Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود

المجلد الأول
كتاب الطهارة
باب التخلي عند قضاء الحاجة
...
كتاب الطهارة
1 باب التخلي عند قضاء الحاجة
1حدثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ بنِ قَعْنَبٍ الْقَعْنَبِيّ حدثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِي ابنَ مُحَمّدٍ عن مُحمّدٍ يَعْنِي ابنَ عَمْروٍ عن أَبي سَلَمَةَ، عن المُغِيَرةِ بنِ شُعْبَةَ أَنّ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم كان إذَا ذَهَبَ المَذْهَبَ أَبْعَد.
ـــــــ
كتاب الطهارة
"باب التخلي عند قضاء الحاجة"
أي هذا باب في التخلي عن الناس عند قضاء الغائط، والمراد بالتخلي التفرد
"مسلمة": بفتح الميم وسكون السين، "القعنبي": بفتح القاف وسكون العين وفتح النون، منسوب إلى قعنب جد عبد الله بن مسلمة، "أبي سلمة": هو ابن عبدالرحمن بن عوف الزهري ثقة فقيه "المذهب": موضع التغوط أو مصدر ميمى بمعنى الذهاب المعهود، وهو الذهاب إلى موضع التغوط. قال العراقي: هو بفتح الميم وإسكان الذال وفتح الهاء مفعل من الذهاب، ويطلق على معنيين: أحدهما المكان
ـــــــ
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة شرح الحافظ ابن قيم الجوزية
ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشداً.
قال الشيخ الإمام العلامة، شمس الدين، أبو بكر محمد بن قيم الجوزية،الحنبلي،غفر الله له:
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين، ولا عد وان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، رب العالمين وإله المرسلين. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، وحجة على جميع المكلفين، فرق الله برسالته بين الهدى والضلال، والغي والرشاد =

(1/9)


حدثنا مُسَدّدُ بنُ مُسَرْهَدٍ أخبرنا عِيسَى بنُ يُونُسَ حدثنا إسْمَاعِيلُ بنُ عَبْدِالمَلِكِ عن أبي الزّبَيْرِ عن جَابِرِ بنِ عَبْدِالله: أَنّ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم كان إذَا أَرَادَ الْبَرَازَ انْطَلَقَ حَتّى لاَ يَرَاهُ أَحَدٌ".
ـــــــ
الذي يذهب إليه. والثاني المصدر، يقال ذهب ذهاباً ومذهباً، فيحتمل أن يراد المكان، فيكون التقدير إذا ذهب في المذهب، لأن شأن الظروف تقديرها بفي ويحتمل أن يراد المصدر، أي إذا ذهب مذهباً، والاحتمال الأول هو المنقول عن أهل العربية. وقال به أبو عبيد وغيره وجزم به في النهاية ويوافق الاحتمال الثاني قوله في رواية الترمذي: أتى حاجته فأبعد في المذهب. فإنه يتعين فيها أن يراد بالمذهب المصدر، "أبعد": في موضع ذهابه أو في الذهاب المعهود، أي أكثر المشي حتى بعد عن الناس في موضع ذهابه.
والحديث أخرجه الدارمي والنسائي وابن ماجه والترمذي وقال حسن صحيح.
"أبي الزبير" هو محمد بن مسلم المكي، وثقه الجمهور وضعفه بعضهم لكثرة التدليس "البراز" قال الخطابي: مفتوحة الباء، اسم للفضاء الواسع من الأرض، كنوا به عن حاجة الإنسان كما كنوا بالخلاء عنه، يقال: تبرز الرجل إذا تغوط وهو أن يخرج إلى البراز، كما قيل: تخلى إذا صار إلى الخلاء، وأكثر الرواة يقولون البراز بكسر الباء وهو غلط، إنما البراز مصدر بارزت الرجل في الحرب مبارزة وبرازاً. وفيه من الأدب استحباب التباعد عند الحاجة عن حضور الناس إذا كان في مراح من الأرض، ويدخل في معناه الاستتار بالأبنية وضرب الحجب وإرخاء الستر وأعماق الآبار والحفائر، ونحو ذلك من الأمور الساترة للعورات وكل ما ستر العورة عن الناس. انتهى.
قلت: وخطّأ الخطابي الكسر وخالفه الجوهري فجعله مشتركاً بينهما. وقال في المصباح: البراز بالفتح والكسر لغة قليلة، الفضاء الواسع الخالي من الشجر ثم كنى بالغائط. انتهى. والحديث فيه إسماعيل بن عبدالملك الكوفي نزيل مكة، قد تكلم فيه غير واحد، وأخرجه أيضاً ابن ماجه.
ـــــــ
=والشك واليقين.فهو الميزان الراجح الذي على أقواله وأعماله وأخلاقه توزن الأخلاق والأعمال والأقوال، وبمتابعته والاقتداء به يتميز أهل الهدى من أهل الضلال، أرسله على حين فترة من الرسل، فهدى به إلى أقوم الطرق وأوضح السبل.وافترض على العباد طاعته ومحبته وتعزيره وتوقيره، والقيام بحقوقه.وأغلق دون جنته الأبواب، وسد إليها الطرق، فلم يفتح إلا من طريقه.فشرح له صدره،ور فع له ذكره،ووضع عنه وزره، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره. هدى به من الضلالة، و علم به من الجهالة وأرشد به من الغي. وفتح أعيناًًً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً. فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح =

(1/10)


2 باب الرجل يتبوأ لبوله
-3 حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ أخبرنا أبُو التّيّاحِ حدثني شَيْخٌ قال: لَمّا قَدِمَ عَبْدُالله بنُ عَبّاسٍ الْبَصْرَةَ فَكَانَ يُحَدّثُ عن أبي مُوسَى فَكَتَبَ عَبْدُ اللّه إلى أبي مُوسَى يَسْأَلُهُ عَنْ أَشْيَاء، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أبُو مُوسَى أنّي كُنْتُ مَعَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ فأَرَادَ أَنْ يَبُولَ فأَتَى دَمِثاً في أَصْلِ جِدَارٍ فَبَالَ، ثمّ قال صلى الله عليه وسلم: "إذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَبُولَ فَلْيَرْتَدْ لِبَوْلِهِ مَوْضِعاً"".
ـــــــ
باب الرجل يتبوأ لبوله
أي يتخذ لبوله مكاناً سهلاً لئلا يرجع إليه رشاش البول
"حماد": هو ابن سلمة، قال السيوطي: إن موسى إذا أطلق حماداً يريد ابن سلمة وهو قليل الرواية عن حماد بن زيد حتى قيل إنه لم يرو عنه إلا حديثاً، "أبو التياح": بفتح المثناة والتحتانية الثقيلة اسمه يزيد بن حميد ثقة "فكان يحدث" على بناء المجهول، أي كان ابن عباس يحدث عن أبي موسى بأحاديث، والمحدثون عن أبي موسى كانوا بالبصرة، لأن في رواية البيهقي: سمع أهل البصرة يتحدثون عن أبي موسى "دمثاً": بفتح الدال وكسر الميم. قال الخطابي: الدمث: المكان السهل الذي يجذب فيه البول فلا يرتد على البائل، يقال للرجل إذا وصف باللين والسهولة إنه لدمث الأخلاق وفيه دماثة "فليرتد" : أي ليطلب وليتحر مكاناً ليّناً، ومنه المثل: الرائد لا يكذب أهله، وهو الرجل يبعثه القوم يطلب لهم الماء والكلأ، يقال: رادهم يرودهم رياداً. وارتاد لهم ارتياداً. والحديث فيه مجهول لكن لا يضر، فإن أحاديث الأمر بالتنزه عن البول تفيد ذلك والله أعلم
ـــــــ
الأمة وجاهد في الله حق الجهاد،لايرده عنه راد، ولا يصده عنه صاد. حتى سارت دعوته مسير الشمس في الأقطار،وبلغ دينه القيم ما بلغ الليل والنهار. فصلى الله عليه وعلى آله الطيبين، صلاة دائمة على تعاقب الأوقات والسنين، وسلم تسليماً كثيراً.
أمابعد: فإن أولى ما صرفت إليه العناية، وجرى المتسابقون في ميدانه إلى أفضل غاية، وتنا فس المتنافسون فيه، وشمر إليه العاملون: العلم الموروث عن خاتم المرسلين ورسول رب العالمين، الذي لانجاة لأحد إلا به ولا فلاح له في داريه إلا بالتعلق بسببه، الذي من ظفر به فقد فاز وغنم، ومن صرف عنه فقد خسر وحرم، لأنه قطب السعادة الذي مدارها عليه، وآخية الإيمان الذي مرجعه إليه. فالوصول إلى الله وإلى رضوانه بدونه محال، وطلب الهدى من غيره هو عين الضلال. وكيف يوصل إلى الله من غير =

(1/11)


3 باب ما يقول الرجل إذا دخل الخلاء
-4 حدثنا مُسَدّدُ بنُ مُسَرْهَدٍ حدثنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ وَ عَبْدُالْوَارِثِ عن عَبْدِالْعَزِيزِ بنِ صُهَيْبٍ عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قال: "كَانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا دَخَلَ الخَلاَءَ قال عن حَمّادٍ قال: اللّهُمّ إنّي أَعُوذُ بِكَ وقال عن عَبْدِالْوَارِثِ قال: أَعُوذُ بِالله مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ ". قال أبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ شُعْبَةُ عن عَبْدِالْعَزِيزِ: اللّهُمّ إنّي أَعُوذُ بِكَ، وقال مَرّةً: أَعُوذُ بِالله، وقال وُهَيْبٌ: فَلْيَتَعَوّذْ بِالله.
ـــــــ
باب ما يقول الرجل إذا دخل الخلاء
هو موضع قضاء الحاجة، أي إذا أراد الدخول
"قال": مسدد "عن حماد": بن زيد "قال": النبي صلى الله عليه وسلم "اللهم إني أعوذ بك" يعني ألجأ وألوذ، والعوذ والعياذ والمعاذ والملجأ: ما سكنت إليه تقية عن محذور "وقال": مسدد "عن عبدالوارث قال": النبي صلى الله عليه وسلم "أعوذ بالله من الخبث والخبائث" فلفظ مسدد عن حماد "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" ولفظ مسدد عن عبدالوارث "أعوذ بالله من الخبث والخبائث" قال الخطابي: الخبث بضم الباء جماعة الخبيث، والخبائث جمع الخبيثة، يريد ذكران الشياطين وإناثهم، وجماعة أصحاب الحديث يقولون: الخبث ساكنة الباء وهو غلط، والصواب الخبث بضم الباء. وقال ابن الأعرابي: أصل الخبث في كلام العرب المكروه، فإن كان من الكلام فهو الشتم، وإن كان من الملل فهو الكفر، وإن كان من الطعام فهو الحرام، وإن كان من الشراب فهو الضار. انتهى كلام الخطابي. وقال ابن سيد الناس: وهذا الذي أنكره الخطابي هو الذي حكاه أبو عبيد القاسم بن سلام وحسبك به جلالة. وقال القاضي عياض: أكثر روايات الشيوخ بالإسكان. وقال القرطبي: رويناه بالضم والإسكان. قال ابن دقيق العيد ثم ابن سيد الناس: لا ينبغي أن يعد مثل هذا غلطاً. انتهى. قال النووي: وهذا الأدب مجمع على استحبابه ولا فرق فيه بين البنيان والصحراء. والحديث أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي، وقال الترمذي: حديث أنس أصح شيء في هذا الباب.
ـــــــ
الطريق التي جعلها هو سبحانه موصلة إليه،ودالة لمن سلك فيها عليه.بعث رسوله بها منادياً، وأقامه على أعلامها داعياً وإليها هادياً، فالباب عن السالك في غيرها مسدود، وهو عن طريق هداه وسعادته مصدود، بل كلما ازداد كدحاً واجتهاداً، ازداد من الله طرداً وإبعاداً.ذللك بأنه صدف عن الصراط المستقيم، وأعرض عن المنهج القويم،ووقف مع آراء الرجال، ورضي لنفسه بكثرة القيل والقال،وأخلد إلى أرض التخليد، وقنع أن يكون على أمثاله من العبيد، لم يسلك من سبل العلم مناهجها، ولم يرتق في

(1/12)


-5 حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَمْروٍ يَعْنِي السّدُوسِيّ قال حدثنا وَكِيعٌ عن شُعْبَةَ عن عَبْدِالْعَزِيزِ هُوَ ابنُ صُهَيْبٍ عن أَنَسٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ قال: "اللّهُمّ إنّي أَعُوذُ بِكَ"، وقال شُعْبَةُ وقال مَرّةً: أَعُوذُ بِالله ".
-6 حدثنا عَمْرُو بنُ مَرْزُوقٍ أخبرنا شُعْبَةُ عن قَتَادَةَ عن النّضْرِ بنِ أَنَسٍ عن زَيْدِ بنِ أَرْقَمَ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنّ هَذِهِ الْحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ، فإذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْخَلاَءَ فَلْيَقُلْ: أَعُوذُ بِالله مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ".
ـــــــ
"وقال": شعبة عن عبد العزيز "مرة أعوذ بالله وقال وهيب" عن عبدالعزيز " فليتعوذ بالله" بصيغة الأمر، أراد المؤلف الإمام رضي الله عنه بيان اختلاف الآخذين عن عبدالعزيز بن صهيب، فقال: روى حماد بن زيد عن عبدالعزيز: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث بلفظ المضارع وزيادة بك بكاف الخطاب قبلها باء موحدة وروى عبدالوارث عن عبدالعزيز أعوذ بالله من الخبث والخبائث بلفظ الجلالة بعد أعوذ وأسقط لفظ اللهم قبلها ورواه شعبة عن عبدالعزيز مثلهما، فقال مرة كلفظ حماد بن زيد، وقال مرة كعبدالوارث، وروى وهيب بن خالد عن عبدالعزيز بلفظ فليتعوذ بصيغة الأمر فعلى رواية وهيب هو حديث قولي لا فعلي، أي إذا أراد أحدكم الخلاء أو أتى أحدكم الخلاء أو نحوهما فليتعوذ بالله من الخبث والخبائث. قال الحافظ: وقد روى العمري عن طريق عبدالعزيز بن المختار عن عبدالعزيز بن صهيب بلفظ الأمر، قال: إذا دخلتم الخلاء فقولوا: بسم الله أعوذ بالله من الخبث والخبائث. إسناده على شرط مسلم. انتهى."بهذا الحديث" المذكور بقوله: إذا دخل.. الخ وصرّح ثانياً اختلاف لفظ شعبة للإيضاح فقال "قال" شعبة عن عبدالعزيز "اللهم إني أعوذ بك" من الخبث والخبائث "وقال شعبة وقال" عبدالعزيز "مرة أعوذ بالله" من الخبث والخبائث.
"إن هذه الحشوش" بضم الحاء المهملة وشينين معجمتين، هي الكنف ومواضع قضاء الحاجة واحدها حش. قال الخطابي: وأصل الحش جماعة النخل المتكاثفة، وكانوا يقضون حوائجهم إليها قبل أن تتخذ الكنف في البيوت، وفيه لغتان حَشّ وحُشّ بالفتح والضم "محتضرة" على البناء للمجهول، أي تحضرها الجن والشياطين وتنتابها لقصد الأذى. والحديث أخرجه ابن ماجه والنسائي في السنن الكبرى
ـــــــ
درجاته معارجها،ولا تألقت في خلده أنوار بوارقه،ولا بات قلبه يتقلب بين رياضه وحدائقه.لكنه ارتضع من ثدي من لم تطهر بالعصمة لبانه، وورد مشؤرباً آجناً طالما كدره قلب الوارد ولسانه.تضج منه

(1/13)


- 4 باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة
7 - حدثنا مُسَدّدُ بنُ مُسَرْهَدٍ حدثنا أبُو مُعَاوِيَةَ عن الأعمَشِ عن إبْرَاهِيمَ عن عَبْدِالرّحْمَنِ بنِ يَزِيدَ عن سَلْمَانَ قال قِيلَ لَهُ: لَقَدْ عَلّمَكُمْ نَبِيّكُمْ كلّ شَيْءٍ حَتّى الْخِرَاءَةَ. قال: أَجَلْ لَقَدْ نَهَانَا صلى الله عليه وسلم أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، وَأَنْ لا نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، وَأَنْ
__________
"باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة "
القبلة بكسر القاف جهة، يقال أين قبلتك، أي إلى أين تتوجه، وسميت القبلة قبلةً لأن المصلي يقابلها وتقابله، والحاجة تعم الغائط والبول."أبو معاوية": هو محمد بن خازم وفي بعض النسخ أبو معوذ وهو غلط "قيل له" أي لسلمان والقائلون بهذا القول المشركون، ففي رواية مسلم قال لنا المشركون "الخراءة" قال الخطابي: هو مكسورة الخاء ممدودة الألف: أدب التخلي والقعود عند الحاجة وأكثر الرواة يفتحون الخاء ولا يمدون الألف فيفحش معناه. انتهى. وقال عياض: بكسر الخاء ممودود "ممدود" وهو اسم فعل الحدث، وأما الحدث نفسه فبغير تاء ممدودة وبفتح للحاء. وفي المصباح: خرىء يخرأ من باب تعب إذا تغوط، واسم الخارج خرء مثل فلس وفلوس. انتهى "بغائط": قال ولي العراقي: ضبطناه في سنن أبي داوود بالباء الموحدة وفي مسلم باللام "أو بول" قال الشيخ تقي الدين في شرح العمدة: والحديث يدل على المنع من استقبالها ببول أو غائط، وهذه الحالة تتضمن أمرين: أحدهما بخروج الخارج المستقذر، والثاني كشف العورة، فمن الناس من قال المنع للخارج لمناسبته لتعظيم القبلة عنه، ومنهم من قال المنع لكشف العورة. ويبني على هذا الخلاف خلافهم في جواز الوطء مستقبل القبلة مع كشف العورة، فمن علل بالخارج أباحه إذ لا خارج. ومن علل بالعورة منعه "وأن لا نستنجي باليمين" أي أمرنا أن لا نستنجي باليمين أو لا زائدة، أي نهانا أن نستنجي باليمين، والنهي عن الاستنجاء باليمين على إكرامها وصيانتها عن الأقذار ونحوها، لأن اليمين للأكل والشرب والأخذ والإعطاء، ومصونة عن مباشرة الثفل وعن ممارسة الأعضاء التي هي مجاري الأثفال والنجاسات، وخلقت اليسرى لخدمة أسفل البدن لإماطة ما هنالك من القذارات، وتنظيف ما يحدث فيها من الدنس وغيره.
ـــــــ
الفروج والدماء والأموال، إلى من حلل الحلال ومحرم الحرام. وتعج منه الحقوق إلى منزل الشرائع والأحكام. فحق على من كان في سعادة نفسه ساعياً، وكان قلبه حياً واعياً،أن يرغب بنفسه عن أن يجعل كده وسعيه في نصرة من لا يملك له ضراً ولا نفعاً.وأن لا ينزلها في منازل {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً }. فإن لله يوماً يخسر فيه المبطلون، ويربح فيه المحقون {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ

(1/14)


لا يَسْتَنْجِيَ أَحَدُنَا بِأَقَلّ مِنْ ثَلاَثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ عَظم".
8- حدثنا عَبْدُالله بنُ مُحَمّدٍ النّفَيْلِيّ قال حدثنا ابنُ المُبَارَكِ عن مُحمّدِ بنِ عَجْلاَنَ عن الْقَعْقَاعِ بنِ حَكِيمٍ عن أَبي صالحٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنّمَا أَنَا لَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ أُعَلّمُكُمْ، فإِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الْغَائِطَ فَلا يَسْتَقْبِلْ القِبْلَةَ وَلاَ يَسْتَدْبِرْهَا وَلاَ يَسْتَطِبْ بِيَمِيِنِه "ِ، وَكانَ يَأْمُرُ بِثَلاَثَةِ أحْجَارٍ، وَيَنْهَى عَنِ الرّوْثِ وَالرّمّةِ".
__________
قال الخطابي: ونهيه عن الاستنجاء باليمين في قول أكثر العلماء نهي أدب وتنزيه. وقال بعض أهل الظاهر: إذا استنجى بيمينه لم يجزه كما لا يجزيه برجيع أو عظم "وأن لا يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار": أي أمرنا أن لا يستنجي أحدنا بأقل منهما. وفي رواية لأحمد: ولا نكتفي بدون ثلاثة أحجار. وهذا نصّ صريح صحيح في أن استيفاء ثلاث مسحات لا بد منه. قال الخطابي: فيه بيان أن الاستنجاء بالأحجار أحد المطهرين، وأنه إذا لم يستعمل الماء لم يكن بد من الحجارة أو ما يقوم مقامها وهو قول سفيان الثوري ومالك بن أنس والشافعي وأحمد بن حنبل. وفي قوله: وأن يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار البيان الواضح أن الاقتصار على أقل من ثلاثة أحجار لا يجوز وإن وقع الإنقاء بما دونها ولو كان به الإنقاء حسب لم يكن لاشتراط عدد الثلاث معنى إذ كان معلوماً أن الإنقاء يقع بالمسحة الواحدة وبالمسحتين، فلما اشترط العدد لفظاً وعلم الإنقاء فيه معنى دل على إيجاب الأمرين "أو نستنجي برجيع أو عظم" ولفظ أو للعطف لا للشك ومعناه معنى الواو، أي نهانا عن الاستنجاء بهما. والرجيع: هو الروث والعذرة فعيل بمعنى فاعل لأنه رجع عن حالته الأولى بعد أن كان طعاماً أو علفاً، والروث: هو رجيع ذوات الحوافر. وجاء في رواية رويفع بن ثابت فيما أخرجه المؤلف: رجيع دابة. وأما عذرة الإنسان، أي غائطه، فهي داخلة تحت قوله صلى الله عليه وسلم: "إنها ركس" قال النووي في شرح صحيح مسلم: فيه النهي عن الاستنجاء بالنجاسات، ونبه صلى الله عليه وسلم بالرجيع على جنس النجس، وأما العظم فلكونه طعاماً للجن فنبه به على جميع المطعومات. انتهى
"النفيلي": بضم النون منسوب إلى نفيل القضاعي "ولا يستطب بيمينه": أي لا يستنجي بها،
ـــــــ
عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً} {يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَأُونَ كِتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} فما ظن من اتخذ غير الرسول إمامه، ونبذ سنته وراء ظهره، وجعل خواطر الرجال وآراءها بين عينيه وأمامه،فسيعلم يوم العرض أي بضاعة أضاع وعند الوزن ماذا أحضر من الجواهر أو خرثي المتاع.

(1/15)


9- حدثنا مُسَدّدُ بنُ مُسَرْهَدٍ حدثنا سُفْيَانُ عن الزّهْرِيّ عن عَطَاءِ بنِ يَزِيدِ اللّيْثِيّ عن أبي أَيّوبَ رِوَايَةً قال: "إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلاَ تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلاَ بَوْلٍ، وَلَكِنْ شَرّقُوا أَوْ غَرّبُوا". فَقَدِمْنَا الشّامَ فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ بُنِيَتْ قِبَلَ الْقِبْلَة، فَكُنّا نَنْحَرِفُ عَنْهَا وَنَسْتَغْفِرُ الله".
10- حدثنا مُوسَى بنُ إسماعيلَ قال حدثنا وُهَيْبٌ قال حدثنا عَمْرُو بنُ يَحْيَى عن أبي زَيْدٍ عن مَعْقِلِ بنِ أبي مَعْقِلٍ الأسَدِيّ قال: "نَهَى رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَتَيْنِ بِبَوْلٍ أَوْ غائِطٍ". قال أبُو دَاوُدَ: وَأَبُو زَيْدٍ هُوَ مَوْلَى بَنِي ثَعْلَبَةَ.
11 - حدثنا مُحمّدُ بنُ يَحْيَى بن فَارِسَ قال حدثنا صَفْوَانُ بنُ عِيسَى عن الْحَسَنِ بِن ذَكْوَانَ عن مَرْوَانَ الأصْفرِ قال: رَأَيْتُ ابنَ عُمَرَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ
__________
وسمي الاستنجاء الاستطابة، لما فيه من إزالة النجاسة وتطهير موضعها من البدن، يقال: استطاب الرجل إذا استنجى فهو مستطيب وأطاب فهو مطيب ومعنى الطيب ههنا الطهارة "الرمة": بكسر الراء وشدة الميم، والرمة والرميم: العظم البالي أو الرمة، جمع رميم: أي العظام البالية.
"سفيان": هو ابن عيينة "ولكن شرقوا أو غربوا": قال الخطابي: هذا خطاب لأهل المدينة ولمن كان قبلته على ذلك السمت، وأما من كانت قبلته إلى جهة الغرب والشرق فإنه لا يغرب ولا يشرق "مراحيض": بفتح الميم وبالحاء المهملة والضاد المعجمة: جمع مرحاض بكسر الميم، وهو البيت المتخذ لقضاء حاجة الإنسان.
"أبي زيد": اسمه الوليد "القبلتين": الكعبة وبيت المقدس، وهذا قد يحتمل أن يكون على معنى الاحترام لبيت المقدس، إذ كان هذه قبلة لنا، ويحتمل أن يكون من أجل استدبار الكعبة، لأن من استقبل بيت المقدس بالمدينة فقد استدبر الكعبة.
"أناخ": أي أقعد، يقال أناخ الرجل الجمل إناخة "راحلته": الراحلة المركب من الإبل ذكراً كان أو أنثى
ـــــــ
فصل
ولما كان كتا ب السنن لأبي داود، سليمان بن الأشعث السجستاني – رحمه الله- من الإسلام بالموضع الذي خصه الله به، بحيث صار حكماً بين أهل الإسلام وفصلاً في موارد النزاع والخصام. فإليه يتحاكم

(1/16)


ثمّ جَلَسَ يَبُولُ إِلَيْهَا، فَقلت: يا أَبَا عَبْدِالرّحْمَنِ أَلَيْسَ قَدْ نُهِيَ عَنْ هَذَ؟ قال: بَلَى إِنّمَا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ في الْفَضَاءِ، فإِذَا كان بيْنَكَ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ شَيْءٌ يَسْتُرُكَ فَلاَ بَأْسَ".

(1/17)


5- باب الرخصة في ذلك
- 12 حدثنا عَبْدُالله بنُ مَسْلَمَةَ عن مَالِكٍ عن يَحْيى بنِ سَعِيدٍ عن مُحَمّدِ بنِ يَحْيَى بنِ حَبّانَ عن عَمّهِ وَاسِعِ بنِ حَبّانَ عن عَبْدِالله بنِ عُمرَ قال: لَقَدْ ارْتَقَيْتُ عَلَى ظَهْرِ الْبَيْتِ فَرَأَيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ المُقَدّسِ لِحَاجَتِهِ".
-13 حدثنا مُحَمّدُ بنُ بَشّارٍ قال حدثنا وَهْبُ بنُ جَرَيرٍ قال أخبرنا أَبي قال سَمِعْتُ مُحمّدَ بنَ إِسْحَاقَ يُحَدّثُ عن أَبَانَ بنِ صَالحٍ عن مُجَاهِدٍ عن جَابِرِ بنِ عَبْدِالله قال: نَهَى نَبِيّ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِبَوْلٍ، فَرَأَيْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِعامٍ يَسْتَقْبِلُهَا.
__________
"باب الرخصة في ذلك"
أي في استقبال القبلة عند الحاجة واستدبارها
"لبنتين": بفتح اللام وكسر الموحدة وفتح النون تثنية لبنة وهي ما تصنع من الطين أو غيره للبناء قبل أن يحرق.
"قبل أن يقبض بعام": قال الخطابي: وفي هذا بيان من صحته من فرق بين البنيان والصحراء، غير أن جابراً توهم أن النهي كان على العموم، فحصل الأمر في ذلك على النسخ
ـــــــ
المنصفون، وبحكمه يرضى المحققون. فإنه جمع شمل أحاديث الأحكام، ورتبها أحسن ترتيب، ونظها أحسن نظام، مع انتقائها أحسن انتقاء،وإطراحه منها أحاديث المجروحين والضعفاء.
وكان الإمام العلامة الحافظ زكي الدين أبو محمد عبد العظيم المنذري – رحمه الله – تعالى قد أحسن في اختصاره وتهذيبه، وعزو أحاديثه وإيضاح علله وتقريبه، فأحسن حتى لم يكد يدع للإحسان موضعاَ، وسبق حتى جاء من خلفه له تبعاً: جعلت كتابه من أفضل الزاد، واتخذته ذخيرة ليوم المعاد.فهذبته نحو ما هذب هو به الأصل وزدت عليه من الكلام على علل سكت عنها أو لم يكملها، والتعرض إلى تصحيح أحاديث لم يصححها، والكلام على متون مشكلة لم يفتح مقفلها، وزيادة أحاديث صالحة في الباب لم يشر إليها.وبسطت الكلام على مواضع جليلة، لعل الناظر المجتهد لا يجدها في كتاب سواه. فهي جديرة بأن تثنى عليها الخناصر،ويعض عليها بالنواجذوإلى الله الرغبة أن يجعله خالصاً لوجه،مو جباً لمغفرته. وأن

(1/17)


6 باب كيف التكشف عند الحاجة
-14 حدثنا زُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ قال حدثنا وَكِيعٌ عن الأعمشِ عن رَجُلِ عن ابنِ عُمَرَ أنّ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم كان إِذَا أرَادَ حَاجَةً لاَ يَرْفَعُ ثَوْبَهُ حَتّى يَدْنُوَ مِنَ الأرْضِ قال أبُو دَاوُدَ: رَوَاه عَبْدُالسّلاَمِ بنُ حَرْبٍ عن الأعْمَشِ عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
__________
"باب كيف... الخ"
"عن رجل": قيل: هو قاسم بن محمد أحد الأئمة الثقاة، وقيل: هو غياث ابن إبراهيم أحد الضعفاء "وهو ضعيف": قال السيوطي: ليس مراده تضعيف عبد السلام لأنه ثقة حافظ من رجال الصحيحين بل تضعيف من قال عن أنس، لأن الأعمش لم يسمع من أنس ولذا قال مرسل، ويوجد في بعض النسخ بعد قول المؤلف وهو ضعيف هذه العبارة: قال أبو عيسى الرملي حدثنا أحمد بن الوليد حدثنا عمرو بن عون حدثنا عبد السلام به. انتهى.
قلت: أبو عيسى هو إسحاق وراق أبي داوود، وهذه إشارة من الرملي إلى أن الحديث اتصل إليه من غير طريق شيخه أبي داوود، فهذه العبارة من رواية أبي عيسى الرملي إلا من رواية اللؤلؤي عن أبي داوود، فلعل بعض النساخ لرواية اللؤلؤي أطلع على رواية الرملي فأدرجها في نسخة اللؤلؤي، ومراده بذلك أنه لما كانت رواية عبد السلام غير موصولة أشار بوصلها برواية أبي عيسى الرملي.
ـــــــ
ينفع به من كتبه أو قرأه أو نظر فيه أو استفاد منه. فأنا أبرأ إلى الله من التعصب والحمية، وجعل سنة رسوله صلى الله عليه وسلم تابعة لآراء الرجال، منزلة عليها، مسوقة إليها كما أبرأ إليه من الخطأ والزور والسهو. والله سبحانه عند لسان كل قائل وقلبه.وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
قال الشيخ شمس الدين بن القيم رحمه الله بعد قول الحافظ زكي الدين وقال الترمذي حديث غريب وقال الترمذي سألت محمدا عن هذا الحديث فقال حديث صحيح وقد أعل ابن حزم حديث حابر بأنه عن أبان بن صالح وهو مجهول ولا يحتج برواية مجهول قال ابن مفوز أبان بن صالح مشهور ثقة صاحب حديث وهو أبان بن صالح بن عمير أبو محمد القرشي مولى لهم المكي روى عنه ابن جريج وابن عجلان وابن إسحاق وعبيد الله بن أبي جعفر استشهد بروايته البخاري في صحيحه عن مجاهد والحسن بن مسلم وعطاء وثقه يحيى بن معين وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان

(1/18)


7 باب كراهية الكلام عند الخلاء
15- حدثنا عُبَيْدُالله بنُ عُمَرَ بنِ مَيْسَرَةَ حدثنا ابنُ مَهْدِيّ حدثنا عِكْرَمَةُ بنُ عَمّارٍ عن يَحْيَى بنِ أبي كَثِيرٍ عن هِلالِ بنِ عَيَاضٍ قال حَدّثَني أَبُو سَعِيدٍ قال سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "لا يَخْرُجْ الرّجُلاَنِ يَضْرِبَانِ الْغَائِطَ كاَشِفَيْنِ عَنْ عَوْرَتِهِمَا يَتَحَدّثَانِ، فإِنّ الله عَزّوَجَلّ يَمْقُتُ عَلى ذَلِكَ" قال أبُو دَاوُدَ: هَذَا لَمْ يَسْنِدْهُ إِلاّ عِكْرِمَةُ بنُ عَمّارٍ.
__________
"باب كراهية الكلام عند الخلاء"
"عكرمة بن عمار": العجلي: أحد الأئمة وثقه ابن معين والعجلي، وتكلم البخاري وأحمد والنسائي في روايته عن يحيى بن أبي كثير، وأحمد في إياس ابن سلمة.
"لا يخرج الرجلان": ذكر الرجلين في الحديث خرج مخرج الغالب وإلا فالمرأتان والمرأة والرجل أقبح من ذلك "يضربان الغائط": يقال ضربت الأرض إذا أتينا بخلاء، وضربت في الأرض إذا سافرت، يقال ويضرب الغائط إذا ذهب لقضاء الحاجة. والمراد ههنا يقضيان الغائط "كاشفين ": منصوب على الحال "يمقت": المقت البغض، ورواه ابن حبان في صحيحه بلفظ "لا يقعد الرجلان على الغائط يتحدثان، يرى كل منهما عورة صاحبه، فإن الله يمقت على ذلك" وسياق اللفظ يدل على أن المقت على المجموع لا على مجرد الكلام "لم يسنده إلا عكرمة بن عمار": وعكرمة عن يحيى متكلم فيه ومع هذا فهو متفرد فلا يصلح إسناده، وفي بعض النسخ بعد قوله إلا عكرمة هذه العبارة: حدثنا أبان حدثنا يحيى بهذا، يعني حديث عكرمة بن عمار. انتهى. قلت: ليست هذه العبارة للمؤلف أصلا، لأن أبا داوود ذكر أنه لم يسنده إلا عكرمة فلم يقف عليه أبو داوود مسنداً من غير رواية عكرمة فأراد ملحق هذه العبارة الاستدراك على أبي داوود بأنه قد أسنده عن يحيى بن أبي كثير أبان ابن يزيد العطار، لكن لم أقف على نسبة هذه العبارة لأحد من الأئمة.
ـــــــ
والنسائي وهو والد محمد بن أبان بن صالح بن عمير الكوفي الذي روى عنه أبو الوليد وأبو داود الطيالسي وحسين الجعفي وغيرهم وجد أبي عبدالرحمن مشكدانه شيخ مسلم وكان حافظا وأما الحديث فإنه انفرد به محمد بن إسحاق وليس هو ممن يحتج به في الأحكام فكيف أن يعارض بحديثه الأحاديث الصحاح أو ينسخ به السنن الثابتة مع أن التأويل في حديثه ممكن والمخرج منه معرض تم كلامه

(1/19)


8 باب في الرجل يرد السلام وهو يبول
-16 حدثنا عُثْمَانُ وَ أَبُو بَكْرٍ ابْنَا أَبِي شَيْبَةَ قالا حدثنا عُمَرُ بنُ سَعْدٍ عن سُفْيَانَ عن الضّحّاكِ بنِ عُثْمانَ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ قال: مَرّ رَجُلٌ عَلَى النّبِيّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَبُولُ فَسَلّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدّ عَلَيْهِ. قال أبُو دَاوُدَ: وَرُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ وَغَيْرِه أَنّ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم تَيَمّمَ ثمّ رَدّ عَلَى الرّجُلِ السّلاَمَ.
-17 حدثنا مُحمّدُ بنُ المُثَنّى حدثنا عَبْدُالأعْلَى حدثنا سَعِيدٌ عن قَتَادَةَ عن الحَسَنِ عن حُضَيْنِ بنُ المُنْذِرِ أَبي سَاسَانَ عن المُهَاجِرِ بنِ قنْفُذٍ أَنّهُ أَتَى النّبِيّ صلى الله عليه وسلم وهُوَ يَبُولُ فَسَلّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدّ عَلَيْهِ حَتّى تَوَضّأَ، ثمّ اعْتَذَرَ إلَيْهِ فَقَالَ: "إِنّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ الله تَعَالَى ذِكْرُهُ إِلاّ عَلَى طُهْرٍ أَوْ قال: عَلَى طَهَارَةٍ".
__________
"باب في الرجل.. الخ"
"فلم يرد عليه": الجواب. وفي هذا دلالة على أن المسلّم في هذا الحال لا يستحق جواباً، وهكذا في رواية مسلم وأصحاب السنن من طريق الضحاك عن نافع عن ابن عمر قال "مر رجل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه" وكذا في ابن ماجة من حديث أبي هريرة وجابر بن عبد الله. وأما في رواية محمد بن ثابت العبدي وابن الهاد، كلاهما عن نافع عن ابن عمر التي أخرجه المؤلف في باب التيمم، ففيها أن السلام كان بعد البول. وفي سائر الروايات أن السلام كان حالة البول، ولهذه الروايات ترجيحة "وروى عن ابن عمر وغيره": كأبي الجهم ابن الحارث، ووصل المؤلف هاتين الروايتين في باب التيمم في الحضر.
"أو قال على طهارة": هذا شك من المهاجر أو ممن دونه، وفيه دلالة على أنه ينبغي لمن سلم عليه في تلك الحال أن يدع الرد حتى يتوضأ أو يتيمم ثم يرد، وهذا إذا لم يخش فوت المسلّم، وأما إذا خشى فوته فالحديث لا يدل على المنع، لأن النبي صلى الله عليه وسلم تمكن من الرد بعد أن توضأ أو تيمم على اختلاف الروايتين، فيمكن أن يكون تركه لذلك طلباً للأشراف وهو الرد حال الطهارة.
ـــــــ
وهو لو صح حكاية فعل لا عموم لها ولا يعلم هل كان في فضاء أو بنيان وهل كان لعذر من ضيق مكان ونحوه أو اختيارا فكيف يقدم على النصوص الصحيحة الصريحة بالمنع فإن قيل فهب أن هذا الحديث معلول فما يقولون في حديث عراك عن عائشة ذكر عند

(1/20)


9 باب في الرجل يذكر الله تعالى على غير طهر
18 - حدثنا مُحمّدُ بنُ الْعَلاَءِ حدثنا ابنُ أَبِي زَائِدَةَ عن أَبِيهِ عن خَالِدِ بنِ سَلَمَةَ يَعْنِي الْفَأْفَاءَ عن الْبَهِيّ عن عُرْوَةَ عن عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَذْكُرُ الله عَزّوَجَلّ عَلَى كُلّ أَحْيَانِهِ.
__________
"باب في الرجل.. الخ"
"الفأفاء": لقب خالد يعرف به "عن البهي": بفتح الباء الموحدة وكسر الهاء ثم التحتانية المشددة هو لقب واسمه عبد الله بن بشار "على كل أحيانه": وأخرج الترمذي من حديث عليّ "كان يقرأ القرآن على كل حال ما لم يكن جنباً" فيه دلالة على أنه إذا كان الحديث الأصغر لا يمنعه عن قراءة القرآن وهو أفضل الذكر كان جواز ما عداه من الأذكار بالطريق الأولى، وكذلك حديث عائشة "كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه" مشعر بوقوع الذكر منه حال الحدث الأصغر، لأنه من جملة الأحيان المذكورة. والجمع بين هذا الباب والباب الذي قبله باستحباب الطهارة لذكر الله تعالى والرخصة في تركها. والحديث أخرجه مسلم والترمذي وابن ماجه
ـــــــ
رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ناسا يكرهون أن يستقبلوا بفروجهم القبلة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قد فعلوها استقبلوا بمقعدتي القبلة ".

(1/21)


باب الخاتم يكون فيه ذكر الله تعالى يدخل به الخلاء
...
10 باب الخاتم يكون فيه ذكر الله تعالىيدخل به الخلاء
19 - حدثنا نَصْرُ بنُ عَلِيّ عن أَبِي عَلِيّ الحَنَفِيّ عن هَمّامٍ عن ابنِ جُرَيْجٍ عن الزّهْرِيّ عن أَنَسٍ كَانَ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم إِذَا دَخَلَ الْخَلاَءَ وَضَعَ خاتَمَهُ.
قال أبُو دَاوُدَ: هذا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ وَأَنّمَا يُعْرَفُ عن ابنِ جُرَيْجٍ عن زِيادِ بنِ سَعْدٍ عن الزّهْرِيّ عن أَنَسٍ قال: "إِنّ النّبِيّ
ـــــــ
"باب الخاتم.. الخ"
هذا حديث": أي حديث همام عن ابن جريج "منكر": المنكر ما رواه الضعيف مخالفاً للثقة "وإنما يعرف": بالبناء للمجهول هذا الحديث "عن ابن جريج عن زياد بن سعيد عن الزهري عن أنس": وهذا الحديث هو المعروف، والمعروف مقابل المنكر، لأنه إن وقعت مخالفة الحديث القوي

(1/21)


............................
__________
"مع إلضعيف، فالراجح يقال له المعروف ومقابله يقال له المنكر. قلت: والتمثيل به للمنكر إنما هو مذهب ابن الصلاح من عدم الفرق بين المنكر والشاذ. وقال السخاوي في فتح المغيث وكذا قال النسائي إنه غير محفوظ. انتهى. وهمام ثقة احتج به أهل الصحيح ولكنه خالف الناس، ولم يوافق أبو داوود على الحكم عليه بالنسكارة، فقد قال موسى بن هارون: لا أدفع أن يكونا حديثين، ومال إليه ابن حبان فصححهما معاً، ويشهد له أن ابن سعد أخرج بهذا السند أن أنساً نقش في خاتمه محمد رسول الله. قال: فكان إذا أراد الخلاء وضعه لاسيما، وهمام لم ينفرد به بل تابعه عليه يحيى بن المتوكل عن ابن جريج، وصححه الحاكم على شرط الشيخين ولكنه متعقب فإنهما لم يخرجا لكل منهما على انفراده. وقول الترمذي إنه حسن صحيح غريب فيه نظر، وبالجملة فقد قال شيخنا إنه علة له عندي إلا تدليس ابن جريج فإن وجد عنه التصريح بالسماع فلا مانع من الحكم بصحته في نقدي. انتهى.
وقد روى ابن عدي حدثنا محمد بن سعد الحراني حدثنا عبد الله بن محمد بن عيشون حدثنا أبو قتادة عن ابن جريج عن ابن عقيل يعني عبد الله بن محمد بن عقيل عن عبد الله بن جعفر قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يلبس خاتمه في يمينه. وقال:كان ينزع خاتمه إذا أراد الجنابة، ولكن أبو قتادة وهو عبد الله بن واقد الحراني مع كونه صدوقاً كان يخطىء، ولذا أطلق غير واحد تضعيفه، وقال البخاري منكر الحديث تركوه، بل قال أحمد أظنه كان يدلس، وأورده شيخنا في المدلسين. وقال إنه متفق على ضعفه، ووصفه أحمد بالتدليس. انتهى فروايته لا تعلى رواية همام. انتهى. قال السيوطي: في مرقاة الصعود: أخرجه البيهقي من طريق يحيى بن المتوكل البصري عن ابن جريج عن الزهري عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبس خاتماً نقشه محمد رسول الله، فكان إذا دخل الخلاء وضعه. وقال وهذا شاهد ضعيف.
ـــــــ
فالجواب أن هذا الحديث لا يصح وإنما هو مرقوف على عائشة حكاه الترمذي في كتاب العلل عن البخاري وقال بعض الحفاظ هذا حديث لا يصح وله علة لا يدركها إلا المعتنون بالصناعة المعانون عليها وذلك أن خالد بن أبي الصلت لم يحفظ متنه ولا أقام إسناده خالفه فيه الثقة الثبت صاحب عراك بن مالك المختص به الضابط لحديثه جعفر بن ربيعة الفقيه فرواه عن عراك عن عروة عن عائشة أنها كانت تنكر ذلك فبين أن الحديث لعراك عن عروة ولم يرفعه ولا يجاوز به عائشة وجعفر بن ربيعة هو الحجة في عراك بن مالك مع صحة الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وشهرتها بخلاف ذلك وقال عبدالرحمن بن أبي حاتم في كتاب المراسيل عن الأثرم قال سمعت أبا عبد الله وذكر حديث خالد بن أبي الصلت عن عراك بن مالك عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث فقال مرسل فقلت له

(1/22)


صلى الله عليه وسلم اتّخَذَ خَاتَماً مِنْ وَرَقٍ ثُمّ أَلْقَاهُ". وَالْوَهْمُ فِيهِ مِنْ هَمّامٍ وَلَمْ يَرْوِهِ إِلاّ هَمّامٌ.
__________
قال الحافظ بن حجر: وقد توزع أبو داوود في حكمه على هذا الحديث بالنكارة مع أن رجاله رجال الصحيح. والجواب أنه حكم بذلك لأن هماماً انفرد به عن ابن جريج، وهمام وإن كان من رجال الصحيح فإن الشيخين لم يخرجا من رواية همام عن ابن جريج شيئاً لأنه لما أخذ عنه كان بالبصرة، والذين سمعوا من ابن جريج بالبصرة في حديثهم خلل من قبله، والخلل في هذا الحديث من قبل ابن جريج دَلّسه عن الزهري بإسقاط الواسطة وهو زياد بن سعد، ووهم همام في لفظه على ما جزم به أبو داوود وغيره، وهذا وجه حكمه عليه بكونه منكراً قال:وحكم النسائي عليه بكونه غير محفوظ أصوب فإنه شاذ في الحقيقة إذ المنفرد به من شرط الصحيح لكنه بالمخالفة صار حديثه شاذ. قال:وأما متابعة يحيى بن المتوكل له عن ابن جريج فقد تفيد لكن يحيى بن معين قال فيه لا أعرفه أي إنه مجهول العدالة، وذكره ابن حبان في الثقاة. وقال:كان يخطىء. قال على أن للنظر مجالاً في تصحيح حديث همام لأنه مبني على أن أصله حديث الزهري عن أنس في اتخاذ الخاتم، ولا مانع أن يكون هذا متناً آخر غير ذلك المتن، وقد مال إلى ذلك ابن حبان فصححهما جميعاً ولا علة له عندي إلا تدليس ابن جريج، فإن وجد عنه التصريح بالسماع فلا مانع من الحكم بصحته. انتهى كلام الحافظ في نكته على ابن الصلاح. انتهى.
"إن النبي صلى الله عليه وسلم إتخذ خاتماً من ورق": هذا الحديث أخرجه المؤلف في باب ما جاء في ترك الخاتم من كتاب الخاتم ولفظه حدثنا محمد بن سليمان عن إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن أنس أنه رأى في يد النبي صلى الله عليه وسلم خاتماً من ورق يوماً واحداً فصنع الناس فلبسوا وطرح النبي صلى الله عليه وسلم فطرح الناس قال أبو داوود رواه الزهري وزياد بن سعد وشعيب وابن مسافر كلهم قال من ورق "والوهم فيه": أي في هذا الحديث في إتيان هذه الجملة "إذا دخل الخلاء وضع خاتمه" "من همام ولم يروه": حديث أنس بهذه الجملة "إلا همام": وقد خالف همام جميع الرواة عن ابن جريج لأنه روى عبد الله بن الحارث المخزومي وأبو عاصم وهشام بن سليمان وموسى بن طارق كلهم عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن الزهري عن أنس أنه رأى في يد النبي صلى الله عليه وسلم خاتماً من ذهب، فأضطرب الناس الخواتيم فرمى به النبي صلى الله عليه وسلم وقال لا ألبسه أبداً وهذا هو المحفوظ، والصحيح عن ابن جريج. قاله الدارقطني في كتاب العلل.
__________
عراك بن مالك قال سمعت عائشة فأنكره وقال عراك بن مالك من أين سمع عائشة ما له ولعائشة إنما يرويه عن عروة هذا خطأ قال لي من روى هذا قلت حماد بن سلمة عن خالد الحذاء قال رواه غير واحد عن خالد الحذاء وليس فيه سمعت وقال غير واحد أيضا عن حماد بن سلمة ليس فيه سمعت

(1/23)


11- باب الاستبراء من البول
20 - حدثنا زُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ وَ هَنّادُ بنُ السّرِيّ قالا حدثنا وَكِيعٌ حدثنا الأعمَشُ قال سَمِعْتُ مُجَاهِداً يُحَدّثُ عن طَاوُسٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: مَرّ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ: "إنّهُما يُعَذّبَانِ وَمَا يُعَذّبَانِ في كَبِيرٍ أَمّا هَذَا فَكَانَ لا يسْتنْزِهُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمّا هَذَا
__________
"باب الاستبراء من البول"
وهو أن يستفرغ بقية البول وينقي موضعه ومجراه حتى يبرءهما، يقال: استبرأت من البول، أي تنزهت عنه ."وما يعذبان في كبير": وفي رواية البخاري ثم قال بلى، أي وإنه لكبير، وهكذا في الأدب المفرد من طريق عبد بن حميد عن منصور فقال: وما يعذبان في كبير وإنه لكبير، وهذا من زيادات رواية منصور على الأعمش ولم يخرجهما مسلم. قال الخطابي: معناه أنهما لم يعذبا في أمر كان يكبر عليهما أو شق فعله لو أراد أن يفعلاه وهو التنزه من البول وترك النميمة ولم يرد أن المعصية في هاتين الحالتين ليست بكبير، وأن الذنب فيهما هين سهل "أما هذا فكان لا يستنزه من البول":
ـــــــ
فإن قيل قد روى مسلم في صحيحه حديثا عن عراك عن عائشة قيل الجواب أن أحمد وغيره خالفه في ذلك وبينوا أنه لم يسمع منها
وقال في آخره باب التكشف عند الحاجة
بعد قول الحافظ زكي الدين "والذي قاله الترمذي هو المشهور"
وقال حنبل ذكرت لأبي عبد الله يعني أحمد حديث الأعمش عن أنس فقال لم يسمع الأعمش من أنس ولكن رآه زعموا أن غياثا حدث الأعمش بهذا عن أنس ذكره الخلال في العلل وقال الخلال أيضا حدثنا مهنا قال سألت أحمد لم كرهت مراسيل الأعمش قال كان لا يبالي عمن حدث قلت كان له رجل ضعيف سوى يزيد الرقاشي وإسماعيل بن مسلم قال نعم كان يحدث عن غياث بن إبراهيم عن
أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد الحاجة أبعد سألته عن غياث بن إبراهيم فقال كان كذوبا وقال في آخر باب الخاتم يكون فيه ذكر الله يدخل به الخلاء بعد قول الحافظ زكي الدين وإنما يكون غريبا كما قال الترمذي والله عز وجل أعلم قلت هذا الحديث رواه همام وهو ثقة عن ابن جريج عن الزهري عن أنس
قال الدارقطني في كتاب العلل رواه سعيد بن عامر وهدبة بن خالد عن همام عن ابن جريج عن الزهري عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم وخالفهم عمرو ابن عاصم فرواه عن همام عن ابن جريج عن الزهري عن

(1/24)


فَكَانَ يَمْشِي بِالنّمِيمَةِ، ثُمّ دَعَا بِعَسِيبٍ رَطْبٍ فَشَقّهُ باثْنَيْنِ، ثُمّ غَرَسَ عَلَى هَذَا وَاحِداً وَعَلَى هَذَا وَاحِداً وقال: لَعَلّهُ يُخَفّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا" قال هَنّادٌ: يَسْتَتِرُ مكانَ يَسْتَنْزِهُ.
__________
قال الخطابي: فيه دلالة على أن الأبوال كلها نجسة منجسة من مأكول اللحم وغير مأكوله، لورود اللفظ به مطلقاً على سبيل العموم والشمول. انتهى: قلت: حمله على العموم في بول جميع الحيوان فيه نظر، لأن ابن بطال قال في شرح البخاري: أراد البخاري أن المراد بقوله في رواية الباب كان لا يستنزه من البول بول الإنسان لا بول سائر الحيوان، فلا يكون فيه حجة لمن حمله على العموم في بول جميع الحيوان. قال الحافظ بن حجر: وكأنه أراد ابن بطال رداً على الخطابي. ومحصل الرد أن العموم في رواية من البول أريد به الخصوص لقوله من بوله والألف واللام بدل من الضمير، لكن يلتحق ببوله بول من هو في معناه من الناس لعدم الفارق. قال: وكذا غير المأكول، وأما المأكول فلا حجة في هذا الحديث لمن قال بنجاسة بوله ولمن قال بطهارته حجج أخرى. وقال القرطبي: قوله من البول اسم مفرد لا يقضي العموم ولو سلم، فهو مخصوص بالأدلة المقضية بطهارة بول ما يؤكل. انتهى. "يمشي بالنميمة": هي نقل الكلام على جهة الفساد والشر "بعسيب رطب": بفتح العين وكسر السين المهملتين، وهو الجريد والغصن من النخل، يقال له العثكال "فشقه": أي العسيب "باثنين": هذه الباء زائدة، واثنين منصوب على الحال "لعله": الهاء ضمير الشأن "يخفف": العذاب "عنهما ما لم ييبسا": العودان. قال الخطابي: هو محمول على أنه دعا لهما بالتخفيف مدة بقاء النداوة لا أن في الجريدة معنى يخصه ولا أن في الرطب معنى ليس في اليابس. انتهى. قلت: ويؤيده ما ذكره مسلم في آخر الكتاب في الحديث الطويل حديث جابر في صاحبي القبرين فأجيبت شفاعتي أن يرفع ذلك عنهما ما دام العودان رطبين،
ـــــــ
أنس أنه كان إذا دخل الخلاء موقوفا ولم يتابع عليه ورواه يحيى بن المتوكل ويحيى بن الضريس عن ابن جريج عن الزهري عن أنس نحو قول سعيد بن عامر ومن تابعه عن همام ورواه عبد الله بن الحرث المخزومي وأبو عاصم وهشام بن سليمان وموسى بن طارق عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن الزهري عن أنس أنه رأى في يد النبي صلى الله عليه وسلم خاتما من ذهب فاضطرب الناس الخواتيم فرمى به النبي صلى الله عليه وسلم وقال لا ألبسه أبدا وهذا هو المحفوظ والصحيح عن ابن جريج انتهى كلام الدارقطني وحديث يحيى بن المتوكل الذي أشار إليه رواه البيهقي من حديث يحيى بن المتوكل عن ابن جريج به ثم قال هذا شاهد ضعيف وإنما ضعفه لأن يحيى هذا قال فيه الإمام أحمد واهي الحديث وقال ابن معين ليس بشيء وضعفه الجماعة كلهم وأما حديث يحيى بن الضريس فيحيى هذا ثقة فينظر الإسناد إليه وهمام وإن

(1/25)


21- حدثنا عُثْمَانُ بنُ أَبي شيْبَةَ حدثنا جَرِيرٌ عن مَنْصُورٍ عن مُجَاهِدٍ عن ابنِ عَبّاسٍ عن النّبِيّ صلى الله عليه وسلم بِمَعْنَاهُ قال: "كَانَ لاَ يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ" وقال أَبُو مُعَاوِيَةَ يَسْتَنْزِهُ".
__________
والله أعلم."يستتر مكان يستنزه":
مكسورة، وفي رواية ابن عساكر يستبرىء بموحدة ساكنة من الاستبراء فعلى رواية الأكثر معنى
ـــــــ
كان ثقة صدوقا احتج به الشيخان في الصحيح فإن يحيى بن سعيد كان لا يحدث عنه ولا يرضى حفظه قال أحمد ما رأيت يحيى أسوأ رأيا منه في حجاج يعني ابن أرطاة وابن إسحاق وهمام لا يستطيع أحد أن يراجعه فيهم وقال يزيد ين زريع وسئل عن همام كتابه صالح وحفظه لا يساوي شيئا وقال عفان كان همام لا يكاد يرجع إلى كتابه ولا ينظر فيه وكان يخالف فلا يرجع إلى كتاب وكان يكره ذلك قال ثم رجع بعد فنظر في كتبه فقال يا عفان كنا نخطىء كثيرا فنستغفر الله عز وجل ولا ريب أنه ثقة صدوق ولكنه قد خولف في هذا الحديث فلعله مما حدث به من حفظه فغلط فيه كما قال أبو داود والنسائي والدارقطني وكذلك ذكر البيهقي أن المشهور عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن الزهري عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أتخذ خاتما من ورق ثم ألقاه وعلى هذا فالحديث شاذ أو منكر كما قال أبو داود وغريب كما قال الترمذي فإن قيل فغاية ما ذكر في تعليله تفرد همام به وجواب هذا من وجهين أحدهما أن هماما لم ينفرد به كما تقدم الثاني أن هماما ثقة وتفرد الثقة لا يوجب نكارة الحديث فقد تفرد عبد الله بن دينار بحديث النهي عن بيع الولاء وهبته وتفرد مالك بحديث دخول النبي صلى الله عليه وسلم مكة وعلى رأسه المغفر فهذا غايته أن يكون غريبا كما قال الترمذي وأما أن يكون منكرا أو شاذا فلا قيل التفرد نوعان تفرد لم يخالف فيه من تفرد به كتفرد مالك وعبد الله بن دينار بهذين الحديثين وأشباه ذلك وتفرد خولف فيه المتفرد كتفرد همام بهذا المتن على هذا الإسناد فإن الناس خالفوه فيه وقالوا إن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما من ورق الحديث فهذا هو المعروف عن ابن جريج عن الزهري فلو لم يرو هذا عن ابن جريج وتفرد همام بحديثه لكان نظير حديث عبد الله بن دينار ونحوه فينبغي مراعاة هذا الفرق وعدم إهماله وأما متابعة يحيى بن المتوكل فضعيفة وحديث ابن الضريس ينظر في حاله ومن أخرجه فإن قيل هذا الحديث كان عند الزهري على وجوه كثيرة كلها قد رويت عنه في قصة الخاتم فروى شعيب بن أبي حمزة وعبدالرحمن بن خلاد بن مسافر عن الزهري كرواية زياد بن سعد هذه أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما من ورق ورواه يونس بن يزيد عن الزهري عن أنس كان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم من ورق فصه حبشي ورواه سليمان بن بلال وطلحة بن يحيى ويحيى بن نصر بن حاجب عن يونس عن

(1/26)


22 - حدثنا مُسَدّدٌ حدثنا عَبْدُالوَاحِدِ بنُ زِيادٍ حدثنا الأعمَشُ عن زَيْدٍ بنِ وَهْبٍ عن
عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ حَسَنَةَ قال: انْطَلَقْتُ أَنَا وَعَمْرُو بنُ الْعَاصِ إلَى النّبِيّ صلى الله عليه وسلم فَخَرجَ وَمَعَهُ دَرَقَةٌ ثُمّ اسْتَتَرَ بِهَا ثُمّ بالَ، فَقُلْنَا: انْظُرُوا إِلَيْهِ يَبُولُ كما تَبُولُ المَرْأَةُ، فَسَمِعَ ذَلِكَ فَقَالَ: "أَلَمْ تَعْلَمُوا مَا لَقِيَ صَاحِبُ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ كانُوا إذَا أَصَابَهُمْ الْبَوْلُ قَطَعُوا مَا أَصَابَهُ الْبَوْلُ مِنْهُمْ فَنَهَاهُمْ فَعُذّبَ في قَبْرِهِ". قال أَبُوا دَاوُدَ: قال مَنْصُورٌ عن أبي وائِلٍ عن أَبي
__________
الاستتار أنه لا يجعل بينه وبين بوله سترة، يعني لا يتحفظ منه فتوافق رواية لا يستنزه لأنها من التنزه وهو الإبعاد. ووقع عند أبي نعيم عن الأعمش كان لا يتوقى وهي مفسرة للمراد، وأجراه بعضهم على ظاهره فقال معناه لا يستتر عورته. قلت: لو حمل الاستتار على حقيقته للزم أن مجرد كشف العورة كان سبب العذاب المذكور. وسياق الحديث يدل على أن للبول بالنسبة إلى عذاب القبر خصوصية، ويؤيده ما أخرجه ابن خزيمة من حديث أبي هريرة مرفوعاً "أكثر عذاب القبر من البول" أي بسبب ترك التحرز منه وعند أحمد وابن ماجه من حديث أبي بكرة "أما أحدهما فيعذب في البول" ومثله للطبراني عن أنس.
"درقة": بفتحتين: الترس من جلود ليس فيه خشب ولا عصب "انظروا إليه": تعجب وإنكار، وهذا لا يقع من الصحابي، فلعله كان قليل العلم "ذلك": الكلام "فقال": النبي صلى الله عليه وسلم " ما لقي ": ما موصولة والمراد به العذاب " صاحب بني إسرائيل ": بالرفع ويجوز نصبه، أي واحد منهم بسبب ترك التنزه من البول حال البول "كانوا": أي بنو إسرائيل "إذا أصابهم البول": من عدم المراعاة واهتمام التنزه " قطعوا ما ": أي الثوب الذي " منهم ": أي من بني إسرائيل وكان هذا القطع مأموراً به في دينهم "فنهاهم": أي نهى الرجلُ المذكورُ سائر بني إسرائيل " فعُذّب ":
ـــــــ
الزهري وقالوا إن النبي صلى الله عليه وسلم لبس خاتما من فضة في يمينه فيه حبشي جعله في باطن كفه ورواه إبراهيم بن سعد عن الزهري بلفظ آخر قريب من هذا ورواه همام عن ابن جريج عن الزهري كما ذكره الترمذي وصححه وإذا كانت هذه الروايات كلها عند الزهري فالظاهر أنه حدث بها في أوقات فما الموجب لتغليط همام وحده قيل هذه الروايات كلها تدل على غلط همام فإنها مجمعة على أن الحديث إنما هو في اتخاذ الخاتم ولبسه وليس في شيء منها نزعه إذا دخل الخلاء فهذا هو الذي حكم لأجله هؤلاء الحفاظ بنكارة الحديث وشذوذه والمصحح له لما لم يمكنه دفع هذه العلة حكم بغرابته لأجلها فلو لم يكن مخالفا لرواية من ذكر فما وجه غرابته ولعل الترمذي موافق للجماعة فإنه صححه من جهة السند لثقة الرواة واستغربه لهذه العلة وهي التي منعت أبا داود من تصحيح متنه فلا يكون بينهما اختلاف بل هو صحيح السند لكنه معلول والله أعلم

(1/27)


مُوسَى في هَذَا الْحَدِيثِ قال: جِلْدَ أحَدِهِمْ، وقال عَاصِمٌ عن أبي وَائِلٍ عن أَبي مُوسَى عن النّبِيّ صلى الله عليه وسلم قال: جَسَدَ أَحَدِهِمْ .
__________
بالبناء للمجهول، أي الرجل المذكور بسبب هذه المخالفة وعصيان حكم شرعه وهو ترك القطع، فحذرهم النبي صلى الله عليه وسلم من إنكار الاحتراز من البول لئلا يصيب ما أصاب الإسرائيلي بنهيه عن الواجب، وشبه نهى هذا الرجل عن العروف عند المسلمين بنهي صاحب بني إسرائيل عن معروف دينهم، وقصده فيه توبيخه وتهديده وأنه من أصحاب النار، فلما عير بالحياء وفعل النساء وَبّخَه وأنه ينكر ما هو معروف بين الناس من الأمم السابقة واللاحقة "قال أبو داوود": أي المؤلف "قال منصور": بن المعتمر "عن أبي وائل": شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي أحد سادة التابعين. قال ابن معين: ثقة لا يُسئل عن مثله "عن أبي موسى": الأشعري واسمه عبد الله بن قيس بن سليم صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم "قال جلد أحدهم": القائل هو أبو موسى. والحديث وصله مسلم. قال الحافظ في فتح الباري: وقع في مسلم جلد أحدهم. قال القرطبي: مراده بالجلد واحد الجلود التي كانوا يلبسونها. وحمله بعضهم على ظاهره وزعم أنه من الإصر الذي حملوه. ويؤيده رواية أبي داوود، ففيها كان إذا أصاب جسد أحدهم، لكن رواية البخاري صريحة في الثياب، فلعل بعضهم رواه بالمعنى "وقال عاصم": بن بهدلة أبو بكر الكوفي أحد القراء السبعة، وثقه أحمد والعجلي وأبو زرعة ويعقوب بن سفيان، قال الدارقطني: في حفظه شيء، مات سنة تسع وعشرين ومائة

(1/28)


12 باب البول قائما
- 23 حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ وَ مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ قالا حدثنا شُعْبَةُ ح. وحدثنا
ـــــــ
"باب البول قائما"
أي ما حكمه "حفص بن عمر": بن الحارث أبو عمر الحوضي البصري عن شعبة وهمام وطائفة، وعنه البخاري وأبو داوود ومحمد بن عبدالرحيم وإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، قال أحمد: ثقة ثبت متقن "ومسلم بن إبراهيم": الأزدي البصري عن مالك بن مغول وشعبة وخلق، قال الترمذي: سمعت مسلم بن إبراهيم يقول كتبت عن ثمانمائة شيخ، روى عنه البخاري وأبو داوود ويحيى بن معين ومحمد بن نمير وخلق، قال ابن معين: ثقة مأمون، وقال العجلي وأبو حاتم ثقة، زاد أبو حاتم: صدوق "شعبة": بن الحجاج بن الورد "مسدد": بن مسرهد"أبو عوانة": الوضاح بن عبد الله الواسطي أحد الأئمة، قال الحافظ: هو أحد المشاهير وثقه الجماهير، قال أبو حاتم: كان يغلط كثيراً إذا حدث من حفظه، وكذا قال أحمد، وقال ابن المديني: في أحاديثه عن

(1/28)


مُسَدّدٌ حدثنا أبُو عَوانَةَ وهَذا لَفْظُ حَفْصٍ عن سُلَيْمانَ عن أَبي وَائِلٍ عن حُذَيْفَةَ قال: أَتَى رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِماً ثُمّ دَعَا بِمَاءٍ فَمَسَحَ عَلَى خُفّيْهِ. قال أَبُو دَاودَ: قال مُسَدّدٌ قال: فَذَهَبْت أتَبَاعَدُ، فَدَعَانِي حَتّى كُنْتُ عِنْدَ عَقَبِهِ".
__________
قتادة لين لأن كتابه كان قد ذهب. قلت: اعتمده الأئمة كلهم "وهذا لفظ حفص": أي اللفظ المذكور فيما بعد هو لفظ حفص بن عمر لا لفظ مسلم بن إبراهيم "عن سليمان": بن مهران الأعمش أي يروي شعبة وأبو عوانة كلاهما عن سليمان "أبي وائل": شقيق بن سلمة "حذيفة": بن اليمان أبي عبد الله الكوفي صحابي جليل من السابقين "سباطة قوم": بضم السين المهملة وبعدها موحدة، هي المزبلة والكناسة تكون بفناء الدور مرفقاً لأهلها، وتكون في الغالب سهلة لا يرتد فيها البول على البائل "فبال": رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكناسة "قائماً": للجواز أو لأنه لم يجد للقعود مكاناً فاضطر للقيام. قال الحافظ: قيل السبب في ذلك ما روى عن الشافعي وأحمد أن العرب كانت تستشفي لوجع الصلب بذلك، فلعله كان به. وروى الحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة قال: "إنما بال رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً لجرح كان في مأبضه" والمأبض بهمزه ساكنة بعدها موحدة ثم معجمة: باطن الركبة، فكأنه لم يتمكن لأجله من القعود. ولو صح هذا الحديث لكان فيه غنى عن جميع ما تقدم، لكن ضعفه الدارقطني والبيهقي، والأظهر أنه فعل ذلك لبيان الجواز، وكان أكثر أحواله البول عن قعود. وسلك أبو عوانة في صحيحه وابن شاهين فيه مسلكاً آخر فزعما أن البول عن قيام منسوخ، واستدلا عليه بحديث عائشة الذي قدمناه "ما بال قائماً منذ أنزل عليه القرآن" وبحديثها أيضاً "من حدثكم أنه كان يبول قائماً فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعداً" والصواب أنه غير منسوخ. والجواب عن حديث عائشة أنه مستند إلى علمها فيحمل على ما وقع منه في البيوت، وأما في غير البيوت فلم تطلع هي عليه، وقد حفظه حذيفة وهو من كبار الصحابة، وقد بينّا أن ذلك كان بالمدينة، فتضمن الرد على ما نفَتْه من أن ذلك لم يقع بعد نزول القرآن. وقد ثبت عن عمر وعليّ وزيد بن ثابت وغيرهم أنهم بالوا قياماً، وهو دال على الجواز من غير كراهة إذا أَمِنَ الرشاش. والله أعلم. ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عنه شيء. انتهى "فمسح على خفيه": أي فتوضأ ومسح على خفيه مقام غسل الرجلين "قال": حذيفة "فدعاني": فقال يا حذيفة استرني كما عند الطبراني من حديث عصمة بن مالك "حتى كنت عند عقبة": صلى الله عليه وسلم، وعقب بالإفراد، وفي بعض الروايات عقبيه. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه

(1/29)


باب الرجل يبول بالليل في الإناء ثم يضعه عنده
...
13 باب في الرجل يبول بالليل في الإناء ثم يضعه عنده
24- حدثنا مُحمّدُ بنُ عِيسَى حدثنا حَجّاجٌ عن ابنِ جُرَيْجٍ عن حُكَيْمَةَ بِنْتِ أُمَيْمَةَ ابْنَةِ رُقَيْقَةَ عن أُمّهَا أَنّهَا قالَتْ: كَانَ لِلنّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَدَحٌ مِنْ عِيدَانٍ تَحْتَ سَرِيرِهِ يَبُولُ فِيهِ بِاللّيْلِ.
__________
"باب في الرجل.. الخ"
عن حكيمة بنت أميمة ابنة رقيقة: كلهن مصغرة "قدح": بفتحتين آنية من خشب والجمع أقداح "من عيدان": بفتح العين المهملة وسكون الياء المثناة التحتية: النخلة الطوال المتجردة من السعف من أعلاه إلى أسفله جمع عيدانة. وحديث الباب وإن كان فيه مقال لكنه يؤيده حديث عائشة الذي أخرجه النسائي، وحديث الأسود الذي أخرجه الشيخان، وفيهما "أنه لقد دعي بالطست ليبول فيها" الحديث، لكن وقع هذا في حال المرض. قال المنذري: وأخرجه النسائي

(1/30)


14 باب المواضع التي نُهي عن البول فيها
25 - حدثنا قُتَيْبةُ بنُ سَعِيدٍ حدثنا إسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ عن العَلاَءِ بنِ عَبْدِالرّحْمَنِ عن أَبِيهِ عن أَبِي هُرَيْرَة أَنّ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم قال: "اتّقُوا الّلاعِنَيْنِ . قالُوا: وَما الّلاعِنَانِ ياَرَسُولَ الله؟ قال: الّذي يَتَخَلّى في طَرِيقِ النّاسِ أوْ ظِلّهِمْ".
__________
"باب المواضع.. الخ"
" اتقوا اللاعنين ": قال الحافظ الخطابي: يريد الأمرين الجالبين للّعن الحاملين للناس عليه والداعيَيْن إليه، وذلك أن من فعلهما لعن وشتم، يعني عادة الناس لعنه فلما صارا سبباً لذلك أضيف إليهما الفعل فكانا كأنهما اللاعنان، يعني أسند اللعن إليهما على طريق المجاز العقلي، وقد يكون اللاعن أيضاً بمعنى الملعون فاعل بمعنى مفعول كما قالوا مرّ كاتم أي مكتوم. انتهى. فعلى هذا يكون التقدير اتقوا الأمرين الملعون فاعلهما " الذي يتخلى في طريق الناس": أي يتغوط أو يبول في موضع يمر به الناس. قال في التوسط شرح سنن أبي داوود: المراد بالتخلي التفرد لقضاء الحاجة غائطاً أو بولا، فإن التنجس والاستقذار موجود فيهما. فلا يصح تفسير النووي بالتغوط، ولو سلم فالبول يلحق به قياساً. والمراد بالطريق الطريق المسلوك لا المهجور الذي لا يسلك إلا نادراً " أو ظلهم ": أي مستظل الناس الذي اتخذوه مقيلا ومنزلا ينزلونه ويقعدون فيه، وليس كل ظل يحرم

(1/30)


26- حدثنا إسْحَاقُ بنُ سُوَيْدٍ الرّمْلِيّ وَ عُمَرُ بنُ الخَطّابِ أَبُو حَفْصٍ وَحَدِيثُهُ أَتَمّ، أَنّ سَعِيدَ بنَ الحَكَمِ حَدّثّهُمْ، أخْبَرَنَا نَافِعُ بنُ يَزِيدَ حَدّثني حَيْوَةُ بنُ شُرَيْحٍ أنّ أبَا سَعِيدٍ الحِمْيَرِيّ حدّثَهُ عن مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اتّقُوا المَلاَعِنَ الثّلاَثَة: الْبِرَازَ في المَوَارِدِ وَقَارِعَةِ الطّرِيقِ والظّلّ ".
__________
القعود للحاجة تحته، فقد قعد النبي صلى الله عليه وسلم لحاجته تحت حائش من النخل وللحائش لا محلة ظل. والحديث يدل على تحريم التخلي في طرق الناس ظلهم لما فيه من إيذاء المسلمين بتنجيس من يمر به واستقذاره. قال المنذري: وأخرجه مسلم.
"وحديثه": أي حديث عمر بن الخطاب "أتم": من إسحاق "حدثه": أي حدث أبو سعيد حيوة بن شريح " الملاعن": جمع ملعنة وهي مواضع اللعن " الموارد ": المراد بالموارد المجاري والطرق إلى الماء واحدها مورد، يقال وردت الماء إذا حضرته لتشرب، والورد الماء الذي ترد عليه " وقارعة الطريق ": أي الطريقة التي يقرعها الناس بأرجلهم ونعالهم، أي يدقونها ويمرون عليها، فهذه إضافة الصفة إلى الموصوف، أي الطريقة المقروعة وهي وسط الطريق " والظل ": أي ظل الشجرة وغيرها مما تقدم. واعلم أن المؤلف أورد في هذا الباب حديثين: الأول في النهي عن التخلي في طريق الناس، وقد علمت أن المراد بالتخلي التفرد لقضاء الحاجة غائطاً أو بولا، والثاني في النهي عن البراز، وأنت تعلم أن البراز اسم للفضاء الواسع من الأرض، وكنوا به عن حاجة الإنسان، يقال: تبرز الرجل إذا تغوط، فإنه كان اسماً للغائط لكن يلحق به البول. قلت: إيراد الحديثين لا يخلو عن تكلف، والله أعلم، وعلمه أتم. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه

(1/31)


15 باب في البول في المستحم
27 - حدثنا أحْمَدُ بنُ مُحمّدٍ بنُ حَنْبَلٍ وَ الْحَسَنُ بنُ علِيّ قالا حدثنا عَبْدُالرّزّاقِ
__________
"باب في البول في المستحم"
المستحم الذي يغتسل فيه من الحميم وهو الماء الحار، والمراد المغتسل مطلقاً وفي معناه المتوضأ.
"قال أحمد": بن حنبل في سنده "حدثنا معمر": وفيه إشارة إلى أن الحسن بن علي لم يرو على سبيل التحديث بل بالعنعنة كما رواه عبد الله بن المبارك عن معمر بصيغة العنعنة وهي في رواية الترمذي والنسائي. كذا في غاية المقصود. وقال في منهية غاية المقصود: ويحتمل أن الاختلاف بين

(1/31)


قال أحْمَدُ حدثنا مَعْمَرٌ أخبرني أَشْعَثُ وقال الْحَسَنُ عن أشْعَثَ بنِ عَبْدِالله عن الْحَسَنِ عن عَبْدِالله بنِ مُغَفّلٍ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يَبُولَنّ أَحَدُكُمْ في مُسْتَحَمّهِ ثُمّ يَغْتَسِلُ فِيهِ قال أحمدُ ثُمّ يَتَوَضّأْ فِيهِ، فإِنّ عَامّةَ الْوَسْوَاسِ مِنْهُ "
28 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ حدثنا زُهَيْرٌ عن دَاوُدَ بنِ عَبْدِالله عن حُمَيْدِ الحِمْيَرِيّ وهُوَ ابنُ عَبْدِالرّحْمَنِ قال: لَقِيتُ رَجُلاً صَحِبَ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم كما صَحِبَهُ أبُو هُرَيْرَةَ قال: نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ يَمْتَشِطَ أَحَدُنَا كلّ يَوْمٍ أَوْ يَبُولَ في مُغْتَسَلِهِ.
__________
أحمد بن حنبل والحسن بن علي في صيغة الرواية عن أشعث فقط، أي يقول أحمد حدثنا عبدالرزاق حدثنا معمر أخبرني أشعث عن الحسن، ويقول الحسن بن علي حدثنا عبدالرزاق حدثنا معمر عن أشعث بن عبد الله والله أعلم. انتهى "أخبرني أشعث": بصيغة الإخبار وهي في رواية أحمد "وقال الحسن": بن علي بصيغة العنعنة "عن أشعث بن عبد الله": بن جابر أبي عبد الله البصري " لا يبولن أحدكم في مستحمه ": قال الحافظ ولي الدين العراقي: حمل جماعة من العلماء هذا الحديث على ما إذا كان المغتسل ليناً وليس فيه منفذ بحيث إذا نزل فيه البول شربته الأرض واستقر فيها فإن كان صلباً ببلاط ونحوه بحيث يجري عليه البول ولا يستقر أو كان فيه منفذ كالبلوعة ونحوها فلا نهى. وقال النووي في شرحه: إنما نهى عن الاغتسال فيه إذا كان صلباً يخاف منه إصابة رشاشة، فإن كان لا يخاف ذلك بأن يكون له منفذ أو غير ذلك فلا كراهة. قال الشيخ ولي الدين: وهو عكس ما ذكره الجماعة فإنهم حملوا النهي على الأرض اللينة وحمله هو على الصلبة، وقد لمح هو معنى آخر وهو أنه في الصلبة يخشى عود الرشاش بخلاف الرخوة، وهم نظروا إلى أنه في الرخوة يستقر موضعه وفي الصلبة يجري ولا يستقر، فإذا صب عليه الماء ذهب أثره بالكلية. قلت: الأولى أن لا يقيد المغتسل بلين ولا صلب فإن الوسواس ينشأ منهما جميعاً، فلا يجوز البول في المغتسل مطلقاً "ثم يغتسل فيه": أي في المستحم، وهذا في رواية الحسن "قال أحمد": بن محمد في روايته "ثم يتوضأ فيه": أي في المستحم. قال الطيبي: ثم يغتسل عطف على الفعل المنفي، وثم استبعادية، أي بعيد عن العاقل الجمع بينهما "فإن عامة الوسواس منه ": أي أكثره يحصل منه لأنه يصير الموضع نجساً، فيوسوس قلبه بأنه: هل أصابه من رشاشه. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجة. وقال الترمذي: هذا حديث غريب.
"لقيت رجالاً": ولم يعرف الرجل وهذا لا يضر لأن الصحابة كلهم عدول بتزكية الله "كما صحبه أبو هريرة": وفي رواية النسائي أربع سنين، أي صحب الرجل المذكور أربع سنين "أن يمتشط أحدنا كل يوم": لأن ترفه وتنعم، ولا يعارضه الحديث أنه يكثر دهن رأسه وتسريح لحيته،

(1/32)


__________
والحديث أنه لا يفارقه المشط في سفر ولا حضر لأنهما ضعيفان ولو سلم فلا يلزم من الإكثار أن يمتشط كل يوم وصحبته ليتمشط عند الحاجة لا كل يوم، ولا فرق بين الرأس واللحية. فإن قلت: ورد أنه كان يسرح كل يوم مرتين قلت: لم أره من ذكره إلا الغزالي ولا يخفي ما في الإحياء من أحاديث لا أصل لها. ويحتمل إلحاق النساء بالرجال في هذا الحكم إلا أن الكراهة في حقهن أخف لأن باب التزين في حقهن أوسع كذا في المتوسط شرح سنن أبي داوود. قال المنذري: وأخرجه النسائي

(1/33)


باب النهي عن البول في الحجر
...
16 باب النهي عن البول في الجحر
29 - حدثنا عُبَيْدُالله بنُ عُمَرَ بنِ مَيْسَرَةَ حدثنا مُعَاذُ بنُ هِشامٍ حَدّثَنِي أَبي عن قَتَادَةَ عن عَبْدِالله بنِ سَرْجِسَ أَنّ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم نَهَى أنْ يُبَالَ في الجُحْرِ: قال قالُوا لِقَتَادَةَ: مَا يُكْرَهُ مِنَ الْبَوْلِ في الجُحْرِ؟ قالَ: كان يُقَالُ إنّهَا مَسَاكِنُ الجِنّ.
__________
باب النهي عن البول في الجحر
بتقديم الجيم المعجمة المضمومة وسكون الحاء المهملة: ما يحتفره الهوام والسباع وجمعه أجحار.
"سرجس": بفتح أوله وسكون الراء وكسر الجيم وهو غير متصرف للعجمة والعلمية "في الجحر": أي الثقب لأنه مأوى الهوام المؤذية، فلا يؤمن أن يصيبة مضرة منها "قال": هشام الدستوائي "ما يكره": ما استفهامية أي لم يكره "إنها": أي الجحرة، والجحرة جمع جحر كالأجحار. قال المنذري: وأخرجه النسائي أيضاً

(1/33)


17 باب ما يقول الرجل إذا خرج من الخلاء
30- حدثنا عَمْرُو بنُ مُحمّدٍ النّاقِدُ حدثنا هَاشِمُ بنُ الْقَاسِمِ حدثنا إسْرائِيلُ عن يُوسُفَ بنِ أبي بُرْدَةَ عن أبِيهِ قال حَدّثَتْنِي عائِشَةُ أنّ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم كان إذَا خَرَجَ مِنَ الْغَائِطِ قال: غُفْرَانَكَ .
__________
"باب ما يقول..الخ"
" غُفْرَانَكَ ": قال ابن العربي في عارضة الأحوذي: غفران مصدر كالغفر والمغفرة، ومثله سبحانك، ونصبه بإضمار فعل تقديره ههنا: أطلب غفرانك. وفي طلب المغفرة ههنا محتملان: الأول أنه سأل المغفرة من تركه ذكر الله في ذلك الوقت في تلك الحالة، والثاني وهو أشهر أن النبي

(1/33)


18 باب كراهية مس الذكر باليمين في الاستبراء
31- حدثنا مُسْلِمُ بنُ إِبْرَاهِيمَ وَ مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ قالا حدثنا أبَانُ حدثنا يَحْيَى عن عَبْدِالله بنِ أبي قَتَادَةَ عن أبِيهِ قال قال نَبي الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا بَالَ أحَدُكُم فَلاَ يَمَسّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وإذَا أتَى الْخَلاَءَ فَلاَ يَتَمَسّحْ بِيَمِينِهِ، وإذَا شَرِبَ فَلاَ يَشْرَبْ نَفَساً وَاحِداً".
__________
باب كراهية مس الذكر باليمين في الاستبراء
أي في الاستنجاء
" فلا يمس ذكره بيمينه ": أي حال البول تكريماً لليمين فيكره بها بلا حاجة تنزيهاً عند الشافعية وتحريماً عند الحنابلة والظاهرية. قاله المناوي "فلا يتمسح بيمينه": أي لا يستنجي بيمينه " فلا يشرب ": شرابه " نفساً واحداً ": بل يفصل القدح عن فيه ثم يتنفس خارج القدح، وهو على طريق الأدب مخافة من سقوط شيء من الفم والأنف فيه ونحو ذلك، والأفعال الثلاثة إما مجزوم على النهي أو مرفوع على النفي. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه مطولاً ومختصراً.

(1/34)


32- حدثنا مُحمّدُ بنُ آدَمَ بنِ سُلَيْمَانَ المِصّيصِيّ أخبرنا ابنُ أبي زَائِدَةَ أخبرنا ابنُ أبي أَيّوبَ، يَعْنى الإفْرِيقِيّ عن عَاصِمٍ عن المُسَيّبِ بنِ رَافَعٍ وَ مَعْبَدٍ عن حَارِثَةَ بنِ وَهْبٍ الخُزَاعِيّ قال حَدّثَتْنِي حَفْصَةُ زَوْجُ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يَجْعَلُ يَمِينَهُ لِطَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَثِيَابِهِ، وَيَجْعَلُ شِمَالَهُ لِمَا سِوَى ذَلِكَ.
- 33 حدثنا أبُو تَوْبَةَ الرّبِيعُ بنُ نَافِعٍ أخبرنا عِيسَى بنُ يُونُسَ عن ابنِ أبي عَرُوبَةَ عن أبي مَعْشَرٍ عن إبْرَاهِيمَ عن عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانتْ يَدُ رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم الْيُمْنَى لِطُهُورِهِ وَطَعَامِهِ، وكانَتْ يَدُهُ اليُسْرَى لِخَلاَئِهِ وَمَا كان مِنْ أذى.
- 34 حَدّثَنَا مُحَمّدُ بنُ حَاتِمِ بنِ بَزِيعٍ أخْبَرَنَا عَبْدُ الوَهّابِ بنُ عَطَاءٍ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أبِي مَعْشَرٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَن الأسْوَدِ عَن عَائِشَةَ عَن النّبِيّ صلى الله عليه وسلم بِمَعْنَاهُ.
__________
"المصيصي": بكسر الميم وشدة الصاد المهملة نسبة إلى مصيصة: بلد بالشام "الإفريقي": بكسر الهمزة والراء بينهما فاء ساكنة منسوب إلى إفريقية وهي بلاد واسعة قبالة الأندلس "كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه": أي كان يجعل يده اليمنى لهما "وثيابه": أي للبس ثيابه أو تناولها "ويجعل شماله لما سوى ذلك": المذكور من الطعام والشراب والثياب. قال النووي: هذه قاعدة مستمرة في الشرع وهي أن ما كان من باب التكريم والتشريف كلبس الثوب والسراويل والخلف، ودخول المسجد، والسواك، والاكتحال، وتقليم الأظفار، وقص الشارب، وترجيل الشعر، ونتف الإبط، وحلق الرأس، والسلام من الصلاة، وغسل أعضاء الطهارة، والخروج من الخلاء، والأكل والشرب والمصافحة، واستلام الحجر الأسود وغير ذلك، ومما هو في معناه يستحب التيامن فيه. وأما ما كان بضده، كدخول الخلاء، والخروج من المسجد، والامتخاط والاستنجاء وخلع الثوب والسراويل والخف وما أشبه ذلك، فيستحب التياسر فيه، وذلك كله لكرامة اليمين وشرفها.
"لخلائه": أي لاستنجائه "وما كان من أذى": أي النجاسة. قال المنذري: إبراهيم لم يسمع من عائشة فهو منقطع، وأخرجه من حديث الأسود عن عائشة بمعناه، وأخرجه في اللباس من حديث مسروق عن عائشة، ومن ذلك الوجه أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة. انتهى كلام المنذري

(1/35)


19 باب الإستتار في الخلاء
35 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى الرّازِيّ أخْبَرَنَا عِيسَى بنُ يُونُسَ عن ثَوْرٍ عن الْحُصَيْنِ الْحُبْرَانِيّ عن أبي سَعِيدٍ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النّبِيّ صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ اكْتَحَلَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أحْسَنَ وَمَنْ لاَ فَلاَ حَرَجَ وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أحْسَنَ وَمَنْ لاَ فَلاَ حَرَجَ، وَمَنْ أكَلَ فَمَا تَخَلّلَ فَلْيُلْفِظْ، وَمَا لاَكَ بِلِسانِهِ فَلْيَبْتَلِعْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أحْسَنَ وَمَنْ لاَ فَلاَ حَرَجَ وَمَنْ أتَى الْغَائِط فَلْيَسْتَتِرْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلاّ أنْ يَجْمَعَ كَثيباً مِنْ رَمْلٍ
__________
باب الإستتار في الخلاء
فإن قلت: ما الفرق بين الباب المتقدم التخلي عند قضاء الحاجة وبين هذا الباب؟ قلت: بينهما فرق بيّن، لأن المقصود من الباب الأول التفرد عن الناس للحاجة وليس فيه ذكر الاستتار، وهذا الباب إنما وضعه للاستتار عند الحاجة فحصل من البابين جميعاً أن التفرد للخلاء سنة، ومع هذا التفرد ينبغي الاستتار أيضاً ليتأتى على وجه الكمال حفظ عورته
"الحبراني": بضم المهملة وسكون الموحدة منسوب إلى حبران بن عمرو وهو أبو قبيلة باليمن. كذا في القاموس والمغني. وقال السيوطي في اللب اللباب: حبران بطن من حمير. انتهى " من اكتحل فليوتر ": أي من أراد الاكتحال فليوتر، والوتر الفرد، أي ثلاثاً متوالية في كل عين، وقيل ثلاثاً في اليمنى واثنين في اليسرى ليكون المجموع وتراً، والتثليث علم من فعله صلى الله عليه وسلم، كانت له مكحلة يكتحل منها كل ليلة، ثلاثة في هذه وثلاثة في هذه. كذا في المرقاة شرح المشكاة " من فعل فقد أحسن ": أي فعل فعلاً حسناً يثاب عليه لأنه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأنه تخلق بأخلاق الله تعالى، فإن الله وتر يحب الوتر " ومن لا" : أي لا يفعل الوتر " فلا حرج": أي لا إثم عليه " ومن استجمر فليوتر ": الاستجمار بالجمار وهي الحجارة الصغار، أي فليجعل حجارة الاستنجاء وتراً واحداً أو ثلاثاً أو خمساً "فلا حرج": إذ المقصود الإنقاء " أكل ": شيئاً " فما تخلل ": ما شرطية والجزاء فليلفظ، أي ما أخرجه من الأسنان بالخلال " فليلفظ ": بكسر الفاء: فليلق وليرم وليطرح ما يخرجه من الخلال من بين أسنانه لأنه ربما يخرج به دم "وما لاك بلسانه": عطف على ما تّخلل، أي ما أخرجه بلسانه واللوك إدارة الشيء بلسانه في الفم، يقال لاك يلوك " فليبتلع ": أي فليأ كله وإن تيقن بالدم حرم أكله "من فعل ": أي رمي وطرح ما أخرجه من الأسنان

(1/36)


فَلْيَسْتَدْبِرْهُ، فَإِنّ الشّيْطَانَ يَلْعَبُ بِمَقَاعِدِ بَنِي آدَمَ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أحْسَنَ وَمَنْ لاَ فَلاَ حَرَجَ". قال أبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ أبُو عَاصِمٍ عن ثَوْرٍ. قال حُصَيْنٌ الْحِمْيَرِيّ: وَرَوَاهُ عَبْدُالمَلِكِ بنُ الصّبّاحِ عن ثَوْرٍ فقالَ أبُو سَعِيدٍ الْخَيْرُ. قال أبُو دَاوُدَ: أبُو سَعيدٍ الخَيْرُ مِنْ أصْحَابِ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم.
__________
بالخلال " ومن لا ": أي لم يلفظه بل أكله على تقدير عدم خروج الدم " فلا حرج ": في ذلك " فليستتر ": بشيء من الأشياء الساترة " فإن لم يجد ": شيئاً ليستره " كثيباً ": الكثيب هو ما يرتفع من الرمل " من رمل ": بيان كثيب " فليستدبره ": أي فليجمعه وليوله دبره " فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم ": قال العراقي: المقاعد جمع مقعدة وهي تطلق على شيئين: أحدهما في السافلة، أي أسفل البدن، والثاني موضع القعود، وكل من المعنيين ههنا محتمل، أي أن الشيطان يلعب بأسافل بني آدم أو في موضع قعودهم لقضاء الحاجة فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتستر ما أمكن وأن لا يكون قعود الإنسان في مراح من أن يقع عليه أبصار الناظرين فيتعرض لانتهاك الستر، وتهب الرياح عليه فيصيب البول فيلوث بدنه أو ثيابه، وكل ذلك من لعب الشيطان به وقصده إياه بالأذى والفساد " من فعل ": أي جمع كثيباً وقعد خلفه " فقد أحسن ": بإتيان السنة " ومن لا ": بأن كان في الصحراء من غير ستر "فلا حرج": "قال حصين الحميري": أي قال أبو عاصم الحميري بدل الحبراني "فقال": أي عبدالملك "أبو سعيد الخير": بزيادة لفظ الخير على الرواية السابقة "قال أبو داوود أبو سعيد الخير من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ": غرض المؤلف من إيراد هذه الجملة أن في رواية إبراهيم بن موسى أبا سعيد بغير إضافة لفظ الخير فهو ليس بصحابي لأن أبا سعيد هذا بغير إضافة الخير لا يعد في الصحابة بل هو مجهول وإنما يعد في الصحابة أبو سعيد الخير. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجة في إسناده أبو سعيد الخير الحمصي، وهو الذي رواه عن أبي هريرة قال أبو زرعة الرازي لا أعرفه. قلت: لقي أبا هريرة قال على هذا يوضع. انتهى

(1/37)


20 باب ما يُنهى عنه أن يُستنجى به
36 - حدثنا يَزيدُ بنُ خالِدِ بنِ عَبْدِالله بنِ مَوْهِبٍ الهَمْدَانيّ أخبرنا المُفَضّلُ يَعْني ابنَ فَضَالَةَ المِصْرِيّ عن عَيّاشِ بنِ عَبّاسٍ الْقِتْبَانيّ أنّ شَيَيْمَ بنَ بَيْتَانَ أخْبَرَهُ
__________
باب ما يُنهى عنه
أي هذا باب في بيان الأشياء التي نهى الاستنجاء بها "القتباني": بكسر القاف وسكون المثناة

(1/37)


عن شَيْبَانَ الْقَتْبَانيّ "أنّ مَسْلَمَة بنَ مُخَلّدٍ اسْتَعْمَلَ رُوَيْفِعَ بنَ ثَابِتَ عَلَى أسْفَلَ الأرْضِ: قال شَيْبَانُ: فَسِرْنَا مَعَهُ مِنْ كُومِ شَرِيكٍ إلَى عَلْقَمَاءَ أوْ مَنْ عَلقَمَاءَ إلَى كُومِ شَرِيك يُرِيدُ عَلْقَامَ فَقَالَ رُوَيْفِعُ: إنْ كان أحَدُنَا في زَمَنِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم لَيَأْخُذَ نِضْوَ أخِيهِ. عَلَى أنّ لَهُ النّصْفَ مِمّا يَغْنَمُ وَلَنَا النّصْفَ إنْ كان أحَدُنَا لِيَطِيرُ لَهُ النّصْلُ والرّيشُ وَلِلاَخَرِ القَدَحُ. ثُمّ قال قال لي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: " يَارُوَيْفِعُ لَعَلّ الحَيَاةَ سَتَطُولُ بِكَ بَعْدِي
__________
الفوقانية وبموحدة ونون نسبة إلى قتبان بن رومان "شييم": بتحتانيتين مصغراً "بيتان": بموحدة ثم تحتانية ثم مثناة "أخبره": أي أخبر شييم عياش بن عباس "مخلد": على وزن محمد "استعمل": أي مسلمة بن مخلد "على أسفل الأرض": يعني أن مسلمة كان أميراً على بلاد مصر من جهة معاوية فاستناب رويفعاً على أسفل أرض مصر وهو الوجه البحري وقيل الغربي، كذا في التوسط "معه": أي مع رويفع "من كوم شريك": قال العراقي: هو بضم الكاف على المشهور، وممن صرح بضمها ابن الأثير في النهاية وآخرون، وضبط بعض الحفاظ بفتحها. قال مغلطائي: إنه المعروف وإنه في طريق الإسكندرية "إلى علقماء": بفتح العين وسكون اللام ثم القاف مفتوحة موضع من أسفل ديار مصر "أو من علقماء إلى كوم شريك": وهذا شك من شيبان، أي من أي موضع كان ابتداء السير من الكوم أو من علقماء، وعلى كل تقدير فمن أحد الموضعين كان ابتداء السير وإلى الآخر انتهائه "يريد علقام": أي إرادتهم الذهاب إلى علقام وانتهاء سيرهم إليه، وعلقام غير علقماء كما يفهم من قوله يريد علقام. وفي مجمع البحار: كوم علقام موضع، فاستفيد منه أن علقام غير علقاء وأن علقام يقال له: كوم علقام "نضو أخيه": النضو بكسر النون وسكون المعجمة فواو: البعير المهزول، يقال: بعير نضو وناقة نضو ونضوة وهو الذي أنضاه العمل وهزله الكد والجهد "على أن له": للمالك "ولنا النصف": أي للاَخذ والمستأجر النصف "ليطير له النصل والريش": فاعلان ليطير، أي يصيبهما في القسمة، يقال: طار لفلان النصف ولفلان الثلث إذا وقع له ذلك في القسمة "وللاَخر القدح": معطوف على له النصل، والقدح خشب السهم قبل أن يراش ويركب فيه النصل، قاله الخطابي، والنصل حديدة السهم، والريش من الطائر ويكون في السهم. وحاصلة أنه كان يقتسم الرجلان السهم فيقع لأحدهما نصله وريشه، وللاَخر قدحه. قال الخطابي: وفي هذا دليل على أن الشيء المشترك بين الجماعة إذا احتمل القسمة فطلب أحد الشركاء المقاسمة كان له ذلك ما دام ينتفع بالشيء الذي يخصه منه وإن قل، وذلك أن القدح قد ينتفع به عرياً من الريش والنصل، وكذلك قد ينتفع بالريش والنصل وإن لم يكونا مركبين في قدح، فأما ما لا

(1/38)


فَاخْبِرْ النّاسَ أنّهُ مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ، أَوْ تَقَلّدَ وَتَراً، أَوْ اسْتَنْجَى بِرَجِيعِ دَابّةٍ أَوْ عَظْم، فإِنّ مُحمّداً مِنْهُ بَرىءٌ "
- 37 حدثنا يَزِيدُ بنُ خَالِدٍ حدثنا مُفَضّلٌ عن عَيّاشٍ أنّ شُيَيْمَ بنَ بَيْتَانَ أخْبَرَهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ أيْضاً عن أبي سَالِمٍ الْجِيْشَانِيّ عن عَبْدِالله بنِ عَمْرٍو يَذْكُرُ ذَلِكَ وَهُوَ مَعَهُ مُرَابِطٌ بِحِصْنِ بَابِ أَلْيُونَ. قال أبو دَاوُد: حِصْنُ أَلْيُونَ بالْفُسْطَاطِ عَلَى جَبَلِ. قال أبو دَاوُد: وَهُوَ شَيْبَانُ بنُ أُمَيّةَ، يُكْنَى أبَا حُذَيْفَةَ.
__________
ينتفع بقسمته أحد من الشركاء وكان في ذلك الضرر والإفساد للمال كاللؤلؤه تكون بين الشركاء أو نحوها من الشيء الذي إذا فرق بين أجزائه بطلت قيمته وذهبت منفعته فإن المقاسمة لا تجب فيه لأنها حينئذ من باب إضاعة المال، فيبيعون الشيء ويقتسمون الثمن بينهم على قدر حقوقهم منه. انتهى. " من عقد لحيته ": أي عالجها حتى تنعقد وتتجعّد، وقيل: كانوا يعقدونها في الحروب، فأمرهم بإرسالها، كانوا يفعلون ذلك تكبراً وعُجباً. قاله ابن الأثير " أو تقلد وتراً ": بفتح الواو. قال أبو عبيدة: الأشبه أنه نهي عن تقليد الخيل أوتار القسى، نهوا عن ذلك إما لاعتقادهم أن تقليدها بذلك يدفع عنها العين ومخافة اختناقها به، لاسيما عند شدة الركض، بدليل ما روى أنه صلى الله عليه وسلم أمر بقطع الأوتار عن أعناق الخيل. كذا في كشف المناهج " برجيع دابة ": هو الروث والعذرة "أو عظم ": عطف على رجيع. قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"أيضاً": أي كما روى شييم بن بيتان عن شيبان القتباني روى أيضاً عن أبي سالم الجيشاني "يذكر": أي عبد الله بن عمرو "ذلك": الحديث المذكور "وهو": أي أبو سالم "معه": أي مع عبد الله "مرابط": المرابطة أن يربط كل من الفريقين خيولهم في الموضع الذي يخاف منه هجوم العدو معدّا لصاحبه "بحصن باب أليون": الحصن: المكان الذي لا يقدر عليه لارتفاعه وجمعه حصون، وأليون بفتح الهمزة وسكون اللام وضم الياء التحتانية: اسم مدينة قديماً وسمي بعد فتحها فسطاط "بالفسطاط": قال ابن الأثير: الفسطاط بالضم والكسر المدينة التي فيها مجمع الناس وكل مدينة فسطاط، وقيل: هو ضرب من الأبنية وبه سميت المدينة ويقال لمصر والبصرة: الفسطاط. وقول أبي داوود: حصن أليون بالفسطاط على جبل لا ينافى قول ابن الأثير، لأن الذي على جبل هو الحصن لا نفس أليون. والحاصل أن أبا سالم الجيشاني كان مع عبد الله بن عمرو مرابطاً بحصن الذي كان في أليون، وأليون والفسطاط هما اسمان لمدينة مصر، وكان حصن أليون على جبل وكان الجبل في فسطاط "قال أبو داوود هو": أي شيبان القتباني.

(1/39)


38 - حدثنا أحْمَدُ بنُ مُحَمّدِ بِنِ حَنْبَلٍ أخْبَرَنَا رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ حدثنا زَكَرِيّا بنُ إسْحَاقَ أخبرنا أبُو الزّبَيْرِ أنّهُ سَمِعَ جَابِرَ بنَ عَبْدِالله يَقُولُ: نَهَانَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ نَتَمَسّحَ بَعَظْمٍ أَوْ بَعْرٍ.
39- حدثنا حَيْوَةُ بنُ شُرَيْحٍ الْحِمْصِيّ أخبرنا ابنُ عَيّاشٍ عن يَحْيَى ابنِ أبي عَمْرٍو السيْبَانِيّ عن عَبْدِالله بنِ مَسْعُودٍ قال: قَدِمَ وَفْدُ الْجِنّ عَلَى النّبِيّ صلى الله عليه وسلم فقالُوا: يامُحمّدُ إِنْه أُمّتَكَ أنْ يَسْتَنْجُوا بِعَظْمٍ أوْ رَوْثَةٍ أوْ حُمَمةٍ، فإِنّ الله عَزّوَجَلّ جَعَلَ لَنَا فِيهَا رِزْقاً. قال: فَنَهَى النّبِيّ صلى الله عليه وسلم.
__________
"نتمسح": أي نستنجي "أو بعر": البعر معروف وهو من كل ذي ظلف وخف والجمع الأبعار مثل السبب والأسباب، وبعر ذلك الحيوان بعراً من باب نفع. قال المنذري: وأخرجه مسلم.
"قدم وفد الجن": هو جن نصيبين وكان قدومه بمكة قبل الهجرة، والوفد: قوم يجتمعون ويردون البلاد، الواحد وافد، وكذا من يقصد الأمراء بالزيارة، يقال: وفد على القوم وفداً من باب وعد ووفوداً فهو وافد والجمع وفاد، ووفد مثل صاحب وصحب "يا محمد إنه": أمر من النهي "وحممه": بضم الحاء والميمين مفتوحتين على وزن رطبة: ما أحرق من خشب ونحوه والجمع بحذف الهاء. كذا في المصباح. قال المنذري: في إسناده إسماعيل بن عياش وفيه مقال

(1/40)


21 باب الاستنجاء بالأحجار
40- حدثنا سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ وَ قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قالا حدثنا يَعْقُوبُ بنُ عَبْدِالرّحْمَنِ عن أبي حَازِمٍ عن مُسْلِمِ بنِ قُرْطٍ عن عُرْوَةَ عن عَائِشَةَ قَالَتْ إنّ رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذَا ذَهَبَ أحَدُكُم إِلَى الْغَائِطِ فَلْيَذْهَبُ مَعَهُ بِثَلاَثَةِ أحْجَارٍ يَسْتَطِيبُ بِهِنّ فإِنّهَا تُجْزِىءُ عَنْهُ"
__________
"باب الاستنجاء...الخ"
" يستطيب بهن ": أي بالأحجار، ويستطيب صفة أحجار أو مستأنفة، والاستطابة والاستنجاء والاستجمار كناية عن إزالة الخارج من السبيلين عن مخرجه، فالاستطابة والاستنجاء

(1/40)


41 - حدثنا عَبْدُالله بنُ مُحمّدٍ النّفَيْلِيّ حدثنا أبُو مُعَاوِيَةَ عَن هِشَامَ بنِ عُرْوَةَ عن عَمْرُو بنِ خُزَيْمَةَ عن عُمَارَةَ بنِ خُزَيْمَةَ عن خزيمة بنِ ثَابِتٍ قال: سُئِلَ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم عَنْ الإِسْتِطَابَةِ فَقَالَ: بِثَلاَثَةِ أحْجَارٍ لَيْسَ فِيهَا رَجِيعٌ.
قال أبو داوُد: وكَذَا رَوَاهُ أبُو أُسَامَةَ وَابنُ نُمَيْرٍ عن هِشَامٍ.
__________
تارة يكونان بالماء وتارة بالأحجار، والاستجمار مختص بالأحجار "فإنها تجزىء": بضم التاء بمعنى الكفاية من أجزأ أي تكفي وتغني. وقال الزركشي: ضبطه بعضهم بفتح التاء، ومنه قوله تعالى: {لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً} انتهى، فهو من جزى يجزي، مثل قضى يقضي وزناً ومعنى أي تقضي الأحجار "عنه": أي عن الاستطابة والاستنجاء أو عن المستنجي أو عن الماء المفهوم من المقام وهو الأظهر معنى وإن كان بعيداً لفظاً، فالحاصل أن الاستطابة بالأحجار تكفي عن الماء وإن بقي أثر النجاسة بعد ما زالت عين النجاسة، وذلك رخصة. وقال أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم: إن الاستنجاء بالحجارة يجزي، وإن لم يستنتج بالماء إذا أنقى أثر الغائط والبول، وبه يقول الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق. قاله الترمذي في جامعه. وفيه دليل واضح على وجوب التثليث لأن الإجزاء يستعمل غالباً في الواجب. قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"عن الاستطابة": أي عدد حجارة الاستنجاء " رجيع ": روث دابة لأنه علف دواب الجن. قال البيهقي في معرفة السنن والآثار: إذا استنجى بالعظم لم يقع موقعه كما لو استنجى بالرجيع لم يقع موقعه، وكما جعل العلة في العظم أنه زاد الجن جعل العلة في الرجيع أنه علف دواب الجن وإن كان في الرجيع أنه نجس ففي العظم أنه لا ينظف لما فيه من الدسومة، وقد نهى عن الاستنجاء بهما. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجة "كذا رواه أبو أسامة وابن نمير عن هشام": غرضه من إيراد هذه الجملة أن أبا أسامة وابن نمير قد تابعا أبا معاوية عن هشام على اسم شيخ هشام فقالوا عن هشام عن عمرو بن خزيمة، وهذا تعريض على رواية سفيان فإنه قال: أخبرني هشام ابن عروة قال أخبرني أبو وجزة. روى البيهقي في المعرفة أخبرنا أبو زكريا وأبو بكر وأبو سعيد قالوا: حدثنا أبو العباس قال أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال أخبرنا سفيان قال أخبرني هشام بن عروة قال أخبرني أبو وجزة عن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم.. الحديث. قال البيهقي: هكذا قال سفيان أبو وجزة وأخطأ فيه وإنما هو ابن خزيمة

(1/41)


__________
واسمه عمرو بن خزيمة، كذلك رواه الجماعة عن هشام بن عروة ووكيع وابن نمير وأبو أسامة وأبو معاوية وعبدة بن سليمان ومحمد بن بشر العبدي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو الحسن الطرائفي سمعت سعيد بن عثمان الدارمي يقول سمعت على بن المديني يقول قال سفيان: فقلت: فايش أبو وجزة، فقالوا: شاعر ههنا فلم آته، قال عليّ: إنما هو أبو خزيمة واسمه عمرو بن خزيمة ولكن كذا قال سفيان، قال عليّ: الصواب عندي عمرو بن خزيمة. انتهى كلام البيهقي

(1/42)


2 2 باب في الاستبراء
42 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ وَ خَلْفُ بنُ هِشامِ المُقْرَئِيّ قالا أخبرنا عَبْدُالله بنُ يَحْيَى التّوْأَمُ ح. وأخبرنا عَمْرُو بنُ عَوْنٍ أخبرنا أبُو يَعْقُوبَ التّوْأَمُ عن عَبْدِالله بنِ أبي مُلَيْكَةَ عن أُمّهِ عن عَائِشَةَ قَالَتْ بَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فَقَامَ عُمَرُ خَلْفَهُ بِكُوزٍ مِنْ مَاءٍ، فَقَالَ: " مَا هَذَا يَاعُمَرُ؟ فَقَالَ: هَذَا مَاءٌ تَتَوَضّأُ بِهِ. قال: ما أُمِرْتُ كُلّمَا بُلْتُ أنْ أتَوَضّأَ، وَلَوْ فَعَلْتُ لَكَانَتْ سُنّةً "
__________
باب في الاستبراء
هو أن يمكث وينتر حتى يظن أنه لم يبق في قصبة الذكر شيء من البول، كذا في حجة الله البالغة للشيخ المحدث ولى الله الدهلوي. وحاصل معنى الاستبراء الاستنقاء من البول وهو المراد ههنا. وهل الاستنقاء، أي الاستنجاء بالماء ضروري أو يكفي المسح بالحجارة، فدل الحديث على أنه ليس أمراً ضرورياً. فإن قلت: ما الفرق بين البابين ولِمَ كرر الترجمة مرتين، فإنه أورد أولاً باب الاستبراء من البول، وثانياً باب الاستبراء. قلت: أورد في الترجمة الأولى حديث ابن عباس والمراد بها المباعدة عن النجاسة والتوقي عنها، فإن في الحديث "إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول " والمراد بالترجمة الثانية الاستنجاء بالحجارة، لأن الاستبراء طلب البراءة
"المقرئي": بضم الميم وسكون القاف وفتح الراء وهمزة ثم ياء، نسب إلى مقرأ قرية بدمشق "ح": هو علامة التحويل، أي الرجوع من سند إلى آخر سواء كان الرجوع من أول السند أو وسطه أو آخره "أبو يعقوب التوأم": هو عبد الله بن يحيى المتقدم "بكوز": الكوز بالضم جمعه كيزان وأكواز وهو ماله عروة من أواني الشرب وما لاعروة له فهو كوب وجمعه أكواب " ما هذا يا عمر" : أي ما حملك على قيامك خلفي ولم جئتني بماء "تتوضأ به": أي تتوضأ بالماء بعد البول الوضوء الشرعي أو المراد به الوضوء اللغوي وهو الاستنجاء

(1/42)


__________
بالماء، وعليه حمله المؤلف وابن ماجة، ولذا أورده في باب الاستبراء " ما أُمرت ": بصيغة المجهول " كلما بلت ": صيغة المتكلم من البول "أن أتوضأ ": بعد البول أو استنجي بعده بالماء، وكان قد يترك ما هو أولى وأفضل تخفيفاً على الأمة وإبقاءً وتيسيراً عليهم "لكانت": فعلتي " سنة ": أي طريقة واجبة لازمة لأمتي، فيمتنع عليهم الترخص باستعمال الحجر {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ }. قال عبدالرؤوف المنادي في فتح القدير: وما ذكر من حمله الوضوء على المعنى اللغوي هو ما فهمه أبو داوود وغيره وبوّبوا عليه، وهو مخالف للظاهر بلا ضرورة، والظاهر كما قاله ولي العراقي حمله على الشرعي المعهود، فأراد عمر رضي الله عنه أن يتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم عقب الحدث، فتركه المصطفى صلى الله عليه وسلم تخفيفاً وبياناً للجواز قال المنذري: وأخرجه ابن ماجة

(1/43)


23 باب في الاستنجاء بالماء
43 - حدثنا وَهْبُ بنُ بَقِيّةَ عن خَالِدٍ يَعْنِى الوَاسِطِيّ عن خَالِدٍ يَعْنِي الْحَذّاءَ عن عَطَاءِ بنِ أبي مَيْمُونَةَ عن أنَسِ بنِ مَالِكٍ أنّ رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم دَخَلَ حَائِطاً وَمَعَهُ غُلاَمٌ مَعَهُ مِيضَأَةٌ وَهُوَ أصْغَرُنَا، فَوَضَعَهَا عِنْدَ السّدْرَةِ فَقَضَى حَاجَتَهُ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا وَقَدْ اسْتَنْجَى بالمَاءِ.
__________
باب في الاستنجاء بالماء
بعد قضاء الحاجة. أراد بهذه الترجمة الرد على من كرهه وعلى من نفي وقوعه من النبي صلى الله عليه وسلم. وقد روى ابن أبي شيبة بأسانيد صحيحة عن حذيفة ابن اليمان أنه سئل عن الاستنجاء بالماء فقال: إذاً لا يزال في يدي نتن. وعن نافع أن ابن عمر كان لا يستنجي بالماء. وعن ابن الزبير قال: ما كنا نفعله. ونقل ابن التين عن مالك أنه أنكر أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم استنجى بالماء. وعن ابن حبيب من المالكية أنه منع الاستنجاء بالماء لأنه مطعوم. قاله الحافظ في الفتح
"حائطاً": أي بستاناً "غلام": قال في المحكم: الغلام من لدن الفطام إلى سبع سنين، وقيل غير ذلك "معه": أي مع الغلام "ميضأة": بكسر الميم وبهمزة بعد الضاد المعجمة، وهي الإناء الذي يتوضأ به، كالركوة والإبريق وشبههما "فوضعها عند السدرة": أي فوضع الميضأة عند السدرة التي كانت في الحائط، والسدرة شجرة النبق. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم.

(1/43)


44 - حدثنا مُحمّدُ بنُ العَلاَءِ أخبرنا مُعَاوِيَةُ بنُ هِشَامٍ عن يُونُسَ بنِ الحَارِثِ عن إِبْرَاهِيمَ بنِ أبي مَيْمُونَةَ عن أبي صَالحٍ عن أبي هُرَيْرَة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "نَزَلَتْ هَذِهِ الآية في أهْلِ قُبَاءِ { فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} قال: كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بالماءِ فنزَلَتْ فيهِمْ هَذِهِ الآية .
__________
"إبراهيم بن ميمونة": الحجازي مجهول الحال "هذه الآية": والمشار إليها فيما بعد وهو قوله تعالى {فِيهِ رِجَالٌ} الآية " في أهل قباء ": أي في ساكنيه، وقباء بضم القاف وخفة الموحدة والممدودة مصروفة وفيه لغة بالقصر وعدم الصرف موضع بميلين أو ثلاثة من المدينة. قال ابن الأثير: هو بمد وصرف على الصحيح {يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا}: أي يحبون الطهارة بالماء في غسل الأدبار "قال": أبو هريرة " كانوا ": أي أهل قباء. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: غريب

(1/44)


24 باب الرجل يدلك يده بالأرض إذا استنجى
45- حدثنا إبْرَاهِيمُ بنُ خَالِدٍ أخبرنا أسْوَدُ بنُ عَامِرٍ أخبرنا شَرِيكٌ ح وحدثنا مُحمّدُ بنُ عَبْدِالله يَعْنِي المُخَرّمِيّ حدثنا وَكِيعٌ عن شَرِيكٍ عن إبْرَاهِيمَ بنِ جَرِيرٍ عن أبي زُرْعَةَ عن أبي هُرَيْرَةَ قال: كانَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذَا أتَى الْخَلاَءَ أتَيْتُهُ بِمَاءٍ في
__________
باب الرجل يدلك يده بالأرض إذا استنجى
لتزيل الرائحة الكريهة إن بقيت بعد الغسل
"عن المغيرة": أعلم أن لفظ المغيرة بين جرير وأبي زرعة موجود في أكثر النسخ، وقد بالغت في تتبعه فلم أعرف من هو، والذي تحقق لي أنه غلط بثلاثة وجوه:
الأول: أن الحافظ جمال الدين المزي ذكر في تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف في مسند أبي هريرة هذا الحديث ولم يذكر المغيرة وهذا لفظه: أبو زرعة بن عمرو بن حزم بن عبد الله البجلي عن أبي هريرة، قيل اسمه هرم وقيل عبدالرحمن وقيل عمر. وإبراهيم بن جرير بن عبد الله البجلي عن ابن أخيه أبي زرعة عن أبي هريرة "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتى الخلاء أتيته بماء في تور أو

(1/44)


تَوْرٍ أوْ رَكْوَةٍ فاسْتَنْجَى قال أبو داوود: في حديث وكيع ثُمّ مَسَحَ يَدَهُ عَلَى الأرْضِ ثُمّ أتَيْتُهُ بِإنَاءٍ آخَرَ فَتَوَضّأَ.
قال أبُو داوُد: وَحَديثُ الأسْوَدِ بنِ عَامِرٍ أتَمّ.
__________
ركوة" الحديث أخرجه أبو داوود في الطهارة عن أبي ثور إبراهيم بن خالد الكلبي عن أسود بن عامر وعن محمد بن عبد الله المخرمي عن وكيع كلاهما عن شريك عن إبراهيم بن جرير به. انتهى. وذكر الزيلعي أيضاً هذا الحديث في فصل الاستنجاء من تخريجه ولم يذكر المغيرة في السند، وهذا لفظه: حديث آخر أخرجه أبو داوود عن شريك عن إبراهيم بن جرير عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم. الحديث.
الثاني: قال الطبراني: لم يروه عن أبي زرعة إلا إبراهيم بن جرير، تفرد به شريك، وهذا نص على أن المغيرة لم يرو عن أبي زرعة.
الثالث: قال شيخنا العلامة حسين بن محسن الأنصاري: اطلعت على نسخة صحيحة قلمية وليس فيها ذكر للمغيرة بين جرير وأبي زرعة موافق لإسناد ابن ماجة، والذي يظهر أن ذكرها إما أن يكون من المزيد غلطاً من بعض الرواة وإما وهماً من النساخ. انتهى. كذا في غاية المقصود. وقال الشارح في منهية غاية المقصود: والرابع: أني طالعت كتاب رجال سنن أبي داوود للحافظ ولي الدين العراقي في مكة المشرفة عند شيخنا أحمد الشرقي فما وجدت فيه ذكر المغيرة.
"في تور": بفتح التاء وسكون الواو: إناء صغير من صفر أو حجارة يشرب منه وقد يتوضأ منه ويؤكل منه الطعام. قاله الطيبي. وفي المتوسط فيه جواز التوضىء بآنية الصفر وأنه ليس بكبيرة "أو ركوة": بفتح الراء وسكون الكاف ظرف من جلد، أي دلو صغير من جلد يتوضأ منه ويشرب فيه الماء، والجمع ركاء، وأو للشك للراوي عن أبي هريرة، أو أن أبا هريرة يأتيه تارة هذا وتارة هذا "ثم أتيته بإناء آخر": ليتوضأ به "فتوضأ": بالماء، ليس المعنى أنه لا يجوز التوضىء بالماء الباقي من الاستنجاء أو بالإناء الذي استنجى به، وإنما أتى بإناء آخر لأنه لم يبق من الأول شيء أو بقي قليل، والإتيان بالإناء الآخر اتفاقي كان فيه الماء فأتى به. وقال بعض العلماء: قد يؤخذ من هذا الحديث أنه يندب أن يكون إناء الاستنجاء غير إناء الوضوء "وحديث الأسود بن عامر أتم": من حديث وكيع، وحديث وكيع أقصر من حديث الأسود. أخرج النسائي وابن ماجه واللفظ للنسائي من طريق وكيع عن شريك عن إبراهيم بن جرير عن أبي زرعة عن أبي هريرة "أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فلما استنجى دلك يده بالأرض" انتهى. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجة

(1/45)


25 باب السواك
46 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ عن سُفْيَانَ عن أبي الزّنَادِ عن الأعْرَجِ عن أبي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ قال: " لَوْلاَ أنْ أشُقّ عَلَى المُؤمِنِينَ لأَمَرْتُهُمْ بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ وَبِالسّوَاكِ عِنْدَ كُلّ صَلاَةٍ.".
__________
باب السواك
بكسر السين المهملة، والسواك: ما تدلك به الأسنان من العيدان من ساك فاه يسوكه إذا دلكه بالسواك، فإذا لم تذكر الفم قلت استاك، وهو يطلق على الفعل والآلة، والأول هو المراد ههنا وجمعه سوك ككتب. قال النووي: يستحب أن يستاك بعود من أراك، ويستحب أن يبدأ بالجانب الأيمن من فمه غرضاً لا طولاً لئلا يدمي لحم أسنانه. قال الحافظ: وأما الأسنان فالأحب فيها أن يكون عرضاً، وفيه حديث مرسل عند أبي داوود، وله شاهد موصول عند العقيلي
"يرفعه": هذه مقولة الأعرج، أي يقول الأعرج: يرفع أبو هريرة هذا الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه صيغة يكني بها عن صريح الرفع فهو أيضاً من أقسام المرفوع الحكمي كقول التابعي عن الصحابي يرفع الحديث صرح بذلك الحافظ. وفي صحيح مسلم من رواية الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم "قال": أي النبي صلى الله عليه وسلم " لولا ": مخافة " أن أشق ": مصدرية في محل الرفع على الابتداء والخبر محذوف وجوباً، أي لولا المشقة موجود " بتأخير العشاء ": إلى ثلث الليل كما في رواية الترمذي وأحمد من حديث زيد بن خالد. وروى الحاكم من حديث أبي هريرة بلفظ: "لأخرت صلاة العشاء إلى نصف الليل". " وبالسواك ": أي لأمرتهم باستعمال السواك، لأن السواك هو آلة، ويطلق على الفعلي أيضاً فعلى هذا لا تقدير، والسواك مذكر على الصحيح، وحكى في المحكم تأنيثه، وأنكر ذلك الأزهري " عند كل صلاة ": وكذا في رواية مسلم والنسائي من طريق أبي الزناد عن الأعرج بلفظ: "عند كل صلاة" وخالفه سعيد بن أبي هلال عن الأعرج فقال: " مع الوضوء " بدل الصلاة. أخرجه أحمد من طريقه. وفي رواية البخاري: " مع كل صلاة " قال الحافظ: قال القاضي البيضاوي: لولا كلمة تدل على انتقاء الشيء لثبوت غيره، والحق أنها مركبة من لو الدالة على انتفاء الشيء لانتفاء غيره ولا النافية، فدل الحديث على انتفاء الأمر لثبوت المشقة لأن انتقاء النفي ثبوت، فيكون الأمر منفياً لثبوت المشقة. وفيه دليل على أن الأمر للوجوب من وجهين: أحدهما: أنه نفي الأمر مع ثبوت الندبية، ولو كان للندب لما جاز النفي. وثانيهما: أنه جعل

(1/46)


47 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بن مُوسَى أخبرنا عِيسَى بن يُونُسَ أخبرنا مُحمّدُ بنُ إسْحَاقَ عن مُحَمّدِ بنِ إبْراهِيمَ التّيْمِيّ عن أبي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِالرّحْمَنِ عن زَيْدِ بنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيّ قال سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لَوْلاَ أنْ أشُقّ عَلَى أُمّتِي لأَمَرتُهُمْ بِالسّوَاكِ عِنْدَ كُلّ صَلاَةٍ". قال أبو سَلَمَةَ: فَرَأَيْتُ زَيْداً يَجْلِسُ في المَسْجِدِ وَإنّ السّوَاكَ مِنْ أُذْنِهِ مَوْضِعُ الْقَلَمِ مِنْ أُذُنِ الكَاتِبِ، فَكُلّمَا قامَ إلَى الصّلاَةِ اسْتَاكَ.
48 - حدثنا مُحمّدُ بنُ عَوْفٍ الطّائِيّ حدثنا أحْمَدُ بنُ خَالِدٍ حدثنا مُحمّدُ بنُ
__________
الأمر مشقة عليهم، وذلك إنما يتحقق إذا كان الأمر للوجوب، إذ الندب لا مشقة فيه لأنه جائز الترك. وقال الشافعي: فيه دليل على أن السواك ليس بواجب، لأنه لو كان واجباً لأمرهم به شق عليهم أو لم يشق، وإلى القول بعدم وجوبه صار أكثر أهل العلم، بل ادعى بعضهم فيه بالإجماع، لكن حكي الشيخ أبو حامد وتبعه الماوردي عن إسحاق بن راهويه قال. هو واجب لكل صلاة، فمن تركه عامداً بطلت صلاته. وعن داوود أنه قال وهو واجب لكن ليس شرطاً. واحتج من قال بوجوبه بورود الأمر به، فعند ابن ماجة من حديث أبي أمامة مرفوعاً "تسوكوا" ولأحمد نحوه من حديث العباس وغير ذلك من الأحاديث. قال المنذري: وأخرج البخاري ومسلم فضل السواك فقط، وأخرج النسائي الفضلين، وأخرج ابن ماجة فضل الصلاة، وأخرج فضل السواك من حديث سعيد المقبري عن أبي هريرة، وأخرج الترمذي فضل السواك من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة. انتهى.
"الجهني": المدني من مشاهير الصحابة وفضلائهم " لولا أن أشق ": أي لولا مخافة المشقة عليهم لأمرتهم به، لكن لم آمر به ولم أفرض عليهم لأجل خوف المشقة " وإن السواك ": أي موضع السواك بتقدير المضاف لتصحيح الحمل كقوله تعالى: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ} أي ولكن ذا البر من آمن أو ولكن البر بر من آمن "من أذنه": حال من الاسم المضاف أو صفة له "موضع القلم": بالرفع خبر إن "من أذن الكاتب": حال من الخبر أو صفة له أي أن موضع السواك الكائن من أذن زيد موضع القلم الكائن من أذن الكاتب، أي يضع السواك على أذنه موضع القلم، أو تقدير أن السواك كان موضوعاً على أذنه موضع القلم الموضوع على أذن الكاتب. والله أعلم "استاك": ولفظ الترمذي: فكان زيد بن خالد يشهد الصلوات في المسجد وسواكه على أذنه موضع القلم من أذن الكاتب لا يقوم إلى الصلاة إلا استن ثم رده إلى موضعه. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي، وحديث الترمذي مشتمل على الفضلين. وقال: هذا حديث حسن صحيح.

(1/47)


إسْحَاقَ عن مُحمّدِ بنِ يَحْيَى بنِ حَبّانَ عن عَبْدِالله بنِ عَبْدِالله بنِ عُمَرَ قال قلت:
__________
"محمد بن إسحاق": بن يسار: أحد الأئمة ثقة على ما هو الحق "حبان": بفتح أوله والموحدة "قال": أي محمد بن يحيى "قلت": لعبد الله بن عبد الله "أرأيت": معناه الاستخبار أي أخبرني عن كذا وهو بفتح المثناة الفوقانية في الواحد والمثنى والجمع، تقول أرأيت وأرأيتك وأرأيتكما وأرأيتكم، واستعمال أرأيت في الإخبار مجاز، أي أخبروني عن حالتكم العجيبة، ووجه المجاز أنه لما كان العلم بالشيء سبباً للاخبار عنه أو الإبصار به طريقاً إلى الإحاطة به علماً وإلى صحة الإخبار عنه استعملت الصيغة التي لطلب العلم، أو لطلب الإبصار في طلب الخير لاشتراكهما في الطلب، ففيه مجازان: استعمال رأي التي بمعنى علم أو أبصر في الإخبار، واستعمال الهمزة التي هي لطلب الرؤية في طلب الإخبار. قال أبو حبان في النهر: ومذهب البصريين أن التاء هي الفاعل وما لحقها حرف خطاب يدل على اختلاف المخاطب، ومذهب الكسائي أن الفاعل هو التاء وأن أداة الخطاب اللاحقة في موضع المفعول الأول، ومذهب الفراء أن التاء هي حرف خطاب كهي في أنت، وأن أداة الخطاب بعده هي في موضع الفاعل استعيرت فيه ضمائر النصب للرفع، ولا يلزم عن كون أرأيت بمعنى أخبرني أن يتعدى تعديته لأن أخبرني يتعدى بعن، تقول أخبرني عن زيد، وأرأيت يتعدى لمفعول به صريح وإلى جملة استفهامية هي في موضع المفعول الثاني أرأيتك زيداً ما صنع، فما بمعنى أي شيء مبتدأ، وصنع في موضع الخبر، ويرد على مذهب الكسائي أمران: أحدهما: أن هذا الفعل يتعدى إلى مفعولين كقولك: أرأيتك زيداً ما فعل، فلو جعلت الكاف مفعولاً لكانت المفاعيل ثلاثة، وثانيهما: أنه لو كان مفعولاً لكان هو الفاعل في المعنى لأن كلا من الكاف والتاء واقع على المخاطب وليس المعنى على ذلك، إذ ليس الغرض أرأيت نفسك، بل أرأيت غيرك، ولذلك قلت: أرأيتك زيداً، وزيد ليس هو المخاطب ولا هو بدل منه وقال الفراء كلاماً حسناً رأيت أن أذكره فإنه متين نافع، قال: للعرب في أرأيت لغتان ومعنيان: أحدهما:رؤية العين، فإذا أردت هذا عدّيت الرؤية بالضمير إلى المخاطب، وتتصرف تصرف سائر الأفعال تقول للرجال أرأيتكَ على غير هذه الحال تزيد هل رأيت نفسك، ثم تثنى وتجمع، فتقول أرأيتما كما أرأيتموكم أرأيتكن. المعنى الآخر أن تقول: أرأيتك، وأنت تريد معنى أخبرني كقولك: أرأيتك إن فعلت كذا ماذا تفعل، أي أخبرني، وتترك التاء إذا أردت هذا المعنى موحدة على كل حال. تقول: أرأيتكما أرأيتكم أرأيتكن، وإنما تركت العرب التاء واحدة، لأنهم لم يريدوا أن يكون الفعل واقعاً من المخاطب على نفسه فاكتفوا من علاقة المخاطب بذكرها في الكاف وتركوا التاء في التذكير والتوحيد مفردة إذا لم يكن الفعل واقعاً. واعلم أن الناس اختلفوا في الجملة الاستفهامية الواقعة بعد المنصوب أرأيتك زيداً ما صنع، فالجمهور على أن زيداً مفعول أول، والجملة بعده في محل

(1/48)


أرَأيْتَ تَوَضّىءَ تَؤَضّؤَ ابنِ عُمَرَ لِكُلّ صَلاَةٍ طَاهِراً وَغَيْرَ طَاهِرٍ، عَمّ ذَاكَ؟ فَقال: حَدّثَتْنِيهُ أسْمَاءُ بِنْتُ زَيْدِ بنِ الخَطّابِ أنّ عَبْدَالله بنَ حَنْظَلَةَ بنِ أبي عَامِرٍ حَدّثَهَا أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أُمِرَ بالْوُضُوءِ لِكُلّ صَلاَةٍ طَاهِراً وَغَيْرَ طَاهِرٍ، فَلَمّا شَقّ ذَلِكَ عَلَيْهِ أُمِرَ بالسّوَاكِ لِكُلّ صَلاَةٍ فَكَانَ ابنُ عُمَرَ يَرَى أنّ بِهِ قُوّةً، فَكَانَ لاَ يَدَعُ الْوُضُوءَ لِكُلّ صَلاَةٍ.
__________
نصب سادة مسد المفعول الثاني. وقال ابن كيسان: إن جملة الاستفهامية في أرأيتك زيداً ما صنع بدل من أرأيتك. وقال الأخفش: إنه لا بد بعد أرأيت التي بمعنى أخبرني من الاسم المستخبر عنه ويلزم الجملة التي بعده الاستفهام لأن أخبرني موافق لمعنى الاستفهام قاله العلامة سليمان بن جمل في حاشيته على تفسير الجلالين.
"توضىء ابن عمر": بكسر الضاد فهمزة بصورة الياء. قال النووي: صوابه توضؤ بضم الضاد فهمزة بصورة الواو وهو مصدر من التفعل "طاهراً": أي سواء كان ابن عمر طاهراً "وغير طاهر": الواو بمعنى أو "عمّ ذاك": بإدغام نون عن في ميم ما سؤال عن سببه "فقال": عبد الله بن عبد الله "حدثتنيه": أي في شأن الوضوء لكل صلاة "أمر": بضم الهمزة على البناء للمجهول "فلما شق ذلك": أي الوضوء لكل صلاة "عليه": أي على النبي صلى الله عليه وسلم. وفي التوسط شرح سنن أبي داوود: وهذا الأمر يحتمل كونه له خاصاً به أو شاملاً لأمته ويحتمل كونه بقوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا} بأن يكون الآية على ظاهرها. انتهى. قلت: وهكذا فهم على رضي الله عنه من هذه الآية. أخرج الدارمي في مسنده حدثنا عبدالصمد بن عبدالوارث حدثنا شعبة حدثنا مسعود بن علي عن عكرمة أن سعداً كان يصلي الصلوات كلها بوضوء واحد وأن علياً كان يتوضأ لكل صلاة، وتلا هذه الآية: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} الآية "أمر بالسواك لكل صلاة":، واستدل به من أوجب السواك لكل صلاة "فكان ابن عمر يرى": هذه مقولة عبد الله بن عبد الله "أن": حرف مشبه بالفعل "به": أي بعبد الله والجار مع مجروره خبر مقدم لأن "قوةً": على ذلك وهي اسمه المؤخر والجملة قائمة مقام مفعولي يرى، ولفظ أحمد في مسنده "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أمر بالوضوء لكل صلاة طاهراً كان أو غير طاهر، فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك عند كل صلاة، ووضع عنه الوضوء إلا من حدث، وكان عبد الله بن عمر يرى أن به قوة على ذلك كان يفعله حتى مات" وظاهره أن سبب توضىء ابن عمر ورود الأمر قبل النسخ، فيستدل به على أنه إذا نسخ الوجوب بقي الجواز "لا يدع": من ودع يدع أي لا يترك. وأحاديث الباب مع ما أخرجه مالك وأحمد والنسائي، وصححه ابن خزيمة، وذكره البخاري تعليقاً عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لولا أن أشق على أمتي بالسواك مع كل وضوء"

(1/49)


قال أبُو داوُد: إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ رَوَاهُ عن مُحمّدِ بنِ إسْحَاقَ قال: عُبَيْدَالله بنُ عَبْدِالله
__________
تدل على مشروعية السواك عند كل وضوء وعند كل صلاة، فلا حاجة إلى تقدير العبارة بأن يقال أي عند كل وضوء صلاة، كما قدرها بعض الحنفية، بل في هذا رد السنة الصحيحة الصريحة، وهي السواك عند الصلاة، وعلل بأنه لا ينبغي عمله في المساجد لأنه من إزالة المستقذرات، وهذا التعليل مردود لأن الأحاديث دلت على استحبابه عند كل صلاة. وهذا لا يقتضي أن لا يعمل إلا في المساجد حتى يتمشى هذا التعليل بل يجوز أن يستاك ثم يدخل المسجد للصلاة كما روى الطبراني في معجمه عن صالح بن أبي صالح عن زيد بن خالد الجهني قال: "ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج من بيته لشيء من الصلوات حتى يستاك". انتهى. وإن كان في المسجد فأراد أن يصلى جاز أن يخرج من المسجد ثم يستاك ثم يدخل ويصلي ولو سلم فلا نسلم أنه من إزالة المستقذرات، كيف وقد تقدم في بيان أن زيد بن خالد الجهني كان يشهد الصلوات في المساجد وسواكه على أذنه موضع القلم من أذن الكاتب لا يقوم إلى الصلاة إلا استن ثم رده إلى موضعه، وأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سوكهم خلف آذانهم يستنون بها لكل صلاة، وأن عبادة بن الصامت وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يروحون والسواك على آذانهم.
"رواه": أي الحديث المذكور بالسند المتقدم "قال": أي إبراهيم "عبيدالله": مصغراً لا مكبراً، وأخرجه بلفظ التصغير الدارمي أيضاً، قال المنذري: في إسناده محمد بن إسحاق بن يسار، وقد اختلف الأئمة في الاحتجاج بحديثه. انتهى

(1/50)


26 باب كيف يستاك
49 - حدثنا مُسَدّدٌ وَ سُلَيْمَانُ بنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيّ قالا حدثنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عن غَيْلاَنَ بنِ جَرِيرٍ عن أبي بُرْدَةَ عن أبِيهِ قال مُسَدّدٌ قال: أَتَيْنَا رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم نَسْتَحْمِلُهُ
__________
"باب كيف يستاك على لسانه"
أبي بردة": أبو بردة بن أبي موسى اسمه عامر بن عبد الله بن قيس الأشعري "أبيه": أبي موسى عبد الله بن قيس رضي الله عنه "قال": أبو موسى "نستحمله": أي نطلب من النبي صلى الله عليه وسلم حملانه على البعير، وهذا السؤال من أبي موسى حين جاء هو ونفر من الأشعريين إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستحملونه فخلف لا يحملهم ثم جاءه إبل فحملهم عليها وقال :"لا أحلف على يمين فأرى غيرها

(1/50)


فَرَأيْتُهُ يَسْتَاكُ عَلَى لِسَانِهِ. وقال سُلَيْمانُ قال: دَخَلْتُ عَلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَسْتَاكُ وَقَدْ وَضَعَ السّوَاكَ عَلَى طَرَفِ لِسَانِهِ وَهُوَ يَقُولُ "إه إه".. يَعْنِي يَتَهَوّعُ.
قال أبُو دَاوُدَ: قال مُسَدّدٌ: كان حَدِيثاً طَويلاً اخَتَصَرَهُ وَلَكِنّي اخْتَصَرْتُهُ.
__________
خيراً منها إلا كفرت عن يميني " الحديث "قال": أبو موسى "على طرف لسانه": أي طرفه الداخل كما عند أحمد يستن إلى فوق "يقول إه إه": بهمزة مكسورة ثم هاء، وفي رواية البخاري أع أع بضم الهمزة وسكون المهملة وفي رواية النسائي بتقديم العين على الهمزة، وللجوزقي بخاء معجمة بعد الهمزة المكسورة. قال الحافظ: ورواية أعأع أشهر، وإنما اختلف الرواة لتقارب مخارج هذه الأحرف، وكلها ترجع إلى حكاية صوته، إذ جعل السواك على طرف لسانه "يعني يتهوع": وهذا التفسير من أحد الرواة دون أبي موسى، وفي مختصر المنذري أراه يعني يتهوع، وفي رواية البخاري كأنه يتهوع، وهذا يقتضي أنه من مقولة أبي موسى، والتهوع التقيء، أي له صوت كصوت المتقيىء على سبيل المبالغة. والحديث دليل على مشروعية السواك على اللسان طولاً، وأما الأسنان فالأحب فيها أن تكون عرضاً، وقد تقدم بعض بيانه "قال مسدد كان": أي المذكور "اختصره": بصيغة المضارع المتكلم. قال الشيخ ولي الدين العراقي: كذا في أصلنا، ونقله النووي في شرحه عن بعض النسخ، ونقل عن عامة النسخ، اختصرته. انتهى. قلت: والذي في عامة النسخ هو الصحيح. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي

(1/51)


باب الرجل يستاك بسواك غيره
...
27 باب في الرجل يستاك بسواك غيره
- 50 حدثنا مُحمّدُ بنُ عِيسَى أخبرنا عَنْبَسَةُ بنُ عَبْدِالوَاحِدِ عن هِشَامِ بن عُرْوَةَ عن أبِيهِ عن عَائِشَةَ أنّهَا قَالَتْ: كانَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَسْتَنّ وَعِنْدَهُ رَجُلاَنِ أحَدُهُما أكْبَرُ
ـــــــ
"باب في الرجل..الخ"
"يستن": بفتح أوله وسكون المهملة وفتح المثناة وتشديد النون: من السن بالكسر أو الفتح، إما لأن السواك يمر على الأسنان أو لأنه يسنها، أي يحددها يقال: سننت الحديد، أي حككته على الحجر حتى يتحدد، والمسن بكسر الميم الحجر الذي يمد عليه السكين. وحاصل المعنى أنه كان يستاك "أن كبر": بصيغة الأمر نائب فاعل أوحى، أي أوحى إليه أن فضل السواك وحقه أن يقدم من هو أكبر. ومعنى كبر، أي قدم الأكبر سناً في إعطاء السواك. قال العلماء: فيه تقديم ذي السن في السواك، ويلتحق به الطعام والشراب والمشي والكلام، وهذا مالم يترتب القوم في

(1/51)


مِنَ الآخر، فأُوحِيَ إلَيْهِ في فَضْلِ السّوَاكِ أنْ كَبّرْ، أعْطِ السّوَاكَ أكْبَرَهُما".
__________
الجلوس، فإذا ترتبوا فالسنة حينئذ تقديم الأيمن. وفيه أن استعمال سواك الغير برضاه الصريح أو العرفي ليس بمكروه "أعط السواك أكبرهما": الظاهر أنه تفسير من الراوي. كذا في الشرح. وقال في منهية الشرح: ويحتمل أن يكون من قول النبي صلى الله عليه وسلم. والله أعلم. وفي بعض نسخ الكتاب ههنا هذه العبارة: قال أحمد هو ابن حزم قال لنا أبو سعيد هو ابن الأعرابي. هذا مما تفرد به أهل المدينة. انتهى.
قلت: أحمد هو أبو عمر أحمد بن سعيد بن حزم، صرح بذلك الشيخ العلامة وجيه الدين أبو الضياء عبدالرحمن بن علي بن عمر الديبع الشيباني في ثبته وأبو سعيد هو أحمد بن محمد بن زياد بن بشر المعروف بابن الأعرابي أحد رواة السنن للامام أبي داوود السجستاني، وكان هذه العبارة في نسخة ابن الأعرابي، فبعض النساخ لرواية اللؤلؤي اطلع على رواية ابن الأعرابي فأدرجها في نسخة اللؤلؤي. وغرض ابن الأعرابي من هذا أن هذا الحديث من متفردات أهل المدينة لم يروه غيره. قال المنذري: وأخرج مسلم معناه من حديث ابن عمر مسنداً وأخرجه البخاري تعليقاً

(1/52)


28 باب غسل السواك
51 - حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ أخبرنا مُحمّدُ بنُ عَبْدِالله الأنْصَارِيّ أخبرنا عَنْبَسَةُ بنُ سَعِيدٍ الْكُوفِيّ الحَاسِبُ أخبرنا كَثِيرٌ عن عَائِشَةَ أنّهَا قَاَلَتْ: كان نَبِيّالله صلى الله عليه وسلم يَسْتَاكُ فَيُعْطِينِي السّوَاكَ لاِءَغْسِلَهُ فأَبْدَأُ بِهِ فَأَسْتَاكُ ثُمّ أَغْسِلُهُ وَأَدْفَعُهُ إلَيْهِ.
__________
باب غسل السواك
بعد الاستعمال للنظافة، ودفع ما أصابه من الفم، لئلا ينفر الطبع عنه في الاستعمال مرة أخرى.
"لأغسله": أي السواك للتطيب والتنظيف "فأبدأ به": أي باستعماله في فمي قبل الغسل ليصل بركة فم رسول الله صلى الله عليه وسلم إليّ والحديث فيه ثبوت التبرك بآثار الصالحين والتلذذ بها، وفيه أن استعمال سواك الغير جائز، وفيه استحباب غسل السواك

(1/52)


29 باب السواك من الفطرة
-52 حدثنا يَحْيَى بنُ مُعِينٍ أخبرنا وَكِيعٌ عن زَكَرِيّا بنَ أبي زَائِدَةَ عن مُصْعَبِ بنِ شَيْبَةَ عن طَلْقِ بنِ حَبِيبٍ عن ابنِ الزّبَيْرِ عن عَائِشَةَ قَالَتْ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصّ الشّارِبِ، وَإِعْفَاءُ الّحْيَةِ، وَالسّوَاكُ، وَالاِسْتِنْشَاقُ بالمَاءِ، وَقَصّ الأظْفَارِ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الإبْطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ المَاءِ يَعْنِي
__________
بكسر الفاء، أي السنة القديمة للأنبياء السابقين.
"يحيى بن معين": بفتح الميم وكسر العين المهملة: أبو زكريا البغدادي: ثقة حافظ مشهور إمام الجرح والتعديل عن سفيان بن عيينة ويحيى بن سعد القطان وجماعة وعنه البخاري ومسلم وأبو داوود وأحمد وخلائق. قال أحمد: كل حديث لا يعرفه يحيى فليس بحديث رضي الله تعالى عنه "عشر من الفطرة": قال الحافظ أبو سليمان الخطابي: فسرأ كثر العلماء الفطرة في هذا الحديث بالسنة وتأويله أن هذه الخصال من سنن الأنبياء الذين أُمرنا أن نقتدي بهم بقوله تعالى: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} وأول من أمر بها إبراهيم صلى الله عليه وسلم، وذلك قوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} قال ابن عباس: أمره بعشر خصال ثم عددهن فلما فعلهن قال: { إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً} ليقتدي بك ويستن بسنتك، وقد أمرت هذه الأمة بمتابعته خصوصاً، وبيان ذلك في قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً } ، ويقال كانت عليه فرضاً وهن لنا سنة " قص الشارب ": أي قطع الشعر النابت على الشفة العليا من غير استئصال، كذا في الفتح، وورد الخبر بلفظ الحلق وهي رواية النسائي عن محمد بن عبد الله بن يزيد عن سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعاً، ويجيء تحقيق ذلك في كتاب الخاتم إن شاء الله تعالى " وإعفاء اللحية ": هو إرسالها وتوفيرها. واللحية بكسر اللام: شعر الخدين والذقن، وفي رواية البخاري: "وفروا اللحى" وفي رواية أخرى لمسلم: " أوفوا اللحى " وكان من عادة الفرس قص اللحية، فنهى الشارع عن ذلك وأمر بإعفائها " والسواك ": لأنه مطهرة الفم مرضاة للرب " والاستنشاق بالماء ": أي إيصال الماء إلى خياشيمه، يحتمل حمله على ما ورد فيه الشرع باستحبابه من الوضوء والاستيقاظ، وعلى مطلقه، وعلى حال الاحتياج إليه باجتماع أوساخ في الأنف وكذا السواك يحتمل كلا منها "وقص الأظفار": جمع ظفر أي تقليمها " البراجم ": بفتح الباء وبالجيم: جمع برجمة بضم الباء وهي عقد الأصابع ومفاصلها كلها " ونتف الإبط ": بكسر الهمزة والموحدة

(1/53)


الاسْتِنْجَاءَ بالماءِ قال زَكَرِيّا قال مُصْعَبٌ: وَنَسِيتُ العَاشِرَةَ، إلاّ أنْ تَكُونَ المَضْمَضَةَ.
53 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ وَ دَاوُدُ بنُ شَبِيبٍ قالا أخبرنا حَمّادٌ عن عَلِيّ بنِ زَيْدٍ عن سَلَمَةَ بنِ مُحمّدِ بنِ عَمّارِ بنِ يَاسِرٍ، قال مُوسَى عن أبِيهِ، وقال دَاوُدُ عن عَمّارِ بنِ يَاسِرٍ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: " إنّ مِنَ الْفِطْرَةِ المَضْمَضَةَ والاِسْتِنْشَاقَ. فَذَكَرَ
__________
وسكونها وهو المشهور وهو يذكر ويؤنث، والمستحب البداءة فيه باليمنى، ويتأدى أصل السنة بالحلق ولاسيما من يؤلمه النتف. قال الغزلي: هو في الابتداء موجع، ولكن يسهل على من اعتاده. قال: والحلق كاف لأن المقصود النظافة، وتعقب بأن الحكمة في نتفه أنه محل للرائحة الكريهة، وإنما ينشأ ذلك من الوسخ الذي يجتمع بالعرق، فشرع فيه النتف الذي يضعفه، فتخفف الرائحة به بخلاف الحلق، فإنه يكثر الرائحة. وقال ابن دقيق العيد: من نظر إلى اللفظ وقف مع النتف ومن نظر إلى المعنى أجازه بكل مزيل " وحلق العانة ": قال النووي: المراد بالعانة الشعر الذي فوق ذكر الرجل وحواليه وكذا الشعر الذي حوالي فرج المرأة، ونقل عن أبي العباس بن سريج: أنه الشعر النابت حول حلقة الدبر، فتحصل عن مجموع هذا استحباب حلق جميع ما على القبل والدبر وحولهما، لكن قال ابن دقيق العيد قال أهل اللغة: العانة: الشعر النابت على الفرج، وقيل هو منبت الشعر، فكأن الذي ذهب إلى استحباب حلق ما حول الدبر ذكره بطريق القياس. قال: والأولى في إزالة الشعر ههنا الحلق اتباعاً "يعني الاستنجاء بالماء": هذا التفسير من وكيع كما بينه قتيبة في رواية مسلم: فسره وكيع والاستنجاء. وقال أبو عبيدة وغيره: انتقاص البول باستعمال الماء في غسل المذاكير. قال النووي انتقاص بالقاف والصاد: هو الانتضاح، وقد جاء في رواية الانتضاح بدل انتقاص الماء. قال الجمهور: الانتضاح: نضح الفرج بماء قليل بعد الوضوء لينفي عنه الوسواس. انتهى. وقال في القاموس: الانتفاص بالفاء: رش الماء من خلل الأصابع على الذكر، وانتقاص بالقاف: مثله، واستدل به على أن في الماء خاصية قطع البول "أن تكون": العاشرة " المضمضة ": فهذا شك من مصعب في العاشرة، لكن قال القاضي عياض: ولعلها الختان المذكور مع الخمس. قال النووي: وهو أولى. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
"عن سلمة": المدني مجهول الحال "قال موسى": بن إسماعيل "عن أبيه": محمد بن عمار بن ياسر العنسى ذكره ابن حبان في الثقاة. قال المنذري في تلخيصه وحديث سلمة بن محمد عن أبيه مرسل لأن أباه ليست له صحبة. انتهى "وقال داوود عن عمار بن ياسر": قال المنذري: وحديثه عن جده

(1/54)


نَحْوَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ إعْفَاءَ اللّحْيَةِ، وَزَادَ وَالخِتَانَ، قال: وَالاِنْتِضَاحَ، وَلَمْ يَذْكُرْ انْتِقَاصَ المَاءِ يَعْنِي الاسْتِنْجَاءَ.
قال أبُو داوُدَ: وَرُوِيَ نَحْوُهُ عن ابنِ عَبّاسٍ: وقال: خَمْسٌ كُلّهَا في الرّأْسِ" وَذَكَرَ فِيهِ الْفَرْقَ وَلَمْ يَذْكُرْ إعْفَاءَ اللّحْيَةِ.
قال أبُو داوُدَ: وَرُوِيَ نَحْوُ حَدِيثِ حَمّادٍ عن طَلْقِ بنِ حَبِيبٍ وَمُجَاهِدٍ وعن بَكْرِ بنِ عَبْدِالله المُزَنِيّ قَوْلَهُمْ، وَلَمْ يَذْكُرُوا إعْفاءَ اللّحْيَةِ.
وفي حَديثِ مُحمّدِ بنِ عَبْدِالله بنِ أبي مَرْيَمَ عن أبي سَلَمَةَ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النّبِيّ صلى الله عليه وسلم فِيهِ: وَإِعْفَاءُ اللّحْيَةِ.
وعن إِبْرَاهِيمَ النّخَعِيّ نَحْوَهُ، وَذَكَرَ إِعْفاءَ اللّحْيَةِ وَالخِتَانَ.
__________
عمار. قال ابن معين: مرسل. وقال إنه لم ير جده. انتهى. وعمار بن ياسر صحابي جليل. والحاصل أن سلمة بن محمد بن عمار إن روى عن أبيه فالحديث مرسل لأن محمد بن عمار لم يثبت له صحبة، وإن روى عن جده عماراً "فذكر نحوه": أي ذكر عمار بن ياسر ومحمد نحو حديث عائشة، وتمام حديث عمار بن ياسر على ما جاء في رواية ابن ماجة قال: " من الفطرة المضمضة والاستنشاق والسواك وقص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط والاستحداد وغسل البراجم والانتضاح والاختتان" "ولم يذكر": أحدهما في حديثه "وزاد": أحدهما "قال": أي أحدهما، وحاصل الكلام أن الحديث ليس فيه ذكر إعفاء اللحية وانتقاص الماء، وزاد فيه الختان والانتضاح وهو نضح الفرج بماء قليل بعد الوضوء لينتقي عنه الوسواس "وروى": بالبناء للمجهول "نحوه": أي نحو حديث سلمة بن محمد "الفرق": بفتح الفاء وسكون الراء: هو أن يقسم رأسه نصفاً من يمينه ونصفاً من يساره "ولم يذكر": ابن عباس وهذا الاتر وصل عبدالرزاق في تفسيره والطبري من طريقه بسند صحيح واللفظ لعبدالرزاق أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس { وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ} قال ابتلاه الله بالطهارة خمس في الرأس وخمس في الجسد، في الرأس: قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الرأس، وفي الجسد: تقليم الأظفار وحلق العانة والختان ونتف الإبط وغسل أثر الغائط والبول بالماء "روى": بالبناء للمجهول "قولهم": مفعول ما لم يسم فاعله "روى": أي قول طلق بن حبيب ومجاهد وبكر المزني موقوفاً عليهم دون متصل مرفوع ولم يذكروا هؤلاء في حديثهم "نحوه": أي نحو حديث محمد بن عبد الله "وذكر": أي إبراهيم في روايته. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه

(1/55)


3 0 باب السواك لمن قام بالليل
- 54 حدثنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ أخبرنا سُفْيَانُ عن مَنْصُورٍ وَ حُصَينٍ عن أبي وَائِلٍ عن حُذَيْفَةَ قال: إنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان إذَا قَامَ مِنَ اللّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بالسّوَاكِ.
- 55 حدثنا مُوسَى بنُ إسْماعِيلَ حدثنا حَمّادٌ أخبرنا بَهْزُ بنُ حَكيمِ عن زُرَارَةَ بنِ أوْفَى عن سَعْدِ بنِ هِشامٍ عن عَائِشَةَ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يُوضَعُ لَهُ وَضُوؤُهُ وَسِوَاكُهُ، فإذا قامَ مِنَ اللّيْلِ تَخَلّى ثُمّ اسْتَاكَ.
56 - حدثنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ أخبرنا هَمّامٌ عن عَلِيّ بنِ زَيْدٍ عن أُمّ مُحمّدٍ عن عَائِشَةَ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان لا يَرْقُدُ مِنْ لَيْلٍ وَلا نَهَارٍ فَيَسْتَيْقِظُ إلاّ يَتَسَوّكَ قَبْلَ أنْ يَتَوَضّأَ.
- 57 حدثنا مُحمّد بنُ عِيسى أخبرنا هُشَيْمٌ أخبرنا حُصَيْنٌ عن حَبِيبِ بنِ أبي ثابِتٍ عن مُحمّدِ بنِ عَلِيّ بنِ عَبْدِالله بنِ عَبّاسٍ عن أبيهِ عن جَدّهِ عَبدِ الله بنِ عَبّاسٍ
__________
"باب السواك..الخ"
"إذا قام من الليل": ظاهر قوله من الليل عام في كل حالة ويحتمل أن يخص بما إذا قام للصلاة ويدل عليه رواية البخاري في الصلاة بلفظ "إذا قام للتهجد" ولمسلم نحوه، وكذا في ابن ماجه في الطهارة "يشوص": بفتح الياء وضم الشين المعجمة وبالصاد المهملة: دلك الأسنان بالسواك عرضاً. قاله ابن الأعرابي والخطابي وغيرهما، وقيل: هو الغسل. قاله الهروي وغيره، وقيل غير ذلك. قال النووي: أظهرها الأول وما في معناه "فاه بالسواك": لأن النوم يقتضي تغير الفم، فيستحب تنظيفه عند مقتضاه. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.
"وضوؤه": بفتح الواو، أي ماء يتوضأ به "تخلى": أي قضى حاجته. قال المنذري: وفي إسناده بهز بن حكيم بن معاوية، وفيه مقال.
"عن عليّ بن زيد": بن جدعان فيه مقال "عن أم محمد": واسمها أمية أو أمينة هي زوجة زيد بن جدعان تفرد عنها ربيبها على بن زيد، مجهولة "لا يرقد": بضم القاف: أي لا ينام. قال في المصباح: رقد: نام ليلاً كان أو نهاراً، وبعضهم يخصه بنوم الليل، والأول هو الحق. انتهى. قال المنذري: في إسناده على بن زيد بن جدعان ولا يحتج به.

(1/56)


قال: بِتّ لَيْلَةً عِنْدَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمّا اسْتَيْقَظَ مِنْ مَنَامِهِ أتَى طَهُورَهُ فأخَذَ سِوَاكَهُ فاسْتَاكَ ثُمّ تَلاَ هَذِهِ الآيات {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} حَتّى قارَبَ أن يَخْتِمَ السّورَةَ أوْ خَتَمَهَا، ثُمّ تَوَضّأَ فَأتَى مُصَلاّهُ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمّ رَجَعَ إلى فِرَاشِهِ فَنَامَ مَا شَاءَ الله، ثُمّ اسْتَيْقَظَ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمّ رَجَعَ إلى فِرَاشِهِ فَنَامَ، ثُمّ اسْتَيْقَظَ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، كلّ ذَلِكَ يَسْتَاكُ وَيُصَلّي رَكْعَتَيْنِ ثُمّ أوْتَرَ.
قال أبُو داوُدَ: رَوَاهُ ابنُ فُضَيْلٍ عن حُصَيْنٍ قال: فَتَسَوّكَ وَتَوَضّأ وَهُوَ يقولُ "{إنّ في خَلْقِ السمَواتِ وَالأرْضِ}" حَتّى خَتَمَ السّورَةَ.
- 58 حدثنا إبرَاهيمُ بنُ مُوسَى الرّازِيّ قال حدثنا عِيسَى حدثنا مُسْعَرٌ عن المِقْدَامِ بنِ شُرَيْحِ عن أبِيهِ قال قُلْتُ لِعَائِشَةَ: بِأيّ شَيْءٍ كان يَبْدَأُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا دَخَلَ بَيْتَهُ؟ قالَتْ: بالسّوَاكِ.
__________
"بت": متكلم من بات: أي نمت "طهوره": بفتح الطاء: ما يتطهر به. "ثم تلا": أي قرأ بعد الاستياك "هذه الآيات": من سورة آل عمران: {إنّ في خَلْقِ السمَواتِ وَالأرْضِ} وما فيهما من العجائب { وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} بالمجيء والذهاب والزيادة والنقصان {لَآياتٍ} دلالات {لِأُولِي الْأَلْبَابِ} لذوي العقول "أو": شك من ابن عباس "مصلاه": أي في المكان الذي اتخذه لصلاته "ثم استيقظ ففعل مثل ذلك": فصار مجموع صلاته صلى الله عليه وسلم ست ركعات "كل ذلك يستاك ويصلي ركعتين": هذا تفسير لقوله مثل ذلك "ثم أوتر": أخرج المؤلف في باب صلاة الليل من رواية عثمان: أوتر بثلاث ركعات "رواه": أي الحديث المذكور "قال": أي ابن عباس "حتى ختم السورة": من غير شك. قال المنذري: وأخرجه مسلم مطولاً والنسائي مختصراً، وأخرجه أبو داوود في الصلاة من رواية كريب عن ابن عباس بنحوه أتم منه، ومن ذلك الوجه أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه مطولاً ومختصراً. انتهى.
"قال": أي شريح "بأي شيء كان يبدأ": من الأفعال "بالسواك": فيه بيان فضيلة السواك في جميع الأوقات وشدة الاهتمام به، وتكراره لعدم تقييده بوقت الصلاة والوضوء. والحديث أخرجه الجماعة إلا البخاري والترمذي. واعلم أن هذا الحديث ليس في عامة النسخ، وكذا ليس في مختصر المنذري ولا الخطابي، وإنما وجد في بعض النسخ المطبوعة، ففي بعضها في هذا الباب،

(1/57)


__________
أي في باب السواك لمن قام بالليل، وفي بعضها في باب الرجل يستاك بسواك غيره، ولا يخفي أنه لا يطابق الحديث ترجمة البابين فراجعت إلى جامع الأصول للحافظ بن الأثير فلم أجد هذا الحديث فيه من رواية أبي داوود بل فيه من رواية مسلم، وأما الإمام بن تيمية فنسبه في المنتقى إلى الجماعة إلا البخاري والترمذي، وكذا الشيخ كمال الدين الدميري في ديباجة حاشية ابن ماجه نسبه إلى ابن ماجه وغيره، فازداد إشكالاً، ثم منّ الله عليّ بمطالعة تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف للحافظ جمال الدين المزي، فرأيته أنه نسبه إلى مسلم وأبي داوود والنسائي وابن ماجه، وقال حديث أبي داوود في رواية أبي بكر بن داسة. انتهى. فعلم أن وجه عدم مطابقة الحديث ترجمة البابين هو أن الحديث ليس في رواية اللؤلؤي أصلاً، وإنما درجه الناسخ فيها من رواية ابن داسة فخلط والله أعلم. ويمكن أن يقال في وجه المناسبة إنه إذا كان يستاك عند دخوله البيت بغير تقييد بوقت الصلاة والوضوء فبالأولى أن يستاك إذا قام من الليل للصلاة

(1/58)


31 باب فرض الوضوء
59 - حدثنا مُسْلِمُ بنُ إبْراهيمَ قال حدثنا شُعْبَةُ عن قَتَادَةَ عن أبي المَلِيحِ عن أبيهِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: " لاَ يَقْبَلُ الله صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ، وَلاَ صَلاَةً بِغَيْرِ طُهُورٍ"
__________
باب فرض الوضوء
أي الوضوء فرض لا تصح الصلاة بدونه.
" من غلول ": ضبطه النووي ثم ابن سيد الناس بضم الغين المعجمة. قال أبو بكر بن العربي: الغلول: الخيانة خفية، فالصدقة من مال حرام في عدم القبول واستحقاق العقاب كالصلاة بغير طهور. انتهى. قال القرطبي في المفهم: الغلول: هو الخيانة مطلقاً والحرام. وقال النووي: الغلول: الخيانة، وأصله السرقة من مال الغنيمة قبل القسمة. انتهى " بغير طهور ": قال ابن العربي في عارضة الأحوذي قراءته بفتح الطاء وهو بضمها عبارة عن الفعل وبفتحها عبارة عن الماء. وقال ابن الأثير: الطهور بالضم: التطهر وبالفتح الماء الذي يتطهر به. قال السيوطي وقال سيبويه: الطهور بالفتح يقع على الماء والمصدر معاً، فعلى هذا يجوز أن يكون الحديث بفتح الطاء وضمها، والمراد التطهر. انتهى. وضبطه ابن سيد الناس بضم الطاء لا غير. وقال أبو بكر بن العربي: قبول الله العمل هو رضاه وثوابه عليه. قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه، وأخرجه مسلم والترمذي وابن ماجه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، والصلاة في حديث جميعهم مقدمة على الصدقة. انتهى.

(1/58)


60 - حدثنا أحْمَدُ بنُ مُحمّدِ بنِ حَنْبَلٍ قال حدثنا عَبْدُالرّزّاقِ قال أخبرنا مَعْمَرٌ عن هَمّامِ بنِ مُنَبّهٍ عن أبي هُرَيْرَةَ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لاَ يَقْبَلُ الله تَعَالَى جَلّ ذِكْرُهُ صَلاَةَ أحَدِكُم إذَا أحْدَثَ حَتّى يَتَوَضّأَ"
61 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ قال حدثنا وَكِيعٌ عن سُفْيَانَ عن ابنِ عَقِيلٍ عن مُحمّدِ بنِ الحَنَفِيّةِ عن عَليّ رَضِيَ الله عَنْه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مِفْتَاحُ الصّلاَةِ الطّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التّسْلِيمُ"
__________
" إذا أحدث ": أي وجد منه الحدث الأكبر كالجنابة والحيض أو الأصغر الناقض للوضوء " حتى يتوضأ ": أي إلى أن يتوضأ بالماء أو ما يقوم مقامه فتقبل حينئذ. وفيه دليل على بطلان الصلاة بالحدث سواء كان خروجه اختيارياً أو اضطرارياً لعدم التفرقة بين حدث وحدث وحالة دون حالة. قاله القسطلاني. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي.
"عن ابن عقيل": بفتح العين وكسر القاف: هو عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب أبو محمد المدني "عن محمد بن الحنفية": هو محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي أبو محمد الإمام المعروف بابن الحنفية أن خولة بنت جعفر الحنفية نسب إليها وكانت من سبي اليمامة الذين سباهم أبو بكر، وقيل: كانت أمة لبنى حنيفة ولم تكن من أنفسهم " مفتاح الصلاة الطهور ": بالضم وبفتح
ـــــــ
قال الشيخ شمس الدين بن القيم في باب فرض الوضوء قوله مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم اشتمل هذا الحديث على ثلاثة أحكام الحكم الأول أن مفتاح الصلاة الطهور والمفتاح ما يفتح به الشيىء المغلق فيكون فاتحا له ومنه مفتاح الجنة لا إله إلا الله وقوله مفتاح الصلاة الطهور يفيد الحصر وأنه لا مفتاح لها سواه من طريقين أحدهما حصر المبتدأ في الخبر إذا كانا معرفتين فإن الخبر لا بد وأن يكون مساويا للمبتدأ أو أعم منه ولا يجوز أن يكون أخص منه فإذا كان المبتدأ معرفا بما يقتضي عمومه كاللام وكل ونحوهما ثم أخبر عنه بخبر اقتضى صحة الإخبار أن يكون إخبارا عن جميع أفراد المبتدأ فإنه لا فرد من أفراده إلا والخبر حاصل له وإذا عرف هذا لزم الحصر وأنه لا فرد من أفراد ما يفتتح به الصلاة إلا وهو الطهور فهذا أحد الطريقين والثاني أن المبتدأ مضاف إلى الصلاة والإضافة تعم فكأنه قيل جميع مفتاح الصلاة هو الطهور وإذا كان الطهور هو جميع ما يفتح به لم يكن لها مفتاح غيره ولهذا فهم جمهور الصحابة والأمة أن قوله تعالى {وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} أنه على الحصر أي مجموع أجلهن الذي لا أجل لهن سواه وضع الحمل وجاءت السنة مفسرة لهذا الفهم

(1/59)


....................
__________
والمراد به المصدر، وسمي النبي صلى الله عليه وسلم الطهور مفتاحاً مجازاً لأن الحدث مانع من الصلاة، فالحدث كالقفل موضوع على المحدث حتى إذا توضأ انحل الغلق، وهذه استعارة بديعة لا يقدر عليها إلا النبوة وكذلك قوله مفتاح الجنة الصلاة لأن أبواب الجنة مغلقة يفتحها الطاعات وركن الطاعات الصلاة. قاله ابن العربي قال النووي: وأجمعت الأمة على تحريم الصلاة بغير طهارة من ماء أو تراب، ولا فرق بين الصلاة المفروضة والنافلة وسجود التلاوة والشكر وصلاة الجنازة إلا ما حكى عن الشعبي ومحمد بن جرير الطبري من قولهما: تجوز صلاة الجنازة بغير طهارة، وهذا مذهب
ـــــــ
مقررة له بخلاف قوله {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} فإنه فعل لا عموم له بل هو مطلق وإذا عرف هذا ثبت أن الصلاة لا يمكن الدخول فيها إلا بالطهور وهذا أدل على الاشتراط من قوله لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ من وجهين أحدهما أن نفي القبول قد يكون لفوات الشرط وعدمه وقد يكون لمقارنة محرم يمنع من القبول كالإباق وتصديق العراف وشرب الخمر وتطيب المرأة إذا خرجت للصلاة ونحوه الثاني أن عدم الافتتاح بالمفتاح يقتضي أنه لم يحصل له الدخول فيها وأنه مصدود عنها كالبيت المقفل على من أراد دخوله بغير مفتاح وأما عدم القبول فمعناه عدم الاعتداد بها وأنه لم يرتب عليها أثرها المطلوب منها بل هي مردودة عليه وهذا قد يحصل لعدم ثوابه عليها ورضا الرب عنه بها وإن كان لا يعاقبه عليها عقوبة تاركها جملة بل عقوبة ترك ثوابه وفوات الرضا لها بعد دخوله فيها بخلاف من لم يفتحها أصلا بمفتاحها فإن عقوبته عليها عقوبة تاركها وهذا واضح فإن قيل فهل في الحديث حجة لمن قال إن عادم الطهورين لا يصلي حتى يقدر على أحدهما لأن صلاته غير مفتتحة بمفتاحها فلا تقبل منه قيل قد استدل به من يرى ذلك ولا حجة فيه ولا بد من تمهيد قاعدة يتبين بها مقصود الحديث وهي أن ما أوجبه الله تعالى ورسوله أو جعله شرطا للعبادة أو ركنا فيها أو وقف صحتها عليه هو مقيد بحال القدرة لأنها الحال التي يؤمر فيها به وأما في حال العجز فغير مقدور ولا مأمور فلا تتوقف صحة العبادة عليه وهذا كوجوب القيام والقراءة والركوع والسجود عند القدرة وسقوط ذلك بالعجز وكإشتراط ستر العورة واستقبال القبلة عند القدرة ويسقط بالعجز وقد قال لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار ولو تعذر عليها صلت بدونه وصحت صلاتها وكذلك قوله لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ فإنه لو تعذر عليه الوضوء صلى بدونه وكانت صلاته مقبولة وكذلك قوله لا تجزىء صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود فإنه لو كسر صلبه وتعذر عليه إقامته أجزأته صلاته ونظائره كثيرة فيكون الطهور مفتاح الصلاة هو من هذ

(1/60)


.........................
__________
باطل. وأجمع العلماء على خلافة، ولو صلى محدثاً متعمداً بلا عذر أثم ولا يكفر عندنا وعند الجماهير. وحكى عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه يكفر لتلاعبه. انتهى "وتحريمها التكبير وتحليلها
ـــــــ
لكن هنا نظر آخر وهو أنه إذا لم يمكن اعتبار الطهور عند تعذره فإنه يسقط وجوبه فمن أين لكم أن الصلاة تشرع بدونه في هذه الحال وهذا حرف المسألة وهلا قلتم إن الصلاة بدونه كالصلاة مع الحيض غير مشروعة لما كان الطهور غير مقدور للمرأة فلما صار مقدورا لها شرعت لها الصلاة وترتبت في ذمتها فما الفرق بين العاجز عن الطهور شرعا والعاجز عنه حسا فإن كلا منهما غير متمكن من الطهور قيل هذا سؤال يحتاج إلى جواب وجوابه أن يقال زمن الحيض جعله الشارع منافيا لشرعية العبادات من الصلاة والصوم والاعتكاف فليس وقتا لعبادة الحائض فلا يترتب عليها فيه شيء وأما العاجز فالوقت في حقه قابل لترتب العبادة المقدورة في ذمته فالوقت في حقه غير مناف لشرعية العبادة بحسب قدرته بخلاف الحائض فالعاجز ملحق بالمريض المعذور الذي يؤمر بما يقدر عليه ويسقط عنه ما يعجز عنه والحائض ملحقة بمن هو من غير أهل التكليف فافترقا
ونكتة الفرق أن زمن الحيض ليس بزمن تكليف بالنسبة إلى الصلاة بخلاف العاجز فإنه مكلف بحسب الاستطاعة وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي بعث أناسا لطلب قلادة أضاعتها عائشة فحضرت الصلاة فصلوا بغير وضوء فأتوا النبي فذكروا ذلك له فنزلت آية التيمم فلم ينكر النبي عليهم ولم يأمرهم بالإعادة وحالة عدم التراب كحالة عدم مشروعيته ولا فرق فإنهم صلوا بغير تيمم لعدم مشروعية التيمم حينئذ فهكذا من صلى بغير تيمم لعدم ما يتيمم به فأي فرق بين عدمه في نفسه وعدم مشروعيته فمقتضى القياس والسنة أن العادم يصلي على حسب حاله فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها ويعيد لأنه فعل ما أمر به فلم يجب عليه الإعادة كمن ترك القيام والاستقبال والسترة والقراءة لعجزه عن ذلك فهذا موجب النص والقياس
فإن قيل القيام له بدل وهو القعود فقام بدله مقامه كالتراب عند عدم الماء والعادم هنا صلى بغير أصل ولا بدل قيل هذا هو مأخذ المانعين من الصلاة والموجبين للاعادة ولكنه منتقض بالعاجز عن السترة فإنه يصلي من غير اعتبار بدل وكذلك العاجز عن الاستقبال وكذلك العاجز عن القراءة والذكر وأيضا فالعجز عن البدل في الشرع كالعجز عن المبدل منه سواء هذه قاعدة الشريعة وإذا كان عجزه عن المبدل لا يمنعه من الصلاة فكذلك عجزه عن البدل وستأتي المسألة مستوفاة في باب التيمم إن شاء الله

(1/61)


.......................
__________
التسليم ": قال ابن مالك: إضافة التحريم والتحليل إلى الصلاة لملابسة بينهما لأن التكبير يحرم ما كان حلالاً في خارجها والتسليم يحلل ما كان حراماً فيها. وقال بعض العلماء: سمي الدخول في
ـــــــ
وفي الحديث دليل على اعتبار النية في الطهارة بوجه بديع وذلك لأنه جعل الطهور مفتاح الصلاة التي لا تفتتح ويدخل فيها إلا به وما كان مفتاحا للشىء كان قد وضع لأجله وأعد له فدل على أن كونه مفتاحا للصلاة هو جهة كونه طهورا فإنه إنما شرع للصلاة وجعل مفتاحا لها ومن المعلوم أن ما شرع للشيء ووضع لأجله لا بد أن يكون الآتي به قاصدا ما جعل مفتاحا له ومدخلا إليه هذا هو المعروف حسا كما هو ثابت شرعا ومن المعلوم أن من سقط في ماء وهو لا يريد التطهر لم يأت بما هو مفتاح الصلاة فلا تفتح له الصلاة وصار هذا كمن حكى عن غيره أنه قال لا إله إلا الله وهو غير قاصد لقولها فإنها لا تكون مفتاحا للجنة منه لأنه لم يقصدها وهكذا هذا لما لم يقصد الطهور لم يحصل له مفتاح الصلاة ونظير ذلك الإحرام هو مفتاح عبادة الحج ولا يحصل له إلا بالنية فلو اتفق تجرده لحر أو غيره ولم يخطر بباله الإحرام لم يكن محرما بالاتفاق فهكذا هذا يجب أن لا يكون متطهرا وهذا بحمد الله بين
فصل
الحكم الثاني قوله وتحريمها التكبير وفي هذا من حصر التحريم في التكبير نظير ما تقدم في حصر مفتاح الصلاة في الطهور من الوجهين وهو دليل بين أنه لا تحريم لها إلا التكبير وهذا قول الجمهور وعامة أهل العلم قديما وحديثا وقال أبو حنيفة ينعقد بكل لفظ يدل على التعظيم فاحتج الجمهور عليه بهذا الحديث ثم اختلفوا فقال أحمد ومالك وأكثر السلف يتعين لفظ الله أكبر وحدها وقال الشافعي يتعين أحد اللفظين الله أكبر والله الأكبر وقال أبو يوسف يتعين التكبير وما تصرف منه نحو الله الكبير ونحوه وحجته أنه يسمى تكبيرا حقيقة فيدخل في قوله تحريمها التكبير وحجة الشافعي أن المعرف في معنى المنكر فاللام لم تخرجه عن موضوعه بل هي زيادة في اللفظ غير مخلة بالمعنى بخلاف الله الكبير وكبرت الله ونحوه فإنه ليس فيه من التعظيم والتفضيل والاختصاص ما في لفظه الله أكبر
والصحيح قول الأكثرين وأنه يتعين الله أكبر لخمس حجج
إحداها قوله تحريمها التكبير واللام هنا للعهد فهي كاللام في قوله مفتاح الصلاة الطهور وليس المراد به كل طهور بل الطهور الذي واظب عليه رسول الله وشرعه لأمته وكان فعله له تعليما وبيانا لمراد الله من كلامه وهكذا التكبير هنا هو التكبير المعهود الذي نقلته الأمة نقلا ضروريا خلفا عن سلف عن نبيها أنه كان يقوله في كل صلاة لا يقول غيره ولا مرة واحدة فهذا هو المراد بلا شك في قوله تحريمها التكبير وهذا حجة على من جوز الله أكبر والله أكبر فإنه وإن سمي تكبيرا لكنه ليس التكبير المعهود المراد بالحديث

(1/62)


......................
__________
الصلاة لأنه يحرم الأكل والشرب وغيرهما على المصلى ويمكن أن يقال: إن التحريم بمعنى الإحرام، أي الدخول في حرمتها، فالتحليل بمعنى الخروج عن حرمتها. قال السيوطي: قال الرافعي: وقد روى محمد بن أسلم في مسنده هذا الحديث بلفظ: "وإحرامها التكبير وإحلالها
ـــــــ
الحجة الثانية أن النبي قال للمسيء في صلاته إذا قمت إلى الصلاة فكبر ولا يكون ممتثلا للأمر إلا بالتكبير وهذا أمر مطلق يتقيد بفعله الذي لم يخل به هو ولا أحد من خلفائه ولا أصحابه
الحجة الثالثة ما روى أبو داود من حديث رفاعة أن النبي قال لا يقبل الله صلاة امرىء حتى يضع الطهور مواضعه ثم يستقبل القبلة ويقول الله أكبر
الحجة الرابعة أنه لو كانت الصلاة تنعقد بغير هذا اللفظ لتركه النبي ولو في عمره مرة واحدة لبيان الجواز فحيث لم ينقل أحد عنه قط أنه عدل عنه حتى فارق الدنيا دل على أن الصلاة لا تنعقد بغيره الحجة الخامسة أنه لو قام غيره مقامه لجاز أن يقوم غير كلمات الأذان مقامها وأن يقول المؤذن كبرت الله أو الله الكبير أو الله أعظم ونحوه بل تعين لفظة الله أكبر في الصلاة أعظم من تعينها في الأذان لأن كل مسلم لا بد له منها وأما الأذان فقد يكون في المصر مؤذن واحد أو اثنان والأمر بالتكبير في الصلاة آكد من الأمر بالتكبير في الأذان
وأما حجة أصحاب الشافعي على ترادف الله أكبر والله الأكبر فجوابها أنهما ليسا بمترادفين فإن الألف واللام اشتملت على زيادة في اللفظ ونقص في المعنى وبيانه أن أفعل التفضيل إذا نكر وأطلق تضمن من عموم الفضل وإطلاقه عليه ما لم يتضمنه المعرف فإذا قيل الله الأكبر كان معناه من كل شيء وأما إذا قيل الله أكبر فإنه يتقيد معناه ويتخصص ولا يستعمل هذا إلا في مفضل عليه معين كما إذا قيل من أفضل أزيد أم عمرو فيقول زيد الأفضل هذا هو المعروف في اللغة والاستعمال فإن أداة التعريف لا يمكن أن يؤتى بها إلا مع من وأما بدون من فلا يؤتى بالأداة فإذا حذف المفضل عليه مع الأداة أفاد التعمم وهذا لا يتأتى مع اللام وهذا المعنى مطلوب من القائل الله أكبر بدليل ما روى الترمذي من حديث عدي بن حاتم الطويل أن النبي قال له ما يضرك أيضرك أن يقال الله أكبر فهل تعلم شيئا أكبر من الله وهذا مطابق لقوله تعالى {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً} وهذا يقتضي جوابا لا شيء أكبر شهادة من الله فالله أكبر شهادة من كل شيء كما أن قوله لعدي هل تعلم شيئا أكبر من الله يقتضي جوابا لا شيء أكبر من الله فالله أكبر من كل شيء
وفي افتتاح الصلاة بهذا اللفظ المقصود منه استحضار هذا المعنى وتصوره سر عظيم يعرفه أهل الحضور المصلون بقلوبهم وأبدانهم فإن العبد إذا وقف بين يدي الله عز وجل وقد علم أن لا شيء

(1/63)


................
__________
التسليم" قال الحافظ أبو بكر بن العربي في شرح الترمذي قوله: " تحريمها التكبير " يقتضي. أن تكبيرة الإحرام جزء من أجزائها كالقيام والركوع والسجود خلافاً لسعيد والزهري فإنهما يقولان إن الإحرام يكون بالنية، وقوله "التكبير" يقتضي اختصاص إحرام الصلاة بالتكبير دون غيره من
ـــــــ
أكبر منه وتحقق قلبه ذلك وأشربه سره استحي من الله ومنعه وقاره وكبرياؤه أن يشغل قلبه بغيره وما لم يستحضر هذا المعنى فهو واقف بين يديه بجسمه وقلبه يهيم في أودية الوساوس والخطرات وبالله المستعان فلو كان الله أكبر من كل شيء في قلب هذا لما اشتغل عنه وصرف كلية قلبه إلى غيره كما أن الواقف بين يدي الملك المخلوق لما لم يكن في قلبه أعظم منه لم يشغل قلبه بغيره ولم يصرفه عنه صارف
فصل
الحكم الثالث قوله تحليلها التسليم والكلام في إفادته الحصر كالكلام في الجملتين قبله والكلام في التسليم على قسمين أحدهما أنه لا ينصرف من الصلاة إلا بالتسليم وهذا قول جمهور العلماء وقال أبو حنيفة لا يتعين التسليم بل يخرج منها بالمنافي لها من حدث أو عمل مبطل ونحوه واستدل له بحديث ابن مسعود الذي رواه أحمد وأبو داود في تعليمه التشهد وبأن النبي لم يعلمه المسيء في صلاته ولو كان فرضا لعلمه إياه وبأنه ليس من الصلاة فإنه ينافيها ويخرج به منها ولهذا لو أتى به في أثنائها لأبطلها وإذا لم يكن منها علم أنه شرع منافيا لها والمنافي لا يتعين هذا غاية ما يحتج له به
والجمهور أجابوا عن هذه الحجج أما حديث ابن مسعود فقال الدارقطني والخطيب والبيهقي وأكثر الحفاظ الصحيح أن قوله إذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك من كلام ابن مسعود فصله شبابة عن زهير وجعله من كلام ابن مسعود وقوله أشبه بالصواب ممن أدرجه وقد اتفق من روى تشهد ابن مسعود رضي الله عنه على حذفه
وأما كون النبي لم يعلمه المسيء في صلاته فما أكثر ما يحتج بهذه الحجة على عدم واجبات في الصلاة ولا تدل لأن المسيء لم يسيء في كل جزء من الصلاة فلعله لم يسيء في السلام بل هذا هو الظاهر فإنهم لم يكونوا يعرفون الخروج منها إلا بالسلام
وأيضا فلو قدر أنه أساء فيه لكان غاية ما يدل عليه ترك التعليم استصحاب براءة الذمة من الوجوب فكف يقدم على الأدلة الناقلة لحكم الاستصحاب
وأيضا فأنتم لم توجبوا في الصلاة كل ما أمر به المسيء فكيف تحتجون بترك أمره على عدم الوجوب ودلالة الأمر على الوجوب أقوى من دلالة تركه على نفي الوجوب فإنه قال إذا قمت إلى الصلاة فكبر ولم توجبوا التكبير وقال ثم اركع حتى تطمئن راكعا وقلتم لو ترك الطمأنينة لم تبطل صلاته وإن كان مسيئا

(1/64)


.................
__________
صفات تعظيم الله تعالى وهو تخصيص لعموم قوله {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} فخص التكبير بالسنة من الذكر المطلق في القرآن لاسيما وقد اتصل في ذلك فعله بقوله، فكان يكبر صلى الله عليه وسلم، ويقول: الله أكبر. وقال أبو حنيفة: يجوز بكل لفظ فيه تعظيم الله تعالى لعموم القرآن. وقال الشافعي: يجوز
ـــــــ
وأما قولكم إنه ليس من الصلاة فإنه ينافيها ويخرج منها به فجوابه أن السلام من تمامها وهو نهايتها ونهاية الشيء منه ليس خارجا عن حقيقته ولهذا أضيف إليها إضافة الجزء بخلاف مفتاحها فإن إضافته إضافة مغاير بخلاف تحليلها فإنه يقتضي أنه لا يتحلل منها إلا به.
وأما بطلان الصلاة إذا فعله في أثنائها فلأنه قطع لها قبل إتمامها وإتيان بنهايتها قبل فراغها فلذلك أبطلها فالتسليم آخرها وخاتمها كما في حديث أبي حميد يختم صلاته بالتسليم فنسبة التسليم إلى آخرها كنسبة تكبيرة الإحرام إلى أولها فقول الله أكبر أول أجزائها وقول السلام عليكم آخر أجزائها.
ثم لو سلم أنه ليس جزءا منها فإنه تحليل لها لا يخرج منها إلا به وذلك لا ينفي وجوبه كتحللات الحج فكونه تحليلا لا يمنع الإيجاب فإن قيل ولا يقتضي قيل إذا ثبت انحصار التحليل في السلام تعين الإتيان به وقد تقدم بيان الحصر من وجهين.
فصل
وقد دل هذا الحديث على أن كل ما تحريمه التكبير وتحليله التسليم فمفتاحه الطهور فيدخل في هذا الوتر بركعة خلافا لبعضهم.
واحتج بقوله صلاة الليل والنهار مثنى مثنى .
وجوابه أن كثيرا من الحفاظ طعن في هذه الزيادة ورأوها غير محفوظة.
وأيضا فإن الوتر تحريمه التكبير وتحليله التسليم فيجب أن يكون مفتاحه الطهور وأيضا فالمغرب وتر لا مثنى والطهارة شرط فيها.
وأيضا فالنبي سمي الوتر صلاة بقوله فإذا خفت الصبح فصل ركعة توتر لك ما قد صليت.
وأيضا فإجماع الأمة من الصحابة ومن بعدهم على أطلاق اسم الصلاة على الوتر فهذا القول في غاية الفساد.
ويدخل في الحديث أيضا صلاة الجنازة لأن تحريمها التكبير وتحليلها التسليم وهذا قول أصحاب رسول الله لا يعرف عنهم فيه خلاف وهو قول الأئمة الأربعة وجمهور الأمة خلافا لبعض التابعين وقد

(1/65)


.................
__________
بقولك: الله الأكبر. وقال أبو يوسف: يجوز بقولك: الله الكبير. أما الشافعي فأشار إلى أن الألف واللام زيادة لم تخل باللفظ ولا بالمعنى. وأما أبو يوسف فتعلق بأنه لم يخرج من اللفظ الذي هو التكبير. قلنا لأبي يوسف إن كان لا يخرج من اللفظ الذي هو في الحديث فقد خرج من اللفظ
ـــــــ
ثبت عن النبي تسميتها صلاة وكذلك عن الصحابة وحملة الشرع كلهم يسمونها صلاة.
وقول النبي مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم هو فصل الخطاب في هذه المسائل وغيرها طردا وعكسا فكل ما كان تحريمه التكبير وتحليله التسليم فلا بد من افتتاحه بالطهارة.
فإن قيل فما تقولون في الطواف بالبيت فإنه يفتتح بالطهارة ولا تحريم فيه ولا تحليل قيل شرط النقض أن يكون ثابتا بنص أو إجماع وقد اختلف السلف والخلف في اشتراط الطهارة للطواف على قولين أحدهما أنها شرط كقول الشافعي ومالك وإحدى الروايتين عن أحمد والثاني ليست بشرط نص عليه في رواية ابنه عبد الله وغيره بل نصه في رواية عبد الله تدل على أنها ليست بواجبة فإنه قال أحب إلي أن يتوضأ وهذا مذهب أبي حنيفة قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية وهذا قول أكثر السلف قال وهو الصحيح فإنه لم ينقل أحد عن النبي أنه أمر المسلمين بالطهارة لا في عمره ولا في حجته مع كثرة من حج معه واعتمر ويمتنع أن يكون ذلك واجبا ولا يبنيه للأمة وتأخير البيان عن وقته ممتنع.
فإن قيل فقد طاف النبي متوضئا وقال خذوا عني مناسككم .
قيل الفعل لا يدل على الوجوب والأخذ عنه هو أن يفعل كما فعل على الوجه الذي فعل فإذا كان قد فعل فعلا على وجه الاستحباب فأوجبناه لم نكن قد أخذنا عنه ولا تأسينا به مع أنه فعل في حجته أشياء كثيرة جدا لم يوجبها أحد من الفقهاء
فإن قيل فما تقولون في حديث ابن عباس الطواف بالبيت صلاة قيل هذا قد اختلف في رفعه ووقفه فقال النسائي والدارقطني وغيرهما الصواب أنه موقوف وعلى تقدير رفعه فالمراد شبيه بالصلاة كما شبه انتظار الصلاة بالصلاة وكما قال أبو الدرداء ما دمت تذكر الله فأنت في صلاة وإن كنت في السوق ومنه قوله إن أحدكم في صلاة ما دام يعمد إلى الصلاة فالطواف وإن سمي صلاة فهو صلاة بالاسم العام ليس بصلاة خاصة والوضوء إنما يشترط للصلاة الخاصة ذات التحريم والتحليل.
فإن قيل فما تقولون في سجود التلاوة والشكر.
قيل فيه قولان مشهوران أحدهما يشترط له الطهارة وهذا هو المشهور عند الفقهاء ولا يعرف

(1/66)


............
__________
الذي جاء به الفعل، ففسر المطلق في القول، وذلك لا يجوز في العبادات التي لا يتطرق إليها التعليل، وبهذا يرد على الشافعي أيضاً، فإن العبادات إنما تفعل على الرسم الوارد دون نظر إلى شيء من المعنى وقوله: " تحليلها التسليم " مثله في حصر الخروج عن الصلاة في التسليم دون غيره
ـــــــ
كثير منهم فيه خلافا وربما ظنه بعضهم إجماعا والثاني لا يشترط له الطهارة وهذا قول كثير من السلف حكاه عنهم ابن بطال في شرح البخاري وهو قول عبد الله بن عمر ذكره البخاري عنه في صحيحه فقال وكان ابن عمر يسجد للتلاوة على غير وضوء وترجمه البخاري واستدلاله يدل على اختياره إياه فإنه قال باب من قال يسجد على غير وضوء هذا لفظه.
واحتج الموجبون للوضوء له بأنها صلاة قالوا فإنه له تحريم وتحليل كما قاله بعض أصحاب أحمد والشافعي وفيه وجه أنه يتشهد له وهذا حقيقة الصلاة والمشهور من مذهب أحمد عند المتأخرين أنه يسلم له وقال عطاء وابن سيرين إذا رفع رأسه يسلم وبه قال إسحاق بن راهويه واحتج لهم بقوله تحريمها التكبير وتحليلها التسليم قالوا ولأنه يفعل تبعا للامام ويعتبر أن يكون القارىء يصلح إماما للمستمع وهذا حقيقة الصلاة.
قال الآخرون ليس معكم باشتراط الطهارة له كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح وأما استدلالكم بقوله تحريمها التكبير وتحليلها التسليم فهو من أقوى ما يحتج به عليكم فإن أئمة الحديث والفقه ليس فيهم أحد قط نقل عن النبي ولا عن أحد من أصحابه أنه سلم منه وقد أنكر أحمد السلام منه قال الخطابي وكان أحمد لا يعرف التسليم في هذا ويذكر نحوه عن إبراهيم النخعي وكذلك المنصوص عن الشافعي أنه لا يسلم فيه.
والذي يدل على ذلك أن الذين قالوا يسلم منه إنما احتجوا بقول النبي وتحليلها التسليم وبذلك احتج لهم إسحاق وهذا استدلال ضعيف فإن النبي وأصحابه فعلوها ولم ينقل عنهم سلام منها ولهذا أنكره أحمد وغيره وتجويز كونه سلم منه ولم ينقل كتجويز كونه سلم من الطواف.
قالوا والسجود هو من جنس ذكر الله وقراءة القرآن والدعاء ولهذا شرع في الصلاة وخارجها فكما لا يشترط الوضوء لهذه الأمور وإن كانت من أجزاء الصلاة فكذا لا يشترط للسجود وكونه جزءا من أجزائها لا يوجب أن لا يفعل إلا بوضوء واحتج البخاري بحديث ابن عباس أن النبي سجد بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس ومعلوم أن الكافر لا وضوء له.
قالوا وأيضا فالمسلمون الذين سجدوا معه لم ينقل أن النبي أمرهم بالطهارة ولا سألهم

(1/67)


..............
__________
من سائر الأفعال والأقوال المناقضة للصلاة خلافاً لأبي حنيفة حيث يرى الخروج منها بكل فعل وقول مضاد كالحدث وغيره حملا على السلام وقياساً عليه وهذا يقتضي إبطال الحصر. انتهى
ـــــــ
هل كنتم متطهرين أم لا ولو كانت الطهارة شرطا فيه للزم أحد الأمرين إما أن يتقدم أمره لهم بالطهارة وإما أن يسألهم بعد السجود ليبين لهم الاشتراط ولم ينقل مسلم واحدا منهما.
فإن قيل فلعل الوضوء تأخرت مشروعيته عن ذلك وهذا جواب بعض الموجبين قيل الطهارة شرعت للصلاة من حين المبعث ولم يصل قط إلا بطهارة أناه جبريل فعلمه الطهارة والصلاة وفي حديث إسلام عمر أنه لم يمكن من مس القرآن إلا بعد تطهره فكيف نظن أنهم كانوا يصلون بلا وضوء.
قالوا وأيضافيبعد جدا أن يكون المسلمون كلهم إذ ذاك على وضوء.
قالوا وأيضا ففي الصحيحين عن عبد الله بن عمر قال كان رسول الله يقرأ القرآن فيقرأ السورة فيها السجدة فيسجد ونسجد معه حتى ما يجد بعضنا موضعا لمكان جبهته قالوا وقد كان يقرأ القرآن عليهم في المجامع كلها ومن البعيد جدا أن يكون كلهم إذ ذاك على وضوء وكانوا يسجدون حتى لا يجد بعضهم مكانا لجبهته ومعلوم أن مجامع الناس تجمع المتوضىء وغيره.
قالوا وأيضا فقد أخبر الله تعالى في غير موضع من القرآن أن السحرة سجدوا لله سجدة فقبلها الله منهم ومدحهم عليها ولم يكونوا متطهرين قطعا ومنازعونا يقولون مثل هذا السجود حرام فكيف يمدحهم ويثني عليهم بما لا يجوز.
فإن قيل شرع من قبلنا ليس بشرع لنا.
قيل قد احتج الأئمة الأربعة بشرع من قبلنا وذلك منصوص عنهم أنفسهم في غير موضع قالوا سلمنا لكن ما لم يرد شرعنا بخلافه قال المجوزون فأين ورد في شرعنا خلافه قالوا وأيضا فأفضل أجزاء الصلاة وأقوالها هو القراءة ويفعل بلا وضوء فالسجود أولى.
قالوا وأيضا فالله سبحانه وتعالى أثنى على كل من سجد عند التلاوة فقال تعالى {إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّداً} وهذا يدل على أنهم سجدوا عقب تلاوته بلا فضل سواء كانوا بوضوء أو بغيره لأنه أثنى عليهم بمجرد السجود عقب التلاوة ولم يشترط وضوءا وكذلك قوله تعالى{ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً}

(1/68)


............
__________
بتلخيصه. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه. هذا الحديث أصح شيء في الباب وأحسن. انتهى
ـــــــ
قالوا وكذلك سجود الشكر مستحب عند تجدد النعم المنتظرة وقد تظاهرت السنة عن النبي بفعله في مواضع متعددة وكذلك أصحابه مع ورود الخبر السار عليهم بغتة وكانوا يسجدون عقبه ولم يؤمروا بوضوء ولم يخبروا أنه لا يفعل إلا بوضوء ومعلوم أن هذه الأمور تدهم العبد وهو على غير طهارة فلو تركها لفاتت مصلحتها.
قالوا ومن الممتنع أن يكون الله تعالى قد أذن في هذا السجود وأثنى على فاعله وأطلق ذلك وتكون الطهارة شرطا فيه ولا يسنها ولا يأمر بها رسول الله أصحابه ولا روي عنه في ذلك حرف واحد وقياسه على الصلاة ممتنع لوجهين.
أحدهما أن الفارق بينه وبين الصلاة أظهر وأكثر من الجامع إذ لا قراءة فيه ولا ركوع لا فرضا ولا سنة ثابتة بالتسليم ويجوز أن يكون القارىء خلف الإمام فيه ولا مصافة فيه وليس إلحاق محل النزاع بصور الاتفاق أولى من إلحاقه بصور الافتراق.
الثاني أن هذا القياس إنما يمتنع لو كان صحيحا إذا لم يكن الشيء المقيس قد فعل على عهد النبي ثم تقع الحادثة فيحتاج المجتهد أن يلحقها بما وقع على عهده من الحوادث أو شملها نصه وأما مع سجوده وسجود أصحابه وإطلاق الإذن في ذلك من غير تقييد بوضوء فيمتنع التقييد به فإن قيل فقد روى البيهقي من حديث الليث عن نافع عن ابن عمر أنه قال لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر وهذا يخالف ما رويتموه عن ابن عمر مع أن في بعض الروايات وكان ابن عمر يسجد على وضوء وهذا هو اللائق به لأجل رواية الليث.
قيل أما أثر الليث فضعيف.
وأما رواية من روى كان يسجد على وضوء فغلط لأن تبويب البخاري واستدلاله قوله والمشرك ليس له وضوء يدل على أن الرواية بلفظ غير وعليها أكثر الرواة ولعل الناسخ استشكل ذلك فظن أن لفظه غير غلط فأسقطها ولاسيما إن كان قد اغتر بالأثر الضعيف المروي عن الليث وهذا هو الظاهر فإن إسقاط الكلمة للاستشكال كثير جدا وأما زيادة غير في مثل هذا الموضع فلا يظن زيادتها غلطا ثم تتفق عليها النسخ المختلفة أو أكثرها

(1/69)


-32 باب الرجل يجدد الوضوء من غير حدث
62 - حدثنا مُحمّدُ بنُ يَحْيَى بنِ فَارِسٍ قال حدثنا عَبْدُالله بنُ يَزِيدَ المُقْرِئِيّ ح. وحدثنا مُسَدّدٌ قال حدثنا عيسى بنُ يُونُسَ قالا حدثنا عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ زِيادٍ، قال أبُو دَاوُد: وَأنَا لِحَدِيثِ ابنِ يَحْيَى أضْبَطُ، عن غُطَيْفٍ، وقال مُحمّدُ عن أبي غُطَيْفٍ الهُذَلِيّ قال: كُنْتُ عِنْدَ ابنِ عُمَرَ، فَلَمّا نُودِيَ بالظّهْرِ تَوَضّأَ فَصَلّى، فَلَمّا نُودِيَ بالعَصْرِ تَوَضّأ، فَقُلْتُ لَهُ، فَقَالَ: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: " مَنْ تَوَضّأَ عَلَى طُهْرٍ كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ". قال أبُو داوُد: وَهَذَا حَدِيثُ مُسَدّدٍ وَهُوَ أتَمّ.
__________
"باب الرجل يجدد"
من التجديد وفي بعض النسخ يحدث من الإحداث وهما بمعنى واحد.
"قال": أبو غطيف "نودي": أُذن "فقلت له": أي لابن عمر في تكراره الوضوء مع كونه متوضئاً "فقال": ابن عمر " على ظهر ": أي مع كونه طاهراً " كتب له عشر حسنات ": قال ابن رسلان في شرحه: يشبه أن يكون المراد كتب الله به عشرة وضوءات، فإن أقل ما وعد به من الأضعاف الحسنة بعشر أمثالها، وقد وعد بالواحدة سبعمائة ووعد ثواباً بغير حساب. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا إسناد ضعيف "وهو أتم": أي أكمل وأزيد من حديث محمد بن يحيى، وحديث محمد بن يحيى أنقص من حديث مسدد، وهذا لا ينافي قوله: وأنا لحديث ابن يحيى أضبط، لأن الضبط هو الإتقان والحفظ، ولا منافاة بين الإتقان والحفظ وبين الكمال والزيادة، فيجوز أن يكون الشيء أكمل وأزيد، ولا يكون أشد محفوظية، وكذا يجوز أن يكون الشيء أشد محفوظية ولا يكون أكمل وأزيد

(1/70)


33 باب ما يُنجس الماء
- 63 حدثنا مُحمّدُ بنُ العَلاَءِ وَ عُثْمَانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ وَ الحَسَنُ بنُ عَلِيَ وَغَيْرُهُمْ قالُوا حدثنا أبُو أُسَامَةَ عن الوَلِيدِ بنِ كثَيرٍ عن مُحمّدِ بنِ جَعفَرِ بنِ الزّبَيْرِ عن عَبْدِالله بنِ
__________
باب ما يُنجس الماء
مضارع معلوم من باب التفعيل، أي أيّ شيء ينجس الماء، فعلم من الحديث أن كون الماء أقل من القلتين ينجسه بوقوع النجاسة فيه.

(1/70)


عَبْدِالله بنِ عُمَرَ عن أبيهِ قال: "سُئِلَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم عَن المَاءَ وَما يَنُوبُهُ مِنَ الدّوَابّ والسّبَاعِ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذَا كان المَاءُ قُلّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الخَبَثَ "
قال أبو داوُد: هَذَا لَفْظُ ابنِ العَلاَءِ، وقال عُثْمَانُ والحَسَنُ بنُ عَلِيَ عن مُحمّدِ بنِ عَبّادِ بنِ جَعْفَرٍ، قال أبُو داوُدَ: وَهُوَ الصّوَابُ.
__________
"عن الماء وما ينوبه": هو بالنون، أي يرد عليه نوبة بعد نوبة، وحاصله أي ما حال الماء الذي تنوبه الدواب والسباع، أي يشرب منها ويبول ويلقي الروث فيها " قلتين ": القلة بضم القاف وتشديد اللام بمعنى الجرة العظيمة. روى الدارقطني في سننه بسند صحيح عن عاصم بن المنذر أنه قال: القلال هي الجوابي العظام. وقال في التلخيص: قال إسحاق بن راهويه: الخابية تسع ثلاث قرب وعن إبراهيم قال: القلتان الجرتان الكبيرتان. وعن الأوزاعي قال: القلة ما تقله اليداي ترفعه. وأخرج البيهقي من طريق ابن إسحاق قال: القلة الجرة التي تستقي فيها الماء والدورق. ومال أبو عبيد في كتاب الطهور إلى تفسير عاصم بن المنذر وهو أولى. وروى على بن الجعد عن مجاهد قال: القلتان الجرتان ولم يقيدهما بالكبر وعن عبدالرحمن بن مهدي ووكيع ويحيى بن آدم مثله. رواه ابن المنذر. انتهى " لم يحمل الخبث ": بفتحتين: النجس ومعناه لم ينجس بوقوع النجاسة فيه كما فسره الرواية الآتية إذا بلغ الماء قلتين فإنه لا ينجس، وتقدير المعنى لا يقبل النجاسة، بل يدفعها عن نفسه. ولو كان المعنى أنه يضعف عن حمله لم يكن للتقييد بالقلتين معنى، فإن ما دونهما أولى بذلك. وقيل معناه لا يقبل حكم النجاسة كما في قوله تعالى {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا} أي لم يقبلوا حكمها "هذا لفظ ابن العلاء": أي قال محمد بن العلاء في روايته محمد بن جعفر بن الزبير "محمد بن عباد بن جعفر": مكان محمد بن جعفر بن الزبير. وحاصله الاختلاف على الوليد بن كثير، فقيل عنه عن محمد بن جعفر بن الزبير، وقيل عنه عن محمد بن عباد بن جعفر "وهو الصواب": أي محمد بن عباد هو الصواب. واعلم أنه قد اختلف الحفاظ في هذا الاختلاف بين محمد بن عباد ومحمد بن جعفر، فمنهم من ذهب إلى الترجيح فقال المؤلف: حديث محمد بن عباد هو الصواب. وذكر عبدالرحمن بن أبي حاتم في كتاب العلل عن أبيه أنه قال: محمد بن عباد بن جعفر ثقة ومحمد بن جعفر بن الزبير ثقة، والحديث لمحمد بن جعفر بن الزبير أشبه. وقال ابن منده: واختلف على أبي أسامة فروي عنه عن الوليد بن كثير عن محمد بن عباد بن جعفر، وقال مرة عن محمد بن جعفر بن الزبير وهو الصواب، لأن عيسى بن يونس رواه عن الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيدالله بن عبد الله بن عمر عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل فذكره، وأما الدارقطني فإنه جمع بين الروايتين فقال: ولما اختلف على أبي

(1/71)


64 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعيلَ قال حدثنا حَمّادٌ ح. وحدثنا أبو كامِلٍ حدثنا يَزيدُ يَعْني ابنَ زُرَيْعٍ عن مُحمّدِ بنِ إسْحاقَ عن مُحمّدِ بنِ جَعْفَرٍ، قال أبُو كامِلِ ابنُ الزّبَيْرِ عن عُبَيْدَالله بن عَبْدِالله بنِ عُمَرَ عن أبِيهِ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عن المَاءِ يَكُونُ في الفَلاَةِ فَذَكَرَ مَعْنَاهُ.
__________
أسامة في إسناده أحببنا أن نعلم من أتى بالصواب في ذلك فوجدنا شعيب بن أيوب قد رواه عن أبي أسامة عن الوليد بن كثير على الوجهين جميعاً عن محمد بن جعفر بن الزبير، ثم أتبعه عن محمد بن عباد بن جعفر فصح القولان جميعاً عن أبي أسامة وصح أن الوليد بن كثير رواه عن محمد بن جعفر بن الزبير وعن محمد بن جعفر جميعاً، فكان أبو أسامة يحدث به عن الوليد بن كثير عن محمد بن عباد بن جعفر بن الزبير، ومرة يحدث به عن الوليد عن محمد بن عباد بن جعفر، وكذلك البيهقي. قاله الزيلعي.
قلت: هو جمع حسن. والحديث أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه والشافعي وأحمد وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني والبيهقي. قال الحاكم: صحيح على شرطهما. وقد احتجا بجميع رواته. وقال ابن منده: إسناده على شرط مسلم ومداره على الوليد بن كثير، فقيل عنه عن محمد بن جعفر بن الزبير، وقيل عنه عن محمد بن عباد بن جعفر، وتارة عن عبيدالله بن عبد الله بن عمر. وتارة عن عبد الله بن عبد الله بن عمر والجواب: أن هذا ليس اضطراباً قادحاً، فإنه على تقدير أن يكون الجميع محفوظاً انتقال من ثقة إلى ثقة، وعند التحقيق الصواب أنه عند الوليد بن كثير عن محمد بن عباد بن جعفر عن عبد الله بن عبد الله بن عمر المكبر، وعن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيدالله بن عبد الله بن عمر المصغر، ومن رواه على غير هذا الوجه فقدوهم. كذا في التلخيص.
"عن محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر": فكلاهما، أي حماد بن سلمة ويزيد بن زريع يرويان عن محمد بن إسحاق. كذا في منهية الشرح "ابن الزبير": مكان محمد بن جعفر، أي قال أبو كامل بإسناده إلى محمد بن إسحاق عن ابن الزبير عن عبيدالله بن عبد الله، وأما موسى بن إسماعيل فقال بإسناده إلى محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر عن عبيدالله بن عبد الله، ففي رواية أبي كامل نسب محمد بن جعفر إلى جده، وفي رواية موسى بن إسماعيل نسب إلى أبيه ويحتمل أن أبا كامل قال في روايته محمد بن جعفر بن الزبير بذكر والد جعفر أي الزبير، وقال موسى محمد بن جعفر بغير ذكر والد جعفر، والله أعلم. كذا في "منهية" غاية المقصود "الفلاة": بفتح الفاء: الأرض لا ماء فيها، والجمع فلا، مثل حصاة وحصى "فذكر معناه": أي مثل الحديث الأول.

(1/72)


65 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعيلَ قال حدثنا حَمّادٌ قال أخبرنا عَاصِمُ بنُ المُنْذِرِ عن عُبَيْدِالله بنِ عَبْدِالله بنِ عُمَرَ قال حَدّثَني أبي أنّ رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذَا كان المَاءُ قُلّتَيْنِ فإنّهُ لاَ يَنْجَسُ ".
__________
" قلتين ": والمراد من القلال قلال هجر لكثرة استعمال العرب لها في أشعارهم كما قال أبو عبيد في كتاب الطهور، وكذلك ورد التقيد بها في الحديث الصحيح قال البيهقي في معرفة السنن والآثار: قلال هجر كانت مشهورة عند أهل الحجاز ولشهرتها عندهم شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأى ليلة المعراج من نيق سدرة المنتهى بقلال هجر، فقال: مثل آذان الفيلة وإذا نبقها مثل قلال هجر. واعتذار الطحاوي في ترك الحديث أصلاً بأنه لا يعلم مقدار القلتين لا يكون عذراً عند من علمه. انتهى " فإنه ": أي الماء " لا ينجس ": بفتح الجيم وضمها وهذا مفسر لقوله صلى الله عليه وسلم يحمل الخبث. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه. وسئل يحيى بن معين عن حديث حماد بن سلمة عن عاصم بن المنذر فقال: هذا جيد الإسناد، فقيل له: فإن ابن علية لم يرفعه، قال يحيى: وإن لم يحفظه ابن علية، فالحديث حديث جيد الإسناد. وقال أبو بكر البيهقي: وهذا إسناد صحيح موصول. انتهى "حماد بن زيد وقفه عن عاصم": قال الدارقطني في سننه: خالفه حماد بن زيد فرواه عن عاصم بن المنذر عن أبي بكر بن عبيدالله بن عبد الله بن عمر عن أبيه موقوفاً غير مرفوع، وكذلك رواه إسماعيل بن علية عن عاصم بن المنذر عن رجل لم يسمه عن ابن عمر موقوفاً أيضاً. انتهى.
ـــــــ
قال الشيخ شمس الدين بن القيم في باب ما ينجس الماء ورواه الحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط البخاري ومسلم وصححه الطحاوي رواه الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه هكذا رواه إسحاق بن راهويه وجماعة عن أبي أسامة عن الوليد ورواه الحميدي عن أبي أسامة حدثنا الوليد عن محمد بن عباد بن جعفر عن عبد الله بن عبد الله عن أبيه فهذان وجهان قال الدارقطني في هاتين الروايتين فلما اختلف على أبي أسامة اخترنا أن نعلم من أتى بالصواب فنظرنا في ذلك فإذا شعيب بن أيوب قد روى عن أبي أسامة وصح أن الوليد بن كثير رواه عنهما جميعا وكان أبو أسامة مرة يحدث به عن الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير ومرة يحدث به عن الوليد عن محمد بن عباد بن جعفر ورواه محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه رواه جماعة عن ابن إسحاق وكذلك رواه حماد بن سلمة عن عاصم بن المنذر عن عبيد الله بن عبد الله عن أبيه وفيه تقوية لحديث ابن إسحاق فهذه أربعة أوجه

(1/73)


قال أبُو دَاوُدَ: حَمّادُ بنُ زَيْدٍ وَقَفَهُ عن عَاصِمٍ.
__________
وقد سلف آنفاً ما يجاب عن هذا. واعلم أن حديث القلتين صحيح ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعمول به. قال يحيى بن معين: جيد الإسناد وقال البيهقي: إسناد صحيح موصول، وصححه الدارقطني وابن خزيمة وابن حبان والحاكم، وقال ابن منده: هو صحيح على شرط مسلم، وقال الترمذي في جامعه: قال أبو عيسى وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق قالوا: إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء ما لم يتغير ريحه أو طعمه، وقالوا: يكون نحواً من خمس قرب. وفي المحلى شرح الموطأ: وقال الشافعي: ما بلغ القلتين فهو كثير لا ينجس بوقوع النجاسة، وبه قال إسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وجماعة من أهل الحديث، منهم ابن خزيمة انتهى. وأما الجرح في حديث القلتين كما ذهب إليه الحافظ بن عبدالبر والقاضي إسماعيل بن إسحاق وغيرهما، فلا يقبل جرحهم إلا ببيان واضح وحجة بالغة. وقد حقق شيخنا العلامة الأجل الأكمل السيد محمد نذير حسين المحدث الدهلوي هذا المبحث بما لا مزيد عليه وقال في آخره: وبهذا التحقيق اندفع ما قال بعض قاصري الأنظار المعذورين في بعض الحواشي على بعض الكتب، ولا يخفي أن الجرح مقدم على التعديل
ـــــــ
ووجه خامس محمد بن كثير المصيصي عن زائدة عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر عن النبي
ووجه سادس معاوية بن عمرو عن زائدة عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر قوله قال البيهقي وهو الصواب يعني حديث مجاهد
ووجه سابع بالشك في قلتين أو ثلاث ذكرها يزيد بن هارون وكامل بن طلحة وإبراهيم بن الحجاج وهدبة بن خالد عن حماد بن سلمة عن عاصم بن المنذر بن الزبير قال دخلت مع عبيد الله بن عبد الله بن عمر بستانا فيه مقراة ماء فيه جلد بعير ميت فتوضأ منه فقلت أتتوضأ منه وفيه جلد بعير ميت فحدثني عن أبيه عن النبي قال إذا بلغ الماء قدر قلتين أو ثلاث لم ينجسه شي ء ورواه أبو بكر النيسابوري حدثني أبو حميد المصيصي حدثنا حجاج قال ابن جريج أخبرني لوط عن ابن إسحاق عن مجاهد أن ابن عباس قال إذا كان الماء قلتين فصاعدا لم ينجسه شيء ورواه أبو بكر بن عياش عن أبان بن أبي يحيى عن ابن عباس كذلك موقوفا وروى أبو أحمد بن عدي من حديث القاسم العمري عن محمد بن المنكدر عن جابر قال قال رسول الله إذا بلغ الماء أربعين قلة لا يحمل الخبث تفرد به القاسم العمري هكذا وهو ضعيف وقد نسب إلى الغلط فيه وقد ضعف القاسم أحمد والبخاري ويحيى بن معين وغيرهم قال البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال سمعت أبا علي الحافظ يقول حديث محمد بن المنكدر عن جابر عن النبي إذا بلغ الماء أربعين قلة خطأ والصحيح عن محمد بن المنكدر عن عبد الله بن عمرو قوله

(1/74)


..............
__________
فلا يدافعه تصحيح بعض المحدثين له من ذكره ابن حجر وغيره. ووجه الاندفاع لا يخفي عليك بعد التأمل الصادق ألا ترى أن تقديم الجرحعلى التعديل فرع لوجود الجرح، وقد نفيناه لعدم وجود وجهه وجعلناه هباءً منثوراً، فأين المقدم وأين التقديم، وإن سلمنا أن وجه الاضطراب في الإسناد والمتن والمبني فقد نفينا الاضطراب في الإسناد وسننفى الأخيرين. وقد قال الشيخ محب الله البهاري في المُسلّم: إذا تعارض الجرح والتعديل فالتقديم للجرح مطلقاً، وقيل بل للتعديل عند زيادة المعدلين، ومحل الخلاف إذا أطلقا أو عين الجارح شيئاً لم ينفه المعدل أو نفاه لا بيقين، وأما إذا نفاه يقيناً فالمصير إلى الترجيح اتفاقاً. وقال العلوي في حاشيته على شرح النخبة: نعم إن عين سبباً. نفاه المعدل بطريق معتبر فإنهما يتعارضان. انتهى. فثبت صلوح معارضة الجرح للتعديل ثم الترجيح للتعديل لجودة الأسانيد من حيث ثقاة الرواة. انتهى كلامه.
ـــــــ
قلت كذلك رواه عبدالرزاق أخبرنا الثوري ومعمر عن محمد بن المنكدر عن عبد الله بن عمرو بن العاص قوله
وروى ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن سليمان عن عبدالرحمن بن أبي هريرة عن أبيه قال إذا كان الماء أربعين قلة لم يحمل خبثا وخالفه غير واحد فرووه عن أبي هريرة فقالوا أربعين غربا ومنهم من قال دلوا قاله الدارقطني
والاحتجاج بحديث القلتين مبني على ثبوت عدة مقامات.
"الأول" صحة سنده "الثاني" ثبوت وصله وأن إرساله غير قادح فيه "الثالث" ثبوت رفعه وأن وقف من وقفه ليس بعلة "الرابع" أن الاضطراب الذي وقع في سنده لا يوهنه "الخامس" أن القلتين مقدرتان بقلال هجر "السادس" أن قلال هجر متساوية المقدار ليس فيها كبار وصغار "السابع" أن القلة مقدرة بقريتين حجازيتين وأن قرب الحجاز لا تتفاوت "الثامن" أن المفهوم حجة "التاسع" أنه مقدم على العموم "العاشر" أنه مقدم على القياس الجلي "الحادي عشر" أن المفهوم عام في سائر صور السكوت عنه "الثاني عشر" أن ذكر العدد خرج مخرج التحديد والتقييد "الثالث عشر" الجواب عن المعارض ومن جعلهما خمسمائة رطل احتاج إلى مقام "رابع عشر" وهو أنه يجعل الشيء نصفا احتياطا "ومقام خامس عشر" أن ما وجب به الاحتياط صار فرضا.
قال المحددون الجواب عما ذكرتم.
أما صحة سنده فقد وجدت لأن رواته ثقات ليس فيهم مجروح ولامتهم وقد سمع بعضهم من بعض ولهذا صححه ابن خزيمة والحاكم والطحاوي وغيرهم وأما وصله فالذين وصلوه ثقاة وهم أكثر من الذين أرسلوه فهي زيادة من ثقة ومعها الترجيح وأما رفعه فكذلك وإنما وقفه مجاهد على ابن

(1/75)


.........................
__________
عمر فإذا كان مجاهد قد سمعه منه موقوفا لم يمنع ذلك سماع عبيد الله وعبد الله له من ابن عمر مرفوعا فإن قلنا الرفع زيادة وقد أتى بها ثقة فلا كلام وإن قلنا هي اختلاف وتعارض فعبد الله أولى في أبيه من مجاهد لملازمته له وعلمه بحديثه ومتابعة أخيه عبد الله له.
وأما قولكم إنه مضطرب فمثل هذا الاضطراب لا يقدح فيه إذ لا مانع من سماع الوليد بن كثير له من محمد بن عباد ومحمد بن جعفر كما قال الدارقطني قد صح أن الوليد بن كثير رواه عنهما جميعا فحدث به أبو أسامة عن الوليد على الوجهين وكذلك لا مانع من رواية عبيد الله وعبد الله له جميعا عن أبيهما فرواه المحمدان عن هذا تارة وعن هذا تارة.
وأما تقدير القلتين بقلال هجر فقد قال الشافعي حدثنا مسلم بن خالد عن ابن جريج بإسناد لا يحضرني ذكره أن رسول الله قال إذا كان الماء قلتين لم يحمل حبثا وقال في الحديث بقلال هجر وقال ابن جريج أخبرني محمد أن يحيى بن عقيل أخبره أن يحيى بن يعمر أخبره أن رسول الله قال إذا كان الماء قلتين لم يحمل نجسا ولا بأسا قال فقلت ليحيى بن عقيل قلال هجر قال قلال هجر قال فأظن أن كل قلة تأخذ قربتين قال ابن عدي محمد هذا هو محمد بن يحيى يحدث عن يحيى بن أبي كثير ويحيى بن عقيل.
قالوا وإن رسول الله ذكرها لهم في حديث المعراج وقال في سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل قلال هجر فدل على أنها معلومة عندهم وقد قال يحيى بن آدم ووكيع وابن إسحاق القلة الجرة وكذلك قال مجاهد القلتان الجرتان.
وأما كونها متساوية المقدار فقد قال الخطابي في معالمه قلال هجر مشهورة الصنعة معلومة المقدار لا تختلف كما لا تختلف المكاييل والصيعان وهو حجة في اللغة.
وأما تقديرها بقرب الحجاز فقد قال ابن جريج رأيت القلة تسع قربتين وابن جريج حجازي إنما أخبر عن قرب الحجاز لا العراق ولا الشام ولا غيرهما.
وأما كونها لا تتفاوت فقال الخطابي القرب المنسوبة إلى البلدان المحذوة على مثال واحد يريد أن قرب كل بلد على قدر واحد لا تختلف قال والحد لا يقع بالمجهول.
وأما كون المفهوم حجة فله طريقان.
أحدهما التخصيص.
والثاني التعليل.
أما التخصيص فهو أن يقال تخصيص الحكم بهذا الوصف والعدد لا بد له من فائدة وهي نفي الحكم عما عدا المنطوق وأما التعليل فيختص التعليل بمفهوم الصفة وهو أن تعليق الحكم بهذا الوصف

(1/76)


..................
__________
المناسب يدل على أنه علة له فينتفي الحكم بانتفائها فإن كان المفهوم مفهوم شرط فهو قوى لأن المشروط عدم عند عدم شرطه وإلا لم يكن شرطا له.
وأما تقديمه على العموم فلأن دلالته خاصة فلو قدم العموم عليه بطلت دلالته جملة وإذا خص به العموم عمل بالعموم فيما عدا المفهوم والعمل بالدليلين أولى من إلغاء أحدهما كيف وقد تأيد المفهوم بحديث الأمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب وإراقته وبحديث النهي عن غمس اليد في الإناء قبل غسلها عند القيام من نوم الليل.
وأما تقديمه على القياس الجلي فواضح لأن القياس عموم معنوي فإذا ثبت تقديمه على العموم اللفظي فتقديمه على المعنوي بطريق الأولى ويكون خروج صور المفهوم من مقتضى القياس كخروجها من مقتضى لفظ العموم.
وأما كون المفهوم عاما فلأنه إنما دل على نفي الحكم عما عدا المنطوق بطريق سكوته عنه ومعلوم أن نسبة المسكوت إلى جميع الصور واحدة فلا يجوز نفي الحكم عن بعضها دون بعض للتحكم ولا إثبات حكم المنطوق لها لأبطال فائدة التخصيص فتعين بقيد عن جميعها.
وأما قولكم إن العدد خرج مخرج التحديد فلأنه عدد صدر من الشارع فكان تحديدا وتقييدا كالخمسة الأوسق والأربعين من الغنم والخمس من الإبل والثلاثين من البقر وغير ذلك إذ لا بد للعدد من فائدة ولا فائدة له إلا التحديد.
وأما الجواب عن بعض المعارض فليس معكم إلا عموم لفظي أو عموم معنوي وهو القياس وقد بينا تقديم المفهوم عليهما.
وأما جعل الشيء نصفا فلأنه قد شك فيه فجعلناه نصفا احتياطيا والظاهر أنه لا يكون أكثر منه ويحتمل النصف فما دون فتقديره بالنصف أولى.
وأما كون ما أوجب به الاحتياط يصير فرضا فلأن هذا حقيقة الاحتياط كإمساك جزء من الليل مع النهار وغسل جزء من الرأس مع الوجه.
فهذا تمام تقرير هذا الحديث سندا ومتنا ووجه الاحتجاج به.
قال المانعون من التحديد بالقلتين.
أما قولكم إنه قد صح سنده فلا يفيد الحكم بصحته لأن صحه السند شرط أو جزء سبب للعلم بالصحة لا موجب تام فلا يلزم من مجرد صحة السند صحة الحديث ما لم ينتف عنه الشذوذ والعلة ولم ينتفيا عن هذا الحديث أما الشذوذ فإن هذا حديث فاصل بين الحلال والحرام والطاهر والنجس وهو في المياه كالأوسق في الزكاة والنصب في الزكاة فكيف لا يكون مشهورا شائعا بين

(1/77)


.....................
__________
الصحابة ينقله خلف عن سلف لشدة حاجة الأمة إليه أعظم من حاجتهم إلى نصب الزكاة فإن أكثر الناس لا تجب عليهم زكاة والوضوء بالماء الطاهر فرض على كل مسلم فيكون الواجب نقل هذا الحديث كنقل نجاسة البول ووجوب غسله ونقل عدد الراكعات ونظائر ذلك ومن المعلوم أن هذا لم يروه غير ابن عمر ولا عن ابن عمر غير عبيد الله وعبد الله فأين نافع وسالم وأيوب وسعيد بن جبير وأين أهل المدينة وعلماؤهم عن هذه السنة التي مخرجها من عندهم وهم إليها أحوج الخلق لعزة الماء عندهم ومن البعيد جدا أن تكون هذه السنة عند ابن عمر وتخفى على علماء أصحابه وأهل بلدته ولا يذهب إليها أحد منهم ولا يروونها ويديرونها بينهم ومن أنصف لم يخف عليه امتناع هذا فلو كانت هذه للسنة العظيمة المقدار عند ابن عمر لكان أصحابه وأهل المدينة أقول الناس بها وأرواهم لها فأي شذوذ أبلغ من هذا وحيث لم يقل بهذا التحديد أحد من أصحاب ابن عمر علم أنه لم يكن فيه عنده سنة من النبي فهذا وجه شذوذه.
وأما عليه فمن ثلاثة أوجه.
أحدها وقف مجاهد له على ابن عمر واختلف فيه عليه واختلف فيه على عبيد الله أيضا رفعا ووقفا ورجح شيخا الإسلام أبو الحجاج المزي وأبو العباس بن تيمية وقفه ورجح البيهقي في سننه وقفه من طريق مجاهد وجعله هو الصواب قال شيخنا أبو العباس وهذا كله يدل على أن ابن عمر لم يكن يحدث به عن النبي ولكن سئل عن ذلك فأجاب بحضرة ابنه فنقل ابنه ذلك عنه قلت ويدل على وقفه أيضا أن مجاهدا وهو العلم المشهور الثبت إنما رواه عنه موقوفا واختلف فيه على عبيد الله وقفا ورفعا.
العلة الثانية اضطراب سنده كما تقدم.
العلة الثالثة اضطراب منه فإن في بعض ألفاظه إذا كان الماء قلتين وفي بعضها إذا بلغ الماء قدر قلتين أو ثلاث والذين زادوا هذه اللفظة ليسوا بدون من سكت عنها كما تقدم.
قالوا وأما تصحيح من صححه من الحفاظ فمعارض بتضعيف من ضعفه وممن ضعفه حافظ المغرب أبو عمر بن عبدالبر وغيره ولهذا أعرض عنه أصحاب الصحيح جملة.
قالوا وأما تقدير القلتين بقلال هجر فلم يصح عن رسول الله فيه شيء أصلا وأما ما ذكره الشافعي فمنقطع وليس قوله بقلال هجر فيه من كلام النبي ولا أضافة الراوي إليه وقد صرح في الحديث أن التفسير بها من كلام يحيى بن عقيل فكيف يكون بيان هذا الحكم العظيم والحد الفاصل بين الحلال والحرام الذي تحتاج إليه جميع الأمة لا يوجد إلا بلفظ شاذ بإسناد منقطع وذلك اللفظ ليس من كلام رسول الله

(1/78)


.................................
__________
قالوا وأما ذكرها في حديث المعراج فمن العجب أن يحال هذا الحد الفاصل على تمثيل النبي نبق السدرة بها وما الرابط بين الحكمين وأي ملازمة بينهما لكونها معلومة عندهم معروفة لهم مثل لهم بها وهذا من عجيب حمل المطلق على المقيد والتقييد بها في حديث المعراج لبيان الواقع فكيف يحمل حمل المطلق على المقيد والتقييد بها في حديث المعراج لبيان الواقع فكيف يحمل إطلاق حديث القلتين عليه وكونها معلومة لهم لا يوجب أن ينصرف الإطلاق إليها حيث أطلقت العلة فإنهم كانوا يعرفونها ويعرفون غيرها والظاهر أن الإطلاق في حديث القلتين إنما ينصرف إلى قلال البلد التي هي أعرف عندهم وهم لها أعظم ملابسة من غيرها فالإطلاق إنما ينصرف إليها كما ينصرف إطلاق النقد إلى نقد بلد دون غيره هذا هو الظاهر وإنما مثل النبي بقلال هجر لأنه هو الواقع في نفس الأمر كما مثل بعض أشجار الجنة بشجرة بالشام تدعي الجوزة دون النخل وغيره من أشجارهم لأنه هو الواقع لا لكون الجوز أعرف الأشجار عندهم وهكذا التمثيل بقلال هجر لأنه هو الواقع لا لكونها أعرف القلال عندهم هذا بحمد الله واضح.
وأما قولكم إنها متساوية المقدار فهذا إنما قاله الخطابي بناه على أن ذكرهما تحديد والتحديد إنما يقع بالمقادير المتساوية وهذا دور باطل وهو لم ينقله عن أهل اللغة وهو الثقة في نقله ولا أخبر به عيان ثم إن الواقع بخلافه فإن القلال فيها الكبار والصغار في العرف العام أو الغالب ولا تعمل بقالب واحد ولهذا قال أكثر السلف القلة الجرة وقال عاصم بن المنذر أحد رواة الحديث القلال الخوابي العظام وأما تقديرها بقرب الحجاز فلا ننازعكم فيه ولكن الواقع أنه قدر قلة من القلال بقربتين من القرب فرآها تسعهما فهل يلزم من هذا أن كل قلة من قلال هجر تأخذ قربتين من قرب الحجاز وأن قرب الحجاز كلها على قدر واحد ليس فيها صغار وكبار ومن جعلها متساوية فإنما مستنده أن قال التحديد لا يقع بالمجهول فيا سبحان الله إنما يتم هذا أن لو كان التحديد مستندا إلى صاحب الشرع فأما والتقدير بقلال هجر وقرب الحجاز تحديد يحيى بن عقيل وابن جريج فكان ماذا.
وأما تقرير كون المفهوم حجة فلا تنفعكم مساعدتنا عليه إذ المساعدة على مقدمة من مقدمات الدليل لا تستلزم المساعدة على الدليل وأما تقديمكم له على العموم فممنوع وهي مسألة نزاع بين الأصوليين والفقهاء وفيها قولان معروفان ومنشأ النزاع تعارض خصوص المفهوم وعموم المنطوق فالخصوص يقتضي التقديم والمنطوق يقتضي الترجيح فإن رجحتم المفهوم بخصوصه رجح منازعوكم العموم بمنطوقه.
ثم الترجيح معهم ههنا للعموم من وجوه.
أحدها أن حديثه أصح.
الثاني أنه موافق للقياس الصحيح

(1/79)


........................................
__________
الثالث أنه موافق لعمل أهل المدينة قديما وحديثا فإنه لا يعرف عن أحد منهم أنه حدد الماء بقلتين وعملهم بترك التحديد في المياه عمل نقلي خلفا عن سلف فجرى مجرى نقلهم الصاع والمد والأجناس وترك أخذ الزكاة من الخضروات وهذا هو الصحيح المحتج به من إجماعهم دون ما طريقه الاجتهاد والاستدلال فإنهم وغيرهم فيه سواء وربما يرجح غيرهم عليهم ويرجحوا هم على غيرهم فتأمل هذا الموضع فإن قيل ما ذكرتم من الترجيح فمعنا من الترجيح ما يقابله وهو أن المفهوم هنا قد تأيد بحديث النهي عن البول في الماء الراكد والأمر بإراقة ما ولغ فيه الكلب والأمر بغسل اليد من نوم الليل فإن هذه الأحاديث تدل على أن الماء يتأثر بهذه الأشياء وإن لم يتغير ولا سبيل إلى تأثر كل ماء بها بل لا بد من تقديره فتقديره بالقلتين أولى من تقديره بغيرهما لأن التقدير بالحركة والأذرع المعينة وما يمكن نزحه وما لا يمكن تقديرات باطلة لا أصل لها وهي غير منضبطة في نفسها فرب حركة تحرك غديرا عظيما من الماء وأخرى تحرك مقدارا يسيرا منه بحسب المحرك والمتحرك وهذا التقدير بالأذرع تحكم محض لا بسنة ولا قياس وكذا التقدير بالنزح الممكن مع عدم انضباطه فإن عشرة آلاف مثلا يمكنهم نزح ما لا ينزحه غيرهم فلا ضابط له وإذا بطلت هذه التقديرات ولا بد من تقدير فالتقدير بالقلتين أولى لثبوته إما عن النبي وإما عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
قيل هذا السؤال مبني على مقامات.
أحدهما أن النهي في هذه الأحاديث مستلزم لنحاسة الماء المنهي عنه.
والثاني أن هذا التنجيس لا يعم كل ماء بل يختص ببعض المياه دون بعض.
والثالث أنه إذا تعين التقدير كان تقديره بالقلتين هو المتعين.
فأما المقام الأول فنقول ليس في شيء من هذه الأحاديث أن الماء ينجس بمجرد ملاقاة البول والولوغ وغمس اليد فيه أما النهي عن البول فيه فليس فيه دلالة على أن الماء كله ينجس بمجرد ملاقاة البول لبعضه بل قد يكون ذلك لأن البول سبب لتنجيسه فإن الأبوال متى كثرت في المياه الدائمة أفسدتها ولو كانت قلالا عظيمة فلا يجوز أن يخص نهيه بما دون القلتين فيجوز للناس أن يبولوا في القلتين فصاعدا وحاشى للرسول الله أن يكون نهيه خرج على ما دون القلتين ويكون قد جوز للناس البول في كل ماء بلغ القلتين أو زاد عليهما وهل هذا إلا إلغاز في الخطاب أن يقول لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ومراده من هذا اللفظ العام أربعمائة رطل بالعراقي أو خمسمائة مع ما يتضمنه التجويز من الفساد العام وإفساد موارد الناس ومياههم عليهم.
وكذلك حمله على ما لا يمكن نزحه أو ما لا يتحرك أحد طرفيه بحركة طرفه الآخر وكل هذا خلاف

(1/80)


...................
__________
مدلول الحديث وخلاف ما عليه الناس وأهل العلم قاطبة فإنهم ينهون عن البول في هذه المياه وإن كان مجرد البول لا ينجسها سدا للذريعة فإنه إذا مكن الناس من البول في هذه المياه وإن كانت كبيرة عظيمة لم تلبث أن تتغير وتفسد على الناس كما رأينا من تغير الأنهار الجارية بكثرة الأبوال وهذا كما نهى عن إفساد ظلالهم عليهم بالتخلي فيها وإفساد طرقاتهم بذلك فالتعليم بهذا أقرب إلى ظاهر لفظه ومقصوده وحكمته بنهيه ومراعاته مصالح العباد وحمايتهم مما يفسد عليهم ما يحتاجون إليه من مواردهم وطرقاتهم وظلالهم كما نهى عن إفساد ما يحتاج إليه الجن من طعامهم وعلف دوابهم.
فهذه علة معقولة تشهد لها العقول والفطر ويدل عليها تصرف الشرع في موارده ومصادره ويقبلها كل عقل سليم ويشهد لها بالصحة.
وأما تعليل ذلك بمائة وثمانية أرطال بالدمشقي أو بما يتحرك أو لا يتحرك أو بعشرين ذراعا مكسرة أو بما لا يمكن نزحه فأقوال كل منها بكل معارض وكل بكل مناقض لا يشم منها رائحة الحكمة ولا يشام منها بوارق المصلحة ولا تعطل بها المفسدة المخوفة فإن الرجل إذا علم أن النهي إنما تناول هذا المقدار من الماء لم يبق عنده وازع ولا زاجر عن البول فيما هو أكثر منه وهذا يرجع على مقصود صاحب الشرع بالإبطال وكل شرط أو علة أو ضابط يرجع على مقصود الشارع بالإبطال كان هو الباطل المحال.
ومما يدل على هذا أن النبي ذكر في النهي وصفا يدل على أنه هو المعتبر في النهي وهو كون الماء دائما لا يجري ولم يقتصر على قوله ا لدائم حتى نبه على العلة بقوله لا يجري فتقف النجاسة فيه فلا يذهب بها ومعلوم أن هذه العلة موجودة في القلتين وفيما زاد عليهما.
والعجب من مناقضة المحددين بالقلتين لهذا المعنى حيث اعتبروا القلتين حتى في الجاري وقالوا إن كانت الجرية قلتين فصاعدا لم يتأثر بالنجاسة وإن كانت دون القلتين تأثرت وألغوا كون الماء جاريا أو واقفا وهو الوصف الذي اعتبره الشارع واعتبروا في الجاري والواقف القلتين والشارع لم يعتبره بل اعتبر الوقوف والجريان.
فإن قيل فإذا لم تخصصوا الحديث ولم تقيدوه بماء دون ماء لزمكم المحال وهو أن ينهى عن البول في البحر لأنه دائم لا يجري.
قيل ذكره الماء الدائم الذي لا يجري تنبيه على أن حكمة النهي إنما هي ما يخشى من إفساد مياه الناس عليهم وأن النهي إنما تعلق بالمياه الدائمة التي من شأنها أن تفسدها الأبوال فأما الأنهار العظام والبحار فلم يدل نهي النبي عليها بوجه بل لما دل كلامه بمفهومه على جواز البول في الأنهار العظام كالنيل والفرات فجواز البول في البحار أولى وأحرى ولو قدر أن هذا تخصيص لعموم كلامه فلا يستريب عاقل أنه أولى من تخصيصه بالقلتين أو ما لا يمكن نزحه أو ما لا يمكن تبلغ الحركة طرفيه

(1/81)


.........................................
__________
لأن المفسدة المنهي عن البول لأجلها لا تزول في هذه المياه بخلاف ماء البحر فإنه لا مفسدة في البول فيه وصار هذا بمنزلة نهيه عن التخلي في الظل وبوله في ظل الشجرتين واستتاره بجذم الحائط فإنه نهى عن التخلي في الظل النافع وتخلى مستترا بالشجرتين والحائط حيث لم ينتفع أحد بظلهما فلم يفسد ذلك الظل على أحد.
وبهذا الطريق يعلم أنه إذا كان قد نهى عن البول في الماء الدائم مع أنه قد يحتاج إليه فلأن ينهي عن البول في إناء ثم يصبه فيه بطريق الأولى ولا يستريب في هذا من علم حكمة الشريعة وما اشتملت عليه من مصالح العباد ونصائحهم ودع الظاهرية البحتة فإنهما تقسي القلوب وتحجبها عن رؤية محاسن الشريعة وبهجتها وما أودعته من الحكم والمصالح والعدل والرحمة وهذه الطريق التي جاءتك عفوا تنظر إليها نظر متكىء على أريكته قد تقطعت في مفاوزها أعناق المطي لا يسلكها في العالم إلا الفرد بعد الفرد ولا يعرف مقدارها من أفرحت قلبه الأقوال المختلفة والاحتمالات المتعددة والتقديرات المستبعدة فإن علت همته جعل مذهبه عرضة للأحاديث النبوية وخدمه بها وجعله أصلا محكما يرد إليه متشابهها فما وافقه منها قبله وما خالفه تكلف له وجوها بالرد غير الجميل فما أتعبه من شقي وما أقل فائدته ومما يفسد قول المحددين بقلتين أن النبي نهي عن البول في الماء الدائم ثم يغتسل البائل فيه بعد البول هكذا لفظ الصحيحين لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه وأنتم تجوزون أن يغتسل في ماء دائم قدر القلتين بعد ما بال فيه وهذا خلاف صريح للحديث فإن منعتم الغسل فيه نقضتم أصلكم وإن جوزتموه خالفتم الحديث فإن جوزتم البول والغسل خالفتم الحديث من الوجهين جميعا.
ولا يقال فهذا بعينه وارد عليكم لأنه إذا بال في الماء اليسير ولم يتغير جوزتم له الغسل فيه لأنا لم نعلل النهي بالتنجيس وإنما عللناه بإفضائه إلى التنجيس كما تقدم فلا يرد علينا هذا وأما إذا كان الماء كثيرا فبال في ناحية ثم اغتسل في ناحية أخرى لم يصل إليها البول فلا يدخل في الحديث لأنه لم يغتسل في الماء الذي بال فيه وإلا لزم إذا بال في ناحية من البحر أن لا يغتسل فيه أبدا وهو فاسد وأيضا فالنبي نهى عن الغسل فيه بعد البول لما يفضي إليه من إصابة البول له.
قلت ونظير هذا نهيه أن يبول الرجل في مستحمه وذلك لما يفضي إليه من تطاير رشاش الماء الذي يصيب البول فيقع في الوسواس كما في الحديث فإن عامة الوسواس منه حتى لو كان المكان مبلطا لا يستقر فيه البول بل يذهب مع الماء لم يكره ذلك عند جمهور الفقهاء.
ونظير هذا منع البائل أن يستجمر أو يستنجي موضع بوله لما يفضي إليه من التلوث بالبول ولم يرد النبي بنهيه الإخبار عن نجاسة الماء الدائم بالبول فلا يجوز تعليل كلامه بعلة عامة

(1/82)


.....................
__________
تتناول ما لم ينه عنه والذي يدل على ذلك أنه قيل له في بئر بضاعة أنتوضأ منها وهي بئر يطرح فيها الحيض ولحوم الكلاب وعذر الناس فقال الماء طهور لا ينجسه شيء فهذا نص صحيح صريح على أن الماء لا ينجس بملاقاة النجاسة مع كونه واقفا فإن بئر بضاعة كانت واقفة ولم يكن على عهده بالمدينة ماء جاز أصلا فلا يجوز تحريم ما أباحه وفعله قياسا على ما نهى عنه ويعارض أحدهما بالآخر بل يستعمل هذا وهذا هذا في موضعه وهذا في موضعه ولا تضرب سنة رسول الله بعضها ببعض فوضوؤه من بئر بضاعة وحالها ما ذكروه له دليل على أن الماء لا يتنجس بوقوع النجاسة فيه ما لم يتغير ونهيه عن الغسل في الماء الدائم بعد البول فيه لما ذكرنا من إفضائه إلى تلوثه بالبول كما ذكرنا عنه التعليل بنظيره فاستعملنا السنن على وجوهها وهذا أولى من حمل حديث بئر بضاعة على أنه كان أكثر من قلتين لأن النبي لم يعلل بذلك ولا أشار إليه ولا دل كلامه عليه بوجه وإنما علل بطهورية الماء وهذه علة مطردة في كل ماء قل أو كثر ولا يرد المتغير لأن طهور النجاسة فيه يدل على تنجسه بها فلا يدخل في الحديث على أنه محل وفاق فلا يناقض به
وأيضا فلو أراد النهي عن استعمال الماء الدائم اليسير إذا وقعت فيه أي نجاسة كانت لأتي بلفظ يدل عليه ونهيه عن الغسل فيه بعد البول لا يدل على مقدار ولا تنجيس فلا يحمل ما لا يحتمله
ثم إن كل من قدر الماء المتنجس بقدر خالف ظاهر الحديث فأصحاب الحركة خالفوه بأن قدروه بما لا يتحرك طرفاه وأصحاب النزح خصوه بما لا يمكن نزحه وأصحاب القلتين خصوه بمقدار القلتين وأسعد الناس بالحديث من حمله على ظاهره ولم يخصه ولم يقيده بل إن كان تواتر الأبوال فيه يفضي إلى إفساده منع من جوازها وإلا منع من اغتساله في موضع بوله كالبحر ولم يمنع من بوله في مكان واغتساله في غيره
وكل من استدل بظاهر هذا الحديث على نجاسة الماء الدائم لوقوع النجاسة فيه فقد ترك من ظاهر الحديث ما هو أبين دلالة مما قال به وقال بشيء لا يدل عليه لفظ الحديث لأنه إن عمم النهي في كل ماء بطل استدلاله بالحديث وإن خصه بقدر خالف ظاهرة وقال ما لا دليل عليه ولزمه أن يجوز البول فيما عدا ذلك القدر وهذا لا يقوله أحد فظهر بطلان الاستدلال بهذا الحديث على التنجيس بمجرد الملاقاة على كل تقدير وأما من قدره بالحركة فيدل على بطلان قوله أن الحركة مختلفة اختلافا لا ينضبط والبول قد يكون قليلا وقد يكون كثيرا ووصول النجاسة إلى الماء أمر حسي وليس تقديره بحركة الطهارة الصغرى أو الكبرى أولى من سائر أنواع الحركات فيا لله العجب حركة الطهارة ميزان ومعيار على وصول

(1/83)


.....................................
__________
النجاسة وسريانها مع شدة اختلافها ونحن نعلم بالضرورة أن حركة المغتسل تصل إلى موضع لا تصل إليه القطرة من البول ونعلم أن البولة الكبيرة تصل إلى مكان لا تصل إليه الحركة الضعيفة وما كان هكذا لم يجز أن يجعل حدا فاصلا بين الحلال والحرام
والذين قدروه بالنزح أيضا قولهم باطل فإن العسكر العظيم يمكنهم نزح ما لا يمكن الجماعة القليلة نزحه وأما حديث ولوغ الكلب فقالوا لا يمكنكم أن تحتجوا به علينا فإنه ما منكم إلا من خالفه أو قيده أو خصصه فخالف ظاهره فإن احتج به علينا من لا يوجب التسبيع ولا التراب كان احتجاجه باطلا فإن الحديث إن كان حجة له في التنجيس بالملاقاة فهو حجة عليه في العدد والتراب فأما أن يكون حجة له فيما وافق مذهبه ولا يكون حجة عليه فيما خالفه فكلا ثم هم يخصونه بالماء الذي لا تبلغ الحركة طرفيه وأين في الحديث ما يدل على هذا التخصيص.
ثم يظهر تناقضهم من وجه آخر وهو أنه إذا كان الماء رقيقا جدا وهو منبسط انبساطا لا تبلغه الحركة أن يكون طاهرا ولا يؤثر الولوغ فيه وإذا كان عميقا جدا وهو متضايق بحيث تبلغ الحركة طرفيه أن يكون نجسا ولو كان أضعاف أضعاف الأول وهذا تناقض بين لا محيد عنه.
قالوا وإن احتج به من يقول بالقلتين فإنه يخصصه بما دون القلتين ويحمل الأمر بغسله وإراقته على هذا المقدار ومعلوم أنه ليس في اللفظ ما يشعر بهذا بوجه ولا يدل عليه بواحدة من الدلالات الثلاث وإذا كان لا بد لهم من تقييد الحديث وتخصيصه ومخالفة ظاهره كان أسعد الناس به من حمله على الولوغ المعتاد في الآنية المعتادة التي يمكن إراقتها وهو ولوغ متتابع في آنية صغار يتحلل من الكلب في كل مرة ريق ولعاب نجس يخالط الماء ولا يخالف لونه لونه فيظهر فيه التغير فتكون أعيان النجاسة قائمة بالماء وإن لم تر فأمر بإراقته وغسل الإناء فهذا المعنى أقرب إلى الحديث وألصق به وليس في حمله عليه ما يخالف ظاهره بل الظاهر أنه إنما أراد الآنية المعتادة التي تتخذ للاستعمال فيلغ فيها الكلاب فإن كان حمله على هذا موافقة للظاهر فهو المقصود وإن كان مخالفة للظاهر فلا ريب أنه أقل مخالفة من حمله على الأقوال المتقدمة فيكون أولى على التقديرين.
قالوا وأما حديث النهي عن غمس اليد في الإناء عند القيام من نومه فالاستدلال به أضعف من هذا كله فإنه ليس في الحديث ما يدل على نجاسة الماء وجمهور الأمة على طهارته والقول بنجاسته من أشذ الشاذ وكذا القول بصيرورته مستعملا ضعيف أيضا وإن كان إحدى الروايتين عن أحمد واختيار القاضي وأتباعه واختيار أبي بكر وأصحاب أحمد فإنه ليس في الحديث دليل على فساد الماء وقد بينا أن النهي عن البول فيه لا يدل على فساده بمجرد البول فكيف يغمس اليد فيه بعد القيام من النوم وقد اختلف في النهي عنه فقيل تعبدي ويرد هذا القول أنه معلل في الحديث بقوله فإنه لا يدري أين باتت يده

(1/84)


...................
__________
وقيل معلل باحتمال النجاسة كثرة في يديه أو مباشرة اليد لمحل الاستجمار وهو ضعيف أيضا لأن النهي عام للمستنجي والمستجمر والصحيح وصاحب البثرات فيلزمكم أن تخصوا النهي بالمستجمر وصاحب البثور وهذا لم يقله أحد.
وقيل وهو الصحيح إنه معلل بخشية مبيت الشيطان على يده أو مبيتها عليه وهذه العلة نظير تعليل صاحب الشرع الاستنشاق بمبيت الشيطان على الخيشوم فإنه قال إذا استيقظ أحدكم من نومه فليستنشق بمنخريه من الماء فإن الشيطان يبيت على خيشومه متفق عليه وقال هنا فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده فعلل بعدم الدراية لمحل المبيت وهذا السبب ثابت في مبيت الشيطان على الخيشوم فإن اليد إذا باتت ملابسة للشيطان لم يدر صاحبها أين باتت وفي مبيت الشيطان على الخيشوم وملابسته لليد سر يعرفه من عرف أحكام الأرواح واقتران الشياطين بالمحال التي تلابسها فإن الشيطان خبيث يناسبه الخبائث فإذا نام العبد لم ير في ظاهر جسده أوسخ من خيشومه فيستوطنه في المبيت وأما ملابسته ليده فلأنها أعم الجوارح كسبا وتصرفا ومباشرة لما يأمر به الشيطان من المعصية فصاحبها كثير التصرف والعمل بها ولهذا سميت جارحة لأنه يجترح بها أي يكسب وهذه العلة لا يعرفها أكثر الفقهاء وهي كما ترى وضوحا وبيانا وحسبك شهادة النص لها بالاعتبار.
والمقصود أنه لا دليل لكم في الحديث بوجه ما والله أعلم.
وقد تبين بهذا جواب المقامين الثاني والثالث.
فلنرجع إلى الجواب عن تمام الوجوه الخمسة عشر فنقول.
وأما تقديمكم للمفهوم من حديث القلتين على القياس الجلي فمما يخالفكم فيه كثير من الفقهاء والأصوليين ويقولون القياس الجلي مقدم عليه وإذا كانوا يقدمون القياس على العموم الذي هو حجة الاتفاق فلأن يقدم على المفهوم المختلف في الاحتجاج به أولى.
ثم لو سلمنا تقديم المفهوم على القياس في صورة ما فتقديم القياس ههنا متعين لقوته ولتأيده بالعمومات ولسلامته من التناقض الملازم لمن قدم المفهوم كما سنذكره ولموافقته لأدلة الشرع الدالة على عدم التحديد بالقلتين فالمصير إليه أولى ولو كان وحده فكيف بما معه من الأدلة وهل يعارض مفهوم واحد لهذه الأدلة من الكتاب والسنة والقياس الجلي واستصحاب الحال وعمل أكثر الأمة مع اضطراب أصل منطوقه وعدم براءته من العلة والشذوذ قالوا وأما دعواكم أن المفهوم عام في جميع الصور المسكوت عنها فدعوى لا دليل عليها فإن الاحتجاج بالمفهوم يرجع إلى حرفين التخصيص والتعليل كما نقدم ومعلوم أنه إذا ظهر للتخصيص فائدة بدون العموم بقيت دعوى العموم باطلة لأنها دعوى مجردة ولا لفظ معنا يدل عليها وإذا علم ذلك فلا يلزم من انتفاء حكم المنطوق انتفاؤه عن كل فرد فرد من أفراد المسكوت لجواز أن يكون فيه تفصيل فينتفي عن بعضها ويثبت لبعضها ويجوز أن يكون

(1/85)


...................................
__________
ثابتا لجميعها بشرط ليس في المنطوق فتكون فائدة التخصيص به لدلالته على ثبوت الحكم له مطلقا وثبوته للمفهوم بشرط فيكون المنفي عنه الثبوت المطلق لا مطلق المثبوت فمن أين جاء العموم للمفهوم وهو من عوارض الألفاظ وعلى هذا عامة المفهومات فقوله تعالى {فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} لا يدل المفهوم على أن بمجرد نكاحها الزوج الثاني تحل له وكذا قوله {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} لا يدل على عدم الكتابة عند عدم هذا الشرط مطلقا وكذا قوله {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ} ونظائره أكثر من أن تحصى.
وكذلك إن سلكت طريقة التعليل لم يلزم العموم أيضا فإنه يلزم من انتفاء العلة انتفاء معلولها ولا يلزم انتفاء الحكم مطلقا لجواز ثبوته بوصف آخر وإذا ثبت هذا فمنطوق حديث القلتين لا ننازعكم فيه ومفهومه لا عموم له فبطل الاحتجاج به منطوقا ومفهوما.
وأما قولكم إن العدد خرج مخرج التحديد والتقييد كنصب الزكوات فهذا باطل من وجوه أحدها أنه لو كان هذا مقدارا فاصلا بين الحلال والحرام والطاهر والنجس لوجب على النبي بيانه بيانا عاما متتابعا تعرفه الأمة كما بين نصب الزكوات وعدد الجلد في الحدود ومقدار ما يستحقه الوارث فإن هذا أمر يعم الإبتلاء به كل الأمة فكيف لا يبنيه حتى يتفق سؤال سائل له عن قضية جزئية فيجيبه بهذا ويكون ذلك حدا عاما للأمة كلها لا يسع أحدا جهله ولا تتناقله الأمة ولا يكون شائعا بينهم بل يحالون فيه على مفهوم ضعيف شأنه ما ذكرناه قد خالفته العمومات والأدلة الكثيرة ولا يعرفه أهل بلدته ولا أحد منهم يذهب إليه.
الثاني أن الله سبحانه وتعالى قال {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} وقال {وقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} فلو كان الماء الذي لم يتغير بالنجاسة منه ما هو حلال ومنه ما هو حرام لم يكن في هذا الحديث بيان للأمة ما يتقون ولا كان قد فصل لهم ما حرم عليهم فإن المنطوق من حديث القلتين لا دليل فيه والمسكوت عنه كثير من أهل العلم يقولون لا يدل على شيء فلم يحصل لهم بيان ولا فصل الحلال من الحرام والآخرون يقولون لا بد من مخالفة المسكوت للمنطوق ومعلوم أن مطلق المخالفة لا يستلزم المخالفة المطلقة الثابتة لكل فرد فرد من المسكوت عنه فكيف يكون هذا حدا فاصلا فتبين أنه ليس في المنطوق ولا في السكوت عنه فصل ولا حد.
الثالث أن القائلين بالمفهوم إنما قالوا به إذا لم يكن هناك سبب اقتضى التخصيص بالمنطوق فلو ظهر سبب يقتضي التخصيص به لم يكن المفهوم معتبرا كقوله {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ} وذكر هذا القيد لحاجة المخاطبين إليه إذ هو الحامل لهم على قتلهم لا لاختصاص الحكم به ونظيره {لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً} ونظائره كثيرة وعلى هذا فيحتمل أن يكون ذكر العلتين وقع في الجواب لحاجة السائل إلى ذلك ولا يمكن الجزم

(1/86)


.....................
__________
بدفع هذا الاحتمال نعم لو أن النبي قال هذا اللفظ ابتداء من غير سؤال لاندفع هذا الاحتمال.
الرابع أن حاجة الأمة حضرها وبدوها على اختلاف أصنافها إلى معرفة الفرق بين الطاهر والنجس ضرورية فكيف يحالون في ذلك على مالا سبيل لأكثرهم إلى معرفته فإن الناس لا يكتالون الماء ولا يكادون يعرفون مقدار القلتين لا طولهما ولا عرضهما ولا عمقهما فإذا وقعت في الماء نجاسة فما يدريه أنه قلتان وهل تكليف ذلك إلا من باب علم الغيب وتكليف ما لا يطاق.
فإن قيل يستظهر حتى يغلب على ظنه أنه قلتان قيل ليس هذا شأن الحدود الشرعية فإنها مضبوطة لا يزاد عليها ولا ينقص منها كعدد الجلدات ونصب الزكوات وعدد الركعات وسائر الحدود الشرعية الخامس أن خواص العلماء إلى اليوم لم يستقر لهم قدم على قول واحد في القلتين فمن قائل ألف رطل بالعراقي ومن قائل ستمائة رطل ومن قائل خمسمائة ومن قائل أربعمائة وأعجب من هذا جعل هذا المقدار تحديدا فإذا كان العلماء قد أشكل عليهم قدر القلتين واضطربت أقوالهم في ذلك فما الظن بسائر الأمة ومعلوم أن الحدود الشرعية لا يكون هذا شأنها.
السادس أن المحددين يلزمهم لوازم باطلة شنيعة جدا.
منها أن يكون ماء واحد إذا ولغ فيه الكلب تنجس وإذا بال فيه لم ينجسه ومنها أن الشعرة من الميتة إذا كانت نجسة فوقعت في قلتين إلا رطلا مثلا أن ينجس الماء ولو وقع رطل بول في قلتين لم ينجسه ومعلوم أن تأثر الماء بهذه النجاسة أضعاف تأثره بالشعرة فمحال أن يجيء شرع بتنجس الأول وطهارة الثاني وكذلك ميتة كاملة تقع في قلتين لا تنجسها وشعرة منها تقع في قلتين إلا نصف رطل أو رطلا فتنجسها إلى غير ذلك من اللوازم التي يدل بطلانها على بطلان ملزوماتها.
وأما جعلكم الشيء نصفا ففي غاية الضعف فإنه شك من ابن جريج فياسبحان الله يكون شكله حدا لازما للأمه فاصلا بين الحلال والحرام والنبي قد بين لأمته الدين وتركهم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها فيمتنع أن يقدر لأمته حدا لا سبيل لهم إلى معرفة إلا شك حادث بعد عصر الصحابة يجعل نصفا احتياطيا وهذا بين لمن أنصف والشك الجاري الواقع من الأمة في طهورهم وصلاتهم قد بين لهم حكمه ليندفع عنهم باليقين فكيف يجعل شكهم حدا فاصلا فارقا بين الحلال والحرام.
ثم جعلكم هذا احتياطا باطل لأن الاحتياط يكون في الأعمال التي يترك التكلف منها عملا لآخر احتياطا وأما الأحكام الشرعية والإخبار عن الله ورسوله فطريق الاحتياط فيها أن لا يخبر عنه إلا بما أخبر به ولا يثبت إلا ما أثبته ثم إن الاحتياط هو في ترك هذا الاحتياط فإن الرجل تحضره الصلاة وعنده قلة

(1/87)


ـــــــ
ماء قد وقعت فيها شعرة ميتة فتركه الوضوء منه مناف للاحتياط فهلا أخذتم بهذا الأصل هنا وقلتم ما ثبت تنجيسه بالدليل الشرعي نجسناه وما شككنا فيه رددناه إلى أصل الطهارة لأن هذا لما كان طاهرا قطعا وقد شككنا هل حكم رسول الله بتنجيسه أم لا فالأصل الطهارة.
وأيضا فأنتم لا تبيحون لمن شك في نجاسة الماء أن يعدل إلى التيمم بل توجبون عليه الوضوء فكيف تحرمون عليه الوضوء هنا بالشك.
وأيضا فإنكم إذا نجستموه بالشك نجستم ما يصيبه من الثياب والأبدان والآنية وحرمتم شربه والطبخ به وأرقتم الأطعمة المتخذة منه وفي هذا تحريم لأنواع عظيمة من الحلال بمجرد الشك وهذا مناف لأصول الشريعة والله أعلم

(1/88)


34 باب ما جاء في بئر بضاعة
- 66 حدثنا مُحمّدُ بنُ العَلاَءِ وَ الحَسَنُ بنُ عَلِيّ وَ مُحمّدُ بنُ سُلَيْمانَ الأنْبَارِيّ قالوا حَدثنا أبُو أُسَامَةَ عن الوَلِيدِ بنِ كَثيرٍ عن مُحمّدِ بنِ كَعْبٍ عن عُبيدِالله بنِ عَبْدِالله بنِ رَافَعٍ بنِ خَديجٍ عن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيّ أنّه قِيلَ لِرسولِ الله صلى الله عليه وسلم: أنَتَوَضّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ وهِيَ بِئْرٌ يُطْرَحُ فِيهَا الْحَيْضُ وَلَحْمُ الكِلابِ وَالنّتْنُ؟ فقالَ
__________
باب ما جاء في بئر بضاعة"
هي دار بني ساعدة بالمدينة وهم بطن من الخزرج، وأهل اللغة يضمون الباء ويكسرونها، والمحفوظ في الحديث الضم، كذا في المفاتيح. وقال في البدر المنير بضاعة: قيل هو اسم لصاحب البئر، وقيل: هو اسم لموضعها، وهي بئر بالمدينة بصق رسول الله صلى الله عليه وسلم وبرك وتوضأ في دلو ورده فيها، وكان إذا مرض مريض يقول له: اغتسل بمائها فيغتسل، فكأنما نشط من عقال وهي في دار بني ساعدة مشهورة. انتهى
"إنه": الضمير للشأن "يطرح": أي يلقي "الحيض": بكسر الحاء جمع حيضة بكسر الحاء مثل سدر وسدرة: وهي الخرقة التي تستعملها المرأة في دم الحيض "والنتن": بنون مفتوحة وتاء مثناة من فوق ساكنة ثم نون. قال ابن رسلان في شرح السنن: وينبغي أن يضبط بفتح النون وكسر التاء: وهو الشيء الذي له رائحة كريهة من قولهم: نتن الشيء بكسر التاء ينتن بفتحها فهو نتن. انتهى يعني أن الناس يلقون الحيض ولحوم الكلاب والنتن في الصحاري خلف بيوتهم فيجري عليها المطر ويلقيها الماء إلى تلك البئر، لأنها في ممر الماء، وليس معناه أن الناس يلقونها فيها لأن هذا مما لا

(1/88)


رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: " المَاءُ طَهُورٌ لاَ يُنَجّسُهُ شَيءٌ ". قال أبُو داوُد: وقال بعضُهُمْ عَبْدُالرّحْمَنُ بنُ رافِعٍ.
-67 حدثنا أحْمَدُ بنُ أبي شُعَيْبٍ وَ عَبْدُالعَزِيزِ بنُ يَحْيَى الحَرّانِيّانِ قالا حدثنا مُحمّدُ بنُ سَلَمَةَ عن مُحمّدِ بنِ إسْحاقَ عن سَلِيْطِ بنِ أيّوبَ عن عُبَيْدِالله بنِ عَبْدِالرّحْمَنِ بنِ رافَعٍ الأنْصارِيّ ثُمّ العَدَوِيّ عن أبي سَعيدٍ الخُدْرِيّ قال: "سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يُقَالُ لَهُ إنّهُ يُسْتَقَى لَكَ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ، وَهيَ بِئْرٌ يُلْقَى فيها لُحُومُ الكِلابِ وَالمَحَائِضُ وَعَذِرُ النّاسِ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ المَاءَ طَهُورٌ لاَ يُنَجّسَهُ شَيْءٌ"
__________
يحوزه كافر فكيف يجوز الصحابة رضي الله عنهم كذا قالوا: " الماء ": اللام فيه للعهد، يعني أن الماء الذي وقع السؤال عنه " طهور ": بضم الطاء " لا ينجسه شيء ": لكثرته، فإن بئر بضاعة كان بئراً كثير الماء يكون ماؤها أضعاف قلتين لا يتغير بوقوع هذه الأشياء. والماء الكثير لا ينجسه شيء ما لم يتغير. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي، وتكلم فيه بعضهم. وحكى عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال: حديث بئر بضاعة صحيح، وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وجود أبو أسامة هذا الحديث لم يرو حديث أبي سعيد في بئر بضاعة أحسن مما روى أبو أسامة. وقد روى هذا الحديث من غير وجه عن أبي سعيد. انتهى. "قال بعضهم عبدالرحمن بن رافع": أي مكان عبد الله بن رافع، فعبيدالله مولى عبد الله أو ابن عبدالرحمن.
"الحرانيان": أي أحمد وعبدالعزيز وكلاهما الحرانيان، وهو بالفتح والتشديد نسبة إلى حران: مدينة بالجزيرة "سلمة": بفتح اللام. قال النووي: سلمة كله بفتح اللام إلا عمرو بن سلمة إمام قومه، وبني سلمة: القبيلة من الأنصار فبكسرها. انتهى "عن سليط": بفتح السين وكسر اللام: هو ابن أيوب بن الحكم الأنصاري المدني عن عبدالرحمن بن أبي سعيد، وعنه خالد بن أيوب، وثقة ابن حبان "العدوي": بالعين والدال المهملتين، منسوب إلى عدى بن يزيد بن جشم بن حارثة بن الحارث بن الخزرج، بطن من الأنصار، وهذا ذكر الخاص بعد العام وهو صفة الرافع "وهو": أي النبي صلى الله عليه وسلم والجملة حال "إنه": ضمير الشأن أو الماء الذي يفهم من السياق "يستقي لك": بصيغة للمجهول، أي يخرج لك الماء "وهي": أي بئر بضاعة "والمحائض": عطف على اللحوم، قيل هو جمع المحيض وهو مصدر حاض، ويقع الحيض على المصدر والزمان والمكان والدم "وعذر الناس": بفتح العين المهملة وكسر الذال المعجمة جمع عذرة ككلمة وكلم، وهي الغائط.

(1/89)


قال أبُو داوُدَ: سَمِعْتُ قُتَيْبَةَ بنَ سَعيدٍ قال: سَألْتُ قَيّمَ بِئْرِ بُضَاعَةَ عن عُمْقِهَا، قال: أكْثَرُ مَا يَكُونُ فِيها المَاءُ إلَى الْعَانَةِ. قلت: فإذَا نَقَصَ؟ قال: دُونَ العَوْرَةِ.
قال أبُو داوُدَ: وَقَدّرْتُ أنَا بِئْرَ بُضَاعَةَ بِرِدَائِي مَدَدْتُهُ عَلَيْهَا ثُمّ ذَرَعْتُهُ فَإذَا عَرضُها
__________
قال الإمام الحافظ الخطابي: قد يتوهم كثير من الناس إذا سمع هذا الحديث أن هذا كان مهم عادة، وأنهم كانوا يأتون هذا الفعل قصداً وتعمداً، وهذا مما لا يجوز أن يظن بذمي بل بوثني فضلاً عن مسلم، فلم يزل من عادة الناس قديماً وحديثاً، مسلمهم وكافرهم، تنزيه المياه وصونها عن النجاسات، فكيف يظن بأهل ذلك الزمان، وهم أعلى طبقات أهل الدين وأفضل جماعة المسلمين والماء ببلادهم أعز والحاجة إليه أمس، أن يكون هذا صنعهم بالماء، وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من تغوط في موارد الماء ومشارعه، فكيف من اتخذ عيون الماء ومنابعه رصداً للأنجاس ومطرحاً للأقذار، ولا يجوز فيهم مثل هذا الظن ولا يليق بهم، وإنما كان ذلك من أجل أن هذا البئر موضعها في حدور من الأرض، وأن السيول كانت تكشح هذه الأقذار من الطرق والأفنية وتحملها وتلقيها فيها، وكان لكثرته لا يؤثر فيه هذه الأشياء ولا تغيره، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شأنها ليعلموا حكمها في النجاسة والطهارة " إن الماء طهور لا ينجسه شيء ": قال في المتوسط: استدل به على عدم تنجسه إلا بالمغير، وأجاب الطحاوي بأن بئر بضاعة كانت طريقاً إلى البساتين فهو كالنهر، وحكاه عن الواقدي، وضعف بأن الواقدي مختلف فيه، فمكذب له وتارك ومضعف وقيل كذاب احتال في إبطال الحديث نصرة للرأي، فإن بئر بضاعة مشهورة في الحجاج، بخلاف ما حكى عن الواقدي، وما روى ابن أبي شيبة أن زنجياً وقع في بئر زمزم فأمر بترج الماء، ضعفها البيهقي، وروى عن سفيان بن عيينة قال: أنا بمكة سبعين سنة لم أر أحداً صغيراً ولا كبيراً يعرف حديث الزنجي. وحديث بئر بضاعة هذا لا يخالف حديث القلتين، إذ كان معلوماً أن الماء في بئر بضاعة يبلغ القلتين، إذ أحد الحديثين يوافق الآخر ولا يناقصه، والخاص يقضي على العام ويبينه ولا ينسخه ولا يبطله. قاله الخطابي.
"قيّم": بفتح القاف وتشديد الياء المكسورة، أي من كان يقوم بأمر البئر ويحافظها "العانة": قال أهل اللغة: هي موضع منبت الشعر فوق قبل الرجل والمرأة "فإذا نقص": ماؤها فما يكون مقدار الماء "دون العورة": قال ابن رسلان: يشبه أن يكون المراد به عورة الرجل، أي دون الركبة، لقوله صلى الله عليه وسلم: " عورة الرجل ما بين سُرّته وركبته " "بردائي": متعلق بقدرت "مددته عليها": أي بسطت ردائي على البئر وهذه كيفية تقديرها، ولم يسهل تقديرها إلا بهذه الكيفية "ثم ذرعته": أي ردائي بعد مدة "فإذا عرضها": أي بئر بضاعة "ستة أذرع": جمع ذراع وهو من المرفق إلى أطراف

(1/90)


سِتّةُ أذْرُعٍ، وَسَألْتُ الّذِي فَتَحَ لي بَابَ البُسْتانِ فأدْخَلَنِي إلَيْهِ هَلْ غُيّرَ بِنَاؤُهَا عَمّا كَانَتْ عَليْهِ؟ قال: لاَ، ورَأيْتُ فِيهاَ مَاءً مُتَغَيّرَ اللّوْنِ.
__________
الأصابع. قال أبو داوود: "سألت الذي فتح لي باب البستان": وكانت البئر في ذلك البستان "هل غيّر": على البناء للمجهول "بناؤها": أي بئر بضاعة "عما كانت عليه": الضمير المجرور يرجع إلى ما الموصولة، والمراد من ما الحالة والعمارة التي كانت البئر عليها، وجملة هل غير مع متعلقها المفعول الثاني لسألت "قال": محافظها "لا": أي لم يغير بناؤها. قال أبو داوود: "ورأيت فيها ماء متغير اللون": قال النووي: يعني بطول المكث وأصل المنبع لا بوقوع شيء أجنبي فيه. انتهى. وإنما فسرنا بذلك لأنه قال ابن منذر: أجمع العلماء على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة فغير له طعماً أو لوناً أو ريحاً فهو نجس. أما حديث الباب فقال الحافظ في تلخيص الحبير: أخرجه الشافعي وأحمد وأصحاب السنن والدارقطني والحاكم والبيهقي من حديث أبي سعيد. قال الترمذي: حديث حسن، وقد جوّده أبو أسامة وصححه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأبو محمد بن حزم، وزاد في البدر المنير: والحاكم وآخرون من الأئمة الحفاظ. قال الحافظ: ونقل ابن الجوزي أن الدارقطني قال إنه ليس بثابت ولم نر ذلك في العلل له ولا في السنن. قلت: وقال في كشف المناهج: وقول الدارقطني هذا الحديث غير ثابت غير مسلم له، وقول الإمام أحمد وغيره ممن صححه مقدم على الدارقطني. انتهى

(1/91)


35 باب الماء لا يجنب
68 - حدثنا مُسَدّدٌ قال حدثنا أبُو الأحْوَصِ قال حدثنا سِمَاكٌ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: اغْتَسَلَ بَعْضُ أزْواجِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم في جَفْنَةٍ، فَجَاءَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لِيَتَوَضّأَ مِنْهَا أوْ يَغْتَسِلَ، فقالَتْ لَهُ: يارسولَ الله إنّي كُنْتُ جُنُباً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن المَاءُ لاَ يُجْنِبُ "
__________
"باب الماء لا يجنب"
"بعض أزواج": وهي ميمونه رضي الله تعالى عنها لما أخرجه الدارقطني وغيره من حديث ابن عباس عن ميمونة قالت: "أجنبت فاغتسلت من جفنة ففضلت فيها فضلة، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم يغتسل منه فقلت له فقال: الماء ليس عليه جنابة واغتسل منه" "في جفنة": بفتح الجيم وسكون الفاء: قضعة كبيرة وجمعه جفان "أو يغتسل": الظاهر أن الشك من بعض الرواة لا من ابن عباس،

(1/91)


__________
لأن المروي عنه من غير طرق بتعيين لفظ يغتسل من غير شك "إني كنت جنباً": وقد اغتسلت منها، وهو بضم الجيم والنون، والجنابة معروفة، يقال منها أجنب بالألف وجنب على وزن قرب فهو جنب، ويطلق على الذكر والأنثى والمفرد والتثنية والجمع " إن الماء لا يجنب ": قال في القاموس: جنب أي كمنع وجنب أي كفرح وجنُب أي ككرم فيجوز فتح النون وكسرها ويصح من أجنب بجنب وهو إصابة الجنابة، وجاء في الأحاديث الأخرى أن الإنسان لا يجنب وكذا الثوب والأرض، ويريد أن هذه الأشياء لا يصير شيء منها جنباً يحتاج إلى الغسل لملامسة الجنب. قال في المتوسط: واحتج بحديث الباب على طهورية الماء المستعمل، وأجيب بأنه اغترف منه ولم ينغمس إذ يبعد الاغتسال داخل الجفنة عادة، وفي بمعنى من، فيستدل به على أن المحدث إذا غمس يده في الإناء للاغتراف من غير رفع الحدث عن يده لا يصير مستعملاً. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

(1/92)


36 باب البول في الماء الراكد
69- حدثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ قال حدثنا زَائِدَةُ في حَديثِ هِشَامٍ عن مُحمّدٍ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: " لاَ يَبُولَنّ أحَدُكُم في الْمَاءِ الدّائِمِ ثُمّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ "
__________
"باب البول في الماء الراكد"
ركد ركوداً من باب قعد أي سكن، وأركدته: أسكنته، وركدت السفينة أي وقفت فلا تجري
"في حديث هشام": أي فيما حدثنا به عن هشام أو عن حديث هشام، ففي بمعنى عن ويدل لذلك رواية الدارمي في مسنده حدثنا أحمد بن عبد الله حدثنا زائدة عن هشام عن محمد الحديث. قال صاحب القاموس في منظومته في اصطلاح الحديث:
الحمد لله العلى الأحد ... ثم الصلاة للنبي أحمد
قال شارحها السيد العلامة سليمان بن يحيى بن عمر الأهدل قوله للنبي أحمد اللام بمعنى على كما في قوله تعالى: {وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ} أي عليها. وقال ولده السيد العلامة عبدالرحمن بن سليمان في حاشيته على شرح والده المذكور قوله: إن اللام بمعنى على، هذا إنما يأتي على مذهب الكوفيين وابن مالك القائلين أن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض بقياس. وقال شيخنا العلامة حسين بن محسن وفي القرآن والحديث وكلام العرب كثير من هذا النوع " لا يبولنّ ": بلا النهي والنون الثقيلة " في الماء الدائم ": الساكن الذي لا يجري " ثم يغتسل منه ": أي من الماء الدائم الذي بال فيه، وثم يغتسل عطف على الفعل المنفي وثم استبعادية، أي بعيد من العاقل أن يجمع

(1/92)


70- حدثنا مُسَدّدٌ قال حدثنا يَحْيَى عن مُحمّدِ بنِ عَجْلاَنَ قال سَمِعْتُ أبي يُحَدّثُ عن أبي هُرَيْرَة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لاَ يَبُولَنّ أحَدُكُم في المَاءِ الدّائِمِ وَلا يَغْتَسِلْ فِيهِ مِنَ الجَنَابَةِ "
__________
بينهما. والحديث وإن دل بظاهره على منع لجمع بين البول والاغتسال فيه لاعلى المنع من كل واحد منهما بانفراده ولكن الحديث الآتي يدل على المنع من كل واحد منهما بانفراده أيضاً، وإن كان الماء كثيراً جارياً لم يحرم البول فيه بمفهوم الحديث. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي، وأخرجه البخاري من حديث الأعرج عن أبي هريرة، وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي من حديث همام بن منبه عن أبي هريرة ولفظ الترمذي وفي لفظ النسائي ثم يتوضأ منه. انتهى.
"لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه من الجنابة ": وهذا الحديث صريح المنع من كل واحد من البول والاغتسال فيه على انفراده كما مر. وأخرج مسلم وغيره عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يغتسلن أحدكم في الماء الدائم وهو جنب " فقالوا: يا أبا هريرة كيف يفعل؟ قال: يتناوله تناولاً. وقد استدل بهذه الأحاديث على أن الماء المستعمل يخرج عن كونه أهلاً للتطهير لأن النهي ههنا عن مجرد الغسل، فدل على وقوع المفسدة بمجرده، وحكم الغسل في هذا الحكم، وقالوا: والبول ينجس الماء فكذا الاغتسال لأنه صلى الله عليه وسلم قد نهى عنهما جميعاً، وذهب بعض الحنفية إلى هذا وقال إن الماء المستعمل نجس، وأجيب عن الاستدلال بحديث الباب بأن محلة النهى ليست كونه يصير مستعملاً بل مصيره مستخبثاً بتوارد الاستعمال فيبطل نفعه، ويوضح ذلك قول أبي هريرة يتناوله تناولاً فإنه يدل على أن النهي إنما هو من الانغماس لا عن الاستعمال وإلا لما كان بين الانغماس والتناول فرق. وذهب جماعة من العلماء كعطاء، وسفيان الثوري والحسن البصري والزهري والنخعي وأبي ثور وجميع أهل الظاهر ومالك والشافعي وأي حنيفة في إحدى الروايات عن الثلاثة المتأخرين إلى طهارة الماء المستعمل للوضوء. ومن أدلتهم حديث أبي جحيفة عند البخاري قال: "خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة، فأتى بوضوء فتوضأ فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه فيتمسحون به" وحديث أبي موسى عنده أيضاً قال: "دعا النبي صلى الله عليه وسلم بقدح فيه ماء، فغسل يديه ووجهه فيه، ومج فيه ثم قال لهما يعني أبا موسى وبلالاً اشربا منه وأفرغا على وجوهكما ونحوركما ". وعن السائب بن يزيد عنده أيضاً قال: "ذهبت بي خالتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن ابن أختي وقع أي مريض فمسح رأسي ودعا لي بالبركة ثم توضأ فشربت من وضوئه الحديث. فإن قال الذاهب إلى نجاسة المستعمل للوضوء إن هذه الأحاديث غاية ما فيها الدلالة على طهارة ما توضأ به صلى الله عليه وسلم، ولعل ذلك من خصائصه قلنا: هذه دعوى غير

(1/93)


نافقة، فإن الأصل أن حكمه وحكم أمته واحد إلا أن يقوم دليل يقتضي بالاختصاص، ولا دليل. قاله الشوكاني. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه ولفظه: "لا يبولن أحدكم في الماء الراكد " انتهى.

(1/94)


باب الوضوء بسؤر الكلب
...
37 باب الوضوء من سؤر الكلب
71 - حدثنا أحْمَد بن يُونُسَ قال حدثنا زَائِدَةُ في حَديثِ هِشَامٍ عن مُحمّدٍ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "طُهُورُ إنَاءِ أحَدِكُم إذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْتَسِلَ سَبْعَ مَرّاتٍ، أولاَهُنّ بالتّرَابِ "
__________
" باب الوضوء من سؤر الكلب"
هل يجوز أم لا فاختلف فيه، قال الزهري: " إذا ولغ الكلب في إناء ليس له وضوء غيره يتوضأ به ". وقال سفيان: هذا الفقه بعينه يقول الله تعالى: { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا } وهذا ماء وفي النفس منه شيء يتوضأ به ويتيمم، رواه البخاري تعليقاً. وقال الحافظ في الفتح وقول الزهري هذا رواه الوليد بن مسلم في مصنفه عن الأوزاعي وغيره عنه ولفظه: سمعت الزهري في إناء ولغ فيه كلب فلم يجدوا ماء غيره قال يتوضأ به. وأخرجه ابن عبدالبر في التمهيد من طريقه بسند صحيح. وعن مالك رواية أن الأمر بالتسبيع للندب. والمعروف عند أصحابه أنه للوجوب لكنه للتعبد لكون الكلب طاهراً عندهم. انتهى. لكن القول المحقق نجاسة سؤر الكلب لقوله صلى الله عليه وسلم: " طهور إناء أحدكم " والطهارة تستعمل إما عن حدث أو خبث ولا حدث على الإناء فتعين الخبث، وقد ثبت عن ابن عباس التصريح بأن الغسل من ولوغ الكلب لأنه رجس. رواه محمد بن نصر المروزي بإسناد صحيح، ولم يصح عن أحد من الصحابة خلافه فلا يجوز التوضي "التوضؤ" به.
" طهور إناء أحدكم ": الأشهر فيه الضم ويقال بفتحها. قاله النووي "إذا ولغ ": قال أهل اللغة: يقال: ولغ الكلب في الإناء يلغ بفتح اللام فيهما ولوغاً إذا شرب بطرف لسانه. قال أبو زيد يقال: ولغ الكلب بشرابنا وفي شرابنا ومن شرابنا " أن يغسل سبع مراب أولاهن بالتراب ": وفيه دليل على وجوب غسل نجاسة ولوغ الكلب سبع مرات، وهذا مذهب الشافعي وأحمد وجمهور العلماء وقال أبو حنيفة: يكفي غسله ثلاث مرات. قال النووي: ومعنى الغسل بالتراب أن يخلط التراب في الماء حتى يتكدر، ولا فرق بين أن يطرح الماء على التراب أو التراب على الماء أو يأخذ الماء الكدر من موضع فيغسل به. وأما مسح موضع النجاسة بالتراب فلا يجزي. انتهى. وفيه دليل أيضاً على أن الماء القليل ينجس بوقوع النجاسة فيه وإن لم يتغير، لأن ولوغ الكلب لا يغير الماء

(1/94)


قال أبُو داوُدَ: وكَذَلِكَ قال أيّوبُ وَحَبِيبُ بنُ الشّهِيد عن مُحمّدٍ.
-72 حدثنا مُسَدّدٌ قال حدثنا المُعْتَمِرُ بنُ سُلَيْمانَ ح. وحدثنا مُحمّدُ بنُ عُبيْدٍ قال حدثنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ جَمِيعاً عن أيّوبَ عن مُحمّدٍ عن أبي هُرَيْرَةَ بِمَعْناهُ وَلَمْ يَرْفَعَاهُ، وَزَادَ: وَإذَا وَلَغَ الهِرّ غُسِلَ مَرّةً .
__________
الذي في الإناء غالباً. قال الحافظ في فتح الباري: واختلف الرواة عن ابن سيرين في محل غسله التتريب، فلمسلم وغيره من طريق هشام بن حسان عنه أولاهن وهي رواية الأكثر عن ابن سيرين، واختلف عن قتادة عن ابن سيرين فقال سعيد بن بشير عنه: أولاهن أيضاً، أخرجه الدارقطني، وقال أبان عن قتادة: السابعة وللشافعي عن سفيان عن أيوب عن ابن سيرين أولاهن أو إحداهن، وفي رواية السدى عن البزار إحداهن، وكذا في رواية هشام بن عروة عن أبي الزناد عنه، فطريق الجمع بين هذه الروايات أن يقال إحداهن مبهمة وأولاهن والسابعة معينة، وأو إن كانت في نفس الخبر فهي التخيير، فيقتضى حمل المطلق على المقيد أن يحمل على أحدهما لأن فيه زيادة على الرواية المعينة، وإن كانت أوشكا من الراوي فرواية من عين، ولم يشك أولى من رواية من أبهم أوشك فيبقى النظر في الترجيح بين رواية أولاهن ورواية السابعة ورواية أولاهن أرجح من حيث الأكثرية والأحفظية ومن حيث المعنى أيضاً، لأن تتريب الأخير يقتضي الاحتياج إلى غسله أخرى لتنظيفه. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي وأخرجه الترمذي وفيه أولاهن أو أخراهن بالتراب، وإذا ولغت فيه الهرة غسل مرة، وقال: هذا حديث حسن صحيح. "وكذلك": أي بزيادة لفظ أولاهن بالتراب.
"عن محمد": هو ابن سيرين "بمعناه": أي بمعنى الحديث الأول "ولم يرفعاه": أي ولم يرفع الحديث حماد بن زيد والمعتمر عن أيوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بل وقفاه على أبي هريرة "وزاد": أي أيوب في روايته فيما رواه عنه المعتمر وحماد "و إذا ولغ الهر غسل مرة ": قال الترمذي في جامعه: وقد روى هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا ولم يذكر فيه إذا ولغت فيه الهرة غسل مرة. انتهى. وقال المنذري: وقال البيهقي: أدرجه بعض الرواة في حديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم ووهموا فيه، والصحيح أنه في ولوغ الكلب مرفوع وفي ولوغ الهر موقوف. انتهى. وقال الزيلعي: قال في التنقيح: وعلته أن مسدداً رواه عن معتمر فوقفه. رواه عنه أبو داوود. قال في الإمام: والذي تلخص أنه مختلف في رفعه، واعتمد الترمذي في تصحيحه على عدالة الرجال عنده ولم يلتفت لوقف من وقفه. والله أعلم.

(1/95)


73 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قال حدثنا أبَانُ قال حدثنا قَتَادَةُ أنّ مُحمّدَ بنَ سِيرِينَ حَدّثَهُ عن أبي هُرَيْرَةَ أنّ نَبيّ الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذَا وَلَغَ الكَلْبُ في الإِنَاءِ فاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرّاتٍ، السّابِعَةَ بالتّرابِ"
قال أبُو داوُدَ: وأمّا أبُو صَالِحٍ وأبُو رَزِينٍ وَالأَعْرَجُ وَثَابِتٌ الأحْنَفُ وَهَمّامُ بنُ مُنْبّهٍ وأبُو السّدّيّ عَبْدُالرّحْمَنِ رَوَوْهُ عن أبي هُرَيْرَةَ وَلَمْ يَذْكُرُوا التّرَابَ.
74 - حدثنا أحْمَدُ بنُ مُحمّدِ بنِ حَنْبَلٍ قال حدثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عن شُعْبَةَ قال حدثنا أبُو التّيّاحِ عن مُطَرّفٍ عن ابنِ مُغَفّلٍ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أمَرَ بِقَتْلِ الكِلابِ
__________
" في الإناء ": ظاهره العموم في الآنية ومفهومه يخرج الماء المستنقع مثلاً، وبه قال الأوزاعي:، لكن إذا قلنا بأن الغسل للتنجيس يجري الحكم في القليل من الماء دون الكثير " فاغسلوه ": أي الإناء، وهذا يقتضي الفور لكن حمله الجمهور على الاستحباب إلا لمن أراد أن يستعمل ذلك الإناء " بالترا ب": ولم يقع في رواية مالك التتريب، ولم يثبت في شيء من الروايات عن أبي هريرة إلا عن ابن سيرين وأيوب السختياني وأبي رافع والحسن، على أن بعض أصحاب ابن سيرين لم يذكروه، ومع هذا أخذنا بالتتريب لأن زيادة الثقة مقبولة "ولم يذكروا التراب": في روايتهم عن أبي هريرة، ولا يضر عدم ذكر هؤلاء لهذه اللفظة لأن ابن سيرين وأيوب السختياني والحسن البصري وأبا رافع ذكروا هذه اللفظة عن أبي هريرة، وحديث الحسن وأبي رافع أخرجه الدارقطني في سننه وإسناد حديث أبي رافع صحيح وحديث الحسن لا بأس به. وللطحاوي في شرح معالي الآثار في إبطال الغسلات السبع كلام شنيع، وقد أجاد الحافظ البيهقي في رد كلامه في كتابه المعرفة، والحافظ بن حجر في فتح الباري، فجزاهما الله أحسن الجزاء.
"أبو التياح": بفتح المثناة فوق وبعدها مثناة تحت مشددة وآخره حاء مهملة: هو يزيد بن حميد البصري ثقة ثبت "عن مطرف": بضم الميم وفتح الظاء المهملة وبعدها الراء المكسورة المشددة: هو ابن عبد الله الشخير العامري أبو عبد الله البصري أحد سادة التابعين. قال ابن سعد: ثقة له فضل وورع وعقل وأدب "عن ابن مغفل": بضم الميم وفتح الغين المعجمة والفاء المشددة المفتوحة وهو عبد الله بن المغفل المزني، بايع تحت الشجرة ونزل البصرة "أمر بقتل الكلاب": قال القاضي عياض: ذهب كثير من العلماء إلى الأخذ بالحديث بقتل الكلاب إلا ما استثنى، قال: وهذا مذهب مالك وأصحابه، وذهب آخرون إلى جواز اقتنائها جميعاً ونسخ قتلها إلا الأسود البهيم، قال: وعندي أن النهي أولاً كان نهياً عاماً من اقتنائها جميعاً والأمر بقتلها

(1/96)


، ثُمّ قال: " مَا لَهُمْ وَلَهَا، فَرَخّصَ في كَلْبِ الصّيْدِ وفي كلْبِ الغَنَمِ، وقال: إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ في الإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مِرَار وَالثّامِنَةَ عَفّرُوهُ بالتّرَابِ".
قال أبُو داوُد: وَهَكَذَا قال ابنُ مُغَفّلٍ.
__________
جميعاً، ثم نهى عن قتل ما عدا الأسود، وامتنع الاقتناء في جميعها إلا المستثنى. كذا في سبل السلام. قلت: ما قاله القاضي هو الحق الصريح "ثم قال": رسول الله صلى الله عليه وسلم " مالهم ": أي للناس يقتلون الكلاب " ومالها ": أي ما للكلاب أن تقتل ولفظ مسلم: " ما بالهم وبال الكلاب " وفيه دليل على امتناع قتل الكلاب ونسخه وقد عقد الحافظ الحازمي في كتابه الاعتبار لذلك باباً، وأخرج مسلم عن جابر قال: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب حتى إن المرأة تقدم من البادية بكلبها فتقتله، ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتلها، وقال عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين فإنه شيطان " "في": اقتناء كلب الصيد، أي الكلاب التي تصيد " وفي ": اقتناء " كلب الغنم ": أي التي تحفظ الغنم في المرعى وزاد مسلم وكلب الزرع " عفروه بالتراب ": التعفير التمريغ بالتراب. والحديث فيه حكم غسلة ثامنة. وأن غسلة التراب غير الغسلات السبع بالماء، وبه قال الحسن البصري وأفتى بذلك أحمد بن حنبل وغيره وروى عن مالك أيضاً. قال ابن دقيق العيد: قوله: عفروه الثامنة بالتراب ظاهر في كونها غسلة مستقلة لكن لو وقع التغفير في أوله قبل ورود الغسلات السبع كانت الغسلات ثمانية، ويكون إطلاق الغسلة على التراب مجازاً، وجنح بعضهم إلى الترجيح لحديث أبي هريرة على حديث عبد الله بن مغفل، والترجيح لا يصار إليه مع إمكان الجمع والأخذ بحديث ابن مغفل يستلزم الأخذ بحديث أبي هريرة دون العكس والزيادة من الثقة مقبولة، ولو سلك الترجيح في هذا الباب لم نقل بالتتريب أصلاً، لأن رواية مالك بدونه أرجح من رواية من أثبته، ومع ذلك فقلنا به أخذاً بزيادة الثقة. قاله الحافظ. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه

(1/97)


38 باب سؤر الهرة
-75 حدثنا عَبْدُالله بن مَسْلَمَةَ القَعْنَبيّ عن مَالِكٍ عن إسْحَاقَ بنِ عَبْدِالله بنِ
__________
"باب سؤر الهرة"
الهر: الذكر وجمعه هررة مثل قرد وقردة، والأنثى: هرة مثل سدرة. قاله الأزهري. قال

(1/97)


أبي طَلْحَةَ عن حُمَيْدَةَ بِنْتِ عُبَيْدِ بنِ رِفَاعَةَ عن كَبْشَةَ بِنْتِ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ وكَانتْ تَحْتَ ابنِ أبي قَتَادَةَ أنّ أبَا قَتَادَةَ دَخَلَ فَسَكَبَتْ لَهُ وَضُوءًا فَجَاءَتْ هِرّةٌ فَشَرِبَتْ مِنْهُ فَأصْغَى لَهَا الإِنَاءَ حَتّى شَرِبَتْ. قالَتْ كَبْشَةُ: فَرَآنِي أنْظُرُ إلَيْهِ فَقَالَ: أتَعْجَبِينَ يابِنْتَ أخِي؟ فَقلت: نَعَمْ. فَقَالَ: إنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: " إنّهَا لَيْسَتْ بِنَجِسٍ، إنّهَا مِنَ الطّوّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطّوّافَاتِ"
__________
ابن الأنباري: الهر يقع على الذكر والأنثى وقد يدخلون الهاء في المؤنث، وتصغيرها هريرة. كذا في المصباح
"عن حميدة": قال ابن عبدالبر: هي بضم الحاء المهملة وفتح الميم عند رواة الموطأ إلا يحيى الليثي فقال إنها بفتح الحاء وكسر الميم "بنت عبيد بن رفاعة": الأنصارية الزرقية أم يحيى عن خالتها كبشة بنت كعب وعنها زوجها إسحاق بن عبد الله المذكور آنفاً وابنها يحيى بن إسحاق وثقها ابن حبان. وقال الحافظ: هي مقبولة. قال في النيل: الحديث صححه البخاري والعقيلي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني، وأعله ابن مندة بأن حميدة الراوية عن كبشة مجهولة، وكذلك كبشة قال ولم يعرف لهما إلا هذا الحديث، وتعقبه الحافظ بن حجر بأن لحميدة حديثاً آخر في تشميت العاطس رواه أبو داوود، ولها حديث ثالث رواه أبو نعيم في المعرفة، وقد روى عنها مع إسحاق ابنة يحيى وهو ثقة عند ابن معين، فارتفعت الجهالة "كبشة": بفتح الكاف وسكون الموحدة "بنت كعب بن مالك": الأنصارية زوج عبد الله بن أبي قتادة "وكانت": كبشة "تحت ابن أبي قتادة": أي في نكاحه "دخل": في بيت كبشة "فسكبت": بصيغة المتكلم، والسكب: الصب أي صببت، ويحتمل أن يكون بصيغة الغائب "وضوءاً": بفتح الواو أي صبت له ماء الوضوء في قدح ليتوضأ منه "منه": أي من الماء الذي كان في الإناء "فأصغى لها الإناء": أي أمال أبو قتادة للهرة الإناء حتى يسهل عليها الشرب "فرآني": أبو قتادة والحال أني "أنظر إليه": أي إلى شرب الهرة للماء نظر المنكر أو المتعجب "يا ابنة أخي": المراد أخوة الإسلام، ومن عادة العرب أن يدعوا بيا ابن أخي ويا ابن عمي وإن لم يكن أخاً أو عماً له في الحقيقة "فقال": أبو قتادة لا تعجبي " بنجس ": يعني نجاسة مؤثرة في نجاسة الماء، وهو مصدر يستوي فيه المذكر والمؤنث، ولو قيل بكسر الجيم لقيل: بنجسة لأنها صفة لهرة، وقال بعضهم: النجس بفتح الجيم: النجاسة، والتقدير أنها ليست بذات نجس. كذا في بعض شروح الترمذي. وقال السيوطي: قال المنذري، ثم النووي، ثم ابن دقيق العيد، ثم ابن سيد الناس: مفتوح الجيم من النجاسة. قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} انتهى " إنها من الطوافين عليكم " هذه جملة مستأنفة فيها معنى العلة إشارة إلى أن علة الحكم بعدم نجاسة الهرة

(1/98)


76 - حدثنا عَبْدُالله بنُ مَسْلَمَةَ قال حدثنا عَبْدُالعَزِيزِ عن دَاوُدَ بنِ صالحِ بنِ دينَارٍ التّمّارِ عن أُمّهِ أنّ مَوْلاَتَهَا أرْسَلَتْهَا بِهَرِيسَةٍ إلَى عائِشَةَ فَوَجَدَتْهَا تُصَلّي، فَأشَارَتْ إلَيّ أنْ ضَعِيهاَ، فَجَاءَتْ هِرّةٌ فأكَلَتْ مِنْهَا فَلَمّا انْصَرَفْتُ أكَلَتْ مِنْ حَيْثُ أكَلَتْ الهِرّةُ، فَقَالَتْ: إنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: " إنّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ إنّمَا هِيَ مِنَ الطّوّافِينَ عَلَيْكُمُ" ، وَقَدْ رَأيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَتَوَضّأُ بِفَضْلِهَا.
__________
هي الضروة الناشئة من كثرة دورانها في البيوت، ودخولها فيه بحيث يصعب صون الأواني عنها، والمعنى أنها تطوف عليكم في منازلكم ومساكنكم فتمسحونها بأبدانكم وثيابكم، ولو كانت نجسة لأمرتكم بالمجانبة عنها. وفيه التنبيه على الرفق بها واحتساب الأجر في مواساتها، والطائف: الخادم الذي يخدمك برفق وعناية وجمعه الطوافون. قال البغوي: في شرح السنة: يحتمل أنها شبهها بالمماليك من خدم البيت الذين يطوفون على بيته للخدمة كقوله تعالى: { طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ} ويحتمل أنه شبهها بمن يطوف للحاجة، يريد أن الأجر في مواساتها كالأجر في مواساة من يطوف للحاجة، والأول هو المشهور وقول الأكثر، وصححه النووى في شرح أبي داوود، وقال: ولم يذكر جماعة سواه " والطوافات ": وفي رواية الترمذي أو الطوافات. قال ابن سيد الناس: جاء هذا الجمع في المذكر والمؤنث على صيغة جمع من يعقل. قال السيوطي: يريد أن هذا الحيوان لا يخلو أن يكون من جملة الذكور الطوافين أو الإناث الطوافات، ومحصل الكلام أنه شبه ذكور الهر بالطوافين وإناثها بالطوافات. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال: وهو أحسن شيء في هذا الباب، وقد جود مالك هذا الحديث عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، ولم يأت به أحد أتم من مالك، وقال محمد بن إسماعيل البخاري: جود مالك بن أنس هذا الحديث وروايته أصح من رواية غيره. انتهى.
"أن مولاتها": أي معتقة أم داوود وكانت أمه مولاة لبعض نساء الأنصار، والمولى: اسم مشترك بين المعتق بالكسر والفتح، والمراد ههنا بالكسر، "أرسلتها": الضمير المرفوع للمولاة والمنصوب لأمه "بهريسة": فعيلة بمعنى مفعولة، هرسها من باب قتل دقّها. قال ابن فارس: الهرس: دق الشيء ولذلك سميت الهريسة: وفي النوادر: الهريس: الحب المدقوق بالمهراس قبل أن يطبخ، فإذا طبخ فهو الهريسة بالهاء، والمهراس بكسر الميم: هو الحجر الذي يهرس به الشيء، وقد استعير للخشبة التي يدق فيها الحب، فقيل لها مهراس على التشبيه بالمهراس من الحجر. كذا في المصباح، وفي بعض كتب اللغة: هريس كأمير طعام ينخذ من الحبوب واللحم وأطيبه ما يتخذ من الحنطة ولحم الديك. قالت أم داوود "فوجدتها": أي عائشة "فأشارت إليّ أن ضعيها": أي

(1/99)


ـــــــ
الهريسة، وأن مفسرة لما في الأشارة، وفيه دليل على أن مثل هذه الأشياء جائزة في الصلاة، وقد ثبت في الأحاديث الكثيرة الإشارة في الصلاة عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا هو الحق "بفضلها": أي بسؤر الهرة. قال الإمام الخطابي: فيه من الفقه أن ذات الهرة طاهرة، وأن الشرب منه والوضوء غير مكروه. وفيه دليل على أن سؤر كل طاهر الذات من السباع والدواب والطير وإن لم يكن مأكول اللحم طاهر. انتهى. قال الترمذي: وهو قول أكثر العلماء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن بعدهم مثل الشافعي وأحمد وإسحاق لم يروا بسؤر الهرة بأساً. قلت: وهو قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن. وقال أبو حنيفة: بل نجس كالسبع، لكن خفف فيه فكره سؤره، واستدل بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من أن الهرة سبع في حديث أخرجه أحمد والدارقطني والحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة بلفظ " السنور سبع " وأجيب بأن حديث الباب ناطق بأنها ليست بنجس، فيخصص به عموم حديث السباع بعد تسليم ورود ما يقضي بنجاسة السباع، وأما مجرد الحكم عليها بالسبعية فلا يستلزم أنها نجس، إذ لا ملازمة بين النجاسة والسبعية، على أنه قد أخرج الشافعي والدارقطني والبيهقي في المعرفة. وقال له أسانيد إذا ضم بعضها إلى بعض كانت قوية بلفظ: "أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال: نعم، وبما أفضلت السباع كلها " وحديث عائشة المذكور في الباب نص على محل النزاع، قاله الشوكاني. قال المنذري قال الدارقطني: تفرد به عبدالعزيز بن محمد الدراوردي عن داوود بن صالح عن أمه بهذه الألفاظ. انتهى.

(1/100)


39 باب الوضوء بفضل المرأة
- 77 حدثنا مُسَدّدٌ قال حدثنا يَحْيَى عن سُفْيَانَ قال حدّثَني مَنْصُورٌ عن إبْرَاهِيمَ عن الأسْوَدِ عن عَائِشَةَ قالَتْ: كُنْتُ أغْتَسِلُ أنَا وَرَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم منْ إنَاءٍ واحِدٍ وَنَحْنُ جُنُبَان.
__________
"باب الوضوء بفضل المرأة"
وفي بعض النسخ: الوضوء بفضل وضوء المرأة. والفضل: هو بقية الشيء أي استعمال ما يبقى في الإناء من الماء بعد ما شرعت المرأة في وضوئها أو غسلها سواء كان استعماله من ذلك الماء معها أو بعد فراغ من تطهيرها، فيه صورتان، وأحاديث الباب تدل على الصورة الأولى وهي استعماله معها صريحة وعلى الثانية استنباطاً، أو بانضمام أحاديث أخرى
"كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم": يحتمل أن يكون مفعولاً معه ويحتمل أن يكون عطفاً

(1/100)


- 78 حدثنا عَبْدُالله بنُ مُحمّدٍ النّفَيْلِيّ قال حدثنا وَكِيعٌ عن أُسامَةُ بنِ زَيْدٍ عن ابنِ خَرّبُوذ عن أُمّ صُبَيّةَ الْجُهَنِيّةِ قالَتْ: اختَلَفَتْ يَدِي وَيَدُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في الْوُضُوءِ منِ إنَاءٍ واحِدٍ.
__________
على الضمير "ونحن جنبان": هذا بناء على إحدى اللغتين في الجنب أنه يثنى ويجمع، فيقال: جنب وجنبان وجنبيون وأجناب، واللغة الأخرى رجل جنب ورجلان جنب ورجال جنب ونساء جنب بلفظ واحد. وأصل الجنابة في اللغة: البعد، ويطلق الجنب على الذي وجب عليه الغسل بجماع أو خروج مني لأنه يجتنب الصلاة والقراءة والمسجد ويتباعد عنها. قاله النووي. وفيه دليل على طهارة فضل المرأة لأن عائشة رضي الله عنها لما اغترفت بيدها من القدح وأخذت الماء منه المرة الأولى صار الماء بعدها من فضلها، وما كان أخذه صلى الله عليه وسلم بعدها من ذلك الماء إلا من فضلها، وأما مطابقة الحديث للباب فمن حيث أنه كان الغسل مشتملاً على الوضوء. قال المنذري: وأخرجه النسائي مختصراً، وأخرج مسلم من حديث أبي سلمة بن عبدالرحمن عن عائشة قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد من جنابة". انتهى.
"ابن خرّبوذ": بفتح الخاء المعجمة وشدة الراء المهملة مفتوحة وضم الموحدة وسكون الواو ثم الذال المعجمة آخراً: هو سالم بن سرج أبو النعمان المدني عن مولاته أم حبيبة وثقه ابن معين. قال الحافظ بن حجر قال الحاكم أبو أحمد من قال ابن سرج عرّبه، ومن قال ابن خربوذ أراد به إلا كاف بالفارسية، ومنهم من قال فيه سالم بن النعمان "عن أم صبية الجهنية": بصاد مهملة ثم موحدة مصغراً مع التثقيل: هي خولة بنت قيس وهي جدة خارجة بن الحارث. وقال ابن مندة: إن أم صبية هي خولة بنت قيس بن قهد، ورد عليه أبو نعيم. قال الحافظ: فأصاب أي أبو نعيم. وفي شرح معاني الآثار للطحاوي: إنها قد أدركت وبايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال أبو عبد الله ابن ماجه سمعت محمداً يقول أم صبية هي خولة بنت قيس، فذكرت لأبي زرعة، فقال: صدق. "اختلفت يدي ويد رسول الله صلى الله عليه وسلم ": أي كان يغترف تارة قبلها وتعترف هي تارة قبله. ولمسلم من طريق معاذة عن عائشة: فيبادرني حتى أقول دع لي. زاد النسائي وأبادر: حتى يقول دعى لي "في الوضوء": بضم الواو، أي في التوضىء "من إناء واحد": متعلق بالوضوء، وفي هذا الحديث جواز اغتراف الجنب من الماء القليل، وأن ذلك لا يمنع من التطهر بذلك الماء ولا بما يفضل منه، ويدل على أن النهي عن انغماس الجنب في الماء الدائم إنما هو للتنزيه كراهية أن يستقذر، لا لكونه يصير نجساً بانغماس الجنب فيه لأنه فرق بين جميع بدن الجنب وبين عضو من أعضائه. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه، وحكى أن أم صبية هي خولة بنت قيس. انتهى.

(1/101)


79 - حدثنا عَبْدُالله بنُ مَسْلَمَةَ عن مَالِكٍ عن نَافِعٍ ح. وحدثنا مُسَدّدٌ قال حدثنا حَمّادٌ عن أيّوبَ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ قال: كانَ الرّجَالُ والنساءُ يَتَوَضّؤُونَ في زَمَانِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قال مُسَدّدٌ مِنَ الإنَاءِ الوَاحِدِ جَمِيعاً.
80 - حدثنا مُسَدّدٌ قال حدثنا يَحْيَى عن عُبَيْدِالله قال حَدّثَني نَافِعٌ عن عَبْدِالله بنِ عُمَرَ قال: كُنّا نَتَوَضّأُ نَحْنُ وَالنّسَاءُ عَلَى عَهْدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ نُدْلِي فِيهِ أيْديَنَا.
__________
"في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم": يستفاد منه أن الصحابي إذا أضاف الفعل إلى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون حكمه الرفع وهو الصحيح، وحكى عن قوم خلافه لاحتمال أنه لم يطلع وهو ضعيف لتوفر دواعي الصحابة على سؤالهم إياه عن الأمور التي تقع لهم ومنهم ولو لم يسألوه لم يقروا على غير الجائز من الأفعال في زمن التشريع "قال مسدد": وحده في روايته "من الإناء الواحد": ثم اتفقا بقولهما "جميعاً": فلفظ مسدد: "كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإناء الواحد جميعاً" ولفظ عبد الله: كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعاً فقوله جميعاً ظاهره أنهم كانوا يتناولون الماء في حالة واحدة. وحكى ابن التين عن قوم إن معناه أن الرجال والنساء كانوا يتوضؤون جميعاً في موضع واحد هؤلاء على حدة وهؤلاء على حدة والزيادة المتقدمة في قوله من الإناء الواحد ترد عليه وكأن هذا القائل استبعد اجتماع الرجال والنساء الأجانب، وقد أجاب ابن التين عنه أن معناه: كان الرجال يتوضؤون ويذهبون ثم تأتي النساء فتتوضأن، وهو خلاف الظاهر من قوله جميعاً. قال أهل اللغة: الجميع ضد المفترق، وقد وقع مصرحاً بوحدة الإناء في صحيح ابن خزيمة في هذا الحديث من طريق معتمر عن عبيدالله عن نافع عن ابن عمر أنه أبصر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يتطهرون والنساء معهم من إناء واحد كلهم يتطهر منه. قاله الحافظ. قال الحافظ الإمام المنذري: وأخرجه ابن ماجه وأخرجه البخاري وليس فيه من الإناء الواحد. انتهى.
"ندلي فيه أيدينا": هو من الإدلاء ومن التفعيل والأول لغة القرآن. كذا في التوسط، يقال: أدليت الدلو في البئر ودليتها إذا أرسلتها في البئر، وفيه دليل على أن الاغتراف من الماء القليل لا يصيره مستعملاً لأن أوانيهم كانت صغاراً كما صرح به الإمام الشافعي في الأم في عدة مواضع. وأما اجتماع الرجال والنساء للوضوء في إناء واحد فلا مانع من الاجتماع قبل نزول الحجاب، وأما بعده فيختص بالزوجات والمحارم. ونقل الطحاوي ثم القرطبي والنووي الاتفاق على جواز اغتسال الرجل والمرأة من الإناء الواحد، وفيه نظر لما حكاه ابن المنذر عن أبي هريرة أنه كان ينهي عنه، وكذا حكاه ابن عبدالبر عن قوم وهذا الحديث حجة عليهم.

(1/102)


ـــــــ
قال الشيخ شمس الدين بن القيم
وقال الترمذي في كتاب العلل
سألت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث يعني حديث أبي حاجب عن الحكم بن عمرو فقال ليس بصحيح قال وحديث عبد الله بن سرجس في هذا الباب الصحيح هو موقوف ومن رفعه فهو خطأ تم كلامه وقال أبو عبيد في كتاب الطهور حدثنا علي بن معبد عن عبيد الله بن عمرو عن معمر عن عاصم بن سليمان عن عبد الله بن سرجس أنه قال أترون هذا الشيخ يعني نفسه فإنه قد رأى نبيكم صلى الله عليه وسلم وأكل معه قال عاصم فسمعته يقول لا بأس بأن يغتسل الرجل والمرأة من الجنابة من الإناء الواحد فإن خلت به فلا تقربه فهذا هو الذي رجحه البخاري ولعل بعض الرواة ظن أن قوله فسمعته يقول من كلام عبد الله بن سرجس فوهم فيه وإنما هو من قول عاصم بن سليمان يحكيه عن عبد الله
وقد اختلف الصحابة في ذلك فقال أبو عبيد حدثنا حجاج عن المسعودي عن مهاجر أبي الحسن

(1/103)


40 باب النهي عن ذلك
- 81 حدثنا أحْمَدُ بن يُونُسَ قال حدثنا زُهَيْرٌ عن دَاوُدَ بنِ عَبْدِالله ح. وحدثنا مُسَدّدٌ قال حدثنا أبو عَوانَةَ عن دَاوُدَ بنِ عبْدِالله عن حُمَيْدٍ الحِمْيَريّ قال: لَقِيتُ رَجُلاً صَحِبَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أرْبَعَ سِنِينَ كما صَحِبَهُ أبو هُرَيْرَةَ، قال: نَهَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن تَغْتَسِلَ المَرْأةُ بِفَضْلِ الرّجُلِ، أوْ يَغْتَسِلَ الرّجُلُ بِفَضْلِ المَرْأةِ. زادَ مُسَدّدٌ: وَلْيَغْتَرِفَا جَمِيعاً.
__________
"باب النهي عن ذلك"
المذكور إباحته وهو الوضوء بفضل المرأة، وهذا النهي يشمل الصورتين المذكورتين سابقاً
"عن حميد الحميري": هو بالتصغير: ابن عبدالرحمن الحميري البصري الفقيه عن أبي هريرة وأبي بكرة وعنه ابن سيرين وابن أبي وحشية، وثقه العجلي. قال ابن سيرين: هو أفقه أهل البصرة، والحمير بكسر الحاء وسكون الميم وفتح الياء منسوب إلى حمير بن سبأ "لقيت رجلاً": ودعوى الحافظ البيهقي أنه قد معنى المرسل مردودة لأن إبهام الصحابي لا يضر، وقد صرح التابعي بأنه لقيه ووصفه بأنه صحب النبي صلى الله عليه وسلم أربع سنين "قال": الرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم "بفضل الرجل": أي بالماء الذي يفضل بعد فراغه من الغسل أو بعد شروعه في الغسل، فلا يجوز للمرأة أن تغتسل معه بفضله ولا بعد غسله بفضله "بفضل المرأة": أي بالماء الذي يفضل بعد فراغها من غسلها أو بعد شروعها في الغسل، فلا يجوز للرجل أن يغتسل معها بفضلها ولا بعد غسلها

(1/103)


41 باب الوضوء بماء البحر
- 83 حدثنا عَبْدُالله بنُ مَسْلَمَةَ عن مالِكٍ عن صَفْوانَ بنِ سُلَيمٍ عن سَعِيدِ بنِ سَلَمَةَ مِنْ آلِ ابنِ الأزْرَقِ قال: إنّ المُغِيرةَ بنَ أبي بُرْدَةَ وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِالدّار
__________
"باب الوضوء بماء البحر"
وهو الماء الكثير أو المالح فقط وجمعه بحور وأبحر وبحار، وأشار بهذا الرد على من قال بكراهة الوضوء بماء البحر كما نقل عن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
"وهو من بني عبد الدار": أي المغيرة "سأل رجل": وقع في بعض الطرق التي ذكرها الدارقطني

(1/105)


42 باب الوضوء بالنبيذ
84 - حدثنا هَنّادٌ وَ سُلَيْمَانُ بنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيّ قالا حدثنا شَرِيكٌ عن أبي فَزَارَةَ عن أبي زَيْدٍ عن عبْدِالله بنِ مَسْعُودٍ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال لَهُ لَيْلَةَ الجِنّ: " مَا في إداوَتِكَ "؟ قال:
__________
"باب الوضوء بالنبيذ"
بفتح النون وكسر الباء ما يعمل من الأشربة من التمر والزبيب والعسل والحنطة والشعير. نبذت التمر والعنب إذا تركت عليه الماء ليصير نبيذ أو أنبذته اتخذته نبيذاً سواء كان مسكراً أو لا يقال للخمر المعتصر من العنب نبيذ كما يقال للنبيذ خمر. قاله ابن الأثير في النهاية
"عن أبي زيد": قال الترمذي في جامعه وأبو زيد رجل مجهول عند أهل الحديث لا نعرف له رواية غير هذا الحديث وقال الزيلعي قال ابن حبان في كتاب الضعفاء أبو زيد شيخ يروي عن ابن مسعود ليس يدري من هو ولا يعرف أبوه ولا بلده، ومن كان بهذا النعت ثم لم يروا إلا خبراً واحداً خالف فيه الكتاب والسنة والقياس استحق مجانبة ما رواه. وقال ابن أبي حاتم في كتابه العلل: سمعت أبا زرعة يقول حديث أبي فزارة بالنبيذ ليس بصحيح، وأبو زيد مجهول، وذكر ابن

(1/107)


نَبِيذٌ. قالَ: "تَمْرَةٌ طَيّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ"
__________
عدى عن البخاري قال أبو زيد الذي روى حديث ابن مسعود في الوضوء بالنبيذ مجهول لا يعرف بصحبة عبد الله، ولا يصح هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو خلاف القرآن. قال ابن عدى: أبو زيد مولى عمرو بن حريث مجهول قال ابن عبدالبر: وأبو زيد مولى عمرو ابن حريث مجهول عندهم لا يعرف بغير رواية أبي فزارة، وحديثه في الوضوء بالنبيذ منكر لا أصل له ولا رواه من يوثق به ولا يثبت انتهى. "ليلة الجن": هي الليلة التي جاءت الجن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهبوا به إلى قومه ليتعلموا منه الدين وأحكام الإسلام " ما في إداوتك" : بالكسر إناء صغير من جلد يتخذ للماء وجمعها أداوى " تمرة طيبة ": أي النبيذ ليس إلا تمرة وهي طيبة ليس منها ما يمنع التوضي " وماء طهور ": بفتح الطاء أي مطهر، زاد الترمذي قال: فتوضأ منه. وفي مسند أحمد بن حنبل فتوضأ منه وصلى. وقد ضعف المحدثون حديث أبي زيد بثلاث علل. أحدها: جهالة أبي زيد، والثاني: التردد في أبي فزارة هل هو راشد بن كيسان أو غيره، والثالث: أن ابن مسعود لم يشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن واختلف العلماء في التوضي بالنبيذ فقال الشافعي وأحمد وإسحاق وأكثر الأئمة: لا يجوز التوضي به. قال الترمذي: وقول من يقول لا يتوضأ بالنبيذ أقرب إلى الكتاب وأشبه لأن الله تعالى قال: { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً} وعند أبي حنيفة وسفيان الثوري جاز الوضوء به إذا لم يوجد ماء، وهذا قول ضعيف. قال أبو بكر بن العربي في عارضة الأحوذي: هذه زيادة على ما في كتاب الله عز وجل، والزيادة عندهم على النص نسخ، ونسخ القرآن عندهم لا يجوز إلا بقرآن مثله أو بخبر متواتر، ولا ينسخ الخبر الواحد إذا صح، فكيف إذا كان ضعيفاً مطعوناً فيه. انتهى. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه. وفي حديث الترمذي قال فتوضأ منه، وقال الترمذي: وأبو زيد رجل مجهول عند أهل العلم لا يعلم له رواية غير هذا الحديث. وقال أبو زرعة وليس هذا الحديث بصحيح وقال أبو أحمد الكرابيسي ولا يثبت في هذا الباب من هذه الرواية حديث بل الأخبار الصحيحة عن عبد الله بن مسعود ناطقة بخلافه. هذا آخر كلامه. وأبو زيد هو مولى عمرو بن حريث ولا يعرف له اسم، ووقع في بعض الروايات عن زيد عن ابن مسعود: وأبو فزارة قيل راشد بن كيسان وهو ثقة أخرج له مسلم، وقيل: إن أبا فزارة رجلان، وراوي هذا الحديث رجل مجهول ليس هو راشد بن كيسان وهو ظاهر كلام الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه فإنه قال أبو فزارة في حديث ابن مسعود رجل مجهول. وذكر البخاري أبا

(1/108)


قال سُلَيْمانُ بنُ دَاوُدَ عن أبي زَيْدٍ أوْ زَيْدٍ: كَذَا قال شَريكٌ وَلَمْ يذْكُرْ هَنّادٌ لَيْلَةَ الجِنّ.
- 85 حدثنا مُوسى بن إسْماعيلَ قال حدثنا وُهَيْبٌ عن دَاوُد عن عامِرٍ عن عَلْقَمَةَ قال قُلْتُ لِعبدالله بنِ مَسْعودٍ: مَنْ كان مِنْكُمُ مَعَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم لَيْلَةَ الجِنّ؟ فقال: مَا كان مَعَهُ مِنّا أحَدٌ.
- 86 حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ قال حدثنا عَبْدُالرّحْمَنِ قال حدثنا بِشْرُ بنُ مَنْصُورٍ
__________
فزارة العبسي راشد بن كيسان، وأبا فزارة العبسي غير مسمى فجعلهما اثنين، ولو ثبت أن راوي هذا الحديث هو راشد بن كيسان كان فيما تقدم كفاية في ضعف الحديث. انتهى.
"عن أبي زيد": أي بإضافة لفظ أبي إلى زيد "أو زيد": بلا إضافته "كذا قال شريك": أي الشاك فيه شريك، وأما هناد فقال في روايته عن شريك أبا زيد بلا شك "ولم يذكر هناد": في روايته "ليلة الجن": وإنما ذكرها سليمان.
"قلت لعبد الله بن مسعود.. إلخ": أخرج المؤلف هذا الحديث مختصراً ولم يذكر القصة، وأخرجه مسلم في كتاب الصلاة من صحيحه، والترمذي في تفسير سورة الأحقاف من جامعه مطولاً. ومقصود المؤلف من إيراد هذا الحديث إثبات الضعف لحديث أبي زيد المتقدم. قال النووي في شرحه لمسلم: هذا صريح في إبطال الحديث المروي في سنن أبي داوود وغيره المذكور فيه الوضوء بالنبيذ، وحضور ابن مسعود معه صلى الله عليه وسلم ليلة الجن، فإن هذا الحديث صحيح، وحديث النبيذ ضعيف باتفاق المحدثين. وقال الإمام جمال الدين الزيلعي قال البيهقي في دلائل النبوة: قد دلت الأحاديث الصحيحة على أن ابن مسعود لم يكن مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن، وإنما كان معه حين انطلق به، وبغيره يريهم آثارهم وآثار نيرانهم. قال: وقد روى أنه كان معه ليلته. ثم قال الزيلعي: فقد تلخص لحديث ابن مسعود سبعة طرق، صرح في بعضها أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مخالف لما في صحيح مسلم أنه لم يكن معه، وقد جمع بينهما بأنه لم يكن مع النبي صلى الله عليه وسلم حين المخاطبة، وإنما كان بعيداً منه، ومن الناس من جمع بينهما بأن ليلة الجن كانت مرتين، ففي أول مرة خرج إليهم لم يكن مع النبي صلى الله عليه وسلم ابن مسعود ولا غيره كما هو ظاهر حديث مسلم، ثم بعد ذلك خرج معه ليلة أخرى كما روى ابن أبي حاتم في تفسيره في أول سورة الجن من حديث ابن جريج. والله أعلم.

(1/109)


عن ابنِ جُرَيْجٍ عن عَطَاءٍ قال: إنّهُ كَرِهَ الوُضُوءَ بِاللّبَنِ وَالنّبِيذِ وقال: إنّ التّيَمّمَ أعْجَبٌ إلَيّ منْهُ.
- 87 حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ قال حدثنا عبدُالرّحْمَنِ قال حدثنا أبو خَلْدَةَ قال: سَألْتُ أبَا العَالِيَةَ عن رَجُلٍ أصَابَتْهُ جَنَابَةٌ وَلَيْس عِنْدَهُ مَاءٌ وَعِنْدَهُ نَبِيذٌ، أيَغْتَسِلُ بِهِ؟ قال: لاَ.
__________
"إنه كره الوضوء باللبن والنبيذ": لأنه لا يصح إطلاق الماء عليهما، وإنما الوضوء بالماء لا بغيره "وقال": عطاء "أن التيمم": عند فقد الماء "أعجب": أحب "إليّ منه": أي من التوضي باللبن والنبيذ.
"سألت أبا العالية": هو رفيع بضم أوله ابن مهران الرياحي البصري مخضرم إمام من الأئمة. قال الحافظ: هو من كبار التابعين مشهور بكنية، وثقه ابن معين وغيره حتى قال أبو قاسم اللالكائي: مجمع على ثقته إلا أنه كثير الإرسال عمن أدركه "عن رجل": أي عن حاله.

(1/110)


43 باب أيصلي الرجل وهو حاقن
- 88 حدثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ قال حدثنا زُهَيْرٌ قال حدثنا هِشَامُ بنُ عُرْوَةَ عن أبيهِ عن عَبْدِالله بنِ الأرْقَمِ أنّهُ خَرَجَ حاجاً أوْ مُعْتَمِراً وَمَعَهُ النّاسُ وَهُوَ يَؤمّهُمْ، فَلَمّا كان ذَاتُ يَوْمٍ أقامَ الصّلاةَ صلاةَ الصّبْحِ ثُمّ قال: لِيَتَقَدّمْ أحَدُكُم وَذَهبَ الخَلاَءَ، فإنّي
__________
"باب أيصلي الرجل وهو حاقن"
هو من يحبس بوله، حقن الرجل بوله: حبسه وجمعه فهو حاقن. وقال ابن فارس ويقال لما جمع من لبن وشد حقين، ولذلك سمي حابس البول حاقناً. وأراد المؤلف بلفظ الحقن المعنى الأعم يعني حبس الغائط والبول ولذا أورد في الباب أحاديث من القسمين، أو أراد به المعنى الخاص، وهو حبس البول، وأراد بلفظ الخلاء وبلفظ الأخبثان الواقعين في الحديث أحد فرديهما، وهو حبس البول.
"وهو يؤمهم": في الصلاة. ولفظ البيهقي في المعرفة أنه خرج إلى مكة صحبه قوم فكان يؤمهم "صلاة الصبح": بدل من الصلاة "ثم قال": عبد الله "ليتقدم أحدكم": للأمامة "وذهب":

(1/110)


سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: "إذَا أرَادَ أحدُكُم أنْ يَذْهَبَ الخَلأَ وَقَامَتِ الصّلاةُ فَلْيَبْدَأْ بالخَلاَءِ"
قال أبُو داوُدَ: رَوَى وُهَيْبُ بن خالِدٍ وَشُعَيْبٍ بنُ إسْحاقَ وأبُو ضَمْرَةَ هَذَا الْحَديثَ عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن أبيهِ عن رَجُلٍ حَدّثَهُ عن عبدِالله بنِ أرْقَمَ، والأكْثَرُ الذّينَ رَوَوْهُ عن هِشَامٍ قالُوا كما قال زُهَيرٌ.
- 89 حدثنا أحْمَدُ بنُ مُحمّدِ بنِ حَنْبَلٍ وحدثنا مُسَدّدٌ وَ مُحمّدُ بنُ عِيسَى المَعْنَى قالُوا حدثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عن أبي حَزْرَةَ قال حدثنا عَبْدُالله بنُ مُحمّدٍ قال ابنُ عِيسَى في حَدِيثِهِ ابنُ أبي بَكْرٍ ثُمّ اتّفَقُوا أخُو الْقَاسِمِ بنِ مُحمّدٍ قال: كُنّا عِنْدَ عَائِشَةَ فَجِيءَ بِطَعَامِهَا فَقَامَ القَاسِمُ يُصَلّي، فَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقُولُ: "لاَ يُصَلّى
__________
عبد الله " الخلاء ": وهذه الجملة من مقولة عروة بن الزبير " فليبدأ بالخلاء ": فيفرغ نفسه ثم يرجع فيصلي لأنه إذا صلى قبل ذلك تشوش خشوعه واختل حضور قلبه. والحديث فيه دليل على أنه لا يقوم إلى الصلاة وهو يجد شيئاً من الغائط والبول "عن رجل حدثه": فأدخلوا هؤلاء بين عروة وبين عبد الله بن الأرقم رجلاً روى عن ابن جريج أيضاً في بعض الروايات عنه مثل ما روى وهيب. قاله ابن الأثير في أسد الغابة، ورجح البخاري فيما حكاه الترمذي في العلل المفرد رواية من زاد فيه عن رجل. كذا في التلخيص "والأكثر": أي أكثر الحفاظ مثل مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وحفص بن غياث ومحمد بن إسحاق وشجاع بن الوليد وحماد بن زيد ووكيع وأبي معاوية والمفضل بن فضالة ومحمد بن كنانة كما صرح به ابن عبدالبر، وزاد الترمذي يحيى بن سعيد القطان وزاد ابن الأثير شعبة والثوري وحماد بن سلمة ومعمراً "كما قال زهير": بن معاوية بحذف واسطة بين عروة وعبد الله. قال المنذري وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقيل: إن عبد الله بن أرقم روى عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثاً واحداً، وليس له في هذه الكتب سوى هذا الحديث. وقال الترمذي حديث عبد الله بن الأرقم حديث حسن.
"المعنى": أي المعنى واحد وإن تغاير ألفاظهم "قال ابن عيسى في حديثه ابن أبي بكر": أي قال محمد بن عيسى في رمايته عبد الله بن أبي بكر، واقتصر يحيى ومسدد على عبد الله بن محمد فقط بدون زيادة ابن أبي بكر "ثم اتفقوا": ثلاثتهم في رواياتهم فقالوا: "أخو القاسم بن محمد": أي عبد الله بن محمد "فقام القاسم": بن محمد بن أبي بكر الصديق أبو محمد المدني أحد الفقهاء السبعة روى عن عائشة وأبي هريرة وابن عباس وابن عمر وجماعة، وعنه الزهري ونافع والشعبي وخلائق. قال مالك: القاسم من فقهاء الأمة، وقال ابن سعد: كان

(1/111)


بِحَضْرَةِ الطّعَامِ وَلاَ هُوَ يُدَافِعُهُ الأخْبَثَانِ"
- 90 حدثنا مُحمّدُ بنُ عِيسَى قال حدثنا ابنُ عَيّاشٍ عن حَبِيبِ بنِ صَالحٍ عن يَزِيدَ بنِ شُرَيْحٍ الحَضْرَمِيّ عن أبي حَيَ المُؤَذّنِ عن ثَوْبَانَ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثَلاَثٌ لاَ يَحِلّ لأَحَدٍ أنْ يَفْعَلَهُنّ: لاَ يؤُمّ رَجُلٌ قَوْماً فَيَخُصّ نَفْسَهُ بالدّعَاءِ دُونَهُمْ فإنْ فَعَلَ فَقَدْ خَانَهُمْ، وَلاَ يَنْظُرُ في قَعْرِ بَيْتٍ قَبْلَ أنْ يَسْتَأْذِنَ فَإنْ فَعَلَ فَقَدْ دَخَلَ، وَلاَ يُصَلّي وَهُوَ حَقِنٌ حَتّى يَتَخَفّفَ"
__________
ثقة عالماً فقيهاً إماماً كثير الحديث، قال أبو الزناد: ما رأيت أعلم بالسنة من القاسم " لا يصلي ": بالبناء للمجهول، وفي رواية مسلم: لا صلاة "بحضرة الطعام": أي عند حضور طعام تتوق نفسه إليه، أي لا تقام الصلاة في موضع حضر فيه الطعام، وهو يريد أكله، وهو عام للنفل والفرض والجائع وغيره وفيه دليل صريح على كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله في الحال لاشتغال القلب به " ولا ": يصلي " وهو ": المصلي " يدافعه ": المصلي " الأخبثان ": فاعل يدافع وهو البول والغائط، أي لا صلاة حاصلة للمصلي حالة يدافعه الأخبثان وهو يدافعهما لاشتغال القلب به وذهاب الخشوع، ويلحق به كل ما هو معناه مما يشغل القلب ويذهب كمال الخشوع، وأما الصلاة بحضرة الطعام فيه مذاهب منهم من ذهب إلى وجوب تقديم الأكل على الصلاة، ومنهم من قال إنه مندوب ومن قيد ذلك بالحاجة ومن لم يقيد، ويجيء بعض بيان ذلك إن شاء الله تعالى في موضعه.
" ثلاث ": ثلاث خصال بالإضافة ثم حذف المضاف إليه، ولهذا جاز الابتداء بالنكرة " أن يفعلهن ": المصدر المنسبك من أنْ والفعل فاعل يحل، أي لا يحل فعلهن بل يحرم، قاله العزيزي " لا يؤم رجل ": يؤم بالضم خبر في معنى النهى " فيخص ": قال في التوسط: هو بالضم للعطف وبالنصب للجواب. وقال العزيزي في شرح الجامع: هو منصوب بأن المقدرة لو روده بعد النفي على حد لا يقضي عليهم فيموتوا " بالدعاء دونهم ": قال العزيزي: أي في القنوت خاصة بخلاف دعاء الافتتاح والركوع والسجود والجلوس بين السجدتين والتشهد. وقال في التوسط: معناه تخصيص نفسه بالدعاء في الصلاة والسكوت عن المقتدين وقيل نفيه عنهم كارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً وكلاهما حرام، أو الثاني حرام فقط، لما روى أنه كان يقول بعد التكبير: اللهم نقني من خطاياي.. الحديث، والدعاء بعد التسليم يحتمل كونه كالداخل وعدمه " فإن فعل ": أي خص نفسه بالدعاء " فقد خانهم ": لأن كل ما أمر به الشارع أمانة وتركه خيانة " ولا ينظر ": بالرفع عطف على يؤم "في قعر": بفتح القاف وسكون العين. قال في المصباح: قعر الشيء نهاية أسفله

(1/112)


91 - حدثنا مَحمودُ بنُ خَالِدٍ السّلَمِيّ قال حدثنا أحْمَدُ بنُ عَلِيَ قال حدثنا ثَوْرٌ عن يَزِيدَ بن شُرَيْحٍ الحَضْرَمِيّ عن أبي حَيَ المُؤَذّنِ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النّبِيّ صلى الله عليه وسلم قال: "لاَ يَحِلّ لِرَجُلٍ يُؤمِنُ بالله وَاليَوْمِ الآخر أنْ يُصَلّيَ وَهُوَ حَقِنٌ حَتّى يَتَخَفّفَ. ثُمّ سَاقَ نَحْوَهُ عَلَى هَذَا اللّفْظِ قال: وَلاَ يَحِلّ لِرَجُلٍ يُؤمِنُ بالله وَاليَوْمِ الآخر أنْ يَؤُمّ قَوْماً إلاّ بِإذْنِهِمْ وَلاَ يَخْتَصّ نَفْسَهُ بِدَعْوَةٍ دُونَهُمْ، فَإنْ فَعَلَ فَقَدْ خَانَهُمْ"
__________
والجمع قعور، مثل فلس وفلوس، ومنه جلس في قعر بيته، كناية عن الملازمة. انتهى. والمراد ههنا داخل البيت "قبل أن يستأذن": أهله. فيه تحريم الاطلاع في بيت الغير بغير إذنه " فإن فعل ": اطلع فيه بغير إذنه " دخل ": ارتكب إثم من دخل البيت " ولا يصلي ": بكسر اللام المشددة وهو فعل مضارع والفعل في معنى النكرة والنكرة إذا جاءت في معرض النفي تعم فيدخل في نفي الجواز صلاة فرض العين والكفاية، كالجنازة والسنة فلا يحل شيء منها " حَقِن ": بفتح الحاء وكسر القاف. قال ابن الأثير: الحاقن والحقن بحذف الألف بمعنى " يتخفف ": بمثناة تحتية مفتوحة ففوقية، أي يخفف نفسه بخروج الفضلة. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه، وحديث ابن ماجه مختصر وذكر حديث يزيد بن شريح عن أمامة، وحديث يزيد بن شريح عن أبي هريرة في ذلك قال: وكان حديث يزيد بن شريح عن أبي حي المؤذن عن ثوبان في هذا أجود إسناداً وأشهر. انتهى.
" ساق نحوه ": أي ساق ثور نحو حديث حبيب بن صالح المتقدم ذكره، وذلك لأن ليزيد بن شريح تلميذين أحدهما: حبيب بن صالح والآخر: ثور بن يزيد الكلاعي، فرواية ثور عن يزيد ين شريح نحو رواية حبيب بن صالح "على هذا اللفظ": المشار إليه هو ما ذكره بقوله "قال": ثور " إلا بإذنهم ": هذا صريح في أنه لا يجوز للزائر أن يؤم صاحب المنزل، بل صاحب المنزل أحق بالإمامية من الزائر وإذا أذن له فلا بأس أن يؤمهم "ولا يختص": في بعض النسخ لا يخص، وخلاصة المرام أن بين رواية حبيب بن صالح وثور تفاوتاً في اللفظ لا في المعنى، إلا أن في حديث ثور جملة ليست هي في رواية حبيب بن صالح، وهي قوله: " لا يحل لرجل بالله واليوم الآخر أن يؤم قوماً إلا بإذنهم" وفي رواية حبيب جملة ليست هي في رواية ثور، وهي قوله: " ولا ينظر في قعر بيت قبل أن يستأذن، فإن فعل فقد دخل ". وباقي ألفاظهما متقاربة في اللفظ ومتحدة في المعنى. كذا في منهية غاية المقصود. وقال فيه: قد زل قلمي في الشرح في كتابة فاعل لقوله ساق، فكتبت ساق، أي أحمد بن علي، وإنما الصحيح أي ثور بن يزيد، فبناء على ذلك كتبت من ابتداء قوله: ساق إلى قوله: والله أعلم. لفظ أحمد بن علي في سبعة مواضع وفي كل ذلك ذهول مني

(1/113)


قال أبُو داوُدَ هَذَا مِنْ سُنَنِ أهْلِ الشّامِ لَمْ يَشْرَكْهُمْ فيها أحَدٌ.
__________
فرحم الله امرأ أصلحها وأبدلها بلفظ ثور بن يزيد. انتهى كلامه. وهذه الأحاديث فيها كراهة الصلاة بحضرة الطعام ومع مدافعة الأخبثين، وهذه الكراهة عند أكثر العلماء إذا صلى كذلك وفي الوقت سعة، وأما إذا ضاق الوقت بحيث لو أكل أو دافع الأخبثين خرج الوقت صلى على محاله محافظة على حرمة الوقت ولا يجوز تأخيرها، وحكى أبو سعيد المتولي عن بعض الأئمة الشافعية أنه لا يصلي بحاله، بل يأكل ويتطهر وإن خرج الوقت. قال النووي وإذا صلى على حاله وفي الوقت سعة فقد ارتكب المكروه وصلاته صحيحة عندنا وعند الجمهور، لكن يستحب إعادتها ولا يجب. ونقل القاضي عياض عن أهل الظاهر أنها باطلة، وحديث أبي هريرة تفرد به المؤلف "سنن": طرق "أهل الشام": أي رواة حديث أبي هريرة كلهم شاميون "فيها": في تلك الرواية "أحد": غير أهل الشام سوى أبي هريرة.

(1/114)


باب ما يجزئ من الماء في الوضوء
...
- 44 باب ما يجزىء من الماء في الوضوء
- 92 حدثنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ قال حدثنا هَمّامٌ عن قَتَادَةَ عن صَفِيّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ عن عَائِشَةَ أنّ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم كان يَغْتَسِلُ بالصّاعِ وَيَتَوَضّأُ بالمُدّ قال أبُو دَاوُد: رَوَاهُ أبَانٌ عن قَتَادَةَ قال سَمِعْتُ صَفِيّةَ.
__________
"باب ما يجزىء من الماء في الوضوء"
ما يكفي "بالصاع": أي بملء الصاع، والصاع هو مكيال يسع أربعة أمداد والمد رطل وثلث بالعراقي، وبه يقول أهل الحجاز والشافعي. وقال فقهاء العراق وأبو حنيفة: هو رطلان، فيكون الصاع خمسة أرطال وثلثاً أو ثمانية أرطال. قاله ابن الأثير. وقال الكرماني في شرح البخاري: كان الصاع في عهده صلى الله عليه وسلم مداً وثلثاً بمدكم هذه، أي كان صاعه صلى الله عليه وسلم أربعة أمداد، والمد رطل عراقي وثلث رطل، فزاد عمر بن عبدالعزيز في المد بحيث صار الصاع مداً وثلث مد من مد عمر. وقال الحافظ بن حجر في الفتح: الصاع على ما قال الرافعي وغيره: مائة وثلاثون درهماً، ورجح النووي أنه مائة وثمانية وعشرون درهماً وأربعة أسباع درهم، وقد بين الشيخ الموفق سبب الخلاف في ذلك فقال: إنه كان في الأصل مائة وثمانية وعشرين وأربعة أسباع ثم زادوا فيه لإزادة جبر الكسر فصار مائة وثلاثين "بالمد": هو بالضم ربع الصاع لغة، وتقدم بيانه. وقال في القاموس: أو ملء كف الإنسان المعتدل إذا ملأهما ومد يده بهما، ومنه سمي مداً. وقد جربت ذلك فوجدته صحيحاً "قال سمعت صفية": ففي رواية أبان قد صرح قتادة بالسماع، فارتفعت مظنة التدليس

(1/114)


- 93 حدثنا أحْمَدُ بنُ مُحمّدِ بنِ حَنْبَلٍ قال حدثنا هُشَيْمٌ قال أخبرنا يَزِيدُ بنُ أبي زِيادٍ عن سَالِمِ بنِ أبي الجَعْدِ عن جابِرٍ قال: كانَ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم يَغْتَسِلُ بالصّاعِ وَيَتَوضّأُ بالمُدّ.
- 94 حدثنا ابنُ بَشّارٍ قال حدثنا مُحمّدُ بنُ جَعْفَرٍ قال حدثنا شُعْبَةُ عن حَبيبٍ الأنْصَاريّ قال سَمِعْتُ عَبّادَ بنَ تَمِيمٍ عن جَدّتِي وهي أُمّ عُمَارَةَ أنّ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم تَوَضّأَ فَأُتِيَ بِإِنَاءٍ فيهِ مَاءٌ قَدْرُ ثُلْثَي المُدّ.
__________
عنه في الرواية السابقة المعنعنة. قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه. وأخرج البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن جبر عن أنس بن مالك قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد" وأخرجه مسلم من حديث سفينة بنحوه.
"يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد": وليس الغسل بالصاع والوضوء بالمد للتحديد والتقدير، بل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما اقتصر على الصاع وربما زاد. روى مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها أنها كانت تغتسل هي والنبي صلى الله عليه وسلم من إناء واحد هو الفرق. قال ابن عيينة والشافعي وغيرهما: هو ثلاثة آصع. وروى مسلم أيضاً من حديثها أنه صلى الله عليه وسلم كان يغتسل من إناء يسع ثلاثة أمداد. فهذا يدل على اختلاف الحال في ذلك بقدر الحاجة. وفيه رد على من قدر الوضوء والغسل بما ذكر في حديثي الباب، وحمله الأكثرون على الاستحباب لأن أكثر من قدر وضوءه وغسله صلى الله عليه وسلم وسلم من الصحابة قدرهما بذلك، ففي مسلم عن سفينة مثله، ولأحمد أيضاً عن جابر مثله، وهذا إذا لم تدع الحاجة إلى الزيادة، وهو أيضاً في حق من يكون خلقه معتدلاً. كذا في الفتح ويجيء بعض بيانه إن شاء الله تعالى في باب مقدار الماء الذي يجزىء به الغسل. قال المنذري: في إسناده يزيد بن أبي زياد يعد في الكوفيين ولا يحتج بحديثه.
"عن جدتي": وفي رواية النسائي: يحدث عن جدتي، فهي جدة حبيب الأنصاري كما يظهر من سياق عبارة الكتاب، ورواية النسائي أصرح منه. وقال الترمذي: في باب ما جاء في فضل الصائم إذا أكل عنده: وقال أبو عيسى: وأم عمارة هي جدة حبيب بن زيد الأنصاري. انتهى. وقال المزي: في الأطراف أم عمارة الأنصارية هي جدة حبيب بن زيد. انتهى. وأطال الكلام في الشرح بما لا مزيد عليه "أم عمارة": بضم العين وخفة الميم: اسمها نسيبة بفتح النون وكسر السين: هي بنت كعب الأنصارية النجارية "توضأ": أراد التوضي "فأُتي": بصيغة المجهول "بإناء فيه ماء قدر ثلثي المد": كان الماء الذي في الإناء قدر ثلثي المد، فثلثا المد هو أقل ما روى أنه توضأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم قال المنذري: وأخرجه النسائي.

(1/115)


- 95 حدثنا مُحمّدُ بنُ الصّبّاحِ البَزّازُ قال حدثنا شَرِيكٌ عن عَبْدِالله بنِ عِيسَى عن عَبْدِالله بنِ جَبْرٍ عن أنَسٍ قال: كانَ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم يَتَوَضّأُ بِإِنَاءٍ يَسَعُ رَطْلَيْنِ وَيَغْتَسِلُ بالصّاعِ.
قال أبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ شُعْبَةُ قال حدّثَني عَبْدُالله بنُ عَبْدِالله بنِ جَبْرٍ قال سَمِعْتُ أنَساً، إلاّ أنّهُ قال: يَتَوَضّأُ بِمَكّوكٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ رَطْلَيْنِ.
قال أبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ يَحْيَى بنُ آدَمَ عن شَرِيكٍ قال عن ابنِ جَبْرِ بنِ عَتِيكٍ. قال وَرَوَاهُ سَفْيَانُ عن عَبْدِالله بنِ عِيسَى قال حَدّثَنِي جَبْرُ بنُ عَبْدِالله.
قال أبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُ أحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ يقولُ: الصّاعُ خَمْسَةُ أرْطالٍ.
قال أبُو دَاوُدَ: وَهُوَ صاعُ ابنِ أبي ذِئْبٍ، وَهُوَ صاعُ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم.
__________
"يسع رطلين": من الماء، والرطل معيار يوزن به وكسره أشهر من فتحه، وهو بالبغدادي اثنتا عشرة أوقية، والأوقية أستار وثلثا أستار، والأستار أربعة مثاقيل ونصف مثقال، والمثقال درهم وثلاثة أسباع درهم، والدرهم ستة دوانيق، والدانق ثماني حبات وخمسا حبة، وعلى هذا فالرطل تسعون مثقالاً وهي مائة درهم وثمانية وعشرون درهماً وأربعة أسباع درهم، والجمع أرطل. والرطل مكيال أيضاً وهو بالكسر، وبعضهم يحكي فيه بالفتح. كذا في المصباح "إلا أنه": أي شعبة "بمكوك": بفتح الميم وضم الكاف الأولى وتشديدها جمعه مكاكيك ومكاكى، ولعل المراد بالمكوك ههنا المد. قاله النووي. وقال ابن الأثير: أراد بالمكوك المد وقيل الصاع، والأول أشبه وجمعه المكاكي بإبدال الياء من الكاف الأخيرة. والمكوك اسم للمكيال ويختلف مقداره باختلاف الاصطلاح في البلاد. انتهى. قلت: المراد بالمكوك ههنا المد لاغير لأنه جاء في حديث آخر مفسراً بالمد. قال القرطبي: الصحيح أن المراد به ههنا المد بدليل الرواية الأخرى. وقال الشيخ ولي الدين العراقي في صحيح ابن حبان في آخر الحديث: قال أبو خيثمة: المكوك: المد "ولم يذكر": شعبة كما ذكر عبد الله بن عيسى "عتيك": بفتح العين وكسر التاء الفوقانية "قال": أبو داوود. وحاصل الكلام أنهم اختلفوا في اسم الراوي عن أنس، فقال شعبة: هو عبد الله بن عبد الله بن جبر، ومنهم من نسبه إلى جده، فقال شريك: هو عبد الله بن جبر. وقال يحيى بن آدم: هو ابن جبر، وأما سفيان فقال جبر بن عبد الله، والصحيح المحفوظ: عبد الله بن عبد الله بن جبر بن عتيك لاتفاق أكثر الحفاظ عليه والله أعلم "وهو": أي ما قاله أحمد في تقدير الصاع "ابن أبي ذئب": هو محمد بن عبدالرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب أبو الحارث المدني أحد الأئمة عن نافع

(1/116)


ـــــــ
والزهري وشرحبيل وعنه الثوري ويحيى بن سعيد القطان وأبو نعيم وجماعة. قال الحافظ: هو من أحد الأئمة الأكابر العلماء الثقاة، لكن قال ابن المديني: كانوا يوهنونه في الزهري وكذا وثقه أحمد ولم يرضه في الزهري، ورُمي بالقدر، ولم يثبت عنه، بل نفي ذلك عنه مصعب الزبيري وغيره، وكان أحمد يعظمه جداً حتى قدمه في الورع على مالك، وإنما تكلموا في سماعه عن الزهري لأنه كان وقع بينه وبين الزهري شيء، فحلف الزهري أن لا يحدثه ثم ندم. وقال عمرو بن علي الفلاس: هو أحب إليّ في الزهري من كل شامي "وهو": أي صاع ابن أبي ذئب كصاع النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ما يسع فيه خمسة أرطال وثلث من الماء. قال المنذري: وأخرجه النسائي ولفظه: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بمكوك، ويغتسل بخمس مكاكي"، وأخرجه مسلم ولفظه: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل بخمس مكاكيك ويتوضأ بمكوك" وفي رواية مكاكي.

(1/117)


45 باب الإسراف في الوضوء
96 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قال حدثنا حَمّادٌ قال حدثنا سَعِيدٌ الجُرَيْرِيّ عن أبي نَعَامَةَ أنّ عبدالله بنَ مُغَفّلٍ سَمِعَ ابْنَهُ يقولُ: اللّهُمّ إنّي أسْألُكَ القَصْرَ الأبْيَضَ عَنْ يَمِينِ الجَنّةِ إذَا دَخَلْتُهَا. قال: يابُنَيّ سَلِ الله الجَنّةَ وَتَعَوّذْ بِهِ مِنَ النّارِ فإنّي سَمِعْتُ
__________
"باب الإسراف في الوضوء"
الزيادة على الثلاث في غسل أعضاء الوضوء، أو إسراف في الماء للوضوء على قدر الحاجة
"القصر الأبيض": القصر: هو الدار الكبيرة المشيدة، لأنه يقصر فيه الحرم. كذا في المتوسط "إذا دخلتها": أي الجنة "قال": عبد الله لابنه حين سمع يدعو بهذه الكلمات. قال بعض الشراح: إنما أنكر عبد الله على ابنه في هذا الدعاء لأن ابنه طمع ما لا يبلغه عملاً حيث سأل منازل
ـــــــ
قال الشيخ شمس الدين بن القيم
وفي الباب حديث أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إن الوضوء شيطانا يقال له الولهان فاتقوا وسواس الماء" رواه الترمذي وقال غريب ليس إسناده بالقوي عند أهل الحديث لا نعلم أحدا أسنده غير خارجة يعني ابن مصعب قال وقد روى هذا الحديث من غير وجه عن الحسن قوله ولا يصح في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء وخارجة ضعيف ليس بالقوي عند أصحابنا وضعفه ابن المبارك قال وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وعبد الله بن مغفل هذا آخر كلامه والذي صح عن النبي صلى الله عليه وسلم تسمية شيطان الصلاة الذي يوسوس للمصلي فيها خنرب رواه مسلم في صحيحه من حديث عمارة ابن أبي العاص الثقفي

(1/117)


رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: " سَيَكُونُ في هَذِهِ الأُمّةِ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ في الطّهُورِ وَالدّعَاءِ"
__________
الأنبياء، وجعله من الاعتداء في الدعاء لما فيها من التجاوز عن حد الأدب، وقيل: لأنه سأل شيئاً معيناً والله أعلم " إنه ": الضمير للشأن " يعتدون ": يتجاوزون عن الحد " في الطهور ": بضم الطاء وفتحها، فالاعتداء في الطهور بالزيادة على الثلاث، وإسراف الماء، وبالمبالغة في الغسل إلى حد الوسواس، أجمع العلماء على النهي عن الإسراف في الماء ولو في شاطيء البحر، لما أخرجه أحمد وابن ماجه عن عبد الله بن عمرو "أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ بسعد وهو يتوضأ،فقال: ما هذا السرَف يا سعد؟ قال: أفي الوضوء سرَف؟ قال: نعم، وإن كنت على نهر جار " انتهى وحديث ابن مغفل هذا يتناول الغسل والوضوء وإزالة النجاسة " والدعاء ": عطف على الطهور، والمراد بالاعتداء فيه المجاوزة الحد، وقيل الدعاء بما لا يجوز ورفع الصوت به والصياح، وقيل سؤال منازل الأنبياء عليهم السلام. حكاها النووي في شرحه. وذكر الغزالي في الإحياء أن المراد به أن يتكلف السجع في الدعاء. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه مقتصراً منه على الدعاء

(1/118)


46 باب في إسباغ الوضوء
- 97 حدثنا مُسَدّدٌ قال حدثنا يَحْيَى عن سُفْيانَ قال حَدّثَني مَنْصورٌ عن هِلالِ بنِ يَسَافٍ عن أبي يَحْيَى عن عبدالله بنِ عَمْرٍو أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رَأى قَوْماً وَأعْقَابُهُمْ تَلُوحُ، فَقَال: "وَيْلٌ للأعْقَابِ مِنَ النّارِ، أسْبِغُوا الوُضُوءَ"
__________
باب في إسباغ الوضوء"
في إتمامه بحيث لا يترك شيء من فرائضه وسننه
"رأى قوماً": وتمام الحديث كما أخرجه مسلم قال: "رجعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة حتى إذا كنا بماء بالطريق تعجل قوم عند العصر فتوضأ وهم عجال فانتهينا إليهم" "وأعقابهم": جمع عقب بفتح العين وكسر القاف وبفتح العين وكسرها مع سكون القاف: مؤخر القدم إلى موضع الشراك "تلوح": تظهر يبوستها ويبصر الناظر فيها بياضاً لم يصبه الماء وفي رواية مسلم تلوح لم يمسها الماء "فقال": رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ويل ": جاز الابتداء بالنكرة لأنه دعاء، واختلف في معناه على أقوال أظهرها ما رواه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي سعيد مرفوعاً: " ويل واد في جهنم " قاله الحافظ " للأعقاب ": اللام للعهد، ويلتحق بها ما يشاركها في ذلك معناه: ويل لأصحاب الأعقاب المقصرين في غسلها، وقيل: إن العقب مخصوص بالعقاب إذا قصر في غسله " من النار ": بيان للويل "أسبغوا الوضوء": أي أكملوه وأتموه ولا تتركوا أعضاء الوضوء غير مغسولة، والمراد بالإسباغ ههنا إكمال الوضوء، وإبلاغ الماء كل ظاهر أعضائه وهذا فرض،

(1/118)


باب كيف الأذان
...
هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ أنّ عَائِشَةَ قالَتْ: كُنْتُ أغْتَسِلُ أنَا ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم في تَوْرٍ مِنْ شَبَهٍ.
- 99 حدثنا مُحمّدُ بنُ العَلاَءِ أنّ إسْحَاقَ بنَ مَنْصُورٍ حَدّثَهُمْ عن حَمّادِ بنِ سَلَمَةَ عن رَجُلٍ عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن أبِيهِ عن النّبِيّ صلى الله عليه وسلم بِنَحْوِهِ.
- 100 حدثنا الحسَنُ بنُ عَليّ قال حدثنا أبُو الوَلِيدِ وَ سَهْلُ بنُ حَمّادٍ قالا حدثنا عَبْدُالعَزِيزِ بنُ عَبْدِالله بنِ أبي سَلَمَةَ عن عَمْرِو بنِ يَحْيَى عن أبِيهِ عن عَبْدِالله بنِ زَيْدٍ قال: جَاءَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَأَخْرَجْنَا لَهُ مَاءاً في تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ فَتَوَضّأَ.
__________
حجر: حماد بن سلمة عن رجل أو عن صاحب له عن هشام بن عروة هو شعبة "عن هشام بن عروة": بن الزبير بن العوام ثقة فقيه ربما دلس "أن عائشة": الحديث فيه انقطاع لأن هشاماً لم يدرك عائشة رضي الله عنها "في تور": أي من تور بحيث نأخذ منه الماء للاغتسال أو نصُب منه الماء على أعضائنا، والتور هي بفتح التاء وسكون الواو، قال الحافظ بن حجر في الهدى الساري: هو إناء من حجارة أو غيرها مثل القدر. وقال في فتح الباري: هو شبه الطست، وقيل: هو الطست ووقع في حديث شريك عن أنس في المعراج فأتى بطست من ذهب فيه تور من ذهب، فظاهره المغايرة بينهما ويحتمل الترادف وكأن الطست أكبر من التور. انتهى. قال الطيبي: هو إناء صغير من صفر أو حجارة يشرب منه، وقد يتوضأ منه ويؤكل منه الطعام "من شبه": بفتحتين وبكسر فساكن: ضرب من النحاس يصنع فيصفر ويشبه الذهب بلونه وجمعه أشباه. كذا في التوسط. قال المنذري: أخرجه من طريقين: إحداهما منقطعة وفيها مجهول، والأخرى متصلة وفيها مجهول. انتهى.
"حدثهم": أي حدث إسحاق محمد بن العلاء في جماعة آخرين "عن رجل": هو شعبة "بنحوه": أي بنحو الحديث المذكور وهذا الإسناد متصل والوضوء في هذين الحديثين وإن لم يكن مذكوراً لكن يطابقان الترجمة من حيث أن الغسل يشتمل على الوضوء.
"من صفر": هو الذي تعمل منه الأواني: ضرب من النحاس، وقيل ما اصفر منه. قاله في التوسط. وهذه الأحاديث فيها دليل صريح على جواز التوضي من النحاس الأصفر بلا كراهة، وإن أشبه الذهب بلونه وهذا هو الصحيح. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه وقال فتوضأ منه. انتهى.

(1/120)


باب في التسمية عند الوضوء
...
48 باب في التسمية على الوضوء
101 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قال حدثنا مُحمّدُ بنُ مُوسَى عن يَعْقُوبَ بنِ سَلَمَةَ عن أبِيهِ عن أبي هُرَيْرَةَ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لاَوُضُوءَ لَهُ، وَلاَ وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ الله عَلَيْهِ "
__________
"باب في التسمية على الوضوء"
هل هو ضروري أم لا. قال السيد العلامة عبدالرحمن بن سليمان الأهدل في شرح بلوغ المرام ناقلاً عن شرح العباب: البسملة عبارة عن قولك: بسم الله الرحمن الرحيم بخلاف التسمية فإنها عبارة عن ذكر الله بأي لفظ كان.انتهى.
"يعقوب بن سلمة": الليثي المدني قال الذهبي شيخ ليس بعمدة. قال البخاري لا يعرف له سماع من أبيه ولا لأبيه من أبي هريرة، روى عنه محمد بن موسى الفطري وأبو عقيل يحيى. انتهى " لا صلاة ": قال العلماء: هذه الصيغة حقيقة في نفي الشيء، وتطلق على نفي كماله والمراد ههنا الأول " لمن لا وضوء له ولا وضوء ": بضم الواو، أي لا يصح الوضوء. قال المحدث الأجل ولي الله الدهلوي في الحجة: وهو نص على أن التسمية ركن أو شرط، ويحتمل أن يكون المعنى لا يكمل الوضوء لكن لا أرتضي بمثل هذا التأويل فإنه من التأويل البعيد الذي يعود بالمخالفة على اللفظ "لم يذكر اسم الله عليه": أي لم يقل بسم الله الرحمن الرحيم على الوضوء أو بسم الله والحمد لله، لما أخرج الطبراني في الأوسط من طريق علي بن ثابت عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا أبا هريرة إذا توضأت فقل بسم الله والحمد لله فإن حفظتك لا تزال تكتب لك الحسنات حتى تحدث من ذلك الوضوء" ، قال تفرد به عمرو بن أبي سلمة عن إبراهيم بن محمد عنه. وأخرج الإمام البيهقي بإسناده إلى الشافعي قال: أحب للرجل أن يسمي الله في ابتداء الوضوء. قال البيهقي: وهذا لما روينا عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الإناء الذي وضع يده فيه والماء يفور من بين أصابعه توضأوا بسم الله. انتهى. وقال العلامة الشيخ محمد طاهر في تكملة مجمع البحار: ويكفي بسم الله، والأكمل بسم الله الرحمن الرحيم، فإن ترك أولاً قال في أثنائه: بسم الله أولاً وآخراً. انتهى. والحديث ظاهره نفي الصحة، وإليه ذهب أحمد بن حنبل في رواية أن التسمية شرط لصحة الوضوء وهو قول أهل الظاهر. قال الشعراني في الميزان: قال الأئمة الثلاثة وإحدى الروايتين عن أحمد: إن التسمية في الوضوء مستحبة مع قول داوود، وأحمد أنها واجبه لا يصح الوضوء إلا بها، سواء في ذلك العمد والسهو،

(1/121)


- 102 حدثنا أحْمَدُ بنُ عَمْرِو بنِ السّرْحِ قال حدثنا ابنُ وَهْبٍ عن الدّرَاوَرْدِيّ، قال وَذَكَرَ رَبِيعَةُ أنّ تَفْسِيرَ حَدِيثَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "لاَ وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ الله عَلَيْهِ" أنّهُ الّذِي يَتَوَضّأُ وَيَغْتَسِلُ وَلاَ يَنْوِي وُضُوءاً لِلصّلاَةِ وَلاَ غُسْلاً لِلِجِنَابَةِ.
__________
ومع قول إسحاق: إن نسيها أجزأته طهارته وإلا فلا. انتهى. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه وليس فيه تفسير ربيعة، وأخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث سعيد بن زيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي هذا الباب أحاديث ليست أسانيدها مستقيمة. وحكى الأثرم عن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه أنه قال: ليس في هذا الباب حديث يثبت، وقال: أرجو أن يجزئه الوضوء لأنه ليس في هذا حديث أحكم به.وقال أيضاً: لا أعلم في هذا الباب حديثاً له إسناد جيد. وقد أخرج الإمام أحمد في مسنده هذا الحديث الذي خرجه أبو داوود، ورواه عن الشيخ الذي رواه عنه أبو داوود بسنده وهو أمثل الأحاديث الواردة إسناداً، وتأويل ربيعة بن أبي عبد الرحمن له ظاهر في قبوله، غير أن البخاري قال في تاريخه: لا يعرف لسلمة سماع من أبي هريرة ولا ليعقوب من أبيه. انتهى.
"وذكر ربيعة": أي في جملة ما ذكره من الكلام، أي ذكر أشياء وذكر تفسير هذا الحديث " لا وضوء لمن لا يذكر اسم الله عليه ": بدل من قوله حديث النبي صلى الله عليه وسلم " أنه ": الرجل وهذه الجملة بتمامها خبر أن في قوله أن تفسير.. إلخ " يتوضأ ": للصلاة أو لغيرها "ولا ينوي": الرجل المتوضيء والمغتسل "ولا": ينوي "غسلاً للجنابة": فهما غير قاصدين للطهارة فلا وضوء ولا غسل لهما من أجل أنهما لم يقصدا بهما وإن غسلا ظاهر أعضائهما، فالنية شرط للوضوء والغسل. قال الحافظ الإمام البيهقي في المعرفة: وروينا عن ربيعة بن أبي عبدالرحمن أنه حمله على النية في الوضوء. قلت: كلام ربيعة وإن كان صحيحاً في الواقع وهو عدم صحة الطهارة بغير نية رفع الحدث، لكن حمله الحديث على هذا المعنى محل تردد بل هو خلاف الظاهر. وفي الباب أحاديث أُخر ضعاف ذكرها الحافظ في التلخيص ثم قال والظاهر أن مجموع الأحاديث يحدث منها قوة تدل على أن له أصلاً. وقال أبو بكر بن أبي شيبة ثبت لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله. إنتهى. قال ابن الكثير في الإرشاد: وقد روى من طرق أُخر يشد بعضها بعضاً فهو حديث حسن أو صحيح. وقال ابن الصلاح: يثبت لمجموعها ما يثبت بالحديث الحسن

(1/122)


49 باب في الرجل يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها
- 103 حدثنا مُسَدّدٌ قال حدثنا أبُو مُعَاوِيَةَ عن الأعْمَشِ عن أبي رَزِينٍ وَ أبي صَالحٍ عن أبي هُرَيْرَةَ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا قَامَ أحدُكُم مِنَ اللّيْلَ فَلاَ يَغْمِسْ يَدَهُ في الإنَاءِ حَتّى يَغْسِلَهَا ثَلاَثَ مَرّاتٍ فَإِنّهُ لا يَدْرِي أينَ بَاتَتْ يَدُهُ"
- 104 حدثنا مُسَدّدٌ قال حدثنا عِيسَى بنُ يُونُسَ عن الأعْمَشِ عن أبي صَالحٍ عن أبي هُرَيْرةَ رَضِي الله عَنْهُ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَعْنِي بِهَذَا الحَديثِ قال مَرّتَيْنِ أوْ ثَلاَثاً وَلَمْ يَذْكُرْ أبَا رَزِينٍ.
__________
"باب في الرجل...الخ"
" من الليل ": إنما خص نوم الليل بالذكر للغلبة لأن التعليل المذكور في الحديث يقتضي إلحاق نوم النهار بنوم الليل " يده ": بالإفراد. قال الحافظ: والمراد باليد ههنا الكف دون ما زاد عليها، وقوله فلا يغمس هو أبين في المراد من رواية الإدخال، لأن مطلق الإدخال لا يترتب عليه كراهة كمن أدخل يده في إناء واسع فاغترف منه بإناء صغير من غير أن تلامس يده الماء " ثلاث مرات ": هكذا ذكر لفظ ثلاث مرات وسعيد بن المسيب وأبو سلمة وعبد الله بن شقيق كلهم عن أبي هريرة كما أخرجه مسلم.
وأما الأعرج ومحمد بن سيرين وعبدالرحمن وهمام بن منبه وثابت فرووه عن أبي هريرة بدون ذكر الثلاث، لكن زيادة الثقة مقبولة فتعين العمل بها، وفيه النهى عن غمس اليد في الإناء قبل غسلها وهذا مجمع عليه، لكن أكثر العلماء على أنه نهي تنزيه لا تحريم، فلو خالف وغمس اليد لم يفسد الماء. وروى عن الحسن البصري وإسحاق بن راهويه ومحمد بن جرير الطبري أنه لا ينجس إن كان قام من نوم الليل، واستدل لهم بما ورد من الأمر بإراقته بلفظ " فإن غمس يده في الإناء قبل أن يغسلها فليرق ذلك الماء " لكنه حديث ضعيف أخرجه ابن عدى وقال هذه زيادة منكرة لا تحفظ." فإنه ": أي الغامس " باتت يده ": زاد ابن خزيمة والدارقطني " منه " أي من جسده، أي لا يدري تعيين الموضع الذي باتت فيه أي هل لاقت مكاناً طاهراً منه أو نجساً أو بئرة أو جرحاً أو أثر الاستنجاء بالأحجار بعد ابتلال موضع الاسنتجاء بالماء أو بنحو عرق. قال الحافظ: ومقتضاه إلحاق من شك في ذلك ولو كان مستيقظاً ومفهومه أن من درى أين باتت يده كمن لف عليها خرقة مثلاً فاستيقظ وهي على حالها أن لا كراهة وإن كان غسلها مستحباً على المختار كما في المستيقظ. ومن قال بأن الأمر في ذلك للتعبد كمالك لا يفرق بين شاكَ ومتيقن. قال النووي: قال الشافعي وغيره من العلماء رحمهم الله تعالى في معنى قوله أين باتت يده: إن أهل

(1/123)


- 105 حدثنا أحْمَدُ بنُ عَمْرِو بن السّرْحِ وَ مُحمّدُ بنُ سَلَمَةَ المُرَادِيّ قالا حدثنا ابنُ وَهْبٍ عن مُعَاوِيَةَ بنِ صَالحٍ عن أبي مَرْيَمَ قال: سمعت أبا هريرة يقول: سَمِعْتُ رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقُولُ: "إذَا اسْتَيْقَظَ أحَدُكُم مِنْ نَوْمِهِ فَلاَ يُدْخِلُ يَدَهُ في الإنَاءِ حَتّى يَغْسِلَهَا ثَلاَثَ مَرّاتٍ، فَإنّ أحَدَكُمْ لاَ يَدْرِي أيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ أوْ أيْنَ كانَتْ تَطُوفُ يَدُهُ"
__________
الحجاز كانوا يستنجون بالأحجار وبلادهم حارة فإذا نام أحدهم عرق فلا يأمن النائم أن تطوف يده على ذلك الموضع النجس أو على بثرة أو قذر أو غير ذلك. قال المنذري: وأخرجه مسلم.
"أو أين كانت ": قال الحافظ ولي الدين العراقي: يحتمل أنه شك من بعض رواته وهو الأقرب، ويحتمل أنه ترديد من النبي صلى الله عليه وسلم. والحديث فيه مسائل كثيرة، منها أن الماء القليل إذا وردت عليه نجاسة نجسته وإن قلّت ولم تغيره، فإنها تنجسه لأن الذي تعلق باليد ولا يرى قليل جداً، وكانت عادتهم استعمال الأواني الصغيرة التي تقصر عن قلتين بل لا تقاربها. ورد بعض من لا خبرة له في صناعة الحديث حديث قلتين بحديث الباب وهذا جهل منه. وأجاب عن إمام عصره، أستاذ دهره العلامة المحدث الفقيه المفسر شيخنا ومعلمنا السيد محمد نذير حسين الدهلوي في بعض مؤلفاته بجواب كاف شفيت به صدور الناس وبهت المعترض. ومنها الفرق بين ورود الماء على النجاسة وورودها عليه وأنها إذ وردت عليه نجسته وإذا ورد عليها أزالها، ومنها أن الغسل سبعاً ليس عاماً في جميع النجاسات وإنما ورد الشرع به في ولوغ الكلب خاصة، ومنها استحباب غسل النجاسة ثلاثاً لأنه إذا أمر به في المتوهمة ففي المحققة أولى، ومنها استحباب الأخذ بالاحتياط في العبادات وغيرها ما لم يخرج عن حد الاحتياط إلى حد الوسوسة. قاله النووي

(1/124)


50 باب صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم
- 106 حدثنا الحَسَنُ بنُ عَلِيَ الحُلْوَانِيّ قال حدثنا عَبْدُالرّزّاقِ قال أخبرنا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن عَطَاءِ بنِ يَزِيدَ اللّيْثِيّ عن حُمْرَانَ بنِ أبَانَ مَوْلى عُثْمَانَ بنِ عَفّانَ قال: رَأيْتُ عُثْمَانَ بنَ عَفّانَ تَوَضّأَ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ ثَلاَثاً فَغَسَلَهُمَا ثُمّ تَمَضْمَضَ واسْتَنْثَرَ
__________
"باب صفة..الخ"
"توضأ": هذه الجملة مجملة عطفت عليها بجملة مفسرة لها وهي قوله "فأفرغ": أي فصب الماء، والفاء فيه للعطف، أي عطف المفصل على المجمل "يديه": وفي رواية للبخاري على كفيه "ثلاثاً": أي إفراغاً ثلاث مرار "ثم مضمض": وفي بعض النسخ تمضمض أي بأن أدار الماء في فيه،

(1/124)


[استنشق] وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاَثاً وَغَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إلَى المِرْفَقِ ثَلاَثَاً ثُمّ اليُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ ثُمّ مَسَحَ رَأْسَهُ ثُمّ غَسَلَ قَدَمَهُ اليُمْنَى ثَلاَثاً ثُمّ اليُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمّ قال: رَأيْتُ
__________
وليس في هذه الرواية ذكر عدد المضمضة ويجيء في رواية أبي مليكة ذكر العدد. قال الحافظ أصل المضمضة في اللغة التحريك ثم اشتهر استعماله في وضع الماء في الفم وتحريكه، وأما معناه في الوضوء الشرعي فأكمله أن يضع الماء في الفم ثم يديره ثم يمجه. انتهى. "واستنثر": قال النووي: الاستنثار هو إخراج الماء من الأنف بعد الاستنشاق. وقال وابن العربي وابن قتيبة الاستنثار هو الاستنشاق، والصواب الأول، ويدل عليه الرواية الأخرى: استنشق واستنثر فجمع بينهما. قال أهل اللغة: هو مأخوذ من النثرة وهي طرف الأنف وقال الخطابي وغيره هي الأنف، والمشهور الأول. قال الأزهري: روى سلمة عن الفراء أنه يقال نثر الرجل واستنثر إذا حرك النثرة في الطهارة. انتهى. وفي الرواية الآتية واستنثر ثلاثاً "وغسل وجهة ثلاثاً": وفي رواية الشيخين ثم غسل وجهه، وهذا يدل على تأخير غسل الوجه عن المضمضة والاستنثار، وحد الوجه من قصاص الشعر إلى إسفل الذقن طولاً ومن شحمة الأذن عرضاً "اليمنى إلى": مع "المرفق": بفتح الميم وكسر الفاء وبالعكس لغتان مشهورتان "مثل ذلك": أي ثلاثاً إلى المرفق "ثم مسح رأسه": لم يذكر عدد المسح كغيره فاقتضى الاقتصار على مرة واحدة، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد. قال الحافظ وبه قال أكثر العلماء وقال الشافعي يستحب التثليث في المسح كما في الغسل وسيجيء بيانه في الحديث الآتي "ثلاثاً": أي ثلاث مرار إلى الكعبين كما في رواية الشيخين "مثل ذلك": أي غسلها ثلاث مرار مع الكعبين، وفي رواية الشيخين ثم غسل رجليه ثلاث مرار إلى الكعبين واللفظ للبخاري.
واعلم أنه أجمع العلماء على وجوب غسل الوجه واليدين والرجلين واستيعاب جميعهما بالغسل، وانفردت الرافضة عن العلماء فقالوا الواجب في الرجلين المسح وهذا خطأ منهم، فقد تظاهرت النصوص بإيجاب غسلهما، وكذلك اتفق كل من نقل وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنه غسلهما، وأجمعوا على وجوب مسح الرأس، واختلفوا في قدر الواجب فيه، فذهب الشافعي في جماعة إلى أن الواجب ما يطلق عليه الأسم ولو شعرة واحدة. وذهب مالك وأحمد وجماعة إلى وجوب استيعابه. وقال أبو حنيفة في رواية الواجب ربعه. قلت: ما ذهب إليه الإمام الشافعي هو مذهب ضعيف، والحق ما ذهب إليه مالك وأحمد واختلفوا في وجوب المضمضة والاستنشاق، فقال الحسن والزهري والحكم وقتادة وربيعة ويحيى بن سعيد الأنصاري والأوزاعي والليث بن سعد ومالك والشافعي: إنهما سنتان في الوضوء والغسل. وقال ابن أبي ليلى وحمادة وإسحاق بن

(1/125)


رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم تَوَضّأَ مِثْلَ وُضُوئِي هَذَ، ثُمّ قال: "مَنْ تَوَضّأ مِثْلَ وُضُوئِي هَذَا ثُمّ صَلّى رَكْعَتَيْنِ لاَ يُحَدّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غَفَرَ الله لَهُ ما تَقَدّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".
__________
راهويه وأحمد بن حنبل: إنهما واجبتان في الوضوء والغسل لا يصحان إلا بهما. قلت: هذا هو الحق وتجيء دلائله في باب الاستنثار إن شاء الله تعالى وقال سفيان الثوري وأبو حنيفة إنهما واجبتان في الغسل دون الوضوء، وقال أبو ثور وأبو عبيد وداوود والظاهري وأبو بكر بن المنذر إن الاستنشاق واجب فيهما والمضمضة سنة فيهما. حكاه النووي.
واتفق الجمهور على أنه يكفي في غسل الأعضاء في الوضوء، والغسل جريان الماء على الأعضاء ولا يشترط الدلك، وانفرد مالك والمزني باشتراطه، واتفق الجماهير على وجوب غسل الكعبين والمرفقين، وانفرد زفر وداوود الظاهري بقولهما لا يجب. واتفق العلماء على أن الكعبين العظمان الناتئان بين الساق والقدم، وفي كل رجل كعبان، وشذت الرافضة فقالت: في كل رجل كعب، وهو العظم الذي في ظهر القدم. وحجة العلماء في ذلك نقل أهل اللغة، وقوله: غسل رجليه ثلاث مرار إلى الكعبين، فأثبت في كل رجل كعبين: قاله النووي "ثم قال": عثمان رضي الله عنه "ثم قال": رسول الله صلى الله عليه وسلم " وضوئي هذا ": أي على وجه الاستيعاب والكمال بأن لم يقصر عما توضأت به " ثم صلى ركعتين ": فيه استحباب صلاة ركعتين عقب الوضوء " لا يحدث ": من التحديث "فيهما": في الركعتين " نفسه ": مفعول لا يحدث. قال النووي: والمراد به لا يحدث بشيء من أمور الدنيا وما لا يتعلق بالصلاة، ولو عرض " له " حديث فأعرض عنه لمجرد عروضه عفى عن ذلك وحصلت له هذه الفضيلة إن شاء الله تعالى لأن هذا ليس من فعله، وقد عفى لهذه الأمة عن الخواطر التي تعرض ولا تستقر. وقال الحافظ: المراد به ما تسترسل النفس معه، ويمكن المرء قطعه لأن قوله يحدث يقتضي تكسباً منه، فأما ما يهجم من الخطرات والوساوس ويتعذر دفعه فذلك معفو عنه " من ذنبه ": من الصغائر دون الكبائر كما في مسلم من التصريح بقوله: كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة. فالمطلق يحمل على المقيد، قال الحافظ في فتح الباري: ظاهره يعم الكبائر والصغائر لكن خصوه بالصغائر لوروده مقيداً باستثناء الكبائر في غير هذه الرواية وهو في حق من له كبائر وصغائر، فمن ليس له إلا الصغائر كفرت عنه، ومن ليس له إلا الكبائر خفف عنه منها بقدر ما لصاحب الصغائر، ومن ليس له صغائر ولا كبائر يزاد في حسناته بنظير ذلك. والحديث فيه مسائل التعليم بالفعل لكونه أبلغ وأضبط للمتعلم، والترتيب في أعضاء الوضوء للاتيان في جميعها بثم، والترغيب في الإخلاص وتحذير من لها في صلاته بالتفكر في أمور الدنيا من عدم القبول. انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.

(1/126)


- 107 حدثنا مُحمّدُ بنُ المُثَنّى قال حدثنا الضّحّاكُ بنُ مَخْلَدٍ قال حدثنا عَبْدُالرّحْمَنِ بنُ وَرْدَانَ قال حَدّثَني أبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِالرّحْمَنِ قال حدّثَنِي حُمْرانُ قال: رَأيْتُ عُثْمَانَ بنَ عَفّانَ تَوَضّأَ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَلَمْ يَذْكُرِ المَضْمَضَةَ وَالاِسْتِنْشَاقَ، وقال فِيهِ: وَمَسَحَ رَأْسَهُ ثَلاَثاً ثُمّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلاَثاً، ثُمّ قال: رأيْتُ رَسول الله صلى الله عليه وسلم تَوَضّأَ هَكَذَا، وقال: " مَنْ تَوَضّأَ دُونَ هَذَا كَفَاهُ "، وَلَمْ يَذْكُرْ أمْرَ الصّلاَةِ.
- 108 حدثنا مُحمّدُ بنُ دَاوُدَ الإسْكَنْدَرَانِيّ قال حدثنا زِيَادُ بنُ يُونُسَ قال حَدّثَني سَعِيدُ بنُ زِيَادٍ المُؤَذّنُ عن عُثْمَانَ بنِ عَبْدِالرّحْمَنِ التّيْمِيّ قال: سُئِلَ ابنُ أبي مُلَيْكَةَ عن الْوُضُوءِ فقالَ: رَأيْتُ عُثْمَانَ بنَ عَفّانَ سُئِلَ عن الْوُضُوءِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَأُتِيَ بِمِيضَأَةٍ فَأَصْغَاهَا عَلَى يَدِهِ الْيُمْنَى ثُمّ أدْخَلَهَا في المَاءِ فَتَمَضْمَضَ ثَلاَثَاً وَاسْتَنْثَرَ ثَلاَثاً وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاَثاً ثُمّ غَسَلَ يَدَهُ اليُمْنَى ثَلاَثاً وَغَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى ثَلاَثاً ثُمّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَأَخَذَ مَاءاً
__________
"فذكر": أي أبو سلمة بن عبدالرحمن عن حمران "نحوه": أي نحو حديث عطاء بن يزيد "ولم يذكر": أبو سلمة في حديثه هذا "المضمضة والاستنثار": كما ذكرها عطاء عن حمران، وفي بعض النسخ الاستنشاق بدل الاستنثار "وقال": أبو سلمة "فيه": أي في حديثه "ثم قال": عثمان "وقال": النبي صلى الله عليه وسلم " من توضأ دون هذا ": بأن غسل بعض أعضائه مرة أو مرتين وبعضه ثلاثاً " كفاه ": الاقتصار على واحدة واحدة واثنتين اثنتين "ولم يذكر": أبو سلمة "أمر الصلاة": أي ذكر الركعتين بعد الوضوء والبشارة له بالغفران كما ذكر عطاء في حديثه عن حمران. والحديث فيه تكرار مسح الرأس، وبه قال عطاء والشافعي ويجيء بعض بيانه.
"الإسكندراني": بالكسر وسكون السين والنون وفتح الكاف والدال المهملة والراء منسوب إلى الإسكندرية: بلد على طرف بحر المغرب من آخر حد ديار مصر "ابن أبي مليكة": بضم الميم وفتح اللام: هو عبد الله بن عبيدالله بن أبي مليكة القرشي التيمي ثقة "فقال": أي ابن أبي مليكة "فأتى": بصيغة المجهول "بميضأة": بكسر الميم وسكونه الياء وفتح الضاد فهمزة فهاء: إناء التوضي تسع ماءاً قدر ما يتوضأ به، وهي بالقصر مفعلة وبالمد مفعالة. كذا في مجمع البحار "ثم أدخل يده": في الميضأة "فأخذ ماء": جديداً "فمسح برأسه وأذنيه": وفيه مسح الأذنين بماء مسح به الرأس "فغسل": أي مسح، وفيه إطلاق الغسل على المسح والفاءات العاطفة في جميع ما تقدم للترتيب المعنوي، وهو أن يكون ما بعدها حاصلاً بعد ما قبلها في الواقع وأما الفاء في قوله فغسل للترتيب الذكري وهو عطف مفصل على مجمل، فهي تفصل ما أجمل في مسح الأذنين

(1/127)


فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ فَغَسَلَ بُطُونَهُمَا وَظُهُورَهُما مَرّةً وَاحِدَةً ثُمّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثُمّ قال: أيْنَ السّائِلُونَ عن الْوُضُوءِ؟ هَكَذَا رَأيْتُ رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَتَوضّأُ.
قال أبُو دَاوُد: أحَادِيثُ عُثْمَانَ الصّحَاحُ كلّهَا تَدُلّ عَلَى مَسْحِ الرّأْسِ أنّهُ مَرّةً، فَإنّهُمْ ذَكَرُوا الْوُضُوءَ ثَلاَثاً، وَقالُوا فيها: وَمَسَحَ رَأْسَهُ، لَمْ يَذْكُرُوا عَدَداً كما ذَكَرُوا في غَيْرِهِ.
__________
وتبين كيفية مسحهما "بطونهما": أي داخل الأذن اليمنى واليسرى مما يلي الوجه "وظهورهما": أي خارج الأذنين مما يلي الرأس "مرة واحدة": أي مسح الرأس والأذنين مرة واحدة ولم يمسحهما ثلاثاً "أحاديث عثمان": التي هي "الصحاح": أي صحيحة لا مطعن فيها "كلها": خبر قوله "أحاديث": "أنه": أي المسح كان "مرة": واحدة دون الثلاث "فإنهم": أي الناقلين لوضوء عثمان، كعطاء بن يزيد عن حمران عن عثمان وكأني علقمة عن عثمان "ثلاثاً": لكل عضو "وقالوا": هؤلاء "فيها": في أحاديثهم "لم يذكروا عدداً": لمسح الرأس "كما ذكروا": عدد الغسل "في غيره": أي في غير مسح الرأس، كغسل اليدين والوجه والرجلين، فإنهم ذكروا فيها التثليث، فثبت بذلك أن المسح كان مرة واحدة، لأنه لو كان عثمان رضي الله عنه زاد عليها لذكره الراوي، بل ذكر ابن أبي مليكة عن عثمان أنه مسح برأسه مرة واحدة.
قال الحافظ في الفتح: وقول أبي داوود إن الروايات الصحيحة عن عثمان ليس فيها عدد لمسح الرأس وإنه أورد العدد من طريقين صحح أحدهما ابن خزيمة وغيره، والزيادة من الثقة مقبولة، فيحمل قول أبي داوود على إرادة استثناء الطريقين الذين ذكرهما، فكأنه قال: إلا هذين الطريقين.
قلت: كأنه يشير بقوله صحح أحدهما ابن خزيمة إلى حديث عبدالرحمن بن وردان عن حمران عن عثمان فإن سنده صحيح وفيه تثليث مسح الرأس وأما الحديث الثاني فيأتي قريباً من رواية عامر بن شقيق وهو ضعيف. قال: وليس في شيء من طرقه في الصحيحين ذكر عدد المسح، وبه قال أكثر العلماء. وقال الشافعي: يستحب التثليث في المسح كما في الغسل، واستدل له بظاهر رواية لمسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثاً ثلاثاً. وأجيب بأنه مجمل تبين في الروايات الصحيحة أن المسح لم يتكرر فيحمل على الغالب أو يختص بالمغسول. وقال ابن المنذر: إن الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة واحدة وبأن المسح مبني على التخفيف، فلا يقاس على الغسل المراد منه المبالغة في الإسباغ، وبأن العدد لو اعتبر في المسح لصار في صورة الغسل، إذ حقيقة الغسل جريان الماء.

(1/128)


51 باب الوضوء ثلاثاً ثلاثا
- 135 حدثنا مُسَدّدٌ قال حدثنا أبُو عَوانَةَ عن مُوسَى بنِ أبي عائِشَةَ عن عَمْرِو بن
__________
"باب الوضوء ثلاثاً ثلاثا"
"عن عمرو بن شعيب": بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص السهمي المدني نزيل الطائف.
واعلم أنه اختلف كلام الأئمة الحفاظ في الاحتجاج بحديث عمرو بن شعيب روى عن ابن معين أنه قال: إذا حدث عن غير أبيه فهو ثقة. وقال أبو داوود: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ليس بحجة. وقال القطان: إذا روى عن الثقات فهو ثقة حجة يحتج به. وقال الترمذي في جامعه: ومن تكلم في حديث عمرو بن شعيب إنما ضعفه لأنه يحدث عن صحيفة جده، كأنهم رأوا أنه لم يسمع هذه الأحاديث من جده. قال علي بن عبد الله: وذكر عن يحيى بن سعيد أنه قال: حديث عمرو بن شعيب عندنا واه. انتهى. قال الحافظ جمال الدين المزي: عمرو بن شعيب يأتي على ثلاثة أوجه: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عبد الله بن عمرو. فعمرو له ثلاثة أجداد: محمد وعبد الله وعمرو بن العاص فمحمد تابعي، وعبد الله وعمرو صحابيان، فإن كان المراد بجده محمداً فالحديث مرسل لأنه تابعي، وإن كان المراد به عمرواً فالحديث منقطع لأن شعيباً لم يدرك عمرواً، وإن كان المراد به عبد الله فيحتاج إلى معرفة سماع شعيب من عبد الله.
وأجيب عن هذا بما قال الترمذي في كتاب الصلاة من جامعه: عمرو بن شعيب هو ابن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال محمد بن إسماعيل: رأيت أحمد وإسحاق وذكر غيرهما يحتجون بحديث عمرو بن شعيب، قال محمد: وقد سمع شعيب بن محمد من عبد الله بن عمرو. انتهى. وقال الدارقطني في كتاب البيوع من سننه: حدثنا محمد بن الحسن النقاش أخبرنا أحمد بن تميم قال قلت لأبي عبد الله بن إسماعيل البخاري: شعيب والد عمرو بن شعيب

(1/155)


شُعَيْبٍ عن أبِيهِ عن جَدّهِ قال: إنّ رَجُلاً أتَى النّبي صلى الله عليه وسلم فقَالَ: يارسولَ الله كَيْفَ.
__________
سمع من عبد الله بن عمرو؟ قال: نعم. قلت: فعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده يتكلم الناس فيه، قال: رأيت علي بن المديني بن حنبل والحميدي وإسحاق بن راهويه يحتجون به. انتهى. ويدل على سماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو ما رواه الدارقطني والحاكم والبيهقي عنه في إفساد الحج فقالوا: عن عمرو بن شعيب عن أبيه أن رجلاً أتى عبد الله بن عمرو يسأله عن محرم وقع بامرأته، فأشار إلى عبد الله بن عمر فقال: اذهب إلى ذلك فاسأله. قال شعيب: فلم يعرفه الرجل. فذهبت معه، فسأل ابن عمرو.
قال الحافظ قال أحمد: عمرو بن شعيب له أشياء مناكير وإنما يكتب حديثه يعتبر به، فأما أن يكون حجة فلا. قال الجوزجاني: قلت لأحمد سمع من أبيه شيئاً، قال: يقول حدثني أبي، قلت: فأبوه سمع من عبد الله بن عمرو، قال: نعم أراه قد سمع منه.. وقال أبو بكر الأثرم: سئل أبو عبد الله عن عمرو بن شعيب فقال: أنا أكتب حديثه وربما احتججنا به وربما وقع في القلب منه شيء وقال البخاري: رأيت أحمد وعلي بن المديني وإسحاق بن راهويه وأبا عبيدة وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ما تركه أحد من المسلمين. قال البخاري: فمن الناس بعدهم. انتهى. ووثقه النسائي. وقال الحافظ أبو بكر بن زياد: صح سماع عمرو من أبيه وصح سماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو. وفي شرح ألفية العراقي للمصنف: وقد اختلف في الاحتجاج برواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وأصح الأقوال أنها حجة مطلقاً إذا صح السند إليه. قال ابن الصلاح وهو قول أكثر أهل الحديث حملاً للجد عند الإطلاق على الصحابي عبد الله بن عمرو دون ابنه محمد والد شعيب لما ظهر لهم من إطلاقه ذلك، فقد قال البخاري: رأيت أحمد بن حنبل وعلي بن المديني وإسحاق بن راهويه وأبا عبيد وأبا خيثمة وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده ما تركه أحد منهم وثبتوه، فمن الناس بعدهم. وقول ابن حبان: هي منقطعة لأن شعيباً لم يلق عبد الله، مردود فقد صح سماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو كما صرح به البخاري في التاريخ وأحمد وكما رواه الدارقطني والبيهقي في السنن بإسناد صحيح. وذكر بعضهم أن محمداً مات في حياة أبيه وأن أباه كفل شعيباً ورباه وقيل لا يحتج به مطلقاً. انتهى بتلخيص.
ومحصل الكلام أن الأكثر على توثيقه وعلى الاحتجاج بروايته عن أبيه عن جده.
"عن أبيه": شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص عن جده، قد وثقه ابن حبان وثبت سماعه من جده عبد الله، فالضمير في "عن جده": لشعيب وإن عاد على عمرو ابنه حمل على جده الأعلى الصحابي، فالحديث متصل الإسناد "قال": أي عبد الله بن عمرو بن العاص "كيف

(1/156)


الطّهُورُ؟ فَدَعَا بِمَاءٍ في إنَاءٍ فَغَسَلَ كَفّيْهِ ثَلاثاً ثُم غَسَلَ وَجْهَهُ ثلاثاً ثمّ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلاثاً ثُمّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأدْخَلَ إصْبَعَيْهِ السّبّاحَتَيْنِ في أُذُنَيْهِ وَمَسَحَ بِإِبْهَامَيْهِ عَلَى ظَاهِرِ أُذُنَيْهِ وَبالسّبّاحَتَيْنِ بَاطِنَ أُذُنَيْهِ ثُمّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلاثاً ثلاثاً، ثُمّ قال: " هَكَذا الوُضُوءُ، فَمَنْ زَادَ عَلى هَذَا أوْ نَقَصَ فَقَدْ أسَاءَ وَظَلَمَ أوْ ظَلَمَ وَأسَاءَ ".
__________
الطهور": الجمهور على أن ضم الطاء للفعل وفتح الطاء للماء وعن بعض عكسه "فدعا": أي النبي صلى الله عليه وسلم "السباحتين": بمهملة فموحدة فألف بعدها مهملة: تثنية سباحة وأراد بهما مسبحتي اليد اليمنى واليسرى، وسميت سباحة لأنه يشار بها عند التسبيح "ثم قال": النبي صلى الله عليه وسلم " هكذا الوضوء ": أي تثليث الغسل هو أسبع الوضوء وأكمله، ورد في بعض الروايات أنه صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثاً ثلاثاً وقال هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي. أخرجه الدارقطني بسند ضعيف في كتابه غرائب مالك عن أبي هريرة " على هذا ": أي على الثلاث " أو نقص ": عن الثلاث " فقد أساء وظلم ": أي على نفسه بترك متابعة صلى الله عليه وسلم أو بمخالفته، أو لأنه أتعب نفسه فيما زاد على الثلاثة من غير حصول ثواب له أو لأنه أتلف الماء بلا فائدة. وأما في النقص فأساء الأدب بترك السنة وظلم نفسه بنقص ثوابها بتزداد المرات في الوضوء. واستشكل بالإساءة والظلم على من نقص عن هذا العدد، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ مرتين مرتين ومرة مرة. وأجمع أئمة الحديث والفقه على جواز الاقتصار على واحدة. وأجيب بأنه أمر نسبي والإساءة تتعلق بالنقص أي أساء من نقص عن الثلاث بالنسبة لمن فعلها لا حقيقة الإساءة والظلم بالزيادة عن الثلاث لفعله مكروهاً أو حراماً. وقال بعض المحققين: فيه حذف تقديره من نقص شيئاً من غسلة واحدة بأن تركه لمعة في الوضوء مرة، ويؤيده ما رواه نعيم بن حماد بن معاوية من طريق المطلب بن حنطب مرفوعاً: "الوضوء مرة مرة وثلاثاً، فإن نقص من واحدة أو زاد على ثلاثة فقد أخطأ" وهو مرسل لأن المطلب تابعي صغير ورجاله ثقات ففيه بيان ما أجمل في حديث عمرو بن شعيب، وأجيب عن الحديث أيضاً بأن الرواة لم يتفقوا على ذكر النقص فيه، بل أكثرهم يقتصر على قوله: فمن زاد فقط، ولذا ذهب جماعة من العلماء بتضعيف هذا اللفظ في قوله أو نقص. قال ابن حجر والقسطلاني عده مسلم في جملة ما أنكروه على عمرو بن شعيب، لأن ظاهره ذم النقص عن الثلاثة، والنقص عنها جائز، وفعله المصطفى صلى الله عليه وسلم فكيف يعبر عنه بأساء وظلم. قال السيوطي قال ابن المواق: إن لم يكن اللفظ شكاّ من الراوي فهو من الأوهام البينة التي لا خفاء لها، إذ الوضوء مرة ومرتين لا خلاف في جوازه، والآثار بذلك صحيحة، والوهم فيه من أبي عوانة، وهو وإن كان من الثقات، فإن الوهم لا يسلم منه بشر إلا من عصم، ويؤيده رواية أحمد والنسائي وابن ماجه وكذا ابن خزيمة في صحيحه، ومن

(1/157)


زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم، ولم يذكروا أو نقص فقوى بذلك أنها شك من الراوي أو وهم. قال السيوطي: ويحتمل أن يكون معناه نقص بعض الأعضاء فلم يغسلها بالكلية، وزاد أعضاء أخر لم يشرع غسلها، وهذا عندي أرجح بدليل أنه لم يذكر في مسح رأسه وأذنيه تثليثاً. انتهى.
قال الزرقاني: ومن الغرائب ما حكاه أبو حامد الإسفرائني عن بعض العلماء أنه لا يجوز النقص عن الثلاث كأنه تمسك بظاهر الحديث المذكور وهو المحجوج بالإجماع. وحكى الدارمي عن قوم أن الزيادة على الثلاث تبطل الوضوء كالزيادة في الصلاة وهو قياس فاسد. وقال أحمد وإسحاق وغيرهما: لا تجوز الزيادة على الثلاث. وقال ابن المبارك: لا آمن أن يأثم من زاد على الثلاث. "أو ظلم وأساء": هذا شك من الراوي. قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه. وعمرو بن شعيب ترك الاحتجاج بحديثه جماعة من الأئمة ووثقه بعضهم. انتهى.

(1/158)


52 باب الوضوء مرتين
- 136 حدثنا مُحمّدُ بنُ الْعَلاَءِ قال حدثنا زَيْدٌ يَعْني ابنَ الْحُبَابِ قال حدثنا عَبْدُالرّحْمَنِ بنُ ثَوْبَانَ قال حدثنا عَبْدُالله بنُ الْفَضْلِ الْهَاشِمِيّ عن الأعْرَجِ عن أبي هُرَيْرَةَ أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم تَوَضّأَ مَرّتَيْنِ مَرّتَيْنِ.
- 137 حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ قال حدثنا مُحمّدُ بنُ بِشْرٍ قال حدثنا هِشَامُ بنُ سَعْدٍ قال حدثنا زَيْدٌ عن عَطَاءٍ بنِ يَسَارٍ قال قال لَنَا ابنُ عَبّاسٍ: أتُحِبّون أنْ أُرِيكُمْ كَيْفَ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَتَوَضّأُ، فَدَعَا بِإنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ فَاغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ اليُمْنَى
__________
"باب الوضوء مرتين"
"توضأ مرتين مرتين": لكل عضو من أعضاء الوضوء، والنصب فيهما على المفعول المطلق المبين للكمية. قال النووي: قد أجمع المسلمون على أن الواجب في غسل الأعضاء مرة مرة وعلى أن الثلاث سنة، وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بالغسل مرة مرة ومرتين مرتين وثلاثاً ثلاثاً أو بعض الأعضاء ثلاثاً وبعضها مرتين، والاختلاف دليل على جواز ذلك كله، وأن الثلاث هي الكمال والواحدة تجزيء. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن ثوبان عن عبد الله بن الفضل وهو إسناد حسن صحيح. انتهى.
"فاغترف غرفة": بفتح الغين المعجمة بمعنى المصدر وبالضم بمعنى المغروف وهي ملء الكف

(1/158)


فَتَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، ثُمّ أخَذَ أُخْرَى فَجَمَعَ بِهَا يَدَيْهِ، ثُمّ غَسَلَ وَجْهَهُ، ثُمّ أخَذَ أُخْرَى فَغَسَلَ بِها يَدَهُ الْيُمْنَى، ثُمّ أخَذَ أُخْرَى فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ الْيُسْرَى، ثُمّ قَبَضَ قَبْضَةً مِنَ المَاءِ ثُمّ نَفَضَ يَدَهُ ثُمّ مَسَحَ بِهَا رَأْسَهُ وَأُذُنَيْهِ ثُمّ قَبَضَ قَبْضَةً أُخْرَى مِنَ المَاءِ فَرَشّ عَلَى رِجْلِهِ اليُمْنَى وَفيهَا النّعْلُ ثُمّ مَسَحَهَا بِيَدَيْهِ، يَدٍ فَوْقَ الْقَدَمِ ويَدٍ تَحْتَ النّعْلِ، ثُمّ صَنَعَ بالْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ.
__________
"فتمضمض واستنشق": فيه دليل الجمع بين المضمضة والاستنشاق "ثم أخذ": غرفة "أخرى فجمع بها": أي بالغرفة "يديه": أي جعل الماء الذي في يده في يديه جميعاً لكونه أمكن في الغسل لأن اليد قد لا تستوعب الغسل "ثم غسل وجهه": وفيه دليل غسل الوجه باليدين جميعاً "فرش": أي سكب الماء قليلاً قليلاً إلى أن صدق عليه مسمى الغسل "على رجله اليمنى": وفي رواية البخاري وغيره "حتى غسلها" وهو صريح في أنه لم يكتف بالرش "وفيها": أي الرجل اليمنى "النعل": قال في التوسط: هو لا يدل على عدم غسل اسفلها "ثم مسحها بيديه": قال الحافظ: المراد بالمسح تسييل الماء حتى يستوعب العضو، وقد أخرج البخاري في باب غسل الرجلين في النعلين ولا يمسح على النعلين من حديث ابن عمرو فيه أن النعال السبتية، فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس النعال التي ليس فيها شعر ويتوضأ فيها. ففيه التصريح بأنه صلى الله عليه وسلم كان يغسل رجليه الشريفتين وهما في نعليه، وهذا موضع استدلال البخاري رحمه الله تعالى للترجمة. وفي التوسط: مسحها، أي دلكها "يد": بكسر الدال المهملة على البدلية وبالرفع "ويد تحت النعل": قال الحافظ: أما قوله: تحت النعل، فإن لم يحمل على التجوز عن القدم، وإلا فهي رواية شاذة وراويها هشام بن سعد لا يحتج بما انفرد به فكيف إذا خالف. وفي التوسط أجاب الجمهور بأنه حديث ضعيف ولو صح فهو مخالف لسائر الروايات. ولعله كرر المسح حتى صار غسلا "ثم صنع باليسرى مثل ذلك": أي رش على رجله اليسرى وفيها النعل ثم مسحها بيديه فوق القدم ويد تحت النعل. واعلم أن الحديث ليس فيه ذكر المرتين فلا يعلم وجه المناسبة بالباب. قال المنذري: وأخرجه البخاري مطولاً ومختصراً، وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه مفرقاً بنحوه مختصراً. وفي لفظ البخاري: ثم أخذ غرفة من ماء فرش على رجله اليمنى حتى غسلها، ثم أخذ غرفة أخرى فغسل بها رجله يعني اليسرى. وفي لفظ النسائي: ثم غرف غرفة فغسل رجله اليمنى، ثم غرف غرفة فغسل رجله اليسرى، وذلك يوضح ما أبهم في لفظ حديث أبي داوود. وترجم البخاري والترمذي والنسائي على طرف من هذا الحديث. الوضوء مرة مرة خلاف ما في هذه الترجمة، وكذلك فعل أبو داوود في الباب الذي بعده. انتهى

(1/159)


53 باب الوضوء مرة مرة
- 138 حدثنا مُسَدّدٌ قال حدثنا يَحْيَى عن سُفْيَانَ قال حَدّثَنِي زَيْدُ بنُ أسْلَمَ عن عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: ألاُ أُخْبِرُكمُ بِوُضُوءِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَتَوَضّأَ مَرّةً مَرّةً.
__________
"باب الوضوء مرة مرة"
"فتوضأ مرة مرة": بالنصب فيهما على المفعول المطلق كالسابق، وهذا الحديث طرف من الذي قبله. واعلم أنه اتفق العلماء على أن الوضوء يجزى مرة مرة، ومرتين أفضل، وأفضله ثلاث، وليس بعده شيء وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ بعض وضوئه مرة وبعضه ثلاثاً. أخرجه الترمذى وغيره.

(1/160)


54 باب في الفرق بين المضمضة والاستنشاق
- 139 حدثنا حُمَيْدُ بنُ مَسْعَدَةَ قال حدثنا مُعْتَمِرٌ قال سَمِعْتُ لَيْثاً يَذْكُرُ عن طَلْحَةَ عن أبِيهِ عن جَدّهِ قال: دَخَلْتُ يَعْني عَلى النّبي صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَتَوَضّأُ وَالمَاءُ يَسِيلُ مِنْ وَجْهِهِ وَلِحْيَتِهِ عَلَى صَدْرِهِ فَرَأيْتَهُ يَفْصِلُ بَيْنَ المَضْمَضَةِ وَالاسْتِنْشَاقِ.
__________
"باب في الفرق...الخ"
"يسيل": أي يقطر "ولحيته": بكسر اللام وسكون الحاء "فرأيته يفصل بين المضمضة والاستنشاق": والحديث حجة لمن يرى الفصل بين المضمضة والاستنشاق، لكن الحديث ضعيف لا تقوم به حجة. وأخرج الطبراني في معجمه عن طلحة بن مصرف عن أبيه كعب بن عمرو اليمامي "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فمضمض ثلاثاً واستنشق ثلاثاً يأخذ لكل واحدة ماءاً جديداً" الحديث وهو ضعيف أيضاً. وتقدم رواية المؤلف من طريق ابن أبي مليكة عن عثمان أنه رآه دعا بماء فأنى بميضأة فأصغاها على يده اليمنى ثم أدخلها في الماء فتمضمض ثلاثاً واستنثر ثلاثاً. الحديث وفيه رفعه وهو ظاهر في الفصل. وروى أبو على في صحاحه من طريق أبي وائل شقيق بن سلمة قال شهدت علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان توضأ ثلاثاً ثلاثاً وأفرد المضمضة من الاستنشاق ثم قالا: هكذا رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ. فهذا صريح في الفصل. وقد روى عن علي بن أبي طالب أيضاً الجمع، ففي مسند أحمد عن علي: أنه دعا بماء فغسل وجهه وكفيه ثلاثاً

(1/160)


ـــــــ
وتمضمض وأدخل بعض أصابعه في فيه واستنشق ثلاثاً. بل في ابن ماجه أصرح من هذا بلفظ توضأ فمضمض ثلاثاً واستنشق ثلاثاً من كف واحد. وتقدم في باب صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم بعض المباحث في الوصل بين المضمضة والاستنشاق. ومحصل الكلام أن الوصل والفصل كلاهما ثابت، لكن أحاديث الوصل قوية من جهة الإسناد. والله أعلم.

(1/161)


55 باب في الاستنثار
- 140 حدثنا عَبْدُالله بنُ مَسْلَمَةَ عن مَالِكٍ عن أبي الزّنَادِ عن الأعْرَجِ عن أبي هُرَيْرَةَ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذَا تَوَضّأَ أحَدُكمُ فَلْيَجْعَلْ في أنْفِهِ مَاءًا ثُمّ لِيَنْثِرْ"
- 141 حدثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى قال حدثنا وَكِيعٌ قال حدثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ عن
__________
"باب في الاستنثار"
هو استفعال من النثر بالنون والمثلثة وهو طرح الماء الذي يستنشقه المتوضىء أي يجذبه بريح أنفه لتنظيف ما في داخله فيخرج بريح أنفه سواء كان بإعانة يده أم لا
" ثم لينثر ": بمثلثة مضمومة بعد النون الساكنة من باب الثلاثي المجرد وفي بعض الروايات ثم لينتثر على وزن ليفتعل من باب الافتعال، يقال نثر الرجل وانتثر إذا حرك النثرة وهي طرف الأنف في الطهارة. قال الحافظ: ظاهر الأمر أنه للوجوب فيلزم من قال بوجوب الاستنشاق لورود الأمر كأحمد وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور وابن المنذر أن يقول به في الاسنتثار. وظاهر كلام صاحب المغني من الحنابلة يقتضي أنهم يقولون بذلك وأن مشروعية الاستنشاق لا تحصل إلا بالاستنثار. وصرح ابن بطال بأن بعض العلماء قال بوجوب الاستنثار، وفيه تعقب على من نقل الإجماع على عدم وجوبه، واستدل الجمهور على أن الأمر فيه للندب بما حسنه الترمذي وصححه الحاكم من قوله صلى الله عليه وسلم للأعرابي " توضأ كما أمرك الله فأحاله على الآية وليس فيها ذكر الاستنشاق ويحتمل أن يراد بالأمر ما هو أعلم من آية الوضوء فقد أمر الله سبحانه باتباع نبيه صلى الله عليه وسلم وهو المبين عن الله أمره ولم يحك أحد ممن وصف وضوءه عليه الصلاة والسلام على الاستقصاء أنه ترك الاستنشاق بل ولا المضمضة وهو يرد على من لم يوجب المضمضة أيضاً" وقد ثبت الأمر بها أيضاً في سنن أبي داوود من حديث لقيط بإسناد صحيح ولم يذكر في هذه الرواية عدداً، وقد ورد في رواية سفيان عن أبي الزناد ولفظه " إذا استنثرت فليستنر وتراً " أخرجه الحميدي في مسنده عنه وأصله لمسلم. انتهى مختصراً. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم من وجه آخر

(1/161)


قارِظٍ عن أبي غَطْفَانَ عن ابنِ عَبّاسٍ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اسْتَنْثِرُوا مَرّتَيْنِ بَالِغَتَيْنِ أوْ ثَلاَثاً"
- 142 حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ في آخَرِينَ قال حدثنا يَحْيَى بنُ سُلَيْمٍ عن إسْمَاعِيلَ بنِ كَثِيرٍ عن عَاصِمِ بنِ لَقِيطِ بنِ صَبْرَةَ عن أبِيهِ لَقِيطِ بنِ صَبْرَةَ قال: كُنْتُ وَافِدَ بَنِي المُنْتَفِقِ أو فِي وَفْدِ بَنِي المُنْتَفِقِ إلَى رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم قال: فَلمّا قَدِمْنَا عَلَى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فَلَمْ نُصَادِفْهُ في مَنْزِلِهِ، وَصَادَفْنَا عَائِشَةَ أُمّ المُؤْمِنِينَ. قال: فأمَرَتْ لَنَا بِخَزِيرَةٍ فَصُنِعَتْ لَنَا. قال: وَأُتَينَا بِقِنَاع. وَلَمْ يَقُلْ قُتَيْبَةُ القِنَاعَ. والْقِنَاعُ:
__________
" استنثروا مرتين بالغتين ": أي أعلى نهاية الاستنثار " أو ثلاثاً ": لم يذكر المبالغة في الثلاث وكأن المبالغة في الثنتين قائمة مقام المرة الثالثة. قال الشوكاني: والحديث يدل على وجوب الاستنثار والمراد بقوله بالغتين أنهما في أعلى نهاية الاستنثار من قولهم بلغت المنزل. وأما تقييد الأمر بالاستنثار بمرتين أو ثلاثاً فيمكن الاستدلال على عدم وجوب الثانية والثالثة بحديث الوضوء مرة، ويمكن القول بإيجاب مرتين أو ثلاث إما لأنه خالص، وحديث الوضوء مرة عام، وإما لأنه قول خاص بنا فلا يعارضه فعله صلى الله عليه وسلم كما تقرر في الأصول، والمقام لا يخلو عن مناقشة في كلا الطرفين. انتهى. وأخرج أبو داوود الطيالسي " إذا توضأ أحدكم واستنثر فليفعل ذلك مرتين أو ثلاثاً " قال الحافظ وإسناده حسن. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه.
"في آخرين":أي جماعة آخرين وكان قتيبة بن سعيد منهم "وافد": قال الجوهري في الصحاح: وفد فلان على الأمير أي ورد رسولاً فهو وافد والجمع وفد مثل صاحب وصحب وجمع الوافد أوفاد ووفود والاسم الوفادة، وأوفدته أنا إلى الأمير أي أرسلته. انتهى. وفي مجمع بحار الأنوار: الوفد قوم يجتمعون ويردون البلاد، الواحد وافد وكذا من يقصد الأمراء بالزيارة "المنتفق": بضم الميم وسكون النون وفتح المثناة وكسر الفاء: جد صبرة "أو في وفد": هو شك من الراوي والأول يدل على إنفراده أو كونه زعيم الوفد ورئيسهم. وفيه دليل على أنه لا تجب الهجرة على كل من أسلم لأن بني المنتفق وغيرهم لم يهاجروا بل أرسلوا وفودهم وهو كذلك إذا كان في موضع يقدر على إظهار الدين فيه "قال": أي لقيط "فلم نصادفه": قال في الصحاح: صادفت فلاناً وجدته، أي لم نجد رسول الله صلى الله عليه وسلم "قال": أي لقيط "فأمرت لنا": أي عائشة "بخزيرة": بخاء معجمة ثم الزاء بعدها التحتانية ثم الراء على وزن كبيرة: هو لحم يقطع صغاراً ويصب عليه الماء الكثير فإذا نضج

(1/162)


الطّبَقُ فِيهِ تَمْرٌ. ثُمّ جَاءَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: "هَلْ أصَبْتُمْ شَيْئَاً أوْ أُمِرَ لَكُمْ بِشَيْءٍ "؟ قال قُلْنَا: نَعَمْ يارسولَ الله. قال: فَبَيْنَا نَحْنُ مَعَ رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم جُلُوسٌ إذَا دَفَعَ الرّاعِي غَنَمَهُ إلَى المُرَاحِ وَمَعَهُ سَخْلَةٌ تَيْعِرُ، فقال: " مَا وَلّدْتَ يَافُلاَنُ "؟ قال: بَهْمَةً،
__________
ذر عليه الدقيق فإن لم يكن فيها لحم فهي عصيدة وقيل هي حساء من دقيق ودسم، وقيل إذا كان من دقيق فهو حريرة وإذا كان من نخالة فهو خزيرة. كذا في النهاية. واقتصر الجوهري على القول الأول "فصنعت": بصيغة المجهول أي الخزيرة "وأتينا": بصيغة المجهول "بقناع": بكسر القاف وخفة النون وهو الطبق الذي يؤكل عليه وقيل له القنع بالكسر والضمير وقيل القناع جمعه "ولم يقل قتيبة القناع": وفي بعض النسخ: لم يقم قتيبة القناع، من أقام يقيم أي لم يتلفظ قتيبة بلفظ القناع تلفظاً صحيحاً بحيث يفهم منه هذا اللفظ "والقناع الطبق": هذا كلام مدرج من أحد الرواة فسر القناع بقوله الطبق " أصبتم شيئاً ": من الطعام " أو أمر لكم ": بصيغة المجهول، والظاهر أن هذا شك من لقيط بن صبرة "فبينا نحن": كلمة بين بمعنى الوسط بسكون السين وهي من الظروف اللازمة للإضافة ولا يضاف إلا إلى الأثنين فصاعداً أو ما قام مقامه، وقوله تعالى {عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} وقد يقع ظرف زمان، وقد يقع ظرف مكان بحست المضاف إليه، وقد يحذف المضاف إليه ويعوض عنه ما أو الألف فيقال: بينما نحن كذا وبينا نحن كذا، وقد لا يعوض فيقال هذا الشيء بين بين أي بين الجيد والرديء. "جلوس": جمع جالس والمعنى بين أوقات، نحن جالسون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها إذا دفع الراعي غنمه.. الحديث "إذا دفع": أي ساق "الراعي غنمه": وكانت الغنم لرسول الله صلى الله عليه وسلم "إلى المراح": قال الجوهري: المراح بالضم حيث تأوى إليه الإبل والغنم بالليل "ومعه": أي مع الراعي أو مع الغنم. قال الجوهري: الغنم اسم مؤنث موضوع للجنس يقع على الذكور وعلى الإناث وعليهما جميعاً وإذا صغرتها ألحقتها الهاء فقلت غنيمة "سخلة": بفتح السين وسكون الخاء المعجمة: ولد الشاة من المعز والضأن حين يولد ذكراً كان أو أنثى. كذا في المحكم، وقيل يختص بأولاد المعز، وبه جزم صاحب النهاية قاله السيوطي "تيعر": في القاموس بكسر العين كتضرب وبفتح العين كتمنع ومصدره يعار بضم الياء كغراب وهو صوت الغنم أو المعز أو الشديد من أصوات الشاء، وماضيه يعرت أي صاحت. وفي النهاية يعار أكثر ما يقال لصوت المعز فمعنى تيعر أي تصوب "فقال": النبي صلى الله عليه وسلم " ما ولدت ": بتشديد اللام وفتح التاء، يقال: ولدت الشاة توليداً إذا حضرت ولادتها فعالجتها حتى تبين الولد منها، والمولدة القابلة، والمحدثون يقولون ما ولدت يعنون الشاه والمحفوظ التشديد بخطاب الراعي. قال الإمام أبو سليمان الخطابي: هو بتشديد

(1/163)


قال: " فَاذْبَحْ لَنَا مَكَانَها شَاةً ثُمّ قال: لاَ تَحْسِبَنّ وَلَمْ يَقُلْ لاَ تَحْسَبَنّ أنّا مِنْ أجْلِكَ ذَبَحْنَاهَا لَنَا غَنَمٌ مِائَةٌ لاَ نُرِيدُ أنْ تَزِيدَ، فإذَا وَلّدَ الرّاعِي بَهْمَةً ذَبَحْنَا مَكَانَهَا شَاةً" . قال قلت: يارسولَ الله إنّ لِي امْرَأةً وإنّ في لِسَانِهَا شَيْئاً يَعْني الْبَذَاءَ قال: " فَطَلّقْهَا إذاً "
__________
وفتح تاء خطاباً للراعي، وأهل الحديث يخففون اللام ويسكنون التاء والشاة فاعله وهو غلط. انتهى. لكن قال في التوسط بخفة لام وسكون تاء لا بالتشديد إذ المولدة بالفتح أمها لاهي. انتهى "يا فلان قال": الراعي المدعو بلفظ فلان " بهمة ": قال ابن الأثير: هذا الحديث يدل على أن البهمة اسم للأنثى لأنه إنما سأله ليعلم أذكراً ولد أم أنثى وإلا فقد كان يعلم إنما تولد أحدهما. انتهى. قال السيوطي: ويحتمل أنه سأله ليعلم هل المولود واحد أو أكثر ليذبح بقدره من الشياه الكبار كما دل عليه بقية الحديث.
"قال": النبي صلى الله عليه وسلم "مكانها": أي السخلة "ثم قال": النبي صلى الله عليه وسلم "لا تحسبن": بكسر السين صرح به صاحب التوسط قال لقيط: ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم "لا تحسبن ": بفتح السين. قال النووي في شرحه: مراد الراوي أنه صلى الله عليه وسلم نطق ههنا مكسورة السين ولم ينطق بها بفتحها فلا يظن ظان أني رويتها بالمعنى على اللغة الأخرى أو شككت فيها أو غلطت أو نحو ذلك بل أنا متيقن بنطقه صلى الله عليه وسلم بالكسر وعدم نطقه بالفتح ومع هذا فلا يلزم أن لا يكون النبي صلى الله عليه وسلم نطق بالمفتوحة في وقت آخر بل قد نطق بذلك فقد قرىء بوجهين. انتهى. كلام النووي. قال السيوطي: ويحتمل أن الصحابي إنما نبه على ذلك لأنه كان ينطق بالفتح فاستغرب الكسر وضبطه، ويحتمل أنه كان ينطق بالكسر ورأى الناس ينطقون بالفتح، فنبه على أن الذي نطق به النبي صلى الله عليه وسلم الكسر " ذبحناها ": أي الشاة، أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا لم نتكلف لكم بالذبح لئلا يمتنعوا منا وليتبرى عن التعجب والاعتداد على الضيف " أن تزيد ": على المائة فتكثر، لأن هذا القدر كاف لإنجاح حاجتي " ذبحنا مكانها شاة ": وقد استمروا بي على هذا، فلأجل ذلك أمرناها بالذبح، فلا تظنوا بي أني أتكلف لكم، والظاهر من هذا القول أنهم لما سمعوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذبح اعتذروا إليهوقالوا: لا تتكلفوا لنا، فأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: لا تحسبن هذا ما يفهم من سياق الواقعة "قال": لقيط "يعني البذاء": هو بالمد وفتح الموحدة: الفحش في القول، يقال: بذوت على القوم، وأبذيت على القوم وفلان بذي اللسان والمرأة بذية وقد بذو الرجل يبذو بذاء. كذا في الصحاح "قال": أي النبي صلى الله عليه وسلم " فطلقها إذاً ":

(1/164)


. قال قلت: يارسولَ الله إنّ لَها صُحْبَةً وَلِي مِنْهَا وَلَدٌ. قال: "فَمُرْهَا يقولُ عِظْهَا فإنْ يَكُ فِيهَا خَيْرٌ فَسَتَفْعَلُ، وَلاَ تَضْرِبْ ظَعِينَتَكَ كَضَرْبِكَ أُمَيّتَكَ ". فَقلت: يارسولَ الله أخْبِرْنِي عن الْوُضُوء. قال: "أسْبِغ الْوُضُوءَ وَخَلّلْ بَيْنَ الأصَابِعِ وَبَالِغْ في الاسْتِنْشَاقِ إلا أنْ تَكُونَ صائِماً"
__________
أي إذا كانت المرأة ذات لسان وفحش فطلقها "صحبة": معي "ولي منها ولد": قال السيوطي: يطلق الولد على الواحد والجمع وعلى الذكر والأنثى " فمرها ": أي المرأة أن تطيعك ولا تعصيك في معروف "يقول": الراوي: أراد النبي صلى الله عليه وسلم أي " عظها ": أمر من الموعظة وهي بالطريق الحسنة أسرع للتأثير، فأمر لها بالموعظة لتلين قلبها فتسمع كلام زوجها سماع قبول " فإن يك ": قال الجوهري:: قولهم لم يك أصله يكون، فلما دخلت عليها لم جزمتها فالتقي ساكنان فحذفت الواو، فيبقى لم يكن، فلما كثر استعمالها حذفوا النون تخفيفاً فإذا تحركت أثبتوها، فقالوا: لم يكن الرجل. وأجاز يونس حذفها مع الحركة " فيها ": أي في المرأة " فستفعل ": ما تأمرها به. قال السيوطي: وفي رواية الشافعي وابن حبان فتستقبل بالقاف والموحدة وهو صحيح المعنى، إلا أنه ليس بمشهور. انتهى. " ظعينتك ": بفتح الظاء المعجمة وكسر العين المهملة: أصلها راحلة ترحل ويظعن عليها أي يسار، وقيل للمرأة ظعينة لأنها تظعن مع الزوج حيث ما ظعن أو تحمل على الراحلة إذا ظعنت، وقيل: هي المرأة في الهودج ثم قيل للمرأة وحدها وللهودج وحده. كذا في المجمع. قال السيوطي: هي المرأة التي تكون في الهودج كني بها عن الكريمة، وقيل: هي الزوجة لأنها تظعن إلى بيت زوجها من الظعن وهو الذهاب " كضربك أميتك ": بضم الهمزة وفتح الميم: تصغير الأمة ضد الحرة، أي جويريتك، والمعنى: لا تضرب المرأة مثل ضربك الأمة، وفيه إيماء لطيف إلى الأمر بالضرب بعد عدم قبول الوعظ، لكن يكون ضرباً غير مبرح. قاله السيوطي.
" أسبغ الوضوء ": بفتح الهمزة، أي أبلغ مواضعه، وأوْف كل عضو حقه وتممه ولا تترك شيئاً من فرائضه وسننه " وخلل بين الأصابع ": التخليل: تفريق أصابع اليدين والرجلين في الوضوء، وأصله من إدخال شيء في خلال شيء وهو وسطه. قال الجوهري: والتخليل: اتخاذ الخل وتخليل اللحية والأصابع في الوضوء، فإذا فعل ذلك قال: تخللت. انتهى. والحديث فيه دليل على وجوب تخليل أصابع اليدين والرجلين " وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً ": فلا تبالغ، وإنما كره المبالغة للصائم خشية أن ينزل إلى حلقه ما يفطره. قال الطيبي: وإنما أجاب النبي صلى الله عليه وسلم عن بعض سنن الوضوء لأن السائل كان عارفاً بأصل الوضوء. وقال في التوسط: اقتصر في الجواب علماً منه أن السائل لم يسأله عن ظاهر الوضوء بل عما خفي من باطن الأنف والأصابع،

(1/165)


- 143 حدثنا عُقْبَةُ بنُ مُكْرَمٍ قال حدثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ قال حدثنا ابنُ جُرَيْجٍ قال حدّثَني إسْمَاعِيلُ بنُ كَثِيرٍ عن عَاصِمِ بنِ لَقِيطِ بنِ صَبْرَة عن أبِيهِ وَافِدِ بَنِي المُنْتَفِقِ أنّهُ أتَى عَائِشَةَ فَذَكَرَ مَعْنَاهُ. قال: فَلَمْ نَنْشَبْ أنْ جاءَ النّبي صلى الله عليه وسلم يَتَقلّعُ يَتَكَفّأُ، وقال عَصِيدَةً مَكانَ خَزِيرَةٍ.
- 144 حدثنا مُحمّدُ بنُ يَحْيَى بنِ فَارِسٍ قال حدثنا أبُو عَاصِمٍ قال حدثنا ابنُ جُرَيْجٍ بِهَذَا الحَديثِ قال: "إذَا تَوَضّأْتَ فَمَضْمِضْ"
__________
فإن الخطاب بأسبغ إنما يتوجه نحو من علم صفته. انتهى. وفيه دليل على وجوب الاستنشاق. قال المنذري: وأخرجه الترمذي في الطهارة وفي الصوم مختصراً. وقال هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه النسائي في الطهارة والوليمة مختصراً، وأخرجه ابن ماجه في الطهارة مختصراً. انتهى.
"حدثنا عقبة بن مكرم": بضم أوله وإسكان الكاف وفتح المهملة "فذكر": ابن جريج "معناه": أي معنى حديث يحيى بن سليم فحديث ابن جريج ويحيى بن سليم متقاربان في المعنى غير متحدين في اللفظ "قال": أي زاد ابن جريج في حديثه هذه الجملة "فلم ننشب": كنسمع، يقال: لم ينشب أي لم يلبث وحقيقته لم يتعلق بشيء غيره ولا اشتغل بسواه "يتقلع": مضارع من التقلع، والمراد به قوة مشيه كأنه يرفع رجليه من الأرض رفعاً قوياً لا كمن يمشي اختيالاً وتقارب خطا تنعماً، فإنه من مشى النساء "يتكفأ": بالهمزة فهو مهموز اللام، وقد تترك الهمزة ويلتحق بالمعتل للتخفيف. وهاتان الجملتان حاليتان. قال في النهاية: تكفأ، أي مال يميناً وشمالاً كالسفينة. وقال الطيبي: أي يرفع القدم من الأرض ثم يضعها ولايمسح قدمه على الأرض كمشى المتبختر كأنما ينحط من صبب أي يرفع رجله عن قوه وجلادة، والأشبه أن تكفأ بمعنى صب الشيء دفعه "وقال": ابن جريج في روايته "عصيدة": وهو دقيق يلت بالسمن ويطبخ، يقال: عصدت العصيدة وأعصدتها اتخذتها.
"قال فيه": أي قال أبو عاصم في حديثه عن ابن جريج " فمضمض ": أمر من المضمضة. والحديث فيه الأمر بالمضمضة، وهذا من الأدلة التي ذهب إليه أحمد وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وابن أبي ليلى وحماد بن سليمان من وجوب المضمضة في الغسل والوضوء كما ذكره بعض الأعلام. وفي شرح مسلم للنووي أن مذهب أبي ثور وأبي عبيد وداوود الظاهري وأبي بكر بن المنذر ورواية عن أحمد أن الاستنشاق واجب في الغسل والوضوء والمضمضة سنة فيهما، ولله أعلم.

(1/166)


-56 باب تخليل اللحية
- 145 حدثنا أبُو تَوبَةَ يَعْني رَبِيعَ بنَ نَافِعٍ قال حدثنا أبُو المَلِيحِ عن الوَلِيدِ بنِ زَوْرَانَ عن أنَسِ بن مَالِكٍ أنّ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم كان إذَا تَوَضّأَ أخَذَ كَفاّ مِنْ مَاءٍ فَأَدْخَلَهُ تَحْتَ حَنَكِهِ فَخَلّلَ بِهِ لِحْيَتَهِ، وقال: "هَكَذَا أمَرَنِي رَبّي عَزّوَجَلّ".
قال أبُو دَاوُدَ: وَالْوَلِيدُ بنُ زَوْرَانَ رَوَى عَنْهُ حَجّاجُ بنُ حَجّاجٍ وَأبُو المَلِيحِ الرّقِيّ.
__________
"باب تخليل اللحية"
بكسر اللام وسكون الحاء: اسم لجمع من الشعر ينبت على الخدين والذقن
"حنكه": بفتح المهملة والنون: ما تحت الذقن من الإنسان وغيره وجمعه أحناك "وقال": لمن حضره " هكذا أمرني ربي ": أي أمرني بتخليلها، وفي بعض نسخ الكتاب بعد قوله: هكذا أمرني ربي هذه العبارة: قال أبو داوود والوليد بن زوران روى عنه حجاج بن حجاج وأبو المليح الرقي. انتهى. قال المناوى: يقتضي هذا الحديث أنه كان يخلل بكف واحدة، لكن في رواية لابن عدي خلل لحيته بكفيه. انتهى. وفي الباب عن عثمان بن عفان أخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث عامر بن شقيق عن
ـــــــ
قال الشيخ شمس الدين بن القيم:
قال أبو محمد بن حزم لا يصح حديث أنس هذا لأنه من طريق الوليد بن زوران "1" وهو مجهول وكذلك أعله ابن القطان بأن الوليد هذا مجهول الحال وفي هذا التعليل نظر فإن الوليد هذا روى عنه جعفر بن برقان وحجاج بن منهال وأبو المليح الحسن بن عمر الرقي وغيرهم ولم يعلم فيه جرح وقد روى هذا الحديث محمد بن يحيى الذهلي في كتاب علل حديث الزهري فقال حدثنا محمد بن عبد الله بن خالد الصفار من أصله وكان صدوقا حدثنا محمد بن حرب حدثنا الزبيدي عن الزهري عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فأدخل أصابعه تحت لحيته فخللها بأصابعه ثم قال هكذا أمرني ربي عزوجل وهذا إسناد صحيح وفي الباب حديث عثمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخلل لحيته رواه الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي حسن صحيح وصححه ابن خزيمة وأبو عبد الله الحاكم وقال أحمد هو أحسن شيء في الباب وقال الترمذي قال محمد بن إسماعيل البخاري أصح شيء في هذا الباب حديث

(1/167)


.............................
__________
أبي وائل عن عثمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخلل لحيته. قال الترمذي: توضأ وخلل لحيته وقال حديث حسن صحيح. قال محمد بن إسماعيل: أصح شيء عندي في التخليل حديث عثمان وهو حديث حسن. انتهى. لكن ابن معين ضعف عامر بن شقيق. والله أعلم. وعن عمار بن ياسر رواه الترمذي وابن ماجه بلفظ قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخلل لحيته وعن ابن عباس رواه للطبراني في معجمه الوسط بلفظ: هكذا أمرني ربي. وعن عائشة رواه الحاكم في المستدرك وأحمد في مسنده
ـــــــ
عامر بن شقيق عن أبي وائل عن عثمان يريد هذا الحديث وقد أعله ابن حزم فقال هو من طريق إسرائيل وليس بالقوي عن عامر بن شقيق وليس مشهورا بقوة النقل وقال في موضع آخر عامر بن شقيق ضعيف وهذا تعليل باطل فإن إسرائيل هو ابن يونس بن أبي إسحاق احتج به الشيخان وبقية الستة ووثقه الأئمة الكبار وقال فيه أبو حاتم ثقة متقن من أتقن أصحاب أبي إسحاق ووثقه ابن معين وأحمد وكان يتعجب من حفظه والذي غر أبا محمد بن حزم قول أحمد في رواية ابنه صالح إسرائيل عن أبي إسحاق فيه لين سمع منه بآخرة وهذا الحديث ليس من روايته عن أبي إسحاق فلا يحتاج إلى جواب وأما عامر بن شقيق فقال النسائي ليس به بأس وروي عن ابن أبي معين تضعيفه روى له أهل السنن الأربعة وفي الباب حديث عائشة رواه أبو عبيد يعني في كتاب الطهور عن حجاج عن شعبة عن عمرو بن أبي وهب الخزاعي عن موسى بن مروان البجلي عن طلحة بن عبد الله بن كريز عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأ خلل لحيته
وفي الباب حديث عمار بن ياسر رواه الطبراني عن الدبري عن عبدالرزاق عن ابن عيينة عن عبدالكريم عن حسان بن بلال أن عمار بن ياسر توضأ فخلل لحيته فقيل له ما هذا قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يخلل لحيته وقد أعله ابن حزم بعلتين إحداهما أنه قال حسان بن بلال مجهول والثانية قال لا نعرف له لقاء لعمار بن ياسر فأما العلة الأولى فإن حسانا روى عنه أبو قلابة وجعفر بن أبي وحشية وقتادة ويحيى بن أبي كثير ومطر الوراق وابن أبي المخارق وغيرهم وروى له الترمذي والنسائي وابن ماجه قال علي بن المديني كان ثقة ولم يحفظ فيه تضعيف لأحد وأما العلة الثانية فباطلة أيضا فإن الترمذي رواه من طريقين إلى حسان أحدهما عن ابن أبي عمر عن سفيان عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن حسان عن عمار والثاني عن ابن أبي عمر عن سفيان بن عيينة عن عبدالكريم بن أبي المخارق عن حسان قال رأيت عمارا توضأ فخلل لحيته وفيه ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخلل لحيته وعلة هذا الحديث المؤثرة هي ما قاله الإمام أحمد في رواية ابن منصور عنه قال قال ابن عيينة لم يسمع عبدالكريم من حسان بن بلال حديث التخليل قال الترمذي سمعت إسحاق بن منصور يقول سمعت أحمد بن حنبل فذكره وذكر الحافظ ابن عساكر عن البخاري مثل ذلك وقال الإمام أحمد لا يثبت في تخليل اللحية توضأ حديث

(1/168)


................
__________
بلفظ: إذا توضأ خلل لحيته وعن أبي أيوب رواه ابن ماجه بلفظ: توضأ فخلل لحيته، وفيه واصل بن السائب قال البخاري وأبو حاتم منكر الحديث. وعن ابن عمر رواه ابن ماجه أيضاً. وعن أبي أمامة رواه الطبراني في معجمه وابن أبي شيبة في مصنفه، وفي الباب أيضاً عن عبد الله بن
ـــــــ
وفي الباب حديث ابن أبي أوفى رواه أبو عبيد عن مروان بن معاوية عن أبي الورقاء عنه أنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخلل لحيته
وفيه حديث أبي أيوب رواه أبو عبيد عن محمد بن ربيعة عن واصل بن السائب الرقاشي عن أبي سورة عنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فخلل لحيته
قلت وتصحيح ابن القطان لحديث أنس من طريق الذهلي فيه نظر فإن الذهلي أعله فقال في الزهريات وحدثنا يزيد بن عبد ربه حدثنا محمد بن حرب عن الزبيدي أنه بلغه عن أنس بن مالك فذكره قال الذهلي هذا هو المحفوظ قال ابن القطان وهذا لا يضره فإنه ليس من لم يحفظ حجة على من حفظ والصفار قد عين شيخ الزبيدي فيه وبين أنه الزهري حتى لو قلنا إن محمد بن حرب حدث به تارة فقال فيه عن الزبيدي بلغني عن أنس لم يضره ذلك فقد يراجع كتابه فيعرف منه أن الذي حدث به الزهري فيحدث به عنه فأخذه عن الصفار هكذا وهذه التجويزات لا يلتفت إليها أئمة الحديث وأطباء علله ويعلمون أن الحديث معلول بإرسال الزبيدي له ولهم ذوق لا يحول بينه وبينهم فيه التجويزات والإحتمالات.
ولهذا الحديث طريق أخرى رواه الطبراني في المعجم الكبير من حديث أبي حفص العبدي عن ثابت عن أنس قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فذكره كما تقدم وأبو حفص وثقه أحمد وقال لا أعلم إلا خيرا ووثقه ابن معين وقال عبدالصمد بن عبدالوارث ثقة وفوق الثقة فهذه ثلاث طرق حسنة وذكر الحاكم المستدرك حديث عثمان في ذلك ثم قال وله شاهد صحيح من حديث أنس ورواه ابن ماجه في سننه من حديث يحيى بن كثير أبي النضر صاحب البصري عن يزيد الرقاشي عن أنس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا توضأ خلل لحيته وفرج أصابعه مرتين قال الدارقطني أبو النضر هذا متروك وقال النسائي يزيد الرقاشي متروك ورواه ابن عدي من حديث هاشم بن سعد عن محمد ابن زياد عن أنس مرفوعا ثم قال ابن عدي وهاشم هذا مقدار ما يرويه لا يتابع عليه ورواه البيهقي في السنن من حديث إبراهيم الصائغ عن أبي خالد عن أنس مرفوعا وأبو خالد هذا مجهول.
فهذه ثلاث طرق ضيقة والثلاثة الأولى أقوى منها.
وأما حديث عمار فقد تقدم تعليل أحمد والبخاري له من طريق عبدالكريم وأما طريق ابن عيينة عن ابن أبي عروبة عن قتادة عن حسان فقال ابن أبي حاتم في كتاب العلل سألت أبي عن حديث رواه

(1/169)


................................
__________
أبي أوفى وأبي الدرداء وكعب بن عمرو وأبي بكرة وجابر بن عبد الله وأم سلمة، وحديث كل هؤلاء مذكور في تخريج الإمام جمال الدين الزيلعي، والأحاديث تدل على مشروعية تخليل اللحية. وقد اختلف السلف الصالحون في ذلك، فقال مالك والشافعي والثوري والأوزاعي: إن تخليل اللحية
ـــــــ
ابن عيينة عن سعيد بن أبي عروبة فذكره فقال أبي لم يحدث بهذا أحد سوى ابن عيينة عن ابن أبي عروبة قلت هو صحيح قال لو كان صحيحا لكان في مصنفات ابن أبي عروبة ولم يصرح فيه ابن عيينة بالتحديث وهذا مما يوهنه يريد بذلك أنه لعله دلسه.
قلت وقد سئل الإمام أحمد عن هذا الحديث فقال إما أن يكون الحميدي اختلط وإما أن يكون من حدث عنه خلط ولكن متابعة ابن أبي عمر له ترفع هذه العدة والله أعلم.
وقد رويت أحاديث التخليل من حديث عثمان وعلي وأنس وابن عباس وابن عمر وعائشة وأم سلمة وعمار بن ياسر وأبي أيوب وابن أبي أوفى وأبي أمامة وجابر بن عبد الله وجرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنهم ولكن قال عبد الله بن أحمد قال أبي ليس يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في التحليل شيء وقال الخلال في كتاب العلل أخبرنا أبو داود قال قلت لأحمد تخليل اللحية قال قد روى فيه أحاديث ليس يثبت منها حديث وأحسن شيء فيها حديث شقيق عن عثمان وقال عبدالرحمن بن أبي حاتم في كتاب العلل سمعت أبي يقول لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في تخليل اللحية حديث.
قلت وحديث ابن عباس من رواية نافع مولى يوسف السلمي قال العقيلي لا يتابع عليه منكر الحديث وقال أبو حاتم متروك الحديث وحديث ابن عمر رواه الدراقطني وقال الصواب أنه موقوف على ابن عمر وكذلك قال عبدالحق الصحيح أنه من فعل ابن عمر غير مرفوع وله علة أخرى ذكرها ابن أبي حاتم عن أبيه وهي أن الوليد بن مسلم حدث به الأوزاعي مرسلا وعبدالحميد رفعه عنه والصواب رواية ابن المغيرة عنه موقوفا وذكرها الخلال في كتاب العلل عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر موقوفا ثم حكى عن جعفر بن محمد أنه قال قال أحمد ليس في التخليل أصح من هذا يعني الموقوف وأما حديث أبي أيوب فذكره الترمذي في كتاب العلل وقال سألت محمدا عنه فقال لا شيء فقلت أبو سورة ما اسمه فقال ما أدرى ما يصنع به عنده مناكير ولا يعرف له سماع من أبي أيوب ورواه ابن ماجه في سننه من حديث ابن أبي أوفى من رواية فائد أبي الورقاء وهو متروك باتفاقهم وحديث أبي أمامة رواه ابن أبي شيبة في مصنفه من حديث أبي غالب عن أبي أمامة وأبو غالب ضعفه النسائي ووثقة الدارقطني وقال ابن معين صالح الحديث وصحح له الترمذي وحديث جابر ضعيف جدا

(1/170)


ـــــــ
ليس بواجب في الوضوء قال مالك وطائفة من أهل المدينة: ولا في غسل الجنابة وقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما والثوري والأوزاعي والليث وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور وداوود الطبري وأكثر أهل العلم: إن تخليل اللحية واجب في غسل الجنابة ولا يجب في الوضوء، هكذا في شرح الترمذي لابن سيد الناس، كذا في شرح المنتقى.

(1/171)


-57 باب المسح على العمامة
- 146 حدثنا أحْمَدُ بنُ مُحمّدِ بنِ حَنْبَلٍ قال حدثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عن ثَوْرٍ عن رَاشِدِ بنِ سَعْدٍ عن ثَوْبَانَ قال: بَعَثَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سَرِيّةً فَأَصابَهُمْ الْبَرْدُ، فَلَمّا قَدِمُوا عَلَى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أمَرَهُمْ أنْ يَمْسَحُوا عَلَى الْعَصائِبِ وَالتّسَاخِينِ.
__________
"باب المسح على العمامة"
بكسر العين وجمعه عمائم "سرية": بفتح السين وكسر الراء المهملتين وتشديد الياء: قطعة من الجيش من خمس أنفس إلى ثلاثمائة، وقيل: إلى أربعة مائة. قاله السيوطي. قال الجوهري: السرية: قطعة من الجيش، يقال: خير السرايا أربعمائة رجل. انتهى.
"البرد": بفتح الباء الموحدة وسكون الراء المهملة هو ضد الحرارة "العصائب": بفتح العين العمائم. بذلك فسرها إمام أهل اللغة أبو عبيد سميت بذلك لأن الرأس يعصب بها، فكل ما عصبت به رأسك من عمامة أو منديل أو عصابة فهو عصابة، صرح به ابن الأثير "والتساخين": بفتح التاء والسين المهملة المخففة وكسر الخاء. قال الجوهري: هي الخفاف ولا واحد لها انتهى. قال ابن رسلان في شرحه: يقال أصل ذلك كل ما يسخن به القدم من خف وجورب ونحوهما ولا واحد لها من لفظها، وقيل: واحدها تسخان وتسخين. انتهى. والحديث يدل على أنه يجزي المسح على العمامة. قال الترمذي في جامعه وهو قول واحد من أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم أبو بكر وعمر وأنس وبه يقول الأوزاعي وأحمد وإسحاق، قالوا: يمسح على العمامة قال وسمعت الجارود بن معاذ يقول: سمعت وكيع الجراح يقول: إنْ مَسَحَ على العمامة يجزئه للأثر. انتهى. قلت: وهو قول أبي ثور وداوود ابن علي، ورواه ابن رسلان في شرحه عن أبي أمامة وسعد بن مالك وأبي الدرداء وعمر بن عبدالعزيز
ـــــــ
وحديث جرير ذكره ابن عدي من حديث ياسين بن معاذ الزيات عن ربعي بن حراش عن جرير مرفوعا وياسين متروك عند النسائي والجماعة وحديث عائشة رواه أحمد في مسنده وحديث أم سلمة ذكره الترمذي في كتابه معلقا فقال وفي الباب عن أم سلمة وذكر جماعة من الصحابة

(1/171)


147 - حدثنا أحْمَدُ بنُ صالِحٍ قال حدثنا بنُ وَهْبٍ قال حَدّثَني مُعَاوِيَةُ بنُ صَالحٍ عن عَبْدِالعَزِيزِ بنِ مُسْلِمٍ عن أبي مَعْقِلٍ عن أنَسِ بنِ مَالِكٍ قال: رَأيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَتَوَضّأُ وَعَليْهِ عَمَامَةٌ قِطْرِيّةٌ، فأَدْخَلَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ العِمَامَةِ فَمَسَحَ مُقَدّمَ رَأْسِهِ وَلَمْ يَنْقُضِ الْعِمَامَةَ.
__________
والحسن وقتادة ومكحول، وروى الخلال بإسناده عن عمر أنه قال: من لم يطهره المسح على العمامة فلا طهره الله. وذهب جماعة من العلماء أن المسح على العمامة لا يكفي عن مسح الرأس. قال الترمذي: قال غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين: لا يمسح على العمامة إلا أن يمسح برأسه مع العمامة، وهو قول سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك والشافعي. انتهى. قال الحافظ: وهو مذهب الجمهور.
قلت: أحاديث المسح على العمامة أخرجها البخارى ومسلم والترمذي وأحمد والنسائي وابن ماجه وغير واحد من الأئمة من طرق قوية متصلة الأسانيد، وذهب إليه جماعة من السلف كما عرفت، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح على الرأس فقط، وعلى العمامة فقط، وعلى الرأس والعمامة معاً، والكل صحيح ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم موجود في كتب الأئمة الصحاح، والنبي صلى الله عليه وسلم مبين عن الله تبارك وتعالى فقصر الإجزاء على بعض ماورد لغير موجب ليس من دأب المنصفين بل الحق جواز المسح على العمامة فقط.
"قطرية": بكسر القاف وسكون الطاء المهملة: هو ضرب من البرود فيه حمرة ولها أعلام فيها بعض الخشونة، وقيل حلل جياد تحمل من البحرين من قرية تسمى قطراً، وأحسب أن الثياب القطرية منسوب إليها، فكسر القاف للنسبة. قاله محمد طاهر. واستدل به على التعمم بالحمرة، وهو استدلال صحيح لولا في الحديث ضعف وفيه إبقاء العمامة حال الوضوء، وهو يرد على كثير من الموسوسين ينزعون عمائمهم عند الوضوء، وهو من التعمق المنهى عنه، وكل الخير في الاتباع وكل الشر في الابتداع "ولم ينقض العمامة": أي لم يحلها، وهو تأكيد لقوله: فأدخل يده من تحت العمامة. ومقصود أنس بن مالك رضي الله عنه به النبي صلى الله عليه وسلم لم ينقض عمامته حتى يستوعب
ـــــــ
قال الشيخ شمس الدين ابن القيم قال ابن المدر ويمسح على العمامة لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وقال الجوزجاني روى المسح على العمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم سلمان الفارسي وثوبان وأبو أمامة وأنس بن مالك والمغيرة بن شعبه وأبو موسى وفعله الخليفة الراشد أبو بكر الصديق رضي الله عنه وقال عمر بن

(1/172)


__________
مسح الرأس كله، ولم ينف التكميل على العمامة، وقد أثبته المغيرة بن شعبة وغيره، فسكوت أنس عنه في هذا الحديث لا يدل على نفيه، وبهذا التقرير يوافق الحديث الباب.
ـــــــ
الخطاب من لم يطهره المسح على العمامة فلا طهره الله قال والمسح على العمامة سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ماضية مشهورة عند ذوي القناعة من أهل العلم في الأمصار وحكاه عن ابن أبي شيبة وأبي خيثمة زهير بن حرب وسليمان بن داود الهاشمي مذهبا لهم ورواه أيضا عمرو بن أمية الضمري وبلال فأما حديث سلمان "رأيها رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على الخفين والخمار"

(1/173)


58 باب غسل الرجل
- 148 حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قال حدثنا ابنُ لَهِيعَةَ عن يَزِيدَ بنِ عَمْرٍو عن أبي عَبْدِالرّحْمَنِ الْحُبَلِي عن المُسْتَوْرَدِ بنِ شَدّادٍ قال: رَأيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم إذَا تَوَضّأَ يَدْلُكُ أصَابِعَ رِجْلَيْهِ بِخِنْصَرِهِ.
__________
"باب غسل الرجل"
"يدلك": من باب نصر، وفي رواية ابن ماجه يخلل بدل يدلك. والحديث فيه دليل على غسل الرجلين، لأن الدلك لا يكون إلا بعد الغسل. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة. هذا آخر كلامه. وابن لهيعة يضعف في الحديث. قلت: ابن لهيعة ليس متفرداً بهذه الرواية بل تابعة الليث بن سعد وعمرو بن الحرث أخرجه البيهقي وأبو بشر الدولابي والدارقطني في غرائب مالك من طريق ابن وهب عن الثلاثة وصححه ابن القطان

(1/173)


59 باب المسح على الخفين
- 149 حدثنا أحْمَدُ بنُ صَالحٍ قال حدثنا عَبْدُالله بنُ وَهْبٍ قال أخبرني
__________
"باب المسح على الخفين"
قال النووي: أجمع من يعتد به في الإجماع على جواز المسح على الخفين في السفر والحضر،

(1/173)


60 باب التوقيت في المسح
- 157 حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ قال حدثنا شُعْبَةُ عن الْحَكَمِ وَحَمّادِ عن إبْرَاهِيمَ عن أبي عَبْدِالله الْجَدَلِيّ عن خُزَيْمَةَ بنِ ثَابِتٍ عن النّبي صلى الله عليه وسلم قال: "المَسْحُ عَلَى الْخُفّيْنِ لِلْمُسَافِرِ ثَلاَثَةُ أيّامٍ وَلِلْمُقِيمِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ"
__________
"باب التوقيت في المسح"
"قال المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام وللمقيم يوم وليلة ": هذا الحديث يدل على توقيت المسح بالثلاثة الأيام للمسافر وباليوم والليلة للمقيم قال أبو عيسى الترمذي في جامعه، وهو قول العلماء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن بعدهم من الفقهاء مثل سفيان الثوري وابن المبارك
ـــــــ
قال الحافظ ابن القيم رحمه الله
وقد أعل أبو محمد بن حزم حديث خزيمة هذا بأن قال رواه عنه أبو عبد الله الجدلي صاحب راية الكافر المختار لا يعتمد على روايته وهذا تعليل في غاية الفساد فإن أبا عبد الله الجدلي قد وثقه الأئمة أحمد ويحيى وصحح الترمذي حديثه ولا يعلم أحد من أئمة الحديث طعن فيه وأما كونه صاحب راية المختار فإن المختار ابن أبي عبيد الثقفي إنما أظهر الخروج لأخذه بثأر الحسين بن علي رضي الله عنهما والانتصار له من قتلته وقد طعن أبو محمد بن حزم في أبي الطفيل ورد روايته بكونه كان صاحب راية المختار أيضا مع أن أبا الطفيل كان من الصحابة ولكن لم يكونوا يعلمون ما في نفس المختار وما يسره فرد رواية الصاحب والتابع الثقة بذلك باطل وأيضا فقد روى ابن ماجه هذا الحديث عن علي بن

(1/181)


قال أبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ مَنْصورُ بنُ المُعْتَمِرِ عن إبْرَاهِيمِ التّيْمِيّ بِإسْنَادِهِ قال فيه: وَلَو اسْتَزَدْنَاهُ لَزَادَنَا.
__________
والشافعي وأحمد وإسحاق قالوا: يمسح المقيم يوماً وليلة والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وقد روى عن بعض أهل العلم أنهم لم يوقتوا في المسح على الخفين، وهو قول مالك بن أنس والتوقيت أصح. انتهى. والتوقيت هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه والأوزاعي والحسن بن صالح بن حي وداوود الظاهري وابن جرير الطبري والجمهور. وأما ابتداء مدة المسح فقال الشافعي وأبو حنيفة وكثير من العلماء: إن ابتداء المدة من حين الحدث بعد لبس الخف لا من حين اللبس ولا من حين المسح ونقل عن الأوزاعي وأبي ثور وأحمد أنهمقالوا: إن ابتدائها من وقب اللبس والله أعلم "رواه": أي هذا الحديث "ولو استزدناه لزادنا": قال البيهقي: قال الشافعي: معناه لو سألناه أكثر من ذلك لقال نعم. وفي رواية ابن ماجه من طريق سفيان عن أبيه عن إبراهيم التيمي عن عمرو بن ميمون عن خزيمة بن ثابت قال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسافر ثلاثاً، ولو مضى السائل على مسألته لجعلها خمساً. وقال ابن سيد الناس في شرح الترمذي: لو ثبتت هذه الزيادة لم تقم بها حجة، لأن الزيادة على ذلك التوقيت مظنونة أنهم لو سألوا زادهم، وهذا صريح في أنهم لم يسألوا ولا زيد. فكيف ثبتت زيادة بخبر دل على وقوعها. قال الشوكاني: وغايتها بعد تسليم صحتها أن الصحابي ظن ذلك وأنه ليس بحجة. وقد ورد توقيت المسح بالثلاث واليوم والليلة من طريق جماعة من الصحابة ولم يظنوا ما ظنه خزيمة والله أعلم بالصواب. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وفي لفظ لأبي داوود: ولو استزدناه لزادنا، وفي لفظ لابن ماجه: ولو مضى السائل على مسألته لجعلها خمساً. وذكر الخطابي أن الحكم وحماداً قد روياه عن إبراهيم فلم يذكرا فيه هذا الكلام، ولو ثبت لم يكن فيه حجة لأنه ظن منه وحسبان، والحجة إنما تقوم بقول صاحب الشريعة لا بظن الراوى. وقال البيهقي: وحديث خزيمة بن ثابت إسناده مضطرب، ومع ذلك فما لم يرو لا يصير سنة. هذا آخر كلامه. وقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما سئل عن المسح على الخفين قال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوماً وليلة للمقيم، ولم يذكر هذه الزيادة. انتهى.
ـــــــ
محمد عن وكيع عن سفيان عن أبيه عن إبراهيم التيمي عن عمرو بن ميمون عن خزيمة فهذا عمرو بن ميمون قد تابع أبا عبد الله الجدلي وكلاهما ثقة صدوق وقد قيل إن عمرو بن ميمون رواه أيضا عن أبي عبد الله الجدلي عن خزيمة فإن صح ذلك لم يضره شيئا فلعله سمعه من أبي عبد الله فرواه عنه ثم سمعه من خزيمة فرواه عنه

(1/182)


- 158 حدثنا يَحْيَى بنُ مُعِينٍ حدثنا عَمْرُو بنُ الرّبِيعِ بنِ طَارِقٍ قال أخبرنا يَحْيَى بنُ أيّوبَ عن عَبْدِالرّحْمَنِ بنِ رَزِينٍ عن مُحمّدِ بنِ يَزِيدَ عن أيّوبَ بنِ قَطَنٍ عن أُبَيّ بنِ عِمَارَةَ قال يَحْيَى بنُ أيّوبَ وكَانَ قَدْ صَلّى مَعَ رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم الْقِبْلَتَيْنِ أنّهُ قال: يارسولَ الله أمْسَحُ عَلَى الخُفّيْنِ؟ قال: "نَعَمْ ". قال: يَوْماً؟ قال: " يَوْماً ". قال: "وَيَوْمَيْنِ"؟ قال: " وَيَوْمَيْنِ ". قال: "وَثَلاَثَةً"؟ قال: " نَعَمْ وَمَا شِئْتَ "
قال أبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ ابنُ أبي مَرْيَمَ المِصْرِيّ عن يَحْيَى بنِ أيّوبَ عن عَبْدِالرّحْمَن بنِ رَزِينٍ عن مُحمّدِ بنِ يَزِيدَ بنِ أبي زِيَادٍ عن عُبَادَةَ بنِ نُسِيَ عن أُبَيّ بنِ عَمَارَةَ قال فيه: حَتّى بَلَغَ سَبْعاً قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نَعَمَ مَابَدَا لَكَ "
قال أبُو دَاوُدَ: وَقَدْ اخْتَلَفَ في إسْنَادِهِ وَلَيْسَ هُوَ بِالْقَوِيّ. وَرَوَاهُ ابنُ أبي مَرْيَمَ وَيَحْيَى بنُ إسْحَاقَ السّلَيْحِيّ وَيَحْيَ بنُ أيّوبَ، وَاخْتُلِفَ في إسْنَادِهِ.
__________
"عن محمد بن يزيد": بن أبي زياد الثقفي. قال أبو حاتم مجهول، وصحح الترمذي حديثه، وقال الدارقطني مجهول، وأقر ابن القطان على ذلك "عن أيوب بن قطن": بفتح القاف. وقال الدارقطني: مجهول "عن أبي": مصغراً"ابن عمارة": بكسر العين وفتح الميم المخففة هذا هو المشهور بين المحدثين، ضبطه المنذري والزيلعي وابن حجر وغيرهم. وقيل بضمها، صحابي مشهور "وكان": أبىّ بن عمارة "القبلتين": أي بيت المقدس والكعبة المكرمة. وفي سنن ابن ماجه: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صلى في بيته القبلتين كلتيهما" " نعم وما شئت ": أي أمسح ثلاثة أيام وما شئت، وما بدا لك من أربعة أو خمسة أو ستة أو سبعة أيام وأنت مخير بفعلك ولا توقيت له من الأيام.
"ابن نُسَىّ": بضم النون وفتح السين المهملة وتشديد الياء التحتانية " ما بدا لك ": من بدا يبدو، أي ما ظهر لك في أمر المسح فامسح عليهما إلى أية مدة شئت. ولفظ ابن ماجه "أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أمسح على الخفين؟ قال: نعم. قال: يوماً ويومين. قال: وثلاثاً حتى بلغ سبعاً. قال له وما بدا لك" "وقد اختلف": على يحيى بن أيوب "في إسناده": أي في إسناد يحيى لهذا الحديث "وليس هو بالقوى": أي مع كون يحيى غير قوى في الحديث اختلف رواته عليه، فبعضهم روى عنه من وجه، وبعضهم من وجه آخر، ويحتمل أن اسم ليس هو يرجع إلى الحديث، أي مع كون يحيى بن أيوب قد اختلف عليه أن الحديث ليس بقوى لجهالة رواته. أخرج ابن ماجه عن حرملة ابن يحيى وعمرو بن سواد المصريين قالا حدثنا عبد الله "بن" وهب أنبأنا يحيى ابن أيوب عن

(1/183)


...........................
__________
عبدالرحمن بن رزين عن محمد ين يزيد بن أبي زياد عن أيوب ابن قطن عن عبادة بن نسىّ عن أبيّ بن عمارة.
قال الحافظ ابن عساكر في الأطراف، وكذا الحافظ جمال الدين المزي في تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف: رواه سعيد بن كثير بن عفير عن يحيى بن أيوب مثل رواية ابن وهب، ورواه يحيى بن إسحاق السيلحيني عن يحيى بن أيوب واختلف عليه. فقيل عنه مثل رواية عمرو بن الربيع، وقيل عنه عن يحيى بن أيوب عن عبدالرحمن بن رزين الغافقي عن محمد بن يزيد بن أبي زياد عن أيوب بن قطن الكندي عن عبادة الأنصاري قال: قال رجل يارسول الله فذكره. ورواه إسحاق بن الفرات عن يحيى بن أيوب عن وهب بن قطن عن أبيّ. انتهى كلام المزى ورواه الدارقطني في سننه بسند أبي داوود وقال هذا إسناد لا يثبت.
وقد اختلف فيه على يحيى بن أيوب اختلافاً كثيراً، وعبدالرحمن ومحمد ابن يزيد وأيوب بن قطن مجهولون. قال ابن القطان: والاختلاف الذي أشار إليه أبو داوود والدارقطني هو أن يحيى بن أيوب رواه عن عبدالرحمن بن رزين عن محمد بن يزيد عن عبادة بن نسى عن أبيّ بن عمارة. فهذا قول ثان. ويروى عنه عن عبدالرحمن بن رزين عن محمد بن يزيد عن أيوب بن قطن عن عبادة ابن نسي عن أبيّ بن عمارة. فهذا قول ثالث. ويروى عنه كذلك مرسلاً لا يذكر فيه أبيّ بن عمارة، فهذا ثالث قول. انتهى.
قال الشيخ تقى الدين قال أبو زرعة: سمعت أحمد بن حنبل يقول: حديث أبيّ بن عمارة ليس بمعروف الإسناد. انتهى. وكذا ضعفه البخاري فيما نقل عنه البيهقي في المعرفة. وقال أبو الفتح الأزدي: هو حديث ليس بالقائم. وقال ابن عبدالبر: لا يثبت وليس له إسناد قائم. ونقل النووي في شرح المهذب اتفاق الأئمة على ضعفه. وقال الحافظ ابن حجر: وبالغ الجوزقاني فذكره في الموضوعات. قال الشوكاني: وبه أي بعدم التوقيت قال مالك والليث إنه لا وقت للمسح على الخفين، ومن لبس خفيه وهو طاهر مسح ما بدا له، والمسافر والمقيم في ذلك سواء. وروى مثل ذلك عن عمر بن الخطاب وعقبة بن عامر وعبد الله بن عمر والحسن البصري. انتهى.
ـــــــ
قال الشيخ الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله
وقد اختلف فيه على يحيى بن أيوب اختلافا كثيرا وعبدالرحمن ومحمد بن يزيد وأيوب بن قطن مجهولون كلهم وقد أخرجه الحاكم في المستدرك من طريق يحيى بن عثمان بن صالح ويحيى بن معين كلاهما عن عمرو بن الربيع بن طارق أخبرنا محمد بن أيوب عن عبدالرحمن بن رزين عن محمد بن

(1/184)


قلت: وهو القول القديم للشافعي كما صرح به البيهقي في المعرفة، لكن الصحيح ما قاله أهل المذهب الأول وهو التوقيت. وأما الدلائل لأهل المذهب الثاني فليس فيها ما يشفي الغليل، إن كان فيها حديث مرفوع فليس إسناده صحيحاً وما فيه صحيح فليس صريحاً في المقصود، بل هو محمول على مدة الثلاث، وإن كان آثاراً فلا تستطيع المعارضة بالأحاديث المرفوعة الصحيحة الصريحة. والله أعلم.
ـــــــ
يزيد بن أبي زياد قال يحيى شيخ من أهل مصر عن عبادة بن نسى الحديث قال الحاكم هذا إسناد مصري لم ينسب واحد منهم إلى جرح وهذا مذهب مالك ولم يخرجاه والعجب من الحاكم كيف يكون هذا مستدركا على الصحيحين ورواته لا يعرفون بجرح ولا بتعديل والله أعلم

(1/185)


61 باب المسح على الجوربين
- 159 حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ عن وَكِيعٍ عن سُفْيَانَ الثّوْرِيّ عن أبي قَيْسٍ
__________
"باب المسح على الجوربين"
بفتح الجيم تثنية الجورب. قال في القاموس: الجورب لفافة الرجل. وفي الصحاح: الجورب معرب والجمع الجواربة والهاء للعجمة، ويقال الجوارب أيضاً انتهى. قال الطيبي: الجورب لفافة الجلد وهو خف معروف من نحو الساق. قال أبو بكر بن العربي في عارضة الأحوذي: الجورب غشاء للقدم من صوف يتخذ للدفاء وهو التسخان. ومثله في قوة المغتذي للسيوطي. وقال القاضي الشوكاني في شرح المنتقي: الخف نعل من أدم يغطي الكعبين. والجرموق أكبر منه يلبس فوقه، والجورب أكبر من الجرموق. وقال الشيخ عبدالحق الدهلوي في اللمعات: الجورب خف يلبس على الخف إلى الكعب للبرد ولصيانة الخف الأسفل من الدرن والغسالة. وقال في شرح كتاب الخرقي: الجرموق خف واسع يلبس فوق الخف في البلاد الباردة. وقال المطرزي: الموق خف قصير يلبس فوق الخف. انتهى كلام الشيخ وقال العلامة العينى من الأئمة الحنفية: الجورب هو الذي يلبسه أهل البلاد الشامية الشديدة البرد، وهو يتخذ من غزل الصوف المفتول يلبس في القدم إلى ما فوق الكعب. انتهى. وقد ذكر نجم الدين الزاهدي عن إمام الحنفية شمس الأئمة الحلواني أن الجورب خمسة أنواع: من المرعِزّى ومن الغزل والشعر والجلد الرقيق والكرباس. قال وذكر التفاصيل في الأربعة من الثخين والرقيق والمنعل وغير المنعل والمبطن وغير المبطن وأما الخامسة فلا يجوز المسح عليه. انتهى.

(1/185)


الأوْدِيّ هُوَ عَبْدُالرّحْمَنِ بنُ ثَرْوَانَ عن هُزَيْلِ بنِ شُرَحْبِيلَ عن المُغَيْرَةِ بنِ شُعْبَةَ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم تَوَضّأَ وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنّعْلَيْنِ.
قال أبُو دَاوُدَ: كان عَبْدُالرّحْمَنِ بنُ مَهْدِيَ لا يُحَدّثُ بِهَذَ الْحَدِيثِ لاِءَنّ المَعْرُوفَ عن المُغَيرَةِ أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم مَسَحَ عَلَى الخُفّيْنِ.
__________
فعلم من هذه الأقوال أن الجورب هو نوع من الخف إلا أنه أكبر منه، فبعضهم يقول: هو إلى نحو الساق، وبعضهم يقول: هو خف يلبس على الخف إلى الكعب، ثم اختلفوا فيه: هل هو من جلد وأديم، أو ما هو أعم منه من صوف وقطن. ففسره صاحب القاموس بلفافة الرجل. وهذا التفسير بعمومه يدل على لفافة الرجل من الجلد والصوف والقطن. وأما الطيبي والشوكاني فقيداه بالجلد. وهذا مآل كلام الشيخ الدهلوي أيضاً. وأما الإمام أبو بكر بن العربي ثم العلامة العيني فصرحا بكونه من صوف. وأما شمس الأئمة الحلواني فقسمه إلى خمسة أنواع. فهذا الاختلاف والله أعلم. إما لأن أهل اللغة احتلفوا في تفسيره وإما لكون الجورب مختلف الهيئة والصنعة في البلاد المتفرقة، ففي بعض الأماكن كان يتخذ من أديم، وفي بعضها من كل الأنواع، فكل من فسره إنما فسره على هيئة بلاده، ومنهم من فسره بكل ما يوجد في البلاد بأي نوع كان
"والنعلين": قال مجد الدين الفيروز آبادي في القاموس: النعل ما وقيت به القدم من الأرض كالنعلة مؤنثة وجمعه نعال بالكسر. وقال ابن حجر المكي في شرح شمائل الترمذي: وأفرد المؤلف أي الترمذي الخف عنها بباب لتغايرهما عرفاً بل لغة إن جعلنا من الأرض قيداً في النعل. قال الشيخ أحمد الشهير بالمقرى في رسالته المسماة بفتح المتعال في مدح خير النعال: إن ظاهر كلام صاحب القاموس وبعض أئمة اللغة أنه قيد فيه، وقد صرح بالقيدية ملاّ عصام الدين فإنه قال: ولا يدخل فيه الخف لأنه ليس مما وقيت به القدم من الأرض. انتهى. ومعناه أن النعلين لبسهما فوق الجوربين كما قاله الخطابي. فمسح على الجوربين والنعلين معاً، فلا يستدل به على جواز مسح النعلين فقط. قال الطحاوي: مسح على نعلين تحتهما جوربان، وكان قاصداً بمسحه ذلك إلى جوربيه لا إلى نعليه وجورباه مما لو كانا عليه بلا نعلين جاز له أن يمسح عليهما، فكان مسحه ذلك
ـــــــ
قال الشيخ الحافظ شمس الدين بن القيم
وقال النسائي ما نعلم أن أحدا تابع هزيلا على هذه الرواية والصحيح عن المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين وقال البيهقي قال أبو محمد يعني يحيى بن منصور رأيت مسلم بن الحجاج ضعف هذا الخبر وقال أبو قيس الأدوي وهزيل بن شرحبيل لا يحتملان هذا مع مخالفتهما

(1/186)


.........................
__________
مسحاً أراد به الجوربين، فأتى ذلك على الجوربين والنعلين، فكان مسحه على الجوربين هو الذي تطهر به ومسحه على النعلين فضل. انتهى كلامه.
وهذه المسألة اختلف فيها العلماء، فالإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه والثوري وعبد الله بن المبارك ومحمد بن الحسن وأبو يوسف ذهبوا إلى جواز مسح الجوربين سواء كانا مجلدين أو منعلين أو لم يكونا بهذا الوصف بل يكونان ثخينين فقط بغير نعل بلا تجليد، وبه قال أبو حنيفة في أحد الروايات عنه، واضطربت أقوال علماء الشافعية في هذا الباب وأنت خبير أن الجورب يتخذ من الأديم، وكذا من الصوف وكذا من القطن، ويقال لكل من هذا إنه جورب. ومن المعلوم أن هذه الرخصة بهذا العموم التي ذهبت إليها تلك الجماعة لا تثبت إلا بعد أن يثبت أن الجوربين الذين مسح عليهما النبي صلى الله عليه وسلم كانا من صوف سواء كانا منعلين أو ثخينين فقط ولم يثبت هذا قط. فمن أين علم جواز المسح على الجوربين غير المجلدين، بل يقال إن المسح يتعين على الجوربين المجلدين لا غيرهما، لأنهما في معنى الخف، والخف لا يكون إلا من الأديم. نعم لو كان الحديث قولياً بأن قال النبي صلى الله عليه وسلم: امسحوا على الجوربين لكان يمكن الاستدلال بعمومه على
ـــــــ
جملة الذين رووا هذا الخبر عن المغيرة فقالوا مسح على الخفين وقال لا يترك ظاهر القرآن بمثل أبي قيس وهزيل قال فذكرت هذه الحكاية عن مسلم لأبي العباس الدغولي فسمعته يقول سمعت علي بن مخلد بن سنان يقول سمعت أبا قدامة السرخسي يقول قال عبدالرحمن بن مهدي قلت لسفيان الثوري لو رجل حدثني بحديث أبي قيس عن هزيل ما قبلته منه فقال سفيان الحديث ضعيف أو واه أو كلمة نحوها وقال عبد الله بن أحمد حدثت أبي بهذا الحديث فقال أبي ليس يروي هذا إلا من حديث أبي قيس قال أبي أبي عبدالرحمن بن مهدي أن يحدث به يقول هو منكر وقال ابن البراء قال علي بن المديني حديث المغيرة بن شعبة في المسح رواه عن المغيرة أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل البصرة ورواه هزيل بن شرحبيل عن المغيرة إلا أنه قال ومسح على الجوربين وخالف الناس وقال الفضل بن عتبان سألت يحيى بن معين عن هذا الحديث فقال الناس كلهم يروونه على الخفين غير أبي قيس قال ابن المنذر روى المسح على الجوربين عن تسعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم علي وعمار وأبي مسعود الأنصاري وأنس وابن عمر والبراء وبلال وعبد الله بن أبي أوفى وسهل بن سعد وزاد أبو داود وأبو أمامه وعمرو بن حريث وعمر وابن عباس فهؤلاء ثلاثة عشر صحابيا والعمدة في الجواز على هؤلاء رضي الله عنهم لا على حديث أبي قيس مع أن المنازعين في المسح متناقضون فإنهم لو كان هذا الحديث من جانبهم لقالوا هذه زيادة والزيادة من الثقة مقبولة ولا يلتفتون إلى ما ذكروه ههنا من تفرد أبي قيس فإذا كان الحديث مخالفا لهم أعلوه بتفرد راويه ولم يقولوا زيادة الثقة مقبولة كما هو

(1/187)


قال أبُو دَاوُدَ: وَرُوِيَ هَذَ أيْضاً عن أبي مُوسَى الأشْعَرِيّ عن النّبي صلى الله عليه وسلم أنّهُ مَسَحَ عَلَى الجَوْرَبَيْنِ وَلَيْسَ بالمُتّصِلِ ولا بالْقَوِيّ.
__________
كل أنواع الجورب، وإذ ليس فليس. فإن قلت: لما كان الجورب من الصوف أيضاً احتمل أن الجوربين الذين مسح عليهما النبي صلى الله عليه وسلم كانا من صوف أو قطن إذا لم يبين الراوي، قلت: نعم الاحتمال في كل جانب سواء يحتمل كونهما من صوف وكذا من أديم وكذا من قطن، لكن ترجح الجانب الواحد وهو كونه من أديم، لأنه يكون حينئذ في معنى الخف، ويجوز المسح عليه قطعاً، وأما المسح على غير الأديم فثبت بالاحتمالات التي لم تطمئن النفس بها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" أخرجه أحمد في مسنده والنسائي عن الحسن بن على وغير واحد من الأئمة وهو حديث صحيح. نعم أخرج عبدالرزاق في مصنفه أخبرنا الثوري عن منصور عن خالد بن سعد قال: كان أبو مسعود الأنصاري يمسح على الجوربين له من شعر ونعليه وسنده صحيح والله أعلم وعلمه أتم. قال في غاية المقصود بعدما أطال الكلام: هذا ما فهمت ومن كان عنده علم بهذا من السنة فكلامه أحق بالاتباع. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. "وروى هذا أيضاً": الحديث أخرجه ابن ماجه ولفظه: حدثنا محمد بن يحيى حدثنا معلى بن منصور وبشر بن آدم قالا حدثنا عيسى بن يونس عن عيسى بن سنان عن الضحاك بن عبدالرحمن بن عرزب عن أبي موسى الأشعري: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على الجوربين والنعلين" قال المعلى في حديثه لا أعلمه إلا قال والنعلين "وليس بالمتصل": لأن الضحاك بن عبدالرحمن لم يثبت سماعه من أبي موسى، وعيسى بن سنان ضعيف لا يحتج به قاله البيهقي. المتصل ما سلم إسناده من سقوط في أوله أو آخره أو وسطه بحيث يكون كل من رجاله سمع ذلك المروي من شيخه "ولا بالقوى": أي الحديث مع كونه غير متصل ليس بقوي من جهة ضعف راويه وهو أبو سنان عيسى بن سنان. قال الذهبي: ضعفه أحمد وابن معين وهو مما يكتب حديثه على لينه وقواه بعضهم يسيراً. وقال العجلي: لابأس به. وقال أبو حاتم: ليس بقوي. انتهى وكذا ضعفه العقيلي والبيهقي.
ـــــــ
موجود في تصرفاتهم والإنصاف أن تكتال لمنازعك بالصاع الذي تكتال به لنفسك فإن في كل شيء وفاء وتطفيفا ونحن لا نرضي هذه الطريقة ولا نعتمد على حديث أبي قيس وقد نص أحمد على جواز المسح على الجوربين وعلل رواية أبي قيس وهذا من إنصافه وعدله رحمه الله وإنما عمدته هؤلاء الصحابة وصريح القياس فإنه لا يظهر بين الجوربين والخفين فرق مؤثر يصح أن يحال الحكم عليه

(1/188)


قال أبُو دَاوُدَ: وَمَسَحَ عَلَى الجَوْرَبَيْنِ عَلِيّ بنُ أبي طَالِبٍ وَابنُ مَسْعُودٍ وَالْبَرَاءُ بنُ عَازِبٍ وَأنَسُ بنُ مَالِكٍ وَأبُو أُمَامَةَ وَسَهْلُ بنُ سَعْدٍ وَعَمْرُو بن حُرَيْثٍ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عن عُمَرَ بنِ الْخَطّابِ وَابنِ عَبّاسٍ.
__________
"ومسح على الجوربين علي بن أبي طالب": أخرج عبدالرزاق في مصنفه: أخبرني الثوري عن الزيرقان عن كعب بن عبد الله قال: رأيت علياً بال فمسح على جوربيه ونعليه ثم قام يصلي "وابن مسعود": أخرج عبدالرزاق في مصنفه: أخبرنا معمر عن الأعمش عن إبراهيم أن ابن مسعود كان يمسح على خفيه ويمسح على جوربيه "والبراء بن عازب": أخرج عبدالرزاق في مصنفه: أخبرنا الثوري عن الأعمش عن إسماعيل بن رجاء عن أبيه قال: رأيت البراء بن عازب يمسح على جوربيه ونعليه "وأنس بن مالك": أخرج عبدالرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة عن أنس بن مالك أنه كان يمسح على الجوربين "وأبو أمامة وسهل بن سعد وعمرو بن حريث": لم أقف على روايات هؤلاء الثلاثة "وروى ذلك": أي المسح على الجوربين "عن عمر بن الخطاب وابن عباس": لم أقف على روايتهما أيضاً
ـــــــ
والمسح عليهما قول أكثر أهل العلم منهم من سمينا من الصحابة وأحمد وإسحاق بن راهويه وعبد الله بن المبارك وسفيان الثوري وعطاء بن أبي رباح والحسن البصري وسعيد بن المسيب وأبو يوسف ولا نعرف في الصحابة مخالفا لمن سمينا.
وأما حديث أبي موسى الذي أشار إليه أبو داود فرواه البيهقي من حديث عيسى بن يونس عن أبي سنان عيسى بن سنان عن الضحاك بن عبدالرحمن عن أبي موسى قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على الجوربين والنعلين وهذا الحديث له علتان ذكرهما البيهقي إحداهما أن الضحاك بن عبدالرحمن لم يثبت سماعه من أبي موسى والثانية أن عيسى بن سنان ضعيف قال البيهقي وتأول الأستاذ أبو الوليد حديث المسح على الجوربين والنعلين على أنه مسح على جوربين منعلين لا أنه جورب على الانفراد ونعل على الإنفراد.
قلت هذا مبني على أنه يستحب مسح أعلى الخف وأسفله والبيان في ذلك "1" والظاهر أنه مسح على الجوربين الملبوس عليهما نعلان منفصلان هذا المفهوم منه فإنه فصل بينهما وجعلهما سنتين ولو كانا جوربين منعلين لقال مسح على الجوربين المنعلين وأيضا فإن الجلد الذي في أسفل الجورب لا يسمى

(1/189)


ـــــــ
علا في لغة العرب ولا أطلق عليه أحد هذا الإسم وأيضا فالمنقول عن عمر بن الخطاب في ذلك أنه مسح على سيور النعل التي على ظاهر القدم مع الجورب فأما أسفله وعقبه فلا.
وفيه وجه آخر أنه يمسح على الجورب وأسفل النعل وعقبة والوجهان ولأصحاب أحمد وأيضا فإن تجليد أسافل الجوربين لا يخرجهما عن كونهما جوربين ولا يؤثر اشتراط ذلك في المسح وأي فرق بين أن يكونا مجلدين أو غير مجلدين.
وقول مسلم رحمه الله لا يترك ظاهر القرآن بمثل أبي قيس وهزيل جوابه من وجهين أحدهما أن ظاهر القرآن لا ينفي المسح على الجوربين إلا كما ينفي المسح على الخفين وما كان الجواب عن مورد الإجماع فهو الجواب في مسألة النزاع الثاني أن الذين سمعوا القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم وعرفوا تأويله مسحوا على الجوربين وهم أعلم الأمة بظاهر القرآن ومراد الله منه والله أعلم

(1/190)


-62 باب
- 160 حدثنا مُسَدّدٌ وَ عَبّادُ بنُ مُوسَى قالا أخبرنا هُشَيْمٌ عن يَعْلَى بنِ عَطَاءٍ عن أبِيهِ قال عَبّادٌ قال أخبرني أوْسُ بنُ أبي أوْسٍ الثّقَفِيّ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم تَوَضّأَ أوْ مَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ وَقَدَمَيْهِ. وقال عَبّادٌ: رَأيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أتَى عَلَى كِظَامَةِ قَوْمٍ يَعْنَي المِيضَأَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ مُسَدّدٌ المِيضَأَةَ وَالْكَظَامَةَ، ثُمّ اتّفَقَا: فَتَوَضّأَ وَمَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ وَقَدَمِيْهِ.
__________
"باب"
كذا في أكثر النسخ، وهكذا في مختصر المنذري، وليس في بعض النسخ لفظ الباب
"أتى على كظامة قوم": بكسر الكاف وفتح الظاء المخففة. قال ابن الأثير في النهاية: هي كالقناة وجمعها كظائم، وهي آبار تحفر في الأرض متناسقة ويخرق بعضها إلى بعض تحت الأرض فيجتمع مياهها جارية ثم يخرج عند منتهاها فيسيح على وجه الأرض، وقيل هي السقاية. انتهى. وقال ابن الأثير في جامع الأصول: هي آبار تحفر ويباعد ما بينها ثم يحفر ما بين كل بئرين بقناة يؤدي الماء من الأولى إلى ما يليها حتى يجتمع الماء إلى آخرهن ويبقى في كل بئر ما يحتاج إليه أهلها. هكذا شرحه الأزهري. وقد جاء في لفظ الحديث أنها الميضأة. انتهى. وفي القاموس: الكظامة بئر جنب بينهما مجرى في بطن الأرض، كالكظيمة والكظيمة المزادة "يعني الميضأة": وهي إناء التوضي، وهذا التفسير لأحد من الرواة ما فوق مسدد وعباد، وإنما فسر كظامة بالميضأة لأنها تطلق على السقاية والمزادة أيضاً، فبهذا الاعتبار فسرها بالميضأة "ثم اتفقا": أي عباد بن

(1/190)


ـــــــ
موسى ومسدد في بقية ألفاظ الحديث، وغرضه أن مسدداً وعباد بن موسى قد اختلفا في هذا الحديث في ثلاثة مواضع: الأول في لفظ أخبرني أوس فقال عباد أخبرني بصيغة الإخبار ولم يقل به مسدد، والثاني في سياق روايتهما للحديث، فقال عباد: رأيت رسول الله وقال مسدد: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم والثالث زيادة لفظ أتى على كظامة قوم يعنى الميضأة فهي مذكورة في رواية عباد بن موسى دون مسدد عن أوس بن أبي الثقفي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على نعليه وقدميه، ولفظ عباد: أخبرني أوس بن أبي أوس الثققي: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني على كظامة قوم يعني الميضأة فتوضأ ومسح على نعليه وقدميه "على نعليه وقدميه": قال ابن رسلان: هذه الرواية محمولة على الرواية التي قبلها أنه مسح على الجوربين والنعلين ولعل المراد ههنا بالمسح على القدمين المسح على الجوربين. قال ابن قدامة: والظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما مسح على سيور النعل التي على ظاهر القدم، فعلى هذا المراد مسح على سيور نعليه، وظاهر الجوربين اللتين فيهما قدماه. انتهى كلام ابن رسلان. وتحقيق المسح على النعلين قد تقدم في باب الوضوء مرتين تحت حديث ابن عباس فليرجع إليه. وحديث أوس بن أبي أوس فيه اضطراب سنداً ومتناً. وقال الحافظ بن عبدالبر: ولأوس بن حذيفة أحاديث منها المسح على القدمين في إسناده ضعف. والله أعلم

(1/191)


63 باب كيف المسح
- 161 حدثنا مُحمّدُ بنُ الصّبّاحِ الْبَزّازُ قال حدثنا عَبْدُالرّحْمَنِ بنُ أبي الزّنَادِ قال ذَكَرَهُ أبي عن عُرْوَةَ بنِ الزّبَيْرِ عن المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يَمْسَحُ عَلَى الخُفّيْنِ. وقال غيرُ مُحمّدٍ: مَسَحَ عَلَى ظَهْرِ الخُفّيْنِ.
- 162 حدثنا مُحمّدُ بنُ الْعَلاَءِ قال حدثنا حَفْصٌ يَعْني ابنَ غَيّاثٍ عن
__________
"باب كيف...الخ"
أي هذا باب في كيفية المسح
"على الخفين": لم يذكر محمد بن الصباح أن المسح كان أعلى الخف أو أسفله "وقال غير محمد": بن الصباح وهو علي بن حجر فيما روي عنه الترمذي، ولفظ الترمذي: حدثنا علي بن حجر أخبرنا عبدالرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن عروة بن الزبير عن المغيرة بن شعبة قال "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفين على ظاهرهما" وقال حديث حسن. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال حديث حسن.

(1/191)


الأعمَشِ عن أبي إسْحَاقَ عن عَبْدِ خَيْرٍ عن عَلِيَ قال: لَوْ كان الدّينُ بالرّأْيِ لَكَانَ أسْفَلُ الْخُفّ أوْلَى بالمَسْحِ مِنْ أعْلاَه، وَقَدْ رَأيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفّيْهِ.
- 163 حدثنا مُحمّدُ بنُ رَافعٍ قال حدثنا يَحْيَى بنُ آدَمَ قال أخبرنا يَزِيدُ بنُ عَبْدِالْعَزِيزِ عن الأعمَشِ بإسْنَادِهِ بِهَذَ الحَدِيثِ قال: مَا كُنْتُ أُرَى بَاطِنَ الْقَدَمَيْنِ إلاّ أحَقّ بالْغَسْلِ حَتّى رَأيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَمْسَحُ عَلَى ظَهْرِ خُفّيْهِ. وَرَوَاهُ وَكِيعٌ عن الأعمَشِ بإسْنَادِهِ قال: كُنْتُ أرَى أنّ بَاطِنَ الْقَدَمَيْنِ أحَقّ بالمَسْحِ مِنْ ظَاهِرِهِمَا حَتّى رَأيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَمْسَحُ ظَاهِرَهُمَا قال وَكِيعٌ: يَعْني الخُفّيْنِ. وَرَوَاهُ عِيسَى بنُ يُونُسَ عن الأعْمَشِ. كَمَا رَوَاهُ وَكِيعٌ. وَرَوَاهُ أبُو السّوْداءِ عن ابنِ عَبْدِ خَيْرٍ عن أبِيهِ قال: رَأيْتُ عَلِياّ تَوَضّأَ فَغَسَلَ ظَاهِرَ قَدَمَيْهِ وقال لَوْلا أنّي رَأيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَفْعَلُهُ وَسَاقَ الحَدِيثَ.
__________
"بالرأي": أي بالقياس وملاحظة المعاني "لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه": أي ما تحت القدمين أولى بالمسح من الذي هو أعلاهما لأن أسفل الخف هو الذي يباشر المشي ويقع على ما تنبغي إزالته، بخلاف أعلاه وهو ما على ظهر القدم "يمسح على ظاهر خفيه": فلا يعتبر ولا يعبأ بالقياس والرأي الذي هو على خلاف فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن ورد في حديث رجاء بن حيوة عن وراد عن المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح أعلى الخف وأسفله وإسناده ضعيف، وسيجيء بيانه. وحديث علي من طريق حفص بن غياث أخرجه الدارقطني من وجهين. قال الحافظ ابن حجر في التلخيص: حديث عليّ أخرجه أبو داوود وإسناده صحيح. وقال في بلوغ المرام: إسناده حسن.
"بإسناده": أي عن أبي إسحاق عن عبد خير عن علي "بهذا الحديث": الآتي وهو هذا "قال": على "ما كنت أُرى": بضم الهمزة، أي أظنه، وبفتح الهمزة، أي أعلمه "على ظهر خفيه": فعلمت أن ظهر الخفين مستحق للمسح لا باطنهما "بإسناده": المذكور من أبي إسحاق إلى عليّ رضي الله عنه "قال وكيع يعني الخفين": أي قال وكيع إن المراد بالقدمين الخفين "وساق الحديث": وأعلم أن الحديث هكذا معلقاً في رواية اللؤلؤي وأما في رواية أبي بكر بن داسة فموصول وهذه عبارته: حدثنا حامد بن يحيى أخبرنا سفيان عن أبي السوداء عن ابن عبد خير عن أبيه قال: رأيت علياً توضأ.. الحديث. قال الشيخ الأجل ولي الله المحدث الدهلوي في المسوى شرح الموطا قال الشافعي: مسح أعلى الخف فرض ومسح أسفله سنة. وقال أبو حنيفة: لا يمسح إلا الأعلى.

(1/192)


- 164 حدثنا مُوسَى بنُ مَرْوَانَ وَ مَحْمُودُ بنُ خَالِدٍ الدّمَشْقِيّ المَعْني قالا حدثنا الْوَلِيدُ قال مَحمُودٌ قال أخبرنا ثَوْرُ بنُ يَزِيدَ عن رَجَاءِ بنِ حَيْوَةَ عن كَاتِبِ المُغِيرَةِ بنِ
__________
وقال في المصفي شرح الموطا: حديث علي رضي الله عنه يرجح قول عروة وهو المختار عندي. انتهى. وقال الشيخ سلام الله في المحلى شرح الموطا: وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد. وصورة المسح أن يضع أصابع اليمنى على مقدم خفه وأصابع اليسرى على مقدم الأيسر ويمدهما إلى الساق فوق الكعبين ويفرج أصابعه. وفي الباب عن جابر قال "مر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل يتوضأ ويغسل خفيه برجليه فقال بيده كأنه دفعه: إنما أمرت بالمسح "وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده: هكذا من أطراف الأصابع إلى أصل الساق خطوطاً بالأصابع" أخرجه ابن ماجه في سننه وقال تفرد به بقية. انتهى. ويجيء في شرح الحديث الآتي مذاهب باقي العلماء، وهناك تعرف وجه التوفيق بين الأحاديث. والله أعلم.
"حدثنا الوليد": بن مسلم أبو العباس الدمشقي عالم الشام، قال الحافظ: هو مشهور متفق على توثيقه في نفسه، وإنما عابوا عليه كثرة التدليس والتسوية.قال الدارقطني: كان الوليد يروي عن الأوزاعي أحاديث عنده عن شيوخ ضعفاء عن شيوخ ثقات قد أدركهم الأوزاعي، فيُسقط الوليدُ الضعفاءَ ويجعلها عن الأوزاعي عن الثقات. انتهى "عن كاتب المغيرة": واسم كاتب المغيرة ورّاد كما وقع التصريح بذلك في رواية ابن ماجه. وأما قول البيهقي في المعرفة: وضعّف الشافعي في القديم حديث المغيرة بأن لم يسم رجاء بن حيوة كاتب المغيرة بن شعبة. وكذا قول ابن
ـــــــ
قال الشيخ شمس الدين بن القيم :
قال إبراهيم حديث المغيرة هذا قد ذكر له أربع علل:
إحداهما أن ثور بن يزيد لم يسمعه من رجاء بن حيوة بل قال حدثت عن رجاء قال عبد الله بن أحمد في كتاب العلل حدثنا أبي قال وقال عبدالرحمن بن مهدي عن عبد الله بن المبارك عن ثور بن يزيد قال حدثت عن رجاء بن حيوية عن كاتب المغيرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح أعلى الخفين وأسفلهما.
العلة الثانية أنه مرسل قال الترمذي سألت أبا زرعة ومحمدا عن هذا الحديث فقالا ليس بصحيح لأن ابن المبارك روى هذا عن ثور عن رجاء قال حدثت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
العلة الثالثة أن الوليد بن مسلم لم يصرح فيه بالسماع من ثور بن يزيد بل قال فيه عن ثور والوليد مدلس فلا يحتج بعنعنته ما لم يصرح بالسماع

(1/193)


شُعْبَةَ عن المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ قال: وَضّأْتُ النّبي صلى الله عليه وسلم في غَزْوَةِ تَبُوكَ فَمَسَحَ عَلَى الْخُفّيْنِ وَأَسْفَلِهِمَا.
__________
حزم: أن كاتب المغيرة لم يسم فيه فهو مجهول فيندفع بما بيناه من التصريح "فمسح على الخفين وأسفلهما": دل هذا الحديث على أن محل المسح أعلى الخف وأسفله، وحديث علي والحديث الأول لمغيرة بن شعبة يدلان على أن المسح المشروع هو مسح ظاهر الخف دون باطنه. قال الشوكاني: وإليه ذهب الثوري وأبو حنيفة والأوزاعي وأحمد بن حنبل، وذهب مالك والشافعي وأصحابهما والزهري وابن المبارك، وروى عن سعد بن أبي وقاص وعمر بن عبدالعزيز إلى أنه يمسح ظهورهما وبطونهما. قال مالك والشافعي: إنْ مَسَح ظهورهما دون بطونهما أجزأه. قال مالك: مَنْ مَسَح باطن الخفين دون ظاهرهما لم يجزه وكان عليه الإعادة في الوقت وبعده، وروى عنه غير ذلك والمشهور عن الشافعي إنْ مَسَح ظهورهما واقتصر على ذلك أجزأه، ومَنْ مسح باطنهما دون ظاهرهما لم يجزه وليس بماسح. وقال ابن شهاب وهو قول للشافعي: إن مسح بطونهما ولم يمسح ظهورهما أجزأه. والواجب عند أبي حنيفة مسح قدر ثلاث أصابع من أصابع اليد، وعند أحمد أكثر الخف، وروى عن الشافعي أن الواجب ما يسمى مسحاً. وأما الحديث الثاني للمغيرة وحديث علي فليس بين حديثيهما تعارض، غاية الأمر أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح تارة على باطن الخف وظاهره، وتارة اقتصر على ظاهره، ولم يرو عنه ما يقتضي المنع من أحد الصفتين فكان جميع ذلك جائزاً وسنة، والله أعلم، انتهى كلام الشوكاني.
قلت: الحديث الثاني للمغيرة قد ضعفه الأئمة الكبار: البخاري وأبو زرعة وأبو داوود
ـــــــ
العلة الرابعة أن كاتب المغيرة لم يسم فيه فهو مجهول ذكر أبو محمد بن حزم هذه العلة وفي هذه العلل نظر.
أما العلتان الأولى والثانية وهما أن ثورا لم يسمعه من رجاء وأنه مرسل فقد قال الدارقطني في سننه حدثنا عبد الله بن محمد بن عبدالعزيز حدثنا داود بن رشيد حدثنا الوليد بن مسلم عن ثور بن يزيد قال حدثنا رجاء بن حيوة عن كاتب المغيرة بن شعبة عن المغيرة فذكره فقد صرح في هذه الرواية بالتحديث وبالاتصال فانتفى الإرسال عنه.
وأما العلة الثالثة وهي تدليس الوليد وأنه لم يصرح بسماعه فقد رواه أبو داود عن محمود بن خالد الدمشقي حدثنا الوليد حدثنا ثور بن يزيد فقد أمن تدليس الوليد في هذا.
وأما العلة الرابعة وهي جهالة كاتب المغيرة فقد رواه ابن ماجه في سننه وقال عن رجاء بن حيوة عن

(1/194)


قال أبُو دَاوُدَ: وَبَلَغَنِي أنّهُ لَمْ يَسْمَعْ ثَورٌ هَذَا الحَدِيثَ مِنْ رَجَاء.
__________
وغيرهم كما يجيء بيانه عن قريب، فلا يصلح لمعارضة حديث علي الصحيح، فما قال الشوكاني في دفع التعارض لا حاجة إليه. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه. وضعف الإمام الشافعي رضي الله عنه حديث المغيرة هذا. وقال أبو داوود: وبلغني أنه لم يسمع ثور هذا الحديث من رجاء. وقال الترمذي: هذا حديث معلول، وقال وسألت أبا زرعة ومحمد عن هذا الحديث فقالا ليس بصحيح. انتهى.
"لم يسمع هذا الحديث من رجاء": واعلم أن هذا الحديث ذكروا فيه أربع علل: العلة الأولى أن ثور بن يزيد لم يسمعه من رجاء بن حيوة بل قال حُدثت، والثانية أنه مرسل، قال الترمذي: سألت أبا زرعة ومحمداً عن هذا الحديث فقالا ليس بصيح، لأن ابن المبارك روى هذا عن ثور عن رجاء قال حدثت عن كاتب المغيرة مرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم. الثالثة تدليس وليد ابن مسلم. الرابعة جهالة كاتب المغيرة.
قلت: علة جهالة كاتب المغيرة مدفوعة لمجيء التصريح في اسم كاتب المغيرة كما عرفت. قال الحافظ ابن القيم: وأيضاً فالمعروف بكاتب المغيرة هو مولاه وراد وقد خرج له في الصحيحين، وإنما ترك ذكر اسمه في هذه الرواية لشهرته وعدم التباسه بغيره، ومن له خبرة بالحديث ورواته لا يتمارى في أنه وارد كاتبه. وبعد فهذا حديث قد ضعفه الأئمة الكبار: البخاري وأبو زرعة والترمذي وأبو داوود والشافعي. ومن المتأخرين ابن حزم وهو الصواب، لأن الأحاديث الصحيحة كلها مخالفة، وهذه العلل وإن كان بعضها غير مؤثر، فمنها ما هو مؤثر مانع من صحة الحديث، وقد تفرد الوليد بن مسلم بإسناده ووصله وخالفه من هو أحفظ منه وأجل وهو الإمام الثبت عبد الله بن المبارك، فرواه عن ثور عن رجاء قال حدثت عن كاتب المغيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا اختلف عبد الله بن المبارك ولوليد بن مسلم، فالقول ما قال عبد الله. وقد قال بعض الحفاظ: أخطأ الوليد بن مسلم في هذا الحديث في موضعين: أحدهما أن رجاء لم يسمعه من كاتب
ـــــــ
وراد كاتب المغيرة عن المغيرة وقال شيخنا أبو الحجاج المزي رواه إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر عن عبدالملك بن عمير عن وراد عن المغيرة تم كلامه وأيضا فالمعروف بكتابة "بكاتب" المغيرة هو مولاه وراد وقد خرج له في الصحيحين وإنما ترك ذكر إسمه في هذه الرواية لشهرته وعدم التباسه بغيره ومن له خبره بالحديث ورواته لا يتمارى في أنه وراد كاتبه.
وبعد: فهذا حديث قد ضعفه الأئمة الكبار البخاري وأبو زرعة والترمذي وأبو داود والشافعي ومن المتأخرين أبو محمد بن حزم وهو الصواب لأن الأحاديث الصحيحة كلها تخالفه

(1/195)


__________
المغيرة وإنما قال حدثت عنه، والثاني أن ثوراً لم يسمعه من رجاء، وخطأ ثالث أن الصواب إرساله، فميز الحفاظ ذلك كله في الحديث وبينوه، ورواه الوليد معنعناً من غير تبيين
ـــــــ
وهذه العلل وإن كان بعضها غير مؤثر فمنها ما هو مؤثر مانع من صحة الحديث وقد تفرد الوليد بن مسلم بإسناده ووصله وخالفه من هو أحفظ منه وأجل وهو الإمام الثبت عبد الله بن المبارك فرواه عن ثور عن رجاء قال حدثت عن كاتب المغيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وإذا اختلف عبد الله بن المبارك والوليد بن مسلم فالقول ما قال عبد الله وقد قال بعض الحفاظ أخطأ الوليد بن مسلم في هذا الحديث في موضعين أحدهما أن رجاء لم يسمعه من كاتب المغيرة وإنما قال حدثت عنه والثاني أن ثورا لم يسمعه من رجاء وخطأ ثالث أن الصواب إرساله فميز الحفاظ ذلك كله في الحديث وبينوه ورواه الوليد معنعنا من غير تبيين والله أعلم

(1/196)


64 باب في الانتضاح
- 165 حدثنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ قال أخبرنا سُفْيَانُ عن مَنْصُورٍ عن مُجَاهِدٍ عن سُفْيَانَ بنِ الْحَكَمِ الثّقَفِيّ أوْ الْحَكَمِ بنِ سُفْيَانَ الثّقَفِيّ قال: كَانَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا بَالَ يَتَوَضّأُ وَيَنْتَضِحُ.
قال أبُو دَاوُدَ: وَافَقَ سُفْيَانَ جَمَاعَةٌ عَلَى هَذَا الاْسْنَادِ، قال بَعْضُهُمْ: الحَكَمُ أوْ ابنُ الحَكَمِ.
__________
"باب في الانتضاح"
النضح الرش، قاله الجوهري، وسيجيء بيانه في الحديث.
"عن سفيان بن الحكم الثقفي أو الحكم بن سفيان الثقفي": هو تردد بين اسمين والمسمى واحد "وينتضح": قال الخطابي في معالم السنن: الانتضاح ههنا الاستنجاء بالماء، وكان من عادة أكثرهم أن يستنجوا بالحجارة لا يمسون الماء، وقد يتأول الانتضاح أيضاً على رشّ الفرج بالماء بعد الاستنجاء ليدفع بذلك وسوسة الشيطان انتهى كلامه. وذكر النووي عن الجمهور أن هذا الثاني هو المراد ههنا. قلت وهذا هو الحق وبه فسر الجوهري كما تقدم. وفي جامع الأصول الانتضاح رش الماء على الثوب ونحوه والمراد به أن يرش على فرجه بعد الوضوء ماءاً ليذهب عنه الوسواس الذي يعرض للانسان أنه قد خرج من ذكره بلل فإذا كان ذلك المكان بللا دفع ذلك الوسواس، وقيل أراد بالانتضاح الاستنجاء بالماء لأن الغالب كان من عادتهم أنهم يستنجون بالحجارة "وافق سفيان": مفعول لوافق "جماعة": فاعل لوافق "على هذا الإسناد": أي لفظ سفيان ابن الحكم الثقفي

(1/196)


- 166 حدثنا إسْحَاقُ بنُ إسْمَاعِيلَ قال حدثنا سُفْيَانُ عن ابنِ أبي نَجِيحٍ عن مُجَاهِدٍ عن رَجُلٍ مِنْ ثَقِيفٍ عن أبِيهِ قال: رَأيْتُ رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم بَالَ ثُمّ نَضَحَ فَرْجَهُ.
- 167 حدثنا نَصْرُ بنُ المُهَاجِرِ حدثنا مُعَاوِيَةُ بنُ عَمْرٍو حدثنا زَائِدَةُ عن مَنْصُورٍ عن مُجَاهِدٍ عن الْحَكَمِ أوْ ابنِ الْحَكَمِ عن أبِيهِ أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم بَالَ ثُمّ تَوَضّأَ وَنَضَحَ فَرْجَهُ.
__________
أو الحكم بن سفيان الثقفي، فقال جماعة كروح بن القاسم وشيبان ومعمر وغيرهم كما قال سفيان الثوري "قال بعضهم الحكم أو ابن الحكم": والصحيح الحكم بن سفيان قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه. واختلف في سماع الثقفي هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال النمري له حديث واحد في الوضوء وهو مضطرب الإسناد. وقال أبو عيسى الترمذي: واضطربوا في هذا الحديث. وأخرج الترمذي وابن ماجه من حديث الحسن بن علي الهاشمي عن عبدالرحمن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " جاءني جبريل فقال يامحمد إذا توضأت فانتضح " قال الترمذي: حديث غريب. وسمعت محمداً يعني يقول: الحسن بن علي الهاشمي منكر الحديث. هذا آخر كلامه. والهاشمي هذا ضعفه غير واحد من الأئمة انتهى.
"بال ثم نضح فرجه": أي بال ثم توضأ ثم نضح فرجه كما في عامة الروايات، وهذا حديث فيه اختصار.
"بال ثم توضأ ونضح فرجه": وأخرج ابن ماجه من طريق أبي بكر بن أبي شيبة حدثنا محمد بن بشر حدثنا زكريا بن أبي زائدة قال قال منصور حدثنا مجاهد عن الحكم بن سفيان الثقفي "أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ثم أخذ كفاً من ماء فنضح به فرجه" وأخرج النسائي أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا خالد بن الحارث عن شعبة عن منصور عن مجاهد عن الحكم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أخذ حفنة من ماء فقال بها هكذا ووصف شعبة نضح به فرجه، فذكرته لإبراهيم فأعجبه. وأخرج النسائي أيضاً أخبرنا العباس بن محمد الدوري حدثنا الأحوص بن جواب حدثنا عمار بن رزيق عن منصورح وأخبرنا أحمد بن حرب حدثنا قاسم حدثنا سفيان حدثنا منصور عن مجاهد عن الحكم بن سفيان عن أبيه قال "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ونضح فرجه" وهذه الأحاديث تدل على أن النضح إنما كان بعد الفراغ من الوضوء

(1/197)


65 باب ما يقول الرجل إذا توضأ
- 168 حدثنا أحْمَدُ بنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيّ قال حدثنا ابنُ وَهْبٍ قال سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ يَعْني ابنَ صَالحٍ يُحَدّثُ عن أبي عُثْمَانَ عن جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ عن عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ قال: كُنّا مَعَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم خُدّامَ أنْفُسِنَا. نَتَنَاوَبُ الرعَايَةَ رِعَايَةَ إبِلِنَا فَكَانَتْ عَلَيّ رِعَايَةُ الإبْلِ، فَرَوّحْتُهَا بالْعَشِيّ، فَأدْرَكْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ النّاسَ، فَسَمِعْتُهُ يقولُ: " مَا مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ يَتَوَضّأُ فَيُحْسِنُ الوُضُوءَ ثُمّ يَقُومُ فَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ، يُقْبِلُ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ
__________
"باب ما يقول الرجل إذا توضأ"
أي بعد الفراغ من الوضوء، وأما الأذكار التي يقال عند غسل كل أعضاء الوضوء على حدة على حدة فكذب مختلق لم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً منه ولا علمه أمته ولا ثبت عنه غير التسمية في أوله وغير قوله أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله اللهم أجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين في آخره. وفي حديث آخر في النسائي مما يقال بعد الوضوء أيضاً سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله ألا أنت أستغفرك وأتوب إليك. ولم يكن يقول في أوله نويت رفع الحدث ولا استباحة الصلاة لا هو ولا أحد من أصحابه البتة. ولم يرو عنه في ذلك حرف واحد لا بإسناد صحيح ولا ضعيف كذا في زاد المعاد
"خدام أنفسنا": خدام جمع خادم أي كان كل منا خادماً لنفسه فيخدم كل واحد نفسه ولم يكن لنا خادم غير أنفسنا يخدمنا "نتناوب الرعاية": التناوب أن تفعل الشيء مرة ويفعل الآخرة مرة أخرى. والرعاية بكسر الراي الرعى "رعاية إبلنا": هذه اللفظة بدل من الرعاية. ومعنى هذا الكلام أنهم كانوا يتناوبون رعى إبلهم فتجتمع الجماعة ويضمون إبلهم بعضها إلى بعض فيرعى كل واحد منهم ليكون أرفق بهم وينصرف الباقون في مصالحهم. قاله النووي "فكانت علي رعاية الأبل": في يومى ونوبتي "فروحتها": من الترويح "بعشى": على وزن فعيل قال في القاموس الرواح العشى أو من الزوال إلى الليل. قال الجوهري: أراح إبله أي ردها إلى المراح وكذلك الترويح ولا يكون ذلك إلا بعد الزوال، والعشى والعشية من صلاة المغرب إلى العتمة والعشاء بالمد والقصر مثل العشى، وزعم قوم أن العشاء من زوال الشمس إلى طلوع الفجر انتهى ما في الصحاح. أي رددت الإبل إلى مراحها في آخر النهار وتفرغت من أمرها ثم جئت إلى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم "فيحسن الوضوء ": من الإحسان أي يتمه بآدابه " يقبل عليهما بقلبه ووجهه ": من الإقبال وهو خلاف الإدبار أي يتوجه، وأراد بوجهه ذاته أي يقبل على الركعتين بظاهره وباطنه. قال النووي:

(1/198)


وَوَجْهِهِ، إلاّ فَقَدْ أوْجَبَ ". فَقلت: بَخٍ بَخٍ ما أجْوَدَ هَذِهِ، فَقَالَ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيّ: الّتي قَبْلَهَا ياعُقْبَةُ أجْوَدُ مِنْهَا. فَنَظَرْتُ فَإذَا هُوَ عُمَرُ بنُ الْخَطّابِ. قلت: مَا هِيَ يا أبَا حَفْصٍ؟ قال: إنّهُ قال آنِفاً قَبْلَ أنْ تَجِيءَ: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ يَتَوَضّأُ فَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ ثُمّ يقولُ حِينَ يَفْرَغُ مِنْ وُضُوئِه: أشْهَدُ أنْ لاَ إلَهَ إلاّ الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأشْهَدُ أنّ مُحمّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إلاّ فُتِحَتْ لَهُ أبْوَابُ الْجَنّةِ الثّمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أيّها شَاءَ"
__________
وقد جمع صلى الله عليه وسلم بهاتين اللفظتين أنواع الخضوع والخشوع، لأن الخضوع في الأعضاء والخشوع بالقلب " ألا فقد أوجب ": عليه الجنة. ولفظ مسلم إلا وجبت له الجنة "قلت بخ بخ": قال الجوهري بخ كلمة تقال عند المدح والرضا بالشيء وتكرر للمبالغة فيقال بخ بخ فإن وصلت خففت ونونت فقلت بخ بخ وربما شددت "ما أجود هذه": يعني هذه الكلمة أو البشارة أو الفائدة. وجودتها من جهات منها سهلة متيسرة يقدو عليها كل أحد بلا مشقة، ومنها أن أجرها عظيم والله أعلم "التي قبلها ياعقبة أجود منها": أي الكلمة التي كانت قبل هذه الكلمة التي سمعت أجود من هذه "فنظرت": إلى هذا القائل من هو "ماهي": الكلمة "يا أبا حفص": عمر "قال": عمر "إنه": الضمير للشأن "قال": النبي صلى الله عليه وسلم "آنفاً": أي قريباً. قال النووي هو بالمد على اللغة المشهورة وبالقصر على لغة صحيحة قرىء بها في السبع " من أيها ": أي من أي أبواب الجنة " شاء ": دخولها. ولفظ الترمذي " فتحت له ثمانية أبواب من الجنة يدخل من أيها شاء " قال الحافظ ابن عبدالبر في كتاب التمهيد: هكذا قال فتح له من أبواب الجنة، وهو يدل على أنها أكثر من ثمانية، وذكره أبو داوود والنسائي وغيرهما: فتحت له أبواب الجنة الثمانية ليس فيها ذكر من، فعلى هذا أبواب الجنة ثمانية. قال الإمام القرطبي في "التذكرة في أحوال أمور الآخرة" قال جماعة من أهل العلم: إن للجنة ثمانية أبواب واستدلوا بحديث عمر الذي أخرجه مسلم وغيره وجاء تعيين هذه الأبواب لبعض العمال كما في حديث الموطأ والبخاري ومسلم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أنفق في سبيل الله زوجين نودي في الجنة يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعى من باب الصلاة. ومن كان من أهل الجهاد دعى من باب الجهاد. ومن كان من أهل الصدقة دعى من باب الصدقة. ومن كان من أهل الصيام دعى من باب الصيام . فقال أبو بكر يارسول الله ما على أحد يدعى من هذه الأبواب من ضرورة هل يدعي أحد من هذه الأبواب؟ قال نعم وأرجو أن تكون منهم " قال القاضي عياض: ذكر مسلم في هذا الحديث من أبواب الجنة أربعة، وزاد غيره بقية الثمانية، فذكر منها باب التوبة، وباب الكاظمين الغيظ، وباب الراضين، والباب الأيمن الذي يدخل منه من لا حساب عليه. قال القرطبي فذكر الحكيم الترمذي أبواب الجنة فعد أبواباً غير ما ذكر. قال فعلى هذا

(1/199)


قال مُعَاوِيَةُ: وَحَدّثَنِي رَبِيعَةُ بنُ يَزِيدَ عن أبي إدْرِيسَ عن عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ.
- 169 حدثنا الحُسَيْنُ بنُ عِيسَى قال حدثنا عَبْدُالله بن يَزِيدَ المُقْرِىءُ عن حَيْوَةَ بنِ شرَيْحٍ عن أبي عَقِيلٍ عن ابنِ عَمّه عن عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيّ عن النّبي صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ أمْرَ الرّعَايَةِ قال عِنْدَ قَوْلِهِ " فَأحْسَنَ الوُضُوءَ": ثُمّ رَفَعَ نَظَرَهُ إلَى السّمَاءِ، فَقَال وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ.
__________
أبواب الجنة أحد عشر باباً. وقد أطال القرطبي في تذكرته ويجيء بيانه إن شاء الله تعالى في موضعه.
"قال معاوية": وهذا موصول بالسند المذكور. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه وفي لفظ لأبي داوود: فأحسن وضوءه ثم رفع نظره إلى السماء فقال: وفي إسناد هذا رجل مجهول، وأخرجه الترمذي من حديث أبي إدريس الخولاني عايذ الله بن عبد الله وأبي عثمان عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مختصراً، وفيه دعا وقال: وهذا حديث في إسناده اضطراب ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب كثير شيء. قال محمد أبو إدريس لم يسمع من عمر شيئاً "نحوه": أي نحو حديث جبير بن نفير وأبي إدريس الخولاني "ولم يذكر أمر الرعاية": أي لم يذكر أبو عقيل أو من دونه قصة رعايتهم للابل "قال": أبو عقيل في حديثه هذه الجملة أي "ثم رفع": المتوضىء فقال المتوضىء أشهد أن لا إله ألا الله إلى آخره "وساق": أبو عقيل أو من دونه "الحديث بمعنى حديث معاوية": بن صالح. وحاصل الكلام أن أبا عقيل لم يذكر في حديثه قصة رعاية الإبل وقال فيه " ما منكم من أحد توضأ فأحسن الوضوء ثم رفع نظره إلى السماء فقال أشهد أن لا إله إلا الله " إلى آخر الحديث كما قال معاوية والله أعلم. وأما الحكمة في رفع النظر إلى السماء فالعلم عند الشارع

(1/200)


66-"باب الرجل يصلي الصلوات بوضوء واحد"
- 170 حدثنا مُحمّدُ بنُ عِيسَى قال حدثنا شَرِيكٌ عن عَمْرِو بنِ عَامِرٍ الْبَجَلِيّ، قال مُحمّدٌ: هُوَ أبُو أسَدِ بنِ عَمْرٍو قال: سَألْتُ أنَسَ بنَ مَالِكٍ عن الْوُضُوءِ فقالِ: كان النبي صلى الله عليه وسلم يَتَوَضّأُ لِكُلّ صَلاَةٍ، وكُنّا نُصَلّي الصّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ.
__________
"باب الرجل يصلي الصلوات بوضوء واحد"
ولم يجدد الوضوء لكل صلاة ما لم يحدث
"يتوضأ لكل صلاة": وللنسائي من طريق شعبة عن عمرو أنه سأل أنساً "أكان النبي صلى الله عليه وسلم

(1/200)


171 - حدثنا مُسَدّدٌ قال حدثنا يَحْيَى عن سُفْيَانَ قال حَدّثَني عَلْقَمَةُ بنُ مُرْثَدٍ عن سُلَيْمَانَ بنِ بُرَيْدَةَ عن أبِيهِ قال: صلّى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الْفَتْحِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ وَمَسَحَ عَلَى خُفّيْهِ، فقالَ لهُ عُمَرُ: إنّي رَأيْتُكَ صَنَعْتَ الْيَوْمَ شَيْئاً لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ. قال: عَمْداً صَنَعْتُهُ .
__________
يتوضأ قال نعم" وللترمذي من طريق حميد عن أنس "يتوضأ لكل صلاة طاهراً أو غير طاهر" وظاهره أن تلك كانت عادته، لكن حديث بشير بن يسار مولى بنى حارثة عن سويد بن النعمان المروى في البخاري وغيره وسيجيىء تمامه يدل على أن المراد الغالب. قال الطحاوي: يحتمل أن ذلك كان واجباً عليه خاصة ثم نسخ يوم الفتح لحديث بريدة الآتي، ويحتمل أنه كان يفعله استحباباً ثم خشى أن يظن وجوبه فتركه لبيان الجواز. قال الحافظ: وهذا أقرب وعلى تقدير الأول فالنسخ كان قبل الفتح بدليل حديث سويد بن النعمان فإنه كان في خيبر وهي قبل الفتح بزمان "وكنا نصلي الصلوات بوضوء واحد": ولابن ماجه: كنا نصلي الصلوات كلها بوضوء واحد. قال المنذري: وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"يوم الفتح": أي فتح مكة شرفها الله تعالى وهو سنة ثمان من الهجرة "خمس صلوات بوضوء واحد": قال الإمام محي الدين النووي: والحديث فيه جواز الصلوات والمفروضات والنوافل بوضوء واحد ما لم يحدث، وهذا جائز بإجماع من يعتد به. وحكى أبو جعفر الطحاوي وأبو الحسن بن بطال في شرح صحيح البخاري عن طائفة من العلماء أنهم قالوا يجب الوضوء لكل صلاة وإن كان متطهراً، واحتجوا بقول الله تعالى {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} الآية وما أظن هذا المذهب يصح عن أحد، ولعلهم أرادوا استحباب تجديد الوضوء عند كل صلاة، ودليل الجمهور الأحاديث الصحيحة منها حديث بريدة هذا، وحديث أنس في صحيح البخاري: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة وكان أحدنا يكفيه الوضوء ما لم يحدث. وحديث سويد بن نعمان الذي تقدمت الإشارة إليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى العصر ثم أكل سويقاً ثم صلى المغرب ولم يتوضأ. وفي معناه أحاديث كثيرة كحديث الجمع بين الصلاتين بعرفة والمزدلفة وسائر الأسفار والجمع بين الصلوات الفائتات يوم الخندق وغير ذلك. وأما الآية الكريمة فالمراد بها والله أعلم. إذا قمتم محدثين وقيل إنها منسوخة. قال النووي: وهذا القول ضعيف "لم تكن تصنعه": قبل هذا "قال": النبي صلى الله عليه وسلم " عمداً صنعته ": قال علي بن سلطان في مرقاة المفاتيح: الضمير راجع للمذكور وهو جمع الصلوات الخمس بوضوء واحد والمسح على الخفين، وفيه دليل على أن من يقدر أن يصلي صلوات كثيرة بوضوء واحد لا يكره صلاته إلا أن يغلب عليه الأخبثان. كذا ذكره الشراح، لكن رجوع

(1/201)


ـــــــ
الضمير إلى مجموع الأمرين يوهم أنه لم يكن يمسح على الخفين قبل الفتح، والحال أنه ليس كذلك، فالوجه أن يكون الضميرُ راجعاً إلى الجمع فقط أي جمع الصلوات بوضوء واحد. انتهى كلامه. قال النووي: وأما قول عمر رضي الله عنه صنعت اليوم شيئاً لم تكن تصنعه ففيه تصريح بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يواظب على الوضوء لكل صلاة عملا بالأفضل، وصلى الصلوات في هذا اليوم بوضوء واحد بيانا للجواز، كما قال صلى الله عليه وسلم عمداً صنعته ياعمر. انتهى. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه

(1/202)


67 باب تفريق الوضوء
171م - حدثنا هَارُونُ بنُ مَعْرُوفٍ قال حدثنا ابنُ وَهْبٍ عن جَرِيرِ بنِ حَازِمٍ أنّهُ سَمِعَ قَتَادَةَ بنَ دَعَامَةَ قال حدثنا أنَسٌ أنّ رَجُلاً جَاءَ إلَى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وَقَدْ تَوَضّأَ وَتَرَكَ عَلَى قَدَمِهِ مِثْلَ مَوْضِعِ الظّفْرِ فقالَ لَهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: " ارْجِعْ فأحْسِنْ وُضُوءَكَ "
قال أبُو دَاوُدَ: هَذَا الْحَديثُ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ عن جَرِيرٍ بنِ حَازِمٍ وَلَمْ يَرْوِهِ إلاّ ابنُ
__________
"باب تفريق الوضوء"
أي التفريق بين أعضاء الوضوء في الغسل بأن غسل أكثر الأعضاءَ ألأ بعضها وترك بعضها عمداً أو جاهلاً ويبست الأعضاء ثم غسلها أو بَلّ ذلك الموضع فما الحكم فيمن فعل ذلك، أيُعيد الوضوء أو يبل ذلك الموضع
"الظفر": فيه لغات أجودها ظُفُر بضم الظاء والفاء، وبه جاء القرآن العزيز ويجوز إسكان الفاء، ويقال ظِفْر بكسر الظاء وإسكان الفاء، وظِفِر بكسرهما، وقرىء بها في الشواذ، وجمعه أظفار وجمع الجمع أظافير، ويقال في الواحد أيضاً أظفور. قاله النووى " ارجع فأحسن وضوءك ": قال بعض العلماء: هذا الحديث يدل على عدم وجوب إعادة الوضوء لأنه أمر فيه بالإحسان لا بالإعادة، والإحسان يحصل بمجرد إسباغ غسل ذلك العضو، وبه قال أبو حنيفة، فعنده لا يجب الموالاة في الوضوء، واستدل به القاضي عياض على خلاف ذلك فقال: الحديث يدل على وجوب الموالاة في الوضوء لقوله صلى الله عليه وسلم: أحسن وضوءك، ولم يقل: اغسل الموضع الذي تركته. انتهى. ويجيء بعض بيان ذلك تحت الحديث الآتي. والحديث فيه من الفوائد: منها أن من ترك شيئاً من أعضاء طهارته جاهلاً لم تصح طهارته. ومنها تعليم الجاهل والرفق به. ومنها أن الواجب في الرجلين الغسل دون المسح. والله أعلم. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه.
"عن جرير بن حازم ولم يروه إلا ابن وهب": وقال الدارقطني: تفرد به جرير بن حازم عن

(1/202)


وَهْبٍ وَحْدَهُ. وَقَدْ رُوِيَ عن مَعْقِلِ بنِ عُبَيْدِالله الْجَزَرِيّ عن أبي الزّبَيْرِ عن جَابِرٍ عن عُمَرَ عن النّبي صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ قال: " ارْجِع فأَحْسِنْ وُضُوءَكَ "
__________
قتادة وهو ثقة. وحاصل الكلام أن ابن وهب وجريراً كل واحد منهما متفرد عن شيخه، فلم يرو عن قتادة إلا جرير، ولم يرو عن جرير إلا ابن وهب " ارجع فأحسن وضوءك ": قال الخطابي: ظاهر معناه إعادة الوضوء في تمام، ولو كان تفريقه جائزاً لأشبه أن يقتصر فيه على الأمر بغسل ذلك الموضع، أو كان يأمره بإسالة الماء في مقامه ذلك، وأن لا يأمره بالرجوع إلى المكان الذي يتوضأ فيه. انتهى. وحديث عمر رضي الله عنه أخرجه مسلم: حدثني سلمة بن شبيب قال أخبرنا الحسن بن محمد بن أعين قال أخبرنا معقل عن أبي الزبير عن جابر قال "أخبرني عمر بن الخطاب أن رجلاً توضأ فترك موضع ظفر على قدمه فأبصره النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ارجع فأحسن وضوءك، فرجع ثم صلى" وأخرجه أحمد في مسنده مثله وزاد: ثم توضأ. وعقد الإمام البخاري في ذلك باباً وقال: باب تفريق الغسل والوضوء. ويذكر عن ابن عمر أنه غسل قدميه بعد ما جف وضوؤه. قال الحافظ في الفتح: باب تفريق الوضوء أي جواره، وهو يقول الشافعي في الجديد، واحتج بأن الله تعالى أوجب غسل الأعضاء، فمن غسلها فقد أتى بما وجب عليه فرقها أو نسقها، ثم أيد ذلك بفعل ابن عمر. وبذلك قال ابن المسيب وعطاء وجماعة. وقال ربيعة ومالك: من تعمد ذلك فعليه الإعادة ومن نسي فلا. وعن مالك. إن قرب التفريق بني وإن أطال أعاد. وقال قتادة والأوزاعي: لا يعيد إلا أن جفّ. وأجازه المضي مطلقاً في الغسل دون الوضوء. ذكر جميع ذلك ابن المنذر. وقال: ليس مع من جعل الجفاف حداً لذلك حجة. وقال الطحاوي: الجفاف ليس يحدث فينقض كما لو جف جميع أعضاء الوضوء لم تبطل الطهارة. وأثر ابن عمر رويناه في الأم عن مالك عن نافع عنه لكن فيه: أنه توضأ في السوق دون رجليه ثم رجع إلى المسجد فمسح على خفيه ثم صلى والإسناد صحيح، فيحتمل أنه إنما لم يجزم به لكونه ذكر بالمعنى. قال الشافعي: لعله قد جف وضوؤه لأن الجفاف قد يحصل بأقل مما بين السوق والمسجد. انتهى. قال البيهقي في المعرفة: أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو قال حدثنا أبو العباس قال أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال وأحب أن يتابع الوضوء ولا يفرقه لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء به متتابعاً ثم ساق الكلام إلى أن قال: فإن قطع الوضوء فأحب أن يستأنف وضوءا. ولا يتبين لي أن يكون عليه استئناف وضوء، واحتج بما أخبرنا أبو زكريا وأبو بكر وأبو سعيد قالوا حدثنا أبو العباس قال أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر أنه توضأ بالسوق فغسل وجهه ويديه ومسح برأسه ثم دعى لجنازة فدخل المسجد فمسح على خفيه ثم صلى عليها وفي الحديث الثابت عن عمر وغيره في معنى هذا ارجع فأحسن وضوءك. وقد روينا عن عمر في جواز التفريق. انتهى.

(1/203)


172 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قال حدثنا حمّادٌ قال أخبرنا يُونُسُ وَ حُمَيْدٌ عن الْحَسَنِ عن النّبي صلى الله عليه وسلم بِمَعْنَى قَتَادَةَ.
173 - حدثنا حَيْوَةُ بنُ شُرَيْحٍ قال حدثنا بَقِيّةُ عن بَحِيرٍ هُو ابن سَعْدٍ عن خَالِدٍ عن بَعْضِ أصْحَابِ النّبي صلى الله عليه وسلم أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم رَأى رَجُلاً يُصَلّي وفي ظَهْرِ قَدَمِهِ لَمْعَةٌ قَدْرُ الدّرْهَمِ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ فأمَرَهُ النّبي صلى الله عليه وسلم أنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَالصّلاَةَ.
__________
"عن الحسن": بن يسار البصري إمام جليل مرسلاً "بمعنى": حديث "قتادة": عن أنس.
"حدثنا بقية": بن الوليد الحمصي أحد الأئمة. قال النسائي إذا قال حدثنا وأخبرنا فهو ثقة. قال ابن عدي: إذا حدث عن أهل الشام فهو ثبت وإذا روى عن غيرهم خلط. قال الجوزجاني: إذا حدث عن الثقات فلا بأس به. وقال أبو مسهر الغساني: بقية ليست أحاديثه نقية فكن منها على تقية. كذا في تهذيب التهذيب والخلاصة. وقال المنذري في الترغيب: هو أحد الأعلام ثقة عند الجمهور لكنه يدلس. انتهى "عن بحير": بفتح الباء وكسر الحاء "عن بعض إصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ": قال البيهقي في المعرفة هو مرسل وكذا قال ابن القطان. قال الحافظ ابن حجر وفيه بحث. وقد قال الأثرم قلت لأحمد هذا إسناد جيد؟ قال نعم. فقلت له إذا قال رجل من التابعين حدثني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فالحديث صحيح؟ قال نعم "لمعة": قال في القاموس بالضم قطعة من النبت أخذت في اليبس والموضع لا يصيبه الماء في الغسل والوضوء "لم يصبها الماء": هذه الجملة تفسير للمعة "أن يعيد الوضوء والصلاة": وفي رواية ابن ماجه من طريق ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر
ـــــــ
قال الشيخ شمس الدين بن القيم رحمه الله
هكذا علل أبو محمد المنذري وابن حزم هذا الحديث برواية بقية له وزاد ابن حزم تعليلا آخر وهو أن راويه مجهول لا يدرى من هو
والجواب عن هاتين العلتين:
أما الأولى فإن بقية ثقة في نفسه صدوق حافظ وإنما نقم عليه التدليس مع كثرة روايته عن الضعفاء والمجهولين وأما إذا صرح بالسماع فهو حجة وقد صرح في هذا الحديث بسماعه له قال أحمد في مسنده حدثنا إبراهيم بن أبي العباس حدثنا بقية حدثني يحيى بن سعيد عن خالد بن معدان عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث وقال فأمره أن يعيد الوضوء قال الأثرم قلت لأحمد بن حنبل هذا إسناد جيد قال جيد

(1/204)


__________
عن عمر بن الخطاب قال:"رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً توضأ فترك موضع الظفر على قدمه، فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة قال فرجع" وفي الباب عن أبي أمامة أخرجه الدارقطني. وأما حديث الباب فقال المنذري في تلخيصه في إسناده بقية بن الوليد وفيه مقال. قال ابن القيم: هكذا علل أبو محمد المنذري وابن حزم هذا الحديث برواية بقية، وزاد ابن حزم تعليلاً آخر وهو أن راويه مجهول لا يدري من هو، والجواب عن هاتين العلتين: أما الأولى فإن بقية ثقة في نفسه صدوق حافظ. وإنما نقم عليه التدليس مع كثرة روايته عن الضعفاء والمجهولين. وأما إذا صرح بالسماع فهو حجة، وقد صرح في هذا الحديث بسماعه له. قال أحمد في مسنده: أخبرنا إبراهيم بن أبي العباس أخبرنا بقية حدثني بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث وقال: وأمره أن يعيد الوضوء. والعلة الثانية فباطلة أيضاً على أصل ابن حزم وأصل سائر أهل الحديث، وأن عندهم جهالة الصحابي لا يقدح في الحديث لثبوت عدالة جميعهم. انتهى. وقال الحافظ في التلخيص: وأعله المنذري بأن فيه بقية، وقال عن بحير وهو مدلس لكن في المسند والمستدرك تصريح بقية بالتحديث، وأجمل النووي القول في هذا فقال في شرح المهذب هو حديث ضعيف الإسناد وفي هذا الإطلاق نظر لهذه الطرق. انتهى. وهذا الحديث فيه دليل صريح على وجوب الموالاة، لأن الأمر بالإعادة للوضوء بترك اللمعة لا يكون إلا للزوم الموالاة وهو مالك والأوزاعي وأحمد بن حنبل والشافعي في قول له، وقد عرفت آنفاً تفصيل بعض هذا الذهب، والله أعلم.
ـــــــ
وأما العلة الثانية فباطلة أيضا على أصل ابن حزم وأصل سائر أهل الحديث فإن عندهم جهالة الصحابي لا تقدح في الحديث لثبوت عدالتهم جميعا وأما أصل ابن حزم فإنه قال في كتابه في أثناء مسألة كل نساء النبي صلى الله عليه وسلم ثقات فواضل عند الله عز وجل مقدسات بيقين

(1/205)


-68 باب إذا شك في الحدث
175 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ و مُحمّدُ بنُ أحْمَدَ بنِ أبي خَلفٍ قالا حدثنا سُفْيَانُ عن الزّهْرِيّ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ وَ عَبّادِ بنِ تَمِيمٍ عن عَمّهِ قال: شُكِيَ إلَى النّبي صلى الله عليه وسلم
__________
"باب إذا شك في الحدث"
على وزن سبب وهو حالة مناقضة للطهارة شرعاً، والجمع الأحداث مثل: سبب وأسباب
"عن سعيد بن المسيب وعباد بن تميم": قال الحافظ قوله وعن عباد هو معطوف على قوله عن سعيد بن المسيب، ثم إن شيخ سعيد بن المسيب فيه احتمالان يحتمل أن يكون عم عباد كأنه قال

(1/205)


الرّجُلُ يَجِدُ الشّيْءَ في الصّلاَةِ حَتّى يخَيّلَ إلَيْهِ، فقالَ: "لا يَنْفَتِلْ حَتّى يَسْمَعَ صَوْتاً أوْ يَجِدَ رِيحاً"
175 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قال حدثنا حَمّادٌ قال أخبرنا سُهَيْلُ بنُ أبي صَالحٍ عن أبِيهِ عن أبي هُرَيْرَةَ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذَا كان أحَدُكُم في الصّلاَةِ
__________
كلاهما عن عمه أي عم الثاني وهو عباد. ويحتمل أن يكون محذوفاً ويكون من مراسيل ابن المسيب، وعلى الأول جرى صاحب الأطراف، ويؤيد الثاني رواية معمر لهذا الحديث عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي سعيد الخدري أخرجه ابن ماجه ورواته ثقات، لكن سئل أحمد عنه فقال إنه منكر "شكى": على البناء للمفعول هكذا في أكثر النسخ وكذا في رواية مسلم، واعتمد عليه النووي فقال شكى بضم السين وكسر الكاف، والرجل مرفوع ولا يتوهم أنه شكى مفتوحة الشين والكاف ويجعل الشاكي هو عمه المذكور فإن هذا الوهم غلط، وجاء في بعض نسخ الكتاب شكا بالألف ومقتضاه أن الراوي هو الشاكي، وهكذا في صحيح البخاري ولفظه عن عمه أنه شكا، وفي رواية ابن خزيمة عن عبدالجبار بن العلاء عن سفيان ولفظه عن عمه عبد الله بن زيد قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل. ومعنى قول النووي فإن هذا الوهم غلط أي ضبط لفظ شكى في رواية مسلم بالألف قياساً على رواية البخاري وغيره وهم، فإن في رواية البخاري بلفظ أنه شكى وليس هذه في رواية مسلم "الرجل": مفعول ما لم يسم فاعله وعلى رواية شكا بالألف منصوب على المفعولية " يجد الشيء ": أي الحدث خارجاً من دبره وفيه العدول عن ذكر الشيء المستقذر بخاص إسمه إلا للضرورة "حتى يخيل إليه": بضم المثناة التحتية وفتح الخاء المعجمة مبنياً لما يسم فاعله أي يشبه له أنه خرج شيء من الريح أو الصوت " لا ينفتل ": بالجزم على النهي ويجوز الرفع على أن لا نافية أو الانفتال الانصراف " صوتاً ": من دبره " أو يجد ريحاً ": منه قال النووي: معناه يعلم وجود أحدهما ولا يشترط السماع والشم بإجماع المسلمين. وهذا الحديث أصل من أصول الإسلام وقاعدة عظيمة من قواعد الفقه وهي أن الأشياء يحكم ببقائها على أصولها حتى تيقن خلاف ذلك ولا يضر الشك الطارىء عليها، فمن ذلك مسألة الباب التي ورد فيها الحديث، وهي أن من تيقن الطهارة وشك في الحدث حكم ببقائه على الطهارة، ولا فرق بين حصول هذا الشك في نفس الصلاة وحصوله خارج الصلاة، وهذا مذهبنا ومذهب جماهير العلماء من السلف والخلف. انتهى. فمن تيقن الطهارة وشك في الحدث عمل بيقين الطهارة أو تقين الحدث وشك في الطهارة فمل بيقين الحدث والله أعلم. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.

(1/206)


فَوَجَدَ حَرَكَةً في دُبُرِهِ أحْدَثَ أوْ لَمْ يُحْدِثْ فأُشْكِلَ عَلَيْهِ فَلاَ يَنْصَرِفْ حَتّى يَسْمَعَ صَوْتاً أوْ يَجِدَ رِيحاً"
__________
"فوجد حركة في دبره ": وفي رواية مسلم: إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً "أحدث أو لم يحدث": وفي مسلم أخرج منه شيء أم لا " فأشكل عليه ": لعل فيه تقديم وتأخير أي فأشكل عليه أحدث أو لم يحدث " أو يجد ريحاً ": وفيه دليل واضح على أن اليقين لا يزاول بالشك في شيء من أمر الشرع، وتقدم آنفاً شرح هذه المسألة على وجه التفصيل. قال الترمذي: وهو قول العلماء أن لا يجب عليه الوضوء إلا من حدث يسمع صوتاً أو يجد ريحاً. وقال ابن المبارك: إذا شك في الحدث فإنه لا يجب عليه الوضوء حتى يستيقن استيقاناً يقدر أن يحلف عليه. وقال: إذا خرج من قبل المرأة " المرء " الريح وجب عليه الوضوء وهو قول الشافعي وإسحاق. انتهى

(1/207)


69 باب الوضوء من القبلة
176 - حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ قال حدثنا يَحْيَى وَ عَبْدُالرّحْمَنِ قالا حدثنا سُفْيَانُ عن أبي رَوْقٍ عن إبْرَاهِيمَ التّيْمِيّ عن عَائِشَةَ أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم قَبّلَهَا وَلَمْ يَتَوَضّأْ"
__________
"باب الوضوء من القبلة"
بضم القاف وسكون الباء: اسم من قبلت تقبيلا، والجمع قبل مثل: غرفة وغرف
"عن أبي روق": بفتح الراء وسكون الواو المخففة واسمه عطية بن الحارث الهمداني الكوفي عن أنس وإبراهيم التيمي والشعبي وعنه ابناه يحيى وعمارة والثوري. قال أبو حاتم صدوق، وقال أحمد: ليس به بأس، وقال ابن معين: صالح، وقال ابن عبدالبر: قال الكوفيون: هو ثقة ولم يذكره أحد بجرح "قبلها ولم يتوضأ": فيه دليل على أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء لأن القبلة من اللمس ولم يتوضأ بها النبي صلى الله عليه وسلم وإلى هذا ذهب على وابن عباس وعطاء وطاوس وأبو حنيفة وسيفان الثوري، وحديث الباب ضعيف لكنه تؤيده الأحاديث الآخر منها ما أخرجه مسلم والترمذي وصححه عن عائشة قالت "فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة من الفراش، فالتمسته فوضعت يدي على باطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان وهو يقول: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك . الحديث. ومنها ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي سلمة عن عائشة قالت: "كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، فإذا قام بسطتهما والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح" وفي لفظ: "فإذا أراد أن يسجد غمز رجلي فضممتها إلى

(1/207)


قال أبُو دَاوُدَ: وَهُوَ مُرْسَلٌ، وإبْرَاهِيمُ التّيْمِيّ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَائِشَةَ شَيْئاً. قال أبُو دَاوُدَ: وَكَذَا رَوَاهُ الْفِرْيَابِيّ وَغَيْرُهُ. قال أبُو دَاوُدَ: وَمَاتَ إبْرَاهِيمُ التّيْمِيّ وَلَمْ يَبْلُغْ أرْبَعِينَ سَنَةً، وكَانَ يُكْنَى أبَا أسْمَاءَ.
__________
ثم سجد" وذهب ابن مسعود وابن عمر والزهري ومالك بن أنس والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق إلى أن في القبلة وضوءاً قال الترمذي: وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذه الجماعة أيضاً دلائل منها قوله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} وقرىء: {أَوْ لمَسْتُمُ} قالوا: الآية صرحت بأن اللمس من جملة الأحداث الموجبة للوضوء وهو حقيقة في لمس اليد، ويؤيده بقاؤه على معناه الحقيقي قراءة: {أَوْ لمَسْتُمُ} فإنها ظاهرة في مجرد اللمس من دون الجماع، وأجيب بأنه يجب المصير إلى المجاز وهو أن اللمس مراد به الجماع لوجود القرينة وهي حديث عائشة في التقبيل، وحديثها في لمسها لبطن قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد فسر به ابن عباس الذي علمه الله تأويل كتابه، واستجاب فيه دعوة نبيه صلى الله عليه وسلم بأن اللمس المذكور في الآية هو الجماع، وفي غاية المقصود في هذا المقام بسط حسن فارجع إليها يعطيك الثلج في هذه المسألة إن شاء الله تعالى "هو": أي حديث إبراهيم التيمي "مرسل": المرسل على المعنى المشهور ما يكون السقط فيه من آخره بعد التابعي وصورته أن يقول التابعي سواء كان كبيراً أو صغيراً قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا أو فُعل بحضرته كذا ونحو ذلك، وللمرسل معنى آخر وهو ما سقط راو من سنده سواء كان في أوله أو آخره أو بينهما واحد أو أكثر وهو المعروف في الفقه وأصوله، وإليه ذهب من أهل الحديث أبو بكر الخطيب كذا قال ابن الصلاح، وهذا المعنى الأخير مراد ههنا "الفريابي وغيره": الفريابي بكسر الفاء وسكون الراء قال الذهبي في كتاب المشتبه: الفريابي وفيراب، ويقال فارياب مدينة بالترك منها محمد بن يوسف صاحب الثوري. انتهى. قلت: هو محمد بن يوسف بن واقد من أجلة أصحاب الثوري روى عن يونس بن إسحاق وفطر بن خليفة وخلق. وروى عنه أحمد ومحمد بن يحيى والبخاري وثقه أبو حاتم والنسائي. وغرض المؤلف من إيراد هذه الجملة أن أكثر الحفاظ من أصحاب الثوري كيحيى بن سعيد القطان وعبدالرحمن بن مهدي ومحمد بن يوسف الفريابي ووكيع وغيرهم رووه هكذا عن سفيان مرسلاً غير موصول، وفيه تعريض على من وصله من بعض أصحاب الثوري كمعاوية بن هشام. قال الدارقطني: وقد روى هذا الحديث معاوية بن هشام عن الثوري عن أبي روق عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن عائشة فوصل سنده ومعاوية بن هشام هذا الأزدي أخرج له مسلم في صحيحه ووثقه أبو داوود وقال ابن معين صالح وليس بذاك. وقال ابن حبان: ربما. أخطأ وفي بعض نسخ سنن أبي داوود ههنا هذه العبارة قال أبو داوود: مات إبراهيم التيمي ولم يبلغ أربعين سنة، وكان يكنى أبا أسماء. انتهى.

(1/208)


177 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ قال حدثنا وَكِيعٌ قال حدثنا الأعْمَشُ عن حَبِيبٍ عن عُرْوَةَ عن عَائِشَةَ أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم قَبّلَ امْرَأةً مِنْ نِسَائِهِ ثُمّ خَرَجَ إلَى الصّلاَةِ وَلَمْ يَتَوَضّأْ. قال عُرْوَةُ: فَقُلْتُ لَهَا: مَنْ هِيَ إلاّ أنْتِ فَضَحِكَتْ. قال أبُو دَاوُدَ: هَكَذَا رَوَاهُ زَائِدَةُ وَعَبْدُالْحَمِيدِ الْحِمّانيّ عن سُلَيْمَانَ الأعمَشِ.
178 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مَخْلِدٍ الطّالْقَانِيّ حدثنا عَبْدُالرّحْمَنِ بنُ مَغْرَاءَ قال حدثنا الأعْمَشُ قال حدثنا أصْحَابٌ لَنَا عَنْ عُرْوَةَ المُزَنِيّ عن عَائِشَةَ بِهَذَا الحَدِيثِ.
__________
"عروة": أي عروة بن الزبير لا عروة المزني "من هي إلا أنت": هذا السؤال ظاهر في أن سائله ابن الزبير لأن عروة المزني لا يجسر أن يقول هذا الكلام لعائشة. واعلم أن الحديث أخرجه الترمذي أيضاً ولم ينسب عروة في هذا الحديث أصلاً، وأما ابن ماجه فإنه نسبه وقال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد قالا: حدثنا وكيع حدثنا الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة بن الزبير عن عائشة الحديث. وأبلغ من ذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. وأخرج الدارقطني حدثنا أبو بكر النيسابوري أخبرنا حاجب بن سليمان حدثنا وكيع عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: "قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ ثم ضحكت" قال الحافظ عماد الدين: وهذا نص في كونه عروة بن الزبير، ويشهد له قوله من هي إلا أنت فضحكت "هكذا": أي لفظ عروة مطلقاً من غير تقييد بابن الزبير. أخرج الدارقطني حدثنا أبو بكر النيسابوري حدثنا علي بن حرب وأحمد بن منصور ومحمد بن اشكاب وعباس بن محمد قالوا أخبرنا أبو يحيى بن الحماني أخبرنا الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة قالت الحديث.
"حدثنا عبدالرحمن بن مغراء": بفتح الميم أوله وإسكان الغين المعجمة: أبو زهير الكوفي نزيل الري، وثقة أبو خالد الأحمر وابن حبان، وقال أبو زرعة صدوق، وقال علي بن المديني ليس بشيء. كان يروي عن الأعمش ستمائة حديث تركناه لم يكن بذاك. وقال ابن عدي: والذي قاله ابن المديني هو كما قال فإنه روى عن الأعمش أحاديث لا يتابعه عليها الثقات هو من جملة الضعفاء الذين يكتب حديثه "أصحاب لنا": وهؤلاء رجال مجهولون وما سمى منهم إلا حبيب بن أبي ثابت "عن عروة المزني": قال الذهبي هو شيخ لحبيب بن أبي ثابت لا يعرف. وفي الخلاصة له أحاديث ضعفها القطان، وفي التقريب هو مجهول من الرابعة "بهذا الحديث" المذكور فهذا من رواية عبد

(1/209)


قال أبُو دَاوُدَ: قال يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ الْقَطّانُ لِرَجُلٍ: إحْكِ عَنّي أنّ هَذَيْنِ يَعْنِي حَدِيثَ الأعْمَشِ هَذَا عن حَبِيبٍ وَحَدِيثَهُ بِهَذَا الإسْنَادِ في المُسْتَحَاضَةِ أنّها تَتَوَضّأُ لِكُلّ صَلاَةٍ. قال يَحْيَى: إحْكِ عَنّي أنّهُمَا شِبْهُ لاَ شَيْءَ.
قال أبُو دَاوُدَ: وَرُوِيَ عن الثّوْرِيّ قال ما حدثنا حَبِيبٌ إلاّ عن عُرْوَةَ المُزَنِيّ يَعْنِي لمْ يُحَدّثْهُمْ عن عُرْوَةَ بنِ الزّبَيْرِ بِشَيْءٍ.
قال أبُو دَاوُدَ: وَقَدْ رَوَى حَمْزَةُ الزّيّاتُ عن حَبِيبٍ عن عُرْوَةَ بن الزّبَيْرِ عن عَائِشَةَ حَدِيثاً صَحِيحاً.
__________
الرحمن بن مغراء وهو ضعيف عن الأعمش عن رجال مجهولين "إحك": أمر الحكاية من باب ضرب "عني": أي أخبر الناس عن جانبي "أن هذين": الحديثين "هذا عن حبيب": عن عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل امرأة من نسائه الحديث "وحديثه": بالنصب عطف على حديث الأعمش وهذا الحديث لعله هو ما يجيء في باب من قال تغتسل المستحاضة من طهر إلى طهر عن طريق وكيع عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة قالت فاطمة بنت أبي حبيش الحديث "احك عني": أعاد هذه الجملة لكون الفصل والبعد بين المقول والمفولة "أنهما شبه لا شيء": بكسر الشين وسكون الباء الموحدة، وسقط منه التنوين للاضافة إلى لا شيء، ولا شيء إشارة إلى الإسناد أي هذان الحديثان ضعيفان من جهة الإسناد. ذكره شهاب بن رسلان "يعني لم يحدثهم": أي لم يحدث حبيب أحداً من تلامذته ومنهم الثوري "بشيء": بل كل ما رواه فهو عن عروة المزني لكن لم يرض أبو داوود بما قاله الثوري ولذا نقله بصيغة التمريض وعنده سماع حبيب من عروة بن الزبير صحيح ثابت كما يدل عليه قوله "حديثاً صحيحاً": في غير هذا الباب. وهو ما أخرجه الترمذي في كتاب الدعوات من سننه: حدثنا أبو كريب أخبرنا معاوية بن هشام عن همزة الزيات عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "اللهم عافني في جسدي وعافني في بصري" الحديث. فمقصود المؤلف أن حبيباً وإن اختلف في شيخه أنه المزني أو ابن الزبير فلا يشك في سماع حبيب من عروة ابن الزبير فإنه صحيح وإليه أشار بقوله حديثاً صحيحاً. فمحصل الكلام أن عبدالرحمن بن مغراء مع ضعفه ورواية شيخه الأعمش عن المجهولين قد تفرد عن الأعمش عن حبيب عن عروة بهذا اللفظ أي عروة المزني، وأما وكيع وعلى ابن هاشم وأبو يحيى الحماني من أصحاب الأعمش فلم يقولوا به. فبعض أصحاب وكيع روى عنه لفظ عروة بغير نسبة وبعضهم روى عنه بلفظ عروة بن الزبير ثم الأعمش أيضاً ليس

(1/210)


__________
متفرداً بهذا بل تابعه أبو أويس بلفظ عروة بن الزبير ثم حبيب بن أبي ثابت أيضاً ليس متفرداً، بل تابعه هشام بن عروة عن أبيه، ومعلوم قطعاً أنه ابن الزبير، فثبت أن المحفوظ عروة بن الزبير، فبعض الحفاظ أطلقه وبعضهم نسبه، وقد تقرر في موضعه أن زيادة الثقة مقبولة. وأما عروة المزني فغلط من عبدالرحمن بن مغراء. وإذا عرفت هذا فاعلم أن سماع حبيب من عروة بن الزبير متكلم فيه. وقال سفيان الثوري ويحيى بن معين ويحيى بن سعيد القطان ومحمد بن إسماعيل البخاري: ولم يصح له سماع من عروة بن الزبير، وصححه أبو داوود وأبو عمر بن عبدالبر لكن الصحيح هو القول الأول، فيكون الحديث منقطعاً. وأجيب ضعف الإنقطاع منجبر بكثرة الطرق والروايات العديدة

(1/211)


70 باب الوضوء من مس الذكر
179 - حدثنا عَبْدُالله بنُ مَسْلَمَةَ عن مَالِكٍ عن عَبْدِالله بنِ أبي بَكْرٍ أنّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ يقولُ: دَخَلْتُ عَلَى مَرْوَانَ الحَكَمِ، فَذَكَرْنَا مَا يَكُونُ مِنْهُ الوُضُوءُ، فَقالَ مَرْوَانُ: وَمِنْ مسّ الذّكَرِ، فقالَ عُرْوَةُ: مَا عَلِمْتُ ذَلِكَ، فقالَ مَرْوَانُ: أخْبَرَتْنِي بُسْرَةُ بِنْتُ صَفْوَانٍ أنّهَا سَمِعَتْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: "مِنْ مَسّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضّأْ"
__________
"باب الوضوء من مس الذكر"
هل هو واجب
"عروة": هو ابن الزبير "فذكرنا": وفي الموطأ فتذاكرنا "ما يكون منه الوضوء": أي من شيء يلزم الوضوء " فليتوضأ ": ليس المراد من الوضوء غسل اليد، بدليل رواية ابن حبان ففيه: من مسّ فرجه فليتوضأ وضوءه للصلاة وبدليل رواية أخرى له: من مسّ فرجه فليعد الوضوء، والإعادة لا تكون إلا لوضوء الصلاة. والحديث يدل على انتقاض الوضوء من مس الذكر.
قال الإمام العلامة أبو بكر محمد بن موسى الحازمي في كتابه الناسخ والمنسوخ: وذهب إلى إيجاب الوضوء من مس الذكر جماعة، وروى ذلك عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وأبي أيوب الأنصاري وزيد بن خالد وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص وجابر وعائشة وأم حبيبة وبسرة بنت صفوان وسعد بن أبي وقاص في إحدى الروايتين، وابن عباس في إحدى الروايتين، وعروة بن الزبير وسليمان بن يسار وعطاء بن أبي رباح وأبان بن عثمان وجابر بن زيد والزهري ومصعب بن سعد ويحيى بن أبي كثير وسعيد بن المسيب في أصح الروايتين، وهشام بن عروة والأوزاعي وأكثر أهل الشام والشافعي وأحمد وإسحاق وهو المشهور من قول مالك. انتهى.

(1/211)


.......................
__________
وحديث بسرة أخرجه مالك في الموطأ والشافعي وأحمد وأصحاب السنن وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وابن الجارود من حديثها، وصححه الترمذي، ونقل عن البخاري أنه أصح شيء في الباب وقال أبو داوود قلت لأحمد: حديث بسرة ليس بصحيح، قال: بل هو صحيح وقال الدارقطني صحيح ثابت وصححه أيضاً يحيى بن معين فيما حكاه ابن عبدالبر وأبو حامد بن الشرقي والبيهقي والحازمي، قال البيهقي: هذا الحديث وإن لم يخرجه الشيخان لاختلاف وقع في سماع عروة منها أو من مروان فقد احتجا بجميع رواته.
قال الحافظ في التلخيص: وفي الباب عن جابر وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو وزيد بن خالد وسعد بن أبي وقاص وأم حبيبة وعائشة وأم سلمة وابن عباس وابن عمر وطلق بن علي والنعمان بن بشير وأنس وأُبي بن كعب ومعاوية بن حيدة وقبيصة وأروى بيت أنيس. انتهى. وفي الباب آثار أيضاً أخرجها مالك وغيره.
واعلم أن المراد من مس الذكر مسه بلا حائل وأما المس بحائل فليس ناقضاً للوضوء كما أخرج ابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه وليس بينها ستر ولا حائل فليتوضأ" ورواه الحاكم في المستدرك وصححه وراوه أحمد في مسنده والطبراني في معجمه والدارقطني في سننه وكذلك البيهقي ولفظه في " من أفضى بيده إلى فرجه ليس دونها حجاب فقد وجب عليه وضوء الصلاة"
ـــــــ
قال الشيخ شمس الدين بن القيم:
نقض الوضوء من مس الذكر فيه حديث بسرة قال الدارقطني قد صح سماع عروة من بسرة هذا الحديث وبسرة هذه من الصحابيات الفضليات قال مالك أتدرون من بسرة بنت صفوان هي جدة عبدالملك بن مروان أم أمه فاعرفوها وقال مصعب الزبيري هي بنت صفوان بن نوفل من المبايعات وورقة بن نوفل عمها وقد ظلم من تكلم في بسرة وتعدى وفي الموطأ في حديثها من رواية ابن بكير إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ وضوءه للصلاة .
وفيه حديث أبي هريرة يرفعه إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره ليس بينه وبينه شيء فليتوضأ رواه الشافعي عن سلمان بن عمرو ومحمد بن عبد الله عن يزيد بن عبد الله الهاشمي عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة قال ابن السكن هذا الحديث من أجود ما روى في هذا الباب قال ابن عبدالبر كان حديث أبي هريرة لا يعرف إلا بيزيد بن عبدالملك النوفلي عن سعيد عن أبي هريرة ويزيد ضعيف حتى رواه أصبغ بن الفرج عن ابن القاسم عن نافع بن أبي نعيم ويزيد بن عبدالملك جميعا عن سعيد عن أبي

(1/212)


................
__________
ثم اعلم أن حديث أم حبيبة مرفوعاً بلفظ "من مس فرجه فليتوضأ" رواه ابن ماجه والأثرم وصححه أحمد وأبو زرعة يشمل الذكر والأنثى ولفظ الفرج يشمل القبل والدبر من الرجل والمرأة، وبه يرد مذهب من خصص ذلك بالرجل وهو مالك. وأخرج الدارقطني من حديث عائشة " إذا مست إحداكن فرجه "فرجها" فلتتوضأ " وفيه ضعف. وأخرج أحمد والبيهقي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم "أيما رجل مس فرجه فليتوضأ، وأيما مرأة مست فرجها فلتتوضأ" قال الترمذي في العلل عن البخاري: وهذا عندي صحيح وفي إسناده بقيه بن الوليد ولكنه قال حدثني محمد بن الوليد الزبيدي حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. والحديث صريح في عدم الفرق بين الرجل والمرأة. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال محمد يعني إسماعيل البخاري: أصح شيء في هذا الباب حديث بسرة. هذا آخر كلامه.
وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه: وقد روينا قولنا عن غير بسرة، والذي يعيب علينا الرواية عن بسرة يروي عن عائشة بنت عجرد وأم خداش وعدة من النساء لسن بمعروفات في العامة، ويحتج بروايتهن ويضعف بسرة مع سابقتها وقديم هجرتها وصحبتها النبي صلى الله عليه وسلم وقد حدثت بهذا في دار المهاجرين والأنصار وهم متوافرون ولم يدفعه منهم أحد بل علمنا بعضهم صار إليه عن روايتها، منهم عروة بن الزبير وقد دفع وأنكر الوضوء من مس الذكر قبل أن يسمع الخبر، فلما
ـــــــ
هريرة قال فصح الحديث بنقل العدل عن العدل على ما قال ابن السكن إلا أن أحمد بن حنبل كان لا يرضي نافع بن أبي نعيم وخالفه ابن معين فقال هو ثقة قال الحازمي وقد روى عن نافع بن عمر الجمحي عن سعيد كما رواه يزيد وإذا اجتمعت هذه الطرق دلتنا على أن له أصلا من رواية أبي هريرة وفي الباب حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده يرفعه أيما رجل مس فرجه فليتوضأ وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ قال الحازمي هذا إسناد صحيح لأن إسحاق بن راهويه رواه في مسنده حدثنا بقية بن الوليد حدثني الزبيدي حدثني عمرو فذكره وبقية ثقة في نفسه وإذا روى عن المعروفين فمحتج به وقد احتج به مسلم ومن بعده من أصحاب الصحيح والزبيدي محمد بن الوليد إمام محتج به وعمرو بن شعيب ثقة باتفاق أئمة الحديث قال وإذا روى عن غير أبيه لم يختلف أحد في الاحتجاج به وأما رواياته عن أبيه عن جده فالأكثرون على أنها متصلة ليس فيها إرسال ولا انقطاع وذكر الترمذي في كتاب العلل له عن البخاري أنه قال حديث عبد الله بن عمرو في هذا الباب في باب مس الذكر هو عندي صحيح قال الحازمي وقد روى هذا الحديث من غير وجه عن عمرو بن شعيب فلا يظن أنه من مفاريد بقية

(1/213)


..............
__________
علم أن بسرة روته قال به وترك قوله، وسمعها ابن عمر تحدث به، فلم يزل يتوضأ من مس الذكر حتى مات، وهذه طريقة الفقه والعلم. هذا آخر كلامه. وقد وقع لنا هذا الحديث من رواية عبد الله بن عمر وعبد الله ابن عمرو وجابر بن عبد الله وزيد بن خالد وأبي أيوب الأنصاري وأبي هريرة وعائشة وأم حبيبة رضي الله عنهم. انتهى كلام المنذري.
ـــــــ
وأما حديث طلق فقد رجح حديث بسرة وغيره عليه من وجوه أحدها ضعفه
والثاني أن طلقا قد اختلف عنه فروى عنه هل هو إلا بضعة منك وروى أيوب بن عتبة عن قيس بن طلق عن أبيه مرفوعا من مس فرجه فليتوضأ رواه الطبراني وقال لم يروه عن أيوب بن عتبة إلا حماد بن محمد وهما عندي صحيحان يشبه أن يكون سمع الحديث الأول من النبي صلى الله عليه وسلم قبل هذا ثم سمع هذا بعده فوافق حديث بسرة وأم حبيبة وأبي هريرة وزيد بن خالد الجهني وغيرهم فسمع الناسخ والمنسوخ
الثالث أن حديث طلق لو صح لكان حديث أبي هريرة ومن معه مقدما عليه لأن طلقا قدم المدينة وهم يبنون المسجد فذكر الحديث وفيه قصة مس الذكر وأبو هريرة أسلم عام خيبر بعد ذلك بست سنين وإنما يؤخذ بالأحدث فالأحدث من أمره صلى الله عليه وسلم
الرابع أن حديث طلق مبقي على الأصل وحديث بسرة ناقل والناقل مقدم لأن أحكام الشارع ناقله عما كانوا عليه
الخامس أن رواة النقض أكثر وأحاديثه أشهر فإنه من رواية بسرة وأم حبيبة وأبي هريرة وأبي أيوب وزيد بن خالد.
السادس أنه قد ثبت الفرق بين الذكر وسائر الجسد في النظر والحس فثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يمس الرجل ذكره بيمينه فدل أن الذكر لا يشبه سائر الجسد ولهذا صان اليمين عن مسه فدل على أنه ليس بمنزلة الأنف والفخذ والرجل فلو كان كما قال المانعون إنه بمنزلة الإبهام واليد والرجل لم ينه عن مسه باليمين والله أعلم.
السابع أنه لو قدر تعارض الحديثان من كل وجه لكان الترجيح لحديث النقض لقول أكثر الصحابة منهم عمر بن الخطاب وابنه وأبو أيوب الأنصاري وزيد بن خالد وأبو هريرة وعبد الله بن عمرو وجابر وعائشة وأم حبيبة وبسرة بنت صفوان رضي الله عنهم وعن سعد بن أبي وقاص روايتان وعن ابن عباس رضي الله عنهما روايتان

(1/214)


71 - باب الرخصة في ذلك
180 - حدثنا مُسَدّدٌ قال حدثنا مُلاَزِمُ بنُ عَمْرٍو و الحَنَفِيّ قال حدثنا عَبْدُالله بنُ بَدْرٍ عن قَيْسِ بنِ طَلْقٍ عن أبِيهِ قال: قَدِمْنَا عَلَى نَبِيّ الله صلى الله عليه وسلم، فَجَاءَ رَجُلٌ كَأنّهُ بَدَوِيّ، فَقالَ: يانَبِيّ الله مَا تَرَى في مَسّ الرّجُلِ ذَكَرَهُ بَعْدَمَا يَتَوَضّأُ، فَقالَ صلى الله عليه وسلم: "هَلْ هُوَ إلاّ مُضْغَةٌ مِنْهُ أوْ بِضْعَةٌ مِنْهُ".
__________
"باب الرخصة في ذلك"
أي ترك الوضوء من مس الذكر
"قال قدمنا": قال الزيلعي قال ابن حبان: إن طلق بن علي كان قدومه على النبي صلى الله عليه وسلم أول سنة من سنى الهجرة حيث كان المسلمون يبنون مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، ثم أخرج عن قيس بن طلق عن أبيه قال: بنيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجد المدينة. الحديث "بدوي": بفتحتين. قال ابن رسلان: نسبة إلى البادية على غير قياس، والبدوي خلاف الحضري. انتهى "ما ترى في مس الرجل ذكره بعد ما يتوضأ": هل هو ناقص للوضوء " هل هو إلا مضغة منه ": أي ما هو أي الذكر إلا مضغة من الجسد، والمضغة بضم الميم وسكون الضاد وفتح الغين المعجمتين: قطعة لحم، أي كما لا ينقض الوضوء من مس الجسد والأعضاء فكذا لا ينقض الوضوء من مس الذكر، لأن الذكر أيضاً قطعة من الجسد " أو بضعة منه ": بفتح الباء الموحدة وسكون الضاد المعجمة، والمضغة والبضعة لفظان مترادفان وهو شك من الراوي. الحديث يدل على أن مس الذكر لا ينقض الوضوء. قال الحازمي في الاعتبار: وذهب بعضهم إلى ترك الوضوء من مس الذكر آخذاً بهذا الحديث. وروى ذلك عن علي بن أبي طالب وعمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وحذيفة بن اليمان وعمران بن الحصين وأبي الدرداء وسعد بن أبي وقاص في إحدى الروايتين عنه وسعيد بن المسيب في إحدى الروايتين وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وربيعة بن أبي عبدالرحمن وسفيان الثوري وأبي حنيفة وأصحابه ويحيى بن معين وأهل الكوفة. انتهى.
وأما حديث طلق فقال الحافظ في التلخيص: أخرجه أحمد وأصحاب السنن والدارقطني وصححه عمرو بن علي الفلاس وقال: هو عندنا أثبت من حديث بسرة، وروى عن ابن المديني أنه قال: هو عندنا أحسن من حديث بسرة. والطحاوي قال: إسنادة مستقيم غير مضطرب بخلاف حديث بسرة، وصححه أيضاً ابن حبان والطبراني وابن حزم وضعفه الشافعي وأبو حاتم وأبو زرعة والدارقطني والبيهقي وابن الجوزي.

(1/215)


قال أبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ هِشَامُ بنُ حَسّانَ وَسُفْيَانُ الثّوْرِيّ وَشُعْبَةُ وَابنُ عُيَيْنَةَ وَجَرِيرٌ الرّازِيّ عن مُحمّدِ بنِ جَابِرٍ عن قَيْسِ بنِ طَلْقٍ.
181 - حدثنا مُسَدّدٌ قال حدثنا مُحمّدُ بنُ جَابِرٍ عن قَيْسِ بنِ طَلقٍ عن أبِيهِ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ وقال "في الصّلاَةِ "
__________
وإذا عرفت هذا فاعلم أن ابن حبان والطبراني وابن العربي وآخرين رعموا أن حديث طلق منسوخ لتقدم إسلام طلق وتأخر إسلام بسرة، ولكن هذا غير دليل على النسخ عند المحققين من أئمة الأصول، وبعضهم رجحوا حديث بسرة على حديث طلق لكثرة طرق حديث بسرة وصحتها وكثرة من صححه من الأئمة ولكثرة شواهده، وقال البيهقي: يكفي في ترجيح حديث بسرة على حديث طلق أن حديث طلق لم يحتج الشيخان بأحد من رواته، وحديث بسرة قد احتجا بجميع رواته. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وفي لفظ النسائي ورواية لأبي داوود: في الصلاة. قال الإمام الشافعي: قد سألنا عن قيس فلم نجده من يعرفه بما يكون لنا قبول خبره وقد عارضه من وصفنا نعته وتثبته في الحديث. وقال يحيى بن معين: لقد اضطرب الناس في طلق ابن قيس وأنه لا يحتج بحديثه. وقال عبدالرحمن بن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عن هذا الحديث فقالا قيس بن طلق ليس ممن يقوم به حجة ووهناه ولم يثبتاه.
"بإسناده": بالإسناد السابق "ومعناه": أي وبمعنى الحديث الأول وهو حديث عبد الله بن بدر "وقال": أي محمد بن جابر في حديثه " في الصلاة ": أي ما ترى في رجل مس ذكره في الصلاة. والحاصل أن عبد الله بن بدر روى عن قيس بلفظ: "ما ترى في مس الرجل ذكره ما يتوضأ" ولم يذكر فيه لفظ " في الصلاة " وروى مسدد وهشام بن حسان والثوري وشعبة وابن عيينة وجرير الرازي هؤلاء كلهم عن محمد بن جابر عن قيس بن طلق عن أبيه بلفظ " في الصلاة " أي يمس الرجل حال كونه في الصلاة. قال الخطابي: إنهم تأوّلوا خبر طلق أيضاً على أنه أراد به المس ودونه الحائل، واستدلوا على ذلك برواية الثوري وشعبه وابن عيينة أنه سأله عن سمه في الصلاة والمصلى لا يمس فرجه من غير حائل بينه وبينه قلت ولا يخفى بعد هذا التأويل.

(1/216)


-72 باب الوضوء من لحوم الإبل
182 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ قال حدثنا أبُو مُعَاوِيَةَ قال حدثنا الأعمَشُ عن عَبْدِالله بنِ عَبْدِالله الرّازِيّ عن عَبْدِالرّحْمَنِ بنِ أبي لَيْلَى عن الْبَرَاءِ بنِ عَازِبٍ قال: سُئِلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الإبْلِ، فَقالَ: "تَوَضّأُوا مِنْهَا". وَسُئِلَ
__________
"باب الوضوء من لحوم الإبل"
أي من أكلها.
"عن الوضوء من": أكل "لحوم الإبل فقال توضؤا منها ": والمراد به الوضوء الشرعي والحقائق الشرعية ثابتة مقدمة على غيرها. والحديث يدل على أن الأكل لحوم الإبل من جملة نواقض الوضوء، وذهب إليه الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ويحيى بن معين وأبو بكر بن المنذر وابن خزيمة، واختار الحافظ أبو بكر البيهقي، وحكى عن أصحاب الحديث مطلقاً، وحكى عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، واحتج هؤلاء بحديث جابر بن سمرة والبراء قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه: صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا حديثان جابر وحديث البراء، وهذا المذهب أقوى دليلاً وإن كان الجمهور على خلافه. قاله النووي. وقال الدميري وأنه المختار المنصور من جهة الدليل، وذهب الأكثرون إلى أنه لا ينقض الوضوء. وممن ذهب إليه الخلفاء الأربعة والراشدون وابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وأبو الدرداء وأبو طلحة وعامر بن ربيعة وأبو أمامة وجماهير التابعين ومالك وأبو حينفة والشافعي وأصحابهم، وأجاب هؤلاء القائلون بعدم النقض بحديث جابر قال: "كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مسته النار" أخرجه أبو داوود والنسائي قالوا ولحم الإبل داخل فيه أيضاً لأنه من أفراد ما مسته النار بدليل أنه لا يؤكل نيئاً بل يؤكل مطبوخاً فلما نسخ الوضوء مما مسته النار نسخ من أكل
ـــــــ
قال الحافظ بن القيم رحمه الله
وقد أعل ابن المديني حديث جابر بن سمرة في الوضوء من لحوم الإبل قال محمد بن أحمد بن البراء قال علي جعفر مجهول يريد جعفر بن أبي ثور راويه عن جابر وهذا تعليل ضعيف قال البخاري في التاريخ جعفر بن أبي ثور جده جابر بن سمرة قال سفيان وزكريا وزائدة عن سماك عن جعفر بن أبي ثور عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم في اللحوم قال البخاري وقال أهل النسب ولد جابر بن سمرة خالد وطلحة ومسلمة وهو أبو ثور قال وقال شعبة عن سماك عن أبي ثور بن عكرمة بن جابر بن سمرة عن جابر قال الترمذي في العلل حديث سفيان الثوري أصح من حديث شعبة وشعبة

(1/217)


عن لُحُومِ الْغَنَمِ، فَقالَ: "لاَ تَوَضّؤوا مِنْهَا". وَسُئِلَ عن الصّلاَةِ في مَبَارِكِ الإبِلِ، فقالَ: "لا تُصَلّوا في مَبَارِكِ الإبِلِ فإنّهَا مِنَ الشّيَاطِينِ". وسُئِلَ عن الصّلاَةِ في مَرابِضِ الْغَنَمِ، فقالَ: "صَلّوا فِيهَا فَإنّهَا بَرَكَةٌ "
__________
لحوم الإبل أيضاً ورده النووي بأن حديث ترك الوضوء مما مسته النار عام وحديث الوضوء من لحوم الإبل خاص والخاص مقدم على العام. وقال ابن المقيم: وأما من يجعل كون لحم الإبل هو الموجب للوضوء سواء مسته النار أو لم تمسه فيوجب الوضوء من نيه ومطبوخه وقديده، فكيف يحتج عليه بهذا الحديث حتى لو كان لحم الإبل فرداً من أفراده فإنما يكون دلالته عليه بطريق العموم فكيف يقدم على الخاص.
" لا توضؤوا منها ": لأن لحومها ليست ناقضة للوضوء، ومن حمله على الوضوء اللغوي يعني المضمضة وغسل اليدين فدعواه محتاجة إلى بينة واضحة " في مبارك الإبل ": على وزن مساجد جمع مبرك كجعفر وهو موضع بروك الإبل، يقال برك البعير بروكا وقع على بكره وهو صدره. كذا في المصباح. قال الجوهري: برك البعير يبرك بروكا أي استناخ " فإنها من الشياطين ": أي الإبل تعمل عمل الشياطين والأجنة لأن الإبل كثيرة الشر فتشوش قلب المصلى وربما نفرت وهو في الصلاة فتؤدي إلى قطعها أو أذى يحصل له منها، فبهذه الوجوه وصفت بأعمال الشياطين والجن. قال ولي الدين العراقي: يحتمل أن يكون قوله فإنها من الشياطين على حقيقة وأنها أنفسها شياطين، وقد قال أهل الكوفة إن الشيطان كل عات متمرد من الإنس والجن والدواب. انتهى. والله أعلم بمراد رسوله صلى الله عليه وسلم.
" في مرابض الغنم": جمع مربض بفتح الميم وكسر الباء الموحدة وآخرها ضاد معجمة. قال الجوهري المرابض كالمعاطن للإبل قال وربوض الغنم والبقر والفرس مثل بروك الإبل وجثوم الطير " فإنها بركة ": زاد الشافعي فإنها سكينة وبركة، والمعنى أن الغنم فيها تمرد ولا شراد بل
ـــــــ
أخطأ فيه فقال عن أبي ثور وإنما هو جعفر بن أبي ثور قال البيهقي وجعفر بن أبي ثور رجل مشهور وهو من ولد جابر بن سمرة روى عن سماك بن حرب وعثمان بن عبد الله بن موهب وأشعث بن أبي الشعثاء قال ابن خزيمة وهؤلاء الثلاثة من أجلة رواة الحديث قال البهيقي ومن روى عنه مثل هؤلاء خرج عن مجهولا ولهذا أودعه مسلم كتابه الصحيح قال البيهقي وأخبرنا أبو بكر

(1/218)


...............
__________
هي ضعيفة وفيها سكينة فلا تؤذي المصلي ولا تقطع صلاته، فهي ذو "ذات" بركة فصلوا في مرابطها. والحديث يدل على عدم جواز الصلاة في مبارك الإبل وعلى جوازها في مرابض الغنم. قال أحمد بن حنبل لا تصح الصلاة في مبارك الإبل بحال، قال ومن صلى فيها أعاد أبداً. وسئل مالك عمن لا يجد إلا عطن الإبل قال لا يصلى، قيل فإن بسط عليه ثوباً قال لا. وقال ابن حزم: لا تحل في عطن الإبل. وذهب أكثر العلماء إلى حمل النهي على الكراهة مع عدم النجاسة وعلى التحريم مع وجودها. وهذا إنما يتم على القول بأن علة النهي هي النجاسة وذلك متوقف على نجاسة أبوال الإبل وأزبالها، وستعرف بعيد هذا تحقيق ذلك على وجه الصواب. ولو سلمنا النجاسة فيه لم يصح جعلها علة لأن العلة لو كانت النجاسة لما افترق الحال بين أعطانها وبين
ـــــــ
أحمد بن علي الحافظ حدثنا إبراهيم بن عبد الله الأصفهاني قال قال محمد بن إسحاق بن خزيمة لم نر خلافا بين علماء الحديث أن هذا الخبر صحيح من جهة النقل لعدالة ناقليه قال البيهقي وروينا عن علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهم الوضوء مما خرج وليس مما دخل وإنما قالا ذلك في ترك الوضوء مما مست النار ثم ذكر عن ابن مسعود أنه أتى بقصعة من الكبد والسنام من لحم الجزور فأكل ولم يتوضأ قال وهذا منقطع وموقوف وروى عن أبي عبيدة قال كان عبد الله بن مسعود يأكل من ألوان الطعام ولا يتوضأ منه قال البيهقي وبمثل هذا لا يترك ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا كلامه في السنن الكبير وهو كما ترى صريح في اختياره القول بأحاديث النقض واختاره ابن خزيمة.
ومن العجب معارضة هذه الأحاديث بحديث جابر كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار ولا تعارض بينهما أصلا فإن حديث جابر هذا إنما يدل على أن كونه ممسوسا بالنار ليس جهة من جهات نقض الوضوء ومن نازعكم في هذا نعم هذا يصلح أن يحتجوا به على من يوجب الوضوء مما مست النار على صعوبة تقرير دلالته وأما من يجعل كون اللحم لحم إبل هو الموجب للوضوء سواء مسته النار أم لم تمسه فيوجب الوضوء من نيئه ومطبوخه وقديده فكيف يحتج عليه بهذا الحديث وحتى لو كان لحم الإبل فردا من أفراده فإنما دلالته بطريق العموم فكيف يقدم على الخاص هذا مع أن العموم لم يستفد ضمنا من كلام صاحب الشرع وإنما هو من قول الراوي.
وأيضا فأبين من هذا كله أنه لم يحك لفظا لا خاصا ولا عاما وإنما حكى أمرين هما فعلان أحدهما متقدم وهو فعل الوضوء والآخر متأخر وهو تركه من ممسوس النار فهاتان واقعتان توضأ في إحداهما وترك في الأخرى من شيء معين مسته النار لم يحك لفظا عاما ولا خاصا ينسخ به اللفظ الصريح الصحيح وأيضا فإن الحديث قد جاء مثبتا من رواية جابر نفسه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعى إلى طعام فأكل

(1/219)


..............................
__________
مرابض الغنم إذا لا قائل بالفرق بين أوراث كل من الجنسين وأبوالها كما قال العراقي، بل حكمة النهي ما فيها من النفور والتمرد والشراد، وبهذا علل النهي أصحاب الشافعي وأصحاب مالك وهذا هو الحق وقد تمسك بحديث الباب أي حديث البراء من قال بطهارة أبوال الغنم وأبعارها قالوا لأن مرابض الغنم لا تخلو من ذلك فدل على أنهم كانوا يباشرونها في صلاتهم فلا تكون نجسة، ويؤيده ما أخرجه البخاري والترمذي عن أنس قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي قبل أن يبني المسجد في مرابض الغنم" وبوب البخاري في صحيحه لذلك باباً وقال باب أبوال الإبل والدواب والغنم ومرابضها وصلى أبو موسى في دار البريد والسرقين والبرية في جنبه فقال ههنا وثم سواء قلت: السرقين هو الزبل، والبرية الصحراء منسوبة إلى البر، ودار البريد موضع بالكوفة كانت الرسل تنزل فيه إذا حضرت من الخلفاء إلى الأمراء، وكان أبو موسى أميراً على الكوفة في زمن عمر رضي الله عنه. وقوله ههنا وثم سواء يريد أنهما متساويان في صحة الصلاة. وحديث أنس في قصة أناس من عرينة الذين أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بلقاح وأن يشربوا من أبوالها وألبانها دليل ظاهر على طهارة أبوال الإبل أيضاً. قال الحافظ في فتح الباري: وأما شربهم البول فاحتج به من قال بطهارته، أما من الإبل فبهذا الحديث وأما من مأكول اللحم فبالقياس عليه انتهى. وذهب إلى طهارة بول ما يؤكل لحمه وروثه الإمام مالك وأحمد بن حنبل وعطاء والثوري وابن أبي ليلى وإبراهيم النخعي وغيرهم، وهذا هو المذهب المنصور والقوي من حيث الدليل وسمعت شيخنا العلامة المحدث الفقيه سلطان العلماء السيد محمد نذير حسين الدهلوي أدام الله بركاته علينا يقول به والله أعلم.
وأما حديث عبد الله بن مسعود يقول "أتى النبي صلى الله عليه وسلم الغاية فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجد فأخذت روثة فأتيته بها فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال هذا ركس " فلا تدل على نجاسة عموم الروثة لأنه صرح ابن خزيمة في صحيحه في رواية له في هذا الحديث أنها كانت روثة حمار. على أن نقل التيمي أن الروث مختص من الخيل والبغال والحمير وإنا لا نقول بطهارة روث البغال والحمر الأهلية. وأما النهي عن الاستنجاء بالروثة مطلقاً فقد جاءت علة النهي عنه كونها من أم الجن لا من جهة أنها نجسة، وذهب الإمام الشافعي
ـــــــ
ثم حضرت الظهر فقام وتوضأ وصلى ثم أكل فحضرت العصر فقام فصلى ولم يتوضأ فكان آخر الأمرين من رسول الله النبي صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار فالحديث له قصة فبعض الرواة اقتصر على موضع الحجة فحذف القصة وبعضهم ذكرها وجابر روى الحديث بقصته والله أعلم

(1/220)


__________
والجمهوري "أي جمهور أصحابه" بنجاسة الأبوال والأرواث كلها من مأكول اللحم وغيره. وقال دواد الظاهري: إن الأبوال كلها سواء كانت أبوال مأكول اللحم أو غير مأكول اللحم والأرواث كلها كذلك طاهرة إلا بول الآدمي وغائطه، وهذان المذهبان ليس عليهما برهان يقنع به القلب.

(1/221)


73 باب الوضوء من مس اللحم النيء وغسله
183 - حدثنا مُحمّدُ بنُ الْعَلاَءِ وَ أيّوبُ بنُ مُحمّدٍ الرّقّيّ وَ عَمْرُو بنُ عُثْمَانَ الْحِمْصِيّ المَعْنَى قالُوا حدثنا مَرْوَانُ بنُ مُعَاوِيَةَ قال أخبرنا هِلاَلُ بنُ مَيْمُونٍ الْجُهَنِيّ عن عَطَاءِ بنِ يَزِيدِ اللّيْثِيّ، قال هِلاَلٌ: لا أعْلَمُهُ إلاّ عن أبي سَعِيدٍ، وقال أيّوبٌ وَ عَمْرُو: وَأُرَاهُ عن أبي سَعِيدٍ "أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم مَرّ بِغُلاَمٍ يَسْلُخُ شَاةً، فقالَ لهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "تَنَحّ حَتّى أُرِيكَ، فأدْخَلَ يَدَهُ بَيْنَ الْجِلْدِ وَاللّحْمِ فَدَحَسَ بِهَا حَتّى تَوَارَتْ إلَى الإبِطِ، ثُمّ
__________
"باب الوضوء من مس اللحم النيء"
على وزن حمل أي غير النضيح "وغسله": الواو بمعنى أو أي باب الوضوء. الشرعي أو غسل اليد من مس لحم غير مطبوخ هل هو ضروري أم لا؟ فبين الحديث أنه غير ضروري، والضمير المجرور في غسله يرجع إلى الماس بقرينة المقام والله أعلم. وأما إرجاع الضمير إلى اللحم أي الوضوء من غسل اللحم النيء فبعيد
"الرقي": بفتح الراء وكسر القاف نسبة إلى الرقة مدينة على الفرات "المعنى": أي واحد أي أحاديثهم متقاربة في المعنى "لا أعلمه إلا عن أبي سعيد": أي لا أعلم هذا الحديث إلا أن عطاء بن يزيد أخبرني به عن أبي سعيد الخدري، وفي رواية ابن حبان الجزم بأنه عن أبي سعيد ذكره السيوطي رح، وهذا اللفظ في رواية محمد بن العلاء "وقال أيوب وعمرو": في روايتهما عن عطاء بن يزيد "وأراه": أي أظنه "يسلخ شاة": أي ينزع الجلد عن الشاة. في المصباح: سلخت الشاة سلخاً من باب قتل ومن باب قتل ومن باب ضرب قالوا ولا يقال في البعير سلخت جلده وإنما يقال كشطته. انتهى. "تنح": أمر من تنحى يتنحى أي تحول عن مكانك " حتى أريك ": قال الخطابي: ومعنى أريك: أعلمك، ومنه قوله تعالى:
{وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} "فدحس بها": في الصحاح الدحس: إدخال اليدين جلد الشاة وصفاقها لسلخها، أي أدخل يده بين الجلد واللحم بشدة وقوة ودسها بينهما كفعل السلاخ "حتى توارت": أي استترت و"ولم يتوضأ": قال الخطابي: ومعنى

(1/221)


مَضَى فَصَلّى لِلنّاسِ وَلَمْ يَتَوَضّأْ" زَادَ عَمْرٌو في حَدِيثِهِ: يَعْنِي لَمْ يَمَسّ مَاءًا وقال: عن هِلاَل بنِ مَيْمُونٍ الرّمْلِيّ.
قال أبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ عَبْدُالوَاحِدِ بنُ زِيَادٍ وَأبُو مُعَاوِيَةَ عن هِلاَلٍ عن عَطَاءٍ عن النّبي صلى الله عليه وسلم مُرْسَلاً، لَمْ يَذْكُرْ أبَا سَعِيدٍ.
__________
الوضوء في هذا الحديث غسل اليد ويؤيد ذلك رواية عمرو الآتية "زاد عمرو في حديثه": بعد قوله لم يتوضأ "يعني لم يمس ماء": والظاهر أن هذا التفسير من عمرو بن عثمان "وقال": أي عمرو في روايته "عن هلال بن ميمون الرملي": أي بصيغة العنعنة دون الإخبار كما في رواية محمد بن العلاء وأيوب "مرسلا لم يذكر أبا سعيد": المراد من المرسل ههنا معناه المشهور، أي قول التابعي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا أو فعل كذا أو فعل بحضرته كذا. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه وفي إسناده هلال بن ميمون الجهني الرملي كنيته أبو المغيرة. قال ابن معين ثقة، وقال أبو حاتم الرازي ليس بقوى يكتب حديثه.

(1/222)


باب من ترك الوضوء من مس الميتة
...
74 - باب ترك الوضوء من مس الميتة
184 - حدثنا عَبْدُالله بنُ مَسْلَمَةَ قال حدثنا سُلَيْمانُ يَعْني ابنَ بِلاَلٍ عن جَعْفَرٍ عن أبِيهِ عن جَابِرٍ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم مَرّ بالسّوقِ دَاخِلاً مِنْ بَعْضِ الْعَالِيَةِ وَالنّاسُ كَنَفَتَيْهُ، فَمَرّ بِجَدْيٍ أسَكَ مَيّتٍ فَتَنَاوَلَهُ فَأخَذَ بِأُذُنِهِ ثمّ قال: "أيّكُم يُحِبّ أنّ هَذَا لَهُ" وَسَاقَ الحَدِيثَ.
__________
"باب ترك الوضوء من مس الميتة"
أي ميتة مأكول اللحم
"مر بالسوق داخلا من بعض العالية": أي كان دخوله صلى الله عليه وسلم من بعض العالية إلى السوق، والعالية والعوالي أماكن بأعلى أراضي المدينة، والنسبة إليها علوي وأدناها على أربعة أميال وأبعدها من جهة نجد ثمانية أميال قاله ابن الأثير "والناس كنفتيه": بفتح الكاف والنون والفاء. قال النووي: والناس كنفته، وفي بعض النسخ كنفتيه ومعنى الأول جانبه والثاني جانبيه "فمر بجدي": بفتح الجيم وسكون الدال من ولد المعز قاله الجوهري وكذا فسره الأردبيلي "أسك": بفتح الهمزة والسين المفتوحة والكاف المشددة. قال القاضي عياض في المشارق: يطلق على ملتصق الأذنين

(1/222)


ـــــــ
وعلى فاقدهما وعلى مقطوعهما وعلى الأصم الذي لا يسمع، والمراد ههنا الأول. وقال ابن الأثير: المراد الثالث، وقال النووي في شرح مسلم والقرطبي المراد صغير الأذنين "وساق": الراوي "الحديث": بتمامه. والحديث أخرجه مسلم في الزهد من صحيحه وبقيته "أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟ فقالوا ما نحب أنه لنا بشيء وما نصنع به؟ قال تحبون أنه لكم قالوا: والله لو كان حياً كان عيباً فيه لأنه أسك فيكف وهو ميت، فقال والله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم وأخرجه البخاري في الأدب المفرد وفيه الأسك الذي ليس له أذنان. والحديث فيه جواز مس ميتة مأكول اللحم، وأن غسل اليد بعد مسها ليس بضروري. قال المنذري: وأخرجه مسلم.

(1/223)


باب من ترك الوضوء مما مست النار
...
75 باب في ترك الوضوء مما مست النار
185 - حدثنا عَبْدُالله بنُ مَسْلَمَةَ قال حدثنا مَالِكٌ عن زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عن عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ عن ابنِ عَبّاسٍ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أكَلَ كَتِفَ شَاةٍ ثُمّ صَلّى وَلَمْ يَتَوَضّأْ.
186 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ وَ مُحمّدُ بنُ سُلَيْمَانَ الأنْبَارِيّ المَعْني قالا حدثنا وَكِيعٌ عن مِسْعَرٍ عن أبي صَخْرَةَ جَامِعِ بنِ شَدّادٍ عن المغِيرَةَ بنِ عَبْدِالله عن المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ قال: ضِفْتُ النّبي صلى الله عليه وسلم ذَاتَ لَيْلَةٍ فأمَرَ بِجَنْبٍ فَشُوِيَ وَأخَذَ الشّفْرَةَ
__________
"باب في ترك الوضوء مما مست النار"
وفي بعض نسخ المتن مما مسته النار وهو أصرح، أي ترك الوضوء من أكل شيء طبخته النار لأن ما طبخته النار ومسته لا ينقص الوضوء.
"كتف شاة": الكتف كفرح ومثل وجبل يقال له بالفارسية شانه أي أكل اللحم الكتف. وهذا الحديث نص صريح في عدم انتقاض الوضوء بأكل ما مسته النار وسيجيء بيانه في آخر الباب. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم.
"ضفت": بكسر الضاد أي نزلت عليه ضيفاً. قال الجوهري: ضفت الرجل ضيافة إذا نزلت عليه ضيفاً "بجنب": بفتح الجيم وسكون النون قال ابن سيده جنب الشاة شقها وجنب الإنسان شقه وفي النهاية الجنب القطعة من الشيء يكون معظمه أو شيئاً كثيراً منه "فشوى": بضم الشين وكسر الواو المخففة يقال شويت اللحم أشويه شياً فانشوى مثل كسرته فانكسر فهو مشوي "الشفرة": بفتح الشين وسكون الفاء. قال الجوهري هي السكين العظيمة، وقال ابن الأثير هي السكين العريضة "يحز": بالحاء المهملة والزاء المعجمة المشددة في الصحاح حزه واحتزه أي قطعه، والتحزز التقطع، والحزة قطعة من اللحم طولا. وفيه دليل على جواز قطع اللحم

(1/223)


فَجَعَلَ يَحُزّ لِي بِهَا مِنْهُ. قال: فَجَاءَ بِلاَلٌ فآذَنَهُ بالصّلاَةِ. قال: فألْقَى الشّفْرَةَ وقال: " مَا لَهُ تَرِبَتْ يَدَاهُ "، وَقَامَ يُصَلّي. زَادَ الأنْبَارِيّ: وكَانَ شَارِبِي وَفَاءً فَقَصّهُ لِي عَلَى سِوَاكِ، أوْ قال: قُصّهُ لَكَ عَلَى سِوَاكٍ.
- 187 حدثنا مُسَدّدٌ قال حدثنا أبُو الأحْوَصِ قال حدثنا سِمَاكٌ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: أكَلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم كَتِفاً ثُمّ مَسَحَ يَدَهُ بِمِسْحٍ كان تَحْتَهُ، ثُمّ قامَ فَصَلّى.
__________
بالسكين، وفي النهي عنه حديث ضعيف في سنن أبي داوود، فإن ثبت خص بعدم الحاجة الداعية إلى ذلك لما فيه من التشبه بالأعاجم وأهل الترف "فآذنه": أي أعلمه وأخبره. في النهاية الآذان الإعلام بالشيء آذان إيذاناً وأذن تأذيناً، والمشدد مخصوص بإعلام وقت الصلاة "وقال": النبي صلى الله عليه وسلم " ماله ": لبلال قد عجل ولم ينتظر إلى أن أفرغ من أكل طعامي " تربت يداه ": قال الجوهري ترب الشيء بكسر الراء أصابه التراب، ومنه ترب الرجل افتقر كأنه لصق بالتراب، يقال تربت يداك وهو على الدعاء أي لا أصبت خيراً انتهى. وقال الخطابي في المعالم: تربت يداه كلمة تقولها العرب عند اللم ومعناه الدعاء عليه بالفقر والعدم، وقد يطلقونها في كلاهم "كلامهم" وهم لا يريدون وقوع الأمر كما قالوا عقري حلقي فإن هذا الباب لما كثر في كلامهم وأدام استعماله في مجاري استعمالهم صار عندهم بمعنى اللغو، وذلك من لغو اليمين الذي لا اعتبار به ولا كفارة فيه، ومثل هذا قوله صلى الله عليه وسلم " فعليك بذات الدين تربت يداك " "وقام يصلي": استدل الإمام البخاري بهذا الحديث على أن الأمر بتقديم العشاء على الصلاة خاص بغير الإمام الراتب قلت هذا الاستدلال صحيح وحسن جداً. وقال الخطابي ليس هذا الصنيع من رسول الله صلى الله عليه وسلم بمخالف لقوله "إذا حضر العشار وأقيمت الصلاة فابدأوا بالعشاء " وإنما هو للصائم الذي أصابه الجوع وتاقت نفسه إلى الطعام، وهذا فيمن حضره الطعام وهو متماسك في نفسه ولا يزعجه الجوع ولا يعجله عن إقامة الصلاة وإيفاء حقها انتهى ملخصاً، قلت: وإن وافقه عليه جماعة فهو بعيد "وفي": على وزن رمى كذا في أكثر النسخ أي كثر وطال يقال وفي الشيء وفياً أي تم وكثر وفي بعض نسخ الكتاب وفاء وكذا في نسخ المصابيح أي طويلاً تاماً كثيراً "فقصه لي على سواك": أي قص ما ارتفع من الشعر فوق السواك. قال السيوطي: وفي رواية البيهقي في هذا الحديث فوضع السواك تحت الشارب وقص عليه "أو قال": هذا تردد من الراوي. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه.
"بمسح": بكسر الميم البلاس وهو كساء معروف "فصلى": من غير وضوء جديد والحديث

(1/224)


188 - حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ النّمِرِيّ قال حدثنا هَمّامٌ عن قَتَادَةَ عن يَحْيَى بنِ يَعْمُرَ عن ابنِ عَبّاسٍ أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم انْتَهَشَ مِن كَتِفٍ ثُمّ صَلّى وَلَمْ يَتَوَضّأْ.
189 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بنُ الحَسَنِ الْخَثْعَمِيّ قال حدثنا حَجّاجٌ قال ابنُ جُرَيْجِ أخْبرني مُحمّدُ بنُ المُنْكَدِرِ قال سَمِعْتُ جَابِرَ بنَ عَبْدِالله يقولُ: قَرّبْتُ لِلّنبِيّ صلى الله عليه وسلم خُبْزاً وَلَحْماً فأكَلَ ثُمّ دَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضّأَ بِهِ ثُمّ صَلّى الظّهْرَ ثُمّ دَعَا بِفَضْلِ طَعَامِهِ فأكَلَ ثُمّ قامَ إلَى الصّلاَةِ وَلَمْ يَتَوَضّأْ.
190 - حدثنا مُوسَى بنُ سَهْلٍ أبُو عِمْرَانَ الرّمْلِيّ قال حدثنا عَلِيّ بنُ عَيّاشٍ قال حدثنا شُعَيْبُ بنُ أبي حَمْزَةَ عن مُحمّدِ بنِ المُنْكَدِرِ عن جَابِرٍ قال: كَانَ آخِرُ الأمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم تَرْكُ الْوُضُوءِ مِمّا غَيّرَتِ النّارُ.
قال أبُو دَاوُدَ: وَهَذَا اخْتِصَارٌ مِنَ الحَدِيثِ الأوّلِ.
191 - حدثنا أحْمَدُ بنُ عَمْرِو بنِ السّرْحِ قال حدثنا عَبْدُالمَلِكِ بنُ أبي كَرِيمَةَ، قال ابن السّرْح: ابنُ أبي كَرِيمَةَ مِنْ خِيَارِ المُسْلِمِينَ قال حَدّثَني عُبَيْدُ بنُ ثُمَامَةَ
__________
فيه ثلاث مسائل: الأولى عدم انتقاض الوضوء مما مسته النار، الثانية جواز أداء الصلاة بعد الأكل بغير المضمضة، الثالثة جواز مسح اليد بعد الطعام وأن غسلها ليس بضروري. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه.
"انتهش": النهش بالمعجمة أخذ اللحم بالأضراس وبالإهمال بمقدم الفم قاله الكرماني قال المنذري: وقد أخرج البخاري ومسلم من حديث عطاء بن يسار عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ.
"قرّبْت": بشدة الراء "ولم يتوضأ": الوضوء الشرعي المتبادر من السياق.
"كان آخر الأمرين": قال الحافظ في فتح الباري قال أبو داوود وغيره: إن المراد بالأمر ههنا الشأن والقصة لا مقابل النهي. انتهى. أي آخر الواقعتين منه صلى الله عليه وسلم "مما غيرت النار": بنضج وطبخ. قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"من خيار المسلمين": وهذا من ابن السرح توثيق لابن أبي كريمة. قلت: ولم يعرف فيه جرح "ثمامة": بضم الثاء المثلثة "المرادي": بضم الميم وتخفيف الراء وبالدال المهملة، منسوب إلى مراد وهو

(1/225)


المُرَادِيّ قال: قَدِمَ عَلَيْنَا مِصْرَ عَبْدُالله بنُ الْحَارِثِ بنِ جَزْءٍ مِن أصْحَابِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَسَمِعْتُهُ يُحَدّثُ في مَسْجِدِ مِصْرَ قال: لَقَدْ رَأيْتُنِي سَابِعَ سَبْعَةٍ أوْ سَادِسَ سِتّةٍ مَعَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في دَارِ رَجُلٍ، فَمَرّ بِلاَلٌ، فَنَاداهُ بِالصّلاَةِ، فَخَرَجُنَا فَمَرَرْنَا بِرَجُلٍ وَبُرْمَتُهُ عَلَى النّارِ، فقالَ لهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: " أطَابَتْ بُرْمَتُكَ "؟ قال: نَعَمْ بأبِي أنْتَ وَأُمّي، فَتَنَاوَلَ مِنْهَا بَضْعَةً، فَلَمْ يَزَلْ يَعْلِكُهَا حَتّى أحْرَمَ بالصّلاَةِ وَأنَا أنْظُرُ إلَيْهِ.
__________
أبو قبيلة من اليمن "مصر": بدل من ضمير المتكلم "الجزء": بفتح الجيم وسكون الزاء المعجمة بعدها همزة "لقد رأيتني": الرؤية بمعنى العلم تتعدى إلى مفعولين وياء المتكلم فيه المفعول الأول وسابع المفعول الثاني والشك من الراوي "فناداه": أي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فيه دليل على جواز الإعلام للصلاة بعد الأذان، لكن لا على الطريق المحدثة التي يقال لها التثويب، بل فيه مجرد الإعلام والإيذان "وبرمته": بضم الباء وسكون الراء: هي القدر وجمعها البرام بكسر الباء. قاله الجوهري. "أطابت برمتك ": بهمزة الاستفهام، والطيب خلاف الخبيث، يقال: طاب الشيء يطيب طببة وتطياباً، ونسبة الطيبة إلى البرمة مجاز، لأن المراد من طيبة البرمة تطياب ما فيها من الطعام، أي نضج ما في البرمة وصار لائقاً للأكل "بأبي أنت وأمي": أي أنت مفدى بهما أو فديتك بهما "فتناول منها بضعة": أي أخذ من البرمة قطعة من الذي هو فيها وهو اللحم "يعلكها": أي يمضغها "أحرم بالصلاة": أي دخل فيها "وأنا أنظر إليه": أي إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى مضغه لتلك القطعة ثم دخوله في الصلاة، ويحتمل أن قوله وأنا أنظر إليه قاله الراوي وقت تحديثه بذلك، أي أنا متيقن بتلك الواقعة كأني أنظر إلى فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه دلالة واضحة على أن المضمضة بعد الأكل للصلاة ليس بضروري، وعلى أن أكل ما غيرته النار ليس بناقص للوضوء

(1/226)


76 باب التشديد في ذلك
192 - حدثنا مُسَدّدٌ قال حدثنا يَحْيَى عن شُعْبَةَ قال حَدّثَني أبُو بَكْرِ بنِ حَفْصٍ عن الاْءَغَرّ عن أبي هُرَيْرَةَ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الْوُضُوءُ مِمّا أنْضَجَتِ النّارُ"
__________
"باب التشديد في ذلك"
أي في الوضوء مما مست النار، أي وجوب الوضوء الشرعي منه
"الأغر": بالغين المعجمة وشدة الراء المهملة " الوضوء مما أنضجت النار ": قال الشيخ أبو زرعة بن زين الدين العراقي: لفظه الخبر ومعناه الأمر، أي توضأوا مما غيرته النار.

(1/226)


193 - حدثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ قال حدثنا أبَانٌ عن يَحْيَى يَعْني ابنَ أبي كَثِيرِ عن أبي سَلَمَةَ أنّ أبَا سُفْيَانَ بنَ سَعِيدِ بنِ المُغِيرَةِ حَدّثَهُ أنّهُ دَخَلَ عَلَى أُمّ حَبِيبَةَ فَسَقَتْهُ قَدَحاً مِنْ سَوِيقٍ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ. قالَتْ: يا ابْنَ أُخْتِي ألاَ تَوَضّأْ، إنّ النّبي صلى الله عليه وسلم قال: "تَوَضّأُوا مِمّا غَيّرَتِ النّارُ، أو قال: مِمّا مَسّتِ النّارُ "
قال أبُو دَاوُدَ: في حَدِيثِ الزّهُرِيّ يا ابْنَ أخِي.
__________
"فسقته": أي أبا سفيان "قادحاً": بفتحتين: هو إناء يسع ما يروي رجلين أو ثلاثة "يا ابن أختي ألا توضأ": أي تتوضأ. وفي الرواية الطحاوي قالت يا ابن أخي توضأ، فقال إني لم أحدث شيئاً "أو قال": النبي صلى الله عليه وسلم والشك من الراوي..
واختلف العلماء في هذه المسألة، فذهب أكثر الأئمة من السلف والخلف إلى أنه لا ينتفض الوضوء بأكل ما مسته النار، وذهبت طائفة إلى وجوب الشرعي بأكل ما مسته النار واستدلت بأحاديث الباب.
وأجاب الأكثرون عن أحاديث الوضوء مما مسته النار بوجوه: أحدها:أنه منسوخ بحديث جابر رضي الله عنه "كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار" وأنت خبير بأن حديث جابر كان آخر الأمرين ليس من قول جابر، بل اختصره شعيب بن أبي حمزة أحد رواته كما عرفت. وثانيها: أن أحاديث الأمر محمولة على الاستحباب لا على الوجوب، وهذا اختيار الخطابي وابن تيمية صاحب المنتقى. وثالثها: أن المراد بالوضوء غسل الفم والكفين، وهذا الجواب ضعيف جداً، لأن الحقائق الشرعية مقدمة على غيرها، وحقيقة الوضوء الشرعية هي غسل جميع الأعضاء التي تغتسل للوضوء، فلا يخالف هذه الحقيقة إلا لدليل. والذي تطمئن به القلوب ما حكى البيهقي عن عثمان الدارمي أنه لما اختلفت أحاديث الباب ولم يتبين الراجح منها نظرنا إلى ما عمل به الخلفاء الراشدون بعد النبي صلى الله عليه وسلم فرجحنا به أحد الجانبين وارتضى بهذا النووي في شرح المهذب. وروى الطبراني في مسند الشاميين من طريق سليم بن عامر قال: رأيت أبا بكر وعمر وعثمان أكلوا مما مست النار ولم يتوضأوا. قال الحافظ ابن حجر: إسناده حسن. وأخرج أحمد في مسنده عن جابر قال: أكلت مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر وعمر خبزاً ولحماً فصلوا ولم يتوضأوا. وفي ترك الوضوء مما مس النار آثار أخر مروية عن الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين

(1/227)


77 باب الوضوء من اللبن
193م - حدثنا قُتَيْبَةُ قال حدثنا اللّيْثُ عن عُقَيْلٍ عن الزّهْرِيّ عن عُبَيْدِالله بنِ عَبْدِالله عن ابنِ عَبّاسٍ أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم شَرِبَ لَبَناً فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَمَضْمَضَ ثُمّ قال: " إنّ لَهُ دَسَماً "
__________
"باب الوضوء من اللبن"
أي المضمضة وغسل الفم بعد شرب اللبن.
"عن عقيل": بضم العين "عن الزهري": هو محمد بن مسلم الإمام " إن له دسماً ": بفتحتين منصوباً اسم إن، وهو بيان لعلة المضمضة من اللبن. والدسم ما يظهر على اللبن من الدهن، ويقاس عليه استحباب المضمضة من كل ما له دسم قال النووي: الحديث فيه استحباب المضمضة من شرب اللبن. قال العلماء: وكذلك غيره من المشروب والمأكول يستحب له المضمضة لئلا يبقى منه بقايا يبتلعها في حال الصلاة، ولينقطع لزوجته ودسمه ويتطهر فمه. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.

(1/128)


78 باب الرخصة في ذلك
194 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ عن زَيْدٍ بنِ الْحُبَابِ عن مُطِيع بنِ رَاشِدٍ عن تَوْبَةَ الْعَنْبَرِيّ أنّهُ سَمِعَ أنَسَ بنَ مَالِكٍ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم شَرِبَ لَبَناً فَلَمْ يُمَضْمِضْ وَلَمْ يَتَوَضّأْ وَصَلّى.
قال زَيْدٌ: دَلّنِي شُعْبَةُ عَلَى هَذَا الشّيْخِ.
__________
"باب الرخصة في ذلك"
أي في الوضوء من اللبن
"فلم يمضمض ولم يتوضأ وصلى": فيه دليل على أنّ المضمضة من اللبن وغيره من الأشياء التي فيها الدسومة ليس فيها أمراً ضرورياً بل على سبيل الاختيار. قال الحافظ: وأغرب ابن شاهين فجعل حديث أنس ناسخاً لحديث ابن عباس ولم يذكر من قال فيه بالوجوب حتى يحتاج إلى دعوى النسخ. انتهى "قال زيد": بن الحباب الراوي عن مطيع "دلني شعبة": بن حجاج أحد الناقدين للرجال. والدليل ما يستدل به والدليل الدال يقال قد دله على الطريق بدله دلالة "على هذا الشيخ": أي مطيع بن راشد، فدلالة شعبة لزيد على مطيع بن راشد

(1/128)


79 باب الوضوء من الدم
195 - حدثنا أبُو تَوْبَةَ الرّبِيعُ بنُ نَافِعٍ قال حدثنا ابن المُبَارَكِ عن مُحمّدِ بنِ إسْحَاقَ قال حَدّثَنِي صَدَقَةُ بنُ يَسَارٍ عن عَقِيلِ بنِ جَابِرٍ عن جَابِرٍ قال خَرَجْنَا مَعَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم يَعْني في غَزْوَةِ ذَاتِ الرّقَاعِ فأصَابَ رَجُلٌ امْرَأةَ رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَحَلَفَ أنْ لاَ أنْتَهِي حَتّى أُهْرِيقَ دَماً في أصْحَابِ مُحمّدٍ، فَخَرَجَ يَتْبَعُ أثَرَ النّبي صلى الله عليه وسلم
__________
"باب الوضوء من الدم"
أي يكون هل الوضوء من خروج الدم سائلا كان أو غير سائل واجباً أم لا، فدل الحديث على أنه غير واجب.
"عن عقيل بن جابر": بفتح العين ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي فيه جهالة ما روى عنه سوى صدقة بن يسار. وقال الحافظ: لا أعرف فيه راوياً عنه غير صدقة. انتهى. لكن الحديث قد صححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم كلهم من طريق ابن إسحاق "ذات الرقاع": بكسر الراء كانت هذه الغزوة في سنة أربع. قاله ابن هشام في سيرته. وفي تسمية هذه الغزوة بذات الرقاع وجوه ذكرها أصحاب السير، لكن قال السهيلي في الروض: والأصح من هذه الأقوال ما رواه البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه فنقبت أقدامنا ونقبت قدماي وسقطت أظفاري فكنا نلف على أرجلنا الخرق فسميت غزوة ذات الرقاع لما كنا نعصب من الخرق على أرجلنا "فأصاب رجل": من المسلمين بأن قتلها "فحلف": الرجل المشرك الذي قتلت زوجته "أن لا أنتهى": أي لا أكف عن المعارضة "حتى أهريق": أي أصب، من أراق يريق والهاء فيه زائدة "فخرج يتبع": من سمع يسمع يقال تبعت القوم تبعاً وتباعة بالفتح إذا مشيت خلفهم، وأتبعت القوم على أفعلت إذا كانوا قد سبقوك فلحقتهم كذا في الصحاح "أثر النبي صلى الله عليه وسلم ": بفتحتين أي قدمه صلى الله عليه وسلم. والحاصل أنه يمشي

(1/229)


فَنَزَلَ النّبي صلى الله عليه وسلم مَنْزِلاً، فقال: مَنْ رَجُلٌ يَكْلَؤُنَا، فَانْتُدِبَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَرَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ فقال: كُونَا بِفَمِ الشّعْبِ . قال: فَلَمّا خَرَجَ الرّجُلاَنِ إلَى فَمِ الشّعْبِ اضْطَجَعَ المُهَاجِرِيّ وَقَامَ الأنْصَارِيّ يُصَلّي وَأتَى الرّجُلُ، فَلَمّا رَأى شَخْصَهُ عَرَفَ أنّهُ رَبِيئَةٌ لِلْقَوْمِ، فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ فَوَضَعَهُ فِيهِ فَنَزَعَهُ حَتّى رَمَاهُ بِثَلاَثَةِ أسْهُمٍ ثُمّ رَكَعَ وَسَجَدَ ثُمّ انْتَبَهَ
__________
خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم " من رجل يكلؤنا ": بفتح اللام وضم الهمزة أي من يحفظنا ويحرسنا، يقال كلاه الله كلاءه بالكسر أي حفظه وحرسه "فانتدب": قال الجوهري: ندبه لأمر فانتدب أي دعاه له فأجاب "رجل من المهاجرين": هو عمار بن ياسر "ورجل من الأنصار": هو عباد بن بشر سماها البيهقي في روايته في دلائل النبوة " فقال كونا بفم الشعب ": قال ابن ناظور في لسان العرب: الشعب ما انفرج بين جبلين والشعب مسيل الماء في بطن من الأرض له حرفان مشرفان وعرضه بطحة رجل وقد يكون بين سندي جبلين. انتهى. وقوله. بطحة رجل البطح: بر روى درافكندن بطحه فانبطح، والمراد من الشعب في الحديث المعنى الأخير أي مسيل الماء في بطن من الأرض له حرفان مشرفان وعرضه بطحة رجل لأنه زاد ابن إسحاق في روايته وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد نزلوا إلى شعب من الوادي، فهذه الزيادة تعين المعنى الأخير، ومعنى كونا بفم الشعب أي قفا بطرفه الذي يلي العدو. والفم ههنا كناية عن طرفه "فلما رأى": ذلك الرجل المشرك "شخصه": أي شخص الأنصاري والشخص سواد الإنسان وغيره تراه من بعيد يقال ثلاثة أشخص والكثير شخوص وأشخاص "عرف": الرجل المشرك "أنه": أي الأنصاري "ربيئة للقوم": الربيئي والربيئة الطليعة والجمع الربايا، يقال ربأت القوم ربأ وارتبأتهم أي رقبتهم، وذلك إذا كنت لهم طليعة فوق شرف "فرماه بسهم فوضعه فيه": أي وقعه فيه ووصل إلى بدنه ولم يجاوزه، وهذا من باب المبالغة في إصابة المرمى وصواب الرمي، والتقدير رماه بسهم فما أخطأ نفسه كأنه وضعه فيه وضعاً بيده ما رماه به رمياً.
وفي الحديث: " من رفع السلاح ثم وضعه في المسلمين فدمه هدر " أي من قاتل به من وضع الشيء من يده إذا ألقاه، فكأنه ألقاه في الضريبة كذا في المجمع "فنزعه": أي نزع السهم من جسده واستمر في الصلاة "حتى رماه بثلاثة أسهم": ولفظ محمد بن إسحاق: فرمى بهم فوضعه فيه قال: فنزعه فوضعه فثبت قائماً ثم رماه بسهم آخر فوضعه فيه فنزعه وثبت قائماً، ثم عاد له في الثالث فوضعه فيه فنزعه "ثم ركع وسجد": الأنصاري ولم يقطع صلاته لا شتغاله بحلاوتها عن مرارة ألم الجرُح "ثم أنبه صاحبه": من الإنباه وصاحبه مفعوله هكذا في عامة النسخ ومادته النبه بالضم أي القيام من النوم ويتعدى بالهمزة والتضعيف فيقال أنبهته ونبهته، وأما الانتباه فهو لازم يقال: انتبه من النوم إذا استيقظ، وفي بعض نسخ

(1/230)


صَاحِبُهُ فَلَمّا عَرَفَ أنّهُمْ قَدْ نَذَرُوا بِهِ هَرَبَ: فَلَمّا رَأى المُهَاجِرِيّ مَا بِالأَنْصَارِيّ مِنَ الدّمَاء قال: سُبْحَانَ الله ألا أنْبَهْتَنِي أوّلَ مَا رَمَى؟ قال: كُنْتُ في سُورَةٍ أقْرَؤُهَا فَلَمْ أُحِبّ أنْ أقْطَعَهَا.
__________
الكتاب انتبه صاحبه فعلى هذا يكون صاحبه فاعله "فلما عرف": الرجل المشرك "أنهم": أي الأنصاري والمهاجري وضمير الجمع بناء على أن أقل الجمع اثنان "قد نذروا به": بفتح النون وكسر الذال المعجمة أي علموا وأحسوا بمكانه يقال: نذرت به إذا علمته، وأما الإنذار فهو الإعلام مع تخويف "من الدماء": بيان ما، ولدماء بكسر الدال جمع دم "سبحان الله": أصل التسبيح التنزيه التقديس والتبرية من النقائص، سبحته تسبيحاً وسبحاناً، ومعنى سبحان الله التنزيه لله، نصب على المصدر بمحذوف أي أبرىء الله من السوء براءة، والعرب تقول: سبحان الله من كذا إذا تعجبت منه "ألا أنبهتني": أي لم ما أيقظتني "أول ما رمى": منصوب لأنه ظرف لأنبهتني وما مصدرية أي حين رميه الأول "في سورة": وهي سورة الكهف كما بينه البيهقي في الدلائل "أن أقطعها": زاد ابن إسحاق حتى أنفدها فلما تابع على الرمي ركعت فآذنتك وأيم الله لولا أن أضيع ثغراً أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفدها: والحديث أخرجه محمد بن إسحاق في المغازي وأحمد والدارقطني وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم كلهم من طريق بن إسحاق، وهذا الحديث يدل بدلالة واضحة على أمرين أحدهما: أن خروج الدم من غير السبيلين لا ينقض الطهارة سواء كان سائلاً أو غير سائل، وهو قول أكثر العلماء وهو الحق. قال محمد بن إسماعيل الأمير اليماني في سبيل السلام قال الشافعي ومالك وجماعة من الصحابة والتابعين: إن خروج الدم من البدن من غير السبيلين ليس بناقص. انتهى. وقال الحافظ سراج الدين بن الملقن في البدر المنير: روى البيهقي عن معاذ ليس الوضوء من الرعاف والقيء. وعن ابن المسيب أنه رعف فمسح أنفه بخرقة ثم صلى. وعن ابن مسعود وسالم بن عبد الله وطاؤس والحسن والقاسم ترك الوضوء من الدم. زاد النووي في شرحه عطاءاً ومكحولاً وربيعة ومالكاً وأبا ثور وداوود. قال البغوي: وهو قول أكثر الصحابة والتابعين. انتهى كلامه. وزاد ابن عبدالبر في الاستذكار يحيى بن سعيد الأنصاري. وقال بدر الدين اليمني في شرح الهداية: إنه قول ابن عباس وجابر وأبي هريرة وعائشة. انتهى. وثانيهما: أن دماء الجراحات طاهرة معفوة للمجروحين، وهو مذهب المالكية وهو الحق. وقد توترت الأخبار في أن المجاهدين في سبيل الله كانوا يجاهدون ويذوقون آلام الجراحات فوق ما وصفت فلا يستطيع أحد أن ينكر عن سيلان الدماء من جراحاتهم وتلويث ثيابهم، ومع هذا هم يصلون على حالهم، ولم ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أمرهم بنزع ثيابهم المتلبسة بالدماء

(1/231)


.........................
__________
حال الصلاة وقد أصيب سعد رضي الله عنه يوم الخندق، فضرب له خيمة في المسجد فكان هو فيه ودمه يسيل في المسجد فما زال الدم يسيل حتى مات. ومن الأدلة الدالة على طهارة دم الجراحة أثر عمر بن الخطاب رضي الله عنه وفيه أنه صلى صلاة الصبح وجرحه يجري دماً. ومن المعلوم أن الجرح الذي يجري يتلوث به الثياب قطعاً. ومن المحال أن يفعل عمر رضي الله عنه مالا يجوز له شرعاً ثم يسكت عنه سائر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من غير نكير، فهل هذا إلا لطهارة دماء الجراحات.
واعترض بعض الحنفية على حديث جابر بأنه إنما ينهض حجة إذا ثبت اطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على صلاة ذلك الرجل ولم يثبت.
قلت: أورد العلامة العيني في شرح الهداية حديث جابر هذا من رواية سنن أبي داوود، وصحيح ابن جبان والدارقطني والبيهقي، وزاد فيه: فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا لهما. قال العيني ولم يأمره بالوضوء ولا بإعادة الصلاة والله أعلم والعهدة عليه. قال الشوكاني في السيل الجرار: حديث جابر أخرجه أحمد وأبو داوود والدارقطني وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد اطلع على ذلك الاستمرار ولم ينكر عليه الاستمرار في الصلاة بعد خروج الدم، ولو كان الدم ناقصاً لبين له ولمن معه في تلك الغزوة وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. انتهى كلامه. على أنه بعيد كل البعد أن لا يطلع النبي صلى الله عليه وسلم على مثل هذه الواقعة العظيمة، وقد كان ذلك الزمان زمان نزول الوحي ولم يحدث أمر قط إلا أوحى الله تعالى إليه صلى الله عليه وسلم، وهذا ظاهر لمن تتبع الحوادث التي وقعت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ينقل أنه أخبره بأن صلاته قد بطلت.
فإن قلت: قد وقع في إسناده حديث جابر عقيل بن جابر وهو مجهول، قال الذهبي: فيه جهالة، ما روى عنه سوى صدقة بن يسار، وقال الحافظ: لا أعرف راوياً عنه غير صدقة. انتهى فكيف يصح الاستدلال به.
قلت: نعم عقيل مجهول لكن بجهالة العين لا بجهالة العدالة، لأنه انفرد عنه راو واحد وهو صدقة بن يسار، وكل من هو كذلك فهو مجهول العين، والتحقيق في مجهول العين أنه إن وثقه أحد من أئمة الجرح والتعديل ارتفعت جهالته. قال الحافظ في شرح النخبة: فإن سمي الراوي وانفرد راو واحد بالرواية عنه فهو مجهول العين كالمبهم إلا أن يوثقه غير من انفرد عنه على الأصح وكذا من انفرد عنه إذا كان متأهلاً لذلك. انتهى. وعقيل بن جابر الراوي قد وثقه ابن حبان وصحح حديثه هو وابن خزيمة والحاكم فارتفعت جهالته وصار حديث جابر صالحاً للاحتجاج. وقد أطال أخونا المعظم الكلام في شرح حديث جابر المذكور في غاية المقصود شرح سنن أبي داوود، وأورد أبحاثاً شريفة فعليك أن ترجع إليه

(1/232)


باب الوضوء من النوم
...
80 باب في الوضوء من النوم
196 - حدثنا أحْمَدُ بنُ مُحمّدِ بنِ حَنْبَلٍ قال حدثنا عَبْدُالرّزّاقِ قال أنبأنا ابنُ جُرَيْجٍ قال أخبَرني نَافِعٌ قال حَدّثَني عَبْدُالله بنُ عُمَرَ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم شُغِلَ عَنْهَا لَيْلَةً فأخّرَهَا حَتّى رَقَدْنَا في المَسْجِدِ ثُمّ اسْتَيْقَظْنَا ثُمّ رَقَدْنَا ثُمّ اسْتَيْقَظْنَا ثُمّ رَقَدْنَا ثُمّ خَرَجَ عَلَيْنَا فقال: "لَيْسَ أحَدٌ يَنْتَظِرُ الصّلاَةَ غَيْرَكُم"
197 - حدثنا شَاذّ بنُ فَيّاضٍ قال حدثنا هِشَامٌ الدّسْتَوَائِيّ عن قَتَادَةَ عن أنَسٍ قال: كَانَ أصْحَابُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ الآخرة حَتّى تَخْفِقَ رُؤُوسُهُمْ ثُمّ يُصَلّونَ وَلاَ يَتَوضّأُونَ.
__________
"باب في الوضوء من النوم"
من قليله كثيره هل هو واجب.
"شغل عنها": مبنياً للمفعول أي شغل عن صلاة العشاء، والشغل المذكور كان في تجهيز جيش، رواه الطبري من وجه صحيح عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قاله الحافظ "حتى رقدنا في المسجد": الرقاد: النوم. قال الحافظ: استدل به من ذهب إلى أن النوم لا ينقض الوضوء ولا دلالة فيه لاحتمال أن يكون الراقد منهم قاعداً متمكناً أو لاحتمال أن يكون مضطجعاً، لكنه توضأ وإن لم ينقل اكتفاء بما عرف من أنهم لا يصلون على غير وضوء. انتهى. ويجيء بيان المذاهب في آخر الباب "ثم خرج علينا": رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحجرة " فقال ليس أحد ينتظر الصلاة غيركم ": وفي رواية للمؤلف وغيره عن أبي سعيد الخدري فقال: إن الناس صلوا وأخذوا مضاجعهم، وإنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم.
"حدثنا شاذ": بالشين المعجمة المشددة "بن فياض": بالفاء والياء المشددة اسمه هلال ولقبه شاذ أبو عبيدة البصري. قال أبو حاتم ثقة "الدستوائي": بفتح الدال منسوب إلى الدستواء وهي كورة من كور الأهواز أو قرية، وقيل هو منسوب إلى بيع الثياب الدستوائية التي تجلب منها قاله ابن الأثير "العشاء الآخرة": العشى والعشية من صلاة المغرب إلى العتمة، تقول: أتيته عشية أمس وعشى أمس، والعشاء بالكسر والمد، والعشاءان المغرب والعتمة، وزعم قوم أن العشاء من زوال الشمس إلى طلوع الفجر، وأنشدوا:
غدونا غدوة سحراً بليل ... عشاء بعد ما انتصف النهار

(1/233)


قال أبُو دَاوُدَ: وَزَادَ فِيهِ شُعْبَةُ عن قَتَادَةَ وقال: كُنّا نَخْفِقُ عَلَى عَهْدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم.
قال أبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ ابنُ أبي عَرُوبَةَ عن قَتَادَةَ بِلَفْظٍ آخَرَ.
198 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعيِلَ وَ دَاوُدُ بنُ شَبِيبٍ قالا حدثنا حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ عن ثَابِتٍ الْبُنَانِيّ أنّ أنَسَ بنَ مَالِكٍ قال: أُقِيمَتِ صَلاَةُ الْعِشَاءِ فَقَامَ رَجُلٌ فقال: يَارسولَ
__________
والعشاء بالفتح والمد: الطعام بعينه وهو خلاف الغداء كذا في الصحاح "حتى تخفق رؤوسهم": خفق يخفق من باب ضرب يضرب يقال: خفق برأسه خفقة أو خفقتين: إذا أخذته سنة من النعاس فمال رأسه دون جسده كذا في المصباح. قال الخطابي: معناه تسقط أذقانهم على صدورهم "ثم لا يصلون ولا يتوضأون": قال الخطابي في هذا الحديث من الفقه أن عين النوم ليس بحدث ولو كان حدثاً لكان أي حال وجد ناقضاً للطهارة كسائر الأحداث التي قليلها وكثيرها وعمدها وخطؤها سواء في نقض الطهارة، وإنما هو مظنة للحدث موهم لوقوعه من النائم غالباً فإذا كان بحال من التماسك في الاستواء في القعود المانع من خروج الحدث منه كان محكوماً ببقاء الطهارة المتقدمة، وإذا لم يكن كذلك بل يكون مضطجعاً أو ساجداً أو قائماً أو مائلاً إلى أحد شقيه أو على حالة يسهل معها خروج الحدث من حيث لا يشعر بذلك كان أمره محمولاً على أنه قد أحدث، لأنه قد يكون منه الحدث في تلك الحال غالباً، ولو كان نوم القاعد ناقضاً للطهارة لم يجز على عامة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بين أظهرهم والوحي ينزل عليه أن يصلوا محدثين بحضرته، فدل أن النوم إذا كان بهذه الصفة غير ناقض للطهر. وفي قوله: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرون إلخ دليل على أن ذلك أمر كان يتواتر منهم وأنه قد كثر حتى صار كالعادة لهم وأنه لم يكن نادراً في بعض الأحوال، وذلك يؤكد ما قلناه من أن عين النوم ليس بحدث. انتهى كلامه. قال المنذري: وأخرج مسلم من وجه آخر عن أنس قال: "كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينامون ثم يصلون ولا يتوضأون". انتهى "ابن عروبة": بفتح العين وبضم الراء المخفقة: هو سعيد بن أبي عروبة "عن قتادة بلفظ آخر": لعله يشير إلى ما أخرجه في أبواب قيام الليل حدثنا أبو كامل أخبرنا يزيد بن زريع أخبرنا سعيد عن قتادة عن أنس بن مالك في هذه الآية: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} قال: كانوا يتيقظون ما بين المغرب والعشاء يصلون. قال ابن كثير في تفسيره عن أنس وعكرمة ومحمد بن المنكدر وأبي حازم وقتادة هو الصلاة بين العشاءين. وعن أنس أيضاً هو انتظار صلاة العتمة. رواه ابن جرير بإسناد جيد. انتهى.
"عن ثابت البناني": بضم الباء وبنونين منسوب إلى بنانة وهم ولد سعد بن لؤي، وأم سعد

(1/234)


الله إنّ لِي حَاجَةً، فَقَامَ يُنَاجِيهِ حَتّى نَعَسَ الْقَوْمُ أوْ بَعْضُ الْقَوْمِ، ثُمّ صَلّى بِهِمْ وَلَمْ يَذْكُرْ وُضُوءًا.
199 - حدثنا يَحْيَى بنُ مُعينٍ وَ هَنّادُ بنُ السّرِيّ وَ عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ عن عَبْدِالسّلامِ بنِ حَرْبٍ، وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثِ يَحْيَى عن أبي خَالِدٍ الدّالانِيّ عن قَتَادَةَ عن أبي الْعَالِيَةِ عن ابن عَبّاسٍ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يَسْجُدُ وَيَنَامُ وَيَنْفُخُ ثُمّ يَقُومُ فَيُصَلّي وَلاَ يَتَوَضّأُ، فَقُلْتُ لهُ صَلّيْتَ وَلَمْ تَتَوَضّأْ وَقَدْ نِمْتَ، فَقَال: " إنّمَا الْوُضُوءً عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعاً".
__________
اسمها بنانة وقيل: بل هي أمة سعد، وقيل: بنانة أم بنى سعد ابن ضبيعة "فقام رجل": لم يقف الحافظ ابن حجر على اسم هذا الرجل، وذكر بعض الشراح أنه كان كبيراً في قومه، فأراد أن يتألف على الإسلام. قال الحافظ: ولم أقف على مستند ذلك، وقيل: يحتمل أن يكون ملكاً من الملائكة جاء بوحي من الله عز وجل، ولا يخفي بعد هذا الاحتمال "فقام": رسول الله صلى الله عليه وسلم "يناجيه": أي يحادثه، والمناجاة التحديث، وفيه جواز مناجاة الواحد غيره بحضور الجماعة، وجواز الفصل بين الإقامة والإحرام إذا كان لحاجة، واستدل به للرد على من أطلق من الحنفية أن المؤذن إذا قال قد قامت الصلاة وجب على الإمام التكبير "حتى نعس القوم أو بعض القوم": نعس بفتح العين وغلط من ضمها، وفي لفظ البخاري: والنبي صلى الله عليه وسلم يناجي رجلاً في جانب المسجد، فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم ونعسوا. قال الحافظ: وظاهر كلام البخاري أن النعاس يسمى نوماً والمشهور التفرقة بينهما إن استقرت حواسه بحيث يسمع كلام جليسه ولا يفهم معناه فهو ناعس وإن زاد على ذلك فهو نائم، ومن علامات النوم الرؤيا طالت أو قصرت. وفي العين والمحكم من كتب اللغة: النعاس النوم وقيل مقاربته "ثم صلى": النبي صلى الله عليه وسلم "بهم": ولفظ مسلم فصلوا "ولم يذكر": ثابت البناني "وضوءاً": أي أنهم صلوا وما توضأوا كما ذكره قتادة ثم يصلون ولا يتوضأون. قال المنذري وأخرجه مسلم وليس فيه "لم يذكر وضوءاً": وأخرجه البخاري ومسلم من حديث عبدالعزيز بن صهيب عن أنس.
"الدالاني": منسوب إلى دالان بن سابقة بطن من همدان "وينفخ": النفخ هو إرسال الهواء من الفم بقوة، والمراد هنا ما يخرج من النائم حين استغراقه في نومه أي كان ينتفس بصوت حتى يسمع منه صوت النفخ "فقلت": القائل ابن عباس "وقد نمت": جملة حالية، ونمت بكسر النون. قال ابن رسلان فيه دليل على أن الوضوء من النوم كان معلوماً مشتهراً عندهم " إنما الوضوء على من نام مضطجعاً ": أي من نام على جنبه على الأرض، يقال ضجعت ضجعاً من باب نفع وضعت

(1/235)


زَادَ عُثْمَانُ وَهَنّادٌ "فَإنّهُ إذَا اضْطَجَعَ اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ"
قال أبُو دَاوُدَ: قَوْلُهُ " الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعاً " هُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ لَمْ يَرْوِهِ إلاّ يَزِيدُ أبُو خَالِدٍ الدّالانِيّ عن قَتَادَةَ. وَرَوَى أوّلَهُ جَمَاعَةٌ عن ابنِ عَبّاسٍ لَمْ يَذْكُروا شَيْئاً
__________
جنبي بالأرض وأضجعت بالألف لغة، والمضجع بفتح الميم والجيم موضع الضجوع والجمع مضاجع وأضطجع وأضجع والأصل افتعل، لكن من العرب من يقلب التاء طاء ويظهرها عند الضاد، ومنهم من يقلب التاء ضاداً ويدغمها في الضاد تغليباً للحرف الأصلي وهو الضاد، ولا يقال اطجع بطاء مشددة كذا في المصباح. قال بعض العلماء: أي لا يجب الوضوء على نائم إلا على هذا النائم أو من في معناه بأن يكون مشاركاً في العلة وهي استرخاء الأعضاء وقد أشار إليه بقوله فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله، فحيث دارت العلة يدور معها المعلول، ولهذا قالوا إذا كان ساجداً على هيئة السنة لا تنقض طهارته. انتهى.
"زاد عثمان وهناد": في روايتهما "فإنه": أي المصلي وغيره "إذا اضطجع استرخت مفاصله": الرخو اللين: أي لانت مفاصله وهي جمع مفصل وهو رؤوس العظام والعروق. قال العيني: إن الاضطجاع سبب لا سترخاء المفاصل فلا يخلو عن خروج شيء من الريح عادة أي من عادة النائم المضطجع والثابت بالعادة كالمتيقن به. انتهى "هو حديث منكر": قال السخاوى: إن الصدوق إذا تفرد بما لا متابع له فيه ولا شاهد ولم يكن عنده من الضبط ما يشترط في المقبول فهذا أحد قسمى الشاذ فإن خولف من هذه صفته مع ذلك كان أشذ في شذوذه وربما سماه بعضهم منكراً وإن بلغ تلك الرتبة في الضبط لكنه خالف من هو أرجح منه في الثقة والضبط، فهذا القسم الثاني من الشاذ، وأما إذا انفرد المستور أو الموصوف بسوء الحفظ أو الضعف في بعض مشائخه خاصة أو نحوهم ممن لا يحكم لحديثهم بالقبول بغير عاضد يعضده بمالا متابع له ولا شاهد فهذا أحد قسمي المنكر، وهو الذي يوجد إطلاق المنكر لكثير من المحدثين كأحمد والنسائي، وإن خولف مع ذلك فهو القسم الثاني من المنكر. فالحاصل أن كلا من الشاذ والمنكر قسمان يجتمعان في مطلق التفرد أو مع قيد المخالفة ويفترقان في أن الشاذ راوية ثقة أو صدوق غير ضابط، والمنكر راويه ضعيف لسوء حفظه أو جهالته أو نحو ذلك.
"وروى أوله": أي أول الحديث وهو قوله: كان يسجد وينام وينفخ ثم يقوم فيصلي ولا يتوضأ "لم يذكروا شيئاً من هذا": أي سؤال ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: صليت ولم تتوضأ، وقد نمت وجوابه صلى الله عليه وسلم بقوله: إنما الوضوء على من نام مضطجعاً . قال ابن رسلان: فعلى هذا فيكون الحديث آخره مفرداً دون أوله. قلت: روايات جماعة عن ابن عباس التي أشار إليها المؤلف لم أقف عليها نعم روى كريب وسعيد بن جبير عن ابن عباس بألفاظ متقاربة بلفظ أول هذا

(1/236)


مَنْ هَذَا، وقال: كان النبي صلى الله عليه وسلم مَحْفُوظاً، وَقالَتْ عَائِشَةُ: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " تَنَامُ عَيْنَايَ وَلاَ يَنَامُ قَلْبِي" وقال شُعْبَةُ: إنّمَا سَمِعَ قَتَادَةُ عن أبي الْعَالِيَةِ أرْبَعَةَ أحَادِيثَ: حَديثَ يُونُسَ بنِ مَتّى وَحَدِيثَ ابنِ عُمَرَ في الصّلاَةِ وَحَدِيثَ: القُضَاةُ ثَلاَثَةٌ وَحَدِيثَ ابنِ
__________
الحديث لا بعينه، أما رواية كريب فأخرجها مسلم عن كريب عن ابن عباس قال: "بت ليلة عند خالتي ميمونة فقام النبي صلى الله عليه وسلم من الليل" الحديث وفيه: ثم اضطجع فنام حتى نفخ، وكان إذا نام نفخ، فأتاه بلال فآذنه بالصلاة فقام فصلى ولم يتوضأ. وأما رواية سعيد بن جبير فأخرجها المؤلف في باب صلاة الليل "قال": أي ابن عباس كما هو ظاهر من سياق العبارة، وليس في النسخ الحاضرة عندي اسم القائل، لكن نقل البيهقي في المعرفة عن المؤلف أن قائله هو عكرمة ولفظه: وقال عكرمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان محفوظاً، وقالت عائشة إلخ قال البيهقي: وقد ذكرنا إسنادهما في السنن "محفوظاً": أي عن نوم القلب " ولا ينام قلبي ": ليعي الوحي الذي يأتيه، ولذا كانت رؤياه وحياً ولا ينقض طهارته بالنوم، وكذا الأنبياء لقوله صلى الله عليه وسلم: " إنا معشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا " رواه ابن سعد عن عطاء مرسلاً، ومقصود المؤلف من إيراد قول ابن عباس أو عكرمة وحديث عائشة تضعيف آخر الحديث. أي سؤال ابن عباس بقوله: صليت ولم تتوضأ وقد نمت، وجوابه صلى الله عليه وسلم بقوله: إنما الوضوء على من نام مضطجعاً، وتقريره أن آخر الحديث يدل على أن نومه صلى الله عليه وسلم مضطجعاً، ناقض لوضوئه، والحال أنه مخالف لحديث عائشة: "تنام عيناي ولا ينام قلبي" أخرجه الشيخان، ولقول ابن عباس أو عكرمة كان النبي صلى الله عليه وسلم محفوظاً. والحاصل أن آخر الحديث مع أنه منكر مخالف في المعنى للحديث الصحيح المتفق عليه.
فإن قلت: حديث نومه صلى الله عليه وسلم في الوادي عن صلاة الصبح حيث كانوا قافلين من سفر معارض لحديث عائشة، إذ مقتضى عدم نوم القلب إدراكه كل ما يحتاج إليه، فر يغيب عن علمه وقت الصبح، فكيف نام حتى طلعت الشمس وحميت وأيقظه عمر رضي الله عنه بالتكبير كما أخرجه الشيخان عن عمران بن حصين رضي الله عنه.
قلت: إن القلب إنما يدرك الحسيات المتعلقة به، كالحدث والألم ونحوهما ولا يدرك ما يتعلق بالعين لأنها نائمة والقلب يقظان. قاله النووي.
"أربعة أحاديث": وليس حديث أبي خالد الدالاني ههنا فيكون الحديث منقطعاً، وقال البيهقي في المعرفة: فأما هذا الحديث قد أنكره على أبي خالد الدلاني جميع الحفاظ وأنكروا سماعه من قتادة أحمد بن حنبل ومحمد بن إسماعيل وغيرهما. انتهى "حديث يونس بن متى": بفتح الميم والتاء المشددة، وحديثه أخرج المؤلف في باب التخيير بين الأنبياء عليهم السلام عن قتادة عن أبي

(1/237)


عَبّاسٍ: حَدّثني رِجَالٌ مَرْضِيّونَ مِنْهُمْ عَمَر وَأرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَرُ.
قال أبُو دَاوُدَ: وَذَكَرْتُ حَدِيثَ يَزِيدَ الدّالانِيّ لأَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ، فَانْتَهَرَنِي اسْتِعْظَاماً لهُ، فقال: مَا لِيَزِيدَ الدّالانِيّ يُدْخِلُ عَلَى أصْحَابِ قَتَادَةَ، وَلَمْ يَعْبَأْ بالحَدِيثِ.
__________
العالية عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم " ما ينبغي لعبد أن يقول إني خير من يونس بن متى " "وحديث ابن عمر في الصلاة": لعل المراد بحديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب" أخرجه الشيخان والنسائي من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن ابن عمر والشيخان أيضاً من حديث مالك عن نافع عن ابن عمر ولم يخرجه أحد من هؤلاء من رواية قتادة عن أبي العالية عن ابن عمر لكن قول شعبة وحديث ابن عمر في الصلاة يدل على أن قتادة سمعه من أبي العالية عن ابن عمر، وفي الخلاصة وغيره من كتب الرجال أن أبا العالية سمع من ابن عمر والله أعلم و"حديث القضاة ثلاثة": أخرج هذا الحديث المؤلف والترمذي وابن ماجه والطبراني والحاكم والبيهقي من حديث ابن بريدة عن أبيه مرفوعاً وصححه الحاكم وغيره، فلفظ أبي داوود في باب القاضي يخطىء القضاة ثلاثة، واحد في الجنة واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضي به، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار "وحديث ابن عباس": حديث ابن عباس أخرجه الأئمة الستة في كتبهم أنه قال: شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم وعندي عمر "أن رسول اللهالوضو صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وعن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس" انتهى.
"وذكرت حديث يزيد الدالاني لأحمد بن حنبل": أي سألته ليبين لي حاله من الصحة والضعف "فانتهرني": أي زجرني أحمد "استعظاماً له": أي إنكاراً لحديث يزيد الدالاني، أي استعظم شأنه من جهة ضعفه وزجره عن تذكرته بمثل هذه الأحاديث المعلولة والضعيفة "فقال أحمد ماليزيد الدالاني": أي ما باله وشأنه "يُدخل": من الإدخال "على أصحاب قتادة": أي شيوخه ما لم بقله، أي ما لم تروه شيوخ قتادة عن شيوخهم، فما يرونه يزيد البناني عن قتادة عن شيوخهم مدخول عليهم، وحقيقة القول المدخول ما لم نقله صاحبه بل أدخله غيره ونسبه إليه، ونظيره ما قاله البخاري كان خالد المدائني يدخل على الشيوخ. قال الحافظ في التلخيص: يعني يدخل في رواياتهم ما ليس منها. انتهى "ولم يعبأ": أي لم يبال أحمد "بالحديث": لضعفه. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وذكر أن قتادة رواه عن ابن عباس قوله ولم يذكر فيه أبا العالية ولم يرفعه، وقال أبو القاسم البغوي: يقال أن قتادة لم يسمع هذا الحديث من أبي العالية، وقال الدارقطني: تفرد به

(1/238)


200 - حدثنا حَيْوَةُ بنُ شُرَيْحٍ الْحِمْصِيّ في آخَرِينَ قالُوا حدثنا بَقِيّة عن الْوَضِينِ بنِ عَطَاءٍ عن مَحْفُوظِ بنِ عَلْقَمَةَ عن عَبْدِالرّحْمَنِ بنِ عَائِذٍ عن عَلِيّ بنِ أبي طَالِبٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وِكَاءُ السّهِ الْعَيْنَانِ، فَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضّأْ"
__________
يزيد وهو الدالاني عن قتادة ولا يصح، وذكر ابن حبان البستي أن يزيد الدالاني كان كثير الخطأ فاحش الوهم يخالف الثقات في الرواية حتى إذا سمعها المبتدىء في هذه الصناعة علم أنها معلولة أو مقلوبة لا يجوز الاحتجاج بها إذا وافق الثقات، فكيف إذا انفرد عنهم بالمعضلات وذكر أبو أحمد الكرابيسي الدالاني هذا فقال لا يتابع في بعض أحاديثه. وسئل أبو حاتم الرازي عن الدالاني هذا فقال: صدوق ثقة، وقال الإمام أحمد بن حنبل: يزيد لا بأس به، وقال يحيى ابن معين وأبو عبدالرحمن النسائي: ليس به بأس. وقال البيهقي: فأما الحديث فإنه قد أنكره على أبي خالد الدالاني جميع الحفاظ، وأنكر سماعه من قتادة أحمد بن حنبل ومحمد بن إسماعيل البخاري وغيرهما، ولعل الشافعي رضي الله عنه وقف على علة هذا الأثر حتى رجع عنه في الجديد. هذا آخر كلامه. ولو فرض استقامة حال الدالاني كان فيما تقدم من الانقطاع في إسناده والاضطراب ومخالفة الثقات ما يعضد قول من ضعفه من الأئمة رضوان الله عليهم أجمعين. انتهى كلام المنذري.
"حدثنا حيوة": على وزن رحمة "عن الوضين": على وزن كريم " وكاء السه العينان ": بفتح السين المهملة وكسر الهاء المخففة قال الخطابي: السه اسم من أسماء الدبر، والوكاء الذي تشد به القربة ونحوها من الأوعية، وفي بعض الكلام الذي "يجري" مجرى الأمثال: احفظ ما في الوعاء بشد الوكاء، والمعنى اليقظة وكاء الدبر، أي حافظة ما فيه من الخروج لأنه ما دام مستيقظاً أحس بما يخرج منه قال ابن الأثير: ومعناه من كان مستيقظاً كان استه كالمسدودة الموكى عليها، فإذا نام انحل وكاؤها، كنى به عن الحدث بخروج الريح، وقال الطيبي: إذا تيقظ أمسك ما في بطنه، فإذا نام زال اختياره واسترخت مفاصله. انتهى. وكنى بالعين عن اليقظ، لأن النائم لا عين له تبصر. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه وفي إسناده بقية بن الوليد والوضين بن عطاء وفيهما مقال. انتهى. وقال الجوزجاني: الوضين واه وأنكر عليه هذا الحديث.
قلت: وثقهما بعضهم، سأل أبو زرعة عبدالرحمن بن إبراهيم عن الوضين ابن عطاء فقال ثقة، ووثقه ابن معين وأحمد، وقال ابن عدي: لم أر بحديثه بأساً، وبقية صدوق كثير التدليس.
واختلف العلماء في النوم هل تنقض الطهارة أم لا على تسعة مذاهب:
المذهب الأول: أن النوم لا ينقض الوضوء أصلاً على أي حال كان، واستدل لهم بحديث

(1/239)


...........................
__________
أنس قال "كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضؤون" تقرير الاستدلال أن النوم لو كان ناقضاً لما أقرهم الله عليه ولأوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أوحى إليه في شأن نجاسة نعله.
المذهب الثاني: أن النوم يقض بكل حال قليله وكثيره، وعلى أي هيئة كانت، واستدل عليه بحديث صفوان بن عسال قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا سفراً إن لاننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم" وفي رواية قال "أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طهر، ثلاثاً إذا سافرنا، ويوماً وليلة إذا أقمنا، ولا نخلعهما من غائط ولا بول ولا نوم ولا نخلعهما منها إلا من جناية" فذكر الأحداث التي ينزع منها الخفّ والأحداث التي لا ينزع منها وعد من جملتها النوم فأشعر بذلك بأنه من نواقض الوضوء لا سيما بعد جعله مقترناً بالبول والغائط الذين هما ناقضان بالإجماع. قالوا: فجعل مطلق النوم كالغائط والبول في النقض. وبحديث على وفيه "فمن نام فليتوضأ" ولم يفرق بين قليل النوم وكثيره.
المذهب الثالث: أن كثير النوم ينقض بكل حال وقليله لا ينقض بحال. قال في السبيل: وهؤلاء يقولون إن النوم ليس بناقض بنفسه بل مظنة النقض، والكثير مظنة بخلاف القليل، إلا أنهم لم يذكروا قدر القليل ولا الكثير حتى يعلم كلامهم يحقيقته. انتهى ملخصاً.
المذهب الرابع: أنه إذا نام على هيئة من هيئات المصلين كالرابع والساجد والقائم والقاعد لا ينقض وضوئه، سواء كان في الصلاة أو لم يكن، وإن نام مضطجعاً أو مستلقياً على قفاه انتقض، وهذا مذهب أبي حنيفة وداوود وهو قول للشافعي غريب قاله النووي. واستدلالهم بما أخرجه مالك عن عمر موقوفاً "إذا نام أحدكم مضطجعاً فليتوضأ" وبما أخرجه البيهقي في المعرفة عن أبي هريرة موقوفاً: ليس على المحتبى النائم، ولا على القائم النائم، ولا على الساجد النائم وضوء حتى يضطجع" ولهؤلاء آثار وأحاديث آخر تدل على ما ذهبوا إليه.
المذهب الخامس: أنه لا ينقض إلا نوم الراكع والساجد، روى هذا عن ابن حنبل رحمه الله. قاله النووي، ولعل وجهه أن هيئة الركوع والسجود مظنة للانتقاض.
المذهب السادس: أن النوم ينقض إلا نوم الراكع والساجد، واستدل له بحديث: "إذا نام العبد وهو ساجد يقول الله: انظروا إلى عبدي روحه عندي وهو ساجد لي" أخرجه أحمد في الزهد. قالوا هذا الحديث وإن كان خاصاً بالسجود فقد قاس عليه الركوع.

(1/240)


ـــــــ
المذهب السابع: أنه لا ينقض إلا نوم الساجد، وروى أيضاً عن أحمد. ذكره النووي، ولعل وجهه أن مظنة الانتقاض في السجود أشد منها في الركوع.
المذهب الثامن: أنه لا ينقض النوم في الصلاة بكل حال، وينقض خارج الصلاة، وهو قول ضعيف للشافعي ونسبه في النيل إلى أبي حنيفة، واستدل لهما بحديث: "إذا نام العبد في سجوده"، ولعل سائر هيئات المصلى مقيسة على السجود.
المذهب التاسع: أنه إذا نام جالساً ممكناً مقعدته من الأرض لم ينتقض وإلا انتقض سواء قل أو كثر، وسواء كان في الصلاة أو خارجها، وهذا مذهب الشافعي رحمه الله، والنوم عنده ليس حدثاً في نفسه وإنما هو دليل خروج الريح، فإذا نام غير ممكن للمقعدة غلب على الظن خروجُ الرّيح، فجعل الشرع هذا الغالب كالمحقّق، وأمّا إذا كان ممكناً فلا يغلب على الظنّ الخروج، والأصل بقاء الطهارة. قال النووي: ودليل هذا المذهب حديث علي وابن عباس ومعاوية قال الشوكاني: وهذا أقرب المذاهب عندي، وبه يجمع بين الأدلة. وقال الأمير اليماني في سبل السلام: والأقرب القول بأن النوم المستغرق الذي لايبقى معه إدراك ناقض. والذي فهمت أنا بعد إمعان النظر في كل من الروايات أن النوم المستغرق الذي لا يبقى معه إدراك ينقض الوضوء للمضطجع والمستلقي، وأما النائم المستغرق في هيئة من هيئات المصلي فإنه لا ينقض وضوؤه سواء كان داخل الصلاة أو خارجها وكذا لا ينقض الوضوء نوم المضطجع إن كان النوم غير مستغرق والله سبحانه وتعالى أعلم.

(1/241)


81 باب في الرجل يطأ الأذى برجله
201 - حدثنا هَنّادُ بنُ السّرِيّ وَ إبْرَاهِيمُ بنُ أبي مُعَاوِيَةَ عن أبي مُعَاوِيَةَ ح. وحدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا شَرِيكٌ وَ جَرِيرٌ وَ ابنُ إدْرِيسَ عن الأعمَشِ عن شَقِيقٍ قال قال عَبْدُالله: كُنّا لا نَتَوَضّأُ مِنْ مَوْطِىءٍ، وَلاَ نَكُفّ شَعْراً وَلاَ ثَوْباً.
__________
"باب في الرجل يطأ الأذى برجله"
والوطأ الدوس بالقدم أي من يدوس النجاسة وغيرها من الأشياء التي تتقذر بها النفس فهل ينقض وضوؤه.
"قال عبد الله": أي ابن مسعود "من موطىء": بفتح الميم وسكون الواو وكسر الطاء. قال الخطابي الموطىء ما يوطأ في الطريق من الأذى وأصله الموطوء وإنما أراد بذلك أنهم كانوا لا يعيدون

(1/241)


قال إبْرَاهِيمُ بنُ أبي مُعَاوِيَةَ فيه عن الأعمَشِ عن شَقِيقٍ عن مَسْرُوقٍ، أوْ حَدّثَهُ عنه قال قال عَبْدُالله وقال هَنّادٌ عن شَقِيقٍ أوْ حَدّثَهُ عنه قال: قال عَبْدُالله.
__________
الوضوء للأذى إذا أصاب أرجلهم لا أنهم كانوا لا يغسلون أرجلهم ولا ينظفونها من الأذى إذا أصابها انتهى. وقال بعضم الموطىء موضع وطء القدم. وقال العراقي يحتمل أن يحمل الوضوء على الوضوء اللغوي وهو التنظيف فيكون المعنى أنهم كانوا لا يغسلون أرجلهم من الطين ونحوها ويمشون عليه بناء على أن الأصل فيه الطهارة، وحمله الإمام البيهقي على النجاسة اليابسة وأنهم كانوا لا يغسلون الرجل من مسها وبوب عليه في المعرفة "باب النجاسة اليابسة يطأها برجله أو يجر عليها ثوبه". وقال الترمذي هو قول غير واحد من أهل العلم قالوا إذا وطىء الرجل على المكان القذر أن لا يجب عليه غسل القدم إلا أن يكون رطباً فيغسل ما أصابه انتهى "ولا نكف شعراً ولا ثوباً": أي لا نقيهما من التراب إذا صلينا صيانة لهما عن التتريب ولكن نرسلهما حتى يقعا على الأرض فيسجدا مع الأعضاء كذا في معالم السنن "فيه": أي في هذا الحديث المروى "عن مسروق": بزيادة مسروق بين شقيق وعبد الله بن مسعود "أو حدثه عنه": أي حدث شقيق الأعمش عن مسروق "قال": مسروق "قال عبد الله": بن مسعود "أو حدثه عنه": أي حدث الأعمش أبا معاوية عن شقيق "قال": شقيق "قال عبد الله": بن مسعود. وغرض المؤلف أن أبا معاوية اختلف عليه فابنه إبراهيم يروي عنه عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله بزيادة مسروق بين شقيق وعبد الله، وهناد يروي عن أبي معاوية عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله بحذف مسروق، ثم اختلفا أي إبراهيم بن أبي معاوية وهناد، فقال إبراهيم روى الأعمش عن شقيق بالعنعنة أو بالتحديث بالشك، وقال هناد روى أبو معاوية عن الأعمش بالعنعنة أو بلفظ التحديث، ففي رواية إبراهيم الشك في رواية الأعمش عن شقيق هل هي بصيغة العنعنة أو بالتحديث، وفي رواية هناد الشك في رواية أبي معاوية عن الأعمش هل هي بالعنعنة أو بالتحديث، وأما عثمان بن أبي شيبة فلم يشك فيه والله أعلم. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه

(1/242)


82 باب فيمن يحدث في الصلاة
202 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ قال حدثنا جَرِيرُ بنُ عَبْدِالْحَمِيدِ عن عَاصِمٍ
__________
"باب فيمن يحدث في الصلاة"
ماذا يفعل. وثبت بالحديث أنه ينصرف من صلاته ويتوضأ، فعلم أن الحدث من نواقض الوضوء.

(1/242)


الأحْوَلِ عن عِيسَى بنِ حِطّانَ عن مُسْلِمِ بنِ سَلاّمٍ عن عَلِيّ بنِ طَلْقٍ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذَا فَسَا أحَدُكُم في الصّلاَةِ فَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَتَوَضّأْ وَلْيُعِدِ الصّلاَةَ".
__________
"حطان": بكسر الحاء وتشديد الطاء المهملة "سلام": بتشديد اللام. قال النووي سلام كله بالتشديد إلا عبد الله بن سلام الصحابي ومحمد بن سلام شيخ البخاري انتهى. " إذا فسا ": فعل ماض من فسافسوا من باب قبل والاسم الفساء بالضم والهمزة والمد وهو ريح يخرج بغير صوت يسمع. قاله في المصباح. وقال الطيبي: أي أحدث بخروج ريح من مسلكه المعتاد " فلينصرف ": أي من صلاته " فليتوضأ وليعد الصلاة ": فيه دليل على أن الفساء ناقض للوضوء، وأنه تبطل به الصلاة، ويلزم إعادة الصلاة منه لا البناء عليها وهو قول للشافعي، ويعارضه حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذى فلينصرف فليتوضأ ثم ليبن على صلاته وهو في ذلك لا يتكلم " أخرجه ابن ماجه وضعفه أحمد وغيره. وجه التضعيف أن رفعه غلط والصواب أنه مرسل. قال أحمد والبيهقي المرسل الصواب فمن يحتج بالمرسل ذهب إلى حديث عائشة ويقول إن المحدث يخرج من الصلاة ويعيد الوضوء ويبنى عليها ولا تفسد صلاته بشرط أن لا يفعل مفسداً، وهذا هو مذهب مالك وأبي حنيفة وقول للشافعي. قلت: حديث علي بن طلق له ترجيح على حديث عائشة من جهة الإسناد لأن حديث علي صححه أحمد وحسنه الترمذي وحديث عائشة لم يقل أحد بصحته. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي بنحوه أتم منه. وقال الترمذي حديث علي بن مطلق حديث حسن وسمعت محمداً يعني البخاري يقول لا أعرف لعلي بن طلق عن النبي صلى الله عليه وسلم غير هذا الحديث الواحد ولا أعرف هذا الحديث الواحد من حديث طلق بن علي السحيمي وكأنه رأى هذا رجلاً آخر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم انتهى.
قلت: ويظهر من كلام الترمذي هذا أن علي بن طلق وطلق بن علي رجلان. والعجب من صاحب سبل السلام كيف قال مال أحمد والبخاري إلى أن على بن طلق وطلق بن علي اسم لذات واحدة والله تعالى أعلم.

(1/243)


83 باب في المذي
203 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قال حدثنا عُبَيْدَةُ بنُ حُمِيدٍ الْحَذّاءُ عن الرّكَيْنِ بنِ
__________
"باب في المذي"
فيه لغات أفصحها بفتح الميم وسكون الذال المعجمة وتخفيف الياء ثم بكسر الذال وتشديد الياء، وهو ماء أبيض رقيق لزج يخرج عند الملاعبة أو تذكر الجماع وإرادته وقد لا يحس بخروجه، كذا في الفتح

(1/243)


الرّبِيعِ عن حُصَيْنِ بنِ قَبِيصَةَ عن عَلِيَ قال كُنْتُ رَجُلاً مَذّاءً، فَجَعَلْتُ أغْتَسِلُ حَتّى تَشَقّقَ ظَهْرِي، فَذَكَرْت ذَلِكَ للنّبي صلى الله عليه وسلم، أوْ ذُكِرَ لَهُ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تَفْعَل إذَا رَأيْتَ المَذْيَ فَاغْسِلْ ذَكَرَكَ وَتَوَضّأْ وُضُوءَكَ لِلصّلاَةِ، فَإذَا فَضَخْتَ المَاءَ فَاغْتَسِلْ"
- 204 حدثنا عَبْدُالله بنِ مَسْلَمَةَ عن مَالِكٍ عن أبي النّضْرِ عن سُلَيْمَان بنِ يَسَارٍ عن المِقْدَادِ بنِ الأسْوَدِ قال: إنّ عَلِيّ بنِ أبي طَالِبٍ أمَرَهُ أنْ يَسْألَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن الرّجُلِ إذَا دَنَا مِنْ أهْلِهِ فَخَرَجَ مِنْهُ المَذْيُ مَاذَا عَلَيْهِ، فإنّ عِنْدِي ابْنَتَهُ وَأنَا أسْتَحْيِي أنْ
__________
"مذّاء": صيغة مبالغة من المذي أي كثير المذي يقال مذي يمذي مثل مضي يمضي ثلاثياً، ويقال أمذي يمذي رباعياً "اغتسل": من المذي في الشتاء كما في بعض الروايات "تشقق ظهري": أي حصل لي شقوق من شدة ألم البرد "فذكرت ذلك": تلك الحالة التي حصلت لي "أو ذكر له": هكذا بالشك في هذه الرواية، لكن في رواية النسائي والترمذي عن علي قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم بلا شك وكذا في رواية لأبن حبان الإسماعيلي أن علياً قال سألت. ففي هذه الروايات أن علياً سأل عن ذلك بنفسه، وفي رواية مالك والبخاري ومسلم عن علي أنه قال فأمرت المقداد بن الأسود فسأله، وفي رواية للنسائي أن علياً قال أمرت عمار بن ياسر. وجمع ابن حبان بين هذا الأختلاف بأن علياً أمر عماراً أن يسأل ثم أمر المقداد بذلك ثم سأل بنفسه. قال الحافظ: وهو جمع جيد إلا بالنسبة إلى آخره لكونه مغايراً لقوله إنه استحيي عن السؤال بنفسه، فتعين حمله على المجاز بأن بعض الرواة أطلق أنه سأل لكونه الآمر بذلك وبهذا جزم الإسماعيلي ثم النووي "لا تفعل": أي لا تغتسل عند خروج المذي " فاغسل ذكرك ": قال النووي: والمراد به عند الشافعي والجماهير غسل ما أصابه المذي لا غسل جميع الذكر، وحكى عن مالك وأحمد في رواية عنهما إيجاب غسل جميع الذكر، وفيه دليل على أن الاستنجاء بالحجر إنما يجوز الاقتصار عليه في النجاسة المعتادة وهي البول والغائط والنادر كالدم والمذي فلا بد فيه من الماء " فإذا فضخت الماء فاغتسل ": الفضخ بالفاء والضاد المعجمة والخاء المعجمة الدفق أي إذا صببت المني بشدة وجامعت فاغتسل. والحديث فيه دليل ظاهر على أن خروج المذي لا يوجب الغسل وإنما يجب به الوضوء وهو مذهب الشافعي وأحمد ونعمان بن ثابت والجماهير. قال المنذري: وأخرجه النسائي وأخرجه البخاري ومسلم من حديث محمد بن علي وهو ابن الحنفية عن أبيه بنحوه مختصراً وأخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث عبدالرحمن بن أبي ليلى عن علي، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
"إذا دنا من أهله": أي قريب "ماذا عليه": من الغسل أو الوضوء "ابنته": فاطمة رضي الله عنها "وأنا أستحيي أن أسأله": لأن المذي يكون غالباً عند ملاعبة الزوجة وقبلها ونحو ذلك من أنواع

(1/244)


أسْألَهُ؟ قال المِقْدَادُ: فَسَألْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن ذَلِكَ، فَقَالَ: " إذَا وَجَدَ أحَدُكمُ ذَلِكَ فَلْيَنْضَحْ فَرْجَهُ وَلْيَتوَضّأْ وُضُوءَهُ لِلصّلاَةِ"
207 - حدثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ قال حدثنا زُهَيْرٌ عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن عُرْوَةَ أنّ عَلِيّ بنَ أبي طَالِبٍ قال لِلْمِقْدَادِ. وَذَكَرَ نَحْوَ هَذَا. قال فَسَألَهُ المِقْدَادُ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لِيَغْسِلَ