Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

شرح سنن أبي داود للعيني

3- كتاب الجنائز
أي: هذا كتاب في بيان " أحكام الجنائز " وأبوابها، وذكر في رواية اللؤلؤة نقيب الباب المذكور الذي هو آخر أبواب كتاب الصلاة، كتاب الزكاة، وذكر الجنائز نقيب أبواب كتاب الجهاد، ولكن هذا أنسب،
وأوفق لترتيب كتب الفقه، وكذا ذكر الخطابي في " معالم السنن " كتاب الجنازة في هذا الموضع، وفي غالب النسخ الصحيحة كذلك، والجنائز جمع جنازة، والجنازة- بفتح الجيم- اسم للميت، وبكسرها اسم للنعش الذي نحمل عليه الميت، ويقال عكسه حكاه " صاحب المطالع " واشتقاقها من جنز إذا ستر، ذكره ابن فارس وغيره، والمضارع يجنز - بكسر النون- ويقال: الجنازة بكسر الجيم وفتحها والكسر أفصح،
ومنهم من فرق كما ذكرناه.
فإن قيل: لم قال: " كتاب الجنائز "، ولم يقل: " باب الجنائز "
مضموما إلى أبواب الصلاة؟ قلت: لخروجها عن كثير من أحكام الصلوات، حيث لا ركوع فيها ولا سجود، ولا قراءة عند كثير من العلماء، وأيضا هي مشتملة على أبواب شتى فذكرها/ بلفظ الكتاب 185/21- ب، ليجمع تلك الأبواب، وقد ذكرنا أن الكتاب من الكتب وهو الجمع، والباب النوع، والكتاب يجمع الأنواع .
1- باب: الأمراض المكفرة للذنوب
أي: هذا باب في بيان الأمراض المكفرة للذنوب، والأمراض جمع مرض وهو السقم.
1527- ص- نا عبد الله بن محمد النفيلي، نا محمد بن سلمي، عن
محمد بن إسحاق، حدثني رجل من أهل الشام يقال له: أبو منظور، عن
عمه، حدثني عمي، عن عامر الرام أخي الخضر (1) ، قال النفيلي: هو
__________
(1) في سنن أبي داود: " قال أبو داود: قال الطفيلي".

(6/5)


الخضر، ولكن كذا قالي محمد (1) : إني لببلادنا إذ رُفِعَتْ لنا رايات وألوية فقلتُ: ما هذا؟ قالوا: هذا رسولُ الله (2) فأَتيتُه وهو تحت شَجرة قد بُسطَ له كساءٌ ، وهو جالسٌ عليه، وقد اجَتمعَ إليه أصحابه، فجلستً إليهم، فذكَر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الأسقامَ، فقال: " إن المؤمنَ إذَا أصابَه السقمُ، ثم أعفَاهُ اللهُ منه، كان كَفارةً لما مَضَى من ذُنُوبه، ومَوعظةً له فيما يَستقبلُ، و إن المنافقَ إذا مَرِضَ، ثم اعْفي كان كالبعيرِ عَقَلًه أهلُه، ثم أرسلُوه فلم يَدرِ لِمَ عَقَلُوهُ، ولم يَدرِ لم أرسلُوَهُ. فقالت رجلٌ ممن حولَه: يا رسولَ الله وما الأسقامُ؟ والله ما مَرضْتُ قَط، قال (3) : قُم عبئا، فلستَ منا، فبينماَ (4) نحنُ عنده إذ أقبلَ رجل عليه كسَاءٌ ، وفي يده شيءٌ ، قد التفَّ عليه، فقال: يا رسولَ اللهم إني لَمّا رأيتُكَ أقَبلتُ ، فمررتُ بِغيضَة شجر فسمعتُ فيها أصوات فِرَاَخِ طائر فأخذتهُن فوضعتُهن في كسَائِي، فجاءت أمهُن فاستَدارتْ على رأسي، فكشًفتُ لها عَنْهُن، فوقَعَتْ عَليهن مَعَهُن، فَلَففْتُهن بكسَائي، فهن أولاء مَعي، قالي: ضَعْهُن عنكَ، فوضعتُهن، وأبتْ أمُّهنَ إَلا"زُومَهن، فقالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لأصحَابه: أتعجبون لرَحم أم الأفراخ فِرَاخَهَا؟ قالوا: نَعم، يا رسولَ اللهِ، قال: فوالذي بَعثنِي باَلحَقِّ لله أَرْحَمُ بعباده من أم الأفراخ بِفِرَاخِهَا، ارجعْ بهنَّ حتى تَضَعَهن من حيثُ أَخذتَهن، وأَمهن مَعَهُن، فرجعَ بِهِن) )
__________
(1) في سنن أبي داود: " كذا قاله بدون لفظة محمد ".
(2) في سنن أبي لمحمود: " هذا لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم ".
(3) في سنن أبي لمحمود: " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ".
(4) في سنن أبي داود: " فبينا ".
(5) في سنن أبي داود: " أقبلت إليك ".
(6) تفرد به أبو داود.
(7) جاء في سنن أبي داود بعد هذا الحديث حديث برقم (3090) ولم يرد في نسخة المصنف، قال عنه المزي في الأطراف: هذا الحديث في رواية ابن العبد وابن حاسة، ولم يذكره أبو القاسم ا هـ. وهذا الحديث هو: قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، د إبراهيم بن مهدي المصيصي، المعنى،=

(6/6)


ش- أبو منظور ذكره في " الكمال " ، في باب الكنى، وقال: روى عن عمه، عن عامر الرام، روى عنه محمد بن إسحاق، روى له أبو داود (1) .
وعامر الرام أخو الخُضْر- بالخاء المعجمة المضمومة، وسكون الضاد المعجمة- وهو حي من محارب خصَفة، روى عن النبي- عليه السلام- حديثا واحدا، وهو الحديث المذكور، وقال فيه " الكمال " ، روى عن النبي- عليه السلام- حديثا واحدا في فضل المرض، وسعة رحمة الله تعالى، روى حديثه محمد بن إسحاق بن يسار، عن رجل من أهل الشام، يقال له: أبو منظور، عن عمه، عنه، روى له أبو داود (2) .
قوله: " قال محمد " أي: محمد بن مسلمة.
قوله: فإني لببلادنا" أي: لفي بلادنا، و" اللام " للتأكيد، و " الباء" للظرفية. قوله: " إذ رفعت " كلمة " إذ " على أربعة أوجه، أحدها: أن تكون اسما للزمن الماضي، ولها أربعة استعمالات، أحدها: أن تكون ظرفا وهو الغالب نحو { فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذينَ كَفَرُوا } (3) والذي في الحديث من هذا القبيل. والثاني: أن تكون مفعولا به نحو { وَاذكُرُوا إذ كُنتُمْ قَلِيلا فَكثرَكُمْ } (4) .
__________
قالا: حدثنا أبو المليح عن محمد بن خالد، قال أبو داود: قال إبراهيم بن مهدي: السلمي، عن أبيه، عن جده، وكانت له صحبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم
- "- قال: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن العبد إذا سبقت له
من الله منزلة لم يبلغها بعمله ابتلاه الله في جسده، أو في ماله، أو في ولده " قال أبو داود: زاد ابن نفيل: " ثم صبره على ذلك "، ثم اتفقا: " حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له من الله تعالى ".
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (34/ 7652) .
(2) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (7/3) ، وأسد الغابة (3/ 1 12) ، والإصابة (2/ 261) ، و تهذيب الكمال (14/ 67 0 3) .
(3) سورة التوبة: (0 4) . (4) سورة الأعراف: (86) .

(6/7)


والثالث: أن تكون بدلا من المفعول به نحو (وَاذكُرْ فِي الكِتَابِ مَرْيَمَ
إِذا انتَبَذَتْ " (1) ، فإذ بدل اشتمال من مريم.
والرابع: أن يكون مضافا إليها اسم زمان، صالح للاستغناء عنه نحو
" يومئذ " و " حينئذ " أو غير صالح له نحو قوله تعالى: { بَعْدَ إِذْ
هَدَيْتَنَا } (2) .
والوجه الثاني: أن تكون اسما للزمان المستقبل نحو { يَوْمَئذ تُحَدِّثُ
أخْبَارَهَا } (3) .ًَ
والوجه الثالث: أن تكون للتعليل نحو { وَلَن يَنفَعَكُمُ اليَوْمَ إِذ ظَلَمْتُمْ
أنكُمْ فِي العَذَاب مُشْتَركُونَ } (4) ، والمعنى: ولن ينفعكم اليوم [ ] (5)
أنكم في العذاب ، لأجل ظلمكم في الدنيا.
والرابع: أن تكون للمفاجأة، نص عليه سيبويه، وهي الواقعة بعد
" بينا " و "بينما".
قوله: " ثم أعفاه الله " أي: عافاه الله، كلاهما بمعنى، مِنَ العافية،
وهي دفاعُ اللّهِ عن العبدِ.
قوله: "ثم أعفي" بضم الهمزة وكسر الفاء بمعنى عوفي من المعافاة.
قوله: "عَقَله" أي: ربطه.
قوله: " بينما نحن عنده " أي: عند رسول اللّه- صلى الله عليه وسلم- الكلام في
"بينا" و "بينما" مر غير مرة.
قوله: "غيضة شجرة" - بالضاد- الساقطة، وهي الأجمة وهي مغيض
ماء يجتمع فينبت فيه الشجر، والجمع غياض، وأصلها من غاض الماء
[ 186 ] ، يغيض غيضا/ أي: قل ونضب.
__________
(1) سورة مريم: (16) .
(2) سورة آل عمران) . (8) .
(3) سورة الزلزلة: (4) .
(4) سورة الزخرف (3) .
(5) بياض قدر كلمة، وأظنه ليس مكتوبا فيه شيء.

(6/8)


قوله: "فراخ" طائر الفراخ جمع فرخ، الفرخ ولد الطائر والأنثى فرخة، وجمع القلة أفرخ وأفراخ، والكثير فراخ بالكسر، وأفرخَ الطائرُ وفرخ، والطائر جمعه طير، مثل صاحب وصحْب، وجمع الطير طيور وأطيار، مثل فرخ وأفراخ.
قوله: " الله أرحم بعباده " اللام المفتوحة في " للّه " للتأكيد، والرحمة: العطف، والحنو، والرقة .
1528- ص- نا (1) محمد بن عيسى، ومسدد، المعنى، قالا: نا هشيم، عن العوام بن حوشب، عن إبراهيم بن عبد الرحمن السكسكي، عن أبي بردة، عن ألف موسى، قال: سمعت النبي- عليه السلام- يقول غير مرة ولا مرتين (2) : " إذا كانَ العبدُ يعملِ (3) صالحاً فَشَغَلَهُ عنه مَرضن أو سَفر كُتبَ له كَصَالِح ما كانَ يَعملُ وهو صحيح مُقِيم " (4) .
ش- محمد بن عيسى الطباع، وهشيم بن بشير السلمي الواسطي، وأبو بردة عامر بن عبد اللّه بن قيس الكوفي، وأبو موسى هو عبد اللّه بن قيس الأشعري.
قوله: " غير مرة " نصب على أنه صفة لمصدر منصوب محذوف تقديره
" يقول قولا غير مرة ".
قوله: " وهو صحيح مقيم " جملة اسمية وقعت حالا من الضمير الذي
في "يعمل" في قوله: " ما كان يعمل ".
والحديث أخرجه البخاري.
__________
(1) في سنن أبي داود هذا الحديث تحت باب: " إذا كان الرجل يعمل عملا صالحا فشغله عنه مرض أو سفر ".
(2) في سنن أبي داود: " غير مرة ولا مرتين يقول".
(3) في سنن أبي داود: "يعمل عملا ".
(4) البخاري : كتاب الجهاد، باب: يكتب للمسافر مثل ما كان يعمل في الإقامة (2996)

(6/9)


529 ا- ص- نا (1) سهل بن بكار، عن أبي عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن أم العلاء، قالت: " عَادني رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا مَرِيضَة، فقال: أبْشرِي يا أم العَلاء، فإن مَرَضَ المُسلِم يُذهبُ اللهُ به خَطَايَاهُ، كما تُذهب النار خَبَثَ الذهبِ وَالفِضةِ " (2) .
ش- سهل بن بكار القيسي الدارمي أبو بشر البصري، روى عن شعبة، وأبان بن يزيد العطار، وأبي عوانة، روى عنه محمد بن عثمان بن الحارث، وأبو جعفر محمد بن محمد التمار البصري، والعباس بن الفضل، قال أبو حاتم: هو ثقة، مات سنة ثمان وعشرين ومئتين، روى له البخاري، وأبو داود، والنسائي (3) . وأبو عوانة الوضاح مولى يزيد بن عطاء الواسطي، وعبد الملك بن عمير القرشي الكوفي، وأم العلاء عمة حزام بن حكيم بن حزام الأنصاري، روى عنها حديثا في المرض، روى لها أبو داود.
ويستفاد من الحديث فوائد، الأولى: إن عيادة الرجال للنساء المريضة جائزة.
الثانية. ينبغي للعائد أن يبشر المريض بذهاب خطاياه، فإن فيها تسلية لقلبه، وتقوية لجنانه.
والثالثة: إن المرض يذهب بالخطايا، كما تَذهبُ النار بخبث الذهب والفضة.
1530- ص- نا مسدد، نا يحي، ح، ونا ابن بشار، نا عثمان بن عمر (4) ، وهذا لفظه (5) ، عن أبي عامر الخزاز، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: " قلتُ: يا رسول اللهِ، إني لأعْلَمُ أشذَ آية
__________
(1) في سنن أبي داود هذا الحديث تحت باب: "عيادة النساء".
(2) تفرد به أبو داود.
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (12/ 5 0 26) .
(4) في الأصل: "عمرو" خطأ.
(5) في سنن أبي داود: قال أبو داود: " هذا لفظ ابن بشار".

(6/10)


في كتاب اللهِ تعالى، قال: أيةُ آية يا عائشةُ؟ قلتُ (1) : قَولَ الله عز وجل { مَن يَعْمًلْ سُوءً يُجْزَ به } (2) . قال: أمَا علمتِ يا عائشةُ أن اَلمسلم (3) تُصيبهُ النكبةُ أو الشوكةُ فَيكافأ بأسْوَء عَمَله؟ ومَنْ حُوسبَ عُذبَ قالتْ: أليسَ يقولُ اللهُ عز وجل:{ فَسَوْفَ يُحَاسَبَ حِسَاباً يَسِيراً } (4) قال: ذلِكمُ العَرْضُ، يا عائشةُ، مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ عُذبَ " (5) ، (6) .
ش- يحي القطان، ومحمد بن بشار، وعثمان بن عمر (7) بن فارس العبدي البصري، وأبو عامر صالح بن رستم الخزاز المدني مولاهم المصري، وابن أبي مليكة عبد اللّه بن عبيد الله بن أبي مليكة.
قوله: " هذا لفظه " أي: لفظ ابن بشار.
قوله: " أشد آية" أي: أقوى آية في الإخبار في الوعيد.
قوله تعالى: " يُجْزَ به " أي: بالسوء و "يجز"، مجزوم لابنه وقع جوابا لقوله:"مَن يَعْمَل ".
قوله: "النكبة" واحدة نكبات الدهر، يقال: أصابته نكبة، ونكب فلان فهو منكوب، وإنما ذكر قوله: "أو الشوكة" إشارة إلى أن النكبة وإن كانت يسيرة جدا مثل الشوكة التي تنغرز في يديه، فإن صاحبها يكافأ بأسوأ عمله بسبب ذلك.
قوله: "فيكافأ " يعني: فيجازى بأسوأ عمله، بمعنى يجعل تلك النكبة في مقابلة سوء عمله، فيتساويان، فيجعل ذاك بذاك، وأصله من
__________
(1) في سنن أبي داود: "قالت ".
(2) سورة النساء: (123) .
(3) في سنن أبي داود " أن المؤمن ".
(4) سورة الانشقاق: (8) .
(5) تفرد به أبو داود.
(6) في سنن أبي داود بعد الحديث: "قال أبو داود: وهذا لفَظ ابن بشار قال: حدثنا ابن أبي مليكة ".
(7) في الأصل: " عمرو " خطأ.

(6/11)


الكفؤ وهو النظير والمساوي، ومنه الكفاءة في النكاح، وهو أن يكون
الزوج مساويا للمرأة في حسبها ودينها، ونسبها، وغير ذلك وفي بعض
النسخ: (فيحاسب بأسوأ عمله" موضع "فيكافأ" وقد أخرج البخاري
ومسلم في "صحيحيهما": " أليسَ يقولُ اللهُ عز وجل... " وما بعده
إلى آخر الحديث.
186/21- ب،/ 1531- ص- نا (1) عبد العزيز بن يحي، نا محمد بن سلمي، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد، قال:
"خَرجَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَعودُ عبدَ الله بنَ أبَن في مَرَضِهِ الذي ماتَ فيه، فلما
دخلَ عليه عَرَفَ فقيه الموتَ، قالي: قد كنتُ أنهَاكَ عن حُبِّ يهودِ، قال: فقد
أبْغَضَهُم أسعدُ بن زُرَارَةَ (2) ، فلما ماتَ أتاه ابنُه فقالت: يا رسولَ الله" إن
عبدَ اللهِ بنَ أبَن قد ماتَ، فأعطِني قميصَك أكفنهُ فيه، فنزعَ رسولُ الَلهِ "
قميصَه فأعطاهُ إياهُ " (3) .
ش- عبد العزيز بن يحمى أبو الأصبغ الحراني، ومحمد بن سلمة
الحراني.
قوله: " يعود" جملة وقعت حالا من الرسول، وعبد الله بن أبي بن
سلول كان رأس المنافقين، وكان ظاهر النفاق، أنزل الله تعالى في كفره
ونفاقه آيات من القرآن تتلى.
فإن قيل: كيف جازت للنبي- عليه السلام- تكرمة المنافق، وتكفينه
في قميصه؟
قلت: كان ذلك مكافأة له من عمل صنيع سبق له، وذلكم أن العباس
- رضي الله عنه- عم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لما أخذ أسيرا ببدر لم يجدوا
__________
(1) في سنن أبي داود هذا الحديث تحت باب: " في العيادة".
(2) في سنن أبي داود: " أبغضهم سعد بن زرارة فمه،.
(3) تفرد به أبو داود.

(6/12)


له قميصا، وكان رجلا طوالا، فكساه عبد اللّه قميصه، فأراد النبي - عليه السلام- أن يكافئه على ذلك، لئلا يكون لمنافق عنده يد لم يجازه عليها، وليكون ذلك إكراما لابنه الصالح، فقد كان مسلما بريئا من النفاق وكان اسمه: الحباب، فقال رسول اللّه: أنت عبد اللّه بن عبد اللّه، الحباب اسم شيطان، وقد قيل للنبي- عليه السلام- لم وجهت إليه بقميصك، وهو كافر؟ فقال: إن قميصي لن يغني عنه من اللّه شيئا، وإني أؤمل من الله أن يدخل في الإسلام كثير بهذا السبب، فيروى أنه أسلم ألف من الخزرج لما رأوه طلب الاستشفاء بثوب رسول اللّه- عليه السلام- وكذلك ترحمه- عليه السلام- واستغفاره كان للدعاء إلى التراحم والتعاطف، لأنهم إذا رأوه يترحم على من يظهر الإيمان وباطنه على خلاف ذلك دعي المسلم إلى أن ينعطف على من والى قلبه لسانه، ورآه حتما عليه، وقال الخطابي (1) : "فيه دليل على جواز التكفين بالقميص ".
قلت: لا نسلم ذلك، لأنه كان كافرا، فصار القميص وغيره من الأثواب في حقه سواء، وإنما كان هذا سترا له كما في حق سائر الكفار إذا ماتوا، ولم يكن هذا تكفينا على وجه السنة كما في حق المسلمة، حتى يقال بجواز التكهن بالقميص فافهم.
2- باب: في عيادة الذمي
أي: هذا باب في بيان عيادة الذمي، وعيادة الذمي زيارته، لكونه مريضا، وكذا عيادة المريض زيارته، مِن عاد يعود عودا، أي: صار إليه.
1532- ص- نا سليمان بن حرب، نا حماد، عن ثابت، عن أنس
رضي الله عنه- "أن غلاما من اليهودِ كان مَرِضَ، فَأتَاهُ النبي- عليه
__________
(1) معالم السنن (1/ 260) .

(6/13)


السلام- بَعوده، فَقَعَدَ عندَ رأسه (1) ، فَنَظَرَ إلى أبيه وهو عندَ رأسه فقال (2) : أطِعْ أباد القاسم صلى الله عليه وسلم فأسلم، فقامَ النبي- عليه السلام- وهو يقولُ الحَمْدُ لتهم الذي أنقَذه (3) من النارِ" (4) .
ش- حماد بن زيد، وثابت البناني.
قوله: "أنقذه" بالذال المعجمة، أي: خلصه ونجاه، وفيه دليل على جواز عيادة أهل الذمة، ولا سيما إذا كان الذمي جارا له، لأن فيه إظهار محاسن الإسلام، وزيادة التأليف بهم ليرغبوا في الإسلام، والحديث أخرجه البخاري في " صحيحه "، والنسائي في " سننه ".
3- باب: المشي في العيادة
أي: هذا باب في بيان فضل المشي في عيادة المريض، وفي بعض النسخ لفظ الباب ليس بموجود فيه.
1533- ص- نا أحمد بن حنبل، نا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، قال:"كان النبي عن يعُودُنِي، ليسَ بِرَاكبِ بَغْلٍ ، ولا بِرْذوْنَ " (5) .
ش- البِرذون- بكسر الباء- قال الجوهري: البِرذون الدابة، والأنثى بِرذونة، وذكر غيره أن البِرذون الفرس العجمي. وفيه ما يدل على فضيلة عيادة المريض ماشيا، فإن ركب جاز، والأولى اتباع صاحب الشرع لما فيه من إظهار التواضع، وإدخال السرور في قلب المريض/ وليس في
__________
(1) في سنن أبي داود: "فقعد عند رأسه فقال له: أسلم ".
(2) في سنن أبي داود: "فقال له أبوه".
(3) في سنن أبي داود:"الذي أنقذه بي".
(4) البخاري: كتاب المرضى، باب: عيادة المشرك (5657) ، النسائي في الكبرى. (5) البخاري: كتاب المرضى، باب: عيادة المريض راكبا وماشية وردفاً على الحمار (5664) ، الترمذي: كتاب المناقب، باب: في مناقب جابر بن عبد الله رضي الله عنهما (3851) .

(6/14)


بعض النسخ ذكر لفظ الباب، والحديث أخرجه البخاري، والترمذي - رحمهما الله تعالى-.
4- باب: من عاد مريضا وهو على وضوء (1)
أي: هذا باب في بيان فضل من عاد مريضا، والحال أنه على الوضوء، وفي كثير من النسخ ليس فيه ذكر لفظ الباب.
1534- ص- نا محمد بن عوف الطائي، نا الربيع بن روح بن خليد (2) ، يا محمد بن خالد، نا الفضل بن دلهم الواسطي، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك- رضي اللّه عنه- قال: قال رسول الله- عليه السلام-:"مَن توضأ فأحسَن الوُضوءَ، وعادَ أخَاه المسلمَ مُحْتَسِباً، بُوعدَ من جَهنمَ مَسيرَة ستين (3) خَريفا. قلتُ: يا أبَا حَمزةَ، وما الخَريفُ؟ قالَ: الَعَامُ " (4) (5)
ش- محمد بن عوف بن سفيان أبو جعفر الحمصي الطائي.
والربيع بن روح بن خليد (2) ، أبو روح، سمع: الحارث بن عَبدة أو عبيدة، ومحمد بن خالد، روى عنه: محمد بن عوف الطائي، روى لها: أبو داود، والنسائي (6) .
ومحمد بن خالد الوَهْبي الحمصي الكندي أخو أحمد، روى عن: محمد بن عمرو بن القمة وغيره، روى عنه: الربيع بن روح وغيره، روى له: البخاري، وأبو د وود، وابن ماجه (7) .
__________
(1) في سنن أبي داود: " باب في فضل العيادة على وضوء ".
(2) في الأصل: " خالد" خطأ. (3) في سنن أبي داود " سبعين".
(4) تفرد به أبو داود.
(5) في سنن أبي داود بعد هذا الحديث: " قال أبو داود: والذي تفرد به البصريون منه العيادة وهو متوضئ".
(6) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (9/ 1860) .
(7) المصدر السابق (25/ 5180) .

(6/15)


والفضل بن دلهم البصري، وقيل: الواسطي القصاب، روى [عن]: الحسن البصري، وابن سيرين، وقيادة، وثابت البناني، روى عنه: محمد بن القاسم، وعبد اللّه بن المبارك، ووكيع وغيرهم، قال أحمد بن حنبل: ليس به بأس، وقال يحرص بن معين: صالح، وقال أبو داود: ليس بالقوي ولا بالحافظ، روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (1) . قوله: "محتسبا" حال عن الضمير الذي فيه "عاد"، أي: طالبا لوجه الله وثوابه، والاحتساب من الحسب كالاعتداد من العد، صانعا قيل لمن ينوي بعمله وجهه اللّه: احتسبه، لأن له حينئذ أن يعتد عمله، فجعل في حال مباشرة الفعل كأنه معتد به، والحسبة اسم من الاحتساب كالعدة من الاعتداد، والاحتساب في الأْعمال الصالحات وعند المكروهات هو: البدار إلى طلب الأجر، وتحصيله بالتسليم، والصبر، أو باستعمال أنواع البر، والقيام بها على الوجه المرسوم فيها طلبا للثواب المرجو منها.
قوله: " بُوعد" مجهول باعد.
قوله: "قلت" قول ثابت البناني، وأبو حمزة كنية أنس بن مالك ص في الله عنه- وقد فسر أنس- رضي الله عنه- الخريف بالعام وهو من باب المجاز، حيث أطلق على الكل اسم جزئه، لأن الخريف أحد فصول السنة تخترف فيه الثمار، أي: تجتني. وفيه من الفوائد استحباب الوضوء عند عيادة المريض، وأنها إنما تعتبر وتعتد إذا كانت على وجه الاحتساب، لينال هذا الفضل العظيم، حتى إذا كانت على وجه الرياء والسمعة، أو لأجل غرض دنياوي لا ينال تلك الفضيلة، ولقد رأينا كثيرا من الأكابر مثل الأمراء، وغيرهم من الحكام ينزلون عند أرباب الدنيا إذا مرضوا، وقصدهم من ذلك أن يقدموا لهم تقادم من الخيول، والقماش، والمماليك، فهؤلاء وأمثالهم خارجون عن هذا الوعد العظيم، والحديث لم يخرجه غير أبي داود من الأئمة الستة.
__________
(1) المصدر السابق (23/ 4733) .

(6/16)


1535- ص- نا محمد بن كثير، أنا شعبة، عن الحكم، عن عبد الله بن
نافع، عن علي- رضي الله عنه- قال: " مَا مِن رَجُلِ يعودُ مَريضاً مُمْسِياً إلا
خرجَ معه سبعونَ ألفَ مَلَكِ يستغفِرُون له حتى يُصبحَ، وكان له خَرِيف في
الجنةِ، ومن أتاه مُصْبِحاً خرجَ معه سبعونَ ألفَ مَلَك يستغفرونَ له حتى
يُمْسِيَ، وكان له خَري"في الجنةِ " (1) .
ش- شعبة بن الحجاج، والحكم بن عتيبة.
قوله: "ممسياً" حال عن الضمير الذي في " يعود"، وكذا قوله:
"مصبحاً" أي: في حال المساء وحال الصباح، وقد دل هذا على ابن عيادة
المريض في المساء لا تمنع كما يتأبى عنها كثير من العوام، والحديث يرد
عليهم.
قوله: "خريفاً" أي: " (2) مخروف من ثمر الجنة، فعيل بمعنى مفعول، وهذا كالحديث الآخر: "عائد المريض على مخارف الجنة " والمعنى- والله أعلم- أنه بسعيه إلى عيادة المريض يستوجب الجنة ومخارفها".
فإن قلت: ما وجه الحكمة في تعيين/ السبعة ألفا من بين سائر [ 2 / 187 - ب ] الأعداد؟ قلت: قد عرفت أن العدد لا نهاية له، وأن مراتبه آحاد
وعشرات ومئات وألوف، وهذا يشمل المراتب كلها، أو يكون فيها حكمة
خفي علينا وجهها، والله أعلم.
وفي بعض النسخ في أول هذا الحديث: "باب جامع فضل العيادة"،
والحديث موقوف- كما ترى- ولم يخرجه غيره من الستة.
1536- ص- يا عثمان بن أي شيبة، يا أبو معاوية، نا الأعمش، عن
__________
(1) تفرد به أبو داود.
(2) انظر: معالم السنن (1/ 260) .
52 شرح سنن أبي داوود 6

(6/17)


الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه، لم يذكر "الخريف " (1) (2) .
ش- أراد بهذا أن عبد الرحمن بن أبي ليلى روى هذا الحديث عن علي
- رضي اللّه عنه- ولم يذكر فيه: "وكان له خريف في الجنة" وإنما وقع في رواية عبد اللّه بن نافع، عن علي- رضي اللّه عنه- وهذا موقوف، وأخرجه ابن ماجه، وقال أبو بكر البحار: وهذا الحديث رواه أبو معاوية، عن الأعمش، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ورواه شعبة، عن الحكم، عن عبد الله بن نافع، وهذا اللفظ لا يعلم رواه إلا علي، وقد روي عن علي- رضي الله عنه- من غير وجه.
ص- قال أبو داود: رواه منصور، عن الحكم، كما رواه شعبة.
ش- أي: روى الحديث المذكور منصور بن المعتمر، عن الحكم بن عتيبة، كما رواه شعبة بن الحجاج، عن الحكم بن عتيبة وقد قال أبو داود - رحمه اللّه-: أسند هذا عن علي- رضي اللّه عنه- من غير وجه، عن النبي- عليه السلام-.
5- باب: في العيادة مرارا
أي: هذا باب في بيان عيادة المريض مرارا، وفي بعض النسخ "باب الرجل يعاد مرارا".
1537- ص- نا عثمان بن أبي شيبة، نا عبد الله بن نصير، عن هشام بن
__________
(1) ابن ماجه كتاب الجنائز، باب: ما جاء في ثواب من عاد مريضا (1442) .
(2) جاء في سنن أبي داود بعد هذا الحديث حديث (3100) وليس في نسخة المصنف، وهو حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن منصور، عن الحكم، عن أبي جعفر عبد الله بن نافع قال:- وكان نافع غلام الحسن بن علي- قال: " جاء أبو موسى إلى الحسن بن علي يعوده".
قال أبو داود: وساق معنى حديث شعبة. قال أبو داود: أسند هذا عن علي
عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه صحيح.

(6/18)


عروة، عن أبيه، عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: " لَهَا أصيبَ سعدُ بنُ مُعاذ يومَ الخَندقِ رَمَاهُ رَجُل في الأكْحَلِ، فضربَ عليه رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم خيمةً في الًمسجد ليعود (1) من قريب " (2) .
ش- (3) سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القدس بن عبد الأشهل بن جشم بن الحارث بن الأشهب بن عمرو بن مالك بن الأوس سيد الأوس أبو عمرو، شهد بدرا، وأحدا، واستشهد زمن الخندق، صح أن رسول اللّه- عليه السلام- قال: " اهتز العرش لموت سعد بن معاذ" روى عنه عبد الله بن مسعود، قال: "كنت صديقا لأمية [بن] خلف" الحديث،أخرجه : البخاري، ويوم الخندق هو غزوة الأحزاب، كانت في شوال سنة خمس من الهجرة، نص عليه محمد بن إسحاق، وقال موسى بن عقبة: عن الزهري، أنه قال: ثم كانت الأحزاب في شوال سنة أربع، وكذا قال مالك بن أنس، فيما رواه أحمد بن حنبل، عن موسى بن داود، عنه، والجمهور على قول ابن إسحاق، ومات سعد بعد انقضاء شأن بني قريظة، وكان قد دعي الله أن لا يميته حتى تقر عينه من بني قريظة، وذلك حين نقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله من المواثيق والعهود، ومالئوا عليه مع الأحزاب، ولما انقضى شأنهم انفجر جرحه فمات منه شهيدا، وقال ابن كثير: وكانت وفاته بعد انصراف الأحزاب بنحو أن خمس وعشرين ليلة، وكان قدوم الأحزاب في شوال سنة خمس كما ذكرنا، فأقاموا قريبا من شهرين، ثم خرج رسول الله لحصار بني قريظة، فأقام عليهم خمسا وعشرين ليلة، ثم نزلوا على حكم سعد، فمات بعد
__________
(1) في سنن أبي داود: "ليعوده ".
(2) البخاري: كتاب المغازي، باب: مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من الأحزاب (4121) ، مسلم: كتاب الجهاد، باب: جواز قتال من نقض العهد 65- (1769) ، النسائي: كتاب المساجد، باب: ضرب الخباء في المساجد (2/ 45) .
(3) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (27/2) ، وأسد الغابة (2/ 373) ، والإصابة (2/ 37)

(6/19)


حكمه عليهم بقليل، فيكون ذلك في أواخر ذي القعدة، أو أوائل
ذي الحجة من سنة خمس، وعن نافع عن ابن عمر، قال: قال رسول اللّه
- عليه السلام-: "لقد هبط يوم مات سعد بن معاذ سبعون ألف ملك
إلى الأرض لم يهبطوا قبل ذلك، ولقد ضمه القبر ضمة " ثم بكى نافع.
رواه البزار بإسناد جيد.
وروى البيهقي بإسناده إلى أمية بن عبد اللّه، ابنه سأل بعض آل سعد:
ما بلغكم من قول رسول اللّه في هذا؟ فقالوا: "يذكر لنا أن رسول اللّه
صلى الله عليه وسلم سئل عن ذلك فقال: كان يقصر في بعض الطهور من البول ".
قوله: " رماه رجل" هو حبان بن العرقة- لعنه اللّه- رماه بسهم
فأصاب أكحله، فحسمه رسول اللّه كيا بالنار، فاستمسك الجرح،
والأكحل عرق في اليد يُفصدُ، ولا يقال: عرق الأكحل وعروق الفصل
في اليد ثلاثة: القيفال، والأكحل، والباسليق، فالأكحل بين القيفال والباسليق، فالقيفال من فوق، والباسليق من أسفل./ واستفيد من الحديث جواز التكرار في عيادة المريض، ولا سيما إذا كان المريض ممن
يحبه، لأن رسول اللّه- عليه السلام- إنما ضرب عليه خيمة في المسجد
ليكون قريبا منه، فيعوده كل وقت، واستفيد أيضا جواز تمريض المريض
في المسجد، وجواز نصب الخيمة فيه، والحديث أخرجه البخاري،
ومسلم، والنسائي- رحمهم اللّه تعالى-.
6- باب: العيادة في الرمد (1)
أي: هذا باب في بيان جوار العيادة من رمد العين.
1538- ص- نا عبد الله بن محمد النفيلي، نا حجاج بنِ محمد، عن
يونس بنِ أي إسحاق، عن أبيه، عن زيد بن أرقم، قال: " عَادني رسولُ اللهِ
صلى الله عليه وسلم من وجَع كان بعيني" (2) .
__________
(1) في سنن أبي داود: "من الرمد ".
(2) تفرد به أبو داود.

(6/20)


ش- حجاج بن محمد الأعور، ويونس بن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي الهمداني أبو إسرائيل الكوفي.
واستدل من الحديث أن العيادة تجوز من رمد العينين، خلافا لما تزعمه العامة من الناس أن الرَّمْدَانَ لا يزار، والحديث يرد عليهم.
وقوله: " من وجع كان بعيني" عام يشمل سائر أمراض العين من أنواع الرمد، وغيرها فافهم، والحديث لم يخرجه غيره من الستة.
7- باب: في الخروج من الطاعون (1)
أي: هذا باب في بيان الخروج من أرض وقع فيها الطاعون، والطاعون: الموت من الوباء، والجمع الطواعين.
1539- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عبد الحميد
ابن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن عبد الله بن عباس، قال: قال عبد الرحمن بن عوف: سمعتُ رسولَ الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: " إذا سمعتُم به بأرض فلا تَقْدموا عليه، فإذا وَقعَ بأرضٍ وأنَتم بها فلا تخْرُجُوا فِراراً منه" يعني: الًطاعونَ (2) .
ش- عبد الله بن عبد اللّه بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي، أبو يحي المدينة، سمع: أباه، وابن عباس، وعبد المطلب بن ربيعة، روى عنه: عبد الحميد بن عبد الرحمن وغيره، قتله السَّمُومُ مع سليمان بن عبد الملك سنة تسع وتسعين، روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود (3) .
قوله: "به" أي: بالطاعون، وليس هذا إضمار قبل الذكر لجريان ذكره
__________
(1) في سنن أبي داود: "باب الخروج من الطاعون ".
(2) البخاري: كتاب الطب، باب: ما يذكر في الطاعون (5728) ، مسلم: كتاب السلام ، باب: الطاعون والطيرة والكهانة ونحوها 92- (2218) .
(3) انظر ترجمته في: تهذيب للكمال (15 / 3363) .

(6/21)


بين المتكلم والمخاطب، و " الباء" في قوله: "بأرض" ظرف، أي: في أرض.
قوله: " عليه" أي: على الطاعون.
قوله: " يعني الطاعون " تفسير من الراوي لقوله: "به، وعليه، ومنه" لأن الضمائر فيها كلها ترجع إلى الطاعون، فقوله: "لا تقدموا عليه" إثبات الحذر، والنهي عن التعرض للتلف، وقوله: " لا تخرجوا فرارا منه" إثبات التوكل والتسليم لأمر اللّه تعالى وقضائه، فأحد الأمرين تأديب وتعليم، والآخر تفويض وتسليم، والحديث أخرجه: البخاري، ومسلم مطولاً.
8- باب: الدعاء للمريض بالشفاء عند العيادة
أي: هذا باب في بيان الدعاء للمريض بأن يشفيه اللّه عند عيادته.
1540- ص- نا هارون بن عبد الله، نا مكي بن إبراهيم، نا الجعيد، عن عائشة بنت سعد، أن أباها قال: " اشتكيتُ بمكة، فجاءَني رسولُ الله (1) صلى الله عليه وسلم يعُودُنِي، ووضعَ يده على جَبِيني، ثم مَسحَ صدْري وبطَنِي، ثم قالَ: اللهم اشفِ سعداً، وأتمِمْ له هِجْرَتَه" (2) ، (3) .
ش- الجعيد بن عبد الرحمن بن أوس، ويقال: ابن أويس المدني، سمع: السائب بن يزيد، ويزيد بن خصيفة، وعائشة بنت سعد بن
__________
(1) في سنن أبي داود: "فجاءني النبي صلى الله عليه وسلم".
(2) البخاري: كتاب المرضى، باب: وضع اليد على المريض (5659) .
(3) ورد في سنن أبي داود حديث بعد هذا الحديث برقم (3105) وليس في نسخة المصنف، وهو: حدثنا ابن كثير، قال: حدثنا سفيان، عن منصور، عن
أبي وائل، عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفكوا العاني " قال سفيان: والعاني الأسير.

(6/22)


أبي وقاص، روى عنه: سليمان بن بلال، ويحيى القطان، ومكي بن إبراهيم، روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي (1) .
والجُعَيد بضم الجيم، وفتح العين، ويقال: الجعد بفتح الجيم، وسكون العين، وعائشة بنت سعد بن أبي وقاص القرشية الزهرية. قوله: "اشتكيت " على صيغة المعلوم من اشتكى فلان عضوه إذا كان بها مرض، والمعنى مرضت وضعفت. ويستفاد من الحديث استحباب وضع اليد على جبين المريض عند العيادة، ومسح صدره وبطنه، واستحباب الدعاء له، بأي دعاء شاء، والأفضل أن يقول في جملة دعائه: " اللهم اشف فلانا " ويعاين/ اسمه.
قوله: "أتمم له هجرته " بمعنى عافه ليرجع إلى المدينة، ويموت بها، لتكون هجرته تامة، وذلك لأن من رجع إلى مكة بعد هجرته منها لا تكون هجرته تامة، ولم يبق اليوم هجرة، واليوم الهجرة هجرة عما نهى الله ورسوله عنه، وأخرجه البخاري أتم منه فافهم.
1541- ص- نا (2) الربيع بن يحي، نا شعبة، نا يزيد أبو خالد، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس- رضي الله عنهم- عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "مَن عَادَ مَرِيضاً لم يَحضرْ أجلُه، فقال عنده سبعَ مِرَار: أسألُ اللهَ العظيمَ، رب العَرشِ العظيم، أن يَشْفِيَكَ إلا عَافاه اللهُ- عز وجل- من ذلكَ المرضِ" (3) .
ش- الربيع بن يحيى بن مقسم الأشناني أبو الفضل المرائي (4)
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (927/4) .
(2) في سنن أبي داود هذا الحديث تحت "باب الدعاء للمريض عند العيادة".
(3) الترمذي: كتاب الطب، باب رقم (33) ، (84 0 2) ، النسائي: عمل اليوم والليلة (ص 570) رقم (2083) .
(4) في تهذيب الكمال: "المَرئي ".

(6/23)


البصري، روى عن: شعبة، والثوري، وزائدة، روى عنه: البخاري، وأبو داوود ، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وقال: ثقة ثبت (1) .
ويزيد بن عبد الرحمن الأزدي الدالاني.
قوله: "لم يحضر أجله" صفة لقوله: " مريضا" وقد عرف أن الجملة بعد النكرة تكون صفة، وبعد المعرفة تكون حالاً ويستفاد من هذا القيد أن المريض الذي حضر أجله لا يفيده شيء في تأخير عمره، ولكن العائد إذا قرأ عنده شيئا يفيده في الآخرة، ويفيد القارئ أيضا، وربما يسهل عليه مرضه، ويهون عليه سكرات الموت ببركة القراءة والدعاء.
قوله: "رب العرش" منصوب لكونه صفة "للّه"، ويجوز أن ترفع على أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف تقديره "وهو رب العرش العظيم" ومعنى العظيم في حق اللّه تعالى عظمة شأنه، وارتفاع سلطانه، وفي حق العرش كونه أعظم المخلوقات، وذكر الحافظ محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن بعض السلف: أن العرش مخلوق من ياقوتة حمراء، بُعدُ ما بين قُطْرَيْهِ مسيرةُ خمسين ألف سنة، وبُعدُ ما بين العرش إلى الأرض السابعة مسيرة خمسين ألف سنة، واتساعه خمسون ألف سنة، والعرش في اللغة السرير، وهو سرير ذو قوائم تحمله الملائكة، وهو كالقبة على العالم، وهو سننف للمخلوقات، وبهذا بطل كلام من يقول: إنه فلك مستدير في جميع جوانبه، محيط بالعالم من كل جهة، وهو الفلك التاسع، والفلك الأطلس، والأثير.
قوله: "إلا عافاك الله- عز وجل-" معناه ما يفعل ذلك أحد إلا عافاه اللّه
- عز وجل- من المرض، فتكون كلمة النفي هاهنا مقدرة ليتم الكلام، وكذلك كل موضع يجيء مثل هذا يقدر فيه هذا التقدير، وأخرجه: الترمذي، والنسائي، وقال الترمذي: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث المنهال بن عمرو.
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (9/ 1873) .

(6/24)


1542- ص- نا يزيد بن خالد الرملي، نا ابن وهب، عن حُيي بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن ابن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( (إذا جَاءَ الرجلُ يعودُ مريضاً فليقلْ: اللهم اشف عبدَكَ، ينكي لك عَدُوا، أو يَمْشِي لك إلى جَنَازَةٍ " (1) (2) .
ش- عبد اللّه بن وهب، وعبد اللّه بن عمرو بن العاص- رضى اللّه عنهما-.
قوله: " ينكي" من نكيت في العدو أنكي نكاية، فأنا ناكٍٍ إذا أكثرت فيه الجراح والقتل فَوَهَنُوا لذلك، وقد يهمز، وهو لغة فيه، وهو من باب فعل يفعل، نحو ضرب يضرب، والحديث رواه أحمد في " مسنده " ولفظه: " أو يمشي لك إلى صلاة ".
9- باب: كراهية تمني الموت (3)
أي: هذا باب في بيان كراهية تمني الموت لأجل شدة نزلت به.
1543- ص- نا بشر بن هلال، نا عبد الوارث، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك- رضِي الله عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: " لا يَدْعُوَنَّ أحدُكمِ وبالموت لضُر نزلَ به، ولكن ليَقُلْ اللهم أحيني ما كانتْ الحياةُ خيراً لي، وتَوفني إذا كانت الوفاةُ خيرا لي" (4) .
ش- عبد الوارث بن سعيد التميمي البصري.
__________
(1) تفرد به أبو داود.
(2) في سنن أبي داود بعد الحديث: " قال أبو داود: وقال ابن السرح : إلى صلاة".
(3) في سنن أبي داود " باب في كراهية تمني الموت ".
(4) البخاري: كتاب المرضى باب: تمني المريض الموت (5671) ، مسلم : كتاب الفن باب: كراهة تمني الموت لضرر نزل به 10- (.2680) ، الترمذي: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في النهي عن التمني للموت (970) ، النسائي: كتاب الجنائز، باب: الدعاء بالموت (4/ 3، 4) ، ابن ماجه: كتاب الزهد، باب: ذكر الموت والاستعداد له (4265) .

(6/25)


قوله: " لا يدعون " بنون التوكيد الثقيلة، و " الضر"- بالضم-
خلاف النفع، وكلمة "ما" في قوله: "ما كانت" للمدة، أي: ما دام
كون الحياة خيرا لي، وفي بعض/ النسخ " إذا كانت الحياة خيرا لي " والرواية الأولى أشهر وأصح. ويستفاد منه أن العبد يختار من الدعاء ما
هو خير لدينه أو لدنياه، فافهم.
1544- ص- نا محمد بن بشار، نا أبو داود، نا شعبة، عن قيادة، عن
أنس بن مالك- رضي الله عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يتمنيّنَّ
أحدُكم الموتَ " فذكر مثله (1) .
ش- أبو داود الطيالسي.
قوله: "مثله" أي: مثل الحديث المذكور الذي رواه عبد العزيز، عن
أنس- رضي اللّه عنه- وأخرجه: البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه- رحمهم اللّه-.
10- باب: في موت الفُجاءة (2)
أي: هذا باب في بيان موت الفُجاءة، الفُجاءة- بضم الفاء- والمد،
يقال: فَجِئه الأمر، وفجاءة فجاءة، وفاجأه مفاجأة إذا جاءه بغتة من غير
تقدم سبب، وقيده بعضهم بفتح الفاء، وسكون الجيم من غير مد على
المرة.
1545- ص- نا مسدد، نا يحي، عن شعبة، عن منصور، عن تميم بن
سلمي، أو سعد بن عبيدة، عن عبيد بن خالد السلمي- رجل من أصحاب
النبي- عليه السلام- قال مرة: عن النبي- عليه السلام- ثم قال مرة: عن
عبيد، قال:"موت الفجَاءَةِ أخذةُ أسَفٍ " (3) .
__________
(1) انظر تخريج الحديث المتقدم.
(2) في سنن أبي داود: " باب موت الفجأة".
(3) تفرد به أبو داود.

(6/26)


ش- يحمى القطان، ومنصور بن المعتمر، وسعد بن عبيدة السلمي أبو حمزة الكوفي، وعبيد بن خالد السلمي البصري يكنى أبا عبد الله نزل الكوفة، روى عنه: عبد اللّه بن ربيعة، وسعد بن عبيدة، وتميم بن سلمة، روى له: أبو داود، والنسائي (1) .
قوله: "قال مرة " أي: قال سعد بن عبيدة مرة: عن النبي- عليه السلام- ففي هذا القول يكون الحديث متصلا، وفي قوله الآخر يكون منقطعا موقوفا.
قوله: "أخذة أسف" الأسف بفتح الهمزة، وكسر السين من الصفات المشبهة، والأسف بفتحتين اسم، والمعنى أخذةُ غضبانَ في الوجه الأول، وأخذةُ غضبٍ في الوجه الثاني يقال: أسف يأسف- من باب علم يعلم- أسفا، فهو أسف إذا غضب، ومنه قوله تعالى: { فَلَما آسَفُونَا انتَقَمْنَا منْهُمْ } (2) ويجوز في الأسف الذي هو صفة تسكين السن ككَتف وَكَتْفٍ ، ومعنى الحديث أنه فعل ما أوجب الغضب عليه، والانتقام منه بَأنً أماته بغتة من غير استعداد، ولا حضور لذلك، وقال الشيخ زكي الدين المنذري: وقد روي هذا الحديث من حديث عبد الله بن مسعود، وأنس ابن مالك، وأبي هريرة، وعائشة، وفي كل منها مقال، وقال الأزدي: ولهذا الحديث طرق، وليس فيها صحيح عن رسول الله- عليه السلام- هذا آخر كلامه، وحديث عبيد هذا الذي خرجه أبو داود، وقال: إسناده ثقات، والوقف فيه لا يؤثر، فإن مثله لا يؤخذ بالرأي، فكيف وقد أسنده [ إلى النبي عليه السلام؟] (3) .
11- باب: في فضل من مات في الطاعون
أي: هذا باب في بيان فضيلة من مات في الطاعون.
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب للكمال (3713/19) .
(2) سورة الزخرف: (55) .
(3) غير واضحة في الأصل.

(6/27)


1546- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن
عتيك، عن عتيك بن الحارث بن عتيك وهو جد عبد الله بن عبد الله أبو أمه،
أنه أخبره، أن جابر بن عتيك أخبره، أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم -: " يعودُ عبدَ الله
ابن ثابت، فوجده قد غُلبَ فصاحَ به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فلم يُجبْهُ، فاسترجَعَ رسولُ الله- عليه السلام- وقال: غُلبْنَا عليك يَا أبا الربيع، فصاحَ النسوةُ
وَبَكَيْنَ، فَجعل ابنُ عتيك يُسكتهُن، فَقال النبي- عليه السلام-: دَعْهُنَّ،
فإذا (1) وجبَ فلا تَبكين باكيةَ، قالوا: وما الوجوبُ يا رسولَ الله؟ قال:
الموتُ، قالت ابنتُه: وَالله إن كنتُ لأرجو أن تكونَ شهيداً، فإنكَ قد كنت
قضيتَ جهازَكَ، قال رسولُ اللهِ- عليه السلام-: إن الله- عز وجل- قد
أوقعَ أجرَهُ على قدرِ نيته، وما تَعدونَ الشَّهادةَ؟ قالوا: القتلُ في سبيلِ الله،
قال رسولُ الله- صلى الله عليه وسلم -: الشَّهادةُ سَبْغ سوى القتل في سبيلِ الله: المَطعُونُ شهيد، والغَرَيقُ شهيد، وصاحبُ ذات الجَنْب شهيد، والمبطُوَنُ شهيدٌ ، وصاحبُ الحَريقِ شهيد، والذي يموتَُ تحتَ الهدم شهيد والمرأةُ تموتُ بِجُمْع شهيدة (3) " (4) .
ش- عتيك بن الحارث بن عتيك الأنصاري، روى عن: جابر بن عتيك روى عنه: عبد الله بن عبد الله بن عتيك، روى له: أبو داود، والنسائي وعبد الله بن ثابت (5) .
قوله: "استرجع" أي: قال: "إنا لله ، وإنا إليه راجعون " ، مثل ما يقال: حوقل، إذا قال: "لا حول ولا قوة إلا باللّه " وبسمل إذا قال: "بسم اللّه الرحمن الرحيم" .
__________
(1) في سنن أبي داود:" فإذ ".
(2) في سنن أبي داود:"والغرق ".
(3) في سنن أبى داود:"شهيدة".
(4) النسائي: كتاب الجنائز، باب: النهي عن البكاء على الميت (14/4) (1847) ، ابن ماجه: كتاب الجهاد، باب: ما يرجى فيه الشهادة (3 0 28) .
(5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (19/ 3790) .

(6/28)


قوله: "وما الوجوب؟ " أصل الوجوب في اللغة السقوط قال اللّه تعالى: { فَإذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا منْهَا } (1) ، وهو أن تميل فتسقط، وإنما يكون ذلكَ إذا زهقت نفسها، ويقابل للشمس إذا غابت: قد وجبت الشمس. قوله: " المطعون شهيد " من طعن الرجل فهو مطعون، وطعين إذا أصابه الطاعون، وذات الجنب خلط يَنصبُّ إلى الغشاء المستبطن للأضلاع، فيُحدثُ ورما حارا، وعلامَته حمى لازمة، وسعال، وضيق نفس، ووجع فاحش، والمبطون العليل البطن، وهو الذي يمشي فؤاده، والبَطينُ العظيم البطن، والمبطان الذي لا يزال عظيم البطن من كثرة الأكلَ، والمُبْطِنُ الضامر البطن، والبَطِنُ الذي لا يهمه إلا بطنه.
قوله: " بجمع " بضم الجيم، وسكون الميم، والمعنى تموت وفي بطنها ولد وقيل: التي تموت بكرا، والجمع بمعنى المجموع، كالذُّخْرِ بمعنى المَذْخور، وكسر الكسائي الجيم، والمعنى أنها ماتت مع شيء مجموع فيها غير منفصل عنها من حمل أو بكارة.
ثم قوله- عليه السلام-: "الشهادة سبع سوى القتل " المراد به الشهادة الحكمية، بمعنى أن هؤلاء كالشهداء حقيقة عند اللّه تعالى في وفور الأجر، ولهذا يغسلون ويكفنون كسائر الموتى، بخلاف الشهيد الحقيقي وهو الذي قُتل ظلما، ولم تجب بقتله دية، أو وجد في المعركة قتيلا كما عرف في الفقه بالخلاف الذي فيه، والحديث أخرجه النسائي، وابن ماجه- رحمهما اللّه تعالى-.
12- باب: المريض يؤخذ من أظفاره وعانته
أي: هذا باب في بيان المريض الذي يؤخذ من أظفاره أو من عانته.
1547- ص- نا موسى بن إسماعيل، نا إبراهيم بن سعد، أخبرني ابن شهاب، أخبرني عمر بن جارية الثقفي حليف بني زهرة- وكان من
__________
(1) سورة الحج: (36) .

(6/29)


أصحاب أبي هريرة- عن أبي هريرة، قال: ابْتَاعَ بنو الحارث بنِ عامرِ بن نوفلٍ خُبيبا، وكان خُبيب هو قَتَلَ الحارثَ بنَ عامرِ يومَ بدرِ، فلبَثَ خبيب عندهم أسيرا حتى أجْمَعُوا لِقتلِهِ، فاستعارَ من ابنةِ الحارث مُوسى يَسْتَحدُ بها فأعارتْهُ، فدرجَ بَنِي لها وهو غافلة حتى أتتْهُ فوجدنه مخَليا وهو علَى فَخذه والموسَى بيده، فَفَزِعَتْ فَزْعَةً عَرَفَهَا، فقال: أَتخشِينَ أن أَقْتُلَهُ؟ ما كنت لأفْعَلَ ذلكَ" (1) .
ش- موسى بن إسماعيل المنقري البصري أحد شيوخ أبي داود،
والبخاري، وإبراهيم بن سعد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي
المدني، ومحمد بن مسلم بن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن شهاب الزهري
القرشي [ ] (2) وأخرجه البخاري، والنسائي مطولا.
ص- قال أبو داود: روى هذه القصة شعيب بن أبي حمزة عن الزهري، قال: أخبرني عبيد الله بن عياض، أن بنت (3) الحارث أخبرته:
"أنهم حينَ أجمعوا (4) - تعنى: لقتلِهِ- استعارَ منها مُوسَى يَستحد بها
فأعارتهُ".
ش- أي: روى قصة حبيب: شعيب بن أبي حمزة دينار القرشي
الأموي مولاهم الحمصي، عن محمد بن مسلم الزهري، قال [ ] (5) .
13- باب: حسن الظن بالله عند الموت (6)
أي: هذا باب في بيان حسن الظن باللّه تعالى عند الموت، وفي بعض
النسخ: "باب ما يستحب من حسن الظن بالله"
__________
(1) البخاري: كتاب المغازي، باب: غزوة الرجيع ورعل وذكوان (4086) . (2) بياض في
الأصل قدر ثلث صفحة، والظاهر أن المصنف بيض له ليشرحه، فوافته المنية قبل شرحه، والله أعلم.
(3) في سنن أبي داود: "ابنة".
(4) في سنن أبي داود: "اجتمعوا ".
(5) بياض أيضا قطر سطرين.
(6) في سنن أبي داود: " باب ما يستحب من حسن...".

(6/30)


1548- ص- نا مسدد، نا عيسى بن يونس، نا الأعمش، عن أي سفيان عن جابر بن عبد الله- رضي الله عنه- قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولُ قبلَ مَوتِه بثلاث، قال: " لا يموت أحدكم إلا وهو يُحْسِنُ بالله اَلظن" (1) .
ش- سليماَن الأعمش، وأبو سفيان اسمه طلحة بن ناَفع الواسطي، وقد مر ذكره، ومعنى الحديث: أحسنوا أعمالكم بحسن ظنكم بالله، فإن من ساء عمله ساء ظنه، وقد يكون حسن الظن بالله من ناحية الرجاء، وتأمين العفو، والله تعالى جواد كريم، يعفو عن عبيده المذنبين، والحديث أخرجه: مسلم، وابن ماجه.
14- باب: تطهير ثياب الميت (2)
أي: هذا باب في بيان تطهير ثياب الميت عند موته، وفي بعض النسخ:" باب ما يستحب من تطهير ثياب الميت عند موته".
1549- ص- نا الحسن بن علي، نا ابن أبي بريم، أنا يحيى بن أيوب، عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدري- رد الله عنه- أنه لما حضرَه الموتُ دعَا بثياب جُدُد فلَبسَهَا، ثم قال: سمعتُ رسولَ الله- صلى الله عليه وسلم - يقولُ: " إن الَميتَ بُبَعثُ فهي ثَيَابه التي يمُوتُ فيها " (3) .
ش- الحسن بن علي الخلال، أحد شيوخ: أبي داود، والبخاري ومسلم، والترمذي، وابن ماجه، وسعيد بن الحكم بن محمد بن أبي مريم الجُمحي المصري، ويحي بن أيوب الغافقي المصري، ويزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي، ومحمد بن إبراهيم بن الحارث القرشي التيمي المدني، وأبو كلمة عبد الله بن عبد الرحمن.
__________
(1) مسلم: كتاب الجنة ونعيمها، باب: الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت (2877) ، ابن ماجه: كتاب الزهد باب: التوكل واليقين (67 1 4) .
(2) في سنن أبي داود:"باب ما يستحب من تطهير ثياب الميت عند الموت ".
(3) تفرد به أبو داود.

(6/31)


قوله: " جدد" بضم الجيم والدال جمع جديد، مثل سرير وسرر، وثوب جديد بمعنى مجدود، يراد به حين جده الحائك، أي: قطعه.
قال الخطابي (1) : " أما أبو سعيد فقد استعمل الحديث على ظاهره، وقد روى في تحسين الكفن أحاديث، وقد تأوله بعض العلماء على خلاف ذلك، فقال: معنى الثياب العمل، كنى بها عنه، يريد ابنه يبعث على ما مات عليه من عمل صالح أو عمل سيء، قال: والعرب تقول: فلان طاهر الثياب إذا وصفوه بطهارة النفس، والبراءة من العيب، ودنسُ الثياب إذا كان بخلاف ذلك، واستدل في ذلك بقوله- عليه السلام-: " يحشَر الناس حفاة عراة" فدل ذلك على أن معنى الحديث ليس على الثياب التي هي الكفن، وقال بعضهم: البعث غير الحشر، فقد يجوز أن يكون البعث مع الثياب والحشر مع العري والحفا"، واللّه أعلم.
قلت: ذكرُ الخطابي الكفنَ في هذا الموضع ليس له وجه، لأن الكلام في الثياب التقي يموت فيها الميت وهي غير الكفن، نعم، وردت أحاديث في تحسين الكفن، ولكن ليس لذلك تعلق بما نحن فيه، وإنما قال- عليه السلام- هذا القول ترغيبا لمن حضره الموت أن يلبس أحسن ثيابه وأنظفها في ذلك الوقت، لأنه وقت قدومه على الرب الكريم، ووقت اتصاله بجواره، فينبغي أن يكون في ذلك الوقت على هيئة حسنة نظيفة، والحديث يدل على أن الميت يبعث في ثيابه، وأما عريه وحفاه فذاك عند الحشر، والحشر غير البعث، والله أعلم. والحديث لم يخرجه غير أبي داود من الأئمة الستة.
15- باب ما يبالى عند الميت من الكلام (2)
أي: هذا باب في بيان ما يقال عند الميت من الكلام.
__________
(1) معالم السنن (1/ 262- 263) .
(2) في سنن أبي داود: "باب ما يستحب أن يقال عند الميت من الكلام".

(6/32)


1550- ص- نا محمد بن كثير، أنا سفيان ، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن أم سلمة، قالت: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: " إذا حَضَرتُمُ الميت فقولُوا خيراً فإن الملائكَةَ يُؤَمنونَ على ما تقولُون، فلما ماتَ أبو سَلَمةَ قلتُ: يا رسولَ الله" ما أَقولُ؟ قال: قُولي: اللهم اغفرْ له، وأعْقبْنَا عقبى صالحةً، قالت: فأعقبنيَ اللهُ- عز وجل- (1) محمداً عليه السلامَ- " (2) .
ش- سفيان الثوري، وأبو وائل شقيق بن سلمة الأسدي.
قوله:" خيرا" نصب على أنه صفة لمفعول محذوف تقديره كلاما خيرا،
أو قولا خيرا، والمعنى: ادعوا له، بقرينة قوله:" فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون" فإنه لا يوافق تأمن الملائكة دعاء أحد إلا ويستجاب له. قوله: "فلما مات أبو سلمة" هو عبد اللّه بن عبد الأسد بن هلال بن
عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشي المخزومي وأمه برة بنت عبد المطلب عمة رسول الله- عليه السلام- وكان رضيع رسول الله، ارتضعا من ثويبة مولاة أبي لهب، وكان إسلام أبي سلمة، وأبي عبيدة، وعثمان بن عفان، والأرقم بن أبي الأرقم قديما في يوم واحد، وقد هاجر هو وزوجته أم سلمة إلى أرض الحبشة، ثم عادا إلى مكة، وقد ولد لهما بالحبشة أولاد، ثم هاجر من مكة إلى المدينة وتبعته أم سلمة إلى المدينة، وشهد بدرا، وأحدا، ومات بآثار جُرح، جُرِحَ بأحد في السنة الرابعة من الهجرة له حديث واحد في الاسترجاع عند المصيبة، وهو ما روته أم سلمة، قالت: فأتاني أبو سلمة يوما من عند رسول الله- عليه السلام- فقال: لقد سمعت [من] رسول اللّه-َ عليه السَلام- قولا
__________
(1) في سنن أبي داود: "فأعقبني الله تعالى به ".
(2) مسلم: كتاب الجنائز، باب: ما يقال عند المريض والميت 6- (9 91) ، الترمذي: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في تلقين المريض عند الموت والدعاء
له عنده (977) ، النسائي: كتاب الجنائز، باب: كثرة ذكر الموت (4/ 4) ،
ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب: ما جاء فيما يقال عند المريض إذا حضر (1447) .
3. شرح سنن أبي داوود 6

(6/33)


سُرِرتُ به، قال: لا يُصيبُ أحداً من المسلمين مصيبة، فيسترجعُ عند مصيبته، ثم يقول: اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرا منها إلا فعل بَه". رواه الإمام أحمد، والنسائي، وابن ماجه، والترمذي، وقال: حسن غريب، وفي " الكمال " : توفي أبو سلمة بالمدينة في حياة النبي - عليه السلام- مرجعه من بدر، روى له: الترمذي، وابن ماجه (1) . قوله: "عقبى صالحة " أي: بدلا صالحا.
قوله: " فأعقبني الله- عز وجل- محمدا- عليه السلام- ". أي: عوضني محمدا بدل أبي سلمة، وكل من خلف عن شيء فهو عاقبه، وعاقبة كل شيء آخره، وعقب فلان مكان أبيه عاقبة أي: خلفه، وأخرجه: مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
16- باب: في التلقين
أي: هذا باب في بيان تلقين الميت.
1551- ص- نا مالك بن عبد الواحد المسمعي، نا الضحاك بن مخلد،
نا عبد الحميد بن جعفر، قال: حدثني صالح بن أبي عريب عن كثير بن مرة عن معاذ بن جبل- رضي الله عنه- قال: قال رسولُ الله- صلى الله عليه وسلم-: "من كانَ آخِرُ كلامه لا إله إلا اللهُ دخلَ الجنةَ " (2) .
ش- مالَكَ بن عبد الواحد أبو غسان المِسمَعِي البصري، من مسمع ربيعة، روى عن: معاذ بن هشام، ومعتمر بن سليمان، وعون بن كهمس وغيرهم، روى عنه: أبو داود، ومسلم وغيرهما، مات سنة ثلاثين ومائتين (3)
__________
(1) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (338/2) ، وأسد الغابة (3/ 94 2) ، والإصابة (2/ 335) ، وتهذيب الكمال (5 1/ 3369) .
(2) تفرد به أبو داود.
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (27/ 5746) .

(6/34)


والضحاك بن مخلد أبو عاصم النبيل، وصالح بن أبي عريب- بالعين
المهملة-، واسم أبي عريب قليب بالقاف، وقد مر مرة.
قوله: " آخر كلامه" أي: آخر كلامه في الدنيا، ولهذا قال أصحابنا:
ينبغي أن يلقن الميت حين يشرف على الموت، ليكون آخر كلامه شهادة أن
لا إله إلا اللّه، فلا يفيد التلقين بعد الموت، والحديث رواه الحاكم في "مستدركه " وقال: صحيح الإسناد، عن معاذ- رضي الله عنه-.
1552- ص- نا مسدد، نا بشر، نا عمارة بن غزي، نا يحيى بن عمارة،
قال: سمعت أبا سعيد الخدري، يقول: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم -: " لَقنوا
مَوتَاكم (1) لا إله إلا الله" (2) .
ش- بشر بن المفضل، والحديث أخرجه الجماعة إلا البخاري،
واستدل الشافعي بظاهر الحديث على أن التلقين بعد الدفن، وأصحابنا
أولوه بمعنى: لقنوا من قرب إلى الموت لا إله إلا الله، لأن تلقين الميت لا
يفيد/ والحديث الأول يؤيد هذا التأويل، ويؤيده أيضا ما رواه أبو حفص [2/191- أ] أن عمر بن شاهين في كتاب والجنائز،، وهو مجلد وسط، حدثنا عثمان
ابن جعفر بن أحمد السبيعي، ثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة، ثنا
علي بن عياش، ثنا حفص بن سليمان، حدثني عاصم وعطاء بن
السائب، عن زاذان، عن ابن عمر، مرفوعا: " لقنوا موتاكم: لا إله
لا الله، فإنه ليس مسلم يقولُها عند الموتِ إلا أنجته من النار" (3)
__________
(1) في سنن أبي داود:" لقنوا موتاكم قول لا إله إلا الله".
(2) مسلم: كتاب الجنائز، باب: تلقين الموتى (916/ 1) ، الترمذي: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في تلقين المريض عند الموت والدعاء له عنده (976) ، النسائي: كتاب الجنائز، باب: تلقين الميت (4/ 5) ، ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب: تلقين الميت (1445) .
(3) انظره بسنده ومتنه في نصب الراية (2/ 254) ، وعنده:" إلا أنجاه الله من النار".

(6/35)


17- باب: تغميض الميت
أي: هذا باب في بيان تغميض عيني الميت بعد موته.
1553- ص- نا عبد الملك بن حبيب أبو مروان، نا الفزاري (1) ، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن قبيصة بن ذؤيب، عن أم سلمة، قالت:- "دخل رسول الله- "- على أبي سَلَمةَ وقد شقَّ بَصَره فأغمضَهُ، فضج (2) ناس من أهلِه، فقال: لا تَدْعُوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يُؤَمنونَ على ما تقولونَ، ثم قال: اللهم اغفرْ لأبي سَلَمةَ، وارفعْ دَرَجتَه في المهديينَ، وأَخْلِفْه فيه عَقبه في الغَابرِينَ، واغفرْ لنا وله ربَّ العَالمينَ، اللهم أفْسَحْ له في قبرِه، ونورْ لَها فيه " (3) .
ش- الفزاري هو أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن الحارث، وأبو قلابة عبد الله بن زيد.
وقبيصة بن ذؤيب بن حلحلة بن عمرو بن كليب بن أصرم بن عبد الله
أبو إسحاق أو أبو سعيد الخزاعي المديني، ولد عام الفتح، سكن الشام سمع: زيد بن ثابت، وأبا الدرداء، وأبا هريرة، وروى عن: أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف، وعبادة بن الصامت، وعمرو بن العاص، وجابر بن عبد الله، وتميما الداري، وابن عباس، وعائشة، وأم سلمة مرسلا، روى عنه: رجاء بن حيوة، ومكحول، وأبو قلابة، وغيرهم، مات سنة ست أو سبع وثمانين في خلافة عبد الملك، وكان ثقة، مأمونا، كثير الحديث، روى له الجماعة (4) . قوله:- "وقد شق بصره " بفتح الشين، والضم فيه غير مختار،
و "بصره" مرفوع بالفاعلية، والمعنى انفتح بصره.
__________
(1) في الأصل: "الفرازي".
(2) في سنن أبي داود: "فصيح ".
(3) مسلم: كتاب الجنائز، باب: في إكمال الميت والدعاء له إذا حضر (920) ، ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب: ما جاء في تغميض الميت (1454) .
(4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (23/ 4842) .

(6/36)


قوله: " في المهديين"في محل النصب على الحال.
قوله: " في عقبه " بفتح العين وكسر القاف، وعقب الرجل ولده وولد ولده، وفيه لغتان، عقب بكسر القاف، وعقب بسكونها.
قوله: ما في الغابرين " أي: الباقي (1) ، قال أهل اللغة: الغابر يجيء بمعنى الماضي وبمعنى الباقي، فإنه من الأضداد، قال الأزهري: والمعروف الكثير أن الغابر: الباقي، وقال غير واحد من الأئمة: إنه يكون بمعنى الماضي.
قوله: يا رب العالمين لما منصوب بحذف حرف النداء، والمعنى يا رب العالمي. ويستفاد من الحديث استحباب تغص ض عين الميت، وذلك لئلا يقبح منظره، وأن يدعو من حضره بخير، ولا يدعون بما فيه شر، ولا يضجون، ولا يصيحون، والحديث أخرجه مسلم، وروى ابن ماجه في، سننه "، عن قاعة بن سويد، عن حميد الأعرج، عن محمود بن لبيد، عن شداد بن أوس، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم - "إذا حضرتم موتاكم فأغمضوا البصرَ، فإن البصرَ يتبع الروح، وقولوا خيرا، فمان الملائكة تؤمن على ما قال أهل البيت ".
ورواه أحمد في " مسنده"، والحاكم في " المستدرك"، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ورواه البزار في "مسنده"، وقال: لا نعلم رواه عن حميد الأعرج إلا قزعة بن سويد، وليس به بأس، لم يكن بالقوي، واحتملوا حديثه، انتهى.
وأعله ابن حبان في كتاب " الضعفاء" بقزعة، وقال: إنه كان كثير الخطأ، فاحش الوهم، حتى كثر ذلك في روايته، فسقط الاحتجاج به.
ص- قال أبو داود: تغميض (2) الميت بعد خروج الروح. سمعت محمد بن محمد المقري، قال: سمعت أبا ميسرة- رجلا عابدا- يقول:
__________
(1) في الأصل: (الباقيين " كذا، وانظر: النهاية (3/ 337) .
(2) في صنع أبي داود:"وتغميض ".

(6/37)


" غمضتُ جعفرا المعلمَ- وكان رجلا عابداً- في حالة الموت، فرأيتُه في
مَنَامِي ليلةَ ماتَ، يقولُ: أعظمُ ما كان عَلَيَّ تغميضك لي قَبلَ أنا أموت ".
ش- أشار بهذا إلى أن السنة في تغميض عين الميت بعد خروج روحه،
فلا يغمض قبل خروج الروح، لئلا يتألم الميت، ولأن قبح المنظر إنما يكون بعد/ خروج الروح إذا كانت عينه مفتوحة، وأما قبل ذلك فلا.
وقوله: " قال أبو داود لما إلى آخره، ليس بموجود في غالب النسخ.
18- باب: الاسترجاع (1)
أي: هذا باب في بيان الاسترجاع عند المصيبة، وهو أن يقول: إنا للّه
وإنا إليه راجعون.
1554- ص- نا موسى بن إسماعيل، نا حماد، أنا ثابت، عن ابن عمر
ابن أبي سلمي، عن أبيه، عن أم سلمة، قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ( (إذا أصابَ (2) أحدَكم مصيبة فليقلْ: إنا لله وإنا إليه راجعونَ، اللهم عندكَ
أحتسِبُ مصيبتِي، فأجرْنِي فيها، وأبدلْ لِي بها خيراً منها " (3) .
ش- حماد بن سلمي، وثابت البناني، وعمر بن أبي سلمي هذا هو
ابن أبي سلمة عبد اللّه بن عبد الأسد المخزومي، ربيب رسول اللّه- عليه السلام- وقد مر مرة [.......](4) والحديث أخرجه النسائي.
__________
(1) في سنن أبي داود: " باب في الاسترجاع ".
(2) في سنن أبي داود:" إذا أصابت ".
(3) النسائي في " عمل اليوم والليلة".
(4) بياض في الأصل قدر ثلاثة أسطر، ولعله بيض له ليشرحه فيما بعدُ، فقبض قبل شرحه، والله أعلم.

(6/38)


19- باب: في الميت يسجي
أي: هذا باب في بيان تسجيل الميت، وهي تغطيته بثوب ونحوه.
1555- ص- نا أحمد بن حنبل، نا عبد الرزاق، نا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة- رضي الله عنها-: " أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم سُجي في ثَوْبٍ حِبَرةٍ " (1) .
ش- " حبرة" بكسر الحاء المهملة، وفتح الباء الموحدة، يقال: برد حبير، وبرد حبرة، بوزن عنبة على الوصف والإضافة وهو برد يمانٍ ، والجمع حُبُر وحبَرات، ويستفاد من الحديث استحباب تسجية الميت بعد موته إلى حين تعريته للغسل، والحديث أخرجه: البخاري، ومسلم.
20- باب: القراءة عند الميت
أي: هذا باب في بيان قراءة القرآن عند الميت.
1556- ص- نا محمد بن العلاء، ومحمد بن مكي المروزي، المعنى، قالا: أنا ابن المبارك، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان- وليس بالنهدي-، عن أبيه، عن معقل بن يسار، قال: قال النبي- عليه السلام-: "اقرءوا يس على مَوتاكم" (2) .
ش- محمد بن مكي بن عيسى أبو عبد الله المروزي. روى عنه:
أبو داود، والنسائي، عن رجل عنه (3) .
وعبد الله بن المبارك، وسليمان بن طرخان أبو المعتمر التيمي.
__________
(1) البخاري: كتاب اللباس، باب: البرود والخبرة (5864) ، مسلم كتاب: الجنائز، باب: تسجية الميت (48/942) .
(2) ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب: ما جاء فيما يقال عند المريض إذا حضر (1448) ، النسائي في "عمل اليوم والليلة".
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (5628/26) .

(6/39)


وأبو عثمان ذكره في " الكمال " في "الكنى"،- فقال: أبو عثمان. روى عن أبيه، روى عنه سليمان التيمي، قال علي بن المديني: لم يرو عنه غير التيمي، وهو إسناد مجهول. روى له: أبو داوود، وابن ماجه، وقال الشيخ زكي الدين المنذري: وأبو عثمان وأبوه ليسا مشهورين (1) .
ومعقل بن يسار بن عبد اللّه بن صعير (2) ، وقيل: مغيرة بن حراق بن لؤي بن كعب بن عبد ثور بن هُذْمة بن لاطم بن عثمان بن عمرو بن أدَّ بن طابخة، واسم طابخة: عمرو بن إلياس بن مضر المزني- يكنى أبا علي- ومزنية هي بنت كلب بن وبرة بن ثعلبة بن إلحاف من قضاعة، نسبوا إلى أمهم، بايع النبي- عليه السلام- تحت الشجرة. رُوي له عن رسول الله - عليه السلام- أربعة وثلاثون حديثاً اتفقا على حديث واحد، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بحديثين، نزل البصرة، وله بها دار. روى عنه: عمرو بن ميمون، والحسن البصري، وأبو عثمان المهدي، مات بالبصرة في آخر خلافة معاوية، وقيل: في خلافة يزيد بن معاوية. روى له: الترمذي، وابن ماجه، وأبو داود، والنسائي (3) .
قوله: " وليس بالنهدي " أشاربه إلى أن أبا عثمان هذا الذي روى عنه سليمان التيمي غير أبي عثمان النهدي، فإن النهدي اسمه: عبد الرحمن ابن مل، أسلم على عهد النبي- عليه السلام- ولم يلقه، وصدق إليه، وقد ذكرناه مستوفى.
قوله:" اقرءوا يس" أي: سورة{ يس والقُرآنِ الحَكِيم }، وروى
__________
(1) المصدر السابق (34/ 7506) .
(2) كذا في الاستيعاب، وفي أسد الغابة والإصابة: " مُعبر"، وفي جمهرة أنساب العرب لابن حزم (502) : "معبد".
(3) انظر ترجمته في: " الاستيعاب " بهامش الإصابة (3/ 409) ، وأسد الغابة (5/ 232) ، والإصابة (3/ 447) .

(6/40)


أبو بكر بن أبي شيبة في " مصنفه "، فقال: نا على بن الحسن بن شقيق، عن ابن المبارك، عن التيمي، عن أبي عثمان- وليس بالنهدي- عن أبيه، عن معقل بن يسار، قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : "اقرءوها عند موتاكم- يعني يس-". والحديث أخرجه النسائي، وابن ماجه.
/ ص- وهذا لفظ ابن العلاء.
ش- أشار به إلى أن هذا المتن من الحديث لفظ محمد بن العلاء، أحد شيوخ أبي داود.
21- باب: الجلوس في المسجد وقت التعزية (1)
أي: هذا باب في بيان الجلوس في المسجد وقت التعزية، وفي بعض النسخ: " باب الجلوس عند المصيبة "، وفي بعضها لم يذكر " باب" أصلا.
1557- ص- نا محمد بن كثير، أنا سليمان بن كثير، عن يحي بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: " لما قُتل زيدُ بنُ حارثة، وجعفر، وعبدُ الله بنُ رواحة جَلَسَ رسولُ الله-صلى الله عليه وسلم - في المسجد، يُعرفُ في وجههِ الحُزْنُ " فذكَر القصة (2) (3) .
ش- استشهد هؤلاء في غزوة مؤتة، وهي سرية زيد بن حارثة في نحو من ثلاثة آلاف إلى أرض البلقاء من أطراف الشام، قال ابن إسحاق بعد قصة عمرة القضاء، فأقام رسول الله- عليه السلام- بالمدينة بقية ذي الحجة، وولي تلك الحجة المشركون، والمحرم، وصفرا، وشهري ربيع، وبعث في جمادى الأولى من سنة ثمان بعثه إلى الشام الذين أصيبوا
__________
(1) في سنن أبي داود: "باب الجلوس عند المصيبة ".
(2) في سنن أبي داود: " وذكر القصة".
(3) البخاري: كتاب الجنائز، باب: من جلس عند المصيبة يعرف فيه الحزن (1299) ، ومسلم: كتاب الجنائز، باب: التشديد في النياحة (935) ، النسائي: كتاب الجنائز، باب: النهي عن البكاء على الميت (4/ 14) .

(6/41)


بمؤتة، واستعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال: إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أصيب جعفر فعبد اللّه بن رواحة على الناس، فتجهز الناس ثم تهيئوا للخروج، وهم ثلاثة آلاف ، ثم خرجوا ورسول اللّه خرج يشيعهم، ثم مضوا حتى نزلوا "معانَ" من أرض الشام، فبلغ الناسَ أن هرقل قد نزل في "مآب" من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم، وانضم إليه من لخم، وجذام، وبهراء، وبلي [ والقين] ، مئة ألف منهم، عليهم رجل من بليّ ، ثم أحد إراشة يقال له: مالك بن نافلة، فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على "معان " ليلتين ينظرون في أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول اللّه- عليه السلام- نخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال، و إما أن يأمرنا بأمر فنمضي له، فشجع الناس عبد اللّه بن رواحه، وقال: يا قوم، واللّه إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون، الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي كرمنا اللّه به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنين: إما ظهور، وإما شهادة. قال: فقال الناس: قد واللّه صدق ابن رواحة، فمضى الناس حتى إذا كانوا بتخُوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية من قرى البلقاء يقال لها: مشارف، ثم دني العدو، وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها: مؤتة، فالتقى الناس عندها فتعبى لهم المسلمون، فجعلوا على ميمنتهم رجلا من بني عذرة يقال له: قطبة ابن قتادة، وعلى ميسرتهم رجلا من الأنصار، يقال له: عبادة بن مالك، ثم التقى الناس فاقتتلوا، فقاتل زيد بن حارثه براية رسول الله- عليه السلام- حتى شاط في رماح القوم، ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى إذا ألجمه القتال اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها، ثم قاتل القوم حتى قتل، فكان جعفر أول رجل من المسلمين عقر في الإسلام، قال ابن هشام: إن جعفرا أخذ اللواء بيمينه فقطعت، وأخذه بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضديه حتى قتل، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فأثابه الله بذلك جناحين في الجنة، يطير بهما حيث شاء. قال ابن إسحاق: فلما قتل (1) جعفر
__________
(1) تكرر :فلما قتل" في الأصل.

(6/42)


اتخذ عبد الله بن رواحه الراية، ثم تقدم بها- وهو على فرسه- فجعل
يستنزل نفسه، ويتردد بعض التردد، ثم قال:
يا نفس إن لا تُقتلي تموتي ... هذا حمام الموتِ قد صَليتِ
وما تمنيتِ فقد أعطيتِ . ... حال إن تفعلي فِعلهما هُديتِ
يريد صاحبيه: زيدا، وجعفرا، ثم نزل، قال: فلما نزل أتاه ابن عم
له بعرق من لحم فقال: شد بهذا صلبك، فإنك قد لقيت أيامك هذه ما
لقيت، فأخذه من يده فانتهس منه نهسة، ثم سمع الحطمة في ناحية
الناس، فقال: وأنت في الدنيا، ثم/ أخذ سيفه، ثم تقدم، فقاتل [2/192 - ب] ، حتى قتل- رضي اللّه عنه- قال: ثم أخذ الراية ثابت بن أقرم أخو بني العجلان، فقال: يا معشر المسلمين، اصطلحوا على رجل منكم، قالوا:
أنت، قال: ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، فلما
اتخذ الراية دافع القوم، وخاشى بهم (1) ، ثم انحاز وانحاز عنه، حتى
انصرف بالناس، وعن خالد بن الوليد: "لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة
تسعة أسياف، فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية " رواه البخاري (2) .
أما زيد فهو ابن حارثه بن شَرَاحيل بن كعب بن عبد العزى بن امرئ
القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد وُد بن عوف بن كنانة (3) بن
بكر بن عوف بن عُذرَةَ بن زيد اللات بن رُفيدة بن ثور بن كلب بن وَبْرة
ابن تَغْلب بن حُلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة الكلبي القضاعي،
مولى رَسول اللّه- عليه السلام- وذلك أن أمه ذهبت تزور أهلها، وأغار
عليهم خيل من بني القين، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت
خويلد- رضي الله عنها- فوهبته لرسول اللّه- عليه السلام (4) - قبل
__________
(1) حجز بينهم وبين الروم.
(2) البخاري: كتاب المغازي، باب: غزوة ا لإثم (4265) .
(3) في الأصل: "كيلة" خطأ.
(4) في الأصل:" فوهبته من رسول الله" خطأ.

(6/43)


النبوة، ثم وجده أبوه، فاختار المقام عند رسول الله، فأعتقه وتبناه، وكان يقال له: زيد بن محمد، وكان رسول الله يحبه حبا شديداً، وقيل: اشتراه رسول الله- عليه السلام- ثم أعتقه، وقال السهيلي: باعوه بسوق حباشة، وهو من أسواق العرب، وزيد يومئذ ابن ثمانية أعوام، وكان أول من أسلم من الموالي، وفيه نزلت آيات من القرآن، منها قوله تعالى: { وَمَا جَعَل أدعيَاءَكم أبْنَاءكُمْ } (1) ، وقوله: {ادْعُوهُمْ لآبَائهِمْ هُوَ أقْسَطُ عِندَ الله } (2) ، وقوله: {مَا كَانَ مُحَمَّد أَبَا أحَد مِن رجالكمْ } (3) ، وقوله تعاَلى: {وَإذ تقُولُ للَّذي أَنْعَمَ اللهُ عَليه } الآية (4) ، وَالمقصود أن الله تعالى لم يسم أَحدا من الَصحابة في القرَآن غيره، وهداه الله إلى الإسلام، وأعتقه- عليه السلام- وزوجه مولاته أم أيمن، واسمها: بركة، فولدت له أسامة بن زيد، فكان يقال له: الحب ابن الحب، ثم زوجه بابنة عمته زينب بنت جحش، وآخى بينه وبين عمه حمزة، وقَدمَهُ في الإمرة على ابن عمه جعفر بن أبي طالب يوم مؤتة (5) - كما مر ذكره-. وعن عائشة- رضي الله عنها- كانت تقول: "ما بعث رسول الله- عليه السلام- زيد بن حارثة في سرية إلا أمرَهُ عليهم، ولو بقي بعده لاستخلفه". رواه الإمام أحمد، والنسائي، وابن أبي شيبة لإسناد قوي جيد على شرط الصحيح، وهو غريب جدا. وأما جعفر فهو ابن أبي طالب، عم النبي- عليه السلام- وكان أكبر من أخيه علي بعشر سنين، وكان عقيل أسن من جعفر بعشر سنين، وكان طالب أسن من عقيل بعشر سنين، أسلم جعفر قديماً وهاجر إلى الحبشة، وقد أخبر- عليه السلام- عنه بأنه شهيد، فهو ممن يقطع له بالجنة، وجاء في تسميته بذي الجناحي أحاديث، وعن ابن عمر
__________
(1) سورة الأحزاب: (3) .
(2) سورة الأحزاب: (4) .
(3) سورة الأحزاب: (0 4) .
(4) سورة الأحزاب: (37) .
(5) انظر: ترجمته في الاستيعاب بهامش الإصابة (1/ 44) ، وأسد الغابة (2/ 281) ، والإصابة (1/ 563) .

(6/44)


- رضي الله عنهما- أنه كان إذا سلم على ابنه عبد الله بن جعفر، يقول
له: " السلام عليك يا ابن ذي الجناحين" رواه البخاري، وبعضهم يرويه
عن عمر بن الخطاب نفسه، والصحيح ما في الصحيح عن ابن عمر،
وعن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله- عليه السلام-:
"رأيت جعفرا يطير في الجنة مع الملائكة ". رواه الترمذي، وكان يقال له
بعد قتله: جعفر الطيار، وقد تقدم أنه قتل وعمره ثلاث وثلاثون، وقال
ابن الأثير في "الغابة": كان عمره يوم قتل إحدى وأربعين سنة، قال:
وقيل غير ذلك (1) . وأما عبد اللّه فهو ابن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس
ابن عمرو بن امرئ القيس الأكبر بن مالك بن الأغر (2) بن ثعلبة بن كعب
ابن الخزرج بن الحارث بن الخزرج أبو محمد، ويقال: أبو رواحة،
ويقال: أبو عمرو، وهو خال النعمان بن بشير، أخته عمرة بنت رواحة،
أسلم قديماً وشهد العقبة، وكان أحد النقباء ليلتئذ لبني الحارث بن
الخزرج، وشهد بد ما، وأحد ا، والخندق، والحديبية، وخيبرا، وكان
- عليه السلام- يبعثه على خرصها، وشهد عمرة القضاء، ودخل يومئذ
مكة، وهو ممسك بزمام ناقة رسول اللّه- عليه السلام- وقيل: بغرزها
- يعني الركاب- وهو يقول: خلوا بني الكفار عن سبيله. وقد شهد له
رسول الله- عليه السلام-/ بالشهادة فهو ممن يقطع له بدخول[2/193- أ] الجنة (3) .
واستفيد من الحديث جواز الجلوس في المسجد وقت المتعدية، وإن كان
الميت غالْباً، وسواء مات حتف أنفه الو قتل، والحديث أخرجه:
البخاري، ومسلم، والنسائي- رحمهم الله-.
__________
(1) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (1/ 210) ، وأسد الغابة (1/ 1 34) ، والإصابة (1/ 237) .
(2) كذا في الأصل وفي الإصابة:" مالك بن الأعز" وفي الاستيعاب وأسد الغابة وغيرهما: " مالك الأغر".
(3) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (293/2) ، وأسد الغابة (3/ 234) ، والإصابة (2/ 6 0 3) .

(6/45)


22- باب: في التعزية
أي: هذا باب في بيان التعزية، التعزية، والعزاء، والعزَوة اسم لدعوى المستغيث، وهو أن يقول: يا لفلان، أو يا للأنصار، ويا للمها جرين.
1558- ص- نا يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الهمداني، نا المفضل، عن ربيعة بن سيف المعافري، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: " قَبَرْنَا مع رسولِ الله- عليه السلام- يعني ميتاً، فلما فَرَغْنَا انصرف رسولُ الله وانصرفْنَا معها، فلما حاذَى بابه وقفَ، فإذا نحنُ بامرأة مُقبلة، قال: أظنها"عرَفَها، فلما ذهبتْ إذا هي فاطمة - رضي الله عنها- فقتال لا رسولُ اللهِ- عليه السلام-: ما أخرجك يا فاطمةُ من بيتك؟ قالت (1) : أتيتُ يا رسولَ الله أهلَ هذا البيت، فَرَحمتُ إليهم ميَتهُم، أو عَزَّيتهُم به، فقال لها رسولُ اللهَ- عليه السلامَ-: فَلَعلَّك بلغت معهم الكدَى، فقالت: معاذَ الله، وقد سَمعتُك تَذكر فيها ما تَذكرُ، قال "َ لو بلغت معهم الكدَى، فذكر تَشديداً في ذلك، فسألتُ ربيعة عن الكدَى؟ فقال. القُبُورُ- فيما أحْسِبُ- " (2) .
ش- المفضل بن فضالة، وربيعة بن سيف المعافري الإسكندراني. روى عن: فضالة بن عبيد، وأبي عبد الرحمن الحُبُليِّ، وبشر (3) بن زبيد. روى عنه: مفضل بن فضالة، وسعيد بن أبي أيوب، وهشام بن سعد، والليث بن سعد، وغيرهم، قال البخاري: عنده مناكير. وقال الدارقطني: مصري صالح، وقال أبو سعيد بن يونس: توفي قريبا من
__________
(1) في سنن أبي داود:"فقالت ".
(2) النسائي: كتاب الجنائز، باب: النعي (4/ 28) .
(3) في الأصل: "بشير"، وقال محقق تهذيب الكمال (113/9) : "جاء في حواشي النسخ من تعقبات المؤلف على صاحب "الكمال" قوله: "كان فيه بشير، وهو وهم ".

(6/46)


سنة عشرين ومائة، أيام هشام بن عبد الملك، وفي حديثه مناكير. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي (1) .
قوله: "قبرنا" من قبرتُه إذا دفنتُه، وأقبرتُه إذا جعلتُ له قبرا.
قوله: "الكدَى" بضم الكاف، وفتح الدال المقصورة جمع "الكدية" (2) وهي القطعة الصلبة من الأرض، والقبور إنما تحفر في المواضع الصلبة لئلا تنهار، والعرب تقول: ما هو إلا ضب كدية، إذا وصفوا الرجل بالدهاء والأدب، ويقال: أكدى الرجل إذا حفر فأفضى إلى الصلابة، ويضرب به المثل فيمن أخفق فلم ينجح في طلبته" وأراد - عليه السلام- بقوله: " بلغت معهم الكدى" المقابر، لأنها كانت مقابرهم في مواضع صلبة، وتروى بالراء، وقال الخطابي: روايتنا عن أبي سعيد بن الأعرابي: "الكرى" بالراء، وأخبرناه ابن داسة، عن أبي داود : الكدى بالدال، والكرى بضم الكاف، وفتح الراء جمع كرية، أو كروة، من كريت الأرضَ، وكروتُها إذا حفرتُها كالحفرة من حفرتُ. ويستفاد من الحديث فوائد:
الأولى: استحباب الذهاب مع الميت إلى قبره، والوقوف عنده إلى دفنه
والثانية: جواز خروج المرأة إلى جارها، أو إحدى معارفها لأجل التعزية.
والثالثة: عدم جواز ذهاب المرأة للميت إلى قبره.
والرابعة: جواز التعزية.
والحديث أخرجه النسائي أيضاً
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (9/ 1876) . (2) انظر: معالم السنن (1/ 263) .

(6/47)


23- باب: الصبر عند المصيبة (1)
أي: هذا باب في بيان فضل الصبر عند المصيبة، وفي بعض النسخ: "باب الصبر على المصيبة"، يقال: أصابته مصيبة فهو مصاب، ويقال: مصيبة، ومَصُوبة، ومصابه، والجمع مصائب ومصاعب، وهو الأمر المكروه ينزل بالإنسان، يقال: أصاب الإنسان من المال وغيره، أي: أخذ وأنا ول.
1559- ص- نا محمدين المثنى، نا عثمان بن عمر، نا شعبة، عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال: " أَتى نبي الله- عليه السلام- على امرأة تَبكي على، صَبي لها، فقال لها: اتقي اللهَ واصبرَي، فقالت: وما تُبالي أنت بمصيبتي، فقيل لها: هذا النبي، فأَتتْهُ فلم تجدْ عَلى بابه بوابينَ، فقالَت: يا رسوله الله. لمْ أَعرفْكَ، فقال: إنما الصبرُ عندَ الصدمة، أو عندَ أولِ صدمة" (2)
ش- عثمان بن عمر بن فارس العبدي، البصري.
قوله: " اتقي الله" أي: خافي اللّه وراقبيه.
قوله:/ " عند الصدمة" أي: عند فورة المصيبة وشدتها، والصدم ضرب الشيء الصلب بمثله، والصدمة المرة منه.
قوله: " أو عند أول صدمة" شك من الراوي، والحديث أخرجه:
البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.
__________
(1) في سنن أبى داود: "الصبر عند الصدمة".
(2) البخاري: كتاب الجنائز، باب: زيارة القبور (1283) ، مسلم: كتاب الجنائز، باب: البكاء على الميت (923) ،، الترمذي: كتاب الجنائز، باب: الصبر في الصدمة الأولى (7 ما) ، النسائي: كتاب الجنائز، باب:
شق الجيوب (4/ 22) .

(6/48)


24- باب: البكاء على الميت (1)
أي: هذا باب في بيان البكاء على الميت.
1560- ص- نا أبو الوليد الطيالسي، نا شعبة، عن عاصم الأحول، سمعت أبا عثمان، عن أسامة بن زيد: " أن ابنة لرسول اللهِ صلى الله عليه وسلم أرسلتْ إليه - وأنا معه- وسعد، وأحسبُ أبي (2) أن ابني، أو ابنتيَ قد حَضرَ فاشَهدْنا، فأرسل يقرأ السلام، وقال : قل: لله ما أخذَ وما أعطى، وكل شيءِ عنده إلى أجل، فأرسلتْ تُقسمْ عليه، فأتاهَا، فوُضِع الصبي في حجرِ رسول الله - عليه السلام- ونفسُه تَقَعْقَعُ، ففاضتْ عينَا رسول الله- عليه السلالم- فقال له سعد: ما هذا؟ قال: إنها رحمة يضعها (3) اللهُ- عز وجل- في قلوبِ مَن يشاء وإنما يرحمُ اللهُ- عز وجل- من عباده الرُّحَمَاءَ" (4) .
ش- في رواية: " إن بنتا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهي... " (5) .
قوله:"وسعد " بالرفع عطف على قوله: " وأنا معها".
قوله: "وأحسب أبي " وفي كثير من النسخ: " وأحسب أبيا " (6) .
قوله: "إن ابني، أو ابنتي " شك من الراوي 000 (7)
قوله: " فاشْهدْنَا " بسكون الدال، أي: أحضرنا.
__________
(1) في سنن أبي داود: "باب في البكاء على الميت ".
(2) في سنن أبي داود: "أبيا"، وانظر: تعليق المصنف.
(3) في سنن أبي داود: "وضعها".
(5) البخاري: كتاب الجنائز، باب: قول النبي يكن يعذب الميت ببعض بكاء أهله (1284) ، مسلم: كتاب الجنائز، باب: البكاء على الميت (923) ، النسائي: كتاب الجنائز، باب: الأمر بالاحتساب والصبر عند نزول المصيبة (21/4) ، ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في البكاء على الميت (1588) .
(5) بياض في الأصل قدر كلمتين.
(6) بياض في الأصل قدر سطر.
(7) بياض في الأصل قدر نصف سطر.
4 . شرح سنن أبي داود 6

(6/49)


قوله: " فأرسل" أي: رسول اللّه- عليه السلام-.
قوله: "يقرأ السلام " جملة وقعت حالا من الضمير الذي في "أرسل ". قوله: " إلى أجل " أي: يُنهى إلى أجل، والأجل مدة الشيء.
قوله: " ونفسه تقعقع " جملة حالية من الصبي، ومعنى تقعقع تضطرب وتتحرك، أراد كلما صار إلى حال لم يلبث أن ينتقل إلى أخرى تقربه من الموت، والقعقعة: حكاية حركة لشيء يسمع له صوت.
قوله: " إنها رحمة " أي: إن الدمعة التي نزلت من عيني رحمة، والمعنى من أثر شفقة ورحمة في القلب، نفضها القلب إلى ظاهر العين. قوله: " الرحماء " بالنصب مفعول قوله: " يرحم اللّه" ، والرحماء جمع رحيم، كالكرماء جمع كريم، والندماء جمع نديم، ويستفاد من الحديث جواز البكاء على من يحضر، ولكن من غير صوت، وجواز إرسال أصحاب من يحضر إلى أحد من جهتهم ليحضر عند من حضر، وفيه حث وتحريض على التخلق بأخلاق الرحماء، والصحاب الشفقة، والحديث أخرجه: البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه. 1561 - ص - نا شيبان بن فروخ، نا سليمان بن المغيرة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( (وُلدَ لي الليلة غلام، فسميتُه باسم أبي إبراهيمَ " فذكر الحديث، قال أنس: لقَد رأيتُه يكيد بنفسه بين يَدَيْ رسول الله- عليه السلام- فدمَعَتْ عينَا رسول الله، فقال: تَدمعُ العينُ، ويَحزنُ القلبُ، ولا نقولُ إلا ما يُرضِي ربّنا- عز وجل- " إِنُّا بكَ يا إبراهيم لَمَحْزُونُونَ " (1) .
ش- شيبان بن فروخ وهو ابن أبي شيبة الأبُلِّي، بضم الهمزة، وبالباء الموحدة، أبو محمد الحَبَطي. روى عن: جرير بن حازم، وأبي عوانة، وحماد بن سلمة، وأبان بن يزيد، وغيرهم. روى عنه: مسلم،
__________
(1) البخاري: كتاب الجنائز، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم " إنا بك لمحزونون" (تعليقا) ، مسلم: كتاب الفضائل، باب: رحمته صلى الله عليه وسلم بالصبيان (2315) .

(6/50)


وأبو داود، وعبد اللّه بن أحمد بن حنبل، وعبد اللّه بن محمد البغوي،
وأبو يعلى الموصلي، وغيرهم، وروى النسائي، عن رجل عنه، قال
أحمد بن حنبل: هو ثقة، مات سنة ست وثلاثة ومائتين. وقيل:
خمس وثلاثة ومائتين (1) .
قوله: " ولد لي الليلة" أي: في الليلة، وكان مولد إبراهيم ابن رسول
الله- عليه السلام- في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة، قال الواقدي:
ولد إبراهيم ابن رسول اللّه من مارية القبطية، فاشتدت غيرة أمهات
المؤمنين منها حين رزقت ولدا ذكرا، وكانت قابلتها سلمى مولاة رسول
اللّه، فخرجت إلى أبي رافع، فأخبرته، فبشر به رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فأعطاه
مملوكا، ودفعه رسول الله إلى أم بُردة (2) بنت المنذر بن لبيد (3) بن
حماس (4) بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، وزوجها/ البراء بن [ 2/194- أ ] أوس.
قوله: " باسم أبي إبراهيم " إبراهيم عطف بيان من قوله: " أبي " ومحله
من الإعراب الجر، وهو إبراهيم الخليل- صلوات اللّه عليه وسلامه- وإنما
قال: لأبي، لأنه- عليه السلام- من ولد إسماعيل بن إبراهيم كما ثبت
في عمود نسبه، ومعنى إبراهيم أب رحيم، وهو لفظ سرياني، وعن
أنس- رضي اللّه عنه-: " لما وُلد للنبي - عليه السلام- ابنه إبراهيم
وقع في نفسه منه شيء، فأتاه جبريل- عليه السلام- فقال: السلام
عليك يا أبا إبراهيم " رواه أبو بكر البزار. وقد روي عن ابن لهيعة،
وغيره، عن عبد الرحمن بن زياد، قال: " لما حبلت بإبراهيم أتى جبريل
- عليه السلام- فقال: السلام عليك يا أبا إبراهيم، إن الله
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (12/ 2785) .
(2) في الأصل: " أم برزة" وما أثبتناه من مصادر الترجمة.
(3) في الأصل: " أسيد" وما أثبتناه من مصادر الترجمة.
(4) كذا، وكتب تحت الحاء " ح"، وفي الاستيعاب بهامش الإصابة (4/ 436) ،
وأسد الغابة (7/ 305) : " خراش "، وفي أسد الغابة (1/ 49) : (خداش) ، وفي الإصابة، (4/ 434) : "حراث".

(6/51)


قد وهب لك غلاما من أم ولدك مارية، وأمرك أن تسميه إبراهيم، فبارك اللّه لك فيه، وجعله قرة عين لك في الدنيا والآخرة".
قوله: "ولقد رأيته " أي: رأيت إبراهيم، " يكيد بنفسه " أي: يجود بها، يريد النزع، وعن أنس: "توفي إبراهيم ابن رسول الله وهو ابن ستة عشر شهراً، فقال رسول الله: ادفنوه بالبقيع، فإن له مرضعا يتم رضائه في الجنة". رواه ابن منده، وفي رواية أحمد، وأبي عوانة: "فإن له مرضعا في الجنة،، وعن عبد اللّه بن أبي أوفى، قال: " توفي إبراهيم، فقال رسول اللّه: يرضع بقية رضائه في الجنة " رواه ابن عساكر، وقال الواقدي: مات إبراهيم ابن رسول الله يوم الثلاثاء لعشر ليال خلون من ربيع الأول سنة عشر، وهو ابن ثمانية عشر شهرا في بني مازن بن النجار في دار أم بُردة (1) بنت المنذر، ودفن بالبقيع، وما يذكره القصاص الجهلة من أن إبراهيم انتهى في الكبر حتى قعد في الكتاب مع الصبيان، وأن ملك الموت قد جاء إلى رسول الله- عليه السلام- وأعلمه بقبض روحه، وأن رسول الله جاء إليه وهو في الكتاب، وودعه، وبكى، فكل ذلك كذب وافتراء، وتقول بلا برهان، وروى الإمام الحمد، عن أنس- رضي اللّه عنه-: " لو عاش إبراهيم ابن النبي- عليه السلام- لكان صديقا نبيا". وروى ابن عساكر، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله- عليه السلام-: " لو عاش إبراهيم لكان نبيا ". قوله: " لمحزونون " خبر لقوله: " إنا". وقوله:" يا إبراهيم" معترض بين اسم " إن" وخبره، و" اللام" في " لمحزونون " للتكيف، وهي مفتوحة، والحديث أخرجه مسلم، وأخرجه البخاري تعليقا.
في 8في
__________
(1) في الأصل لا أم بررة " خطأ.

(6/52)


25- باب: في النوح
أي: هذا باب في بيان النور، بفتح النون، وهو الصياح بالبكاء.
1562- ص- نا مسدد، نا عبد الوارث، عن أيوب، عن حفصة، عن
أم عطية، قالت: " إنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم نهانا عن النِّياحَةِ" (1) .
ش- عبد الوارث بن سعيد، وأيوب السختياني، وحفصة بنت سيرين، أخت محمد بن سيرين، وأم عطية الأنصارية، والسياحة من ناحت المرأة تنوح نوحا، والاسم النياحة، ونساء نوح، وأنواح، ونوائح ونائحات، والحديث أخر له البخاري، ومسلم، والنسائي.
1563- ص- نا إبراهيم بن موسى، أنا محمد بن ربيعة، عن محمد بن الحسن بن عطية، عن أبيه، عن جده، عن أبي سعيد الخدري، قال: " لعنَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم النائحةَ، والمُسْتَمِعَةَ" (2) .
ش- محمد بن ربيعة أبو عبد اللّه الكلائي الرؤاسي ابن عم وكيع بن الجراح. سمع: هشام بن عروة، وابن جريج، والأعمش، وغيرهم. روى عنه: محمد بن عيسى بن الطباع، وابن معين، وزياد بن أيوب، وغيرهم، قال ابن معين: صدوق ثقة. وقال أبو حاتم الرازي: صالح الحديث. وقال الدارقطني: ثقة. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (3) .
ومحمد بن الحسن بن عطية بن سعد العوفي الكوفي. روى عن أبيه،
عن جده، عن أبي سعيد الخدري، وروى عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة. روى عنه محمد بن ربيعة، قال ابن معين: كوفي، ليس بمتين. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث (4) .
__________
(1) البخاري: كتاب الجنائز، باب: ما ينهى عن النوح والبكاء والزجر عن ذلك (6 0 13) ، مسلم: كتاب الجنائز، باب: التشديد في النياحة (934) ، النسائي: كتاب البيعة، باب: بيعة النساء (7/ 148) .
(2) تفرد به أبو داود.
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (25/ 5210) .
(4) المصدر السابق (25/ 5150) .

(6/53)


وقال المنذري: في إسناده محمد بن الحسن بن عطية العوفي، عن أبيه،
عن جده، وثلاثتهم ضعفاء.
قوله:" النائحة" أي: المرأة النائحة، والنساء المستمعة لها.
1564- ص- نا هناد بن السَّرِي، عن عبدة، وأبي معاوية، المعنى، عن
هشام بن عروة، عن أبيه، عن ابن عمر، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم " إن
الميتَ لَيُعَذبُ ببُكَاء أهلهِ عليه " فذكر ذلك لعائشة- رضي الله عنها-
فقالت: وَهَلَ- تعنيَ ابنه عمر-/ إنما مَرَّ رسولُ الله- عليه السلام- على قبر، فقال: " إن صَاحبَ هذا لَيُعَذَّبُ، وأهلُهُ يَبكُونَ عليه، ثم قرأتْ: (وَلا تَزِر وَازِرَة وِزْرَ أخْرَى) (1) . قال: عن أبي معاوية "على قبر يهودي" (2) .
ش- عبدة بن سليمان الكِلابي، وأبو معاوية الضرير.
قوله: " فذكر ذلك " أي: قول ابن عمر- رضي اللّه عنهما- لعائشة
- رضي الله عنها- فقالت: " وَهَلَ " أي: قالت عائشة: وَهَلَ ابنُ
عمرَ بفتح الواو والهاء، معناه ذهب أهله إلى ذلك، يقال: وَهَلَ الرجل
ووَهَمَ بمعنى واحد، كل ذلك بفتح الهاء، فإذا قلت: وَهِيَ- بكسر
الهاء- كان معناه فزع، وقال ابن الأثير (3) : (وَهَلَ إلى الشيء بالفتح،
يَهِلُ بالكسر، وَهْلاَ بالسكون إذا لتصب وَهْمُه إليه، ومعنى وَهَل ابنُ عمر،
أي: ذهب وهمه إلى ذلك، ويجوز أن يكون بمعنى سهى وغلط، يقال
منه: وهل في الشيء، وعن الشيء بالكسر، يسهل وهَلا بالتحريك ".
وقال الخطابي (4) : "قد يحتمل أن يكون الأمر في هذا على ما ذهبت إليه عائشة- رضي الله عنها- لأنها قد روت أن ذلك إنما كان في شأن
__________
(1) سورة الإسراء : (15) .
(2) مسلم: كتاب الجنائز، باب: الميت يعذب ببكاء أهله عليه (927) ، النسائي: كتاب الجنائز، باب: النهي عن البكاء على الميت (16/4) .
(3) النهاية (5/ 233) .
(4) معالم السنن (1/ 264) .

(6/54)


يهودي، فالخبر المفسر أولى من المجمل، ثم احتجت له بالآية، وقد يحتمل أن يكون ما رواه ابن عمر صحيحا من غير أن يكون فيه خلاف للآية، وذلك أنهم كانوا يوصون أهلهم بالبكاء والنوح عليهم، فكان ذلك مشهورا من مذاهبهم، وهو موجود في أشعارهم، كقول القائل (1) :
إذا ما مت فانعيني بما أنا أهله ... وشُفي عليّ الجيبَ يا ابنة معبدٍ
وكقول لبيد:
فقوما وقولا بالذي تعلمانه ... ولا تَخمِشا وجها ولا تحلِقا شعرَ
وقولا هو المرءُ الذي لا صديقه ... أضاعَ ولا خانَ الأميرَ ولا غَدرَ
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
ومثل هذا كثير في أشعارهم، وإذا كان كذلك فالميت إنما تلزمه العقوبة في ذلك بما تقدم من أمره إياهم بذلك وقت حياته، وقال- عليه السلام-: " من سن سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها، ومن سنة سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها". وفيه وجه آخر وهو أنه مخصوص في بعض الأموات الذين وجب عليهم بذنوب اقترفوها، وجرى من قضاء اللّه سبحانه وتعالى فيهم أن يكون عذابه وقت البكاء عليهم، ويكون كقولهم: " مطرنا بنوء كذا ْ": عند نوء كذا، كذلك قوله: "إن الميت يعذب ببكاء أهله " أي: عند بكائهم عليه لاستحقاقه ذلك بذنبه، ويكون ذلك حالا لا سببا، لأنا لو جعلناه سببا لكان مخالفا للقرآن، وهو قوله تعالى: (وَلا تَزِرُ وَازِرَة وزْرَ أخْرَى) (2) والله أعلم " (3) .
قوله: " قال: عن أي معاوية " أي: قال عبدة بن سليمان في روايته: عن أبي معاوية الضرير:" إنما مر رسول اللّه على قبر يهودي ". وأخرجه: مسلم، والنسائي.
__________
(1) وهو طَرَفة بن العبد.
(2) سورة الإسراء .
(3) إلى هنا انتهى النقل من معالم السنن.

(6/55)


1565- ص- نا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن يزيد بن أوس، قال: "دخلتُ على أبي موسى وهو ثقيل، فذهَبتْ امرأتُه لتَبكِيَ، أو تَهُمُّ به، فقال لها أبو موسى: أما سمعتِ ما قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: بلى، قال: فسكَتَتْ، فلما ماتَ أبو موسى، قال يزيد: لقيَتُ المرأةَ، فقلتُ لها قولَ أبي موسى لك: أما سمعت ما قال (1) رسولُ أله- عليه السلام- ثم سَكَتّ؟ قالت: قال رسولُ الله- عليه السلام-: ليسَ منا: من حَلَق، ومن سَلَق، ومن خَرَقَ " (2) .
ش- جرير بن عبد الحميد الرازي، ومنصور بن المعتمر، وإبراهيم النوعي.
ويزيد بن أوس، قال علي بن المديني: مجهول، لا نعلم أحدا روى عنه غير إبراهيم، قال فيه "الكمال" : روى عن أبي موسى الأشعري. روى عنه: إبراهيم النخعي، وأبو موسى الأشعري (3) .
وامرأة أبي موسى أم عبد الله بنت أبي دومة (4) . روى عنها: يزيد بن أوس هذا الحديث، ويروي عنها عن النبي- عليه السلام- وبعضهم يروي عنها، عن أبي موسى، عن النبي- عليه السلام- روى لها: أبو داود، والنسائي (5) .
قوله:" وهو ثقيل" جملة اسمية وقعت حالا، أي: ثقيل من المرض، مشارف على الموت.
قوله: " لتبكي " بنصب الياء، أي: لأن تبكي.
__________
(1) في سنن أبي داود:"قول".
(2) النسائي: كتاب الجنائز، باب: شق الجيوب (4/ 21) .
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (32/ 6966) .
(4) في الإصابة: "دومى " ولم يذكر اسم أبيها في الاستيعاب ولا أسد الغابة. (5) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (4/ 470) ، وأسد الغابة (7/ 0 36) ، والإصابة (4/473) .

(6/56)


قوله: " أو تهم به " أي بالبكاء/ من هم بالأمر يهم، من باب نصر [ 2/195- أ ] ينصر إذا عزم عليه.
قوله: " ليس منا من حلق" أي: ليس من أهل سنتنا من حلق شعره عند
المصيبة إذا حَلَّت به.
قوله: " ومن سلق لما أي: رفع صوته عند المصيبة، وقيل: هو أن
تصك المرارة وجهها وتمرده (1) ، والأول أصح، ويقال: بالصاد، قال الجوهري: وسلق لغة في صلق، أي: صاح، والمسْلاقُ: الخطيب
البليغ، وهو من شدة صوته وكلامه، وكذلك السلاقُ، ويقال: خطيب
مِسقع مسلق بكسر الميم فيهما.
قوله: " ومَن خرق " بالخاء المعجمة من الخرق وهو الشق، أي: من
شق ثيابه لأجل المصيبة، والحديث أخرجه النسائي، وقد روي هذا
الحديث عنها، عن أبي موسى، عن النبي- عليه السلام- وأخرجه
النسائي أيضاً
1566- ص- نا مسدد، نا حميد بن الأسود، نا الحجاج عاملُ عمرَ بنِ
عبد العزيز على الربذة، قال: حدثني أسيد بن أبي أسيد، عن امرأة من المبايعات، قالت: "كان فيما أخذ علينا رسولُ اللهِ- عليه السلام- في
المعروف الذي أخذَ علينا أنْ لا نعصيَه فيه: أنْ لا نَخْمشَ وجهاً ولا نَدعو
ويلاً، ولا نشق جيبا، ولا (2) ننشرَ شَعراً" (3) .
ش- الحجاج عامل أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز الأموي على
الربذة، بفتح الراء، والباء الموحدة، والذال المعجمة، وهي قرية من قرى
المدينة، وبها قبر أبي ذر الغفاري. روى له: أبو داود، والترمذي (4) .
وأسيد بن أبي أسيد البراد المديني، واسم أبي أسيد: يزيد. روى عن:
__________
(1) تخدشه وتحكه بأطراف أصابعها.
(2) في سنن أبي داود: "وأن لا ننشر شعراً"
(3) تفرد به أبو داود.
(4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (5/ 1132) .

(6/57)


عبد الله بن [ أبي ] قتادة، ومعاذ بن عبد اللّه بن خُبيب، ونافع بن عباس، عن أبي هريرة. روي عنه: الدراوردي، وابن أبي ذئب، وابن جريج وغيرهم. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي (.1) ، وأسيد بفتح الهمزة، وكسر السين.
قوله: " أن لا نعصيه" في محل النصب على أنه مفعول لقوله: "أخذ علينا".
قوله: " أن لا نخمش " بدل من قوله:، "أن لا نعصيه " والخمش: الخدش، يقال: خمشت المرأة وجهها تخدشه خمشا وخموشا إذا خدشت وقشرت جلدها بأظافيرها.
قوله: " ولا ندعو ويلا " الويل الحزن والهلاك، والمشقة من العذاب، وكل من وقع في هلكة دعي بالويل، ومعنى النداء فيه يا حزني، ويا هلاكي، ويا عذابي احضر، فهذا وقتك وأواني، فكأنه نادى الويل ابن يحضره لما عرض له من الأمر الفظيع.
قوله: " ولا نشق جيبا " الجيب: القميص، يقال: جبت القميص أجوبه وأجيبه إذا قورت جيبه.
26- باب: صنعة الطعام لأهل الميت
أي: هذا باب في بنان صنعة الطعام لأجل أهل الميت، ويقال للطعام الذي يصنع لأهل البيت 000 (2)
1567- ص- نا مسدد، نا سفيان، حدثني جعفر بن خالد، عن أبيه،
__________
(1) كذا ترجم المصنف لأسيد، وصاحبنا أسيد آخر، انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (3/ 511) .
(2) بياض قدر كلمتين.

(6/58)


عن عبد الله بن جعفر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اصْنَعُوا لآل جعفر طعامًا، فإنه قد أتاهم أمر شَغَلَهُم " (1)
ش- جعفر بن خالد بن سارة المخزومي المكي، وقيل: المدني، روى عن أبيه. روى عنه: سفيان بن عيينة، وابن جريج، قال أحمد بن حنبل: ثقة، وكذلك قال يحيى، والترمذي. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (2) .
وخالد بن سارة، ويقال: خالد بن عبيد بن سارة المخزومي المكي. سمع: عبد اللّه بن عمر بن الخطاب، وعبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب. روى عنه: ابنه جعفر المكي. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (3) .
قوله: " لآل جعفر " آل الرجل أهل بيته، قال ذلك- عليه السلام- حين نعي بجعفر بين أبي طالب- رضي اللّه عنه- حيث قتل مع: عبد اللّه ابن رواحة، وزيد بن حارثة في غزوة مؤتة سنة ثمان من الهجرة، ويستفاد من الحديث استحباب صنعة الطعام لأهل الميت، سواء كان الميت حاضرا، أو جاء خبر موته، وذلك لاشتغال أهله بخبره، أو بحاله، ولذلك علل- عليه السلام- بقوله:" فإنه" أي: فإن الشأن قد أتاهم أمر، أي: شأن وحالة شغلهم عن صنعة الطعام وغيره، والحديث أخرجه: الترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن صحيح.
__________
(1) الترمذي: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في الطعام يصنع لأهل الميت (998) ، ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في الطعام يبعث إلى أهل الميت (1610) .
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (3/ 938) .
(3) المصدر السابق له (8/ 1615) .

(6/59)


27- باب: الشهيد يُغسَّلُ (1)
أي: هذا باب في بنان الشهيد، هل يغسل أم لا؟ والشهيد فعيل [ 2/195- ب ]
بمعنى فاعل، والمعنى يشهد رحمة الله تعالى، ويجوز أن يكون بمعنى مفعول، لأنه مشهود له بالجنة، أو لأن الملائكة يشهدون موته إكراما له، والشهيد: كل مسلم قتله كافر، أو مسلم ظلما قتلا لم يجب به، قال: والشرط فيه أن يكون القاتل معلوما فوجب عليه القصاص، مثل من قتله قطاع الطريق، أو البغاة، أو قُتِل دون نفسه أو أهله، أو ماله، أو قُتِل مدافعا عن مسلم، أو ذمي، وإذا لم يكن القاتل معلوما فوجد القتيل في محلة تجب فيه الدية، والقسامة، فلا يكون شهيداً.
1568- ص- نا قتيبة بن سعيد، نا معن بن عيسى، ح، ونا عبيد الله بن عمر الجشمي، نا عبد الرحمن بن مهدي، عن إبرِاهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن جابر- رضي الله عنه- قال: "رُمِي رجلِ بسهام في صَدره أو في حَلقِهِ فماتَ، فأدرج في ثيابه كما هو، قال: ونحنُ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم".
ش- أبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي، وجابر بن عبد الله، وقال النووي في " الخلاصة ": سند هذا الحديث على شرط مسلم، واستدل به العلماء على أن الشهيد يكفن في ثيابه، كما هو المشهور في كتب الفقه.
1569- ص- نا زياد بن أيوب (3) ، نا علي بن عاصم، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس- رضي الله عنهم- قال: "أمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بقَتْلَى أحد أنْ يُنزعَ عنهمُ الحديدُ والجلودُ، وأن يُدْفَنُوا بثيابهم ودمائِهِم (4) " (5) .
__________
(1) في سنن أبي داود: "باب في الشهيد يغسل".
(2) تفرد به أبو داود.
(3) في سنن أبي داود: " حدثنا زياد بن أيوب وعيسى بن يونس قالا".
(4) في سنن أبي داود:" وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم".
(5) ابن ماجه : كتاب الجنائز، باب: ما جاء في الصلاة على الشهداء ودفنهم (1515)

(6/60)


ش- علي بن عاصم بن صهيب بن سنان الواسطي، أبو الحسن القرشي مولى قريبة بنت محمد بن أبي بكر الصديق- رضي الله عنه- روى عن: خالد الحذاء، وحميد الطويل، وابن جريج، وغيرهم. روى عنه: أبو معاوية، وعلي بن الجعد، وأحمد بن حنبل، وغيرهم، وكان من الورعين الزهاد، وتكلموا فيه، فقال صالح بن محمد: علي ابن عاصم (1) ليس هو ممن يكذب، ولكن يهم، وهو سيئ الحفظ، كثير الوهم يغلط في أحاديث يرفعها ويقلبها، وسائر أحاديثه صحيحة مستقيمة. وقال محمد بن زكرياء: من أهل الصدق، ليس بالقوي في الحديث، وسئل أحمد بن حنبل عنه فقال: هو والله عندي ثقة، وأنا أحدث عنه، قال ابن عدي: والضعف بين على حديثه، مات سنة إحدى ومائتين أواسط وهو ابن أربع وتسعة سنة. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (3) .
قوله: " بقتلى أحد" القتلى فعلى جمع قتيل، كجرحى جمع جريح، ومرضى جمع مريض، وبه استدل أصحابنا وغيرهم على أن الشهيد لا يغسل، ولا ينزع عنه ثيابه، ولكن ينزع عنه ما هو من غير جنس الكفن: كالحديد، والجلد، والفرو، والحشو، ونحوها، والحديث أخرجه ابن ماجه، واجعله النووي بعطاء بن السائب.
1570- ص- نا أحمد بن صالح، نا ابن وهب، ح، ونا سليمان بن داود المصري، أنا ابن وهب وهذا لفظه، قال: ثنا أسامة بن زبد الليثي، أن ابن شهاب أخبره، أن أنس بن مالك حدثه: "إن شُهداءَ أحد لم يُغسّلُوا، ودفنِوا بدمائِهم، ولم يُصَلَّ عَلَيهم " (4) .
__________
(1) في الأصل: "عاصم بن علي" خطأ.
(2) في الأصل: " بغلط في أحاديث نعرفها ونقلبها" وما أثبتناه من تهذيب الكمال (20/ 511) .
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (0 2/ 94 0 4) .
(4) تفرد به أبو داود.

(6/61)


ش- عبد الله بن وهب. وفيه من الفقه أن الشهيد لا يغسل، وهو قول جماهير أهل العلم، وفيه أنه لا يصلى عليه، وبه استدل الشافعي على مذهبه، والجواب أنه لم يصل عليهم على الفور لاشتغالهم عن الصلاة على الفور بأمور الحرب، ويؤيد ذلك أحاديث الصلاة عليهم، منها: ما روى البخاري في " المغازي " في غزوة أحد، ومسلم في "فضائل النبي- عليه السلام- " من حديث أبي الخير، عن عقبة بن عامر الجهني أن النبي- عليه السلام- خرج يوما فصلى على شهداء أحد صلاته على الميت، ثم انصرف ". زاد فيه مسلم: " فصعد المنبر كالمودع للأحياء والأموات " الحديث، وقد حمل البيهقي، وابن حبان في "صحيحه " الصلاة في هذا الحديث على الدعاء، لكن قوله: "صلاته على الميت " يدفعه ويرده.
ومنها ما أخرجه الحاكم في " المستدرك" ، عن أبي حماد الحنفي، واسمه المفضل بن صدقة (1) ، عن ابن عقيل، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: "فقد رسول الله حمزة حين فاء الناس من القتال، فقال رجل: رأيته عند تلك الشجرات، فجاء رسول اللّه نحوه، فلما رآه ورأى ما مثلَ به شهق وبكى، فقام رجل من الأنصار فرمى عليه بثوب، ثم جيء بحمزة فصلى عليه، ثم جيء بالشهداء كلهم، وقال صلى الله عليه وسلم : حمزة سيد الشهداء عند اللّه يوم القيامة". وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي في ما مختصره، " فقال: أبو حماد الحنفي، قال النسائي فيه: متروك (2) .
ومنها ما رواه أحمد في "مسنده ": حدثنا عفان بن مسلم، ثنا حماد
ابن سلمة، ثنا عطاء بن السائب، عن الشعبي، عن ابن مسعود قال:
__________
(1) في الأصل: " الفصل بن صدقة" خطأ.
(2) الحاكم (2/ 119) ، وفيه استدراك الذهبي، ورواه الحاكم (3/ 97 1) ، وسكت عليه الذهبي، و (3/ 199) ، وقال الحاكم: " صحيح الإسناد لم يخرجاه "، ووافقه الذهبي !!

(6/62)


"كان النساء يوم أحد خلف المسلمين يُجْهزن على جرحى المشركين " إلى أن قال: (فوضع النبي- عليه السلام- حمزة وجيء برجل من الأنصار فوضع إلى جنبه فصلى عليه، ثم رُفع، وتُرك حمزة، ثم جيء بآخر فوضع إلى جنب حمزة فصلى عليه، ثم رُفع وتُرك حمزة، حتى صلى عليه يومئذ سبعين صلاة"، ورواه عبد الرزاق في " مصنفه " عن الشعبي، لم يذكر فيه ابن مسعود.
ومنها ما رواه أبو داود، عن عثمان بن عمر، لما يجيء الآن (1) ، ومنها ما أخرجه الدارقطني في " سننه "، عن إسماعيل بن عياش، عن عبد الملك بن أبي غنية أو غيره، عن الحكم بن عتيبة، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: "لما انصرف المشركون عن قتلى أحدا إلى أن قال: "ثم قدم رسول الله حمزة فكبر عليه عشرا، ثم جعل يجاء بالرجل فيوضع، وحمزة مكانه، حتى صلى عليه سبعين صلاة، وكان القتلى يومئذ سبعين". ثم قال: لم يروه غير إسماعيل بن عياش، وهو مضطرب الحديث عن غير الشاميين (2) .
ومنها ما أخرجه الحاكم في "المستدرك "، والطبراني في " المعجمي" والبيهقي في " السنن "، عن يزيد بن أبي زناد، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: " أمر رسول اللّه- عليه السلام- بحمزة يوم أحد فهيئه للقبلة، ثم كبر عليه سبعا، ثم جمع إليه الشهداء حتى صلى عليه سبعين صلاة". زاد الطبراني:" ثم وقف عليهم حتى واراهم" سكت الحاكم عنه، وتعقبه الذهبي، فقال: ويزيد بن أبي زناد لا يحتج به، وقال البيهقي: هكذا رواه يزيد بن أبي زناد، وحديث جابر أنه لم يصل عليهم أصح
ورواه ابن ماجه في " سننه " بهذا الإسناد، قال: " أتي بهم رسول الله يوم أحد، فجعل يصلي على عشرة عشرة، وحمزة كما هو، يرفعون
__________
(1) يأتي برقم (1572) .
(2) سنن الدارقطني (4/ 118) .

(6/63)


وهو كما هو موضوع ". قال ابن الجوزي في "التحقيق ": ويزيد بن أبي زناد منكر الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث، وتعقبه صاحب "التنقيح" بأن ما حكاه عن البخاري، والنسائي إنما هو في يزيد بن زناد، وأما راوي هذا الحديث فهو الكوفي، ولا يقال: فيه ابن زناد، وإنما هو ابن أبي زناد، وهو ممن يكتب حديثه على لينه، وقد روى له مسلم مقرونا بغيره، وروى له أصحاب الحق، وقال أبو داود: لا العلم أحدا ترك حديثه، وابن الجوفي جعلهما في كتابه الذي في "الضعفاء" واحدا، وهو وهم.
ومنها ما رواه ابن هشام في "السيرة"، عن ابن إسحاق، حدثني من
لا أتهم، عن مقسم- مولى ابن عباس- عن ابن عباس قال: "أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمزة، فسُجَّيَ ببردة، ثم صلى عليه، وكبر سبع تكبيرات، ثم أتي بالقتلى يوضعون إلى حمزة، فصلى عليهم وعليه معهم، حتى صلى عليه ثنتين وسبعين صلاة،.
قال السهيلي في "الروض الأنف": قول ابن إسحاق في هذا الحديث: حدثني من لا أتهم، إن كان هو الحسن بن عمارة كما قاله بعضهم فهو ضعيف بإجماع أهل الحديث، وإن كان غيره فهو مجهول، ولم يُرو عن النبي- عليه السلام- أنه صلى على شهيد في شيء من مغازيه إلا في هذه الرواية، ولا في مدة الخليفتين من بعده، انتهى كلامه.
قلت: وقد ورد مصرحا فيه بالحسن بن عمارة كما رواه الإمام أبو قرة موسى بن طارق/ الزبيدي في "سننه"، عن الحسن بن عمارة، عن الحكم بن عتيبة، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: " لما انصرف المشركون من قتلى أحد أشرف رسول الله- عليه السلام- على القتلى فرأى منظرا ساءه، فرأى حمزة قد شق بطنه، واصطدم أنفه، وجدعت أذناه، فقال: لولا (1) أن تخرج النساء فتكون سنة بعدي لتركته حتى
__________
(1) كذا، وفي نصب الراية (1/ 311) : " لولا أن يحزن النساء ، أو يكون سنة بعدي".

(6/64)


يحشره الله في بطون السباع والطير، وتمثلت بثلاثة منهم مكانه، ثم دعي ببردة، فغطى بها وجهه، فخرجت رجلاه، فغطى بها رجليه فخرج رأسه، فغطى بها رأسه، وجعل على رجليه من الإذخر، ثم قدمه فكبر عليه عشرا، ثم جعل يجاء بالرجل فيوضع إلى جنبه فيصلى عليه، ثم يرفع، ويجاء بآخر فيوضع، وحمزة مكانه، حتى صلى عليه، (1) سبعين صلاة، وكانت القتلى سبعين، فلما دفنوا وفرغ منهم نزلت هذه الآية: {وَاِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا} الآية (2) ، فصبر- عليه السلام- ولم يقتل، ولم يعاقب".
ومنها ما رواه أبو داود في " مراسيله ": عن حصين، عن أبي مالك الغفاري على ما يجيء عن قريب- إن شاء اللّه تعالى-.
فإن قيل: الشهيد وصف بأنه حي بالنص، والصلاة شرعت على الميت
لا على الحي .
قلت: الشهيد حي في أحكام الآخرة، فأما في أحكام الدنيا فهو ميت حتى يقسم ميراثه، وتتزوج امرأته، والصلاة عليه من أحكام الدنيا.
فإن قيل: الصلاة ما شرعت إلا بعد الغسل، فسقوطه دليل على سقوطها.
قلت: غسله لتطهيره، والشهادة طهرته، فأغنت عن الغسل كسائر الموتى بعد ما غسلوا، فافهم.
1571- ص- نا عثمان بن أبي شيبة، نا زيد- يعني ابن الحباب- ح، ونا عتيبة بن سعيد، نا أبو صفوان- يعني المرواني- عن أسامة، عن الزهري، عن أنس، المعنى، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مَر على حمزةَ وقد مثُّلَ به، فقال:" لولا أن تجد صفيةُ في نفسِها لتركتُه حتى تصله العافيةُ، حتى يُحشرَ من بُطونِها، وقَلتِ الثيابُ، وكَثرَتِ القَتلى، فكان الرجلُ والرجلانِ والثلاثة
__________
(1) زيادة من نصب الراية.
(2) سورة النحل: (126) .
5 . شرح سنن أبي داوود 6

(6/65)


يُكفنون في الثوب الواحد " زاد قتيبة: " ثم يُدفَنُونَ في قبر واحد، فكان رسول الله- عليه الإسلام- يسأل: أيهم أكثرُ قرآناً فيُقَدمه إلى القبلة " (1) .
ش- أبو صفوان الأموي، اسمه: عبد الله بن سعيد بن عبد الملك بن مروان، وقيل: عبد اللّه بن سعيد بن عبد الرحمن بن عبد الملك، وقد مر مرة، وأسامة بن زيد.
قوله: " وقد مثلَ به "من (2) "مثلت بالحيوان أمثل به مثلا بالسكون إذا قطعت أطرافه، وشوهت به، ومثلت بالقتيل إذا جدعت أنفه، أو أذنه، أو مذاكيره، أو شيئا من أطرافه والاسم المحلة، ومثل بالتشديد للمبالغة" وبابه من باب نصر ينصر.
قوله: " لولا أن تجد صفية " من وجد في الحزن وَجدا بالفتح، وأما وجد في المال وُجْداَ فبالضم والكسر، أي: استغنى ووجد مطلوبه وجودا، ووجد عليه في الغضب موجدة ووجدانا أيضاً حكاه بعضهم، ووجد الشيء عن عدم فهو موجود. وصفية أخت حمزة بنت عبد المطلب أسلمت وهاجرت، وهي أم الزبير بن العوام، توفيت بالمدينة في خلافة عمر- رضي الله عنه-.
قوله: "حتى تأكله العافية " أي: السباع والطير التي تقع على الجيف فتأكلها، وتجمع على العوافي، وقال ابن الأثير (3) : " العافية، والعافي كل طالب رزق من إنسان، أو بهيمة، أو طائر، وجمعها العوافي، وقد تقع العافية على الجماعة، يقال: عفوته، واعتفيته، أي: أتيته أطلب معروفه ". وفيه من الفقه أن الشهيد لا يغسل، وجواز دفن الجماعة في القبر الواحد، وجواز تكفين الجماعة في الثوب الواحد، وكان هذا للضرورة، وفيه استحباب تقديم أفضل الموتى إلى القبلة، وقال الخطابي: وفيه أنه لا يصلى على الشهيد.
__________
(1) الترمذي: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في قتلى أحد وذكر حمزة (1016) .
(2) انظر: النهاية (4/ 294) .
(3) النهاية (3/ 266) " باب عفا ".

(6/66)


قلت: الحديث ساكت عن هذا، فكيف يدل على ذلك؟! فافهم،
والحديث أخرجه: الترمذي، وقال: غريب لا نعرفه من حديث أنس إلا
من هذا الوجه، وفي حديث الترمذي " لم يصل عليهم" والجواب أنه لم
يصل عليهم على الفور كما ذكرناه آنفا، والله أعلم.
1572- ص- نا عباس العنبري، نا عثمان/ بن عمر، نا أسامة، عن [ 2/197ـ أ ] الزهري، عن أنس: " أن النبي صلى الله عليه وسلم مَر بحمزةَ وقد مثلَ به، ولم يُصَل على
أحدٍ من الشهداءِ غيره " (1) .
ش- عباس بن عبد العظيم البصري، وعثمان بن عمر بن فارس
البصري.
وقال الدارقطني: تفرد به أسامة بن زيد (2) ، عن الزهري، عن أنس
بهذه الألفاظ، ورواه عثمان بن عمر، عن أسامة، عن الزهري، عن
أنس، وزاد فيه حرفا لم يأت به غيره، فقال: " ولم يصل على أحد من
الشهداء غيره" يعنى حمزة، وقال في موضع آخر: " لم يقل هذه اللفظة
غير عثمان بن عمر، وليس بمحفوظ" (3) انتهى كلامه.
قلت: أما أسامة بن زيد فقد احتج به مسلم، واستشهد به البخاري،
وأما عثمان بن عمر البصري، فقد اتفق البخاري ومسلم على الاحتجاج
بحديثه، والزيادة من الثقة مقبولة، والله أعلم.
1573- ص- نا قتيبة بن سعيد، ويزيد بن خالد بن موهب، أن الليث
حدثهم، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، أن جابر بن
عبد الله، أخبره، أن رسول الله " وكان يجمع بين الرجل من تتلي أحُد،
ويقول: أيهُما أكثرُ أخذا للقرآنِ ؟ فإذا أشِيرَ له إلى أحدِهِمَا قَدَّمَه في اللَّحد
__________
(1) تفرد به أبو داود.
(3) سنن الدارقطني (117/4) .
(2) في الأصل: " أسامة بن يزيد" خطأ.

(6/67)


وقال: أنا شهيد على هؤلاء يومَ القيامة، وأمَر بدفنهم بدمائهم، ولم يغْسِلهُمْ " (1) (2) .ًَ
ش- رواه البخاري في "صحيحه "، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، زاد البخاري والترمذي: "ولم يصل عليهم " وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقال النسائي: لا أعلم أحدا تابع الليث من أصحاب الزهري على هذا الإسناد، واختلف عليه فيه، انتهى.
ولم يؤثر عند البخاري، والترمذي تفرد الليث بهذا الإسناد، بل احتج
به البخاري في " صحيحه "، وصححه الترمذي.
1574- ص- نا سليمان بن داود المهرة، أنا ابن وهب، عن الليث بهذا الحديث بمعناه، قال: " يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحدِ " (3) .
ش- أشار أبو داود بهذا إلى رواية أخرى، فافهم.
28- باب: في ستر الميت عند غسله
أي: هذا باب في بيان ستر الميت عند غسله.
1575- ص- نا علي بن سهل الرملي، نا حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرت عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي- رضي
__________
(1) في سنن أبي داود: "ولم يغسلوا".
(2) البخاري: كتاب الجنائز، باب: الصلاة على الشهيد (1343) ، الترمذي: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في ترك الصلاة على الشهيد (1036) ، النسائي: كتاب الجنائز، باب: ترك الصلاة عليهم (4/ 60) ، ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في الصلاة على الشهداء ودفنهم (1514) .
(3) البخاري: كتاب الجنائز، باب: الصلاة على الشهيد (1343) ، النسائي: كتاب الجنائز، باب: ترك الصلاة عليهم (4/ 62) ، ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب: ما جاه في الصلاة على الشهداء ودفنهم (1514) .

(6/68)


اللّه عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تبرِزَن فَخِذا (1) ، ولا تَنظرَن إلى فَخِذِ حَيّ، ولا ميت " (2) .
ش- حجاج بن محمد الأعور، وعبد الملك بن جريج.
قوله:" لا تبرزن " أي: لا تظهرن من الإبراز، والفخذ بكسر الخاء وسكونها، وفيه من الفقه أن الفخذ من العورة وأنه يجب ستره سواء كان من حي أو ميت، وهو حجة على من يجعل العورة السوأتين فقط، والحديث أخرجه: ابن ماجه، وقال أبو داود: هذا الحديث فيه نكارة، واللّه أعلم.
1576- ص- نا النفيلي، نا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني يحيى بن عَباد، عن أبيه عبَّاد بن عبد الله بن الزبير، قال: سمعتُ عائشة- رضي الله عندها- قالت (3) : " لمَا أرادوا غَسْلَ النبي- عليه السلام- قالوا: والله ما ندرِي، أنُجَرد رسولَ الله صلى الله عليه وسلم من ثيابه كما نُجَرد موتانا؟ أم نغسلُه وعليه ثيابه؟ فلما اختلفوا ألقى اللهُ عليهم النوم، حتى ما منهم رجل إلا وذَقنه في صدرِه، ثم كَلمَهُم مكلم من ناحية البيت، لا يدرونَ مَن هو، أنه اغسلُوا النبيَّ- عليه السلام- وعليه ثيابه، فقاموَا إلى رسول الله، فَغَسلُوه وعليه قميصُهُ، يصبُّونَ الماءَ فوقَ القميصِ، ويُدلكونه بالقميَصِ دون أيديِهم" وكانت عائشة تقولُ: " لو استقبلتُ من أمري ما استبدرتُ ما غَسلَهُ إلا نساؤه" (4) .
ش- يحي بن عباد بن عبد الله بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي المدني. روى عن: أبيه. روي عنه: ابن إسحاق، قال ابن معين، والدارقطني: ثقة. وقال عبد الرحمن: مات قديماً وهو ابن ست
__________
(1) في سنن أبي داود:" لا تبرز فخذك ".
(2) ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في غسل الميت (1460) .
(3) في سنن أبي داود: " تقول ".
(4) تفرد به أبو داود.

(6/69)


وثلاثين سنة، وكانت له مروءة. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (1) .
وعباد- فعّال بالتشديد- ابن عبد الله بن الزبير الحجازي، سمع أباه، وعائشة، وأسماء ابنتي أبي بكر. روى عنه: ابنه، وهشام بن عروة، / وعبد الواحد بن حمزة، وغيرهم. روى له الجماعة (2) .
قوله: " وذَقنه " الذقن- بفتح الذال المعجمة، والقاف- مجتمع اللعين، وبالحديث استدل الشافعي على أن القميص (3) يغسل في قميصه، وعندنا يجرد وتستر عورته، والجواب عن الحديث ابنه من خصائص النبي- عليه السلام- وأخرج ابن ماجه في " سننه " من حديث بريدة بن الحصيب، قال: " لما أخذوا في غَسِل النبي- عليه السلام- ناداهم مناد من الداخل: لا تنزعوا عن رسول اللّه قميصه ". قال الدارقطني: تفرد به عمرو بن يزيد، عن القمة، انتهى.
وعمرو بن يزيد هذا هو أبو بردة التميمي، لا يحتج به، وفي رواية الإمام الحمد: " فحضر علي رسول الله، ولم يل من غسله شيئا، فأسنده على صدره، وعليه قميصه، وكان العباس، وفضل، وقثم يقلبونه مع علي، وكان أسامة بن زيد، وصالح هما يصبان الماء، وجعل علي يغسله، ولم ير من رسول الله شيئا مما يراه من الميت وهو يقول: بأبي وأمي، ما أطيبك حنا وميتا".
29- باب: كيف غَسلُ الميت؟
أي: هذا باب في بيان كيفية غسل الميت.
1577 ص- نا القعنبي، عن مالك، ح ونا مسدد، نا حماد بن زيد، المعنى، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أم عطية، قالت: " دَخلَ
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (31/ 9853)
(2) المصدر السابق (14/ 3086) .
(3) كذا والجادة:" الميت".ما جاءني غسل الميت (1458) .

(6/70)


علينا رسولُ الله- عليه السلام- حينَ تُوفيت ابنتُه، فقال: اغْسلنَها ثلاثا أو خَمسا، أو كثير من ذلك إن رأيتُن ذلك بماءٍ وسدر، واجْعَلنً في الآخرة كافوراً أو شيئا من كَافور، فإذا فَرَغْتُن فآذنني،َ فلمًا فَرَغنَا آذنَاهُ، فأعطاناَ حِقْوَه، فقال: أشْعِرْنَها إياه" قال مالك (اَ) : " يعني: إزَارَهُ "، ولم يقل مسدد: "دَخَلَ عَلينا" (2) .
ش- "فآذ نني " أي: فأعلمنني.
قوله: "حقوه" الحقو بفتح الحاء، وسكون القاف هو الإزار، كما فسره مالك بن أنس.
قوله: " أشعرتها " أي: اجعلنه شعارا لها، وهو الثوب الذي يلي جلدها، ويستفاد من الحديث فوائد، الأولى: وجوب غسل الميت. الثانية: استحباب الإيجار في الغَسل.
الثالثة: استحباب غَسله بالسدر، أو بما في معناه من أشنان ونحوه، لأن هذا أبلغ في التنظيف.
الرابعة: استحباب شيء من الكافور في آخر الماء، وقال أصحابنا: يستحب أن يجعل الكافور على مساجده وهي: الجبهة، والأنف، واليدان، والركبتان، والقدمان.
وروى ابن أبي شيبة في "مصنفه ": حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، عن همام، عن شيخ من أهل الكوفة، يقال له: زناد، عن إبراهيم، عن ابن مسعود، قال: " يوضع الكافور على مواضع سجود الميت "،
__________
(1) في سنن أبي داود: يقال عن مالك،.
(2) البخاري: كتاب الجنائز، باب: نقض شعر المرأة (1260) ، مسلم: كتاب الجنائز، باب: في غسل الميت (939) ، الترمذي: كتاب الجنائز، باب:
ما جاء في غسل الميت (990) ، النسائي: كتاب الجنائز، باب: غسل الميت بالماء والسدر (28/4) و (4/ 31، 32) ، ابن ماجه، كتاب الجنائز: باب:

(6/71)


ورواه البيهقي (1) ، وأخرج عبد الرزاق في " مصنفه"، عن سلمان " أنه استودع امرأته مسكا، فقال: إذا مت فطيبوني به، فإنه يحضرني خلق من خلق اللّه لا ينالون من الطعام والشراب، يجدون الريح".
وأخرج عن الحسن بن علي " أنه لما غسل الأشعث بن قيس دعا بكافور، فجعله على وجهه، وفي يديه، ورأسه، ورجليه، ثم قال: أدرجوه ". والحديث أخرجه الجماعة (2) .
وابنة رسول الله- عليه السلام- هذه هي زينب زوج أبي العاص وهي أكبر بناته، وهو مصرح به في لفظ لمسلم، عن أم عطية، قالت: " لما ماتت زينب بنت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال لنا- عليه السلام-: " اغسلنها" الحديث. هذا هو أكثر المروي، وذكر بعض أهل السير أنها أم كلثوم وقد ذكره أبو داود فيما بعد، وفي إسناده مقال، وكذا في " مسند أحمد" و "تاريخ البخاري الوسط" أنها أم كلثوم، أخرجوه عن ابن إسحاق، حدثني نوح بن حكيم الثقفي، عن رجل من بني عروة بن مسعود الثقفي، يقال له: داود قد ولدته أم حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي- عليه السلام- عن ليلى بنت قانف الثقفية، قالت: " كنت فيمن غسل أم كلثوم بنت رسول الله عند وفاتها، فكان أول ما أعطانا رسول الله الحِقَا، ثم الدرع، ثم الخمار، ثم الملحفة، ثم أدرجت بعد في الثوب الآخر، قالت: ورسول الله جالس عند الباب معه كفنها يناولها ثوبا ثوبا" انتهى. قال المنذري: فيه محمد بن إسحاق، وفيه من ليس بمشهور، والصحيح/ أن هذه القصة في زينب، لأن أم كلثوم توفيت ورسول الله صلى الله عليه وسلم غائب ببدر، وقال ابن القطان في "كتابه": ونوح بن حكيم رجل مجهول، لم تثبت عدالته، وأما الرجل الذي يقال له: داود فلا يُدرَى من هو؟ فإن داود بن أبي عاصم بن عروة بن مسعود الثقفي رجل معروف. يروي عن: عثمان بن أبي العاص، وابن عمر، وسعيد بن
__________
(1) السنن الكبرى (3/ 405) .
(2) انظر: نصب الراية (1/ 257، 258) .

(6/72)


المسيب. وروى عنه: ابن جريج، ويعقوب بن عطاء، وقيس بن سعد، وغيرهم، وهو مكي ثقة، قاله أبو زرعة، ولا نجزم القول بأنه هو، وموجب التوقف في ذلك أنه وصف في الإسناد بأنه ولدته أم حبيبة، وأم حبيبة إنما كان لها بنت واحدة قدمت بها من أرض الحبشة، ولدتها من زوجها عبيد اللّه بن جحش بن رئاب المتدين (1) بدين النصرانية المتوفى هناك، واسم هذه البنت: حبيبة، فلو كان زوج حبيبة هذه أبو عاصم بن عروة بن مسعود أمكن أن يقال: إن داود المذكور ابنه منها، فهو حفيد لأم حبيبة، وهذا شيء لم ينقل، بل المنقول خلافه، وهو أن زوج حبيبة هذه هو: داود بن عروة بن مسعود، كذا قال أبو علي بن السكن وغيره، فداود الذي لأم حبيبة عليه ولادة، ليس داود بن أبي عاصم بن عروة بن مسعود، إذ ليس أبو عاصم زوجا لحبيبة، ولا هو بداود بن عروة بن مسعود الذي هو زوج حبيبة، فإنه لا ولادة لأم حبيبة عليه، واللّه أعلم من هو، فالحديث من أجله ضعيف، انتهى (2) . ثم اعلم أن زينب- رضي اللّه عنها- توفيت في سنة ثمان، قاله الواقدي، وقال قتادة: عن ابن حزم في أول سنة ثمان، وذكر حماد بن سلمي، عن هشام بن عروة، عن أبيه" أنها لما هاجرت دفعها رجل، فوقعت على صخرة، فأسقطت حملها، ثم لم يزل وجعها حتى ماتت، فكانوا يرونها ماتت شهيدة".
1578- ص- نا أحمد بن عبدة، وأبو كامل بمعنى الإسناد، أن يزيد بن زريع حدثهم، قال: نا أيوب، عن محمد بن سيرين، عن حفصة أخته، عن أم عطية، قالت:" مَشطناهَا ثَلاثة قُرون لما (3) .
__________
(1) في نصب الراية: " المفتي ".
(2) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.
(3) مسلم: كتاب الجنائز، باب: في غسل الميت (939) ، النسائي: كتاب الجنائز، باب: الكافور في غسل الميت (4/ 32) .

(6/73)


ش- أبو كامل فضيل الجحدري، وأيوب السختياني، وحفصة بنت سيرين أخت محمد بن سيرين.
قوله: " مشطناها " أي: ضفرنا شعر رأسها ثلاثة قرون، والضمير يرجع إلى بنت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم والقرون جمع قرن وهو الضفيرة (1) ، ويستفاد من هذا استحباب جعل شعر الميتة ثلاث ضفائر (2) ، والحديث أخرجه الجماعة.
1579- ص- نا محمد بن المثنى، نا عبد الأعلى، نا هشام، عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية، قالت: " وَضَفرنا رأسها ثلاثة قرون، ثم ألقيناهَا خَلفَها مُقَدَّم رأسِها وقرنيْها " (3) .
ش- عبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي، وهشام بن حسان.
قوله: " وضفرنا " من الضفر، وهو نسج الشعر وغيره عريضا، والتضفير مثله، والضفيرة: العقيدة، يقال: ضفرت المرأة شعرها، ولها ضفيرتان، وضفران أيضا، أي: عقيصتان.
قوله: "مقدم رأسها ، وقرنيها " بدل من قوله: " ثلاثة قرون " أو بيان عنها، والمعنى ضفرنا شعر رأسها ثلاث ضفائر، ضفيرة من مقدم رأسها، وضفيرتان من قرني رأسها، وقرن الرأس: ناحيتها وجانبها، ويدل على ما فسرنا رواية مسلم: " فضفرنا شعرها ثلاثة قرون: قرنيها، وناصيتها " والناصية مقدم الرأس.
وروى ابن أبي شيبة: حدثنا حفص، عن أشعث، عن ابن سيرين، قال: كان يقول: " إذا اغتسلت المرأة ذُوِّبَ شعرها ثلاث ذوائب، ثم جعل خلفها" (4) .
__________
(1) في الأصل: " الظفيرة".
(2) في الأصل: "ظفائر".
(3) البخاري: كتاب الجنائز، باب: يجعل شعر المرأة ثلاثة قرون (1262) .
(4) بياض في الأصل قدر سطرين ونصف.

(6/74)


1580- ص- نا أبو كامل، نا إسماعيل، نا خالد، عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهن في غسل ابنته: "ابْدَأنَ بميامِنهَا، ومَوَاضع الوضوءِ منها " (1) .
ش- أبو كامل الجحدري، وإسماعيل ابن علية، وخالد الحذاء.
قوله: "لهن" أي: للنساء اللاتي غسلن ابنة النبي- عليه السلام-.
قوله: "ابدأن" بالهمزة من بدأ، وفي بعض الرواية: " أبدين" بدون
الهمزة، وتكون قد سقطت لأجل التخفيف، والتليين، والميامن جمع
ميمنة بمعنى أيمن، ومواضع الوضوء: اليدان، والوجه، والرأس، والرجلان، والحديث أخرجه الجماعة.
1581- ص- نا محمد بن عبيد، نا حماد، عن أيوب، عن محمد،
عن أم عطية بمعنى حديث مالك، زاد في حديث حفصة، عن أم عطية (2)
نحو هذا، وزادت فيه: "أو سبعا، أو أكثر من ذلك إن رأيتنَه " (3) .
ش- محمد بن عبيد بن الحساب الغُبَري، وحماد بن زيد،
وأيوب السختياني، ومحمد بن سيرين، وهذه الرواية أخرجها:
البخاري، ومسلم، والنسائي، ويستفاد منها استحباب الإيتار بالزيادة على
السبعة، لأن ذلك أبلغ في التنظيف، وأما الإيتار فلما روى البزار في
" مسنده ": حدثنا يحيى بن ورد بن عبد اللّه، ثنا أبي، ثنا عدي بن الفضل، ثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعا: "إن الله وتر يحب الوتر ".
1582- ص ص- نا هدبة بن خالد، نا همام، نا قتادة، عن محمد بن
__________
(1) انظر الحديث رقم (1577) .
(2) في سنن أبي داود: "بنحو هذا".
(3) انظر الحديث رقم (1577) .

(6/75)


سيرين " أنه كان يأخذُ الغُسلَ عن أم عطية، يغسلُ بالسدرِ مرتين، والثالثة بالماءِ والكافور" (1) .
ش- همام بن يحيي، وإسناد هذا الحديث على شرط البخاري، ومسلم، وأخرج الحاكم، عن صدقة بن موسى، ثنا سعيد الجريري، عن عبد اللّه بن شريدة، عن عبد اللّه بن مغفل، قال: " إذا أنا مت فاجعلوا في آخر غسلي كافورا وكفنوني في بردين وقميص، فإن النبي صلى الله عليه وسلم فُعِل به ذلك".
30- باب: في الكفن
أي: هذا باب في بيان أحكام كفن الميت.
1583- ص- نا أحمد بن حنبل، نا عبد الرزاق، أنا ابن جريج، عن أبي الزبير، أنه سمن جابر بن عبد الله يحدث " عن النبي- عليه السلام- أنه خَطبَ يوما، فذكر رجلا من أصحابِهِ قُبضَ فَكُفنَ في كفَنٍ غيرِ طائل، وقُبِرَ ليلا، فَزجَر النبي- عليه السلام- أن يُقبَرَ الرجلُ بالليلِ حتى يُصَلى عليه إلا أن يُضطرَ إنسان إلى ذلك، وقال النبي- عليه السلام-: إذا كَفنَ أحدُكم أخاه فَليُحْسِنْ كَفَنَهُ " (2) .
ش- عبد الرزاق بن همام، وعبد الملك بن جريج، وأبو الزبير محمد ابن مسلم المكي.
قوله: "غير طائل" يقال: هذا أمر لا طائل فيه إذا لم يكن فيه غناء
__________
(1) تفرد به أبو داود.
(2) مسلم: كتاب الجنائز، باب: في تحسين الكفن (943) ، النسائي: كتاب الجنائز، باب: الأمر بتحسين الكفن (4/ 32) .

(6/76)


ومزية، يقال ذلك في التذكير والتأنيث، ولا يتكلم به إلا في الجَحْدِ،
وذكره الجوهري في باب الطول، فدل على أن أصله واوي.
قوله: " وقبر ليلاً" أي: دفن بالليل، يقال: قبر، إذا دفن، وأقبر،
إذا جعل له قبر.
قوله: " أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلى عليه " قال النووي: المنهي عنه
الدفن قبل الصلاة.
قلت: الدفن قبل الصلاة منهي عنه مطلقا سواء كان بالليل أو بالنهار،
والظاهر أنه نهي عن الدفن بالليل، ولو كان بعد الصلاة، يؤيد ذلك ما
رواه ابن ماجه في" سننه" : حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي، ثنا وكيع،
عن إبراهيم بن يزيد المكي، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تدفنوا موتاكم بالليل إلا أن تضطروا". وكذلك
معنى هذا الحديث الذي أخرجه: أبو داود، ومسلم أيضا في " صحيحه "
" زجر النبي- عليه السلام- أن يقبر الرجل- أي: يدفن بالليل- حتى
يصلى عليه، إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك" يعني لا يكره الدفن بالليل
عند الضرورة، لأن الضرورات تبيح المحظورات، ولكن شكل على هذا
أن الخلفاء الأربعة دفنوا ليلا، وروى البخاري أيضاً عن عائشة- رضي
الله عنها- أن أبا بكر- رضي اللّه عنه- قال لها: " في كم كفن النبي
- عليه السلام-؟، إلى أن قالت: "فلم يتوب حتى أمسى من ليلة
الثلاثاء، ودفن قبل أن يصبح". وروى أبو داود، عن جابر، قال:
"رأى ناس في المقبرة نارا ثم الحديث (1) ، ويذكر عن قريب إن شاء اللّه
تعالى، وفي " المغازي " للواقدي، عن عمرة، عن عائشة- رضي اللّه
عنها- قالت: " ما علمنا/ بدفن النبي- عليه السلام- حتى سمعنا ، صوت المساحي في السحر ليلة الثلاثاء". وفي رواية الإمام أحمد: "دفن ليلة الأربعاء".
وأخرج البخاري، عن ابن عباس قال: "مات إنسان
كان النبي- عليه السلام- يعوده، فمات بالليل، فدفنوه ليلا، فلما
أصبح أخبروه بذلك، فقال: ما منعكم أن تعلموني؟ قالوا: كان الليل
__________
(1) يأتي برقم (1599) .

(6/77)


والظلمة فكرهنا أن نشق عليك، فأتى قبره، فصلى عليه، فصففنا خلفه " قال ابن عباس: "وأنا فيهم ".
قلت: يمكن التوفيق بين هذه الأخبار بأن يكون- عليه السلام- نهى
عن ذلك أولا، ثم رخصه، فافهم.
قوله: " فليحسن كفنه" فيه من الفقه استحباب تكفين الميت بالثياب الحسنة، والحديث أخرجه: مسلم، والنسائي، وأخرج الترمذي، وابن ماجه من حديث أبي قتادة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه ".
1584- ص- نا أحمد بن حنبل، نا الوليد بن مسلم، نا الأوزاعي، نا الزهري، عن القاسم بن محمد، عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: " أدرجَ رسولُ اللهِ- عليه السلام- في ثوبٍ واحدٍ حِبَرةٍ (1) ، ثم أُخِّرَ عنه " (2) .
ش- الحبرة بكسر الحاء المهملة، وفتح الباء، هو برد يمان، يقال: برد كبير، وبرد حبرة على الوصف والإضافة، والجمع حبر، وحبرات.
قوله: "ثم أخر عنه " أي: ثم أخر الثوب عن رسول اللّه- عليه السلام- والحديث رواه أحمد، والنسائي، وفيه قال القاسم: "إن بقايا ذلك الثوب لعندنا بعد" وعن عائشة- رضي اللّه عنها-: " كفن رسول اللّه في برد حجرة كانت لعبد اللّه بن أبي بكر، ولف فيها ثم نزعت عنه، فكان عبد الله بن أبي بكر قد أمسك تلك الحلة لنفسه حتى يكفن فيها إذا مات، ثم قال بعد أن أمسكها: ما كنت أمسك لنفسي شيئا منع الله رسوله أن يكفن فيه، فتصدق بثمنها عبد الله".
__________
(1) في سنن أبي داود: " في ثوب حبرة ".
(2) النسائي: كتاب الجنائز، باب: كفن النبي صلى الله عليه وسلم (4/ 35) ، وفي (الكبرى) : كتاب الوفاة عن محمد بن المثنى، ومجاهد بن موسى- فرقهما- ثلاثتهم،
عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن الزهري به.

(6/78)


فإن قيل: ما الحكمة في أنهم أدرجوا رسول اللّه في ذلك الثوب الحبرة، ثم أخروه عنه؟ قلت: لعلهم استقلوا هذا في حقه- عليه السلام- أو ما استطابوا فكفنوه في ثلاثة أثواب بيض سحولية، وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا حفص بن غياث، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: "أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب يمينية، ليس فيها قميص، ولا عمامة، فقلنا لعائشة: إنهم يزعمون أنه كفن في برد حبرة، فقالت: قد جاءوه ببرد حيرة، ولم يكفنوه فيه".
وجواب آخر وهو أنه يمكن أن يكون إدراجهم رسول اللّه فيه، ثم تأخيرهم إياه عنه لأجل التنشيف بعد الغسل، فكان ذلك كالمنشفة، فلما نشفوه به أخروه عنه، ثم كفنوه في ثلاثة أثواب بيض.
1585- ص- نا الحسن بن الصباح، نا إسماعيل- يعني: ابن عبد الكريم- حدثني إبراهيم بن عقيل، عن أبيه، عن وهب- يعني: ابن منبه- عن جابر- رضي الله عنه- قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " إذا تُوفيَ أحدُكم فوجد شيئاً فليكفّنْ في ثوبٍ حِبَرةٍ " (1) .
ش- إبراهيم بن عقيل بن معقل بن منبه بن كامل بن سيج اليماني الصنعاني. روى عن: وهب بن منبه. روى عنه: أحمد بن حنبل، وزيد بن المبارك، وإسماعيل بن عبد الكريم، قال أحمد بن عبد اللّه: هو يماني ثقة، وقال ابن معين: لم يكن به بأس. روى له: أبو داود (2) . وعقيل بن معقل اليماني ابن أخي وهب. سمع عمه وهبا. روى عنه: هشام بن يوسف الصنعاني، وعبد الرزاق، وابنه إبراهيم بن عقيل، قال ابن معين: ثقة. روى له: أبو داود (3) . والحديث محمول على حالة
__________
(1) تفرد به أبو داود.
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (2/ 215) . (3) المصدر السابق (20/ 4000) .

(6/79)


الضرورة، فإن الثوب الواحد كاف فيها، وفي حالة اليسار السنة ثلاثة أثواب في حق الرجال، وخمسة في حق النساء- كما هو المذكور في كتب الفقه والحديث-.
1586- ص- نا أحمد بن حنبل، نا يحيى بن سعيد، عن هشام، قال: أخبرني أبي، قال: أخبرتني عائشة- رضي اللّه عنها- قالت: "كُفِّنَ رسول الله- عليه السلام- في ثلاثة أثواب ثمانية بيضٍ ، ليس فيها قميص، ولا عمامة " (1)

ش- هشام بن عروة بن الزبير- رضي اللّه عنهم- وبالحديث استدل الشافعي- رضي اللّه عنه- أن السنة في الكفن أن يكون لفائف بلا قميص ولا عمامة، وعند مالك السنة العمامة أيضاً / وهو يحملُ الحديث على أنه ليس بمعدود، بل يحتمل أن تكون الثلاثة الأثواب بزيادة على القميص والعمامة، ولأصحابنا ما أخرجه ابن عدي في "الكامل" (2) ، عن ناصح بن عبد اللّه الكوفي، عن سماك، عن جابر بن سمرة، قال: "كفن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب: قميص، وإزار، ولفافة".
وما رواه أبو داود، عن ابن عباس، قال: " كفن رسول الله في ثلاثة أثواب: قميصه الذي مات فيه " الحديث، ويأتي عن قريب (3) .
وما رواه محمد بن الحسن في كتاب "الآثار" (4) : أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي: "أن النبي- عليه السلام- كفن في حلة يمينية، وقميص ". وأخرجه عبد الرزاق في
__________
(1) البخاري: كتاب الجنائز، باب: الثياب البيض للكفن (1264) ، مسلم: كتاب الجنائز، باب: في كفن الميت (941) ، الترمذي: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في كفن النبي صلى الله عليه وسلم (996) ، النسائي: كتاب الجنائز، باب: كفن النبي صلى الله عليه وسلم (35/4) ، ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في كفن النبي صلى الله عليه وسلم (1469) .
(2) (303/8- 304) ترجمة ناصح بن عبد الله.
(3) يأتي برقم (1588) .
(4) (ص 39) باب: غسل الميت.

(6/80)


"مصنفه"، وأخرج عن الحسن نحوه، وقال أبو عبيد: "الحلة: إزار، ورداء، ولا تكون الحلة إلا من ثوبين". وحديث عائشة أخرجه: الجماعة، والإمام أحمد. وروى أحمد، عن عائشة: "أن رسول اللّه - عليه السلام- كفن في ثلاثة رِياط يمانية". وانفرد به أحمد، وعن ابن عباس- رضي اللّه عنهما-:"كفن رسول الله- عليه السلام- في ثوبين أبيضين وبرد أحمر" رواه أحمد، وانفرد به، وعن أبي هريرة، قال: " كفن رسول الله- عليه السلام- في ريطتين وبرد نجراني ". رواه أبو سعيد بن الأعرابي، وفي رواية: "كفن رسول اللّه في ثلاثة أثواب ليس فيها: قميص، ولا قباء، ولا عمامة" رواه ابن عساكر.
الريطة- بكسر الراء- كل مُلاءة ليست بِلِفْقَيْنِ، وقيل: كل ثوب رقيق لين، والجمع ريط، ورياط.
1587- ص- نا قتيبة بن سعيد، نا حفصة بن غياث، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة- رضي الله عنها- مثله، زاد: "من كُرْسف " قال: "فذكر لعائشة قولهم: ثوبين (1) ، وبرد حِبَرة، فقالت: قد أُتي بالبرد ولكنهم ردوه، ولم يكفنوه فيه " (2) .
ش- أي: مثل الحديث المذكور زاد فيه بعد قوله: " ثمانية بيض من كرسف" والكرسف بضم الكاف القطن، وأخرجه: الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وقال الترمذي: صحيح، ورواه إسحاق بن راهويه في "مسنده"، وزاد فيه: قالت:" فأما الحلة فإنها شبهت على الناس، لأنها اشتريت ليكفن بها، فلم يكفن فيها، وكفن في ثلاثة أثواب، فأخذ الحلة عبد الله بن أبي بكر، فقال: أجعلها كفني، ثم قال: لو رضيها الله لرضيها لرسوله، فباعها، وتصدق بثمنها".
__________
(1) في سنن أبي داود: "في ثوبين ".
(2) الترمذي: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في كفن النبي صلى الله عليه وسلم (996) ، النسائي: كتاب الجنائز، باب: كفن النبي صلى الله عليه وسلم (4/ 36) ، ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في كفن النبي صلى الله عليه وسلم (1469) .
6. شرح صنف أبي داوود 6

(6/81)


1588- ص- نا أحمد بن حنبل، وعثمان بن أبي شيبة، قالا: نا ابن إدريس، عن يزيد- يعني: ابن أي زياد- عن مقسم، عن ابن عباس، قال: " كُفِّن رسولُ الله في ثلاثةِ أثواب نَجْرانية: الحلةُ ثوبانُ، وقميصُه الذي مات فيه". قال عثماَن (1) : " في ثًلاثة أثوًاب: حلة حمراءُ، وقميصُه الذي مات فيه " (2) .
ش- عبد الله بن إدريس الكوفي، ومقسم بن بُجْرة مولى عبد اللّه بن الحارث.
قوله: " نجرانية " نسبة إلى نجران بفتح النون، وسكون الجيم، بُليدة في أيمن.
قوله: " حلة حمراء " بالرفع، أي: اْحدها حلة حمراء، وقميصه عطف عليه، ويجور الجر فيهما على أن يكون بدلا من الأثواب، وهذا الحديث من جملة الأحاديث التي استدلت بها أصحابنا على أن السنة أن يكون في الكفن قميص، والحديث أخرجه: ابن ماجه، والإمام الحمد، وقد ضعف بعضهم هذا الحديث ويزيد بن أبي زياد، وقالوا: لا يحتج بحديثه.
قلت: هذا غير مسلم، فإن مسلما قد أخرج له في المتابعات وقال في
" الكمال ". روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي.
1589- ص- (3) نا محمد بن عبيد المحاربي، قال: نا عمرو بن هاشم، أبو مالك الجندي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر، عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: "لا تُغال لي في كفن، فإني سمعتُ رسولَ الله - عليه السلام- يقول: لا تُغالُوا في الكفَن، فإنه يُسلَبُهُ سَلبا سريعاً" (4) .
__________
(1) في سنن أبي داود:" قال أبو داود: قال عثمان".
(2) ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في كفن النبي صلى الله عليه وسلم (1471) . (3) في سنن أبي داود هذا الحديث تحت باب " كراهية المغالاة في الكفن ". (4) تفرد به أبو داود.

(6/82)


ش- عمرو بن هاشم أبو مالك الجندي الكوفي. روى عن: إسماعيل ابن أبي خالد، ومحمد بن إسحاق، وحجاج بن أرطأة. روى عنه: محمد بن عبيد الطنافسي، ويحيى بن معين، وعبد الله بن وضاح، قال البخاري: فيه نظر. وقال أبو حاتم: لين الحديث يكتب (1) حديثه. وقال أحمد بن حنبل: هو صدوق، ولم يكن صاحب حديث. قال ابن عدي: هو صدوق- إن شاء الله تعالى- روى له: أبو داود / والنسائي (2) ، وعامر الشعبي.
قوله: " لا تغال " من المغالاة وهي مجاوزة القدر، والمعنى لا تبالغ، وأصل الغلاء الارتفاع، ومجاوزة القدر في كل شيء يقال: غاليت الشيء وبالشيء، وغلوت فيه أغلو إذا جاوزت فيه الحد.
قوله: "فإنه يسلبه سلبا " أي: فإن الشأن يسلب الميت الكفن، والمعنى يبلى عليه ويقطع، ولا يبقى، ولا ينتفع به الميت، فلا يحتاج إلى المغالاة فيه، ولا يعارض هذا قوله- عليه السلام-: " إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه " (3) لأن إحسان الكفن يحصل بدون المغالاة.
1590 ص- نا محمد بن كثير، أنا سفيان ، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن خباب، قال: (مُصعب بن عُمَير قُتلَ يومَ أحد، ولم يكن له إلا نمرة كنا إذا غَطينا بها رأسه خرجتا (4) رِجلاه وإذا (5) غطينا رِجليه خرجَ رأسُه فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : غطوا بها رأسه، واجعلوا على رِجليه من (6) الإذخر" (7) .
__________
(1) في الأصل: " كتب".
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (22/ 4462) . (3) تقدم قريبا.
(4) في سنن أبي داود: " خرجا رجلاه".
(5) في سنن أبي داود: " كنا إذا غطينا رأسه خرج رجلاه، د إذا غطينا رجليه خرج رأسه".
(6) في سنن أبي داود: " على رجليه شيئاً"
(7) البخاري: كتاب الجنائز، باب: إذا لم يجد كفنا ألا ما يواري رأسه (1276) ، مسلم: كتاب الجنائز 6 باب: في كفن الميت (0 94) ،=

(6/83)


ش- سفيان الثوري، وسليمان الأعمش، وأبو وائل شقيق بن سلمة، وخباب بن الأرت.
قوله: " مصعب بن عمير" بضم العين، وفتح الميم، قتله ابن قميئة الليثي في غزوة أحد في شوال سنة ثلاث.
قوله: "نمرة" بفتح النون، وكسر الميم، وهي شملة مخططة من مآثر الأعراب، وجمعها نمار بالفتح كأنها أخذت من لون النمر لما فيها من السواد والبياض، وهي من الصفات الغالبة.
قوله: " خرجتا رجلاه " من قبيل أكلوني البراغيث، والقياس خرجت رجلاه، لأن الفعل إذا أسند إلى الظاهر لا يثنى ولا يجمع- كما عرف في موضعه-.
قوله: "من الإذخر" الإذخر- بكسر الهمزة- نبت طيب الرائحة يسقف به البيوت فوق الخشب، وهمزتها زائدة، وإنما أورد أبو داود هذا الحديث في كراهية المغالاة في الكفن، ولكن هذا محمول على الضرورة، فإن في غير الضرورة لا يفعل هكذا، وفيه من الفائدة أن الكفن إذا لم يستر الميت لقلته يغطى وجهه، ومن ناحية رأسه، فما بقي مكشوفا يغطى بحشيش ونحوه، والأولى الإذخر إن وجد، وإلا فغيره، والحديث أخرجه: البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.
1591- ص- نا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، حدثني هشام بن سعد، عن حاتم بن أبى نصر، عن عبادة بن نُسَي، عن أبيه، عن عبادة بن الصامت، عن رسول الله- عليه السلام- قال: "خَيرُ الكفنِ الحُلةُ، وخَيرُ الأضحية الكبشُ الأقرنُ" (1) .
__________
= الترمذي: كتاب المناقب، باب: مناقب مصعب بن عمير رضي الله عنه (3853) ، النسائي: كتاب الجنائز، باب: القميص في الكفن (38/4) .
(1) ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب: ما جاء فيما يستحب من الكفن (1473) .

(6/84)


ش- عبد اللّه بن وهب، ونسي بضم النون، وفتح السين لمهملة، والد عبادة. روى عن: عبادة بن الصامت. روى عنه: ابنه عبادة. روى له: أبو داود، وابن ماجه.
قوله: " الحلة " قد مر غير مرة أن الحلة ثوبان، والأقرن كبش ذو قرن، وأورد أبو داود هذا الحديث في كراهية المغالاة في الكفن أيضا، ولكن قوله: "خير الكفن الحلة " لا يقتضي كراهية الثلاثة، لما ثبت من الأحاديث الصحاح أنه- عليه السلام- كفن في ثلاثة أثواب، والحديث أخرجه ابن ماجه مقتصرا منه على ذكر الكفن، ومما يناسب هذا الباب ما روى ابن حبان فيه صحيحه، من حديث الفضل بن العباس " أن النبي - عليه السلام- كفن في ثوبين سحوليين "، وأخرج ابن عدي في "الكامل " (1) ، عن قيس بن الربيع، عن شعبة، عن أبي حمزة، عن ابن عباس "أن النبي- عليه السلام- كفن في قطيفة حمراء" (2) ، وذكره عبد الحق في "أحكامه " من جهة ابن عدي، وقال: قيس بن الربيع لا يحتج به. والصحيح ما رواه مسلم، عن بندر، ووكيع، ويحي بن سعيد، عن شعبة به: " أن النبي- عليه السلام- جعل في قبره قطيفة حمراء" قال ابن القطان في " كتابه": أخاف أن يكون تصحف على بعض رواة كتاب " الكامل " لفظ "دفن " بـ "كفن ". وروى الإمام أحمد بن حنبل في كتاب " الزهد ": حدثنا يزيد بن هارون، أنا إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد اللّه البهي مولى مصعب بن الزبير (3) ، عن عائشة- رضي اللّه عنها- قالت: " لما احتضر أبو بكر - رضي اللّه عنه- مثلت بهذا البيت:
__________
(1) (7/ 166) ترجمة قيس بن الربيع.
(2) انظره في: نصب الراية (2/ 262) .
(3) في الأصل: " الزبير بن العوام " خطأ، وانظر ترجمته في: تهذيب الكمال (6 1/ 3677) .

(6/85)


أعاذل ما يُغني الحِذارُ عن الفتى ... إذا حَشْرجتْ يوما وضاقَ بها الصدرُ
فقال لها: يا بني (1) ليس كذلك، ولكن قولي "وَجَاءَتْ سكْرةُ المَوْت بالحَق ذَلكَ ما كُنتَ منْهُ تَحيدُ" (2) ثم قال: انظروا ثوبي هذين فاغسلوَهَما، ثم كفنوني فيهماَ، فإن الحي أحوج إلى الجديد منهما". وروى عبد الرزاق في "مصنفه": أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: قال أبو بكر لثوبيه الذي كان يمرض فيهما: " اغسلوهما، وكفنوني فيهما، فقالت عائشة: ألا نشتري لك جديداً؟ قال: لا، إن الحي أحوج إلى الجديد من الميت". وقد رُوي ما يخالف الأحاديث المتقدمة، وهو ما رواه ابن أبي شيبة في
" مصنفه"، والبحار في " مسنده"، عن حماد بن سلمة، عن عبد الله ابن محمد بن عقيل، عن محمد ابن الحنفية، عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه-: " أن النبي- عليه السلام- كفن في سبعة أثواب" قال الجزار: لا نعلم أحدا تابع ابن عقيل عليه، ولا نعلم رواه عنه غير حماد بن سلمة. ورواه ابن عدي في " الكامل" (3) ، وأعله بابن عقيل، وضعفه عن ابن معين فقط، ولينه هو، وقال: روى عنه جماعة من الثقات، وهو ممن يكتب حديثه، ورواه ابن حبان في كتاب " الضعفاء "، وأعله أيضا بابن عقيل، وقال: إنه كان رديء الحفظ، فيأتي بالحديث على غير وجهه، فلما كثر ذلك في رواياته استحق المجانبة، ولكنه كان من سادات الناس.
__________
(1) كذا، والجادة: " بنية،.
(2) سورة ق: (19) .
(3) (209/5) ترجمة عبد الله بن محمد بن عقيل.

(6/86)


31- باب: في كفن المرأة
أي: هذا باب في بيان كفن المرأة.
1592- ص- نا أحمد بن حنبل، نا يعقوب بن إبراهيم، نا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني نوح بن حكيم الثقفي، وكان قارئا للقرآن، عن رجل من بني عروة بن مسعود، يقال له: داود، قد ولدته أم حبيبة بنت أبي سفيان، زوج النبي- عليه السلام- عن ليلى بنت قانف الوقفية، قالت:" كنت فيمنْ غَسلَ أم كلثوم ابنة (1) رسول الله- عليه السلام- عندَ وفاتها، فكان أولُ ما أعطانا رسولُ الله- عليه السلَام- الحقَا، ثم الدرعَ، ثم الخَمارَ، ثم الملحَفةَ، ثم أدرِجتْ بعدُ في الثوبِ الآخرِ، قالت: ورسولُ اللهِ جالسَ عندَ الباَبِ معه كفنُها، يناولناها ثوباً ثوبا " (2) .
ش- يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري، قد ذكر هو وأبوه غير مرة، ومحمد بن إسحاق بن يسار.
ونوح بن حكيم الثقفي، روى عن داود المذكور في الحديث. روى عنه: ابن إسحاق. روى له: أبو داود، والترمذي (3) .
وليلى بنت قانف الثقفية. روى لها: أبو داود فقط (4) ، و (قانف " بالقاف في أوله، وبعد الألف نون، ثم فاء.
قوله: "الحقا" بكسر الحاء المهملة مقصور، ولعله لغة في الحقو وهو الإزار، قالَ المنذري: في هذا الحديث محمد بن إسحاق ومن ليس بمشهور، وقد تقدم الكلام على هذا الحديث مستوفى في باب غسل الميت. ، ""
__________
(1) في سنن أبي داود: تبنت،.
(2) تفرد به أبو داود.
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (30/ 6489) .
(4) المصدر السابق (35/ 7925) .

(6/87)


32- باب: المسك للميت
أي: هذا باب في بيان المسك للميت.
1593- ص- نا مسلم بن إبراهيم، نا المستمر بن الريان، عن أي نضرة عن أبي سعيد، قال: قال
r " أطيبُ طِيِكُمُ المِسكُ " (1) .
ش- المستمر بتخفيف الراء قد ذكر مرة، وأبو نضرة منذر بن مالك، وأبو سعيد الخدري، والحديث أخرجه: مسلم في كتاب "الطب"، والنسائي في كتاب" الجنائز " كما أخرجه أبو داود في كتاب " الجنائز "، وقال بعضهم (2) : لم أعرف مطابقته للباب.
قلت: مطابقته أن المسك لما كان أطيب الطيب، وكانت السنة في الميت أن يطيب، فكان أولى بأطيب الطيب لأنه تحضره الملائكة، كما ذكرنا ما رواه عبد الرزاق في " مصنفه "، عن سلمان " أنه استودع امرأته مسكا"، فقال: إذا مت فطيبوني به، فإنه يحضرني خلق من خلق الله، لا ينالون من الطعام والشراب، يجدون الريح". وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عبد الله بن مبارك، عن حميد، عن أنس: " أنه جعل في حنوطه صرة من مسك، أو مسك فيه شعر من شعر رسول الله- عليه السلام-" (3) .
وقال: حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن عاصم، عن ابن سيرين، قال: "سئل ابن عمر عن المسك يجعل في الحنوط؟ قال: أو ليس أطيب طيبكم " (3) .
في أي في
__________
(1) مسلم: كتاب الألفاظ في الأدب وغيرها، باب: استعمال المسك (2252) ، النسائي: كتاب الجنائز، باب: المسك (4/ 39) .
(2) يقصد الحافظ الزيلعي كما في نصب الراية (2/ 260) .
(3) المصنف (256/3) .

(6/88)


33- باب: تعجيل الجنازة
أي: هذا باب في بيان تعجيل الجنازة وكراهية حبسها.
1594- ص- نا عبد الرحيم بن مطرف،/ الرؤاسي أبو سفيان، 201/21- وأحمد بن جناب، قالا: نا عيسى (1) وهو ابن يونس، عن سعيد بن عثمان
البلوي، عن عزرة، وقال عبد الرحيم: عروة بن سعيد الأنصاري، عن أبيه
عن الحصين بن وحوح، أن طلحة بن البراء مرض، فأتاه النبي
r يعوده،
فقال: " إِني لا أرى طلحة إلا قد حَدثَ به الموتُ، فآذنوني به، وعَجلُوا،
فإنه لا ينبغي لجيفةِ مُسلمِ أن تُحبسَ بين ظهْراني أهلِهِ" (2) .
ش- عبد الرحيم بن مطرف بن أنيس بن قدامه بن عبد الرحمن
أبو سفيان الرؤاسي الكوفي، ابن عم وكيع بن الجراح، روى عن عيسى
ابن يونس وغيره. روى عنه: أبو داود، وأبو زرعة، وأبو حاتم،
والنسائي عن رجل عنه، سئل أبو حاتم عنه فقال: ثقة، مات سنة اثنتين
وثلاثين ومائتين 3) .
وأحمد بن جناب- بالجيم والنون المشددة- ابن المغيرة المصيصي
أبو الوليد، أصله بغدادي، سمع عيسى بن يونس. روى عنه: أحمد
ابن حنبل، وأبو زرعة، وأبو حاتم، ومسلم، وأبو داود، والنسائي عن
رجل عنه (4) . وعيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي.
وسعيد بن عثمان البلوي، روى عن عروة، أو عزرة بن محمد،
وجدته أنيسة بنت عدي. روى عنه: عيسى بن يونس. روى له:
أبو داود (5) .
وعزرة بفتح العين المهملة، وسكون الزاي، وفتح الراء، ويقال:
__________
(1) في سنن أبي داود: " قال أبو داود: وهو ابن يونس.
(2) تفرد به أبو داود.
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال ينا/ 3409) .
(4) المصدر السابق (1/ 0 2) .
(5) المصدر السابق (1 1/ 2326) .

(6/89)


عُروة بضم العين، وسكون الراء، وفتح الواو، ابن سعيد الأنصاري، روى عن أبيه، عن الحصن بن وحوح. روى عنه: سعيد بن عثمان. روى له: أبو داود (1) .
وسعيد والد عروة. روى له: أبو داود.
والحصين: بضم الحاء، وفتح الصاد المهملة- ابن وَحوَح، بواوين مفتوحين، وحاءين مهملتين أولاهما ساكنة، وهو أنصاري، وله صحبة، قيل: إنه مات بالقديد. روى له: أبو داود (2) .
قوله: " فآذنوني " أي: أعلموني من الإيذان، وهو الإعلام.
قوله: "فإنه " أي: فإن الشأن.
قوله: " بين ظهراني أهله " بفتح الظاء، يقال: من ظهرانيهم ومن أظهرهم، والمعنى: بينهم على سبيل الاستظهار، والاستناد إليهم، وزيدت الألف والنون المفتوحة في ظهرانيهم للتأكيد، وقد تكرر هذا المعنى في الكتاب، وفيه من الفقه استحباب تعجيل الميت في إخراجه وتجهيزه، واستحباب الإعلام للائمة بموت الميت ليحضروا الصلاة عليه، وقال أبو القاسم البغوي: ولا أعلم روى هذا الحديث غير سعيد بن عثمان البلوي، وهو غريب.
34- باب: في الغُسل من غَسل الميت
أي: هذا باب في بيان الغسل من غسل الميت، فالغسل الأول بضم الغين والثاني بفتحها.
1595- ص- نا عثمان بن أبي شيبة، نا محمد بن بشر، نا زكريا، نا مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب العنزي، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة- رضي الله عنها- أنها حدثته: " أن النبي- عليه السلام-
__________
(1) المصدر السابق (20/ 3906) .
(2) المصدر السابق (6/ 1377) .

(6/90)


كان يَغتسلُ من أربعٍ : من الجنابة، ويومَ الجمعةِ، ومن الحِجَامةِ، وغسلِ
الميتِ " (1) .
ش- زكريا بن أبي زائدة، وقال أبو داود: حديث مصعب، يعني
هذا الحديث، فيه خصال ليس العمل عليه.
قلت: الخصال هي: الاغتسال من الحجامة، والاغتسال من غسل
الميت، ويمكن أن يكون هذا على سبيل الاستحباب لقصد النظافة، أو
يكون منسوخا، وقال أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني: لا يصح في
هذا الباب شيء.
1596- ص- نا أحمد بن صالح، نا ابن أبي فديك، حدثتني ابن
أبي ذئب، عن القاسم بن عباس، عن عمِرو بن عمير، عن أبي هريرة
- رضي الله عنه- أن رسول الله
r قال: " منْ غَسلَ الميتَ فليغتسلْ، ومن
حَمَلَته فليتوضأ" (2) .
ش- محمد بن إسماعيل بن أبي فديك دينار، ومحمد بن عبد الرحمن
ابن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب هشام.
والقاسم بن عباس- بالباء الموحدة، والسين المهملة- بن محمد بن
مُعتّب (3) 5..
بن أبي لهب الهاشمي المدني، روى عن نافع بن جبير بن
مطعم، وعبد الله بن عمير، وعبد الله بن نيار، وغيرهم. روى عنه:
ابن أبي ذئب، قال يحيى بن معين: هو ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس
به. روي له: مسلم، وأبو داود، و الترمذي (4) .
وعَمْرو بن عُمَير بفتح العين، وسكون الميم في الابن/ وبضم العين 201/21 سب وفتح الميم في الأب. روى له: أبو داود.
__________
(1) تفرد به أبو داود.
(2) الترمذي: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في الغسل من غسل الميت (993) ،
ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في غسل الميت (1463) ".
(3) في الأصل: 5 عتبة، خطأ.
(4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (23/ 4796) .
(5) المصدر السابق (22/ 4420) .

(6/91)


وقال الخطابي (1) : " لا أعلم أحدا من الفقهاء يوجب الاغتسال من غسل الميت، ولا الوضوء من حمله، ويشبه أن يكون الأمر في ذلك على الاستحباب، وقد يحتمل أن يكون المعنى منه أن غاسل الميت لا يكاد يأمن أن يصيبه نضح من رشاش المغسول وربما كان على بدن الميت نجاسة، فإذا أصابه نضْحُه وهو لا يعلم مكانه كان عليه غسل جميع بدنه، ليكون الماء قد أتى على الموضع الذي أصابه النجس من بدنه، وقد قيل في معنى قوله: " فليتوضأ" أي: ليكن على وضوء ليتهيأ له الصلاة على الميت، والله أعلم. وفي إسناد هذا الحديث مقال".
وأخرجه الترمذي، وابن ماجه من حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : "من غسل ميتا فليغتسل" ولفظ الترمذي: " من غسله الغسل، ومن حمله الوضوء" يعني: الميت، وقال الترمذي: حديث حسن.
وقد روي عن أبي هريرة موقوفاً هذا آخر كلامه. وقد روي أيضا من حديث حذيفة بن اليمان- رضي الله عنه- وفي إسناده من لا يحتج به، وقد اختلف في إسناد هذا الحديث اختلافا كثيراً وقال محمد بن يحي: لا أعلم فيمن غسل ميتا فليغتسل حديثا ثابتاً ولو ثبت لزمنا استعماله، وقال الشافعي في " البويطي" : إن صح الحديث قلت بوجوبه، والله أعلم.
1597- ص- نا حامد بن يحي، عن سفيان، عن سهيل بن أبى صالح،
عن أبيه، عن إسحاق مولى زائدة، عن أبي هريرة، عن النبي- عليه
السلام- بمعناه (2) .
ش- سفيان بن عيينة، وأبو صالح ذكوان السمان. وإسحاق المدني مولى زائدة أبو عبد الله، ويقال: أبو عمر، وقال عبد الرحمن: إسحاق بن عبد الله، سمع سعد بن أبي وقاص، وأبا هريرة، وأبا سعيد
__________
(1) معالم السنن (1/ 267) .
(2) تفرد به أبو داود.

(6/92)


الخدري. وروى عنه: أبو صالح الزيات، ويحي بن أبي كثير، وأسامة ابن زيد، وغيرهم، خلال ابن معين: ثقة. روى له: مسلم، وأبو داود (1) .
قوله: "بمعناه" أي: بمعنى الحديث المذكور.
ص- قال أبو داود: هذا منسوخ، سمعت أحمد بن حنبل سئل (2) عن الغُسل من غَسِل الميت، فقال: يجزئه الوضوء.
ش- أي: الحديث المذكور منسوخ، وليس عليه عمل، وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل وقد سئل عن الغُسل من غَسل الميت، فقال: يجزئه الوضوء، أي يكفيه الوضوء، وأشار بهذا أيضاَ إلى كون الحديث المذكور منسوخا، فإنه لو لم يكن منسوخا لما قال أحمد يجزئه الوضوء.
ص- قال: أدخل أبو صالح بينه وبين أبي هريرة في هذا إسحاق مولى زائدة .
ش- أي :قال أبو داود: أدخل أبو صالح ذكوان الزيات بينه وبن أبي هريرة في هذا الحديث إسحاق المدني مولى زائدة، وكأنه أشار بهذا إلى ضعف هذا الحديث، ولهذا قال الخطابي: "في إسناد هذا الحديث مقال ".
ص- وقال: وحديث مصعب فيه خصال ليس العمل عليه.
ش- أي: وقال أبو داود: وحديث مصعب بن شيبة المذكور في أول الباب، وقد مر الكلام فيه.
35- باب: في تقبيل الميت
أي: هذا باب في بيان حكم تقبيل الميت.
1598- ص- نا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن عاصم بن عبيد الله،
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (2/ 396) .
(2) في سنن أبي داود: "وسثل".

(6/93)


عن القاسم، عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: " رأيتُ رسولَ الله- عليه السلام- يُقبلُ عُثمانَ بن مَظعُونٍ وهو ميت، حتى رأيتُ الدموعَ تَسيل " (1) .
ش- سفيان الثوري، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق.
وعثمان بن مظعون، بالظاء المعجمة، الجمحي، أبو السائب أخو عبد اللّه وقدامة، من المهاجرين الأولين، ومن البدريين ، وكان ممن خرج إلى الحبشة في رجب سنة خمس من البعثة، وكانوا أحد عشر رجلا وأربع نسوة، وقيل: كانوا اثني وثماني رجلا سوى نسائهم وأبنائهم، وقال ابن إسحاق: أول من خرج من المسلمين إلى أرض الحبشة عشرة أنفس، قال ابن هشام: وكان عليهم عثمان بن مظعون- رضي اللّه عنه- وكانت وفاته (2) / وفيه من الفقه جواز تقبيل الميت، وجواز البكاء عليه من غير صوت، والحديث أخرجه الترمذي، وابن ماجه، وفي حديث ابن ماجه "على خديه ". وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال المنذري: وفي إسناده عاصم بن عبيد اللّه بن عاصم بن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة.
36- باب: الدفن بالليل
أي: هذا باب في بيان حكم دفن الميت في الليل.
1599- ص- نا محمد بن حاتم بن بَزيع، نا أبو نعيم، عن محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، قال: أخبرني جابر بن عبد الله، أو سمعت جابر بن عبد الله، قال: " رَأى ناس نارا في المَقْبَرَةِ، فأتوْها، فإذا رسولُ الله
__________
(1) الترمذي: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في تقبيل الميت (989) ، ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في تقبيل الميت (1456) .
(2) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (3/ 85) ، وأسد الغابة (3/ 598) ، والإصابة (2/ 464) .

(6/94)


صلى الله عليه السلام في القبر، وإذا هو يقولُ: ناولُوني صاحبَكُم، فإذا هو الرجلُ الذي كان يَرفعُ صوتَه بالذكرِ " (1) .
ش- أبو نعيم الفضل بن دكين.
ومحمد بن مسلم بن سنين الطائفي، يعد في المكيين، روى عن طاوس بن كيسان، وعمرو بن دينار، وابن جريج، وغيرهم. روى عنه: عبد الوهاب الثقفي، وأبو نعيم، وعبد الرزاق وغيرهم، قال ابن معين: ثقة، وفي رواية لم يكن به بأس. روى له: الجماعة (2) .
وفيه من الفقه جواز الدفن بالليل، وإيقاد النار في المقبرة، والحديث رواه الحاكم وصححه، وقال النووي: وسنده على شرط الصحيحين.
37- باب في الميت يحمل من أرض إلى أرض (3)
أي: هذا باب في بيان حكم نقل الميت من أرض إلى أرض أخرى.
1600- ص- نا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن الأسود بن قيس، عن نبيح، عن جابر، قال: "كنا حَمَلنَا القَتْلى يوم أحُد لندفنَهُم، فجاء منادي رسولِ اللهِ- عليه السلام- فقال: إن رسولَ الله يأمرُكُم أن تَدْفنُوا القَتْلَى في مَضَاجِعِهم، فَرددناهم " (4) .
ش- سفيان بن عيينة، ونبيح بن عبد الله العنزي الكوفي، وجابر بن عبد الله، والحديث أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه" (5) ،
__________
(1) تفرد به أبو داود.
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (26/5604) .
(3) في سنن أبي داود: "باب في الميت يحمل من أرض إلى أرض وكراهة ذلك".
(4) الترمذي: كتاب الجهاد، باب: ما جاء في دفن القتيل في مقتله (1717) ، النسائي: كتاب الجنائز، باب: أين يدفن الشهيد (4/ 79) ، ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في الصلاة على الشهداء ودفنهم (1516) .
(5) (3/ 396) .

(6/95)


وقال أيضا: حدثنا وكيع، عن إبراهيم بن يزيد، عن ابن بهمان، عن جابر بن عبد اللّه، قال: قال النبي- عليه السلام-:"تُدفنُ الأجسادُ حيث تُقبضُ الأرواحُ ".
وفيه من الفقه كراهة نقل الميت من بلد إلى بلد، ومن قرية إلى مدينة، وعليه أكثر أهل العلم.
38- باب الصّفَ (1) على الجنازة
أي: هذا باب في بيان آخر الصف على الجنازة.
1601- ص- نا محمد بن عبيد، نا حماد، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد اليزني، عن مالك بن هبيرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ما من مسلم يَموتُ فيُصلي عليه ثلاثةُ صُفوف من المسلمين إلا أوجب، قال: فكان مالك إذا استقل أهلَ الجنازة جَزأهم ثلاثةَ صفوف للحديثِ " (2) .
ش- حماد بن زيد، ومالك بن هبيرة السكوني، ويقال: الكندي، عداده في أهل مصر، روى عن النبي- عليه السلام- هذا الحديث. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (3) .
قوله: "إلا أوجب " أي: فعلوا فعلا أوجب ذلك الفعل للميت الجنة، يقال: أوجب الرجل إذا فعل فعلا وجبت له به الجنة، أو النار.
قوله: "جزأهم " من التجزئة وهي التفرقة، والحديث أخرجه الترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث حسن.
__________
(1) في سنن أبي داود: "باب في الصفوف".
(2) الترمذي: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في الصلاة على الجنازة والشفاعة للميت (1028) ، ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب: ما جاء فيمن صلى عليه جماعة من المسلمة (1490) .
(3) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (377/3) ، وأسد الغابة (5/ 54) ، وا لإصابة (3/ 357) .

(6/96)


39- باب: اتباع النساء الجنائز
أي: هذا باب في بيان حكم اتباع النساءْ الجنازة.
1602- ص- نا سليمان بن حرب، نا حماد، عن أيوب، عن حفصة،
عن أم عطية، قالت: " نُهينَا عن أنْ نَتبعَ الجَنائز، ولم يُعْزَمْ عَلينا " (1) .
ش- حماد بن زيد، وأيوب السختياني، وحفصة بنت سيرين.
قوله: " عن أن نتبع " أي: عن اتباع الجنائز.
قوله: " ولم يعزم علينا" أي: لم يفرض علينا، وأصل العزم: الجد
والصبر، وفيه من الفقه كراهة اتباع النساء للأموات حيث يُشيعُ إلى القبور،
والحديث أخرجه البخاري، ومسلم، وابن ماجه.
40- باب: فضل الصلاة على الجنائز (2)
أي: هذا باب في بيان فضل الصلاة على الجنازة.
1603- ص- نا مسدد، نا سفيان، عن سُمي، عن أبي صالح، عن
أبي هريرة، يرويه، قال: " مَن تَبِعَ جَنازةً وصَلى (3) عليها فله قيراط، ومَن
/ تَبعَها حتى يُفرغُ منها فله قيراطان، أصغرُهما مثلُ أحد، أو أحدهما مثلُ أحدَ " (4)
__________
(1) البخاري: كتاب الحيض، باب: الطيب للمرأة عند غسلها من المحيض
(313) ، مسلم: كتاب الجنائز، باب: نهي النساء عن اتباع الجنائز (938) ،
ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في اتباع النساء للجنائز (1577) .
(2) في سنن أبي داود:"على الجنائز وتشييعها ".
(3) في سنن أبي داود: " فصلى ".
(4) البخاري: كتاب الجنائز، باب: فضل اتباع الجنائز (1323) ، مسلم: كتاب
الجنائز، باب: فضل الصلاة على الجنازة واتباعها (945) ، الترمذي: كتاب
الجنائز، باب: ما جاء في فضل الصلاة على الجنازة (1040) ، النسائي:
كتاب الجنائز، باب: ثواب من صلى على جنازة (4/ 76) ، ابن ماجه:
كتاب الجنائز، باب: ما جاه في ثواب من صلى على جدارة ومن انتظر دفنها
(1539) .

(6/97)


ش- سفيان الثوري، وسُمي القرشي المخزومي المدني، وأبو صالح ذكر أن.
قوله: " قيراط " القيراط في الأصل جزء من أجزاء الدينار، وهو نصف عشره في أكثر البلاد، وأهل الشام يجعلونه جزءا (1) من أربعة وعشرين جزءا، و "الياء" فيه بدل من " الراء"، وأصله قراط بالتشديد، ولكن فسرها في الحديث، أن وزنها مثل وزن أحد، وهذا تمثيل واستعارة، ويجوز أن يكون حقيقة بأن يجعل الله تعالى عمله ذلك يوم القيامة في صورة عين توزن كما توزن الأجسام، ويكون قدر هذا كقدر أحد فافهم، والحديث أخرجه الجماعة.
1604- ص- نا هارون بن عبد الله، وعبد الرحمن بن حسين الهرمي، قالا: نا المقرئ، نا حيوة، حدثنا أبو صخر هو حميد بن زياد، أن يزيد بن عبد الله بن قسيط حدثه أن داود بن عامر بن سعد بن أبي وقاص، حدثه، عن أبيه، أنه كان عند ابنِ عمرَ بنِ الخطاب إذ طلع خَباب صاحبُ المَقْصُورة فقال: يا عبد الله بنَ عُمَر، ألا تسمعُ ما يقولُ أبو هريرة؟ إنه سمعَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: "مَن خَرجَ معَ جَنازة من بيْتها، وصلى عليها" فذكر معنى حديث سفيان ، فأرسل ابنُ عَمر إلى عائشة- رضي الله عنهاَ فقالت: صدق أبو هريرة (2) .
ش- هارون بن عبد الله بن مروان الحمال، بالحاء المهملة، وعبد الرحمن (3) ...
والمقرئ عبد الله بن يزيد المقرئ، وحيوة بن شريح أبو زرعة المصري. وداود بن عامر بن سعد بن أبي وقاص القرشي الزهري المدني، روى
__________
(1) في الأصل: "جزاء ".
(2) مسلم: كتاب الجنائز، باب: فضل الصلاة على الجنازة واتباعها (945) .
(3) بياض في الأصل قدر نصف سطر؟ وانظر ترجمته في: تهذيب الكمال (17/ 1 ة 38) .

(6/98)


عن أبيه. روى عنه: يزيد بن عبد اللّه، ومحمد بن إسحاق. روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي (1) .
وخباب ... (2)
قوله: " معنى حديث سفيان" أي: الحديث الذي قبل هذا، والحديث
أخرجه مسلم بمعناه أتم منه.
1605- ص- نا الوليد بن شجاع السكوني، نا ابن وهب، أخبرني
أبو صخر، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن كريب، عن ابن عباس،
قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: " ما من مُسلم يُموتُ فيقومُ على جَنازَته أربعونَ رجلاً لا يُشركوَنَ باللهِ عز وجل (3) إلا شُفعُوا فيه " (4) .
ش- الوليد بن شجاع بن الوليد بن قيس السكوني أبو همام الكوفي.
سمع: هشيم بنت بشير، وابن المبارك، وعيسى بن يونس، وعبد الله بن وهب وغيرهم. روى عنه: مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي،
وابن ماجه وغيرهم، وقال النسائي: لا بأس به. وقال عبد الرحمن: سألت أبي عنه؟ فقال: شيخ صدوق يكتب حديثه، ولا يحتج به، مات سنة تسع وثلاثين ومئتين (5) .
وأبو صخر حميد بن زياد، وكريب مولى ابن عباس، والحديث
أخرجه مسلم أتم منه، وأخرجه ابن ماجه بنحوه.
__________
(1) المصدر السابق (8/ 1767/ 1) .
(2) بياض في الأصل قدر سطر، وانظر ترجمته في المصدر السابق (8/ 1675) . (3) في سنن أبي داود:"لا يشركون بالله شيئاً"
(4) مسلم: كتاب الجنائز، باب: من صلى عليه أربعون شفعوا فيه (993) ، ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب: ما جاء فيمن صلى عليه جماعة من المسلمة (1489) .
(5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (31/ 6709) .

(6/99)


41- باب: في اتباع الميت بالنار (1)
أي: هذا باب في بيان اتباع الميت بالنار.
1606- ص- نا هارون بن عبد الله، نا عبد الصمد، ح نا ابن المثنى، نا أبو داود، قالا: نا حرب- يعني: ابن شداد- حدثني يحيى ، حدثني باب ابن عمير، حدثني رجل من أهل المدينة، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن
النبي- عليه السلامِ- قال: "لا تُتبعُ الجَنازةُ بصوت ولا نارٍ " زاد
هارون (2) : " ولا يُمْشى بين يديْهَا " (3) .
ش- عبد الصمد بن عبد الوارث، ومحمد بن المثنى، وأبو داود
الطيالسي، وحرب بن شداد اليشكري، وأبو الخطاب البصري العطار (4) ،
أو القطان، أو القصاب. روى عن: الحسن البصري، وقتادة، وشهر
ابن حوشب وغيرهم. روى عنه: عبد الصمد، وأبو داود الطيالسي،
وعمرو بن مرزوق وغيرهم، قال ابن معين: صالح، مات سنة إحدى
وستين ومائة. روى له: الجماعة إلا ابن ماجه.
ويحيى بن أبي كثير، وباب بن عمير.
قوله: "زاد هارون" أي: هارون بن عبد الله المذكور/ وفيه من الفقه كراهة اتباع الجنازة بالنار، أو بالصوت، وكراهة المشي بين يديها، وهو من جملة حجج أصحابنا في المشي خلف الجنازة.
والحديث رواه أحمد في "مسنده "، وذكره الدارقطني في "علله "،
وما فيه من الاختلاف، ثم قال: وقول حرب بن شداد أشبه بالصواب،
وأعله ابن الجوزي في "العلل المتناهية " بأن فيه رجلين مجهولين.
__________
(1) في سنن أبي داود: "باب في النار يتبع بها الميت ".
(2) في سنن أبي داود: "قال أبو داود: زاد هارون ".
(3) تفرد به أبو داود.
(4) كذا ترجم المصنف لأبي الخطاب، وهو غير موجود في سند الحديث، بل وليس هو من رجال الكتب الستة.

(6/100)


42- باب: القيام للجنازة
أي: هذا باب في بيان حكم القيام إذا مرت عليه الجنازة.
1607- ص- نا مسدد، نا سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه عن عامر بن ربيعة يبلغ به النبي- عليه السلام-: " إذا رأيتم الجنازة فقومُوا لها حتى تُخَلفَكُم أو تُوضع " (1) .
ش- سفيان الثوري، ومحمد بن مسلم الزهري، وسالم بن عبد اللّه ابن عمر بن الخطاب- رضي الله عنهم- وعامر بن ربيعة العنزي الصحابي.
قوله: " حتى تخلفكم" أي: حتى تترككم وتذهب، أو توضع على الأرض من أعناق الرجال، وقيل: أو توضع في اللحد، و أنما أمر بذلك تعظيما للميت، فإن ابن آدم مكرم محترم حيا وميتا، ولا سيما في هذه الحالة، فإنه آخر العهد به، والحديث أخرجه البخاري ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
1608- ص- نا أحمد بن يونس، نا زهير، نا سهيل بن أبي صالح، عن ابن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إذا تَبِعتُمُ الجنازة فلا تَجْلِسُوا حتى نُوضعَ " (2) .
__________
(1) البخاري: كتاب الجنائز، باب: القيام للجنازة (1307) ، مسلم: كتاب الجنائز، باب القيام للجنازة (958) الترمذي: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في القيام للجنازة (1042) ، النسائي: كتاب الجنائز، باب: الأمر بالقيام للجنازة (4/ 43) ، ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب: ما جاه في القيام للجنازة (1542) .
(2) البخاري: كتاب الجنائز، باب: من تبع جنازة فلا يقعد حتى توضع... (1310) ، مسلم: كتاب الجنائز (559) ، الترمذي: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في القيام للجنازة (1042) ، النسائي: كتاب الجنائز، باب: الأمر بالقيام للجنازة (4/ 43) ، ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في القيام للجنازة (1542) .

(6/101)


ش- زهير بن حرب، وابن أبي سعيد الخدري هو عبد الرحمن بن سعد بن مالك- رضي اللّه عنه- والحديث أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي سعيد بنحوه، وأخرجه مسلم من حديث أبي صالح السمان، عن أبي سعيد- رضي اللّه عنه-.
ص- قال أبو داود: وروى (1) الثوري هذا الحديث عن سهيل، عن أبيه عن أبي هريرة، قال (2) : " حتى تُوضع بالأرضِ " ورواه أبوه معاوية، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة (3) ، قال: " حتى توضع في اللحِد " وسفيان (4) أحفظ من أبي معاوية.
ش- أي: الحديث المذكور، وأبو معاوية محمد بن حازم الضرير. قوله: " حتى توضع بالأرض" أي: حتى توضع الجنازة من أعناق الرجال على الأرض، وقال ابن أبي شيبة: حدثنا يحيى بن آدم، عن زهير، عن مغيرة، عن إبراهيم والشعبي، قالا: " كانوا يكرهون أن يجلسوا حتى توضع الجنازة عن مناكب الرجال". وقال: حدثنا عائذ بن حبيب، عن يحيى بن سعيد، عن واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ قال: " كنت في جنازة فلم أجلس حتى وضعت إلى الأرض، ثم أتيت نافع بن جبير، فجلست إليه، فقال: مالي لم أرك جلست حتى وضعت الجنازة، فقلت ذاك لحديث بلغني عن أبي سعيد، فقال نافع: حدثني مسعود بن الحكم، ابن علنا- رضي اللّه عنه- حدثه، ابن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قام، ثم قعد". وقد قيل: إن حديث [ القيام ] (5) منسوخ. بحديث [نا هذا] (6) . قوله: " ورواه أبو معاوية " أي: روى الحديث المذكور أبو معاوية
__________
(1) في سنن أبي داود: روى.
(2) في سنن أبي داود: قال فيه.
(3) غير موجود في سنن أبي داود.
(4) في سنن أبي داود" قال أبو داود: وسفيان".
(5) ويأتي في الحديث بعد الآتي.
(6) غير واضح في الأصل، وانظر: شرح الحديث بعد الآتي.

(6/102)


الضرير، وفي روايته: " حتى توضع في اللحد" وقال أبو داود: وسفيان
الثوري أحفظ للحديث من أبي معاوية، فكأنه أشار به إلى أن رواية سفيان
أصح وأثبت.
1609- ص- نا مؤمل بن الفضل، نا الوليد، نا أبو عمرو، عن يحيى
ابن أبي كثير، عن عبيد الله بن مقسم، قال: حدثني جابر، قال: " كُنا مع
النبيِّ- عليه السلام- إذ مَرتْ جنازة فقام لها، فلما ذَهبنَا لنَحْملَ إذا هي
جنازةُ يَهودي، فقلنا: نا رسولَ الله، إنما هي جنازةُ يهودي؟ فقَال: إن الموت
فَزغَ، فإذا رأيتُمْ جَنازةً فقُومُوا" (اَ) .
ش- الوليد بن مسلم الدمشقي، وأبو طه هو عبد الرحمن الأوزاعي،
وعبيد الله بن مقسم المدينة مولى أبي نمر، وجابر بن عبد الله.
قوله: "لنحمل " أي الجنازة.
قوله: " إن الموت فزع " أي: خوف، وعلل عليه السلام القيام للجنازة
بكون الموت فزعا فح (2) يكون القيام لأجل الفزع من الموت وعظمته،
والجنازة تُذكرُ ذلك، فيستوي فيه جنازة المسلم والكافر، فافهم./ والحديث
أخرجه البخارَي، ومسلم، والنسائي، وليس في حديثهم "فلما ذهبنا لنحمل ".
1610- ص- نا القعنبي ، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن واقد بن
عمرو بن سعيد بن معاذ الأنصاري، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن
مسعود بن الحكم، عن علي بن أي طالب- رضي الله عنه-: " أن النبي صلى الله عليه وسلم قام في الجنائزِ، ثم قَعَدَ" (3) (4) .
__________
(1) البخاري: كتاب الجنائز، باب: من قام لجنازة يهودي (1311) ، مسلم:
كتاب الجنائز، باب: القيام للجنازة (960) ، النسائي: كتاب الجنائز، باب:
الرخصة في ترك القيام (4/ 46) .
(2) يعني: "فحينئذ".
(3) في حق أبي داود : "ثم قعد بعدُ".
(4) مسلم: كتاب الجنائز، باب: نسخ القيام للجنازة (962) ، الترمذي: كتاب
الجنائز، باب: الرخصة في ترك القيام لها (1044) ، النسائي: كتاب
الجنائز، باب: مكان الماشي من الجنازة (4/ 56) ، ابن ماجة كتاب
الجنائز، باب: ما جاء في القيام للجنازة (1544) .

(6/103)


ش- مالك بن أنس، ويحيى بن سعيد الأنصاري.
وواقع بن عمرو بن سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس بن
عبد الأشهل، الأنصاري، الأشهلي، المديني، أبو عبد اللّه. سمع: أنس بن مالك، ونافع بن جبير. روى عنه: يحيى بن سعيد، ومحمد ابن زياد، وداود بن الحصين، وقال أبو زرعة: ثقة. روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي (1) .
ومسعود بن الحكم بن الربيع بن عامر بن خالد بن عامر بن زريق
أبو هارون الأنصاري، الزرقي، المدني، ولد في عهد النبي- عليه السلام- وسمع علي بن أبي طالب- رضي اللّه عنه-. وروى عن: عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان- رضي اللّه عنهما-. روى عنه: عيسى، ونافع بن جبير، ومحمد بن المنكدر، قال الواقدي: كان سَرِيا مَرِيا ثقة، روى له الجماعة (2) .
قوله: "قام في الجنائز " وفي بعض النسخ " في الجنازة" أي: قام لأجل المنارة، وكلمة " في " تجيء للتعليل، نحو قوله تعالى: { فذلك الذي لمتنني فيه } (2) { لَمَسَّكُم فِيمَا أفَضتُم } (4) وفي الحديثَ: " إنَ امرأة دَخلت النار في هرة حبستها".
قوله: " ثم قعد" أي: ثم بعد أن كان يقوم للجنازة ترك القيام،
و"قعد" بمعنى لم يقم، وقد ذكرنا أنهم قالوا: إن هذا الحديث ناسخ لحديث القيام للجنازة، وأخرجه: مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة ، وابن أبي شيبة- كما ذكرنا-.
1611- ص- نا هشام بن بهرام المدائني، أنا حاتم بن إسماعيل، أنا
أبو الأسباط الحارثي، عن عبد الله بن سليمان بن جنادة بن أبي أمية، عن أبيه
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (0 3/ 6669) .
(2) المصدر السابق (27/ 5909) .
(3) سورة يوسف: (32) .
(4) سورة النور: (14) .

(6/104)


عن جده، عن عبادة بن الصامت، قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم في الجَنازَة حتى تُوضعَ في اللَّحد، فَمرَّ حَبْر (1) من اليهود فقال: هكذا نَفعلُ، فجلس النبيُّ- عليه السلام-َ وقال: اجلِسوا خَالِفُوهم" (2) .
ش- هشام بن بهرام أبو محمد المدائني، روى عن سفيان بن عيينة، وأبي شهاب الحناط (3) ، وأفلح بن حميد. روى عنه: أبو داود، والنسائي عن رجل عنه، وقال الخطيب: كان ثقة. روى له: أبو داود، والنسائي (4) .
وأبو الأسباط بشر بن رافع النجراني، وعبد اللّه بن سليمان بن جُنادة
ابن أبي أمية الأزدي الدوسي، روى عن أبيه، عن جده. روى عنه: أبو الأسباط، قال البخاري: فيه نظر، لا يتابع في حديثه. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (5) . وسليمان بن جُنادة قال البخاري: منكر الحديث. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (6) .
وجُنادة بن أبي أمية الأزدي ثم الزهراني، ويقال: الدوسي، أبو عبد الله الشامي له ولاعبيه صحبة، وقيل: لا صحبة له، روى عن النبي- عليه السلام- وعن عبادة بن الصامت. روى عنه: بُسر بن سعيد، وغيره، روى له الجماعة (7)
قوله: " حبر " أي: عالم، والحديث أخرجه: الترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث غريب، وبشر بن رافع ليس بالقوي في
__________
(1) في سنن أبي داود: "فمر به حبر"
(2) الترمذي: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في الجلوس قبل أن توضع (1020) ، ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في القيام للجنازة (1545) .
(3) في الأصل: " أبي هشام الخياط" خطأ.
(4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (30/ 6570) .
(5) المصدر السابق (15/ 3317) . (6) المصدر السابق (4/ 2499) .
(7) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (1/ 242) ، أسد الغابة (1/ 353) ، والإصابة (1/ 263) .

(6/105)


الحديث، وقال أبو بكر الهمداني: ولو صح لكان صريحا في النسخ،
غير أن حديث أبي سعيد أصح وأثبت، فلا يقاوم هذا الإسناد.
43- باب: الركوب في الجنازة
أي: هذا باب في بيان حكم الركوب في تشييع الجنازة.
1612- ص- نا يحيى بن موسى البلخي، نا عبد الرزاق، أنا معمر،
عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن ثوبان:
" أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أتِيَ بدابة وهو مع الجَنازة، فأبى أن يَرْكبَ، فلما انصرفَ
أتيَ بدابة فَرَكِبَ، فقيل له، فقال: إن الَملائكة كانت تَمشِي، فلم كن
لأَركبَ و هم يمشُونَ، فلما ذهبوا رَكبتُ " (1) .
ش- عبد الرزاق بن همام، ومعمر بن راشد، وأبو سلمة عبد اللّه،
وفيه من الفقه استحباب المشي في تشييع الجنازة، وقال أبو بكر بن
أبي شيبة: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي همام السكوني- وهو
الوليد بن قيس- عن أبي هريرة، أن رسول الله- عليه السلام- " أتي [ 2/204 - أ ] بدابة وهو في جنازة فلم يركب، فلما انصرف ركبه،/ حدثنا يحيى ابن سعيد، عن ابن أبي رواد، قال: حدثنا أبو سعد، عن زيد بن
أرقم، قال: "لو يعلم رجال يركبون في الجنازة ما لرجال يمشون ما ركبوا"
حدثنا وكيع، عن ثور، عن راشد بن سعيد، عن ثوبان: "أنه رأى رجلا راكبا في جنازة فأخذ بلجام دابته، فجعل يكبحها، فقال: تركب وعباد الله يمشون؟!".
حدثنا الفضل بن دكين، عن إسرائيل، عن عبد الأعلى، عن
__________
(1) تفرد به أبو داود.

(6/106)


سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: " الراكب في الجنازة كالجالس في بيته ".
1613- ص- نا عبيد الله بن معاذ، نا أبي، نا شعبة، عن سماك، سمع جابر بن سمرة، قال: " صَلى النبي صلى الله عليه وسلم على ابنِ الدَّحداح- ونحنُ شُهود- ثم أتِيَ بفَرَس فعُقلَ حتى ركبه، فجعلَ يتوقف به، ونحن نَسعى حوله - عليه السلام- " (1) .
ش- ابن الدحداح، ويقال: ابن الدحداحة، توفي في حياة النبي - عليه السلام- فصلى عليه، وقال أبو موسى: مختلف فيه، وفيه نظر. قوله: " ونحن شهود " أي: حاضرون، والشهود جمع شاهد.
قوله: "فعُقِل " من عقل البعير يعقله عقلا من باب ضرب يضرب، وقال الأصمعي: عقلت البعير أقله عقلا وهو أن تثني وظيفه مع ذراعه، فتشدهما جميعا في وسط الذراع، وذلك الحبل هو الذراع.
قوله: " يتوقص به" التوقص أن يرفع يديه ويثب به وثبا متقاربا، وأصل الوقص الكسر، وقال ابن الأثير: يتوقص به، أي: ينزو ويثب ويقارب الخطو.
قوله: " ونحن نسعى" الواو فيه للحال، وفيه من الفقه جواز الركوب
في الجنازة، وليس عليه في ذلك شيء، والحديث الأول في بيان الفضيلة. والحديث أخرجه: مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن أبي شيبة،
وقال أبو بكر: حدثنا ابن أبي زائدة، وأبو معاوية، عن حجاج، عن الحكم، قال: "رأيت شريحا على بغلة يسير أمام الجنازة، قال أبو معاوية: على بغلة بيضاء يسير خلف الجنازة".
__________
(1) مسلم: كتاب الجنائز، باب: ركوب المصلي على الجنازة إذا انصرف (965) ، الترمذي: كتاب الجنائز، باب: ما جاه في الرخصة في ذلك (1013) .

(6/107)


حدثنا وكيع، عن عيينة بن (1) عبد الرحمن، عن أبيه، قال: "رأيت أبا بكرة في جنازة عبد الرحمن بن سمرة على بغلة له ".
حدثنا أبو معاوية، عن حجاج، عن عباس الهمداني، عن ابن معقل، قال: " رأيت ابن عمر على بغل راكبا أمام الجنازة".
44- باب: المشي أمام الجنازة
أي: هذا باب في بيان المشي أمام الجنازة أي: قدامها.
1614- ص- نا القعنبي، نا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم،
عن أبيه، قال: " رأيتُ النبيُّ- عليه السلام- وأبا بكرِ، وعُمرَ، يمشون أمامَ
ا لجنازة " (2) .
ش- سالم بن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب- رضي اللّه عنهم- وبهذا الحديث استدل الشافعي أن المشي قدام الجنازة أفضل، وهو مذهب جماعة من أهل العلم، وقال أبو حنيفة وجماعة من أهل العلم: المشي خلفها أفضل، واستدلوا بأحاديث، منها: ما رواه أبو داود، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : "لا تتبعُ الجنازة بصوتِ ولا نارِ، ولا يُمشى بين يديها" وقد ذكر مع الكلام فيه (3) .
ومنها ما رواه الحاكم في " مستدركه " في فضائل مارية، أخبرنا أحمد
ابن محمد بن إسماعيل بن مهران، ثنا أبي، نا محمد بن مصفى، ثنا بقية، عن محمد بن زياد، عن أبي أسامة: "أن رسول اللّه- عليه السلام- مشى خلف جنازة ابنه إبراهيم صامتا".
__________
(1) في الأصل: " عن" خطأ.
(2) الترمذي: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في المشي أمام الجنازة (1008) ، النسائي: كتاب الجنائز، باب: مكان الماشي في الجنازة (4/ 56) ، ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب: ما جاه في المشي أمام الجنازة (1482) .
(3) تقدم برقم (1606) .

(6/108)


ومنها ما رواه ابن عدي في " الكامل" (1) : حدثنا الحسن (2) بن
أبي معشر، نا سليمان بن سلمه (3) ، عن يحيى [بن] سعيد الحمصي
العطار، عن عبد الحميد بن سليمان، عن أبي حازم، عن سهل بن
سعد: "أن النبي- عليه السلام- كان يمشي خلف الجنازة ".
"وقال (4) ابن القطان في "كتابه" : سليمان بن سلمه (3) لا يعرف
من هو، ويحيى بن سعيد منكر الحديث، قاله السعدي، وعن ابن
معين: ليس بشيء، وعبد الحميد بن سليمان أخو فليح بن سليمان
ضعيف، أضعف من أخيه فليح".
ومنها ما رواه عبد الرزاق في " مصنفه" : أخبرنا حسين بن مهران،
عن مطرح بن يزيد أبي المهلب، عن عبيد اللّه بن بحر، عن علي بن
يزيد، عن القاسم، عن أبي أسامة، قال: "سأل أبو سعيد الخدري
علي بن أبي طالب: المشي خلف الجنازة أفضل، أم أمامها؟ فقال علي:
والذي بعث محمدا بالحق إن فضل الماشي خلفها على الماشي أمامها كفضل
الصلاة المكتوبة على التطوع، فقال/ له أبو سعيد: أبرأيك تقول؟ أم [2/204 - ب ] شيء سمعته من رسول اللّه صلى الله عليه و سلم ؟ فغضب، وقال: لا، واللّه بل
سمعتُه غير مرة، ولا اثنتين، ولا ثلاث، حتى سبعا، فقال أبو سعيد:
إني رأيت أبا بكر، وعمر يمشيان أمامها، فقال علي: يغفر الله لهما،
لقد سمعا ذلك من رسول اللّه- عليه السلام- كما سمعته، وإنهما والله
لخير هذه الأمة، ولكنهما كرها أن يجتمع الناس ويتضايقوا، فأحبا أن
يسهلا على الناس " انتهى.
وأعله ابن عدي في " الكامل" بمسرح وضعفه عن ابن معين، وقال:
الضعف على حديثه بين، وقال ابن الجوفي في " العلل المتناهية " :
عبيد اللّه بن بحر، وعلي بن زيد، والقاسم كلهم ضعفاء، وقال ابن حبان
__________
(1) (16/9) ترجمة يحيى بن سعيد العطار.
(2) في الأصل: " الحسن " خطأ.
(3) في الأصل: " مسلمة " خطأ.
(4) انظر: نصب الراية (2/ 291) .

(6/109)


في "كتاب الضعفاء": عبيد الله بن بحر منكر الحديث جدا، يروي الموضوعات عن الإثبات.
ومنها ما رواه عبد الرزاق أيضاً أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: "ما مشى رسول الله- عليه السلام- حتى مات إلا خلف الجنازة" وهو مرسل.
ومنها ما رواه ابن أبي شيبة: حدثنا عيسى بن يونس، عن ثور، عن مريح (1) ، عن مسروق، قال: قال رسول الله- عليه السلام-: "إن لكل أمة قربانا، وإن قربان هذه الأمة موتاها، فاجعلوا موتاكم بين أيديكم". ومنها ما أخرجه الدارقطني (2) ، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب القرظي، عن عبيد اللّه بن كعب (3) ، عن أبيه كعب بن مالك، قال:
" جاء ثابت بن قيس بن شماس إلى رسول اللّه- عليه السلام- فقال: إن أمه توفيت وهي نصرانية، وهو يحب أن يحضرها، فقال له النبي- عليه السلام-: اركب دابتك، وسر أمامها، فإنك إذا كنت أمامها لم تكن معها".
قال الدارقطني: وأبو معشر ضعيف.
ومن الآثار ما رواه ابن أبي شيبة: ثنا عبد اللّه، أخبرنا إسرائيل، عن
عبد اللّه (4) بن المختار، عن معاوية بن قرة، ثنا أبو كرب أو أبو حرب، عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص، أن أباه قال له:" كن خلف الجنازة، فإن مقدمها للملائكة، ومؤخرها لبني اَدم". مختصر.
وحديث سالم رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، ورواه أحمد في
__________
(1) في الأصل: تشريح " خطأ" وانظر: المصنف (3/ 279) .
(2) (2/ 75- 76) .
(3) كذا، وفي سنن الدارقطني ونصب الراية: " عبد الله بن كعب".
(4) في الأصل: "عبيد الله" خطأ، وانظر ترجمته في: تهذيب الكمال (3556/16) .

(6/110)


"مسنده "، وابن حبان في "صحيحه "، وفي لفظة له: ثني الزهري غير مرة، قال ابن حبان: وفيه دليل على من يقول: إن سفيان لم يسمعه من الزهري، وسكت عنه الترمذي، وقال: وقد رواه ابن جريج، وزياد بن سعد، وغير واحد عن الزهري، عن سالم، عن أبيه نحو حديث ابن عيينة، وروى معمر، ويونس بن يزيد، ومالك، وغيرهم من الحفاظ، عن الزهري، أن النبي- عليه السلام- فذكره قال: وأهل الحديث كلهم يرون أن الحديث المرسل في ذلك أصح، ثم أخرجه من طريق عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، قال: كان النبي- عليه السلام- فذكره قال الترمذي: وسمعت يحي بن موسى يقول: سمعت عبد الرزاق يقول: قال ابن المبارك: حديث الزهري في هذا مرسلا أصح من حديث ابن عيينة، وأرى ابن جريج أخذه من ابن عيينة، ثم أخرجه الترمذي عن محمد بن بكر (1) ، ثنا يونس بن يزيد، عن الزهري، عن أنس بن مالك، قال: "كان النبي- عليه السلام- يمشي أمام الجنازة، وأبو بكر، وعمر، و عثمان، " انتهي.
قال الترمذي: وسألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال:
أخطأ فيه محمد بن بكر (1) ، وإنما يروى هذا عن يونس، عن الزهري:
"أن النبي- عليه السلام- وأبا بكر، وعمر، كانوا يمشون أمام الجنازة" انتهى (2) .
وقال النسائي: هذا حديث خطأ، وهم فيه ابن عيينة وخالفه مالك
فرواه عن الزهري مرسلا وهو الصواب، قال: وإنما أتى عليه فيه من جهة أن الزهري رواه عن سالم، عن أبيه، أنه كان يمشي أمام الجنازة، قال:
" وكان النبي- عليه السلام- وأبو بكر، وعمر يمشون أمام الجنازة".
__________
(1) في الأصل: " محمد بن بكير " خطأ، دائما هو محمد بن بكر البُرساني كما عند ابن ماجه (1483) ، وتحفة الأشراف.
(2) انظر: جامع الترمذي (3/321 - 322)

(6/111)


فقوله: "وكان النبي- عليه السلام-... إلى آخره " من كلام
الزهري، لا من كلام ابن عمر، قال ابن المبارك: الحفاظ عن الزهري
ثلاثة: مالك، ومعمر/ وابن عيينة، فإذا اجتمع اثنان منهم على قول أخذنا به، وتركنا قول الآخر، انتهى كلام النسائي.
قلت: وبهذا اللفظ الذي أشار النسائي رواه أحمد في " مسنده ":
حدثنا حجاج بن محمد، قال: قرأت على ابن جريج، ثنا زياد بن
سعد، أن ابن شهاب أخبره، حدثني سالم، عن ابن عمر "أنه كان
يمشي بين يدي الجنازة، وقد كان رسول اللّه، وأبو بكر، وعمر يمشون
أمامها " قال عبد اللّه بن أحمد: قال أبي: هذا الحديث إنما هو عن
الزهري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرسل، وحديث سالم فعل ابن عمر،
وحديث ابن عيينة كأنه وهم منه، انتهى.
ومن طريق أحمد رواه الطبراني في " معجمه ": حدثنا عبد اللّه بن
أحمد، ثنا أبي به، ورواه ابن حبان في "صحيحه " أيضاً من حديث
شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه به بلفظ
السنن، وزاد فيه ذكر عثمان، وقال في آخره: قال الزهري: وكذلك
السنة، انتهى.
وذكر عثمان عند النسائي أيضاً وقال المنذري: وقد قيل: سفيان بن
عيينة من الحفاظ الإثبات، وقد أتى بزيادة على من أرسل، فوجب تقديم
قوله، وقد تابع ابن عينة على رفعه ابن جريج، وزياد بن سعد، وغير
واحد، وقال البيهقي: ومن وصله واستقر على وصله، ولم يختلف عليه
فيه وهو سفيان بن عيينة حجة، ثقة.
1615- ص- نا وهب بن بقية، عن خالد، عن يونس، عن زياد بن
جبير، عن أبيه، عن المغيرة، قال: وأحسب أن أهل زياد أخبروني أنه رفعه
إلى النبي- عليه السلام- قال: "الراكبُ يَسيرُ خلفَ الجَنازةِ، والماشي

(6/112)


يَمشي خَلفَها وأمامَها، وعن يمينها وعن يسارهَا، قريبا منها، والسقطُ يُصلَّى عليها، ويُدعى لوالديه بالمغفرة والرحمةِ " (1) .
ش- خالد بن عبد اللّه الواسطي، ويونس بن عبيد، وجبير بن حية
ابن مسعود بن معتب بن مالك بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف الثقفي البصري، سمع عمر بن الخطاب، والمغيرة بن شعبة. روى عنه: ابنه زياد، وبكر بن عبد الله المدني، توفي في خلافة عبد الملك بن مروان. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (2) . وبهذا الحديث استدل القائلون بالتفضيل، ذهب الإمام أحمد إلى أن أمام الجنازة أفضل في حق الماشي وخلفها الفضل في حق الراكب، واستدل له بهذا الحديث، ورواه في "مسنده"، والحاكم في "المستدرك " وقال: صحيح على شرط البخاري، ورواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن صحيح، وليس في حديثهم، "وأحسب أن أهل زياد أخبر مني ".
قلت: في سند هذا الحديث اضطراب، وفي متنه أيضاً فإن أبا داود أخرجه عن يونس، عن زياد بن جبير، عن أبيه، عن المغيرة بن شعبة، قال: "و أحسب أن أهل زياد اْخبروني أنه رفعه إلى النبي- عليه السلام-". وأخرجه الترمذي عن سعيد بن عبيد اللّه، عن زياد بن جبير به، وقال: حسن صحيح، وبهذا السند أخرجه النسائي، وابن ماجه، وليس فيه: عن أبيه، وفي لفظ ابن ماجه: عن زياد بن جبير، سمع المغيرة، فذكره.
قوله:" والسقط" بكسر السن، وسكون القاف، وقال ابن الأثير (3) :
__________
(1) الترمذي: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في الصلاة على الأطفال (1031) ، النسائي: كتاب الجنائز، باب: مكان الراكب من الجنازة (4/ 56) ، ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب: ما جاه في المشي أمام الجنازة (1482) .
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (4/ 900) .
(3) النهاية (2/ 378) .
8 . ضرب سنن أبي داوود 6

(6/113)


" السقط بالكسر والفتح والضم، والكسر أكثرها، الولد الذي يسقط من
بطن أمه قبل تمامه".
واعلم أن العلماء اختلفوا في الصلاة على السقط، فروي عن ابن عمر
أنه قال:" يصلى عليه، وإن لم يستهل". وبه قال ابن سيرين، وابن
المسيب، وقال أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه: كل ما نفخ فيه
الروح، وتمت له أربعة الشهر وعشر، صُلي عليه، وقال إسحاق: وإنما
الميراث بالاستهلال، فأما الصلاة فإنه يصلى عليه، لأنه نسمة تامة قد
كتب عليها السعادة والشقاوة، فلأي شيء تترك الصلاة عليه؟ وروي عن
ابن عباس أنه قال:" إذا استهل ورث وصلى عليه "، وعن جابر أنه قال:
" إذا استهل صلى عليه، وإن لم يستهل لم يصل عليه " (1) . وهو قول
أبي حنيفة وأصحابه، وقول مالك، والأوزاعي، والشافعي في أحد
قوليه، واستدل أحمد ومن تبعه بهذا الحديث/ وبما رواه ابن ماجه عن البخاري بن عبيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه
- عليه السلام-: " صلوا على أطفالكم، فإنهم من أفراطكم " (2)
وضعفه الدارقطني، فقال: البخاري ضعيف وأبوه مجهول، ومع ضعفه
يمكن حمل الأطفال على من استهل، واستدل أصحابنا ومن تبعهم بما
أخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، عن أبي الزبير، عن جابر
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "الطفل لا يُصلى عليه، ولا يرث ولا يورث
حتى يستهل" (3) ، وقال الترمذي: وقد اضطرب الناس في هذا الحديث،
فرواه بعضهم عن أبي الزبير مرفوعاً ورواه بعضهم عن أبي الزبير
موقوفاً وكأنه أصح، وبهذا السند رواه الحاكم في "المستدرك" (4) ،
__________
(1) انظر: نصب الراية (2/ 277: 279) .
(2) ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في الصلاة على الطفل (1509) .
(3) الترمذي: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في ترك الصلاة على الجنين حتى
يستهل (1032) ، النسائي في الكبرى: كتاب الفرائض، ابن ماجه: كتاب
الفرائض، باب: إذا استهل المولود ورث (2750) .
(4) (363/1) .

(6/114)


وسكت عنه وقال: إسماعيل بن مسلم المكي لم يحتجا به، وقال ابن القطان في "كتابه" : هو من رواية أبي الزبير، عن جابر معنعنا من غير رواية الليث عنه وهو علة، ومع ذلك فهو من رواية إسماعيل بن مسلم المكي، عن أبي الزبير، وهو ضعيف جدا، ورواه البيهقي، وقال: إسماعيل بن مسلم غيره أوثق منه فالترمذي أخرجه في " الجنائز"، والنسائي أخرجه في " الفرائض "، عن المغيرة بن مسلم، عن أبي الزبير به بلفظ: " إذا استهل الصبي صُلي عليه وورث". قال النسائي: وللمغيرة بن مسلم غير حديث منكر. وبهذا السند والمتن رواه ابن حبان في " صحيحه " في النوع الحادي عشر من القسم الثالث، ورواه الحاكم أيضاً وسكت عنه، وأخرجه ابن ماجه من (1) الربيع بن بدر، وقال النسائي وغيره: هو متروك الحديث، وأخرجه الحاكم أيضاً عن سفيان، عن أبي الزبير به مرفوعا، وقال: هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وأخرجه أيضا عن بقية، عن الأوزاعي، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعا وسكت عنه، ورواه موقوفا النسائي، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر من قوله، وكذلك ابن أبي شيبة في " مصنفه " عن أشعث بن سوار، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: " إذا استهل الصبي صلي عليه، وورث، فإذا لم يستهل لم يصل عليه، ولا يورث ".
وكذلك رواه البيهقي (2) من طريق محمد بن إسحاق، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله نحوه، قال الدارقطني في "علله": هذا حديث اختلف فيه على عطاء، وأبي الزبير، فرواه المثنى بن الصباح، عن عطاء، فرفعه، ورواه ابن إسحاق عنه فوقفه، ورواه عن أبي الزبير: يحيى بن أبي أنيسة فرفعه، ووقفه غيره، وذكره البخاري في " صحيحه" تعليقا من قول الزهري: " الطفل إذا استهل صارخا صُلي عليه، ولا يصلى على من لا يستهل من أجل أنه سقط ".
__________
(1) كذا
(2) الست الكبرى (4/ 8) .

(6/115)


وهذا التعليق رواه ابن أبي شيبة في " مصنفه ": حدثنا عبد الأعلى،
عن معمر، عن الزهري فذكره، واستدلوا أيضا بما أخرجه ابن عدي في " الكامل " (1) ، عن عمرو بن خالد الكوفي، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في السقط: " لا يصلى عليه حتى يستهل، فإذا استهل صلى عليه وعقل وورث، وإن لم يستهل لم يصل عليه، ولم يورث، ولم يعقل". وروى ابن عدي أيضا في ترجمة شريك القاضي (2) فقال: حدثنا القاسم بن زكرياء، ثنا إسماعيل بن موسى، ثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن عطاء، عن ابن عباس، عن النبي- عليه السلام- قال:" إذا استهل الصبي صلي عليه وورث " (3) .
45- باب: الإسراع بالجنازة
أي: هذا باب في بيان الإسراع في المشي بالجنازة.
1616- ص- نا مسدد، نا سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، يبلغ به النبي- عليه السلام- قال: " أسرِعُوا بالجنازةِ، فإن تكُ صالحةً فخير تُقَدمُونها إليه، وإن تك (4) سوى ذلك فشر تَضَعُونه عن رِقابِكم " (5) .
ش- حذفت النون من " تكن " للتخفيف ، و "صالحة" نصب على
__________
(1) (6/ 222) ترجمة عمرو بن خالد الكوفي.
(2) (5/ 0 2) .
(3) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.
(4) في الأصل: " تكن" وفي الشرح ما يشعر بأنها خطأ.
(5) البخاري: كتاب الجنائز، باب: السرعة بالإنارة (1315) ، مسلم: كتاب الجنائز: باب: الإسراع بالجنازة (944) ، الترمذي: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في الإسراع بالجنازة (1065) ، النسائي : كتاب الجنائز، باب: السرعة بالجنازة (4/ 41، 42) ، ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في شهود الجنائز (1477) .

(6/116)


الخبرية، وارتفاع "فخير" على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: فهو خير، وكذلك ارتفاع "فشر" وبهذا الحديث استدلت العلماء على أن السنة الإسراع بالجنازة/ دون الخَبَبِ (1) ، وأخرجه الجماعة.
1617- ص- نا مسلم بن إبراهيم، نا شعبة، عن عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه: " أنه كان في جَنازة عثمانَ بن أبي العاصِ، وكنا نمِشي مشنا خفيفاً فلَحقَنَا أبو بكْرةَ، فَرَفَعَ سوطًه، فقال: لقد رأيتُنَا ونحنُ مع رسول الله- عليه السلَام- يَرْمُلُ رَملاَ " (2) (3) .
ش- عيينة- بضم العين المهملة، وفتح الياء آخر الحروف الأولى، وسكون التالية، وفتح النون- ابن عبد الرحمن بن جوشن أبو مالك الغطفاني الجوشني البصري، روى عن أبيه، ونافع مولى ابن عمر، وأبي الزبير المكي. روى عنه: الثوري، وشعبة، ووكيع، ويحيى القطان، قال ابن معين: ليس به بأس، وفي رواية: ثقة. وقال أحمد ابن حنبل: ليس به بأس صالح الحديث. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (4) .
وعبد الرحمن بن جوشن الغطفاني البصري. روى عن: عبد اللّه بن عباس، وأبي بكرة الثقفي. روى عنه: ابنه عيينة، سئل عنه أحمد بن حنبل. فقال: ليس بالمشهور. ومثل أبو زرعة فقال : ثقة. روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي (5) .
وعثمان بن أبي العاص الصحابي، قد ذكر مرة، وأبو بكرة نفيل بن الحارث الثقفي الصحابي، قد ذكر أيضاً
قوله: " لقد رأيتُنا" بضم التاء، أي: لقد رأيت أنفسنا، والواو في قوله: "ونحن " للحال.
__________
(1) العدو، أي: الجري.
(2) في سنن أبي داود: "نرمل رملا".
(3) تفرد به أبو داود.
(4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (23/ 4675) .
(5) المصدر السابق (7 1/ 3786) .

(6/117)


قوله: "يرمل رملا" من رمل يرمل، من باب نصر ينصر، رملا ورَمَلانا إذا أسرع في المشي، وهز منكبه، والحديث أخرجه الحاكم في "المستدرك" (1) في الفضائل، وسكت عنه، وقال النووي: إسناده صحيح، فإن قيل: أخرجه البخاري، ومسلم، عن عطاء، قال: "حضرنا مع ابن عباس جنازة ميمونة بسرف، فقال ابن عباس: هذه ميمونة، إذا رفعتم نعشها فلا تزعزعوا، ولا تزلزلوا".
قلت: المراد به شدة الإسراع ، لأنه خاف منها الانفجار، فافهم.
1618- ص- نا حميد بن مسعدة، نا خالد بن الحارث، ح و نا إبراهيم ابن موسى، نا عيسى، عن عيينة بهذا الحديث، قالا: في جنازة عبد الرحمن ابن سمرة، وقال: " فحمَلَ عليهم بغلته، وأهْوَى بالسوطِ " (2) .
ش- عيسى بن يونس.
قوله: " بهذا الحديث " أي: الحديث المذكور.
قوله: " قالا " أي: قال حميد بن مسعدة، وإبراهيم بن موسى شيخا أبي داود، وعبد الرحمن بن سمرة الصحابي، قد ذكر مرة.
قوله: " وقال " أي: عبد الرحمن بن جوان.
قوله: " فحمل عليهم" أي: حمل أبو بكرة على القوم، وأهوى بالسوط، أي: مده نحوهم، وأماله أيهم، يقال: أهوى يده وبيده إلى الشيء ليأخذه، وهذه الرواية أخرجها النسائي أيضاً
1619- ص- نا مسدد، نا أبو عوانة، عن يحيى المجبر، قال أبو داود: وهو يحي بن عبد الله التميمي، عن أبي ماجدة، عن ابن مسعود: " سألنا نبينا صلى الله عليه وسلم عن المَشْي مع الجَنازةِ، فقال: ما دونَ الخَبَبِ، فإن يك (3) خيرا
__________
(1) (3/ 445) فضل عبد الرحمن بن سمرة، و (3 /446) فضل عثمان بن أبي العاص.
(2) النسائي: كتاب الجنائز، باب: السرعة بالجنازة (4/ 40، 41) .
(3) في سنن أبي داود: "يكن ".

(6/118)


تَعَجلْ إليه، وإن يك (1) غيرَ ذلك فبُعْدا لأهل النار، والجنازةُ مَتبُوعة، ولا
تتبَعُ ليس معها من تَقَدمَها" (2) (3) .
ش- أبو عوانة الوضاح، ويحيى بن عبد الله الجابر، وقيل: المجبر،
أبو الحارث الكوفي التميمي. سمع: حبال بن رفيدة، وسالم بن
أبي الجلد، وأبا ماجدة. روى عنه: الثوري، وابن عيينة، وأبو عوانة.
روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (4) .
وأبو ماجدة الحنفي، ويقال: العجلي، قال الحميدي: عن ابن عيينة قلت: للجابر من أبو ماجدة؟ قال: طير طار علينا، وهو منكر الحديث. وقال الدارقطني: مجهول متروك. وقال الترمذي: مجهول.
وقال أبو أحمد الكرابيسي: حديثه ليس بالقائم. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (5) .
قوله:" ما دون الخبب " بفتح الخاء المعجمة، وبالباءين الموحدتين، أولاهما مفتوحة، وهو ضرب من العدْوِ.
قوله:" فبعدا" منصوب، من المصادر المنصوبة بأفعال مضمرة التي لا يستعمل
إظهار فعلها، كقولك: سقيا، وخيبا، وجذعا، وعبر ا، وبؤسا،
وبعدا، وسحقا، وحمدا، وشكرا، وهو من قبيل الدعاء.
قوله: "والجنازة متبوعة" أي: يتبعها غيرها فحينئذ يكون المشي خلفها
أفضل كما هو مذهب أصحابنا، وقد مر الكلام فيه مستوفى، والحديث
أخرجه الترمذي، وابن ماجه، وحديث ابن ماجه/ مختصر، وقال [2/206 - ب ] الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه من حديث عبد الله بن مسعود
__________
(1) في سنن أبي داود: "يكن".
(2) في سنن أبي داود: " تقدمها ".
(3) الترمذي: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في المشي خلف الجنازة (1011) ، ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في المشي أمام الجنازة (1484) .
(4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (31/6859) .
(5) المصدر السابق (34/ 7596) .

(6/119)


إلا من هذا الوجه، وقال: سمعت محمد بن إسماعيل- يعني: البخاري- يضعف حديث أبي ماجدة هذا، وقال البيهقي: هذا حديث ضعيف.
قلت: ويقال: المجبر ثقة، يكنى أبا الحارث. روى له: شعبة، وسفيان الثوري، وابن عيينة، وأبو الأحوص ، وغيرهم، على أن الحديث رواه أحمد أيضا وابن أبي شيبة، و إسحاق بن راهويه، وأبو يعلى في مسانيدهم، فافهم.
ص- قال أبو داود (1) : هو ضعيف كوفي، وأبو ماجدة بصري (2) .
ش- أي: يحي بن عبد اللّه الجابر ضعيف، وهو كوفي، وأبو ماجدة بصري.
وقوله: "بَصري " يدل على أنه غير مجهول كما قاله الدارقطني.
46- باب: الإمام يصلي (3) على من قتل نفسه
أي: هذا باب في بيان أن الإمام يصلي على من قتل نفسه.
1620- ص- نا ابن نفيل، نا زهير، نا سماك، حدثني جابر بن سمرة، قال: " مَرضَ رجل فصِيحَ عليه، فجاءَ جاره إلى رسول اللهِ- عليه السلام- فقال (4) " إنه قد ماتَ، قال: وما يدريكَ؟ قال: أنا رأَيتُهُ، قال رسولُ الله: إنه لم يَمُتْ، قال: فرجعِ، فصِيحَ عليه، فجاءَ إلى رسول الله- علَيه السلامِ- فقال: إنه قد مات، فقال النبي- عليه السلام-: إنه لمَ يمتْ، قال: فرجع فصِيحَ عليه، فقالت امرأتُهُ: انطلقْ إلى رسولِ اللهِ- عليه السلام-
__________
(1) في سنن أبي داود قبل هذا الكلام: "قال أبو داود: وهو ضعيف، هو يحي ابن عبد الله، وهو يحي الجابر ".
(2) في سنن أبي داود: قال أبو داود: "وأبو ماجدة هذا لا يعرف ".
(3) في سنن أبي داود: "الإمام لا يصلي ".
(4) في سنن أبي داود: "فقال له".

(6/120)


فأخبِرْه، فقال الرجلُ: اللهم العنْهُ، قال: ثم انطلَقَ الرجلُ فرآه قد نَحَرَ نفْسه بمشْقَصٍ معه، فانطلق إلى النبيِّ- عليه السلام- فأخبَرَهُ أنه قد ماتَ، قال: وَمَا يدريكَ؟ قال: رأيتُه ينحرُ نفسَه بمشَاقصَ معه، قال: أنتَ رأيته؟ قال: نعم، قال: إذن لا أصَلِّي عليه " (1) .
ش- عبد اللّه بن محمد بن نفيل، وزهير بن معاوية، وسماك بن حرب.
قوله: "وما يدريك " ... (2)
قوله: " بمشقص " المشقص بكسر الميم نصل عريض، وقال ابن الأثير (3) : " المشقص نصل السهم إذا كان طويلا غير عريض، فإذا كان عريضا فهو المعَبلةُ ". وبهذا الحديث استدل أبو يوسف من أصحابنا أن قاتل النفس لا يصلى عليه مثل: البغاة، وقطاع الطريق، وقال الخطابي (4) : " وكان عمر بن عبد العزيز لا يرى الصلاة على من قتل نفسه، وكذلك قال الأوزاعي. وقال كثر الفقهاء: يصلى عليه، وتَرْكُهُ - عليه السلام- الصلاةَ عليه كان لردع غيره من مثل فعله".
وقال ابن أبي شيبة: حدثنا جريج، عن مغيرة، عن حماد، عن إبراهيم، قال: "يصلى على الذي قتل نفسه، وعلى النفساء من الزنا، وعلى الذي يموت غريقا ".
حدثنا أبو خالد الأحمر، عن عثمان بن الأسود، عن عطاء، قال:
"صل على من صلى قبلتك ".
__________
(1) مسلم: كتاب الجنائز، باب: ترك الصلاة على القاتل نفسه (978) ، الترمذي: كتاب الجنائز، باب: فيمن قتل نفسه لم يصل عليه (1068) ، النسائي: كتاب الجنائز، باب: ترك الصلاة على من قتل نفسه (4/ 66) ،
ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب: الصلاة على أهل القبلة (1526) .
(2) بياض في الأصل قدر نصف سطر.
(3) النهاية (2/ 490) .
(4) معالم السنن (1/ 26) .

(6/121)


حدثنا مروان بن معاوية، عن ابن عون، عن عمران، قال: "سألت إبراهيم النخعي عن إنسان قتل نفسه، هل يصلى عليه؟ قال: نعم، إنما الصلاة سنة "
وحديث جابر أخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه مختصرات بمعناه.
47- باب: الصلاة على من قتلته الحدود
أي: هذا باب في بيان الصلاة على من قتل في حد.
1621- ص- نا أبو كامل، نا أبو عوانة، عن أبي بشر، قال: حدثني نفر من أهل البصرة، عن أبي بردة الأسلمي " أن رسولَ الله- عليه السلام- لم يُصلِّ على ماعزِ بنِ مالك، ولم ينهَ عن الصلاةِ عليه" (1)
ش- أبو كامل فضيل بن الحسين الجحدري، وأبو عوانة الوضاح، وأبو بشر جعفر بن أبي وحشية، وأبو برزة نضلة بن عبيد الصحابي، في إسناده مجاهيل.
وأخرج مسلم فيه صحيحه، حديث ماعز من رواية أبي سعيد الخدري، وفيه قال: " فما استغفر له ولا سبه " وأخرجه من حديث بريدة ابن الحصيب، وفيه فقال: " استغفروا لماعز بن مالك، قال: فقالوا: غفر الله لماعز بن مالك"
وأخرج البخاري في "صحيحه" عن محمود بن غيلان، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر حديث ماعز، وفيه فقال/ له النبي- عليه السلام- خيرا، وصلى عليه. وقال البخاري: لم يقل يونس أ وابن جريج، عن الزهري: "فصلى عليه "، هذا آخر كلامه.
__________
(1) تفرد به أبو داود .

(6/122)


وقد أخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي من حديث معمر، عن الزهري وفيه:" ولم يصل عليه" وعلل بعضهم هذه الزيادة وهي قوله: "فصلى عليه " بأن محمد بن يحيى لم يذكرها، وهو أضبط من محمود ابن غيلان، قال: وتابع محمد بن يحيى: نوح بن حبيب، وقال غيره: كذا رواه عن عبد الرزاق الحسن بن علي، ومحمد بن المتوكل، يريد: لم يذكر الزيادة، قال: وما أرى مسلما ترك حديث محمود بن غيلان إلا لمخالفة هؤلاء، هذا آخر كلامه.
وقد خالفه أيضا إسحاق بن إبراهيم المعروف بابن راهويه، وحميد بن زنجويه، وأحمد بن منصور الزيادي، وإسحاق بن إبراهيم الدوري، فهؤلاء ثمانية من أصحاب عبد الرزاق خالفوا محمودا في هذه الزيادة، وفيهم هؤلاء الحفاظ: إسحاق بن راهويه، ومحمد بن يحيى الذهلي، وحميد بن زنجويه.
وقد أخرجه مسلم في " صحيحه "، عن إسحاق بن راهويه، عن عبد الرزاق، ولم يذكر لفظه، غير أنه قال: نحو رواية عقيل، وحديث عقيل الذي أشار أيه ليس فيه ذكر الصلاة، وقال أبو بكر البيهقي: ورواه البخاري، عن محمود بن غيلان، عن عبد الرزاق إلا أنه قال:" وصلى عليه"، وهو خطأ، لإجماع أصحاب عبد الرزاق على خلافه، ثم إجماع أصحاب الزهري على خلافه، هذا آخر كلامه.
وقد أخرجه مسلم في " صحيحه "، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه من حديث عمران بن حصين حديث الجهينية، وفيه: "فأمر بها رسول الله- عليه السلام- فشكت عليها ثيابها، فأمر بها فرجمت، ثم صلى عليها، فقال له عمر- رضي الله عنه-: تصلي عليها يا نبي الله، وقد زنت ! قال: لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله " . وهذا الحديث ظاهر جدا في الصلاة على المرجوم، والله أعلم. ،،،

(6/123)


48- باب (1) : الصلاة على الطفل
أي: هذا باب في بيان الصلاة على الصغير.
1622- ص- نا محمد بن يحي بن فارس، نا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، نا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني عبد الله بن أي بكر، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: "ماتَ إبراهيم ابنُ النبي- عليه السلام- وهو ابنُ ثمانيةَ عشر شهرا فلم يُصَل عليه رسولُ الله - عليه السلام-" (2) .
ش- الحديث رواه الإمام أحمد، والبزار، وأبو يعلى في مسانيدهم، وذكروا في تركه- عليه السلام- الصلاة عليه وجوها، الأول: شغل النبي- عليه السلام- بصلاة الكسوف.
الثاني: أنه استغنى بفضيلة بنوة النبي- عليه السلام- عن الصلاة كما استغنى الشهداء بفضيلة الشهادة.
الثالث: لأنه لا يصلي نبي على نبي، وقد جاء أنه لو عاش لكان نبنا. الرابع: أنه لم يصل عليه بنفسه، وصلى عليه غيره.
1623- ص- نا هناد بن السري، نا محمد بن عبيد، عن وائل بن داود، قال: سمعت البهيَّ، قال: "لما مات إبراهيم ابنُ النبي - عليه السلام- صَلى عليه رسولُ اللهِ- عليه السلام- في المَقَاعِدِ" (3) .
ش- محمد بن عبيد الطنافسي الأحدب الكوفي، ووائل بن داود أبو بكر التيمي، روى عن ابنه بكر، وروى ابنه عنه، من رواية الآباء عن الأبناء، وعبد الله البهي، ومحمد بن سعد. روى عنه: محمد بن عبيد، وسفيان بن عيينة، ويحي القطان، قال أحمد بن حنبل: هو ثقة.
__________
(1) في سنن أي داود: " باب في الصلاة على الطفل ".
(2) تفرد به أبو داود.
(3) تفرد به أبو داود.

(6/124)


وقال أبو حاتم: صالح الحديث. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (1) .
والبهي بفتح الباء الموحدة، وكسر الهاء، وتشديد الياء، اسمه: عبد اللّه بن يسار، مولى مصعب بن الزبير، تابعي، يعد في الكوفيين. قوله: " في المقاعد " المقاعد مواضع قعود الناس في الأسواق وغيرها، وهذا الحديث مرسل، ورواه البيهقي (2) ، وروى المرسل الذي يليه أيضا (2) ، وقال: هذه الآثار مرسلة، وهي تشد الموصول، وروايات الإثبات/ أولى من روايات الترك.
ص- قال أبو داود: قرأت على سعيد بن يعقوب الطالقاني: حدثكم ابن المبارك (3) ، عن يعقوب بن القعقاع، عن عطاء "أن النبي- عليه السلام- صلى على ابنه إبراهيم وهو ابنُ سبعينَ ليلة " (4) .
ش- سعيد بن يعقوب الطالقاني أبو بكر. سمع: حماد بن زيد، ووكيعا، وابن المبارك، وغيرهم. روى عنه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وقال: ثقة. وقال أبو زرعة: كان ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال البخاري: مات سنة أربع وأربعين ومائتين (5) .
ويعقوب بن القعقاع بن الأعلم أبو الحسن الأزدي الخراساني، قاضي مرو، ابن عم القاسم بن الفضل الحداني. روى عن: عطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، وقتادة. روى عنه: الثوري، قال ابن معين: خراساني ثقة ثقة. روى له: أبو داود، والنسائي (6) .
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (26/ 5440) .
(2) السنن الكبرى (4/ 9) .
(3) في سنن أبى داود: "قيل له: حدثكم ابن المبارك ".
(4) في سنن أبي داود: تحدثنا هناد بن السري، ثنا محمد بن عبيد، عن وائل ابن داود قال: سمعت البهي قال: لما مات إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم صلى عليه رسول الله في المقاعد. قال أبو داود: قرأت على سعيد بن يعقوب الطالقاني
قيل له: حدثكم....".
(5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (11/ 2386) .
(6) المصدر التسابق (32/ 99 0 7) .

(6/125)


وهذا الحديث أيضا مرسل، ورواه البيهقي أيضاً
ومن أحاديث الإثبات ما رواه ابن ماجه في "سننه": أخبرنا عبد القدوس ابن محمد، عن داود بن شبيب الباهلي، عن إبراهيم بن عثمان، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم، عن ابن عباس- رضي اللّه عنه- قال: "لما مات إبراهيم ابن رسول الله صلّى وقال: إن له مرضعا في الجنة، ولو عاش لكان صديقا نبيا، ولَعَتَقَتْ أخوالُهُ القبطُ، وما استُرِق قبطي " (1) . ومنها ما رواه الإمام أحمد في "مسنده " (2) : حدثنا أسود بن عامر، ثنا إسرائيل، عن جابر الجعفي، عن عامر الشعبي ؛ عن البراء، قال: "صلى رسول الله- عليه السلام- على ابنه إبراهيم، ومات وهو ابن ستة عشر شهرا ".
ورواه البيهقي (3) ، وقال: وكونه صلى عليه هو أشبه بالأحاديث الصحيحة، ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" : حدثنا وكيع، عن سفيان، عن جابر الجعفي، عن الشعبي "أن النبي- عليه السلام- " إلى آخره، ولم يذكر البراء فيه، وكذلك عبد الرزاق في "مصنفه ": أخبرنا سفيان الثوري، عن جابر به مرسلا.
ومنها ما رواه أبو يعلى الموصلي في "مسنده" حدثنا عقبة بن مكرم،
ثنا يونس بن بكير، ثنا محمد بن عبيد الله القواريري، عن عطاء، عن أنس " أن النبي- عليه السلام- صلى على ابنه إبراهيم، وكبر عليه أربعا" ورواه ابن سعد في "الطبقات " (4) : أخبرنا عبد الله بن نصير، عن عطاء ابن عجلان، عن أنس فذكره.
__________
(1) ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في الصلاة على ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر وفاته (1511) ، وقال البوصيري في " الزوائد ": "في إسناده إبراهيم
ابن عثمان أبو شيبة قاضي واسط. قال فيه البخاري: سكتوا عنه. وقال ابن المبارك: ارم به. وقال ابن معين: ليس بثقة. وقال أحمد: منكر الحديث. وقال النسائي: متروك الحديث ".
(2) (4/ 283) .
(3) السنن الكبرى (4/ 9) .
(4) (1/ 0 9) .

(6/126)


ومنها ما رواه البزار في "مسنده": حدثنا إبراهيم بن يوسف الصيرفي الكوفي، ثنا عبد الرحمن بن مالك بن مغول، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري بلفظ أبي يعلى الموصلي.
49- باب: الصلاة على الجنازة في المسجد
أي: هذا باب في بيان حكم الصلاة على الجنازة في المسجد.
1624- ص- نا سعيد بن منصور، نا فلاح بن سليمان، عن صالح بن عجلان، ومحمد بن عبد الله بن عباد، عن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: "والله ما صلى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على سُهيل ابنِ البيضاءِ إلا في المسجدِ" (1) .
ش- صالح بين عجلان. روى له: أبو داود، وابن ماجه، ومحمد
ابن عبد الله بن عباد. روى عن: عباد بن عبد الله. روى عنه: فليح، قال أبو حاتم: هو مجهول. روى له: أبو داود، والنسائي.
والحديث أخرجه: مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وبه استدل الشافعي ومن تبعه على جواز الصلاة على الميت في المسجد من غير كراهة وقال أصحابنا: يكره ذلك، فقيل: كراهة تحريم، وقيل: كراهة تنزيه، واستدلوا بحديث أبي هريرة لما يجيء الآن، وقال الطحاوي: صلاته- عليه السلام- على سهيل بن البيضاء في المسجد منسوخة وآخر المعلن منه- عليه السلام- الترك، لإنكار عامة الصحابة على عائشة رضي الله عنها- ولو علموا خلافه لما أنكروه.
__________
(1) مسلم: كتاب الجنائز، باب: الصلاة على الجنازة"في المسجد (973) ، الترمذي: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في الصلاة على الميت في المسجد (1033) ، النسائي: كتاب الجنائز، باب: الصلاة على الجنازة*في المسجد (4/68) ، ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في الصلاة على الجنائز
في المسجد (1518) .

(6/127)


1625- ص- نا هارون بن عبد الله، نا ابن أبي فديك، عن الضحاك
- يعني: ابن عثمان- عن أي النضر، عن أبي سلمة، عن عائشة- رضي الله
عنها- قالت: " والله لقد صلى رسولُ اللهِ- عليه السلام- على ابْنَيْ بيضاءَ
في/ المسجدِ: سهيلٍ وأخيهِ " (1) .
ش- محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، وأبو النضر سالم بن[ أبي]
أمية، وأبو سلمة عبد اللّه بن عبد الرحمن بن عوف.
قوله: "سهيل" بالجر بدل من قوله: " ابني بيضاء" و" أخيه " عطف
عليه.
والحديث أخرجه مسلم.
1626- ص- نا مسدد، نا يحيى، عن ابن أبي ذئب، قال: حدثني
صالح مولى التوأمة، عن أي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "مَنْ صلى
على جَنازة في المسجدِ فلا شيءَ له (2) " (3) .
ش- يحيى القطان، ومحمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن
أبي ذئب، وصالح بن نبهان الجمحي. " (4) والحديث أخرجه ابن ماجه،
ولفظه: " فليس له شيء "، وقال الخطيب: المحفوظ " فلا شيء له"
ورُوي " فلا شيء عليه "، وروى " فلا أجر له ". قال ابن عبد البر:
رواية فلا أجر له خطأ فاحش والصحيح " فلا شيء له"، وصالح مولى
التوأمة من أهل العلم من لا يحتج به لضعفه، ومنهم من يقبل منه ما رواه
ابن أبي ذئب خاصة، ورواه ابن أبي شيبة في " مصنفه" بلفظ: " فلا
صلاة له "، ورواه ابن عدي في "الكامل" (5) بلفظ أبي داود، وعده
__________
(1) مسلم: كتاب الجنائز، باب: الصلاة على الجنازة في المسجد (973) .
(2) في سنن أبي داود:" عليه".
(3) ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في الصلاة على الجنائز في المسجد (1517) .
(4) انظر: نصب الراية (2/ 275، 276) .
(5) (85/5) ترجمة صالح بن نبهان.

(6/128)


من منكرات صالح، ثم أسند إلى شعبة أنه كان لا يروى عنه، وينهى عنه، و إلى مالك أنه قال: لا تأخذوا عنه شيئا فانه ليس بثقة، و إلى النسائي أنه قال فيه: ضعيف. وأسند عن ابن معين أنه قال فيه: ثقة، لكنه اختلط قبل موته، فمن سمع منه قبل ذلك فهو ثبت حجة، وممن سمع منه قبل الاختلاط ابن أبي ذئب. وقال ابن حبان في كتاب "الضعفاء": اختلط بآخر عمره، ولم يتميز حديثُ حديثه من قديمه، فاستحق الترك، ثم ذكر له هذا الحديث، وقال: إنه باطل وكيف يقول: "رسول الله- عليه السلام- وقد صلى على سهيل ابن بيضاء في المسجد"؟ أصبح مولى التوأمة مختلف في عدالته، كان مالك بن أنس يجرحه، وقال النووي: أجيب عن هذا بأجوبة، أحدها: إنه ضعيف، لا يصح الاحتجاج به. قال أحمد بن حنبل: هذا حديث ضعيف، تفرد به صالح مولى التوأمة، وهو ضعيف.
والثاني: إن الذي في النسخ المشهورة المسموعة من "سنن أبي داود" "فلا شيء عليه" فلا حجة فيه.
الثالث: إن اللام فيه بمعنى "على" كقوله تعالى: { وَإِنْ أسَأتُمْ فَلَهَا } (1) أي: فعليها جمعا بين الأحاديث.
قلت: الجواب أن غالب ما ذكر فيه تحامل، والصواب" (2) ما ذكره
ابن معين الذي هو حاكم فيصل في هذا الباب، وما قاله ابن عبد البر من قوله: " ومنهم من يقبل منه"، وقول النووي: الذي في النسخ المشهورة المسموعة من "سنن أبي داود" " فلا شيء عليه " يرده قول الخطيب: المحفوظ "فلا شيء له " وتأويله معنى "اللام " بمعنى " على" تحكم من غير دليل، وعدول عن الأصل بلا فائدة، فافهم.
__________
(1) سورة الإسراء: (7) .
(2) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.
.9 شرح سنن أبي داوود 6

(6/129)


50 باب: الدفن عند طلوع الشمس وعند غروبها
أي: هذا باب في بيان حكم الدفن عند طلوع الشمس وعند غروبها.
1627- ص- نا عثمان بن أبي شيبة، نا وكيعِ، نا موسى بن عُلَيِّ بين رباحٍ قال: سمعتُ أبي يحدثُ أنهُ سمع عقبةَ بن عامر، قال: "ثلاث ساعات كان رسولُ الله- عليه السلام- يَنْهَانا أن نُصلِّيَ فيهن، أو نَقْبُرَ فيهن مَوْتَانا: حين تطلعُ الشَمسُ بازغةً حتى ترتفعَ، وحن يُقومُ قَائمُ الظهيرة حتى تَمِيلَ، وحين تَتَضيفُ (1) الشمسُ للغروبِ حتى تغربَ، أو كما قال " (2) . ش- وكيع بن الجراح، وموسى بن عُلَي، بضم العين، وقد مر ذكره، وذكر والده.
قوله: "أو نقبر" أي: أو أن ندفن فيهن الموتى.
قوله: "بازغة " نصب على الحال من الشمس من بزغت الشمس، وبزغ القمر وغيرها إذا طلعت، من باب نصر ينصر.
قوله: " قائم الظهيرة" ظهيرة الشمس شدة حرها نصف النهار، ولا يقال في الشتاء: ظهيرة، ويجمع على الظهار.
قوله: " تتضيف" أي: تميل وتجنح للغروب، يقال: ضاف الشيء يضيف بمعنى مال، ومنه اشتق اسم الضيف، ويقال:ضفت الرجل إذا ملت نحوه، وكنت له ضيفا/ وأضفته إذا أملته إلى رَحْلِك وقَرَيْته، واختلف الناس في جواز الصلاة على الجنازة، والدفن في هذه الساعات
__________
(1) في سنن أبي داود: " تضيف".
(2) مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب: الأوقات التي نهى عن الصلاة فيها (831) ، الترمذي: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في كراهية الصلاة على الجنازة عند طلوع الشمس وعند غروبها (1030) ، النسائي: كتاب المواقيت، باب: الساعات التي نهى عن الصلاة فيها (1/ 275) ، ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في الأوقات التي لا يصلى على الميت فيها ولا يدفن (1519) .

(6/130)


الثلاث، فذهب أْكثر أهل العلم إلى كراهية الصلاة على الجنائز في الأوقات التي تكره فيها الصلاة، ورُوي ذلك عن ابن عمر، وهو قول عطاء، والنخعي، والأوزاعي، والثوري، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وأحمد، و إسحاق، وكان الشافعي يرى الصلاة على الجنائز أي ساعة شاء من ليل أو نهار، وكذلك الدفن أي وقت كان من ليل أو نهار، وقول الجماعة أولى لموافقة الحديث، والحديث أخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
51- باب: إذا حضر جنائز رجال ونساء من يقدم؟
أي: هذا باب في بيان الحكم في الجنائز التي تحضر من الرجال والنساء
أيها يقدم إلى جهة الإمام.
1628- ص- نا يزيد بن خالد بن مسهب، نا ابن وهب، عن ابن جريج، عن يحيى بن صَبيح، قال: حدثني عمار مولى الحارث بن نوفل: "أنه شَهِدَ جَنازةَ أمِّ كَلثومٍ ، وابنهَا، فَجَعل الغُلامَ مما يلي الإمامَ، فأنكرتُ ذلك وفي القول: ابنُ عباس، وأَبو سعيد، وأبو قتادةَ، وأبو هريرة، فقالوا: هذه السنةُ" (1) .
ش- عبد اللّه بن وهب، وعبد الملك بن جريج.
ويحيى بن صَبيح- بفتح الصاد- أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو بكر النيسابوري المقرئ، وهو جد سليمان بن حرب لأمه. سمع: عمرو بن دينار، وعمارة (2) مولى الحارث، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وقتادة. روى عنه: ابن جريج، ويحيى القطان، وسفيان بن عيينة، وقال أبو حاتم: لا بأس به، توفي بمكة. روى له: أبو داود (3) .
__________
(1) النسائي: كتاب الجنائز، باب: اجتماع صبي وامرأة (4/ 71) .
(2) في الأصل: عمار.
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (31/ 48 لملاك.

(6/131)


وعمار مولى الحارث بن نوفل. روى عن: ابن عباس، وأبي سعيد الخدري، وأبي قتادة، وأبي هريرة. روى عنه: يحيى بن صَبِيح. روى له: أبو داود (1) .
وأم كلثوم هذه هي بنت علي بن أبي طالب، زوج عمر بن الخطاب
- رضي اللّه عنه- وابنها هو زيد الأكبر ابن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- وكان مات هو، وأمه أم كلثوم بنت علي- رضي اللّه عنه- في وقت واحد، لم يدر أيهما مات أولا، فلم يورث أحدهما من الآخر، وعن هذا قالت العلماء: إذا اجتمعت جنائز من الرجال والنساء يجعل الرجل مما يلي الإمام من جهة القبلة، ثم المرأة مما يلي القبلة، وإذا اجتمع رجل، وصبي، وامرأة، وخنثى، يوضع الرجل، ثم الصبي من ناحية القبلة، ثم الخنثى، ثم المرأة، فتكون المرأة آخر الكل مما يلي القبلة، والحديث أخرجه النسائي.
52- باب: أين يقوم الإمام من الميت إذا صلى عليه؟
أي: هذا باب في بيان موضع قيام الإمام من الميت عند الصلاة عليه.
1629- ص- نا داود بن معاذ، نا عبد الوارث، عن نافع أدي طالب، قال : " كُنتُ في سَكَةِ المِرْبَد، فمرتْ جَنازة معها ناس كثير، قالوا: جنازةُ عبد الله بنِ عُمَيرٍ ، فتبعتُه، فَإذا أنا برجل عليه كِسَاء رقيق على بُرَيْذينة (2) ، على رَأسه خِرْقَة تقيه من الشمس، فقلًتُ: مَن هذا الدهقانِ؟ قالَواً: هذا أنسُ بنُ مالك، فلَما وُضعت الجًنازةُ قامَ أنس فصلى عليها وأنا خلفُهُ، لا يَحُول بيني وبيانه شيء، فَقامَ عَندَ رأسه، فكبر أربعَ تكبيرات، لم يُطِلْ ولم يُسْرعْ، ثم ذهبَ يقعدُ، قالوا (3) : يا أبا حمزةَ المرأةُ الأنصًاريةُ، فقربوها رمعَها (4) نعش أخضرُ، فقامَ عندَ عُجَيْزَتِها، فصلى عليها نحو صلاِتهِ على
__________
(1) المصدر السابق (21/ 4167) .
(2) في سنن أبي داود:" بريذينته".
(3) في سنن أبي داود: " فقالوا".
(4) في سنن أبي داود: "وعليها".

(6/132)


الرجلِ، ثم جَلَسَ، فقال العلاءُ بنُ زياد: يا أبا حمزةَ، هكذا كان رسولُ الله - عليه السلام- (1) يُصَلي على الجنائز كصلاتكَ (2) يُكبرُ عليها أربعاً ويقومُ عندَ رأسِ الرجلِ، وعُجَيْزَةِ المرأةِ؟ قال:َ نعم، قال: يا أبا حمزة،
غزوت مع رسولِ الله؟ قال: نعم، غزوتُ معه حُنينا، فخرجَ المُشركونَ، فحَمَلُوا علينا حتى رَأيْنَا خَيْلنا وراءَ ظُهُورِنَا وفي اَلقوم رجل يَحْمِلُ علينا فَيدُفنا ويَحْطمُنَا، فهزمهمُ اللهُ عز وجل، وجَعَلَ يُجاءُ بهم، فيبايعُونَه على
الإسلام ، فقَالَ رجل من أصحابِ النبي- عليه السلام- إن عَلَيَّ نذراً إن جاَءَ اللهُ- عز وجل- بالرجلِ الذي كان هذا (3) اليوم يَحْطمُنا/ لأضرِبَن عُنقَهُ، فسكتَ رسولُ الله- عليه السلام- وجيء بالرجلِ، فَلما رأى رسولَ
الله- عليه السلام- قالَ: يا رسولَ الله، تُبتُ إلى الله، فأمسكَ رسولُ الله عنه لا يُبايعُه، ليَفِي الآخر بنذرِه، قال:َ فَجعلَ الرجل يَتَصدَى لرسولِ اللهَ صلى الله عليه وسلم ليأمر (4) بقَتله، وجَعَل يَهاَبُ رسولَ الله أن يقتُلَهُ، فلما رأى رسولُ اللهِ عليه السلامَ- لا يَصنعُ (5) شيئا بايَعَهُ، فقَال الرجلُ: يا رسولَ اللّهِ، نَذْرِي، فقال: إني لم أمسكْ عنه منذُ اليومَ إلا لتُوَفِّي بنذركَ، فقال: يا رسولَ الله، ألا أوْمضتَ إلي، فقال رسولُ اللهِ- عليه السلام- إنه ليسَ لنَبِيّ أن يُومضَ ، قال أبو غالب: فسألتُ عن صَنِيع أنسِ، عن (6) قيامهِ على المرأة عندَ عُجَيْزَتِهَا، فحدثوني أنه إنما كان لأنه لم يكن النُّعوشُ، فكان يقوم الإماَم (7) حِيالَ عُجَيْزَتِهَا يستُرُها من القوم " (8) .
__________
(1) في سنن أبي داود: "هكذا كان يفعل رسول الله ".
(2) في الأصل: " كصلاته ".
(3) في سنن أبي داود: "منذ اليوم".
(4) في سنن أبي داود: ليأمره.
(5) في سنن أبي داود: " أنه لا يصنع".
(6) في سنن أبي داود: " في".
(7) في سنن أبي داود: "فكان الإمام يقوم".
(8) الترمذي: كتاب الجنائز، باب: ما جاء أين يقوم الإمام من الرجل والمرأة (1034) ، ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في أين يقوم الإمام إذا صلى على الجنازة (1494) .

(6/133)


ش- داود بن معاذ أبو سليمان العتكي، سكن المصيصة. روى عن: عبد الوارث بن سعيد. روى عنه: أبو حاتم، وأبو داود (1) .
ونافع أبو غالب الباهلي الخياط البصري، قال أبو أحمد: ويقال: اسمه رافع، سمع أنس بن مالك، والعلاء بن زياد العدوي. روى عنه: عبد الوارث بن سعيد، وهمام بن يحيى. قال يحيى بن معين: صالح. وقال أبو حاتم: شيخ. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (2) . قوله: "في سكة المِرْبَد" المربد بكسر الميم، وسكون الراء، وفتح الباء، الموضع الذي تحبسَ فيه الإبل والغنم، وبه سمي مربد المدينة والبصرة، من ربد بالمكان إذا أقام فيه، وربطه إذا حبسه، والمراد أيضا الموضع الذي يجعل فيه التمر لينشف، كالبيدر للحنطة، والسكة الطريقة المصطفة من النخل، ومنها قيل للأزقة: السكة، لاصطفاف الدور فيها. قوله: "على بريذينة " تصغير "برذونة" بكسر الباء، وفتح الذال المعجمة، قال الجوهري: البرذون الدابة. وقال الكسائي: الأنثى من البراذن بِرذونة، وقال غيره: البرذون الفرس العجمي.
قوله: "تقيه " أي: تحفظه، من وقى يقي.
قوله: "هذا الدهقان " الدهقان بكسر الدال، وفتحها رئيس القرية، ومقدم الماء، وأصحاب الزراعة، وهو معرب، ونونه أصلية لقولهم: " تدهقن الرجل، وله دهقنة موضع كذا "، وقيل: النون زائدة، وهو من الدهق، وهو الامتلاء.
قوله: "قالوا: نا أبا حمزة " كنية أنس أبو حمزة.
قوله: "المرأة الأنصارية " قال النووي في " الخلاصة" : وقع عند أبي داود أن المرأة أنصارية، وعند الترمذي أنها قرشية، فلعلها كانت من قريش وبالحلف من الأنصار، أو عكسه، والله أعلم.
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (8 /1787) .
(2) المصدر السابق (34/ 0 756) .

(6/134)


قوله: " نعش أخضر" والنعش: الذي يحمل عليه الميت، وإذا لم يكن عليه ميت فهو سرير، والمراد من النعش هاهنا هو مثل المكبة توضع على السرير، وتغطى بثوب ليسترها عن أعين الناس وهي كالقبة على السرير.
قوله: " عند عجيزتها " أي: عند عجزها، والعجز بفتح العين، وضم الجيم، مؤخر الشيء.
قوله: " العلاء بن زياد" هو: العلاء بن زياد بن مطر البصري، العابد المشهور، التابعي، الثقة (1) .
قوله: " ألا أومضت" من الإماض- بالضاد المعجمة- وهو الرمز بالعين والإيماء بها، ومنه وميض البرق، وهو لمعانه.
قوله: "إنه ليس للنبي " أي: إن الشأن ليس لنبي أن يومض، معناه: لا يجوز له فيما بينه وبين الله- عز وجل- أن يضمر شيئا ويظهر خلافه، لان الله- عز وجل- إنما بعثه لإظهار الدين، وإعلان الحق، فلا يجوز له ستره وكتمانه، لان ذلك خداع ، ولا يحل له أن يُؤَمنَ رجلا في الظاهر، ويخفره في الباطن، وقد اختلف الناس في موقف الإمام من الجنائز، فقال أبو حنيفة: يقوم للرجل والمرأة بحذاء الصدر، وعن أبي حنيفة: يقوم للرجل بحذاء رأسه، وللمرأة بحذاء وسطها، وقال الشافعي .... (2)
وقال أحمد بن حنبل: يقوم من المرأة بحذاء وسطها، ومن الرجل بحذاء صدره، وهذا الحديث متمسك أصحابنا ورواه الترمذي، وابن- ماجه، وقال الترمذي: حسن، ولفظ الترمذي، وابن ماجه: " عن
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (22/ 4568) .
(2) بياض في الأصل قدر نصف سطر، وقد ذكر المصنف عن أبي حنيفة أن مقام الإمام للرجل بحذاء رأسه...، وهذا هو قول الإمام الشافعي، وقال الإمام الشوكاني في نيل الأوطار (4/ 66) : " وهو الحق ".

(6/135)


أبي غالب، قال: رأيت أنس بن مالك صلى على جنازة رجل، فقام
حيال رأسه، فجيء بجنازة أخرى، فقالوا: يا أبا حمزة صل عليها، 309/31 ص، فقَام حِيال/ وسط السرير، فقال العلاء بن زياد: يا أبا حمزة، هكذا رأيتَ النبي- عليه السلام- قام من الجنازة مقامك من الرجل، وقام من
المرأة مقامك من المرأة؟ قال: نعم، فأقبل علينا العلاء بن زياد فقال:
احفظوا " انتهى.
وبهذا اللفظ روى أحمد، وإسحاق بن راهويه، وأبو يعلى الموصلي
في مسانيدهم.
ص- قال أبو داود: قول النبيِّ- عليه السلام- " أمرتُ أن أقاتلَ الناسَ
حتى يقولوا: لا إله إلا الله " نَسخ من هذا الحديث الوفاءَ بالنذرِ في قتلِهِ (2) .
ش- كان النذر بالقتل صحيحا، فلما أتى قوله- عليه السلام-:
"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا اللّه" الحديث، انتسخ هذا
الحكم، فلم يبق النذر بالقتل صحيحا، فلو نذر أن يقتل نفسه فنذره باطل
عند أبي حنيفة، وقال محمد: عليه ذبح شاة، ولو نذر أن يقتل عبده
فكذا نذره باطل عند أبي حنيفة، وأبي يوسف، وقال محمد: عليه ذبح
شاة، ولو نذر أن يقتل فلانا فنذره باطل عند أبي يوسف، وقال محمد:
عليه ذبح شاة.
1630- ص- نا مسدد، نا يزيد بن زريع، نا حسين المعلم، نا عبد الله
ابن بريدة، عن سمرة بن جندب، قال: " صليتُ وِراءَ النبيّ- عليه
السلام- على امرأةٍ ماتَتْ في نِفَاسِهَا، فقامَ عليها للصلاةِ وسَطَهَا " (3) .
__________
(1) بهامش الأصل: "رسول الله".
(2) في سنن أبي داود زيادة: "بقوله: إني قد تبت ".
(3) البخاري: كتاب الحيض، باب: الصلاة على النفساء وسننها (332) ، مسلم: كتاب الجنائز، باب: أين يقوم الإمام من الميت للصلاة عليه (964) ، الترمذي: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في أين يقوم الإمام من الرجل والمرأة (1035) ، النسائي: كتاب الجنائز، باب: الصلاة على الجنائز قائماً =

(6/136)


ش- الحديث أخرجه الجماعة، وبه تمسك الشافعي وأحمد.
53- باب: التكبير على الجنازة
أي: هذا باب في بيان التكبير على الجنائز كم هي؟
1631- ص- نا محمد بن العلاء، نا ابن إدريس قال: سمعت
أبا إسحاق، عن الشعبي: " أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم مَر بقبر رَطب، فصَفوا عليه،
وكبر عليه أربعاً " قلنا للشعبي (1) : من حدثك؟ قال: الضفة مَن شهده: عبد الله بن عباس (2) .
ش- عبد اللّه بن إدريس، وأبو إسحاق الشيباني، وعامر الشعبي.
قوله: "قبر رطب" أي: طري، وفيه جواز الصلاة على القبر إذا دفن الميت بغير صلاة، وأن تكبيرات صلاة الجنازة أربع، والحديث مرسل. 1632
- ص- نا أبو الوليد الطيالسي، نا شعبة، ح أنا ابن المثنى، نا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى " كان (3) زيد- يعني: ابنَ أرقمَ- يُكبرُ على جَنائزِنَا أربعا، وانه كَبرَ على جَنازة خمسا، فسألته؟ فقال: كان رسولُ اللهِ يُكبرها " (4) .
__________
= (4/ 70) ، ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في أين يقوم الإمام إذا صلى على الجنازة (1493) .
(1) في سنن أبي داود: "فقلت للشعبي".
(2) البخاري: كتاب الجنائز، باب: الإذن بالجنازة (1247) ، مسلم: كتاب الجنائز، باب: الصلاة على القبر (68) (954) ، الترمذي: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في الصلاة على القبر (1037) ، النسائي: كتاب الجنائز، باب: الصلاة على القبر (4/ 84، 85) ، ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في الصلاة على القبر (1530) .
(3) في الأصل: " قال" وما أثبتناه من سنن أبي داود.
(4) مسلم: كتاب الجنائز (957) ، الترمذي: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في التكبير على الجنائز (1023) ، النسائي: كتاب الجنائز، باب: عدد التكبير =

(6/137)


ش- أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، ومحمد بن المثنى، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، والحديث أخرجه: مسلم، والترمذي، وابن ماجه.
واعلم أنه ورد في تكبيرات الجنازة: أربع، وخمس، وست، وسبع، وثمان، ولكن آخر ما استقر عليه الأمر أربع، وعليه جمهور الفقهاء، وقد وردت فيها أحاديث، منها (1) : " ما رواه الحاكم في
"المستدرك " (2) ، والدارقطني في "سننه " (3) ، عن الفرات بن السائب، عن ميمون بن مهران، عن عبد اللّه بن عباس، قال:" آخر ما كبر النبي- عليه السلام- على الجنائز أربع تكبيرات، وكبر عمر على أبي بكر أربعا، وكبر ابن عمر على عمر أربعا، وكبر الحسن بن عَلِي عَلَى عَلِي أربعا، وكبر الحسين على الحسن أربعا، وكبرت الملائكة على آدم أربعا ".
قال الدارقطني: والفرات بن السائب متروك، وسكت الحاكم عنه.
ومنها ما رواه البيهقي في "سننه" (4) ، والطبراني في "معجمه"،
عن النضر أبي عمر، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: " آخر جنازة صلى عليها رسول اللّه- عليه السلام- كبر عليها أربعا ".
قال البيهقي: تفرد به النضر بن عبد الرحمن أبو عمر الخراز، عن عكرمة، وهو ضعيف، وقد رُوي هذا من وجوه أخر كلها ضعيفة، إلا أن اجتماع أكثر الصحابة- رضي اللّه عنهم- على الأربع كالدليل على ذلك.
ومنها ما رواه أبو نعيم الأصبهاني في " تاريخ أصبهان" في ترجمة
__________
= على الجنازة (73/4) ، ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب: ما جاء فيمن كبر خمسا (1505) .
(1) انظر: نصب الراية (2/ 267: 269) .
(2) (1/ 386) .
(3) (2/ 72) .
(4) السنن الكبرى (4/ 37) .

(6/138)


المحمدية: حدثنا أبو بكر محمد بن إسحاق بن عمران، ثنا إبراهيم بن
محمد بن الحارث، ثنا شيبان بن فروخ، هنا نافع أبو هرمز، ثنا عطاء،
عن ابن عباس: "أن النبي- عليه السلام- كان يكبر على أهل بدر سبع تكبيرات، وعلى بني هاشم خمس تكبيرات، ثم كان آخر صلاته أربع تكبيرات إلى أن خرج من الدنيا".
ومنها/ ما رواه الدارقطني في " سننه " (1) ، عن يحيى بن أبي أنيسة،
عن جابر، عن الشعبي، عن مسروق، قال: " صلى عمر على بعض
أزواج النبي- عليه السلام- فسمعته يقول: لأصلين عليها مثل آخر صلاة
صلاها رسول الله على مثلها، فكبر عليها أربعا".
ويحيى بن أبي أنيسة، وجابر الجعفي ضعيفان.
ومنها ما رواه محمد بن الحسن في كتاب "الآثار" (2) : أخبرنا
أبو حنيفة، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي: " أن الناس
كانوا يصلون على الجنائز: خمسا، وستا، وأربعا، حتى قبض النبي
- عليه السلام- ثم كبروا كذلك في ولاية أبي بكر الصديق، ثم ولي عمر
ابن الخطاب ففعلوا ذلك، فقال لهم عمر: إنكم معشر أصحاب محمد،
متى تختلفون يختلف الناس بعدكم، والناس حديث عهد بالجاهلية،
فأجمعوا على شيء يجمع عليه من بعدكم، فأجمع رأي أصحاب محمد
أن ينظروا آخر جنازة كبر عليها النبي- عليه السلام- حين قبض فيأخذون به،
ويرفضون (3) ما سواه، فنظروا فوجدوا آخر جنازة كبر عليها رسوله الله
- عليه السلام- أربعاً". وفيه انقطاع بين إبراهيم، وعمر رضي الله عنه-.
ومنها ما رواه أبو عمر في " الاستذكار "، عن عبد الوارث بن سفيان،
عن قاسم، عن ابن وضاح، عن عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم، عن
مروان بن معاوية الفزاري، عن عبد الله بن الحارث، عن أبي بكر بن
__________
(1) (2/ 76) .
(2) (ص/0 4) باب الصلاة على الجنازة.
(3) في كتاب الآثار، ونصب الراية (2/268) : " يتركون".

(6/139)


سليمان (1) بن أبي حكمة، عن أبيه، قال: " كان النبي- عليه السلام- يكبر على الجنائز: أربعا، وخمسا، وسبعا، وثمانيا حتى جاء موت النجاشي فخرج إلى المصلى، فصف الناس وراءه، وكبر عليه أربعا، ثم ثبت النبي- عليه السلام- على أربع حتى توفاه الله- عز وجل- ". ومنها ما رواه الحازمي في كتابه "الناسخ والمنسوخ "، عن أبي بكر أحمد بن علي بن سعيد القاضي المركزي، [ ثنا شيبان الأبلي ]، ثنا نافع أبو هرمز، ثنا أنس بن مالك "أن رسول اللّه- عليه السلام- كبر على أهل بدر سبع تكبيرات، وعلى بني هاشم سبع تكبيرات، وكان آخر صلاته أربعا حتى خرج من الدنيا".
قال: وإسناده واهي، وقد رُوي " آخر صلاته كبر أربعا" من عدة روايات كلها ضعيفة، ولذلك جعل بعض العلماء الأمر على التوسع، وأن لا وقت، ولا عدد، وجمعوا بين الأحاديث، وقالوا: كان النبي - عليه السلام- يفضل أهل بدر على غيرهم، وكذا بني هاشم، فكان يكبر عليهم خمساً وعلى من دونهم أربعا، وأن الذي حكى آخر صلاة النبي- عليه السلام- لم يكن الميت من بني هاشم، ولا من أهل بدر، وقد جعل بعض العلماء حديث النجاشي ناسخا، فإن حديث النجاشي مخرج في " الصحيحين " (2) من رواية أبي هريرة: " أن رسول اللّه- عليه السلام- نعاه في اليوم الذي مات، وخرج بهم إلى المصلى، فصف بهم، وكبر أربع تكبيرات " قالوا: وأبو هريرة متأخر الإسلام، وموت النجاشي كان بعد إسلام أبي هريرة بمدة.
فإن قيل: إن كان في حديث أبي هريرة ما يدل على التأخير فليس في تلك الأحاديث المنسوخة ما يدل على التقديم، فليس أحدهما أولى
__________
(1) في الأصل:ا أبو بكر بن أبي سليمان " خطأ" وانظر ترجمته في: تهذيب الكمال (33/ 7234) .
(2) يأتي برقم (1639) .

(6/140)


بالتأخير من الآخر، قلنا: قد ورد التصريح بالتأخير من رواية عمر،
وابن عباس، وابن أبي أوفى، وجابر، انتهى كلامه (1) .
ص- قال أبو داود: وأنا لحديث أبي موسى (2) أتقن.
ش- أبو موسى هو محمد بن المثنى أحد شيوخ أبي داود، وأشار
بقوله:" أتقن " إلى قوة هذا الحديث في الصحة، فافهم.
54- باب: ما يقرأ على الجنازة
أي: هذا باب في بيان ما يقرأ على الجنازة.
1633- ص- نا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن
طلحة بن عبد الله بن عوف، قال: " صليت معَ ابن عباس على جَنازة فقرأ
بفاتحةِ الكتابِ، فقال: إنها من السُّنةِ " (3)

ش- طلحة بن عبد اللّه بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن
زهرة الزهري القرشي، أبو عبد اللّه المدني، قاضي مدينة رسول اللّه
- عليه السلام- ليزيد بن معاوية، ثم ولي الصلاة لابن الزبير، كان يقال
له: طلحة الندي لجوده، وهو ابن أخي عبد الرحمن بن عوف صاحب
رسول اللّه- عليه السلام-. روى عن: عثمان بن عفان، وعبد اللّه بن
عباس، وأبي هريرة. روى عنه: الزهري، وسعد بن إبراهيم،
وأبو الزياد، قال أبو زرعة:/ توفي بالمدينة سنة سبع وتسعين، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة (4) .
__________
(1) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.
(2) في سنن أبي داود: " ابن المثنى".
(3) البخاري: كتاب الجنائز، باب: قراره فاتحة الكتاب على الجنازة (66) ، الترمذي: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في القراءة على الجنازة بفاتحة الكتاب- (1026) ، النسائي: كتاب الجنائز، باب: الدعاء (4/ 75) .
(4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (13/ 973 2) .

(6/141)


والحديث أخرجه: البخاري، والترمذي، والنسائي، وبه استدل الشافعي، ومالك، وأحمد على أن قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة سنة، وقال أصحابنا: قراءتها على وجه الثناء لا بأس بها، وما روي عن ابن عباس فمحمول على أنه قرأها على قصد الثناء، لا قصد القراءة، فقال أبو بكر: حدثنا إسماعيل ابن علية، عن أيوب، عن نافع: "أن ابن عمر كان لا يقرأ في الصلاة على الميت " وإسناده صحيح.
حدثنا إسماعيل ابن علية، عن أيوب، عن محمد: "أنه كان لا يقرأ
في الصلاة على الميت " و إسناده صحيح .
حدثنا عبد الأعلى، وغندر، عن عوف، عن أبي المنهال، قال: "سألت أبا العالية عن القراءة في الصلاة على الجنازة بفاتحة الكتاب فقال: ما كنت أحسب أن فاتحة الكتاب تقرأ إلا في صلاة فيها ركوع وسجود ". حدثنا أبو معاوية، عن الشيباني، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، قال: قال له رجل: " أقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب؟ قال: لا تقرأ "
وإسناده صحيح.
حدثنا وكيع، عن زمعة، عن ابن طاوس، عن أبيه وعطاء:" أنهما كانا ينكران القراءة على الجنازة".
حدثنا سفيان بنا عيينة، عن عمرو، عن أبي معبد، عن ابن عباس:
"أنه كان يُجمع الناس بأحمد، ويكبر على الجنازة".
قلت: هذه الرواية تؤيد ما قاله أصحابنا: إن ابن عباس قرأ بفاتحة الكتاب في صلاة الجنازة على قصد الثناء، إذ لو كانت القراءة فيها سنة لما تركها، فافهم.
55- باب: الدعاء للميت
أي: هذا باب في بيان الدعاء للميت.
1634- ص- نا عبد العزيز بن يحيى الحساني، حدثني محمد- يعني:

(6/142)


ابن سلمه- عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إذا صَلَّيتُم على الميتِ فأخْلِصُوا له الدعاءَ" (1) .
ش- محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد القرشي التيمي المدني، والحديث أخرجه ابن ماجه، وفيه من الفقه أن الميت يدعى له في الصلاة عليه ولكن بالإخلاص، ولا يكون ذلك إلا بصفاء الخاطر عن الكدورات الدنيوية، والشواغل الشيطانية، والخضوع والخشوع بالقلب والجوارح.
1635- ص- نا أبو معمر عبد الله بن عمرو، نا عبد الوارث، نا أبو الجلاس عقبة بن سيار، حدثني علي بن شماس، قال: " شَهدتُ مَرْوَانَ سألَ أبا هريرة، كيف سمعتَ رسول الله- عليه السلام- يُصلِّي على الجنائزِ (2) ؟ قال: أمع الذي قلت؟ قالَ: نعم، قال: كلام كان بينهما قبلَ ذلكَ، قال أبو هريرِة: اللهم أنتَ ربها، وأنتَ خلقتَها، وأنتَ هديتَها إلى الإسلام (3) ، وأنت قبضت رُوحَها، وأنتَ أعلمُ بسرّهَا، وعلانيَتها جئنَا شُفَعاءَ فاغفرْ له " (4)

ش- عبد الوارث بن سعيد، وأبو الجلاس بفتح الجيم، وتخفيف اللام، وبسين مهملة، عقبة بن سيار، ويقال ابن سنان السلمي الشامي، سكن البصرة، روى عن علي بن شماخ، وعثمان بن جحاش، ويقال: ابن شَمَّاس. روى عنه: شعبة، وعبد الوارث، قال ابن معين: ثقة. روى له: أبو داود (5) .
وعلي بن شماخ السلمي روى عن أبي هريرة. روى عنه: أبو الجلاس، وعباد بن صالح. روى له: أبو داود (6) .
__________
(1) ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في الدعاء في الصلاة على الجنازة (1497) .
(2) في سنن أبي داود: " الجنازة".
(3) في سنن أبي داود: " للسلام".
(4) النسائي في " عمل اليوم والليلة".
(5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (0 2/ 3976) .
(6) المصدر السابق (0 2/ 82 0 4) .

(6/143)


قوله: " شفعاء " نصب على الحال من الضمير الذي في "جئنا " أي: شافعين، والشفعاء جمع شفيع بمعنى شافع، والحديث أخرجه النسائي في " اليوم والليلة".
ص- قال أبو داود: أخطأ شعبة في اسم علي بن شماخ، قال (1) : عثمان ابن شماس.
ش- أشار بهذا إلى ما روى حكم بن محمد، قال: ثنا أبو بكر بن إسماعيل، قال: نا أبو بشر الدولابي، قال: نا محمد بن بشار، نا محمد بن جعفر، نا شعبة، عن أبي الجلاس، قال: سمعت عثمان بن شماس، عن أبي هريرة، الحديث، قال أحمد بن زهير: سئل يحيى بن معين، عن حديث عثمان بن شماس، روى عنه: أبو الجلاس، قال: شعبة قلبه، وإنما صححه عبد الوارث.
ص- سمعت (2) أحمد بن إبراهيم الموصلي يحدث أحمد بن حنبل، قال: ما أعلم أني جلست حماد بن زيد مجلسا إلا نهى فيه عن عبد الوارث، وجعفر بن سليمان.
ش-/ أحمد بن إبراهيم بن خالد أحد شيوخ أبي داود ... (3) .
1636- ص- نا موسى بن مروان الرقي، نا شعيب- يعني: ابن إسحاق- عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: "صلى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على جَنازة، فقال: اللهم اغْفِرْ لحينا ومَيتنَا، وصغيرنَا وكبيرِنَا، وذكرِنَاَ وأنثَانَا، وشاهدَنَا وغَائبنَا، اللهم من أَحييْتَه مَنا فأحْيه عَلى الإيمان، ومَن توفيتَهُ مِنا فتوفهُ عَلى الإسًلام، اللهم لا تَحِرمْنًا أجْرَه، ولا تُضِلناَ بعدَه" (4) .
__________
(1) في سنن أبي داود: " قال فيه".
(2) في سنن أبي داود:" وسمعت ".
(3) بياض في الأصل قدر نصف سطر.
(4) الترمذي: كتاب الجنائز، باب: ما يقول في الصلاة على الميت (1024) ، النسائي: كتاب الجنائز، باب: الدعاء (4/ 74) ، ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في الصلاة على الجنازة (1498) .

(6/144)


ش- "لا تحرمنا" من حَرَمَهُ الشيءَ يَحْرِمُه من باب ضرب يضرب، حَرِما بكسر الراء، مثل سَرَقَهُ سَرِقا، وحَرِمةً، وحَرِيمةً، وحِرْمَانا، وأحْرَمَهُ أيضاً إذا منعه إناه، وأما حَرُمَ الشيءُ يَحْرُمُ حُرمة فبضم عين الفعل فيهما، يقال: حَرُمتِ الصلاةُ على الحائض، حُرْما بضم الحاء، وسكون الراء، وأما حَرِمَ يَحْرَمُ بكسر العين في الماضي، وفتحها في الغابر، حَرَما بفتح الحاء، والراء، فمعناه قُمِرَ، وأحمرتُه أنا إذا قمرته، وفي الحديث فوائد، الأولى: استحباب قراءة الدعاء في صلاة الجنازة. والثانية: جواز الجهر بها، ولهذا قال أبو هريرة: " صلى رسول الله على جنازة، فقال: اللهم " إلى آخره، ولو لم يجهر بها النبي- عليه السلام- لما سمعها أبو هريرة، ولكن الإخفاء أفضل، لأن جهره- عليه السلام- ربما كان للتعليم.
والثالثة: أنه لا فرق بين الإيمان والإسلام، وهو حجة للحنفية، فافهم. والرابعة: أن الخير والشر من اللّه تعالى، فافهم إن كنت على ذكر من هذا، والحديث أخرجه: الترمذي، والنسائي، وأخرجه الترمذي من حديث يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو إبراهيم الأشهلي، عن أبيه، قال: " كان رسول الله- عليه السلام- إذا صلى على الجنازة قال: اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا، وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا و أنثانا".
وأخرجه النسائي، وقال الترمذي: حديث والد أبي إبراهيم حديث حسن صحيح، وقال الترمذي أيضاً وسمعت محمداً- يعني: البخاري- يقول: أصح الروايات في هذا حديث يحيى بن أبي كثير، عن أبي إبراهيم الأشهلي، عن أبيه، وسألته عن اسم أبي إبراهيم الأشهلي فلم يعرفه، هذا آخر كلامه، وذكر بعضهم أن أبا إبراهيم هو عبد اللّه بن أبي قتادة، وليس بصحيح، فإن أبا قتادة سلمة، والله أعلم.
__________
(1) ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في الدعاء في الصلاة على الجنازة (1499) .
10 . شرح سنن أبي داوود

(6/145)


1637- ص- نا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، نا الوليد، ح ونا إبراهيم بن موسى الرازي، نا الوليد (1) ، نا مروان بن جناح، عن يونس بن ميسرة بن حَلبَس، عن وائلة بن الأسقع، قال: " صلى بنا رسولُ الله- عليه السلام- على رَجلٍ من المسلمينَ فسمعتُه يقولُ: اللهم إن فلانَ بن فَلان في ذمَّتِكَ، فقه فتنةَ القبرِ " قال عبد الرحمن: " في ذمَّتكَ، وحَبلِ جِوَارِكَ فقه من فتنة الَقبَرِ، وعَذاب النارِ، وأنتَ أهلُ الوفاء وَالَحقِّ (2) ، اللهم اغفرْ (3) له وارحمهُ، إنك أنتم الغفورُ الرحيمُ " (4) قالَ عبد الرحمن: عن مَرْوَان ابن جناح.
ش- عبد الرحمن بن إبراهيم هو دحيم، والوليد بن مسلم.
ومروان بن جَناح الأموي مولى الوليد بن عبد الملك أخو روح. روى عن: أبيه، ويونس بن ميسرة، ومجاهد. روى عنه: الوليد بن مسلم، وصدقة بن خالد، وقال الدارقطني: لا بأس به، وقال ابن أبي حاتم: شيخ يكتب حديثه، ولا يحتج به (5) .
ويونس بن ميسرة بن حَلْبس الجبلاني بالجيم والباء الموحدة،
أبو عبيد الأعمى الدمشقي، أخو يزيد. روى عن: عبد اللّه بن عمر، وعبد اللّه بن عمرو بن العاص، وواثلة بن الأسقع، وجماعة آخرين. روى عنه: مروان بن جناح، والأوزاعي، ومحمد بن مهاجر، وغيرهم، قال أحمد بن عبد اللّه: ثقة، وكذا قال الدارقطني، مات في سنة اثنين وثلاثة ومائة، وهو ابن مائة وعشرين سنة. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (6) .
__________
(1) في سنن أبي داود بعد قوله "نا الوليد" "وحديث عبد الرحمن أتم".
(2) في سنن أبي داود: "والحمد".
(3) في سنن أبي داود: " فاغفر ".
(4) ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في الدعاء في الصلاة على الجنازة (5) انظر ترجمته في ": تهذيب الكمال" (27/ 5869) .
(6) المصدر السابق (32/ 185 7) .

(6/146)


قوله: " في ذمتك "/ أي: في أمانك أو في ضمانك، والذمة تجيء بمعنى العهد، والأمان والضمان، والحرمة، والحق.
قوله: "فقه" أمر من وقى يقي ق، و" الهاء " فيها ضمير منصف أب، بخلاف ما إذا قلت: قه أمر، فإن " الهاء" فيه للسكت والراحة، و"فتنة القبر" السؤال الذي يسأل فيه الميت.
قوله: "وحبل جوارك " أي: أمانك، والحبل: العهد، والميثاق، والأمان الذي يؤمن من العذاب، وكان من عادة العرب أن يحيف بعضها بعضا، فكان الرجل إذا أراد سفرا أخذ عهدا من سيد كل قبيلة فيأمن به مادام في حدودها حتى ينتهي إلى الأحْرى فيأخذ مثل ذلك، فهذا حبل الجوار، أي: مادام يجاور أرضه، أو هو من الإجارة، والأمان، والنصرة والحديث أخرجه ابن ماجه.
56- باب: الصلاة على القبر
أي: هذا باب في بيان حكم الصلاة على القبر بعد دفن الميت.
1638- ص- نا سليمان بن حرب ومسدد قالا: نا حماد، عن ثابت،
عن أبي رافع، عن أي هريرة: " أن امرأةَ سوداءَ، أو رَجُل (1) كان يَقُم المسجد، فَفَقَدَهُ النبي- عليه السلام- فسألَ عنه؟ فقيل: ماتَ، فقال: ألا آذنتموني به؟ قال: " دلوني على قبره، فدعوه، فصلى عليه" (2) .
ش- حماد بن زيد، وثابت البناني، وأبو رافع مولى النبي- عليه السلام- اسمه: إبراهيم، أو أسلم، وقد مر غير مرة.
__________
(1) كذا، وفي متن أبي داود:" رجلاً".
(2) البخاري: كتاب الصلاة، باب: كنس المسجد و إلقاء الخرق والقذى والعيدان (57 4) ، وكتاب الجنائز، باب: الصلاة على القبر بعد ما يدفن (1337) ، مسلم: كتاب الجنائز، باب: الصلاة على القبر (965) ، ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في الصلاة على القبر (1527) .

(6/147)


قوله: " يقم " أي: يكنس، والقمامة: الكناسة.
قوله: " ألا آذنتموني " أي: هلا أعلمتموني، واستدل علماؤنا بهذا الحديث أن الميت إذا دفن بدون الصلاة يصلى على قبره، ثم قال بعض أصحابنا: يصلى عليه ما لم ينفسخ، وقال أبو يوسف: يصلى إلى ثلاثة أيام، والأصح أن الاعتبار لأكبر الرأي، وقال الخطابي (1) : "وفيه دليل لجواز الصلاة على القبر لمن لم يلحق الصلاة على الميت قبل الدفن ". قلت: هذا غير مسلم، والحديث لا يدل على مدعاه، والحديث أخرجه: البخاري، ومسلم، وابن ماجه (2) ، وروى ابن حبان في "صحيحه " (3) في النوع الأول من القسم الرابع من حديث خارجة بن زيد بن ثابت، عن عمه يزيد (4) بن ثابت- وكان أكبر من زيد، قال: "خرجنا مع رسول اللّه- عليه السلام- فلما وردنا البقيع إذا هو بقبر، فسأل عنه؟ فقالوا: فلانة فعرفها، فقال: ألا آذنتموني بها؟ قالوا: كنت قائلا صائما، قال: فلا تفعلوا لا يعرفن ما مات منكم ميت ما كنت بين أظهركم، إلا ناديتموني (5) به، فإن صلاتي عليه رحمة، قال: ثم أتى القبر فصففنا خلفه، وكبر عليه أربعا".
ورواه الحاكم في " المستدرك" (6) في الفضائل وسكت عنه وأخرج ابن حبان من طريق أحمد بن حنبل، ثنا غندر، عن شعبة، عن حبيب بن الشهيد، عن ثابت، عن أنس: " أن النبي- عليه السلام- صلى على قبر امرأة قد دفنت ".
وقال ابن حبان في "صحيحه ": وقد جعل بعض العلماء الصلاة على
__________
(1) معالم السنن (1/ 274) .
(2) انظر: نصب الراية (2/ 265، 266) .
(3) ابن حبان (7/ 87 0 3) ، وأخرجه أحمد (4/ 388) ، والنسائي: في باب الصلاة على القبر من كتاب الجنائز (4/ 84) ، وابن ماجه: في باب: الصلاة على القبر من كتاب الجنائز له 152) .
(4) في الأصل: "زيد" خطأ.
(5) في صحيح ابن حبان: "آذنتموني".
(6) (591/3) .

(6/148)


القبر من خصائص النبي- عليه السلام- بدليل ما روي فيه: " وإني
أنورها بصلاتي عليهم" وليس كما توهموه، بدليل أنه- عليه السلام-
صف الناس خلفه، فلو كان من خصائصه لزجرهم عن ذلك، انتهى.
وهذا الحديث الذي أشار إليه أخرجه البخاري، ومسلم، عن أبي هريرة
أيضاً: أن النبي- عليه السلام- صلى على قبر امرأة، أو رجل كان
يقم المسجد ثم قال: إن هذه القبور مملوءة على أهلها ظلمة، وإني أنورها
بصلاتي عليهم ".
وأخرج الترمذي (1) ، عن سعيد بن المسيب " أن أم سعد- يعني ابن
عبادة ماتت، والنبي- عليه السلام- غائب، فلما قدم صلى عليها،
وقد مضى لذلك شهر " قال البيهقي (2) : هو مرسل صحيح، وقد روي
موصولا عن ابن عباس، والمشهور المرسل (3) .
57- باب الصلاة (4) على المسلم يموت في بلاد الشرك
أي: هذا باب في بيان الصلاة على المسلم، يلي أمر ذلك المسلم أهل
الشرك في بلد آخر، وفي بعض النسخ: " باب الصلاة على المسلم يموت
في بلاد أهل الشرك".
/ 639 1- ص- نا القعنبي، قال: قرأت على مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة- رضِي الله عنه- "أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نعىِ للناسِ النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرجَ بهم إلى المُصًلَّى، فَصلى بهم وكَبرَ أربع تكبيراتٍ " (5) .
__________
(1) كتاب الجنائز، باب: الصلاة على القبر (1038) .
(2) السنن الكبرى (48/4) . (3) إلى هنا انتهى النقل من نضب الراية.
(4) في سنن أبي داود: "باب في الصلاة على المسلم يموت في بلاد الشرك".
(5) البخاري: كتاب الجنائز، باب: التكبير على الجنازة أربعا (1333) ، مسلم:
كتاب الجنائز، باب: في التكبير على الجنازة (951) ، الترمذي: كتاب

(6/149)


ش-" نعى" من النعي، وهو خبر الموت، والناعي الذي يأتي بخبر الموت، والنجاشي اسم كل من ملك الحبشة كما أن كل من ملك الشام مع الجزيرة، وبلاد الروم يسمى قيصر، وكل من ملك الفرس يسمى كسرى، وكل من ملك مصر كافرا يسمى فرعون (1) ، وكل من ملك الإسكندرية يسمى المقوقس، وكل من ملك اليمن يسمى تبع، وكل من ملك الهند، وقيل: اليونان يسمى بطليموس (2) ، وكل من ملك الترك يسمى خاقان، وكل من ملك اليهود يسمى القِطبون، وكل من ملك الصابئة يسمى نمرود، وكل من ملك العرب من قبل العجم يسمى النعمان، وكل من ملك البربر يسمى جالوت، وكل من ملك فرغانة يسمى الإخشيد، واسم هذا النجاشي الذي صلى عليه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : أصحمة ابن أبجر، ويقال: مصحمة بالميم موضع الهمزة، ويقال: أصحم، ومعناه بالعربية: عطية، وكان عبدا صالحاً لبيبا ذكيا، عادلا عالماً وعن جابر قال: قال رسول الله- عليه السلام- حين مات النجاشي: "مات اليوم رجل صالح، فقوموا وصلوا على أخيكم أصحمة" رواه البخاري، وقال ابن كثير: وشهود أبي هريرة الصلاة على النجاشي دليل على أنه مات بعد فتح خيبر التي قدم بقية المهاجرين إلى الحبشة مع جعفر ابن أبي طالب يوم فتح خيبر، ولهذا رُوي أن النبي- عليه السلام- قال:
"والله ما أدري بأيهما أسَر: أبفتح خيبر؟ أم بقدوم جعفر" وقدموا معهم بهدايا وتحف من عند النجاشي إلى النبي- عليه السلام- وصحبتهم أهل السفينة العمانية أصحاب أبي، موسى وقومه من الأشعريين ومع جعفر
__________
= الجنائز، باب "الصفوف على الجنازة (1022) " النسائي: كتاب الجنائز، باب: الصفوف على الجنازة (4/ 69) ، ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب:
الصلاة على النجاشي (1534) .
(1) وقيل: كل من ملك القبط يسمى فرعون، ومن ملك مصر يسمى العزيز، وانظر: "شرح صحيح مسلم" (23/7) تحت شرح هذا الحديث.
(2) في الأصل: "بطلميوس" خطأ.

(6/150)


وهدايا النجاشي ابن أخي النجاشي ذو مخبر، أو ذو مخمر، أرسله ليخدم النبي- عليه السلام- عوضا عن عمه، وقال السهيلي: توفي النجاشي في رجب سنة تسع من الهجرة، وفي هذا نظر (1) .
وقال الخطابي: النجاشي رجل مسلم، قد آمن برسول الله- عليه السلام- وصدقه على نبوته، إلا أنه كان يكتم إيمانه، والمسلم إذا مات وجب على المسلمين أن يصلوا عليه، إلا أنه كان بين ظهراني أهل الكفر، ولم يكن بحضرته من يقوم بحقه في الصلاة عليه، فلزم رسول الله- عليه السلام- أن يفعل ذلك إذ هو نبيه، ووليه، وأحق الناس به، فهذا - والله أعلم- هو السبب الذي دعاه إلى الصلاة عليه، بظهر الغيب، فعلى هذا إذا مات المسلم ببلد من البلدان، وقد قضى حقه من الصلاة عليه، فإنه لا يصلى عليه من كان ببلد آخر غائبا عنه، فإن عُلِمَ أنه لم يصل عليه لعائق أو مانع عذر كانت السنة أن يصلى عليه ولا يترك ذلك لبعد المسافة، فإذا صلوا عليه استقبلوا القبلة، ولم يتوجهوا إلى بلد الميت- إن كان في غير جهة القبلة- وقد ذهب بعض العلماء إلى كراهة الصلاة على الميت الغائب، وزعموا أن النبي- عليه السلام- كان مخصوصا بهذا الفعل إذ كان في حكم المشاهد للنجاشي، لما روي في بعض الأخبار " أنه قد سُويت له أعلام الأرض حتى يبصر مكانه " وهذا تأويل فاسد، لأن رسول الله- عليه السلام- إذا فعل شيئا من أفعال الشريعة كان علينا متابعته والاتسَاء به، والتخصيص لا يعلم إلا بدليل، ومما يبين ذلك أنه صلى الله عليه وسلم خرج بالناس إلى الصلاة، وصف بهم، وصلوا معه، فعلم أن هذا التأويل فاسد.
قلت: هذا التشنيع كله على الحنفية من غير توجيه ولا تحقيق، فنقول
ما يظهر لك فيه دفع كلامه: إن النبي- عليه السلام- رفع له سريره فوقه، فتكون الصلاة عليه كميتٍ رآه الإمام، ولا يراه المأموم،
__________
(1) انظر ترجمته من: أسد الغابة (1/ 119) ، والإصابة (1/ 109) .

(6/151)


فإن قيل: (1) هذا يحتاج إلى نقل يبينه، ولا يكتفى فيه مجرد الاحتمال.
/ قلت: ورد ما يدل على ذلك، فروى ابن حبان في "صحيحه " في النوع الحادي والأربعة من القسم الخامس من حديث عمران بن الحصين، أن النبي- عليه السلام- قال: " إن أخاكم النجاشي توفي، فقوموا، صلوا عليه، فقام رسول الله- عليه السلام- وصفوا خلفه فكبر أربعا، وهم لا يظنون إلا أن جنازته بين يديه " انتهى.
وجواب آخر أنه من باب الضرورة، لأنه مات بأرض لم يقم فيها عليه فريضة الصلاة، فتعين فرض الصلاة عليه، لعدم من يصلي عليه ثم، ويدل على ذلك أن النبي- عليه السلام- لم يصل على غائب غيره، وقد مات من الصحابة خلق كثير وهم غائبون عنه، وسمع بهم فلم يصل عليهم، إلا غائبا واحدة ورد أنه طويت له الأرض حتى حضره وهو: معاوية بن معاوية المدني، روى حديثه الطبراني فيه معجم " الأوسط " (2) وكتاب "مسند الشاميين": حدثنا علي بن سعيد الرازي، ثنا نوح بن عمرو (3) بن حُوَي السكسكي، ثنا بقية بن الوليد، عن محمد بن زياد الألهاني، عن أبي أسامة، قال: " كنا مع رسول الله- عليه السلام- بتبوك، فنزل عليه جبريل- عليه السلام- فقال: يا رسول الله، إن معاوية بن معاوية المدني مات بالمدينة، أتحب أن تطوى لك الأرض فتصلي عليه، قال: نعم، فضرب بجناحه على الأرض، ورفع له سريره"
__________
(1) القائل هو الإمام تقي الدين كما في نصب الراية (283/2) ، ومنه سينقل المصنف ما يأتي.
(2) (4/ 3874) .
(3) في الأصل: "عمير" خطأ، وقد ذكره الذهبي في والميزان، (4/ 278) ، وأورد له هذا الحديث من طريق الحاكم، وتابعه الحافظ في "اللسان"
(6/ 173- 174) ، وكذا ذكر الحديث في الإصابة (3/ 437) ترجمة معاوية بن معاوية، فقالا: "نوح بن عمرو"، وانظر: "الإكمال" (2/ 574) .

(6/152)


فصلى عليه، وخلفه صفان من الملائكة في كل صف سبعون ألف ملك،
ثم رفع، وقال النبي- عليه السلام- لجبريل- عليه السلام.: بم أدرك هذا؟ قال: بحبه سورة "قل هو الله أحد " وقراءته إياها جائيا، وذاهبا، وقائماً وقاعدا، وعلى كل حالة انتهى.
ورواه ابن سعد في "الطبقات" في ترجمة معاوية بن معاوية المدني،
قال: ويقال: الليثي من حديث أنس، فقال: أخبرنا يزيد بن هارون،
ثنا العلاء أبو محمد الثقفي، سمعت أنس بن مالك، قال: وكنا مع رسول الله- عليه السلام- " فذكر نحوه.
أخبرنا عثمان بن الهيثم البصري، حدثنا محبوب بن هلال المدني، عن
ابن أبي ميمونة، عن أنس وذكر نحوه، وبسند ابن سعد الأول رواه البيهقي (1) وضعفه، قال النووي في " الخلاصة": والعلاء هذا ابن زيد، ويقال: ابن يزيد، اتفقوا على ضعفه، قال البخاري، وابن عدي، وأبو حاتم: هو منكر الحديث. قال البيهقي: ورُوي من طريق أخرى ضعيفة وغائبان آخران وهما: زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، ورد عنه أنه كشف له عنهما، أخرجه الواقدي في كتاب "المغازي" فقال: حدثني محمد بن صالح، عن عاصم بن عمر بن قتادة، وحدثني عبد الجبار بن عمارة، عن عبد اللّه بن أبي بكر، قالا: "لما التقى الناس بمؤتة جلس رسول اللّه- عليهم السلام- على المنبر، وكُشِفَ له ما بينه وبين الشام، فهو ينظر إلى معتركهم، فقال- عليه السلام-: اتخذ الراية زيد بن حارثه فمضى حتى استشهد، وصلى عليه ودعا له، وقال: استغفروا له، وقد دخل الجنة وهو يسعى، ثم أخذ الراية جعفر بن أبي طالب فمضى حتى استشهد، وصلى عليه رسول الله- عليه السلام-
__________
(1) السنن الكبرى (4/ 50) وقال: "العلاء بن زيد منكر الحديث" ورواه بالإسناد الثاني وقال:" لا يتابع عليه" سمعت ابن حماد يذكره عن البخارية.

(6/153)


ودعا له، وقال: استغفروا له، وقد دخل الجنة فهو يطير فيها بجناحه
حيث شاء " مختصر، وهو مرسل من الطريقين المذكورين " (1) .
وحديث أبي هريرة أخرجه الجماعة.
1640- ص- نا عباد بن موسى، نا إسماعيل- يعني: ابن جعفر- عن
إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبيه، قال: " أمرنَا رسولُ الله
- عليه السلام- أن ننطلقَ إلى أرضِ النجاشيِّ" فذكرَ حديثه " فقال النجاشي: أشهدُ أنه رسولُ الله، وأنه الذي بَشرَ به عيسى ابنُ مريم، ولولا ما أنا فيه من المُلكِ لأتيتُه حتى أحمِلَ نعلَيْهِ " (2) .
ش- إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري، وإسرائيل بن يونس
ابن أبي إسحاق السبيعي، وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله السباعي
الكوفي، هو جد إسماعيل المذكور، وأبو بردة عامر بن عبد الله بن قيس الكوفي، وعبد الله هو أبو موسى الأشعري، وروى الإمام أحمد بإسناد
جيد قوي، عن ابن مسعود- رضي الله عنه- قال: وبعثنا رسول الله
- عليه السلام- إلى النجاشي ونحن نحو من ثمانين رجلا فيهم: جعفر،
وعبد اللّه بن عُرفُطة، وعثمان بن مظعون، وأبو موسى الأشعري، فأتوا النجاشي، وبعثت قريش عمرو بن العاص، وعمارة بن الوليد
بهدية، فلما دخلا على النجاشي سجدا له، ثم ابتدراه عن يمينه وشماله،
ثم قالا له: إن نفرا من بني عمنا نزلوا أرضك، ورغبوا عنا وعن ملتنا،
قال: فأين هم؟ قالوا: في أرضك، فابعث إليهم، فبعث إليهم،
فقال جعفر: أنا خطيبكم اليوم، فاتبعوه، فسلم ولم يسجد، فقالوا له:
ما لك لا تسجد للملك؟ قال: أنا لا أسجد إلا لله- عز وجل- قال:
وما ذاك؟ قال: إن الله بعث إلينا رسوله، وأمرنا أن لا نسجد لأحد إلا
للّه- عز وجل- وأمرنا بالصلاة والزكاة، قال عمرو: فإنهم يخالفونك
في عيسى ابن مريم وأمه، قال: ما تقولون في عيسى ابن مريم وأمه؟
__________
(1) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.
(2) تفرد به أبو داود.

(6/154)


قال: نقول كما قال اللّه: هو كلمة اللّه وروحه ألقاها إلى مريم العذراء البتول التي لم يمسها بشر، ولم يفرضها ولد، قال: فرفع عودا من الأرض، ثم قال: يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان، واللّه ما يزيدون على الذي نقول فيه ما سوى هذا، مرحبا بكم، وبمن جئتم من عنده، أشهد أنه رسول اللّه، وأنه نجد في الإنجيل، وأنه الرسول الذي بشر به عيسى ابن مريم، انزلوا حيث شئتم، واللّه لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أكون أنا أحمل نعليه، وأمر بهدية الآخرين فردت إليهما، ثم تعجل عبد اللّه بن مسعود حتى أدرك بدراً وزعم أن النبي- عليه السلام- استغفر له" وذكره أبو نعيم في " الدلائل " بإسناده إلى أبي موسى، كما ذكره أبو داود، وذكر ابن إسحاق هذه القصة بأبسط مما ذكر بإسناده إلى أم سلمة- رضي اللّه عنها- وذكر الواقدي أن خروجهم إلى الحبشة كان في رجب سنة خمس من الهجرة، والله أعلم.
58- باب: في الرجل يجمع موتاه في مَقْبَرة والقبر يُعَلمُ (1)
أي: هذا باب في بيان أن الرجل يجمع موتاه في مقبرة واحدة، ويُعَلمُ
على قبرهم بعلامة.
1641- ص- نا عبد الوهاب بن نجدة، نا سعيد بن سالم، ح ونا يحيى
ابن الفضل السجِسْتاني، نا حاتم- يعني: ابن إسماعيل- بمعناه، عن كثير ابن زيد المدني، عن المطلب، قال: "لما ماتَ عثمانُ بنُ مظعونٍ أخرِجَ بجنازته فدفنَ ، أمرَ (2) النبي- عليه السلام رجلاً أن يأتيه بحَجَر، فلم يستطًع حَمْلًهَا (3) ، فقامَ إليه رسولُ الله- عليه السلام- وحَسَرَ عن ذراعَيْهِ "
__________
(1) في سنن أبي داود: "باب في جمع الموتى في قبر، والقبر يُعلمُ "
(2) في سنن أبي داود: "فأمر".
(3) في سنن أبي داود: "حمله " وهي نسخة كما سيذكر المصنف.

(6/155)


قال كثير: قال المطلبُ: قال الذي يخبرني (1) عن رسول الله- عليه السلام-: وكأني أنظرُ إلى بياض ذرَاعَيْ رسول الله- عليه السَلام- حين حَفَرَ عنهما، ثم حَمَلَهَا فوضعها عندَ رأسِه، وقالَ: لَنُعَلم (2) بها قبر أخي، وأدفنُ إليه من ماتَ من أهلِي " (3) .
ش- سعيد بن سالم القداح أبو عثمان المكي خراساني، سكن مكة، وقال عبد الرحمن: كوفي سكن مكة. روى عن: كثير بن زيد، وابن جريج، والثوري، وغيرهم. روى عنه: ابن عيينة، وعلي بن حرب، وعبد الوهاب بن نجدة، والإمام الشافعي وغيرهم، قال ابن معين: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: محله الصدق. روى له: أبو داود (4) .
وكثير بن زيد الأسلمي السهمي من سهم أسلم مولاهم أبو محمد المدني، يقال له: ابن مافنهْ وهي أمه. روى عن: المطلب بن عبد اللّه بن حنطب، وسالم بن عبد الله بن عمر، ونافع مولى ابن عمر، وغيرهم. روى [عنه] : حاتم بن إسماعيل، وحماد بن زيد، والدراوردي، وغيرهم، قال ابن معين: ليس بذاك القوي. قال معاوية بن صالح: صالح. وقال محمد بن عبد اللّه بن عمار: ثقة. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (5) .
قوله: "فلم يستطع حملها" أي: حمل الحجر، وإنما أنث الضمير فيه وفي قوله: " ثم حملها فوضعها " باعتبار معنى الجنسية التي تشتمل على معنى الجمع، وفي بعض النسخ: "فلم يستطع حمله" بالتذكير، وباقي ضمائره بالتأنيث.
__________
(1) في سنن أبي داود: " يخبرني ذلك".
(2) في سنن أبي داود: " أتعلم بهم".
(3) تفرد به أبو داود.
(4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (0 1/ 2279) . (5) المصدر السابق (24/ 4941) .

(6/156)


قوله: "وحسر" أي: كشف، وفي الحديث من الفقه جواز وضع
الحجارة ونحوها عند القبر للعلامة، وجوار جمع الرجل موتاه في حظيرة
واحدة، وفي هذا المعنى، ما يفعله الناس من وضع الألواح على القبور،
ونصبها عند/ رؤوس الموتى للعلامة، وإنما ورد النهي عن البناء على القبور وتجصيصها، وكذلك قالت الفقهاء: تكره الكتابة عليها، حتى
قالوا: إن قراءة ما كتب على ألواح القبور يورث النسيان، والأصل فيه ما
روى أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا حفص، عن ابن جريج، عن
أبي الزبير، عن جابر، قال: " نهى رسول اللّه- عليه السلام- أن نبني
عليه ". وقال سلمان بن موسى، عن جابر: "وأن نكتب عليه".
وحديث المطلب رواه ابن أبي شيبة أيضا ولفظه حدثنا أبو بكر الحنفي،
عن كثير بن زيد، عن المطلب بن عبد اللّه بن حاطب، قال: " لما مات
عثمانُ بنُ مظعون، دفنه رسول اللّه- عليه السلام- بالبقيع، وقال
لرجل: اذهب إلى تلك الصخرة فأتتني بها، حتى أضعها منذ قبره حتى
أعرفه به".
59- باب: في الحفار يجد العظم هل يَتنَكَبُ ذلك المكان؟
أي: هذا باب في بيان الحفار الذي يجد عظم الميت عند حَفْرِه، يتنكب عن ذلك المكان، أي: يعدل عنه، يقال: نكب عن الطريق ينكب نكوبا أي عدل، وفي بعض النسخ: "باب في الحفار يجد العظم يتنكب عن ذلك المكان ".
1642- ص- نا القعنبي، يا عبد العزيز بن محمد، عن سعد- يعني: ابن سعيد- عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة- رضي الله عنها- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " كَسْرُ عَظم الميتِ كَكَسْرِهِ حَيا" (1) .
__________
(1) ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب: في النهي عن كسر عظام الميت (1616) .

(6/157)


ش- عبد العزيز الدراوردي، وسعد بن سعيد بن قيس بن عمرو الأنصاري، وعمرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة الأنصارية المدنية. قوله: "كسر عظم الميت " مبتدأ وخبره هو "ككسره حيا "، والمعنى أن حرمة بني آدم سواء في الحالتين، فكما لا يجور كسر عظم الحي فكذلك كسر عظم الميت،. وذكر صاحب "الخلاصة": " ولا تكسرُ عظام اليهود إذا وجدت في قبورهم " فعُلِم من هذا أن عظم الميت له حرمة سواء كان مسلما أو كافرا (1) ، والحديث أخرجه ابن ماجه.
60- باب: في اللحد
أي: هذا باب في بيان اللحد، اللحد: الشق الذي يعمل في جانب القبر لموضع الميت، وأصله الميل، ومنه المُلحدُ لميله عن الدين، ولحد القبر لأنه الميل عن وسط القبر إلى جانبه، يقالَ: لحدت، وألحدت.
1643- ص- نا إسحاق بن إسماعيل، نا حكام بن مسلم، عن علي بن عبد الأعلى، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباسِ - رضي الله عنه- قال: قال رسول الله- عليه السلام-: " اللَّحْدُ لَنا، والشّق لغيرِنَا " (2) .
__________
(1) قال الشيخ الألباني في هامش "صحيح الجامع " تعليقا على لفظ " الميت": أي "المؤمن كما في رواية". وقال الشيخ رجائي في " الموازين مختصر تنبيه الغافلين" (ص 175 هامش) : "فالميت الكافر كان قبل موته عند الله ميتا" ، انظر إلى قوله تعالى في شأن من أسلم بعد كفره:{ أو مَن كَانَ مَيْتا فَأحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لهُ نُورا يَمْشِي به في الناسِ} (الأنعام: 122) ، وبناء على هذا جَوَز بعض العلماء الأفاضلَ دراسة الطب على جثث الكافر فقط، بغير قصد التمثيل بها، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المُثْلَة. وَالمُثلة هي العبث والتشويه انتقاما أو جهلا أو لعبا وهي حرام أ هـ .
(2) الترمذي: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم : " اللحد لنا والشق لغيرنا" (1045) ، النسائي: كتاب الجنائز، باب: اللحد والشق
(4/ 80) (2008) ، ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في استحباب اللحد (1554) .

(6/158)


ش- إسحاق بن إسماعيل الطالقاني، يعرف باليتيم، وحكَام بن سلم الرازي، أبو عبد الرحمن الكناني. سمع: إسماعيل بنَ أبي خالد، وحميدا (1) الطويل، والثوري. روى عنه: أبو بكر بن أبي شيبة، وإبراهيم بن موسى الرازي، ويحيى بن معين، وأبو حاتم، قال ابن معين: ثقة. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (2) . وحكام بكسر الحاء المهملة.
وعلي بن عبد الأعلى الأحول الكوفي.
وعبد الأعلى بن عامر الثعلبي- بالثاء المثلثة- الكوفي. روى عن: محمد ابن الحنفية، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وسعيد بن جبير. روى عنه: ابنه عبد الأعلى، وأبو عوانة، والثوري، قال ابن معين: ليس بذلك القوي. وقال أحمد بن حنبل: هو ضعيف الحديث. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (3) .
قوله: " اللحد لنا " يعني لأجل أموات المسلمين، والشق لأجل أموات الكفار، ولو شقوا لمسلم يكون تركا للسنة، اللهم إلا إذا كانت الأرض رخوة لا تحتمل اللحد، فإن الشق حينئذ متعين والحديث أخرجه: الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث غريب من هذا الوجه.
" (4) وروى ابن ماجه في وسننه " (5) ، عن أبي أيقظان، عن
__________
(1) في الأصل:" حميد".
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (7/ 1421) .
(3) المصدر السابق (16/3684) . (4) انظر: نصب الراية (2/ 296- 297) . (5) كتاب الجنائز: باب: استحباب اللحد (1555) وقال في " الزوائد" : إسناده ضعيف، لاتفاقهم على تضعيف أبي أيقظان، واسمه عثمان بن عمير، والحديث من رواية ابن عباس في السن الأربعة، ومن رواية سعد بن أبي وقاص
في مسلم وغيره.

(6/159)


زاذان، عن جريج بن عبد الله البجلي مرفوعا نحوه سواء، ورواه
أحمد (1) ، وأبو داود الطيالسي (2) ، وابن أبي شيبة (3) في مسانيدهم،
ورواه عبد الرزاق في "مصنفه "، ومن طريقه الطبراني في "معجمه "،
وأبو نعيم في "الحلية" في ترجمة زاذان، وله طريق آخر عند أحمد في
"مسنده" (4) ، عن أبي جَنَاب، عن زاذان، عن جريج "أن النبي- عليه
السلام- جلس على شفير قبر فقال: ألحدوا، ولا تشقوا، فإن اللحد
لنا، والشق لغيرنا" وفيه مقال. 214/21 ط وروى أبو حفص بن شاهين في كتاب "الجنائز": حدثنا جعفر بن حمدان الشحام، أنا عبد الأعلى بن واصل، أنا محمد بن الصلت،
عن محمد بن عبد الملك الأسلمي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن
عبد الله قال: قال رسول اللّه- عليه السلام-: " اللحد لنا، والشق لغيرنا".
وروى ابن أبي شيبة في " مصنفه" (5) من طريق مالك: ثني نافع، عن
ابن عمر "أن النبي- عليه السلام- اللحد له، ولأبي بكر، وعمر
- رضي اللّه عنهما" (6) .
61- باب: كم يدخل القبر؟
أي: هذا باب في بيان كمية من يدخل القبر لأجل دفن الميت.
1644- ص- نا أحمد بن يونس، نا زهير، نا إسماعيل بن أبي خالد،
__________
(1) (5/ 362) .
(2) (ص 92) 0
(3) (127/3) .
(4) (359/4) ، وله طريق آخر عند أحمد (357/5) رواه عن عفان، عن حماد ابن سلمة، عن عمرو بن مرة، عن زاذان به .
(5) (127/3) ، وأخرجه أحمد (2/ 24) من طريق العمري، عن نافع به، ولم يذكر أبا بكر ولا عمر.
(6) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.

(6/160)


عن عامر، قال: " غسل رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم: علي، والفضلُ، وأسامةُ بنُ زيدٍ ، وهم أدْخَلُوهُ قَبْرَهُ" قال: وحدثني مرحب، أو ابن أبي مرحب (1) أنهم أدخلوا معهم عبد الرحمن بن عوف، فلما فرغ علي- رضي الله عنه- قال:
" إنما يَلِي الرجلَ أهلُهُ " (2) .
ش- عامر الشعبي.
قوله: "غسل " بالتشديد، وفاعله علي، والفضل هو ابن عباس ابن
عم رسول الله- عليه السلام-.
قوله: "وحدثني مرحب " أي قال الشعبي، ومرحب أو ابن أبي مرحب الصحابي، وفي الكمال: أو أبو مرحب. روى عنه: الشعبي. روى له: أبو داود.
قوله: "إنما يلي الرجل " من ولي الشيء يليه بالكسر فيهما، وفيه من الفقه استحباب نزول ثلاثة أنفس في القبر لتولي أمر الميت، فإن كانوا أكثر فلا بأس سواء كانوا وترا، أو شفعا، قال أبو بكر بن أبى شيبة: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن حماد، عن إبراهيم، قال: "أدخل القبر كم شئت".
حدثنا وكيع، عن ربيع، عن الحسن، قال: " لا يضرك شفع أو وتر" وفيه أيضا استحباب تولي أمور الدفن أهل الميت، حتى إذا كانت امرأة يتولى دفنها من بينها وبينه قرب بالمحامية، أو المصاهرة، أو الرضاع، وروى ابن ماجه في حديث طويل عن ابن عباس: "ونزل في حفرته علي ابن أبي طالب، والفضل بن عباس، وقثم أخوه، وشقران مولى رسول اللّه - عليه السلام- وقال أوس بن خولي وهو أبو ليلى لعلي بن أبي طالب: أنشدك الله، وحظنا من رسول الله؟ قال له علي: انزل " الحديث.
1645- ص- نا محمد بن الصباح بن سفيان، أنا سفيان، عن ابن
__________
(1) في سنن أبي داود: "أبو مرحب".
(2) تفرد به أبو داود.
11 . شرح سنن أبي داوود

(6/161)


أبي خالد- أظنه عن الشعبي- عن أي مرحب: " أن عبد الرحمن بنَ عوف نزل في قبر النبي- عليه السلام- قال: كأني أَنظرُ إليهم أربعة ". (1)
ش- محمد بن الصباح بن سفيان الجرجرائي، وإنما ذكر جده حتى لا يلتبس بمحمد بن الصباح الدولابي البزار "صاحب السنن " فإن كلا منهما شيخه، وسفيان بن عيينة، وابن أبي خالد هو إسماعيل بن أبي خالد البجلي.
قوله: " أربعة" نصب على الحال، والمعنى كأني أنظر أيهم حال كونهم معدودين بهذا العدد، واللّه العلم.
62- باب: كيف يُدخلُ الميتُ في قبره؟ (2)
أي: هذا باب في بيان كيفية إدخال الميت قبره.
1646- ص- نا عبيد الله بن معاذ، نا أبي، عن شعبة، عن أبي إسحاق، قال: "أوْصَى الحارثُ أن يُصَلي عليه عبدُ الله بنُ يزيد، فصلَّى عليه، ثم أدخله القبرَ من قِبَلِ رجلي القبرِ، وقال: هذا من السنة " (3) .
ش- أبو إسحاق عمرُو السبيعي، والحارث...َ (4)
وعبد اللّه بن يزيد بن زيد الصحابي الخطمي، وفيه من الفقه أن الرجل
إذا أوصى أن يصلي عليه فلان، تصح وصيته، وقال بعض أصحابنا: هذه الوصية باطلة، وهو غير صحيح، وفيه حجة للشافعي أيضا في أن السنة في إدخال الميت القبر السَّلُّ، والحديث رواه البيهقي (5) ، وقال: إسناده صحيح، أومن حججهم ما رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (7) : (6)
__________
(1) تفرد به أبو داود.
(2) في سنن أبي داود: " باب في الميت يدخل من قبل رجليه".
(3) تفرد به أبو داود.
(4) بياض في الأصل قدر ثلاث كلمات.
(5) السنن الكبرى (4/ 54) .
(6) انظر: نصب الراية (2/298: 300) .
(7) (130/3) .

(6/162)


حدثنا عبد الأعلى، عن خالد، عن ابن سيرين، قال: " كنتُ مع أنس
في جنازة، فأمر الميت، فأدخل من قبل رجليه ".
حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن ابن عمر: "أنه أدخل
ميتا من قبل رجليه".
وروى ابن ماجه في "سننه " (1) ، عن مندل بن علي، أخبرني [محمد
ابن] عبيد اللّه بن أبي رافع، عن داود بن الحصين، عن أبيه، عن
رافع، قال: "سَل رسولُ اللهِ سعدا، ورش على قبره ماء" ومندل بن
علي ضعيف.
وروى أبو حفص عمر بن شاهر في كتاب " الجنائز": حدثنا عبد الله
ابن الأشعث، ثنا الحسن بن علي بن مهران، ثنا مكي بن إبراهيم، عن
غالب بن عبيد الله، عن حميد، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله
- عليه السلام-: "يدخل الميت من قبل رجليه، ويُسل سَلا".
واستدل أصحابنا بما رواه/ ابن ماجه في "سننه " (2) : حدثنا هارون ابن إسحاق، نا المحاربي، عن عمرو بن قيس، عن عطية، عن
أبي سعيد: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ من قبل القبلة، واستقبل استقبالا"
انتهى.
قال البيهقي: قال الشافعي: ولا يتصور إدخاله من جهة القبلة، لأن
القبر في أصل الحائط.
قلت: فعلى هذا إن كانوا سلوا رسول الله فذاك إنما كان لأجل الضرورة
لأجل الحائط، وإلا فالسنة أن يدخل مما يلي القبلة، وروى ابن عدي في
__________
(1) كتاب الجنائز، باب: ما جاء في إدخال الميت القبر (1551) ، وقال في " الزوائد": وفي إسناده مندل بن علي ضعيف، ومحمد بن عبيد الله متفق على ضعفه ".
(2) كتاب الجنائز ، باب: ما جاء في إدخال الميت القبر (1552) ، وقال في "الزوائد ": وفي إسناده عطية العوفي، وضعفه الإمام أحمد ".

(6/163)


"الكامل " (1) والعقيلي في " الضعفاء" (2) ، عن عمرو بن يزيد (3) التميمي، عن علقمة بن مرثد، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال:
" أخذ (4) رسول اللّه من قبلي (5) القبلة، وألحد له، ونصب عليه اللبن نصبا" ونقل ابن عدي تضعيف عمرو بن يزيد، عن ابن معين ولينه هو، وقال: هو من جملة من يكتب حديثه من الضعفاء، وقال العقيلي: لا يتابع عليه.
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه " (6) ، عن عمير بن سعيد: " أن عليا كبر على يزيد بن المكفف أربعا، وأدخله من قبل القبلة"، وأخرج أيضا عن ابن الحنفية: "أنه ولي ابن عباس، فكبر عليه أربعا، وأدخله من قبل القبلة".
قلت: واضطربت الروايات في إدخاله- عليه السلام- فروى الشافعي في "مسنده": أخبرنا الثقة عن عمر بن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: " سُل رسولُ الله- عليه السلام- من قبل رأسه" أخبرنا مسلم بن خالد الزنجي وغيره، عن ابن جريج، عن عمران بن موسى " أن رسول اللّه- عليه السلام- سُل من قبل رأسه، والناس بعد ذلك". أخبرنا بعض أصحابنا عن أبي الزياد، وربيعة، وأبي النضر لا اختلاف بينهم في ذلك " أن النبي- عليه السلام- سل من قبل رأسه" وكذلك أبو بكر، وعمره، ومن طريق الشافعي رواها البيهقي (7) ، وقال: هذا هو المشهور فيما بين أهل الحجاز.
__________
(1) (6/ 240) ، ترجمة عمرو بن يزيد، وأخرجه البيهقي (4/ 54) .
(2) (295/3) .
(3) في الأصل: "عمرو بن زيد" خطأ.
(4) كذا في الأصل وفي نصب الراية، وفي الكامل: "أدخل". (5) كذا في الأصل وفي الكامل وغيره: " قبل ".
(6) (3/ 1 13) وصححه ابن حزم في " المحلى" (178/5) .
(7) السنن الكبرى (4/ 54) .

(6/164)


ومما ورد مخالفا لما تقدم ما أخرجه أبو داود في " المراسيل" عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم: " أن النبي- عليه السلام- أدخل من قبل القبلة، ولم يسل سلا " وذكره عبد الحق في " أحكامه " وعزاه لمراسيل أبي داود. وقال فيه: عن إبراهيم التيمي وهو وهم منه، نبه عليه ابن القطان في " كتابه"، دائما هو إبراهيم النخعي، قال: لأنه رواه من حديث حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، ومعلوم أن حماد بن أبي سليمان إنما يروي عن النخعي لا القيمي، ولعل الذي أوقعه في ذلك اشتراكهما في الاسم، واسم الأب والبلد.
قلت: صرح به ابن أبي شيبة في " مصنفه" (1) فقال عن حماد، عن إبراهيم النخعي فذكره، وزاد: " ورفع قبره حتى يعرف " (2) .
63- باب: كيف يُجلسُ عند القبر؟
أي: هذا باب في بيان كيفية الجلوس عند القبر، وفي بعض النسخ: "باب الجلوس عند القبر" (3) .
1647- ص- نا عثمان بن أبي شيبة، نا جريج، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب، قال: " خَرَجْنَا معَ رسول الله- عليه السلام- في جَنازة رجلٍ من الأنصارِ، فانتهينَا إلى القَبرِ ولَمْ يُلَحد بعدُ، فجلسَ النبي- علَيه السلام- مُسْتقبِلَ القبلَة وجلسْنَا معه " (4) .
ش- جريج بن عبد الحميد، وسليمان الأعمش، وزاذان الكندي.
فيه من الفقه استحباب القعود عند الميت بعد الصلاة عليه إلى أن يدفن،
__________
(1) (3/ 130) .
(2) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.
(3) وهي نسخة أبي داود المطبوعة.
(4) النسائي: كتاب الجنائز، باب: الوقوف للجنائز (4/ 78) ، ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في الجلوس في المقابر (1548) .

(6/165)


واستحباب استقبال القبلة في القعود، والحديث أخرجه: النسائي، وابن ماجه.
64- باب (1) : الدعاء للميت إذا وضع في قبره
أي: هذا باب في بيان الدعاء للميت إذا وضع في قبره.
1648- ص- نا محمد بن كثير، ح أنا مسلم بن إبراهيم، نا همام، عن
قتادة، عن أبي الصديق، عن ابن عمر: " أن رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم كان إذا
وَضَعَ المميت في قَبرِه، قال: بسم اللهِ، وعلى سنة رسولِ اللهَ صلى الله عليه وسلم " هذا لفظ
مسلم (2) .
ش- همام بن يحيى العوذي، وأبو الصديق الناجي اسمه بكر بن
عمرو، وقد مر ذكره.
قوله:" هذا لفظ مسلم " أي: مسلم بن إبراهيم/ " (3) والحديث روي من طرق، فروى ابن ماجه من حديث الحجاج بن أرطأة، عن نافع،
عن ابن عمر، قال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أدخل الميت القبر، قال: بسم
اللّه، وعلى ملة رسول الله".
ورواه الترمذي بلفظ:" بسم الله، وبالله، وعلى ملة رسول اللّه "
وقال: حسن غريب من هذا الوجه.
وروى ابن حبان في " صحيحه" في النوع الثاني عشر من القسم
الخامس بإسناد أبي داود، وروى الحاكم في " مستدركه" (4) بلفظ:" إذا
وضعتم موتاكم في قبورهم، فقولوا: بسم اللّه، وعلى ملة رسول اللّه
__________
(1) في سنن أبي داود:" باب: في الدعاء للميت إذا وضع في قبره ".
(2) الترمذي: كتاب الجنائز، باب: ما يقول إذا أدخل الميت القبر (1046) ، ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في إدخال الميت قبره (1550) .
(3) انظر: نصب الراية (2/ 300: 302) .
(4) (366/1) .

(6/166)


قال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وهمام ابن يحيى مأمون، إذا أسند هذا الحديث لا يعلل بمن وقفه، وقد وقفه شعبة، ورواه البيهقي (1) وقال: تفرد برفعه همام بن يحيى بهذا الإسناد وهو ثقة، إلا أن شعبة، وهشاما الدَستوائي روياه عن قتادة موقوفا على ابن عمر، وقال الدارقطني: الموقوف هو المحفوظ.
قلت: قد رواه ابن حبان في " صحيحه " من حديث شعبة، عن قتادة به مرفوعا: " أن النبي- عليه السلام- كان إذا وضع الميت في القبر قال: بسم اللّه، وعلى ملة رسول الله "، وروى الطبراني في "معجمه الوسط" (2) : حدثنا محمد بن أبان، ثنا سوار بن سهل المخزومي، أنا سعيد بن عامر الربعي، عن سعيد بن أبي عروبة، عن أيوب، عن نافع مرفوعا بلفظ الحاكم، وروى الطبراني أيضا في " معجمه ": حدثنا الحسن بن إسحاق التستري، ثنا على بن بحر، ثنا بشر بن إسماعيل، حدثني عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج، عن أبيه، قال لي أبي اللجلاج أبو خالد: "يا بني إذا أنا مت فألحد لي، فإذا وضعتني في لحدي فقل: بسم الله، وعلى ملة رسول اللّه، ثم سن (3) علي التراب سنا (3) ، ثم اقرأ عند رأسي بفاتحة البقرة وختمتها، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك " انتهى.
وقال صاحب "الهداية" من أصحابنا في كتاب "الجنازة": "فإذا
وضع في لحده يقول: بسام الله وعلى ملة رسول اللّه، كذا قال النبي
- عليه السلام- حين وضع أبا دجانة الأنصاري في القبر.
قلت: وهكذا وقع في " المبسوط" وكلاهما وهم، وغلط، فإن
أبا دجانة الأنصاري توفي بعد النبي- عليه السلام- في واقعة اليمامة، وكانت في شهر ربيع الأول سنة اثنتي عشرة في خلافة أبي بكر الصديق،
__________
(1) السنن الكبرى (3/ 55) 0
(2) (7/ 7347) .
(3) كذا بالسين، ويروى بالشين المعجمة.

(6/167)


كذا ذكره ابن أبي خيثمة في "تاريخه" وكذا ذكره الواقدي في كتاب "الردة" في حديث طويل إلى أن قال: أبو دجانة الأنصاري، واسمه سماك بن خرشة، ثم عقد بابا في أسماء من قتل من المسلمين يوم اليمامة، وذكر منهم أبا دجانة الأنصاري، وقال: إنه شهد بدرا، وفي معجم الطبراني في ترجمة أبي دجانة الأنصاري أسند عن محمد بن إسحاق، قال في تسمية من استشهد يوم اليمامة من الأنصار: أبو دجاجة سماك بن خرشة " (1) .
65- باب: الرجل يموت له قرابة مشرك
أي: هذا باب في بيان ما إذا مات للرجل المسلم قريب مشرك، كيف يعمل؟
1649- ص- نا مسدد، نا يحيى، عن سفيان، حدثني أبو إسحاق، عن ناجية بن كعب، عن علي- رضي الله عنه- قال: قلت للنبي- عليه السلام - : "إن عمكَ الشيخ الضال قد ماتَ، قال: اذهبْ فَوَارِ أباكَ، ثم لا تُحْدثَن شيئا حتى تأتيَني، فذهبتُ فَوَارَيْتُه وجئتُه، فأمرني فاغتسَلتُ، ودعا لي " (2) .
ش- يحيى القطان، وسفيان الثوري، وأبو إسحاق السبيعي.
وناجية بن كعب الأسلمي الكوفي أبو خفاف. روى عن: علي بن أبي طالب، وعبد اللّه بن مسعود، وعمار بن ياسر. روى عنه: أبو إسحاق، وأبو حسان الأعرج، ويونس بن أبي إسحاق، قال يحيى بن معين صالح، وقال أبو حاتم: شيخ. روى له: أبو داود، والترمذي، وا لنسائي (3) .
__________
(1) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.
(2) النسائي: كتاب الطهارة، باب: الغسل من مواراة المشرك (1/ 110) ، وكتاب الجنائز، باب: مواراة المشرك (4/ 79) .
(3) . انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (29/ 6352) .

(6/168)


قوله: " فوار" أمر من وارى يواري مواراة، وهي: الستر، والحديث
رواه النسائي، وأحمد، وابن أبي شيبة، والبزار، وبه (1) استدل
أصحابنا بهذا (1) الحديث على أن المسلم إذا مات له قريب كافر يغسله
ويدفنه، " وقال (2) صاحب "الهداية": " و إن مات الكافر وله ولي
مسلم يغسله ويكفنه ويدفنه، بذلك أمرَ علي في حق أبيه أبي طالب ".
/ قلت: وليس في الحديث الغسل والتكفين، إلا أن يؤخذ ذلك من مفهوم قوله: "فأمرني فاغتسلت " فان الاغتسال شرع من غسل الميت،
مع أنه قد جاء مصرحا به في بعض الأحاديث، فروى ابن سعد في "الطبقات" (3) : أخبرنا محمد بن عمر الواقدي، حدثني معاوية بن
عبد اللّه بن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جده، عن علي،
قال: " لما أخبرت رسول الله- عليه السلام- بموت أبي طالب بكى، ثم
قال لي: اذهب فاغسله، وكفنه، و واره، قال: ففعلت ثم أتيته، فقال
لي: اذهب فاغتسل، قال: وجعل رسول اللّه يستغفر له أياما ولا يخرجِ
من بيته، حتى نزل عليه جبريل- عليه السلام- بهذه الآية: { ومَا كَان
لِلنبي وَالذين آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلمُشْرِكينَ } الآية (4) انتهى.
وروى ابن أبي شيبة في " مصنفه" (5) الحديث بسند أبي داود قال: " إن
عمك الشيخ الكافر قد مات، فما ترى فيه؟ قال: أرى أن تَغْسلَه،
وتنحيه (6) وأمره بالغسل". وروى أبو يعلى الموصلي في " مسنده " (7)
من طريق السدي، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي- رضي اللّه
عنه- قال: " لما توفي أبو طالب أتيت النبي- عليه السلام- فقلت: إن
__________
(1) كذا بتكرار الضمير.
(2) انظر: نصب الراية (2/ 281، 282) .
(3) (1/ 78) القسم الأول، ورواه البيهقي (1/ 305) بإسناد آخر وضعفه.
(4) سورة التوبة (113) . (5) (3/142) .
(6) كذا، وفي المصنف "تحنطه"، وفي نصب الراية:" تجنه ".
(7) (1/ 423، 424) ، ورواه أحمد (1/ 03 1، 129) ، والبيهقي (1/ 4 30) ، وضعفه الإمام النووي في شرح المهذب (5/ 258) .

(6/169)


عمك الشيخ الضال قد مات، قال: اذهب و واره، ولا تُحدثْ شيئَا حتى تأتيني، قال: فواريته، ثم أتيته، فقال: اذهب فاغتسل، فاغتسلت ثم أتيته فدعا لي بدعوات ما يسرني أن لي بها حمر النعم، أو سوادها، قال: وكان علي إذا غسل ميتا اغتسل" انتهى.
ورواه الشافعي، وأبو داود الطيالسي، وابن راهويه في مسانيدهم عن شعبة، عن أبي إسحاق به بلفظ السنن، زاد الشافعي فيه: " فقلت: يا رسول الله، إنه مات مشركا، قال: اذهب فواره " ومن طريق الشافعي رواه البيهقي في "سننه الوسطى" ثم قال: وناجية بن كعب لا نعلم روى عنه غير أبي إسحاق، قاله ابن المديني وغيره من الحفاظ، وروى البيهقي في " سننه " حديث علي هذا من طرق، وقال: إنه حديث باطل، وأسانيده كلها ضعيفة وبعضها منكر، وأما حديث أبي هريرة مرفوعا: "من غسل ميتا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ" فقد رواه: أبو داود، والترمذي، وحسنه (1) ، وضعفه الجمهور، وبسط البيهقي القول في طرقه، وقال: الصحيح وقفه، قال: قال الترمذي: عن البخاري، عن أحمد بن حنبل، وابن المديني، قالا: لا يصح في هذا الباب حديث، وقال محمد بن يحيى الذهلي شيخ البخاري: لا أعلم فيه حديثا ثابتا، وقال ابن المنكدر: ليس فيه حديث ثابت.
وأما حديث عائشة " أنه- عليه السلام- كان يغتسل من الجنابة، ويوم الجمعة، ومن الحجامة، وغسل الميت". فرواه أبو داود بسند ضعيف (2) ، واللّه أعلم. وقد مر الكلام فيه مستوفى، واستدل ابن الجوزي في "التحقيق " للإمام أحمد في منعه المسلم غسل قريبه الكافر ودفنه بحديث أخرجه الدارقطني في " سننه " (3) ، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب القرظي، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه، قال: " جاء ثابت بن قيس بن شماس، فقال: يا رسول اللّه، إن أمي
(1) تقدم برقم (596 1) .
(2) تقدم برقم (595 1) .
(3) (1/ 75، 76) .

(6/170)


توفيت وهي نصرانية، و أني أحب أن اْحضرها، فقال له- عليه السلام-:
اركب دابتك وسر أمامها، فإنك إذا كنت أمامها لم تكن معها".
قلت: وهذا مع ضعفه ليس فيه حجة- كما تراه- ثم استدل لخصومه
بحديث أبي طالب، وأجاب بأنه كان في ابتدأ الإسلام، وهذا أيضا
ممنوع، والله أعلم" (1) ، ثم اعلم أن أبا طالب، وخديجة بنت خويلد
- رضي اللّه عنها- ماتا في عام واحد، قاله ابن إسحاق، وقال البيهقي:
بلغني أن خديجة توفيت بعد موت أبي طالب بثلاثة أيام، وزعم الواقدي
أنهما ماتا قبل الهجرة بثلاث سنين عام خرجوا من الشعب، وأن خديجة
توفيت قبل أبي طالب بخمس وثلاثة ليلة، وقال بعضهم: والصحيح أن
أبا طالب توفي في شوال سنة عشر من النبوة/ بعد خروج النبي- عليه السلام- من الحصر بثمانية أشهر وأحد وعشرين يوما، وكان عمره بضعا
وثمانين سنة، ثم توفيت خديجة بعد أبي طالب بثلاثة أيام، وكان موتها
قبل الهجرة بنحو ثلاث سنين، وقال ابن كثير: مرادهم قبل أن تفرض
الصلوات الخمس ليلة الإسراء، وأبو طالب اسمه: عبد مناف، وهو أخ
عبد الله لأمه، وكان له من الولد: طالب، مات كافرا، وجعفر وعلي،
وأم هانئ فاختة، وقيل: هند، ولهم صحبة، وهو الذي كفل رسول الله
بعد وفاة جده عبد المطلبي، وقد ذهب بعض الشيعة إلى أنه مات مسلما،
واستدلوا بقول العباس- رضي اللّه عنه- في حديث طويل، أخرجه ابن
إسحاق، عن العباس بن عبد الله، عن بعض أهله، عن ابن عباس
- رضي اللّه عنه-: " نا ابن أخيه واللّه لقد قال أخي الكلمة التي أمرته
أن يقولها، يعنى لا إله إلا الله ".
قلت: في سند هذا الحديث مبهم لا يعرف حاله، وهذا إبهام في الاسم
والحال، ومثله يتوقف فيه لو انفرد، وقد روى: الإمام أحمد،
والنسائي، وابن جريج، نحوا من سياقه، ولم يذكروا قول العباس، ثم
__________
(1) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.

(6/171)


يعارضه ما هو أصح منه، وهو ما رواه البخاري: " أن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي- عليه السلام- وعنده أبو جهل، فقال: أي عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله، فقال أبو جهل، وعبد اللّه بن أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلمانه حتى قال (1) آخرَ شيء كلمهم به: على ملة عبد المطلب، فقال النبي- عليه السلام- لأستغفرن لك ما لم أنه عنك، فنزلت: { إِنكَ لا تَهْدِي مَنْ أحْبَبْتَ } (2) " ورواه مسلم أيضا، ويؤيد هذا أيضا ما رواه البخاري ومسلم أن العباس قال: " قلت للنبي- عليه السلام-: ما أغنيت عن عمك؟ فإنه كان يحوطك ويغضب لغضبك، قال: هو في ضحضاح (3) من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من الناري.
66- باب: في تعميق القبر
أي: هذا باب في بيان تعميق القبر.
1650- ص- نا القعنبي، أن سليمان بن المغيرة حدثهم، عن حميد
- يعني: ابن هلال- عن هشام بن عامر، قال: "جَاءت الأنصارُ إلى رسول الله- عليه السلام- يومَ أحُد، وقالوا (4) : أصابَنَا قرح وجَهد، فكيفَ تأمَر (5) ؟ قال: احفُرُوا، وأوسعوا، واجعَلُوا الرجلين والثلاثةَ في القبر، قيل: فأيهُم يُقدمُ؟ قال: كثرتهم قرآنا" قال: أصيب أَبي يومئذٍ عامر بين اثنين أو واحدٍ (6) ، (7) .
__________
(1) في الأصل: " قالا"، وما أثبتناه من " صحيح البخاري " (4772) .
(2) سورة القصص: (56) .
(3) في الأصل: " ضخضاخ".
(4) في سنن أبي داود: " فقالوا".
(5) في سنن أبي داود: " تأمرنا " وهي رواية كما سيذكر المصنف "
(6) في سنن أبي داود: " أو قال واحد،.
(7) الترمذي: كتاب الجهاد، باب: ما جاء في دفن الشهداء (1713) ، النسائي: كتاب الجنائز، باب: ما يستحب من أعماق القبر (4/ 80) ، ابن ماجه:
كتاب الجنائز، باب: ما جاء في حفر القبر (1560) .

(6/172)


ش- القرح بالفتح ظاهر، وبالضم الجرح، وقيل: هو بالضم الاسم، وبالفتح المصدر، وأرادوا ما نالهم من القتل والهزيمة يومئذ، والجهد بالفتح: المشقة وقيل: المبالغة والغاية، وبالضم (1) : الوسع والطاقة، وقيل: هما لغتان في الوسع والطاقة.
قوله: " فكيف تأمر؟" وفي بعض الرواية: " فكيف تأمرنا".
قوله: " وأوسعوا " أي: أوسعوا ما تحفرون، والمراد أعاقوا، يدل عليه الرواية الأخرى، ولم يبين فيه حد التعميق، وقد بينه ابن أبي شيبة في "مصنفه" ، وقال: حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، أنه قال: " يحفر القبر إلى السرة ". حدثنا أبو أسامة، عن محمد بن سليم، عن الحسن، قال: وأوصى عمر- رضي اللّه عنه- أن نجعل عمق قبره مقامة وسطه ".
قوله: " قال: أصيب أبي " أي: قال هشام.
قوله: " عامر" بالرفع عطف بيان لقوله أبي.
قوله: " بين اثنين أو واحد " ..... (2) .
وفيه من الفقه استحباب أعماق القبر، حتى قيل: للرجل إلى السرة، وللمرأة قدر القامة، وإن الرجلين إذا دفنا والثلاثة في قبر واحد يُقدمُ أفضلُهم، حتى يُقدمَ الرجل على الصبي والخنثى، والصبي العالم يقدم على الشيخ الجاهل، فافهم.
1651- ص- نا أبو صالح، نا أبو إسحاق- يعني: الفزاري- عن الثوري، عن أيوب، عن حميد بن هلال بإسناده أو (3) معناه زاد فيه: " وأعمقوا " (4) (5) .
__________
(1) في الأصل:" وبالفتح".
(2) بياض في الأصل قدر سطر وثلث.
(3) في سنن أبي داود: "ومعناه ".
(4) انظر تخريج الحديث المتقدم.
(5) جاه في سنن أبي داود بعد هذا الحديث حديث برقم (3217) : حدثنا موسى ابن إسماعيل، حدثنا جريج، حدثنا حميد، يعني ابن هلال- عن سعد بن هشام بن عامر بهذا الحديث. وقد سقط من نسخة المصنف.

(6/173)


ش- أبو صالح عبد الغفار بن داود، وأبو إسحاق إبراهيم بن محمد الفزاري الكوفي،/ وسفيان الثوري، وأيوب السختياني.
قوله: " زاد فيه" أي: في هذا الحديث من هذه الرواية، وأخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن صحيح .
67- باب: في تسوية القبر
أي: هذا باب في بيان تسوية القبر، وهو جعله مساويا بالأرض.
1652- ص- نا محمد بن كثير، أنا سفيان، نا حبيب بن أبي ثابت، عن أي وائل، عن أبي الهياج (1) الأسدي، قال: "بَعثَني عَلي- رضي الله عنه- قال: أبْعثُكَ على ما بعثني رسولُ الله- عليه السلام- أنْ لا تدع (2) قَبْراً مُشْرِفاَ إلا سويتَهُ، ولا تمثَالاً إلا طمسته" (3) .
ش- أبو وائل شقيق بن سلمة، وأبو الهياج (4) حيان بن حصين الأسدي، الكوفي. سمع: علي بن أبي طالب، وعمار بن ياسر. روى عنه: أبو وائل، وشعبة، وابنه جريج بن حيان. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي (5) .
قوله: " قبرا مشرفا " أي: مرتفعا عن الأرض.
قوله:" ولا تمثالا" التمثال بكسر التاء اسم من مثلت بالتشديد والتخفيف إذا صورت تمثالا، والطمس: المحو والإزالة.
" (6) وبهذا الحديث احتج الشافعي على أن القبور تسطح، وقال ابن
__________
(1) في الأصل:" التياح " خطأ.
(2) في سجن أبي داود: " أن لا أدع".
(3) مسلم: كتاب الجنائز، باب: الأمر بتسوية القبر (969) ، الترمذي: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في تسوية القبور (969) ، النسائي: كتاب الجنائز، باب: تسوية القبور إذا رفعت (4/88) .
(4) في الأصل: " التياح" خطأ.
(5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (7/ 1575) .
(6) انظر نصب الراية (2/ 304، 305) .

(6/174)


الجوزي في "التحقيق ": "وهذا محمول على ما كانوا يفعلونه من تعلية القبور بالبناء الحسن العالي ". وقال أصحابنا: السنة أن يسنم القبر، لما روى البخاري في "صحيحه "، عن أبي بكر بن عياش، أن سفيان التمار حدثه "أنه رأى قبر النبي- عليه السلام- مسنما" وهو من مراسيل البخاري، ولم يرو البخاري لسفيان بن دينار التمار إلا قوله هذا، وقد وثقه ابن معين وغيره، ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه"، ولفظه: عن سفيان، قال: "دخلت البيت الذي فيه قبر النبي- عليه السلام- فرأيت قبر النبي، وقبر أبي بكر، وعمر مسنمة ". وعارضه النووي في "الخلاصة" بالحديث الذي أخرجه أبو داود، عن القاسم بن محمد، لما يجيء الآن (1) ، ثم قال في الجمع بينهما: "إنه كان أولا [ كما ] قال القاسم مسطحا، ثم لما سقط الجدار في زمن الوليد جُعل مسنما" وروى محمد بن الحسن في "الآثار" (2) : أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، قال: "أخبرني مَن رأى قبر النبي- عليه السلام- وقبر أبي بكر، وعمر ناشزة من الأرض، عليها فلق من مدر أبيض " (3) .
وحديث أبي الهياج (4) أخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي.
1653- عن- نا أحمد بن عمرو بن السرح، نا ابن وهب، حدثنا عمرو بن الحارث، أن أبا علي الهمداني، حدثه قال: "كنا مع فَضالةَ بنِ عُبيد بِرُودسِ بأرضِ (5) الروم فتُوفيَ صاحب لنا، فأمر فَضالةُ بقبره فسوي ، ثم قال: سمعتُ رسول اللهِ- عليه السلام- يأمُر بتسويَتِها" (6) .
ش- عبد الله بن وهب، وأبو علي ثمامة بن شفي الهمداني، وفضالة ابن عبيد الصحابي، كان معاوية ولاه على الغزو، ثم ولاه على قضاء
__________
(1) يأتي بعد حديث.
(2) (ص/ 42) .
(3) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.
(4) ، في الأصل:"التياح" خطأ.
(5) في سنن أبي داود: "من أرض".
(6) مسلم: كتاب الجنائز، باب: الأمر بتسوية القبر (968) ، النسائي: كتاب الجنائز، باب: تسوية القبور إذا رفعت (4/88) ، (2031) .

(6/175)


دمشق. واعلم أن المسلمين افتتحوا جزيرة رودس وعليهم جنادة بن أبي أمية في سنة ثلاث وخمسة من الهجرة، فأقام بها طائفة من المسلمين كانوا أشداء على الكفار يعترضون لهم في البحر، ويقطعون سبيلهم، وكان معاوية يدر عليهم الأرزاق والأعطيات الجزيلة، وكانوا على حذر شديد من الفرنج، يبيتون في حصن عظيم لهم فيه حوائجهم، ودوابهم، وتواصلهم، ولهم نواظير على البحر ينذرونهم إن قدم عدو، أو كادهم أحد، وما زالوا كذلك حتى كانت إمارة يزيد بن معاوية بعد أبيه، فأقفلهم من تلك الجزيرة، وقد كانت للمسلمين بها أموال كثيرة، وزراعات غزيرة. والحديث أخرجه: مسلم، والنسائي.
ص- وقال أبو داود: رودس جزيرة في البحر.
ش- قال المنذري: المشهور أنها بضم الراء، وسكون الواو، بعدها
دال مهملة مكسورة وسين مهملة، وقد اختلف في تقييدها اختلافا كثيراً، وقد قيل: إنها أرض قريبة من الإسكندرية.
قلت: رودس، بضم الراء، ثم واو ساكنة، ودال مهملة، ويقال: معجمة مكسورة، ثم سين مهملة، فتحت في زمن معاوية، وامتدادها من الشمال إلى الجنوب بانحراف نحو/ خمسين ميلا، وعرضها نصف ذلك، وبينها وبين ذنب أقريطش مجرى واحد، وبعض رودس للفرنج وبعضها لصاحب إسطنبول، ورودس في الغرب عن جزيرة قبرص بانحراف إلى الشمال، وهي بين جزيرة المصطكي وبين جزيرة أقريطش.
1654- ص- نا أحمد بن صالح، نا ابن أبي فديك، قال: أخبرني عمرو بن عثمان بن هانئ، عن القاسم، قال: "دَخلتُ على عائشة- رد الله عنها- فقلت: يا أمه، اكشِفِي لي عن قبرِ رَسول الله وصاحبَيه، فكشفتْ لي عن ثلاثة قبور لا مُشرِفةَ، ولا لاطِئةَ مبطَوحة ببطَحاء العَرْضةِ الحمراء " (1)
__________
(1) تفرد به أبو داود.

(6/176)


ش- محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، وعمرو بن عثمان بن هانئ. روى عن: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق- رضي الله عنه-. روى عنه: ابن أبي فديك. روى له: أبو داود (1) .
قوله: " يا أمه" معناه يا أمي، والعرب تقول: يا أمه لا تفعلي، ويا أبت افعل، يجعلون علامة التأنيث عوضا، ويوقف عليها بالهاء.
قوله: "لا مشرفة " أي: لا مرتفعة عالية.
قوله: " ولا لاطئة " أي: ملتصقة بالأرض، يقال: لاطَ به يلوط، ويليط، لوطا، وليطا، ولياطا إذا لصق به.
قوله: "مبطوحة" أي: مُسواة "ببطحاء العرصة الحمراء " وهو الحصى الصغار، وبطحاء الوادي وأبطحه: حصاه اللين في بطن المسيل، "والعرصة" بفتح العين المهملة، وسكون الراء، وفتح الصاد المهملة: كل موضع واسع لا بناء فيه، والحديث رواه الحاكم وصححه، وقد مر الكلام فيه آنفا.
ص- قال أبو علي: يقال (2) : رسول الله مقدم، وأبو بكر عند رأسه، وعمر عند رجليه، رأسه عند رجلي رسول الله- عليه السلام-.
ش- أبو علي ثمامة بن شُفَي الهمداني المذكور آنفا، وروى الحاكم، والبيهقي من حديث ابن أبي فديك، عن عمرو بن عثمان، عن القاسم، قال: "رأيتُ النبي- عليه السلام- مقدما، وأبا بكر رأسه بين كتفي النبي- عليه السلام- وعمر رأسه عند رجل النبي- عليه السلام- ". قلت: هيئته ما صورناه على الهامش (3) ، فافهم.
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (24/ 5068) .
(2) في سنن أبي داود: "يقال: إن ".
(3) بهامش الأصل: " النبي عليه السلام ،أبو بكر ، عمر".
12 . شرح سنن أبي داوود

(6/177)


68- باب: الاستغفار للميت عند القبر (1)
أي: هذا باب في بيان الاستغفار لأجل الميت عند قبره.
1655- ص- نا إبراهيم بن موسى الرازي، نا هشام، عن عبد الله بن بشير، عن هانئ مولى عثمان، عن عثمان، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فَرغَ من دَفن الميت وقفَ عليه فقال: استغْفرُوا لأخيكُم، وسَلُوا له بالتثبيت، فإنه الآن يُسألُ " (2) (3)

ش- هشام بن يوسف الصنعاني أبو عبد الرحمن قاضي صنعاء من أبناء الفرس. سمع: ابن جريج، والثوري، وعبد اللّه بن بحير. روى عنه: علي بن المديني، ويحيى بن معين، وإبراهيم بن موسى وغيرهم، وقال أبو حاتم: ثقة متقن، توفي سنة سبع وتسعين ومائة. روى له: الجماعة إلا مسلما (4) ، وعبد الله بن بحير- بالباء الموحدة، والحاء المهملة- ابن ريسان (5) أبو وائل القاص الصنعاني اليماني. روى عن: هانئ مولى عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن يزيد القاضي. روى عنه: هشام بن يوسف، وعبد الرزاق. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (6) .
وهانئ البربري أبو سعيد القرشي الأموي مولى عثمان بن عفان. روى عن: عثمان بن عفان. روى عنه: عبد الله بن بحير وغيره. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (7) .
قوله: "وسلوا" أصله اسألوا ، حذفت الهمزتان للتخفيف، فوزنه
__________
(1) التبويب غير واضح شيئا ما، وفي سنن أبي داود:" باب: الاستغفار عند القبر للميت في وقت الانصراف ".
(2) تفرد به أبو داود.
(3) في سنن أبي داود بعد هذا الحديث قال أبو داود:" بحير بن ريسان ".
(4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (30/ 6592) .
(5) في الأصل: " ببيان " خطأ. (6) المصدر السابق (14/ 3174) . (7) المصدر السابق (30/ 6550) .

(6/178)


" فلوا " لأن عين الفعل سقطت من الموزون، فسقطت من الوزن،
ويستفاد من الحديث ثلاث فوائد، الأولى: انتفاع الميت بدعاء الحي خلافا
لمن ينكر ذلك.
الثانية: لا بد من السؤال في القبر.
الثالثة: وقت السؤال عقيب الدفن، وقال ابن أبي شيبة: حدثنا
إسماعيل ابن علية، عن عبد اللّه بن أبي بكر، قال: " كان أنس بن
مالك إذا سوى على الميت قبره قام عليه فقال: اللهم عبدك رُدَّ إليك،
فارؤف به وارحمه، اللهم جاف الأرض عن جنبه، وافتح أبواب السماء
لروحه، وتقبله منك بقبول حسن،/ اللهم إن كان محسنا فضاعف له في إحسانه، أو قال: فزد في إحسانه، و أن كان مسيئا فتجاوز عنه " .
69- باب: كراهية الذبح عند القبر
أي: هذا باب في بيان كراهية الذبح عند القبر.
1656- ص- نا (1) يحيى بن موسى البلخي، نا عبد الرزاق، أنا معمر،
عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا عَقْرَ في الإسلام " قال
عبد الرزاق: " كانوا يَعْقِرُون عند القبرِ- يعني: ببقرة، أو شيء (2) " (3) .
ش- عبد الرزاق بن همام، ومعمر بن راشد، وثابت البناني، وأنس
ابن مالك- رضي اللّه عنه-.
قوله: " لا عقر في الإسلام " يعني: لا يشرع العقر في الإسلام،" (4) كان أهل الجاهلية يعقرون الإبل على قبر الرجل الجواد، يقولون:
"نجازيه على فعله، لأنه كان يعقرها في حياته فيطعمها الأضياف، فنحن
__________
(1) في سنن أبي داود هذا الحديث تحت باب بعنوان:"كراهية الذبح عند القبر" (2) كذا، وفي سنن أبي داود: "أو شاة".
(3) تفرد به أبو داود.
(4) انظر: معالم السنن (1/ 274، 275) .

(6/179)


نعقرها عند قبره ليأكلها السباع والطير، فيكون مُطِعما بعد مماته كما كان مُطعِما في حياته قال الشاعر:
عقرت على قبر النجاشي ناقة .... بأبيضَ عَضبٍ أخلصتُه صياقله
على قبر من لو أنني مت قبله .... لهانت عليه عند قبري رواحلُه
ومنهم من كان يذهب في ذلك إلى أنه إذا عقرت راحلته عند قبره حشر يوم القيامة راكبا، ومن لم يعقر عنه حشر راجلا، وكان هذا على مذهب من يرى البعث منهم بعد الموتة (1) . وأصل العقر: ضرب قوائم البعير، أو الشاة بالسيف، وهو قائم.
70- باب: الصلاة عند القبر بعد حين (2)
أي: هذا باب في بيان الصلاة على قبر الميت بعد مدة طويلة.
1657- ص- نا عتيبة بن سعيد، نا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر: " أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم خرَجَ يوما فصلى على أهلِ أحُد صلاتَه على الميتِ، ثم انصرف" (3) .
ش- أبو الخير مراد بن عبد اللّه اليمني المصري، والجواب عن هذا الحديث من ثلاثة أوجه، الأول: أن المراد من الصلاة الدعاء، وفيه نظر. الثاني: أنه من خصائص النبي- عليه السلام- لأنه- عليه السلام- قصد بها التوديع كما صرح بذلك في الرواية الأخرى.
الثالث: أنه- عليه السلام- قصد بالصلاة عليهم أن تنور قبورهم كما ورد في البخاري ومسلم، عن أبي هريرة: "أن النبي- عليه السلام-
__________
(1) إلى هنا انتهى النقل من معالم السنن.
(2) في سنن أبي داود: " باب: الميت يصلى على قبره بعد حين".
(3) البخاري: كتاب الجنائز، باب: الصلاة على الشهيد (1344) ، مسلم: كتاب الفضائل، باب: إثبات حوض نبينا صلى الله عليه وسلم (2296) ، النسائي: كتاب الجنائز، باب: الصلاة على الشهداء (4/ 61) .

(6/180)


صلى على قبر امرأة أو رجل كان يقم المسجد، ثم قال: إن هذه القبور مملوءة على أهلها ظلمة، وإني أنورها بصلاتي عليهم " وقد مر الكلام فيه مرة.
1658- ص- نا الحسن بن علي، نا يحيى بن الدم، نا ابن المبارك، عن حيوة بن شريح، عن يزيد بن أبي حبيب بهذا الحديث، قال: " إن النبي - عليه السلام- صَلَّى على قَتلَى أحُد بعد ثَمان سنين كالمودع للأحياء والأموات" (1) .
ش- "بهذا الحديث"، أي: الحديث المذكور، وأخرجه البخاري، ومسلم، فالبخاري أخرجه في " المغازي " في غزوة أحد، ومسلم في "فضائل النبي- عليه السلام- " ، وزاد: "فصعد المنبر كالمودع للأحياء والأموات، فقال: إني فَرَطكم على الحوض، ولست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخشى أن تَنَافَسُوا في الدنيا، وتقتتلوا كما هلك من قبلكم " . قال عقبة: فكانت لآخر ما رأيت رسول اللّه- عليه السلام- على المنبر، انتهى.
وقال ابن حبان فيه صحيحه،: المراد بالصلاة في هذا الحديث الدعاء، إذ لو كان المراد حقيقة الصلاة للزم من يقول بها أن يجوز الصلاة على الميت بعد دفنه بسنين، فإن وقعة أحد كانت في سنة ثلاث من الهجرة، وهذه الصلاة حين خروجه من الدنيا بعد وقعة أحد بسبع سنين، وهو لا يقول بذلك.
71- باب: البناء (2) على القبر
أي: هذا باب في بيان البناء على القبر.
1659- ص- نا أحمد بن حنبل، نا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج،
__________
(1) انظر التخريج المتقدم.
(2) في سنن أبي داود: "في البناء".

(6/181)


أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابرا يقول: " سمعتُ رسولَ الله- عليه السلام- نَهَى أن يُقْعَدَ على القبرِ، وأن يُقَصَّصَ، وأن يُبنىَ عليه " (1) (2) .
ش- عبد الملك بن جريج، وأبو الزبير محمد بن مسلم المكي.
قوله: " نهى أن يقعد" قال الخطابي (3) : "نهيه عن القعود على القبر يتأول على وجهين، اْحدهما: أن يكون ذلك في القعود عليه للحدث ".
/ والثاني: كراهة أن يطأ القبر شيء من بدنه، فقد روي أن النبي
- عليه السلام- رأى رجلا قد اتكأ على قبر، فقال له: " لا تؤذ صاحب القبر".
قوله: " وأن يقصص " من التقصيص، وهو التجصيص، والقصة
- بفتح القاف وتشديد الصاد المهملة- شيء شبيه بالجص، وإنما نهى عن ذلك لأن القبر للبلى لا للبقاء.
قوله: " وأن يبنى عليه" أي: على القبر لما ذكرنا، ولفظ البناء عام يشمل سائر أنواع البناء، فالكراهة تعم في الجميع، والحديث أخرجه: مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه بنحوه، وليس في " صحيح مسلم" ذكر الزيادة والكتابة، وفي حديث الترمذي: " وأن يكتب عليها"، وقال: حسن صحيح، وفي حديث النسائي: " أو يزاد عليه".
1660 - ص- نا مسدد وعثمان بن أبي شيبة، قالا: نا حفص بن غياث، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، وعن أبي الزبير، عن جابر بهذا الحديث، قال عثمان (4) : " أَوْ يُزادَ عليه " وزاد سليمان
__________
(1) في سنن أبي داود: "ويبنى عليها".
(2) مسلم: كتاب الجنائز، باب: النهي عن تجصيص القبر (970) ، الترمذي: كتاب الجنائز، باب: كراهية تجصيص القبور (1052) ، النسائي: كتاب الجنائز، باب: الزيادة على القبر (4/ مه) ، ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب: النهي عن البناء على القبور (1562) .
(3) معالم السنن (1/ 275) .
(4) في سنن أبي داود: " قال أبو داود: قال عثمان ".

(6/182)


ابن موسى: " (1) وأن يُكتبَ عليه" ولم يذكر مسدد في حديثه: " أو يزادَ عليه " (2) .
ش- سليمان بن موسى الدمشقي الأشدق، وهو لم يسمع جابر بن عبد اللّه، فالحديث منقطع.
قوله: " بهذا الحديث" أي: الحديث المذكور.
قوله: " قال عثمان" أي: ابن أبي شيبة.
قوله: " أو يزاد عليه" أي: على القبر، والزيادة على القبر أعم من أن يكون بناء، أو وضع حجر، أو تراب غير التراب الذي خرج منه، ونحو ذلك، والحديث أخرجه النسائي، وأخرجه ابن ماجه مختصرا، قال: "نهى رسول الله- عليه السلام- أن يكتب على القبر شيء ".
ص- قال أبو داود: خفي علي من حديث مسدد حرف (3) .
ش- أي: كلمة ويجيء بمعنى اللغة كما في قوله- عليه السلام-: " أنزل القرآن على سبعة أحرف " أي: سبع لغات، وبمعنى الجانب، يقال: على حرفه أي جانبه، وبمعنى الوجه لقوله تعالى: { وَمنَ الناسِ مَن يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْف } (4) أي: على وجه، وهو أن يعبده علَى السراء دون الضراء، والحرفَ: الناقة المعزولة، والحرف: واحد حروف التهجي.
1661- ص- نا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول الله- عليه السلام- قال:" قاتل اللهُ اليهود اتخذُوا قبورَ أنبيائِهِم مَساجدَ " (5) .
__________
(1) في سنن أبي داود: " أو".
(2) النسائي: كتاب الجنائز، باب: الزيادة على القبر (4/ 86) ، ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في النهي عن البناء على القبور وتجصيصها والكتابة عليها (1563) .
(3) في سنن أبي داود: "حرف أن". (4) سورة الحج: (11) .
(5) البخاري: كتاب الصلاة، باب: حدثنا أبو اليمان (437) ، مسلم: كتاب المساجد وإقامة الصلاة، باب: النهي عن بناء المساجد على القبور (530) ، النسائي في الكبرى: كتاب الوفاة.

(6/183)


ش- كانت اليهود- لعنهم الله- يتخذون قبور الأنبياء مساجد، ويقصدونها بالعبادة، وقد نسخ الشرع ذلك، ويفهم ذلك من قوله- عليه السلام-: " قاتل الله اليهودي والمعنى قتلهم الله، لأن " فاعل" يجيء بمعنى" فعل " أيضا كقولهم: سافر وسارع بمعنى سفر وسرع، ويقال: معناه لعنهم الله، ويقال: عاداهم، ثم إن أبا داود أخرج هذا الحديث في هذا الباب تنبيها على منع البناء على القبر، وذلك لأنه- عليه السلام- إنما لعنهم لكونهم بنوا مساجد على القبور، ثم هل يجوز للمسلمين أن يبنوا مساجد على قبور المسلمين أم لا؟ قد مر الكلام فيه مستوفى في "باب بناء المسجد " في أوائل الكتاب، فافهم، والحديث أخرجه: البخاري، ومسلم، وا لنسائي.
72- باب: كراهية القعود على القبر
أي: هذا باب في بيان كراهية القعود على القبر.
1662- ص- نا مسدد، نا خالد، نا سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة ص في الله عنه- قال: قال رسول الله- عليه السلام-: "لأنْ يَجلِسَ أحدُكم على جَمرة فَتَحْرِقَ ثيابه حتى تَخْلُصَ إلى جلده، خير له من أن يَجلِسَ على قبرِ" (9) .
ش- خالد بن عبد الله الواسطي، وسهيل بن أبي صالح، ذكوان، السمان.
قوله: " لأن يجلس أحدكم " بمعنى "لجُلُوسُ أحدِكم "، وهو، مبتدأ وخبره قوله: "خير"
__________
(1) مسلم: كتاب الجنائز، باب: النهي عن الجلوس على القبر (971) ، النسائي: كتاب الجنائز، باب: التشديد في الجلوس على القبور (4/ 95) ،
ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب: النهي عن المشي على القبور والجلوس عليها (1566)

(6/184)


قوله: " حتى تخلُص " أي: حتى تصل إلى جلده، يقال: خَلَصَ فلان إلى فلان أي وصل أيه، وخلص أيضا إذا سلم ونجى، وهو من باب نصر ينصر، وقد مر آنفا معنى كراهة القعود على القبر، والحديث أخرجه: البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه.
1663- ص- نا إبراهيم بن موسى الرازي، نا عيسى، نا عبد الرحمن
- يعني: ابن يزيد بن جابر- عن بسر بن عبيد الله، قال: سمعت واثلة بن الأسقع، يقول: "سمعت أبا مرثد الغنوي، يقول: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : " لا تَجْلِسُوا على القُبُورِ،/ ولا تُصَلوا إليها " (1) .
ش- عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي.
وبسر بن عبيد اللّه- بضم الباء الموحدة، وسكون السين المهملة- الحضرمي الشامي، سمع واثلة بن الأسقع، وسنان بن عرفة وله صحبة. وروى عن: عمرو بن عبسة، وسمع أبا إدريس الخولاني وغيره. روى عنه: عبد الرحمن ويزيد ابنا جابر، وزيد بن واقد وآخرون، روى له: الجماعة (2) .
وواثلة بن الأسقع الصحابي.
وأبو مرثد كناز بن الحصين، ويقال: ابن الحصن بن يربوع حليف حمزة بن عبد المطلب، شهد بدرا هو وابنه مرثد. روى له: [ ] (3) من رواية واثلة بن الأسقع عنه، مات [ سنة ] (4) اثنتي عشرة في خلافة أبي بكر الصديق. روى له: [ أبو داود ] (4) ، والترمذي، والنسائي (5) .
__________
(1) مسلم: كتاب الجنائز، باب: النهي عن الجلوس على القبر والصلاة عليه (972) ، الترمذي: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في كراهية المشي على القبور والجلوس عليها والصلاة أيها (1050، 1051) ، النسائي: القبلة، باب: النهي عن الصلاة إلى القبر (67/2) .
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (4/ 669) .
(3) كلمة غير واضحة في الإلحاق.
(4) إلحاق غير واضح.
(5) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (3/ 0 32) ، (4/ 171) ، وأسد الغابة (4/ 500) ، والإصابة (4/ 177) .

(6/185)


ويستفاد من الحديث مسألتان، الأولى: كراهة الجلوس على القبر. والثانية: كراهة الصلاة إليها، وقد مر الكلام فيه مستوفى، والحديث أخرجه مسلم، والنسائي.
73- باب: المشي بين القبور في النعل (1)
أي: هذا باب في بيان المشي بين القبور، والماشي لابس النعل.
1664- ص- نا سهل بن بكار، نا الأسود بن شيبان، عن خالد بن سمير السدوسي، عن بشير بن نهيك، عن بشير مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان اسمه في الجاهلية: زحمَ بنَ معبد، فهاجر إلى رسول الله- عليه السلام- فقال: " ما اسمُكَ؟ قال: زَحْم، فقال (2) : بل أنَتَ بشير، قال: بينما أنا أمَاشي رسولَ الله- عليه السلام- مَر بقُبورِ المشركينَ، قال: لقد سَبَقَ هؤلاء خيرا كثيراً ثلاثاً ثم مَر بقبورِ المسلمينَ فقال: لقد أدركَ هؤلاء خيراً كثيراً، وحَانتْ من رسول اللهِ نظرة، فإذا رجل يمشِي في القُبورِ عليه نعلَانِ فقال: يا صاحبَ السبتيتين وَيْحكَ، ألقِ سبْتيتيْكَ، فنظر الرجلُ فلَما عَرَفَ رسولَ اللهِ خَلَعَهُمَا، فَرَمى بهما " (3) .
ش- بَشير بن نهيك بفتح الباء الموحدة، وكسر الشين المعجمة، ونهيك بالنون، وبشير مولى النبي- عليه السلام- هو ابن الخصاصية وهي أمه، وأبوه: معبد بن شراحيل السدوسي، وقد مر مرة.
قوله: "زحم بن معبد " بفتح الزاد، وسكون الحاء المهملة.
قوله: " لقد سبق هؤلاء خيرا كثيرا " والمعنى فاتهم خير كثير، وخرجوا منه، ولم يعلقوا منه بشيء.
__________
(1) في سنن أبي داود: "باب المشي في النعل بين القبور".
(2) في سنن أبي داود:" قال".
(3) النسائي: كتاب الجنائز، باب: كراهية المشي بين القبور في النعال السبتية (96/4) ، ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب : ما جاء في خلع النعلين في المقابر (1568) .

(6/186)


قوله: " ثلاثا " أي: قاله ثلاث مرات.
قوله: " وحانت من رسول الله نظرة " أي: وقعت منه نظرة من حان إذا قرب.
قوله: "يا صاحب السبتيتين" أي صاحب النعلين، السبة- بكسر السين وسكون الباء الموحدة- جلود البقر المدبوغة بالقرب، يتخذ منها النعال، سميت بذلك لأن شعرها قد سبت عنها، أي: حلق وأزيل، وقيل: لأنها انْسَبَتَتْ بالدباغ، أي: لانت وهاهنا روي على النسب إلى السبت، وقال ابن الأثير (1) : " دائما أمره بالخلع احتراما للمقابر، لأنه كان يمشي بينها، وقيل: لأن كان بها قذرا، أو لاختياله في مشيه، ومنه حديث ابن عمر: "قيل له: إنك تلبس النعال السبتية، إنما اعترض عليه لأنها نعال أهل النعمة والسعة،. وقال الخطابي (2) : "وخبر أنس يدل على جواز لبس النعال لزائر القبور، وللماشي بحضرتها، وبين ظهرانيها، فأما خبر السبتيتين فيشبه أن يكون إنما كره ذلك لما فيها من الخيلاء، وذلك أن يقال: السِّبت من لباس أهل اقترفه والتنعم، قال الشاعر يمدح رجلا:
يُحذى نعال السبت ليس بتوائم
فأحب رسول الله- عليه السلام- أن يكون دخوله المقابر على زي التواضع، ولباس أهل الخشوع.
قلت: أراد الخطابي بحديث أنس الحديث الذي يلي هذا الحديث، ولكنه لا يدل على ما ادعاه، لأنه ساكت عن ذلك، فافهم.
قوله: "ويحك" كلمة ترحم وشفقة، وعكسها ويلكم والحديث أخرجه النسائي، وابن ماجه.
1665- ص- نا محمد بن سليمان الأنباري، نا عبد الوهاب- يعني
ابن عطاء - عن سعيد، عن قتادة، عن أنس- رضي الله عنه- عن النبي - عليه السلام- أنه قال: "إن العبدَ إذا وُضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه لَيَسْمعُ قَرع نِعَالِهِم" (3) .
__________
(1) النهاية (2/ 0 33) .
(2) معالم السنن (1/ 276) .
(3) البخاري: كتاب الجنائز، باب: الميت يسمع خفق النعال (1338) ، مسلم:=

(6/187)


ش- سعيد بن أبي عروبة.
قوله: " إنه" أي: إن الميت.
قوله: "قرع نعالهم" أي: صوت دوس النعال على الأرض، وفيه دليل على أن الميت تعود إليه روحه لأجل السؤال، وأنه يسمع صوت نعال الأحياء، وهو في السؤال، والحديث أخرجه: البخاري، ومسلم، والنسائي- رحمهم اللّه-.
74- باب: الميت يحول من موضعه للأمر يحدث (1)
أي: هذا باب في بيان تحويل الميت من قبره لأمر يحدث ويقتضي ذلك،
وفي بعض النسخ: "باب تحويل الميت عن موضعه للأمر يحدث".
1666- ص- نا سليمان بن حرب، نا حماد بن زيد، عن سعيد بن
يزيد أبي مسلمة، عن أبي نضرة، عن جابر، قال: "دُفِنَ مع أبي رجل،
فكان في نَفْسِي من ذلك حاجة، فأخرجتُه بعد ستةِ أشهرِ فما أنكرتُ منه
شيئا إلا شُعيراتِ كن في لحينِهِ مما بلي الأرضَ" (2) .
ش- سعيد بن يزيد الأزدي أبو مسلمة البصري، ويقال: الطاحي (3)
القصير. سمع: أنس بن مالك، وأبا نضرة، وعبد الله بن غالب.
روي عنه: شعبة، وحماد بن زيد، وابن علية، قال ابن معين: ثقة،
روى له: الجماعة (4)
وأبو نضرة المنذر بن مالك العوقي، وجابر بن عبد الله.
__________
= كتاب الجنة، باب: عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه (2870) ، النسائي: كتاب الجنائز، باب: المسألة في القبر (4/ 97) (2050) .
(1) في سنن أبي داود: "باب في تحويل الميت من موضعه للأمر يحدث ".
(2) تفرد به أبو داود.
(3) في الأصل:" الطائي " خطأ.
(4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (11/ 2381) .

(6/188)


قوله: "فكان في نفسي من ذلك " أي: من كونه دفن مع ذلك الرجل "حاجة" أي: قلق واضطراب دعاني ذلك إلى إخراجه من قبره.
قوله: "شعيرات" جمع شعيرة تصغير شعرة ... (1)
75- باب (2) : الثناء على الميت
أي: هذا باب في بيان الثناء على الميت.
1667- ص- نا حفص بن عمر، نا شعبة، عن إبراهيم بن عامر، عن عامر بن سعد، عن أبي هريرة، قال: " مَروا على رسول الله- عليه السلام- بجَنازَة فَأثنوا عليها خيرا، فقال: وَجَبتْ، ثم مَروُا بأخرى، فأثْنَوا شرا فقال: وَجبتْ، ثم قال: إن بعضكُم على بعض شُهداء" (3) .
ش- إبراهيم بن عامر بن مسعود بن أمية بن خلف القرشي الجمحي الكوفي. روى عن: سعيد بن المسيب، وعامر بن سعد بن أبي وقاص. روى عنه: شعبة، والثوري، ومسعر، قال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق لا بأس به. روى له: أبو داود، والنسائي (4) . قوله: " وجبت" أي: وجبت الجنة في الأول، وفي الثاني وجبت النار، والمعنى أن ثناءهم عليه بالخير يدل على أن أفعاله كانت خيرا، فوجبت له الجنة، وثناءهم عليه بالشر يدل على أن أفعاله كانت شرا فوجبت له النار، وذلك لأن المؤمنين شهداء بعضهم على بعض،
__________
(1) بياض في الأصل قدر سطرين وثلث.
(2) في سنن أبي داود:" باب في".
(3) البخاري: كتاب الجنائز، باب: ثناء الناس على الميت (1367) ، مسلم: كتاب الجنائز، باب: فيمن يثنى عليه خير أو شر من الموتى (949) ، الترمذي: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في الثناء الحسن على الميت لله (1085) ، النسائي: كتاب الجنائز، باب: الثناء (4/ 50) ، ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في الثناء على الميت (1491) .
(4) نظر ترجمته في: تهذيب الكمال (2/ 187) .

(6/189)


والحديث أخرجه النسائي، وقد أخرجه: البخاري، ومسلم، وابن ماجه من حديث ثابت البناني، عن أنس- رضي اللّه عنه-.
76- باب: في زيارة القبور
أي: هذا باب في بيان زيارة القبور.
1668- ص- نا محمد بن سليمان الأنباري، نا محمد بن عبيد، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: " أتَى رسولُ الله على قبرَ أمّهِ فبكَى وأبْكَى مَن حولَه، فقال: استأذنتُ ربِّي- عز وجل- عَلى أن أستغفر لها فلم يُؤْذنْ لي، واستأذنتُه أن أزورَ قبرهَا فَأذن لي، فَزُورُوا القُبورَ، فإنها تُذكرُ بالموتِ" (1) .
ش- محمد بن عبيد بن أبي أمية الطنافسي الأحدب، وأبو حازم بالحاء المهملة والزاي سلمان الأشجعي الكوفي، مولى عزة الأشجعية.
قوله: " قبر أمه ما هي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب
ابن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر، وقال ابن إسحاق: فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ست سنين توفيت أمه آمنة بنت وهب بالأجواء بين مكة والمدينة، كانت قد قدمت به على أخواله من بني عدي بن النجار تزيره إياهم، فماتت وهي راجعة به إلى مكة. وعن ابن بريدة، عن أبيه، قال: "خرجنا مع رسول الله- عليه السلام- حتى إذا كنا بودان قال: مكانكم حتى آتيكم، فانطلق، ثم جاءنا وهو يقبل (2) فقال: إني قد أتيت قبر أم محمد، فسألت ربي الشفاعة- يعني لها- فمنعنيها، وإني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" رواه أحمد (3) .
__________
(1) مسلم: كتاب الجنائز، باب: استئذان النبي صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل في زيارة قبر أمه (976) ، النسائي: كتاب الجنائز، باب: زيارة قبر المشرك (4/ 0 9) ،
ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في زيارة القبور (1569) .
(2) كذا، وفي المسند: " وهو سقيم ".
(3) مسند أحمد (5/ 356، 357) ، وتصحف فيه " ابن بريدة" إلى "أبي بريدة".

(6/190)


قال ابن كثير: وأما الحديث الذي ذكره السهيلي عن عائشة: "أن
رسول الله- عليه السلام- سأل ربه أن يدعي أبويه فأحياهما، وآمنا به "
فإنه حديث منكر جدا، وإن كان ممكنا بالنظر إلى قدرة الله تعالى لكن
الذي ثبت في الصحيح يعارضه/ وهو ما رواه أنس "أن رجلا قال: يا رسول الله، أين أبي؟ قال: في النار، فلما قفا دعاه فقال: إن أبي وأباك في النار " رواه مسلم.
قلت: الذي ذكره السهيلي هو اللائق بحضرة الرسالة وتدفع المعارضة
بأن يكون وقوع حديث الإحياء بعد وقوع الذي ثبت في الصحيح، فليتأمل.
قوله: "فإنها تذكر" أي: فان زيارة القبور تذكر بالموت، وثبت من
هذا أن زيارة القبور جائزة، وأن النهي عنها قد انتسخ، والحديث أخرجه:
مسلم، والنسائي، وابن ماجه.
1669- ص- نا أحمد بن يونس، نا مُعرف بنُ واصل، عن محارب
ابن دثار، عن ابن بعيدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله- عليه السلام-:
"نهيتُكُم عن زيارة القُبورِ فزُورُوها، فإن في زيارَتِها تذكرةً" (1) .
ش- مُعرف بن واصل أبو بدل السعدي الكوفي. سمع: أبا وائل،
وابن بعيدة، ومحارب بن دثار، والشعبي، والنخعي. روى عنه:
وكيع، وأبو نعيم، وأحمد بن عبد الله بن يونس، قال أحمد بن حنبل:
ثقة ثقة. روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي (2) .
وابن فريدة: عبد الله بن شريدة بن الحبيب.
قوله: " تذكرة " بالنصب، أي: تذكرة للموت وموعظة. والحديث
أخرجه مسلم، والنسائي بنحوه.
__________
(1) مسلم: كتاب الجنائز، باب: استئذان النبي ربه عز وجل في زيارة قبر أمه (977) ، النسائي: كتاب الجنائز، باب: زيارة القبور (4/ 89) .
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (28/ 84 0 6) .

(6/191)


77- باب: كراهة (1) زيارة النساء القبور
أي: هذا باب في بيان كراهة زيارة النساء القبور.
1670- ص- نا محمد بن كثير، أنا شعبة، عن محمد بن جُحادة، قال: سمعت أبا صالح يحدث، عن ابن عباسِ- رضي الله عنهما- قال: " لَعنَ رسولُ اللهِ " زَائرَاتِ القُبورِ، والمتَّخِذين عليها المساجِدَ والسرُجَ " (2) .
ش- أبو صالح هذا باذان، وقيل: باذام الهاشمي، مولى أم هانئ بنت أبي طالب الكوفي. روى عن: أم هانئ، وأخيها علي، وابن عباس، وأبي هريرة. روى عنه: إسماعيل بن أبي خالد، والسدي، وسماك، والثوري وآخرون، قال يحيى بن سعيد: لم أر أحدا من أصحابنا ترك أبا صالح مولى أم هانئ، وما سمعت أحدا من الناس يقول فيه شيئا، ولم يتركه شعبة، ولا زائدة، وقال أحمد: كان ابن مهدي يترك حديث أبي صالح. وقال ابن معين: ليس به بأس، وإذا روى عنه الكلبي فليس بشيء. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه تفسير، وما أقل ما له في المسند، ولم أعلم أحدا من المتقدمة رضيه. روى له: أبو داود، والترمذي (3) .
قوله: " زائرات القبور" أي: لعن نساء زائرات القبور، ويستفاد من الحديث ثلاث فوائد، الأولى: كراهة زيارة النساء القبور، واختلف العلماء هل هو كراهة تنزيه أو تحريم، قيل: تنزيه، والجمهور على أنه تحريم وهو الأصح، وعليه الفتوى.
الثانية: كراهة اتخاذ المساجد على القبور.
__________
(1) في سنن أبي داود:" باب في زيارة...".
(2) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في كراهية أن يتخذ على القبر مسجدا (320) ، النسائي: كتاب الجنائز، باب: التغليظ في اتخاذ السرج على القبور (95/4) ، ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في النهي عن زيارة النساء القبور (1575) .
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (4/ 636) .

(6/192)


الثالثة: كراهة اتخاذ السرج عليها، و "السُّرجٌ " بضمتين جمع سراج، والحديث أخرجه: الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث حسن، وقال المنذري: وفيما قاله نظر، فإن أبا صالح هذا هو: باذام مكي مولى أم هانئ بنت أبي طالب، وهو صاحب الكلبي، وقد قيل: إنه لم يسمع من ابن عباس، وقد تكلم فيه جماعة من الأئمة، وقد نُقِلَ عن يحيى القطان وغيره تحسين أمره، ولعله يريد: يرضاه حجة، اهو قال: هو ثقة.
قلت: وقد تكلمنا فيه بما فيه الكفاية آنفا، واللّه العلم.
78- باب: ما يقول إذا مَرَّ بالقبور (1)
أي: هذا باب في بيان ما يقول الرجل إذا مر بالقبور.
1671- ص- لا القعنبي، عن مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة- رضي الله عنه-: " أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى المَقْبَرَة فقال: " السلامُ عليكم دار قوم مُؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحِقُونَ " (2) .
ش- مالك بن أنس، وعبد الرحمن بن يعقوب الشرقي.
قوله: " دار قوم " بالنصب أي: يا دار قوم، وسمى المقبرة دارا، فدل
أن اسم الدار يقع من جهة اللغة على الربع العامر المسكون، وعلى الخراب غير المأهول، كقول النابغة:
يا دار مَيَّة بالعلياء فالسند... ثم قال:
أقْوَتْ وطال عليها سالف الأبد
__________
(1) في سنن أبي داود: "باب ما يقول إذا زار القبور أو مر به".
(2) مسلم: كتاب الطهارة، باب: استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء (249) ، النسائي: كتاب الطهارة، باب: حلية الوضوء (150) ، ابن ماجه: كتاب الزهد، باب: ذكر الحوض (4306) .
13 . شرح سنن أبي داوود

(6/193)


قوله: " إن شاء الله/ بكم لاحقون " " (1) ليس على معنى الاستثناء الذي يدخل الكلام في شك وارتياب، ولكن عادة المتكلم يُحسِّنُ بذلك كلامه، ويزينه، كما يقول الرجل لصاحبه: إن أحسنت إلي شكرتك إن شاء اللّه، وإن ائتمنتني لم أخنك إن شاء الله، ونحو ذلك من الكلام، وهو لا يريد به الشك في كلامه ".
قلت: هذا ما قاله الخطابي، والأحسن أن يقال: إنه للتبرك كما في قوله تعالى: {لَتَدْخُلُن المَسْجِدَ الحَرَامَ إِن شَاء اللهُ} (2) .
" (3) وقد قيل: إنه دخل المقبرة ومعه يومئذ مؤمنون متحققون في الإيمان، وآخرون يُظنُّ بهم النفاق، فكان استثناؤه منصرفا إليهم (3) دون المؤمنين، معناه اللحوق بهم في الإيمان، وقيل: إن الاستثناء إنما وقع في استصحاب الإيمان إلى الموت، لا في نفس الموت، وفيه من الفقه أن السلام على الموتى كالسلام على الأحياء في تقديمه الدعاء على الاسم، ولا يقدم الاسم على الدعاء كما تفعله العامة، وكذلك هو في كل دعاء الخير كقوله سبحانه: { رَحْمَتُ اللهُ وَبَرَكاتُهُ عَلَيكُمْ أهْلَ البيت } (4) ، وكقوله: { سَلام عَلَى إِلْ ياسينَ } (5) ، وقال في خلاف ذلكَ: { وَإِن عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْم الدّينِ } (6) فقدم الاسم على الدعاء ".
والحديث أخرجه: مسلم، والنسائي، وابن ماجه.
79- باب: في المحرم يموت (7) كيف يصنع به؟
أي: هذا باب في بيان حكم المحرم الذي يموت كيف يصنع به؟ وفي بعض النسخ: "باب كيف يصنع بالمحرم إذا مات ".
__________
(1) انظر: معالم السنن (1/ 277) .
(2) سورة الفتح: (27) .
(3) في الأصل: "منصرفا إلى إليهم ".
(4) انظر: معالم السنن (1/ 276، 277) .
(5) سورة هود: (73) .
(6) سورة الصافات: (0 13) .
(7) سورة ص (78) .
(8) غير واضحة في الأصل، وما أثبتناه من سنن أبي داود، ولعل ما في الأصل: " الميت".

(6/194)


1672- ص- نا محمد بن كثير، نا سفيان، حدثني عمرو بن دينار،
عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: " أتي النبي- عليه السلام- برجُلِ وَقَصَتْهُ راحلَتُهُ فماتَ وهو محرم، فقال: كَفَنوهُ في ثوبَيْه، واغْسلُوهُ بماء وسِدر، ولا تُخَمرُوا رأسَهُ، فإن اللهَ يبعثُهُ يومَ القيامة يُلبي " (اَ) .
ش- "وَقصته " أي: صرعنه فدقت عنقه، وأصل الوقص الدق، أو الكسر. قوله: "وهو محرم" جملة حالية.
قوله: "ولا تخمروا رأسه" أي: لا تغطوا، من خمرت الإناء إذا غطيتها. قوله: " يلبي " جملة وقعت حالا من الضمير الذي في " يبعثه " أي: حال كونه ملبيا، وبالحديث استدل الشافعي أن المحرم إذا مات لا يغطى رأسه ووجهه، وقال أصحابنا: يغطى رأسه ووجهه، ويستفاد منه فوائد، الأولى: أن التكفين في ثوبين، ولكن هو محمول على حالة القلة، فإن السنة أن يكون ثوبان وقميص كما ذكرناه مستوفى.
والثانية: استحباب غسل الميت بالسدر لزيادة التنظيف.
والثالثة: أن المحرم إذا مات يسن به سنة الأحياء في اجتناب الطيب، والحديث أخرجه الجماعة.
ص- قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: في هذا الحديث خمس سنن: كفنوه في ثوبيه، أي: يكفن المؤمن في ثوبين، واغسلوه بماء وسدر، أي: أن في الغسلات كلها سدرا، ولا تخمروا رأسه، ولا تقربوه طيبا، وكان الكفن من جميع المال.
ش- الثلاثة منها قد ذكرناها، والرابعة قوله: " ولا تخمروا" وقد ذكرنا الخلاف فيه، والخامس: إن كفن الميت من جميع المال، فهم ذلك من قوله: "كفنوه في ثوبيه " ولأنه ضروري فيكون من أصل المال.
__________
(1) البخاري: كتاب الجنائز، باب: كيف يكفن المحرم (1286) ، مسلم: كتاب الحج، باب: ما يفعل بالمحرم إذا مات (1206) ، الترمذي: كتاب الحج، باب: المحرم يموت في إحرامه (951) ، النسائي: كتاب الجنائز، باب: كيف يكفن المحرم إذا مات (4/ 39) ، ابن ماجه: كتاب المناسك، باب: المحرم يموت (3084) .

(6/195)


1673- ص- نا سليمان بن حرب، ومحمد بن عبيد، المعنى، قالا: نا حماد، عن عمرو وأيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس نحوه، قال: " وكَفنوهُ في ثَوبينِ " قال سليمان (1) : قال أيوب: " ثَوْبَيْهِ " وقال عمرو: "ثَوبينِ " وقال ابن عبيد: قال أيوب: " في ثوبين " وقال عمرو: (ثوبيه" (2) زاد سليمان وحده: " ولا تُحنطُوا" (3) (4) .
ش- حماد بن زيد، وعمرو بن دينار، وأيوب السختياني.
قوله: " نحوه " أي: نحو الحديث المذكور.
قوله: "زاد سليمان وحده" أي: سليمان بن حرب منفردا.
1674- ص- نا مسدد، نا حماد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، بمعنى سليمان: "في ثوبين" (5) .
ش- أي بمعنى سليمان بن حرب في روايته وفي ثوبين، بالنون.
1675- ص- نا عثمان بن أبي شيبة، نا جريج، عن منصور، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: " وَقَصَتْ برجلٍ محرمٍ ناقتُه فقتلَتْهُ فأُتي فيه (6) النبي- عليه السلام- فقال: اغْسلُوُه وكفنوه، ولا تُغَطُّوا رأسَه، ولا تُقَربوهُ طِيبا، فإنه يبعَثُ يُهِلُّ" (7) .
ش- جريج: ابن عبد الحميد، ومنصور: ابن المعتمر، والحكم: ابن عتيبة.
قوله: " فإنه " أي: فإن الرجل المحرم الذي مات يُبعث يوم القيامة وهو يهل؟ من الإهلال، وهو رفع الصوت بالتلبية، و "يهل " جملة وقعت حالاً والله أعلم.
***
__________
(1) في سنن أبي داود: "قال أبو داود: قال سليمان".
(2) في سنن أبي داود:" في ثوبيه ".
(3) في سنن أبي داود: "تحنطوه".
(4) انظر التخريج المتقدم.
(5) انظر تخريج الحديث قبل السابق.
(6) كذا، وفي سنن أبي داود:"به ".
(7) البخاري: كتاب الجنائز، باب: كيف يكفن المحرم (1267) ، النسائي: كتاب المناسك، باب: النهي عن أن يحنط المحرم إذا مات (5/ 196) .

(6/196)