Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود

كتاب الصلاة
مدخل
...
بسم الله الرحمن الرحيم
أول كتاب الصلاة
- 387 حدثنا عَبْدُ الله بنُ سَلَمَةَ عن مَالِكٍ عن عَمّهِ أَبي سُهَيْلِ بنُ مَالِكٍ عن أَبِيهِ أَنّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بنَ عُبَيْدِالله يقولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائُرُ الرّأْسِ يُسْمَعُ دَوِيّ صَوْتِهِ وَلاَ يُفْقَهُ مَا يَقُولُ حَتّى دَنَا فإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عن اْلإسْلاَمِ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: " خَمْسُ صَلَوَاتٍ في الْيَوْمِ وَالّليْلَةِ". قال: هَلْ عَلَيّ غَيْرَهُنّ؟ قال: " لاَ إِلاّ أَنْ تَطّوّعَ". قال: وَذَكَرَ لَهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم صِيَامَ شَهْرِ رَمَضَانَ.
__________
"أول كتاب الصلاة"
"سمع طلحة بن عبيدالله": هو أحد العشرة المبشرة بالجنة أسلم قديماً وشهد المشاهد كلها غير بدر، وضرب له صلى الله عليه وسلم سهمه "جاء رجل": ذكر ابن عبدالبر وعياض وابن بطال وابن التين وابن بشكوال وابن الطاهر والمنذري وغيرهم أنه ضمام بن ثعلبة المذكور بخبر أنس وابن عباس، وتعقبه القرطبي باختلاف مساقهما وتباين الأسئلة بهما، فالظاهر أنهما قضيتان "من أهل نجد": صفة رجل، والنجد في الأصل: ما ارتفع من الأرض ضد التهامه، سميت به الأرض الواقعة بين تهامة أي مكة وبين العراق "ثائر الرأس": أي منتشر شعر الرأس غير مرجلة، وأوقع اسم الرأس على الشعر إما مبالغة أو لأن الشعر منه ينبت "يسمع دوي صوته": بفتح الدال وكسر الواو وتشديد الياء. قال في النهاية: هو صوت غير عال كصوت النحل. قال القاضي عياض: أي شدة الصوت وبعده في الهواء فلا يفهم منه شيء كدوي النحل والذباب. ويسمع بياء بصيغة للمجهول وروى بصيغة المتكلم المعلوم "ولا يفقه": بالياء بصيغة للمجهول وروى بصيغة المتكلم المعلوم " إلا أن تطوع ": بتشديد الطاء والواو وأصله تتطوع بتائين فأبدلت وأدغمت، وروى بحذف إحداهما وتخفيف الطاء. قال الخطابي: الحديث فيه دليل على أن الوتر غير مفروض ولا واجب وجوب حتم، ولو كان فرضاً مفروضة لكانت الصلاة ستاً لا خمساً. وفيه بيان أن فرض صلاة الليل منسوخ. وفيه دليل على أن صلاة الجمعة فريضة على

(2/39)


قال: هَلْ عَلَيّ غَيْرُهُ؟ قال " لا. إِلاّ أَنْ تَطّوّعَ ". قال: وَذَكَرَ لَهُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم الصّدَقَةَ. قال: فَهَلْ عَلَيّ غَيْرُهَا؟ قال: " إِلاّ أَنْ تَطّوّعَ ". فأَدْبَرَ الرّجُلُ وَهُوَ يقولُ: وَالله لا أَزِيدُ عَلَى هَذَا ولا أَنْقُصُ. فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: " أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ ".
388 حدثنا سُلَيْمانُ بنُ دَاوُدَ أخبرنا إِسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ المَدَنِيّ عن أَبي سُهَيْلٍ نَافِعِ بنِ مَالِكِ بنِ أَبي عَامِرٍ بإِسْنَادِهِ بهذا الحديث قال: " أَفْلحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ، وَدَخَلَ الْجَنّةَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ ".
__________
الأعيان. وفيه دليل على أن صلاة العيد نافلة، وكان أبو سعيد الأصطخري يذهب إلى أن صلاة العيد من فروض الكفاية، وعامة أهل العلم على أنها نافلة انتهى.
"قال أفلح وأبيه ": قال الخطابي: هذه كلمة جارية على ألسنة العرب تستعملها كثيراً في خطابها تريد بها التوكيد، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحلف الرجل بأبيه، فيحتمل أن يكون ذلك القول منه قبل النهي، ويحتمل أن يكون جرى منه ذلك على عادة الكلام الجاري على ألسن العرب وهو لا يقصد به القسم كلغو اليمين المعفو عنه. قال الله تعالى {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} قالت عائشة "هو قول الرجل في كلامه لا والله وبلى والله ونحو ذكل" وفيه وجه آخر وهو أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أضمر فيه اسم الله كأنه قال "لا ورب أبيه" وإنما نهاهم عن ذلك لأنهم لم يكونوا يضمرون ذلك في أيمانهم، وإنما كان مذهبهم في ذلك مذهب التعظيم لاَبائهم وقد يحتمل في ذلك وجه آخر وهو أن النهي إنما وقع عنه إذا كان ذلك منه على وجه التوقير والتعظيم لحقه دون ما كان بخلافه. والعرب قد تطلق هذه اللفظة في كلامها على ضربين أحدهما على وجه التعظيم والآخر على سبيل التوكيد للكلام دون القسم انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والنسائي.

(2/40)


1باب في المواقيت
389 حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيى عن سُفْيَانَ حَدّثَني عَبْدُالرّحْمَنِ بنُ فُلاَنِ بنِ أَبي رَبِيعَةَ. قال أَبُو دَاوُد: هُوَ عَبْدُالرّحْمَنِ بنُ الْحَارِثِ بنْ عَيّاشِ بنِ أَبي رَبِيعَةَ، عن
__________
"باب في المواقيت"
"عند البيت": أي الكعبة. وفي رواية في الأم للشافعي عند باب الكعبة وفي أخرى في

(2/40)


حَكِيمِ بنِ حَكِيمٍ عن نَافِعِ بنِ جُبَيْرِ بنِ مُطْعَمٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَمّنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السّلاَمُ عِنْدَ الْبَيْتِ مَرّتَيْنِ فَصَلّى بِيَ الظّهْرَ حِيْنَ زَالَتِ الشمس وكانَتْ قَدْرِ الشّرَاكِ، وَصَلّى بِيَ العَصْرَ حِينَ كان ظلّهُ مِثْلَهُ، وَصَلّى بِي يَعني الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصّائّمُ، وَصَلّى بِيَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشفَقُ، وَصَلّى بِيَ الْفَجْرَ حِينَ حَرُمَ الطّعَامُ وَالشّرَابُ عَلَى الصّائّمِ، فَلمّا كان الْغَدُ صَلّى بِيَ الظّهْرَ حِينَ كان ظِلّهُ مِثْلَهُ، وَصَلّى بِيَ الْعَصرَ حِينَ كان ظِلّهُ مِثْلَيْهِ، وَصَلّى بِيَ المَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصّائّمُ، وَصَلّى بِيَ الْعَشَاءَ إِلَى ثُلُثِ الّليْلِ، وَصَلّى بِيَ الفَجْرَ فأَسْفَرَ، ثُمّ الْتَفَتَ
__________
مشكل الآثار للطحاوي عند باب البيت " مرتين ": أي في يومين ليعرفين كيفية الصلاة وأوقاتها " فصلى بي ": الباء للمصاحبة والمعية أي صلى معي " وكانت ": أي الشمس والمراد منها الفيء أي الظل الراجح من النقصان إلى الزيادة وهو بعد الزوال مثل شراك النعل " قدر الشراك ": قال ابن الأثير: الشراك أحد سيور النعل التي تكون على وجهها وقدره ههنا ليس على معنى التحديد ولكن زوال الشمس لا يبين إلا بأقل ما يرى من الظل وكان حينئذ بمكة هذا القدر، والظل يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، وإنما يتبين ذلك في مثل مكة من البلاد التي يقل فيها الظل فإذا كان أطول النهار واستوت الشمس فوق الكعبة لم ير بشيء من جوانبها ظل، فكل بلد يكون أقرب إلى خط الاستواء ومعدل النهار يكون الظل فيه أقصر، وكل ما بعد عنهما إلى جهة الشمال يكون الظل أطول انتهى. والمراد منه وقت الظهر حين يأخذ الظل في الزيادة بعد الزوال " حين أفطر للصائم ": أي دخل وقت إفطاره بأن غابت الشمس ودخل الليل لقوله تعالى {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} وفي رواية " حين وجبت الشمس وأفطر الصا ئم" وهو عطف تفسير " حين غاب الشفق ": أي الأحمر على الأشهر: قال ابن الأثير الشفق من الأضداد يقع على الحمرة التي ترى في المغرب بعد مغيب الشمس وبه أخذ أبو حنيفة انتهى "حين حرم الطعام والشراب على الصائم": يعني أول طلوع الفجر الثاني لقوله تعالى {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ}.
" فلما كان الغد ": أي اليوم الثاني " حين كان ظله مثله ": أي قريباً منه أي من غير الفيء وفي رواية للترمذي: " حين كان ظل كل شيء مثله لوقت العصر بالأمس " أي فرغ من الظهر حينئذ كما شرع في العصر في اليوم الأول حينئذ. قال الشافعي: وبه يندفع اشتراكهما في وقت واحد على ما زعمه جماعة، ويدل له خبر مسلم وقت الظهر مالم يحضر العصر " إلى ثلث

(2/41)


إِلَيّ فقال: يامُحمّدُ وَقْتُ الأَنْبياءِ مِنْ قَبْلِكَ، وَالْوَقْتُ مَا بَيْن هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ "
__________
الليل ": قال ابن حجر المكي: ينبغي أن يكون إلى بمعنى مع، ويؤيده الرواية الأخرى: " ثم صلى العشاء الأخيرة حين ذهب ثلث الليل" انتهى. أو إلى بمعنى في نحو قوله تعالى: { لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ}.
" فأسفر ": أي أضاء به أو دخل في وقت الإسفار. قال الشيخ ولي الدين الظاهر: عود الضمير إلى جبرئيل، ومعنى أسفر دخل في السفر بفتح السين والفاء وهو بياض النهار، ويحتمل عوده إلى الصبح أي فأسفر الصبح في وقت صلاته أو إلى المواضع أي أسفر للموضع في وقت صلاته، ويوافقه رواية الترمذي ثم صلى الصبح حتى أسفرت الأرض " والوقت ": أي السمح الذي لا حرج فيه " ما بين ": وفي رواية فيما بين " هذين الوقتين ": فيجوز الصلاة في أوله ووسطه وآخره. وقال الخطابي: اعتمد الشافعي هذا الحديث وعول عليه في بيان مواقيت الصلاة، وقد اختلف أهل العلم في القول بظاهره، فقالت به طائفة، وعدل آخرون عن القول ببعض ما فيه إلى حديث آخر.
فممن قال بظاهر حديث ابن عباس بتوقيت أول صلاة الظهر وآخرها مالك وسفيان الثوري والشافعي وأحمد، وبه قال أبو يوسف ومحمد. وقال أبو حنيفة آخر وقت الظهر إذا صار الظل قامتين وقال ابن المبارك وإسحاق بن راهويه: اخروقت الظهر أول وقت العصر، واحتج بما في الرواية الآتية أنه صلى الظهر من اليوم الثاني في الوقت الذي صلى فيه العصر من اليوم الأول، وقد نسب هذا القول إلى محمد بن جرير الطبري وإلى مالك بن أنس أيضاً. وقال: لو أن مصليين صليا أحدهما الظهر والآخر العصر في وقت واحد صحت صلاة كل واحد منهما. قال الخطابي: إنما أراد فراغه من صلاة الظهر في اليوم الثاني أبو بكر في الوقت الذي ابتدأ فيه صلاة العصر من اليوم الأول، وذلك أن هذا الحديث إنما سيق لبيان الأوقات، وتحديد أوائلها وآخرها دون عدد الركعات وصفابها وسائر أحكامها، ألا ترى أنه يقول في آخره: "والوقت فيما بين هذين الوقتين"، فلو كان الأمر على ما قدره هؤلاء لجاء من ذلك الإشكال في أمر الأوقات.
وقد اختلفوا في أول وقت العصر، فقال بظاهر حديث ابن عباس مالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق. وقا أبو حينفة أول وقت العصر أن يصير الظل قامتين بعد الزوال وخالفه صاحباه، واختلفوا في آخر وقت العصر فقال الشافعي: آخر وقتها إذا صار ظل كل شيء مثليه لمن ليس له عذر، ولا ضرورة على ظاهر هذا الحديث، فأما أصحاب العذر والضرورات فآخر وقتها لهم غروب الشمس. وقال سفيان وأبو يوسف ومحمد وأحمد بن حنبل: أول وقت

(2/42)


390 - حدثنا مُحمّدُ بنُ سَلَمَةَ المُرَادَيّ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ عن أُسَامَةَ ابنِ زَيْدٍ الّليْثِيّ أَنّ ابنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ أَنّ عُمَرَ بنَ عَبْدِالْعَزِيزِ كان قَاعِداً عَلَى المِنْبَرِ فأَخّرَ الْعَصْرَ شَيْئاً، فقال لهُ عُرْوَةُ بنُ الزّبَيْرِ: أَمَا إِنّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السّلاَمُ قَدْ أَخْبَر
__________
العصر إذا صار ظل كل شيء مثله، ويكون باقياً ما لم تصفر الشمس، وعن الأوزاعي نحواً من ذلك.
وأما المغرب، فقد أجمع أهل العلم على أن أول وقتها غروب الشمس، اختلفوا في آخر وقتها، فقال مالك والشافعي والأوزاعي: إلا وقت للمغرب لا وقت واحد. وقال الثوري وأصحاب الرأي وأحمد وإسحاق: آخر وقت المغرب إلى أن يغيب الشفق وهذا أصح القولين وأما الشفق فقالت طائفة: هو الحمرة وهو المروي عن ابن عمر وابن عباس وهو قول مكحول وطاؤس وبه قال مالك والثوري وابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد والشافعي وأحمد وإسحاق. وروى عن أبي هريرة أنه قال: الشفق البياض. وعن عمر بن عبدالعزيز مثله، وإليه ذهب أبو حنيفة والأوزاعي. وقد حكى عن الفراء أنه قال: الشفق الحمرة. وقال أبو العباس: الشفق: البياض. قال بعضهم: الشفق: اسم للحمرة والبياض معاً، إلا أنه إنما يطلق في أحمر ليس بقاني وأبيض ليس بناصع، وإنما يعرف المراد منه بالأدلة لا بنفس الأسم كالقراء الذي يقع إسمه على الحيض والطهر معاً وكسائر نظائره من الأسماء المشتركة. وأما آخر وقت العشاء الآخرة، فروى عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة أن آخر وقتها ثلث الليل وكذلك قال عمر بن عبدالعزيز وبه قال الشافعي. وقال الثوري وأصحاب الرأي وابن المبارك وإسحاق: آخر وقتها نصف الليل، وقد روى عن ابن عباس أنه قال: لا يفوت وقت العشاء إلى الفجر، وإليه ذهب عطاء وطاوس وعكرمة. وأما آخر وقت الفجر فذهب الشافعي إلى ظاهر حديث ابن عباس وهو الإسفار وذلك لأصحاب الرفاهية ولمن لا عذر له، وقال: من صلى ركعة من الصبح قبل طلوع الشمس لم تفته الصبح، وهذا في أصحاب العذر والضرورات. وقال مالك وأحمد وإسحاق: من صلى ركعة من الصبح وطلعت له الشمس أضاف إليها أخرى وقد أدرك الصبح فجعلوه مدركاً للصلاة. وقال أصحاب الرأي: من طلعت عليه الشمس وقد صلى ركعة من الفجر فسدت صلاته. انتهى كلام الخطابي ملخصاً محرراً والحديث أخرجه الترمذي.
"فأخر العصر شيئاً": أي تأخير السير أولعله أخره عن وقته المختار ليكون محل الإنكار برفق على طريق الإخبار "أما": بالتخفيف حرف استفتاح بمنزلة ألا "أعلم": بصيغة الأمر من العلم، وقيل من الإعلام، ويحتمل أن يكون أعلم بصيغة المتكلم، إلا أن الأول هو الصحيح

(2/43)


مُحمّداً صلى الله عليه وسلم بِوَقْتِ الصّلاَةِ. فقال لهُ عُمَرُ: اعْلَمْ مَا تَقُولُ. فقال عُرْوَةُ. سَمِعْتُ بِشَيرَ بنَ أَبي مَسْعُودٍ يقولُ سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ اْلأَنْصَارِيّ يقولُ سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: "نَزَلَ جِبْرِيلَ فأَخْبَرَنِي بِوَقْتِ الصّلاَة، فَصَلَيْتُ مَعَهُ ثُمّ صَلّيْتُ مَعَهُ ثُمّ صَلّيْتُ مَعَهُ ثُمّ صَلّيْتُ مَعَهُ ثُمّ صَلّيْتُ مَعَهُ، يَحْسِبُ بِأَصَابِعِهِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ" ، فَرَأَيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم صَلّى الظّهْرَ حِينَ تَزُولُ الشّمْسُ، وَرُبّمَا أَخّرَها حِينَ يَشْتَدّ الْحَرّ، وَرَأَيْتُهُ يُصَلّي الْعَصْرَ والشّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ قَبْلَ أَنْ تَدْخُلَهَا الصّفْرَةُ، فَيَنْصَرِفُ الرّجُلُ مِنَ
__________
"ما تقول": قيل: هذا القول تنبيه من عمر بن عبدالعزيز لعروة على إنكاره إياه، ثم تصدره بأما التي هي من طلائع القسم أي تأمل ما تقول وعلام تحلف وتنكر. كذا قاله الطيبي، وكأنه استبعاد لقول عروة: صلى أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أن الأحق بالإمامة هو النبي، والأظهر أنه استبعاد لإخبار عروة بنزول جبريل بدون الإسناد، فكأنه غلظ عليه بذلك مع عظيم جلالته إشارة إلى مزيد الاحتياط في الرواية لئلا يقع في محذور الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن لم يتعمده "فقال عروة سمعت بشير": هو بفتح الموحدة بقدها معجمة وزن فعيل وهو تابعي جليل ذكر في الصاحبة لكونه ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ورآه كذا في الفتح "ابن أبي مسعود يقول سمعت أبا مسعود الأنصاري": قال الطيبي: معنى إيراد عروة الحديث أني كيف لا أدري ما أقول وأنا صحبته وسمعت ممن صحب وسمع ممن صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع منه هذا الحديث فعرفت كيفية الصلاة وأوقاتها وأركانها يقال: ليس في الحديث بيان أوقات الصلاة يجاب عنه بأنه كان معلوماً عند المخاطب فأبهمه في هذه الرواية وبينه في رواية جابر وابن عباس. انتهى. وقال الحافظ ابن حجر الذي يظهر لي أن عمر ينكر بيان الأوقات وإنما استعظم إمامة جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم. انتهى. وهو كذلك لأن معرفة الأوقات تتعين على كل أحد، فكيف تخفى على مثله رضي الله تعالى عنه.
"يحسب بأصابعه": بضم السين مع الباء التحتانية وقبل بالنون. قال الطيبي هو بالنون حال من فاعل يقول أي يقول هو من ذلك القول ونحن نحسب بعقد أصابعه، وهذا مما يشهد باتقانه وضبطه أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ميرك: لكن صح في أصل سماعنا من البخاري ومسلم والمشكاة يحسب بالتحتانية، والظاهر أن فاعله النبي صلى الله عليه وسلم أي يقول ذلك حال كونه يحسب تلك المرات بعقد أصابعه، قال بعض شراح المشكاة: وهذا أظهر لو ساعدته الرواية " خمس صلوات ": قال ولي الدين هو مفعول صليت أو يحسب "والشمس مرتفعة": أي في أول وقت

(2/44)


الصّلاَةِ فَيأْتِي ذَا الْحَليفَةَ قَبْلَ غُرُوبِ الشّمْسِ، وَيُصَلّي المَغْرِبَ حِينَ تَسْقُطُ الشّمْسُ، ويُصَلّي الْعِشَاءَ حِينَ يَسْودّ اْلأُفْقُ وَرُبّمَا أَخّرَهَا حَتّى يَجْتَمِعَ النّاسُ، وَصَلّى الصّبْحَ مَرّةً بِغَلَسٍ، ثُمّ صَلّى مَرّةً أُخْرَى فأَسْفَرَ بِهَا ثُمّ كَانَتْ صَلاَتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ التّغْلِيسِ حَتّى مَاتَ ولم يَعُدْ إِلَى أَنْ يُسْفِرَ.
قال أبُو دَاوُدُ: رَوَى هذا الحديثَ عن الزّهْرِيّ مَعْمَرٌ وَمَالِكٌ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَشُعَيْبُ بنُ.
__________
العصر "فيأتي ذا الحليفة": هي قرية بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة منها ميقات أهل المدينة وهي من مياه بني جشم "حين تسقط الشمس": أي تغرب الشمس "وصلى الصبح مرة بغلس": والغلس بفتحتين: بقايا الظلام. قال ابن الأثير: الغلس: ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح. انتهى.
والحديث يدل على استحباب التغليس وأنه أفضل من الإسفار ولولا ذلك لما لازمه النبي صلى الله عليه وسلم حتى مات، وبذلك احتج من قال باستحباب التغليس. وقد اختلف العلماء في ذلك فذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور والأوزاعي وداوود وأبو جعفر الطبري وهو المروي عن عمر وعثمان وابن الزبير وأنس وأبي موسى وأبي هريرة إلى أن التغليس أفضل وأن الإسفار غير مندوب، وحكى هذا القول الحازمي عن بقية الخلفاء الأربعة وابن مسعود وأبي مسعود الأنصاري وأهل الحجاز، واحتجوا بالأحاديث المذكورة في هذا الباب وغيرها، ولتصريح أبي مسعود في هذا الحديث بأنها كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم التغليس حتى مات ولم يعد إلى الإسفار. وقد حقق شيخنا العلامة السيد محمد نذير حسين المحدث هذه المسألة في كتابه معيار الحق: ورجح التغليس على الإسفار وهو كما قال. وذهب الكوفيون أبو حنيفة رضي الله عنه وأصحابه والثوري والحسن بن حي، وأكثر العراقيين وهو مروى عن علي وابن مسعود إلى أن الإسفار أفضل.
"فأسفر بها": قال في القاموس: سفر الصبح يسفر أضاء وأشرق "ولم يعد": بضم العين من عاد يعود "إلى أن يسفر": من الإسفار. ولفظ الطحاوي: فأسفر ثم لم يعد إلى الإسفار حتى قبضه الله عز وجل، وهكذا لفظ الدارقطني. وفي لفظ له: حتى مات. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه بنحوه ولم يذكروا رؤيته لصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه الزيادة في قصة الأسفار رواتها عن آخرهم ثقات، والزيادة من الثقة مقبولة. انتهى. "روى هذا الحديث": أي حديث أمامة جبرئيل من رواية أبي مسعود الأنصاري

(2/45)


أَبي حَمْزَةَ وَالّليثُ بنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُمْ، لَمْ يَذْكروا الْوَقْتَ الّذِي صَلّى فِيهِ وَلَمْ يُفَسّرُوهُ.
وكَذَلِكَ أَيْضاً رَوَى هِشَامُ بنُ عُرْوَةَ وَحَبِيبُ بنُ أَبي مَرْزُوقٍ عن عَرْوَةَ نَحْوَ رِوَايَةِ مَعْمَرِ وَأَصْحَابِهِ، إِلاّ أَنّ حَبِيباً لَمْ يَذْكُرْ بَشِيراً.
__________
"عن الزهري معمر": فاعل روى وكذا ما بعده إلى الليث بن سعد "وغيرهم": أي عير معمر ومالك وسفيان وشعيب والليث كالأوزاعي ومحمد بن إسحاق "لم يذكروا": هؤلاء من رواة الزهري "الوقت الذي صلى فيه": رسول الله صلى الله عليه وسلم "ولم يفسروه": أي لم يبينوا هؤلاء الوقت كما بين وفسر الأقات أسامة بن زيد عن الزهري "وكذلك أيضاً": أي كما روى هؤلاء المذكورون من غير بيان الأوقات "نحو رواية معمر وأصحابه": كمالك وسفيان والليث وغيرهم "إلا أن حبيباً لم يذكر": في روايته "بشيراً": أي بشير بن أبي مسعود، بل فيه أن عروة روى عن أبي مسعود البدري من غير واسطة ابنه بشير بن أبي مسعود. قال الحافظ في الفتح: قد وجد ما يعضد رواية أسامة ابن زيد، ويزيد عليها أن البيان من فعل جبرئيل، وذلك فيما رواه الباغندي في مسند عمر بن عبدالعزيز والبيهقي في السنن الكبرى من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري عن أبي بكر بن حزم أنه بلغه عن أبي مسعود فذكره منقطعاً، لكن رواه الطبراني من وجه آخر عن أبي بكر عن عروة، فرجع الحديث إلى عروة، ووضح أن له أصلاً، وأن في رواية مالك ومن تابعه اختصاراً، وبذلك جزم ابن عبدالبر، وليس في رواية مالك ومن تابعه ما ينفي الزيادة المذكورة فلا توصف والحالة هذه بالشذوذ. انتهى كلامه.
قلت في رواية مالك ومن تابعه اختصار من وجهين: أحدهما أنه لم يعين الأوقات، وثانيهما أنه لم يذكر صلاة جبرئيل بالنبي صلى الله عليه وسلم الخمس إلا مرة واحدة. وقد علم من رواية الدارقطني والطبراني وابن عبدالبر في التمهيد من طريق أيوب بن عقبة عن أبي بكر بن حزم عن عروة بن الزبير بسنده إلى أبي مسعود الأنصاري أن جبرئيل صلى به الخمس مرتين في يومين. وقد ورد من رواية الزهري نفسه فأخرج ابن أبي ذئب في موطإه عن ابن شهاب بسنده إلى أبي مسعود، وفيه أن جبرئيل نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، فصلى وصلى وصلى وصلى وصلى ثم صلى وصلى وصلى وصلى وصلى ثم قال: هكذا أمرت وثبت أيضاً صلاته مرتين مع تفسير الأوقات الخمس عن ابن عباس عند أبي داوود والترمذي، وأنس عند الدارقطني، وعمرو بن حزم عند عبدالرزاق في مصنفه وابن راهويه في مسنده، وجابر بن عبدالله في الترمذي والنسائي والدارقطني، وأبي سعيد عند أحمد وأبي هريرة عند البزاز، وابن عمر عند الدارقطني، فهذه الروايات تعضد رواية أسامة بن زيد الليثي وتدفع علة الشذوذ. وأما مالك ومن

(2/46)


وَرَوَى وَهْبُ بنُ كَيْسَانَ عن جَابِرٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَقْتَ المَغْرِبِ قال: ثُمّ جَاءَهُ لِلْمَغْرِبِ حِينَ غَابَتِ الشّمْسُ يَعْني مِنَ الْغَدِ وَقْتَاً وَاحِداً.
قال أَبُو دَاوُد: وكَذَلِكَ رَوَى عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: ثُمّ صَلّى بِيَ الْمَغْرِبَ يَعْنِي مِنَ الْغَدِ وَقْتاً وَاحِداً.
وكَذَلِكَ رَوَى عن عَبْدِ الله بنِ عَمْرِو بنِ الْعَاصِ من حديثِ حَسّانَ بنِ عَطِيّةَ عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أَبيهِ عن جَدّهِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
391 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ دَاوُدَ أخبرنا بدر بنُ عُثْمانَ أخبرنا أَبُو بَكْرِ بنِ أَبي مُوسَى عن أَبي مُوسَى أَنّ سَائِلاً سَأَلَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فَلمْ يَرُدّ عَلَيْهِ شَيْئاً حَتّى أَمَرَ بِلاَلاً فأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ انْشَقّ الْفَجْرُ فَصَلّى حِينَ كان الرّجُلُ لا يَعْرِفُ وَجْهَ صَاحِبِهِ أَوْ
__________
تابعه فإن أجملوا وأبهموا في روايتهم عن الزهري عن عروة عن بشير عن أبي مسعود البدري، ولم يبينوا الأوقات ولم يفسروها، لكن أسامة بن زيد عن الزهري عن عروة روى مفسراً ومبيناً للأوقات، وكذا روى مفسراً أبو بكر ابن حزم عن عروة، وكذا روى سبع من الصحابة الذين سمينا أسماءهم آنفاً حديث إمامة جبرئيل مفسراً ومبيناً للأوقات، والله أعلم.
"وروى وهب بن كيسان إلى قوله عمرو بن شعيب إلخ": مقصود المؤلف من إيراد هذه التعاليق الثلاثة أي رواية جابر وأبي هريرة وعبدالله بن عمرو بن العاص، بيان أنه لم يرد صلاة المغرب في إمامة جبرئيل إلا في وقت واحد، في أحاديث هؤلاء كما في رواية أسامة بن زيد، وكما في حديث ابن عباس المذكور، والأمر كما قال المؤلف، فإن في رواية هؤلاء كلهم أن جبرئيل صلى للمغرب في اليومين في وقت واحد. قلت: لكن صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن صلى المغرب في وقتين مختلفين من حديث بريدة عند مسلم وأبي موسى عند مسلم أيضاً، وعبدالله بن عمرو بن العاص عند مسلم أيضاً. وأبي هريرة عند الترمذي. قال البيهقي في المعرفة: والأشبه أن يكون قصة المسألة عن المواقيت بالمدينة، وقصة إمامة جبرئيل عليه السلام بمكة، والوقت الآخر لصلاة المغرب زيادة منه ورخصة.
"فلم يرد عليه شيئاً": أي لم يرد جواباً ببيان الأوقات باللفظ، بل قال له: صل معنا لتعرف ذلك، ويحصل لك البيان بالفعل كما وقع في حديث بريدة الأسلمي للترمذي أنه قال له "أقم معنا" وليس المراد أنه لم يجب عليه بالقول ولا بالفعل كما هو الظاهر "انشق الفجر": قال ابن الأثير في النهاية: يقال: شق وانشق طلع كأنه شق محل طلوعه، فخرج منه "لا يعرف وجه

(2/47)


أَنّ الرّجُلَ لا يَعْرِفُ مَنْ إِلَى جَنِبِهِ، ثُمّ أَمَرَ بِلاَلاً فأَقَامَ الظّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشّمْسُ حَتّى قال الْقَائِلُ أَنْتَصَفَ النّهَارُ وَهُوَ أَعَلَمُ، ثُمّ أَمَرَ بِلاَلاً فأَقَامَ الْعَصْرَ وَالشّمْسُ بيْضَاءُ مُرْتَفِعَةٌ، وَأَمَرَ بِلاَلاً فأَقَامَ الْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتِ الشّمْسُ وَأَمَرَ بِلالاً فأَقَامَ الْعِشَاء حِينَ غَابَ الشّفَقُ، فَلمّا كان مِنَ الْغَدِ صَلّى الْفَجْرَ وَانْصَرَفَ. فَقُلْنَا: أَطَلَعَتِ الشّمْسُ. فأَقَامَ الظّهْرَ في وَقْتِ الْعَصْرِ الّذِي كان قَبْلَهُ، وَصَلّى الْعَصْرَ وَقَد اصْفَرّتِ الشّمْسُ، أَوْ قال أَمْسَى، وَصَلّى المَغْرِبَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشّفَقُ، وَصَلّى الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ الّليْلِ، ثُمّ قال: " أَيْنَ السّائِلُ عن وَقْتِ الصّلاَةِ؟ الوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ "
قال أَبُو دَاوُد: رَوَى سُلَيْمَانُ بنُ مُوسَى عن عَطَاء عن جَابِرٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم في المَغْرِبِ نَحْوَ هذا، قال: ثُمّ صَلّى الْعِشَاءَ. قال بَعْضُهُمْ: إِلَى ثُلُثِ الّليْلِ،
__________
صاحبه": بيان لذلك الوقت "أنتصف النهار": قال الشيخ ولي الدين: انتصف بفتح الهمزة على سبيل الإستفهام قطعاً وهمزة الوصل محذوف كقوله تعالى {أَصْطَفَى الْبَنَاتِ}
{افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً}: "أطلعت الشمس": بهمزة الأستفهام "فأقام الظهر في وقت العصر": أي في الوقت الذي يليه وقت العصر، ففرغ من الظهر ودخل وقت العصر بعده من غير التراخي، وتقدم بيانه ويشهد له الخبر الآتي وقت الظهر مالم تحضر العصر والله أعلم "وصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق": يعني صلاها في آخر الوقت. وهذا الحديث حجة على الشافعي ومالك في تضييق وقت المغرب، وفيه أن وقت المغرب ممتد "وصلى العشاء إلى ثلث الليل": ولعله لم يؤخرها إلى آخره وهو وقت الجواز لحصول الحرج بسهر الليل كله وكراهة النوم قبل صلاة العشاء، وفيه بيان أن للصلاة وقت فضيلة ووقت اختيار، وفيه البيان بالفعل فإنه أبلغ في الإيضاح والفعل تعم فائدته للسائل وغيره " الوقت فيما بين هذين ": أي هذا الوقت المقتصد الذي لا إفراط فيه تعجيلا ولا تفريط فيه تأخيراً. قاله ابن الملك أو بينت بما فعلت أول الوقت وآخره والصلاة جائزة في جميع أوله وأوسطه وآخره، والمراد بآخره هنا آخر الوقت في الأختيار لا الجواز إذ يجوز صلاة الظهر بعد الإبراد التام مالم يدخل وقت العصر، ويجوز العصر بعد ذلك التأخير الذي هو فوق مالم تغرب الشمس، ويجوز صلاة العشاء إلى نصف الليل وصلاة الفجر بعد الأسفار مالم تطلع الشمس. قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم والنسائي "نحو هذا": أي نحو حديث أبي موسى، فكما يدل حديث أبي موسى على أن للمغرب وقتين يدل حديث جابر أيضاً على ذلك، "قال": جابر "ثم صلى": النبي صلى الله عليه وسلم "وقال بعضهم": والمعنى لما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم عن صلاة

(2/48)


وقال بَعْضُهُمْ: إِلَى شَطْرِهِ. وكَذَلِكَ رَوَى ابنُ بُرَيْدَةَ عن أَبِيهِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
- 392حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُعَاذٍ أخبرنا أَبي أخبرنا شُعْبَةُ عن قَتَادَةَ أَنّهُ سَمِعَ أَبَا أَيّوبَ عنْ عَبْدِالله بنِ عَمْرٍو عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أَنّهُ قال: "وَقْتُ الظّهْرِ مَا لَمْ تَحْضُرِ الْعَصْرُ، وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرّ الشّمْسُ، وَوَقْتُ المَغْرِبِ مَا لَمْ يَسْقُطْ فَوْرُ الشّفَقِ، وَوَقْتُ الَعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ الّليْلِ، وَوَقْتُ صَلاَةِ الفجر مَا لَمْ تَطْلُعِ الشّمْسُ "
__________
العشاء قال بعض الصحابة مضى ثلث الليل، وقال بعضهم: مضى نصف الليل وكل ذلك بالتخمين "وكذلك": أي بذكر صلاة المغرب في الوقتين "روى ابن بريدة": هو سليمان وحديثه أخرجه الجماعة إلا مسلماً.
"سمع أبا أيوب": سماه مسلم يحيى بن مالك الأزدي " وقت الظهر ": وسميت به لأنها أول صلاة ظهرت، أو لفعلهما وقت الظهيرة وهو الأظهر " ما لم تصفر الشمس ": فالمراد به وقت الاختيار لقوله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين " ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر " أي مؤداه.
قال الخطابي: هو بقية حمرة الشفق في الأفق، وسمى فوراً لفورانه وسطوعه. وروى أيضاً ثور الشفق، وهو ثوران حمرته. قال ولي الدين العراقي: وصفحه بعضهم بنون، ولو صحت الرواية لكان له وجه " ووقت العشاء إلى نصف الليل ": فيه دليل صريح على أن آخر وقت العشاء إلى نصف الليل، وهذا هو الحق. وقد بسط الكلام في هذه المسألة في الشرح. والحديث فيه ذكر أوقات الصلوات الخمس. وأخرجه أحمد ومسلم والنسائي.

(2/49)


2باب وقت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وكيف كان يصليها
393 - حدثنا مُسْلِمُ بنُ إِبْراهِيمَ أخبرنا شُعْبَةُ عن سَعْدِ بنِ إِبْراهِيمَ عن مُحمّدِ بنِ عَمْرِو وَهُوَ ابنُ الْحَسَنِ بنِ عَلِيّ بنِ أَبي طَالِبٍ قال: سَأَلْنَا جَابِراً عن وَقْتِ صَلاَةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: كان يُصَلّي الظّهْرَ بالِهْاجِرَةِ، وَالْعَصْرَ وَالشّمْسُ حَيّةٌ، وَالمَغْرِبَ
__________
"باب وقت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وكيف كان يصليها"
"فقال": جابر "بالهاجرة": قال الحافظ في الفتح: الهجير والهاجرة بمعنى وهو وقت شدة الحر انتهى. ومقتضى ذلك أنه كان يصلى الظهر في أول وقتها والمراد بها نصف النهار بعد الزوال، سميت بها لأن الهجرة هي الترك، والناس يتركون التصرف حينئذ لشدة الحر لأجل

(2/49)


إِذَا غَرَبَتِ الشّمْسُ، وَالْعِشَاءَ إِذَا كَثُرَ النّاسُ عَجّلَ وَإِذا قَلّوا أَخّرَ، وَالصبّحَ بِغَلَسٍ.
394 حدثنا حَفْصُ بنُ عَمَرَ أخبرنا شُعْبَةُ عن أَبي المِنْهَالِ عن أَبي بَرْزَةَ قال: كَانَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُصَلّي الظّهْرَ إِذَا زَالَتِ الشّمْسُ، وَيُصَلّي الْعَصْرَ، وَإِنّ أَحَدَنَا لَيَذْهَبُ إِلَى أَقْصَى المَدِينَةِ وَيَرْجِعُ وَالشّمْسُ حَيّةٌ، وَنَسِيتُ المَغْرِبَ، وكَانَ لا يُبَاليِ تَأْخِيرَ الْعِشاءِ إِلَى ثُلُثِ الّليْلِ. قال: ثم قال إلَى شَطرِ اللّيْلِ. قال: كَانَ يَكْرَهُ النّوْمَ
__________
القيلولة وغيرها. قال الحافظ: ظاهره يعارض حديث الإبراد لأن قوله كان يفعل يشعر بالكثرة والدوام عرفا. قاله ابن دقيق العيد ويجمع بين الحديثين بأن يكون أطلق الهاجرة على الوقت بعد الزوال مطلقاً، لأن الإبراد مقيد بحال شدة الحر وغير ذلك، فإن وجدت شروط الإبراد أبرد وإلا عجل. فالمعنى: كان يصلى الظهر بالهاجرة إلا إن احتاج إلى الإبراد. وتعقب بأنه لو كان ذلك مراده لفصل كما فصل في العشاء. والله أعلم. "والعصر": بالنصب أي وكان يصلى العصر "والشمس حية": جملة إسمية وقعت حالا على الأصل بالواو، وقال الخطابي: حياة الشمس يفسر على وجهين أحدهما أن حياتها شدة وهجها وبقاء حرها لم ينكسر منه شيء، والوجه الآخر صفاء لونها لم يدخلها التغير لأنهم شبهوا صفرتها بالموت "والمغرب": بالنصب أيضاً "والعشاء": بالنصب أيضاً "إذا كثر الناس عجل وإذا قلوا أخر": قال الطيبي: الجملتان الشرطيتان في محل النصب حالان من الفاعل أي يصلي العشاء معجلاً إذا كثر الناس ومؤخراً إذا قلوا أو يحتمل أن يكونا من المفعول والراجع مقدر أي عجلها أو أخرها. انتهى. والتقدير معجلة ومؤخرة "والصبح": بالنصب أيضاً "بغلس": بفتحتين: هو ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"أبي برزة": بالفتح وسكون الراء المهملة بسدها زاء معجمة "إلى أقصى المدينة": أي آخر المدينة وأبعدها "ونسيت المغرب": قائل ذلك هو سيار أبو المنهال بينه أحمد في روايته عن حجاج عن شعبة عند كذا في الفتح "وكان لا يبالي تأخير العشاء": بل يستحبه كما ورد في رواية للبخاري وكان يستحب أن يؤخر العشاء "وكان يكره النوم قبلها": لخوف الفوت. قال الحافظ قال الترمذي كره أكثر أهل العلم النوم قبل العشاء، ورخص بعضهم فيه في رمضان خاصة. انتهى. ومن نقلت عنه الرخصة قيدت عنه في أكثر الروايات بما إذا كان من يوقظه أو عرف من عادته أنه لا يستغرق وقت الاختيار بالنوم، وهذا جيد حيث قلنا إن علة النهي خشية خروج الوقت. وحمل الطحاوي الرخصة على ما قبل دخول وقت العشاء والكراهة على ما بعد

(2/50)


قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا، وكَانَ يُصَلّي الصّبْحَ وَيَعْرِفُ أَحَدُنَا جَلِيسَهُ الّذِي كان يَعْرِفُهُ، وكَانَ يَقْرَأُ فِيهَا السّتّينَ إِلَى الْمِائَةِ.
__________
دخوله. انتهى. قال النووي: إذا غلبه النوم لم يكره له إذا لم يخف فوات الوقت "والحديث بعدها": أي التحدث بكلام الدنيا ليكون ختم عمله على عبادة وآخره ذكر الله فإن النوم أخو الموت، أما الحديث فقد كرهه جماعة منهم سعيد بن المسيب. قال: لأن أنام عن العشاء أحب إلى من اللغو بعدها ورخص بعضهم التحدث في العلم وفيما لا بد منه من الحوائج ومع الأهل والضعيف. كذا في المرقاة. قال الحافظ في الفتح: إن هذه الكراهة مخصوصة بما إذا لم يكن في أمر مطلوب، وقيل الحكمة فيه لئلا يكون سبباً في ترك قيام الليل أو للاستغراق في الحديث ثم يستغرق في النوم فيخرج وقت الصبح "ويعرف أحدنا جليسه": ولفظ مسلم: "وكان يصلي الصبح فينصرف الرجل فينظر إلى وجه جليسه الذي يعرف فيعرفه" ولفظ البخاري: "وكان ينفتل عن صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه" "فيها": أي في صلاة الصبح "الستين": آية أي أنه كان يقرأ بهذا القدر من الآيات وربما يزيد "إلى المائة": يعني من الآي، وقدرها في رواية للطبراني بسورة الحاقة ونحوها. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه، وأخرج الترمذي طرفاً منه. واستدل بهذا الحديث على التعجيل بصلاة الصبح، لأن ابتداء معرفة الإنسان وجه جليسه يكون في أواخر الغلس وقد صرح بأن ذلك كان عند فراغ الصلاة، ومن المعلوم من عادته صلى الله عليه وسلم ترتيل القراءة وتعديل الأركان، فمقتضى ذلك أنه كان يدخل فيها مغلساً. وادعى الزين بن المنير أنه مخالف لحديث عائشة الآتي حيث قالت فيه: "لا يعرفن من الغلس" وتعقب بأن الفرق بينهما ظاهر وهو أن حديث أبي برزة متعلق بمعرفة من هو مسفر جالس إلى جنب المصلى فهو ممكن، وحديث عائشة متعلق بمن هو متلفف مع أنه على بعد فهو بعيد.

(2/51)


3باب وقت صلاة الظهر
395 حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ وَ مُسدّدٌ قالا أخبرنا عَبّادُ بنُ عَبّادِ أخبرنا مُحمّدُ بنُ عَمْرِو عن سَعِيدِ بنِ الْحَارِثِ اْلأنْصَارِيّ عن جَابِرِ بنِ عَبْدِالله قال: كُنْتُ أُصَلّي الظّهْرَ مَعَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فآخُذُ قَبْضَةً مِنَ الْحَصَى لِتَبْرُدَ في كَفّي أَضَعُهَا لِجَبْهَتِي
__________
"باب وقت صلاة الظهر"
"فآخذ قبصة من الحصى": قال الخطابي: فيه من الفقه تعجيل صلاة الظهر وفيه: لا يجوز

(2/51)


أَسْجُدُ عَلَيْهَا لِشِدّةِ الْحَرّ.
396 حدثنا عُثْمانُ بنُ أَبي شَيْبَةَ أخبرنا عَبِيدَةُ بنُ حُمَيْدٍ عن أَبي مَالِكٍ اْلأَشْجَعِيّ سَعْدِ بنِ طَارِقٍ عن كَثِيرِ بنِ مُدْرِكٍ عن اْلأَسْوَدِ أَنّ عَبْدَالله بنَ مَسْعُودٍ قال: كانتْ كان قَدْرُ صَلاَةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في الصّيْفِ ثَلاَثَةَ أَقْدَامٍ إِلَى خَمْسَةِ أَقْدامٍ، وَفي الشّتَاءِ خَمْسَةَ أَقْدَامٍ إِلَى سَبْعَةِ أَقْدَامٍ.
__________
السجود إلا على الجبهة ولو جاز السجود على ثوب هو لابسه أو الاقتصار من السجود على الأرنبة دون الجهة لم يكن يحتاج إلى هذا الصنيع وفيه أن العمل اليسير لا يقطع الصلاة. قلت: قوله ولو جاز السجود على ثوب هو لابسه لم يكن يحتاج إلى هذا الصنيع فيه نظر لاحتمال أن يكون الذي كان يبرد الحصى لم يكن في ثوبه فضلة سجد عليها مع بقاء سترته له، وقد جاء في رواية البخاري من طريق بشر بن المفضل حدثنا غالب القطان عن بكر بن عبدالله عن أنس بن مالك قال: "كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر في مكان السجود" وله من طريق أخرى من حديث خالد بن عبدالرحمَن عن غالب: "سجدنا على ثيابنا اتقاء الحر" وفي رواية لمسلم: "إذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه" فهذه الأحاديث تدل على جواز السجود على الثوب المتصل بالمصلى، وعلى جواز استعمال الثياب، وكذا غيرها في الحيلولة بين المصلي وبين الأرض لاتقاء حرها وكذا بردها، وعلى جواز العمل القليل في الصلاة ومراعاة الخشوع فيها، لأن الظاهر أن صنيعهم ذلك لإزالة التشويش العارض من حرارة الأرض. قال الحافظ في الفتح: وظاهر الأحاديث الواردة في الأمر بالإبراد كما سيأتي يعارضه، فمن قال الإبراد رخصة فلا إشكال، ومن قال سنة فإما أن يقول التقديم المذكور رخصة وإما أن بقول منسوخ بالأمر بالإبراد، وأحسن منهما أن يقال إن شدة الحر قد توجد مع الإبراد فيحتاج إلى السجود على الثوب أو إلى تبريد الحصى، لأنه قد يستمر حره بعد الإبراد، ويكون فائدة الإبراد وجود ظل يمشي فيه إلى المسجد أو يصلى فيه في المسجد، أشار إلى هذا الجمع القرطبي ثم ابن دقيق العيد. انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه النسائي.
"في الصيف ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام": أي من الفيء، والمراد أن يبلغ مجموع الظل الأصلى والزائد هذا المبلغ لا أن يصير الزائد هذا المبلغ ويعتبر الأصلى سوى ذلك. قال الخطابي: هذا أمر يختلف في الأقاليم والبلدان ولا يستوي في جميع المدن والأمصار، وذلك أن العلة في طول الظل وقصره هو زيادة ارتفاع الشمس في السماء وانحطاطها، فكلما كانت

(2/52)


397 حدثنا أَبُو الْوَلِيدِ الطّيَالِسِيّ أخبرنا شُعْبَةُ أخبرني أَبُو الْحَسَنِ. قال أَبُو دَاوُد: أَبُو الْحَسنِ هُوَ مُهَاجِرٌ، قال سَمِعْتُ زَيْدَ بنَ وَهْبٍ يقولُ سَمِعْتُ أَبَا ذرَ يقولُ: كُنّا مَعَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فأَرَاد المُؤَذّنُ أَنْ يُؤَذّنَ الظّهْرَ، فقال: " أَبْرِدْ ". ثُمّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذّنَ، فقال: " أَبْرِدْ ". مَرّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثاً، حَتّى رَأَيْنَا فَيءَ التّلُولِ، ثُمّ قال: " إِنّ شِدّةَ الْحَرّ مِنْ فَيْحِ جَهَنّمَ،
__________
أعلى وإلى محاذاة الرؤوس في مجراها أقرب كان الظل أقصر، وكلما كانت أخفض ومن محاذاة الرؤوس أبعد كان الظل أطول، ولذلك ظلال الشتاء تراها أبداً أطول من ظلال الصيف في كل مكان، وكانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة والمدينة وهما من الإقليم الثاني، ويذكرون أن الظل فيهما في أول الصيف في شهر آذار ثلاثة أقدام وشيء، ويشبه أن تكون صلاته عليه السلام إذا اشتد الحر متأخرة عن الوقت المعهود قبله، فيكون الظل عند ذلك خمسة أقدام، وأما الظل في الشتاء فإنهم يذكرون أنه في تشرين الأول خمسة أقدام أو خسمة أقدام وشيء وفي الكانون سبعة أقدام أو سبعة أقدام وشيء، فقول ابن مسعود ينزل على هذا التقدير في ذلك الإقليم دون سائر الأقاليم والبلدان التي هي خارجة عن الإقليم الثاني. انتهى. قال السيوطي في مرقاة الصعود: قال ولي الدين هذه الأقدام هي قدم كل إنسان بقدر قامته. قلت: ضابط ما يعرف به زوال كل بلد أن يدق وتدفى حائط أو خشبة موازياً للقطب يمانياً أو شمالياً فينظر لظله، فمهما ساواه فذلك وسط النهار، فإذا مال للمشرق ميلاً تاماً فذلك الزوال وأول وقت الظهر، فكل الأقدام إذاً بكل شهر وأحفظها لكل شهر بكل فصل وكل بلد فلم أر ضابطاً أفضل من هذا. قال علي القاري في المرقاة: قال السبكي: اضطربوا في معنى حديث الذي أخرجه أبو داوود والنسائي، والذي عندي في معناه أنه كان يصليهما في الصيف بعد نصف الوقت، وفي الشتاء أوله ومنه يؤخذ حد الإبراد. انتهى. والأظهر أنه لا حد للابراد، وإنما يختلف بإختلاف البلاد، ولعله أراد أن لا يتعدى في الإبراد عن نصف الوقت. والله تعالى أعلم. انتهى. قال المنذري: والحديث، أخرجه النسائي.
"أبو الحسن هو مهاجر": مهاجر: اسم وليس بوصف "فقال: أبرد ": قال الخطابي: معنى الإبراد في هذا الحديث، انكسار شدة الظهيرة. انتهى. قال الحافظ في الفتح: فإن قيل الإبراد للصلاة، فكيف أمر المؤذن به للأذان، فالجواب أن ذلك مبني على أن الأذان هل هو للوقت أو للصلاة، وفيه خلاف مشهور، والأمر المذكور يقوى القول بأنه للصلاة. وأجاب الكرماني بأن عادتهم جرت بأنهم لا يتخلفون عند سماع الأذان عن الحضور إلى الجماعة، فالإبراد بالأذان لغرض الإبراد بالعبادة "أو ثلاثاً ": هو شك من الراوي "حتى رأينا فيء التلول": قال الحافظ في

(2/53)


فَإِذَا اشْتَدّ الْحَرّ فأَبْرِدُوا بالصّلاَةِ"
- 401 حدثنا يَزِيدُ بنُ خَالِدِ بنِ مَوْهَبٍ الْهَمَدَانِيّ وَ قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ الثّقَفِيّ أَنّ اللّيْثَ حَدّثَهُمْ عن ابنِ شِهَابٍ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ وَ أَبِي سَلَمَةَ عن أَبي هُرَيْرَةَ أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: " إِذَا اشْتَدّ الْحَرّ فأَبْرِدُوا عن الصّلاَةِ". قال ابنُ مَوْهِبٍ بالصّلاَةِ فإِنّ شِدّةَ الْحَرّ مِنْ فَيْحِ جَهَنّمَ "
__________
الفتح: هذه الغاية متعلقة بقوله. فقال: أبرد، أي كان يقول له في الزمان الذي قبل الرؤية أبرد أو متعلقة بأبرد، أي قال له أبرد إلى أن ترى أو متعلقة أي قال له أبرد فأبرد إلى أن رأينا، والفيء بفتح الفاء وسكون الياء بعدها همزة هو مابعد الزوال من الظل. والتلول جمع تل بفتح المثناة وتشديد الللام، كل ما اجتمع على الأرض من تراب أو رمل أو نحو ذلك، وهي في الغالب منبطحة غير شاخصة، فلا يظهر لها ظل إلا إذا ذهب أكثر وقت الظهر. وقد اختلف العلماء في غاية الإبراد، فقيل حتى يصير الظل ذراعاً بعد ظل الزوال، وقيل ربع قامة، وقيل ثلثها، وقيل نصفها، وقيل غير ذلك، ونزلها المازري على اختلاف الأوقات، والجاري على القواعد أنه يختلف باختلاف الأحوال، لكن يشترط أن لا يمتد إلى آخر الوقت "ثم قال إ ن شدة الحر من فيح جهنم ": هو بفتح الفاء وسكون الياء وفي آخره حاء مهملة. قال الخطابي: فيح جهنم معناه سطوع حرها وانتشاره، وأصله في كلامهم السعة والانتشار، ومنه قولهم في الغارة فيحى فياح، ومكان أفيح أي واسع، وأرض فيحاء أي واسعة. ومعنى الحديث يحمل على وجهين. أحدهما أن شدة حر الصيف من وهج حر جهنم في الحقيقة، وروى أن الله تعالى أذن لجهنم في نفسين، نفس في الصيف ونفس في الشتاء فهو منها. والوجه الثاني أن هذا خرج مخرج التشبيه والتقريب، أي كأنه نار جهنم أي كان شدة الحر من نار جهنم فأحذروها واجتنبوا ضررها والله أعلم. انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي.
"فأبردوا عن الصلاة ": معنى أبردوا أخروا على سبيل التضمين أي أخروا الصلاة. قيل: لفظ عن زائدة أو عن بمعنى الباء أو هي للمجاوزة، أي تجاوزوا وقتها المعتاد إلى أن تنكسر شدة الحر، والمراد بالصلاة الظهر، لأنها الصلاة التي يشتد الحر غالباً في أول وقتها. كذا في الفتح. وقد مر وجه الجمع بين حديثي الإبراد والتهجير. وقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، إذا كان أيام الصيف فتؤخر صلاة الظهر وتبرد بها، وإذا كان أيام الشتاء فتجعل صلاة الظهر واستدل لهما حديث رواه النسائي عن أنس بن مالك قال "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان الحر أبرد بالصلاة وإذا كان البرد عجل" "قال ابن موهب بالصلاة": الباء للتعدية وقيل زائدة "فإن شدة

(2/54)


399 حدثنا موسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ حدثنا حَمّاد عن سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ عن جَابِرٍ بنِ سَمُرَةَ أَنّ بِلاَلاً كان يُؤَذّنُ الظّهْرَ إِذَا دَحَضَتِ الشّمْسُ.
__________
الحر ": تعليل لمشروعية التأخير المذكور، وهل الحكمة فيه دفع المشقة لكونها قد تسلب الخشوع وهذا أظهر، وكونها الحالة التي ينتشر فيها العذاب، ويؤيده حديث عمرو بن عبسة عند مسلم حيث قال له: " أقصر عن الصلاة عند استواء الشمس فإنها ساعة تسجر فيها جهنم " وقد استشكل هذا بأن الصلاة سبب الرحمة، ففعلها مظنة لطر العذاب فكيف أمر بتركها، وأجاب عنه أبو الفتح اليعمري بأن التعليل إذا جاء من جهة الشارع وجب قبوله وإن لم يفهم معناه. قاله الحافظ في الفتح " من فيح جهنم ": أي من سعة انتشارها وتنفسها، ومنه مكان أفيح أي متسع، وهذا كناية عن شدة استعارها، كذا في الفتح. وقال على القارىء أي من غليانها. انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه.
" إذا دحضت الشمس ": بفتح الدال والحاء المهملتين والضاد المعجمة. قال الخطابي: معناه زالت. وأصل الدحض الزلول، يقال: دحضت رجله أي زلت عن موضعها وأدحضت حجة فلان أي أزلتها، وأبطلتها انتهى. قال الحافظ: ومقتضى ذلك أنه كان يصلي الظهر في أول وقتها، ولا يخالف ذلك الأمر بالإبراد لاحتمال أن يكون ذلك في زمن البرد، أو قبل الأمر بالإبراد، أو عند فقد شروط الإبراد لأنه يختص بشدة الحر أو لبيان الجواز انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم وابن ماجه وحديث مسلم أتم.

(2/55)


باب وقت صلاة العصر
...
4باب وقت العصر
400 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا الّليْثُ عن ابنِ شِهَابٍ عن أَنَسِ بنِ مَالِكِ أَنّهُ أَخْبَرَهُ أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يُصَلّي الْعَصْرَ وَالشّمْسُ بَيْضَاءُ مُرْتَفِعَةٌ حَيّةٌ، وَيَذْهَبُ إِلَى الْعَوَالِي وَالشّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ.
__________
"باب وقت العصر"
"والشمس بيضاء مرتفعة": أي لم تصفر "حية": حياة الشمس عبارة عن بقاء حرها لم يفتر وبقاء لونها لم يتغير "ويذهب الذاهب إلى العوالي": أي يذهب واحد بعد صلاة العصر إلى العوالي فيأتي العوالي كما في رواية مسلم. قال الحافظ في الفتح: والعوالي عبارة عن القرى المجتمعة حول المدينة من جهة نجدها، وأما ما كان من جهة تهامتها فيقال لها السافلة

(2/55)


- 401 حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ أخبرنا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ قال: وَالْعَوَالِي عَلَى مِيلَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةٍ، قال وَأَحْسَبُهُ قال أَوْ أَرْبَعَةٍ.
- 402 حدثنا يُوسُفُ بنُ مُوسَى أخبرنا جَرِيرٌ عن مَنْصُورٍ عن خَيْثَمَة. قال: حَيَاتُهَا أَنْ تَجِدَ حَرّهَا.
- 403 حدثنا الْقَعْنَبِيّ قال قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ بنِ أَنَسٍ عن ابنِ شِهَابٍ قال عُرْوَةُ: وَلَقَدْ حَدّثَتْني عَائشةُ أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يُصَلّي الْعَصْرَ وَالشّمْسُ في حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ.
- 404 حدثنا مُحَمّدُ بنُ عَبْدِالرّحْمَنِ الْعَنْبَرِيّ أخبرنا إِبراهِيمُ بنُ أَبي الْوَزِيرِ أخبرنا مُحمّدُ بنُ يَزِيدَ الْيمَاميّ حَدّثَني يَزِيدُ بنُ عَبْدِالرّحْمَنِ بنِ علِيّ بنِ شَيْبَانَ عن أَبِيهِ عن جَدّهِ عَلِيّ بنِ شَيْبَانَ قال: قَدِمْنَا عَلَى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم المَدِيْنَةَ فَكَانَ يُؤَخّرُ الْعَصْرَ مَا دَامَتِ الشّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيّةً.
__________
"والشمس مرتفعة": أي دون ذلك الأرتفاع لكنها لم تصل إلى الحد الذي توصف به لأنها منخفضة، وفي ذلك دليل على تعجيله صلى الله عليه وسلم لصلاة العصر لوصف الشمس بالارتفاع. بعد أن تمضى مسافة أربعة أميال. قال الحافظ في الفتح. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.
"والشمس": الواو فيه للحال والمراد بالشمس ضوؤها "في حجرتها": وهي بضم المهملة وسكون الجيم: البيت أي ضوء الشمس باقية في قعر بيت عائشة "قبل أن تظهر": أي تصعد وتعلق بالحيطان. قال الخطابي معنى الظهور ها هنا الصعود والعلو، يقال ظهرت على الشيء إذا علوته، ومنه قوله تعالى: {وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} انتهى. وقال النووي: كانت الحجرة ضيقة العرصة قصيرة الجدار بحيث كان طول جدارها أقل من مسافة العرصة بشيء يسير، فإذا صار ظل الجدار مثله كانت الشمس أبعد في أواخر العرصة. انتهى. والمستفاد من هذا الحديث تعجيل صلاة العصر في أول وقتها. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"بيضاء نقية": أي صافية اللون عن التغير والاصفرار.

(2/56)


405 حدثنا عُثْمَانُ بنُ أَبي شَيْبَةَ أخبرنا يَحْيَى بنُ زَكَرِيّا بنِ أَبي زَائِدَةَ وَ يَزِيدُ بنُ هَارُونَ عن هِشَامِ بنِ حَسّانَ عن مُحمّدِ بنِ سِيرِينَ عن عَبِيدَةَ عن عَليّ رَضِيَ الله عَنْهُ أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال يَوْمَ الْخَنْدَقِ: "حَبَسُونَا عن صَلاَةِ الْوُسْطَى، صَلاَةِ الْعَصْرِ، مَلأَ الله بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَاراً "
406 حدثنا الْقَعْنَبيّ عن مَالِكٍ عن زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ عن الْقَعْقَاعِ بنِ حَكِيمٍ عن أَبي يُونُسَ مَوْلَى عَائشةَ أَنّهُ قال: أَمَرَتْني عَائشةُ أَنْ أَكْتُبَ لهَا مُصْحَفاً، وقالت: إِذَا
__________
"عن عبيدة": بفتح العين هو ابن عمرو السلماني كذا في الفتح "يوم الخندق": وهو يوم الأحزاب وكان في ذي القعدة قيل سنة أربع ورجحه البخاري، سميت الغزوة بالخندق لأجل الخندق الذي حفر حول المدينة بأمره عليه الصلاة والسلام لما أشار به سلمان الفارسي، فإنه من مكائد الفرس دون العرب. وسميت بالأحزاب لاجتماع طوائف من المشركين قريش وغطفان واليهود ومن معهم على حرب المسلمين وهم كانوا ثلاثة آلاف " حبسونا ": أي منعونا " عن صلاة الوسطى": أي عن إيقاعها. وقال النووي من باب قول الله تعالى {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ} وفيه المذهبان المعروفان مذهب الكوفيين جواز إضافة الموصوف إلى صفته، ومذهب البصريين منعه ويقدرون فيه محذوفاً وتقديره هنا عن صلاة الصلاة الوسطى أي عن فعل الصلاة الوسطى "ص لاة العصر ": بالجر بدل من صلاة الوسطى أو عطف بيان لها وهو مذهب أكثر الصحابة قاله ابن الملك. وقال النووي: الذي يقتضيه الأحاديث الصحيحة أنها العصر وهو المختار وقال الماوردي: نص الشافعي أنها الصبح، وصحت الأحاديث أنها العصر فكأن هذا هو مذهبه لقوله: إذا صح الحديث فهو مذهبي، واضربوا بمذهبي عرض الحائط. وقال الطيبي: وهذا مذهب كثير من الصحابة والتابعين، وإليه ذهب أبو حنيفة وأحمد وداوود والحديث نص فيه. وقيل الصبح، وعليه بعض الصحابة والتابعين، وهو مشهور مذهب مالك والشافعي، وقيل الظهر، وقيل المغرب، وقيل العشاء، وقيل أخفاها الله تعالى في الصلوات كليلة القدر وساعة الإجابة في الجمعة. انتهى. وقيل صلاة الضحى أو التجهد أو الأوابين أو الجمعة أو العيد أو الجنازة " ملأ الله ": دعا عليهم وأخرجه في صورة الخبر تأكيداً وإشعاراً بأنه من الدعوات المجابة سريعاً، وعبر بالماضي ثقة بالاستجابة " بيوتهم ": بكسر الباء وضمها. قاله على القاري " وقبورهم ناراً ": قال الطيبي: أي جعل الله النار ملازمة لهم الحياة والممات، وعذبهم في الدنيا والآخرة. انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.

(2/57)


بَلَغْتَ هذه الآية فآذِنّي: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى} فَلمّا بَلَغْتُهَا آذَنْتُهَا، فأَمَلّتْ عَلَيّ {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} ثم قالت عَائشةُ: سَمِعْتُهَا مِنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم.
407 حدثنا مُحمّدُ بنُ المُثَنّى حَدّثَني مُحمّدُ بنُ جَعْفَرٍ أخبرنا شُعْبَةُ حَدّثَني عَمْرُو بنُ أَبي حَكِيمٍ قال: سمعت الزقاني يحدّث عن عروة بن الزبير عن زيد بن ثابت قال: كَانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُصَلّي الظّهْرَ بالْهاجِرَةِ، وَلَمْ يَكُنْ يُصَلّي صَلاَةً أَشَدّ عَلَى أَصْحَابِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مِنْهَا، فَنَزَلَتْ {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ
__________
"فآذني": بمد الهمزة وكسر الذال المعجمة وتشديد النون أي أعلمني "فأملت على": بفتح الهمزة وسكون الميم وفتح اللام الخفيفة من أملي وبفتح الميم واللام مشددة من أملل يملل أي ألقيت على فالأولى لغة الحجاز وبني أسد والثانية لغة بني تميم وقيس "وصلاة العصر": بالواو الفاصلة وهي تدل على أن الوسطى غير العصر لأن العطف يقتضي المغايرة. وأجيب بوجوه أحدها أن هذه القراءة شاذة ليست بحجة ولا يكون له حكم الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن ناقلها لم ينقلها إلا على أنها قرآن والقرآن لا يثبت إلا بالتواتر بالإجماع، وإذا لم يثبت قرآناً لا يثبت خبراً قاله النووي. وثانيها أن يجعل العطف تفسيرياً فيكون الجمع بين الروايات. وثالثها أن تكون الواو فيه زائدة ويؤيده ما رواه أبو عبيد بإسناد صحيح عن أبي بن كعب أنه كان يقروها "والصلاة الوسطى صلاة العصر": بغير واو " قانتين ": قيل معناه مطيعين، وقيل ساكتين أي عن كلام الناس لا مطلق الصمت "قالت عائشة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم": قال الباجي: يحتمل أنها سمعتها على أنها قرآن ثم نسخت كما في حديث البراء الذي رواه مسلم، فلعل عائشة لم تعلم بنسخها أو اعتقدت أنها مما نسخ حكمه وبقي رسمه، ويحتمل أنه ذكرها صلى الله عليه وسلم على أنها من غير القرآن لتأكيد فضيلتها فظنتها قرآناً فأرادت إثباتها في المصحف لذلك. قال الزرقاني في شرح الموطإ. قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم والترمذي والنسائي."الزبرقان": بكسر زاء المعجمة وسكون الموحدة وكسر راء المهملة "بالهاجرة": أي في شدة الحر عقب الزوال "أشد": أي أشق وأصعب "فنزلت حاف ظ وا على الصلوات والصلاة الوسطى ": قال الطيبي: أي ما كان ينبغي أن تضيعوها لثقلها عليكم فإنها الوسطى أي الفضلى "وقال": أي زيد بن ثابت، أو قال النبي صلى الله عليه وسلم والأول هو الصواب قاله في المرقاة. قلت: وتؤيده رواية الطحاوي عن زيد بن ثابت قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهجير وكانت أثقل الصلوات على أصحابه فنزلت {حَافِظُوا

(2/58)


الْوُسْطَى} وقال: إِنّ قَبْلَهَا صلاَتَيْنِ وَبَعْدَهَا صَلاَتْينِ "
- 408 حدثنا الحسَنُ بنُ الرّبِيعِ حدثني ابنُ المُبَارَكِ عن مَعْمَرٍ عن ابنِ طَاوُسٍ عن أَبيهِ عن ابنِ عَبّاسٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أدرك العصر ركعة قبل أن تغرب الشم فقد أدرك ومَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْفَجْرِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ"
__________
عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى} لأن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين انتهى " إن قبلها صلاتين ": أي إحداهما نهارية وأخرى ليلية " وبعدها صلاتين ": أي إحداهما نهارية وأخرى ليلية أو هي واقعة وسط النهار وإعلم أنه يظهر من حديث زيد هذا أن الصلاة الوسطى هي الظهر، وحديث على المتقدم يدل علي أن صلاة الوسطى هي العصر. وقد اختلف الناس في ذلك على أقوال بعد اتفاقهم على أنها آكد الصلوات، فمنهم من قال إنها الصبح، ومنهم من قال إنها المغرب، وغير ذلك. قال الحافظ: شبهة من قال إن صلاة الوسطى الصبح قوية لكن كونها العصر هو المعتمد. قال الترمذي هو قول أكثر علماء الصحابة انتهى. وقال النووي: والصحيح من هذه الأقوال قولان العصر والصبح وأصحهما العصر للأحاديث الصحيحة. وقال على القاري: والظاهر أن هذا اجتهاد من الصحابي نشأ من ظنه أن الآية نزلت في الظهر فلا يعارض نصه عليه الصلاة والسلام أنها العصر انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري في التاريخ.
"من العصر ركعة ": قال البغوي: أراد بركعة ركوعها وسجودها ففيه تغليب " ومن أدرك من الفجر ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك" : قال الحافظ: الإدراك الوصول إلى الشيء، فظاهره أنه يكتفي بذلك وليس ذلك مراد بالإجماع، فقيل يحمل على أنه أدرك الوقت فإذا صلى ركعة أخرى فقد كلمت صلاته، وهذا قول الجمهور، وقد صرح بذلك في رواية الدراوردي عن زيد بن أسلم أخرجه البيهقي من وجهين ولفظه " من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس وركعة بعدما تطلع الشمس فقد أدرك الصلا ة" وللبيهقي من من وجه آخر من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فليصل إليها أخرى" ويؤخذ من هذا الرد على الطحاوي حيث خص الإدراك باحتلام الصبي وطهر الحائض وإسلام الكافر ونحوها، وأراد بذلك بصرة مذهبه في أن من أدرك من الصبح ركعة تفسد صلاته لأنه لا يكملها إلا في وقت الكراهة. وادعى بعضهم أن أحاديث النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس ناسخة لهذا الحديث، وهي دعوى يحتاج إلى دليل فإنه لا يصار إلى النسخ بالاحتمال، والجمع بين الحديثين ممكن بأن يحمل أحاديث النهي على مالا سبب له من النوافل. ولا شك أن التخصيص أولى من ادعاء النسخ.

(2/59)


- 409 حدثنا الْقَعْنَبيّ عن مَالِكٍ عن الْعَلاَء بنِ عَبْدِالرّحْمَنِ أَنّهُ قال: دَخَلْنَا عَلَى أَنَسِ بنِ مَالِكٍ بَعْدَ الظّهْرِ فَقَامَ يُصَلّي الْعَصْرَ، فَلمّا فَرَغَ مِنْ صَلاَتِهِ ذَكَرْنَا تَعْجِيلَ الصّلاَةِ أَوْ ذَكَرَهَا، فقال سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: " تِلْكَ صَلاَةُ المُنَافِقِينَ، تِلْكَ صَلاَةُ الْمُنَافِقِينَ، تِلْكَ صَلاَةُ المُنَافِقِينَ، يَجْلِسُ أَحَدُهُم حَتّى إِذَا اصْفَرّتِ الشّمْسُ فَكَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ أَوْ عَلَى قَرْنَيِ الشّيْطَانِ، قَامَ فَنَقَرَ أَرْبَعاً لاَ يَذْكُرُ الله عَزّوَجَلّ فيها إِلاّ قَلِيلاً "
__________
ومفهوم الحديث أن من أدرك أقل من ركعة لا يكون مدركاً للوقت انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم والنسائي وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث الأعرج عن أبي هريرة.
" تلك صلاة المنافقين ": قال ابن الملك: إشارة إلى مذكور حكماً أي صلاة العصر التي أخرت إلى الاصفرار " فكانت ": الشمس " بين قرني شيطان ": أي قريباً من الغروب قال الخطابي: اختلفوا في تأويله على وجوه، فقال قائل معناه مقارنة الشيطان الشمس عند دنوها للغروب على معنى ما روى أن الشيطان يقارنها إذا طلعت فإذا ارتفعت فارقها فإذا استوت قارنها فإذا زالت فارقها فإذا دنت للغروب قارنها فإذا غربت فارقها، فحرمت الصلاة في هذه الأوقات لذلك وقيل معنى قرن الشيطان قوته من قولك أنا مقرن لهذا الأمر أي مطيق له قوي عليه قال الله تعالى { وَمَاكُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ } أي مطيقين وذلك أن الشيطان إنما يقوى أمره في هذه الأوقات لأنه يسول لعبدة الشمس أن يسجدوا لها في هذه الأوقات الثلاثة. وقيل قرنه حزبه وأصحابه الذين يعبدون الشمس يقال هؤلاء قرن أي شيوخاً جاءوا بعد قرن مضوا. وقيل إن هذا تمثيل وتشبيه، وذلك أن تأخير الصلاة إنما هو من تسويل الشيطان لهم وتسويفه وتزيينه ذلك في قلوبهم، وذويات القرون، إنما تعالج الأشياء وتدفعها بقرونها فكأنهم لما دفعوا الصلاة وأخروها عن أوقاتها بستويل الشيطان لهم حتى اصفرت الشمس صار ذلك منه بمنزلة ما تعالجه ذوات القرون وتدافعه بأرواقها والله أعلم. وفيه خامس قاله بعض أهل العلم. وهو أن الشيطان يقابل الشمس حين طلوعها وينتصب دونها حتى يكون طلوعها بين قرنيه وهما جانبا رأسه فينقلب سجود الكفار عبادة له. انتهى كلام الخطابي. وهذا الوجه الخامس رجحه شيخنا العلامة الدهلوي " قام ": أي إلى الصلاة " أربعاً ": أي لقط أربع ركعات، وهذا عبارة عن سرعة أداء الصلاة وقلة القرآن والذكر فيها. قال القارى: فنقر من نقر الطائر الحبة نقراً أي التقطها، وتخصيص الأربع بالنقر وفي العصر ثماني سجدات اعتباراً بالركعات، وإنما خص العصر

(2/60)


- 410 حدثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عن مَالِكٍ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "الذِي تَفُوتُهُ صلاَةُ الْعَصْرِ فَكَأَنّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمالَهُ"
قال أَبُو دَاوُد: وقال عُبَيْدُالله بنُ عُمَرَ أُتِرَ وَاخْتَلِفَ عَلَى أَيّوبَ فيه وقال الزّهْرِيّ عن سَالِمٍ عن أَبِيهِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال " وُتِرَ "
- 411 حدثنا مَحْمُودُ بنُ خَالِدِ أخبرنا الْوَلِيدُ قال قال أَبُو عَمْرِو يَعْنِي اْلأَوْزَاعيّ وَذَلِكَ أَنْ تَرَى مَا عَلَى اْلأرضِ مِنَ الشّمْسِ صَفْرَاءَ.
__________
بالذكر لأنها الصلاة الوسطى، وقيل إنما خصها لأنها تأتي في وقت تعب الناس من مقاساة أعمالهم. انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم والترمذي والنسائي.
" الذي تفوته صلاة العصر ": أي بغروب الشمس أواصفرارها أو بخروج وقتها المختار " فكأنما وتر ": بضم الواو وكسر الفوقية على بناء المفعول: أي سلب وأخذ "أهله وماله": بنصبهما ودفعهما، فمن رد النقص إلى الرجل نصبهما، ومن رده إلى الأهل والمال رفعهما أي فكأنما فقدهما بالكلية أو نقصهما. قال الخطابي: معنى قوله وترأى نقص أو سلب فبقي وتراً فرداً بلا أهل ولا مال، يريد فليكن حذره من فوتها كحذره من فوات أهله وماله "عبيدالله بن عمر": ابن حفص أحد الفقهاء السبعة، يروي عن سالم ونافع أنه قال في روايته بإسناده إلى عبدالله بن عمر "أتر": بضم الهمزة وكسر التاء الفوقانية قلبت الواو همزة كما في أجوه وأورى، وكما في قوله تعالى: { وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَت } قال البيضاوي وقرأ أبو عمرو { أُقِّتَتْ} على الأصل. قال الخفاجي: قوله: على الأصل لأن الهمزة مبدلة من الواو المضمومة وهو أمر مطرد كما بين في محله "واختلف على أيوب": السختياني في روايته عن نافع "فيه": في هذا الحديث، فروى حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر مثل رواية مالك وتر بالواو وغير حماد روى عن أيوب أتر بالهمزة، ورواية الزهري هذه وصلها مسلم والنسائي وابن ماجه، ومقصود المؤلف ترجيح رواية بالواو لاتفاق أكثر الحفاظ على ذلك اللفظ، والله أعلم.
" وذلك ": أي فوات العصر. واختلف في معنى الفوات في هذا الحديث، فقال ابن وهب: هو فيمن لم يصلها في وقتها المختار، وقيل بغروب الشمس. وفي موطإ ابن وهب قال مالك: تفسيرها ذهاب الوقت، وهو محتمل للمختار وغيره وأخرج عبدالرزاق هذا الحديث عن ابن جريج عن نافع، وزاد في آخره قلت لنافع: حتى تغيب الشمس؟ قال نعم. قال الحافظ وتفسير

(2/61)


__________
الرواي إذا كان فقيهاً أولى من غيره. قال السيوطي: وورد مرفوعاً أخرجه ابن أبي شيبة عن هشام عن حجاج عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً: " من ترك العصر حتى تغيب الشمس من غير عذر فكأنما وتر أهله وماله " وقال الأوزاعي: فواتها أن تدخل الشمس صفرة كما روى عنه المؤلف. قال الحافظ ابن حجر: ولعله على مذهب الأوزاعي في خروج وقت العصر.

(2/62)


5- باب وقت المغرب
- 412 حدثنا دَاوُدُ بنُ شَبِيبٍ حدثنا حَمّادٌ عن ثَابِتٍ الْبُنَانِيّ عن أَنَسِ ابنِ مَالِكٍ قال: كُنّا نُصَلّي الْمَغْرِبَ مَعَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم ثُمّ نَرْمِي فَيَرى أَحَدُنَا مَوْضِعَ نَبْلِهِ.
- 413 حدثنا عَمْرُو بنُ عَلِيّ عن صَفْوَانَ بنِ عِيسَى عن يَزيدَ بنِ أَبي عُبَيْدٍ عن سَلَمَةَ بنِ اْلأَكْوَعِ قال: كَانَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يُصَلّي الْمَغْرِبَ سَاعَةَ تَغْرُبُ الشّمْسُ إِذَا غَابَ حَاجِبُهَا.
- 414 حدثنا عُبَيْدُالله بنُ عُمَرَ أخبرنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعِ أخبرنا مُحمّدُ بنُ إِسْحَاقَ حَدّثَني يَزِيدُ بنُ أَبي حَبيبٍ عن مَرْثَدِ بنِ عَبْدِالله قال قَدِمَ عَلَيْنَا أَبُو أَيّوبَ غَازِياً وَعُقْبَةُ بنُ عَامِرٍ يَوْمَئذٍ عَلَى مِصْرَ فأَخّرَ المَغْرِبَ، فَقَامَ إِلَيْهِ أَبُو أَيّوب فقال: مَا هَذِهِ الصّلاَةُ
__________
"باب وقت المغرب"
"موضع نبله": قال الحافظ في الفتح: النبل بفتح النون وسكون الموحدة هي السهام العربية وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها. وقيل: واحدها نبلة أي الموضوع الذي تصل إليه سهامه إذا رمى بها. ومقتضاه المبادرة بالمغرب في أول وقتها بحيث أن الفراغ منها يقع والضوء باق. انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم وابن ماجه نحوه من حديث رافع بن خديج عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج النسائي نحوه من رواية رجل من أسلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم.
"تغرب": هو المصدر من باب التفعل "حاجبها": في الصحاح حواجب الشمس نواحيها، وفي المشارق حاجبها حرفها الأعلى من قرصها. انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه نحوه.
"مرثد": قال المنذري: هو بفتح الميم وسكون الراء المهملة وبعدها ثاء مثلثة ودال مهملة

(2/62)


يَاعُقْبَةُ؟ فقال شُغِلْنَا. قال: أَمَا سَمِعْتَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: "لا تَزَالُ أُمّتِي بِخَيْرٍ، أَوْ قال عَلَى الْفِطْرَةِ، مَا لَمْ يُؤَخّرُوا المَغْرِبَ إِلَى أَنْ تَشْتَبِكَ النّجُومُ "
__________
هو من تابعي أهل مصر احتج الإمامان بحديثه " على الفطرة ": أي السنة " إلى أن تشتبك النجوم ": قال ابن الأثير: أي تظهر جميعاً، ويختلط بعضها ببعض لكثرة ما ظهر منها وهو كناية عن الظلام، والحديث يدل على استحباب المبادرة بصلاة المغرب وكراهة تأخيرها إلى اشتباك النجوم، وقد عكست الروافض القضية فجعلت تأخير المغرب إلى اشتباك النجوم مستحباً، والحديث يرده. وأما الأحاديث الواردة في تأخير المغرب إلى قرب سقوط الشفق فكانت لبيان جواز التأخير

(2/63)


6باب وقت العشاء الآخرة
- 415 حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا أَبُو عَوانَةَ عن أَبي بِشْرٍ عن بَشِيرِ بن ثَابِتٍ عن حَبِيب بنِ سَالِمٍ عن النّعْمَانِ بنِ بَشِيرٍ قال أَنَا أَعْلَمُ النّاسِ بِوَقْتِ هَذِهِ الصّلاَةِ صلاَةِ الْعِشَاءِ الآخرة، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُصَلّيهَا لِسُقُوطِ الْقَمَرِ لِثَالِثَةٍ.
- 416 حدثنا عُثْمَانُ بنُ أَبي شَيْبَة أخبرنا جَرِيرٌ عن مَنْصُورٍ عن الْحَكَمِ عن نَافِعٍ عن عَبْدِالله بنِ عُمَرَ قال: مَكَثْنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ نَنْتَظِرُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لِصَلاَةِ الْعِشَاءِ، فَخَرَجَ إِلَيْنَا حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ الّليْلِ أَوْ بَعْدَهُ، فَلاَ نَدْرِي أَشَيْء شَغَلهُ أَمْ غَيْرُ ذَلِكَ، فقال حِينَ خَرَجَ: " أَتَنْتَظِرُونَ هَذِهِ الصّلاَةَ، لَوْلاَ أَنْ تَثْقُلَ عَلَى أُمّتِي لَصَلّيْتُ بِهِمْ هَذِهِ السّاعَةَ. ثُمّ أَمَرَ المُؤَذّنَ فأَقَامَ الصّلاَةَ"
__________
(باب وقت العشاء الآخرة)
"لسقوط القمر": أي وقت غروبه أو سقوطه إلى الغروب "لثالثة": أي في ليلة ثالثة من الشهر. قال المنذري: والحديث أخرجه الترمذي والنسائي.
قلت: وأخرجه الدارمي.
"مكثنا": بفتح الكاف وضمها أي لبثنا في المسجد "ذات ليلة": أي ليلة من الليالي "ذهب": أي مضى "أشيء شغله": أي عن تقديمها المعتاد "أم غير ذلك": بأن قصد بتأخيرها إحياء طائفة كثيرة من أول الليل بالسهر في العبادة التي هي انتظار الصلاة. وغير بالرفع عطف على شيء وبالجر عطف على أهله قال على القارى "حين خرج": أي من الحجرة الشريفة " لولا أن تثقل

(2/63)


417 حدثنا عَمْرُو بنُ عُثْمانَ الْحِمْصِيّ أخبرنا أَبي أخبرنا حَرِيزٌ عن رَاشِدِ بنِ سَعْدٍ عن عَاصِمِ بن حُمَيْدٍ السّكّونِيّ أَنّهُ سَمِعَ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ يقولُ: أَبْقَيْنَا النّبيّ صلى الله عليه وسلم في صلاَةِ الْعَتَمَةِ فَتَأَخّر حَتّى ظَنّ الظّانّ أَنّهُ لَيْسَ بِخَارِجٍ، وَالْقَائِلُ مِنّا يقولُ صَلّى، فإِنّا لَكَذَلِكَ حَتّى خَرَجَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالُوا لهُ كما قالُوا، فقال: "اعْتِمُوا بِهَذِهِ الصّلاَةِ، فإِنّكُم قَدْ فُضّلْتُمْ بِهَا عَلَى سَائِرِ اْلأُمَمِ، وَلَمْ تُصَلّهَا أُمّةٌ قَبْلَكُم "
- 418 حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا بِشْرُ بنُ الْمُفَضّلِ أخبرنا دَاوُدُ بنُ أَبي هِنْدٍ عن أَبي نَضْرَةَ عن أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قال: صَلَيْنَا مَعَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم صَلاَةَ الْعَتَمَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ حَتّى مَضَى نَحْوٌ مِنْ شَطْرٍ الّليْلِ، فقال: " خُذُوا مَقَاعِدَكُم، فأَخَذْنَا مَقَاعِدَنَا، فقال: إِنّ النّاسَ قَدْ صَلّوا وَأَخَذُوا مَضَاجِعَهُمْ، وَإِنّكُم لَمْ تَزَالُوا في صَلاَةٍ مَا انْتَظَرْتُم
__________
على أمتي ": قال ولي الدين: بفوقية بأصلنا، أي هذه الصلاة، ويجوز بتحتية أي هذا الفعل " لصليت بهم ": أي دائماً. قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم والنسائي.
"أبقنا النبي صلى الله عليه وسلم": بقينا بفتح الباء الموحدة والقاف مع خفتها على وزن رمينا أي انتظرناه من بقيته وأبقيته انتظرته، وأبقينا بالهمز. فهو صحيح أيضاً في الصحاح بقيته وأبقيته سواء، وبقينا بلا همز أشهر رواية " أعتموا ": من باب الأفعال " بهذه الصلاة ": الباء للتعدية أي أدخلوها في العتمة أو للمصاحبة أي ادخلوا في العتمة ملتبسين بهذه الصلاة، فالجار والمجرور حال. قال الطيبي: يقال: أعتم الرجل إذا دخل في العتمة وهي ظلمة الليل، والمعنى: أخروا بالعشاء الآخرة " فإنكم قد فضلتم بها على سائر الأمم ": قال الطيبي: فيه دليل على أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد النسخ "ولم تصلها أمة قبلكم": قال علي القاري: التوفيق بينه وبين قوله في حديث جبرئيل: هذا وقت الأنبياء من قبلك والله أعلم أن صلاة العشاء كانت تصليها الرسل نافلة لهم أي زائدة، ولم تكتب على أممهم كالتهجد فإنه وجب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يجب علينا. وقال ميرك: يحتمل أنه أراد أنه لم تصلها على النحو الذي تصلونها من التأخير وانتظار الإجتماع في وقت حصول الظلام وغلبة المنام على الأنام.
"صلاته العتمة": أي العشاء الآخرة "مضى نحو": أي قريب "من شطر الليل": أي نصفه "فقال": أي فخرج فقال "خذوا مقاعدكم": أي الزموها أو يقال معناه أي اصطفوا للصلاة "فأخذها مقاعدنا": أي ما تفرقنا عن أما كننا " فقال إن الناس ": أي بقية أهل الأرض لما في خبر آخر: "لا ينتظرها أحد غيركم " فتعين المراد من الناس غير أهل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم " قد صلوا ": بفتح اللام

(2/64)


الصّلاَةَ، وَلَوْلاَ ضَعْفُ الضّعِيف، وَسُقمُ السّقِيمِ لأَخّرْتُ هَذِهِ الصّلاَةَ إِلَى شَطْرِ الّليْلِ ".
__________
" وأخذوا مضاجعهم ": أي مكانهم للنوم يعني وناموا " وإنكم لم تزالوا في صلاة ": أي حكماً وثواباً " ولولا ضعف الضعيف ": من جهة اليقين أو البدن " وسقم السقيم ": بضم السين وسكون القاف وبفتحهما " لأخرت ": أي دائماً " إلى شطر الليل ": أي نصفه أو قريباً منه وهو الثلث. قال المنذري: والحديث أخرجه النسائي وابن ماجه.

(2/65)


7- باب وقت الصبح
419 حدثنا الْقَعْنَبيّ عن مَالِكٍ عن يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عن عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِالرّحْمَنِ عن عَائشةَ أَنّهَا قالت: إِنْ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لَيُصَلّي الصّبْحَ فَيَنْصَرِفُ النّسَاءُ مُتَلَفّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنّ مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ.
420 حدثنا إِسْحَاقُ بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا سُفْيَانُ عن ابنِ عَجْلاَنَ عن عَاصِمِ بنِ عُمَرَ بنِ قَتَادَةَ بنِ النّعْمَانِ عن مَحمُودِ بنِ لِبيدٍ عن رَافِعٍ بنِ خَدِيجٍ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أَصْبَحُوا بالصّبْح فإِنّهُ أَعْظَمُ لأُجُورِكُم وَأَعْظَمُ لِلأَجْرِ"
__________
"باب وقت الصبح"
"فينصرف النساء": أي اللاتي يصلين معه "متلفعات": بالنصب على الحالية أي مستترات وجوههن وأبدانهن "مروطهن": المرط بالكسر كساء من صوف أو خز يؤتزر به، وقيل: الجلباب وقيل الملحفة. وقال الخطابي: والمروط: أكسية تلبس "ما يعرفن": ما نافية أي ما يعرفهن أحد "من الغلس": قال الطيبي: من ابتدائية بمعنى لأجل. انتهى. وقال الخطابي: الغلس: اختلاط ضياء الصبح بظلمة الليل، والغبش قريب منه إلا أنه دونه. وفيه حجة لمن رأى التغليس بالفجر، وهو الثابت من فعل أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم من الصحابة انتهى. وقال الحافظ في الفتح: في الحديث استحباب المبادرة بصلاة الصبح في أول الوقت، وجواز خروج النساء إلى المساجد لشهود الصلاة في الليل، ويؤخذ منه جوازه في النهار من باب أولى لأن الليل مظنة الريبة أكثر من النهار، ومحل ذلك إذا لم يخش عليهن أو بهن فتنة. انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، وأخرجه ابن ماجه وغيره من حديث عروة عن عائشة.
" أصبحوا بالصبح ": قال ابن الأثير في النهاية: أي صلوها عند طلوع الصبح، يقال:

(2/65)


__________
أصبح الرجل إذا دخل في الصبح انتهى. قال السيوطي: بهذا يعرف أن رواية من رواه بلفظ أسفروا بالفجر رواية بمعناه، وأنه دليل على أفضلية التغليس بها لا على التأخير إلى الإسفار انتهى. قال الخطابي: وتأولوا حديث رافع بن خديج على أنه أراد بالإصباح والإسفار أن يصليها بعد الفجر الثاني، وجعلوا مخرج الكلام فيه على مذهب مطابقة اللفظ، وزعموا أنه يحتمل أن يكون أولئك القوم لما أمروا بتعجيل الصلاة، جعلوا يصلونها بين الفجر الأول والفجر الثاني وأصبحوا بها إذا كنتم تريدون الأجر فأن ذلك أعظم لأجوركم. فإن قيل: وكيف يستقيم هذا؟ ومعلوم أن الصلاة إذ لم يكن لها جواز لم يكن فيها أجر. قيل: أما الصلاة فلا جواز لها، ولكن أجرهم فيما نووه ثابت. كقوله عليه السلام "إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر" ألا تراه أنه عليه السلام قد أبطل حكمه ولم يبطل أجره. وقد قيل إن الأمر بالإسفار إنما جاء في الليالي المقمرة، وذلك أن الصبح لا يتبين فيه جداً وأمرهم فيها بزيادة التبيين استظهاراً باليقين في الصلاة انتهى. قال الطحاوي. معنى قوله صلى الله عليه وسلم: أسفروا بالفجر أي طولوها بالقرأة إلى الإسفار وهو إضاءة الصبح. انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه. وقال الترمذي: حديث رافع ابن خديج حديث حسن صحيح

(2/66)


8 باب المحافظة على الصلوات
421 حدثنا مُحمّدُ بنُ حَرْبٍ الوَاسِطيّ أخبرنا يَزِيدُ يعْني ابنَ هَارُونَ أخبرنا مُحمّدُ بنُ مُطَرّفٍ عن زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ عن عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ عن عَبْدِالله بنِ الصّنَابِحيّ قال: زَعَمَ أَبُو مُحمّدٍ أَنّ الْوِتْرَ وَاجِبٌ، فقال عُبَادَهُ بنُ الصّامِتِ: كَذَبَ أَبُو
__________
(باب المحافظة على الصلوات)
"كذب أبو محمد": قال الخطابي يريد أخطأ أبو محمد، ولم يرد به تعمد الكذب الذي هو ضد الصدق لأن الكذب إنما يجري في الأخبار وأبو محمد هذا إنما أفتى فتياً ورأى رأياً فأخطأ فيما أفتى به وهو رجل من الأنصار له صحبة والكذب عليه في الأخبار غير جائز، والعرب تضع الكذب موضع الخطأ في كلامها فتقول: كذب سمعي وكذب بصري، ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: للرجل الذي وصف له العسل: " صدق الله وكذب بطن أخيك " وإنما أنكر عبادة أن يكون الوتر واجباً وجوب فرض كالصلوات الخمس دون أن يكون واجباً في السنة، ولذلك

(2/66)


مُحمّدٍ، أَشْهَدُ أَنّي سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: " خَمْسُ صَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنّ الله عَزّوَجَلّ، مَنْ أَحْسَنَ وُضُوءَهُنّ وَصَلاّهُنّ لِوَقْتِهِنّ وَأَتَمّ رُكُوعَهُنّ وَخُشُوعَهُنّ، كان لَهُ عَلَى الله عَهْدُ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَيْسَ لَهُ عَلَى الله عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ عَذّبَهُ"
- 422 حدثنا مُحمّدُ بنُ عَبْدِالله الْخُزَاعِيّ و عَبْدُالله بنُ مَسْلَمَةَ قالا حدثنا عَبْدُالله بنُ عُمَرَ عن القَاسِمِ بنِ غَنّامٍ عن بَعْضِ أُمّهَاتِهِ عن أُمّ فَرْوَةَ قالت: سُئِلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: أَيّ اْلأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قال: " الصّلاَةُ في أَوّلِ وَقْتِهَا"
قال الْخُزَاعِيّ في حَدِيثِهِ عَنْ عَمّةٍ يُقَالُ لَها أُمّ فَرْوَةَ قَدْ بَايَعَتِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ.
- 423 حدثنا عَمْرُو بنُ عَوْنٍ أخبرنا خَالِدٌ عن دَاوُدَ بنِ أَبي هِنْدٍ عن أَبي حَرْبٍ بنِ أَبي اْلأسْوَدِ عن عَبْدِالله بنِ فَضَالَةَ عن أَبيهِ قال عَلّمَني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فَكَانَ فِيمَا عَلّمَني: وَحَافِظُ عَلَى الصّلَواتِ الْخَمْسِ . قال قُلْتُ: إِنّ هَذِهِ سَاعَاتٌ لِي
__________
استشهد بذكر الصلوات الخمس المفروضات في اليوم والليلة " خمس صلوات ": مبتدأ " افترضهن الله عز وجل ": خبره " من أحسن وضوءهن ": بمراعاة فرائضها وسننها " وصلاهن لوقتهن ": أي في أوقاتهن المختارة " وأتم ركوعهن ": بشرطه وسننه الفعلية والقولية "و خشوعه ن": قال ابن الملك: الخشوع: حضور القلب وطمأنينة القلب " على الله عهد ": أي وعد والعهد حفظ الشيء ومراعاته سمي ما كان من الله تعالى على طريقة المجازاة لعبادة عهداً "ومن لم يفعل": أي مطلقاً أو ترك الإحسان " غفر له ": فضلا " عذبه ": عدلاً. والحديث رواه أحمد، وروى مالك والنسائي نحوه "عن أم فروة": أنصارية من المبايعات وهي غير أم فروة أخت أبي بكر الصديق، وقيل هما واحدة فلا تكون حينئذ أنصارية ذكره الطيبي.
"أي الأعمال أفضل": أي أكثر ثواباً. قال المنذري: والحديث أخرجه الترمذي. وأم فروة هذه هي أخت أبي بكر الصديق لأبيه، ومن قال فيها أم فروة الأنصارية فقدوهم.
"فضالة": قال المنذري: هذا هو ابن عبدالله ويقال فضالة بن وهب الليثي ويقال الزهراني والصحيح الليثي "إن ساعات لي فيها أشغال فمرني بأمر جامع": قال الشيخ ولي

(2/67)


فيها أَشْغَالٌ فَمُرْنِي بِأَمْرٍ جَامِعٍ إِذَا أَنَا فَعَلْتُهُ أَجْزَأَ عَنّي. فقال: " حَافِظْ عَلَى الْعَصْرَيْنِ وَمَا كَانَتْ مِنْ لُغَتِنَا " فَقُلْتُ: وَمَا الْعَصْرَانِ؟ فقال: " صلاةٌ قَبْلَ طُلوعِ الشّمْسِ وَصلاةٌ قَبْلَ غُروبِهَا ".
- 424 حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عن إِسْمَاعِيلَ بنِ أَبي خالِدِ أخبرنا أَبُو بَكْرِ بنِ عُمَارَةَ بنِ رُوَيْنَةَ عن أَبيهِ قال سَأَلَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةَ فقال: أَخْبِرْنِي مَا سَمِعْتَ مِنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قال: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يَلِجُ النّارَ رَجُلٌ صَلّى قَبْلَ طُلوعِ الشّمْسِ وَقَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ ". قال: أَنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْهُ؟ ثَلاَثَ مَرّاتٍ قال: نَعَمْ كلّ ذَلِكَ يقولُ سَمِعْتُهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي. فقال الرّجُلُ: وَأَنَا سَمِعْتُهُ صلى الله عليه وسلم يقولُ "ذَلك".
- 425 قال أَبُو سَعِيدٍ بنُ اْلأَعْرَابِيّ: حدثنا مُحمّدُ بنُ عَبْدِالمَلِكِ بن يَزِيدَ الرّوّاسُ يُكْنَى أَبَا أُسَامَةَ قال أخبرنا أَبُو دَاوُدَ أخبرنا حَيْوَةُ بنُ شُرَيْحٍ المِصْرِيّ أخبرنا
__________
الدين العراقي: هذا الحديث مشكل مبادىء الرأي إذ يوهم إجزاء صلاة العصر لمن له أشغال عن غيرها فقال البيهقي في سننه في تأيله وأحسن كأنه أراد والله تعالى أعلم حافظ عليها بأول أوقاتها فاعتذر بأشغال مقتضية لتأخيرها عن أولها فأمره بالمحافظة على الصلاتين بأول وقتهما. وقال ابن حبان في صحيحه: إنما أمره بالمحافظة على العصرين زيادة تأكيد للأمر بالمحافظة على أول وقتهما، وأطال الكلام فيه المناوي في فتح القدير " حافظ على العصرين ": قال الخطابي: يريد بالعصرين صلاة العصر وصلاة الصبح، والعرب قد تحمل أحد الاسمين على آخر فيجمع بينهما في التسمية طلباً للتخفيف كقولهم: سنة العمرين لأبي بكر وعمر، والأسودين يريدون التمر والماء، فالأصل في العصرين عند العرب الليل والنهار. انتهى.
"ابن عمارة": بضم العين وتخفيف الميم "ابن رويبة": بضم الراء وفتح الواو وسكون المثناة " لا يلج ": أي لا يدخل " النار رجل ": أي أصلاً للتعذيب أو على وجه التأييد " صلى قبل طلوع الشمس وقبل أن تغرب ": يعنى الفجر والعصر أي داوم على أدائهما، وخص الصلاتين بالذكر لأن الصبح وقت النوم والعصر وقت الاشتغال بالتجارة، فمن حافظ عليهما مع المشاغل كان الظاهر من حاله المحافظة على غيرهما والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وأيضاً هذان الوقتان مشهودان يشهدهما ملائكة الليل وملائكة النهار، ويرفعن فيهما أعمال العباد فبالحري أن يقع مكفراً فيغفر له ويدخل الجنة. قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم والنسائي.

(2/68)


بَقِيّةُ عن ضُبَارَةَ بنِ عَبْدِالله بنِ أَبي سُلَيْكٍ اْلأَلْهانِيّ قال أخبرني ابنُ نَافِعٍ عن ابنِ شِهَابٍ الزّهْرِيّ قال قال سَعِيدُ بنُ المُسَيّبِ إِنّ أَبَا قَتَادَةَ بنَ رَبْعِيَ أخْبَرَهُ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قال الله عَزّوَجَلّ: إِنّي فَرَضْتُ عَلَى أُمّتِكَ خَمْسَ صلَواتٍ، وَعَهِدْتُ عِنْدي عَهْداً أَنّهُ مَنْ جَاءَ يُحَافِظُ عَلَيْهِنّ لِوَقْتِهِنّ أَدْخَلْتُهُ الْجَنّةَ، وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلِيْهِنّ فَلاَ عَهْدَ لَهُ عِنْدِي"
- 426 قال ابنُ اْلأعْرابيّ: حدثنا مُحمدُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ الرّوّاسُ أخبرنا أَبُو دَاوُدَ أخبرنا مُحمّدُ بنُ عَبْدِالرّحْمَنِ الْعَنْبَرِيّ أخبرنا أَبُو عَلِيّ الْحَنَفِيّ عُبَيْدُالله بنُ عَبْدِ المَجِيدِ أخبرنا عِمْرَانُ الْقَطّانُ أخبرنا قَتَادَةُ وَ أَبَانُ كِلاهُما عن خُلَيْدٍ الْعَصْرِيّ عن أَبي الدّرْدَاءِ رَضِيَ الله عَنْهُ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خَمْسٌ مَنْ جَاءَ بِهِنّ مَعَ إِيْمَانٍ دَخَلَ الْجَنّةَ: مَنْ حَافَظَ عَلَى الصّلَواتِ الْخَمْسِ عَلَى وُضُوئِهِنّ وَرُكُوعِهِنّ وَسُجُودِهِنّ وَمَوَاقِيتِهِنّ وَصَامَ رَمَضَانَ، وَحَجّ الْبَيْتَ إِنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاٍ، وَأَعْطَى الزّكَاةَ طَيّبَةً بِهَا نَفْسُهُ، وَأَدّى اْلأَمانَةَ ". قالُوا: يَا أَبَا الدّرْدَاءِ وَمَا أَدَاءُ اْلأَمَانَةِ؟ قال: الْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ.
__________
"أخبرني ابن نافع": قال الإمام أبو على الغساني في كتابه تقييد المهمل: ابن نافع هذا هو دويد بن نافع ثقة، وحديثه هذا من غرر الحديث، حكاه عن محمد بن يحيى الذهلي. قلت: هذه العبارة قد وجدت في بعض النسخ في المتن وهو غلط "عهدت": أي وعدت " عهداً ": أي وعداً. قال المزي في الأطراف: سعيد بن المسيب بن حزن المخزومي عن أبي قتادة حديث. قال الله تعالى: افترضت على أمتك خمس صلوات الحديث وفي الصلاة عن حيوة بن شريح ق فيه عن يحيى بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار كلاهما عن بقية بن الوليد عن ضبارة بن عبدالله بن أبي السليك الألهاني عن دويد بن نافع عن الزهري قال: قال سعيد فذكره حديث وفي رواية أبي سعيد بن الأعرابي عن محمد بن عبدالملك الرواس عن أبي داوود ولم يذكره أبو القاسم.
"خليد": بضم الخاء هو ابن عبدالله أبو سليمان البصري روى عن علي وسلمان وأبي الدرداء، وعنه قتادة وثقة ابن حبان " العصري ": بفتح المهملتين منسوب إلى العصر وهو من قبيلة عبد القيس " طيبة ": حال من أعطى "بها": بالزكاة " نفسه ": فاعل طيبة " وأدى الأمانة ": قال الإمام ابن

(2/69)


__________
الأثير في النهاية: الأمانة تقع على الطاعة والعبادة والوديعة الثقة والأمان، وقد جاء في كل منها حديث. انتهى. وقد فسر أبو الدرداء حاصل الحديث بأنه الغسل من الجنابة، وحديث أبي الدرداء هذا ليس في رواية اللؤلؤي إنما هو من رواية ابن الأعرابي.

(2/70)


-9 باب إذا أخر الإمام الصلاة عن الوقت
- 427 حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عن أَبي عِمْرانَ يَعْني الْجَوْنِيّ عن عَبْدِالله بنِ الصّامِتِ عن أَبي ذَرّ قال قال لي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: " يَا أَبَا ذَرّ كَيْفَ أَنْتَ إِذَا كَانَتْ عَلْيْكَ أُمَرَاءُ يمِيْتُونَ الصّلاَةَ أَوْ قال يُؤَخّرُونَ الصّلاَةَ؟ قُلْتُ: يَارسولَ الله فَمَا تَأْمُرُنِي؟ قال: صَلّ الصّلاَةَ لِوَقْتِهَا فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلّهِ فانّهَا لَكَ نَافِلَةٌ "
- 428 حدثنا عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ إِبراهِيمَ دُحَيْمٌ الدّمَشْقِيّ أخبرنا الْوَلِيدُ أخبرنا اْلأَوْزَاعِيّ حدثني حَسّانُ يَعْنِي ابنَ عَطِيّةَ عن عَبْدِالرّحْمَنِ بنِ سَابِطٍ عن عَمْرِو بنِ
__________
"باب إذا أخر الإمام الصلاة عن الوقت"
" كيف أنت ": أي كيف الحال والأمر بك " إذا كانت عليك أمراء ": جمع أمير ومنع صرفه لألف التأنيث، وعليك خبر كانت أي كانوا أئمة مستولين عليك " يميتون الصلاة ": أي يؤخرونها فيجعلونها كالميت الذي خرجت روحه "أو قال يؤخرون للصلاة ": شك من الراوي. قال النووي: والمراد بتأخيرها عن وقتها المختار لا عن كل وقتها فإنه صنيع الأمراء ولم يؤخرها أحد عن كل وقتها فوجب حمل هذه الأخبار على ما هو الواقع. انتهى. هذا من أعلام النبوة وقد وقع ذلك في زمن بني أمية "فما تأمرني": أي فما الذي تأمرني به أن أفعله في ذلك الوقت " لوقتها ": أي لوقتها المستحب "فإن أدركتها": بأن حضرتها " معهم فصله ": أي الفرض أو ما أدركت أو هو هاء السكت قاله علي القاري " فإنها لك نافلة ": أي فإنها لك زيادة خير وعليهم نقصان أجر وهو صريح في أن الفريضة الأولى والنافلة الثانية. قال الشوكاني: معنى الحديث صل في أول الوقت وتصرف في شغلك، فإن صادفتهم بعد ذلك وقد صلوا أجزأتك صلاتك وإن أدركت الصلاة معهم فصل معهم وتكون هذه الثانية لك نافلة. والحديث يدل على مشروعية الصلاة لوقتها، وترك الاقتداء بالأمراء إذا أخروها عن أول وقتها، وأن المؤتم يصليها منفرداً ثم يصليها مع الإمام فيجمع بين فضيلة أول الوقت وطاعة الأمير. ويدل على وجوب طاعة الأمراء في غير معصية لئلا تتفرق الكلمة وتقع الفتنة. ويدل على أنه لا بأس بإعادة الصبح والعصر وسائر

(2/70)


مَيْمُونَ اْلأَوْدِيّ قال قَدِمَ عَلَيْنَا مُعَاذُ بن جَبْلٍ الْيَمَنَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إِلَيْنَا. قال: فَسَمِعْتُ تَكْبِيرَهُ مَعَ الْفَجْرِ رَجُلٌ أَجَشّ الصّوْتِ. قال: فأُلْقِيتْ عَلَيْهِ مَحَبّتِي، فَمَا فَارَقْتُهُ حَتّى دَفَنْتُهُ بالشّامِ مَيّتاً، ثُمّ نَظَرْتُ إِلَى أَفْقَهِ النّاسِ بَعْدَهُ، فأَتَيْتُ ابنَ مَسْعُودٍ فَلَزِمْتُهُ حَتّى مَاتَ، فقال قال لي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "كَيْفَ بِكُمْ إِذَا أَتَتْ عَلَيْكُم أُمَراء يُصَلّونَ الصّلاَةَ لِغَيْرِ مِيقْاتِها؟ قُلْتُ: فمَا تأْمُرُنِي إِذَا أَدْرَكْنِي ذَلِكَ يَارسولَ الله؟ قال: "صَلّ الصّلاَةَ لِميقَاتِهَا واجْعَلْ صَلَواتِكَ مَعَهُمْ سُبْحةً"
__________
الصلوات لأن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق الأمر بالإعادة ولم يفرق بين صلاة وصلاة، فيكون مخصصاً لحديث: " لا صلاة بعد العصر وبعد الفجر " انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"معاذ بن جبل": هو فاعل قدم "اليمن": مفعول قدم "رسول": هو بدل من معاذ "قال": أي عمرو بن ميمون "رجل أجش الصوت": بفتح الهمزة والجيم والشين المعجمة أي غليظة قال الشيخ ولي الدين العراقي: ضبطناه في أصلنا بالنصب على الحال وبالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وأما رجل فإنه مكتوب في أصلنا بغير ألف فإما أن يكون مرفوعاً أو منصوباً وكتب بغير ألف وكثير من النساخ يفعل ذلك قلت الأوجه في الرفع أن يكون البدل من معاذ قاله السيوطي: قال الخطابي: أجش الصوت هو الذي في صوته جشة وهي شدة الصوت وفيها غنة " كيف بكم ": أي كيف بكم الحال والأمراء يؤخرون الصلاة إلى آخر الوقت هل توافقونهم في تأخير الصلاة أم تصلونها في أول الوقت " سبحة ": بضم المهملة وسكون الموحدة وحاء مهملة: قال الخطابي: والسبحة ما يصليه المرء نافلة من الصلوات ومن ذلك سبحة الضحى. وفي الحديث من الفقه أن تعجيل الصلوات في أوائل أوقاتها أفضل وأن تأخيرها بسبب الجماعة غير جائز. وفيه أن إعادة الصلاة الواحدة مرة بعد أخرى في اليوم الواحد مرتين إذا كان لها سبب جائزة، وإنما جاء النهي عن أن يصلي واحدة مرتين في يوم واحد إذا لم يكن لها سبب وفيه أن فرضه هو الأولى منها وأن الأخرى نافلة وإن صلى الأولى منفرداً والثانية بجماعة. وفيه أنه قد أمر بالصلاة مع أئمة الجور حذراً من وقوع الفرقة وشق عصى الأمة انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي من حديث أبي عمرو وسعد بن إياس الشيباني عن ابن مسعود قال "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي العمل أفضل قال الصلاة لوقتها وفي رواية على مواقيتها " ورواه محمد بن بشار بندار والحسن ابن مكرم البزار عن عثمان بن عمر بن فارس وقالا فيه الصلاة وقتها وقيل إنه لم يقله غيرهما. وعثمان بن عمر ومحمد بن بشار اتفق البخاري ومسلم على الاحتجاج بحديثهما، والحسن بن مكرم ثقة.

(2/71)


- 429 حدثنا مُحمّدُ بنُ قُدَامَةَ بنِ أَعين أخبرنا جَرِيرٌ عن مَنْصُورٍ عن هِلاَلِ بنِ يَسَافٍ عن أَبي المُثَنّى عن ابنِ أُخْتِ عُبَادَةَ بنِ الصّامِتِ عن عُبَادَةَ بنِ الصّامِتِ ح. وحدثنا مُحمّدُ بنُ سُلَيْمَانَ اْلأنْبَارِيّ أخبرنا وَكِيعٌ عن سُفْيَانَ الْمَعْنَي عن مَنْصُورِ عن هِلاَلِ بنِ يَسَافٍ عن أَبي المُثَنّى الْحِمْصَيّ عن أَبي أُبَيّ بنِ امْرَأَةِ عُبَادَةَ بنِ الصّامِتِ عن عُبَادَةَ بنِ الصّامِتِ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إِنّهَا سَتَكُونُ عَلَيْكُم بَعْدِي أُمَراءُ تَشْغُلُهُمْ أَشْيَاءُ عن الصّلاَةِ لِوَقْتِهَا حَتّى يَذْهَبَ وَقْتُهَا، فَصَلّوا الصّلاَةَ لِوَقْتِهَا" .فقال رَجُلٌ: يَارسولَ الله أُصَلّي مَعَهُمْ؟ قال: نَعَمْ إِنْ شِئْتَ . وقال سُفْيَانُ: إِنْ أَدْرَكْتُهَا مَعَهُمْ أُصَلّي مَعَهُمْ؟ قال: نَعَمْ إِنْ شِئْتَ .
- 430 حدثنا أَبُو الوَلِيدِ الطّيَالِسِيّ أخبرنا أَبُو هَاشِمٍ يَعْني الزّعْفَرَانِيّ، حدثني
__________
"عن أبي المثنى": قال الحافظ في التقريب: أبو المثنى اسمه ضمضم الأملوكي الحمصي وثقه العجلي من الرابعة انتهى. وفي الخلاصة أبو المثنى الحمصي اسمه ضمضم الأملوكي الحمصي وثقه العجلي من الرابعة انتهى. وفي الخلاصة أبو المثني الحمصي اسمه ضمضم الأملوكي عن بن حزام وعنه هلال بن يساف وثقه ابن حبان انتهى. وفي بعض النسخ أبو المثنى الجهمي هو غلط "عن ابن أخت عبادة": الصحيح أنه ابن امرأته كما في الرواية الثانية "الأنباري": بفتح أوله وبنون ثم موحدة مدينة قرب بلخ "وكيع عن سفيان": قال الشيخ ولي الدين هو الثوري وقد رواه ابن ماجه من طريق سفيان بن عيينة فرواه السفيانان عن منصور "عن أبي أبي": أبو أبي اسمه عبدالله بن عمرو الأنصاري وأمه امرأة عبادة بن الصامت واسمها أم حرام ويعرف أبو أبي هذا بابن أم حرام وبابن امرأة عبادة. وقال الحافظ في التقريب أبو أبي ابن أم حرام اسمه عبدالله بن عمرو وقيل ابن كعب الأنصاري صحابي نزل بيت المقدس لعله وهو آخر من مات من الصحابة بها وزعم ابن حبان أن اسمه شمعون " إنها ": الضمير للقصة " يشغلهم ": بالياء والتاء وبفتحها وفتح الغين وبضمها وكسر الغين " أشياء ": أي أمور "لوقتها": أي لوقتها المختار " حتى يذهب وقتها ": أي ويدخل وقت الكراهة " فصلوا ": أي أنتم " الصلاة لوقتها ": أي ولو منفردين لكن على وجه لا يترتب عليه فتنة ومفسدة "أصلي": بحذف حرف الأستفهام "معهم": أي إذا أدركتها معهم "قال نعم ": لأنها زيادة ودفع شر " إن شئت ": هو يدل على استحباب الصلاة معهم. قال المنذري: والحديث أخرجه ابن ماجه.

(2/72)


صَالحُ بنُ عُبَيْدٍ عن قَبِيصَةَ بنِ وَقّاصٍ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تَكُونُ عَلَيْكُم أُمَراءُ مِنْ بَعْدِي يُؤَخّرونَ الصّلاَةَ فَهِيَ لَكُم وَهِيَ عَلَيْهِمْ، فَصَلّوا مَعَهُمْ مَا صَلّوا الْقِبْلَةَ".
__________
"قبيصة بن وقاص": قال الحافظ في الإصابة: قبيصة بن وقاص السلمي ويقال الليثي قال البخاري له صحبة يعد في البصريين. ونقل بن أبي حاتم عن أبي الوليد الطيالسي يقال إن له صحبة. وقال الأزدي تفرد بالرواية عنه صالح ابن عبيد. وقال الذهبي لا يعرف إلا بهذا الحديث ولم يقل فيه سمعت فما ثبتت له صحبة لجواز الإرسال انتهى. وهذا لا يختص بقبيصة بل في الكتاب جمع جم بهذا الوصف ويكفينا في هذا جزم البخاري بأن له صحبة انتهى. "يؤخرون الصلاة": أي عن أوقاتها المختارة " فهي لكم وهي عليهم ": أي الصلاة المؤخرة عن الوقت نافعة لكم لأن تأخيركم للضرورة تبعاً لهم ومضرة عليهم لأنهم يقدرون على عدم التأخير وإنما شغلهم أمور الدينا عن أمر العقبى " فصلوا ": بضم اللام " ما صلوا ": بفتح اللام " القبلة ": أي ما داموا مصلين إلى نحو القبلة وهي الكعبة.

(2/73)


10 باب في من نام عن صلاة أو نسيها
431 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالحٍ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني يُونُسُ عن ابنِ شِهابٍ عن ابنِ المُسَيّبِ عن أَبي هُرَيْرَةَ أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم حِينَ قَفَلَ مِنْ غَزْوَةِ خَيْبَرَ فَسَارَ لَيْلَةً حَتّى إِذَا أَدْرَكَنَا الْكَرَى عَرّسَ وقال لِبلاَلٍ: " اكْلأْلَنَا الّليْلَ ". قال: فَغَلَبَتْ بِلاَلاً عَيْنَاهُ وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ، فَلَمْ يَسْتَيْقِظِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وَلاَ بِلاَلٌ وَلاَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتّى إِذَا
__________
"باب في من نام عن صلاة أو نسيها"
"عن أبي هريرة": هو عبدالرحمَن بن صخر على الأصح من بين نيف وثلاثين قولاً، وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم في كمه هرة فقال يا أبا هريرة فاشتهر به، والأوجه في وجه عدم انصراف هريرة في أبي هريرة هو أن هريرة صارت علماً لتلك الهرة. قاله على القاري في شرح الشفاء "حين قفل": أي رجع إلى المدينة "حتى إذا أدركنا": بفتح الكاف "الكرى": بفتحتين هو النعاس وقيل النوم "عرس": قال الخطابي: معناه نزل للنوم والاستراحة، والتعريس النزول لغير إقامة " اكلأ ": أي احفظ واحرس " لنا الليل ": أي آخره لادراك الصبح "فغلبت بلالاً عيناه": هذا عبارة عن النوم أي نام من غير اختيار "وهو مستند إلى راحلته": جملة حالية تفيد عدم اضطجاعه عند غلبة نومه "حتى ضربتهم الشمس": أي أصابتهم ووقع عليهم حرها "أولهم استيقاظاً": قال الطيبي في

(2/73)


ضَرَبَتَهُمْ الشّمْسُ، فَكَانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أَوّلَهُمْ اسْتِيْقَاظاً، فَفَزِعَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال: " يَابِلاَلُ "؟ فقال: أَخَذَ بِنَفْسِي الّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ يَارسولَ الله، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي يا رسولَ الله. فَاقْتَادُوا رَوَاحِلَهُمْ شَيْئاً. ثُمّ تَوَضّأَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَأَمَرَ بِلاَلاً فَأَقَامَ لَهُم الصّلاَةَ وَصَلّى بِهُم الصّبْحَ. فَلمّا قَضَى الصّلاَةَ قال: " مَنْ نَسِيَ صَلاَةَ فَلْيّصَلّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، فَإِنّ الله قال: أَقِمِ الصّلاَةَ لِلذّكْرَى "
قال يُونُسُ: وكَانَ ابنُ شِهَابٍ يَقْرَؤُهَا كَذَلِكَ. قال أَحْمَدُ قال عَنْبَسَةُ يَعْني عن يُونُسَ في هذا الحديثِ: لِذِكْرِى. قال أحمدُ: الْكَرَى النّعَاسُ.
__________
استيقاظ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الناس إيماء إلى أن النفوس الزكية وإن غلب عليها في بعض الأحيان شيء من الحجب البشرية لكنها عن قريب ستزول وأن كل من هو أزكى كان زوال حجبه أسرع "ففزع رسول الله صلى الله عليه وسلم": بكسر الزاء المعجمة وعين مهملة أي من استيقاظه وقد فاتته الصبح. وقال الخطابي: معناه انتبه من نومه، يقال فزعت الرجل من نومه إذا أيقظته ففزع أي نبهته فانتبهه "فقال ي ابلال ": والعتاب محذوف أو مقدر، أي لم نمت حتى فاتتنا الصلاة "فقال": أي بلال معتذراً "أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك": أي كما توفاك الله في النوم توفاني، أو يقال معناه غلب على نفسي ما غلب على نفسك من النوم أي كان نومي بطريق الاضطرار دون الاختيار ليصح الاعتذار "فاقتادوا": ماض أي ساقوا "رواحلهم شيئاً": يسيراً من الزمان أو اقتياداً قليلاً من المكان يعني قال اذهبوا رواحلكم فذهبوا بها من ثمة مسافة قليلة "وأمر بلالاً فأقام لهم الصلاة": فيه أنه اقتصر على الإقامة ولم يأمر بالأذان، وسيجيء تحقيقه في الحديث الآتي "وصلى لهم الصبح": أي قضاء "قال من نسي صلاة ": وفي معنى النسيان النوم أو من تركها بنوم أو نيسان " فليصلها إذا ذكرها ": فإن في التأخير آفات. وظاهر هذا الحديث يوجب الترتيب بين الفائتة والأدائية " أقم الصلاة للذكرى ": بالألف واللام و فتح الراء بعدها ألف مقصورة، ووزنها فعلى مصدر من ذكر يذكر "قال يونس وكان ابن شهاب يقرؤها كذلك": أي بلامين وفتح الراء بعدها ألف مقصورة وفي صحيح مسلم وسنن ابن ماجه قال يونس وكان ابن شهاب يقرؤها للذكرى انتهى. وهذه قراءة شاذة والقراءة المشهورة لذكرى بلام واحدة وكسر الراء كما سيجيء "قال عنبسة يعني عن يونس في هذا الحديث لذكرى": أي بلام واحدة وكسر الراء وهي القراءة المشهورة وأخرج مسلم وابن ماجه عن حرملة بن يحيى أخبرنا عبدالله بن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب بإسناده وفيه فإن الله تعالى قال {أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي} أي بلام واحدة وكسر

(2/74)


432 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا أبَانٌ أخبرنا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن
__________
الراء. وقال البخاري في صحيحه حدثنا أبو نعيم وموسى بن إسماعيل قالا حدثنا همام عن قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من نسي صلاة فليصل إذا ذكر لا كفارة لها إلا ذلك وأقم الصلاة لذكرى " قال موسى قال همام سمعته يقول بعد " وأقم الصلاة للذكرى " انتهى قال العيني: حاصله أن هماماً سمعه من قتادة مرة بلفظ للذكرى يعنى بقراءة ابن شهاب التي ذكرناها ومرة بلفظ لذكرى أي بالقراءة المشهورة. وعلى القراءتين اختلفوا في المراد فقيل المعنى لتذكرني فيها وقيل لأوقات ذكرى وهي مواقيت الصلاة وقال الشيخ التوربشتي: هذه الآية تحتمل وجوها كثيرة من التأويل لكن الواجب أن يصار إلى وجه يوافق الحديث، فالمعنى أقم الصلاة لذكرها لأنه إذا ذكرها فقد ذكر الله تعالى. أو يقدر المضاف أي لذكر صلاتي، أو وقع ضمير الله موضع ضمير البلاد لسرفها وخصوصيتها انتهى.
وقال ابن الملك: لذكرى من باب إضافة المصدر إلى المفعول، واللام بمعنى الوقت، أي إذا ذكرت صلاتي بعد النسيان. انتهى. وإن شئت التفصيل فارجع إلى غاية المقصود. قال الخطابي: وفي الحديث من الفقه أنهم لم يصلوا في مكانهم ذلك عند ما استيقظوا حتى اقتادوا رواحلهم ثم توضأوا، ثم أقام بلال وصلى بهم. وقد اختلف الناس في معنى ذلك وتأويله، فقال بعضهم: إنما فعل ذلك لترتفع الشمس فلا يكون في وقت منهى عن الصلاة فيه وذلك أول تبزغ الشمس قالوا: والفوائت لا تقضي في الأوقات المنهى عن الصلاة فيها، وعلى هذا مذهب أصحاب الرأي. وقال مالك والشافعي والأوزاعي وأحمد وإسحاق: تقضي الفوائت في كل وقت نهى عن الصلاة فيه، أو لم ينه عنها إذا كان لها سبب، وذلك إنما نهى عن الصلاة في تلك الأوقات إذا كان تطوعاً وابتداء من قبل الاختيار دون الواجبات، فأما الفوائت فأنها تقضي الفوائت فيها إذا ذكرت في أي وقت كان بدليل الخبر، وروى معنى ذلك عن علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنه، وهو قول النخعي والشعبي وحماد وتأولوا أو من تأول منهم القصة في قود الرواحل وتأخير الصلاة عن المكان الذي كانوا فيه على أنه أراد أن يتحول عن المكان الذي أصابته الغفلة فيه والنسيان، كما يظهر هذا المعنى من الرواية الآتية من طريق أبان العطار.
فإن قيل: قد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " تنام عيناي ولا ينام قلبي " فكيف ذهب عن الوقت ولم يشعر به، قلنا: قد تأوله بعض أهل العلم على أنه خاص في أمر الحدث وذلك أن النائم قد يكون منه الحدث ولا يشعر به، وليس كذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن قلبه لا ينام حتى يشعر بالحدث. وقد قيل: إن ذلك من أجل أنه يوحى إليه في منامه فلا ينبغي لقلبه أن ينام، فأما

(2/75)


سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ عن أَبي هُرَيْرَةَ في هذا الخبَرِ قال: فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: " تَحَوّلُوا عن مَكَانِكُم الّذِي أَصَابَتْكُم فيه الْغَفْلَةُ". قال: فأَمَرَ بِلاَلاً فأَذّنَ وَأَقَامَ وَصَلّى.
قال أَبُو دَاوُد: رَوَاهُ مَالِكٌ وَسُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ وَاْلأَوْزَاعِيّ وَعَبْدُالرّزّاقِ عن مَعْمَرٍ وَابنِ إِسْحَاقَ لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ اْلأَذَانَ في حديثِ الزّهْرِيّ هذا ولم يَسْنِدُهُ منهم أَحَدٌ إِلاّ اْلأَوْزَاعِيّ وَأَبَانَ الْعَطّارُ عن مَعْمَرٍ.
433 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عن ثَابِتٍ الْبُنَانِيّ عن عَبْدِالله بنِ
__________
معرفة الوقت وإثبات طلوع الشمس، فإن ذلك إنما يكون دركه بنظر العين دون القلب، فليس فيه مخالفة للحديث الآخر. انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم والترمذي وابن ماجه.
"فأمر بلالاً فأذن وأقام": فإن قيل: إن ذكر الأذان في هذه الرواية من طريق أبان عن معمر زيادة عن معمر زيادة ليست في رواية يونس التي تقدمت، ورواه مالك وسفيان بن عيينة والأوزاعي وعبدالرزاق عن معمر وابن إسحاق لم يذكر أحد منهم الأذان في حديث الزهري كما قال أبو داوود.
قلنا: قد روى هذا الحديث هشام عن الحسن عن عمران بن حصين وذكر فيه الأذان، ورواه أبو قتادة الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر الأذان والإقامة، والزيادات إذا صحت مقبولة والعمل بها واجب. وقد اختلف أهل العلم في الفوائت هل يؤذن لها أم لا، فقال أحمد: يؤذن للفوائت ويقام لها، وإليه ذهب أصحاب الرأي، واختلف قول الشافعي في ذلك، فأظهر أقواله أنه يقام للفوائت ولا يؤذن لها. هذا ملخص ما قاله الخطابي. قلت: رواية هشام عن الحسن عن عمران بن حصين التي أشار إليها الخطابي، قد أخرجها الدارقطني.
"أخبرنا حماد": الظاهر: أنه حماد بن سلمة لأن موسى بن إسماعيل المنقري مشهور بالرواية عنه، ويؤيده ما أخرجه الدارقطني من طريق يزيد بن هارون، قال: حدثنا حماد بن سلمة ثابت البناني وأما زياد بن يحيى الحساني فقال حدثنا حماد بن واقد قال حدثنا ثابت البناني وهو عند الدارقطني أيضاً. وفي رواية الترمذي والنسائي وابن ماجه أنه حماد بن زيد، فالترمذي والنسائي أخرج من طريق قتيبة حدثنا حماد بن زيد وابن ماجه من طريق أحمد بن عبيدة حدثنا حماد بن زيد عن ثابت عن عبدالله بن رباح فذكر الحديث: فحمادون كلهم رووا هذا الحديث عن ثابت البناني. والله أعلم.
"عبدالله بن رباح": رباح هذا بفتح الراء وبالموحدة "فمال النبي صلى الله عليه وسلم": أي عن الطريق

(2/76)


رَبَاحٍ اْلأَنْصَارِيّ أخبرنا أَبُو قَتَادَةَ أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان في سَفَرِ لَهُ، فَمَالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَمِلْتُ مَعَهُ، فقال: "ا نْظُر ". فَقُلْتُ: هَذَا رَاكِبٌ، هَذَانِ رَاكِبَانِ، هَؤُلاَء ثَلاثَةٌ، حَتّى صِرْنَا سَبْعَةً، فقال: " احْفَظُوا عَلَيْنَا صَلاَتَنَا يَعْني صَلاَةَ الْفَجْرِ " فَضُرِبَ عَلَى آذَانِهِمْ، فَما أَيْقَظَهُمْ إِلاّ حَرّ الشّمْسِ، فَقَامُوا فَسَارُوا هُنَيّةً، ثُمّ نَزِلُوا فَتُوَضَاءَ، وَأَذّنَ بِلاَلٌ فَصَلّوا رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ ثُمّ صَلّوا الْفَجْرَ وَرَكِبُوا، فقال بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: قَدْ فَرّطْنَا في صَلاَتِنَا، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: " إِنّهُ لا تَفْرِيطَ في النّوْمِ إِنّمَا التّفْرِيطُ في الْيَقَظَةِ، فإِذَا سَهَا أَحدُكُم عن صلاَةٍ فَلْيُصَلّهَا حِينَ يَذْكُرهَا وَمِنْ الْغَدِ لِلْوَقْتِ "
434 - حدثنا عَلِيّ بنْ نَصْرِ أخبرنا وَهْبُ بنُ جَرِيرِ أخبرنا اْلأَسْوَدُ ابنُ شَيْبَانَ أخبرنا
__________
"فقال انظر ": وفي رواية لمسلم ثم قال: هل ترى من أحد "هذا راكبان": قال الشيخ ولي الدين العراقي: كذا في الأصول هذا بلا تثنية، فكأنه بتأويل المرئي. قلت: وفي بعض النسخ: هذان راكبان "فضرب على آذانهم": قال الخطابي: كلمة فصيحة من كلام العرب معناها أنه حجب الصوت والحس عن أن يلج آذانهم فتنبهوا، ومنه قوله تعالى {فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً} "فساروا هنية": هو تصغير هنة أي قليلاً من الزمان "وأذن بلال": فيه استحباب الأذان للصلاة الفائتة "فصلوا ركعتي الفجر ثم صلوا الفجر": وفيه قضاء السنة الراتبة "قد فرطنا في صلاتنا": أي قصرنا فيها وضيعناها " لا تفريط في النوم ": أي لا تقصير فيه، يعني ليس في حال النوم تقصير ينسب إلى النائم في تأخيره الصلاة " إنما التفريط ": أي التقصير يوجد " في اليقظة ": هي بفتح القاف ضد النوم لأجل أنه ترك الصلاة حتى تفوت " فإذا سهي أحدكم عن صلاة فليصلها حين يذكرها ومن الغد للوقت" : معناه أنه يصلي الصلاة الغد في وقتها المعتاد، وليس معناه أنه يقضي الفائتة مرتين، مرة في الحال ومرة في الغد، ويؤيد هذا المعنى ما رواه الدارقطني في سننه من طريق الحسن عن عمران بن حصين "ثم أمر فأقام فصلى الغداة فقلنا يانبي الله ألا نقضيها لوقتها من الغد؟ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أينها كم الله عن الربا ويقبله منكم " وقال الخطابي: قوله عليه السلام " ومن الغد موقت " فلا أعلم أحداً من الفقهاء قال بها وجوباً، ويشبه أن يكون الأمر به استحباباً ليحرز فضيلة الوقت في القضاء عند مصادفة الوقت والله أعلم. انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم نحوه أتم منه، وأخرج النسائي وابن ماجه طرفاً منه.

(2/77)


خَالِدُ بنُ سُمَيْرٍ قال: قَدِمَ عَلْيَنَا عَبْدُالله بنُ رَبَاحٍ اْلأَنْصَارِيّ مِنَ المَدِينَةِ وكانت اْلأنصَارُ تُفَقّهُهُ فحدّثنا قال حَدّثَني أَبُو قَتَادَةَ اْلأَنْصَارِيّ فَارِسُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قال: بَعَثَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم جَيْشَ اْلأُمَراءِ بهذه الْقِصّةِ، قال: فَلَمْ تُوقِظْنَا الشّمْسُ طَالِعَةً، فَقُمْنَا وَهِلِينَ لِصَلاَتِنَا، فقال: النّبيّ صلى الله عليه وسلم: " رُوَيْداً رُوَيْداً، حَتّى إِذَا تَعَالَتِ الشّمْسُ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَنْ كان مِنْكُم يَرْكَعُ رَكْعَتَيِ الْفَجْرَ فَلْيَرْكَعْهُمَا "، فَقَامَ مَنْ كان يَرْكَعُهُمَا وَمَنْ لَمْ يَكُنْ يَرْكَعُهُمَا فَرَكَعَهُمَا، ثُمّ أَمَرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ يُنَادَى بالصّلاَةِ فَنُودِيَ بِهَا،
__________
"خالد بن سمير": بضم السين المهملة مصغراً، كذا ضبطه الذهبي في كتاب المشتبه والمختلف والزيلعي في تخريجه وهو الصحيح المعتمد "جيش الأمراء": هو جيش غزوة مؤتة بضم الميم وسكون الواو بغير همزة وحكى بالهمزة وحكى بالهمزة أيضاً وهي من عمل البلقاء، مدينة معروفة بالشام دون دمشق، وتسميتها غزوة جيش الأمراء لكثرة جيش المسلمين فهيا وما لاقوه من الحرب الشديد مع الكفار، وهكذا في هذه الرواية أن ليلة التعريس وقعت في سرية موتة، والصحيح أنها كانت في الرجوع من غزوة خيبر "طالعة": بنصبه حالا "وهلين": بفتح الواو وكسر الهاء يعني فزعين، يقول وهل الرجل يوهل إذا كان قد فزع لشيء يصيبه "حتى إذا تعالت الشمس": بالعين وروى بالقاف أيضاً. قال الخطابي: معنى قوله تقالت استقلالها في السماء وارتفاعها إن كانت الرواية هكذا، يعني بالقاف وتشديد اللام، وهو في سائر الروايات تعالت بعين وخفة لام، ووزنه تفاعلت من العلو "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم": لأصحابه الحاضرين " من كان منكم يركع ": أي يصلي " ركعتي الفجر": قبل تلك الواقعة في الحضر " فليركعهما ": الآن أيضاً "فقام": بعد أمره صلى الله عليه وسلم " من ": كان من الصحابة " يركعهما ": في الحضر، فقاموا كلهم جميعاً وركعوا ركعتي الفجر، فعلم بهذا التفسير أن الصحابة كلهم لم يكونوا يصلون ركعتين الفجر في الحضر، وبه فسر الحديث شيخ مشايخنا العلامة المتقن التحرير الذي لم تر مثله العيون الحافظ الحاج الغازي محمد إسماعيل الشهيد الدهلوي في الرسالة المباركة المساه: بتنوير العينين في إثبات رفع اليدين. وعندي هذا تقصير من بعض الرواة وهو خالد بن سمير في أداء العبارة، فالأشبه عندي في معناه، أي من كان منكم يريد في هذا الوقت أن يركع ركعتي الفجر فليركعهما الآن. فحيرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الركعتين لأجل السفر، فقام بعد أمره صلى الله عليه وسلم من كان يريد أن يركعهما، ومنهم من لم يركعهما في ذلك الوقت لأجل الترخيص والله أعلم. ثم لا يخفي عليك أن حديث عبدالله بن رباح الأنصاري عن أبي قتادة، روى ثابت البناين عن عبدالله بن رباح،

(2/78)


فَقَامَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فَصَلّى بِنَا، فَلمّا انْصَرَفَ قال: "أَلاَ إِنّا نَحْمِدُ الله أَنّا لَمْ نَكُنْ في شَيْءِ مِن أُمُورِ الدّنْيَا يَشْغُلُنَا عن صَلاتِنَا وَلكِنّ أَرْوَاحَنَا كَانَتْ بِيَدِ الله فأَرْسَلَهَا أَنّى شَاءَ، فَمَنْ أَدْرَكَ مِنْكُم صَلاَةَ الْغَدَاةِ مِنْ غَدٍ صَالِحاً فَلْيَقَضِ مَعَهَا مِثْلَهَا"
__________
ولم يذكر هذه الجملة، أي من كان منكم إلخ. وثابت البناني هذا أحد الأئمة الأثبات المشاهير وثقة أحمد والنسائي والعجلي وأثنى عليه شعبه وحماد بن زيد، وإنما تفرد به خالد بن سمير عن عبدالله بن رباح عن أبي قتادة فوهم فيه. وعلى أن أربعة عشر من الصحابة غير أبي قتادة رووا قصة ليلة التعريس مفصلا ومجملاً كعبدالله بن مسعود وبلال وأبي هريرة وعمران بن حصين وعمرو بن أمية الضمري وذي مخبر وجبير بن مطعم وأنس وابن عباس وأبي مريم مالك بن ربيعة السلولي وأبي جحيفة وعبدالله بن عمرو وجندب وأبي أمامة رضي الله عنهم ولم يذكر أحد منهم في حديثه هذه الجملة قط وأحاديث هؤلاء مروية في الصحيحين وغيرهما بل لم ينقل أحد من الصحابة أنهم كانوا مخيرين لأداء ركعتي الفجر إن شاءوا صلوا وإن شاءوا تركوا كذا في غاية المقصود.
" ألا " كلمة تنبيه " إنا نحمد الله أنا لم نكن ": إنا الأولى بالكسر والثانية بالفتح " يشغلنا ": بفتح الياء " أني ": أي متى " فمن أدرك منكم صلاة الغداة ": أي الصبح "من غد صالحاً": أي في وقتها المعتاد " فليقض ": أي الصلاة الفائتة أيضاً " معها ": أي مع الصلاة الحاضرة " مثلها ": أي مثل الصلاة الفجر الحاضرة ثم يقضي ثانياً الصلاة الفائتة بالأمس.
قال البيهقي في معرفة السنن. وقد روى الأسود بن شيبان عن خالد بن سمير عن عبدالله بن رباح عن أبي قتادة في قصة نومهم عن الصلاة وقضائهم لها قال فقال النبي صلى الله عليه وسلم فمن أدركته هذه الصلاة من غد صالحاً فليحصل معها مثلها، ولم يتابعه على هذه الرواية ثقة. وإنما الحديث عند سليمان بن المغيرة عن ثابت البناني عن عبدالله بن رباح أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه القصة قال " ليس في النوم تفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى فإذا كان ذلك فليصلها حين يستيقظ فإذا كان من الغد فليصلها عند وقتها" أخبرناه أبو محمد بن يوسف أخبرنا أبو بكر القطان حدثنا إبراهيم بن الحارث حدثنا يحيى بن أبي بكير حدثنا سليمان بن المغيرة قال حدثني ثابت البناني فذكره رواه مسلم في الصحيح عن شيبان بن فروخ عن سليمان وإنما أراد والله أعلم أن وقتها لم يتحول إلى ما بعد طلوع الشمس بنومهم وقضائهم لها بعد الطلوع، فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها يعني صلاة الغد هذا هو اللفظ

(2/79)


435 - حدثنا عَمْرُو بنُ عَوْنٍ أخبرنا خَالِدٌ عن حُصَيْنٍ عن ابنِ أَبي قَتَادَةَ عن أَبي قَتَادَةَ في هَذا الخَبرِ فقال: "إِنّ الله قَبَضَ أَرْوَاحَكُم حَيثُ شَاء وَرَدّهَا حَيْثُ شَاءَ، قُمْ فأَذّنْ بالصّلاَةِ، فَقَامُوا فَتَطَهّروا، حَتّى إِذَا ارْتَفَعَتِ الشّمْسُ قَامَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَصَلّى بالنّاسِ"
436 - حدثنا هَنّادٌ أخبرنا عَبْثَرٌ عن حُصَيْنٍ عن عَبْدِالله بنِ أَبي قَتَادَةَ عن أَبيهِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِمَعْنَاهُ قال: "فَتَوَضّأَ حِينَ ارْتَفَعَتِ الشّمْسُ فَصَلّى بِهِمْ"
437 - حدثنا العَبّاسُ الْعَنْبَرِيّ أخبرنا سُلَيْمانُ بنُ دَاوُدَ وَهُوَ الطّيالِسِيّ أخبرنا سُلَيْمانُ يَعْنى ابنَ المُغِيرَةِ عن ثابِتٍ عن عَبْدِالله بنِ رَبَاحٍ عن أَبي قَتَادَةَ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لَيْسَ في النّوْمِ تَفْرِيْطٌ إِنّمَا التّفْرِيطُ في الْيَقْظَةِ أَنْ تُؤَخّرَ صَلاةً حَتّى يَدْخُلَ وَقْتُ أُخْرَى"
438 - حدثنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرِ أخبرنا هَمّامٌ عن قَتَادَةَ عن أَنَسِ بنِ مالِكٍ أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: " مَنْ نَسِيَ صَلاَةَ فَلْيُصَلّها إِذَا ذَكَرَها لا كَفّارَةَ لَها إِلاّ ذَلِكَ ".
__________
الصحيح وهذا هو المراد به فحمله خالد ابن سمير عن عبدالله بن رباح على الوهم انتهى كلامه بحروفه. والحاصل أن خالد ابن سمير وهم في هذا الحديث في ثلاثة مواضع: الأول في قوله جيش الأمراء. والثاني في قوله من كان منكم يركع ركعتي الفجر إلخ. والثالث في قوله فليقض معها مثله والله أعلم. كذا في غاية المقصود شرح سنن أبي داوود.
" قم ": يابلال "فصلى الناس": فيه استحباب الجماة في الفائته. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري والنسائي طرفاً منه.
"لا كفارة لها إلا ذلك ": معناه لا يجزيه إلا الصلاة مثلها ولا يلزمه مع ذلك شيء آخر. استدل بالحصر الواقع في هذه العبارة على الاكتفاء بفعل الصلاة عند ذكرها وعدم وجوب إعادتها عند حضور وقتها من اليوم الثاني قال الحافظ في الفتح: لكن في رواية أبي داوود من حديث عمران بن حصين في هذه القصة: من أدرك منكم صلاة الغداه من غد صالحاً فليقض معها مثلها" لم يقل أحد من السلف باستحباب ذلك أيضاً بل عدوا الحديث غلط من رواية وحكى ذلك الترمذي وغيره عن البخاري. ويؤيد ذلك ما رواه النسائي من حديث عمران ابن

(2/80)


439 - حدثنا وَهْبُ بنُ بَقِيّةَ عن خَالِدٍ عن يُونُسَ بنِ عُبَيْدٍ عن الْحَسَنِ عن عِمْرانَ بن حُصَيْنٍ أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان في مَسِيرٍ لَهُ فَنَامُوا عن صَلاةِ الْفَجْرِ فَاسْتَيْقَظُوا بِحَرّ الشّمْسِ فَارْتَفَعُوا قَلِيلاً حَتّى اسْتَقَلّتِ الشّمْسُ ثُمّ أَمَرَ مُؤَدّناً فَأَذّنَ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ ثُمّ أَقَامَ ثُمّ صَلّى الْفَجْرَ"
440 - حدثنا عَبّاسٌ الْعَنْبَرِيّ ح. وحدثنا أَحْمَدُ بنُ صالحٍ وهذا لَفْظُ عَبّاسٍ أَنّ عَبْدَالله بنَ يَزِيدَ حَدّثَهُمْ عن حَيْوَةَ بنِ شُرَيْحٍ عن عَيّاشِ بنِ عَبّاسٍ يَعْني الْقِتْبانِيّ أَنّ كُلَيْبَ بنَ صُبْحٍ حَدّثَهُمْ أَنّ الزّبْرِقانَ حَدّثَهُ عن عَمّهِ عَمْرِو بنِ أُمَيّةَ الضّمَرِيّ قال: كُنّا مَعَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في بَعْضِ أَسْفَارِهِ فَنَامَ عن الصّبْحِ حتى طَلَعَتِ الشّمْسُ، فَاسْتَيْقَظَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال: " تَنَحّوْا عن هَذَا المَكَانِ ". قال: ثُمّ أَمَرَ بِلالاً فَأَذّنَ، ثُمّ تَوْضّأُوا وَصَلّوا رَكَعَتَيْ الْفَجْرِ، ثُمّ أَمَرَ بِلالاً فأَقَامَ الصّلاَةَ فَصَلّى بِهِمْ صَلاةَ الصّبْحِ.
441 - حدثنا إِبراهِيمُ بنُ الْحَسَنِ أخبرنا حَجّاجٌ يَعْني ابنَ مُحمّدٍ حدثنا حَرِيزٌ ح. وحدثنا عُبَيْدُ بنُ أَبي الْوَزِيرِ حدثنا مُبَشّرٌ يَعْني الْحَلَبيّ حدثنا حَرِيزٌ يَعْني
__________
حصين أيضاً أنهم قالوا "يارسول الله صلى الله عليه وسلم ألا نقضيها لوقتها من الغد؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ألاينهاكم الله عن الربا، ويأخذه منكم؟ " انتهى. قلت: ليس هذا اللفظ في سنن أبي داوود من حديث عمران بن حسين بل من طريق خالد ابن سمير عن عبدالله بن رباح عن أبي قتادة الأنصاري. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"عن الحسن": وهو البصري "فارتفعوا": أي ذهبوا "حتى استقلت الشمس": أي ارتفعت وتعالت "ركعتين قبل الفجر": هما سنة الفجر. قال المنذري: ذكر علي بن المديني وأبو حاتم الرازي وغيرهما أن الحسن لم يسمع من عمران بن حصين. وقد أخرج البخاري ومسلم حديث عمران بن حصين مطولاً من رواية أبي رجاء العطاردي عن عمران، وليس فيه ذكر الأذان والإقامة.
"عن عياش": بالشين المعجمة "عن عمه عمرو بن أمية": هو بدل من عمه "أسفاره": جمع سفر.
"حريز": بفتح الحاء وكسر الراء المهملتين وآخره زاي معجمة ابن عثمان الرحبي ثقة ثبت

(2/81)


ابنَ عُثْمَانَ حدثني يَزِيدُ بنُ صالحٍ عن ذِي مِخْبَرٍ الْحَبَشِيّ وكَانَ يَخْدُمُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم في هذا الخبَرِ قال: فَتَوَضّأَ يَعْني النّبيّ صلى الله عليه وسلم وُضُوءَا لَمْ يَلْثَ مِنْهُ التّرَابُ، ثُمّ أَمَرَ بِلالاً فأَذّنَ، ثُمّ قامَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ غَيْرَ عَجِلٍ، ثُمّ قال لِبِلاَلٍ: " أَقِمِ الصّلاَةَ، ثُمّ صَلّى وَهُوَ غَيْرُ عَجِلٍ" قال عن حَجّاج عن يَزِيدَ بنِ صُلَيْحٍ حدثني ذُو مِخْبَرٍ رَجُلٌ مِنَ الْحَبَشَةِ وقال عُبَيْدٌ: يَزِيدُ بنُ صالحٍ.
- 442 حدثنا مُؤَمّلُ بنُ الْفَضْلِ حدثنا الْوَلِيدُ عن حَرِيز يَعْني ابنَ عُثْمَانَ عن يَزِيدَ بنِ صُلَيْحٍ عن ذِي مِخْبَرِ بنِ أَخِي النّجَاشِيّ في هذا الخَبَرِ قال:
أَذّنَ وَهُوَ غَيْرُ عَجِلٍ.
- 443 حدثنا مُحمّدُ بنُ المُثَنّى حدثنا مُحمّدُ بنُ جَعْفَرٍ حدثنا شُعْبَةُ عن جَامِعِ بنِ شَدّادٍ سَمِعْتُ عَبْدَالرّحْمَنِ بنَ أَبي عَلْقَمَةِ سَمِعْتُ عَبْدَالله بنَ مَسْعُودٍ قال: أَقْبَلْنَا مَعَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: " مَنْ يَكْلَؤُنَا "؟ فقال بِلالٌ:
__________
رمى بالنصب من الخامسة مات سنة ثلاث وستين وله ثلاث وثمانون. قاله الحافظ في التقريب: "عبيد بن أبي الوزير": قال الحافظ في التقريب: عبيدالله بن أبي الوزر بفتح الزاي، ويقال أبو الوزير، ويقال عبيد بلا إضافة من شيوخ أبي داوود، ولا يعرف حاله من الحادية عشرة. وقال السيوطي: عبيد بن أبي الوزير أي على وزن أمير، وفي رواية الخطيب: ابن أبي الوزر أي على وزن بفتح الواو الزاء وبعدها راء لا يعلم روى عنه سوى أبي داوود، ولا يعلم فيه توثيق ولا جرح. انتهى "يزيد بن صالح": قال في الخلاصة: يزيد بن صالح أو ابن صليح مصغر صلح الرحي الحمصي عن دي مخير، وعنه حريز. قال أبو داوود شيوخ حريز كلهم ثقات "عن ذي مخبر": قال الحافظ في التقريب: ذو مخبر بكسر أوله وسكون المعجمة وفتح الموحدة وقيل بدلها ميم الحبشي صحابي نزل الشام وهو ابن أخى النجاشي "لم يلث": بتخفيف المثلثة من لثى بالكسر إذا ابتل، معناه لم يبتل ولم يخلط، وقال بعضهم هو بضم اللام وتشديد المثناة من فوق من لت الرجل السويق لنا: إذا بله بشيء من الماء يعني خفف صب ماء الوضوء بحيث لم يخلط التراب بالماء، والمراد بهما واحد.
"في هذا الخبر": ساق الحديث بطوله في مجمع الزوائد.
"زمن الحديبية": هذا يخالف ما تقدم أن هذه القصة كانت في رجوعه خيبر وجاء في الطبراني أنها كانت في غزوة تبوك، وجمع بتعدد القصة. قاله في فتح الودود " من يكلؤنا ": أي

(2/82)


أَنَا. فَنَامُوا حَتّى طَلَعَتِ الشّمْسُ، فَاسْتَيْقَظَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: " افْعَلُوا كما كُنْتُمْ تَفْعَلُونَ ". قال: فَفَعْلْنَا. قال: " فَكَذَلِكَ فَافْعَلُوا لِمَنْ نَامَ أَوْ نَسِيَ "
__________
يحفظ لنا الليل ويحرس "فاستيقظ": أي انتبه " فقال افعلوا كما كنتم تفعلون ": وفي رواية لمسلم وأحمد: فصنع كما كان يصنع كل يوم فيه إشارة إلى أن صفة قضاء الفائتة كصفة أدائها، فيؤخذ منه أنه يجهر في الصبح المقضية بعد طلوع الشمس. قال المنذري: والحديث أخرجه النسائي.

(2/83)


باب في بناء المسجد
...
-11باب في بناء المساجد
- 444 حدثنا مُحمّدُ بنُ الصّبّاحِ بنِ سُفْيَانَ أخبرنا سُفْيَانُ بنُ عَيَيْنَةَ عن سُفْيَانَ الثّوْرِيّ عن أَبي فَزَارَةَ عن يَزِيدَ بنِ اْلأَصّمّ عن ابنِ عَبّاسٍ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مَا أُمِرْتُ بِتَشْيِيدِ المَسَاجِدِ"
قال ابنُ عَبّاسِ: لَتُزَخْرِ فُنّهَا كما زَخْرَفَتِ الْيَهُودُ وَالنّصَارَى.
__________
باب في بناء المساجد
" ما ": نافية " أمرت ": بصيغة المجهول " بتشديد المساجد ": قال الخطابي: التشييد رفع البناء وتطويله "قال ابن عباس": هكذا رواه ابن حبان موقوفاً، وقبله أيضاً حديث ابن عباس لكنه مرفوع. وظن الطيبي في شرح المشكاة أنهما حديث واحد. قاله الشوكاني في النيل "لتزخرفها": بفتح اللام وهي لام القسم وبضم المثناة وفتح الزاي وسكون الخاء المعجمة وضم الفاء وتشديد النون وهي نون التأكيد. والزخرفة الزينة، وأصل الزخرف الذهب ثم استعمل في كل ما يتزين به. قاله علي القاري. وقال الحافظ: وهذا يعني فتح اللام هو المعتمد.انتهى. قال الخطابي: معنى قوله لتزخرفتها: لتزيننها. أصل الزخرف الذهب يريد تمويه المساجد بالذهب ونحوه، ومه قولهم: زخرف الرجل كلامه إذا موهه وزينه بالباطل. والمعنى أن اليهود والنصارى إنما زخرفوا المساجد عندما حرفوا وبدلوا وتركوا العمل بما في كتبهم، يقول: فأنتم تصيرون إلى مثل حالها إذا طلبتم الدنيا وتركتم الإخلاص في العمل، وصار أمركم إلى المراءات بالمساجد والمباهاة في تشييدها وتزيينها "كما زخرفت اليهود والنصارى": قال علي القاري: وهذا بدعة لأنه لم يفعله عليه السلام، وفيه موافقة أهل الكتاب. وفي النهاية: الزخرف النقوش والتصاوير بالذهب.

(2/83)


445 حدثنا مُحمّدُ بنُ عَبْدِالله الْخُزَاعِيّ حدثنا حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ عن أَيّوبَ عن أَبي قِلاَبَةَ عن أَنَسٍ وَ قَتَادَةَ عن أَنَسٍ أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: " لاَ تَقُومُ السّاعةُ حَتّى يَتَبَاهَى النّاسُ في المَسَاجِدِ "
446 حدثنا رَجَاءُ بنُ المُرَجّا حدثنا أَبُو هَمّامٍ الدّلاّلُ مُحمّدُ بنُ مُحْبّبٍ حدثنا سَعِيْدُ بنُ السّائِبِ عن مُحمّدِ بنِ عَبْدِالله بنِ عِيَاضٍ عن عُثْمانَ بنِ أَبي الْعَاصِ رَضِيَ الله عَنْهُ أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَهُ أَنْ يَجْعَلَ مَسْجِدَ الطّائِفِ حَيْثُ كان طَوَاغِيتُهُمْ.
- 447 حدثنا مُحمّدُ بنُ يَحْيَى بنِ فَارِسَ وَ مُجَاهِدُ بنُ مُوسَى وَهُوَ أَتَمّ قالا حدثنا يَعْقُوبُ بنُ إِبراهِيمَ حدثنا أَبي عن صالحٍ قال أخبرنا نَافِعٌ أَنّ عَبْدَالله بنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ أَنّ المَسْجِدَ كان عَلَى عَهْدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مَبْنِيّاً بالّلبِنِ وَالْجَرِيدِ وَعَمَدُهُ. قال
__________
" حتى يتباهى الناس في المساجد ": أي يتفاخر في شأنها أو بنائها يعني يتفاخر كل أحد بمسجده ويقول مسجدي أرفع أو أزين أو أوسع أو أحسن رياء وسمعة واجتلاباً للمدحة. قال ابن رسلان: هذا الحديث فيه معجزة ظاهرة لإخباره صلى الله عليه وسلم عما سيقع بعده فإن تزويق المساجد والمباهاة بزخرفتها كثر من الملوك والأمراء في هذا الزمان بالقاهرة والشام وبيت المقدس بأخذهم أموال الناس ظلماً وعمارتهم بها المدارس على شكل بديع نسأل الله السلامة والعافية انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه النسائي وابن ماجه.
"حيث كان طواغيتهم": هي جمع طاغوت وهو بيت الصنم الذي كانوا يتعبدون فيه لله تعالى ويتقربون إليه بالأصنام على زعمهم. وعثمان بن أبي العاص المذكور هو الثقفي أمره النبي صلى الله عليه وسلم بذلك حين استعمله على الطائف.
والحديث يدل على جواز جعل الكنائس والبيع وأمكنة الأصنام مساجد، وكذلك فعل كثير من الصحابة حين فتحوا البلاد جعلوا متعبداتهم متعبدات للمسلمين وغيروا محاريبها. وإنما صنع هذا لانتهاك الكفر وإيذاء الكفار حيث عبدوا غير الله هنا. وقد عمل على هذه السنة ملك الهند السلطان العادل عالم كبير رحمه الله حيث بنى عدة مساجد في معبد الكفار خذلهم الله تعالى. قال المنذري: والحديث أخرجه ابن ماجه.
"كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم": أي في زمانه وأيامه "مبنياً باللبن": بفتح اللام وكسر الباء الموحدة، ويقال اللبنة بكسر اللام وسكون الباء الموحدة وهي ما يعمل من الطين يعني الطوب والآجر النيء وهو بضم الجيم وتشديد الراء "الجريد": أي جريد النخل وهو الذي يجرد عنه الخوص أي الورق، ومعناه بالفارسية شاخ درخت خرما برك دور كرده "وعمده": بفتح العين

(2/84)


مُجَاهِدٌ: عُمُدُهُ مِنْ خُشُبِ النّخْلِ فَلَمْ يَزِدْ فيه أَبُو بَكْرٍ شَيْئاً، وَزَادَ فيه عُمَرُ: وَبَنَاهُ عَلَى بِنَائِهِ في عَهْدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بالّلبِنِ وَالْجَرِيدِ وَأَعَاد عَمدَهُ، وقال مُجَاهِدٌ عُمُدَهُ خَشَباً، وَغَيّرَهُ عُثْمانُ فَزَادَ فيه زَيادَةٌ كَثِيرَةً: وَبَنَى جِدَارَهُ بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ وَالْقَصّةِ وَجَعَلَ عَمَدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ وَسَقْفَهُ بالسّاجِ.
قال مُجَاهِدٌ: وَسَقّفَهُ السّاجَ. قال أَبُو دَاوُد: الْقَصّةُ الْجِصّ.
448 - حدثنا مُحمّدُ بنُ حَاتِمٍ حدثنا عُبَيْدُالله بنُ مُوسَى عن شَيْبَانَ عن فِرَاسٍ
__________
والميم "قال مجاهد عمده": أي بضم العين والميم وهي رواية مجاهد وكلاهما جمع الكثرة لعمود البيت وجمع القلة أعمدة والعمود معناه بالفارسية ستون "من خشب النخل": قال الحافظ هي بفتح الخاء والشين ويجوز ضمهما انتهى. فقوله عمده مبتدأ ومن خشب النخل خبره "فلم يزد فيه أبو بكر شيئاً": يعين لم يغير فيه شيئاً بالزيادة والنقصان "وزاد فيه عمر وبناه على بنائه": يعني زاد في الطول والعرض ولم يغير في بنائه بل بناه على بنيان النبي صلى الله عليه وسلم يعني بآلاته التي بناها النبي صلى الله عليه وسلم "في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم": إما صفة للبناء أو حال "وأعاد عمده": قال العيني: وإنما غير عمده لأنها تلفت. قال: السهيلي نخرت عمده في خلافه عمر فجددها "وغيره عثمان": أي من الوجهين التوسيع وتغيير الآلات "بالحجارة المنقوشة": أي بدل اللبن "والقصة": بفتح القاف وتشديد الصاد المهملة وهي الجص بلغة أهل الحجاز. وقال الخطابي: تشبه الجص وليست به. قاله الحافظ في الفتح. وقال العيني: الجص لغة فارسية معربة وأصلها كج وفيه لغتان فتح الجيم وكسرها "وسقفه بالساج": هو بفتح السين وإسكان القاف بلفظ الاسم عطفاً على عمده قال الحافط: والساج نوع من الخشب معروف يؤتى به من الهند "وسقفه الساج": هو بلفظ الماضي من التسقيف من باب التفعيل عطفاً على جعل. قال الحافظ في الفتح قال ابن بطال وغيره هذا يدل على أن السنة في بنيان المسجد القصد وترك الغلو في تحسينه، فقد كان عمر مع كثرة الفتوح في أيامه وسعة المال عنده لم يغير المسجد عما كان عليه وإنما احتاج إلى تجديده لأن جريد النخل كان قد نخر في أيامه، ثم كان عثمان والمال في زمانه أكثر فحسنه بمالا يقتضي الزخرفة ومع ذلك فقد أنكر بعض الصحابة عليه. وأول من زخرف المساجد الوليد بن عبدالملك بن مروان وذلك في أواخر عصر الصحابة، وسكت كثير من أهل العلم عن إنكار ذلك خوفاً من الفتنة.

(2/85)


عن عَطِيّةَ عن ابنِ عُمَرَ إِنّ مَسْجِدَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَتْ سَوَارِيّةُ عَلَى عَهْدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ جُذُوعِ النّخْلِ، أَعْلاَهُ مُظَلّلُ بِجَرِيدِ النّخْلِ، ثُمّ إِنّهَا نَخِرَتْ في خِلاَفَةِ أَبي بَكْرٍ فَبَنَاهَا بِجُذُوعِ النّخْلِ وَبِجَرِيدِ النّخْلِ، ثُمّ إِنّهَا نَخِرَتْ في خِلاَفَةِ عُثْمانَ فَبَنَاهَا بالآجُرّ فَلمْ تَزَلْ ثَابِتَةً حَتّى الآنَ.
449 - حدثنا مُسَدّدٌ حدثنا عَبْدُ الْوَارِثِ عن أَبي التّيّاحِ عن أَنَسٍ بنِ مَالِكٍ قال: قَدِمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المَدِينَةَ فَنَزَلَ فيِ عُلْوِ المَدِينَةِ في حَيَ يُقَالُ لَهُمْ بَنْو عَمْرِو بنِ عَوْفٍ، فَأَقَامَ فِيْهِم، أَرْبَعَ عَشَرَةَ لَيْلَةً، ثُمّ أَرْسَلَ إِلَى بَنِي النّجّار فَجاؤُا مُتَقَلّدِينَ سُيُوفَهُمْ، فقال أَنَسٌ: فكَأَنّي أَنْظُرُ إِلَى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى رَاحِلَتِهِ وَأَبُو بَكْرٍ رِدْفَهُ وَمَلأُ
__________
"كانت سواريه": جمع سارية "من جذوع النخل": هي جمع جذع بالكسر ساق النخلة وبالفارسية تنه وبن درخت خرماً "أعلاه": أي أعلى المسجد "مظلل": بصيغة المجهول من الظل أي جعل سقف المسجد وظلل لاتقاء الحر "بجريد النخل": هو الذي يجرد عنه الخوص أي الورق "ثم أنها": أي سواريه "نخرت": أي بليت "فبناها": أي بنى أبو بكر رضي الله تلك السارية "بجذوع النخل": وبنى سقف المسجد "بجريد النخل": كما كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يغيره شيئاً "فبناها": أي بني عثمان رضي الله عنه تلك السارية "بالآجر": بضم الجيم وتشديد الرأي معناه بالفارسية خشت بخته.
"عن أبي التياح": بفتح التاء المثناة من فوق وتشديد الياء أخر الحروف وفي آخره حاء مهملة واسمه يزيد بن حميد الضبعي. قاله العيني "في علو المدينة": بالضم وهي العالية "في حي": بتشديد الياء وهي القبيلة وجمعها أحياء "بنو عمرو ابن عوف": بفتح العين فيهما "فأقام فيهم أربع عشرة ليلة": ثم خرج قال الحافظ وهو الصواب من هذا الوجه انتهى، وهذه رواية الأكثيرين "ثم أرسل إلى بني النجار": قال العيني: وبنو النجار هم بنو تيم اللات بن ثعلبة بن عمرو بن الجموح، والنجار قبيل كبير من الأنصار، وتيم اللات هو النجار سمي بذلك لأنه اختتن بقدوم وقيل بل ضرب رجلاً بقدوم فجرحه انتهى. وقال الحافظ إنما طلب بني النجار لأنهم كانوا أحوال عبدالمطلب لأن أمه سلمى منهم، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم النزول عندهم لما تحول من قباء، والنجار بطن من الخزرج واسمه تيم اللات بن ثعلبة "فجاءوا متقلدين سيوفهم": قال العيني كذا في رواية الأكثرين بنصب السيوف وثبوت النون لعدم الإضافة، وفي رواية بإضافة متقلدين إلى السيوف وسقوط النون للاضافة، وعلى كل حال هو منصوب على الحال من الضمير الذي في جاءوا والتقلد جعل نجاد السيف على المنكب "على راحلته": الراحلة المركب من

(2/86)


بَنِي النّجّارِ حَوْلَهُ حَتّى أَلْقَى بِفَنَاءِ أَبي أَيّوبَ، وكَانَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم يُصَلّي حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصّلاَةُ، وَيُصَلّي في مَرَابِضِ الْغَنَمِ، وَإِنّهُ أَمَرَ بِبِنَاءِ المَسْجِدِ، فأَرْسَلَ إِلَى بَنِي النّجّار، قال: " يابَنِي النّجّار، ثَامِنُونِي بُحَائطِكُمْ هَذَا" ، فقالُوا: والله لا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلاّ إِلَى الله. قال أَنَسٌ: وكَانَ فيه ما أَقُولُ لَكُم، كَانَتْ فيه قُبُور الْمُشْرِكِينَ، وَكَانَتْ فيه خَرِبٌ، وكَانَتْ فيه نَخْلٌ، فأَمَرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشتْ وَبالْخَرِبِ فَسُوّيَتْ
__________
الإبل ذكراً كان أو أنثى، وكانت راحلته ناقة تسمى القصواء قاله العيني "وأبو بكر ردفه": قال الحافظ. كان النبي صلى الله عليه وسلم أردفه تشريفاً له وتنويهاً بقدره وإلا كان لأبي بكر ناقة هاجر عليها انتهى. وقال العيني: هو جملة إسمية في موضع النصب على الحال. والردف بكسر الراء وسكون الدال المرتدف وهو الذي يركب خلف الراكب، وكان لأبيب بكر ناقة فلعله تركها في بني عمرو بن عوف لمرض أو غيره ويجوز أن يكون ردها إلى مكة ليحمل عليها أهله، وثم وجه آخر حسن وهو أن ناقته كانت معه ولكنه ما ركبها لشرف الارتداف خلفه لأنه تابعه والخليفة بعده "وملأ بني النجار حوله": جملة إسمية حالية، والملأ أشرف القوم ورؤساؤهم سموا بذلك لأنهم مليء بالرأي والغناء والملأ الجماعة والجمع أملاء "حتى ألقى": أي حتى ألقى رحله والمفعول محذوف، يقال ألقيت الشيء إذا طرحته "بفناء أبي أيوب": أي بفناء دار أبي أيوب. الفناء بكسر الفاء سعة أمام الدار والجمع أفنية. واسم أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري. قال الحافظ والفناء الناحية المتسعة أمام الدار "في مرابض الغنم": أي أماكنها وهو بالموحدة والضاد المعجمة جمع مربض بكسر الميم "وإنه أمر": بكسر الهمزة في إن لأنه كلام مستقل بذاته أي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ببناء المسجد، ويروى أمر على بناء المفعول فعلى هذا يكون الضمير في إنه للشأن " ثامنوني ": أي بيعونيه بالثمن. قال الحافظ: هو بالمثلثة، أي اذكروا لي ثمنه لأذكر لكم الثمن الذي أختاره. قال ذلك على سبيل المساومة: فكأنه قال: ساوموني في الثمن " بحائطكم هذا ": الحائط ههنا البستان يدل عليه قوله وفيه نخل وبالنخل فقطع "لا نطلب ثمنه إلا إلى الله": قال الحافظ: تقديره لا نطلب الثمن لكن الأمر فيه إلى الله أو إلى بمعنى من، وكذا عند الإسماعيلي لا نطلب ثمنه إلا من الله. وزاد ابن ماجه أبداً، وظاهر الحديث أنهم لم يأخذوا منه ثمناً، وخالف في ذلك أهل السير. انتهى. والمعنى لا نطلب منك الثمن بل نتبرع به ونطلب الثمن أي الأجر من الله تعالى "وكان فيه": أي في الحائط الذي بنى في مكانه المسجد "فيه خرب": قال الحافظ: قال ابن الجوزي: المعروف فيه فتح الخاء المعجمة وكسر الراء بعدها موحدة جمع خربة ككلم وكلمة. قلت: وحكى الخطابي أيضاً: كسر أوله وفتح ثانية جمع خربة كعنب وعنبة

(2/87)


وَبالنّخْلِ فَقُطِعَ فَصُفّفَ النّخْلُ قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ، وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ حِجَارَةً، وَجَعَلُوا يَنْقُلُونَ الصّخْرَ وَهُمْ يَرْتَجِزُونَ وَالنّبيّ صلى الله عليه وسلم مَعَهُمْ ويقولُ: "الّلهُمّ لا خَيْرَ إِلاّ خَيْرُ الآخرة، فَانْصُرِ اْلأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَةَ "
450 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ حدثنا حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ عن أَبي التّيّاحِ عن أَنَسٍ بنِ مَالِكٍ قال: كَانَ مَوْضِعُ المَسْجِدِ حَائِطاً لِبَنِي النّجّارِ فيه حَرْثٌ وَنَخْلٌ وَقُبُورُ الْمُشْرِكِينَ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: " ثَامِنُونِي بِه "ِ، فقالُو: لا نَبْغِي بِهِ ثَمَناً، فَقُطِعَ النّخْلُ وَسُوّيَ الْحَرثُ وَنُبِشَ قُبُورُ المُشْرِكينَ وساقَ الحديثَ، وقال فَاغْفِرْ مَكَانَ فَانْصُرْ.
قال مُوسَى حدثنا عَبْدُ الوارِثِ بِنَحْوِهِ، وكَانَ عَبْدُ الوارِثِ يقولُ خَرِبٌ وَزَعمَ عَبْدُالوارِثِ أَنّهُ أَفَادَ حَمّاداً هذا الحديثَ.
__________
"وبالنخل": أي أمر بالنخل فقطع "فصفف النخل قبلة المسجد": من صففت الشيء صفاً أي جعلت قبلة المسجد من النخل. قال العيني: ولعل المراد بالقبلة جهتها لا القبلة المعهودة اليوم فإن ذلك الوقت "عضادتيه": تثنية عضادة بكسر العين عن صاحب العين اعضاد كل شيء ما يشده من حواليه من البناء وغيره مثال عضاد الحوض وهي صفائح من حجارة ينصبن على شفيره. وفي التهذيب للأزهري: عضادتا الباب الخشبتان المنصوبتان عن يمين الداخل منه وشماله قاله العيني "ينقلون الصخر": أي الحجارة "وهم يرتجزون": أي يتعاطون الرجز من الرجز وهو ضرب من الشعر "معهم": جملة حالية، أي والنبي صلى الله عليه وسلم يرتجز معهم " اللهم ": معناه يا الله. قال الحافظ: في الحديث جواز التصرف في المقبرة المملوكة بالهبة والبيع وجواز نبش القبور الدارسة إذا لم تكن محترمة، وجواز الصلاة في مقابر المشركين بعد نبشها إخراج ما فيها، وجواز بناء المساجد في أماكنها. انتهى. قلت: فيه جواز الإرداف، وفيه جواز الصلاة في مرابض الغنم. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.
"حائطاً": أي بستاناً "لبنى النجار": هم قبيلة "فيه حرث": بالحاء المهملة والثاء المثلثة هكذا في رواية حماد بن سلمة عن أبي التياح. في المصباح المنير: حرث الرجل الأرض حرثاً أثارها للزراعة، فهو حراث، انتهى. وأما رواية عبدالوارث عن أبي التياح التي مضت ففيها خرب بالخاء المجمة والباء الموحدة "فقال لا نبغي": أي لا نطلب "أفاد حماداً": من الإفادة أي حدث عبدالوارث حماداً هذا الحديث وفيه لفظ خرب بالخاء المعجمة والباء الموحدة

(2/88)


12باب اتخاذ المساجد في الدور
451 حدثنا مُحمّدُ بنُ الْعَلاَءِ حدثنا حُسَيْنُ بنُ عَلَيّ عن زَائِدَةَ عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن أَبِيهِ عن عَائشةَ قالت: أَمَرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بِبِنَاءِ المَسْجِدِ في الدّورِ وَأَنْ تَنظّفَ وَتُطَيّبَ.
452 حدثنا مُحمّدُ بنُ دَاوُدَ بنِ سُفْيَانَ حدثنا يَحْيَى يَعْنِي ابنَ حَسّانَ حدثنا سُلَيْمَانُ بنُ مُوسَى حدثنا جَعْفَرُ بنُ سَعْدِ بنِ سَمُرَةَ حدثني خُبَيْبُ بنُ سُلَيْمَانَ عن أَبيهِ سُلَيْمَانَ بنِ سَمُرَةَ عن أَبيِهِ سَمُرَةَ قال: إِنّهُ كَتَبَ إِلَى أَبِيهِ: أَمّا بَعْدَ فَإِنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يَأْمُرُنَا بالمَسَاجِدِ أَنْ نَصْنَعَهَا في دُورِنَا وَنُصْلِحَ صَنْعَتَهَا وَنُطَهّرَهَا.
__________
"باب اتخاذ المساجد في الدور"
"ببناء المسجد في الدور": قال البغوي في شرح السنة: يريد بها المحال التي فيها الدور، ومنه قوله تعالى {سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ} لأنهم كانوا يسمون المحلة التي اجتمعت فيها قبيلة داراً، ومنه الحديث "ما بقيت دار إلا بني فيها مسجد" قال سفيان: بناء المساجد في الدور يعني القبائل. أي من العرب يتصل بعضها ببعض، وهم بنوأب واحد يبني لكل قبيلة مسجد. هذا ظاهر معنى تفسير سفيان الدور. قال أهل اللغة: الأصل في إطلاق الدور على هذا المواضع، وقد تطلق على القبائل مجازاً. قاله الشوكاني في النيل. وقال علي القاري في المرقاة: الدور جمع دار وهو اسم جامع للبناء، والعرصة والمحلة والمراد المحلات، فإنهم كانوا يسمون المحلة التي اجتمعت فيها قبيلة داراً أو محمول على اتخاذ بيت في الدار للصلاة كالمسجد يصلي فيه أهل البيت. قاله ابن الملك، والأول هو المعلول وعليه العمل. وحكمة أمره لأهل كل محلة ببناء مسجد فيها أنه قد يتعذر أو يشق على أهل محلة الذهاب للأخرى، فيحرمون أجر المسجد وفضل إقامة الجماعة فيه فأمروا بذلك ليتسير لأهل كل محلة العبادة في مسجدهم من غير مسقة تلحقهم "وأن تنظف": معناه تطهر كما في رواية ابن ماجه، والمراد تنظيفها من الوسخ والدنس وبإزالة النتن والعذرات والتراب "وتطيب": بالرش أو العطر. قال ابن رسلان: بطيب الرجال وهو ما خفي لونه وظهر ريحه، فإن اللون ربما شغل بصر المصلي. والأولى في تطييب المسجد مواضع المصلين ومواضع سجودهم أولى. الأمر ببناء المسجد للوجوب. قال المنذري: والحديث أخرجه الترمذي وابن ماجه وأخرجه الترمذي مرسلاً وقال: هذا أصح من الحديث الأول.

(2/89)


13باب في السرج في المساجد
453 حدثنا النّفَيْلِيّ حدثنا مِسْكِينٌ عن سَعِيدِ بنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عن زِيَادِ بنِ أَبي سَوْدَةَ عن مَيْمُونَةَ مَوْلاَةَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أَنّهَا قالت: يارسولَ الله أَفْتِنَا في بَيْتِ المَقْدِسِ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ائْتُوهُ فَصَلّوا فيهِ، وكَانَتِ الْبِلاَدُ إِذْ ذَاكَ حَرْباً، فإِنْ لَمْ تَأْتُوهُ وَتُصَلّوا فِيهِ فَابْعَثُوا بِزَيْتٍ يُسْرَجُ في قَنَادِيلِهِ "
__________
"باب في السرج في المساجد"
" ائتوه فصلوا فيه ": فيه جواز شد الرحال إلى بيت المقدس، وأداء الصلاة فيه، واتخاذ السرج في المساجد. قال المنذري: والحديث أخرجه ابن ماجه.

(2/90)


14باب في حصى المسجد
- 454 حدثنا سَهْلُ بنُ تَمّامِ بنِ بزِيعٍ حدثنا عُمَرُ بنُ سُلَيْمٍ الْبَاهِليّ عن أَبي الْوَلِيدِ قال: سَأَلْتُ ابنَ عُمَرَ عن حَصَى الّذِي في المَسْجِد، فقال: مُطِرْنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ فَأَصْبَحَتِ اْلأرْضُ مُبْتَلّةً، فَجَعَلَ الرّجُلُ يَأْتَي بالْحَصَى في ثَوْبِهِ فَيْنْبِسَطهُ تَحْتَهُ، فَلمّا قَضَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الصّلاَةَ قال: " ما أَحْسَنَ هَذَا "
- 455حدثنا عُثْمانُ بنُ أَبي شَيْبَةَ حدثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَ وَكِيعٌ قالا أخبرنا الأَعْمَشُ عن أَبي صَالحٍ قال: كَانَ يُقَالُ إِنّ الرّجُلَ إِذَا أَخْرَجَ الْحَصَى مِنَ المَسْجِدِ يُنَاشِدُهُ.
- 456حدثنا مُحمّدُ بنُ إِسْحَاقَ أَبُو بَكْرٍ يَعْني الصّاغَانِيّ حدثنا أَبُو بَدْرٍ شُجَاعُ بنُ الْوَلِيدِ حدثنا شَرِيكٌ أَبُو حُصَيْنٍ عن أَبي صَاحٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ، قال أَبُو بَدْرٍ: أُرَاهُ قَدْ رَفَعَهُ إِلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "إِنّ الْحَصَاةَ لَتُنَاشِدُ الّذِي يُخْرِجُهَا مِنَ المَسْجِدِ"
__________
"باب في حصى المسجد"
عن حصى الذي في المسجد ": يعني هل يجوز افتراشه في المسجد أم لا، "قال ما أحسن هذا ": فيه جواز افتراش الحصي في المسجد."إن الحصاة لتناشد ": أي إن الحصاة لتسأل بالله أن لا يخرجها أحد من المسجد.

(2/90)


15باب كنس المساجد
- 460 حدثنا عَبْدُ الْوَهّابِ بنُ عَبْدِ الْحَكَمِ الْحَزّارُ حدثنا عَبْدُالمَجِيدِ بنُ عَبْدِالْعَزِيزِ بنِ أَبي رَوّادٍ عن ابنِ جُرَيْجٍ عن المُطّلِبِ بنِ عَبْدِالله بنِ حَنْطَبٍ عن أَنَسٍ بنِ مَالِكٍ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " عُرِضَتْ عَلَيّ أُجُورُ أُمّتِي حَتّى الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرّجُلُ مِنَ المَسْجِدِ، وَعُرِضَتْ عَلَيّ ذُنُوبُ أُمّتِي فَلَمْ أَرَ ذَنْبَاً أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مَنَ الْقُرْآنِ أَوْ آيَةٍ أُوْتِيَهَا رَجُلٌ ثُمّ نَسِيَهَا"
ـــــــ
"باب كنس المسجد"
" عرضت علي ": الظاهر أنه في ليلة المعراج " أجور أمتي ": أي ثواب أعمالهم " حتى القذاة": بالرفع أو الجر وهي بفتح القاف. قال الطيبي: القذاة هي ما يقع في العين من تراب أو تبن أو وسخ، ولا بد في الكلام من تقدير مضاف أي أجور أعمال أمتي، وأجر القذاة أي أجر إخراج القذاة، إما بالجر وحتى بمعنى إلى، والتقدير إلى إخراج القذاة، وعلى هذا قوله يخرجها الرجل من المسجد جملة مستأنفة للبيان، وإما بالرفع عطفاً على أجور، فالقذاة مبتدأ ويخرجها خبره. قاله علي القاري " أعظم من سورة ": من ذنب نسيان سورة كائنة " من القرآن ": فإن قلت: هذا مناف لما مر في باب الكبائر. قلت إن سلم أن أعظم وأكبر مترادفان، فالوعيد على النسيان لأجل أن مدار هذه الشريعة على القرآن فنسيانه كالسعي في الإخلال بها. فإن قلت: النسيان لا يؤاخذ به. قلت: المراد تركها عمداً إلى أن يفضي إلى النسيان. وقيل: المعنى أعظم من الذنوب الصغائر إن لك تكن عن استخفاف وقلة تعظيم. كذا في الأزهار شرح المصابيح، "أو آية أوتيها": أي تعلمها وأو للتنويع "ثم نسيها": قال الطيبي: شطر الحديث مقتبس من قوله تعالى: {كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} يعني على قول في الآية، وأكثر المفسرين على أنها في المشرك، والنسيان بمعنى ترك الإيمان، وإنما قال أو تيهادون حفظها إشعاراً بأنها كانت نعمة جسيمة أولاها الله ليشكرها فلما نسيها فقد كفر تلك النعمة، فبالنظر إلى هذا المعنى كان أعظم جرماً، وإن لم يعد من الكبائر. قاله علي القاري. وقال ابن رسلان: فيه ترغيب في تنظيف المساجد مما يحصل فيه من القمامات القليلة أنها تكتب في أجورهم وتعرض على نبيهم، وإذا كتب هذا القليل وعرض فيكتب الكبير ويعرض من باب الأولى. ففيه تنبيه بالأدنى على الأعلى. انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه قال: وذاكرت به محمد بن

(2/91)


__________
إسماعيل يعني البخاري فلم يعرفه واستغربه. قال: محمد ولا أعرف للمطلب بن عبدالله سماعاً من أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلا قوله خطبه النبي صلى الله عليه وسلم قال: وسمعت عبدالله وهو ابن عبدالرحمَن يقول: لا يعرف للمطلب سماعاً من أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. قال عبدالله: وأنكر علي بن المديني أن يكون المطلب سمع من أنس وفي إسناده عبدالمجيد بن عبدالعزيز بن أبي رواد الإزدي مولاهم المكي، وثقه يحيى بن معين وتكلم فيه غير واحد.

(2/92)


16باب اعتزال النساء في المساجد عن الرجال
458 حدثنا عَبْدُ الله بنُ عُمَرَ وَأَبُو مَعْمَرٍ حدثنا عَبْدُالْوَارِثِ حدثنا أَيّوبُ عن نَافَعٍ عن ابنِ عُمَرَ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لَوْ تَرَكْنَا هَذَا الْبَابَ لِلنّساءِ "
قال نَافِعٌ: فَلمْ يَدْخُلْ مِنْهُ ابنُ عُمَرَ حَتّى مَاتَ. وقال غَيْرُ عَبْدِالوَارِثِ قال عمْرٌو: هُوَ أَصَحّ.
- 459 حدثنا مُحمّدُ بنُ قُدَامَةَ بنِ أَعين حدثنا إِسْمَاعِيلُ عن أَيّوبَ عن نَافِعٍ قال قال عُمَرُ بنُ الْخَطّابِ رَضِيَ الله عَنْهُ بِمَعْنَاهُ وَهُوَ أَصَحّ.
- 460حدثنا قُتَيْبَةُ يَعْنِي ابنَ سَعِيدٍ حدثنا بَكْرٌ يَعْنِي ابنَ مُضَرَ عن عَمْرِو بنِ الْحَارِثِ عن بَكِيرٍ عن نَافِعٍ قال: إِنّ عُمَرَ بنَ الْخَطّابِ كان يَنْهَى أَنْ يَدْخُلَ مِنْ بَابِ النّسَاءِ.
__________
"باب اعتزال النساء في المساجد عن الرجال"
" لو تركنا هذا الباب ": أي باب المسجد الذي أشار النبي صلى الله عليه وسلم " للنساء ": لكان خيراً وأحسن لئلا تختلط النساء بالرجال في الدخول والخروج من المسجد. والحديث فيه دليل أن النساء لا يختلطن في المساجد مع الرجال بل يعتزلن في جانب المسجد ويصلين هناك بالاقتداء مع الإمام، فكان عبدالله بن عمر أشد اتباعاً للسنة، فلم يدخل من الباب الذي جعل للنساء حتى مات، والحديث اختلف على أيوب السختياني فجعل عبدالوارث مرفوعاً من مسند ابن عمر وجعله إسماعيل موقوفاً على عمر رضي الله عنه، وكذلك بكر بن مضر عن عمرو بن الحارث عن بكير عن نافع موقوفاً على عمر رضي الله عنه.والأشبه أن يكون الحديث مرفوعاً وموقوفاً. وعبدالوارث ثقة تقبل زيادته. والله أعلم.

(2/92)


17باب ما يقول الرجل عند دخوله المسجد
461حدثنا مُحمّدُ بنُ عُثْمَانَ الدّمَشْقِيّ حدثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِي الدّرَاوَرْدِيّ عن رَبِيعَةَ بنِ أَبي عَبْدِالرّحْمَنِ عن عَبْدِالمَلِكِ بنِ سَعِيدٍ بنِ سُوَيْدٍ قال سَمِعْتُ أَبَا حُمَيْدٍ أَوْ أَبَا أُسَيْدٍ اْلأَنْصَارِيّ يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ المَسْجِدَ فَلْيُسَلّمْ عَلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم، ثُمّ لَيَقُلْ: الّلهُمّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، فإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُلْ: الّلهُمّ إِنّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ".
462حدثنا إِسْمَاعِيلُ بنِ بِشْرِ بنِ مَنْصُورٍ حدثنا عَبْدُالرّحْمَنِ بنُ مَهْدِيَ عن عَبْدِالله بنِ المُبَارَكِ عن حَيْوَةَ بنِ شُرَيْحٍ قال لَقِيْتُ عُقْبَةَ بنَ مُسْلِمٍ فَقُلْتُ لَهُ: بَلَغَنِي أَنّكَ حَدّثْتَ عن عَبْدِالله بنِ عَمْرِو بنِ الْعَاصِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أَنّهُ كان إِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ
__________
" إذا دخل أحدكم المسجد ": أي أراد دخوله عند وصول بابه " فليسلم ": قال الحافظ ابن القيم في جلاء الأفهام: الموطن الثامن من مواطن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند دخول المسجد وعند الخروج منه، لما روى ابن خزيمة في صحيحه وأبو حاتم بن حبان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك. وإذا خرج فليسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وليقل: "اللهم أجرني من الشيطان الرجيم " وفي المسند والترمذي وابن ماجه عن فاطمة رضي الله عنها قالت "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد قال: اللهم صل على محمد وسلم، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج قال مثلها، إلا أنه يقول أبواب فضلك " ولفظ الترمذي "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد صلى على محمد وسلم" انتهى كلامه " ثم ليقل اللهم افتح لي أبواب رحمتك ": قال الطيبي: لعل السر في تخصيص الرحمة بالدخول والفضل بالخروج أن من دخل اشتغل بما يزلفه إلى ثوابه وجنته. فيناسب ذكر الرحمة، وإذا خرج اشتغل بابتغاء الرزق الحلال فناسب ذكر الفضل، كما قال تعالى {فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم والنسائي وأخرجه ابن ماجه عن أبي حميد وحده.
"فقلت": قائل هذا حيوة بن شريح "له": أي لعقبة بن مسلم "أعود": أي أعتصم وألتجىء

(2/93)


قال: " أَعُوذُ بالله الْعَظِيمِ وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ مِنَ الشّيْطَانِ الرّجِيمِ". قال: أَقَطْ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قال: فَإِذَا قال ذَلِكَ قال الشّيْطَانُ: حُفِظَ مِنّي سَائِرِ الْيَوْمِ"
__________
" بالله العظيم ": أي ذاتاً وصفة " وبوجهه ": أي ذاته "وسلطانه": أي غلبته وقدرته وقهره على ما أراد من خلقه " القديم ": أي الأزلي الأبدي " من الشيطان ": مأخوذ من شطن أي بعد يعني المعبود من رحمة الله " الرجيم ": فعيل بمعنى مفعول أي المطرود من باب الله، أو المشتوم بلعنة الله، والظاهر أنه خبر معناه الدعاء يعني: اللهم احفظني من وسوسته وإغوائه وخطواته وخطراته وتسويله وإضلاله، فأنه السبب في الضلالة والباعث على الغواية والجهالة، وإلا ففي الحقيقة أن الله هو الهادي المضل " قال أقط ": الهمزة للاستفهام، وقط بمعنى حسب، قال عقبة لحيوة: أبلغك عني هذا القدر من الحديث فحسب "قلت نعم": قائل هذا حيوة "قال": أي عقبة "فإذا قال": الرجل الداخل "ذلك": الكلام " حفظ مني سائر اليوم ": وهذه الجملة من بقية الحديث التي بلغك عني ومعنى حفظ مني سائر اليوم أي بقيته أو جميعه، ويقاس عليه الليل، أو يراد باليوم مطلق الوقت فيشمله. قال ابن حجر المكي: إن أريد حفظه من جنس الشياطين تعين حمله على حفظه من كل شيء مخصوص كأكبر الكبائر، أو من إبليس اللعين فقط بقي الحفظ على عمومه وما يقع منه من إغواء جنوده، وإنما ذكرت ذلك لأنا نرى ونعلم من يقول ذلك، ويقع في كثير من الذنوب، فتعين حمل الحديث على ما ذكرته وإن لم أره. انتهى. وفيه أن الظاهر أن لام الشيطان للعهد والمراد منه قرينة الموكل على إغوائه، وإن القائل ببركة ما ذكر من الذكر يحفظ منه في الجملة ذلك الوقت عن بعض المعاصي وتعيينه عند الله تعالى، وبه يرتفع أصل الإشكال والله أعلم بالحال. كذا في المرقاة.

(2/94)


باب ما جاء في الصلاة عند دخول المسجد
...
18 باب ما جَاءَ في الصلاة عن دخول المسجد
463 حدثنا الْقَعَنَبِيّ حدثنا مَالِكٌ عن عَامِرِ بنِ عَبْدِالله بنِ الزّبَيْرِ عن عَمْرِو بنِ سُلَيْمٍ الزّرَقِيّ عن أَبي قَتَادَةَ أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: " إِذَا جَاءَ أَحَدُكُم المَسْجِدَ فَلْيُصَلّ سَجْدَتَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَجْلِسَ "،
__________
"باب ما جَاءَ في الصلاة عن دخول المسجد"
" فليصل سجدتين ": أي ركعتين " من قبل أن يجلس ": تعظيماً للمسجد، قال الخطابي: فيه من الفقه أنه إذا دخل المسجد كان عليه أن يصلي ركعتين تحية المسجد قبل أن يجلس،

(2/94)


- 464 حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا عَبْدُ الواحِدِ بنُ زِيَادٍ أخبرنا أَبُو عُمَيْسٍ عُتْبَةُ بنُ عَبْدِالله عن عَامِرِ بنِ عَبْدِالله بنِ الزّبَيْرِ عن رَجُلٍ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ عن أَبي قَتَادَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ، زَادَ: " ثُمّ لِيَقْعُدْ بَعْدُ إِنْ شَاءَ أَوْ لِيَذْهَبْ لِحَاجَتِهِ"
__________
وسواء كان ذلك في جمعة أو غيرها، كان الإمام على المنبر أو لم يكن لأن النبي صلى الله عليه وسلم عم ولم يخص. قلت: هذا القول هو الصحيح كما جاء مصرحاً في الرواية الآتية عن جابر "أن رجلاً جاء يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال: أصليت يافلان؟ قال: لا. قال: قم فأركع "
قال الخطابي: وقد اختلف الناس في هذا بظاهر الحديث الشافعي وأحمد ابن حنبل وإسحاق بن راهويه، وإليه ذهب الحسن البصري ومكحول، وقالت طائفة: إذا كان الإمام على المنبر يجلس ولا يصلي. وإليه ذهب ابن سيرين وعطاء بن أبي رباح والنخعي وقتادة وأصحاب الرأي، وهو قول مالك. والثوري انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"عتبة بن عبدالله": هو بدل من أبو عميس "عن رجل من بني زريق": بتقديم الزاي المعجمة، وبعدها راء مهملة مصغراً. قال المنذري: رجل من بني زريق مجهول.

(2/95)


19باب فضل القعود في المسجد
- 465 حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن أَبي الزّنَادٍ عن اْلأَعرَجِ عن أَبي هُرَيْرَةَ أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم: " الْمَلاَئِكَةُ تُصَلّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ في مُصَلاّهُ الّذِي صَلّى فِيهِ مَا لَمْ يحْدِثْ أَوْ يَقُوم يَقُمْ الّلهُمّ اغفِرْ لَهُ الّلهُمّ ارْحَمْهُ "
__________
"باب فضل القعود في المسجد"
" الملائكة تصلي على أحدكم ": أي تدعو له بالخير وتستغفر من ذنوبه " ما لم يحدث ": أي حدثاً حقيقياً، وهو بسكون الحاء وتخفيف الدال المكسورة أي ما لم يبطل وضوءه لما روى أن أبا هريرة لما روى هذا الحديث قال له رجل من حضر موت: وما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: فساء أو ضراط، وهو في بعض طرق الحديث عند الترمذي وغيره. ولعل سبب الاستفسار إطلاق الحدث عن غير ذلك عندهم أو ظنوا أن الإحداث بمعنى الابتداع، وتشديد الدال خطأ. كذا في النهاية " أو يقوم ": أي الملائكة تصلي على أحدكم ما لم يقم من مصلاه، فإذا قام الرجل فلا تصلون " اللهم اغفر له اللهم ارحمه ": جملة مبينة لقوله: تصلي على أحدكم. وفي ذلك

(2/95)


466 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن أَبي الزّنَادِ عن اْلأَعرَجِ عن أَبي هُرَيْرَةَ أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يَزَالُ أَحَدُكُم في صَلاَةٍ ما كَانَتِ الصّلاَةُ تَحْبِسُهُ، لا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْقَلِبَ إِلَى أَهْلِهِ إِلاّ الصّلاَةُ "
- 467 حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ حدثنا حَمّادٌ عن ثَابِتٍ عن أَبي رَافِعٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: " لاَ يَزَالُ الْعَبْدُ في صَلاَةٍ ما كان في مُصَلاّهُ يَنْتَظِرُ الصّلاَةَ، تقولُ المَلاَئِكَةُ: الّلهُمّ اغْفِرْ لَهُ، الّلهُمّ ارْحَمْهُ، حَتّى يَنْصَرِفَ أَوْ يُحْدِثَ. فَقِيلَ: ما يُحْدِثُ؟ قال: يَفْسُو أَوْ يَضْرِطَ "
- 468 حدثنا هِشَامُ بنُ عَمّارٍ حدثنا صَدَقَةُ بنُ خَالِدٍ أخبرنا عُثْمَانُ بنُ أَبي الْعَاتِكَةِ اْلأَزْديّ عن عُمَيْرِ بنِ هَانِىءِ الْعَنْسِيّ عن أَبي هُرَيْرَةَ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مَنْ أَتَى الْمَسْجِدَ لِشَيءِ فَهُوَ حَظّهُ "
__________
فخامة. والحديث أخرجه البخاري والنسائي، وأخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي صالح عن أبي هريرة أتم منه.
" لا يزال أحدكم في صلاة ": أي حكماً أخروياً يتعلق به الثواب " أن ينقلب ": أي يرجع. قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم.
" ينتظر الصلاة ": أي ما دام ينتظرها فإن الأعمال بالنيات، بل نية المؤمن خير من عمله في بعض الأحيان " اللهم اغفر له اللهم ارحمه ": قال الطيبي: طلب الرحمة بعد طلب المغفرة لأن صلاة الملائكة استغفار لهم " حتى ينصرف" : أي يرجع الرجل من مصلاه " يفسو ": قال في المصباح المنير: الفساء هو ريح يخرج بغير صوت يسمع " أو يضرط ": بكسر الراء من الضرط وهو صوت يخرج من الدبر. قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم.
" من أتى المسجد لشيء ": أي لقصد حصول شيء أخروي أو دنيوي " فهو ": أي ذلك الشيء " حظه ": ونصيبه كقوله عليه السلام " إنما لكل إمرىء ما نوى" ففيه تنبيه على تصحيح النية في إتيان المسجد لئلا يكون مختلطاً بغرض دنيوي كالتمشية والمصاحبة مع الأصحاب، بل ينوي الاعتكاف والعزلة والانفراد والعبادة وزيارة بيت الله واستفادة علم وإفادته ونحوها. قال المنذري: في إسناد هذا الحديث عثمان بن أبي العاتكة الدمشقي وقد ضعفه غير واحد.

(2/96)


باب في كراهية إنشاد الضالة في المسجد
- 469 حدثنا عُبَيْدُالله بنُ عُمَرَ الْجُشَمِيّ حدثنا عَبْدُالله بنُ يَزِيدَ حدثنا حَيْوَةُ يَعْني ابنَ شُرَيْحٍ قال سَمِعْتُ أَبَا اْلأَسْوَدِ يَعْني مُحمّدَ بنَ عَبْدِالرّحْمَنِ بنِ نَوْفَلٍ يقولُ أخبرني أَبُو عَبْدِالله مَوْلَى شَدّادٍ أَنّهُ سَمِعَ أَبا هُرَيْرَةَ يقولُ سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: " مَنْ سَمِعَ رَجُلاً يَنْشُدُ ضَالّةً في المَسْجِدِ فَلْيَقُل: لاَ أَدّاهَا الله إِلَيْكَ، فإِنّ المَسَاجِد لَمْ تُبْنَ لِهَذا"
__________
"باب في كراهية إنشاد الضالة في المسجد"
" ينشد ضالة ": هو بفتح الياء وضم الشين أي يطلبها. قال في المصباح المنير: يقال للحيوان الضائع ضالة. وفي النيل: يقال نشدت الضالة بمعنى طلبتها وأنشدتها عرفتها، والضالة تطلق على الذكر والأنثى والجمع ضوال كدابة ودواب، وهي مختصة بالحيوان، ويقال لغير الحيوان ضائع ولقيط " فليقل ": أي السامع "لا أداها الله إليك ": معناه ما رد الله الضالة إليك وما وجدتها. قال في فتح الودود: يحتمل أنه دعاء عليه، فكلمة لا لنفي الماضي ودخولها على الماضي بلا تكرار جائز في الدعاء، وفي غير الدعاء الغالب هو التكرار كقوله تعالى {فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى} ويحتمل أن لا ناهية أي لا تنشد، وقوله لا أداها الله دعاء له لإظهار أن النهي عنه نصح له إذ الداعي بالخير لا ينهي إلا نصحاً لكن اللائق حينئذ الفصل بأن يقال لا. وأداها الله إليك بالواو لأن تركها توهم إلا أن يقال الموضع موضع زجر ولا يضر به الإيهام لكونه إيهام شيء هو آكد في الزجر انتهى. قال ابن رسلان: قوله " لا أداها الله إليك" فيه دليل على جواز الدعاء على الناشد في المسجد بعدم الوجدان معاقبة له في ماله معاملة له بنقيض قصده، وفيه النهي عن رفع الصوت بنشد الضالة وما في معناه من البيع والشراء والإجازة والعقود " لم تبن لهذا ": أي لطلب الضالة بل بنيت لذكر الله والصلاة والعلم والمذاكرة في الخير ونحوها. قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم وابن ماجه.

(2/97)


21باب في كراهية البزاق في المسجد
- 470 حدثنا مُسْلِمُ بنُ إِبراهِيمَ حدثنا هِشَامٌ وَ شُعْبَةُ وَ أَبَانُ عن قَتَادَةَ عن أَنَسِ بنِ
__________
"باب في كراهية البزاق في المسجد"
البزاق هو ما يخرج من الفم.

(2/97)


مَالِكٍ أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "التّفْلُ في المَسْجِدِ خُطِيئَةٌ وَكَفّارَتُهُ أَنْ يُوارِيَهُ "
471 - حدثنا مُسَدّدٌ حدثنا أَبُو عَوانَةَ عن قَتَادَةَ عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إِنّ الْبُزَاقَ في المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ وكَفّارَتُهَا دَفْنُهَا"
__________
" التفل ": بفتح التاء المثناة فوق وإسكان الفاء هو البصاق والبزاق وهما ما يخرج من الفم أي إلقاء البزاق " في المسج د": أي في أرضه وجدرانه " خطيئة ": أي إثم " أن يواريه ": أي يستر البزاق بشيء طاهر. قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم.
" إن البزاق ": أي إلقاءه وهو ما يخرج من الفم " في المسجد ": قال الحافظ في الفتح: هو ظرف للفعل فلا يشترط كون الفاعل فيه حتى لو بصق من هو خارج المسجد فيه تناوله النهي والله أعلم " خطيئة ": أي إثم. وفي رواية لأحمد سيئة، وكالبزاق المخاط بل أولى " وكفارتها ": أي إذا فعلها خطأ. قال العيني: والكفارة على وزن فعالة للمبالغة كقتالة وضرابة وهي من الصفات الغالبة في باب الأسمية وهي عبارة عن الفعلة والخصلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة أي تسترها وتمحوها، وأصل المادة من الكفر وهو الستر، ومنه سمي الزراع كافراً لأنه يستر الحب في الأرض، وسمى المخالف لدين الإسلام كافراً لأنه يستر الدين الحق. والتكفير هو فعل ما يجب بالحنث والاسم منه الكفارة " دفنها ": أي البزاق يعني إذا أزال ذلك البزاق أو ستره بشيء طاهر عقيب الإلقاء زال منه تلك الخطيئة. قال الحافظ في الفتح: قال ابن أبي حمزة لم يقل وكفارتها تغطيتها لأن التغطية يستمر الضرر بها إذ لا يأمن أن يجلس غيره عليها فتؤذيه بخلاف الدفن فإنه يفهم منه التعميق في باطن الأرض انتهى.
قال العيني: واختلف العلماء في المراد بدفن البزاق فالجمهور على أنه الدفن في تراب المسجد ورمله وحصياته إن كانت فيه هذه الأشياء وإلا يخرجها فإن لم تكن المساجد تربة وكانت ذات حصير فلا يجوز احتراماً للمالية.
قلت: إذا كان الانسان محتاجاً إلى دفع البزاق وكانت المساجد ذات حصير أو كان فراشها من الجص أو الحجر فألقى البزاق تحت قدمه اليسرى ودلكه بحيث لم يبق في المسجد للبزاق أثر فلا حرج وعليه يحمل الحديث الآتي الذي روى من طريق مسدد " فبزق تحت قدمه اليسرى ثم دلكه بنعله ". وفيه أن البزاق طاهر وكذا النخامة طاهرة جاء في هذه الرواية لفظ البزاق، وفي الرواية السابقة لفظ النقل. قال العيني. النقل شبيه بالبزق وهو أقل منه، أوله البزق ثم النقل ثم النفخ. انتهى. قال الحافظ في الفتح قال القاضي عياض: إنما يكون خطيئة إذا لم يدفنه، وأما من أراد دفنه فلا. ورده النووي فقال هو خلاف صريح الحديث. قلت:

(2/98)


- 472 حدثنا أَبُو كَامِلٍ حدثنا يَزِيدُ يَعْني ابنَ زُرَيْعٍ عن سَعِيدٍ عن قَتَادَةَ عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " النّخَاعَةُ في المَسْجِدِ " فَذَكَرَ مِثْلَهُ.
- 473 حدثنا الْقَعْنَبِيّ حدثنا أَبُو مَوْدُودٍ عن عَبْدِالرّحْمَنِ بنِ أَبي حَدْرَدَ اْلأَسْلَمِيّ
__________
وحاصل النزاع أن هنا عمومين تعارضا وهما قوله البزاق في المسجد خطيئة، وقوله وليبصق عن يساره أو تحت قدمه، فالنووي يجعل الأول عاماً ويخص الثاني بما إذا لم يكن في المسجد، والقاضي بخلافه يجعل الثاني عاماً ويخص الأول بمن لم يرد دفنها، وقد وافق القاضي جماعة منهم ابن مكي في التنقيب والقرطبي في المفهم وغيرهما ويشهد لهم ما رواه أحمد بإسناد حسن من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعاً قال "من تنخم في المسجد فيغيب تخامته أن تصيب جلد مؤمن أو ثوبه فتؤذيه" وأوضح منه في المقصود ما رواه أحمد أيضاً والطبراني بإسناد حسن من حديث أبي أمامة مرفوعاً قال "من تنخم في المسجد فلم يدفنه فسيئة، وإن دفنه فحسنة" فلم يجعله سيئة إلا بقيد عدم الدفن. ونحوه حديث أبي ذر عند مسلم مرفوعاً قال ووجدت في مساوى أعمال أمتي النخاعة تكون في المسجد لا تدفن. قال القرطبي: فلم يثبت لها حكم السيئة لمجرد إيقاعها في المسجد بل به وبتركها غير انتهى وروى سعيد ابن منصور عن أبي عبيدة بن الجراح أنه تنخم في المسجد ليلة فنسى أن يدفنها حتى رجع إلى منزله فأخذ شعلة من نار ثم جاء فطلبها حتى دفنها ثم قال الحمد لله الذي لم يكتب على خطيئة الليلة. فدل على أن الخطيئة تختص بمن تكرها لا بمن دفنها. وعلة النهي ترشد إليه وهي تأذي المؤمن بها. ومما يدل على أن عمومه مخصوص جواز ذلك في الثوب ولو كان في المسجد بلا خلاف. وعند أبي داوود من حديث عبدالله بن الشخير "أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فبصق تحت قدمه اليسرى ثم دلكه بنعله" إسناده صحيح وأصله في مسلم. والظاهر أن ذلك كان في المسجد فيؤيد ما تقدم. وتوسط بعضهم فحمل الجواز على ما إذا كان له عذر كان لم يتمكن من الخروج من المسجد والمنع على ما إذا لم يكن له عذر وهو تفصيل حسن والله أعلم. انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري والترمذي والنسائي.
"ابن زريع": بتقديم الزاء المعجمة وبعدها راء مهملة مصغراً "عن سعيد": هو ابن أبي عروبة " النخاعة ": قال ابن الأثير في النهاية هي البزقة التي تخرج من أصل الفم مما يلي أصل النخاع. والنخامة البزقة التي تخرج من أقصى الحلق ومن مخرج الخاء المعجمة انتهى. قال في المصباح المنير: النخاع خيط أبيض داخل عظم الرقبة يمتد إلى الصلب يكون في جوف الفقار انتهى. قال العيني: البصاق ما يخرج من الفم والمخاط ما يسيل من الأنف.

(2/99)


قال سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يقولُ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " منْ دَخَلَ هَذَا المَسْجِدَ فَبَزَقَ فِيهِ أَوْ تَنَخّمَ فَلْيَحْفُرْ وَلْيَدْفِنُهُ فَلْيَدْفِنُهُ فإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلْيَبْزُقْ في ثَوْبِهِ ثُمّ لِيَخْرُجْ بِهِ "
- 474 حدثنا هَنّادُ بنُ السّرِيّ عن أَبي اْلأَحْوَصِ عن مَنْصُورٍ عن رِبْعِيَ عن طَارِقِ بنِ عَبْدِالله الْمُحَارِبِيّ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إِذَا قَامَ الرّجُلُ إِلَى الصّلاَةِ، أَوْ إِذَا صَلّى أَحَدُكُم فَلا يَبْزُقَنّ أَمَامَهُ وَلاَ عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ عَنْ تلقاء يَسَارِهِ إِنْ كان فَارِغَاً، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى، ثُمّ لِيَقُلْ بِهِ "
- 475 حدثنا سُلَيْمَانُ بنُ دَاوُدَ حدثنا حَمّادٌ حدثنا أَيّوبُ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ قال: بَيْنَمَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ يَوْماً إِذْ رَأَى نُخَامَةً في قِبْلَةِ المَسْجِدِ، فَتَغَيّظَ عَلَى
__________
" أو تنخم ": أي رمى بالنخامة في المسجد. قال العيني في المطالع: النخامة ما يخرج من الصدر وهو البلغم اللزج " فليحفر ": المكان الذي فيه البزاق إن كان المسجد ترابياً وهو بكسر الفاء من باب ضرب يضرب " وليدفنه ": أي كل واحد من البزاق والنخامة في الأرض وهو بكسر الفاء من باب ضرب يضرب " فإن لم يفعل ": أي فإن لم يحفر أو لم يمكن الحفر " ثم ليخرج به ": أي الثوب الذي فيه البزاق من المسجد.
" فلا يبزقن أمامه ": تشريفاً للقبلة " ولا عن يمينه ": تشريفاً لليمين، وفي الرواية الآتية " والملك عن يمينه فلا يتفل عن يمينه" وجاء في رواية البخاري " فإن يمينه ملكاً" "ولكن عن تلقاء ": أي جانب " إن كان ": أي اليسار " فارغاً ": أي متمكناً من البزق فيه " ثم ليقل به ": أي يمسح ويدلك البزاق. وقاله العيني أي ليدفنه إذا بزقه تحت قدمه اليسرى، وإن لفظ القول يستعمل عند العرب في معان كثيرة انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث طارق حديث حسن صحيح.
" بينما ": قال العيني يقال بينما وبينما وهما ظرفا زمان بمعنى المفاجأة. ويضافان إلى جملة من فعل وفاعل مبتدأ وخبر. ويحتاجان إلى جواب يتم به المعنى، والأفصح في جوابهما أن لا يكون فيه إذ وإذا وقد جاءا كثيراً تقول بينا زيد جالس دخل عليه عمرو وإذ دخل عليه عمرو وإذا دخل عليه، وبينا أصله بين فأشبعت الفتحة فصارت ألفاً. قلت: قد جاء لفظ بينما وبيننافي الحديث كثيراً وما وقع جوابهما بغير إذا وإذا " في قبلة المسجد ": أي في جهة قبلة المسجد " فتغيط ": أي غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم " ثم حكها ": أي قشر النخامة "قال وأحسبه ": أي قال حماد أظن

(2/100)


النّاسِ، ثُمّ حَكّهَا، قال: وَأَحْسَبُهُ قال فَدَعَا بِزَعْفَرانٍ فَلَطَخَهُ بِهِ، وقال: " إِنّ الله تَعَالَى قِبَلُ وَجْهِ أَحَدِكُم إِذَا صَلّى فَلاَ يَبْزُقْ بَيْنَ يَدَيْهِ".
قال أَبُو دَاوُد: رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ وَعْبدُ الوارِثِ عن أَيّوبَ عن نَافِعٍ وَمَالِكٍ وَعُبَيْدِالله وَمُوسَى بنِ عُقْبَةَ عن نَافِعٍ نَحْوَ حَمّادٍ، إِلاّ أَنّهُ لَمْ يَذْكُرُوا الزّعْفَرانَ. وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عن أَيّوبَ وَأَثْبَتَ الزّعْفَرانَ فيه. وَذَكَرَ يَحْيى بنُ سُلَيْمٍ عن عُبَيْدِالله عن نَافِعٍ الْخَلُوقَ.
476حدثنا يَحْيى بنُ حَبِيبِ بنِ عَرَبِيَ حدثنا خَالِدٌ يَعْني ابنَ الْحَارِثِ عن مُحمّدِ بنِ عَجْلاَنَ عن عَيَاضِ بنِ عَبْدِالله عن أَبي سَعِيدٍ الْخدْرِيّ أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يُحِبّ الْعَراجِينَ وَلاَ يَزَالُ في يَدِهِ مِنْهَا، فَدَخَلَ المَسْجِدَ فَرَأَى نُحَامَةً في قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ فَحَكّهَا، ثُمّ أَقْبَلَ عَلَى النّاسِ مُغْضَباً فقال: " أَيَسُرّ أَحَدُكُم أَنْ يُبْصَقَ في وَجْهِهِ، إِنّ أَحَدَكُم إِذَا اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فإِنّمَا يَسْتَقْبِلُ رَبّهُ عَزّوَجَلّ وَالْمَلَكُ عن يَمِينِهِ، فَلاَ يَتْفُلْ عن
__________
أيوب قال هذه الجملة الآتية "قال": عبدالله بن عمر "فدعا": أي طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم "بزعفران": هو طيب معروف "فلطخه به": أي لوث النبي صلى الله عليه وسلم موضع النخامة بالزعفران. قال الحافظ في الفتح وقال الإسماعيلي في روايته من طريق شيخ البخاري وفيه قال "وأحسبه دعا يزعفران فلطخه به" زاد عبدالرزاق عن معمر عن أيوب فلذلك صنع الزعفران في المساجد " قبل وجه أحدكم ": هو بكسر القاف وفتح الباء أي جهة وجه أحدكم، وهذا على سبيل التشبيه أي كان الله تعالى في مقابل وجهه. وقال النووي فإن الله قبل وجهه أي الجهة التي عظمها الله، وقيل فإن قبله الله، وقيل ثوابه ونحو هذا فلا يقابل هذه الجهة بالبصاق الذي هوالاستخاف بمن يبزق إليه وتحقيره. وفيه دليل على جواز جعل الخلوق والزعفران في المساجد. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم.
" كان يحب العراجين ": هي جمع عرجون بضم العين وهو العود الأصغر الذي فيه الشماريح إذا يبس واعوج، وهو من الانعراج وهو الانعطاف، والواو والنون فيه زائدتان قاله العيني "منها": أي من العراجين "فرأى نخامة": قال الحافظ: قيل هي ما يخرج من الصدر. وقيل: النخاعة بالعين من الصدر وبالميم من الرأس "فحكها": أي النخامة "ثم أقبل": أي توجه النبي صلى الله عليه وسلم "مغضباً": حال من ضمير أقبل " أيسر ": بهمزة الاستفهام من السرور " أحدكم ": بنصب الدال هو مفعول يسر " أن يبصق ": أي يبزق وهو فاعل يسر " والملك عن يمينه ": قال الحافظ في

(2/101)


يَمِينِهِ وَلاَ في قِبْلَتِهِ، وَلْيَبْصُقْ عن يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ، فإِنْ عَجِلَ بِهِ أَمْرٌ فَلْيَقُلْ هكَذَا وَوَصَفَ لَنَا ابنُ عَجْلاَنَ ذَلِكَ أَنْ يَتْفُلِ في ثَوْبِهِ ثُمّ يَرُدّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ ".
477 حدثنا يَحْيَى بنُ الْفَضْلِ السّجِسْتَانِيّ وَ هِشَامُ بنُ عَمّارٍ وَ سُلَيْمَانُ بنُ عَبْدِالرّحْمَنِ الدّمَشْقِيّانِ بِهذا الحديثِ، وهذا لَفْظُ يَحْيَى بنِ الْفَضْلِ السّجِسْتَانِيّ، قالُوا حدثنا حَاتِمُ بنُ إِسْمَاعِيلَ حدثنا يَعْقُوبُ بنُ مُجَاهِدٍ أَبُو حَزْرَةَ عن عِبَادَةَ بنِ الْوَلِيدِ بنِ عُبَادَةَ بنِ الصّامِتِ قال أَتَيْنَا جَابِرَاً يَعْني ابنَ عَبْدِالله وَهُوَ في مَسْجِدِهِ فقال: أَتَانَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في مَسْجِدِنَا هَذَا وفي يَدِهِ عَرجُونُ ابنَ طَاب، فَنَظَرَ فَرَأَى في
__________
الفتح: ظاهره اختصاصه بحالة الصلاة فإن قلنا: المراد بالملك الكاتب فقد استشكل اختصاصه بالمنع، مع أن عن يساره ملكاً آخر، وأجب باحتمال اختصاص ذلك بملك اليمين تشريفاً له وتكريماً هكذا قاله جماعة من القدماء ولا يخفي ما فيه، وأجاب بعض المتأخيرين بأن الصلاة أم الحسنات البدنية فلا دخل لكاتب السيئات فيها ويشهد له ما رواه ابن أبي شيبة من حديث حذيفة موقوفاً في هذا الحديث قال " ولا عن يمينه فإن عن يمينه كاتب الحسنات" وفي الطبراني من حديث أبي أمامة في هذا الحديث " فإنه يقوم بين يدي الله وملكه عن يمينه وقرينه عن يساره " انتهى. فالتفل حينئذ إنما يقع على القرين وهو الشيطان، ولعل ملك اليسار حينئذ يكون بحيث لا يصيبه شيء من ذلك، أو أنه يتحول في الصلاة إلى اليمين والله أعلم " فلا يتفل ": أي فلا يبزق وهو من باب نصر وضرب " وليبصق عن يساره أو تحت قدمه ": قال الحافظ: كذا هو في أكثر الروايات، وفي رواية الوقت: " وتحت قدمه " بواو العطف من غير شك، ووقع في رواية مسلم من طريق أبي رافع عن أبي هريرة " ولكن عن يساره تحت قدمه " بحذف كلمة أو، وكذا للبخاري من حديث أنس في أواخر الصلاة، والرواية التي فيها أو أعم، لكونها تشمل ما تحت القدم. انتهى. وفي الرواية الآتية من طريق يحيى بن الفضل السجستاني وهشام بن عمار فيها أيضاً " وليبصق عن يساره تحت رجله اليسرى " بحذف كلمة أو " فإن عجل به أمر ": يعني غلب عليه البزاق والنخامة " فليقل هكذا ": معناه فليفعل هكذا "ووصف لنا ابن عجلان": أي قال خالد: بين لنا ابن عجلان " ذلك ": أي تفسير قوله فليقل هكذا "أن يتفل في ثوبه ثم يرد بعضه على بعض": وفي رواية لمسلم "فتفل في ثوبه ثم مسح بعضه على بعض"
"يعقوب بن مجاهد أبو حزرة": بتقديم الزاء المعجمة وبعدها راء مهملة. قال الحافظ في التقريب: يعقوب بن مجاهد القاص، يكني أبا حزرة بفتح المهملة وسكون الزاء وهو بها أشهر، صدوق من السادسة مات سنة تسع وأربعين أو بعدها "وفي يده": أي النبي صلى الله عليه وسلم "عرجون

(2/102)


قِبْلَةِ المَسْجِدِ نُخَامَةً، فأَقْبَلَ عَلَيْهَا فَحَتّهَا بالْعُرْجُونِ ثُمّ قال: "أَيّكُمْ يُحِبّ أَنْ يُعْرضَ الله
__________
ابن طالب": قال العيني: والعرجون بضم العين هو العود الأصغر الذي فيه الشماريخ إذا يبس واعوج وهو من الانعراج وهو الانعطاف وجمعه عراجين، والواو والنون فيه زائدتان. وابن طالب رجل من أهل المدينة ينسب إليه نوع من تمر المدينة، ومن عاداتهم أنهم ينسبون ألوان التمر كل لون إلى أحد. انتهى. وقال الخطابي: العرجون عود كباسة النخل وهو العذق، وسمي عرجوناً لانعراجه وهو انعطافه وابن طاب وهو اسم لنوع من أنواع النخل منسوب إلى ابن طاب، كما نسب ألوان التمر، فقيل: لون ابن حبيق "هو بضم الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة وبعدها ياء ساكنة على وزن زبير، وابن حبيق رجل ينسب إليه ألوان التمر" ولون كذا ولون كذا. انتهى.
قلت: قال في المصباح المنير: الكباسة العذق وهو عنقود النخل، وهو جامع الشماريخ "فنظر": أي فطالع "فرأى في قبلة المسجد نخامة": قيل هي ما يخرج من الصدر. قال علي القاري: أي جدار المسجد الذي يلي القبلة، وليس المراد بها المحراب الذي يسميه الناس قبلة لأن المحاريب من المحدثات بعده صلى الله عليه وسلم ومن ثم كره جمع من السلف اتخاذها والصلاة فيها قال القضاعي: وأول من أحدث ذلك عمر بن عبدالعزيز وهو يومئذ عامل للوليد بن عبدالملك على المدينة لما أسس مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وهدمه وزاد فيه، ويسمى موقف الإمام من المسجد محراباً لأنه أشرف مجالس المسجد، ومنه قيل للقصر محراب لأنه وأشرف المنازل، وقيل المحراب مجلس الملك سمى به لانفراده فيه، وكذلك محراب المسجد لانفراد الإمام فيه. وقيل سمي بذلك لأن المصلي يحارب فيه الشيطان. قال الطيبي: النخامة البزاقة التي تخرج من أقصى الحلق ومن مخرج الخاء المعجمة وهو كذا في النهاية وهو المناسب لقوله الآتي فلا يبزقن، لكن قوله: من أقصى الحلق غير صحيح إذ الخاء المعجمة مخرجها أدنى الحلق. وقال في المغرب: النخاعة والنخامة ما يخرج من الخيشوم عند التنحنح. وفي القاموس النخاعة النخامة أو ما يخرج من الخيشوم. انتهى.
قلت: ما قاله القاري من أن المحاريب من المحدثات بعده صلى الله عليه وسلم فيه نظر، لأن وجود المحراب زمن النبي صلى الله عليه وسلم يثبت من بعض الروايات، أخرج البيهقي في السنن الكبرى من طريق سعيد بن عبدالجبار بن وائل عن أبيه عن أمه عن وائل بن حجر قال: "حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم نهض إلى المسجد فدخل المحراب ثم رفع يديه بالتكبير" الحديث. وأم عبدالجبار هي مشهورة بأم يحيى كما في رواية الطبراني في معجم الصغير. وقال الشيخ ابن الهمام من سادات الحنفيه: ولا يخفى أن امتياز الإمام مقرر مطلوب في الشرع في حق المكان حتى كان

(2/103)


عَنْهُ ثُمّ قال: إِنّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلّي فإِنّ الله قِبَلُ وَجْهُهُ، فَلاَ يَبْصُقَنّ قِبَلَ وَجْهِهِ وَلاَ عن يَمِينِهِ وَلْيَبْصُقْ عن يَسَارِهِ تَحْتَ رِجْلِهِ الْيُسْرَى، فإِنْ عَجِلَتْ بِهِ بَادِرَةٌ فَلْيَقُلْ بِثَوْبِهِ هَكَذَا، وَوَضَعَهُ عَلَى فِيهِ ثُمّ دَلَكَهُ ثُمّ قال: أَرُونِي عَبِيراً، فَقَامَ فَتًى مِنَ الْحَيّ يَشْتَدّ إِلَى أَهْلِهِ، فَجَاءَ بِخَلُوقٍ في رَاحَتِهِ، فأَخَذَهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فَجَعَلَهُ عَلَى رَأْسِ الْعُرْجُونِ ثُمّ لَطَخَ بِهِ عَلَى أَثَرِ النّخَامَةِ"
__________
التقدم واجباً عليه، وبنى في المساجد المحاريب من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم. انتهى. وأيضاً لا يكره الصلاة في المحاريب، ومن ذهب إلى الكراهة فعليه البينة، ولايسمع كلام أحد من غير دليل برهان.
"فأقبل عليها": أي توجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى النخامة "فحتها بالعرجون": أي حك النخامة بالعرجون. ومضى تفسير العرجون وهذا يدل على أنه باشر بيده بعرجون فيها، وفي رواية للبخاري: "فقام فحكه بيده" " أن يعرض الله ": من الإعراض " فإن الله قبل وجهه ": قبل بكسر الفاف وفتح الباء الموحدة أي جهة. قال الخطابي: تأويله أن القبلة التي أمره الله بالتوجه إليها بالصلاة قبل وجهه فليصنها عن النخامة وفيه إضمار حذف واختصار كقوله تعالى: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ} أي حب العجل، وكقوله تعالى {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا} يريد أهل القرية، ومثله في الكلام كثير. وإنما أضيفت تلك الجهة إلى الله تعالى على سبيل التكرمة كما قالوا: بيت الله وناقته وكعبة الله ونحو ذلك من الكلام، وفيه من الفقه أن النخامة طاهرة، ولو لم تكن طاهرة لم يكن يأمر الصلى بأن يدلكها بثوبه.
" فلا يبصقن قبل وجهه ": أي لا يبزقن جهة وجهه " ولا عن يمينه ": تعظيماً لليمين وزيادة لشرفها " عن يساره تحت رجله اليسرى ": بحذف كلمة أو، ومر بيانه " فإن عجلت به ": أي بالرجل " بادرة ": أي حدة، وبادرة الأمر حدته، والمعنى إذا غلب عليه البصاق والنخامة " فليقل بثوبه هكذا ": أي فيلفعل بثوبه هكذا " ووضعه على فيه ثم دلكه ": أي وضع النبي صلى الله عليه وسلم ثوبه على فمه حتى يتلاشى البزاق فيه ثم دلك الثوب، وهذا عطف تفسيري لقوله: فليقل بثوبه هكذا " أروني ": من الإراءة " عبيراً ": بالباء الموحدة وبعدها ياء على وزن أمير قال ابن الأثير في النهاية: العبير نوع من الطيب ذو لون يجمع من أخلاط "فقام فتى": أي شاب "من الحي": من القبيلة "يشتد": أي يعدو "فجاء بخلوق": بفتح الخاء المعجمة. قال ابن الأثير في النهاية: الخلوق طيب معروف مركب يتخذ من الزعفران وغيره من أنواع الطيب وتغلب عليه الحمرة والصفرة "في راحته": أي في كفه "فأخذه": أي الخلوق "فجعله": أي الخلوق "على رأس العرجون": مر تفسير العرجون

(2/104)


قال جَابِرٌ: فَمِنْ هُنَاكَ جَعَلْتُمْ الْخَلُوقَ في مَسَاجِدِكُم.
478 حدثنا أَحمَدُ بنُ صَالحٍ حدثنا عَبْدُ الله بنُ وَهْبٍ أخبرني عَمْرٌو عن بَكْرِ بنِ سَوَادَةَ الْجُذَامِيّ عن صَالحٍ بنِ خَيْوَانَ عن أَبي سَهْلَةَ السّائِبِ بنِ خَلاّدٍ، قال أحْمَدُ: مِنْ أَصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: أنّ رَجُلاً أمّ قَوْماً فَبَصَقَ في الْقِبْلَةِ وَرَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَنْظُرُ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حِينَ فَرَغَ: " لاَ يُصَلّى لَكُمْ"، فأَرَادَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُصَلّيَ لَهُمْ، فَمَنَعُوهُ
__________
ومعناه بالفارسية خوشه خرما ياخوشه خرما كه خشك وكج كردد "ثم لطخ به": أي لوث النبي صلى الله عليه وسلم بالخلوق الذي على رأس العرجون. قال الحافظ: في الحديث من الفوائد الندب إلى إزالة ما يستقذر أو يتنزه عنه من المسجد، وتفقد الإمام أحوال المساجد وتعظيمها وصيانتها، وأن للمصلى أن يبصق وهو في الصلاة ولا تفسد صلاته، وأن النفخ والتنحنح في الصلاة جائزان لأن النخامة لا بد أن يقع معها شىء من نفخ أو تنحنح، ومحله ما إذا لم يفحش ولم يقصد صاحبه العبث ولم يبين منه مسمى كلام وأقله حرفان أو حرف ممدود، وفيه أن البصاق طاهر وكذا النخامة والمخاط خلافاً لمن يقول كل ما تستقذره النفس حرام. ويستفاد منه أن التحسين أو التقبيح إنما هو بالشرع، فإن جهة اليمين مفضلة على اليسار، وأن اليد مفضلة على القدم وفيه الحث على الاستكثار من الحسنات وإن كان صاحبها ملياً لكونه صلى الله عليه وسلم باشر الحك بنفسه وهو دال على عظم تواضعه زاده الله تشريفاً وتعظيماً صلى الله عليه وسلم انتهى وفيه احترام جهة القبلة، وفيه إذا بزق يبزق عن يساره ولا يبزق أمامه تشريفاً للقبلة، ولا عن يمينه تشريفاً لليمين، وفيه جواز صنع الخلوق في المساجد. قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم مطولاً.
"عن صالح بن خيوان": بفتح المعجمة ويقال بالمهملة السبأى بفتح المهملة والموحدة مقصوراً ويقال الخولاني وثقه العجلي من الرابعة. قاله الحافظ في التقريب. وقال في الميزان: قيده عبدالحق الأزدي بالحاء المهملة. وقال في التهذيب قال أبو داوود ليس أحد يقول خيوان بالخاء المعجمة إلا قد أخطأ. وقال ابن ماكولا قاله سعيد بن يونس بالحاء المهملة، وكذلك قاله البخاري ولكنه وهم "عن أبي سهلة السائب بن خلاد": قال الحافظ في التقريب: السائب بن خلاد بن سويد الخزرجي أبو مهلة المدني له صحبة وعمل لعمر على اليمين ومات سنة إحدى وسبعين "قال أحمد": بن صالح شيخ أبي داوود: إن السائب هو "من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم": ولعله ذكر لأنه لم يكن من مشاهير الصحابة "إن رجلاً أم قوماً": أي صلى بهم إماماً ولعلهم كانوا وفداً "فبصق في القبلة": أي في جهتها "ينظر": أي يطالع فيه "فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم": لقومه لما رأى منه قلة الأدب "حين فرغ": أي هذا الرجل من الصلاة " لا يصلي

(2/105)


وَأَخْبَرُوهُ بِقَولِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَذَكَرَ ذَلِكَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقال:" نَعَمْ "، وَحَسِبْتُ أَنّهُ قال: " إِنّكَ آذَيْتَ الله وَرَسُولَهُ "
- 479 حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ حدثنا حَمّادُ أخبرنا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيّ عن أَبي الْعَلاَءِ عن مُطَرّفٍ عن أَبيهِ قال: أَتَيْتُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يُصَلّي فَبَزَقَ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى.
- 480 حدثنا مُسَدّدٌ حدثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ عن سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيّ عن أَبي الْعَلاَءِ عن أَبِيهِ بِمَعْنَاهُ، زَادَ: ثُمّ دَلَكَهُ بِنَعْلِهِ.
__________
لكم ": باثبات الياء لا يصلي لكم هذا الرجل بعد اليوم. قال في شرح السنة: أصل الكلام لا تصل لهم فعدل إلى النفي ليؤذن بأنه لا يصلح للإمامة وأن بينه وبينها منافاة. وأيضاً في الإعراض عنه غضب شديد حيث لم يجعله محلا للخطاب وكان هذا النهي في غيبته "فمنعوه": فسأل عن سبب المنع "فذكر": الرجل "ذلك": أي منع القوم إياه عن الإمامة "لرسول الله صلى الله عليه وسلم": وقال ذكروا أنك منعتني عن الإمامة بهم أكذلك هو "فقال": أي رسول الله صلى الله عليه وسلم " نعم ": أنا أمرتهم بذلك "وحسبت": أي قال الراوي وظننت "أنه": أي الرسول الله صلى الله عليه وسلم "قال": أي له زيادة على نعم " إنك آذيت الله ورسوله ": والمعنى أنك فعلت فعلاً لا يرضي الله ورسوله، وفيه تشديد عظيم، فقال الله تعالى "إن الذين يؤيذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذاباً مهيناً" وذكر الله تعالى للتبرك أو لبيان أن إيذاء رسوله لمخالفة نهيه لا سيما بحضرته منزل منزلة إيذاء الله تعالى. كذا ذكره بعض شراح المشكاة وهذا منه مبنى على جعل الإيذاء على حقيقته. قال ميرك: ولحديث السائب بن خلاد شاهد من حديث عبدالله بن عمرو قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يصلي بالناس الظهر فتفل بالقبلة وهو يصلي للناس، فلما كان صلاة العصر أرسل إلى آخر فأشفق الرجل الأول فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يارسول الله أنزل في شيء؟ قال لا. ولكنك تفلت بين يديك وأنت تؤم الناس فآذيت الله والملائكة" رواه الطبراني في الكبير بإسناد جيد. قال ميرك: والحديث أخرجه ابن حبان في صحيحه.
"فبزق": أي النبي صلى الله عليه وسلم "تحت قدمه اليسرى": فيه أنه صلى الله عليه وسلم بزق بنفسه تحت قدمه اليسرى في حالة الصلاة.
"ثم دلكه بنعله": في أن النبي صلى الله عليه وسلم بزق ثم دلك البزاق بنعله قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم بنحوه.

(2/106)


481 حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدثنا الْفَرَجُ بنُ فَضَالَةَ عن أَبي سَعِيدٍ قال: رَأَيْتُ وَاثِلَةَ بنَ اْلأَسْقَعِ في مَسْجِدِ دِمَشْقَ بَصَقَ عَلَى الْبُوريّ ثُمّ مَسَحَهُ بِرِجْلِهِ، فَقِيلَ لَهُ: لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قال: لأنّي رَأَيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَفْعَلُهُ.
__________
"في مسجد دمشق": كهزبر بكسر الدال وفتح الميم وقد تكسر الميم اسم بلد وسميت باسم بانيها دمشاق بن كنعان بن حام بن نوح ذكره القضاعي "بصق": أي بزق "على البوري": بضم الباء الموحدة. قال ابن الأثير في النهاية هي الحصير المعمول من القصب ويقال فيها بارية وبورياء "ثم مسحه برجله": أي ثم مسح واثلة بن الأسقع البزاق الذي وقع على الحصير برجله "فقيل له": أي لواثلة "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله": أي يبزق على البوري ثم يمسحه برجله. قال المنذري: في إسناده فرج بن فضالة وهو ضعيف.

(2/107)


22 باب ما جاء في المشرك يدخل المسجد
482 حدثنا عِيسَى بنُ حَمّادٍ أخبرنا الّليْثُ عن سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيّ عن شَرِيكِ بنِ عَبْدِالله بنِ أَبي نَمِرٍ أَنّهُ سَمِعَ أَنَسَ بنَ مَالِكٍ يقولُ: دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ فأَنَاخَهُ في المَسْجِدِ ثُمّ عَقَلَهُ ثُمّ قال: أَيّكُمْ مُحمّدُ؟ ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم مُتّكِىءٌ بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ، فَقُلْنَا لَهُ: هَذَا اْلأَبْيَضُ الْمُتّكِىءُ، فقال لهُ الرّجُلُ: يَا ابْنَ عَبْدِالْمُطّلِبِ، فقال لَهُ النّبيُ صلى الله عليه وسلم: " قَدْ أَجَبْتُكَ "، فقال لهُ الرّجُلُ: يَامُحمّدُ إِنّي سَائُلكَ وساقَ الحديثُ.
__________
"باب ما جاء في المشرك يدخل المسجد"
"فأناخه في المسجد": أي أجلس الرجل البعير في المسجد وفي الرواية الآتية عند باب المسجد "ثم عقله": أي شد الرجل البعير "متكىء بين ظهرانيهم": زيدت فيه ألف ونون مفتوحة، قد جاءت هذه اللفظة بين ظهرانيهم وبين أظهرهم في الحديث كثيراً ومعناه أن ظهر منهم قدام النبي ظهرا منهم وراءه فهو مكنوف من جانبيه ومن جوانبه إذا قيل بين أظهرهم، ثم كثر حتى استعمل في الإقامة بين القوم مطلقاً. والمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم متكىء بين القوم. هذا ملخص ما في النهاية. قال الخطابي: كل من استوى قاعداً على وطاء فهو متكىء، والعامة لا تعرف المتكىء إلا من مال في قعوده معتمداً على أحد شقيه "هذا الأبيض المتكىء": هو محمد صلى الله عليه وسلم " قد أجبتك ": أي سمعت، والمراد منه إنشاء الإجابة. قال الخطابي: قد زعم

(2/107)


483 حدثنا مُحمّدُ بنُ عَمْرِو حدثنا سَلَمَةُ حدثني مُحمّدُ بنْ إِسْحَاقَ حدثني سَلَمَةُ بنُ كُهَيْلٍ وَ مُحّمدُ بنُ الْوَلِيدِ بنِ نُوَيْفَعَ عن كُرَيْبٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: بَعَثَتْ بَنْو سَعْدِ بنِ بَكْرٍ ضمَامَ بنَ ثَعْلَبَةَ إِلَى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَقَدِمَ عَلَيْهِ، فأَنَاخَ بَعِيْرَهُ، عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ، ثُمّ عَقَلَهُ، ثُمّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، قال فقال: أَيّكُمْ ابنُ عَبْدِالمُطّلِبِ؟ فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: " أَنَا ابْنَ عَبْدِالْمُطَلّبِ"، قال: يَا ابْنَ عَبْدِالْمُطّلِبِ وساقَ الحديثَ.
484 حدثنا مُحمّدُ بنُ يَحْيَى بنِ فَارِسَ حدثنا عَبْدُ الرّزّاقِ أخبرنا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ حدثنا رَجُلٌ مِنْ مُزَيْنَةَ وَنَحْنُ عِنْدَ سَعِيدٍ بنِ المُسَيّبِ عن أَبي هُرَيْرَةَ قال الْيَهُودُ أَتَوْا النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ جَالِسٌ في المَسْجِدِ في أَصْحَابِهِ، فقالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ في رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ زَنَيَا مِنْهُمْ.
__________
بعضهم أنه إنما قال له قد أجبتك ولم يستأنف له الجواب لأنه كره أن يدعوه باسم جده وأن ينسبه إليه إذ جده عبدالمطلب كان كافراً غير مسلم فأحب أن يدعوه باسم النبوة والرسالة. قال وهذا وجه. ولكن قد ثبت عنه أنه قال يوم حنين حين حمل على الكفار وانهزموا "أنا النبي لا كذب أنا ابن عبدالمطلب" وقد قال بعض أهل العلم في هذا إنه لم يذهب بهذا القول مذهب الانتساب إلى شرف الآباء على سبيل الافتخار بهم ولكنه ذكرهم بذلك رؤيا كان رآها عبدالمطلب له أيام حياته وكان ذلك إحدى دلائل نبوته وكانت القصة مشهورة عندهم فعرفهم بأنبائها وذكرهم بها وخروج الأمر على الصدق والله أعلم.
"فقدم": أي ضمام "عليه": أي على النبي صلى الله عليه وسلم "ثم عقله": أي شد ضمام ركبة البعير "ثم دخل المسجد": أي دخل ضمام في المسجد "فذكر": أي محمد بن عمرو والراوي "نحوه": أي نحو الحديث السابق "قال": أي ابن عباس "فقال": أي ضمام " أنا ": مبتدأ " ابن عبدالمطلب ": خبره. قال الخطابي: في الحديث من الفقه جواز دخول المشرك المسجد إذا كانت له فيه حاجة مثل أن يكون له غريم في المسجد لا يخرج إليه، ومثل أن يحاكم إلى قاض وهو في المسجد فإنه يجوز له دخول المسجد لإثبات حقه في نحو ذلك من الأمور.
"رجل من مزينة": مصغراً "قال": أي أبو هريرة "اليهود": مبتدأ "في أصحابه": أي في جماعة من أصحابه "زنيا": بصيغة التثنية من الزنا. قال المنذري: والحديث أخرجه المؤلف في الحدود والقضايا أتم من هذا، ورجل من زينة مجهول.

(2/108)


باب في المواضع التي لا تجوز فيها الصلاة
...
23باب في المواضع التي لا تجوز فيها صلاة
485 حدثنا عُثْمانُ بنُ أَبي شَيْبَةَ حدثنا جَرِيرٌ عن الأعْمَشِ عن مُجَاهِدٍ عن عُبَيْدِ بنِ عُمَيْرِ عن أَبي ذَرّ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " جُعِلَتْ لِيَ اْلأَرْضُ طَهُوراً وَمَسْجِداً "
__________
باب في المواضع التي لا تجوز فيها صلاة"
"عن أبي ذر": قال الحافظ في التقريب: أبو ذر الغفاري الصحابي المشهور إسمه جندب بن جنادة على الأصح تقدم إسلامه وتأخرت هجرته فلم يشهد بدراً ومناقبة كثيرة جداً مات سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان "جعلت لي الأرض طهوراً": بالضم مطهراً عند فقد الماء، وعموم ذكر الأرض مخصوص بغير ما نهى الشارع عن الصلاة فيه وبه تحصل مطابقة الحديث للترجمة. قال الحافظ في الفتح: استدل به على أن الطهور هو المطهر لغيره، لأن الطهور لو كان المراد به الطاهر لم تثبت الخصوصية، والحديث إنما سيق لإثباتها، وقد روى ابن المنذر وابن الجارود بإسناد صحيح عن أنس مرفوعاً " جعلت لي كل أرض طيبة مسجداً وطهوراً " ومعنى طيبة طاهرة، فلو كان معنى طهوراً طاهراً للزم تحصيل الحاصل " ومسجداً ": أي موضع سجود لا يختص السجود منها بموضع دون غيره، ويمكن أن يكون مجازاً عن المكان المبنى للصلاة وهو من مجاز التشبيه لأنه لما جازت الصلاة في جميعها كانت كالمسجد في ذلك. قاله الحافظ في الفتح قال الخطابي تحت قوله جعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً وهذا إجمال وإبهام وتفصيله في حديث حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم جعلت لنا الأرض مسجداً وجعلت تربتها لنا طهوراً " ولم يذكره أبو داوود في هذا الباب وإسناده جيد حدثونا به عن محمد بن يحيى قال أخبرنا مسدد قال أخبرنا أبو عوانة عن أبي مالك عن ربعي بن حراش عن حذيفة، وقد يحتج بظاهر حديث أبي ذر من يرى التيمم جائزاً بجميع الأجزاء من جص ونورة وزرنيخ ونحوها وإليه ذهب أهل العراق، وقال الشافعي لا يجوز التيمم إلا بالتراب. قال والمفسر من هذا الحديث يقضي على المجمل، وإنما جاء قوله عليه السلام " جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً " على مذهب الامتنان على هذه الأمة بأن رخص لهم في الطهور بالأرض والصلاة عليها في بقاعها، وكانت الأمم المتقدمة لا يصلون إلا في كنائسهم وبيعهم، وإنما سيق هذا الحديث لهذا المعنى وبيان ما يتطهر به منها مما لا يجوز إنما هو في حديث حذيفة الذي ذكرناه انتهى. وقال الحافظ في الفتح: واحتج من خص التيمم بالتراب بحديث حديفة عند مسلم بلفظ

(2/109)


- 486 حدثنا سُلَيْمانُ بنُ دَاوُدَ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ قال حدثني ابن لَهِيعَةَ وَ يَحْيَى بنُ أَزْهَرَ عن عَمّارِ بنِ سَعْدٍ المُرادِيّ عن أَبي صَالحٍ الْغِفَارِيّ أَنّ عَلِيّاً مَرّ بِبَابِلَ وَهُوَ يَسِيرُ، فَجَاءَهُ المُؤَذّنُ يُؤْذِنُهُ بِصَلاَةِ الْعَصْرِ، فَلمّا بَرَزَ مِنْهَا أَمَرَ المُؤَذّنَ فَأَقَامَ الصّلاَةَ، فَلمّا فَرَغَ قال: إِنّ حِبّي عَلَيْهِ السّلاَمُ نَهَانِي أَنْ أُصَلّيَ في المَقْبَرَةِ، وَنَهَانِي أَنْ أُصَلّيَ في أَرْضِ بَابِلَ فإِنّهَا مَلْعُونَةٌ.
__________
" وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً وجعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء " وهذا خاص فينبغي أن يحمل العام عليه فتختص الطهورية بالتراب، ودل الافتراق في اللفظ حيث حصل التأكيد في جعلها مسجداً دون الآخر على افتراق الحكم وإلا لعطف أحدهما على الآخر نسقا كما في حديث الباب، ومنع بعضهم الاستدلال بلفظ التربة على خصوصية التيمم بالتراب بأن قال تربة كل مكان ما فيه من تراب أو غيره، وأجيب بأنه ورد في الحديث المذكور بلفظ التراب أخرجه ابن خزيمة وغيره، وفي حديث على " وجعل التراب لي طهوراً " أخرجه أحمد والبيهقي بإسناد حسن. ويقول القول بأنه خاص بالتراب أن الحديث سيق لإظهار التشريف والتخصيص فلو كان جائزاً بغير التراب لما اقتصر عليه انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه من حديث يزيد بن شريك التيمي عن أبي ذر فصل المسجد خاصة.
"ابن لهيعة": بفتح اللام وكسر الهاء هو عبدالله ضعيف "ويحيى بن أزهر": البصري مولى قريش صدوق من السابعة مات سنة إحدى وستين قال في التقريب "المرادي": نسبة إلى المراد وهو قبيله "مر ببابل": أبو عبيد البكري: بلبل بالعراق مدينة السحر معروفة. وقال الجوهري: بابل اسم موضع بالعراق ينسب إليه السحر والخمر. وقال الأخفش: لا ينصرف لتأنيثه. قاله العيني "يؤذنه": من الإيذان "فلما برز منها": أي فلما خرج على من بابل "فلما فرغ": أي على من الصلاة "قال إن حبي": يعني النبي صلى الله عليه وسلم "أن أصلي في المقبرة": قال العيني. المقبرة بضم الباء هو المسموع والقياس فتح الباء، وفي شرح الهادي أن ما جاء على مفعلة بالضم يراد بها أنها موضوعة لذلك ومتخذة له، فإذا قالوا المقبرة بالفتح أرادوا مكان الفعل وإذا ضموا أرادوا البقعة التي من شأنها أن يقبر فيها، وكذلك المشربة والمقربة "ونهاني أن أصلي في أرض بابل فإنها ملعونة": أي أرض بابل مغضوبة عليها. قال الخطابي: في إسناد هذا الحديث مقال، ولا أعلم أحداً من العلماء حرم الصلاة في أرض بابل، وقد عارضه ما هو أصح منه، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً " ويشبه أن يكون معناه إن ثبت أنه نهى أن تتخذ أرض بابل

(2/110)


- 487 حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالحٍ حدثنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني يَحْيَى بنُ أَزْهَرَ وَ ابْنُ لَهِيعَةَ عن الْحَجّاجِ بنِ شَدّادٍ عن أَبي صالِحٍ الغفاريّ عن عَليّ بمِعْنَى سُلَيْمَانَ بنِ دَاوُدَ قال فَلمّا خَرَجَ مكَانَ فَلمّا بَرَزَ.
- 488 حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ حدثنا حَمّادٌ ح. وحدثنا مُسَدّدٌ حدثنا عَبْدُالْوَاحِدِ عن عَمْرِو بنِ يَحْيَى عن أَبيهِ عن أَبي سَعِيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال
__________
وطناً وداراً للإقامة، فتكون صلاته فيها إذا كانت إقامته بها، ويخرج هذا النهي فيه على الخصوص، ألا تراه يقول: نهاني، ولعل ذلك منه إنذار مما أصابه من المحنة في الكوفة وهي أرض بابل ولم ينتقل قبله أحد من الخلفاء الراشدين عن المدينة انتهى.
وقال الحافظ في الفتح: روى ابن أبي شيبة من طريق عبدالله بن أبي المحلى وهو بضم الميم وكسر المهملة وتشديد اللام قال: "كنا مع على فمررنا على الخسف الذي ببابل فلم يصل حتى أجازه" أي تعداه. ومن طريق عن علي قال: ما كنت لأصلي في أرض خسف الله بها ثلاث مرار" والظاهر أن قوله: "ثلاث مرار" ليس متعلقاً بالخسف لأنه ليس فيها إلا خسف واحد، وإنما أراد أن علياً قال ذلك ثلاثاً، والمراد بالخسف هنا ما ذكر الله تعالى في قوله: {فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ} الآية. ذكر أهل التفسير والأخبار أن المراد بذلك أن النمرود بن كنعان بني ببابل بنياناً عظيماً يقال إن ارتفاعه كان خمسة آلاف ذراع فخسف الله بهم. قال الخطابي: لا أعلم أحداً من العلماء حرم الصلاة في أرض بابل فإن كان حديث على ثابتاً فلعله نهاه أن يتخذها وطناً لأنه إذا أقام بها كانت صلاته فيها يعني أطاق الملزوم وأراد اللازم. قال فيحتمل أن النهي خاص إنذاراً له بما لقي من الفتنة بالعراق. قلت: وسياق قصة على الأولى يبعد هذا التأويل والله أعلم. انتهى. قال المنذري: أبو صالح هو سعيد بن عبدالرحمَن الغفاري مولاهم البصري. قال ابن يونس: يروي عن علي بن أبي طالب وما أظنه سمع من علي، ويروي عن أبي هرية وهيب بن مغفل وصله ابن الحارث. انتهى. قال العيني قال ابن القطان: في سند هذا الحديث رجال لا يعرفون، وقال عبدالحق: وهو حديث واه. وقال البيهقي في المعرفة: إسناده غير قوي. انتهى.
"بمعنى سليمان بن داوود": أي بمعنى حديث سليمان "قال": أي أحمد بن صالح "فلما خرج مكان": أي بدل لفظ فلما برز.
"عن أبي سعيد": الخدري "يحسب عمرو": أي يظن "الأرض كلها مسجد": أي يجوز

(2/111)


مُوسَى في حدِيثِهِ فيما يَحْسَبُ عَمْرٌو إِنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: " اْلأَرضُ كلّهَا مَسْجِدٌ إِلاّ الْحَمّامُ وَالْمَقْبَرَةُ"
__________
السجود فيها من غير كراهة " إلا الحمام والمقبرة ": المقبرة وهي المحل الذي يدفن فيه الموتى، والحمام بتشديد الميم الأولى هو الموضع الذي يغتسل فيه بالجيم، وهو في الأصل الماء الحار، ثم قيل: للاغتسال بأي ماء كان. وحكمة المنع من الصلاة في المقبرة. قيل: هو ما تحت المصلي من النجاسة، وقيل لحرمة الموتى، وحكمة المنع من الصلاة في الحمام أنه يكثر فيه النجاسات، وقيل: إنه مأوى الشيطان. قال الخطابي: واختلف أهل العلم في تأويل هذا الحديث، فقال الشافعي إذا كانت المقبرة مختلطة التراب بلحوم الموتى وصديدهم وما يخرج منهم لم تجز الصلاة فيها للنجاسة، فإن صلى الرجل في مكان طاهر منها أجزأته صلاته، قال: وكذلك الحمام إذا صلى في موضع نظيف منه طاهر فلا إعادة عليه. وعن مالك بن أنس قال:لا بأس بالصلاة في المقبرة. وقال أبو ثور: لا يصلي في حمام ولا في مقبرة على ظاهر الحديث. وكان أحمد وإسحاق يكرهان ذلك ورويت الكراهية فيه عن جماعة من السلف. واحتج بعض من لم يجز الصلاة في المقبرة وإن كانت طاهرة التربة بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها مقابر " قال: فدل على أن المقبرة ليست بمحل للصلاة. انتهى. قلت: وذهب الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة إلى كراهة الصلاة في المقبرة، ولم يفرقوا كما فرق الشافعي وهو الأشبه، وأما ما ذهب إليه مالك فالأحاديث ترد عليه قال المنذري: والحديث أخرجه الترمذي وابن ماجه. وروى هذا الحديث مسنداً ومرسلاً. وقال الترمذي: وهذا حديث فيه اضطراب، وذكر أن سفيان الثوري أرسله. قال: وكأن رواية الثوري عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أثبت وأصح.

(2/112)


24 باب النهي عن الصلاة في مبارك الإبل
- 489 حدثنا عُثْمانُ بنُ أَبي شَيْبَةَ حدثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ حدثنا الأعْمَشُ عن عَبْدِالله بنِ عَبْدِالله الرّازِيّ عن عَبْدِالرّحْمَنِ بنِ أَبي لَيْلَى عن الْبَرَاء ابنِ عَازِبٍ قال: سُئِلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن الصّلاَةِ في مَبَارِكِ اْلإبِلِ، فقال: لا تُصَلّوا في مَبَارِكِ اْلإبِلِ
__________
"باب النهي عن الصلاة في مبارك الإبل"
" لا تصلوا في مبارك الإبل ": جاء في الأحاديث النهي عن الصلاة في موضع مبارك الإبل،

(2/112)


فَانّهَا مِنَ الشّيَاطِينِ، وَسُئِلَ عن الصلاةِ في مَرَابِضِ الْغَنَمِ، فقال: " صَلّوا فيها فإِنّهَا بَرَكَةٌ "
__________
وفي موضع أعطان الإبل، وفي موضع مناخ الإبل، وفي موضع مرابد الإبل، ووقع عند الطحاوي في حديث جابر بن سمرة: "أن رجلاً قال يارسول الله أصلى في مباءة الغنم؟ قال نعم، قال أصلي في مباءة الإبل؟ قال لا " والمبارك جمع مبرك وهو موضع بروك الجمل في أي موضع كان. والأعطان جمع عطن وهو الموضع الذي تناخ فيه عند ورودها الماء فقط. وقال ابن حزم: كل عطن فهو مبرك، وليس كل مبرك عطناً لأن العطن هو الموضع الذي تناخ فيه عند ورودها الماء فقط والمبرك أعم لأنه الموضع المتخذ له في كل حال والمناخ بضم الميم وفي آخره خاء معجمة: المكان الذي تناخ فيه الإبل. والمرابد بالدال المهملة هي الأماكن التي تحبس فيها الإبل وغيرها من البقر والغنم. والمباءة المنزل الذي يأوي إليه الإبل. قاله العيني. والحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة في مواضع الإبل، وعلل ذلك بقوله " فأنها من الشياطين ": أي الإبل خلقت من الشياطين، كما في رواية ابن ماجه. " فانها خلقت من الشياطي ن" فهذا يدل على أن علة النهي كون الإبل من الشياطين لا غير، فالإبل تعمل عمل الشياطين والأجنة، لأن الإبل كثيرة الشراد فتشوش قلب المصلي وتمنع الخشوع. قال الخطابي: قوله صلى الله عليه وسلم " فإنها من الشياطين " يريد أنها لما فيها من النفار والشرود وربما أفسدت على المصلي صلاته، والعرب تسمى كل مارد شيطاناً كأنه يقول: كان المصلي إذا صلى بحضرتها كان مغرراً بصلاته لما لا يؤمن نفارها وخبطها المصلي، وهذا المعنى مأمون من الغنم لما فيها من السكوت وضعف الحركة إذا هيجت. وقال بعضهم: معنى الحديث أنه كره الصلاة في السهول من الأرض لأن الإبل إنما تأوي إليها وتعطن فيها، والغنم تبوء وتروح إلى الأرض الصلبة، قال: والمعنى في ذلك أن الأرض الرخوة التي يكثر ترابها، ربما كانت فيها النجاسة فلا يتبين موضعها، فلا يأمن المصلي أن تكون صلاته فيها على نجاسة، فأما القرار الصلب من الأرض فإنه ضاح بارز لا يخفي موضع النجاسة إذا كانت فيه وزعم بعضهم أنه إنما أراد به الموضع الذي يحط الناس رحالهم فيها إذا نزلوا المنازل في الأسفار قال: ومن عادة المسافرين أن يكون برازهم بالقرب من رحالهم، فتوجد هذه الأماكن في الأغلب نجسة، فقيل لهم لا تصلوا فيها وتباعدوا عنها والله أعلم. " في مرابض الغنم ": هي جمع مربض بكسر الباء، لأنه من ربض يربض مثل ضرب يضرب، يقال ربض في الأرض إذا التصق بها وأقام ملازماً لها، واسم المكان مربض وهو مأوى الغنم، مثل بروك الإبل. وفي الصحاح ربوض الغنم والبقر والفرس والكلب، مثل بروك الإبل وجثوم الطير قاله العيني " صلوا فيها ": أي في مرابض

(2/113)


__________
الغنم " فإنها ": أي الغنم " بركة ": أي ذو بركة. قال في غاية المقصود: والمعنى أن الغنم ليس فيها تمرد ولا شراديل هي ضعيفة، ومن دواب الجنة وفيها سكينة فلا تؤذي المصلى ولا تقطع صلاته، فهي ذو بركة، فصلوا في مرابضها. انتهى

(2/114)


25 باب متى يؤمر الغلام بالصلاة
- 490 حدثنا مُحمّدُ بنُ عَيسَى يَعْنِي ابنَ الطّبّاعِ حدثنا إِبراهِيمُ بنُ سَعْدٍ عن عَبْدِالمَلِكِ بنِ الرّبِيعِ بنِ سَبْرَةَ عن أَبِيهِ عن جَدّهِ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مُرُوا الصّبِيّ بالصّلاَةِ إِذَا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ، وَإِذَا بَلَغَ عَشْرَ سِنِينَ فَاضْرِبُوهُ عَلَيْهَا"
- 491 حدثنا مُؤَمّلٌ بنُ هِشَامِ يَعْنِي الْيَشْكَرِيّ حدثنا إِسْمَاعِيلُ عن سَوّارٍ أَبي حَمْزَةَ. قال أَبُو دَاوُد: وَهُوَ سَوّارُ بنُ دَاوُدَ أَبُو حَمْزَةَ المُزَنِيّ الصّيْرَفِيّ، عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أَبِيهِ عن جَدّهِ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مُرُوا أَوْلاَدَكُم بالصّلاَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ
__________
(باب متى يؤمر الغلام بالصلاة)
"عن أبيه": وهو الربيع "عن جده": أي جد عبدالملك، وهو سبرة بفتح السين وسكون الباء الموحدة. قال الحافظ في التقريب: سبرة بن معبد الجهني والد الربيع له صحبة وأول مشاهده الخندق وكان ينزل المروة ومات بها في خلافة معاوية " مروا الصبي ": قال العلقمي: قال الشيخ عز الدين عبدالسلام: الصبي ليس مخاطباً، وأما هذا الحديث فهو أمر للأولياء، لأن الأمر بالشيء ليس أمراً بذلك الشيء. قال: قد وجد أمر الله للصبيان مباشرة على وجه لا يمكن الطعن فيه، وهو قوله تعالى {لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ} قال النووي: الصبي يتناول الصبية أيضاً لا فرق بينهما بلا خلاف،وأمر الولي للصبي واجب وقيل مستحب " بالصلاة ": أي بأن يعلموهم ما تحتاج إليه الصلاة من شروط وأركان، وأن يأمروهم بفعلها بعد التعليم وأجرة التعليم في مال الصبي إن كان له مال، وإلا فعلى الولي. قاله العلقمي في الجامع الصغير " وإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها ": أي فاضربوا الصبي على ترك الصلاة. قال العلقمي: إنما أمر بالضرب لعشر لأنه حد يتحمل فيه الضرب غالباً، والمراد بالضرب ضرباً غير مبرح وأن يتقي الوجه في الضرب. انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح.
" مروا ": أمر من الأمر حذفت همزته للتخفيف ثم استغنى عن همزة الوصل تخفيفاً ثم حركت فاؤه لتعذر النطق بالساكن " أولادكم ": يشمل الذكور والإناث " بالصلاة ": وبما يتعلق بها

(2/114)


سَبْع سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ سِنينَ، وَفَرّقُوا بَيْنَهُمْ في المَضَاجِعِ"
- 492 حدثنا زُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ حدثنا وَكِيعٌ حدثني دَاوُدُ بنُ سَوّارٍ المُزَنِيّ بإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ وَزَادَ: " وَإِذَا زَوّجَ أَحَدُكُم خَادِمَهُ عَبْدَهُ أَوْ أَجِيرَهُ فَلاَ يَنْظُرْ إِلَى مَا دُونِ السّرّةِ وَفَوْقَ الرّكْبَةِ"
__________
من الشروط " وهم أبناء سبع سنين": ليعتادوا ويستأنسوا بها، والجملة حالية "و اضربوهم ": أي الأولاد " عليها ": أي على ترك الصلاة " وهم أبناء عشر سنين ": لأنهم بلغوا أو قاربوا البلوغ " وفرقوا ": أمر من التفريق " بينهم في المضاج ع": أي المراقد. قال المناوي في فتح القدير شرح الجامع الصغير: أي فرقوا بين أولادكم في مضاجعهم التي ينامون فيها إذا بلغوا عشراً حذراً من غوائل الشهوة وإن كن أخوات. قال الطيبي: جمع بين الأمر بالصلاة والفرق بينهم في المضاجع في الطفولية تأديباً لهم ومحافظة لأمر الله كله وتعليماً والمعاشرة بين الخلق، وأن لا يقفوا مواقف التهم فيجتنبوا المحارم انتهى. قال الخطابي: قوله صلى الله عليه وسلم إذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها يدل على غلاط العقوبة له إذا تركها مدركاً، وكان بعض فقهاء أصحاب الشافعي يحتج به في وجوب قتله إذا تركها متعمداً بعد البلوغ، ويقول إذا استحق الصبي الضرب وهو غير بالغ فقد عقل أنه بعد البلوغ يستحق من العقربة ما هو أشد من الضرب، وليس بعد الضرب شيء مما قاله العلماء أشد من القتل. وقد اختلف الناس في حكم تارك الصلاة فقال مالك والشافعي: يقتل تارك الصلاة، وقال مكحول: يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وإليه ذهب حماد بن يزيد ووكيع ابن الجراح. وقال أبو حنيفة: لا ينقل ولكن يضرب ويحبس، وعن الزهري أنه قال: فاسق يضرب ضرباً مبرحاً ويسجن. وقال جماعة من العلماء: تارك الصلاة حتى يخرج وقتها لغير عذر كافر، وهذا قول إبراهيم النخعي وأيوب السختياني وعبدالله بن المبارك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وقال أحمد: لا يكفر أحد بذنب إلا تارك الصلاة عمداً. واحتجوا بحديث جابر ابن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم: " ليس بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة "
"بإسناده ومعناه": أي بإسناد ومعنى حديث مؤمل بن هشام المتقدم ذكره " وإذا زوج أحدكم خادمه ": بالنصب والمراد بالخادم الخادمة أي الأمة " عبده ": بالنصب مفعول ثان لزوج " أو أجيره ": بالنصب معطوف على عبده " فلا ينظر ": أي الخادم، والمراد به الخادمة أي لا تنظر الأمة " إلى ما دون السرة ": أي إلى ما تحت سرة سيدها " وفوق الركبة ": أي فوق ركبة سيدها. والمعنى إذا زوج السيد والمولى أمته من عبده أو من أجيره وعماله فلا يجوز للأمة أن تنظر إلى ما بين

(2/115)


قال أَبُو دَاوُد: وَهِمَ وَكِيعٌ في اسْمِهِ، وَرَوَى عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ الطّيَالِسيّ هذا الحديثَ فقال حدثنا أَبُو حَمْزَةَ سَوّارٌ الصّيْرَفِيّ.
- 493 حدثنا سُلَيْمانُ بنُ دَاوُدَ المَهْرِيّ حدثنا ابنُ وَهْبٍ أَخبرني هِشَامُ بنُ سَعْدٍ حدثني مُعَاذُ بنُ عَبْدِالله بنِ خُبَيْبٍ الجُهَنِيّ قال: "دَخَلْنَا عَلَيْهِ فقال لاِمْرَأَتِهِ: مَتَى يُصَلّي الصّبِيّ؟ فقالت: كان رَجُلٌ مِنّا يَذْكُرُ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أَنّهُ سُئِلَ عن ذَلِكَ، فقال: " إِذَا عَرَفَ يَمِينِهُ مِنْ شِمَالِهِ فَمُرُوهُ بالصّلاَةِ "
__________
ركبة مولاها وسرته، فإن ما بين سرته وركبته من العورة، وتؤيد هذا المعنى رواية الدارقطني من طريق النضر بن شميل عن سوار بن داوود عن عمرو بن شعيب نحوه بلفظ: " وإذا زوج أحدكم عبده أمته أو أجيره فلا تنظر الأمة إلى شيء من عورته فإن ما تحت السرة إلى الركبة من العورة " ومن طريق عبدالله عن سوار عن عمرو نحوه بلفظ: " إذا زوج الرجل منكم عبده أو أمته فلا يرين ما بين ركبته وسرته " ويمكن إرجاع الضمير في: فلا ينظر إلى أحدكم وهو السيد فيكون المعنى إذا زوج أحدكم الخادمة أي الأمة من عبده أو أجيره فلا ينظر السيد إلى ما تحت سرة أمته وفوق ركبة أمته، كذا في غاية المقصود "وهم وكيع في اسمه": أي في اسم سوار بن داوود فقال داوود بن سوار "وروى عنه": أي عن سوار بن داوود "أبو داوود الطيالسي هذا الحديث فقال حدثنا أبو حمزة سوار الصيرفي": كما قال إسماعيل في حديث السابق وهو الصواب وقد تابع أبا داوود الطيالسي النضر بن شميل وعبدالله بن بكر فقالا: حدثنا أبو حمزة الصيرفي وهو سوار بن داوود وروايتهما في سنن الدارقطني.
"معاذ بن عبدالله بن خبيب الجهني": قال الحافظ في التقريب: معاذ بن عبدالله خبيب مصغر الجهني المدني صدوق ربما وهم من الرابعة "قال": أي هشام بن سعد "دخلنا عليه": أي على معاذ بن عبدالله "فقال": أي معاذ "فقالت": أي امرأة معاذ "أنه": صلى الله عليه وسلم "عن ذلك": أي عن صلاة الصبي "فقال": النبي صلى الله عليه وسلم " إذا عرف يمينه من شماله ": أي إذا ميز الصبي بين اليمين والشمال " فمروه بالصلاة": أي مروا الصبي بالصلاة ويحصل هذا التمييز للصبي غالباً إذا كان ابن سبع سنين.

(2/116)


26باب بدء الأذان
494 حدثنا عَبّادُ بنُ مُوسَى الْخُتَلِيّ وَ زِيَادُ بنُ أَيّوبَ وحديثُ عَبّادٍ أَنَمّ قالا حدثنا هُشَيْمٌ عن أَبي بِشْرٍ قال قال زِيَادٌ أخبرنا أَبُو بِشْرٍ عن أَبي عُمَيْرٍ بنِ أَنَسٍ عن عُمُومَةٍ مِنَ اَلأنْصَارِ قال: اهْتَمّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لِلصّلاَةِ كَيْفَ يَجْمَعُ النّاسَ لَها، فَقِيلَ لَهُ: انْصِبْ رَايَةً عِنْدَ حُضُورِ الصّلاَةِ، فإِذَا رَأَوْهَا آذَنَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً، فَلمْ يُعْجِبْهُ ذَلِكَ. قال: فَذُكِرَ لَهُ الْقُنْعُ يَعْني الشّنْبُورَ وقال زِيَادٌ: شَبّورُ الْيَهُودِ، فلَمْ يُعْجِبْهُ ذَلِكَ وقال:
__________
"باب بدء الأذان"
أي هذا باب في بيان ابتداء الأذان.
"عباد بن موسى الختلي": بضم الخاء المعجمة وتشديد المثناة المفتوحة "قالا": أي عباد وزياد "حدثنا هشيم": بن بشير على وزن عظيم ثقة ثبت كثير التدليس "عن أبي بشر": هو جعفر بن أبي وحشية "قال زياد": بن أيوب في روايته حدثنا هشيم قال "أخبرنا أبو بشر": أي بلفظ أخبرنا أبو بشر، وأما عباد فقال حدثنا هشيم عن أبي بشر، فزياد صرح بتحديث هشيم عن أبي بشير فارتفعت مظنة التدليس عن هشيم، وما وقع في بعض النسخ زياد أبو بشر بحذف لفظ أخبرنا، وزعم بعضهم أن أبا بشر هذا بدل من زياد فهو غلط قطعاً كما يظهر من أطراف المزي والله أعلم "عن أبي عمير بن أنس": هو عبدالله أبو عمير بن أنس بن مالك "عن عمومة له": أي لأبي عمير مصغر "قال": أي عمومة أبي عمير "اهتم النبي صلى الله عليه وسلم": يقال اهتم الرجل بالأمر قام به قال ابن الأثير في النهاية: همّ بالأمر يهمّ: إذا عزم عليه "لها": أي للصلاة "فإذا رأوها": أي إذا رأى المسلمون راية "أذن": من الإيذان "فلم يعجبه": أي النبي صلى الله عليه وسلم "ذلك": أي نصب الراية عند حضور الصلاة "قال": أي الراوي "فذكر له": أي للنبي صلى الله عليه وسلم "القنع يعني الشبور": القنع بضم القاف وسكون النون. قال ابن الأثير في النهاية: هذه اللفظة قد اختلف في ضبطها، فرويت بالياء والتاء والثاء والنون وأشهرها وأكثرها النون انتهى والشبور بفتح الشين المعجمة وضم الباء الموحدة المثقلة، وفي رواية للبخاري بوقا، وفي رواية لمسلم والنسائي قرنا، وهذه الألفاظ الأربعة كلها متحد المعنى، وهو الذي ينفخ فيه ليخرج منه صوت.
قال الخطابي: قوله القنع هكذا قاله ابن داسة، وحدثناه ابن الأعرابي عن أبي دواد مرتين، فقال مرة: القنع بالنون ساكنة، وقال مرة: القبع بالباء المفتوحة، وجاء في الحديث: تفسيره أنه الشبور، وهو البوق وقد سألت عنه غير واحد لم يثبته لي على واحد من الوجهين،

(2/117)


"هُوَ منْ أُمِرْ الْيَهُودِ". قال: فَذُكِرَ لَهُ النّاقُوسُ، فقال: " هُوَ مِنْ أَمْرِ النّصَارَى ". فَانْصَرَفَ عَبْدُ الله بنُ زَيْدِ بنِ عَبْدِ رَبّهِ وهُوَ مُهْتَمّ لِهَمّ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فأُرٍىَ اْلأَذَانُ في مَنامِهِ. قال: فَغَدَا عَلَى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وسلم فَأَخْبَرَهُ فقال: يَارسولَ الله إِنّي لَبَيْنَ نَائِمٍ وَيَقْظانَ إِذْ أَتَانِي آتٍ فأَرَانِي اْلأَذَانَ. قال: وكَانَ عُمَرُ بنُ الْخَطّابِ قَدْ رَآهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَكَتَمَهُ عِشْرِينَ يَوْماً. قال: ثُمّ أَخْبَرَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال لهُ: " مَا مَنَعَكَ أَنْ تُخْبِرَنِي" ؟ فقال: سَبَقَنِي عَبْدُالله بنَ زَيْدٍ فَاسْتَحْيَيْتُ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يَابِلاَلُ قُمْ فَانْظُرْ ما يَأْمُرُكَ بِهِ
__________
فإن كانت رواية القنع صحيحة فلا أراه سمي إلا لإقناع الصوت وهو رفعه، يقال: أقنع الرجل صوته وأقنع رأسه إذا رفعه، وأما القبع بالباء فلا أحسبه سمي قبعاً إلا أنه يقبع ثم صاحبه أي يستره، يقال قبع الرجل رأسه في جيبه إذا أدخله فيه، وسمعت أبا عمر يقول: هو القيع بالثاء المثلثة يعني البوق ولم أسمع هذا الحرف من غيره "فلم يعجبه ذلك": أي اتخاذ القنع والشبور "وقال": أي النبي صلى الله عليه وسلم " هو من أمر اليهود ": أي الشبور "قال": أي عمومة أبي عمير "فذكر له": أي للنبي صلى الله عليه وسلم "الناقوس": هو خشبة طويلة تضرب بخشبة أصغر منها يجعله النصارى علامة لأوقات صلاتهم "فانصرف عبدالله بن زيد": من عند النبي صلى الله عليه وسلم "وهو": أي عبدالله والواو للحال "مهتم": من الإهتمام أي مقدمة الأذان "لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم": في ذلك. قال في المصباح المنير: الهم بالفتح أول العزيمة يقال: هممت بالشيء هما إذا أردته ولم تفعله "فأرى": أي عبدالله "الأذان في منامه": قال الحافظ في الفتح: الأذان لغة الإعلام. قال الله تعالى: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} واشتقاقة من الأذن بفتحتين وهو الاستماع، وشرعاً الإعلام بوقت الصلاة بألفاظ مخصوصة. قال القرطبي وغيره: الأذان على قلة ألفاظه مشتمل على مسائل العقيدة لأنه بدأ بالأكبرية وهي تتضمن وجود الله وكماله ثم ثنى بالتوحيد ونفى الشريك، ثم بإثبات الرسالة لمحمد صلى الله عليه وسلم ثم دعا إلى الطاعة المخصوصة عقب الشهادة بالرسالة لأنها لا تعرف إلا من جهة الرسول، ثم دعا إلى الفلاح وهو البقاء الدائم، وفيه الإشارة إلى المعاد، ثم أعاد ما أعاد توكيداً. ويحصل من الأذان الإعلام بدخول الوقت والدعاء إلى الجماعة وإظهار شعائر الإسلام. والحكمة في اختيار القول له دون الفعل سهولة القول وتيسره لكل أحد في كل زمان ومكان.
قال الراوي: "فغدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم": أي ذهب عبدالله ابن زيد في وقت الغداة إلى النبي صلى الله عليه وسلم "قد رآه": أي الأذان في المنام " فقال له ": أي لعمر بن الخطاب " يابلال قم فانظر ما يأمرك به عبدالله ": قال الخطابي: فيه دليل على أن الواجب أن يكون الأذان قائماً. انتهى. وقال

(2/118)


عَبْدُالله بنُ زَيْدٍ فَافْعَلْهُ". قال: فأَذّنَ بِلاَلٌ. قال أَبُو بِشْرٍ: فَأَخْبَرَنِي أَبُو عُمَيْرٍ أَنّ اْلأنْصَارَ تَزْعُمُ أَنّ عَبْدَالله بنَ زَيْدٍ لَوْلاَ أَنّهُ كان يَوْمَئِذٍ مَرِيضاً لَجَعَلَهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مُؤَذّناً.
__________
الحافظ في الفتح قال عياض وغيره: فيه حجة لشروع الأذان قائماً. قلت: وكذا احتج به ابن خزيمة وابن المنذر، وتعقبه النووي بأن المراد بقوله قم أي اذهب إلى موضع بارز فناد فيه بالصلاة ليسمعك الناس. وقال وليس فيه تعرض للقيام في حال الأذان انتهى. وما نفاه ببعيد من ظاهر اللفظ، فإن الصيغة محتملة للأمرين وإن كان ما قاله أرجح، ونقل عياض أن مذهب العلماء كافة أن الأذان قاعد لا يجوز إلا أبا ثور ووافقه أبو الفرج المالكي، وتعقب بأن الخلاف معروف عند الشافعية وبأن المشهور عند الحنفية كلهم أن القيام سنة، وأنه لو أذن قاعداً صح، والصواب ما قال ابن المنذر إنهم اتفقوا على أن القيام من السنة "لجعله": الضمير المنصوب يرجع إلى عبدالله وهو جواب لولا.
وفي الحديث مشروعية التشاور في الأمور المهمة وأنه لا حرج على أحد من المتشاورين إذا أخبر بما أدى إليه اجتهاده. وقد استشكل إثبات حكم الأذان برؤيا عبدالله بن زيد لأن رؤيا غير الأنبياء لا يبني عليها حكم شرعي، وأجيب باحتمال مقارنة الوحي لذلك، أو لأنه صلى الله عليه وسلم أمر بمقتضاها لينظر أبقر على ذلك أم لا، و لاسيما لما رأى نظمها يبعد دخول الوسواس فيه، ويؤيد الأول ما رواه عبدالرزاق وأبو داوود في المراسيل من طريق عبيد بن عمير الليثي أحد كبار التابعين أن عمر لما رأى الأذان جاء ليخبر به النبي صلى الله عليه وسلم فوجد الوحي قد ورد بذلك فما راعه إلا أذان بلال، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم سبقك بذلك الوحي. وأشار السهيلي إلى أن الحكمة في إبتداء شرع ليكون أفخم لشأنه والله أعلم قاله الحافظ في الفتح.

(2/119)


27 باب كيف الأذان
495 حدثنا مُحمّدُ بنُ مَنْصُورٍ الطّوسِيّ حدثنا يَعْقُوبُ حدثنا أَبي عن مُحمّدِ بنِ إِسْحَاقَ حدثني مُحمّدُ بنُ إِبراهِيمَ بنِ الْحَارِثِ التّيْمِيّ عن مُحمّدِ بنِ عَبْدِالله بنِ زَيْدِ بنِ عَبْدِ رَبّهِ حدثني أَبي عَبْدُالله بنُ زَيْدٍ قال: "لَمّا أَمَرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالنّاقُوسِ
__________
"باب كيف الأذان"
"حدثني أبي عبدالله بن زيد": هو بدل عن أبي. قال الحافظ في التقريب: عبدالله بن

(2/119)


يُعْمَلُ لِيُضْرَبَ بِهِ لِلنّاسِ لِجَمْعِ الصّلاَةِ، طَافَ بِي وَأَنَا نَائِمٌ رَجُلٌ يَحْمِلُ نَاقُوسَاً في يَدِهِ، فَقُلْتُ: يَا عَبْدَالله أَتَبِيعُ النّاقُوسَ؟ قال: وَمَا تَصْنَعُ بِهِ؟ فَقُلْتُ: نَدْعُو بِهِ إِلَى الصّلاَةِ، قال: أَفَلاَ أَدُلّكَ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: بَلَى، قال فقال: تَقولُ الله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ. أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاّ الله، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَه إِلاّ الله. أَشْهَدُ أَنّ مُحمّداً رَسُولُ الله، أَشْهَدُ أَنّ مُحمّداً رَسُولُ الله. حَيّ عَلَى الصّلاَةِ، حَيّ عَلَى الصّلاَةِ. حَيّ عَلَى الْفَلاَحِ، حَيّ عَلَى الْفَلاَحِ. الله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ. لا إِلَهَ إِلاّ الله.
__________
زيد بن عبد ربه بن ثعلبه الأنصاري الخزرجي أبو محمد المدني أرى الأذان صحابي مشهور مات سنة اثنتين وثلاثين وقيل استشهد بأحد "لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناقوس": لعل معناه أراد أن يأمر به. والناقوس هو خشبة طويلة تضرب بخشبة أصغر منها يجعله النصارى علامة لأوقات صلاتهم "يعمل": حالو وهو مجهول "ليضرب به": أي ببعضه على بعض وهو بصيغة المجهول "للناس": أي لحضورهم "لجمع الصلاة": أي لأدائها جماعة "طاف بي": جواب لما أي مربي "وأنا نائم": حال من المفعول. قال الجوهري: طيف الخيال مجيئه في النوم يقال منه طاف الخيال يطيف طيفاً ومطافاً. قال الطيبي قوله "رجل": في الحديث فاعل والأظهر أن تقديره جاءني رجل في عالم الخيال. قال الخطابي قوله طاف بي رجل يريد الطيف وهو الخيال الذي يلم بالنائم، يقال منه طاف يطيف، ومن الطواف طاف يطوف، ومن الإحاطة بالشيء أطاف يطيف "يحمل ناقوساً في يده": الجملة صفة لرجل "قال": الرجل "وما تصنع به": أي بالناقوس، وما استفهامية "فقلت ندعو": أي الناس "به": أي بسبب ضربه وحصول الصوت به "إلى الصلاة": أي صلاة الجماعة، فاللام للعهد أو بدل عن المضاف إليه "قال": الرجل "خير من ذلك": أي الناقوس "قال": الراوي وهو الرائي "فقال": الرجل أي المرئي "تقول الله أكبر": إلى آخر الأذان.
ذكر ثعلب أن أهل العربية اختلفوا في معنى أكبر فقال أهل اللغة معناه كبير واحتجوا بقوله تعالى {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} معناه وهو هين عليه. وقال الكسائي والفراء وهشام معناه أكبر من كل شيء فحذفت من وقان ابن الأنباري: وأجاز أبو العباس الله أكبر واحتج بأن الأذان سمع وقفاً لا إعراب فيه قوله أشهد أن لا إله ألا الله معناه أعلم وأبين، ومن ذلك شهد الشاهد عند الحاكم معناه قدبين له وأعلمه الخبر الذي عنده وقال أبو عبيدة: معناه أقضى كما في شهدالله معناه قضي الله. وقال الزجاج: ليس كذلك وإنما حقيقة الشهادة هو تيقن الشيء وتحققه من شهادة الشيء أي حضوره. وقوله حي على الصلاة قال الفراء: معناه هلم وفتحت الياء من حي لسكون التي قبلها. ومعنى الفلاح الفوز، يقال أفلح الرجل إذا فاز قاله العيني في

(2/120)


قال: ثُمّ اسْتَأْخَرَ عَنّي غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمّ قال: ثُمّ تَقولُ إِذَا أَقَمْتَ الصّلاَةَ: الله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ. أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاّ الله، أَشْهَدُ أَنّ مُحمّداً رَسُولُ الله. حَيّ عَلَى الصّلاَةِ، حَيّ عَلَى الْفَلاَحِ. قَدْ قَامَتْ الصّلاَةُ، قَدْ قَامَتِ الصّلاَةُ. الله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ، لا إِلَهَ إِلاّ الله. فَلمّا أَصْبَحْتُ أَتَيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فأَخْبَرْتُهُ بِمَا رَأَيْتُ، فقال: " إِنّهَا لَرُؤْيَا حَقٌ إِنْ شَاءَ الله، فَقُمْ مَعَ بِلاَلٍ فأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ فَلْيُؤَذّنْ بِهِ فإِنّهُ أَنْدَى صَوْتاً مِنْكَ "، فَقُمْتُ مَعَ بِلاَلٍ فَجَعَلْتُ أُلْقِيهِ عَلَيْهِ وَيُؤَذّنُ بِهِ. قال: فَسَمِعَ ذَلِكَ عُمَرُ بنُ الْخَطّابِ رَضِيَ الله عَنْهُ وَهُوَ في بَيْتِهِ، فَخَرَجَ يَجُرّ رِدَاءَهُ يقولُ: وَالّذِي بَعَثَكَ بالْحَقّ يَارسولَ الله لَقَدْ رَأَيْتُ مِثْلَ مَا أُرِىَ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: " فلله الْحَمْدُ "
قال أَبُو دَاوُد: هَكَذَا رِوَايَةُ الزّهْرِيّ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ عن عَبْدِالله بنِ زَيْدٍ،
__________
شرح البخاري "قال": أي عبدالله بن زيد "ثم استأخر عني": أي الرجل المرئي "غير بعيد":. أي بعد ما علمه الأذان. قال الخطابي: وهو يدل على أن المستحب أن تكون الإقامة في غير موقف الأذان "ثم قال": الرجل فأخبرته بما رأيت أي من الرؤيا "فقال": النبي صلى الله عليه وسلم " أنها ": أي رؤياك " لرؤيا حق ": أي ثابته صحيحة صادقة مطابقة للوحي أو موافقة للاجتهاد " إن شاء الله ": تعالى للتبرك أو للتعليق "فقم مع بلال فألق": بفتح الهمزة وكسر القاف أي أمل "عليه": على بلال "فليؤذن به": أي بما يلقي إليه "فإنه": أي بلالاً " أندى ": أي أرفع " صوتاً منك ": قال الراغب: أصل النداء من الندى أي الرطوبة يقال صوت ندى أي رفيع واستعارة النداء للصوت من حيث أن من تكثر رطوبة فمه حسن كلامه، ويعبر بالندى عن السخاء، يقال فلان أندى كفاً من فلان أي أسخى. وقال الخطابي: فيه دليل على أن كل من كان أرفع صوتاً كان أولى بالأذان لأن الأذان إعلام وكل من كان الإعلام بصوته أوقع كان به أحق وأجدر "فجعلت ألقيه": أي الأذان "عليه": أي على بلال أى ألقنه له "ويؤذن": أي بلال "به": أي بما يلقي إليه "قال": عبدالله بن زيد "فسمع ذلك": أي بصوت الأذان "وهو في بيته": جملة حالية "فخرج": أي عمر بن الخطاب مسرعاً "يجر رداءه": أي وراءه "لقد رأيت مثل ما أرى": ولعل هذا القول صدر عنه بعد ما حكى له بالرؤيا السابقة أو كان مكاشفة له رضي الله عنه وهذا ظاهر العبارة قاله علي القاري " فلله ": أي لا لغيره " الحمد ": حيث أظهر الحق ظهوراً وازداد في البيان نوراً "هكذا": أي كما روى محمد بن إبراهيم بن الحارث عن محمد ابن عبدالله بن زيد عن أبيه عبدالله بن زيد "رواية الزهري إلخ": بتربيع التكبير في أول الأذان وبتثنية التكبير في الأقامة وبأفراد كل ألفاظها غير جملة قد

(2/121)


وقال فيه ابنُ إِسْحَاقَ عن الزّهْرِيّ " الله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ " وقال مَعْمَرٌ
__________
قامت الصلاة فإنها مرتان: فمحمد بن إسحاق روى عن محمد بن إبراهيم بن الحارث والزهري كلاهما هكذا. قال الدارقطني في سننه وحديث ابن إسحاق عن محمد بن إبراهيم عن محمد بن عبدالله عن أبيه متصل وهو خلاف ما رواه الكوفيون انتهى. وحديث الزهري أخرجه أحمد في مسنده عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عبدالله بن زيد بن عبد ربه قال "لما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضرب بالناقوس وهو له كاره لموافقته النصارى طاف بي من الليل طائف وأنا نائم رجل عليه ثوبان أخضران وفي يده ناقوس يحمله قال فقلت له يا عبدالله أتبيع الناقوس؟ قال وما تصنع به. قال قلت به إلى الصلاة، قال أفلا أدلك على خير من ذلك فقلت بلى قال تقول الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله ألا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله. أشهد أن محمداً رسول الله. حي على الصلاة. حي على الصلاة. حي على الفلاح. حي على الفلاح. الله أكبر الله أكبر. لا إله إلا الله. قال ثم استأخر غير بعيد قال ثم تقول إذا أقمت الصلاة الله أكبر الله أكبر. أشهد أن لا أله ألا الله. أشهد أن محمداً رسول الله حي على الصلاة. حي على الفلاح. قد قامت الصلاة. قد قامت الصلاة. الله أكبر الله لا إله لا إلا الله قال فلما أصبحت أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما رأيت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن هذه الرؤيا حق إن شاء الله، ثم أمر بالتأذين، فكان بلال مولى أبي بكر يؤذن بذلك ويدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة. قال فجاءه فدعاه ذات غداة إلى الفجر فقيل له إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نائم فصرخ بلال بأعلى صوته الصلاة خير من النوم. قال سعيد بن المسيب فأدخلت هذه الكلمة في التأذين إلى صلاة الفجر" وأخرجه الحاكم من هذه الطريق وقال هذه أمثل الروايات في قصة عبدالله بن زيد، لأن سعيد بن المسيب قد سمع من عبدالله بن زيد ورواه يونس ومعمر وشعيب وابن إسحاق عن الزهري، ومتابعة هؤلاة لمحمد بن إسحاق عن الزهري ترفع احتمال التدليس الذي تحتمله عنعنة بن إسحاق. ومن طريق محمد بن إبراهيم بن الحارث أخرجه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما والبيهقي وابن ماجه.
قال محمد بن يحيى الذهلي ليس في أخبار عبدالله بن زيد أصح من حديث بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي يعني هذا لأن محمداً قد سمع من أبيه عبدالله بن زيد. وقال ابن خزيمة في صحيحه: هذا حديث صحيح ثابت من جهة النقل لأن محمداً سمع من أبيه وابن إسحاق سمع من التيمي وليس هذا مما دلسه. وقد صحح هذه الطريقة البخاري فيما حكاه الترمذي في العلل عنه. قاله في غاية المقصود.
"وقال فيه ابن إسحاق عن الزهري": أي قال محمد بن إسحاق في روايته المذكورة عن

(2/122)


وَيُونُسُ عن الزّهْرِيّ فيه " الله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ " لَمْ يُثَنّيَا.
__________
الزهري في هذا الحديث " الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر ": أي في ألفاظ الأذان أن التكبير في أول الأذان أربع مرات "وقال معمر ويونس عن الزهري فيه": أي في هذا الحديث " الله أكبر الله أكبر ": مرتان لا أربع مرات، وبهذا صرح بقوله "لم يثنيا": من باب التفعيل. قال الجوهري: ثنية تثنية أي جعلته اثنين. وفي اللسان: وثنيت الشيء جعلته اثنين. وقال ابن رسلان: أي لم يثنيا معمر ويونس في الرواية عن الزهري بأن جعله أربعاً. وسمي التربيع تثنية لأن الله أكبر الله أكبر كلمة واحدة ولهذا شرع جمع كل تكبيرتين في الأذان بنفس واحد كما ذكره النووي. انتهى.
قلت: وهذا اختلاف على الزهري في التكبير في الأذان، فروى محمد بن إسحاق عن الزهري بتربيع التكبير في أول الأذان، وروى معمر ويونس عن الزهري: الله أكبر الله أكبر لا أربع مرات، واتفقوا في ألفاظ الإقامة. ورواية معمر ويونس أخرجها البيهقي في سننه الكبرى. وقال الحاكم في المستدرك حديث الزهري عن سعيد المسيب مشهور، رواه يونس بن يزيد ومعمر بن راشد وشعيب بن أبي حمزة ومحمد بن إسحاق وغيرهم وأما اختيار الكوفيين في هذا الباب فمدارها على حديث عبدالرحمَن بن أبي ليلى فمنهم من قال عن معاذ جبل أن عبدالله بن زيد، ومنهم من قال عبدالرحمَن عن عبدالله ابن زيد عن آبائهم فغير مستقيمة الأسانيد. انتهى. قاله في غاية المقصود. قال الخطابي: روى هذا الحديث والقصة بأسانيد مختلفة وهذا الإسناد أصحها، وفيه أنه ثنى الأذان وأفرد الإقامة، وهو مذهب أكثر علماء الأمصار، وجرى به العمل الحرمين والحجاز وبلاد الشام واليمن وديار مصر ونواحي المغرب إلى أقصى حجر من بلاد الإسلام، وهو قول الحسن البصري ومكحول والزهري ومالك والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وغيرهم، وكذلك حكاه سعد القرطبي. وقد كان أذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته بقباء ثم استخلفه بلال زمن عمر بن الخطاب فكان يفرد الإقامة فلم يزل ولد أبي حذورة وهم الذين يلون الأذان بمكة يفردون الإقامة ويحكونه عن جدهم إلا أنه قد روى في قصة أذان أبي محذورة الذي علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم منصرفه من حنين أن الأذان تسع عشر كلمة والإقامة سبع عشر كلمة. وقد رواه أبو داوود في هذا الكتاب إلا أنه قد روى من غير هذه الطريق أنه أفرد الإقامة غير أن التثنية عنه أشهر إلا أن فيه إثبات الترجيع فيشبه أن يكون العمل من أبي محذورة ومن ولده بعده إنما استمر على إفراد الإقامة ما لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره بذلك بعد الأمر الأول بالتثنية، وإما لأنه قد بلغة أنه أمر بلالاً بإفراد الإقامة فاتبعه، وكان أمر الأذان ينقل من حال إلى حال وتدخله الزيادة والنقصان،

(2/123)


496 حدثنا مُسَدّدٌ حدثنا الْحَارِث بنُ عُبَيْدٍ عن مُحمّدِ بنِ عَبْدِالمَلِكِ بنِ أَبي مَحْذُورَةَ عن أَبِيهِ عن جَدّهِ قال: قُلْتُ: يَارسولَ الله عَلّمْنِي سُنّةَ الأَذَانِ. قال: فَمَسَحَ
__________
وليس أمور كل الشرع ينقلها رجل واحد، ولا كان وقع بيانها كلها ضربة واحدة. وقيل لأحمد بن حنبل، وكان بأخذ في هذا بأذان بلال أليس أبي محذورة بعد أذان بلال وإنما يؤخذ بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أليس لما عاد المدينة أقر بلالاً على أذانه. وكان سفيان الثوري وأصحاب الرأي يرون الأذان والإقامة منه مثنى، على حديث عبدالله بن زيد، من الوجه الذي روى فيه بتثنية الإقامة. انتهى.
قال المنذري: والحديث أخرجه الترمذي وابن ماجه. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
"عن أبيه": الضمير المجرور لمحمد، وأبوه هو عبدالملك "عن جده": الضمير المجرور لمحمد، وجده أبو محذورة الصحابي "قال": أي أبو محذورة "علمني سنة الأذان": أي طريقته في الشرع. قال الزيلعي: وهو لفظ ابن حبان في صحيحه واختصر الترمذي ولفظه عن أبي محذورة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقعده وألقى عليه الأذان حرفاً حرفاً. قال بشر: فقلت له أعد على فوصف الأذان بالترجيع. انتهى. وطوله النسائي وابن ماجه وأوله: خرجت في نفر فلما كنا ببعض الطريق أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن قال: ثم قال لي ارجع فأمدد من صوتك أشهد أن الا إله إلا الله الحديث. قال بعضهم: كان ما رواه أبو محذورة تعليماً فظنه ترجيعاً. وقال الطحاوي في شرح الآثار: يحتمل أن الترجيع إنما كان لأن أبا محذور لم يمد بذلك صوته كما أراده النبي صلى الله عليه وسلم فقال له عليه السلام: " ارجع فامدد من صوتك " انتهى. وقال ابن الجوزي في التحقيق: إن أبا محذور كان كافراً قبل أن يسلم، فلما أسلم ولقنه النبي صلى الله عليه وسلم أعاد عليه الشهادة وكررها ليثبت عنده ويحفظها ويكررها على أصحابه المشركين فإنهم كانوا ينفرون منها خلاف نفورهم من غيرها، فلما كررها عليه ظنها من الأذان فعده تسع عشرة كلمة. انتهى. قال الزيلعي: وهذه الأقوال الثلاثة متقاربة في المعنى، ويردها لفظ أبي داوود، قلت يارسول الله علمني سنة الأذان، وفيه ثم تقول: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله تخفض بها صوتك ثم ترفع صوتك بها، فجعله من سنة الأذان، وهو كذلك في صحيح ابن حبان ومسند أحمد. انتهى. كلام الزيلعي.

(2/124)


مُقَدّمَ رَأْسِي. قال تقولُ: " الله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ، الله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ، تَرْفَعُ بِهَا صَوْتَكَ، ثُمّ تقولُ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاّ الله أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاّ الله أَشْهَدُ أَنّ مُحمّداً رَسُولُ الله، أَشْهَدُ أَنّ مُحمّداً رَسُولَ الله، تَخْفِضُ بِهَا صَوْتَكَ، ثُمّ تَرْفَعَ صَوْتَكَ بالشّهَادَةِ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاّ الله، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاّ الله، أَشْهَدُ أَنّ مُحمّداً رَسُولَ الله، أَشْهَدُ أَنّ مُحمّداً رَسُولَ الله، حَيّ عَلَى الصّلاَةِ، حَيّ عَلَى الصّلاَةِ، حَيّ عَلَى الْفَلاَحِ حَيّ عَلَى الْفَلاَحِ. فَإِنْ كان صَلاَةَ الصّبْحِ قُلْتَ: الصّلاةُ خَيْرٌ مِنَ النّوْمِ، الصّلاَةُ خَيْرٌ مِنَ النّوْمِ، الله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ، لا إِلَهَ إِلاّ الله"
__________
قلت: وتؤيد هذه الرواية ما أخرجه الطبراني على ما نقله الزيلعي ولفظه عن سعيد بن أبي عروبة عن عامر بن عبدالواحد عن مكحول عن عبدالله بن أبي محيريز عن أبي محذورة قال: علمني النبي صلى الله عليه وسلم الأذان تسع عشر كلمة والإقامة سبع عشر كلمة.
"قال": أبو محذورة "فمسح": أي النبي صلى الله عليه وسلم "مقدم رأسي": ليحصل له بركة يده الموصولة إلى الدماغ وغيره فيحفظ ما يلقي إليه ويملي عليه "قال تقول": بتقدير أن أي الأذان قولك، وقيل أطلق الفعل وأريد به الحدث على مجاز ذكر الكل وإرادة البعض، أو خبر معناه الأمر أي قال " ترفع بها صوتك ": جملة أو استئنافية مبينة " حي على الفلاح" : معناه هلم، ومعنى الفلاح: الفوز قال العيني قال ابن الأنباري: فيه ست لغات: حي هلا بالتنوين وفتح اللام بغير تنوين وتسكين الهاء وفتح اللام بغير تنوين وفتح الهاء وسكون اللام وحي هلن وحي هلين. انتهى. " فإن كان ": أي الوقت أو ما يؤذن لها " صلاة الصبح ": بالنصب أي وقته، وقيل بالرفع فكان تامة "قلت": أي في أذانها " الصلاة خير من النوم ": أي لذتها خير من لذته عند أرباب الذوق وأصحاب الشوق، ويمكن أن يكون من باب العسل أحلى من الخل. قاله علي القاري. وفي الحديث إثبات الترجيع وأن النبي صلى الله عليه وسلم علم بنفسه أبا محذورة الأذان مع الترجيع وفيه تربيع التكبير في أول الأذان، والترجيع هو العود إلى الشهادتين مرتين برفع الصوت بعد قولها مرتين مرتين بخفض الصوت. قال في النيل: وذهب الشافعي ومالك وأحمد وجمهور العلماء إلى أن الترجيع في الأذان ثابت لهذا الحديث وهو حديث صحيح مشتمل على زيادة غير منافية، فيجب قبولها، وهو أيضاً متأخر عن حديث عبدالله بن زيد قال في شرح مسلم: إن حديث أبي محذورة سنة ثمان من الهجرة بعد حنين وحديث عبدالله بن زيد في أول الأمر، ويرجحه أيضاً عمل أهل مكة والمدينة به. قال النووي: وقد ذهب جماعة من المحدثين وغيرهم إلى التخيير

(2/125)


497 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ حدثنا أَبُو عَاصِمٍ وَعَبْدُ الرّزّاقِ عن ابنِ جُرَيْحٍ قال أَخْبرني عُثْمانُ بنُ السّائِبِ أَخبرني أَبي وَ أُمّ عَبْدِالمَلِكِ بنِ أَبي مَحْذُورَةَ عن أَبي مَحْذُورَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَ هَذَا الْخَبرِ وَفِيهِ " الصّلاَةُ خَيْرٌ مِنَ النّوْمِ الصّلاَةُ خَيْرٌ مِنَ النّوْمِ في اْلأُولَى مِنَ الصّبْحِ "
قال أَبُو دَاوُد: وحديثُ مُسَدّدٍ أَبْيَنُ، قال فيه وَعَلّمَني اْلإِقَامَةَ مَرّتَيْنِ مَرّتَيْنِ، الله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاّ الله، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاّ الله، أَشْهَدُ أَنّ مُحمّداً رَسُولَ الله، أَشْهَدُ أَنّ مُحمّداً رَسُولَ الله، حَيّ عَلَى الصّلاَةِ، حَيّ عَلَى الصّلاَةِ، حَيّ عَلَى الْفَلاَحِ، حَيّ عَلَى الْفَلاَحِ، الله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ، لا إِلَهَ إِلاّ الله.
قال أَبُو دَاوُد، وقال عَبْدُ الرّزّاقِ: وَإِذَا قُمْتَ أَقَمْتَ الصّلاَةَ" فَقُلْهَا مَرّتَيْنِ: قَدْ قَامَتِ الصّلاَةُ، قَدْ قَامَتِ الصّلاَةُ، أَسَمِعْتَ. قال: فَكَانَ أَبُو مَحْذُورَةَ لاَ يَجُزّ نَاصِيَتَهُ ولا يَفْرِقُهَا، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم مَسَحَ عَلَيْهَا.
__________
بين فعل الترجيع وتركه، وفيه التثويب في صلاة الفجر. انتهى. وإنما اختص الرجيع بالتشهد لأنه أعظم ألفاظ الأذان.
"وعبدالرزاق": هو معطوف على أبي عاصم "قال": ابن جريج "أخبرني أبي وأم عبدالملك": هو معطوف على أبي "نحو هذا الخبر": أي مثل حديث مسدد الذي سبق "وفيه": أي في حديث أبي عاصم وعبدالرزاق. وأما حديث عبدالرزاق فأخرجه الدارقطني بتمامه في سننه "الصلاة خير من النوم في الأولى": أي في الأذان للصلاة الأولى "من الصبح بيان للأولى وفي رواية الدارقطني فإذا أذنت بالأولى من الصبح": "قال أبو داوود: وحديث مسدد أبين": أي أتم وأكمل في بيان ألفاظ الأذان من حديث الحسن بن علي وإن كان في حديث الحسن بن علي زيادة ألفاظ الإقامة ما ليست في حديث مسدد، لكن رواية مسدد أتم بالنسبة إليه في ألفاظ الأذان والله أعلم "قال فيه": أي قال ابن جريج في حديثه "وعلمني الإقامة مرتين مرتين الله أكبر الله أكبر": كلمتان في أول الإقامة "فقلها": أي كلمة قد قامت الصلاة "أسمعت": الهمزة للاستفهام يعني قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي محذورة: أسمعت ما قلت لك في أمر الأذان الإقامة "قال": أي السائب "فكان أبو محذورة لا يجز": أي لا يقطع من باب قتل. يقال: جززت الصوف جزاً أي قطعته "ناصيته": أي شعر ناصيته.

(2/126)


498 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ حدثنا عَفّانُ وَ سَعِيدُ بنُ عَامِرٍ وَ حَجّاجٌ الْمَعْنَى وَاحِدٌ قالوا حدثنا هَمّامٌ حدثنا عَامِرٌ اْلأَحْوَلُ حدثني مَكْحُولٌ أَنّ ابنَ مُحَيْرِيزٍ حَدّثَهُ أَنّ أَبَا مَحْذُورَةَ حَدّثَهُ أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم علمّه اْلأَذَانَ تَسْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً، وَاْلإِقَامَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً، اْلأَذَانَ: الله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاّ الله، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاّ الله، أَشْهَدُ أَنّ مُحمّداً رَسُولُ الله، أَشْهَدُ أَنّ مُحمّداً رَسُولُ الله، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاّ الله، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاّ الله، أَشْهَدُ أَنّ مُحمّداً رَسُولُ الله، أَشْهَدُ أَنّ مُحمّداً
__________
"حدثنا همام": بن يحيى البصري أحد الأئمة الأثبات. قال أبو حاتم: ثقة صدوق في حفظه شيء. وسئل عن أبان وهمام فقال همام: أحب إلى ما حدث من كتابه وإذا حدث من حفظه فهما متقاربان. وقال الحسن بن علي الحلواني: سمعت عفان يقول: كان همام لا يكاد يرجع إلى كتابه ولا ينظر فيه، وكان يخالف فلا يرجع إلى كتابه ثم رجع بعد فنظر في كتبه فقال: ياعفان كنا نخطىء كثيراً فنستغفر الله قاله في غاية المقصود "أن ابن محيريز حدثه": أي مكحولاً "أن أبا محذورة حدثه": أي ابن محيريز "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمه": أي أبا محذورة "الأذان تسع": بتقديم التاء الفوقانية قبل السين المهملة "عشرة": بتقديم التاء الفوقانية قبل السين المهملة "عشرة": بسكون الشين وتكسر "كلمة": مع الترجيع "والأقامة": بالنصب عطفاً على الأذان أي وعلمه الإقامة "سبع": بتقديم السين قبل بالباء الموحدة "عشرة": بالوجهين "كلمة": لأنه ترجيع فيها فانحذف عنها كلمتان وزيدت الإقامة شفعاً "الأذان الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر": أربع كلمات في أوله "أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله": بتثنية الشهادتين "أشهد أن لا إله ألا الله أشهد أن لا إله ألا الله أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله": بترجيع الشهادتين مثنى مثنى، هكذا في النسخ الصحيحة بإثبات ألفاظ الترجيع، وكذا في نسخ المنذري. وقال الزيلعي: أخرج أبو داوود عن همام بن يحيى عن عامر الأحول وفيه الأذان تسع عشرة كلمة والإقامة بسبع عشرة كلمة، فذكر الأذان مفسراً بتربيع التكبير أوله وفيه الترجيع، ورواه الترمذي والنسائي مختصراً لم يذكراً فيه لفظ الأذان والإقامة، إلا أن النسائي قال ثم عدها أبو محذورة تسع عشرة كلمة وسبع عشرة كلمة. انتهى كلام الزيلعي.
وقال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في الإمام: إن في حديث همام ذكر الكلمات تسع عشر وسبع عشر، وهذا ينفي الغلط في العدد بخلاف غيره من الروايات فإنه قد يقع فيها اختلاف وإسقاط، وقد وجد متابع لهمام في روايته عن عامر كما أخرجه الطبراني عن سعيد بن أبي عروبة عن عامر بن عبدالواحد عن مكحول عن عبدالله بن محيريز عن أبي محذورة قال:

(2/127)


رَسُولُ الله، حَيّ عَلَى الصّلاَةِ، حَيّ عَلَى الصّلاَةِ، حَيّ عَلَى الْفَلاَحِ، حَيّ عَلَى الْفَلاَحِ، الله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ، لا إِلَهَ إِلاّ الله. وَاْلإقَامَةُ : الله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاّ الله، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاّ الله، أَشْهَدُ أَنّ مُحمّداً رَسُولُ الله، أَشْهَدُ أَنّ مُحمّداً رَسُولُ الله، حَيّ عَلَى الصّلاَةِ، حَيّ عَلَى الصّلاَةِ، حَيّ عَلَى الْفَلاَحِ، حَيّ عَلَى الْفَلاَحِ، قَدْ قَامَتِ الصّلاَةُ، قَدْ قَامَتِ الصّلاَةُ، الله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ، لا إِلَهَ إِلاّ الله " كَذَا في كِتَابِهِ في حديثِ أَبي مَحْذُورَةَ.
__________
"علمني النبي صلى الله عليه وسلم الأذان تسع عشرة كلمة والإقامة سبع عشرة كلمة". انتهى كلامه. وهكذا أخرجه الدارمي من طريق سعيد بن عامر عن همام عن عامر الأحول بإسناده بإثبات ألفاظ الترجيع وكذا أخرجه الدارقطني والدارمي من طريق أبي الوليد الطيالسي مثله. وقال الحافظ في التلخيص: حديث أبي محذورة أخرجه الشافعي وأبو داوود والنسائي وابن ماجه وابن حبان ورواه مسلم من حديث أبي محذورة فذكر التكبير في أوله مرتين فقط. وقال ابن القطان: الصحيح في هذا تربيع التكبير وبه يصح كون الأذان تسع عشرة كلمة، وقد يقع في بعض روايات مسلم بتربيع التكبير وهي التي ينبغي أن تمد في الصحيح وقد رواه أبو نعيم في المستخرج والبيهقي من طريق إسحاق بن إبراهيم عن معاذ بن هشام بسنده وفيه تربيع التكبير وقال بعده: أخرجه مسلم عن إسحاق وكذلك أخرجه أبو عوانة في مستخرجه من طريق علي بن المديني عن معاذ انتهى وما وجد في بعض نسخ الكتاب بإسقاط ألفاظ الترجيع هو غلط قطعاً لا يعتبر به والله أعلم. قاله في غاية المقصود..
" حي على الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح حي على الفلاح ": بتثنية الحيعلتين "الله أكبر الله أكبر ": بتثنية التكبير " لا إله إلا الله ": مرة واحدة فصارت كلمة الأذان تسع عشرة كلمة بتربيع التكبير أوله وتثنية الشهادتين ثم يرجع بها مثنى مثنى، وتثنية الحيعلتين وتثنية التكبير ويختم بلا إله إلا الله مرة "والإقامة الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر": بتربيع التكبير في أولها " أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله": بثنية الشهادتين " حي على الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح حي على الفلاح" بتثنية الحيعلتين، " قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة ": مرتين " الله أكبر الله أكبر": بتثنية التكبير " لا إله إلا الله ": مرة واحدة فهذه سبع عشرة كلمة "كذا في كتابه في حديث أبي محذورة": يشبه أن يكون المعنى أن هكذا في كتاب همام بن يحيى في حديث أبي محذورة بذكر ألفاظ الإقامة سبع عشرة كلمة، وهذا تثبيت لرواية همام ابن يحيى أنه حدث هكذا من كتابه دون حفظه، وتقدم أن هماماً كان صاحب كتاب، فإذا حدث من كتابه

(2/128)


499 حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ حدثنا أَبُو عَاصِمٍ حدثنا ابنُ جُرَيْجٍ أخبرني ابنُ عَبْدِالمَلِكِ بنِ أَبي مَحْذُورَةَ يَعْني عَبْدَالْعَزِيزِ عن ابنِ مُحَيْرِيزٍ عن أَبي مَحْذُورَةَ قال: أَلْقَى عَلَيّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم التّأْذِينَ هُوَ بِنَفْسِهِ فقال قُلْ: " الله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاّ الله، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَه إِلاّ الله، أَشْهَدُ أَنّ مُحمّداً رَسُولُ الله، أَشْهَدُ أَنّ مُحمّداً رَسُولُ الله مَرّتَيْنِ مَرّتَيْنِ. قال : ثُمّ ارْجِع فَمُدّ مِنْ صَوْتِكَ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاّ الله، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاّ الله، أَشْهَدُ أَنّ مُحمّداً رَسُولُ الله، أَشْهَدُ أَنّ مُحمّداً رَسُولُ الله، حَيّ عَلَى الصّلاَةِ، حَيّ عَلَى الصّلاَةِ، حَيّ عَلَى الْفَلاَحِ، حَيّ عَلَى الْفَلاَحِ، الله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ لا إِلَهَ إِلاّ الله"
- 500 حدثنا النّفَيْلِيّ أخبرنا إِبراهِيمُ بنُ إِسْمَاعِيلَ بنِ عَبْدَالمَلِكِ بنِ أَبي
__________
أتقن فلا يقال إن هماماً وهم في ذكر الإقامة كما قال البيهقي في المعرفة إن مسلم بن الحجاج ترك رواية همام عن عامر واعتمد على رواية هشام عن عامر التي ليس فيها ذكر الإقامة. انتهى كلام البيهقي.
قلت: روى همام بن يحيى عن عامر الأحول في حديث أبي محذورة الترجيع والإقامة كما في الكتاب، ورواه هشام الدستوائي عن عامر فيه الترجيع دون الإقامة كما أخرجه مسلم عنه، لكن عدم تخريج مسلم له لا يقتضي لعدم صحته لأنه لم يلتزم إخراج كل الصحيح، وعلى أنه قد تابع سعيد بن أبي عروبة هماماً في روايته عن عامر كما تقدم فلا وهم لرواية همام والله أعلم. قاله في غاية المقصود.
"أخبرني ابن عبدالملك": وفي رواية الدارقطني: أخبرني عبدالعزيز بن عبدالملك بن أبي محذورة أن عبدالله بن مجيرز أخبره، وكان يتيماً في حجر أبي مخذورة. الحديث "عن ابن محيريز": كذا في أكثر النسخ، وهكذا في تحفة الأشراف، وهو عبدالله بن محيريز، وفي بعض النسخ عن ابن أبي محيريز وهو غلط "عن أبي محذورة": إسمه سمرة أو سلمة بن مغيرة. قاله علي القاري في المرقاة "قال ألقي": أي أملى "علي رسول الله صلى الله عليه وسلم التأذين هو نفسه": التأذين بمعنى الأذان. قال الطيبي: أي لقنني كل كلمة من هذه الكلمات رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني أبو محذورة تصوير تلك الحالة ولهذا عدل عن الماضي إلى المضارع في قوله: ثم تعود فتقول. انتهى. والظاهر أنه عدول عن الأمر إلى المضارع، قاله علي القاري " فمد من صوتك ": أمر من مد يمد. في الحديث إثبات الترجيع.

(2/129)


مَحْذُورَةَ قال سَمِعْتُ جَدّي عَبْدِالمَلِكِ بنِ أَبي مَحْذُورَةَ يَذْكُرُ أَنّهُ سَمِعَ أَبا مَحْذُورَةَ يقولُ: أَلْقَى عَلَيّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم اْلأَذَانَ حَرْفاً حَرْفَاً: " الله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاّ الله، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاّ الله، أَشْهَدُ أَنّ مُحمّداً رَسُولُ الله، أَشْهَدُ أَنّ مُحمّداً رَسُولُ الله، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاّ الله، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاّ الله، أَشْهَدُ أَنّ مُحمّداً رَسُولُ الله، أَشْهَدُ أَنّ مُحمّداً رَسُولُ الله، حَيّ عَلَى الصّلاَةِ، حَيّ عَلَى الصّلاَةِ، حَيّ عَلَى الْفَلاَحِ، حَيّ عَلَى الْفَلاَحِ، قال: وكَانَ يقولُ في الْفَجْرِ : الصّلاَةُ خَيْرٌ مِنَ النّوْمِ "
- 501 حدثنا مُحمّدُ بنُ دَاوُدَ اْلإِسْكَنْدَرَانِيّ حدثنا زِيَادٌ يَعْنِي ابنَ يُونُسَ عن نَافِعِ ابنِ عُمَرّ يَعْنِي الْجُمَحِيّ عن عَبْدِالمَلِكِ بنِ أَبي مَحْذُورَةَ أَخْبَرَهُ عن عَبْدِالله بنِ مُحَيْرِيزٍ الْجُمَحِيّ عن أَبي مَحْذُورَةَ أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عَلّمَهُ اْلأَذَانَ. يقولُ: " الله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاّ الله، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاّ الله " ثُمّ ذَكَرَ مِثْلَ أَذَانِ حديثِ ابنِ جُرَيْجٍ عن عَبْدِالْعَزِيزِ بنِ عَبْدِالمَلِكِ وَمَعْنَاهُ.
قال أَبُو دَاوُد: وفي حديثِ مَالِكِ بنِ دِينَارٍ قال سَأَلْتُ ابنَ أَبي مَحْذُورَةَ قُلْتُ
__________
"قال": أي إبراهيم بن إسماعيل "سمعت جدي عبدالملك": هو بالنصب بدل عن جدي "يذكر": أي عبدالملك "يقول": أبو محذورة " أشهد ": أي أعلم وأبين " أن لا إله ألا الله ": أي لامعبود بحق في الوجود إلا الله " حي على الصلاة ": قال الطيبي: معنى الحيعلتين هلم بوجهك وسريرتك إلى الهدى عاجلاً، والفوز بالنعيم آجلاً انتهى. قال المنذري: حديث أبي محذورة أخرجه مسلم مقتصراً منه على الأذان خاصة وفيه التكبير مرتين والترجيع، وأخرجه الترمذي، والنسائي وابن ماجه مختصراً ومطولاً انتهى. وفي الحديث إثبات الترجيع والقول في الفجر الصلاة خير من النوم.
" الله أكبر الله أكبر": بثنية التكبير في أول الأذان، ورواية تربيع التكبير في أول الأذان أكبر "ثم ذكر": أي نافع بن عمر "مثل أذان حديث ابن جريج": أي في حديث نافع بن عمر تثنية التكبير في أول الأذان بخلاف رواية ابن جريج فإن فيها تربيع التكبير في أول الأذان، وأما باقي ألفاظ الأذان في رواية نافع بن عمر مثل ألفاظ الأذان لرواية بن جرير التي مضت، ومعنى رواية مع إثبات الرجيع "وفي حديث مالك بن دينار إلخ": يعني في رواية مالك بن دينار أيضاً تثنية

(2/130)


حَدّثُني عن أَذَانِ أَبِيكَ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَذَكَرَ فقال: "الله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ قَطْ. وكَذَلِكَ حديثُ جَعْفَرٍ بنِ سُلَيْمانَ عن ابنِ أَبي مَحْذُورَةَ عن عَمّهِ عن جَدّهِ، إِلاّ أَنّهُ قال " ثُمّ تَرَجّع فَترَفّعْ صَوْتَكَ الله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ "
- 502 حدثنا عَمَرُو بنُ مَرْزُوقٍ أخبرنا شُعْبَةُ عن عَمْرِو بنِ مُرّةَ قال سَمِعْتُ ابنَ أَبي لَيْلَى ح. وحدثنا ابنُ المُثَنّى حدثنا مُحمّدُ بنُ جَعْفَرٍ عن شُعْبَةَ عن عَمْرِو بنِ مُرّةَ قال سَمِعْتُ ابنَ أَبي لَيْلَى قال: أُحِيلَتِ الصّلاَةُ ثَلاَثَةَ أَحْوَالٍ. قال وحدثنا أَصْحَابُنَا أَنّ
__________
التكبير في أول الأذان كما في رواية نافع بن عمر الجمحي عن عبدالملك، وقط بمعنى حسب "وكذلك": أي مثل رواية نافع بن عمر بتثنية التكبير وباقي الألفاظ مثل رواية ابن جريج "عن عمه": أي عمر ابن أبي محذورة "عن جده": أي جد ابن أبي محذورة "إلا أنه قال": أي جعفر بن سليمان في حديثه "ثم ترجع فترفع صوتك": وفي حديث ابن جريج ثم ارجع فمد من صوتك "الله أكبر الله أكبر": هذا بيان التشبيه، أي وكذلك حديث جعفر بتثنية التكبير: الله أكبر الله أكبر.
"سمعت ابن أبي ليلى": هو عبدالرحمَن تابعي "أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال": أي نقلت من حال إلى حال، قال ابن الأثير في النهاية: معناها غيرت ثلاث تغييرات أو حولت ثلاث تحويلات. انتهى. يعني كانت الصلاة في ابتداء الإسلام من رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثلاثة وجوه، والمراد من الإحالة التغيير كما سيأتي بيانها، والمراد من الصلاة الصلاة مع متعلقاتها ليتناول الأذان "قال": أي ابن أبي ليلى "وحدثنا أصحابنا": وفي رواية لأحمد عن عبدالرحمَن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل، وهذا شروع في بيان الحال الأول من الأحوال الثلاثة. قال المنذري إن أراد الصحابة فهو قد سمع من جماعة الصحابة فيكون الحديث مسنداً وإلا فهو مرسل. انتهى. قال ابن رسلان في شرح السنن: قال شيخنا الحافظ ابن حجر في رواية أبي بكر ابن أبي شيبة وابن خزيمة والطحاوي والبيهقي. حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فتعين الاحتمال الأول، ولهذا صححها ابن حزم وابن دقيق العيد. انتهى كلامه. وقال الزيلعي في نصب الراية بعد ذكر قول المنذري، قلت: أراد به الصحابة، صرح بذلك ابن أبي شيبة في مصنفه، فقال: حدثنا وكيع حدثنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن عبدالرحمَن بن أبي ليلى قال: حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن عبدالله بن زيد الأنصاري جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله رأيت في المنام كان رجلاً قام عليه بردان أخضران، فقام على حائط فأذن مثنى مثنى وأقام مثنى مثنى. انتهى. وأخرجه البيهقي في سننه عن وكيع به. قال في الإمام: وهذا

(2/131)


رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "لَقَدْ أَعْجَبَنِي أَنْ تَكُونَ صلاةُ المُسْلِمينَ أو قال المُؤْمِنِينَ وَاحِدَةً، حَتّى لَقَدْ هَمَمْتُ أَنُ أَبُثّ رِجَالاً في الدّورِ يُنَادُونَ النّاسَ بِحِينِ الصَلاَةَ، وَحَتّى هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رِجَالاً يَقُومُون عَلَى الآطَامِ يُنَادُونَ المُسْلِمينَ بِحِينِ الصّلاَةِ، حَتّى نَقَسُوا أَوْ كَادُوا أَنْ يَنْقُسُوا ". قال: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ اْلأَنْصَارِ فقال: يَارسولَ الله إِنّي لَمّا رَجَعْتُ لِمَا رَأَيْتُ مِنَ اهْتِمَامِكَ رَأَيْتُ رَجُلاً كان عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ أَخْضَرَيْنِ فَقَامَ عَلَى المَسْجِدِ فَأَذّنَ ثُمّ قَعَدَ قعدة، ثُمّ قامَ فقال مِثْلَهَا، إِلاّ أَنّهُ يقولُ قَدْ قَامَتِ الصّلاَةُ، وَلَوْلاَ
__________
رجال الصحيح، وهو متصل على مذهب الجماعة في عدالة الصحابة، وأن جهالة أسمائهم لا تضر "أو قال المؤمنين": هو شك من الراوي " واحدة ": أي بإمام واحد مع الجماعة لا منفرداً وكان الناس يصلون منفرداً من غير جماعة " أن أبعث رجالاً ": أي أنشرهم. في المصباح المنير: بث السلطان الجند في البلاد، أي نشرهم من باب قتل. انتهى. وحاصل المعنى أن أبعث رجالاً " في الدور ": جمع دار أي في المحلات " ينادون الناس ": ويخبرونهم " بحين الصلاة ": قال ابن رسلان: يحتمل أن تكون الباء بمعنى في أي وقت الصلاة كقوله تعالى {وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} أي في وقت الأسحار يستغفرون وقوله تعالى {وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ} والصحيح أن الظرفية التي بمعنى في تدخل على المعرفة كما في هذه الأمثلة، وتكون مع النكرة، كقوله تعالى { نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ } قال أبو فتح: وتوهم بعضهم أنها لا تقع إلا مع المعرفة، نحو كنا بالبصرة وأقمنا بالمدينة. انتهى " على الأطام ": جمع الأطم بالضم. قال ابن رسلان: بناء مرتفع، وآطام المدينة حصون لأهلها "حتى نقسو أو كادوا أن ينقسوا": شك من الراوي. قال في فتح الودود: حتى نقسوا من نصر أي ضربوا بالناقوس، وجعله بعضهم من التنقيس بمعنى الضرب بالناقوس "قال": أي ابن أبي ليلى "فجاء رجل من الأنصار": وفي رواية لأحمد ثم إن رجلاً من الأنصار يقال له عبدالله بن زيد بن عبد ربه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم " إني لما رجعت ": من عندك يارسول الله "لما رأيت من أهتمامك": بكسر اللام وفتح الميم علة لقوله المقدم أي رجعت "رأيت رجلاً": وهو جزاء لما رجعت "فقام": أي الرجل المرئي "على المسجد فأذن ثم قعد قعدة ثم قال فقال مثلها إلا أنه يقول قد قامت الصلاة": وفي رواية الأحمداني بينا أنا بين النائم واليقظان إذ رأيت شخصاً عليه ثوبان أخضران فاسقتبل القبلة فقال الله أكبر الله أكبر. أشهد أن لا إله ألا الله مثنى حتى فرغ من الأذان ثم أمهل ساعة قال مثل الذي قال غير أنه يزيد في ذلك قد قامت الصلاة مرتين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم علمها بلالاً فليؤذن بها، فكان بلال أول من أذن بها. قال وجاء عمر بن الخطاب فقال يارسول الله قد طاف بي مثل

(2/132)


أَنْ يقولَ النّاسُ قال ابنُ المُثَنّى أَنْ تَقُولُوا لَقُلْتُ إِنّي كِنْتُ يَقْظَاناً غَيْرَ نَائِمٍ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وقال ابنُ المُثَنّى: " لَقَدْ أَرَاكَ الله خَيْرَاً"، وَلَمْ يَقُلْ عَمْرٌو لَقَدْ أراك الله خيراً فَمُرْ بِلاَلاً فَلْيُؤَذّنْ ". قال فقال عُمَرُ: أَمَا إِنّي قَدْ رَأَيْتُ مِثْلَ الّذِي رَأَى وَلَكِنْ لَمّا سُبِقْتُ اسْتَحْيَيْتُ. قال وحدثنا أَصْحَابُنَا. قال: كان الرّجُلُ إِذَا جَاءَ يَسْأَلُ فَيُخْبَرُ بِمَا سُبِقَ مِنْ صَلاَتِهِ، وَأَنّهُمْ قَامُوا مَعَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ بَيْنِ قَائِمٍ وَرَاكِعٍ وَقَاعِدٍ وَمُصَلَ
__________
الذي طاف به غير أنه سبقني "ولولا أن يقول الناس": أي قال عمرو بن مرزوق أن يقول الناس بصيغة الغائب "قال ابن المثنى": لفظ "أن تقولوا": بصيغة الخطاب مكان أن يقول الناس أي لولا أخاف أن يقول الناس أنه كاذب "لقلت إني كنت يقظاناً غير نائم": يعني أني في رؤياي هذه صادق لا ريب فيها كأني رأيت الرجل المرئي الذي أذن وأقام في حال اليقظة لا في حال النوم. وقوله لقلت جواب لولا، وغير نائم بفتح الراء المهملة تأكيد لقوله يقظان، وفي رواية لأحمداني رأيت فيما يرى النائم ولو قلت إني لم أكن نائماً لصدقت "وقال ابن المثنى لقد أراك الله خيراً ولم يقل عمرو لقد أراك الله خيراً": هذه جملة معترضة، أي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد أراك الله خيراً فمر بلالاً، لكن هذه الجملة أي لقد أراك الله خيراً في رواية ابن المثنى وليست في رواية عمرو "قال": ابن أبي ليلى "مثل الذي رأى": عبدالله بن زيد "ولكن لما سبقت استحييت": أن أقص عليك رؤياي إلى هنا تم الحال الأول من الوجوه المحولة والتغيرات الثلاثة التي وقعت في ابتداء الأسلام. الطول المسموح هو وحاصل المعنى أن التغيير الأول من الوجوه المحولة والتغيرات الثلاثة هو أن المؤمنين كانوا يصلون الصلاة ويؤدونها في ابتداء الاسلام في عهد النبي صلى الله عليه وسلم منفردين من غير أن يجتمعوا ويتفقوا على إمام واحد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لو يجتمع الناس وقت الصلاة ويؤدونها كلهم أجمعون بإمام واحد لكان أحسن، فهذه الحالة تغيرت وتبدلت من الأنفراد والوحدة إلى الجماعة والاتفاق، وأما تجوير النداء والأذان وبث الرجال في الدور فليس من الأحوال الثلاثة، بل هو سبب لوصول وتحصيل هذه الحالة التي ذكرتها "قال": أي ابن ليلى "وحدثنا أصحابنا": وهذا شروع في بيان الحال الثاني من الأحوال الثلاثة "قال كان الرجل إذا جاء": لأداء الصلاة بالجماعة بعد أن استقر حكمها "يسأل": بصيغة المعروف عن المصلين كم صليت مع الإمام وكم بقيت "فيخبر": بصيغة المجهول، أي فيخبره من دخل المسجد قبله ولم يدخل في الصلاة، أو يحبره المصلون بالإشارة كما سيأتي فأشاروا إليه وهذا هو الصحيح "بما سبق": بصيغة المجهول أي بالقدر الذي سبق "من صلاته": أي الرجل المسبوق، وهذه الجملة بيان لما الموصولة "وأنهم قاموا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين قائم وراكع وقاعد ومصل مع

(2/133)


مَعَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم.
قال ابنُ المُثَنّى قال عَمْرٌو: وحدثني بِهَا حُصَيْنٌ عن ابنِ أَبي لَيْلَى حَتّى جَاءَ مُعَاذٌ. قال شُعْبَةُ: وَقَدْ سَمِعْتُهَا مِنْ حُصَيْنٍ فقال: لا أَرَاهُ عَلَى حَالٍ، إِلَى قَوْلِهِ " كَذَلِكَ فَافْعَلُوا ."
__________
رسول الله صلى الله عليه وسلم": أي كانوا قائمين مع النبي صلى الله عليه وسلم لكن ما كان كل من دخل في الجماعة يصنع كما يصنع النبي صلى الله عليه وسلم بل بعضهم في القيام، وبعضهم في الركوع وبعضهم في القعدة، وبعضهم يصنع كما يصنع النبي صلى الله عليه وسلم، وهو المراد بقوله ومصل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك لأنهم كانوا إذا جاءوا ودخلوا المسجد يسألون عن المقدار الذي فات عنهم فيخبرون بما سبقوا من صلاتهم فيلحقون النبي صلى الله عليه وسلم، يكن يؤدون ما سبقوا منها ثم يصنعون كما يصنع النبي صلى الله عليه وسلم هكذا يفهم المعنى من رواية الكتاب. ويحتمل أنهم لما دخلوا المسجد صلوا ما فات عنهم على حدة من غير دخول في الجماعة، ولما فرغوا من أداء ما فات عنهم دخلوا في الجماعة وصلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم. ويؤيد هذا المعنى رواية أحمد في مسنده ولفظه "وكانوا يأتون الصلاة وقد سبقهم النبي صلى الله عليه وسلم بعضها فكان الرجل يشير إلى الرجل إذن كم صلى فيقول: واحدة أو اثنتين فيصليها ثم يدخل مع القوم في صلاتهم. قال: فجاء معاذ فقال لا أجده على حال أبداً إلا كنت عليها ثم قضيت ما سبقني.قال: فجاء وقد سبقه النبي صلى الله عليه وسلم ببعضها، قال: فثبت معه، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قام فقضى" الحديث. قاله في غاية المقصود.
"قال ابن المثنى": بإسناده إلى شعبة "قال عمرو": بن مرة "وحدثني بها": أي بهذه الرواية "حصين": بن عبدالرحمَن السلمي الكوفي، روى عنه شعبة والثوري وثقه أحمد أي حدثني حصين كما حدثني به ابن أبي ليلى "عن ابن أبي ليلى": فروى عمر بن مرة عن ابن أبي ليلى بلا واسطة، وروى أيضاً بواسطة حصين عن ابن أبي ليلى. قاله في غاية المقصود "حتى جاء معاذ": يشبه أن يكون المعنى أن عمرو بن مرة روى عن حصين عن ابن أبي ليلى من أول الحديث إلى هذا القول أي حتى جاء معاذ، وأما باقي الحديث فروى عمرو بن مرة عن ابن أبي ليلى نفسه. قاله في غاية المقصود.
"قال شعبة": بن الحجاج "وقد سمعتها": هذه الرواية أنا أيضاً "من حصين": ابن عبدالرحمَن وزادني حصين على قوله: حتى جاء معاذ هذه الجملة الآتية "فقال": معاذ "لا أراه على حال إلى قوله": وهو إلا كنت عليها. قال فقال: إن معاذاً قد سن لكم سنة " كذلك فافعلوا ": ففي رواية شعبة عن حصين: تم الحديث إلى قوله: كذلك فافعلوا. في رواية عمرو بن مرة عن

(2/134)


قال أَبُوا دَاوُدَ: ثُمّ رَجَعْتُ إِلَى حديثِ عَمْرِو بنِ مَرْزُوقٍ، قال: فَجَاءَ مُعَاذُ فأَشَارُوا إِلَيْهِ. قال شُعْبَةُ: وَهَذِهِ سَمِعْتُهَا مِنْ حُصَيْنٍ. قال فقال مُعَاذٌ: لا أَرَاهُ عَلَى حَالٍ إِلاّ كُنْتُ عَلَيْهَا. قال فقال إِنّ مُعَاذاً : " قَدْ سَنّ لَكُمْ سُنّةً كَذَلِكَ فَافْعَلُوا". قال وحدثنا أَصْحَابُنَا
__________
حصين تم الحديث، إلى قوله حتى جاء معاذ. قاله في غاية المقصود. قال أبو داوود ثم رجعت إلى حديث عمرو بن مرزوق لأنه أتم سياقاً وأكثر بياناً من حديث ابن المثنى "قال": عمرو ابن مرزوق بإسناده إلى ابن أبي ليلى "فجاء معاذ فأشاروا إليه": بالذي سبق به من الصلاة وأفهموه بالإشارة أنه سبق بكذا وكذا ركعة "قال شعبه وهذه": الجملة "سمعتها": أي الجملة "من حصين": كرر شعبة ذلك للتأكيد وإعلاماً بأن عمرو ابن مرة وإن روى عن حصين إلى قوله: حتى جاء معاذ لكن أنا أروي عن حصين إلى قوله: فافعلوا كذلك. ومحصل الكلام أن شعبة روى هذا الحديث من طريقين. الأولى عن عمرو بن مرة عن ابن أبي ليلى وهو متن طويل من أول الحديث إلى آخر الحديث. والثانية عن حصين عن ابن أبي ليلى وهو من أول الحديث إلى قوله: إن معاذاً قد سن لكم سنة كذلك فافعلوا، وأما عمرو ابن مرة شيخ شعبة، فهو أيضاً روى الحديث من طريقين. الأولى عن ابن أبي ليلى نفسه أطول وروايته عن حصين هي إلى قوله: حتى جاء معاذ، فهي مختصرة. هذا يفهم من ظاهر عبارة الكتاب. والله أعلم بمراد المؤلف الإمام. قاله في غاية المقصود.
"قال": ابن أبي ليلى "فقال معاذ لا أراه": أي النبي صلى الله عليه وسلم "على حال إلا كنت عليها": أي على تلك الحالة ولا أؤدي ما سبقت بل أصنع كما يصنع النبي صلى الله عليه وسلم فإذا سلم اقضي ما سبقت وبيانه أن معاذ بن جبل لما دخل المسجد لأداء الصلاة فأشار الناس إليه عما فات من صلاته على عادتهم القديمة فرد معاذ بن جبل قولهم وقال لا أفعل هكذا ولا أؤدي الصلاة الفائتة أو لا بل أدخل في الجماعة مع القوم ونصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أي حال كان النبي صلى الله عليه وسلم من قيام أو ركوع أو سجود أو قعود ثم أقضي الصلاة التي فاتت مني بعد إتمام النبي صلى الله عليه وسلم صلاته وفراغه منها. ويؤيد هذا المعنى ما في رواية لأحمد قال عبدالرحمَن بن أبي ليلى فجاء معاذ فقال لا أجده على حال أبداً إلا كنت عليها ثم قضيت ما سبقني، قال فجاء وقد سبقه النبي صلى الله عليه وسلم ببعضها قال فثبت معه فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى انتهى.
"قال": معاذ بن جبل "فقال": النبي صلى الله عليه وسلم " إن معاذاً قد سن لكم إلخ": فرضى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فعل معاذ ورغب الناس عليه وأسلكهم على هذه الطريقة. فهذا تغير ثان للصلاة من فعل

(2/135)


أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ أَمَرَهُمْ بِصِيَامِ ثَلاَثَةَ أَيّامٍ، ثُمّ أُنْزِلَ رَمَضَانُ وَكَانُوا قَوْماً لَمْ يَتَعُوّدُوا الصّيَامَ وكَانَ الصّيَامُ عَلَيْهُمْ شَدِيداً، فَكَانَ مَنْ لَمْ يَصُمْ أَطْعَمَ مِسْكِيناً، فَنَزَلَتْ هَذَهِ الآية {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُم الشّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} فَ كَانَتْ الرّخْصَةُ لِلْمَرِيضِ
__________
الناس الذي كانوا عليه إلى فعل معاذ. وإلى ههنا تمت الحالة الثانية للصلاة. وفي رواية لأحمد: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه قد سن لكم معاذ فهكذا فاصنعوا. انتهى.
والحالة الثالثة ليست بمذكورة في هذا الحديث وإنما هي في الرواية الآتية بعد هذا الحديث وفيها قال الحال الثالث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فصلى يعني نحو بيت المقدس ثلاثة عشر شهراً. الحديث، ويجيء شرح الحديث هناك "قال": ابن أبي ليلى "أمرهم": أي المسلمين "بصيام ثلاثة أيام": وفي الرواية الآتية، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر ويصوم يوم عاشوراء "ثم أنزل رمضان": أي صوم رمضان "وكانوا قوماً لم يتعودوا الصيام": أي أن الناس لم تكن عادتهم بالصيام "وكان الصيام عليهم": أي على المسلمين "شديداً": لا يتحملونه "فكان من لم يصم أطعم مسكيناً": وهذا هو الحال الأول من الأحوال الثلاثة للصيام، وفي الرواية الآتية: فكان من شاء أن يصوم صام، ومن شاء أن يفطر ويطعم كل يوم مسكيناً أجزأه ذلك فهذا حول الحديث فنزلت هذه الآية { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } أي فمن كان حاضراً مقيماً غير مسافر فأدركه الشهر فليصمه. والشهود الحضور، وقيل: هو محمول على العادة بمشاهدة الشهر وهي رؤية الهلال ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته " أخرجاه في الصحيحين. وإذا استهل الشهر وهو مقيم ثم أنشأ السفر في أثنائه جاز له أن يفطر حال السفر لحديث ابن عباس الآتي. قاله الخازن في تفسيره. قال البغوي في المعالم وبه قال أكثر الصحابة والفقهاء. قال الخازن: ويجوز له أن يصوم في بعض السفر وأن يفطر في بعضه إن أحب، يدل عليه ما روى عن ابن عباس "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكة عام فتح في رمضان فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطروا وأقطر الناس معه وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم" أخرجاه في الصحيحين. انتهى كلام الخازن. وقال ابن عمر وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما: من أدركه رمضان وهو مقيم ثم أنشأ السفر لا يجوز له الإفطار كما قال السيوطي في الدر المنثور بقوله: أخرج وكيع وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن علي قال: من أدركه رمضان وهو مقيم ثم سافر فقد لزمه الصوم لأن الله يقول: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عمر في قوله: فمن شهد منكم الشهر فليصمه قال من أدركه رمضان في أهله ثم أراد السفر فليصم. انتهى كلام السيوطي رحمه الله تعالى.

(2/136)


وَالمُسَافِرِ، فأُمِرَ بالصّيَامِ. قال وحدثنا أَصْحَابُنَا قال: وَكَانَ الرجُلْ إِذَا أَفْطَرَ فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يَأَكُلَ لَمْ يَأْكُلْ حَتّى يُصْبِحَ. قال: فَجَاءَ عُمَرُ فَأَرَادَ امْرَأَتَهُ فقالت: إِنّي قَدْ نِمْتُ، فَظَنّ أَنّهَا تَعْتَلّ فَأَتَاهَا، فَجَاءَ رَجُلُ مِنَ اْلأَنْصَارِ فأَرَادَ الطّعَامَ، فقالُوا حَتّى نُسَخِنَ لَكَ شَيْئاً، فَنَامَ، فَلمّا أَصْبَحُوا نَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآية فيها {أُحِلّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصّيَامِ الرّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ}
__________
"فكانت الرخصة للمريض والمسافر فأمروا بالصيام": أي غير المريض والمسافر، وهذا هو الحال الثاني للصيام. وفي رواية لأحمد.
وأما أحوال الصيام فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام وصيام عاشوراء، ثم إن الله فرض عليه الصيام وأنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} إلى قوله : {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} فكان من شاء صام ومن شاء أطعم مسكيناً فأجزأ ذلك عنه، ثم إن الله عز وجل أنزل الآية الأخرى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} إلى قوله: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} فأثبت الله صيامه على المقيم الصحيح، ورخص فيه للمريض والمسافر، وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام فهذان حالان للحديث.
"قال": ابن أبي ليلى "وكان الرجل إلخ": وفي رواية للبخاري: إذا كان الرجل صائماً فحضر الإفطار فنام قبل أن يفظر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسى "قال": معاذ بن جبل "فجاء عمر فأراد امرأته فقالت": امرأة عمر "إني قد نمت": قبل أن نأكل "فظن": أي عمر "أنها": أي امرأته "تعتل": من الاعتلال أي تلهى وتزور من تزوير النساء ومعناه بالفارسية بهانه ميكتد. قال في لسان العرب يقال: تعللت بالمرأة تعللا لهوت بها "فأتاها": أي فجامع امرأته "فجاء رجل من الأنصار": إلى أهله وكان صائماً "فأراد الطعام فقالوا": أي أهل بيته لهذا الرجل اصبر "حتى نسخن لك شيئاً": من التسخين أي نحمي لك "فنام": الرجل الأنصاري "فلما أصبحوا نزلت عليه": أي على النبي صلى الله عليه وسلم "هذه الآية": الأتية "فيها": أي في هذه الواقعة {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} وهذا هو الحال الثالث للصيام.
قال السيوطي في تفسير الدر المنثور: أخرج عبدالرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: الدخول والتغشي والإفضاء والمباشرة والرفث واللمس والمس والمسيس الجماع، والرفث في الصيام الجماع، والرفث في الحج الإغراء به. انتهى.

(2/137)


- 503 حدثنا ابنُ المُثَنّى عن أَبي دَاوُدَ ح. وحدثنا نَصْرُ بنُ المُهَاجِرِ حدثنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ عن المَسْعُودِيّ عن عَمْرِو بنِ مُرّةَ عن ابنِ أَبي لَيْلَى عن مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ قال: أُحِيلَتِ الصّلاَةُ ثَلاَثَةَ أَحْوَالٍ وَأُحِيلَ الصّيَامُ ثَلاَثَةَ أَحْوالٍ. وَسَاقَ نَصْرٌ الحديثَ بِطُولِهِ. وَاقْتَصّ ابنُ المُثَنّى مِنْهُ قِصّةَ صَلاَتِهِمْ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ قَطْ. قال: الْحَالُ الثّالثُ أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قَدِمَ المَدِينَةَ فَصَلّى يَعْني نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ ثَلاَثَةَ عَشَرَ شَهْراً، فأَنْزَلَ الله هَذِهِ الآية { قَدْ نَرَى تَقَلّبَ وَجْهِكَ في السّماءِ فَلَنُوَلّيَنّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا
__________
"حدثنا ابن المثنى عن أبي داوود": هو الطيالسي هذا هو الصحيح وهكذا في نحفة الأشراف، وأما في بعض النسخ عن أبي رواد فهو غلط "عن المسعودي": هو عبدالرحمَن بن عبدالله بن عتبة بن مسعود الكوفي المسعودي صدوق اختلط قبل موته وضابطه أن من سمع منه ببغداد فبعد الاختلاط، من السابعة مات سنة ستين وقيل سنة خمس وستين قاله في التقريب "وساق نصر": بن المهاجر "واقتص ابن المثنى منه": أي من الحديث "قط": بمعنى حسب "قال": ابن المثنى "الحال الثالث إلخ": يعني كان النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين يصلون في أول قدومهم المدينة نحو بيت المقدس ثلاثة عشر شهراً لموافقة يهود المدينة ويقصدون بيت المقدس، وفي رواية لأحمد عن عبدالرحمَن ابن أبي ليلى عن معاذ بن جبل قال: أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال وأحيل الصيام ثلاثة أحوال، فأما أحوال الصلاة فإن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وهو يصلى سبعة عشر شهراً إلى بيت المقدس ثم أن الله عز وجل أنزل عليه: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} الآية فوجهه الله إلى مكة هذا حول. انتهى. قلت: وما في رواية أحمد: توجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس سبعة عشر شهراً هو الصحيح، وموافق لما في صحيح البخاري وغيرة ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً. وفي صحيح مسلم والنسائي ستة عشر شهراً من غير شك، ورجحة النووي في شرح مسلم والحافظ في فتح الباري، وما في رواية الكتاب ثلاثة عشر شهراً، فهو يعارض ما في الصحيحين وضعف الحافظ بن حجر رواية ثلاثة عشر شهراً، وأشبع الكلام فيه وأطاب والله أعلم ولما غلب أهل الإسلام وتمنى النبي صلى الله عليه وسلم ودعا ربه تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، فقبل الله تعالى دعاء النبي صلى الله عليه وسلم "فأنزل الله هذه الآية": الآتية {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ }: يعني تردد وجهك وتصرف نظرك {فِي السَّمَاءِ} أي إلى جهة السماء {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ} أي فلنحولنك ولنصرفنك {قِبْلَةً} أي ولنصرفنك عن بيت المقدس إلى قبلة {تَرْضَاهَا} أي تحبها وتميل إليها { فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} أي نحوه وتلقاءه وأراد به الكعبة {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ} أي من بر أو بحر مشرق أو

(2/138)


فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} فَوَجّهَهُ الله عَزّ وَجَلّ إِلَى الْكَعْبَةِ، وَتَمّ حَدِيثُهُ، وَسَمّى نَصْرٌ صَاحِبَ الرّؤْيَا. قال: فَجَاءَ عَبْدَالله بنَ زَيْدٍ رُجُلٌ مِنَ اْلأَنْصَارِ، وقال فيه: فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ قال: الله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاّ الله، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاّ الله، أَشْهَدُ أَنّ مُحمّداً رَسُولُ الله، أَشْهَدُ أَنّ مُحمّداً رَسُولَ الله، حَيّ عَلَى الصّلاَةِ، مَرّتَيْنِ، حَيّ عَلَى الْفَلاَحِ، مَرّتَيْنِ، الله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ، أَشْهَدُ لا إِلَهَ إِلاّ الله. ثُمّ أَمْهَلَ هُنَيّةً، ثُمّ قامَ فقال مِثْلَهَا، إِلاّ أَنّهُ قال زَادَ بَعْدَ ما قال حَيّ عَلَى الْفَلاَحِ، قَدْ قَامَتِ الصّلاَةُ، قَدْ قَامَتِ الصّلاَةُ. قال فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: " لَقّنْهَا بِلاَلاً . فَأَذّنَ بِهَا بِلاَلٌ".وقال في الصّوْمِ قال: فإِنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يَصُومُ ثَلاَثَةَ أَيّامِ مِنْ كلّ شَهْرٍ، وَيَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فأَنْزَلَ الله {كُتِبَ عَلَيْكُم الصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلّكُم تَتّقُونَ، أَيّاماً مَعْدُودَاتٍ، فَمَنْ كان مِنْكُم مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدّةٌ مِنْ أَيّام
__________
مغرب {فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} أي نحو البيت وتلقاءه فحولت القبلة، وهذه حالة ثالثة لتغير الصلاة "وتم حديثه": أي ابن المثنى "وسمي نصر": بن المهاجر "وقال": أي نصر أن المهاجر عن يزيد بن هارون "فيه": أي في هذا الحديث "فاستقبل القبلة": أي الرجل المرئي "ثم أمهل": الرجل المرئي "هنية": أي زماناً قليلاً "إلا أنه قال": أي عبدالله بن زيد "زاد" الرجل المرئي:"قال": معاذ بن جبل "فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم": لعبدالله بن زيد "لقنها": أي كلمة الأذان "فأذن بها بلال": بهؤلاء الكلمات "وقال": نصر بن المهاجر بسنده "في الصوم قال": معاذ بن جبل { كُتِبَ }: أي فرض {عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ}: والصوم في اللغة الإمساك يقال: صام النهار إذا اعتدل وقام قائم الظهيرة، ومنه قوله تعالى: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً} أي صمتاً لأنه إمساك عن الكلام، والصوم في الشرع عبارة عن الإمساك عن الأكل والشرب والجماع في وقت مخصوص وهو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس مع النية. قاله الخازن في تفسيره " {كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} يعني من الأنبياء والأمم من لدن آدم إلى عهدكم، والمعنى أن الصوم عبادة قديمة أي في الزمن الأول ما أخلى الله أمة لم يفرضه عليهم كما فرضه عليكم، وذلك لأن الصوم عبادة شاقة والشيء الشاق إذا عم سهل عمله. قاله الخازن في تفسيره {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}: يعني ما حرم عليكم في صيامكم، لأن الصوم وصلة إلى التقوى لما فيه من كسر النفس وترك الشهوات من الأكل والجماع وغيرهما {أَيَّاماً}: نصب بالصيام أو يصوموا مقدراً {مَعْدُودَاتٍ}: أي قلائل أي موقتات

(2/139)


أُخَرَ، وَعَلَى الّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} فَكَانَ مَنْ شَاءَ أَنْ يَصُومَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَنْ يَفْطِرَ وَيُطْعِمَ كلّ يَوْمٍ مِسْكِيناً أَجْزَأَهُ ذَلِكَ. فَهَذَا حَوْلٌ، فَأَنْزَلَ الله {شَهْرُ رَمَضَانَ الّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرآنُ هُدًى لِلنّاسِ وَبَيّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ، فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُم الشّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، وَمَنْ كان مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدّةٌ مِنْ أَيّامِ أُخَرَ} فَثَبَتَ الصّيَامُ عَلَى مَنْ شَهدَ الشّهْرَ وَعَلَى المُسَافِرِ أَنْ يَقْضِيَ، وَثَبَتَ الطّعَامُ لِلشّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْعَجُوزِ الّذَيْنِ لاَ يَسْتَطِيعَانِ الصّوْمَ، وَجَاءَ صِرْمَةُ وَقَدْ عَمِلَ يَوْمَهُ وَسَاقَ الحديثَ.
__________
بعدد معلوم وهي رمضان، وقلله تسهيلاً على المكلفين. قاله في تفسير الجلالين { فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ }: حين شهود رمضان { مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ }: أي مسافر فأفطر { فَعِدَّةٌ }: فعليه عدة ما أفطر { مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ }: يصومها بدله { وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ }: أي يطيقون الصوم. واختلف العلماء في حكم هذه الآية أكثرهم إلى أنها منسوخة، وهو قول عمر ابن الخطاب وسلمة بن الأكوع وغيرهما، وذلك أنهم كانوا في ابتداء الإسلام مخيرين بين أن يصوموا وبين أن يفطروا ويفدوا، وإنما خيرهم الله تعالى لئلا يشق عليهم لأنهم كانوا لم يتعودوا الصوم، ثم نسخ التخيير ونزلت العزيمة بقوله تعالى: { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } فصارت هذه الأية ناسخة للتخير. قاله الخازن في تفسيره. وقال في تفسير الجلالين: معناها وعلى الذين لا يطيقونه لكبر أو مرض لا يرجى برؤه انتهى. أي بتقدير لا { فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}: الفدية الجزاء وسر القدر الذي يبذله الإنسان يقي به نفسه من تقصير وقع منه في عباد ونحوها ويجب على من أفطر في رمضان ولم يقدر على القضاء لكبر أن يطعم مكان كل يوم مسكيناً مداً من غالب قوت البلد، وهذا قول فقهاء الحجاز. وقال بعض فقهاء العراق: عليه لكل مسكين نصف صاع عن كل يوم. قاله الخازن في تفسيره "فهذا حول": أي حال.
{شَهْرُ رَمَضَانَ}: يعني وقت صيامكم شهر رمضان سمي الشهر شهراً لشهرته يقال للسر إذا أظهره شهره، وسمي الهلال شهراً لشهرته وبيانه. قاله الخازن {الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}: من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في ليلة القدر منه {هُدىً}: حال هادياً من الضلالة {لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ}: آيات واضحات " {مِنَ الْهُدَى}: مما يهدي إلى الحق من الأحكام { وَالْفُرْقَانِ }: أي من الفرقان مما يفرق بين الحق والباطل " { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ }: أي حضر { وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } إنما كرره لأن الله تعالى ذكر في الآية الأولى تخيير المريض والمسافر والمقيم الصحيح، ثم نسخ تخيير المقيم الصحيح بقوله: { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } فلو اقتصر على هذا لاحتمل أن يشمل النسخ الجميع، فأعاد بعد ذكر الناسخ الرخصة للمريض

(2/140)


__________
والمسافر ليعلم أن الحكم باق على ما كان عليه. قاله الخازن في تفسيره "وجاء صرمة": هو صحابي "وساق": أي نصر بن المهاجر عن يزيد بن هارون "الحديث": وتمام الحديث في رواية لأحمد ولفظه قال: ثم إن رجلاً من الأنصار يقال له صرمة ظل يعمل صائماً حتى أمسى فجاء إلى أهله فصلى العشاء، ثم نام، فلم يأكل ولم يشرب حتى أصبح، فأصبح صائماً. قال فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جهد جهداً شديداً قال مالي أراك قد جهدت جهداً شديداً؟ قال يارسول الله إني علمت أمس فجئت حين جئت فألقيت نفسي فنمت وأصبحت حين أصبحت صائماً. قال: وكان عمر قد أصاب من النساء من جارية أو من حرة بعد ما نام وأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فأنزل الله عز وجل: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} إلى قوله: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ}

(2/141)


28 باب في الإقَامَة
504 حدثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ وَ عَبْدُالرّحْمَنِ بنُ المُبَارَكِ قالا حدثنا حَمّادٌ عن سِمَاكِ بنِ عَطِيّةَ ح. وحدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ حدثنا وَهُيْبٌ جَمِيعاً عن أَيّوبَ عن أَبي قِلاَبَةَ عن أَنَسٍ قال: أُمِرَ بِلاَلٌ أَنْ يَشْفَعَ اْلأَذَانَ وَيْوتِرَ اْلإِقَامَةَ زاد حمّاد في حديثه إلا اْلإِقَامَةَ.
__________
"باب في الإقَامَة"
"عن سماك بن عطية": هو بكسر السين المهملة وتخفيف الميم وبالكاف بصري ثقة روى عن أيوب السختياني وهو من أقرانه. قاله العيني في عمدة القاري "أمر بلال": على بناء المجهول. قال الخطابي: معناه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو الذي أمره بذلك، والأمر مضاف إليه دون غيره، لأن الأمر المطلق في الشريعة لا يضاف إلا إليه. وقد زعم بعض أهل العلم أن الأمر له بذلك أبو بكر، وهذا تأويل فاسد لأن بلالاً لحق بالشام بعد موت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم واستخلف سعد القرظ الأذان في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انتهى. قلت: ويؤيده ما في رواية النسائي وغيره من طريق قتيبة عن عبدالوهاب بلفظ "أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بلالاً" وما في البيهقي بالسند الصحيح عن أنس "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بلالاً أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة" "أن يشفع الأذان": بفتح أوله وفتح الفاء أي بأن يأتي بألفاظه شفعاً، أي يقول كل كلمة مرتين سوى آخرها. قاله الطيبي. "وبوتر الإقامة": والمراد من الإقامة: هو جيمع الألفاظ المشروعة عند القيام إلى الصلاة. أي ويقول كلمات الإقامة مرة مرة

(2/141)


...................................
__________
"زاد حماد في حديثه إلا الإقامة": أي لفظ الإقامة، وهي قوله: قد قامت الصلاة، فأنه لا يوترها بل يشفعها.
قال الشوكاني في النيل: وقد استشكل عدم استثناء التكبير في الإقامة فإنه يثنى كما تقدم في حديث عبدالله بن زيد، وأجيب بأنه وتر بالنسبة إلى تكبير الأذان، فإن التكبير في أول الأذان أربع، وهذا إنما يتم في تكبير أول الأذان لا في آخره كما قال الحافظ، وأنت خبير بأن ترك استثنائه في هذا الحديث لا يقدح في ثبوته لأن روايات التكرير زيادة مقبولة، والحديث يدل على إفراد الإقامة. وقد اختلف الناس في ذلك، فذهب الشافعي وأحمد وجمهور العلماء إلى أن ألفاظ الإقامة إحدى عشرة كلمة كلها مفردة إلا التكبير في أولها وآخرها ولفظ قد قامت الصلاة فإنها مثنى مثنى. واستدلوا بهذا الحديث وحديث عبدالله ابن زيد السابق وحديث عبدالله بن عمر الآتي.
قال ابن سيد الناس: وقد ذهب إلى قول بأن الإقامة إحدى عشرة كلمة عمر بن الخطاب وابنه وأنس والحسن البصري والزهري والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور ويحيى بن يحيى وداوود وابن المنذر وذهبت الحنفية والثوري وابن المبارك وأهل الكوفة إلى أن ألفاظ الإقامة مثل الأذان عندهم مع زيادة قد قامت الصلاة مرتين. انتهى.
قال الحافظ في الفتح: وهذا الحديث حجة على من زعم أن الإقامة مثنى مثل الأذان، وأجاب بعض الحنفية بدعوى النسخ وأن إفراد الإقامة كان أولاً ثم نسخ بحديث أبي محذورة يعني الذي رواه أصحاب السنن وفيه تثنية الإقامة وهو متأخر عن حديث أنس فيكون ناسخاً، وعورض بأن في بعض طرق حديث أبي محذورة المحسنة التربيع والترجيع، فكان يلزمهم القول به، وقد أنكر أحمد على من ادعى النسخ بحديث أبي محذورة واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم رجع بعد الفتح إلى المدينة وأقر بلالاً على إفراد الإقامة وعلمه سعد القرظ فأذن به بعده كما رواه الدارقطني والحاكم. وقال ابن عبد البر: ذهب أحمد وإسحاق وداوود وابن جرير إلى أن ذلك من الأختلاف المباح، فإن ربع التكبير الأولى في الأذان أو ثناه أو رجع في التشهد أو لم يرجع أو ثنى الإقامة أو أفردها كلها أو إلا قد قامت الصلاة فالجميع جائز. وعن ابن خزيمة: إن ربع الأذان ورجع فيه ثنى الإقامة وإلا أفردها، وقيل: لم يقل بهذا التفصيل أحد قبله. والله أعلم.
قيل: الحكمة في تثنية الأذان وإفراد الإقامة أن الأذان لإعلام الغائبين فيكرر ليكون أوصل إليهم، بخلاف الإقامة فإنها للحاضرين، ومن ثم استحب أن يكون الأذان في مكان عال

(2/142)


505 - حدثنا حُمَيْدُ بنُ مَسْعَدَةَ حدثنا إِسْمَاعِيلُ عن خَالِدِ الْحِذّاءِ عن أَبي قِلاَبَةَ عن أَنَس مِثْلَ حديثِ وُهَيْبٍ. قال إِسْمَاعِيلُ. فَحَدّثْتُ بِهِ أَيّوبَ فقال: إِلاّ اْلإِقَامَةَ.
506 حدثنا مُحمّدُ بنُ بِشّارٍ حدثنا مُحمّدُ بنُ جَعْفَرٍ حدثنا شُعْبَةُ قال سَمِعْتُ أَبا جَعْفَرٍ يُحَدّثُ عن مُسْلِمٍ أَبي المثَنّى عن ابن عُمَرَ قال: إِنّمَا كان اْلأَذَانُ عَلَى عَهْدِ
__________
بخلاف الإقامة، وأن يكون الصوت في الأذان أرفع منه في الإقامة، وأن يكون الأذان مرتلاً والإقامة مسرعة، وكرر قد قامت الصلاة لأنها المقصودة من الإقامة بالذات.
قلت: توجيهه ظاهر، وأما قول الخطابي لو سوى بينهما لاشتبه الأمر عند ذلك وصار لأن يفوت كثيراً من الناس صلاة الجماعة ففيه نظر لأن الأذان يستحب أن يكون على مكان عال لتشترك الأسماع كما تقدم، وإنما اختص الترجيع بالتشهد لأنه أعظم ألفاظ الأذان. والله أعلم. انتهى.
"عن خالد الحذاء": بن مهران أو المنازل بفتح الميم وقيل بضمها وكسر الزاي البصري الحذاء بفتح المهلمة وتشديد الذال المعجمة، قيل له ذلك لأنه كان يجلس عندهم، وقيل لأنه كان يقول أحد على هذا النحو، وهو ثقة يرسل من الخامسة. قاله الحافظ في التقريب "قال إسماعيل": بن إبراهيم هو ابن علية. قاله العيني "فحدثت به": أي بهذا الحديث "أيوب": هو السختياني "فقال": أيوب "إلا الإقامة": أي إلا لفظة الإقامة وهي قد قامت الصلاة، فإن بلالاً يقولها مرتين. قال الحافظ في الفتح: ادعى ابن مندة أن قوله إلا الإقامة من قول أيوب غير مسند كما في رواية إسماعيل بن إبراهيم، وأشار إلى أن في رواية سماك بن عطية أي التي سبقت إدارجاً، وكذا قال أبو محمد الأصيلي قوله إلا الإقامة هو من قول أيوب وليس من الحديث، وفيما قالاه نظر، لأن عبدالرزاق رواه عن معمر عن أيوب بسنده متصلاً بالخبر مفسراً ولفظه: كان بلال يثني الأذان ويوتر الإقامة إلا قوله قد قامت الصلاة. وأخرجه أبو عوانة في صحيحه والسراج في مسنده، وكذا هو في مصنف عبدالرزاق، وللإسماعيلي من هذا الوجه ويقول قد قامت الصلاة مرتين. والأصل أن ما كان في الخبر فهو منه حتى يقوم دليل على خلافه، ولا دليل في رواية إسماعيل، لأنه إنما يتحصل منها أن خالداً كان لا يذكر الزيادة وكان أيوب يذكرها، وكل منهما روى الحديث عن أبي قلابة عن أنس فكان في رواية أيوب زيادة من حافظ فتقبل. والله أعلم. انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"إنما كان الأذان": أي ألفاظه من الجمل "على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم": أي في عهده "مرتين

(2/143)


رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مَرّتَيْنِ مَرّتَيْنِ، وَاْلإقَامَةُ مَرّةً مَرّةً، غَيْرَ أَنّهُ يقولُ: قَدْ قَامَتِ الصّلاَةُ، قَدْ قَامَتِ الصّلاَةُ، فَإِذَا سَمِعْنَا اْلإقَامَةَ تَوَضّأْنَا ثُمّ خَرَجْنَا إِلَى الصّلاَةِ.
قال شُعْبَةُ: لَمْ أَسْمَع عن أَبي جَعْفرٍ غيرَ هذا الحديثَ.
507 حدثنا مُحمّدُ بنُ يَحْيَى بنِ فَارِسَ حدثنا أَبُو عَامِرٍ يَعْني الْعَقَدِيّ عَبْدَالمَلِكَ بنَ عَمْرٍو حدثنا شُعْبَةُ عن أَبي جَعْفَرٍ مُؤَذّنٍ مَسْجِدِ الْعُرْيَانِ قال سَمِعْتُ أَبَا
__________
مرتين": قال علي في المرقاة: خص التكبير عن التكرير عند الجمهور في أول الأذان، فإنه أربع خلافاً لمالك لما تقدم، وخص التهليل عنه في آخره عند الكل فإنه وتر. وهذا الحديث فظاهره يدل على نفي الترجيع. انتهى. قلت: رواية تربيع التكبير في أول الأذان وآخره كثيرة، والترجيع وإن كان غير مذكور في هذا الحديث، لكن ثبت الترجيع بإسناد صحيح من حديث أبي محذورة الصحابي، والزيادة أحرى بالقبول "والإقامة": أي كلماتها "مرة مرة": ظاهر الحديث يدل على أن كل ألفاظ الإقامة مرة مرة، لكن ينبغي استثناء التكبير أولا وآخراً، فإنه مرتين مرتين لحديث عبدالله بن زيد السابق والحديث يفسر بعضها بعضاً "غير أنه": أي المؤذن "يقول": أي في الإقامة "قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة": أي مرتين، والمعنى قاربت قيامها. وفي النهاية: قام أهلها أو حان قيام أهلها، وقيل عبر بالماضي إعلاماً بأن فعلها القريب الوقوع كالمحقق حتى يتهيأ له ويبادر إليه. قاله علي "قال شعبة لم أسمع عن أبي جعفر غير هذا الحديث": قال ابن دقيق العيد: وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه. وأبو جعفر هذا قال أبو زرعة لا أعرفه إلا في هذا الحديث. قاله في غاية المقصود. وقال المنذري: والحديث أخرجه النسائي.
"عبد الملك بن عمرو": هو بدل عن أبي عامر "عن أبي جعفر": قال الحافظ في التلخيص: قال ابن حبان اسمه محمد بن مسلم بن مهران. وقال الحاكم اسمه عمير بن يزيد بن حبيب الخطمي، ووهم الحاكم في ذلك. انتهى. وقال في التهذيب والخلاصة: محمد بن إبراهيم بن مسلم بن مهران القرشي مولاهم الكوفي أو البصري عن جده وعنه شعبة ويحيى القطان. قال ابن معين والدارقطني: ليس به بأس، وقال ابن عدي: ليس له من الحديث إلا يسير لا يتبين صدقه من كذبه. انتهى. وفي رواية الطحاوي حدثنا شعبة عن أبي جعفر الفراء. انتهى. وأبو جعفر الفراء اسمه سليمان وقيل كيسان وقيل زياد وهو غير أبي جعفر المؤزن المتقدم قاله في غاية المقصود "مؤذن مسجد العريان": بضم العين وسكون الراء ثم ياء تحتانية، كذا في أكثر النسخ الصحيحة. وفي بعضها بالباء الموحدة والصحيح المعتمد هو

(2/144)


المُثَنّى مُؤَذّنَ مَسْجِدِ اْلأَكْبَرِ يقولُ سَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ. وَسَاقَ الحديثَ.
__________
الأول، قيل عريان موضع بالكوفة، وفي رواية النسائي سمعت أبا جعفر مؤذن مسجد العريان في مسجد العريان في مسجد بني هلال، وقال في التقريب: أبو جعفر مؤذن مسجد العريان اسمه محمد بن إبراهيم بن مسلم. قاله في غاية المقصود "سمعت أبا المثنى مؤذن مسجد الأكبر": وفي رواية النسائي عن مسلم أبي المثنى مؤذن المسجد الجامع. وفي رواية الطحاوي عن مسلم مؤذن كان لأهل الكوفة. قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد: وأبو المثنى مسلم بن المثنى وقيل مهران، قال أبو عمر: كوفي ثقة. قاله في غاية المقصود "وساق الحديث": أي محمد بن يحيى أو أبو المثنى.

(2/145)


29 باب الرجل يؤذن ويقيم آخر
508 حدثنا عُثْمانُ بنُ أَبي شَيْبَةَ حدثنا حَمّادُ بنُ خَالِدِ حدثنا مُحمّدُ بنُ عَمْرِو عن مُحمّدِ بنِ عَبْدِالله عن عَمّهِ عَبْدِالله بنِ زَيْدٍ قال: أَرَادَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم في اْلأَذَانَ أَشْيَاءَ لَمْ يَصْنَعْ مِنْهَا شَيْئاً. قال: فأُرِىَ عَبْدُالله بنُ زَيْدٍ اْلأَذَانَ في المَنَامِ، فَأَتَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرَهُ، فقال: " أَلْقِهِ عَلَى بِلاَلٍ. فَأَلْقَاهُ عَلَيْهِ". فأَذّنَ بِلاَلٌ. فقال عَبْدُالله: أَنَا رَأَيْتُهُ وَأَنَا كُنْتُ أُرِيدُهُ. قال: " فأَقِمْ أَنْتَ "
__________
"باب الرجل يؤذن ويقيم آخر"
"في الأذان أشياء": أي البوق والناقوس والقرن "قال": أي محمد بن عبدالله "في المنام": أي في الرؤية "فأتى": أي عبدالله بن زيد "فأذن بلال": قال الحافظ في الفتح: قيل مناسبة اختصاص بلال بالأذان دون غيره لكونه كان لما عذب ليرجع عن الإسلام فيقول أحد أحد، فجوزي بولاية الأذان المشتملة على التوحيد في ابتدائه وانتهائه وهي مناسبة حسنة في اختصاص بلال بالأذان "أنا رأيته": أي الأذان في المنام "وأنا كنت أريده": أي أن أقيم، ويؤيد هذا المعنى ما في رواية لأحمد ولفظه فقال ألقه على بلال، فالقيته فأذن فأراد أن يقيم. فقلت: يارسول الله أنا رأيت أريد أن أقيم قال فأقم أنت فأقام هو وأذن بلال "قال": النبي صلى الله عليه وسلم لعبدالله بن زيد " فأقم أنت ": أي الإقامة قال الشوكاني في النيل: أستدل به من قال بعدم أولوية المؤذن بالإقامة. وفي إسناده محمد بن عمرو الواقفي الأنصاري البصري وهو ضعيف ضعفه القطان وابن نمير ويحيى بن معين واختلف عليه فيه، فقيل عن محمد بن عبدالله وقيل عبدالله بن محمد. قال ابن عبدالبر

(2/145)


- 509 حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيّ حدثنا عَبْدُالرّحْمَنِ بنُ ابنُ مَهْدِيَ حدثنا مُحمّدُ بنُ عَمْرِو شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مِنَ اْلأَنصْارِ قال سَمِعْتُ عَبْدَالله بنَ مُحمّدٍ قال: كان جَدّي عَبْدُالله بنُ زَيْدٍ بهذا الخَبرِ قال فأَقَامَ جَدّي.
- 510 حدثنا عَبْدُ الله بنُ مسْلَمَةَ قال حدثنا عَبْدُ الله بنُ عُمَرَ بنِ غَانِمٍ عن عَبْدِالرّحْمَنِ بنِ زِيَادٍ يَعْني اْلإِفْرِيقِيّ أَنّهُ سَمِعَ زَيَادَ بنِ نُعَيْمٍ الْحَضْرَمِيّ أَنّهُ سَمِعَ زِيَادَ بنَ الْحَارِثِ الصّدَائِيّ قال: لَمّا كان أَوّل أَذَانِ الصّبْحِ أَمَرنّي يَعْني النّبيّ صلى الله عليه وسلم فأَذّنْتُ، فَجَعَلْتُ أَقُولُ: أُقِيْمُ يَارسولَ الله؟ فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى نَاحِيّةِ المَشْرِقِ إِلَى الْفَجْرِ فيقولُ " لاَ ، حَتّى إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ نَزَلَ فَبَرَزَ ثُمّ انْصَرَفَ إِلَيّ وَقَدْ تَلاَحَقَ أَصْحَابُهُ يَعني فَتَوَضّأ فأَرَادَ بِلاَلُ أَنْ يُقِيمَ، فقال لهُ نَبِيّ الله صلى الله عليه وسلم: إِنّ أَخَا صُدَاءِ هُوَ أَذّنَ وَمَنْ أَذّنَ فَهُوَ يُقِيمُ " قال: فَأَقَمْتُ.
__________
إسناده أحسن من حديث الإفريقي الآتي. وقال البيهقي إن صحا لم يتخالفا لأن قصة الصدائي بعد وذكره ابن شاهين في الناسخ وله في طريق أخرى أخرجها أبو الشيخ عن ابن عباس قال "كان أول من أذنه في الإسلام بلال وأول من أقام عبدالله بن زيد" قال الحافظ: وإسناده منقطع لأنه رواه الحكم عن مقسم عن ابن عباس، وهذا من الأحاديث التي لم يسمعها الحكم من مقسم. وأخرجه الحاكم وفيه أن الذي أقام عمرو المعروف أنه عبدالله بن زيد انتهى.
"بهذا الخبر": الذي مر "قال": عبدالله بن محمد "فأقام جدي": أي عبدالله ابن زيد وهذه الزيادة ليست في الرواية السابقة.
"زياد بن الحارث": هو حليف لبني الحارث بن كعب بايع النبي صلى الله عليه وسلم وأذن بين يديه ويعد في البصريين قاله الطيبي "الصدائي": بضم الصاد منسوب إلى صداء ممدوداً وهو حي من اليمن. قاله ابن الملك "لما كان أول أذان الصبح": أي لما كان الوقت لأول أذان الصبح، وهو في هذا الحديث قبل طلوع الفجر وسيجيء بيانه وتعبيره بالأول باعتبار الإقامة فإنها ثانية "أمرني": أن أذن في صلاة الفجر "فأذنت": ولعله كان بلال غائباً فحضر "فجعل ينظر": أي النبي صلى الله عليه وسلم "فيقول لا": أي ما جاء وقت الإقامة "نزل": يشبه أن يكون نزول النبي صلى الله عليه وسلم من الراحلة "فبرز": أي توضأ النبي صلى الله عليه وسلم "وقد تلاحق أصحابه": وكانوا متفرقين وكانت هذه واقعة سفر كما قال الحافظ "يعني فتوضأ": هذا تفسير لبرز من بعض الرواة "أن يقيم": على عادته " ومن أذن فهو يقيم": أي الإقامة.

(2/146)


.....................................
__________
قلت: هذا الحديث يدل على مسألتين، المسألة الأولى أنه يكتفي الأذان قبل الفجر عن إعادة الأذان بعد الفجر لأن فيه إنه أذن قبل الفجر بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وأنه استأذنه في الإقامة فمنعه إلى أن طلع الفجر فأمره فأقام. والمسألة الثانية أن من أذن فهو يقيم. أما الكلام في المسألة الأولى فبأن في إسناده ضعف وأيضاً فهي واقعة عين وكانت في سفر فلا تقوم به الحجة، وأيضاً حديث ابن عمر الذي أخرجه البخاري في صحيحه ولفظه " إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم " يشعر بعدم الاكتفاء، ولا شك أن حديث الصدائي مع ضعفه لا يقاوم حديث ابن عمر الذي أخرجه البخاري، هذا ملتقط من فتح الباري. وأما الكلام في المسألة الثانية فبأن الحديث وإن كان ضعيفاً لكن له شواهد وإن كانت الشواهد ضعيفة أيضاً وأن الإقامة حق لمن أذن وما ورد في خلافه حديث صحيح. قال في سبل السلام: والحديث دليل على أن الإقامة حق لمن أذن فلا تصح من غيره، وعضد حديث الباب حديث ابن عمر بلفظ " مهلاً يابلال بإنما يقيم من أذن " أخرجه الطبراني والعقيلي وأبو الشيخ وإن كان قد ضعفه أبو حاتم وابن حبان انتهى. قال الشوكاني في النيل: الحديث في إسناده عبدالرحمَن بن زياد بن أنعم الإفريقي عن زياد بن نعيم الحضرمي عن زياد بن الحارث الصدائي. قال الترمذي إنما نعرفه من حديث الإفريقي وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه يحيى بن سعيد القطان وغيره. وقال أحمد لا أكتب حديث الإفريقي، قال ورأيت محمد بن إسماعيل يقوي أمره ويقول هو مقارب الحديث، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم أن من أذن فهو يقيم. قال الحارمي في كتابه الناسخ والمنسوخ: واتفق أهل العلم في الرجل يؤذن ويقيم غيره أن ذلك جائز، اختلفوا في الأولوية فقال أكثرهم لا فرق والأمر متسع، وممن رأى ذلك مالك وأكثر أهل الحجاز وأبو حنيفة وأكثر أهل الكوفة وأبو ثور. وقال بعض العلماء من أذن فهو يقيم قال الشافعي وإذا أذن الرجل أحببت أن يتولى الإقامة. وقد عرفت تأخير حديث الصدائي هذا وأرجحية الأخذ به على أنه لو لم يتأخر لكان حديث عبدالله بن زيد السابق خاصاً به والأولوية باعتباره غيره من الأمة. وقال الحافظ اليعمري: والأخذ بحديث الصدائي أولى لأن حديث عبدالله بن زيد السابق كان أول ما شرع الأذان في السنة الأولى وحديث الصدائي بعده بلا شك انتهى. وقد مضى بعض بيانه في حديث عبدالله بن زيد السابق. قال المنذري: والحديث أخرجه الترمذي وابن ماجه.

(2/147)


30 باب رفع الصوت بالأذان
511 حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ النّمُرِيّ حدثنا شُعْبَةُ عن مُوسَى بنِ أَبي عُثْمانَ عن أَبي يَحْيَى عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال " المُؤَذّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدَى صَوْتِهِ وَيَشْهَدُ لَهُ كلّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ، وَشَاهِدُ الصّلاَةِ يُكْتَبُ لَهُ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ صَلاَةً وَيُكَفّرُ عَنْهُ مَا بَيْنَهُمَا "
__________
"باب رفع الصوت بالأذان"
وقد ترجم النسائي بقوله باب الثواب على رفع الصوت بالأذان.
"مدى صوته ": بفتح الميم والدال. قال الخطابي في معالم السنن وابن الأثير في النهاية: مدى الشيء غايته، والمعنى أن يستكمل مغفرة الله تعالى إذا استوفى وسعه في رفع الصوت فيبلغ الغاية من المغفرة إذا بلغ الغاية من الصوت. وقيل فيه وجه آخر وهو أنه كلام تمثيل وتشبيه يريد أن المكان الذي ينتهي إليه الصوت لو يقدر أن يكونه ما بين أقصاه وبين مقامه الذي هو فيه ذنوب تملأ تلك المسافة غفرها الله له انتهى. وقال في المرقاة قيل معناه أي له مغفرة طويلة عريضة على طريق المبالغة أي يستكمل مغفرة الله إذا استوفى وسعه في رفع الصوت. وقيل يغفر خطاياه وإن كانت بحيث لو فرضت أجساماً لملأت ما بين الجوانب التي يبلغها. المدى على الأول نصب على الظرف وعلى الثاني رفع على أنه يقيم مقام الفاعل، وقيل معناه يغفر لأجله كل من سمع صوته فحضر للصلاة المسببة لندائه فكأنه غفر لأجله، وقيل معناه يغفر ذنوبه التي باشرها في تلك النواحي إلى حيث يبلغ صوته، وقيل معناه يغفر بشفاعته ذنوب من كان ساكناً أو مقيماً إلى حيث يبلغ صوته، وقيل يغفر بمعنى يستغفر أي يستغفر له كل من يسمع صوته انتهى " ويشهد له ": أي للمؤذن " كل رطب ": أي نام " ويابس ": أي جماد مما يبلغه صوته وفي رواية للبخاري " فارفع صوتك بالنداء فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة " قال الحافظ في الفتح قال ابن بزيزة: تقرر في العادة أن السماع والشهادة والتسبيح لا يكون إلا من حي فهل ذلك حكاية عن لسان الحال لأن الموجودات ناطقة بلسان حالها بحلال باريها أو هو على ظاهره وغير ممتنع عقلاً أن الله يخلق فيها الحياة والكلام انتهى. وقال في المرقاة: والصحيح أن للجمادات والنباتات والحيوانات علماً وإدار كما وتسبيحاً كما يعلم من قوله تعالى {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} وقوله تعالى {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} قال البغوي: وهذا مذهب أهل السنة ويدل عليه قضية كلام الذئب والبقر وغيرهما انتهى. قلت: ويدل على صحة هذا القول ما في رواية مسلم من حديث جابر بن

(2/148)


512 حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن أَبي الزّنّادِ عن اْلأَعْرَجِ عن أَبي هُرَيْرَةَ أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: " إِذَا نُودِيَ بالصّلاَةِ أَدْبَرَ الشّيْطَانُ وَلَهُ ضَرَاطٌ حَتّى لا يسمعَ
__________
سمرة مرفوعاً " إني لأعرف حجراً كان يسلم على " وما في رواية الصحيحين في قول النار " أكل بعض بعضاً " قال التوربشتي: المراد من هذه الشهادة اشتهار المشهود له يوم القيامة بالفضل وعلو الدرجة وكما أن الله يفضح بالشهادة قوماً فكذلك بكرم بالشهادة آخرين.
"وشاهد الصلاة": أي حاضرها ممن كان غافلاً عن وقتها. وقال الطيبي: هو عطف على قوله " المؤذن يغفر له " أي والذي يحضر لصلاة الجماعة " يكتب له ": أي للشاهد " خمس وعشرون ": أي ثواب خمس وعشرين " صلاة ": وقيل بعطف شاهد على كل رطب أي يشهد للمؤذن حاضرها يكتب له أي للمؤذن خمس وعشرون صلاة، ويؤيد الأول ما في رواية تفضل صلاة الجماعة على الفذ بسبع وعشرين درجة. قلت: وفي رواية صحيحة بخمس وعشرين صلاة، وهي للمطابقة أظهر، ولعل اختلاف الروايات باختلاف الحالات والمقامات. ويؤيد الثاني ما سيأتي من رواية أن المؤذن يكتب له مثل أجر كل من صلى بأذانه، فإذا كتب لشاهد الجماعة بأذانه ذلك كان فيه إشارة إلى كتب مثله للمؤذن، ومن ثم عطفت هذه الجملة على الؤذن يغفر له لبيان أن له ثوابين المغفرة وكتابة مثل تلك الكتابة. والأظهر عندي أن شاهد الصلاة عطف على كل رطب عطف خاص على عام لأنه مبتدأ كما اختاره الطيبي. ثم يحتمل أن يكون الضمير في يكتب له للشاهد وهو أقرب لفظاً وسياقاً أو للمؤذن وهو أنسب معي وسياقاً. كذا في المرقاة "ويكفر عنه": أي الشاهد أو المؤذن " ما بينهما ": أي ما بين الصلاتين اللتين شهدهما أو ما بين أذان إلى أذان من الصغائر. قال المنذري: والحديث أخرجه النسائي وابن ماجه وأبو يحيى هذا لم ينسب فيعرف حاله.
" إذا نودى بالصلاة ": وفي رواية البخاري: "إذا نودى للصلاة" والباء للسبية كما في قوله تعالى: {فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنْبِه} أي بسبب ذنبه ومعناه: إذا أذن لأجل الصلاة وبسبب الصلاة، ومعنى التعليل قريب من معنى السببية قاله العيني " أدبر ": أي عن موضع الأذان الإدبار نقيض الإقبال، يقال دبر وأدبر إذا ولى " الشيطان ": قال في الفتح: الظاهر أن المراد بالشيطان إبليس وعليه يدل كلام كثير من الشراح، ويحتمل أن المراد جنس الشيطان وهو كل متمرد من الجن والإنس، لكن المراد هنا شيطان الجن خاصة " وله ضراط ": بضم المعجمة كغراب وهو ريح من أسفل الإنسان وغيره، وهذا لثقل الأذان عليه كم للحمار من ثقل الحمل. قاله علي القاري. وقال الحافظ في الفتح: هو جملة اسمية وقعت حالاً. وقال عياض: يمكن حمله على

(2/149)


التّأذِينَ، فإِذَا قُضِيَ النّدَاءُ أَقْبَلَ حَتّى إِذَا ثَوّبَ بالصّلاَةِ أَدْبَرَ حَتّى إِذَا قُضِيَ التّثْوِيبُ أَقْبَلَ حَتّى يَخْطُرَ بَيْنَ المَرْءِ وَنَفْسِهِ ويقولُ: اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا، لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ، حَتّى
__________
ظاهره لأنه جسم متغذ يصح منه خروج الريح ويحتمل أنها عبارة عن شدة نفاره. انتهى قال الطيبي شبه شغل الشيطان نفسه عن سماع الأذان بالصوت الذي يملأ السمع ويمنعه عن سماع عيره ثم سماه ضراطاً تقبيحاً له " حتى لا يسمع التأذين ": هذه غاية لإدباره وقد وقع بيان العاية في رواية لمسلم من حديث جابر فقال: " حتى يكون مكان الروحاء " وحكى الأعمش عن أبي سفيان رواية عن جابر أن بين المدينة والروحاء ستة وثلاثين ميلاً، وقوله: " حتى لايسمع " تعليل لإدباره. انتهى.
قال الحافظ. ظاهره أنه يتعمل إخراج ذلك، إما ليشتغل بسماع الصوت الذي يخرجه عن سماع المؤذن أو يصنع ذلك استخفافاً كما يفعله السفهاء، ويحتمل أن لا يتعمد ذلك بل يحصل له عند سماع الأذان شدة خوف يحدث له ذلك الصوت بسببها، ويحتمل أن يعتمد ذلك ليقابل ما يناسب الصلاة من الطهارة بالحدث. واستدل به على استحباب رفع الصوت بالأذان لأن قوله حتى لايسمع ظاهر في أنه يبعد إلى غاية ينتفي فيها سماعه للصوت " فإذا قضى النداء ": بضم أوله على صيغة المجهول، والمراد بالقضاء الفراغ أو الانتهاء، ويروي بفتح أوله على صيغة المعروف على حذف الفاعل والمراد المنادى " أقبل ": الشيطان. زاد مسلم في رواية أبي صالح عن أبي هريرة " فوسوس " " حتى إذا ثوب بالصلاة ": بضم الثاء المثلثة وتشديد الواو المكسورة أي حتى إذا أقيم للصلاة. قال الخطابي: التثويب ها هنا الإقامة والعامة لا تعرف التثويب إلا قول المؤذن في صلاة الفجر الصلاة خير من النوم حسب، ومعنى التثويب الإعلام بالشيء والإنذار بوقوعه وأصله أن يلوح الرجل لصاحبه بثوبه فينذره عن الأمر يرهقه من خوف أو عدو ثم كثر استعماله في كل إعلام يجهر به صوته، وإنما سميت الإقامة تثويباً، لأنه إعلام بإقامة الصلاة. ويقال: ثاب الشيء إذا رجع والأذن إعلام بوقت الصلاة انتهى. وقال الحافظ في الفتح: قيل هو من ثاب إذا رجع وقيل من ثوب إذا أشار بثوبه عند الفراغ لأعلام غيره. وقال الجمهور: المراد بالتثويب هنا الإقامة وبذلك جزم أبو عوانة في صحيحه والخطابي والبيهقي وغيرهم. قال القرطبي: ثوب بالصلاة إذا أقيمت، وأصله أنه رجع إلى ما يشبه الأذان، وكل من ردد صوتاً فهو مثوب، ويدل عليه وراية مسلم في رواية أبي صالح عن أبي هريرة: " فإذا سمع الإقامة ذهب " حتى يخطر ": بضم الطاء. قال عياض: كذا سمعناه من أكثر الرواة وضبطناه عن المتقنين بالكسر وهوالوجه، ومعناه يوسوس وأصله من خطر البعير بذنبه إذا حركه فضرب به فخذيه، وأما بالضم فمن المرور أي يدنو منه فيمر بينه وبين قلبه فيشغله، وصف الهجري في

(2/150)


يَظَلّ الرّجُلُ إِنْ يَدْرِي كَمْ صَلّى" [ حتى يَضلّ الرّجُلُ إِنْ يَدْرِي كَمْ صَلّى "]
[حتى يَظَلّ الرّجُلُ إِنْ يَدْرِي كَمْ صَلّى]"
__________
نوادره: الضم مطلقاً وقال: وهو يخطر بالكسر في كل شيء. قاله الحافظ في الفتح " بين المرء ونفسه ": أي قبله. قال العيني: وبهذا التفسير يحصل الجواب عما قيل كيف يتصور خطوره بين المرء ونفسه وهما عبارتان عن شيء واحد، وقد يجاب بأن يكون تمثيلاً لغاية القرب منهه. انتهى. قال الباجي: المعنى أنه يحول بين المرء وبين ما يريده من إقباله على صلاته وإخلاصه فيها " لما لم يكن يذكر ": أي لشيء لم يكن على ذكره قبل دخوله في الصلاة. وفي رواية لمسلم " لما لم يكن يذكر من قبل " قيل: خصه بما يعلم دون ما لم يعلم لأنه يميل لما يعلم أكثر لتحقق وجوده، والذي يظهر أنه لأعمر من ذلك، فيذكره بما سبق له به علم ليشغل باله به، وبما لم يكن سبق له ليوقعه في الفكرة فيها " حتى يظل الرجل ": قال الطيبي: كرر حتى في الحديث خمس مرات الأولى والأخيرتان بمعنى كي والثانية والثالثة دخلتا على الجملتين الشرطيتين وليستا للتعليل. انتهى. قال في الفتح: كذا للجمهور بالظاء المشالة المفتوحة. ومعنى يظل في الأصل اتصاف لمخبر عنه بالخبر نهاراً لكنها هنا بمعنى يصير أو يبقى، ووقع عند الأصيلي: يضل بكسر الضاد الساقطة أي ينسى ومنه قوله تعالى {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا} أو بفتحها أي يخطىء، ومنه قوله تعالى {لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى} والمشهور الأول. انتهى. " إن يدري": وفي رواية للبخاري " لا يدري " قال الحافظ في الفتح: إن بكسر الهمزة وهي نافية بمعنى لا، وحكى ابن عبدالبر عن الاكثر في الموطأ فتح الهمزة. وقال القرطبي: ليست رواية الفتح بشيء، إلا مع رواية الضاد الساقطة فتكون إن مع الفعل بتأويل المصدر ومفعول ضل إن بإسقاط حرف الجر أي يضل عن داريته " كم صلى ": وفي رواية للبخاري في بيدء الخلق عن أبي هريرة " حتى لا يدري أثلاثاً صلى أم أربعاً"
وقد اختلف العلماء في الحكمة في هروب الشيطان عن سماع الأذان والأقامة دون سماع القرآن والذكر في الصلاة، فقيل: يهرب حق لا يشهد للمؤذن يوم القيامة فأنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس إلا شهد له، وقيل: لأن الأذان دعاء إلى الصلاة المشتملة على السجود الذي أباه وعصي بسببه وغير ذلك. قال ابن بطال: يشبه أن يكون الرجز عن خروج المرء من المسجد بعد أن يؤذن المؤذن من هذا المعنى لئلا يكون متشبهاً بالشيطان الذي يفر عند سماع الأذان. والله أعلم. قال في الفتح. قال المنذري. والحديث أخرجه البخاري، ومسلم والنسائي.

(2/151)


31 باب ما يجب على المؤذن من تعاهد الوقت
513 حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ حدثنا مُحمّدُ بن فَضَيْلٍ حدثنا الأعمَشُ عن رَجُلٍ عن أَبي صَالحٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اْلإِمَامُ ضَامِنٌ وَالمُؤَذّنُ مُؤْتَمَنٌ، الّلهُمّ أَرْشِدِ اْلأَئِمّةَ وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذّنِينَ "
__________
"باب ما يجب على المؤذن من تعاهد الوقت"
أي محافظته.
" الإمام ضامن ": أي متكفل لصلاة المؤتمين بالإتمام، فالضمان هنا ليس بمعنى الغرامة بل يرجع إلى الحفظ والرعاية. قال الخطابي: قال أهل اللغة الضامن في كلام العرب معناه الراعي، والضمان الرعاية، فالإمام ضامن بمعنى أنه يحفظ الصلاة وعدد الركعات على القوم، وقيل معناه ضمان الدعاء يعمهم به ولا يختص بذلك دونهم، وليس الضمان الذي يوجب الغرامة من هذا بشيء. وقد تأوله قوم على معنى أنه يتحمل القراءة عنهم في بعض الأحوال، وكذلك يتحمل القيام أيضاً إذا أدركه المأموم راكعاً " والمؤذن مؤتمن ": قال ابن الأثير في النهاية: مؤتمن القوم الذي يثقون إليه ويتخذوا أميناً حافظاً، يقال: المؤتمن الرجل فهو مؤتمن، يعني أن الؤذن أمين الناس على صلاتهم وصيامهم. انتهى. قال السيوطي في مرقاة الصعود: ولابن ماجه من حديث ابن عمر مرفوعاً " خصلتان معلقتان في أعناق المؤذنين للمسلمين صلاتهم وصيامهم " انتهى. وقال الطيبي: والمؤذن أمين في الأوقات يعتمد الناس على أصواتهم في الصلاة والصيام وسائر الوظائف المؤقتة. انتهى. وقال ابن الملك: والمؤذنون أمناء لأن الناس يعتمدون عليهم في الصلاة ونحوها أو لأنهم يرتقون في أمكنة عالية فينبغي أن لا يشرفوا على بيوت الناس لكونهم أمناء " اللهم أرشد الأئمة ": والمعنى أرشد الأئمة للعلم بما تكلفوه والقيام به والخروج عن عهدته " واغفر للمؤذنين ": ما عسى يكون لهم تفريط في الأمانة التي حملوها من جهة تقديم على الوقت أو تأخير عنه سهواً قال المنذري: والحديث أخرجه الترمذي وقال سمعت أبا زرعة يقول حديث أبي صالح عن أبي هريرة أصح من حديث أبي صالح عن عائشة قال: وسمعت محمداً: يعني البخاري يقول حديث أبي صالح عن عائشة أصح. وذكر عن على بن المديني أنه لم يثبت حديث أبي صالح عن أبي هريرة ولا حديث أبي صالح عن عائشة في هذا.

(2/152)


- 514 حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ حدثنا ابنُ نُمَيْرٍ عن الأعْمَشِ قال: نُبّئْتُ عن أَبي صَالحٍ قال: ولا أُرَانِي إِلاّ قَدْ سَمِعْتُهُ مِنْهُ عن أَبي هُرَيْرَةَ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مِثْلَهُ.
__________
"ابن نمير": هو عبدالله "نبئت عن أبي صالح": قال الحافظ في تلخيص الحبير: قال ابن المديني: لم يسمع سهيل هذا الحديث من أبيه، إنما سمعه من الأعمش ولم يسمعه الأعمش من أبي صالح بيقين لأنه يقول فيه نبئت عن أبي صالح وكذا قال البيهقي في المعرفة "قال": أي الأعمش "ولا أراني": أي لا أظن "إلا قد سمعته": أي هذا الحديث "منه": أي من أبي صالح "مثله": أي مثل حديث الساق.

(2/153)


32 باب الأذان فوق المنارة
515 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ مُحمّدِ بنِ أَيّوبَ حدثنا إِبراهِيمُ بن سَعْدٍ عن مُحمّدِ بنِ إِسْحَاقَ عن مُحمّدِ بنِ جَعْفَرِ بنِ الزّبَيْرِ عن عُرْوَةَ بنِ الزّبَيْرِ عن امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي النّجّارِ قالت: كَانَ بَيْتِي مِنْ أَطْوَلِ بَيْتِ حَوْلَ المَسْجِدِ، فَكَانَ بِلاَلٌ يُؤَذّنُ عَلَيْهِ الْفَجْرَ فَيَأْتِي بِسَحَرٍ فَيَجْلِسُ عَلَى الْبَيْتِ يَنْظُرُ إِلَى الفَجْرِ، فإِذَا رَآهُ تَمَطّى ثُمّ قال: الّلهُمّ إِنّي أَحْمُدُكَ. أَسْتَعِينُكَ عَلى قُرَيْشِ أَن يُقيمُوا دِينَكَ. قالت: ثُمّ يُؤَذّنُ. قالت: والله مَا عَلِمْتُهُ كان تَرَكَهَا لَيْلَةً وَاحِدَةً هَذِهِ الْكَلِمَاتِ.
__________
"باب الأذان فوق المنارة"
"يؤذن عليه": أي علي بيتي "فيأتي": أي بلال "بسحر": أي في وقت السحر. قال في المصباح المنير: والسحر بفتحتين قبيل الصبح، وبضمتين لغة، والجمع أسحار "فإذا رآه": أي إذا رأى بلال الفجر قد طلع "تمطى": هو جواب إذا قال في لسان العرب: تمطى الرجل تمدد. انتهى. ومعنى الحديث تمدد بلال لطول جلوسه، ومعناه بالفارسية خميازه ميكرفت "ثم قال": أي بلال "قالت": أي امرأة من بني النجار "ثم يؤذن": بلال "ما علمته": أي بلالاً.

(2/153)


3 3باب المؤذن يستدير في أذانه
516 حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ حدثنا قَيْسٌ يَعْني ابنَ الرّبِيعِ ح. وحدثنا مُحمّدُ بنُ سُليْمانَ اْلأَنْبَارِيّ حدثنا وَكِيعٌ عن سُفْيَانَ جَمِيعاً عن عَوْنِ بنِ أَبي جُحَيْفَةَ عن أَبِيهِ قال: أَتَيْتُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِمكّةَ وَهُوَ في قُبّةٍ حَمْراء مِنْ أَدَمٍ، فَخَرَجَ بِلاَلٌ فأَذّنَ، فَكُنْتُ أَتَتَبّعُ فَمَهُ هَهُنَا وَههُنَا. قال: ثُمّ خَرَجَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْهِ حُلّةٌ حَمْراءُ بُرُودٌ
__________
"باب المؤذن يستدير في أذانه"
"قال": أي أبو جحيفة وهو بضم الجيم وفتح الحاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الفاء واسمه وهب بن عبدالله السوائي بضم السين والمد. قاله العيني "وهو": أي النبي صلى الله عليه وسلم "في قبة": قال في المصباح المنير: القبة من البنيان معروف، وتطلق على البيت المدور وهو معروف عند التركمان والجمع قباب "من أدم": بفتحتين جمع أديم أي جلد "فكنت أتتبع فمه ههنا وههنا": فمه منصوب على المفعولية، وههنا وههنا ظرفا مكان، والمراد بهما جهتا اليمين والشمال، ومعناه أنا أنظر إلى فم بلال متتبعاً، وفي رواية الترمذي: "رأيت بلالاً يؤذن ويدور ويتبع فاه ههنا وههنا" الحديث قال الحافظ: والحاصل أن بلالاً كان يتبع بفيه الناحيتين وكان أبو حجيفة ينظر إليه فكل منهما منتبع باعتبار. انتهى. وفي رواية وكيع عن سفيان عند مسلم قال فجعلت أتتبع فاه ههنا وههنا يميناً وشمالاً يقول: حي على الصلاة على الفلاح الحديث قلت: قوله: "كنت أتتبع فمه ههنا وههنا" هو محل الترجمة ويؤخذ منه مطابقة الحديث بالباب، وهو استدارة المؤذن في الأذان في الأذان كما عرفت من قول الحافظ "قال": أبو جحيفة "وعليه حلة": هي بضم الحاء إزار ورداء. قال ابن الأثير: الحلة واحدة الحلل وهي برود اليمن ولا تسمى حلة، إلا أن تكون ثوبين من جنس واحد "حمراء": قال الشوكاني رحمه الله، وقد زعم ابن القيم أن الحلة الحمراء بردان يمانيان منسوجان بخطوط حمر مع الأسود وغلط من قال: إنها كانت حمراء بحتاً قال وهي معروفة بهذا الأسم. انتهى. ولا يخفاك أن الصحابي قد وصفها بأنها حمراء هو من أهل اللسان. والجواب الحمل على المعنى الحقيقي وهو الحمراء البحت والمصير إلى المجاز أعني كون بعضها أحمر دون بعض لا يحمل ذلك الوصف عليه إلا لموجب، فإن أراد أن ذلك معنى الحلة الحمراء لغة فليس في كسب اللغة ما يشهد لذلك، وإن أراد أن ذلك حقيقة شرعية فيها، فالحقائق الشرعية لا تثبت بمجرد الدعوى، والواجب حمل مقالة ذلك الصحابي على لغة العرب لأنها لسانه ولسان قومه.

(2/154)


يَمَانِيّةٌ قِطْرِيّ. وقال مُوسَى قال: رَأَيْتُ بِلاَلاً خَرَجَ إِلَى الأبْطَحِ فَأَذّنَ، فَلمّا
__________
وفي فتح الباري أن في لبس الثوب الأحمر سبعة مذاهب: الأول: الجواز مطلقاً، جاء عن علي وطلحة وعبدالله بن جعفر والبراء وغير واحد من الصحابة وعن سعيد بن المسيب والنخعي والشعبي وأبي قلابة وطائفة من التابعين.
الثاني : المنع مطلقاً ولم ينسبه الحافظ إلى قائل معين إنما ذكر أخباراً وآثاراً يعرف بها من قال بذلك.
الثالث : يكره لبس الثوب المشبع بالحمرة دون ما كان صبغه خفيفاً، جاء ذلك عن عطاء وطاوس ومجاهد.
الرابع : يكره لبس الأحمر مطلقاً لقصد الزينة والشهرة ويجوز في البيوت المهنة، جاء ذلك عن ابن عباس.
الخامس : يجوز لبس ما كان صبغ غزله ثم نسج ويمنع ما صبغ بعد النسج، جنح إلى ذلك الخطابي.
السادس : اختصاص النهي بما يصبغ بالعصفر ولم ينسبه إلى أحد.
السابع : تخصيص المنع بالثوب الذي يصبغ كله وأما ما فيه لون آخر غير أحمر فلا. انتهى مختصراً.
"يمانيه قطري": بكسر قاف وسكون طاء نسبة إلى قرية قطر بفتحتين من قرى البحرين، والكسر والتخفيف للنسبة فلعل تقدير الكلام كثوب قطري وإلا فكيف يكون يمانياً وقطرياً وبه يتضح وجه التذكير ولله تعالى أعلم. قاله في فتح الودود. قال العيني: قوله وعليه حلة حمراء برود يمانية قطري فقوله برود جمع برد مرفوع لأنه صفة للحلة، وقوله يمانية صفة للبرود أي منسوبة إلى اليمن وقوله قطري بكسر القاف وسكون الطاء والأصل قطري بفتح القاف والطاء لأنه نسبة إلى قطر بلد بين عمان وسيف البحر، ففي النسبة خففوها وكسرواً القاف وسكنوا الطاء، ويقال القطري ضرب من البرود فيها حمرة ويقال ثياب حمر لها أعلام فيها بعض الخشونة وإنما لم يقل قطرية مع أن التطابق بين الصفة والموصوف شرط لأنه بكثرة الاستعمال صار كالأسم لذلك النوع من الحلل، ووصف الحلة بثلاث صفات الأولى صفة الذات وهي قوله حمراء، والثانية صفة الجنس وهي قوله برود بين به أن جنس هذه الحالة الحمراء من البرود اليمانية والثالثة صفة النوع وهي قوله قطري لأن البرود اليمانية أنواع نوع منها قطري بينه بقوله

(2/155)


بَلَغَ حَيّ على الصّلاَة حَيّ على الْفَلاَح، لَوّى عُنُقَهُ يَمِيناً وَشِمالاً وَلَمْ يَسْتَدِرْ ثُمّ دَخَلَ فأَخْرَجَ الْعَنَزَةَ وَسَاقَ حَدِيثَهُ.
__________
قطري انتهى. وقال ابن الأثير في النهاية قال الأزهري في أعراس البحرين قرية يقال لها قطر وأحسب الثياب القطرية نسبت إليها فكسروا القاف للنسبة وخففوا.
"وقال موسى": بن إسماعيل شيخ المؤلف "قال": أي أبو حجيفة "إلى الأبطح": قال الحافظ في الفتح: هو موضع معروف خارج مكة انتهى. وقال في المرقاة: الأبطح بفتح همزة محل أعلى من المعلى إلى جهة منى وهو في اللغة مسيل واسع فيه دقاق الحصا والبطيحة والبطحاء مثله صار علماً للمسيل الذي ينتهي إليه السيل من وادي منى وهو الموضع الذي يسمى محصباً أيضاً "لوى عنقه يميناً وشمالاً": أي عطف بلال عنقه. قال الحافظ في الفتح: وهذا فيه تقييد للالتفات في الأذان وأن محله عند الحيعلتين، وبوب عليه ابن خزيمة انحراف المؤذن عند قوله حي على الصلاة حي على الفلاح بفمه لا ببدنه كله. قال وإنما يمكن الانحراف بالفم بانحراف الوجه "ولم يستدر": بلال في الأذان. فيه تصريح بعدم الاستدارة في الأذان وقد اختلفت الروايات في الاستدارة ففي ببعضها أنه كان يستدير وفي بعضها ولم يستدر لكن تروي الاستدارة من طريق حجاج وإدريس الأودي ومحمد العرزمي عن عون وهم ضعفاء وقد خالفهم من هو مثلهم أو أمثل وهو قيس ابن الربيع، فرواه عن عون فقال في حديثه ولم يستدر كما ساقه المؤلف، ويمكن الجمع بأن من أثبت الاستدارة عني استدارة الرأس ومن نفاه عني استدارة الجسد كله قاله الحافظ في الفتح "ثم دخل": بلال في منزله "فأخرج العنزة": قال الحافظ في الفتح العنزة بفتح النون عصا أقصر من الرمح لها سنان، وقيل هي الحربة القصيرة ووقع في رواية كريمة العنزة عصا عليها زج بزاي مضمومة ثم جيم مشددة أي سنان وفي الطبقات لابن سعد أن النجاشي كان أهداها للنبي صلى الله عليه وسلم "وساق": أي موسى بن إسماعيل "حديثه": أي باقي حديثه وهو من قوله ثم خرج رسول الله الحديث. وأورد المؤلف هذا الحديث بإسنادين الأول من طريق موسى بن إسماعيل والثاني من طريق محمد بن سليمان الأنباري فساق أولا لفظ محمد بن سليمان ثم أتبعه بلفظ مسدد، وأما وضع الإصبعين في الأذنين فقد رواه أبو عوانة من طريق مؤمل عن سفيان عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه وله شواهد من أصحها ما رواه أبو داوود وابن حبان من طريق أبي سلام الدمشقي أن عبدالله الهوزني حدثه قال قلت لبلال كيف كانت نفقة النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث وفيه قال بلال "فجعلت إصبعي في أذني فأذنت وأخرج الترمذي من طريق أبي جحيفة في أذان بلال "وإصبعاه في أذنيه" ولابن ماجه والحاكم من حديث سعد القرظ أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بلالاً أن يجعل إصبعيه في أذنيه" وفي إسناده ضعف. قال العلماء في

(2/156)


__________
ذلك فائدتان. إحداهما أنه قد يكون أرفع لصوته وفيه حديث ضعيف أخرجه أبو الشيخ. ثانيهما أنه علامة للمؤذن ليعرف من رآه على بعد أو كان به صمم أنه يؤذن. قال الترمذي: استحب أهل العلم أن يدخل المؤذن أصبعيه في أذنيه في الأذان. قال واستحب الأوزاعي في الإقامة أيضاً. انتهى. ولم يرد تعيين الأصبع التي يستحب وضعها وجزم النووي أنها المسبحة. انتهى كلام الحافظ ملخصاً. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة.

(2/157)


باب الدعاء بين الأذان والإقامة
...
34باب في الدعاء بين الأذان والإقامة
517 حدثنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرِ أخبرنا سُفْيَانُ عن زَيْدٍ الْعَمّى عن أَبي إِيَاس عن أَنَس بن مَالِكٍ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لاَ يَرَدّ الدّعَاء بَيْنَ اْلأذَانِ وَالإِقَامَةِ "
__________
"باب في الدعاء بين الأذان والإقامة"
"عن أبي أياس": ككتاب المزني معاوية بن قرة قاله في التقريب " لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة ": أي فادعموا كما في رواية، وذلك لشرف الوقت. قال المنذري: والحديث أخرجه الترمذي والنسائي في عمل اليوم والليلة، وقال الترمذي: حديث حسن، وأخرجه النسائي من حديث يزيد بم أي مريم عن أنس وهو أجود من حديث معاوية بن قرة، وقد روى عن قتادة عن أنس موقوفاً.

(2/157)


35باب ما يقول إذا سمع المؤذن
- 518 حدثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن ابنِ شِهَابٍ عن عَطَاءَ بنِ يَزِيدَ اللّيْثِيّ عن أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "إِذَا سَمِعْتُمُ النّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ المُؤَذّنُ "
__________
" باب ما يقول إذا سمع المؤذن"
" النداء ": أي الأذان " فقولوا مثل ما يقول المؤذن : مثل منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف أي قولوا قولاً مثل ما يقول المؤذن، وكلمة ما مصدرية أي مثل قول المؤذن، والمثل هو النظير. قال الحافظ في الفتح: ادعى ابن وضاح أن قوله: المؤذن مدرج وأن الحديث انتهى

(2/157)


36 باب ما يقول إذا سَمع الإقامة
524 حدثنا سليمان بنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيّ حدثنا مُحمّدُ بنُ ثَابِتٍ حدثني رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشّامِ عن شَهْرِ بنِ حَوْشَبَ عن أَبي أُمَامَة أو عن بَعْضِ أَصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أَنّ بِلاَلاً أَخَذَ في الإقَامَةَ، فَلمّا أَنْ قال قَدْ قَامَتِ الصّلاَةُ قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: " أَقَامَهَا الله وَأَدَامَهَا "، وقال في سَائِرِ اْلإقَامَةِ كَنَحْوِ حديثِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُ في اْلأَذَانِ.
__________
"باب ما يقول إذا سَمع الإقامة"
"أو عن بعض أصحاب": هو شك من الراوي "أخذ": أي شرع "فلما": شرطية. قاله ابن الملك "أن قال قد قامت الصلاة": قال الطيبي: لما تستدعي فعلاً فالتقدير فلما انتهى إلى أن قال: واختلف في قال أنه متعد أو لازم، فعلى الأول يكون مفعولاً به، وعلى الثاني يكون مصدراً. انتهى. وتبعه ابن حجر المكي والأظهر أن لما ظرفية وأن زائدة للتأكيد كما قال تعالى {فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ} كما قال صاحب الكشاف وغيره في قوله تعالى {وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ} قاله في المرقاة " أقامها الله ": أي الصلاة يعني ثبتها " وأدامها ": واشتهر زيادة وجعلني من صالحي أهلها "وقال": أي النبي صلى الله عليه وسلم " في سائر الإقامة ": أي في جميع كلمات الإقامة غير قد قامت الصلاة، أو قال في البقية مثل ما قال المقيم إلا في الحيعلتين فإنه قال فيه

(2/161)


__________
لا حول ولا قوة إلا الله "كنحو حديث عمر رضي الله عنه": الذي مر آنفاً "في الأذان": يريد أنه صلى الله عليه وسلم، قال مثل ما قال المؤذن في حديث عمر يعني وافق المؤذن في غير الحيعلتين وفيه دلالة على استحباب مجاوبة المقيم لقوله وقال في سائر الإقامة كنحو حديث عمر. قال المنذري: في إسناده رجل مجهول، وشهر بن حوشب تكلم فيه غير واحد ووثقه الإمام أحمد ويحيى بن معين.

(2/162)


37 باب ما جاء في الدعاء عند الأذان
525 حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا علي بن عياش حدثنا شعيب بن أبي حمزة عن مُحمّدِ بنِ الْمُنْكَدِرِ عن جَابِرِ بنِ عَبْدِالله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مَنْ قال حِيْنَ يَسْمَعُ النّدَاءَ: الّلهُمّ رَبّ هَذِهِ الدّعْوَةِ تّامّةِ وَالصّلاَةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحمّداً الْوَسِيلَةَ
__________
"باب ما جاء في الدعاء عند الأذان"
أي عند تمام الأذان. علي بن عياش": بالياء الأخيرة والشين المعجمة، وهو الحمصي من كبار شيوخ البخاري ولم يلقه من الأئمة الستة غيره. قاله الحافظ " من قال حين يسمع النداء ": أي الأذان واللام للعهد، ويحتمل أن يكون التقدير من قال حين يسمع نداء المؤذن، وظاهره أنه يقول: الذكر المذكور حال سماع الأذان ولا يتقيد بفراغه، لكن يحتمل أن يكون المراد من النداء تمامه إذ المطلق يحمل على الكامل، ويؤيده حديث عبدالله بن عمرو بن العاص عند مسلم بلفظ " قولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، ثم سلوا الله لي الوسيلة " ففي هذا أن ذلك يقال عند فراغ الأذان. قاله في الفتح " اللهم ": يعني يا الله والميم عوض عن الياء فلذلك لا يجتمان. قاله العيني " رب ": منصوب على النداء ويجوز رفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي أنت رب هذه الدعوة، والرب المربي المصلح للشأن، ولم يطلقوا الرب إلا في الله وحده وفي غيره على التقييد بالإضافة كقولهم رب الدار ونحوه قاله العيني " هذه الدعوة ": بفتح الدال. وفي المحكم الدعوة والدعوة بالفتح والكسر. قلت: قالوا الدعوة بالفتح في الطعام والدعوة بالكسر في النسب والدعوة بالضم في الحرب والمراد بالدعوة ههنا ألفاظ الأذان التي يدعي بها الشخص إلى عبادة الله تعالى. قاله العيني وفي الفتح ذاد البيهقي من طريق محمد بن عون عن علي بن عياش " اللهم إني أسألك بحق هذه الدعوة التامة " والمراد بها دعوة التوحيد كقوله تعالى {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ} " التامة ": صفة للدعوة وصفت بالتمام لأن الشركة نقص، أو التامة التي لا يدخلها تغيير ولا تبديل، بل هي باقية إلى يوم النشور، أو لأنها هي التي تستحق صفة التمام

(2/162)


وَالْفَضِيلَةَ وَابْعَثْهُ مَقَاماً مَحْمُوداً الّذِي وَعَدْتَهُ إِلاّ حَلّتْ لَهُ الشّفَاعَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ "
__________
وما سواها فمعرض للفساد. وقال ابن التين: وصفت بالتامة، لأن فيها أتم القول وهو: لا إله إلا الله. وقال الطيبي: من أوله إلى قوله محمداً رسول الله هي الدعوة التامة " والصلاة القائمة ": أي الدائمة التي لا يغيرها ملة، ولا ينسخها شريعة وأنها قائمة ما دامت السموات والأرض " آت ": أي اعط وهو أمر من الإيتاء وهو الإعطاء " الوسيلة ": هي المنزلة العلية وقد فسرها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: " فإنها منزلة في الجنة " كما مر في الحديث السابق، ووقع هذا التفسير في رواية مسلم أيضاً " والفضيلة ": أي المرتبة الزائدة على سائر الخلائق، ويحتمل أن تكون منزلة أخرى أو تفسيراً للوسيلة " وابعثه مقاماً محموداً ": أي يحمد القائم فيه، وهو مطلق في كل ما يجلب الحمد من أنواع الكرامات، ونصب على الظرفية أي ابعثه يوم القيامة فأقمه مقاماً محموداً أو ضمن ابعثه معنى أقمه أو على أنه مفعول به، ومعنى ابعثه أعطه ويجوز أن يكون حالاً أي ابعثه ذا مقام محمود. قاله الحافظ. وقال في المرقاة: وإنما نكر المقام للتفخيم أي مقاماً يغبطه الأولون والآخرين محموداً يكل عن أوصافه ألسنة الحامدين.
" الذي وعدته ": زاد في رواية البيهقي " إنك لا تخلف الميعاد " وقال الطيبي المراد بذلك قوله تعالى {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً} وأطلق عليه الوعد لأن عسى من الله واقع كما صح عن ابن عيينة وغيره، والموصول إما بدل أو عطف بيان أو خبر مبتدأ محذوف وليس صفة للنكرة. ووقع في رواية النسائي وابن خزيمة وغيرهما: المقام المحمود بالألف واللام فيصح وصفه بالموصول. قال ابن الجوزي: والأكثر على أن المراد بالمقام المحمود الشفاعة، وقيل إجلاسه على العرش، وقيل على الكرسي، ووقع في صحيح ابن حبان من حديث كعب ابن مالك مرفوعاً " يبعث الله الناس فيكسوني ربي حلة خضراء فأقول ما شاء الله أن أقول فذلك المقام المحمود " ويظهر أن المراد بالقول المذكور هو الثناء الذي يقدمه بين يدي الشفاعة ويظهر أن المقام المحمود هو مجموع ما يحصل له في تلك الحالة. قاله الحافظ " إلا ": وفي البخاري بدون إلا وهو الظواهر، وأما مع إلا فيجعل من في قوله من قال استفهامية للانكار. قاله في فتح الودود " حلت له ": أي وجبت وثبتت " الشفاعة ": فيه بشارة إلى حسن الخاتمة والحض على الدعاء في أوقات الصلوات لأنه حال رجاء الإجابة. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه.

(2/163)


38باب ما يقول عند أذان المغرب
526 حدثنا مُؤَمّلُ بنُ إهَابٍ حدثنا عَبْدُ الله بنُ الْوَلِيدِ الْعَدَنِيّ حدثنا الْقَاسِمُ بنُ مَعْنِ حدثنا المَسْعُودِيّ عن أَبي كَثِيرٍ مَوْلَى أُمّ سَلَمَةَ عن أُمّ سَلَمَةَ قالت: عَلّمَنِي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ أَقُولَ عِنْدَ أَذَانِ المَغْرِبِ: الّلهُمّ إِنّ هَذَا إِقْبَالُ لَيْلِكَ، وَإِدْبَارُ نَهَارِكَ، وَأَصْوَاتُ دُعَاتِكَ، فَاغْفِرْ لِي.
__________
"باب ما يقول عند أذان المغرب"
"أن أقول عند أذان المغرب": الظاهر أن يقال هذا بعد جواب الأذان أو في أثنائه. قاله علي القاري " اللهم إن هذا ": إشارة إلى ما في الذهن وهو مبهم مفسر بالخبر. قاله الطيبي. قال في المرقاة: والظاهر أنه إشارة إلى الأذان لقوله وأصوات " إقبال ليلك": هو خبر إن أي هذا الأذان أو إن إقبال ليلك وإدبار نهارك أي في الأفق وهو معطوف على الخبر " وأصوات دعاتك ": أي في الآفاق جمع داع كقضاة جمع قاض وهو المؤذن " فاغفر لي ": بحق هذا الوقت الشريف والصوت المنيف، وبه يظهر وجه تفريع المغفرة. قاله في المرقاة. وقال المنذري: والحديث أخرجه الترمذي وقال هذا حديث غريب إنما نعرفه من هذا الوجه. وحفصة بنت أبي كثير لا نعرفها ولا أباها.

(2/164)


39 باب أخذ الأجرعلى التأذين
527 حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ حدثنا حَمّادٌ أخبرنا سَعِيدُ الْجُرَيْرِيّ عن أَبي الْعَلاَءِ عن مُطَرّفِ بنِ عَبْدِالله عن عُثْمانَ بنِ أَبي الْعَاصِ قال قُلْتُ وقال مُوسَى في مَوْضِعٍ آخَرَ: إِنّ عُثْمانَ بنَ الْعَاصِ قال: يَارسولَ الله اجْعَلْنِي إِمَامَ قَوْمِي. قال: " أَنْتَ إِمَامُهُمْ، وَاقْتَدِ بِأَصْعَفِهِمْ، وَاتّخِذْ مُؤَذّنَاً لا يَأْخُذُ عَلَى آذَانِهِ أَجْراً "
__________
" باب أخذ الأجر على التأذين"
"وقال موسى": بن إسماعيل "قال": النبي صلى الله عليه وسلم " أنت إمامهم ": أي جعلتك إمامهم، فيفيد الحديث أو أنت كما قلت، فيكون للدوام. قاله ابن الملك " واقتد بأضعفهم ": أي تابع أضعف المقتدين في تخفيف الصلاة من غير ترك شيء من الأركان، يريد تخفيف القراءة والتسبيحات

(2/164)


__________
حتى لا يمل القوم. قال التوربشتي: ذكر بلفظ الاقتداء تأكيداً للأمر المحثوث عليه لأن من شأن المقتدي أن يتابع المقتدي به ويجتنب خلافه، فعبر عن مراعاة القوم بالاقتداء مشاكله لما قبله. قاله علي القاري في المرقاة " واتخذ ": أمر ندب. قاله علي القاري " على أذانه أجراً ": أي الأجرة. قال الخطابي: أخذ المؤذن الأجر على أذانه مكروه في مذاهب أكثر العلماء. وقال مالك بن أنس: لا بأس به. ويرخص فيه. وقال الأوزاعي: مكروهة ولا بأس بالجعل، وكره ذلك أهل الرأي، ومنع منه إسحاق بن راهويه. وقال الحسن: أخشى أن لا يكون صلاته خالصة لله تعالى، وكرهه الشافعي وقال: لا يرزق الإمام للمؤذن إلا من خمس الخمس من سهم النبي صلى الله عليه وسلم فإنه مرصد لمصالح الدين ولا يزقه من غيره انتهى. قال المنذري: أخرج مسلم الفصل الأول، وأخرجه النسائي بتمامه، وأخرج ابن ماجه الفصلين في موضعين، وأخرج الترمذي الفصل الأخير.

(2/165)


40 باب في الأذان قبل دخول الوقت
528 حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ وَ دَاوُدُ بنُ شَبِيبٍ المَعْنَى قالا حدثنا حَمّادٌ عن أَيّوبَ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ أَنّ بِلاَلاً أَذّنَ قَبْلَ طُلوعِ الْفَجْرِ فَأَمَرَهُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَرْجِعَ فَيُنَادِي: أَلاَ إِنّ الْعَبْدَ نَامَ، أَلاَ إِنّ الْعَبْدَ نَامَ . زَادَ مُوسَى: فَرَجَعَ فَنَادَى أَلاَ إِنّ الْعَبْدَ نَامَ.
__________
"باب في الأذان قبل دخول الوقت"
" ألا ": كلمة تنبيه " إن العبد نام ": قال الحافظ في الفتح: بعني أن غلبة النوم على عينه منعته من تبيين الفجر انتهى. وقال الخطابي: هو يتأول على وجهين أحدهما أن يكون أراد به أنه غفل عن الوقت كما يقال: نام فلان عن حاجتي إذا غفل عنها ولم يعم بها، والوجه الآخر أن يكون معناه، قد عاد لنومه إذا كان عليه بقية من الليل، يعلم الناس ذلك لئلا ينزعجوا من نومهم وسكونهم ويشبه أن يكون هذا فيما تقدم من أول زمان الهجرة فإن الثابت عن بلال أنه كان في آخر أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤذن لميل ثم يؤذن بعده ابن أم مكتوم مع الفجر. وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال " إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم"
وممن ذهب إلى تقديم أذان الفجر قبل دخول وقته جابر ومالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه، وكان أبو يوسف يقول بقول أبي حنيفة في أن ذلك لا يجوز ثم رجع فقال: لا بأس أن يؤذن للفجر خاصة قبل طلوع الفجر اتباعاً للأثر، وكان أبو حنيفة ومحمد

(2/165)


قال أَبُو دَاوُد: وهذا الحديثُ لم يَرْوِهِ عن أَيّوبَ إِلاّ حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ.
- 529 حدثنا أَيّوبُ بنُ مَنْصُورٍ حدثنا شُعَيْبُ بنُ حَرْبٍ عن عَبْدِالْعَزِيزِ بنِ أَبي رَوّادٍ أخبرنا نَافِعٌ عن مُؤَذّنٍ لِعُمَرَ يُقَالَ لَهُ مَسْرُوحٌ أَذّنَ قَبْلَ الصّبْحِ فأَمَرَهُ عُمَرُ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
__________
لا يجيزان ذلك قياساً على سائر الصلوات، وإليه ذهب سفيان الثوري، وذهب بعض أصحاب الحديث إلى أن ذلك جائزاً إذا كان للمسجد مؤذنان كما كان لرسول الله عليه وآله وسلم فأما إذا لم يؤذن فيه إلا مؤذن واحد، فإنه لا يجوز أن يفعله إلا بعد دخول الوقت، فيحمل على هذا أنه لم يكن لمسجد رسول الله عليه وآله وسلم في الوقت الذي نهى عنه بلالاً إلا مؤذن واحد وهو بلال ثم أجازه حين أقام ابن أم مكتوم مؤذناً، لأن الحديث في تأذين بلال قبل الفجر ثابت من رواية ابن عمر. انتهى. وقال الحافظ في الفتح: قد اختلف هل يشرع الأذان قبل الفجر أو لا، وإذا شرع هل يكتفي به عن إعادة الأذان بعد الفجر أو لا، وإلى مشروعيته مطلقاً ذهب الجمهور، وخالف الثوري وأبو حنيفة ومحمد، وإلى الاكتفاء مطلقاً ذهب مالك والشافعي وأحمد وأصحابهم، وخالف ابن خزيمة وابن المنذر وطائفة من أهل الحديث. وقال به الغزالي في الإحياء. انتهى. قلت: وحديث ابن عمر وعائشة الذي أخرجه البخاري ولفظه " إن بلالاً يؤذن بليل فكانوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم" يدل على عدم الاكتفاء، وإلى هذا ميل البخاري، كما يلوح من كلام الحافظ " لم يروه ": هذا الحديث مرفوعاً "عن أيوب إلا حماد بن سلمة": وحماد بن سلمة وهم في رفعه. قال الترمذي: في جامعه: حديث حماد بن سلمة غير محفوظ. قال علي بن المديني حديث حماد ابن سلمة عن أيوب غير محفوظ، وأخطأ فيه حماد بن سلمة. انتهى. وقال الحافظ في الفتح: أخرجه أبو داوود وغيره من طريق حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر موصولاً مرفوعاً ورجاله ثقات حفاظ. لكن اتفق أئمة الحديث علي بن المديني وأحمد بن حنبل والبخاري والذهلي وأبو حاتم وأبو داوود والترمذي والأثرم والدارقطني على أن حماداً أخطأ في رفعه، وأن الصواب وقفه على عمر بن الخطاب وأنه هو وقع له ذلك مع مؤذنه وأن حماداً تفرد برفعه انتهى. قاله في غاية المقصود.
"فذكر": الراوي "نحوه": ولفظ الترمذي فأمره عمر أن يعيد الأذان لكن هذه الرواية منقطعة. قال الترمذي في جامعه: هذا لا يصح لأنه عن نافع عن عمر منقطع "رواه حماد بن

(2/166)


قال أَبُو دَاوُد: وَقَدْ رَوَاهُ حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عن عُبَيْدِالله بنِ عُمَرَ عن نَافِعٍ أو غَيْرِهِ أَنّ مُؤَذّناً لِعُمَرَ يُقَالُ لَهُ مَسْرُوحٌ.[أو غيره]
قال أَبُو دَاوُد: وَرَوَاهُ الدّرَاوَرْدِيّ عن عُبَيْدِالله عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ قال: كان لِعُمَرَ مُؤَذّنٌ يُقَالُ لَهُ مَسْعُودٌ وَذَكَرَ نَحْوَهُ وَهَذَا أَصَحّ مِنْ ذَاك.
530 حدثنا زُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ حدثنا وَكِيعٌ حدثنا جَعْفَرُ بنُ بُرْقَانَ عن شَدّادٍ مَوْلَى
__________
زيد بن عبيدالله بن عمر": مقصود المؤلف من هذا تقوية رواية عبدالعزيز بن أبي عبيدالله بن عمر قد تابع عبدالعزيز، على أن الآمر في هذه الواقعة هو عمر بن الخطاب لمؤذنه دون النبي صلى الله عليه وسلم لبلال، وأن اسم المؤذن مسروح كما في رواية عبدالعزيز. قاله في غاية المقصود "رواه الدراوردي": وهذه متابعة لرواية حماد بن زيد، فإن عبدالعزيز الدراوردي وحماد بن زيد كلاهما يروياه عن عبيدالله وجعلا هذه الواقعة لمؤذن عمر، إلا أن الدراوردي زاد واسطة عبدالله بن عمر وسمي اسم المؤذن مسعوداً. قاله في غاية المقصود "وهذا": أي حديث نافع عن مؤذن لعمر الذي رواه عبدالعزيز بن أبي رواد وعبيدالله بن عمر عن نافع "أصح من ذاك": أي من حديث أيوب عن نافع، فإن حماد بن سلمة وهم في روايته عن أيوب، وقد اتفق الحفاظ المهرة على خطأ حماد بن سلمة في هذه الرواية كما عرفت، وهذا المعنى هو الصحيح والصواب. قال الترمذي في جامعه: حديث حماد بن سلمة غير محفوظ. والصحيح ما روى عبيدالله بن عمر وغيره عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم " وروى عبدالعزيز بن أبي رواد بسنده فأمر ه عمر أن يعيد الأذان، ولعل حماد بن سلمة أراد هذا الحديث ولو كان حديث حماد صحيحاً لم يكن لحديث عبيدالله بن عمرو غير واحد عن نافع عن ابن عمرو الزهري عن سالم عن ابن عمر معنى إذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن بلالاً يؤذن بليل " فإنما أمرهم فيما يستقبل فقال "إن بلالاً يؤذن بليل" ولو أنه أمره بإعادة الأذان حين أذن قبل طلوع الفجر لم يقل إن بلالاً يؤذن بليل انتهى.
ويحتمل أن يكون مراد المؤلف وهذا أي حديث عبدالعزيز الدراوردي عن عبيدالله عن نافع عن ابن عمر أصح. لأجل اتصال سنده من ذاك أي من حديث عبدالعزيز بن أبي رواد عن نافع لأنه منقطع وأن نافعاً لم يدرك عمر ولم يشاهد الواقعة والله أعلم. قال الترمذي: قد اختلف أهل العلم في الأذان بالليل فقال بعض أهل العم إذا أذن المؤذن بالليل أجزأه ولا يعيد، وهو قول مالك وابن المبارك وأحمد وإسحاق. وقال بعض أهل العلم إذا أذن بالليل

(2/167)


عِيَاضِ بنِ عَامِرٍ عن بِلاَلِ أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال لَهُ: " لا تُؤَذّنْ حَتّى يَسْتَبِينَ لَكَ الْفَجْرُ هَكَذَا، وَمَدّ يَدَيْهِ عَرْضاً"
قال أَبُو دَاوُد: شَدّادٌ مَوْلَى عِيَاضٍ لَمْ يُدْرِكْ بِلالاً.
__________
أعاد وبه يقول سفيان الثوري انتهى. قاله في غاية المقصود.
"قاله له": أي لبلال " حتى يستبين ": أي يتبين "ومد يديه": أي النبي صلى الله عليه وسلم وهو بيان لهكذا. هذا الحديث يدل على أنه لا يجوز الأذان قبل الفجر. قلت فيه الأنقطاع، كما قال المؤلف شداد لم يدرك بلالاً ومع ذلك لا يقاوم حديث الذي أخرجه البخاري وفيه "إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم"

(2/168)


41- باب الأذان للأعمى
- 531 حدثنا مُحمّدُ بنُ سَلَمَةَ حدثنا ابنُ وَهْبٍ عن يَحْيَى بنِ عَبْدِالله بنِ سَالِمِ بنِ عَبْدِالله بنِ عُمَرَ وَ سَعِيدُ بنُ عَبْدِالرّحْمَنِ عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن أَبِيهِ عن عَائشةَ: أَنّ ابنَ أُمّ مَكتُومٍ كان مُؤَذّنَاً لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ أَعْمَى.
__________
"باب الأذان للأعمى"
"وهو أعمى": وفي رواية البخاري "حتى ينادي ابن أم مكتوم قال وكان رجلاً أعمى لا ينادي حتى يقال له أصبحت أصبحت" قال النووي: مقصود الباب أن أذان الأعمى صحيح وهو جائز بر كراهة إذا كان معه بصير كما كان بلال وابن مكتوم انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم.
ـــــــ
قال ابن القيم رحمه الله
قال أبو داود في رواية ابن داسة شداد مولى عياض لم يدرك بلالا وهذا من روايته عنه

(2/168)


42باب الخروج من المسجد بعد الأذان
- 532 حدثنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ أخبرنا سُفْيَانُ عن إِبراهِيمَ بنِ المُهَاجِرِ عن أَبي الشّعْثَاءِ قال: كُنّا مَعَ أَبي هُرَيْرَةَ في المَسْجِدِ فَخَرَجَ رَجُلٌ حِينَ أَذّنَ المُؤَذّنُ
__________
" باب الخروج من المسجد بعد الأذان"
"فخرج رجل": من المسجد "أما هذا فقد عصى": قال الطيبي: أما للتفصيل يقتضي شيئين

(2/168)


43باب في المؤذن ينتظر الإمام
-533حدثنا عُثْمانُ بنُ أَبي شَيْبَةَ حدثنا شَبَابَةُ عن إِسْرَائِيلَ عن سِمَاكِ عن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ قال: كَانَ بِلاَلٌ يُؤَذّنُ ثُمّ يمْهِلُ فَإِذّ رَأَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم قَدْ خَرَجَ أَقَامَ الصّلاَةَ.
__________
"باب في المؤذن ينتظر الإمام"
"ثم يهمل": أي يؤخر "فإذا رأى": أي بلال، وسيجيء تحقيق هذا الحديث قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم بنحوه وأتم منه وأخرجه الترمذي.

(2/169)


44 باب في التثويب
- 534 حدثنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ أخبرنا سُفْيَانُ حدثنا أَبُو يَحْيَى الْقَتّاتُ عن
__________
"باب في التثويب"
"أبو يحيى القتات": قال الحافظ في التقريب: أبو يحيى القتات بقاف ومثناة مثقلة وآخره

(2/169)


45 باب في الصلاة تقام ولم يأت الإمام ينتظرونه قعودا
535 حدثنا مُسْلِمُ بنُ إِبراهِيمَ وَ مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ قالا حدثنا أَبَانُ عن يَحْيَى عن عَبْدِالله بنِ أَبي قَتَادَةَ عن أَبِيهِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: " إِذَا أُقِيْمَتِ الصّلاَةُ فَلاَ تَقُومُوا حَتّى تَرونِي "
قال أَبُو دَاوُد: هكَذَا رَوَاهُ أَيّوبُ وَحَجّاجٌ الصّوّافُ عن يَحْيَى وَهِشَامُ الدّسْتَوَانِيّ قال: كَتَبَ إِلَيّ يَحْيَى. وَرَوَاهُ مُعَاوِيَةُ بنُ سَلاّمٍ وَعَلِيّ بنُ المُبَارَكِ عن يَحْيَى وقالا فيه " حَتّى تَرَونِي وَعَلَيْكُم السّكِينَةُ "
536 حدثنا إِبراهِيمُ بنُ مُوسَى أخبرنا عِيسَى عن مَعْمَرٍ عن يَحْيَى
__________
"باب في الصلاة تقام ولم يأت الإمام ينتظرونه قعودا"
"إذا أقيمت الصلاة": أي إذا ذكرت ألفاظ الإقامة. قاله الحافظ " فلا تقوموا حتى تروني ": أي قد خرجت كما في رواية معمر الآتية وهو محل الترجمة قال الحافظ في الفتح: قوله: لا تقوموا نهى عن القيام، وقوله حتى تروني تسويغ للقيام عند الرؤية وهو مطلق غير مقيد بشيء من ألفاظ الإقامة، ومن ثم اختلف السلف في ذلك كما سيأتي، وفيه جواز الإقامة والإمام في منزله إذا كان يسمعها وتقدم إذنه في ذلك. انتهى.
ومعنى الحديث أن جماعة المصلين لا يقومون عند الإقامة إلا حين يرون أن الإمام قام للإمامة "هكذا رواه أيوب": يعني كما روى هذا الحديث أبان عن يحيى بصيغة عن كذلك رواه أيوب وحجاج الصواف عن يحيى بصيغة عن "هشام الدستوائي": هو بالرفع يعني وأما هشام الدستوائي فقال في روايته كتب إلى يحيى بن أبي كثير بهذا الحديث. قال الحافظ في الفتح: قوله كتب إلى يحيى ظاهر في أنه لم يسمعه منه. وقد رواه الإسماعيلي من طريق هشيم عن هشام وحجاج الصواف كلاهما عن يحيى وهو من تدليس الصيغ. وصرح أبو نعيم في المستخرج من وجه آخر عن هشام أن يحيى كتب إليه أن عبدالله بن أبي قتادة حدثه فأمن بذلك تدليس يحيى. انتهى.
"ورواه معاوية بن سلام": يعني رواية معاوية وعلي بن المبارك عن يحيى أيضاً بصيغة عن، ولكن وقعت فيها هذه الزيادة وعليكم السكينة، وأما الرواية السابقة فليست فيها هذه

(2/171)


بإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ قال " حَتّى تَرَونِي قَدْ خَرَجْتُ "
قال أَبُو دَاوُد: لَمْ يَذْكُرْ قَدْ خَرَجْتُ إِلاّ مَعْمَرٌ. وَرَوَاهُ ابنُ عُيَيْنَةَ عن مَعْمَرٍ، لَمْ يَقُلْ فيه قَدْ خَرَجْتُ.
- 537 حدثنا مَحْمُودُ بنُ خَالِدِ حدثنا الْوَلِيدُ قال قال أَبُو عَمْرٍو ح. وحدثنا دَاوُدُ بنُ رُشَيْدٍ حدثنا الْوَلِيدُ وهذَا لَفْظُهُ عن اْلأَوْزَاعِيّ عن الزّهْرِيّ عن أَبي سَلَمَةَ عن أَبي هُرَيْرَةَ أَنّ الصّلاَةَ كَانَتْ تُقَامُ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَيأْخُذُ النّاسُ مَقَامَهَمْ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
__________
الزيادة. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي "بإسناده": السابق "مثله": أي مثل حديث السابق "قال": أي معمر "قد خرجت": بزيادة هذا اللفظ.
"قال": أي الوليد بن مسلم "قال أبو عمرو": يعني الأوزاعي كما بينه مسلم في صحيحه بقوله: حدثني زهير بن حرب قال أخبرنا الوليد بن مسلم قال أخبرنا أبو عمر يعني الأوزاعي "هذا لفظه": أي داوود بن رشيد "قبل أن يأخذ النبي صلى الله عليه وسلم": يعني مقامه. قال النووي في رواية: " إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني" وفي رواية أبي هريرة رضي الله عنه: "أقيمت الصلاة فقمنا فعدلنا الصفوف قبل أن يخرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم" وفي رواية: "أن الصلاة كانت تقام لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيأخذ الناس مصافهم قبل أن يقوم النبي صلى الله عليه وسلم مقامه"
وفي رواية جابر بن سمرة رضي الله عنه: "كان بلال رضي الله عنه يؤذن إذا دحصت، ولا يقيم حتى يخرج النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا خرج أقام الصلاة حين يراه" قال القاضي عياض: يجمع بين مختلف هذه الأحاديث بأن بلالاً رضي الله عنه كان يراقب خروج النبي صلى الله عليه وسلم من حيث لا يراه غيره أو إلا القليل، فعند أول خروجه يقيم ولا يقيم الناس حتى يروه ثم لا يقوم مقامه حتى يعدلوا الصفوف، وقوله في رواية أبي هريرة رضي الله عنه: فيأخذ الناس مصافهم قبل خروجه لعله كان مرة أو مرتين ونحوهما لبيان الجواز أو لعذر، ولعل قوله صلى الله عليه وسلم: " فلا تقوموا حتى تروني " كان بعد ذلك.
قال العلماء: والنهي عن القيام قبل أن يروه لئلا يطول عليهم القيام ولأنه قد يعرض له عارض فيتأخر بسببه. انتهى. وهكذا قال الحافظ في الفتح. وقال أيضاً قال مالك في الموطإ لم أسمع في قيام الناس حين تقام الصلاة بحد محدود إلا أني أرى ذلك على طاقة الناس فإن منهم الثقيل والخفيف. وذهب الأكثرون إلى أنهم إذا كان الإمام معهم في المسجد لم يقوموا

(2/172)


538 حدثنا حُسَيْنُ بنُ مُعَاذٍ حدثنا عَبْدُاْلأَعْلَى عن حُمَيْدٍ قال: سَأَلْتُ ثَابِتاً الْبُنَانِيّ عن الرّجُلِ يَتَكَلّمُ بَعْدَ مَا تَقُامُ الصّلاَةُ، فحدّثني عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قال: أُقِيمَتِ الصّلاَةُ، فَعَرَضَ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ فَحَبَسَهُ بَعْدَ مَا أُقِيْمَتِ الصّلاَةُ.
539 حدثنا أَحْمَدُ بنُ عَلِيّ بنِ سُوَيْدِ بنِ مَنْجُوفٍ السّدُوسِيّ حدثنا عَوْنُ بنُ كَهْمَسٍ عن أَبِيهِ كَهْمَسٍ قال: قُمْنَا إِلَى الصّلاَةِ بِمِنًى وَالإمَامُ لَمْ يَخْرُجْ، فَقَعَدَ بَعْضُنَا، فقال لِي شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ: مَا يُقْعِدُكَ؟ قُلْتُ: ابنُ بُرَيْدَةَ. قال هَذَا السّمُودُ، فقال لِي
__________
حتى تفرغ الإقامة. وعن أنس أنه كان يقوم إذا قال المؤذن قد قامت الصلاة. رواه ابن المنذر وغيره، وكذا رواه سعيد بن منصور من طريق أبي إسحاق عن أصحاب عبدالله. وعن سعيد بن المسيب قال: إذا قال المؤذن الله أكبر وجب القيام، وإذا قال حي على الصلاة عدلت الصفوف، وإذا قال لا إله إلا الله كبر الإمام وعن أبي حنيفة يقومون إذا قال حي على الفلاح، فإذا قال قد قامت الصلاة كبر الإمام، وأما إذا لم يكن الإمام في المسجد، فذهب الجمهور إلى أنهم لا يقومون حتى يروه انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم والنسائي.
"عن حميد": بضم الحاء "سألت ثابتاً": بالثاء المثلثة ابن أسلم قاله العيني "البناني": بضم الباء الموحدة وتخفيف النون وبعد الألف نون أخرى مكسورة وهي نسبة إلى بناته زوجة سعد بن لؤي بن غالب بن فهر، وقيل كانت حاضنة لبنية فقط. قاله العيني "فحبسه": أي منع الرجل النبي صلى الله عليه وسلم من الدخول في الصلاة وهو محل للترجمة، لأن معناه حبسه عن الصلاة بسبب التكلم معه وكان الناس ينتظرونه. قال الحافظ: في الحديث جواز مناجاة الاثنين بحضور الجماعة، وفيه جواز الفصل بين الإقامة والإحرام إذا كان لحاجة أما إذا كان لغير حاجة فهو مكروه. واستدل به للرد على من أطلق من الحنفية أن المؤذن إذا قال قد قامت الصلاة وجب على الإمام التكبير. انتهى. قال العيني: فيه دليل على أن اتصال الإقامة بالصلاة ليس من وكيد السنن وإنما هو من مستحبها. انتهى. وفيه جواز الكلام لأجل مهم من الأمور عند الإقامة، وقد ترجم البخاري على هذا الحديث باب الكلام إذا أقيمت الصلاة قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري.
"ما يقعدك": من الاقعاد وما الموصولة أي أي شيء يجلسك، والمعنى لم تنتظرون الإمام جالسين ولا تنتظرونها قائمين. قال كهمس "قلت": مجيباً له "هذا": أي قال ابن بريدة انتظار الناس للامام قياماً "السمود": كان ابن بريدة كره هذا الفعل كما كرهه على رضي الله عنه وهو موضع

(2/173)


الشّيْخُ: حَدّثَني عَبْدُالرّحْمَنِ ابنُ عَوْسَجَةَ عن الْبَرَاءِ بنِ عَازِبٍ قال: كُنّا نَقُومُ في الصّفُوفِ عَلَى عَهْدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم طَوِيلاً قَبْلَ أَنْ يُكَبّرَ، قال وقال: " إِنّ الله عَزّوَجَلّ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلّونَ عَلَى الّذِينَ يَلُونَ الصّفُوفَ اْلأُوَلَ، وَمَا مِنْ خُطْوَةٍ أَحَبّ إِلَى الله منْ خُطْوَةٍ يَمْشِيهَا يَصِلُ بِهَا صَفّاً "
- 540 حدثنا مُسَدّدٌ حدثنا عَبْدُ الْوَارِثِ عن عَبْدِ الْعَزِيزِ بنِ صُهَيْبٍ عن أَنَسٍ قال أُقِيْمَتِ الصّلاَةُ ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم نَجِيّ في جَانِبِ المَسْجِدِ، فَمَا قَامَ إِلَى الصّلاَةِ حَتّى نَامَ الْقَوْمُ.
__________
الترجمة. قال ابن الأثير في النهاية في حديث علي أنه خرج والناس ينتظرونه للصلاة قياماً، فقال مالي أراكم سامدين، السامد المنتصب إذا كان رافعاً رأسه ناصباً صدره أنكر عليهم قيامهم قبل أن يروا إمامهم، وقيل السامد القائم في تحير. انتهى. قال الخطابي: السمود يفسر على وجهين أحدهما أن يكون بمعنى الغفلة والذهاب عن الشيء، يقال رجال سامد هامد أي لاه غافل، ومن هذا قول الله تعالى: {وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ} أي لاهون ساهون، وقد يكون السامد أيضاً الرافع رأسه قال أبو عبيدة ويقال منه سمد يسمد ويسمد سموداً، وروى عن علي أنه خرج والناس ينتظرونه قياماً للصلاة، فقال مالي أراكم سامدين. وحكى عن إبراهيم النخعي أنه قال: كانوا يكرهون أن ينتظروا الإمام قياماً ولكن قعوداً وتقولون ذلك السمود "فقال لي الشيخ": مقصود الشيخ رد قول ابن بريدة "كنا نقوم في الصفوف": لا يدل على أن قيامهم كان انتظار النبي صلى الله عليه وسلم، بل يجوز أن يكون بعد حضوره صلى الله عليه وسلم، لو سلم فإسناد الحديث لا يخلو عن جهالة إذ الشيخ غير معلوم فلا يعارض حديث فلا تقوموا حتى تروني والله أعلم. قاله في فتح الودود "قال": أي البراء "وقال": النبي صلى الله عليه وسلم " على الذين يلون ": أي يقومون. قال ابن الملك: أو يباشرون ويتولون "الصفوف الأول": بضم الهمزة وفتح الواو المخففة جمع أول أي فالأفضل الأول فالأول وما من خطوة قال العيني: رويناه بفتح الخاء، وهي المرة الواحدة. وقال القرطبي: الرواية بضم الخاء وهي واحدة الخطى، وهي ما بين القدمين، والتي بالفتح مصدر. انتهى. ومن زائدة وخطوة اسم ما وقوله " أحب إلى الله ": بالنصب خبره والأصح رفعه فهو اسمه، ومن خطوة خبره. قاله على القاري " من خطوة ": متعلق بأحب " يمشيها ": بالغيبة صفة خطوة أي يمشيها الرجل وكذا " يصل بها صفاً ": وقيل بالخطاب فيهما والضميران للخطوة.
"أقيمت الصلاة": أي صلاة العشاء، بينه حماد عن ثابت عن أنس عند مسلم. وقال العيني: ودلت القرينة أيضاً أنها كانت صلاة العشاء وهي قوله حتى نام القوم " نجي ": أي يناجي

(2/174)


46باب التشديد في ترك الجماعة
543 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ حدثنا زَائِدَةُ حدثنا السّائِبُ بنُ حُبَيْشٍ عن مَعْدَانَ بنِ أَبي طَلْحَةَ الْيَعْمُرِيّ عن أَبي الدّرْدَاءِ قال سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: " مَا مِنْ ثَلاَثَةٍ في قَرْيَةٍ وَلاَ بَدْوٍ لاَ تُقَامُ فِيهِمْ الصّلاَةُ إِلاّ قَدْ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ الشّيْطَانْ، فَعَلَيْكَ بالْجَمَاعَةِ، فَإِنّمَا يَأْكُلُ الذّئْبُ الْقَاصِيَةَ "
__________
"باب التشديد في ترك الجماعة"
" ما من ثلاثة ": وتقييده بالثلاثة المفيد ما فوقهم بالأولى نظراً إلى أقل أهل القرية غالباً ولأنه أقل الجمع وأنه أكمل صور الجماعة وإن كان يتصور باثنين. قاله على القاري " ولا بدو ": أي بادية " الصلاة ": أي الجماعة " إلا قد استحوذ عليهم" : أي غلبهم وحولهم إليه، فهذه كلمة مما جاء على أصله بلا إعلال خارجة عن أخواتها كاستقال واستقام. قاله في مرقاة الصعود " الشيطان ": فأنساهم ذكر الله " فمنعك بالجماعة ": أي الزمها فإن الشيطان بعيد عن الجماعة ويستولي على من فارقها " فإنما ": والفاء فيه مسببة عن الجميع يعني إذا عرفت هذه الحالة، فاعرف مثاله في الشاهد " يأكل الذئب ": بالهمز والياء. قاله القاري " القاضية ": أي الشاة البعيدة عن الأغنام لبعدها عن راعيها. قاله علي القاري. وقال في مرقاة الصعود هي المنفردة عن القطيع البعيدة عنه. أي إن الشيطان يتسلط على خارج عن الجماعة وأهل السنة. انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه النسائي. انتهى ورواه أحمد والحاكم وصححه.

(2/176)


قال زَائِدَةُ قال السّائِبُ: يَعْنِي بالْجَمَاعَةِ الصّلاَةَ في الْجَمَاعَةِ.
544 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أَبي شَيْبَةَ حدثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عن الأعمَشُ عن أَبي صَالحٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بالصّلاَةِ فَتُقَامُ ثُمّ آمُرُ رَجُلاً فَيُصَلّي بالنّاسِ ثُمّ انْطَلِقُ مَعِي بِرجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لاَ يَشْهَدُونَ الصّلاَةَ فأُحَرّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوْتَهُمْ بالنّارِ"
__________
لقد هممت ": الهم العزم وقيل دونه، وزاد مسلم في أوله "أنه صلى الله عليه وسلم فقد أناساً في بعض الصلوات فقال. لقد هممت " فأفاد ذكر سبب الحديث " فتقام ": أي الصلاة " ثم آمر رجلا فيصلي بالناس" : وفي رواية البخاري " ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلا فيؤم الناس " قال الحافظ في الفتح: فيه الرخصة للامام أو نائبه في ترك الجماعة لأجل إخراج من يستخفى في بيته ويتركها انتهى. قال العيني في رواية إنها العشاء، وفي أخرى الفجر، وفي أخرى الجمعة، وفي أخرى يتخلفون عن الصلاة مطلقاً، ولا تضاد بينها لجواز تعد الواقعة "ثم انطلق ": أي أذهب " حزم من حطب ": قال في المصباح المنير: حزمت الدابة حزماً من باب ضرب، شددته بالحزام وجمعه حزم مثل كتاب وكتب وحزمت الشيء جعلته حزمة والجمع حزم مثل غرفة وغرف. انتهى. الحزام الحبل. قال في منتهى الإردب: الحزمة بالضم معناها بالفارسية بندهيزم " إلى قوم ": متعلق بأنطلق " فأحرق ": بالتشديد، والمراد به التكثير، يقال حرقه إذا بالغ في تحريقه قاله الحافظ " عليهم بيوتهم ": يشعر بأن العقوبة ليست قاصرة على المال، بل المراد تحريق المقصودين والبيوت تبعاً للقاطعين بها. وفي رواية مسلم من طريق أبي صالح " فأحرق بيوتاً على من فيها " قاله الحافظ في الفتح. وقال في المرقاة: قوله عليهم بيوتهم بضم الباء وكسرها. قيل هذا يحتمل أن يكون عاماً في جميع الناس، وقيل المراد به المنافقون في زمانه، عليه السلام إلا منافق ظاهر النفاق أو الشك في دينه. انتهى. قال النووي: قال بعضهم: في هذا الحديث دليل على أن العقوبة كانت في أول الأمر بالمال، لأن تحريق البيوت عقوبة مالية. وقال غيره: أجمع العلماء على منع العقوبة بالتحريق في غير المتخلف عن الصلاة والغال من الغنيمة، واختلف السلف فيهما والجمهور على منع متاعهما. انتهى. قال الحافظ في الفتح: والذي يظهر لي أن الحديث وردني المنافقين، لقوله في صدر الحديث الآتي " ليس أثقل صلاة على المنافقين من العشاء والفجر" الحديث. ولقوله " لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقاً " إلى آخره لأن هذا الوصف لائق بالمنافقين لا بالمؤمن الكامل، لكن المراد به نفاق المعصية لا نفاق الكفر

(2/177)


545 - حدثنا النّفَيْلِيّ حدثنا أَبُو المَلِيحِ حدثني يَزِيدُ بنُ يَزِيدَ حدثني يَزِيدُ بنُ اْلأَصَمّ قال سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يقولُ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ فِتْيَتِي فَيَجْمَعُوا حُزَماً مِنْ حَطَبٍ ثُمْ آتِي قَوْماً يُصَلّونَ في بُيُوتِهِمْ لَيْسَتْ بِهِمْ عِلّةٌ فأُحَرّقُهَا عَلَيْهِمْ ". قُلْتُ لَيَزِيدَ بنِ اْلأَصَمّ: يَا أَبَا عَوْفٍ الْجُمُعَةَ عَنَى أَوْ غَيْرَهَا؟ قال: صُمّتَا أُذُنَايَ إِنْ لَمْ أَكُنْ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرةَ يأْثُرُهُ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مَا ذَكَرَ جُمُعَةً ولا غَيْرَهَا.
__________
بدليل قوله في رواية عجلان " لا يشهدون العشاء " في الجميع، وقوله في حديث أسامة " لا يشهدون العشاء " وأصرح من ذلك قوله في رواية يزيد بن الأصم عن أبي هريرة عند أبي دواد " ثم آتي قوماً يصلون في بيوتهم ليست بهم عل ة" فهذا يدل على أن نفاقهم نفاق معصية لا كفر، لأن الكافر لا يصلي في بيته إنما يصلي في المسجد رياء وسمعة، فإذا خلا في بيته كان كما وصفه الله به من الكفر والاستهزاء، نبة عليه القرطبي. وأيضاً فقوله في رواية المقبري: " لولا ما في البيوت من النساء والذرية " يدل على أنهم لم يكونوا كفاراً لأن تحريق بيت الكافر إذا تعين طريقاً إلى الغلبة عليه لم يمنع ذلك وجود النساء والذرية في بيته، وعلى تقدير أن يكون المراد بالنفاق في الحديث نفاق الكفر فلا يدل على عدم الوجوب، لأنه يتضمن أن ترك الجماعة من صفات المنافقين، وقد نهينا عن التشبه بهم. وسياق الحديث يدل على الوجوب من جهة المبالغة في دم من تخلف عنها. انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري، ومسلم وابن ماجه.
" أن آمر فتيتي ": أي جماعة من شبان أصحابي أو خدمي وغلماني "ليست بهم علة": أي عذر والعذر الخوف أو المرض كما في الرواية الآتية. وفيه دلالة على أن اعذار تبيح التخلف عن الجماعة "يا أبا عوف": كنية ليزيد بن الأصم " الجمعة ": مفعول عني "عني": أي النبي صلى الله عليه وسلم "أو غيرها": أي الجمعة "قال": أبو عوف "صمتاً": بضم مهملة وتشديد ميم أي كفتا عن السماع وهذا على نهج {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} ويحتمل أن يكون على لغة أكلوني البراغيث. قاله في فتح الودود "يأثره": أي يرويه "ما ذكر": أي النبي صلى الله عليه وسلم " جمعة ولا غيرها ": يعني أن الوعيد والتهديد في المختلف عن الجماعة لا يختص بالجمعة بل هو عام في جميع الصلوات. قال الحافظ في الفتح: فظهر أن الراجح في حديث أبي هريرة هذا أنها أي الصلاة التب وقع التهديد بسببها، لا تختص بالجمعة. وأما حديث ابن مسعود فأخرجه مسلم وفيه الجزم بالجمعة، وهو حديث مستقل لأن مخرجه مغائر لحديث أبي هريرة ولا يقدح أحدهما في الآخر، فيحمل على أنهما واقعتان. انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم والترمذي مختصراً.

(2/178)


546 - حدثنا هَارُونُ بنُ عَبّادٍ اْلأَزْدِيّ حدثنا وَكِيعٌ عن المَسْعُودِيّ عن عَلِيّ بنِ اْلأَقْمَرِ عن أَبي اْلأحْوَصِ عن عَبْدِالله بنِ مَسْعُودٍ قال: حَافِظُوا عَلَى هَؤُلاَءِ الصّلَوَاتِ الْخَمْسِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنّ، فإِنّهُنّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى، وَإِنّ الله عَزّوَجَلّ شَرَعَ لِنَبِيّهِ صلى الله عليه وسلم سُنَنَ الْهُدَى وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلّفُ عَنْهَا إِلاّ مُنَافِقٌ بَيّنُ النّفَاقِ، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَإِنّ الرّجُلَ لَيُهَادَي بَيْنَ الرّجُلَيْنِ حَتّى يُقَامَ في الصّفّ، وَمَا مِنْكُم مِنْ أَحَدٍ إِلاّ وَلَهُ مَسْجِدٌ في بَيْتِهِ، وَلَوْ صَلّيْتُمْ في بُيُوتِكُم وَتَرَكْتُمْ مَسَاجِدَكُم تَرَكْتُمْ سُنّةَ نَبِيّكُم صلى الله عليه وسلم، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنّةَ نَبِيّكُم صلى الله عليه وسلم لَكَفَرْتُمْ.
__________
"على هؤلاء الصلوات الخمس": أي مع الجماعة "حيث ينادي بهن": من المساجد ويوجد لهن إمام معين أو غير معين "فانهن": أي الصلوات الخمس بالجماعة "من سنن الهدى": روى بضم السين وفتحها حكاهما القاضي وهما مضى متقارب أي طرائق الهدى والصواب. قاله النووي "ولقد رأيتنا": أي نحن معاشر الصحابة أو جماعة المسلمين. قال الطيبي: قد تقرر أن أتحاد الفاعل والمفعول إنما يسوغ في أفعال القلوب وأنها من داخل المبتدأ والخبر والمفعول الثاني الذي هو بمنزلة الخبر محذوف ههنا وسد قوله "وما يتخلف عنها": أي عن صلاة الجماعة في المسجد من غير عذر أو لوصف الدوام وهو حال مسده، وتبعه ابن حجر، لكن في كون اتحاد الفاعل والمفعول هنا بحث إذ المراد بالفاعل المتكلم وحده وبالفعول هو وغيره. قاله علي القاري في المرقاة "إلا منافق بين النفاق": أي ظاهر النفاق، وفي رواية لمسلم "إلا منافق معلوم النفاق" قال الشمني: ليس المراد بالمنافق ههنا من يبطن الكفر ويظهر الإسلام وإلا لكانت الجماعة فريضة لأن من يبطن الكفر كافر ولكان آخر الكلام مناقضاً لأوله. انتهى. وفيه أن مراده أن النفاق سبب التخلف لا عكسه وأن الجماعة واجبة على الصحيح، لا فريضة للدليل الظني، وأن المناقضة غير ظاهرة. قاله في المرقاة. وقد مر بعض بيان النفاق في الحديث السابق. قال النووي: هذا دليل ظاهر لصحة ما سبق تأويله في الذين هم بتحريق بيوتهم أنهم كانوا منافقين "ليهادى بين الرجلين": هو بصيغة المجهول أي يمسكه رجلان من جانبيه بعضديه يعتمد عليهما. قاله النووي. وقال ابن الأثير في النهاية: معناه يمشي بينهما معتمداً عليهما من ضعفه وتمايله من تهادت المرأة من مشيها إذا تمايلت. انتهى. وقال الخطابي: أي يرفد من جانبيه ويؤخذ بعضديه يتمشى به إلى المسجد. انتهى. وفي هذا كله تأكيد أمر الجماعة وتحمل المشقة في حضورها وأنه إذا أمكن المريض ونحوه التوصل إليها استحب له حضورها "مسجد في بيته": أي موضع صلاة فيه "ولو تركتم سنة نبيكم": قال الطيبي:

(2/179)


547 - حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا جَرِيرٌ عن أَبي جَنَابٍ عن مَغْرَاءَ الْعَبْدِيّ عن عَدِيّ بنِ ثَابِتٍ عن سَعِيدٍ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مَنْ سَمِعَ المُنَادِيَ فلَمْ يَمْنَعْهُ مِنَ اتّبَاعِهِ عُذْرٌ. قَالُوا وَمَا الْعذرُ؟ قال: خَوْفٌ أَوْ مَرَضٌ، لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ الصّلاَةُ الّتي صَلّى "
قال أَبُو دَاوُد: رَوَى عن مَغْرَاءَ أَبُو إِسْحَاقَ.
548 - حدثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ حدثنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عن عَاصِمِ بنِ بَهْدَلَةَ عن أَبي رَزِينٍ عن ابنِ أُمّ مَكْتُومٍ أَنّهُ سَأَلَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يَارسولَ الله إِنّي رَجُلُ ضَرِيرُ الْبَصَرِ شَاسِعُ الدّارِ وَلِيَ قَائِدٌ لا يلاوِمُنِي، فَهْلْ لِي رُخْصَةٌ أَنْ أُصَلّيَ في
__________
يدل على أن المراد بالسنة العزيمة. قال الشيخ ابن الهمام وتسميتها سنة على ما في حديث ابن مسعود لا حجة فيه للقائلين بالسنية، إذ لا تنافى الوجوب في خصوص ذلك الإطلاق لأن سنن الهدى أعم من الواجب لغة كصلاة العيد. انتهى. وقد يقال لهذا الواجب سنة لكونه ثبت بالسنة أي الحديث "لكفرتم": قال الخطابي: معناه أنه يؤديكم إلى الكفر بأن تتركوا عرى الإسلام شيئاً فشيئاً حتى تخرجوا من الملة. انتهى. وهو يثبت الوجوب ظاهراً. قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه.
" من سمع المنادى ": أي صوت المنادى والمؤذن ومن مبتدأ " فلم يمنعه ": أي السامع " من اتباعه ": أي المؤذن "قالوا": أي الصحابة "قال": أي النبي صلى الله عليه وسلم " لم تقبل ": أي قبولاً كاملاً وهو خبر من، وهذا موضع الترجمة " منه ": أي من السامع القاعد في بيته. قال المنذري: في إسناده أبو جناب يحيى بن أبي حية الكلبي وهو ضعيف. والحديث أخرجه ابن ماجه بنحو وإسناده أمثل وفيه نظر.
" ضرير البصر ": أي أعمى "شاسع الدار": أي بعيد الدار "ولي قائد": القائد هو الذي يمسك يد الأعمى ويأخذها ويذهب به حيث شاء ويجره "لا يلاومني": قال الخطابي: هكذا يروي في الحديث والصواب لا يلائمني أي لا يوافقني ولا يساعدني، فأما الملاومة فأنها مفاعلة من اللوم وليس هذا موضعه وفي هذا دليل على أن حضور الجماعة واجب ولو كان ذلك ندباً لكان أولى من يسعه التخلف عنها أهل الضرر والضعف، ومن كان في مثل حال ابن أم مكتوم. وكان عطاء ابن أبي رباح يقول ليس لأحد من خلق الله في الحضر والقرية رخصة إذا سمع النداء في أن يدع الصلاة جماعة: وقال الأوزاعي لاطاعة للوالد في ترك الجمعة والجماعات يسمع النداء أو لم يسمع. وكان أبو ثور يوجب حضور الجماعة: واحتج هو وغيره

(2/180)


بَيْتِي؟ قال: " هَلْ تَسْمَعُ النّدَاءَ "؟ قال: نَعْمْ: قال: " لا أَجِدُ لَكَ رُخْصَةً ".
549 - حدثنا هَارُونَ بنُ زَيْدِ بنِ أَبي الزّرْقَاءِ حدثنا أخبرنا أَبي حدثنا سُفْيَانُ عن عَبْدِالرّحْمَنِ بنِ عَابِسٍ عن عَبْدِالرّحْمَنِ بنِ أَبي لَيْلَى عن ابنِ أُمّ مَكْتُومٍ قال: "يَارسولَ الله إِنّ المَدِينَةَ كَثِيرَةُ الْهَوَامّ وَالسّبَاعِ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: " تَسْمَعُ حَيّ عَلَى الصّلاَةِ، حَيّ عَلَى الْفَلاَحِ فَحيّ هَلاً "
قال أَبُو دَاوُد: وكَذَا رَوَاهُ الْقَاسِمُ الْجَرْمِيّ عن سُفْيَانَ، ليس في حَدِيثِهِ حَيّ هَلاّ.
__________
بأن الله عز وجل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي جماعة في صلاة الخوف ولم يعذر في تركها فعقل أنها في حال الأمن أوجب: وأكثر أصحاب الشافعي على أن الجماعة فرض على الكفاية لا على الأعيان وتأولوا حديث ابن أم مكتوم على أنه لا لا رخصة لك إن طلبت فضيلة الجماعة وأنك لا تحرز أجرها مع التخلف عنها بحال، واحتجوا بقوله عليه السلام "صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" انتهى. "هل تسمع النداء": أي الإعلام والتأذين بالصلاة " لا أجد لك رخصة ": قال علي القاري: معناه لا أجد لك رخصة تحصل لك فضيلة الجماعة من غير حضورها لا الإيجاب على الأعمى، فإنه عليه السلام رخص لعتبان بن مالك في تركها ويؤيد ما قلته " من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر " انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه ابن ماجه. وأخرج مسلم والنسائي من حديث أبي هريرة قال أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى فذكره نحوه.
"كثيرة الهوام": أي المؤذيات من العقارب والحيات "والسباع": كالذئاب أو الكلاب "حي على الصلاة حي على الفلاح": ألأذان، وإنما خص اللفظان لما فيهما من معنى الطلب " فحي هلا": قال الطيبي: كلمة حث واستعجال وضعت موضع أجب انتهى. وقال ابن الأثير في النهاية وفي كلمتان جعلتا كلمة واحدة فحي بمعنى أقبل وهلا بمعنى أسرع وفيها لغات انتهى. قال في مرقاة الصعود وفي شرح المفصل: هو اسم من أسماء الأفعال مركب من حي هل وهما صوتان معناهما الحث والاستعجال وجمع بينهما وسمي بهما للمبالغة وكان الوجه أنه لا ينصرف كحضر موت وبعلبك إلا إن وقع موقع فعل الأمر فبنى كصومه وفيه لغات، وتارة يستعمل حي وحده نحو حي على الصلاة وتارة هلا وحدها واستعمال حي وحده أكثر من استعمال هلا وحدها "وكذا رواه القاسم": يعني كما روى هذا الحديث زيد بن أبي الزرقاء عن سفيان كذلك روى هذا الحديث القاسم الجرمي عن سفيان "ليس في حديثه حي هلا": يعني إلا أن في حديث

(2/181)


__________
القاسم الجرمي لفظ حي هلا ليس بمذكور. قال المنذري: والحديث أخرجه النسائي. قال وقد اختلف على ابن أبي ليلى في هذا الحديث فرواه بعضهم عنه مرسلاً.

(2/182)


47باب في فضل صلاة الجماعة
- 550 حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ أخبرنا شُعْبَةُ عن أَبي إِسْحَاقَ عن عَبْدِالله بنِ أَبي بَصِيرٍ عن أُبَيّ بنِ كَعْبٍ قال: صَلّى بِنَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَوْماً الصّبْحَ فقال: " أَشَاهِدُ فُلاَنٌ "؟ قالُوا: لاَ. قال: "أَشَاهِدٌ فُلاَنٌ "؟ قالُوا: لا. قال: " إِنّ هَاتَيْنِ الصّلاَتَيْنِ أَثْقَلُ الصّلَوَاتِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ، وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا فِيهَما لأَتَيْتُمُوهُما وَلَوْجثواً عَلَى الرّكَبِ، وَإِنّ الصّفّ اْلأَوّلَ عَلَى مِثْلِ صَفّ المَلاَئِكَةِ وَلَوْ عَلِمْتُمْ مَا فَضِيلَتُهُ لاَبْتَدَرْتمُوهُ، وَإِنّ صَلاَةَ الرّجُلِ مَعَ الرّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلاَتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلاَتَهُ مَعَ الرّجُلَيْنِ أَزكَى مِنْ صَلاَتِهِ مَعَ الرّجُلِ، وَمَا كَثُرَ فَهُوَ أَحَبّ إِلَى الله عَزّوَجَلّ"
__________
" باب في فضل صلاة الجماعة"
"صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم": أي ملتبساً بنا أو أمنا فالباء للتعدية أو جعلنا مصلين خلفه "يوماً": أي من الأيام "الصبح": أي صلاته " أشاهد فلان": أي أحاضر صلاتنا هذه "قال أشاهد فلان ": أي آخر " إن هاتين الصلاتين ": أي صلاة الصبح ومقابلتها باعتبار الأول والآخر يعني الصبح والعشاء. وقال ابن حجر المكي: وأشار إلى العشاء لحضورها بالقوة لأن الصبح مذكرة بها نظراً إلى أن هذه مبتدأ النوم وتلك منتهاه قاله في المرقاة " أثقل الصلوات على المنافقين ": لغلبة الكسل فيهما ولقلة تحصيل الرياء لهما " ولو تعلمون ": أنتم أيها المؤمنون " ما فيهما ": من الأجر والثواب الزائد لأن الأجر على قدر المشقة " لأتيتموهما ": أي الصبح والعشاء " ولو حبوا ": أي زحفاً ومشياً " على الركب ": قال الطيبي: حبوا خبر كان المحذوف أي ولو كان الإتيان حبوا خبر كان المحذوف أي ولو كان الإتيان حبوا وهو أن يمشي على يديه وركبتيه أو إسته، ويجوز أي يكون التقدير ولو أتيتموهما حبوا أي حابين تسمية بالمصدر مبالغة " وإن الصف الأول ": أي في القرب من الله تعالى والبعد من الشيطان الرجيم " على مثل صف الملائكة ": وقال الطيبي: شبه الصف الأول في قربهم من الإمام بصف الملائكة في قربهم من الله تعالى، والجار والمجرور خبر إن والمتعلق كائن " ما فضيلته ": أي الصف الأول " لا بتدرتموه ": أي سبقتم إليه " وإن صلاة الرجل مع الرجل أزكى ": أي أكثر ثواباً "من صلاته وحده": قال الطيبي: من الزكاة بمعنى النمو أو الشخص آمن من رجس الشيطان وتسويله

(2/182)


- 551 حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا إِسْحَاقُ بنُ يُوسَفَ أخبرنا سُفْيَانُ عن أَبي سَهْلِ يَعْني عُثْمانَ بنَ حَكِيمٍ حدثنا عَبْدُالرّحْمَنِ بنُ أَبي عَمْرَةَ عن عُثْمانَ بنَ عَفّانَ رَضِيَ الله عَنْهُ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مَنْ صَلّى الْعِشَاءَ في جَمَاعَةٍ كان كَقِيَامِ نَصْفِ لَيْلَةٍ، وَمَنْ صَلّى الْعِشَاءِ. وَالْفَجْرَ في جَمَاعَةٍ كان كَقِيَامِ لَيْلَةٍ"
__________
من الزكاة بمعنى الطهارة " صلاته ": بالنصب أو بالرفع " مع الرجلين أزكى ": أي أفضل " مع الرجل ": أي الواحد " وما كثر فهو أحب ": قال ابن الملك: ما هذه موصولة والضمير عائد إليها وهي عبارة عن الصلاة أي الصلاة التي كثر المصلون فيها فهو أحب وتذكير هو باعتبار لفظ ما انتهى. ويمكن أن يكون المعنى وكل موضع من المساجد كثر فيه المصلون فذلك الموضع أفضل. قاله في المرقاة قال المنذري: والحديث أخرجه النسائي مطولاً وأخرجه ابن ماجه بنحوه مختصراً. قال البيهقي أقام إسناده شعبة والثوري وإسرائيل في آخرين، عبدالله بن أبي بصير سمعه من أبي مع أبيه وسمعه أبو إسحاق منه ومن أبيه قاله شعبة وعلي بن المديني.
" كقيام ليلة ": أي كأجر قيامها. قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم والترمذي ولفظ مسلم " من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله " فجعل بعضهم حديث مسلم على ظاهره وأن جماعة العتمة توازى في فضيلتها قيام نصف ليلة وصلاة الصبح في جماعة توازي في فضيلتها قيام ليلة، واللفظ الذي خرجه أبو داوود تفسيره ويبين أن المراد بقوله " ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله " يعني ومن صلى الصبح والعشاء. وطرق هذا الحديث مصرحة بذلك وإن كل واحد منهما يقوم مقام نصف ليلة وإن اجتماعهما يقوم مقام ليلة.

(2/183)


48 باب ما جاء في فضل المشي إلى الصلاة
- 552 حدثنا مُسَدّدٌ حدثنا يَحْيَى عن ابنِ أبي ذِئْبٍ عن عَبْدِالرّحْمَنِ بنِ مِهْرَانَ عن عَبْدِالرّحْمَنِ بنِ سَعْدٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: " اْلأَبْعَدُ فَاْلأَبْعَدُ مِنَ المَسْجِدِ أَعْظَمُ أَجْراً"
__________
"باب ما جاء في فضل المشي إلى الصلاة"
" فالأبعد ": قال العيني: يمكن الفاء ههنا للترتيب مع تفاوت من بعض الوجوه، ويجوز أن تكون الفاء ههنا بمعنى ثم بمعنى أبعدهم ثم أبعدهم " أعظم أجراً ": نصب على

(2/183)


553 حدثنا عَبْدُ الله بنُ مُحمّدٍ النّفَيْلِيّ أخبرنا زُهَيْرٌ أخبرنا سُلَيْمانُ التّيْمِيّ أَنّ أَبَا عُثْمَانَ رَضِيَ الله عَنْهُ حَدّثَهُ عن أَبَيّ بنِ كَعْبٍ قال: كَانَ رَجُلٌ لا أَعْلَمُ أَحَداً مِنَ النّاسِ مِمّنْ يُصَلّي الْقِبْلَةَ مِنْ أَهْلِ المَدينَةِ أَبْعَدَ مَنْزِلاً مِنَ المَسْجِدِ مِنْ ذَلِكَ الرّجُلِ، وكَانَ لا تُخْطِئُهُ صَلاَةٌ في المَسْجِدِ، فَقُلْتُ: لَوْ اشْتَرَيْتَ حِمَاراً تَرْكَبُهُ في الرّمْضَاءِ وَالظّلْمَةِ، فقال: مَا أُحِبّ أَنّ مَنْزِلِي إِلَى جَنْبِ المَسْجِدِ، فَنُمِيَ الْحَدِيثُ إِلَى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَسَأَلَهُ عن ذَلِكَ، فقال: أَرَدْتُ يَارسولَ الله أَنْ يُكْتَبَ لِي إِقْبَالِي إِلَى المَسْجِدِ وَرُجُوعِي إِلَى أَهْلِي إِذَا رَجَعْتُ. فقال: " أَعَطَاكَ الله ذَلِكَ كلّهُ، أَعطَاَكَ الله مَا احْتَسَبْتَ كلّهُ أَجْمَعَ".
554 حدثنا أَبُو تَوْبَةَ أخبرنا الْهَيْثَمُ بنُ حُمَيْدِ عن يَحْيَى بنِ الْحَارِثِ عن الْقَاسِمِ أَبي عَبْدِالرّحْمَنِ عن أبي أُمَامَةَ أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: " مَنْ خَرَجَ مَنْ بَيْتِهِ مُتَطَهّراً إِلَى صَلاَةٍ مَكْتُوبَةٍ فأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْحَاجّ المُحَرِمِ، وَمَنْ خَرَجَ إِلَى تَسْبِيحِ الضّحَى
__________
التميز فيه أن سبب أعظمية الأجر في الصلاة هو بعد المشي وهو المسافة وذلك لوجود المشقة فيه، وفيه الدلالة على فضل المسجد البعيد لأجل كثرة الخطى. قال المنذري: والحديث أخرجه ابن ماجه.
"أبعد": بالنصب هو المفعول الثاني لقوله لا أعلم " منزلاً ": نصب على التميز "وكان لا تخطئه": أي لا تفوت ذلك الرجل " في الرمضاء ": أي في الرمل الحار والأرض الشديدة الحرارة "فقال": الرجل "فنمى الحديث": بصيغة المجهول أي أبلغ "فسأله": أي فسأل النبي صلى الله عليه وسلم الرجل "عن ذلك": الحال "فقال": الرجل "إقبالي": أي ذهابي "فقال": أي النبي صلى الله عليه وسلم " أعطاك الله ذلك كله ": فيه إثبات الثواب في الخطاء في الرجوع من الصلاة كما يثبت في الذهاب " أنطاك الله ": أي أعطاك هي لغة أهل اليمن في أعطى وقرىء { إِنَّا أَنطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ } بالنون بدل العين قاله في مرقاة الصعود " ما احتسبت ": أي طلبت فيه وجه الله وثوابه. قال ابن الأثير في النهاية: الاحتساب في الأعمال الصالحة وعند المكروهات هو البدار أي الإسراع إلى طلب الأجر وتحصيله بالتسليم والصبر أو باستعمال أنواع البر والقيام بها على المرسوم فيها طلباً للثواب المرجو منها " كله أجمع ": هو تأكيد لكله قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم وابن ماجه بمعناه.
"من خرج من بيته متطهراً إلى صلاة": حال أي قاصداً إلى المسجد مثلاً لأداء الصلاة

(2/184)


لا يَنْصِبُهُ إِلا أَيّاهُ فأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْمُعْتَمِرِ، وَصَلاَةٌ عَلَى إِثْرِ صَلاَةٍ لا لَغْوٌ بَيْنَهُمَا كِتَابٌ في عِلّيّينَ".
__________
"مكتوبة فأجره كأجر الحاج ": قال زين العرب أي كامل أجره وقيل: تأجره من حيث أنه يكتب له بلك خطوة أجر كالحاج وإن تغاير الأجران كثرة وقلة أو كمية وكيفية، أو من حيث أنه يستوفي أجر المصلين من وقت الخروج إلى أن يرجع وإن لم يصل إلا في بعض تلك الأوقات، كالحاج فإنه يستوفي أجر الحاج إلى ان يرجع، وإن لم يحج إلا في عرفة. قاله في المرقاة " المحرم ": شبه بالحاج المحرم لكون التطهر من الصلاة بمنزلة الإحرام من الحج لعدم جوازهما بدونهما، ثم إن الحاج إذا كان محرماً كان ثوابه أتم فكذلك الخارج إلى الصلاة إذا كان متطهراً كان ثوابه أفضل. كذا في المرقاة " ومن خرج إلى تسبيح الضحى ": أي صلاة الضحى وكل صلاة تطوع تسبيحة وسبحة. قال الطيبي: المكتوبة والنافلة وإن اتفقنا في أن كل واحدة منهما يسبح فيها إلا أن النافلة جاءت بهذا الاسم أخص من جهة أن التسبيحات في الفرائض والنوافل سنة، فكأنه قيل للنافلة تسبيحة على أنها شبيهة بالأذكار في كونها غير واجبة. وقال ابن حجر المكي: ومن هذا أخذ أئمتنا قولهم السنة في الضحى فعلها في المسجد ويكون من جملة التثنيات من خبر " أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة " انتهى. وفيه أنه على فرض صحة حديث المتن يدل على جوازه لا على أفضلية أو يحمل على من لا يكون له مسكن أو في مسكنه شاغل ونحوه، على أنه ليس للمسجد ذكر في الحديث أصلاً، فالمعنى من خرج من بيته أو سوقه أو شغله متوجهاً إلى صلاة الضحى تاركاً أشغال الدنيا. كذا في المرقاة. ما قاله ابن حجر المكي هو ليس بجيد والقول ما قال علي القاري رحمه الله " لا ينصبه ": بضم الياء من الإنصاب وهو الإتعاب مأخوذ من نصب بالكسر إذا تعب وأنصبه غيره أي أتعبه، ويروي بفتح الياء من نصبه أي أقامه. قال زين العرب. وقال التوربشتي هو بضم الياء والفتح احتمال لغوي لا أحققه رواية " إلا إياه ": أي لا يتعبه الخروج إلا تسبيح الضحى، ووضع الضمير المنصوب موضع المرفوع أي لا يخرجه ولا يزعجه إلا هو كالعكس في حديث الوسيلة وأرجو أن أكون أنا هو. قاله الطيبي. قال ابن الملك: وقع الضمير المنصوب موضع المرفوع لأنه استثناء مفرغ يعني لا يتبعه إلا الخروج إلى تسبيح الضحى " فأجره كأجر المعتمر ": فيه إشارة إلى أن العمرة سنة. قاله في المرقاة " وصلاة على إثر صلاة ": بكسر الهمزة ثم السكون أو بفتحتين أي عقيبها " لا لغو بينهما ": أي بكلام الدنيا " كتاب ": أي عمل مكتوب "في عليين ": فيه إشارة إلى رفع درجتها وقبولها. قال علي القاري: وهو علم لديوان الخير الذي دون فيه أعمال الأبرار. قال تعالى {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ، كِتَابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ،} منقول

(2/185)


555 حدثنا مَسَدّدٌ أخبرنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عن الأعمَشِ عن أَبي صَالحٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " صَلاَةُ الرّجُلِ في جَمَاعَةٍ تَزِيدُ عَلَى صَلاَتِهِ في بَيْتِهِ وَصَلاَتِهِ في سُوقِهِ خَمْسَاً وَعِشْرِينَ دَرَجَةٌ، وَذَلِكَ بِأَنّ أَحَدَكُمْ إِذَا تَوَضّأَ فأَحْسَنَ الْوُضُوءَ وَأَتَى المَسْجِدَ لا يُرِيدُ إِلا الصّلاَةَ وَلا يَنْهَزُهُ يَعْني إِلاّ الصّلاَةَ ثُمّ لَمْ يَخْطُ خُطْوَةً إِلاّ رُفِعَ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ وَحُطّ بِهَا عَنْهُ خَطِيْئَةٌ حَتّى يَدْخُلَ المَسْجِدَ، فإِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ
__________
من جمع على فعيل من العلو سمي به لأنه مرفوع إلى السماء السابعة تكريماً ولأنه سبب الارتفاع إلى أعلى الدرجات، والعلية بتشديد اللام والياء الغرفة. كذا قاله بعضهم، وقيل أراد أعلى الأمكنة وأشرف المراتب أي مداومة الصلاة من غير تخلل ما ينافيها لا شيء من الأعمال أعلى منها فكني عن ذلك بعليين. انتهى وقال في مرقاة الصعود: هو اسم للسماء السابعة وقيل لديوان الحفظة ترفع إليه أعمال الصالحين. وكتاب بمعنى مكتوب. ومن النوادر ما حكوا أن بعضهم صحف هذا الحديث فقال كنار في غلس، فقيل له: وما معنى غلس فقال لأنها فيه يكون أشد. انتهى. قال المنذري: القاسم أبو عبدالرحمَن فيه مقال.
" صلاة الرجل ": أي ثواب صلاته " على صلاته في بيته ": أي على صلاة المنفرد، وقوله في بيته قرينة على هذا إذا الغالب أن الرجل يصلي في بيته منفرداً قاله العيني. قال الحافظ في الفتح: قوله في بيته وفي سوقه، مقتضاه أن الصلاة في المسجد جماعة تزيد على الصلاة في البيت وفي السوق جماعة وفرادي. قاله ابن دقيق العيد. قال: والذي يظهر أن المراد بمقابل الجماعة في المسجد الصلاة في غيره منفرداً لكنه خرج مخرج الغالب في أن من لم يحضر الجماعة في المسجد صلى منفرداً " خمساً ": نصب على أنه مفعول لقوله تزيد نحو قولك: زدت عليه عشرة ونحوها. قاله العيني " وذلك ": إشارة إلى التضعيف والزيادة " بأن أحدكم ": يجوز أن تكون الباء للسببية " فأحسن الوضوء ": الإحسان في الوضوء إسباغه برعاية السنن والآداب " لا يريد إلا الصلاة ": جملة حالية والمضارع المنفي إذا وقع حالاً يجوز فيه الواو وتركه " ولا ينهزه ": قال النووي: هو بفتح أوله وفتح الهاء وبالزاي أي لا تنهضه وتقيمه. انتهى. قال الخطابي: معناه لا يبعثه ولا يشخصه إلا ذلك ومن هذا انتهاز الفرصة وهو الانبعاث لها والبدار إليها " لم يخط ": بفتح أوله وضم الطاء قاله الحافظ. ومعناه لم يمش " خطوة ": ضبطناه بضم أوله ويجوز الفتح. قال الجوهري: الخطوة بالضم ما بين القدمين وبالفتح المرة الواحدة، وجزم اليعمري أنها هنا بالفتح. قال القرطبي: إنها في روايات مسلم بالضم والله أعلم. قاله الحافظ " إلا رفع له ": أي لأحدكم " بها ": أي بهذه الخطوة " كان في صلاة ": أي حكما أخرويا يتعلق

(2/186)


كَانَ في صَلاَةٍ مَا كَانَتْ الصّلاَةُ هِيَ تَحْبِسُهُ، وَالمَلاَئِكَةُ يُصَلّونَ عَلَى أَحَدِكُم مَا دَامَ في مَجْلِسِهِ الّذي صَلّى فِيهِ، يقولُونَ: الّلهُمّ اغْفِرْ لَهُ، الّلهُمّ ارْحَمْهُ، الّلهُمّ تُبْ عَلَيْهِ مَا لَمْ يُؤْذِ فيه أَوْ يُحْدِثْ فيه"
556 - حدثنا مُحمّدُ بنُ عَيسَى حدثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عن هَلاَلِ بنِ مَيْمُونٍ عن عَطَاءِ بنِ يَزِيدَ عن أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الصّلاَةُ في جَمَاعَةٍ تَعْدِلُ خَمْساً وَعِشْرِينَ صَلاَةً، فإِذَا صَلاّهَا في فَلاَةٍ فأَتَمّ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا بَلَغَتْ خَمْسِينَ صَلاَةً "
__________
به الثواب " ما كانت الصلاة هي تحبسه ": كلمة ما للمدة أي مدة دوام حبس الصلاة إياه " يصلون على أحدكم ": أي يدعون ويستغفرون لكم " ما دام في مجلسه الذي صلى فيه ": وفي رواية البخاري " ما دام في مصلاه " قال الحافظ: أي في المكان الذي أوقع فيه الصلاة من المسجد وكأنه خرج مخرج الغالب وإلا فلو قام إلى بقعة أخرى من المسجد مستمراً على نية انتظار الصلاة كان كذلك " اللهم تب عليه ": أي وفقه للتوبة أو أقبلها منه أو ثبته عليها " ما لم يؤذ فيه ": والمعنى ما لم يؤذ في مجلسه الذي صلى فيه أحداً بقوله أو فعله " أو يحدث فيه ": بالجزم من الإحداث بمعنى الحدث لا من التحديث أي ما لم يبطل وضوءه. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه بنحوه.
" في فلاة": قال في المصباح: الفلاة الأرض لا ماء فيها والجمع فلا مثل حصاة وحصا " بلغت خمسين صلاة ": أي بلغت صلاته تلك خمسين صلاة، والمعنى يحصل له في الصلاة مع الجماعة، لأن الجماعة لا تتأكد في حق المسافر لوجود المشقة، فإذا صلاها منفرداً لا يحصل له هذا التضعيف وإنما يحصل له إذا صلاها مع الجماعة خمسة وعشرين لأجل أنه صلاها مع الجماعة وخمسة وعشرون أخرى للتي هي ضعف تلك لأجل أنه أتم ركوع صلاته وسجودها وهو في السفر الذي هو مظنة التخفيف. قاله العيني. وفي النيل قوله "فإذا صلاها في فلاة" هو أعم من أن يصليها منفرداً أو في جماعة. قال ابن رسلان: لكن حمله على الجماعة أولى، وهو الذي يظهر من السياق. انتهى. قال الشوكاني: والأولى حمله على الأنفراد لأن مرجع الضمير في حديث الباب من قوله صلاها إلى مطلق الصلاة لا إلى المقيد بكونها في جماعة، ويدل على ذلك الرواية التي ذكرها أبو داوود عن عبدالواحد بن زياد، لأنه جعل فيها صلاة الرجل في الفلاة مقابلة لصلاته في الجماعة. والحديث يدل على أفضلية الصلاة في الفلاة مع تمام الركوع والسجود وأنها تعدل خمسين صلاة في جماعة، كما في

(2/187)


49 باب ما جاء في المشي إلى الصلاة في الظلم
557 - حدثنا يَحْيَى بنُ مُعِينَ أخبرنا أَبُو عُبَيْدَةَ الْحَدّادُ أخبرنا إِسْمَاعِيلُ أَبُو سُلَيْمانَ الْكَحّالُ عن عَبْدِالله بنِ أَوْسِ عن بُرَيْدَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: " بَشّرِ المَشّائِينَ في الظّلَمِ إِلَى المَسَاجِدِ بالنّورِ التّامّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ "
__________
"باب ما جاء في المشي إلى الصلاة في الظلم"
بضم الظاء وفتح اللام جمع ظلمة." بشر المشائين ": جمع المشاء وهو كثير المشي " في الظلم ": جمع ظلمة "ب النور ": متعلق ببشر " التام يوم القيامة ": قال الطيبي: وفي وصف النور بالتام وتقييده بيوم القيامة تلميح إلى وجه المؤمنين يوم القيامة في قوله تعالى {نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا} وإلى وجه المنافقين في قوله تعالى {انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ}. ا نتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه الترمذي، وقال هذا حديث غريب وقال الدارقطني تفرد به إسماعيل بن سليمان الضبي البصري الكحال عن عبدالله بن أوس.

(2/188)


50 باب ما جاء في الهدى في المشي إلى الصلاة
558 حدثنا مُحمّدُ بنُ سُلَيْمانَ اْلأَنْبَارِيّ أَنّ عَبْدَالمَلِكِ بنَ عَمْرٍو حَدّثَهُمْ عن
__________
" باب ما جاء في الهدى في المشي إلى الصلاة"
قال في المصباح. الهدى مثال فلس السيرة، يقال: ما أحسن هديه، والسيرة الطريقة وأيضاً الهيئة

(2/188)


51 باب في من خرج يريد الصلاة فسبق بها
560 حدثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ أخبرنا عَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْني ابنَ مُحمّدٍ عن مُحمّدٍ يَعْني ابنَ طَحْلاَءَ عن مُحْصِنِ بنِ عَلَيّ عن عَوْفِ بنِ الْحَارِث عن أَبي هُرَيْرَةَ قال قال النبي صلى الله عليه وسلم " مَنْ تَوَضّأَ فأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمّ رَاحَ فَوَجَدَ النّاسَ قَدْ صَلّوا، أَعْطَاهُ الله عَزّوَجَلّ مِثْلَ أَجْرِ مَنْ صَلاّهَا وَحَضْرَهَا، لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَجْرِهُمْ أُجُورَهْم شَيْئاً "
__________
"باب في من خرج يريد الصلاة فسبق بها"
أي هذا باب في بيان من خرج إلى المسجد لأداء الصلاة وقد فرغ الناس عن الصلاة فصلى وحده هل له أجر الجماعة أم لا.
" ثم راح ": أي ذهب إلى المسجد أيّ وقت كان " عطاء ": أي الرجل الذي جاء بعد انقضاء صلاة الجماعة " مثل أجر": بفتح اللام هو المفعول الثاني لأعطاه " من صلاها ": أي الصلاة بالجماعة يعني مثل أجر أفرادهم " وحضرها ": أي الصلاة بالجماعة من أولها وهو معطوف على

(2/191)


__________
صلى " لا ينقص ذلك ": أي أجر المصلى وحده " من أجرهم ": أي المصلين بالجماعة " شيئاً ": بل لكل واحد من المصلين بالجماعة والمصلى وحده أجر كامل على حدة، وذلك لكمال فضل الله وسعة رحمته، وهذا إذا لم يكن التأخير ناشئاً عن التقصير، ولعله يعطى له بالنية أصل الثواب، وبالتحسر ما فاته من المضاعفة. قال المنذري: والحديث أخرجه النسائي.

(2/192)


52 باب ما جاء في خروج النساء إلى المسجد
561 حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ حدثنا حَمّادٌ عن مُحمّدِ بنِ عَمْرٍو عن أَبي سَلَمَةَ عن أَبي هُرَيْرَةَ أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تمْنَعُوا إِمَاء الله مَسَاجِدَ الله وَلَكِنْ لِيَخْرُجْنَ وَهُنّ تَفِلاَتٌ "
562 حدثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ حدثنا حَمّادٌ عن أَيّوبَ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تمْنَعُوا إِمَاءَ الله مَساجِدَ الله "
__________
باب ما جاء في خروج النساء إلى المسجد
هل يجوز أم لا.
" لا تمنعوا إماء الله ": إماء بكسر الهمزة والمد جمع أمة. قال الخطابي: وقد استدل بعض أهل العلم بعموم قوله عليه السلام: " لاتمنعوا إماء الله مساجد الله " على أنه ليس للزوج منع زوجته من الحج لأن المسجد الحرام الذي يخرج إليه الناس للحج والطواف أشهر المساجد وأعظمها حرمة فلا يجوز للزوج أن يمنعها من الخروج إليه، لأن المساجد كلها دونه وقصده واجب. انتهى. " ولكن ليخرجن وهن تفلات ": بفتح التاء المثناة وكسر الفاء أي غير متطيبات يقال امرأة تفلة إذا كانت متغيرة الريح كذا قال ابن عبدالبر وغيره قاله الشوكاني. وفي المعالم: التفل: سوء الرائحة يقال: امرأة تفلة إذا لم تطيب ونساء تفلات انتهى. وإنما أمرن بذلك ونهين عن التطيب كما في رواية مسلم عن زينب لئلا يحركن الرجال بطيبهن ويلحق بالطيب ما في معناه من الحركات لداعي الشهوة كحسن الملبس والتحلي الذي يظهر أثره والزينة الفاخر. وفرق كثير من الفقهاء المالكية وغيرهم بين الشابة وغيرها، وفيه نظر لأنها إذا عرت مما ذكر وكانت مستترة حصل الأمن عليها ولا سيما إذا كان بالليل.
" لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ": قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم.

(2/192)


53 باب التشديد في ذلك
565 حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عن عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِالرّحْمَنِ أَنّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنّ عَائشةَ رَضِيَ الله عَنْهَا زَوْجَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالت: لَوْ أَدْرَكَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مَا أَحْدَثَ النّسَاءُ لَمَنَعَهُنّ المَسْجِدَ كما مُنِعَهُ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ. قال يَحْيَى فَقُلْتُ لِعَمْرَةَ: أَمُنِعَهُ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قالت: نَعَمْ.
566 حدثنا ابنُ المُثَنّى أَنْ عَمْرَو بنَ عَاصِمٍ حَدّثَهُمْ قال حدثنا هَمّامٌ عن قَتَادَةَ عن مُوَرّقٍ عن أَبي اْلأَحْوَصِ عن عَبْدِالله عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: " صَلاَةُ المَرْأَةِ في بَيْتِهَا
__________
"باب التشديد في ذلك"
"لو أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم": وفي رواية مسلم "لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم" "ما أحدث النساء": من الزينة والطيب وحسن الثياب وغيرهما"كما منعه نساء بني إسرائيل": الضمير المنصوب في منعه يرجع إلى المسجد وفي بعض النسخ كما منعت "قالت نعم": الظاهر أنها تلقته عن عائشة، ويحتمل أن يكون عن غيرها، وقد ثبت ذلك من حديث عروة عن عائشة موقوفاً أخرجه عبدالرزاق بإسناد صحيح ولفظه قالت "كن نساء بني إسرائيل يتخذن أرجلاً من خشب يتشرفن للرجال في المساجد فحرم الله عليهن المساجد، وسلطت عليهن الحيضة" وهذا وإن كان موقوفاً لكن حكمه حكم الرفع لأنه لا يقال بالرأي.
وتمسك بعضهم بقول عائشة في منع النساء مطلقاً. وفيه نظر إذ لا يترتب على ذلك تغير الحكم لأنها علقتة على شرط لم يوجد بناء على ظن ظننته فقالت لو رأى لمنع، فيقال عليه لم ير ولم يمنع فاستمر الحكم حتى إن عائشة لم تصرح بالمنع وإن كان كلاهما يشعر بأنها كانت ترى المنع. وأيضاً فقد علم الله سبحانه ما سيحدثن فما أوحى إلى نبيه يمنعهن ولو كان ما أحدثن يستلزم منعهن من المساجد لكان منعهن من غيرها كالأسواق أولى وأيضا فالإحداث إنما وقع من بعض النساء لا من جميعهن، فإن تعين المنع فليكن لمن أحدثت.
والأولى أن ينظر إلى ما يخشى منه الفساد فيجتنب لإشارته صلى الله عليه وسلم إلى ذلك بمنع التطيب والزينة، وكذلك التقييد بالليل. كذا في فتح الباري. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم.
" صلاة المرأة في بيتها ": أي الداخلاني لكمال سترها "أفضل من صلاتها في حجرتها ": أي صحن الدار. قال ابن الملك: أراد بالحجرة ما تكون أبواب البيوت إليها وهي أدنى حالاً من

(2/194)


أَفْضَلُ مِنْ صَلاَتِهَا في حُجْرَتِهَا، وَصَلاَتِهَا في مَخْدَعِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلاَتِهَا في بَيْتَهَا"
567 حدثنا أَبُو مَعْمَرٍ حدثنا عَبْدُ الْوَارِثِ حدثنا أَيّوبُ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لَوْ تَرَكْنَا هَذَا الْبَابَ لِلنّسَاءِ ". قال نافِعٌ: فلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ ابنُ عُمَرَ حَتّى مَاتَ.
قال أَبُو دَاوُد: رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بنُ إِبْرَاهِيمَ عن أَيّوبَ عن نَافِعٍ قال قال عُمَرُ وهذَا أَصْحّ.
__________
البيت " وصلاتها في مخدعها ": بضم الميم وتفتح وتكسر مع فتح الدال في الكل وهو البيت الصغير الذي يكون داخل البيت الكبير يحفظ فيه الأمتعة النفيسة، من الخدع وهو إخفاء الشيء أي في خزانتها أفضل من صلاتها في بيتها لأن مبنى أمرها على التستر.
"فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات": وهذا مشهور من سيرة ابن عمر رضي الله عنه أنه كان شديد الاتباع لاَثار رسول الله صلى الله عليه وسلم. روى ابن ماجه عن أبي جعفر قال "كان ابن عمر إذا سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً لم يعده ولم يقصر دونه" وروى أحمد بسند صحيح عن مجاهد قال "كنت أسافر مع ابن عمر في سفر فحاد عنه فسئل لم فعلت قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل هذا ففعلت" وروى البزار عن ابن عمر أنه كان يأتي شجرة بين مكة والمدينة فيقيل تحتها ويخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك وروى البزار بسند حسن عن زيد بن أسلم قال: رأيت ابن عمر محلول الإزار وقال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم محلول الإزار "وهذا أصح": أي رواية إسماعيل أصح من رواية عبدالوارث.

(2/195)


54 باب السعي إلى الصلاة
568 حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ حدثنا عَنْبَسَةُ أخبرني يُونُسُ عن ابنِ شِهَابٍ أخبرني سَعِيدُ بنُ المُسَيّبِ وَ أَبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِالرّحْمَنِ أَنّ أَبَا هُرَيْرَةَ قال سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: " إِذَا أُقِيْمَتِ الصّلاَةُ فَلاَ تأْتُوهَا تَسْعُونَ وَأْتُوهَا تَمْشُونَ، وَعَلَيْكُمُ
__________
" باب السعي إلى الصلاة"
السعي العدو.
" فلا تأتوها تسعون ": أي لا تأتوا الصلاة مسرعين في المشي وإن خفتم فوت الصلاة. وقال الطيبي: لا يقال هذا مناف لقوله تعالى {فَاسَعَوْا} لأنا نقول المراد

(2/195)


.....................................
__________
بالسعي في الآية القصد، يدل عليه قوله تعالى {وَذَرُوا الْبَيْعَ}: أي اشتغلوا بأمر المعاد واتركوا أمر المعاش. كذا في المرقاة " وأتوها تمشون ": أي بالسكينة والطمأنينة " وعليكم السكينة ": ضبطه القرطبي بنصب السكينة على الإغراء، وضبطه النووي بالرفع على أنها جملة في موضع الحال والسكينة التأني في الحركات واجتناب العبث " فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا ": قال الحافظ في فتح الباري: قال الكرماني: الفاء جواب شرط محذوف أي إذا بينت لكم ما هو أولى بكم فما أدركتم فصلوا. قلت: أو التقدير إذا فعلتم، فما أدركتم أي فعلتم الذي أمرتكم به من السكينة وترك الإسراع.
واستدل بهذا الحديث على حصول فضيلة الجماعة بإدراك جزء من الصلاة لقوله: " فما أدركتم فصلوا " ولم يفصل بين القليل والكثير، وهذا قول الجمهور. وقيل: لا تدرك الجماعة بأقل من ركعة للحديث: " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك " وقياساً على الجمعة، وقد قدمنا الجواب عنه في موضعه وأنه ورد في الأوقات وأن الجمعة حديثاً خاصاً بها انتهى.
قال الإمام الخطابي في المعالم: قوله فأتموا دليل على أن الذي يدركه المرء من صلاة إمامه هو أول صلاته لأن لفظ الإتمام واقع على باق من شيء قد تقدم سائره وإلى هذا ذهب الشافعي في أن ما أدركه المسبوق من صلاة إمامه هو أول صلاته وقد روى ذلك عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وبه قال سعيد بن المسيب والحسن البصري ومكحول وعطاء والزهري والأوزاعي وإسحاق بن راهويه. وقال سفيان الثوري وأصحاب الرأي هو آخر صلاته، وإليه ذهب أحمد بن حنبل وقد روى ذلك عن مجاهد وابن سيرين، واحتجوا بما روى في هذا الحديث من قوله عليه السلام: " وما فاتكم فاقضوا " قالوا والقضاء لا يكون إلا للفائت قلت: قد ذكر أبو داوود في هذا الباب أن أكثر الرواة أجمعوا على قوله عليه السلام: " وما فاتكم فأتموا " وإنما ذكر عن شعبة عن سعد بن إبراهيم بن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " صلوا ما أدركتم واقضوا ما سبقتم" قال وكذا قال ابن سيرين عن أبي هريرة وكذا قال أبو رافع عن أبي هريرة. قلت: وقد يكون القضاء بمعنى الأداء للأصل كقوله تعالى: { فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ } الآية، وقوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ } وليس يعني من هذا قضاء لفائت، فيحتمل أن يكون قوله عليه السلام: " وما فاتكم فاقضوا " أي أدوه في تمام جمعاً بين قوله عليه السلام: فأتموا، وبين قوله عليه السلام : فاقضوا ونفياً للاختلاف بينهما. انتهى كلامه. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم وابن ماجه.

(2/196)


السّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمّوا"
قال أَبُو دَاوُد: وكذَا قال الزّبَيْدِيّ وابنُ أَبي ذِئْبٍ وَإِبراهِيمُ بنُ سَعْدٍ وَمَعْمَرٌ وَشُعَيْبُ بنُ أَبي حَمْزَةَ عن الزّهْرِيّ " وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمّوا" وقال ابنُ عُيَيْنَةَ عن الزّهْرِيّ وَحْدَهُ " فَاقْضُوا " وقال مُحمّدُ بنُ عَمْرِو عن أَبي سَلَمَةَ عن أَبي هُرَيْرَةَ، وَجَعْفَرُ بنُ رَبِيعَةَ عن اْلأَعْرَجِ عن أَبي هُرَيْرَةَ " فأَتمّوا " وَابنُ مَسْعُودٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وَأَبُو قَتَادَةَ وَأَنَسٌ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم كُلّهُمْ قالُوا " فأَتمّوا "
569 حدثنا أَبُو الْوَلِيدِ الطّيَالِسيّ حدثنا شُعْبَةُ عن سَعْدِ بنِ إِبراهِيمَ قال سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: " ائْتُوا الصّلاَةَ وَعَلَيْكُمُ السّكِيْنَةُ، فَصَلّوا مَا أَدْرَكْتُمْ وَاقْضُوا مَا سَبَقَكُمْ "
__________
"أئتوا الصلاة وعليكن السكينة ": الحكمة في شرعية هذا الأدب تستفاد من زيادة وقعت في مسلم من طريق العلاء عن أبيه عن أبي هريرة فذكر نحو حديث الباب، وقال في آخره: " فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة " أي أنه في حكم المصلى فينبغي له ينبغي للمصلى اعتماده، واجتناب ما ينبغي للمصلي اجتنابه: " فصلوا ما أدركتم واقضوا ما سبقكم ": قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: إن أكثر الروايات ورد بلفظ فأتموا وأقلها بلفظ فاقضوا وإنما تظهر فائدة ذلك إذا جعلنا بين الإتمام والقضاء مغايرة، لكن إذا كان مخرج الحديث واحداً واختلف في لفظه منه وأمكن رد الاختلاف إلى معنى واحد كان أولى، وهنا كذلك لأن القضاء وإن كان يطلق على الفائت غالباً لكنه يطلق على الأداء أيضاً، ويرد بمعنى الفراغ كقوله تعالى {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا} ويرد بمعان أخر، فيحمل قوله هنا فاقضوا على معنى الأداء أوالفراغ فلا يغاير قوله فأتموا، فلا حجة فيه لمن تمسك برواية: فاقضوا على أن ما أدركه المأموم هو آخر صلاته حتى استحب له الجهر في الركعتين وقراءة السورة وترك القنوت بل هو أولها وإن كان آخر صلاة إمامه، لأن الآخر لا يكون إلا عن شيء تقدمة. وأوضح دليل على ذلك أنه يجب عليه أن يتشهد في آخر صلاته على كل حال، فلو كان ما يدركه مع الإمام آخراً له لما احتاج إلى إعادة التشهد. وقول ابن بطال إنه ما تشهد إلا لأجل السلام لأن السلام يحتاج إلى سبق تشهد ليس بالجواب الناهض على دفع الإيراد المذكور. واستدل ابن المنذر لذلك أيضاً على أنهم أجمعوا على أن تكبيرة الافتتاح، لا تكون إلا في

(2/197)


قال أَبُو دَاوُد وكَذَا قال ابنُ سِيرِينَ عن أَبي هُرَيْرَةَ " وَلْيَقْضِ "، وكَذَا قال أَبُو رَافِعٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ. وَأَبُو ذَرَ رَوَى عَنْهُ " فأَتمّوا وَاقْضُوا " وَاخْتُلِفَ فيه.
__________
الركعة الأولى. وقد عمل بمقتض اللفظين الجمهور فانهم قالوا: إن ما أدرك المأموم هو أول صلاته إلا أنه يقضي مثل الذي فاته من قراءة السورة مع أم القرآن في الرباعية، لكن لم يستحبوا له إعادة الجهر في الركعتين الباقيتين وكان الحجة فيه قوله " ما أدركت مع الإمام فهو أول صلاتك واقض ما سبقك به من القرآن " أخرجه البيهقي وعن إسحاق والمزني: لا يقرأ إلا أم القرآن فقط وهو القياس انتهى "وأبو ذر روى عنه فأتموا واقضوا واختلف فيه": أي اختلف في حديث أبي ذر، فروى عنه لفظ فأتموا ولفظ واقضوا أيضاً.

(2/198)


باب الجمع في المسجد مرتين
...
55 باب ما في الجمع في المسجد مرتين
570 حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ حدثنا وُهَيْبُ عن سُلَيْمانَ اْلأَسْوَدِ عن أَبي المُتَوَكّلِ عن أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أَبْصَرَ رَجُلاً يُصَلّي وَحْدَهُ، فقال: " أَلاَ رَجُلٌ يَتَصَدّقُ عَلَى هَذَا فَيُصَلّي مَعَهُ"
__________
"باب في الجمع في المسجد مرتين"
وبوب الترمذي في جامعه بلفظ باب ما جاء في الجماعة في مسجد قد صلى فيه مرة، وأورد حديث الباب.
" ألا رجل يتصدق على هذا" : أي يتفضل عليه ويحسن إليه " فيصلي ": بالنصب " معه ": ليحصل له ثواب الجماعة فيكون كأنه قد أعطاه صدقة. قال المظهر: سماه صدقة لأنه يتصدق عليه بثواب ست وعشرين درجة، إذ لو صلى منفرداً لم يحصل له إلا ثواب صلاة واحدة. قال الطيبي: قوله فيصلي منصوب لوقوعه جواب قوله ألا رجل، كقولك: ألا تنزل فتصيب خيراً، وقيل الهمزة للاستفهام ولا بمعنى ليس، فعلى هذا فيصلي مرفوع عطفاً على الخبر وهذا أولى كذا في المرقاة. والحديث يدل على جواز أي يصلي القوم جماعة في مسجد قد صلى فيه مرة. قال الترمذي: وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم من التابعين، قالوا: لا بأس أن يصلي القوم جماعة في مسجد قد صلى فيه، وبه يقول أحمد وإسحاق. وقال آخرون والشافعي يختارون الصلاة فرادي. انتهى. قال المنذري: وأخرجه الترمذي بنحوه وقال حديث حسن، وفيه: فقام رجل فصلى معه، انتهى.

(2/198)


56 باب فيمن صلى في منزله ثم أدرك الجماعة يصلي معهم
571 حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ حدثنا شُعْبَةُ أخبرني يَعْلَى بنُ عَطَاءِ عن جَابِرِ بنِ يَزِيدَ بنِ اْلأَسْوَدِ عن أَبِيهِ أَنّهُ صَلّى مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ غُلاَمٌ شَابٌ، فَلمّا صَلّى إِذَا رَجُلاَنِ لَمْ يُصَلّيَا في نَاحِيَةِ المَسْجِدِ فَدَعَا بِهِمَا، فَجِيءَ بِهِمَا تُرْعَدُ فَرائِصُهُمَا، فقال: " مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلّيَا مَعَنَا "؟ قالا: قَدْ صَلّيْنَا في رِحَالِنَا، فقال: "لا تَفْعَلُوا، إِذَا صَلّى أَحْدُكُم في رَحْلِهِ ثُمّ أَدْرَكَ اْلإِمَامَ وَلَمْ يُصَلّ فَلْيّصَلّ مَعَهُ فَإِنّهَا لَهُ نَافِلَةٌ"
__________
"باب فيمن صلى في منزله ثم أدرك الجماعة يصلي معهم"
"فلما صلى": أي فرغ من صلاته "ترعد": بضم أوله وفتح ثالثه، أي تتحرك كذا قال ابن رسلان، وقال في المرقاة بالبناء للمجهول، أي تحرك، من أرعد الرجل إذا أخذته الرعدة وهي الفزع والاضطراب "فرائصهما": جمع فريصة وهي اللحمة التي بين جنب الدابة وكتفها، أي ترجف من الخوف. قاله في النهاية. وسبب ارتعاد فرائصهما ما اجتمع في رسول الله صلى الله عليه وسلم من الهيبة العظيمة والحرمة الجسيمة لكل من رآه مع كثرة تواضعه " قد صلينا في رحالنا ": جمع رحل بفتح الراء وسكون المهملة هو المنزل ويطلق على غيره ولكن المراد هنا المنزل " فإنها له نافلة ": فيه تصريح بأن الثانية نافلة والفريضة هي الأولى سواء صليت جماعة أو فرادى لإطلاق الخبر.
قال الخطابي في المعالم: وفي الحديث من الفقه أن من كان صلى في رحلة ثم صادف جماعة يصلون كان عليه أن يصلي معهم أية صلاة كانت من صلوات الخمس، وهو مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق، وبه قال الحسن والزهري. وقال قوم: يعيد المغرب والصبح، وكذلك قال النخفي، وحكى ذلك عن الأوزاعي، وكان مالك والثوري يكرهان أن يعيدوا صلاة المغرب، وكان أبو حنيفة لا يرى أن يعيد صلاة العصر والمغرب والفجر إذا كان قد صلاهن.
قلت: وظاهر الحديث حجة على جماعة من منع عن شيء من الصلوات كلها، ألا تراه عليه السلام يقول " إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك الإمام ولم يصل فليصل معه " ولم يستثن صلاة دون صلاة. وقال أبو ثور: لا تعاد العصر عليه السلام " فإنها نافلة " يريد الصلاة الآخرة منها والأولى فريضة. وأما نهيه عليه السلام عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب الشمس فقد تأولوه على وجهين: أحدهما أن ذلك على معنى إنشاء الصلاة ابتداء

(2/199)


572 حدثنا ابنُ مُعَاذٍ حدثنا أَبي شُعْبَةُ عن يَعْلَى بنِ عَطَاءِ عن جَابِرِ بنِ يَزِيدَ عن أَبِيهِ قال: صَلّيْتُ مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم الصّبْحَ بِمِنًى بِمَعْنَاهُ.
573 حدثنا قُتَبْيَةُ حدثنا مَعْنُ بنُ عِيسَى عن سَعِيدِ بنِ السّائِبِ عن نُوحِ بنِ صَعْصَعَةَ عن يَزِيدَ بنِ عَامِرٍ قال: جِئْتُ وَالنّبيّ صلى الله عليه وسلم في الصّلاَةِ، فَجَلَسْتُ وَلَمْ أَدْخُلْ مَعَهُمْ في الصلاَةِ. قال: فانْصَرَفَ عَلَيْنَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فَرَأَى يَزِيدَ جَالِساً فقال: " أَلَمْ تَسْلِمْ يَايَزِيد "؟ قال: بَلَى يَارسولَ الله قَدْ أَسْلَمْتُ. قال: " فَمَا مَنَعَكَ أَنْ تَدْخُلَ مَعَ النّاسِ في صَلاَتِهِمْ "؟ قال: إِنّي كُنْتُ قَدْ صَلّيْتُ في مَنْزِلِي وَأَنَا أَحْسَبُ أَنْ قَدْ صَلّيْتُمْ، فقال: " إِذَا جِئْتَ إِلَى الصّلاَةِ فَوَجَدْتَ النّاسَ فَصَلّ مَعَهُمْ، وَإِنْ كُنْتَ قَدْ صَلّيْتَ تَكُنْ لَكَ نَافِلَةً وَهَذِهِ مَكْتُوبَةٌ"
574 حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالحٍ قال قَرَأْتُ عَلَى ابنِ وَهْبٍ أخبرني عَمْرٌو عن بُكَيْرٍ أَنّهُ سَمِعَ عَفِيفَ بنَ عَمْرِو بنِ المُسَيّبِ يقولُ حدّثني رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدِ بنِ خُزَيْمَةَ
__________
من غير سبب، وأما إذا كان لها سبب مثل أن يصادف قوماً يصلون جماعة فإنه يعيدها معهم ليحرز الفضيلة. والوجه الآخر أنه منسوخ، وذلك أن حديث يزيد بن جابر متأخر لأن في قصته أنه شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع ثم ذكر الحديث. وفي قوله عليه السلام فإنها نافلة دليل على أن صلاته منفرداً مجزية مع القدرة على صلاة الجماعة وإن كان ترك الجماعة مكروهاً. انتهى. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
"رأى يزيد جالساً": أي على غير هيئة الصلاة " فقال ألم تسلم ": أي أما أسلمت " فما منعك أن تدخل مع الناس في صلاتهم ": فإنه من علامة الإسلام الدال على الإيمان "وأنا أحسب أن قد صليتم": قال الطيبي: جملة حالية، أي ظانا فراغ صلاتكم "إذا جئت إلى الصلاة": أي الجماعة أو مسجدها " فصل معهم، وإن كنت قد صليت ": ليحصل لك ثواب الجماعة وزيادة النافلة " تكن ": أي الصلاة الثانية التي صليتها الآن " لك نافلة ": بالنصب " وهذه ": أي الصلاة الأولى التي صليتها في منزلك، ويحتمل العكس، لكن الحديث المتقدم يرجع الاحتمال الأول " مكتوبة ": بالرفع وقيل بالنصب.
"رجل من بني أسد بن خزيمة": قبيلة "فقال": أي الرجل "فأصلي معهم": قال الطيبي: فيه

(2/200)


أَنّهُ سَأَلَ أَبَا أَيّوبَ اْلأَنْصَارِيّ فقال: يُصَلّي أَحَدُنَا في مَنْزِلِه الصّلاَةَ ثُمّ يَأْتِي المَسْجِدَ وَتُقَامُ الصّلاَةُ فأُصَلّي مَعَهُمْ فأَجِدُ في نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً. فقال: أَبُو أَيّوبَ: سَأَلْنَا عن ذَلِكَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: " فَذَلِكَ لَهُ سَهْمُ جَمْعٍ "
__________
التفات من الغيبة على سبيل التجريد لأن الأصل أن يقال أصلي في منزلي بدل قومه يصلي أحدنا. انتهى. والأظهر كان الأصل أن يقال فيصلي معهم فالتفت. قاله في المرقاة "فأجد في نفسي من ذلك شيئاً": أي شبهة "فقال أبو أيوب سألنا عن ذلك": قال الطيبي: المشار إليه بذلك الأول والثالث أي الآتي وهو ما كان يفعله الرجل من إعادة الصلاة مع الجماعة بعد ما صلاها منفرداً "فقال فذلك": الظاهر أن المشار إليه هنا الرجل خلاف ما ذكره الطيبي " له سهم جمع ": قال الإمام الخطابي: يريد أنه سهم من الخير جمع له حظان، وفيه وجه آخر. قال الأخفش: سهم الجيش هو السهم من الغنيمة. قال: الجمع ههنا الجيش، استدل بقوله تعالى: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ} ويقول { يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ } وبقوله { سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} انتهى. وقال في المرقاة: أي نصيب من ثواب الجماعة. قال الطيبي: فأجد في نفسي، أي أجد في نفسي من فعل ذلك حزازة هل ذلك لي أو علي، فقيل له سهم جمع، أي ذلك لك لا عليك. ويجوز أن يكون المعنى إني أجد من فعل ذلك روحاً أو راحة، فقيل: ذلك الروح نصيبك من صلاة الجماعة، الأول أوجه. انتهى. قال المنذري: فيه رجل مجهول.

(2/201)


57 باب إذا صلى في جماعة ثم أدرك جماعة يعيد
575 حدثنا أَبُو كَامِلٍ حدثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ حدثنا حُسَيْنٌ عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن سُلَيْمانَ يَعْني مَوْلَى مَيْمُونَةَ قال: أَتَيْتُ ابنَ عُمَرَ عَلَى الْبَلاَطِ وَهُمْ يُصَلّونَ، فَقُلْتُ: أَلاَ تُصَلّي مَعَهُمْ؟ قال: قَدْ صَلّيْتُ، إِنّي سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: " لا تُصَلّوا صَلاَةً في يَوْمٍ مَرّتَيْنِ "
__________
" باب إذا صلى في جماعة ثم أدرك جماعة يعيد"
"على البلاط": بفتح الباء ضرب من الحجارة يفرش به الأرض ثم سمى المكان بلاطاً اتساعاً وهو موضع معروف بالمدينة. قاله الطيبي وفي المصباح: البلاط كل شيء فرشت به الدار من حجر وغيره "وهم": أي أهله " لا تصلوا صلاة في يوم مرتين" : قال الإمام الخطابي في

(2/201)


__________
المعالم: هذه صلاة الإيثار والاختيار دون ما كان لها سبب، كالرجل يدرك الجماعة وهم يصلون فيصلي معهم ليدرك فضيلة الجماعة توفيقاً بين الأخبار ورفعاً للاختلاف بينهما. انتهى. قال في الاستذكار: اتفق أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه على أن معنى قوله صلى الله عليه وسلم " لا تصلوا صلاة في يوم مرتين " أن ذلك أن يصلي الرجل صلاة مكتوبة عليه ثم يقوم بعد الفراغ منها فيعيدها على جهة الفرض أيضاً، وأما من صلى الثانية مع الجماعة على أنها نافلة اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في أمره بذلك فليس ذلك من إعادة الصلاة في يوم مرتين، لأن الأولى فريضة والثانية نافلة، فلا إعادة حينئذ. كذا في النيل. قال المنذري: وأخرجه النسائي وفي إسناده عمرو بن شعيب وقد تقدم الكلام عليه وهو محمول على صلاة الاختيار دون ماله سبب كالرجل يصلي ثم يدرك جماعة فيصلي معهم انتهى.

(2/202)


58 باب جُماع الإمامة وفضلها
576 حدثنا سُلَيْمانُ بنُ دَاوُدَ المَهَرِيّ حدثنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني يَحْيَى بنُ أَيّوبَ عن عَبْدِالرّحْمَنِ بنِ حَرْمَلةَ عن أَبي عَلِيّ الْهَمَدَانِيّ قال سَمِعْتُ عَقْبَةَ بنَ عَامِرٍ يقولُ سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مَنْ أَمّ النّاسَ فأَصَابَ الْوَقْتَ فَلَهُ وَلَهُمْ، وَمَنْ انْتَقَصَ مِنْ
__________
"باب جُماع الإمامة وفضلها"
قلت: في ضبطه وجهان: الأول: جماع بكسر الجيم وفتح الميم المخففة وجماع الشيء جمعه لأن الجماع ما جمع عدداً يقال الخمر الإثم جماع أي مجمعه ومظنته، وفي حديث أبي ذر " ولا جماع لنا فيما بعد " أي لا اجتماع لنا، وفي حديث آخر " حدثني بكلمة تكون جماعاً فقال اتق الله فيما تعلم . ومعنى قوله تكون جماعاً أي كلمة تجمع كلمات. والثاني: بضم الجيم وشدة الميم وهو كل ما تجمع وانضم بعضه إلى بعض، وجماع كل شيء مجتمع خلقه وجماع جسد الإنسان رأسه. والجماع أخلاط من الناس وقيل هم الضروب المتفرقون والفرق المختلفة من الناس، ومنه الحديث "كان في جبل تهامة جماع" أي جماعات من قبائل شتى متفرقة كذا في اللسان ملخصاً محرراً. وعلى كلا الوجهين يصح حمل كلام المؤلف، فلفظ جماع في مثل هذا المحل بمنزلة الكتات والأبواب والفصول كأنه قال باب من أبواب الإمامة، ومثله قول البيهقي في المعرفة جماع مواقيت الصلاة، وقد عرفت وجه الاشتقاق والله أعلم كذا في غاية المقصود.
" فأصاب الوقت فله ولهم ": أي فله ثواب صلاته ولهم ثواب صلاتهم "ومن انتقص من

(2/202)


ذَلِكَ شَيْئاً فَعَلَيْهِ وَلاَ عَلَيْهِمْ"
__________
ذلك": الوقت " شيئاً فعليه ": أي فعلى الإمام الوزر. قال المنذري: وأخرجه مسلم وابن ماجه وفي إسناده عبدالرحمَن بن حرملة الأسلمي المديني كنيته أبو حرملة وقد ضعفه غير واحد وأخرج له مسلم وأخرج له البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم وإن أخطأوا فلكم وعليهم" انتهى .

(2/203)


باب في كراهية التدافع عن [على] الإمامة
...
59 باب في كراهية التدافع عن الإمامة
577 حدثنا هَارُونُ بنُ عَبّادٍ اْلأَزْدِيّ حدثنا مَرْوَانُ حدثني طَلْحَةُ أُمّ غُرَابٍ عن عَقِيلَةَ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ مَوْلاَةً لَهِمْ عن سَلاّمَةَ بِنْتِ الْحُرّ أُخْتِ خَرْشَةَ بنِ الْحُرّ الْفَزَارِيّ قالت: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: " إِنّ مِنْ أَشْرَاطِ السّاعَةِ أَنْ يَتَدَافَعَ أَهْلُ المَسْجِدِ لا يَجِدُونَ إماماً يُصَلّي بِهِمْ "
__________
"باب في كراهية التدافع عن الإمامة"
" إن من أشراط الساعة ": أي علاماتها المذمومة واحدها شرط بالتحريك. قال الخطابي أنكر بعضهم هذا التفسير، وقيل هي ما ينكره الناس من صغار أمور الساعة قبل أن تقوم. كذا في المرقاة " أن يتدافع أهل المسجد ": أي يدرأ كل من أهل المسجد الإمامة عن نفسه ويقول لست أهلاً لها لما ترك تعلم ما تصح به الإمامة. ذكره الطيبي. أو يدفع بعضهم بعضاً إلى المسجد أو المحراب ليؤم بالجماعة فيأتي عنها لعدم صلاحيته لها لعدم علمه بها. قاله ابن الملك. كذا قال علي القاري. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه والحر بضم الحاء المهملة وبعدها راء مهملة مشددة انتهى.

(2/203)


60 باب من أحق بالإمامة
578 حدثنا أَبُو الْوَلِيدِ الطّيَالِسيّ حدثنا شُعْبَةُ أخبرني إِسْمَاعِيلُ بنُ رَجَاءِ قال سَمِعْتُ أَوْسَ بنَ ضَمْعَجٍ يُحَدّثُ عن أَبي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيّ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يَؤُمّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهْم لِكِتَابِ الله وَأَقْدَمُهُمْ قِرَاءَةَ، فإِنْ كَانُوا في الْقِرَاءَةِ سَواءَ فَلْيَؤُمّهُمْ أَقْدَمُهُمْ
__________
"باب من أحق بالإمامة"
" يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ":الظاهر أن المراد أكثرهم له حفظاً ويدل على ذلك ما رواه

(2/203)


61 باب إمامة النساء
- 587 حدثنا عُثْمانُ بنُ أَبي شَيْبَةَ حدثنا وَكِيعُ بنُ الْجَرّاحِ حدثنا الْوَلِيدُ بنُ عَبْدِالله بنُ جُمَيْعٍ حدثَتْني جَدّتِي وَ عَبْدُالرّحْمَنِ بنُ خَلاّدٍ الأنْصَارِيّ عن أُمّ وَرَقَةَ بِنْتِ نَوْفَلٍ: أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لَمّا غَزَا بَدْراً قالت قُلْتُ له: يارسول الله ائْذَنْ لِي في الْغَزْوِ مَعَكَ أُمَرّضُ مَرْضَاكُم لَعَلّ الله أَنْ يَرْزُقَنِي شَهَادَةً قال قَرّي في بَيْتِكِ، فإِنّ الله عَزّوَجَلّ يَرْزُقُكِ الشّهَادَةَ . قال: فَكَانَتْ تُسَمّى الشّهِيدَةُ. قال قَدْ قَرَأَتْ الْقُرْآنَ، فَاسْتَأْذَنَتِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أَنْ تَتّخِذَ في دَارِهَا مُؤَذّناً، فأَذِنَ لَها. قال: وَكَانَتْ دَبّرَتْ غُلاَماً وَجَارِيَةً، فَقَامَا إِلَيْهَا باللّيْلِ فَغَمّاهَا بِقَطِيفَةٍ لَها حَتّى مَاتَتْ وَذَهَبَا، فأَصْبَحَ عُمَرُ فَقَامَ في النّاسِ فقال: مَنْ عِنْدَهُ مِنْ هَذَيْنِ عِلْمٌ، أَوْ مَنْ رَآهُما فَلْيَجِيءْ بِهِمَا. فأَمَرَ فَصُلِبَا، فَكَانَا أَوّلَ مَصْلُوبٍ بالمَدِينَةِ.
- 588 حدثنا الْحَسَنُ بنُ حَمّادٍ الْحَضْرَمِيّ حدثنا مُحمّدُ بنُ الْفُضَيْلِ عن الْوَلِيدِ بنِ جُمَيْعٍ عن عَبْدِالرّحْمَنِ بنِ خَلاّدٍ عن أُمّ وَرَقَةَ بِنْتِ عَبْدِالله بنِ الْحَارِثِ بهذا الحديثِ والأوّلُ أَتَمّ. قال وكَانَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَزُورُهَا في بَيْتِهَا، وَجَعَلَ لَها مُؤَذّناً يُؤَذّنُ لَها، وَأَمَرَهَا أَنْ تَؤُمّ أَهْلِ دَارِهَا. قال عَبْدُالرّحْمَنِ: فأَنَا رَأَيْتُ مُؤَذّنَهَا شَيْخاً كَبِيراً.
__________
"باب إمامة النساء"
"لما غزا بدراً": وهي قرية عامرة بين مكة والمدينة وهو إلى المدينة أقرب، ويقال هو منها على ثمانية وعشرين فرسخاً على منتصف الطريق تقريباً، وبدر بئر كانت لرجل يسمى بدراً "أمرض": من التمريض وهو المعالجة والتدبير في المرض "مرضاكم": مرضى جمع مريض أي أخدم مرضاكم في أمراضهم " قرى في بيتك" : أي اسكني فيه أمر للمؤنث من قرّ يَقِرّ "وكانت دبرت غلاماً وجارية": أي علقت عتقهما على موتها من التدبير، وهو أن يقول السيد لعبده: أنت حر بعد موتى أو إذا مت فأنت حر "فقاما إليها": أي إلى أم ورقة "فغماها": من الغم وهو تغطية الوجه فلا يخرج الغم ولا يدخل الهواء فيموت "بقطيفة": هي كساء له خمل أي غطا وجه أم ورقة بقطيفة لها حتى ماتت.
"وأمرها أن تؤم أهل دارها": ثبت من هذا الحديث أن إمامة النساء وجماعتهن صحيحه

(2/211)


......................................
__________
ثابتة من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أمت النساء عائشة رضي الله عنها وأم سلمة رضي الله عنها في الفرض والتروايح قال الحافظ في تلخيص الحبير: حديث عائشة أنها أمت نساء فقامت وسطهن رواه عبدالرزاق ومن طريقه الدارقطني والبيهقي من حديث أبي حازم عن رائطة الحنفية عن عائشة أنها أمتهن فكانت بينهن في صلاة مكتوبة. وروى ابن أبي شيبة ثم الحاكم من طريق ابن أبي ليلى عن عطاء عن عائشة أنها كانت تؤم النساء فتقوم معهن في الصف. وحديث أم سلمة أنها أمت نساء فقامت وسطهن. الشافعي وابن أبي شيبة عبدالرزاق ثلاثتهم عن ابن عيينة عن عمار الدهني عن امرأة من قومه يقال لها هجيرة عن أم سلمة أنها أمتهن فقامت وسطاً ولفظ عبدالرزاق "أمتنا أم سلمة في صلاة العصر فقامت بيننا" وقال الحافظ في الدارية: وأخرج محمد بن الحسن من رواية إبراهيم النخعي عن عائشة "أنها كانت تؤم النساء في شهر رمضان فتقوم وسطاً"
قلت: وظهر من هذه الأحاديث أن المرأة إذاً تؤم النساء تقوم وسطهن معهن ولا تقدمهن. قال في السبل: والحديث دليل على صحة إمامة المرأة أهل دارها وإن كان فيهم الرجل فإنه كان لها مؤذناً وكان شيخاً كما في الرواية، والظاهر أنها كانت تؤمه وغلامها وجاريتها، وذهب إلى صحة ذلك أبو ثور المربي والطبري، وخالف ذلك الجماهير. وأما إمامة الرجل النساء فقط، فقد روى عبدالله بن أحمد من حديث أبي بن كعب "أنه جاء إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله عملت الليلة عملاً. قال: ما هو؟ قال: نسوة معي في الدار قلن إنك تقرؤ ولا نقرؤ فصل بنا فصليت ثمانياً والوتر، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم قال: فرأينا أن سكوته رضا" قال الهيثمي في إسناده من لم يسم. قال ورواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط وإسناده حسن. انتهى. قال المنذري: وفي إسناده الوليد بن عبدالله بن جميع الزهري الكوفي وفيه مقال، وقد أخرج له مسلم انتهى. وحديث أم ورقة أخرجه الحاكم في المستدرك ولفظه أمرها أن تؤم أهل دارها في الفرائض" وقال لا أعرف في الباب حديثاً مسنداً غير هذا. وقد احتج مسلم بالوليد بن جميع. انتهى. وقال ابن القطان في كتابه الوليد بن جميع وعبدالرحمَن بن خلاد لا يعرف حالهما. قلت: ذكرهما ابن حبان في الثقات. وأخرج عبدالرزاق في مصنفه أخبرنا إبراهيم بن محمد عن داوود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال " تؤم المرأة النساء تقوم في وسطهن " انتهى.

(2/212)


62 باب الرجل يؤم القوم وهم له كارهون
589 حدثنا الْقَعْنَبِيّ حدثنا عَبْدُ الله بنُ عُمَرَ بنِ غَانِمٍ عن عَبْدِالرّحْمَنِ بنِ زِيَادٍ عن عِمْرانَ بنِ عَبْدِ المَعَافِرِيّ عن عَبْدِالله بنِ عَمْرٍو أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يقولُ: "ثَلاَثَةٌ لاَ يَقْبَلُ الله مِنْهُمْ صَلاَةً: مَنْ تَقَدّمَ قَوْماً وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، وَرَجُلٌ أَتَى الصّلاَةَ دِبَاراً، وَالدّبَارُ أَنْ يَأْتِيَهَا بَعْدَ أَنْ تَفُوتَهُ، وَرَجُلٌ اعْتَبَدَ [مُحَرّرَةً]"
__________
"باب الرجل يؤم القوم وهم له كارهون"
" من تقدم قوماً ": أي للامامة " وهم له كارهون ": قال في النيل: وقد قيد ذلك جماعة من أهل العلم بالكراهية الدينية لسبب شرعي، فأما الكراهة لغير الدين فلا عبرة بها، وقيدوه أيضاً بأن يكون الكارهون أكثر المأمين، ولا اعتبار بكراهة الواحد والاثنين والثلاثة إذا كان المؤتمون جمعاً كثيراً إلا إذا كانوا اثنين أو ثلاثة فإن كراهتهم أو كراهة أكثرهم معتبرة، والاعتبار بكراهة أهل الدين دون غيرهم. انتهى ملخصاً: وقال الخطابي: قلت يشبه أن يكون الوعيد في الرجل ليس من أهل الإمامة فيقتحم فيها ويتغلب عليها حتى يكره الناس إمامته، فأما إن كان مستحقاً للامامة فاللوم على من كرهه دونه. وشكى رجل إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان يصلي بقوم وهم له كارهون فقال له: إنك لخروط يريد أنك متعسف في فعلك ولم يرده على ذلك " ورجل أتى الصلاة دباراً": ب كسر الدال وانتصابه على المصدر، أي إتيان دبار، وهو يطلق على آخر أوقات الشيء. وقال الخطابي: هو أن يكون قد اتخذه عادة، حتى يكون حضوره الصلاة بعد فراغ الناس وانصرافهم عنها "والدبار أن يأتيها": من غير عذر "بعد أن تفوته ": أي الصلاة جماعة. قال في النهاية: أي بعد ما يفوت وقتها وقيل دبار جمع وهو آخر أوقات الشيء، والمراد أنه يأتي الصلاة حين أدبر وقتها. انتهى. " ورجل اعتبد محرره ": أي اتخذ نفساً معتقة عبداً أو جارية. قال ابن الملك: تأنيث محرره بالحمل على النسمة لتناول العبيد والإماء. كذا في المرقاة، وفي بعض نسخ أبي داوود، محرره بالضمير المجرور. قال الخطابي: اعتباد المحرر يكون من وجهين أحدهما أي يعتقه فيستخدمه كرهاً. انتهى. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه وفي إسناده عبدالرحمَن بن زياد بن أنعم الإفريقي وهو ضعيف.

(2/213)


63 باب إمامة البر والفاجر
590 حدثنا احْمَدُ بنُ صَالِحٍ حدثنا ابنُ وَهْبٍ حدثني مُعَاوِيَةُ بنُ صَالحٍ عن الْعَلاَءِ بنِ الْحَارِثِ عن مَكْحُولٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الصّلاَةُ المَكْتُوبَةُ وَاجِبَةٌ خَلْفَ كلّ مُسْلِمٍ بَرّا كان أَوْ فَاجِراً وَإِنْ عَمِلَ الْكَبَائِرَ".
__________
"باب إمامة البر والفاجر"
"الصلاة المكتوبة واجبة خلف كل مسلم براً كان أو فاجراً ": ورواه الدارقطني بمعناه. وقال مكحول لم يلق أبا هريرة. وقد ورد هذا الحديث من طرق كلها كما قال الحافظ: وهي أحاديث كثيرة دالة على صحة الصلاة خلف كل بر وفاجر إلا أنها كلها ضعيفة، وقد عارضها حديث " لا يؤمنكم ذو جرأة في دينه " ونحوه وهي أيضاً ضعيفة قالوا: فلما ضعفت الأحاديث من الجانبين رجعنا إلى الأصل وهي أن من صحت صلاته صحت إمامته، وأيد ذلك فعل الصحابة فإنه أخرج البخاري في التاريخ عن عبدالكريم أنه قال "أدركت عشرة من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم يصلون خلف أئمة الجور" ويؤيده أيضاً حديث مسلم " كيف أنت إذا كان عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها أو يميتون الصلاة عن وقته ا قال: فما تأمرني؟ قال: صل الصلاة لوقتها فإن أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة " فقد أذن بالصلاة خلفهم وجعلها نافلة لأنهم أخرجوها عن وقتها. وظاهره أنهم لو صلوها في وقتها لكان مأموراً بصلاتها خلفهم فريضة. انتهى.

(2/214)


64 باب إمامة الأعمى
591 حدثنا مُحمّدُ بنُ عَبْدِالرّحْمَنِ الْعَنْبَرِيّ أَبُو عَبْدِالله حدثنا ابنُ مَهْدِيَ حدثنا عِمْرَانُ الْقَطّانُ عن قَتَادَةَ عن أَنَسٍ أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم اسْتَخْلَفَ ابْنَ أُمّ مَكْتُومٍ يَؤمّ النّاسَ وَهُوَ أَعْمَى.
__________
"باب إمامة الأعمى"
"استخلف ابن أم مكتوم": أي أقام مقام نفسه في مسجد المدينة حين خرج إلى الغزو "يؤم الناس": بيان الاختلاف. والحديث دليل على صحة إمامة الأعمى من غير كراهة في ذلك.

(2/214)


__________
قال في النيل: وقد صرح أبو إسحاق المروزي والغزالي بأن إمامة الأعمى أفضل من إمامة البصير، لأنه أكثر خشوعاً من البصير من شغل القلب بالمبصرات، ورجح البعض أن إمامة البصير أولى لأنه أشد توقياً للنجاسة. والذي فهمه الماوردي من نص الشافعي أن إمامة الأعمى والبصير سواء في عدم الكراهية، لأن في كل منهما فضيلة، غير أن إمامة البصير أفضل لأن أكثر من جعله النبي صلى الله عليه وسلم إماماً البصراء. وأما استنابته صلى الله عليه وسلم لابن أم مكتوم في غزواته فلأنه كان لا يتخلف عن الغزو من المؤمنين إلا معذور فلعله لم يكن في البصراء المتخلفين من يقوم مقامه أو لم يتفرغ لذلك واستخلفه لبيان الجواز. انتهى.

(2/215)


65 باب إمامة الزائر
592 حدثنا مُسْلِمْ بنُ إِبراهِيمَ حدثنا أَبَانُ عن بُدَيْلٍ حدثني أَبُو عَطِيّةَ مَوْلًى مِنّا قال: كَانَ مَالِكُ بنُ حُوَيْرِثَ يأْتِينَا إِلَى مُصَلاّنَا هَذَا فأَقِيْمَتِ الصّلاَةُ، فَقُلْنَا لَهُ: تَقَدّمْ فَصَلّهِ، فقال لَنَا: قَدّمُوا رَجُلاً مِنْكُمْ يُصَلّي بِكُمْ، وَسَأُحَدّثُكُم لِمَ لاَ أُصَلّي بِكُمْ، سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: " مَنْ زَارَ قَوْماً فَلاَ يَؤُمّهُمْ وَلْيَؤُمّهُمْ رَجُلٌ مِنْهُمْ "
__________
" باب إمامة الزائر"
"يأتينا إلى مصلانا": أي مسجدنا "فصله": بهاء السكت "وسأحدثكم لم لا أصلي بكم": أي ولو أني أفضل من رجالكم لكونه صحابياً وعالماً "من زار قوماً فلا يؤمهم وليؤمهم رجل منهم": فإنه أحق من الضعيف، وكأنه امتنع من الإمامة مع وجود الإذن منهم عملاً بظاهر الحديث ثم أن حدثهم بعد الصلاة فالسين للاستقبال وإلا فلمجرد التأكيد.
قال الترمذي: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم. قالوا: صاحب المنزل أحق بالإمامة من الزائر. وقال بعض أهل العلم: إذا أذن له فلا بأس أن يصلي به. وقال إسحاق: لا يصلي أحد بصاحب المنزل وإن أذن له، قال وكذلك في المسجد إذا زارهم يقول: ليصل بهم ربهم منهم. انتهى. وقال في المنتقى: وأكثر أهل العلم أنه لا بأس بإمامة الزائر بإذن رب المكان لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي مسعود " إلا بإذنه " ويعضده عموم ما رواه ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ثلاثة على كثبان المسك يوم القيامة" الحديث. وفيه " ورجل أم قوماً وهم به راضون " انتهى ملخصاً. قال المنذري: وأخرجه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن. وأخرجه النسائي مختصراً. وسئل أبو حاتم الرازي عن أبي عطية هذا فقال: لا يعرف ولا يسمى.

(2/215)


66 باب الإمام يقوم مكاناً أرفع من مكان القوم
- 593 حدثنا أَحْمَدُ بنُ سِنَانٍ وَ أَحْمَدُ بنُ الْفُرَاتِ أَبُو مَسْعُودٍ الرّازِيّ المَعْنَى قالا حدثنا يَعْلَى حدثنا الأعمَشُ عن إِبراهِيمَ عن هَمّامٍ أَنّ حُذَيْفَةَ أَمّ النّاسَ بالمَدَائِنِ عَلَى دُكّانٍ، فأَخَذَ أَبُو مَسْعُودٍ بِقَمِيصِهِ فَجَبَذَهُ، فَلمّا فَرَغَ مِنْ صَلاَتِهِ قال: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنّهُمْ كَانُوا يَنْهَوْنَ عن ذَلِكَ؟ قال: بَلَى قَدْ ذَكَرْتُ حِينَ مَدَدْتَني.
- 594 حدثنا أَحْمدُ بنُ إِبراهِيمَ حدثنا حَجّاجُ عن ابنِ جُرَيْجٍ أخبرني أَبُو خَالِدٍ عن عَدِيّ بنِ ثَابِتٍ اْلأَنْصَارِيّ حدثني رَجُلٌ أَنّهُ كان مَعَ عَمّارِ ابنِ يَاسِرٍ بالمَدَائِنِ، فأُقِيْمَتِ الصّلاَةُ، فَتَقَدّمَ عَمّارٌ وَقَامَ عَلَى دُكّانٍ يُصَلّي وَالنّاسُ أَسْفَلَ مِنْهُ، فَتَقَدّمَ حُذَيْفَةُ فأَخَذَ عَلَى يَدَيْهِ، فَاتّبَعَهُ عَمّارٌ حَتّى أَنْزَلَهُ حُذَيْفَةُ، فَلمّا فَرَغَ عَمّارٌ مِنْ صَلاَتِهِ قال لهُ حُذَيْفَةُ: أَلَمْ تَسْمَعْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: " إِذَا أَمّ الرّجُلُ الْقَوْمَ فَلا يَقُمْ في مَكَانٍ أَرْفَعَ مِنْ مَقَامِهِمْ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ . قال عَمّارٌ: لِذَلِكَ اتّبَعْتُكَ حِينَ أَخَذَتَ عَلَى يَدَيّ"
__________
"باب الإمام يقوم مكاناً أرفع من مكان القوم"
"بالمدائن": هي مدينة قديمة على دجلة تحت بغداد "على دكان": بضم الدال المهملة وتشديد الكاف الحانوت قيل النون زائدة وقيل أصلية وهي الدكة بفتح الدال وهو المكان المرتفع يجلس عليه "فجبذه": أي جره وجذبه "فلما فرغ": أي أبو حذيفة "قال": أبو مسعود "ألم تعلم أنهم كانوا ينهون":بفتح الياء والهاء ورواية ابن حبان أليس قد نهى عن هذا كذا في النيل "حين مددتني": أي مددت قميصي وجذبته إليك.
"فتقدم حذيفة": أي من الصف "فأخذ على يديه": أي أمسكهما وجر عماراً من خلفه لينزل إلى أسفل ويستوي مع المأمومين "فاتبعه": بالتشديد أي طاوعه "قال عمار لذلك": أي لأجل سماعي هذا النهي منه أولا وتذكري بفعلك ثانياً "اتبعك": في النزول. قال في النيل: والحاصل من الألدلة منع ارتفاع الإمام على المؤتمين من غير فرق بين المسجد وبين القامة ودونها وفوقها لقول أبي مسعود أنهم كانوا ينهون عن ذلك، وقول ابن مسعود: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقوم الإمام فوق شيء والناس خلفه يعني أسفل منه. وأما صلاته صلى الله عليه وسلم على المنبر فقيل إنه إنما فعل ذلك لغرض التعليم كما يدل عليه قوله " ولتعلموا صلاتي " وغاية ما فيه جواز وقوف الإمام على محل أرفع من المؤتمين إذا أراد تعليمهم. قال ابن دقيق العيد: من أراد

(2/216)


__________
أن يستدل به على جواز الارتفاع من غير قصد التعليم لم يستقم لأن اللفظ لا يتناوله ولانفراد الأصل بوصف معتبر تقتضي المناسبة اعتباره فلا بد منه انتهى وقال الحافظ في فتح الباري: وفيه جواز اختلاف موقف الإمام المأموم في العلو والسفل، وقد صرح بذلك المصنف في حكايته عن شيخه علي بن المديني عن أحمد بن حنبل، ولابن دقيق العيد في ذلك بحث انتهى. قال المنذري: في إسناده رجل مجهول. قلت: سكت المؤلف وكذا المنذري على الحديث الأول من حديثي الباب وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وفي رواية للحاكم التصريح برفعه كذا قال الشوكاني.

(2/217)


باب إمامة من صلى بقوم وقد صلى تلك الصلاة
...
67 باب إمامة من صلى يقوم وقد صلى تلك الصلاة
595 حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ عُمَرَ بنِ مَيْسَرَةَ حدثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عن مُحمّدِ بنِ عَجْلاَنَ حدثنا عُبَيْدُالله بنُ مُقْسِمٍ عن جَابِرِ بنِ عَبْدِالله أَنّ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ كان يُصَلّي مَعَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم الْعِشَاءَ ثُمّ يأْتِي قَوْمَهُ فَيُصَلّي بِهِمْ تِلْكَ الصّلاَةُ.
596 حدثنا مُسَدّدٌ حدثنا سُفْيَانُ عن عَمْرِو بنِ دِينَارٍ سَمِعَ جَابِرَ بنَ عَبْدِالله يقولُ: إِنّ مَعَاذاً كان يُصَلّي مَعَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم ثُمّ يَرْجِعُ فَيَؤُمّ قَوْمَهُ.
__________
"باب إمامة من صلى يقوم وقد صلى تلك الصلاة"
"أم معاذاً كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم يرجع فيؤم قومه":قال الخطابي: فيه من الفقه جواز صلاة المفترض خلف المتنفل لأن صلاة معاذ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هي الفريضة، وإذا كان قد صلى فريضة فصلاته بقومه نافلة. وفيه دليل على جواز إعادة صلاة في يوم مرتين إذا كان للاعادة سبب من الأسباب التي تعادلها الصلاة. واختلف الناس في جواز صلاة المفترض خلف المنتفل، فقال مالك إذا اختلفت نية الإمام والمأموم في شيء من الصلاة لم يعتد المأموم بما صلى معه واستأنف، وكذلك قال الزهري وربيعة. وقال أصحاب الرأي: إن كان الإمام متطوعاً كانت صلاتهم جائزة، وجوزوا صلاة المقيم خلف المسافر، وفروض المسافر عندهم ركعات وقال الشافعي والأوزاعي وأحمد: صلاة المفترض خلف المتنقل جائزة، وهو قول عطاء وطاؤس. وقد زعم بعض من لم ير ذلك جائزاً أن صلاة معاذ مع النبي صلىالله عليه وآله وسلم نافلة وبقومه فريضة قال وهذا فاسد إذ لا يجوز على معاذ أن يدرك الفرض وهو أفضل العمل مع أفضل الخلق ويتركه ويضيع حظه منه ويقنع من ذلك بالنقل الذي لا طائل فيه. ويدل على فساد

(2/217)


ـــــــ
ذا التأويل قول الراوي: كان يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء وهي صلاة الفريضة، وقد قال صلى الله عليه وسلم " إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة" فلم يكن معاذ يترك المكتوبة بعد أن شهدها وقد أقيمت، وقد أثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفقه فقال عليه السلام " أفقهكم معاذ" انتهى.
قلت: لا شك أن صلاة معاذ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت هي الفريضة وصلاته بقومه كانت نافلة، ويدل عليه ما رواه عبدالرزاق والشافعي والطحاوي والدارقطني وغيرهم من طريق ابن جريج عن عمرو بن دينار عن جابر في حديث الباب زاد " هي له تطوع ولهم فريضة " وهو حديث صحيح. وقد صرح ابن جريج في رواية عبدالرزاق بسماعه فيه فانتقلت تهمة التدليس. قال الحافظ ابن حجر في الفتح: وأسلم الأجوبة التمسك بهذه الزيادة. وأجاب الحافظ عن تأويلات الطحاوي الركيكة جواباً حسناً وأورد في هذا الباب أبحاثاً لطيفة مفيدة في فتح الباري فأرجع إليه. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.

(2/218)


68 باب الإمام يصلي من قعود
597 حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن ابن شِهَابٍ عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رَكِبَ فَرَساً فَصُرِعَ عَنْهُ فَجُحِشَ شِقّهُ اْلأَيْمَنُ فَصَلّى صَلاَةً مِنَ الصّلَوَاتِ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَصَلّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُوداً فَلمّا انْصَرَفَ قال: " إِنّمَا جُعِلَ اْلإِمَامُ لِيُؤْتَمّ بِهِ، فإِذَا صَلّى قَائْماً فَصَلّوا قِيَاماً وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قال: سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا صَلّى جَالِساً فَصَلّوا جُلُوساً أَجْمَعُونَ"
__________
"باب الإمام يصلي من قعود"
وفي بعض النسخ إذا صلى الإمام قاعداً.
"فصرع عنه": بصيغة المجهول أي سقط "فجحش": بضم الجيم وكسر الحاء أي انخدش وجحش متعد "شقة الأيمن": أي تأثر منعه استطاعة القيام "فصلى صلاة من الصلوات": أي المكتوبة كما هو الظاهر من العبارة "وهو قاعد": جملة حالية " ليؤتم به ": أي ليقتدي به " فصلوا قياماً ": مصدر أي ذوي قيام أو جمع أي قائمين ونصبه على الحالية " جلوساً ": جمع جالس أي جالسين" أجمعون ": تأكيد للضمير المرفوع في " فصلوا " قال الإمام الخطابي في المعالم: ذكر

(2/218)


598 حدثنا عُثْمانُ بنُ أَبي شَيْبَةَ حدثنا جَرِيرٌ وَوَكِيعٌ عن الأعمَشِ عن أَبي
__________
أبو داوود هذا الحديث من رواية جابر وأبي هريرة وعائشة ولم يذكر صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آخر ما صلاها بالناس وهو قاعد والناس خلفه قيام وهو آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن عادة أبي داوود فيما أنشأه من أبواب هذا الكتاب أن يذكر الحديث في بابه ويذكر الحديث الذي يعارضه في باب آخر على أثره ولم أجده في شيء من النسخ فلست أدري كيف أغفل ذكر هذه القصة وهي من أمهات السنن وإليه ذهب أكثر الفقهاء. ونحن نذكره لتحصل فائدة ويحفظ على الكتاب رسمه وعادته. ثم ذكر الخطابي بإسناده عن عائشة حديث صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر ما صلاها بالناس وهو قاعد والناس خلفه قيام. وفي آخر الحديث "فأقامه في مقامه وجعله عن يمينه فقعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكبر بالناس فجلع أبو بكر يكبر بتكبيره والناس يكبرون بتكبير أبي بكر" قال الخطابي: قلت وفي إقامة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر عن يمينه وهو مقام المأموم وفي تكبيره بالناس وتكبير أبي بكر بتكبيره بيان واضح أن الإمام في هذه الصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد صلى قاعداً والناس من خلفه قيام وهي آخر صلاة صلاها بالناس، فدل على أن حديث أنس وجابر منسوخ، ويزيد ما قلناه وضوحاً ما رواه أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت "لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الحديث قالت فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى جلس عن يسار أبي بكر فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس جالساً وأبو بكر قائماً يقتدي به والناس يقتدون بأبي بكر" حدثونا به عن يحيى بن محمد بن يحيى قال أخبرنا مسدد قال أخبرنا أبو معاوية والقياس يشهد لهذا القول لأن الإمام لا يسقط عن القوم شيئاً من أركان الصلاة مع القدره عليه، ألا ترى أنه لا يحيل الركوع والسجود إلى الإيماء، وكذلك لا يحيل القيام إلى القعود، وإلى ذهب سفيان الثوري وأصحاب الرأي والشافعي وأبو ثور. وقال مالك بن أنس لا ينبغي لأحد أن يؤم الناس قاعداً، وذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ونفر من أهل الحديث إلى خبر أنس، فإن الإمام إذا صلى قاعداً صلوا من خلفه قعوداً، وزعم بعض أهل الحديث أن الروايات اختلفت في هذا فروى الأسود عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إماماً، وروى شقيق عنها أن الإمام كان أبو بكر فلم يجزان يترك له حديث أنس وجابر، ويشبه أن يكون أبو داوود إنما ترك ذكره لأجل هذه العلة. وفي هذا الحديث من الفقه أنه يجوز الصلاة بإمامين أحدهما بعد الآخر من غير حدث يحدث بالإمام الأول. وفيه دليل على جواز تقدم بعض صلاة المأموم على بعض صلاة الإمام. وفيه دليل على قبول خبر الواحد انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.

(2/219)


سُفْيَانَ عن جَابِرٍ قال: رَكِبَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فَرَساً بالمَدِينَةِ فَصَرَعَهُ عَلَى جِذْمِ نَخْلَةٍ فَانْفَكّتْ قَدَمُهُ، فأَتَيْنَاهُ نَعُودُهُ فَوَجَدْنَاهُ في مَشْرِبَةٍ لِعَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا يُسَبّحُ جَالِساً. قال فَقُمْنَا خَلْفَهُ، فَسَكَتَ عَنّا، ثُمّ أَتَيْنَاهُ مَرّةً أُخْرَى نَعُودُهُ، فَصَلّى المَكْتُوبَةَ جَالِساً، فَقُمْنَا خَلْفَهُ، فأَشَارَ إِلَيْنَا، فَقَعَدْنَا. قال: فَلمّا قَضَى الصّلاَةَ قال: " إِذَا صَلّى اْلإِمَامُ جَالِساً فَصَلّوا جُلُوساً، وَإِذَا صَلّى الإِمامُ قَائِماً فَصَلّوا قِيَاماً، ولا تَفَعَلُوا كما يَفَعَلُ أَهْلُ فَارِسَ بِعُظُمَائِهَا".
599 حدثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ وَ مَسْلِمُ بنُ إِبراهِيمَ عن عن وهيب عن مُصْعَب بن محمد عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إِنّمَا جُعِلَ اْلإِمَامُ لِيُؤْتَمّ بِهِ، فإِذَا كَبّرَ فَكَبّرُوا، ولاَ تُكَبّرُوا حَتّى يُكَبّرَ، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، ولا تَرْكَعُوا حَتّى يَرْكَعَ، وَإِذَا قال: سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: الّلهُمّ رَبّنَا لَكَ الْحَمْدُ قال مُسْلِمٌ: وَلَكَ الْحَمْدُ وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، ولا تَسْجُدُوا حَتّى يَسْجُدَ، وَإِذَا صَلّى قَائِماً فَصَلّوا قِيَاماً، وَإِذَا صَلّى قَاعِداً فَصَلّوا قُعُوداً أَجْمَعُونَ"
__________
"فصرعه": أي أسقطه "على جذم نخلة": بجيم مكسورة وذال معجمة ساكنة وهو أصل الشيء، والمراد هنا أصل النخلة. وحكى الجوهري فتح الجيم وهي ضعفة فإن الجذم بالفتح القطع قاله الشوكاني "فانفكت قدمه": الفك نوع من الوهم والخلغ، وانفك العظم انتقل من مفصله، يقال فككت الشيء أبنت بعضه من بعض. قال الحافظ زين الدين العراقي في شرح الترمذي: هذه لا تنافى الرواية التي قبلها إذ لا مانع من حصول من خدش الجلد وفك القدم معاً قال ويحتمل انهما واقعتان "فوجدناه في مشربة": بفتح الميم وبالشين المعجمة وبضم الراء وفتحها وهي الغرفة. وقيل كالخزانة فيها الطعام والشراب، ولهذا سميت مشربة فإن المشربة بفتح الراء فقط هي الموضع الذي يشرب منه الناس " ولا تفعلوا كما يفعل أهل فارس بعظمائها ": أي بأمرائها. وفي رواية مسلم من طريق الليث عن أبي الزبير عن جابر: "فلما سلم قال إن كنتم آنفاً تفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا " قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه مختصراً.
" فإذا كبر ": أي للاحرام أو مطلقاً فيشمل تكبير النقل " ولا تكبروا حتى يكبر ": زاده تأكيداً لما أفاده مفهوم الشرط كما في سائر الجمل الآتية " ولا تركعوا حتى يركع ": أي حتى يأخذ في الركعوع لا حتى يفرغ منه كما يتبادر من اللفظ " وإذا سجد ": أي أخذ في السجود " أفهمني بعض

(2/220)


قال أَبُو دَاوُد: الّلهُمّ رَبّنَا لَكَ الْحَمْدُ. أَفْهَمَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا عن سُلَيْمانَ.
600 حدثنا مُحمّدُ بنُ آدَمَ الْمِصّيصِيّ أخبرنا أَبُو خَالِدٍ عن ابنِ عَجْلاَنَ عن زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ عن أَبي صَالحٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: " إِنّمَا جُعِلَ اْلإِمَامُ لِيُؤْتَمّ بِهِ " بهذا الخبرِ زَادَ " وَإِذَا قَرَأَ فَانْصِتُوا "
قال أَبُو دَاوُد: هَذِهِ الزّيَادَةُ " وَإِذَا قَرَأَ فَانْصِتُوا " لَيْسَتْ بِمَحْفُوظَةٍ، الْوَهْمُ عَنْدَنَا مِنْ أَبي خَالِدٍ.
__________
أصحابنا ": مراد المؤلف أنه روى هذا الحديث عن سليمان بن حرب وسمع من لفظه لكن جملة اللهم ربنا لك الحمد ما سمع من لفظ الشيخ أو سمع ولكن لم يفهم فأفهمه بعض اصحابه أي رفقائه وأخبر أبا داوود بلفظ الشيخ، وهذا يدل على كمال الاحتياط والاتقان على أداء ئلفظ الحديث.
"زاد": أي زيد بن أسلم في روايته "قال أبو داوود هذه الزيادة إلخ": قال المنذري: وفيما قاله نظر فإن أبا خالد هذا هو سليمان بن حبان الأحمر وهو من الثقات الذين احتج البخاري ومسلم بحديثهم في صحيحهما ومع هذا فلم ينفرد بهذه الزيادة بل قد تابعه عليها أبو سعد محمد بن سعد الأنصاري الأشهلي المدني نزيل بغداد، وقد سمع من ابن عجلان وهو ثقة ووثقه يحيى بن معين ومحمد بن عبدالله المخرمي وأبو عبدالرحمَن النسائي، وقد أخرج هذه الزيادة النسائي في سننه من النسائي أبي خالد الأحمر ومن حديث محمد بن سعد، وقد أخرج مسلم في الصحيح هذه الزيادة من حديث أبي موسى الأشعري من حديث جرير بن عبدالحميد عن سليمان التيمي عن قتادة، وقال الدارقطني: هذه اللفظة لم يتابع سليمان التيمي فيها عن قتادة وخالفه الحفاظ فلم يذكروها، قال وإجماعهم على مخالفة تدل على وهمه هذا آخر كلامه. ولم يؤثر عند مسلم تفرد سليمان بذلك لثقته وحفظه وصحح هذه الزيادة. قال أبو إسحاق صاحب مسلم قال أبو بكر بن أخت أبي النصر في هذا الحديث أي طعن فيه، فقال مسلم: يزيد أحفظ من سليمان، فقال له أبو بكر فحديث أبي هريرة هو صحيح يعني: فإذا قرأ فأنصتوا. فقال هو عندي صحيح، فقال لم لم تضعه ههنا؟ قال ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا إنما وضعت ههنا ما اجتمعوا عليه. فقد صحح مسلم هذه الزيادة من حديث أبي موسى الأشعري ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنه. انتهى كلام المنذري ويجيء بعض الكلام على هذه الزيادة في بحث التشهد.

(2/221)


601 حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن أَبِيهِ عن عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا قالت صَلّى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في بَيْتِهِ وَهُوَ جَالِسٌ فَصَلّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَاماً، فأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا، فَلمّا انْصَرَفَ قال: "إِنّمَا جُعِلَ اْلإِمَامُ لِيُؤْتَمّ بِهِ، فإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا وَإِذَا صَلى جَالِساً فَصَلّوا جُلُوساً "
602 حدثنا قُتَيْبَة بنُ سَعِيدٍ وَ يَزِيدُ بنُ خَالِدِ بنِ مَوْهِبٍ المَعْنَى أَنّ الّليْثُ حَدّثَهُمْ عن أَبي الزّبَيْرِ عن جَابِرٍ قال: اشْتَكَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَصَلّيْنَا وَرَاءَهُ وَهُوَ قَاعِدٌ وَأَبُو بَكْرٍ رَضِيَ الله عَنْهُ يُكَبّرُ لِيُسْمِعَ النّاسَ تَكْبِيرَهُ ثم سَاقَ الحديثَ.
- 603 حدثنا عَبْدَةُ بنُ عَبْدِالله أخبرنا زَيْدٌ يَعْني ابنَ الْحُبَابِ عن مُحمّدِ بنِ صَالحٍ حدثني حُصَيْنٌ مِنْ وَلَدِ سَعْدِ بنِ مُعَاذٍ عن أُسَيْدِ بنِ حُضَيْرٍ أَنّهُ كان يَؤُمّهُمْ. قال: فَجَاءَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَعُودُهُ، فقال: يَارسولَ الله إِنّ إمَامَنَا مَرِيضٌ. فقال: " إِذَا صَلّى قَاعِداً فَصَلّوا قُعُوداً "
قال أَبُو دَاوُد: وَهَذَا الحديثُ لَيْسَ بِمُتّصِلٌ.
__________
"صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته": أي في المشربة التي في حجرة عائشة كما بينه أبو سفيان عن جابر، وزاد في رواية البخاري "وهو شاك" أي مريض من الشكاية، وكان سبب ذلك ما في حديث أنس المذكور أنه سقط عن فرس "فصلى وراءه قوم قياماً": ولمسلم من رواية عبدة عن هشام "فدخل عليه ناس من أصحابه يعودونه" الحديث قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم.
"عن جابر قال اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم فصلينا وراءه وهو قاعد الحديث": قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه مطولاً وفيه فرآناً قياماً فأشار إلينا فقعدنا.
"أنه كان يؤمهم": أي أن أسيد بن حضير كان يؤم قومه وكان إمامهم فمرض فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوده أي أسيد بن حضير "فقال يارسول الله": هكذا في بعض النسخ وكذا في مختصر المنذري وفي بعض النسخ قالوا بالجمع وهو الصحيح، أي قال الناس الحاضرون عنده ممن يؤمهم "إن إمامنا مريض": يعنون بإمامنا أسيد بن حضير لأنه هو كان إمامهم "قال أبو داوود وهذا الحديث ليس بمتصل": قال المنذري: وما قاله ظاهر فإن حصيناً هذا إنما يروي عن

(2/222)


__________
التابعين لا يحفظ له راواية عن الصحابة سيما أسيد بن حضير فإنه قديم الوفاة توفى سنة عشرين وقيل سنة إحدى وعشرين رضي الله عنهم.

(2/223)


باب الرجل يؤم صاحبه كيف يقومان
...
69 باب الرجلين يؤم أحدهما صاحبه كيف يقومان
604 حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ حدثنا حَمّادٌ حدثنا ثَابِتٌ عن أَنَسٍ قال: إِنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَى أُمّ حَرَامٍ فأَتَوْهُ بِسَمْنٍ وَتَمْرٍ، فقال: رُدّوا هَذَا في وِعَائِهِ وَهَذَا في سِقَائِهِ فإِنّي صَائِمٌ، ثُمّ قَامَ فَصَلّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ تَطَوّعاً، فَقَامَتْ أُمّ سُلَيْمٍ وَأُمّ حَرامٍ خَلْفَنَا. قال ثَابِتٌ: ولاَ أَعْلَمُهُ إِلاّ قال: أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ عَلَى بِسَاطٍ.
605 حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ حدثنا شُعْبَةُ عن عَبْدِالله بنِ المُخْتَارِ عن مُوسَى بنِ أَنَسِ يُحَدّثُ عن أَنَسِ أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أَمّهُ وَامْرَأَةً مِنْهُمْ، فَجَعَلَهُ عن يَمِينِهِ وَالْمَرْأَةَ خَلْفَ ذَلِكَ.
__________
"باب الرجلين يؤم أحدهما صاحبه كيف يقومان"
"دخل على أم حرام": هي خالة أنس " فقال ردوا هذا في وعائه وهذا في سقائه ": والوعاء بكسر الواو واحد الأوعية وهي ما يحفظ فيه الشيء، والسقاء ظرف الماء من جلد ويجمع على أسقية "ثم قام": النبي صلى الله عليه وسلم "فصلى بنا ركعتين تطوعاً": فيه جواز النافلة جماعة وتبريك الرجل الصالح والعالم أهل المنزل بصلاته في منزلهم. وقال بعضهم: ولعل النبي صلى الله عليه وسلم أراد تعليمهم أفعال الصلاة مشاهدة مع تبريكهم، فإن المرأة قلما تشاهد أفعاله صلى الله عليه وسلم في المسجد فأراد أن تشاهدها وتتعلمها وتعلمها غيرها. كذا قال النووي "فقامت أم سليم وأم حرام خلفنا": فيه أن المرأة لا تصف مع الرجال وأم سليم هي أم أنس واسمها مليكة مصغراً "إلا قال": أي أنس "أقامني": رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يمينه.
"فجعله عن يمينه والمرأة خلف ذلك": فيه دلالة على أنه إذا حضر مع إمام الجماعة رجل وامرأة كان موقف الرجل عن يمينه وموقف المرأة خلفهما وأنها لا تصف مع الرجال، والعلة في ذلك ما يخشى من الافتتان بها، فلو خالفت أجزأت صلاتها عند الجمهور، وعند الحنفية تفسد صلاة الرجل دون المرأة. قال في الفتح: وهو عجيب وفي توجيه تعسف حيث قال قائلهم قال ابن مسعود أخروهن من حيث أخرهن الله والأمر للوجوب، فإذا حاذت الرجل فسدت صلاة

(2/223)


606 - حدثنا مُسَدّدٌ حدثنا يَحْيَى عن عَبْدِالمَلِكِ بنِ أَبي سُلَيْمانَ عن عَطَاءَ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: بِتّ في بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، فَقَامَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مِنَ الّليْلِ فأَطْلَقَ الْقِرْبَةَ فَتَوَضّأَ ثُمّ أَوْكَأَ الْقِرْبَةَ ثُمّ قَامَ إِلَى الصّلاَةِ، فَقُمْتُ فَتَوَضّأْتُ كما تَوَضّأَ، ثُمّ جِئْتُ فَقُمْتُ عن يَسَارِهِ فأَخَذَنِي بِيَمِينِي فأَدَارَنِي مِنْ وَرَائِهِ فأَقَامَنِي عن يَمِينِهِ، فَصَلّيْتُ مَعَهُ.
607 - حدثنا عَمْرُو بنُ عَوْنٍ أخبرنا هُشَيْمٌ عن أَبي بَشْرٍ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبّاسٍ في هذه الْقِصّةِ قال: فأَخَذَ بِرَأْسِي أَوْ بِذُؤَابَتِي فأَقَامَنِي عن يَمِينِهِ.
__________
الرجل لأنه ترك ما في أمر به من تأخيرها. قال وحكاية هذا تعني عن جوابه قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه.
"بت": من البيتوتة "ميمونة": وهي أم المؤمنين "فأطلق القربة": أي حلها "ثم أوكأ القربة": أي شدها "فأخذني بيمني": وفي بعض النسخ بيمينه. قال الإمام الخطابي: فيه أنواع من الفقه منها أن الصلاة بالجماعة في النوافل جائزة ومنها أن الاثنين جماعة ومنا أن المأموم يقوم عن يمين الإمام إذا كانا إثنين، ومنها جواز العمل اليسير في الصلاة، ومنها جواز الائتمام بصلاة من لم ينو الإمامة فيها انتهى. قال المنذري: وأخرجه مسلم.
"فأخذ برأسي أو بذؤابتي": أي شعر رأسي، شك من بعض الرواة "فأقامني عن يمينه": الظاهر أنه قام مساوياً له، وفي بعض ألفاظه فقمت إلى جنبه، وعن بعض أصحاب الشافعي أنه يستحب أن يقف المأموم دونه قليلاً إلا أنه قد أخرج ابن جريج قال قلنا لعطاء الرجل يصلي مع الرجل أين يكون منه، قال إلى شقة، قلت إيحاذيه حتى يصف معه لا يفوت أحدهما الآخر، قال نعم، قلت بحيث أن لا يبعد حتى يكون بينهما فرجة، قال نعم. ومثله في الموطأ عن عمر من حديث ابن مسعود أنه صف معه فقربه حتى جعله حذاءه عن يمينه. قال محمد بن إسماعيل الأمير في سبل السلام. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم وأبو داوود والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث كريب عن ابن عباس وسيأتي إن شاء الله تعالى، وقد أخذ من حديث ابن عباس هذا ما يقارب عشرين حكما انتهى.

(2/224)


باب إذا كانوا ثلاث كيف يقومون
...
70 باب إذا كانوا ثلاثة كيف يقومون
608 حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن إِسْحَاقَ بنِ عَبْدِالله بنِ أَبي طَلْحَةَ عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قال: إِنّ جَدّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ، فأَكَلَ منه ثُمّ قال: " قُومُوا فَلأَصَلّي لَكُم " قال أَنَسٌ: فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدْ اسْودّ مِنْ طولِ مَا لُبِسَ فَنَضَحْتُهُ بِماء، فَقَامَ عَلَيْهِ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ ثُمّ انْصَرَفَ.
__________
"باب إذا كانوا ثلاثة كيف يقومون"
"إن جدته مليكة": قال أبو عمر النمري قوله جدته مليكة أم مالك لقوله والضمير الذي في جدته هو عائد على إسحاق وهي جدة إسحق أم أبيه عبدالله ابن أبي طلحة وهي أم سليم بنت ملحان زوج أبي طلحة الأنصاري وهي أم أنس بن مالك. وقال غيره: الضمير يعود على أنس بن مالك وهو القائل إن جدته وهي جدة أنس بن مالك أم أمه واسمها مليكة بنت مالك بن عدي، ويؤيد ما قاله أبو عمران في بعض طرق هذا الحديث "أن أم سليم سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيها" أخرجه النسائي من حديث يحيى بن سعيد عن إسحاق بن عبدالله. كذا قال المنذري في تلخيصه "فقمت إلى حصير": قال في النهاية: الحصير الذي يبسط في البيوت "قد اسود من طول ما لبس": أي استعمل وفيه أن الافتراش يسمي لبساً "فنضحته بماء": أي رششته، والنضح الرش. قال النووي: قالوا اسوداده لطول زمنه وكثرة استعماله وإنما نضحه ليلين فإنه كان من جريد النخل كما صرح به في الرواية الأخرى ويذهب عنه الغبار ونحوه هكذا فسره القاضي إسماعيل المالكي وآخرون. وقال القاضي عياض الأظهر أنه كان للشك في نجاسته وهذا على مذهبه فإن النجاسة المشكوك فيها تطهر بنضحها من غير غسل، ومذهبنا ومذهب الجمهور أن الطهارة لا تحصل إلا بالغسل، فالمختار التأويل الأول. انتهى "وصفقت أنا واليتيم وراءه": قال المنذري: واليتيم هو ابن أبي ضميرة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأبيه صحبة، وعدادهما في أهل المدينة "والعجوز": هي ملكية المذكورة أولاً "ثم انصرف": قال الحافظ أي إلى بيته أو من الصلاة. قال الخطابي: قلت فيه من الفقه جواز صلاة الجماعة في التطوع وفيه جواز صلاة المنفرد خلف الصف لأن المرأة قامت وحدها من ورائهما، وفيه دليل أن إمامة المرأة للرجال غير جائزة لأنها لما زحمت عن مساواتهم من مقام الصف كانت من أن تتقدمهم أبعد، وفيه دليل على وجوب ترتيب مواقف المأمومين وأن الأفضل يقدم على من دونه في الفضل، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليليني منكم أولو الأحلام والنهي "

(2/225)


609 حدثنا عُثْمانُ بنُ أَبي شَيْبَةَ حدثنا مُحمّدُ بنُ فُضَيْلٍ عن هَارُونَ بنِ عَنْتَرَةَ عن عَبْدِالرّحْمَنِ بنِ اْلأَسْوَدِ عن أَبِيهِ قال: اسْتَأَذَنَ عَلْقَمَةُ وَاْلأَسْوَدُ عَلَى عَبْدِالله وَقَدْ كُنّا أَطَلْنَا الْقُعُودَ عَلَى بَابِهِ فَخَرَجَتِ الْجَارِيَةُ فَاسْتَأْذَنَتْ لَهُمَا، فأَذِنَ لَهُمَا، ثُمّ قَامَ فَصَلّى بَيْنِي وَبَيْنَهُ، ثُمّ قال: هَكَذَا رَأَيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فَعَلَ.
__________
وعلى هذا القياس إذا صلى على جماعة من الموتي فيهم رجال ونساء وصبيان وخناتي فإن الافضلين منهم يلون الإمام فيكون الرجال أقربهم منه ثم الصبيان ثم الخناتي ثم النسوان، وإن دفنوا في قبر واحد كان أفضلهم أقربهم إلى القبلة ثم الذي يليه هو أفضل وتكون المرأة آخرهم إلا أنه يكون بينها وبين الرجال حاجز من لبن أو نحوه. انتهى.
"إستأذن علقمة والأسود على عبدالله": أي ابن مسعود "فصلى بيني وبينه": أي صلى ابن مسعود بين الأسود والعلقمة بأن جعل أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره وقام وهو بينهما ولم يتقدم. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: وأجاب عنه ابن سيرين بأن ذلك كان لضيق المكان رواه الطحاوي انتهى. وقال المنذري: وأخرجه النسائي وفي إسناده هارون بن عنترة وقد تكلم فيه بعضهم، وقال أبو عمر النمري: وهذا الحديث لا يصح رفعه والصحيح فيه عندهم التوقيف على ابن مسعود أنه كذلك صلى بعلقمة والأسود وهو موقوف. وقال بعضهم: حديث ابن مسعود منسوخ لأنه تعلم هذه الصلاة من النبي صلى الله عليه وسلم وفيها التطبيق وأحكام أخر وهي الآن متروكة، وهذا الحكم من جملتها، ولما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة تركه. انتهى.

(2/226)


71 باب الإمام ينحرف بعد التسليم
610 حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عن سُفْيَانَ حدثني يَعْلَى بنُ عَطَاء عن جَابِرٍ بنِ يَزِيدَ بنِ اْلأَسْوَدِ عن أَبِيهِ قال: صَلّيْتُ خَلْفَ رسولِالله صلى الله عليه وسلم فَكَانَ إِذَا انْصَرَفَ انْحَرَفَ.
__________
"باب الإمام ينحرف بعد التسليم"
"فكان إذا انصرف انحرف": أي مال عن القبلة واستقبل الناس. وأخرجه أحمد بلفظ قال: "حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع قال فصلى بنا صلاة الصبح ثم انحرف جالساً فاستقبل الناس بوجهه" الحديث، وفيه قصة أخذ الناس يده صلى الله عليه وسلم ومسحهم بها وجوههم قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح انتهى.

(2/226)


611 حدثنا مُحمّدُ بنُ رَافِعٍ حدثنا أَبُو أَحْمَدَ الزّبَيْرِيّ أخبرنا مِسْعَرٌ عن ثَابِتِ بنِ عُبَيْدِ عن عُبَيْدِ بنِ الْبَراءِ عن الْبَراءِ بنِ عَازِبٍ رَضِيَ الله عَنْهُ قال: كُنّا إِذَا صَلّيْنَا خَلْفَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أَحْبَبْنَا أَنْ نَكُونَ عن يَمِينِهِ فَيُقَبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ صلى الله عليه وسلم.
__________
"أحببنا أن نكون عن يمينه": لكون يمين الصف أفضل، ولكونه عليه السلام يقبل علينا بوجهه أي عند السلام أو لا قبل أن يقبل على من على يساره. وقيل معناه يقبل علينا عند الانصراف "فيقبل علينا بوجهه صلى الله عليه وسلم": قال الحافظ في الفتح: قيل الحكمة في استقبال المأمومين أن يعلمهم ما يحتاجون إليه، فعلى هذا يختص بمن كان في مثل حاله صلى الله عليه وسلم من قصد التعليم والموعظة، وقيل الحكمة فيه تعريف الداخل بأن الصلاة انقضت إذا لو استمر الإمام على حاله لأوهم أنه في التشهد مثلاً. وقال الزين بن المنير: استدبار الإمام المأمومين إنما هو لحق الإمامة فإذا انقضت الصلاة زال السبب، فاستقبالهم حينئذ يرفع الخيلاء والترفع على المأمومين والله أعلم. انتهى. قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه وفي حديث أبي داوود والنسائي عن عبيد بن البراء عن أبيه، وفي حديث ابن ماجه عن ابن البراء عن أبيه ولم يسمعه قلت: أخرجه مسلم أيضاً.

(2/227)


72 باب الإمام يتطوع في مكانه
612 حدثنا أَبُو تَوْبَةَ الرّبِيعُ بنُ نَافِعٍ حدثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بنُ عَبْدَالمَلِكِ الْقُرَشِيّ حدثنا عَطَاءَ الْخُرَاسَانِيّ عن الْمُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لاَ يُصَلّي اْلإِمَامُ في الْمَوْضِعِ الّذِي صَلّى فِيهِ حَتّى يَتَحَوّلَ"
__________
"باب الإمام يتطوع في مكانه"
" لا يصلي الإمام في الموضع الذي صلى فيه حتى يتحول ": أي ينصرف وينتقل عن ذلك الموضع. والحديث يدل على مشروعية انتقال المصلي عن مصلاه الذي صلى فيه لكل صلاة يفتتحها من أفراد النوافل. أما الإمام فبنص الحديث وأما المؤتم والمنفرد فبعموم حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أيعجز أحدكم إذا صلى أحدكم أن يتقدم أو يتأخر أو عن يمينه أو عن شماله" . وبالقياس على الإمام. والعلة في ذلك تكثير مواضع العبادة كما قال البخاري والبغوي لأن مواضع السجود تشهد له كما في قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} أي تخبر بما عمل عليها. وورد في تفسير قوله تعالى:
{فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ} أن المؤمن إذا مات

(2/227)


قال أَبُو دَاوُد عَطَاءُ الْخُرَسَانِيّ لَمْ يُدْرِكَ المُغِيرَةَ بنَ شُعْبَةُ.
__________
بكى عليه مصلاه من الأرض ومصعد له من السماء، وهذه العلة تقتضي أن ينتقل إلى الفرض من موضع نفله، وأن ينتقل لكل صلاة يفتتحها من أفراد النوافل، فإن لم ينتقل فينبغي أن يفصل بالكلام لحديث النهي عن أن توصل صلاة بصلاة حتى يتكلم المصلي أو يخرج. أخرجه مسلم وأبو داوود. قاله الشوكاني. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه "عطاء الخراساني لم يدرك المغيرة بن شعبة": قال المنذري وما قاله ظاهر، فإن عطاء الخراساني ولد في السنة التي مات فيها المغيرة بن شعبة وهي سنة خمسين من الهجرة على المشهور، أو يكون ولد قبل وفاته بسنة على القول الآخر انتهى.

(2/228)


باب الإمام يحدث بعدما يرفع رأسه من آخر ركعة
...
73 باب الإمام يحدث بعد ما يرفع رأسه من آخر ركعة
613 حدثنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ حدثنا زُهَيْرٌ حدثنا عَبْدِالرّحْمَنِ بنُ زِيَادِ بنِ أَنْعَمَ عن عَبْدِالرّحْمَنِ بنِ رَافِعٍ وَ بَكْرِ بنِ سَوَادَةَ عن عَبْدِالله بنِ عَمْرٍو أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: " إِذَا قَضَى اْلإِمَامُ الصّلاَةَ وَقَعَدَ فأَحْدَثَ قَبْلَ أَنْ يَتَكلّمَ فَقَدْ تَمّتْ صلاتُهُ وَمَنْ كان خَلْفَهُ مِمّنْ أَتَمّ الصّلاَةَ"
__________
" باب الإمام يحدث بعد ما يرفع رأسه من آخر ركعة"
" إذا قضى الإمام الصلاة وقعد ": وفي رواية الترمذي: وقد جلس في آخر صلاته " فأحدث قبل أن يتكلم ": وفي رواية الترمذي " قبل أن يسلم " " فقد تمت صلاته ": أي صلاة الإمام " ومن كان خلفه ": أي وتمت صلاة من كان خلف الإمام من المأمومين "ممن أتم الصلاة": كلمة من في قوله ممن بيانه أي تمت صلاة من كان خلف الإمام من المأمومين الذين أتموا الصلاة مع الإمام دون المسبوقين. وفي رواية للدارقطني: " ممن أدرك أول الصلاة"
قال الخطابي في المعالم: هذا حديث ضعيف، وقد تكلم بعض الناس في نقلته، وقد عارضته الأحاديث التي فيها إيجاب التشهد والتسليم، ولا أعلم أحداً من الفقهاء قال بظاهره، لأن أصحاب الرأي لا يرون أن صلاته تمت بنفس القعود حتى يكون ذلك بقدر التشهد على ما رووه عن ابن مسعود ثم لم يقودوا قولهم في ذلك لأنهم قالوا: إذا طلعت عليه الشمس أو كان متيمماً فرأى الماء وقد قعد مقدار التشهد قبل أن يسلم فقد فسدت صلاته. وقالوا فيمن قهقه بعد الجلوس قدر التشهد أن ذلك لا تفسد صلاته ويتوضأ. ومن مذهبهم أن القهقهة لا تنقض

(2/228)


614 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أَبي شَيْبَةَ حدثنا وَكِيعٌ عن سُفْيَانَ عن ابنِ عَقِيلٍ عن مُحمّدِ بنِ الْحَنَفِيّةِ عن عَلِيّ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مِفْتَاحُ الصّلاَةِ الطّهُورُ وَتَحْرِيمُهَا التّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التّسْلِيمُ"
__________
الوضوء، إلا أن تكون في الصلاة. والأمر في هذه الأقاويل واختلافها ومخالفتها الحديث بين. انتهى. قال المنذري: وقد أخرجه الترمذي وقال هذا حديث ليس إسناده بالقوى، وقد اضطربوا في إسناده. وقال أيضاً: وعبدالرحمَن بن زياد الإفريقي قد ضعفه بعض أهل الحديث، منهم يحيى بن سعيد القطان وأحمد بن حنبل. وقال الخطابي: هذا حديث ضعيف، وقد تكلم الناس في بعض نقلته. وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: أما حديث: " إذا أحدث وقد جلس في آخر صلاته قبل أن يسلم فقد جازت صلاته" فقد ضعفه الحافظ. انتهى.
" مفتاح الصلاة الطهور ": مفتاح بكسر الميم، والمراد أنه أول شيء يفتتح به من أعمال الصلاة لأنه شرط من شروطها والطهور بضم الطاء " وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم ": قال الخطابي في هذا الحديث بيان أن التسليم ركن للصلاة كما أن التكبير ركن لها، وأن التحليل منها إنما يكون بالتسليم دون الحدث والكلام لأنه قد عرفه بالألف واللام وعينه كما عين الطهور وعرفه، فكان ذلك منصرفاً إلى ما جاءت به الشريعة من الطهارة المعروفة، والتعريف بالألف واللام مع الإضافة يوجب التخصيص كقولك فلان مبيته المساجد تريد أنه لا مبيت له يأوى إليه غيرها. وفي النيل: فيه دليل على أن افتتاح الصلاة لا يكون إلا بالتكبير دون غيره من الأذكار، وإليه ذهب الجمهور. وقال أبو حنيفة: تنعقد الصلاة بكل لفظ قصد به التعظيم، والحديث يرد عليه لأن الإضافة في قوله تحريمها تقتضي الحصر، فكأنه قال جميع تحريمها التكبير أي انحصرت صحة تحريمها في التكبير لا تحريم لها غيره، كقولهم مال فلان الإبل وعلم فلان النحو وفي الباب أحاديث كثيرة تدل على تعين لفظ التكبير من قوله صلىالله عليه وآله وسلم وفعله، وعلى هذا فالحديث يدل على وجوب التكبير. وقد اختلف في حكمه فقال الحافظ: إنه ركن عند الجمهور، وشرط عند الحنفية، ووجه عند الشافعي، وسنة عند الزهري. قال ابن المنذر: ولم يقل به أحد غيره.
وروى عن سعيد بن المسيب والأوزاعي ومالك، ولم يثبت عن أحد منهم تصريحاً، وإنما قالوا فيمن أدرك الإمام راكعاً يجزيه تكبيرة الركوع. انتهى. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه. وقال الترمذي: هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن. وقال أبو نعيم الأصبهاني: مشهور لا يعرف إلا من حديث عبدالله بن محمد بن عقيل بهذا اللفظ من

(2/229)


__________
حديث على. هذا آخر كلامه. وعبدالله بن محمد بن عقيل قد احتج تعضهم بحديثه وتكلم فيه بعضهم. انتهى.

(2/230)


74 باب ما يؤمر به المأموم من اتباع الإمام
615 -حدثنا مُسَدّدٌ حدثنا يَحْيَى عن ابنِ عَجْلاَنَ حدثني مُحمّدُ بن يَحْيَى بنِ حَبّانَ عن ابنِ مُحَيْرِيزٍ عن مَعَاوِيَةَ بنِ أَبي سُفْيَانَ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لاَ تُبَادِرُونِي بِرُوكُوعٍ وَلاَ بِسُجُودٍ فإِنّهُ مَهْمَا أَسْبَقْكُمْ بهِ إِذَا رَكَعْتُ تُدْركُونِي بِهِ إِذَا رَفَعْتُ، إِنّي قَدْ بَدّنْثُ"
616 - حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ حدثنا شُعْبَةُ عن أَبي إسْحَاقَ قال سَمِعْتُ عَبْدِالله بنَ يَزِيدَ الْخَطْمِيّ يَخْطُبَ النّاسَ قال حدثنا الْبَرَاءُ وَهُوَ غَيْرُ كَذُوبٍ أَنّهُمْ كَانُوا
__________
"باب ما يؤمر به المأموم من اتباع الإمام"
"لا تبادروني ": أي لا تسبقوني " فإنه مهما أسبقكم به إذا ركعت تدركوني به إذا رفعت": قال الخطابي: يريد أنه لا يضركم رفعي رأسي من الركوع وقد بقى عليكم شيء منه إذا أدركتموني قائماً قبل أن أسجد وكان رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم إذا رفع رأسه من الركوع يدعو بكلام فيه طول " إني قد بدنت ": يروي على وجهين أحدهما بتشديد الدال معناه كبر السن. يقال: بدن الرجل تبديناً إذا أسن، والوجه الآخر بدنت مضمومة الدال غير مشددة ومعناه زيادة الجسم واحتمال اللحم. وروت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله عليه وآله وسلم لما طعن في السن احتمل بدنه اللحم، وكل واحد من كبر السن واحتمال اللحم يثقل البدن ويثبط عن الحركة. قاله الخطابي. وقال في إنجاح الحاجة قوله فمهما أسبقكم به إلخ. أي اللحظة التي أسبقكم بها في ابتداء الركوع وتفوت عنكم تدركونها إذا رفعت رأسي من الركوع، لأن اللحظة التي يسبق بها الإمام عند الرفع تكون بدلاً عن اللحظة الأولى المأمومين، فالغرض منه أن التأخير الثاني يقوم مقام التأخير الأول، فيكون مقدار رجوع الإمام والمأموم سواء. وكذا السجدة. انتهى.
"سمعت عبدالله بن يزيد الخطمي": منسوب إلى خطمة بفتح المعجمة وإسكان الطاء بطن من الأوس، وكان عبدالله المذكور أميراً على الكوفة في زمن ابن الزبير "وهو غير كذوب": قال يحيى بن معين: القائل وهو غير كذوب هو أبو إسحاق. قال:ومراده أن عبدالله بن يزيد

(2/230)


إِذَا رَفَعُوا رُؤَسَهُمْ مِنَ الرّكُوعِ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قَاموا قِيَاماً، فإِذَا رَأَوْهُ قَدْ سَجَدَ سَجَدُوا .
617 حدثنا زُهَيْرُ بنُ حرْبٍ وَ هَارُونُ بنُ مَعْرُوفٍ المَعْنَى قالا حدثنا سُفْيَانُ عن أَبَانَ بنِ تَغْلِبَ. قال أَبُو دَاوُد: قال زُهَيْرٌ حدثنا الْكُوفِيّونَ أَبَانُ وَغَيْرُهُ عن الْحَكَمِ عن عَبْدِالرّحْمَنِ بنِ أَبي لَيْلَى عن الْبَرَاءِ قال: كُنّا نُصَلّي مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَلاَ يَحْنُو أَحَدٌ مِنّا ظَهْرَهُ حَتّى يَرَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَضَعُ.
618 حدثنا الرّبيعُ بنُ نَافِعٍ حدثنا أَبُو إِسْحَاقَ يَعْنى الْفَزَارِيّ عن أَبي إِسْحَاقَ عن مُحَارِبِ بنِ دِثَارٍ قال سَمِعْتُ عَبْدَالله بنَ يَزِيدَ يقولُ عَلَى الْمِنْبَرِ حدثني الْبَرَاءُ أَنّهُمْ كَانُوا يُصَلّونَ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فإِذَا رَكَعَ رَكَعُوا وَإِذَا قال سَمِعَ الله لِمَنْ
__________
غير كذوب. وليس المراد أن البراء غير كذوب لأن البراء صحابي لا يحتاج إلى تزكيته ولا يحسن فيه هذا القول، وهذا الذي قاله ابن معين خطأ عند العلماء بل الصواب أن القائل غير كذوب هو عبدالله بن يزيد، ومراده أن البراء غير كذوب، ومعناه تقوية الحديث وتفخيمه والمبالغة في تمكينه من النفس لا التزكية التي تكون في مشكوك فيه. ونظيره قول ابن عباس رضي الله عنه حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق. وفي صحيح مسلم عن أبي مسلم الخولاني حدثني الحبيب الأمين عوف بن مالك الأشجعي، ونظائره كثيرة، فمعنى الكلام حدثني البراء وهو غير متهم كما علمتم فثقوا بما أخبركم عنه. وقول ابن معين: إن البراء صحابي فينزه عن هذا الكلام لا وجه له، لأن عبدالله بن يزيد صحابي أيضاً معدود في الصحابة. كذا قال النووي "أنهم كانوا": أي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم "قاموا قياماً": أي بقوا قائمين "فإذا رأوه": أي رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال المنذري:وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي بنحوه.
"فلا يحنو أحد منا ظهره": قال المنذري:حنيت ظهري، وحنيت العود عطفته وحنوت لغة. قال ابن الأثير في النهاية: لم يحن أحد منا ظهره أي لم يثنه للركوع، يقال حنى يحنى ويحنو. انتهى. وقال السيوطي:حنا ظهره يحنو ويحنى ثناه. انتهى. والمعنى أي لم يعوج ظهره وهو من باب نصر وضرب والله أعلم "يضع": أي ظهره أو جبهته. قال المنذري:وأخرجه مسلم.

(2/231)


حَمِدَهُ لَمْ نَزَلْ قِيَاماً حَتّى يَرَوْنَهُ قَدْ وَضَعَ جَبْهَتَهُ باْلأَرْضِ ثُمّ يَتْبَعُونَهُ صلى الله عليه وسلم.
__________
"حتى يرونه": وفي بعض النسخ يروه "قد وضع جبهته بالأرض": وفي رواية للبخاري "حتى يقع ساجداً" قال الحافظ:واستدل به ابن الجوزي على أن المأموم لا يشرع في الركن حتى يتمه الإمام، وتعقب بأنه ليس فيه إلا التأخر حتى يتلبس الإمام بالركن الذي ينتقل إليه بحيث يشرع المأموم بعد شروعه وقبل الفراغ منه. ووقع في حديث عمرو بن حريث عند مسلم "فكان لا يحنى أحد منا ظهره حتى يستتم ساجداً" ولأبي يعلى من حديث أنس "حتى يتمكن النبي صلى الله عليه وسلم من السجود" وهو أوضح في انتفاء المقارنة. انتهى.

(2/232)


218 باب التشديد فيمن يرفع قبل الإمام أو يَضع قبله
619 حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ حدثنا شُعْبَةُ عن مُحمّدِ بنِ زِيَادٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أَمَا يَخْشَى، أَوْ أَلاَ يَخْشَى أَحَدُكُم إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ وَاْلإِمَامُ سَاجِدٌ أَنْ يُحَوّلَ الله رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ، أَوْ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ"
__________
"باب التشديد فيمن يرفع قبل الإمام"
أي يضع قبله.
" أما يخشى أو ألا يخشى ": بالشك، وأما بتخفيف الميم حرف استفتاح مثل ألا وأصلها النافية دخلت عليها همزة الاستفهام وهو ههنا استفهام توبيخ " والإمام ساجد ": جملة حالية " أن يحول الله رأسه رأس حمار ": أي يبدل الله ويغير، وفي رواية البخاري: " أن يجعل الله رأسه برأس حمار " " أو صورته صورة حمار ": وفي رواية البخاري: "أو يجعل الله صورته صورة حمار " قال الحافظ:الشك من شعبة. قال الخطابي:اختلف الناس فيمن فعل ذلك، فروى ذلك عن ابن عمر أنه قال: لا صلاة لمن فعل ذلك. فأما عامة أهل العلم فإنهم قالوا قد أساء وصلاته مجزية، غير أن أكثرهم يأمرون بأن يعود إلى السجود. وقال بعضهم: يمكث في سجوده بعد أن يرفع الإمام رأسه بقدر ما ترك منه. انتهى. واختلف في معنى الوعيد المذكور، فقيل يحتمل أن يرجع ذلك إلى أمر معنوي، فإن الحمار موصوف بالبلادة فاستعير هذا المعنى للجاهل بما يجب عليه من فرض الصلاة ومتابعة الإمام، ويرجح هذا المجاز أن التحويل لم يقع مع كثرة الفاعلين، لكن ليس في الحديث ما يدل على أن ذلك يقع ولا بد، وإنما يدل على كون فاعله متعرضاً لذلك، وكون فعله ممكناً لأن يقع عنه ذلك الوعيد، ولا يلزم من التعرض

(2/232)


__________
للشيء وقوع ذلك الشيء. قال ابن دقيق العيد: يحتمل ان يراد بالتحويل المسخ أو تحويل الهيئة الحسية أو المعنوية أو هما معاً، وحمله آخرون على ظاهره إذا لا مانع من جواز وقوع ذلك، وسيأتي في كتاب الأشربة الدليل على جواز وقوع المسخ في هذه الأمة، وهو حديث أبي مالك الأشعري في المغازي فإن فيه ذكر الخسف وفي آخره ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة. ويقوي حمله على ظاهره أن في رواية ابن حبان من وجه آخر عن محمد بن زياد " أن يحول الله رأسه رأس كلب " فهذا يبعد المجاز لانتفاء المناسبة التي ذكروها من بلادة الحمار. قاله الحافظ في الفتح. قال المنذري: وأخرجه مسلم والبخاري والنسائي وابن ماجه بنحوه.

(2/233)


76باب فيمن ينصرف قبل الإمام
620 حدثنا مُحمّدُ بنُ الْعَلاَءِ أنبأنا حَفْصُ بنُ بُغَيْلٍ الدّهْنِيّ حدثنا زَائِدَةُ عن المُخْتَارِ بنِ فُلْفُلٍ عن أَنَسٍ أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم حَضّهُمْ عَلَى الصّلاَةِ وَنَهَاهُمْ أَنْ يَنْصَرِفُوا قَبْلَ انْصِرَافِهِ مِنَ الصّلاَةِ .
__________
"حفص بن بغيل": بالموحدة والمعجمة مصغراً الهمداني المرهبي الكوفي، مستور من التاسعة. كذا في التقريب "حضهم": أي حثهم ورغبهم "على الصلاة": على ملازمة صلاة الجماعة أو مطلق الصلاة والإكثار منها "ونهاهم أن ينصرفوا قبل انصرافه من الصلاة" : قال الطيبي: وعلة نهيه صلى الله عليه وسلم أصحابه عن انصرافهم قبله أن يذهب النساء اللاتي يصلين النساء ثم يقوم ويقوم الرجال. كذا في المرقاة. قلت: ما ذكره الطيبي من علة النهي تعينه ما رواه البخاري عن أم سلمة "أن النساء في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كن إذا سلمن قمن وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن صلى من الرجال ما شاء الله. فإذا قام رسول الله صلى الله عليه وسلم قام الرجال

(2/233)


77باب جُماع أثواب ما يصلى فيه
621 حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن ابنِ شِهَابٍ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ عن
__________
"باب جُماع أثواب ما يصلى فيه"
"أو لكلكم ثوبان": معناه أن الثوبان لا يقدر عليهما كل أحد فلو وجبا لعجز من لا يقدر

(2/233)


78 باب الرجل يعقد الثوب في قفاه ثم يصلي
- 626 حدثنا مُحمّدُ بنُ سُلَيْمانَ اْلأَنْبَارِيّ حدثنا وَكِيعٌ عن سُفْيَانَ عن أَبي حَازِمٍ عن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ قال: لَقَدْ رَأَيْتُ الرّجَالَ عَاقِدِي أُزُرِهمْ في أَعْنَاقِهِمْ مِنْ ضِيقِ اْلأُزُرِ خَلْفَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في الصّلاَةِ كأمْثَالِ الصّبْيَانِ، فقال قَائِلٌ: يَامَعْشَرَ النّسَاءِ لا تَرْفَعْنَ رُؤُسَكُنّ حَتّى يَرْفَعَ الرّجَالُ.
__________
"باب الرجل يعقد الثوب في قفاه ثم يصلي"
"رأيت الرجال": وهم من أهل الصفة "عاقدي أزرهم": عاقدي جمع عاقد وحذفت النون للأضافة، وأزرهم بضم الهمزة وسكون الزاء جمع إزار وهو الملحفة قاله القسطلاني. وإنما كانوا يفعلون ذلك لأنهم لم يكن لهم سروايلات وكان أحدهم يعقد إزاره في قفاه ليكون مستوراً إذا ركع وسجد، وهذه الصفة صفة أهل الصفة كما سيأتي في باب نوم الرجال في المسجد. قاله الحافظ في الفتح. "من ضيق الأزر": أي لأجل ضيقها. قال الحافظ: يؤخذ منه أن الثوب إذا أمكن الالتحاف به كان الأولى من الائتزار لأنه أبلغ في التستر "كأمثال الصبيان": وفي رواية للبخاري كهيئة الصبيان "لا ترفعن رؤوسكن حتى يرفع الرجال": وإنما نهى النساء عن ذلك لئلا يلمحن عند رفع رؤوسهن من السجود شيئاً من عورات الرجال بسبب ذلك عند نهوضهم. وقد جاء في بعض الروايات التصريح بذلك بلفظ "كراهية أن يرين عورات الرجال" قال الحافظ: ويؤخذ منه أنه لا يجب التستر من أسفل. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"

(2/236)


79 باب الرجل يصلي في ثوب بعضه على غيره
- 627 حدثنا أَبُو الْوَلِيدِ الطّيَالِسِيّ حدثنا زَائِدَةُ عن أَبي حَصِينٍ عن أَبي صَالحٍ عن عَائشةَ أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم صَلّى في ثَوْبٍ بَعْضُهُ عَلَيّ.
__________
"باب الرجل يصلي في ثوب بعضه على غيره"
أي على غير المصلي.
"صلى في ثوب بعضه على": وفي رواية مسلم "كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل وأنا إلى

(2/236)


__________
جنبه وأنا حائض وعلى مرط وعليه بعضه" قال في النيل: وفيه جواز الصلاة بحضرة الحائض وفيه أن ثياب الحائض طاهرة إلا موضعاً يرى فيه أثر الدم أو النجاسة. وفيه جواز الصلاة في ثوب بعضه على المصلى وبعضه عليها انتهى.

(2/237)


80باب الرجل يصلي في قميص واحد
631 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ حدثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْني ابنَ مُحمّدٍ عن مُوسَى بنِ إِبراهِيمَ عن سَلَمَةَ بنِ اْلأَكْوَعِ قال قُلْتُ: يَارسولَ الله إِنّي رَجُلٌ أَصِيدُ أَفأُصَلّي في الْقَمِيصِ الْوَاحِدِ؟ قال: " نَعَمْ وَازْرُرْهُ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ "
- 629 حدثنا مُحمّدُ بنُ حَاتِمِ بنِ بَزِيعٍ حدثنا يَحْيَى بنُ أَبي بُكَيْرٍ عن إِسْرَائِيلَ عن أَبي حَوْمَلَ الْعَامِرِيّ. قال أَبُو دَاوُد: وَكذَا قال، وَهُوَ أبُو حَرْمَلَ عن مُحمّدِ بنِ عَبْدِالرّحْمَنِ بنِ أَبي بَكْرٍ عن أَبِيهِ قال: أَمّنَا جَابِرُ بنُ عَبْدِالله في قَمِيصٍ لَيْسَ عَلَيْهِ رِدَاءُ، فَلمّا انْصَرَفَ قال: إِنّي رَأَيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يُصَلّي في قَمِيصٍ.
__________
"باب الرجل يصلي في قميص واحد"
"إني رجل أصيد": كأبيع أي أصطاد، وفي نسخه كأكرم. قال في النهاية هكذا جاء في رواية إني رجل أصيد أي على وزن أكرم وهو الذي في رقبته علة لا يمكنه الالتفات معها والمشهور أصيد من الاصطياد انتهى. والثاني أنسب لأن الصياد يطلب الخفة وربما يمنعه الإزار من العدو خلف الصيد. كذا في المرقاة "قال نعم ": أي صل فيه " وازرره ": بضم الراء أي اشدده " ولو بشوكة ": قال الطيبي: هذا إذا كان جيب القميص واسعاً يظهر منه عورته فعليه أن يزره لئلا يكشف عورته. قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"قال أبو داوود وكذا قال": محمد بن حاتم بن بزيع لفظ أبي حومل بالواو "وهو أبو حرمل": بالراء وفي بعض النسخ والصواب أبو حرمل "أمنا جابر ابن عبدالله في قميص الحديث": قال المنذري: عبدالرحمَن بن أبي بكر وهو المليكي لا يحتج بحديثه وهو منسوب إلى جده أبي مليكة زهير بن عبدالله بن جدعان القرشي التيمي.

(2/237)


باب إذا كان الثوب ضيقا يتزرر به
...
81باب إذا كان الثوب ضيقاً يتزر به"
- 630 حدثنا هِشَامُ بنُ عَمّارٍ وَ سُلَيْمانُ بنُ عَبْدِالرّحْمَنِ وَ يَحْيَى بنُ الْفَضْلِ السّجِسْتَانِيّ قالُوا حدثنا حَاتِمٌ يَعْنَى ابنَ إِسْمَاعِيلَ حدثنا يَعْقُوبُ بنُ مُجَاهِدٍ أَبُو حَزْرَةَ عن عُبَادَةَ بنِ الْوَلِيدِ بنِ عُبَادَةَ بنِ الصّامتِ قال: أَتَيْنَا جَابِراً يَعْنى ابنَ عَبْدِالله قال: سِرْتُ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في غَزْوَةٍ فَقَامَ يُصَلّي وكَانَتْ عَليّ بُرْدَةٌ ذَهَبْتُ أُخَالِفُ بَيْنَ طَرَفَيْهَا فلَمْ تَبْلُغْ لِي وكَانَتْ لَها ذَبَاذِبُ فَنَكَسْتُهَا، ثُمّ خَالَفْتُ بَيْنَ طَرَفَيْهَا، ثُمّ تَوَاقَصْتُ عَلَيْهَا لا تَسْقُطُ، ثُمّ جِئْتُ حَتّى قُمْتُ عن يَسَارِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فأَخَذَ بِيَدِي فأَدَارَنِي حَتّى أَقَامَنِي عن يَمِينِهِ، فَجَاءَ ابنُ صَخْرٍ حَتّى قَامَ عن يَسَارِهِ، فأَخَذْنَا بِيَدَيْهِ جَمِيعاً حَتّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ. قال: وَجَعَلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَرْمُقُنِي وَأَنَا لا أَشْعُرُ ثُمّ فَطِنْتُ بِهِ
__________
"باب إذا كان الثوب ضيقاً يتزر به"
"أبو حزرة": بحاء مهملة مفتوحة ثم زاء ثم راء ثم هاء "وكانت على بردة": البردة شملة مخطط وقيل كساء مربع فيه صفر يلبسه الأعراب وجمعه البرد قاله النووي "فلم تبلغ لي": أي لم تكفني "وكانت لها ذباذب": أي أهذاب وأطراف واحدها ذبذب بكسر الذالين، سميت بذلك لأنها تتذبذب على صاحبها إذا مشى أي تتحرك وتضطرب. كذا قال النووي "فنكستها": بتخفيف الكاف وتشديدها أي قلبتها "ثم تواقصت عليها": أي أمسكت عليها بعنقي وحنيته عليها لئلا تسقط. وقال الخطابي: معناه أنه ثنى عنقه ليمسك الثوب به كأنه يحكي خلقة الأوقص من الناس "لا تسقط": أي لئلا تسقط "فجاء ابن صخر": وفي رواية مسلم جابر بن صخر "فأخذنا بيديه جميعاً حتى أقامنا خلفه": وفي رواية مسلم فأخذ بأيدينا جميعاً فدفعنا حتى أقامنا خلفه. قال النووي: فيه فوائد منها جواز العمل اليسير في الصلاة وأنه لا يكره إن كان لحاجة، فإن لم يكن لحاجة كره. ومنها أن المأمومين يكونون صفاً وراء الإمام كما لو كانوا ثلاثة أو أكثر. وهذا مذهب العلماء كافة إلا ابن مسعود وصاحبيه فإنهم قالوا يقف الاثنان عن جانبيه.
قلت: وفيه أن الإمام إذا كان معه عن يمينه مأموم ثم جاء مأموم آخر ووقف عن يساره فله أن يدفعهما خلفه إذا كان لوقوفهما خلفه مكان أو يتقدمهما، يدل على حديث سمرة بن جندب "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا ثلاثة أن يتقدم أحدنا" رواه الترمذي "يرمقني": أي ينظر إلى نظراً

(2/238)


فأَشَارَ إِلَيّ أَنْ أَتّزِرَ بِهَا، فَلمّا فَرَغَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قال: "يَ اجَابِرُ؟ قُلْتُ: لَبّيْكَ يَارسولَ الله. قال: إِذَا كان وَاسِعاً فَخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيهِ، وَإِذَا كان ضَيّقاً فاشْدُدْهُ عَلَى حَقْوِكَ "
- 634 حدثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ حدثنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عن أَيّوبَ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو قال قال عُمَرُ: " إِذَا كان لأَحَدِكُم ثَوْبَانِ فَلْيُصَلّ فيهِمَا، فإِنْ لَمْ يَكُنْ إِلاّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ فَلْيَتّزِرْ بِهِ وَلاَ يَشْتَمِلْ اشْتِمَالَ الْيَهُودِ"
- 635 حدثنا مُحمّدُ بنُ يَحْيَى الذّهْلِيّ حدثنا سَعِيدُ بنُ مُحمّدٍ حدثنا أَبُو تُمَيْلةَ يَحْيَى بنُ وَاضِحٍ حدثنا أَبُو المُنيبِ عُبَيْدُالله الْعَتَكِيّ عن عَبْدِالله بنِ بُرَيْدَةَ عن أَبِيهِ قال: نَهَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ يُصَلّي في لِحَافٍ لاَ يَتَوَشّحُ بِهِ، والآخر أَنْ يُصَلّي في سَراوِيلَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ رِدَاءُ .
__________
متتابعاً "ثم فطنت به": أي فهمت "فأشار إلى أن أتزر بها": وفي رواية مسلم فقال هكذا بيده يعني شد وسطك " فاشدده على حقوك ": هو بفتح الحاء وكسرها وهو معقد الإزار المراد هنا أن يبلغ السرة. وفيه جواز الصلاة في ثوب واحد وأنه إذا شد المئزر وصلى فيه وهو ساتر ما بين سرته وركبته صحت صلاته، وإن كانت عورته ترى من أسفله كان على سطح ونحوه فإن هذا لا يضره. كذا قال النووي. قال المنذري وأخرجه مسلم في أثناء الحديث الطويل في آخر الكتاب وابن صخر هذا هو أبو عبدالله جبار بن صخر الأنصاري المسلمي شهد بدراً والعقبة، جاء مبيناً في صحيح مسلم رضي الله عنهم انتهى.
"أو قال: قال عمر": شك من بعض الرواة "ولا يشتمل اشتمال اليهود ": قال الخطابي: اشتمال اليهود المنهى عنه أن يجلل بدنة الثوب ويسلبه من غير أن يسبل طرفه، فأما اشتمال الصماء الذي جاء في الحديث فهو أن يجلل بدنة الثوب ثم يرفع طرفيه على عاتقه الأيسر، هكذا يفسر في الحديث. انتهى.
" أن يصلي في لحاف": بكسر اللام وهو ما يتغطى به " لا يتوشح به ": قال في المجمع: التوشيح أن يأخذ طرف ثوب ألقاه على منكبيه الأيمن من تحت يده اليسرى ويأخذ طرفه الذي ألقاه على الأيسر من تحت يده اليمنى، ثم يعقدهما على صدره، والمخالفة بين طرفيه والاشتمال بالثوب بمعنى التوشيح. انتهى " والآخر أن يصلي في سروايل وليس عليه رداء": لأنه ينكشف

(2/239)


__________
حينئذ عاتقه ولا بد من ستره إذا قدر عليه. قال صلى الله عليه وسلم "لا يصلين أحدكم في الثوب ليس على عاتقه شيء" رواه البخاري. قال المنذري: في إسناده أبو تميلة يحيى بن واضح الأنصاري المروزي، وأبو المنيب عبدالله بن عبدالله العتكي المروزي. وفيهما مقال.

(2/240)


82باب الإسبال في الصلاة
633 حدثنا زَيْدُ بنُ أَخْزَمَ حدثنا أَبُو دَاوُدَ عن أَبي عَوانَةَ عن عَاصِمٍ عن أَبي عُثْمانَ عن ابنِ مَسْعُودٍ قال سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: " مَنْ أَسْبَلَ إِزَارَهُ في صَلاَتِهِ خُيَلاَءَ فَلَيْسَ مِنَ الله جَلّ ذِكْرُهُ في حِلَ وَلاَ حَرَمٍ"
قال أَبُو دَاوُد: رَوَى هَذَا جَمَاعَةٌ عن عَاصِمٍ مَوْقُوفاً عَلَى ابنِ مَسْعُودٍ منهم حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ وَحَمّادُ بنَ زَيْدٍ وَأَبُو اْلأَحْوَصِ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ.
634 حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ حدثنا أَبَانُ حدثنا يَحْيَى عن أبي جَعْفَرٍ عن عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ قال: بَيْنَمَا رَجُلٌ يُصَلّي مُسْبِلاً إِزَارَهُ إِذْ قال لهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: اذْهَبْ فَتَوَضّأْ، فَذَهَبَ فَتَوَضّأَ ثُمّ جَاءَ، ثُم قال: اذْهَبْ فَتَوَضّأْ، فَذَهَبَ فَتَوَضّأَ
__________
"باب الإسبال في الصلاة"
"من أسبل إزاره ": الإسبال تطويل الثوب وإرساله إلى الأرض إذا مشى كبراً " خيلاء ": أي تكبراً وعجباً " فليس من الله في حل ولا حرم": أي في أن يجعله في حل من الذنوب، وهو أن يغفر له ولا في أن يمنعه ويحفظه من سوء الأعمال أو في أن يحل له الجنة وفي أن يحرم النار، أو ليس هو في فعل حلال ولا له احترام عند الله تعالى والله تعالى أعلم. كذا في فتح الودود " بينما رجل يصلي مسبلاً إزاره ": أي مرسله أسفل من الكعبين تبختراً وخيلاء وإطالة الذيل مكروهة عند أبي حنيفة والشافعي في الصلاة وغيرها، ومالك يجوزها في الصلاة دون المشي لظهور الخيلاء فيه. كذا قال في المرقاة.
" اذهب فتوضأ ": قيل: لعل السر في أمره بالتوضأ وهو طاهر أن يتفكر الرجل في سبب ذلك الأمر فيقف على ما رتكبه من المكروه وأن الله ببركة أمر رسوله عليه السلام إياه بطهارة الظاهر يطهر باطنه من دنس الكبر، لأن طهارة الظاهر مؤثرة في طهارة الباطن. ذكره الطيبي " فذهب فتوضأ ثم جاء ": فكأنه جاء غير مسبل إزاره "مالك أمرته أن يتوضأ": أي والحال أنه

(2/240)


ثُمّ جَاء، فقال لهُ رَجُلٌ يَارسولَ الله مَا لَكَ أَمَرْتَهُ أَنْ يَتَوَضّأَ، ثُمّ سَكَتّ عَنْهُ؟ قال: "إِنّهُ كان يُصَلّي وَهُوَ مُسْبِلٌ إِزَارَهُ، وَإِنّ الله جَلّ ذِكْرُهُ لا يَقْبَلُ صَلاَةَ رَجُلٍ مُسْبِلٍ إِزَارَهُ"
__________
طاهر. قال في المرقاة بعد شرح هذا الحديث. وقد أخرج الطبراني أنه عليه السلام أبصر رجلاً يصلي وقد أسدل ثوبه فدنا منه عليه السلام فعطف عليه ثوبه. قال المنذري في مختصره: في إسناده أبو جعفر وهو رجل من أهل المدينة لايعرف إسمه. انتهى. وقال المنذري في الترغيب: حديث أبي هريرة رواه أبو داوود وأبو جعفر المدني إن كان محمد بن علي بن الحسين فروايته عن أبي هريرة مرسلة وإن كان غيره فلا أعرفه. انتهى. قلت: كيف تكون مرسلة وإنما يروى أبو جعفر إن كان هو الباقر محمد بن علي بن الحسين عن عطاء بن يسار لا عن أبي هريرة. والصحيح أن أبا جعفر هذا هو المؤذن. قال الحافظ في التقريب: أبو جعفر المؤذن الأنصاري المدني مقبول من الثالثة، ومن زعم أنه محمد بن علي ابن الحسين فقد وهم. وقال في الخلاصة: أبو جعفر الأنصاري المؤذن المدني عن أبي هريرة وعنه يحيى بن أبي كثير حسن الترمذي حديثه. انتهى. فأبو جعفر هذا هو رجل من أهل المدينة يروي عن أبي هريرة وعطاء بن يسار وليس هو أبا جعفر الباقر محمد بن علي، وكذا ليس هو أبا جعفر التميمي الذي اسمه عيسى ووثقه ابن معين. قال النووي في رياض الصالحين بعد إيراده لهذا الحديث: رواه أبو داوود بإسناد صحيح على شرط مسلم. انتهى.
وقال الحافظ المزي في تحفة الأشراف: حديث "بينا رجل يصلي مسبلاً إزاره إذ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم اذهب توضأ " الحديث أخرجه أبو داوود في الصلاة وفي اللباس عن موسى بن إسماعيل المنقري عن أبان بن يزيد العطار عن يحيى بن أبي كثير عن أبي جعفر عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة. قال المزي: ورواه هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي جعفر عن عطاء بن يسار عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مختصراً: " لا تقبل صلاة رجل مسبل إزاره " وسيأتي. انتهى. وقال المزي في ترجمة عطاء بن يسار عن رجل من الصحابة حديث: " لا تقبل صلاة رجل مسبل إزاره " رواه النسائي في الزينة عن إسماعيل بن مسعود عن خالد بن الحارث عن هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي جعفر أن عطاء بن يسار حدثهم قال: حدثني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. انتهى. كذا في غاية المقصود.

(2/241)


83باب في كم تصلى المرأة
- 635 حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن مُحمّدِ بنِ زَيْدِ قُنْفُذٍ عن أُمّهِ أَنّهَا سَأَلَتْ أُمّ سَلَمَةَ: مَاذَا تُصَلّي فِيهِ الْمَرْأَةُ مِنَ الثّيَابِ؟ فقالت: تُصَلّي في الْخِمارِ وَالدّرْعِ السّابِغِ الّذِي يُغَيّبُ ظُهُورَ قَدَمَيْهَا.
636 - حدثنا مُجَاهِدُ بنُ مُوسَى حدثنا عُثْمانُ بنُ عُمَرَ حدثنا عَبْدُالرّحْمَنِ بنُ عَبْدِالله يَعْنى ابنَ دِينَارٍ عن مُحمّدِ بنِ زَيْدٍ بهذا الحديثِ قال عن أُمّ سَلَمَةَ أَنّهَا سَأَلَتْ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: أَتُصَلّي الْمَرْأَةُ في دِرْعٍ وَخِمَارٍ لَيْسَ عَلَيْهَا إِزَارٌ؟ قال: " إِذَا كان الدّرْعُ سَابِغاً يُغَطّي ظُهُورَ قَدَمَيْهَا "
__________
"باب في كم تصلى المرأة"
"في الخمار والدرع السابغ": الخمار بكسر الخاء ما يغطي به رأس المرأة. قال صاحب المحكم: الخمار النصيف وجمعه أخمرة وخمر. وقال الحافظ: هي سترة الرأس والجمع خمر بضمتين، والدرع قميص المرأة الذي يغطي بدنها ورجلها، ويقال لها سابغ إذا طال من فوق إلى أسفل "الذي يغيب ظهور قدميها": أي الذي يغطي ويستر ظهور قدميها.
"ليس عليها": أي ليس تحت قميصها أو فوقه "إزار": أي ولا سروايل "قال": أي نعم " إذا كان الدرع سابغاً ": أي كاملاً واسعاً.
قال الخطابي: اختلف الناس فيما يجب على المرأة الحرة أن تغطي من بدنها إذا صلت، فقال الشافعي والأوزاعي: تغطي جميع بدنها إلا وجهها كفيها، وروى ذلك عن ابن عباس وعطاء. وقال أبو بكر بن عبدالرحمَن بن الحارث ابن هشام: كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها. وقال أحمد بن حنبل: المرأة تصلي ولا يرى منها شيء ولا ظفرها. وقال مالك بن أنس: إذا صلت المرأة وقد انكشف شعرها أو ظهور قدميها تعيد ما دامت في الوقت. وقال أصحاب الرأي في المرأة تصلي وربع شعرها أو ثلثه مكشوف أو ربع فخدها أو ثلثه مكشوف أو
ـــــــ
قال شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه ولفظه لا يقبل الله صلاة امرأة قد حاضت إلا بخمار ورجال إسناده محتج بهم في الصحيحين إلا صفية بنت الحارث وقد ذكرها ابن حبان في الثقات

(2/242)


قال أَبُو دَاوُد: رَوَى هذا الحديثَ مَالِكُ بنُ أَنَسٍ وَبَكْرُ بنُ مُضَرَ وَحَفْصُ بنُ غِيَاثٍ وَإِسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ وَابنُ أَبي ذِئْبٍ وَابنُ إِسْحَاقَ عن مُحمّدِ بنِ زَيْدِ عن أُمّهِ عن أُمّ سَلَمَةَ، لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ منهم النّبيّ صلى الله عليه وسلم قَصَرُوا بِهِ عَلَى أُمّ سَلَمَةَ.
__________
ربع بطنها أو ثلثه مكشوف فإن صلاتها نتقص، وإن انكشف أقل من ذلك لم تنقص، وإن انكشف أقل من ذلك لم تنقص، وبينهم اختلاف في تحديده، ومنهم من قال بالنصف، ولا أعلم الشيء مما ذهبوا إليه في التحديد أصلاً يعتمد. وفي الخبر دليل على صحة قول من لم يجز صلاتها إذا انكشف من بدنها شيء، ألا تراه عليه السلام يقول " إذا كان سابغاً يغطي ظهور قدميها " فجعل من شرط جواز صلاتها لئلا يظهر من أعضائها شيء. انتهى. قال المنذري: وفي إسناده عبدالرحمَن بن عبدالله ابن دينار وفيه مقال "لم يذكر أحد منهم النبي صلى الله عليه وسلم": أي لم يرفع أحد منهم هذا الحديث بل "قصروا به": أي وقفوه "على أم سلمة": أي جعلوه قولها لا قول النبي صلى الله عليه وسلم.

(2/243)


84باب المرأة تصلي بغير خمار
637 حدثنا مُحمّدُ بنُ المُثَنّى حدثنا حَجّاجُ بنُ مِنْهَالٍ حدثنا حَمّادٌ عن قَتَادَةَ عن مُحمّدِ بنِ سِيرِينَ عن صَفِيّةَ بِنْتِ الْحَارِثِ عن عَائشةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أَنّهُ قال: " لا يَقْبَلُ الله صَلاَةَ حائِضٍ إِلاّ بِخِمارٍ "
__________
" باب المرأة تصلي بغير خمار"
"لا يقبل الله صلاة حائض": أي لا تصح صلاة المرأة البالغة، إذا الأصل في نفي القبول نفي الصحة إلا لدليل، كذا في المرقاة. قال الخطابي: يريد بالحائض المرأة التي بلغت سن الحيض ولم يرد به التي هي في أيام حيضها، لأن "الحائض لا تصلي بوجهه": وقال في المرقاة: قيل الأصوب أن يراد بالحائض من شأنها الحيض ليتناول الصغيرة أيضاً، فإن ستر رأسها شرط لصحة صلاتها أيضاً " إلا بخمار ": أي ما يتخمر به من ستر رأس. واستدل بهذا الحديث: من سوى بين الحرة والأمة وهو قول في العورة لعموم ذكر الحائض ولم يفرق بين الحرة والأمة وهو قول أهل الظاهر، وفرق الشافعي وأبو حنيفة الجمهور بين عورة الحرة والأمة، فجعلوا عورة الأمة ما بين السرة والركبة كالرجل، وقال مالك: الأمة عورتها كالحرة حاشا شعرها فليس بعورة، وكأنه رأى العمل في الحجاز على كشف الإماء لرءوسهن، هكذا حكاه عنه ابن عبدالبر في الاستذكار. قال العراقي في شرح الترمذي: والمشهور عنه أن عورة الأمة كالرجل، كذا في النيل. قال

(2/243)


قال أَبُو دَاوُد: رَوَاهُ سَعِيدٌ يَعْنى ابنَ أَبي عَرْوبَةَ عن قَتَادَةَ عن الْحَسَنِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
- 638 حدثنا مُحمّدُ بنُ عُبَيدٍ حدثنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عن أَيّوبَ عن مُحمّدٍ أَنّ عَائشةَ نَزَلَتْ عَلَى صَفِيّةَ أُمّ طَلْحَةَ الطّلَحَاتِ فَرَأَتْ بَنَاتاً لهَا، فقالت: إِنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم دَخَلَ وفي حُجْرَتِي جَارِيَةٌ، فأَلْقَى إِليّ حَقْوَهُ وقال لِي: "شُقّيهِ بِشُقّتَيْنِ فأَعْطِي هَذِهِ نِصْفاً وَالْفَتَاةَ التّي عِنْدَ أُمّ سَلَمَةَ نِصْفاً فإِنّي لا أُرَاهَا إِلاّ قَدْ حَاضَتْ أَوْ لا أُرَاهُما إِلاّ قَدْ حَاضَتَا"
قال أَبُو دَاوُد: وكَذَلِكَ رَوَاهُ هِشَامٌ عن ابنِ سِيرِينَ.
__________
المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه. وقال الترمذي حديث حسن "قال أبو داوود: رواه سعيد يعني ابن عروبة عن قتادة عن الحسن": أي مرسلاً لأن الحسن هذا هو الحسن البصري تابعي.
" بناتاً لها ": وفي بعض النسخ بنات لها "وفي حجرتي جارية": الجارية من النساء من لم تبلغ الحلم "فألقى إلى حقوه": الحقو بفتح الحاء المهملة موضع شد الإزار وهو الحاضرة ثم توسعوا فيه حتى سموا الإزار الذي يشد على العورة حقواً " وقال لي شقيه بشقتين ": أي اقطعيه قطعتين والشقة بالضم القطعة من الثوب " فأعطى هذه" : أي التي عند عائشة " نصفاً ": من الحقو وهو إحدى الشقتين. " والفتاة التي عند أم سلمة ": أي الجارية التي عندها " فإني لا أراها ": بضم الهمزة أي لا أظنها. قال المنذري: قال أبو حاتم الرازي لم يسمع ابن سيرين من عائشة.

(2/244)


85باب السدل في الصلاة
- 639 حدثنا مُحمّدُ بنُ الْعَلاَءِ وَ إِبراهِيمُ بنُ مُوسَى عن ابنِ المُبَارَكِ عن
__________
"باب السدل في الصلاة"
قال الخطابي: السدل إرسال الثوب حتى يصيب الأرض. وقال في النيل: قال أبو عبيدة عي غريبه: السدل إسبال الرجل ثوبه من غير أن يضم جانبيه بين يديه، فإن ضمه فليس بسدل. وقال صاحب النهاية: هو أن يلتحف بثوبه ويدخل يديه من داخل فيركع ويسجد وهو كذلك. قال: وهذا مطرد في القميص وغيره من الثياب. قال وقيل: هو أن يضع وسط الإزار على رأسه

(2/244)


الْحَسَنِ بنِ ذَكْوَانَ عن سُلَيْمانَ اْلأَحْوَلِ عن عَطَاءِ، قال إِبراهِيمُ عن أَبي هُرَيْرَةَ: إِنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهَى عن السّدُلِ في الصّلاَةِ، وَأَنْ يُغَطّي الرّجُلُ فَاهُ.
قال أَبُو دَاوُد: رَوَاهُ عِسْلٌ عن عَطَاءِ عن أَبي هُرَيْرَةَ أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عن السّدْلِ في الصّلاَةِ.
- 640 حدثنا مُحمّدُ بنُ عَيسَى بنِ الطّبّاعِ حدثنا حَجّاجٌ عن ابنِ جُرَيْجٍ قال: أَكْثَرُ مَا رَأَيْتُ عَطَاءَ يُصَلّي سَادِلاً.
__________
ويرسل طرفيه عن يمينه وشماله من غير أن يجعلهما على كتفيه. وقال الجوهري: سدل ثوبه يسدله بالضم سدلاً أي أرخاه، ولا مانع من حمل الحديث على جميع هذه المعاني إن كان السدل مشتركاً بينها، وحمل المشترك على جميع معانيه هو المذهب القوى. وقد روى أن السدل من فعل اليهود. أخرج الحلال في العلل وأبو عبيد في الغريب من رواية عبدالرحمَن بن سعيد بن وهب عن أبيه عن علي أنه خرج فرأى قوماً يصلون قد سدلوا ثيابهم فقال: "كلهم اليهود خرجوا من قهرهم". قال أبو عبيد: هو موضع مدارسهم الذي يجتمعون فيه. قال صاحب الإمام: والقهر بضم القاف وسكون الهاء موضع مدارسهم الذي يجتمعون فيه، وذكره في القاموس والنهاية في الفاء لا في القاف.
"وأن يغطي الرجل فاه": قال الخطابي: فإن من عادة العرب التلثم بالعمائم على الأفواه فنهوا عن ذلك في الصلاة إلا أن يعرض الثوباء فيغطي فمه عند ذلك للحديث الذي جاء فيه. انتهى. والحديث يدل على تحريم السدل في الصلاة لأنه معنى النهي الحقيقي. قال الخطابي: وقد رخص بعض العلماء السدل في الصلاة، روى ذلك عن عطاء ومكحول والزهري والحسن وابن سيرين. وقال مالك لا بأس به. قلت: ويشبه أن يكون إنما فرقوا بين إجازة السدل في الصلاة لأن المصلى ثابت في مكانه لا يمشي في الثوب الذي عليه، وأما غير المصلي فإنه يمشي فيه ويسدله، وذلك عندي من الخيلاء المنهى عنه. وكان سفيان الثوري يكره السدل في الصلاة، وكان الشافعي يكرهه في الصلاة وفي غير الصلاة. انتهى. قال المنذري وأخرجه الترمذي مقتصراً على الفصل الأول وقال لا نعرفه من حديث عطاء عن أبي هريرة مرفوعاً إلا من حديث عسل بن سفيان. هذا آخر كلامه. وقد أخرجه أبو داوود مرفوعاً من حديث سليمان الأحول عن عطاء، وأشار إلى حديث عسل. وأخرج ابن ماجه الفصل الثاني من حديث الحسن بن ذكوان عن عطاء مرفوعاً، وعسل بكسر العين وسكون السين المهملتين هو ابن سفيان التيمي اليربوعي البصري كنيته أبو قرة ضعيف الحديث. انتهى.

(2/245)


قال أَبُو دَاوُد: وَهَذَا يُضِعّفُ ذَلِكَ الحديثَ.
__________
"قال أبو داوود وهذا": أي هذا الفعل المروي عن عطاء "يضعف ذلك الحديث": المتقدم المروي عنه عن أبي هريرة.

(2/246)


86باب الصلاة في شعر النساء
641 حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُعَاذٍ حدثنا أَبي حدثنا اْلأَشْعَثُ عن مُحمّدٍ يَعْنَى ابنَ سِيرِينَ عن عَبْدِالله بنِ شَقِيقٍ عن شَقِيقٍ عن عَائشةَ رَضِيَ الله عَنْهَا قالت: كَانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لا يُصَلّي في شُعُرِنَا أَوْ لُحُفِنَا.
قال عُبَيْدُ الله: شَكّ أَبي.
__________
"باب الصلاة في شعر النساء"
"لا يصلي في شعرنا": بضم الشين والعين المهملة جمع شعار على وزن كتاب وكتب وهو الثوب الذي يلي الجسد وخصتها بالذكر لأنها أقرب إلى أن تنالها النجاسة من الدثار وهو الثوب الذي يكون فوق الشعار. قال ابن الأثير: المراد بالشعار هنا الإزار الذي كانوا يتغطون به عند النوم "أو": للشك "في لحفنا": واللحاف اسم لما يلتحف به. والحديث يدل على مشروعية تجنب ثياب النساء التي هي مظنة لوقوع النجاسة فيها، وكذلك سائر الثياب التي تكون كذلك. قال المنذري: وقد تقدم هذا الحديث. أخرجه الترمذي والنسائي.

(2/246)


87باب الرجل يصلي عاقصاً شعره
642 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيَ حدثنا عَبْدُ الرّزّاقِ عن ابنِ جُرَيْجٍ حدثني عِمْرانُ بنُ مُوسَى عن سَعِيدِ بنِ أَبي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيّ يُحَدّثُ عن أَبِيهِ أَنّهُ رَأَى أَبَا رَافِعٍ مَوْلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم مَرّ بِحَسَنِ بنِ عَلِيَ عَلَيْهُمَا السّلاَمُ وَهُوَ يُصَلّي قَائِماً وَقَدْ غَرَزَ ضَفْرَهُ في
__________
"باب الرجل يصلي عاقصاً شعره"
"وقد غرز ضفره": أي لوى شعره وأدخل أطرافه في أصوله، والمراد من الضفر المضفور من الشعر وأصل الضفر الفتل والضفير والضفائر هي العقائص المضفورة. قاله الخطابي "في

(2/246)


88باب الصلاة في النعل
644 حدثنا مُسَدّدٌ حدثنا يَحْيَى عن ابنِ جُرَيْجٍ حدثني مُحمّدُ بنُ عَبّادِ بنِ جَعْفَرَ عن ابنِ سُفْيَانَ عن عَبْدِالله بنِ السّائِبِ قال: رَأَيْتُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يُصَلّي يَوْمَ الْفَتْحِ وَوَضَعَ نَعْلَيْهِ عن يَسَارِهِ.
645 حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيَ حدثنا عَبْدُ الرّزّاقِ وَ أَبُو عَاصِمٍ قالا أنبأنا ابنُ جُرَيْجٍ قال سَمِعْتُ مُحمّدَ بنَ عَبّادِ بنِ جَعْفَرَ يقولُ أخبرني أَبُو سَلَمَةَ بنُ سُفْيَانَ وَ عَبْدُالله بنُ المُسَيّبِ الْعَابِدِيّ وَ عَبْدُالله بنُ عَمْرٍو عن عَبْدِالله بنِ السّائِبِ قال: صَلّى بِنَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الصّبْحَ بِمَكّةَ فَاسْتَفْتِحَ سُورَةَ المُؤْمِنِينَ حَتّى إِذَا جَاءَ ذِكْرُ مُوسَى وَهَارُونَ أَوْ ذِكِرُ مُوسَى وَعِيسَى ابنُ عَبّادٍ يَشُكّ أو اخْتَلَفُوا أَخَذَتِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم سَعْلَةٌ فَحَذَفَ فَرَكَعَ
__________
" باب الصلاة في النعل"
"يوم الفتح": أي يوم فتح مكة "ووضع نعلي عن يساره": وضع النعلين في اليساء جائر إذا لم يكن عن يسار المصلى أحد، وإن لم يكن فلا يدل عليه حديث أبي هريرة الآتي بعد هذا الباب متصلاً. قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح بمكة": أي في فتحها، كما في رواية النسائي. قاله الحافظ ابن حجر "فاستفتح سورة المؤمنين": أراد به قد أفلح المؤمنون "حتى إذا جاء ذكر موسى": قال في المرقاة: وفي نسخة بالنصب، أي حتى وصل النبي صلى الله عليه وسلم "وهارون": أي قوله تعالى: { ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ} " أو ذكر موسى وعيسى": وهو قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً} "سعلة": قال الحافظ: بفتح أوله من السعال ويجوز الضم. وقال في المرقاة: قال ابن الملك: وهو صوت يكون من وجع الحلق واليبوسة فيه " فحذف ": أي ترك القراءة، وفسره بعضهم برمي النخاعة الناشئة عن السعلة، والأول أظهر، لقوله: فركع ولو كان أزال ما أعاقه عن القراءة لتمادي فيها. ويؤخذ منه أن قطع

(2/248)


وَعَبْدُالله بنُ السّائِبِ حاضِرٌ لِذَلِكَ.
646 حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ حدثنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عن أَبي نَعَامَة السّعْدِيّ عن أَبي نَضْرَةَ عن أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قال: بَيْنَمَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُصَلّي بأَصْحَابِهِ إِذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوضَعَهُمَا عن يَسَارِهِ، فَلمّا رَأَى ذَلِكَ الْقُوْمُ أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ، فَلمّا قَضَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم صَلاَتَهُ قال: "مَا حَمَلَكُم عَلَى إِلْقَائِكُم نِعَالَكُم؟ قالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ فأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: إِنّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السّلاَمُ أَتَا فأَخْبَرَنِي أَنّ فِيهِمَا قَذَراً، أَو قال أَذًى "، وقال: " إِذَا جاءَ أَحَدُكُم إِلَى المَسْجِد فَلْيَنْظُرْ فإِنْ رَأَى في نَعْلَيهِ قَذَراً أَوْ أَذًى فَلْيمْسَحَهُ وَلْيُصَلّ فيهِمَا"
647 - حدثنا مُوسَى يَعْنى ابنَ إِسْمَاعِيلَ حدثنا أَبَانُ حدثنا قَتَادَةُ حدثني بَكْرُ بنُ
__________
القراءة لعارض السعال ونحوه أولى من التمادي في القراءة مع السعال أو التنحنح، ولو استلزم تخفيف القراءة فيما استحب فيه تطويلها كذا في فتح الباري "وعبدالله ابن السائب حاضر لذلك": أي كان عبدالله حاضراً في ذلك الوقت فشاهد ما جرى بالنبي صلى الله عليه وسلم من أخذ السعال وترك القراءة والركوع وغيرها. واعلم أن هذا الحديث والحديث الأول واحد، الأول مختصر والثاني مطول فلا يقال ليس فيه ذكر النعلين فلا يطابق الباب. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه بنحوه وأخرجه البخاري تعليقاً.
"إذ خلع نعليه": أي نزعهما من رجليه " على إلقائكم نعالكم ": بالنصب " أن فيهما قذراً ": بفتحتين أي نجاسة " فإن رأى في نعليه قذراً أو أذى ": شك من الراوي. قال ابن رسلان: الأذى في اللغة هو المستقذر طاهراً كان أو نجساً قال في سبل السلام: وفي الحديث دلالة على شرعية الصلاة في النعال، وعلى أن مسح النعل من النجاسة مطهر له من القذر والأذى، والظاهر فيهما عند الإطلاق النجاسة، وسواء كانت النجاسة رطبة أو جافة، ويدل له سبب الحديث انتهى. وقال الخطابي: فيه من الفقه أن من صلى وفي ثوبه نجاسة لم يعلم بها فإن صلاته مجزية ولا إعادة عليه. وفيه أن الاتساء برسول الله صلى الله عليه وسلم في أفعاله واجب كهو في أقواله، وهو أنهم رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم خلع نعليه خلعوا نعالهم وفيه من الأدب أن المصلي إذا صلى وحده وخلع نعله وضعها عن يساره وإذا كان مع غيره في الصف وكان عن يمينه وعن يساره ناس فإنه يضعها بين رجليه، وفيه أن العمل اليسير لا يقطع الصلاة.

(2/249)


عَبْدِالله عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بهذا قال: " فيهِمَا خُبْثٌ قال في المَوْضِعَيْنِ خُبْثٌ "
648 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدثنا مَرْوَانُ بنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيّ عن هِلاَلِ بنِ مَيْمُونٍ الرّمْلِيّ عن يَعْلَى بنِ شَدّادِ بنِ أَوْسٍ عن أَبِيهِ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خَ الِفُوا الْيَهُودَ فإِنّهُمْ لا يُصَلّونَ في نِعَالِهِمْ وَلاَ خِفَافِهِمْ"
- 649 حدثنا مُسْلِمُ بنُ إِبراهِيمَ حدثنا عَلِيّ بنُ المُبَارَكِ عن حُسَيْنٍ المُعَلّم عن
__________
" قال فيهما خبث ": أي قال بدل قوله في نعليه، يعني قال فإن رأى فيهما قذراً " قال في الموضعين خبث ": الموضع الأول إخبار جبريل أن فيهما خبثاً والثاني في قوله صلى الله عليه وسلم إذا جاء أحدكم إلخ، والظاهر أن المراد من الخبث النجاسة أو كل شيء مستخبث.
" خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولاخفافهم ": هذا الحديث أقل أحواله الدلالة على الاستحباب، وكذلك حديث أبي سعيد الخدري المتقدم، وأحاديث أخر تدل على استحباب الصلاة في النعال. ويمكن الاستدلال لعدم الاستحباب بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وحديث أبي هريرة الآتيين. وروى ابن أبي شيبة بإسناده إلى أبي عبدالرحمَن بن أبي ليلى أنه قال "صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في نعليه فصلى الناس في نعالهم، فخلع نعليه فخلعوا، فلما صلى قال من شاء أن يصلي في نعليه فليصل ومن شاء أن يخلع فليخلع" قال العراقي: وهذا مرسل صحيح الإسناد. ويجمع بين أحاديث الباب بجعل حديث عمرو بن شعيب وما بعده صارفاً للأوامر المذكورة المعللة بالمخالفة لأهل الكتاب من الوجوب إلى الندب، لأن التخيير والتفويض إلى المشية بعد تلك الأوامر لا ينافى الاستحباب كما في حديث بين كل أذانين صلاة لمن شاء " وهذا أعدل المذاهب وأقواها عندي. هذا خلاصة ما قال الشوكاني في هذا الباب. وفي الفتح قال ابن بطال هو محمول على ما إذا لم يكن فيهما نجاسة، ثم هي من الرخص كما قال ابن دقيق العيد لا من المستحبات، لأن ذلك لا يدخل في المعنى المطلوب من الصلاة، وهو إن كان من ملابس الزينة إلا أن ملامسة الأرض التي تكثر فيها النجاسات قد تقصر عن هذه الرتبة. وإذا تعارضت مراعاة مصلحة التحسين ومراعاة إزالة النجاسة قدمت الثانية لأنها من باب دفع المفاسد والأخرى من باب جلب المصالح، قال إلا أن يرد دليل بإلحاقه بما يتجمل به فيرجع إليه ويترك هذا النظر.
قلت: قد روى أبو داوود والحاكم من حديث شداد بن أوس مرفوعاً " خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم " فيكون استحباب ذلك من جهة قصد المخالفة المذكورة. وورد

(2/250)


عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أَبيهِ عن جَدّهِ قال: رَأَيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يُصَلّي حَافِياً [وَمُتَنَعّلاً]."
__________
في كون الصلاة في النعال من الزينة المأمور بأخذها في الآية حديث ضعيف جداً أوردها ابن عدي في الكامل وابن مردويه في تفسيره من حديث أبي هريرة والعقيلي من حديث أنس انتهى.
" يصلي حافياً ": أي بلا نعال تارة " ومتنعلاً ": أخرى وهو من التنعل، وفي نسخة "منتعلاً" من الانتعال. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه.

(2/251)


89باب المصلى إذا خلع نعليه أين يضعهما
- 650 حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ حدثنا عُثْمانُ بنُ عُمَرَ حدثنا صالحُ بنُ رُسْتُمَ أَبُو عَامِرٍ عن عَبْدِالرّحْمَنِ بنِ قَيْسٍ عن يُوسُفَ بنِ مَاهَكَ عن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: " إِذَا صَلّى أَحَدُكُم فَلاَ يَضَعْ نَعْلَيْهِ عن يَمِينِهِ وَلاَ عن يَسَارِهِ فَتَكُونَ عن يَمِينِ غَيْرِهِ إِلاّ أَنْ يَكُونَ عن يَسَارِهِ أَحَدٌ وَلْيَضَعْهُمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ"
651 حدثنا عَبْدُ الْوَهّابِ بنُ نَجْدَةَ حدثنا بَقِيّةُ وَ شُعَيْبُ بنُ إِسْحَاقَ عن اْلأَوْزَاعِيّ حدثني بنُ الْوَلِيدِ عن سَعِيدِ بنِ أَبي سَعِيدٍ عن أَبِيهِ عن أَبي هُرَيْرَةَ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قال: " إِذَا صَلّى أَحَدُكُم فَخَلَعَ نَعْلَيْهِ فَلاَ يُؤْذِ بِهِمَا أَحَداً، لِيَجْعَلَهُمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَوْ لِيُصَلّ فيهِمَا"
__________
"باب المصلى إذا خلع نعليه أين يضعهما"
" إذا صلى أحدكم ": أي أراد أن يصلي " فلا يضع ": بالجزم جواب إذا " فتكون عن يمين غيره ": أي فتقع نعلاه على يمين غيره. قال الطيبي: هو بالنصب جواباً للنهي أي وضعه عن يساره مع وجود غيره سبب لأن تكون عن يمينه صاحبه، يعني وفيه نوع إهانة له، وعلى المؤمن أن يحب لصاحبه ما يحب لنفسه ويكره له ما يكره لنفسه " إلا أن يكون عن يساره أحد ": أي فيضعهما عن يساره. قال المنذري: في إسناده عبدالرحمَن بن قيس ويشبه أن يكون الزعفراني البصري كنية أبو معاوية لا يحتج به.
" فلا يؤذ بهما ": أي بوضعهما على يمين أحد أو قدامه أو بوجه آخر من وجوه الإيذاء بهما

(2/251)


__________
" ليجعلهما بين رجليه ": وإنما لم يقل أو خلفه لئلا يقع قدام غيره أو لئلا يذهب خشوعه لاحتمال أن يسرق. كذا في المرقاة.

(2/252)


90باب الصلاة على الخمرة
- 652 حدثنا عَمْرُو بنُ عَوْنٍ أنبأنا خَالِدٌ عن الشّيْبَانِيّ عن عَبْدِالله بنِ شَدّادِ حدثتني مَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ قالت: كَانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وَأَنَا حِذَاءَهُ وَأَنَا حَائِضٌ وَرُبّمَا أَصَابَنِي ثَوْبُهُ إِذَا سَجَدَ وكَانَ يُصَلّي عَلَى الْخُمْرَةِ.
__________
"باب الصلاة على الخمرة"
قال الحافظ: في آخر كتاب الحيض من فتح الباري: الخمرة بضم الخاء المعجمة وسكون الميم. قال الطبري: هو مصلى صغير يعمل من سعف النخل سميت بذلك لسترها الوجه والكفين من حر الأرض وبردها، فإن كانت كبيرة سميت حصيراً، وكذا قال الأزهري في تهذيبه وصاحبه أبو عبيدالهروي وجماعة بعدهم، وزاد في النهاية: ولا تكون خمرة إلا في هذا المقدار، قال وسميت خمرة لأن خيوطها مستورة بسعفها. وقال الخطابي: هي سجادة يسجد عليا المصلي ثم ذكر حديث ابن عباس في الفأرة التي جرت الفتيلة حتى ألقتها على الخمرة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم الحديث. قال: ففي هذا تصريح بإطلاق الخمرة على ما زاد على قدر الوجه، قال وسميت خمرة لأنها تغطى الوجه. انتهى.
قلت: وحديث ابن عباس الذي أشار إليه الخطابي أخرجه المؤلف بلفط قال: "جاءت فأرة تجر الفتيلة فألقتها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخمرة التي كان قاعداً عليها فأحرقت منها مثل موضع الدرهم فقال: إذا نمتم فأطفئوا سرجكم فإن الشيطان يدل مثل هذه على هذا فيحرقكم ".
"وأنا حذاءه": بكسر الحاء المهملة بعدما قال معجمة ومدة أي وأنا بجنبه "وكان يصلي على خمرة": قال أبو سليمان الخطابي في المعالم: الخمرة سجادة تعمل من سعف النخل وترمل بالخيوط وسميت خمرة لأنها تخمر وجه الأرض أي تستره. وفيه من الفقه جواز الصلاة على الحصر والبسط ونحوها. وقال بعض السلف: يكره أن يصلي إلا على جدد الأرض، وكان بعضهم يجيز الصلاة على كل شيء يعمل من نبات الأرض، فأما ما يتخذ من أصواف الحيوان وشعورها فإنه كان يكرهه. انتهى قال ابن بطال: لا خلاف بين فقهاء الأمصار في جواز الصلاة عليها إلا ما روي عن عمر بن عبدالعزيز أنه كان يؤتى بتراب فيوضع على الخمرة فيسجد عليها، ولعله كان يفعله على جهة المبالغة في التواضع والخشوع فلا يكون فيه

(2/252)


__________
مخالفة للجماعة وقد روى ابن أبي شيبة عن عروة بن الزبير أنه كان يكره الصلاة على شيء دون الأرض، وكذا روى عن غير عروة. ويحتمل أن يحمل على كراهة التنزيه والله أعلم كذا قال الحافظ.

(2/253)


91باب الصلاة على الحصير
653 حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُعَاذٍ حدثنا أَبي حدثنا شُعْبَةُ عن أَنَسِ بنِ سِيرِينَ عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قال قال رَجُلٌ مِنَ اْلأَنْصَارِ: يَارسولَ الله إِنّي رَجُلٌ ضَخْمٌ وكَانَ ضَخْماً لا أسْتَطِيعُ أَنْ أُصَلّيَ مَعَكَ، وَصَنَعَ لَهُ طَعَاماً وَدَعاهُ إِلَى بَيْتِهِ، فَصَلّ حَتّى أَرَاكَ كَيْفَ تُصَلّي فأَقْتَدِيَ بِكَ، فَنَضَحُوا لَهُ طَرْفَ حَصِيرٍ لَهُمْ، فَقَامَ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ. قال فُلاَنُ بنُ الْجَارُودِ لأَنَسِ بن مَالِكٍ أكَانَ يُصَلّي الضّحَى؟ قال: لَمْ أَرَهُ صَلّى إِلاّ يَوْمَئِذٍ.
__________
"باب الصلاة على الحصير"
قال ابن بطال: إن كان ما يصلي عليه كبيراً قدر طول الرجل فأكثر فإنه يقال له حصير ولا يقال له خمرة، وكل ذلك يصنع من سعف النخل وما أشبهه.
"قال رجل من الأنصار": قيل إنها عتبان بن مالك وهو محتمل لتقارب القصتين لكن لم أر ذلك صريحاً. قاله الحافظ "إني رجل ضخم": أي سمين، وفي هذا الوصف إشارة إلى علة تخلفه وقد عده ابن حبان من الأعذار المرخصة في التأخر عن الجماعة "معك": أي في الجماعة في المسجد "فنضحوا له طرف حصير": أي رشوا طرفه "قال فلان بن الجارود": وفي رواية للبخاري: "فقال رجل من آل الجارود" قال الحافظ: وكأنه عبدالحميد بن المنذر بن الجارود البصري، وذلك أن البخاري أخرج هذا الحديث من رواية شعبة وأخرجه في موضع آخر من رواية خالد الحذاء كلاهما عن أنس بن سيرين عن أنس وأخرجه ابن ماجه وابن حبان من رواية عبدالله بن عون عن أنس بن سيرين عن عبدالحميد بن المنذر بن الجارود عن أنس، فاقتضى ذلك أن في رواية البخاري اقطاعاً وهو مندفع بتصريح أنس بن سيرين عنده بسماعه من أنس، فيحنئذ رواية ابن ماجه إما من المزيد في متصل الأسانيد، وإما أن يكون فيها وهم لكون ابن الجارود كان حاضراً عند أنس لما حدث بهذا الحديث، وسأله عما سأله من ذلك، فظن بعض الرواة أن له فيه رواية. انتهى. "لم أره صلى": وفي بعض الروايات: ما رأيته يصلي. والحديث أخرجه البخاري قاله المنذري.

(2/253)


654 حدثنا مُسْلِمُ بنُ إِبراهِيمَ حدثنا المُثَنّى بنُ سَعِيدٍ حدثني قَتَادَةُ عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يَزُورُ أُمّ سُلَيْمٍ فَتُدْرِكُهُ الصلاةُ أحيَاناً فَيُصَلّي عَلَى بِسَاطٍ لَنَا وَهُوَ حَصِيرٌ تَنْضَحُهُ بالماء.
655 حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ عُمَرَ بنِ مَيْسَرَةَ وَ عُثْمانُ بنُ أَبي شَيْبَةَ بِمَعْنى الإِسنَادِ والحديثِ قالا حدثنا أَبُو أَحْمَدَ الزّبَيْرِيّ عن يُونُسَ بنِ الْحَارِثِ عن أَبي عوْنٍ عن أَبِيهِ عن المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ قال: كَانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُصَلّي عَلَى الْحَصِيرِ وَالْفَرْوَةِ المَدْبُوغَةِ.
__________
"فيصلي على بساط لنا": بساط بكسر الباء جمعه بسط بضمها وتسكين السين وضمها وهو ما يبسط أي يفرش وأما البساط بفتح الباء فهي الأرض الواسعة.
"بمعنى الأسناد والحديث": أي إسناد عثمان بن أبي شيبة، وحديثه مثل إسناد عبيدالله وحديثه لا فرق بين إسنادهما وحديثهما.
"والفروة المدبوغة": الفروة هي التي تلبس، وجمعها فراء كبهمة وبهام. وأحاديث الباب تدل على جواز الصلاة على البسط والحصير والفراء وترد على من كره الصلاة على غير الأرض وما خلق منها. قال المنذري: أبو عون هو محمد بن عبيدالله الثقفي، وعبيدالله بن سعيد الثقفي قال أبو حاتم الرازي: هو مجهول.

(2/254)


92باب الرجل يسجد على ثوبه
656 حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلِ رَحِمَهُ الله حدثنا بَشْرٌ يَعْنى ابنَ المُفَضّلِ حدثنا غَالِبٌ الْقَطّانُ عن بَكْرِ بنِ عَبْدِالله عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قال: كُنّا نُصَلّي مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في شِدّةِ الْحَرّ، فإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أحَدُنا أَنْ يُمَكّنَ وَجْهَهُ مِنَ اْلأَرْضِ بَسَطَ ثَوْبَهُ فَسَجَدَ عَلَيْهِ.
__________
"باب الرجل يسجد على ثوبه"
"بسط ثوبه فسجد عليه": الثوب في اللغة يطلق على غير المخيط وقد يطلق على المخيط مجازاً. وفي الحديث جواز استعمال الثياب وكذا غيرها في الحيلولة بين المصلي وبين الأرض لاتقاء حرها وكذا بردها. قال الخطابي: وقد اختلف الناس في هذا فذهب عامة الفقهاء إلى جوازه مالك والأوزاعي وأحمد وأصحاب الرأي وإسحاق بن راهويه. وقال الشافعي: لا يجزيه

(2/254)