ما بعده بالتقدير المذكور.
قوله: " كذا في كتابه في حديث أبي محذورة " ليس بَموجود في بعض
النسخ أي: في كتاب أبن محيرِيز.
485- ص- نا محمد بن بشار: نا أبو عاصم: نا ابن جريح: أخبرني
ابنُ عبد الملك بن أبي محذورة- يعني: عبد العزيز-، عن ابن مُحيرِيز،
عن أبي محذورة قال: أَلقى عَليَّ رسولُ الله- عليه السلام- التَّأذين هو
بنَفسه فقال: " قُل: الله أكبر، الله كبر، الله أكَبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله
إلا اَللَه، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسولُ الله، أشهد أن
محمدا رسولُ الله (2) ، ثم قال: ارجع فمُدَّ من صَوتِكَ: أشهدَ أن لا إله إلا
الله، أشهد أن لاَ إله إلا الله، أشهد أن محمدَا رسولُ الله، أشهد أن محمدًا
رسولُ الله، حَيَ على الصلاة، حَيَ على الصلاة، حَيً على الفلاحِ، حَيَّ
على الفلاحَ، الله أكبر، الله أكبَر، لا إله إلا اللّه " (3) .
__________
(1) المصدر السابق (16/3555) .
(2) في سنن أبي داود بعد " أشهد أن محمدا رسول الله " : " مرتين مرتين، قال:
ثم ارجع.. " 0
(3) مسلم: كتاب الصلاة، باب: صفة الأذان 6- (379) ، الترمذي: كتاب
الصلاة، باب: ما جاء في الترجيع في الأذان (192) ، وقال: حديث حسن
صحيح، النسائي: كتاب الأذان، باب: كيف الأذان (2/5) .
28* شرح سنن أبي داوود 2

(2/433)


ش- محمد بن بشار: أبو بكر، بُندار. وابنُ عبد الملك: هو
عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة القرشي . روى عن: عطاء
الخراساني وغيره. روى عنه: أبو توبة الربيع بن نافع وغيره. روى له:
أبو داود (1) .
قوله: " التأذين " نصب على أنه مفعول " ألقى ".
قوله: " هو بنفسه " أي: رسول اللّه بنفسه؛ ذكره للتأكيد " فقال " أي:
رسول اللّه إلى آخره، والجواب عنه ما ذكرناه.
486- ص- نا النُّفيلي: نا إبراهيم بن إسماعيل بن عبد الملك بن
أبي محذورة قال: سمعت جَدّي: عبد الملك بن أبي محذورة، يذكرُ أنه
سَمِعَ أبا محذورة يقولُ: ألقى عَليَّ رسولُ الله الأذانَ حَرفًا حَرفًا: " الله
أكبر، الله أكبر (2) ، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهدَ أن لا إله إلا اللّه، أشهد أن
محمدًا رسولُ الله، أشهد أن محمدا رسولُ الله، أشهد أن لا إله إلا الله،
أشهد أن لا إله إَلا الله، أشهد أن محمدا رسَولُ الله، أشهد أن محمدًا
رسولُ الله، حَيّ على الصلاة (3) حَيَّ على الفلاح (3) " . قال: وكان يقولُ
في الفجرِ: " الصلاةُ خَير منَ النوم " (4) .
ش- النفيلي: عبد اللّه بن محمد.
وإبراهيم المذكور: أبو إسماعيل المكي القرشي. روى عن: أبيه وجَدّه.
روى عنه: بشر بن معاذ، وعبد اللّه بن عبد الوهاب وغيرهما. روى له:
الترمذي، والنسائي، وأبو داود (5) .
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (18 /3460) .
(2) كذا، وفي سنن أبي داود أربع، وهي نسخة كما سيذكر المصنف.
(3) كذا، وفي سنن أبي داود مرتان.
(4) مسلم: كتاب الصلاة، باب: صفة الأذان (6-379) ، النسائي: كتاب
الأذان، باب: خفض الصوت في الترجيع في الأذان، ابن ماجه: كتاب
الأذان والسُنَة فيه، باب: الترجيع في الأذان (708) .
(5) انظر ترجمته في تهذيب الكمال (2/147) .

(2/434)


قوله: " حرفا حرفًا " أي: كلمةً كلمة؛ من قبيل ذكر الجزء وإرادة
الكل؛ وانتصابه على الحال.
فإن قيل: شرطها أن يكون مشتقا، قلت: غير المشتق يقع حالا في
مواضع؛ منها: إذا دلّ على الترتيب نحو: ادخلوا رجلا رجلاً، وتعلّم
الحسابَ بَابًا بابًا؛ وقوله: " حرفا حرفًا " من هذا القبيل، فافهم.
قوله: " الله أكبر " تقديره: هو اللّه أكبر إلى آخره، وهو في نسخة
الحكم: أربع، وفي رواية ابن الأعرابي، وأبي عيسى: مثنى، وفيه
حجة لمالك حيث يقول: التكبير في أول الأذان: مرتان، وحجة
للشافعي في الترجيع.
قلت: " (1) روى الطبراني في " معجمه الوسط (2) " ما يُعارض هذا
قال: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن: ثنا أبو جعفر النُفيلي: ثنا إبراهيم بن
إسماعيل بن عبد الملك بن أبي محذورة قال: سمعت جدي: عبد الملك
ابن أبي محذورة يقول: إنه سمع أباه: أبا محذورة يقول: [ أ ] لقى
عليّ رسولُ اللّه الأذان حرفًا: " اللّه أكبر اللّه أكبر " إلى آخره؛ لم يذكر
فيه ترجيعا. وهذا كما رأيته (3) قد ذكره بالإسناد المذكور. وأسند البيهقي
عن إسحاق بن راهويه/: أنا إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن
أبي محذورة قال: أدركت أبي وجذي يؤذنون هذا الأذان، ويقيمون هده
الإقامة؛ فذكر الأذان مُفسرا بتربيع التكبير في أوله، وتثنية الشهادتين، ثم
يرجع بهما مثنى مثنى- أيضا- وتثنية الحيعلتين والتكبير، ويختم بلا إله
إلا الله [ والإقامة فرادى، وتثنية التكبير ] (4) أولها وآخرها. فظهرَ من
هذه الروايات: أن أبا محذورة وأولاده لم يدوموا على الرواية المذكورة
التي فيها التكبير مثنى في أوله، والترجيع في الشهادتين، والإفراد في
الحيعلتين.
__________
(1) انظر: نصب الراية (1/262 و 268) .
(2) (2/1106)
(3) غير واضحة في الأصل، وهي أقرب إلى ما أثبتناه.
(4) زيادة من نصب الراية.
.

(2/435)


487- ص- نا محمد بن داود الإِسكندراني: نا زياد- يعني: ابن
يونس-، عن نافع بن عمر، عن عبد الملك بن أبي محذورة أخبره عن
عبد الله بن مُحيريز الجُمحي، عن أبي محذورة، أن رسولَ الله- عليه
السلام- عَلَّمه الأذانَ: يقولُ: " الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إلهَ إلا الله،
أشهد أن لا إله إلا الله " ثم ذكر مثل حديث (1) ابن جريج، عن عبد العزيز
ابن عبد الملك ومعناه (2) .
ش- محمد بن داود: ابن أبي ناجية الإسكندراني، وزياد: ابن يونس
الحضرمي.
ونافع بن عمر: ابن عبد الله القرشي الجُمحي المكي. سمع: ابن
أبي مليكة، وعمرو بن دينار، وبشر بن عاصم وغيرهم. روى عنه:
يحيى القطان، وابن المبارك، والقعنبي وغيرهم. قال أحمد بن حنبل:
ثبت ثبت صحيح الحديث 0 وقال ابن معين: ثقة. مات بمكة سنة تسع
وستين. روى له الجماعة (3) .
قوله: " ثم ذكر مثل حديث ابن جريج " وهو الذي رواه أبو عاصم عن
ابن جريج الذي في أوله التكبير المربّع.
ص- وفي حديث مالك بن دينار قال: سألت ابن أبي محذورة قلتُ:
حدِّثنِي عن أذانِ أبيكَ عن رسولِ اللهِ، فذكر قال: " الله كبر الله أكبر " قط.
ش- أي: قال أبو داود: وفي حديث مالك بن دينار، عن عبد الملك
ابن أبي محذورة؛ والمقصود: أنه ذكر التكبير في أوله مَرتين. ومالك بن
دينار: أبو يحيى البصري الزاهد.
ص- وكذلك حديث جَعفر بن سليمان، عن ابن أبي محذورة، عن
عمِّه عن جلِّه؛ إلا أنه قال: " ثم ترجع فترفعَ صوتكَ: الله أكبر الله أكبر " .
__________
(1) في سنن أبي داود: " مثل أذان حديث " .
(2) تفرد به أبو داود.
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (29 /6367) .

(2/436)


ش- أي: كحديث مالك بن دينار: حديث جعفر بن سليمان
الضبعي، عن عبد الملك بن أبي محذورة، عن عمه ... (1) .
وهذا- كما رأيت- قد اختلفت الروايات عن أبي محذورة وقال ابن
عبد البر: علمه رسول الله الأذان بمكة عام حنين، فرُوِيَ عنه فيه تربيع
التكبير في أوله، ورُوِيَ عنه فيه تثنيته؛ والتربيع فيه من رواية الثقات
الحُفّاظ؛ وهي زيادة يجب قبولها،َ والعمل عندهم بمكة في آل محذورة
بذلك إلى زماننا، وهو في حديث عبد اللّه بن زيد في قصة المنام، وبه
قال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد.
488- ص- نا عمرو بن مرزوق: أنا شعبة، عن عمرو بن مرة قال.
سمعت ابن أبي ليلى ح ونا ابن المثنى: نا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن
عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى قال: أحيلت الصلاةُ ثلاثةَ أحوال فال: ونا
أصحابنا أن رسولَ الله قال: " لقد أعجبَنَي أن تكونَ صلاةُ المسلمًين أو (2)
المؤمنين واحدة حتى لقد هَممتُ أن أبث رِجالاً في الدُورِ ينادُونَ الناسَ
بحينِ الصلاة، حتى (3) همَمتُ أن آمُرَ رِجالاً يَقُومونَ على الآطَام ينادُونَ
المسلمين بحيَنِ الصلاة، حتى نَقَسُوا أو كادوا أن يَنقُسُوا " قال: فجاءَ رجلٌ
من الأنصارِ فقال: ياَ رسولَ اللهِ! إني لمّا رَجَعتُ لما رأيتُ من اهتمامِكَ،
رأيتُ رجلاً كأن عليه ثوبَينِ أخضرينِ، فقامَ على المسجد فأدن، ثم قَعَدَ
قَعدَةً، ثم قام فقال مثلَها؛ إلا أنه يقول: قد قَامت الصلاةُ، ولولا أن يقولَ
الناسُ- قال ابن المثنى: أن تقولوا- لقلتُ: إني كنَتُ يقظانًا غيرَ نائمٍ ، فقال
رسولُ الله- وقال ابنُ المُثنى: " لقد أراكَ اللهُ خيرًا " ولم يَقُل عَمرو:
" لقَد (4) " - " فمُر بلالاً فَليُؤذن " . قال: فقال عُمر: أما إني قد رَأيتُ مثلَ
الذي رأى؛ ولكني لما سُبِقتُ استَحيَيتُ (5) .
__________
(1) بياض في الأصل قدر ثلث سطر.
(2) في سنن أبي داود: " أو قال " .
(3) في سنن أبي داود: " وحتى " .
(4) في سنن أبي داود: " لقد أراك الله خيراً!.
(5) تفرد به أبو داود.

(2/437)


ش-/عَمرو بن مرزوق: البصري، أبو عثمان الباهلي. روى عن:
شعبة، وعكرمة بن عمّار، والحمادين وغيرهم. روى عنه: أبو داود
الطيالسي، وأبو حاتم، والبخاري تعليقًا، وأبو داود، وغيرهم. قال
أبو حاتم: كان ثقة من العُباد. مات بالبصرة في صفر سنة أربع وعشرين
ومائتين (1) .
وعمرو بن مُرة: ابن عبد اللّه المرادي الكوفي. وابن أبي ليلى:
عبد الرحمن، واسم أبي ليلى: يَسار؛ وقد ذكرناه. وابن المثنى: محمد،
أحد شيوخ أبي داود. ومحمد بن جعفر: الهُذلي المعروف بغندر .
قوله: " أحيلت الصلاةُ ثلاثة أحوال " أي: غُيرت ثلاث تغييرات أو
حُوِلّت ثلاثَ تحويلات، وهذه ما فسرت تفسيرًا جيّدا إلا في حديث مًثله
أخرجه أحمد بن حنبلً في " مسنده (2) " وهذا لفظهُ: ثنا أبو النضر قال:
ثنا المَسعوديّ قال: حدثني عمرو بن مُرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى،
عن معاذ بن جَبل قال: أُحيلت الصلاة ثلاثة أحوال؛ فأما أحوال
الصلاة: فإن النبي- عليه السلاَم- قدِم المدينةَ وهو يُصلِّيِ سَبعة عشر شهرا
إلى بَيت المَقدس، ثم إن اللّه عز وجلّ أنزل عليه (قَد نرَى تَقَلُبَ وَجهِكَ
فِي السَمَاء فَلَنُولَيّنًّكَ قبلَةً تَرضَاها) الآية (3) ، فوجهَه الله إلى مكة؛ فهذا
حَولٌ . قاَل: وكانواَ يجتمعون للصلاة (4) ويؤذن بها بَعضُهم بعضًا حتى
نقسوا أو كادوا ينقسوا، ثم إن رجلا من الأنصار يُقال له: عبد الله بن
زَيد أتى رسولَ الله فقال: يا رسول الله! إني رأيتُ فيما يرى النائم ولو
قلتُ: إني لم أكن نائمًا لصدقتُ إني أنا بين النائم واليقظان إذ رأيتُ
شخصًا عليه ثوبان أخضران فاستقبل القبلةَ فقال: الله أكبرُ الله أكبر،
أشهد أن لا إله إلا الله مثنى، حتى فرغ من الأذان ثم أمهل ساعةً، ثم
قال مثل الذي قال، غير أنه يزيد في ذلك: قد قامت الصلاة قد قامت
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (22/4446) .
(2) (5/246) .
(3) سورة البقرة: (144) .
(4) في الأصل: الصلاة " .

(2/438)


الصلاة. فقال رسولُ الله: " عَلمها بلالاً فليؤذن بها " فكان بلالٌ أول من
أذن بها. قالَ: وجاءهَ عُمر بن الخطاب فقال: يا رسولَ اللّه! إنه قد
طاف بي مثل الذي طاف به، غير أنه سبَقني؛ فهذان حَولان. قال:
وكانوا يأتون الصلاة وقد سَبَقَهم النبيّ- عليه السلام- ببَعضِها فكان
الرجل يُشيرُ إلى الرجل إذا جاء: كَم صَلّى؟ فيقول: واحدة أو اثنتَين،
فيصليها ثم يدخل مع القَوم في صلاتِهم. قال: فجاء معاذٌ فقال: لا
أجده على حال أبدا إلا كنتُ عليها، ثم قَضيتُ ما سَبقنِي. قال: فجاء
وقد سبقه النبي- عليه السلام- ببَعضِها. قال: فثبتَ معه، فلما قضى
رسول اللّه صلاته قام فقضى، فقال رسول اللّه: " إنه قد سنن لكم مُعاذٌ
فهكذا فاصنعُوا " فهذه ثلاثة أحوالٍ الحديثَ.
قوله: " قال: وحدثنا أصحابنا " أي: قال عبد الرحمن بن أبي ليلى:
حدثنا أصحابنا.
قلتُ: إن أراد به الصّحابةَ فهو قد سمع من جماعة من الصحابة؛
فيكون الحديث مُسندا؛ وإلا فهو مُرسلٌ ، وذكر الترمذي ومحمد بن
إسحاق بن خزيمة أن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ بن
جبل. وقال الشيخ زكي الدين في " مختصر السنن " : وما قالاه ظاهر
جدا؛ فإن ابن أبي ليلى قال: وُلدتُ لست بقين من خلافة عمر؛ فيكون
مولده سنة سبع عشرة من الهجرة، ومعاذ توفي سنة سبع عشرة أو ثمان
عشرة، وقد قيل: إن مولده لست مضين من خلافة عمر؛ فيكون مولده
على هذا بعد موت معاذ. ولم يَسمع ابن أبي ليلى- أيضاً- من عبد اللّه
ابن زيد الأنصاري.
قوله: " أو المؤمنين " شكّ من الراوي.
قوله: " لقد هممتُ أن أبُث رجالا " أي: لقد أرَدتُ؛ من هممتُ
بالشيء اهُتم هَما إذا أرَدتُه؛ ومعنى أبُث: أُفرّق؛ من البَث وهو النَشر
و " أن " مَصدرية؛ والتقدير: لقد هممتُ بَث رجالٍ " في الدور " . أي:
القبائل.

(2/439)


قوله: " بحين الصلاة " أي: بوَقتها.
قوله: " على الآطام " الآطام- بالمدّ- جمعُ أُطُم- بضم الهمزة
والطاء-؛ وهو بناء مرتفع/وآطام المدينة: أبنيتها المرتفعة، وفي
" الصحاح " : الأطُم مثل الأُجُم- يخفف ويُثقلُ- والجمعُ: آطام؛ وهي
حصون لأهل المدية، والواحد: أطَمة مثل أكَمة. انتهى. ويقال:
الآطام: جمعُ إِطام- بكسر الهمزة- وهو ما ارتفع من البناء.
قوله: " حتى نقَسُوا " - بفتح القاف- من النَقس، وهو الضربُ
بالناقُوس؛ وهي خشبة طويلة تضرب بخشبة أصغر منها، وقد ذكرناه.
قوله: " أو كادوا أن ينقُسوا " - بضم القاف-؛ لأنه من نقس يَنقُس،
من باب نصر ينصُر؛ وهو شك من الراوي، والمعنى: أو قربُوا من نَقس
النَاقُوس؛ لأن " كاد " من أفعال المقاربة.
قوله: " فجاء رجل من الأنصار " وهو مفسر في حديث أحمد الذي
ذكرناه بعبد اللّه بن زيد الأنصاري.
قوله: " لمّا رجعتُ لما رأيتُ " قد علمت أن " لما " على ثلاثة أوجه؛
أحدها: أن يحزم المضارع ويقلبه ماضيًا، والثاني: أن يكون حرف
استثناء، فيدخل على الجملة الاسمية نحو (إِن كُل نَفسٍ لَمَا عَلَيهَا
حَافِظ) (1) فيمن شدد الميم، والثالث ت ظرف بمعنى " حين " فتختص
بالماضي، فتقتضى جملتين وُجدت ثانيتهما عن وجود أولاهما نحو: لما
جاءني أكرمته ويكون جوابها فعلا ماضيًا اتفاقا وجملة اسميةً مقرونة بإذا
الفجائية أو بالفاء- عند ابن مالك- وفعلا مضارعا- عند ابن عصفور-؛
" ولمّا " هذه هاهنا من القسم الثالث. وقوله: " رأيتُ رجلاً " جوابُ
كل واحد من " لما رجحتُ " ، " لما رأيتُ " .
قوله: " كان عليه ثَوبين أخضرين " قد وقع كذا في رواية أبي داود " ثوبين
أخضرين " وفي رواية أحمد- كما ذكرنا- " كان عليه ثوبان أخضران "
__________
(1) سورة الطارق: (4) .

(2/440)


وهو القياس؛ لأن ثوبين فاعل كان وهو اسمُه فيكون مرفوعًا، وخبره:
قوله: " عليه " . ووجه رواية أبي داود- إن صحت- أن تكون " كان "
زائدة، وهي التي لا تُخِل بالمعنى الأصلي، ولا يعملُ في شيء أصلا،
ويكون نَصب " ثوبَين " بالفعل المقدر؛ والتقدير: رأيت رجلا ورأيت عليه
ثوبَين أخضرين، فقوله: " رأيتُ " يكون دالا على " رأيت " الثاني المقدّر،
وجَعلُنا " كان " هاهنا زائدةً لا يُخِلُّ بالمعنى الأصلي- كما قد رأيتَ.
فإن قيل: فإذا لم تعمل " كان " الزائدة فما فائدةُ دخولها في الكلام؟
قلت: فائدته تأكيد جملة صُدرت بها، ويدلّ على الزمان- أيضا- ألا
ترى أن " كان " في قولهم: ما كان أحسن زيدا، زائدةٌ لم تعمل بشيء؛
ولكنها دَلّت على الزمان، والمعنى: ما أحسن زيدا أَمسِ، فافهم.
قوله: " ثم قَعَدَ قَعدةً " - بفتح القاف- والفَعلة- بالفتح- يدل على
المرة، وبالكسر يدل على الهيئة؛ والمراد هاهنا: المرة لا الهيئة. وفيه
دلالة على استحباب الفصل بَين الأذان والإقامة بقعدة ونحوها.
قوله: " مثلها " أي: مثل كلمات الأذان.
قوله: " ولولا أن يقول الناس " أي: قال ذلك الرجل من الأنصار- وهو
عبد اللّه بن زيد-: لولا أن يقول الناسُ.
قوله: " قال ابن المثنى " من كلام أبي داود، أي: قال محمد بن المثنى،
وهو أحد شيوخه في روايته: " أن تقولوا " موضع " أن يقول الناس " 0
قوله: " لقلتُ " جواب قوله: لولا، وقوله " قال ابن المثنى: أن
تقولوا " مُعترض بين " لولا " وجوابه.
قوله: " يَقظانًا " - بفتح القاف وسكونها- وقوله لا غير نائم " تأكيد له
من جهة المعنى.
قوله: " لقد أراك اللهُ خيرًا " مقول لقوله: " فقال رسول اللّه " .
وقوله: " وقال ابن المثنى " معترض بين القول ومَقُوله.
قوله: " ولم يَقُل عَمرو: لقَد " من كلام أبي داود، أي: لم يقل عمرو
ابن مرزوق أحد شيوخ أبي داود في روايته " لقَد " بل روايته " أراك اللّه
خيرا " بدون " لقَد " .

(2/441)


قوله: " فمُر بلالا " من كلام النبي- عليه السلام-، يُخاطبُ عبد اللّه
ابن زيد الأنصاري.
قوله: " أما إِني " بفتح الهمزة في " أما " وكسرها في " إني " فافهم.
قوله: " سُبقتُ " على صيغة المجهول أي: لما سبقني عبد الله بن زيد
بمقالته " استحييتُ " أن أذكر منامي الذي رأيته كما رأى.
ص- قال: وحدثنا أصحابنا قال: كان (1) الرجلُ إذا جاء يَسألُ فيُخبرُ بما
سُبق من (2) صلاته، وأنهم قاموا مع رسول الله- عليه السلام- من بينِ
قائمِ وراكعِ، وقاعد ومصلي (3) مع رسولِ اللهَ/قال ابن المثنى: قال عمرو:
وحدثني بها حُصَينَ، عن ابن أبي ليلى حتى جاء مُعاذ. قال شعبةُ: وقد
سمعتُها من حُصَينٍ فقال: لا أراهُ على حال إلى قوله " كذلك فافعلوا " ثم
رجعتُ إلى حديث عَمرو بن مَرزُوق قال: فجاء معاذ فأشاروا إليه. قال
شعبةُ: وهذه سمعتُها من حُصَين قال:َ فقال مُعاذ: لا أراهُ على حال إلا كنتُ
عليها. قال: " فقَال إن معاذا قد سَنَ لكم سُنةً كذلك فافعلُوا "

ش- هذا هو الحال الثاني من الأحوال الثلاث التي قالها ابن أبي ليلى:
" أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال؛ فالحال الأول: قد بيّنه الشيخ بقوله: قال:
ونا أصحابنا أن رسول اللّه قال: " لقد أعجبني " إلى آخره، وقد ببنها
الإمام أحمد مُفسرةً واضحةً مجموعة- كما ذكرناه. وأبو داود بيّنها مفرقةً
مختلطة بعضها في بَعض، وأدخل في أثناء الحديث بَعض رُواته- كما
ترى.
قوله: " قال: وحدثنا أصحابنا " أي: قال عبد الرحمن بن أبي ليلى،
وقد ذكرنا أنه إن أراد به الصحابة فالحديث مُسند وإلا فمُرسلٌ .
قوله: " كان الرجل إذا جاء يَسأل " يعني: كان الرجل من الرجال إذا
جاء إلى الصلاة مع النبي- عليه السلام- يسأل ممن كان هناك: كم صلّى
رسولُ الله من الركعات؟
__________
(1) في سنن أبي داود: " وكان "
(2) مكررة في الأصل.
(3) في سنن أبي داود: " ومصل " .

(2/442)


قوله: " فيُخبرُ بما سُبق من صلاته " على صيغة المجهول، أي: يُخبره
المُخبرُ بالَّذي سُبِق من أَعداد ركعات صلاته ركعةً أو ركعتين أو ثلاثا،
فكان الرجل يُصليها وحده ثم يقوم ويدخل مع القوم في صلاتهم.
قوله: " وإنهم قاموا " بكسر الهمز .
وقوله: " من بين قائم " إلى آخره؛ إشارة إلى أن منهم من كان يدرك
صلاة النبي- عليه السلامَ وهو في القيام، ومنهم من كان يدركه وهو
في الركوع، ومنهم من كان يدركه وهو في القعدة، ومنهم من كان يدركه
من الأول، وهو معنى قوله " ومُصلي مع رسول اللّه " وقوله " مع رسول
اللّه " متصل بالجميع، أعني بقوله " من بين قائم " إلى آخره.
قوله: " قال ابن المثنى: قال عمرو " أي: قال محمد بن المثنى: قال
عمرو بن مُرة.
قوله: " وحدثني بها حُصَين عن ابن أبي ليلى " أي: قال عمرو بن مرة:
وحدثني بها- أي: بالقصّة المذكورة- وإنما قال: وحدثني بواو العَطف؛
لأنه قال في الرواية الأولى: عن ابن أبي ليلى، وفي هذه الرواية:
حدثني بها حُصَين، عن ابن أبي ليلى فكأنه قال: حدثني بها ابن
أبي ليلى، وحدثني بها حصين، عن ابن أبي ليلى؛ وهو حُصين بن
عبد الرحمن أبو الهذيل السُلمي الكوفي، وقد ذكرناه.
قوله: " حتى جاء معاذ " من تتمة قوله " ومُصلي مع رسول اللّه " .
وقوله " قال ابن المثنى " إلى آخره معترض بينهما، وكذلك قوله " قال
شعبة " إلى قوله " فقال: لا أراه " معترض بين قوله " حتى جاء معاذ "
وبين قوله " لا أراه " .
قوله: " قد سمعتها " أي: قد سمعت هذه القصة من حُصَين المذكور.
قوله: " فقال: لا أراهُ " أي: قال معاذ: لا أرى النبي- عليه السلام-
على حالٍ من الأحوال إلا كنتُ عليها.
قوله: " ثم رجعتُ " من كلام أبي داود، أي: ثم رجعت إلى رواية
عمرو بن مرزوق أحد شيوخه.

(2/443)


قوله: " فجاء معاذ " أي: جاء مُعاذ والنبيُّ- عليه السلام- يُصلَي مع
القوم فأشاروا إليه، أي إلى مُعاذ بما سُبِق.
قوله: " قال شعبة " إلى قوله " فقال معاذ " معترض بين قوله " فأشاروا
إليه " وبَين قوله " فقال معاذ " .
قوله: " قال: فقال معاذ " أي: قال شعبة: قال معاذ، حين أشاروا
إليه: " لا أراه على حالٍ إلا كنتُ عليها " بمعنى: أني لم أُخالفه في حال
من الأحوال، مثل ما كانوا يفعلونه مِن أنهم إذا جاءوا إليه- عليه السلام-
وهو يُصلي مع القوم يَسألونهم: كم صلّى من الصلاة؟ فيصلون ما
سُبقوا، ثم يدخلون في صلاة القوم- كما ذكرناه- ومعاذ لم يَفعل ذلك؛
بلَ كما جاء شرع في صلاة النبي- عليه السلام-، ثم لما فرغ النبي
- عليه السلام- قام معاذ وقضى ما عليه، فقال النبي- عليه السلام-:
" إن معاذًا قد سَنّ لكم سُنَة، كذلك فافعلوا " أي: كما فعل معاذٌ
فافعلوا- كما قد فسّر هكذا في حديث أحمد/رضي اللّه عنه.
ويُستفاد من الحديث: أن المسبوق يجب أن يُشارك الإمامَ من حين
وصوله، ثم إذا فرغ الإمامُ يقوم ويَقضي ما فاتَه، وفيه دليل لمن يُجوّز
الاجتهاد بحَضرة النبي- عليه السلام-، وفيه دليل على إطلاق السُنَة
لغير النبي- عليه السلام-؛ كما يقال: سُنَّة العمرين، وهذا سُنَّة معاذ
- رضي الله عنه-.
ص- قال: وحدثنا أصحابُنَا أن رسولَ الله-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِما قَدمَ المدينةَ أمرَهُم بصيام
ثلاثة أيام، ثم انزِلَ رَمضانُ، وكانوا قوما لمَ يتعوّدُوا اَلصيامَ، وكان الصيام
عليهَم شديدًا، فكان مَن لم يَصُم أطعَم مسكينًا، فنزلت هذه الآية (فَمَن
شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهرَ فَليَصُمهُ) (1) فكانتِ الرُّخصةُ للمريضِ والمُسافرِ، فأمِروُا
بالصِيام.
ش- أي: قال ابن أبي ليلى؛ وفي " مسند أحمد (2) " : " وأما
__________
(1) سورة البقرة: (185) .
(2) (5/246- 247) *

(2/444)


أَحوال الصيام: فإن رسول اللّه- عليه السلام- قدم المدينة فجعل يصومُ
من كل شهر ثلاثة أيام، وصام عاشوراء، ثم إن اللّه عز وجل فرض عليه
الصيام، فأنزل اللّه تعالى (يَا أيُّهَا الَذينَ آمَنُوا كُتبَ عَلَيكُمُ الصَيامُ كَما
كُتبَ عَلَى الَذينَ من قَبلِكُم) إلى قولهَ (وَعَلى الَّذَينَ يُطيقُونهُ فديَةٌ طَعَامُ
مِسكِينٍ) (1) وكَان مَن شَاء صام ومن شاء أطعمَ مسكينَا، فأَجزأ ذلك
عنه، ثم إن اللّه عز وجل أنزل الآية الأخرى (شَهرُ رَمَضانَ (2) الَّذي
أنزِلَ فيه القُرانُ) إلى قوله (فَمَن شَهِدَ منكُمُ الشَّهرَ فَليَصُمهُ) فأثبت الله
عز وجَلَ صيامَه على المقيم الصحيح، وَرخصَ فيه للمريض والمسافر،
وثبت الإطعامُ للكبير الذي لا يَستطيع الصيام. فهذان حَولان. قال:
وكانوا يأكلون ويَشربون ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا امتنعوا، ثم
إن رجلا من الأنصار يُقال له: صرمة كان يعملُ صائمًا حتى أمسى، فجاء
إلى أهله، فصلى العشاء ثم نام، فلم يأكل ولم يشرب حتى أصبح
صائمًا، فراَه رسولُ الله وقد جهَد جَهدًا شديدًا، فقال: " مالي أراك قد
جهدت جهدا شديدًا؟ " قال: يا رسول اللّه! إني عمِلتُ أمسِ فجئتُ
حين جئت فألقيتُ نفسي فنمتُ، فأصبحتُ حين أصبحتُ صائما قال:
وكان عُمر- رضي الله عنه- قد أصاب من النساء بعدما نام فأتى النبي
- عليه السلام- فذكر ذلك له فأنزل اللّه عز وجل (أحلَّ لَكُم لَيلَةَ الصَيام
الرفَثُ) إلى قوله (إِلَى اللَّيلِ) . وهذا من تتمة الَحديث الذي ذكرناه
عن قريب.
ص- قال: وحدثنا بعضُ أصحابنَا قال: وكان الرجل إذا أفطر فنام قبل
أن يأكل لم يأكل حتى يُصبح قال: فَجاء عُمر فأرَادَ امرأتَه فقالت: إني قد
نمتُ، فظَنَّ أنها تعتل فأتاها، فجاء رجل من الأنصار فأراد طعامًا فقالوا:
حتى نُسخن لك شيئا فنامَ فلما أصبحوا نزلت (3) هذه الآية فيها (احِلَّ لَكُم
لَيلةَ الصمام الرَفَثُ إِلَى نِسَائِكُم) (4) .
__________
(1) سورة البقرة: (183، 184) .
(2) مكررة في الأصل.
(3) في سنن أبي داود: " أنزلت " .
(4) سورة البقرة: (187) .

(2/445)


ش- أي: قال ابن أبي ليلى.
قوله: " فأراد امرأته " كناية عن طلب الجماع.
قوله: " فأتاها " أي: جامعها.
قوله: " فجاء رجل من الأنصار " وهو صِرمة المذكور في حديث أحمد .
489- ص- نا محمد بن المثنى، عن أبي داود ح ونا نصر بن المهاجر:
نا يزيد بن هارون، عن المَسعوديّ، عن عَمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى،
عن معاذ بن جبل قال: أحيلَت الصلاةُ ثلاثةَ أحوال، وأُحيلَ الصيامُ ثلاثةَ
أحوالٍ . وساقَ نصرٌ الحدَيث بطوله، واقتصر (1) ابنَ المثنى منه قصة
صلاتهم نحو بَيت المقدس قط (2) .ً
ش- أبو داود هذا: سليمان بن داود الطيالسي. ونصر بن المهاجر:
أحد شيوخ أبي داود؛ وقد ذكرناه. ويزيد بن هارون: أبو خالد الواسطي.
والمَسعودي: هو عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عتبة بن عبد اللّه بن مسعود
المَسعودي الكوفي. سمع: أبا إسحاق الشيباني، وجامع بن شداد،
وعبد الرحمن بن الأسود، وعطاء بن السائب، وعمرو بن مرّة وغيرهم.
روى عنه: وكيع، ويزيد بن هارون، وأبو داود الطيالسي، وجماعة
آخرون. قال ابن معين: ثقة إذا حدّث عن عاصم وسلمة بن كهيل،
وقال- أيضا- ثقة ثقة. مات سنة ستين ومائة. روى له: أبو داود،
والترمذي، والنسائي/وابن ماجه (3) .
قوله: " وساق نصر " أي: نصر بن المهاجر المذكور.
قوله: " واقتصر ابن المثنى منه " أي: اقتصر محمد بن المثنى من الحديث
و " قصةَ " منصوب على أنه مفعول " اقتصر " لأن افتعل يجيء بمعنى فعل؛
كمدح وامتدح.
__________
(1) في سن أبي داود: " اقتص " .
(2) تفرد به أبو داود.
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (17/3872) .

(2/446)


ص- قال: الحال الثالث: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قدمَ المدينةَ فصلَّى- يعنِيِ:
نحو بَيت المقدس- ثلاثةَ عَشَرَ شَهرًا، فانزلَ اللهُ تَعالى هذه الآية (قَد نرى
تَقَلُّبَ وَجهِكَ فيَ السَّمَاء فَلنُوَلينَّكَ قبلَةً تَرضَاهَا فَولِّ وَجهَكَ شَطر المَسجد
الحَرامِ وحَيثُ مًا كُنتُم فَولوا وُجُوهَكم شَطرَهُ) (1) فوجّهه الله عز وجلّ إلَىَ
الكعبة. وتَمّ حديثُه.
ش- أي: قال ابن أبي ليلى: الحال الثالث من الأحوال الثلاث التي
ذكرها في قوله: " أُحيلَت الصلاة ثلاثة أحول " الحال الأوّل: قضية
عبد اللّه بن زيد في روياَ الأذان، والحال الثاني: قضيّة معاذ- رضي الله
عنه- في الصلاة، والثالث: هذا؛ وهو قضيّة تحويل القبلة؛ وذلك أنه
- عليه السلام- لما قدم المدينة أُمر أن يصلي إلى صخرة بَيت المقدس تألفًا
لليهود ستة عشر شهرا، وقيل: سبعة عشر، ثم حُول إلى الكعبة؛ لأنه
كان يعجبه أن تكون قبلته إلى البيت. وعن ابن عباس: كانت قبلته بمكة
بيت المقدس إلا أنه كان يجعل الكعبة بَينه وبَينه، وكان تحويل القبلة قبل
غزوة بدر. قال بعضهم: كان ذلك في رجب سنة ثنتين. وبه قال: قتادة،
وزيد بن أسلم، وهو رواية عن محمد بن إسحاق. وقيل: في شعبان
منها. وقال ابن إسحاق بعد غزوة عبد اللّه بن جحش، ويقال: في
شعبان على رأس ثمانية عشر شهرا من مقدم رسول اللّه، وحكاه ابنُ
جرير عن ابن عباسٍ ، وابن مسعود، وناسٍ من الصحابة، وهو قول
الجمهور. وحُكِيَ عن الواقديّ أنها حُوّلت يوم الثلاثاء النصف من
شعبان. وقال بعضهم: نزل التحويل وقت الظهر. وقال بعضهم: كان
بين الصلاتين.
قوله (قَد نَرَى) معناه: ربّما نرى، ومَعناه: كثرة الروية،
والحاصل: أن " قد " للتقليل؛ ولكنه استعير هاهنا للتكثير لمجانسة بين
الضدين، كما أن التقليل قد يُستعار للتكثير.
__________
(1) سورة البقرة: (144) .

(2/447)


قوله: (تَقَلُّبَ وَجهكَ) أي: تردد وجهك وتصرف نظرك في جهة
السماء؛ وكان- عليهَ السلام- يَتوقعُ من اللّه أن يُحوله إلى الكعبة؛
لأنها قبلة أبيه إبراهيم- عليه السلام-، وأدعى للعرب إلى الإيمان؛ لأنها
مفخرتهم ومزارهم ومطافهم، ولمخالفة اليهود، فكان يُراعي نزول جبريل
- عليه السلام- والوَحي بالتحويل.
قوله: (فَلَنُوَليّنًكَ) أي: فلنُعطينك ولنمكّننك من استقبالها، من
قولك: وَليته كذا إذا جعَلته واليًا له.
قوله: (تَرضَاهَا) أي: تحبّها وتميلُ إليها لأغراضك الصحيحة التي
أضمَرتها.
قوده: (شَطرَ المَسجد الحَرَامِ) أي: نحوَه؛ وقرأ أُبي " تلقاءَ المسجد
الحرام " وهو نَصب علَىَ الظرف، أي: اجعل تولية الوجه في جهة
المسجد وسَمته؛ لأن استقبال عين القبلة فيه حرج عظيم على البَعيد، وذكر
المسجد الحرام دون الكعبة دليل على أن الواجب مراعاة الجهة دون العين؛
ولهذا قال جماعة من أصحابنا: يجب على من كان في المسجد الحرام أن
يستقبل عين الكعبة، ومن كان في مكة يستقبل المسجد الحرام، ومن كان
خارج الحرم من أهل الدنيا يستقبل الحرم من أيّ جهة كان.
قوله: " وتم حديثه " أي: حديث ابن المثنى.
ص- وسمّى نصرٌ صَاحبَ الرؤيَا قال: فجاء عبدُ الله بنُ زيد رجل من
الأنصارِ وقال فيه: فاستقبلَ القبلَة قال: الله كبر، الله أكبرَ، أشهدَ أن لا إله
إلا اللّه، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، أشهد أن محمدَا رسول الله، أشهد أن
محمدَا رسول الله، مرتين (1) . حَيَّ على الصلاة مرتينِ، حَي على الفلاح
مرتين، الله كبر، الله كبر، لا إله إِلا الله. ثم أمهلَ هُنيةَ، ثم قام فقال مثلها
إلا أنه (2) زادَ بعدما قال: حيَ على الفلاح: قد قَامتِ الصلاةُ،
__________
(1) كلمة مرتين غير موجودة في سنن أبي داود.
(2) في سنن أبي داود: " إلا أنه قال: زاد " .

(2/448)


قد قَامت الصلاةُ. قال (1) رسول الله- عليه السلام-: " لقنها بلالا " فأذن
بها بلالاً.
ش- أي: سمّى نصر بن المهاجر: صاحب الرؤيا وهو من كلام
أبي داود.
قوله: " قال: فجاء عبد الله " / أي: قال نصرٌ في بقية حديثه: فجاء
عبدُ اللّه.
قوله: " رجُل من الأنصار " مَرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره:
هو رجل من الأنصار، والجملة تكون صفة كاشفة، ويجوز أن تكون
بدلاً من عبد الله، والتطابق بين البدل والمبدل منه ليس بشرط، وتبدل
النكرة من المعرفة، والمعرفة من النكرة، والمعرفة من المعرفة، والنكرة من
النكرة، والبدل أربعة أنواع، فيصير الجملة ستة عشر بخلاف الصفة
والموصوف ؛ فإن التطابق بَينهما شرط تعريفا وتنكيرا وغير ذلك كما عرف
في موضعه، على أن الرجل هاهنا اتصف بقوله " من الأنصار " .
قوله: " وقال فيه " أي: في حديثه الذي حدّث من رؤياه.
قوله: " ثم أمهلَ هُنيةً " بمعنى أبطأ ساعةً لطيفةً، وأَمهَلَ: أفعل؛ ولكنه
بمعنى فعل كأنبت الزرع بمعنى: نبت. " وهُنية " : تصغير هَنَة، ويقال:
هُنَيهة- أيضا- وهو القليل من الزمان.
قوله: " مثلها " أي: مثل كلمات الأذان.
ص- وقال في الصوم: قال: فإنَّ رسولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يَصُومُ ثَلاثَة أيام
من كل شهرٍ ، ويَصومُ يَومَ عَاشُوراءَ، فأنزلَ اَللهُ عَر وجل (كُتبَ عَلَيكُم
الصَيَامُ كَمَا كُتبَ عَلَى الَذين مِن قَبلِكُم) إلى قوله (طَعَامُ مسكين) (2)
فكان من شاءً أن يَصومَ صًامَ، ومَن شَاءَ أن يُفطِرَ ويُطعم كل يوم مًسكينًا
أجزاهُ ذلك. فهذا (3) حَول. فأنزلَ اللّه عز وجل (شَهرُ رَمَضانَ الَذِيَ انزِلَ
__________
(1) في سنن أبي داود: " قال: فقال "
. (2) سوية القرة: (183، 184) .
(3) في سنن أبي داود: " وهذا " .
29. شرح سنن أبي داوود 2

(2/449)


فِيه القُرآنُ) إلى (أيامِ أُخَرَ) (1) فثبت الصيامُ على مَن شهر الشهر،
وعَلى المُسافرِ أن يقضي، ولبت الطعامُ للشيخِ الكَبيرِ والعجوز اللَّذين لا
يَستطيعانِ الصومَ، وجاء صِرمَةُ وقد عَمِلَ يَومَه. وساَقَ الحديث (2) .
ش- أي: قال ابن أبي ليلى في روايته: قال مُعاذ- رضي اللّه عنه-.
قوله: " كان يَصومُ ثلاثة أيام من كل شهر " وكانت هذه فرضًا قبل
رمضان، وكذلك كان صوم عاشوراء؛ فلما أنزل اللّه تعالى (يَا أيهَا
الَّذينَ آمَنُوا كُتبَ عَلَيكُمُ الصّيَامُ) الآية نسخَ ذلك الصومَ؛ والصيام
والَصوم واحدَ وَهو الإمساك لغةً، وشرعا: إمساك عن المُفطرات.
قوله: (كَمَا كُتبَ عَلَى الَّذينَ مِن قَبلكُم) يعني: الأنبياء والأمم من
لدن اَدم، وفيه توكَيد للحكم وَترغيبٌ عَلى الفعل.
قوله: (طَعَامُ مسكين) يعني: نصف صاع من بُر أو صاع من غيره
عند فقهاء العراق، وَمُذ عند فقهاء الحجاز؛ رُخص لهم في ذلك أول
الأمر لما أمروا بالصوم فاشتد عليهم لأنهم لم يتعودوه، ثم نسخ بقوله
تعالى: (فَمَن شَهد َمنكُمُ الشَّهرَ فَليَصُمهُ) يعني: فمن حضر في أشَهر
ولم يكن مسافراً فَليصَمه (ومن كَانَ مَرِيضًا أو عَلَى سَفَر فَعدة مِّن أيَّام
أُخرَ) أي: فعليه عدة من أيّام أخر؛ والمعنى: أن المريضَ إذا أفطر
والمسافر إذا أفطر يجبُ عليهما أن يقضيا ذلك من أيام أخر؛ وكانت فرضية
رمضان في السنة الثانية من الهجرة قبل وقعة بدر، وقد قيل: إنه فرض
في شعبان منها.
قوله: " فهذا حول " أي: أمر الخيار بين الصوم الفرض وبين الإفطار
والإطعام للمسكين حال واحد من الأحوال الثلاثة. والحال الثاني:
فرضيّة الصوم على المقيم الصحيح من غير الخيار، والرُّخصة للمسافر
والمريض. والحال الثالث: ما قَصَّه اللّه في قوله: (أحِلَّ لَكُم لَيلَةَ الصَيَام
الرُّفَثُ) إلى قوله (اللَّيلِ) وقد مرّ هذا مُفسرا واضحا في حديث
__________
(1) سورة البقرة: (185) .
(2) تفرد به أبو داود.

(2/450)


أحمد. وتخريجُ أبي داود مُفرقٌ يحتاج فيه إلى إِمعان النظر والفِكر القوِي،
فافهم.
قوله: " وجاء صِرمةُ " صِرمة- بكسر الصاد المهملة وسكون الراء- هو
صرمة بن قيس، كنيتُه: أبو قيس، له صُحبةٌ وهو لا ينصرف للعلمية
وتاء التأنيث.
قوله: " وقد عمل يومه " جملة وقعت حالاً من " صرمة " وتمام قصته قد
مرّ في حديث أحمد.
***
28- باب في الإقامةِ
أي: هذا باب في بيان حكم الإقامة وصفته، وفي بعض النسخ: " باب
ما جاء في الإقامة " وهي مصدر من أقام يقيم/ إقامة، وفي اصطلاح
الفقهاء: هي إعلام الحاضرين.
490- ص- نا سليمان بن حَرب، وعبد الرحمن بن المبارك قالا: نا
حماد، عن سماك بن عطيّة ح ونا موسى بن إسماعيل: نا وهيبٌ - جميعا-،
عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس قال: أُمرَ بلالٌ أن يَشفعَ الأذانَ ويُوترَ
الإقامةَ (1) .
ش- سُليمان بن حرب: الواشحي، أبو أيوب البصري، قاضي مكة.
وعبد الرحمن بن المبارك: ابن عبد اللّه العَيشِي- بالياء آخر الحروف
والشين المعجمة- أبو بكر أو أبو محمد البصري. روى عن: وهيب بن
خالد، وأبي عوانة بن جرم (2) ، وعبد العزيز بن مسلم وغيرهم. روى
__________
(1) البخاري: كتاب الأذان، باب: بدء الأذان (603) ، مسلم: كتاب الصلاة،
باب: الأمر بشفع الأذان وإيتار الإقامة (2-378) و (3-378) ، الترمذي:
كتاب الصلاة، باب: ما جاء في إفراد الإقامة (193) ، النسائي: كتاب
الأذان، باب: تثنية الأذان (2/3) ، ابن ماجه: كتاب الأذان، باب: إفراد
الإقامة (729) .
(2) كذا، وفي تهذيب الكمال " أبو عوانة اليشكري، وحزم القُطعي " فلعله
مركب منهما، والله أعلم.

(2/451)


عنه: البخاري، وأبو زرعة، وأبو حاتم- وقال: صدوق-، وأبو داود
وغيرهم. وروى النسائي، عن رجل، عنه. مات سنة ثمان وعشرين
ومائتين (1) . وحماد: ابن زيد.
وسماك بن عطية: البصري المِربَدي، روى عن: الحسن البصري،
وأيوب السختياني. روى عنه: حمادَ بن زيد، والهيثم بن الربيع. روى
له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي (2) .
وموسى بن إسماعيل: المنقري. وَوُهَيب: ابن خالد بن عجلان
البصري. وأيوب: السختياني. وأبو قلابة: عبد اللّه بن زيد الجرمي
البصري.
قوله: " جميعًا " حال عن " سماك " وَ " وُهيب " بمعنى: مجتمعَين.
قوله: " أُمر بلال " أي: أمرَه رسول اللّه بذلك. وقد أخرجه النسائي
في " سننه " مَبينا من حديث أبي قلابة، عن أنسِ أن رسول اللّه أمَر بلالا
أن يشفع الأذان وأن يوتر الإقامة. وأخرجه البخاري، ومسلم،
والترمذي، وابن ماجه.
قوله: " أن يشفع الأذان " يعني: يأني به مثنى؛ وهذا مجمع عليه
اليوم؛ وحكِي في إفراده خلاف عن بعض السلف.
قوله: " ويوتر الإقامة " يعني: يأتي بها وترا ولا يثنيها بخلاف الأذان.
" (3) واختلف العلماء في لفظ الإقامة؛ فالمشهور من مذهب الشافعي:
أن الإقامة إحدى عشرة كلمة، وبه قال أحمد. وقال مالك في المشهور:
هي عشر كلمات؛ فلم يثن لفظ الإقامة، وهو قول قديم للشافعي. وقال
أصحابنا: الإقامة سبع عشرة كلمةَ، فيُثنيها كلها. واحتج الشافعي
بالحديث المذكور. واحتج أصحابنا بما رواه الترمذي من حديث عمرو بن
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (17/3946) .
(2) المصدر السابق (12/2581) .
(3) انظر: نصب الراية (1/268: 270) .

(2/452)


مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد اللّه بن زيد قال: كان
أذان رسول الله شفعا شفعا في الأذان والإقامة؛ وبما رواه أبو داود وابن
ماجه من حديث ابن محيريز؛ وقد مرّ بيانه، وقال فيه النسائي: ثم عدها
أبو محذورة تسع عشرة كلمةً وسبع عشر كلمةً، وقال الترمذي: حديث
حسن صحيح. ورواه ابن خزيمة في " صحيحه " ولفظه: " فعلمه الأذان
والإقامة مثنى مثنى " . وكذلك رواه ابن حبان في " صحيحه " . واعترض
البيهقي (1) فقال: وهذا الحديث عندي غير محفوظ لوجوه؛ أحدها: أن
مسلما لم يخرجه؛ ولو كان محفوظا لم يتركه مسلم؛ لأن هذا الحديث
قد رواه هشام الدستوائي، عن عامر الأحول دون ذكر الإقامة كما أخرجه
مسلم في " صحيحه " ، والثاني: أن أبا محذورة قد رُوِيَ عنه خلافه،
والثالث: أن هذا الخبر لم يدم عليه أبو محذورة ولا أولاده، ولو كان
هذا حكما ثابتَا لما فعلوا بخلافه. وأجاب الشيخ في " الإمام " بأن عدم
تخريج مسلم إياه لا يدل على عدم صحته؛ لأنه لم يلتزم إخراج كل
الصحيح، وعن الثاني: أن تعبين العدد بتسعة عشر وسبعة عشر ينفىِ
الغلط في العدد؛ بخلاف غيره من الروايات؛ لأنه قد يقع فيها اختلاف
وإسقاط- وأيضا- قد وُجدت متابعة لهمام في روايته عن عامر كما
أخرجه الطبراني عن سعيد بن أبي عروبة، عن عامر بن عبد الواحد،
عن مكحول، عن عبد اللّه بن محيريز، عن أبي محذورة قال: " علمني
رسول الله الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة " ، وعن
الثالث: أن هذا داخل في باب الترجيح لأن باب التضعيف؛ لأن عمدة
التصحيح: عدالة الراوي؛ وترك العمل بالحديث لوجود ما هو أرجح منه
لا يلزم منه ضَعفُه، ألا ترى أن الأحاديث المنسوخة يحكم بصحتها إذا
كانت/رواتها عدولاً، ولا يُعمل بها لوجود الناسخ، وإذا آل الأمرُ إلى
الترجيح فقد يختلف الناسُ فيه " . قلت: " وله طريق آخر عند أبي داود
أخرجه عن ابن جريج، عن عثمان بن السائب؛ وفيه: " وعلمني الإقامةَ
__________
(1) لعل هذا الاعتراض ملتقط من السنن الكبرى (1/417) وما بعدها.

(2/453)


مرتين مرنين " ، ثم ذكرها مفسرةً؛ وقد مر بيانه. وله طريق آخر عند
الطحاوي أخرجه عن شريك، عن عبد العزيز بن رفيع قال: سمعتُ
أبا محذورة يؤذن مثنى مثنى، ويقيم مثنى مثنى. قال في " الإمام " : قال
ابن مَعين: عبد العزيز بن رفيع ثقة. وحديث آخر: أخرجه عبد الرزاق
في " مصنفه " : أخبرنا معمر، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود
ابن يزيد: أن بلالا كان يُثني الأذان ويثني الإقامة، وكان يبدأ بالتكبير.
ويختم بالتكبير. ومن طريق عبد الرزاق: رواه الدارقطني في " سننه "
والطحاوي في " شرح الاَثار " .
فإن قيل: قال ابن الجوزي في " التحقيق " : والأسود لم يُدرِك بلالا.
قلت: قال صاحب " التنقيح " : وفيما قاله نظر؛ وقد روى النسائي
للأسود عن بلال حدينا. وحديث آخر: أخرجه الطبراني بإسناده إلى
بلال أنه كان يجعل الأذان والإقامة سواء مثنى مثنى وكان يجعل أصبعَيه في
أذنيه. وحديث آخر: أخرجه الدارقطني في " سننه " بإسناده إلى بلال أنه
كان يؤذن للنبي- عليه السلام- مثنى مثنى، ويقيم مثنى مثنى؛ وفيه زياد
البكائي وثقه أحمد. وقال أبو زرعة: صدوق، واحتج به مسلم، ويُرد
بهذا تعليل ابن حبان في كتاب " الضعفاء " هذا الحديث بزياد. وفيه آثار
- أيضا-. روى الطحاوي من حديث وكيع، عن إبراهيم بن إسماعيل،
عن مجمع بن حارثة (1) ، عن عبيد مولى سلمة بن الأكوع، أن سلمة
ابن الأكوع كان يثني الإقامة. حدثنا محمد بن خزيمة: نا محمد بن
سنان: نا حماد بن سلمة، عن حماد، عن إبراهيم قال: كان ثوبان
يؤذن مثنى ويقيم مثنى. حدثنا يزيد بن سنان: نا يحيى بن سعيد القطان:
نا فِطر بن خليفة، عن مُجاهد قال في الإقامة مرة مرة " : إنما هو شيء
أحدثه الأمراء، وأن الأصل: هو التثنية " (2) .
وقد بان لك بهذه الدلائل أن قول الشيخ محيى الدين في " شرح
__________
(1) في نصب الراية " جارية " .
(2) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.

(2/454)


مسلم (1) " : " وقال أبو حنيفة: الإقامة سَبع عشرة كلمة؛ وهذا المذهب
شاذّ " قول واهي، لا يُلتفت إليه؛ وكيف يكون شاذا مع وجود هذه
الدلائل الصحيحة؟ غاية ما في الباب كان ينبغي أن يقول على زعمه: إن
هذا القول مَرجوح، أو قول غيره أقوى منه؛ على أن قول أبي حنيفة في
هذا الباب أقوى وأجدر بالعمل من وجوه؛ الأول: كثرة الدلائل من
الأخبار والآثار الدالة على أن الإقامة مثنى مثنى مثل الأذان، والثاني: أن
قوله: " أُمِر بلال لما قد قيل فيه: إن الآمر فيه مُبهم، يحتمل أن
يكون رسول اللّه، ويحتمل أن يكون غيره، وقد قيل: إن الآمر بذلك:
أبو بكر، وقيل: عُمر؛ فحصل فيه احتمالات. وقال الشيخ محيي
الدين (2) : " إطلاق ذلك ينصرف إلى صاحب الأمر والنهي وهو رسول
اللّه؛ ومثل هذا اللفظ: قول الصحابي: " أُمرنا بكذا " أو " نُهينا عن كذا "
و " أُمر الناس بكذا " ونحوه فكله مرفوع سواء قال الصحابيّ ذلك في حياة
رسول اللّه أم بعد وفاته " .
قلت: فيه مناقشة؛ لأن من الإطلاق ينشاً وجوه الاحتمالات، وقوله
" سواء " إلى آخره غير مسلم؛ لجواز أن يقول الصحابيّ بعد الرسول:
" أُمرنا بكذا " أو " نهينا عن كذا " ويكون الآمر أو الناهي أحد الخلفاء
الراشدين. والثالث: أن بعضهم ادّعوا أن حديث أبي محذورة ناسخ
لحديث أنس هذا قالوا: وحديث بلال إنما كان أول ما شرعِ الأذان- كما
دلّ عليه حديث أنس- وحديث أبي محذورة كان عام حُنين وبينهما مدةٌ
مَديدة .
فإن قيل: شرط الناسخ: أن يكون أصح سندا، وأقوى من جميع
جهات الترجيح، وحديث أبي محذورة لا يوازي حديث أنس من جهة
واحدة، فضلا عن الجهات كلها. قلنا: لا نسلم أن من شرط/الناسخ
ما ذكر؛ بل يكتفى فيه أن يكون صحيحًا متأخراً، معارضا، غير ممكن
__________
(1) (4/78) .
(2) المصدر السابق

(2/455)


الجمع بينه وبين معارضه؛ فلو فرضناهما مُتساويَين في الصحة ووجد ما
ذكرناه من الشروط لثبت النسخ، وأما أنه يشترط أن يكون أرجح من
المعارض في الصحة فلا نسلم، نعم لو كان دونه في الصحة ففيه نظرٌ .
ص- زاد حماد في حديثه: إلا الإقامة.
ش- أي: زاد حماد بن زَيد في روايته: إلا لفظ الإقامة؛ وهي قوله:
" قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة " فإنه لا يُوترها؛ بل يُثنّيها.
491- ص- نا حُميد بن مَسعدة: نا إسماعيل، عن خالد الحذّاء، عن
أبي قلابة، عن أنس مثل حديث وُهَيب. قال إسماعيل: فحدثتُ به أيّوب
قال: إلا الإقامة (1) .
ش- حُمَيد بن مَسعدة: أبو علي الباهلي، وإسماعيل: ابن علية،
وخالد: ابن مِهران الحذاء، وأبو قلابة: عبد اللّه. ووهيب: ابن خالد،
وأيّوب: السختياني.
قوله: " فحدثت به " أي: بهذا الحديث.
قوله: " إلا الإقامة " أي: لفظ الإقامة- كما ذكرناه.
492- ص- نا محمد بن بشار: نا محمد بن جعفر: نا شعبة قال:
سمعت أبا جَعفر يُحدّثُ عن مُسلمٍ أبي المثنى، عن ابن عمر قال: إنما كان
الأذانُ على عهدِ رسولِ الله مرتينِ مرتينِ، والإقامةُ مرةً مرةً، غيرَ أنه يقولُ:
قد قَامت الصلاةُ، قد قامتَ الصلاةُ، فإذا سَمعنَا الإقامةَ توضأنَا ثم خرجنا
إلى الصلَاةِ (2) .
قال شعبة: لم أسمع من أبي جعفرٍ غير هذا الحديثِ.
ش- أبو جَعفر: مؤذن مسجد العُريان. روى عن: أبي المثنى المؤذن.
__________
(1) انظر الحديث السابق.
(2) النسائي كتَاب الأذان، باب: تثنية الأذان (2/3) ، وباب: كيف الإقامة؟

(2/456)


روى عنه: شعبة. روى له: أبو داود، والنسائي، وقال في " الكمال " :
أبو جعفر: محمد بن مهران بن مسلم الكوفي مؤذن مَسجد العُريان (1) .
ومسلم بن المثنى أبو المثنى المؤذن القرشي الكوفي، وقيل: اسمُه:
مهران. سمع: ابن عُمر. روى عنه: ابن ابنه: أبو جَعفر هذا،
وإسماعيل بن أبي خالد، وحجاج بن أرطاة وغيرهم. قال أبو زرعة:
ثقة. روى له: أبو داود، والنسائي (2) .
قوله: " على عهد رسول اللّه " أي: في زمانه وأيامه. قال أبو زرعة:
لا أعرف أبا جعفر إلا في هذا الحديث، وقال البَزّار: لم يَروِ هذا أحدٌ
من غير هذه الطريق.
493- صِ- نا محمد بن يحيى بن فارس: نا أبو عامر- يعني:
عبد الملك بن عمرو-: نا شعبة، عن أبي جَعفر مؤذن مَسجد العُريان. قال:
سمعت أبا المثنى مؤذن مسجد الأكبر يقول: سمعتُ ابن عُمر. وساق
الحديث (3) .
ش- عبد الملك بن عمرو: العقدي البَصري.
فوله: " مسجد العُريان " مسجد مشهور بالكوفة. و " مَسجد الأكبر "
هو الجامع الكبير بالكوفة، ومعنى مسجد الأكبر: مسجد الجامع الأكبر.
فإن قلت: الجامعُ صفة للمسجد، ولا يجوز إضافة الموصوف إلى
صفته. قلت: هذا مؤول، تأويله أنه محمول على حذف موصوف
المضاف إليه، تقديره: مَسجد الوقت الجامع؛ فالمسجد مضاف إلى
الوقت، وهو موصوف بالجامع، ومنه قوله تعالى: (ذَلكَ دينُ
القيِّمَةِ) (4) فإن الدين يوصف بالقيم نحو قوده تعالى: (دينا قممًا) (5)
فوجب تأويله بحذف موصوف المضاف إليه تقديره: دين الملَة الَقيمة أي:
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (24/5033) .
(2) المصدر السابق (27/5940) .
(3) انظر الحديث السابق.
(4) سورة البينة: (5) .
(5) سورة الأنعام: (161) .

(2/457)


الملة المستقيمة؛ فأضيف دين إلى الملة إضافة بيان، كأنه قيل: دين
الإسلام؛ لأن الدين أعم من الإسلام؛ إذ هو يستعمل في الحق والباطل،
والإسلام لا يستعمل إلا في الحق، وقيل: المحذوف: الأمة أي: دين
الأمة القيمة بالحق.
***
29- بَابُ: الرَّجلِ يؤذن ويُقيمُ آخرُ
أي: هذا باب في بيان الرجل الذي يؤذن ويقيم رجل آخر، وفي
بعض النسخ: " ما جاء في الرجل يؤذن " .
494- ص- نا عثمان بن أبي شيبة: نا حماد بن خالد: نا محمد بن
عَمرو، عن محمد بن عبد الله، عن عمه: عبد الله بن زبد قال: أَرادَ النبي
- عليه السلام- في الأذانِ أشياءَ لم يَصنع منها شيئَا. قال: فأرِيَ عبدُ الله بنُ
زيد الأذانَ في المنام، فأتى النبي- عليه السلام- فأخبرَهُ فقال: " ألقه عَلى
بلالَ " قال: فألقاه عليه فأذنَ بلالٌ . فقالَ عبدُ الله: أنا رأيتُه وأنا كنتُ أرَيدُهُ.
قَال. " فأقِم أنتَ " (1) .
ش- حماد بن خالد: الخياط البصري.
ومحمد بن عمرو: شيخ من أهل المدينة من الأنصار./روى عن:
محمد بن عبد اللّه، وعن: عبد الله بن زيد الذي رأى الأذان. روى
عنه: عبد الرحمن بن مَهدي، وحماد بن خالد. روى له: أبو داود (2) .
ومحمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري المدني، وثقه ابن حبان.
روى له: الجماعة سوى البخاري.
وهذا الحديث حجة على الشافعي؛ حيث يكره الإقامة من غير المؤذن.
وقال أصحابنا: إذا أقام الصلاة : غير مَن أذن لا يكره؛ واستدلوا على ذلك
بهذا الحديث، وبما رواه ابن أبي شيبة (3) - أيضا-: حدثنا يزيد بن
__________
(1) تفرد به أبو داود.
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (26/5516) .
(3) المصنف (1/216) .

(2/458)


هارون، عن حجاج، عن شيخ من أهل المدينة، عن " بعض مؤذني
النبي- عليه السلام- قال: كان ابن أم مكتوم يؤذن، ويقيم بلال،
وربما أذن بلال وأقام ابن أم مكتوم " .
حدثنا محمد بن [ أبي ] عدي، عن أشعث، عن الحسن قال: لا
بأس أن يؤذن الرجل ويقيم غيره (1)
495- ص- نا عُبيد الله بن عُمر: نا عبد الرحمن بن مهدي: نا محمد
ابن عَمرو قال: سمعت عبد الله بن محمد قال: كان جَدي: عبدُ الله بن زيد
يُحدّث بهذا الخبر، قال: فأقام جَدّي (2) .
ش- عبيد اللّه بن عُمر: القواريري، وعبد الرحمن بن مَهدي:
العنبري البصري، ومحمد بن عَمرو، مر آنفا.
وعبد اللّه بن محمد بن عبد اللّه بن زيد بن عبد ربّه الأنصاري الخزرجي
المدني. روى عن: جده: عبد اللّه الذي رأى الأذان. روى عنه: ابن
سيرين، ومحمد بن عمرو الأنصاري. روى له: أبو داود (3) .
قوله: " بهذا الخبر " أي: الخبر المذكور.
496- ص- نا عبد الله بن مَسلمة: نا عبد الله بن عُمر بن غانم، عن
عبد الرحمن بن زياد، عن زياد (4) بن نُعَيم الحضرمي، أنه سمع زياد بن
الحارث الصدائي قال: لما كان أولُ أذانِ الصبحِ أمرني- يعني: النبيَّ عليه
السلام- فأذنتُ فجعلت أقولُ: أُقيمُ يا رسولَ الله؟ فَجعلَ ينظرُ في ناحيةِ
المشرقِ إلى الفجرِ فيقولُ: " لا " ، حتى إذا طلَع الفجرُ نَزلَ فَبرزَ، ثم
انصرفَ إليَّ وقد تلاحقَ أصحابُه- يعني: فتوضأ- فأرادَ بلال أن يُقيمَ فقال
له نبيُّ اللهِ: " إن أَخَا صُدَاءِ هو أذنَ؛ ومَن أذنَ فهو يُقيمُ " قاَل: فأقمتُ (5) .
__________
(1) المصنف (1/216) .
(2) تفرد به أبو داود.
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (16/3537) .
(4) في سنن أبي داود: " أنه سمع زياد بن نعيم " .
(5) الترمذي: كتاب الصلاة، باب. ما جاء أن من أذن فهو يقيم (199) ، ابن
ماجه: كتاب الأذان، باب: السنَة في الأذان (717) .

(2/459)


ش- عبد الرحمن بن زياد: الإفريقي.
وزياد بن نعيم الحَضرمي: البصري. روى عن: زياد بن الحارث
الصدائي. وروى عنه: بكر بن سوادة الإفريقي، وعبد الرحمن بن زياد
الإفريقي وغيرهما (1) .
وزياد بن الحارث الصدائي: الصحابي، قدم على النبي- عليه السلام-،
وأذن له في سفره. روى عنه: زياد بن نعيم. روى له: أبو داود،
والترمذي، وابن ماجه (2) . والصدَائي منسوب إلى صُداء- بضم الصاد
وبالمدّ- وهو يزيد بن حَرب بن عُلة بن خالد (3) بن مالك بن أدد بن زيد
ابن يشجب بن عُريب بن زيد بن كهلان بن سَبَأ بن يَشجُب بن يَعرب بن
قحطان؛ وهو قبيلٌ من اليمن.
قوله: " أول أذان الصبح " وهو الذي يُؤذن ليقوم القائم ويتسحر
الصائم.
قوله: " فبرَز " أي: خرج، من بَرز الرجل يبرُز بروزًا.
قوله: " إن أخا صُداء " يعني به: زياد بن الحارث.
وبهذا الحديث استدل الشافعي على كراهة الإقامة من غير المؤذن.
والجواب عن ذلك: أنه- عليه السلام- قال ذلك حتى لا تدخل الوحشة
في قَلب زياد بن الحارث؛ لأنه كان حديث العهد بالإسلام؛ وذلك لأن
قدوم وفد صداء وفيهم زياد بن الحارث كان في حجة الوداع، وكان بعثه
- عليه السلام- قيس بن سعد بن عبادة إلى ناحية اليمن، وأمره أن يطأ
صُدَاء كان لما انصرف- عليه السلام- من الجعرانة سنة ثمان؛ على أن
الترمذي قال: وحديث زياد إنما نعرفه من حديث الإفريقي؛ والإفريقي هو
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (9/2041) .
(2) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (1/566) ، أسد الغابة
(2/269) ، الإصابة (1/557) .
(3) كذا، وفي اللباب " جلد " بالجيم.

(2/460)


ضعيف عند أهل الحديث؛ ضعّفه يحيى بن سعيد القطان وغيره، وقال
أحمد: لا أكتب حديث الإفريقي.
30- بَابُ رَفع الصَوتِ بالأذَان
أي: هذا باب في بيان رفع الصوت بالأذان، وفي بعض النسخ:
" باب رفع الصَوت " فقط، وفي بعضها: " باب ما جاء في رفع الصوت
بالأذان " . الصوتُ زعم قوم أنه اصطكاك أجسام صلبة، وقيل: هو
القَلع، وقيل: هو القرع، وقيل: تموج الهواء. وكل ذًلك باطل؛ لأن
كل ذلك مُبصرٌ لا مَسموع؛ والحق أنه واضح عند العقل، غني عن
التعريف، ومنهم من زعم أن سبَبه/القريب تموج الهواء، وسببَه البعيد:
إمساسٌ عنيف وهو القَرع، أو تفريق عنيف وهو القَلعُ، والصوت القرعيُّ
أشدّ انبساطا من القَلعِيّ.
فإن قلت: ما الفرق بين الصَوت والنطق واللفظ؟ قلت: اللفظ هو
النطق المعتمدُ على مقاطع الفم، فالنطق اللغوي أخصّ من الصوت؛ لأن
الصَوت يكون من حي وغير حيّ، والنطق لا يكون إلا من حيّ؛ واللفظ
أخصّ من النطق، لأنه لا يكون إلا من الإنسان. وإنما ذكرنا هذه الأشياء
وإن كان هذا الموضع ليس محلّها تكثيرا لفائدة المحدّث، وترغيبا له أن لا
يقتصر على معرفة المتون من غير معانيها.
497- ص- نا حَفص بن عُمر النَّمَريُّ: نا شعبة، عن موسى بن
أبي عثمان، عن أبي يحيِى، عن أبي هريرة، عن النبي- عليه السلام- قال:
" المؤذِّنُ يُغفرُ له مَدى صوته، ويَشهدُ له كلُّ رطب ويابس، وشاهدُ الصلاة
يُكتبُ له خمسٌ وعشرون صَلاة، ويُكفرُ عنه ما بَينهًما " (6) .
ش- مُوسى بن أبي عثمان: التّبَان مولى المغيرة بن شعبة. روى عن:
__________
(1) النسائي: كتاب الأذان، باب: رفع الصوت بالأذان (2/12) ، ابن ماجه:
كتاب الأذان، باب: فضل الأذان وثواب المؤذنين (724) .

(2/461)


أبيه، وأبي يحيى، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير. روى عنه:
أبو الزناد، وشعبة، ومالك بن مغول، والثوري ، وقال: وكان مؤذنا،
وكان نعم الشيخ، وكان سمع إبراهيم بن مهاجر. روى له: أبو داود،
والنسائي، وابن ماجه (1) .
وأبو يحيى هذا لم يُنسَب فيُعرف حاله، وفي " الكمال " ذكره في
أبواب الكُنى وقال: أبو يحيى. روى عن: أبي هريرة. روى عنه:
موسى بن أبي عثمان. روى له: أبو داود، والنسائي (2) .
قوله: " المؤذن " مبتدأ، وخبره: " يُغفر له " وبُني على المجهول لعلم
الفاعل.
قوله: " مَدى صَوته " كلام إِضافي، ومَدَى الشيء: غايته؛ والمعنى:
أنه يستكمل مغفرة الله إذا استوفى وُسعَه في رفع الصَوت، فيبلغ الغاية من
المغفرة إذا بلغ الغاية من الصوت، والظاهر: أنه من باب التمثيل
والتشبيه، بمعنى أن المكان الذي ينتهي إليه الصوت لو قدر أن يكون ما بين
أقصاه وبين مقامه الذي هو فيه ذنوبٌ تملا تلك المسافة، لغفرها الله له.
قوله: " ويَشهدُ له " أي: للمؤذن يوم القيامة " كل رُطب ويابس " قي
الدنيا، وهذا يتناول الإنس والجن وسائر الحيوانات، وسائر الأشياء
المخلوقة من الرطب واليابس.
فإن قيل: أي شيء يحتاجُ إلى هذه الشهادة وكفى بالله شهيدا ؟ قلت:
المرادُ منها: اشتهارُه يومَ القيامة فيما بينهم بالفَضل وعُلو الدرجة، ثم إن
الله تعالى كما يُهين قومًا بشهادة الشاهدين عليهم تحقيقا لفضوحهم على
رءوس الأشهاد، وتَسويدا لوجوههم، فكذلك يكرم قوما بشهادة
الشاهدين، تكميلا لسرورهم ،، وتطييبًا لقلوبهم، وبكثرة الشهود نزداد
قرة عيونهم، فأخبر أن المؤذنين كلما كانت أصواتهم أجهر كانت شهودهم
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (29/6281) .
(2) المصدر السابق (34/7701) .

(2/462)


فإن قيل: أليس قد جُمع بين الحقيقة والجاز في قوله " ويَشهدُ له " لأن
الشهادة حقيقة في حق الإنس والجن، مجاز في حق غيرهما من الأشياء
الرطبة واليابسة؟ قلت: قد عرفتَ أن مَعنى الشهادة كونه مشتهرا بينهم
بالفضل حتى إن كل من شهده عرفه أنه إنما حصل له هذا من أذانه في
الدنيا، فإذن لا شهادة لا حقيقة ولا مجازا.
قوله: " وشاهدُ الصلاة " مبتدأ وخبرُه: " يكتبُ له " والمعنى: حاضِرُ
الصلاة مع الجماعة يكتبُ له أجرُ خمسٍ وَعِشرين صلاةً .
فإن قيل: ما الحكمة في تعبين الخمس والعشرين؟ قلت: الذي ظهر
لي في هذا المقام من الأنوار الإلهية، والأَسرار الربانية، والعنايات
المحمديّة: أن كل حسَنة بعشر أمثالها بالنّص، وأنه لو صلى في بَيته كان
يَحصل له ثواب عشر صلوات، وكذا لو صلى في سُوقه كان يحصل له
ثواب عشر صلوات، كل صلاة بعشرِ، ثم إنه لو صلى بالجماعة يحصل
له ما كان يحصل له/من الصلاة في بَيته وفي سوقه، ويُضاعف له مثله،
فيصير ثواب عشرين صلاةً. وأما زيادة الخمسة؛ فلكونه أدى فرضا من
الفروض الخمسة، فأنعم اللّه عليه ثواب خمس صلوات أخرى نطير عدد
الفروض الخمسة، زيادة على العشرين، إنعاما وفضلا منه عليه، فيصير
الجملة خمسةً وعشرين. وجواب آخر: أن مراتب الأعداد: آحاد
وعشرات ومئات وألوف : والمائة من الأوساط، وخير الأمور: أوساطها،
والخمسة والعشرون ربع المائة، وللربع حكم الكل.
قوله: " ويكفر عنه ما بَينهما " أي: ما بَين الصلاتين؛ بَين الصلاة التي
صلاّها وبين الصلاة التي تليها؛ والمعنى: تكفر ذنوبه التي ما بينهما غير
الكبائر. والحديث: أخرجه النسائي، وابن ماجه.
498- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن
أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إذا نُوديَ بالصلاة أدبرَ الشيطانُ وله ضُراطٌ
حتى لا يَسمعَ التَأذينَ، فإذا قُضِيَ النداءُ أَقبل، حتىَ إذا ثُوِّبَ بالصلاةِ أدبَرَ،

(2/463)


حتى إذا قُضيَ التثويبُ أقيل، حتى بَخطُرَ بين المَرء ونَفسه ويَقول: اذكر كذا،
اذكر كذا، لِمَا لم يكن يَذكُرُ، حتى يَظل (1) الرجل إِن يَدرَي كم صَلَّى " (2) .
ش- عبد الله بن مسلمة القعنبي، ومالك: ابن أنس، وأبو الزناد:
عَبد اللّه، وعبد الرحمن الأعرج.
قوله: " إذا نودي بالصلاة " أي: إذا أذن بها.
قوله: " أدبر الشيطان وله ضراط " الإدبار: نقيض الإقبال؛ يقال: دَبَر
وأدبر إذا وَلّى؛ والواو في " وله ضراط " للحال. وفي رواية البخاري
ومسلم بدون الواو؛ والجملة الاسمية تقع حالا بلا واو- أيضًا- كما في
قوله: كلمته فوُه إلى فيَّ. وفي رواية مسلم: " وله حصَاص " .
فإن قيل: ما حقيقة هذا الكلام؟ قلت: هذا تمثيل لحال الشيطان عند
هروبه من سماع الأذان بحال مَن حزقه- أمر عظيم، واعتراه خطب
جسيم، حتى لم يزل يحصل له الضُّراط من شدة ما هو فيها؛ لأن الواقع
في شدة عظيمة من خوف وغيره تسترخي مفاصله، ولا يقدر على أن يملك
نفسه فينفتح منه مخرج البول والغائط؛ ولما كان الشيطان- عليه اللعنة-
تعتريه شدة عظيمة وداهية جسيمة عند النداء إلى الصلاة، فيَهرب حتى لا
يسمع الأذان، شبه حاله بحال ذلك الرجل، وأثبت له على وجه الادعاء
الضراط الذي يَنشا من كمال الخوف الشديد؛ وفي الحقيقة: ما ثم
ضراط، ويحوز أن يكون له ريح لأنه روح، ولكن لم نعرف كيفيته (3) .
فإن قيل: ما الحكمة أن الشيطان يهرب من الأذان ولا يَهرب من قراءة
__________
(1) في سنن أبي داود: " يضل " وهى رواية كما سيذكر المصنف.
(2) البخاري: كتاب الأذان، باب: فضل التأذين (6، 8) ، مسلم: كتاب
الصلاة، باب: استحباب رفع اليدين حذو المنكبين مع تكبيرة الإحرام
والركوع، وفي الرفع من الركوع، وأنه لا يفعله إذا رفع من السجود
(19/389) ، النسائي: كتاب الأذان، باب: فضل التأذين (2/21) .
(3) بل الظاهر أنه ضراط على وجه الحقيقة، كما قال القاضي عياض وغيره،
وانظر الفتح (2/84) .

(2/464)


القراَن وهي أفضل من الأذان؟ قلت: إنما يفرُ من الأذان وله ضراط لئلا
يسمع فيحتاج أن يَشهد بما سمع إذا استُشهِد يوم القيامة؛ لأنه جاء في
الحديث: " لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء، إلا شهد
له يوم القيامة (1) " والشيطان- أيضًا- شيء، أو هو داخل في الجنّ لأنه
من الجن والحديث المذكور- أيضًا- " ويَشهد له كل رطب ويابس " .
فإن قيل: الشيطان ليس بأهل للشهادة؛ لأنه كافر، والمراد من
الحديث: يَشهد له المؤمنون من الجن والإنس. قلت: هذا ليس بشيء؛
لأن قوله: " ويَشهد له كل رطب ويابس " يَتناوَله، والأحسن: أن يقال:
إنه يُدبر لعظم أمر الأذان لما اشتمل عليه من قواعد التوحيد، وإظهار
شعائر الإسَلام وإعلانه. وقيل: ليأسه من وسوسة الإنسان عند الإعلان
بالتوحيد. قال أبو الفرج: فإن قيل: كيف يهرب الشيطان من الأذان،
ويدنو من الصلاة، وفيها القراَن ومُناجاة الحق؟ فالجواب: بُعده عند
الأذان لغيظه من ظهور الدين، وغلبة الحق، وعلى الأذان هَيئة يشتدُ
انزعاجه لها، ولا يكاد يقع فيه رياء ولا غفلة عند النطق به؛ لأن النفس
لا تحضره، وأما الصلاة: فإن النفس تحضر، فيفتح لها الشيطان أبواب
الوساوس.
قوله: " فإذا قضي النداء/أقبل " يعني: إذا فُرغ من الأذان أقبل
الشيطان، لزوال ما يلحقه من الشدة والداهية.
قوله: " حتى إذا ثُوِب بالصلاة " أي: حتى إذا أُقيم لها؛ " (2)
والتثويب هاهنا: الإقامة، والعامة لا تعرف التثويب إلا قول المؤذن في
صلاة الفجر: " الصلاة خير من النوم " حسب؛ ومعنى التثويب:
الإعلام بالشيء والإنذار بوقوعه؛ وأصله: أن يلوح الرجل لصاحبه بثَوبه
__________
(1) البخاري: كتاب الأذان، باب: رفع الصوت بالنداء (609) من حديث
أبي سعيد الخدري.
(2) انظر: معالم السنن (1/134) .
30. شرخ سنن أبي داوود 2

(2/465)


فيُديرُه عند الأمر يَرهقه من خوف أو عدو، ثم كثر استعماله في كل إعلام
يُجهرُ به صوت؛ وإنما سميت الإقامة تثويبًا؛ لأنه إعلام بإقامة الصلاة،
والأذان إعلام بوقت الصلاة " .
وقيل: سميت الإقامة تثويباً لأنه عود للنداء من ثاب إلى كذا إذا عاد
إليه.
قوله: " حتى يخطر بين المرء ونَفسه " - بضم الطاء وكسرها- قال
عياض: ضبَطناه عن المتقنين بالكسر، وسمعناه من أكثر الرواة بالضم،
قال: والكسر هو الوجه؛ ومعناه: يُوسوس؛ من قولهم: خطر العجل
بذنبه إذا حركه يَضرب به فخذَيه. وأما الضم: فمن السلوك والمرور،
أي: يدنو منه، فيمر بينه وبن قلبه، فيُشغله عما هو فيه، وقال الباجي:
فيحول بين المرء وما يُريده من نفسه من إقباله على صلاته وإخلاصه. وقال
الهجري في " نوادره " : يخطِر بالكسر في كل شيء، وبالضم ضعيف .
قوله: " حتى يظل الرجل إن يدري كم صَلّى " أي: حتى يصير الرجل
ما يَدري كم صلّى من الركعات. و " يطل " بظاء قائمة مفتوحة،
و " الرجل " مرفوع لأن فعله (1) بمعنى يصير كما في قوله تعالى: (ظَل
وَجهُهُ) (2) وقيل: معناه: يبقى ويدوم. وحكى الداوديّ " يضِل "
بالضاد المعجمة المكسورة بمعنى: ينسى ويذهب وهمُه ويَسهو، قال تعالى:
(أن تَضِلَّ إِحدَاهُمَا) (3) . قال ابن قرقول: وحكى الداودي أنه روي
" يضِل " و " يضَل " من الضلال وهو الحَيرة، قال: والكسر في المستقبل
أشهر. قال الحافظ القشيري: ولو روى هذا الرجل " حتى يُضِل الرجلَ "
لكان وَجها صحيحًا، يُريد حتى يُضل الشيطان الرجلَ عَن درايته كم
صلّى، قال: ولا أعلم أحدًا رواه؛ لكنه لو رُوي لكان وَجها صحيحًا في
المعنى غير خارج عَن مراده- عليه السلام-، وقوله " إن " بالكسر،
__________
(1) في الأصل: " فاعله " .
(2) سورة النحل: (58) .
(3) سورة البقرة: (282) .

(2/466)


" إن " نافيةٌ بمعنى " ما " قال القاضي عياض: وروي بفتحها قال: وهي
رواية ابن عبد البرّ، وادعى أنها رواية أكثرهم، وكذا ضبطه الأصيلي في
كتاب البخاري، والصحيح: الكسرُ.
قلت: الفتح إنما يتوجه على رواية " يضل " بالضاد فيكون " أن " مع
الفعل بَعدها بتأويل المصدر، أي: يجهل درايته، ويَنسى عدد ركعاته.
فإن قيل: ما معنى أنه أثبت له الضراط في إدباره الأول ولم يثبت في
إدباره الثاني؟ قلت: لأن الشدّة الأولى تلحقه على سبيل الغفلة، وتكون
هي أعظم، أو يكون اكتفى بذكره في الأوّل عن ذكره في الثاني.
فإن قيل: ما مقدار بُعد إدباره؟ قلت: قد بَيّنه في رواية مسلم أن
الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة ذهب حتى يكون مكان الروحاء، قال
الراوي: هي من المدينة ستة وثلاثون ميلاً؛ وهي بفتح الراء والحاء المهملة
وبالمدّ.
31- بَابُ: مَا يجبُ عَلى المؤذنِ من تعاهُدِ الوَقت
أي: هذا باب في بيان ما يجب على المؤذن من تعاهد وقت الصلاة،
وفي بعض النسخ: " باب ما جاء فيما يجب " وفي بعضها: " من تعهد
الوقت " فالتعاهد والتعهد بمعنًى واحد؛ وهو الحِفَاظُ والرعاية.
499- ص- نا أحمد بن حنبل: نا محمد بن فضيل: نا الأعمش، عن
رجل، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله- عليه السلام-:
" الإمامُ ضَامنٌ ، والمؤذنُ مؤتمنٌ ، اللهم أرشدِ الأئمةَ، واغفر للمؤذِنِينَ " (1) .
ش- محمد بن فضيل: ابن غزوان الكوفي، وأبو صالح: ذكوان
السمان.
__________
(1) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء أن الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن
(207) .

(2/467)


قوله: " الإمام ضامن " أصل الضمان: الرعاية والحفظ؛ لأنه يحفظ
على القوم صلاتهم، وقيل: لأنه يتحمل القراءة عنهم، ويتحمل القيامَ
إذا أدركه راكعًا، وقيل: صلاة المقتدين به في عهدته، وصحتها مقرونة
بصحة صلاته؛ فهو كالمتكفل/لهم صحة صلاتهم، وقيل: ضمان
الدعاء يعمّهم به ولا يختص بذلك دونهم. وقال بعض أصحابنا: مَعناه:
يتضمن صلاته صلاة القوم، وعن هذا قالوا: اقتداء المفترض بالمتنفل لا
يجوز؛ لأن تضمين الشيء فيما هو فوقه يجوز وفيما دونه لا يحوز، وهو
المَعنِيُ من الفرق؛ فإن الفرض يشتمل على أصل الصلاة والصفة، والنفل
يشتمل على أصل الصلاة، وإذا كان الإمام مفترضا فصلاته تشتمل صلاة
المتقدي وزيادة فيصحّ الاقتداء، وإذا كان متنفلا فصلاته لا تشتمل على ما
تشتملُ عليه صلاة المقتدين؛ فلا يصح اقتداؤه به؛ لأنه بناء القوي على
الضعيف؛ فيكون منفردا في حق الوَصف. وهذا الحديث أصلٌ لِثلاثة من
الفروع تُستفاد منه؛ الأول: فساد اقتداء المفترض بالمتنفل، والثاني: عدم
وجوب القراءة على المقتدين، والثالث: فساد صلاة المقتدين إذا ظهر
الإمام محدثا أو جنبا. وفي الكل خلاف الشافعي؛ والحديث حجة عليه.
قوله: " والمؤذن مؤتمن " يعني: أمينٌ على صلاتهم وصيامهم؛ لأنهم
يعتمدون عليه في دخول الأوقات وخروجها- وأيضا- هو يطلع على حرَم
المسلمين لارتقائه على المواضع المرتفعة. وعن هذا قالوا: يكرهُ أذانُ
الجاهلِ مواقيتَ الصلاةِ، وأذانُ الفاسقِ.
قوله: " اللهم أرشد الأئمة " مِن الإرشاد؛ وهي الهداية إلى طريق
الصواب ، والرُشد خلاف الغي، والأئمة أصله: أأمَمةٌ جمع إمام؛
فقلبت الهمزة الثانية ألفًا فصَار آممة بالمدّ، ثم قلبت ياء بعد إدغام الميم في
الميم لالتقاء الساكنين، ويجوز: أئِمة بالهمزتين، وقُرئ بها. وإنما قال
في حق الَأئمة: " ارشد " وفي حق المؤذنين: " اغفر " لأن الإمامَ
ضامِنٌ ، فيحتاج إلى الإرشاد في طريق ضمانه، ليَخرج عن عُهدته
بالسلامة، والمؤذن أمين فيحتاجُ إلى الغُفران؛ لأنه قد يقع منه تقصيرٌ .

(2/468)


والحديث: أخرجه الترمذي، وقال: وفي الباب عن عائشة، وسهل
ابن سعد، وعقبة بن عامر؛ قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة رواه
سفيان الثوري، وحفص بن غياث، وغير واحد، عن الأعمش، عن
أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي- عليه السلام-. وروى أسباط
ابن محمد، وأبو بدر، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة،
عن النبي- عليه السلام-. وروى نافع بن سليمان، عن محمد بن
أبي صالح، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي- عليه السلام- هذا
الحديث، قال: وسمعت أبا زرعة يقول: حديث أبي هريرة أصح من
حديث أبي صالح عن عائشة، قال: وسمعت محمدا يقول: حديث
أبي صالح عن عائشة أصح، وذكر عن علي بن المديني أنه لم يثبت
حديث أبي هريرة ولا حديث عائشة.
500- ص- نا الحسن بن علي: نا ابن نُمير، عن الأعمش قال: نبئتُ
عن أبي صالح- ولا أُرَى (1) إلا قد سمعتُه منه، عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله- عليه السلام مثله (2) .
ش- الحسن بن علي: الخلال. وعبد الله بن نُمير: الكوفي.
قوله: " نبّئتُ " على صيغة المجهول؛ أي: أُخبِرتُ.
قوله: " ولا أُرى " بضم الهمزة وفتح الراء.
قوله: " منه " أي: من أبي صالح السمان.
32- باب: أذان فَوق المنارة
أي: هذا باب في بيان الأذان فوق المنارة، وفي بعض النسخ: " باب
ما جاء في الأذان " والمنارة: علم الطريق، والمنارة: التي يؤذن عليها.
501- ص- نا أحمد بن محمد بن أيوب: نا إبراهيم بن سَعد، عن
محمد بن إسحاق، عن محمد بن جَعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير،
__________
(1) في سنن أبي داود: " ولا أراني "
(2) انظر الحديث السابق.

(2/469)


عن امرأة من بني النجارِ قالت: كان بَيتِي من أطول بيت حولَ المسجد،
فكان (1) " بلال يُؤَذنُ عليه الفجرَ، فيأتَي بسَحَر، فيجلسُ على البيت يَنظرُ إلَى
الفَجرِ، فإذا رآهُ تمطَّى، ثم قال: اللهم إنَي أحمَدُكَ وأَستعينُكَ علىَ قريش أن
يُقِيمُوا دينَكَ، قالت: ثم يُؤذنُ، قالت: والله ما علمتُه كان تَرَكَهَا ليلةً واحدة
هذه (2) الكلمات (3) .
ش- أحمد بن محمد بن أيوب: الوراق، أبو جعفر البغدادي، كان
يورق للفضل بن يحيى بن خالد بن برمك. روى عن: إبراهيم بن سعد
/وأبي بكر بن عياش. روى عنه: أبو داود، وعبد الله بن أحمد بن
حنبل، وحنبل بن إسحاق، وأبو بكر بن أبي الدنيا وغيرهم. سئل عنه
يحيى بن معين فقال: كذاب، وقال يعقوب بن شيبة: لا نعرفه أخذ
بالطلب؛ وإنما كان وراقًا. وذكره ابن الجوزي في " الضعفاء " وقال:
وكان أحمد وعلي يحسنان القول فيه. مات ببغداد ليلة الثلاثاء لأربع ليال
بقين من ذي الحجة سنة ثمان وعشرين ومائتين (4) .
وإبراهيم بن سَعد: ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي
المدني. ومحمد بن إسحاق: ابن يسار.
ومحمد بن جَعفر بن الزبير: ابن العوام القرشي الأزدي المدني.
سمع: عروة بن الزبير، وابن كلمه: عباد بن عبد اللّه بن الزبير، وعبد الله
ابن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب. روى عنه: عبد الرحمن بن القاسم
ابن محمد بن أبي بكر، وعبد الرحمن بن الحارث، والوليد بن كثير،
ومحمد بن إسحاق وغيرهم. وكان عالما فقيها. روى له الجماعة (5) .
وعروة بن الزبير: ابن العوام.
__________
(1) في سنن أبي داود: " وكان " .
(2) في سنن أبي داود: " تعني هذه " .
(3) تفرد به أبو داود.
(4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (1/93) .
(5) المصدر السابق (24/5115) .

(2/470)


قوله: " من أطول بَيت " أي: أرفعه بناء.
قوله: " فيأتي بسَحر " السحَر: قُبِيل الصبح؛ وهو هَاهنا مُنصرفٌ لأنه
نكرة : كما في قوله تَعالى: (إِلاَّ آلَ لُوط نَجينَاهُم بسَحَرٍ) (1) فإذا
قلت: سحرنا هذا إذا أردت به سحر ليلتك لًم تصرفه؛ لأنه معدول عن
الألف واللام وهو معرفة، وقد غلب عليه التعريف بغير إضافة ولا ألف
ولام كما غلب ابن الزبير على واحد من بنِيه، وتقول: سير على
فرسخك سحَرَ يا فتى، فلا ترفعه لأنه ظرف غير متمكن، وإن أَردت به
نكرةً أو سميتَ به رجلا أو صغرته انصرف؛ لأنه ليس على وزن المعدول
كآخر يقول: سير على فرسخك سُحيراً؛ وإنما لم ترفعه لأن التَّصغير لم
يُدخله في الظروفَ المتمكنة كما أدخله في الأسماء المنصرفة.
قوله: " أن يقيموا دينك " أي: لأن يقيموا دينك.
قوله: " تركها " أي: الكلمات المذكورة، وفسرها بقوله بعد ذلك:
" هذه الكلمات " . والمقصود من تبويب هذا الباب: استحباب الأذان فوق
الأماكن العالية؛ لأن الأذان إعلام الغائبين، فكلما كان المكان أرفع كان
الإعلام أبلغ. وفي " المصنف " : نا أبو خالد، عن هشام، عن أبيه
قال. أمر النبي- عليه السلام- بلالا أن يؤذن يوم الفتح فوق الكعبة
حدثنا أبو بكر قال: نا عبد الأعلى، عن الجريري، عن عبد اللّه بن
شقيق قال: من السُنَّة: الأذان في المنارة، والإقامة في المسجد، وكان
عَبد اللّه يَفعله.
33- بَابُ: المُؤذّن يَستديرُ في أذانِه
أي: هذا باب في بيان المؤذن يَستدير- أي: يدور يمينًا وشمالا- في
أذانه، وفي بعض النسخ: " باب ما جاء في المؤذن " .
__________
(1) سورة القمر: (34) .

(2/471)


502- ص- نا موسى بن إسماعيل: نا قَيس- يعني: ابن الربيع ح ونا
محمد بن سليمان الأنباري: نا وكيع، عن سفيان- جميعا-، عن عون بن
أبي جُحيفة، عن أبيه، قال: أتيتُ النبيَ- عليه السلام- بمكةَ وهو في قُبةِ
حمراءَ من أدَمٍ ، فخرجَ بلالٌ فأذنَ، فكنتُ أتَتَبَعُ فَمَهُ هاهنا وهاهنا. قال: ثم
خرجَ النبيُ- عليه السلام- وعليه حُلَةٌ حمراء برُودٌ يمانيةٌ قِطري. وقال
موسى: قال: رأيتُ بلالاً خرجَ إلى الأبطحِ فأذنَ، فلما بلغَ حَيَ على الصلاة
حَيَّ على الفلاحِ لَوَى عُنُقَهُ يمينًا وشِمالاً ولم يَستدر، ثم دَخَلَ فأخرجَ العَنَزَةَ.
وساق حديثَه (1) .
ش- قيس: ابن الربيع أبو محمد الأسدي الكوفي من ولد الحارث بن
قيس الذي أَسلم وعنده تسع نسوة. سمع: عون بن أبي جُحيفة،
والأعمش، وهشام بن عروة وغيرهم. روى عنه: الثوري، وابن
المبارك، وشعبة وغيرهم. وقال عفان: كان قيس بن الربيع ثقة؛ يوثقه
الثوري وشعبة. وعن ابن معين: ليس بشيء. روى له: أبو داود،
والترمذي، وابن ماجه (2) .
وعون بن أبي جُحيفة- وهب بن عبد اللّه السُّوائي الكوفي. روى
عن: أبيه، والمنذر بن جرير. روى عنه: عمر بن أبي زائدة، ومسعر بن
كدام، والثوري، وشعبة وغيرهم. قال ابن معين، وأبو حاتم: ثقة.
روى له الجماعة (3)
__________
(1) البخاري: كتاب الأذان، باب: هل يتتبع المؤذن فاه هاهنا وهاهنا وهل يلتفت
في الأذان (634) ، مسلم: كتاب الصلاة، باب: سترة المصلى (503) ،
الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في إدخال الإصبع في الأذن عند
الأذان (197) ، النسائي: كتاب الأذان، باب: كيف يصنع المؤذن في أذانه
(2/12) ، ابن ماجه: كتاب الأذان والسُنَة، باب: السُنَة في الأذان
(711) .
(2) انظر ترجمته في : تهذيب الكمال (24/4903) .
(3) المصدر السابق (22/4549) .

(2/472)


وأبوه: وهب بن عبد اللّه السُّوائي- ويُقال: وهب بن وهب-،
يقال له: وهب الخير، من (1) /بني حُرثان بن سُواءة بن عامر بن
صَعصعة أبو جُحَيفة كان من صغار أصحاب النبي- عليه السلام-، قيل:
مات رسول اللّه ولم يَبلُغ الحلم، نزل الكوفةَ وابتنى بها دارًا. رُوِيَ له
عن رسول اللّه خمسة وأربعون حديثا؛ اتفقا على حديثين، وانفرد
البخاري بحديثين وانفرد مسلم بثلاثة. روى عنه: ابنه: عون،
وإسماعيل بن أبي خالد، والحكم بن عُتيبة، وأبو إسحاق السبيعي،
وعلي بن الأقمر. روى له الجماعة (2) .
قوله: " جميعا " حالٌ من قيس وسفيان- يعني: مجتمعَين.
قوله: " وهو في قبة حمراء " الواو فيه للحال، القُبّة- بضم القاف
وتشديد الباء- من الخيام، بَيت صغير مستدير؛ وهو من بيوت العرب،
وفي " الصحاح " : القبة- بالضم- من البناء؛ والجمع: قبَب وقِبَابٌ .
قوله: " من أدَمٍ " - بفتح الهمزة والدال- وهو جمع أديمِ؛ مثل: أفيقِ
وأفَقِ؛ وقد يُجمع على آدمة، مثل رغيف وأرغفة؛ والأديم: الجلد.
قوله: " هاهنا وهاهنا " يعني: يمينا وشمالاً.
قوله: " وعليه حلة حمراء " جملة اسميّة وقعت حالا؛ والحُلة: ثوبان
غيرُ لفتين رداء وإزار، وقيل: أن يكون ثوبين من جنس واحد؛ سُميا
بذلك لأن كل واحد منهما يحلّ على الأخر، وقيل: أصل تسميتهما
بهذا: إذا كان الثوبان جديدَين كما حُل طيهما فقيل لهما حلة لهذا، ثم
استمر عليها الاسمُ. وقال ابن الأثير: الحُقة واحدة الحلل؛ وهي بُرود
اليمن، ولا تُسمّى حُلة إلا أن يكون ثوبين من جنس واحدِ.
قوله: " بُرُودٌ " مرفوع لأنه صفة للحُلًة، من الصفات الكاشفة.
__________
(1) مكررة في الأصل.
(2) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (4/36) ، أسد الغابة
(5/460) و (6/48) الإصابة (3/642) .

(2/473)


وقوله: " يَمانيّة " صفة للبُرود؛ أي: منسوبة إلى اليمان.
فوله: " قطريّ " - بكسر القاف وسكون الراء (1) - نسبة إلى قطر بلدٌ
بين عُمان وسَيف البَحر، ويقال: إن البلد " قَطَر " - بَفتح القاف وفتح
الطاء- فلما نُسب الحُللُ إليها خفّفوها وقالوا: قطريّ- بكسر القاف
وسكون الطاء- والأصلُ: قطَري- بفتح القافَ والطاء-، ويُقال:
القطري: ضرب من البرود فيها حمرة، وقيل: ثياب حمرٌ لها أعلام فيها
بعض الخشونة، وقيل: حُلَل جياد تحمل من قبل البحرين.
فإن قيل: ما موقعه من الإعراب؟ قلت: رفعٌ ؛ لأنه صفة للحلة؛
وإنما لم يقل: قطرية لأن التطاَبق بين الصفة والموصوف شرط؛ كما راعى
التطابق في قوله " حمراء " وفي قوله " يمانية " لأن القطري بكثرة
الاستعمال صار كالاسم لذلك النوع من الحُلل؛ ألا ترى إلى قول
البعض: كيف فسّر القطري وقال: هو ضرب من البرود فيها حمرة- أي:
نوع من البرود فلما صار كالاسم جاز فيه ترك علامة التأنيث، كما في
حائض وخادم ونحوهما، لما خرَجت من الصفتيّة صارت كالاسم،
فاستوى فيها التذكير والتأنيث؛ فالتذكير أولى لأنهَ الأصل. وهاهنا ثلاث
صفات للحلّة؛ الأولى: صفة الذات؛ وهي قوله " حمراء " ، والثانية:
صفة الجنس؛ وهي قوله " بُرودٌ " بَيّن به أن جنسَ هذه الحلة الحمراء من
البرود اليمانية، والثالثة: صفة النَوع؛ وهي قوله " قطري " لأن البُرود
اليمانية أنواع؛ نوع منها: قطريّ، بينه بقوله " قِطري " .
قوله: " وقال موسى: قال " أي: قال موسى بن إسماعيل في روايته:
قال أبو جُحيفة: رأيت بلالاً خرج إلى الأبطح- يعني: أبطح مكة-
وهو مَسيل واديها، ويُجمَع على البطاح والأباطح.
قوله: " لَوَى عنقه " أي: أمالَ عنقه يمينًا وشمالاً؛ من لوى الرجلُ
رأسَه، وألوى برأسه أمال وأعرض؛ من باب ضرب يضرب.
قوله: " ولم يَستدِر " يعني: لم يَدُر؛ يُقال: دارَ يَدُور واستدار يستدير
__________
(1) كذا، والجادة: " بكسر الطاء " .

(2/474)


بمعنى، إذا طاف حول الشيء، وإذا عاد إلى الموضع الذي ابتدأ منه؛
والمقصود من هذا : أنه حول وَجهه في الأذان يمينًا وشمالاً مع ثبات
القدمين.
" (1) وفي رواية ابن ماجه: قال " أتيتُ النبي- عليه السلام- بالأبطح
وهو في قبة حمراء، فخرج بلال فأذن، فاستدار في أذانه وجعل إصبعَيه
في أذنيه " أخرجه عن/حجاج بن أرطأة، عن عون بن أبي جحيفة،
عن أبيه، فذكره. وبهذا اللفظ رواه الحاكم في " المستدرك " وقال: لم
يَذكرا فيه إدخال الإصبعين في الأذنين والاستدارة في الأذان؛ وهو صحيح
على شرطهما جميعا. ورواه الترمذي: ثنا محمود بن غيلان: نا
عبد الرزاق: أنا سفيان الثوري، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال:
" رأيتُ بلالا يؤذن ويَدُور، ويتبع فاه هاهنا وهاهنا، وإصبعاه في أذنيه " ،
وقال: حديث حسن صحيح. واعترض البيهقي (2) فقال: الاستدارة في
الأذان ليست في الطرق الصحيحة في حديث أبي جحيفة، ونحن نتوهم
أن سفيان رواه عن الحجاج بن أرطأة، عن عون، والحجاج غير محتج
به، وعبد الرزاق وهم فيه؛ ثم أسند عن عبد اللّه بن محمد بن الوليد،
عن سفيان به؛ وليس فيه الاستدارة، وقد رويناه من حديث قيس بن
الربيع، عن عون وفيه: " ولم يَستدر " . وقال الشيخ في " الإمام ":
أما كونه ليس مخرجا في " الصحيح " فغير لازم، وقد صححه الترمذي
وهو من أئمة الشأن، وأما أن عبد الرزاق وهم فيه فقد تابعه مؤمل، كما
أخرجه أبو عوانة في " صحيحه " عن مؤمل، عن سفيان به نحوه؛
وتابعه- أيضا- عبد الرحمن بن مهدي؛ أخرجه أبو نعيم في " مستخرجه
على كتاب البخاريّ " . وقد جاءت الاستدارة من غير جهة الحجاج؛
أخرجه الطبراني عن زياد بن عبد الله، عن إدريس الأودي، عن عون بن
أبي جحيفة، عن أبيه قال: بينا رسول اللّه- عليه السلام- وحضرت
__________
(1) انظر: نصب الراية (1/276: 278) .
(2) السنن الكبرى (1/395) .

(2/475)


الصلاة فقام بلال فأذّن، وجعل إصبعَيه في أذنيه، وجعل يَستديرُ لما.
وأخرج أبو الشيح الأصبهاني في كتاب " الأذان " عن حمادَ وهشيم
- جميعا-، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه أن بلالا أذن لرسول اللّه
بالبطحاء فوضع إصبعَيه في أُذنَيه وجعل يَستدير يمينًا وشمالاً " (1) .
قلت: وفي " سنن الدارقطني (2) من حديث كامل أبي العلاء، عن
أبي صالح، عن أبي هريرة: أُمر أبو محذورة أن يَستدير في أذانه.
قوله: " فأخرج العنزةَ " العنزة مثل نصف الرمح أو أكبر شيئا، وفيها
سنان مثل سنان الرمح، والعكازة قريب منها.
قوله: " وساق حديثه " وتمامه في رواية البخاري ومسلم: قال: " صلى
ينا إلى العنزة الظهر أو العصر، تمر المرأة والكلبُ والحمارُ لا يمنع، ثم لم
يزل يصلي ركعتَين حتى أتى المدينة " . وفي رواية أخرى: " وكان يمر من
ورائها الحمار والمرأة، ثم قام الناس فجعلوا يأخذون فيمسحون بها
وجوههم، فأخذت يده فوضعتها على وجهي، فإذا هي أبرد من الثلج،
وأطيب ريحا من المِسك " . وفي رواية: ثم قَدَّم بين يديه عنزةً بينه وبين
مارة الطريق، ورأيت الشيب بعَنفقته أسفل من شفته السفلى " . وهذه
الطرق كلها مخرجة في " الصحيَحين " وأخرجها أحمد في " مُسنده " .
ويستفاد من الحديث فوائد؛ الأولى: استحباب الالتفات إلى اليمين
والشمال في الحيعلتين.
الثانية: جواز لباس الأحمر.
الثالثة: نصب العنزة أو نحوها بَين يدَيه إذا صلى في الصحراء.
***
34- باب: في الدُّعاءِ بَينَ الأذَانِ والإقامَةِ
أي: هذا باب في بيان الدعاء بين الأذان والإقامة، وفي بعض النسخ:
" باب ما جاء في الدعاء " .
__________
(1) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.
(2) (1/239) .

(2/476)


503- ص- نا محمد بن كثير: أنا سفيان، عن زَيد العَميّ، عنِ
أبي إياس، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا يُردُ الَدّعاءُ بَين
الأذَانِ والإقَامةِ " (1) .
ش- محمد بن كثير: العَبدي البصري، وسفيان الثوري.
وزيد العمي: هو زيد بن الحواري البصري، أبو الحواري العمي
قاضي هَراة في ولاية قتيبة بن مسلم، وهو مولى زياد ابن أبيه. روى
عن: أنس بن مالك، والحسن البصري، ويزيد بن أبان، ومعاوية بن قرة
وغيرهم. روى عنه: الثوري، والأعمش، وهشام بن حسان وغيرهم.
قال أحمد بن حنبل: هو صالح، وعن ابن معين: زيد العمي لا شيء،
وفي موضع آخر: صالح، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، يكتب
حديثه ولا يحتج به. وقال أبو زرعة: ليس بقوي،/واهي الحديث
ضعيف، وقال النسائي: ضعيف. روى له: أبو داود، والترمذي،
وابن ماجه (2) . والعَمي- بفتح العين المهملة وتشديد الميم- نِسبة إلى
بني العم أو إلى العَم وهي الجماعة.
وأبُو إياس: مُعاوية بن قرة بن إياس بن هلال بن رئاب بن عُبيد بن
دُريد بن سوُاءة أبو إياس البصري المزني. سمع: أباه، وأنس بن مالك،
وعبد اللّه بن معقل وغيرهم. قال: لقيت ثلاثين من أصحاب النبي-
عليه السلام-، منهم خمسة وعشرون من مُزينة. روى عنه: ثابت
البناني، وأبو إسحاق الهمداني، وسِماك بن حَرب، وأبو عَوانة،
وقتادة، والأعمش وغيرهم. قال أبو حاتم وأحمد بن عبد اللّه: ثقة.
مات سنة ثلاث عشرة ومائة. روى له الجماعة (3) .
__________
(1) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في أن الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة
(212) و (3594، 3595) ، والنسائي في " عمل اليوم والليلة " (68، 69) .
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (10/2102) .
(3) المصدر السابق (28 /6065) .

(2/477)


قوله: " الدعاء " مُعرف بالألف واللام بتناول جنس الدعاء، أو
الاستغراق فيتناولُ الدعاء بأمُور الدنيا والآخرة. والحديث: أخرجه
الترمذي، والنسائي في اليوم والليلة، وقال الترمذي: حديث حسن.
وأخرجه النسائي من حديث بريد بن أبي مريم، عن أنس، وهو أجود من
حديث معاوية بن قُرة. وقد رُوِيَ عن قتادة، عن أنس موقوفًا.
***
35- باب: مَا يَقُولُ إذَا سَمِعَ المُؤذنَ
أي: هذا باب في بيان ما يقول الرجل إذا سمع المؤذن يؤذن.
504- ص- نا عبد الله بن مَسلمة القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب،
عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:
" إذا سمعتمُ النداء فقولُوا مثلَ ما يقولُ المؤذنُ " (1) .
ش- النداء: الأذان؛ والفرق بينهما: أن لفظ الأذان أو التأذين أخص
من لفظ النداء لغة وشرعا. وهذا الحديث: خرجه الأئمة الستة. ثم
الذي يستفادُ من عموم هذا الحديث أن يقولَ من يَسمع الأذان مثل ما يقول
المؤذن حتى يفرغ من أذانه كله؛ وهو مذهب الشافعي. وعند أصحابنا:
يقول مثل ما يقول المؤذن في التكبير والشهادتين، ويقول في الحيعلتين: لا
حول ولا قوة إلا بالله؛ لحديث عمر لما يجئ الآن، وقالوا: إن حديث
أبي سعيد مخصوص بحديث عمر- رضي اللّه عنه-.
واختلفوا أن هذا الأمر على الوجوب أو على الندب؟ فقال الشيخ محيى
__________
(1) البخاري: كتاب الأذان، باب: ما يقول إذا سمع المنادي (611) ، مسلم:
كتاب الصلاة، باب: استحباب القول مثل فول المؤذن لمن سمعه ثم يصلي
على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم يسأل له الوسيلة (1-383) ، الترمذي: كتاب الصلاة،
باب: ما يقول الرجل إذا أذن المؤذن (208) ، النسائي: كتاب الأذان، باب:
القول مثل ما يقول المؤذن (2/23) ، ابن ماجه: كتاب الأذان، بابا: ما
يقال إذا أذن المؤذن (720) .

(2/478)


الدين (1) : يستحب إجابة المؤذن بالقول مثل قوله لكل من سمعه من
متطهرِ ومُحدث وجُنُب وحائض وغيرهم ممن لا مانع له من الإجابة؛ فمن
أسباب المنع أن يكون في الخلاء أو جماع أهله أو نحوهما، ومنها: أن
يكون في صلاة، فمن كان في صلاة فريضة أو نافلة وسمع المؤذن لم
يوافقه في الصلاة، فإذا سلم أتى بمثلهَ، فلو فعله في الصلاة فهل يكره؟
فيه قولان للشافعي؛ أطهرهما: يكره؛ لكن لا تبطل صلاته، فلو قال:
حيّ على الصلاة أو الصلاة خير من النوم بطلت صلاته إن كان عالماً
بتحريمه؛ لأنه كلام آدمي. ولو سمع الأذان وهو في قراءة وتسبيح
ونحوهما قطع ما هو فيه، وأتى بمتابعة المؤذن، ويُتابعه في الإقامة
كالأذان؛ إلا أنه يقول في لفظ الإقامة: أقامها اللّه وأدامها، وإذا ثوب
المؤذن في صلاة الصبح فقال: الصلاة خير من النوم قال سامعه: صدقت
وبررت. هذا تفصيل مذهبنا. وقال أصحابنا: الإجابة واجبة على
السامعين؛ لأن الأمر يدل على الوجوب؛ والإجابة أن يقول مثل ما قاله
المؤذن إلا قوله: حي على الصلاة حي على الفلاح، فإنه يقول مكان
قوله: حي على الصلاة: لا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم، ومكان
قوله: حي على الفلاح: ما شاء اللّه كان وما لم يشأ لم يكن؛ لأن
إعادة ذلك يشبه المحاكاة والاستهزاء؛ وكذا إذا قال المؤذن: الصلاة خير
من النوم لا يقول السامع مثله؛ ولكن يقول: صدقت وبررت، وينبغي
أن لا يتكلم السامع في حال الأذان والإقامة، ولا يقرأ القرآن، ولا يُسلم،
ولا يرد السلام، ولا يشتغل بشيء من الأعمال سوى الإجابة، ولو كان
في قراءة القرآن ينبغي أن يقطع القراءة ويسمع الأذان ويجيب " .
وفي/ " فوائد الرُستَغفَنِي " : لو سمع وهو في المسجد يَمضي في
قراءته، وإن كان في بَيته فكذلك إن لم يكن أذان مسجده. وعن
الحلواني: لو أجاب باللسان ولم يمش إلى المسجد لا يكون مُجيئا، ولو
__________
(1) شرح صحيح مسلم (4/88) .

(2/479)


كان في المسجد ولم يُجب لا يكون آثماً، ولا تجب الإجابة على من لا
تجب عليه الصلاة، ولا يُجيب- أيضا- وهو في الصلاة سواء كانت
فرضا أو نفلاً.
" (1) وقال القاضي عياض: اختلف أصحابنا: هل يحكي المصلي لفظ
المؤذن في صلاة الفريضة أو النافلة؟ أم لا يحكيه فيهما؟ أم يحكيه في
النافلة دون الفريضة؟ على ثلاثة أقوال، ثم اختلفوا: هل يقوله عند
سماع كل مؤذن أم لأول مؤذن فقط؟ " .
وسئل ظهير الدين عن هذه المسألة، فقال: يجب عليه إجابة أذان
مسجده؛ بالفعل.
505- ص- نا محمد بن سلمة: نا ابن وهب، عن ابن لَهِيعة (2)
وحَيوة وسَعيد بن أبي أيوب، عن كعب بن علقمة، عن عبد الرحمن بن
جُبَير، عن عبد الله بن عَمرو بن العاص، أنه سمع النبي- عليه السلام-
يَقولُ: " إذا سمعتُمُ المؤذنَ فَقُولُوا مثلَ ما يَقولُ، ثم صَلُوا عَليَ؛ فإنه مَن
صَلَّى عَلَيَ صلاةً صَلَى اللهُ عليه بها عَشراً، ثم سَلُوا (3) لي الوَسيلةَ؛ فإنها
مَنزِلةٌ في الجَنَة، لا تَنبغِي إلا لَعَبد من عباد الله عز وجل، وأرجو أَن أكونَ أنا
هو، فَمن سألً (4) ليَ الوسيلةَ حلت عليهَ الشَفاعةُ " (5) .
ش- محمد بن سلمة: الباهلي الحراني، وعبد اللّه بن وهب، وعبد الله
ابن لهيعة، وحيوة: ابن شريح .
وسعيد بن أبي أيوب- مقلاص- الخزاعي المصري أبو يحيى. روى
__________
(1) المصدر السابق.
(2) في سنن أبي داود: " أبي لهيعة " خطأ.
(3) في سنن أبي داود: " سلوا الله عز وجل " .
(4) في سنن أبي داود: " سأل الله " .
(5) مسلم: كتاب الصلاة، باب: استحباب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه ثم
يصلي على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم يسأل الله له الوسيلة (11-384) ، الترمذي: كتاب
المناقب، باب (1) (3614) ، النسائي: كتاب الأذان، باب: الصلاة على
النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد الأذان (2/25) .

(2/480)


عن: كعب بن علقمة، وعَقيل بن خالد، وجعفر بن ربيعة وغيرهم.
روى عنه: ابن جريح، وابن المبارك، وابن وهب وغيرهم. قال أحمد
ابن حنبل وأبو حاتم: لا بأس به. وقال ابن معين: ثقة.. تودي زمن
أبي جعفر. روى له: الجماعة (1) .
وكعب بن علقمة: ابن كعب بن عدي أبو عبد الحميد التنوخي
المصري، رأى عبد اللّه بن الحارث بن جَزء الزبيدي. وروى عن: سعيد
ابن المسيب، وعبد الرحمن بن جبير وغيرهم. روى عنه: سعيد بن
أبي أيوب، والليث بن سَعد، ويحيى بن أيوب وغيرهم. توفي سنة سبع
وعشرين ومائة. روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي (2) .
وعبد الرحمن بن جُبير المصري القرشي مولى نافع بن عبد عمير بن
نضلة القرشي العامري، أدرك عمرو بن العاص. وسمع ابنه: عبد اللّه
ابن عمرو، وعقبة بن عامر، وخارجة بن حذافة 0 روى عنه: كعب بن
علقمة، ودراج أبو السمح، وعبد اللّه بن هُبَيرة وغيرهم. توفي سنة سبع
وتسعين. روى له. مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي (3) .
قوله: " فقولوا مثل ما يقول " يقتضي أن يقول مثل ما يقول المؤذن إلى
آخر الأذان؛ ولكنه مخصوص- أيضا- بحديث عمر- رضي اللّه عنه-.
" ومثل " نصب على أنه صفة لمصدر محذوف تقديره: فقولوا قولا مثل
قول المؤذن، و " ما " مصدرية.
قوله: " ثم صلُّوا عليَ " أي: بعد الفراغ من الإجابة: صلوا علي.
قوله: " فإنه " أي: فإنّ الشأن؛ والفاء فيه للتعليل.
قوله: " صلاةً " أي: صلاةً واحدةً، ونصبها على الإطلاق.
قوله: " بها " أي: بمقابلة صلاته الواحدة؛ و " الباء " تجيء للمقابلة
كقولك: أخذت هذا بهذا.
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (10/2241) .
(2) المصدر السابق (24/4976) .
(3) المصدر السابق (17/3783) .
31* شرح سنن أبي داوود 2

(2/481)


قوله: " عشرا " أي: عشر صلوات؛ لقوله تعالى: (مَن جَاءَ
بالحَسَنَة فَلَهُ عَشرُ أمثَالِهَا) (1) وصلاة اللّه على عبده رحمته عليه؛ لأن الصلاة
من اللّهَ: الرحمة، ومن الملائكة: الاستغفار، ومن المؤمنين: الدعاء.
قوله: " ثم سلوا لي الوسيلة " أي: بعد الفراغ من الإجابة، والصلاة
على النبيّ- عليه السلام-: سلوا اللّه لأجلي الوسيلة؛ الوسيلة: فعيلة؛
وهو في اللغة: ما يتقرب به إلى الغير؛ وجمعها: وسُل (2) ووسائلُ؛
يقال: وَسَل فلان إلى ربّه وَسيلةً وتوسل إليه بوَسيلة إذا تقرب إليه بعملِ،
وفسّرها في الحديث بأنها منزلَة في الجنة بالفاء التفسَيرية بقوله: " فإنها "
أي: فإن الوسيلة منزلة في الجنة، والمنزلة مثل المنزل/وهي المنهلُ والدارُ.
قوله: " لا تَنبغي " واعلم أن قولهم: لا تَنبغي، ويَنبغى من أفعال
المُطاوعة يقولُ: بغَيته فانبغى من بغيتُ الشيء طلبتُه، ويقال: انبغى لك
أن تفعل كذا أي: طاوعك وانقادَ لك فعلُ كذا وقوله تعالى: (هَب لِي
مُلكَا لا يَنبَغي لأحَد) (3) أي: لا يحصل ولا يتأتى؛ ولا يُستعملُ فيه
غيرُ هذين الَلفظين. ويُقال: معنى لا ينبغي: لا يَسهلُ ولا يكون، قال:
في رأس حَلقاء عنقاء مُشرفة ... لا يَنبغي دونها سَهل ولا جبلُ
قوله: " أن أكون أنا هو " أن، مَصدرية، ومحلّه النصبُ على المفعولية،
والتقدير: أرجو كوني إياه أي: ذلك العَبدَ. و " أنا " إما اسمُ " أكونُ "
وليس في " أكون " شيءٌ ، وإما تأكيدٌ لـ " أنا " المُستكن فيه 0 وقوله " هُوَ "
ضمير مرفوع وقع موضع الضمير المنصوب، وتقديره: أن أكون إياه.
قوله: " حلت عليه الشفاعة " الألف واللام فيه بدل من المضاف إليه أي:
حلت عليه شفاعتي. " وحلت " من حل يحل- بالكسر- أي: وَجَبَ،
ويحُل- بالضم- أيضًا أي: نزل؛ وقُرِئَ بهما في قوله تعالى: (فَيَحل
عَلَيكم غَضَبِي) (4) ويستفاد من الحديث فوائد؛ الأولى: وجوب إجاَبة
المؤذن.
__________
(1) سورة الأنعام: (160) .
(2) في الأصل: " وسيل " خطأ.
(3) سورة ص: (35) .
(4) سورة طه: (81) .

(2/482)


الثانية: وجوب الصلاة على النبي- عليه السلام- بعد الإجابة، ولا
سيما قد ذكر النبي- عليه السلام- في الأذان؛ فإن الطحاوي أجب
الصلاة- عليه السلام- كلما سمع ذكره؛ وهو المختار.
الثالثة: السؤال من اللّه الوسيلة للنبي- عليه السلام-.
الرابعة: إثبات الشفاعة؛ خلافا للمعتزلة.
والخامسة: اختصاصُ النبي- عليه السلام- بالوسيلة يوم القيامة.
والحديث: أخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي.
506- ص- ثنا ابن السَّرح ومحمد بن سلمة قالا: نا ابن وهب، عن
حُييَّ، عن أبي عبد الرحمن، عن عبد الله بن عَمرو أن رجلاً قال: يا رسول
الله! إن المؤَذنينَ يَفضلُونَنا، فقال رسولُ الله: " قُل كما يَقُولونَ، فإذا انتهَيتَ
فسل تُعطَ (1) " (2) .
ش- ابن السَّرح: هو أحمد بن عمرو بن عبد اللّه بن عَمرو بن السَّرح
أبو الطاهر القرشي المصري. وعبد اللّه: ابن وهب.
وحُيَيّ: ابن عبد اللّه المُعَافري أبو عبد اللّه المصري. روى عن:
أبي عبد الرحمن الحُبلي. روى عنه: الليث بن سَعد، وابن لهيعة،
وابن وهب وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: أحاديثه مناكير. وقال ابن
مَعين: ليس به بأس- وقال البخاري: فيه نظر. روى له: أبو داود،
والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (3) . وحُيي: بضم الحاء المهملة
ويجوز كسرها ويائين الآخرة منهما مشددة.
وأبو عَبد الرحمن، اسمُه: عبد اللّه بن يزيد الحُبلي العامري المصري.
سمع: عبد اللّه بن عَمرو، وابن عُمَر، وفضالة بن عُبيد، وأبا ذر
الغفاري وغيرهم. روى عنه: أبو هانئ الخولاني، وبكر بن سوادة،
__________
(1) في سنن أبي داود: " تعطه " .
(2) النسائي في " عمل اليوم والليلة " (44) .
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (7/1585) .

(2/483)


وعقبة بن مسلم وغيرهم. قال ابن معين: هو ثقة. توفي بإفريقية سنة
مائة. روى له الجماعة إلا البخاري (1) . والحُبلي: بضم الحاء المهملة
وسكون الباء الموحدة.
قوله: " يَفضلُوننا " من فَضلتُه إذا غلبتَه بالفضل، وجوابه بقوله: " قل
كما يقولون " يدلّ على أن الرجل إذا أجاب المؤذن يحصل له فضله مثل ما
حصل للمؤذن.
قوله: " تُعط " مجزوم؛ لأنه جوابُ الأمر؛ وإنما حذف مفعول " سَل "
ليدلّ على العموم. والحديث: أخرجه النسائي في " اليَوم والليلة " .
507- ص- نا قتيبة بن سعيد: نا الليث، عن الحُكَيم بن عبد الله بن
فيس، عن عامر بن سَعد بن أبي وِقّاص، عن سَعد بن أبِي وقّاص، عن
رسول الله- عليه السلام- قال: " من قالَ حين يَسمعُ المؤذن: وأنا أشهدُ أن
لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، وأن (2) محمدًا عبدُهُ ورسولُه، رضيتُ
باللهِ ربا، وبمحمد رسولاً، وبالإسلام دِينًا غُفِرَ له " (3) .
ش-- الحكيم- بضم الحاء المهملة وفتح الكاف وسكون الياء آخر
الحروف- بن عبد اللّه بن قيس: ابن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف
القرشي المصري، أخو محمد بن عبد اللّه. سمع: ابن عمر، وعامر
ابن سَعد بن أبي وقاص، ونافع بن جبير بن مطعم. روى عنه: الليث
وغيره. توفي بمصر سنة ثمان عشرة ومائة. روى له: الجماعة إلا
البخاري (4) .
__________
(1) المصدر السابق (16/3663) .
(2) في سنن أبي داود: " وأشهد أن " .
(3) مسلم: كتاب الصلاة، باب: استحباب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه ثم
يصلي على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم يسأل الله له الوسيلة (13-386) ، الترمذي: كتاب
الصلاة، باب: ما جاء ما يقول الرجل إذا أذن المؤذن من الدعاء (210) ،
النسائي: كتاب الأذان، باب: الدعاء عند الأذان (2/26) ، ابن ماجه:
كتاب الأذان، باب: ما يقال إذا أذن المؤذن (721) .
(4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (7/ 1468) .

(2/484)


وعامر بن/ سَعد بن أبي وقّاص القرشي الزهري المدني. سمع:
أباه، وعثمان بن عفان، وجابر بن سمرة وغيرهم. روى عنه: ابنه:
داود، وسعيد بن المسيّب، وسَعد بن إبراهيم، ومجاهد، والزهري
وغيرهم. توفي بالمدينة سنة أربع ومائة. روى له الجماعة (1)
وسعد بن أبي وقاص- واسم أبي وقاص: مالك- بن أُهَيب بن
عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مُرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي
الزهري، يلقى رسول اللّه عند الأب الخامس، أسلم قديما، وهاجر إلى
المدينة قبل رسول اللّه، وشهد بدرَا والمشاهد كلها مع رسول اللّه، وكان
مجاب الدعوة، وهو أول مَن رَمَي بسَهم في سَبيل اللّه تعالى، وكان يقال
له: فارس الإسلام. رُوِيَ له عن رسول اللّه مائتا حديث وسبعون
حديثًا، اتفقا منها على خمسة عشر، وانفرد البخاريّ بخمسة ومسلم
بثمانية عشر. روى عنه: ابن عُمر، وابن عباس، وجابر بن سمرة،
وأولاده: محمد، وإبراهيم، وعامر، ومُصعب بنو سَعد، وسعيد بن
المُسيّب وغيرهم. مات بقَصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة،
وحمل على رقاب الرجال إلى المدينة ودفن بالبقيع وصلى عليه مَروان بن
الحكم سنة خمس وخمسين وهو الأصح. روى له الجماعة (2) .
قوله: " رضيتُ بالله ربّا " أي: قنعتُ به، واكتفيتُ به، ولم أطلب
معه غيره.
قوله: " وبمحمد رسولاً " أي: رضيتُ بمحمد رسولا إليّ وإلى سائر
المسلمين.
قوله: " وبالإسلام دينا " أي: رضيت بالإسلام دينا بمعنى: لم أبتَغ في
غير طريق الإسلام ولم أسلك إلا ما يُوافق شرع محمد- عليه السلام-،
أو لم أبتغ غير الإسلام دينا.
__________
(1) المصدر السابق (14/ 3038) .
(2) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (2/18) ، أسد الغابة
(2/366) ، الإصابة (2/33) .

(2/485)


فإن قيل: بماذا انتصب " ربا " و " رسولاً " و " دينا " . قلت: يحوز
أن تكون منصوبات على التمييز، والتمييز وإن كان الأصل فيه أن يكون
فاعلا في المعنى يحًوز أن يكون مفعولا- أيضا- كقوله تعالى: (وَفَجرنَا
الأرضَ عُيُونًا) (1) ويجوز أن تكون مَنصوبَات على المفعولية؛ لأن
" رَضي " إذا عُدي بالباء يَتَعدى إلى مفعول آخر.
فإن قيل: ما المراد من قوله " دينا " ؟ قلت: المراد من الدين هاهنا:
التوحيدُ؛ وبذلك فسر صاحب " الكشاف " ' في قوله تعالى: (ومَن
يَبتَغ غَيرَ الإِسلاَم دينا) (2) بمعنى التوحيد. وأما في الحديث الصحيح عن
عُمر قال: " بينمَا نحن عند رسول اللّه ذات يوم، إذ طلع علينا رجلٌ
شديدُ بياض الثياب (3) " إلى آخره فقد أطلق رسول اللّه الدين على
الإسلام والإيمان والإحسان بقوله: " إنه جبريل أتاكم ليعلمكم دينكم "
وإنما علمهم هذه الثلاثة؛ والحاصل في هذا: أن الدين تارةً يُطلقُ على
الثلاثة التي سأل عنها جبريل- عليه السلام-، وتارةً يُطلق على الإسلامِ
كما في قوله تعالى: (اليَومَ أكمَلتُ لَكُم دينَكُم وَأتمَمتُ عَلَيكم نعمَتي
وَرَضيتُ لَكُمُ الإسلاَمَ دينا) (4) وبهذا يُمنَعُ قولُ مَن يقولُ: بينَ الآية
والحدَيث معارضةٌ، حيثَ أطلق الدين في الحديث على ثلاثة أشياء، وفي
الآية على شيء واحد، واختلاف الإطلاق إما بالاشتراك أو بالحقيقة
والمجاز، أو بالتواطؤ، ففي الحديث أطلق على مجموع الثلاثة وهو أحد
مَدلُولَيه، وفي الآية أطلق على الإسلام وَحده وهو مُسماه الآخر.
فإن قيل: لم قال بالإسلام ولم يَقل بالإيمان؟ قلت: الإسلام والإيمان
واحد فلا يرد السؤال؛ والدليل على ذلك: قوله تعالى: (فأخرَجنَا مَن
كَانَ فِيهَا مِنَ المُؤمِنين فمَا وَجَدنَا فِيهَا غَيرَ بَيتِ مّنَ المُسلِمِينَ) (5) والمراد
__________
(1) سورة القمر: (12) .
(2) سورة آل عمران: (85) .
(3) مسلم: كتاب الإيمان، باب: بيان الإيمان والإسلام والإحسان ... (1 / 8)
(4) سورة المائدة: (3) .
(5) سورة الذاريات: (35، 36) .

(2/486)


بهما: آل لوط- عليه السلام-، فوصفهم تارة بأنهم مؤمنون وتارة
بأنهم مسلمون؛ فدلّ على [ أن ] الإيمان والإسلام شيء واحد
قوله: " غفر له " جوابُ قوله " من قال " أي: غفر له ذنوبه ما دون
الكبائر.
واستفيد من الحديث أن يقول بعد قوله: وأنا أشهد أن محمدا رسول
اللّه رضيتُ باللّه ربّا، وبمحمد رسولاً، وبالإسلام دينا 0 والحديث:
أخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
508- ص- نا إبراهيم بن مَهدي: نا علي بن مسهر، عن هشام، عن
أبيه، عن عائشة أن رسول الله كان إذا سَمِعَ المؤذنَ يتشهّدُ. قال: " وأنَا،
وأنا " (1) .
ش- إبراهيم بن مهدي: المصيصي، بغدادي الأصل، سكن المصيصة
/وقال البخاري: من الأنبار. روى عن: إبراهيم بن سَعد، وحَمّاد بن
زَيد، وأبي المليح الرقي، وعلي بن مسهر وغيرهم. روى عنه: أحمد
ابن حنبل، وأبو داود، وأبو حاتم الرازي- وقال: كان ثقة-،
والحسن بن محمد الصبّاح. مات سنة أربع وعشرين ومائتين (2) .
وعلي بن مسهر: الكوفي قاضي الموصل. وهشام: ابن عروة بن
الزبير بن العوام.
قوله: " يتشهد " أي: يقول: أشهد أن لا إله إلا اللّه.
قوله: " قال: وأنا وأنا " أي: قال النبي- عليه السلام-: " وأنا أشهد
أن لا إله إلا اللّه، وأنا أشهد أن لا إله إلا اللّه " " وأنا " مبتدأ، وخبره
محذوف وهو قوله: أشهد أن لا إله إلا اللّه، وكذلك " أنا " الثاني كرّره
لَلتأكيد والمبالغة.
509- ص- نا محمد بن المثنى: نا محمد بن جَهضم: نا إسماعيل بن
__________
(1) تفرد به أبو داود.
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (2/251) .

(2/487)


جَعفر، عن عمارة بن غَزِيًة، عن خُبَيب بن عبد الرحمن بن إساف، عن
حفص بن عاصم بن عمر، عن أبيه، عن جده: عمر بن الخطاب، أن
رسولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إذا قالَ المؤذنُ: الله أكبر، الله أكبر، فقال أحدُكُم: الله
أكبر الله كبر، فإذا قال: أشهدُ أن لا إله إلا اللّه، قال: أشهد أن لا إله إلا الله،
فإذا قال: أشهد أن محمدا رسول اللّه، قال: أشهد أن محمداً رسوِل الله،
ثم قال: حَيَّ على الصلاة، قال: لا حَول ولا قوةَ إلا بالله، ثم قال: حيَّ على
الفلاح قال: لا حول ولاَ قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر، قال: اللّه
أكبر الله كبر، ثم قال: لا إله إلا الله قال: لا إله إلا الله من قلبِهِ دخلَ الجنة" (1) .
ش- محمد بن جَهضم: الثقفي أبو جَعفر البصري، يعرف
بالخراساني، أصله خراساني، وسكن أبوه اليمامة وسكن هو البصرة.
سمع: إسماعيل لجن جعفر، وأزهر بن سنان. روى عنه: إسحاق بن
منصور، ويحيى بن محمد، ويعقوب بن سفيان وغيرهم . روى له:
البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي (2) .
وإسماعيل بن جعفر: ابن أبي كثير الأنصاري المدني.
وعمارة بن غزية: ابن الحارث بن عمرو بن غزية بن عمرو بن ثعلبة
الأنصاري المازني المدني. روى عن: عباد بن تميم، ويحيى بن عمارة،
وأبي الزبير، وخبيب بن عبد الرحمن وغيرهم. روى عنه: سليمان بن
بلال، والدراوردي، والثوري وغيرهم. قال أبو زرعة وأحمد بن حنبل:
ثقة. وقال ابن معين: صالح. وقال أبو حاتم: ما به بأس وكان
صدوقا. توفي سنة أربعين ومائة 0 روى له: الجماعة إلا البخاريّ (3) .
__________
(1) مسلم: كتاب الصلاة، باب: استحباب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه ثم
يصلي على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم يسال الله له الوسيلة (12-385) ، والنسائي في
" عمل اليوم والليلة " .
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (25/5123) .
(3) المصدر السابق (21/4195) .

(2/488)


وخُبَيب بن عبد الرحمن: ابن خُبَيب بن إساف الأنصاري الخزرجي،
أبو الحارث المدني، خال عُبيد اللّه بن عمر. روى عن: أبيه، عن
جده، وعن: عمته: أُنَيسة، وحفص بن عاصم وغيرهم. روى عنه:
يحيى الأنصاري، وعمارة بن غزيّة، ومالك، وشعبة وغيرهم. قال ابن
معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. روى له الجماعة (1) . وخُبيب:
بضم الخاء المعجمة 0
وحفص بن عاصم بن عمر: ابن الخطاب القرشي المدني. سمع أباه،
وعمه: عبد اللّه بن عُمر، وأبا هريرة، وأبا سعيد الخدري وغيرهم.
روى عنه: القاسم بن محمد، وسالم بن عبد اللّه، وخبَيب بن
عبد الرحمن: قال الطبري: ثقة مجمع عليه. روى له: الجماعة (2) .
قوله: " إذا قال المؤذن: الله أكبر اللّه كبر فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر "
إلى آخره؛ كل نوع من هذا مثنى- كما هو المشروع- فاختصر صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من
كل نوع شطره تنبيهاًَ على باقيه.
قوله: " لا حول ولا قوة إلا بالله " يجوز فيه خمسة أوجه؛ الأول:
فتحهما بلا تنوين، والثاني: فتح الأول ونصب الثاني منونا، والثالث:
رفعهما منوّنين، والرابع: فتح الأول ورفع الثاني منونا، والخامس:
عكسه. الحول: الحركة؛ أي: لا حركة ولا استطاعة إلا بمشيئة الله ،
قاله ثعلب وغيره. وقيل: لا حول في دفع شر، ولا قوة في تحصيل خير
إلا بالله. وقيل: لا حول عن معصية اللّه إلا بعصمته، ولا قوة على
طاعته إلا بمعونته؛ وحُكِيَ هذا عن ابن مَسعود. وحكى الجوهري لغة
عربيةً ضعيفة أنه يقال: لا حَيل ولا قوة إلا باللّه- بالياء- قال: والحول
والحيل بمعنًى. ويقال في التعبير عن قولهم " لا حول ولا قوة إلا باللّه " :
" الحوقلة " ؛ قاله الأزهري، وقال الجوهري: " الحولقة " ، فعلى الأولى
- وهو الشهور- الحاء والواو من الحول، والقاف/من القوة، واللام
__________
(1) المصدر السابق (8/1678) .
(2) المصدر السابق (7/1392) .

(2/489)


من اسم اللّه، وعلى الثاني: الحاء واللام من الحول، والقاف من القوة،
ومثلها: الحيعلة والبسملة والحمدلة والهَيللة والسَّبحلة، في حيّ على الصلاة
وحي على الفلاح، وبسم اللّه، والحمد للّه، ولا إله إلا اللّه، وسبحان اللّه.
قوله: " من قلبه " متعلق بقوله: " فقال أحدكم " أي: قال ذلك
خالصا مخلصَا من قلبه؛ لا ممن الأصل في القول والفعل: الإخلاص؛ قال
تعالى: (وَمَا أمِرُوا إِلا لِيَعبُدُوا اللهَ مُخلِصِينَ لَهُ الدينَ) (1) .
قوله: " دخل الجنّة " جواب قوله: " فقال أحدكم " في المَعنى، وجزاء
ذلك القائل. والحديث: أخرجه مسلم، والنسائي.
510- ص نا (2) سليمان بن داود العتَكي: نا محمد بن ثابت: حدثني
رجل من أهل الشام، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامةَ أو عًن بعضِ
أصحاب النبي- عليه السلام-، أن بلالا أخذَ في الإقَامة، فلما أن قال: قد
قَامت الصَلاة، قال النبيُ- عليه السلَام-: " أقَامَها اَللهُ وَأدَامَها " . وقال في
سائرِ اَلإقامةِ كنحوِ حديثِ عُمر- رضي الله عنه- في الأذانِ (3) .
ش- سليمان بن داود: أبو الربيع الزهراني (4) العتكي، ومحمد بن
ثابت: العَبدي البصري، وشهر بن حوشب: أبو سعيد الشامي
الدمشقي، وأبو أمامة، صُدفي بن عجلان الباهلي.
قوله: " أخذ في الإقامة " أي: شرع فيها.
قوله: " أقامها الله وأدَامها " دعاء في صورة الإخبار؛ أي: اللهم أقمها
وأدِمها.
قوله: " وقال في سائر الإقامة " أي: في سائر ألفاظ الإقامة " كنحو
حديث عمر " المذكور آنفا في الأذان.
__________
(1) سورة البينة: (5) .
(2) جاء هذا الحديث في سنن أبي داود تحت " باب ما يقول إذا سمع الإقامة " ،
وسيذكر المصنف أنها نسخة.
(3) تفرد به أبو داود.
(4) في الأصل: " الزاهراني " .

(2/490)


ويستفاد من الحديث فائدتان : الأولى: يستحب أن يقال عند الإقامة
مثل ما يقول المؤذن : إلا في الحيعلتين يقول فيهما: لا حول ولا قوة إلا
بالله- كما في الأذان-، والثانية: يستحب أن يقال عند قوله: " قد
قامت الصلاة " . أقامها اللّهُ وأَدامها. وفي إسناد هذا الحديث: رجل
مجهول، وشهر بن حوشب تكلم فيه غير واحد ووثقه الإمام أحمد وابن
معين. وفي بَعض النسخ: " باب ما يقول إذا سمع الإقامة " وليس بموجود
في النسخ الصحيحة.
36- بَابُ: الدُّعَاءِ عندَ الأذانِ
أي: هذا باب في بيان الدعاء عند الأذان، وفي بعض النسخ: " باب
ما جاء في الدعاء عند الأذان " (1) أي: عند فراغ المؤذن من الأذان.
511- ص- نا أحمد بن محمد بن حنبل: نا عليّ بن عياش: نا شعيب
ابن أبي حمزة، عن محمد بنِ المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: قال
رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من قالَ حين يَسمعُ النداءَ: اللهمّ ربَّ هذه الدعوة التامّة
والصلاة القائمة، آت محمَداً الوسيلةَ والفضيلةَ، وابعثهَُ مَقاماً محَموداً
الذي وعَدتَه، إلاَ حَفَت له الشفاعةُ يومَ القيامةِ " (2) .
ش- علي بن عياش- بالياء آخر الحروف والشين العجمة- ابن مسلم
الحمصي الألهاني، وشُعيب بن أبي حمزة- دينار- القرشي الحمصي.
قوله: " حين يسمع النداء " أي: الأذان؛ والكلام في " اللهم " قد مر
مستوفى.
__________
(1) كما في سنن أبي داود.
(2) البخاري: كتاب الأذان، باب: الدعاء عند النداء (614) ، الترمذي: كتاب
الصلاة، باب منه آخر (211) ، النسائي: كتاب الأذان، باب: الدعاء عند
الأذان (2/26) ، ابن ماجه: كتاب الأذان، باب: ما يقال إذا أذن المؤذن
(722) .

(2/491)


قوله: " رَبّ هذه الدَعوة " " ربَّ " منصوب على النداء، ويحوز رفعه
على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: أنت رَبُّ هذه الدعوة؛ والرب:
المُربّي المصلح للشأن؛ واشتقاقه من الرِّبَّة؛ وهي نبت يصلح عليه المال،
يُقال: رَبّ يَرُبّ ربا، وربى يُربي تربيةً، وأصله: رَبَبٌ ؛ وهو قول زيد
ابن عليّ، وسعيد بن أوس. وقال الحسين بن الفضل: هو الثابت، أو
نزل، من رَب بالمكان، ولبَّ: إذا أقام، وأرضٌ مُرِب ومربابٌ : دام بها
المطرُ، وفي اللغة: الرب: المالكُ والسيّدُ والصاحبُ. وقال الواسطي:
هو الخالق ابتداء، والمُربي غداء، والغافر انتهاء. وقال الزمخشري:
يقول: رَبّه يربّه فهو ربّ كما يقول: نمّ عليه ينمّ فهو نم، ويجوز أن
يكون وصفاًَ بالمَصدر للمبالغة كما وصف بالعدل، ولم يطلقوا الربّ إلا
في اللّه وحده، وفي غيره على التقييد بالإضافة، كقولهم: ربّ الدار،
وربّ الناقة. ومعنى " ربّ هذه الدعوة " أي: صاحب هذه الدعوة
التامة؛ والدعوة- بفتح الدال- وكذلك كل شيء دعوته، ويريد بالدعوة
التامة التوحيد، وقيل لها " تامة " لأنها لا نقص فيها ولا عيب، وقيل:
وصفها بالتمام لأنها ذكر الله تعالى، ويدعى بها إلى عبادته وذلك/هو
الذي يستحق التمام، وقيل: التامة: الكاملة؛ وكمالها أن لا يدخلها
نقص ولا عيب كما يدخل في كلام الناس. وقد ذكرت في " شرحي
للكلم الطيّب " (1) أن معنى التمام. كونها محميةً عن النَّسخ والإبدال
باقية إلى يوم القيامة.
قوله: " والصلاة القائمة " أي: الدائمة التي لا تُغيرها: ولا تنسخها
شريعة، وأنها قائمة ما دامت السموات والأرض.
قوله: " آت " - بفتح الهمزة- أمرٌ من آتى يؤتي إيتاء، كأعطى يعطي
إعطاء؛ وأصله: " أأت " لأنه من تُوأتي بهمزتين، فحذفت حرف الخطاب
علامة للأمر، وحذفَت الياء علامة للجزم، فبقي " َأأتِ " بهمزتين
__________
(1) انظره (ص/245) بتحقيقي.

(2/492)


ثانيتهما ساكنة، فقلبت ألفاَ لانفتاح ما قبلها، فصار " آت " على وزن
أَفع.
قوله: " الوسيلة " نَصبٌ على المفعولية؛ وقد مر تفسيرها عن قريبٍ أنها
منزلة في الجنة، وقيل: هي الشفاعة يوم القيامة، وقيل: هو القرب من
اللّه تعالى. " والفضيلة " والفضل خلاف النقيصة والنقص؛ والمعنى:
أعطه الكاملَ من كل شيء.
قوله: " مقاماً محموداً الذي وعدته " يعني: المقام المحمود الذي يحمدُه
القائم فيه وكل من رآه وعرفه؛ وهو مطلق في كل ما يجلب الحمد من
أنواع الكرامات، وقيل: المرادُ: الشفاعة؛ وهي نوعٌ مما يتناوله. وعن
ابن عباس: مقاماًَ يحمدك فيه الأولون والآخرون، وتشرف فيه على جميع
الخلائق تسأل (1) فتُعطَى، وتشفَعُ فتُشَفّعُ، ليس أحد إلا تحت لوائك.
وعن أبي هريرة، عن النبي- عليه السلام-: " هو المقام الذي أشفع
فيه لأمتي " (2) .
فإن قيل: المقام المحمود قد وعده ربه إياه والله لا يخلف الميعاد، فما
الفائدة في دعاء الأمة بذلك؟ قلت: الدعاء إما للثبات والدوام، وإما
للإشارة إلى جواز دعاء الشخص لغيره، والاستعانة بدعائه في حوائجه،
ولا سيما من الصالحين.
قوله: " الذي وعدته " بدل من قوله: " مقاماً محموداً " أو منصوب
باعِني، أو مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وأراد حكاية لفظ القرآن
في قوله : (عَسَى أن يَبعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحمُوداً) (3) .
__________
(1) في الأصل: " يسأل " بالياء والتاء.
(2) أخرجه أحمد (2/441، 444، 528) ، والترمذي (3137) ، وانظر
السلسلة الصحيحة (2369) .
(3) سورة الإسراء: (79) .

(2/493)


قوله: " إلا حلت له الشفاعة " وليس في رواية البخاري " إلا " ووجهه
هاهنا: أن تكون زائدة للتأكيد؛ كما في قول الشاعر:
حَراجيج ما تنفكّ إلا مناخةَ ... على الخَسف أو ترمي بها بلداً قفَرا
ذكره الأصمعي، وابن جنّي. ومَعنى " حلت له " وجبت له أو
غشَيته، واللام بمعنى " على " أي: حَلت عليه، وقد مر مثله.
512- ص- نا (1) مؤمل بن إِهاب: نا عبد الله بن الوليد العَدني: نا
القاسمُ بن مَعن: نا المسعودي، عن أبي كثير مولى أم سلمةَ، عن أم سلمةَ
قالت: عَلَمني النبيُ- عليه السلام- أن أقولَ عندَ أذَان المغرب: " اللهم هذا
إِقبالُ ليلِكَ، وإِدبار نَهَارِكَ، وأصواتُ دُعاتِكَ، فاغفِر لَي " (2) .
ش- مؤمل بن إهاب- ويُقال: يهاب- بن عبد العزيز بن قُفل بن
سدل، أبو عبد الرحمن الربعي الكوفي نزيل الرملة، ويقال: نزل
مصر. روى عن: أبي داود الطيالسي، وعبد الله بن الوليد العدني،
ومحمد بن يوسف الفِريابي، وغيرهم. روى عنه: أبو بكر بن
أبي الدنيا، وأبو داود، والنسائي، وغيرهم. قال أبو داود: كتبتُ عنه
بالرملة وبحمص وبحلب. وعن ابن معين: ضعيف. قال أبو حاتم:
صدوق. وقال النسائي: لا بأس به. توفي بالرملة في رجب سنة أربع
وخمسين ومائتين (3) .
وعبد الله بن الوليد بن ميمون بن عبد اللّه القرشي الأموي مولى عثمان
ابن عفان، وهو العَدني المكي، وكان يقال: أنا مكي، ويقال لي:
عدني. سمع: الثوري، والقاسم بن مَعن، ومصعب بن ثابت. روى
عنه: مؤمل بن إهاب، وزهير بن سالم، ويَعقوب بن حميد وغيرهم.
__________
(1) في سنن أبي داود قبل هذا الحديث: " باب ما يقول عند أذان المغرب " ،
وسيذكر المصنف أنها نسخة.
(2) الترمذي: كتاب الدعوات، باب: دعاء أم سلمة (3589) .
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (29/6320) .

(2/494)


وقال عبد الرحمن: سألتُ أبي عنه فقال: هو شيخ، يكتب حديثه ولا
يحتج به. وقال أبو زرعة: صدوق. روى له: أبو داود، والترمذي،
والنسائي (1) .
والقاسم بن مَعن بن عبد الرحمن بن عبد اللّه بن مسعود الهذلي
أبو عبد اللّه الكوفي قاضيها. روى عن: عاصم الأحول، وإسماعيل بن
أبي خالد، والأعمش، وابن جريج. روى عنه: مالك بن إسماعيل،
وأبو نعيم، وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم. قال ابن معين: كان
رجلاً نبيلاً. وقال أحمد بن حنبل: ثقة، وكان لا يأخذ على القضاء
أجراً . مات في خلافة هارون. روى له: أبو داود، والنسائي (2) .
والمَسعودي: هو عبد الرحمن بن عبد اللّه.
وأبو كثير مولى أم سلمة زوج النبي- عليه السلام-. روى عن:
أم سلمة. روى عنه: المَسعودي، وابنته: حَفصة.
قال الترمذي:/لا تُعرف حفصة ولا أبوها. روى له: أبو داود،
والترمذي (3) .
وأمّ سلمة: اسمها: هند بنت أبي أميّة، وقد ذكرناها.
فوله: " هذا إقبال ليلك " أي: وقت إقبال ليلك، ووقت إدبار نهارك،
ووقت أصوات دُعاتك 0 والدُّعاة جمعُ داعي، كالقضاة جمع " قاضي " ،
وإنما أضاف هذه الأشياء إلى اللّه تعالى وإن كانت جميع الأشياء للّه تعالى
لإظهار فضيلة هذه الأشياء، لأن المضاف يكتسي الفضيلة والشرف من
المضاف إليه كما في " ناقة اللّه " ، وإنما حثّ بالدعاء في هذا الوقت،
لأن هذا الوقت وقت شريف باعتبار أنه آخر النهار، وهو وقت ارتفاع
الأعمال، وأول الليل اللذان آيتان من آيات اللّه الدالة على وحدانيته وبقائه
وقدمه، وأنه وقت حضور العبادة فيكون أقرب إلى الإجابة. والحديث
__________
(1) المصدر السابق (16/3643) .
(2) المصدر السابق (23/4827) .
(3) المصدر السابق (34/7587) .

(2/495)


أخرجه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب؛ إنما نعرفه من هذا الوجه.
وفي بعض النسخ في أول هذا الحديث: " باب ما يقول عند أذان
المغرب " .
***
37- بَابُ: أخذِ الأجرِ عَلَى التَأذِين
أي: هذا باب في بيان أخذ الأجرة على التأذين، وفي بعض النسخ:
" بابُ أخذ أجرِ على الأذان " .
فإن قلت: ما الفرق بين الأذان والتأذين؟ قلت: التأذين يتناول جميع
ما يصدر من المؤذن من قول وفعلِ وهيئة ونية، وأما الأذان: هو حقيقة
تعقل بدون ذلك.
513- ص- نا موسى بن إسماعيل: نا حماد: أنا سعيا الجُريري، عن
أبي العلاء، عن مُطرّف بن عبد الله، عن عثمان بن أبي العاص قال: قلتُ
- وقال مُوسى في موضعِ آخرَ: أن عثمانَ بن أبي العاص- قال: يا رسولَ الله،
اجعلنِي إمامَ قَومي، قال: " أنتَ إِمامُهم، واقتدي بأضعَفهِم، واتخذ مُؤذنَاً
لا يأخذُ عَلى أذَانِهِ أجراً " (1) .
ش- حماد بن سلمة، وسعيد بن إياس: النضري الجُريري.
وأبو العلاء: حيان بن عُمير القيسي الجُرَيري. روى عن: عبد اللّه بن
العباس، وعبد اللّه بن السائب، وعبد الرحمن بن سمرة، وسمرة بن
جندب، ومُطرف. روى عنه: سليمان التيمي، وقتادة، والجُريري.
روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي (2) .
__________
(1) مسلم: كتاب الصلاة، باب: أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام (468)
الجزء الأول منه، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في كراهية أن
يأخذ المؤذن على الأذان أجراً (209) الجزء الأخير منه، النسائي: كتاب الأذان،
باب: اتخاذ المؤذن الذي لا يأخذ على أذانه أجراً (2/23) ، ابن ماجه:
كتاب إقامة الصلاة، باب: من أم قوماً فليخفف (987) ، (714) .
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (7/1576) .

(2/496)


ومُطرف بن عبد اللّه: ابن الشخير، وعثمان بن أبي العاص قد ذكر
مرةً.
قوله: " وقال موسى " أي: موسى بن إسماعيل.
قوله: " واقتدي بأضعفهم " معناه: مُراعاة ضُعفاء الجماعة في الصلاة
بأن لا يطولها عليهم؛ والاقتداء بالأضعف الاتباع به في مراعاة حاله.
والحديث: أخرجه أحمد في " مسنده " .
وفي رواية: " جواز في صلاتك، وأقدِرِ الناسَ بأضعفهم؛ فإن فيهم
الصغيرَ والكبيرَ والضعيفَ وذَا الحاجة " .
قوله: " واتخذ مؤذناً " يعني: اجعل مؤذناً لا يأخذ على الأذان أجراً،
وكلمة " على لما هاهنا للتعليل كاللام؛ والمعنى: لا يأخذ لأجل أذانه
أجراً؛ نحو قوله تعالى: (وَلتُكبرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُم) (1) أي: لهدايته
إياكم؛ وبهذا أخذ علماؤنا؛ لأنه يكون أخذ الأجرة على الطاعة؛ وهو
قول أكثر العلماء، وكان مالك يقول: لا بأس به، ويرخص فيه. وقال
الأوزاعي: الإجارة مكروهة ولا بأس بالجعل، ومنع منه إسحاق بن
راهويه. وقال الحسن: أخشى أن لا تكون صلاته خالصةَ للّه. وكرهه
الشافعي وقال: لا يَرزق الإمامُ المؤذنَ إلا من خُمس الخُمس سهم النبي
- عليه السلام-؛ فإنه مُرصد لمصالح الدين ولا يرزقه من غيره. وكذلك
أخذ الأجر على الحج والإمامة وتعليم القرآن والفقه؛ ولكن المتأخرين
جوزوا على التعليم والإمامة في زماننا لحاجة الناس إليه، وظهور التواني
في الأمور الدينية، وكسل الناس في الاحتساب، وعليه الفتوى.
والحديث: أخرجه ابن ماجه، والنسائي. وأخرج مسلم الفصل الأول،
وأخرج الترمذي الفصل الأخير، قال: وفي الباب عن أبي رافع،
وأبي هريرة، وأم حبيبة، وعبد الله بن عَمرو، وعَبد اللّه بن ربيعة،
__________
(1) سورة البقرة: (185) .
32 * شرح سنن أبي داوود 2

(2/497)


وعائشة، ومعاذ بن أنس، ومعاوية. قال أبو عيسى: حديث عثمان (1)
حديث حسن صحيح 0
***
38- بَابٌ: فِي الأذَانِ قَبل دُخُول الوَقتِ
أي: هذا باب في بيان الأذان قبل دخول الوقت، وفي بعض النسخ:
" باب ما جاء في الأذان " .
514- ص- نا موسى بن إسماعيل، وداود بن شبيب- المعنى- قالا:
نا حماد، صت أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أن بلالا أذنَ قبلَ طُلوع
[ الفجرِ، فأمَرَهُ النبيُ- عليه السلام- أن يَرجعَ/فيُنادي: ألا إن العبدَ نامَ (2) .
زادَ موسى: فرجعَ فنادَى: الا إن العبدَ نامَ (2) ، (3)
ش- داود بن شبيب: البصري الباهلي، وحماد: ابن سلمة،
وأيوب: السختياني، ونافع: مَولى ابن عمر.
قوله: " زاد موسى " أي: زاد موسى بن إسماعيل في حديثه: " فرجع "
أي: بلال، " فنادى ألا إن العبد نام " ، قيل: أراد به أنه غفل عن
الوقت، كما يقال: نام فلان عن حاجتي إذا غفل عنها ولم يقم بها.
وقيل: معناه: إنه قد عاد لنومه إذ كان عليه بقية من الليل، فعلم الناس
ذلك لئلا ينزعجوا عن نومهم وسكونهم. وقيل: يُشبه أن يكون هذا فيما
تقدم من أول زمان الهجرة؛ فإن الثابت عن بلال أنه كان في آخر أيام
رسول اللّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يؤذن بليل، ثم يؤذن بعده ابن أم مكتوم مع الفجر،
وثبت عنه- عليه السلام- أنه قال: إن بلالاً ليؤذن بليل؛ فكلوا واشربوا
حتى يؤذن ابن أم مكتوم. وممن ذهب إلى أن تقديم أذان الفجر قبل دخول
وقته جائز: مالك، والشافعي، والأوزاعي، وأبو يوسف؛ اتباعاً للآثار
الواردة به. وقال أبو حنيفة ومحمد: لا يجوز؛ قياساً على سائر
الصلوات؛ وهو مذهب الثوري، وذهب بعض أصحاب الحديث إلى أن
__________
(1) في الأصل: " أبي سعيد " خطأ.
(2) في سنن أبي داود: " قد نام " .
(3) تفرد به أبو داود.

(2/498)


ذلك جائز إذا كان للمسجد مؤذنان، كما كان لرسول اللّه- عليه السلام-
فأما إذا لم يكن فيه إلا واحد، فإنه لا يجوز أن يفعله إلا بعد دخول
الوقت، فيحتمل على هذا أنه لم يكن لمسجد رسول الله في الوقت الذي
نهى بلالاً إلا مؤذن واحد، وهو بلال، ثم أجازه حين أقام ابن أم مكتوم
مؤذناً؛ لأن الحديث في تأذين بلال قبل الفجر ثابت من رواية ابن عمر.
ص- قال أبو داود: وهذا الحديث لم يَروه عن أيوب إلا حماد بن سلمة.
ش- أي: الحديث المذكور لم يروه عن أيوب السختياني إلا حماد،
وذكر الترمذي لفظ الحديث وقال: هذا حديث غير محفوظ، ولعل حماد
ابن سلمة أراد حديث عمر؛ والصحيح: حديث ابن عمر أن النبي- عليه
السلام- قال: " إن بلالاً يؤذن بليل " الحديث، ثم نقل عن علي بن
المديني أنه قال: هو حديث غير محفوظ. وقال البيهقي: وقد تابعه
سعيد بن زربي، عن أيوب، ثم أخرجه كذلك، قال: وسعيد بن زربي
ضعيف. وقال ابن الجوزي في " التحقيق " : وقد تابع حماد بن سلمة
عليه سعيد بن زربي، عن أيوب؛ وكان ضعيفاً. قال يحيى: ليس
بشيء. وقال البخاري: عنده عجائب. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال
ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات. وقال الحاكم: أخبرنا
أبو بكر بن إسحاق الفقيه: سمعت أبا بكر المطرز يقول: سمعت محمد
ابن يحيى يقول: حديث حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن
ابن عمر أن بلالاً أذن قبل طلوع الفجر: شاذ، غير واقع على القلب؛
وهو خلاف ما رواه الناس عن ابن عمر.
515- ص- نا أيوب بن منصور: نا شعيب بن حرب، عن عبد العزيز
ابنِ أبي رواد: نا نافع، عن مؤذن لعُمر يقال له: مَسروح أذن قبل الصبح
فأمره عُمر. ذكر نحوه (1) .
__________
(1) انظر الحديث السابق.

(2/499)


ش- أيوب بن منصور: أحد شيوخ أبي داود.
وشعيب بن حرب: المدائني، أبو صالح، من أبناء خراسان، سكن
المدائن ثم نزل مكة. روى عن: الثوري، وشعبة، ويحيى نجن أيوب،
وغيرهم. قال ابن معين: ثقة مأمون، وكذا قال أبو حاتم. مات سنة
تسع وتسعين ومائة. روى له: البخاري، وأبو داود، والنسائي (1) .
وعبد العزيز بن أبي رَوّاد- واسم أبي رواد: ميمون- المكي الأزدي
مولى المغيرة بن المهلب بن أبي صُفرة، وهو أخو جبلة وعثمان، وهو ابن
عم عمارة بن أبي حفصة. سمع: نافعاً، والضحاك، وسالم بن
عبد اللّه بن عمر، وغيرهم. روى عنه: ابنه: عبد اللّه، والثوري،
وأبو عاصم النبيل، وغيرهم. قال ابن عدي: وفي بعض أحاديثه ما لا
يُتابع عليه (2) .
قوله: " مسروح " بالسين والحاء المهملتين.
قوله: " ذكر نحوه " أي: نحو حديث بلال؛ وقال الترمذي: وهذا لا
يصح؛ لأنه عن نافع، عن عمر منقطع.
ص- قال أبو داود: وقد رواه حماد بن زيد، عن/عُبيد الله بن عُمر،
عن نافع أو غيره، أن مؤذناً (3) يُقال له: مَسروح أو غَيرُه.
ش- أي: قد روى هذا الحديث حمّاد بن زيد، عن عُبَيد اللّه بن عُمر.
قوله: " أو غيره " أي: أو عن غير نافع.
قوله: " أو غيره " أي: أو غير مسروح.
ص- ورواه الدراورديِّ، عن عُبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال:
كان لِعُمرَ مؤذن يُقالُ له: مسعود، ذكر نحوه.
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (12/2746) .
(2) المصدر السابق (18 /3447) .
(3) في سنن أبي داود: " مؤذناً لعمر " .

(2/500)


ش- أي: وروى هذا الحديث عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن
عبيد اللّه بن عمر.
قوله: " ذكر نحوه " أي: نحو الحديث المذكور؛ ولكن في روايته:
" مَسعود " موضع " مسروح " .
ص- قال أبو داود: وهذا أصحّ من ذاك.
ش- أي: ما رواه الدراوردي أصح من الذي رواه حماد بن سلمة.
516- نا زهير بن حَرب: نا وكيع: نا جَعفر بن بُرقان، عن شداد مولىِ
عياض بن عامر، عن بلال، أن رسولَ اللّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال له: " لا تُؤذن حتى يَستَبين
لك الفجرُ هكذا " ومَدَ يدَيه عَرضاً (1) .
ش- جَعفر بن بُرقان- بضم الباء الموحدة- الجَزري، أبو عبد الله
الكلابي مولاهم الرقي، كان يسكن الرقة وقدم الكوفة. سمع: عكرمة
مولى ابن عباس، وميمون بن مهران، ونافعاًَ (2) مولى ابن عمر،
وغيرهم. روى عنه: الثوري، ووكيع، وعيسى بن يونس، وغيرهم.
وقال يعقوب بن شيبة، عن يحيى: كان أميا لا يقرأ ولا يكتب، وكان
ثقة صدوقاً. وقال ابن سَعد: كان ثقة صدوقاًَ، له رواية وفقه وفتوى في
دهره، وكان كثير الخط! في حديثه، مات بالرقة سنة أربع وخمسين ومائة.
روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (3) .
وشداد مولى عياض بن عامر: المُزني. روى عن: أبي هريرة،
ووابصة بن معبد، وبلال 0 روى عنه: جعفر بن برقان. روى له:
أبو داود (4) .
فوله: " حتى يستبين " أي: حتى يظهر لك الفجر. وأعلّه البيهقي في
__________
(1) تفرد به أبو داود.
(2) في الأصل: " نافع " .
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (5/934) .
(4) المصدر السابق (12/2711) .

(2/501)


" المعرفة " بالانقطاع. وقال ابن القطان: وشداد- أيضاً- مجهول لا
يعرف بغير رواية جعفر بن برقان.
[ ص ] - وقال أبو داود: شداد لم يُدرك بلالا.
قلت: هو مَعنى تعليل البيهقي بالانقطاع. واستدل صاحبُ " الهداية "
بهذا الحديث لأبي حنيفة ومحمد على عدم جواز الأذان قبل الفجر؛ فقال:
وقال أبو يوسف: وهو قول الشافعي: يحوز للفجر في النصف الأخير
من الليل، ثم قال: والحُجةُ على الكل: قوله- عليه السلام-؛
وروى هذا الحديث، ولهما ما رواه الأوزاعي- أيضاً-، عن عائشة أنها
قالت: ما كان المؤذن يؤذن حتى يطلع الفجر. أخرجه أبو الشيخ
الأصبهاني، عن وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن الأسود،
عنها، ومَا رواه الطبراني بإسناده إلى بلال قال: كنا لا نؤذن بصلاة الفجر
حتى نرى الفجر، وكان يضع إصبعَيه في أذنيه. والجواب عما روي في
" الصحيحين " : " إن بلال كان يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن
أم مكتوم " : أن أذانه لم يكن للصلاة؛ وإنما كان ليرجع القائم، ويتسحر
الصائم، ويقوم النائم.
517- ص- نا (1) محمد بن سلمة: نا ابن وهب، عن يحيى بن
عبد الله وسعيد بن عبد الرحمن، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة،
أن ابنَ أمِّ مَكتُوم كان مُؤذناً لرسولِ اللهِ وهو أعمى (2) .
ش- يحيى بن عبد الله: ابن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب
القرشي العدوي. روى عن: عبيد الله بن عمر العمري، ويزيد بن
عبد اللّه بن الهاد، وعبد الرحمن بن الحارث، وهشام بن عروة،
وغيرهم. روى عنه: الليث بن سعد، وابن وهب، وعبد اللّه بن صالح
كاتب الليث، وغيرهم. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي (3) .
__________
(1) في سنن أبي داود: " باب الأذان للأعمى " ، وذكر في الشرح أنها نسخة.
(2) مسلم: كتاب الصلاة، باب: جواز أذان الأعمى إذا كان معه بصير (18 /381) .
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (31/6861) .

(2/502)


وسعيد بن عبد الرحمن: ابن عبد اللّه بن جميل القرشي الجُمحي،
أبو عبد اللّه المدني قاضي بغداد في عسكر المهدي زمن الرشيد. روى عن:
هشام بن عروة، وعبيد اللّه بن عمر العمري، وسهيل بن أبي صالح.
روى عنه: الليث بن سَعد، وعبد اللّه بن وهب، ومحمد بن الصباح
الدولابي، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. وقال النسائي: لا بأس به.
مات سنة تسع وستين ومائة/. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي،
وابن ماجه (1) .
وابن أم مكتوم: اسمه: عبد اللّه- ويُقال: عَمرو؛ وهو الأكثر- بن
قيس بن زائدة، ويقال: زياد- بن الأصم؛ والأصم: جندب بن هرم
ابن رواحة بن حجر بن عبد بن مغيض (2) بن عامر بن لؤي، ويقال:
عمرو بن زائدة القرشيِ العامري المعروف بابن أم مكتوم، مؤذن النبي-
عليه السلام- وأم مكتوم اسمها: عاتكة بنت عبد الله بن عَنكثة بن عامر
ابن مخزوم، وهو ابن خال خديجة بنت خويلد، هاجر إلى المدينة قبل
مقدم النبي- عليه السلام- واستخلفه النبي- عليه السلام- على المدينة
ثلاث عشرة مرة، وشهد فتح القادسية وقتل شهيداً بها، وكان معه اللواء
يومئذ. روى عنه: عبد الرحمن بن أبي ليلى. روى له: أبو داود،
والنسائي، وابن ماجه (3) .
واستُفيد من الحديث: جواز أذان الأعمى بلا كراهة. وقالت الشافعية:
يكره أن يكون الأعمى مؤذناً وحده. وفي بعض النسخ على رأس هذا
الحديث: " باب أذان الأعمى " . والحديث أخرجه مسلم، وأبو بكر بن
أبي شيبة في " مصنفه " ، وأحمد في " مسنده " .
***
__________
(1) المصدر السابق (10/2312) .
(2) كذا، وفي مصادر الترجمة: " معيص " بالعين والصاد المهملتين.
(3) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (2/501) ، وأسد الغابة
(4/263) ، والإصابة (2/523) .

(2/503)


39- بَابُ: الخُرُوج منَ المَسجد بَعد الأذان
أي: هذا باب في بيان الخروج من المسجد بَعد أذان المؤَذن للصلاة.
وفي بعض النسخ: " بعد النداء " موضع " بعد الأذان " ، وفي بعضها:
" باب: ما جاء في الخروج " .
518- ص- نا محمد بن كثير: أنا سفيان، عن إبراهيم بن المُهاجر، عن
أبي الشَعثاء قال: كُنَّا مع أبي هُريرةَ في المسجد قال: فخرجَ رجلٌ حينَ أذنَ
المؤذنُ بالعَصرِ (1) ، فقال أبو هُريرةَ: أمّا هَذا فقدَ عَصَى أبا القاسم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (2) .
ش- سفيان: الثوري، وإبراهيم بن المُهاجر: الكوفي.
وأبو الشعثاء: سُليم بن أسود بن حنظلة المحاربي الكوفي، والد
أشعث. روى عن: عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وسلمان الفارسي،
وابن عباس، وابن عمر، وحذيفة بن اليمان، وأبي هريرة، وأبي أيوب
الأنصاريّ، وطارق بن عبد اللّه المحاربي، ومن التابعين: مسروق،
والأسود بن يزيد. روى عنه: ابنه: أشعث، وإبراهيم النخعي،
والحكم بن عُتَيبة، وغيرهم. قال ابن معين: كوفي ثقة. مات سنة اثنتين
وثمانين بعد الجماجم. روى له: الجماعة إلا الترمذي (3) .
قوله: " أبا القاسم " أبو القاسم هو كُنية النبي- عليه السلام-.
والحديث: أخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. ذكر
بعضهم أن هذا موقوف، وذكر أبو عمر النمري أنه مسند عندهم، وقال:
لا يختلفون في هذا؛ وذاك أنهما مسندان مرفوعان- يعني-: هذا وقول
أبي هريرة: " ومن لم يُحب - يعني: الدعوة- فقد عصَى اللّه ورسوله- "
وفيه: كراهة الخروج من المسجد بعد الأذان حتى يصلي المكتوبة إلا لعذر
من انتفاض طهرة، أو فوات رفقة، أو كان مؤذناً في مسجد آخر ونحو ذلك.
__________
(1) في سنن أبي داود: " للعصر " .
(2) مسلم: كتاب المساجد، باب: النهي عن الخروج من المسجد (258) ، (259)
(655) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في كراهية الخروج من
المسجد بعد الأذان (204) ، النسائي: كتاب الأذان، باب: التشديد في
الخروج من المسجد بعد الأذان (2/29) ، ابن ماجه: كتاب الأذان، باب:
إذا أذن وأنت في المسجد فلا تخرج (733) .
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (11/2484) .

(2/504)


40- بَاب: فِي المؤذن يَنْتظرُ الإِمَامَ
أي: هذا باب في بيان المؤذن يَنْتظر الإمام بَعْد الأذان.
519- ص- نا عثمان بن أي شَيبة: نا شبابه، عن إسرائيل، عن سماك، عن جابر بن سَمُرة قال: كَان بلال يُؤَذنُ ثم يُمْهِلُ، فإذا رَأى النبي- عليه السلام- قد خَرجَ أقامَ الصلاة (1) .
ش- شَبابةُ: ابن سوار الفزاري مولاهم المدائني، أبو عَمرو، أصله من خراسان، قيل: اسمُه: مروان , وإنما غلب عليه شبابة. سمع: جرير بن عثمان، وشعْبة، والليْثَ بن سَعْد، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، لإسحاق بن راهويه، وابن مَعين ، وغيرهم. وقال ابن مَعين: هو صَدُوق. وقال محمد بن سَعْد: كان ثقةَ صالح الأمر في الحديث، وكان مرجئاً وقال أبو حاتم: صدوق، يكتب حديثه ولا يحتج به. مات سنة أربع ومائتين. روى له الجماعة (2) .
وإسرائيل: ابن يونس بن أبي إسحاق السَّبِيعي، وسماك: ابن حَرْب الكوفي .
قوله: " ثم يُمهل " أي: يَسْتنظرُ خروج النبي- عليه السلام-، فإذا خرج يقيم الصلاة. والحديث: أخرجه مسلم بنحوه أتم منه، وأخرجه الترمذي.
__________
(1) مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: متى يقوم الناس للصلاة (160 / 606) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء أن الإمام أحق
بالإقامة (202) .
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (12 / 2684) .

(3/5)


ويُستفاد منه مسألتان , الأولى: استحباب الفصل بين الأذان والإقامة، والثانية: استحباب أداء الحق في البَيْت، فافهم.
* * *
41- بَاب: في التَّثوِيْب
أي: هذا باب في بيان التثويب وفي بعض النسخ: " باب / ما جاء في التثويب " . وهو العَوْد إلى الإعلام بعد الإعلام ، وقد ذكرناه مستوفى , ومنه " الثيب " لأن مُصِيبها عائد إليها.
520- ص- نا محمد بن كثير: أنا سفيان: نا أبو يحي القتات ، عن مجاهد قال: كُنتُ مع ابنِ عُمرَ فَثَوَّبَ رجل في الظهرِ أو العَصْرِ، قال: اخرجْ بنا , فإن هذه بدْعة (1) .
ش- أبو يحي: اسمه: زاذان القتات الكوفي الكُنَاسِي صاحب القت . وقال أبو حاتم: اسمه: دينار، ويقال: يزيد، ويقال: عبد الرحمن بن دينار، وقيل: مسلم، وقيل: زَبَّان. روى عن: مجاهد بن جبر، وعطاء بن أبي رباح، وحبيب بن أبي ثابت. روى عنه: الأعمش، والثوري، وفِطْر بن خليفة، وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: روى عنه: إسرائيل أحاديث كثيرة مناكير. وقال ابن معين: في حديثه ضعف، وفي رواية عثمان بن سعيد: ثقة. روى له: مسلم حديثين، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه (2) .
قوله: " فثوب رجل في الظهر " معناه: أنه خرج إلى باب المسجد ونادى: الصلاة رحمكم الله.
قوله: " بدْعة " البدْعة شيء لم يكن في زمن النبي- عليه السلام- ،
__________
(1) تفرد به أبو داود. (2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (34 / 7699) .

(3/6)


ويُقال: البدعة: كل ما خالف أصول الشريعة ولم يوافق السُنَّة. وقال في " الصحاح ": البدْعة: الحدثُ في الدين بعد الإكمال. انتهى من أبدعتُ الشيء اخترعته لا عن مثال " واللّه بديع السموات والأرض " أي: مُبْدعها لا عن أصل ومادّة. ثم التثويب في الفجر بقوله: " حي على الصلاة حي على الفلاح " مرتين بين الأذان والإقامة حسن عنْد أصْحابنا. ويقال: هو قوله: " الصلاة خير من النوم " مرتين بعد الصلاة والفلاح. وقال الشافعي، ومالك، وأحمد: لا تثويب في الفجر كما في سائر الصلوات. واستدل أصحابنا بما رواه الترمذي وابن ماجه، عن أبي إسرائيل، عن الحكم بن عُتَيْبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن بلال قال: أمرني رسول اللّه- عليه السلام- أن لا أثوب في شيء من الصلوات إلا في صلاة الفجر، وبحديث آخر رواه البيهقي، عن عطاء بن السائب، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن بلال قال: أمرني رسول اللّه أن لا أُثوب إلا في الفجر , والحديثاًن حجة عليهم. وأما التصويب في غير الفجر: فمكروه، لحديث ابن عمر هذا. وقال صاحب " الهداية ": والمتأخرون استحسنوه في الصلوات كلها لظهور التواني في الأمور الدينية. وقال أبو يوسف: لا أرى بأساً أن يقول المؤذن للأمير في الصلوات كلها : السلام عليك أيها الأمير ورحمة اللّه وبركاته، حي على الصلاة حي على الفلاح، الصلاة يرحمك الله، فاستبعده محمدٌ , لأن الناسَ سواسية في أمر الجماعة، وأبو يوسف خصّهم بذلك لزيادة اشتغالهم بأمور المسلمين، كيلا تفوتهم الجماعة، وعلى هذا القاضي والمُفْتِي.
* * *
42- بابٌ : في الصَّلاة تقامُ ولمْ يأت الإمَامُ يَنْتظرُونه قُعُوداً
أي : هذا باب في بيان الصَلاة تقامُ والحال: أَنه لم يأتي الإمام.
قوله: " يَنْتظرونه " حال , أي: جال كون الجماعة ينتظرون الإمام. وقوله: " قعوداً " حال أخرى أي: حال كونهم قاعدين، والقعودُ: جمع قاعد، كالسجود جمع ساجد، والوفود جمع وافد , وهما حالاًن

(3/7)


متداخلتان أو مترادفتان. وفي بعض النسخ: " باب: ما جاء فيما تقام الصلاة ولم يأت الإمام كيف ينتظرونه؟ ".
521- ص- نا مسلم بن إبراهيم، وموسى بن إسماعيل قالا: نا أبَانُ، عن يحي، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه (1) ، عن النبي- عليه السلام- قال: " إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروْني " (2) .
ش- مسلم بن إبراهيم: أبو عمرو القصاب الفراهيدي، وموسى بن إسماعيل: المنقري البصري، وأبان: ابن يزيد العطار البصري، ويحيى: ابن أبي كثير أبو نصر اليمامي، وعبد اللّه بن أبي قتادة , وأبو قتاده: الحارث بن ربعي الأنْصاري السلمي.
والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.
" (3) وفي رواية أبي هريرة: " أقيمت الصلاة فقُمنا، فعدلنا الصفوف قبل أن يخرج إلينا رسول اللّه " . وفي رواية: " إن الصلاة كانت تقام لرسول اللّه، فيأخذ الناسُ مَصافهم قبل أن يقوم النبي- عليه السلام- مقامه ". وفي رواية جابر بن سمرة:" كان بلال يؤذن إذا دحضت، فلا يقيم حتى يخرج النبي- عليه السلام-، فإذا خرج أقام الصلاة / حين يراه ". وقال القاضي رياض: يجمع بين مختلف هذه الأحاديث بأن بلالا كان يُراقب خروج النبي- عليه السلام- من حيث لا يراه غيره، أو إلا القليل، فعند أول خروجه يقيم ولا يقوم الناس حتى يرَوْه، ثم لا
__________
(1) في سنن أبي داود: "عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبي قتادة، عن أبيه " خطأ.
(2) البخاري: كتاب الأذان، باب: متى يقوم الناس إذا رأوا الإمام عند الإقامة؟ (637) ، مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: متى يقوم الناس للصلاة (604) ، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في الكلام بعد نزول الإمام من المنبر (517) ، النسائي: كتاب الأذان، باب: إقامة المؤذن
عند خروج الإمام (2 / 31) .
(3) انظر: " شرح صحيح مسلم " (5 / 101: 103) .

(3/8)


يقوم مقامه حتى يعدلوا الصفوف، وقوله في رواية أبي هريرة: " فيأخذ الناس مصافهم قبل خروجه " لعله كان مرة أو مرتين ونحوهما لبيان الجواز أو لعذر , ولعلّ قوله- عليه السلام-: " فلا تقوموا حتى تروني " كان بعد ذلك. قال العلماء: والنهي عن القيام قبل أن يرَوْه لئلا يطول عليهم القيام، ولأنه قد يعرض له عارض فيتأخر بسببه. واختلف العلماء من السلف فمن بَعْدهم متى يقوم الناس للصلاة؟ ومتى يكبر الإمام؟ فمذهب الشافعي وطائفة: أنه يستحب أن لا يقوم حتى يفرغ المؤذن من الإقامة , وهو قول أبي يوسف. وقال مالك: السنة في الشروع في الصلاة: بعد الإقامة وبداية استواء الصف. ونقل القاضي عياض عن مالك: إنه يستحب أن يقوموا إذا أخذ المؤذن في الإقامة. وكان أنس يقوم إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة، وبه قال أحمد. وقال زفر: إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة مرة قاموا وإذا قال ثانيا افتتحوا. وقال أبو حنيفة ومحمد: يقومون في الصف إذا قال: حيّ على الصلاة، فإذا قال: قد قامت الصلاة كبر الإمام ، لأنه أمين الشرع، وقد أخبر بقيامها، فيجب تصديقُه ". ص- قال أبو داود: هكذا رواه أيوب وحجاج الصواف، عن يحي وهشام الدستوائي قال: كتب إلي يحي، ورواه معاوية بن سلام وعلي بن المبارك، عن يحي وقالا فيه:" حتى تَرونِي، وعليكُم السكينة
ش- أي: هكذا روى الحديث المذكور: أيوب السختياني.
وحجاج بن أبي عثمان الصواف، أبو الصلت الكندي البصري، واسم أبي عثمان: مَيْسرة. روى عن: أبي الزبير، ويحيى بن أبي كثير، وأبي سنان، وغيرهم. روى عنه: الحمادان، ويحيى القطان، وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: شيخ ثقة. وقال ابن معين وأبو حاتم وأبو زرعة : ثقة. روى له الجماعة (1) .
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (5 / 1123) .

(3/9)


ويحيى: ابن أبي كثير، وهشام: ابن أبي عبد اللّه الاستوائي البصري، ومعاوية بن سلام: ابن أبي سلام الأسود الألهاني.
وعليّ بن المبارك: الهنائي البصري. روى عن: يحيى بن أبي كثير، والحسن بن مسلم العبدي. روى عنه: يحيى القطان، ووكيع، وسفيان ابن حبيب، وغيرهم. قال أحمد: ثقة. روى له الجماعة إلا النسائي (1) . قوله: " وقالا فيه " أي: قال معاوية وعلي في الحديث المذكور: " حتى تروني، وعليكم السكينةُ " , السكينة: التأني في الحركات واجتناب العبث ونحو ذلك. وقال الجوهري: السكينة: الودَاع والوقَارُ.
522- ص- نا إبراهيم بن موسى: أنا عيسى، عن معمر، عن يحي بإسناده مثله قال: " حتى تروني قد خرجتُ " (2) .
ش- إبراهيم بن موسى: الفراء الرازي ، وعيسى: ابن يونس بن أبي إسحاق السَّبِيعي الكوفي، ومعمر: ابن راشد البصري.
قوله: " مثله " أي: مثل الحديث المذكور، وفي روايته: " حتى تروني قد خرجتُ " ، و" قد خرجت " في موضع الحال.
ص- قال أبو داود: ولم يذكر " قد خرجتُ " إلا معمر. ورواه ابن عُيينة، عن معمرِ,ولم يَقل فيه: "قد خرجتُ "
ش - أي: روى الحديث المذكور: سفيان بن عيينة ، عن معمر المذكور, لم يقل في روايته : " قد خرجت ".
523- ص- نا محمود بن خالد: نا الوليد قال: قال أبو عَمرو ح، و نا داود بن رُشَيْد: نا الوليد- وهذا لفظه- عن الأوزاعي، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: إن الصلاةَ كانتْ تُقامُ لرسول الله فيأخذ الناسُ مَقامهُم، قبل أن يَأخذَ النبي- عليه السلام- (3) .
__________
(1) المصدر السابق (21 / 4124) . (2) انظر الحديث السابق.
(3) مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: متى يقوم الناس للصلاة (159 / 605) ، النسائي: كتاب الأذان، باب: أقامة الصفوف قبل خروج الإمام (2 / 88) ، وقد سبق في كتاب الطهارة برقم (220) .