Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

 

شرح سنن أبي داود للعيني

/ 4- كتاب الزكاة
أي: هذا كتاب في أحكام الزكاة، وجه المناسبة بين الكتابين من حيث
إن الزكاة ثالثة الإيمان، وثانية الصلاة كما قال عز وجل: (الَذينَ يُؤْمنُونَ بالغَيْب وَيُقيمُونَ الصلاة وَمما رَزَقْنَاهُمْ يُنفقُونَ) (1) وقال- عَليه اَلسلام-: "بني الإسلام على خمس " الحديَث، وهي لغة عبارة عن النماء، يقال: زكى الزرع إذا نمى، وقيل: عن الطهارة، قال اللّه تعالى: (قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكَّى) (2) أي: تطهر، وشرعا: إيتاء جزء من النصاب الحولي إلى الفقير الغير الهاشمي، ثم لها ركن، وسبب، وشرط، وحكم وحكمة، فركنها فعلها للّه تعالى بالإخلاص، وسببها المال، وشرطها نوعان: شرط السبب، وشرط من تجب عليه، فالأول ملك النصاب النامي الحولي، والثاني: العقل، والبلوغ، والحرية، وحكمها: سقوط الواجب في الدنيا، وحصول الثواب في الآخرة، وحكمتها كثيرة، منها: التطهر من أدناس الذنوب والبخل، ومنها: ارتفاع الدرجة والقربة، ومنها: الإحسان إلى المحتاجين ، ومنها: استرقاق الأحرار، فإن الإنسان عبيد (3) الإحسان، واعلم أن في رواية اللؤلؤي "كتاب الزكاة" ذُكِرَ عقيب باب الاستعاذة، وفي ترتيب غيره يتلوه كتاب الجنائز، ثم يتلو كتاب الجنائز كتاب الزكاة، وهو الترتيب "الحسن الموافق لترتيب كتب الفقه، وكذا وقع ترتيب "معالم السنن" للخطابي.
1676- ص- نا قتيبة بن سعيد الثقفي، نا الليث، عن عقيل، عن الزهري، أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي هريرة، قال: " لما تُوُفَيَ رسولُ اللهِ- عليه السلام- واستُخْلِفَ أبو بكر بعدها، وكَفَرَ مَن كَفَرَ
__________
(1) سورة البقرة: (3) .
(2) سورة الأعلى: (14) .
(3) كذا. ...

(6/197)


مِن العرَب، قال عمرُ بنُ الخطابِ لأبي بكرٍ : كيف تُقَاتلُ الناسَ وقد قالَ رسولُ اللهِ- عليه السلام-: أمِرتُ أن أقاتلَ الناسَ حتى يقولُوا: لا إله إلا اللهُ، فمن قال: لا إله إلا الله، عَصَمَ مني مالَه ونفسَهُ، إلا بحقِّه، وحسابُهُ على الله (1) ؟ فقال أبو بكر: وَالله لأقاتَلَنَّ مَن فَرَّقَ بين الصلاة واَلزكاة، فإن الزكاةَ حَقُّ المالِ، والله لو مَنَعُوني عقالا كانوا يُؤَدُّونَهُ إلى رَسولِ اَلله صلى الله عليه و سلم لقاتلتُهم على مَنعه. فقَالَ عمرُ بن الخَطاب: ووالله ما هو إلا أنْ رأيتُ اللهَ قد شَرحَ صَدرَ أبي بكًرٍ للقتالِ، قال: فَعَرَفْتَُ أنه الحقّ " (2) .
ش- الليث بن سعد، وعُقيل- بضم العين- ابن خالد الأيلي.
قوله: " لما تُوفي رسول الله- عليه السلام- " توفي رسول اللّه- عليه السلام- يوم الاثنين اثنتي عشرة ليلة من ربيع الأول من سنة إحدى عشرة من الهجرة، ودفن يوم الثلاثاء، قاله الواقدي وعن الليث توفي يوم الاثنين لليلة خلت من ربيع الأول، وعن الزهري يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول لتمام عشر سنين من مَقدمِهِ المدينة، ورواه ابن عساكر، وقال أبو نعيم الفضل بن دكين: توفي رسول اللّه يوم الاثنين مستهل ربيع الأول، والمشهور ما قاله ابن إسحاق، والواقدي، عن ابن عباس وعائشة قالا: توفي رسول اللّه يوم الاثنين اثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، وزاد ابن إسحاق: ودفن ليلة الأربعاء.
قوله: " واستخلف أبو بكر بعده " أي: بعد النبي- عليه السلام- فحين توفي رسول اللّه- عليه السلام- اشتغل الناس بأمر بيعة الصديق في
__________
(1) في سنن أبي داود "عز وجل ".
(2) البخاري: كتاب الزكاة، باب: البيعة على إيتاء الزكاة (1399) ، مسلم: كتاب الإيمان، باب: الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله (20) ، الترمذي: كتاب الإيمان، باب: ما جاء أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله (2607) ، النسائي: كتاب الجهاد، باب: وجوب الجهاد (5/ 6) .

(6/198)


سقيفة بني ساعدة، ثم في المسجد البيعة العامة في بقية يوم الاثنين، وصبيحة الثلاثاء، ثم أخذوا في غسل رسول اللّه وتكفينه والصلاة عليه في بقية يوم الثلاثاء، ودفنوه ليلة الأربعاء، وبايعه جميع الصحابة حتى علي ابن أبي طالب، والزبير بن العوام، وما قيل من أن عليا بايعه بعد موت فاطمة، وقد ماتت بعد أبيها بستة أشهر فذاك محمول على أنه بيعة ثانية أزالت ما كان وقع من وحشته بسبب الكلام في الميراث، ومنعه إياهم ذلك
بالنص عن رسول اللّه- عليه السلام- من قوله: "لا نورث، ما تركناه فهو صدقة".
قوله: " وكفر من كفر من العرب " " (1) كانوا صنفين: صنف ارتدوا عن الدين، ونابذوا الملة، وعادوا إلى كفرهم، وهم الذين عناهم أبو هريرة بقوله: "وكفر من كفر من العرب " وهذه الفرقة طائفتان، إحداهما
أصحاب مسيلمة من بني حنيفة وغيرهم الذين صدقوه على دعواه في
النبوة، وأصحاب الأسود العنسي ومن كان من مستجيبيه/ من أهل اليمن وغيرهم، وهذه الفِرقة بأسرها منكرة لنبوة نبينا محمد- عليه السلام-
مدعية النبوة لغيره فقاتلهم أبو بكر- رضي اللّه عنه- حتى قتل الله تعالى
مسيلمة باليمامة، والعنسي بالصنعاء، وانفضت جموعهم وهلك كفرهم،
والطائفة الأخرى ارتدوا عن الدين، فأنكروا الشرائع، وتركوا الصلاة
والزكاة وغيرهما من أمور الدين، وعادوا إلى ما كانوا عليه في الجاهلية،
فلم يكن يُسجدُ للّه تعالى في بسيط الأرض إلا في ثلاثة مساجد: مسجد
مكة، ومسجد المدينة، ومسجد عبد الريس في البحرين في قرية يقال
لها: جُوَاثا، والصنف الآخر هم الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة، فأقروا
بالصلاة، وأنكروا فرض الزكاة، ووجوب أدائها إلى الإمام، وهؤلاء
على الحقيقة أهل بَغي، وإنما لم يُدعوا بهذا الاسم في ذلك الزمان
خصوصا لدخولهم في غمار أهل الردة، فأضيف الاسم في
__________
(1) انظر: معالم السنن (2/ 3: 5) .

(6/199)


الجملة إلى الردة إذ كانت أعظم الأمرين وأهمهما، وأرخ قتال أهل البغي في زمن علي بن أبي طالب- كرم اللّه وجهه (1) - إذ كانوا منفردين في زمانه، لم يختلطوا بأهل الشرك، وقد كان في ضمن هؤلاء المانعين للزكاة من كان يسمح بالزكاة ولا يمنعها، إلا أن رؤساءهم صدوهم عن ذلك، وقبضوا على أيديهم في ذلك كبني يربوع، فإنهم قد جمعوا صدقاتهم وأرادوا أن يبعثوا بها إلى أبي بكر- رضي اللّه عنه- فمنعهم مالك بن نصيرة من ذلك، وفرقها فيهم، وفي أمر هؤلاء عرض الخلاف، ووقعت الشبهة لعمر- رضي اللّه عنه- فراجع إلى أبي بكر (2) وناظره، واحتج عليه بقوله- عليه السلام-: " أمرت أن أقاتل الناس" الحديث، وهذا كان من عمر تعلقا بظاهر الكلام قبل أن ينظر في آخره، ويتأمل شرائطه فقال له أبو بكر: إن الزكاة حق المال، يريد أن القضية قد تضمنت عصمة دم ومال معلقة بإيفاء شرائطها، والحكم المعلق بشرطين لا يحصل بأحدهما والآخر معدوم، ثم قايسه بالصلاة، ورد الزكاة إليها، فكان في ذلك من قوله دليل على أن قتال الممتنع من الصلاة كان إجماعا من رأي الصحابة، ولذلك رد المختلف فيه إلى المتفق عليه، فاجتمع في هذه القضية الاحتجاج من عمر بالعموم، ومن أبي بكر بالقياس، فدل ذلك على أن العموم يُخَصُّ بالقياس، وأيضا فقد صح عن عبد الله بن عمر، أنه قال: قال رسول اللّه- عليه السلام-: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللّه، وأن محمدا رسول اللّه، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة" الحديث، فلو كان عمر- رضي الله عنه- ذاكرا لهذا الحديث لما اعترض على الصديق، ولو كان الصديق ذاكرا له لأجاب به عمر، ولم يحتج إلى غيره، وهذا يدل على أنه يوجد عند بعض أصحاب العالِم ما لا يوجد عند خواصه وبطانته.
__________
(1) هذه الجملة غير موجودة في معالم السنن، وقد تقدم التنبيه على مغزى هذه الجملة وفسادها.
(2) كذا، وفي "المعالم": " فراجع أبا بكر" وهو الجادة.

(6/200)


فإن قيل: قد روي هذا الحديث من رواية أبي بكر الصديق، وفيه:
"ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة" قلنا: يحتمل أن يكون ذكره بعد ذلك،
ويحتمل أن يكون سمعه من ابن عمر، أو غيره فأرسله " (1) وأما معنى
حديث عمر- رضي الله عنه-:
قوله: " أمرت " أي أمرني اللّه تعالى، طوى ذكر الفاعل للعلم به،
ولتعينه لذلك.
قوله: " حتى يقولوا: لا إله إلا الله " قال الخطابي (2) : المراد بهم أهل
الأوثان دون أهل الكتاب، لأنهم يقولون لا إله إلا اللّه، ثم إنهم يقاتلون
ولا يرفع عنهم السيف، قال: ومعنى: "حسابه على اللّه" أي فيما
يستترون به ويخفونه دون ما يخلون به في الظاهر من الأحكام الواجبة،
قال: ففيه أن من أظهر الإسلام، وأسر الكفر يقبل إسلامه في الظاهر،
وهذا قول أكثر العلماء، وذهب مالك إلى أن توبة الزنديق لا تقبل،
ويحكى ذلك أيضا عن أحمد بن حنبل". انتهى كلامه.
وقال القاضي عياض (3) : اختصاص عصمة المال والنفس بمن قال: لا
إله إلا اللّه، تعبير عن الإجابة إلى الإيمان، وأن المراد بهذا مشركو
العرب، وأهل الأوثان ومَن لا يُوَحدُ، وهم كانوا أول من دُعي إلى
الإسلام وقوتل عليه، فأما غيرهم ممن يقر بالتوحيد فلا يكتفى في عصمته
بقوله: لا إله إلا اللّه، إذ كان يقولها في كفره وهي من اعتقاده، فلذلك
جاء في الحديث الآخر "وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي
/ الزكاة " انتهى.
وقال الشيخ محيي الدين (4) : "ولا بد مع هذا من الإيمان بجميع ما جاء به رسول اللّه، كما جاء في الرواية الأخرى لأبي هريرة: "حتى
يشهدوا أن لا إله إلا اللّه، ويؤمنوا بي، وبما جئت به ".
__________
(1) إلى هنا انتهى النقل من المعالم.
(3) شرح صحيح مسلم (206/1-207) .
(2) معالم السنن (2/ 10) .
(4) المصدر السابق باختصار.

(6/201)


وقال أيضاً اختلف أصحابنا في قبول توبة الزنديق، وهو الذي ينكر الشرع جملة، فذكروا فيه خمسة أوجه، لأصحابنا أنصحها والأصوب منها قبولها مطلقا للأحاديث الصحيحة المطلقة، والثاني: لا تُقبل، ويتحتم قتله، لكنه إن صدق في توبته نفعه ذلك في الدار الآخرة، وكان من أهل الجنة، والثالث: أنه إن تاب مرة واحدة قُبلت توبته، فان تكرر ذلك منه لم تقبل. والرابع: إن أسلم ابتدأ من غير طلب قُبل منه، دان كان تحت السيف فلا، والخامس: إن كان داعيا إلى الضلال لم يُقبل منه و إلا قُبل قلت: الزنديق يقتل عندنا، وتقبل توبته بالإجماع، إلا عند الشافعي، ورواية عنا، كذا ذكرته في شرحي على " المجمع".
قوله: " من فرق بين الصلاة والزكاة " قال الشيخ محيي الدين (1) :
"ضبطناه بوجهين: فَرق" و " فَرَقَ" بتشديد الراء، وتخفيفها، ومعناه: من أطاع في الصلاة، وجحد في الزكاة، أو منعها ".
قوله: "لو منعوني عقالا"، (2) هكذا في مسلم أيضا "عقالا " وكذا
في بعض روايات البخاري، وفي بعضها " عناقا" لما يجيء الآن، وكلاهما صحيح، ورواية " العقال" اختلف العلماء فيها قديما وحديثا، فذهب جماعة منهم إلى أن المراد بالعقال زكاة عام، وهو معروف في اللغة بذلك، وهذا قول الكسائي، والنضر بن جميل، واجبي عبيد، والمبرد وغيرهم من أهل اللغة، وهو قول جماعة من الفقهاء، واحتج هؤلاء على أن العقال يطلق على زكاة العام بقول عمرو بن العداء:
سعى عقالا فلم يترك لنا سبْدا ... فكيف لو قد سعى عمرو عقالين
أراد مدة عقال، فنصبه على الظرف، وعمرو هذا هو عمرو بن عتبة
ابن أبي سفيان الساعي، ولاه عمه معاوية بن أبي سفيان صدقات كلب فقال فيه قائلهم ذلك، قالوا: ولأن العقال الذي هو الحبل الذي يعقل فيه
__________
(1) شرح صحيح مسلم (207/1) .
(2) المصدر السابق.

(6/202)


البعير لا يجب دفعه في الزكاة، فلا يجوز القتال عليه، فلا يصح حمل الحديث عليه، وذهب كثيرون من المحققة إلى أن المراد بالعقال الحبل، الذي يعقل به البعير، وهذا القول محكي عن مالك، وابن أبي ذئب وغيرهما، وهو مأخوذ مع الفريضة، لأن على صاحبها التسليم، وإنما يقع قبضها برباطها، وقيل: معنى وجوب الزكاة فيه إذا كان من عروض التجارة فبلغ مع غيره منها قيمة نصاب، وقيل: أراد به الشيء التافه الحقير، فضرب العقال مثلا له، وقيل: كان من عادة المصدق إذا أخذ الصدقة أن يعمد إلى (1) قَرَن- بفتح القاف والراء- وهو الحبل، فيقرن به بين بعيرين لئلا تشرد الإبل، فيسمى عند ذلك القرائن، فكل قرينين منها عقال، وقال أبو عبيد: وقد بعث النبي- عليه السلام- محمد بن مسلمة على الصدقة، فكان يأخذ مع كل فريضته عقالهما (2) وقرانهما، وكان عمر أيضا يأخذ مع كل فريضة عقالا " (3) .
قوله: " إلا أن رأيت الله" أي: علمت وأيقنت.
قوله: "قد شرح " أي: فتح ووسع، والمعنى علمت أنه جازم بالقتال
لما ألقى الله- سبحانه وتعالى- في قلبه من الطمأنينة لذلك واستصفائه ذلك.
قوله: " فعرفت أنه الحق " أي: بما أظهر من الدليل و أقامة الحجة، فعرفت بذلك أن ما ذهب إليه هو الحق والحديث أخرجه: البخاري، ومسلم، و الترمذي، والنسائي.
ص- قال أبو داود: قال شعيب بن أبي حمزة، ومعمر، والزبيري: عن الزهري في هذا الحديث قال (4) : " لو منعوني عَنَاقا ".
ش- شعيب بن أبي حمزة دينار القرشي الحمصي، ومعمر بن راشد، والزبيدي محمد بن الوليد الحمصي، والزهري محمد بن مسلم.
__________
(1) مكررة في الأصل.
(2) في الأصل: "عقالاهما " وما أثبتناه من شرح صحيح مسلم.
(3) إلى هنا انتهى النقل من شرح صحيح مسلم.
(4) كلمة " قال" غير موجودة في متن أبي داود.

(6/203)


قوله: "عناقا" بفتح العين والنون، وهي الأنثى من ولد المعز، وهو
محمول على أنه كرر الكلام مرتين، فقال في مرة: "عقالا " وفي
الأخرى: "عناقا " قال الشيخ محيي الدين: " رواية العناق محمولة على
ما إذا كانت الغنم صغارا كلها، بأن ماتت أمهاتها في بعض الحول، فهذا
حال حول الأمهات زكى السخال الصغار بحول الأمهات، سواء بقي من
الأمهات شيء أم لا، هذا هو الصحيح المشهور، وقال أبو القاسم
الأنماري من أصحابنا: لا يزكي الأولاد بحول الأمهات، إلا ابن يبقى من
الأمهات نصاب، وقال بعض أصحابنا: إلا أن يبقى من الأمهات شيء،
ويتصور ذلك أيضا ما إذا مات معظم الكبار، وحدثت صغار، فحال
حول الكبار على بقيتها وعلى الصغار"
قلت: قوله "هو الصحيح المشهور" هو قول أبي يوسف أيضا من أصحابنا، وعند أبي حنيفة، ومحمد: لا تجب الزكاة في المسألة المذكورة،
وحَمَلا الحديث على جهة المبالغة، أو على الفرض والتقدير.
ص- ورواه عنبسة، عن يونس، عن الزهري في هذا الحديث قال:
"عَنَاقا".
ش- عنبسة بن خالد بن يزيد الأيْلي، ويونس بن يزيد الأيْلي، عم
عنبسة المذكور.
1677- ص- نا ابن السرح، وسليمان بن داود، قالا: أنا (1) ابن
وهب، أخبرني يونس، عن الزهري (2) ، قال: قال أبو بكر:" إن حَقَه أداء
الزكاةِ " وقال: "عِقَالا " (3) .
ش- أحمد بن عمرو بن السرح، وسليمان بن داود الزهراني العتبي،
وعبد الله بن وهب، ويونس بن يزيد.
__________
(1) في سنن أبي داود " أخبرنا "
(2) في سنن أبي داود "عن الزهري هذا الحديث ".
(3) انظر الحديث السابق.

(6/204)


وأشار بهذا إلى أن هذه الرواية أيضا فيها "عقال" موضع " عناق ".
ص- قال أبو داود: رواه رباح بن زيد، عن معمر (1) ، عن الزهري بإسناده، قال بعضهم: " عقالا" ورواه ابن وهب، عن يونس، قال: "عناقا".
ش- رباح بن زيد القرشي الصنعاني، ومعمر بن راشد.
والحاصل أنه قد اختلفت الروايات في " العقال " و "العناق " وكلاهما صحيح كما ذكرناه، ومحمول على أنه قال ذلك مرتب.
1- باب: ما يجبُ فيه الزكاة
أي: هذا باب في بيان ما يجب فيه الزكاة.
1678- ص- نا عبد الله بن مسلمة، قال: قرأت على مالك بن أنس:
عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، أنه قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لَيسَ فيما دون خَمس ذود صدقة، وليس فيما دونَ خمسة أوَاق صدقة، وليس فيمار من خمسة أوسق صدقة " (2) .
ش- عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي الحسنَ الأنصاري المازني المدني. قوله: " ليس فيما دون خمس ذود صدقة" (3) الرواية المشهورة بإضافة
"خمس" إلى "ذود"، وهو نقل الجمهور، وروي بتنوين " خمس " ويكونا ذود، بدلا منه، حكاه ابن عبد البر، والقاضي، وغيرهما، وقال أهل اللغة: الذود- بفتح الذال المعجمة، وسكون الواو، وبعدها
__________
(1) في سنن أبي داود ذكر هذا النص في الحديث الأول، وزاد" وعبد الرزاق ". (2) البخاري: كتاب الزكاة، باب: ما أدى زكاته فليس بكنز (1405) ، مسلم: كتاب الزكاة (979) ، الترمذي: كتاب الزكاة، باب: ما جاء في صدقة الزرع والتمر والحبوب (626) و (627) ، النسائي: كتاب الزكاة، باب:
زكاة الإبل (/ه/ 17) ، ابن ماجه: كتاب الزكاة، باب: ما تجب فيه الزكاة
من الأموال (1793) .
(3) انظر: شرح صحيح مسلم (7/ 52:50) .

(6/205)


دال مهملة- وهو من الثلاثة إلى العشرة، لا واحد له من لفظه، إنما يقال في الواحد بعير، وكذلك النفر، والرهط، والقوم، والنساء، ونحو هذه الألفاظ التي لا واحد لها من لفظها، قالوا: وقولهم: "خمس ذود" كقولهم: خمسة أبخرة، وخمسة جمال، وخمس نوق، وخمسة نسوة، قال سيبويه: يقول: ثلاث ذود، لأن الذود مؤقت، وليس باسم كُسر عليه مذكره، وقال أبو عبيد: الذود ما بين سنتين إلى تسع وهو مختص بالإناث، وقال الأصمعي: الذود ما بين الثلاث إلى العشر، والصُّبة خمس أو ست، والصرْمَةُ ما بين العشر إلى العشرين، والعكْرَةُ ما بين العشرين إلى الثلاثين، والهَجْمَةُ ما بين الستين إلى السبعين، والهُنَيْدَةُ مائة، والخِطر نحو مائتين، والعَرْجُ من خمسمائة إلى ألف، وقال أبو عبيد وغيره:َ الصرْمَةُ من العشر إلى الأربعين، وأنكر ابن قريبة أن يقال: خمس ذود كما لا يقال: خمس ثوب، وغلطه العلماء، بل هذا اللفظ شائع في الحديث الصحيح، ومسموع من العرب، معروف في كتب اللغة، وليس هو جمع لمفرد، بخلاف الأثواب، قال أبو حاتم السجستاني: تركوا القياس في الجمع، فقالوا: خمس ذود لخمس من الإبَلَ، وثلاث ذود لثلاث من الإبل، وأربع ذود وعشر ذود على غير قياس، كما قالوا: ثلاثمائة، وأربعمائة، والقياس مئين أو مئات، ولا يكادون يقولونه، وقد ضبطه الجمهور: " خمس ذود"، ورواه بعضهم "لخمسة ذود "، وكلاهما لرواة كتاب مسلم، والأول أشهر، وكلاهما صحيح في اللغة، فإثبات الهاء لإطلاقه على المذكر والمؤنث، ومَن حَذَفَها قال الداودي: أراد أن الواحدة منه فريضة.
قلت: الصبة- بضم الصاد المهملة، وتشديد الباء الموحدة- وفي "الصحاح" الصّبة- بالضم- القطعة من الخيل، والصرمة من الإبل، قال أبو زيد: الصبة من المعز ما بين العشرة إلى الأربعين، والصرمة
- بكسر الصاد، وسكون الراء المهملتين، وفتح الميم- والعكْرَة بفتح العين المهملة، وسكون الكاف، وفتح الراء، وفي "الصحاح " العكرة، قال

(6/206)


أبو عبيدة: ما بين الخمسين إلى المائة. وقال الأصمعي: العكْرَةُ الخمسون
إلى الستين إلى السبعين، والهَجْمَةُ بفتح الهاء، وسكون (1) / الجيم، وفتح الميم، وفي "الصحاح " قال أبو عبيد: الهَجْمَةُ من الإبل أولها
أربعون إلى ما زادك. والهُنَيْدة- بضم الهاء، وفتح النون، وسكون الياء
آخر الحروف، وفتح الدال- وفي "الصحاح" الهُنَيدة: المائة من الإبل
وغيرها. وقال أبو عبيد: والخطر- بكسر الخاء المعجمة، وسكون
الطاء، وفي آخره راء- وفي " الصَحاح" : الخطْرُ: الإبل الكثيرة والجمع
الأخطار، والعَرْجُ- بفتح العن، وسكون الراء المهملين، وفي آخره
جيم- وفي " الصحاح" العرج: القطيع من الإبل نحو من الثماني،
وقال أبو عبيدة: مائة وخمسون وفريق ذلك، وقال الأصمعي: خمسمائة
إلى الألف، والعِرج- بالكسر- مثله، والجمع أعراج.
قوله: " وليس فيما دون خمسة أواق" قد وقع في رواية أبي داود "أواق "
بدون الياء.
(ووقع (2) في رواية مسلم " أواقي" بالياء، وكلاهما صحيح، وهي
جمع أوقية، والأوقية- بضم الهمزة وتشديد الياء- وجمعها أواقي
- بتشديد الياء وتخفيفها- وأواقِ بحذفها، قال ابن السكيت في "الإصلاح": كل ما كان من هذا النوع واحده مشددا جاز في جمعه
التشديد والتخفيف كالأوقية والأواقيّ والأواقِي (3) ، والسرية والسرارّي
والسراري (3) ، والنحتية والعلية، والأثقبة ونظائرها، وأنكر الجمهور أن
يقال في الواحدة: وقية، بحذف الهمزة، وحكى الجنائي جوارها بفتح
الواو، وتشديد الياء وجمعها وقايا، مثل ضحية وضحايا، وأجمع أهل
الحديث والفقه وأئمة اللغة على أن الأوقية الشرعية أربعون درهما وهي أوقية
الحجاز.
__________
(1) مكررة في الأصل.
(2) انظر: شرح صحيح مسلم (7/ 51- 52) .
(3) سبب الصنف فوقها.

(6/207)


وقال القاضي عياض: ولا يصح أن تكون الأوقية والدراهم مجهولة في زمن النبي- عليه السلام- وهو يوجب الزكاة في أعداد منها، ويقع بها البياعات والأنكحة، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، قال: وهذا يبين أن قول من زعم أن الدراهم لم تكن معلومة إلى زمان عبد الملك بن مروان، وأنه جمعها برأي العلماء، وجعل كل عشرة وزن سبعة مثاقيل، ووزن الدراهم ستة دوانيق قول باطل، وإنما معنى ما نقل من ذلك، أنه لم يكن منها شيء من ضرب الإسلام، وعلى صفة لا تختلف، بل كانت مجموعات من ضرب فارس والروم صغارا وكبارا، وقطع فضة غير مضروبة ولا منقوشة، ويمنية، ومغربية، فرأوا صرفها إلى ضرب الإسلام ونقشه، وتصييرها وزنا واحدا لا يختلف، وأعيانا يستغنى فيها عن الموازين، فجمعوا أكبرها وأصغرها، وضربوه على وزنهم.
قال القاضي: ولا شك أن الدراهم كانت حينئذ معلومة، وإلا فكيف كانت تتعلق بها حقوق الله تعالى في الزكاة وغيرها، وحقوق العباد؟ وهذا كما كانت الأوقية معلومة. وقال الشيخ محيي الدين: " أجمع أهل العصر الأول على التقدير بهذا الوزن المعروف، وهو أن الدرهم ستة دوانيق، وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، ولم يتغير المثقال في الجاهلية ولا الإسلام" (1) .
قلت: " (2) روى ابن سعد في "الطبقات" (3) في ترجمة عبد الملك ابن مروان: أخبرنا محمد بن عمر الواقدي، حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، قال: "ضرب عبد الملك بن مروان الدنانير والدراهم سنة خمس وسبعة، وهو أول من أحدث ضربها، ونقشه عليها". قال الواقدي: وحدثنا خالد بن ربيعة بن أبي هلال، عن أبيه، قال: كانت مثاقيل الجاهلية التي ضرب عليها عبد الملك اثنين وعشرين قيراطا إلا حبة بالشامي، وكانت العشرة وزن سبعة" انتهى.
__________
(1) إلى هنا انتهى النقل من شرح صحيح مسلم.
(2) انظر: نصب الراية (2/368)
(3) (170/5) .

(6/208)


وقال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب " الأموال " في باب الصدقة
وأحكامها: " كانت الدراهم قبل الإسلام كبارا وصغارا، فلما جاء
الإسلام وأرادوا ضرب الدراهم، وكانوا يُزكُونها من النوعين، فنظروا إلى
الدرهم الكبير فهذا هو ثمانية دوانيق، وإلى الدرهم الصغير فهذا هو أربعة
دوانيق، فوضعوا زيادة الكبير على نقصان الصغير فجعلوهما درهمين سواء،
كل واحد ستة دوانيق، ثم اعتبروها بالمثاقيل، ولم يزل المثقال في آباد
الدهر محدودا لا يزيد ولا ينقص، فوجدوا عشرة من هذه الدراهم التي
واحدها ستة دوانيق/ تكون وزن (1) سبعة مثاقيل، وأنه عدل بين الكبار والصغار، وأنه موافق لسنة رسول الله- عليه السلام- في الصدقة ،
فمضت سنة الدراهم على هذا فاجتمعت عليه الأمة، فلم تختلف أن
الدرهم التام ستة دوانيق فما زاد، أو نقص قيل فيه: زائد أو ناقص،
والناس في الزكوات على الأصل الذي هو السنة لا يزيغوا عنه، وكذلك
في المبايعات" (2) انتهى.
وقالت شراح كتب أصحابنا: إن الدراهم
كانت في الابتداء على ثلاثة أصناف، صنف منها كل عشرة منه عشرة
مثاقيل، كل درهم مثقال، وصنف منها كل عشرة منه ستة مثاقيل، كل
درهم ثلاثة أخماس مثقال، وصنف منها كل عشرة منه خمسة مثاقيل، كل
درهم نصف مثقال، وكان الناس يتصرفون بها، ويتعاملون فيما بينهم إلى
أن استخلف عمر- رضي اللّه عنه- فأراد أن يستوفي الخراج بالأكبر،
فالتمسوا منه التخفيف، فجمع حساب زمانه ليتوسطوا ويوفقوا بين الدراهم كلها وبن ما رامه عمر- رضي الله عنه- وبن ما رامه الرعية، فاستخرجوا له وزن السبعة، بأن اتخذوا من كل صنف ثلثه، فيكون
المجموع سبعة.
فائدة: الدرهم لفظ فارسي، وجاء فيه: درهام، وكان أصله درما،
فلما عربوه زادوا فيه الهاء فقالوا: درهم والدينار أصله دِنَار- بالتشديد-
__________
(1) في الأصل: "وزان " وما أثبتناه من نصب الراية.
(2) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.
14. شرح سنن أبي داوود 6

(6/209)


فأبدلت إحدى النونين ياء فصار دينار، والدينار عشرون قيراطاً وكل قيراط ثلاث حبات، فيكون ستين حبة، وكل حبة أربع أرزات فيكون مائتين وأربعين أرزة، ويقال: القيراط طُسرجتان، والطُسرجة حبتان، والحبة شعيرتان، والشعيرة ذرتان، والذرة فتيلتان والدانق بفتح النون وكسرها، وقال في " الصحاح ": الدانق أربعة طناسيج.
قوله: "خمسة أوسق" (1) الأوسق جمع وسق، وفيه لغتان، فتح الواو وهو المشهور وكسرها، ويقال: الوسق بالفتح وجمعه أوسق، وبالكسر وجمعه أوساق، والوسق ستون صاعا، كل صاع خمسة أرطال وثلث بالبغدادي فيكون ثلاثمائة وعشرين رطلاً هذا مذهب أهل الحجاز، ومذهب أهل العراق: الصاع ثمانية أرطال، فيكون الجملة أربعمائة وثماني رِطلا. والحديث أخرجه الجماعة، وهو مشتمل على ثلاث فصول، الأول فيه بيان أقل الإبل التي تجب فيها الزكاة، فبين أنه لا تجب الزكاة في أقل من خمس ذود من الإبل، فإذا بلغت خمسا قائمة، وحال عليها الحول ففيها شاة، وهذا بالإجماع، وليس فيه خلاف. الثاني: فيه بيان نصاب الفضة وهو خمس أواق، وهي مائتا درهم، لأن كل أوقية أربعون درهما كما ذكرناه، وحدد الشرع نصاب كل جنس بما يحتمل المواساة، فنصاب الفضة خمس أواق وهو مائتا درهم بنص الحديث والإجماع، وأما الذهب فعشرون مثقالا، والمعوَّلُ فيه على الإجماع، إلا ما روي عن الحسن البصري، والزهري أنهما قالا: "لا يجب في أقل من أربعة مثقالا" والأشهر عنهما الوجوب في عشرين مثقالا كما قاله الجمهور، وقال القاضي: وعن بعض السلف وجوب الزكاة في الذهب إذا بلغت قيمته مائتي درهم، وإن كان دون عشرين مثقالا، قال هذا القائل: ولا زكاة في العشرين حتى تكون قيمتها مائتي درهم، ثم إذا زاد الذهب أو الفضة على النصاب اختلفوا فيه، فقال
__________
(1) انظر: شرح صحيح مسلم (49/7: 51) .

(6/210)


مالك، والليث، والثوري، والشافعي، وابن أبي ليلى، وأبو يوسف، ومحمد، وعامة أهل الحديث أن فيما زاد من الذهب والفضة ربع العشر
في قليله وكثيره ولا وقص، يروي ذلك عن: علي، وابن عمر- رضي
الله عنهم- وقال أبو حنيفة، وبعض السلف: لا شيء فيما زاد على
مائتي درهم حتى يبلغ أربعين درهما، ولا فيما زاد على عشرين دينارا حتى
يبلغ أربعة دنانير، فإذا زادت ففي كل أربعين درهما درهم، وفي كل
أربعة دنانير درهم، فجعل لهما وقصا كالماشية.
قال الشيخ محيي الدين: "واحتج الجمهور بقوله- عليه السلام- في
"صحيح البخاري ": "في الرقة ربع العشر" والرقة الفضة، وهذا عام
في/ النصاب وما فوقه، وبالقياس على الحبوب ولأبي حنيفة حديث ضعيف، لا يصح الاحتجاج به" (1) .
قلت: أشار بهذا إلى ما رواه الدارقطني في "سننه" (2) من طريق ابن
إسحاق، عن المنهال بن جراح، عن حبيب بن نجيب، عن عبادة بن
نُسي، عن معاذ: " أن رسول الله- عليه السلام- أمره حين وجهه إلى
اليمن أن لا يأخذ من الكسر شيئاً إذا كانت الورق مائتي درهم فخذ منها
خمسة دراهم، ولا تأخذ مما زاد شيئا حتى يبلغ أربعين درهما، فإذا
بلغت أربعين فخذ منها درهما" قال الدارقطني: المنهال بن الجراح هو
أبو العطوف، متروك الحديث، وكان ابن إسحاق يقلب اسمه إذا روى
عنه، وعبادة بن نسي لم يسمع من معاذ، انتهى.
وقال النسائي: المنهال بن الجراح متروك الحديث، وقال ابن حبان:
كان يكذب، وقال عبد الحق في " أحكامه": كلمات، وقال الشيخ في "الإمام": قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال: متروك الحديث
واهيه، لا يكتب حديثه، وقال البيهقي: إسناد هدا الحديث ضعيف جدا،.
__________
(1) إلى هنا انتهى النقل من شرح صحيح مسلم.
(2) (93/2- 94) ، وانظر النص وما بعده في نصب الراية (2/368) .

(6/211)


قلت: ذكر البيهقي هذا الحديث في "باب ذكر الخبر الذي روي في وقص الورق "، ثم اقتصر عليه لكون الباب معقود البيان مذهب خصمه، وفي الباب حديثان، اْحدهما: ذكره البيهقي في "باب فرض الصدقة" وهو كتابه- عليه السلام- الذي بعثه إلى اليمن مع عمرو بن حزم، وفيه: "وفي كل خمس أواقي من الورق خمسة دراهم، وما زاد ففي كل أربعين درهما درهم" ثم قال البيهقي: مجود الإسناد.
ورواه جماعة من الحفاظ موصولا حسنا، وروى البيهقي، عن أحمد ابن حنبل، أنه قال: أرجو أن يكون صحيحا
والثاني: ذكره البيهقي في "باب لا صدقة في الخيل" من حديث علي، قال رسول اللّه- عليه السلام-: "عفوت لكم عن صدقة الخيل، والرقيق، فهلموا صدقة الرقة من كل أربعين درهما، وليس في تسعين ومائة شيء، فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم ". قال ابن حزم: صحيح مسند.
وروى ابن أبي شيبة، عن عبد الرحمن بن سليمان، عن عاصم الأحول، عن الحسن البصري، قال: "كتب عمر إلى أبي موسى: فما زاد على المائتين ففي كل أربعين درهما درهم" وأخرجه الطحاوي في "أحكام القرآن" من وجه آخر عن أنس، عن عمر نحوه، قال صاحب "التمهيد": وهو قول ابن المسيب، والحسن ومكحول، وعطاء، وطاوس، وعمرو بن دينار، والزهري، وبه يقول أبو حنيفة، والأوزاعي، وذكر الخطابي الشعبي معهم، وروى ابن أبي شيبة بسند صحيح عن محمد الباقر رفعه، قال: " إذا بلغت خمس أواقي ففيها خمسة دراهم، وفي كل أربعين درهما درهم" وفي (1) " أحكام" عبد الحق، قال: وروى أبو أويس، عن عبد الله، ومحمد ابني أبي بكر ابن عمرو بن حزم، عن أبيهما، عن جدهما، عن النبي- عليه السلام-
__________
(1) انظر: نصب الراية (2/ 367- 368) .

(6/212)


أنه كتب هذا الكتاب لعمرو بن حزم حين أمّره على اليمن وفيه: "الزكاة ليس فيها صدقة حتى تبلغ مائتي درهم، فإذا بلغت مائتي درهم (1) ففيها خمسة دراهم، وفي كل أربعين درهما درهم، وليس فيما دون الأربعين صدقة" انتهى. ولم يعزه عبد الحق لكتاب، وكثيرا ما يفعل ذلك في "أحكامه"، والموجود في كتاب عمرو بن حزم عند النسائي، وابن حبان، والحاكم، وغيرهم: " وفي كل خمس أواق من الورق خمسة دراهم، وما زاد ففي كل أربعين درهما درهم، وليس فيما دون خمس أواق شيء".
وروى أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب "الأموال " (2) : حدثنا يحيى بن بكير، عن الليث بن سعد، عن يحيى بن أيوب، عن حميد، عن أنس، قال: "ولاني عمر بن الخطاب الصدقات، فأمرني أن اتخذ من كل عشرين دينارا نصف دينار، وما زاد فبلغ أربعة دنانير ففيه درهم، وأن اتخذ من كل مائتي درهم خمسة دراهم، فما زاد فبلغ أربعة درهما ففيه درهم" انتهى (3) .
وقد عرفت مستندات أبي حنيفة في هذا الباب، وعرفت مَن عنده تعصب، كيف يذكر له الأحاديث الضعيفة ويترك الأحاديث القوية؟! والعجب من الشيخ محيي الدين مع وقوفه على هذه الأحاديث كيف يقول:/ ولأبي حنيفة حديث ضعيف، ويشير به إلى ما رواه الدارقطني، ولا يشير إلى ما ذكرنا ثَّم؟ (4) .
قال القاضي: ثم إن مالكا والجمهور يقولون بضم الفضة، والذهب بعضهما إلى بعض في إكمال النصاب، ثم إن مالكا يراعي الوزن ويضم على الأجزاء لا على القيم، ويجعل كل دينار كعشرة دراهم على الصرف الأول، وقال الأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة: يضم على القيم في وقت الزكاة، وقال الشافعي، وأحمد، وأبو ثور وداود: لا يضم مطلقاً"
__________
(1) في الأصل: " دراهم".
(3) (ص / 524)
(3) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية. ....
(4) انظر: شرح صحيح مسلم.

(6/213)


وقال الخطابي (1) : "ولم يختلفوا في أن القيم لا تضم إلى الإبل ولا إلى البقر، وأن التمر لا يضم إلى الزبيب، واختلفوا في البر والشعير، فقال أكثر العلماء: لا يضم واحد منهما إلى الآخر، وهو قول الثوري، والأوزاعي، وأصحاب الرأي، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وقال مالك: يضاف القمح إلى الشعير ولا يضاف القطاني إلى القمح والشعير".
الفصل الثالث: فيه بيان زكاة الزروع والثمار، واستدل الشافعي، وأبو يوسف، ومحمد بهذا الحديث " إن ما أخرجته الأرض إذا بلغ خمسة أوسق يجب فيها الصدقة، وهي العشر " وقال أبو حنيفة: في قليل ما أخرجته الأرض وكثيره العشر سواء سقي سيحا أو سقته السماء، إلا القصب الفارسي والحطب، والحشيش.
وقال الشيخ محيي الدين: "وفي (2) هذا الحديث فائدتان، إحداهما: وجوب الزكاة في هذه المحددات، والثانية: أنه لا زكاة فيما دون ذلك، ولا خلاف بين المسلمين في هاتين، إلا ما قال أبو حنيفة، وبعض السلف: إنه يجب الزكاة في قليل الحب وكثيره، وهذا مذهب باطل، منافي لصريح الأحاديث الصحيحة!
قلنا: لا نسلم أن هذا مذهب باطل، وإطلاق الباطل عليه باطل، وكيف يكون هذا منابذاً لصريح الأحاديث الصحيحة، وقد استدل أبو حنيفة بما روى (3) الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فيما سقت السماء والعيون، أو كان عثريا العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر " رواه البخاري.
وبما روى أبو الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله- عليه السلام-: " فيما سقت الأنهار والغيم العشر، وفيما سقي بالثانية نصف العشر" رواه مسلم.
__________
(1) معالم السنن (14/2) .
(2) شرح صحيح مسلم (49/7) .
(3) انظر: نصب الراية (2/ 384: 386) .

(6/214)


وبما روى مسروق، عن معاذ بن جبل، قال: "بعثني رسول الله
- عليه السلام- إلى اليمن فأمرني أن آخذ مما سقت السماء، وما سقي بعلاً العشر، وما سقي بالدوالي نصف العشر". رواه ابن ماجه.
وهذه الأحاديث كلها مطلقة، وليس فيها فصل، وتأويل قوله- عليه السلام-: "وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" زكاة التجارة، لأنهم كانوا يتبايعون بالأوساق، وقيمة الوسق أربعون درهما، ومن الأصحاب من جعله منسوخا، ولهم في تقريره قاعدة ذكرها السغناقي نقلا عن " الفوائد الظهيرية " قال: إذا ورد حديثان أحدهما عام، والآخر خاص فإن علم تقديم العام على الخاص خصص العام بالخاص، كمن يقول لعبده: لا تعط لأحد شيئا، ثم قال له: أعط زيدا درهما، ثم قال له: لا تعط أحدا شيئا، فإن هذا ناسخ للأول، هذا مذهب عيسى بن أبان، وهو المأخوذ به، قال محمد بن شجاع البلخي: هذا إذا علم التاريخ، أما إذا لم يعلم فإن العام يجعل آخرا لما فيه من الاحتياط، وهنا لم يعلم التاريخ، فيجعل العام آخرا احتياطا، ويؤيده ما روي من الآثار، وهو ما أخرجه عبد الرزاق في " مصنفه ": أنا معمر، عن سماك بن الفضل، عن عمر بن عبد العزيز، قال: " فيما أنبتت الأرض من قليل أو كثير العشر".
وأخرج نحوه عن مجاهد، وعن إبراهيم النخعي، وأخرجه ابن أبي شيبة أيضا في "مصنفه " (1) ، عن عمر بن عبد العزيز، وعن مجاهد، وعن إبراهيم النخعي، وزاد في حديث النخعي: وحتى في كل عشر دستجات بقل دستجة بقل " (2) .
1679- ص- نا أيوب بن محمد الرقي، نا محمد بن عبيد، نا إدريس ابن يزيد الأودي، عن عمرو بن مرة الجملي، عن أبي البختري الطائي، عن
__________
(1) (3/ 19) .
(2) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.

(6/215)


أبي سعيد الخدري، يرفعه إلى النبي- عليه السلام- قال: " ليسَ فيما ون خَمسةِ أوْسَاقٍ (1) زَكاة "/ والوَسق ستون مَختُوما (2) .
ش- [ محمد بن ] (3) عبيد بن أبي أمية الأحدب الكوفي، وإدريس ابن يزيد بن عبد الرحمن الأسدي أبو عبد اللّه الكوفي، والد عبد اللّه واْخو داود، روى عن: أبيه، وأبي إسحاق السبيعي، وسماك بن حرب، وغيرهم، روى عنه: ابنه عبد الله، والثوري، وابن أبي زائدة، ومحمد ابن عبيد، وغيرهم، قال ابن معين: ثقة، روى له الجماعة (4) .
وأبو البختري سعيد بن فيروز، ويقال: ابن عمران، ويقال: ابن أبي عمران الطائي مولاهم الكوفي، تابعي مشهور، روى عن علي مرسلا، وسمع: ابن عباس، وابن عمر، وجماعة من الصحابة، روى عنه: عمرو بن مرة، وزيد بن جبير، وسلمة بن كهيل، قال أبو حاتم، وابن معين، وأبو زرعة: ثقة، قتل بالجماجم سنة ثلاث وثمانين روى له الجماعة (5) .
والبَختري: بفتح الباء الموحدة وسكون الخاء المعجمة، وفتح التاء المثناة من فوق، وكسر الراء، وتشديد الياء.
قوله: " والوسق ستون مختوما "قال أبو عبيد: المختوم الصاع، وإنما سمي مختوما لأن الأمراء جعلت على أعلاه خاتما مطبوعا لئلا يزاد فيه، ولا ينقص منه، والحديث أخرجه: النسائي، وابن ماجه مختصرا. ص- قال أبو. داود: أبو البختري لم يسمع من أي سعيد.
__________
(1) في سنن أبي داود: "أوسق".
(2) النسائي: كتاب الزكاة، باب: القدر الذي يجب فيه الصدقة (5/ 40) ، ابن ماجه: كتاب الزكاة، باب: الوسق ستون صاعا (1832) .
(3) بياض في الأصل.
(4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (2/ 293) .
(5) المصدر السابق (11/ 2342) .

(6/216)


ش- أشار به أبو داود إلى أن هذا الحديث منقطع.
1680- ص- نا محمد بن قدامه بن أعين، نا جريج، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: " الوَسق ستونَ صاعا مختوما بالحَجاجِيِّ " (1) .
ش- جريج بن عبد الحميد، ومغيرة بن مقسم أبو هشام الضبي الكوفي، وإبراهيم النخعي.
قوله: " بالحَجاجي " أي: بالصاع الحجازي نسبة إلى حجاج بن يوسف، والصاع الحجاجي ثمانية أرطال بالبغدادي، وروى ابن أبى شيبة في "مصنفه" نا وكيع، عن علي بن صالح، عن أبي إسحاق، عن موسى بن طلحة، قال: " الحجاجي صاع عمر بن الخطاب- رضي اللّه عنه-".
1681- ص- نا محمد بن بشار، حدثني محمد بن عبد الله الأنصاري،
نا صُرَدُ بن أبي المُنازل، قال: سمعت حبيبا المالكي، قال: قال رجل لعمران ابن الحصين: " يا أبا نُجَيد، إنكم لَتُحدثونا (2) بأحاديث ما نَجدُ لها أصلا في القرآنِ؟ فغَضبَ عمرانُ، وقال للرجل: أوجدتُم في كلِّ أربعينَ درهما درهام، ومن كلِّ كذا وكذا شاةً شاة، ومن كذا (3) وكذا بعيرا كذا وكذا، أوجدتُم هذا في القرآن؟ قال: لا، قال: فعمن (4) أخذتم هذا؟ أخذتُمُوه عنا، وأخذناه عن نبيِّ اللهِ- عليه السلام- وذكَرَ أشياء نحوَ هذا " (5) .
ش- محمد بن عبد اللّه بن المثنى الأنصاري، قاضي البصرة.
وصُردُ بن أبي المُنازل بضم الميم، روى عن: حبيب المالكي، روى عنه: محمد بن عبد الله الأنصاري، روى له: أبو داود، والنسائي (6) .
__________
(1) تفرد به أبو داود.
(2) في سنن أبي داود "لتحدثوننا".
(3) في سنن أبي داود "ومن كل كذا".
(4) في سنن أبي داود بدون إدغام "فعن من"
(5) تفرد به أبو داود.
(6) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (13/ 2873) .

(6/217)


وصرد بضم الصاد المهملة، وفتح الراء، والمُنازل بضم الميم، وفتح
النون.
وحبيب بن فضالة، ويقال: ابن أبي فضالة المالكي، روى عن: عمران
ابن حصين، روى عنه: صُردُ بن أبي المُنَازل، روى له: أبو داود (1) . وأبو نجيد: بضم النون، وفتح الجيم، وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره دال مهملة، وهو كنية عمران بن الحصن.
قوله: " أوجدتم " الهمزة فيه للاستفهام، ويستفاد من الحديث أن جميع القضايا لا توجد في القرآن، وأن الأحكام كما تثبت بالكتاب تثبت بالسنة، وأن المقدرات الشرعية ليس للرأي فيها دخل.
2- بابُ: العُروض إذا كانت للتجارة هل فيها (2) زكاة؟
أي: هذا باب في بيان العُروض إذا أعدت للتجارة هل تجب فيها الزكاة؟ والعروض- بضم العين- جمع عَرض- بفتح العين- وهو المتاع، ليس فيه نقد.
1682- ص- نا محمد بن داود بن سفيان، حدثني يحيى بن حسان، نا سليمان بن موسى أبو داود، نا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندل، حدثني خُبَيبُ بن سليمان، عن أبيه سليمان بن سمرة، عن سمرة بن جندل (3) : "أمَّا بَعْدُ، فإنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كان يأمُرُنَا أن نُخْرِجَ الصدقَةَ من الذي نَعُذُ لِلبيع " (4) .
ش- محمد بن داودَ بن سفيان شيخ أبي داود، والنسائي، وهو غير محمد بن داود بن أبي سفيان فإنه أيضا من شيوخ أبي داود، والنسائي.
__________
(1) المصدر السابق (5/ 1096) .
(2) في سنن أبي داود " هل فيها من زكاة ".
(3) في سنن أبي داود " قال ".
(4) تفرد به أبو داود.

(6/218)


ويحيى بن حسان بن حيان التنيسي أبو زكرياء البصري، وسليمان بن
موسى أبو داود الزهري الخراساني الأصل.
وجعفر بن سعد الفزاري أبو محمد، وخُبيب- بضم الخاء المعجمة،
وفتح الباء الموحدة- ابن سليمان بن سمرة بن جندب الفزاري.
قوله:/ " أما بعد "، هذا يسمى فصل خطاب، وقد قيل في قوله تعالى: { وَآَتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ } (1) هو قوله: أما بعد،
فأول من قالها داود-َ عليه السلام- وكَلمةَ " أما" تتضمن الشرط، فلهذا
دخلت " الفاء" في خبره، و "بعد" من الظروف الزمانية، وأصله الإضافة، فإذا قطع عنها لعلم المخاطب يبنى على الضم، ويسمى غاية.
قوله: "من الذي نعد للبيع " من الإعداد، وهو: التهيئة يقال: أعده
لأمر كذا: هيأه له، وبالحديث استدل العلماء أن المال الذي يعد للتجارة
إذا بلغت قيمته نصابا تجب فيه الزكاة من أي صنف كان، ( (2) والحديث
رواه المنذري أيضا، وسكت عنه كما سكت أبو داود، وقال عبد الحق في
"أحكامه ": حبيب هذا ليس بمشهور، ولا يعلم روى عنه إلا جعفر بن
سعد، وليس جعفر ممن يعتمد عليه، وقال أبو عمر بن عبد البر وقد ذكر
هذا الحديث: رواه أبو داود وغيره بإسناد حسن، انتهى.
ورواه الدارقطني في " سننه "، والطبراني في "معجمه "، عن سمرة،
قال:" كان رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يأمر بالرقيق الرجل
والمرأة الذي هو بلاده، وهم عملة لا نريد بيعهم أن لا نخرج عنهم
الصدقة، وكان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعد للبيع ".
3- باب: الكنز ما هو؟ (3)
أي: هذا باب في بيان الكنز ما هو؟ الكنز: ما دفنه بنو آدم من
__________
(1) سورة ص: (0 2) .
(2) انظر: نصب الراية (2/ 376) .
(3) هذا الباب والذي بعده قد جمعا في سنن أبي داود في تبويب واحد، وقد أفردا هنا في نسخة المصنف.

(6/219)


الذهب، والفضة، والمعدن ما خلقه اللّه تعالى في الأرض يوم خلقها، مشتق من العدن وهو: الإقامة، والركاز: يتناولهما من الرمز، وهو الإثبات لغة، يقال: ركز رمحه في الأرض إذا أثبته.
1683- ص- نا محمد بن عيسى، نا عتاب، عن ثابت بن عجلان، عن عطاء، عن أم سلمة، قالت: " كُنتُ ألبَسُ أَوْضَاحا من فذهب، فقلتُ: يا رسولَ الله" أكَنزٌ هُوَ؟ فقالَ: مَا بَلغَ أن تُؤدّيَ زَكاتَه فَزُكيَ، فليسَ بكَنزِ" (1) .
ش- محمد بن عيسى بن الطباع.
وعتاب بن بشير أبو الحسن، ويقال: أبو سهل الحراني الأموي مولاهم، سمع إسحاق بن راشد الجزري، وخصيف بن عبد الرحمن، وعلي بن بذيمة، روى عنه: الطفيلي، وابن الطباع، ومحمد بن سلام، وغيرهم، قال ابن معين: هو ثقة، مات سنة تسعين ومائة، روى له البخاري في المتابعات، وأبو داود (2) .
وثابت بن عجلان الشامي الأنصاري أبو عبد اللّه الحمصي، وقيل: إنه من أهل أرمنية، روى عن: أنس بن مالك، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد بن جبر، وغيرهم، روى عنه: محمد بن حمير الحمصي، وبقية بن الوليد، وليث بن أبي سليم وغيرهم، قال يحيى: ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به، روى له: البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (3) .
قوله: " أوضاحا "الأوضاح جمع وَضَح بفتحتين، وهو نوع من الحلي، يعمل من الفضة، سميت به لبياضها، ثم استعملت في التي تعمل من الذهب أيضا، وقيل: حلي من الدراهم الصحاح، والوَضَح الدرهم
__________
(1) تفرد به أبو داود.
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (19/ 3763) .
(3) المصدر السابق (4/ 823) .

(6/220)


الصحيح، وقيل: حلي من الحجارة، وقال: الأوضاح الخلاخل، وهذا
الحديث من جملة الأحاديث التي استدلت بها أصحابنا في وجوب الزكاة
في حلي النساء من الذهب، والفضة (1) وأخرجه الحاكم في
" المستدرك" (2) : عن محمد بن مهاجر، عن ثابت به، وقال: صحيح
على شرط البخاري، ولم يخرجاه ولفظه: "إذا أديت زكاته فليس بكنز"
وكذلك رواه الدارقطني (3) ، ثم البيهقي في "سننهما" (4) ، قال
البيهقي: تفرد به ثابت بن عجلان، قال في "تنقيح التحقيق" : وهذا لا
يضر، فإن ثابت بن عجلان روى له البخاري، ووثقه ابن معين، وقال
ابن الجوزي في "التحقيق" : محمد بن مهاجر، قال ابن حبان: يضع
الحديث على الثقات، قال في "التنقيح" : وهذا وهم، فان محمد بن
مهاجر الكذاب ليس هو هذا، فهذا الذي يروي عن ثابت بن عجلان،
ثقة شامي، أخرج له مسلم في "صحيحه" ، ووثقه أحمد، وابن معين،
وأبو زرعة، ودحيم، وأبو داود وغيرهم، وقال النسائي: ليس به بأس،
وذكره ابن حبان في " الثقات " ، وقال: كان متقنا، وأما محمد بن
مهاجر الكذاب، فإنه متأخر في زمان ابن معين، وعتاب بن بشير وثقه
ابن معين، وروى له البخاري متابعة (5) .
4- باب: في زكاة الحُلي
أي: هذا باب في بيان (6) زكاة الحلي، الحُلِيُّ- بضم الحاء، وكسر
/ اللام، وتشديد الياء- جمع حَلي- بفتح الحاء، وسكون اللام- وهو اسم لكل ما يزين به من مصاغ الذهب، والفضة، وأما الحلْيةُ فجمعها حِلى مثل لحية ولحى.
__________
(1) نصب الراية (2/ 372) 0
(2) (1/ 0 39) .
(3) (2/ 105) .
(4) (4/ 83، 140) .
(5) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.
(6) في الأصل "بيان في".

(6/221)


1684- ص- نا أبو كامل، وحميد بن مسعدة- المعنى- أن خالد بن الحارث حدثهم، قال: نا حسين، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده " أنَّ امرأةً أَتتْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ومعها بنت (1) لها، وفي يد ابْنَتِهَا مَسَكَتَانِ غَلِيظَتَانِ من ذهب، فقال لها: أتُعْطِينَ زَكاةَ هذا؟ قالتْ: لا، قال: أيَسُرك أن يُسَوِّرَك اللهُ بهمًا يومَ القيامة سِوَارَينِ من نَارٍ ؟ قال: فَخَلَعَتْهُما، فألقتهما إلى النبيِّ- عليه السلام- وقالَتْ: هُمَا لله (2) ولرَسُولِهِ " (3) .
ش- أبو كامل فضيل بن الحسن الجحدري، وحميد بن مسعدة الشامي أبو علي، والحسين بن ذكوان المعلم.
قوله: "مسكتان" تثنية مسكة، والمَسكَةُ- بفتح الميم، وفتح السين والكاف-: السوار من الدبل، وهي قرون الأوعال، وقيل: جلود دابة بحرية، والجمع: مسك، وقيل: أسورة من دبل، أو عاج، والدبل: ظهر السلحفاة البحرية.
قوله: " أيسرك؟ " الهمزة فيه للاستفهام، وهذا تأويل قوله- عز وجل-: (يَوْمَ يحمى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ " (4) .
قوله: "بهما" أي: بسببهما، أو بمقابلتهما، والحديث حجة لأبي حنيفة وأصحابه في وجوب الزكاة في الحلي.
" (5) وقد اختلف الناس فيه، فروي عن عمر بن الخطاب، وعبد اللّه
ابن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعبد اللّه بن عباس: أنهم أوجبوا فيه الزكاة، وهو قول ابن المسيب، وسعيد بن جبير، وعطاء، وابن سيرين، وجابر بن زيد، ومجاهد، والزهري، وإليه ذهب الثوري وأبو حنيفة
__________
(1) في سنن أبي داود:" ابنة".
(2) في سنن أبي داود "عز وجل ".
(3) النسائي: كتاب الزكاة، باب: زكاة الحلي (5/ 38) .
(4) سورة التوبة: (35) .
(5) انظر: معالم السنن (2/ 15) .

(6/222)


وأصحابه، ورُوي عن ابن عمر، وجابر بن عبد اللّه، وعائشة، وعن القاسم بن محمد، والشعبي أنهم لم يروا فيه الزكاة، وإليه ذهب: مالك، وأحمد، وإسحاق، وهو أظهر قولي الشافعي، والحديث حجة عليهم، وقال الخطابي: الظاهر من الكتاب يشهد لقول من أوجبها، والأثر يؤيده، ومن أسقطها ذهب إلى النظر، ومعه طرف من الأثر، والاحتياط أداؤها ".
قلت: " (1) روى ابن الجوزي في " التحقيق " بسنده عن عافية بن أيوب، عن ليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي - عليه السلام- قال: " ليس في الحلي زكاة" قال البيهقي في " المعرفة" : وما يروى عن عافية بن أيوب، عن الليث، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعاً " ليس في الحلي زكاة " فباطل، لا أصل له، إنما يروى عن جابر، عن قوله، وعافية بن أيوب مجهول، فمن احتج به مرفوعا كان مغرورا بدينه، داْخلا فيما يعيب به المخالفة من الاحتجاج برواية الكذابين، وروى عبد الرزاق: أنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: " لا زكاة في الحلي ".
وروى مالك في " الموطأ " (2) : عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه: " أن عائشة كانت تلي بنات أختها، يتامى في حجرها، فلا تخرج من حليهن الزكاة".
وأخرج الدارقطني (3) : عن شريك، عن على بن سليمان، قال: وسألت أنس بن مالك عن الحلي؟ فقال: ليس فيه زكاة".
وروى الشافعي (4) ، ثم البيهقي (5) من جهته: أنا سفيان، عن
__________
(1) انظر: نصب الراية (2/ 367: 375) .
(2) كتاب الزكاة، باب: ما لا زكاة فيه من الحلي والتبر والعنبر (10) .
(3) (2/ 109) .
(4) كتاب الأم (2/ 35) .
(5) السنن الكبرى (4/ 138) .

(6/223)


عمرو بن دينار، قال: سمعت ابن خالد، يسأل جابر بن عبد الله عن الحلي، أفيه زكاة؟ فقال جابر: " لا، وإن كان يبلغ ألف دينار". وأخرج الدارقطني (1) : عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر،
عن أسماء بنت أبي بكر " أنها كانت تحلي بناتها الذهب ولا تزكيه، نحوا من خمسين ألفا ".
ولنا أحاديث عامة، وأحاديث خاصة، فالعامة حديث الخدري: "ليس فيما دون خمس أواق صدقة" أخرجاه في " الصحيحين"- كما مر- ولمسلم عن جابر نحوه.
وحديث علي: " هاتوا صدقة الرقة، من كل أربعين درهما درهم"
رواه أصحاب السنن الأربعة، قال ابن قتيبة: الرقة: الفضة، سواء كانت دراهم، أو غيرها، وفي كتاب عمرو بن حزم: "وفي كل خمس أواق من الورق خمسة دراهم، وفي كل أربعين دينارا دينار" رواه النسائي، وابن حبان، والحاكم، وغير ذلك من الأحاديث.
وأما الخاصة: فمنها الحديث المذكور- أعني حديث عمرو بن شعيب- ورواه النسائي أيضا بنحوه، وقال (2) : ولا يصح في هذا الباب/ عن النبي- عليه السلام- شيء[.....] (3) .
قال المنذري في "مختصره ": إسناده لا مقال فيه، فإن أبا داود رواه
عن أبي كامل الجحدري، وحميد بن مسعدة، وهما من الثقات احتج بهما مسلم، وخالد بن الحارث إمام فقيه احتج به البخاري، ومسلم، وكذلك حسين بن ذكوان المعلم، احتجا به في الصحيح، ووثقه ابن المدينة، وابن معين، وأبو حاتم، وعمرو بن شعيب، فهو ممن قد علم، وهذا إسناد تقوم به الحجة- إن شاء الله تعالى- وأخرجه النسائي عن المعتمر بن سليمان، عن حسين المعلم، عن عمرو، قال: " جاءت
__________
(1) (2/ 109) .
(2) يعني: الترمذي.
(3) طمس في الأصل تدر نصف سطر.

(6/224)


امرأة "فذكره مرسلا، قال النسائي: وخالد أثبت عندنا من معتمر، وحديث معتمر أولى بالصواب. طريق آخر: أخرجه الترمذي، عن ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: " أتت امرأتان رسول الله- عليه السلام- وفي أيديهما سواران من ذهب، فقال لهما: أتؤديان زكاة هذا، قالتا: لا، فقال: أتحبون أن يسوركما الله بسوارين من نار؟ قالتا: لا، قال: فأديا زكاته " قال الترمذي: ورواه المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، نحو هذا، وابن لهيعة، والمثنى بن الصباح يضعفان في الحديث، ولا يصح في هذا الباب عن النبي
- عليه السلام- شيء، انتهى.
قال المنذري: لعل الترمذي قصد الطريقين اللذين ذكرهما، وإلا فطريق
أبي داود لا مقال فيها، انتهى.
وقال ابن القطان بعد تصنيعه لحديث أبي داود: وإنما ضعف الترمذي
هذا الحديث، لأن عنده فيه ضعيفين: ابن لهيعة، والمثنى بن الصباح، انتهى.
وبسند الترمذي رواه أحمد، وابن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه في "مسانيدهم"، وألفاظهم: "قال لهما: فأديا زكاة هذا الذي في أيديكما" وهذا اللفظ يدفع تأويل من يحمله على أن الزكاة المذكورة فيه شرعت للزائد فيه على قدر الحاجة.
ومنها ما رواه أبو داود من حديث أم سلمة، وقد ذكرنا.
ومنها ما رواه من حديث عائشة، على ما نذكره الآن.
ومنها ما رواه أحمد في "مسنده" (1) : نا علي بن عاصم، عن عبد الله
ابن عثمان بن خثيم، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد، قالت: " دخلت أنا وخالتي على النبي- عليه السلام- وعلينا أسورة من
__________
(1) (6/ 461) .
15 . شرح سنن أبي داوود 6

(6/225)


ذهب، فقال لنا: أتعطيان زكاته؟ فقلنا: لا، قال: أما تخافان أن يسوركما اللّه أسورة من نار؟! أديا زكاته".
قال ابن الجوزي: وعلي بن عاصم رماه يزيد بن هارون بالكذب،
وعبد اللّه بن خثيم، قال ابن معين: أحاديثه ليست بالقوية، وشهر بن حوشب، قال ابن عدي: لا يحتج بحديثه وقال ابن حبان: كان يروي عن الثقات المعضلات " (1) .
قلت: ذكر في " الكمال" : وسئل أحمد بن حنبل عنه؟ أي: علي
ابن عاصم، فقال: هو والله عندي ثقة، وأنا أحدث عنه، وعبد اللّه بن خثيم، قال ابن معين: هو ثقة حجة، وقال أحمد بن عبد اللّه: ثقة، وشهر بن حوشب، قال: قال أحمد: ما أحسن حديثه، ووثقه، وقال أحمد بن عبد اللّه: هو تابعي ثقة، وعن يحيى: هو ثقة، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال محمد: شهر حسن الحديث، وقوى أمره، وقال: إنما يتكلم فيه ابن عون، وقال يعقوب بن شيبة: هو ثقة، فظهر بهذا الكلام سقوط كلام ابن الجوزي، وصحة الحديث." (2) ومنها ما رواه الدارقطني في "سننه" (3) : عن نصر بن مزاحم، عن أبي بكر الهذلي، نا شعيب بن الحبحاب، عن الشعبي، قال: سمعت فاطمة بنت قيس، تقول: "أتيت النبي- عليه السلام- بطوق فيه سبعون مثقالا من ذهب، فقلت: يا رسول اللّه، خذ منه الفريضة، فأخذ منه مثقالا، وثلاثة أرباع مثقال " قال الدارقطني: أبو بكر الهذلي متروك، ولم يأت به غيره.
ومنها ما رواه الدارقطني (4) أيضاً عن يحيى بن أبي أنيسة، عن حماد،
عن إبراهيم، عن علامة، عن عبد الله بن مسعود، قال: " قلت للنبي- عليه السلام-: إن لامرأتي حليا من ذهب عشرين مثقالا، قال: فأد زكاته نصف مثقال ".
__________
(1) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية. (2) انظر: نصب الراية (2/ 373- 374) . (3) (106/2-107) .
(4) (108/2) .

(6/226)


ثم أخرجه (1) عن قبيصة، عن القمة، عن عبد الله " أن امرأة أتت
النبي- عليه السلام- فقالت: إن لي حليا، وإن زوجي خفيف (2) ذات
اليد أفيجزئ عني (3) أن أجعل زكاة الحلي؟ قال: نعم".
قال الدارقطني: والحديثان وهم، والصواب: عن إبراهيم، عن عبد الله
مرسل موقوف، وقال/ ابن القطان في " كتابه": وروى من هو أحفظ منه فوقفه، وقال الشيخ في " الإمام" : وقبيصة بن عقبة مخرج له في
الصحيح، وقد كثر البخاري عنه في " صحيحه".
ومنها ما رواه الدارقطني (4) أيضا، عن أبي حمزة، عن الشعبي، عن
فاطمة بنت قيس، أن النبي- عليه السلام- قال: " في الحلي زكاة" قال الدارقطني: وأبو حمزة هذا ضعيف الحديث، وقال ابن الجوزي في "التحقيق": وقال أحمد: وهو متروك، وقال ابن معين: ليس بشيء،
وقال النسائي: ليس بثقة.
ومنها ما رواه ابن أبي شيبة في " مصنفه" (5) : حدثنا وكيع، عن
مساور الوراق، عن شعيب بن يسار، قال: " كتب عمر بن الخطاب إلى
أبي موسى: أن مر من قبلك من نساء المسلمة أن يزكين حليهن، ولا
يجعلن الزيادة والهدية بدين تعارضا" قال البخاري في " تاريخه": هو مرسل.-
ومنها ما رواه عبد الرزاق في " مصنفه": عن ابن مسعود، قال: "في
الحلي الزكاة، ومن طريقه رواه الطبراني في " معجمه ".
ومنها ما رواه الدارقطني (6) ، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، وعن
جده عبد الله بن عمرو: " أنه كان يكتب إلى سالم أن يخرج زكاة حلى
بناته كل سنة".
__________
(1) نفسه.
(2) في الأصل: " تصرف".
(3) في الأصل: "أفيجز عني عني" كذا.
(4) (2/ 107) .
(5) (3/27) 0
(6) (2/107) .

(6/227)


ورواه ابن أبي شيبة: نا وكيع، عن جريج بن حازم، عن عمرو بن شعيب، عن عبد الله بن عمرو: " أنه كان يأمر نسائه أن يزكين حليهن". وأخرج عن عطاء، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير، وطاوس، وعبد الله بن شداد، أنهم قالوا: "في الحلي الزكاة" زاد ابن شداد: "حتى في الخاتم".
وأخرج عن عطاء أيضا، وإبراهيم النخعي، أنهم قالوا: " مضت السنة أن في الحلي: الذهب، والفضة، الزكاة" (1) .
1685- ص- نا محمد بن إدريس (2) الرازي، نا عمرو بن الربيع بن طارق، نا يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن محمد بن عمرو ابن عطاء أخبره، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، أنه قال: " دَخَلنَا على عَائشةَ زَوج النبي- عليه السلام- فقالتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رسولُ الله فَرَأى في يَدي فَتَخَات من وَرِق، فقال: ما هذا يا عائشةُ؟ فقلتُ: صنَعْتُهُنَّ، أتَزَيَّنُ لك يا رسوله الله، قالت: أتُؤَدينَ زَكَاتَهُن؟ قلتُ: لا، أو مَا شاء اللهُ، قال: هو حَسْبُكِ من النارَ " (3) (4) .
ش- يحيى بن أيوب الغافقي المصري، وعبيد الله بن أبي جعفر أبو بكر الفقيه المصري.
قوله: "فتخات " بفتح التاء، وبالخاء المعجمة جمع فتخة بالتحريك، حلقة من فضة لا فص لها، فإذا كان فيها فص فهي الخاتم، وقال
__________
(1) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.
(2) في الأول " محمد بن عمرو " خطأ، ولعله انتقل نظره إلى محمد بن عمرو الآتي في السند.
(3) جاء في سنن أبي داود بعد هذا الحديث حديث (1566) ولم يأت في نسخة المصنف، وهو: حدثنا صفوان بن صالح، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا سفيان، عن عمر بن يعلى، فذكر الحديث نحو حديث الخاتم. قيل لسفيان: كيف تزكيه؟ قال: تضمه إلى غيره.
(4) تفرد به أبو داود.

(6/228)


عبد الرزاق: هي الخواتيم العظام، وقال غيره: الفتخة: حلقة من ذهب، أو فضة، لا فص لها، وربما اتخذ لها فص كالخاتم، وقيل: خواتيم عراض الفصوص، ليست بمستقيمة، وقيل: جُلْجُلٌ لا جرس له، والفتخ يلبس في الأيدي، وقيل: يلبس في الأرجل.
قوله: " من ورق " أي: من فضة، وفيه ثلاث لغات: ورَق، وورِق، ووَرْق، ككبَد، وكبد، وكبْد، والورق الدراهم المضروبة، وكذلك الرقة، وقيل: الورقَ المسكوك خاصة، والرقة: الفضة، كيفما كانت، وقيل: الورق والرقة سواء يقعان على مسكوك وغير مسكوك، وقيل: لا يقال لما لم يضرب من الدراهم ورق، وإنما يقال له: فضة. قوله: " هو حسبك " أي: كافيك، " (1) الحديث أخرجه: الحاكم
في "المستدرك" (2) : عن محمد بن عمرو بن عطاء به، وقال صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وأخرجه الدارقطني في " سننه " (3) ، عن محمد بن عطاء به. نسبه إلى جده دون أبيه، ثم قال: ومحمد بن عطاء مجهول، قال البيهقي في " المعرفة": هو محمد بن عمرو بن عطاء لكنه لما نسب إلى جده ظن الدارقطني أنه مجهول، وليس كذلك، انتهى.
وتبع الدارقطني في تجهيل محمد بن عطاء: عبد الحق في "أحكامه "، وتعقبه ابن القطان، فقال: إنه لما نسب في سند الدارقطني إلى جده خفِي على (4) الدارقطني أمره، فجعله مجهولا، وتبعه عبد الحق في ذلك، وإنما محمد بن عمرو بن عطاء أحد الثقات، وقد جاء مميزا عند أبي داود، بَينهُ شيخُهُ محمد بن إدريس الرازي، وهو: أبو حاتم الرازي إمام الجرح والتعديل، وقال الشيخ في " الإمام": ويحيى بن أيوب أخرج له مسلم، وعبيد الله بن أبي جعفر من رجال الصحيحين، وكذلك عبد الله بن شداد، والحديث على شرط مسلم ".
__________
(1) انظر: نصب الراية (2/ 1 37) .
(2) (1/ 389) .
(3) (2/ 105 - 106) ، والبيهقي كذلك (4/ 139) .
(4) في الأصل " إلى " وما أثبتناه من نصب الراية.

(6/229)


قلت : فعلى هذا قول الترمذي: ولا يصح في هذا الباب عن النبي عليه السلام- شيء،/ معناه فيما أخرجه هو في كتابه، ولا يلزم من عدم ثبوت الصحة عنده عدم ذلك عند غيره، فافهم.
5- باب: في زكاة السائمة
أي: هذا باب في بيان وجوب الزكاة، وكيفيتها في السائمة، والسائمة: هي التي تكتفي بالرعي في كثر حولها، فإن علفها نصف الحول أو كثر فليست بسائمة، لأن أربابها لابد لهم من العلف أيام الثلج، والشتاء، فاعتبر الأكثر، ليكون غالبا، وعند الشافعي: إذا أعلفها ثلاثة أيام ينقطع السوم، وعند مالك: لا يشترط السوم في المواشي.
1686- ص- نا موسى بن إسماعيل، نا حماد، قال: أخذتُ من ثُمامةَ ابنِ عبد الله بنِ أنسِ كتاباً زَعَمَ أن أبا بكر كَتَبَهُ لأنسِ، وعليه خَاتَمُ رسول اَلله- عليه السلام- حين بَعَثَهُ مُصَدقا، وكَتَبَهُ له، فإذا فيه:" هَذِهِ فَرِيضَة الصَدَقة التي فَرَضَهَا رسولُ اللهِ- عليه السلام- عَلى المسلمين، التي أمَرَ اللهُ بها نَبيهُ- عليه السلام- فَمَنْ سئلَهَا من المسلمينَ على وَجْهِهَا فَليُعْطِهَا ومَن سُئلَ فَوقَها فلا يُعْطيه (1) : فيماَ دونَ خَمْسِ وعِشرين من الإِبل الغَنمُ، في كل خمس ذَود شَاَةَ، فإذا بًلَغَتْ خمسا وعشرينَ ففيها بنْتُ مَخَاضِ إلى أن تَبْلُغَ خَمسَاً وثلاثينَ، فإن لم يكُنْ فيها بنتُ مَخَاضِ فَابنُ لبون ذَكَرِ، فإذا بَلَغَتْ ستا وثلاثينَ ففيها بنتُ لبون إلى خمسِ وأربعينَ، فإذا بلَغَت ستا وأربعينَ ففيها حقة طَرُوقةُ الفحلِ إلى ستينَ، فإذا بلَغتْ إِحدَى وستينَ ففيها جَذَعَة إلى خمسِ وسَبعينَ، فإذا بَلَغتْ ستا وسَبعينَ ففيها ابنتا لبونِ علىِ تسعينَ، فإذا بلَغتْ إِحدَى وتسعينَ ففيها حقتان طَرُوقَتَا الفَحْلِ إلى عشرين ومائةِ، فإذا زَادَتْ على عِشرينَ ومِائةِ ففِي كَل أَرْبَعينَ بنتُ لبونِ ،
__________
(1) كذا، وفي سنن أبي داود: "يعطه".

(6/230)


وفي كل خمسينَ حقة، فإذا تَبَايَنَ أسنانُ الإِبِل في فَرائِضٍ الصَدَقَات، فمَنْ بَلَغتْ عندَهُ صَدَقةُ اَلجَذعَة وليستْ عندَه جَذعَةَ وعندَه حقّة فإنها تُقْبَلُ منْه، وأن يَجعَلَ معها شاتينِ- إن اسْتيسَرَتَا له- أو عشرينَ درهما، ومَن بلَغتْ عندَه صَدَقةُ الحقة وليستْ عندَهُ حقة وعندَهُ جَذعَة، فإنها تُقْبَلُ منه، ويُعطيه المُصدِّقُ عشرينَ درْهَما، أو شاتين، ومَن بلغتْ عندَهُ صَدَقَةُ الحِقَّة، وليست عندَهُ حِقَّةَ، وعنده بنتُ (1) لبونِ، فإنها تُقْبَلُ مِنهُ".
قال أبو داودَ: "مِنْ ها هنا لم أضْبِطهُ عن موسى كما أحبُّ " ويَجْعَلُ مَعها شَاتينِ- إن اسْتَيْسَرَتَا له- أو عشرينَ درهماً ومَن بلغت عنده صَدَقَةُ بنت لَبُون، وليستْ عندَهُ إلا حقة، فإَنها تُقْبَل "- إلى ها هنا (2) ، ثم أتقنت (3) - ويُعطًيه المُصدقُ عشرينَ درهما، أو شَاتينِ، ومَنْ بَلَغَتْ عندَهُ صَدقَةُ بنتِ لَبُون ولشرح عندَهُ إلا بنتُ مَخَاضِ، فإنه تُقْبَلُ منه، وشَاَتين أو عشرينَ درهماً، ومَن بَلغتْ عندَهُ صَدَقَةُ بنت (4) مَخَاضِ وليسَ عِندَهُ َإلا ابنَ لَبُون
ذكَرٍ ، فإنها تُقْبَلُ منه (5) وليسَ معه شَيء، ومَن لم يكُنْ عِنده إلا أربع فليس فيها شيء، إلا أن يشاء ربهَا، وفي سَائِمَةِ الغَنَم: إذا كانتْ أربعينَ ففيها شاة إلى عشرينَ ومائة، فإذا زَادتْ على عشرينَ ومائة ففيها شَاتَانِ، إلى أن تبلُغ مائتين، فإذا زَادت على مائتينِ ففيها ثَلاثُ شياهً إلى أن تَبلُغَ ثَلَثَمَائة، فإذا زَادتْ على ثَلَثمَائة ففي كُل مائة شاة شاة، ولان يؤخَذُ في الصَّدَقَة هَرمة، ولا ذَاتُ عَوَارٍ مِنَ الغَنًم، ولا تيسُ الغَنَم، إلا أن يَشاء المصدِّقُ، ولَا يُجمعُ بينَ مُتَفَرق (6) ، ولا يُفرق بينَ مُجْتَمَعٍ خَشْيَةَ الصدَقَة، وما كانَ مِن خَليطَيْنِ فإنهماً يَتَرَاجَعَانِ بينهما بالسَّوِيَّةِ، فإن لم تَبْلُغْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ أربعينَ فَليسَ
__________
(1) في سننف بي داود:" ابنة ".
(2) في سنن أبي داود: "تقبل منه. قال أبو داود: إلى ها هنا".
(3) في سنن أبي داود:"أتقنته".
(4) في سنن أبي داود: "ابنة ".
(5) في سنن أبي داود: "فإنه يقبل منه ".
(6) في سنن أبي داود: "مفترق "

(6/231)


فيها شيءٌ إلا أنْ يَشاء رَبُّهَا، وفي الرِّقَة ربع العُشْر، فإن لم يكُنْ المالُ إلا
تسعينَ ومائةِ فليسَ فيها شيء، إلا أنْ يشأ ربهَا " (1) .
ش- حماد بن سلمة.
وثمامة بن عبد اللّه بن أنس بن مالك الأنصاري البصري قاضيها،
سمع: أنس بن مالك، روى عنه: عبد اللّه بن عون، ويزيد بن حميد الربعي، ومعمر بن راشد، وحماد بن سلمة، وغيرهم، قال أحمد بن
حنبل: ثقة، وقال ابن عدي: له أحاديث عن أنس، وأرجو أنه لا بأس
به، وأحاديثه قريبة من غيره، وهو صالح فيما يرويه عن أنس عندي،
روى له الجماعة (2)
قوله: " وعليه خاتم رسول الله- عليه السلام- "/ أي: طابعه، وعلامته، لأن خاتم الكتاب يصونه، ويمنع الناظرين عما في باطنه،
وتفتح تاؤه وتكسر، لغتين.
قوله: " مصدقا " نصب على الحال من الضمير المنصوب في " بعثه "،
والمصدق: بكسر الحل المشددة، وهو: عامل الزكاة الذي يستوفيها من
أربابها، يقال: صدقهم، يصدقهم، فهو مصدق، وقد جاءت اللغة
بتشديد الصاد والدال معا، وكسر الدال في طالب [ ..... ] (3) وأنكره [ بعضهم ] (4) .
وقال الخطابي : المصدق بتخفيف الصاد: العامل.
قوله: "هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول اللّه- عليه السلام- "
ومعنى الفرض: الإيجاب، وذلك أن اللّه تعالى قد أوجبها، وأحكم
__________
(1) البخاري: كتاب الزكاة، باب: العرض في الزكاة (1448) ، النسائي: كتاب الزكاة، باب: زكاة الإبل (5/ 19، 27) ، ابن ماجه: كتاب الزكاة، باب: إذا أخذ المصدق سنا دون سن أو فوق سن (1800) .
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (4/ 854) .
(3) غير واضح في الإلحاق قدر كلمة. (4) غير واضحة في الإلحاق.

(6/232)


عرضها في كتابه العزيز، ثم أمر رسوله بالتبليغ، فأضيف الفرض إليه بمعنى الدعاء إليه، وحمل الناس عليه، وقد فرض الله طاعته على الخلق، فجاز أن يُسميَ أمره، وتبليغه عن الله فرضا على هذا المعنى، وقيل: معنى الفرض هنا بيان التقدير، ومنه فرض نفقة الأزواج، وفرض أرزاق الجند، ومعناه راجع إلى قوله تعالى: { لنبيّن للناس ما نُزّل إليهم } (1) ، وقيل: معنى الفرض هنا: السنة، وعن ثعلَب، عن ابن الأعرابي: الفرض: الواجب، والفرض: القراءة، يقال: فرضت حزبي، أي: قرأته، والفرض: السنة، ومنه ما روي أنه- عليه السلام- فرض كذا، أي: سنه.
قوله: " فمن سئلها" أي: فمن سئل الصدقة، أي: الزكاة من المسلمين "على وجهها" أي: على حسب ما سن رسول اللّه من فرض مقاديرها "فليعطها ".
قوله: " ومن سئل فوقها" أي فوق الفريضة "فلا يعطيه " والمعنى: لا
يعطي الزيادة على الواجب، وقيل: لا يعطي شيئا من الزكاة لهذا المصدق، لأنه خان بطلبه فوق الواجب، فإذا ظهرت خيانته سقطت طاعته، قال الخطابي (2) : "وفي هذا دليل على أن الإمام، والحاكم إذا ظهر فسقهما بطل حكمهما ".
قوله: "فيما دون خمس وعشرين " إلى آخره، شروع في بيان كيفية (3) الفريضة، وكيفية أخذها.
قوله: "الغنم" مبتدأ وخبره قوله: "فيما دون خمس وعشرين " وكلمة
"من" في قوله: " من الإبل" بيانية.
قوله: "في كل خمس ذود شاة" بيان كون الغنم فيما دون الخمس والعشرين، وارتفاع "شاة" على الابتداء، وخبره قوله: "في كل خمس ذود" وتفسير "الذود" مر مستوفى.
__________
(1) سورة النحل: (44) .
(2) معالم السنن (1712) .
(3) مني الأصل: " كيفية".

(6/233)


قوله: "ففيها بنت مخاض" (1) المخاض: اسم للنوق الحوامل،
واحدتها "خَلِفَة "، لا واحد لها من لفظهما، وبنت مخاض، وابن
مخاض ما دخل في السنة الثانية، لأن أمه لحقت بالمخاض، وهي الحوامل
وإن لم تكن حاملا، وقيل: هو الذي حملت أمه، أو حملت الإبل التي
فيها أمه، وإن لم تحمل هي، وهذا هو المعنى في قولهم: ابن مخاض،
لأن الناقة الواحدة لا تكون بنت نوق، فالمراد أن يكون وضعتْهَا أمها في
وقت قد حملت النوق التي وضعن مع أمها، وإن لم تكن أمها حاملا،
فنسبتها إلى الجماعة بحكم مجاورتها أمها، وإنما سمي ابن مخاض في
السنة الثانية، لأن العرب إنما كانت تحمل الفحول على الإبل بعد وضعها
بسنة ليشتد ولدها، فهي تحمل في السنة الثانية ومخض، فيكون ولدها
ابن مخاض".
قوله: "فابن لبون " أي: ففيها ابن لبون، وابن البون هو ولد الناقة
إذا استكمل الثانية، ودخل في الثالثة، لأن أمه قد وضعت غيره، فصار
لها ابن وهو نكرة، ويعرف بالألف واللام، قال الشاعر:
وابن اللبون إذا ما لَزَّ في قَرَن ... لم يستطع صولة البزْلِ القناعيس
لزه يلزه لزا، ولززا، أي: شده وألصقه، والقرن بفتح الراء: الحبل
الذي يقرن به البعيران، والبزل بضم الباء الموحدة، وسكون الزاي جمع
بازل، وهو البعير الذي فطر نابه، أي (2) : انشق ذكرا كان أو أنثى،
وذلك في السنة التاسعة، وربما بزل في السنة الثامنة والقناعيس جمع قنعاس، والقنعاس من الإبل: العظيم.
قوله: "ذكر " مرفوع، لأنه صفة للابن، وإنما ذكر هذا تأكيدا،
وقيل: احترازا من الخنثى، فقد أطلق عليه الاسمان، وقيل: تنبيها على نقص الذكورية في الزكاة مع ارتفاع السن، وقيلت: لأن/ الولد يقع على
__________
(1) انظر: النهاية (4/ 306) .
(2) مكررة في الأصل.

(6/234)


الذكر، والأنثى، ثم قد يوضع الابن موضع الولد فيتعين به عن الذكر والأنثى، فعينه بذكر ليزول الالتباس، وقيل: لأن " ابن " يقال لذكر بعض الحيوانات، و إناثه، كابن آوى، وابن عرس، لا يقال: بنت آوى، ولا بنت عرس، فرفع الإشكال بذكر الذكر.
قوله: "حقة " الحقة، والحق هو الذي استكمل السنة الثالثة، قاله القروي، وقال غيره: هو ما كان ابن ثلاث سنين، وقد دخل في الرابعة، وقيل: هو ما دخل في السنة الرابعة إلى آخرها، وسميت: حقة، لأنها استحقت أن يضربها الفحل، وقيل: لأنها تستحق الحمل والركوب، وقيل: لأن أمها استحقت الحمل من العام المقبل.
قوله: " طروقة الفحل " بالرفع، لأنه صفة للحقة، ومعناها: زوجة الفحل، وكل امرأة طروقة روجها، وكل ناقة طروقة فحلها، واشتقاقها من الطرق وهو ماء الفحل، وقيل: هو التراب ثم سمي به الماء، واستطراق الفحل استعارته الضراب، وإطراقه إعارته.
قوله: "ففيها جذعة" الجذع من الإبل ما دخل في السنة الخامسة، والجذع اسم له في زمن ليس سن.
قوله: " فإذا زادت على عشرين ومائة" إلى هنا لا خلاف فيه بين الأئمة، وعليها اتفقت الأخبار عن كتب الصدقات التي كتبها رسول الله- عليه السلام- والخلاف فيما إذا زادت على مائة وعشرين، فعندنا تستأنف الفريضة، فتكون في الخمس شاة مع الحقان، وفي العشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي العشرين أربع شياه، وفي خمس وعشرين بنت مخاض إلى مائة وخمسين، فيكون فيها ثلاث حقاق، ثم يستأنف الفريضة، فيكون في الخمس شاة، وفي العشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه، وفي خمس وعشرين بنت مخاض، وفي ست وثلاثين بنت لبون، فإذا بلغت مائة وستا وتسعة ففيها أربع حقاق إلى مائتين، ثم تستأنف الفريضة أبدا كما تستأنف في الخمسين التي بعد المائة والخمسين، وهو قول إبراهيم النخعي، وقد روي

(6/235)


عن علي- رضي اللُّه عنه- أنه قال: "إذا زادت الإبل على عشرين ومائة استؤنفت الفريضة "وقال الشافعي: "إذا زادت على مائة وعشرين واحدة
ففيها ثلاث بنات لبون، فإذا صارت مائة وثلاثين ففيها حقة وبنتا لبون،
ثم يدار الحساب على الأربعينات، والخمسينات، فيجب في كل أربعين
بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، وبه قال إسحاق بن راهويه، وقال
أحمد: " ليس في الزيادة شيء حتى يبلغ ثلاثين " وجعلها من الأوقاص
التي تكون من الفرائض، وهو قول أبي عبيد، وحُكي ذلك عن مالك،
وعن مالك، وأحمد في رواية: "لو زادت عشرة على مائة وعشرين
ففيها حقة، وبنتا لبون " وعن مالك "لو زادت واحدة على مائة وعشرين
فالخيرةُ للساعي بين حقتين وثلاث بنات لبون " وقال محمد بن جرير الطبَري: "هو مخير، إن شاء استأنف الفريضة إذا زادت الإبل على مائة وعشرين وإن شاء أخرج الفرائض، لأن الخبرين جميعا قد رويا"،
واستدل الشافعي بهذا الحديث، لأنه ذكر فيه: "فإذا زادت على عشرين
ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة".
واستدل أصحابنا بما رواه أبو داود في " المراسيل "، وإسحاق بن
راهويه في "مسنده"، والطحاوي في "مشكله "، عن حماد بن سلمة،
قلت لقيس بن سعد: خذ لي كتاب محمد بن عمرو بن حزم، فأعطاني
كتابا، أخبر أنه من أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أن النبي عليه السلام- كتبه لجده، فقرأته، فكان فيه ذكر ما يخرج من فرائض الإبل،
فقص الحديث إلى أن تبلغ عشرين ومائة "فإذا كانت كثر من عشرين ومائة
فإنه يعاد إلى أول فريضة الإبل، وما كان أقل من خمس وعشرين ففيه
الغنم، في كل خمس ذود شاة، "
وأما الذي استدل به الشافعي فنحن قد عملنا به، لأنا أوجبنا في
الأربعين بنت لبون، فإن الواجب في الأربعين ما هو الواجب في ست وثلاثين، وكذلك أوجبنا في خمسين حقة، وهذا الحديث لا يتعرض لنفي الواجب عما دونه، وإنما هو عمل/ لمفهوم النص، فنحن عملنا بالنصين، وهو أعرض عن العمل بما روينا.

(6/236)


فإن قيل: قال ابن الجوزي: هذا الحديث مرسل، وقال هبة الله الطبري: هذا الكتاب صحيفة ليس بسماع، ولا يعرف أهل المدينة كلهم عن كتاب عمرو بن حزم إلا مثل روايتنا، رواها الزهري، وابن المبارك، وأبو أويس، كلهم عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، مثل قولنا، ثم لو تعارضت الروايتان عن عمرو بن حزم، بقيت روايتنا عن أبي بكر الصديق، وهي في الصحيح، وبها عمل الخلفاء الأربعة، وقال البيهقي: هذا حديث منقطع بين أبي بكر بن حزم إلى النبي- عليه السلام- وقيس بن سعد أخذه عن كتاب، لا عن سماع وكذلك حماد بن سلمه أخذه عن كتاب، لا عن سماع، وقيس بن سعد، وحماد بن سلمه وإن كانا من الثقات فروايتهما هذه تخالف رواية الحفاظ عن كتاب عمرو بن حزم، وغيره، وحماد بن سلمه ساء حفظه في آخر عمره، فالحفاظ لا يحتجون بما يخالف فيه، ويتجنبون ما ينفرد به، وخاصة عن قيس بن سعد، وأمثاله.
قلنا: الأخذ من الكتاب حجة، صرح البيهقي في كتاب "المدخل ":
إن الحجة تقوم بالكتاب وإن كان السماع أولى منه بالقبول، والعجب من البيهقي أنه يصرح بمثل هذا القول، ثم ينفيه في الموضع الذي يقوم عليه الحجة، وقوله: "وبها عمل الخلفاء الأربعة " غير مسلم، لأن ابن أبي شيبة روى في "مصنفه" : نا يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، قال: "إذا زادت الإبل على عشرين ومائة يستقبل بها الفريضة" ونا يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم مثله.
فإن قيل: قال البيهقي: قال الشافعي في " كتابه القديم ": راوي هذا مجهول، عن علي- رضي الله عنه- وأكثر الرواة عن ذلك المجهول يزعم أن الذي روى هذا عنه غلط عليه، وأن هذا ليس في حديثه. قلنا: الذي رواه عن علي- رضي الله عنه- هو عاصم بن ضمرة- كما ذكرناه- وهو ليس بمجهول، بل معروف، روى عنه: الحكم، وأبو إسحاق

(6/237)


السبيعي، وغيرهما، ووثقه ابن المديني، والعجلي، وأخرج له أصحاب السنن الأربعة، وإن أراد الشافعي بقوله: "يزعم أن الذي روى هذا عنه غلط عليه أبا إسحاق السبيعي " فلم يقل أحد غيره ابنه غلط، وقد ذكر البيهقي، وغيره، عن يعقوب الفارسي وغيره من الأئمة، أنهم أحالوا بالغلط على عاصم، وأما قول البيهقي: "وحماد بن سلمه ساء حفظه في آخر عمره، فالحفاظ لا يحتجون بما يخالف فيه " فصادر عن تعسف، وتمحل، لأنه لم يُرَ أحد من أئمة هذا الشأن ذكر حمادا بشيء من ذلك، والعجب منه أنه اقتصر فيه على هذا المقدار، لأنه ذكره في غير هذا الموضع بأسوأ منه، وقوله: "وخاصة عن قيس بن سعد " باطل، وما لقيس بن سعد؟! فإنه وثقه كثيرون، وأخرج له مسلم. على أن روايتهم التي يستدلون بها غير سالمة عن النزاع، فإن الدارقطني ذكر في كتاب " التتبع على الصحيحين " أن ثمامة لم يسمعه من أنس، ولا سمعه عبد الله ابن المثنى من ثمامة انتهى.
وكيف يقول البيهقي: وروينا الحديث من حديث ثمامة بن عبد الله بن أنس، عن أنس من أوجه صحيحة، وفي "الأطراف " للمقدسي: قيل لابن معين: حديث ثمامة، عن أنس في الصدقات؟ قال: لا يصح، وليس بشيء، ولا يصح في هذا حديث في الصدقات، وفي إحدى روايات البيهقي: عبد اللّه بن المثنى قال الساجي: ضعيف، منكر الحديث، وقال أبو داود: لا أخرج حديثه، وذكره ابن الجوزي في "الضعفاء"، وقال: قال أبو سلمة: كان ضعيفا في الحديث.
قوله: "فإذا تباين أسنان الإبل" أي: إذا اختلف أعمارها في الصغر، والكبر.
قوله:" فمن بلغت عنده صدقة الجذعة" إلى آخره، تفسير حكم التباين، والمعنى من كان عنده من الإبل النصاب الذي تجب فيه الجذعة، وليست عنده جذعة، والواو فيه للحال، " وعنده حقة" والواو فيه أيضا للحال. قوله: "فإنها تقبل منه " جواب قوله: "فمن بلغت " أي: فإن الحقة

(6/238)


تقبل منه، والمعنى أخذها يجزئ عن الجذعة، مع دفع الشاتين معها- إن
وجد ذلك- وهو معنى قوله: "وأن يجعل/ معها" أي: مع الحقة "شاتين " إن استيسرتا له، أي: كانتا موجودتين في ماشيته، وقال
الخطابي (1) : وفيه دليل على أن الخيار في ذلك إلى رب الإبل، أيهما شاء أعطى.
قلت: ظاهر ما في "الهداية" يدل على أن الخيار إلى المصدق وهو
قوله: "ومن وجب عليه مسن فلم يوجد أخذ المصدق أعلى منها، ورد
النفل، أو أخذ دونها، وأخذ الفضل ".
وقال محيي الدين في "المبسوط": الصواب أن الخيار إلى من عليه،
لأن الخيار شرع رفقا لمن عليه الواجب، والرفق إنما يتحقق بتخييره.
قوله: "أو عشرين. درهما" أي: أو يجعل عشرين درهما بدلا عن
الشاتين، وفيه دليل على أن دفع القيم جائز خلافا للشافعي، وأيضا فإن
قوله تعالى: {خُذْ منْ أمْوَالهِمْ صَدَقَةً} (2) جعل فيه محل الأخذ ما
يسمى مالا، ثم التقييدَ بأيها:َ شاة أو نحوه، زيادة على كتاب اللّه، وأنه
يجري مجرى النسخ، فلا يجوز ذلك بخبر الواحد، والقياس، وأما ما
ورد من ذكر عن الشاة وذكر عين صنف من أصناف الإبل، والبقر فلبيان
الواجب بما سمي، وتخصيص المسمى لبيان أنه أيسر على صاحب الماشية،
ألا ترى أنه- عليه السلام- قال: "في الخمس من الإبل شاة " وحرف
"في " حقيقة للظرف، وعين الشاة لا توجد في الإبل، عرفنا أنْ المراد
قدرها من المال.
قال الخطابي (3) : وفيه من الفقه أن كل واحدة من الشاتين والعشرين
درهما أصل في نفسه، ليست ببدل، وذلك أنه قد خيره بحرف " أو".
قلنا: لا دليل له على هذا الكلام، بل التخيير يدل على أن الأصل
__________
(1) معالم السنن (2/ 21) .
(2) سورة التوبة: (103)
(3) معالم السنن (2/ 19) .

(6/239)


قدرها من المال- كما قررناه- ثم قال (1) : "وقد اختلف الناس في ذلك، فذهب إلى ظاهر الحديث إبراهيم النخعي، والشافعي، وإسحاق ابن راهويه، وقال الثوري: عشرة دراهم وشاتان، وإليه ذهب أبو عبيد، وقال مالك: يجب على رب المال أن يبتاع للمصدق السن الذي يجب له، وقال أصحاب الرأي: يأخذ قيمة الذي وجب عليه، وإن شاء تقاصا بالفصل الدراهم".
قوله: "عن موسى " أي: عن موسى بن إسماعيل أبو سلمة التبوذكي شيخ أبي داود.
قوله: "فإنها تقبل منه، وليس معه شيء " أي: مع ابن لبون لا يجب شيء من الماء والدراهم، وظاهر هذا اللفظ أن ابن لبون يقبل منه سواء كانت قيمته قيمة ابنة مخاض، أو لم يكن، وفيه دليل على أن ابنة المخاض ما دامت موجودة فإن ابن اللبون لا يجزئ عنها.
وقال الخطابي (2) : "ولو كانت القيمة مقبولة لكان الأشبه أن يجعل
بدل ابنة مخاض قيمتها، دون أن يؤخذ الذكران من الإبل، فإن سُنة الزكاة قد جرت بأن لا يؤخذ فيها إلا الإناث، إلا ما جاء في البقر من التسع ". قلنا: إنما أخذ ابن لبون هاهنا موضع ابنة مخاض رفقا بصاحب المال،
لأن غالب أموال العرب كانت الإبل، والدراهم عندهم قليل جدا، فجعل ذلك بناء على الرفق بهم، لا أن أخذ القيمة لم يجز، وتنصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه، ولا في اللفظ ما يمنع جواز أخذ القيمة صريحا فافهم.
قوله: "ومن لم يكن عنده ألا أربع " أي: إلا أربع من الإبل "فليس فيها شيء"، أي: صدقة، لعدم كمال النصاب، "إلا إن يشاء ربها"، أي: صاحبها، بأن أراد أن يتصدق تبرعا فله ذلك، و { مَا عَلَى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ } (3) .
__________
(1) المصدر السابق.
(2) المصدر السابق (2/ 20) .
(3) سورة التوبة: (91) .

(6/240)


قوله: " وفي سائمة الغنم " إشارة إلى بيان كيفية الزكاة في الغنم
السائمة، وفي الكلام حذف، والتقدير: وتجب الزكاة في سائمة الغنم إذا
كانت أربعة، أو: وفي سائمة الغنم زكاة إذا كانت أربعة، فبين فيه
وجوب الزكاة في الغنم عند الأربعة، ولكن لم يعلم كمية الواجب،
فأشار إلى ذلك بقوله: " ففيها" أي: ففي الأربعة شاة إلى عشرين
ومائة، وتقييدها بالسوم يدل على أنها إذا كانت معلوفة لا تجب الزكاة
فيها، ولا خلاف في هذا الفصل عند الجمهور، وهو قول عامة الفقهاء:
الثوري، وأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم،
وقال الحسن بن صالح بن حي: إذا زادت على ثلاثمائة واحدة ففيها أربع
شياه.
قوله: "ولا يؤخذ في الصدقة هرمة" بفتح الهاء، وكسر الراء أي (1) :
كبيرة في السن، ومن هذا قال أصحابنا: ولا يأخذ المصدق خيار المال،
ولا رذالته، ويأخذ الوسط، وذلك/ لأن حق الفقراء إنما هو في النمط الأوسط من المال، فلا يأخذ المصدق خياره فيجحف بأرباب الأموال، ولا شراره فيزري بحقوق الفقراء.
قوله: " ولا ذات عوار من الغنم " أي: ولا يؤخذ أيضا ذات عوار،
العوار- بفتح العن- وهو: العيب في بهيمة، أو ثوب، أو غيرهما،
قال الجوهري: وقد يضم، والعوار- بالضم، وتشديد الواو-. في
العين كثرة قذاها، والعُوَار- بالضم، وتخفيف الواو- ذهاب إحدى
العينين .
وقال الخطابي (2) : وإنما لا يأخذ ذات العوار ما دام في المال شيء سليم
لا عيب فيه، فإن كان المال كله معيبا فإنه يأخذ واحدا من أوسطه، وهو
قول الشافعي، وقال: إذا وجب في خمس من إبله شاة، وكلها معيبة،
__________
(1) مكررة في الأصل.
(2) معالم السنن (2/ 22) .
16 . شرح سنن أبي داوود 6

(6/241)


فطلب أن يؤخذ منه واحد منها أخذ، وإن لم يبلغ قيمته قيمة شاة، وقال مالك: يكلف أن يأتي بصحيحة، ولا يؤخذ منه مريض.
قلت: وفي " فتاوى الولوالجي": ويحسب الأعمى، والمريض، والأعرج في العدد، ولا يؤخذ في الصدقة.
قوله: " ولا تيس الغنم " أي: ولا يؤخذ تيس الغنم، يريد به فحل الغنم.
وقال الخطابي (1) : وقد زعم بعض الناس أن تيس الغنم إنما لا يؤخذ
من قبل الفضيلة، وليس الأمر كذلك، وإنما لا يؤخذ لنقصه، وفساد لحمه.
قوله: " إلا أن يشأ المصدق " بكسر الدال، أي: العامل، وفيه دلالة على أن له الاجتهاد، لأن يده كَيَد المساكين، وهو بمنزلة الوكيل لهم، ألا ترى أنه يأخذ أجرته من مالهم؟ وكان أبو عبيد يرويه: " إلا أن يشاء المصدق" بفتح الدال، يريد صاحب الماشية، والعامة خالفوه، فقالوا بكسر الدال، وأرادوا به العامل.
قوله: " ولا يجمع بين متفرق" صورته أن يكون لهذا أربعون شاة، ولذاك أربعون أيضا، وللآخر أربعون، فجمعوها حتى لا يكون فيها إلا شاة، وهذا هو جمع المتفرق، وإنما نهي عنه، لأنه هروب عن أداء الحق الواجب عليه، وإجحاف في حق الفقير، ويقال: الجمع بين المتفرق هو: الحلال، وروي "لا خلاط، ولا وراط " والمراد به أن يخلط رجل إبله بإبل غيره، أو بقره، أو غنمه ليمنع حق الله منها، ويبخس المصدق فيما يجب له.
قلت: هذا على مذهب الشافعي إذ الخلطة مؤثرة عنده، وأما عند أبي حنيفة فلا أثر لها، ويكون معنى الحديث نفي الخلاط لنفي الأثر، كأنه يقول: لا أثر لتخلطه في تقليل الزكاة، وتكثيرها، وذهب أحمد
__________
(1) نفسه.

(6/242)


إلى أن معناه: لو كان لرجل بالكوفة أربعون شاة، وبالبصرة أربعون كان عليه شاتان، لقوله: " لا يجمع بين متفرق " ولو كان له ببغداد عشرون، وبالكوفة عشرون لا شيء عليه، ولو كانت له إبل في بلدان شتى جمعت وجبت فيها الزكاة، وإن لم تجمع لم تجب في كل بلد، لا يجب عليه فيها شيء.
قوله:" ولا يفرق بين مجتمع" صورته أن يكون شريكان ولكل واحد منهما مائة شاة وشاة، فيكون عليهما في حالتهما ثلاث شياه، ثم يفرقان عنهما عند طلب الساعي الزكاة، فلم يكن على كل منهما إلا شاة واحدة.
قوله:" خشية الصدقة" نصب على التعليل، أي: لأجل خوف الصدقة، قال الشافعي: الخطاب في هذا للمصدق، ولرب المال، قال: والخشية خشيتان: خشية الساعي أن تقل الصدقة، وخشية رب المال أن يقل ماله، فأمر كل واحد منهما أن لا يحدث في المال شيئا من الجمع، والتفريق.
قوله: "وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية " معناه أن يكونا شريكين في إبل تجب فيها الغنم، فتؤخذ الإبل في يد أحدهما، فتؤخذ منه صدقتها، فإنه يرجع على شريكه بحصته على السوية، وفيه دلالة على أن الساعي إذا ظلمه فأخذ منه زيادة على فرضه، فانه لا يرجع بها على شريكه، وإنما يغرم له قيمة ما يخصه من الواجب دون الزيادة، التي هي ظلم، وذلك معنى قوله: " بالسوية"، وقد يكون تراجعهما أيضا من وجه آخر، وهو أن يكون بين رجلين أربعون شاة، لكل منهما عشرون، قد عرف كل منهما عين ماله، فأخذ المصدق من نصيب أحدهما شاة، فيرجع المأخوذ من ماله على شريكه بقيمة نصف شاة.
وقال الخطابي (1) : وفيه دليل على أن الخلطة تصح مع تميز أعيان
__________
(1) معالم السنن (2/ 23- 24) .

(6/243)


الأموال، وقد روي عن: عطاء، وطاوس أنهما قالا: إذا عرف الخليطان
كل واحد منهما أموالهما، فليسا بخليطين، وقد اختلف مالك، والشافعي/ في شرط الخلطة، فقال مالك: إذا كان الراعي، والفحل، والمرشح واحدا فهما خليطان، وكذلك قال الأوزاعي، وقال مالك: إن
فرقهما المبيت: هذه في قرية، وهذه في قرية، فهما خليطان، وقال
الشافعي: إن فرق بينهما في المراح فليسا بخليطين، واشترط في الخلط
المراح، والمسرح، والسقي، واختلاط الفحولة، وقال: إذا افترقا في
شيء من هذه الخصال فليسا بخليطين، إلا أن مالكا قال: لا يكونان
خليطين حتى يكون لكل واحد منهما تمام النصاب، وعند الشافعي: إذا
تم بمالهما نصاب فهما خليطان، وإن كان لأحدهما شاة واحدة.
وقد ذكرت في شرحي على "المجمع " أن النصاب الواحد بين اثنين
تجب عليهما زكاة عند الشافعي إذا اتحدت أسباب الإقامة وهي: الفحل،
والمسرح، والمراح، والراعي، والمشرع، والمحلب، وأهلية الزكاة،
ووجود الأخلاط في أول السنة، والقصد في الأخلاط، فهذه تسعة
أشياء، يجمعه قولك: " أوص مر بشفع " وعندنا لا يجب، والاختلاط
ليس بمؤثر لقوله- عليه السلام-:" لا صدقة إلا عن ظهر غنى " وملك
بعض النصاب ليس بغنى.
قوله: "فإن لم يبلغ سائمة الرجل أربعين " أي شاة، فليس فيها شيء
لعدم كمال النصاب، إلا أن يشاء صاحبها، تطوعا.
قوله: "وفي الرقة ريع العشر" أي: الواجب في الفضة ربع عشرها،
مثلا إذا كانت مائتا درهم، فزكاتها خمسة دراهم، وفي أربعمائة عشرة،
وفي ألف خمسة وعشرون، وفي عشرة آلاف مائتان وخمسون درهما،
وفي عشرين ألفا خمسمائة، وفي أربعين ألفا ألف، وفي مائة ألف ألفان، وخمسمائة، وهلم جرا، "الرقة" بكسر الراء، وفتح القاف المخففة:
الورق، وهي الدراهم المضروبة، والهاء في "الرقة" عوض من
"الواو"، أصلها "ورق" فلما حذفت الواو عوض عنها الهاء، فصار

(6/244)


"رقة"، كعدة أصلها "وعد" ويجمع على "رقين"، مثل "إرة" و "إرين".
قوله: "فإن لم يكن المال " أي: الدراهم "إلا تسعين ومائة فليس فيها شيء" لعدم كمال النصاب " إلا أن يتطوع صاحبها ". والحديث أخرجه النسائي، وأخرجه البخاري، وابن ماجه من حديث عبد الله بن المثنى الأنصاري، عن عمه ثمامة، وأخرجه الدارقطني (1) من حديث النضر ابن جميل، عن حماد بن سلمة، قال: أخذنا هذا الكتاب من ثمامة بن عبد اللّه بن أنس، فحدثه عن أنس بن مالك، عن رسول الله- عليه السلام- وقال: إسناد صحيح، وكلهم ثقات، وقال الشافعي: حديث أنس حديث ثابت من جهة حماد بن سلمة، وغيره عن رسول الله- عليه السلام- وبه يأخذ، وقال البيهقي في "المعرفة": هذا حديث صحيح موصول، إلا أن بعض الرواة قصر به، فرواه كذلك- يعني سند أبي داود- ثم إن بعض من يدعي معرفة الآثار تعلق عليه، وقال: هذا منقطع، وأنتم لا تثبتون المنقطع، وإنما وصله عبد الله بن المثنى، عن عمه، عن أنس، وأنتم لا تجعلون ابن المثنى حجة، ولم يعلم أن يونس بن محمد المؤدب قد رواه عن حماد بن سلمة، عن ثمامة، عن أنس، أن أبا بكر كتب له. وقد أخرجناه في كتاب "السنن"، وكذلك رواه شريح ابن النعمان، عن حماد بن سلمة به. ورواه إسحاق بن راهويه- وهو إمام- عن النضر بن جميل، وهو أتقن أصحاب حماد، قال: ولا نعلم أحدا استقصى في انتقاد الرواة ما استقصاه محمد بن إسماعيل البخاري، مع إمامته في معرفة علل الأحاديث وأسانيدها، وهو قد اعتمد فيه على حديث ، بن المثنى، فأخرجه في "صحيحه " وذلك لكثرة الشواهد له بالصحة" (2) .
قلت: العجب من البيهقي، جعل العمدة في كلامه هذا عن حماد بن سلمة، وقال في "سننه " في "باب من صلى وفي ثوبه أو نعله أذى"
__________
(1) (2/ 4 1 1- 5 1 1) ؛ وانظر: النص في نصب الراية (336/2- 337) .
(2) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.

(6/245)


حماد بن سلمة، عن أبي نعامة السعدي، عن أبي نضرة، كل منهم مختلف في عدالته، وأما ابن المثنى فقد مر الكلام فيه عن قريب.
1687- ص- نا عبد الله بن محمد النفيلي، نا عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: " كَتَبَ ، رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم كِتَابَ الصَّدَقَةِ/ فلم يُخْرِجْهُ إلى عُمَّالِه حتى قُبضَ، فَقَرَنَهُ بِسَيْفِهِ، فَعَمِلَ به أبو بكرٍ حتى قُبِضَ، ثم عَمِلَ به عُمر حتى قُبَضَ، فكانَ فيه: في خمسٍ من الإِبِلِ شاة، وفي عَشْرٍ شَاتَانِ، وفي خمسِ عَشْرَة ثَلاثُ شياه ، وفي عِشرينَ أربعُ شياه، وفي خمسٍ وعشرينَ بنتُ (1) مَخَاضٍ إلى خمسٍ وثلاثينَ، فإن زَادت واحدة ففيها بنتُ (2) لَبُون، إلى خمس وأربعينَ، فإذا زَادَتْ وَاحدة ففيها حرة إلى ستينَ، فإذاً زَادتْ واحدة فَجَذَعَة (3) إلى خمسٍ وسبعينَ، فإذا زادت واحدة ففيها بنتَا (4) لَبُون إلى تسعين، فإذا زَادتْ وَاحدة ففيها حقتانِ إلى عشرينَ ومائةٍ ، فإن كَانتْ لإِبِلُ أكثر من ذلك ففي كلِّ خمسينَ حقة، وفي كَلِّ أربعينَ بنتُ (1) لَبُون، وفي الغَنَم: في كلِّ أربعينَ شَاةً شَاة إلاَ عشرِينَ ومائة، فإن زَادتْ وَاحدة فَشَاتَانِ إلى المائتين، فإذا زَادتْ على المائتينِ فَفيها ثَلاث (5) أي ثَلَثَمَائةٍ ، فإن كانت الغَنَمُ أكثر من ذلك ففي كلِّ مائةِ شَاةٍ شَاة، ليس (6) فيها شيء حتى تَبْلُغً المائةَ، ولا يُفَرقُ بينَ مُجْتمِعٍ ، ولا يُجْمَعُ بينَ مُتَفَرِّقٍ مَخَافَةَ الصدقةِ، وما كان مِن خَلِيطَينِ فإنهما يَتَرَاجَعَانِ بالسَّوِيةِ (7) ، ولا يُؤْخَذُ في الصدَقَةِ هَرِمَة، ولا ذات عَيْبٍ " (8)
__________
(1) في سنن أبي داود: "ابنة".
(2) نفسه.
(3) في سنن أبي داود: "ففيها جمعة".
(4) في سنن أبي داود: "ابنتا".
(5) في سنن أبى داود:"ثلاث شياه".
(6) في سنن أبي داود:"وليس ".
(7) في سنن أبي داود:"يتراجعان بينهما بالسوية".
(8) الترمذي: كتاب الزكاة، باب: ما جاء في زكاة الإبل والغنم (621) ، ابن ماجه: كتاب الزكاة، باب: صدقة الإبل (1798) .

(6/246)


ش- عباد بن العوام بن عمر بن عبد الله بن المنذر بن صعب (1) بن جندل أبو سهل الكلابي الواسطي مولى أسلم بن زرعة الكلابي الواسطي، سمع: أبا إسحاق السبيعي، وعبد اللّه بن عون، وسعيد بن أبي عروبة، وسفيان بن حسين، وغيرهم، روى عنه: أحمد بن حنبل، وأبناء أبي شيبة، والحسن بن عرفة، وغيرهم، قال أبو حاتم، وابن معين: ثقة، وعن أحمد: هو مضطرب الحديث، عن سعيد بن أبي عروبة، مات ببغداد سنة خمس وثمانين ومائة، وقال ابن سعد: كان يتشيع، وأخذه هارون فحبسه زمانا ثم خلى عنه، روى له الجماعة (2) .
وسفيان بن حسين بن حسن السلمي مولاهم الواسطي أبو محمد، وقيل: أبو المؤمل، وقيل: مولى عبد الرحمن بن سمرة، سمع: الحسن البصري، وابن سيرين، والزهري وغيرهم، روى عنه: شعبة، ويزيد بن هارون، وعباد بن العوام، ومحمد بن يزيد، وغيرهم، وقال أحمد بن عبد الله: واسطي ثقة، وقال ابن معين: ليس به بأس، وليس من أكابر أصحاب الزهري، وقال أيضا: ثقة، وقال ابن سعد: هو ثقة، يخطئ في حديثه كثيرا، وقال أحمد بن سعد: سمعت يحيى بن معين، يقول: سفيان بن حسين في غير الزهري ثقة لا يدفع، وحديثه عن الزهري ليس بذاك، إنما سمع من الزهري بالموسم، وقال ابن عدي: هو في غير الزهري صالح الحديث، وفي الزهري يروي أشياء خالف الناس فيها، مات بالري في خلافة المهدي، روى له: الجماعة إلا البخاري، كذا في الكمال (3) .
قلت: استشهد به البخاري في الكسوف.
وسالم بن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب- رضي اللّه عنهم-.
وألفاظ الحديث شرحناها في الحديث الماضي وأخرجه (4) : الترمذي،
__________
(1) كذا، وفي "تهذيب الكمال" و "تهذيب التهذيب ":" مصعب".
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (4 1/ 89 0 3) .
(3) المصدر السابق (1 1/ 2399) .
(4) انظر: نصب الراية (2/ 338) .

(6/247)


وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث حسن، وقد روى يونس بن يزيد، وغير واحد عن الزهري، عن سالم، هذا الحديث، ولم يرفعوه، وإنما رفعه سفيان بن حسين [ وقال المنذري: وسفيان بن حسين ] (1) أخرج له مسلم، واستشهد به البخاري إلا أن حديثه عن الزهري فيه مقال، وقد تابع سفيان بن حسين على رفعه سليمانُ بن كثير، وهو ممن اتفق البخاري، ومسلم على الاحتجاج بحديثه، وقال الترمذي في كتاب "العلل ": سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث؟ فقال: أرجو أن يكون محفوظاً وسفيان بن حسين صدوق، انتهى.
ورواه أحمد في " مسنده" (2) ، والحاكم في "مستدركه" (3) ، وقال: سفيان بن حسين وثقه يحيى بن معين، وهو أحد أئمة الحديث، إلا أن الشيخين لم يخرجا له، وله شاهد صحيح، وإن كان فيه إرسال" (4) . قلت: ذكر البيهقي حديث سفيان بن حسين هذا، ثم قال: قال الترمذي: سألت البخاري عن هذا الحديث؟ فقال: أرجو أن يكون صحيحا، وسفيان بن حسين صدوق، والعجب منه أنه قال في " باب الدابة تنفح برجلها": عن ابن معين أنه قال: سفيان بن حسين ضعيف الحديث في الزهري، وقال ابن حبان: يروي عن الزهري المقلوبات، وفي " الميزان": قال أبو يعلى:/ قيل لابن معين: حديث سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه في الصدقات؟ قال: لم يتابعه عليه أحد، ليس يصح، وقال ابن عدي: رواه جماعة عن الزهري موقوفا، ثم ذكر البيهقي أن سليمان بن كثير وافق سفيان بن حسين على هذه الرواية.
قلت: سليمان هذا ضعفه ابن معين، كذا ذكر ابن الجوزي، وفي "الكاشف " للذهبي: ليس به بأس إلا في الزهري.
__________
(1) كأنه ضرب عليها، ولكنها موجودة في نصب الراية، وبها يستقيم الكلام.
(2) (2/ 14، 15)
(3) (1/ 392) .
(4) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.

(6/248)


ص- قال: وقال الزهريُ: " إذا جاء المُصدِّقُ قسمت الشاء أثلاثا: ثُلُث (1) شرار ، وثُلُث (1) خيار، وثُلُثٌ (1) وَسَط، يأخذ (2) المصدقُ من الوَسَطِ" وَلم يذكرِ الزهريُّ اَلبَقَرَ.
ش- أي: قال سفيان بن حسين: قال محمد بن مسلم الزهري، والشاء جمع شاة، والمراد من الشرار المهازيل المتغيرة، ومن الخيار السمان الجياد.
قوله: " ولم يذكر الزهري البقر " أي: حكم البقر في الزكاة.
1688- ص- نا عثمان بن أبي شيبة، نا محمد بن يزيد الواسطي، أنا سفيان بن حسين، بإسناده ومعناه، قال: " فإن لم تكُنْ بنت (3) مَخَاضٍ فابنُ لَبُونٍ " ولم يذكرْ كَلامَ الزهري (4) .
ش- محمد بن يزيد الواسطي أبو سعيد الكلاعي، ويقال: أبو إسحاق ويقال: أبو يزيد، سمع: سفيان بن حسين، وعاصم بن رجاء بن حيوة، ومحمد بن إسحاق بن يسار، وغيرهم، روى عنه: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم، قال ابن معين: ثقة، وقال أحمد: كان ثبتا في الحديث، توفي أواسط سنة ثمان وثمانين ومائة، ويقال: إنه كان مستجاب الدعوة، روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي (5) .
قوله: " ولم يذكر كلام الزهري" وهو قوله: " إذا جاء المصدق " إلى آخره.
1689- ص- نا محمد بن العلاء، أنا ابن المبارك، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، قال: هذه نُسخةُ كِتاب رسولِ الله- عليه السلام- الذي كَتَبَهُ في الصدَقَةِ، وهيَ عند آل عُمرَ بنِ اَلخطابِ، قَال ابنُ شِهابٍ : أقْرَأنِيَها
__________
(1) في سنن أبي داود" ثلثاً"
(2) في سنن أبي داود:"فأخذ".
(3) في سنن أبي داود: " ابنة ".
(4) انظر: التخريج السابق.
(5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (27/ 5704) .

(6/249)


سالمُ بنُ عبدِ الله بنِ عُمَر، فَوَعَيْتُهَا على وَجْهِهَا، وهيَ التي انْتَسَخَ عمرُ بنُ عبد العزيزِ مِن عَبد الله بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُمَر، وسالم بنِ عبد الله بنِ عُمرَ، فذكَر الحديثَ: " فَإذا كَانتْ إِحْدَى وعشرينَ ومائةً ففيها ثَلاثُ بنات لَبُون، حتى تَبْلُغَ تسعا وعشرينَ ومائة، فإذا كَانتْ ثلاثينَ ومائة ففيها ابنتا (1) لَبُون وحِقَّة، حتى تَبْلُغَ تسعا وثلاثينَ ومائةً، فإذا كانتْ أربعينَ ومائةً ففيها حقتانِ وبنتُ لَبُون، حتى تَبلُغَ تسعا وأربعينَ ومائةً، فإذا كانت خمسينَ ومائةً فَفيها ثلاثُ حِقَاق، حتى تبلُغَ تسعا وخمسينَ ومائةً، فإذا كانت سِتينَ ومائةً ففيها أرْبَعُ بناتِ لبون حتى تبلُغَ تسعا وستينَ ومائةً، فإذا كانتْ سبعينَ ومائةً ففيها ثَلاثُ بنات لَبُوًن وحقة، حتى تبلُغَ تسعا وسبعينَ ومائةً، فإذا كانت ثمانينَ ومائةً ففيها حقتاَنِ وَابنتَا لَبُون، حتى تبلُغَ تسعا وثمانينَ ومائةً، فإذا كانتْ تسعينَ ومائةًَ ففيها ثَلاثُ حقَاق وابنةُ (2) لَبُون، حتى تبلُغَ تسعا وتسعينَ ومائةً، فإذا كانتْ مائتين ففَيهاً أربَعُ حقَاق، أو خمسُ بناتٍ لَبُون، أيُ السنيْنِ وَجدتَ أخذتَ، وفي سَائمَة الغًنَم " فذكرَ نحوَ حديث سفيان بنِ حُسَين، وفيه:" ولا تُؤْخَذُ (3) في الصًدَقةِ هَرِمَة، ولا ذات عَوَارٍ من الغَنَم، ولا تيس الغَنَم، إلا أن يَشَأ المصدَّقُ " (4) .
ش- عبد الله بن المبارك، ويونس بن يزيد الأيلي القرشي.
قوله:" فوعيتها" أي: حفظتها.
قوله:" أي السنين " تثنية سن، السن هي المعروفة ثم سمي بها صاحبها، كالناب للمسنة من النوق، ثم استعيرت لغيره كابن المخاض، وابن اللبون، وأراد به المسن، أو ذات السن، والسن يذكر لذات السن من الحيوان دون الإنسان، لأن عمر الدواب يعرف بالسن، وهذا الحديث مرسل- كما أشار أيه الترمذي-.
1690- ص- نا القعنبي، قال مالك: وقولُ عُمرَ بنِ الخطابِ: "لا
__________
(1) في سنن أبي داود:"بنتا ".
(2) في سنن أبي داود: "وبنت ".
(3) في سنن أبي داود:"يؤخذ".
(4) انظر: التخريج السابق.

(6/250)


يُجْمَعُ بينَ مُتَفَرق، ولا يُفَرق بينَ مُجْتَمِعٍ ، هو أن يكونَ لكل رجُل أربعونَ
شاة، فإذا أَظَلهُم المصدِقُ جَمَعُوهَا، لَئِلا يكُون فيها إلا شاة، ولا يفَرق بين
مُجْتًمِعٍ ، أن الخَليطَيْنِ إذا كان لكل واحد منهما مائةُ شاة وشاةٌ فيكونَ عليهما
فيها ثلاثُ شياه، فإذا أَظَلهُمُ (1) المصدِقُ فَرقا غَنَمَهُمَا (2) ، فلم يكُنْ على
كلِّ واحد منهما إلا شاة، فهذا الذي سمعتُ في ذلك " (3) .
ش-ً عبد اللّه بن/ مسلمة القعنبي، شيخ أبي داود، وأحد أصحاب مالك الأجلاء.
قوله: "فإذا أظلهم المصدق " من قولهم: أظلك فلان، إذا دني منك،
كأنه ألقى ظله عليك، ثم قيل: أظلك أمر، وقد مر هذا التفسير في زيادة.
1691- ص- نا عبد الله بن محمد النفيلي، نا زهير، نا أبو إسحاق،
عن عاصم بن ضمرة، وعن (4) الحارث الأعور، عن علي، قال زهير:
أحسبُه عن النبي- عليه السلام- أنه قال: "هَاتُوا رُبُعَ العُشُورِ، من كُل
أربعينَ درهما درهم، وليسَ عليكم شيءٌ حتى تتِمَّ مِائتيْ درهمٍ ، فإذا كانتْ
مائتيْ درهم ففيهَا خمسةُ درَاهِمَ، فما زادَ فعلَى حسَابِ ذلك، وفي الغَنَم في
كل (5) أربعينَ شاةً شاة، فإن لم يكن إلا تسعَ وثلاثونَ فليست عليك فيها
شيء- وسَاقَ صَدَقَةَ الغَنَم مثلَ الزهري- قال: وفي البَقَرِ في كل ثلاثينَ
تَبِيع وفي الأربعينَ مُسِنة، ولَيس على العَوَامِلِ شيء، وفي الإِبلِ ذَكَرَ (6)
صَدَقَتَهَا كما ذَكَرَ الزهريُّ، قال: وفي خمسٍ وعشرين خمسةَ من الغَنَم،
فإذا زَادتْ واحدة ففيها بنتُ (7) مَخَاضٍ ، فإن لَم تكنْ بنت مخاضٍ فابنُ
__________
(1) في سنن أبي داود " أظلهما".
(2) في سنن أبى داود:"غنهما" خطأ.
(3) تفرد به أبو داود.
(4) في الأصل "عن" خطأ، وانظر: التحفة (10039، 10141) .
(5) كلمة "كل" غير موجودة في سنن أبي داود.
(6) في سنن أبي داود:" فذكر".
(7) في سنن أبي داود: "ابنة".

(6/251)


لَبُونٍ ذَكَر إلى خمسة وثلاثينَ، فإذا زَادتْ واحدةٌ ففيها بنتُ لَبُونٍ إلى خمسٍ وأربعينَ، فإذا زَادتْ واحدةٌ ففيها حقة طَرُوقَةُ الجَمَلِ إلى ستينَ، ثم سَاقَ مِثلَ حديثِ الزهريِّ، قال: فإذا زادت واحدة- يَعْنِي: واحَدةً وتسعينَ- ففيها حقتانِ طَرُوقَتَا الجَمَلِ إلى عشرين ومائةٍ ، فإن كانتا الإبِلُ كثر من ذلك ففي كل خمسينَ حقة، ولا يُفَرَّقُ بينَ مُجْتَمِعٍ ، ولا يجمع بين متفرقٍ (1) خَشْيَة الصدَقَة، ولا تُؤْخَذُ في الصَدَقة هَرمَة، ولا ذَاتُ عَوَارٍ ، ولا تَيْس إلا أن يشأ المُصدقُ، وفي النَبَاتِ ما سقتْهُ الأَنْهَارُ أو سقتِ السماء العُشْرُ، وما سقيَ بالغرْب (2) ففيه نصفُ العُشْرِ" وفي حَديثِ عاصم، والحارثِ "الصَدَقَةُ في كَل عَامٍ " قالَ زهير: حسبتُه (3) قال مرةً: وفي حديثِ عاصمٍ "إذا لم يكن في الإِبِلِ بنت (4) مَخَاضٍ ، ولا ابن لَبُونٍ فَعَشْرَةُ درَاهِمَ، أو شَاتَانِ " (5) .
ش- زهير بن معاوية، وأبو إسحاق السبيعي، وعاصم بن ضمرة السلولي الكوفي، والحارث بن عبد اللّه الأعور الكوفي.
قوله: " أحسبه " أي: أظنه.
قوله: " هاتوا " أي " أعطوا "ربع العشور " هذا هو حكم زكاة الفضة، وهو: في كل أربعين درهما درهم، فيكون في مائتين خمسة دراهم، وقد مضى الكلام في نصاب الفضة وأحكامه مستوفى.
قوله:" وفي البقر في كل ثلاثين تبيع" أي: تجب الزكاة في البقر، أي: في البقر زكاة، ثم بينها بقوله: "في كل ثلاثين تبيع " فتبيع مبتدأه، وخبره مقدما "في كل ثلاثين" والثلاثون نصاب البقر، ولا شيء في أقل منها، والتبرع الذي دخل في السنة الثانية، والمسنة التي دخلت في الثالثة.
__________
(1) في سنن أبي داود: " مفترق ".
(2) في سنن أبي داود: "سقى الغرب ".
(3) في سنن أبي داود: "أحسبه".
(4) في سنن أي داود: "ابنة".
(5) تفرد به أبو داود.

(6/252)


وقال الخطابي (1) : الفحل (2) ما دام تبيع أمه فهو تبيع إلى تمام سنة،
ثم هو جذع، ثم ثني، ثم رباع، ثم سدْس وسَديس، ثم ضالع،
وهو المُسِن.
قوله: " وليس على العوامل شيء" كلمة "على" بمعنى " في"،
والعوامل جمع عاملة، وهي: البقر التي تعمل في الحرث والسقي،
والحديث حجة على مالك حيث أوجب الزكاة فيها.
قوله: " وفي النبات ما سقته الأنهار" أي (3) : النبات الذي سقته المياه
الجارية، أو سقته السماء، أي: الأمطار فيه العشر.
قوله: "وما سقي" أي: الذي سقي " بالغرب" وهو الدلو العظيمة
يتخذ من جلد ثور، يريد به ما يسقى بالسواقي وفي معناها، لأن ما
خفت مؤنته، وعمت منفعته كان أحمل للمواساة، فأوجب فيه العشر
توسعة على الفقراء، وجعل فيما كثرت مؤنته نصف العشر رفقا بأهل
الأموال.
قوله: "فعشرة دراهم، أو شاتان" فيه دليل على جواز أخذ القيمة في
الزكاة فافهم، والحديث أخرج ابن ماجه طرفا منه، ورواه الدارقطني في
"سننه" (4) مجزوما به، ليس فيه " قال زهير: وأحسبه عن النبي- عليه السلام- " وقال ابن القطان في "كتابه" : إسناده صحيح، وكلهم
ثقات، وفي " مختصر السنن ": والحارث، وعاصم ليسا بحجة، ورواه
أبو بكر بن أبي شيبة في " مصنفه ": حدثنا أبو بكر بن عياش، عن
أبي إسحاق به مرفوعاً ولم يشك فيه.
وفي الحديث من الغريب قوله: "وفي خمس وعشرين خمسة من الغنم "، وكذا قوله: " إذا لم يكن في/ الإبل بنت مخاض، ولا ابن لبون فعشرة دراهم، أو شاتان " قال في " الإمام": وقد جاء في خمس
__________
(1) معالم السنن (2/ 25) .
(2) في المعالم " العجل".
(3) مكررة في الأصل.
(4) (103/2) بلفظ: " ليس على البقر العوامل شيء".

(6/253)


وعشرين خمسة من الغنم في حديث أخرجه الدارقطني (1) ، عن سليمان ابن أرقم، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه،- قال: وجدنا في كتاب عمر، أن رسول الله- عليه السلام- قال في صدقة الإبل:"في خمس من الإبل سائمة شاة" إلى أن قال: "وفي خمس وعشرين خمس شياه، فإذا زادت واحدة ففيها بنت مخاض" الحديث، قال الدارقطني: وسليمان ابن أرقم ضعيف الحديث.
وقال الخطابي: هذا متروك بالإجماع، غير مأخوذ به عند أحد من العلماء، يعني: قوله: "في خمس وعشرين خمسة من الغنم".
1692- ص- نا سليمان بن داود المَهْرِي، أنا ابن وهب، أخبرني جابر ابن حازم، وسمى آخر، عن أبي إسحاق، عن عام م بن ضمرة، والحارث الأعور، عن علي- رضي الله عنه- عن النبي- عليه السلامَ ببعضِ أول الحديث (2) ، قال: "فإذا كانتْ لكَ مِائتا درْهَمٍ ، وحالَ عليها الحَوْلُ ففيهاَ خمسةُ درَاهمَ، وليس عليك شيء- يعني: في الذهَب حتى يكون لك عِشرونَ ديناراً فإذا كانت (3) لك عشرونَ ديناراً وحالَ عَليها الحَولُ ففيها نصفُ دِينار، فما زَادَ فبحِسَاب ذلكَ " قال: فلا أدرِي، علي (1) يقولُ: بَحسَابِ (5) ذلك، أو رفعَهُ إلى النبي- عليه السلام-؟ "وليس في مالٍ زكَاة حتى يَحُولَ عليه الحَوْلُ"، إلا أن جريراً، قال: ابنُ وهب يزيدُ في الحديث، عن النبي- عليه السلام-: "ليسَ في مال زكاة حتى يَحُولَ علبه الحَوْلُ " (6) .
ش- عبد الله بن وهب.
__________
(1) (2/ 112- 113) .
(2) في سنن أبي داود: "أول هذا الحديث ".
(3) في سنن أبي داود:"كان".
(4) في سنن أبي داود: "علي".
(5) في سنن أبي داود:"فبحساب".
(6) ابن ماجه: كتاب الزكاة، باب: من استفاد مالا (1792) طرفا منه.

(6/254)


ويستفاد من الحديث أن نصاب الفضة مائتا درهم، وأن حولان الحول شرط، وأن نصاب الذهب عشرون دينارا، وأن الزيادة محسوبة.
وأخرج البزار في " مسنده "، عن عاصم بن ضمرة، عن علي مرفوعا
" ليس في تسعين ومائة من الورق شيء، فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم ".
وروى عبد الرزاق في "مصنفه ": أنا ابن جريج، أخبرني جعفر بن محمد، عن أبيه، عن النبي- عليه السلام- قال: " ليس فيما دون مائتي درهم شيء، فإذا بلغت مائتي درهم ففيها خمسة دراهم" وهو مرسل جيد.
وروى أبو محمد الكشي في "سننه ": عن عبيد الله بن بحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أسامة مرفوعا: "ليس في أقل من مائتي درهم شيء، فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم " وهو سند ضعيف.
1693- ص- نا عمرو بن عون، أنا أبو عوانة، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرةَ، عن علي، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : "قد عَفَوْتُ عن الخَيْلِ، والرقيقِ، فهاتُوا صَدقةَ الرقة، من كل أَربعينَ درهَما درْهم (1) ، وليس في تسعينَ ومائة شيء وإذا بلغَتْ مائتين ففيها خمَسةُ درَاهَمَ " (2) .
ش- أبو عوانة الوضاح، وأبو إسحاق عمرو بن عبد اللّه السبيعي. قوله: " قد عفوت عن الخيل " به استدل الشافعي، ومالك، وأحمد، وأبو يوسف، ومحمد أن الخيل ليست فيها زكاة أصلا، وقال أبو حنيفة: إذا كانت الخيل ذكورا، أو إناثا سائمة فصاحبها بالخيار: إن شاء أعطى
__________
(1) في سنن أبي داود " درهما".
(2) الترمذي: كتاب الزكاة، باب زكاة الذهب والورق (620) ، ابن ماجه: كتاب الزكاة، باب: زكاة الورق والذهب (1790) .

(6/255)


عن كل فرس دينارا، وإن شاء قومها وأعطى ربع العشر، من كل مائتي درهم خمسة دراهم، أو من كل عشرين دينارا نصف دينار، وبه قال زفر، وفي الإناث، والذكور الخلص روايتان عنه، ففي رواية الطحاوي: لا يجب في الإناث وحدها شيء، لعدم التناسل، وفي رواية الكرخي: يجب لإمكان التناسل بالفحل المستعار، وأما في الذكور وحدها فكذلك روايتان عنه، والمشهور عدم الوجوب، ولأبي حنيفة ما " (1) أخرجه الدارقطني في "سننه" (2) : عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، قال: " جاء ناس من أهل الشام إلى عمر، فقالوا: إنا قد أصبنا أموالا: خيلا، ورقيقا، وإماء، نحب أن نزكيه، فقال: ما فعله صاحبي (3) قبلي فأفعله أنا؟ ثم استشار أصحاب النبي- عليه السلام- فقالوا: حسن، وسكت علي، فسأله؟ فقال: هو حسن لو لم يكن جزية رأيته يؤخذون بها بعدك، فأخذ من الفرس عشرة دراهم" ثم أفاد قريبا منه بالسند المذكور، والقصة وقال فيه: " فوضع على كل فرس دينارا". وروى محمد بن الحسن في كتاب " الاَثار" (4) : أخبرنا أبو حنيفة،
عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي، أنه قال: في الخيل السائمة التي يطلب نسلها: إن شئت في كل فرس دينار، أو عشرة دراهم، وإن شئت فالقيمة، فيكون في كل مائتي درهم خمسة دراهم في كل فرس ذكرا، أو أنثى. وروى عبد الرزاق:/ عن ابن جريج، أخبرني عمرو بن دينار، أن جبير بن يعلى أخبره، أنه سمع يعلى بن أمية يقول: " ابتاع عبد الرحمن بن أمية أخو يعلى بن أمية من رجل من أهل اليمن فرسا أنثى بمائة قلوص، فندم البائع فلحق بعمر، فقال: غصبني يعلى وأخوه فرسا لي ! فكتب إلى يعلى: أن الحق بي، فأتاه، فأخبره
__________
(1) انظر: نصب الراية (2/ 357: 359) 0
(2) (2/ 126) .
(3) كذا، وفي حق الدارقطني " صاحباي " وهو الجادة.
(4) باب زكاة الدواب والعوامل (ص 47) .

(6/256)


الخبر، فقال: إن الخيل ليبلغ هذا عندكم؟ ما علمت أن فرسا يبلغ هذان فيأخذ من كل أرضين شاة، ولا يأخذ من الخيل شيئا ؟ خذ من كل فرس ديناراً فقرر (1) على الخيل دينارا دينارا ".
وروى أيضا عن ابن جريج، أخبرني ابن أبي حسين، أن ابن شهاب أخبره، أن عثمان كان يصدق الخيل، وأن السائب بن يزيد أخبره، أنه كان يأتي عمر بن الخطاب بصدقة الخيل، فقال ابن شهاب: لا أعلم أن رسول الله سن صدقة الخيل، انتهى. وقال ابن عبد البر: وقد روى فيه حويرثة، عن مالك حديثا صحيحا، أخرجه الدارقطني (2) ، عن حويرثة، عن مالك، عن الزهري، أن السائب بن يزيد أخبره، قال : " رأيت أبي يُقيمُ الخيل، ثم يدفع صدقتها إلى عمر- رضي الله عنه- ". وأخرج الدارقطني، ثم البيهقي (3) في "سننهما": عن الليث بن حماد الإصطخري، ثنا أبو يوسف، عن غَوْرك بن الحصرم (4) أبي عبد الله، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، قال: قال رسول الله- عليه السلام- في الخيل السائمة: "في كل فرس دينار " قال الدارقطني: تفرد به غورك، وهو ضعيف جدا، ومن دونه ضعفاء، وقال البيهقي: ولو كان هذا الحديث صحيحا عند أبي يوسف لم يخالفه، وقال ابن القطان في (كتابه) : وأبو يوسف هو: أبو يوسف يعقوب القاضي وهو مجهول عندهما (5) .
قلت: كيف يحل لمن يقسم بالدين، والنصيحة للمسلمين،ْ أن يقول في حق مثل أبي يوسف القاضي الذي اشتهر علمه وفضله في الآفاق قديما
__________
(1) كذا، وفنا المصنف " (4/ 36) : "فضرب"، وفي نصب الراية "فقدر".
(2) رواه في "غرائب مالك " كما ذكره الحافظ في "الدراية".
(3) (119/4) .
(4) كذا عندنا وفي البيهقي "الحصرم " بمهملتين، وفي سنن الدارقطني "الخضرم " بمعجمتين، والله أعلم.
(5) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.
17 . شرح سنن أبي داوود 6

(6/257)


وحديثا مثل هذا القول؟ والحال أن أئمة الحديث وثقوه، وذكره ابن حبان في الثقات، ولكن فرط التعصب الذي يحمل الرجل على ارتكاب أمور عظيمة ! وهل يكب الناس على وجوههم في النار إلا حصائد ألسنتهم؟ واستدل لأبي حنيفة ابن الجوزي في "التحقيق " بحديث أخرجاه في "الصحيحين "، عن أبي هريرة، أن رسول الله- عليه السلام- ذكر الخيل، فقال: "ورجل ربطها تغنيا، وتعففا، ثم لم ينس حق الله في رقابها، ولا ظهورها، فهي لذلك ستر". قال: وجوابه من وجهين، أحدهما: إن حقها إعارتها، وحمل المنقطعين عليها، فيكون ذلك على وجه الندب.
والثاني: أن يكون واجبا، ثم نسخ بدليل قوله: " قد عفوت لكم عن صدقة الخيل" إذ العفو لا يكون إلا عن شيء لازم.
قلت: وفيه نظر، لأن الذي يكون على وجه الندب لا يطلق عليه حق وأيضا فالمراد به صدقة خيل الغازي، وهذا هو جواب أبي حنيفة عن الحديث، وأما النسخ فإنه لو كان اشتهر في زمن الصحابة لما قرر عمر -رضي الله عنه- الصدقة في الخيل، وإن عثمان ما كان يصدقها لما ذكر ناه، في فهم.
قوله: "والرقيق " فعيل بمعنى مفعول من الرق، وهو: العبودية وإنما سقط الصدقة عن الخيل، والرقيق إذا كانت للركوب، والخدمة، فأما إذا كان منهما شيء للتجارة ففيه الزكاة في قيمته، والحديث أخرجه: الترمذي، وابن ماجه.
ص- قال أبو داود: "رَوى هنَا الحديثَ الأعمشُ، عن أبي إسحاق، كما قال أبو عَوانةَ، ورواه شَيبانُ أبو معاويةَ، وإبراهيمُ بنُ طهمانَ، عن بأبي إسحاق، عن الحارثِ، عن عَلِي، عن النبي- عليه السلام- (1) ".
ش- أي. روى الحديث المذكور سليمان الأعمش، عن أبي إسحاق
__________
(1) في سنن أبي داود زيادة "مثله".

(6/258)


السبيعي، كما قال أبو عوانة الوضاح، ورواه أيضا شيبان بن عبد الرحمن
النحوي أبو معاوية، وقال الترمذي: سألت محمدا عن هذا الحديث
فقال: كلاهما عندي صحيح عن أبي إسحاق، يحتمل أن يكون روى
عنهما، أي: عن عاصم بن ضمرة، وعن الحارث.
ص- قال أبو داود: روى (1) حديثَ النفيلي شعبةُ، وسفيان، وغيرُهُمَا،
عن أي إسحاق، عن عاصمِ، عن عليِّ، لم يَرْفعُوهُ (2) .
ش- أي: حديث عبد الله بن محمد النفيلي الذي تقدم قريبا، وأشار
به إلى أن حديث النفيلي الذي رواه مرفوعا، موقوف في رواية شعبة بن الحجاج، وسفيان الثوري، وغيرهما.
1694- ص- نا موسى بن إسماعيل، نا حماد، أنا بهز بن حكيم ح أنا
محمد بن العلاء/ أنا، أبو أسامة، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، أن رسولَ اللهِ- عليه السلام- قال: " في كلِّ سَائمَةِ إبل في أربعينَ بنتُ
لَبُونِ، لا تفرق (3) إبل عن حِسَابِهَا، مَن أعطاهَا مُؤتجرا، قال ابن العلاء:
مؤتجرا بها فله أجْرُهَا، وَمَن مَنَعَها فإنا آخذُوهَا وشًطرَ مَالِهِ، عَزْمَةَ من
عَزَمَاتِ ربنا (4) ، ليس لآل محمدِ منها شيء" (5) .
ش- حماد بن سلمة، وأبو أسامة حماد بن أسامة، وبهز بن حكيم
ابن معاوية بن حيدة القشيري وقد ذكرناه.
وحكيم بن معاوية البصري والد بهز، روى عن أبيه، روى عته ابنه
بهز، والجريري. قال أحمد بن عبد الله: تابعي ثقة، وأبوه له صحبة.
روى له أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه. وجده معاوية بن حيدة بن
__________
(1) في سنن أبي داود "وروى".
(2) في سنن أبي داود زيادة " أوقفوه على عليه ".
(3) في سنن أبي داود: "ولا يفرق".
(4) في سنن أبي داود " ربنا عز وجل ".
(5) النسائي: كتاب الزكاة، باب: سقوط الزكاة عن الإبل (5/ 25) .

(6/259)


معاوية بن بشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة القشيري البصري. قال محمد بن سعد: وفد على النبي- عليه السلام- وصحبه وسأله عن أشياء، وروى عنه أحاديث، وهو جد بهز بن حكيم بن معاوية. قال محمد بن السائب الكعبي: أخبرني أبي أنه أدركه بخراسان، وقد غزا خراسان ومات بها. روى عنه ابنه حكيم، وحميد المدني وغيرهما. روى له أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، واستشهد به البخاري.
قوله: " في أربعة " بدل من قوله: " سائمة إبل ".
قوله: " لا تفرق إبل عن حسابها" أي: عن حسابها المقدر.
قوله: " مؤتجرا " أي: طالبا للأجر.
قوله: " فإنا آخذوها وشَطر ماله " أي: مع شطر ماله، والمعنى يأخذ الزكاة ويأخذ نصف ماله.
وقال الخطابي: اختلف الناس في القول بظاهر هذا الحديث، فذهب كثر الفقهاء أن الحلول في الصدقة والغنيمة لا توجب غرامة في المال، وهو مذهب الثوري، وأصحاب الرأي، وإليه ذهب الشافعي، وكان الأوزاعي يقول في الغالَّ في الغنيمة: إن للإمام أن يحرق رحله، وكذلك قال أحمد وإسحاق، وقال أحمد في الرجل يحمل الثمرة في أكمامها: فيه القيمة مرتين، وضرب النكال. وقال: كل من درأنا عنه الحد أضعفنا عليه الغرم، واحتج في هذا بعضهم بما رُوي عن أبي هريرة، عن النبي - عليه السلام- أنه قال في ضالة الإبل المكتومة:" غرامتها مثلها والنكال" . وغرّم عمر بن الخطاب حاطب بن أبي بلتعة ضعف ثمن ناقة المربي لما سرقها رقيقه، ورُوي عن جماعة من الصحابة أنهم جعلوا دية من قتل في الحرم دية وثلثاً وهو مذهب أحمد، وكان إبراهيم الحربي يتأول ، حديث بهز بن حكيم على أنه يؤخذ منه خيار ماله، مثل سن الواجب عليه، لا يزاد على السن والعدد، ولكن ينتقي خيار ماله، فيزاد عليه الصدقة بزيادة شطر القيمة.

(6/260)


وقال صاحب" مختصر السنن" : كثر العلماء قالوا: كان هذا في أول
الإسلام ثم نسخ، واستدل الشافعي على نسخة بحديث البراء بن عازب
فيما أفسدت ناقته، فلم ينقل عن النبي- عليه السلام- في تلك القضية
أنه ضعَف الغرامة، بل نقل فيها حكمه بالضمان فقط. وقال بعضهم:
يشبه أن يكون هذا على سبيل التوعد لينتهي فاعل ذلك. وقال بعضهم:
إن الحق مستوفى منه غير متروك عليه، وإنْ شطر ماله، كرجل كان
له ألف شاة فتلفت حتى لم يبق إلا عشرون، فإنه يأخذ منه عشر شياه
كصدقة الألف، وهو شطر ماله الباقي، أي: نصفه، وهو بعيد، لأنه
لم يقل " إنا آخذوا شطر ماله " وقال الشافعي في القديم: من منع زكاة
ماله أخذت منه، وأخذ شطر ماله عقوبة على منعه , واستدل بهذا الحديث.
وقال في الجديد: لا يؤخذ منه إلا الزكاة لا غير، وجعل هذا الحديث منسوخاً وقال: كان ذلك حين كانت العقوبات في المال ثم نسخت،
ومَن قال: إن بهز بن حكيم ثقة احتاج إلى الاعتذار عن هذا الحديث بما
تقدم، فأما من قال لا يحتج بحديثه فلا يحتاج إلى شيء من ذلك، وقد
قال الشافعي في بهز: ليس بحجة.ْ فيحتمل أن يكون ظهر له ذلك منه
بعد اعتذاره عن الحديث، أو أجاب عنه تقدير الصحة. وقال
أبو حاتم الرازي في بهز بن حكيم: هو شيخ، يكتب حديثه ولا يحتج
به. وقال ابن حبان: كان يخطئ كثيراً. فأما أحمد بن حنبل وإسحاق بن
إبراهيم فهما يحتجان به، ويرويان عنه، وتركه جماعة/ من أئمتنا، ولولا حديثه " إنا آخذوه وشَطر أمواله، عزمة من عزمات ربنا " لأدخلناه
في الثقات.
قوله: " عزمة "منصوب بفعل محذوف تقديره عزم اللّه علينا عزمة،
والعزمة الحق والواجب، و" عزمات اللّه "حقوقه وواجباته.
قوله: " ليس لآل محمد منها شيء " تأكيد لقوله "عزماً من عزمات ربنا"
والمعنى: إن هذا حق وفرض من فرائض اللّه تعالى، يعني: وليس لآل
محمد من هذا الفرض شيء، أي: نصيب، حتى يتركوا ما ينالهم.
والحديث أخرجه النسائي.

(6/261)


1695- ص- نا النفيلي، نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن معاذ، أن النبي- عليه السلام- لما وَجهَهُ إلى اليمنِ أمَرَهُ أنه يأخذ من البَقَرِ من كلِّ ثَلاثينَ تبيعا أوْ تَبيعةً، ومن كلِّ أربعنَ مُسنة، و من كلِّ حالم- يعني: محتلم (1) - دَيناراً أول عِدْلَهُ من المَعَافِرِي (2) ثياب تكونُ باليمنِ (3) . ش- أبو معاوية محمد بن حازم الضرير. وأبو وائل شقيق بن سلمة. قوله: " ومن كل حالم " أي: بالغ، وقد فسره في الحديث بقوله: "يعني: محتلما وهذا الدينار هو جزية عن رءوس نصارى بني نجران، وصدقة البقر إنما أخذها من المسلمين، إلا أنه أدرج ذلك في الخبر، ونسق أحدهما على الآخر لكونه مفهوما عند أهل العلم، وسنأتي تحقيق الكلام في الجزية في بابها.
قوله: " أو عدله " العدل- بفتح العين وكسرها لغتان- بمعنى المثل، وقيل: بالفتح ما عادل الشيء من غير جنسه، وبالكسر ما عادله من جنسه. وقيل: بالعكس.
قوله: " من المعافري " أي: من الثوب المعافري، نسبة إلى معافر.
قال الجوهري: مَعافر- بفتح الميم- حي من حمدان لا ينصرف في معرفة ولا نكرة، لأنه جاء على مثال ما لا ينصرف من الجمع، وأيهم تنسب الثياب المعافرية. تقول: ثوب مَعافري فتصرفه، لأنك تقول: أدخلت ياء النسبة ولم يكن في الواحد. انتهى.
ويقال: المعافر اسم موضع باليمن تنسب إليها الثياب، فيقال: الثياب المعافرية. وقيل: المعافر اسم محلة بالفسطاط تنسب إليها الثياب، ومنهم
__________
(1) كذا وفي سنن أبي داود " محتلما".
(2) في سنن أبي داود " المعافر ".
(3) انظر الحديث الآتي.

(6/262)


من ينسبها إلى قوم يعملونها من هذه القبيلة، ومنهم من ينسب المعافر إلى مصر، والأول أشهر.
قوله: " ثياب تكون باليمن " يجوز الجر في ثياب على أن يكون بدلا من
" المعافري "، ولكن فيه تعسف، ويجوز أن يكون بيانا منه، ويجوز الرفع فيها على أنها خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: هي ثياب تكون باليمن، ويجوز النصب من حيث اقتضاء الكلام على أن يكون بدلاً من قوله " عدله "، أو بيانا منه.
والحديث أخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وليس عند ابن ماجه ذكر الحالم. وقال الترمذي: حديث حسن، وقد رواه بعضهم مرسلا لم يذكر فيه معاذا وهذا أصح، ورواه ابن حبان في تصحيحه " مسنداً في النوع الحادي والعشرين من القسم الأول، والحاكم في "المستدرك " وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ورواه أحمد وأبو يعلى الموصلي والبزار في" مسانيدهم ".
1696- ص- نا النفيلي وعثمان بن أبي شيبة وابن المثنى قالوا: نا أبو معاوية، نا الأعمش، عن إبراهيم، عن مسروق، عن معاذ، عن النبي - عليه السلام- مثله (1) .
ش- عبد اللّه بن محمد النفيلي، ومحمد بن المثنى، وأبو معاوية الضرير، وسليمان الأعمش، و إبراهيم النخعي، ومسروق بن الأجدع، ومعاذ بن جبل رضي الله عنه.
(واعَل (2) الحديث عبدُ الحق في " أحكامه"، فقال: ومسروق لم يلقَ معاذا، ذكره أبو عمر وغيره انتهى. وقال ابن [ القطان] (3) في "كتابه":
__________
(1) الترمذي: كتاب الزكاة، باب: ما جاء في زكاة البقر (623) ، النسائي: كتاب الزكاة، باب: زكاة البقر (5/ 25، 26) ، ابن ماجه: كتاب الزكاة، باب: صدقة البقر (1803) .
(2) انظر: نصب الراية (2/ 346- 347) .
(3) سقط من الأصل، وأثبتناه من نصب الراية.

(6/263)


أخاف أن يكون وتصحّف عليه أبو محمد بأبي عمر، إذ لا يُعرف لأبي عمر إلا خلاف ذلك، وأما أبو محمد بن حزم فإنه رماه بالانقطاع أولاً ثم رجع في آخر كلامه.
وقال أبو عمر في "التمهيد" في " باب حُميد بن قيس": وقد رُوي هذا الخبر عن معاذ بإسناد متصل صحيح ثابت، ذكره عبد الرزاق: أنا معمر والثوري، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ ابن جبل قال: ما بعثه النبي- عليه السلام- إلى اليمن، فأمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة " الحديث.
قلت: هذا الحديث له طرق أخرِى، منها: عن أبي وائل، عن معاذ، وهي عند أبي داود والنسائي كما مر.
ومنها عن إبراهيم النخعي، عن معاذ، وهي عند النسائي.
ومنها عن طاوس، عن معاذ، وهي في وموطأ مالك ".
قال في " الإمام": ورواية إبراهيم عن/ معاذ منقطعة بلا شك، ورواية طاوس عن معاذ كذلك. قال الشافعي: وطاوس عالم بأمر معاذ وإن كان لم يلقه.
وقال عبد الحق في"أحكامه ": وطاوس لم يلق معاذا (1) ، واللّه أعلم.
1697- ص- نا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء، نا أبي، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ بن جبل قال: بَعَثَهُ النبي - عليه السلام- إلى اليمنِ مثله (2) لم يذكرْ"ثيابا تكونُ باليمنِ، ولا ذَكَرَ - يعني: المحتلم- " (3) .
ش- زيد بن أبي الزرقاء الموصلي ذكر هو وابنه هارون شيخ أبي داود، وسفيان الثوري.
__________
(1) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.
(2) في سنن أبي داود: "فذكر مثله".
(3) انظر الحديث السابق.

(6/264)


قوله: " مثله" الحديث المذكور، وليس فيه ذكر ثياب تكون باليمن،
ولا ذكر محتلم.
ص- قال أبو داودَ: رواه (1) جرير ويَعلى ومعمر وشعبةُ وأبو عوانةَ ويحيى بنُ سعيد، عن الأعمشِ، عن أبي وائل، عن مسروق. قال يعلى ومعمر: عن معاذ مثله.
ش- جرير بن عبد الحميد، ويعلى بن عبيد الكوفي، ومعمر بن راشد، وشعبة بن الحجاج، وأبو عوانة الوضاح، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأبو وائل شقيق بن سلمة.
1698- ص- نا مسدد، نا أبو عوانة، عن هلال بن شباب، عن ميسرة أبي صالح، عن سويد بن غفلة قال: " سِرْتُ أو قال: أخبرني مَن سَارَ مع مُصَدق النبيِّ- عليه السلام-، فإذا في عهدِ رسول الله- عليه السلام- أن لا يأخذ (2) من راضع لَبن، ولا تَجمعَ بين مُتَفَرًّقَ (3) ، ولا تُفَرّقَ بين مُجْتَمعٍ ، وكان إنما يأتي المياه حين تَرِدُ الغنَمُ فيقولُ: أدُوا صدقات أموالكُم قال: فَعَمدَ رجل فيهم إلى ناقة كوماء قال. قلتُ: يا أبا صالح ما الَكوماء؟ قال: عظيمةُ السنام. قال: فأبىً أن يَقْبَلَهَا. قال: إني أحبُّ أن تأخُذَ خير إبلي قال: فَأبَى أن يَقْبَلَهَا. قال: فَخَطَمَ له أخْرَى دونها، فأبى أن يَقْبَلَهَا، ثم خطَمَ له أخْرَى دُونها فَقَبلَهَا وقال: إني آخُذُهَا وَأخَافُ أن يَجدَ عَليَّ رسولُ الله عليه السلام-، يقَولُ (4) : عَمَدتَ إلى رجل فتخيرتَ عَليه إِبِلَهُ (ْ) " . ش- ميسرة أبو صالح، روى عن علي بن أبي طالب، وسُويد بن غفلة. روى عنه هلال بن شباب، وعطاء بن السائب، مسلمة بن سهيل. شهد مع عليّ قتال الخوارج والنهروان. روى له أبو داود والنسائي.
__________
(1) في سنن أبي داود " ورواه ".
(2) في سنن أبي داود " لا تأخذ ".
(3) في سنن أبي داود " مفترق ".
(4) في سنن أبي داود: " يقول لي ".
(5) النسائي: كتاب الزكاة، باب: الجمع بين المتفرق والتفريق بين المتجمع , ابن ماجه: كتاب الزكاة، باب: ما يأخذ المصدق من الإبل

(6/265)


وسُويد بن غَفَلَةَ- بفتح العين المعجمة والفاء واللام- ابن عوسجة بن عامر بن وداع بن حارب بن مالك بن أدد بن جعفر بن صعب بن سعد العشيرة أبو أمية الجوزي الكوفي، أدرك الجاهلية وأسلم ولم يهاجر، وقال: أنا أصغر من النبي- عليه السلام- بسنتين، وحضر يوم القادسية وله عشرون ومائة سنة، ورُوي عنه ابنه قال: أنا لدَةُ رسولِ اللّه، ولدت عام الفيل. وشهد اليرموك وخطبة عمر بالجابيةَ. روى عن أبي بكر الصديق، وعمر، وعثمان، وسمع عليا، وابن مسعود، وبلال بن رباح، وأبا ذر، وأبي بن كعب، وأبا الدرداء. روى عنه سلمة بن معاوية، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، والشعبي، وعثمان بن عاصم، وميسرة أبو صالح، وغيرهم، قال ابن معين: ثقة. مات سنة إحدى وثمانين وله عشرون ومائة، ويقال وهو ابن إحدى وثلاثين ومائة سنة (1) . قوله: " في عهد رسول الله " أي: في زمانه وأيامه.
قوله: " أن لا يأخذ من راضع لابن " الراضع ذات الدر، فنهيه عنها يحتمل وجهن أحدهما: أن لا يأخذ المصدق عن الواجب في الصدقة، لأنها خيار المال، ويأخذ دونها، وتقديره: لا يأخذ راضع لبن، و "من " زائدة وصلة، كما تقول: لا يأكل من حرام ولا ينفق من سحت، أي: لا يأكل حراماً والوجه الآخر: أن يكون عند الرجل الشاة الواحدة واللقحة قد اتخذها للدَّر، فلا يؤخذ منها شيء.
قلت: المراد من " راضع لبن" الصغير الذي هو بعدُ يُرضع، والمعنى:
لا يأخذ من راضع لبن شيئاً فلا يحتاج إلى تقدير "من" زائدهْ.
وبه استدل أبو حنيفة أنه لا يجب شيء في الفصلان والفحاحيل والعملان، وهو قول محمد أيضاً وكان يقول : أولا يجب فيها ما يجب في المكان، وهو قول زفر ومالك، ثم رجع وقال: فيها واحدة منها، وهو قول أبي يوسف والشافعي. وقال الإمام الولوالجي: في الحديث
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (2647/12) .

(6/266)


دليلان، أحدهما: أنه لا يجب في الصغار شيء، والثاني: أن لا يؤخذ
الصغار في الصدقة.
قوله: "فخطم له أخرى" أي: قادها إليه بخطامها، والإبل إذا أرسلت
في مسارحها لم تكن عليها خطم، وإنما تخطم إذا أُريد قودها.
قوله: " أن يجد عليَّ " أي:/ يغضب عليّ، يقال وجَد عليه يجد وجداً وموجدةً إذا غضب.
والحديث أخرجه النسائي، وابن ماجه، وفي إسناده هلال بن خبَّاب
تكلم فيه بعضهم، ووثقه غير واحد.
ص- قال أبو داودَ: رواه (1) هشيم، عن هلالِ بن خباب نحوه، إلا أنه
قال: " لا يُفرقُ ".
ش- أي: روى الحديث المذكور هشيم بن بشير، عن هلال بن خباب
نحو ما ذكر إلا أنه قال في روايته " لا يفرق ". وروى ابن أبي شيبة في
"مصنفه " أنا هشيم، عن هلال بن خباب، عن ميسرة أبي صالح قال:
حدثني سويد بن غفلة قال: أتانا مصدق النبي- عليه السلام- فأتيته،
فجلست إليه فسمعته يقول: إن في عهدي أن لا آخذ من راضع لبن، ولا
يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع. قال: وأتاه رجل بناقةٍ كَوما"
فَأبَى أن يأخذهَا.
1699- ص- نا محمد بن الصباح البزاز، نا شريك، عن عثمان بن
أبي زرعة، عن أبي ليلى الكندي، عن سويد بن غفلة قال: أَتَانَا مُصدقُ
النبيِّ- عليه السلام-، فَاخذْتُ بِيَدِهِ، وقَرَأتُ في أَهْلِهِ قال (2) : لا يُجْمَعُ
بين مُتَفَرق (3) ، ولا يُفَرَّقُ بين مُجْتَمِعٍ خَشْيةَ الصدقةِ، ولم يذكرْ "رَاضع
لبنٍ " (4) .
__________
(1) في سنن أبي داود: "ورواه هشيم ".
(2) غير موجودة في السنن.
(3) في سنن أبي داود:"مفترق متفرق ".
(4) ابن ماجه: كتاب الزكاة، باب: ما يأخذ المصدق من الإبل (1801) .

(6/267)


ش- شريك بن عبد اللّه النخعي، وعثمان بن أبي زرعة، واسم
أبي زمعة المغيرة الثقفي الكوفي، وأبو ليلى الكندي قيل اسمه سلمة بن معاوية، وقيل معاوية بن سلمة. روى عن سُويد بن غفلة. وروى عنه عثمان بن أبي زرعة. قال ابن معين: هو ثقة مشهور. روى له أبو داود وابن ماجه.
قوله: "في عهده" العهد الذي يكتب للولاة، وهو الذي بقال له اليوم التوقيع. قوله: " خشية الصدقة" أي: لأجل خوف الصدقة.
1700- ص- نا الحسن بن عليّ، نا وكيع، عن زكرياء بن إسحاق المكي، عن عمرو بن أبي سفيان الجمحي، عن مسلم بن ثفنة اليشكري، قال الحسن: روح يقولُ: مسلم بن شعبة، قال: استعمل ابنُ علقمةَ أبي على عِرَافَة قَومه، فأمَرَهُ أن يصدقهم قال: فَبَعَثَنِي أبي في طائفةِ منه، فأتَيْتُ شيخا كبيرا يقال له سِعْر (1) ، فقلتُ: إن أبِي بَعَثني إليكَ- يعني: لأصدقك- قال ابن أخي: وأيُ نحو تأخذون؟ قلتُ: نختارُ حتى إِنا نَشْبِر (2) ضُرُوعَ الغنم. قال ابن أخي: فإني مُحَدثك (3) ، إني كُنتُ في شعبِ من هذه الشعابِ على عهد رسول الله- عليه السلام- في غَنَم لي، فَجاءني رجلانِ على بَعيرِ فقالا ليَ: إنا رَسولا رسول الله صلى الله عليه وسلم إليك لتؤَدِّي صَدقةَ غَنَمكَ. فقلتُ: ما عَلَيَّ فيها؟ فقالا: شاةٌ فَأعْمَد إلى شاة قَد عرفتُ مَكَانَهَا مَمتلئةَ مَحْضا وشَحْما، فَأخْرَجْتُهَا إليهما فقالا: هذه شاَةُ الشافع، وقَد نَهانَا رسولُ اللهِ- عليه السلام- أن نأخذ شَافعا. قلت: فأيُ شيء تأخذانِ؟ قالا: عَنَاقا جَذَعَةَ أو ثَنيَّةَ. قال: فأعمدُ إلى عَناق مُعْتَاط- والمُعْتَاطُ التي لم تلدْ وَلَداَ، وقد حانَ وِلادها- فأخْرَجْتُهَا إليهما فقَالا: نَاَوِلنَاهَا، فَجَعَلاهَا مَعهما على بَعيرهما، ثم انطلقا (4) .
__________
(1) في سنن أبي داود " سعر بن ديسم".
(2) في سنن أبي داود: "نتبين ".
(3) في سنن أبي داود: " أحدثك".
(4) النسائي: كتاب الزكاة، باب: إعطاء السيد المال بغير اختيار المصدق (5/ 32) .

(6/268)


ش- عمرو بن أبي سفيان أخو حنظلة القرشي الجمحي، روى عن مسلم بن ثفنة: روى عنه الثوري، وزكرياء بن إسحاق، وابن المبارك. قال أبو حاتم: مستقيم الحديث. روى له أبو داود، والترمذي، والنسائي.
ومسلم بن ثفنة- بفتح الثاء المثلثة، وكسر الفاء، وبعدها نون وتاء تأنيث- ويقال شعبة، ويقال إنما وقع التصحيف فيه من وكيع حيث قال مسلم بن ثفنة، وإنما هو مسلم بن شعبة اليشكري، سمع شعبة الدؤلي. روى عنه عمرو بن أبي سفيان. روى له أبو داود والنسائي.
قوله: "قال الحسن" أي: الحسن بن علي الخلال شيخ الجماعة.
قوله: "روح يقول" أي: روْح بن عبادة البصري، أحد شيوخ الحسن الخلال، يقول: مسلم بن شعبة موضع ثفنة، وكذا قال أحمد بن حنبل والدارقطني: الصواب شعبة، وقال وكيع: ثفنة وأخطأ فيه.
قوله: " استعمل ابنُ علقمةَ " أي: نافع بن علقمة.
قوله: "على عِرافة قومه " العِرافة- بكسر العين- عمل العريف، والعريف هو القيم بأمور القبيلة أو الجماعة من الناس يلي أمورهم، ويتعرف الأمير منه أحوالهم، فعيل بمعنى فاعل وجمعه عرفاء.
قوله: " سعْر " بكسر السين، وسكون العين المهملتين، وآخره راء: ابن ديسم الدؤَلي، ذكر الدارقطني وغيره أن له صحبة، وقيل كان في زمان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم على ما جاء في هذا الحديث.
قوله: "ابن أخي " أي: يا ابن أخي.
قوله: " وأي نحو تأخذون" بمعنى أي مثلِ، بمعنى أي صنف.
قوله: "حتى إنا نشبر ضروع الغنم" من شبر يشبر، ويشبر من باب نصر ينصر، ومن باب ضرب يضرب، وكان القصد من هذا معرفة سمانة الغنم.

(6/269)


قوله:"كنت في شعب، الشعب- بكسر الشين المعجمة، وسكون العين- الطريق في الجبل، وجمعه شعاب.
قوله: "فأعمد إلى شاة" من عمدت إذا قصدت.
قوله: "ممتلئة" يجوز فيه الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هي ممتلئة، والنصب على أن تكون حالا من الشاة، والجر على أن تكون صفة للشاة.
قوله: "محضا" بفتح الميم، وسكون الحاء المهملة، وبالضاد المعجمة: وهو اللبن، وفي بعض النسخ "نحضا" بفتح النون موضع الميم، والنحض- بالنون والحاء المهملة الساكنة والضاد المعجمة- اللحم الكثير، وانتصابه على أنه مفعول اسم الفاعل أعني ممتلئة.
قوله: "وشحما" عطف عليه.
قوله: "هذه (1) شاة الشافع" الشافع- بالشين المعجمة- الحامل، لأن ولدها قد شفعها وشفعته فصارا زوجا وقيل: شاة شافع إذا كان في بطنها ولد يتبعها آخر، والإضافة في، قوله: "شاة الشافع " كقولهم: "صلاة الأولى"، و "مسجد الجامع "، وقد جاء في غير هذه الرواية "شاةٌ شافع" على الصفة.
قوله: " عناقا جذعة" أي: نأخذ عناقاً والعناق الأنثى من ولد المعز، والجمع أعنق وعنوق، وقوله: "جذعة" صفة للعناق، وفي "الصحاح ": الجذع قبل الثني، والجمع جُذعان وجذع، والأنثى جذعة والجمع جذعات. تقول فيه لولد الشاة في السنة الثانية، ولولد البقر والحافر في السنة الثالثة، وللإبل في السنة الخامسة أجذع.
قال الخطابي: وهذا يدل على أن غنمه كانت ماعزة، ولو كانت ضائنة لم تجزئه العناق، ولا تكون العناق إلا الأنثى من المعز. وقال مالك: الجذع يؤخذ من الماعز والضأن. وقال الشافعي: يؤخذ من الضأن ولا يؤخذ من المعز إلا الثني. وقال أبو حنيفة: لا تؤخذ الجذعة من الماعز، ولا من الضأن.
__________
(1) في الأصل: " هذا"، وما أثبتناه من الحديث.

(6/270)


قلت: مذهب أبي يوسف ومحمد أنه تؤخذ الجذع، واستدلا بهذا الحديث، ولأنه يتأدى به الأضحية فكذا الزكاة، وهو رواية عن أبي حنيفة أيضاً وفي رواية عن أبي حنيفة: لا تؤخذ الجذع ويؤخذ الثني، وقال صاحب "الهداية" و "المبسوط" و " التحفة" وقاضي خان وغيرهم: إن الثني ما تمت له سنة، والجذع ما أتَى عليه أكثرها، ولكن ذكر أهل اللغة أن الثني الذي يلقى ثنيته، ويكون ذلك في ذي ظلف وحافر في السنة الثالثة، وفي ذي خف في السنة السادسة، والجمع ثنيان وثناء، والأنثى ثنية والجمع ثنيات، وأما الجذع فقد ذكرناه.
قوله: " معتاط " بضم الميم، وسكون العين المهملة، وبعدها تاء ثالث الحروف، وبعد الألف طاء مهملة: وقد فسرها في الحديث بقوله: "التي لم تلد، وقد حان ولادها". وقال الخطابي: المعتاط من الغنم هي التي امتنعت عن الحمل لسمنها، وكثرة شحمها، يقال: اعتاطت الشاة وشاة معتاطة، ويقال: ناقة عائط ونوق عيط.
وقال أبو عبيدة: المعتاط التي ضربها الفحل فلم تحمل وهي العائط والحائل، وجمعها عوط وحول، وقيل: الاحتياط أن لا تحمل الناقة سنوات من غير عقر.
والحديث أخرجه النسائي وأحمد في "مسنده ".
ص- قال أبو داود: أبو عاصم رواه (1) عن زكرياء قال أيضاً مسلم بن شعبة كما قال روْح.
ش- أي: أبو عاصم النبيل روى الحديث عن زكرياء بن إسحاق، وقال في روايته: مسلم بن شعبة موضع ثفنة كما قال روح بن عبادة.
1701- ص- نا محمد بن يونس النسائي، نا روح، نا زكرياء بن إسحاق بإسناد (2) هذا الحديث، قال: مسلم بن شعبة. قال فيه: والشافعُ التي في بطنِها ولد (3) ، (4) .
__________
(1) في سنن أبي داود: "رواه أبو عاصم".
(2) في سنن أبي داود: "بإسناده".
(3) في سنن أبي داود: "الولد ".
(4) انظر الحديث السابق.

(6/271)


ش- أشار بهذه الرواية إلى شيئين، أحدهما: تأكيد صحة قول من قال مسلم بن شعبة، والثاني: أشار إلى تفسير الشافع.
ص- قال أبو داود: قرأت (1) في كتاب عبد الله بن سالمٍ بحمصَ عند اَلِ عمرو بن الحارث الحمصي، عن الزبيدي قَال: وأخبرني يحيى بن جابر، عن جبير بن نفير، عن عبد الله بن معاوية الغاضري من (2) حاضرة قيس قال: قال النبي- عليه السلام-: "ثَلاث مَن فَعَلَهُن فَقد طَعمَ طَعْمَ الإِيمان، مَن عَبَدَ اللهَ وحدَه، وأنه لا إله إلا اللهُ، وأعطَى/ زَكَاةَ مَالهَِ طيبةً بها نفسُه، رَافدةً عليه كل عامٍ ، ولم يُعْط الهَرِمَةَ، ولا الدرِنَةَ، ولا المرَيضَةَ، ولا الشرَطَ اللَئيمةَ، ولكن من وسَطِ أموَالِكُم، فإن اللهَ لم يسألكم خَيْرَه، ولم يأمُرْكُم بِشَرِّهِ" (3) .
ش- عبد اللّه بن سالم الأشعري اليحصبي الحمصي، وعمرو بن الحارث بن الضحوك الحمصي الزبيدي الكلامي، والزبيدي محمد بن الوليد الحمصي الزبيدي، ويحيى بن جابر الطائي أبو عمرو الحمصي، قاضي حمص. روى عن المقدام بن معدي كرب، وعوف بن مالك، وأبي ثعلبة النهدي الصحابي، وروى عن معاوية بن حكيم، وجبير بن نفير وغيرهم. روى عنه صفوان بن عمرو، والزبيدي، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر. قال أبو حاتم: كان صالح الحديث. روى له مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
وعبد الله بن معاوية الغاضري، من حاضرة قيس له صحبة، وهو معدود في أهل حمص، وقيل: إنه روى عن النبي- عليه السلام- حديثا واحدة. روى عنه جبير بن نفير الحمصي، روى له أبو داود. قوله: "من حاضرة قيس" إنما قال ذلك، لأن في أسد بن خزيمة أيضا حاضرة، وفي بني ربيعة أيضا حاضرة.
__________
(1) في سنن أبي داود: "وقرأت".
(2) في سنن أبي داود: "عن غافرة".
(3) انظر: الحديث السابق.

(6/272)


قوله: "طعم طعم الإيمان " طعم فعل معجمي بكسر العين بمعنى ذاق، ومنه قوله تعالى: (وَمَن لمْ يَطعَمْهُ فَإِنهُ مِنَي) (1) والطعم بالفتح ما يؤديه الذوق.
قوله: " من عبدَ الله وحده" أي: أُولى الخصال الثلاثة: مَن عبد اللّه وحده.
توله: " وأنه لا إله إلا الله " عطف على قوله "وحده "، فيكون في محل النصب، لأن "وحده" حال بمعنى ينفرد وحده كما قررناه مرةً. قوله: "وأعطى زكاة ماله" هي الخصلة الثانية.
قوله: "طيبة بها نفسه" أي: حال كونه طيبة بالزكاة نفسه، وإنما أتت طيبة لاستنادها إلى النفس، يُقال: طابت نفسه بالشيء، إذا سمحت به من غير كراهة ولا غضب.
قوله: "رافدة عليه" أي: معينة، وأصل الرفد الإعانة، يُقال: رفدته أرفده إذا أعنته، وانتصابها على أنها حال من "نفسه "، والضمير الذي في "عليه " يرجع إلى الإعطاء، الذي يدل عليه قوله: "وأعطى"، والمعنى معينة على إعطائها، أي: أداء الزكاة.
قوله: " ولم يعط الهرِمَة" هي الخصلة الثالثة، و "الهرمة" الكبيرة في السن.
قولي: "ولا الدرِنة " بفتح الدال المهملة، وكسر الراء، وبعدها نون مفتوحة، وتاء تأنيث: أي: ولا يعطي الدرنة، وهي الجرباء، وأصل الدرن الوسخ.
قوله: "ولا الشرَطَ" بفتح الشين المعجمة والراء، وبطاء مهملة. قال الخطابي (2) : الشرَطُ: رذالة المال، قال الشاعر: ................. وفي شَرَطِ المِعزَى لهن مهور
__________
(1) سورة البقرة: (249) .
(2) معالم السنن (2/ 31) .
18، شرح سنن أبي داوود 6

(6/273)


وقال ابن الأثير: وقيل: صغار المال وشراره.
قوله: " اللئيمة " نصب على أنها صفة "للشرط" ومعناها الدنيئة.
قوله: " من وسَط أموالكم" بفتح السين.
قوله: " لم يسألكم خيره" أي: خير ما لكم، و" لم يأمركم بشره" أي: برذالته.
والحديث أخرجه أبو داود منقطعا كما ترى، وأخرجه الطبراني والبزار وأبو القاسم البغوي في " مسند الصحابة" مسنداً.
1702- ص- نا محمد بن منصور، نا يعقوب بن إبراهيم، نا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، عن عمارة بن عمرو بن حزم، عن أبي بن كعب قال: بَعَثَني رسولُ الله- عليه السلام- مُصَدقا، فَمَرَرْتُ برجلٍ (1) ، فلما جَمَعَ لي مالَهُ لم أجِد عليه فيه إلا بنتَ (2) مخَاضٍ . فقلتُ له: أدِ بنت (2) مخاض ، فإنها صَدَقَتُكَ. فقال: ذًاكَ مَالا لَبَنَ فيه ولا ظَهْرَ، ولكن هذه فَتيَّةٌ (3) عظيمةٌ سَمينةٌ فخذها. فقلتُ له: ما أنا بآخذ ما لم أؤْمَرْ به، وهَذا رَسولُ الله مَنك قريبٌ ، فإن أحْبَبْتَ أن تَأتيَهُ فَتَعْرضًَ عليه ما عَرَضْتَ عَلَيَّ فافعلْ، فإذن قَبلَهُ منك قَبلتُه، وإن رَدَهُ عليكم رَدْدته. قال: فإني فاعل، فَخَرَج معي وخَرَجَ بَالناقة التي عَرَضَ عَلَي حتى قَدمْنَا على رسولِ الله- عليه السلام-، فقال له: يا نبَي الله أتَانِي رسولُكَ ليأخذ من (4) صدقَةَ مَالي، وايْمُ الله ما قَامَ في مَالي رسول الله، ولا رسولُهُ قط قبلَه، فجمعتُ له مَالي، فَزَعَمَ أنه ما عَلَي فيه بنتُ (2) مَخًاضٍ ، وذلك مَالا لَبَنَ فيه ولا ظَهْرَ، وقد عَرَضْتُ عليه نَاقةً فَتِيةًَ عَظيمةً لِيأخذها فأبى عَلَي، فَها هِي (5) ذه يا رسولَ اللّهِ
__________
(1) قوله: " فمررت برجل" مكررة في الأصل.
(2) في سنن أبي داود: " ابنة".
(3) في سنن أبي داود: "ناقة فتية".
(4) في سنن أبي داود: " مني صدقة".
(5) في سنن أبي داود: " وها هي ".

(6/274)


قَد جئتُك بها فخذها فقالَ له رسولُ الله- عليه السلام-: ذاكَ الذي عليكَ،
فإن تًطَوعْتَ بخيرِ آجَرَكَ اللهُ فيه وقَبِلنَاهُ منك. قال: فَهَا هِيَ ذه يا رسولَ الله،
قد جِئتُكَ بها فخذها. قال: فأمرَ رسولُ الله- عليه السلام-/ بِقَلصِهَا ودَعَى له في مَالِهِ بالبركةِ (2) .
ش- محمد بن منصور العابد الطوسي، ويعقوب بن إبراهيم الزهري،
وأبوه إبراهيم بن سعد بن إبراهيم الزهري، ومحمد بن إسحاق بن يسار،
وعبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، ويحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد، ويقال: أسعد بن زرارة التجاري الأنصاري ،
روى عن: زيد بن ثابت، وأبي هريرةَ، وأم هشام بنت حارثه بن النعمان، وعمارة بن عمرو بن حزم. روى عنه عبد الله بن أبي بكر،
ويحيى بن سعيد الأنصاري، وإبراهيم بن محمد بن سعد بن زرارة،
روى له مسلم وأبو داود.
وعمارة بن عمرو بن حزم بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عبد غنم بن
مالك بن النجار الأنصاري التجاري المدني، روى عن أبي بن كعب،
وعبد اللّه بن مالك. روى عنه يحيى بن عبد اللّه بن عبد الرحمن بن سعد
ابن زرارة، وأبو حازم الأعرج. قال أحمد بن عبد الله: مدني تابعي
ثقة. روى له أبو داود وابن ماجه.
قوله: "لم أجد عليه فيه" أي: لم أجد من الواجب عليه في ماله.
قوله: "ذاك" إشارة إلى ابنة مخاضِ باعتبار المذكور.
قوله: "ما لا لبن فيه ولا ظهر" أي: بنت مخاض لا لبن فيها يشرب،
ولا ظهر يركب، لأنها ما دخلت في السنة الثانية، ولم تستحق للركوب،
ولا لإعطاء اللبن.
قوله: "فتية" أي: شابة.
__________
(1) في سنن أبي داود: " بقبضها".
(2) تفرد به أبو داود.

(6/275)


قوله: " وايم الله" من ألفاظ القسم كقولك لعمر اللّه، وعهد اللّه، وفيها لغات كثيرة: وتفتح همزتها، وتكسر، وهمزتها همزة وصل وقد تقطع، وأهل الكوفة من النحاة يزعمون أنها جمع يمين، وغيرهم يقول هي اسم موضوع للقسم.
قوله: " فها هي ذه " كلمة " ها" للتنبيه، وهي ضمير المؤنث الغائب،
و "ذه " أصله ذي من أسماء الإشارة للمؤنث، كما أن " ذا" للمذكر، والهاء تلحقه في حالة الوقف، فيقال له.
قوله " آجرك الله " بمد الهمزة وقصرها، يقال آجره اللّه وأجره لغتان، وأنكر الأصمعي المد، يقال أجره بالقصر يأجره وتأجره، وآجره يؤجره إذا أثابه وأعطاه الأجر والجزاء.
ويستفاد من الحديث أن الواجب على المصدق أن يأخذ الوسط من أموال الزكاة، وأن رب المال إذا تبرع فوق ما عليه من الواجب يقبل منه، ويثاب عليه.
1703- ص- نا أحمد بن حنبل، نا وكيع، نا زكرياء بن إسحاق المكي، عن يحيى بن عبد الله بن صيفي، عن أبي معبد، عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسولَ الله- عليه السلام- بَعَثَ مُعاذا إلى اليمنِ فقال: "إنك تَأتِي قوما أهلَ كتاب، فادْعُهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسولُ اللهِ، فإن هم أطَاعُوكَ لذلك فأعْلمهُم أنَّ الله افترضَ عليهم خمسَ صَلَوات في كلّ يومٍ وليلة، فإنْ هم أطَاعوكَ لذلك فأعْلِمْهُم أن اللهَ افترضَ عليهم صَدقة في أموالِهِم، تُؤخذُ مِنْ أغنيائِهِمْ، وتُردُ في فقرائِهِم، فإن هم أطَاعُوا لذلكَ فإياكَ وكَرَائِمَ أموالِهِم، واتَقِ دَعوةَ المظلوم، فإنها ليس بينها وبن اللهِ حجاب" (1) .
__________
(1) البخاري: كتاب الزكاة، باب: وجوب الزكاة (1395) ، مسلم: كتاب الإيمان، باب: الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام (29/ 19) ، الترمذي: كتاب الزكاة، باب: ما جاء في كراهية أخذ خيار المال في الصدقة (325) ، النسائي: كتاب الزكاة، باب: وجوب الزكاة (5/ 30) ، ابن ماجه: كتاب الزكاة، باب: فرض الزكاة (1783) .

(6/276)


ش- يحيى بن عبد اللّه بن محمد بن صيفي، ويقال: ابن محمد بن
عبد اللّه بن صيفي القرشي المخزومي المكي، روى عن أبي سعيد مولى ابن
عباس، وأبي سلمة بن سفيان وعكرمة بن عبد الرحمن. روى عنه
إسماعيل بن أبي أمية، وابن أبي نجيح، وزكريا بن إسحاق، وابن
جريج. روى له الجماعة.
وأبو معبد اسمه نافذ- بالنون، والفاء، والذال المعجمة- وقد
ذكرناه.
قوله: " أهل كتاب" منصوب على أنه بدل من "قوما" أو بيان عنه.
قوله: " لذلك" أي: للإتيان بالشهادتين.
قوله: " وكرائم أموالهم" الكرائم جمع كريمة، وهي النفيسة من المال،
وقيل: ما يختص صاحبه لنفسه منها ويؤثره.
قال صاحب " المطالع ": هي جامعة الكمال الممكن في حقها من
غزارة اللبن، وجمال صورة، أو كثرة لحم أو صوف.
وقال الشيخ محيي الدين: وهكذا الرواية " فإياك وكرائم " بالواو في
"وكرائم ". قال ابن قتيبة: ولا يجوز إياك كرائم بحذفها.
قلت: معنى "إياك" هنا: " اتق"، وهو الذي يقال له التحذير،
وهو تنبيه المخاطب على مكروه يجب الاحتراز عنه، واصطلاحا: هو
معمول بتقدير اتق تحذيراً مما بعده، والمحذر منه إذا ولي المحذر فإن كان
اسمه صريحا يستعمل بمن، أو الواو، ولايح (1) عنهما، وإلا لا يفهم
منه أنه محذر منه وإن كان فعلاً يجب أن يكون مع " أن " ليكون في تأويل
الاسم، فيستعمل بالواو عطفا نحو/ إياك وأن تحذف، فإن تقديره: إياك والحذف، أو"بمن" نحو: إياك من أن تحذف، ولا يجوز أن يقال: إياك
الأسد بدون الواو، وقد نقل ابن مالك: إياك الأسد بحذف الواو،
ولكنه شاذ يكون من الضرورة.
__________
(1) كذا، ولعلها بمعنى "لا يخرج".

(6/277)


قوله: " فإنها" أي: فإن القصة والشأن "ليس بينها"، أي: بين دعوة المظلوم وبين الله "حجاب"، والمعنى: أنها مسموعة مستجابة لا ترد. ويستفاد من الحديث فوائد: قبول خبر الواحد ووجوب العمل به، وأن السنة أن الكفار يُدْعَوْنَ إلى التوحيد قبل القتال، وأنه لا يحكم بإسلام الكافر إلا بالنطق بالشهادتين، وهذا مذهب أهل السنة، وأن الصلوات الخمس تجب في كل يوم وليلة، وأن الظلم حرام أشد الحرمة، وأن الإمام ينبغي أن يعظ ولاته ويأمرهم بتقوى الله تعالى، ويبالغ في نهيهم عن الظلم، ويعرفهم قبح عاقبته، وأن يحرم على الساعي أخذ كرائم المال في الزكاة، وأنه يأخذ الوسط، وأنه يحرم على رب المال إخراج شر المال، وأنه لا يدفع الزكاة إلى كافر، ولا يدفع إلى غني.
وتمسك به بعض الشافعية على أن الزكاة لا يجوز نقلها عن بلد المال، لقوله- عليه السلام- "فترد في فقرائهم " قلت: هذا الاستدلال ليس بصحيح، لأن الضمير في "فقرائهم " يرجع إلى فقراء المسلمين، وهو أعم من أن يكون في فقراء أهل تلك البلدة أو غيرهم.
وقال الخطابي: فيه مستدل لمن يذهب إلى أن الكفار غير مخاطبين بشريعة الدين، وإنما خوطبوا بالشهادة، فإذا أقاموها توجهت عليهم بعد ذلك الشرائع والعبادات، لأنه- عليه السلام- قد أوجبها مرتبة، وقدم فيها الشهادتين، ثم تلاها بالصلاة والزكاة.
وقال الشيخ محيي الدين: وهذا الاستدلال ضعيف، فإن المراد أعلمهم أنهم مطالبون بالصلوات وغيرها في الدنيا، والمطالبة في الدنيا لا تكون إلا بعد الإسلام، وليس يلزم من ذلك أن لا يكونوا مخاطبين بها، يزاد في عذابهم بسببها في الآخرة.
ثم قال: ثم اعلم أن المختار أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة المأمور والمنهي عنه، هذا قول المحققة والأكثرين، وقيل: ليسوا مخاطبين. وقيل: يخاطبون بالمنهي دون المأمور.

(6/278)


قلت: قال شمس الأئمة في " كتابه " في "فصل بيان موجب الأمر في حق الكفار" : لا خلاف أنهم مخاطبون بالإيمان، لأن النبي- عليه السلام- بُعثَ علىِ الناس كافة ليدعوهم إلى الإيمان، قال تعالى: { قُل نا أيُّها النَّاسُ إِنِّي رسُولُ الله إليكُمْ جَميعا } (1) ولا خلاف أنهم يخاطبون بالمشروع من العقوبات، فَلاَ خلاف أن الخطاب بالمعاملات يتناولهم أيضاً ولا خلاف أن الخطاب بالشرائع يتناولهم في حكم المؤاخذة في الآخرة، فأما في وجوب الأداء في أحكام الدنيا، مذهب العراقين من أصحابنا أن الخطاب متناول لهم أيضاً والأداء واجب عليهم، فإنهم لا يعاقبون على ترك الأداء إذا لم يكن الأداء واجبا عليهم، ومشايخ ديارنا يقولون: إنهم لا يخاطبون بأداء ما يحتمل السقوط من العبادات.
وقال الشيخ محيي الدين: وفيه- أي في الحديث- أن الوتر ليس بواجب، لأن بعْثْ معاذ إلى اليمن قبل وفاة النبي- عليه السلام- بقليل بعد الأمر بالوتر، والعمَل به.
قلت: لا نسلم أن فيه دليلان على عدم وجوب الوتر، لأن الحديث ما أحاط جميع الواجبات والفرائض، ألا ترى أنه لم يذكر فيه الصوم وغيره من الفرائض؟ ولهذا قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: هذا الذي وقع في حديث معاذ من ذِكْرِ بعضِ دعائم الإسلام دون بعض، هو من تقصير الراوي، في (2) يجوز أن يكون الوتر مذكورا فيه، وتَركَ الراوي ذكره اقتصاراَ كما ترك غيره. والحديث أخرجه الجماعة.
1704- ص نا عتيبة بن سعيد، نا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سعد بن سنان، عن أنس بن مالك، أن رسولَ الله- عليه السلام- قال: "المعْتَدِي (3) في الصدقةِ كَمَانِعِهَا" (4) .
__________
(1) سورة الأعراف: (158) .
(2) يعني: "فحينئذ".
(3) في سنن أبي داود: "المعتدي المتعدي ".
(4) الترمذي: كتاب الزكاة، باب: ما جاء في المتعدي في الصدقة (646) ، ابن ماجه: كتاب الزكاة، باب: ما جاء في عمال الصدقة (1808) .

(6/279)


ش- الليث بن سعد، ويزيد بن أبي حبيب: سويد المصري.
وسعد بن سنان، ويقال سنان بن سعد الكندي المصري. قال ابن عدي: الليث يروي عن يزيد بن أبي حبيب، فيقول: سعد بن سنان. وعمرو بن الحارث وابن لهيعة يرويان عن ابن أبي حبيب فيقولان: عن سنان بن سعد، روى عن أنس بن مالك، روى/ عنه يزيد بن أبي حبيب، ولم يرو عنه غيره. وقال أحمد بن حنبل: لم أكتب أحاديث سعد بن سنان، لأنهم اضطربوا فيها. وقال النسائي: سعد بن سنان منكر الحديث. وقال ابن عدي: سمعت ابن حماد يقول: قال السعدي: أحاديث سعد بن سنان واهية، لا تشبه أحاديث الناس عن أنس. روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه (1) .
قوله: " المعتدي في الصدقة " وفي رواية "المتعدي"، وهو أن يعطيها غير مستحقها. وقيل: أراد أن الساعي إذا اتخذ خيار المال، وربما منعه في السنة الأخرى، فيكون الساعي سبب ذلك، فهما في الإثم سواء. والحديث أخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث أنس حديث غريب من هذا الوجه، وقد تكلم أحمد بن حنبل في سعد بن سنان.
1705- ص- (2) نا مهدي بن حفص ومحمد بن عبيد- المعنى- قالا:
نا حماد، عن أيوب، عن رجلٍ يقال له دَيْسَمُ، وقال ابن عبيد: من بني سدوس، عن بشير ابن الخصاصية قال ابن عبيد في حديثه: وما كان اسمه بشيرا، ولكن سماه رسول الله بشيراً (3) قال: قلنا: إن أهلَ الصدقة يعتدون علينا أفنكتُمُ من أَموالِناَ بقدرِ ما يَعْتَدُونَ علينا؟ فقال: لا (4) .
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (10/ 2209) .
(2) في سنن أبي داود قبل هذا الحديث "باب رضا المصدق" وسيذكر المصنف أنها نسخة.
(3) في سنن أبي داود: "ولكن رسول الله سماه بشيرا ".
(4) تفرد به أبو داود.

(6/280)


ش- في بعض النسخ على أول هذا الحديث " باب رضا المُصدَق " . وحماد بن سلمة، وأيوب السختياني، وديسم- بفتح الدال المهملة، وسكون الياء آخر الحروف، وفتح السين المهملة، وفي آخره ميم- روى عن بشير، روى عنه السختياني. روى له أبو داود.
وبشير- بفتح الباء الموحدة، وكسر الشين المعجمة، وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره راء- ابن الخصاصية- بفتح الخاء المعجمة، وبعدها صاد مهملة مفتوحة، وبعد الألف صاد مهملة مكسورة، وياء آخر الحروف مفتوحة مخففة، وتاء تأنيث- وهو اسم أمه، وأبوه معبد بن شراحيل بن سبع بن ضبارى بن سدوس السنوسي. وقال في " الكمال " وهو ابن الخصاصية، وهي أم ضبارى، واسمها كبشة، ويقال مارية بنت عمرو بن الحارث بن الغطاريف (1) .
قوله: " قال ابن عبيد " أي: محمد بن عبيد في حديثه " و ما كان اسمه بشيرا" كان اسمه زحمة- بفتح الزاي، وسكون الحاء المهملة، وبعدها ميم- " فسماه رسول الله بشيراً " روى عنه جُرَي بن كليب، وبشير بن نهيك، وديسم السنوسي وغيرهم. روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه.
قوله: " يعتدون علينا " أي: يظلموننا، والألف في "أفنكتم " للاستفهام، وإنما نهاهم- عليه السلام- عن ذلك من أْجل أن للمصدق أن يستحلف رب المال إذا اتهمه، فلو كتموه شيئا منها واتهمه المصدق لم يجز لهم ابن يحلفوا على ذلك، فقيل لهم احتملوا الضيم ولا تكذبوهم، ولا تكتموهم، وفيه التحريض على طاعة السلطان وإن ظلمهم.
1706- ص- نا الحسن بن علي، ويحيى بن موسى، قالا: نا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب بإسناده وبمعناه، إلا أنه قال (2) : يا رسول اللهم إِن أصحاب الصدقةِ (3) (4) .
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (4/ 726) .
(2) في سنن أبي داود: "قال: قلنا ".
(3) في سنن أبي داود زيادة:"يعتدون ".
(4) انظر: التخريج المتقدم.

(6/281)


ش- يحيى بن موسى بن عبد ربه السختياني البلخي، وعبد الرزاق بن همام، وأيوب السختياني.
ص- قال أبو داودَ: رفعَهُ عبدُ الرزاق، عن معمر.
ش- أي: يرفع الحديث عبد الرزاق، عن معمر بن راشد.
1707- ص- نا عباس بن عبد العظيم ومحمد بن المثنى قالا: نا بشر بن عمر، عن أبي الغُصْن، عن صخر بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن جابر ابن عتيق، عن أبيه، أن رسولَ الله- عليه السلام- قالَ: " سَيأتِيكُم رُكَيبٌ مُبَغضُونَ، فإذا (1) جاءوكُم فَرَحبوَا بهم، وخَلوا بينهم وبن ما يَبْتَغُونَ، فإن عَدلوا فلأنفُسهم، وإن ظَلَمُوا فعليها، فَأرْضُوهم (2) ، فإن تمامَ زكاتكم رِضَاهُم، وليَدعوا لكُم" (3) .
ش- صخر بن إسحاق، روى عن عبد الرحمن بن جابر بن عتيق. روى عنه أبو الغصن. روى له أبو داود.
وجابر بن عتيق بن قيس بن الأسود بن مري بن كعب بن غنم بن سلمة، روى عن النبي- عليه السلام-. روى عنه ابنه عبد الرحمن، وعتيق بن الحارث. قيل: إنه شهد بدرا ولم يثبت، وشهد ما بعدها. روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه.
قوله: " رُكيب" تصغير ركب، والركب جمع راكب. كصاحب وصحب، والركب الصحاب الإبل في السفر دون الدواب، وهم العشرة فما فوقها، ثم اتسع فأطلق على كل من ركب دابة، وفي رواية جاء مكبراً، وإنما وصفهم بقوله/ "مبغضون " لما في نفوس أرباب الأموال من حبها، وكراهة فراقها، إلا من عصمه الله تعالى ممن أخلص النية، فاحتسب منه الأجر والمثوبة.
__________
(1) في سنن أبي داود: " فإن ".
(2) في سنن أبي داود:" وأرضوهم ".
(3) تفرد به أبو داود.

(6/282)


قال الخطابي: وفيه من العلم أن السلطان الظالم لا يُغالَب بأيد، ولا ينازعَ بالسلام.
قوله: " فرحبوا بهم" أي: قولوا له: مرحباً ومعناه أتيت سعةً ورحباً فاستأنِس ولا تستوحش.
قوله: "وبين ما يبتغون " أي: يطلبون.
ص- قال أبو داودَ: أبو الغصن هو ثابت بن قيس بن غصن.
ش- ثابت بن قيس الغفاري مولاهم أبو الغصن المدني، راعى أبا سعيد الخدري، وروى عن أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، وأبي سعيد المقبري، وابنه سعيد، ونافع بن جبير بن مطعم، وعمر بن عبد العزيز وغيرهم. روى عنه: عبد الرحمن بن مهدي، وإسماعيل بن أنيس، وصخر بن إسحاق مولى بني عمار، وأبو عامر العقدي وجماعة آخرون. قال ابن معين: ليست به بأس، وفي رواية: ليس حديثه بذاك، وهو صالِح. وقال أحمد: ثقة. وقال ابن حبان: كان قليل الحديث، كثير الوَهم فيما يرويه لا يحتج بخبره إذا لم يتابعه عليه غيره. مات سنة ثمان وستين ومائة، وهو ابن مائة سنة، روى له أبو داود والنسائي.
1708- ص- نا أبو كامل، نا عبد الواحد بن زياد ح ونا عثمان بن أبي شيبة، نا عبد الرحيم بن سليمان- وهذا حديث أبي كامل-، عن محمد بن أبي إسماعيل قالا (1) : نا عبد الرحمن بن هلال العبسي، عن جرير بن عبد الله قال: جاء ناس- يعني: من الأعراب- إلى رسول الله - عليه السلام- فقالوا: إن نَاسا من المُصدقينَ يأتُونَا فَيظلموَنا؟ قال: فقاَل : أرضُوا مصدَقيكُم قالوا: يا رسولَ الله وإنْ ظَلَمُونَا؟ قال: أرْضُوا مُصَدَقيكُم زادَ عثمانُ: و أن ظُلمتُم. وقَال (2) أبو كامل في حديثه: قال جرير. ما صَدرَ عني مُصدق بعد ما سمعتُ هذا من رسولِ الله- عليه السلام- إلا وهو عَني راضٍ (3) .
__________
(1) هذه اللفظة غير موجودة في سنن أبي داود. (2) في سنن أبي داود: "قال". (3) مسلم: كتاب الزكاة، باب: إرضاء السعاة (989) ، النسائي: كتاب الزكاة، باب: إذا جاوز في الصدقة (5/ 32) .

(6/283)


ش- أبو كامل فضيل بن حسين الجحدري، وعبد الرحيم بن سليمان أبو علي الأشل الكناني الرازي، ومحمد بن أبي إسماعيل السلمي، واسم أبي إسماعيل راشد الكوفي، وعبد الرحمن بن هلال العبسي الكوفي، روى عن جريج بن عبد اللّه البجلي، روى عنه تميم بن سلمة، ومحمد بن أبي إسماعيل، وأبو الضحى مسلم بن صُبْيح وغيرهم. روى له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه. وجرير بن عبد الله البجلي. قوله: " يأتونا فيظلمونا" أصله يأتوننا ويظلموننا، وحذف النون منهما بلا ناصب ولا جازم، وهي لغة قوم، أو يقدر فيهما " أن" ويكون التقدير: أن يأتونا فيظلمونا.
قوله: " أرضوا" بفتح الهمزة لأنه أمر من أرضى يرضى إرضاء، وقيل معناه ببذل الواجب وملاطفتهم، وترك مشاقتهم، وهذا محمول على ظلم لا يفسق به الساعي، إذ لو فسق لا نعزل، ولم يجب الدفع إليه، بل لا يجزئ. والظلم قد يكون بغير معصية، فإنه مجاوزة الحد، ويدخل في ذلك المكروهات ؛ كذا قاله الشيخ محيي الدين.
قلت: نفس الظلم معصية، فكيف يكون الظلم بلا معصية، فيكون المعنى: تكون المعصية بلا معصية، والأولى أن يقال: هذا حض على الطاعة، وترك المخالفة، وحض على الألفة، وأمر بجمع الكلمة التي جعلها الله تعالى أصلا لإصلاح الكافة، وعمارة هذه الدار، ونظام أمر الدنيا والآخرة. والحديث أخرجه مسلم والنسائي.
6- باب: دُعاء المصدق لأهل الصدقة
أي: هذا باب في بيان دعاء المصدق- أي: الساعي- لأهل الصدقة.
1709- ص- نا حفص بن عمر النمري وأبو الوليد الطيالسي- المعنى- قالا: نا شعبة، عن عمرو بن مُرّة، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان أبي من أصحاب الشجرة، وكان النبي- عليه السلام- إذا أَتَاهُ قَوم بصدقَتِهم

(6/284)


قال: اللهم صل على آل فُلان. قال: فأتاه أبي بصدقَته فقال: اللهم صَل
على آلِ أبي أوفى " (1)
ش- أبو الوليد هشام بن عبد الملك، وعبد اللّه بن [ أبي ] أوفى له
صحبة ولأبيه صحبة، واسم أبي أوفى علقمة، وكنية عبد اللّه أبو محمد،
ويقال: أبو إبراهيم، ويقال: أبو معاوية، وهو آخر من مات من
أصحاب رسول اللّه بالكوفة، وأخوه زيد بن أبي أوفى له صحبه أيضاً
وقد ذكرناه مرةً.
قوله: " من أصحاب الشجرة " وهم الذين بايعوا رسول اللّه/ بالحديبية تحت شجرة، وكانت ثمرة، وذلك سنة ست من الهجرة.
قوله: " اللهم صل على آل أبي أوفى " قيل المراد به أبو أوفى، والآل
تقع على ذات الشيء، ومنه قوله- عليه السلام-: " مِن مزامير اَل
داود". قيل: أراد به داود. وقيل في آل محمد: إنهم أمته، وقيل
نفسه، وهو مذهب الحسن البصري، فإنه كان يقول في صلاته على النبي
- عليه السلام-: "اللهم اجعل صلواتك وبركاتك على آل أحمد " يريد
نفسه. وقيل: اَل محمد أتباعه. وقيل: الأتباع والرهط والعشيرة.
وقيل: اَل الرجل ولده. وقيل: قومه. وقيل: أهله الذين حرمت
عليهم الصدقة. وقيل: كل تقي إلى يوم القيامة، فهو آله- عليه السلام-.
وقد احتج بالحديث من جوز الصلاة على غير الأنبياء بالاستقلال، وقد
مر الكلام فيه في "كتاب الصلاة" مستوفى.
ثم مذهب الجمهور: أن الدعاء لدافع الزكاة سنة مستحبة وليس بواجب
__________
(1) البخاري: كتاب الزكاة، باب: صلاة الإمام ودعائه لصاحب الصدقة (497) ، مسلم: كتاب الزكاة، باب: الدعاء لمن أتى بصدقته (1078) ، النسائي: كتاب الزكاة، باب: صلاة الإمام على صاحب الصدقة (5/ 30) ، ابن ماجه: كتاب الزكاة، باب: ما يقال عند إخراج الزكاة (1796) .

(6/285)


خلافا لأهل الظاهر وبعض الشافعية، وعن الشافعي يقول: آجرك اللّه فيما أعطيت، وجعله لك طهوراً وبارك لك فيما أبقيت، وأما قول الساعي: اللهم صل على آل فلان فكرهه جمهور العلماء، وهو مذهب ابن عباس، وابن عيينة، وجماعة من السلف. وقالت طائفة: يجوز ذلك بلا كراهة لهذا الحديث، وقد مر الجواب للجمهور في آخر كتاب الصلاة والحديث أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.
7- باب: تفسير أسنان الإبل
أي: هذا باب في بيان تفسير أسنان الإبل، والأسنان جمع سن بمعنى العُمر.
ص- قال أبو داودَ: سمعت (1) من الرِّياشِي وأبي حاتم وغيرهما ومن كتاب النضرِ بن جميل، ومن كتاب أبي عبيد، وربما ذكر أحدهم الكلمةَ قالوا: يسمى الحُوارُ ثم الفصيل إذا فصل، ثم تكون بنت مخاض لسنة إلى تمام سنتين، فإذا دخلت في الثالثة فهي بنت (2) لَبُون، فإذا تمت له ثلاث سنين فهو حق، وحقة إلى تمام أربع سنين، لأنها اسًتحقت أن تركبَ، ويحمل عليها الفحل، وهي التي تلقح (3) ولا يلقح الذكر حتى يثني، ويقال للحقَّة طَروقةُ الفحلِ، لأن الفحل يَطرُقُها إلى تمام أربع سنينَ، فإذا طعنت فيه الخَامسةِ فهي جَذعَة، حتى يتم لها خمسُ سنين، فإذا دخلت في السادسة وألقى ثنيته، فهو حينئذ ثني حتى يستكمل ست سنين (4) ، فإذا طعن في السابعة سُمي الذكر رباعا (5) والأنثى رباعية إلى تمام السابعة، فإذا دخل في الثامنة ألقى السن السديس الذي بعد الرباعية، فهو سَدِيس"
__________
(1) في سنن أبي داود: " سمعته".
(2) في سنن أبي داود: " ابنة".
(3) في سنن أبي داود: " وهي تلقح".
(4) في سنن أبي داود: " ستا " بدون سنين.
(5) في سنن أبي داود: " رباعيا".

(6/286)


وسُدُس إلى تمام الثامنة، فإذا دخل في التسع طلع نابُه فهو بَازِل أي: بَزلَ
نابُهُ- يعني: طلع- حتى يدخلَ في العاشرة، فهو حينئذ مُخْلف، ثم ليس
له اسم ولكن يقال بَازِلُ عامِ، وبازل عامين، وَمُخلف عام، ومُخَلفُ عامين،
ومُخلفُ ثلاثةِ أعوامِ إلى خمسِ سنينَ، والخَلَفَةُ الحامِل. قال أبو حاتم: والجَذوعَةُ وقعت من الزمن ليس بسن، وفُصول الأسنانِ عند طُلوع سهيلِ.
قال أبو داودَ: أنشدنا الرياشي:
إذا سهيل آخر الليل طَلَعْ
فابنُ اللبونِ الحق والحق جاع
لم يبق من أسنانها غَيرُ الهُبَعْ
والهُبَعُ: الذي يولد في غير حينه، الذي يولد في غير وَقتهِ (1) .
ش- الرياشي هو أبو الفضل العباس بن الفرجَ النحوي اللغوي
البصري، كان عالما راوية ثقة، عارفا بأيام العرب، كثير الاطلاع، روى
عن الأصمعي، وأبي عبيدة معمر بن المثنى وغيرهما. وروى عنه إبراهيم الحربي، وابن أبي الدنيا وغيرهما، قتل بالبصرة أيام العلوي البصري
صاحب الزنج في شوال سنة سبع وخمسين ومائتين.
والرِّياشي- بكسر الراء، وفتح الياء المثناة من تحتها، وبعد الألف شيء
معجمة- هذه النسبة إلى رياش، وهو اسم لجد رجل من جذام كان والد
المنسوب إليه عبدا له، فنسب إليه وبقي عليه.
وأبو حاتم هو سهل بن محمد بن عثمان بن يزيد الخشبي السِّجستاني
النحوي اللغوي المقرئ، نزيل البصرة وعالمها، كان إماما في علوم الآداب، وعنه أخذ علماء عصره/ كأبي بكر محمد بن دريد، والمبرد وغيرهما. وقال المبرد: سمعته يقول: قرأت كتاب سيبويه على الأخفش
مرتين، وكان كثير الرواية عن أبي زيد الأنصاري، وأبي عبيدة، والأصمعي، وكان عالما باللغة والشعر، حسن العلم بالعروض وإخراج
المُعَفَى وله شعر جيد، ولم يكن حاذقا في النحو، وكان إذا اجتمع مع
__________
(1) قوله: " الذي يولد في غير وقته " غير موجودة في سنن أبي داود.

(6/287)


أبي عثمان المازني في دار عيسى بن جعفر الهاشمي تشاغل أو بادر بالخروج خوفا من أن يسأله عن مسألة في النحو، وكان صالحاً عفيفاً يتصدق كل يوم بدينار، ويختم القرآن في كل أسبوع، وكانت وفاته في المحرم، وقيل في رجب سنة ثمان وأربعين ومائتين. وقيل: سنة خمسين، وقيل: أربع وخمسين، وقيل: خمس وخمسين ومائتين بالبصرة، وصلى عليه سليمان ابن جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي، وكان والي البصرة يومئذ، ودفن يُسْرة المصلى.
والنضر بن شميل بن خرشة بن يزيد بن كلثوم بن عبدة (1) بن زهير السكب الشاعر ابن عروة بن حليمة بن حجر بن خزاعة بن مازن بن مالك ابن عمرو بن تميم، التميمي المازني، النحوي البصري، كان عالما بفنون من العلم، صدوقا ثقة، صاحب غريب وفقه وشعر، ومعرفة بأيام العرب، وراوية للحديث، وهو من أصحاب الخليل بن أحمد، وسمع من هشام بن عروة، وإسماعيل بن أبي خالد، وحميد الطويل، وعبد الله ابن عون، وهشام بن حسان، وغيرهم من التابعين. وروى عنه يحيى ابن معين، وعلى بن المديني، وكل من أدركه من أئمة عصره، وله تصانيف كثيرة، وتوفي في سلخ ذي الحجة سنة أربع ومائتين، وقيل: في أولها، وقيل: سنة ثلاث ومائتين بمدينة مرو من بلاد خراسان، وبها وُلد، ونشأ بالبصرة، فلذلك نسب أيها.
والنضر: بفتح النون، وسكون الضاد المعجمة، وبعدها راء.
وشميل: بضم الشين المعجمة، وفتح الميم، وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره لام.
وخَرَشة: بفتح الخاء المعجمة والراء والشين المعجمة.
وكلثوم: بضم الكاف والثاء المثلثة، وبينهما لام ساكنة.
وعبدة: بفتح العين والدال المهملة، وبينهما باء موحدة ساكنة.
__________
(1) في تهذيب الكمال (29/ 380) : " عنزة " و " عنترة ".

(6/288)


والسكب: بفتح السين المهملة، وسكون الكاف، وبعدها باء موحدة، وإنما قيل له سكب لقوله:
برق يضيء خلال البيت أسكُوبُ
وحليمة بفتح الحاء المهملة، وكسر اللام، وسكون الياء آخر الحروف وأبو عبيد القاسم بن سلام الإمام المشهور، وقد ذكرناه مرة.
قوله: " قالوا: يسمى الحُوار" اعلم أن الناقة إذا وضعت فمشى ولدها، فهو حوار إلى سنة وهو بضم الحاء المهملة، وتخفيف الواو، وبعد الألف راء.
وقال الجوهري: الحوار ولدُ الناقة، ولا يزال حواراً حتى يُفصل، فإذا فصل عن أمه فهو فصيل، وثلاثة أحورة، والكثيرة حيران، وحُوران بضم الحاء.
قوله: " ثم الفصيل " أي: ثم يسمى الفصيل إذا فصل عن أمه، والجمع فصلان وفصال.
قوله: " ثم تكون بنت مخاض لسنة" يعني: إلى تمام سنة، والذكر يسمى ابن مخاض من مخضت الناقة بالكسر، تمخض مخاضاً مثل سمع سماعاً وكل حاملَ ضربها الطلق فهي ماخض، والجمع مُخض بضم الميم، وتشديد الخاء، والمخاض أيضا الحوامل من النوق واحدتها خَلِفَة، ولا واحد لها من لفظها.
قال الجوهري: ومنه قيل للفصيل إذا استكمل الحول، ودخل في الثانية: ابن مخاض، لأنه فُصلَ عن أمه، وألحقت أمه بالمخاض سوأ لقحت أم لم تلقح، وابن مخاض نكرة، فإذا أردت تعريفه أدخلت عليه الألف واللام، إلا أنه تعريف جنس، قال الشاعر: .................... كفضل ابنِ المخاضِ على الفصيلِ ولا يقال في الجمع إلا بنات مخاض، وبنات لبون، وبنات آوى.
قوله: " فإذا دخلت في الثالثة " أي: إذا دخلت بنت مخاض في السنة
19 ثلث شرح سنن أبي داوود 6

(6/289)


الثالثة فهي تسمى بنت لبون، وقال الجوهري: وابن اللبون ولد الناقة إذا استكمل السنة الثانية، ودخل في الثالثة، والأنثى ابنة لبون، لأن أمه وضعت غيره، فصار لها لبن، وهو نكرة ويعرف بالألف واللام.
قوله: " فإذا تمت له ثلاث سنين " أي: إذا تمت لابن لبون ثلاث سنين فسمي حقا، وسمي بنت لبون حقة.
وقال الجوهري: والحق بالكسر- ما كان من الإبل ابن ثلاث سنين وقد دخل في الرابعة، والأَنثى حِقَةٌ وحق أيضاً سمي بذلك لاستحقاقه أن يحمل عليه، وأن ينتفع به، والجمع حقاق وحقق.
قوله: " وهي التي تَلقَح " قال الجوهري: بفتح التاء والقاف بينهما لام ساكنة، أي: تحمل الولد ولا تلقح. وبفتح التاء وكسر القاف، يقال: ألقح الفحل الناقة إلقاحاً ولقاحاً، كما يقال: أعطى إعطاء وعطاء، إذا أولدها، ولقِحت الناقة بالكسر لقحت ولقَاحاً بالفتح إذا حملت.
قوله:"ولا يُلقح الذكر حتى يثنى" أي: ولا يولد الذكر الناقة حتى يثنى، أي حتى صار ثنيا،. والثني الذي يلقي ثنيته، ويكون ذلك في الظلف والحافر في السنة الثالثة، وفي الخف في السنة السادسة، والجمع ثنيان وثناء، والأنثى ثنية والجمع ثنيات، ويجوز أن يقرأ " حتى تثنى" بالتأنيث، والمعنى حتى تثنى الناقة، أي: حتى صارت ثنية.
قوله:" طروقةُ الفحلِ " أي: زوجة الفحل، يقال طرق الفحل الناقة يطرق، من باب نصر ينصر، طروقا بالضم أي: قعد عليها، وطروقة الفحل أنثاه، يقال: ناقة طروقة الفحل للتي بلغت أن يضربها الفحل، والطَرْق- بفتح الطاء وسكون الراء- ماء الفحل.
قوله: "فهي جذعة"- بفتح الجيم والذال والعين- والجمع جذعات،
و الذكر جذع، وجمعه جذعان وجذاع، وقال الجوهري: الجذع قبل الثني، تقول منه لولد الشاة في السنة الثانية ولولد البقر والحافر في السنة الثالثة وللإبل في السنة الخامسة: أجذع، والجذع اسم له في زمن،

(6/290)


وليس بسن تنبت، ولا تسقط، وقد قيل في ولد النعجة: إنه يجمع في ستة أشهر، أو تسعة أشهر.
قوله: "فهو ثني" على وزن فعيل، وقد ذكرناه، وأما الثني بكسر الياء، وسكون النون من النوق التي وضعت بَطْنَينَ وثنيها ولدها، وكذلك المرأة، ولا يقال ثِلْث ولا رِبعُ، ولا فوق ذلك.
قوله: "رَبَاعا" بفتح الراء وتخفيف الباء الموحدة، يقال للذي يلقي رباعيته: رَباع مثل ثمان، والجمع رُبُع بضمتين، مثل قَذَال وقُذُل، ورِبْعان مثل غزال وغِزلان، تقول منه للغنم في السنة الرابعة، وللبقر في السنة الخامسة، وللخف في السنة السابعة: أربع يُرْبع إِرباعاً، فهو فرس رباع، وهي فرس رباعية، وكذلك جمل رباع وناقة رباعية.
قوله: "ألقى السن السديس" يقال: أسدس البعير إذا ألقى السن بعد الرباعية، وذلك في السنة الثامنة، وشاة سَديس، أي: أتت عليها السنة السادسة، والسدَسُ بالتحريك السن مثل البازل يستوي فيه المذكر والمؤنث، لأن الإناث في الأسنان كلها بالهاء إلا السدس والسديس والبازل، وجمع الَسدِيسُ سُدُس، مثل رَغيف ورُغُف وجمع الَسِدس سُدُس مثل أسَد وأسُد.
قوله: "فهو باطل " يقال: بزل البعير يبزل بزولا، فطر نابه، أي: انشق، فهو باطل ذكرا كان أو أنثى، وذلك في السنة التاسعة، وربما عزل في السنة الثامنة، والجمع بُزْل بضم الباء وسكون الزاي، وبُزل بضم الباء وتشديد الزاي (1) مع فتحها، وبوازل والبازل أيضا اسم للسن التي طلعت.
قوله: "مخلف " والمخلف من الإبل الذي جاز البازل، الذكر والأنثى
فيه سواء، يقال: مخلف عام، ومخلف عامين، وكان أبو زيد يقول: الناقة لا تكون بازلا، ولكن إذا أتى عليها حول بعد البزول فهي بزول إلى أن
__________
(1) في الأصل : " الباء ".

(6/291)


تنيب، فيدعى عند ذلك نابا، والمخلفة من النوق هي الراجع التي ظهر
لهم أنها لقحت، ثم لم تكن كذلك، والخلفة واحدة الخلف- بفتح
الخاء، وكسر اللام- قال الجوهري: الخلف المخاض، وهي الحوامل من
النوق.
قوله: " والجذوعة" بضم الجيم وضم الذال وقت من الزمن [ ...... ] (1) .
قوله: " عند طلوع سهيل" السهيل نجم [ ....... ] (2) .
قوله: " إذا سهيل " إلى آخره، من البحر الرجز [...... ] (3) .
8- باب: أين تصدق الأموال؟
أي هذا باب في بيان مكان أخذ صدقة الأموال.
1710- ص- نا قتيبة بن سعيد، نا ابن أبي عدي، عن ابن إسحاق، عن
عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي- عليه السلام- قال: "لا جَلَبَ، ولا جَنَب، ولا تُؤخذُ صَدَقَاتُهُمْ إِلا في دورِهِمْ " (4) .
ش- محمد بن أبي عدي، ومحمد بن إسحاق.
قوله: "لا جلَب" الجلبة تكون في شيئين، اْحدهما: تكون في
الزكاة، وهو أن يقدم المصدق على أهل الزكاة فينزل موضعا، ثم يُرسل
إليه/ الأموال في أماكنها ليأخذ صدقتها، فنهى عن ذلك، وأمر أن يصدق
كل قوم بموضعهم على مياههم.
والثاني يكون في السباق، وهو أن يركب الرجل فرسه لغيره، ويكون
هو خلف فرسه يجلب عليه، ويصيح حَثا له على الجري، فنهى عن
ذلك، لأنه خديعة.
__________
(1) بياض في الأصل قدر نصف سطرا
(2) بياض في الأصل قدر ثلثي سطر.
(3) بياض في الأصل قدر سطرين ونصف.
(4) تفرد به أبو داود.

(6/292)


قوله: " ولا جنب " بالنون وهو يكون في السباق، وهو أن يجنب فرسا إلى فرسه الذي سابق عليه، فإذا فتر المركوب تحوَّل إلى المجنوب، فإذا قارب الغاية ركبه وهو حامٍ فيسبق صاحبه.
والحديث أخرجه أبو داود في الجهاد من حديث الحسن البصري، عن عمران بن الحصين، وليس فيه " ولا تؤخذ صدقاتهم إلا في دورهم" وأخرجه أيضا من هذا الوجه الترمذي، والنسائي، وقال الترمذي: حسن صحيح. وقد ذكر علي بن المديني، وأبو حاتم الرازي، وغيرهما من الأئمة أن الحسن لم يسمع من عمران بن الحصين.
1711- ص- نا الحسن بن علي، نا يعقوب بن إبراهيم قال: سمعت أبي يقول: عن محمد بن إسحاق في قوله: " لا جَلَبَ، ولا جَنَب " قال: أن تصدق الماشية في مواضعها، ولا تجلب إلى المصدق، والجَنَبُ عن هذه الطريقة (1) أيضا لا يتجنب أصحابها، يقول: ولا يكون الرجلُ بأقْصَى مواضع أصحابِ الصدقةِ فيجَنبُ إليه، ولكن تؤخذُ في مَوضعِهِ (2) .
ش- إبراهيم والد يعقوب بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي.
قوله: " والجنب عن هذه الطريقة" أي: الطريقة المذكورة في الجلب.
9- باب: الرجل يبتاع صدقته
أي: هذا باب في بيان أن الرجل يشتري صدقته.
1712- ص- نا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله ابن عمر، أن عمر بن الخطاب حَمَل على فرسِ في سبيلِ اللهِ فَوَجَدهُ يباعُ،
__________
(1) في سنن أبي داود:"والجنب عن غيره هذه الفريضة".
(2) انظر: التخريج المتقدم.

(6/293)


فأرادَ أن يَبْتَاعَهُ فَسَألَ رسولَ الله عن ذلك، فقال: " لا تَبْتَعْهُ، ولا تَعُدْ في صَدَقَتكَ" (1) .
ش- معنى " حمل على فرس" : تصدق به ووهبه لمن يقاتل عليه في سبيل الله.
قوله: "فأراد أن يبتاعه" أي: يشتريه.
قوله: "لا تبتعه" أي: لا تشتره، هذا نهي تنزيه لا تحريم، فيكره لمن تصدق بشيء أو أخرجه في زكاة أو كفارة أو نذر ونحو ذلك من القربات أن يشتريه ممن دفعه هو إليه، أو يستوعبه، أو يتملكه باختياره منه، فأما إذا ورثه منه فلا كفارة فيه، وكذا لو انتقل إلى ثالث ثم اشتراه منه المتصدق فلا كراهة، هذا مذهب الجمهور.
وقال جماعة من العلماء: النهي عن شراء صدقته للتحريم. والحديث أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي.
10- باب: صدقة الرقيق
أي: هذا باب في بيان صدقة الرقيق.
1713- ص- نا محمد بن المثنى، ومحمد بن يحيى بن فياض، قالا:
نا عبد الوهاب، لا عبيد الله، عن رجل، عن مكحول، عن عراك بن مالك، عن أبي هريرة، عن النبي- عليه السلام- قال: " ليس في الخَيلِ والرقيقِ زَكاة إلا زكاة الفِطرِ في الرقيقِ " (2) .
__________
(1) البخاري: كتاب الهبة، باب: لا يحل لأحد أن يرجع في هبته أو صدقته (2623) ، مسلم: كتاب الهبات،
(0 62 1) ، النسائي: كتاب الزكاة، باب: شراء الصدقة (109/5) .
(2) البخاري: كتاب الزكاة (463 1) ، مسلم: كتاب الزكاة (2 ما) ، الترمذي: كتاب الزكاة (628) ، النسائي: كتاب الزكاة (5/ 1،35 36) ، ابن ماجه: كتاب الزكاة (1812) .

(6/294)


ش- محمد بن يحيى بن فياض الزماني- بكسر الزاي- أبو الفضل البصري، روى عن أبيه، وعبد الوهاب، ويحيى القطان، ووكيع وغيرهم. روى عنه: أبو داود، وأبو بكر بن خزيمة، وروى النسائي عن: زكرياء بن يحيى عنه وغيرهم. وقال الدارقطني: بصري ثقة. مات سنة خمس وأربعة ومائتين.
وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، وعبيد الله بن عمر العمري، ومكحول الشامي.
وفي إسناده رجل مجهول. وقد أخرج مسلم من حديث أبي هريرة،
عن رسولِ اللّه- عليه السلام- قال: " ليس على المسلم في العبد صدقة إلا صدقة الفطر". وبه استدل الشافعي ومالك وأحمد وأبو يوسف ومحمد، أن الخيل لا تجب فيها الزكاة. وقال أبو حنيفة: تجب. وقد بينا كيفية الوجوب عنده مع مستنداته، وجوابه عن الأحاديث أن المراد خيل الغزاة./ وقال صاحب " الهداية ": وهو المنقول عن زيد بن ثابت. قلت: ذكر أبو زيد الدبوسي في كتاب "الأسرار " فقال: إن زيد بن ثابت لما بلغه حديث أبي هريرة قال: صدق رسول اللّه، إنما أراد فرس الغازي. قال: ومثل هذا لا يُعرف بالرأي، فثبت أنه مرفوع انتهى. وروى أحمد بن زنجويه في كتاب "الأموال ": نا علي بن الحسن، نا سفيان بن عيينة، عن ابن طاوس، عن أبيه، أنه قال: سألت ابن عباس عن الخيل أفيها صدقة؟ فقال: ليس على فرس الغازي في سبيل الله صدقة.
قوله: "إلا زكاة الفطر" أي: إلا صدقة الفطر في الرقيق. وفيه دليل على وجوب الفطرة على المولى لعبده، ولكن إذا كان عبدا لخدمة، فإذا كان للتجارة لا يجب شيء من الفطرة، وإنما يجب فيه الزكاة.
وقال الشافعي: يجب عليه لعبده سواء كان للخدمة أو للتجارة. والأصل فيه أن وجوبها عنده على العبد ابتداء، ولكن يتحملها المولى عنه،

(6/295)


ووجوب الزكاة على المولى، فلا تنافي بين الواجبين، وعندنا وجوبها على المولى بسببه كالزكاة، فيؤدي إلى الثنى، وعند داود، وأبي ثور تجب على العبد نفسه.
1714- ص- نا عبد الله بن مسلمة، نا مالك، عن عبد الله بن دينار، عن سليمان بن يسار، عن عراك بن مالك، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: " ليس على المسلم في عَبْدِهِ، ولا في فَرسِهِ صَدَقة " (1) .
ش- المراد في العبد الذي يتخذ للقنية، حتى إذا كان للتجارة تجب فيه الزكاة، والمراد من الفرس فرس الغازي كما ذكرناه، حتى تجب الزكاة في الخيل التي للنسل كما ذكرناه مستوفى. والحديث أخرجه الجماعة. ورواه ابن حبان في "صحيحه" وزاد فيه: "إلا صدقة الفطر" وهذه الزيادة أيضا (2) عند مسلم أيضا (2) ، ولفظه: " ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر"، ورواه الدارقطني بلفظ: " لا صدقة على الرجل في فرسه، ولا في عبده إلا زكاة الفطر".
11- باب: صدقة الزرع
أي: هذا باب في بيان صدقة الزرع، وهي العشر أو نصفه.
1715- ص- نا هارون بن سعيد بن الهيثم الأيلي، نا ابن وهب، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه قال:
__________
(1) البخاري: كتاب الزكاة، باب: ليس على المسلم في فرسه صدقة (1463) ، مسلم: كتاب الزكاة، باب: لا زكاة على المسلم في عبده وفرسه (982) ، الترمذي: كتاب الزكاة، باب: ما جاء ليس في الخيل والرقيق صدقة (628) ، النسائي: كتاب الزكاة، باب: زكاة الخيل (5/ 34) ، ابن ماجه: كتاب الزكاة، باب: صدقة الخيل والرقيق (1812) .
(2) كذا بالتكرار.

(6/296)


قال رسول الله- عليه السلامِ-: " فيما سقت السماء والأنهارُ والعيُونُ، أوْ كَانَ بَعْلاً العُشْرُ، وفيما سقي بالسوَانِي أو النَّضح نصفُ العُشْرِ " (1) .
ش- العُشر في الموضعين مرفوع بالابتداء، وخبر الأول قوله: " فيما سقت السماء"، وخبر الثاني قوله:" وفيما سقي " والمراد من السماء المطر، لأنه ينزل منه، قال تعالى: { وَأنزَلنَا من السَّمَاء مَاء طَهُورا } (2) .
قوله: " أو كان بعلاً" البعل- بفتح الباء الموحدة، وسكون العين المهملة، وفي آخره لام- وهو ما شرب من النخيل بعروقه من الأرض من غير سقي سماء ولا غيرها. قال الأزهري: هو ما ينبت من النخل في أرض يقرب ماؤها، فرسخت عروقها في الماء، واستغنت عن ماء السماء والأنهار وغيرها.
وقال بعضهم: البعل والعَذي واحد، وهو ما سقته السماء. وقال غيره: العَذي ما سقته السماء والبعل ما ذكرناه.
وقال الجوهري: العَذْي- بالتسكين- الزرع لا يسقيه إلا ماء المطر. قلت: هو بالعين المهملة، والذال المعجمة.
قوله: "بالسواني" هي جمع سانية، وهي الناقة التي يستقى عليها، ومنه حديث البعير الذي اشتكى إليه فقال أهله " كنا نَسْنُو عليه" أي نستقي. وقيل: السانية. الدلو العظيمة، وأداتها التي يستقى بها، ثم سميت الدواب سواني لاستقائها وكذلك المستقي بها سانية أيضاً
__________
(1) البخاري: كتاب الزكاة، باب: فيما يسقى من ماء السماء وبالماء الجاري (1483) ، الترمذي: كتاب الزكاة، باب: ما جاء في الصدقة فيما يسقى بالأنهار وغيره (640) ، النسائي: كتاب الزكاة، باب ما يوجب العشر وما يوجب نصف العشر (5/ 40) ، ابن ماجه: كتاب الزكاة، باب: صدقة الزروع والثمار (1817) .
(2) سورة الفرقان: (48) .

(6/297)


قوله: " أو النضح" والنضح- بفتح النون، وسكون الضاد المعجمة، وفي آخره حاء مهملة- وهو ما سقي بالدوالي والرشاء، والنواضح الإبل التي يستقى عليها، واحدها ناضح، والأنثى ناضحة وثانية. وقيل: النواضح السواني، وهي كل ما يستقي الماء من بعير أو بقرة أو حمار، والدوالي جمع دالية، وهي جذع طويل يركب بركيب مداق الأرز، وفي رأسه مغرفة كبيرة يسقى بها، ثم إن النبي- عليه السلام- جعل صدقة ما خَفت مؤنتُه، وكَثرتْ منفعتُه على التضعيف توسعة على الفقراء، / وجعل ما ثقلت مؤنته على التنصيف رفقا بأرباب الأموال.
وقال الخطابي (1) : وأما الزرع الذي يسقى بالقُنِي فالقياس على هذا أن ينظر، فإن كان لا مؤنة فيها كثر من مؤنة الحفر الأول وكسحها في بعض الأوقات، فسبيلها سبيل النهر والسير في وجوب العشر فيها، وإن كان تكثر مؤنتها بأن لا تزال تتداعى وتنهار، ويكثر نضوب مائها، فتحتاج إلى استحداث حفر، فسبيلها سبيل ماء الأبيار، التي ينزح منها بالسواني، والله أعلم.
قلت: القُنِي بضم القاف، وكسر النون، وتشديد الياء، وأصلها قنوو على وزن فعول، جمع قناة التي تحفر، فلثقالة الواوين في آخر الكلمة قلبت الأخيرة ياء فصار قنوي، فاجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، فصار قنُي- بضم النون- ثم أبدلت ضمة النون كسرة لأجل الياء، فصار قنيا،َ وأصل قناة قنوة، قلبت الواو ألف لتحركها وانفتاح ما قبلها. والحديث أخرجه البخاري، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
1716- ص- نا أحمد بن صالح، نا عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، أن رسولَ اللهِ- عليه السلام- قال:
__________
(1) معالم السنن (2/ 35- 36) .

(6/298)


"فيما سقت الأنهارُ والعُيونُ العُشْر، وما سقىَ بالسوَاني ففيه نصْفُ العُشْرِ" (1) .
ش- عمرو بن الحارث، وأبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرُس المكي.
والحديث أخرجه مسلم والنسائي، وقال النسائي: ورواه ابن جريج،
عن أبي الزبير، عن جابر، قوله: ولا نعلم أحدا رفعه غير عمرو - يعني: عمرو بن الحارث- وحديث ابن جريج أولى بالصواب، وإن كان عمرو أحفظ منه، وعمرو من الحفاظ، روى عنه مالك.
1717- ص- نا الهيثم بن خالد الجهني، وابن الأسود العجلي قال: قال وكيع: "البَعْلُ الكُبُوسُ الذي يَنْبُتُ من ماء السماء قال ابن الأسود: وقال يحيى- يعني: ابن آدم-: سألتُ أبا إياس اَلأسدي (2) فقال: الذي يُسقى بماء السماء" (3) (4) .
ش- ابن الأسود هو: حسين بن علي بن الأسود العجلي الكوفي، سكن بغداد. روى عن وكيع، ويحيى بن آدم، وعبد الله بن عمير وغيرهم روى عنه أبو داود، والترمذي، وأبو بكر بن أبي الدنيا وغيرهم. وقال ابن أبي حاتم: سمع منه أبي وقال: صدوق. وقال أحمد بن حنبل: لا أعرفه. وقال ابن عدي: يسرق الحديث، وأحاديثه لا يتابع عليها. وأبو إياس ....... (5) .
قوله: "البعل الكُبُوس " (6) .
__________
(1) مسلم: كتاب الزكاة، باب: ما فيه العشر أو نصف العشر (981) ، النسائي: كتاب الزكاة، باب: ما يوجب العشر (5/ 42) .
(2) في سنن أبي داود: "وسألت أبا إياس الأسدي عن البعل".
(3) في سنن أبي داود زيادة: " وقال النضر بن جميل: البعل: ماء المطر". (4) تفرد به أبو داود. (5) بياض في الأصل قدر سطر ونصف.
(6) بياض في الأصل قدر ثلاثة أرباع سطر.

(6/299)


قوله: " سألت أبا إياس الأسدي" أي: عن البعل فقال: البعل الذي يُسقى بماء السماء، وكذا قال أبو عمر، والبعل والعَذْيُ واحد، وهو ما سقته السماء، وَقد مر تفسيره عن قريب.
1718- ص- نا الربيع بن سليمان، نا ابن وهب، عن سليمان- يعني ابن بلال- عن شريك بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن معاذ بن جبل، أن رسولَ الله- عليه السلام- بَعَثَهُ إلى اليمنِ فقال: " خُذ الحَب من الحَبِّ، والشّاةَ من الغًنَم، والبعيرَ من الإبلِ، والبقرة من البَقَرِ "
ش- عبد الله بن وهب الَمصري، وشريك بن عبد الله بن أبي نمر المدني.
واستدل به الشافعي أن دفع القيم لا تجوز في الزكاة.
وقال الخطابي: فيه من الفقه أن الزكاة إنما تخرج من أعيان الأموال وأجناسها، ولا يجوز صرف الواجب منها إلى القيم.
قلنا: الواجب أخذ الصدقة من أموال الناس لقوله تعالى: {خُذْ منْ أمْوَالِهِمْ صَدَقَةً } (2) فجعل محل الأخذ ما سمى مالاً فالتقييد بأنها شَاة ونحوها زيادة على كتاب الله تعالى، وأنه يجري مجرى النسخ، فلا يجوز ذلك بخبر الواحد، أو بالقياس على الهدايا والضحايا، وقوله - عليه السلام-: "خذ الحب من الحبِّ، والشاة من الغنم " فلبيان الواجب بما سمى، وتخصيص المسمى لبيان أنه أيسر على صاحب الحب، أو صاحب الماشية، وأما الهدايا والضحايا فإن المستحق فيها إراقة الدم، حتى لو هلكت بعد الذبح قبل التصدق لم يلزمه شيء، وإراقة الدم ليست متقومة، ولا معقول المعنى، فيقتصر على مورده.
وقال الخطابي: وفيه دليل على أن من وجب عليه شاة/ في خَمْس من الإبل فأعطاه بعيرا منها فإنه يقبلُ منه. وقال داود: لا يقبل منه ذلك ويكلفُ الشاة ؛ لأنه خلاف المنصوص عليه. وحكي ذلك عن مالك- أيضاً
__________
(1) ابن ماجه: كتاب الزكاة، باب: ما تجب فيه الزكاة من الأموال (1814) . (2) سورة التوبة: (103) .

(6/300)


قلتُ: لا دليل في ذلك على دعواه أصْلا ؛ بَلْ مذهبُ إمامه يَقْتضي أن عيْن الشاة منصوص عليها فلا يجور أخذ غيره كما ذهبَ إليه داود.
ص- قال أبو داود: شبرْتُ قثاءةً بمصْرَ ثلاثة عشرَ شبراً ورأيتُ أترجةً على بعيرٍ بقطعتين قُطِعَتْ، وصيرَتْ على مِثْل عِدْلَيْن.
ش- إنما ذكر أبو داود هذا الكلام استعظاما لطُول القثاءة وكُبْر الأترجة، وفيه إشارة- أيضاً أنه دَخل الديار المصريّة، وهو أحَد الأئمة الرحالة الجوالين في الآفاق والأقاليم. والقثاءة- بكسْر القاف وتشديد الثاء المثلثة وبالمد- واحدة القِثاء، وقال الجَوهري: القِثاء: الخيارُ وذكره في مهموز اللام.
قلتُ: في اصطلاح أهل مصْر: القثاء هو الذي يُسمَّى فقوسا عندهم، وقال ابن الفارس في " المجمل ": القثاء معروف وقد يُضم قافُه، وقال في "دُستور اللغة ": القثاء: الخيار- مثل ما قال الجوهري-. والأترجة- بضم الهمزة، وسكون التاء، وضم الراء، وتشديد الجيم المفتوحة- واحدة الأترُج، ويُقال لها: تُرُج- أيضا- بدون الهمزة. وحكى أبو زيد: تُرُنْجة وتُرُنج- بالنون الساكنة بين الراء والجيم.
12- بَابُ: زَكاة العَسَلِ
أي: هذا باب في بيان زكاة العسَل.
1719- ص- نا أحمد بن أبي شعيب الحراني: نا موسى بن أعين، عن عمرو بن الحارث المصري، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: جاء هلال أحد بني متعانَ إلى رسول الله- عليه السلام- بعُشُورِ نَحْل له، وسأله (1) أن يَحْميَ (2) وادياً يُقَالَ له: سَلبَهُ، فحمَى له رسول اللهِ
__________
(1) في سنن أبي داود: " وكان سأله ".
(2) في سنن أبي داود: " يحمي له واديا ".

(6/301)


عليه السلام- ذلك الوادي، فلما وَلِي عمرُ بنُ الخطاب رضي اللهُ عنه كَتَب سفيان بنُ وَهْب إلى عُمرَ بن الخطاب يَسألُه عن ذلك، فَكتب عمرُ: إِنْ أدى إليك ما كان يُؤَدي إلى رسولِ الله- عَليه السلام- من عُشورِ نَحْله فاحْمِي له سَلبَهَ وإلا فإنما هو ذبابُ غيْثٍ يكُلُه مَنْ شاء (1) .
ش- موسى بن أعين: أبو سعيد الحراني، سمع: أباه، وإسماعيل ابن أبي خالد، والثوري، والأوزاعي وغيرهم، روى عنه: ابنه محمد، والنفيلي، وأحمد بن أبي شعيب وغيرهم، قال أبو زرعة وأبو حاتم: هو ثقة. توفي سنة سبع وسبعين ومائة. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (2) .
وهلال بن سَعْد، له صُحْبةْ.
قوله: "أحَدُ بني متعان " ..... (3) .
قوله: "سَلبَه" بفتح السين المهملة وسكون اللام وبفتحها- أيضاً وفتح الباء الموحدة وفي آخرها هاء.
قوله: " فحَمى له " من قولهم: حَميتُه حمايةً إذا دفعتُ عنه ومنَعْتُ منه من يَقْرَبُه، وأحمَيْتُ المكان فهوَ محْمي إذا جعلته حِمًى، وهذا شيء حِمى أي: محظور لا يُقْربُ.
قوله: " فلما وَلِي عمر بن الخطاب "- بفتح الواو وكسر اللام المخففة- أي: لما ولي عمر الخلافة كتب سفيان بن وَهْب الخَولاني، وله صُحْبة. قوله: "وإلا" أي: وإن لم يؤد إليك ما كان يؤدي إلى رسول الله
- عليه السلام- فإنما هو أي: النحلُ ذبابُ غيث مثله، أي: يأكل عسلَه ، لأن عين النحل لا يؤكل " مَنْ شاء" من الناس ؛ وإنما أطلق عليه
__________
(1) النسائي: كتاب الزكاة، باب: زكاة النحل (5/ 47) .
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (29/ 6236) .
(3) بياض في الأصل قدر ثلثي سطر.

(6/302)


الذباب لأنه يَرْعى ويتتبع الأزْهار والأنوار ويقع عليها، كما أن الذباب
شأنه يَتتبع المواضع التي فيها الدسومة أو الحلاوة فيقع عليها ؛ وأنما أضافه
إلى الغيث الذي هو بمعنى المطر، لأنه يتتبع مواضع الأزهار والعُشْب التي
هي مواقع الغيث، ولما كان العشب والأنهار سببا لحياة النخل وتغسيله،
والغيثُ سببا لنبات العشب والإزهار كان سببا لحياة النحل ؛ لأن الَسَبب
للشيء الذي هو سبب لذلك الشيء، سبب لذلك الشيء، فأضيف أيه
بهذا الاعتبار.
وقال الخطابي (1) : وفي هذا دليل على أن الصدقة غير واجبة في
العسل، وأن النبي- عليه السلام- إنما أخَذ العُشْر من هِلال المُتْعِي إذ
كان (2) قد جاءه بها متطوعاً وحمَى له الوادي إرفاقا ومعونة له بدل ما
أخذ منه، وعقَل عمر بن/ الخطاب المعنى في ذلك، فكتب إلى عامله يأمره بأن يحمي له الوادي إن أدى إليه العشرَ وإلا فلا، ولو كان سبيله [ سبيل ]، الصدقات الواجبة في الأموال لم يخيره في ذلك. وممن لم يرَ
فيه الصدقةَ: مالك، وابن أبي ليلى، والشافعي، وأبو ثور، وروي
ذلك عن عمر بن عبد العزيز، وأوجبها مكحول، والزهري، والأوزاعي،
وأصحاب الرأي. وقال أحمد، وإسحاق: في العسل: العشر.
قلت: يجب العشر في العسل إذا أخذ من أرض العشر، ثم عند
أبي حنيفة: يجب العشرُ قل العسل أو كثر. وعن أبي يوسف أنه يعتبر
فيها القيمة، وعنه: أنه لا شيء فيه حتى يبلغ عَشر قِرَب، وعنه: خمسة
أمناء، وعن محمد: خمسة أوراق، كل فرق ستة وثلًاثون رطلاً. أما
الدليًل على نفس الوجوب: فهذا الحديث، لأنه بالحماية اختاره الرجل
ومَلكه بسَبْق يده إليها، فإذا حمى له الوادي، ومنع الناس منه وجب عليه
بحق الحماية إخراج العُشر منه، لأنه مال مقصود، حتى إن العسل الذي
يوجد في الجبال أو البرية والموات إن لم يضخمها الإمام لا يجب فيه العشر،
__________
(1) معالم السنن (2/ 37) .
(2) في الأصل: "أن قد كان" وما أثبتناه من معالم السنن.

(6/303)


لأنه حينئذ كالصيْد، وإن كان يَحْميه ففيه العشر، لأنه يصيرُ مالا مقصودا، وكذلك الفاكهةُ بخلاف المن الذي يَسقط على العَوْسج في أرض الإنسان، لأنه اتفاقي فلا يعذ له الأرضُ، وقيل: يجب فيه العشر، وليْس بصحيح. وبهذا التقرير اندفع ما قاله الخطابي. ومما يدل على ما قلنا: ما رواه ابن ماجه: نا محمد بن يحيى، عن نعيم بن حماد، عن ابن المبارك، عن أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد اللّه بن عَمرو أن النبي- عليه السلام- أخذَ من العَسلِ العشرَ. وروى عبد الرزاق: أخبرنا عبد الله بن محرر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي- عليه السلام-: كتب إلى أهل اليمن أن يؤخذ من أهل العسل العشور. وبهذا اللفظ: رواه البيهقي من طريق عبد الرزاق. والحديث معلول بعبد اللّه بن محرر ؛ قال ابن حبان في كتاب "الضعفاء": كان من خيار عباد اللّه ؛ إلا أنه كان يكذبُ ولا يعلم، ويقلبُ الأخبار ولا يفهم.
وروى ابن أبي شيبة في "مُصنفه ": نا صفوان بن عيسى: نا الحارث ابن عبد الرحمن بن أبي ذباب الدوْسي، عن منير بن عبد الله، عن أبيه، عن سَعْد بن أبي ذباب الدولي قال: أتيتُ النبي- عليه السلام- فأسلمتُ وقلت: يا رسولَ الله ! اجعل لقومي ما أسلموا عليه، ففعل واستَعْملني عليهم، واستعملني أبو بكر بعد النبي- عليه السلام-، واستعملني عُمر بعد أبي بكر، فلما قدِم على قومه قال: يا قوما أدوا زكاة العسل ؛ فإنه لا خير في مال لا تؤدى زكاته، قالوا: كم ترَى؟ قلت: العشرُ، فأخذتُ منهم العُشرَ، فأتيتُ به عمر رضى الله عنه فباعَه وجَعله في صدقات المسلمين.
ومن طريق ابن أبي شيبة: رواه الطبراني فيه معجمه،. ورواه الشافعي: أخبرنا أنس بن عياش، عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب، عن أبيه، عن سعد بن أبي ذباب، فذكره. ومن طريق الشافعي: رواه البيهقي، قال: هكذا رواه الشافعي، وتابعه محمد بن

(6/304)


عباد، عن أنس بن عياش، به. ورواه الصلت بن محمد بن عباد، عن
أنس بن عياش فقال: عن الحارث بن أبي ذباب، عن منير بن عبد الله،
عن أبيه، عن سَعْد، وكذلك رواه صفوان بن عيسى، عن الحارث بن
عبد الرحمن، به. انتهى. وقال البخاري: وعبد الله والد منير، عن
سَعْد ين أبي ذباب لم يصح حديثه، وقال علي بن المديني: هذا لا نَعْرفه
إلا في هذا الحديث، وسئل أبو حاتم عن عبد الله والد منير، عن سَعْد
ابن أبي ذباب: يصح حديثه؟ قال: نعَم.
وأما الدليل لأبي حنيفة على إطلاقه: فلإطلاق الأحاديث المذكورة.
وأما الدليل لأبي يوسف: فما نَذكرُه الآن إن شعار الله تعالى. وحديث
عمرو بن شعيب: أخرجه النسائي- أيضاً سواء.
1720- ص- نا أحمد بن عبْدة الضبِّي: نا المغيرة نسبَه إلى عبد الرحمن
ابن الحارث المخزومي: حدثنيه أبي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن
جده أن سَيابة (1) - بطنٌ من فهْمٍ - فذكر نحوَه قال: " منْ كل عَشْرِ قِرَبٍ
قِرْبَةٌ " (2) .
ش- المغيرة: هو ابن عبد الرحمن/ بن الحارث بن عبد الله بن عياش (3) بن أبي ربيعة أبو هاشم القرشي المخزومي المدني، حيث عن:
أبيه، وهشام بن عروة، وابن عجلان، روى عنه: إبراهيم بن حمزة،
وأحمد بن عَبْدة، ومحمد بن سلمه المكي وغيرهم، قال يعقوب بن
شيبة (4) : هو أحد فقهاء المدينة، ومن كان يُفتي فيهم، وهو ثقة. توفي
سنة ثمان وسبعين ومائة. روى له: أبو داود، وابن ماجه (5) .
__________
(1) في سنن أبي داود: " شبابة"، وقال الدارقطني في "المؤتلف والمختلف "،
باب: شبابة وسيابة: "صوابه بني شبابة: بالغين المعجمة، بعدها باء
موحدة، ثم ألف، ثم باء أخرى، وهم بطن من فهم " اهـ بواسطة نصب
الراية (2/ 392) .
(2) تفرد به أبو داود.
(3) في الأصل: "الحارث بن عبد الله بن الحارث بن عياش".
(4) في الأصل: "شبه " خطأ.
(5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (28/ 6135) .
20 . شرح سنن أبي داوود 6

(6/305)


وأبوه: عبد الرحمن، قد ذكرناه.
قوله: "إنّ سيابَة"- بفتح السين المهملة والياء آخر الحروف المخففة والباء الموحدة- وهو في الأصل اسم البَلَحة وسُمّي به الرجلُ. وفي " المغرب" : بنو سيابة قوم بالطائف من خثعم كانوا يتخذون النحل حتى نُسِب إليهم العَسلُ فقِيل: عسل سَيابي.
" وفي (1) رواية الطبراني: ابن بني سيارة بطن من فهم على ما رَوَى، فقال: حدثنا إسماعيل بن الحسن الخفاف المصْري: أنا أحمد بن صالح: أنا ابن وهب: أخبرني أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن بني سيارة بطن من فهم كانوا يؤدون إلى رسول اللّه- عليه السلام- عن نَحْل كان لهم العُشْرَ، من كل عشر قرب قربة، وكان يَحْمي واديَيْن لهم، فلما كان عمر رضي اللّه عنه استعمل على ما هناك سفيان بن عبد اللّه الثقفي، فأبَوْا أن يؤدوا إليه شيئا وقالوا: إنما كنا نُؤديه إلى رسول الله- عليه السلام-، فكتب سفيان إلى عمر [ فكتب إليه عمر: ] (2) إنما النَّحْل ذُباب غيْثِ، يَسُوقه اللّهُ رِزقا إلى مَنْ يشاء، فإن أدوا إليك ما كانوا يؤدون إلى رسول الله- عليه السلام- فاحْم لهم أوديتهم، وإلا فخل بينه وبن الناس، فأدوا إليه ما كانوا يؤدون إلى رسول الله، وحمى لهم أوديتهم.
وروى أبو عبيد القاسم بن سَلام في كتاب "الأموال" : حدثنا أبو الأسود، عن ابن لهيعة، عن عُبيد الله بن أبي جعفر، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله- عليه السلام- كان يؤخذ في زمانه من العسل من كل عشر قرب قربة من أوْسطها.
وأخرج الترمذي، عن صدقة بن عبد اللّه السمين، عن موسى بن يسار، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي- عليه السلام- أنه قال:
__________
(1) انظر: نصب الراية (2/ 392- 393) .
(2) ساقط من الأصل، وأثبتناه من نصب الراية.

(6/306)


"في العسل في كل عشرة أزُقِّ زوق " وقال: في إسناده مقال، ولا يصح عن النبي- عليه السلام- في هذا الباب كبير شيء (1) . انتهى.
ورواه ابن عدي في "الكامل " وأعله بصدقة هذا، وضعفه عن أحمد والنسائي وابن معين. ورواه البيهقي وقال: تفرد به: صدقة بن عبد الله السمين ؛ وهو ضعيف ؛ ضعفه أحمد، وابن معين وغيرهما.
ورواه ابن حبان في كتاب " الضعفاء" وقال في صدقة: يروي الموضوعات عن الثقات.
ورواه الطبراني في " معجمه الوسط " ولفظه: قال: " في العسل العشرُ، في كل عشر قرب قربة، وليْس فيما دون ذلك شيء "، وقال الطبراني: لا يروى هذا عن ابن عمر إلا بهذا الإسناد" (2) .
ص- وقال سفيان بن عبد الله الثقفي قال: وكان يحْمِي لهم وَادِيِين، زَادَ: فأدوا إليه ما كانوا يُؤدونَ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وحَمَى لهم وَادِييهِمْ.
ش- سفيان بن عبد الله بن أبي ربيعة بن الحارث الثقفي، وقيل: ابن عبد الله بن حطيط، له صحبة (3) وسماع من النبي- عليه السلام-، معدود في أهل الطائف، يكنى أبا عمرو، وقيل: أبو عمرة، وكان عاملان لعمر بن الخطاب عليها، روى عنه: عروة بن الزبير، وابنه: هشام. روى له: مسلم حديثا واحدا، وروى له: الترمذي، وابن ماجه، والنسائي (4) .
قوله: " وكان يحمي " أي: وكان عمر رضي الله عنه يحمي لهم إلى آخره.
__________
(1) الترمذي: كتاب الزكاة، باب ما جاء في زكاة العسل (629) .
(2) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.
(3) في الأصل: "صحابة".
(4) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (66/2) ، أسد الغابة (2/ 405) ، الإصابة (2/ 54) .

(6/307)


ص- نا الربيعُ بن سليمان المؤذن: نا ابن وَهْب: أخبرني أسامة،
عن عمرو بنِ شعيب، عن أبيه، عن جده أن بَطنا من فَهْمٍ - بمعنى المغيرة-
قال: " مِن عشْرِ قِرَبٍ قِرْبةٌ" وقال: " واديَيْنِ لهم" (1) .
ش- عبد اللّه بن وهب، وأسامة بن زيد الليثي.
قوله: " بمعنى المغيرة" أي: بمعنى حديث المغيرة بن عبد الرحمن بن
الحارث.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: نا عباد بن عوام، عن يحيى بن سعيد،
عن عمرو بن شعيب، أن أمير الطائف كتب إلى عمر بن الخطاب: إن
أهل العسل مَنَعُونا ما كان يُعْطُون مَنْ كان قبلنا، قال: فكتبَ إليه: إِنْ
أعطوك ما كانوا يُعْطون رسول اللّه- عليه السلام- فاحْم لهم، وإلا فلا
تحمها لهم. قال: وزعم عَمرو بن شعيب أنهم كانوا يُعطون من كل عشر
قرب قربةً.
13- بَاب : فِي الخَرْص (2)
أي: هذا باب في بيان الخرص ؛ يقال: خرص النخلة والكرمةَ يَخْرِصها، من باب ضرب يضرب خَرْصا إذا حَجَر ما عليهما من الرّطب تمراً، ومن العنب زبيبة، وهو من الخرص: الظن. لأن الحَزْر إنما هو تقدير بظن ؛ والاسم: الخِرْص- بالكسْر- يُقال: كم خِرْصُ أرضك؟ وفاعل ذلك: الخارِصُ.
1722- ص- نا حفص بن عمر: نا شعبة، عن خُبَيْب بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن مسعود قال: لما (3) جاء سَهْلُ بنُ أبي حَثْمةَ إلى مَجلِسِنا
__________
(1) ابن ماجه: كتاب الزكاة، باب: زكاة العسل (1824) .
(2) جاء هذا الباب في سنن أبي داود عقب الباب الآتي.
(3) في سنن أبي داود:"جاء سهل".

(6/308)


قال: أمرَنَا رسولُ الله- عليه السلام- قال: " إذا خرَصْتُم فجُدوا ودَعُوا الثلثَ، فإن لم تدعُوا أَو تجدوا الثلثَ فدَعُوا الربعَ" (1) (2) .
ش- خُبَيْب: بضم الخاء المعجمة. وعبد الرحمن بن مسعود بن نيار الأنصاري، روى عن: سهل بن أبي حثمة، روى عنه: خبيب بن عبد الرحمن. روى له: أبو داود، والنسائي.
قوله:" إذا خرصتم " أي: إذا حزَرْتم ؛ وقد ذكرناه.
قوله: " فجُدوا" من جد يجِدّ ويجُد- بضم العين في المستقبل وكسرها- بمعنى: اجْتهدُوا في الخَرْص، وفي رواية: " فخذُوا" من الأخذ، وكذا في رواية الترمذي.
قوله: "ودعوا الثلث" أي: اتركوا الثلث.
قوله:" فإن لم تدعوا أو تجدوا الثلث " وفي بعض النسخ: " فإن لم تدعوا الثلث فدَعُوا الربع " وكذا في رواية الترمذي.
وقال الخطابي (3) : وقد ذهب بعض العلماء في تأويل "دعوا الثلث أو الربع" إلى أنه يُتْرك لهم من عُرْض المال تَوْسعة عليهم، فلو أخذوا باستيفاء الحق كله لأضَرَّ ذلك بهم، وقد يكون منها السقاطة وينتابها الطيرُ، وتَخْترفها الناسُ للأكل، فترك لهم الربعَ توسعةً عليهم، وكان عمر بن الخطاب يأمر الخرّاص بذلك. وبقول عمر قال إسحاق، وأحمد. وذهب غير هؤلاء إلى أنه لا يترك لهم شيئا شائعا في جملة النخل ويُفردُ لهم نخلاتِ مَعْدودة قد علم مقدار ثمرها بالخَرْص.
وقال الترمذي: والعمل على حديث سهل بن أبي حثمة عند كثر أهل العلم في الخَرْص ؛ والخرص: إذا أدرك الثمار من الرطب والعنب مما فيه
__________
(1) الترمذي: كتاب الزكاة، باب: في الخرص (643) ، النسائي: كتاب الزكاة، باب: كم يترك الخارج (5/ 43) .
(2) في سنن أبي داود بعد الحديث: قال أبو داود:"الخارج يقع الثلث للحرفة". (3) معالم السنن (2/ 38- 39) .

(6/309)


الزكاة ، بعث السلطان خارصا فخرج عليهم، والخرص: أن يَنْظر من يُبْصِرُ ذلك فيقولُ: يخرج من هذا من الزبيب كذا وكذا، ومن التمر كذا وكذا فيُحْصي عليهم وينظر مبلغ العشر من ذلك، فيُثْبت عليهم ثم يخلي بينهم وبن الثمار فيَصْنعون ما أوتوا، فإذا أدرك الثمارَ أخذ منهم العشر، هكذا فسره بعض أهل العلم وبه يقول مالك، والشافعي، وأحمد، و إسحاق.
قلت: مذهب أبي حنيفة وأصحابه: أن الخرص كان قبل تحريمه الربا والقمار ثم نُسخ، فإن عمل ذلك تخوِيفا للأكرة لئلا يخونوا فلا بأسَ، وأما أن يلزم به حكم فلا. ورُوي عن الشعبي أنه قال: الخرص بدْعة. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا حفص، عن الشيباني، عن الشعبي أن النبي- عليه السلام- بَعث عبد الله بن رواحةَ إلى اليمن يَخْرص عليهم النخل، قال: فسئل الشعبي: أفعله؟ قال: لا. والحديث: أخرجه ألتر مذي، والنسائي.
14- باب: في خرْصِ العنب
أي: هذا باب في بيان خرص العنب.
1723- ص- نا عبد العزيز بن السرِي الناقط: نا بشر بن منصور، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عتّاب ابن أسيد قال: "أمرَ النبي- عليه السلام- أن يُخرَصَ العنبُ كما يُخرصُ لنخلُ، وتؤخذُ زكاتُه زَبِيبا كما تُؤخذُ صدقةُ (1) النخلِ تمرا " (2) .
ش- عبد الرحمن بن إسحاق بن الحارث القرشي المدني.
__________
(1) في حق أبي داود: " زكاة النخل ".
(2) الترمذي: كتاب الزكاة، باب: ما جاء في الخرص (644) ، النسائي: كتاب الزكاة، باب: شراء الصدقة
(5/109) ، ابن ماجه: كتاب الزكاة، باب: خاص النخل والعنب (1819) .

(6/310)


وعَتاب بن أسيد- بفتح الألف وكسر السين- بن أبي العاص بن أميّة بن
عبد شمس، يَكنى أبا عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد، أسلم يوم
الفتح واستعمله النبي- عليه السلام- على مكة حين انصرف عنها بعد
الفتح وسِنّه [ .... ] (1) .
روى عنه: سعيد بن المسيّب، وعطاء بن أبي رباح، وعمرو بن أبي
عقرب. مات بمكة سنة ثلاث عشرة، ويقال: مات يوم مات أبو بكر
الصديق رضي اللّه عنهما. روى له: الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه،
والنسائي (2) .
قوله: " زبيبة وتمرا" منصوبان على التمييز. وقال الخطابية (3) : إنما
يخرج من الثمر ما يحيط به البصَرُ بارزا، لا يحول دونه حائل، ولا
يخفى موضعُه في (4) / خلال ورق الشجر والعنب في هذا المعنى كثمر النخل، فأما سائر الثمار فإنه لا يجري فيها الخرص ؛ لأن هذا المعنى فيها
معدوم، وقال: لم يختلف أحد من العلماء في وجوب الصدقة في التمر والزبيب، واختلفوا في وجوب الصدقة في الزيتون ؛ فقال ابن أبي ليلى:
لا زكاة فيه، لأنه أدم غير مأكول بنفسه. وهو آخر قول الشافعي،
وأوجبها أصحاب الرأي، وهو قول مالك، والأوزاعي، والثوري ؛ إلا
أنهم اختلفوا في كيفية ما يؤخذ من الواجب منه ؛ فقال أصحاب الرأي:
يؤخذ من ثمرته العشرُ ونصف العشر، وقال الأوزاعي: يؤخذ العشر منه
بعد أن يعصر زيتا ويصير صافيا وأما أبوب: فقد اختلف العلماء فيها ؛
فقال أصحاب الرأي: تجب الصدقة في الحبوب ما كان مُقْتاتا منها أو غير
مُقْتاتٍ ، وقال الشافعي: كل ما جمع من الحبوب إن يزرعه الآدميون
__________
(1) بياض في الأصل قدر أربع كلمات، وفي تهذيب الكمال:"وسنه عشرون سنة " وفي غيره: "نيفا وعشرين سنة".
(2) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (153/2) ، أسد الغابة (3/ 556) ، الإصابة (2/ 451) .
(3) معالم السنن (2/ 39- 40) .
(4) مكررة في الأصل.

(6/311)


ويُيَبّسُ ويدّخر ويُقتات ففيه الصدقة، وأما ما يُتفكهُ أو ما يؤتدمُ به، أو يتداوى فلا شيء فيه.
قلت: قال أبو حنيفة: يجب العشرُ في كل شيء أخرجته الأرض قليلا كان أو كثيراً، رطبا أو نابساً لقوله تعالى: { أنفقُوا من طيبَات مَا كَسَبْتُمْ وَمما أخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأرْضِ } (1) ولا عشر فيه الحطَب والقصَب والحشيشَ ؛ لأن الأرض لا تستنمى بها عادةً حتى لو استنمى بقوائم الخلاف يجبُ فيها العشر. وعن محمد: أنه يجب العشر في البصل ؛ لائق يبقى، ولا عشر في الرياحين كالآس والوَسْمَة والحناء. وعن أبي يوسف أنه أوجب العشر في الحناء ؛ لأته يَبْقى، وَلا عشر في البزور التي لا تصلح إلا للزراعة كبزر البطيخ وغيره. وعن محمد أنه لا عشر في التين والإجاص والكمثرى والتفاح والمشمش والتوت والخوخ. وروي عنه: أنه أوْجب في التين والفستق ؛ لأنه يبقى، ويجب في قصَب الذريرة ؛ لأنه للنماء كقصب السُكر، وأما العصفر والكتان إذا بلغ القرطم والجب خمسة أوسق وجب العشر، وقصب السكر إذا بلغ ما يخرج منه خمسة أوسق ففيه العشر، ولا يجب العشر في الحُرْف والسَعْتر والشونيز وما أشبهها لأنها أدوية، وكذلك لا يجبُ في الكرَوياء والكمون والكُزبرة والخردل، وفي الانجدان والكزبرة روايتان، ولا يجب في السدْر والأشنان وما كان من الرمان يبس حبّه يُباع يابسا ففيه العشر إذا بلغ خمسة أوسق، والإجاص والعنب يجب العشرُ في يابسهما إذا بلغ خمسة أوسق، ولا يجب في الهليلج والخرنوب و الحلْبة ؛ لأنها من جملة الأدوية. والحديث: أخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وقد روى ابن جريج هذا الحديث عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، وسألت محمدا- يعني: البخاريّ- عن هذا فقال: حديث ابن جريح غير محفوظ، وحديث سعيد بن المسيّب عن كتّاب بن
__________
(1) سورة البقرة: (267) .

(6/312)


أسيد أصح. هذا آخر كلامه، وذكر غيره أن هذا الحديث منقطع، وما ذكره ظاهر جدا ؛فإن عتاب بن السيد توفي في اليوم الذي فيه توفي أبو بكر الصديق، ومولد سعيد بن المسيّب في خلافة عمر سنة خمس عشرة على المشهور، وقيل: كان مولده بعد ذلك، واللّه أعلم.
1724- ص- نا محمد بن إسحاق المُسَيّبي: نا عبد الله بن نافع، عن محمد بن صالح التمار، عن ابن شهاب بإسناده ومعناه (1) (2) .
ش- عبد اللّه بن نافع: الصائغ.
قوله: "بإسناده " أي: بإسناد الحديث المذكور أو بإسناد الزهري ومعنى الحديث.
/ وقال أبو داود: سَعيدٌ لم يَسْمع من عتابِ بن أسيدي / (3) .
15- بَابُ: مَتَى يُخرصُ التَّمرُ؟
أي: هذا باب في بيان وقت خرص التمر.
1725- ص- نا يحيى بن معين: نا حجاج، عن ابن جريج قال: أخْبِرْت عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أنها قالت- وهي تذكرُ شأن خيبرَ-: كان النبي- عليه السلام- يَبْعثُ عبدَ اللهِ بنَ رَواحةَ إلى يَهودَ، فَيُخْرصُ النخل حين يَطيبُ قبل أن يُؤْكَلَ منه (4) .
ش- حجاج بن محمد الأعور.
__________
(1) انظر: الحديث السابق.
(2) في سنن أبي داود: " قال أبو داود: وسعيد لم يسمع من عتاب شيئا".
(3) ما بين شرطتن مائلين ذكر في سنن أبي داود، وزاد في نهايته "شيئا" وقد ذكره المصنف ولم يضع قبله "ص" وترك بعده بياضا قدر كلمتين، ولم يعقب عليه.
(4) تفرد به أبو داود.

(6/313)


وعبد اللّه بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس
،/ الأكبر بن مالك الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج الأنصاري، يكنى أبا محمد، أحد النقباء ليلة العقبة وشهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها إلا الفتح وما بعده ؛ لأنه قتل يوم مُؤتة، وهو أحد الأمراء فيها، وأحد الشعراء المحسنين الذين كانوا يَرُدون الأذى عن رسول الله- عليه السلام-، روى عنه من الصحابة: ابن عباس، وأبو هريرة (1) .
والحديث في إسناده رجل مجهول. وقد أخرج أبو داود في كتاب "البيوع " من حديث أبي الزبير، عن جابر أنه قال: أفاء اللّه على رسوله خيبر فأقرهم رسولُ اللّه كما كانوا، وجعلها بينه وبينهم، فبعث عبد اللّه ابن رواحة، فخرصَها عليهم (2) . ورجال إسناده ثقات.
1726- ص- (3) نا محمد بن يحيى بن فارس: نا سعيد بن سليمان:
نا عباد، عن سفيان بن حُسين، عن الزهري، عن أبي أسامة بن سَهْل، عن أبيه قال: نَهَى رسُول الله- عليه السلام- عن الجُعْرُورِ ولَونِ الحُبَيْقِ أن يُؤخذا في الصدقةِ. قال الزهري؟: لونَيْنِ من تمرِ المدينةِ (4) .
ش- سعيد بن سليمان: الواسطي، وعماد بن العوام الواسطي، وسفيان بن حسين الواسطي، وأبو أسامة بن سهل بن حنيف الأنصاري، واسم أبي أمامة أسْعد ؛ وكلاهما صحابيان، وقد ذكرا مرةً.
قوله: "عن الجُعرور" الجُعرور- بضم الجيم وسكون العين المهملة، وبعدها راء مضمومة وواو ساكنة وراء- أيضاً- ضرب من الدَقَل وهو أرْدأ
__________
(1) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (293/2) ، أسد الغابة (3/ 234) ، الإصابة (2/ 6 0 3) .
(2) أبو داود (3414) .
(3) جاء هذا الحديث والذي بعده في سنن أبي داود تحت " باب ما لا يجوز من الثمرة في الصدقة ".
(4) تفرد به أبو داود.

(6/314)


التمر، وقال الأصمعي: ضربٌ من العقل يحمل شيئا صغارا لا خير فيه ؛ والدقل- بفتح الدال والقاف- أردأ التمر، قاله في "الصحاح ". قوله: "ولون الحُبَيق" الحُبيق- بضم الحاء المهملة، وفتح الباء الموحدة، وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره قاف- ولون الحُبَيْق منسوب إلى ابن حُبَيْق، وهو تمر أغبر صغير مع طول فيه.
قوله: " وقال الزهري: لونيْن " أي: إنه نهى عن لونَيْن من التمر: الجعرور ولون حُبَيْق.
ص- قال أبو داود: أسْنده (1) - أيضاً أبو الوليد، عن سليمانَ بنِ كثيرٍ ، عن الزهري.
ش- أي: أسند الحديث المذكور- أيضا- أبو الوليد الطيالسي، عن سليمان بن كثير البَصْري، عن محمد بن مسلم الزهري.
1727- ص- نا نصر بن عاصم الأنطاكي: نا يحيى- يعني: القطان-، عن عبد الحَمِيد بن جعْفر: حدثني صالح بن أبي عَرِيب، عن كثير بن مرة، عن عوف بن مالك قال: دَخلَ علينا رسولُ الله- عليه السلام- المسجدَ وبيده عصا وقد عَلقَ رجل منا حَشفا (2) فطعَنَ باَلعَصا في ذلك القنو وقال: " لوَ شاء رب هذه الصدقة تصدقَ بأطيبَ منها " وقال: إن رَب هذه الصدقةِ يأكل الحشَفَ بومَ القيامةِ" (3) .
ش- صالح بن أبي عَرِيب- بفتح العين المهملة-، واسم أبي عريب: قُلَيب- بالقاف وآخره باء موحدة- ابن جرول (4) بن كليب الحضرمي الشامي، روى عن: كثير بن مرة الحضرمي وغيره، روى عنه: عبد الحميد
__________
(1) في سنن أبي داود: "ولمنعه".
(2) في سنن أبي داود "وقد علق رجل قنا حشفا" وذكر المصنف أن ذلك نسخة. (3) النسائي: كتاب الزكاة، باب: قوله عز وجل: { ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون } (5/ 43) ، ابن ماجه: كتاب الزكاة، باب: النهي أن يخرج في الصدقة شر ماله (1821) .
(4) كذا، وفي " تهذيب الكمال"، و "تهذيب التهذيب": "حرمل".

(6/315)


ابن جَعْفر، والليث بنَ سَعْد، وحيوة بن شريح، وابن لهيعة. روى له: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (1) .
قوله: "حشفا" الحَشَفُ: اليابس الفاسدُ من التمر، وقيل: الضعيف الذي لا نوى له كالشيص. وفي بعض النسخ: "وقد علّق قِنْوَ حشف" موضع " منّا حشفا" ؛ والقنْوُ- بكسر القاف وسكون النون- العذْقَ بما فيه من الرطيب، وجمعه: أقناء.
قوله: " لو شاء ربّ هذه الصدقة" أي: صاحبُها. ويُستفادُ من الحديث: أن التمر الرديء لا يؤخذ في الصدقة، وأنه ينبغي للرجل أن يتصدق لله تعالى بأحسنِ شيء عنده حتى لا يدخل تحت قوله تعالى: {وَيَجْعَلُونَ لله مَا يَكْرَهُون } (2) وأن المتصدق يجازى يوم القيامة بنظير ما تصدق. والحَديث: أخرجه النسائي، وابن ماجه.
16- بَابُ: زَكَاة الفطرِ
أي: هذا باب في بيان صدقة الفِطْر.
1728- ص- نا محمود بن خالد الدمشقي، وعبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي قالا: نا مروان- قال عبد الله: نا أبو يزيد الخولاني كان شيخ صدق وكان ابن وهب يروى عنه-: نا سيار بن عبد الرحمن- قال محمود: الصدفي-، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: فَرضَ/ رسولُ الله - عليه السلام-: " زَكَاةَ الفطرِ طُهرَةً للصِيام من اللغو والرفَثِ، وطُعْمَةً للمَسَاكينِ، مَنْ أداهَا قبلَ الصَلاةِ فهي زَكاة مقْبولة له، (3) ، ومن أداهَا بَعد الصلاة فهي صَدقة من الصدقاتِ" (4) .
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (13/ 0 283) .
(2) سورة النحل: (62) .
(3) زيادة لفظة "له" غير موجودة في سنن أبي داود.
(4) ابن ماجه: كتاب الزكاة، باب: صدقة الفطر (1827) .

(6/316)


ش- عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام بن عبد الصمد، أبو محمد السمرقندي الدارمي التميمي، من بني دارم بن مالك بن حنظلة ابن زيد مناف بن تميم، روى عن: محمد بن يوسف الفريابي، وأبي الوليد الطيالسي، وعبد الرحمن- دُحَيْم-، والفضلَ بن دكين وغيرهم، روى عنه: أبو حاتم، وأبو زرعة، وأبو داود، والترمذي، والحسن بن الصباح وغيرهم، قال أبو حاتم: هو إمام أهل زمانه. توفي سنة خمس وخمسين ومائتين (1) .
ومروان: ابن محمد الطاطري، وعبد الله: هو ابن عبد الرحمن
السمرقندي.
وأبو يزيد الخولاني: روى عن: سيار بن عبد الرحمن، روى عنه: عبد الله بن وهب. روى له: أبو داود، وابن ماجه (2) .
وسيار بن عبد الرحمن: الصَدَفي المصري، روى عن: عكرمة مولى ابن عباس، وبكير بن عبد الله بن الأشج وغيرهم، روى عنه: أبو يزيد الخولاني، والليث بن سَعْد، ونافع بن يزيد وغيرهم، قال أبو زرعة: لا بأس به، وقال أبو حاتم: شيخ. روى له: أبو داود، وابن ماجه (3) .
ومحمود: هو ابن خالد الدمشقي.
قوله: " فرض رسولُ الله زكاة الفطر " أي: صدقة الفطر، تُطلقُ الزكاة على الصدقة كما تطلق الصدقةُ على الزكاة. وفيه ؛ بيان أن صدقة الفطر واجبة، وبه استدل الجمهورُ على وجوب صدقة الفطر، وقد قال بعضهم: إن "فرض " بمعنى قدر، فلا يجبُ، وقيل: صدقة الفطر منسوخة بالزكاة ة وتعلقوا بخبر يروى عن قيس بن سَعْد أنه قال: أمرنا بها رسول الله- عمليه السلام- قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت الزكاة لم يأمرنا بها ولم يَنهنا فنحن نَفْعلُه.
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (15/ 3384) .
(2) المصدر السابق (34/ 4 0 77) .
(3) المصدر السابق (12/2668) .

(6/317)


قال الخطابي (1) : وهذا لا يدل على زوال وجوبها ؛ وذلك أن الزيادة في جنس العبادة لا تُوجب نسخ الأصل المزيد عليه، غير أن محل سائر الزكوات: الأموال، ومحل زكاة الفطر: الرقابُ، وقد عللت بأنها طهرة للصائم من الرفث واللغو، وكل من الصائمين يحتاجون إليها، فإذا اشتركوا في العلة اشتركوا في الوجوب. انتهى.
قلتُ: غير أن الفقير يُسْتثنى منه لقوله- عليه السلام-: "لا صدقة إلا عن ظهر غنى " رواه أحمد، وفي رواية مسلم: " وخير الصدقة عن ظهر غنى " وهو حجة على الشافعي في قوله: تجب على مَنْ يملك زيادةَ على قوت يومه لنفسه وعياله. وقال بعضهم في قوله: "زكاة الفطر " أي: صدقة النفوس، والفطرة: اتصل الخلقة، وقيل: هو اسمها على لسان صاحب الشرع أضافها للتعريف، وقيل: إلى سبب وجوبها، وقيل: إلى وقت وجوبها، ويقال فيها: زكاة رمضان، ويصح أن يقال: زكاة الصوم ؛ فإنها شهرة له.
قوله: "طهرةً للصائم " انتصابها على التعليل أي: لأجل تطهير الصائم من اللغْو، وهو القول الباطل أو الكلام المطرح. والرفث: الفحش من القول.
قوله: "وطعمةً" عطف على قوله "طُهرةَ". والطعْمةُ- بضم الطاء وسكون العين- المَأكُلَةُ.
قوله: "من أداها" أي: من أدى زكاة الفطر قبل الصلاة- أي: صلاة العيد. واختلف العلماء في وقت وجوبها ووقت إخراجها ؛ فعند أبي حنيفة وأصحابه: يتعلق بطلوع الفجر يوم الفطر، وقال الشافعي: بغروب الشمس في اليوم الأخير من رمضان حتى أن من أسلم أو ولد ليلة الفطر تجب فطرته عندنا، وعنده: لا تجب، وعلى عكسه: من مات فيها من مماليكه أو ولد له.
__________
(1) معالم السنن (2/ 40- 41) .

(6/318)


وأما وقت إخراجها: فالمستحب إخراجها قبل الخروج إلى المصلى ؛
وهو قول عامة أهل العلم، وقد رخص ابن سيرين والنخعي في إخراجها
بعد يوم الفطر. وقال أحمد بن حنبل: أرجو أن لا يكون بذلك بأس.
وقال أصحابنا: فإن قدمها على يوم الفطر جاز، ولا تفضيل بين مدة
ومدة ؛ وهو الصحيح. وعن خلف بن أيوب: يجوز تعجيلها بعد دخول
/ رمضان لا قبله. وقيل: يجور تعجيلها في النصف الأخير من رمضان. وقيل في العشر الأخير. وقال الحسن بن زياد: لا يجوز تعجيلها أصلا كالأضحية وتسقط بمضي يوم الفطر، والصحيح من المذهب: إنها لا
تسقط بالتأخير لأن وجه القربة فيها معقول فلا يتعذر وقت الأداء فيها بخلاف الأضحية.
قوله: "ومن أداهما بعد الصلاة" أي: بعد صلاة العيد. وليس فيها ما
يدل على أنه إذا أداها بعد الصلاة أنها لا تقبل ؛ بل الذي يدل أن إخراجها
قبل الصلاة أفضل، لئلا يتشاغل الفقير بالمسألة عن الصلاة، والحديث:
أخرجه ابن ماجه. ورواه الدارقطني وقال: ليس في رواته مجروح.
ورواه الحاكم فيه المستدرك، (1) وقال: على شرط البخاري ولم يخرجاه. وقال الشيخ في "الإمام": لم يخرج الشيخان لأبي يزيد ولا لسيارٍ ، والله أعلم.
17- بَابُ: مَتَى تُؤَدى؟
أي: هذا باب في بيان وقت أداء صدقة الفطرِ.
1729- ص- نا عبد الله بن محمد النفيلي: نا زهير: نا موسى بن عقبة عن نافع، عن ابن عمر قال: أمَرنا رسولُ اللهِ- عليه السلام- بزكاةِ الفطرِ أن
__________
(1) (1/ 409) .

(6/319)


تؤدى قبل خُرُوج الناس إلى الصلاةِ. قال: وكان (1) ابنُ عُمرَ يُؤَديها قبلَ ذلك باليوم واليومينِ (2) .
ش- زهير: ابن معاوية.
قوله: " أمرنا رسول الله- عليه السلام- " هذا الأمر للاستحباب لينتفع بها المسلمون، ويغنوا عن الطواف في ذلك اليوم- كما ذكرنا- فيجوز التقديم ولا تسقط بالتأخير. والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وليس في حديثهم فعل ابن عمر رضي الله عنهما. ورواه الدارقطني، وفيه: وإن عبد الله كان يخرجها قبل ذلك بيوم أو يومين. وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" والدارقطني في "سننه " عن الحجاج بن أرطأة، عن عطاء، عن ابن عباس قال: من السنة أن تخرج صدقة الفطر قبل الصلاة، ولا تخرج حتى يطعم.
18- بَاب: كَمْ يُؤدى في صَدقة الفطر؟
أي: هذا ثالث في بيان كمية صدقة الفطر.
1730- ص- نا عبد الله بن مسلمة: نا مالك، وقرأه مالك عليَّ- أيضاً- عن نافع، عن ابن عمر أن رسولَ الله- عليه السلام- فَرضَ زكَاةَ الفِطرِ - قال فيه فيما قَرَأه على مالك- زَكَاةَ اَلفطرِ من رَمضانَ صاعا (3) من تَمر، أو صاعا (3) من شَعِيرٍ على كل حُرٍ أو عبدٍ ، ذكرٍ أم (4) أنثى من المُسلمين. (5)
__________
(1) في سنن أبي داود: " فكان ".
(2) البخاري ؛ كتاب الزكاة، باب: الصدقة قبل العيد (1509) ، مسلم: كتاب الزكاة، باب: الأمر، إخراج زكاة الفطر قبل الصلاة 23- (986) ، الترمذي: كتاب الزكاة، باب: ما جاء في تقديمها قبل الصلاة (677) ، النسائي: كتاب الزكاة، باب الوقت الذي يستحب أن تؤدى صدقة الفطر فيه (5/ 41، 42) .
(3) في سنن أبي داود: " صاع "، وأشار المصنف إلى أنها نسخة.
(4) في سنن أبي داود: " أو ".
(5) البخاري: كتاب الزكاة، باب: صدقة الفطر على العبد وغيره من المسلمين (1504) ، مسلم: كتاب الزكاة، باب: زكاة الفطر على المسلمين من التمر والشعير 12- (984) ، الترمذي: كتاب الزكاة، باب: ما جاء في صدقة الفطر (676) ، النسائي: كتاب الزكاة، باب فرض زكاة رمضان على الصغير
(5/ 247) ، ابن ماجه: كتاب الزكاة، باب: زكاة الفطر (1826) .

(6/320)


ش- انتصابُ " صاعا" على أنه بدل من قوله: "زكاة الفطر" المنصوب على المفعولية. وفي بعض النسخ: أن رسول اللّه- عليه السلام- فرض زكاة الفطر "قال فيه فيما قرأه على مالك زكاةُ الفطر من رمضانَ صاغ من تمرٍ أو صاع من شعيرٍ " إلى آخره بارتفاع صاع على أنه خبر لقوله: "زكاة الفطر" المرفوع بالابتداء. أما التمر والشعير فليس فيهما خلاف أنه يؤدي منهما صاعاً والخلاف في الحُرّ، والزبيب، فعند أبي حنيفة وصاحبَيه: يؤدى من البر نصف صاع. وهو قول جماعة من الصحابة. وعند الشافعي، ومالك، وأحمد، وإسحاق: لا يجزئه أقل من صاع. وأما الزبيبُ: فكذا نصف صاع عند أبي حنيفة في رواية، وعند أبي يوسف، ومحمد: الزبيب بمنزلة الشعير ؛ وهو رواية عن أبي حنيفة، وسيأتي دلائل كل واحد منهم إن شاء الله تعالى.
قوله: " على كل حر أو عبد " ظاهرُه: إلزام العبد نفسَه ؛ إلا أنه لا ملك له فيلزم سيده إخراجه عنه. وقال داود: هو لازم للعبد، وعلى سيده أن يمكنه من الكسب، فيكتسب فيؤدي من كسبه.
وقال الخطابي (1) : وفيه دليل على وجوبها على الصغير منهم والكبير، والحاضر والغائب، وكذلك السبق منهم والمرهون والمغْصوب، وفيه دليل على أنه يُزكي عن عبيده المسلمين كانوا للتجارة أو للخدمة، وعلى أنه لا يزيد عن عبيده الكفار لقوله: "من المسلمين" فَقيدَه بشرط الإسلام، فدلّ أن عبده الذمي لا يلزمه، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد. وروي ذلك عن الحسن البصري، وقال الثوري، وأصحاب الرأي: يؤدي عن العبد الذمي ؛ وهو قول عطاء والنخعي.
قلت: قال أصحابنا: لا يجب عن عبده الآبِق ؛ لأنه ليْس في محنته.
" (2) وقد روى الدارقطني (3) ثم البيهقي (4) من حديث القاسم بن
__________
(1) معالم السنن (2/ 41- 42) .
(2) انظر: نصب الراية (2/ 412- 413) .
(3) (2/ 141) .
(4) السنن الكبرى (4/ 161) .
21 . سنن أبي داوود 6

(6/321)


عبد الله بن عامر بن زرارة: نا عمير بن عمار الهمداني:/ نا الأبيض ابن الأغر: حدثني للضحاك بن عثمان، عن نافع، عن ابن عمر قال: " أمر رسول اللّه- عليه السلام- بصدقة الفِطر عن الصغير والكبير، والحر والعبد ممن يتمولون " قال الدارقطني: رفعه القاسم هذا ؛ وهو ليس بالقوي ؛ والصواب موقوف. وقال صاحب "التنقيح": القاسم وعمير لا يُعرفان بجرح ولا تعديل، وكلاهما من أولاد المحدثين ؛ فإن والد القاسم مشهور بالحديث، وجد عمير هو أبو الغريف الهمداني الكوفي مشهور، والأبيض بن الأغر له مناكير (1) .
وقال أصحابنا: لا يزيد زكاة الفطر عن عبده للتجارة ؛ لأنه يؤدي عنه الزكاة، فإذا أوجبنا عليه زكاة الفطر- أيضا- يُؤدي إلى الثني، ولا ثَني في الصدقة. وقال أصحابنا- أيضا-: يؤدي صدقة الفطر عن عَبْده الكافر ؛ لما روى الدارقطني عن سلام الطَويل، عن زيد العمي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه- عليه السلام-: " أدوا صدقة الفطر عن كل صغير وكبير، ذكر أو أنثى، يهودي أو نصراني، حر أو مملوك، نصف صاع من بر، أو صاعا من تمر، أو شعير"، وقال: لم يُسنده غير سلام الطويل ؛ وهو متروك. ورواه ابن الجوزي في " الموضوعات " وقال: زيادة اليهودي والنصراني فيه مَوضوعة، انفرد بها: سلام الطويل وكأنه تعمّدها وأغْلظ فيه القولَ عن النسائي، وابن معين، وابن حبان. قلت: جازف ابن الجوزي في مقالته من غير دليل، فكان ينبغي أن يذكره مثل الدارقطني، وكيف وقد أخرج الطحاوي في " المشكل " ما يؤيده، عن ابن المبارك، عن ابن لهيعة، عن عبيد اللّه بن أبي جعفر، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: كان يُخرج زكاة الفطر عن كل إنسان
__________
(1) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.

(6/322)


يَعُول من صغيرٍ وكبير، حر أو عبد ولو كان نصرانيا مُدَيْن من قمح، أو صاعا من تمرٍ . وحديث ابن لهيعة يَصلح للمتابعة ؛ سيما من رواية ابن المبارك عنه.
وأخرج عبد الرزاق في "مُصنفه "، عن ابن عباس قال: يخرج الرجل زكاة الفطر عن كل مملوك له وإن كان يهوديا أو نصرانيا.
وأخرج الدارقطني، عن عثمان بن عبد الرحمن، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان يخرج صدقة الفطر عن كل حر وعبد صغير وكبيرٍ ، ذكر وأنثى، كافر ومسلم، حتى إن كان ليخرج عن مكاتبته من غلمانه. قال الدارقطني: وعثمان هذا هو الوقاصي ؛ وهو متروك.
وأخرج ابن أبي شيبة، عن إسماعيل بن عياش، عن عمرو بن مهاجر، عن عمر بن عبد العزيز قال: سمعته يقول: يؤدي الرجل المسلم عن مملوكه النصراني صدقة الفطر.
حدثنا عبد اللّه بن داود، عن الأوزاعي قال: بلغني عن ابن عمر أنه كان يُعطي عن مملوكه النصراني صدقة الفطر.
نا وكيع، عن ثور، عن سليمان بن موسى قال: كتب إلى عطاء يسأله عن عبيد يهود ونصارى أطعم عنهم زكاة الفطر؟ قال: نعم.
نا ابن عياش، عن عبيدة، عن إبراهيم قال مثل قول عمر (1) بن عبد العزيز.
نا محمد بن بكر، عن ابن جريج قال: قال عطاء: إذا كان لك عبيد نصارى لا يُدارُون- يعني: للتجارة- فَزَك عنهم يوم الفطر.
وحديث ابن عمر: أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه ".
"وقال (2) الشيخ في " الإمام": وقد اشتهرت هذه اللفظة- أعني
__________
(1) في الأصل: "ابن عمر " خطأ.
(2) انظر: نصب الراية (2/ 414- 416) .

(6/323)


قوله: " من المسلمين " من رواية مالك حتى قيل: إنه تفرد بها، قال أبو قلابة عبد الملك بن محمد: ليس أحد يقول فيه: " من المسلمين" غير مالك. وقال الترمذي بعد تخريجه له: زادَ فيه مالك: "من المسلمين" وقد رواه غير واحد عن نافع فلم يقولوا فيه: "من المسلمين". انتهى. قال: فمنهم الليث بن سعد ؛ وحديثه عند مسلم، وعبيد اللّه (1) بن عمر ؛ وحديثه- أيضا- عند مسلم، وأيوب السختياني وحديثه عند البخاري ومسلم- كلهم- رووه عن نافع، عن ابن عمر فلم يقولوا فيه: " من المسلمين" قال: وتبعهما على هذه المقالة جماعة، قال الشيخ: وليس بصحيح فقد تابع مالكا على هذه اللفظة من الثقات سبعة: وهم عمر بن نافع، والضحاك بن عثمان، والمعلى بن إسماعيل، وعُبيد اللّه ابن عمر، وكثير بن فرقد، وعبد اللّه بن عمر العمري، ويونس بن يزيد. فحديث عمر بن نافع: رواه البخاري في "صحيحه " عنه، عن أبيه:
/ نافع، عن ابن عمر قال: فرض رسول اللّه- عليه السلام- زكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعيرِ على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل الصلاة.
وحديث للضحاك بن عثمان: أخرجه مسلم، عنه، عن نافع، عن
ابن عمر قال: فرض رسول اللّه- عليه السلام- زكاة الفطر من رمضان على كل نفسِ من المسلمين: حر أو عبد، رجل أو امرأة، صغير أو كبير، صاعا من تمر، أو صاعا من شعيرِ (2) .
وحديث المعلى بن إسماعيل: أخرجه ابن حبان في " صحيحه " في النوع الرابع والعشرين من القسم الأول، عنه، عن نافع، عن ابن عمر قال: أمر رسول اللّه زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، عن كل مسلم صغيرِ وكبير، حر أو عبدِ، قال ابن عمر: ثم إن الناس جعلوا عدل ذلك مدين من قمح.
__________
(1) في الأصل: "عبد الله " خطأ.
(2) مسلم (984/ 16) .

(6/324)


وحديث عبيد الله بن عمر: أخرجه الحاكم في "المستدرك " عنه، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول اللّه- عليه السلام- فرض زكاة الفطر صاعا من تمرِ، أو صاعا من بر، على كل حرِّ أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين، وصحّحه، ورواه الدارقطني في " سننه " والطحاوي في "مشكله" (1) .
وحديث كثير بن فرقد: أخرجه الحاكم في "المستدرك" عنه، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله- عليه السلام- فرض زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من بر على كل حرِّ أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين، وصحّحه، ورواه الدارقطني في "سننَه " والطحاوي في "مشكله " (2) .
وحديث عبد اللّه (3) بن عمر العمري: أخرجه الدارقطني، عنه، عن ابن عمر بنحوه سواء (4) .
وحديث يونس بن يزيد: أخرجه الطحاوي في " مشكله " عنه أن نافعا أخبره قال: قال عبد اللّه بن عمر: فرض رسول اللّه- عليه السلام- على الناس زكاة الفطر من رمضان صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، على كل إنسان: ذكر أو أنثى، حر أو عبدِ من المسلمين (5) .
قلت: التحقيق في هذا المقام: أن في صدقة الفطر نصان أحدهما: جعَل الرأس المطلق سببا وهو الرواية التي ليس فيها "من المسلمين "، والنص الآخر: جعَل رأس المسلم سبباً ولا تنافي في الأسباب إذ يجوز أن يكون لشيء واحد أسباب متعددة شرعا وحسا على سبيل البدل ؛
__________
(1) المستدرك (1/ 410) وتصحف فيها عبيد اللهب إلى معبد اللهب، والدارقطني (2/ 139) وكذلك أحمد
(2/ 66، 137) .
(2) لم أجده في المطبوع من المستدرك، وأخرجه الدارقطني (2/ 140) وكذلك البيهقي (4/ 162) .
(3) في الأصل: "عبيد الله" خطأ.
(4) سنن الدارقطني (2/ 1410) .
(5) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.

(6/325)


كالملك يثبت بالشراء والهبة والصدقة والوصية والإرث فإذا انتفت المزاحمة وجب الجمع لإجراء كل واحد من المطلق والمقيد على سننه من غير حمل أحدهما على الآخر، فيجب أداء صدقة الفطر عن العبد الكافر بالنص المطلق، وعن المسلم بالمقيّد.
فإن قيل: إذا لم يحمل المطلق على المقيّد أذى إلى إلغاء المقيّد ة فإن حكمه يفهم من المطلق فإن حكم العبد المسلم يُستفاد من إطلاق اسم العَبْد، فلم يبق لذكر المقيّد فائدة.
قلت: ليس كذلك ؛ بل فيه فوائد، وهي أن يكون المقيد دليلاً على الاستحباب والفضل أو على أنه عزيمة والمطلق رخصة أو على أنه أهم وأشرف، حيث نص عليه بعد دخوله تحت الاسم المطلق كتخصيص الصلاة الوسطى، وجبريل وميكائيل بعد دخولها في مطلق الصلوات ودخولهما في مطلق اسم الملائكة، ومتى أمكن العمل بهما، واحتمال الفائدة قائم، لا يجوز إبطال صفة الإطلاق.
1731- ص- نا يحيى بن محمدين الَسكن: نا محمد بن جهضَم: نا إسماعيل بن جعفر، عن عُمر بن نافع، عن أبيه، عن عبد الله بن عمر قال: فَرَضَ رسولُ الله زَكَاةَ الفِطر صَاعا. فذكر معنى مالك، زاد: والصغيرِ والكبيرِ، وَأمرَ بهَا أن تُؤَدى (اَ) قبلَ خُروج الناسِ إلى الصًلاةِ (2) .
ش- يحيى بن محمد بن السكن: ابن حبيب القرشي، أبو عبيد اللّه، ويُقال: أبو عُبَيد البصري البزار، سكن بغداد، روى عن: معاذ بن هشام، وروح بن عبادة، ومحمد بن جَهضم وغيرهم، روى عنه:
__________
(1) في الأصل: "تؤدوا".
(2) البخاري: كتاب الزكاة، باب: فرض صدقة الفطر (1503) ، النسائي: كتاب الزكاة، باب: فرض زكاة رمضان على المسلمين دون المعاهدين

(6/326)


البخاري، وأبو داود، والنسائي وجماعة آخرون، قال النسائي: ليس به بأس (1) .
و إسماعيل بن جعفر: ابن أبي كثير الأنصاري المدني.
وعمر بن نافع القرشي العدوي مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب،
أخو عبد اللّه وأبي بكر، روى عن: أبيه، والقاسم بن محمد، روى
عنه: يحيى بن سعيد الأنصاري،/ وعبيد الله بن عمر، ومالك بن أنس، وعبد العزيز الدراوردي وغيرهم، قال أحمد: هو من أوثق وَلَد
نافع، وقال ابن معين وأبو حاتم: لا بأس به. روى له: البخاري،
ومسلم، وأبو داود، والنسائي (2) .
قوله: " فذكر معنى مالك " أي: معنى حديث مالك المذكور، وزاد في
روايته: "والصغير والكبيرَ" إلى آخره. وأخرجه البخاري، والنسائي
وقد ذكرناه الآن بلفظ البخاري.
ص- قال أبو داود: رَواه عبدُ الله العُمَري، عن نافعِ (3) قال: على كلِّ مُسلمِ.َ
ش- أي: روى الحديث المذكور عبد الله بن عُمر بن حفص بن عاصم
ابن عمر بن الخطاب القرشي العُمري، عن نافع مولى ابن عُمر، عن
ابن عمر قال: على كل مسلم. ورواه الدارقطني (4) من طريقه ؛ ولفظه:
" زكاة الفطر فرض على كل مسلم: حُر وعبدِ، ذكر وأنثى من المسلمين،
صاع من تمر، أو صاع من شعير".
ص- ورواهُ سعيد الجُمحي، عن عبيد الله، عن نافعِ قال فيه: من
المسلمين، والمشهورُ عن عبيدِ اللهِ ليس فيه "مَن المسلمين".
ش- أي: روى الحديث المذكور سَعيد بن الحكم بن محمد بن
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (31/ 6911) .
(2) المصدر السابق (21/ 4311) .
(3) في سنن ق بي داود: "بإسناده".

(6/327)


أبي مريم الجُمحي أبو محمد المصرفي (1) ، عن عبيد الله بن عمر بن حفص أخو عبد اللّه بن عمر بن حفص المذكور، عن نافع، عن ابن عمر أن رسولَ اللّه- عليه السلام- فرض زكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من بر على كل حر أو عبدٍ ذكر أو أنثى من المسلمين. ورواه الحاكم، والدارقطني، والطحاوي، وقد ذكرناه الآن.
قوله: " والمشهور عن عبيد الله" أي: الذي اشتهر من رواية عبيد اللّه المذكور أن رسول اللّه- عليه السلام- فرض زكاة الفطر، الحديث وليس فيه " من المسلمين " كما أشار إليه الترمذي، وقد ذكرناه.
1732- ص- نا مسلّم أن يحيى بن سَعيد، وبشر بن المفضل حدثتهم عن عُبيد الله ح أنا مُوسى بن إسماعيل: نا أبان، عن عبيد الله، عن نافع، عن عبد اللّه، عن رسولِ الله- عليه السلام- أنه فَرضَ صَدقةَ الفطرِ صَاعا من شَعير، أو تَمرٍ على الصَغيرِ والكبيرِ، والحرّ والمملوكِ. زَادَ مُوَسى: والذكرِ والأنثًى (2) .
ش- أي: زاد موسى بن إسماعيل في روايته: والذكر والأنثى. والحديث أخرجه البخاري، ومسلم، ورواه أبو داود من طريقين، اْحدهما: من طريق مُسدد، عن يحيى بن سَعيد الأنصاري، والآخر: عن موسى بن إسماعيل، عن أبان بن يزيد العطار- كما ترى.
ص- قال أبو داودَ: قال فيه أيوبُ وعبدُ الله في حديثهم (3) : عن نافع: ذكرٍ أو أنثى- أيضاً.
__________
(1) كذا، والذي عند أحمد والدارقطني والحاكم والبيهقي "سعيد بن عبد الرحمن الجمحي، وهو المعروف بالرواية عن عبيد الله بن عمر العمري "، والله أعلم.
(2) البخاري: كتاب الزكاة، باب: صدقة الفطر على الحر والمملوك (1511) ، باب: صدقة الفطر على الصغير والكبير (1512) ، مسلم: كتاب الزكاة، باب: زكاة الفطر على المسلمين من التمر والشعير 14- (984) .
(3) في سنن أبي داود: " في حديثهما ".

(6/328)


ش- أي: قال في الحديث أيوب السختياني، وعبد اللّه بن عمر بن حفص العمري إلى آخره.
1733- ص- نا الهيثم بن خالد الجُهني: نا حُسَين بن علي الجعفي، عن زائدة: نا عَبْد العزيز بن أبي رَوَّاد، عن نافع، عن عبد الله بن عمر قال: كان الناسُ يُخْرِجُون صَدقةَ الفِطرِ على عهد رسول الله- عليه السلام- صاعا من شَعير أو تمر أو سلت أو زبيب. قال: قال عبَدُ اللهِ: فلما كانَ عُمرُ وكَثُرَت الحِنطة، جَعل عُمرُ نصْفَ صاع حِنطة مَكانَ صاع من تلك الأشْياء (1) .
ش- زائدة: ابن قدامه الكوفي .
قوله: " أو سلت "السلت- بضم السين المهملة، وسكون اللام، وبعدها تاء ثالث الحرَوف- ضرب من الشعير ليس له قشر كأنه الحنْطة، وقيل: هو نوع من الحنطة، والأول اْصح. والحديث: أخرجه النسائي - أيضا- وأعله ابن الجوزية بعبد العزيز، قال: قال ابن حبان: كان يُحدث على التوهم، فسقط الاحتجاج به. وقال زكي الدين في "مختصره": وفي إسناده: عبد العزيز وهو ضعيف. وقال صاحب "التنقيح": وعبد العزيز هذا وإن كان ابن حبان تكلم فيه فقد وثقه يحيى ابن سعيد القطان وابن معين وأبو حاتم الرازي وغيرهم، والمُوثقون له أعرف عن المُضعفين، وقد أخرج له البخاري استشهاده.
1734- ص- نا مسدد، وسليمان بن داود العتبي قالا: نا حماد، عن أيوب، عن نافع قال: قال عبد الله: فَعدلَ الناسُ بَعدُ نصْفَ صاع من بحر. قال: وكان عبدُ الله يُعْطي التمرَ فأعوزَ أهلُ المدينةِ التمرَ عاما فأعطى الشعِير (2) .
__________
(1) النسائي: كتاب الزكاة، باب: زكاة الفطر (5/ 53) .
(2) البخاري: كتاب الزكاة، باب: فرض صدقة الفطر (1503) ، وباب: صدقة الفطر صاعا من تمر (1507) ، مسلم: كتاب الزكاة، باب: زكاة الفطر على المسلمين من التمر والشعير 13- (984) ، الترمذي: كتاب الزكاة، باب: ما جاء في تقديمها قبل الصلاة (675) ، النسائي: كتاب الزكاة، باب: زكاة
فرض رمضان (5/ 46) ، وباب: فرض زكاة رمضان على المملوك (5/ 47) .

(6/329)


ش- حماد بن سلمة، وأيوب السختياني، وعبد الله (1) بن عمر.
قوله: " بعدُ" أي: بعد أن كانوا يخرجون صاعا من شعير أو تمرٍ أو زبيبٍ . والحديث: أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي/ والنسائي مختصرا ومُطولا.
1735- ص- نا عبد الله بن مسلمة: نا داود- يعني: ابن فيس-، عن عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدري قال: كنا نُخرج إِذْ كان فينا رسولُ الله- عليه السلام- زَكاةَ الفطرِ عن كل صغيرٍ وكبيرٍ ، حر أو مملوكٍ : صاعا منْ طعامٍ ، صاعا من أقط (2) ، أو صاعا من شَعيرٍ ، أو صاعًا من تمر، أو صاعا من زَبيب، فلم نَزَل نُخْرِجُه حتى قَدِمَ معاوية حاجا أو مُعتمرا، فكلَّمَ الناسَ على المنْبر، فكان فيما كَلَّمَ به الناسَ أن قال: إني أرى مُدَّيْنِ (3) من سَمْرَاء الشاب تعدلُ (4) صاعا من تمر، فأخذ بذلك الناسُ، فقال أبو سعيد: فأما أنا فلا أزالُ أَخْرجُه أبدا ما عشْت (5) .
ش- داود بن قيس الفراء أبوه اليمن الدباغ المدني، وعياض بن عبد الله
ابن سَعد بن أبي سَرْح القرشي.
قوله: " إذ كان " أي: حين كان فينا رسول الله- عليه السلام-.
قوله: " صاعا من طعام" استدلت به الشافعية أن صدقة الفطر من الحنطة صاع، وقالوا: المراد من الطعام: البر في العُرف، ولا سيما وقع في رواية للحاكم: "صاعا من حنْطةٍ " أخرجها في "المستدرك " (6) من طريق
__________
(1) في الأصل: "عبيد الله " خطأ.
(2) في سنن أبي داود: " أو صاعا من أقل ".
(3) في سنن أبي داود: " أن مدين" (4) في سنن أبي داود: " تعد ". البخاري: كتاب الزكاة، باب: صاع من شعير (1505) ، مسلم: كتاب الزكاة، باب: زكاة الفطر على المسلمين من التمر والشعير 17- (985) ، الترمذي: كتاب الزكاة، باب: ما جاء في صدقة الفطر (673) ، النسائي: كتاب الزكاة، باب: التمر في زكاة الفطر (5/ 51) ، ابن ماجه: كتاب الزكاة باب: صدقة الفطر (1829) .

(6/330)


أحمد بن حنبل، عن ابن علية، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن عبد الله بن عثمان بن حكيم بن حزام، عن عياض بن عبد الله قال: قال أبو سعيد وذكر عنده صدقة الفطر فقال: لا أخرج إلا ما كنتُ أخْرجُه في عهد رسول الله- عليه السلام- صاعا من تمرِ، أو صاعا من حنطة، أو صاعا من شعيرِ، فقال له رجل من القوم: أو مدين من قمح، فَقال: لا، تلك قيمة معاوية، لا أقْبلها ولا أعملُ بها. انتهى. وصححه، ورواه الدارقطني في "سننه" (1) من حديث يعقوب الدورقي، عن ابن علية، به سندا ومتنا. ومن الشافعيّة من جعل هذا الحديث حجة لنا من جهة أن معاوية جعل نصف صاع من الحنطة عدل صاع من التمر والزبيب. وقال الشيخ محيي الدين: هذا الحديث معتمد أبي حنيفة، ثم أجاب عنه بأنه فعل صحابي، وقد خالفه أبو سعيد وغيره من الصحابة ممن هو أطول صحبة منه وأعلم بحال النبي- عليه السلام-، وقد أخبر معاوية بأنه رأيي رآه لا قول سمِعَه من النبي- عليه السلام-.
قلنا: أما قولهم: إن الطعام في العُرْف: هو البر، فممنوع ؛ بل الطعام يُطلقُ على كل مأكول، وهنا أريد به أشياء ليست الحنطة منها، والدليل على ذلك: أن قوله: "صاعا من أقط" بدل من قوله: "صاعا من طعام" أو بيان عنه وما بعده عطف عليه، ولو كان المراد من قوله: "صاعا" من طعامه هو البر لقالَ: "أو صاعا من أقطِ" بحَرف (أو) الفاصلة بين الشيئين.
فإن قيل: قد روى غير. أبي داود بحَرْف " أو" من أوله إلى آخره: "صاعا من طعام، أو صاعا من أقط" إلى آخره. قلت: كفى لنا حجة رواية أبي داود مع صحة الحديث بلا خلاف، ومما يؤيد ما ذكرنا: ما جاء فيه عند البخاري، عن أبي سعيد قال: كنا نخرج في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفطر صاعا من طعام. قال أبو سعيد: وكان طعامنا: الشعير
__________
(1) (2 / 145- 146) .

(6/331)


والزبيب والأقط والتمرُ، وأما ما رواه الحاكم فيه: " أو صاعا من حنطةٍ " فقد أشار أبو داود إلى هذه الرواية على ما يجيء الآن، وقال: وليس بمحفوظ. وقال ابن خزيمة فيه: وذكر الحنطة في هذا الخبر غير محفوظ، ولا ادْري ممن الوهم؟، وقول الرجل له: "أو مدين من قمح " دالّ على أن ذكر الحنطة في أول الخبر خطأ ووهم إذ لو كان صحيحا لم يكن لقوله: "أو مدين من قمح " معنى، وقد عرف تساهُل الحاكم في تصحيح الأحاديث المداولة.
وأما قول الشيخ محيي الدين: إنه فعل أصحابنا. قلنا: قد وافقه غيره من الصحابة الجمّ الغفيرة بدليل قوله في الحديث: "فأخذ الناس بذلك" ولفظة: " الناس " للعموم فكان إجماعاً وكذلك ما أخرجه البخاري ومسلم، عن أيوب السختياني، عن نافع، عن ابن عمر قال: " فرض رسول الله- عليه السلام- صدقة الفطر على الذكر والأنثى، والحر والمملوك، صاعا من تمر، أو صاعا من شعيرٍ ، فعدل الناس به مدين من حنطة " (1) / ولا تضر مخالفة أبي سعيد لذلك بقوله: أما أنا فلا أزال أخرجه ؛ لأنه لا يَقْدح في الإجماع سيما إذا كان فيه الخلفاء الأربعة، أو نقول: أفاد الزيادة على قدر الواجب تطوعاً
قوله: "من سَمْراء الشام " السمْراء- بفتح السين لمهملة، وسكون الميم، وبعدها راء مهملة ممدودة-: هو البر الشافي، ويَطلق على كل بر. والحديث: أخرجه الجماعة.
ص- قال أبو داود: رواه ابنُ عُلَيّةَ وعَبْدةُ وغيرُهما، عق ابن إسحاق، عق عبد الله بن عبد الله بن عثمان بن حكيم بن حِزَام، عن عياض، عن أبي سعيد الخدري بمعناه، وذكر رجل واحد فيه عق ابن عُفَيةَ: أو صاعٍ حنطةٍ (2) وليس بمحفوظ.
ش- أي: روى الحديث المذكور إسماعيل ابن علية، وعَبْدة السلْماني،
__________
(1) تقدم قريباً
(2) في سنن أبي داود: "أو صاعا من حنطة".

(6/332)


عن محمد بن إسحاق، عن عَبْد اللّه بن عبد اللّه بن عثمان بن حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصيّ القرشي الأسدي، عن عياض بن عَبْد اللّه بن سَعْد، عن أبي سعيد الخدري بمعنى الحديث المذكور، ورواه الحاكم، والدارقطني- كما ذكرناه آنفا.
قوله: " وليس بمحفوظ" أي: ليس ذكر " أو صاع حنطة" في الحديث بمحفوظ، وأشار به إلى تضاعيف هذه الرواية وقد ذكرناه الآن.
1736- ص- نا مسدد: أنا إسماعيل ليس فيه ذكر الحنْطة (1) .
ش- أشار بهذه الرواية- أيضاً إلى تضعيف تلك الرواية التي فيها ذكر "أوْ صاع حنطة"، وذلك أن إسماعيل ابن عليّة أخبر مسدد بن مسرهد بهذا الحديث، وليس فيه ذكر الحِنطة.
ص- قال أبو داود: وقد ذكر معاوية بن هشام في هذا الحديث، عن الثوري، عن زيد بن أسلم، عن عياض، عن أبي سعيد الخدري: نصفَ صاعٍ من بُر ؛ وهو وهام من معاوية بنِ هشامٍ أو ممن روى عنه (2) .
ش- أشار بهذا التعليق إلى أن الرواية التي فيها: " نصف صاع من بُرّ" وهم إما من معاوية بن هشام القصار الكوفي أو ممن روى عنه.
1737- ص- نا حامد بن يحيى : أنا سفيان ح، ونا مسددّ: نا يحرص، عن ابن عجلان سمع عياضاً قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: لا أخرجُ أبدا إلا صاعا ؛ إنا كُنا نُخرجُ على عهْد النبيَّ- عليه السلام- صاعَ تمر أو شعيرٍ أو أقط أو زبيبٍ (3) .َ
__________
(1) انظر التخريج المتقدم.
(2) في سنن أبي داود: وأو ممن رواه عنها.
(3) البخاري: كتاب الزكاة، باب: صاع من شعير (1505) ، مسلم: كتاب الزكاة، باب: زكاة الفطر على المسلمين من التمر والشعير (985) ، الترمذي:
كتاب الزكاة، باب: ما جاء في صدقة الفطر (673) ، النسائي: كتاب الزكاة، باب: التمر في زكاة الفطر
(5/51) ، وباب: الزبيب (5/ 51) ، وباب: الدقيق (5/ 52) ، وباب: الشعير (5/ 53) ، ابن ماجه: كتاب الزكاة،
باب: صدقة الفطر (1829) .

(6/333)


ش- سفيان: ابن عُيينة، ويحيى: القطان، ومحمد: ابن عجلان، وعياض: ابن عبد الله.
قوله: "أو أقل " الأقط- بفتح الهمزة وكسور القاف وفي آخره طاء مهملة-: وهو لبن مجفف يابسة مُستحجر يُطبخُ به. وقال الجوهري: الأقل معروف، وربما سكن في الشعر، وتنقل حركة القاف إلى قبلها، قال الشاعر:
رُويدَك حتى يَنْبُتُ البَقْلُ وَالغَضَا ... فيكْثُرُ أقْط عِنْدهم وحلِيبُ
وائتقطتُ: اتخذتُ الأقط، وهو افتعلتُ، وأقَطَ طعامَه يأقطُه أقْطا عملَه بالأقِطِ فهو مأقوط ،َ وهو بالفارسية: مَاسْتينَه. وبه استدَل مالك على أنه يخرج من الأقل صاعاً وبما مضى من الرواية- أيضاً واعتبر أصحابنا فيه القيمة.
" (1) قال القاضي: واختلف في النوع المخرج فأجمعوا أنه يجوز البر والزبيب والتمر والشعير، إلا خلافا في البر لمن لا يعتد بخلافه، وخلافا في الزبيب لبعض المتأخرين، وكلاهما مسبوق بالإجماع مردود قوله به. وأما الأقِط: فأجازه مالك، والجمهور ومنعه الحسنُ، واختلف فيه قول الشافعي، وقال أشهب: لا يخرج إلا هذه الخمسة، وقاسَ مالك على هذه الخمسة كل ما هو عيش أهل بلد من القطاني وغيرها، وعن مالك قول آخرُ: أنه لا يجزئ غير المنصوص عليه في الحديث وما في معناه، ولم يجز عامة العلماء إخراج القيمة، وأجازه أبو حنيفة. وقال الشيخ محيي الدين: قال أصحابنا: جنْس الفطرة: كل حب يجبُ فيه العشر، ويجزئ الأقل على المذهب، والأصح أنه يتعين عليه غالب قوت. البلدة، الثاني: يتعلق قوت نفسه، والثالث: يتخير بينهما، فإن عدل عن الواجب إلى أعلى منه أجزأت، وأن عدل إلى دونه لم يُجزِئه،.
قلت: قال أصحابنا: دفع الحنطة أفضل في الأحوال كلها، سواء كان
__________
(1) انظر: شرح صحيح مسلم (7/ 60- 61) .

(6/334)


أيام الشدة أو لم يكن، ودقيق الحنطة وسويقها كالحنطة، ودقيق الشعير
وسويقه كالشعير، وإن أراد أن يعطي من الحبوب من جنس آخر يعطي
بالقيمة لأنه ليس بمنصوص عليه.
ص- هذا حديث يحيى. زاد سفيان فيه/: أو صاع من دقيق. قال حامد فأنكروا عليه فتركه سفيان. قال أبو داود: فهذه الزيادة وهم من ابن عيينة. "
ش- أي: المذكور حديث يحيى بن سعيد القطان.
قوله: " زاد سفيان فيه" أي: زاد سفيان بن عيينة في الحديث: " أو صاع من دقيق ".
قوله: "قال حامد" يعني: حامد بن يحيى أحد شيوخ أبي داود.
قوله: " فهذه الزيادة" أعني: قوله: "أو صاع من دقيق" وهم من
سفيان بن عيينة. وقال البيهقي: رواه جماعة، عن ابن عجلان منهم:
حاتم بن إسماعيل، ومن ذلك الوجه: أخرجه مسلم في "الصحيح "
ويحيى القطان وأبو خالد الأحمر وحماد بن مسعدة، وغيرهم ة فلم ينكر
أحد منهم الدقيق غير سفيان، وقد أنكروا عليه فتركه، وروي عن ابن
سيرين، عن ابن عباس مُرْسلاً موقوفا على طريق التوهم وليس بثابتٍ ،
ورُوي من أوجه ضعيفة لا يُسْوى ذكرها.
قلت: ولذلك قال أصحابنا: الأولى أن يُراعَى في الدقيق القدر والقيمة
وكذا في السويق احتياطا.
19- بَابُ: مَنْ رَوَى نِصْفَ صَاعٍ مِن قَمْحٍ
أي: هذا باب في بيان روايات من روى نصف صاع من قمح في صدقة الفطر وفي بعض النسخ: "باب من رأى نصف صاع " من الرؤية. 1738- ص- نا مسدد، وسليمان بن داود العتكي قالا: نا حداد بن

(6/335)


زيد، عن النعمان بن راشد، عن الزهري. قال مُسدد: عن ثعلبة بن أبي صغَيْر، عن أبيه قال (1) : قال رسولُ اللهِ- عليه السلام-: " صَاع من بر أو قَمح على كل اثنَيْنِ صغيرٍ أو كبيرٍ ، حُر أو عبد، ذَكَر أو أنثى، أما غنِيكُم فيُزكيهِ اللهُ، وأما فَقِيرُكُم فيردُ اللهُ عليه أكثرَ مما أعطاهُ " (2) .
ش- النعمان بن راشد: الجزري الرَّقي. روى عن: الزهري، وميمون بن مهران، وزيد بن أبي أنيسة. روى عنه: جرير بن حازم، وحماد بن زيد، وابن جريج، ووهيب بن خالد، وضعفه يحيى بن سعيد جدا. وقال أحمد بن حنبل: مضطرب الحديث، روى أحاديث مناظير. وقال ابن مَعين: ضعيف. قال البخاري: وهِم في حديثه كثيراً وهو في الأصل صدوق. أخرج له الجماعة (3) .
وثعلبة بن أبي صُعَيْر: ويقال: ثعلبة بن عبد الله بن صعير العذري، حليف بني زهرة. وقال ابن معين: ثعلبة بن عبد الله بن أبي صعير، وثعلبة بن أبي مالك جميعا قد رأيا النبي- عليه السلام-. وقال في "الكمال ": روى عن: النبي- عليه السلام- في زكاة الفطر. روى عنه: ابنه: عبد اللّه، وعبد الرحمن بن كعب بن مالك. روى له: أبو داود (4) .
وذكر ترجمة ابنه: عبد الله فقال: عبد الله بن ثعلبة بن صعير، ويقال: ابن أبي صعير بن عمرو بن زيد بن سنان بن المهتجر بن سلامان بن عَدي بن صُعَيْر بن حران بن كاهل بن عدي الشاعر العُذري حليف بني زهرة، وعُذرة هو ابن سَعْد بن زيد بن ليث بن سُود بن أسلم بن إلحاف ابن قضاعة، يكنى: أبا محمد، مسَح رسول الله رأسه زمن الفتح ودعى
__________
(1) في سنن أبي داود: "وقال سليمان بن داود عن عبد الله بن ثعلبة أو ثعلبة بن عبد الله بن أبي صفير، عن أبيه".
(2) تفرد به أبو داود.
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (29/ 6440) . (4) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (1/ 202) ، وأسد الغابة (1/ 202) ، والإصابة (1/ 200) .

(6/336)


له، وحفظ عنه. روى له البخاري حديثاً وروى عن: أبيه، وعمر بن الخطاب، وشهد خطبته بالرابية. وروى عن: جابر بن عبد الله، وعن سعد بن أبي وقاص أنه شهد بدراً، وأنه كان يوتر بواحدة، ولم يُرو له عن النبي- عليه السلام-. روي عنه: سعد بن إبراهيم، والزهري، وعبد اللّه بن مسلم أخو الزهري، وغيرهم. وقيل: إنه ولد قبل الهجرة بأربع سنين، وتوفي سنة سبع وثمانين وهو ابن ثلاث وتسعين، وقيل: إنه توفي وهو ابن ثلاث وثمانين، وقيل: إنه ولد بعد الهجرة، وأن رسول اللّه توفي وهو ابن أربع سنين. وروى له: أبو داود، والنسائي. وقال المزني: عبد الله بن ثعلبة بن صعير، ويقال: ابن أبي صعير العذْري، أبو محمد المدني الشاعر، ويقال: ثعلبة بن عبد الله بن صعير، وأمه من بني زهرة، مسح رسولُ الله وجهه ورأسه زمن الفتح ودعي له. روى عن النبي- عليه السلام-، وعن أبيه: ثعلبة بن صعير، وجابر بن عبد اللّه، وسَعْد بن أبي وقاص، وعليه بن أبي طالب، وعمر بن الخطاب، وأبي هريرة. روى عنه: سعد بن إبراهيم، وعبد اللّه بن مسلم أخو الزهري، وعبد الحميد بن جَعْفر- ولم يُدركه-، ومحمد بن مسلم الزهري. قال سَعْد بن إبراهيم: نا عبد الله بن ثعلبة بن الأصْغر ابن أخت لنا. انتهى (1) . وصُعَيْر- بضم الصاد وفتح العَيْن المهملتين، / وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره راء.
قوله: "صاع " مرفوع بالابتداء وتخضع بالصفة، وهي قولُه:"من بر" وخبره: قوله: "على كل اثنَيْن ".
قوله: "أما غنيكم فيزكيه الله " أي: يُطهره الله من وسخ الآثام، أو معناه: يَزيدُه الله تعالى بركةً في ماله لأن معنى الزكاة: النماء وهي الزيادة، يُقال: زكى الزرع إذا نمشى.
__________
(1) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (2/ 271) ، وأسد الغابة (3/ 0 19) ، والإصابة (2/ 285) .
22 . شرح سنن أبي داوود 6

(6/337)


قال الخطابي (1) : في هذا حجة لمنْ ذَهب إلى أن صدقة الفطر من البر نصْف صاع، وفيه دليل على أنها واجبة على الطفل كوجوبها على البالغ، وفيه بيان ابن الفقير تلزمه صدقة الفطر إذا وجد ما يؤديه، ألا تراهُ يقولُ: "وأما فقيركم فيردّ اللّهُ عليه أكثر مما أعطاه"، فقد أوجب عليه أن يؤديها عن نفسه مع إجازته له أن يأخذ صدقة غيْره. وفي قوله: " ذكر أو أنثى" دليلٌ لمنْ أسقط صدقة الزوجة عن الزَّوْج لأنه في الظاهر: إيجاب على المرأة، فلا يزول الفرض عنها إلا بدليل، وهو مذهب أصحاب الراوي، والثوري. وقال مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق: يُخرج عن زوجته لأنه يمونها.
قلت: قوله: " فقد أوجب عليه أن يؤديها عن نفسه " غير مُسلم. لأن اللفظ ليْس فيه ما يَدلُّ على أنها تجب على الفقير بل مَعْناه: أن الفقيرَ إذا تبرع بها ابتغاء لمرضاة اللّه تعالى، فاللّه تعالى يُجازِيه في الدنيا بأن يرد عليه كثر مما أعطاه، وفي الآخرة بالثواب الجزيل.
" (2) واعلم أن هذا الحديث الذي رواه الزهري، عن عبد اللّه بن ثعلبة
له وجوه، اْحدها: رواية بكر بن وائل رواه أبو داود على ما نذكره عن قريب.
الثاني: رواية النعمان بن راشد، وهي التي ذكرناها الآن، وأخرجه الدارقطني (3) ، عن إسحاق بن أبي إسرائيل، عن حماد بن زيد، به مرفوعاً " أدوا صدقة الفطر صاعا من تمرٍ ، أو صاعا من شعير، أو نصْف صاع من بُر" إلى آخره، ثم أخرجه عن يزيد بن هارون (3) ، عن حماد بن زيد، به قال: " أدوا عن كل إنسان صاعا من بر عن الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والغني والفقير" إلى آخره، ثم أخرجه (4) ، عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد به، عن ثعلبة بن أبي صغير به،
__________
(1) معالم السنن (2/ 45) .
(2) انظر: نصب الراية (2/ 406- 410) .
(3) سننه (2/ 147) .
(4) (2/ 148) .

(6/338)


عن أبيه بنحو رواية يزيد، ثم أخرجه (1) عن خالد بن خداش، عن حماد بن زيد، وقال: بهذا الإسناد نحوه.
الوجه الثالث: رواية ابن جرْجة عن الزهري أخرجها الدارقطني عن يحيى بن جرجة، عن الزهري، عن عبد اللّه بن ثعلبة بن صُعَيْر أن رسول اللّه خطب فقال: " إن صدقة الفطر مدين من برّ عن كل إنسان، أو صاع مما سواه من الطعام" (2) ، ويحيى بن جرْجة: روى عنه: ابن جريج، وقزعة بن سويد. قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: هو شيخ. وقال الدارقطني: ليس بقوي.
الوجه الرابع: رواية ابن جريج، عن الزهري؟ رواه عبد الرزاق في "مُصنفه ": أخبرنا ابن جريج، عن ابن شهاب، عن عبد اللّه بن ثعلبة قال: خطب رسول اللّه- عليه السلام- الناسَ قبل الفطر بيوم الو يومين فقال: (أدّوا صاعا من بر أو قمح بين اثنَيْن أو صاعا من تمر أو شعير عن كل حر وعبد صغير وكبير". انتهى.
ومن طريق عبد الرزاق: رواه الدارقطني في "سننه " (3) ، والطبراني في "معجمه"، وهذا سند صحيح قوي.
الوجه الخامس: رواية بحر بن كنيز (4) السقا، عن الزهري أخرجه الحاكم في " المستدرك " في كتاب "اَلفضائل " (5) عن بحر بن كنيز (4) : نا الزهري، عن عبد اللّه بن ثعلبة، عن أبيه، عن النبي- عليه السلام- أنه فرض صدقة الفطر عن الصغير والكبير صاعا من تمر أو مدين من قمح. انتهى وسكت عنه ثم قال: وقد رواه أكثر أصحاب الزهري، عنه، عن عبد اللّه بن ثعلبة، عن النبي لم يذكروا أباه. انتهى.
وقال الدارقطني في " علله" : هذا حديث اختلف في إسناده ومَتْنه
__________
(1) (148/2) .
(2) سنن الدارقطني (2/ 148، 149)
(3) (150/2) .
(4) في الأصل: "كثير" خطأ.
(5) (3/ 279) .

(6/339)


أما سندُه: فرواه الزهري، واختلف عليه فيه فرواه النعمان بن راشد، عنه، عن ثعلبة بن أبي صُعَير، وقيل: عن ابن عيينة، عن الزهري، عن ابن أبي صعير، عن أبي هريرة، وقيل: عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، وقيل: عن عقيل، ويونس، عن الزهري، عن سعيد مرسلاً، ورواه معمر، عن الزهري، عن الأعرج، عن أبي هريرة.
وأما اختلاف متنه: ففي حديث سفيان بن حسين، عن الزهري: "صاع من قمح "، وكذلك في حديث النعمان بن راشد، عن الزهري، عن ثعلبة بن أبي صفير، عن أبيه: " صاع من/ قمح عن كل إنسان"، وفي حديث الباقين (1) : "نصف صاع من قمح" قال: وأصحها عن الزهري، عن سعيد بن المسبب مرسل. انتهى.
وقال الشيخ في " الإمام ": وحاصل ما تُعمل به هذا الحديث أمران، أحدهما: الاختلاف في اسم أبي صُعَيْر فقد تبلغ من جهة أبي داود، عن مسعد: ثعلبة بن أبي صُعَيْر، ومن جهته- أيضاً عن سليمان بن داود: عبد الله بن ثعلبة بن أبي صعير أو ثعلبة بن عبد اللّه بن أبي صعير، وكذلك- أيضاً عند أبي داود في رواية بكْر بن وائل: ثعلبة بن عبد اللّه، أو قال: عبد اللّه بن ثعلبة- على الشك-، وعنده- أيضا- من رواية محمد بن يحيى وفيه الجزْم بعبد اللّه بن ثعلبة بن أبي صعير، وكذلك رواية ابن جريج، وعند الدارقطني من رواية مسدد، عن ابن أبي صعير، عن أبيه لم يُسَمه، ثم أخرجه الدارقطني، عن همام، عن بكر أن الزهري حدّثه، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير، عن أبيه قال: نحوه- يعني: "نحو حديث مسدّد " فإنه ذكره عقابه، وهذا يحتاج إلى نظر فإنه ذكره من رواية مسدّد، عن حماد بن زيد، عن النعمان بن راشد، عن الزهري، عن ابن أبي صُعَيْر، عن أبيه مرفوعاً "صدقة الفطر صاع من
__________
(1) في الأصل: "الباقيين"، وما أثبتناه من نصب الراية.

(6/340)


بر أو قمح عن كل رأسِ " كذا في النسخة العتيقة الصحيحة. ورواية أبي داود، عن مسدد فيها: " أدوا صاعا من بر أو قمح عن كل اثنين "، وهذا مخالف للأول، والله العلم. وفي رواية سليمان بن حرب، عن حماد الجزمُ بثعلبة بن أبي صعير، عن أبيه عند الدارقطني، والجزْمُ بعبْد الله بن ثعلبة في رواية بحر بن كنيز (1) - كما تقدم عند الحاكم- والشك في رواية يزيد بن هارون، عن حماد فيها عبد اللّه بن ثعلبة بن أبي صعير أو عن ثعلبة، عن أبيه عند الدارقطني- أيضاً-
العلة الثانية: الاختلاف في اللفظ ففي حديث سليمان بن حرْب عند الدارقطني، عن حماد بن زيد، عن النعمان بن راشد، عن الزهري، عن ثعلبة بن أبي صعير، عن أبيه مرفوعاً "أدوا صاعا من قمح " الحديث، ثم أتبعه الدارقطني برواية خالد بن خدام، عن حماد بن زيد، وقال: بهذا الإسناد مثله. وقد تقدم من رواية أبي داود، عن مسدد: "صاع من بر أو قمح على كل اثنين ". وأخرجه الدارقطني، عن أحمد ابن داود المكي، عن مسدد: ثنا حماد بن زيد، به، عن ابن ثعلبة بن أبي صعير، عن أبيه مرفوعاً "أدوا صدقة الفطر صاعا من تمر أو قمح عن كل رأس " الحديث. وفي رواية بكر بن وائل قيل: "عن كل رأس " وذكر البيهقي عن محمد بن يحيى الذهلي أنه قال في كتاب "العلل": إنما هو عبد الله بن ثعلبة، وإنما هو "على كل رأس أو كل إنسان" هكذا رواية بكر بن وائل لم يقم الحديث غيره قد أصاب الإسناد والمتْنْ. قال الشيخ: ويمكن أن تحرف " رأس " إلى " اثنين"، ولكن يبعد هذا بعض الروايات، كالرواية التي فيها "صاع بر أو قمح بين كل اثنين" انتهى. وقال صاحب "تنقيح التحقيق " بعد ذكره هذا الاختلاف: وقد رُوي
على الشك في الاثنين. قال أحمد بن حنبل (2) : حدثنا عفان قال: سألت حماد بن زيد عن صدقة الفطر؟ فحدَثني عن نعمان بن راشد،
__________
(1) في الأصل: " كثير " خطأ.
(2) مسنده (5/ 432) .

(6/341)


عن الزهري، عن ابن ثعلبة بن أبي صعير، عن أبيه أن رسول الله- عليه
السلام- قال: "أدوا صاعا من قمح، أو صاعا من بر- وشك حداد-
عن كل اثنين صغير أو كبير، ذكر أو أنثى، حر أو مملوك، غني أو فقير،
أما غنيكم فيزكيه اللّه، وأما فقيركم فيردّ عليه كثر مما يُعطي ". انتهى.
ثم قال: قال مهنأ: ذكرت لأحمد حديث ثعلبة بن أبي صعير في صدقة الفطر: "نصف صاع من بُرّ "، فقال: ليس بصحيح إنما هو مُرْسل
يَرْويه معمر، وابن جريج، عن الزهري مرسلاً قلت: مِن قبَلِ مَنْ
هذا؟ قال: من قبَلِ النعمان بن راشد وليس بالقوي في الحدَيث،
وضعّف حديث ابنَ أبي صعير، وسألته عن ابن أبي صعير: أهو مَعْروف؟
فقال: ومن يَعْرف ابن أبي صعير؟ ليس هو بمعروف. وذكر أحمد،
وابن المديني : ابن أبي صعير فضَعَفاه جميعاً وقال ابن عبد البر: ليس
دون الزهري من تقوم به الحجة، والنعمان بن راشد: قال معاوية، عن
ابن معين: ضعيف. وقال عباس عنه: ليس بشيء. وقال عبد الله بن أحمد/ بن حنبل، عن أبيه: مضطرب الحديث. وقال البخاري: في حديثه وهم كثير، وهو في الأصل صدوق. انتهى.
قلت: قد مر ما ذكر عبد الغني في "الكمال "، وأبو الحجاج المزي
في "تهذيبه " في ترجمة عبد اللّه بن ثعلبة بن أبي صعير، وأما النعمان بن
راشد فإن البخاري قد أخرج له، وقال: صدوق. وقال ابن عدي:
النعمان بن راشد قد احتمله الناس، روى عنه الثقات، مثل: حماد بن
زيد، وجرير بن حازم، ووهيب بن خالد، وغيرهم من الثقات، وله
نسخة عن الزهري، لا بأس به، والله أعلم " (1) .
ص- زاد سليمان في حديثه:" غني، أو فقير ".
ش- أي: زاد سليمان بن داود العتبي- أحد شيوخ أبي داود في روايته
الحديث: يغني، أو فقيرة.
__________
(1) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.

(6/342)


1739- ص- نا علي بن الحسن الدَرَابجِرْدي، نا عبد الله بن يزيد، نا همام، نا بكر هو ابن وائل، عن الزهري،َ عن ثَعلبة بن عبد الله، أو قال: عبد الله بن ثعلبة، عن النبي- عليه السلام- (1) .
ش- هذا مرسل.
وعليّ بن الحسن بن موسى بن ميسرة الهلالي أبو الحسن بن أبي عيسى النيسابوري الدَرَابِجِرْدِي. سمع: أبا جابر (2) محمد بن عبد الملك، ومحمد بن جهضم، وأزهر بن القاسم المكي، وعبد الله بن يزيد، وجماعة آخرين. روى عنه: أبو زرعة، وأبو حاتم الرازيان، وأبو داود، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، وجماعة آخرون. قال أبو حامد الشرقي: هو ثقة مأمون. وقال مسلم بن الحجاج: ذلك الطيب ابن الطيب، والدرابجردي نسبة إلى دارا بجرد، بفتح الدال المهملة، وسكون الألفية بينهما راء، ثم باء موحدة، وجيم مكسورة، وراء ساكنة، وفي آخرها دال مهملة. قال ابن حوقل: معناه: عمل دارا، وهي مدينة لها سور وخندق تتولد المياه فيه، وفيه حشيش يلتف على السابح فيه حتى لا يكاد يسلم من الغرق، وفي وسط المدينة جبل حجارة كالقبة، وليس له اتصال بالجبال، وبناحية دارا بجرد جبال من الملح: الأبيض، والأسود، والأحمر، والأصفر، والأخضر، وينحت من هذا الملح موائد، ويحمل إلى البلاد، وقال في " المشترك ": وعَمَلُ دارا بجرد من أجَل كور فارس، وقال في "العزيزي ": وبأعمال دارابجرد معدن الموميا، وبها معدن زئبق. وقال صاحب " الكمال" في ترجمة علي بن الحسن هذا: ودارابجرد محلة متصلة بالصحراء في أعلى نيسابور وله بها مسجد مذكور، يتبرك بالصلاة فيه (3) .
قلت: وذكر الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي في كتاب
__________
(1) تفرد به أبو داود.
(2) في الأصل: " حلى بر".
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (0 43/2 0 4) .

(6/343)


"الأنساب ": الدرابجردي، والدرابجردي، الأول منسوب إلى دارابجرد فارس، وهو المشهور، الثاني منسوب إلى دارابجرد نيسابور، محلة من محالها بالصحراء من أعلى البلد، منها علي بن الحسن-ش موسى بن ميسرة الهلالي.
وعبد الله بن يزيد القرشي العدوي المقرئ، وهمام بن يحيى العوذي، وقد ذكرنا الاختلاف في ثعلبة بن عبد الله الآن.
1740- ص- نا ابن يحيى النيسابوري، نا موسى بن إسماعيل، نا همام، عن بكر الكوفي، قال ابن يحيى: هو بكر بن وائل بن داود، أن الزهري حدثهم، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير، عن أبيه، قال: " قَامَ رَسُوِلُ اللهِ - عليه السلام- خَطيبا، فَأمَرَ بِصَدَقَة الفطر: صَاع بمر، أو صَاع شعير، على (1) كُل رَأس "، زاد عليه في حديَثه:" أَو صَاع بر، أو قَمح بين اثنَينً، ثم اتفقا عن الصغير، والكبيرِ، والحرّ، والعبدِ" (2) .
ش- محمد بن يحيى النيسابوري أحد شيوخ أبي داود.
قوله: " صاع تمر" بالجر على أنه بدل من قوله: " بصدقة الفطر" ، ويجوز رفعه على تقدير: هو صاع تمر.
قوله: "زاد عليه" وهو عليه بن الحسن الدرابجردي المذكور آنفاً.
قوله: "ثم اتفقا " يعني: عليا، ومحمد بن يحيى.
والحديث أخرجه الدارقطني (3) : عن عمرو بن عاصم، عن همام،
عن بكر بن وائل، عن الزهري، عن عبد اللّه بن ثعلبة بن صعير، عن أبيه بلفظ: " إن رسول الله قام خطيباً فأمر بصدقة الفطر عن الصغير، والكبير، والحر، والعبد صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، عن كل واحد، أو صاع قمح ".
__________
(1) في سنن أبو داود: "عن".
(2) تفرد به أبو داود.
(3) (2/ 148) .

(6/344)


1741- ص- نا أحمد بن صالح، نا عبد الرزاق، أنا ابن جريج، قال، وقال ابن شهاب: قال عبد الله بن ثعلبة: قال ابن صالح: قال العَدَوي (1) - وإنما هو العُذري-: " خَطَبَ رسولُ اللهِ الناسَ قَبلَ الفِطرِ بيومين " (2) بمعنى حديثِ المقرئ.
ش- ابن صالح أحمد بن صالح، قال العدوي: بفتح العين والدال المهملين، وكسر الواو، نسبة إلى عدي، والعُذري بضم العين المهملة، وسكون/ الذال المعجمة، وكسر الراء نسبة إلى عذرة، وقد ذكرناه. قوله: " بمعنى [ ....... ] (3) المقرئ المذكور آنفاً
1742- ص- نا محمد بن المثنى، نا سهل بن يوسف، قال حميد: أخبرنا عن الحسن، قال: "خَطَبَ ابنُ عَباسٍ في آخِرِ رَمضانَ على منبرِ البَصرةِ، فقالَ: أخْرِجُوا صَدَقَةَ صَوْمكُم، فكأن الناسَ لم يَعْلَمُوا، قال:َ مَن هاهنا من آلِ المدينة؟ قُومُوا إلى إَخوانِكُم فعلمُوهُم، فإنهم لا يَعْلَمُون فَرَضَ رسولُ الله هذهِ الصدقةَ صاعا من تمر، أو شَعيرٍ ، أو نصفَ صاعٍ قَمح (4) ، على كَل حُر، أو مَمْلُوك، ذَكَرٍ ، أول أنثى، صغير، أو كَبير، فلما قَدمًَ عَلِي رَأى رُخْصَ السعْر، قالت: قَدْ أوْسَعَ اللهُ عليكما، فلو جًعَلتُمُوهُ صًاعا من كل شيء" قال حميد: وكانَ الحسنُ يرى صَدقةَ رمَضانَ على من صَامَ (5) .
ش- سهل بن يوسف أبو عبد الرحمن الأنماري، ويقال: أبو عبد الله البصري. روى عن: حميد الطويل، وعبد الله بن عون، وشعبة، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، وأبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد
__________
(1) زاد في سنن أبي داود: " قال أبو داود: قال أحمد بن صالح: وأنما... ". (2) تفرد به أبو داود.
(3) طمس في الأصل قدر ثلث سطر، ولعل فيه: " بمعنى حديث المقرئ" أي: بمعنى حديث المقرئ المذكور آنفا،.
(4) في سنن أبي داود: "نصف صاع من قمح ".
(5) النسائي: كتاب الزكاة، باب: مكيلة زكاة الفطر (5/ 51) .

(6/345)


ابن المثنى، وغيرهم. قال أبو حاتم: لا بأس به. وقال ابن معين: ثقة، قد سمعت منه. روى له الجماعة (1) .
والحسن البصري.
قوله: " فلما قدم علي" أي: عليّ بن أبي طالب- رضي الله عنه-. قوله: " فلو جعلتموه" جواب " لو" محذوف، والتقدير: فلو جعلتم نصف صاع صاعا من كل شيء لكان خيراً أو لكان حسناً ونحو ذلك، " (2) والحديث أخرجه: النسائي، وقال: الحسن لم يسمع من ابن عباس. وقال زكي الدين عبد العظيم: وهذا الذي قاله النسائي هو الذي قاله الإمام أحمد، وعليّ بن المديني، وغيرهما من الأئمة. وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: الحسن لم يسمع من ابن عباس، وقوله: " خطبنا ابن عباس" يعني: خطب أهل البصرة. وقال عليّ بن المديني في حديث الحسن: " خطبنا ابن عباس بالبصرة"، إنما هو كقول ثابت: "قدم علينا عمران بن حصين "، ومثل قول مجاهد: "خرج علينا علي "، وكقول الحسن بن سراقة بن مالك بن جعشم: حدثهم. وقال ابن المديني أيضاً الحسن لم يسمع من ابن عباس، وما رآه قط، كان بالمدينة أيام كان ابن عباس على البصرة. انتهى.
قلت: قال صاحب " تنقيح التحقيق ": الحديث رواته ثقات مشهورون لكنْ فيه إرسال، فإن الحسن لم يسمع من ابن عباس على ما قيل، وقد جاء في "مسند أبي يعلى الموصلي " في حديث عن الحسن، قال: أخبرني ابن عباس، وهذا إن ثبت دل على سماعه منه. انتهى.
وقال البزار في "مسنده " بعد أن رواه: لا نعلم روى الحسن عن ابن عباس غير هذا الحديث، ولم يسمع الحسن من ابن عباس، وقوله: "خطبنا" أي: خطب أهل البصرة، ولم يكن الحسن شاهد الخطبة، ولا
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (12/ 2623) .
(2) انظر: نصب الراية (2/ 19 4- 423) .

(6/346)


دخل البصرة بعد ؛ لأن ابن عباس خطب يوم الجمل، والحسن دخل أيام صفين . انتهي.
طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك " (1) : عن يحيى بن عباد السعدي، أنا ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: " أن رسول اللّه - عليه السلام- بعث صارخا بمكة صَاحَ: إن صدقة الفطر حق واجب، مدين من قمح، أو صاع من شعير، أو تمر ". انتهى.
ورواه البزار بلفظ: " أو صاع مما سوى ذلك من الطعام"، وصححه الحاكم، ورواه البيهقي وقال: تفرد به يحيى بن عباد، عن ابن جريج. وقال ابن الجوزي في " التحقيق ": وقد تكلم العقيلي في يحيى هذا، وضعفه، وكذلك ضعفه الدارقطني، وقال الأسدي: منكر الحديث جدا عن ابن جريج.
طريق آخر أخرجه الدارقطني (2) ، عن الواقدي: نا عبد الحميد بن عمران بن أبي أنس، عن أبيه، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن ابن عباس:" أن النبي- عليه السلام- أمر بزكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، ابو مدين من قمح ". انتهى. وأعلّ بالواقدي.
طريق آخر أخرجه الدارقطني (3) : عن سلام الطويل، عن زيد العمي، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول اللّه- عليه السلام "-: " صدقة الفطر عن كل صغير، وكبير، ذكر وأنثى، نصف صاع من بر، أو صاع من تمر، أو صاع من شعير". انتهى. وهو معلول بسلام الطويل/ وأخرج الترمذي (4) عن سالم بن نوح، (5) ، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: " أن النبي
__________
(1) (1/ 410) ، وليس فيه: "مدين من قمح"، وأخرجه البيهقي (4/ 172) ، وظاهر كلامه أنه سقط من الأصل.
(2) (2/ 43 1) 0 (3) (2/ 0 5 1) .
(4) كتاب الزكاة، باب: ما جاء في صدقة الفطر (674) .
(5) طمس في الأصل، وأثبتناه من نصب الراية.

(6/347)


- عليه السلام- بعث رجلاً ينادي في فجاج مكة: ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم: ذكر، أو أنثى، حر، أو عبد، صغير، أو كبير، مدين من قمح، أو صاع مما سواه من الطعام "، وقال: حسن غريب، وأعلن ابن الجوزي في "التحقيق " بسالم بن نوح، قال: قال ابن معين: ليس بشيء، وتعقبه صاحب " التنقيح" فقال: هو صدوق. روى له مسلم في " صحيحه ". وقال أبو زرعة: صدوق دقة، ووثقه ابن حبان. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال الدارقطني: فيه شيء. وقال ابن عدي: عنده غرائب وأفراد، وأحاديثه متقاربة محتملة.
طريق آخر أخرجه الدارقطني (1) ، عن علي بن صالح، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: " أن رسول الله - عليه السلام- أمر صائحا فصاح: إن صدقة الفطر حق واجب على كل مسلم: مدين من قمح، أو صاع من شعير، أو تمر". قال ابن الجوزي: وعلي بن صالح ضعفوه. قال صاحب "التنقيح ": هذا خطأ منه، ولا نعلم أحدا ضعفه، لكنه غير مشهور الحال، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه؟ فقال: مجهول، لا أعرفه، وذكر غير أبي حاتم أنه مكي معروف، وهو أحد العباد، وكنيته: أبو الحسن. وروى عن: عمرو بن دينار، وعبد الله بن عثمان بن خُثيم، ويحيى بن جُرجَة، والأوزاعي، وعبيد الله بن عمر، وجماعة. وروى عنه: سعيد بن سالم القداح، ومعتمر بن سليمان، وسفيان الثوري. وروى له: الترمذي في "جامعه"، وذكره ابن حبان في كتاب "الثقات"، وقال: يعرف، وتوفي سنة إحدى وخمسة ومائة، ورواه البيهقي (2) كذلك عن المعتمر بن سليمان، عن علي بن صالح به، قال: ورواه سالم بن نوح، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعاً ثم
__________
(1) (2/ 141- 142) .
(2) (4/ 173) .

(6/348)


قال: قال الترمذي (1) : سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث؟ فقال ة ابن جريج لم يسمع من عمرو بن شعيب. انتهى كلامه.
ورواه عبد الرزاق في "مصنفه ": أخبرنا ابن جريج، عن عمرو بن شعيب: "أن النبي- عليه السلام- أمر صارخا يصرخ " الحديث، ومن طريق عبد الرزاق رواه الدارقطني في "سننه " (2) هكذا معضلا.
وأخرجه الدارقطني (3) أيضا عن عبد الوهاب- هو ابن عطاء-: أخبرنا ابن جريج، قال: قال عمرو بن شعيب: "بلغني أن النبي- عليه السلام- أمر صارخا يصرخ " الحديث.
حديث آخر رواه الإمام أحمد في "مسنده " (3) من طريق ابن المبارك: أخبرنا ابن لهيعة، عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: وكنا نؤدي زكاة الفطر على عهد رسول الله- عليه السلام- مدين من قمح بالمد الذي تقتاتون به "، وضعَّفه ابن الجوزي بابن لهيعة. قال صاحب "التنقيح ": وحديث ابن لهيعة يصلح للمتابعة، سيما إذا كان من رواية إمام مثل ابن المبارك عنه. حديث آخر أخرجه الدارقطني (4) : عن أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، عن النبي- عليه السلام- أنه قال في صدقة الفطر: "نصف صاع من بر، أو صاع من تمر". انتهى. والحارث معروف. وقال الدارقطني: والصحيح موقوف، ثم أخرجه: عن عتبة بن عبد اللّه بن مسعود، عن أبي إسحاق به موقوفا (4) .
حديث آخر أخرجه الدارقطني (5) أيضاً عن سليمان بن أرقم، عن الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب، عن زيد بن ثابت، قال: "خطبنا رسول الله- عليه السلام- فقال: من كان عنده شيء فليتصدق بنصف
__________
(1) في الأصل: "النمري" خطأ.
(2) (141/2) .
(3) (346/6، 355) .
(4) (149/2) .

(6/349)


صاع من بر، أو صاع من شعير، أو صاع من تمر، أو صاع من دقيق، أو صاع من زبيب، أو صاع من سلت" .قال الدارقطني: لم يرو بهذا الإسناد غير سليمان بن الرقم، وهو متروك الحديث.
حديث آخر رواه أبو داود في "مراسيله " (1) : حدَّثنا قتيبة، أنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، قال: "فرض رسول الله زكاة الفطر مدين من حنطة". قال ابن الجوزي: وهذا مع إرساله يحتمل أن يكون قوله: " مدين من حنطة" تفسيرا من سعيد. قال صاحب " التنقيح" : قد جاء ما يرد هذا، فرواه سعيد بن منصور: حدَّثنا هشيم، عن عبد الخالق الشيباني قال: سمعت سعيد بن المسيب، يقول: " كانت الصدقة تدفع على عهد النبي- عليه السلام- وأبي بكر نصف صاع [ من ] بر [ ورواه الطحاوي، وأبو عبيد في كتاب "الأموال ": حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، أنا عبد الخالق بن سلمه الشيباني به، قال: كانت، (2) صدقة الفطر على عهد رسول الله- عليه السلام - صاع تمر، أو نصف صاع حنطة [ على كل رأس " انتهى ] (2) .
[ وقال هشيم: اْخبرني ] (2) سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، قال: "خطب رسول اللّه- عليه السلام-، ثم ذكر صدقة الفطر، فحض عليها وقال: نصف صاع من بر، أو صاع تمر، أو شعير، عن كل حر، وعبد، ذكر، وأنثى ".
وقال الطحاوي: حدثنا المدني، هنا الشافعي، عن يحيى بن حسان، عن الليث بن سعد، عن عقيل بن خالد، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسبب: " أن رسول الله- عليه السلام- فرض زكاة الفطر مدين من حنطة". انتهى.
قال في " التنقيح": وهذا المرسل إسناده صحيح كالشمس، وكونه مرسلاً لا يضر، فإنه مرسل سعيد، ومراسيل سعيد حجة" (3) .
__________
(1) (ص/ 16) .
(2) طمس في الأصل، وأثبتناه من نصب الراية.
(3) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.

(6/350)


20- باب: في تعجيل الزكاة
أي: هذا باب في بيان حكم تعجيل الزكاة.
1743- ص- نا الحسن بن الصباحِ، نا شبابة ، عن ورقاء، عن أبي الزياد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: " بعَثَ رسولُ الله- عليه السلام- عمر ابن الخطاب على الصَدَقَة فمنعَ ابنُ جَميلٍ ، وخالدُ بَني الوليد، والعباسُ، فقال رسولُ الله- عليه السَلام-: ما يَنقَمُ ابنُ جَميلٍ إلا أن كانَ فَقيراً فأغناهُ اللهُ ! وأما خاَلدُ بنُ الوليد فإنكم تَظلَمُونَ خَالَداً، فقد احْتبَسً أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَه (1) في سَبيلِ الله، وَأما العباسُ (2) فهي عَلَيَّ، ومِثْلها، ثم قال: أَمَا شَعُرْتَ أن عَمَ الرجالِ صَنْوُ الأبِ، أو صِنْوُ أَبِيهِ؟ " (3) .
ش- شبابة بن سوار الفزاري المدائني أبو عمرو، وورقاء بن عمر اليشكري الكوفي، وأبو الزياد عبد اللّه بن ذكوان المدني، وعبد الرحمن الأعرج.
وابن جميل- بفتح الجيم، وكسر الميم، وسكون الياء آخر الحروف، ولام- روى عنه: أبو هريرة، لا يعرف اسمه.
وخالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمر بن مهزوم بن نبطة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي المخزومي، سيف اللّه، يكنى: أبا سليمان، وأمه: لبابة الصغرى بنت الحارث بن حزن أخت ميمونة بنت الحارث زوج النبي- عليه السلام- أسلم قبل يوم الفتح بعد الحديبية، وشهد مؤتة[ و ] يومئذ سماه رسول اللّه سيف اللّه، وشهد خيبر،
__________
(1) في سنن أبي داود: "وأعتده ".
(2) في سنن أبي داود: " وأما العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي ".
(3) البخاري: كتاب الزكاة، باب: قوله تعالى: "وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله" (1468) ، مسلم: كتاب الزكاة، باب: في تقديم الزكاة ومنعها
(983) ، النسائي: كتاب الزكاة، باب: إعطاء السيد المال بغير اختيار
ا لمصدق (5/33) .

(6/351)


والفتح، وحنيناً روي له عن رسول اللّه- عليه السلام-: ثمانية عشر حديثاً اتفقا على حديث، وللبخاري حديث موقوف. روى عنه: قيس بن أبي حازم، وشقيق بن سلمة. مات بحمص، ودفن على ميل منها، وقيل بالمدينة سنة إحدى وعشرين في خلافة عمر بن الخطاب. روى له: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (1) .
قوله:" ما ينقم ابن جميل " يقال: نقم ينقم من باب علم يعلم، ونقم ينقم من باب ضرب يضرب، ويقال: نقم فيه الإحسان إذا جعل الإحسان مما يؤديه إلى كفر النعمة، أي: أداءه غناه إلى كفر نعمة الله تعالى، فما ينقم شيئا في منع الزكاة، أي: ما ينكر ويكره إلا أن يكمل النعمة.
قوله: "احتبس" بمعنى: حبس "أدراعه": الأدرع جمع درع، بكسر
الدال، وهي: الزردية.
قوله: "وأعتاده" المعتاد- بفتح الهمزة- جمع عَتاد- بفتح العين- ويجمع على أعتاد وأعتد، وهي : آلات الحرب من السلاح، والدواب، وغيرها، وفي رواية: "احتبس أدراعه وأعتده". وقال الشيخ زكي الدين: وأعتده- بالتاء ثالث الحروف- جمع "عتد"- بفتح العين، وفتح التاء- وهو: الفرس الصلب، وقيل: المعد للركوب، وقيل: السريع الوثب، وصحَّحه بعضهم ورجحه، وقال: يعني خيله، ويكون فيه دليل على جواز تحبيس الخيل، وقيل: العتاد: كل ما أعده الرجل من سلاح، و آلة، ومركوب للجهاد، ويكون فيه جواز تحبيس الدروع، والسيوف، والحجر، والخيل، والإبل، وقد جاء في بعض الروايات: "احتبس رقيقه ودوابه "، وروي: "وعتاده"، وأنكر بعضهم رواية: " أعتاده "، ولا يصح هذا الإنكار ة لأنه روي في " صحيح مسلم ":
__________
(1) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (1/ 405) ، وأسد الغابة (2/ 109) ، والإصابة (1/ 413) .

(6/352)


"واْعتاده "، يروي: "وأعبده " بالباء الموحدة جمع قلة للعبد، وروي: " وعقاره " بالقاف، والعقار: الأرض، والضياع، وا لنخل، ومتاع البيت. ومعنى الحديث: أنهم طلبوا من خالد زكاة أعتاده / [ وأخرج الترمذي (1) ، عن سالم بن نوح، (2) ] عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: "أن النبي- عليه السلام- بعث مناديا ينادي في فجاج مكة: ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم ذكر، أو أنثى، حر، أو عبد، صغير، أو كبير مدين من قمح أو صاع مما سواه من الطعام " [ لأنه حبسها ] (3) ووقفها في سبيل اللّه قبل الحول عليها، فلا زكاة فيها، ويحتمل أن يكون المراد لو وجبت عليه زكاة لأعطاها، ولم يشح بها لأنه قد وقف أمواله للّه تعالى متبرعاً فكيف يشح بواجب عليه، واستنبط بعضهم من هذا وجوب زكاة التجارة، وبه قال جمهور العلماء من السلف والخلف، خلافا لداود، وفيه دليل على صحة الوقف، وصحة وقف المنقول، وبه قال جمهور العلماء، إلا رواية عن أبي حنيفة، وقال بعضهم: هذه الصدقة التي منعها ابن جميل، وخالد، والعباس، لم تكن زكاة إنما كانت صدقة، حكاه القاضي عياض، قال: ويؤيده أن عبد الرزاق روى هذا الحديث، وذكر في روايته: " أن النبي - عليه السلام- ندب الناس إلى الصدقة "، وذكر تمام الحديث. قال ابن القصار من المالكية: وهذا التأويل أليق، فلا يظن بالصحابة منع الواجب، وعلى هذا فعذر خالد واضح لأنه أخرج ماله في سبيل الله، فما بقي له مال يحتمل المواساة بصدقة التطوع، ويكون ابن جميل شح بصدقة التطوع فعتب عليه، وقال في العباس: " هي عليه، ومثلها معها (4) " أي: إنه لا يمتنع إذا طلبت منه، هذا كلام ابن القصار. قال
__________
(1) كتاب الزكاة، باب: ما جاء في صدقة التطوع (674) .
(2) طمس في الأصل، وأثبتناه من نصب الراية (2/ 420) .
(3) طمس في الأصل، وأثبتناه من شرح صحيح مسلم (7/ 56- 57) .
(4) كذا، ولم ترد كلمة "معها" في نص الحديث.
23 . شرح سنن أبي داوود 6

(6/353)


القاضي: لكن ظاهر الأحاديث في " الصحيحين" أنها في الزكاة، لقوله: " بعث رسول الله عمر على الصدقة"، وإنما كان يبعث في الفريضة. وقال الشيخ محيي الدين: الصحيح المشهور: أن هذا كان في الزكاة،
لا في صدقة التطوع، وعلى هذا قال أصحابنا وغيرهم " (1) .
قوله- عليه السلام-: "هي عليه، ومثلها معها (2) " معناه: أني تسلفت منه زكاة عامين، وقال الذين لا يجوزون تعجيل الزكاة: معناه: أنا أؤديها عنه. وقال أبو عبيد، وغيره: معناه: أن النبي- عليه السلام- أخّرها عن العباس إلى وقت يساره، من أجل حاجته إليها، والصواب: أن معناه تعجلها منه، وقد جاء في حديث آخر في غير مسلم: " إنا تعجلنا منه صدقة عامين".
وقال الخطابي (3) : وقوله في صدقة العباس: "هي عليه، ومثلها" فإنه يتأول على وجهين أحدهما: أنه كان قد تسلف منه صدقة سنتين، فصار دينا عليه، وفي ذلك دليل على جواز تعجيل الصدقة قبل محلها، وقد اختلف العلماء في ذلك، فأجازه (4) كثير منهم تعجيلها قبل أوان محلها ذهب إليه: الزهري، والأوزاعي، وأصحاب الرأي، والشافعي، وكان مالك لا يرى تعجيلها عن وقتها، وروي عن الحسن البصري أنه قال: " للصلاة وقت، وللزكاة وقت، فمن صلى قبل الوقت أعاد، ومن زكى قبل الوقت أعاد" قال: قول الحسن ظاهر، والمعنى بخلافه لأن الأجل إذا دخل في الشيء رفقا بالإنسان فإن له أن يسوغ من حقه، ويترك الارتفاع به، كمن عجل حقا مسجلاً لأدمي، والوجه الأخر هو: أن يكون قبض منه- عليه السلام- صدقة ذلك العام التي شكاه فيها العامل، وتعجل صدقة عام ثان، فقال: " هي عليه، ومثلها" أي: الصدقة التي قد حلت، وأنت تطالبه بها مع مثلها من صدقة عام لم يحل، وذلك أن بعض من أجاز تعجيل الصدقة لم يجزها أكثر من صدقة عام واحد،
__________
(1) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.
(2) كذا، ولم ترد كلمة "معها " في نص الحديث.
(3) معالم السنن (2/ 46- 47) .
(4) كذا، وفي المعالم: "فأجاز".

(6/354)


وقد يحتمل معنى الحديث أن يكون صلى الله عليه وسلم قد تحمل بالصدقة، وضمن أداءها عنه لسنتين، ولذلك قال:" إن عم الرجل صنو أبيه "، يريد: إن حقه في الوجوب كحق أبيه، إذ هما شقيقان خرجا من أصل واحد، فأنا أنزهه عن منع الصدقة، والمطل بها، وأؤديها عنه، والأول أصوب لأن الضمان فيما لا يجب على العباس ضمان مجهول، وضمان المجهول غير جائز، وقد روي: " أنه استأذن رسول الله- عليه السلام- أن يأذن له في تعجيل صدقته، فرخص له في ذلك"- لما يجيء الآن-.
قوله: "صنو أبيه " معناه: أن العم شقيق الأب، وأصل ذلك في النخلتين يخرجان من أصل واحد، يقال: صنو، وصنوان، وقنا، وقنوان، وقَل ما جاء من الجمع على هذا البناء، ويقال: أراد أن أصله، وأصل أبيه واحد، وقيل: الصنو: المثل، أراد أنه مثل أبيه، وفيه تعظيم له للعم.
وقال الجوهري: إذا خرج نخلتان/ [ أو ثلاث من أصل واحد، فكل واحد منهن صُنو، والاثنتان صنوانِ، والجمع صنوانُ برفع النون" (1) .
والحديث أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي، ولفظ البخاري والنسائي:" فهي عليه صدقة، ومثلها معها"، قال البيهقي: يبعد أن يكون محفوظا لأن العباس كان من جملة بني هاشم، تحرم عليه الصدقة،
وقال غيره: إلا أن يقال: لعل ذلك قبل تحريم الصدقة على آل النبي
- عليه السلام- ورأى صلى الله عليه وسلم إسقاط الزكاة عنه عامين لوجه رآه، وحكى البخاري، عن أبي إسحاق:" هي عليه، ومثلها معها" قيل: يحتمل أن يكون- عليه السلام- أخرها عنه عامين لحاجة كانت بالعباس إليها، وللإمام تأخير ذلك إذا أداءه اجتهاده إليه، كما فعل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عام الزيادة (2) إلى أن جبى الناس من العام المقبل، فأخذ منهم زكاة عامين، ورواه موسى بن عقبة، فقال فيه: " فهي له، ومثلها
__________
(1) طمس في الأصل، وأثبتناه من "الصحاح " (6/ 2404) .
(2) كذا.

(6/355)


معها "، قيل: له بمعنى عليه، قال اللّه تعالى: { وَلَهُمُ اللعْنَةُ } (1) ، وقال تبارك وتعالى: { وَإِنْ أسَأتُمْ فَلَهَا } (2) ، وقال بعضهم: والأشبه عندي احتمال النبي- عليه السلام- لها، على ما تقدم، وإخراجها عنه برأيه، ويعضده رواية: "فهي له، وصدقة عليه " لا على أنه أحل له الصدقة، لكنه تركها له، وأخرج الصدقة عنه من مال نفسه، واللّه أعلم.
1744- ص- نا سعيد بن منصور، نا إسماعيل بن زكرياء، عن الحجاج ابن دينار، عن الحكم، عن حُجَيَّةَ، عن. عليّ: " أن العباسَ سألَ النبيَّ- عليه السلام- في تَعْجِيلِ صَدَقَتِهِ قبلَ أن تَحِل، فَرَخَّصَ له في ذلك (3) " (4) . ش- الحجاج بن دينار الواسطي، مولى أشجع، وقيل: السلمي. روى عن: معاوية بن قرة، ومنصور بن المعتمر، وأبي غالب حزور، وغيرهم. روى عنه: شعبة، وإسماعيل بن زكرياء، ومحمد بن بشر العبدي. قال عبد اللّه بن المبارك: ثقة. وقال ابن معين: صدوق، ليس به بأس. وقال أبو زرعة: لا بأس به، مستقيم الحديث. وقال أبو حاتمي: يكتب حديثه، ولا يحتج به. وقال أحمد بن عبد الله: ثقة. روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه (5) . والحكم بن عتيبة.
وحجية بضم الحاء المهملة، وفتح الجيم، وتشديد الياء آخر الحروف، وفتحها، وبعدها تاء تأنيث: ابن عدي الكندي الكوفي. روى عن: علي بن أبي طالب. روى عنه: الحكم بن عتيبة، مسلمة بن سهيل. وقال علي بن المديني: ولا أعلم أحدا روى عن حجية إلا سلمة
__________
(1) سورة الرعد: (25) .
(2) سورة الإسراء: (7) .
(3) زاد في سنن أبي داود: "قال مرة: فأذن له في ذلك".
(4) الترمذي: كتاب الزكاة، باب: ما جاء في تعجيل الزكاة (678) ، ابن ماجه: كتاب الزكاة، باب: تعجيل الزكاة قبل محلها (1795) .
(5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (1118/5) .

(6/356)


ابن سهيل، روى عنه أحاديث. وقال أبو حاتم الرازي: شيخ لا يحتج بحديثه، شبيه بالمجهول. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (1) .
ويستفاد من الحديث: جواز تعجيل الزكاة خلافا لمن منعه، وقد مر بيانه. والحديث أخرجه: الترمذي، وابن ماجه.
ص- قال أبو داود: هذا الحديثُ رواه (2) هُشيم، عن منصورِ بن زَاذانَ، عن الحَكَم، عن الحسنِ بنِ مسلم، عن النبي- عليه السلام- وحديث هُشيم أصح.
ش- هذا معضل، وأشار أبو داود أنه أصح من الطريق المسند المذكور، وذكر البيهقي أن هذا الحديث مختلف فيه، وأن المرسل فيه أصح. وهشيم: ابن بشير.
ومنصور بن زاذان أبو المغيرة الواسطي الثقفي، مولى عبد اللّه بن أبي عقيل. سمع: الحسن البصري، وابن سيرين، وقتادة، وعطاء. وروى عن: أنس بن مالك مرسلاً. روى عنه: شعبة، والضحاك بن حمزة، وهشيم، وأبو عوانة. قال أحمد: شيخ ثقة. وقال ابن معين، وأبو حاتم: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، ثبتاً مات في الطاعون سنة إحدى وثلاثين ومائة. روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، وا لنسائي (3) .
والحكم بن عتيبة، والحسن بن مسلم بن عناق المكي.
__________
(1) المصدر السابق (5/ 1141) .
(2) في سنن أبي داود:" روى هذا الحديثة.
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (8 2/ 6191) .

(6/357)


21- باب (1) : الزكاة تحمل من بلد إلى بلد
أي: هذا باب في بيان الزكاة ينقلها صاحبها من بلده إلى بلد آخر.
1745- ص- نا نصر بن علي، أخبرني أبي، أخبرنا إبراهيم بن عطاء، مولى عمران بن حصين، عن أبيه: "أن زيادا أو بعضَ الأمراء بَعَثَ عمرانَ ابنَ حُصين على الصدقَةِ، فلما رَجَعَ قال لَعمْرَانَ: أينَ المالُ؟ قَال: ولَلمال أرسلتَني؟" أخذْنَاهَا من حيثُ كنا نأخذها على عهدِ رسول الله- عليها السلامَ- وَوَضَعْنَاهَا حيثُ كنا نَضَعُهَا على عهد رسولَ اللهَ- عليه السلام- " (2) .
ش- أبوه: علي بن نصر بن عليه الكوفي الكبير.
وإبراهيم بن عطاء/ [ بن أبي ميمونة البصري، روى عن أبيه ] (3) عطاء بن أبي ميمونة. روى عنه: أبو عتاب الدلال، ويزيد بن هارون، وغيرهم. قال ابن معين: هو صالح. روى له: أبو داود، وابن ماجه (4) ..
وعطاء بن أبي ميمونة البصري، مولى أنس بن مالك، ويقال: مولى عمران بن حصين، وقد ذكر مرة، وزياد هذا كان والي العراقين، ولاه معاوية بعد استلحاقه، وكان يقال له: زياد بن أبيه، وليست له صحبة، ولا رؤية، وقد ذكرناه مستوفى.
وبالحديث قال العلماء من أصحابنا، وغيرهم: إن نقل الزكاة من بلد إلى بلد مكروه، وإنما يفرق صدقة كل فريق فيهم، إلا أن ينقلها الإنسان إلى قرابته، أو إلى قوم هم أحوج من أهل بلده، لما فيه من الصلة، أو
__________
(1) في سنن أبي داود: " باب في الزكاة.. ".
(2) ابن ماجه: كتاب الزكاة، باب: ما جاء في عمال الصدقة (1811) . (3) طمس في الأصل.
(4) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (213/2) .

(6/358)


زيادة دفع الحاجة، ولو نقل إلى غيرهم أجزأت وإن كان مكروها لأن المصرف مطلق الفقراء بالنص، والحديث أخرجه: ابن ماجه.
22- باب: مَن يُعطى من الصدقة وحدّ الغِنَى
أي: هذا باب في بيان من يجوز له إعطاء الصدقة، وبيان حد الغنى الشرعي.
1746- ص- نا الحسن بن علي، نا يحيى بن آدم، نا سفيان، عن حكيم ابن جبير، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه، عن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "مَنْ سَألَ وله ما يُغنيه جاءت يومَ القيامة خمُوشٌ ، أو كُدُوح، أو خُدوشٌ (1) في وجهِه، فقيلَ (2) : يا رسوله اللهِ، وما الغِنَى؟ قال: خمسونَ درهما، أو قِيمَتُهَا منذ الذهبِ " (3) .
ش- سفيان الثوري.
وحكيم بن جبير الأسدي الكوفي، قيل: مولى آل الحكم بن أبي العاص. روى عن: سعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، ومحمد بن عبد الرحمن النخعي، وغيرهم. روى عنه: الأعمش، والثوري، وشعبة، وغيرهم. قال عبد الرحمن: سألت أبا زرعة عنه؟ فقال: في رأيه شيء، قلت: ما محله؟ قال: الصدق- إن شاء اللّه- وسألت أبي عنه؟ فقال: ما أقربه من يونس بن خباب في الضعف والرأي، وهو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود- نسأل اللّه السلامة- قلت لأبي: هو أحب إليك أو ثُوير، قال: ما فيهما إلا ضعيف غالٍ
__________
(1) في سنن أبي داود: " أو خدوش أو كدوح ".
(2) في سنن أبي داود: "فقال ".
(3) الترمذي: كتاب الزكاة، باب: ما جاء من تحل له الزكاة (650) ، النسائي: كتاب الزكاة، باب: حد الغنى (5/ 97) ، ابن ماجه: كتاب الزكاة، باب:
من سأل عن ظهر الغنى (1840) .

(6/359)


في التشيع، وهما متقاربان. وقال أحمد بن سنان: قلت لعبد الرحمن ابن مهدي: لم تركت حديث حكيم بن جبير؟ قال: أخاف النار. وقال علي بن المديني: سألت يحيى بن سعيد القطان عن حكيم بن جبير؟ فقال: كم روى؟ إنما روى شيئا يسيراً قلت: من تركه؟ قال: شعبة من أجل حديثه في الصدقة، يعني حديث ابن مسعود: ما من سأل وله ما يغنيه لما، وكان يحدث عمن دونه. وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال الدارقطني: متروك. وقال الذهبي في "الميزان" : وقال الجوزجاني: حكيم بن جبير كذاب. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (1) .
ومحمد بن عبد الرحمن بن يزيد النخعي الكوفي. سمع: أباه، وعمه الأسود بن يزيد، وروى عن عائشة مرسلاً. روى عنه: حكيم بن جبير، مسلمة بن سهيل، والأعمش، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. وقال أبو زرعة: كان رفيع القدر، من الجِلَةِ. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي (2) .
وأبوه عبد الرحمن بن يزيد بن قيس النخعي أبو بكر الكوفي، وعبد اللّه بن مسعود.
قوله: " وله ما يغنيه" الواو فيه للحال، وكلمة "ما" بمعنى: شيء، أي: والحال أن له شيئا يغنيه عن السؤال.
قوله: " جاءت يوم القيامة " الضمير في " جاءت " يرجع إلى المسألة التي يدل عليها قوله:"سأل".
وقوله: " خموش" مرفوع على ابنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: وهي خموش، أي: المسألة خموش في وجهه، وتكون الجملة حالاً ويؤيد ما ذكرناه رواية الترمذي: "من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (7/ 1452) . (2) المصدر السابق (25/ 5412) .

(6/360)


ومسألته في وجهه خموش، اهو خدوش، اهو كدوح"، وفي بعض نسخ "الحق ": "خموشا" بالنصب، وكذلك "كدوحا"، و" خدوشا " فوجهه- إن صح- أن يكون ما، من الضمير الذي في "جاءت" الذي هو عبارة عن المسألة، وهنا وجه آخر، وهو أن يكون " جاءت " مسندة إلى قوله: "خموش"، ويكون ارتفاع "خموش" على الفاعلية، ويكون/ التأنيث باعتبار المسألة لأن المسألة هي التي تكون (خموشا يوم القيامة [ .... ] (1) وهو الظاهر، يقال: خمشت المرأة وجهها تخدشه خمشا وخموشا إذا خدشته بظفر أو حديد، وأما إذا كان الخموش
جمع " خمش" ، فحينئذ يكون تأنيث الفعل لتأنيث الفاعل، و "الكدُوح" بضم الكاف: الخدوش، وكل أثر من خدش، أو عض فهو كدح، ويجوز أن تكون " الكدوح " مصدرا سمي به الأثر، وأن تكون جمع
كدح، فافهم. والحديث أخرجه: الترمذي، والنسائي، وابن ماجه،
وقال الترمذي: حديث حسن، وقال: والعمل على هذا عند بعض أصحابنا، وبه يقول الثوري، وعبد اللّه بن المبارك، وأحمد، وإسحاق،
قالوا: إذا كان عند الرجل خمسون درهما لم تحل له الصدقة، قال:
ولم يذهب بعض أهل العلم إلى حديث حكيم بن جبير، ووسعوا في هذا، وقالوا: إذا كان عنده خمسون درهماً أو كثر وهو محتاج فله أن يأخذ من الزكاة، وهو قول الشافعي، وغيره من أهل الفقه والعلم.
قلت: مذهب أبي حنيفة: أن دفع الزكاة لا يجوز على من يملك قدر نصاب فاضل عن مسكنه، وخادمه، وفرسه، وسلاحه، وثياب بدنه، وما يتأثث (2) به، وكتب العلم إن كان من أهله، وما ذكره صاحب "المنظومة" من أن من ملك خمسين درهما يحرم عليه أخذ الزكاة عند الشافعي، فليس بمعتمد مذهبه.
ص- قال يحيى: فقال عبد الله بن عثمان لسفيان: حِفظِي أن شُعبةَ لا
__________
(1) طمس في الأصل قدر ست كلمات.
(2) في الأصل: "يتأثت ".

(6/361)


يَرْوي عن حَكِيم بن جُبير، فقال سفيان: فقدْ حَدثناهُ زُبيدٌ ، عن محمدِ بنِ عَبدَ الرحمنِ بنِ يزيد.
ش- أي: قال يحيى بن آدم: فقال عبد اللّه بن عثمان بن خثيم القاريّ- من القارة حليف بني زهرة- لسفيان الثوري: حفظي أن شعبة ابن الحجاج لا يروي عن حكيم بن جبير، فقال سفيان: فقد حدثناه، أي: الحديث، زبيد بن الحارث الكوفي، عن محمد بن عبد الرحمن ابن يزيد النخعي الكوفي.
وقال الخطابي (1) : وضعفوا هذا الحديث للعلة التي ذكرها يحيى بن آدم، قالوا: أما ما رواه سفيان فليس فيه بيان أنه أسنده، وإنما قال: فقد حدثناه عبيد، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، حسب.
وحكى الإمام أحمد بن حنبل، عن يحيى بن آدم: أن الثوري قال يوماً قال أبو بسطام: يحدث- يعني شعبة- هذا الحديث عن حكيم ابن جبير، قيل له: قال: حدَثني عبيد، عن محمد بن عبد الرحمن، ولم يزد عليه، قال أحمد: كأنه أرسله، أو كره أن يحدث به، أما يعرف الرجل كلاما نحو ذا؟ وحكى الترمذي: أن سفيان صرح بإسناده، فقال: سمعت زبيدا يحدث بهذا عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، وحكاه ابن عدي أيضا، وحكى أيضاً أن الثوري قال: فأخبرنا به عبيد، وهذا يدل على أن الثوري حيث به مرتين، مرة لا يصرح فيه بالإسناد، ومرة يسنده فتجمع الروايات، وقال أبو عبد الرحمن النسائي: لا نعلم أحدا قال في هذا الحديث: زايد، غير يحيى بن آدم، ولا نعرف هذا الحديث إلا من حديث حكيم بن جبير، وحكيم ضعيف، وسئل شعبة عن حديث حكيم؟ فقال: أخاف النار، وقد كان روى عنه قديماً وسئل يحيى بن معين: يرويه أحد غير حكيم؟ فقال يحيى: نعم، يرويه يحيى بن آدم، عن سفيان، عن عبيد، ولا أعلم أحدا يرويه إلا يحيى بن
__________
(1) معالم السنن (2/ 48) .

(6/362)


آدم، وهذا وهم، لو كان كذا حدث الناس به جميعا عن سفيان، ولكنه حديث منكر، هذا الكلام قاله يحيى، أو نحوه.
1747- ص- نا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن رجل من بني أسد، أنه قال: " نزلتُ أنا، وأهلي ببقِيع الغَرقَد، فقال لي أهلِي: اذهبْ إلى رسولِ اللهِ- عليه السلام- فَسَلهُ لنا شيئا نأكُلُهَُ، فجَعَلُوا يذكرونَ من حاجَتِهِم، فذهبتُ إلى رسول اللهِ- عليه السلام- فوجدتُ عندَه رجلا يسألُهُ، ورسولُ الله- عليه السلامَ- يقول: لا أَجدُ ما أعْطيكَ، فتولَّى الرجلُ عنه وهو مُغْضَب، وهو يقولُ: لَعَمْرِي إِنكَ لَتعطي مَن شَئتَ، فقالَ رسولُ الله- عليه السلام- بغضب (1) عَلَيَّ أن لا أجد ما أعطيه: مَن سألَ منكم ولهه أوقِيَّة، أو عدْلُهَا فقد سًألَ إِلحاف، قال الأَسَدِيُّ: فَقلَتُ: لقحة (2) لنا خير من أوقية، وَالوَقيةُ (3) : أربعونَ درهماً قال: فرجعتُ، ولهم أسأله، فَقدمَ على رسولَ اللّه- عليه السلام- بعدَ ذلك شعير (4) ، وزبيب، قَسَمَ (5) لنا منه/ [ أو كما قال: حتى أغنانا الله عَزَّ وجَلَ ] (6) ، (7) .
ش- " بقيع الغرقد" : بالباء الموحدة: مدفن أهل المدينة، و "البقيع ": المكان المتسع من الأرض، وقيل: لا يسمى بقيعة إلا إذا كان فيه شجر، أو أصول شجر من ضروب شتى، و" الغرقد" بفتح الغين المعجمة، وسكون الراء، وفتح القاف، وفي آخره دال مهملة من شجر الغضاة، والغضاة: شجر له شوك، وقيل: الطلح، والسدر، وكان فيه غرقا فذهب وبقي اسمه.
__________
(1) في سنن أبي داود: " يغضب".
(2) في سنن أبي داود: "لَلُقحة"، وسيذكر المصنف أنها نسخة.
(3) في سنن أبي داود: "والأوقية". (4) في سنن أبي داود: " أو شعير". (5) في سنن أبي داود: " فقسم".
(6) طمس في الأصل، وأثبتناه من سنن أبي داود.
(7) النسائي: كتاب الزكاة، باب: الإلحاح في المسألة (5/ 99) .

(6/363)


قوله: " وهو مغضب " جملة حالية، و" مغضب " بفتح الضاد مفعول من الإغضاب، وكذلك قوله: "وهو يقول " جملة حالية.
قوله: " لعمري " " العمر" بالفتح: العمر، ولا يقال. في القسم إلا بالفتح، ومعنى قوله: " لعمري ": وحق بقائي وحياتي، وكذا معنى قوله: " لعمر الله " ، الحلف ببقاء اللّه، واللام فيه للتأكيد.
قوله: " أو عدلها" بفتح العين، يريد قيمتها، يقال: هذا عدل الشيء أي: ما يساويه في القيمة، وهذا عدله- بكسر العين- أي: نظيره، ومثله في الصورة والهيئة.
قوله (1) : " لقحة لنا " اللقحة: الناقة المرية، وهي التي تمراً أي: تحلب، وجمعها لقاح، وفي بعض النسخ: "للقحة " بلام التأكيد، وارتفاعها بالابتداء، وتخصص بالصفة، وخبره قوله: " خير ".
قوله: " والوقية" بفتح الواو، وهي لغة في " أوقية "، وقد مر تحقيق الكلام فيه، وذهب أبو عبيد القاسم بن سلام في تحديد الغنى إلى هذا الحديث، وزعم ابن من وجد أربعة درهما حرمت عليهم الصدقة. والحديث أخرجه النسائي.
ص- قال أبو داود: هكذا رَواهُ الثوريُ، كما قال مالك.
ش- أي: هكذا روى الحديثَ المذكور سفيان الثوريُ كما قال مالك ابن أنس- رضي اللّه عنه-.
1748- ص- لا عتيبة بن سعيد، وهشام بن عمار، قالا: نا عبد الرحمن ابن أبي الرجال، عن عمارة بن غزية، عن عبد الرحمن بن أبِي سعيد الخدري، عن أبيه، قال: قال رسول الله- عليه السلام-: "منْ سَأل وله قيمةُ أوقية فقد ألحَفَ، فقلتُ: نَاقَتِي الياقُوتةُ هي خيرٌ من أوقية" قال هشامٌ : " خيًرٌ من أربعين درهماً، فرجعتُ ولم أسأله " (2) زاد هشامٌ
__________
(1) مكررة في الأصل.
(2) في سنن أبي داود: " فلم أسأله شيئا".

(6/364)


في حديثه: " وكانتْ الوَقيةُ على عهد النبيِّ- عليه السلام- أربعينَ درهماً " (1) .
ش- اسم أبي الرجال: محمد بن عبد الرحمن، وقد مر بيانه، واسم أبي سعيد: سعد بن مالك الأنصاري، وقد مر مرة.
قوله: "فقد ألحف" يقال: اللحف في المسألة إذا بالغ فيها، وألح، يقال: ألح، وألحف، وقيل: اللحف شمل بالمسألة، ومنه اشتق اللحاف. قوله: " ناقتي الياقوتة" مبتدأ، وقوله: " هي ما مبتداه ثان، وخبره قوله: "خير "، والجملة خبر المبتدأ الأول، و "الياقوتة" اسم تلك الناقة، وفيه جواز تسمية البهائم، وقد كان خيل رسول الله- عليه السلام- وغيرها من دوابه لها أسماء، والحديث أخرجه النسائي.
1749- ص- نا عبد الله بن محمد النفيلي، نا مسكين، نا محمد بن المهاجر، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي كبشة السلولي، نا سهل ابن الحنظلية، قال: "قَدمَ عَلَى رسولِ الله- عليه السلام- عُيَيْنَةُ بنُ حصْينٍ ، والأقرعُ بنُ حابس، فَسألاهُ، فأمَرَ لهمَا بما سَألاهُ، فَأمَرَ (2) مُعاويَةَ، فكَتَبَ لهما بما سألاه (3) ، فأمَا الأقرعُ فأخذَ كتَابَهُ فَلَفهُ في عمامَته وانطلقَ، وأما عيينةُ فأخذ كتَابَهُ، وأتَى النبي- عليه السلام- مكانه فقال: يَا محمدُ، أتُرَانِي حامِلاً إلى قًومِي كتَابا لا أدرِي ما فيه كَصحيفة المُتَلَمسِ؟ فأخبرَ معاوية بقولِهِ رسولَ اللهِ - عليه اَلسلام- فقال رسولُ الله- عَليه السلام-: مَنْ سَألَ، وعندَه ما يُغنِيهِ فإنما يَسْتَكْثِرُ من النارِ"، وقال اَلنفيلي في موضعٍ آخر: " مِن جَمْرِ جَهنمَ، فقالوا: يا رسولَ الله، وما يُغْنيه؟ " وقال النفيلي في موضعٍ آخر: "وما الغنَى الذي لا يَنبغِي (4) معه المَسَألَةُ؟ قال: قَدْرَ ما يُغَدِّيهِ، وبُعَشيهِ "، وقال النفَيلي في موضعٍ آخر: " أن يكونَ له شِبَعُ يومٍ وليلةٍ ، أو ليلةٍ وبومٍ (5) .
__________
(1) النسائي: كتاب الزكاة، باب: الإلحاف في المسألة (5/98) .
(2) في سنن أبي داود: " سألا وأمر ".
(3) في سنن أبي داود: "سألا".
(4) في سنن أبي داود:"تنبغي ".
(5) تفرد به أبو داود.

(6/365)


ش- مسكين بن بكير الحراني الحذاء.
ومحمد بن المهاجر بن دينار بن أبي مسلم الأنصاري الأشهلي الشامي مولى أسماء بنت يزيد الأشهلية. روى عن: أبيه، وأخيه، وكيسان مولى معاوية، وربيعة بن يزيد، وغيرهم. روى عنه: الربيع بن نافع الحلبي، والوليد بن مسلم، ومسكين، وابن عيينة، وغيرهم. قال ابن معين، وأبو زرعة، ويعقوب بن سفيان: هو ثقة، مات سنة سبعين ومائة. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (1) . وربيعة بن يزيد/ الدمشقي، وأبو كبشة السلولي، مذكور في الكنى، وقد مر ذكره، وسهل بن الربيع بن عمرو الأنصاري الأوسي، والحنبلية أمه، وعيينة بن حصن بن بدر الفزاري، كنيته: أبو مالك، من المؤلفة قلوبهم، أسلم بعد الفتح، وقيل: قبل الفتح، وقيل: إن الأقرع، وعيينة شهدا مع رسول الله- عليه السلام- فتح مكة، وحنيناً والطائف، والأقرع لقب، واسمه: فراس بن حابس، تميمي مجاشعي، قدم على رسول الله- عليه السلام- في أشراف بني تميم بعد فتح مكة، وكان هو أيضا أحد المؤلفة قلوبهم.
قوله: " أتراني حاملاً " بفتح الهمزة، وضم التاء.
قوله: "كصحيفة المتلمس " المتلمس هو: جريج بن عبد المسيح الضبعي، الشاعر المشهور الجاهلي، وسمي المتلمس ببيت قاله هجاء هو وطرفةُ عمرَو بن هند ملك الحيرة، فكتب إلى عامله له ولطرفة بن العبد كتابين، أوهمهما أنه أمر لهما بجوائز، وكتب فيه يأمره بقتلهما، والقصة مشهورة عند العرب، وأن المتلمس لما علم بما فيها رمى بها وهرب، فضربت العرب المثل بصحيفته بعد، ولما وافى طرفة بصحيفته قتل.
قوله: "ما يغديه ويعشيه " اختلف الناس في تأويله، فقال بعضهم:
من وجد غداء يومه وعشاء، لم تحل له المسألة على ظاهر الحديث.
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (26/ 5636) .

(6/366)


قلت: قال أصحابنا: ومن له قوت يوم فسؤاله حرام، وقال بعضهم: إنما هو فيمن وجد غداء وعشاء على دائم الأوقات، فإذا كان عنده ما يكفيه لقوته المدة الطويلة حرمت عليه المسألة. وقيل: هذا منسوخ بما تقدم من الأحاديث، والغداء والعشاء يُحَرمُ سؤال اليوم، والأوقية تحرم مقدار ما يسد من المناقر للسائل. ويجوز لصاحب الغداء والعشاء أن يسأل الجبة والكساء، ويجوز لصاحب الأوقية والخمسين درهما أن يسأل ما يحتاج إليه من الزيادة على ذلك، وقيل: إنما أعطاهما رسول اللّه- عليه السلام- من سهم المؤلفة، فإن الظاهر أنهما ليسا فقيرين، وهما رئيسا قبائلهما، وسيدا قومهما.
ص- وكان حدثنا به مختصرا على هذه الألفاظ التي ذكرت.
ش- هذا من كلام أبي داود، أي: كان النفيلي حدثنا به.
قوله: " التي ذكرت"، وفي بعض النسخ: "التي ذكرها" أي. ذكرها النفيلي.
1750- ص- أنا عبد الله بن مسلمة، نا عبد الله- يعني: ابن عمر بن غانم- عن عبد الرحمن بن زياد، أنه سمع زياد بن نعيم الحضرمي، أنه سمِع زياد بن الحارث الصدائي، قال: " أتيتُ رسولَ الله- عليه السلام- فَبَايعْتُه"، فذكر حديثا طويلاً (1) : " فأتاه رجل، فقال: أعَطِني من الصدقة فقال له رسولُ اللهِ- عليه السلام-: إن اللهَ لم يرضَ بحكْم نَبي ولا غيرِه في الصدقات، حتى حَكَمَ فيها هو، فَجَزأهَا ثمانيةَ أجزَاء، فإن كنتَ من تَلك الأجزاء أعَطيتُكَ حَقَكَ " (2) .
ش- عبد الرحمن بن زياد الإفريقي فيه مقال، وقد مر غير مرة، وزياد ابن نعيم الحضرمي البصري، ذكره ابن حبان في " الثقات ".
قوله: " فجزأها" أي: الصدقات، " ثمانية أجزاء، أي: ثمانية
__________
(1) في سنن أبي داود:"طويلا قال".
(2) تفرد به أبو داود.

(6/367)


أقسام، وذلك في قوله تعالى: { إنما الصَّدَقَاتُ للفُقَرَاء وَالمسَاكينِ } (1) الآية.
وقال الخطابي (2) في قوله: " فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك، دليل على أنه لا يجوز جمع الصدقة كلها في صنف واحد، وأن الواجب تفرقتها على أهل السهمان: بحصصهم، ولو كان في الآية بيان الحمل (3) دون بيان الحصص، لم يكن للتجريد معنى، ويدل على صحة ذلك قوله: " أعطيتك حقك،، فبين أن لأهل كل جزء على حدة حقا، وإلى هذا ذهب: عكرمة، وهو قول الشافعي. وقال إبراهيم النخعي: إذا كان المال كثيرا يحتمل الأجزاء قسمه على الأصناف، وإذا كان قليلا جاز أن يضع في صنف واحد. وقال أحمد بن حنبل: تفريقه أولى، ويجزئه أن يجعله في صنف واحد. وقال أبو ثور: إن قسمه الإمام قسمه على الأصناف الثمانية، وإن تولى قسمه رب المال فوضعه في صنف واحد رجوت أن يسعه. وقال مالك بن أنس: يجتهد، ويتحرى موضع الحاجة منهم، ويقدم الأولى فالأولى من أهل الفاقة والخلة، فإن رأى الخلة في الفقراء في عام كثر قَدَّمهم، وإن رآها في أبناء السبيل في عام آخر حولها إليهم. وقال أصحاب الرأي: هو خبير/ يضعه في أي [ الأصناف شاء، وكذلك قال سفيان الثوري ] (4) ، وقد روي ذلك عن ابن عباس، وهو قول الحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح،.
قلت: " (5) روى الطبري (6) في تفسير قوله تعالى: { إنما الصَّدَقَاتُ لِلفُقَرَاء } الآية، أخبرنا عمران بن عيينة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلفُقَرَاء وَالمَسَاكِينِ } الآية، قال: في أي صنف وضعته أجزأه، وقال ابن
__________
(1) سورة التوبة: (6) .
(2) معالم السنن (2/ 50- 51) .
(3) في معالم السنن: " المحمل".
(4) طمس في الأصل، وأثبتناه من معالم السنن (2/ 51) .
(5) انظر: نصب الراية (2/ 397- ها 3) .
(6) تفسير الطبري (0 1/ 16 1) .

(6/368)


أبي شيبة في "مصنفه ": أخبرنا جرير، عن ليث، عن عطاء، عن عمر ابن الخطاب، أنه قال: { إنما الصدفات للفقراء } الآية، قال: أيما صنف أعطيته من هذا أجزأه.
حدثنا حفص، عن ليث، عن عطاء، عن عمر: " أنه كان يأخذ الفرض في الصدقة، فيجعله في صنف واحد ".
وروي أيضاً عن الحجاج بن أرطأة، عن المنهال بن عمرو، عن زر ابن حبيش، عن حذيفة، أنه قال: " إذا وضعتها في صنف واحد أجزأك" وأخرج نحو ذلك عن: سعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، وإبراهيم النخعي، وأبي العالية، وميمون بن مهران، بأسانيد حسنة، واستدل ابن الجوزي في "التحقيق" على ذلك بحديث معاذ: "فأعلمهم أن الله تعالى افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، وترد في فقرائهم "، قال: والفقراء صنف واحد، ولم يذكر سواهم. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب " الأموال ": "ومما يدل على صحة ذلك أن النبي- عليه السلام- أتاه بعد ذلك مال فجعله في صنف واحد سوى صنف الفقراء، وهم: المؤلفة قلوبهم: الأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، وعلقمة ابن علاثة، وزيد الخيل قسم فيهم الذهبة التي بعث بها إليه علي من اليمن، وإنما تؤخذ من أهل اليمن الصدقة، ثم أتاه مال آخر فجعله في صنف آخر، وهم: الغارمون، فقال لقبيصة بن المخارق حين أتاه وقد تحمل حمالة: "يا قبيصة، أقم حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها"، وفي حديث سلمة بن صخر البياضي: " أنه أمر له بصدقة قومه"، ولو وجب صرفها إلى جميع الأصناف لم يجز دفعها إلى واحد"، وبهذا سقط قول الخطابي: لا يجوز جمع الصدقة كلها في صنف واحد، ولا تمسك للشافعي بالآية أيضا ؛ لأن المراد بها بيان الأصناف التي يجوز الدفع إليهم دون غيرهم، وكذا المراد بآية الغنيمة فافهم " (1) .
__________
(1) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.
24 . شرح سنن أبي داوود 6

(6/369)


وقال الخطابي أيضا (1) : وفي قوله: " إن اللّه لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات، حتى حكم فيها" دليل على أن بيان الشريعة قد يقع من وجهين، أحدهما: ما تولى اللّه بيانه في الكتاب العزيز وأحكم فرضه فيه، فليس به حاجة إلى زيادة من بيان النبي- عليه السلام- وبيان شهادة الأصول، والوجه الآخر: ما ورد ذكره في الكتاب مجملاً ووكل بيانه إلى النبي- عليه السلام- فهو تفسيره قولا وفعلاً أو يتركه على إجماله ليبينه فقهاء الأمة، ويستدركوه: استنباطه، واعتباراً بدلائل الأصول، وكل ذلك بيان مصدره عن اللّه تعالى، وعن رسوله- عليه السلام- ولم يختلفوا في [ أن ] السهام الستة ثابتة مستقرة لأهلها في الأحوال كلها، وإنما اختلفوا في سهم المؤلفة، فقالت طائفة من أهل العلم: سهمهم ثابت، يجب أن يعطوه، هكذا قال الحسن البصري، وقال أحمد بن حنبل: يعطون أن احتاج المسلمون إلى ذلك، وقالت طائفة: انقطعت المؤلفة بعد رسول اللّه- عليه السلام- روي ذلك عن الشعبي، وكذلك قال أصحاب الرأي، وقال مالك: سهم المؤلفة يرجع على أهل السهام الباقية، وقال الشافعي: لا يُعطى من الصدقة مشرك يتألف على الإسلام، وأما العاملون وهم: السعاة، وجباة الصدقة فإنما يعطون عمالة قدر أجر مثلهم، فأما إذا كان الرجل هو الذي يتولى إخراج الصدقة وقسمها بين أهلها فليس فيها للعامين حق ".
1751- ص- نا عثمان بن أبي شيبة، وزهير بن حرب قالا: نا جرير،
عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ليسَ المسكينُ الذي تَرُده التمرةُ والتمرتان، والأكْلَةُ والأكْلَتَانِ، ولكن المسكينَ اَلذي لا يَسْألُ الناسَ شيئاً ولا يَفْطِنُوَنَ به فَيُعْطُونَهُ" (2) .
__________
(1) معالم السنن (2/ 51- 52) .
(2) البخاري: كتاب الزكاة، باب: قول الله تعالى:{لا يسألون الناس إلحافاً } (1476) ، مسلم: كتاب الزكاة، باب: المسكين الذي لا يجد غنى ولا يفطن له فيتصدق عليه (1039) ، النسائي: كتاب الزكاة، باب: تفسير المسكين

(6/370)


ش- جرير بن عبد الحميد، وسليمان الأعمش، وأبو صالح ذكوان الزيات.
قوله: "ليس المسكين" هو مفعيل/ وهو من صيغ المبالغة " كمنطيق"، واشتقاقه من السكون، [ ويستوي في هذا المذكر والمؤنث ] (1) ، يقال:
رجل مسكين، وامرأة مسكين، ويقال: مسكينة أيضا، وجمعه: مساكين ومسكينون، وقال الجوهري: والمسكين الفقير، وقد يكون بمعنى الذلة والضعف، يقال: تسكن الرجل وتمسكن، كما قالوا: تمدرع، وتمندل،
من المدرعة، والمنديل على تمفعل وهو شاذ، وقياسه تسكن وتدرع وتندل، مثل: تشجع وتحلم، وكان يونس يقول: المسكين أشد حالا من الفقير،
قال: وقلت لأعرابي: الفقير اثنت؟ فقال: لا واللّه، بل مسكين.
وقال الخطابي (2) : وقد اختلف الناس في المسكين والفقير، والفرق بينهما، فروي عن ابن عباس، أنه قال: "المساكين هم: الطوافون، والفقراء: فقراء المسلمين"، وعن مجاهد، وعكرمة، والزهري: " إن المسكين الذي يسأل، والفقير الذي لا يسأل " ، وعن قتادة: " إن الفقير هو الذي به زمانة، والمسكين الصحيح المحتاج "، وقال الشافعي: "الفقير من لا مال له ولا حرفة، تقع منه موقعاً زَمنا كان، أو غير زَمِنٍ ، والمسكين من له مال أو حرفة، ولا يقع منه موقعا، ولا تغنيه، سائلاً كان، أو غير سائل". وقال بعض أهل اللغة: " المسكين الذي لا
شيء له، والفقير من له البلدة من العيش، واحتج بقول الراعي:
أما الفقير الذي كانت حَلوبته ... وَفقَ العيال فلم يترك له سَبد
قال: فجعل للفقير حلوبة، وقال غيره من أهل اللغة: إنما اشترط له الحلوبة قبل الفقر، فلما انتزعت منه، ولم يترك له عبد صار فقيراً لا شيء له، قال: والمسكين أحسن حالا من الفقير، واحتج بقول اللّه تعالى:
__________
(1) طمس في الأصل، ولعل الجادة ما أثبتناه.
(2) معالم السنن (2/ 52- 53) .

(6/371)


({ أما السفينَةُ فَكَانَتْ لمَسَاكينَ يَعْمَلُونَ في البَحْرِ } (1) ، فأثبت لهم مع المسكنة ملكَا وكسبا وهَما:َ السفينة، والعمل بها في البحر، وقال بعض من ينصر القول الأول: إنما سماهم مساكين مجازاً على سبيل الترحم والشفقة عليهم، إذ كانوا مظلومين.
قلت: قال صاحب "الهداية" : "والفقير من له أدنى شيء، والمسكين من لا شيء له، وهذا مروي عن أبي حنيفة، وقد قيل على العكس ، وقالت الشراح: وهو قول الشافعي، ولكل وجه، والأول أصح، ووجهه قوله تعالى: { أوْ مسكينا ذا مَتْرَبَة} (2) أي: لاصقة بالتراب من الجوع والعُري، ووجه الثانوي أن الفقير مًشتق من انكسار فقار الظهر، فيكون أسوأ حالا من المسكن، وقال الخطابي (3) : وقيل: إن الفقير مشبه بمن أصيب فقاره فالنصف ظهره، من قولهم: "فقرت الرجل" إذا أصبت فقاره، كما تقول:" بطنته" إذا أصبت بطنه، و "رأسته " إذا أصبت رأسه، إلى ما أشبه ذلك من نظائر هذا الباب.
فإن قيل: فائدة هذا الخلاف تظهر في ماذا؟ قلت: يظهر ذلك في الوصايا والأوقاف، وأما في الزكاة فلا يظهر الخلاف فيها عندنا، فافهم. ثم اعلم أنه- عليه السلام- نفى المسكنة عن الذي ترده التمرة، أو التمرتان، الذي هو السائل الطواف لأنه بمسألته تأتيه الكفاية، وقد تأتيه زيادة عليها، فيسقط عنه اسم المسكنة، والحديث حجة قوية لما قال أبو حنيفة من أن المسكين من لاشيء له.
قوله: " وأكلة" الأكلة بضم الهمزة: اللقمة، والأكلتان: اللقمتان، والأكلة بفتح الهمزة هي الواحدة، والمرة من الأكل.
قوله:" ولا يفطنون به " أي: لا يعلمون بحاله، من فطن يفطن، من باب ضرب يضرب. والحديث أخرجه: البخاري، ومسلم، والنسائي، من حديث عطاء بن يسار، عن أبي هريرة.
__________
(1) سورة الكهف: (79) .
(2) سورة البلد: (16) .
(3) معالم السنن (2/ 53) .

(6/372)


1752- ص- نا مسدد، وعبيد الله بن عمر، وأبو كامل- المعنى- قالوا: نا عبد الواحد بن زياد، نا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله- عليه السلام- مثلَه (1) : " ولكن المسكينَ المُتَعَففَ " زاد مسدد في حديثه : " ليس له ما يَستغنِي به، الذي لا يَسْألُ، ولا يُعْلَمُ بحاجَته فيُتَصَدَقُ عليه، فذاكَ المَحْرُومُ "، ولم يذكر مسدد: " المتعفف الذي لا يَسأَلُ " (2) .
ش- أبو كامل: فضيل الجحدري، ومعمر بن راشد، وأبو سلمة: عبد اللّه بن عبد الرحمن.
قوله: " بمثله" أي: مثل الحديث المذكور.
قوله: " فيتصدق" [ ...... ] (3) .
/ قوله: "فذاك المحروم " المحروم: الذي حُرِمَ، أي: مُنِع من العطاء، يقال: حرمه الشيء، يحرمه حرماً مثل: سرقه سرقة بكسر الراء، وحرمة وحريمة وحريما، وأخرجه النسائي بمثله، وليس فيه: "فذاك المحروم ".
ص- قال أبو داود: روى هذا (4) محمد بن ثور، وعبد الرزاق، عن معمر، جعلا المحروم من كلام الزهري (5) .
ش- أي: روى هذا الحديث محمد بن ثور، وعبد الرزاق بن همام، عن معمر بن راشد، وجعلا لفظ: "فذاك المحروم " من كلام ابن شهاب الزهري، ولم يجعلاه من متن الحديث.
ومحمد بن ثور الصنعاني، روى عن: معمر، وابن جريج. روى
__________
(1) في سنن أبي داود: " مثله. قال ".
(2) النسائي: كتاب الزكاة، باب: تفسير المسكين (5/ 86) . (3) بياض في الأصل قدر نصف سطر.
(4) في سنن أبي داود: "روى هذا الحديث محمد".
(5) في سنن أبي داود:"وجعلا... الزهري وهو أصح".

(6/373)


عنه: فضيل بن عياش، ومحمد بن عبيد بن حِساب، ونعيم بن حماد، وجماعة آخرون. قال يحيى بن معين: ثقة. روى له: أبو داود، و النسائي (1) .
1753- ص- نا مسدد، نا عيسى بن يونس، نا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار، أخبرني رجلانِ: " أَنهما أتَيا النبيَّ - عليه السلامِ- في حَجَّةِ الوَدَاع، وهو يَقْسمُ الصدقةَ، فَسَألاهُ منها، فَرَفَعَ فينا البصرَ وخفَضَهُ، فَرآنَا جَلدين، فقال: أنَ شئتُمَا أعطَيْتُكُمَا، وَلا حظ فيها لِغَنِيّ، ولا لِقَوِيّ مكتَسِبِ " (2) .
ش- عبيد الله بن عدي بن الخيار بن نوفل بن عبد مناف بن قصي القرشي النوفلي المدني، أدرك النبي- عليه السلام- وكان من فقهاء قريش، وروى عن: عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- وسمع: عثمان ابن عفان، وعلي بن أبي طالب، والمقداد بن الأسود، وكعب الأحبار. روى عنه: عروة، وحميد بن عبد الرحمن، وعطاء بن يزيد، وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي (3) .
قوله: " جلدين " بفتح الجيم، وسكون اللام تقنية "جَلْد"، وهو الرجل القوي من الجَلَد بفتح اللام، وهو القوة والصبر، تقول منه: جَلُدَ الرجل- بالضمة- فهو جَلْد وجَلِيد بَينُ الجَلَد، والجَلادة، والجُلُودة. وقال الخطابي (4) : هذا الحديث أصل في أن من لم يعلم له مال فأمره محمول على العدم، وفيه أنه لم يعتبر في منع الزكاة ظاهر القوة والجلد، دون أن يضم (5) إليه الكسب، فقد يكون من الناس من يرجع
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (5108/24) .
(2) النسائي: كتاب الزكاة، باب: مسألة القوي المكتسب (5/ 100) .
(3) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (2/ 436) ، وأسد الغابة (3/ 526) ، والإصابة (3/ 74) .
(4) معالم السنن (2/ 53) .
(5) في الأصل: " ضم".

(6/374)


إلى قوة الكسب، وقد يكون من الناس من يرجع إلى قوة بدنه، ويكون مع ذلك أخرق اليد، لا يعمل، فمن كان هذا سبيله لم يمنع الصدقة بدلالة الحديث، وقد استظهر- عليه السلام- مع هذا في أمرهما بالأنداد، وقلدهما الأمانة فيما يظن من أمرهما ". والحديث أخرجه: النسائي.
1754- ص- نا عباد بن موسى الختُلي الأبناوي (1) ، نا إبراهيم- يعني: ابن سعد- أخبرني أبي، عن ريحان بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - عليه السلام- قال: " لا تَحِل الصدقةُ لِغَنِي، ولا لِذِي مِرةٍ سَوِي ".
ش- قد مر غير مرة أن الخُتُّلِي- بضم الخاء المعجمة، وتشديد التاء المثناة من فوق المضمومة- نسبة إلى ختلان، وهي بلاد مجتمعة وراء بلخ، والأبناوي نسبة إلى الأبناء، ويقال لأولاد فارس: الأبناء، وهم الذين أرسلهم كسرى مع سيف بن ذي يزن لما جاء يستنجده على الحبشة، فنصروه، وملكوا اليمن، وتديَّرُوها، وتزوجوا من العرب، فقيل لأولادهم: الأبناء، وغلب عليهم هذا الاسم لأن أمهاتهم من عصير جنس آبائهم، والأبناء في الأصل جمع ابن.
وريحان بن يزيد العامري، روى عن: عبد اللّه بن عمرو بن العاص. روى عنه: سعد بن إبراهيم. قال حجاج: نا شعبة، عن سعد بن إبراهيم سمع: ريحان- وكان أعرابي صدق- وقال أبو حاتم: هو شيخ مجهول. وقال عثمان بن سعيد: قلت ليحيى بن معين: ما حاله؟ قال: ثقة. روى له: أبو داود، والترمذي (3) .
قوله: "ولا لذي مرة سوي " " المرة"- بكسر الميم-: القوة والشدة،
__________
(1) في سنن أبي داود: " الأنباري " خطأ.
(2) الترمذي: كتاب الزكاة، باب: من لا تحل له الصدقة (652) .
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (9/ 1944) .

(6/375)


و" السوي": الصحيح الأعضاء، وبه تمسك الشافعي أن من يجد قوة يقدر بها على الكسب لا تحل له الصدقة، وبه قال إسحاق، وأبو عبيد، وقال أصحابنا: يجوز له ذلك ما لم يملك مائتي درهم فصاعدا لأن المراد من الغنى هو: الغنى الشرعي، وهو أن يملك نصاباً وما فوقه، وأجابوا عن قوله: " ولا لذي مرة سوي" أن المراد به: أن يسأل مع ، قدرته على اكتساب القوت، وأما إذا/ أعطي من غير سؤال، فلا يحرم له أخذه لدخوله في الفقراء،
[ ..... ] (1) . والحديث أخرجه: الترمذي، عن سفيان، عن سعد به، وقال: حديث حسن، وقد رواه شعبة، عن سعد فلم يرفعه.
ص- قال أبو داود: رواه سفيان، عن سعد بن إبراهيمَ، كما قال إبراهيمُ، ورواه شعبةُ، عن سعدٍ ، قال: " لِذِي مِرَّةٍ سوِي".
ش- أي: روى هذا الحديث سفيان الثوري، عن سعد بن إبراهيم، كما قال إبراهيم بن سعد، وهو: " لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي".
" (2) وكذا رواه: النسائي، وابن ماجه، عن أبي حصين، عن سالم ابن أبي الجعد، عن أبي هريرة بنحوه، ورواه ابن حبان في "صحيحه " في النوع السابع والسبعين من القسم الثاني، قال صاحب " التنقيح": رواته ثقات إلا أن أحمد بن حنبل قال: سالم بن أبي الجعد لم يسمع من أبي هريرة.
وطريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك " (3) ، عن ابن عيينة، عن منصور، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، فذكره، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
وطريق آخر أخرجه البزار في "مسنده"، عن إسرائيل، عن منصور،
__________
(1) طمس في الأصل قدر نصف سطر.
(2) انظر: نصب الراية (2/ 399- 0 0 4) .
(3) (407/1) .

(6/376)


عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي هريرة، وقال البزار: وهذا الحديث رواه ابن عيينة، عن منصور، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، والصواب حديث إسرائيل، وقد تابع إسرائيل على روايته أبو حصين، فرواه عن سالم، عن أبي هريرة، ثم أخرجه كذلك، وهذا مخالف لكلام الحاكم.
وروى الترمذي (1) : "علي بن سعيد الكندي، نا عبد الرحيم بن سليمان، عن مجاهد، عن الشعبي، عن حُبشي (2) بن جنادة السلولي، قال: سمعت رسول الله- عليه السلام- وهو واقف بعرفة في حجة الوداع، وقد أتاه أعرابي فسأله رداءه، فأعطاه إياه، قال:" إن المسألة لا تحل لغني، ولا لذي مرة سوي "، وقال: غريب من هذا الوجه.
ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (3) : حدثنا عبد الرحيم به، ومن طريقه الطبراني في " معجمه " (4) .
قوله: " ورواه شعبة، عن سعد " أي: روى الحديث المذكور شعبة،
عن سعد بن إبراهيم، قال : "لذي مرة قوي "، قي (5) وأخرج الطبراني (6) في "سننه "، عن الوازع بن نافع، عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد اللّه، قال:" جاءت رسول اللّه صدقة، فركبه الناس، فقال: إنها لا تصلح لغني، ولا لصحيح سعود، ولا لعامل قوي ". انتهى. والوازع بن نافع قال ابن حبان في كتاب، الضعفاء ": يروي الموضوعات عن الثقات على قلة روايته، ويشبه أنه لم يتعمدها، بل وقع ذلك في روايته لكثرة وهمه، فبطل الاحتجاج به. انتهى كلامه.
__________
(1) كتاب الزكاة، باب: ما جاء من لا تحل له الصدقة (653) .
(2) تصحف في جامع الترمذي إلى "حبيشي ". (3) (56/3) .
(4) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.
(5) انظر: نصب الراية (2/ 400) .
(6) كذا، وفي نصب الراية: " وأخرج الدارقطني "، والحديث في سنن الدارقطني (2/ 119) ، ولم أجده في معاجم الطبراني الثلاثة، فالله أعلم.

(6/377)


ورواه أبو القاسم حمزة بن يوسف السهمي في "تاريخ جرجان" من حديث محمد بن الفضيل (1) بن حاتم: حدثنا إسماعيل بن بهرام الكوفي، حدثني محمد بن جعفر، عن أبيه، عن جده، عن جابر مرفوعاً "لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي ".
ورواه أبو يعلى الموصلي في "مسنده": من حديث إسماعيل بن يعلى ابن أمية الثقفي، عن نافع، عن أسلم مولى عمر، عن طلحة بن عبيد الله، عن النبي- عليه السلام- قال: "لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي،.
ورواه ابن عدي في "الكامل" (2) ، وقال: لا أعلم أحداً رواه بهذا الإسناد غير أبي أمية بن يعلى، وضعفه عن: ابن معين، والنسائي، ولينه عن البخاري، ووثقه عن شعبة، ثم قال: وهو من جملة الضعفاء الذين يكتب حديثهم" (3) .
ص- قال: والأحاديثُ الأخَرُى، عن النبي- علبهِ السلام- بعضُها: "لذي مِرَّةٍ قَوِي"، وبعضُها: "لِذي مِرَّةٍ سَوِي"
ش- أي: قال أبو داود- رحمه الله-، وقد ذكرنا اختلاف الطرق فيه. ص- قال عطاء بن زهير: أنه لقط محمد الله بن عَمرو، فقال:" أن الصدقة لا لمحل لقوي، ولا لذي مرة سوي ".
ش- أشار بهذا التعليق إلى أن هذا الحديث موقوف عند البعض، وعطاء بن زهير ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: عطاء بن زهير بن الأصبع العامري. روى عن: ابن عمر [ و ]. روى عنه: الأخضر بن عجلان، وهو الذي يقال له ابن الأصبع.
__________
(1) كذا، وفي " تاريخ جرجان " (ص/ 367) ، و"نصب الراية ": " الفضل".
(2) (1/ 514، ترجمة إسماعيل بن يعلى بن أمية) .
(3) إلى هنا انتهى النفل من نصب الراية.

(6/378)


23- باب: من يجوز له أخذ الصدقة وهو غني
أي: هذا باب في بيان حكم من يجور له أخذ الصدقة، والحال أنه غني.
1755- ص- نا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن زيد بني أسلم،/ عن عطاء بن يسار، أن رسولَ الله- عليه السلام- قال: " لا تَحِل الصدقةُ لغَنِيّ إلا لخمسة: لغازي (1) في سَبيلِ الله، أو لعاملٍ عليها، أو لغارمٍ ، أو لَرجلٍ اشتراهَا بماله، أول رَجلٍ (2) كان له جار مسكين فتصدقَ على المسكينِ فأهْداهَا المِسكنُ للَغًنِي " (3) .
ش- هذا مرسل، به استدل الشافعي أن الزكاة يجوز دفعها إلى الغازي
- و أن كان غنيا- وهو قول مالك، وأحمد، و إسحاق. وقال أبو حنيفة، وأصحابه: لا يجوز ذلك لإطلاق، لقوله- عليه السلام-: " لا تحل الصدقة لغني "، والمراد من قوله: " لغازي في سبيل اللّه" هو الغازي الغني بقوة البدن، والقدرة على الكسب لا الغني بالنصاب الشرعي، بدليل حديث معاذ: "وردها في فقرائهم ".
قوله:" أو لعامل عليها" أي: على الزكاة، وقال أصحابنا: العامل يدفع إليه الإمام إن عمل بقدر عمله، فيعطيه ما يسعه وأعوانه لأن استحقاقه بطريق الكفاية، ولهذا يأخذ- وإن كان غنيا- ويستثنى منه العامل الهاشمي تنزيهاً لقرابة الرسول عن شبهة الوسخ.
وقال الخطابي (4) : وأما العامل فإنه يعطى منها عمالة على قدر عمله وأجرة مثله، فسواء كان غنيا أو فقيراً، فإنه يستحق العمالة إذا لم يفعله متطوعاً"
ونقل صاحب "الهداية" عن الشافعي أن الذي يعطى للعامل مقدر بالثمن.
__________
(1) في سنن أبي داود: "لغازِ".
(2) في سنن أبي داود: " لرجل".
(3) تفرد به أبو داود. ...
(4) معالم السنن (2/ 55) .

(6/379)


قوله:" أو لغارم " الغارم: من لزمه دين، ولا يملك نصابا فاضلاً عن دينه، كذا فسره صاحب "الهداية"، ثم قال: وقال الشافعي: من تحمل غرامة في إصلاح ذات البين، و إطفاء النائرة بين القبيلين.
وقال الخطابي (1) : وأما الغارم الغني فهو: الرجل يتحمل الحمالة ويدان في المعروف، و إصلاح ذات البين، وله مال إن يقع فيها افتقر فيُوَفَرُ عليه ماله، ويعطى من الصدقة ما يقضي به دينه، وأما الغارم الذي يدان لنفسه وهو معسر، فلا يدخل في هذا المعنى لأنه من جملة الفقراء. انتهى.
فإن قيل: ما فسره صاحب "الهداية " لا يطلق إلا على الفقير، وهو ليس له دخل في هذا الباب لأن الكلام في الغارم الغني، كما دل عليه عبارة الحديث، وكما بينه الخطابي. قلت: ليس الأمر كما ذكرتم لأن الغارم الذي فسره صاحب " الهداية " إنما هو فقير بالنظر إلى نفس الأمر، أعني عند مقابلة موجودة وما يملكه بسائر ديونه، وأما بالنظر إلى الظاهر فيطلق عليه أنه غني غارم في (2) يصح الاستثناء، ويكون المعنى: تحمل الصدقة للغارم الغني في الصورة، وإن كان فقيرا في نفس الأمر بالمعنى الذي ذكرناه- كما قلنا-: إن المراد بالغازي الغني: الغني بالقوة والقدرة على الكسب، فافهم.
قوله ": " أو لرجل اشتراها" أي: اشترى الصدقة بماله، والمعنى: إن المتصدق إذا تصدق بالشيء، ثم اشتراه من المدفوع إليه، فإن أبيع جائز، وقد كرهه كثر العلماء مع تجويزهم أبيع في ذلك. وقال مالك: إن اشتراه فالبيع مفسوخ، وقد مر الكلام فيه مرة مستوفى.
قوله: " أو رجل كان له جار مسكين " برفع " مسكين" على أنه صفة للجار، الذي ارتفع بأنه اسم كان، وإنما جاز في هذه الصورة لأن المهدي له الصدقة إذا ملكها، فقد خرجت أن تكون صدقة،
__________
(1) نفسه.
(2) أي : "فحينئذ."

(6/380)


فصارت ملكه، فيجوز التصرف في ملكه، وفيه حديث بريرة- رضي اللّه عنها-.
1756- ص- نا الحسن بن عليّ، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن زيد ابن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله - عليه السلام- بمعناه (1) .
ش- أشار بهذه الطريق إلى أن الحديث مسند، وكذا أخرجه ابن ماجه مسندا، وقال أبو عمر النمري: قد وصل هذا الحديث جماعة من رواة زيد بن أسلم.
ص- قال أبو داودَ: ورواه ابنُ عُيَينةَ، عن زيد- كما قال مالك- ورواه الثوريُّ، عن زيدٍ ، قال: حدثني الثبتُ، عن النبيَ- عليه السلام-.
ش- أي: روى الحديث سفيان بن عيينة، عن زيد بن أسلم، كما قال مالك بن أنس، وأشار به إلى الرواية المرسلة. قلت: ورواه، أي: روى الحديث سفيان الثوري، عن زيد بن أسلم، وأشار به إلى الرواية المسندة.
قوله: " الثبت " بفتح الثاء المثلثة، وسكون الباء الموحدة، وفي آخره تاء مثناة من فوق، وهو: الحجة والبينة، والمراد/ به الرجل الثبت،يقال: رجل ثبت، أي: ثقة حجة في كلامه.
1757- ص- [ نا محمد بن عوف الطائي، نا الفريابي ] (2) ، نا سفيان، عن عمران البارقي، عن عطية، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله- عليه السلام-: " لا تَحِل الصدقَةُ لغَنِيّ إلا في سَبيلِ الله، أو ابن السبيلِ، أو جار
فَقِيرٍ يُتَصدَّقُ عليهِ، فيَهْدِي لكَ، أو يَدْعُوكَ " (3)

ش- الفِريابي محمد بن يوسف بن واقد أبو عبد اللّه، وسفيان الثوري،
__________
(1) ابن ماجه: كتاب الزكاة، باب: من تحل له الصدقة (1841) .
(2) طمس في الأصل، وأثبتناه من سنن أبي داود.
(3) تفرد به أبو داود.

(6/381)


وعمران البارقي. روى عن: الحسن، وعطية. وروى عنه: الثوري. روى له: أبو داود، وعطية هذا هو: ابن سعد أبو الحسن العوفي الكوفي، لا يحتج بحديثه.
قوله: " إلا في سبيل الله " أي: إلا لغني في سبيل اللّه، وهو منقطع الغزاة عند أبي يوسف لأنه المتفاهم عند الإطلاق، وعند محمد منقطع الحاصل.
قوله: " أو ابن السبيل" وهو: من له مال في وطنه، وهو في مكان لا شيء له فيه، وإنما سُمي ابن السبيل لأنه لزم السفر، ومن لزم شيئا نسب إليه، كما يقال: ابن الغني، وابن الفقير.
ص- قال أبو داودَ: ورواه فِراس، وابنُ أبي لَيلَى، عن عَطيةَ (1) مثله. ش- أي: روى الحديث المذكور فراس بن يحيى الهمداني الكوفي المكتب، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الكوفي، عن عطية بن سعد، مثل ما ذكر من الحديث.
1758- ص- (2) نا حرص بن عمر النمري، نا شعبة، عن عبد الملك ابن عمير، عن زيد بن عقبة الفزاري، عن سمرة، عن النبي- عليه السلام- قال: " المَسائِلُ كدوح يَكْدح بها الرجلُ وَجْهَهُ، فمَنْ شَاء أبقى على وَجْهِهِ، ومَن شَأ تَرَكَ، إلا أن يَسْألَ الرجلُ ذَا سُلطان، أو في أمر لا يَجدُ منه بُدا" (3) .
ش- عبد الملك بن عمير بن سويد القرشي الكوفي، وزيد بن عقبة
__________
(1) زاد في سنن أبى داود بعد قوله: " عن عطية" : " عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم "ْ
(2) جاء هذا الحديث واللذان بعده في سنن أبي داود تحت "باب ما تجوز فيه المسألة،، وجاء هذا الباب بعد الباب الآتي.
(3) الترمذي: كتاب الزكاة (681) ، النسائي: كتاب الزكاة، باب: مسألة الرجل ذا سلطان (5/ 100) .

(6/382)


الفزاري، ذكره ابن حبان في "الثقات "، وقال: روى عن سمرة بن جندب. روى عنه: سعيد بن خالد، وعبد الملك بن عمير، وابنه: سعيد بن زيد.
قوله: " المسائل " مبتدأ، وخبره قوله: "كدوح" وهو جمع كدح، وهو كل أثر من خدش، وعض، وقد مر مرة عن قريب.
قوله: " إلا أن يسأل الرجل ذا سلطان " أي: ذا يد، وقوة، وذلك مثل: الخلفاء، والملوك، ومن يلي من جهتهم.
وقال الخطابي (1) : هو أن يسأله حقه من بيت المال الذي في يده، وليس هذا على معنى استباحة الأموال التي تحويها أيدي بعض السلاطين من غصب أموال المسلمين.
قلت: عموم اللفظ يدل على أن الرجل إذا سأل سلطاناً ومَن في معناه يباح له ذلك، سواء كان حقه من بيت المال، أو من غيره، وذلك بعد أن يعرف أن غالب أمواله من وجه حل، وكذلك يجوز قبول هدية السلاطين، والأمراء إذا كان غالب أموالهم حلالاً وأما إذا عرف أن غالب أموالهم حرام، أو كلها، لا يجوز سؤاله منهم شيئاً ولا قبول هديتهم.
قوله: " أو في أمر" أي: أو أن يسأل الرجل أحداً في أمر لا يجد منه فراقه، وهو ضروري له، فحينئذ يباح له السؤال وإن كان غنيا، وصور هذا كثيرة، يستخرجها من له ذهن قوي مستقيم، أو فهم سليم، والحديث أخرجه: الترمذي، والنسائي. وقال الترمذي: حسن صحيح.
1759- ص- نا مسدد، نا حماد بن زيد، عن هارون بن رِياب (2) ، حدَّثني كنانة بن نُعيم العدوي، عن قبيصة بن مخارق الهلالي، قال: "تَحَمَّلتُ حَمَالَةً، فأتيتُ النبيَّ- عليه السلام- فقالَ: أَقمْ يا قَبيصةُ حتى تَأتِينَا الصدقةُ، فنأمُرَ لكَ بها، ثم قالَ: يا قَبِيصَةُ، إِنَّ المًسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلا
__________
(1) معالم السنن (2/ 56) .
(2) في سنن أبي داود: " رباب" خطأ.

(6/383)


لإحْدَى (1) ثلاثة: رَجُل تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَفَتْ له المَسألةُ، فَسَالَ حتى يُصَيبَهَا، ثم يُمْسًكُ، ورجل أصَابَتْهُ جائِحَةٌ فَاجْتَاحَتْ مَالَه، فَحَفَتْ له المَسألَةُ، فسَألَ حتى يُصِيبَ قِوَاما من عَيْشٍ ، أو قال: سدادا مِن عَيْشٍ ، و رَجلٌ أصَابَتْهُ فَاقَة، حتى يَقُولَ ثَلاثَةٌ من ذوي الحِجَى من قًوْمهِ: قد أصَابَتْ فلاناً الفَاقَةُ (2) ، فَحَلَّتْ له المَسْألَةُ، فسألَ حتى يُصيبَ قِوَاما مَن عَيْشٍ ، أو سدَادا من عَيْش، ثم يُمْسكُ، وما سوَاهُن من المَسألة يا قبيصةُ سُحْتٌ يَأكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتا " (3) .
ش- هارون بن رِياب- بكسر الراء، وبياء آخر الحروف، وبألف بعدها باء موحدة- التميمي الأسدي من بني كاهل من نمير، أبو الحسن البصري. روى عن: أنس/ بن مالك، [ .... ] (4) ، وشعبة، ومعمر، وابن عيينة، وغيرهم. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي (5) . وكنانة بن نعيم أبو بكر العدوي البصري. روى عن: أبي بردة الأسلمي، وقبيصة بن المخارق الهلالي. روى عنه: هارون بن رياب، وعدي بن ثابت، وثابت البناني. قال أحمد بن عبد اللّه: تابعي ثقة. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي (6) .
قوله: " تحملت حَمالة " الحمالة- بفتح الحاء وتخفيف الميم-: هي المال الذي يتحمله الإنسان، أي: يستدينه ويدفعه في إصلاح ذات البين كالإصلاح بين قبيلتين ونحو ذلك.
وقال الخطابي (7) : صاحب الحمالة وهي الكفالة، والجميل الكفيل
__________
(1) في سنن أبي داود: "لأحد ".
(2) في الأصل:" فلانٌ الفاقة " كذا، والتصويب من سنن أبي داود.
(3) مسلم: كتاب الزكاة، باب: من لا تحل له المسألة (1044) ، النسائي: كتاب الزكاة، باب: الصدقة لمن تحمل بحمالة (5/ 90) ، وباب: فضل من لا يسأل الناس شيئا (5/ 96) .
(4) طمس في الأصل قدر ثلث سطر.
(5) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (30/ 6510) .
(6) المصدر السابق (24/ 4999) .
(7) معالم السنن (2/ 57) .

(6/384)


والضمين، وتفسير الحمالة: أن يقع بين القوم التشاجر في الدماء والأموال، وتحدث بسببها العداوة والشحناء، ويخاف منها الفتن العظيمة، فيتوسط الرجل منهم، ويسعى في إصلاح ذات البينِ، ويضمن ما لأصحاب الدم أو المال يترضاهم بذلك حتى تسكن النائرة، وتعود بينهم الألفة، فهذا رجل صنع معروفاً وابتغى بما أتاه صلاحا فليس من المعروف أن تُوَرك الغرامة عليه في ماله، ولكن يُعان على أداء ما تحمله منه ويعطى من الصدقة قدر ما تبرأ به ذمته، ويخرج من عهدة ما تضمنه. قوله: "جائحة " بالجيم أولا ثم بالحاء المهملة: وهي في غالب العرف ما ظهر أمره من الآفات، كالسيل يُغرق متاعه، والنار تحرقه، والبرد يُفسد زرعه وثماره، ونحو ذلك، فإذا أصاب الرجلَ شيء من ذلك وافتقر، حلت له المسألة، ووجب على الناس أن يعطوه الصدقة من غير بينة يطلبونه بها علي ثبوت فقره، واستحقاقه إياها.
قوله: " قواما " القِوام بكسر القاف: وهو ما يقوم بحاجته ويستغنى به،
و" السِّداد "َ- بكسر السين المهملة- ما يسد به خلته، والسداد- بالكسر- كل شيء سددت به حالاً ومنه سداد الصغر، وسداد القارورة، والسداد - بالفتح-: إصابة المقصد.
قوله: " أصابته فاقة" أي: فقر.
قوله: " حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى " الحجى- بكسر الحاء المهملة، وفتح الجيم- مقصور، وهو العقل.
وقال الشيخ محيي الدين (1) : وإنما شرط الحجى تنبيها على أنه يشترط في الشاهد التيقظ، فلا تقبل من مغفل، وأما اشتراط الثلاثة فقال بعض أصحابنا: هو شرط في بينة الإعسار، فلا يقبل إلا من ثلاثة لظاهر هذا الحديث. وقالت الجمهور: يقبل من عدلين كسائر الشهادات غير الزنا، وحملوا الحديث على الاستحباب، وهذا محمول على من عُرف له مال
__________
(1) شرح صحيح مسلم (7/ 133-134) .

(6/385)


فلا يقبل قوله في تلفه والإعسار إلا ببينة، وأما من لم يُعرف له مال فالقول قوله في عدم المال.
وقال الخطابي (1) : وليس هذا من باب الشهادة، لكن من باب التبين والتعرف، وذلك أنه لا مدخل لعدد الثلاثة في شيء من الشهادات، فإذا قال نفر من قومه أو جيرانه ومن ذوي الخبرة بشأنه أنه صادق فيما يدعيه،
أعطي الصدقة.
قلت: الصواب ما قاله الخطابي لأنه أراد أن يخرج بالزيادة عن حكم الشهادة إلى طريق انتشار الخبر واشتهاره، وأن المقصد بالثلاثة هنا الجماعة التي أقلها أقل الجمع، لا نفس العدد، فافهم.
قوله: " من قومه " إنما قال هذا لأنهم من أهل الخبرة بباطنه، والمال مما يخفى في العادة، فلا يعلمه إلا من كان خبيرا بصاحبه.
قوله: " سحت" مرفوع على أنه خبر لقوله: "وما سواهن ".
وقوله: " يا قبيصة " جملة نهائية معترضة. وفي رواية مسلم: "سحتا" بالنصب وناصبه محذوف تقديره: وما سواهن من المسألة أعتقده سحتاً أو يؤكل حال كونه سحتاً والحديث أخرجه: مسلم، والنسائي.
ويستفاد منه فوائد كثيرة يستخرجها من له يد من العلوم، وذكر الخطابي (2) منها فائدتين إحداهما: جواز نقل الصدقة من بلد إلى أهل بلد آخر، فهم ذلك من قوله: "أقم حتى تأتينا صدقة".
والثانية: أن الحد الذي ينتهي إليه العطاء في الصدقة هو الكفاية التي يكون بها قوام العيش، وسداد الخلة، وذلك يعتبر في كل إنسان بقدر حاله ومعيشته، مشى فيه حد معلوم، ويحمل عليه الناس/ كلهم مع اختلاف أحوالهم.
1760- ص- نا عبد الله بن مسلمة، نا عيسى بن يونس، [ عن الأخضر
__________
(1) معالم السنن (2/ 58) .
(2) المصدر السابق.

(6/386)


ابن عجلان، عن أبي بكر الحنفي] (1) ، عن أنس بن مالكٍ أن رَجُلاً من الأنصارِ أَتَى النبيَّ- عليه السلام- يَسْألُهُ فقال له (2) :َ أمَا فِيِ بَيْتِكَ شيءٌ ؟ قال: بَلَى، حلسٌ نَلبس بَعضَه ونَبْتَسطُ (3) بَعْضَهُ، وَقَعْبٌ تشربُ فيه من الماء . قال: ائتَني بهما، فأتَاه (4) بهما، فأخَذهَما رسولُ اللهِ بِيَده وقال : من يَشْتري هذينَ؟ قال رجلٌ : أنا آخذهما بدرهم. قال: مَن يزيد على درهم مرتينِ أو ثلاثاً فقال (5) رجلٌ : أنا آخذهما بدرهمينِ، فأعطاهُمَا إياهُ وأخَذَ الدرهمينِ فأعطاهُمَا (6) الأنصاريَّ، وقال: اشْتَرِي (7) بأحدهمَا طَعاما فانْبِذْهُ إلى أهلكَ، واشتري (7) بالآخر قَدوما فَأتِنِي بها (8) ، فأتاهَ بها (8) ، فَشَد فيهِ رسوَلُ الله عُودا بيَده ثم قال (9) : اذهبْ فاحْتَطبْ وَبِعْ ولا أرَينَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوما، فَذهب اَلرجلُ يَحْتَطبُ ويبيعُ فجاء وقد أصابَ عَشْرَةَ درَاهمَ، فاشْتَرَى ببعضِهَا ثوبا وببعضِهَا طَعاما. فقال رسولُ الله: هذا خَيرٌ لكَ من أَن (5) تَجِيءَ المسألةُ نُكتةٌ في وَجهِكَ يومَ القيامة، إنه المسألةَ لا تصْلُحُ إلا لثلاثةٍ : لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ ، أو لِذِي غُرْم مُفْظِع، أو لِذِي دَمٍ مُوجِعٍ " (11) .
ش- الأخضر بن عجلان الشيباني البصري أخو شريط. روى عن: أبي بكر الحنفي. روى عنه: معتمر بن سليمان، وهاشم بن القاسم،
__________
(1) طمس في الأصل، وأثبتناه من سنن أبي داود.
(2) كلمة " له" غير موجودة في سنن أبي داود.
(3) في سنن أبي داود: "ونبسط"، وذكر المصنف أنها نسخة.
(4) في سنن أبي داود: "قال: فأتاه بهما".
(5) في سنن أبي داود: " قال".
(6) في سنن أبي داود: " وأعطاهما".
(7) في سنن أبي داود: "اشترِ ".
(8) في سنن أبي داود: " به".
(9) في سنن أبي داود: " قال له".
(10) كلمة "أن " غير موجودة في سنن أبي داود.
(11) الترمذي: كتاب البيوع، باب: ما جاء في بيع من يزيد (1218) ، النسائي: كتاب البيوع، باب: البث فيمن يزيد (7/ 262) ، ابن ماجه: كتاب التجارات، باب: بيع المزايدة (2198)

(6/387)


وأبو عاصم النبيل، وغيرهم. وعن يحيى بن معين: يكتب حديثه. وعنه لا بأس به. وعن النسائي: ثقة. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (1) .
وأبو بكر الحنفي اسمه: عبد الله، وهو أبو بكر الحنفي الكبير. روى له: الأربعة، وقد مرّ ذكره.
قوله: " حلس" الحلس- بكسر الحاء المهملة، وسكون اللام، وفي آخره سين مهَملة- كسَاء رقيق يكون تحت البردعة، وحكى أبو عبيد: حِلْسٌ وحَلَس مثل شِبْه وشَبَه، ومِثل ومَثَل. وأحلاس البيوت: ما يبسط تحت حر الثياب.
قوله: " ونبتسط " نفتعل بمعنى: نبسط، وفي بعض النسخ: " نبسط". قوله: "وقعبٌ " القعب: قدح من خشب مُقعر.
قوله: " مرتين أو ثلاثاً" أي: قال قوله ذلك مرتين أو ثلاثاً
قوله: " فانبذه إلى أهلك " أي: من قولهم: نبذت الشيء أنبذه نبذاً فهو منبوذ إذا رميته وأبعدته، والنبذ يكون بالفعل والقول في الأجسام والمعاني. والمعنى: ادفعه إلى أهلك.
قوله: " قدوما" القدوم- بفتح القاف وضم الدال المخففة-: آلة النجارة، ومنع ابن السكيت التشديد في الدال. وقال غيره: يقال بالتخفيف والتشديد.
قوله:" نكتة " النكتة: هي الأثر في الشيء. وقال الجوهري: النكتة: النقطة.
قوله: " مدقع " من أدقع من الدقع، وهو الفقر الشديد، وأصله من الدقعاء وهي التراب، ومعناه: الفقر الذي يفضي به إلى التراب لا يكون عنده ما يقيه من التراب. وقال ابن الأعرابي: الدقع: سوء احتمال الفقر.
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (2/288) .

(6/388)


قوله: " أو لذي غرم مفظع" الغُرْمُ: هو الدينُ، وهو بضم الغين وسكون الراء، ومفظع من أفظع يقال: أفظعني الأمر اشتد عَلَيَّ، والأمر الفظيع هو الشديد الشنيع الذي جاوز المقدار.
وقال الخطابي (1) : والغُرم المفظع هو أن تلزمه الديون الفظيعة القادحة حتى تتفرع به، فتحل له الصدقة، فيعطى من سهم الغارمين.
قوله: " أو لذي دم موجع" بكسر الجيم، والدم الموجع هو أن يتحمل حمالة في حقن الدماء، وإصلاح ذات البين، حتى يؤديها، فإن لم يؤدها قتل فيوجعه قتله.
ويستفاد منه فوائد، الأولى: أن بيع المزايدة جائز، والنهي عن البيع على بيع أخيه إنما هو بعد الركون.
الثانية: إثبات الكسب والأمر به.
الثالثة: أن السؤال حرام إذا قدر على الكسب.
الرابعة: فيه أن مُقْتَدَى القوم يرشد قومه إلى طريق فيه نجاتهم، ويُوضح لهم كيفية الأعمال في كل شيء.
الخامسة: أن السؤال وإن كان عن حاجة فإنه يُؤثر في القصد، لما فيه من التعلق بغير اللّه، فيكون أثراً كالنكتة، ويظهر تأثيره بإسقاط جزء من الجواب.
والحديث أخرجه: الترمذي، والنسائي، وابن ماجه. وقال الترمذي: هذا حديث حسن، لا نعرفه إلا من حديث الأخضر بن عجلان.
24- باب: كم يعطى الرجل الواحد من الزكاة
أي: هذا باب في بيان كمية ما يعطى الرجل الواحد من الزكاة، وفي بعض النسخ لفظ هذا الباب على رأس حديث سمرة بن جندل،
__________
(1) معالم السنن (2/ 59) .

(6/389)


وليس هاهنا باب، وإنما الحديث الذي يأتي متصل بالحديث الذي مرّ ذكره.
1761- ص- نا الحسن بن محمد بن الصباح، نا أبو نعيم، حدَّثني سعيد بن عُبيد الطائي، عن بشير بن يسار، زعم أن رجلاً من الأنصار يُقال له سهلِ بن أبي حَثمةَ، أخبره أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم ودَاهُ مائةً (1) من إِبِلِ الصدقةِ، يَعني: ديةَ الأنصاريَ الذي قُتِلَ بخَيْبَر (2) .
ش- الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، أبو عليّ البغدادي. سمع: سفيان بن عيينة، وإسماعيل ابن علية، ووكيعا، وغيرهم. وروى عن الشافعي كتابه القديم. روى عنه: البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والبغوي، وابن صاعد. قال النسائي: هو ثقة. مات سنة ستين ومائتين في رمضان. والزعفراني نسبة إلى دَرْب الزعفران ببغداد، ويُقال إلى قرية يقال لها الزعفرانية. قال الحسن بن محمد بن الصباح: لما قرأت كتاب الرسالة على الشافعي قال لي: من أي العرب أنت؟ قلت: ما أنا بعربي، وما أنا إلا من قرية يقال لها: الزعفرانية. قال: أنت سيد هذه القرية (3) .
وأبو نعيم الفضل بن دكين.
وسعيد بن عُبيد أبو الهذيل الطائي الكوفي. روى عن: بشير بن يسار، وعليّ بن ربيعة الطائي. روى عنه: الثوري، وابن المبارك، والفضل بن دكين، ووكيع، وغيرهم. قال يحيى القطان: ليس به بأس. وقال أحمد وابن معين: ثقة. روى له: الجماعة إلا ابن ماجه (4) .
__________
(1) في سنن أبي داود: "بمائة".
(2) البخاري: كتاب الصلح، باب: الصلح مع المشركة (2702) ، مسلم: كتاب القيامة، باب: القيامة (1669) ، الترمذي: كتاب الديات، باب: في القيامة (1422) ، النسائي: كتاب القيامة، باب: تبرئة أهل الدم في القيامة يهم/ 5- 6) ، ابن ماجه: كتاب الديات، باب: القيامة (677) .
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (6/ 1270) .
(4) المصدر السابق (0 1/ 2323) .

(6/390)


وتُشير- بضم الباء-: ابن يسار الحارثي الأنصاري، مولاهم المدني. روى عن: جابر بن عبد اللّه، وأنس بن مالك، ورافع بن خديج، وسويد بن النعمان، وسهل بن أبي حكمة. روى عنه: يحيى بن سعيد الأنصاري، وعقبة بن أبي عبيد، ومحمد بن إسحاق بن يسار. قال ابن معين: هو ثقة، وليس بأخي سليمان بن يسار. وقال ابن سعد: كان شيخا كبيراً فقيها، وكان قد أدرك عامة أصحاب رسول اللّه- عليه السلام-، وكان قليل الحديث. روى له الجماعة (1) .
وسهل بن أبي حثمة- بفتح الحاء المهملة، وسكون الثاء المثلثة- واسم أبي حثمة: عبد اللّه، وقيل: عبيد اللّه، وقيل: عامر، وقد مر ذكرهما مستوفى.
قوله: " وداه" أي: أعطى ديته، يقال: وديت القتيل أديه دية إذا أعطيت ديته، واتديتُ أي: أخذت ديته. وأصل دية وديٌ حذفت الواو وعوض منها الهاء فصار دية، كعدة ومقة أصلهما وعد وومق.
وقال الخطابي (2) : يشبه أن يكون النبي- عليه السلام- إنما أعطاه ذلك من سهم الغارمين على معنى الحمالة في إصلاح ذات البين، إذ كان قد شجر بين الأنصار وبن أهل خيبر في دم القتيل الذي وجد بها منهم، فإنه لا مصرف لمال الصدقات في الديات.
وقال أيضا (3) : وقد اختلف الناس في قدر ما يُعطاه الفقير من الصدقة، فكره أصحاب الرأي أن يبلغ به مائتي درهم إذا لم يكن عليه دين أو له عيال، وكان الثوري يقول: لا يدفع إلى الرجل من الزكاة أكثر من خمسين درهماً وكذلك قال أحمد بن حنبل، وعلى مذهب الشافعي يجوز أن يعطى على قدر حاجته من غير تحديد فيه، فإذا زال اسم الفقر عنه لم يُعط.
__________
(1) المصدر السابق (4/ 734) .
(2) معالم السنن (2/ 55) .
(3) نفسه (2/ 56) .

(6/391)


قلت: وفيه دليل لأبي حنيفة في قوله: يجوز أن يقتصر الرجل في زكاته على صنف واحد من الأصناف المذكورة في الآية.
والحديث أخرجه: البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، و ابن ماجه مختصراً ومطولا في القصة المشهورة.
25- باب: كراهة (1) المسألة
أي: هذا باب في بيان كراهة السؤال.
1762- ص- نا هشام بن عمار، نا الوليد، نا سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة- يعني ابن يزيد- عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي مسلم الخولاني قال: حدَّثني الحبيبُ الأمينُ، أمّا هو إليُّ فحبيب، وأمَّا هول عندي فأمين: عوفُ بنُ مالك. قال: كُنَّا عندَ رسول اللهِ- عليه السلام- سبعَةً أو ثمانيةً أو تسعةً فقال: ألا تُبَايعُونَ رسولَ الله؟/- وكنا حديثُ عهد ببيعة- قلنا: قَدْ بَايَعْنَاكَ [ حتى قالَهًا ثلاثاً، فَبَسَطَنَا أيديَنَا فبايَعْنَاهُ، فقالت قائل: يا رسولَ الله ]، (2) إنَّا قَد بَايَعْنَاكَ فَعَلامَا نُبَايعُكَ؟َ قال: أن تَعبُدُوا اللهَ [ ولا تشركُوا به شيَئا، وتُصَلُّوا الصَّلَوَاتِ الخمسة، (2) ، وتسمَعُوا وتُطيعُوا وأسر كلمةً خَفِيَّةً قال: وَلا تَسْألُوا الناسَ شيئاً قال: فلقد كان بعضُ أولئك النفر يَسقطُ سَوْطُهُ فما يَسْألُ أحَداً أَن يُنَاوِلَهُ إياه (3) .
ش- الوليد بن مسلم، وسعيد بن عبد العزيز الدمشقي، فقيه أهل الشام، وربيعة بن يزيد الدمشقي، وأبو إدريس عائذ اللّه بن عبد الله الخولاني، وأبو مسلم الخولاني اسمه: عبد اللّه بن ثُوَب- بضم الثاء المثلثة، وفتح الواو، ويقال: ثواب، ويقال ابن أثوب، ويقال: ابن
__________
(1) في سنن أبي داود: " كراهية".
(2) طمس في الأصل، وأثبتناه من سنن أبي داود.
(3) مسلم: كتاب الزكاة، باب: كراهية المسألة (1043) ، النسائي: كتاب الصلاة، باب: البيعة على الصلوات الخمس (1/ 228) ، ابن ماجه: كتاب الجهاد، باب: البيعة (2867) .

(6/392)


عبد الله، ويُقال: ابن عوف، ويقال: ابن مسلم، ويقال: اسمه: يعقوب بن عوف اليماني، أبو مسلم الخولاني الزاهد، سكن الشام بداريا بالقرب من دمشق، رحل يطلب النبي- عليه السلام- فمات النبي - عليه السلام- وهو في الطريق، ولقي أبا بكر الصِّديِّق، وروى عن: عمر بن الخطاب، وأبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وسمع: عوف أ بن، مالك الأشجعي، وعبادة بن الصامت، وأبا ذر الغفاري. روى عنه: أبو العالية الرياحي، وأبو إدريس الخولاني، وعطاء بن أبي رباح، ومكحول، وجماعة آخرون. قال ابن معين، وأحمد العجلي، وابن سعد: هو ثقة. زاد العجلي: من كبار التابعين وعُبادهم. ورُوي أن الأسود العنسي أمر بنار عظيمة ثم ألقاه فيها فلم تضره. روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. وقال الشيخ محيي الدين (1) : وأما قول السمعاني في " الأنساب " أنه أسلم في زمن معاوية فغلط باتفاق أهل العلم من المحدثين، وأصحاب التواريخ، والمغازي، والسير، وغيرهم (2) .
قوله: " وأسر كلمة خفية " يشبه أن يكون صلى الله عليه وسلم أسر النهي عن السؤال، ليخص به بعضهم دون بعضه ولا يعمهم بذلك لأنه لا يمكن العموم، إذ لا بد من السؤال، ولا بد من التعفف، ولا بد من الغنى، ولا بد من الفقر، وقد قضى اللّه تبارك وتعالى بذلك كله، فلا بد أن ينقسم الخلق إلى الوجهين.
قوله: " فما يسأل أحدا أن يناوله إياه" أي: سوطه، كراهة الذل لأن في السؤال ذلا، ولهذا قال أبو حنيفة: المسافر لا يسأل من رفيقه ماء، ولو تيمم قبل الطلب أجزأت ، لأن السؤال فيه ذل، وربما لا يعطيه. والحديث أخرجه: مسلم، والنسائي، وابن ماجه.
__________
(1) شرح صحيح مسلم (132/7) .
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (7627/34) .

(6/393)


ص- قال أبو داودَ: حديثُ هشامٍ لم يَرْوِيه (1) إلا سعيدٌ .
ش- أي: حديث هشام بن عمار لم يرويه إلا سعيد بن عبد العزيز الدمشقي.
1763- ص- نا عبيد الله بن معاذ، نا أبي، لا شعبة، عن عاصم، عن أبي العالية، عن ثوبان قال: وكان ثوبان مولى رسول الله- عليه السلام- قال: قال رسول الله- عليه السلام-: "مَنْ تَكَفلَ لي أن لا يَسْألَ الناسَ شيئاً، وأتَكَفَّلُ له بالجَنَّةِ؟ فقال ثوبانُ: أنا، فكان لا يَسْألُ أحداً شيئا " (2) .
ش- أبوه: معاذ بن معاذ بن حسان، وعاصم بن سليمان الأحول التميمي، وأبو العالية الرياحي اسمه: رفيع.
قوله: "وأتكفل"، بالواو، وفي بعض النسخ بالفاء.
قوله: " فكان لا يسأل" أي: فكان ثوبان لا يسأل أحدا شيئاً وفي بعض النسخ: "فكفل ثوبان لا يسأل".
26- باب: في الاستعفاف
أي: هذا باب في بيان الاستعفاف، وهو طلب العفة، من عف عن الحرام يعف عفا وعفةً وعفافه وشفافة، أي: كف، فهو عف وعفيف، والمرأة عفة وعفيفة، وأعفه الله واستعف عن المسألة، أي: عف.
1764- ص- نا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي سعيد الخدري أن ناسا من الأنصار سَألُوا رسولَ اللهِ- عليه السلام- فَأعطاهُم، ثم سَألُوهُ فَأعطاهُم حتى (3) نَفِدَ ما
__________
(1) كذا، وفي سنن أبي داود: "يروه ".
(2) تفرد به أبو داود.
(3) في سنن أبي داود: "حتى إذا نفد ".

(6/394)


عندَهُ قَالَ: ما يكونُ عندي من خَير فلن أدَّخرَهُ عنكُم، ومن يَستعفف يُعفهُ اللّهُ، ومن يَسْتَغْنِي (1) يُغنه اللهُ، ومن يَتَصَبَّر يصبِّرْهُ اللهُ، وما أعْطِيَ أَحد (2) مِن عطاء أوْسَعَ من الصَّبْرَ (3) .
ش- "نفد" بفتح النون، وكسر الفاء، وفتح الدال المهملة أي: فرغ/ [ .... ] (4) ، وفيه الحض على الاستغناء عن الناس بالصبر والتوكل، وانتظار رزق اللّه [ .... ] (5) ، وأن الصبر أفضل ما أعطِي المؤمن، ولذلك كان الجزاء عليه غير مقدر، قال تعالى: { إِنَّمَا يُوَفى الصَّابرُونَ أجْرَهُم بغَيْرِ حسَابٍ } (6) . والحديث أخرجه: البخاري، ومسلَم، والترمذيَ، وا لنسائي.
1765- ص- نا مسدد، نا عبد الله بن داود ح، ونا عبد الملك بن حبيب أبو مروان، نا ابن المبارك- وهذا حديثه- عن بشير بن سلمان، عن سيار أبي حمزة، عن طارق، عن ابن مسعود قال: قال رسولُ اللّه- عليه السلام-: "مَنْ أصَابتهُ فاقةٌ فَأنزلَهَا بالناسِ لم تُسَدَّ فَاقَتُهُ، ومَنْ أنزَلَهَاَ باللّهِ جَلَّ وعز أوْشَكَ اللهُ له بالغِنَى، إِما بموتٍ عَاجلٍ أو غِنًى عَاجلٍ " (7) .
ش- عبد اللّه بن داود الخريبي البصري.
وعبد الملك بن حَبيب- بفتح الحاء المهملة- أبو مروان. روى عن: عبد اللّه بن المبارك، وأبي إسحاق الفزاري. روى عنه: أبو داود، والحسين بن منصور المصيري.
__________
(1) كذا، وفي سنن أبي داود:" يستغن ".
(2) كذا، وفي سنن أبي داود: "وما أعطى الله أحداً ".
(3) البخاري: كتاب الزكاة، باب: الاستعفاف عن المسألة (1469) ، مسلم: كتاب الزكاة، باب: فضل التعفف والصبر (1053) ، الترمذي: كتاب البر، باب: ما جاء في الصبر (2025) ، النسائي: كتاب الزكاة، باب: الاستعفاف عن المسألة (5/ 96) .
(4) طمس في الأصل قدر ثلث سطر.
(5) كلمة غير واضحة.
(6) سورة الزمر: (10) .
(7) الترمذي: كتاب الزهد، باب: الهم في الدنيا (327) .

(6/395)


وبشير- بفتح الباء- ابن سلمان، قال في الكمال: بشير بن سُلَيمان (1) أبو إسماعيل النهدي الكوفي، والد الحكم. سمع: عكرمة، وأبا حازم كلمة بن دينار، ومجاهد بن جبر، وسياراً أبا الحكم. روى عنه: وكيع، وأبو نعيم، ومحمد بن فضيل، ومروان بن ومعاوية، وابن عيينة، ومحمد بن يوسف الفريابي. قال أحمد بن عبد اللّه: بشير بن إسماعيل أبو إسماعيل الكوفي ثقة، كذا قال ابن إسماعيل والمعروف ابن سلمان. روى له: مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه (2) . وسَيار على وزن فعال بالتشديد أبو حمزة، قال في الكمال: سيار بن وردان، وهو ابن أبي سيار أبو الحكم الواسطي، وقال: سيار بن دينار، ويُقال: ابن ورد، وهو أخو محاور الوراق لأمه. روى عن: أبي إسرائيل، والشعبي، وعبد الله بن يسار، وغيرهم. روى عنه: إسماعيل بن أبي خالد، والثوري، وشعبة، وبشير بن سلمان، وغيرهم. قال أحمد. صدوق ثقة ثبت في كل المشايخ. وقال ابن معين: ثقة. مات سنة اثنين وعشرين ومائة. روى له الجماعة (3) .
قلت: قال أبو داود: بشير كان يهم في سيار يقول: سيار أبو الحكم، وهو خطأ إنما هو سيار أبو حمزة، وذكر الأثرم عن أحمد بن حنبل قال: الذي يروي عنه بشير هو سيار أبو حمزة، وليس قولهم سيار أبو الحكم بشيء، أبو الحكم ماله ولطارق بن شهاب؟ وذهب البخاري في "تاريخه" إلى أنه سيار أبو الحكم وخُطّئَ في ذلك، وكان عبد الغني ذهب إلى قول البخاري، فلذلك قال: سيار أبو الحكم، والصواب ما قاله أبو داود وأحمد فافهم.
وطارق بن شهاب الصحابي قد ذكرناه.
__________
(1) كذا، ولعله هكذا في "الكمال "، أو سبق قلم من المصنف، والله أعلم.
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (4/ 719) .
(3) كذا ترجم المصنف لسيار أبي الحكم، وإنما صاحب الترجمة هو سيار أبو حمزة وهو مترجم في تهذيب الكمال (12/ 2671) ، وسيار أبو الحكم في الترجمة التي قبله.

(6/396)


قوله: " فاقة " أي: فقر وحاجة.
قوله: " فأنزلها بالناس" يعني: عرفها لهم، وطلب سدادها منهم، وسألهم في ذلك، لم تسد حاجته، لكونه سأل عاجزين مثله.
قوله: " أوشك الله" بفتح الهمزة، وفتح الشين المعجمة: يُوشك
إيشاكا، ومعناه عند الخليل: أسرع، وأنكر بعضهم أوشك، وإنما يأتي عندهم مستقبلاً.
قلت: الحديث ينكر قول المنكرين.
واعلم أن أوشك من أفعال المقاربة، وهي ما وضع لدنو الخبر رجاء أو حصولا أو أخذا فيه، وفي الحقيقة من النواقص لأنها لتقرير الفاعل على صفة على سبيل المقاربة، ولا تستعمل أفعال المقاربة بمعنى المقاربة إلا بلفظ
الماضي إلا كاد وأوشك، فإنه قد جاء مضارعهما بهذا المعنى، وشذ مجيء اسم الفاعل من أوشك كما جاء في الشعر. والحديث أخرجه: الترمذي وقال: حسن صحيح غريب.
1766- ص- نا قتيبة بن سعيد، نا الليث بن سعد، عن جعفر بن ربيعة عن بكر بن سوادة، عن مسلم بن مخشي، عن ابن الفراسي أن الفراسي قال لرسول الله- عليه السلام-: " أسْألُ يا رسولَ الله؟ فقال النبي عليه السلام-: لا، وإن كُنتَ لا بُد سَائِلاً فسَلِ (1) الصالِحِين" (2) .
ش- جعفر بن ربيعة بن شرحبيل بن حسنة المصري، وبكر بن سوادة ابن ثمامة المصري، ومسلم بن مَخْشِيَّ بفتح الميم، وسكون الخاء، وكسر الشين المعجمة، وتشديد الياء: المدلجي أبو معاوية المصري. روى عن:
ابن الفراسي. روى عنه/: بكر بن سعادة. روى له: أبو داود، والنسائي [ ..... ] (3) في "الكمال" روى عن النبي- عليه السلام-
__________
(1) في سنن أبي داود: "وإن كنت سائلاً لا بد فاسأل".
(2) النسائي: كتاب الزكاة، باب: سؤال الصالحين (5/ 95) .
(3) طمس في الأصل قدر نصف سطر، ولعله يترجم للفراسي.

(6/397)


حديثا واحداً. روى عنه: ابنه. روى له: أبو داود، والنسائي. وقال في "مختصر الحق" : ويُقال فيه عن الفراسي، ومنهم من يقول عن ابن الفراسي، عن أبيه كما ذكره أبو داود، وهو من بني فراس بن مالك من كنانة، حديثه عند أهل مصر، وله حديث آخر في البحر " هو الطهور ماؤه الحل ميتته"، كلاهما يرويه الليث بن سعد.
قوله: " لا" أي : لا تسأل، وإنما نهى عن السؤال عن غير الصالحين لأن الخير قَلَّ أن يحصل من غير الصالحين. ومن شيم الصالحين أن لا يردوا السائلين خائبين، وإن كانوا هم أحوج إلى ما يعطون من غيرهم. والحديث أخرجه النسائي.
1767- ص- نا أبو الوليد الطيالسي، نا ليث، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن بسر بن سعيد، عن ابن الساعدي قال: اسْتَعْمَلَنِي عمرُ- رضي الله عنه- على الصدقة، فلما فَرغتُ منها وَأَدَّيْتُهَا إليه أمَرَ لي بعُمَالَة، فقلتُ: إنما عَمِلتُ لله وأجرِي عَلى الله. قال: خُذْ ما أعطيت، فإني قَد عَمًلتُ على عَهد رسول صلى الله عليه وسلم فَعَملَني،َ فقلتُ مثلَ قولكَ،َ فقال لي رسولُ الله- عليه السلام-: إذا أعْطِيتَ شيَئا من غير أن تَسْألَهُ فكلْ وتَصدَّقْ (1) .
ش- أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، وبكسر- بضم الباء الموحدة، وسكون السين المهملة-.
وابن (2) الساعدي صوابه: ابن السعدي، وهو عبد الله بن عمرو بن وقدان بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسن بن عامر بن لؤي المعروف بابن السعدي لأنه كان مسترضعا في بني سعد، يكنى:
__________
(1) البخاري: كتاب الأحكام، باب: رزق الحاكم والعاملين عليها (7163) ، مسلم: كتاب الزكاة، باب: إباحة الأخذ لمن أعطي من غير مسألة ولا إشراف (1045) ، النسائي: كتاب الزكاة، باب: من آتاه الله مالا من غير مسألة (103/5-104) .
(2) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (2/ 0 35، 384) ، وأسد الغابة (3/ 261) ، والإصابة (2/ 318) .

(6/398)


أبا محمد، وقيل: اسم السعدي: قدامة بن وقدان، سكن الأردن (1) من أرض الشام، رُوي له عن رسول اللّه- عليه السلام- ثلاثة أحاديث، رويا له جميعا عن عمر بن الخطاب حديث العمالة. روى عنه: السائب بن يزيد. قال الواقدي: توفي سنة سبع وخمسين. روى له: النسائي عن النبي- عليه السلام-، وروى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي عن عمر بن الخطاب- رضي اللّه عنه-. قلت: هذا ما ذكره صاحب الكمال.
وقال الشيخ محيي الدين (2) : وقد وقع في مسلم من رواية قريبة قال: عن ابن الساعدي المالكي، فقوله: المالكي صحيح منسوب إلى مالك بن حسن بن عامر. وإنما قوله: الساعدي فأنكروه، قالوا: وصوابه: السعدي، كما رواه الجمهور منسوب إلى سعد بن بكر.
وقال زكي الدين في "المختصر" : ولم يكن سعديا، وإنما قيل لأبيه السعدي لأنه كان مسترضعا في بني سعد بن بكر، وأما الساعدي فنسبة إلى بني ساعدة من الأنصار من الخزرج لا وجه له هاهنا، إلا أن يكون له نزول أو حلف، أو خؤولة، أو غير ذلك.
وقال أيضاً ورواه الزهري عن السائب بن يزيد، عن حويطب بن عبد العزى، عن عبد الله بن السعدي، عن عمر- رضي اللّه عنهم- فاجتمع في إسناده أربعة من الصحابة، وهو أحد الأحاديث التي جاءت كذلك. ووقع في حديث الليث بن سعد: ابن الساعدي كما قدمناه. قلت: أشار به إلى رواية أبي داود لأن في روايته ابن الساعدي، والصواب: ابن السعدي كما قررناه، وهذا الحديث رُوي من طرق مختلفة، والصحيح ما اتفق عليه الجماعة- يعني: عن الزهري، عن السائب، عن حويطب، عن ابن السعدي، عن عمر- رضي اللّه عنهم-. والسائب: ابن يزيد.
__________
(1) في الأصل: "الأزد".
(2) شرح صحيح مسلم (136/7) .

(6/399)


وحويطب- بضم الحاء المهملة- أبو محمد، ويُقال: أبو الأصبع حويطب بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسن بن عامر بن لؤي القرشي العامري، أسلم يوم فتح مكة، ولا تحفظ له رواية عن النبي- عليه السلام- إلا شيء ذكره الواقدي، واللّه أعلم.
قوله: " أمر لي بعُمالة" العُمالة- بضم العين- المال الذي أعطاه العامل على عمله.
قوله: " فعملني" بتشديد الميم أي: أعطاني أجرة عملي؟ وفيه جواز أخذ العوض على أعمال المسلمين سواء كانت لدين أو لدنيا كالقضاء والحسبة وغيرها.
وقال الشيخ محيي الدين (1) : واختلف العلماء فيمن جاءه مال هل يجب قبوله أم يندب؟ على ثلاثة مذاهب حكاها/ [ أبو جعفر محمد بن جريج الطبري وآخرون، والصحيح المشهور الذي عليه الجمهور، أنه يستحب في غير عطية ] (2) السلطان، وأما عطية السلطان فحرمها قوم، وأباحها قوم، وكرهها قوم، والصحيح: أنه إن غلب الحرام فيما في يد السلطان حرمت، وكذا إن أعطي ما لا يستحق، لان لم يغلب الحرام فمباح إن لم يكن في القابض مانع يمنعه من استحقاق الأخذ. وقالت طائفة: الأخذ واجب من السلطان وغيره. وقال آخرون: هو مندوب في عطية السلطان دون غيره. انتهى. وقيل: وليس معنى الحديث في الصدقات، وإنما هو في الأموال التي يقسمها الإمام على أغنياء الناس وفقرائهم، واستشهد بقوله في بعض طرقه: " فتموله "، وقال: الفقير لا ينبغي له ذلك أن يأخذ من الصدقة ما يتخذه مالا [ سواء ] كان عن مسألة أو عن غير مسألة.
__________
(1) شرح صحيح مسلم (134/7-135) .
(2) طمس في الأصل، و أثبتناه من شرح صحيح مسلم.

(6/400)


واختلف العلماء فيما أمر به النبي- عليه السلام- عُمر من ذلك بعد إجماعهم على أنه أمر ندب وإرشاد. فقيل: هو أمر ندب من النبي- عليه السلام- لكل من أعطي عطية كانت من سلطان أو عامي، صالحا كان أو فاسقاً بعد أن يكون ممن يجوز عينه، حكى ذلك غير واحد، وقيل ذلك من النبي- عليه السلام- ندب إلى قبول عطية غير السلطان، فبعضهم منعها وبعضهم كرهها. وقال آخرون: ذلك ندب لقبول هدية السلطان دون غيره، ورجح بعضهم الأول لأن النبي- عليه السلام- يخصص وجها من الوجوه. والحديث أخرجه: البخاري، ومسلم، والنسائي بنحوه.
1768- ص- نا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله ابن عمر، أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال وهو على المنبرِ، وهو يذكرُ الصدقةَ والتعففَ منها والمسألةَ:َ" اليدُ العُليا خير من اليدِ السُفلَى، واليدُ العُليا المنفِقَةُ، والسفْلَى السائِلَةُ" (1) .
ش- هكذا وقع في صحيحي البخاري ومسلم من قوله: "واليد العليا المنفقة" من الإنفاق، وكذا هي رواية أبي داود عن أكثر الرواة، وفيه دليل للجمهور أن اليد العليا هي المنفقة.
وقال الخطابي (2) : المتعففة لما نذكره الآن. وقال غيره: العليا الأخذة، والسفلى المانعة، حكاه القاضي. والمراد بالعلو: علو الفضل والمجد ونيل الجواب.
قلت: هو قول المتصوفة، ذهبوا إلى أن اليد العليا هي الآخذة لأنها نائبة عن يد الله تعالى. وما جاء في الحديث الصحف من التفسير مع فهم
__________
(1) البخاري: كتاب الزكاة، باب: لا صدقة ألا عن ظهر غنى (1429) ، مسلم: كتاب الزكاة، باب: بيان أن اليد العليا خير (1033) ، النسائي: كتاب الزكاة، باب: أيهما اليد العليا (5/ 61) ، وباب: اليد السفلى (5/ 61) .
(2) معالم السنن (2/ 60) .
26 . شرح سنن أبي داوود 6

(6/401)


المقصد من الحث على الصدقة أوْلى، فعلى التأويل الأول هي العليا بالصورة. وعلى الثاني عليا بالمعنى. وفي الحديث ندب إلى التعفف عن المسألة، وحض على معالي الأمور، وترك دنيها، وفيه أيضا حض على الصدقة. والحديث أخرجه: النسائي أيضا بنحوه.
ص- قال أبو داود: اخْتُلفَ على أيوبَ، عن نافع في هذا الحديث،
فقال (1) عبدُ الوارث: اليدُ الَعُليا المتعففةُ. وقال كثرُهمً عن حماد بن زياد، عن أيوبَ: اليدُ العُليا المنفقةُ. وقال واحد (2) : المتعففةُ.ً
ش- أشار بهذا إلى أن كثر الرواة رووا: " اليد العُليا المنفقة" من الإنفاق، وأن رواية: "اليد العليا المتعففة" بالعين من العفة هي رواية واحد، وهي رواية عبد الوارث بن سعيد، عن حماد بن زيد، ورجح الخطابي (3) رواية " المتعففة" وقال: هي أشبه وأصح في المعنى، وذلك أن ابن عمر ذكر أن رسول الله- عليه السلام- قال هذا الكلام وهو يذكر الصدقة والتعفف منها، فعطف الكلام على سببه الذي خرج عليه وعلى ما يطابقه في معناه أوْلى، وقد يتوهم كثير من الناس أن معنى العليا هي أن يد المعطي مستعلية فوق يد الآخذ، يجعلونه من علو الشيء إلى فوق، وليس عندي ذلك بالوجه، وإنما هو من علاء المجد والكرم، يريد به الترفع عن المسألة والتعفف عنها، وأنشدني أبو عمر قال: أنشدنا أبو العباس قال: أنشدنا ابن الأعرابي في معناه:
إذا كان باب الذل من جانب الغنى ... سموت إلى العلياء من جانب الفقر
يريد به التعزز بترك المسألة، والتنزه عنها.
وقال الشيخ محيي الدين (4) : والصحيح: الرواية الأولى، ويحتمل صحة الروايتين، فالمنفقة أعلى من السائلة، والمتعففة خير من السائلة.
__________
(1) في سنن أبي داود: "قال".
(2) في سنن أبي داود: "وقال واحد عن حماد "
(3) معالم السنن (2/ 60) .
(4) شرح صحيح مسلم (125/7) .

(6/402)


1769- ص- نا أحمد بن حنبل، نا عبيدة بن حميد التيمي، حدَّثني أبو الزعراء،/ عن أبي الأحوص، عن أبيه مالك بن نضله قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : [ " الأيْدي ثلاثةٌ : فيدُ الله جل وعز العُليا ]، (1) ، ويدُ المُعْطِي التي تَلِيهَاَ، ويدُ السائلِ اَلسفْلَى، فأعْطِ الَفضلَ ولا تَعْجَزْ عنْ نَفْسِكَ " (2) .
ش- أبو الزعراء: عبد اللّه بن هاني الكوفي الكندي. سمع: عبد اللّه بن مسعود. روى عنه: سلمة بن كهيل قال البخاري: ولا يتابع في حديثه. وقال النسائي وعلي بن المديني: لا نعلم أحداً روى عنه إلا سلمة بن سهيل. وقال ابن عدي: والذي قال النسائي كما قال، ويروي سلمة بن سهيل عن أبي الزعراء، عن ابن مسعود إن كان قد سمع من عبد اللّه بن مسعود، ويروي عن أبي الأحوص عن أبيه، وغيرهم (3) .
وأبو الأحوص: عوف بن مالك بن نضلة الكوفي.
قوله: " فيد الله جل وعز العليا" المراد بها: قدرته الباسطة (4) . وقد جعل في هذا الحديث اليد العليا أته تعالى، ثم للمعطي وهي يد المنفق.
ويؤيد هذا رواية الجمهور: "أن اليد العليا هي المنفقة ".
قوله: " فأعط الفضل" أي: الذي يفضل من كفايته، وهو الذي لا يحتاج إليه، وفيه حث على الصدقة عن فضل ماله، ووصيته لترك العجز والكسل في الصدقة.
__________
(1) طمس في الأصل، وأثبتناه من سنن أبي داود.
(2) تفرد به أبو داود.
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (3627/16) .
(4) بل المراد: يد الله سبحانه على وجه الحقيقة، يدا لا تأويل فيها، ولا تشبيه، ولا تعطيل، ولا تمثيل، قال تعالى: { بل يداه مبسوطتان }، وهذا اعتقاد أهل السُنَة والجماعة، وانظر: التوحيد لابن خزيمة (ص/ 53- 59) ، ومجموع الفتاوى (3/ 133) .

(6/403)


27- باب: الصدقة على بني هاشم
أي: هذا باب في بيان الصدقة على بني هاشم. قال صاحب "الهداية":
وهم آل علي، وآل عباس، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل الحارث بن عبد المطلب، ومواليهم.
قلت: هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مُرة.
1770- ص- نا محمد بن كثير، أنا شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي رافع، عن أبي رافع، أن النبي- عليه السلام- بَعَثَ رجلاً على الصدقةِ من بنِي مخزوم فقال لأبي رَافع: اصْحَبْنِي فإنكَ تُصيبُ منها. قال: حتى آتي النبيَّ- عليه السلام- فَأسْألُهُ فَأتَاهُ، فَسَألَهُ فقالت: " مَوْلَى القوم من أنفُسِهِمْ، وإنا لا تَحِلُّ لنا الصدقةُ" (1) .
ش- ابن أبي رافع اسمه: عُبيد الله، كاتب عليّ- رضي الله عنه-، واسم أبي رافع: إبراهيم، أو أسلم، أو ثابت، أو هرمز، وقد ذكرناه وهو مولى النبي- عليه السلام-.
قوله: " بعث رجلا على الصدقة " هذا الرجل هو الأرقم بن أبي الأرقم القرشي المخزومي، بَيَّن ذلك النسائي والخطيب، كان من المهاجرين الأولي، وكنيته: أبو عبد اللّه، وهو الذي استخفى رسول الله- عليه السلام- في داره بمكة في أسفل الصفا حتى كملوا أربعين رجلاً آخرهم عمر بن الخطاب- رضي الله عنه-، وهي التي تعرف بالخيزران (2) . وقال الخطابي (3) : أما النبي- عليه السلام- فلا خلاف بين المسلمين
__________
(1) الترمذي: كتاب الزكاة، باب: ما جاء في كراهية الصدقة للنبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته ومواليه (657) ، النسائي: كتاب الزكاة، باب: مولى القوم منهم (107/5) .
(2) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (1/ 107) ، وأسد الغابة (1/ 74) ، والإصابة (1/ 28) .
(3) معالم السنن (2/ 60- 61) .

(6/404)


أن الصدقة لا تحل له، وكذلك بنو هاشم في قول أكثر العلماء. وقال الشافعي: لا تحل الصدقة لبني المطلب لأن النبي- عليه السلام- أعطاهم من سهم ذي القربى، وأشركهم فيه مع بني هاشم، ولم يُعط أحدا من قبائل قريش غيرهم. وتلك العطية عوض عُوضوه بدلا عما حُرموا من الصدقة، فأما موالي بني هاشم فإنه لاحظ لهم في سهم ذي القربى، فلا يجوز أن يحرموا من الصدقة، ويشبه أن يكون إنما نهاه عن ذلك تنزيها له. وقال: "مولى القوم من أنفسهم" على سبيل التشبيه في الاستناد بهم، والاقتداء بسيرتهم في اجتناب مال الصدقة، التي هي أوساخ الناس، ويشبه أن يكون عليه السلام قد كان يكْفيه المؤنة، ويُزيحُ له العلةَ، إذ كان أبو رافع مولى له، وكان ينصرف له فَيَ الحاجة والخدمة فقالَ له على هذا المعنى: إذا كنت تستغني بما أعطيتك فلا تطلب أوساخ الناس، فإنك مولانا ومنا قال: وكان النبي- عليه السلام- يقبل الهدية ولا يأخذ الصدقة لنفسه، وكأن المعنى في ذلك أن الهدية إنما يُراد بها ثواب الدنيا، وقد كان عليه السلام يقبلها، ويثيب عليها، فتزول المنة عنه. والصدقة يراد بها ثواب الآخرة فلم يجز أن تكون يد أعلى من يده في ذات الله تعالى وفي أمر الآخرة.
وقال الشيخ محيي الدين (1) : تحرم الزكاة على النبي- عليه السلام- وعلى آله وهم: بنو هاشم، وبنو المطلب، هذا مذهب الشافعي ومرافقيه، أن آله- عليه السلام- هم بنو هاشم، وبنو المطلب، وبه قال بعض المالكية. وقال أبو حنيفة ومالك: هم بنو هاشم خاصة.ْ قال القاضي: وقال بعض العلماء: هم قريش كلها. وقال أصبغ المالكي: هم بنو قصي. وأما صدقة التطوع فللشافعي فيها ثلاثة/ [ أقوال: أصحها: أنها تحرم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحل لآله، والثاني: تحرم ] (2) عليه وعليهم. والثالث: تحل له ولهم، وأما لموالي بني هاشم
__________
(1) شرح صحيح مسلم (176/7) .
(2) طمس في الأول، وأثبتناه من شرح صحيح مسلم.

(6/405)


وبني المطلب، فهل تحرم عليهم الزكاة؟ فيه وجهان لأصحابنا، أصحهما: تحرم. والثاني: تحل، وبالتحريم قال أبو حنيفة وسائر الكوفيين وبعض المالكية، وبالإباحة قال مالك، وادعى ابن بلال المالكي أن الخلاف إنما هو في موالي بني هاشم. وأما موالي غيرهم فيباح لهم بالإجماع، وليس كما قال، بل الأصح عند أصحابنا تحريمها على موالي بني هاشم وبني المطلب، ولا فرق بينهما.
قلت: ذكر في " شرح الآثار" للطحاوي، عن أبي حنيفة: لا بأس بالصدقة كلها على بني هاشم، والحرمة في عهد رسول الله للعوض وهو خمس الخمس، فلما سقط ذلك بموته حلت لهم الصدقة، وذكر في غيره: أن الصدقة المفروضة والتطوع محرمة على بني هاشم في قول أبي يوسف ومحمد، وعن أبي حنيفة روايتان فيها قال الطحاوي: وبالجواز يأخذ.
والحديث أخرجه: الترمذي، والنسائي. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، ورواه أحمد في "مسنده "، والحاكم في "مستدركه " وقال: صحيح على شرط الشيخين.
1771- ص- نا موسى بن إسماعيل ومسلم بن إبراهيم- المعني- قالا: نا حماد، عن قتادةَ، عن أنس: إلى النبي- عليه السلام- كان يَمُر بالتمرة العَائِرَةِ فما يَمْنَعُهُ مِن أَخِذها إلاً مَخَافَةَ أن تَكُونَ صَدَقَةً (1) .
ش- "العائرةُ " الساقطة لا يعرف لها مالك، من عار الفرس يعير إذا انطلق من مربطه مارا على وجهه، وهذا أصل في الورع، وفي أن كل ما لا يستبينه الإنسان مباحا فإنه يُجتنب، وفيه دليل على أن التمرة ونحوها من الطعام إذا وجدها الإنسان ملقاة أن له أخذها وأكلها إن شاء، وليس لها حكم اللقطة.
1772- ص- لا نصر بن علي، أنا أبي، عن خالد بن قيس، عن قتادةَ،
__________
(1) تفرد به أبو داود.

(6/406)


عن أنسٍ : أن النبيَّ- عليه السلام- وَجَدَ تَمرةً فقال: " لَولا أني أخاف أن تكونَ صدقةً أكَلتُهَا" (1) .
ش- أبوه: عليه بن نصر بن عليه الكوفي الكبير، وخالد بن قيس الأزدي البصري أخو نوح.
قوله: " أن تكون صدقة " فيه دليل على تحريم الصدقة على النبي- عليه السلام- مطلقاً سواء كانت فرضا أو تطوعا لعموم اللفظ، وفيه استعمال الورع لأن هذه التمرة لا تحرم بمجرد الاحتمال، لكن الورع تركها. والحديث أخرجه مسلم.
ص- قال أبو داودَ: رواه هِشام، عن قتادةَ هَكذا.
ش- أي: روى الحديث المذكور هشام بن أبي عبد اللّه الدَّستوائي عن قتادة بن دعامة "هكذا" أي: كما روى خالد بن قيس، عن قتادة.
1773- ص- نا محمد بن عبيد المحاربي، نا محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن كريب مولى ابن عباس، عن ابن عباسٍ قال: بَعَثَنِي أبي إلى النبي- عليه السلام- في إبِلٍ أعطاهَا إياهُ من الصدقة (2) .
ش- الحديث أخرجه النسائي أيضاً
قال الخطابي (3) : هذا لا أدري ما وجهه، والذي لا أشك فيه أن الصدقة محرمة على العباس، والمشهور أنه أعطاه من سهم ذوي القربى من الفيء، ويشبه أن يكون ما أعطاه من إبل الصدقة- إن ثبت الحديث- قضاء عن سلف كان تسلفه منه لأهل الصدقة، فقد رُوي أنه شكي إليه العباس في منع الصدقة فقال: " هي عليَّ ومثلها" (4) ، كأنه كان قد تسلف منه صدقة عامين، فردها، أو رد صدقة أحد العامين عليه لما جاءته
__________
(1) مسلم: كتاب الزكاة، باب: تحريم الزكاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم (1071) . (2) النسائي في الكبرى، كتاب الصلاة.
(3) معالم السنن (2/ 62) .
(4) تقدم قريباً

(6/407)


إبل الصدفة، فروى الحديث مَن رواه على الاختصار من غير ذكر السبب
فيه، والله أعلم.
1774- ص- نا عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن العلاء قالا: نا محمد - هو ابن أبي عبيدة- عن أبيه، عن الأعمش، عن سالم، عن كريب مولى ابن عباس، عن ابن عباس نحوه زاد أبي:"يبذلُهَا (1) " (2) .
ش- محمد بن أبي عبيدة بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الكوفي المسعودي، واسم أبي عبيدة عبد الملك، وقد ذكرناه مرة.
قوله: " نحوه" أي: نحو الحديث المذكور: له وزاد فيه [ ..... ] (3)
28- بابٌ : في فقير يَهدي إلى غنيٍّ من الصدقة
أي: هذا باب في بيان حكيم الهدية التي يهديها الفقير إلى الغني من
الصدقة.
1775- ص- نا عمرو بن مرزوق، نا شعبة، عن قتادة، عن أنس: أن النبي- عليه السلام-/ أتِيَ بِلَحْمِ، قال: ما هذا؟ قالوا: شيءٌ تُصُدَقَ به [ على بَرِيرة، فقال: " هو لها صدَقَه، ولنا هَدِيه ] "، (4) ، (5)
[ .... ] (6) المتصدق عليه زال عنها وصف الصدقة، وحلت لكل أحد ممن كانت الصدقة محرمة عليه. والحديث [ أخرجه ] (7) :
ا لبخا ري، ومسلم، وا لنسائي.
__________
(1) في سنن أبي داود: "ليدلها له".
(2) انظر التخريج المتقدم.
(3) بياض في الأصل قرر نصف سطر.
(4) طمس في الأصل، وأثبتناه من سنن أبي داود.
(5) البخاري: كتاب الزكاة، باب: إذا تحولت الصدقة (1495) ، مسلم: كتاب الزكاة، باب: إباحة الهدية للنبي صلى الله عليه وسلم ولبني هاشم وبني عبد المطلب (1074) ، النسائي: كتاب الزكاة، باب: إذا تحولت الصدقة (5/ 107) .
(6) طمس في الأصل قدر نصف سطر.
(7) غير واضح في الأصل.

(6/408)


29- باب: من تصدق بصدقة ثم ورثها
أي: هذا باب في بيان من تصدق بشيء ثم ورث ذلك الشيء.
1776- ص- نا أحمد بن عبد الله بن يونس، نا زهير، نا عبد الله بن عطاء، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه بريدةَ، أن امرأةً أتتْ رسولَ الله عن فقالتْ: كُنتُ تَصدقْتُ على أمي بِوَلِيدةَ، وإنها مَاتتْ وتركتْ تلك الوَلِيَدةَ. قال: " قد وَجَبَ أجْرُكِ، ورجعتْ إليكم في الميراثِ " (1) .
ش- زهير بن معاوية.
وعبد الله بن عطاء المكي، ويقال: الطائفي أبو عطاء المدني، ويقال: الواسطي مولى المطلب. روى عن: عبد الله بن بريدة، وأخيه سليمان، وسعد بن إبراهيم، وغيرهم. روى عنه: الثوري، ومحمد بن أبي ليلى، وشعبة، وزهير، وغيرهم. وقال النسائي: ليس بالقوي. روى له الجماعة إلا البخاري (2) .
وعبد اللّه بن بريدة بن الخصيب الأسلمي قاضي مرة.
قوله: " بوليدة " الوليدة- بفتح الواو، وكسر اللام- الجارية الصغيرة، والوسائد (3) الوصائف. وقيل: هي كناية عما ولد من الإماء في ملك الرجل. وقال الجوهري: والوليدة: الصبية والأمة. وقيل: الصدقة في الوليدة معناها التمليك، فإذا ملكتها في حياتها بالإقباض ثم ماتت كانت كسبيل سائر أملاكها، وذكر أبو بكر المعافري أن الناس اختلفوا فيما إذا عادت الصدقة بالميراث إلى الرجل هل تحل له أم يلزمه أن يتصدق بها؟ قال: الصحيح جوار كلها للأثر والنظر [ ثم ] ذكر هذا الحديث. وقال: الملك إذا تغاير تغايرت الأحكام. والحديث أخرجه: مسلم، والترمذي،
__________
(1) مسلم: كتاب الصوم، باب: قضاء الصوم عن الميت (1149) ، الترمذي: كتاب الزكاة، باب: ما جاء في المتصدق يرث صدقته (667) ، ابن ماجه: كتاب الصدقات، باب: من تصدق بصدقة ثم صرفها (2394) .
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (15/ 3429) .
(3) في الأصل: "والواليد".

(6/409)


والنسائي، وابن ماجه. وقال الترمذي: والعمل على هذا عند كثر أهل العلم أن الرجل إذا تصدق بصدقة ثم ورثها حلّت له.
30- باب: حقوق المال
أي: هذا باب في بيان الحقوق الواجبة في المال.
1777- ص- نا عتيبة بن سعيد، نا أبو عوانة، عن عاصم بن أمي النجود، عن شقيق، عن عبد الله قال: كنا نَعُذُ الماعونَ على عهد رسول الله عاريةَ الدلو والقِدرِ (1) .
ش- أبو عوانة الوضاح، وشقيق بن سلمة، وعبد الله بن مسعود - رضي اللّه عنه-.
قوله: " نعد الماعون" كلمة نعد تتعدى إلى، مفعوله أحدهما قوله: " الماعون "، والآخر قوله: " عارية الدلو"، وهي كلام إضافي، و"الماعون " قد فسره في الحديث بأنه "عارية الدلو والقدر"، ونحو ذلك من آلات البيت كالفأس، والقدوم، والمنخل، والغربال، ونحو ذلك. وقيل: الماعون الماء والملح والنار، وقيل: المعونة بما يخف مؤنته، وقيل: هو الحق، وقيل: الزكاة، وقيل: المعروف، وقيل: المال، وقيل: الماء عند الحاجة، ومنه المعين، وقيل: القليل من الكثير، وقيل: الماعون في الجاهلية: العطاء والنفقة، وفي الإسلام: الزكاة والطاعة، وقد ذكره الجوهري في باب النون في فصل الميم، ويدل ذلك على أن الميم فيه أصلية، وقال: ومن الناس من يقول الماعون أصله: معونة، والألف عوض عن الهاء، والعارية فيها ثلاث لغات عارية بالتشديد، وعاريَة بالتخفيف وعارة، وهي مشتقة من التعاون، وهي من ذوات الواو، وقيل: هي من العار لأن طلبها عار وعيب. والقدر مؤنث وتصغيرها قدير
__________
(1) النسائي في الكبرى: كتاب التفسير.

(6/410)


بغير هاء على غير قياس، وحكى بعضهم قُدَيرة. وروى ابن أبي شيبة في "مصنفه ": نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن الحارث بن سُويد، عن عبد الله: { وَيَمْنَعُونَ المَاعُونَ } قال:" هو ما تعاون الناس بينهم: الفأس، والقدر، والدلو، وأشباهه ".
وأخرج عن علي: الماعون: الزكاة المفروضة. وعن ابن عباس: عارية المتاع. وعن ابن عمر: هو المال الذي لا يُعطى حقه. وعن عليه: منع الفأس والقدر والدلو.
1778- ص- نا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: " مَا مِن صَاحب كَنْز لا يُؤَدِّي/ [ حَقَّهُ إلا جَعَلَهُ اللهُ يومَ القيامة يُحمد عليها في نار جهنم، فتُكوى بها ] (1) جبهتُهُ وجنبُهُ وظهرُهُ، حتى يَقضي اللهُ بينَ [ عباده في يومٍ كان مقدَارُهُ خمسينَ ألفَ سنةٍ مما تعدون ] (1) ، ثم يُرَى سَبيلَه إما إلى الجنة وإما إلاَ النارِ، وَمَا من صاحبِ غنمٍ لا يُؤَدِّي حَقَها إلا جاءتْ يومَ القيامة أوْفَرَ ما كَانتْ فَيبطَحُ لها بقاعٍ قَرْقَرٍ فَتَنْطَحُهُ بقُرونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأظلافِهَا، ليس فيها عَقْصَاء ولا جَلحاء كلما مضت أخْرَاهَاَ رُدَتْ عليه أولاهَا حتى يَحكُمَ اللهُ سبحانه بين عباده في يومٍ كان مقْدارُهُ خمسينَ ألفَ سَنة مما تعدونَ، ثم يُرى سَبيلُه إُمَّا إلى الجَنةِ وَإمَّا إلى النارِ، وما من صاحبِ إِبلٍ لا يؤَدي حَقَّهَا إِلا جاءت يومَ القيامة أوفرَ ما كانتْ، فَيبطَحُ لها بقاعٍ قَرْقَرٍ فَتَطَؤُهُ بأخْفَافِهَا كلما مَضَتْ أخراها (2) رُدَتْ عليه أولاها حتى يَحكُمِ اللهُ سبحانه بين عباده في يومٍ كان مقْدارُهُ خمسينَ ألفَ سنة مما تعدونَ، ثم يُرى سَبيلَهُ إما إلى اَلجنَةَ وإما إلى النارَ " (3)

ش- حماد بن سلمة، وأبو صالح ذكوان الزيات.
__________
(1) طمس في الأصل، وأثبتناه من سنن أبي داود.
(2) في سنن أبي داود: "مضت عليه أخراها".
(3) مسلم: كتاب الزكاة، باب: إثم مانع الزكاة (987) .

(6/411)


قوله: "ما من صاحب كنز" " (1) قال الطبري: الكنز: كل شيء مجموع بعضه على بعض، سواء كان في بطن الأرض اسم على ظهرها. زاد صاحب "العين " وغيره: وكان مخزوناً قال القاضي: واختلف السلف في المراد بالكنز المذكور في القرائن والحديث، فقال أكثرهم: هو كل مال وجبت فيه الزكاة فلم يؤد، فأما ما أخرجت زكاته فليس بكنز، وقيل: الكنز هو المذكور عن أهل اللغة، ولكن الآية منسوخة بوجوب الزكاة. وقيل: المراد بالآية: أهل الكتاب المذكورون قبل ذلك. وقيل: كلما زاد على أربعة آلاف فهو كنز وإن أوديت زكاته، وقيل: هو ما فضل عن الحاجة، ولعل هذا كان في أول الإسلام وضيق الحال، واتفق أئمة الفتوى على القول الأول، وهو الصحيح لقوله- عليه السلام-: " ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته"، وذكر عقابه. وفي الحديث الآخر: "من كان عنده مال لم يؤد زكاته يمثل له شجاع أقرع"، وفي آخره: "فيقول: أنا كنزك".
قوله: " إلا جعله الله، الضمير المنصوب يرجع إلى صاحب الكنز، وكذلك الضمير المرفوع في قوله: " يُحمى " ، والضمير الذي في "عليها" يرجع إلى الكنز، وتأنيثه باعتبار أن الكنز مشتمل على الأموال.
قوله: " فتكوى بها جبهته" إنما خص هؤلاء الأعضاء الثلاثة، أما الجبهة فلأنه زواها على الفقير، وأما الجنب فلأنه ازْوَر عنه، وأما الظهر فلأنه ولاه ظهره.
قوله: "مما تعدون" أي: من سِنين الدنيا.
قوله: " أوفر ما كانت " أي: أحسن ما كانت من السمن وصلاح الحال. قوله: " فيبطح له " أي: يلقى على وجهه، والبطح في اللغة: البسط والمد، فقد يكون على وجهه، وقد يكون على ظهره.
قوله: " لها" أي: للغنم، أي لأجلها، والمعنى: يبطح لوطئها عليه.
__________
(1) انظر: شرح صحيح مسلم (7/ 67 - 68)

(6/412)


قوله: "بقاع" أي: في قاع، والقاع: المستوي من الأرض الواسع، وقد يجمع فيه الماء. وقيل: أرض فيها رملٌ .
قوله: "قرقر" بقافين ورائين مهملتين، والقرقر أيضاً المستوي من الأرض المتسع، ذُكِرَ للتأكيد، أو يكون القاع بمعنى البقعة من الأرض، والقرقر صفتها.
قوله: " بأظلافها": الأظلاف جمع ظلف، وهي للبقر والغنم والظباء، وكل حافر منشق منقسم فهو ظلف، والخف للبعير، والحافر للفرس والبغل والحمار، وما ليس بمنشق من الدواب، وقد استعير الظلف للأفراس.
قوله: " عقصاء" بفتح العين المهملة، وسكون القاف، وبالصاد المهملة، وهي الملتوية القرنين، و "الجلحاء" بفتح الجيم، وسكون اللام، وبالحاء المهملة، التي لا قرن لها، واشترط ذلك ليكون أنكى لها وأدنى أن تمور في المنطوح. والحديث أخرجه: مسلم، وأخرجه البخاري، والنسائي مختصرا بنحوه من حديث الأعرج عن أبي هريرة.
1779- ص- نا جعفر بن مسافر، نا ابن أبي فديك، عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ- عليه السلام- نحوه. قال في قصة الإبل بعد قوله: " لا يُؤَدِّي حَفهَا"، قال:
(ومِن حَقِّهَا حَلَبُهَا يومَ/ وردها" (1)
ش- ابن أبي فديك محمد بن إسماعيل [ ..... ] (2) .
"حلبها" بفتح الحاء واللام مصدر من حلبت الناقة وأيضا اللبن المحلوب. وروي "حلْبها" بإسكان اللام وكلاهما صحيح. وأشار صلى الله عليه وسلم إلى ذلك لما يحضرها من المساكين، ومن لا لبن له فيعطى شيئاً
واختلف الناس في قوله: "ومن حقها " فذهبت طائفة إلى أن في المال
__________
(1) انظر التخريج المتقدم.
(2) طمس في الأصل قدر نصف سطر.

(6/413)


حقا سوى الزكاة، وقالوا: حق المال أن تنحر السمينة، وتمنح الغزيرة، ويُفقرُ الظهرُ، وغير ذلك. قاله الحسن البصري وغيره، وكثر العلماء على أن ذلك كله من الزكاة المفروضة، ولا حق عندهم في المال سواها، وتأولوا قوله- عليه السلام-: " من حقها" أن ذلك حق في كرم المواساة وشريف الأخلاق.
" (1) وقال المازري: يحتمل أن يكون هذا الحق في موضع تتعين فيه المواساة. وقال القاضي: ولعل هذا كان قبيل وجوب الزكاة، وقد اختلف السلف في معنى قوله تعالى: { وَفي أمْوَالهِمْ حَق معْلُوم للسائِلِ وَالمَحْرُوم } (2) ، فقال الجمهور: المراد به: الزكاة، وأنه ليس في المال حق سوى الزكاة، وأما ما جاء غير ذلك فعلى وجه الندب ومكارم الأخلاق، ولأن الآية إخبار عن وصف قوم أثنى عليهم بخصال كريمة،
فلا يقتضِي الوجوب كما لا يقتضيه قوله تعالى: { كَانُوا قَليلاً من الليْلِ مَا يَهْجَعُون } (3) ، وقال بعضهم: هي منسوخة بالزكاة،َ وإن كان لفظه لفظ خبر فمعناه أمر. قال: وذهب جماعة منهم: الشعبي، والحسن، وطاووس، وعطاء، ومسروق، وغيرهم إلى أنها محكمة، وأن في المال حقا سوى الزكاة من فك الأسير، وإطعام المضطر، والمواساة في العسرة، وصلة القرابة، (4) .
1780- ص- نا الحسن بن علي ، نا يزيد بن هارون أنا شعبة، عن قتادة، عن أبي عمر الغداني، عن أبي هريرةَ قال: سمعتُ رسولَ الله- عليه السلام- نحو هذه القصة- فقال له- يعني: لأبي هريرة-: فَما حَق الإبِلِ؟ قال: " نُعطِي الكًرِيمَة، وتمنح الغَزيرةَ، ونُفْقرُ الطهْرَ، وتُطرقُ الفَحلَ، ونُسقي اللبنَ " (5) .
__________
(1) انظر: شرح صحيح مسلم (7/ 71) .
(2) سورة المعارج: (24، 25) .
(3) سورة الذاريات: (17)
(4) إلى هنا انتهى النقل من شرح صحيح مسلم.
(5) النسائي: كتاب الزكاة، باب: سقوط الزكاة عن الخلل إذا كانت رسلا لأهلها ولحمولتهم (5/ 25) .

(6/414)


ش- أبو عمر الغداني ذكره في "الكمال " في باب الكنز، فقال: روى عنه قتادة، حديثه في البصريين. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي (1) 0 انتهى. والغداني بضم الغين المعجمة وتخفيف الدال المهملة: منسوب إلى غُدانة بطن من بني تميم.
قوله: " تُعطي الكريمة " أي: النفيسة، وكرائم المال: نفائسه. وقيل: ما يختص صاحبه لنفسه منها. والغزيرة: الكثيرة اللبن. ومعنى تمنح: تعطي، وهو بكسر النون وفتحها، والمنيحة والمنحة عند العرب على وجهن، أحدهما: العطية مثلاً كالهبة. والثاني: يختص بذوات الألبان، وأرض الزراعة ينتفع بها ثم يصرفها إليه.
قوله: "وتفقر الظهر" من الإفقار بتقديم الفاء على القاف، وإفقار الظهر: إعارته للركوب، يقال: أفقرت الرجل بعيري، إذا أعرته ظهره يركبه، ويبلغ عليه حاجته، مأخوذ من ركوب فقار الظهر، وهو خرزاته، الواحدة فقارة.
قوله: "وتُطرق الفحل " من الإطراق، وإطراق الفحل: إعارته الضراب، لا يمنعه إذا طلبه، ولا يأخذ عليه عسبا، أي: أجرا، ويقال: طرق الفحل الناقة فهي مطروقة، وهي طريقة الفحل إذا حان لها أن تطرق. والحديث أخرجه: النسائي.
1781- ص- نا يحيى بن خلف، نا أبو عاصم، عن ابن جريج قال: قال أبو الزبير: سمعتُ عُبيدَ بنَ عُمير يقولُ: قال رجل: يا رسولَ الله، ما حَقُّ الإِبِلِ؟ ذكر نحوَه زادَ: " وإِعَارَةُ دلوِهَا" (2) .
ش- أبو عاصم: ضحاك بن مخلد النبيل، وعبد الملك بن جريج، وأبو الزبير: محمد بن مسلم بن قتادة المكي، وعُبيد: ابن عمير بن قتادة المكي، قيل: إنه رأى النبي- عليه السلام- وقد ذكرناه.
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (34/ 7529) .
(2) تفرد به أبو داود.

(6/415)


قوله: "ذكر نحوه" أفي: نحو الحديث المذكور (1) .
1782- ص- نا عبد العزيز بن يحيى الحراني، حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حَبان، عن عمه:. واسع بن حبان، عن جابر بن عبد الله: أن النبي- عليه السلام- أمَرَ من كل جاد عَشْرةَ أوْسق من التمرِ بقِنْوٍ يُعَلقُ في المسجدِ للمساكينِ " (2) .
/ [ .... ] (3) ، [ "حبَان " ] بفتح الحاء والباء بواحدة.
قوله:" من كل جاد عشرة أوسق " الجاد بالجيم وتشديد الدال بمعنى الجدود، والمعنى: من كل نخل يُجد منه، أي: يقطع عشرة أوسق، وهو مضاف إلى العشرة، المضافة إلى الأوسق، وهي جمع وسق، وقد مر تفسيره مستوفى، وكلمة "من" في قوله: ومن التمر، للبيان. وقوله: " بقنو" متعلق بقوله: "أمر"، و" القنو" بكسر القاف، وسكون النون: هو العِذق- بكسر العين- بما عليه من الرطب والبسر يُعلق للمساكين يأكلونه، وهذا من المعروف دون الفرض، ومن الناس من ذهب إلى وجوب ذلك بظاهر الأمر، والجمهور أنه أمر ندب للمواساة، وإظهار الكرم والجود.
1783- ص- نا محمد بن عبد الله الخزاعي وموسى بن إسماعيل قالا: نا أبو الأشهب عن أبي نضرةَ، عن أبي سعيد الخدري قال: بينما نحنُ معَ رسولِ الله- عليه السلام- في سَفَرٍ إذ جاء رجل على نَاقَة له فجَعَل يُصَرفها يمينا وشمالا، فقال رسولُ الله: ومَن كانَ عندَهُ فَضلُ ظَهرً فَليَعُدْ به على مَن لا ظَهْرً له، ومن كانَ عندَهُ فضَلُ زاد فَليَعُدْ به على من لان زَادَ له، حتى ظَنَنا أنه لا حَق لأحدٍ منا في الفَضْلِ " (3) .
__________
(1) بياض في الأصل سطر إلا كلمتين.
(2) تفرد به أبو داود.
(3) طمس في الأصل قدر نصف سطر.
(4) مسلم: كتاب اللقطة، باب: استحباب المؤاخاة بفضول المال (1728) .

(6/416)


ش- أبو الأشهب: جعفر بن حيان العطاردي البصري، وأبو نضرة: المنذر بن مالك العَوَقِي البصري [ ....] (1) .
1784- ص- نا عثمان بن أبي شيبة، نا يحيى بن يعلى المحاربي، نا أبي نا غيلان، عن جعفر بن إياس، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: لما نَزَلَتْ هذه الآيةُ: { الَذينَ (2) يَكْنِزُونَ الذهبَ وَالفضَّةَ } (3) ، قال: كَبُرَ ذلك على المسلمين فقالَ عُمرُ: أنا أفَرج عنكُم، فانطًلَقُوا فقالوا (4) : يا نَبِي الله، إنه كَبُرَ على أصحابكَ هذه الآيةُ فقال: " إنه ما فَرَضَ الزكاةَ (5) إلا ليُطيبَ ما بقي من أموالكُمَ، وإنما فَرَضَ المواريثَ ليكون مِن بعدكُم"، قال: فَكَبر عمر ثم قال (6) : " ألا أخْبرُكَ بخيرِ ما يَكْنِزُ المرءُ؟ المرأة الصالحةُ: إذا نَظَرَ إليها تَسُرهُ (7) ، وإذا أمَرَهَا أَطَاعتهُ، وإذا غَابَ عنها حَفِظتهُ " (8) .
ش- يحيى بن يعلى بن الحارث بن حرب بن جابر بن الحارث أبو زكرياء المحاربي الكوفي. روى عن: أبيه، وزائدة بن قدامه. روى عنه: أبو كريب، وأبو حاتم الرازي- وقال: ثقة- والبخاري، وأبو زرعة الرازي. روى له الجماعة (9) .
وأبوه: يعلى بن الحارث قد ذكرناه.
وغيلان بن جامع بن أشعث المحاربي، أبو عبد الله الكوفي قاضيها. روى عن: الحكم بن عتيبة، وإياس بن سلمه بن الأكوع، وعلقمة بن مرثد، وغيرهم. روى عنه: الثوري، وشعبة، ويعلى بن الحارث.
__________
(1) بياض في الأصل قدر ثلاثة أسطر.
(2) في سنن أبي داود: "والذين".
(3) سورة التوبة (34) .
(4) في سنن أبي داود: "فانطلق فقال"، وسيذكر المصنف أنها نسخة.
(5) في سنن أبى داود: "فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله لم يفرض الزكاة ".
(6) في سنن أبي داود: " لتكون لمن بعدكم، فكبر عمر ثم قال له".
(7) في سنن أبي داود: "سرته"، وسيذكر المصنف أنها نسخة.
(8) تفرد به أبو داود.
(9) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (32/ 6949) .
27 . شرح سنن أبي داوود 6

(6/417)


قال ابن معين: هو ثقة. وقال أبو حاتم: شيخ. روى له: مسلم، وأبو داود، وابن ماجه، والنسائي (1) .
وجعفر بن إياس، وهو ابن أبي وحشية الواسطي.
قوله: " فانطلقوا فقالوا " ، وفي نسخة صحيحة: "فانطلق فقال " أي: "فانطلق عمر فقال ".
قوله: " إنه" أي: إن الشأن.
قوله: " إنه ما فرض" أي: إن اللّه ما فرض الزكاة.
قوله: " المرأة الصالحة " مبتدأ وخبره قوله: "خير ما يكنز"، ولفظ: " خير " مضاف إلى" ما يكنز".
قوله: "تسره"، وفي بعض النسخ: "سرته ".
31- باب: حق السائلِ
أي: هذا باب في بيان حق السائل.
1785- ص- نا محمد بن كثير، أنا سفيان، نا مصعب بن محمد بن شُرحبيل، حدثني يعلى بن أبي يحيى، عن فاطمة بنت حسين، عن حسين ابنِ علي قال: قال رسول الله- عليه السلام-: "للسائلِ حَق وإن جاء على
فَرسٍ " (2) .
ش- سفيان الثوري، ويعلى بن أبي يحيى قال أبو حاتم الرازي: مجهول. روى له: أبو داود.
وفاطمة بنت حسين بن علي بن أبي طالب، الهاشمية المدنية، روت عن جدتها فاطمة مرسلا، وعن أبيها وعمتها زينب بنت عليه، وأخيها علي بن الحسن، وعبد الله بن العباس،/ وعائشة أم المؤمنين، وأسماء
__________
(1) المصدر السابق (23/ 4699) .
(2) تفرد به أبو داود.

(6/418)


بنت عميس، [ روى عنها: أبناؤها: إبراهيم وحسن وعبد اللّه ] (1) بنو الحسن بن الحسن، وابنها (2) محمد بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان، [ وشيبة بن نعامة ] (3) ، وعائشة بنت طلحة، وعمارة بن غزية، ويحيى ابن أبي يعلى، وجماعة آخرون. روى لها: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (4) .
والحسن بن علي بن أبي طالب، القرشي، الهاشمي، سبط رسول اللّه - عليه السلام- وريحانته، ولد لخمس خلون من شعبان سنة أربع، وقيل: سنة ثلاث، يكنى: أبا عبد الله. روى عن رسول اللّه- عليه السلام- ثمانية أحاديث، رويا له عن أبيه. روى عنه: عليه بن الحسن، وابنته فاطمة، وابن أخيه زيد بن الحسن، وشعيب بن خالد، وغيرهم. قتل يوم عاشورا سنة إحدى وستين، وهو ابن خمس وخمسين سنة بكربلاء من أرض العراق. روى له: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه. وقال أبو عليّ سعيد بن عثمان بن السكن: قد رُوي من وجوه صحاح حضور الحسين بن علي رسولَ اللّه- عليه السلام- ولعبه بين يديه، وتقبيله إياه، فأما الرواية التي تأتي عن الحسين بن علي عن رسول الله- عليه السلام- فكلها مراسيل. وقال أبو القاسم البغوي نحوا من ذلك. وقال أبو عبد الله محمد بن يحيى بن الحذاء: سمع النبي- عليه السلام- ورآه، ولم يكن بينه وبين أخيه الحسن إلا طهر واحد (5) .
وقال الخطابي (6) : معنى هذا الكلام: الأمر بحسن الظن بالسائل إذا
__________
(1) طمس في الأصل، وأثبتناه من تهذيب الكمال.
(2) في الأصل: "بن " خطأ.
(3) غير واضح في الأصل، وأثبتناه من تهذيب الكمال.
(4) انظر ترجمتها في: تهذيب الكمال (35/ 7901) .
(5) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (1/ 369) ، وأسد الغابة (2/ 10) ، والإصابة (1/ 328) .
(6) معالم السنن (2/ 64- 65) .

(6/419)


تعرض لك، وأن لا تشبهه بالتكذيب والرد مع إمكان الصدق في أمره، يقول: لا تخيب السائل إذا سألك وإن راقك منظره، فقد يكون له الفرس يركبه ووراء ذلك عيلة ودين يجوز له معها أخذ الصدقة، وقد يكون من أصحاب سهم السبيل فيباح له أخذها مع الغنى عنها، وقد يكون صاحب حمالة وغرامة لديون أدّانها في معروف بإصلاح ذات البين، ونحو ذلك، فلا يرد ولا يخيب مع إمكان أسباب الاستحقاق.
وقال ابن الصلاح: بلغنا عن أحمد بن حنبل أنه قال: أربعة أحاديث تدور عن رسول الله- عليه السلام- في الأسواق ليس لها أصل: " من بشرني بخروج آذار بشرته بالجنة " ، و " من آذى ذميا فأنا خصمه يوم القيامة"، و "نحركم يوم صومكم "، و "للسائل حق وإن جاء على فرس".
1786- ص- نا محمد بن رافع، نا يحيى بن آدم، نا زهير، عن شيخ قال: رأيت سفيان عنده، عن فاطمةَ بنت حُسين، عن أبيها، عن عليّ، عن النبي- عليه السلام- مثله (1) .
ش- فيه مجهول وأيضا هو ليس برواية عن سفيان، وإنما هو إخبار عما كان وعنده عن فاطمة بنت حسين.
1787- ص- نا قتيبة، نا الليث، عن سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الرحمن بن بُجيد، عن جدته أم بُجيد- وكانت ممن بايع رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أنها قالتْ له: يا رسولَ الله (2) ، إن المسكينَ ليقومُ على بَابِي فما أجدُ لًهُ شَيئا أعْطيه إياهُ، فقال لها (3) رَسولُ الله-َ عليه السلام-: " إن لم تَجِدي له شيئا تُعْطِيَهَِ إِياهُ إلا ظِلفا مُحْرَقا فادفعيه إليه في يَدِهِ " (4) .
__________
(1) تفرد به أبو داود.
(2) في سنن أبى داود: "يا رسول الله، صلى الله عليك، إن .... ".
(3) في الأصل: " له " خطأ.
(4) الترمذي: كتاب الزكاة، باب: في حق السائل (1665) ، النسائي: كتاب الزكاة، باب: رد السائل (5/ 82) .

(6/420)


ش- سعيد بن أبي سعيد المقبرة، وعبد الرحمن بن بُجيدَ بضم الباء الموحدة، وفتح الجيم، وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره دال مهملة- روى له: أبو داود، والترمذي، وذكره في "الكمال " في الصحابة وقال: عبد الرحمن بن بجيد بن وهب بن قيظي بن قيس بن لوذان بن ثعلبة بن عدي بن مجدعة الأنصاري. وقال فيه أيضاً أم بُجيد بايعت النبي- عليه السلام-. روى عنها: عبد الرحمن بن بُجيد، وفي إسناد حديثها اختلاف. روى لها: أبو داود، والترمذي، والنسائي.
قوله: "إلا ظلفا مُحرقا " استثناء من قوله: "شيئا" واختلفوا فيه تأويله فقيل: ضربه مثلاً للمبالغة كما جاء "من بنى لله مسجدا ولو مثل مفحص قطاة، بنى الله له بيتا في الجنة ".
وقيل: إن الظلف المحرق كان له قدر عندهم، فإنهم كانوا يسهكونه ويسنتونه. والحديث أخرجه: الترمذي، والنسائي. وقال الترمذي: حسن صحيح.
32- باب: الصدقة على أهل الذمة
أي: هذا باب في بيان حكم الصدقة على أهل الذمة.
1788- ص- نا أحمد بن أبي شعيب الحراني/ [ حدثنا عيسى بن يونس، حدَّثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسماء قالتْ: قَدمَتْ عَلَي أمَّي وهِيَ ] (1) رَاغبَة في عهد قريشِ، وهي رَاكِبة مُشركةَ، فقلتُ: يا رسولَ الله، إن أمي قَدمَتْ عًلي وهي راغمة مشركة، أفَأصِلُهَا؟ قال: نعم، فَصِلِي أمك " (2) .
ش- أسماء بنت أبي بكر- رضي الله عنهما-.
__________
(1) طمس في الأصل، وأثبتناه من حق أبي داود.
(2) البخاري: كتاب الهبة، باب: الهدية من المشركين (2620) ، مسلم: كتاب الزكاة، باب: فضل الصدقة (1003) .

(6/421)


قوله: وأمي، قيل: هي أمها من الرضاعة، وقيل: بل هي أمها التي ولدتها، وهي قُتيلة- بضم القاف، وفتح التاء ثالث الحروف، واللام، وفي آخره تاء تأنيث- القرشية العامرية. وقيل: قَتْلَة- بفتح القاف، وسكون التاء-.
قوله: "راغبة" نصب على الحال من الأم، وهو بالباء بمعنى طالبة بري وصلتي.
قوله: " وهي راغمة" جملة حالية أيضا وهو- بالميم- أي: كارهة للسلام، ساخطة عَلَي، تريد أنها لم تقدم مهاجرة راغبة في الدين، كما كان يقدم المسلمون من مكة للهجرة، والإقامة بحضرة رسول الله - عليه السلام-، وقيل: هاربة.
ويستفاد منه: أن الصلة للمشرك جائزة للقرابة والحرمة والذمام، وأمرها - عليه السلام- بصلتها لأجل الرحم، وأما الزكاة فلا يجوز صرفها إلى أهل الذمة عند الجمهور، وأما في هذه الصورة فلا يجوز صرفها أيضا إلى أمها وإن كانت مسلمة، لوجوب نفقتها عليها. وقال زفر: الإسلام ليس بشرط في مصرف الزكاة وغيرها؟ لأن الله تعالى حيث ذكر الفقراء في الصدقات لم يقيد بصفة الإسلام، فإثبات إسلام الفقير يكون زيادة، فتجري مجرى النسخ.
قلنا: قوله- عليه السلام-:" خذها من أغنيائهم وردها في فقرائهم" يقتضي أن لا يصرف إلا إلى المسلمين.
فإن قيل: هذا زيادة على النص بخبر الواحد وذلك لا يجوز. قلنا: الأصل هذا (1) ، إلا أن النص عام قد خص منه الفقير الحربي، وكذلك الوالدان والولد والزوجة مخصوصون بالإجماع، فيخص الباقي بخبر الواحد. وقال القاضي الإمام أبو زيد في "الأسرار ": إن هذا الحديث مشهور مقبول بالإجماع، فزدنا هذا الوصف به كما زدنا صفة التتابع على صوم كفارة اليمين بقراءة ابن مسعود: { فَصِيام ثلاثة أيام متتابعات }.
__________
(1) انظر التعليق على حجية خبر للواحد (184/1) .

(6/422)


1793- ص- نا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: كُثا عندَ رسولِ الله- عليه السلام- إذ جاء (1) رَجل بمثلِ بَيْضَة من ذهب، فقالَ: يا رسولَ اَللهِ، أصَبْتُ هذه من مَعْدن فخُذها، فَهِيَ صَدَقًةٌ ، ما أمْلًكُ غيرَهَا، فَأعرضَ عنه رسولُ الله، ثم أتاه من قِبَل رُكْنِهِ الأيمنِ فقالَ مثل ذلك، فأعرضَ عنه، ثم أتاهُ من رُكنه (2) الأيسَرِ فَأعرضَ عنه رسولُ الله، ثم أتَاهُ من خَلفه فأخذها رسولُ الله- عَليه السلام- فَخَذَفَهُ بها، فلو أصًابَتْهُ لأوْجَعَتْهُ أوْ لًعًقَرَتْهُ، فقالَ رسولُ الله- عليه السلام-: لا يأتِي أحدُكُم بما يَمْلكُ فيقولُ: هذه صدقةٌ ، ثم يَقْعُدُ يَستَكفُّ الناسَ؟ خَيرُ الصدقةِ ما كانَ عَن ظًهرِ غنىً " (3)
ش- ركن الشيء: جانبه، أي: أتاه من قبل جانبه الأيمن، ثم من قبل جانبه الأيسر.
قوله: " فخذفه" الخذف بالخاء والذال المعجمين: الرمي بالحصى. والحذف بالحاء المهملة: الرمي بالعصا.
قوله: "لعقرته" أي: جرحته، والعقر: الجرح هاهنا، ويستعمل العقر أيضا في القتل والهلاك.
قوله: " يستكف الناس" أي: يتعرض للصدقة وهو أن يأخذها ببطن كفه. يقال: توقف الرجل واستخف إذا فعل ذلك، أو يأخذ كفا من الطعام أو ما يكف الجوعَ، ومنه: يتكففون الناس.
قوله: " خير الصدقة " مبتدأ وخبره قوله: "ما كان عن ظهر غنى "، ولفظ " ظهر" مضاف إلى "غنى"، أي: عن غنى يعضده، ويستظهر به على النوائب التي تنوبه، كقوله في حديث آخر: " خير الصدقة ما أبقت غنى" (4) ، وقيل معناه: الصدقة بالفضل عن قوت عيالهم
__________
(1) في سنن أبي داود: "جاءه".
(2) في سنن أبي داود: " من قبل ركنه".
(3) تفرد به أبو داود.
(4) يأتي بعد حديثين.

(6/423)


36- باب: عطية من سأل بالله
أي: هذا باب في بيان عطية من سأل باللّه تعالى.
1792- ص- نا عثمان بن أ أبي، شيبة، نا جرير، عن الأعمش، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمر قال: قال رسولُ اللهِ- عليه السلام-: " مَنِ اسْتَعَاذَ بالله فَأعِيذُوهُ، ومَنْ سَألَ بالله فَأعْطُوهُ، ومن دَعَاكُمْ فَأجيبُوهُ، ومَن صَنَعْ إليكُمَ مَعْرُوفا فَكَافِئُوهُ، فإن لمَ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُوهُ (1) فَادْعُوا له حتى تَرَوْا أَنْ (2) قَدْ كَافَأتُمُوهُ " (3) .
ش- أي: من لجأ إليكم مستعيذا باللّه فألجئوه وأجيروه، ومن سأل شيئا للّه تعالى فأعطوه، ومن طلبكم فأجيبوا دعوته، و" من صنع إليكم معروفا " يعني: خيراً وإحسانا، وقد ذكرنا غير مرة أن المعروف اسم جامع لكل ما عرف من طاعة اللّه، والتقرب إليه، والإحسان إلى الناس، وكل ما ندب إليه الشرع، ونهى عنه من المُحسْنات والمقبحات.
قوله: " فكافئوه" من المكافأة يقال: كافأته ورجوت مكافأتك، أي: كفايتك، واْصله: من كفى يكفي من الناقص، وليس من مهموز اللام، وإنما ذكره من باب المفاضلة ليدل على الاشتراك لأن اْحدهما يصنع معروفا والآخر يقابله بمعروف مثله، واسمها في صورة الدعاء فأحدهما يصنع معروفا والآخر يقابله بالدعاء.
قوله: " أن قد كافأتموه " في تأويل المصدر، ومحله النصب على المفعولية، والتقدير: حتى تروا المكافأة. وهذا الحديث جامع لأنواع الخير من مكارم الأخلاق، ومحاسن الآداب. وأخرجه النسائي أيضاً
37- باب: الرجل يخرج من ماله
أي: هذا باب في بيان حكم الرجل الذي يخرج من ماله.
__________
(1) في سنن أبي داود: "تكافئونه ".
(2) في سنن أبي داود: "أنكم".
(3) النسائي: كتاب الزكاة، باب: من سأل بالله (5/ 82) .

(6/424)


ويعقوب بن إسحاق بن زيد بن عبد اللّه بن أبي إسحاق النحوي الحضرمي، أبو محمد المقرئ البصري، أخو أحمد بن إسحاق. روى عن: جده زيد، وشعبة، وزائدة بن قدامة، وهمام بن يحيى، وغيرهم. روى عنه: عمرو بن علي، وعقبة بن مكرم، وأبو قدامة السرخسي، وغيرهم. قال أحمد وأبو حاتم: كان صدوقاً روى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (1) .
وسليمان بن معاذ أبو داود الضبي، وقال في " الكمال": سليمان بن قرم بن معاذ، ومنهم من يقول: سليمان بن معاذ ينسبه إلى جده. روى عن: محمد بن المنكدر، وأبي إسحاق السبيعي، والأعمش، وغيرهم. روى عنه: الثوري، وأبو الأحوص، وأبو داود الطيالسي/ [ ..... ] (2) قال أبو زرعة: ليس بذاك [ .... ] (2) . روى له: [....] (2) ، وأبو داود [ .... ] (2) ، (3) .
قوله: " لا يسأل بوجه الله " المراد بالوجه: الذات وذاته عظمته (4) ، ولا يسأل بذلك العظيم إلا الجنة، ولا يسأل به الحقير وهو الدنيا. وذكر أحمد بن عدي: هذا الحديث في ترجمة سليمان بن قرم قال: وهذا الحديث لا أعرفه عن محمد بن المنكدر إلا من رواية سليمان بن قرم، وعن سليمان يعقوب بن إسحاق الحضرمي، وعن يعقوب أحمد بن عمرو العُصفري.
__________
(1) المصدر السابق (32/ 7084) .
(2) طمس في الأصل.
(3) المصدر السابق (12/ 2555) .
(4) بل المراد بذلك هو وجه الله- عبر وجَل- وجد على الحقيقة- يليق به سبحانه، من غير تأويل، ولا تمثيل، ولا تشبيه، { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } اعتقاد أهل السنة والجماعة. وانظر: " التوحيد " لابن خزيمة (ص/ 21 وما بعدها) ، والعقيدة الواسطية لشيخ الإسلام.

(6/425)


ويُستفاد من الحديث: أن السؤال في المسجد ليس بحرام، وأن دفع الصدقة إلى من يسأل في المسجد جائز، وذكر أصحابنا انه إذا ألح في السؤال، وتخطى رقاب الناس، يحرم سؤاله، ويحرم الدفع إليه، حتى قال بعضهم: من تصدق بفلس في المسجد يحتاج إلى أربعين فلساً والمعنى: إذا تصدق بفلس على السائل المُلِح، الذي يتخطى رقاب الناس، يحتاج إلى أن يتصدق بأربعين فلسا أخرى كفارة عن ذلك الفلس.
وقال أبو بكر البزار: هذا الحديث لا نعلمه يروى عن عبد الرحمن بن أبي بكر إلا بهذا الإسناد، وذكر أنه رُوي مُرسلا، وقد أخرجه مسلم في "صحيحه"، والنسائي في " سننه " من حديث أبي حازم سلمان الأشجعي عن أبي هريرة بنحوه أتم منه.
35- باب: كراهة (1) المسألة بوجه الله تعالى
أي: هذا باب في بيان كراهة السؤال بوجه اللّه تعالى.
1791- ص- نا أبو العباس القَلَورِي، نا يعقوب بن إسحاق الحضرمي، عن سليمان بن معاذ التميمي، نا محمد بن المنكدر، عن جابر قال: قال رسولُ اللهِ يصلى الله عليه وسلم : " لا يُسْألُ بوجِهِ اللهِ إلا الجَنةُ" (2) .
ش- أبو العباس محمد بن عمرو بن العباس، ويُقال: اسمه: أحمد ابن عمرو بن عُبيدة، ويقال: اسمه عَبْدَك، ويُقال: عمرو بني العباس العصفري، كان ينزل درب خُزاعة. روى عن يعقوب بن إسحاق الحضرمي. روى عنه: أبو داود، والقلوري بفتح القاف واللام والواو المشددة، وكسر الراء: نسبة إلى قَلَوَرَة، وهو جد عمرو بن إبراهيم بن قَلَوَّرَة البلدي القَلَوَّري الخطيب (3) .
__________
(1) في سنن أبي داود: " كراهية".
(2) تفرد به أبو داود.
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (34/ 7468) .

(6/426)


مبارك بن فضالة، [ عن ثابت البياني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الرحمن بن أبي بكر ] قال: قال رسولُ الله- عليه السلام-: "هل منكُم أَحدا أطعَمَ اليوم مسكيناً " قال (1) أبو بكَرٍ : دَخَلتُ المسْجِدَ فإذا أنا بسَائِل يَسْألُ فوجدتُ كَسْرة خُبزٍ في يَد عبد الرحمنِ فأخَذْتُهَا منه، فَدَفَعْتُهَا إليه " (2) ً
ش- بشر بن آدم أبو عبد اللّه الضرير البغدادي، وهو الأكبر. روى عن: أبي عوانة، وعلي بن مسهر، وحماد بن سلمة، وغيرهم. روى عنه: إسحاق بن راهويه، والبخاري، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وجماعة آخرون. مولده سنة خمسين ومائة، ومات في سنة ثمان وعشرين ومائتين (3) .
وعبد الله بن بكر بن حبيب السلمي الباهلي من سهم باهلة، أبو وهب البصري، نزل بغداد. سمع: حميدا الطويل، وعبد اللّه بن عون، وهشام بن حسان، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، وزهير بن حرب، وأبو بكر بن أبي شيبة، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. وقال ابن أبي حاتم: صالح. مات في بغداد سنة ثمان ومائتين. روى له الجماعة (4) .
ومبارك بن فضالة بن أمية بن أبي أمية أبو فضالة القرشي، العدوي، البصري، مولى زيد بن الخطاب. روى عن: الحسن البصري، وثابت البياني، وعبد العزيز بن صهيب، وغيرهم. روى عنه: عبد اللّه بن بكر السلمي، ويزيد بن هارون، وعفان بن مسلم، وغيرهم. قال ابن معين: صالح، وعنه: لا بأس به، وعنه: ثقة، وعنه: ضعيف. مات سنة أربع وستين ومائة. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (5) .
__________
(1) في سنن أبي داود: "فقال ".
(2) تفرد به أبو داود.
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (4/ 678) .
(4) المصدر السابق (14/ 3185) .
(5) نفسه (27/ 5766) .

(6/427)


وأما ما سوى الزكاة من الصدقات، فيجور صرفها إلى أهل الذمة خلافا للشافعي وأبي يوسف في رواية. والحديث أخرجه: البخاري، ومسلم.
33- باب: ما لا يجوز منعه
أي: هذا باب في بيان ما لا يجوز منعه عن المسلمين.
1789- ص- نا عبيد الله بن معاذ، نا أبي، نا كهمس، عن سيار بن منظور- رجل من بني فزارة- عن أبيه، عن امرأة يقال لها: بُهَيْسةُ، عن أبيها قالتْ: اسْتَأذَنَ أبي النبي- عليه السلام- فًدَخَلَ بينه وبين قَميصهُ فَجَعَلَ يُقبلُ ويلتَزِمُ، ثم قال: يا رسولَ اللهِ، في الشيءُ الذي لا يَحل مَنْعُهُ؟ قال: الماء، قال: يا نبي اللهِ، ما الشيءُ الذي لا يَحلُّ منعُهُ؟ قال: المَلحُ، قال: يا نبي اللهِ، ما الشيءُ الذي لا يَحِل مَنْعُهُ؟ قال: أن تَفْعَلَ الخيرَ خيرَ لكَ (1) .
ش- أبوه: معاذ بن معاذ بن حسان، وكهمس بن الحسن أبو الحسن التميمي البصري.
وسيار بن منظور الفزاري البصري. روى له: أبو داود.
وأبوه منظور بن سيار الفزاري. روى له: أبو داود.
وبُهيسة- بضم الباء الموحدة، وفتح الهاء، وسكون الياء آخر الحروف وبعدها سين مهملة مفتوحة، وتاء تأنيث- وقال في "الكمال ": بُهيسة الفزارية، روت عن أبيها. روى لها: أبو داود، والنسائي[ .... ]
/ 34- باب: المسألة في [ المساجد ] (3)
1790- ص- [ نا بشر بن آدم ] (3) ، نا عبد الله بن بكر السلمي، نا
__________
(1) تفرد به أبو داود.
(2) بياض في الأصل قدر أربع أسطر ونصف.
(3) طمس في الأصل، وأثبتناه من سنن أبي داود.

(6/428)


وحاجتهم لقوله: "وابدأ بمن تعول " (1) ، ولقوله تعالى: { وَيَسْألُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُل العَفْوَ } (2) ، قيل: الفضل عن أهلك.
وقال الخطابي (3) : وفي الحديث من العلم/ أن الاختيار للمرء أن لم يستبقي لنفسه [ قوتاً وأن لا ينخلع من ملكه أجمع مرة واحدة، لما يخاف عليه من فتنة الفقر، وشدة] (4) نزل النفس إلى ما خرج من يده فيندم، فيذهب ماله، ويبطل أجره، ويصير كَلا على الناس. قلت: ولم ينكر على أبي بكر الصديق- رضي اللّه عنه- خروجه من ماله أجمع لما علمه من صحة نيته، وقوة يقينه، ولم يخف عليه الفتنة كما خافها على الرجل الذي رد عليه الذهب.
1794- ص- نا عثمان بن أبي شيبة، نا ابن إدريس، عن ابن إسحاق بإسناده ومعناه، زاد: " خُذْ عنا مَالَكَ، لا حاجَةَ لنا بِهِ " (5) .
ش- ابن إدريس: عبد اللّه بن إدريس بن يزيد الأودي الكوفي، ومحمد بن إسحاق.
قوله:، "إسناده " أي: بإسناد ابن إسحاق، أو بإسناد الحديث المذكور ومعناه.
1795- ص- نا إسحاق بن إسماعيل، نا سفيان، عن ابن عجلان، عن عياض بن عبد الله بن سعد، سمع أبا سعيد الخدري يقول: دَخَلَ رجل المسجدَ فأمرَ النبي- عليه السلام- الناسَ أن يَطرَحُوا ثياباً فَطَرَحُوا، فَأمَرَ له منها (6) بثَوْبينِ، ثم حَث على الصدقةِ، فجاء فَطَرَحَ أحَدَ الثوبينِ، فَصَاحَ بِهِ وقال: خُذْ ثَوْبَكَ (7) .
__________
(1) يأتي بعد حديثين.
(2) سورة البقرة: (219) .
(3) معالم السنن (2/ 66) .
(4) طمس في الأصل، وأثبتناه من معالم السنن.
(5) انظر التخريج المتقدم.
(6) كلمة " منها " غير موجودة في سنن أبي داود.
(7) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: في الركعتين والإمام يخطب (511) ، النسائي: كتاب الزكاة، باب: إذا تصدق وهو محتاج إليه هل يرد عليه
(5/ 63) .

(6/429)


ش- إسحاق بن إسماعيل الطالقاني: أبو يعقوب، وسفيان بن عيينة، ومحمد بن عجلان فيه مقال.
قوله: " فطرحوا "، وفي نسخة: "فطرحوها".
قوله: " ثم حث " أي: ثم حرضت.
والحديث أخرجه: النسائي، وقد أخرجه الترمذي بهذا الإسناد بقصة دخول المسجد والإمام يخطب، ولم يذكر قصة الثوبين. وقال: حديث حسن صحيح.
1796- ص- نا عثمان بن أي شيبة، نا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله- عليه السلام -: "إن خيرَ الصدقةِ مَا تَرَكَ غنًى، أو تصُدِّقَ به عَن ظَهْرِ غنًى، وابْدأ بمنْ تَعولُ " (3) .
ش- جرير بن عبد الحميد،َ وسليمان الأعمش، وأبو صالح ذكوان الزيات.
قوله: "ما ترك غنى" خبر "إن"، واختلف في معناه، فقيل: أن يترك غنى للمتصَدقِ عليه، بأن يجزل له العطية، وقيل: أن يترك غنى للمتصَدقِ، ورجحه بعضهم، واستدل بقوله- عليه السلام-: " وابدأ بمن تعول"، أي: لا تضيع عيالك وتفضل على غيرك. وقوله- عليه السلام-: وعن ظهر غنى" يؤيد الثاني أيضاً
والحديث أخرجه: البخاري، والنسائي بنحوه، وأخرجه: مسلم، والنسائي من حديث حكيم بن حزام عن رسول الله- عليه السلام-، وفي " مسند " أحمد: " لا صدقة إلا عن ظهر غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول".
__________
(1) البخاري: كتاب الزكاة، باب: لا صدقة إلا عن ظهر غنى (1426) ، مسلم: كتاب الزكاة، باب: بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى..
(034 1) ، النسائي: كتاب الزكاة، باب: أي الصدقة أفضل 3 (5/ 69) .

(6/430)


38- باب: الرخصة في ذلك
أي: هذا باب في بيان الرخصة في خروج الرجل من ماله.
1797- ص- نا قتيبة ويزيد بن خالد بن مَوهب الرملي قالا: نا الليث، علي أبو الزبير، عن يحيى بن جعدة، عن أبي هريرة أنه قال: يا رسولَ الله، أي الصدقةِ أفضلُ؟ قال: " جُهْدُ المُقِلِّ، وابْدَأ بمَنْ تَعُولُ " (1) .
ش- أبو الزبير محمد بن مسلم المكي. ويحيى بن جعدة بن هبيرة بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ- بالذال المعجمة-: ابن عمران بن مهزوم القرشي المخزومي. روى عن: أبي هريرة، وزيد بن أرقم، وأم هاني بنت أبي طالب. روى عنه: مجاهد، وعمرو بن دينار، وأبو الزبير، وحبيب بن أبي ثابت. قال أبو حاتم: هو ثقة. روى له: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (2) .
قوله: "جُهد المقل" بضم الجيم، أي: قدر ما يحتمله حال القليل المال، وقد مر غير مرة أن الجهد- بالضمة بمعنى: الوسع والطاقة، وبالفتح: المشقة، وقيل: المبالغة والغاية، وقيل: هما لغتان في الوسع والطاقة، فأما في المشقة والغاية فالفتح لا غير، ومنه حديث الدعاء: "أعوذ بك من جَهد البلاء" أي: الحالة الشاقة، وارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف، أو على أنه مبتدأ خبره محذوف، والمعنى: أفضل الصدقة جهد المقل، أو جهد المقل أفضل الصدقة.
1798- ص- نا أحمد بن صالح وعثمان بن أبي شيبة- وهذا حديثه- قالا: نا الفضل بن دكين، نا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقولُ: أمَرَنَا رسولُ الله- عليه السلام- أن (3) نَتَصَدقَ، فَوَافَقَ ذلك مالا عندي، فقلتُ: اليوم أسبقُ أبَا بكر، إِنْ سَبَقْتُهُ يوما فجِئتُ بنصفِ مَالي، فقالَ رسولُ اللهِ- عليه السلام-:/ " ما أبقيتَ
__________
(1) تفرد به أبو داود.
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (31/ 6801) .
(3) في سنن أبي داود: " أمرنا رسول الله " يوما أن ".

(6/431)


لأهْلكَ؟، [ قلتُ: مثلَه. قال: وَأنَى أبو بكر- رضي اللّه عنه- بكل ما عَندَه ]، (1) ، فقال رسولُ الله- عليه السلام: "ً ما أبْقَيْتَ لأهْلكَ؟ " قال: أبقيتُ لهمُ اللّهَ ورسولَه [ قلَتُ: لا] (1) أسَابِقُكَ إلى شيءٍ أبدا (2) .
ش- زيد بن أسلم، أبو أسامة القرشي المدني مولى عمر بن الخطاب. روى عن: أبيه، وقد مر ذكره مرة.
قوله: " فوافق ذلك " أي: أمره- عليه السلام- بالصدقة.
قوله: "لا أسابقك " أي: لا أقدر على مسابقتك أبدا، وإنما لم ينكر عليه السلام على أبي بكر إتيانه بجميع ما عنده لما علمه من حسن نيته، وقوة نفسه، ولم يخف عليه الفتنة، ولا أن يتكفف الناس، كما خافها على الذي رد عليه الذهب، والذي رد عليه الثياب. والحديث أخرجه الترمذي وقال: صحيح.
39- بابٌ: في فضلِ سقي الماء
أي: هذا باب في بيان فضيلة سقي الماء.
1799- ص- نا محمد بن كثير، أنا همام، عن قتادة، عن سعيد: أن سعدا أتَى النبي- عليه السلام- فقال: أيُّ الصدقة أعْجَبُ إليكَ؟ قال: "الماء" (3) .
ش- همام بن يحيى العوذي، وسعيد بن المسيب، وسعد بن عبادة. قوله: " الماء" أي: التصدق بالماء، وهو أعم من أن يعطيه للشرب، أو لسقي دوابه، أو التوضؤ، أو نحو ذلك من الوجوه، وترجمة الباب في السقي، والحديث منقطع لأن سعيد بن المسيب لم يدرك سعداً.
__________
(1) طمس في الأصل، وأثبتناه من حق أبي داود.
(2) الترمذي: كتاب المناقب، باب: (6 1) ، رقم (3675) .
(3) النسائي: كتاب الوصايا، باب: ذكر الاختلاف على سفيان (6/ 254، 255) ، ابن ماجه: كتاب الأدب، باب: فضل صدقة الماء (3684) .

(6/432)


1800- ص- نا محمد بن عبد الرحيم، نا محمد بن عرعرةَ، عن شعبة عن قتادة، عن سعيد بن المسبب والحسن، عن سعد بن عبادة، عن النبي- عليه السلام- نحوه (1) .
ش- محمد بن عبد الرحيم البغدادي المعروف بصاعقة.
ومحمد بن عرعرة: ابن البِرِندِ- بكسر الباء- ابن النعمان بن عَلَجة ابن الأقرع بن كزمان أبو إبراهيم، أو أبو عبد الله السامي القرشي البصري. سمع: شعبة. روى عنه: ابنه إبراهيم، وأبو يحيى محمد بن عبد الرحيم، ويعقوب بن سفيان، والبخاري، وأبو مسلم الكشي، وغيرهم. قال ابن سعد: مات سنة ثلاث عشرة ومائتين. روى له: أبو داود (2) .
قوله: "نحوه" أي: نحو الحديث المذكور، والحديث أخرجه: النسائي بنحوه من حديث سعيد بن المسبب. ومن حديث الحسن البصري. وأخرجه ابن ماجه بنحوه من حديث ابن المسيب، وهو منقطع كما ذكرناه لأن مولد ابن المسيب سنة خمس عشرة، ومولد الحسن البصري سنة إحدى وعشرين، وتوفي سعد بن عبادة بالشام سنة خمس عشرة، وقيل: سنة أربع عشرة، وقيل: سنة إحدى عشرة، فكيف يدركانه؟
1801- ص- نا محمد بن كثير، أنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن رجل، عن سعد بن عبادة أنه قال: يا رسولَ الله، إِن أم سعد ماتتْ، فأيُ الصدقةِ أفْضَلُ؟ قال: " الماء"، قال: فَحَفَرَ بِئْرا وَقال: هَذِهِ لأمَّ سَعْد (3) . ش- إسرائيل بن يونس، وأبو إسحاق السبيعي، وفيه مجهول.
1802- ص- نا علي بن الحسين، نا أبو بدر، نا أبو خالد- الذي كان
__________
(1) النسائي: كتاب الوصايا، باب: ذكر الاختلاف على سفيان (6/ 254، 255) ، ابن ماجه: كتاب الأدب، باب: فضل صدقة الماء (3684) .
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (5463/26) .
(3) النسائي: كتاب الوصايا، باب: فضل الصدقة على الميت (6/ 255) ، ابن ماجه: كتاب الأدب، باب: صدقة الماء (3684)
28 شرح سنن أبي داوود 6

(6/433)


يَنزِلُ في بني دَالان، عن نُبيح، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي- عليه السلام - قال: " أيمَا مسالم عكسَا مُسلما، ثوبا على عُرْي كَسَاهُ الله من خُضْرِ الجنة، وأيمَا مُسْلمٍ أطعمَ مُسْلما على جُوعٍ ، أطعَمَهُ الله ممن ثمَار الجَنًة، وَأيمَا مُسْلِمٍ سقي مُسْلِمَا على ظَمَإٍ سقاهُ اللهُ من الرحَيقِ المختُوم" (اَ) .
ش- أبو بدر: شجاع بن الوليد الكوفي، وأبو خالد يزيد بن عبد الرحمن فيه مقال، ونُبيح- بضم النون، وفتح الباء، وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره حاء مهملة- ابن عبد الله العنزي الكوفي، وأبو سعيد الخدري.
قوله: "في بني دالان" بفتح الدال المهملة: بطن من حمدان.
قوله: " على عُري" بضم العين، وسكون الراء.
قوله: " على ظمأ " أي: عطش.
قوله: " من الرحيق المختوم" الرحيق من أسماء الخمر، يريد خمر الجنة، والمختوم: المصون الذي لم يبتذل، لأجل ختامه.
40- باب: في المَنيحة
أي: هذا باب في بيان حكم المنيحة، المنيحة: المنحة، ومنحة الورق: العرض، ومنحه اللبن أن سعيه ناقة أو شاة ينتفع بلبنها ويعيدها، وكذلك إذا أعطاه لينتفع بوبرها وصوفها زمانا، ثم يردها، وقد مر الكلام فيه مستوفى عن قريب.
1803- ص- نا إبراهيم بن موسى، أنا [ إسرائيل ] ح، ونا مسدد، نا عيسى- وهذا حديث مسدد، وهو أتم- عن الأوزاعيِ، عن حسان بن عطية/ عن أبي كبشة السلولي قال: سمعتُ [ عبدَ الله بن عمرو يقولُ: قال رسولُ اللهِ- عليه السلام-: "أرْبَعُونَ خَصْلَةً] (2) أعلاهُن مَنِيًحَةُ العَنْزِ، ما
__________
(1) تفرد به أبو داود.
(2) طمس في الأصل، وأثبتناه من سنن أبي داود.

(6/434)


يَعْمَلُ الرجلُ (1) بخَصْلَة منها [ رَجاء ثَوَابهَا، وَتَصْديقَ مَوْعُودِهَا ] (2) إلا أدخلَهُ اللهُ بها الجنةَ" (3)
ش- عيسى بن يونس، وعبد الرحمن الأوزاعي.
قوله: " منيحة العنز" العَنْز- بفتح العين المهملة، وسكون النون، وفي آخره زاي- هي الأنثى من المعز، وكذلك العنز من الظباء والأوعال. قوله: "رجاء" نصب على التعليل، وكذلك قوله: تصديق موعودها ".
ص- قال أبو داودَ: في حديث مسدد قال حسانُ: فَعددنا مَادون مَنيحَةِ العَنْزِ من رَد السلام، وتسْمِيتِ (4) العاطَسِ، وإمَاطَة الأذَى عن الطريَقِ، ونحوِهِ فما اسْتَطَعْنَا أن نبلُغَ خَمسةَ عَشْرَ خًصْلَةً " (5) .
ش- أي: قال حسان بن عطية.
قوله: "وتسميت العاطس " بالسين المهملة من السمت وهو الهيئة الحسنة، أي: جعلك الله على سمت حسن؟ لأن هيئته تنزعج للعطاس. " (6) والتسميت الدعاء، وكذلك التشميت- بالشين المعجمة-: الدعاء بالخير والبركة، والمعجمة: أعلاهما، يقال: شمّت فلانا وشمت عليه تشميتا فهو مشمت، واشتقاقه من الشوامت، وهي القوائم، كأنه دعا للعاطس بالثبات على طاعة اللّه. وقيل: معناه: أبعدك اللّه عن الشماتة، وجنَبك ما يشمت به عليك ".
قوله: "وإماطة الأذى " أي: إزالة الأذى، من أماط يميط إذا أزال.
__________
(1) في سنن أبي داود: " رجل".
(2) طمس في الأصل، وأثبتناه من سنن أبي داود.
(3) البخاري: كتاب الهبة، باب: فضل المنيحة (2631)
(4) في سنن أبي داود: "وتشميت ".
(5) انظر الحديث السابق.
(6) انظر: النهاية (2/ 500- 501) .

(6/435)


41- بابُ: أجرِ الخازنِ
أي: هذا باب في بيان أجر الخازن، وهو الذي يخزن عنده المال أي يُحفظ.
1804- ص- نا عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن العلاء- المعنى- قالا:
نا أبو أسامة، عن بريد بن عبد الله بن أبي بُردة، عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إِن الخَازِنَ الأمينَ الذي يُعْطِي ما أمِرَ به كَاملا مُوفَرا، طيبَةً به نفسُهُ حتى يَدْفَعَهُ إلى اَلذي أُمِرَ له به أحدُ المُتَصَدِّقيْنِ " (1) .
ش- أبو أسامة: حماد بن السامة. وبُعيد- بضم الباء الموحدة- ابن عبد اللّه بن أبي بُردة بن أبي موسى الأشعري، أبو بردة الكوفي. روى عن: أبيه، والحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح. روى عنه: الثوري، وابن عيينة، وابن المبارك، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: ليس بالمتقن يكتب حديثه. روى له الجماعة (2)
وأبوه: عبد اللّه بن أبي بردة، وأبو بردة اسمه: عامر بن أبي موسى، واسم أبي موسى: عبد اللّه بن قيس الأشعري.
قوله: " إن الخازن الأمين "، وفي بعض طرقه: " إن الخازن المسلم الأمين "، إنما شرط الإسلام فلأنه يوجب إعطاءه طيبة به نفسه، وأما شرط الأمانة فلأنه يوجب إعطاءه كاملاً موفراً.
وقال الشيخ محيي الدين (3) : هذه الأوصاف شروط لحصول هذا الثواب، فينبغي ابنه يُعتَنى بها، ويحافَظ عليها.
__________
(1) البخاري: كتاب: الإجارة، باب: استئجار الرجل الصالح، وقول الله تعالى: { إن خير من
استأجرت القوي الأمين } (2260) ، مسلم: كتاب الزكاة، باب: أجر الخازن الأمين، والمرأة إذا تصدقت من بيت زوجها غير مفسدة، (1023) ، النسائي: كتاب الزكاة، باب: أجر الخازن إذا تصدق
بإذن مولاه (5/ 80) .
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (4/ 659) .
(3) شرح صحيح مسلم (7/ 113) .

(6/436)


قوله: "أحد المتصدقين" بفتح القاف على التثنية، ومعناه: له أجر متصدق.
والمعنى:" (1) أن المشارك في الطاعة مشارك في الأجر، ومعنى المشاركة أن له أجراً كما لصاحبه أجر، وليس معناه: ابن يزاحمه في أجره، والمراد: المشاركة في أفصل الثواب، فيكون لهذا ثواب ولهذا ثواب، وإن كان أحدهما أكثر من الآخر، ولا يلزم أن يكون مقدار ثوابهما سواء، بل قد يكون ثواب هذا أكثر، وقد يكون عكسه، فإذا أعطى المالكُ الخازنَ له أو امرأته أو غيرهما مائة درهم أو نحوها ليُوصلها إلى مستحق الصدقة على باب داره أو نحوه، فأجر المالك أكثر، وإن أعطاه رمانة أو رغيفا ونحوهما حيث ليس له كثير قيمة، ليذهب إلى محتاج في مسافة بعيدة، بحيث يقابل مشي الذاهب إليه بأجرة تزيد على الرمانة أو الرغيف، فأجر الوكيل كثر، وقد يكون عمله قدر الرغيف مثلاً، فيكون مقدار الآخر سواء.
والحديث أخرجه: البخاري، ومسلم، والنسائي.
42- بابُ: المرأة تَصَدّق (2) من بيت زوجها
أي: هذا باب في بيان حكمَ صدقة المرأة من بيت زوجها.
1855- ص- نا مسدد، نا أبو عوانة، عن منصور، عن شقيق، عن مسروق، عن عائشة قالت: قال النبي- عليه السلام-: " إذا أنفَقَت المرأةُ من بيتِ زَوْجهَا غيرَ مُفْسدة، كان لها/ [ أجْرُ ما أنْفَقَتْ، ولِزَوْجِهَا أَجرُ مَا اكْتَسَبَ، وَلِخًازِنِه مِثلُ ذلَكً، لا يَنْقُصُ بعضُهم أَجْرَ] (3) بعضِ " (4) .
__________
(1) المصدر السابق (7/ 111- 112) .
(2) في سنن أبي داود: " تتصدق".
(3) طمس في الأصل، وأثبتناه من سنن أبي داود.
(4) البخاري: كتاب الزكاة، باب: أجر المرأة إذا تصدقت أو أطعمت من بيت زوجها غير مفسدة (1439) ، مسلم: كتاب الزكاة، باب: أجر الخازن =

(6/437)


ش أبو عوانة الوضاح، ومنصور بن معتمر، وشقيق بن سلمه
قوله: "غير مفسدة" نصب على الحال.
قوله: " ولخازنه " الخازن: هو الذي يكون بيده حفظ الطعام والمكون من خادم وقهرمان. واختلف الناس في تأويل هذا الحديث، فقال بعضهم: هذا على مذهب الناس بالحجاز وبغيرها من البلدان: أن رب أبيت قد يأذن لأهله وعياله وللخادم في الإنفاق بما يكون في البيت من طعام و إدام، ويُطلق أمرهم فيه إذا حضر السائل، ونزل الضيف، وحضهم رسول الله - عليه السلام- على لزوم هذه العادة، ووعدهم الثواب عليه، وليس ذلك بأن تقتات المرأة أو الخادم على رب البيت فيما لم يأذن لهما فيه.. وقيل: هذا في اليسير الذي لا يؤثر نقصانه ولا يظهر.
وقيل: هذا إذا علم منه أنه لا يكره العطاء، فيعطي ما لم يُجحف، وهذا معنى قوله: "غير مفسدة"، وفرق بعضهم بين الزوجة والخادم، فإن الزوجة لها حق في مال الزوج، ولها النظر في بيتها، فجاز لها أن تتصدق بما لا يكون إسرافاً لكن بمقدار العادة، وما يُعلم أنه لا يؤلم زوجها، وأما الخادم فليس له تصرف في متاع مولاه، ولا حكم، فيشترط الإذن في عطية الخادم دون الزوجة. والحديث أخرجه: الجماعة.
1806- ص- نا محمد بن سيار المصري، نا عبد السلام بن حرب، عن يونس بن عُبيد، عن زياد بن جُبير بن حية، عن سعد قال: لما بَايعً
__________
= الأمين والمرأة إذا تصدقت من بيت زوجها غير مفسدة بإذنه الصريح والعرفي (81/ 1024) ، الترمذي: كتاب الزكاة، باب: في نفقة المرأة من بيت روجها (672) ، النسائي: كتاب الزكاة، باب: صدقة المرأة من بيت زوجها
(5/ 65) ، ابن ماجه: كتاب التجارات، باب: ما للمرأة من مال زوجها
(1) أمسى في الأصل قرر ثلاث كلمات.

(6/438)


رسولَ الله- عليه السلام- النساء قَامَتْ امرأة جَليلة كَأنهَا من نساء مُضَرَ، فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، إِنا كََلٌّ على آبَائِنَا وأبنائِنَا.
قال أبو داودَ: وَأَرَى فيه: وَأزْوَاجِنَا فما يَحِل لنا مِن أمْوَالِهِم؟ قال: "الرطبُ تَأكُلنَهُ وتُهْدينَهُ" (1) .
ش- محمد بن سيار على وزن فعال بالتشديد، وقيل: بضم السين المهملة، وفتح الواو المخففة: ابن راشد بن جعفر الكوفي، نزيل مصر. روى عن: عبد السلام بن حرب، وعبدة بن سليمان. روى عنه: أبو داود. مات سنة ثمان وأربعة ومائتين (2) .
وزياد بن جبير بن حية- بالياء آخر الحروف- الثقفي البصري. سمع: أباه، وعبد الله بن عمر بن الخطاب. روى عنه: ابن عون، ويونس بن عبيد، وسعيد، والمغيرة أبناء عبيد الله (3) . قال أحمد بن حنبل: من الثقات. وفي رواية عنه: رجل معروف. روى له الجماعة إلا النسائي (4) ، وسعد بن أبي وقاص.
قوله: "لما بايع رسول الله " فاعل بايع "النساء "، و لرسول الله، بالنصب مفعوله. وإنما ذكر الفعل المسند إلى جماعة النساء لوقوع الفصل بينهما كما في قولهم: حضر القاضي اليوم امرأة.
قوله: "جليلة " بمعنى: خليقة جسيمة، يقال: امرأة خليقة وخَليقاء كذلك، وقيل: بمعنى مُسنةٍ ، يقال: جَل الرجلُ إذا كبر وأسن، وجلت المرأة إذا عجزت.
قوله: " أنا كَل على آبائنا" بفتح الكاف، وتشديد اللام، أي: عيال. قوله: " الرطب" بفتح الراء، وسكون الطاء، أي: الرطب من
__________
(1) تفرد به أبو داود.
(2) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (5 273/2 5) .
(3) في الأصل: عبد الله، خطأ.
(4) المصدر السابق (9/ 2029) .

(6/439)


الطعام، " (1) وإنما خص الرطب لأن خطبه أيسر، والفساد إليه أسرع إذا ترك، كالفواكه والبقول، فلم يؤكل، وربما عفن فلم ينتفع به، فيصير إلى أن يُلقى ويرمى به، بخلاف اليابس لأنه يبقى على الخزن، وينتفع به إذا ادخر، فوقعت المسامحة في الرطب بترك الاستبدال، وأن يجري على العادة المستحسنة فيه من الجيرة والأقارب أن يتهادوا الفواكه والبقول، وأن يغرفوا لهم من الطبيخ، وأن يُتحفوا الضيف والزائر بما يحضرهم، وهذا فيمن يُبسط إليه في ماله من الآباء والأبناء دون الأزواج والزوجات، فإن الحال بين الولد والوالد ألطف من أن يحتاج معها إلى زيادة استقصاء في الاستثمار للشركة النسبية بينهما، والبعضية الموجودة فيهما.
وقال الخطابي (2) بعد أن فرق بين الآباء والأبناء، وبين الأزواج والزوجات: وأما نفقة الزوجة على (3) / الزوج فإنها معاوضة على الاستمتاع، وهي مقدرة بكمية، ومتناهية إلى غاية، فلا يقاس أحد الأمرين، (4) بالآخر، وليس لأحدهما أن يفعل شيئا من ذلك [ إلا بإذن صاحبه ]، (4) [ قلت: يرد، ] قاله الخطابي من الفرق صريح الحديث، وهو قوله: "وأزواجنا " فافهم.
ص- قال أبو داود: الرَّطبُ: الخبزُ والبَقلُ والرُّطَبُ.
ش- أشار بهذا إلى تفسير الرطب بفتح الراء، والرُّطب الثاني بضم الراء، وهو رطب التمر، وكذلك العنب وسائر الفواكه الرطبة دون النابسة.
ص- قال أبو داود: كذا رواه الثوري عن يونسَ.
ش- أي: كذا روى الحديث سفيان الثوري عن يونس بن عُبيد.
1807- ص- ما الحسن بن عليه، نا محمد الرزاق، أنا معمر، عن همام
__________
(1) انظر: معالم السنن (2/ 67- 68) .
(2) المصدر السابق.
(3) مكررة في الأصل.
(4) طمس في الأصل، و أثبتناه من معالم السنن.

(6/440)


ابن منبه قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إِذا أنفَقَتِ المرأةُ من كَسْب زَوْجِهَا من غَيْرِ أمْرِهِ فَلَهَا نِصْفُ أجْرِه" (1) .
ش- أَي: من غير أمره الصريح في ذلكَ القدر المُعيّن، ويكون معها
إذن عام سابق متناول لهذا القدر وغيره، وذلك الإذن إما بالصريح وإما بالعرف، ولا بد من هذا التأويل لأنه -عليه السلام- جعل الأمر مناصفة بقوله: "فلها نصف أجره "، ومعلوم أنها إذا أنفقت من غير إذن صريح ولا معروف من العرف فلا أجر لها، بل عليها ورد فيتعين تأويله. واعلم أن هذا كله مفروض في قدر يسير يُعلم رضا المالك به في العادة،
فإن زاد على المتعارف لم يجز، وقد أشار إليه قوله- عليه السلام- في الحديث الماضي: "إذا أنفقت المرأة من بيت زوجها غير مفسدة".
قوله: " فلها نصف أجره " قيل: هو على المجاز، أي: أنهما سواء في المثوبة، كل واحد منهما له أجر كامل وهما اثنان، فكأنه نصفان. وقيل: يحتمل أن أجرهما مثلان فأشبه الشيء المنقسم بنصفين، وأشار القاضي إلى أنه يحتمل أن يكون سواء لأن الأجر فضل من الله تعالى ولا يُدرك بقياس، ولا هو بحسب الأعمال، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. والحديث أخرجه: البخاري، ومسلم.
1808- ص- نا محمد بن سيار المصري، نا عَبدةُ، عن عبد الملك، عن عطاء، عن أبي هريرةَ في المرأة تَصدَقُ من بَيتِ زَوْجِهَا؟ قال: "لا، إلا من قُوتهَا، والأجْرُ بينهما، ولا يَحِل لها أنْ تَصدَقَ من مَال زَوْجِهَا إلا بِإذنهِ " (2) .
ش- عبدة بن سليمان، وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، وعطاء بن أبي رباح.
__________
(1) البخاري: كتاب البيوع، باب: قول الله تعالى: { أنفقوا من طيبات ما كسبتم } (2066) ، مسلم: كتاب الزكاة، باب: ما أنفق العبد من مال مولاه (1026) .
(2) تفرد به أبو داود.

(6/441)


فإن قيل: ما التوفيق بين الحديثين- أعني. حديث همام، عن أبي هريرة، وحديث عطاء عنه-؟ فإن حديث همام يصرح أنها إذا أنفقت من كسب زوجها من غير أمره فلها نصف أجره، وحديث عطاء يصرح بأنه لا يحل لها أن تصدق من مال زوجها إلا بإذنه. قلت: قد قررنا أن تأويل الحديث الأول على الإذن أيضاً إما بطريق العموم، أو بطريق العرف والعادة، فكل من الحديثين يشتمل على الإذن مطلقاً سواء كان صريحا أو دلالة، فافهم.
43- باب: في صِلَة الرحم
أي: هذا باب في بيان صلة الرحم، اَلصلة أصلها: وصل، فلما حذفت الواو عوض عنها الهاء كعدة أصلها وعد.
1809- ص- نا موسى بن إسماعيل، لا حماد، عن ثابت عن أنس قال: لما نَزَلَتْ: { لَن تَنَالُوا البِر حتى تُنفقُوا مما تُحبونَ } (1) ، قال أبو طلحةَ: يا رسولَ الله، أرَى ربنا يَسْألُنَا من أمْوَالَنَا، فَإني أشْهِدُكَ يرني جَعَلتُ أرْضِيِ بَاريحاء له، فقال (2) رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : " اجعلها في قرابتك " ، فَقَسَمَهَا بين حسان بنِ ثابت وأبيَّ بنِ كَعْب (3) .
ش- حمادَ بن سلمة، وَثابت البناني، وأنس بن مالك- رضى الله عنه-. قوله: "باريحاء" هكذا وقع هاهنا باريحاء: بفتح الباء الموحدة، بعدها ألف ساكنة، وبراء مكسورة، بعدها ياء آخر الحروف ساكنة، وبحاء مهملة ممدودة، والمشهور: بيرحاء، وقد اختلف الرواة في ضبطها، فقيل: بضم الراء في الرفع، وفتحها في النصب، وكسرها في
__________
(1) سورة آل عمران: (92) .
(2) في سنن أبي داود: "فقال له".
(3) مسلم: كتاب الزكاة، باب: فضل النفقة والصدقة على الأقربين (988) ، النسائي: كتاب الإحباس، باب: كيف يكتب الحبس؟ (6/ 231) .

(6/442)


الجر مع الإضافة أبداً إلى " حاء"، وجاء على لفظ الحاء من حروف المعجم. وقيل: إنما هي بفتح الراء في كل حال. وقيل:/ [ .... ] (1) ، ورواه بعضهم: " بيرحا" وقال: وهذا كله يدل على أنها [ ... ] (2) بقرب المسجد، وقال بعضهم: سميته بيرحاء بزجر الإبل عنها، وذلك أن الإبل يقال له إذا زجرت عن الماء، وقد رويت "حاحا"، وقال بعضا: " بيرحاء" هو من البرح، الياء زائدة. وقال الزمخشري: وكأنها فيعلاء من البراح، وهي الأرض المنكشفة الظاهرة.
" (3) وقال القاضي: وروينا هذه اللفظة عن شيوخنا بفتح الراء وضمها مع كسر الباء، وبفتح الباء والراء. وقال الباجي: قرأت هذه اللفظة على أبي ذر الهروي بفتح الراء على كل حال قال: وعليه أدركت أهل العلم والحفظ بالمشرق. وقال لي الصوري: هي بالفتح، واتفقا على أن من رفع الراء وألزمها حكم الإعراب فقد أخطأ. قال: وبالرفع قرأناه على شيوخنا بالأندلس، وهذا الموضع يعرف بقصر بني جُديلة قِبلي المسجد. وذكر مسلم رواية حماد بن سلمة هذا الحرف "بريحا" بفتح الباء، وكسر الراء، وكذا سمعناه من أبي بحر عن العُذري والسمرقندي، وكان عند أبي سعيد عن المجزي من رواية حماد " بِيرَحا " بكسر الباء، وفتح الراء، وضبط الحُميدي من رواية حماد: "بَيْرَحا" بفتح الباء والراء، وكثر رواياتهم في هذا الحرف بالقصر، ورويناه عن بعض شيوخنا بالوجهين وبالمد وجدته بخط الأصيلي، وهو حائط يسمى بهذا الاسم وليس اسم " بئر" والحديث يدل عليه. انتهى كلام القاضي " (4) .
وفي الحديث استحباب الإنفاق مما نُحب، ومشاورة أهل العلم والفضل في كيفية الصدقات، ووجوه الطاعات وغيرها، وأن الصدقة على الأقارب
__________
(1) طمس في الأصل قدر نصف سطر.
(2) طمس في الأصل قدر أربع كلمات.
(3) انظر: شرح صحيح مسلم (7/ 84) .
(4) إلى هنا التهى النقل من شرح صحيح مسلم.

(6/443)


أفضل من الأجانب إذا كانوا محتاجة، وأن القرابة يُراعى حقها في صلة الأرحام، و أن لم يجتمعوا إلا في أب بعيد لأن النبي- عليه السلام- أمر أبا طلحة أن يجعل صدقته في الأقران، فجعلها في أبي بن كعب، وحسان بن ثابت، وإنما يجتمعان معه في الجد السابع.
وقال الخطابي (1) : فيه من الفقه: أن الحبس إذا وفي أصله مبهما ولم يذكر سبله وقع صحيحا وفيه دلالة على أن من حبس عقارا على رجل بعينه، فمات المُحبس عليه ولم يذكر المُحبس مصرفها بعد موته، فإن مرجعها يكون إلى أقرب الناس بالواقف، وذلك أن هذه الأرض التي هي " باريحاء" لما حبسها أبو طلحة، بأن جعلها لله- عبر وجَل-، ولم يذكر سُبلها، صرفها رسول الله- عليه السلام- إلى أقرب الناس إليه من قبيلته، فقياس ذلك فيمن وقفها على رجل فمات الموقوف عليه، وبقي الشيء محبس الأصل غير مبين السبل، أن يوضع في أقاربه، وأن يتوخى بذلك الأقرب فالأقرب، ويكون في التقدير، كأن الواقف قد شرطه له، وهذا يشبه معنى قول الشافعي. وقال المدني: يرجع إلى أقرب الناس به إذا كان فقيراً وقصة أبي بن كعب تدل على أن الفقير والغني في ذلك سواء. وقال الشافعي: كان أبي يُعد من مواسير الأنصار، وفيه دليل على جوار قسم الأرض الموقوفة بين الشركاء، وأن للقسمة مدخلاً فيما ليس بمملوك الرغبة، وقد يحتمل أيضا أن يكون أريد بهذه القسمة ريعها دون رقبتها، وقد امتنع عمر بن الخطاب من قسمة أحباس النبي- عليه السلام- بين عليه والعباس لما جاءا يلتمسان ذلك.
قلت: أما قوله: " إن الحبس إذا وقع أصله مبهما ولم يذكر سبله وقع صحيحا" فيه تفصيل، وهو أنه لا- ح (2) إما أن يقول مثلاً: أرضي هذه أو ضيعتي هذه صدقة، أو جعلت أرضي هذه صدفة، أو قال: أرضي هذه أو ضيعتي هذه وقف، أو جعلت أرضي هذه موقوفة أو وقفاً أو
__________
(1) معالم السنن (2/ 68 - 69) .
(2) كذا، ولعلها بمعنى: " لا يخرج ".

(6/444)


قال: أرضي هذه أو ضيعتي هذه للسبيل، أو قال: أرضي هذه أو ضيعتي
هذه لله تعالى، فهذه أربع صور، ففي الصورة الأولى هذا نذر بالتصدق حتى لو تصدق بعينها،/ أو بقيمتهما جاز، وفي الصورة [....] (1) الفقراء، أما إذا ذكرهم فإن قال: أرضي هذه [ .....] (2) بالتنصيص
على الفقراء، وكذلك في قوله: أرضي هذه [....] (3) إذا لم يذكر التأبيد، فإن ذكره بأن قال: أرضي هذه موقوفة مؤبدة على الفقراء [.....] (4) وقف من هذه الألفاظ إلا أن في هذه الفصول التسليم إلى المتوفى ليس بشرط عند أبي حنيفة، وعند محمد شرط، وبه يفتي هذا إذا لم يضف إلى ما بعد الموت، فإن أضاف بأن قال: أرضي هذه موقوفة مؤبدة على الفقراء في حياتي وبعد وفاتي، فكذلك في الألفاظ الثلاثة صار وقفا عند الكل، إلا أن عند أبي حنيفة هو نذر في حياته، حتى لو تصدق بقيمتها جاز، ووصية بعد وفاته، هذا كله إذا لم يقف على إنسان
بعينه، فأما إذا وقف على إنسان بعينه بأن قال: أرضي هذه موقوفة على فلان، أو على ولدي، أو على قرابتي وهم يخصون لم يجز الوقف عندهم جميعاً فَرق أبو (5) يوسف بين هذا وبن إذا لم يُسم إنسانا بعينه، أنه إذا لم يسم إنسانا بعينه كان وقفا على الفقراء ظاهراً وإذا سمى إنسانا بعينه لا يمكن أن يجعل وقفا على الفقراء، هذا إذا لم يذكر مع الوقف الصدقة، فأما إذا ذكر بأن قال: أرضي هذه صدقة موقوفة على فلان، أو على ولدي، أو على قرابتي، وكذلك الألفاظ الثلاثة جاز الوقف، والغلةُ كذلك ما دام حيا، فإذا مات هو تُصرف الغلة إلى الفقراء لأنه لما نصت على الصدقة- والصدقة لا تكون إلا للفقراء- كان هذا وقفا على الفقراء.
وفي الصورة الثالثة وهي قوله:" أرضي هذه أو ضيعتي هذه للسبيل "،
__________
(1) طمس في الأول قدر ثلثي سطر.
(2) طمس في الأول قدر نصف سطر.
(3) طمس في الأول قدر أربع كلمات. "
(4) طمس في الأول قدر كلمتين.
(5) في الأول: "أبي ".

(6/445)


ولم يزد على هذا، ينظر إن كان في بلدهم تعارفوا أن مثل هذا الكلام يكون وقفا صارت الأرض وقفا لأن المعروف كالمنصوص، وإن لم يكن في بلدهم تعارف يُسأل فيه فبعدَ ذلك المسألةُ على ثلاثة أوجه: إن أراد به الوقف صار وقفا لأنه نوى ما يحتمله، وأن أراد به الصدقة فهو نذر، يتصدق بها أو بثمنها لأنه نوى ما يحتمله، دن لم ينو شيئا، فإن مات صارت ميراثا عنه.
وفي الصورة الرابعة وهي قوله:" أرضي هذه أو ضيعتي هذه لله تعالى، أو جعلتها لله تعالى [.....] (1) ، وأما قوله: وفيه دلالة على أن من حبس عقارا على رجل بعينه" إلى آخره. ليس فيه دلالة على نحو ما ذكره لأن الذي يُفهم من الحديث أنه قال: جعلت أرضي باريحاء له، أي: لله تعالى، وهذا يحتمل أن يكون نذراً، ويحتمل أن يكون وقفا فلما قال- عليه السلام-:" اجعلها في قرابتك"، وقسمها أبو طلحة بين حسان وأبيّ تعين جهة الوقفية.
وأما قوله:" وفيه دليل على جواز قسم الأرض الموقوفة" فغير مسلم لأنه لا دليل فيه على ذلك لأن المراد من قوله:" فقسمها بين حسان وأبي" قام الغلة، والريع الحاصل من تلك الأرض، ويؤيد ذلك قضية عمر مع علي والعباس- رضي الله عنهم-، نعم إذا كان الوقف مشاعاً فطلب الشريك القسمة، فيصح مقاسمتُه؟ لأن القسمة فيها معنى المبادلة والإقرار، فجعل في الوقف معنى الإقرار نظر[ اً ] ، للوقف، وفي "فتاوى الولوالجي ": رجل وقف ضيعة له على بنيه، فأراد أحدهم قسمتها ليدفع نصيبه مزارعة، فهاهنا حكمان، أحدهما: القسمة، والأخر: الدفع مزارعة، أما القسمة قسمة الوقف لا يجوز من أحد، أما الدفع مزارعة فليس لأرباب الوقف أن يعقدوا على الوقف عقد مًزارعة، و أنما ذلك للقيم؟ لأن الولاية للقيم.
__________
(1) بياض في الأصل قدر سطر إلا أربع كلمات.

(6/446)


والحديث أخرجه: مسلم، والنسائي، وليس في حديثهما كلام الأنصاري. وأخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي من حديث إسحاق ابن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس أتم منه.
ص- قال أبو داودَ: بَلَغَني عن الأنصاريّ محمدِ بنِ عبد اللهِ قال: أبو طلحةَ زيدُ بنُ سهلِ بنِ الَأسود بنِ حرام/ [بنِ عمرِو بنِ زيد مناةَ بنِ عديِّ ابن عمرو بن مالك بن النجارِ،َ وحسانُ بنِ ثابت بنِ المنذرَِ بن حرامٍ ، (1) ]
يجتمعانَ إلى حرامٍَ وهوَ الأبُ الثالث، وأبَي بنُ كَعبِ بنِ قيسِ بنِ عتيكِ ابنِ زيد بنِ مُعاوية بن عمرِو بز مالكِ بن النجارِ، (1) فعمرو يجمعُ حسانَ، وأبا طلحَةَ وأبناء. قال الأنصاري: بين [ أبي وأبي طلحةَ ستةُ آباء.
ش- محمد بن] (1) عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنيس بن مالك أبو عبد الله الأنصاري البصري قاضيها.
وزيد بن سهل يكنى: أ أبا طلحة، شهد، (2) العقبة وبدرا وأحُداً، والمشاهد كلها مع رسول الله، وهو نقيب. رُوي له عن رسول الله- عليه السلام- اثنا [ ن وعشرون ] (2) حديثاً اتفقا منها على حديثين، وانفرد البخاري بحديث ومسلم بآخر. روى عنه: ابن عباس، وأنس (3) بن [ مالك ] (2) ، وسعيد بن يسار أبو الشباب. مات بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين. وقال أبو حاتم الرازي: سنة أربع و ثلا [ ثين ]، (2) ، صلى عليه عثمان بن عفان، وسنه سبعون سنة. وقال أبو زرعة الدمشقي: توفي بالشام، وعاش بعد رسول الله أربعين سنة يسرد الصوم، وروى
ثابت البناني، وعلي بن زيد بن جدعان عن أنس بن مالك، عن
__________
(1) طمس في الأصل، وأثبتناه من سنن أبي داود.
(2) غير واضح في الأصل.
(3) كذا في الأصل، وفي الاستيعاب، وفي الإصابة وتهذيب الكمال: "ربيبه أنس بن مالك"، ولم يذكرا أنسا فالله أعلم.

(6/447)


أبي طلحة، أنه غزا البحر فمات فيه. روى له الجماعة (1) وحرام ضد حلال
وحسَان- فَعَال بالتشديد- بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناف بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار، يكنى: أبا عبد الرحمن ويقال: أبو الوليد، ويقال: أبو الحسام، وأمه: الفُريعة بنت خالد بن جبير (2) بن لوذان بن عبد ود بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج بن كعب بن ساعدة، الأنصاري المدني، شاعر رسول الله. وعاش حرام مائة وعشرين سنة، وكذلك ابنه المنذر وابن ابنه ثابت، وكذا عاش حسان مائة وعشرين سنة: في الجاهلية ستين سنة، وفي الإسلام ستين سنة. وقال أبو نعيم: لا يعرف في العرب أربعة تناسلوا من صُلب واحد، اتفقت مدة تعميرهم مائة وعشرين سنة غيرهم. روى عنه: ابنه عبد الرحمن، والبراء بن عازب، وسعيد بن المسبب. مات سنة خمسين، وقيل: سنة أربع وخمسين بالمدينة. روى له: البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه، وأبو داود (3) .
وأبي بن كعب قد ذكرناه مرة.
وعتيك- بفتح العين المهملة، وكسر التاء المثناة من فوق- وهكذا هو عند جميع الرواة عن أبي داود، وقيل: الصواب: عُبيد- بضم العين، وفتح الباء الموحدة، وفي آخره دال- وكذا عند البخاري وابن أبي خيثمة وغير هما.
__________
(1) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (1/ 549) ، وأسد الغابة (2/ 289) ، والإصابة (1/ 566) ، وتهذيب الكمال (0 1/ 0 1 1 2) .
(2) كذا، وفي الاستيعاب: "خنس "، وقال محققه: " في الأصل: جسر، وما أثبته عن الخزانة: 1/ 227 "، وفي أسد الغابة: "خنيس "، وفي الإصابة: "حبيش".
(3) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (1/ 335) ، وأسد الغابة (2/ 5) ، و ا لإصابة (1/ 326) .

(6/448)


1810- ص- لا هناد بن السري، عن عبدة، عن محمد بن إسحاق، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن سليمان بن يسار، عن ميمونةَ زوج النبي- عليه السلام- قالتْ: كانتْ لي جاريه فَأعْتَقْنُهَا، فدخَلَ عَلَيَّ النبي عليه السلام- فأخْبَرْتُه فقالَ: " آجَرَك اللهُ، أَما إِنكَ لو كُنتِ أَعْطَيْتِيهَا (1) أخْوَالَكِ كان أَعْظَمَ لأجْرِكِ " (2) .
ش- عبدة بن سليمان.
قوله: " أخوالك " " (3) باللام، وهكذا وقع في رواية مسلم، ووقعت في رواية غير الأصيلي في البخاري، وفي رواية الأصيلي: " أخواتك" بالتاء. قال القاضي: ولعله أصح بدليل رواية مالك في " الموطأ ": "أعطيتها أختك".
وقال الشيخ محي الدين (3) : الجميع صحيح ولا تعارض، وقد قال - عليه السلام- ذلك كله. وفيه الاعتناء بأقارب الأم إكراما لحقها، وهو زيادة في برها. وفي قوله: "أخوالك " فضيلة صلة الأرحام والإحسان إلى الأقارب، وأنه أفضل من العتق، وفيه جواز تبرع المرأة بمالها بغير إذن زوجها".
والحديث أخرجه: البخاري، ومسلم، والنسائي من حديث كريب،
عن ميمونة- رضي الله عنها-.
1811- ص- نا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن محمد بن عجلان، عن المقبري، عن أبي هريرةَ قال: أمَرَ النبي- عليه السلام- بالصدقة، فقالَ رجلٌ : يا رسولَ اللهِ، عندِي دينارٌ . قال: " تَصَدقْ بِهِ علَى نفسِكَ "َ. قال:
__________
(1) في سنن أبي داود: " أعطيتها".
(2) البخاري: كتاب الهبة، باب: هبة المرأة لغير روجها، وعتقها إذا كان لها زوج (2592) ، مسلم: كتاب الزكاة، باب: فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج والأولاد والوالدين (999) ، النسائي في الكبرى، كتاب العتق.
(3) انظر: شرح صحيح مسلم (86/7) .
29 طرح صنف أبي داوود 6

(6/449)


عِندي آخر. قال: "تَصَدَقْ به عَلَى وَلَدكَ ". قال: عندي آخر. قال: " تَصَدَّقْ به عَلَى زَوْجَتكَ أو (2) زَوْجكَ ". قال: عندِي آخر قال: " تَصَدَّقْ به على خَادمكَ". قالَ: عِندِي آخر. قال: "أنتَ أبصَرُ " (2) .
ش- " (3) المراد من الصدقة فيه: النفقة، ورتب- عليه السلام- الأول فالأول، والأقرب فالأقرب، أمره أن يبدأ بنفسه، ثم بولده لأنه كبعضه، ثم ثلث بالزوجة، وأخرها عن الولد لأنه إذا لم يجد ما ينفق عليها تركها، فينفق عليها ذو رحم تجب نفقتها عليه، أو تتزوج بآخر فينفق عليها/ [ ثم ذكر الخادم لأنه يباع عليه إذا عجز عن نفقته، فتكون النفقة على من يبتاعه ويملكه، ثم قال له فيما بعد: أنت أبصر، أي: إن شئت تصدقت، وإن شئت أمسكت ] (4) ، والحديث أخرجه: النسائي.
1812- ص- نا محمد بن [ كثير، نا سفيان، حدَثنا أبو إسحاق، عن وهب بن جابر الخيواني، عن عبد الله بن عمرو ] (5) قال: قال رسول الله علبه السلام-: " كَفَى بالمرء إِثما أن يُضيعَ من يَقوت " (6) .
أي- سفيان، الثوري، وأبو إسحاق السبيعي. ووهب بن جابر الخيواني ذكره ابن حبان في "الثقات " وقال: من أهل [ الكوفة ] (7) ، يروي عن: عبد الله بن عمرو. روى عنه: السبيعي.
__________
(1) في سنن أبي داود: "أو قال".
(2) النسائي: كتاب الزكاة، باب: الصدقة عن ظهر غنى (5/ 62) . (3) انظر: معالم السنن (2/ 69) .
(4) طمس في الأصل، وأثبتناه من معالم السنن.
(5) طمس في الأصل، وأثبتناه من سنن أبي داود.
(6) النسائي في الكبرى، كتاب: عشرة النساء (167) .
(7) غير واضح في الأصل، وأثبتناه من " الثقات " (5/ 489)

(6/450)


والخيواني- بفتح الخاء المعجمة، وسكون الياء آخر الحروف- نسبة إلى خيوان [....] (1) .
قوله: " كفى بالمرء إثما " " إثما" منصوب على التمييز، والباء في "بالمرء" (2) زائدة، و "المرء " مفعوله، والفاعل قوله: " أن يضيع "، و أن، في تأويل المصدر، والتقدير: كفى المرء إثما تضييع من يقول. وأصله: يقوله، فحذف المفعول للعلم به، وللاستغناء عنه، من قولهم: قات أصله يقوتهم قوتا وقياتة، والاسم: القوت بالضم، وهو ما يقوم به بدن الإنسان من الطعام، ومعنى " من يقوت " : من يلزمه قوته كأنه قال للمتصدق: لا تتصدق بما لا فضل فيه عن قوت أهلك تطلب الأجر، فينقلب إثما إذا ضيعتهم. والحديث أخرجه النسائي. والخرج مسلم في "الصحيح" (3) من حديث خيثمة بن عبد الرحمن، عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : " كفى بالمرء إثما أن يَحْبِسَ عمن يَملكُ قوتَه".
1813- ص- نا أحمد بن صالح ويعقوب بن كعب- وهذا حديثه- قالا: نا ابن وهب، أخبرني يونس، عن الزهري، عن أنس قال: قال رسولُ الله- عليه السلام-: " من سَره أنْ يبسَطَ عَلَيهِ في رِزْقِهِ، وينسأ له في أثَرِهِ، فَليَصَلْ رَحِمَهُ " (4) .
ش- يعقوب بن كعب الأنطاكي الحلبي، وعبد الله بن وهب، ويونس ابن عبيد، ومحمد بن مسلم الزهري.
__________
(1) بياض في الأصل قدر ثلث سطر.
(2) في الأصل: " كفى"
(3) كتاب الزكاة، باب: فضل النفقة على العيال والمملوك، وإثم من ضيعهم، أو حبس نفقتهم عنهم (996/ 40) .
(4) البخاري: كتاب الأدب، باب: من بسط له في الرزق لصلة الرحم (5 منه، 6 ماه) ، مسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب: صلة الرحم وتحريم قطيعتها (2557) ، النسائي في الكبرى: كتاب التفسير.

(6/451)


قوله: " وينسأ" أي: يؤخرُ، يقال: نسأت الشيء: أخرته، وكذلك أنسأته: فعلت وأفعلت بمعنى واحد، والأثر: الأصل، وسمي أثرا لأنه يتبع العمر، وأصله من أثر مشيه في الأرض إذا مات لا يبقى لأقدامه في الأرض أثر، والنساء في الأجل، قيل: هو بقاء ذكره الجميل بعد الموت على الألسنة، فكأنه لم يمت، وقيل: هو على ما سبق به العلم إن وصل رحمه فأجله كذا، وإن لم يصل فكذا، وفي علم الله أنه لا بد له من أحد الحالين، ورجحه بعضهم. وقيل بالبركة فيه، وسعة الرزق، وقيل بتكثيره. وصلة الرحم كناية عن الإحسان والتعطف والرفق والرعاية، وصلة الله تبارك وتعالى لعباده رحمته لهم، وعطفه بإحسانه إليهم، أو صلته لهم بأهل ملكوته والرفيق الأعلى، وصلة الرحم درجات، وأدناها ترك المهاجرة وصلتها ولو بالسلام.
واختلف الناس في الرحم التي يجب صلتها فقيل: هي كل رحم محرمة مما لو كان اْحدهما ذكراً حرم عليه نكاح الآخر، فعلى [ هذا ] لا تجب في بني الأعمام وبني العمات وبني الخالات. وقيل: بل هذا في كل رحم ممن ينطلق عليه ذلك في ذوي الأرحام في المواريث، محرميا كان أو غيره. والحديث أخرجه: البخاري، ومسلم، والنسائي.
1814- ص- نا مسدد وأبو بكر بن أبي شيبة قالا: نا سفيان عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عبد الرحمن بن عوف قال: سمعتُ رسوِلَ الله - عليه السلام- يقوِلُ: [ قال ] اللهُ: " أنا الرحمنُ، وهي الرحمُ، شقَقْتُ لها من اسْمِي (1) ، منْ وَصَلَهَا وَصَلتُهُ، ومَن قَطَعَهَا بَتَتُهُ " (2) .
ش- أبو بكر اسمه: عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عثمان بن خواستي- بالخاء المعجمة، والسين المهملة، وبعدها تاء مثناة من فوق- ابن أبي شيبة العباسي الكوفي، أخو عثمان والقاسم. سمع: خلف بن
__________
(1) في سنن أبي داود: " شققت لها اسما من اسمي ".
(2) الترمذي: كتاب البر والصلة، باب: ما جاء في قطيعة الرحم (1907) .

(6/452)


خليفة، وشريك بن عبد الله النخعي، وأبا داود الحَفري، وأبا أحمد الزبيري، وأبا داود الطيالسي، ووكيعا، ويحيى القطان، وجماعة آخرين. روى عنه: أحمد بن حنبل، وابنه عبد اللّه، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي عن رجل عنه، وابن ماجه، ويعقوب بن شيبة، والباغندي (1) / [ ..... ] (2) .
قوله: " شققت لها" أي: [ ..... ] (3) في الأسماء اللغوية، وهذا يرد قول من يزعم أن الأسماء كلها موضوعة [....] (4) الاشتقاق، وفيه دليل أيضا على أن اسم الرحمن عربي مأخوذ من الرحمة، وقد زعم بعض المفسرين أنه عبراني.
قوله: " من وصلها وصلته "، وقد ذكرنا معنى صلة العبد وصلة الرب تبارك وتعالى.//.
قوله: " بَتَته " أي: قطعته، من البت وهو القطع.
والحديث أخرجه: الترمذي وقال: حديث صحيح. وفي تصحيحه نظر، فإن يحيى بن معين قال: أبو سلمة بن عبد الرحمن لم يسمع من أبيه شيئاً وذكر غيره أن أبا سلمة وأخاه حميدا لم يصح لهما سماع من أبيهما.
1815- ص- نا محمد بن المتوكل العسقلاني، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، حدثني أبو سلمة ، أن الرَّدَّادَ الليثي أخبره عن عبد الرحمن بن عوف، أنه سمع رسولَ اللهِ- عليه السلام- بمعناه (5) .
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (16/ 3526) .
(2) طمس في الأصل قرر سطر.
(3) كلام غير واضح قدر ست كلمات، وفي معالم السنن (2/ 70) : "في هذا بيان صحة القول بالاشتقاق في الأسماء اللغوية، وذلك أن قوما أنكروا الاشتقاق، وزعموا أن الأسماء كلها موضوعة، وهذا يبين لك فساد قولهم"
(4) كلمة غير واضحة.
(5) انظر الحديث السابق.

(6/453)


ش- عبد الرزاق بن همام، ومعمر بن راشد، وأبو سلمة عبد اللّه بن عبد الرحمن، والرداد الليثي وقال بعضهم: أبو الرداد وهو الأشهر. روى عن: عبد الرحمن بن عوف. روى عنه: أبو سلمة. روى له: أبو داود (1) .
قوله: " بمعناه" أي: بمعنى الحديث المذكور، وإليه أشار الترمذي أيضاً وحكى عن البخاري أنه قال: وحديث معمر خطأ، وقد أخرج البخاري ومسلم والنسائي من حديث سعيد بن يسار أبي الحُباب، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه- عليه السلام-: "إن اللّه خلق الخلق، حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ من القطيعة. قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذاك لك... " الحديث.
1816- ص- نا مسدد، نا سفيان، عن الزهري، عن محمد بن جبير ابن مطعم، عن أبيه، يَبْلُغُ به النبيَّ- عليه السلام- قال: "لا يَدْخُلُ الجنةَ قَاطِع (2) " (3) .
ش- أي: قاطع رحم.
وقوله: " لا يدخل الجنة" معناه: أمدا ما إن جازاه اللّه وعاقبه، كما جاء في غير حديث، إما بدخول النار أولا، أو بإمساكه مع أصحاب الأعراف، أو بطول حسابه، والسابقون يتنعمون حينئذ إلا أن يكون فعل ذلك مستحلا. والحديث أخرجه: البخاري، ومسلم، والترمذي.
1817- ص-. نا ابن كثير، أنا سفيان، عن الأعمش والحسن بن عمر
__________
(1) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (9/ 1900) .
(2) في سنن أبي داود: " قاطع رحم"
(3) البخاري: كتاب الأدب، باب: إثم القاطع (5984) ، مسلم: كتاب البر والصلة والأدب، باب: صلة الرحم وتحريم قطعها (2556) ، الترمذي: كتاب البر والصلة، باب: ما جاء في صلة الرحم (1909) .

(6/454)


وفطر، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو- قال سفيان: ولم يرفعْهُ سليمانُ إلى النبي- عليه السلام-، ورفعه فطر والحسنُ- قال: قال رسولُ الله - عليه السلالم-: " ليسَ الوَاصلُ بالمُكَافئ، ولكن الوَاصلَ الذي (1) إلاَ قُطِعَتْ رَحِمُه وَصَلهَا" (2) .
ش- فطربن خليفة.
قوله: "ولم يرفعه سليمان " أي: سليمان الأعمش، ورفعه فطر. والحسن بن عمرو الفُقَيمي التميمي الكوفي، أخو الفضل بن عمرو. روى عن: أخيه الفضل ومجاهد، وإبراهيم النخعي. روى عنه: الثوري، وابن المبارك، وابن أبي زائدة، وغيرهم. وقال ابن معين: هو ثقة حجة. روى له: البخاري، وأبو داود، وابن ماجه، والنسائي (3) . قوله: "ليس الواصل بالمكافئ" قيل: معناه ليس الواصل رحمه الذي يصلهم مكافأة لهم على صلةِ تقدمت منهم إليه، فكافأهم عليها بصلة مثلها، وقد رُوي هذا المعنى عن عمر بن الخطاب وقال: ذلك القصاص، ولكن الوصل أن تصل من قطعك.
والحديث أخرجه: البخاري، والترمذي.
44- باب: في الشح
أي: هذا باب في بيان الشُحّ، الشُّحُّ أشد البخل، وهو أبلغ في المنع من البخل. وقيل: هو البخل مع الحرص، وقيل: البخل في أفراد الأمور وآحادها، والشح عام. وقيل: البخل بالمال، والشح بالمال
__________
(1) في سنن أبي داود: " ولكن هو الذي ".
(2) البخاري: كتاب الأدب، باب: ليس الواصل بالمكافئ (9951) ، الترمذي: كتاب البر والصلة، باب: في صلة الرحم (1908) .
(3) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (6/ 1256) .

(6/455)


والمعروف. يقال: شح يشح من باب نصر ينصر، شَحا بالفتح فهو شحيح، والاسم الشح.
1818- ص- نا حفص بن عُمر، نا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن الحارث، عن أبي كثير، عن عبد الله بن عمرو قال: خَطَبَ رسولُ الله- عليه السلام- فقال: "إِياكُمْ والشح، فإنما هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بالشح، أمَرَهُمْ بِالبُخْلِ فَبَخلُوا، وأمَرَهُمْ بالقَطيعَة فَقَطَعُوا، وَأمَرَهُمْ بالفُجُورِ فَفَجَرُ " (1) ، (2) .
__________
(1) النسائي في الكبرى، كتاب التفسير.
(2) وهذا آخر ما عثرنا عليه مما كتبه المصنف- رحمه الله- وبه ينتهي الكتاب، وأحمد الله الذي بنعمته تتم الصالحات.

(6/456)