Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود

المجلد الثالث
تابع لكتاب الصلاة
باب ما جاء في نقصان الصلاة
...
بسم الله الرحمن الرحيم
126- باب ما جاء في نقصان الصلاة
785- حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ عن بَكْرٍ - يَعْني ابنَ مُضَرَ عن ابنِ عَجْلاَنَ عن سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيّ عن عُمَرَ بنِ الْحَكَمِ عن عَبْدِ الله بنِ عَنَمَةَ المُزَنِيّ عن عَمّارِ بنِ يَاسِرٍ قال سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: "إنّ الرّجُلَ لَيَنْصَرِفُ وَمَا كُتِبَ لَهُ إلاّ عُشْرُ صلاتِهِ تُسْعُها ثُمْنُهَا سُبْعُهَا سُدُسُهَا خُمُسُهَا رُبُعُهَا ثُلُثُهَا نِصْفُهَا" .
__________
"باب ما جاء في نقصان الصلاة"
"عن سعيد المقبري": بمفتوحة وسكون قاف وضم موحدة وتفتح وتكسر نسبة إلى موضع القبور "عن عبد الله بن عنمة": بفتح المهملة والنون ويقال اسمه عبد الرحمَن المزني يقال له صحبة وروى عن عمار. قال المزي في الأطراف: وفي رواية محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي عن عمر بن الحكم عن أبي لاس الخزاعي عن عمار بن ياسر، قال ابن المديني: ولعل أبا لاس هو عبد الله بن عنمة انتهى "إن الرجل لينصرف" : أي من صلاته "وما كتب له إلا عشر صلاته" : أي عشر ثوابها لما أخلّ في الأركان والشرائط والخشوع والخضوع وغير ذلك والجملة حالية "تسعها ثمنها سبعها الخ" : بحذف حرف العطف، والمعني أن الرجل قد ينصرف من صلاته ولم يكتب له إلا عشر ثوابها أو تسعها أو ثمنها إلخ، بل قد لا يكتب له شيء من الصلاة ولا تقبل أصلاً كما ورد في طائفة من المصلين. قال المنذري: وأخرجه النسائي وفي إسناده عمر بن ثوبان ولم يحتج به.

(3/3)


127 - باب تخفيف الصلاة
786 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا سُفْيَانُ عن عَمْرٍو سَمِعَهُ مِن جَابِر كَانَ مُعَاذٌ
__________
"باب تخفيف الصلاة"
"يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم" : زاد مسلم من رواية منصور عن عمرو "عشاء الآخرة" فكأن العشاء

(3/3)


يُصَلّي مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم ثُمّ يَرْجِعُ فَيَؤُمّنَا. قال مَرّةً: ثُمّ يَرْجِعُ فَيُصَلّي بِقَوْمِهِ. فأخّرَ النّبيُ صلى الله عليه وسلم لَيْلَةً الصّلاَةَ وقال مَرّةً الْعِشَاءَ. فَصَلّى مُعَاذٌ مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم ثُمّ جَاءَ يَؤُمّ قَوْمَهُ فَقَرَأ الْبَقَرَةَ، فَاعْتَزَلَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَصَلّى، فَقِيلَ: نَافَقْتَ يَا فُلانُ، فقال: مَا نَافَقْت، فأتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: إنّ مُعَاذاً يُصَلّي مَعَكَ ثُمّ يَرْجِعُ فَيُؤُمّنَا يَا رسولَ الله وَإنّمَا نَحْنُ أصْحَابُ نَوَاضِحَ وَنَعْمَلُ بِأيْدِينَا وَإنّهُ جَاءَ يُؤمّنَا فَقَرَأ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ. فقال: "يا مُعَاذُ
__________
هي التي كان يواظب فيها على الصلاة مرتين "ثم يرجع فيؤمنا" في رواية منصور المذكورة "فيصلى بهم تلك الصلاة" وللبخاري في الأدب "فيصلى بهم الصلاة" أي المذكورة. وفي هذا رد على من زعم أن المراد أن الصلاة التي كان يصليها مع النبي صلى الله عليه وسلم غير الصلاة التي يصليها بقومه "قال" جابر "ثم يرجع فيصلي بقومه" وفي بعض الروايات "ثم يرجع إلى بني سلمة فيصليها بهم" ولا منافاة بين هذه الروايات لأن قومه هم بنو سلمة وجابر بن عبد الله منهم "فقرأ البقرة" أي ابتدأ في قراءتها، وبه صرح مسلم ولفظه "فافتتح سورة البقرة" "فاعتزل رجل من القوم : ولابن عيينة عند مسلم "فانحرف رجل فسلم ثم صلى وحده" وهو ظاهر في أنه قطع الصلاة، لكن ذكر البيهقي أن محمد بن عباد شيخ مسلم تفرد عن ابن عيينة بقوله ثم سلم، وأن الحفاظ من أصحاب ابن عيينة، وكذا من أصحاب شيخه عمرو بن دينار وكذا من أصحاب جابر لم يذكروا السلام، وكأنه فهم أن هذه اللفظة تدل على أن الرجل قطع الصلاة، لأن السلام يتحلل به من الصلاة وسائر الروايات تدل على أنه قطع القدوة فقط ولم يخرج من الصلاة بل استمر فيها منفرداً. قال الرافعي في شرح المسند في الكلام على رواية الشافعي عن ابن عيينة في هذا الحديث: فتنحى رجل من خلفه فصلى وحده، وهذا يحتمل من جهة اللفظ أنه قطع الصلاة وتنحى عن موضع صلاته واستأنفها لنفسه، لكنه غير محمول عليه، لأن الفرض لا يقطع بعد المشروع فيه. انتهى. ولهذا استدل به الشافعية على أن للمأموم أن يقطع القدوة ويتم صلاته منفرداً. ونازع النووي فيه فقال: لا دلالة فيه لأنه ليس فيه أنه فارقه وبنى على صلاته، بل في الرواية التي فيها أنه سلم دليل على أنه قطع الصلاة من أصلها ثم استأنفها، فيدل على جواز قطع الصلاة وإبطالها لعذر. قاله الحافظ في الفتح: "فقيل نافقت يا فلان" : همزة الاستفهام محذوفة. وفي رواية الصحيحين "فقالوا له أنافقت يا فلان" أي أفعلت ما فعله المنافق من الميل والانحراف عن الجماعة والتخفيف في الصلاة. قالوه تشديداً له. قاله الطيبي.
"أصحاب نواضح" : جمع ناضحة أنثى ناضح وهي الإبل التي يستقي عليها للشجر والزراعة "ونعمل بأيدينا" : أراد أنا أصحاب عمل وتعب فلا نستطيع تطويل الصلاة "أفتان أنت

(3/4)


أفَتّانٌ أنْتَ أفَتّانٌ أنْتَ اقْرَأْ بِكَذَا" - قال أبُو الزّبَيْرِ:- سَبّحْ اسْمَ رَبّكَ الأعْلَى، وَاللّيْلِ إذَا يَغْشَى. فَذَكَرْنَا لِعَمْرٍو، فقال: أُرَاهُ قد ذَكَرَهُ.
__________
أفتان أنت" : أي أمنفر وموقع للناس في الفتنة. قال الطيبي: استفهام على سبيل التوبيخ وتنبيه على كراهة صدمة لأدائه إلى مفارقة الرجل الجماعة فافتتن به. في شرح السنة: الفتنة صرف الناس عن الدين وحملهم على الضلالة قال تعالى {مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ} أي بمضلين أنتهى وقال الحافظ: ومعنى الفتنة ههنا أن التطويل يكون سبباً لخروجهم من الصلاة وللتكره للصلاة في الجماعة. وروى البيهقي في الشعب بإسناد صحيح أن عمر قال: "لا تبغضوا إلى الله عبادة يكون أحدكم إماماً فيطول على القوم الصلاة حتى يبغض إليهم ما هم فيه" وقال الداوودي: يحتمل أن يريد بقوله فتان أي معذب لأنه عذبهم بالتطويل ومنه قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ} : قيل معناه عذبوهم انتهى "قال أبو الزبير سبح اسم ربك الأعلى والليل إذا يغشى فذكرنا لعمرو": أي ابن دينار "أراه": بضم الهمزة معناه أظنه. وفي رواية مسلم قال سفيان فقلت لعمرو إن أبا الزبير حدثنا عن جابر أنه قال اقرأ والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى، وسبح اسم ربك الأعلى. فقال عمرو ونحو هذا. وفي رواية الليث عن أبي الزبير عند مسلم مع الثلاثة {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} : زاد ابن جريج عن أبي الزبير والضحى أخرجه عبد الرزاق . وفي رواية الحميدي عن ابن عيينة مع الثلاثة الأول {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ} ، {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ} : قاله الحافظ. واستدل بهذا الحديث على صحة اقتداء المفترض بالمتنفل بناء على أن معاذاً كان ينوي بالأولى الفرض وبالثانية النفل، ويدل عليه ما وراء عبد الرزاق والشافعي والطحاوي والدارقطني وغيرهم من طريق ابن جريج عن عمرو بن دينار عن جابر في حديث الباب زاد "هي له تطوع ولهم فريضة" وهو حديث صحيح. وقد صرح ابن جريج في رواية عبد الرزاق بسماعه فيه فانتفت تهمة تدليسه. فقول ابن الجوزي إنه لا يصح مردود، وتعايل الطحاوي له بأن ابن عيينة ساقه عن عمر وأتم من سياق ابن جريج ولم يذكر هذه الزيادة ليس بقادح في صحته لأن ابن جريج أسن وأجل من ابن عيينة وأقدم أخذاً عن عمرو منه، ولو لم يكن كذلك فهي زيادة من ثقة حافظ ليست منافية لرواية من هو أحفظ منه ولا أكثر عدداً فلا معنى للتوقف في الحكم بصحتها. وأما رد الطحاوي لها باحتمال أن تكون مدرجة فجوابه أن الأصل عدم الإدراج حتى يثبت التفصيل فمهما كان مضموماً إلى الحديث فهو منه ولاسيما إذا روى من وجهين والأمر هنا كذلك، فإن الشافعي أخرجها من وجه آخر عن جابر متابعاً لعمرو بن دينار عنه، وقول الطحاوي هو ظن من جابر مردود لأن جابراً كان ممن يصلي مع معاذ فهو محمول على أنه سمع ذلك منه، ولا يظن بجابر أنه يخبر عن شخص بأمر غير مشاهد إلا بأن يكون ذلك الشخص

(3/5)


787 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا طَالِبُ بنُ حَبِيبٍ سَمِعْتُ عبد الرحمن بنَ جَابِرٍ يُحَدّثُ عن حَزْمِ بنِ أُبَيّ بنِ كَعْبٍ أنّهُ أتَى مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ وَهُوَ يُصَلّي بِقَوْمٍ صلاةَ المَغْرِبِ في هذا الخبر قال فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يَا مُعَاذُ لاَ تَكُنْ
__________
أطلعه عليه. وأما احتجاج أصحابنا لذلك بقوله صلى الله عليه وسلم "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة" فليس بجيد لأن حاصله النهي عن التلبس بصلاة غير التي أقيمت من غير تعرض لنية فرض أو نفل، ولو تعينت نية الفريضة لامتنع على معاذ أن يصلي الثانية بقومه لأنها ليست حينئذ فرضاً له. وكذلك قول بعض أصحابنا لا يظن بمعاذ أن يترك فضيلة الفرض خلف أفضل الأئمة في المسجد الذي هو من أفضل المساجد فإنه وإن كان فيه نوع ترجيح لكن للمخالف أن يقول إذا كان ذلك بأمر النبي صلى الله عليه وسلم لم يمتنع أن يحصل له الفضل بالاتباع. وكذلك قول الخطابي إن العشاء في قوله كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم العشاء حقيقة في المفروضة فلا يقال كان ينوي بها التطوع لأن لمخالفه أن يقول هذا لا ينافي أن ينوي بها التنفل.
وأما قول ابن حزم إن المخالفين لا يجيزون لمن عليه فرض إذا أقيم أن يصليه متطوعاً فكيف ينسبون إلى معاذ ما لا يجوز عندهم فهذا إن كان كما قال نقص قوى، وأسلم الأجوبة التمسك بالزيادة المتقدمة كذا في فتح الباري. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي بنحوه.
"عن حزم بن أبي بن كعب أنه أتى معاذ بن جبل": قال الحافظ بن جابر لم يدرك حزماً. وروى أبو داوود الطيالسي في مسنده والبزار من طريقه عن طالب بن حبيب عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه قال: مر حزم بن أبي بن كعب بمعاذ بن جبل وهو يصلي بقومه صلاة العتمة فافتتح بسورة طويلة ومع حزم ناضح له" الحديث. قال البزار لا نعلم أحداً سماه عن جابر إلا ابن جابر انتهى ورواه ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر فسماه حازماً وكأنه صحفه أخرجه ابن شاهين من طريقه ورواه أحمد والنسائي وأبو يعلى وابن السكن بإسناد صحيح عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال: "كان معاذ يؤم قومه فدخل حرام وهو يريد أن يسقي نخله" الحديث كذا فيه براء بعدها ألف وظن بعضهم أنه حرام ابن ملحان خال أنس وبذلك جزم الخطيب في المبهمات لكن لم أره منسوباً في الرواية. ويحتمل أن يكون تصحيف من حزم فتجتمع هذه الروايات انتهى "وهو يصلي بقوم صلاة المغرب" : كذا في هذه الرواية بلفظ "صلاة المغرب" وفي معظم الروايات بلفظ "العشاء" قال الحافظ فإن حمل على تعدد القصة كما سيأتي أو على أن المراد بالمغرب العشاء مجازاً وإلا فما في الصحيح أصح انتهى "في هذا الخبر" المذكور

(3/6)


فَتّاناً فإنّهُ يُصَلّى وَرَاءَكَ الْكَبِيرُ وَالضّعِيفُ وَذُو الْحَاجَةِ وَالمُسَافِرُ".
788 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا حُسَيْنُ بنُ عَلِيَ عن زَائِدَةَ عن سُلَيْمَانَ عن أبي صَالحٍ عن بَعْضِ أصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم لِرَجُلٍ: "كَيْفَ تقولُ في الصّلاَةِ؟" قال: أتَشَهّدُ وَأقُولُ اللّهُمّ إنّي أسْألُكَ الْجَنّةَ، وَأعُوذُ بِكَ مِنَ النّارِ. أمَا إنّي لا أُحْسِنُ دَنْدَنَتَكَ ولا دَنْدَنَةُ مُعَاذٍ. فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "حَوْلَها نُدَنْدِنُ" .
__________
آنفاً "لا تكن فتاناً" : أي منفراً عن الدين وصاداً عنه. ففيه الإنكار على من ارتكب ما ينهي عنه وإن كان مكروهاً غير محرم. وفيه جواز الاكتفاء في التعزير بالكلام. وفيه الأمر بتخفيف الصلاة والتعزير على إطالتها. قاله النووي "فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة والمسافر" : فيه استحباب تخفيف الصلاة مراعاة لحال المأمومين وأما من قال لا يكره التطويل إذا علم رضا المأمومين فيشكل عليه أن الإمام قد لا يعلم حال من يأتي فيأتم به بعد دخوله في الصلاة كما في حديث الباب، فعلى هذا يكره التطويل مطلقاً إلا إذا فرض في مصل بقوم محصورين راضين بالتطويل في مكان لا يدخله غيرهم. وفي الحديث أن الحاجة من أمور الدنيا عذر في تخفيف الصلاة. وفيه جواز خروج المأموم من الصلاة لعذر. قال النووي: وفي الحديث جواز صلاة المفترض خلف المتنفل لأن معاذاً كان يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسقط فرضه ثم يصلي مرة ثانية بقومه هي له تطوع ولهم فريضة، وقد جاء هكذا مصرحاً به في غير مسلم وهذا جائز عند الشافعي رحمه الله تعالى وآخرين ولم يجزه ربيعة ومالك وأبو حنيفة رضي الله عنهم والكوفيون، وتأولوا حديث معاذ رضي الله عنه على أنه كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم تنفلاً ومنهم من تأوله على أنه لم يعلم به النبي صلى الله عليه وسلم. ومنهم من قال حديث معاذ كان في أول الأمر ثم نسخ. وكل هذه التأويلات دعاوى لا أصل لها فلا يترك ظاهر الحديث بها. انتهى. قلت: قد رد الحافظ ابن حجر في فتح الباري هذه التأويلات رداً حسناً وأشبع الكلام فيه فإن شئت الاطلاع عليه فارجح إليه.
"كيف تقول في الصلاة" : أي ما تدعو في صلاتك "قال" : الرجل "أتشهد" : هو تفعل من الشهادة يريد تشهد الصلاة وهو التحيات، سمي تشهداً لأن فيه شهادة أن لا إلة إلا الله وأن محمداً رسول الله "أما" : فتح الهمزة وتشديد الميم "إني لا أحسن" : من الإحسان أي لا أعرف ولا أدري ولا أعمل قال الجوهري: هو يحسن الشيء أي يعمله انتهى "دندنتك" : بدالين مفتوحين ونونين هي أن يتكلم الرجل بالكلام تسمع نغمته ولا يفهم وهي أرفع من الهينمة قليلاً. قاله في النهاية. وقال الخطابي: الدندنة قراءة مبهمة غير مفهومة والهينمة مثلها أو

(3/7)


789 - حدثنا يَحْيَى بنُ حَبِيبٍ أخبرنا خَالِدُ بنُ الْحَارِثِ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ عَجْلاَنَ عن عبيد الله بنِ مِقْسَمٍ عن جَابِرٍ ذكرَ قِصّةَ مُعَاذٍ قال وقال يَعْني النّبيّ صلى الله عليه وسلم لِلْفَتَى "كَيْفَ تَصْنَعُ يا ابْنَ أخِي إذا صَلّيْتَ؟" قال: أقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَأسْألُ الله الْجَنّةَ، وأعُوذُ بِهِ مِنَ النّارِ، وَإنّي لا أدْرِي مَا دَنْدَنَتُكَ ولا دَنْدَنَةُ مُعَاذٍ. فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "إنّي وَمُعَاذٌ حَوْلَ هَاتَيْنِ، أوْ نَحْوَ هَذا" .
790 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن أبي الزّنَادِ عن الأعْرَجِ عن أبي هُرَيْرَةَ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "إذَا صَلّى أحَدُكُم لِلنّاسِ فَلْيُخَفّفْ فإن فيهم الضّعِيفَ وَالسّقِيمَ
__________
نحوها. انتهى "ولا" : أعرف ولا أدري "دندنة معاذ" : أي لا أدري ما تدعو به أنت يا رسول الله وما يدعو به معاذ إمامنا ولا أعرف دعاءك الخفي الذي تدعو به في الصلاة ولا صوت معاذ ولا أقدر على نظم ألفاظ المناحاة مثلك ومثل معاذ. وإنما ذكر الرجل الصحابي معاذاً والله أعلم لأنه كان من قوم معاذ أو هو ممن كان يصلي خلف معاذ. ويدل عليه أن جابر بن عبد الله ذكر قصة الرجل مع قصة إمامة معاذ كما يأتي بعد ذلك. والحاصل أي إني أسمع صوتك وصوت معاذ ولكن لا أفهم "حولها" : بالإفراد، هكذا في نسخ الكتاب، وهكذا في سنن ابن ماجه في الموضعين. وقال المناوي في فتح القدير: حولها يعني الجنة. كذا هو بخط السيوطي، وما في نسخ الجامع الصغير من أنه حولهما تحريف، وإن كان رواية. انتهى. "ندندن" : وفي الرواية الآتية " حول هاتين" قال ابن الأثير حولهما ندندن، والضمير في حولهما للجنة والنار أي حولهما ندندن وفي طلبهما، ومنه دندن الرجل إذا اختلف في مكان واحد مجيئاً وذهاباً. وأما عنهما ندندن فمعناه أن دندتنا صادرة عنهما وكائنة بسببهما. انتهى. وقال المناوي في فتح القدير: أي ما ندندن إلا حول طلب الجنة والتعوذ من النار، وضمير حولهما للجنة والنار، فالمراد ما ندندن إلا لأجلهما. فالحقيقة لا مباينه بين ما ندعو به وبين دعائك انتهى. قال السيوطي: أي حول الجنة والنار ندندن، وإنما نسأل الجنة ونتعوذ من النار كما تفعل. قاله تواضعاً وتأنيساً له.
"ذكر قصة معاذ": أي ذكر جابر قصة معاذ المذكورة آنفاً "حول هاتين أو نحو هذا" : شك من الراوي أي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لفظ حول هاتين أو لفظاً آخر في معناه، والمعني أني ومعاد حول هاتين أي الجنة والنار ندندن أي نحن أيضاً ندعو الله بدخول الجنة ونعوذ به من النار. وما في انجاح الحاجة حولهما ندندن أي حول هذين الدعائين من طلب الجنة والاستعاذة من النار، فهذه الرواية تدفع هذا التأويل والله أعلم.
"إذا صلى أحدكم للناس" : أي إماماً لهم أو اللام بمعنى الباء "فإن فيهم الضعيف

(3/8)


وَالْكَبِيرَ، وَإذَا صَلّى لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوّلْ مَا شَاءَ".
791 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ أنْبأنَا عَبْدُ الرّزّاقِ أنْبأنَا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن ابنِ المُسَيّبِ وَأبي سَلَمَةَ عن أبي هُرَيْرَةَ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "إذَا صَلّى أحَدُكُم لِلنّاسِ فَلْيُخَفّفْ فإنّ فيهم السّقِيمَ وَالشّيْخَ الْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ" .
__________
والسقيم" : المراد بالضعيف هنا ضعيف الخلقة، وبالسقيم من به مرض "والكبير" : أي في السن، وفي رواية لمسلم "والصغير والكبير" وزاد الطبراني من حديث عثمان بن أبي العاص "والحامل والمرضع" وله من حديث عدى بن حاتم "والعابر السبيل" وقوله في حديث أبي هريرة الآتي "وذا الحاجة" هي أشمل الأوصاف المذكورة "فليطول ما شاء" : ولمسلم "فليصل كيف شاء" أي مخففاً ومطولاً. قال الحافظ: واستدل به على جواز إطالة القراءة ولو خرج الوقت وهو المصحح عند بعض أصحابنا. وفيه نظر لأنه يعارضه عموم قوله في حديث أبي قتادة "إنما التفريط أن يؤخر الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى" أخرجه مسلم. وإذا تعارضت مصلحة المبالغة في الكمال بالتطويل ومفسدة إيقاع الصلاة في غير وقتها كانت مراعاة ترك المفسدة أولى، واستدل بعمومه أيضاً على جواز تطويل الاعتدال والجلوس بين السجدتين. انتهى قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.
"فليخفف" : قال ابن دقيق العيد: التطويل والتخفيف من الأمور الإضافية فقد يكون الشيء خفيفاً بالنسبة إلى عادة قوم، طويلاً بالنسبة لعادة آخرين. قال وقول الفقهاء: لا يزيد الإمام في الركوع والسجود على ثلاث تسبيحات لا يخالف ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يزيد على ذلك لأن رغبة الصحابة في الخير تقتضي أن لا يكون ذلك تطويلاً. قلت: وأولى ما أخذ حد التخفيف من الحديث الذي أخرجه أبو داوود والنسائي عن عثمان بن أبي العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "أنت إمام قومك واقدر القوم بأضعفهم" إسناده حسن وأصله في مسلم

(3/9)


128 - باب القراءة في الظهر
792 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عن قَيْسِ بنِ سَعْدٍ وَعُمَارَةِ بنِ
__________
"باب القراءة في الظهر"
لعل المقصود من هذا الباب إثبات القراءة فيه وأنها تكون سر إشارة إلى من خالف في ذلك كابن عباس كما سيأتي البحث فيه.

(3/9)


مَيْمُونٍ وَحَبِيبٍ عن عَطَاءِ بنِ أبي رَبَاحٍ أنّ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عنه قال: في كُلّ صَلاةٍ يُقْرَأُ، فَمَا أسْمَعَنَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أسْمَعْنَاكُم وَمَا أخْفَى عَلَيْنَا أخْفَيْنَا عَلَيْكُم.
793 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عن هِشَامِ بنِ عبد الله ح. وحدثنا ابنُ المُثَنّى حدثنا ابنُ أبي عَدِيَ عن الْحَجّاجِ - وهذا لَفْظُهُ - عن يَحْيَى عن عبد الله بنِ أبي قَتَادَةَ. قال ابنُ المُثَنّى وَأبي سَلَمَةَ ثُمّ اتّفَقَا عن أبي قَتَادَةَ قال: كَانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُصَلّي بِنَا فَيَقْرَأُ في الظّهْرِ وَالْعَصْرِ في الرّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، وَيُسْمِعُنَا الآية أحْيَاناً، وكَانَ يُطَوّلُ الرّكْعَةَ الأُوَلى مِنَ الظّهْرِ وَيُقَصّرُ الثّانِيةَ وكَذَلِكَ في الصّبْحِ.
__________
"في كل صلاة يقرأ": بضم أوله على البناء للمجهول "فما أسمعنا": ما موصولة وأسمعنا فعل ومفعول وفاعله رسول الله صلى الله عليه وسلم "أسمعناكم": بصيغة المتكلم. قال النووي: معناه ما جهر فيه بالقراءة جهرنا به وما أسر أسررنا به. وقد اجتمعت الأمة على الجهر بالقراءة في ركعتي الصبح والجمعة والأوليين من المغرب والعشاء، وعلى الإسرار في الظهر والعصر وثالثة المغرب والأخريين من العشاء، واختلفوا في العيد والاستسقاء، ومذهبنا الجهر فيهما. وفي نوافل الليل قيل يجهر فيها، وقيل بين الجهر والإسرار، ونوافل النهار يسر بها والكسوف يسر بها نهاراً ويجهر ليلاً والجنازة يسر بها ليلاً ونهاراً، وقيل يجهر ليلاً. ولو فاته صلاة ليلة كالعشاء فقضاها في ليلة أخرى جهر، وإن قضاها نهاراً فوجهان الأصح يجهر والثاني يسر. وإن فاته نهارية كالظهر فقضاها نهاراً أسر وإن قضاها ليلاً فوجهان الأصح يجهر والثاني يسر، وحيث قلنا يجهر أو يسر فهو سنة فلو تركه صحت صلاته ولا يسجد للسهو عندنا انتهى. قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"وهذا لفظه": أي لفظ ابن المثنى "عن يحيى": أي كلاهما عن يحيى وهو ابن أبي كثير "قال ابن المثنى وأبي سلمة": أي قال ابن المثنى في روايته عن عبد الله ابن أبي قتادة وأبي سلمة. وأما مسدد فقال في روايته عن عبد الله بن أبي قتادة فقط ولم يذكر أبا سلمة "ثم اتفقا": أي مسدد وابن المثنى "في الركعتين الأوليين" : بتحتانيتين تثنية الأولى "وسورتين" : أي في كل ركعة سورة "ويسمعنا الآية أحياناً" : والنسائي من حديث البراء "كنا نصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم الظهر فنسمع الآية بعد الآية من سورة لقمان والذاريات" قال الحافظ: واستدل به على جواز الجهر في السرية وأنه لا سجود سهو على من فعل ذلك خلافاً لمن قال ذلك من الحنفية وغيرهم، سواء

(3/10)


قَالَ أبُو دَاوُدَ: لم يَذْكُرْ مُسَدّدٌ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَسُورَةً.
794 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ أخبرنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ أخبرنا هَمّامٌ وَأبَانُ بنُ يَزِيدَ الْعَطّارُ عن يَحْيَى عن عبد الله بنِ أبي قَتَادَةَ عن أبِيهِ بِبَعْضِ هَذَا وَزَادَ: في الأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَزَادَ عن هَمّامٍ قال: وكَانَ يُطَوّلُ في الرّكْعَةِ الأُولَى مَالا يُطَوّلُ في الثّانِيَةِ، وهكَذَا في صلاَةِ الْعَصْرِ وهكَذَا في صلاَةِ الْغَدَاةِ .
__________
قلنا كان يفعل ذلك عمد البيان الجواز أو بغير قصد للاستغراف في التدبر، وفيه حجة على من زعم أن الإسرار شرط لصحة الصلاة السرية. وقوله أحياناً يدل على تكرر ذلك منه انتهى. قلت: الحديث لا يدل إلا على أنه صلى الله عليه وسلم كان يسر في السرية ويسمع بعض الآيات أحياناً فالاستدلال به على جواز الجهر مطلقاً في السرية بعيد والله تعالى أعلم. "وكان يطول الركعة الأولى من الظهر" : قال الشيخ تقي الدين: كأن السبب في ذلك أن النشاط في الأولى يكون أكثر فناسب التخفيف في الثانية حذراً من الملل انتهى. ويأتي في الباب حكمة أخرى لتطويل الأولى. واستدل به على استحباب تطويل الأولى على الثانية، وجمع بينه وبين حديث سعد الآتي حيث قال: أمد في الأوليين أن المراد تطويلهما على الأخريين لا التسوية بينهما في الطول. وقال من استحب استواءهما إنما طالت الأولى بدعاء الافتتاح وال0تعوذ وأما في القراءة فهما سواء. ويدل عليه حديث أبي سعيد الآتي، فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر ثلاثين آية الحديث، وفي رواية لابن ماجه أن الذين حزروا ذلك كانوا ثلاثين من الصحابة. وادعى ابن حبان أن الأولى إنما طالت على الثانية بالزيادة في الترتيل فيها مع استواء المقروء فيهما. وقد روى مسلم من حديث حفصة أنه صلى الله عليه وسلم كان يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها . ذكره الحافظ "وكذلك في الصبح" : أي يقرأ في ركعتي الصبح ويطول الأولى ويقصر الثانية. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.
"ببعض هذا": أي هذا الحديث المذكور آنفاً "وزاد": أي الحسن بن علي عن يزيد عن همام وأبان كليهما "في الأخريين بفاتحة الكتاب": وروى مسلم هذه الزيادة من طريق أبي بكر بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون عن أبان وهمام. قال النووي في شرح صحيح مسلم. في هذه الأحاديث كلها دليل على أنه لا بد من قراءة الفاتحة في جميع الركعات. ولم يوجب أبو حنيفة رضي الله عنه في الأخريين القراءة بل خيره بين القراءة والتسبيح والسكوت والجمهور لا على وجوب القراءة وهو الصواب الموافق للسنن الصحيحة. انتهى "وزاد": أي الحسن بن علي عن يزيد بن هارون "عن همام": وحده "وكان يطول في الركعة الأولى ما لا يطول في الثانية"

(3/11)


795 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ أنْبأنَا مَعْمَرٌ عن يَحْيَى عن عَبْدِ الله بنِ أبي قَتَادَةَ عن أبِيهِ قال: فَظَنَنّا أنّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ أنْ يُدْرِكَ النّاسُ الرّكْعَةَ الأُولَى .
796 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا عَبْدُ الْوَاحِدِ بنُ زِيَادٍ عن الأعْمَشِ عن عُمَارَةَ بنِ
__________
يطول بالتشديد من التطويل، وما نكرة موصوفة أي يطول في الأولى إطالة لا يطيلها في الثانية، أو مصدرية أي غير إطالته في الثانية فتكون هي مع ما في حيزها صفة لمصدر محذوف "وهكذا في صلاة العصر وهكذا في صلاة الغداة": فيه دليل على عدم اختصاص القراءة بالفاتحة وسورة في الأوليين وبالفاتحة فقط في الأخريين والتطويل في الأولى بصلاة الظهر بل ذلك هو السنة في جميع الصلوات.
قال الحافظ تحت ترجمة البخاري: باب يطول في الركعة الأولى أي في جميع الصلوات وهو ظاهر الحديث المذكور في الباب. وعن أبي حنيفة يطول في أولى الصبح خاصة. وقال البيهقي في الجمع بين أحاديث المسألة يطول في الأولى إن كان ينتظر أحداً وإلا فليسو بين الأوليين. وروى عبد الرزاق نحوه عن ابن جريج عن عطاء قال: إني لأحب أن يطول الإمام الأولى من كل صلاة حتى يكثر الناس، فإذا صليت لنفسي فإني أحرص على أن أجعل الأوليين سواء. وذهب بعض الأئمة إلى استحباب تطويل الأولى من الصبح دائماً، وأما غيرها فإن كان يترجى كثرة المأمومين ويبادر هو أول الوقت فينتظر وإلا فلا. وذكر في حكمة اختصاص الصبح بذلك أنها تكون عقب النوم والراحة وفي ذلك الوقت يواطيء السمع واللسان القلب لفراغه وعدم تمكن الاشتغال بأمور المعاش وغيرها منه والعلم عند الله. انتهى.
"قال": أي أبو قتادة "أنه": صلى الله عليه وسلم "يريد بذلك" : أي التطويل في الركعة الأولى أن يدرك الناس الركعة الأولى فيه أن الحكمة في التطويل المذكور هي انتظار الداخل وكذا روى هذه الزيادة عبد الرزاق وابن خزيمة. واستدل به بعض الشافعية على جواز تطويل الإمام في الركوع لأجل الداخل. قال القرطبي: ولا حجة فيه لأن الحكمة لا يعلل بها لخفائها أو لعدم انضباطها ولأنه لم يكن يدخل في الصلاة يريد تقصير تلك الركعة ثم يطيلها لأجل الآتي، وإنما كان يدخل فيها ليأتي بالصلاة على سننها من تطويل الأولى فافترق الأصل والفرع فامتنع الإلحاق انتهى. وقد ذكر البخاري في جزء القراءة كلاماً معناه أنه لم يرد عن أحد من السلف في انتظار الداخل في الركوع شيء والله أعلم، قاله الحافظ.
"عن عمارة": بضم المهملة وخفة الميم "بن عمير": بالتصغير "عن أبي معمر": هو

(3/12)


عُمَيْرٍ عن أبي مَعْمَرٍ قال: قُلْنَا لِخَبّابٍ: هَلْ كَانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ في الظّهْرِ وَالْعَصْرِ؟ قال: نَعَمْ. قُلْنَا: بِمَ كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ ذَاكَ؟ قال: باضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ .
797 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا عَفّانُ أخبرنا هَمّامٌ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ جَحَادَةَ عن رَجُلٍ عن عبد الله بنِ أبي أوْفَى أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُومُ في الرّكْعَةِ الأُولَى مِنْ صَلاَةِ الظّهْرِ حَتّى لا يَسْمَعَ وَقْعَ قَدَمٍ .
__________
عبد الله ابن سخبرة بفتح المهملة والموحدة بينهما خاء معجمة ساكنة الأزدي "قلنا لخباب" : بموحدتين، الأولى مثقلة ابن الأرت التميمي أبو عبد الله من السابقين إلى الإسلام وكان يعذب في الله وشهد بدراً ثم نزل الكوفة ومات بها "باضطراب لحيته" : فيه الحكم بالدليل لأنهم حكموا باضطراب لحيته على قراءته لكن لا بد من قرينة تعين القراءة دون الذكر والدعاء مثلاً لأن اضطراب اللحية يحصل بكل منهما، وكأنهم نظروه بالصلاة الجهرية لأن ذلك المحل منها هو محل القراءة لا الذكر والدعاء، وإذا انضم إلى ذلك قول أبي قتادة كان يسمعنا الآية أحياناً قوى الاستدلال والله أعلم. وقال بعضهم. احتمال الذكر ممكن، لكن جزم الصحابي بالقراءة مقبول لأنه أعرف بأحد المحتملين فيقبل تفسيره قاله الحافظ. والحديث يدل على القراءة في الظهر والعصر سراً. واستدل به البيهقي على أن الإسرار بالقراءة لا بد فيه من إسماع المرء نفسه وذلك لا يكون إلا بتحريك اللسان والشفتين بخلاف ما لو أطبق شفتيه وحرك لسانه بالقراءة فإنه لا تضطرب بذلك لحيته فلا يسمع نفسه انتهى. قال الحافظ: وفيه نظر لا يخفي. قال المنذري: وأخرجه البخاري والنسائي وابن ماجه.
"محمد بن جحادة": بضم الجيم قبل المهملة الأودى الكوفي عن أنس وأبي حازم الأشجعي وعطاء وطائفة، وعنه ابن عون وإسرائيل وشريك وآخرون وثقة أبو حاتم والنسائي "حتى لا يسمع وقع قدم" : أي صوت قدم. والحديث سكت عليه المؤلف والمنذري وفيه مجهول.

(3/13)


129 - باب تخفيف الأخريين
798 - حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ أخبرنا شُعْبَةُ عن مُحَمّدِ بنِ عُبَيْدِ الله أبي عَوْنٍ عن
__________
"باب تخفيف الأخريين"
بتحتانيتين تثنية الأخرى أي في الركعتين الأخريين من الرباعية. وحكم ثالثة المغرب حكم الأخريين من الرباعية.

(3/13)


جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ قال قال عُمَرُ لِسَعْدٍ: قَدْ شَكَاكَ النّاسُ في كُلّ شَيْءٍ حَتّى في الصّلاَةِ. قال: أمَا أنَا فَأَمُدّ في الأُولَيَيْنِ وَأَحْذِفُ في الأُخْرَيَيْنِ ولا آلُو مَا اقْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ صَلاةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم. قال: ذَاكَ الظّنّ بِكَ.
799 - حدثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمّدٍ - يَعْني النّفَيْلِيّ - أخبرنا هُشَيْمٌ أنْبأنَا مَنْصُورٌ عن الْوَلِيدِ ابنِ مُسْلِمٍ الْهُجَيْمِيّ عن أبي صَدِيقٍ النّاجِيّ عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قال:
__________
"عن جابر بن سمرة": هو الصحابي ولأبيه سمرة بن جنادة صحبة أيضاً "لسعد": هو ابن أبي وقاص وهو خال جابر بن سمرة الراوي عنه "شكاك الناس": هم أهل الكوفة، وفي رواية للبخاري شكى أهل الكوفة سعداً وفي رواية عبد الرزاق عن معمر عن عبد الملك عن جابر بن سمرة قال كنت جالساً عند عمر إذ جاء أهل الكوفة يشكون إليه سعد بن أبي وقاص حتى قالوا إنه لا يحسن الصلاة انتهى. واعلم أنه كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر سعد بن أبي وقاص على قتال الفرس في سنة أربع عشرة ففتح الله العراق على يديه ثم اختط الكوفة سنة سبع عشرة واستمر عليها أميراً إلى سنة إحدى وعشرين في قول خليفة بن خياط. وعند الطبري سنة عشرين فوقع له مع أهل الكوفة ما ذكر "في كل شيء حتى في الصلاة": قال الزبير ابن بكار في كتاب النسب: رفع أهل الكوفة عليه أشياء كشفها عمر فوجدها باطلة انتهى. ويقويه قول عمر في وصيته فإني لم أعزله من عجز ولا خيانة قاله الحافظ في الفتح "قال": أي سعد "أما أنا فأمد في الأوليين": أي أطول فيهما. وفي رواية للبخاري ومسلم فأركد في الأوليين. قال الحافظ قال القزاز أركد أي أقيم طويلاً أي أطول فيهما القراءة. قلت: ويحتمل أن يكون التطويل بما هو أعم من القراءة كالركوع والسجود لكن المعهود في التفرقة بين الركعات إنما هو في القراءة انتهى "وأحذف": بفتح الهمزة وسكون المهملة. والمراد بالحذف في الأخريين تخفيفهما وتقصيرهما عن الأوليين لا حذف أصل القراءة الإخلال بها فكأنه قال أحذف المد "ولا آلو": بالمد في أوله وضم اللام أي لا أقصر، ومنه قوله تعالى {لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً} أي لا يقصرون في إفسادكم "من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم": بيان لما "ذاك الظن بك": أي هذا الذي تقول هو الذي كنا نظنه. قال النووي: فيه مدح الرجل الجليل في وجهه إذا لم يخف عليه فتنة بإعجاب ونحوه، والنهي عن ذلك إنما هو لمن خيف عليه الفتنة، وقد جاءت أحاديث كثيرة في الصحيح في الأمرين وجمع العلماء بينهما بما ذكرته انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"عن أبي صديق الناجي": واسمه بكر بن عمرو وقيل ابن قيس الناجي منسوب إلى ناجية

(3/14)


حَزُرْنَا قِيَامَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في الظّهْرِ وَالْعَصْرِ فَحَزُرْنَا قِيَامَهُ في الرّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنَ الظّهْرِ قَدْرُ ثَلاَثِينَ آيَةٍ، قَدْرُ ألم تَنْزِيلُ السّجْدَةِ، وَحَزُرْنَا قِيَامَهُ في الأُخْرَيَيْنِ عَلَى النّصْفِ مِنْ ذَلِكَ، وَحَزُرْنَا قِيَامَهُ في الأُولَيَيْنِ مِنَ العَصْرِ عَلَى قَدْرِ الأُخْرَيَيْنِ مِنَ الظّهْرِ، وَحَزُرْنَا قِيَامَهُ في الأُخْرَيَيْنِ مِنَ الَعَصْرِ عَلَى النّصْفِ مِنْ ذَلِكَ .
__________
قبيلة "حزرنا قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم" : وفي رواية مسلم "كنا نحرز قال النووي: هو بضم الزاي وكسرها لغتان من الحزر وهو التقدير والخرص "فحزرنا" : أي قدرنا "في الركعتين الأوليين من الظهر قدر ثلاثين آية": أي في كل ركعة قدر ثلاثين آية كما جاء في رواية لمسلم بلفظ "كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية" "قدر ألم تنزيل" : بالرفع على الحكاية ويجوز جره على البدل ونصبه بتقدير أعني "السجدة" : قال النووي: يجوز جر السجدة على البدل ونصبها بأعنى ورفعها خبر مبتدأ محذوف ولا يخفي أن هذه الوجوه الثلاثة كلها مبنية على رفع تنزيل حكاية وأما على إعرابه فيتعين جر السجدة بالإضافة. كذا قال القاري في المرقاة "وحزرنا قيامه في الأخريين على النصف من ذلك" : المذكور في الأوليين أي حزرنا قيامه في كل ركعة من الأخريين من الظهر قدر خمس عشرة آية "وحزرنا قيامه في الأوليين من العصر على قدر الأخريين من الظهر" : أي حزرنا قيامه في كل ركعة من الأوليين من العصر قدر خمس عشرة آية. الحديث يدل على تخفيف الأخريين من الظهر والعصر من الأوليين منهما. ويدل أيضاً على استحباب التخفيف في صلاة العصر وجعلها على النصف من صلاة الظهر. والحكمة في إطالة الظهر أنها في وقت غفلة بالنوم في القائلة فطولت ليدركها المتأخر، والعصر ليست كذلك بل تفعل في وقت تعب أهل الأعمال فخفف. وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطول في صلاة الظهر تطويلاً زائداً على هذا المقدار كما في حديث "إن صلاة الظهر كانت تقام ويذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يأتي أهله فيتوضأ ويدرك النبي صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولى مما يطيلها" قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي.

(3/15)


130 - باب قدر القراءة في صلاة الظهر والعصر
800 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عن سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ عن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ: أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقْرَأُ في الظّهْرِ وَالْعَصْرِ بالسّمَاءِ وَالطّارِقِ وَالسّمَاءِ ذَات
__________
"باب قدر القراءة في صلاة الظهر والعصر"
"كان يقرأ في الظهر والعصر بالسماء والطارق والسماء ذات البروج" : قد تقرر في الأصول

(3/15)


الْبُرُوجِ وَنَحْوِهما مِنَ السّوَرِ.
801 - حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُعَاذٍ أخبرنا أبِي أخبرنا شُعْبَةُ عن سِمَاكٍ قال سَمِعَ جَابِرَ بنَ سَمُرَةَ قال: كَانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا أدْحَضَتِ الشّمْسُ صَلّى الظّهْرَ وَقَرَأَ بِنَحْوٍ من وَاللّيْلِ إذَا يَغْشَى، وَالْعَصْرَ كَذَلِكَ وَالصّلَوَاتِ كَذَلِكَ، إلاّ الصّبْحَ فَإنّهُ كَانَ يُطِيلُهَا .
__________
أن كان تفيد الاستمرار وعموم الأزمان فينبغي أن يحمل قوله كان يقرأ في الظهر على الغالب من حاله صلى الله عليه وسلم، أو تحمل على أنها لمجرد وقوع الفعل لأنها قد تستعمل لذلك كما قال ابن دقيق العيد، لأنه قد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر بسبح اسم ربك الأعلى، أخرجه مسلم وأنه قرأ من سورة لقمان والذاريات في صلاة الظهر، أخرجه النسائي وأنه قرأ في الأولى من الظهر بسبح اسم ربك الأعلى، وفي الثانية هل أتاك حديث الغاشية أخرجه النسائي، وثبت أنه كان يقرأ في الأوليين من صلاة الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين يطول في الأولى ويقصر في الثانية عند البخاري ولم يعين السورتين. وثبت أنه كان يقرأ في الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية انتهى بتغيير واختصار قلت وقد ثبت أن صلاة الظهر كانت تقام فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يأتي أهله فيتوضأ ويدرك النبي صلى الله عليه وسلم وسلم في الركعة الأولى مما يطيلها أخرجه مسلم. وكذا ورد أحاديث مختلفة في قراءته صلى الله عليه وسلم في سائر الصلوات. قال الحافظ: وجمع بينها بوقوع ذلك في أحوال متغايرة إما لبيان الجواز أو لغير ذلك من الأسباب. واستدل ابن العربي باختلافها على عدم مشروعية سورة معينة في صلاة معينة وهو واضح فيما اختلف لا فيما لم يختلف كتنزيل وهل أتى في صبح الجمعة انتهى. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي حديث حسن.
"إذا دحضت الشمس" : أي إذا زالت عن كبد السماء "والعصر كذلك" : أي يقرأ في العصر بنحو من سورة والليل إذا يغشى "والصلوات كذلك" : أي كذلك يقرأ في سائر الصلوات مثل سورة والليل إذا يغشى "إلا الصبح فإنه كان يطيلها" : وفي رواية مسلم: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر بالليل إذا يغشى وفي العصر نحو ذلك وفي الصبح أطول من ذلك" والحكمة في إطالة الصبح أنها تفعل في وقت الغفلة بالنوم في آخر الليل فيكون في التطويل انتظار للمتأخر. قال النووي حاكياً عن العلماء إن السنة أن تقرأ في الصبح والظهر بطوال المفصل ويكون الصبح أطول وفي العشاء والعصر بأوساط المفصل وفي المغرب بقصاره. قال قالوا والحكمة في إطالة الصبح والظهر إنهما في وقت غفلة بالنوم آخر الليل وفي القائلة فطولها ليدركهما المتأخر بغفلة

(3/16)


802 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ عِيسى أخبرنا مُعْتَمِرُ بنُ سُلَيْمَانَ وَيَزِيدُ بنُ هَارُونَ وَهُشَيْمٌ عن سُلَيْمَانَ التّيْمِيّ عن أُمَيّةَ عن أبي مِجْلَزٍ عن ابن عُمَرَ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم سَجَدَ في صَلاَةِ الظّهْرِ ثُمّ قَامَ فَرَكَعَ فَرَأيْنَا أنّهُ قَرَأَ تَنْزِيلَ السّجْدِةِ. قال ابنُ عِيسَى: لم يَذْكُرْ أُمَيّةُ أحَدٌ إلاّ مُعْتَمِرٌ.
803 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا عَبْدُ الْوَارِثِ عن مُوسَى بنِ سَالِمٍ أخبرنا عبد الله بنُ
__________
ونحوها، والعصر ليست كذلك بل تفعل في وقت تعب أهل الأعمال فخففت عن ذلك، والمغرب ضيقة الوقت فاحتيج إلى زيادة تخفيفها لذلك ولحاجة الناس إلى عشاء صائمهم وضيفهم، والعشاء في وقت غلبة النوم والنعاس ولكن وقتها واسع فأشبهت العصر انتهى. قال الشوكاني:وكون السنة في صلاة المغرب القراءة بقصار المفصل غير مسلم فقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم قرأ فيها بسورة الأعراف والطور والمرسلات والدخان انتهى. قال قال المنذري: وأخرجه مسلم مختصراً وأخرجه النسائي.
"عن أمية": قال في الخلاصة أمية عن أبي مجلز وعنه سليمان أبو المعتمر مجهول "سجد في صلاة الظهر" : أي سجدة التلاوة "ثم قام فركع" : قال ابن الملك يعني لما قام من السجود إلى القيام ركع ولم يقرأ بعد السجدة شيئاً من باقي السورة وإن كانت القراءة جائزة. قلت بل القراءة بعدها افضل ولعلها كانت الصلاة تطول أو تركها لبيان الجواز مع أنه نص في عدم قراءته عليه السلام وإن كانت آخر السورة ثم أنه لم يكتف بالركوع وإن كان جائزاً أيضاً كما هو مذهبنا اختياراً للعمل بالأفضل كذا في المرقاة. قلت: لا بد للاكتفاء بالركوع من دليل وللكلام في هذه المسألة موضع آخر "فرأينا" : أي علمنا "أنه قرأ تنزيل السجدة" : بنصب تنزيل على المفعولية وبرفعه على الحكاية والسجدة مجرورة ويجوز نصبها بتقدير أعني ورفعها بتقدير هو المعنى سمعوا بعض قراءته لأنه كان قد يرفع صوته ببعض ما يقرأ به في الصلوات السرية ليعلموا سنية قراءة تلك السورة قاله القارىء "قال ابن عيسى لم يذكر أمية أحد": أي من شيوخه "إلا معتمر": ابن سليمان. والحديث سكت عنه المؤلف المنذري. قال الحافظ: رواه أبو داوود والطحاوي والحاكم من حديث ابن عمر نحوه وفيه أمية شيخ سليمان التيمي رواه له عن أبي مجلز وهو لا يعرف. قاله أبو داوود في رواية الرملي عنه. وفي رواية الطحاوي عن سليمان عن أبي مجلز قال ولم أسمعه منه لكنه عند الحاكم بإسقاطه، ودلت رواية الطحاوي على أنه مدلس انتهى. وقال ميرك ورواه أحمد وزاد في الركعة الأولى من الظهر، ورواه الحاكم وقال صحيح على شرطهما وأقره الذهبي على ذلك.

(3/17)


عُبَيْدِ الله قال: دَخَلْتُ عَلَى ابنِ عَبّاسٍ في شَبَابٍ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ فَقُلْنَا لِشَابٍ مِنّا: سَلِ ابنَ عَبّاسٍ أكَانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ في الظّهْرِ وَالْعَصْرِ؟ فقال: لا. فَقِيلَ لَهُ: لَعَلّهُ[ولعله][فلعله] كَانَ يَقْرَأُ في نَفسِهِ، فقال: خَمْشاً هَذِهِ شِرّ مِنَ الأُولَى، كَانَ عَبْداً مَأْمُوراً بَلّغَ مَا أُرْسِلَ بِهِ، وَمَا اخْتَصّنَا دُونَ النّاسِ بِشَيْءٍ إلاّ بِثَلاَثِ خِصَالٍ: أُمِرْنَا أنْ نَسْبِغَ الْوُضُوءَ وَأنْ لا نَأْكُلَ الصَدَقَةَ وَأن لا نَنْزِي الْحِمَارَ عَلَى الْفَرَسِ .
804 - حدثنا زِيَادُ بنُ أيّوبَ أخبرنا هُشَيْمٌ أنْبأنَا حُصَيْنٌ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسِ قال: لا أدْرِي أكَانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ في الظّهْرِ وَالْعَصْرِ أمْ لاَ.
__________
"في شباب" : جمع شاب وهو من بلغ إلى ثلاثين سنة ولا يجمع فاعل على فعال غيره "سل" : أمر من السؤال "فقال لا" : أعلم أن ابن عباس رضي الله عنه كان يشك في القراءة في السرية تارة وينفيها أخرى وربما أثبتها. أما نفيه ففي هذه الرواية وأما شكه ففي الرواية الآتية وأما إثباتها فما رواه أيوب عن أبي العالية البراء قال سألت ابن عباس أقرأ في الظهر والعصر؟ قال هو إمامك أقرأ منه بأقل أو أكثر أخرجه ابن المنذر والطحاوي وغيرهما. وقد أثبت قراءته فيهما خباب وأبو قتادة فروايتهم مقدمة على من نفى فضلا على من شك "فقال خمشاً" : قال الخطابي دعاء عليه أن يخمش وجهه أو جلده كما قال جد عاله وصلباً وطعناً ونحو ذلك من الدعاء بالسوء انتهى. قلت: وهو منصوب بفعل لا يظهر قاله في النهاية. والخمش معناه بالفارسية خراشيدن "أن نسبغ الوضوء" : من الإسباغ وهو في اللغة الإتمام ومنه درع سابغ أي أن نتمه ولا نترك شيئاً من فرائضه وسننه "وأن لا نأكل الصدقة" : لأنها لا تحل لاَل محمد صلى الله عليه وسلم "وان لا ننزى الحمار على الفرس" : أي لأنها لا نحملها عليها للنسل، يقال نزا الذكر على الأنثى ركبه وأنزيته أنا، ولعل المعنى فيه أنه يقل عددها وانقطع نماؤها وتعطلت منافعها، والخيل للركوب والركض والطلب والجهاد وإحراز الغنائم والأكل وغيرها من المنافع مما ليس في البغل. واعلم أنه يشكل الاختصاص في الإسباغ والإنزاء فإن الأول: مستحب أمر به كل واحد والثاني: مكروه نهي عنه كل واحد، نعم حرمة أكل الصدقة مخصوص بأهل البيت ويجاب بأن المراد الأيجاب وهو مختص بهم أو المراد الحث على المبالغة والتأكيد في ذلك، وقيل هذا كقول علي رضي الله عنه إلا في هذه الصحيفة فالمقصود نفي الاختصاص والاستيثار بشيء من الأحكام لأن هذه الأشياء ليست مخصوصة بهم. كذا في اللمعات. قال المنذري: وأخرجه النسائي. قلت: والترمذي أيضاً مختصراً وقال هذا حديث حسن صحيح.
"لا أدري أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر أم لا": وقد درى وعلم قراءته صلى الله عليه وسلم

(3/18)


__________
خباب وأبو قتادة وغيرهما فرواية العالمين تكون مقدمة على الشاك. والحديث أخرجه الطبراني أيضاً.

(3/19)


131 - باب قدر القراءة في المغرب
805 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن ابنِ شِهَابٍ عن عبيد الله بنِ عبد الله بنِ عُتْبَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ: أنّ أُمّ الفَضْلِ بِنْتَ الْحَارِث سَمِعَتْهُ وَهُوَ يَقْرَأُ وَالمُرْسَلاَتِ عُرْفاً، فقالت: يا بُنَيّ لَقَدْ ذَكّرَتَنِي بِقِرَاءَتِكَ هَذِهِ السّورَةَ إنّهَا لآَخِرُ مَا سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ بِهَا في المَغْرِبِ.
806 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن ابنِ شِهَابٍ عن مُحَمّدِ بنِ جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ عن أبِيِهِ أنّه قال: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ بالطّورِ في المَغْرِبِ.
__________
"باب قدر القراءة في المغرب"
"إن أم الفضل بنت الحارث" : هي والدة ابن عباس الراوي عنها وبذلك صرح الترمذي في روايته فقال عن أمه أم الفضل واسمها لبابة ويقال أنها أول امرأة أسلمت بعد خديجة والصحيح أخت عمر زوج سعيد بن زيد " إنها لاَخر ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم" : قال الحافظ: وصرح عقيل في روايته عن ابن شهاب إنها آخر صلوات النبي صلى الله عليه وسلم ولفظه "ثم صلى لنا بعدها حتى قبضه الله" أورده المصنف في باب الوفاة، وقد تقدم في باب إنما جعل الإمام ليؤتم به من حديث عائشة أن الصلاة التي صلاها النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه في مرض موته كانت الظهر، وأشرنا إلى الجمع بينه وبين حديث أم الفضل هذا بأن الصلاة التي حكتها عائشة كانت في المسجد والتي حكتها أم الفضل كانت في بيته كما رواه النسائي، لكن يعكر عليه رواية ابن إسحاق عن ابن شهاب في هذا الحديث بلفظ "خرج" إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عاصب رأسه في مرضه فصلى المغرب" الحديث أخرجه الترمذي: ويمكن حمل قولها خرج إلينا أي من مكانه الذي كان راقداً فيه إلى من في البيت فصلى بهم فتلتئم الروايات انتهى "يقرأ بها في المغرب" : هو في موضع الحال أي سمعته في حال قراءته. وهذا الحديث يرد على من قال التطويل في صلاة المغرب منسوخ قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"يقرأ بالطور" : أي بسورة الطور. قال ابن الجوزي: يحتمل أن يكون الباء بمعنى من كقوله تعالى {يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ} وهو خلاف الظاهر. وقد ورد في الأحاديث ما يشعر بأنه

(3/19)


807 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ عن ابنِ جُرَيْجٍ حدثني ابنُ أبي مُلَيْكَةَ عن عُرْوَةَ بنِ الزّبَيْرِ عن مَرْوَانَ بنِ الْحَكَمِ قال قال لِي زَيْدُ بنُ ثَابِتٍ: مَا لَكَ تَقْرَأُ في المَغْرِبِ بقصار المُفَصّلِ وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بِطُولَى الطّولَيَيْنِ؟ قال قُلْتُ مَا طُولَى الطّولَيَيْنِ؟ قال: الأَعْرافُ والآخر الأنْعَامُ، وَسَألْتُ أنَا ابنُ أبي مُلَيْكَةَ فقال لِي مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ: الْمَائِدَةُ وَالأعْرَافُ.
__________
قرأ السورة كلها، فعند البخاري في التفسير بلفظ "سمعته يقرأ في المغرب بالطور فلما بلغ هذه الآية {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ - الآيات إلى قوله - الْمُصَيْطِرُونَ} كاد قلبي يطير" وقد ادعى الطحاوي أنه لا دلالة في شيء من الأحاديث على تطويل القراءة لاحتمال أن يكون المراد أنه قرأ بعض السورة، ثم استدل لذلك بما رواه من طريق هيثم عن الزهري في حديث جبير بلفظ "سمعته يقرأ {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ} " قال فأخبر أن الذي سمعه من هذه السورة هو هذه الآية خاصة، وليس في السياق ما يقتضي قوله خاصة، وحديث البخاري المتقدم يبطل هذه الدعوى، وقد ثبت في رواية أنه سمعه يقرأ: {وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ} ومثله لابن سعد وزاد في أخرى فاستمتعت قراءته حتى خرجت من المسجد.
"عن مروان بن الحكم": كان مروان حينئذ أميراً على المدينة من قبل معاوية رضي الله عنه "بقصار المفصل" : اختلف في المراد بالمفصل مع الاتفاق على أن منتهاه آخر القرآن هل هو من أول الصافات أو الجاثية أو القتال أو الفتح أو الحجرات أو ق أو الصف أو تبارك أو سبح أو والضحى إلى آخر القرآن، أقوال أكثرها مستغرب، والراجح من هذه الأقوال أنه من الحجرات إلى آخر القرآن. وسمي مفصلاً لكثرة الفصل بين سورة بالبسملة على الصحيح. والجمهور على أن قصار المفصل من سورة لم يكن آخر القرآن، وطواله من سورة الحجرات إلى البروج، وأوساطه من البروج إلى سورة لم يكن "بطولي الطوليين" : أي بأطول السورتين الطوليين، وطولي تانيث أطول والطوليين بتحتانيتين تثنية طولي. قال الحافظ بعد ما ذكر الاختلاف في تفسير الطوليين ما نصه: فحصل الاتفاق على تفسير الطولي بالأعراف، وفي الأخرى ثلاثة أقوال المحفوظ منها الأنعام "قال قلت ما طولي الطوليين قال الأعراف والآخر الأنعام" : بين النسائي في رواية له أن التفسير من قول عروه ولفظه قال قلت: يا أبا عبد الله وهي كنية عروه، وفي رواية البيهقي قال فقلت لعروه، ففاعل قال الأولى ابن مليكة وفاعل قال الثانية عروه "وسألت أنا ابن أبي مليكة": هذه مقولة ابن جريج. قال المنذري: وأخرجه البخاري مختصراً وأخرجه النسائي.

(3/20)


__________
وأحاديث الباب تدل على استحباب التطويل في قراءة المغرب. وقد اختلفت حالات النبي صلى الله عليه وسلم فثبت أنه صلى الله عليه وسلم قرأ في المغرب بالطور والصافات، وأنه قرأ فيها نجم الدخان، وأنه قرأ فيها بسبح اسم ربك الأعلى، وأنه قرأ بالتين والزيتون، وأنه قرأ بالمعوذتين، وأنه قرأ بالمرسلات وأنه قرأ بقصار المفصل. وقال رافع بن خديج رضي الله عنه "كنا نصلي المغرب مع النبي صلى الله عليه وسلم فينصرف أحدنا وإنه ليبصر مواقع نبله" رواه البخاري قال الحافظ: وطريق الجمع بين هذه الأحاديث أنه صلى الله عليه وسلم كان أحياناً يطيل القراءة في المغرب إما لبيان الجواز وإما لعلمه بعدم المشقة على المأمومين قال وليس في حديث جبير بن مطعم دليل على أن ذلك تكرر منه وأما حديث زيد بن ثابت ففيه إشعار بذلك لكونه أنكر على مروان المواظبة على القراءة بقصار المفصل، ولو كان مروان يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم واظب على ذلك لاحتج به على زيد، لكن لم يرد زيد منه فيما يظهر المواظبة على القراءة بالطوال، وإنما أراد منه أن يتعاهد ذلك كما رآه من النبي صلى الله عليه وسلم. وفي حديث أم الفضل إشعار بأنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الصحة بأطول من المرسلات لكونه كان في شدة مرضه وهو مظنة التخفيف.

(3/21)


132 - باب من رأى التخفيف فيها
808 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ أنْبأنَا هِشَامُ بنُ عُرْوَةَ: أنّ أبَاهُ كَانَ يَقْرَأُ في صَلاَةِ المَغْرِبِ بِنَحْوِ مَا تَقْرَأُونَ وَالْعَادِيَاتِ وَنَحْوِهَا مِنَ السّوَرِ. قَالَ أبُو دَاوُدَ: هَذَا يَدُلّ أنّ ذَاكَ [ذلك] مَنْسُوخٌ. وقَالَ أبُو دَاوُدَ: هَذَا أصَحّ.
__________
"باب من رأى التخفيف فيها"
"هذا يدل أن ذاك منسوخ": أي قراءة عروة في المغرب بنحو والعاديات وشبهها من السور يدل على أن التطويل في قراءة المغرب منسوخ. ولم يبين المؤلف وجه الدلالة وكأنه لما رأى عروة أوى الخبر عمل بخلافه حمله على أنه اطلع على ناسخه. قال الحافظ: ولا يخفي بعد هذا الحمل، وكيف تصح دعوى النسخ وأم الفضل تقول إن آخر صلاة صلاها بهم قرأ بالمرسلات. انتهى. قلت: إن سلك في هذه المسألة مسلك النسخ يثبت نسخ قراءة القصار بحديث أم الفضل لا العكس.
واعلم أنه لما ورد على القائلين باستحباب القصار في المغرب، أنهم كيف قالوا به مع ثبوت طوال المفصل بل أطول منها عن النبي صلى الله عليه وسلم أجابوا عنه بثلاثة وجوه. الأول: أن تطويل القراءة لعله كان أولاً نسخ ذلك وترك بما ورد في قراءة المفصل. والثاني: أنه لعله فرق

(3/21)


809 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ سَعِيدٍ السّرْخَسِيّ أخبرنا وَهْبُ بنُ جَرِيرٍ أخبرنا أبي قال سَمِعْتُ مُحَمّدَ بنَ إسْحَاقَ يُحَدّثُ عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبيهِ عن جَدّهِ أنّهُ قال: مَا مِنَ المُفَصّلِ سُورَةٌ صَغِيرَةٌ ولا كَبِيرَةٌ إلاّ وَقَدْ سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَؤُمّ النّاسَ بِهَا في الصّلاَةِ المَكْتُوبَةِ.
__________
السورة الطويلة في ركعتين ولم يقرأها بتمامها في ركعة واحدة فصار قدر ما قرأ في الركعة بقدر القصار. والثالث: أن هذا بحسب اختلاف الأحوال قرأ بالطوال لتعليم الجواز والتنبيه على أن وقت المغرب ممتد، وعلى أن قراءة القصار فيه ليس بأمر حتمي.
وأقول الجوابان الأولان مخدوشان: أما الأول فلأن مبناه على احتمال النسخ والنسخ لا يثبت بالاحتمال ولأن كونه متروكاً إنما يثبت لو ثبت تأخر قراءة القصار على قراءة الطوال من حيث التاريخ وهو ليس بثابت، ولأن حديث أم الفضل صريح في أنها آخر ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم هو سورة المرسلات في المغرب. فحينئذ إن سلك مسلك النسخ يثبت نسخ قراءة القصار لا العكس. وأما الثاني فلأن إثبات التفريق في جميع ما ورد في قراءة الطوال مشكل، ولأنه قد ورد صريحاً في رواية البخاري وغيره ما يدل على أن جبير بن مطعم سمع الطور بتمامة قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم في المغرب فلا يفيد حٍ ليت ولعل، ولأنه قد ورد في حديث عائشة في سنن النسائي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ بسورة الأعراف في المغرب فرقها في ركعتين ومن المعلوم أن نصف الأعراف لا يبلغ القصار، فلا يفيد التفريق لإثبات القصار، فإذن الجواب الصواب هو الثالث. كذا قال بعض العلماء.
قلت: هذا الجواب الثالث أيضاً مخدوش لما في صحيح البخاري وغيره، من إنكار زيد بن ثابت على مروان مواظبته على قصار المفصل في المغرب، ولو كانت قراءته صلى الله عليه وسلم السور الطويلة في المغرب لبيان الجواز لما كان ما فعله مروان من المواظبة على قصار المفصل إلا محض السنة ولم يحسن من هذا الصحابي الجليل إنكار ما سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يفعل غيره إلا لبيان الجواز، ولو كان الأمر كذلك لما سكت مروان عن الاحتجاج بمواظبته صلى الله عليه وسلم في مقام الإنكار عليه. وأيضاً بيان الجواز يكفي فيه مرة واحدة، وقد عرفت أنه قرأ بالسور الطويلة مرات متعددة. فالحق أن القراءة في المغرب بطوال المفصل وسائر السور سنة، والاقتصار على نوع من ذلك إن انضم إليه اعتقاد أنه السنة دون غيره مخالف لهدية صلى الله عليه وسلم والله تعالى أعلم.
"عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قال": أي جده عبد الله بن عمرو بن العاص. قال ابن حجر: ولا يحتمل هنا عود الضمير لجد شعيب، فيكون الحديث عن عمرو لأن

(3/22)


810 - حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُعَاذٍ أخبرنا أبي أخبرنا قُرّةُ عن النّزّالِ بنِ عَمّارٍ عن أبي عُثْمَانَ النّهْدِيّ: أنّهُ صَلّى خَلْفَ ابنِ مَسْعُودٍ المَغْربَ فَقَرَأَ بِقُلْ هُوَ الله أحَدٌ.
__________
المصرح به في غير هذه الرواية هو الأول "ما من المفصل" : هو من الحجرات إلى آخر القرآن على الصحيح "في الصلاة المكتوبة" : أي المفروضة على الأعيان وهي الخمس.

(3/23)


133 - باب الرجل يعيد سورة واحدة في الركعتين
811 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالحٍ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني عَمْرٌو عن ابنِ أبي هِلاَلٍ عن مُعَاذِ ابنِ عَبْدِ الله الْجُهَنِيّ أنّ رَجُلاً مِنْ جُهَيْنَةَ أخْبَرَهُ: أنّهُ سَمِعَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ في الصّبْحِ إذَا زُلْزِلَتِ الأرْضُ في الرّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا، فَلاَ أدْرِي أنَسِيَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أمْ قَرَأَ ذَلِكَ عَمْداً.
__________
" باب الرجل يعيد سورة واحدة في الركعتين"
"أخبره": الضمير المستتر راجع إلى الرجل والبارز إلى معاذ ولا يضر الجهل به لأنه صحابي والصحابة كلهم عدول "أنه" : أي الرجل "في الركعتين كلتيهما" : تأكيداً لدفع توهم التبعيض. قال ابن الملك: أي قرأ في كل من ركعتيها إذا زلزلت بكمالها "فلا أدري أنسى" : بهمزة الاستفهام "أم قرأ ذلك عمداً" : تردد الصحابي في أن إعادة النبي صلى الله عليه وسلم للسورة هل كان نسياناً لكون المعتاد من قراءته أن يقرأ في الركعة الثانية غير ما قرأ به في الأولى فلا يكون مشروعاً لأمته أو فعله عمدا البيان الجواز فتكون الإعادة مترددة بين المشروعية وعدمها وإذا دار الأمر بين أن يكون مشروعاً أو غير مشروع فحمل فعله صلى الله عليه وسلم على المشروعية أولى لأن الأصل في أفعاله التشريع والنسيان على خلاف الأصل. ونظيره ذكره الأصوليون فيما إذا تردد فعله صلى الله عليه وسلم بين أن يكون جبلياً أو لبيان الشرع والأكثر على التأسي به ذكره الشوكاني. والحديث سكت عنه المؤلف والمنذري. قال في النيل: وليس في إسناده مطعن بل رجاله رجال الصحيح.

(3/23)


134- باب القراءة في الفجر
812 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى الرّازِيّ أنْبأنَا عِيسَى - يَعْني ابنَ يُونُسَ - عن إسْمَاعِيلَ عن أُصْبَغَ مَوْلَى عَمْرِو بنِ حُرَيْثٍ عن عَمْرِو بنِ حُرَيْثٍ قال: كأنّي أسْمَعُ صَوْتَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ في صَلاَةِ الْغَداةِ {فَلاَ أُقْسِمُ بالْخُنّسِ الْجوَارِ الْكُنّسِ} .
__________
"باب القراءة في الفجر"
"كأني أسمع صوت النبي صلى الله عليه وسلم" : أراد بذلك قوة تحققه لذلك بحيث إنه لشدة استحضاره له كأنه يسمع الآن "يقرأ في صلاة الغداة" : وفي رواية مسلم في الفجر {فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ} : وفي رواية مسلم {وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ} : قال النووي: أي يقرأ بالسورة التي فيها {وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ} قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه وأخرجه مسلم من حديث الوليد بن سريع مولى عمرو بن حريث عن عمرو بن حريث أنم منه. والحديث يدل على جواز قراءة سورة {إذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} في الصبح. وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم صلى بمكة الصبح فاستفتح ذكره البخاري تعليقاً من حديث أم سلمة وأنه كان يقرأ في ركعتي الفجر أو إحداهما ما بين الستين إلى المائة، أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي برزة، وأنه قرأ الروم، أخرجه النسائي عن رجل من الصحابة وأنه قرأ المعوذتين. أخرجه النسائي أيضاً من حديث عقبة بن عامر وأنه قرأ {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً} . أخرجه عبد الرزاق عن أبي بردة، وأنه قرأ الواقعة. أخرجه عبد الرزاق أيضاً عن جابر بن سمرة. وأنه قرأ بيونس وهود أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه عن أبي هريرة. وأنه قرأ {إِذَا زُلْزِلَتِ} كما تقدم في الباب المتقدم. وأنه قرأ {أَلَم تَنْزِيلُ} السجدة و {هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ} . أخرجه الشيخان من حديث ابن مسعود. قاله الشوكاني.

(3/24)


135 - باب من ترك القراءة في صلاته بفاتحة الكتاب
813 - حدثنا أبُو الوَلِيدِ الطّيَالِسِيّ أخبرنا هَمّامٌ عن قَتَادَةَ عن أبي نَضْرَةَ عن أبي سَعِيدٍ قال: أُمِرْنَا أنْ نَقْرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَمَا تَيَسّرَ .
__________
"باب من ترك القراءة في صلاته بفاتحة الكتاب"
أي ما حكمه، فثبت من أحاديث الباب أنه لا تصح صلاته.
"أمرنا" : على البناء للمجهول، والآمر إنما هو رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن مطلق الأمر والنهي

(3/24)


0000000000000000000000000
__________
ينصرف بظاهره إلى من له الأمر والنهي وهو الرسول صلى الله عليه وسلم "أن نقرأ بفاتحة الكتاب" : فيه وفيما يأتي من الأحاديث دليل على وجوب القراءة في الصلاة وأنها متعينة لا يجزي غيرها إلا لعاجز عنها وهذا مذهب مالك والشافعي وجمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وقال أبو حنيفة وطائفة قليلة لا يجب الفاتحة بل الواجب آية من القرآن "وما تيسر" : في محل الجر عطف على فاتحة الكتاب، أي أمرنا أن نقرأ - بفاتحة الكتاب وبما تيسر من القرآن. واستدل به وبقوله فما زاد في حديث أبي هريرة الآتي وبقوله فصاعداً في حديث عبادة بن الصامت الآتي على وجوب قدر زائد على الفاتحة. وتعقب بأنه ورد لدفع توهم قصر الحكم على الفاتحة. قال البخاري في جزء القراءة: هو نظير قوله تقطع اليد في ربع دينار فصاعداً. وادعى ابن حبان والقرطبي وغيرهما الإجماع على عدم وجوب قدر زائد عليها، وفيه نظر لثبوته عن بعض الصحابة ومن بعدهم فيما رواه ابن المنذر وغيره، ولعلهم أرادوا أن الأمر استقر على ذلك. وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة يقول كل صلاة يقرأ فما أسمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمعناكم وما أخفى عنا أخفينا عنكم وإن لم تزد على أم القرآن أجزأت وإن زدت فهو خير ولإبن خزيمة من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قام فصلى ركعتين لم يقرأ فيهما إلا بفاتحة الكتاب. كذا أفاد الحافظ في فتح الباري. قال الشوكاني في النيل بعد ذكر الأحاديث التي فيها زيادة فصاعداً ما نصه: وهذه الأحاديث لا تقصر عن الدلالة على وجوب قرآن مع الفاتحة ولا خلاف في استحباب السورة مع الفاتحة في صلاة الصبح والجمعة والأوليين من كل الصلوات. قال النووي: أن ذلك سنة عند جميع العلماء. وحكى القاضي عياض عن بعض أصحاب مالك وجوب السورة. قال النووي: وهو شاذ مردود. وأما السورة في الركعة الثالثة والرابعة فكره ذلك مالك واستحبه الشافعي في قوله الجديد دون القديم، ثم قال ما حاصله إنه قد ذهب إلى إيجاب قرآن مع الفاتحة عمر وابنه عبد الله وعثمان بن أبي العاص وغيرهم والظاهر ما ذهبوا إليه من إيجاب شيء من القرآن. وأما التقدير بثلاث آيات فلا دليل عليه إلا توهم أنه لا يسمى دون ذلك قرآناً لعدم إعجازه كما قيل وهو فاسد لصدق القرآن على القليل والكثير لأنه جنس. وأيضاً المراد ما يسمى قرآناً ما يسمى معجزاً ولا تلازم بينهما، وكذلك التقدير بالآية الطويلة. نعم لو كان حديث أبي سعيد الذي عند ابن ماجه بلفظ لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد وسورة في فريضة أو غيرها صحيحاً لكان مفسراً للمبهم في الأحاديث من قوله فما زاد وقوله فصاعداً وقوله ما تيسر ولكان دالاً على وجوب الفاتحة وسورة في كل ركعة ولكنه ضعيف، وقد عورضت هذه الأحاديث بما في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة أنه قال في كل صلاة يقرأ فما أسمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمعناكم وما أخفي عنا أخفينا عنكم وإن تزد على أم القرآن أجزأت وإن

(3/25)


814 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى الرّازِيّ أنْبأنَا عِيسَى عن جَعْفَرِ بنِ مَيْمُونٍ الْبَصْرِيّ أخبرنا أبُو عُثْمَانَ النّهْدِيّ حدثني أبُو هُرَيْرَةَ قال قال لِي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "اخْرُجْ فَنَادِ في المَدِينَةِ أنّهُ لا صَلاَةَ إلاّ بِقُرْآنٍ وَلَوْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَمَا زَادَ، وَلَوْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَمَا زَادَ".
815 - حدثنا ابنُ بَشّارٍ أخبرنا يَحْيَى أخبرنا جَعْفَرُ عن أبي عُثْمَانَ عن أبي هُرَيْرَة قال: أمَرَنِي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ أُنَادِيَ أنّهُ لا صَلاَةَ إلاّ بِقِراءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَمَا زَادَ .
__________
زدت فهو خير، ولكن الظاهر من السياق أن قوله وإن لم تزد الخ ليس مرفوعاً ولا مما له حكم الرفع فلا حجة فيه. وقد أخرج أبو عوانة هذا الحديث كرواية الشيخين إلا أنه زاد في آخره وسمعته يقول لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب. قال الحافظ في الفتح: وظاهر سياقه أن ضمير سمعته للنبي صلى الله عليه وسلم فيكون مرفوعاً بخلاف رواية الجماعة، ثم قال نعم قوله ما أسمعنا وما أخفي عنا يشعر بأن جميع ما ذكره متلقى عن النبي صلى الله عليه وسلم فيكون للجميع حكم الرفع انتهى. وهذا الإشعار في غاية الخفاء باعتبار جميع الحديث فإن صح جمع بينه وبين الأحاديث المصرحة بزيادة ما تيسر من القرآن بحملها على الاستحباب انتهى حاصل كلام الشوكاني وحديث أبي سعيد أخرجه البخاري في جزء القراءة. قال ابن سيد الناس إسناده صحيح ورجاله ثقات، وقال الحافظ في التلخيص إسناده صحيح.
"أخرج فناد" : أمر من النداء أصله نادى على وزن قاتل حذفت الياء للأمر "لا صلاة إلا بقرآن ولو بفاتحة الكتاب فما زاد" : استدل الحنفية على عدم تعين الفاتحة بهذا الحديث، ويجاب بأنه من رواية جعفر بن ميمون وليس بثقة كما قال النسائي، وقال أحمد ليس بقوى في الحديث، وقال ابن عدي يكتب حديثه في الضعفاء. وأيضاً قد روى المؤلف هذا الحديث بعده بلفظ أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنادي أنه لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد، وليست الرواية الأولى بأولى من الرواية الثانية. وأيضاً أين تقع هذه الرواية على فرض صحتها بجنب الأحاديث المصرحة بفرضية فاتحة الكتاب وعدم إجزاء الصلاة بدونها. وأما الجواب بأن معناه أقل مجزىء الفاتحة كصم ولو يوماً فليس بجيد لأن للخصم أن يقول معناه كاتقوا النار ولو بشق تمرة.
"أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنادي أنه لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد" : هذا الحديث ضعيف لأنه من طريق جعفر بن ميمون وهو ضعيف ليس بثقة كما عرفت، ولكنه يشهد لصحته ما عند مسلم وابن حبان والمؤلف من حديث عبادة بن الصامت بلفظ لا صلاة لمن لم

(3/26)


816 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن الَعَلاَءِ بنِ عَبْدِ الرّحْمَن أنّهُ سَمِعَ أبَا السّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بنِ زُهْرَةَ يقولُ: سَمِعْتُ أبَا هُرَيْرَةَ يقولُ: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلّى صَلاَةً لَمْ يَقْرَأْ فِيها بِأُمّ الْقُرْآنِ فِهِيَ خِدَاجٌ فَهِيَ خِدَاجٌ فَهِيَ خِدَاجٌ غَيْرُ تَمامٍ ". قال فَقُلْتْ: يا أبَا هُرَيْرَةَ إنّي أكُونُ أحيَاناً وَرَاءَ الإمَام. قال: فَغَمَزَ ذِرَاعِي وقال اقْرَأْ بِهَا يا
__________
يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعداً ويشهد له أيضاً حديث أبي سعيد المتقدم. والحديث يدل على أنه لا تصح صلاة بغير قراءة الفاتحة، وهو حجة على الحنفية.
فإن قلت: الحديث حجة على القائلين بفرضية الفاتحة في الصلاة لا على الحنيفة لأنهم إذا أثبتوا به فرضية الفاتحة لزمهم أن يثبتوا به فرضية شيء من القرآن، زائد على الفاتحة أيضاً وهم ليسوا بقائلين به، قيل قال أبي هريرة وإن لم تزد على أم القرآن أجزأت وإن زدت فهو خير رواه البخاري، وله حكم الرفع، كما قال الحافظ. وروى ابن خزيمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قام فصلى ركعتين لم يقرأ فيهما إلا بفاتحة الكتاب، وإن زاد فهو خير. فهذه الأحاديث تدل على أن ما زاد على الفاتحة ليس بفرض في الصلاة، فقالوا: باستحباب ما زاد على الفاتحة لتأتلف الأخبار.
"من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج" : بكسر الخاء المعجمة. قال الإمام الخطابي في المعالم: يعني ناقصة نقص فساد وبطلان، تقول العرب: أخدجت الناقة إذا ألقت ولدها وهو دم لم يستبن خلقه فهي مخدج. والخداج اسم مبني منه. انتهى. وقال النووي: قال الخليل أبن أحمد والأصمعي وأبو حاتم السجستاني والهروي رحمهم الله تعالى وآخرون: الخداج النقصان، يقال خدجت الناقة إذا ألقت ولدها قبل أوان النتاج وإن كان تام الخلق، وأخدجته إذا ولدته ناقصاً وإن كان لتمام الولادة، ومنه قيل لذي اليدية مخدج اليد أي ناقصها قالوا: فقوله صلى الله عليه وسلم "خداج" أي ذات خداج. وقال: جماعة من أهل اللغة: خدجت وأخدجت إذا ولدت لغير تمام انتهى وفيه فرضية قراءة الفاتحة في كل صلاة وأن الصلاة إذا لم يقرأ فيها الفاتحة فهي ناقصة نقص فساد وبطلان لأن الخداج النقصان والفساد، ومن ذلك قولهم أخدجت الناقة وخدجت إذا ولدت قبل تمام وقتها وقبل تمام الخلق وذلك نتاج فاسد. وقد زعم الحنيفة أن قوله خداج يدل على جواز الصلاة لأنه النقصان والصلاة الناقصة جائزة، وهذا تحكم فاسد "غير تمام" : بيان خداج أو بدل منه وقيل إنه تأكيد "فغمز ذراعي" : أي كبس ساعدي. قال الباجي: هو على معنى التأنيس له وتنبيه على فهم مراده والبعث له على جمع ذهنه وفهمه

(3/27)


فَارِسيّ في نَفْسِكَ فإنّي سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: "قال الله عَزّ وَجَلّ: قَسَمْتُ الصّلاَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَنِصْفُهَا لي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سألَ. قال
__________
لجوابه "اقرأ بها يا فارسي في نفسك" : معناه اقرأها سراً بحيث تسمع نفسك، وأما ما حمله عليه بعض المالكية وغيرهم أن المراد تدبر ذلك وتذكره فلا يقبل لأن القراءة لا تطلق إلا على حركة اللسان بحيث يسمع نفسه، ولهذا اتفقوا على أن الجنب لو تدبر القرآن بقلبه من غير حركة لسانه لا يكون قارئاً مرتكباً لقراءة الجنب المحرمة. قاله النووي.
"قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين" : قال الخطابي: المراد بالصلاة القراءة، يدل على ذلك قوله عليه السلام عند التفسير له والتفصيل للمراد منه إذا قال الحمد لله رب العالمين يقول الله تعالى حمدني عبدي إلى آخر السورة. وقد سمي القرآن صلاة لوقوعها في الصلاة وكونها جزءاً من أجزائها. قال الله تعالى {وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا} أي قراءتك. وقال تعالى {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} أي صلاة الفجر، فسمي الصلاة مرة قرآناً والقرآن صلاة لانتظام أحدهما بالآخر يدل على صحة ما قلناه، قوله عليه السلام بيني وبين عبدي نصفين، والصلاة خالصة لله عز وجل لا يشرك فيها أحد، فعقل أن المراد به القراءة، وحقيقة هذه القسمة منصرفة إلى المعنى لا إلى اللفظ، وذلك أن سورة الحمد نصفها ثناء ونصفها مسألة دعاء، والثناء لله والدعاء لعبده، وليس هذا انقسام ألفاظ وحروف، وقسم الثناء من جهة المعنى إلى قوله تعالى {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} وهو تمام النصف الأول، وباقي الآية وهو قوله تعالى من قسم الدعاء والمسألة، ولذا قال عليه السلام حاكياً عن ربه وهذه الآية بيني وبين عبدي، ولو كان المراد به قسمة الألفاظ والحروف لكان النصف الأخير يزيد على الأول زيادة بينة فيرتفع معنى التعديل والتنصيف، وإنما هو قسمة المعاني كما ذكرته لك، وهذا كما يقال نصف السنة إقامة ونصفها سفر، يراد به انقسام السنة مدة السفر ومدة الإقامة، لا على سبيل التعديل والتسوية بينهما حتى يكونا سواء، لا يزيد أحدهما على الآخر. وقيل لشريح: كيف أصبحت؟ قال: أصبَحت ونصف الناس عليّ غضبان، يريد أن الناس بين محكوم له ومحكوم عليه، فالمحكوم عليه غضبان علي باستخراجي الحق منه، وإكراهي إياه، ولقول الشاعر:
إذا مت كان الناس نصفين شامت ... لموتي ومثن بالذي كنت أفعل
"فنصفها لي" : وهو {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} "ونصفها لعبدي" : وهو من {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} إلى آخره، "ولعبدي ما سأل" : أي بعينه

(3/28)


رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: اقْرَأُوا يقولُ الْعَبْدُ: الْحَمْدُ لله رَبّ الْعَالَمِينَ، يقولُ الله عز وجل حَمِدَنِي عَبْدِي. يقولُ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ، يقولُ الله عز وجل أثْنَى عَلَيّ عَبْدِي، يقولُ الْعَبْدُ مَالِكِ يَوْمِ الدّينِ، يقولُ الله عز وجل مَجّدَنِي عَبْدِي. يقولُ الْعَبْدُ إيّاكَ نَعْبُدُ وَإيّاكَ نَسْتَعِينُ، فهَذِهِ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَألَ. يقولُ الْعَبْدُ اهْدِنَا الصّرَاطَ المُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ، غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضّالّينَ. فَهَؤُلاَءِ لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَألَ" .
817 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ وَابنُ السّرْحِ قالا أخبرنا سُفْيَانُ عن الزّهْرِيّ عن
__________
إن كان معلقاً على السؤال وإلا فمثله من رفع درجة ودفع مضرة ونحوهما "اقرؤوا" : ليست هذه اللفظة في رواية مسلم "يقول العبد" : وفي رواية مسلم فإذا قال العبد "حمدني عبدي إلى قوله مجدني عبدي" : قال النووي: إنما قاله لأن التحميد الثناء بجميل الفعال، والتمجيد الثناء بصفات الجلال، ويقال: أثني عليه في ذلك كله. ولهذا جاء جواباً للرحمن الرحيم لاشتمال اللفظين على الصفات الذاتية والفعلية "يقول العبد إياك نعبد" : أي نخصك بالعمادة "وإياك نستعين" : أي نخصك بالاستعانة "فهذه بيني وبين عبدي" : لأن العبادة لله تعالى والاستعانة من الله. وقال القرطبي: إنما قال الله تعالى هذا لأن في ذلك تذلل العبد لله وطلبه الاستعانة منه وذلك يتضمن تعظيم الله وقدرته على ما طلب منه "يقول العبد اهدنا الصراط المستقيم إلى آخر السورة" : إنما كان هذا للعبد لأنه سؤال يعود نفعه إلى العبد "فهؤلاء لعبدي" : وفي رواية مسلم "فهذا لعبدي" قال النووي: هكذا هو في صحيح مسلم وفي غيره "فهؤلاء لعبدي" وفي هذه الرواية دليل على أن أهدنا وما بعده إلى آخر السورة ثلاث آيات لا آيتان، وفي المسألة خلاف مبني على أن البسملة من الفاتحة أم لا، فمذهبنا ومذهب الأكثرين أنها من الفاتحة وأنها آية واهدنا وما بعده آيتان، ومذهب مالك وغيره، ممن يقول إنها ليست من الفاتحة، يقول اهدنا وما بعده ثلاث آيات، وللأكثرين أن يقولوا قوله هؤلاء، المراد به الكلمات لا الآيات بدليل رواية مسلم "فهذا لعبدي" وهذا أحسن من الجواب بأن الجمع محمول على الاثنين، لأن هذا مجاز عند الأكثرين، فيحتاج إلى دليل على صرفه عن الحقيقة إلى المجاز. انتهى.
وقال الخطابي: قد يستدل بهذا الحديث من لا يرى التسمية آية من فاتحة الكتاب وقالوا لو كانت آية لذكرت كما ذكر سائر الآي فلما بدأ بالحمد دل أنه أول آية منها وأنه لاحظ للتسمية فيها.
وقد اختلف الناس فيها، فقال قوم: هي آية من فاتحة الكتاب، وهو قول ابن عباس وأبي

(3/29)


مَحمُودِ بنِ الرّبِيعِ عن عُبَادَةَ بنِ الصّامِتِ يَبْلُغُ بِهِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَصَاعِداً" . قال سُفْيَانُ: لِمَنْ يُصَلّي وَحْدَهُ.
__________
هريرة وسعيد بن جبير وعطاء وابن المبارك والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد، وقال آخرون: ليست التسمية من فاتحة الكتاب، وروى ذلك عن عبد الله بن المغفل، وإليه ذهب أصحاب الرأي وهو قول مالك والأوزاعي. انتهى. والحديث أخرجه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه.
"عن محمود بن الربيع": في رواية الحميدي عن سفيان حدثنا الزهري سمعت محمود بن الربيع، ولمسلم من رواية صالح بن كيسان عن ابن شهاب أن محمود بن الربيع أخبره أن عبادة أبن الصامت أخبره، وبهذا التصريح بالإخبار يندفع تعليل من أعله بالانقطاع لكون بعض الرواة أدخل بين محمود وعبادة رجلاً، وهي رواية ضعيفة عند الدارقطني. قاله الحافظ "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" : فيه دلالة صريحة واضحة على أن كل صلاة لا تقرأ فيها فاتحة الكتاب لا تصح ولا تجوز، لأن النفي في قوله صلى الله عليه وسلم لا صلاة يتوجه إلى الذات إن أمكن انتفاؤها وإلا توجه إلى ما هو أقرب إلى الذات وهو الصحة لا إلى الكمال لأن الصحة أقرب المجازين والكمال أبعدهما، والحمل على أقرب المجازين واجب، وتوجه النفي ههنا إلى الذات ممكن كما قال الحافظ في الفتح لأن المزاد بالصلاة معناها الشرعي لا اللغوي لما تقرر من أن ألفاظ الشارع محمولة على عرفه لكونه بعث لتعريف الشرعيات لا لتعريف الموضوعات اللغوية.
وإذا كان المنفي الصلاة الشرعية استقام نفي الذات، لأن المركب كما ينتفي بانتفاء جميع أجزائه ينتفي بانتفاء بعضها، فلا يحتاج بإضمار الصحة ولا الأجزاء ولا الكمال كما روي عن جماعة لأنه إنما يحتاج إليه عند الضرورة وهي عدم إمكان انتفاء الذات.
ولو سلم أن المراد ههنا الصلاة اللغوية فلا يمكن توجه النفي إلى ذاتها، لأنها قد وجدت في الخارج كما قاله البعض، لكان المتعين توجيه النفي إلى الصحة أو الإجزاء لا إلى الكمال، إما أولاً: فلما ذكرنا من أن ذلك أقرب المجازين، وإما ثانياً: فلرواية الدارقطني بلفظ "لا تجزىء الصلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" وقال إسناده صحيح، وصححها ابن القطان، ولها شاهد من حديث أبي هريرة مرفوعاً بهذا اللفظ أخرجه ابن خزيمة وابن حبان وغيرهما، ولأحمد بلفظ "لا تقبل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن" ومن ههنا لاح لك أن قول الحنفية بأن المراد بالنفي في الحديث نفي الكمال باطل لا دليل عليه.

(3/30)


818 - حدثنا عبد الله بنُ مُحَمّدٍ النّفَيْلِيّ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ سَلَمَةَ عن مُحَمّدِ بنِ إسْحَاقَ عن مَكْحُولٍ عن محمُودِ بنِ الرّبِيعِ عن عُبَادَةَ بنِ الصّامِتِ قال: كُنّا خَلْفَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في صَلاَةِ الْفَجْرِ، فَقَرَأَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ، فَلَمّا فَرَغَ
__________
واعلم أن بعض العلماء الحنفية قد تأولوا رواية الدارقطني المذكورة وقالوا أنها محمولة على الإجزاء الكامل، وأنت تعلم أن هذا تحكم بحت وتعصب محض لأنه ليس بعد الإجزاء إلا البطلان، وماذا بعد الحق إلا الضلال. واستدل بالحديث على وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة بناء على أن الركعة الواحدة تسمي صلاة لو تجردت، وفيه نظر لأن قراءتها في ركعة واحدة من الرباعية مثلاً يقتضي حصول اسم قراءتها في تلك الصلاة، والأصل عدم وجوب الزيادة على المرة الواحدة، والأصل أيضاً عدم إطلاق الكل على البعض، لأن الظهر مثلاً كلها صلاة واحدة حقيقة كما صرح به في حديث الإسراء حيث سمي المكتوبات خمساً وكذا حديث عبادة "خمس صلوات كتبهن الله على العباد" وغير ذلك فإطلاق الصلاة على ركعة منها يكون مجازاً.
قال الشيخ تقي الدين: وغاية ما في البحث أن يكون في الحديث دلالة مفهوم على صحة الصلاة بقراءة الفاتحة في كل ركعة واحدة منها، فإن دل دليل خارج منطوق على وجوبها في كل ركعة كان مقدماً. انتهى.
وقال بمقتضي هذا البحث الحسن البصري: رواه عنه ابن المنذر بإسناد صحيح ودليل الجمهور قوله صلى الله عليه وسلم "وافعل ذلك في صلاتك كلها" بعد أن أمره بالقراءة، وفي رواية لأحمد وابن حبان "ثم افعل ذلك في كل ركعة" كذا قال الحافظ. واستدل بالحديث على وجوب قراءة الفاتحة على المأموم سواء أسر الإمام أم جهر، لأن صلاته صلاة حقيقة، فتنتفي عند انتفاء القراءة، وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى.
"فصاعداً" : أي فما زاد على فاتحة الكتاب من الصعود وهو الارتفاع من سفل إلى علو. قال المظهر: أي زائداً وهو منصوب على الحال، أي لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن فقط أو بأن القرآن حل كون قراءته زائداً على أم القرآن. كذا في المرقاة "قال سفيان لمن يصلي وحده": قال الإمام الخطابي: هذا عموم لا يجوز تخصيصه إلا بدليل. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه، وليس في حديث بعضهم فصاعداً.
"فثقلت عليه القراءة" : أي شق عليه التلفظ والجهر بالقراءة، ويحتمل أن يراد به أنها التبست عليه القراءة بدليل الرواية الآتية "فلما فرغ" : أي من الصلاة "قلنا نعم هذا" : قال الخطابي: الهذ سرد القراءة ومداركتها في سرعة واستعجال وقيل أراد بالهذ الجهر بالقراءة،

(3/31)


قال: "لَعَلّكُم تَقْرَأُونَ خَلْفَ إمَامِكُمْ؟" قُلْنَا: نَعَمْ هَذّاً يا رسولَ الله. قال: "لا تَفْعَلُوا إلاّ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فإنّهُ لا صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا".
__________
وكانوا يلبسون عليه قراءته بالجهر، وقد روى ذلك في حديث عبادة هذا من غير هذا الطريق "لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها" : قال الخطابي: هذا الحديث صريح بأن قراءة الفاتحة واجبه على من خلف الإمام سواء جهر الإمام بالقراءة أو خافت بها، وإسناده جيد لا طعن فيه.
قلت: القراءة خلف الإمام فيما أسر وفيما جهر هذا هو الحق، وإليه ذهب الشافعي وإسحاق والأوزاعي والليث بن سعد وأبو ثور، وبه قال عروة بن الزبير وسعيد بن جبير والحسن البصري ومكحول.
قال البخاري في جزء القراءة: قال الحسن وسعيد بن جبير وميمون بن مهران وما لا أحصى من التابعين وأهل العلم: إنه يقرأ خلف الإمام وإن جهر. انتهى. وقال فيه وقال عمر بن الخطاب: اقرأ خلف الإمام. قلت: وإن قرأتَ قال: نعم وإن قرأتُ وكذلك قال أُبي بن كعب وحذيفة بن اليمان وعبادة رضي الله تعالى عنهم ويذكر عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمرو وأبي سعيد الخدري وعدة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نحو ذلك. انتهى.
وظاهر الحديث الإذن بقراءة الفاتحة جهراً لأنه استثنى من النهي عن الجهر خلفه، ولكنه أخرج ابن حبان من حديث أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أتقرؤن في صلاتكم خلف الإمام والإمام يقرأ فلا تفعلوا وليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه" وأخرجه أيضاً الطبراني في الأوسط والبيهقي، وأخرجه عبد الرزاق عن أبي قلابة مرسلاً. كذا في التلخيص.
قلت: وأخرج البخاري في جزء القراءة: حدثنا يحيى بن يوسف قال أنبأنا عبد الله عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس رضي الله عنه "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه، فلما قضي صلاته
__________
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم:
وأعل هذا الحديث بأن ابن إسحاق رواه عن مكحول وهو مدلس لم يصرح بسماعه من مكحول, وإنما عنعنه والمدلس إذا عنعن لم يحتج بحديثه وكذلك رواه أبو داود, قال البيهقي وقد رواه إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق. فذكر سماعه فيه من مكحول فصار الحديث بذلك موصولا صحيحا. وقد رواه البخاري في كتاب القراءة خلف الإمام وقال هو صحيح ووثق ابن إسحاق وأثنى عليه واحتج بحديثه فيه ثم رواه من غير حديث ابن إسحاق أيضا وقال هو صحيح.

(3/32)


819 - حدثنا الرّبِيعُ بنُ سُلَيْمَانَ الأزْدِيّ أخبرنا عبد الله بنُ يُوسُفَ أخبرنا الْهَيْثَمُ بنُ حَمِيدٍ أخبرني زَيْدُ بنُ وَاقِدٍ عن مَكْحُولٍ عن نَافِعِ بنِ محمُودِ بنِ الرّبِيعِ الأنْصَارِيّ، قال نَافِعٌ: أبْطَأ عُبَادَةُ عن صَلاَةِ الصّبْحِ فأقَامَ أبُو نُعَيْمٍ المُؤَذّنُ الصّلاَةَ، فَصَلّى أبُو نُعَيْمٍ بِالنّاسِ وَأقْبَلَ عُبَادَةُ وَأنَا مَعَهُ حَتّى صُفِفْنَا خَلفَ أبي نعيمٍ وأبُو نعيمٍ يَجْهَرُ بالْقِرَاءَةِ، فَجَعَلَ عُبَادَةُ يَقْرَأُ بِأُمّ الْقُرْآنِ، فَلَمّا انْصَرَفَ قُلْتُ لِعُبَادَةَ: سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ بِأُمّ الْقُرْآنِ وَأبُو نعيمٍ يَجْهَرُ. قال: أجَلْ صَلّى بِنَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بَعْضَ الصّلَوَاتِ الّتي يَجْهَرُ فيها الْقِرَاءَةَ. قال: فَالْتُبِسَتْ عَلَيْهِ الْقِراءَةُ، فَلَمّا انْصَرَفَ أقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فقال: "هَلْ تَقْرَأُونَ إذَا جَهَرْتُ بِالْقِرَاءَةِ؟" فقال بَعْضُنَا: إنّا نَصْنَعُ ذَلِكَ، قال: "فَلاَ وَأنَا أقُولُ مَالِي يُنَازِعُنِي الْقُرْآنَ فَلاَ تَقْرَأُوا بِشَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ إذَا جَهَرْتُ إلاّ بِأُمّ الْقُرْآنِ" .
__________
"أقبل عليهم بوجهه فقال: أتقرؤن في صلاتكم والإمام يقرأ؟ فسكتوا، فقالها ثلاث مرات، فقال قائل أو قائلون: إنا لنفعل، قال: فلا تفعلوا وليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه" قال الترمذي وأخرجه الترمذي وقال حديث حسن.
قلت: وأخرجه أيضاً أحمد والبخاري في جزء القراءة وصححه، وابن حباز والبيهقي من طريق ابن إسحاق قال حدثني مكحول عن محمود بن ربيعة عن عبادة وتابعه زيد بن واقد وغيره عن مكحول. ومن شواهده ما رواه أحمد من طريق خالد الحذاء عن أبي قلابة عن محمد بن أبي عائشة عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لعلكم تقرأون والإمام يقرأ، قالوا: إنا لنفعل، قال: لا إلا بأن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب" .
قال الحافظ: إسناده حسن، ورواه ابن حبان من طريق أيوب عن أبي قلابة عن أنس وزعم أن الطريقتين محفوظتان، وخالفه البيهقي فقال: إن طريق أبي قلابة عن أنس ليست بمحفوظة، ومحمد بن إسحاق قد صرح بالتحديث، فذهبت مظنة تدليسة وتابعه من تقدم. كذا قال الشوكاني.
"عن نافع بن محمود بن الربيع الأنصاري": قال في الخلاصة: عن عبادة بن الصامت وعنه مكحول وثقة ابن حبان "أبطأ عبادة عن صلاة الصبح" : أي تأخر عنها "فأقام أبو نعيم المؤذن الصلاة" : زاد الدارقطني وكان أبو نعيم أول من أذن في بيت المقدس "فالتبست" : أي اختلطت "وأنا أقول" : أي في نفسي "مالي ينازعني" : أي يعالجني ولا يتيسر "القرآن" : بالرفع أي لا يتأتي لي

(3/33)


820 - حدثنا عَلِيّ بنُ سَهْلٍ الرّمْلِيّ أخبرنا الْوَلِيدُ عن ابنِ جَابِرٍ وَسَعِيدِ و عبد الله بنِ عَبْدِ العَزِيز بنِ الْعَلاَءِ عن مَكْحُولٍ عن عُبَادَةَ نَحْوَ حديثِ الرّبِيعِ بنِ سُلَيْمَانَ قالُوا: فَكَانَ مَكْحُولٌ يَقْرَأُ في المَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَالصّبْحِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ في كلّ رَكْعَةٍ سِرّا قال مَكْحُولٌ: أقْرَأُ بِها فيما جَهَرَ بِهِ الإمَامُ إذا قَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسَكَتَ سِرّا، فإنْ لَمْ يَسْكُتْ اقْرَأْ بِهَا قَبْلَهُ وَمَعَهُ وَبَعْدَهُ لا تَترُكْهَا عَلَى كلّ حَالٍ.
__________
فكأني أجاذبه فيعصي ويثقل عليّ. قاله الطيبي، وبالنصب أي ينازعني من ورائي فيه بقراءتهم على التغالب يعني تشوش قراءتهم على قراءتي، ويؤيد ما في نسخة: ينازعني بضم العين وتشديد النون على حذف الواو ونصب القرآن، لكن في صحتها نظر إذ لا يجوز التأكيد إلا في الاستقبال بشرط الطلب. كذا في المرقاة "فلا تقرأوا بشيء من القرآن إذا جهرت إلا بأم القرآن": أي بفاتحة الكتاب وسميت أم القرآن لأنها فاتحته، كما سميت مكة أم الفري لأنها أصلها. قاله النووي والحديث. قال المنذري: وأخرجه النسائي. قلت: وأخرجه البخاري في جزء القراءة والدارقطني في سننه وقال: هذا إسناد حسن ورجاله ثقات كلهم، وهذا الحديث أيضاً يدل على قراءة فاتحة الكتاب خلف الإمام جهر أو أسر.
"قالوا": أي ابن جابر وسعيد بن عبد العزيز وعبد الله بن العلاء "فكان مكحول يقرأ": هو أبو عبد الله الدمشقي ثقة فقيه عن كثير من الصحابة مرسلاً قال أبو حاتم ما أعلم بالشام أفقه منه "يقرأ في المغرب الخ": لقوله صلى الله عليه وسلم "فلا تقرؤوا بشيء من القرآن إذا جهرت إلا بأم القرآن" "قال مكحول اقرأ": أمر للمخاطب "إذا قرأ بفاتحة الكتاب وسكت": أي اقرأ في سكتة الإمام التي بعد الفاتحة وهي سنة للإمام كما تقدم "سراً": أي اقرأ سراً "فإن لم يسكت": أي الإمام "اقرأ بها قبله ومعه وبعده لا تتركها على كل حال": لأنه لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب. قال المنذري: هذا منقطع. مكحول لم يدرك عبادة ابن الصامت.
فائدة: قد اختلفت الشافعية في قراءة الفاتحة هل تكون عند سكتات الإمام أو عند قراءته وظاهر الأحاديث أنها تقرأ عند قراءة الإمام وفعلها حال سكوت الإمام إن أمكن أحوط لأنه يكون فاعل ذلك أخذاً بالإجماع، وأما اعتياد قراءتها حال قراءته للسورة فقط فليس عليه دليل بل الكل جائز وسنة. نعم حال قراءة الإمام للفاتحة مناسب من جهة عدم الاحتياج إلى تأخير الاستعاذة عن محلها الذي هو بعد التوجه، أو تكريرها عند إرادة قراءة الفاتحة إن فعلها في محلها أولاً وأخر الفاتحة إلى حال قراءة الإمام للسورة، ومن جهة

(3/34)


__________
الاكتفاء بالتأمين مرة واحدة عند فراغه وفراغ الإمام من قراءة الفاتحة إن وقع الاتفاق في التمام بخلاف من أخر قراءة الفاتحة إلى حال قراءة الإمام للسورة. كذا في النيل.

(3/35)


136 - باب من رأى القراءة إذا لم يجهر
821 - حدثنا الْقَعْنَبيّ عن مَالِكٍ عن ابنِ شِهَابٍ عن ابنِ أُكَيْمَةَ اللّيْثِيّ عن أبي هُرَيْرَةَ: أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم انْصَرَفَ من صَلاةٍ جَهَرَ فيها بالْقِرَاءَةِ فقال: "هَلْ قَرَأَ مَعِيَ أحدٌ مِنْكُمْ آنِفاً؟" فقالوا: نَعَمْ يا رسولَ الله. قال: "إنّي أقُولُ مَالِي أُنَازِعُ الْقُرْآنَ". قال: فَانْتَهَى النّاسُ عن الْقِرَاءَةِ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فيما جَهَرَ[به] فيه النّبيّ صلى الله عليه وسلم بالْقِرَاءَةِ مِنَ الصّلَوَاتِ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم.
__________
باب من رأى القراءة إذا لم يجهر
"انصرف" : أي فرغ "آنفاً" : بالمد ويجوز قصره يعني الآن وأراد به قريباً "إني أقول مالي أنازع القرآن" : بفتح الزاي ونصب القرآن على أنه مفعول ثان أي فيه كذا في الأزهار، وفي نسخة بكسر الزاي، وفي شرح المصابيح لابن الملك قيل على صيغه المجهول أي أداخل في القراءة وأشارك فيها وأغالب عليها. كذا في المرقاة. قال الخطابي: معناه أداخل في القراءة وأغالب عليها، وقد تكون المنازعة بمعنى المشاركة والمداولة ومنه منازعة الكأس في المدام وقال في النهاية: أي أجاذب في قراءته كأنهم جهروا بالقراءة خلفه فشغلوه فالتبست عليه القراءة وأصل النزع الجذب ومنه نزع الميت بروحه "فانتهى الناس عن القراءة الخ" : زاد البخاري في جزء القراءة: وقرؤوا في أنفسهم سراً فيما لا يجهر فيه الإمام .
__________
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وقد أعل البيهقي هذا الحديث بابن أكيمة وقال تفرد به وهو مجهول ولم يكن عند الزهري من معرفته أكثر من أن رآه يحدث سعيد بن المسيب واختلفوا في اسمه فقيل عمارة وقيل عمار قاله البخاري.
وقوله فانتهى الناس عن القراءة من قول الزهري قاله محمد بن يحيى الذهلي صاحب الزهريات والبخاري وأبو داود واستدلوا على ذلك برواية الأوزاعي حين ميزه من الحديث وجعله من قول الزهري قال وكيف يكون ذلك من قول أبي هريرة وهو يأمر بالقراءة خلف الإمام فيما جهر فيه وفيما خافت وقال غيره هذا التعليل ضعيف فإن ابن أكيمة من التابعين وقد حدث بهذا.

(3/35)


قَالَ أبُو دَاوُدَ: رَوَى حديثَ ابنِ أُكَيْمَةَ هذا مَعْمَرٌ وَيُونُسُ وَأُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ عن الزّهْرِيّ عَلَى مَعْنَى مَالِكٍ.
__________
واعلم أن قوله فانتهى الناس الخ ليس من الحديث بل هو مدرج من كلام الزهري بينه الخطيب واتفق عليه البخاري في التاريخ وأبو داوود ويعقوب بن سفيان والذهلي والخطابي وغيرهم. كذا قال الحافظ في التلخيص. وقال البخاري في جزء القراءة: وقوله فانتهى الناس من كلام الزهري وقد بينه لي الحسن بن صباح قال حدثنا مبشر عن الأوزاعي قال الزهري فاتعظ المسلمون بذلك فلم يكونوا يقرأون فيما جهر. وقال مالك قال ربيعة للزهري: إذا حدثت فبين كلامك من كلام النبي صلى الله عليه وسلم انتهى. وقال البيهقي في المعرفة قوله فانتهى الناس عن القراءة من قول الزهري قاله محمد بن يحيى الذهلي صاحب الزهريات، ومحمد بن إسماعيل البخاري وأبو داوود، واستدلوا على ذلك برواية الأوزاعي حين ميزه من الحديث وجعله من الزهري. وكيف يصح ذلك عن أبي هريرة وأبو هريرة يأمر بالقراءة خلف الإمام فيما جهر به وفيما خافت انتهى مختصراً. والحديث استدل به القائلون بأنه لا يقرأ المؤتم خلف الإمام في
__________
الحديث ولم ينكره عليه أعلم الناس بأبي هريرة وهو سعيد بن المسيب ولا يعلم أحد قدح فيه ولا جرحه بما يوجب ترك حديثه ومثل هذا أقل درجات حديثه أن يكون حسنا كما قال الترمذي وقوله فانتهى الناس وإن كان الزهري قاله فقد رواه معمر عن الزهري قول أبي هريرة وأي نتاف بين الأمرين بل كلاهما صواب قاله أبو هريرة كما قال معمر وقاله الزهري كما قاله هؤلاء وقاله معمر أيضا كما قال أبو داود فلو كان قول الزهري له علة في قول أبي هريرة لكان قول معمر له علة في قول الزهري وأن نجعل ذلك كلام معمر.
وقوله كيف يصح ذلك عن أبي هريرة وهو يأمر بالقراءة خلف الإمام فالمحفوظ عن أبي هريرة أنه قال اقرأ بها في نفسك وهذا مطلق ليس فيه بيان فيه أن يقرأ بها حال الجهر ولعله قال له يقرأ بها في السر والسكتات ولو كان عاما فهذا رأى له خالفه فيه غيره من الصحابة والأخذ بروايته أولى وقد روى الدارقطني والبيهقي من حديث زيد بن وافد عن حرام بن حكيم ومكحول عن نافع بن محمود أنه سمع عبادة بن الصامت يقرأ بأم القرآن وأبو نعيم يجهر بالقراءة فقلت رأيتك صنعت في صلاتك شيئا قال وما ذاك قلت سمعتك تقرأ بأم القرآن وأبو نعيم يجهر بالقراءة قال نعم صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة فلما انصرف قال "هل منكم من أحد يقرأ شيئا من القرآن إذا جهرت بالقراءة" قلنا نعم يارسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "وأنا أقول مالي أنازع القرآن لا يقرأن أحد منكم شيئا من القرآن إذا جهرت بالقراءة إلا بأم القرآن" قال الدراقطني إسناده حسن ورجاله ثقات قال البيهقي وزيد بن وافد ثقة ومكحول سمع هذا الحديث من محمود بن الربيع ومن ابنه نافع بن محمود ونافع بن محمود وأبوه محمود بن الربيع سمعا من

(3/36)


...................................
__________
الجهرية وهو خارج عن محل النزاع، لأن الكلام في قراءة المؤتم خلف الإمام سراً والمنازعة إنما تكون مع جهر المؤتم لا مع إسراره. وأيضاً لو سلم دخول ذلك في المنازعة لكان هذا الاستفهام الذي للإنكار عاماً لجميع القرآن أو مطلقاً في جميعه، وحديث عباده خاصاً ومقيداً، وبناء العام على الخاص واجب كما تقرر في الأصول كذا في النيل. قلت: قد عرفت أن جملة فانتهى الناس الخ ليست من الحديث. وأما الحديث فقال الترمذي بعد إخراجه هذا حديث حسن لكن قال النووي وأنكر الأئمة على الترمذي تحسينه واتفقوا على ضعف هذا الحديث لأن ابن أكيمة مجهول، كذا قال على القاري في المرقاة. وقال بعد أسطر قال ميرك نقلاً عن أبن الملقن: حديث أبي هريرة رواه مالك والشافعي والأربعة، وقال الترمذي حسن وصححه ابن حبان وضعفه الحميدي والبيهقي انتهى. وبهذا يعلم أن قول النووي: اتفقوا على ضعف هذا الحديث غير صحيح. قلت: لكن الأكثرين على ضعفه ولو سلم صحته فلا يتم الاستدلال به على ترك القراءة خلف الإمام فيما جهر كما تقدم. قال الترمذي: ليس في هذا الحديث ما يدخل على من رأى القراءة خلف الإمام لأن أبا هريرة هو الذي روى عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن
__________
عبادة بن الصامت وروى البيهقي من طريق سفيان عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن محمد بن أبي عائشة عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لعلكم تقرأون والإمام يقرأ" قالوا إنا لنفعل قال "فلا تفعلوا إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب" رواه جماعة عن سفيان قال وهذا إسناد صحيح وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم ثقة فترك ذكر أسمائهم في الإسناد لا يضر إذا لم يعارضه ما هو أصح منه ولكن لهذا الحديثة علة وهي أن أيوب خالف فيه خالدا ورواه عن أبي قلابة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا وهو كذلك في تاريخ البخاري عن مؤمل عن إسماعيل بن علية عن أيوب عن أبي قلابة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما حديث جابر يرفعه من كان له إمام قراءة الإمام له فقراءة فله علتان إحداهما أن شعبة والثوري وابن عيينة وأبا عوانة وجماعة من الحفاظ رووه عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد مرسلا والعلة الثانية أنه لا يصح رفعه وإنما المعروف وقفه قال الحاكم سمعت سلمة بن محمد يقول سألت أبا موسى الرازي الحافظ عن الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة فقال لم يصح فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء إنما اعتمد مشايخنا فيه على الروايات عن علي وابن مسعود والصحابة قال الحاكم أعجبني هذا لما سمعته فإن أبا موسى أحفظ من رأينا من أصحاب الرأي تحت أديم السماء وقد رفعه جابر الجعفي وليث بن أبي سلم عن أبي الزبير عن جابر وتابعهما من هو أضعف منهما أو مثلهما.

(3/37)


822 - حدثنا مُسَدّدٌ وَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمّدٍ الْمَرْوَزِيّ و مُحَمّدُ بنُ أَحْمَدَ بن أبي خَلَفٍ وَعَبْدُ الله بنُ مُحَمّدٍ الزّهْرِيّ وَ ابنُ السّرْحِ قالُوا أخبرنا سُفْيَانُ عن الزّهْرِيّ قال سَمِعْتُ ابنَ أُكَيْمَةَ يُحَدّثُ سَعِيدَ بنِ المُسَيّبِ قال سَمِعْتُ أبَا هُرَيْرَةَ يقولُ: صَلّى بِنَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم صَلاَةً نَظُنّ أنّهَا الصّبْحَ - بِمَعْنَاهُ إلَى قَوْلِهِ – "مَالِي أُنَازِعُ الْقُرْآنَ" .
قَالَ أبُو دَاوُدَ: قال مُسْدَدٌ في حَدِيثِهِ قال مَعْمَرٌ: فَانْتَهَى النّاسُ عن الْقِرَاءَةِ فيما جَهَرَ بِهِ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم. وقال ابنُ السّرْحِ في حَدِيثِهِ قال مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ قال أبُو هُرَيْرَةَ: فَانتَهَى النّاسُ. وقال عَبْدُ الله بنُ مُحَمّدٍ الزّهْرِيّ من بَيْنِهم قال سُفْيَانُ وَتَكَلّمَ الزّهْرِيّ بِكَلِمَةٍ لَمْ أسْمَعْهَا فقال مَعْمَرٌ إنّهُ قال: فَانْتَهَى النّاسُ.
__________
فهي خداج غير تمام" ، فقال له حامل الحديث إني أكون أحياناً وراء الإمام. قال اقرأ بها في نفسك. وروى أبو عثمان النهدي عن أبي هريرة قال: "أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنادي أن لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب" . انتهى. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي هذا حديث حسن، وابن أكيمة الليثي اسمه عمارة ويقال عمرو بن أكيمة، وذكر الترمذي أن اسمه عامر وقيل عمار ويقال يزيد وقيل عباد وأن كنيته أبو الوليد "على معنى مالك": أي على معنى حديثه لا على لفظه.
"عن الزهري": محمد بن شهاب "قال": أي الزهري "سمعت ابن أكيمة": بضم الهمزة وفتح الكاف مصغر أكمة. قال أبو حاتم صحيح الحديث، وفي التقريب وشرح الزرقاني على الموطإ ثقة، وقال البيهقي في المعرفة: هذا حديث تفرد به ابن أكيمة وهو مجهول، ولم يكن عند الزهري من معرفته أكثر من أن رآه يحدث سعيد بن المسيب، واختلفوا في اسمه فقيل عمارة وقيل عمار. قاله البخاري انتهى "يحدث": أي ابن أكيمة "سعيد بن المسيب": مفعول يحدث وهذه الجملة حال أي يقول الزهري إني سمعت ابن أكيمة حال كون ابن أكيمة يحدث بهذا سعيد بن المسيب "قال": ابن أكيمة "سمعت أبا هريرة": وفي الموطإ مالك عن ابن شهاب عن ابن أكيمة الليثي عن أبي هريرة، وفي رواية للطحاوي من طريق الأوزاعي حدثني الزهري عن سعيد عن أبي هريرة "بمعناه": أي بمعنى الحديث المتقدم "قال أبو داوود قال مسدد في حديثه قال معمر إلخ": حاصل كلام المؤلف أن معمراً قد اختلف عليه فمعمر تارة قوله فانتهى الخ من كلام أبي هريرة وأما غيره من أصحاب الزهري كسفيان وعبد الرحمن بن إسحاق والأوزاعي ومحمد بن يحيى بن فارس فيجعلانه من كلام الزهري.

(3/38)


قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ إسْحَاقَ عن الزّهْرِيّ، وانْتَهَى حَدِيثُهُ إلَى قَوْلِهِ "مَالَي أُنَازِعُ الْقُرْآنَ" . وَرَوَاهُ الأوْزَاعِيّ عن الزّهْرِيّ قال فيه قال الزّهْرِيّ فَاتّعَظَ المُسْلِمُونَ بِذَلِكَ فَلَمْ يكُونُوا يَقْرَأُونَ مَعَهُ فيما يَجْهَرُ[جهر] بِهِ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُ مُحَمّدَ بنَ يَحْيَى بنَ فَارِسَ قال قَوْلُهُ: فَانْتَهَى النّاسُ من كلامِ الزّهْرِيّ.
823 - حدثنا أبُو الْوَلِيدِ الطّيَالِسِيّ أخبرنا شُعْبَةُ ح. وحدثنا مُحَمّدُ بنُ كَثِيرٍ الْعَبْدِيّ أنْبأنَا شُعْبَةُ المَعْنَى عن قَتَادَةَ عن زُرَارَةَ عن عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم صَلّى الظّهْرَ فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَرَأَ خَلفَهُ بِسَبّحِ اسْمَ رَبّكَ الأعْلَى، فَلمّا فَرَغَ قال: "أيّكُمْ قَرَأَ؟" قالُوا: رَجُلٌ، قال: "قَدْ عَرَفْتُ أنّ بَعْضَكُمْ خَالَجَنِيهَا".
قَالَ أبُو دَاوُدَ: قال أبُو الْوَلِيدِ في حَدِيثِهِ: قال شُعْبَةُ: فَقُلْتُ لِقَتَادَةَ ألَيْسَ قَوْلُ سَعِيدٍ: أنْصِتْ لِلْقُرآنِ؟ قال: ذَاكَ إذَا جَهَرَ بِهِ. وقال ابنُ كَثِيرٍ في حَدِيثِهِ قال قُلْتُ لِقَتَادَةَ: كأنّهُ
__________
"عن زرارة": بضم الزاي المعجمة هو ابن أوفي الحرشي بفتح المهملتين ثم شين معجمة أبو حاجب البصري قاضيها عن عمران بن حصين بن المغيرة بن شعبة وعبد الله بن سلام وأبي هريرة، وعنه قتادة وعلي بن زيد بن جدعان وأيوب وعوف بن أبي جميلة، وثقة النسائي وابن سعد "فجاء رجل فقرأ": أي جهراً "قالوا" : أي الصحابة رضي الله عنهم "قال" : أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "قد عرفت أن بعضكم خالجنيها" : أي نازعنيها، ومعنى هذا الكلام الإنكار عليه في جهره أو رفع صوته بحيث أسمع غيره لا عن أصل القراءة، بل فيه أنهم كانوا يقرأون بالسورة في الصلاة السرية، وفيه إثبات قراءة السورة في الظهر للإمام والمأموم قال النووي: وهكذا الحكم عندنا ولنا وجه شاذ ضعيف أنه لا يقرأ المأموم السورة في السرية كما لا يقرأها في الجهرية، وهذا غلط لأنه في الجهرية يؤمر بالإنصات وهنا لا يسمع فلا معنى لسكوته من غير استماع، ولو كان بعيداً عن الإمام لا يسمع قراءته. فالصحيح أنه يقرأ السورة لما ذكرناه انتهى.
وظاهر الأحاديث المنع من قراءة ما عدا الفاتحة من القرآن من غير فرق بين أن يسمع المؤتم الإمام أو لا يسمعه لأن قوله صلى الله عليه وسلم: "فلا تقرأوا بشيء من القرآن" . إذا جهرت يدل على النهي عن القراءة عند مجرد وقوع الجهر من الإمام وليس فيه ولا في غيره ما يشعر باعتبار السماع كذا في النيل. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي "قال شعبة فقلت لقتادة أليس

(3/39)


كَرِهَهُ. قال: لوْ كَرِهَهُ نَهَى عَنْهُ.
824 - حدثنا ابنُ المُثَنّى أخبرنا ابنُ أبي عَدِيّ عن سَعِيدٍ عن قَتَادَةَ عن زُرَارَةَ عن عِمْرانَ ابنِ حُصَيْنٍ: "أنّ نَبيّ الله صلى الله عليه وسلم صَلّى بِهِمْ الظّهْرَ، فَلَمّا انْفَتَلَ قال: "أيّكُمْ قَرَأَ بِسَبّحِ اسْمَ رَبّكَ الأعْلَى؟" فقال رَجُلٌ: أنَا، فقال: "عَلِمْتُ أنّ بَعْضَكُمْ خَالَجَنِيهَا" .
__________
قول سعيد": ابن المسيب "أنصت للقرآن" : ولا تقرأ حال قراءة الإمام. فالإنصات للقرآن على قول سعيد بن المسيب يشتمل للصلاة الجهرية والسرية وفي حديث عمران أن الرجل قرأ في صلاة الظهر خلف النبي صلى الله عليه وسلم {بسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} ، ففي الظاهر قول سعيد يخالف حديث عمران. هذا معنى قول شعبة "قال": قتادة مجيباً لقول شعبة "ذاك": أي قول سعيد أنصت للقرآن "إذا جهر": الإمام "به": أي بالقرآن أي مراد سعيد بن المسيب بهذا القول الإنصات للقرآن في الصلاة الجهرية وقت قراءة الإمام دون فيما يخافت "وقال ابن كثير في حديثه قال": شعبة "قلت لقتادة كأنه": أي النبي صلى الله عليه وسلم "كرهه": أي كره النبي صلى الله عليه وسلم قراءة الرجل خلفه بسبح اسم ربك الأعلى "قال": قتادة "لو كرهه": أي كره النبي صلى الله عليه وسلم ذلك "نهى": النبي صلى الله عليه وسلم "عنه": عن ذلك الفعل أي القراءة ولم ينه فدل على عدم الكراهة قال البيهقي في المعرفة: وقد روى عن الحجاج بن أرطاة عن قتادة عن زرارة بن أوفي عن عمران بن حصين قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهي عن القراءة خلف الإمام" وفي سؤال شعبة وجواب قتادة في هذه الرواية الصحيحة تكذيب من قلب هذا الحديث وأتى فيه بما لم يأت به الثقات من أصحاب قتادة. انتهى.
"فلما انفتل" : أي فرغ وانصرف من الصلاة "فقال: علمت أن بعضكم خالجنيها" : قال الخطابي في المعالم: أي جاذبنيها، والخلج الجذب، وهذا وقوله نازعنيها في المعنى سواء. وإنما أنكر عليه مجاذبته إياه في قراءة السورة، حين تداخلت القراءتان وتجاذبتا، فأما قراءة فاتحة الكتاب فإنه مأمور بها على كل حال إن أمكنه أن يقرأ في السكتة فعل وإلا قرأ معه لا محالة. وقد اختلف العلماء في هذه المسألة، فروى عن جماعة من الصحابة أنهم أوجبوا القراءة خلف الإمام.
وقد روى عن آخرين أنهم كانوا لا يقرأون. وافترق الفقهاء فيه على ثلاثة أقاويل، فكان مكحول والأوزاعي والشافعي وأبو ثور يقولون لا بد من أن يقرأ خلف الإمام فيما جهر به وفيما لم يجهر به من الصلاة. وقال الزهري ومالك وابن المبارك وأحمد وإسحاق يقرأ فيما أسر الإمام فيه بالقراءة ولا يقرأ فيما جهر به. وقال سفيان الثوري وأصحاب الرأي لا يقرأ أحد خلف الإمام جهر أو أسر واحتجوا بحديث رواه عبد الله بن شداد مرسلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة" انتهى.

(3/40)


__________
قلت: هذا الحديث ضعيف. قال البخاري في جزء القراءة: هذا خبر لم يثبت عند أهل العلم من أهل الحجاز وأهل العراق لإرساله وانقطاعه. وقال الدارقطني: لم يسنده عن موسى بن أبي عائشة غير أبي حنيفة والحسن بن عمارة وهما ضعيفان. قال: وروى هذا الحديث سفيان الثوري وشعبة وإسرائيل وشريك وأبو خالد الدالاني وأبو الأحوص وسفيان بن عيينة وحريث بن عبد الحميد وغيرهم عن موسى ابن أبي عائشة عن عبد الله ابن شداد مرسلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو الصواب. انتهى.
قال الحافظ: هو مشهور من حديث جابر وله طرق عن جماعة من الصحابة كلها معلولة. وقال في الفتح: إنه ضعيف عند جميع الحفاظ. وقد استوعب طرقه وعلله الدارقطني، وقد احتج به القائلون بأن الإمام يتحمل القراءة عن المؤتم في الجهرية الفاتحة وغيرها. والجواب أنه عام لأن القراءة مصدر مضاف وهو من صيغ العموم، وحديث عبادة المتقدم خاص فلا معارضة. كذا في النيل.

(3/41)


137 - باب ما يجزئ الأمي والأعجمي من القراءة
825 - حدثنا وَهْبُ بنُ بَقِيّةَ أخبرنا خَالِدٌ عن حُمَيْدٍ الأعْرَجِ عن مُحَمّدِ بنِ المُنْكَدِرِ عن جَابِرِ بنِ عبد الله قال: خَرَجَ عَلَيْنَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وَنَحْنُ نَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَفِينَا الأعْرَابِيّ وَالْعَجَمِيّ فقال: "اقرؤوا فكلّ حَسَنٌ، وَسَيَجِيءُ أقْوَامٌ يُقِيمُونَهُ كَمَا يُقَامُ الْقِدْحُ، يَتَعَجّلُونَهُ ولا يَتَأجّلُونَهُ".
__________
باب ما يجزئ الأمي والأعجمي من القراءة
"وفينا" : أي معشر القراء "الأعرابي" : أي البدوي "والعجمي" : أي غير العربي من الفارسي والرومي والحبشي كسلمان وصهيب وبلال قاله الطيبي قال الطيبي وقوله فينا يحتمل احتمالين: أحدهما: أن كلهم منحصرون في هذين الصنفين. وثانيهما: أن فينا معشر العرب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أو فيما بيننا تانك الطائفتان، وهذا الوجه أظهر، لأنه عليه الصلاة والسلام فرق بين الأعرابي والعربي بمثل ما في خطبته مهاجر ليس بأعرابي حيث جعل المهاجر ضد الأعرابي، والأعراب ساكنو البادية من العرب الذين لا يقيمون في الأمصار ولا يدخلونها إلا لحاجة، والعرب اسم لهذا الصنف المعروف من الناس ولا واحد له من لفظه سواء أقام بالبادية أو المدن انتهى. وحاصله أن العرب أعم من الأعراب وهم أخص، ومنه قوله تعالى {الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ} . "فقال اقرؤوا" : أي كلكم "فكل

(3/41)


826 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالحٍ أخبرنا عبد الله بنُ وَهبٍ أخبرني عَمْرُو و ابنُ لَهِيعَةَ عن بَكْرِ بنِ سَوَادَةَ عن وَفَاءِ بنِ شُرَيْحٍ الصّدَفِيّ عن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ السّاعِدِيّ قال: خَرَجَ عَلَيْنَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَوْماً وَنَحْنُ نَقْتَرِىءُ فقال: "الْحَمْدُ لله كِتَابُ الله وَاحِدٌ وَفِيكُم الأحْمَرُ وَفِيكُم الأبْيَضُ وَفِيكُم الأسْوَدُ، اقرَؤُوهُ قَبْلَ أنْ يقرأه أقوام يُقِيمُونَهُ كَمَا يُقَوّمُ السّهْمُ يُتَعَجّلُ أجْرُهُ ولا يُتَأَجّلُهُ" .
827 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا وَكِيعُ بنُ الْجَرّاحِ أخبرنا سُفْيَانُ الثّوْرِيّ عن أبي خَالِدٍ الدّالانِيّ عن إبْرَاهِيمَ السّكْسَكِيّ عن عبد الله بنِ أبي أوْفَى قال: جَاءَ رَجُلٌ إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: لا أسْتَطِيعُ أنْ آخُذَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئاً فَعَلّمْنِي مَا يُجْزِئُنِي مِنْهُ
__________
حسن" : أي فكل واحدة من قراءتكم حسنة مرجوة للثوب إذا آثرتم الآجلة على العاجلة، ولا عليكم أن لا تقيموا ألسنتكم إقامة القدح وهو السهم قبل أن يراش "وسيجيء أقوام يقيمونه" : أي يصلحون ألفاظه وكلماته ويتكلفون في مراعاة مخارجه وصفاته "كما يقام القدح" : أي يبالغون في عمل القراءة كمال المبالغة لأجل الرياء والسمعة والمباهاة والشهرة. قال الطيبي: وفي الحديث رفع الحرج وبناء الأمر على المساهلة في الظاهر، وتحري الحسبة والإخلاص في العمل، والتفكر في معاني القرآن، والغوص في عجائب أمره "يتعجلونه" : أي ثوابه في الدنيا "ولا يتأجلونه" : بطلب الأجر في العقبي، بل يؤثرون العاجلة على الآجلة، ويتأكلون ولا يتوكلون.
"عن وفاء": بفاء ممدودة: ابن شريح الحضرمي المصري مقبول من الثالثة "ونحن نقترىء" : أي نحن نقرأ القرآن من باب الافتعال من القراءة "وفيكم الأحمر وفيكم الأبيض وفيكم الأسود" : معناه فيكم العربي والعجمي كما في الحديث المتقدم "اقرأوه قبل أن يقرأه أقوام" : أي اقرأوا القرآن كما تقرأون، فقراءتكم حسنة، ويأتي بعدكم قوم "يقيمونه كما يقوم السهم يتعجل أجره" : أي في الدنيا "ولا يتأجله" : أي في العقبي.
"عن أبي خالد الدالاني": اسمه يزيد بن عبد الرحمن عن عمرو بن مرة والمنهال بن عمرو، وعنه الثوري وشعبة، وثقة أبو حاتم، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن عدي: في حديثه لين "عن إبراهيم السكسكي": هو ابن عبد الرحمن أبو إسماعيل الكوفي مولى صخير صدوق ضعيف الحفظ من الخامسة. والسكسكي بفتح السين وسكون الكاف وفتح السين الثانية وكسر الكاف الثانية منسوب إلى سكسك هي قبيلة باليمن ينسب إليها "لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئاً" : وفي رواية ابن ماجه بلفظ "إني لا أحسن من القرآن شيئاً" "فعلمني ما يجزئني

(3/42)


فقال: "قُلْ سُبْحَانَ الله وَالْحَمْدُ لله وَلا إلَهَ إلاّ الله وَالله أكْبَرُ وَلا حَوْلَ وَلاَ قُوّةَ إلاّ بالله الْعَلِيّ الْعَظِيمِ". قال: يا رسولَ الله هَذَا لِلهِ فَمَا لي؟ قال: "قُلْ اللّهُمّ ارْحَمْنِي وَارْزْقْنِي وَعَافِني وَاهْدِني" فَلَمّا قَامَ قال هَكَذَا بِيَدِهِ[بيديه] فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أمّا هَذَا فَقَدْ مَلأَ يَدَهُ[يديه] مِنَ الْخَيْرِ" .
__________
منه" : قال شارح المصابيح: اعلم أن هذه الواقعة لا تجوز أن تكون في جميع الأزمان لأن من يقدر على تعلم هذه الكلمات لا محالة يقدر على تعلم الفاتحة، بل تأويله لا أستطيع أن أتعلم شيئاً من القرآن في هذه الساعة وقد دخل عليّ وقت الصلاة فإذا فرغ من تلك الصلاة لزمه أن يتعلم "هذا لله" : أي ما ذكر من الكلمات ذكر لله مختص له أذكره به "فمالي" : أي علمني شيئاً يكون لي فيه دعاء واستغفار وأذكره لي عند ربي "اللهم ارحمني" : أي بترك المعاصي أبداً أو بغفرانها "وارزقني" : أي رزقاً حلالاً طيباً كافياً مغنياً عن الأنام، أو التوفيق والقبول وحسن الاختتام "وعافني" : من آفات الدارين "واهدني" : أي ثبتني على دين الإسلام أو دلني على متابعة الأحكام "قال" : أي فعل الرجل "هكذا" : قال الطيبي: أي أشار إشارة مثل هذه الإشارة المحسوسة "بيده" : تفسير وبيان. وفي المشكاة بيديه وقبضهما. قال القاري: وفي نسخة فقبضهما فقيل أي عد تلك الكلمات بأنامله، وقبض كل أنملة بعدد كل كلمة. قال ابن حجر: ثم بين الراوي المراد بالإشارة بهما فقال وقبضهما أي أشارة إلى أنه يحفظ ما أمره به كما يحفظ الشيء النفيس بقبض اليد عليه. وظاهر السياق أن المشير هو المأمور أي حفظت ما قلت لي وقبضت عليه فلا أضيعه ويؤيده قول الراوي "فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما هذا فقد ملأ يده من الخير" : قال ابن حجر المكي كناية عن أخذه مجامع الخير بامتثاله لما أمر به ويصح أن يكون المشير هو عليه السلام حملاً له على الامتثال، والحفظ لما أمر به، وحينئذ فيكون معنى قوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه فهم من ذلك الرجل الامتثال فبشره ومدحه بأنه ظفر بما لم يظفر به غيره كذا في المرقاة. قال الخطابي: الأصل أن بالصلاة لا تجزىء إلا بقراءة فاتحة الكتاب ومعقول أن قراءة فاتحة الكتاب على من أحسنها دون من لا يحسنها، فإذا كان المصلي لا يحسنها ويحسن غيرها من القرآن كان عليه أن يقرأ منها قدر سبع آيات لأن أولى الذكر بعد الفاتحة ما كان مثلاً لها من القرآن، وإن كان رجلاً ليس في وسعه أن يتعلم شيئاً من القرآن لعجز في طبعه أو سوء حفظ أو عجمة لسان أو آفة تعرض له كان أولى الذكر بعد القرآن ما علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم من التسبيح
__________
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وصحح الدارقطني هذا الحديث.

(3/43)


828 - حدثنا أبُو تَوْبَةَ الرّبِيعُ بنُ نَافِعٍ أنْبأنَا أبُو إسْحَاقَ - يَعْني الْفَزَارِيّ - عن حُمَيْدٍ عن الْحَسَنِ عن جَابِرِ بنِ عبد الله قال: كُنّا نُصَلّي التّطَوّعَ نَدْعُو قِيَاماً وَقُعُوداً وَنُسَبّحُ رُكُوعاً وَسُجُوداً.
829 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عن حُمَيْدٍ مِثْلَهُ، لَمْ يَذْكُر التّطَوّعَ قال: كَانَ الْحَسَنُ يَقْرَأُ في الظّهْرِ وَالْعَصْرِ إمَاماً أوْ خَلْفَ إمَامٍ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَيُسَبّحُ وَيُكَبّرُ وَيُهَلّلُ قَدْرَ قاف وَالذّارِيَاتِ.
__________
والتحميد والتهليل. وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أفضل الذكر بعد كلام الله سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر" انتهى. قال المنذري: وأخرجه النسائي وقال إبراهيم السكسكي ليس بذاك القوى، وقال يحيى بن سعيد القطان كان شعبة يضعف إبراهيم السكسكي. وذكر ابن عدي أن مدار هذا الحديث على إبراهيم السكسكي وقد احتج البخاري في صحيحه بإبراهيم السكسكي.
"ندعو قياماً وقعوداً": حال أي في حالة القيام والقعود "ونسبح ركوعاً وسجوداً": أي في حالة الركوع والسجود. والحديث يدل على أنه يكفي الدعاء في صلاة التطوع وأن القراءة ليست بفرض فيه، لكنه موقوف ثم هو منقطع لأن الحسن البصري لم يسمع من جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال المنذري.
ذكر على بن المديني وغيره أن الحسن البصري لم يسمع من جابر بن عبد الله رضي الله عنه، وأيضاً هو معارض بحديث حبيب بن الشهيد "لا صلاة إلا بقراءة" رواه مسلم مرفوعاً من رواية أبي أسامة عنه، وبحديث عبادة بن الصامت "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" وقوله صلى الله عليه وسلم: لا صلاة . عام يشمل التطوع والفريضة.
"إماماً أو خلف إمام": أي حال كونه إماماً أو مأموماً "قدر قاف والذاريات": أي قدر سورة قاف وسورة الذاريات. هذا فعل الحسن البصري رضي الله عنه، وما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحق بالاتباع.

(3/44)


138- باب تمام التكبير
830 - حدثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ أخبرنا حَمّادٌ عن غَيْلاَنَ بنِ جَرِيرٍ عن مُطَرّفٍ
__________
باب تمام التكبير
أي إتمام عدد التكبير في الصلاة. ففي كل صلاة ثنائية إحدى عشرة تكبيرة وهي تكبيرة

(3/44)


قال: صَلّيْتُ أنَا وعِمْرَانُ بنُ حُصَيْنٍ خَلْفَ عَلِيّ بنِ أبي طَالِبٍ رَضِيَ الله عَنْهُ، فَكَانَ إذَا سَجَدَ كَبّرَ وإذَا رَكَعَ كَبّرَ، وإذَا نَهَضَ مِنَ الرّكْعَتَيْنِ كَبّرَ، فَلَمّا انْصَرَفْنَا أخَذَ عِمْرَانُ بِيَدَيّ وقال: لَقَدْ صَلّى هَذَا قَبْلُ، أو قال: لَقَدْ صَلّى بِنَا هَذَا قَبْلُ صلاةَ مُحَمّدٍ صلى الله عليه وسلم.
831 - حدثنا عَمْرُو بنُ عُثْمَانَ أخبرنا أبي وَبَقِيّةُ عن شُعَيْبٍ عن الزّهْرِيّ قال
__________
الإحرام وخمس في كل ركعة، وفي الثلاثية سبع عشرة وهي تكبيرة الإحرام وتكبيرة القيام من التشهد الأول وخمس في كل ركعة، وفي الرباعية ثنتان وعشرون، ففي المكتوبات الخمس أربع وتسعون تكبيرة. واعلم أن تكبيرات الإحرام واجبة وما عداها سنة لو تركه صحت صلاته لكن فاتته الفضيلة وموافقة السنة، هذا مذهب العلماء كافة إلا أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى في إحدى الروايتين عنه أن جميع التكبيرات واجبة.
"إذا سجد كبر وإذا ركع كبر": وفي رواية الصحيحن. إذا سجد كبر وإذا رفع رأسه كبر "وإذا نهض": أي قام "وقال لقد صلى هذا قبل أو قال لقد صلى بنا هذا": شك من الراوي "قبل صلاة محمد صلى الله عليه وسلم": أي مثل صلاته صلى الله عليه وسلم، وفي رواية البخاري فقال قد ذكرني هذا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم أو قال لقد صلى بنا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم. وفي رواية أخرى له فقال: ذكرنا هذا الرجل صلاة كنا نصليها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الحافظ: قوله ذكرنا بتشديد الكاف وفتح الراء، وفيه إشارة إلى أن التكبير الذي ذكره كان قد ترك. وقد روى أحمد والطحاوي بإسناد صحيح عن أبي موسى الأشعري قال: "ذكرنا على صلاة كنا نصليها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إما نسيناها وإما تركناها عمداً" ولأحمد من وجه آخر عن مطرف قال قلنا يعني لعمران بن حصين يا أبا نجيد - هو بالنون والجيم مصغر - من أول من ترك التكبير؟ قال عثمان بن عفان حين كبر وضعف صوته، وهذا يحتمل إرادة ترك الجهر. وروى الطبراني عن أبي هريرة أن أول من ترك التكبير معاوية. وروى أبو عبيد أن أول من تركه زياد. وهذا لا ينافي الذي قبله لأن زياداً تركه بترك معاوية، وكان معاوية تركه بترك عثمان، وقد حمل ذلك جماعة من أهل العلم على الإخفاء، ويرشحه حديث أبي سعيد الآتي في باب يكبر، وهو ينهض من السجدتين، لكن حكى الطحاوي أن قوماً كانوا يتركون التكبير في الخفض دون الركع قال وكذلك كانت بنو أمية تفعل. وروى ابن المنذر نحوه عن ابن عمر وعن بعض السلف أنه كان لا يكبر سوى تكبيرة الإحرام. وفرق بعضهم بين المنفرد وغيره. ووجهه بأن التكبير شرع للايذان بحركة الإمام فلا يحتاج إليه المنفرد، لكن استقر الأمر على مشروعية التكبير في الخفض والرفع لكل مصل انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي بنحوه.

(3/45)


أخبرني أبُو بَكْرٍ بنِ عبد الرحمن وَأبُو سَلَمَةَ: أنّ أبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُكَبّرُ في كلّ صَلاَةٍ مِنَ المَكْتُوبَةِ وَغَيْرِهَا، يكَبّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمّ يُكَبّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمّ يقولُ سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ، ثُمّ يقولُ رَبّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ قَبْلَ أنْ يَسْجُدَ، ثُمّ يقولُ الله أكْبَرُ حِينَ يَهْوِي سَاجِداً، ثُمّ يُكَبّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمّ يُكَبّرُ حِينَ يَسْجُدُ، ثُمّ يُكَبّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمّ يُكَبّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الجُلُوسِ في اثْنَتَيْنِ، فَيَفْعَلُ ذَلِكَ في كلّ رَكْعَةٍ حَتّى يَفْرُغَ مِنَ الصّلاَةِ، ثُمّ يقولُ حِينَ يَنْصَرِفُ: وَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنّي لأقْرَأُ بِكُمْ شِبْهاً بِصَلاَةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إنْ كَانَتْ هَذِهِ لَصَلاَتُهُ حَتّى فَارَقَ الدّنْيَا .
قَالَ أبُو دَاوُدَ: هَذَا الْكَلاَمُ الأخِيرُ يَجْعَلُهُ مَالِكٌ وَالزّبَيْدِيّ وَغَيْرُهما عن الزّهْرِيّ
__________
"يكبر حين يقوم" : فيه التكبير قائماً وهو بالاتفاق في حق القادر "ثم يكبر حين يركع" : قال النووي: فيه دليل على مقارنة التكبير للحركة وبسطه عليها فيبدأ بالتكبير حين يشرع في الانتقال إلى الركوع ويمده حتى يصل إلى حد الراكع انتهى. ودلالة هذا اللفظ على البسط الذي ذكره غير ظاهرة قاله الحافظ "ثم يقول سمع الله لمن حمده" : أي حين يرفع رأسه من الركوع "ثم يقول ربنا ولك الحمد" : أي وهو قائم، وفي رواية البخاري ثم يقول سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركعة ثم يقول وهو قائم ربنا لك الحمد . قال الحافظ: فيه أن التسميع ذكر النهوض وأن التحميد ذكر الاعتدال، وفيه دليل على أن الإمام يجمع بينهما خلافاً لمالك لأن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم الموصوفة محمولة على حال الإمامة لكون ذلك هو الأكثر الأغلب من أحواله "حين يهوى" : بفتح الأول وكسر الواو أي يهبط وينزل إلى السجود، فيه أن التكبير ذكر الهوى فيبتدىء به من حين يشرع في الهوى بعد الاعتدال إلى حين يتمكن ساجداً "ثم يكبر حين يرفع رأسه" : أي من السجود "ثم يكبر حين يسجد" : أي حين يريد السجدة الثانية "ثم يكبر حين يرفع رأسه" : أي من السجدة الثانية "ثم يكبر حين يقوم من الجلوس في إثنتين" : فيه أنه يشرع في التكبير من حين إبتداء القيام إلى الثالثة بعد التشهد الأول خلافاً لمن قال إنه لا يكبر حتى يستوي قائماً وفي رواية البخاري حين يقوم من الثنيتين بعد الجلوس أي في التشهد الأول "ثم يقول" : أي أبو هريرة "حين ينصرف" : أي من الصلاة "إن كانت" : إن مخففة من المثقلة. والحديث يدل على مشروعية التكبير في المواضع المذكورة. قال المنذري: وأخرجه البخاري والنسائي وأخرجه البخاري ومسلم من حديث الزهري عن أبي سلمة وحده ومن حديث أبي بكر بن عبد الرحمن وحده "هذا الكلام": يعني إن كانت هذه لصلاته حتى فارق الدنيا "والزبيدي": هو محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي بالضم أبو الهذيل القاضي الحمصي أحد الأعلام عن مكحول والزهري ونافع

(3/46)


عن عَلِيّ بنِ حْسَيْنٍ، وَوَافَقَ عبد الأعلى عن مَعْمَرٍ شُعَيْبَ بنَ أبي حَمْزَةَ عن الزهْرِيّ.
832 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ بَشّارٍ وَابنُ المُثَنّى قالا أخبرنا أبُو دَاوُدَ أخبرنا شُعْبَةُ عن الحَسَنِ ابِنِ عِمْرَانَ قال ابنُ بَشّارٍ الشّامِيّ. قَالَ أبُو دَاوُدَ: أبُو عبد الله الْعَسْقَلاَنِيّ عن ابنِ عبد الرحمن بنِ أبْزَى عن أبِيهِ أنّهُ صَلّى مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وكَانَ لا يُتِمّ التّكْبِيرَ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: مَعْنَاهُ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرّكُوعِ وَأرَادَ أنْ يَسْجُدَ لَمْ يُكَبّر وإذَا قَامَ مِنَ السّجُودِ لَمْ يُكَبّر.
__________
وخلق، وعنه الأوزاعي وشعيب بن أبي أبي حمزة ومحمد بن حرب وخلق وثقة ابن معين "عن الزهري عن علي بن حسين": أي مرسلاً ورواية مالك في الموطإ هكذا أخبرني ابن شهاب الزهري عن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب أنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر كلما خفض وكلما رفع فلم تزل تلك صلاته حتى لقي الله عز وجل" ، "ووافق عبد الأعلى عن معمر شعيب بن أبي حمزة": بالنصب مفعول لوافق وعبد الأعلى فاعله واعلم أن الحديث عند ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن وأبي سلمة بن عبد الرحمن كليهما، لكن وقع الاختلاف بين أصحاب الزهري، فقال عقيل عن ابن شهاب قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن ولم يذكروا أبا سلمة، وقال مالك عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبدالرحمَن، ولم يذكر أبا بكر بن عبد الرحمن وهاتان الروايتان في صحيح البخاري.
وقال شعيب بن أبي حمزة عن الزهري قال أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن وأبو سلمة فذكر كليهما كما في رواية المؤلف لذكور آنفاً، وكذا قال عبد الأعلى عن معمر عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن وهذه الرواية في سنن النسائي فوافق عبد الأعلى عن معمر شعيباً عن الزهري في ذكر شيخيه، وهذا المراد بقوله وافق عبد الأعلى الخ والله تعالى أعلم.

(3/47)


139- باب كيف يضع ركبتيه قبل يديه
833 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ وَحُسَيْنُ بنُ عِيسَى قالا أخبرنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ
__________
باب كيف يضع ركبتيه قبل يديه
"إذا سجد" : أي أراد السجود "وإذا نهض" : أي أراد النهوض وهو القيام والحديث أخرجه

(3/47)


أنْبأنَا شَرِيكٌ عن عَاصِمِ بنِ كُلَيْبٍ عن أبِيهِ عن وَائِلِ بنِ حُجَرٍ قال: رَأيْتُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ، وإذَا نَهَضَ رَفَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ.
834 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ مَعْمَرٍ أخبرنا حَجّاجُ بنُ مَنْهَالٍ أخبرنا هَمّامٌ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ جُحَادَةَ عن عبد الجبار بنِ وَائِلٍ عن أبِيهِ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ حديثَ الصّلاَةِ قال: فَلَمّا سَجَدَ وَقَعَتَا رُكْبَتَاهُ إلَى الأرْضِ قَبْلَ أنْ يَقِعَا كَفّاهُ.
قال هَمّامٌ: وأخبرنا شَقِيقٌ حدثني عَاصِمُ بنُ كُلَيْبٍ عن أبِيهِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِمِثْلِ
__________
الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرف أحداً رواه غير شريك، وذكر أن هماماً رواه عن عاصم مرسلاً ولم يذكر فيه وائل بن حجر، وقال النسائي لم يقل هذا عن شريك غير يزيد بن هارون، وقال الدارقطني: تفرد به يزيد عن شريك ولم يحدث به عن عاصم بن كليب غير شريك، وشريك ليس بالقوى فيما يتفرد به، وقال البيهقي: هذا حديث يعد في أفراد شريك القاضي، وإنما تابعه همام مرسلاً، هكذا ذكره البخاري وغيره من الحفاظ المتقدمين رحمهم الله تعالى. هذا آخر كلامه. وشريك هذا هو ابن عبد الله النخعي القاضي وفيه مقال. وقد أخرج له مسلم في المتابعة كذا قال المنذري. والحديث يدل على مشروعية وضع الركبتين قبل اليدين ورفعهما عند النهوض قبل رفع الركبتين، وإلى ذلك ذهب الجمهور وحكاه القاضي أبو الطيب عن عامة الفقهاء، وحكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب والنخعي ومسلم بن يسار وسفيان الثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي قال وبه أقول.
"محمد بن جحادة": بتقديم الجيم المضمومة على الحاء المهملة "فذكر حديث الصلاة": المذكور "فلما سجد وقعتا ركبتاه" : الظاهر وقعت ركبتاه بإفراد الفعل وقد تقدم الكلام عليه "قبل أن يقعا كفاه" : الظاهر أن يقع كفاه وقد تقدم، والحديث منقطع.
قال المنذري: عبد الجبار بن وائل لم يسمع من أبيه "قال همام": أي بالسند المذكور إليه "أخبرنا شقيق": هو أبو ليث روى عن عاصم بن كليب، ويقال: عاصم بن شتم وعنه همام بن
__________
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وقد صححه ابن خزيمة وأبو حاتم وابن حبان والحاكم.
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
قاله الجماعة ومسلم أخرج له من روايته عن أخيه عقمة عن أبيه وائل.

(3/48)


هَذَا. وفي حديثِ أحَدِهما، وَأكْبَرُ عِلْمِي أنّهُ في حديثِ مُحَمّدِ بنِ جُحَادَةَ: وإذَا نَهَضَ نَهَضَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَاعْتَمَدَ عَلَى فَخِذِهِ.
835 - حدثنا سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ أخبرنا عبد العزيز بنُ مُحَمّدٍ حدثني مُحَمّدُ بنُ عبد الله ابنِ حَسَنٍ عن أبي الزّنَادِ عن الأعْرَجِ عن أبي هُرَيْرَةَ قال قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذَا سَجَدَ أحَدُكُم فَلاَ يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ" .
__________
يحيى مجهول "بمثل هذا": الحديث المتقدم من طريق محمد بن جحادة "وفي حديث أحدهما": أي محمد بن جحادة وشقيق "وإذا نهض" : أي قام "نهض على ركبتيه واعتمد على فخذه" : أي اعتمد بيده على فخذه يستعين بذلك على النهوض.
قال الحافظ الزين العراقي: ورواية أبي داوود، هذه موافقة لما قبلها لما قبلها لأنه إذا رفع يديه تعين نهوضه على ركبتيه إذ لم يبق ما يعتمد عليه غيرهما. انتهى.
قلت: قد ثبت الاعتماد على الأرض حين النهوض في صحيح البخاري وقد عرفت أن طريق محمد بن جحادة منقطعة. وأما طريق همام عن شقيق فمرسلة: قال المنذري: وكليب ابن شهاب والد عاصم حديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل فإنه لم يدركه.
"إذا سجد أحدكم فلا يبرك" : نهي وقيل نفي "كما يبرك البعير" : أي لا يضع ركبتيه قبل يديه كما يبرك البعير، شبه ذلك ببروك البعير مع أنه يضع يديه قبل رجليه لأن ركبة الإنسان في الرجل وركبة الدواب في اليد، وإذا وضع ركبتيه أولاً فقد شابه الإبل في البروك "وليضع" : بسكون اللام وتكسر "يديه قبل ركبتيه" : قال التوربشتي: كيف نهي عن بروك البعير ثم أمر بوضع اليدين قبل الركبتين والبعير يضع اليدين قبل الرجلين.
والجواب أن الركبة من الإنسان في الرجلين ومن ذوات الأربع في اليدين يدل على صحته قول سراقة: ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين في حديث هجرة النبي صلى الله عليه وسلم رواه البخاري، ومن ههنا ظهر أن القول بأن الركبة في ذوات الأربع في اليدين ليس كلاماً لا يعقل ولا يعرفه أهل اللغة، كما قال العلامة ابن القيم في زاد المعاد. والحديث أخرجه الترمذي وقال: غريب لا نعرفه من حديث أبي الزناد إلا من هذا الوجه انتهى.
__________
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
قال الترمذي وقد روى من حديث عبد الله بن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة.

(3/49)


..............................
__________
وقال البخاري: إن محمد بن عبد الله بن حسن بن علي بن أبي طالب لا يتابع عليه، وقال: لا أدري من أبي الزناد أو لا. قال الدارقطني: تفرد به الدراوردي عن محمد بن عبد الله المذكور. قال المنذري: وفيما قال الدارقطني نظر، فقد روى نحوه عبد الله بن نافع عن محمد بن عبد الله وأخرجه أبو داوود والترمذي والنسائي من حديثه كذا في النيل. وحديث أبي هريرة هذا يدل على سنية وضع اليدين قبل الركبتين، وإليه ذهب الأوزاعي ومالك وابن حزم وأحمد في رواية، وروى الحازمي عن الأوزاعي أنه قال: أدركت الناس يضعون أيديهم قبل ركبهم. قال ابن أبي داوود: وهو قول أصحاب الحديث. وهذا الحديث أقوى من حديث وائل بن المذكور لأن له شاهداً من حديث ابن عمر أخرجه ابن خزيمة وصححه وذكره البخاري تعليقاً موقوفاً. كذا قال الحافظ في بلوغ المرام، وقد أخرجه الدارقطني بإسناد حسن والحاكم في المستدرك مرفوعاً بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد يضع يديه قبل ركبتيه. وقال على شرط مسلم.
وقال الحافظ بن سيد الناس أحاديث وضع اليدين قبل الركبتين أرجح، وقال: ينبغي أن يكون حديث أبي هريرة داخلاً في الحسن على رسم الترمذي لسلامة رواته من الجرح.
فإن قيل قال الخطابي في المعالم: حديث وائل أثبت من حديث أبي هريرة وله أيضاً شاهد عن عاصم الأحول عن أنس قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم انحط بالتكبير حتى سبقت ركبتاه يديه" أخرجه الدارقطني والحاكم والبيهقي على شرطهما. قيل المقال الذي في حديث أبي هريرة لا يزيد على المقال الذي في حديث وائل قاله الشوكاني. وأما شاهده عن عاصم الأحول عن أنس فقال البيهقي: تفرد به العلاء بن إسماعيل العطار وهو مجهول. قال الدارقطني: تفرد به العلاء بن إسماعيل عن حفص بهذا الإسناد، وأما الحاكم فتساهله مشهور. فإن قيل: قال بعضهم: إن آخر حديث أبي هريرة انقلب على بعض الرواة، وأنه كان: وليضع ركبتيه قبل يديه. قيل كلا إذ لو فتح هذا الباب لم يبق اعتماد على رواية راو مع كونها صحيحة. فإن قيل: روى أبو بكر بن أبي شيبة عن محمد بن فضل عن عبد الله بن سعيد عن جده عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا سجد أحدكم فليبدأ بركبتيه قبل يديه ولا يبرك كبروق الفحل" فهذه الرواية تدل على الانقلاب المذكور، وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يصدق ذلك ويوافق حديث وائل بن حجر.
قال ابن أبي داوود: حدثنا يوسف بن عدي حدثنا ابن فضيل عن عبد الله بن سعيد عن جده عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد بدأ بركبتيه قبل يديه . قيل في كلتا الروايتين

(3/50)


836 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا عبد الله بنُ نَافِعٍ عن مُحَمّدِ بنِ عبد الله بن حَسَنِ عن أبي الزّنَادِ عن الأعْرَجِ عن أبي هُرَيْرَةَ قال قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يَعْمِدُ أحَدُكُم في صَلاَتِهِ يَبْرُكُ[فيبرك] كَمَا يَبْرُكُ الْجَمَلُ".
__________
واسطة عبد الله بن سعيد، وقد ضعفه يحيى القطان وغيره. قال أبو أحمد الحاكم إنه ذاهب الحديث، وقال أحمد بن حنبل هو منكر الحديث متروك الحديث، وقال يحيى بن معين ليس بشيء لا يكتب حديثه وقال أبو زرعة هو ضعيف لا يوقف منه على شيء وقال أبو حاتم: ليس بقوى، وقال ابن عدي: عامة ما يروي الضعف عليه بين فهما لضعفهما ليستا على الدلالة على الانقلاب المذكور في شيء، فإن قيل: إن حديث أبي هريرة وابن عمر منسوخان بما أخرج ابن خزيمة في صحيحه من حديث مصعب ابن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: كنا نضع اليدين قبل الركبتين، فأمرنا أن نضع الركبتين قبل اليدين، قيل قال الحازمي: في إسناده مقال. ولو كان محفوضاً لدل على النسخ، غير أن المحفوظ عن مصعب عن أبيه حديث نسخ التطبيق. وقال الحافظ في الفتح إنه من أفراد أبراهيم بن إسماعيل بن سلمة بن كهيل عن أبيه وهما ضعيفان. وقد ذكروا وجوهاً في ترجيح حديث وائل على حديث أبي هريرة لكنها كلها مخدوشة.
"يعمد أحدكم" : بتقدير همزة الاستفهام الإنكاري "يبرك كما يبرك الجمل" : بأن يضع ركبتيه قبل يديه، وفي رواية الترمذي يعمل أحدكم فيبرك برك الجمل. قال الخطابي: قد اختلف الناس في هذا فذهب أكثر العلماء إلى وضع الركبتين قبل اليدين وهذا أرفق بالمصلين وأحسن بالشكل ورأى العين. وقال مالك: يضع يديه قبل ركبتيه وكذلك قال الأوزاعي وأظنهما ذهبا إلى حديث أبي هريرة المذكور في الباب. وحديث وائل بن حجر أثبت من هذا. وزعم بعض العلماء أن هذا منسوخ، وروى فيه خبراً عن سلمة بن كهيل عن مصعب بن سعد قال: كنا نضع اليدين قبل الركبتين فأمرنا بالركبتين قبل اليدين. انتهى. وقد تقدم الكلام على ذلك.
__________
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم:
كان يضع يديه قبل ركبتيه.
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم:
قال ابن المنذر وقد زعم بعض أصحابنا أن وضع اليدين قبل الركبتين منسوخ وقال هذا القائل وحدثنا إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل حدثنا أبي عن أبيه عن سلمة عن مصعب بن

(3/51)


..............................
__________
سعد عن سعد قال كنا نضع اليدين قبل الركبتين فأمرنا بالركبتين قبل اليدين تم كلامه وهذا الحديث هو في الصحيحين عن مصعب بن سعد قال صليت إلى جنب أبي فجعلت يدي بين ركبتي فنهاني عن ذلك فعدت فقال لا تصنع هذا فإنا كنا نفعله فنهينا عن ذلك وأمرنا أن نضع أيدينا على الركب فهذا هو المعروف عن سعد أن المنسوخ هو قصة التطبيق ووضع الأيدي على الركب ولعل بعض الرواة غلط فيه من موضع اليدين على الركبتين إلى وضع اليدين قبل الركبتين قال ابن المنذر وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب فمن رأى أن يضع ركبتيه قبل يديه عمر بن الخطاب وبه قال النخعي ومسلم بن يسار والثور والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو حنيفة وأصحابه وأهل الكوفة وقالت طائفة يضع يديه قبل ركبتيه قاله مالك وقال الأوزاعي أدركت الناس يضعون أيديهم قبل ركبهم وروى عن ابن عمر فيه حديث أما حديث سعد ففي إسناده مقال ولو كان محفوظا لدل على النسخ غير أن المحفوظ عن مصعب عن أبيه حديث بنسخ التطبيق وقد روى الدارقطني من حديث حفص بن غياث عن عاصم الأحول عن أنس قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم انحط بالتكبير فسبقت ركبتاه يديه وروى البيهقي من حديث إبراهيم بن موسى عن محمد بن فضيل عن عبد الله بن سعيد عن جده عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا سجد أحدكم فليبدأ بركبتيه قبل يديه ولا يبرك بروك الجمل قال البيهقي وكذلك رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن محمد بن فضيل إلا أن عبد الله بن سعيد المقبري ضعيف قلت قال أحمد والبخاري متروك وهذا الحديث الذي أشار إليه الترمذي هو خلاف حديث الأعرج عنه وقد روى ابن خزيمة في صحيحه من حديث يحيى بن سلمة بن كهل عن أبيه عن مصعب بن سعد عن أبيه قال كنا نضع اليدين قبل الركبتين فأمرنا بالركبتين قبل اليدين وهذا الحديث مداره على يحيى بن سلمة بن كهيل وقد قال النسائي ليس بثقة وقال البخاري في أحاديثه مناكير قال البيهقي المحفوظ عن مصعب بن سعد عن أبيه نسخ التطبيق وإسناد هذه الرواية ضعيف وكذلك قال الحازمي وغيره والراجح البداءة بالركبتين لوجوه: أحدها: أن حديث وائل بن حجر لم يختلف عليه وحديث أبي هريرة قد اختلف فيه كما ذكرنا الثاني أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التشبه بالجمل في بروكه والجمل إذا برك إنما يبدأ بيديه قبل ركبتيه وهذا موافق لنهيه صلى الله عليه وسلم عن التشبه بالحيوانات في الصلاة فنهى عن التشبه بالغراب في النقر والتفات كالتفات ثعلب وافتراش كافتراش السبع وإقعاء كإقعاء الكلب ورفع الأيدي في السلام كأذناب الخيل وبروك كبروك البعير الثالث حديث أنس من رواية حفص بن غياث عن عاصم الأحول عنه ولم يختلف.

(3/52)


140 - باب النهوض في الفرد
837 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا إسْمَاعِيلُ - يَعْني ابنَ إبْرَاهِيمَ - عن أيّوبَ عن أبي قِلاَبَةَ قال: جَاءَنَا أبُو سُلَيْمَانَ مَالِكُ بنُ الْجُوَيْرِثِ إلَى[في] مَسْجِدِنَا فقال: وَالله إنّي لأصلي بِكُمْ وَمَا أُرِيدُ الصّلاَةَ وَلَكِنّي أُرِيدُ أنْ أُرِكُمْ كَيْفَ رَأيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يُصَلّى. قال قُلْتُ لأَبِي قِلاَبَةَ: كَيْفَ صَلّى؟ قال: مِثْلَ صَلاَةَ شَيْخِنَا هَذَا - يَعْني عَمْرَو بنَ سَلَمَةَ إمَامَهُمْ - وَذَكَرَ أنّهُ كَانَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السّجْدَةِ الآخرة في الرّكْعَةِ الأُولَى قَعَدَ ثُمّ قَامَ.
__________
باب النهوض في الفرد
"عن أبي قلابة": بكسر القاف وخفة اللام اسمه عبد الله يزيد "والله إني لأصلي بكم وما أريد الصلاة" : استشكل نفي هذه الإرادة لما يزيد عليها من وجود صلاة غير قربة ومثلها لا يصح. وأجيب بأنه لم يرد نفي القربة وإنما أراد بيان السبب الباعث له على الصلاة في غير وقت صلاة معينة جماعة، وكأنه قال ليس الباعث لي على هذا الفعل حضور صلاة معينة من أداء أو إعادة أو غير ذلك، وإنما الباعث لي عليه قصد التعليم، وكأنه كان تعين عليه حينئذ لأنه أحد من خوطب بقوله "صلوا كما رأيتموني "أصلي" " ورأى أن التعليم بالفعل أوضح من القول، ففيه دليل على جواز مثل ذلك وأنه ليس من باب التشريك في العبادة "قال" : أي أيوب "قلت لأبي قلابة كيف صلي" : أي مالك بن الحويرث "قال" : أي أبو قلابة "يعني عمرو بن سلمة" : بكسر اللام كنيته أبو يزيد كان يؤم قومه وهو صبي، روى عن أبيه وعنه أبو قلابة "إمامهم" : بيان لعمرو أو بدل منه "ذكر أنه" : أي ذكر أبو قلابة أن مالك بن الحويرث "إذا رفع رأسه من السجدة الآخرة" : أي من السجدة الثانية "قعد ثم قام" : وفي رواية للبخاري: "إذا رفع رأسه عن السجدة الثانية جلس واعتمد على الأرض ثم قام" .
والحديث يدل على مشروعية جلسة الاستراحة وأخذ بها الشافعي وطائفة من أهل
الرابع: أنه ثابت عن عمر بن الخطاب وأما حديث عبد الله ابنه فالمرفوع منه ضعيف وأما الموقوف فقال البيهقي المشهور عنه إذا سجد أحدكم فليضع يديه فإذا رفع فليرفعهما فإن اليدان تسجدان كما يسجد الوجه فهذا هو الصحيح عنه.

(3/53)


838 - حدثنا زِيَادُ بنُ أيّوبَ أخبرنا إسْمَاعِيلُ عن أيّوبَ عن أبي قِلاَبَةَ قال: جَاءَنَا أبُو سُلَيْمَانَ مَالِكُ بنُ الْحُوَيْرِثِ إلَى مَسْجِدِنَا فقال: وَالله إنّي لاَصَلّي وَمَا أُرِيدُ الصّلاَةَ وَلَكِنّي أُرِيدُ أنْ أُرِيكُمْ كَيْفَ رَأيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يُصَلّي. قال: فَقَعَدَ في الركعَةِ الأُولَى حِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السّجْدَةِ الآخرة .
839 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا هُشَيْمٌ عن خَالِدٍ عن أبي قِلاَبَةَ عن مَالِكِ بن
__________
الحديث. ومن أحمد روايتان، وذكر الخلال أن أحمد رجع إلى القول بها ولم يستحبها الأكثر، واحتج الطحاوي بخلو حديث أبي حميد عنها، فإنه ساقه بلفظ: فقام ولم يتورك. وأخرجه أبو داوود أيضاً كذلك قال فلما تخالفا احتمل أن يكون ما فعله في حديث مالك بن الحويرث لعلة كانت به فقعد لأجلها لا أن ذلك من سنة الصلاة، ثم قوى ذلك بأنها لو كانت مقصودة لشرع لها ذكر مخصوص، وتعقب بأن الأصل عدم العلة وبأن مالك بن الحويرث هو راوي حديث "صلوا كما رأيتموني أصلي" فحكاياته لصفات صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم داخلة تحت هذا الأمر. واستدل بحديث أبي حميد المذكور على عدم وجوبها فكأنه تركها لبيان الجواز، وتمسك من لم يقل باستحبابها بقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تبادروني بالقيام والقعود فإني قد بدنت" فدل على أنه كان يفعلها لهذا السبب فلا يشرع إلا في حق من اتفق له نحو ذلك. وأما الذكر المخصوص فإنها جلسة خفيفة جداً استغنى فيها بالتكبير المشروع للقيام فإنها من جملة النهوض إلى القيام، ومن حيث المعنى أن الساجد يضع يديه وركبتيه ورأسه مميزاً لكل عضو وضع، فكذا ينبغي إذا رفع رأسه ويديه أن يميز رفع ركبتيه، وإنما يتم ذلك بأن يجلس ثم ينهض قائماً، نبه عليه ناصر الدين بن المنير في الحاشية. ولم تتفق الروايات عن أبي حميد على نفي هذه الجلسة كما يفهمه صنيع الطحاوي بل أخرجه أبو داوود أيضاً من وجه آخر عنه بإثباتها، وسيأتي ذلك عند الكلام على حديثه بعد بابين إن شاء الله تعالى.
وأما قول بعضهم لو كانت سنة لذكرها كل من وصف صلاته، فيقوي أنه فعلها للحاجة ففيه نظر، فإن السنن المتفق عليها لم يستوعبها كل واحد ممن وصف وإنما أخذ مجموعها عن مجموعهم. كذا في فتح الباري. قال المنذري: وأخرجه البخاري والنسائي.
"قال": أي أبو قلابة "فقعد" : أي مالك بن الحويرث "في الركعة الأولى حين رفع رأسه من السجدة الآخرة" : كذا قيد في هذه الرواية والمتقدمة الركعة بالأولى، لكن الرواية الآتية بلفظ إذا كان في وتر من صلاته وهو عام لكل فرد من الركعات.

(3/54)


الْحُوَيْرِثِ: أنّهُ رَأى النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذَا كَانَ في وِتْرٍ مِنْ صَلاَتِهِ لَمْ يَنْهَضْ حَتّى يَسْتَوِي قَاعِداً.
__________
"إذا كان في وتر" : أي فرد "من صلاته": أي عددها. قال القاضي: المراد بالوتر الركعة الأولى والثالثه "لم ينهض" : أي لم يقم "حتى يستوي قاعداً" : قال في المرقاة قال القاضي: هذا دليل على استحباب جلسة الاستراحة. قال ابن حجر المكي: ودعوى الطحاوي أنها ليست في حديث وهم عجيب منه.
وأما حديث وائل بن حجر أنه عليه السلام كان إذا رفع رأسه من السجود استوى قائماً فغريب وبفرض عدم غرابته محمول على بيان الجواز. وقول أحمد: أكثر الأحاديث على عدم التعرض لها نفياً وإثباتاً لا يؤثر بعد صحة التعرض لها إثبات كما علمت. انتهى. قال ابن الهمام: ولنا حديث أبي هريرة قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم ينهض في الصلاة على صدور قدميه" . أخرجه الترمذي وقال عليه العمل عند أهل العلم وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود "أنه كان ينهض في الصلاة على صدور قدميه" وأخرج نحوه عن عليّ وكذا عن ابن عمر وابن الزبير وكذا عن عمر وأخرج عن الشعبي قال: كان عمر وعلي وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهضون في الصلاة على صدور أقدامهم. وأخرج عن النعمان بن أبي عياش أدركت غير واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان إذا رفع أحدهم رأسه من السجدة الثانية في الركعة الأولى والثالثة نهض كما هو ولم يجلس انتهى كلام القاري.
قلت: حديث أبي هريرة الذي أخرجه الترمذي ضعيف لأن في إسناده خالد بن إياس وقال الترمذي بعد إخراجه خالد بن إياس ضعيفُ عند أهل الحديث، وعلى تقدير صحته وصحة هذه الآثار لا منافاة بينها وبين القول بسنية جلسة الاستراحة لأن الترك لها من النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الحالات إنما ينافي وجوبها فقط، وكذلك ترك بعض الصحابة لها لا يقدح في سنيتها لأن ترك ما ليس بواجب جائز.

(3/55)


141-باب الإقعاء بين السجدتين
840 - حدثنا يَحْيَى بنُ مُعِينٍ أخبرنا حَجّاجُ بنُ مُحَمّدٍ عن ابنِ جُرَيْجٍ أخبرني أبُو الزّبَيْرِ أنّهُ سَمِعَ طَاوُساً يقولُ: قُلْنَا لاِبنِ عَبّاسٍ في الإقْعَاءِ عَلَى القَدَمَيْنِ في
__________
باب الإقعاء بين السجدتين
"في الإقعاء على القدمين في السجود" : معنى الإقعاء ههنا أن يجعل إليتيه على عقيبه

(3/55)


السّجُودِ، فقال: هِيَ السّنّةُ. قال قُلْنَا: إنّا لَنَرَاهُ جَفَاءً بالرّجُلِ فقال ابنُ عَبّاسٍ: هِيَ سُنّةُ نَبِيّكَ صلى الله عليه وسلم.
__________
بين السجدتين وله معنى آخر وهو أن يلصق إليتيه بالأرض وينصب وينصب ساقيه ويضع يديه على الأرض كإقعاء الكلب، لكن المراد ههنا هو المعنى الأول كما يدل عليه قوله: على القدمين في السجود "إنا لنراه جفاء بالرجل" : قال النووي: ضبطناه بفتح الراء وضم الجيم أي بالإنسان، وكذا نقله القاضي عن جميع رواة مسلم. قال وضبطه أبو عمر بن عبد البر بكسر الراء وإسكان الجيم. قال أبو عمر ومن ضم الجيم فقد غلط، ورد الجمهور علي ابن عبد البر وقالوا: الصواب الضم وهو الذي يليق به إضافة الجفاء إليه والله أعلم "فقال ابن عباس هي سنة نبيك صلى الله عليه وسلم" .
اعلم أن الإقعاء ورد فيه حديثان: ففي هذا الحديث أنه سنة، وفي حديث آخر النهي عنه. رواه الترمذي وغيره من رواية علي، وابن ماجه من رواية أنس وأحمد بن حنبل رحمهما الله تعالى من رواية سمرة وأبي هريرة، والبيهقي من رواية سمرة وأنس، وأسانيدها كلها ضعيفة.
وقد اختلف العلماء في حكم الإقعاء وفي تفسيره اختلافاً كثيراً لهذه الأحاديث، والصواب الذي لا معدل عنه أن الإقعاء نوعان: أحدهما أن يلصق إليتيه بالأرض وينصب ساقيه ويضع يديه على الأرض كإقعاء الكلب، هكذا فسره أبو عبيدة معمر بن المثنى وصاحبه أبو عبيد القاسم بن سلام وآخرون من أهل اللغة وهذا النوع هو المكروه الذي ورد فيه النهي. والنوع الثاني أن يجعل إليتيه على عقبية بين السجدتين، وهذا هو مراد ابن عباس بقوله سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم، وقد نص الشافعي رحمه الله في البويطي والإملاء على استحبابه في الجلوس بين السجدتين، وحمل حديث ابن عباس رضي الله عنهما عليه جماعة من المحققين منهم البيهقي والقاضي عياض وآخرون رحمه الله تعالى.
قال القاضي: وقد روى عن جماعة من الصحابة والسلف أنهم كانوا يفعلونه قال وكذا جاء مفسراً عن ابن عباس رضي الله عنهما: من السنة أن تمس عقبيك إليتيك. فهذا هو الصواب في تفسير حديث ابن عباس. وقد ذكرنا أن الشافعي رحمه الله نص على استحبابه بين السجدتين، وله نص آخر وهو الأشهر أن السنة فيه الافتراش، وحاصله أنهما سنتان وأيهما أفضل فيه قولان وأما جلسة التشهد الأول وجلسة الاستراحة فسنتهما الافتراس وجلسة التشهد الأخير السنة فيه التورك. هذا مذهب الشافعي رحمه الله. كذا قال النووي في شرح صحيح مسلم. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي.

(3/56)


142- باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع
841 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ عِيسَى أخبرنا عبد الله بنُ نُمَيْرٍ و أبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ وَمُحَمّدُ ابنُ عُبَيْدٍ كُلّهُمْ عن الأعمَشِ عن عُبَيْدِ بنِ الحَسَنِ قال سَمِعْتُ عبد الله بنَ أبي أوْفَى يقولُ: كَانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرّكُوعِ يقولُ: سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ، اللّهُمّ رَبّنَا لَكَ الْحَمْدَ مِلْءَ السّمَوَاتِ وَمِلْءَ الأرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيءٍ بَعْدُ .
قَالَ أبُو دَاوُدَ: قال سُفْيَانُ الثّوْرِيّ وَشُعْبَةُ بنُ الْحَجّاجِ عن عُبَيْدٍ أبي الْحَسَنِ: هذا الحديثُ لَيْسَ فيه بَعْدَ الركُوعِ. قال سُفْيَانُ: لَقِينَا الشّيْخُ عُبَيْداً أبا الْحَسَنِ بَعْدُ فَلَمْ يَقُلْ فيه بَعْدَ الركُوعِ.
__________
باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع
"عبيد بن الحسن": هو أبو الحسن الكوفي عن ابن أبي أوفي، وعنه شعبة والثوري وثقه ابن معين "إذا رفع رأسه" : أي حين شرع في رفعه "ملء السمَوات" : بالنصب وهو الأكثر على أنه صفة مصدر مجذوف وقيل على نزع الخافض أي بملء السموات، وبالرفع على أنه صفة الحمد، والملء بالكسر اسم ما يأخذه الإناء إذا امتلأ وهو مجاز عن الكثرة. قال المطهر: هذا تمثيل وتقريب إذا الكلام لا يقدر بالمكاييل ولا تسعة الأوعية، وإنما المراد منه تكثير العدد العدد حتى لو قدر أن تلك الكلمات تكون أجساماً تملأ الأماكن لبلغت من كثرتها ما تملأ السمَوات والأرضين "وملء ما شئت من شيء بعد" : أي بعد ذلك أي ما بينهما أو غير ما ذكر كالعرش والكرسي وما تحت الثري قال التوربشتي: هذا أي ملء ما شئت يشير إلى الإعتراف بالعجز عن أداء حق الحمد بعد استفراغ المجهود فإنه حمده ملء السموات والأرض، وهذا نهاية إقدام السابقين ثم ارتفع وترقى فأحال الأمر فيه على المشيئة إذ ليس وراء ذلك للحمد منتهي، ولهذه الرتبة التي لم يبلغها أحد من خلق الله استحق عليه السلام أن يسمي أحمد كذا في المرقاة "قال سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج عن عبيد أبي الحسن": أي لم يسباه إلى أبيه وذكرا كنيته. وأما عبد الله بن نمير وغيره فقالوا عبيد بن الحسن بذكر اسم أبيه وترك كنيته "هذا الحديث ليس فيه بعد الركوع": أي هذا الحديث الذي رواه سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج ليس فيه ذكر كون الدعاء بعد الركوع بل ليس فيه ذكر المحل أصلاً. ورواية شعبة عن عبيد عن

(3/57)


قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ شُعْبَةُ عن أبي عِصْمَةَ عن الأعمَشِ عن عُبَيْدٍ قال بَعْدَ الركُوعِ.
842 - حدثنا مُؤَمّلُ بنُ الْفَضْلِ الْحَرّانِيّ أخبرنا الْوَلِيدُ ح. وأخبرنا محمُودُ بنُ خَالِدٍ أخبرنا أبُو مِسْهَرٍ ح. وأخبرنا ابن السّرْحِ أخبرنا بِشْرُ بنُ بَكْرٍ ح. وأخبرنا مُحَمّدُ بنُ مُصْعَبٍ أخبرنا عبد الله بنُ يُوسُفَ كُلّهُمْ عن سَعِيدِ بنِ عبد العزيز عن عَطَيّةَ بنِ قَيْسٍ عن قَزَعَةَ بنِ يَحْيَى عن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيّ: أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يقولُ حِينَ يقولُ سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ: اللّهُمّ رَبّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السّمَاءِ. قال مُؤَمّلُ: مِلْءَ السّمَوَاتِ وَمِلْءَ الأرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْء بَعْدُ، أهْلَ الثّنَاءِ وَالمَجْدِ، أحَقّ ما قال الْعَبْدُ وكُلّنَا لَكَ عَبْدٌ، لا مَانِعَ لمَا أعْطَيْتَ. زَادَ محمُودٌ: ولا
__________
عبد الله بن أوفي أخرجها مسلم ولفظه هكذا قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بهذا الدعاء اللهم ربنا لك الحمد ملء السمَوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد" "فلم يقل فيه بعد الركوع": أي فلم يقل الشيخ عبيد في الحديث كون الدعاء بعد الركوع.
والحاصل أن الحديث رواه عبد الله بن نمير وأبو معاوية ووكيع ومحمد بن عبيد كلهم عن الأعمش عن عبيد بن الحسن فذكروا في رواياتهم محل الدعاء بعد الركوع بلفظ إذا رفع رأسه من الركوع يقول إلخ. ورواه سفيان وشعبة عن عبد الله بن أبي أوفي فلم يذكرا في روايتهما لفظ إذا رفع رأسه من الركوع ولا ما في معناه "ورواه شعبة عن أبي عصمة إلخ": فرواية شعبة من هذا الطريق موافقة لرواية عبد الله بن نمير وغيره. والحديث أخرجه مسلم وابن ماجه.
"عن قزعة": بزاء وفتحات هو ابن يحيى البصري عن أبي سعيد وأبي هريرة وابن عمر وعنه مجاهد وعاصم الأحول وثقة العجلي "حين يقول سمع الله لمن حمده" : قال العلماء معنى سمع ههنا أجاب، ومعناه أن من حمد الله تعالى متعرضاً لثوابه استجاب الله تعالى وأعطاه ما تعرض له فإنا نقول ربنا لك الحمد لتحصيل ذلك "قال مؤمل": في روايته "ملأ السموات" : بلفظ الجمع "أهل الثناء والمجد" : بالنصب على النداء أي يا أهل الثناء هذا هو المشهور، وجوز بعضهم رفعه على تقدير أنت أهل الثناء، والمختار النصب، والثناء الوصف الجميل والمدح والمجد العظمة ونهاية الشرف "أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد لا مانع لما أعطيت إلخ" : تقديره أحق قول العبد لا مانع لما أعطيت إلخ، واعترض بينهما وكلنا لك عبد ومثل هذا الاعتراض في

(3/58)


مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ - ثُمّ اتّفَقُوا - ولا يَنْفَعُ ذَا الْجَدّ مِنْكَ الْجَدّ. وقال بِشْرٌ: رَبّنَا لَكَ الْحَمْدُ لَمْ يقُلْ محمُود قال: رَبّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ. رَوَاهُ الْوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ عن سَعِيدٍ قال: اللهُمّ رَبّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَلَمْ يَقُلْ ولا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ أيْضاً . قَالَ أبُو دَاوُدَ: ولم يَجِىءْ بِهِ إلاّ أبُو مِسْهَرٍ.
__________
القرآن قول الله تعالى {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ} واعترض قوله تعالى {وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ونظائره كثيرة وإنما يعترض ما يعترض من هذا الباب للاهتمام به وارتباطه بالكلام السابق وتقديره ههنا أحق قول العبد لا مانع لما أعطيت وكلنا لك عبد فينبغي لنا أن نقوله. هذا خلاصة ما قال النووي. وقال القاري قوله أحق ما قال العبد بالرفع وما موصولة أو موصوفة وال للجنس أو للعهد والمعهود النبي صلى الله عليه وسلم، أي أنت أحق بما قال العبد لك من المدح من غيرك. أو يكون التقدير المذكور من الحمد الكثير أحق ما قاله أحمد. والأظهر أن يكون قوله أحق مبتدأ وقوله اللهم لا مانع الخ خبره. والجملة الحالية معترضة بين المبتدأ والخبر، وبالنصب على المدح أو على المصدر أي قلت أحق ما قال العبد أي أصدقه وأثبته انتهى "زاد محمود": أي في روايته "ثم اتفقوا": أي مؤمل ومحمود وابن السرح ومحمد بن مصعب كلهم "ولا ينفع ذا الجد منك الجد" : المشهور فيه فتح الجيم هكذا ضبطه العلماء المتقدمون والمتأخرين وهو الصحيح، ومعناه الحظ والغني والعظمة والسلطان، أي لا ينفع ذا الحظ في الدنيا بالمال والولد والعظمة والسلطان منك حظه أي لا ينجيه حظه منك وإنما ينفعه وينجيه العمل الصالح كقوله تعالى {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ} والله تعالى أعلم "قال بشر ربنا لك الحمد" : أي لم يقل لفظ اللهم وكذلك "لم يقل محمود" : في روايته لفظ "اللهم" : بل "قال ربنا ولك الحمد" : بحذف لفظ اللهم وإثبات الواو بين ربنا ولك الحمد.
فائدة الواو في قوله ربنا ولك ثابتة في أكثر الروايات وهي عاطفة على مقدر بعد قوله ربنا وهو استجب كما قال ابن دقيق العيد أو حمدناك كما قال النووي، أو الواو زائدة كما قال أبو عمر وابن العلاء أو للحال كما قال غيره. وروى عن أحمد بن حنبل أنه إذا قال ربنا قال ولك الحمد وإذا قال اللهم ربنا قال لك الحمد. قال ابن القيم: لم يأت في حديث صحيح الجمع بين لفظ اللهم وبين الواو، وأقول قد ثبت الجمع بينهما في صحيح البخاري في باب صلاة القاعد من حديث أنس بلفظ "وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا ولك الحمد" وقد تطابقت على هذا اللفظ النسخ الصحيحة من صحيح البخاري. وحديث أبي سعيد الخدري أخرجه مسلم والنسائي.

(3/59)


843 - حدثنا عبد الله بنُ مَسْلَمَةَ عن مالِكٍ عن سُمَيَ عن أبي صَالحٍ السّمّانِ عن أبي هُرَيْرَةَ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذَا قال الإمامُ سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ، فقولُوا: اللّهُمّ رَبّنَا لَكَ الحَمْدُ، فإنّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ المَلاَئِكَةِ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" .
844 - حدثنا بِشْرُ بنُ عَمّارٍ أخبرنا أسْبَاطُ عن مُطَرّفٍ عن عَامِرٍ قال: لاَ يَقُولُ
__________
"إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا لك الحمد" : استدل به على أن الإمام لا يقول ربنا لك الحمد وعلى أن المأموم لا يقول سمع الله لمن حمده لكون ذلك لم يذكر في هذه الرواية كما حكاه الطحاوي وهو قول مالك وأبي حنيفة، وفيه نظر لأنه ليس فيه ما يدل على النفي بل فيه أن قول المأموم ربنا لك الحمد يكون عقب قول الإمام سمع الله لمن حمده والواقع في التصوير ذلك لأن الإمام يقول التسميع في حال انتقاله والمأموم يقول التحميد في حال اعتداله، فقوله يقع عقب قول الإمام كما في الخبر. وقد ثبت من أدلة صحيحة صريحة أنه صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين التسميع والتحميد، فالسنة للامام أن يجمعها. قال الحافظ وهو قول الشافعي وأحمد وأبي يوسف ومحمد والجمهور والأحاديث الصحيحة تشهد له، وزاد الشافعي أن المأموم يجمع بينهما أيضاً لكن لم يصح في ذلك شيء، ولم يثبت عن ابن المنذر أنه قال إن الشافعي انفرد بذلك لأنه قد نقل في الأشراف عن عطاء وابن سيرين وغيرهما القول بالجمع بينهما للمأموم، وأما المنفرد فحكى الطحاوي وابن عبدالبر الإجماع على أنه يجمع بينهما وجعله الطحاوي حجة لكون الإمام يجمع بينهما للاتفاق على اتحاد حكم الإمام والمنفرد لكن أشار صاحب الهداية إلى خلاف عندهم في المنفرد انتهى "فإنه" : أي الشأن "من وافق قوله" : وهو قوله ربنا لك الحمد بعد قول الإمام سمع الله لمن حمده "غفر له ما تقدم من ذنبه" : ظاهره غفران جميع الذنوب الماضية وهو محمول عند العلماء على الصغائر قاله الحافظ. قال الخطابي: في هذا دلالة على أن الملائكة يقولون مع المصلي هذا القول ويستغفرون ويحضرون بالدعاء والذكر. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي:
"عن عامر": هو ابن شراحيل الحميري الشعبي أبو عمر والكوفي الإمام العلم، ولد لست سنين خلت من خلافة عمر، روى عنه وعن علي وابن مسعود ولم يسمع منهم، وعن أبي هريرة وعائشة وجرير وابن عباس وخلق قال أدركت خمسمائة من الصحابة، وعنه ابن سيرين والأعمش وشعبة وجابر الجعفي وخلق. قال أبو مجلز ما رأيت فيهم أفقه من الشعبي. وقال العجلي مرسل الشعبي صحيح. وقال ابن عيينة كانت الناس تقول ابن عباس في زمانه والشعبي

(3/60)


الْقَوْمُ خَلْفَ الإمَامِ: سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ، وَلَكِنْ يَقُولُونَ: رَبّنَا لَكَ الْحَمْدُ.
__________
في زمانه "لا يقول القوم خلف الإمام سمع الله لمن حمده إلخ": قال الخطابي: اختلف الناس فيما يقوله المأموم إذا رفع رأسه من الركوع، فقالت طائفة يقتصر على ربنا لك الحمد وهو الذي جاء به الحديث لا يزيد عليه، هذا قول الشعبي، وإليه ذهب مالك وأحمد، وقال أحمد إلى هذا انتهى أمر النبي صلى الله عليه وسلم وقالت طائفة يقول سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد يجمع بينهما وهو قول ابن سيرين وعطاء، وإليه ذهب الشافعي وهو مذهب أبي يوسف ومحمد. قلت: وهذه الزيادة وإن لم تكن مذكورة في الحديث أيضاً فإنها مأمور بها الإمام وقد جاء "إنما جعل الإمام ليؤتم به" فكان هذا في جميع أقواله وأفعاله والإمام يجمع بينهما وكذلك المأموم، وإنما كان القصد بما جاء في الحديث مداركة الدعاء والمقاربة بين القولين ليستوجب به دعاء الإمام وهو قول سمع الله لمن حمده ليس بيان كيفية الدعاء والأمر بالاستيفاء وجميع ما يقال في ذلك المقام إذا قد وقعت الغنية بالبيان المتقدم فيه انتهى.

(3/61)


143 - باب الدعاء بين السجدتين
845 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ مَسْعُودٍ أخبرنا زَيْدُ بنُ الْحُبَابِ أخبرنا كَامِلُ أبُو الْعَلاءِ حدثني حَبِيبُ ابن أبي ثَابِتٍ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: كَانَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يقولُ بَيْنَ السّجْدَتَيْنِ: "اللّهُمّ اغْفِرْ لِي وَارْحمْني وَعَافِني وَاهْدِني وَارْزُقْني" .
__________
باب الدعاء بين السجدتين
"اللهم اغفر لي" : أي ذنوبي أو تقصيري في طاعتي "وارحمني" : أي من عندك لا بعملي أو ارحمني بقبول عبادتي من البلاء في الدارين أو من الأمراض الظاهرة والباطنة "واهدني" : لصالح الأعمال أو ثبتني على دين الحق "وارزقني" : رزقاً حسناً أو توفيقاً في الدرجة أو درجة عالية في الاخرة. والحديث يدل على مشروعية الدعاء بهذه الكلمات في القعدة بين السجدتين، وهي نغم في الفرائض والسنن، وهذا هو الصحيح القوي. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي هذا حديث غريب، وقال وروى بعضهم هذا الحديث عن كامل أبي العلاء مرسلاً هذا آخر كلامه. وكامل هو أبو العلاء ويقال أبو عبيد الله كامل بن العلاء التميمي السعدي الكوفي وثقه يحيى بن معين وتكلم فيه غيره.

(3/61)


144 - باب رفع النساء إذا كن مع الإمام[الرجال] رؤوسهن من السجدة
846 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ المُتَوَكّلِ الْعَسْقَلاَنِيّ أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ أنْبأنَا مَعْمَرُ عن عبد الله ابنِ مُسْلِمٍ أخي الزّهْرِيّ عن مَوْلًى لأسْمَاءَ ابْنَةِ أبي بَكْرٍ عن أسْماءَ ابنةِ أبي بَكْرٍ قالت: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: "مَنْ كَانَ منْكُنّ تُؤْمِنُ بالله وَالْيَوْمِ الآخر فَلاَ تَرْفَعْ رَأْسَهَا حَتّى يَرْفَعَ الرّجَالُ رُؤوسَهُمْ كَرَاهِيَةَ أنْ يَرَيْنَ مِنْ عَوْرَاتِ الرّجَالِ" .
__________
باب رفع النساء إذا كن مع الإمام رؤوسهن من السجدة
"كراهية" : بالنصب على العلية وهو مضاف إلى أن يرين "من عورات الرجال" : أي الذين كانوا في ضيق من الثياب. قال أبو هريرة لقد رأيت سبعين من أصحاب الصفة ما منهم رجل عليه رداء إما إزار وإما كساء قد ربطوا في أعناقهم فمنها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته. قال سهل بن سعد: كان الناس يصلون مع النبي صلى الله عليه وسلم وهم عاقدوا أزرهم من الصغر على رقابهم فقيل للنساء لا ترفعن رؤوسكن حتى يستوي الرجال جلوساً رواهما البخاري. قال المنذري: مولى أسماء مجهول.

(3/62)


145- باب طول القيام من الركوع وبين السجدتين
847 - حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ أخبرنا شُعْبَةُ عن الْحَكَمِ عن ابنِ أبي لَيْلَى عن الْبَراء: أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ سُجُودُهُ وَرُكُوعُهُ وَقُعُودُهُ وَمَا بَيْنَ السّجْدَتَيْنِ قَرِيباً مِنَ السّوَاءِ .
__________
باب طول القيام من الركوع وبين السجدتين
أي وطول القعود بين السجدتين "وقعوده وما بين السجدتين" : لفظه ما زائدة أي وجلوسه بين السجدتين، وفي بعض النسخ وقعوده ما بين السجدتين بحذف الواو العاطفة، وفي رواية البخاري كان ركوع النبي صلى الله عليه وسلم وسجوده وإذا رفع رأسه من الركوع وبين السجدتين "قريباً من السواء" : أي قريباً من التساوي والتماثيل، وفيه إشعار بأن فيها تفاوتاً لكنه لم يعينه. والحديث يدل على تطويل الاعتدال والجلوس بين السجدتين، وحديث أنس الآتي أصرح في الدلالة على ذلك بل هو نص فيه.

(3/62)


848 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ أنْبأنَا ثَابِتٌ وَحُمَيْدٌ عن أنَسٍ قال: مَا صَلّيْتُ خَلْفَ رَجُلٍ أوْجَزَ صَلاَةٍ من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في تَمَامٍ، وَكَانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا قال: "سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ" قَامَ حَتّى نَقُولَ قَدْ أوْهَمَ[وهم] ثُمّ يُكَبّرُ
__________
تنبيه: روى البخاري هذا الحديث من طريق بدل بن المحبر عن شعبة عن الحكم عن ابن أبي ليلى عن البراء بلفظ "كان ركوع النبي صلى الله عليه وسلم وسجوده وبين السجدتين وإذا رفع من الركوع ما خلا القيام والقعود قريباً من السواء" ورواه من طريق أبي الوليد عن شعبة عن الحكم عن ابن أبي ليلى عن البراء ولم يقع في هذه الطريق الاستثناء المذكور أعني قوله ما خلا القيام والقعود كما لم يقع في رواية المؤلف المذكورة، ورواه المؤلف من طريق هلال بن أبي حميد عن ابن أبي عن البراء بلفظ فوجدت قيامه كركعته الحديث، وفي رواية لمسلم فوجدت قيامه فركعته فاعتداله الحديث. وحكى ابن دقيق العيد عن بعض العلماء أنه نسب هذه الرواية إلى الوهم ثم استبعده لأن توهم الراوي الثقة على خلاف الأصل، ثم قال في آخر كلامه فلينظر ذلك من الروايات ويحقق الاتحاد أو الاختلاف من مخارج الحديث انتهى. قال الحافظ: وقد جمعت طرقه فوجدت مداره علي ابن أبي ليلى عن البراء، لكن الرواية التي فيها زيادة ذكر القيام من طريق هلال بن أبي حميد عنه ولم يذكره الحكم عنه وليس بينهما اختلاف في سوى ذلك إلا ما زاده بعض الرواة عن شعبة عن الحكم من قوله ما خلا القيام والقعود، وإذا جمع بين الروايتين ظهر من الأخذ بالزيادة فيهما أن المراد بالقيام المستثنى القيام للقراءة وكذا القعود والمراد به القعود للتشهد انتهى. وقيل إن المراد بالقيام والقعود الذين استثنيا الاعتدال والجلوس بين السجدتين، وجزم به بعضهم وتمسك به في أن الاعتدال والجلوس بين السجدتين لا يطولان، ورده ابن القيم في كلامه على حاشية السنن فقال هذا سوء فهم من قائله لأنه قد ذكرهما بعينهما فكيف يستثنيهما، وهل يحسن قول القائل جاء زيد وعمرو وبكر وخالد إلا زيداً وعمراً فإنه متى أراد نفي المجيء عنهما كان تناقضاً انتهى. وتعقب بأن المراد بذكرها إدخالها في الطمأنينة وباستثناء بعضها إخراج المستثنى من المساوات. قلت: الظاهر هو ما قال الحافظ من أن المراد بالقيام والقعود للتشهد والله أعلم. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.
"ما صليت خلف رجل أوجز صلاة من رسول الله صلى الله عليه وسلم في تمام" : المراد بالإيجاز مع التمام الإتيان بأقل ما يمكن من الأركان والأبعاض قاله الحافظ "حتى نقول" : بالنصب وقيل بالرفع

(3/63)


وَيَسْجُدُ، وكَانَ يَقْعُدُ بَيْنَ السّجْدَتَيْنِ حَتّى نَقُولُ قَدْ أوْهَمَ .
849 - حدثنا مُسَدّدٌ وَأبُو كَامِلٍ - دَخَلَ حَدِيثُ أحَدِهما في الآخر - قالا أخبرنا أبُو عَوانَةَ عن هِلاَلِ بنِ أبي حُمَيْدٍ عن عبد الرحمن بنِ أبي لَيْلَى عن الْبَراءِ بنِ عَازِبٍ قال: رَمَقْتُ مُحَمّداً صلى الله عليه وسلم - وقال أبُو كَامِلٍ - رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في الصّلاَةِ فَوَجَدْتُ قِيَامَهُ كَرَكَعَتِهِ وَسَجْدَتِهِ وَاعْتِدَالَهُ في الركْعَةِ كَسَجْدَتِهِ وَجِلْسَتَهُ بَيْنَ السّجْدَتَيْنِ، وَسَجْدَتَهُ مَا بَيْنَ التّسْلِيمِ والانْصِرَافِ قَرِيباً مِنَ السّواء .
قَالَ أبُو دَاوُدَ: قال مُسَدّدٌ: فَرَكْعَتُهُ وَاعْتِدَالُهُ بَيْنَ الركْعَتَيْنِ فَسَجْدَتُهُ فَجِلْسَتُهُ بَيْنَ السّجْدَتَيْنِ فَسَجْدَتُهُ فَجِلْسَتُهُ بَيْنَ التّسْلِيمِ والانْصِرَافِ قَرِيباً مِنَ السّواءِ .
__________
حكاية حال ماضية. قال التوربشتي نصب نقول بحتي وهو الأكثر، ومنهم من لا يعمل حتى إذا حسن فعل موضع يفعل كما يحسن في هذا الحديث حتى قلنا قد أوهم، وأكثر الرواة على ما علمنا على النصب وكان تركه من حيث المعنى أتم وأبلغ قال الطيبي: وقيل إن المراد أن المضارع إذا كان حكاية عن الحال الماضية لا يحسن فيه الأعمال وإلا فيحسن وهذا الحديث من قبيل الأول بدليل قوله قام وفيه بحث إذ ورد في التنزيل {وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ} : بالنصب على قراءة الأكثر، وقرء نافع بالرفع مع أن المعنى وقع الزلزال منهم إلى أن قال الرسول والمؤمنون متى نصر الله. ومعنى الحديث يطيل القيام أو أطاله حتى نظن إذ القول قد جاء بمعناه "قد أوهم" : على صيغة الماضي المعلوم وقيل مجهول، في الفائق أوهمت الشيء إذا تركته وأوهمت في الكلام والكتاب إذا أسقطت منه شيئاً ذكره الطيبي، يعني كان يلبث في حال الاستواء من الركوع زماناً نظن أنه أسقط الركعة التي ركعها وعاد إلى ما كان عليه من القيام. قال ابن الملك ويقال أوهمته إذا أوقعته في الغلط وعلى هذا يكون على صيغة الماضي المجهول أي أوقع عليه الغلط ووقف سهواً. وقال ابن حجر أي أوقع في وهم الناس أي ذهنهم أنه تركها "وكان يقعد بين السجدتين" : أي يطيل القعود بينهما "حتى نقول قد أوهم" : أي نظن أنه أسقط السجدة الثانية. وفي الحديث دلالة ظاهرة على تطويل الاعتدال والجلوس بين السجدتين.
"رمقت" : أي نظرت "فوجدت قيامه كركعته وسجدته" : بالجر عطف على ركعته "واعتداله" : بالنصب عطف على قيامه "في الركعة" : أي في الركوع "وجلسته" : بالنصب ولفظ مسلم هكذا "رمقت الصلاة مع محمد صلى الله عليه وسلم فوجدت قيامه فركعته فاعتداله بعد ركوعه فسجدته

(3/64)


__________
ما بين التسليم والانصراف قريباً من السواء" قال النووي: فيه دليل على تخفيف القراءة والتشهد وإطالة الطمأنينة في الركوع والسجود وفي الاعتدال عن الركوع وعن السجود، ونحو هذا قول أنس أي في الحديث المذكور آنفاً "ما صليت خلف أحد أوجز صلاة من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تمام" وقوله قريباً من السواء يدل على أن بعضها كان فيه طول يسير على بعض وذلك في القيام ولعله أيضاً في التشهد. وأعلم أن هذا الحديث محمول على بعض الأحوال وإلا فقد ثبتت الأحاديث السابقة بتطويل القيام وأنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الصبح بالستين إلى المائة، وفي الظهر بالم تنزيل السجدة وأنه كان يقام الصلاة فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يرجع فيتوضأ ثم يأتي المسجد فيدرك الركعة الأولى، وأنه قرأ سورة المؤمنين حتى بلغ ذكر موسى وهارون، وأنه قرأ بالمغرب بالطور وبالمرسلات. هذا كله يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كانت له في إطالة القيام أحوال بحسب الأوقات وهذا الحديث الذي نحن فيه جرى في بعض الأوقات وقوله فجلسته ما بين التسليم والانصراف دليل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يجلس بعد التسليم شيئاً يسيراً في مصلاه انتهى ملخصاً. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وفي رواية ما خلا القيام والقعود .

(3/65)


146 - باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود
850 - حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ النّمِرِيّ أخبرنا شُعْبَةُ عن سُلَيْمَانَ عن عُمَارَةَ بنِ عُمَيْرٍ عن أبي مَعْمَرٍ عن أبي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيّ قال قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا تُجْزِىءُ صَلاَةُ الرّجُلِ حَتّى يُقِمَ ظَهْرَهُ في الرّكُوعِ وَالسّجُودِ" .
__________
باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود
"لا تجزيء صلاة الرجل حتى يقيم ظهره" : قال المظهر أي لا تجزيء صلاة من لا يسوي ظهره "في الركوع والسجود" : والمراد منهما الطمأنينة وهي واجبة عند الشافعي وأحمد في الركوع والسجود ونحوهما، وعند أبي حنيفة ليست بواجبة لأن الطمأنينة أمر والاعتدال أمر، كذا ذكره الطيبي. قلت: الحديث حجة على من لم يقل بوجوب الطمأنينة فيهما، وسيأتي مزيد بيان في هذا في حديث أبي هريرة الآتي. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

(3/65)


851 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ أخبرنا أنَسٌ - يَعْني ابنَ عَيّاضٍ - ح. وأخبرنا ابنُ المُثَنّى حدثني يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عن عبيد الله - وهذا لَفْظُ ابنُ الُمثَنّى - حدثني سَعِيدُ بنُ أبي سَعِيدٍ عن أبيهِ عن أبي هُرَيْرَةَ: أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم دَخَلَ المَسْجِدَ فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلّى ثُمّ جَاءَ فَسَلّمَ عَلَى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَرَدّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَيْهِ السّلاَمَ وقال: "ارْجِعْ فَصَل فإنّكَ لَمْ تُصَلّ"، فَرَجَعَ الرّجُلُ فَصَلّى كَمَا كَانَ صَلّى، ثُمّ جَاءَ إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَسَلّمَ عَلَيْهِ، فقال لَهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "وَعَلَيْكَ السّلاَمُ"، ثُمّ قال: "ارْجِعْ فَصلّ فإنّكَ لَمْ تُصَلّ"، حَتّى فَعَلَ ذَلِكَ ثَلاَثَ مِرَارٍ فقال الرّجُلُ: وَالّذِي بَعَثَكَ بالْحَقّ ما أُحْسِنُ غَيْرَ هَذَا فَعَلّمَنِي.
__________
"فدخل رجل" : هو خلاد بن رافع كذا بينه ابن أبي شيبة "فصلى" : زاد النسائي ركعتين. وفيه إشعار بأنه صلى نفلاً. قال الحافظ: والأقرب أنها تحية المسجد "ثم جاء" : وفي رواية للبخاري: فجاء فسلم وهي أولى لأنه لم يكن بين صلاته ومجيئه تراخ "ارجع" : قال الحافظ في رواية ابن عجلان فقال أعد صلاتك "فصلّ فإنك لم تصل" : قال عياض: فيه أن أفعال الجاهل في العبادة على غير علم لا تجزيء وهو مبني على أن المراد بالنفي نفى الإجزاء وهو الظاهر، ومن حمله على نفي الكمال تمسك بأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر بعد التعليم بالإعادة، فدل على إجزائها وإلا لزم تأخير البيان كذا قاله بعض المالكية وهو المهلب ومن تبعه وفيه نظر لأنه صلى الله عليه وسلم قد أمره بالمرة الأخيرة بالإعادة، فسأله التعليم فعلمه فكأنه قال: أعد صلاتك على هذه الكيفية "كما كان صلى" : أي في أول مرة "حتى فعل" : أي الرجل "ذلك" : المذكور "ثلاث مرار" : فإن قيل: لم سكت النبي صلى الله عليه وسلم عن تعليمه أولاً حتى افتقر إلى المراجعة كرة بعد أخرى قلنا لأن الرجل لما لم يستكشف الحال مغتراً بما عنده سكت عن تعليمه زجراً له وإرشاداً إلى أنه ينبغي أن يستكشف ما استبهم عليه، فلما طلب كشف الحال بينه بحسن المقال. قاله ابن الملك في شرح المشارق. قال القاري: واستشكل تقريره عليه السلام على صلاته وهي فاسدة ثلاث مرات على القول بأن النفي للصحة، وأجيب بأنه أراد استدراجه بفعل ما جهله مرات لاحتمال أن يكون فعله ناسياً أو غافلاً فيتذكر فيفعله من غير تعليم، فليس من باب التقرير على الخطأ بل من باب تحقق الخطأ، أو بأنه لم يعلمه أو لا ليكون أبلغ في تعريفه وتعريف غيره ولتفحيم الأمر وتعظيمه عليه. وقال ابن دقيق العيد: لا شك في زيادة قبول المتعلم لما يلقي إليه بعد تكرار فعله واستجماع نفسه وتوجه سؤاله مصلحة مانعة من وجوب المبادرة إلى التعليم لاسيما مع عدم خوف "ما أحسن غير هذا" : أي لا أدري غير هذا.

(3/66)


قال: "إذَا قُمْتَ إلَى الصّلاَةِ فَكَبّرْ، ثُمّ اقْرَأْ ما تَيَسّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمّ ارْكَعْ حَتّى تَطْمَئِنّ رَاكِعاً، ثُمّ ارْفَعْ حَتّى تَعْتَدِلَ قَائِماً، ثُمّ اسْجُدْ حَتّى تَطْمَئِنّ سَاجِداً، ثُمّ اجْلِسْ حَتّى تَطْمَئِنّ جَالِساً، ثُمّ افْعَلْ ذَلِكَ في صَلاَتِكَ كُلّهَا".
__________
"إذا قمت إلى الصلاة فكبر" : وفي رواية للبخاري إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر "ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن" : وفي الرواية الآتية من طريق رفاعة ثم اقرأ بأم القرآن وبما شاء الله أن تقرأ . ولأحمد وابن حبان ثم اقرأ بأم القرآن ثم اقرأ بما شئت . وقد تمسك بحديث الباب من لم يوجب قراءة الفاتحة في الصلاة. وأجيب عنه بالرواية التي فيها التصريح بأم القرآن، وقد تقدم الكلام في ذلك "ثم اركع حتى تطمئن راكعاً" : في رواية لأحمد والمؤلف فإذا ركعت فاجعل راحتيك على ركبتيك وامدد ظهرك وتمكن لركوعك "ثم ارفع حتى تعتدل قائماً" : في رواية ابن نمير عند ابن ماجه: حتى تطمئن قائماً. أخرجه علي بن أبي شيبة عنه. وقد أخرج مسلم إسناده بعينه في هذا الحديث لكن لم يسبق لفظه فهو على شرطه، وكذا أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده عن أبي أسامة وهو في مستخرج أبي نعيم من طريقه، وكذا أخرجه السراج عن يوسف بن موسى أحد شيوخ البخاري عن أبي أسامة فثبت ذكر الطمأنينة في الاعتدال على شرط الشيخين ومثله في حديث رفاعة عند أحمد وابن حبان. وفي لفظ لأحمد فأقم صلبك حتى ترجع العظام إلى مفاصلها وعرف بهذا أن قول إمام الحرمين في القلب من إيجابها أي الطمأنينة في الرفع من الركوع شيء لأنها لم تذكر في حديث المسيء صلاته دال على أنه لم يقف على هذه الطرق الصحيحة. كذا في فتح الباري "ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً" : فيه وجوب السجود والطمأنينة فيه، ولا خلاف في ذلك "ثم افعل ذلك في صلاتك كلها" : قال الخطابي: فيه دليل على أن عليه أن يقرأ في كل ركعة كما كان عليه أن يركع ويسجد في كل ركعة. وقال أصحاب الرأي إن شاء أن يقرأ في الركعتين الأخريين قرأ وإن شاء أن يسبح سبح وإن لم يقرأ فيهما شيئاً أجزأه. وقد رووا فيه عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في الجنة أنه قال يقرأ في الأوليين ويسبح في الأخريين من طريق الحارث عنه.
قلت: وقد تكلم الناس في الحديث قديماً، وممن ضعف فيه الشعبي ورماه بالكذب وتركه أصحاب الحديث ولو صح ذلك عن علي لم يكن حجة لأن جماعة من الصحابة قد خالفوه في ذلك منهم أبو بكر وعمر وابن مسعود وعائشة وغيرهم وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى ما اتبع، بل قد ثبت عن علي من طريق عبيد الله بن أبي رافع أنه كان يأمر أن يقرأ في الأوليين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة وفي الأخريين بفاتحة الكتاب أخبرنا محمد بن المكي

(3/67)


..............................
__________
قال أخبرنا الصائغ قال أخبرنا سعيد بن منصور قال أخبرنا عبد الرحمن بن زياد قال أخبرنا شعبة عن سفيان بن حسين قال سمعت الزهري يحدث عن ابن أبي رافع عن أبيه عن علي بذلك. انتهى كلام الخطابي.
واستدل بهذا الحديث على وجوب الطمأنينة في أركان الصلاة، وبه قال الجمهور. واشتهر عن الحنيفة أن الطمأنينة سنة، وصرح بذلك كثير من مصنفيهم لكن كلام الطحاوي كالصريح في الوجوب عندهم فإنه ترجم مقدار الركوع والسجود ثم ذكر الحديث الذي أخرجه أبو داوود وغيره في قوله: سبحان ربي العظيم ثلاثاً في الركوع وذلك أدناه. قال فذهب قوم إلى أن هذا مقدار الركوع والسجود لا يجزئ أدنى منه. قال وخالفهم آخرون. فقالوا إذا استوى راكعاً واطمأن ساجداً أجزأ ثم قال: وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد. قال ابن دقيق العيد: تكرر من الفقهاء الاستدلال بهذا الحديث على وجوب ما ذكر فيه وعلى عدم وجوب ما لم يذكر أما الوجوب فلتعلق الأمر به، وأما عدمه فليس بمجرد كون الأصل عدم الوجوب بل لكون الموضع موضع تعليم وبيان للجاهل وذلك يقتضي انحصار الواجبات فيما ذكر، ويتقوى بكونه صلى الله عليه وسلم ذكر ما تعلقت به الإساءة من هذا المصلى وما لم تتعلق به، فدل على أنه لم يقصر المقصود على ما وقعت به الإساءة. قال: فكل موضع اختلف الفقهاء في وجوبه وكان مذكوراً في هذا الحديث فلسنا أن نتمسك به في وجوبه وبالعكس، لكن يحتاج أولاً إلى جمع طرق هذا الحديث وإحصاء الأمور المذكورة فيه واخذ بالزائد فالزائد، ثم إن عارض الوجوب أو عدمه دليل أقوى منه عمل به، وإن جاءت صيغة الأمر في حديث آخر بشيء لم يذكر في هذا الحديث قدمت. قال الحافظ: قد امتثلت ما أشار إليه وجمعت طرقه القوية من رواية أبي هريرة ورفاعة، وقد أمليت الزيادات التي اشتملت عليها فمما لم يذكر فيه صريحاً من الواجبات المتفق عليها النية والقعود الأخير، ومن المختلف فيه التشهد الأخير والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والسلام في آخر الصلاة. قال النووي: وهو محمول على أن ذلك كان معلوماً عند الرجل انتهى. وهذا يحتاج إلى تكملة وهو ثبوت الدليل على إيجاب ما ذكر كما تقدم وفيه دليل على أن الإقامة والتعوذ ودعاء الافتتاح ورفع اليدين في الإحرام وغيره ووضع اليمنى على اليسرى، وتكبيرات الانتقالات وتسبيحات الركوع والسجود وهيئات الجلوس ووضع اليد على الفخذ ونحو ذلك مما لم يذكر في الحديث ليس بواجب. انتهى. وهو في معرض المنع لثبوت بعض ما ذكر في بعض الطرق كما تقدم بيانه، فيحتاج من لم يقل بوجوبه إلى دليل على عدم وجوبه كما تقدم تقريره انتهى.

(3/68)


قال الْقَعْنَبِيّ عن سَعِيدِ بنِ أبي سَعِيدٍ الْمَقْبِرِيّ عن أبي هُرَيْرَةَ: وقال في آخِرِهِ: "فإذَا فَعَلْتَ هَذَا فَقَدْ تَمّتْ صَلاَتُكَ وَمَا انْتَقَصْتَ مِنْ هَذَا شَيْئاً فإنّمَا انْتَقَصْتَهُ مِنْ صَلاَتِكَ" . وقال فيه: "إذَا قُمْتَ إلَى الصّلاَةِ فأَسْبِغ الْوُضُوءَ" .
852 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عن إسْحَاقَ بنِ عبد الله بنِ أبي طَلْحَةَ عن عَلِيّ بنِ يَحْيَى بنِ خَلاّدٍ عن عَمّهِ: أنّ رَجُلاً دَخَلَ المَسْجِدَ، ذَكَرَ[فذكر]
__________
قال الخطابي: وفي الحديث دليل على أن صلاة من لم يقم صلبه في الركوع والسجود غير مجزية. وفي قوله: إذا قمت إلى الصلاة فكبر دليل على أن غير التكبير لا يصح به افتتاح الصلاة لأنه إذا افتتحها بغيره كان الأمر بالتكبير قائماً لم يمتثل. انتهى.
قال ابن دقيق العيد: ويتأيد ذلك بأن العبادات محل التعبدات ولأن رتب هذه الأذكار مختلفة فقد لا يتأدى برتبة منها ما يقصد برتبة أخرى ونظير الركوع فإن المقصود به التعظيم بالخضوع فلو أبدله بالسجود لم يجزئ مع أنه غاية الخضوع انتهى. قال الخطابي: قوله اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ظاهره الإطلاق والتخيير، والمراد منه فاتحة الكتاب لمن أحسنها لا يجزئه غيرها بدليل لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، وهذا في الإطلاق كقوله تعالى {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} ثم كان أقل ما يجزي من الهدى معيناً معلوم المقدار ببيان السنة وهو الشاة. انتهى قلت: يأتي في حديث رفاعة قوله صلى الله عليه وسلم ثم اقرأ بأم القرآن وبما شاء الله أن تقرأ ففيه تصريح بوجوب قراءة الفاتحة.
"قال القعنبي عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة": أي لم يقل عن أبيه. واعلم أن يحيى القطان خالف أصحاب عبيد الله كلهم في هذا الإسناد فإنهم لم يقولوا عن أبيه ويحيى حافظ فيشبه أن يكون عبيد الله حدث به على الوجهين. وقال البزاز لم يتابع يحيى عليه، ورجح الترمذي رواية يحيى، قاله الدارقطني. قال الحافظ: لكل من الروايتين وجه مرجح. أما رواية يحيى فللزيادة من الحافظ، وأما الرواية الأخرى فللكثرة، ولأن سعيداً لم يوصف بالتدليس، وقد ثبت سماعه من أبي هريرة. انتهى "وقال": أي القعنبي "في آخره": أي في آخر الحديث "فأسبغ الوضوء" : قال الطيبي: أي أتممه، يعني توضأ وضوءاً تاماً. وقال ابن الملك: مشتملاً على فرائضه وسننه. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي نحوه، وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه من حديث سعيد المقبري عن أبي هريرة.

(3/69)


نَحْوَهُ، قال فيه: فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم "إنّهُ لا تَتِمّ صَلاَةٌ لأِحَدٍ مِنَ النّاسِ حَتّى يَتَوَضّأَ فَيَضَعَ الْوُضُوءَ - يَعْني مَوَاضِعَهُ - ثُمّ يُكَبّرُ وَيَحْمَدُ الله عز وجل وَيُثْنِي عَلَيْهِ وَيَقْرَأُ بِمَا شَاءَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمّ يقولُ الله أكْبَرُ، ثُمّ يَرْكَعُ حَتّى تَطْمَئِنّ مَفَاصِلُهُ، ثُمّ يقولُ سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ حَتّى يَسْتَوِيَ قائِماً، ثُمّ يقولُ الله أكْبَرُ، ثُمّ يَسْجُدُ حَتّى تَطْمَئِنّ مَفَاصِلُهُ، ثُمّ يقولُ الله أكْبَرُ، وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ حَتّى يَسْتَوِيَ قَاعِداً، ثُمّ يقولُ الله أكْبَرْ، ثُمّ يَسْجُدُ حَتّى تَطْمَئِنّ مَفَاصِلُهُ، ثُمّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ فَيُكَبّرُ، فإذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ تَمّتْ صَلاَتُهُ".
853 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ أخبرنا هِشَامُ بنُ عَبْدِ المَلِك وَالْحَجّاجُ بنُ مِنْهَالٍ قالا أخبرنا هَمّامٌ أخبرنا إسْحَاقُ بنُ عبد الله بنِ أبي طَلْحَةَ عن عليّ بنِ يَحْيَى بنِ خَلاّدٍ عن أبِيهِ عن عَمّهِ رِفَاعَةَ بنِ رَافِعٍ بِمَعْنَاهُ، قال فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنّهَا لا تَتِمّ صَلاَةُ أحَدِكُم حَتّى يُسْبِغَ الْوُضُوءَ كَمَا أمَرَهُ الله تَعَالَى، فَيَغْسِلُ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إلَى المِرْفَقَيْنِ، وَيَمْسَحُ بِرَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ إلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمّ يُكَبّرُ الله عز وجل وَيَحْمَدُهُ، ثُمّ يَقْرَأَ مِنَ الْقُرْآنِ
__________
"ذكر نحوه": أي ذكر موسى بن إسماعيل نحو الحديث المذكور "أنه" : أي الشأن "لا تتم صلاة لأحد" : أي لا تصح لأن نفي التمام يستلزم نفي الصحة لأنا متعبدون بصلاة لا نقصان فيها، فالناقصة غير صحيحة ومن ادعى صحتها فعليه البيان. وقد جعل صاحب ضوء النهار نفي التمام هنا هو نفى الكمال بعينه، واستدل على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم "فإن انتقصت من ذلك شيئاً، فقد انتقصت من صلاتك" وأنت خبير بأن هذا من محل النزاع أيضاً، لأنا نقول الانتقاص يستلزم عدم الصحة لذلك الدليل الذي أسلفناه. ولا نسلم أن ترك مندوبات الصلاة ومسنوناتها انتقاص منها لأنها أمور خارجة عن ماهية الصلاة فلا يرد الإلزام بها، وكونها تزيد في الثواب لا يستلزم أنها منها كما أن الثياب الحسنة تزيد في جمال الذات وليست منها، كذا في النيل "فيضع الوضوء يعني مواضعه" : أراد به إسباغ الوضوء "ثم يكبر" : تكبيرة الإحرام "ويحمد الله عز وجل ويثنى عليه" : وفي النسائي يمجده مكان يثنى عليه وفيه وجوب تكبير الانتقال في جميع الأركان ووجوب التسميع. قال المنذري: المحفوظ في هذا علي بن يحيى بن خلاد عن أبيه عن عمه رفاعة بن رافع كما سيأتي.
"عن عمه رفاعة بن رافع بمعناه": أي بمعنى الحديث المتقدم "حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله تعالى" : أي في سورة المائدة "فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح برأسه ورجليه

(3/70)


ما أُذِنَ لَهُ فِيهِ وَتَيَسّرَ" - فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ حَمّادٍ قال – "ثُمّ يُكَبّرُ فَيَسْجُدُ فَيُمَكّنَ وَجْهَهُ" - قال هَمّامٌ - وَرُبّمَا قال "جَبهَتَهُ مِنَ الأرْضِ، حَتّى تَطْمَئِنّ مَفَاصِلُهُ وَتَسْتَرخِيَ، ثُمّ يُكَبّرُ فَيَسْتَوِي قاعِداً عَلَى مِقْعَدِهِ وَيُقِيمُ صُلْبَهُ فَوَصَفَ الصّلاَةَ هكَذَا أرْبَعَ رَكَعَاتٍ حَتّى فَرَغَ، لا تَتِمّ صَلاَةُ أحَدِكُم حَتّى يَفْعَلَ ذَلِكَ" .
854 - حدثنا وَهْبُ بنُ بَقِيّةَ عن خَالِدٍ عن مُحَمّدٍ - يَعْني ابنَ عَمرٍو - عن عَلِيّ بنِ يَحْيَى بنِ خَلاّدٍ عن رِفَاعَةَ بنِ رَافِعٍ بِهَذِهِ القِصّةِ قال: "إذَا قُمْتَ فَتَوَجّهْتَ إلَى الْقِبْلَةِ فَكَبّرْ ثُمّ اقْرَأْ بِأُمّ الْقُرْآنِ وَبِمَا شَاءَ الله أنْ تَقْرَأَ إذَا رَكَعْتَ فَضَعْ رَاحَتَيْكَ عَلَى رُكْبَتَيْكَ وَامْدُدْ ظَهْرَكَ". وقال: "إذَا سَجَدْتَ فَمَكّنْ لِسُجُودِكَ فإذَا رَفَعْتَ فَاقْعُدْ عَلَى فَخِذِكَ الْيُسْرَى".
855 - حدثنا مُؤَمّلُ بنُ هِشَامٍ أخبرنا إسْمَاعِيلُ عن مُحَمّدِ بنِ إسْحَاقَ حدثني
__________
إلى الكعبين" : المشهور أن الكعب هو العظم الناشز عند ملتقى الساق والقدم وهو الصحيح، وقوله رجليه في حالة النصب معطوف على وجهه أي يغسل رجليه. قال الخطابي: فيه من الثقة أن ترتيب الوضوء وتقديم ما قدمه الله في الذكر واجب، وذلك معنى قوله عليه السلام: يسبغ الوضوء كما أمره الله ثم عطف عليه بحرف الفاء الذي يقتضي التعقيب من غير تراخ "وتيسير" : هذا تفسير لقوله أذن له فيه "فيسجد فيمكن وجهه قال همام وربما قال" : أي إسحاق بن عبد الله "جبهته من الأرض" : يقال أمكنته من الشيء ومكنته منه فتمكن واستمكن أي قوى عليه. قال الخطابي: فيه دليل على أن السجود لا يجزئ على غير الجبهة وأن من سجد على كور العمامة لم يسجد معها على شيء من جبهته لم تجزه صلاته "حتى تطمئن مفاصله" : جمع مفصل وهو رؤوس العظام والعروق "وتسترخي" : أي تفتر وتضعف.
"ثم اقرأ بأم القرآن وبما شاء الله أن تقرأ" : قد تمسك بحديث المسيء من لم يوجب قراءة الفاتحة في الصلاة، وأجيب عنه بهذه الرواية المصرحة بأم القرآن "فضع راحتيك" : أي كفيك "على ركبتيك فيه رد على أهل التطبيق "وامدد ظهرك" : أي أبسطه "فمكن" : أي يديك قاله الطيبي "لسجودك" : أي اسجد سجوداً تاماً مع الطمأنينة. قاله ابن الملك. وقال ابن حجر: معناه فمكن جبهتك من مسجدك فيجب تمكينها بأن يتحامل عليها بحيث لو كان تحتها قطن انكبس "فإذا رفعت" : أي رأسك من السجود "فاقعد على فخذك اليسرى" : أي ناصباً قدمك اليمنى. قال ابن حجر: أي تنصب رجلك اليمنى كما بينه بقية الأحاديث السابقة، ومن ثم كان

(3/71)


عَلِيّ بنُ يَحْيَى بنِ خَلاّدِ بنِ رَافِعٍ عن أبِيهِ عن عَمّهِ رِفَاعَةَ بنِ رَافِعٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِهَذِهِ القِصّةِ قال: "إذَا أنْتَ قُمْتَ في صَلاَتِكَ فَكَبّرِ الله عز وجل ثُمّ اقْرَأْ مَا تَيَسّرَ عَلَيْكَ مِنَ الْقُرْآنِ - وقال فيه - فإذَا جَلَسْتَ في وَسَطِ الصّلاَةِ فَاطْمَئِنّ وَافْتَرِشْ فَخِذِكَ الْيُسْرَى، ثُمّ تَشَهّدْ، ثُمّ إذَا قُمْتَ فَمِثْلَ ذَلِكَ حَتّى تَفْرُغَ مِنْ صَلاَتِكَ".
856 - حدثنا عَبّادُ بنُ مُوسَى الْخُتّلِيّ أخبرنا إسْمَاعِيلُ - يَعْني ابنَ جَعْفَرٍ - أخبرني يَحْيَى ابنُ عَلِيّ بن يحيى بنِ خَلاّدِ بنِ رَافِعٍ الزّرَقِيّ عن أبِيهِ عن جَدّهِ عن رِفَاعَةَ بنِ رَافِعٍ: "أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم - فَقَصّ هَذا الحديثَ قال فيه: - "فَتَوَضّأْ كَمَا أمَرَكَ الله ثُمّ تَشَهّدْ فأَقِمْ ثُمّ كَبّرْ، فإنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فَاقْرَأْ بِهِ وَإلاّ فَاحْمَدِ الله عز وجل وَكَبّرْهُ وَهَلّلْهُ - وقال فيه - وإن [فإن] انْتَقَصْتَ مِنْهُ شَيْئاً انْتَقَصْتَ مِنْ صَلاَتِكَ".
__________
الافتراش بين السجدتين أفضل من الإقعاء المسنون بينهما كما مر لأن ذلك هو الأكثر من أحواله عليه السلام.
"فإذا جلست في وسط الصلاة" : بفتح السين. قال في النهاية: يقال فيما كان متفرق الأجزاء غير متصل كالناس والدواب بسكون السين وما كان متصل الأجزاء كالدار والرأس فهو بالفتح والمراد ههنا القعود للتشهد الأول في الرباعية ويلحق به الأول في الثلاثية "فاطمئن" : يؤخذ منه أن المصلي لا يشرع في التشهد حتى يطمئن يعني يستقر كل مفصل في مكانه ويسكن من الحركة "وافترش فخذك اليسرى" : أي القها على الأرض وابسطها كالفراش للجلوس عليها. والافتراش في التشهد الثاني كالأول. والشافعي يتورك في الثاني ومالك يتورك فيهما كذا ذكره ابن رسلان. وفيه دليل لمن قال إن السنة الافتراش في الجلوس للتشهد الأوسط وهم الجمهور. قال ابن القيم: ولم يرو عنه في هذه الجلسة غير هذه الصفة يعني الفرش والنصب. وقال مالك: يتورك فيه لحديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجلس في وسط الصلاة وفي آخرها متوركاً . قال ابن القيم: لم يذكر عنه صلى الله عليه وسلم التورك إلا في التشهد الأخير. والحديث دليل لمن قال بوجوب التشهد الأوسط كذا في النيل.
"قال فيه": أي في الحديث "كما أمرك الله" : أي في سورة المائدة "ثم تشهد" : أي قل أشهد أن لا أله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الوضوء "فأقم" : أي الصلاة. وقيل معنى تشهد إذن لأنه مشتمل على كلمتي الشهادة فأقم على هذا يراد به الإقامة للصلاة كذا نقله ميرك عن

(3/72)


857 - حدثنا أبُو الْوَلِيدِ الطّيَالِسِيّ أخبرنا اللّيْثُ عن يَزِيدَ بنِ أبي حَبِيبٍ عن جَعْفَرَ بنِ الْحَكَمُ ح. وأخبرنا قُتَيْبَةُ أخبرنا اللّيْثُ عن جَعْفَرِ بنِ عبد الله الأنْصَارِيّ عن تَمِيمِ بنِ المَحْمُودِ عن عبد الرحمن بنِ شِبْلٍ قال: نَهَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن نَقْرَةِ الْغُرَابِ وَافْتِرَاشِ السّبُعِ وَأنْ يُوَطّنَ الرّجُلُ المَكَانَ في المَسْجِدِ كما يُوَطّنُ الْبَعِيرُ هذا لَفْظُ قُتَيْبَةَ.
858 - حدثنا زُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ أخبرنا جَرِيرٌ عن عَطَاءِ بنِ السّائِبِ عن سَالِمٍ الْبَرّادِ
__________
الأزهار. قال ابن حجر: وفيه دلالة ظاهرة لمن قال بوجوب الأذان والإقامة على الكفاية، وقيل أي أحضر قلبك وانو وكبر فأقم الصلاة أو أحضر قلبك واستقم، كذا في المرقاة.
"عن جعفر بن الحكم": هو جعفر بن عبد الله بن الحكم بن رافع الأنصاري الأوسي المدني عن أنس ومحمد بن لبيد وسليمان بن يسار، وعنه ابنه عبد الحميد ويزيد بن أبي حبيب والليث موثق "عن جعفر بن عبد الله الأنصاري": هو عبد الله بن الحكم المذكور "عن عبد الرحمن بن شبل": بكسر الشين المعجمة وسكون الموحدة ابن عمرو بن زيد الأنصاري الأوسي المدني أحد النقباء نزيل حمص مات أيام معاوية رضي الله عنه "عن نقرة الغراب" : بفتح النون يريد المبالغة في تخفيف السجود وأنه لا يمكث فيه إلا قدر وضع الغراب منقاره فيما يريد أكله. وقال الخطابي: هي أن لا يتمكن الرجل من السجود فيضع جهته على الأرض حتى يطمئن ساجداً، فإنما هو أن يمس بجبهته فيضع جبهته على الأرض حتى يطمئن ساجداً، فإنما هو أن يمس بجبهته أو بأنفه الأرض كنقرة الطائر ثم يرفعه "وافتراش السبع" : وهو أن يضع ساعديه على الأرض في السجود "وأن يوطن" : بتشديد الطاء ويجوز تخفيفها "الرجل المكان في المسجد كما يوطن البعير" : فيه وجهان أحدهما أن يألف مكاناً معلوماً من المسجد لا يصلي إلا فيه كالبعير لا يأوي من عطنه إلا إلى مبرك دمث قد أوطنه واتخذه مناخاً لا يبرك إلا فيه والوجه الآخر أن يبرك على ركبتيه قبل يديه إذا أراد السجود برك البعير على المكان الذي أوطنه، وأن لا يهوي في سجوده، فيثني ركبتيه حتى يضعها بالأرض على سكون ومهل. قاله الخطابي. قلت: الوجه الثاني لا يصح ههنا لأنه لا يمكن أن يكون مشبهاً به، وأيضاً لو كان أريد هذا المعنى لما اختص النهي بالمكان في المسجد فلما ذكر دل على أن المراد هو الأول قال ابن حجر: وحكمته أن يؤدي إلى الشهرة والرياء والسمعة والتقيد بالعادات والحظوظ والشهوات وكل هذه آفات أيّ آفات فتعين البعد عما أدى إليها ما أمكن. قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه.
"عن سالم البراد": هو أبو عبد الله الكوفي عن ابن مسعود وأبي مسعود، وعنه عطاء بن

(3/73)


قال: أتَيْنَا عُقْبَةَ بنَ عَمْرِو الأنْصَارِيّ أبَا مَسْعُودٍ فَقُلْنَا لَهُ: حَدّثْنَا عن صَلاَةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَقَامَ بَيْنَ أيْدِينَا في المَسْجِدِ فَكَبّرَ، فَلَمّا رَكَعَ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَجَعَلَ أصَابِعَهُ أسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ وَجَافَى بَيْنَ مِرْفَقَيْهِ حَتّى اسْتَقَرّ كُلّ شَيْءٍ مِنْهُ، ثُمّ قال: سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقَامَ حَتّى اسْتَقَرّ كُلّ شَيْءٍ مِنْهُ، ثُمّ كَبّرَ وَسَجَدَ وَوَضَعَ كَفّيْهِ عَلَى الأرْضِ، ثُمّ جَافَى بَيْنَ مِرْفَقَيْهِ حَتّى اسْتَقَرّ كلّ شَيْءٍ مِنْهُ، ثُمّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَجَلَسَ حَتّى اسْتَقَرّ كلّ شَيْءٍ مِنْهُ، فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ أيْضاً، ثُمّ صَلّى أرْبَعَ رَكَعَاتٍ مِثْلَ هَذِهِ الركْعَةِ، فَصَلّى صَلاَتَهُ ثُمّ قال: هَكَذَا رَأيْنَا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم.
__________
السائب وإسماعيل بن أبي خالد وثقه ابن معين وغيره "فلما ركع وضع يديه على ركبتيه" : فيه رد على أهل التطبيق "وجعل أصابعه أسفل من ذلك" : المعنى أنه وضع كفيه على الركبتين وأصابعه أسفل منهما، وفي رواية النسائي وضع راحتيه على ركبتيه وجعل أصابعه من وراء ركبتيه "وجافي بين مرفقيه" : أي باعدهما عن جنبيه وهو من الجفاء وهو البعد عن الشيء "فصلى صلاته" : أي أتمها وفرغ منها. قال المنذري: وأخرجه النسائي.
__________
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
فصل
في سياق صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيان اتفاق الأحاديث فيها وغلط من ظن أن التخفيف الوارد فيها هو التخفيف الذي اعتاده سراق الصلاة والنقارون لها.
ففي الصحيحين عن البراء بن عازب قال رمقت الصلاة مع محمد صلى الله عليه وسلم فوجدت قيامه فركعته فاعتدالة بعد ركوعه فسجدته فجلسته بين السجدتين فسجدته فجلسته ما بين التسليم والانصراف قريبا من السواء لفظ مسلم وفي صحيح مسلم أيضا عن شعبة عن الحكم قال غلب على الكوفة رجل قد سماه زمن ابن الأشعث فأمر أبا عبيدة بن عبد الله أن يصلي بالناس فكان يصلي فإذا رفع رأسه من الركوع قلم قدر ما أقول اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد قال الحكم فذكرت ذلك لعبدالرحمن بن أبي ليلى فقال سمعت البراء بن عازب يقول كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وركوعه وإذا رفع رأسه من الركوع وسجوده وما بين السجدتين قريبا من السواء وروى البخاري هذا الحديث وقال فيه ما خلا القيام والقعود قريبا من السواء ولا شك أن قيام القراءة وقعود التشهد يزيدان في الطول على بقية الأركان ولما كان صلى الله عليه وسلم يوجز القيام ويستوفي بقية الأركان

(3/74)


0000000000000000000000000
__________
صارت صلاته قريبا من السواء فكل واحدة من الروايتين تصدق الأخرى والبراء تارة قرب ولم يحدد فلم يذكر القيام والقعود وتارة استثنى وحدد فاحتاج إلى ذكر القيام والقعود وقد غلط بعضهم حيث فهم من استثناء القيام والقعود أنه استثنى القيام من الركوع والقعود بين السجدتين فإنه كان يخفضهما فلم يكونا قريبا من بقية الأركان فإنهما ركنان قصيران وهذا من سوء الفهم فإن سياق الحديث يبطله فإنه قد ذكر هذين الركنين بأعيانهما فكيف يذكرهما مع بقية الأركان ويخبر عنهما بأنهما مساويان لها ثم يستثنيهما منها وهل هذا إلا بمنزلة قول القائل قام زيد وعمرو وبكر وخالد إلا زيدا وعمرا.
وقد ثبت تطويل هذين الركنين عن النبي صلى الله عليه وسلم في عدة أحاديث صحيحة صريحة.
أحدها: هذا وقد استدل البراء بن عازب على إصابة أبي عبيدة في تطويله ركن الاعتدال من الركوع بقوله كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وركوعه وإذا رفع رأسه وسجوده وما بين السجدتين قريبا من السواء ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم يخفف هذين الركنين لأنكر البراء صلاة أبي عبيدة ولم يرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يتضمن تصويبه.
ومنها ما رواه مسلم في صحيحه من حديث حماد بن سلمة أخبرنا ثابت عن أنس قال ما صليت خلف أحد أوجز صلاة من رسول الله صلى الله عليه وسلم في تمام كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم متقاربة وكانت صلاة أبي بكر متقاربة فلما كان عمر مد في صلاة الفجر وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال سمع الله لمن حمده قام حتى نقول قد أوهم ثم يسجد ويقعد بين السجدتين حتى نقول قد أوهم رواه مسلم بهذا اللفظ ورواه أبو داود من حديث حماد بن سلمة أخبرنا ثابت وحميد عن أنس قال ما صليت خلف رجل أوجز صلاة من رسول الله صلى الله عليه وسلم في تمام وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال سمع الله لمن حمده قام حتى نقول قد أوهم ثم يكبر ثم يسجد وكان يقعد بين السجدتين حتى نقول قد أوهم فجمع أنس رضي الله عنه في هذا الحديث الصحيح بين الإخبار عن إيجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم وإتمامها وأن من إتمامها إطالة الاعتدالين جدا كما أخبر به وقد أخبر أنه ما رأى أوجز صلاة منها ولا أتم فيشبه والله أعلم أن يكون الإيجاز عاد إلى القيام والإتمام إلى الركوع والسجود وركني الأعتدال فهذا تصير الصلاة تامة موجزة فيصدق قوله ما رأيت أوجز منها ولا أتم ويطابق هذا حديث البراء المتقدم وأحاديث أنس كلها تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطيل الركوع والسجود والاعتدالين زيادة على ما يفعله أكثر الأئمة ويعنادونه وروايات الصحيحين تدل على ذلك ففي الصحيحين عن حماد بن زيد عن ثابت عن أنس قال إني لا آلو أن أصلي بكم كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا قال ثابت فكان أنس يصنع شيئا لا أراكم تصنعونه كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائما حتى يقول القائل قد نسي وإذا رفع رأسه في السجدة مكث حتى يقول القائل قد نسي وفي لفظ وإذا رفع رأسه بين السجدتين وفي رواية

(3/75)


000000000000000000
__________
للبخاري من حديث شعبة عن ثابت كان أنس ينعت لنا صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يصلي وإذا رفع رأسه من الركوع قام حتى نقول قد نسي وهذا يبين أن إطالة ركني الاعتدالين مما ضيع من عهد ثابت ولهذا قال فكان أنس يصنع شيئا لا أراكم تفعلونه وهذا والله أعلم مما أنكره أنس مما أحدث الناس في الصلاة حيث قال ما أعلم شيئا مما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل ولا الصلاة قال أو ليس قد أحدثتم فيها ما أحدثتم فقول ثابت أنهم لم يكونوا يفعلون كفعل أنس وقول أنس إنكم قد أحدثتم فيها يبين ذلك أن تقصير هذين الركنين هو مما أحدث فيها ومما يدل على أن السنة إطالتهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالليل فقرأ البقرة والنساء وآل عمران وركع نحوا من قيامه ورفع نحوا من ركوعه وسجد نحوا من قيامه وجلس نحوا من سجوده متفق عليه.
وفي صحيح مسلم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع قال "اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد".
وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع قال "اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد" وفي صحيح مسلم نحوه من حديث عبد الله بن أبي أوفي وزاد بعد قوله وملء ما شئت من شيء بعد اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الابيض من الوسخ فهذه الاذكار والدعوات ونحوها والله أعلم من التي كان يقولها في حديث أنس أنه كان يمكث بعد الركوع حتى يقولوا قد أوهم لأنه ليس محل سكوت فجاء الذكر مفسرا في هذه الاحاديث وروى النسائي وأبو داود عن سعيد بن جبير قال سمعت أنس بن مالك يقول ما صليت وراء أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى يعني عمر بن عبد العزيز قال فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحات وفي سجوده عشر تسبيحات وإسناده ثقات.
وفي صحيح مسلم عن أبي قزعة قال أتيت أبا سعيد الخدري وهو مكثور عليه فلما تفرق الناس عنه قلت إني لا أسألك عما يسألك هؤلاء عنه أسألك عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال مالك في ذلك من خير فأعادها عليه فقال كانت صلاة الظهر تقام فينطلق أحدنا إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يأتي أهله فيتوضأ ثم يرجع إلى المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولى وفي رواية مما يطولها وفي هذا ما يدل على أن أبا سعيد رأي أن صلاة الناس في زمانه أنقص مما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلها ولهذا قال للسائل مالك في ذلك من خير.
وفي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر بالستين إلى المائة ومن المتيقن أنه صلى الله عليه وسلم لم تكن

(3/76)


000000000000000000000000000000000000
__________
قراءته في الصلاة هذا بل ترتيلا بتدبير وتأن وروى النسائي بإسناد صحيح عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في المغرب بسورة الأعراف فرقها في ركعتين وأصله في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في المغرب بطولي الطوليين يريد الأعراف كما جاء مفسرا في رواية النسائي.
وفي الصحيحين عن جبير بن مطعم أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور وفي الصحيحين عن ابن عباس عن أم الفضل بنت الحارث أنها سمعته وهو يقرأ والمرسلات عرفا فقالت يا بني لقد ذكرتني بقراءتك هذه السورة إنها لآخر ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها في المغرب وهذا يدل على أن هذا الفعل غير منسوخ لأنه كان في آخر حياته صلى الله عليه وسلم.
وقد روى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال شكا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مشقة السجود عليهم فقال استعينوا بالركب قال ابن عجلان هو أن يضع مرفقيه على ركبتيه إذا طاله السجود وأعيا وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطيل السجود بحيث يحتاج الصحابة إلى الاعتماد على ركبهم وهذا لا يكون مع قصر السجود.
وفي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال "إني لأقوم في الصلاة وأنا أريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز فيها مخافة أن أشق على أمه" وأما ما رواه مسلم في صحيحه من حديث جابر بن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر بقاف والقرآن المجيد وكانت صلاته بعد تخفيفا فالمراد به والله أعلم أن صلاته كانت بعد الفجر تخفيفا يعني أنه كان يطيل قراءة الفجر ويخفف قراءة بقية الصلوات لوجهين. أحدهما: أن مسلما روى في صحيحه عن سماك بن حرب قال سألت جابر بن سمرة عن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فقال كان يخفف الصلاة ولا يصلي صلاة هؤلاء قال وأنبأني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر بقاف والقرآن المجيد ونحوها فجمع بين وصف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتخفيف وأنه كان يقرأ في الفجر بقاف.
والثاني: أن سائر الصحابة اتفقوا على أن هذه كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ما زال يصليها ولم يذكر أحد أنه نقص في آخر أمره من الصلاة وقد أخبرت أم الفضل عن قراءته في المغرب بالمرسلات في آخر الآمر وأجمع الفقهاء أن السنة في صلاة الفجر أن يقرأ بطوال المفصل.
وأما قوله ولا يصلي صلاة هؤلاء فيحتمل أمرين أحدهما أنه لم يكن يحذف كحذفهم بل يتم الصلاة والثاني أنه لم يكن يطيل القراءة إطالتهم وفي مسند أحمد وسنن النسائي عن عبد الله بن عمر قال إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأمرنا بالتخفيف وإن كان ليؤمنا بالصافات وهذا يدل على أن الذي أمر به هو الذي فعله فإنه صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يصلوا مثل صلاته ولهذا صلى على المنبر وقال إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي وقال مالك بن الحويرث وصاحبه صلوا كما

(3/77)


0000000000000000000
__________
رأيتموني أصلي وذلك أنه ما من فعل في الغالب إلا ويسمي خفيفا بالنسبة إلى ما هو أطول منه وطويلا بالنسبة إلى ما هو أخف منه فلا يمكن تحديد التخفيف المأمور به في الصلاة باللغة ولا بالعرف لأنه ليس له عادة في العرف كالقبض والحزر والاحياء والاصطياد حتى يرجع فيه إليه بل هو من العبادات التي يرجع في صفاتها ومقاديرها إلى الشارع كما يرجع إليه في أصلها ولو جاز الرجوع فيه إلى العرف لاختلفت الصلاة الشرعية اختلافا متباينا لا ينضبط ولكان لكل أهل عصر ومصر بل لأهل الدرب والسكة وكل محل لكل طائفة غرض وعرف وإرادة في مقدار الصلاة يخالف عرف غيرهم وهذا يفضي إلى تغيير الشريعة وجعل السنة تابعة لأهواء الناس فلا يرجع في التخفيف المأمور به إلا إلى فعله صلى الله عليه وسلم فإنه كان يصلي وراء الضعيف والكبير وذو الحاجة وقد أمرنا بالتخفيف لأجلهم فالذي كان يفعله هو التخفيف إذ من المحال أن يأمر بأمر ويعلله بعلة ثم يفعل خلافه مع وجود تلك العلة إلا أن يكون منسوخا.
وفي صحيح مسلم عن عمار بن ياسر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة وإن من البيان سحرا" جعل طول الصلاة علامة على فقه الرجل وأمر بإطالتها وهذا الأمر إما أن يكون عاما في جميع الصلوات وإما أن يكون المراد به صلاة الجمعة فإن كان عاما فظاهر وإن كان خاصا بالجمعة مع كون الجمع فيها يكون عظيما وفيه الضعيف والكبير وذو الحاجة وتفعل في شدة الحر ويتقدمها خطبتان ومع هذا فقد أمر بإطالتها فما الظن بالفجر ونحوها التي تفعل وقت البرد والراحة مع قلة الجمع وقد روى النسائي في سننه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في الفجر بالروم وفي سنن أبي داود عن جابر بن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دحضت الشمس صلى الظهر وقرأ بنحو من والليل إذا يغشى والعصر كذلك والصلوات كلها كذلك إلا الصبح فإنه كان يطيلها وقد روى الإمام أحمد والنسائي بإسناد على شرط مسلم عن سليمان بن يسار عن أبي هريرة قال ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من فلان قال سليمان كان يطيل الركعتين الأوليين من الظهر ويخفف الأخريين ويخفف العصر ويقرأ في المغرب بقصار المفصل ويقرأ في العشاء بوسط المفصل ويقرأ في الصبح بطوال المفصل وفي الصحيحين عن أبي برزة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الصبح فينصرف الرجل فيعرف جليسه وكان يقرأ في الركعتين أو إحداهما ما بين الستين إلى المائة لفظ البخاري وهذا يدل على أمرين شدة التغليس بها وإطالتها.
فإن قيل ما ذكرتموه من الأحاديث معارض بما يدل على نقضه وإن السنة هي التخفيف فروى أبو داود في سننه من حديث ابن وهب أخبرني سعيد بن عبدالرحمن بن أبي العمياء أن سهل بن أبي أمامة حدثه أنه دخل هو وأبوه علي أنس بن مالك بالمدينة في زمن عمر بن عبدالعزيز وهو أمير

(3/78)


0000000000000000000
__________
المدينة فإذا هو يصلي صلاة خفيفة كأنها صلاة مسافر أو قريبا منها فلما سلم قال يرحمك الله أرأيت هذه الصلاة المكتوبة أم شيء تنفله قال إنها للمكتوبة وإنها لصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم فإن قوما شددوا على أنفسكم فشدد عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديار رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم وسهل بن أبي أمامة وثقه يحيى بن معين وغيره وروى له مسلم وفي الصحيحين عن أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوجز الصلاة ويكلمها وفي الصحيحين أيضا عنه قال ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم من صلاة النبي صلى الله عليه وسلم زاد البخاري وإن كان ليسمع بكاء الصبي فيخفف مخافة أن تفتن أمه وفي سنن أبي داود عن رجل من جهينة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصبح {إِذَا زُلْزِلَتِ} في الركعتين كلتيهما فلا أدري أنسي رسول الله صلى الله عليه وسلم أم عمدا فعل ذلك وفي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر بالليل إذا يغشى وفي العصر نحو ذلك .
وفي سنن ابن ماجه عن ابن عمر قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} .
وفي سنن ابن ماجه عن عمرو بن حريث قال كأني أسمع صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة الغداة {فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ} وفي سنن أبي داود عن جابر بن سمرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر بالسماء ذات البروج والسماء والطارق وشبههما.
وفي صحيح مسلم عنه أيضا قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر بالليل إذا يغشى وفي العصر نحو ذلك وفي الصبح أطول من ذلك . وفي الصحيحين عن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في العشاء بالتين والزيتون في السفر وفي بعض السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ في الصبح بالمعوذتين وفي الصحيحين عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ أفتان أنت يامعاذ "هلا صليت بسبح اسم ربك الأعلى والشمس وضحاها والليل إذا يغشى" .
وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إذا صلى أحدكم للناس فليخفف فإن فيهم الضعفيف والسقيم والكبير وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء" ورواه ابن ماجه من حديث عثمان بن أبي العاص.
وفي صحيح مسلم عن أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع بكاء الصبي مع أمه وهو في الصلاة فيقرأ بالسورة الخفيفة أو بالسورة القصيرة.
فالجواب أنه لا تعارض بحمد الله بين هذه الأحاديث بل هي أحاديث يصدق بعضها بعضا،

(3/79)


0000000000000000000
__________
وأن ما وصفه أنس من تخفيف النبي صلى الله عليه وسلم صلاته هو مقرون بوصفه إياها بالتمام كما تقدم وهو الذي وصف تطويله ركني الاعتدال حتى كانوا يقولون قد أوهم ووصف صلاة عمر بن عبدالعزيز بأنها تشبه صلاة النبي صلى الله عليه وسلم مع أنهم قدروها بعشر تسبيحات والتخفيف الذي أشار إليه أنس هو تخفيف القيام مع تطويل الركوع والسجود كما جاء مصرحا به فيما رواه النسائي عن قتيبة عن العطاف بن خالد عن زيد بن أسلم قال دخلنا على أنس بن مالك فقال صليتم قلنا نعم قال ياجارية هلمي لنا وضوءا ما صليت وراء إمام أشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من إمامكم هذا قال زيد وكان عمر بن عبدالعزيز يتم الركوع والسجود ويخفف القيام والقعود وهذا حديث صحيح فإن العطاف بن خالد المخزومي وثقه ابن معين وقال أحمد ثقة صحيح الحديث وقد جاء هذا صريحا في حديث عمران بن حصين لما صلى خلف علي بالبصرة قال لقد ذكرني هذا صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم معتدلة كان يخفف القيام والقعود ويطيل الركوع والسجود وقد تقدم قول أنس كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم متقاربة وحديث البراء بن عازب أن قيامه صلى الله عليه وسلم وركوه وسجوده كان قريبا من السواء .
فهذه الأحاديث كلها تدل على معنى واحد وهو أنه كان يطيل الركوع والسجود ويخفف القيام وهذا بخلاف ما كان يفعله بعض الأمراء الذين أنكر الصحابة صلاتهم من إطالة القيام على ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله غالبا وتخفيف الركوع والسجود والاعتدالين ولهذا انكر ثابت عليهم تخفيف الاعتدالين وقال كان أنس يصنع شيئا لا أراكم تصنعونه وحديث ابن أبي العمياء إنما فيه أن صلاة أنس كانت خفيفة وأنس فقد وصف خفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وأنها أشبه شيء بصلاة عمر بن عبدالعزيز مع تطويل الركوع والسجود والاعتدالين وأحاديثه لاتتناقض والتخفيف أمر نسبي إضافي فعشر تسبيحات وعشرون آية أخف من مائة تسبيحة ومائتي آية فأي معارضة في هذا لما تقدم من الأحاديث الصحيحة الصريحة؟
وأما تخفيف النبي صلى الله عليه وسلم عند بكاء الصبي فلا يعارض ما ثبت عنه من صفة صلاته بل قد قال في الحديث نفسه إني أدخل في الصلاة وأنا أريد أن أطليها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز فهذا تخفيف لعارض وهو من السنة كما يخفف صلاة السفر وصلاة الخوف وكل ما ثبت عنه من التخفيف فهو لعارض كما ثبت عنه أنه قرأ في السفر في العشاء بالتين والزيتون وكذلك قراءته في الصبح بالمعوذتين فإنه كان في السفر ولذلك رفع الله تعالى الجناح عن الأمة في قصر الصلاة في السفر والخوف والقصر قصران قصر الأركان وقصر العدد فإن اجتمع السفر والخوف اجتمع القصران وإن انفرد السفر وحده شرع قصر العدد وإن انفرد الخوف وحده شرع قصر الأركان وبهذا يعلم سر تقييد القصر المطلق في القرآن بالخوف والسفر فإن القصر المطلق الذي يتناول القصرين إنما يشرع عند الخوف والسفر فإن انفرد أحدهما بقي مطلق القصر إما في العدد وإما

(3/80)


0000000000000000000
__________
في القدر ولو قدر أنه صلى الله عليه وسلم خفف الصلاة لا لعذر كان في ذلك بيان الجواز وإن الاقتصار على ذلك للعذر ونحوه يكفي في أداء الواجب فأما أن يكون هو السنة وغيره مكروه مع أنه فعل النبي صلى الله عليه وسلم في أغلب أوقاته فحاشى وكلا ولهذا رواته عنه أكثر من رواة التخفيف والذين رووا التخفيف رووه أيضا فلا تضرب سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضها ببعض بل يستعمل كل منها في موضعه وتخفيفه إما لبيان الجواز وتطويله لبيان الأفضل وقد يكون تخفيفه لبيان الأفضل إذا عرض ما يقتضي التخفيف فيكون التخفيف في موضعه أفضل والتطويل في موضعه أفضل ففي الحالتين ما خرج عن الأفضل وهذا اللائق بحاله صلى الله عليه وسلم وجزاه عنا أفضل ما جزى نبيا عن أمته وهو اللائق بمن اقتدى به وأئتم به صلى الله عليه وسلم.
وأما حديث معاذ فهو الذي فتن النقارين وسراق الصلاة لعدم علمهم بالقصة وسياقها فإن معاذا صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم عشاء الآخرة ثم ذهب إلى بني عمرو بن عوف بقباء فقرأ بهم سورة البقرة هكذا جاء في الصحيحين من حديث جابر أنه استفتح بهم بسورة البقرة فانفرد بعض القوم وصلى وحده فقيل نافق فلان فقال والله ما نافقت ولآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه فأخبره فقال النبي صلى الله عليه وسلم "حينئذ أفتان أنت يامعاذ هلا صليت بسبح اسم ربك الأعلى والشمس وضحاها والليل إذا يغشى" وهكذا نقول إنه يستحب إن يصلي العشاء بهذه السور وأمثالها فأي متعلق في هذا للنقارين وسراق الصلاة ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤخر العشاء الآخرة وبعد ما بين بني عمرو بن عوف وبين المسجد ثم طول سورة البقرة فهذا الذي أنكره النبي صلى الله عليه وسلم وهو موضع الإنكار وعليه يحمل الحديث الآخر ياأيها الناس إن منكم منفرين ومعلوم أن الناس لم يكونوا ينفرون من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ممن يصلي بقدر صلاته وإنما ينفرون ممن يزيد في الطول على صلاته فهذا الذي ينفر.
وأما إن قدر نفور كثير ممن لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى وكثير من الباطولية الذين يعتادون النقر كصلاة المنافقين وليس لهم في الصلاة ذوق ولا لهم فيها راحة بل يصليها أحدهم استراحة منها لا بها فهؤلاء لا عبرة بنفورهم فإن أحدهم يقف بين يدي المخلوق معظم اليوم ويسعى في خدمته أعظم السعي فلا يشكو طول ذلك ولا يتبرم به فإذا وقف بين يدي ربه في خدمته جزءا يسيرا من الزمان وهو أقل القليل بالنسبة إلى وقوفه في خدمة المخلوق استثقل ذلك الوقوف واستطال وشكا منه وكأنه واقف على الجمر يتلوى ويتقلى ومن كانت هذه كراهته لخدمة ربه والوقوف بين يديه فالله تعالى أكره لهذه الخدمة منه والله المستعان.

(3/81)


147 - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "كل صلاة لا يتمها صاحبها تتم من تطوعه"
859 - حدثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ أخبرنا إسْمَاعِيلُ أخبرنا يُونُسُ عن الْحَسَنِ عن أنَسِ بنِ حَكِيمٍ الضّبِيّ قال: خَافَ مِنْ زِيَادٍ أو ابنِ زِيادٍ فأتَى المَدِينَةَ فَلَقَى أبَا هُرَيْرَةَ، قال فَنَسّبَنِي فَانْتَسَبْتُ لَهُ، فقال: يَا فَتَى[يا بني] ألاَ أُحَدّثُكَ حَدِيثاً؟ قال قُلْتُ: بَلَى رَحِمَكَ الله. قال يُونُسُ: وأحْسَبُهُ ذَكَرَهُ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "إنّ أوّلَ مَا يُحَاسَبُ النّاسُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أعْمَالِهِمْ الصّلاَةُ، قال يقولُ رَبّنَا عز وجل لِمَلاَئِكَتِهِ وَهُوَ أعْلَمُ: انْظُرُا في صَلاَةِ عَبْدِي أتَمّهَا أمْ نَقَصَهَا؟ فإنْ كَانَتْ تَامّةً كُتِبَتْ لَهُ تَامّةً وَإنْ كَانَ انتَقَصَ مِنْها شَيْئاً. قال: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِيَ مِنْ تَطَوّعٍ؟ فإنْ كَانَ لَهُ تَطَوّعٌ قال: أتِمّوا لِعَبْدِي فَرِيضَتَهُ مِنْ تَطَوّعِهِ، ثُمّ تُؤْخَذُ الأعْمَالُ عَلَى ذَاكَ [ذاكم]".
__________
باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "كل صلاة لا يتمها صاحبها تتم من تطوعه"
"فنسبني": نسب صيغة الماضي من التفصيل أي أظهر، وذكر أبو هريرة نسبه معى وجعلني في نسبة وبالفارسية بس إظهار نسب كردبا من ومرا دررشته ونسب خود داخل كرد. قال في أساس البلاغة ومن المجاز قولهم: جلست إليه فنسبني فانتسبت له. انتهى. وليس المراد أنه سأل عن نسبي لأنه يقال للرجل إذا سئل عن نسبة استنسب لنا أي انتسب لنا حتى نعرفك. قاله أبو زيد كذا في اللسان "فانتسبت له": صيغة المتكلم من الافتعال، ومن خواصه المطاوعة ومعناه فاتصلت معه في النسب والله أعلم. قال العراقي في شرح الترمذي: لا تعارض بينه وبين الحديث الصحيح أن أول ما يقضي بين الناس يوم القيامة في الدماء، فحديث الباب محمول على حق الله تعالى وحديث الصحيح محمول على حقوق الآدميين فيما بينهم، فإن قيل فأيهما يقدم محاسبة العباد على حق الله تعالى ومحاسبتهم على حقوقهم؟ فالجواب أن هذا أمر توقيفي وظواهر الأحاديث دالة على أن الذي يقع أولاً المحاسبة على حقوق الله تعالى قبل حقوق العباد كذا في مرقاة الصعود "أنظروا في صلاة عبدي" : أي صلاته الفريضة "أتمها" : أي أداها تامة وصحيحة "أم نقصها" : أي صلاها ناقصة "هل لعبدي من تطوع" : في صحيفته أي سنة أو نافلة من صلاة على ما هو ظاهر من السياق قبل الفرض أو بعده أو مطلقاً "أتموا لعبدي فريضته من تطوعه" : قال العراقي في شرح الترمذي: هذا الذي ورد من إكمال ما ينتقص العبد من الفريضة

(3/82)


860 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عن حُمَيْدٍ عن الْحَسَنِ عن رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْطٍ عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِنَحْوِهِ.
861 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عن دَاوُدَ بنِ أبي هِنْدٍ عن زُرَارَةَ بنِ أوْفَى عن تَمِيمٍ الدّارِيّ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِهَذَا المَعْنَى قال: "ثُمّ الزّكَاةُ مِثْلَ ذَلِكَ ثُمّ تُؤْخَذُ الأعْمَالُ عَلَى حَسْبِ ذَلِكَ".
__________
بما له من التطوع يحتمل أن يراد به ما انتقص من السنن والهيئات المشروعة المرغب فيها من الخشوع والأذكار والأدعية وأنه يحصل له ثواب ذلك في الفريضة وإن لم يفعله في الفريضة وإنما فعله في التطوع، ويحتمل أن يراد ما ترك من الفرائض رأساً فلم يصله فيعوض عنه من التطوع، والله تعالى يقبل من التطوعات الصحيحة عوضاً عن الصلاة المفروضة والله سبحانه أن يفعل ما شاء، فله الفضل والمن، بل له أن يسامح وإن لم يصل شيئاً لا فريضة ولا نفلاً "ثم تؤخذ الأعمال على ذاك" : أي إن انتقض فريضة من سائر الأعمال تكمل من التطوع، وفي رواية لابن ماجه ثم يفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه.
"ثم الزكاة مثل ذلك" : أي مثل الصلاة إن كان انتقص منها شيئاً تكمل من التطوع "ثم تؤخذ الأعمال على حسب ذلك" : قال في المرقاة أي تؤخذ سائر الأعمال من الجنايات والسيئات على حسب ذلك من الطاعات والحسنات فإن الحسنات يذهبن السيئات. وقال ابن الملك أي على حسب ذلك المثال المذكور، فمن كان حق عليه لأحد يؤخذ من عمله الصالح بقدر ذلك ويدفع إلى صاحبه انتهى. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه.

(3/83)


148 - باب تفريع أبواب الركوع والسجود ووضع اليدين على الركبتين
862 - حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ أخبرنا شُعْبَةُ عن أبي يَعْفُورَ. قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَاسْمُهُ
__________
باب تفريع أبواب الركوع والسجود ووضع اليدين على الركبتين
"عن أبي يعفور": اسمه وقدان العبدي الكوفي عن ابن أبي أوفي وابن عمر وأنس، وعنه ابنه يونس وشعبة وأبو عوانة وأبو الأحوص وثقه أحمد. واعلم أن أبا يعفور هذا هو الأكبر كما جزم به المزي وهو مقتضي صنيع ابن عبدالبر، وصرح الدارمي في روايته من طريق إسرائيل

(3/83)


وَقْدَانُ، عن مُصْعَبِ بنِ سَعْدٍ قال: صَلّيْتُ إلَى جَنْبِ أبِي فَجَعَلْتُ يَدَيّ بَيْنَ رُكْبَتَيّ، فَنَهَانِي عن ذَلِكَ، فَعُدْتُ. فقال: لا تَصْنَعْ هَذَا فإنّا كُنّا نَفْعَلُهُ، فَنُهِينَا عن ذَلِكَ وَأُمِرْنَا أنْ نَضَعَ أيْدِينَا عَلَى الرّكَبِ.
863 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ عبد الله بنِ نُمَيْرٍ أخبرنا أبُو مُعَاوِيَةَ حدثنا الأعمَشُ عن إبْرَاهِيمَ عن عَلْقَمَةَ وَالأسْوَدِ عن عبد الله قال: إذَا رَكَعَ أحَدُكُم فَلْيَفْرِشَ ذِرَاعَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ وَلْيُطَبّقْ بَيْنَ كَفّيْهِ فكَأَنّي أنْظُرُ إلَى اخْتِلاَفِ أصَابِعِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم.
__________
عن يعفور بأنه العبدي والعبدي هو الأكثر بلا نزاع. وذكر النووي في شرح مسلم أنه الأصغر وتعقب "عن مصعب بن سعد": أي ابن أبي وقاص "فجعلت يدي بين ركبتي" : وفي رواية البخاري فطبقت بين كفي ثم وضعتهما بين فخذي، والتطبيق الإلصاق بين باطني الكفين حال الركوع وجعلهما بين الفخذين "فعدت" : من العود "فإنا كنا نفعله فنهينا عن ذلك وأمرنا إلخ" : فيه دليل على نسخ التطبيق لأن هذه الصيغة حكمها الرفع. قال الترمذي: التطبيق منسوخ وبعض أصحابه أنهم يطبقون انتهى. وقد روى ابن المنذر عن ابن عمر بإسناد قوي قال إنما فعله النبي صلى الله عليه وسلم مرة يعني التطبيق. وروى ابن خزيمة من وجه آخر عن علقمة عن عبد الله قال علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أراد أن يركع طبق يديه بين ركبتيه فركع فبلغ ذلك سعداً فقال صدق أخي كنا نفعل هذا ثم أمرنا بهذا يعني الإمساك بالركب، فهذا شاهد قوي لطريق مصعب بن سعد. وروى عبد الرزاق عن معمر ما يوافق قول سعد أخرجه من وجه آخر عن علقمة والأسود قال صلينا مع عبد الله فطبق ثم لقينا عمر فصلينا معه فطبقنا فلما انصرف قال ذلك شيء كنا نفعله ثم ترك. وفي الترمذي من طريق أبي عبد الرحمن السلمي قال قال لنا عمر بن الخطاب إن الركب سنت لكم فخذوا بالركب، ورواه البيهقي بلفظ: كنا إذا ركعنا جعلنا أيدينا بين أفخاذنا فقال عمر إن من السنة الأخذ بالركب. وهذا أيضاً حكمه حكم الرفع لأن الصحابي إذا قال السنة كذا أو سن كذا الظاهر انصراف ذلك إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم ولاسيما إذا قاله مثل عمر كذا في فتح الباري. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"عن إبراهيم": هو ابن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي أبو عمران الكوفي الفقيه يرسل كثيراً عن علقمة وهمام بن الحارث والأسود بن يزيد وأبي عبيدة بن عبد الله ومسروق، وعنه الحكم ومنصور والأعمش وابن عون وزبيد وخلق "فليفرش" : بضم الراء أي فليبسط "وليطبق بين كفيه" : أي وليلصق بين باطني كفيه في حال الركوع وليجعلهما بين فخذيه. قال

(3/84)


__________
النووي: مذهبنا ومذهب العلماء كافة أن السنة وضع اليدين على الركبتين وكراهة التطبيق إلا ابن مسعود وصاحبيه علقمة والأسود فإنهم يقولون إن السنة التطبيق لأنه لم يبلغهم الناسخ وهو حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، والصواب ما عليه الجمهور لثبوت الناسخ الصريح. انتهى. قلت تقدم آنفاً حديث سعد بن أبي وقاص وشواهده. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي.

(3/85)


149 - باب ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده
864 - حدثنا الرّبِيعُ بنُ نَافِعٍ أبُو تَوْبَةَ وَمُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ المَعْنَى قالا أخبرنا ابنُ المُبَارَكِ عن مُوسَى قال أبُو سَلَمَةَ مُوسَى بنُ أيّوبَ عن عَمّهِ عن عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ قال: لَمّا نَزَلَتْ {فَسَبّحْ باسْمِ رَبّكَ الْعَظِيمِ} قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "اجْعَلُوهَا في رُكُوعِكُم"، فَلمّا نَزَلَتْ {سَبّح اسْمَ رَبّكَ الأعْلَى} قال: "اجْعَلُوهَا في سُجُودِكُم".
__________
باب ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده
"عن موسى": هو ابن أيوب الغافقي المصري عن عمه إياس بن عامر وعنه الليث بن المبارك وثقه ابن معين "قال أبو سلمة": كنية موسى بن إسماعيل "موسى بن أيوب": أي نسبة إلى أبيه "اجعلوها" : أي مضمونها ومحصولها "في ركوعكم" : يعني قولوا سبحان ربي العظيم. قال الفخر الرازي: معنى العظيم الكامل في ذاته وصفاته، ومعنى الجليل الكامل في صفاته، ومعنى الكبير الكامل في ذاته "اجعلوها في سجودكم" : يعنى قولوا سبحان ربي الأعلى. والحكمة في تخصيص الركوع بالعظيم والسجود بالأعلى أن السجود لما كان فيه غاية التواضع لما فيه من وضع الجبهة التي هي أشرف الأعضاء على مواطىء الأقدام كان أفضل من الركوع فحسن تخصيصه بما فيه صيغة أفعل التفضيل وهو الأعلى بخلاف العظيم، جعلا للأبلغ مع الأبلغ والمطلق مع المطلق.
قال الخطابي: في الحديث دلالة على وجوب التسبيح في الركوع والسجود لأنه قد اجتمع في ذلك أمر الله سبحانه وبيان الرسول صلى الله عليه وسلم وترتيبه في موضعه في الصلاة فتركه غير جائز. وإلى إيجابه ذهب إسحاق بن راهويه ومذهب أحمد بن حنبل قريب منه، وقد روى عن الحسن البصري نحو من هذا فأما عامة الفقهاء مالك وأصحاب الرأي والشافعي فإنهم لم يروا تركه مفسداً للصلاة. انتهى.

(3/85)


865 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ أخبرنا اللّيْثُ - يَعْني ابنَ سَعْدٍ - عن أيّوبَ بنِ مُوسَى أوْ مُوسَى بنِ أيّوبَ عن رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ عن عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ بِمَعْنَاهُ. زَادَ قال: فَكَانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا رَكَعَ قال: "سُبْحَانَ رَبّيَ العَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ ثَلاَثاً". وَإذَا سَجَدَ قال: "سُبْحَانَ رَبّيَ الأعْلَى وَبِحَمْدِهِ ثَلاَثاً".
قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَهَذِهِ الزّيَادَةُ نَخَافُ[يخاف] أنْ لا تَكُونَ مَحْفُوظَةً.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: انْفَرَدَ أهْلُ مِصْرَ بِإسْنَادِ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ: حَدِيثِ الرّبِيعِ وَحَدِيثِ أَحْمَدَ بنِ يُونُسَ.
__________
"عن أيوب بن موسى أو موسى بن أيوب": شك من الراوي والصواب أنه موسى بن أيوب كما في الرواية المتقدمة "قال أبو داوود وهذه الزيادة": أي وبحمده "نخاف أن لا تكون محفوظة": أي نخاف أن تكون غير محفوظة. واعلم أن ما رواه المقبول مخالفاً لمن هو أولى منه فهو الشاذ ومقابله يقال له المحفوظ وما رواه الضعيف مخالفاً لمن هو أولى منه يقال له المفنكر ومقابله يقال له المعروف. والفرق بين الشاذ والمنكر بحسب غالب الاستعمال وقد يطلق أحدهما مكان الآخر. قال في التلخيص: وهذه الزيادة للدار قطني من حديث ابن مسعود أيضاً قال من السنة أن يقول الرجل في ركوعه: سبحان ربي العظيم وبحمده وفي سجوده سبحان ربي الأعلى وبحمده . وفيه السري بن إسماعيل عن الشعبي عن مسروق عنه والسري ضعيف. وقد اختلف فيه على الشعبي فرواه الدارقطني أيضاً من حديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الشعبي عن صلة عن حذيفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في ركوعه سبحان ربي العظيم وبحمده ثلاثاً وفي سجوده سبحان ربي الأعلى وبحمده ثلاثاً . ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ضعيف. وقد رواه النسائي من طريق المستورد بن الأحنف عن صلة عن حذيفة وليس فيه وبحمده. ورواه الطبراني وأحمد من حديث أبي مالك الأشعري وهي فيه وأحمد من حديث ابن السعدي وليس فيه وبحمده وإسناده حسن. ورواه الحاكم من حديث أبي جحيفة في تاريخ نيسابور وهي فيه وإسناده ضعيف. وفي هذا جميعه رد لإنكار ابن الصلاح وغيره هذه الزيادة. وقد سئل أحمد بن حنبل عنه فيما حكاه ابن المنذر فقال أما أنا فلا أقول بحمده.
قلت: وأصل هذه في الصحيح عن عائشة قالت "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك" الحديث. انتهى. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه بدون الزيادة.

(3/86)


866 - حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ أخبرنا شُعْبَةُ قال: قُلْتُ لِسُلَيْمَانَ: أدْعُو في الصّلاَةِ إذَا مَرَرْتُ بآيَةِ تَخَوّفٍ0 فَحَدّثني عن سَعْدِ بنِ عُبَيْدَةَ عن مُسْتَوْرِدٍ عن صِلَةَ بنِ زُفَرَ عن حُذَيْفَةَ: أنّهُ صَلّى مَعَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فَكَانَ يقولُ في رُكُوعِهِ: "سُبْحَانَ رَبّيَ الْعَظِيم". وفي سُجُودِهِ: "سُبْحَانَ رَبّيَ الأعْلَى"، وَمَا مَرّ بِآيَةِ رَحْمَةً إلاّ وَقَفَ عِنْدَهَا فَسَألَ، ولا بِآيَةِ عَذَابٍ إلاّ وَقَفَ عِنْدَهَا فَتَعَوّذَ.
867 - حدثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ أخبرنا هِشَامٌ حدثنا قَتَادَةُ عن مُطَرّفٍ عن عَائِشَةَ
__________
"أخبرنا شعبة قال": أي شعبة "بآية تخوف" : مصدر من التفعل أي بآية مخوفة "عن صلة": بكسر أوله وفتح اللام الخفيفة "بن زفر": بضم الزاء وفتح الفاء العبسي بالموحدة كنيته أبو العلاء أو أبو بكر الكوفي تابعي كبير من الثانية ثقة جليل "إلا وقف عندها" : أي عند تلك الآية "فسأل" : أي الرحمة "فتعوذ" : أي من العذاب وشر العقاب. قال ابن رسلان: ولا بآية تسبيح إلا سبح وكبر ولا بآية دعاء واستغفار إلا دعا واستغفر، وإن مرّ بمرجو سأل يفعل ذلك بلسانه أو بقلبه. والحديث يدل على مشروعية هذا التسبيح في الركوع والسجود وقد ذهب الشافعي ومالك وأبو حنيفة وجمهور العلماء إلى أنه سنة وليس بواجب وقال إسحاق بن راهويه التسبيح واجب، فإن تركه عمداً بطلت صلاته وإن نسيه لم تبطل. وقال الظاهري واجب مطلقاً، وأشار الخطابي إلى اختياره كما مر وقال أحمد: التسبيح في الركوع والسجود وقول سمع الله لمن حمده، وربنا لك الحمد والذكر بين السجدتين وجميع التكبيرات واجب فإن ترك منه شيئاً عمداً، بطلت صلاته وإن نسيه لم تبطل ويسجد للسهو هذا هو الصحيح عنه. وعنه رواية أنه سنة كقول الجمهور. واحتج الموجبون بحديث عقبة بن عامر المذكور وبقوله صلى الله عليه وسلم "صلوا كما رأيتموني أصلي" وبقول الله تعالى: {وَسَبِّحُوهُ} ولا وجوب في غير الصلاة فتعين أن يكون فيها. وبالقياس على القراءة. واحتج الجمهور بحديث المسىء صلاته فإن النبي صلى الله عليه وسلم علمه واجبات الصلاة ولم يعلمه هذه الأذكار مع أنه علمه تكبيرات الإحرام والقراءة، فلو كانت هذه الأذكار واجبة لعلمه إياها، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فيكون تركه لتعليمه دالاً على أن الأوامر الواردة بما زاد على ما علمه للاستحباب لا للوجوب. والحديث يدل على أن التسبيح في الركوع والسجود يكون بهذا اللفظ فيكون مفسراً لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث عقبة: اجعلوها في ركوعكم اجعلوها في سجودكم . قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه بنحوه مختصراً ومطولاً.

(3/87)


أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يقولُ في سُجُودِهِ وَرُكُوعِهِ: "سُبّوحٌ قُدّوسٌ رَبّ المَلاَئِكَةِ وَالرّوحِ".
868 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالحٍ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ أخبرنا مُعَاوِيَةُ بنُ صَالحٍ عن عَمْرِو بنِ قَيْسٍ عن عَاصِمِ بنِ حُمَيْدٍ عن عَوْفِ بنِ مَالِكٍ الأشْجَعِيّ قال: قُمْتُ مَعَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم لَيْلَةً فَقَامَ فَقَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ لا يمُرّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ إلاّ وَقَفَ فَسَأَلَ، وَلا يَمُرّ بِآيَةِ عَذَابٍ إلاّ وَقَفَ فَتَعَوّذَ. قال ثُمّ رَكَعَ بِقَدْرِ قِيَامِهِ يقولُ في رُكُوعِهِ: "سُبْحَانَ ذِي الجَبَرُوتِ وَالمَلَكُوتِ وَالْكِبْرِياءِ وَالْعَظَمَةِ"، ثُمّ سَجَدَ بِقَدْرِ قِيَامِهِ ثُمّ قال في سُجُودِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمّ قامَ فَقَرَأَ عِمْرَانَ، ثُمّ قَرَأَ سُورَةً سُورَةً.
869 - حدثنا أبُو الوَلِيدِ الطّيَالِسِيّ وَ عَلِيّ بنُ الْجَعْدِ قالا أخبرنا شُعْبَةُ عن
__________
"يقول في سجوده وركوعه سبوح قدوس" : بضم أولهما وفتحهما والضم أكثر وأفصح. قال ثعلب: كل اسم على فعول فهو مفتوح الأول إلا السبوح والقدوس فإن الضم فيهما أكثر. قال الجوهري: سبوح من صفات الله، وقال ابن فارس والزبيدي وغيرهما: سبوح هو الله عز وجل، والمراد المسبح والمقدس فكأنه يقول مسبح مقدس. ومعنى سبوح المبرأ من النقائض والشريك وكل ما لا يليق بالإلهية، وقدوس المطهر من كل ما لا يليق بالخالق، وهما خبران مبتدؤَهما محذوف تقديره ركوعي وسجودي لمن هو سبوح قدوس. وقال الهروي قيل القدوس المبارك.
قال القاضي عياض: وقيل فيه سبوحاً قدوساً على تقدير أسبح سبوحاً أو أذكر أو أعظم أو أعبد "رب الملائكة والروح" : هو من عطف الخاص على العام، لأن الروح من الملائكة وهو ملك عظيم يكون إذا وقف كجميع الملائكة وقيل يحتمل أن يكون جبريل، وقيل خلق لا تراهم الملائكة كنسبة الملائكة إلينا. كذا في النيل قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي.
"قمت" : أي مصلياً "فسأل" : أي الرحمة "فتعوذ" : أي بالله من عذابه "سبحان ذي الجبروت" : فعلوت من الجبر بمعنى القهر والغلبة كذا في النهاية قال الطيبي: وفي الحديث يكون ملك وجبروت أي عتو وقهر "والملكوت" : فعلوت من الملك ظاهراً وباطناً "والكبرياء" : الكبرياء العظمة والملك أو كمال الذات وكمال الوجود قولان ولا يوصف بها إلا الله من الكبر بالكسر وهو العظمة "ثم سجد بقدر قيامه" : أي للقراءة "ثم قام فقرأ بآل عمران ثم قرأ سورة سورة" : قال ابن رسلان: يحتمل أن المراد ثم قرأ سورة النساء ثم سورة المائدة.

(3/88)


عَمْرِو بنِ مُرّةَ عن أبي حَمْزَةَ مَوْلَى الأنْصَارِ عن رَجُلٍ من بَنِي عَبْسٍ عن حُذَيْفَةَ: أنّهُ رَأى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يُصَلّي مِنَ اللّيْلِ فَكَانَ يقولُ: "الله أكْبَرُ ثَلاَثاً ذُو المَلَكُوتِ وَالجَبَرُوتِ وَالكِبْرِيَاءِ وَالعَظَمَةِ". ثُمّ اسْتَفْتَحَ فَقَرَأ البَقَرَةَ، ثُمّ رَكَعَ فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْواً مِنْ قِيَامِهِ، وكَانَ يقولُ في رُكُوعِهِ: "سُبْحَانَ رَبّيَ الْعَظِيمِ، سُبْحَانَ رَبّيَ الْعَظِيمِ". ثُمّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرّكُوعِ فَكَانَ قِيَامُهُ نَحْواً مِنْ قِيَامِهِ[ركوعه] يقولُ: "لِرَبّيَ الْحَمْدُ" ثُمّ يَسْجُدُ[سجد] فَكَانَ سُجُودُهُ نَحْواً مِنْ قِيَامِهِ، فَكَانَ يقولُ في سُجُودِهِ: "سُبْحَانَ رَبّيَ الأعْلَى"، ثُمّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ
__________
"عن رجل من بني عبس": قال الحافظ في التقريب: كأنه صلة بن زفر "يصلي من الليل فكان ": الفاء للتفصيل قاله الطيبي "يقول" : أي بعد النية القلبية "الله أكبر" : أي من كل شيء أي أعظم، وتفسيرهم إياه بالكبير ضعيف. كذا قاله صاحب المغرب، وقيل معناه أكبر من أن يعرف كنه كبريائه وعظمته وإنما قدر له ذلك وأول لأن أفعل فعلي يلزمه الألف واللام أو الإضافة كالأكبر وأكبر القوم. كذا في النهاية "ذو الملكوت" : أي صاحب الملك ظاهراً وباطناً والصيغة للمبالغة "والجبروت" : قال الطيبي: فعلوت من الجبر القهر والجبار الذي يقهر العباد على ما أراد، وقيل هو العالي فوق خلقه "والكبرياء والعظمة" : أي غاية الكبرياء ونهاية العظمة والبهاء، ولذا قيل لا يوصف بهما إلا الله تعالى، ومعناهما الترفع عن جميع الخلق مع انقيادهم له، وقيل عبارة عن كمال الذات والصفات، وقيل الكبرياء الترفع والتنزه عن كل نقص، والعظمة تجاوز القدر عن الإحاطة. والتحقيق الفرق بينهما للحديث القدسي في الصحيح "الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني فيهما فصمته" أي كسرته وأهلكته "ثم استفتح" : أي قرأ الثناء فإنه يسمي دعاء الاستفتاح، أو استفتح بالقراءة، أي بدأ بها من غير الإتيان بالثناء لبيان الجواز أو بعد الثناء، جمعاً بين الروايات وحملاً على أكمل الحالات "فقرأ البقرة" : أي كلها كما هو الظاهر "فكان ركوعه" : أي طوله "نحواً" : أي قريباً "من قيامه" : قال ميرك: والمراد أن ركوعه متجاوز عن المعهود كالقيام "وكان يقول" : حكاية للحال الماضية استحضاراً. قاله ابن حجر "سبحان ربي العظيم" : بفتح الياء ويسكن "فكان قيامه" : أي بعد الركوع يعني اعتداله "نحواً من قيامه" : وفي بعض النسخ نحواً من ركوعه. قال ابن حجر: وفيه تطويل الاعتدال مع أنه ركن قصير، ومن ثم اختار النووي أنه طويل بل جزم به جزم المذهب في بعض كتبه انتهى. ويدل عليه ما تقدم في الحديث المتفق عليه: إذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء. كذا في المرقاة "فكان سجوده نحواً من قيامه" : أي للقراءة. قاله عصام الدين، وكأنه أراد أن لا يكون سجوده أقل من ركوعه، والأظهر

(3/89)


السّجُودِ، وَكَانَ يَقْعُدُ فِيمَا بَيْنَ السّجْدَتَيْنِ نَحْواً مِنْ سُجُودِهِ، وكَانَ يقولُ: "رَبّ اغْفِرْ لِي رَبّ اغْفِرْ لِي"، فَصَلّى أرْبَعَ رَكَعَاتٍ فَقَرَأَ فِيهِنّ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ وَالنّسَاءَ وَالمَائِدَةَ أوْ الأنْعَامَ . شَكّ شُعْبَةُ.
__________
الأقرب من قيامه من الركوع للاعتدال، ثم رأيت ابن حجر قال أي من اعتداله: قاله القاري. "وكان يقعد فيما بين السجدتين نحواً من سجوده" : أي سجوده الأول "وكان يقول" : أي في جلوسه بين السجدتين "فقرأ فيهن" : أي في الركعات الأربع "شك شعبة": أي راوي الحديث، والأظهر الأول مراعاة للترتيب المقرر، مع أن الصحيح أن الترتيب في جميع السور وهو ما عليه الآن مصاحف الزمان ليس بتوقيفي كما بوب لذلك الإمام البخاري في صحيحه: باب الجمع بين السورتين في ركعة والقراءة بالخواتيم وبسورة قبل سورة. وذكر السيوطي في الإتقان في علوم القرآن أنه توقيفي والأول هو الصحيح والله أعلم. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي: أبو حمزة اسمه طلحة بن يزيد وقال النسائي أبو حمزة عندنا طلحة بن يزيد، وهذا الرجل يشبه أن يكون صلة. هذا آخر كلامه. وطلحة بن يزيد أبو حمزة الأنصاري مولاهم الكوفي احتج به البخاري في صحيحه، وصلة هو ابن زفر العبسي الكوفي كنيته أبو بكر ويقال أبو العلاء احتج به البخاري ومسلم رضي الله عنهم. انتهى.

(3/90)


150 - باب الدعاء في الركوع والسجود
870 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالح و أَحْمَدُ بنُ عَمْرِو بنِ السّرْح وَ مُحَمّدُ بنُ سَلَمَةَ قالُوا أنْبأنَا[حدثنا] ابنُ وَهْبٍ أنْبأنَا[أخبرني] عَمْرٌو - يَعْني ابنَ الْحَارِثِ - عن عُمَارَةَ بنِ غَزِيّةَ عن سُمَيَ مَوْلَى أبي بَكْرٍ أنّهُ سَمِعَ أبَا صَالِحِ ذكْوَانَ يُحَدّثُ عن أبي هُرَيْرَةَ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "أقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ فأَكْثِرُوا الدّعَاءَ" .
__________
باب الدعاء في الركوع والسجود
"أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" : أسند القرب إلى الوقت وهو للعبد مجازاً، أي هو في السجود أقرب من ربه منه في غيره، والمعنى أقرب أكوان العبد وأحواله من رضا ربه وعطائه وهو ساجد، وقيل أقرب مبتدأ محذوف الخبر لسد الحال مسده وهي وهو ساجد، أي أقرب ما يكون العبد من ربه حالة السجود تدل على غاية تذلل واعتراف بعبودية نفسه وربوبية ربه، فكان مظنة

(3/90)


871 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا سُفْيَانُ عن سُلَيْمانَ بنِ سُحَيْمٍ عن إبْرَاهِيمَ بنِ عبد الله بنِ مَعْبَدٍ عن أبِيهِ عن ابنِ عَبّاسٍ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كَشَفَ السّتَارَةَ وَالنّاسُ صُفُوفٌ خَلْفَ أبي بَكْرٍ فقال: "يا أيّهَا النّاسُ إنّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مَبَشّرَاتِ النّبُوّةِ إلاّ الرّؤْيَا الصّالِحَةُ يَرَاهَا المُسْلِمُ أوْ تُرَى لَهُ، وَإنّي نُهِيتُ أنْ أقْرَأَ رَاكِعَاً أوْ سَاجِداً، فأمّا الرّكُوعُ فَعَظمُوا الرّبّ فِيهِ، وَأمّا السّجُودُ فَاجْتَهِدُوا في الدّعَاءِ فَقَمِنٌ أنْ يُسْتَجَابَ لَكُم".
__________
الإجابة، فأمرهم بإكثار الدعاء في السجود. قال واستدل به على أفضلية كثرة السجود على طول القيام. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي.
"سليمان بن سحيم": بمهلتين مصغر وثقه ابن معين "كشف الستارة" : بكسر السين المهملة وهي الستر الذي يكون على باب البيت والدار "لم يبق من مبشرات النبوة" : أي من أول ما يبدو منها مأخوذ من تباشير الصبح وهو أول ما يبدو منه، وهو كقول عائشة "أول ما بدىء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي" الحديث، وفيه أن الرؤيا من المبشرات سواء رآها المسلم أو رآها غيره "أو ترى له" : على صيغة المجهول، أي رآها غيره له "وإني نهيت أن أقر راكعاً أو ساجداً" : أي إني نهيت عن قراءة القرآن في هذين الحالتين، والنهي له صلى الله عليه وسلم نهي لأمته كما يشعر بذلك قوله في الحديث أما الركوع الخ ويشعر به أيضاً ما في صحيح مسلم وغيره أن علياً قال "نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً" وهذا النهي يدل على تحريم قراءة القرآن في الركوع والسجود، وفي بطلان الصلاة بالقراءة حال الركوع والسجود خلاف. قال الخطابي: لما كان الركوع والسجود وهما غاية الذل والخضوع مخصوصين بالذكر والتسبيح نهى عليه السلام عن القراءة فيهما كأنه كره أن يجمع بين كلام الله تعالى وكلام الخلق في موضع واحد فيكونان سواء. ذكره الطيبي. وفيه أنه ينتفض بالجمع بينهما في حال القيام. وقال ابن الملك: وكأن حكمته أن أفضل أركان الصلاة القيام وأفضل الأذكار القرآن، فجعل الأفضل للأفضل ونهي عن جعله في غيره لئلا يوهم استوائه مع بقية الأذكار. وقيل خصت القراءة بالقيام أو القعود عند العجز عنه، لأنهما من الأفعال العادية ويتمحضان للعبادة، بخلاف الركوع والسجود، لأنهما بذواتهما يخالفان العادة ويدلان على الخضوع والعبادة، ويمكن أن يقال إن الركوع والسجود حالان دالان على الذل ويناسبهما الدعاء والتسبيح، فنهي عن القراءة فيهما تعظيماً للقرآن الكريم وتكريماً لقارئه القائم مقام الكليم والله بكل شيء عليم "فأما الركوع فعظموا الرب فيه" : أي قولوا سبحان ربي العظيم "وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء" : فيه الحث على الدعاء في السجود "فقمن" : قال النووي: هو بفتح القاف وفتح الميم وكسرها لغتان مشهورتان، فمن فتح فهو عنده مصدر لا يثني ولا

(3/91)


872 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا جَرِيرٌ عن مَنْصُورٍ عن أبي الضّحَى عن مَسْرُوقٍ عن عَائِشَةَ قالت: كَانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ أنْ يقولَ في رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: "سُبْحَانَكَ اللّهُمّ رَبّنَا وَبِحَمْدِكَ اللّهُمّ اغْفِرْ لِي يَتَأَوّلُ الْقُرْآنَ".
873 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالحٍ أخبرنا ابن وَهْبٍ ح. وأخبرنا أَحْمَدُ بنُ السّرْحِ أنْبأنَا ابنُ وَهْبٍ أخبرني يَحْيَى بنُ أيّوبَ عن عُمَارَةَ بنِ غَزِيّةَ عن سُمَيَ مَوْلَى أبي بَكْرٍ عن أبي صَالحٍ عن أبي هُرَيْرَةَ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يقولُ في سُجُودِهِ: "اللّهُمّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلّهُ، دِقّهُ وَجِلّهُ، وَأوّلَهُ وَآخِرَهُ". زَادَ ابنُ السّرْحِ: "عَلاَنِيَتَهُ وَسِرّهُ".
__________
يجمع، ومن كسر فهو وصف يثني ويجمع، قال وفيه لغة ثالثة قمين بزيادة الياء وفتح القاف وكسر الميم ومعناه حقيق وجدير، ويستحب الجمع بين الدعاء والتسبيح المتقدم ليكون المصلي عاملاً بجميع ما ورد، والأمر بتعظيم الرب في الركوع والاجتهاد في الدعاء في السجود محمول على الندب عند الجمهور، وقد نقد ذكر من قال بوجوب تسبيح الركوع والسجود. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه.
"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر" : من الإكثار "أن يقول" : قال الحافظ في الفتح: قد بين الأعمش في روايته عن أبي الضحى في التفسير ابتداء هذا الفعل وأنه واظب عليه صلى الله عليه وسلم، ولفظه "ما صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة بعد أن نزلت عليه إذا جاء نصر الله والفتح إلا يقول فيها" الحديث "سبحانك" : هو منصوب على المصدرية "وبحمدك" : متعلق بمحذوف دل عليه التسبيح، أي وبحمدك سبحتك ومعناه بتوفيقك لي وهدايتك وفضلك على سبحتك لا بحولي وقوتي. قال القرطبي: ويظهر وجه آخر وهو إبقاء معنى الحمد على أصله وتكون الباء باء السببية ويكون معناه بسبب أنك موصوف بصفات الكمال والجلال سبحك المسبحون وعظمك المعظمون، وقد روى بحذف الواو من قوله وبحمدك وبإثباتها "يتأول القرآن" : قال الحافظ: أي يفعل ما أمر به، وقد تبين من رواية الأعمش أن المراد بالقرآن بعضه وهو السورة المذكورة انتهى. قال القاضي: جملة وقعت حالاً عن ضمير يقول أي يقول متأولاً للقرآن أي مبيناً ما هو المراد من قوله {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ} آتياً بمقتضاه. ذكره الطيبي. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.
"اللهم اغفر لي ذنبي كله" : للتأكد وما بعده تفصيل لأنواعه أو بيانه ويمكن نصبه بتقدير أعني "دقة" : بكسر الدال أي دقيقة وصغيرة "وجله" : بكسر الجيم وقد تضم أي جليلة وكبيره، قيل

(3/92)


874 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ سُلَيْمَانَ الأنْبَارِيّ أخبرنا عَبْدَةُ عن عبيد الله عن مُحَمّدِ بنِ يَحْيَى ابنِ حَبّانَ عن عبد الرحمن الأعْرَجِ عن أبي هُرَيْرَةَ عن عَائشةَ قالت: فَقَدْتّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ذَاتَ لَيْلَةٍ فَلَمَسْتُ المَسْجِدَ فإذَا هُوَ سَاجِدٌ وَقَدَمَاهُ مَنْصُوبَتَانِ وَهُوَ يقولُ: "أعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَأعُوذُ بِمُعافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لا أُحْصِي ثَنَاء عَلَيْكَ أنْتَ كما أثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ".
__________
إنما قدم الدق على الجل لأن السائل يتصاعد في مسألته أي يترقى ولأن الكبائر تنشأ غالباً من الإصرار على الصغائر وعدم المبالاة بها، فكأنها وسائل إلى الكبائر، ومن حق الوسيلة أن تقدم إثباتاً ورقعاً "وأوله وآخره" : المقصود الإحاطة "زاد ابن السرح": أي في روايته "علانيته وسره" : أي عند غيره تعالى وإلا فهما سواء عنده تعالى {يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} قال المنذري: وأخرجه مسلم.
"عن محمد بن يحيى بن حبان": بفتح الحاء المهملة وبالباء الموحدة "فقدت" : ضد صادفت، أي طلبت فما وجدت "فلمست المسجد" : أي مسست بيدي الموضع الذي كان يصلي فيه "وقدماه منصوبتان" : أي قائمتان، وفي صحيح مسلم "فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدمه وهو المسجد وهما منصوبتان" وقال في المرقاة: المسجد بفتح الجيم أي في السجود فهو مصدر ميمي أو في الموضع الذي كان يصلي فيه في حجرته، وفي نسخه بكسر الجيم وهو يحتمل مسجد البيت يمعنى معبده والمسجد النبوي. انتهى "أعوذ برضاك من سخطك" : أي من فعل يوجب سخطك على أو على أمتي "وبمعافاتك" : أي بعفوك وأتى بالمغالبة للمبالغة أي بعفوك الكثير "من عقوبتك" : وهي أثر من آثار السخط، وإنما استعاذ بصفات الرحمة لسبقها وظهورها من صفات الغضب "وأعوذ بك منك" : إذ لا يملك أحد معك شيئاً فلا يعيذه منك إلا أنت "لا أحصى ثناء عليك" : قال الطبي: الأصل في الإحصاء العد بالحصى، أي لا أطيق أن أثنى عليك كما تستحقه "أنت كما أثنيت" : ما موصولة أو موصوفة والكاف بمعنى مثل. قال الطيبي "على نفسك" : أي على ذاتك. سئل الشيخ عز الدين بن عبدالسلام كيف شبه ذاته بثنائه وهما في غاية التباين، فأجاب بأن في الكلام حذفاً تقديره ثناؤك المستحق كثنائك على نفسك، فحذف المضاف من المبتدأ، فصار الضمير المجرور مرفوعاً.
قال الخطابي: في هذا الكلام معنى لطيف وهو أنه قد استعاذ بالله أن يجيره برضاه من سخطه وبمعافاته من عقوبته، والرضى والسخط ضدان متقابلان وكذلك المعافاة والمؤاخذة بالعقوبة، فلما صار إلى ذكر مالا ضد له وهو الله سبحانه وتعالى استعاذ به منه لا غير، ومعنى ذلك الاستغفار من التقصير من بلوع الواجب من حق عبادته، والثناء عليه. وقوله لا أحصى ثناء

(3/93)


__________
عليك أي لا أطيقه ولا أبلغه انتهى. قال النووي في هذا الحديث دليل لأهل السنة في جواز إضافة الشر إلى الله تعالى كما يضاف إليه الخير، لقوله أعوذ بك من سخطك وعن عقوبتك والله أعلم. قال المنذري: وأخرجه مسلم وابن ماجه.

(3/94)


151 - باب الدعاء في الصلاة
875 - حدثنا عَمْرُو بنُ عُثْمانَ أخبرنا بَقِيّةُ أخبرنا شُعَيْبٌ عن الزّهْرِيّ عن عُرْوَةَ أنّ عَائِشَةَ أخْبَرَتْهُ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يَدْعُو في صَلاَتِهِ: "اللّهُمّ إنّي أعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدّجّالِ، وَأعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا
__________
باب الدعاء في الصلاة
"اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر" : ومنه شدة الضغطة ووحشة الوحدة. قال ابن حجر المكي: وفيه أبلغ الرد على المعتزلة في إنكارهم له ومبالغتهم في الحط على أهل السنة في إثباتهم له حتى وقع لسنى أنه صلى على معتزلي فقال في دعائه اللهم أذقه عذاب القبر فإنه كان لا يؤمن به ويبالغ في نفيه ويخطىء مثبته انتهى. "وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال" : قال أهل اللغة: الفتنة الامتحان والاختبار قال عياض: واستعمالها في العرف لكشف ما يكره انتهى. وتطلق على القتل والإحراق والنميمة وغير ذلك. والمسيح بفتح الميم وتخفيف المهملة المكسورة وآخره حاء مهملة يطلق على الدجال وعلى عيسى بن مريم عليه السلام، لكن إذا أريد الدجال قيد به. وقال أبو داوود في السنن: المسيح على وزن سكين مثقل الدجال ومخفف عيسى والمشهور الأول، وأما ما نقل الفريري في رواية المستملي وحده عنه عن خلف بن عامر وهو الهمداني أحد الحفاظ أن المسيح بالتشديد والتخفيف واحد، يقال للدجال ويقال لعيسى وأنه لا فرق بينهما بمعنى لا اختصاص لأحدهما بأحد الأمرين فهو رأى ثالث. وقال الجوهري: من قاله بالتخفيف فلمسحه الأرض ومن قاله بالتشديد فلكونه ممسوح العين.
وحكى بعضهم أنه قال بالخاء المعجمة في الدجال ونسب قائله إلى التصحيف. واختلف في تلقيب الدجال بذلك فقيل لأنه ممسوح العين، وقيل لأن أحد شقى وجهه خلق ممسوحاً لا عين فيه ولا حاجب، وقيل لأنه يمسح الأرض إذا خرج. وأما عيسى فقيل سمى بذلك لأنه خرج من بطن أمه ممسوحاً بالدهن، وقيل لأن زكريا مسحه وقيل لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا بريء، وقيل لأنه كان يمسح الأرض بسياحته، وقيل لأن رجله كانت لا أخمص لها قاله الحافظ في الفتح وقال الشيخ مجد الدين الفيروز آبادي في القاموس: المسيح عيسى عليه

(3/94)


وَالمَمَاتِ. اللّهُمّ إنّي أعُوذُ بِكَ مِنَ المَأْثَمِ وَالمَغْرَمِ"، فقال قَائِلٌ: ما أكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ المَغْرَمِ، فقال: "إنّ الرّجُلَ إذَا غَرِمَ حَدّثَ فَكَذَبَ وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ".
__________
السلام لبركته وذكرت في اشتقاقه خمسين قولا في شرحي لمشارق الأنوار وغيره، والدجال لشؤمه انتهى. "وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات" : منسل الحياة والموت.
قال ابن دقيق العيد: المحيا ما يعرض للإنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا والشهوات والجهالات وأعظمها والعياذ بالله أمر الخاتمة عند الموت، وفتنة الممات يجوز أن يراد بها الفتنة عند الموت أضيفت إليه لقربها منه ويكون المراد بفتنة المحيا على هذا ما قبل ذلك، ويجوز أن يراد بها فتنة القبر. وقد صح في حديث أسماء "إنكم تفتنون في قبوركم مثل أو قريباً من فتنة الدجال" ولا يكون مع هذا الوجه متكراً مع قوله عذاب القبر، لأن العذاب مرتب عن الفتنة والسبب غير المسبب.
وقيل: أراد بفتنة المحيا الابتلاء مع زوال الصبر، وبفتة الممات السؤال في القبر مع الحيرة، وهذا من العام بعد الخاص لأن عذاب القبر داخل تحت فتنة الممات، وفتنة الدجال داخلة تحت فتنة المحيا: وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن سفيان الثوري إن الميت إذا سئل من ربك تراآى له الشيطان، فيشير إلى نفسه أني أنا ربك فلهذا ورد سؤال التثبت له حين يسأل. ثم أخرج بسند جيد إلى عمرو بن مرة كانوا يستحبون إذا وضع الميت في القبر أن يقولوا اللهم أعذه من الشيطان كذا في الفتح "من المأثم" : إما مصدر أثم الرجل أو ما فيه الإثم أو ما يوجب الإثم "أو المغرم" : أي الدين، يقال غرم بكسر الراء أي ادان قيل والمراد به ما يستدان فيما لا يجوز أو فيما يجوز ثم يعجز عن أدائه، ويحتمل أن يراد به ما هو أعم من ذلك، وقد استعاذ صلى الله عليه وسلم من غلبة الدين. وقال القرطبي: المغرم الغرم، وقد نبه في الحديث على الضرر اللاحق من المغرم، والله أعلم "فقال قائل" : أي عائشة كما في رواية النسائي "ما أكثر" : بالنصب، وما تعجبية "ما تستعيذ" : ما مصدرية أي استعاذتك "إن الرجل" : المراد به الجنس "إذا غرم" : بكسر الراء أي لزمه دين والمراد استدان واتخذ ذلك دأبه وعادته كما يدل عليه السياق "حدث" : أي أخبر عن ماضي الأحوال لتمهيد عذر في التقصير "فكذب" : لأنه إذا تقاضاه رب الدين ولم يحضره ما يؤدي به دينه يكذب ليتخلص من يده ويقول لي ما لغائب إذا حضر أؤدي دينك. وقال ابن حجر: أي حدث الناس عن حاله ومعاملته فكذب عليهم حتى يحملهم على إدانته وإن كان معدماً أو الصبر عليه ليربح فيه شيئاً يبقي له قبل وفائه "ووعد" : أي في المستقبل بأن يقول: أعطيك غداً أو في المدة الفلانية "فأخلف" : أي في وعده: وقال ابن حجر: ووعد بالوفاء

(3/95)


876 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا عبد الله بنُ دَاوُدَ عن ابنِ أبي لَيْلَى عن ثَابِتٍ الْبُنَانِيّ عن عبد الرحمن بنِ أبي لَيْلَى عن أبِيهِ قال: صَلّيْتُ إلَى جَنْبِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في صَلاَةِ تَطَوّعٍ فَسَمِعْتُهُ يقولُ: "أعُوذُ بالله مِنَ النّارِ، وَيْلٌ لأَهْلِ النّارِ".
877 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالحٍ أخبرنا عبد الله بنُ وَهْبٍ أخبرني يُونُسُ عن ابنِ شِهَابٍ عن أبي سَلَمَةَ بنِ عبد الرحمن أنّ أبَا هُرَيْرَةَ قال: قامَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلَى الصّلاَةِ وَقُمْنَا مَعَهُ، فقال أعْرَابِيّ في الصّلاَةِ: اللّهُمّ ارْحَمْنِي وَمُحَمّداً ولا تَرْحَمْ مَعَنَا أحَداً، فَلَمّا سَلّمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قال لِلأَعْرَابِيّ: "لَقَدْ تَحَجّرْتَ وَاسِعاً"، يُرِيدُ رَحْمَةَ الله عَزّ وَجَلّ .
__________
أو غيره مطلقاً أو في وقت معلوم فأخلف طمعاً في بقاء المال في يده أو لسوء تدبيره أو تصرفه. وبما تقرر علم أن غرم شرط وحدث جزاء وكذب مترتب على الجزاء، ووعد عطف على حدث لا على غرم، خلافاً لمن زعمه لفساد المعنى حينئذ كما هو ظاهر، وأخلف مترتباً عليه، قاله في المرقاة. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"فسمعته يقول: أعوذ بالله من النار ويل لأهل النار" : ورواه أحمد بلفظ: "سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة ليست بفريضة، فمر بذكر الجنة والنار فقال أعوذ بالله" إلخ: والحديث يدل على استحباب التعوذ من النار عند المرور بذكرها، وقد قيده الراوي بصلاة غير فريضة، وكذلك حديث حذيفة مقيد بصلاة الليل، وكذلك حديث عوف بن مالك الأشجعي. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه وأبو ليلى له صحبة واختلف في اسمه فقيل يسار وقيل داوود، وقيل أوس وقيل أخوه وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وهو ضعيف الحديث.
"لقد تحجرت واسعاً" : أي ضيقت ما وسعه الله وخصصت به نفسك دون إخوانك من المسلمين، هلا سألت الله لك ولكل المؤمنين وأشركتهم في رحمة الله تعالى التي وسعت كل شيء. وفي هذا إشارة إلى ترك هذا الدعاء والنهي عنه وأنه يستحب الدعاء لغيره من المسلمين بالرحمة والهداية ونحوهما. واستدل به على أنه لا تبطل صلاة من دعا بما لا يجوز جاهلاً لعدم أمر هذا الداعي بالإعادة "يريد رحمة الله عز وجل" : قال الحسن وقتادة، وسعت في الدنيا البر والفاجر، وهي يوم القيامة للمتقين خاصة، جعلنا الله ممن وسعته رحمته في الدارين. قال المنذري: وأخرجه البخاري والنسائي.

(3/96)


878 - حدثنا زُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ أخبرنا وَكِيعٌ عن إسْرَائِيلَ عن أبي إسْحَاقَ عن مُسْلِم الْبَطِينِ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبّاسٍ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إذَا قَرَأَ سَبّحِ اسْمَ رَبّكَ الأعْلَى قال: "سُبْحَانَ رَبّيَ الأعْلَى".
قَالَ أبُو دَاوُدَ: خُولِفَ وَكِيعٌ في هذا الحديثِ، رَوَاهُ أبُو وَكِيعٍ وَشُعْبَةُ عن أبي إسْحَاقَ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبّاسٍ مَوْقُوفاً.
879 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ المُثَنّى حدثني مُحَمّدُ بنُ جَعْفَرٍ أخبرنا شُعْبَةُ عن مُوسَى بنِ أبي عَائشةَ قال: كَانَ رَجُلٌ يُصَلّي فَوْقَ بَيْتِهِ وكَانَ إذَا قَرَأَ {ألَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أنْ يُحْيِيَ المَوْتَى} قال: سُبْحَانَكَ فَبَلَى. فَسَأَلُوهُ عن ذَلِكَ، فقال: سَمِعْتُهُ مِنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم.
__________
"كان إذا قرأ" : الخ. قال المظهر: عند الشافعي يجوز مثل هذه الأشياء في الصلاة وغيرها وعند أبي حنيفة لا يجوز إلا غيرها قال التوربشتي: وكذا عند مالك يجوز في النوافل انتهى. وكذا الحكم في حديث مسلم عن حذيفة أنه صلى وراء النبي صلى الله عليه وسلم فكان إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مرّ بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ . كذا قال ملا علي القاري في المرقاة. قلت: ظاهر الحديث يوافق ما ذهب إليه الشافعي. لأن قوله كان إذا قرأ عام يشمل الصلاة وغيرها، وحديث حذيفة مقيد بصلاة الليل كما مر، فهو حجة على من لم يجوز التسبيح والسؤال والتعوذ عند المرور بآية فيها تسبيح أو سؤال أو تعوذ في الصلاة مطلقاً.
"عن موسى بن أبي عائشة": هو الهمداني الكوفي مولى آل جعدة بن هبيرة المخزومي. قال في التقريب ثقة عابد من الخامسة وكان يرسل ومن دونه هم رجال الصحيح "كان رجل" : جهالة الصحابي مغتفرة عند الجمهور وهو الحق "يصلي فوق بيته" : فيه جواز الصلاة على ظهر البيت والمسجد ونحوهما فرضاً أو نفلاً عند من جعل فعل الصحابي حجة أخذاً بهذا. والأصل الجواز في كل مكان من الأمكنة ما لم يقم دليل على عدمه "سبحانك" : أي تنزيهاً لك أن يقدر أحد على إحياء الموتى غيرك وهو منصوب على المصدر. وقال الكسائي: منصوب على أنه منادى مضاف "فبلى" : باللام، وفي نسخة من سنن أبي داوود فبكي بالكاف قال ابن رسلان: وأكثر النسخ المعتمدة باللام بدل الكاف وبلى حرف لإيجاب النفي، والمعنى أنت

(3/97)


قَالَ أبُو دَاوُدَ: قال أَحْمَدُ يُعْجِبُنِي في الْفَرِيضَةِ أنْ يَدْعُوَ بِمَا في الْقُرْآنِ.
__________
قادر على أن تحيي الموتى. كذا في النيل "يعجبني": من الإعجاب أي يفرحني ويسرني "أن يدعو بما في القرآن": في معنى كلام الإمام أحمد رحمه الله تعالى وجهان، أحدهما أن يدعو في الصلاة الفريضة بعد التشهد قبل التسليم بالأدعية التي هي مذكورة في القرآن نحو {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} ومثل {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا} وغير ذلك من الآيات الكريمة، وثانيهما أن يدعو في الفريضة بما في القرآن من آيات الرحمة وغيرها أي إذا يمر المصلي بآية فيها تسبيح سبح، وإذا يمر بسؤال سأل وإذا يمر بآية يتعوذ فيها تعوذ. وهذا المعنى هو الأقرب إلى الصواب. فالإمام أحمد لا يخص هذا في النوافل بل يستحبه في الفرائض أيضاً وبه قال الشافعي. قال البيهقي في المعرفة باب الوقوف عند آية الرحمة وآية العذاب.
قال الشافعي في القديم: أحب للإمام إذا قرأ آية الرحمة أن يقف فيسأل الله ويسأل الناس، وإذا قرأ آية العذاب أن يقف فيستعيذ ويستعيذ الناس، بلغنا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعل ذلك في صلاته، ثم ساق البيهقي بإسناده حديث حذيفة الذي أخرجه مسلم ثم قال وروينا عن عائشة وعن عوف بن مالك الأشجعي عن النبي صلى الله عليه وسلم معناه في آية الرحمة وفي آية العذاب، ثم روى من طريق عبد خير أن علياً قرأ في الصبح {بسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} فقال سبحان ربي الأعلى. قال الشافعي: وهم يكرهون هذا ونحن نستحب هذا. ويروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يشبهه، فكأنه أراد ما روينا في حديث حذيفة أو أراد ما روى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} قال سبحان ربي الأعلى إلا أنه مختلف في رفعه وفي إسناده.
وروينا في حديث إسماعيل بن أمية عن الأعرابي مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قرأ منكم {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} فانتهى إلى آخرها {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} فليقل: وأنا على ذلك من الشاهدين، ومن قرأ {لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} فانتهى إلى {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} ، فليقل: بلى، ومن قرأ والمرسلات فبلغ فبأي حديث بعده يؤمنون فليقل: آمنا به" انتهى كلام البيهقي.

(3/98)


152 - باب مقدار الركوع والسجود
880 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا خَالِدُ بنُ عبد الله أخبرنا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيّ عن السّعْدِيّ عن أبِيهِ أو عن عَمّهِ قال: رَمَقْتُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم في صَلاَتِهِ، فَكَانَ يَتَمَكّنُ في رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ قَدْرَ مَا يقولُ "سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ ثَلاَثاً".
881 - حدثنا عَبْدُ المَلِكِ بنُ مرْوَانَ الأهْوَازِيّ أخبرنا أبُو عَامِرٍ وَأبُو دَاوُدَ عن ابنِ أبي ذِئْبٍ عن إسْحَاقَ بنِ يَزِيدَ الْهُذَلِيّ عن عَوْنِ بنِ عبد الله عن عبد الله بنِ مَسْعُودٍ قال قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذَا رَكَعَ أحَدُكُم فَلْيَقُلْ ثَلاَثَ مَرّاتٍ: سُبْحَانَ رَبّيَ الْعَظِيمِ ثَلاَثاً، وَذَلِكَ أدْنَاهُ، فإذَا سَجَدَ فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ رَبّيَ الأعْلَى ثَلاَثاً، وَذَلِكَ أدْنَاهُ" .
قَالَ أبُو دَاوُدَ: وهذا مُرْسَلٌ، عَوْنٌ لَمْ يُدْرِكْ عَبْدَ الله.
__________
باب مقدار الركوع والسجود
"رمقت" : أي نظرت "فكان يتمكن في ركوعه وسجوده" : أي يلبث فيهما. قال المنذري: السعدي مجهول.
"سبحان ربي العظيم" : بفتح ياء ربي ويسكن "وذلك أدناه" : وفيه إشعار بأن المصلي لا يكون متسنناً بدون الثلاث. وقد قال الماوردي إن الكمال إحدى عشرة أو تسع وأوسطه خمس ولو سبح مرة حصل التسبيح. وروى الترمذي عن ابن المبارك وإسحاق بن راهويه أنه يستحب خمس تسبيحات للإمام، وبه قال الثوري ولا دليل على تقيد الكمال بعدد معلوم بل ينبغي الاستكثار من التسبيح على مقدار تطويل الصلاة من غير تقييد بعدد. وأما إيجاب سجود السهو فيما زاد على التسع واستحباب أن يكون عدد التسبيح وتراً لا شفعاً فيما زاد على الثلاث فمما لا دليل عليه كذا في النيل "هذا مرسل": أراد المؤلف بالمرسل المنقطع لأن المرسل صورته أن يقول التابعي سواء كان صغيراً أو كبيراً قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا أو فعل كذا أو فعل بحضرته كذا أو نحو ذلك. وههنا ليس كذلك، نعم صورة الانقطاع ههنا موجودة وهي أن يسقط راو واحد أو أكثر من الإسناد من أي موضع كان "عون": ابن عبد الله المذكور "لم يدرك عبد الله": أي لم
__________
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم:
قال ابن القطان السعدي وأبوه وعمه مامنهم من يعرف وقد ذكره ابن السكن في كتاب الصحابة في الباب الذي ذكر فيه رجالا لا يعرفون.

(3/99)


882 - حدثنا عبد الله بنُ مُحَمّدٍ الزّهْرِيّ أخبرنا سُفْيَانُ حدثني إسْمَاعِيلُ بنُ أُمَيّةَ قال سَمِعْتُ أعْرَابِيّا يقولُ سَمِعْتُ أبَا هُرَيْرَةَ يقولُ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ قَرَأَ مِنْكُم بالتّينِ وَالزّيْتُونِ فَانْتَهَى إلَى آخِرِهَا {ألَيْسَ الله بِأحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} فَلْيَقُلْ: بَلَى وَأنَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشّاهِدِينَ. وَمَنْ قَرَأَ {لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ - فَانْتَهَى إلَى - ألَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أنْ يُحْيِيَ المَوْتَى} فَلْيَقُلْ: بَلى. وَمَنْ قَرَأَ وَالْمُرْسَلاَتِ فَبَلَغَ {فَبِأيّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} فَلْيَقُلْ: آمَنّا بالله" .
__________
يلقه. قال المنذري: وذكره البخاري في تاريخه الكبير وقال مرسل، وقال الترمذي إسناده ليس بمتصل. عون ابن عبد الله بن عتبة لم يلق ابن مسعود. قلت: وعون هذا هو أبو عبد الله بن مسعود الهذلي الكوفي انفرد مسلم بإخراج حديثه. انتهى.
{أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} : هذا بدل من قوله آخرها، ومعنى قوله أحكم الحاكمين أي أقضي القاضين يحكم بينك وبين أهل التكذيب بك يا محمد "فليقل بلى" : أي نعم "وأنا على ذلك" : أي كونك أحكم الحاكمين "من الشاهدين" : أي أنتظم في سلك من له مشافهة في الشهادتين من أنبياء الله وأوليائه. قال ابن حجر: وهذا أبلغ من أنا شاهد، ومن ثم قالوا في {وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} وفي {وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} أبلغ من وكانت قانتة، ومن إنه في الآخرة صالح، لأن من دخل في عداد الكامل وساهم معهم الفضائل ليس كمن انفرد عنهم. انتهى. وقيل لأنه كناية وهي أبلغ من الصريح "أليس ذلك" : أي الذي جعل خلق الإنسان من نطفة تمنى في الرحم "فليقل بلى" : قال في المرقاة: وفي رواية بلى إنه على كل شيء قدير . وأما قول ابن حجر المكي فليقل بلى وأنا على ذلك من الشاهدين، وكأنه حذف لفهمه من الأول فبعيد انتهى "فبأي حديث بعده" : أي بعد القرآن، لأنه آية مبصرة، ومعجزة باهرة، فحين لم يؤمنوا به فبأي كتاب بعده يؤمنون "فليقل آمنا بالله" : أي به وبكلامه، ولعموم هذا لم يقل آمنا بالقرآن. وقال الطيبي أي قل أخالف أعداء الله المعاندين قاله في المرقاة.
والحديث يدل على أنه من يقرأ هذه الآيات يستحب له أن يقول تلك الكلمات سواء كان في الصلاة أو خارجها. والحديث ضعيف لأن فيه مجهولاً. قال الترمذي بعد ما رواه مختصراً: إنما يروي بهذا الإسناد عن هذا الأعرابي عن أبي هريرة ولا يسمي انتهى. وقال في فتح الودود: هذا الأعرابي لا يعرف ففي الإسناد جهاله، ومع ذلك فالمتن لا يناسب الباب. قلت: الظاهر أن هذا الحديث داخل في الباب الأول لكن تأخيره من تصرف النساخ، والله أعلم "قال

(3/100)


قال إسْمَاعِيلُ: ذَهَبْتُ أُعِيدُ عَلَى الرّجُلِ الأعْرَابِيّ وَأَنْظُرُ لَعَلّهُ، فقال: يا ابنَ أخِي أتَظُنّ أنّي لَمْ أحْفَظْهُ، لَقَدْ حَجَجْتُ سِتّينَ حَجّةً مَا مِنْهَا حَجّةٌ إلاّ وَأنَا أعْرِفُ الْبَعِيرَ الّذِي حَجَجْتُ عَلَيْهِ.
883 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالحٍ و ابنُ رَافِعٍ قالا أخبرنا عبد الله بنُ إبْرَاهِيمَ بنِ عُمَرَ بنِ كَيْسَانَ حدثني أبِي عن وَهْبِ بنِ مَانُوسَ قال سَمِعْتُ سَعِيدَ بنَ جُبَيْرٍ يقولُ سَمِعْتُ أنَسَ ابنَ مَالِكٍ يقولُ: مَا صَلّيْتُ وَرَاءَ أحَدٍ بَعْدَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أشْبَهَ صَلاَةً بِرسولِ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ هَذَا الْفَتَى - يَعْني عُمَرَ بنَ عبد العزيز - قال: فَحَزَرْنَا في رُكُوعِهِ عَشرَ تَسْبِيحَاتٍ، وفي سُجُودِهِ عَشْرَ تَسْبِيحَاتٍ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: قال أَحْمَدُ بنُ صَالحٍ قُلْتُ لَهُ: مَانُوسُ أوْ مَابُوسُ؟ فقال: أمّا
__________
إسماعيل": بن أمية "ذهبت أعيد": أي شرعت في إعادة الحديث "على الرجل الأعرابي": المذكور "لعله": أي لعل الأعرابي أخطأ في الحديث ولم يحفظه "فقال": الأعرابي "يا ابن أخي أتظن أني لم أحفظه": أي الحديث والاستفهام إنكاري أي لا تظنن بي هذا الظن فإني قوي الحفظ غاية القوة وإن ارتبت في فيما قلت لك فاستمع ما أقول "لقد حججت ستين حجة الخ": أي والله لقد حججت ستين حجة، فمن كان هذا شأنه في الحفظ فكيف لا يحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا قاله الرجل الأعرابي المجهول، لكن هذه مبالغة عظيمة منه والله أعلم.
"عن وهب بن مانوس": قال الحافظ في التقريب بالنون وقيل بالموحدة البصري نزيل اليمنى مستور من السادسة. وقال في الخلاصة: وثقه ابن حبان "ومن هذا الفتى يعني عمر بن عبد العزيز": ابن مروان الخليفة الصالح، خامس الخلفاء الراشدين. قال سفيان الثوري: الخلفاء خمسة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز كذا في تاريخ الخلفاء "قال": أي أنس "فحزرنا": بتقديم الزاي المفتوحة أي قدرنا "في ركوعه": قال في المرقة: أي ركوع رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ركوع عمر. انتهى. قلت: الظاهر أن الضمير في ركوعه يرجع إلى عمر والله تعالى أعلم "عشر تسبيحات": قيل فيه حجة لمن قال إن كمال التسبيح عشر تسبيحات. والأصح أن المنفرد يزيد في التسبيح ما أراد، وكلما زاد كان أولى، والأحاديث الصحيحة في تطويله صلى الله عليه وسلم ناطقة بهذا وكذلك الإمام إذا كان المؤتمون لا يتأدون بالتطويل. كذا في النيل "قلت له": الظاهر أن الضمير المجرور يرجع إلى عبد الله بن إبراهيم بن عمر بن كيسان "مانوس": بالنون "أو مابوس": بالموحدة "فقال": أي عبد الله بن عمر بن إبراهيم كما هو الظاهر "أما عبد الرزاق

(3/101)


عَبْدُ الرّزّاقِ فيقولُ: مَابُوسُ، وأمّا حِفْظِي: فَمَانُوسُ. وهذا لَفْظُ ابنُ رَافِعٍ. قال أَحْمَدُ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن أنَسِ بنِ مَالِكٍ.
__________
فيقول: مابوس": أي بالموحدة "وأما حفظي فمانوس": أي النون بالنون "قال أحمد الخ": في روايته بالعنعنة في الموضعين، وأما ابن رافع فصرح بالسماع فيهما.

(3/102)


153 - باب الرجل يدرك الإمام ساجداً كيف يصنع
884 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ يَحْيَى بنِ فَارِسَ أنّ سَعِيدَ بنِ الْحَكَمِ حَدّثَهُمْ أنْبأنَا نَافِعُ بنُ يَزِيدَ حدثني يَحْيَى بنُ أبي سُلَيْمَانَ عن زَيْدِ بنِ أبي الْعَتّابِ و ابنِ المَقْبُرِيّ عن أبي هُرَيْرَةَ قال قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذَا جِئْتُمْ إلَى الصّلاَةِ وَنَحْنُ سُجُودٌ فَاسْجُدُوا وَلاَ تَعُدّهَا شَيْئاً، وَمَنْ أدْرَكَ الركْعَةَ فَقَدْ أدْرَكَ الصّلاَةَ".
__________
باب الرجل يدرك الإمام ساجداً كيف يصنع
"ونحن سجود" : جمع ساجد والجملة حالية "فاسجدوا" : فيه مشروعية السجود مع الإمام لمن أدركه ساجداً "ولا تعدوها شيئاً" : بضم العين وتشديد الدال، أي لا تحسبوه شيئاً، والمعنى وافقوه في السجود ولا تجعلوا ذلك ركعة "ومن أدرك الركعة" : قيل المراد به ههنا الركوع فيكون مدرك الإمام راكعاً مدركاً لتلك الركعة، وفيه نظر لأن الركعة حقيقة لجميعها، وإطلاقها على الركوع وما بعده مجاز لا يصار إليه إلا لقرينة كما وقع عند مسلم من حديث البراء بلفظ: فوجدت قيامه فركعته فاعتداله فسجدته ، فإن وقوع الركعة في مقابلة القيام والاعتدال والسجود قرينة تدل على أن المراد بها الركوع، وههنا ليست قرينة تصرف عن حقيقة الركعة، فليس فيه دليل على أن مدرك الإمام راكعاً مدرك لتلك الركعة.
واعلم أنه ذهب الجمهور من الأئمة إلى أن من أدرك الإمام راكعاً دخل معه واعتد بتلك الركعة وإن لم يدرك شيئاً من القراءة، وذهب جماعة إلى أن من أدرك الإمام راكعاً لم تحسب له تلك الركعة وهو قول أبي هريرة وحكاه البخاري في القراءة خلف الإمام عن كل من ذهب إلى وجوب القراءة خلف الإمام واختاره ابن خزيمة والضبعي وغيرهما من محدثي الشافعية وقواه الشيخ تقي الدين السبكي من المتأخرين ورجحه المقبلي قال: وقد بحثت هذه المسألة وأحطتها في جميع بحثي فقهاً وحديثاً فلم أحصل منها على غير ما ذكرت يعني من عدم الاعتداد بإدراك الركوع فقط.

(3/102)


.....................
__________
واستدل الجمهور بحديث الباب، لكن الاستدلال به موقوف على إرادة الركوع من الركعة وقد عرفت ما فيه، وبحديث أبي بكر حيث صلى خلف الصف مخافة أن تفوته الركعة فقال صلى الله عليه وسلم "زادك الله حرصاً ولا تعد" ولم يأمر بإعادة الركعة. قال الشوكاني في النيل: ليس فيه ما يدل على ما ذهبوا إليه، لأنه كما لم يأمره بالإعادة لم ينقل إلينا أنه اعتد بها، والدعاء له بالحرص لا يستلزم الاعتداد بها لأن الكون مع الإمام مأمور به سواء كان الشيء الذي يدركه المؤتم معتداً به أم لا كما في الحديث "إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا ولا تعددوها شيئاً" على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى أبا بكر عن العود إلى ذلك، والاحتجاج بشيء قد نهي عنه لا يصح. وقد أجاب ابن حزم في المحلي عن حديث أبي بكر فقال: أنه لا حجة لهم فيه لأنه ليس فيه اجتراء بتلك الركعة. انتهى. وبحديث أبي هريرة: "من أدرك المركوع من الركعة الأخيرة في صلاته يوم الجمعة فليضف إليها ركعة أخرى" رواه الدارقطني لكن في إسناده ياسين بن معاذ وهو متروك فلا يقوم به الحجة.
واستدل من ذهب إلى أن من أدرك الإمام راكعاً لم تحسب له تلك الركعة بحديث: "ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا" أخرجه الشيخان بأنه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإتمام ما فاته، ومن أدرك الإمام راكعاً فإنه القيام والقراءة فيه وهما فرضان فلا بد له من إتمامهما، وبما روى عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: "من أدرك الإمام في الركوع فليركع معه وليعد الركعة" وقد رواه البخاري في القراءة خلف الإمام من حديث أبي هريرة أنه قال "إن أدركت القوم ركوعاً لم تعتد بتلك الركعة. قال الحافظ: وهذا هو المعروف عن أبي هريرة موقوفاً، وأما المرفوع فلا أصل له. قال الشوكاني في النيل: قد عرفت مما سلف وجوب الفاتحة على كل إمام ومأموم في كل ركعة، وعرفناك أن تلك الأدلة صالحة للاحتجاج بها على أن قراءة الفاتحة من شروط صحة الصلاة فمن زعم أنها تصح صلاة من الصلوات أو ركعة من الركعات بدون فاتحة الكتاب فهو محتاج إلى إقامة برهان يخصص تلك الأدلة، ومن ههنا يتبين لك ضعف ما ذهب إليه الجمهور أن من أدرك الإمام راكعاً دخل معه واعتد بتلك الركعة، وإن لم يدرك شيئاً من القراءة ثم بين دلائل الفريقين ورجح خلاف ما ذهب إليه الجمهور، وقال: قد ألف السيد العلامة محمد بن إسماعيل الأمير رسالة في هذه المسألة ورجح مذهب الجمهور، وقد كتبت أبحاثاً في الجواب عليها. انتهى كلام الشوكاني في النيل ملخصاً محرراً.
قلت: حديث أبي هريرة سكت عنه أبو داوود ثم المنذري في مختصره وفيه يحيى بن أبي سليمان المديني. قال أمير المؤمنين في الحديث محمد بن إسماعيل البخاري في جزء

(3/103)


.....................
__________
القراءة: ويحيى هذا منكر الحديث روى عنه أبو سعيد مولى بني هاشم وعبد الله بن رجاء البصري مناكير ولم يتبين سماعه من زيد ولا من ابن المقبري ولا نقوم به الحجة. انتهى. وقال البيهقي في المعرفة: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا الحسين بن الحسن بن أيوب حدثنا أبو يحيى بن أبي ميسرة حدثنا ابن أبي مريم حدثنا نافع بن يزيد حدثنا يحيى بن أبي سليمان عن زيد بن أبي عتاب وسعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدوها شيئاً، ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة" تفرد به يحيى بن أبي سليمان هذا وليس بالقوي انتهى. وفي الميزان والتهذيب يحيى بن أبي سليمان المدني روي عن المقبري وعطاء وعنه شعبة وأبو سعيد مولى بني هاشم وأبو الوليد. قال أبو حاتم يكتب حديثه وليس بالقوي، وذكره ابن حبان في الثقات ووثقه الحاكم، وقال البخاري منكر الحديث. انتهى.
والحديث أخرجه الدارقطني من هذه الطريق، أي طريق نافع بن يزيد، كما ذكره أبو داوود سنداً ومتناً، ورواه الدارقطني أيضاً من وجه آخر وهذا لفظه: حدثنا أبو طالب الحافظ حدثنا أحمد بن محمد بن الحجاج بن رشدين حدثنا عمرو بن سوار ومحمد بن يحيى ابن إسماعيل قالا حدثنا ابن وهب ح. وحدثنا أبو طالب أخبرنا ابن رشدين حدثنا حرملة حدثنا ابن وهب حدثني يحيى بن حميد عن قرة بن عبد الرحمن عن ابن شهاب أخبرني أبو سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها قبل أن يقيم الإمام صلبه" . قال في التعليق المعني على سنن الدارقطني: الحديث فيه يحيى بن حميد، قال البخاري: لا يتابع في حديثه، وضعفه الدارقطني. وأما قرة بن عبد الرحمن فأخرج له مسلم في الشواهد، وقال الجوزجاني: سمعت أحمد يقول: منكر الحديث جداً، وقال يحيى: ضعيف الحديث، وقال أبو حاتم: ليس بقوي. انتهى.
ورجح الإمام أبو عبد الله البخاري رحمه الله تعالى مذهب من يقول بعدم الاعتداد بإدراك الركوع فقط، وحقق هذه المسألة في كتابه جزء القراءة ما ملخصه قال البخاري: وتواتر الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة إلا بقراءة أم القرآن" ثم أخرج من طريق أبي الزاهرية عن كثير بن مرة الحضرمي قال سمعت أبا الدرداء يقول "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أفي كل صلاة قراءة؟ قال نعم، فقال رجل من الأنصار وجبت هذه" .
وأما حديث "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة" فهذا خبر لم يثبت عند أهل العلم من أهل الحجاز وأهل العراق لإرساله وانقطاعه رواه ابن شداد عن النبي صلى الله عليه وسلم. وروى الحسن بن

(3/104)


.....................
__________
صالح عن جابر عن أبي الزبير عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يدري أسمع جابر من أبي الزبير. وذُكر عن عبادة بن الصامت وعبد الله بن عمرو "صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر فقرأ رجل خلفه، فقال: لا يقرأن أحدكم والإمام يقرأ إلا بأم القرآن" فلو ثبت الخبران كلاهما لكان هذا مستثنى من الأول لقوله: لا يقرأن إلا بأم الكتاب . وقال أبو هريرة وعائشة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج" .
قال البخاري: فإن احتج محتج فقال إذا أدرك الركوع جازت فكما أجازته في الركعة كذلك يجزيه في الركعات، قيل إنما أجاز زيد بن ثابت وابن عمرو الذين لم يروا القراءة خلف الإمام. فأما من رأى القراءة فقد قال أبو هريرة: لا يجزيه حتى يدرك الإمام. وقال أبو سعيد وعائشة "لا يركع أحدكم حتى يقرأ بأم القرآن" وإن كان ذلك إجماعاً لكان هذا المدرك للركوع مستثنى من الجملة مع أنه لا إجماع فيه.
قال البخاري: وقال عدة من أهل العلم إن كل مأموم يقضي فرض نفسه، والقيام والقراءة والركوع والسجود عندهم فرض فلا يسقط الركوع والسجود عن المأموم، وكذلك القراءة فرض فلا يزول فرض عن أحد إلا بكتاب أو سنة.
وقال أبو قتادة وأنس وأبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا أتيتم الصلاة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا" فمن فاته فرض القراءة والقيام فعليه إتمامه كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم. حدثنا أبو نعيم حدثنا شيبان عن يحيى عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا" حدثنا قتيبة حدثنا إسماعيل بن جعفر عن حميد عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم "فليصل ما أدرك وليقض ما سبقه" وفي لفظ له "ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا" حدثنا أبو اليمان حدثنا شعيب عن الزهري أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون وأتوها تمشون وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا" ثم أورد حديث أبي هريرة هذا نحو سبعة عشر طرقاً بلفظ "ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا" وبلفظ "ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا" وبلفظ "صلوا ما أدركتم واقضوا ما سبقتم" .
وقال علي بن عبد الله: إنما أجاز إدراك الركوع من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين لم يروا القراءة خلف الإمام، منهم ابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عمر. فأما من رأى القراءة فإن أبا هريرة قال: اقرأ بها في نفسك يا فارسي وقال: لا تعتد بها حتى تدرك الإمام قائماً.

(3/105)


.....................
__________
حدثنا مسدود وموسى بن إسماعيل ومعقل بن مالك قالوا حدثنا أبو عوانة عن محمد بن إسحاق عن الأعرج عن أبي هريرة قال "لا يجزئك إلا أن تدرك الإمام قائماً" وفي لفظ له قال "إذا أدركت القوم ركوعاً لم تعتد بتلك الركعة" وفي لفظه له "لا يجزئك إلا أن تدرك الإمام قائماً قبل أن يركع" وأخرج من طريق عبد الرحمن بن هرمز قال قال أبو سعيد "لا يركع أحدكم حتى يقرأ بأم القرآن" قال البخاري: وكانت عائشة تقول ذلك.
وأما حديث همام عن زياد الأعلم عن الحسن عن أبي بكرة "أنه انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو راكع فركع قبل أن يصل إلى الصف فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: زادك الله حرصاً ولا تعد" وفي رواية يونس عن الحسن عن أبي بكرة "فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة قال لأبي بكرة، أنت صاحب هذا النفس؟ قال: نعم جعلني الله فداك خشيت أن تفوتني ركعة معك فأسرعت المشي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "زادك الله حرصاً ولا تعد، صل ما أدركت واقض ما سبقك" فليس لأحد أن يعود لما نهي النبي صلى الله عليه وسلم، وليس في جوابه أنه اعتد بالركوع عن القيام، والقيام فرض في الكتاب والسنة. قال الله تعالى {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} وقال {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} وقال النبي صلى الله عليه وسلم "صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً".
قال البخاري: وروى نافع بن يزيد حدثني يحيى بن أبي سليمان المدني عن زيد بن أبي عتاب وابن المقبري عن أبي هريرة رفعه "إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدوها شيئاً" ويحيى هذا منكر الحديث روى عنه أبو سعيد مولى بني هاشم وعبد الله بن رجاء البصري مناكير ولم يتبين سماعه من زيد ولا من ابن المقبري ولا يقوم به الحجة. وزاد ابن وهب عن يحيى بن حميد عن قرة عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم "فقد أدركها قبل أن يقيم الإمام صلبه" وأما يحيى بن حميد فمجهول. لا يعتمد على حديثه غير معروف بصحة خبره وليس هذا مما يحتج به أهل العلم وإنما الحديث هو ما رواه مالك الإمام. حدثنا يحيى بن قزعة حدثنا مالك عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" ثم أورد رواية مالك من طريق عبد الله بن يوسف قال حدثنا مالك مثله. وقد تابع مالكا في حديثه ثمانية أنفس عبد الله بن عمر ويحيى بن سعيد وابن الهاد ويونس ومعمر وابن عيينة وشعيب وابن جريج. وكذلك قال عراك بن مالك عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد اتفق هؤلاء كلهم في روايتهم عن الزهري على لفظ "من أدرك من الصلاة فقد أدركها" وتابع عراك أبا سلمة وهو خبر مستفيض عند أهل العلم بالحجاز وغيرها وما قال واحد من هؤلاء مثل ما قال يحيى بن حميد بل قوله قبل

(3/106)


.....................
__________
أن يقيم الإمام صلبه لا معنى له ولا وجه لزيادته. ثم أخرج البخاري أحاديث هؤلاء الرواة الثمانية، وكذا حديث عراك بن مالك. ثم قال البخاري: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة" ولم يقل من أدرك الركوع أو السجود أو التشهد.
ومما يدل عليه قول ابن عباس: "فرض الله على لسان نبيكم صلاة الخوف ركعة" وقال ابن عباس: "صلى النبي صلى الله عليه وسلم في الخوف بهؤلاء ركعة، وبهؤلاء ركعة، فالذي يدرك الركوع والسجود من صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خذاج، ولم يخص صلاة دون صلاة".
والذي يعتمد على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أن لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، وما فسر أبو هريرة وأبو سعيد: "لا يركعن أحدكم حتى يقرأ فاتحة الكتاب". انتهى كلامه ملخصاً محرراً ملتقطاً من مواضع شتى من كتابه.
وفي كنز العمال أخرج البيهقي في كتاب القراءة عن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب خلف الإمام" قال البيهقي: إسناده صحيح والزيادة التي فيه صحيحة مشهورة من أوجه كثيرة. انتهى كلامه.
فهذا محمد بن إسماعيل البخاري أحد المجتهدين وواحد من أركان الدين قد ذهب إلى أن مدركاً للركوع لا يكون مدركاً للركعة حتى يقرأ فاتحة الكتاب، فمن دخل مع الإمام في الركوع فله أن يقضي تلك الركعة بعد سلام الإمام بل حكى البخاري هذا المذهب عن كل من ذهب إلى وجوب القراءة خلف الإمام. وقال الحافظ في الفتح تحت حديث أبي هريرة: "فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا" واستدل به على أن من أدرك الإمام راكعاً لم تحسب له تلك الركعة للأمر بإتمام ما فآته الوقوف والقراءة فيه، وهو قول أبي هريرة، بل حكاه البخاري في القراءة خلف الإمام عن كل من ذهب إلى وجوب القراءة خلف الإمام، واختاره ابن خزيمة والضبعي وغيرهما من محدثي الشافعية، وقواه الشيخ تقي الدين السبكي من المتأخرين انتهى.
قال العراقي في شرح الترمذي بعد أن حكي عن شيخه السبكي أنه كان يختار أنه لا يعتد بالركعة من لا يدرك الفاتحة ما لفظه: وهو الذي يختاره، وقال ابن حزم في المحلي: لا بد في الاعتداد بالركعة من إدراك القيام والقراءة بحديث: "ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا" ولا فرق بين فوت الركعة والركن والذكر المفروض، لأن الكل فرض لا تتم الصلاة إلا به. قال فهو مأمور بقضاء ما سبقه الإمام وإتمامه فلا يجوز تخصيص شيء من ذلك من ذلك بغير نص آخر ولا سبيل

(3/107)


.....................
__________
إلى وجوده. قال: وقدم أقدم بعضهم على دعوى الإجماع على ذلك وهو كاذب في ذلك، لأنه قد روى عن أبي هريرة أنه لا يعتد بالركعة حتى يقرأ أم القرآن. ثم قال: فإن قيل إنه يكبر قائماً ثم يركع فقد صار مدركاً للوقعة، قلنا وهذه معصية أخرى، وما أمر الله تعالى قط ولا رسوله أن يدخل في الصلاة من غير الحال التي يجد الإمام عليها، وأيضاً لا يجزىء قضاء شيء يسبق به من الصلاة إلا بعد سلام الإمام لا قبل ذلك. وقال أيضاً في الجواب عن استدلالهم بحديث "من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة" حجة عليهم، لأنه مع ذلك لا يسقط عنه قضاء ما لم يدرك من الصلاة انتهى.
وقال الحافظ في التلخيص: حديث أبي هريرة: "إذا أدركت القوم ركوعاً لم تعتد بتلك الركعة" وهذا هو المعروف موقوف، وأما المرفوع فلا أصل له، وعزاه الرافعي تبعاً للامام أن أبا عاصم العبادي عن ابن خزيمة أنه احتج بذلك. انتهى.
قال الشوكاني في النيل: فالعجب ممن يدعي الإجماع والمخالف مثل هؤلاء انتهى. وهذا أي بعدم الاعتداد هو قول شيخنا العلامة السيد محمد نذير حسين الدهلوي متعنا الله تعالى بطول بقائه.
وذهب جمهور الأئمة من السلف والخلف إلى أن مدرك الركوع مدرك للركعة من غير اشتراط قراءة فاتحة الكتاب. قال حافظ المغرب أبو عمر بن عبدالبر في الاستذكار شرح الموطإ: قال جمهور الفقهاء من أدرك الإمام راكعاً فكبر وركع وأمكن يديه من ركبتيه قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدرك الركعة، ومن لم يدرك ذلك فقد فاتته الركعة، ومن فاتته الركعة فقد فاتته السجدة أي لا يعتد بها. هذا مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم والثوري والأوزاعي وأبي ثور وأحمد وإسحاق، وروى ذلك عن علي وابن مسعود وزيد وابن عمر، وقد ذكرنا الأسانيد عنهم في التمهيد. انتهى كلامه.
وللجمهور دلائل منها حديث أبي بكرة المتقدم ذكره، ومنها حديث أبي هريرة الذي نحن في شرحه، ومنها ما أخرجه مالك في المؤطإ أنه بلغه أن ابن عمر وزيد بن ثابت كانا يقولان من أدرك الركعة فقد أدرك السجدة، ومنها ما أخرجه أيضاً بلاغاً أن أبا هريرة كان يقول: "من أدرك الركعة فقد أدرك السجدة ومن فاته قراءة أم القرآن فقد فاته خير كثير" ومنها ما أخرجه محمد في الموطإ عن مالك عن نافع عن أبي هريرة أنه قال: "إذا فاتتك الركعة فاتتك السجدة" ومنها ما ذكره ابن عبد البر عن علي وابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عمر بأسانيده إليهم في التمهيد شرح الموطإ ومنها ما قاله الحافظ في التلخيص: راجعت صحيح ابن خزيمة فوجدته

(3/108)


.....................
__________
أخرج عن أبي هريرة: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها قبل أن يقيم الإمام صلبه" وترجم له ذكر الوقت الذي يكون فيه المأموم مدركاً للركعة إذا ركع إمامه قبل، وهذا مغاير لما نقلوه عنه. ويؤيد ذلك أنه ترجم بعد ذلك باب إدراك الإمام ساجداً والأمر بالاقتداء به في السجود وأن لا يعتد به إذ المدرك للسجدة إنما يكون بإدراك الركوع قبلها.
وأخرج فيه من حديث أبي هريرة أيضاً مرفوعاً: "إذا جئتم ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدوها شيئاً، ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة" وذكر الدارقطني في العلل نحوه عن معاذ وهو مرسل انتهى.
وقال الطحاوي في باب من صلى خلف الصف وحده: وقد روى عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم ركعوا دون الصف ثم مشوا إلى الصف واعتدوا بتلك الركعة التي ركعوها دون الصف، ثم ساق من طريق سفيان عن منصور عن زيد بن وهب قال: دخلت المسجد أنا وابن مسعود فأدركنا الإمام وهو راكع فركعنا، ثم مشينا حتى استوينا بالصف فلما قضى الإمام الصلاة قمت لأقضي، قال عبد الله : قد أدركت الصلاة. وأخرج من طريق سيار أبي الحكم عن طارق قال: كنا مع ابن مسعود فقام وقمنا فدخل المسجد، فرأى الناس ركوعاً في مقدم المسجد فكبر فركع ومشى وفعلنا مثل ما فعل. وأخرج عن سفيان عن الزهري عن أبي أمامة بن سهل قال: رأيت زيد بن ثابت دخل المسجد والناس ركوع فمشى حتى إذا أمكنه أن يصل إلى الصف وهو راكع كبر فركع ثم دبّ وهو راكع حتى وصل الصف. وأخرج عن خارجة بن زيد بن ثابت أن زيد بن ثابت كان يركع على عتبة المسجد ووجهه إلى القبلة ثم يمشي معترضاً على شقة الأيمن ثم يعتد بها إن وصل إلى الصف أو لم يصل. انتهى.
وقال البيهقي في المعرفة: باب إذا أدرك الإمام راكعاً: قال الشافعي بإسناده إن عبد الله بن مسعود دخل المسجد والإمام راكع فركع ثم دب راكعاً قال الشافعي وهكذا نقول، وقد فعل هذا زيد بن ثابت، ثم ساق البيهقي بإسناده إلى عبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت وأبي أمامة سهل بن حنيف، ثم قال: وقد روينا في ذلك عن أبي بكر الصديق وعبد الله بن الزبير، وفي معناه حديث أبي بكرة أنه دخل المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم راكع فركع دون الصف ثم مشى إلى الصف، وفي ذلك دلالة على إدراك الركعة بإدراك الركوع، وقد روى صريحاً عن ابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عمر، وفي خبر مرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي خبر موصول عنه غير قوي. أما المرسل فرواه عبد العزيز بن رفيع عن رجل عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأما الموصول فحديث أبي هريرة مرفوعاً "إذا جئتم إلى الصلاة" الحديث، وتفرد به يحيى وليس بالقوى. انتهى كلامه ملخصاً.

(3/109)


.....................
__________
وفي كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال: أخرج ابن أبي شيبة عن عبد العزيز بن رفيع عن رجل من أهل المدينة من الأنصار عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه سمع خفق نعلى وهو ساجد فلما فرغ من صلاته قال: من هذا الذي سمعت خفق نعله؟ فقال: أنا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فما صنعت؟ قال: وجدتك ساجداً فسجدت، فقال: هكذا فاصنعوا ولا تعتدوا بها، من وجدني راكعاً أو قائماً أو ساجداً فليكن معي على حالتي التي أنا عليها" وأخرج عبد الرزاق عن الزهري أن زيد بن ثابت وابن عمر كانا يفتيان الرجل إذا انتهى إلى القوم وهم ركوع أن يكبر تكبيرة وقد أدرك الركعة قالا: وإن وجدهم سجوداً سجد معهم ولم يعتد بذلك" وأخرج أيضاً عن ابن مسعود قال "من أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة ومن فاته الركوع فلا يعتد بالسجود" انتهى.
وقال العيني في شرح البخاري تحت حديث "وما فاتكم فأتموا" استدل قوم على أن أدرك الإمام راكعاً لم تحسب له تلك الركعة للأمر بإتمام ما فاته وقد فاته القيام والقراءة فيه، وهو أيضاً مذهب من ذهب إلى وجوب القراءة خلف الإمام، وهو قول أبي هريرة أيضاً، واختاره ابن خزيمة، عند أصحابنا، وهو قول الجمهور أنه يكون مدركاً لتلك الركعة لحديث أبي بكرة حيث ركع دون الصف ولم يأمر بإعادة تلك الركعة.
وروى أبو داوود من حديث معاوية بن أبي سفيان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تبادروني بركوع ولا سجود فإنه مهما أسبقكم به إذا ركعت تدركوني به إذا رفعت وإني قد بدنت" وهذا يدل على أن المقتدي إذا لحق الإمام وهو في الركوع فلو شرع معه ما لم يرفع رأسه يصير مدركاً لتلك الركعة، فإذا شرع وقد رفع رأسه لا يكون مدركاً لتلك الركعة، ولو ركع المقتدي قبل الإمام فلحقه الإمام قبل قيامه يجوز عندنا خلافاً لزفر رحمه الله. انتهى كلام العيني.
وأنت رأيت كلام العلامة الشوكاني في نيل الأوطار أنه رجح مذهب من يقول بعدم اعتداد الركعة بإدراك الركوع من غير قراءة الفاتحة وبسط الكلام فيه وأجاب عن أدلة الجمهور القائلين بإدراك الركعة بمجرد الدخول في الركوع مع الإمام، وحقق العلامة الشوكاني في الفتح الرباني في فتاوى الشوكاني خلاف ذلك ورجح مذهب الجمهور وهذه عبارته من غير تلخيص ولا اختصار:
ما قول علماء الإسلام رضي الله عنهم في قراءة أم القرآن، هل يجب على من لحق إمامه في الركوع أن يأتي بركعة عقب سلام الإمام لأنه قد فاته القيام والقراءة على ما اقتضاه مفهوم حديث الصحيحين "فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا" وفي رواية "فاقضوها" وكما وافقه زيادة الطبراني في حديث أبي بكرة بعد قول النبي صلى الله عليه وسلم له "زادك الله حرصاً ولا تعد" زاد الطبراني

(3/110)


.....................
__________
"صل ما أدركت واقض ما سبقك" انتهى. وكما في مصنف ابن أبي شيبة عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: لا أجده على حالة إلا كنت عليها وقضيت ما سبقني فوجده قد سبقه - يعني النبي صلى الله عليه وسلم - ببعض الصلاة أو قال ببعض ركعة، فوافقه فيما هو فيه، وأتى بركعة بعد السلام فقال صلى الله عليه وسلم "إن معاذاً قد سن لكم فهكذا فاصنعوا" أو يكون مدركاً للركعة وإن لم يمكنه قراءة الفاتحة بمقتضى ما أخرجه ابن خزيمة في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "من أدرك ركعة مع الإمام قبل أن يقيم صلبه فقد أدركها" وترجم له ابن خزيمة باب ذكر الوقت الذي يكون فيه المأموم مدركاً للركعة، ولما أخرجه الدارقطني "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة" وإن كان الحافظ ابن حجر في فتح الباري قال: طرقه كلها ضعاف عند جميع الحفاظ، وقال ابن تيمية: روى مسنداً من طرق كلها ضعاف، والصحيح أنه مرسل، وقد قواه ابن الهمام في فتح القدير بكثرة طرقه، وذكر الفقيه صالح المقبلي في الأبحاث المسددة بحثاً زاد السائل تردداً، فافضلوا بما يطمئن به الخاطر، جزاكم الله خيراً عن المسلمين أفضل الجزاء.
الجواب لبقية الحفاظ القاضي العلامة محمد بن علي الشوكاني رحمه الله تعالى بقوله: قد تقرر بالأدلة الصحيحة أن الفاتحة واجبة في كل ركعة على كل مصل إمام ومأموم ومنفرد، أما الإمام والمنفرد فظاهر، وأما المأموم فلما صح من طرق من نهية عن القراءة خلف الإمام إلا بفاتحة الكتاب، وأنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها، ولما ورد في الأحاديث المسيء صلاته من قوله صلى الله عليه وسلم: ثم كذلك في كل ركعاتك فافعل بعد أن علمه القراءة لفاتحة الكتاب.
والحاصل أن الأدلة المصرحة بأن لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وإن كان ظاهرها أنها تكفي المرة الواحدة في جملة الصلاة فقد دلت الأدلة على وجوبها في كل ركعة دلالة واضحة ظاهرة بينة. إذا تقرر لك هذا فاعلم أنه قد ثبت أن من أدرك الإمام على حاله فليصنع كما يصنع الإمام، فمن وصل والإمام في آخر القيام فليدخل معه فإذا ركع بعد تكبير المؤتم فقد ورد الأمر بمتابعة له بقوله: وإذا ركع فاركعوا، كما في حديث "إنما جعل الإمام ليأتم به" وهو حديث صحيح، فلو توقف المؤتم عن الركوع بعد ركوع الإمام وأخذ يقرأ فاتحة الكتاب لكان مخالفاً لهذا الأمر، فقد تقرر أنه يدخل مع الإمام وتقرر أنه يتابعه ويركع بركوعه ثم ثبت بحديث "من أدرك مع الإمام ركعة قبل أن يقيم صلبه فقد أدركها" أن هذا الداخل مع الإمام الذي لم يتمكن من قراءة الفاتحة قد أدرك الركعة بمجرد إدراكه له راكعاً. فعرفت بهذا أن مثل هذه الحالة مخصصة من عموم إيجاب قراءة الفاتحة في كل ركعة، وأنه لا وجه لما قيل أنه يقرأ بفاتحة الكتاب ويلحق الإمام راكعاً، وأن المراد الإدارك الكامل وهو لا يكون إلا مع إدراك الفاتحة،

(3/111)


.....................
__________
فإن هذا يؤدي إلى إهمال حديث إدراك الإمام قبل أن يقيم صلبه، فإن ظاهره بل صريحة أن المؤتم إذا وصل والإمام راكع وكبر وركع قبل أن يقيم الإمام صلبه فقد صار مدركاً لتلك الركعة وإن لم يقرأ حرفاً من حروف الفاتحة، فهذا الأمر الأول مما يقع فيه من عرضت له الشكوك لأنه إذا وصل والإمام راكع أو في آخر القيام ثم أخذ يقرأ ويريد أن يلحق الإمام الذي قد صار مهملاً لحديث إدراك الإمام قبل أن يقيم صلبه. الأمر الثاني أنه صار مخالفاً لأحاديث الاقتداء بالإمام وإيجاب الركوع بركوعه والاعتدال باعتداله وبيان ذلك أنه وصل حال ركوع الإمام أو بعد ركوعه ثم أخذ يقرأ الفاتحة من أولها إلى آخرها ومن كان هكذا فهو مخالف لإمامه لم يركع بركوعه وقد يفوته أن يعتدل باعتداله، وامتثال الأمر بمتابعة الإمام واجب ومخالفته حرام. الأمر الثالث أن قوله صلى الله عليه وسلم "من أدرك الإمام على حالة فليصنع كما يصنع الإمام" يدل على لزوم الكون مع الإمام على الحالة التي أدركه عليها وأنه يصنع مثل صنعه، ومعلوم أنه لا يحصل الوفاء بذلك إلا إذا ركع بركوعه واعتدل باعتداله، فإذا أخذ يقرأ الفاتحة فقد أدرك الإمام على حالة ولم يصنع كما صنع إمامه، فخالف الأمر الذي يجب امتثاله وتحرم مخالفته.
وإذا اتضح لك ما في إيجاب قراءة الفاتحة على المؤتم المدرك لإمامه حال الركوع أو بعده من المفاسد التي حدثت بسبب وقوعه في مخالفة ثلاث سنن صحاح كما ذكرنا، تقرر لك أن الحق ما قدمنا لك من أن تلك الحالة التي وقعت للمؤتم وهي إدراك إمامه مشارفاً للركوع أو ركعاً أو بعد الركوع مخصصة من أدلة إيجاب قراءة الفاتحة على كل مصل.
ومما يؤيد ما ذكرنا الحديث الوارد "من أدرك الإمام ساجداً فليسجد معه ولا يعد ذلك شيئاً" فإن هذا يدل على أن من أدركه راكعاً يعتد بتلك الركعة، وهذا الحديث ينبغي أن يجعل لاحقاً بتلك الثلاثة الأمور التي ذكرناها فيكون رابعاً لها في الاستدلال به على المطلوب، وفي كون من لم يدخل مع الإمام ويعتد بذلك يصدق عليه أنه قد خالف ما يدل عليه هذا الحديث. وفي هذا المقدار الذي ذكرنا كفاية، فاشدد بذلك ودع عنك ما قد وقع في هذا المبحث من الخبط والخلط والتردد والتشكك والوسوسة. والله سبحانه وتعالى أعلم. انتهى كلام الشوكاني بلفظه وحروفه من الفتح الرباني.
قال شيخنا العلامة حسين بن محسن الأنصاري: وقد كتب في هذه في فتاواه أربعة سؤالات، وقد أجاب عنها، وهذا آخرها، وهو الذي ارتضاه كما تراه، واسم الفتاوى الفتح الرباني في فتاوى الإمام محمد بن علي الشوكاني سماه بذلك ولده العلامة شيخنا أحمد بن

(3/112)


__________
محمد بن علي الشوكاني حرره الفقير إلى الله تعالى حسين بن محسن الخزرجي السعدي. انتهى. وقد أطال الكلام في غاية المقصود، وهذا ملتقط منه، والله أعلم.
"فقد أدرك الصلاة" : قال ابن رسلان: المراد بالصلاة هنا الركعة، أي ضحت له تلك الركعة وحصل له فضيلتها. انتهى.
قلت: إذا أريد بالركعة معناها المجازي، أي الركوع، فإرادة الركعة بالصلاة ظاهر، وأما إذا أريد بالركعة معناها الحقيقي فلا. وقيل ثواب الجماعة. قال ابن الملك: وقيل المراد صلاة الجمعة وإلا فغيرها يحصل ثواب الجماعة فيه بإدراك جزء من الصلاة. قال الطيبي: ومذهب مالك أنه لا يحصل فضيلة الجماعة إلا بإدراك ركعة تامة، سواء في الجمعة وغيرها. كذا في المرقاة.

(3/113)


154- باب أعضاء السجود
885- حدثنا مُسَدّدٌ وَسُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قالا أخبرنا حَمّادُ بنُ زَيدٍ عن عَمْرِو بنِ دِينَارٍ عن طَاوُسَ عن ابنِ عَبّاسٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "أُمِرْتُ - قال حَمّادٌ - أُمِرَ نَبِيّكُم صلى الله عليه وسلم أنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةٍ ولا يَكُفّ شَعْراً ولا ثَوْباً".
__________
باب أعضاء السجود
"أُمر" : قال الحافظ هو بضم الهمزة في جميع الروايات على البناء لما لم يسم فاعله وهو الله جل جلاله. قال البيضاوي: عرف ذلك بالعرف وذلك يقتضي الوجوب. قيل: وفيه نظر لأنه ليس فيه صيغة افعل. انتهى. وتعقب عليه الشوكاني حيث قال لفظ أمر أدل على المطلوب من صيغة افعل كما تقرر في الأصول انتهى. وفي رواية للبخاري من طريق شعبة عن عمرو بن دينار عن طاؤس عن ابن عباس بلفظ أمرنا "على سبعة" : أي على سبعة أعضاء ويجيء بيانها "ولا يكف شعراً ولا ثوباً" : هو إما بمعنى المنع، أي لا يمنعهما من الاسترسال حال السجود ليقعا على الأرض أو بمعنى الجمع، أي لا يجمع ثوبه ولا شعره، وظاهره يقتضي أن النهي عنه في حال الصلاة، وإليه جنح الداوودي، ورده عياض بأنه خلاف ما عليه الجمهور، فإنهم كرهوا ذلك للمصلي سواء فعله في الصلاة أو قبل أن يدخل فيها. قال الحافظ: واتفقوا على أنه لا يفسد الصلاة، لكن حكى ابن المنذر عن الحسن وجوب الإعادة. قيل: والحكمة في ذلك أنه إذا رفع ثوبه وشعره عن مباشرة الأرض أشبه المتكبر. انتهى. وقال النووي: اتفق العلماء على النهي عن الصلاة وثوبه مشمر أو كمه أو نحوه أو رأسه معقوص أو مردود شعره تحت عمامته أو

(3/113)


886 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنْبأنَا شُعْبَةُ عن عَمْرِو بنِ دِينَارٍ عن طَاوُسَ عن ابنِ عَبّاسٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "أُمِرْتُ - وَرُبّمَا قال - أُمِرَ نَبِيّكُمْ أنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ آرَابٍ".
887 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا بَكْرٌ - يَعْني ابنَ مُضَرَ - عن ابنِ الْهادِ
__________
نحو ذلك، فكل هذا منهي عنه باتفاق العلماء وهو كراهة تنزيه، فلو صلى كذلك فقد أساء وصحت صلاته. ثم مذهب الجمهور أن النهي مطلقاً لمن صلي كذلك سواء تعمده للصلاة أم كان قبلها كذلك، لا لها بل لمعنى آخر وهو المختار الصحيح وهو الظاهر المنقول عن الصحابة وغيرهم. انتهى ملخصاً.
"أُمر نبيكم أن يسجد على سبعة آراب" : بالمد جمع إرب بكسر أوله وإسكان ثانية وهو العضو. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه. انتهى. قال الزيلعي: وأخطأ المنذري إذا عزا في مختصره هذا الحديث للبخاري ومسلم وليس فيهما لفظ الآراب أصلاً.
"وجهه" : بالرفع بيان لسبعة آراب، والمراد بالوجه ههنا الجبهة والأنف كما في رواية عند مسلم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أمرت أن أسجد على سبع ولا أكفت الشعر ولا الثياب الجبهة والأنف واليدين" الحديث وفي رواية للبخاري "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم على الجبهة، وأشار بيده على أنفه" الحديث. قال الحافظ: كأنه ضمن أشار معنى أمرّ بتشديد الراء، فلذلك عداه بعلى دون إلى، ووقع في العمدة بلفظ إلى، وهي في بعض النسخ من رواية كريمة، وعند النسائي من طريق سفيان بن عيينة عن ابن طاؤس فذكر هذا الحديث وقال في آخره قال ابن طاؤس "ووضع يده على جبهته وأمرها على أنفه وقال هذا واحد" فهذه رواية مفسرة. انتهى.
واعلم أنه ذهب الأوزاعي وأحمد وإسحاق وغيرهم إلى وجوب السجود على الجبهة والأنف جميعاً وهو قول للشافعي، وذهب الجمهور إلى أنه يجب السجود على الجبهة دون الأنف، قال الإمام أبو حنيفة: إنه يجزىء السجود على الأنف وحدها. وقد نقل ابن المنذر إجماع الصحابة على أنه لا يجزىء السجود على الأنف وحده. واستدل الطائفة الأولى برواية مسلم المذكورة عن ابن عباس ولأنه جعلهما كعضو واحد، ولو كان كل واحد منهما عضواً مستقلاً للزم أن تكون الأعضاء ثمانية وتعقب بأنه يلزم منه أن يكتفي بالسجود على الأنف وحدها والجبهة وحدها، لأن كل واحد منهما بعض العضو، وهو يكفي كما في غيره من الأعضاء.

(3/114)


[الهادي]عن مُحَمّدِ بنِ إبْرَاهِيمَ عن عَامِرٍ بنِ سَعْدٍ عن الْعَبّاسِ بنِ عَبْدِ المُطّلِبِ أنّهُ سَمِعَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: "إذَا سَجَدَ الْعَبْدُ سَجَدَ مَعَهُ سَبْعَةُ آرَابٍ وَجْهُهُ وَكَفّاهُ وَرُكْبَتَاهُ وَقَدَمَاهُ".
888 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا إسْمَاعِيلُ - يَعْني ابنَ إبْرَاهِيمَ - عن أيّوبَ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ رَفَعَهُ قال: "أنّ الْيَدَيْنِ تَسْجُدَانِ كما يَسْجُدُ الْوَجْهُ، وَإذَا وَضَعَ أحَدُكُم وَجْهَهُ فَلْيَضَعْ يَدَيْهِ، وَإذَا رَفَعَهُ فَلْيَرْفَعْهُمَا".
__________
وأنت خبير بأن المشي على الحقيقة هو المتحتم، ولا شك أن الجبهة والأنف حقيقة في المجموع وبحديث أبي سعيد الخدري الذي يأتي في باب السجود على الأنف والجبهة. واحتج الجمهور برواية البخاري: "أُمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يسجد على سبعة أعضاء ولا يكف شعراً ولا ثوباً الجبهة واليدين والركبتين والرجلين" وتمسك الإمام أبو حنيفة برواية البخاري المذكورة بلفظ: "أُمرت أن أسجد على سبعة أعظم، على الجبهة، وأشار بيده على أنفه" الحديث، لأنه ذكر الجبهة وأشار إلى الأنف فدل على أنه المراد. والأقرب إلى الصواب ما ذهب إليه الأولون، والله تعالى أعلم "وقدماه" : أي أطراف قدميه. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه. انتهى.
واعلم أن حديث العباس هذا عزاه جماعه إلى مسلم، منهم أصحاب الأطراف والحميدي في الجمع بين الصحيحين والبيهقي في سننه وابن الجوزي في جامع المسانيد وفي التحقيق، ولم يذكره عبد الحق في الجمع بين الصحيحين. ولم يذكر القاضي عياض لفظة الآراب في مشارق الأنوار الذي وضعه على ألفاظ البخاري ومسلم والموطأ، وأنكره في شرح مسلم فقال قال المازري قوله عليه السلام سجد معه سبعة آراب . قال الهروي: الآراب الأعضاء واحدها إرب. قال القاضي عياض وهذا اللفظ لم يقع عند شيوخنا في مسلم ولا هي في النسخ التي رأينا، والتي في كتاب مسلم سبعة أعظم. انتهى. قال الزيلعي: والذي يظهر والله أعلم أن أحدهم سبق بالوهم فتبعه الباقون وهو محل اشتباه.
"إن اليدين تسجدان" : المراد باليدين الكفان لئلا يدخل تحت المنهي عنه من افتراش السبع والكلب. قال المنذري: وأخرجه النسائي.

(3/115)


155 - باب السجود على الأنف والجبهة
889 - حدثنا ابنُ المُثَنّى أخبرنا صَفْوَانُ بنُ عِيسَى أخبرنا مَعْمَرٌ عن يَحْيَى بنِ أبي كَثِيرٍ عن أبي سَلَمَةَ عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ: أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رُؤِيَ عَلَى جَبْهَتِهِ وَعَلَى أرْنَبَتِهِ أثَرُ طِينٍ مِنْ صَلاَةٍ صَلاّها بالنّاسِ .
890 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ يَحْيَى أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ عن مَعْمَرٍ نَحْوَهُ.
__________
باب السجود على الأنف والجبهة
"وعلى أرنبته" : بفتح همزة ونون وموحدة وسكون راء: طرف الأنف "أثر طين" : أي وماء كما في رواية البخاري "من صلاة صلاها بالناس" : أي في ليلة القدر. قال الخطابي: وهو دال على وجوب السجود عليهما ولولا ذلك لصانهما عن لوث الطين. قال الحافظ: وفيه نظر وقد تقدم في الاختلاف في أن وجوب السجود هل هو على الجبهة وحدها أو على الأنف وحدها أو على الجبهة والأنف جميعاً، ولا خلاف أن السجود على مجموع الجبهة والأنف مستحب. وقد أخرج أحمد من حديث وائل قال "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد على الأرض واضعاً جبهته وأنفه في سجوده" . وأخرج الدارقطني من طريق عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة لمن لا يصيب أنفه من الأرض ما يصيب الجبين" . قال الدارقطني: الصواب عن عكرمة عن ابن عباس قال: "إذا سجد أحدكم فليضع أنفه على الأرض فإنكم قد أمرتم بذلك" كذا في النيل. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم بنحوه أتم منه.

(3/116)


156 - باب صفة[كيف] السجود
891 - حدثنا الرّبِيعُ بنُ نَافِعٍ أبُو تَوْبَةَ أخبرنا شَرِيكٌ عن أبي إسْحَاقَ قال: وَصَفَ لَنَا الْبَرَاءُ بنُ عَازِبٍ فَوَضَعَ يَدَيْهِ وَاعْتَمَدَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَرَفَعَ عجيزَتَهُ وقال: هكَذَا كَانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَسْجُدُ.
__________
باب صفة السجود
"ورفع عجيزته" : هي العجز للمرأة فاستعارها للرجل. قال المنذري: وأخرجه النسائي.

(3/116)


892 - حدثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ أخبرنا شُعْبَةُ عن قَتَادَةَ عن أنَسٍ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "اعْتَدِلُوا في السّجُودِ ولا يَفْتَرِشُ أحَدُكُم ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشِ الْكَلْبِ".
893 - حدثنا قُتَيْبَةُ أخبرنا سُفْيَانُ عن عبيد الله بنِ عبد الله عن عَمّهِ يَزِيدَ بنِ الأصَمّ عن مَيْمُونَةَ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إذَا سَجَدَ جَافَى بَيْنَ يَدَيْهِ حَتّى لَوْ أنّ بَهْمَةً أرَادَتْ أنْ تَمُرّ تَحْتَ يَدَيْهِ مَرّتْ .
894 - حدثنا عبد الله بنُ مُحَمّدٍ النّفَيْلِيّ أخبرنا زُهَيْرٌ أخبرنا أبُو إسْحَاقَ عن التّمِيمِيّ الّذِي يُحَدّثُ بالتّفْسِيرِ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: أتَيْتُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم مِنْ خَلْفِهِ فَرَأيْتُ بَيَاضَ إبْطَيْهِ وَهُوَ مُجَخّ قَدْ فَرّجَ يَدَيْهِ.
__________
"اعتدلوا في السجود" : أي توسطوا بين الافتراش والقبض وبوضع الكفين على الأرض ورفع المرفقين عنها وعن الجنبين والبطن عن الفخذ إذ هو أشبه بالتواضع وأبلغ في تمكين الجبهة وأبعد من الكسالة كذا في المجمع. قال ابن دقيق العيد: لعل المراد بالاعتدال هنا وضع هيئة السجود على وفق الأمر لأن الاعتدال الحسي المطلوب في الركوع لا يتأتي هنا فإنه هناك استواء الظهر والعنق والمطلوب هنا ارتفاع الأسافل على الأعالي، قال وقد ذكر الحكم هنا مقروناً بعلته فإن التشبه بالأشياء الخسيسة يناسب تركة في الصلاة انتهى. قال الحافظ: والهيئة المنهي عنها أيضاً مشعرة بالتهاون وقلة الاعتناء بالصلاة "وافتراش الكلب" : بالنصب أي كافتراش الكلب أي لا يجعل ذراعيه على الأرض كالفراش والبساط كما يجعلهما الكلب. قال القرطبي: لا شك في كراهة هذه الهيئة ولا في استحباب نقيضها. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه بنحوه.
"جافي" : أي أبعد وفرق "بين يديه" : أي وما يحاذيهما "أن بهمة" : بفتح الباء وسكون الهاء ولد الضأن أكبر من السخلة. قاله ابن الملك. وفي القاموس البهمة أولاد الضأن والمعز. قال أبو عبيد وغيره من أهل اللغة: البهمة واحدة البهمة وهي أولاد الغنم من الذكور والإناث وجمع البهمة بهام بكسر الباء. وقال الجوهري: البهمة من أولاد الضأن خاصة ويطلق على الذكر والأنثى قال والسخال أولاد المعز "مرت" : جواب لو. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه.
"عن التميمي": اسمه أربدة بسكون الراء بعدها موحدة مكسورة ويقال أربد المفسر صدوق عن ابن عباس، وعنه أبو إسحاق السبيعي والمنهال بن عمرو "فرأيت بياض إبطيه" : فيه

(3/117)


895 - حدثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ أخبرنا عَبّادُ بنُ رَاشِدٍ أخبرنا الْحَسَنُ أخبرنا أحْمَرُ بنُ جَزْ، صَاحِبُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ إذَا سَجَدَ جَافَى عَضُدَيْهِ عن جَنْبَيْهِ حَتّى نَأْوِيَ لَهُ.
896 - حدثنا عَبْدُ المَلِكِ بنُ شُعَيْبِ بنِ اللّيْثِ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ أخبرنا اللّيْثُ عن دَرّاجٍ عن ابنِ حُجَيْرَةَ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "إذَا سَجَدَ أحَدُكُم فَلاَ يَفْتَرِشْ يَدَيْهِ افْتِرَاشَ الْكَلْبِ وَلْيَضُمّ فَخِذَيْهِ".
__________
دليل على أنه لم يكن عليه قميص لانكشاف إبطيه وتعقب باحتمال أن يكون القميص واسع الأكمام، وقد روى الترمذي في الشمائل عن أم قالت: كان أحب الثياب إلى النبي صلى الله عليه وسلم القميص أو أراد الراوي أن موضع بياضهما لو لم يكن عليه ثوب لرئي قاله القرطبي. واستدل به على أن إبطيه صلى الله عليه وسلم لم يكن عليهما شعر، وفيه نظر، فقد حكي المحب الطبري في الاستسقاء من الأحكام له أن من خصائصه صلى الله عليه وسلم أن الإبط من جميع الناس متغير اللون غيره كذا في فتح الباري "وهو مجخ" : بضم الميم وفتح الجيم وآخره خاء مشددة منونة بالكسر وهو منقوص اسم فاعل من جخ يجخي فهو مجخ فهو مجخ قال الخطابي يريد أنه رفع مؤخره ومال قليلاً هكذا تفسيره. وقال في النهاية أي فتح عضديه وجافاهما عن جنبيه ورفع مؤخره ومال قليلاً هكذا تفسيره. وقال في النهاية أي فتح عضدية وجافاهما عن جنبيه ورفع بطنه على الأرض "قد فرج يديه" : من التفريج أي نحي كل يد عن الجنب الذي يليلها.
"أحمر بن جزء": بفتح الجيم بعدها زاي ساكنه ثم همز صحابي تفرد الحسن بالرواية عنه كذا في التقريب "حتى نأوي له" : آوى يأوي من باب ضرب إذا رق وترحم أي حتى نترحم له لما نراه في شدة وتعب بسبب المبالغة في المجافاة وقلة الاعتماد. قال المنذري وأخرجه ابن ماجه وقيل أنه لم يرو عنه غير الحسن ولم يرو عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا هذا وكنيته أبو جزيء.
"عن ابن حجيرة": بضم الحاء المهملة وفتح الجيم اسمه عبد الرحمن أبو عبد الله الخولاني قاضي مصر وثقه النسائي "وليضم فخذيه" : فيه أن المصلى يضم فخذيه في السجود لكنه معارض بحديث أبي حميد في صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إذا سجد فرج بين فخذيه غير حامل بطنه على شيء من فخذيه" رواه المؤلف. وقوله فرج بين فخذيه أي فرق بينهما. قال الشوكاني حديث أبي حميد هذا: والحديث يدل على مشروعية التفريج بين الفخذين في السجود ورفع البطن عنهما ولا خلاف في ذلك انتهى. وأحاديث الباب تدل على أن للمصلى أن يفرج بين يديه في السجود ويباعدهما عن جبينه ولا يفترشهما على الأرض. قال القرطبي: الحكمة في استحباب هذه الهيئة في السجود إنه يخف بها اعتماده عن وجهه ولا يتأثر

(3/118)


__________
أنفه ولا جبهته ولا يتأذى بملاقاة الأرض. وقال غيره هو أشبه بالتواضع وأبلغ في تمكين الجبهة والأنف من الأرض مع مغايرته لهيئة الكسلان. وقال ناصر الدين ابن المنير في الحاشية: الحكمة فيه أن يظهر كل عضو بنفسه ويتميز حتى يكون الانسان الواحد في سجوده كأنه عدد، ومقتضى هذا أن يستقل كل عضو بنفسه ولا يعتمد بعض الأعضاء على بعض في سجوده، وهذا ضد ما ورد في الصفوف من التصاق بعضهم ببعض لأن المقصود هناك إظهار الاتحاد بين المصلين حتى كأنهم جسد واحد. كذا ذكره الحافظ في الفتح وظاهر الأحاديث يدل على وجوب التفريج المذكور، لكن حديث أبي هريرة الآتي في باب الرخصة في ذلك يدل على أنه للاستحباب.

(3/119)


157 - باب الرخصة في ذلك للضرورة
897 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا اللّيْثُ عن ابنِ عَجْلاَنَ عن سُمَيّ عن أبي صَالحٍ عن أبي هُرَيْرَةَ قال: اشْتَكَى أصْحَابُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم مَشَقّةَ السّجُودِ عَلَيْهِمْ إذَا انْفَرَجُوا فقال: "اسْتَعِينُوا بالرّكَبِ".
__________
باب الرخصة في ذلك للضرورة
أي في ترك التفريج.
"إذا انفرجوا" : أي باعدوا اليدين عن الجنبين "فقال استعينوا بالركب" : قال ابن عجلان: وذلك أن يضع مرفقيه على ركبتيه إذا طال السجود واعياً ذكره الحافظ وقال: قد أخرج الترمذي هذا الحديث، ولم يقع في روايته إذا انفرجوا، فترجم له ما جاء في الاعتماد إذا قام من السجود، فجعل محل الاستعانة بالركب لمن يرفع من السجود طالباً للقيام واللفظ محتمل ما قال، لكن الزيادة التي أخرجها أبو داوود تعين المراد. انتهى. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وذكر أنه لا يعرفه من هذه الطريق إلا من هذا الوجه مرسلا وذكر أنه روى من غير هذا الوجه مرسلاً وكأنه أصح.

(3/119)


158- باب التخصر والإقعاء
898 - حدثنا هَنّادُ بنُ السّرِيّ عن وَكِيعٍ عن سَعِيدٍ بنِ زِيَادٍ عن زِيادِ بنِ صُبَيْحٍ
__________
باب التخصر والإقعاء
"زياد بن صبيح": مصغر وقيل بالفتح، وثقه النسائي "فوضعت يدي على خاصرتي"

(3/119)


159-باب البكاء في الصلاة
899 - حدثنا عبد الرحمن بنُ مُحَمّدِ بنِ سَلاّمٍ أخبرنا يَزِيدُ - يَعْني ابنَ هَارُونَ، أخبرنا حَمّادٌ - يَعْني ابنَ سَلَمَةَ - عن ثَابِتٍ عن مُطَرّفٍ عن أبِيهِ قال: رَأيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يُصَلّي وفي صَدْرِهِ أزِيزٌ كأزِيزِ الرّحَى[المرجل] مِنَ الْبُكَاءِ صلى الله عليه وسلم .
__________
باب البكاء في الصلاة
"وفي صدره أزيز" : بفتح الألف بعدها زاي مكسورة ثم تحتانية ساكنة ثم زاي أيضاً، أي صوت "كأزيز الرحي" : يعني الطاحون. قال الخطابي: أزيز الرحي صوتها وحرحرتها "من البكاء" : أي من أجله. قال ابن حجر المكي في شرح الشمائل: هو بالقصر خروج الدمع مع الحزن، وبالمد خروجه مع رفع الصوت. انتهى. وروى النسائي هذا الحديث بلفظ "وفي صدره أزيز كأزيز المرجل" وهو بكسر الميم وسكون الراء وفتح الجيم قدر من نحاس وقد يطلق على قدر يطبخ فيها ولعله المراد في الحديث. قال الطيبي: أزيز المرجل صوت غليانه ومنه الأز وهو الإزعاج.
قلت: ومنه قوله تعالى {تَؤُزُّهُمْ أَزّاً} وقيل المرحل القدر من حديد أو حجر أو خزف لأنه إذا نصب كأنه أقيم على الرجل قاله في المرقاة. وفي الحديث دليل على أن البكاء لا يبطل الصلاة سواء ظهر منه حرفان أم لا، وقد قيل: إن كان البكاء من خشية الله لم يبطل وهذا الحديث يدل عليه ويدل عليه أيضاً ما رواه ابن حبان بسنده إلى علي بن أبي طالب قال "ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد بن الأسود ولقد رأيتنا وما فينا قائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح" وبوب عليه ذكر الإباحة للمرء أن يبكي من خشية الله. واستدل على جواز البكاء في الصلاة بقوله تعالى {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً} قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي.

(3/121)


160 - باب كراهية الوسوسة وحديث النفس في الصلاة
900 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ مُحَمّدِ بنِ حَنْبَلٍ أخبرنا عَبْدُ المَلِكِ بنِ عَمْرٍو أخبرنا هِشَامٌ - يَعْني ابنَ سَعْدٍ - عن زَيْدٍ بنِ أسْلَمَ عن عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ عن زَيْدِ بنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيّ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ تَوَضّأَ فأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمّ صَلّى رَكْعَتَيْنِ لا يَسْهُو فِيهِمَا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" .
901 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا زَيْدُ بنُ الْحُبَابِ أخبرنا مُعَاوِيَةُ بنُ صَالحٍ عن رَبِيعَةَ بنِ يَزِيدَ عن أبي إدْرِيسَ الْخَوْلاَنِيّ عن جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ الْحَضْرَمِيّ عن عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيّ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَا مِنْ أحَدٍ يَتَوَضّأُ فَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ وَيُصَلّي رَكْعَتَيْنِ يُقْبِلُ بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ عَلَيْهِمَا إلاّ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنّةُ".
__________
باب كراهية الوسوسة وحديث النفس في الصلاة
"فأحسن وضوءه" : أي أئمه بآدابه "لا يسهو فيهما" : أي لا يغفل فيهما قال الطيبي: أي يكون حاضر القلب أو يعبد الله كأنه يراه. كذا في المرقاة قلت: روى مسلم عن حمران مولى عثمان، أنه رأى عثمان دعا بإناء فأفرغ على كفيه ثلاث مرات الحديث. وفيه ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه" فلو أريد بقوله لا يسهو فيهما أي لا يحدث فيهما نفسه لكان أولي. والأحاديث يفسر بعضها بعضاً، وحينئذ يظهر مطابقة الحديث أتم ظهور.قال النووي: المراد بقوله لا يحدث فيهما نفسه أي لا يحدث بشيء من أمور الدنيا وما لا يتعلق بالصلاة، ولو عرض له حديث فأعرض عنه لمجرد عروضه عفى عنه ذلك وحصلت له هذه الفضيلة إن شاء الله تعالى لأن هذا ليس من فعله وقد عفى لهذه الأمة عن الخواطر التي تعرض ولا تستقر. وهذا موضع الترجمة "غفر له ما تقدم من ذنبه" : قيد بالصغائر وإن كان ظاهره شمول الكبائر.
"فيحسن الوضوء" : من الإحسان "يقبل" : من الإقبال وهو خلاف الإدبار أي يتوجه، وفي رواية مسلم مقبل "بقلبه ووجهه" : أراد بوجهه ذاته أي يقبل على الركعتين بظاهره وباطنه. قال النووي: وقد جمع صلى الله عليه وسلم بهاتين اللفظتين أنواع الخضوع والخشوع لأن الخضوع في الأعضاء والخشوع بالقلب، وقد تقدم الحديث في كتاب

(3/122)


161 - باب الفتح على الإمام في الصلاة
902 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ الْعَلاَءِ وَسُلَيْمَانُ بنُ عبد الرحمن الدّمَشْقِيّ قالا أخبرنا مَرْوَانُ بنُ مُعَاوِيَةَ عن يَحْيَى الْكَاهِلِيّ عن المُسَوّرِ بنِ يَزِيدَ المَالِكِيّ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم - قال يَحْيَى - وَرُبّمَا قال: شَهِدْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ في الصّلاَةِ فَتَرَكَ شِيْئاً لَمْ يَقْرَأْهُ، فقال لَهُ رَجُلٌ: يا رسولَ الله تَرَكْتَ آيَةَ كَذَا وَكَذَا، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "هَلاّ أذْكَرْتَنِيهَا [ذَكّرْتَنِيهَا]؟".
قال سُلَيْمَانُ في حَدِيثِهِ قال: كُنْتُ أُرَاهَا نُسِخَتْ. وقال سُلَيْمَانُ قال أخبرنا يَحْيَى بنُ كَثِيرٍ الأسَدِيّ قال حدثني المُسَوّرُ بنُ يَزِيدَ الأسَدِيّ المَالِكِيّ.
903 - حدثنا يَزِيدُ بنُ مُحَمّدٍ الدّمَشْقِيّ أخبرنا هِشَامُ بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ شُعَيْبٍ أنْبأنَا عبد الله بنُ الْعَلاَءِ بنِ زَبْرٍ عن سَالِمِ بنِ عبد الله عن عبد الله بنِ عُمَرَ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم صَلّى صَلاَةً فَقَرَأَ فيها فَلُبِسَ عَلَيْهِ فَلَمّا انْصَرَفَ قال
__________
باب الفتح على الإمام في الصلاة
"عن المسور بن يزيد المالكي": بضم الميم وفتح السين المهملة وتشديد الواو وفتحها هو الأسدي المالكي. قال أبو بكر الخطيب: يروي عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث واحد هذا آخر كلامه. والمالكي هذا نسبة إلى بطن من بني أسد بن خزيمة. وفي الرواة المالكي نسبة إلى قبائل عدة، والمالكي إلى الجد والمالكي إلى المذهب والمالكي إلى القرية المشهورة على الفرات يقال لها المالكية، وذكره ابن أبي حاتم وأبو عمر النمري وغيرهما في باب من اسمه مسور بكسر الميم وسكون السين والذي قيده الحفاظ فيه ما ذكرنا. قاله المنذري. "وربما قال" : أي المسور بن يزيد "أذكرتنيها" : أي الآية التي تركتها "قال سليمان في حديثه": أي بعد قوله هلا أذكرتنيها "قال": أي الرجل "كنت أُراها": بضم الهمزة أي كنت أظن أن الآية التي تركتها نسخت فلذلك لم نقرأها. وفي رواية ابن حبان فقال: ظنت أنها قد نسخت قال فإنها لم تنسخ "وقال سليمان قال أخبرنا يحيى بن كثير": أي بلفظ التحديث ونسبه إلى أبيه، وأما محمد بن العلاء فقال عن يحيى الكاهلي بلفظ عن ولم يسبه إلى أبيه.
"فلبس عليه" : قال ابن رسلان بفتح اللام والباء الموحدة المخففة، أي التبس واختلط عليه، قال ومنه قوله تعالى {وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ} قال وفي بعض النسخ بضم اللام

(3/123)


لأِبَيَ: "أصَلّيْتَ مَعَنَا؟" قال: نَعَمْ. قال: "فمَا مَنَعَكَ".
__________
وتشديد الموحدة المكسورة. قال المنذري: لبس بالتخفيف أي مع ضم اللام وكسر الموحدة "فلما انصرف" : أي فرغ من الصلاة "قال لأبي" : أي ابن كعب "أصليت معنا" : بهمزة الاستفهام "قال فما منعك" : قال الخطابي: معقول أنه أراد به ما منعك أن تفتح على إذا رأيتني قد لبس علي انتهى ولفظ ابن حبان "فالتبس عليه فلما فرغ قال لأبي: أشهدت معنا؟ قال نعم. قال: فما منعك أن تفتح علي" والحديثان يدلان على مشروعية الفتح على الإمام، وتقييد الفتح بأن يكون على إمام لم يؤد الواجب من القراءة وبآخر ركعة، مما لا دليل عليه، وكذا تقييده بأن يكون في القراءة الجهرية والأدلة قد دلت على مشروعية الفتح مطلقاً، فعند نسيان الإمام الآية في القراءة الجهرية يكون الفتح عليه بتذكيره تلك الآية كما في حديث الباب، وعند نسيانه لغيرها من الأركان يكون الفتح بالتسبيح للرجال والتصفيق للنساء. قاله في النيل.

(3/124)


162- باب النهي عن التلقين
904 - حدثنا عَبْدُ الوَهّابِ بنُ نَجْدَةَ حدثنا مُحَمّدُ بنُ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيّ عن يُونُسَ بنِ أبي إسْحَاقَ عن أبي إسْحَاقَ عن الْحَارِثِ عن عَلِيّ رَضيَ الله عَنْهُ قال قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يَا عَلِيّ لا تَفْتَحْ عَلَى الإمَامِ في الصّلاَةِ".
قَالَ أبُو دَاوُدَ: أبُو إسْحَاقَ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الْحَارِثِ إلاّ أرْبَعَةَ أحَادِيثَ لَيْسَ هَذَا مِنْهَا.
__________
باب النهي عن التلقين
المراد من التلقين علي الإمام "عن أبي إسحاق": هو عمرو بن عبيد الله السبيعي أحد ثقات التابعين "عن الحارث": هو أبو زهير الحارث بن عبد الله الكوفي الأعور. قال المنذري: قال غير واحد من الأئمة إنه كذاب "يا علي لا تفتح على الإمام في الصلاة" : احتج بهذا الحديث من قال بكراهة الفتح على الإمام في الصلاة لكنه ضعيف لا ينتهض لمعارضة الأحاديث القاضية بمشروعية الفتح. قال الخطابي: إسناد حديث أبي جيد وحديث على هذا من رواية الحارث وفيه مقال "ليس هذا": أي حديث على "منها": أي من تلك الأحاديث الأربعة فحديث على هذا منقطع، قال الإمام أبو سليمان الخطابي: وقد روى عن على نفسه أنه قال "إذا استطعمكم الإمام فأطعموه" من طريق أبي عبد الرحمن السلمي، يريد أنه إذا تعايا في

(3/124)


__________
القراءة فلقنوه انتهى. قلت: وقد صحح الحافظ في التلخيص أثر علي هذا.
وأعلم أنه اختلف الناس في هذه المسألة فروى عن عثمان بن عفان وابن عمر أنهما كانا لا يريان به بأساً، وهو قول عطاء والحسن وابن سيرين وبه قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، وروى عن ابن مسعود الكراهية في ذلك، وكرهه الشعبي، وكان سفيان الثوري يكرهه. وقال أبو حنيفة:إذا استفتحه الإمام ففتحه عليه فأن هذا كلام في الصلاة بلا شك وهذا غير صحيح، كذا قال الإمام أبو سليمان الخطابي في معالم السنن.

(3/125)


163 - باب الالتفات في الصلاة
905 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالحٍ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني يُونُسُ عن ابنِ شِهَابٍ قال سَمِعْتُ أبَا الأحْوَصِ يُحَدّثُنَا في مَجْلِسِ سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ قال قال أبُو ذَرّ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا يَزَالُ الله عز وجل مُقْبِلاً عَلَى الْعَبْدِ وَهُوَ في صَلاَتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، فإذَا الْتَفَتَ انْصَرَفَ عَنْهُ" .
906 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا أبُو الأحْوَصِ عن الأشْعَثِ - يَعْني ابنَ سُلَيْمٍ - عن أبِيهِ عن مَسْرُوقٍ عن عَائِشَةَ قالت: سَألْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن الْتِفَاتِ الرّجُلِ في الصّلاَةِ، فقال: "إنّمَا هُوَ اخْتِلاَسٌ يَخْتَلِسُهُ الشّيْطانُ مِنْ صَلاَةِ الْعَبْدِ" .
__________
باب الالتفات في الصلاة
"مقبلاً على العبد" : أي ناظراً إليه الرحمة وإعطاء المثوبة "وهو في صلاته" : والمعنى لم ينقطع أثر الرحمة عنه "ما لم يلتفت" : أي بالعنق "فإذا التفت انصرف عنه" : أي أعرض عنه. قال ابن الملك: المراد منه قلة الثواب. قال المنذري: وأخرجه النسائي. وأبو الأحوص هذا لا يعرف له اسم هو مولى بني ليس وقيل مولى بني غفار ولم يرو عنه غير الزهري قال يحيى ابن معين: ليس هو بشيء وقال أبو أحمد الكرابيسي ليس بالمتين عندهم. انتهى. والحديث يدل على كراهة الالتفات في الصلاة وهو إجماع لكن الجمهور على أنها للتنزيه. وقال المتولي يحرم إلا للضرورة وهو قول أهل الظاهر. قال الحافظ: المراد بالالتفات ما لم يستدبر القبلة بصدره أو عنقه كله، وسبب كراهة الالتفات يحتمل أن يكون لنقص الخشوع أو لترك استقبال القبلة ببعض البدن. انتهى.
"هو اختلاس" : أي اختطاف بسرعة، ووقع في النهاية: والاختلاس افتعال من الخلسة وهي ما يؤخذ سلباً مكابرة، وفيه نظر. وقال غيره: المختلس الذي يخطف من غير غلبة ويهرب

(3/125)


__________
ولو مع معاينة المالك له، والناهب يأخذ بقوة والسارق يأخذ في خفية، فلما كان الشيطان قد يشغل المصلى عن صلاته بالالتفات إلى شيء ما بغير حجة يقيمها أشبه المختلس. وقال ابن بزيزة: أضيف إلى الشيطان لأن فيه انقطاعاً من ملاحظة التوجه إلى الحق سبحانه. وقال الطيبي: سمي اختلاساً تصوير القبح تلك الفعلة بالمختلس لأن المصلي يقبل عليه الرب سبحانه وتعالى، والشيطان مرتصد له ينتظر فوات ذلك عليه فإذا التفت اغتنم الشيطان الفرصة فسلبه تلك الحالة. قيل الحكمة في جعل السجود جابر للمشكوك فيه دون الالتفات وغيره مما ينقص الخشوع لأن السهو لا يؤاخذ به المكلف فشرع له الجبر دون العمد ليتيقظ العبد له فيجتنبه. كذا في الفتح. قال المنذري: وأخرجه البخاري والنسائي.

(3/126)


164 - باب السجود على الأنف
907 - حدثنا مُؤَمّلُ بنُ الْفَضْلِ أخبرنا عِيسَى عن مَعْمَرٍ عن يَحْيَى بنِ أبي كَثِيرٍ عن أبي سَلمَةَ عن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيّ: أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رُؤِيَ عَلَى جَبْهَتِهِ وَعَلَى أرْنَبَتِهِ أثَرُ طِينٍ مِنْ صَلاةٍ صلاّها بالنّاسِ.
قال أبُو عَلِيّ: هذا الحديثُ لَمْ يَقْرَأْهُ أبُو دَاوُدَ في الْعَرْضَةِ الرّابِعَةِ.
__________
باب السجود على الأنف
أورد فيه حديث أبي سعيد الخدري وقد تقدم الكلام عليه ولا حجة فيه لمن استدل به على جواز الاكتفاء بالأنف لأن في سياقه أنه سجد على جبهته وأرنبته.
"أبو علي": هو الإمام الحافظ محمد بن أحمد بن عمر اللؤلؤي البصري راوي هذه النسخة عن المؤلف أبي داوود "لم يقرأ أبو داوود في العرضة الرابعة": أي لما حدث وقرأ أبو داوود هذا الكتاب في المرة الرابعة لم يقرأ هذا الحديث.

(3/126)


165- باب النظر في الصلاة
908 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا أبُو مُعَاوِيَةَ ح. وأخبرنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا جَرِيرُ وهذا حَدِيثُهُ وَهُوَ أتَمّ - عن الأعمش عن المُسَيّبِ بنِ رَافِعٍ عن تَمِيمِ بنِ طَرَفَةَ
__________
باب النظر في الصلاة
"وهذا حديثه": أي حديث عثمان "وهو أتم": أي من حديث مسدد "قال عثمان": أي زاد

(3/126)


166-باب الرخصة في ذلك
912 - حدثنا الرّبِيعُ بنُ نَافِعٍ أخبرنا مُعَاوِيَةُ - يَعْنِي ابنَ سَلاّمٍ - بن زَيْدٍ أنّهُ سَمِعَ
__________
باب الرخصة في ذلك
يعني الالتفات في الصلاة أو النظر في الصلاة، والأول أقرب معنى وإن كان بعيداً لفظاً لأن الحديث المذكور في الباب يوافقه صراحة.

(3/129)


أبَا سَلاّمٍ قال حدثني السّلُولِيّ - هُوَ أبُو كَبْشَةَ - عن سَهْلِ بن الْحَنْظَلِيّةِ قال: ثُوّبَ بالصّلاَةِ يَعْني صَلاَةَ الصّبْحِ - فَجَعَلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُصَلّي وَهُوَ يَلْتَفِتُ إلَى الشّعْبِ . قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَكَانَ أرْسَلَ فَارِساً إلَى الشّعْبِ مِنَ اللّيْلِ يَحْرُسُ.
__________
"عن سهل ين الحنظلية": وهو سهل بن الربيع وقيل سهل بن عمرو، والحنظلية أمه وقيل أم جده وقيل عرف بذلك لأن أم أبيه عمرو من بني حنظلة بن تميم قاله المنذري: "ثوب بالصلاة" : أي أقيمت "وهو يلتفت إلى الشعب" : بكسر الشين الطريق في الجبل. والحديث أخرجه الحاكم وقال على شرط الشيخين وحسنه الحازمي. وأخرج الحازمي في الاعتبار عن ابن عباس أنه قال "كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يلتفت في صلاته يميناً وشمالاً ولا يلوي عنقه خلف ظهره" قال هذا حديث غريب تفرد به الفضل بن موسى عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند متصلاً وأرسله غيره عن عكرمة. قال وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا وقال لا بأس بالالتفات في الصلاة ما لم يلو عنه، وإليه ذهب عطاء ومالك وأبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي وأهل الكوفة، ثم ساق الحازمي حديث الباب بإسناده وجزم بعدم المناقضة بين حديث الباب وحديث ابن عباس قال لاحتمال أن الشعب كان في جهة القبلة فكان النبي صلى الله عليه وسلم يلتفت إليه ولا يلوي عنقه واستدل على نسخ الالتفات بحديث رواه بإسناده إلى سيرين قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام في الصلاة نظر هكذا وهكذا فلما نزل {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} نظر هكذا" قال ابن شهاب ببصره نحو الأرض. قال وهذا وإن كان مرسلاً فله شواهد: واستدل أيضاً بقول أبي هريرة "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى رفع بصره إلى السماء فنزل الذين هم في صلاتهم خاشعون " ذكره في النيل.

(3/130)


167-باب العمل في الصلاة
913 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ أخبرنا مَالِكٌ عن عَامِرِ بنِ عبد الله بنِ الزّبَيْرِ عن عَمْرِو بنِ سُلَيْمٍ عن أبي قَتَادَةَ: أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ ابْنَةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فإذَا سَجَدَ وَضَعَهَا وَإذَا قَامَ حَمَلَهَا.
__________
باب العمل في الصلاة
"وهو حامل أمامة" : قال الحافظ: المشهور في الروايات بالتنوين ونصب أمامة، وروى بالإضافة كما قرىء في قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} بالوجهين، وأمامة بضم الهمزة

(3/130)


914 - حدثنا قُتَيْبَةُ - يَعْني ابنَ سَعِيدٍ - حدثنا اللّيْثُ عن سَعِيدِ بنِ أبي سَعِيدِ عن عَمْرِو ابنِ سُلَيْمٍ الزّرَقِيّ أنّهُ سَمِعَ أبَا قَتَادَةَ يقولُ: بَيْنَا نَحْنُ في المَسْجِدِ جُلُوساً خَرَجَ عَلَيْنَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَحْمِلُ أُمَامَةَ بِنْتَ أبي الْعَاصِ بنِ الرّبِيعِ. وَأُمّهَا زَيْنَبُ بِنْتُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وَهِيَ صَبِيّةٌ يَحْمِلُهَا عَلَى عَاتِقِهِ، فَصَلّى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم
__________
وتخفيف الميمين، كانت صغيرة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وتزوجها على بعد وفاة فاطمة بوصية منها ولم تعقب "فإذا سجد وضعها" : قال الحافظ: كذا لمالك أيضاً، ورواه مسلم أيضاً من طريق عثمان بن أبي سليمان ومحمد بن عجلان والنسائي من طريق الزبيدي وأحمد من طريق ابن جريج وابن حبان من طريق أبي العميس، كلهم عن عامر بن عبد الله شيخ مالك، فقالوا: إذا ركع وضعها، ولأبي داوود - يعني المؤلف - من طريق المقبري عن عمرو بن سليم: حتى إذا أراد أن يركع أخذها فوضعها ثم ركع "وإذا قام حملها" : أي أمامة والحديث يدل على أن مثل هذا الفعل معفو عنه من غير فرق بين الفريضة والنافلة والمنفرد والمؤتم والإمام لما في الرواية الآتية بلفظ "بينما نحن ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة في الظهر والعصر" الحديث، ولما في صحيح مسلم بلفظ "وهو يؤم الناس في المسجد" ، وإذا جاز ذلك في حال الإمامة في صلاة الفريضة جار في غيرها بالأولى.
قال النووي: الحديث حمله أصحاب مالك رحمه الله على النافلة ومنعوا جواز ذلك في الفريضة، وهذا التأويل فاسد لأن قوله يؤم الناس صريح أو كالصريح في أنه كان في الفريضة. وادعى بعض المالكية أنه منسوخ، وبعضهم أنه خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، وبعضهم أنه كان لضرورة. وكل هذه الدعاوي باطلة ومردودة، فإنه لا دليل عليها ولا ضرورة إليها، بل الحديث صحيح صريح في جواز ذلك وليس فيه ما يخالف قواعد الشرع، لأن الآدمي طاهر وما في جوفه من النجاسة معفو عنه لكونه في معدته، وثياب الأطفال وأجسادهم على الطهارة ودلائل الشرع متظاهرة على هذا، والأفعال في الصلاة لا تبطلها إذا قلت أو تفرقت، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا بياناً للجواز وتنبيهاً به على هذه القواعد التي ذكرتها. انتهى قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"بينا نحن في المسجد جلوساً" : جمع جالس وهو بالنصب على الحالية "بنت أبي العاص بن الربيع" : اسم أبي العاص لقيط، وقيل مقسم، وقيل القاسم، وقيل مهشم، وقيل هشيم، وقيل ياسر، وهو مشهور بكنيته أسلم قبل الفتح وهاجر ورد عليه النبي صلى الله عليه وسلم ابنته زينب وماتت معه وأثنى عليه في مصاهرته وكانت وفاته في خلافة أبي بكر الصديق "وهي صبية"

(3/131)


وَهِيَ عَلَى عَاتِقِهِ، يَضَعُهَا إذَا رَكَعَ وَيُعِيدُهَا إذَا قَامَ حَتّى قَضَى صَلاَتَهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِهَا.
915 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ سَلَمَةَ المُرَادِيّ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ عن مَخْرَمَةَ عن أبِيهِ عن عَمْرِو ابنِ سُلَيْمٍ الزّرَقِيّ قال سَمِعْتُ أبَا قَتَادَةَ الأنْصَارِيّ يقولُ: رَأيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يُصَلّي لِلنّاسِ وَأُمَامَةُ بِنْتُ أبي الْعَاصِ عَلَى عُنُقِهِ فَإذَا سَجَدَ وَضَعَهَا.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: لَمْ يَسْمَعْ مَخْرَمَةُ مِنْ أبِيهِ إلاّ حَدِيثاً وَاحداً.
916 - حدثنا يَحْيَى بنُ خَلَفٍ أخبرنا عبد الأعلى أخبرنا مُحَمّدٌ - يَعْني ابنَ إسْحَاقَ عن سَعِيدِ بنِ أبي سَعِيدٍ المَقْبِرِيّ عن عَمْرِو بنِ سُلَيْمٍ الزّرَقِيّ عن أبي قَتَادَةَ صَاحِبِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قال: بَيْنَمَا نَحْنُ نَنْتَظِرُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لِلصّلاَةِ، في الظهر والعصر وقد دعاه بلال للصّلاَةِ، إذْ خَرَجَ إلَيْنَا وَأُمَامَةُ بِنْتُ أبي الْعَاصِ بِنْتُ ابْنَتِهِ عَلَى عُنُقِهِ، فَقَامَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في مُصَلاّهُ وَقُمْنَا خَلْفَهُ وَهِيَ في مَكَانِهَا الّذِي هِيَ فِيهِ. قال: فَكَبّرَ فَكَبّرْنَا. قال: حَتّى إذَا أرَادَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ يَرْكَعَ أخَذَهَا فَوَضَعَهَا ثُمّ
__________
الصبية من لم تفطم بعد "على عاتقه" : وهو ما بين المنكبين إلى أصل العنق "يضعها إذا ركع ويعيدها إذا قام" : هذا صريح في أن فعل الحمل والوضع كان منه صلى الله عليه وسلم لا من أمامة قال ابن دقيق العيد: من المعلوم أن لفظ حمل لا يساوي لفظ وضع في اقتضاء فعل الفاعل لأنا نقول فلان حمل كذا ولو كان غيره حمله بخلاف وضع فعلى هذا، فالفعل الصادر منه هو الوضع لا الرفع فيقل العمل. قال: وقد كنت أحسب هذا حسناً إلى أن رأيت في بعض طرقه الصحيحة فإذا قام أعادها . انتهى. وهذه الرواية في صحيح مسلم "يفعل ذلك" : أي وضعها حين الركوع وحملها حين القيام "بها" : أي بأمامة.
"يصلي للناس" : أي يؤمهم، وفيه رد على من حمل الحديث على النافلة "لم يسمع مخرمة": يعني ابن بكير "من أبيه إلا حديثاً واحداً": وهو حديث الوتر قال في الخلاصة: قال أبو داوود لم يسمع منه إلا حديث الوتر. انتهى. فثبت أن رواية الباب هذه منقطعة.
"للصلاة في الظهر أو العصر" : شك من الراوي، وهذا نص على أن إمامته صلى الله عليه وسلم حاملاً أمامة كان في الفريضة "وهي" : أي أمامة "في مكانها" : يعني عنقه صلى الله عليه وسلم "الذي هي" : أي أمامة "فيه" : الضمير المجرور يرجح إلى مكانها، وجملة وهي في مكانها الخ حالية، والمعنى أنه صلى الله عليه وسلم قام للصلاة في مصلاه وقمنا خلفه، والحال أن أمامة ثبتت في مكانها، أي عنقه صلى الله عليه وسلم الذي كانت أمامة مستقرة فيه قبل قيامه في مصلاه "قال" : أبو قتادة "حتى إذا أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يركع

(3/132)


رَكَعَ وَسَجَدَ حَتّى إذَا فَرَغَ مِنْ سُجُودِهِ ثُمّ قَامَ أخَذَهَا فَرَدّهَا في مَكَانِهَا، فَمَا زَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَصْنَعُ بِهَا ذَلِكَ في كلّ رَكْعَةٍ حَتّى فَرَغَ مِنْ صَلاَتِهِ صلى الله عليه وسلم.
917 - حدثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ أخبرنا عَلِيّ بنُ المُبَارَكِ عن يَحْيَى بنِ أبي كَثِيرٍ عن ضَمْضَمَ بنِ جَوْسٍ عن أبي هُرَيْرَةَ قال قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "اقْتُلُوا الأسْوَدَيْنِ في الصّلاَةِ: الْحَيّةَ وَالْعَقْرَبَ".
__________
أخذها فوضعها إلى قوله فردها في مكانها" : هذا يرد تأويل الخطابي حيث قال: يشبه أن تكون الصبية قد ألفته فإذا سجد تعلقت بأطرافه والتزمته فينهض من سجوده فتبقى محمولة كذلك إلى أن يركع فيرسلها، لأن قوله حتى إذا أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يركع أخذها فوضعها، وقوله أخذلها فردها في مكانها صريح في أن الرفع صادر منه صلى الله عليه وسلم. ثم قال الخطابي: فإذا كان علم الخميصة يشغله عن صلاته يستبدل بها الأنبجانية فكيف لا يشغل عنها بما هذه صفته من الأمر. انتهى.
وتعقبه النووي فقال: وأما قضية الخميصة فلأنها تشغل القلب بلا فائدة، وحمل أمامة لا نسلم أنه يشغل القلب وإن شغله فيترتب عليه فوائد وبيان قواعد مما ذكرنا وغيره، فاحتمل ذلك الشغل لهذه الفوائد بخلاف الخميصة، فالصواب الذي لا معدل عنه أن الحديث كان لبيان الجواز والتنبيه على هذه الفوائد، فهو جائز لنا وشرع مستمر للمسلمين إلى يوم الدين. والله أعلم. انتهى.
وفي الحديث دليل على أن لمس ذوات المحارم لا ينقض الطهارة، وذلك لأنها لا يلابسه هذه الملابسة إلا وقد لمسه ببعض أعضائها. وفيه دليل على أن ثياب الأطفال وأبدانهم على الطهارة ما لم تعلم نجاسته. وفيه أن العمل اليسير لا تبطل به الصلاة. وفيه أن الرجل إذا صلى وفي كمه متاع أو على رقبته كارة ونحوها فإن صلاته مجزية. قاله الخطابي.
قلت: وفيه دليل على جواز إدخال الصبيان في المساجد. قال المنذري: قي إسناده محمد بن إسحاق بن يسار، وقد أثنى عليه غير واحد وتكلم فيه غير واحد.
"اقتلوا الأسودين" : هو من باب التغليب كالقمرين ولا يسمى بالأسود في الأصل إلا الحية " الحية والعقرب" : بيان للأسودين. قال الخطابي في المعالم: فيه دلالة على جواز العمل اليسير في الصلاة وأن موالاة الفعل مرتين في حال واحدة لا تفسد الصلاة وذلك أن قتل الحية غالباً إنما يكون بالضربة والضربتين فأما إذا تتابع العمل وصار في حد الكثرة بطلت الصلاة. وفي معنى

(3/133)


918 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ وَمُسَدّدٌ - وهذَا لَفْظُهُ - قال أخبرنا بِشْرٌ - يَعني ابنَ المُفَضّلِ - حدثنا بُرْدٌ عن الزّهْرِيّ عن عُرْوَةَ بنِ الزّبَيْرِ عن عَائشةَ قالت: كَانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم - قال أَحْمَدُ - يُصَلّي وَالْبَابُ عَلَيْهُ مُغْلَقٌ، فَجِئْتُ فَاسْتَفْتَحْتُ، قال أَحْمَدُ: فَمَشَى فَفَتَحَ لِي ثُمّ رَجَعَ إلَى مُصَلاّهُ، وَذَكَرَ أنّ الْبَابَ كَانَ في الْقِبْلَةِ.
__________
الحية كل ضرار مباح قتله كالزنابير والشبثان ونحوها. ورخص عامة أهل العلم في قتل الأسودين في الصلاة إلا إبراهيم النخعي، والسنة أولى ما اتبع.
واعلم أن الأمر بقتل الحية والعقرب مطلق غير مقيد بضربة أو ضربتين. وقد أخرج البيهقي من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كفاك للحية ضربة أصبتها أم أخطأتها" . وهذا يوهم التقيد بالضربة. قال البيهقي: هذا إن صح فإنما أراد والله أعلم وقوع الكفاية بها في الإتيان بالمأمور فقد أمر صلى الله عليه وسلم بقتلها وأراد والله أعلم إذا امتنعت بنفسها عند الخطأ ولم يرد به المنع من الزيادة على ضربة واحدة. ثم استدل البيهقي على ذلك بحديث أبي هريرة عند مسلم "من قتل وزغة في أول ضربة فله كذا وكذا حسنة، ومن قتلها في الضربة الثانية فله كذا وكذا حسنة أدني من الأول" ومن قتلها في الضربة الثالثة فله كذا وكذا حسنة أدنى من الثانية ذكره في النيل. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
"وهذا لفظه": أي لفظ مسدد "قال أحمد": هو ابن حنبل "والباب عليه مغلق" : فيه أن المستحب لمن صلى في مكان بابه إلى القبلة أن يغلق الباب عليه ليكون سترة للمار بين يديه وليكون أستر، وفيه إخفاء الصلاة عن الآدميين "فجئت فاستفتحت" : أي طلبت فتح الباب، والظاهر أنها ظنت أنه ليس في الصلاة وإلا لم تطلبه منه كما هو اللائق بأدبها وعلمها "فمشى" : قال ابن رسلان: هذا المشي محمول علي أنه مشى خطوة أو خطوة أو خطوتين، أو مشى أكثر من ذلك متفرقاً وهو من التقييد بالمذهب ولا يخفي فساده. قاله في النيل "وذكر": أي عروة بن الزبير "أن الباب كان في القبلة" : أي فلم يتحول صلى الله عليه وسلم عنها عند مجيئه إليه ويكون رجوعه إلى مصلاه على عقبيه إلى خلف. قال الأشرف: هذا قطع وهم من يتوهم أن هذا الفعل يستلزم ترك القبلة. انتهى. والحديث يدل على إباحة المشي في صلاة التطوع للحاجة.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وقال الترمذي حديث حسن غريب وفي حديث النسائي يصلي تطوعاً وكذا ترجم عليه الترمذي رحمه الله تعالى.

(3/134)


168 - باب رد السلام في الصلاة
919 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ عبد الله بنِ نُمَيْرٍ أخبرنا ابنُ فُضَيْلٍ عن الأعمَشِ عن إبْرَاهِيمَ عن عَلْقَمَةَ عن عبد الله قال: كُنّا نُسَلّمُ عَلَى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ في الصّلاَةِ فَيَرُدّ عَلَيْنَا، فَلَمّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النّجَاشِيّ سَلمْنَا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدّ عَلَيْنَا وقال: "إنّ في الصّلاَةِ لَشُغلا".
__________
باب رد السلام في الصلاة
"عن عبد الله": هو ابن مسعود "فيرد علينا" : أي السلام باللفظ "فلما رجعنا من عند النجاشي" : بفتح النون وتخفيف الجيم وبعد الألف شين معجمة ثم ياء ثقيلة كياء النسب، وقيل بالتخفيف ورجحه الصغاني وهو لقب من ملك الحبشة وحكى المطرزي تشديد الجيم عن بعضهم وخطأه. قال ابن الملك كان هاجر جماعة من الصحابة من مكة إلى أرض الحبشة حين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فارين منها لما يلحقهم من إيذاء الكفار، فلما خرج عليه الصلاة والسلام منها إلى المدينة وسمع أولئك بمهاجرته هاجروا من الحبشة إلى المدينة فوجدوا النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة ومنهم ابن مسعود رضي الله تعالى عنهم "فلم يرد علينا" : أي السلام. روى ابن أبي شيبة من مرسل ابن سيرين أن النبي صلى الله عليه وسلم رد عل ابن مسعود في هذه القصة السلام بالإشارة. كذا في الفتح "إن في الصلاة لشغلا" : بضم الشين وسكون الغين وبضمهما، والتنكير فيه للتنويع أي بقراءة القرآن والذكر والدعاء أو للتعظيم، أي شغلا وأي شغل لأنها مناجاة مع الله تستدعي الاستغراق بخدمته فلا يصلح الاشتغال بغيره. وقال النووي: معناه أن وظيفة المصلي الاشتغال بصلاته وتدبر ما يقوله فلا ينبغي أن يعرج على غيرها من رد السلام ونحوه.
قال الإمام أبو سليمان الخطابي في المعالم: اختلف الناس في المصلي يسلم عليه، فرخصت طائفة في الرد، كان سعيد بن المسيب لا يرى بذلك بأساً، وكذلك الحسن البصري وقتادة، وروى عن أبي هريرة أنه كان إذا سلم عليه وهو في الصلاة رده حتى يسمع، وروى عن جابر نحو ذلك. وقال أكثر الفقهاء لا يرد السلام. وروى عن ابن عمر أنه قال يرد إشارة، وقال عطاء والشعبي والنخعي وسفيان الثوري: إذا انصرف من الصلاة رد السلام. وقال أبو حنيفة لا يرد السلام ولا يشير. قلت: رد السلام قولاً ونطقاً محظور، ورده بعد الخروج من الصلاة سنة. وقد رد النبي صلى الله عليه وسلم على ابن مسعود بعد الفراغ من صلاته السلام والإشارة حسنة. وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أشار في الصلاة، وقد رواه أبو داوود في هذا الباب. انتهى. قلت: استدل

(3/135)


920 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا أبَانُ أخبرنا عَاصِمٌ عن أبي وَائِلٍ عن عبد الله قال: كُنّا نُسَلّمُ في الصّلاَةِ وَنَأمُرُ بِحَاجَتِنَا، فَقَدِمْتُ عَلَى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يُصَلّي فَسَلّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدّ عَلَىّ السّلاَمَ، فأخَذَنِي مَا قَدُمَ وَمَا حَدَثَ، فَلَمّا قَضَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الصّلاَةَ قال: "إنّ الله عز وجل يُحْدِثُ مِنْ أمْرِهِ مَا يَشاءُ، وَإنّ الله تَعَالَى قَدْ أحْدَثَ مِنْ أمْرِهِ أن لا تَكلّمُوا في الصّلاَةِ، فَرَدّ عَلَيّ السّلاَمَ".
921 - حدثنا يَزِيدُ بنُ خَالِدِ بنِ مَوْهِبٍ وَ قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أنّ اللّيْثَ حَدّثَهُمْ عن بُكَيْرٍ عن نَابِلٍ صَاحبِ الْعَبَاءِ عن ابنِ عُمَرَ عن صُهَيْبٍ أنّهُ قال: مَرَرْتُ برسولِ الله صلى الله عليه وسلم
__________
المانعون من رد السلام في الصلاة بحديث ابن مسعود هذا لقوله فلم يرد علينا ولكنه ينبغي أن يحمل الرد المنفي ههنا على الرد بالكلام لا الرد بالإشارة لأن ابن مسعود نفسه روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه رد عليه بالإشارة. ولو لم ترو عنه هذه الرواية لكان الواجب هو ذلك جمعاً بين الأحاديث قاله الشوكاني. والحديث حجة على من قال بجواز رد السلام في الصلاة لفظاً. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"كنا نسلم في الصلاة ونأمر بحاجتنا" : وفي رواية النسائي "كنا نسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فيرد علينا السلام حتى قدمنا من أرض الحبشة" "فأخذني ما قدم وما حدث" : بفتح الدال وضمها لمشاكلة قدم يعني همومه، وأفكاره القديمة والحديثة. وقال الخطابي: معناه الحزن والكآبة قديمها وحديثها، يريد أنه قد عاوده قديم الأحزان واتصل بحديثها. وفي النهاية يريد أنه عاوده أحزانه القديمة واتصلت بالحديثة. وقيل معناه غلب على التفكر في أحوالي القديمة والحديثة، أيها كان سبباً لترك رد السلام على "فلما قضى" : أي أدى "إن الله عز وجل يحدث" : أي يظهر "من أمره" : أي شأنه أو أوامره "قد أحدث" : أي جدد من الأحكام بأن نسخ حل الكلام في الصلاة بقوله ناهياً عنه "أن لا تكلموا في الصلاة" : ويحتمل كون الإحداث في تلك الصلاة أو قبلها "فرد على السلام" : يعني بعد فراغه من الصلاة. وقد استدل به على أنه يستحب لمن سلم عليه في الصلاة أن لا يرد السلام إلا بعد فراغه من الصلاة. وروى هذا عن أبي ذر وعطاء والنخعي والثوري. قال ابن رسلان: ومذهب الشافعي والجمهور أن المستحب أن يرد السلام في الصلاة بالإشارة. وقال ابن الملك: فيه دليل على استحباب رد جواب السلام بعد الفراغ من الصلاة. وكذلك لو كان على قضاء الحاجة وقراءة القرآن وسلم عليه أحد. قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"عن نابل صاحب العباء": قال الحافظ في التقريب: نابل صاحب العبا والأكسية والشمال

(3/136)


وَهُوَ يُصَلّي فَسَلّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدّ إشَارَةً. قال: ولا أعْلَمُهُ إلاّ قال: إشَارَةً بِإصْبَعِهِ. وهذا لَفظُ حَدِيثه قُتَيْبَةَ.
922 - حدثنا عبد الله بنُ مُحَمّدٍ النّفَيْلِيّ أخبرنا زُهَيْرٌ أخبرنا أبُو الزّبَيْرِ عن جَابِرٍ قال: أرْسَلَنِي نبي الله صلى الله عليه وسلم إلَى بَنِي المُصْطَلِقِ فأتَيْتُهُ وَهُوَ يُصَلّي عَلَى بَعِيرِهِ فَكَلّمْتُهُ، فقال لِي بِيَدِهِ هَكذَا، ثُمّ كَلّمْتُهُ، فقال لِي بِيَدِهِ هكَذَا وَأنَا أسْمَعُهُ يَقْرَأُ وَيُومِي بِرَأْسِهِ. قال: فَلَمّا فَرَغَ قال: "مَا فَعَلْتُ في الّذِي أرْسَلْتُكَ فإنّهُ لَمْ يَمْنَعْني أنْ أُكَلّمَكَ إلاّ أنّي كُنْتُ أُصَلّي".
923 - حدثنا الْحُسَيْنُ بنُ عِيسَى الْخُرَاسَانِيّ الدّامِغَانِيّ أخبرنا جَعْفَرُ بنُ عَوْنٍ أخبرنا هِشَامُ بنُ سَعْدٍ أخبرنا نَافِعٌ قال سَمِعْتُ عبد الله بنَ عُمَرَ يقولُ: خَرَجَ
__________
مقبول من الثالثة انتهى. ووثقه النسائي. وقيل للدار قطني أثقة هو؟ فأشار بيده أن لا "فرد إشارة" : أي بالإشارة "قال" : أي نابل "ولا أعلمه إلا قال" : أي ابن عمر "إشارة بأصبعه" : فيه دليل على استحباب رد السلام في الصلاة بالإشارة. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي وحديث صهيب حسن لا نعرفه إلا من حديث الليث عن بكير، وقال النسائي نابل ليس بالمشهور. هذا آخر كلامه: ونابل أوله نون وبعد الألف بالواحدة وآخر لام هو صاحب العباء ويقال صاحب الشمال سمع من ابن عمر وأبي هريرة روى عنه بك ير بن الأشج وصالح بن عبيد.
"فأتيته" : أي نبي الله صلى الله عليه وسلم "فكلمته" : وفي رواية لمسلم فسلمت عليه "فقال لي بيده هكذا" : زاد في مسلم وأومأ زهير بيده نحو الأرض ، وفي رواية البخاري: "فسلمت عليه فلم يرد على فوقع في قلبي ما الله به أعلم" قال الحافظ: قوله فلم يرد على أي باللفظ وكأن جابراً لم يعرف أولاً أن المراد بالإشارة الرد عليه فلذلك قال. فوقع في قلبي ما الله به أعلم أي من الحزن "ويومي برأسه" : أي للركوع والسجود "فإنه لم يمنعني أن أكلمك إلا أني كنت أصلي" : وفي رواية لمسلم "أما إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كنت أصلي" قال النووي: وفي حديث جابر رضي الله عنه رد السلام بالإشارة وأنه لا تبطل الصلاة بالإشارة ونحوها من الحركات اليسيرة وأنه ينبغي لمن سلم عليه ومنعه من رد السلام مانع أن يعتذر إلى المسلم ويذكر له ذلك المانع قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.

(3/137)


رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلَى قُبَاءَ يُصَلّي فيه. قال: فَجَاءَتْهُ الأنْصَارُ فَسَلّمُوا عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلّي. قال فَقُلْتُ لِبِلاَلٍ: كَيْفَ رَأيْتَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَرُدّ عَلَيْهِمْ حِينَ كَانُوا يُسَلّمُونَ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلّي؟ قال يقولُ هَكذَا، وَبَسَطَ كَفّهُ وَبَسَطَ جَعْفَرُ بنُ عَوْنٍ كَفّهُ وَجَعَلَ بَطْنَهُ أسْفَلَ وَجَعَلَ ظَهْرَهُ إلَى فَوْقَ .
924 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا عبد الرحمن بنُ مَهْدِيَ عن سُفْيَانَ عن أبي مَالِكٍ الأشْجَعِيّ عن أبي حَازِمٍ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "لاَ غِرَارَ في الصّلاَةِ وَلاَ تَسْلِيمٍ" .
__________
"إلى قباء" : بضم قاف وخفة موحدة مع مد وقصر موضع بميلين أو ثلاثة من المدينة "يصلي فيه" : أي في مسجده "وبسط جعفر بن عون كفه وجعل بطنه" : أي بطن الكف "أسفل" : أي إلى جانب السفل "وجعل ظهره إلى فوق" : واعلم أنه ورد الإشارة لرد السلام في هذا الحديث بجميع الكف، وفي حديث جابر باليد، وفي حديث ابن عمر عن صهيب بالإصبع، وفي حديث ابن مسعود عند البيهقي بلفظ فأومأ برأسه، وفي رواية له قفال برأسه يعني الرد، ويجمع بين هذه الروايات بأنه صلى الله عليه وسلم فعل هذا مرة وهذا مرة فيكون جميع ذلك جائزاً والله تعالى أعلم.
"لا غرار في صلاة ولا تسليم" : يروي بالجر عطفاً على الصلاة وبالنصب عطفاً على غرار. قاله في المجمع. قلت: الرواية الآتية تؤيد رواية الجر. قال الإمام أبو سليمان الخطابي في المعالم: أصل الغرار نقصان لبن الناقة، يقال: غارّت الناقة غراراً فهي مغاراً إذ نقص لبنها، فمعنى قوله لا غرار أي لا نقصان في التسليم، ومعناه أن ترد كما يسلم عليك وافياً لا تنقص فيه مثل أن يقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فتقول السلام عليكم ورحمة الله ولا تقتصر على أن تقول: عليكم السلام ولا ترد التحية كما سمعتها من صاحبك فتبخسه حقه من جواب - الكلمة. وأما الغرار في الصلاة فهو على وجهين أحدهما أن لا يتم ركوعه وسجوده، والآخر أن يشك هل صلى ثلاثاً أو أربعاً فيأخذ بالأكثر ويترك اليقين وينصرف بالشك وقد جاءت السنة في رواية أبي سعيد الخدري أن يطرح الشك ويبنى على اليقين ويصلي ركعة رابعة حتى يعلم أنه قد أكملها أربعاً. وقال في النهاية: الغرار في الصلاة نقصان هيئاتها وأركانها، وقيل أراد بالغرار النوم أي ليس في الصلاة نوم. قال وقوله ولا تسليم يروي بالجر والنصب، فمن جره كان معطوفاً على صلاة وغراره أن يقول المجيب وعليك ولا يقول السلام، ومن نصبه كان معطوفاً على غرار ويكون المعنى لا نقص وتسليم في الصلاة، لأن الكلام في الصلاة بغير

(3/138)


قال أَحْمَدُ: يَعْني فيما أُرَى أن لا تُسَلّمَ ولا يُسَلّمَ عَلَيْكَ وَيُغَرّرُ الرّجُلُ بِصَلاَتِهِ فَيَنْصَرِفُ وَهُوَ فيها شَاكٌ.
925 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ الْعَلاَءِ أنْبأنَا مُعَاوِيَةُ بنُ هِشَامٍ عن سُفْيَانَ عن أبي مَالِكٍ عن أبي حَازِمٍ عن أبي هُرَيْرَةَ قال: أُرَاهُ رَفَعَهُ. قال: "لا غِرَارَ في تَسْلِيمٍ وَلاَ صَلاَةٍ".
قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ ابنُ فُضَيْلٍ عَلَى لَفْظِ ابنِ مَهْدِيَ وَلَمْ يَرْفَعْهُ.
__________
كلامها لا يجوز انتهى "قال أحمد": هو ابن حنبل "يعني فيما أُري أن لا تسلم ولا يسلم عليك": أي في الصلاة لأنه لا يجوز فيها الكلام، وهذا المعنى على رواية نصب تسليم عطفاً على غرار "فينصرف": أي من الصلاة "وهو فيها شاك": جملة حالية. والحديث استدل به على عدم جواز رد السلام في الصلاة، ويجاب بأنه لا يدل على المطلوب لأنه ظاهر في التسليم على المصلي لا في الرد منه ولو سلم شموله للرد لكان الواجب حمل ذلك على الرد باللفظ جمعاً بين الأحاديث.
"قال": أي معاوية بن هشام "أراه": بضم الهمزة والضمير المنصوب يرجع إلى سفيان أي أظن سفيان "رفعه": أي الحديث. والحاصل أن عبد الرحمن بن مهدي ومعاوية بن هشام ومحمد بن فضيل بن غزوان كلهم رووا عن سفيان الثوري، وأما ابن مهدي فجعله من رواية الثوري مرفوعاً من غير شك ومعاوية عن الثوري مع الشك وابن فضيل عن الثوري لم يجعله مرفوعاً بل موقوفاً على أبي هريرة والله أعلم "لا غرار في تسليم ولا صلاة" : بالجر عطفاً على تسليم وقد تقدم معنى الغرار في التسليم والصلاة "على لفظ ابن مهدي": أي بلفظ لا غرار في صلاة ولا تسليم "ولم يرفعه": بل وقفة على أبي هريرة.

(3/139)


169 باب تشميت العاطس في الصلاة
926 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى ح. وأخبرنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا إسْمَاعِيلُ بنُ إبْرَاهِيمَ المَعْنَى عن حَجّاجٍ الصّوّافِ حدثني يَحْيَى بنُ أبي كَثِيرٍ عن هِلاَلٍ بنِ أبي مَيْمُونَةَ عن عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ عن مُعَاوِيَةَ بنِ الْحَكَمِ السّلَمِيّ قال: صَلّيْتُ مَع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فَعَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ الله، فَرَمَانِي الْقَوْمُ
__________
باب تشميت العاطس في الصلاة
"فعطس" : بفتح الطاء. قال في القاموس: عطس يعطس ويعطس عطساً وعطاساً أتته

(3/139)


بِأبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمَيّاهُ، مَا شَأْنُكُم تَنْظُرونَ إلَيّ. قال: فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأيْدِيهِمْ عَلَى أفْخَاذِهِمْ فَعَرَفْتُ أنّهُمْ يُصَمّتُونِي. قال عُثْمَانُ: فَلَمّا رَأيْتُهُمْ يُسكّتُونِي لَكِنّي سكَتّ. فَلَمّا صَلّى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بِأبِي وَأُمّي مَا ضَرَبَني وَلا كَهَرَني وَلا سَبّنِي، ثُمّ قال: "إنّ هَذِهِ الصّلاَةَ لا يَحِلّ فيها شَيْءٌ مِنْ كَلامِ النّاسِ هَذَا إنّمَا هُوَ التّسْبِيحُ وَالتّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ"، أو كما قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم. قُلْتُ: يا رسولَ الله إنّا قَوْمٌ حَدِيثُ
__________
العطسة "فقلت" : أي وأنا في الصلاة "يرحمك الله" : ظاهره أنه في جواب قوله الحمد الله "فرماني القوم بأبصارهم" : أي أسرعوا في الالتفات إلى ونفوذ البصر في استعيرت من رمي السهم. قال الطيبي: والمعنى أشاروا إلى بأعينهم من غير كلام ونظروا إلى نظر زجر كيلا أتكلم في الصلاة "فقلت واثكل أمياه" : بكسر الميم والمثكل بضم وسكون وبفتحهما فقدان المرأة ولدها، والمعنى وافقدها فاني هلكت "ما شأنكم" : أي ما حالكم "تنظرون إلى" : نظر الغضب "فجعلوا" : أي شرعوا "يضربون بأيديهم على أفخاذهم" : قال النووي: يعني فعلوا هذا ليسكتوه وهذا محمول على أنه كان قبل أن يشرع التسبيح لمن نابه شيء في صلاته، وفيه دليل على جواز الفعل القليل في الصلاة وأنه لا تبطل به الصلاة وأنه لا كراهة فيه إذا كان لحاجة انتهى "يصمتوني" : بتشديد الميم أي يسكتوني "قال عثمان" : هو ابن أبي شيبة "فلما رأيتهم يسكتوني" : أي غضبت وتغيرت قاله الطيبي "لكني سكت" : أي سكت ولم أعمل بمقتضي الغضب "بأبي وأمي" : متعلق بفعل محذوف تقديره أفديه بأبي وأمي "ولا كهرني" : أي ما انتهرني، والكهر الانتهار قاله أبو عبيد. وفي النهاية يقال كهره إذا زبره واستقبله بوجه عبوس "ولا سبني" : أراد نفي أنواع الزجر والعنف وإثبات كمال الاحسان واللطف "إن هذه الصلاة" : يعني مطلق الصلاة فيشمل الفرائض وغيرها "لا يحل فيها شيء من كلام الناس" : فيه تحريم الكلام في الصلاة سواء كان لحاجة أو غيرها وسواء كان لمصلحة الصلاة أو غيرها، فإن احتاج إلى تنبيه أو إذن لداخل ونحوه سبح إن كان رجلاً وصفقت إن كان كانت إمرأة، وهذا مذهب الجمهور من السلف والخلف. وقال طائفة منهم الأوزاعي يجوز الكلام لمصلحة الصلاة وهذا في كلام العامد العالم أما كلام الناس فلا تبطل صلاته بالكلام القليل عند الجمهور. وقال أبو حنيفة رحمه الله والكوفيون تبطل، وأما كلام الجاهل إذا كان قريب عهد بالإسلام فهو ككلام الناس فلا تبطل الصلاة بقليله لحديث معاوية بن الحكم هذا الذي نحن فيه لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره بإعادة الصلاة لكن علمه تحريم الكلام فيما يستقبل "إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن" : قال النووي: معناه هذا ونحوه فإن التشهد والدعاء والتسليم من الصلاة وغير ذلك من الأذكار مشروع فيها، فمعناه لا يصلح فيها

(3/140)


عَهْدٍ بِجَاهِلِيّةٍ، وَقَدْ جَاءَنَا الله بِالإسلاَمِ، وَمِنّا رِجَالٌ يَأْتُونَ الْكُهّانَ. قال: "فلا تَأْتِهِمْ". قال قُلْتُ: وَمِنّا رَجَالٌ يَتَطَيّرُونَ. قال: "ذَاكَ[ذلك] شَيْءٌ يَجِدُونَهُ في صُدُورِهِمْ فلا
__________
شيء من كلام الناس ومخاطباتهم وإنما هي التسبيح وما في معناه من الذكر والدعاء وأشباهما مما ورد به الشرع. وفي هذا الحديث النهي عن تشميت العاطس في الصلاة وأنه من كلام الناس الذي يحرم في الصلاة وتفسد به إذا أتى به عالماً عامداً. قال الشافعية إن قال يرحمك الله بكاف الخطاب بطلت صلاته وإن قال يرحمه الله أو اللهم ارحمه أو رحم الله فلاناً لم تبطل صلاته لأنه ليس بخطاب. وأما العاطس في الصلاة فيستحب له أن يحمد الله تعالى سراً هذا مذهب الشافعي وبه قال مالك وغيره. وعن ابن عمر والنخعي وأحمد رضي الله عنهم أنه يجهر به والأول أظهر لأنه ذكر والسنة في الأذكار في الصلاة الإسرار إلا ما استثنى من القراءة في بعضها ونحوها انتهى "إنا قوم حديث عهد" : أي جديدة "بجاهلية" : متعلق بعهد. وما قبل ورود الشرع يسمي جاهلية لكثرة جهالتهم "ومنا رجال يأتون الكهان" : بضم الكاف جمع كاهن وهو من يدعي معرفة الضمائر. قال الطيبي: الفرق بين الكاهن والعراف أن الكاهن يتعاطى الأخبار عن الكوائن في المستقبل والعراف يتعاطى معرفة الشيء المسروق ومكان الضالة ونحوهما. انتهى "فلا تأتهم" : قال العلماء: إنما نهي عن إتيان الكهان لأنهم يتكلمون في مغيبات قد يصادف بعضها الإصابة فيخاف الفتنة على الإنسان بسبب ذلك، ولأنهم يلبسون على الناس كثيراً من أمر الشرائع، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن إتيان الكهان وتصديقهم فيما يقولون وتحريم ما يعطون من الحلوان وهو حرام بإجماع المسلمين.
"ومنا رجال يتطيرون" : في النهاية: الطيرة بكسر الطاء وفتح الياء، وقد تسكن هي التشاؤم بالشيء وهي مصدر تطير طيرة كما تقول تخير خيرة ولم يجيء من المصادر غيرهما. وأصل التطير التفاؤل بالطير واستعمل لكل ما يتفاءل به ويتشاءم، وقد كانوا في الجاهلية يتطيرون بالصيد كالطير والظبي فيتيمنون بالسوانح ويتشاءمون بالبوارح، والبوارح على ما في القاموس من الصيد ما مر من ميامنك إلى مياسرك، والسوامح ضدها، وكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم ويمنع عن السير إلى مطالبهم، فنفاه الشرع وأبطله ونهاهم عنه "ذاك" : أي التطير "شيء يجدونه في صدورهم" : يعني هذا وهم ينشأ من نفوسهم ليس له تأثير في اجتلاب نفع أو ضر وإنما هو شيء يسوله الشيطان ويزينه حتى يعملوا بقضيته ليجرهم بذلك إلى اعتقاد مؤثر غير الله تعالى وهو لا يحل باتفاق العلماء. وقال النووي: قال العلماء معناه أن الطيرة شيء تجدونه في نفوسكم ضرورة ولا عتب عليكم في ذلك فإنه غير مكتسب لكم فلا تكليف به ولكن لا تمنعوا بسببه من التصرف في أموركم فهذا هو الذي تقدرون عليه وهو مكتسب لكم فيقع به التكليف.

(3/141)


يَصُدّهُم" قال قُلْتُ: وَمِنّا رِجَالٌ يَخُطّونَ. قال: "كَانَ نَبِيّ مِنَ الأنْبِيَاءِ يَخُطّ فَمَنْ وَافَقَ خَطّهُ فَذَاكَ". قال قُلْتُ جَارِيَةٌ لِي[إن جارية لي] كَانَتْ تَرْعَى غُنَيْمَاتٍ قِبَلَ أُحُدٍ
__________
فنهاهم صلى الله عليه وسلم عن العمل بالطيرة، والامتناع من تصرفاتهم بسببها "فلا يصدهم" : أي لا يمنعهم التطير من مقاصدهم لأنه لا يضرهم ولا ينفهم ما يتوهمونه. وقال الطيبي: أي لا يمنعهم عما يتوجهون من المقاصد أو من سوء السبيل ما يجدون في صدورهم من الوهم، فالنهي وارد على ما يتوهمونه ظاهراً وهم منهيون في الحقيقة عن مزاولة ما يوقعهم من الوهم في الصدر "ومنا رجال يخطون" : الخط عند العرب فيما فسره ابن الأعرابي، قال: يأتي الرجل العراف وبين يديه غلام فيأمرمأن يخط في الرمل خطوطاً كثيرة وهو يقول: ابني عيان أسرعا البيان ثم يأمر من يمحو منها اثنين اثنين حتى ينظر آخر ما يبقي من تلك الخطوط. فإن كان الباقي زوجاً فهو دليل الفلاح والظفر، وإن بقي فرداً فهو دليل الخيبة واليأس، وقد طول الكلام في لسان العرب.
"قال كان نبي من الأنبياء يخظ" : أي فيعرف بالفراسة بتوسط تلك الخطوط قيل هو إدريس أو دانيال عليهما الصلاة والسلام كذا في المرقاة "فمن وافق" : ضمير الفاعل راجع إلى من أي فمن وافق فيما يخط "خطه" : بالنصب على الأصح ونقل السيد جمال الدين عن البيضاوي أن المشهور خطه بالنصب فيكون الفاعل مضمراً. وروى مرفوعاً فيكون المفعول محذوفاً إنتهى. أي من وافق خطه خطه إي خط ذلك النبي "فذاك" : أي فذاك مصيب أو يصيب، أو يعرف الحال بالفراسة كذلك النبي وهو كالتعليق بالمحال. قاله في المرقاة. قال النووي: اختلف العلماء في معناه، فالصحيح أن معناه من وافق خطه فهو مباح له ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقيني بالموافقة فلا يباح، والمقصود أنه حرام لأنه لا يباح إلا بيقين الموافقة وليس لنا يقين بها. وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم فمن وافق خطه فذاك ولم يقل هو حرام بغير تعليق على الموافقة لئلا يتوهم متوهم أن هذا النهي يدخل فيه ذاك النبي الذي كان يخط فحافظ النبي صلى الله عليه وسلم على حرمة ذاك النبي مع بيان الحكم في حقنا. فالمعنى أن ذلك النبي لا منع في حقه. وكذا لو علمتم موافقته ولكن لا علم لكم بها.
وقال الخطابي: هذا الحديث يحتمل النهي عن هذا الخط، إذا كان علماً لنبوة ذلك النبي، وقد انقطعت فنهينا عن تعاطي ذلك، قال القاضي عياض: المختار أن معناه من وافق خطه فذاك الذي يجدون إصابته فيما يقول لا أنه أباح ذلك لفاعله. قال: ويحتمل أن هذا نسخ في شرعنا فحصل من مجموع كلام العلماء فيه الاتفاق على النهي عنه الآن. انتهى.
"قبل أحد والجوانية" : بفتح الجيم وتشديد الواو وبعد الألف نون مكسورة ثم ياء مشددة

(3/142)


وَالْجَوّانِيّةِ إذْ اطّلَعْتُ عَلَيْهَا اطّلاَعاً فإذَا الذّئْبُ قَدْ ذَهَبَ بِشَاةٍ مِنْهَا وَأنَا مِنْ بَنِي آدَمَ آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ لَكِنّي صَكَكْتُهَا صَكّة فَعَظّمَ ذَاكَ عَلَيّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فَقُلْتُ: أفَلاَ أعْتِقُهَا؟ قال: "أئْتِني بِهَا"، فَجِئْتُ بِهَا، فقال: "أيْنَ الله؟" قالت: في السّمَاءِ، قال: "مَنْ أنَا؟" قالت: أنْتَ رسولُ الله، قال: "أعْتِقْهَا فإنّهَا مُؤْمِنَةٌ".
927 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ يُونُسَ النّسَائِيّ أخبرنا عَبْدُ المَلِكِ بنُ عَمْرٍو أخبرنا فُلَيْحٌ عن هِلاَلِ ابنِ عَلِيّ عن عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ عن مُعَاوِيَةَ بنِ الْحَكَمِ السّلَمِيّ قال: لَمّا قَدِمْتُ عَلَى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم عَلِمْتُ أُمُوراً مِنْ أُمُورِ الإسْلاَمِ، فَكَانَ فيما عَلِمْتُ أنْ قِيلَ [قال]لِي: "إذَا عَطَسْتَ فَاحْمِدِ الله وَإذَا عَطَسَ الْعَاطِسُ فَحَمِدَ الله فَقُلْ: يَرْحَمُكَ الله". قال: فَبَيْنَمَا[فبينا] أنَا قَائِمٌ مَع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في الصّلاَةِ إذْ عَطَسَ رَجُلٌ فَحَمِدَ الله فَقُلْتُ:
__________
موضع بقرب أحد في شمالي المدينة. وأما قول القاضي عياض إنها من عمل الفروع فليس بمقبول لأن الفرع بين مكة والمدينة بعيد من المدينة وأحد في شام المدينة. وقد قال في الحديث قبل أحد والجوانية فكيف يكون عند الفرع "آسف كما يأسفون" : أي أغضب كما يغضبون ومن هذا قوله تعالى {فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ} أي أغضبونا "لكني صككتها صكة" : أي لطمتها لطمة "فمعظم ذلك" أي صكي إياها "أين الله إلى قوله أعتقها فإنها مؤمنة" : قال الخطابي في المعالم قوله أعتقها فإنها مؤمنة ولم يكن ظهر له من إيمانها أكثر من قولها حين سألها أين الله قالت في السماء، وسألها من أنا فقالت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن هذا سؤال عن أمارة الإيمان وسمة أهله وليس بسؤال عن أصل الإيمان وحقيقته. ولو أن كافراً جاءنا يريد الانتقال من الكفر إلى دين الإسلام فوصف من الإيمان هذا القدر الذي تكلمت الجارية لم يصر به مسلماً حتى يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويتبرأ من دينه الذي كان يعتقده، وإنما هذا كرجل وإمرأة يوجدان في بيت فيقال للرجل من هذه المرأة فيقول زوجتي فتصدقه المرأة فإنا نصدقهما ولا نكشف عن أمرهما ولا نطالبهما بشرائط عقد الزوجية حتى إذا جاءانا وهما أجنبيان يريدان ابتداء عقد النكاح بينهما فانا نطالبهما حينئذ بشرائط عقد الزوجية من إحضار الولي والشهود وتسمية المهر، كذلك الكافر إذا عرض عليه الإسلام لم يقتصر منه على أن يقول إني مسلم حتى يصف الإيمان بكماله وشرائطه، فإذا جاءنا من نجهل حاله في الكفر والإيمان فقال إني مسلم قبلناه وكذلك إذا رأينا عليه أمارة المسلمين من هيئة وإشارة ونحوهما حكمنا بإسلامه إلى أن يظهر لنا خلاف ذلك انتهى. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي.

(3/143)


يَرْحَمُكَ الله رَافِعاً بِهَا صَوْتِي، فَرَمَاني النّاسُ بأبْصَارِهِمْ حَتّى احْتَمَلَنِي ذَلِكَ، فَقُلْتُ: مَا لَكُم تَنْظُرُونَ إلَيّ بِأعْيُنٍ شُزْرٍ، قال: فَسَبّحُوا، فَلَمّا قَضَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: مَنِ المُتَكَلّمُ؟ قِيلَ: هَذَا الأعْرَابِيّ فَدَعَانِي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقالَ لِي: "إنّمَا الصّلاَةُ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَذِكْرِ الله، فإذَا كُنْتُ فيها فَلْيَكُنْ ذَلِكَ شَأْنُكَ"، فمَا رَأيْتُ مُعَلّم قَطّ أرْفَقَ منْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم .
__________
"ما لكم تنظرون إليّ بأعين شزر" : بضم الشين المعجمة وسكون الزاي وبعدها راء مهملة جمع شزر وهو النظر عن اليمنى والشمال وقيل هو النظر بمؤخر العين وأكثر ما يكون في حال الغضب وإلى الأعداء "فإذا كنت فيها" أي في الصلاة "فليكن ذلك" إشارة إلى ما ذكر من القراءة وذكر الله "شأنك" بالنصب خبر فليكن أي حالك.

(3/144)


170 - باب التأمين وراء الإمام
928 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنْبأنَا سُفْيَانُ عن سَلَمَةَ عن حُجْرٍ أبي الْعَنْبَسِ الْحَضْرَمِيّ عن وائِلِ بنِ حُجْرٍ قال: كَانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا قَرَأَ وَلاَ الضّالّينَ قال: "آمِينَ" وَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ .
__________
باب التأمين وراء الإمام
"أنبأنا سفيان" هو الثوري "عن حجر" بضم المهملة وسكون الجيم "أبى العنبس" بفتح العين وللموحدة بينهما نون "إذا قرأ ولا الضالين قال آمين ورفع بها صوته" قال الحافظ في
__________
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
حديث وائل بن حجر رواه شعبة وسفيان فأما سفيان فقال ورفع بها صوته وأما شعبة فقال خفض بها صوته ذكره الترمذي قال البخاري حديث سفيان أصح وأخطأ شعبة في قوله خفض بها صوته وفي هذا الحديث أمور أربعة أحدها اختلاف شعبة وسفيان في رفع وخفض الثاني اختلافهما في حجر فشعبة يقول حجر أبو العنبس والثوري يقول حجر بن عنبس وصوب البخاري وأبو زرعة قول الثوري الثالث أنه لا يعرف حال حجر الرابع أن الثوري وشعبة اختلفا فجعله الثوري من رواية حجر عن وائل بن حجر وشعبة جعله من رواية حجر عن علقمة بن وائل عن وائل والدارقطني ذكر رواية الثوري وصححها ولم يره منقطعا بزيادة شعبة علقمة بن وائل في الوسط وفيه نظر ولهذه العلة لم يصححه الترمذي والله أعلم.

(3/144)


929 - حدثنا مُخَلدُ بنُ خَالِدٍ الشّعِيرِيّ أخبرنا ابنُ نُمَيْرٍ أخبرنا العَلاء بنُ صَالحٍ
__________
التلخيص: سنده صحيح وصححه الدارقطني وأهله ابن القطان بحجر بن عنبس وأنه يعرف وأخطأ في ذلك، بل هو ثقة معروف قيل له صحبته ووثقه يحيى بن معين وغيره وتصحف اسم أبيه على ابن حزم فقال فيه حجر بن قيس وهو مجهول وهو غير مقبول منه انتهى. قال المنذري: وأخرجه والترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي حديث حسن. قلت: في رواية الترمذي "مد بها صوته" مكان "رفع بها صوته" وليس المراد من المد إلا رفع الصوت بها. قال الشيخ عبد الحق المحدث الدهلوي في اللمعات: قوله "مد بها صوته" أي بكلمة آمين يحتمل الجهر بها ويحتمل مد الألف على اللغة الفصيح، والظاهر هو الأول بقرينة الروايات الأخر، ففي بعضها يرفع بها صوته هذا صريح في معنى الجهر. وفي رواية ابن ماجه "حتى يسمعها الصف الأول فيرتج بها المسجد" وفي بعضها "يسمع من كان في الصف الأول" رواه أبو داوود وابن ماجه انتهى. وقال الحافظ في التلخيص: احتج الرافعي بحديث وائل أي الذي بلفظ "مد بها صوته" على استحباب الجهر بآمين. وقال في أماليه: يجوز حمله على أنه تكلم على لغة المد دون القصر من جهة اللفظ، ولكن رواية من قال رفع صوته تبعد هذا الاحتمال. ولهذا قال الترمذي عقبة وبه يقول غير واحد يرون أنه يرفع صوته. انتهى. والحديث يدل على استنان الجهر بآمين. قال الترمذي: وبه يقول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن بعدهم يرون أن يرفع الرجل صوته بالتأمين ولا يخفيها، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق انتهى. وقال مالك في رواية والحنفية بالسر بها، وحجتهم ما أخرجه أحمد وأبو يعلي والحاكم من حديث شعبة عن سلمة بن كهيل عن حجر أبي العنبس عن علقمة بن وائل عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغ غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال آمين وأخفي به صوته" ولفظ الحاكم "خفض صوته" لكن قد أجمع الحفاظ منهم البخاري وغيره أن شعبة وهم في قوله خفض صوته وإنما هو مد صوته. قال الترمذي في جامعه: سمعت محمداً يقول حديث سفيان أصح من حديث شعبة في هذا وأخطأ شعبة في مواضع من هذا الحديث فقال عن حجر أبي العنبس وإنما هو حجر بن عنبس ويكني أبا السكن، وزاد فيه عن علقمة بن وائل وليس فيه عن علقمة وإنما هو حجر بن عنبس عن وائل بن حجر وقال وخفض بها صوته وإنما هو مد بها صوته. قال الترمذي: وسألت أبا زرعة عن هذا الحديث فقال حديث سفيان في هذا أصح. قال روي العلاء بن صالح الأسدي عن سلمة بن كهيل نحو رواية سفيان انتهى. وطعن صاحب التنقيح. في حديث شعبة هذا بأنه قد روى عنه خلافه كما أخرجه البيهقي في سننه عن أبي الوليد الطيالسي حدثنا شعبة عن سلمة بن كهيل سمعت حجراً أبا عنبس يحدث عن وائل

(3/145)


عن سَلَمَةَ ابنِ كُهَيْلٍ عن حُجْرٍ بنِ عَنْبَسَ عن وَائِلِ بنِ حُجْرٍ: أنّهُ صَلّى خَلْفَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فَجَهَرَ بِآمِينَ وَسَلّمَ عن يَمِينِهِ وَعن شِمَالِهِ حَتّى رَأيْتُ بَيَاضَ خَدّهِ.
930 - حدثنا نَصْرُ بنُ عَلِيّ أنْبأنَا صَفْوَانُ بنُ عِيسَى عن بِشْرِ بنِ رَافِعٍ عن أبي عبد الله عَمّ أبي هُرَيْرَةَ عن أبي هُرَيْرةَ رَضِيَ الله عَنْهُ قال: كَانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا
__________
الحضرمي "أنه صلى خلف النبي صلى الله عليه وسلم فلما قال ولا الضالين قال آمين رافعاً به صوته" قال فهذه الرواية توافق رواية سفيان. وقال البيهقي في المعرفة إسناد هذه الرواية صحيح، وكان شعبة يقول سفيان أحفظ وقال يحيى القطان ويحيى بن معين: إذا خالف شعبة سفيان فالقول قول سفيان. قال وقد أجمع الحفاظ البخاري وغيره على أن شعبة أخطأ فقد روى من أوجه فجهر بها انتهى. وقال الإمام ابن القيم في اعلام الموقعين عن رب العالمين: قال البيهقي لا أعلم اختلافاً بين أهل العلم بالحديث أن سفيان وشعبة إذا اختلفا فالقول قول سفيان. وقال يحيى بن سعيد: ليس أحد أحب إلى من شعبة ولا يعد له عندي أحد وإذا خالفه سفيان أخذت بقول سفيان وقال شعبة: سفيان أحفظ مني انتهى. وقال الدارقطني في سننه بعد إخراج حديث شعبة: ويقال أنه وهم فيه لأن سفيان الثوري ومحمد بن سلمة بن كهيل وغيرهما رووه عن سلمة فقالوا ورفع صوته بآمين وهو الصواب انتهى وقال الحافظ في التلخيص: وقد رجحت رواية سفيان بمتابعة اثنين له بخلاف شعبة فلذلك جزم النقاد بأن روايته أصح. إنتهى. فقد تحصل لك من هذا كله أمور، الأول أن شعبة خالف سفيان في قوله خفض بها صوته وأخطأ فيه، والثاني أنه اتفق المحدثون على أن سفيان وشعبة إذا اختلفا في شيء فالقول قول سفيان، والثالث أنه روى شعبة نفسه موافقاً لرواية سفيان بلفظ "فلما قال ولا الضالين قال آمين رافعاً به صوته والرابع أنه تابع سفيان في الرفع العلاء بن صالح ومحمد بن سلمة بن كهيل عن سلمة، والخامس أنه لم يتابع شعبة أحد في الخفض، فهذه الأمور تدل على أن رواية شعبة شاذة ضعيفة فالاستدلال بها على الإسرار بآمين ليس بصحيح.
"عن وائل بن حجر أنه صلى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فجهر بآمين" : رواه علي بن صالح عن سلمة بن كهيل عن حجر بن عنبس عن وائل فتابع على ابن صالح في الجهر سفيان الثوري كما تابعه فيه العلاء بن صالح ومحمد بن سلمة وقد مر ذكرهما.
"عن بشر بن رافع": قال في الخلاصة: بشر بن رافع الحرثي أبو الأسباط إمام مسجد نجران عن يحيى بن أبي كثير، وعنه حاتم بن إسماعيل وعبد الرزاق وثقه ابن معين وابن عدي.

(3/146)


تَلاَ {غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضّالّينَ} قال: "آمِينَ" حَتّى يَسْمَعَ مَنْ يَلِيهِ مِنَ الصّفّ الأوّلِ.
931 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن سُمَيّ مَوْلَى أبي بَكْرٍ عن أبي صَالحٍ السّمّانِ عن أبي هُرَيْرَةَ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "إذَا قَالَ الإمَامُ : {غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضّالّينَ} . فقُولُوا: آمِين فإنّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ المَلاَئِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".
__________
وقال البخاري لا يتابع "إذا تلا" : أي قرأ "قال آمين حتى يسمع من يليه من الصف الأول" : وفي رواية ابن ماجه "حتى يسمعها أهل الصف الأول فيرتج بها المسجد" : والحديث أخرجه أيضاً الدارقطني وقال إسناده حسن، والحاكم وقال صحيح على شرطهما، والبيهقي وقال حسن صحيح. قاله في النيل. وهذا الحديث أيضاً يدل على الجهر بالتأمين ويشهد لحديث سفيان المذكور.
"فقولوا آمين" : هو بالمد والتخفيف في جميع الروايات وعن جميع القراء، وحكي أبو نصر عن حمزة والكسائي الإمالة وفيه ثلاث لغات أخر شاذة القصر حكاه ثعلب وأنشد له شاهداً وأنكره ابن درستويه وطعن في الشاهد بأنه لضرورة الشعر، وحكى عياض ومن تبعه عن ثعلب إنما أجازه في الشعر خاصة والثانية التشديد مع المد، والثالثة التشديد مع القصر، وخطأهما جماعة من أئمة اللغة وآمين من أسماء الأفعال ويفتح في الوصل لأنها مثل كيف ومعناه اللهم استجب عند الجمهور، وقيل غير ذلك ما يرجع جميعه إلى هذا المعنى. وقيل إنه اسم لله حكاه صاحب القاموس عن الواحدي. قال الإمام الخطابي في معالم السنن: معنى قوله عليه السلام إذا قال ولا الضالين فقولوا آمين أي مع الإمام حتى يقع تأمينكم وتأمينه معاً، فأما قوله عليه السلام إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه لا يخالفه ولا يدل على أنهم يؤخرونه عن وقت تأمينه وإنما هو كقول القائل إذا رحل الأمير فارحلوا، يعني إذا أخذ الأمير للرحيل فتهيؤا للارتحال لتكون رحلتكم مع رحلته، وبيان هذا في الحديث الآخر "إن الإمام يقول آمين والملائكة تقول آمين فمن وافق تأمينه الملائكة غفر الله له ما تقدم من ذنبه" وأحب أن يجمع التأمينان في وقت
__________
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله :
وروى الحاكم حديث أبي هريرة في المستدرك بلفظ آخر من حديث الزهري عن أبي سلمة وسعيد عن أبي هريرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من أم القرآن رفع صوته وقال آمين قال الحاكم هذا حديث حسن صحيح.

(3/147)


932 - حدثنا الَقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن ابنِ شِهَابٍ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ وَ أبي سَلَمَةَ بنِ عبد الرحمن أنّهُمَا أخْبَرَاهُ عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذَا أمّنَ الإمَامُ فأمّنُوا فإنّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينَهُ تَأْمِينَ المَلاَئِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".
__________
رجاء المغفرة انتهى. والحديث يدل على مشروعية التأمين للمأموم والجهر به وقد ترجم الإمام البخاري باب جهر المأموم بالتأمين وأورد فيه هذا الحديث قال الحافظ في الفتح: قال الزين بن المنير مناسبة الحديث مترجمة من جهة أن في الحديث الأمر بقول آمين والقول إذا وقع به الخطاب مطلقاً حمل على الجهر ومتى أريد به الإسرار أو حديث النفس قيد بذلك. وقال ابن رشيد: تؤخذ المناسبة منه من جهات منها أنه قال إذا قال الإمام فقولوا مقابل القول بالقول والإمام إنما قال ذلك جهراً فكان الظاهر الاتفاق في الصفة ومنها أنه قال فقولوا ولم يقيده بجهر ولا غيره وهو مطلق في سياق الإثبات، وقد عمل به في الجهر بدليل، ما تقدم يعني في مسألة الإمام، والمطلق إذا عمل به في صورة لم يكن حجة في غيرها باتفاق، ومنها أنه تقدم أن المأموم مأمور بالاقتداء بالإمام وقد تقدم أن الإمام يجهر فلزم جهره بجهره انتهى. قال الحافظ: وهذا الأخير سبق إليه ابن بطال، وتعقب بأنه يستلزم أن يجهر المأموم بالقراءة لأن الإمام جهر بها، لكن يمكن أن ينفصل عنه بأن الجهر بالقراءة خلف الإمام قد نهي عنه فبقي التأمين داخلاً تحت عموم الأمر باتباع الإمام، ويتقوى ذلك بما تقدم عنه عن عطاء أن من خلف ابن الزبير كانوا يؤمنون جهراً. وروى البيهقي من وجه آخر عن عطاء قال أدركت مائتين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المسجد إذا قال الإمام {وَلا الضَّالِّينَ} سمعت لهم رجة بآمين" انتهى "فإنه من وافق قوله قول الملائكة" : قال النووي: واختلف في هؤلاء الملائكة، فقيل هم الحفظة وقيل غيرهم لقوله صلى الله عليه وسلم "من وافق قوله قول أهل السماء" : وأجاب الأولون بأنه إذا قاله الحاضرون من الحفظة قاله من فوقهم حتى ينتهي إلى أهل السماء والمراد بالموافقة الموافقة في وقت التأمين فيؤمن مع تأمينهم قاله النووي "غفر له ما تقدم من ذنبه" : ظاهره غفران جميع الذنوب الماضية وهو محمول عند العلماء على الصغائر قالة الحافظ. قال المنذري: وأخرجه البخاري والنسائي.
"إذا أمن الإمام فأمنوا" : ظاهره أن المؤتم يوقع التأمين عند تأمين الإمام، وظاهر الرواية المذكورة آنفاً أنه يوقعه عند قول الإمام {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} ، وجمع الجمهور بين الروايتين بأن المراد بقوله إذا أمن أي أراد التأمين ليقع تأمين الإمام والمأموم معاً. قال الحافظ: ويخالفه رواية معمر عن ابن شهاب بلفظ "إذا قال الإمام {وَلا الضَّالِّينَ} فقولوا آمين فإن

(3/148)


قال ابنُ شِهَابٍ: وكَانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: "آمِينَ".
933 - حدثنا إسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ بنِ رَاهَوَيْهِ أنْبأنَا وَكِيعٌ عن سُفْيَانَ عن عَاصِمٍ عن أبي عُثْمَانَ عن بِلاَلٍ: أنّهُ قال: يا رسولَ الله لاَ تَسْبِقْنِي بِآمِينَ.
__________
الملائكة تقول آمين والإمام يقول آمين" قال أخرجها النسائي وابن السراج وهو صريح في كون الإمام يؤمن. وقيل المراد بقوله إذا قال ولا الضالين فقولوا آمين أي ولو لم يقل الإمام آمين، وقيل الأول لمن قرب من الإمام والثاني لمن تباعد عنه لأن جهر الإمام بالتأمين أخفض من جهره بالقراءة. وقيل يؤخذ من الروايتين تخيير المأموم في قولها مع الامام أو بعده قاله الطبري. قال الخطابي: وهذه الوجوه كلها محتملة وليست بدون الوجه الذي ذكروه يعني الجمهور كذا في النيل.
والحديث يدل على جهر الإمام بالتأمين، ووجه الدلالة أنه لو لم يكن التأمين مسموعاً للمأموم لم يعلم به، وقد علق تأمينه بتأمينه، وأجيب بأنه موضعه معلوم فلا يستلزم الجهر به، وفيه نظر، لاحتمال أن يخل به فلا يستلزم علم المأموم به، وقد روى روح ابن عبادة عن مالك في هذا الحديث قال ابن شهاب "وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال ولا الضالين جهر بآمين" أخرجه السراج ولابن حبان من رواية الزبيدي في حديث الباب عن ابن شهاب "كان إذا فرغ من قراءة أم القرآن رفع صوته وقال آمين" قاله الحافظ. وقال الخطابي: فيه دليل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجهر بآمين ولولا جهر به لم يكن لمن يتحرى متابعة في التأمين على سبيل المداركة طريق إلى معرفته فدل على أنه كان يجهر به جهراً يسمعه من ورائه. وقد روى وائل بن حجر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ {وَلا الضَّالِّينَ} قال آمين رفع به صوته" وقد رواه أبو داوود بإسناده في هذا الباب انتهى. "قال ابن شهاب وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول آمنين": هو متصل إليه برواية مالك عنه، وأخطأ من زعم أنه معلق ثم هو من مراسيل ابن شهاب وروى عنه موصولاً أخرجه الدارقطني في الغرائب والعلل من طريق حفص بن عمر والعدني عن مالك عنه وقال الدارقطني تفرد به حفص بن عمرو وهو ضعيف قاله الحافظ. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلي والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"عن بلال": هو ابن رباح المؤذن مولى أبي بكر رضي الله عنه "قال يا رسول الله لا تسبقني بآمين" : قال الحافظ: رجاله ثقات لكن قيل إن أبا عثمان لم يلق بلالاً وقد روى عنه بلفظ إن بلالاً قال وهو ظاهر الإرسال، ورجحه الدارقطني وغيره على الموصول انتهى. وروى عبد الرزاق نحو قول بلال عن أبي هريرة بلفظ "كان أبي هريرة يدخل المسجد وقد قام الإمام فيناديه فيقول لا

(3/149)


934 - حدثنا الْوَلِيدُ بنُ عُتْبَةَ الدّمَشْقِيّ وَ مَحْمُودُ بنُ خَالِدٍ قالا أخبرنا الْفِرْيَابِيّ عن صُبَيْحِ بنِ مُحْرِزٍ الْحِمْصِيّ حدثني أبُو مُصَبّحٍ المَقْرَائِيّ قال: كُنّا نَجْلِسُ إلَى أبي زُهَيْرٍ النّمَيْرِيّ، وَكَانَ مِنَ الصّحَابَةِ، فَيَتَحَدّثُ أحْسَنَ الحديثِ فَإذَا دَعَا الرّجُلُ مِنّا بِدُعَاءٍ قال: اخْتِمْهُ بِآمِينَ، فإنّ آمِينَ مِثْلَ الطّابَعِ عَلَى الصّحِيفَةِ. قال أبُو زُهَيْرٍ: أُخْبِرُكُم عن ذَلِكَ، خَرَجْنَا مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَأتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ قَدْ ألَحّ في المَسْألَةِ، فَوَقَفَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَسْتَمِعُ مِنْهُ. فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "أوْجَبَ إنْ خَتَمَ" فقال رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: بِأيّ شَيْءٍ يَخْتِمُ، فقال: "بِآمِينَ، فَإنّهُ إنْ خَتَمَ بِآمِينَ فَقَدْ أوْجَبَ"، فَانْصَرَفَ الرّجُلُ الّذِي
__________
تسبقني بآمين" ورواه البخاري في صحيحه تعليقاً بلفظ "لا تفتني بآمين" وهو بمعنى لا تسبقني. قال الحافظ: مراد أبي هريرة أن يؤمن مع الإمام داخل الصلاة، وقد تمسك به بعض المالكية في أن المأموم لا يؤمن وقال معناه لا تنازعني بالتأمين الذي هو من وظيفة المأموم وهذا تأويل بعيد انتهى. قلت: ورواية بلال تضعف هذا التأويل لأن بلالاً لا يقع منه ما حمل هذا القائل كلام أبي هريرة عليه. قال الحافظ: وقد جاء عن أبي هريرة من وجه آخر أخرجه البيهقي من طريق حماد عن ثابت عن أبي رافع قال: كان أبو هريرة يؤذن لمروان فاشترط أن لا يسبقه بالضالين حتى يعلم أنه دخل في الصف وكأنه كان يشتغل بالاقامة وتعديل الصفوف وكان مروان يبادر إلى الدخول في الصلاة قبل فراغ أبي هريرة وكان أبو هريرة ينهاه عن ذلك انتهى.
"عن صبيح": قال في الخلاصة: صبيح بالفتح ابن محرز آخره زاي المقرائي بضم الميم الحمصي وقيده ابن ماكولا بالضم وكذا عبدالغني عن عمرو بن قيس السكوني: وعنه محمد بن يوسف الفريابي وثقه ابن حبان "أبو مصبح": بموحدة مكسورة بعد الصاد المهملة المفتوحة على وزن محدث "المقرائي": بهمزة مكسورة بعد راء ممدودة كذا ضبطه في الخلاصة. وقال الحافظ في التقريب: بفتح الميم والراء بينهما قاف ثم همزة قبل ياء النسبة ويأتي بسط الكلام فيه " فإن آمين مثل الطابع على الصحيفة" : الطابع بفتح الباء الخاتم يريد أنها تختم على الدعاء وترفع كفعل الأنسان بما يعز عليه "ذات ليلة" : أي ساعة من ساعات ليلة "قد ألح في المسألة" : أي بالغ في السؤال والدعاء من الله تعالى "أوجب" : أي الجنة لنفسه، يقال أوجب الرجل إذا فعل فعلاً وجبت له به الجنة أو النار أو المغفرة لذنبه أو الأجابة لدعائه. قاله في المرقاة "إن ختم" : أي المسألة "فقال رجل من القوم بأي شيء يختم فقال بآمين" : قال الطيبي: فيه دلالة على أن من دعا يستحب له أن يقول آمين بعد دعائه وإن كان الإمام يدعو والقوم يؤمنون فلا حاجة إلى تأمين الإمام اكتفاء بتأمين المأموم انتهى: قال علي القاري:

(3/150)


سَألَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فأتَى الرّجُلُ فقال: "اخْتِمْ يَا فُلاَنُ بِآمِينَ وَأبْشِرْ" وهذا لَفْظُ محمُودٌ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَالْمُقْرِي قَبِيلٌ مِنْ حِمْيَرَ.
__________
وفيه نظر إذ القياس على الصلاة أن يؤمن الإمام أيضاً وأما في الخارج فينبغي أن بجمع كل بين الدعاء والتأمين "فأتى الرجل" : أي الذي قد ألح في المسألة "قال أبو داوود والمقري قبيل من حمير": قال المنذري: هكذا ذكر غيره. وذكر أبو سعيد المروزي أن هذه النسبة إلى مقراً قرية بدمشق والأول أشهر. ويقال بضم الميم وفتحها وصوب بعضهم الفتح. وقال أبو زهير النميري قيل اسمه فلان بن شرحبيل، وقال أبو حاتم الرازي إنه غير معروف بكنيته فكيف يعرف اسمه؟ وذكر له أبو عمر والنمري هذا الحديث وقال ليس إسناده بالقائم ومصبح بضم الميم وفتح الصاد المهملة وكسر الباء الموحدة وتشديدها وبعدها حاء مهملة انتهى قال في غاية المقصود تحت قوله. والمقري قبيل من حمير ما نصه قال في تاج العروس شرح القاموس: مقرء بن سبيع بن الحارث بن مالك بن زيد على وزن مكرم بطن من حمير وبه عرف البلد الذي باليمنى لنزوله وولده هناك. ونقل الرشاطي عن الهمداني مقري بن سبيع بوزن معطي قال فإذا نسبت إليه شددت الباء وقد شدد في الشعر. قال الرشاطي: وقد ورد في الشعر مهموزاً أي مقرء. قال الحافظ عبد الغني بن سعيد الهمداني عليه المعول في نساب الحميريين وقال الحافظ الذهبي في كتاب المشتبه والمختلف: مقراً بن سبيع بطن من بني جشم وهو بضم الميم وبفتحها وآخره همزة مقصورة والنسبة إليه مقرأي ويكتب بألف هي صورة الهمزة ليفرق بينه وبين المقرئ من القراءة: وقال ابن الكلبي بفتح الميم والنسبة إليه مقرائي والمحدثون يضمونه وهو خطأ، ومنهم أبو المصبح المقرائي حدث عنه صبيح بن محرز المقرائي الحمصي انتهى كلامه.
واعلم أن المصنف رحمه الله تعالى قد ذكر في باب التأمين وراء الإمام سبعة أحاديث، ومناسبة الحديث الرابع والخامس والسادس للباب ظاهرة، وأما الأول والثاني والثالث فحيث أن المأموم أمر باتباع الإمام في شأنه كله إلا فيما نهى عنه وقال النبي صلى الله عليه وسلم "صلوا كما رأيتموني" فلما أمن النبي صلى الله عليه وسلم وكان إماماً ثبت التأمين للمقتدي المأموم وأما السابع فحيث أن فاتحة الكتاب دعاء فمن قرأها إماماً أو مأموماً أو منفرداً داخل الصلاة أو خارجها يؤمن عقبها والله أعلم.

(3/151)


171 - باب التصفيق في الصلاة
935 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا سُفْيَانُ عن الزّهْرِيّ عن أبي سَلَمَةَ عن أبي هُرَيْرَةَ قال قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "التّسْبِيحُ لِلرّجَالِ وَالتّصْفِيقُ لِلنّسَاءِ".
936 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن أبي حَازِمِ بنِ دِينَارٍ عن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ: أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ذَهَبَ إلَى بَنِي عَمْرِو بنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ، وَحَانَتِ الصّلاَةُ، فَجَاءَ الْمُؤَذّنُ إلَى أبي بَكْرٍ رَضِيَ الله عَنْهُ فقال: أتُصَلّي بالنّاسِ فأُقِيمَ؟ قال: نَعَمْ، فَصَلّى أبُو بَكْرٍ، فَجَاءَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وَالنّاسُ في الصّلاَةِ فَتَخَلّصَ حَتّى وَقَفَ في الصّفّ،
__________
باب التصفيق في الصلاة
"التسبيح للرجال والتصفيق للنساء" : فيه أن السنة لمن نابه شيء في صلاته كإعلام من يستأذن عليه وتنبيه الإمام وغير ذلك أن سبح "يسبح" إن كان رجلاً فيقول سبحان الله وأن تصفق إن كان امرأة فتضرب بطن كفها الأيمن على ظهر كفها الأيسر ولا تضرب بطن كف على بطن كف على وجه اللهو واللعب. فإن فعلت هكذا على جهة اللعب بطلت صلاتها لمنافاته الصلاة، قاله النووى. وكأن منع النساء من التسبيح لأنها مأمورة بخفض صوتها في الصلاة مطلقاً لما يخشى من الافتتان، ومنع الرجال من التصفيق لأنه من شأن النساء. قاله الحافظ. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"ذهب إلى بني عمرو بن عوف" : ابن مالك بن الأوس أحد قبيلتي الأنصار وهما الأوس والخزرج، وبنو عمرو بن عوف بطن كبير من الأوس فيه عدة أحياء كانت منازلهم بقباء "ليصلح بينهم" : وللبخاري في الصلح من طريق محمد ابن جعفر عن أبي حازم أن أهل قباء اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: اذهبوا بنا نصلح بينهم. وله في الأحكام من طريق حماد بن زيد عن أبي حازم أن توجهه كان بعد أن صلى الظهر "وحانت الصلاة" : أي قرب وقتها، والمراد بالصلاة صلاة العصر، وفي رواية للبخاري فلما حضرت صلاة العصر "فجاء المؤذن" : هو بلال كما تدل عليه الرواية الآتية "فأقيم" : بالنصب ويجوز الرفع "فصلى أبو بكر" : أي دخل في الصلاة وفي رواية عبد العزيز ابن أبي حازم عن أبيه عند البخاري وتقدم أبو بكر فكبر، وفي رواية المسعودي عن أبي حازم فاستفتح أبو بكر الصلاة، وهي عند الطبراني. قال الحافظ في الفتح: وبهذا يجاب عن الفرق بين المقامين حيث امتنع أبو بكر هنا أن يستمر إماماً، وحيث استمر في مرض موته صلى الله عليه وسلم حين صلى خلفه الركعة الثانية من الصبح كما صرح به

(3/152)


فَصََفّقَ النّاسُ، وَكَانَ أبُو بَكْرٍ لاَ يَلْتَفِتُ في الصّلاَةِ، فَلَمّا أكْثَرَ النّاسُ التّصْفِيقَ الْتَفَتَ فَرَأى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فأشَارَ إلَيْهِ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أنِ امْكُثْ مَكَانَكَ، فَرَفَعَ أبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ فَحَمِدَ الله عَلَى مَا أمَرَهُ بِهِ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ ذَلِكَ، ثُمّ اسْتَأْخَرَ أبُو بَكْرٍ حَتّى اسْتَوَى في الصّفّ، وَتَقَدّمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فَصَلّى، فَلَمّا انْصَرَفَ قال: "يا أبَا بَكْرٍ مَا مَنَعَكَ أنْ تَثْبُتَ إذْ أمَرْتُكَ؟" قال أبُو بَكْرٍ: مَا كَانَ لابنِ أبي قُحَافَةَ أنْ يُصَلّيَ بَيْنَ يَدَيْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَالِي رَأيْتُكُم أكْثَرْتُمْ منَ التّصْفِيحِ، مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ في صَلاَتِهِ فَلْيُسَبّحْ فَإنّهُ إذَا سَبّحَ أُلْتِفَتَ إلَيْهِ وَإنّمَا التّصْفِيحُ لِلنّسَاءِ".
__________
موسى بن عقبة في المغازي، فكأنه لما أن مضى معظم الصلاة حسن الاستمرار، ولما أن لم يمضي منها إلا اليسير لم يستمر، وكذا وقع لعبد الرحمن بن عوف حيث صلى النبي صلى الله عليه وسلم خلفه الركعة الثانية من الصبح فإنه استمر في صلاته إماماً لهذا المعنى. وقصة عبد الرحمن عند مسلم من حديث المغيرة بن شعبة "فتخلص" : وفي رواية للبخاري فجاء النبي صلى الله عليه وسلم يمشي في الصفوف يشقها شقاً حتى قام في الصف الأول "وكان أبو بكر لا يلتفت" : قيل كان ذلك لعلمه بالنهي عن ذلك وقد صح أنه اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد وقد تقدم "فرفع أبو بكر يديه فحمد الله" : ظاهره أنه تلفظ بالحمد "يا أبا بكر ما منعك أن تثبت إذ أمرتك" : فيه سؤال الرئيس عن سبب مخالفة أمره قبل الزجر عن ذلك، وفيه إكرام الكبير بمخاطبته بالكنية واعتماد ذكر الرجل لنفسه بما يشعر بالتواضع من جهة استعمال أبي بكر خطاب الغيبة مكان الحضور إذ كان حد الكلام أن يقول أبو بكر ما كان لي فعدل عنه إلى قوله ما كان لابن أبي قحافة لأنه أدل على التواضع من الأول "أن يصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم" : أي يؤمه كما في بعض الروايات "أكثرتم من التصفيح" : هو التصفيق، وظاهره أن الإنكار إنما حصل عليهم لكثرته لا لمطلقه "من نابه" : أي أصابه "فليسبح" : أي فليقل سبحان الله "التفت إليه" : بضم المثناة على البناء للمجهول.
قال الخطابي: في هذا الحديث أنواع من الفقه منها تعجيل الصلاة في أول الوقت، ألا ترى أنهم لما حانت الصلاة ورسول الله صلى الله عليه وسلم غائب لم يؤخروها انتظاراً له. ومنها أن الالتفات في الصلاة لا يبطلها ما لم يتحول المصلي عن القبلة بجميع بدنه. ومنها أنه عليه السلام لم يأمرهم بإعادة الصلاة كما صفقوا بأيديهم، وفيه أن التصفيق سنة النساء في الصلاة وهو معنى التصفيح المذكور في أول الحديث وهو أن يضرب بظهور أصابع اليمنى صفح الكف من اليسرى، ومنها أن تقدم المصلي عن مصلاه وتأخره عن مقامه لحاجة تعرض له غير مفسد صلاته ما لم تطل ذلك، ومنها إباحة رفع اليدين في الصلاة والحمد لله تعالى والثناء عليه في أضعاف

(3/153)


قَالَ أبُو دَاوُدَ: وهذا في الْفَرِيضَةِ.
937 - حدثنا عَمْرُو بنُ عَوْنٍ أنْبأنَا حماد بنُ زَيْدٍ عن أبي حَازِمٍ عن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ قال: كَانَ قِتَالٌ بَيْنَ بَنِي عَمْرِو بنِ عَوْفٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ[ذاك] النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فأتَاهُمْ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ بَعْدَ الظّهْرِ، فقال لِبِلاَلٍ: "إنْ حَضَرَتْ صَلاَةُ [الصلاة] الْعَصْرِ وَلَمْ آتِكَ فَمُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلّ بِالنّاسِ"، فَلَمّا حَضَرَتِ الْعَصْرُ أذّنَ بِلاَلٌ ثُمّ أقَامَ ثُمّ أمَرَ أبَا بَكْرٍ فَتَقَدّمَ . قال في آخِرِهِ: "إذَا نَابَكُمْ شَيْءٌ في الصّلاَةِ فَلْيُسَبّحْ الرّجَالُ وَلْيُصَفّحْ النّسَاءُ".
938 - حدثنا محمُودُ بنُ خَالِدٍ أخبرنا أبو الْوَلِيدُ أخبرنا [الْوَلِيدُ] عن عِيسَى بنِ أيّوبَ قال: قَوْلُهُ: "التّصْفِيحُ لِلنّسَاءِ" تَضْرِبُ بِإصْبَعَيْنِ من يَمِينِهَا عَلَى كَفّهَا الْيُسْرَى.
__________
القيام عند ما يحدث للمرء من نعمة الله ويتجدد له من صنع الله تعالى، ومنها جواز الصلاة بإمامين أحدهما بعد الآخر، ومنها جواز الأئمام بصلاة من لم يلحق أول الصلاة وفيه أن سنة الرجال عند ما ينوبهم شيء في الصلاة التسبيح، وفيه أن المأموم إذا سبح يريد بذلك إعلام الإمام لم يكن ذلك مفسداً للصلاة. انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"إن حضرت صلاة العصر ولم آتك، فمر أبا بكر فليصل بالناس" : هذا لا يخالف ما تقدم من قول بلال لأبي بكر أتصلي بالناس، لأنه يحمل على أنه استفهمه هل يبادر أول الوقت أو ينتظر قليلاً ليأتي النبي صلى الله عليه وسلم ورجح عند أبي بكر المبادرة لأنها فضيلة متحققة فلا تترك لفضيلة متوهمة "قال في آخره": أي آخر الحديث "فليسبح الرجال وليصفح النساء" : واعلم أنه قال مالك وغيره في قوله صلى الله عليه وسلم التصفيق للنساء أي هو من شأنهن في غير الصلاة، وهو على جهة الذم له ولا ينبغي فعله في الصلاة لرجل ولا امرأة، وتعقب بهذه الرواية فإنها بصيغة الأمر فهي ترد ما تأوله أهل هذه المقالة. قال القرطبي: القول بمشروعية التصفيق للنساء. هو الصحيح خبراً ونظراً.
"عن عيسى بن أيوب قال": أي عيسى "قوله التصفيح للنساء تضرب بإصبعين من يمينها على كفها اليسرى": هذا يدل على أن التصفيح غير التصفيق لأن التصفيح غير التصفيق لأن التصفيق الضرب بباطن الراحة على الأخرى. قال زين الدين العراقي: والمشهور أن معناها واحد. قال عقبة: والتصفيح التصفيق. وكذا قال أبو علي البغدادي والخطابي والجوهري. قال ابن حزم: لا خلاف في أن التصفيح والتصفيق بمعنى واحد وهو الضرب بإحدى صفحتي الكف على الأخرى. قال العراقي: وما ادعاه من نفي الخلاف ليس بجيد بل فيه قولان آخران أنهما مختلفاً المعنى أحدهما أن التصفيح الضرب بظاهر إحداهما على الأخرى والتصفيق الضرب بباطن إحداهما

(3/154)


__________
على باطن الأخرى، حكاه صاحب الإكمال وصاحب المفهم، والقول الثاني أن التصفيح الضرب بإصبعين للإنذار والتنبيه، وبالقاف بالجميع للهو واللعب.

(3/155)


172 - باب الإشارة في الصلاة
939- حدثنا أحْمَدُ بنُ مُحَمّدِ بنِ شَبّويَةَ المَرْوَزِيّ وَمُحَمّدُ بنُ رَافِعٍ قالا أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ أنْبأنَا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن أنَسِ بنِ مَالِكٍ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُشِيرُ في الصّلاَةِ .
943 - حدثنا عبد الله بنُ سَعِيدٍ أخبرنا يُونُسُ بنُ بُكَيْرٍ عن مُحَمّدِ بنِ إسْحَاقَ عن يَعْقُوبَ بنِ عُتْبَةَ بنِ الأخْنَسِ عن أبي غَطْفَانَ عن أبي هُرَيْرَةَ قال قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "التّسْبِيحُ لِلرّجَالِ" - يَعْني في الصّلاَةِ، "وَالتّصْفِيقُ لِلنّسَاءُ"، مَنْ أشَارَ في صَلاَتِهِ إشَارَةً تُفْهَمُ عَنْهُ فَلْيَعُدْ لَهَا" - يَعْني الصّلاَةَ . قَالَ أبُو دَاوُدَ: هذا الحديثُ وَهْمٌ.
__________
باب الإشارة في الصلاة
"كان يشير في الصلاة" : فيه جواز الإشارة في الصلاة لحاجة كرد السلام وغيره.
"من أشار في صلاته إشارة تفهم" : على البناء للمجهول "عنه" : الضمير يرجع إلي من. والحديث يدل على عدم جواز الإشارة المفهمة لكنه ضعيف. قال المؤلف رحمه الله: هذا الحديث وهم. قلت: وقد صححت الإشارة المفهمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من رواية أم سلمة في حديث الركعتين بعد العصر ومن حديث عائشة وجابر لما صلى بهم جالساً في مرض له فقاموا خلفه، فأشار إليهم أن أجلسوا، وقد تقدم أحاديث الإشارة في الصلاة لرد السلام. قال في النيل: وفي إسناد حديث أبي هريرة هذا أبو غطفان، قال ابن أبي داوود هو رجل مجهول قال: وآخر الحديث زيادة، والصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يشير في الصلاة. قال العراقي قلت وليس بمجهول فقد روى عنه جماعة ووثقه النسائي وابن حبان وهو أبو عطفان المري. قيل اسمه سعيد.اهـ. وعلى فرض صحته ينبغي أن تحمل الإشارة المذكورة في الحديث على الإشارة لغير رد السلام والحاجة جمعاً بين الأدلة.

(3/155)


173- باب مسح الحصا في الصلاة
941 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا سُفْيَانُ عن الزّهْرِيّ عن أبي الأحْوَصِ - شَيخٌ مِنْ أهْلِ المَدِينَةِ - أنّهُ سَمِعَ أبَا ذَرّ يَرْوِيهِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "إذَا قَامَ أحَدُكُم إلَى الصّلاَةِ فإنّ الرّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ فَلاَ يَمْسَحِ الْحَصَا".
942 - حدثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ أخبرنا هِشَامٌ عن يَحْيَى عن أبي سَلَمَةَ عن مُعَيْقِيبٍ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "لاَ تَمْسَحْ وَأنْتَ تُصَلّي، فإنْ كُنْتَ لاَ بُدّ فَاعِلاً فَوَاحِدَةٌ تَسْوِيَةَ الْحَصَا".
__________
باب مسح الحصا في الصلاة
"عن أبي الأحوص شيخ من أهل المدينة": قال المنذري: وقد تقدم أن أبا الأحوص هذا لا يعرف اسمه وقد تكلم فيه يحيى بن معين وغيره. انتهى. "إذا قام أحدكم إلى الصلاة" : أي شرع فيها "فإن الرحمة تواجهه" : أي تنزل عليه وتقبل إليه "فلا يمسح الحصا" : هي الحجارة الصغيرة. والتقييد بالحصى خرج مخرج الغالب لكونه كان الغالب على فرش مساجدهم، ولا فرق بينه وبين التراب والرمل على قول الجمهور، ويدل على ذلك قوله في حديث معيقيب عند البخاري في الرجل يسوي التراب: والمراد بقوله إذا قام أحدكم إلى الصلاة الدخول فيها فلا يكون منهياً عن مسح الحصى إلا بعد دخوله، ويحتمل أن المراد قبل الدخول حتى لا يشتغل عند إرادة الصلاة إلا بالدخول فيها. قال العراقي: والأول أظهر، ويرجحه حديث معيقيب فإنه سأل عن مسح الحصى في الصلاة دون مسحه عند القيام، كما في رواية الترمذي قاله الشوكاني. وقال الخطابي في المعالم: يريد بمسح الحصى تسويته ليسجد عليه وكان كثير من العلماء يكرهون ذلك، وكان مالك بن أنس لا يرى به بأساً ويسوي في صلاته غير مرة انتهى. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه.
"عن معيقيب": بالمهملة وبالقاف وآخره موحدة مصغر هو ابن أبي فاطمة الدوسي حليف بني عبد شمس كان من السابقين الأولين "لا تمسح" : أي الحصى "وأنت تصلي" : جملة حالية أي في حال الصلاة "فإن كنت لا بد فاعلاً لذلك فواحدة" : بالنصب أي فافعل فعلة واحدة أو مرة واحدة لا أزيد منها. قال الحافظ: ويجوز الرفع فيكون التقدير فالجائز واحدة أو فيجوز واحدة أو فمرة واحدة تكفي أو تجوز "تسوية الحصا" : أي لأجل تسوية الحصا. وحديث معيقيب أخرجه الأئمة الستة.

(3/156)


174 - باب الرجل يصلى مختصرا
[باب الاختصار في الصلاة]
943 - حدثنا يَعْقُوبُ بنُ كَعْبٍ حدثنا مُحَمّدُ بنُ سَلَمَةَ عن هِشَامٍ عن مُحَمّدٍ عن أبي هُرَيْرَةَ قال: نَهَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن الاخْتِصَارِ في الصّلاَةِ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: يَعْني يَضَعُ يَدَهُ عَلَى خَاصِرَتِهِ.
__________
باب الرجل يصلى مختصرا
"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاختصار في الصلاة" : قال النووي: اختلف العلماء في معنى الاختصار، فالصحيح الذي عليه المحققون والأكثرون من أهل اللغة والغريب والمحدثين، وبه قال أصحابنا في كتب المذهب أن المختصر هو الذي يصلي ويده على خاصرته. وقال الهروي: قيل هو أن يأخذ بيده عصا يتوكأ عليها. وقيل أن يختصر السورة فيقرأ من آخرها آية أو آيتين، وقيل هو أن يحذف فلا يمد قيامها وركوعها وسجودها وحدودها، والصحيح الأول. قيل نهى عنه لأنه فعل اليهود، وقيل فعل الشيطان وقيل لأن إبليس هبط من الجنة كذلك، وقيل لأنه فعل المتكبرين انتهى "قال أبو داوود يعني يضع يده على خاصرته": هذا هو الصحيح في معنى الاختصار. قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي بنحوه.
وقد ترجم المؤلف أبو داوود رحمه الله تعالى قبل باب التخصر والإقعاء وأورد فيه حديث زياد بن صبيح الحنفي قال:صليت إلى جنب ابن عمر فوضعت يدي على خاصرتي الحديث، وترجم ههنا باب الرجل يصلي مختصراً، وأورد فيه حديث أبي هريرة، ومفاد الترجمتين والحديثين واحد، فلا أدري في الإعادة فائدة إلا أن يقال إن لفظ الحديث نهي عن الاختصار كان محتملاً للمعاني منها أن يختصر السورة فيقرأ من آخرها آية أو آيتين، ولما كان هذا المعنى في الظاهر موافقاً للفظ أورد الباب بهذا اللفظ لكن ترجح عند المؤلف غير هذا المعنى الظاهر لو رود هذا الحديث بلفظ آخر، والحديث يفسر بعضه بعضاً، ولذا عقبه بقوله قال أبو داوود يعني يضع يده على خاصرته. ولفظ البخاري نهى عن الخصر في الصلاة . قال التوربشتي فسرا لخصر بوضع اليد على الخاصرة وهو صنع اليهود والخصر لم يفسر على هذا الوجه في شيء من كتب اللغة ولم أطلع عليه إلى الآن. والحديث على هذا الوجه أخرجه البخاري، ولعل بعض الرواة ظن أن الخصر يرد بمعنى الاختصار وهو وضع اليد على الخاصرة، وفي رواية

(3/157)


__________
أخرى له قد نهى أن يصلي الرجل مختصراً، وكذا رواه مسلم والدارمي والترمذي والنسائي، وفي رواية المؤلف نهى عن الاختصار في الصلاة، فتبين أن المعتبر هو الاختصار لا الخصر.
قال الطيبي: رده هذه الرواية على مثل هذه الأئمة المحدثين بقوله لم يفسر الخصر بهذا الوجه في شيء من كتب اللغة لا وجه له، لأن ارتكاب المجاز والكناية لم يتوقف على السماع بل على العلاقة المعتبرة وبيانه أن الخصر وسط الإنسان، والنهي لما ورد عليه علم أن المراد النهي عن أمر يتعلق به، ولما اتفقت الروايات على أن المراد وضع اليد على الخاصرة وجب حمله عليه وهو من الكناية، فإن نفي الذات أقوى من نفي الصفة ابتداء انتهى كلامه.

(3/158)


175 - باب الرجل يعتمد في الصلاة على عصا
944 - حدثنا عَبْدُ السّلاَمِ بنُ عبد الرحمن الْوَابِصِيّ أخبرنا أبي عن شَيْبَانَ عن حُصَيْنِ بنِ عبد الرحمن عن هِلاَلِ بنِ يَسَافٍ قال: قَدِمْتُ الرّقّةَ فقالَ لِي بَعْضُ أصْحَابِي: هَلْ لَكَ في رَجُلٍ مِنْ أصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم؟ قال قُلْتُ: غَنِيمَةٌ. فَدَفَعْنَا إلَى وَابِصَةَ، قُلْتُ لِصَاحِبِي: نَبْدَأُ فَنَنْظُرُ إلَى دَلّهِ، فإذَا عَلَيْهِ قَلَنْسُوَةٌ لاَطِيَةٌ ذَاتُ أُذُنَيْنِ وَبُرْنُسُ خَزَ أغْبَرُ وَإذَا هُوَ مُعْتَمِدٌ عَلَى عَصاً في صَلاَتِهِ، فَقُلْنَا بَعْدَ أنْ سَلّمْنَا، فقال حَدّثَتْني أُمّ قَيْسٍ بِنْتُ مِحْصَنٍ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لَمّا أسَنّ وَحَمَلَ اللّحْمَ اتّخَذَ عُمُوداً[عودا] في مُصَلاّهُ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ .
__________
باب الرجل يعتمد في الصلاة على عصا
"قدمت الرقة" : بفتح الراء المهملة وفتح القاف المشددة بلد بالشام "هل لك في رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم" : أي هل لك رغبة في لقائه "قلت غنيمة" : أي فقلت نعم لقائه غنيمة "فدفعنا" : أي ذهبنا "نبدأ فننظر إلى دله" : قال في القاموس: الدل كالهدى وهما من السكينة والوقار وحسن المنظر "فإذا عليه قلنسوة لاطية" : أي لازقة بالرأس ملصقة به "وبرنس خز" : قال ابن الأثير: الخز: ثياب تنسح من صوف وإبريسم وهي مباحة وقد لبسها الصحابة والتابعون وقال غيره: الخز اسم دابة ثم أطلق على الثوب المتخذ من وبرها وقال الترمذي: أصله من وبر الأرنب ويسمي ذكره الخز، وقيل إن الخز ضرب من ثياب الإبريسم وقيل غير ذلك. والبرنس كل ثوب رأسه منه ملتزق به من دراعة أو جبة أو غيره، ويجيء تحقيق لبس الخز في موضعه إن شاء الله تعالى "أغبر" : أي كأن لونه لون التراب "فقلنا" : أي في اعتماده على العصا في الصلاة "لما أسن" : أي كبر "وحمل اللحم" : أي ضعف أو كثر اللحم "اتخذ عموداً في مصلاه يعتمد عليه" : فيه جواز

(3/158)


__________
الاعتماد على العمود والعصا ونحوهما لكن القيد بالعذر المذكور وهو الكبر وكثرة اللحم ويلحق بهما الضعيف والمرض ونحوهما. قال العلامة الشوكاني في النيل: وقد ذكر جماعة من العلماء أن من احتاج في قيامه إلى أن يتكيء على عصا أو على عكاز أو يستند إلى حائط أو يميل على أحد جانبيه جاز له ذلك، وجزم جماعة من أصحاب الشافعي باللزوم وعدم جواز القعود مع إمكان القيام مع الاعتماد، ومنهم المتولي والأذرعي، وكذا قال باللزوم ابن قدامة الحنبلي. وقال القاضي حسين من أصحاب الشافعي: لا يلزم ذلك ويجوز القعود. انتهى ملخصاً.
قلت: قد ثبت اعتماد الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين على العصا في صلاة التراويح، فقد روى مالك في الموطإ عن السائب بن يزيد قال: "أمر عمر أبي بن كعب وتميماً الداري أن يقوما للناس في رمضان بإحدى عشرة ركعة، فكان القارىء يقرأ بالمئتين حتى كنا نعتمد على العصا من طول القيام فما كنا ننصرف إلا في فروع [بزوغ] الفجر".

(3/159)


176 - باب النهي عن الكلام في الصلاة
945 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ عِيسَى أخبرنا هُشَيْمٌ أنْبأنَا إسْمَاعِيلُ بنُ أبي خَالِدٍ عن الْحَارِثِ ابنِ شُبَيْلٍ عن أبي عَمْرِو الشّيْبَانِيّ عن زَيْدِ بنِ أرْقَمَ قال: كَانَ أحَدُنَا يُكَلّمُ الرّجُلَ إلَى جَنْبِهِ في الصّلاَةِ، فَنَزَلَتْ {وَقُومُوا لله قَانِتِينَ} فأُمِرْنَا بالسّكُوتِ وَنُهِينَا عن الْكَلاَمِ.
__________
باب النهي عن الكلام في الصلاة
"عن الحارث بن شبيل": بضم الشين المعجمة وفتح الموحدة مصغراً "كان أحدنا يكلم الرجل إلى جنبه في الصلاة" : وفي رواية البخاري: "إن كنا نتكلم في الصلاة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يكلم أحدنا صاحبه بحاجته" فنزلت {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}: أي ساكتين. قال في النيل: فيه إطلاق القنوت على السكوت.
قال زين الدين العراقي في شرح الترمذي: وذكر ابن العربي أن له عشرة معان قال:وقد نظمتها في بيتين بقولي:
ولفظ القنوت اعدد معانيه تجد ... مزيداً على عشرة معاني مرضيه
دعاء خشوع والعبادة طاعة ... إقامتها إقرارنا بالعبودية
سكوت صلاة والقيام وطوله ... كذاك دوام الطاعة الرابح الفيه

(3/159)


.........................
__________
وفي رواية البخاري حتى نزلت. قال الحافظ: ظاهر في أن نسخ الكلام في الصلاة وقع بهذه الآية فيقتضي أن النسخ وقع بالمدينة لأن الآية مدينة باتفاق فيشكل ذلك على قول ابن مسعود إن ذلك وقع لما رجعوا من عند النجاشي وكان رجوعهم من عنده إلى مكة، وذلك أن بعض المسلمين هاجر إلى الحبشة ثم بلغهم أن المشركين أسلموا، فرجعوا إلى مكة فوجدوا الأمر بخلاف ذلك واشتد الأذى عليهم فخرجوا إليها أيضاً فكانوا في المرة الثانية أضعاف الأولى وكان ابن مسعود مع الفريقين، واختلف في مراده بقوله: فلما رجعنا هل أراد الرجوع الأول والثاني. فجنح القاضي أبو الطيب الطبري وآخرون إلى الأول وقالوا كان تحريم الكلام بمكة، وحملوا حديث زيد على أنه وقومه لم يبلغهم النسخ وقالوا: لا مانع أن يتقدم الحكم ثم تنزل الآية بوفقه. وجنح آخرون إلى الترجيح فقالوا يترجح حديث ابن مسعود بأنه حكي لفظ النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف زيد بن أرقم فلم يحكه. وقال آخرون: إنما أراد ابن مسعود رجوعه الثاني، وقد ورد أنه قدم المدينة والنبي صلى الله عليه وسلم يتجهز إلى بدر.
وفي مستدرك الحاكم من طريق أبي إسحاق عن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن مسعود قال: "بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي ثمانين رجلاً" فذكر الحديث بطوله وفي آخره: "فتعجل عبد الله بن مسعود فشهد بدراً" وفي السير لابن إسحاق أن المسلمين بالحبشة لما بلغهم أن النبي صلى الله عليه وسلم هاجر إلى المدينة رجع منهم إلى مكة ثلاثة وثلاثون رجلاً فمات منهم رجلان بمكة وحبس منهم سبعة وتوجه إلى المدينة أربعة وعشرون رجلاً فشهدوا بدراً، فعلى هذا كان ابن مسعود من هؤلاء فظهر أن اجتماعه بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد رجوعه كان بالمدينة، وإلى هذا الجمع نحا الخطابي ولم يقف من تعقب كلامه على مستنده، ويقوي هذا الجمع رواية كلثوم المتقدمة فإنها ظاهرة في أن كلا من ابن مسعود وزيد بن أرقم حكى أن الناسخ قوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} انتهى. "فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام" : قوله نهينا عن الكلام ليس للجماعة وإنما زاده المؤلف ومسلم، واستدل به على أن الأمر بالشيء ليس نهياً عن ضده إذا لو كان كذلك لم يحتج إلى قوله ونهينا عن الكلام. وأجيب بأن دلالته على ضده دلالة التزام ومن ثم وقع الخلاف فلعله ذكر لكونه أصرح والله أعلم.
والحديث يدل على تحريم الكلام في الصلاة. قال الحافظ: أجمعوا على أن الكلام في الصلاة من عالم بالتحريم عامد لغير مصلحتها أو إنقاذ مسلم مبطل لها واختلفوا في الساهي والجاهل فلا يبطلها القليل منه عند الجمهور، وأبطلها الحنفية مطلقاً واختلفوا في أشياء أيضاً كمن جرى على لسانه بغير قصد أو تعمد إصلاح الصلاة لسهو دخل على إمامه، أو لإنقاذ مسلم

(3/160)


__________
لئلا يقع في مهلكة، أو فتح على إمامه، أو سبح لمن مر به، أو رد السلام، أو أجاب دعوة أحد والديه، أو أكره على الكلام، أو تقرب بقربة كأعتقت عبدي الله، ففي جميع ذلك خلاف محل بسطه كتب الفقه. قال ابن المنير في الحاشية: الفرق بين قليل الفعل للعامد فلا يبطل وبين قليل الكلام أن الفعل لا تخلو منه الصلاة غالباً لمصلحتها وتخلو من الكلام الأجنبي غالباً مطرد انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.

(3/161)


177 - باب في صلاة القاعد
946 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ قُدَامَةَ بنِ أعْيَنَ أخبرنا جَرِيرٌ عن مَنْصُورٍ عن هِلاَلٍ - يَعْني ابنَ يَسَافٍ - عن أبي يَحْيَى عن عبد الله بنِ عَمْرٍو قال: حُدّثْتُ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "صَلاَةُ الرّجُلِ قَاعِداً نِصْفُ الصّلاَةِ"، فأتَيْتُهُ فَوَجَدْتُهُ يُصَلّي جَالِساً، فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى رَأْسِي، فقالَ "مَا لَكَ يَا عبد الله بنَ عَمْرٍو؟" قلت: حُدّثْتُ يا
__________
باب في صلاة القاعد
"قال حدثت": على البناء للمجهول أي حدثني الناس من الصحابة "صلاة لرجل قاعداً نصف الصلاة" : أي قائماً.
قال النووي: معناه أن ثواب القاعد فيها نصف ثواب القائم، فيتضمن صحتها ونقصان أجرها. قال: وهذا الحديث محمول على صلاة النفل قاعداً مع القدرة على القيام فهذا له نصف ثواب القائم، وأما إذا صلى النفل قاعداً لعجزه عن القيام فلا ينقص ثوابه بل يكون كثوابه قائماً، وأما الفرض فإن الصلاة قاعداً مع قدرته على القيام لم يصح فلا يكون فيه ثواب بل يأثم. قال أصحابنا وإن استحله كفر وجرت عليه أحكام المرتدين كما لو استحل الربا والزنا أو غيره من المحرمات الشائعة التحريم، وإن صلى الفرض قاعداً لعجزه عن القيام، أو مضطجعاً لعجزه عن القيام والقعود فثوابه كثوابه قائماً لا ينقص باتفاق أصحابنا فيتعين حمل الحديث في تنصيف الثواب على من صلى النفل قاعداً مع قدرته على القيام. هذا تفصيل مذهبنا وبه قال الجمهور في تفسير هذا الحديث، وحكاه القاضي عياض عن جماعة منهم الثوري وابن الماجشون، وحكي عن الباجي من أئمة المالكية أنه حمله على المصلي فريضة لعذر أو نافلة لعذر أو لغير عذر. قال: وحمله بعضهم على من له عذر يرخص في القعود في الفرض والنفل ويمكنه القيام بمشقة. انتهى "فوضعت يدي على رأسي" : أي بالتعجب، وفي رواية مسلم: "فوضعت يدي على رأسه" قال على القاري: أي ليتوجه إليه وكأنه كان هناك مانع من أن يحضر بين يديه، ومثل هذا لا يسمي خلاف الأدب عند طائفة العرب لعدم تكلفهم وكمال

(3/161)


رسولَ الله أنّكَ قُلْتَ: "صَلاَةُ الرّجُلِ قَاعِداً نِصْفُ الصّلاَةِ"، وَأنْتَ تُصَلّي قَاعِداً. قال: "أجَلْ، وَلَكِنّي لَسْتُ كَأحَدٍ مِنْكُم".
947 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عن حُسَيْنٍ المُعَلّمِ عن عبد الله بنِ بُرَيْدَةَ عن عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ: أنّهُ سَألَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن صَلاَةِ الرّجُلِ قَاعِداً، فقال: "صَلاَتُهُ قَائِماً أفْضَلُ مِنْ صَلاَتِهِ قَاعِداً، وَصَلاَتُهُ قَاعِداً عَلَى النّصْفِ مِنْ صَلاَتِهِ قَائِماً، وَصَلاَتُهُ نَائِماً عَلَى النّصْفِ مِنْ صَلاَتِهِ قَاعِداً".
__________
تألفهم "ولكني لست كأحد منكم" : قال النووي: هو عند أصحابنا من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم فجعلت نافلته قاعداً مع القدرة على القيام كنافلته قائماً تشريفاً له كما خص بأشياء معروفة في كتب أصحابنا وغيرهم. وقال القاضي عياض: معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم لحقه مشقة من القيام بحطم الناس وللسن فكان أجره تاماً بخلاف غيره من لا عذر له هذا كلامه وهو ضعيف أو باطل لأن غيره صلى الله عليه وسلم إن كان معذوراً فثوابه أيضاً كامل، وإن كان قادراً على القيام فليس هو كالمعذور فلا يبقي فيه تخصيص، فلا يحسن على هذا التقدير لست كأحد منكم وإطلاق هذا القول، فالصواب ما قاله أصحابنا إن نافلته صلى الله عليه وسلم قاعداً مع القدرة على القيام ثوابها كثوابه قائماً وهو من الخصائص والله أعلم. انتهى. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي.
"إنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن صلاة الرجل" : ذكر الرجل خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له بل الرجل والمرأة في ذلك سواء "وصلاته قاعداً على النصف من صلاته قائماً" قال الخطابي: إنما هو في التطوع دون الفرض لأن الفرض لا يجوز للمصلي قاعداً والمصلي يقدر على القيام، وإذا لم يكن له جواز لم يكن لشيء من الأجر ثبات "وصلاته نائماً على النصف من صلاته قاعداً" : قال الخطابي في معالم السنن: لا أعلم أني سمعت هذه الرواية إلا في هذا الحديث ولا أحفظ عن أحد من أهل العلم رخص في صلاة التطوع نائماً كما رخص فيها قاعداً، فإن صحت هذه اللفظة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن من كلام بعض الرواة أدرجه في الحديث وقاسه على صلاة القاعد أو اعتبر بصلاة المريض نائماً إذا لم يقدر على القعود فإن التطوع مضطجعاً للقادر على القعود جائز كما يجوز للمسافر إذا تطوع على راحلته فأما من جهة القياس فلا تجوز أن يصلي قاعداً لأن القعود شكل من أشكال الصلاة وليس الاضطجاع في شيء من أشكال الصلاة. انتهى. وقال ابن بطال: وأما قوله من صلى نائماً فله نصف أجر القاعد فلا يصح معناه عند العلماء لأنهم مجمعون أن النافلة لا يصليها القادر على القيام إيماء، قال وإنما دخل الوهم على

(3/162)


948 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ سُلَيْمَانَ الأنْبَارِيّ أخبرنا وَكِيعٌ عن إبْرَاهِيمَ بنِ طَهْمَانَ عن حُسَيْنٍ المُعَلّمِ عن ابنِ بُرَيْدَةَ عن عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ قال: كَانَ بِيَ النّاصُورُ فَسَألْتُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: "صَلّ قَائِماً، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِداً، فإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ".
__________
ناقل الحديث. وتعقب ذلك العراقي فقال: أما نفي الخطابي وابن بطال للخلاف في صحة التطوع مضطجعاً للقادر فمردود، فإن في مذهب الشافعية وجهين الأصح منهما الصحة وعند المالكية - ثلاثة أوجه حكاها القاضي عياض في الإكمال أحدها الجواز مطلقاً في الاضطرار والاختيار للصحيح والمريض. وقد روى الترمذي بإسناده عن الحسن البصري جوازه فكيف يدعي مع هذا الخلاف القديم والحديث الاتفاق.اهـ. قال الطيبي وهل يجوز أن يصلي التطوع نائماً مع القدرة على القيام أو القعود، فذهب بعض إلى أنه لا يجوز، وذهب قوم إلى جوازه وأجره نصف القاعد وهو قول الحسن وهو الأصح والأولي لثبوته في السنة. انتهى.
قلت: من ذهب إلى الجواز هو الحق وهو الظاهر من الحديث والله تعالى أعلم. قال في النيل: واختلف شراح الحديث في الحديث هل هو محمول على التطوع أو على الفرض في حق غير القادر، فحمله الخطابي على الثاني وهو محمل ضعيف، لأن المريض المفترض الذي أتى بما يجب عليه من القعود والاضطجاع يكتب له جميع الأجر لا نصفه. قال ابن بطال: لا خلاف بين العلماء أنه لا يقال لمن لا يقدر على الشيء لك نصف أجر القادر عليه بل الآثار الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن من منعه الله وحبسه عن عمله بمرض أو غيره يكتب له أجر عمله وهو صحيح. انتهى. وحمله سفيان الثوري وابن الماجشون على التطوع، حكاه النووي عن الجمهور وقال: إنه يتعين حمل الحديث عليه انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"كان بي الناصور" : قال أبو سليمان الخطابي في معالم السنن: أهل اللغة ذكروا الناسور بالسين خاصة. كذا ذكره الأقلشي انتهى. وفي رواية البخاري "كانت بن بواسير" قال في الفتح: البواسير جمع باسور يقال بالموحدة وبالنون والذي بالموحدة ورم في باطن المقعدة، والذي بالنون قرحة فاسدة لا تقبل البرء ما دام فيها ذلك الفساد "فإن لم تستطع" : أي القيام "فقاعداً" : أي فصل قاعداً. ولم يبين في الحديث كيفية القعود فيؤخذ من إطلاقه جوازه على أي صفة شاء المصلي وهو قضية كلام الشافعي في البويطي، وقد اختلف في الأفضل، فعن الأئمة الثلاثة يصلي متربعاً، وقيل يجلس مفترشاً وهو موافق لقول الشافعي في مختصر المزني

(3/163)


949 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ عبد الله بنِ يُونُسَ أخبرنا زُهَيْرٌ أخبرنا هِشَامُ بنُ عُرْوَةَ عن عُرْوَةَ عن عَائِشَةَ قالت: مَا رَأيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ في شَيْءٍ مِنْ صَلاَةِ اللّيْلِ جَالِساً قَطّ حَتّى دَخَلَ في السّنّ فَكَانَ يَجْلِسُ فيها فَيَقْرَأُ حَتّى إذَا بَقِيَ أرْبَعِينَ أوْ ثَلاَثِينَ آيةً قَامَ فَقَرَأَهَا ثُمّ سَجَدَ.
950 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن عبد الله بنِ يَزِيدَ وَ أبي النّضْرِ عن أبي سَلَمَةَ بنِ عبد الرحمن عن عَائشةَ زَوْجِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلّي جَالِساً فَيقْرَأُ وَهُوَ جَالِسٌ، فإذَا بَقِيَ مِنْ قِرَاءَتِهِ قَدْرُ مَا يَكُونُ ثَلاَثِينَ أو أرْبَعِينَ آيةً قَامَ فَقَرَأَهَا وَهُوَ قَائِمٌ ثُمّ رَكَعَ ثُمّ سَجَدَ، ثُمّ يَفْعَلُ في الركْعَةِ الثّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ . قَالَ أبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ
__________
وصححه الرافعي ومن تبعة، وقيل متوركاً، وفي كل منها أحاديث كذا في الفتح "فإن لم تستطع" : أي القعود "فعلى جنب" : في حديث علي عند الدارقطني على جنبه الأيمن مستقبل القبلة بوجهه وهو حجة للجمهور في الانتقال من القعود إلى الصلاة على الجنب، وعن الحنفية وبعض الشافعية يستلقي على ظهره ويجعل رجليه إلى القبلة، ووقع في حديث علي أن حالة الاستلقاء تكون عند العجز عن حالة الاضطجاع، واستدل به من قال لا ينتقل المريض بعد عجزه عن الاستلقاء إلى حالة أخرى كالإشارة بالرأس ثم الإيماء بالطرف ثم إجراء القرآن والذكر على اللسان ثم على القلب لكون جميع ذلك لم يذكر في الحديث وهو قول الحنفية والمالكية وبعض الشافعية قال المنذري: وأخرجه البخاري والترمذي.
"حتى دخل في السن" : أي حتى كبر، وفي رواية البخاري "حتى أسن" "حتى إذا بقي أربعين أو ثلاثين آية قام" : قال النووي: فيه جواز الركعة الواحدة بعضها من قيام وبعضها من قعود وهو مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة وعامة العلماء، وسواء قام ثم قعد أو قعد ثم قام، ومنعه بعض السلف وهو غلط وحكي القاضي عن أبي يوسف ومحمد صاحبي أبي حنيفة في آخرين كراهة القعود بعد القيام، ولو نرى القيام ثم أراد أن يجلس جاز عندنا وعند الجمهور. وجوزه من المالكية ابن القاسم ومنعه أشهب. انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.
"فإذا بقي من قراءته قدر ما يكون ثلاثين أو أربعين آية قام فقرأها وهو قائم" : فيه إشارة إلى أن الذي كان يقرؤه قبل أن يقوم أكثر لأن البقية تطلق في الغالب على الأقل، وفيه أنه لا يشترط لمن افتتح النافلة قاعداً أن يركع قاعداً أو قائماً أن يركع قائماً. قال المنذري: وأخرجه

(3/164)


علْقَمَةُ بنْ وَقّاصٍ عن عَائشةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ.
951 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ قال سَمِعْتُ بُدَيْلَ بنَ مَيْسَرَةَ وَ أيّوبَ يُحَدّثَانِ عن عبد الله بن شَقِيقٍ عن عَائشةَ قالت: كَانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُصَلّي لَيْلاً طَوِيلاً قَائِماً وَلَيْلاً طَوِيلاً قَاعِداً، فإذَا صَلّى قَائِماً رَكَعَ قَائِماً، وَإذَا صَلّى قَاعِداً رَكَعَ قَاعِداً.
952 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ أنْبأنَا كَهْمَسُ بنُ الْحَسَنِ عن عبد الله بنِ شَقِيقٍ قال: سَألْتُ عَائشةَ: أكَانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ السّورَةَ في رَكْعَةٍ؟ قالت: المُفَصّّلَ. قال قُلْتُ: فَكَانَ يُصَلّي قَاعِداً، قالت: حِينَ حَطَمَهُ النّاسُ.
__________
البخاري ومسلم والنسائي "قال أبو داوود رواه علقمة بن وقاص عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه": وصله مسلم قال حدثنا ابن نمير قال أخبرنا محمد بن بشر قال أخبرنا محمد بن عمرو قال حدثني محمد بن إبراهيم عن علقمة بن وقاص قال "قلت لعائشة كيف كان يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الركعتين وهو جالس؟ قالت: كان يقرأ فيهما فإذا أراد أن يركع قام فركع" لكن بين هذه الرواية وبين الرواية المذكورة في الكتاب فرق وهو أن هذه الرواية تدل على أنه صلى الله عليه وسلم يجلس في الركعتين ويقرأ ويتم القراءة جالساً فإذا أراد أن يركع يقوم فيركع، والرواية المذكورة في الكتاب، تدل على أنه يجلس في الركعتين ويقرأ لكن لا يتم القراءة جالساً، بل إذا بقي قدر ما يكون ثلاثين آية أو أربعين آية يقوم ويقرأ قائماً ثم يركع.
"فإذا صلي قائماً ركع قائماً وإذا صلى قاعداً ركع قاعداً" : هذا الحديث يدل على أن المشروع لمن قرأ قائماً أن يركع ويسجد من قيام، ومن قرأ قاعداً أن يركع ويسجد من قعود. والحديث الذي قبله يدل على جواز الركوع من قيام لمن قرأ قاعداً ويجمع بين الحديثين بأنه صلى الله عليه وسلم كان يفعل مرة كذا ومرة كذا. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه.
"قالت المفصل" : أي قالت عائشة نعم يقرأ في ركعة السورة من المفصل وهو من ق إلى آخر القرآن على الصحيح، وسمي مفصلاً لكثرة الفصل بين سورة بالبسملة على الصحيح "حين حطمه الناس" : قال الهروي في تفسيره: يقال حطم فلان أهله إذا كبر فيهم كأنه لما حمله من أمورهم وأثقالهم والاعتناء بمصالحهم صيروه شيخاً محطوماً، والحطم كسر الشيء اليابس ذكره النووي.

(3/165)


178 - باب كيف الجلوس في التشهد
953 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا بِشْرُ بنُ المُفَضّلِ عن عَاصِمِ بنِ كُلَيْبٍ عن أبِيهِ عن وَائِلِ بنِ حُجرٍ قال: قُلْتُ لأَنْظُرَنّ إلَى صَلاَةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم كَيْفَ يُصَلّي. قال: فَقَامَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَكَبّرَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتّى حَاذَتَا بِأُذُنَيْهِ، ثُمّ أخَذَ شِمَالَهُ بِيَمِينِهِ، فَلَمّا أرَادَ أنْ يَرْكَعَ رَفَعَهُمَا مِثْلَ ذَلِكَ. قال: ثُمّ جَلَسَ فَافْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى وَحَدّ مِرْفَقِهِ الأيْمَنِ[اليمنى] عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى وَقَبَضَ ثِنْتَيْنِ وَحَلّقَ حَلْقَةً وَرَأيْتُهُ يَقُولُ هكذَا، وَحَلّقَ بِشْرٌ الإبْهَامَ وَالوُسْطَى وَأشَارَ بالسّبّابَةِ.
__________
باب كيف الجلوس في التشهد
"ثم جلس فافترش رجله اليسرى" : أي وجلس على باطنها ونصب اليمنى "وحد" : بصيغة الماضي مشددة الدال بعد الواو العاطفة "مرفقة" : بكسر الميم وفتح الفاء ويعكس "الأيمن على فخذه اليمنى" : قيل أصل الحد المنع والفصل بين الشيئين ومنه سمي المنا هي حدود الله، والمعنى فصل بين مرفقه وجنبه ومنع أن يلتصقا في حال استعلائهما على الفخذ كذا قاله الطيبي. وقال المظهر أي رفع مرفقه عن فخذه وجعل عظم مرفقة كأنه رأس وتد فجعله مشدد الدال من الحدة. وقال الأشرف: ويحتمل أن يكون وحد مرفوعاً مضافاً إلى المرفق عَلى الابتداء وقوله على فخذه الخبر والجملة حال وأن يكون منصوباً عطفاً على مفعول وضع أي وضع يده اليسرى على فخذه اليسرى ووضع حد مرفقه اليمنى على فخذه اليمنى، نقله ميرك وكتب تحته وفيه نظر، ولعل وجه النظر أن وضع حد المرفق لا يثبت عن أحد العلماء ولا دلالة على ما قاله على ما قيل في حديث صححه البيهقي وهو أنه عليه السلام جعل مرفقه اليمنى على فخذه اليمنى كما لا يخفي كذا في المرقاة. وقال ابن رسلان يرفع طرف مرفقه من جهة العضد عن فخذه حتى يكون مرتفعاً عنه كما يرتفع الوتد عن الأرض ويضع طرفه الذي من جهة الكف على طرف فخذه الأيمن انتهى "وقبض ثنتين" : أي الخنصر والبنصر من أصابع اليمنى "وحلق" : بتشديد اللام "حلقة" : بسكون اللام وتفتح أي أخذ إبهامه بأصبعه الوسطى كالحلقة "ورأيته" : أي النبي صلى الله عليه وسلم "يقول" : أي يفعل "وحلق بشر" :أي ابن المفضل "وأشار بالسبابة" : قال العلماء خصت السبابة بالإشارة لاتصالها بنياط القلب فتحريكها سبب لحضوره. قال في السبل: وموضع الإشارة عند قوله لا إله إلا الله لما رواه البيهقي من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وينوي

(3/166)


.........................
__________
بالإشارة التوحيد والإخلاص فيه فيكون جامعاً في التوحيد بين الفعل والقول والاعتقاد ولذلك نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الإشارة بالأصبعين وقال أحد أحد لمن رآه يشير بأصبعيه انتهى. قال الإمام الخطابي في معالم السنن: في هذا الحديث إثبات الإشارة بالسبابة، وكان بعض أهل العراق لا يرى الإشارة بالسبابة وفيه إثبات التحليق بالإبهام والوسطي. وكان بعض أهل المدينة لا يرى التحليق وقال يقبض أصابعه الثلاث ويشير بالسبابة، وكان بعضهم يرى أن يحلق فيضع أنملته الوسطى بين عقدي الإبهام، وإنما السنة أن يحلق برؤوس الأنامل من الإبهام والوسطي حتى يكون كالحلقة المستديرة لا يفضل من جوانبها شيء انتهى.
واعلم أنه قد ورد في وضع اليمنى على الفخذ حال التشهد هيئات، إحداها التحليق كما في حديث الباب، والثانية ما أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا جلس في الصلاة وضع يده اليمنى على ركبتيه اليمنى وعقد ثلاثة وخمسين وأشار بالسبابة. قال الحافظ في التلخيص: صورتها أن يجعل الإبهام معترضة تحت المسبحة، والثالثة قبض كل الأصابع والإشارة بالسبابة كما في حديث ابن عمر عند مسلم بلفظ "كان إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى وقبض أصابعه كلها وأشار بأصبعه التي تلي الإبهام، ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى، والرابعة ما أخرجه مسلم من حديث ابن الزبير بلفظ "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قعد يدعو وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى ويده اليسرى على فخذه اليسرى وأشار بأصبعه السبابة ووضع إبهامه على أصبعه الوسطي ويلقم كفه اليسرى ركبته. والخامسة وضع اليد اليمنى على الفخذ من غير قبض والإشارة بالسبابة. وقد أخرج مسلم رواية أخرى عن ابن الزبير تدل على ذلك لأنه اقتصر فيها على مجرد الوضع والإشارة، وكذلك أخرج عن ابن عمر ما يدل على ذلك، وكذلك أخرج المؤلف والترمذي من حديث أبي حميد بدون ذكر القبض، اللهم إلا أن تحمل الرواية التي لم يذكر فيها القبض على الرواية التي فيها القبض حمل المطلق على المقيد.
واعلم أن قوله في حديث ابن عمر وعقد ثلاثاً وخمسين إشارة إلى طريقة معروفة تواطأت عليها العرب في عقود الحساب وهي أنواع من الآحاد والعشرات والمئين والألوف، أما الآحاد فللواحد عقد الخنصر إلى أقرب ما يليه من باطن الكف، وللاثنين عقد البنصر معها كذلك، وللثلاثة عقد الوسطي معها كذلك، وللأربعة حل الخنصر معها كذلك، وللخمسة حل البنصر معها دون الوسطي، وللستة عقد البنصر وحل جميع الأنامل، وللسبعة بسطا الخنصر إلى أصل الإبهام مما يلي الكف، وللثمانية بسط البنصر فوقها كذلك، وللتسعة بسط الوسطي فوقها كذلك، وأما العشرات فلها الإبهام والسبابة، فللعشرة الأولى عقد رأس الإبهام على طرف

(3/167)


954 - حدثنا عبد الله بنُ مَسْلَمَةَ عن مَالِكِ عن عبد الرحمن بنِ الْقَاسِمِ عن عبد الله بنِ عبد الله عن عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ قال: سُنّةُ الصّلاَةِ أنْ تَنْصِبَ رِجْلَكَ الْيُمْنَى وَتَثْنِي رِجْلَكَ الْيُسْرَى .
__________
السبابة، وللعشرين إدخال الإبهام بين السبابة والوسطي، وللثلاثين عقد رأس السبابة على رأس الإبهام عكس العشرة، وللأربعين تركيب الإبهام على العقد الأوسط من السبابة وعطف الإبهام إلى أصلها، وللخمسين عطف الإبهام على أصلها وللستين تركيب السبابة على ظهر الإبهام عكس الأربعين، وللسبعين إلقاء رأس الإبهام على العقد الأوسط من السبابة ورد طرف السبابة إلى الإبهام، وللثمانين رد طرف السبابة إلى أصلها وبسط الإبهام على جنب السبابة من ناحية الإبهام، وللتسعين عطف السبابة إلى أصل الإبهام وضمها بالإبهام، وأما المئين فكالآحاد إلى تسع مائة في اليد اليسرى، والألوف كالعشرات في اليسرى. قال المنذري: وأخرجه النسائي ابن ماجه.
"عن عبد الرحمن بن القاسم": بن محمد أبي بكر الصديق "عن عبد الله بن عبد الله": بن عمر كما في الموطأ بن الخطاب المدني التابعي الثقة سمي باسم أبيه وكني بكنيته "عن عبد الله بن عمر": بن الخطاب. وفي رواية الموطأ مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم بن القاسم عن عبد الله بن عبد الله بن عمرانة أخبره، وكذا في رواية البخاري ولفظه حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن عبد الله بن عبد الله أنه أخبره. قال الحافظ في الفتح: هذا صريح في أن عبد الرحمن بن القاسم حمله عنه بلا واسطة، وقد اختلف فيه الرواة عن مالك فأدخل معن بن عيسى وغيره عنه فيه بين عبد الرحمن بن القاسم وعبد الله بن عبد الله القاسم بن محمد والد عبد الرحمن فكأن عبد الرحمن سمعه من أبيه عنه ثم لقيه أو سمعه منه معه وثبته فيه أبوه انتهى "قال سنة الصلاة" : هذه الصيغة حكمها الرفع إذا قالها الصحابي ولو بعد النبي صلى الله عليه وسلم بزمان كما هنا. قال العيني في شرح البخاري: تدل على أن هذا الحديث مسند لأن الصحابي إذا قال سنة فإنما يريد سنة النبي صلى الله عليه وسلم إما بقوله أو بفعل شاهد كذا قاله ابن التين انتهى "أن تنصب" : أي لا تلصقه بالأرض "وتثني" : بفتح أوله أي أن تعطف. قال الحافظ في الفتح: لم يبين في هذه الرواية ما يصنع بعد ثنيها هل يجلس فوقها أو يتورك، ووقع في الموطأ عن يحيى بن سعيد أن القاسم بن محمد أراهم الجلوس في التشهد فنصب رجله اليمنى وثنى اليسرى وجلس على وركه اليسرى ولم يجلس على قدمه ثم قال أراني هذا عبد الله بن عبد الله بن عمرو حدثني أن أباه كان يفعل ذلك انتهى.

(3/168)


955 - حدثنا ابنُ مُعَاذٍ حدثنا عَبْدُ الوَهّابِ قال سَمِعْتُ يَحْيَى قال سَمِعْتُ الْقَاسِمَ يقولُ أخبرني عبد الله بنُ عبد الله أنّهُ سَمِعَ عبد الله بنَ عُمَرَ يقولُ: مِنْ سُنّةِ الصّلاَةِ أنْ تُضْجِعَ رَجْلَكَ الْيُسْرَى وَتَنْصِبَ الْيُمْنَى.
956 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ حدثنا جَرِيرٌ عن يَحْيَى بِإسْنَادِهِ مِثْلَهُ. قَالَ أبُو دَاوُدَ: قال حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عن يَحْيَى أيْضاً مِنَ السّنّةِ كَمَا قال جَرِيرٌ.
957 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ أنّ الْقَاسِمَ بنَ مُحَمّدٍ أرَاهُم الْجُلُوسَ في التّشَهّدِ، فَذَكَرَ الحديثَ.
958 - حدثنا هَنّادُ بنُ السّرِيّ عن وَكِيعٍ عن سُفْيَانَ عن الزّبَيْرِ بنِ عَدِيّ عن
__________
"قال سمعت يحيى": بن سعيد الأنصاري وروى النسائي من طريق عمرو بن الحارث عن يحيى بن سعيد أن القاسم حدثه عن عبد الله بن عمر عن أبيه قال من سنة الصلاة أن تنصب اليمنى وتجلس على اليسرى انتهى.
"أن القاسم بن محمد أراهم": ولفظ الموطأ مالك عن يحيى بن سعيد أن القاسم بن محمد أراهم الجلوس في التشهد فنصب رجله اليمنى وثنى رجله اليسرى وجلس على وركه الأيسر ولم يجلس على قدمه ثم قال: أراني هذا عبد الله بن عبد الله بن عمرو حدثني أن أباه كان يفعل ذلك. فتبين من رواية القاسم ما أجمل في رواية ابنه، وإنما اقتصر البخاري والمؤلف على رواية عبد الرحمن لتصريحه فيها بأن ذلك هو السنة لاقتضاء ذلك الرفع بخلاف رواية القاسم. ورجح ذلك عند البخاري حديث أبي حميد المفصل بين الجلوس الأول والثاني على أن الصفة المذكورة قد يقال إنها لا تخالف حديث أبي حميد، لأن في الموطأ أيضاً عن عبد الله بن دينار التصريح بأن جلوس ابن عمر المذكور كان في التشهد الأخير وروى النسائي من طريق عمرو بن الحارث عن يحيى بن سعيد كما تقدم آنفاً، فإذا حملت هذه الرواية على التشهد الأول ورواية مالك على التشهد الأخير انتفي عنهما التعارض ووافق ذلك التفصيل المذكور في حديث أبي حميد قاله الحافظ.
"عن إبراهيم": بن يزيد النخعي فقيه أهل الكوفة. وأورد المزي هذه الرواية في الأطراف في كتاب المراسيل من رواية أبي داوود، وقال في ترجمة إبراهيم بن يزيد حديث كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جلس في الصلاة افترش رجله اليسرى. وتقدم في ترجمة عبد الله ابن عبد الله بن عمر عن

(3/169)


إبْرَاهِيمَ قال: كَانَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذَا جَلَسَ في الصّلاَةِ افْتَرَشَ رَجْلَهُ الْيُسْرَى حَتّى اسْوَدّ ظَهْرُ قَدَمِهِ .
__________
أبيه. انتهى كلام المزي "حتى اسود" : من السواد أي من كثرة ملابسة الأرض أو نحوها. وأعلم أن هذه الرواية الخمسة أي من قوله حدثنا عبد الله بن مسلمة إلى آخر دونه حدثنا هناد بن السري ليست في رواية اللؤلؤي، ولذا لم يذكرها المنذري في مختصره، ولم توجد في عامة النسخ وإنما وجدت في نسخة واحدة صحيحة، وذكرها المزي في الأطراف. وقال العيني في شرح البخاري في باب بيان سنة الجلوس في التشهد في ذكر من أخرج حديث عبيد الله بن عمر هذا غير البخاري ما نصه: أخرجه أبو داوود أيضاً في الصلاة عن القعنبي وعن عبيد الله بن معاذ وعن عثمان بن أبي شيبة وعن هناد بن السري، وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة عن الليث وعن الربيع بن سليمان. انتهى كلامه.

(3/170)


179 - باب من ذكر التورك في الرابعة
959 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا أبُو عَاصِمٍ الضّحّاكُ بنُ مَخْلَدٍ أنْبأنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ - يَعْني ابنَ جَعْفَرٍ - ح. وأخبرنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى أخبرنا عَبْدُ الْحَمِيدِ - يَعْني ابنَ جَعْفَرٍ - حدثني مُحَمّدُ بنُ عَمْرٍو عن أبي حُمَيْدٍ السّاعِدِيّ قال سَمِعْتُهُ في عَشْرَةٍ مِنْ أصْحَابِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم. وقال أَحْمَدُ قال أخبرني مُحَمّدُ بنُ عَمْرِو بنِ عَطَاءِ قال سَمِعْتُ أبَا حُمَيْدٍ السّاعِدِيّ في عَشْرَةٍ مِنْ أصْحَابِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مِنْهُمْ أبُو قَتَادَةَ. قال أبُو حُمَيْدٍ: أنَا أعْلَمُكُم بِصَلاَةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، قَالُوا: فأَعْرِضْ، فَذَكَرَ الحديثَ قال: وَيَفْتَخُ أصَابِعَ رِجْلَيْهِ إذَا سَجَدَ، ثُمّ يقولُ الله أكْبَرُ وَيَرْفَعُ وَيَثْنِي رِجْلَهُ الْيُسْرَى
__________
باب من ذكر التورك في الرابعة
"في عشرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم": أي في محضر عشرة يعني بين عشرة وحضرتهم "قالوا فاعرض": بهمزة وصل أي إذا كنت أعلم فاعرض في النهاية يقال عرضت عليه أمر كذا، أو عرضت له الشيء أظهرته وأبرزته إليه اعرض بالكسر لا غير أي بين علمك بصلاته عليه السلام إن كنت صادقاً فيما تدعيه لنوافقك إن حفظناه وإلا استنفدناه "ويفتخ" : بالخاء المعجمة "أصابع رجليه" : أي يثنيها ويلينها فيوجهها إلى القبلة. وفي النهاية أي يلينها فينصبها ويغمز

(3/170)


فَيَقْعُدُ عَلَيْهَا، ثُمّ يَصْنَعُ في الأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ؟ فَذَكَرَ الحديثَ قال: حتّى إذَا كَانَتِ السّجْدَةُ الّتي فيها التّسْلِيمُ أخّرَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَقَعَدَ مُتَوَرّكاً عَلَى شِقّهِ الأيْسَرِ. زَادَ أَحْمَدُ: قالُوا صَدَقْتَ، هكذَا كَانَ يُصَلّي، وَلَمْ يَذْكُرا في حَدِيثِهِمَا الْجُلُوسَ في الثّنْتَيْنِ كَيْفَ جَلَسَ .
__________
موضع المفاصل ويثنيها إلى باطن الرجل يعني حينئذ. قال وأصل الفتخ الكسر، ومنه قيل للعقاب فتخ لأنها إذا انحطت كسرت جناحها. قال ابن حجر المكي: والمراد ههنا نصبها مع الاعتماد على بطونها وجعل رؤوسها للقبلة لخبر الصحيحين "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم على الجبهة، وأشار بيده إلى أنفه واليدين والركبتين وأطراف القدمين" . ولخبر البخاري أنه عليه السلام سجد، واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة، ومن لازمها الاستقبال ببطونها والاعتماد عليها كذا في المرقاة "ويرفع" : أي رأسه مكبراً "ويثني" : بفتح الياء الأولى أي يعطف "حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم" : أي في عقبها التسليم "أخر" : أي أخرج رجله اليسرى أي من تحت مقعدته إلى الأيمن "متوركاً على شقه الأيسر" : أي مفضياً بوركه اليسرى إلى الأرض غير قاعد على رجليه.
قال الطيبي: التورك أن يجلس الرجل على وركه أي جانب إليته ويخرج رجله من تحته "قالوا" : أي العشرة من الصحابة "صدقت" : أي فيما قلت هكذا كان أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "ولم يذكر" : أي أحمد بن حنبل ومسدد "في الثنتين" : أي في الركعتين الأوليين "كيف جلس" : والمعنى أن أحمد بن حنبل ومسدداً لم يبينا في روايتهما كيفية الجلوس في الركعتين الأوليين، وأما غيرهما فقد صرح في حديث أبي حميد هذا بأنه صلى الله عليه وسلم جلس في الأوليين مفترشاً.
وفي حديث أبي حميد حجة قوية صريحة على أن المسنون في الجلوس في التشهد الأول الافتراش وفي الجلوس في الأخير التورك وهو مذهب الشافعي وهو الحق عندي والله تعالى أعلم.
قال النووي: اختلف العلماء في أن الأفضل في الجلوس في التشهدين التورك أم الافتراش، فمذهب مالك وطائفة تفضيل التورك فيهما، ومذهب الشافعي رحمه الله وطائفة يفترش في الأول ويتورك في الأخير لحديث أبي حميد الساعدي ورفقته في صحيح البخاري وهو صريح في الفرق بين التشهدين.
قال الشافعي رحمه الله تعالى: والأحاديث الواردة بتورك أو افتراش مطلقة لم يبين فيها

(3/171)


960 - حدثنا عِيسَى بنُ إبْرَاهِيمَ المِصْرِيّ أخبرنا ابن وَهْبٍ عن اللّيْثِ عن يَزِيدَ بنِ مُحَمّدٍ الْقُرَشِيّ وَيَزِيدَ بنِ أبي حَبِيبٍ عن مُحَمّدِ بنِ عَمْرِو بنِ حَلْحَلَةَ عن مُحَمّدِ بنِ عَمْرِو بنِ عَطَاءَ أنّهُ كَانَ جَالِساً مَعَ نَفَرٍ مِنْ أصْحَابِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بِهذا الحديثِ وَلَمْ يَذْكُرْ أبَا قَتَادَةَ قال: فإذَا جَلَسَ في الركْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى، فإذَا جَلَسَ في الركْعَةِ الأخِيرَةِ قَدّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَجَلَسَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ.
__________
أنه في التشهدين أو أحدهما، وقد بينه أبو حميد ورفقته ووصفوا الافتراش في الأول والتورك في الأخير، وهذا مبين فوجب حمل ذلك المجمل عليه والله أعلم انتهى.
وقد قيل في حكمة المغايرة بينهما أنه أقرب إلى عدم اشتباه عدد الركعات ولأن الأول تعقبه حركة بخلاف الثاني ولأن المسبوق إذ رآه علم قدر ما سبق به، واستدل به الشافعي أيضاً على أن تشهد الصبح كالتشهد الأخير من غيره لعموم قوله حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم، واختلف فيه قول أحمد والمشهور عنه اختصاص التورك بالصلاة التي فيها تشهدان. قال المنذري: وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه بنحوه.
"بهذا الحديث": أي المذكور "ولم يذكر": أي عيسى بن إبراهيم المصري "أبا قتادة": كما ذكره أحمد بن حنبل ومسدد في روايتهما المذكورة حيث قالا منهم أبو قتادة "فإذا جلس في الركعتين" : أي الأوليين "جلس على رجله اليسرى" : زاد البخاري ونصب اليمنى "فإذا جلس في الركعة الأخيرة قدم رجله اليسرى" : أي أخرجها من تحت مقعدته إلى الجانب الأيمن.
في هذا الحديث حجة قوية للشافعي ومن قال بقوله في أن هيئة الجلوس في التشهد الأول غير هيئة الجلوس في الأخير.
واعلم أن الحنفية ومن وافقهم حملوا هذا الحديث على العذر وعلى بيان الجواز وهو حمل يحتاج إلى دليل، وذكر في إثبات مذهبهم وهو الافتراش في التشهدين أحاديث لا يثبت بها مطلوبهم، منها حديث عائشة: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفرش رجله وينصب اليمنى" وحديث وائل: "صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قعد وتشهد فرش رجله اليسرى" أخرجه سعيد بن منصور. وحديث المسيء صلاته أنه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا جلست فاجلس على فخذك اليسرى" أخرجه أحمد وأبو داوود، وحديث ابن عمر أنه قال "من سنة الصلاة أن تضجع رجلك اليسرى وتنصب اليمنى" رواه النسائي. ولا يخفي على الفطن المنصف أن هذه الأحاديث وأمثالها بعضها لا يدل على مذهبهم صريحاً بل يحتمله وغيره، وما كان منها دالاً صريحاً لا

(3/172)


961 - حدثنا قُتَيْبَةُ أخبرنا ابنُ لَهِيعَةَ عن يَزِيدَ بنِ أبي حَبِيبٍ عن مُحَمّدِ بنِ عَمْرِو بنِ حَلْحَلَةَ عن مُحَمّدِ بنِ عَمْرٍو الْعَامِرِيّ قال:كُنْتُ في مَجْلِسٍ بهذا الحديثِ قال فِيهِ: فَإذَا قَعَدَ في الركْعَتَيْنِ قَعَدَ عَلَى بَطْنِ قَدَمِهِ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الْيُمْنَى، فإذَا كَانَتِ الرّابِعَةُ أفْضَى بِوَرِكِهِ الْيُسْرَى إلَى الأرْضِ وَأخْرَجَ قَدَمَيْهِ مِنْ نَاحِيَةٍ وَاحِدَةٍ.
962 - حدثنا عَلِيّ بنُ الْحُسَيْنِ بنِ إبْرَاهِيمَ أخبرنا أبُو بَدْرٍ أخبرنا زُهَيْرٌ أبُو خَيْثَمَةَ أخبرنا الْحَسَنُ بنُ الْحُرّ أخبرنا عِيسَى بنُ عبد الله بنِ مَالِكٍ عن عَبّاسٍ أوْ عَيّاشِ بنِ سَهْلٍ السّاعِدِيّ أنّهُ كَانَ في مَجْلِسٍ فِيهِ أبُوهُ فَذَكَرَ فيه قال: فَسَجَدَ فَانْتَصَبَ عَلَى كَفّيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَصُدُورِ قَدَمَيْهِ وَهُوَ جَالِسٌ فَتَوَرّكَ وَنَصَبَ قَدَمَهُ الأُخْرَى ثُمّ كَبّرَ فَسَجَدَ ثُمّ كَبّرَ فَقَامَ وَلَمْ يَتَوَرّكْ، ثُمّ عَادَ فَرَكَعَ الركْعَةَ الأُخْرَى فَكَبّرَ كَذَلِكَ، ثُمّ جَلَسَ بَعْدَ الركْعَتَيْنِ حَتّى إذَا هُوَ أرَادَ أنْ يَنْهَضَ لِلْقِيَامِ قَامَ بِتَكْبِيرٍ ثُمّ ركَعَ الركْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ، فَلمّا سَلّمَ سَلّمَ عن يَمِينِهِ وَعن شِمَالِهِ.
__________
يدل على كونه في جميع القعدات على ما هو المدعي، والحق أنه لم يوجد حديث يدل صريحاً على استنان الجلوس على الرجل اليسرى في القعدة الأخيرة، وحديث أبي حميد مفصل فليحمل مفصل المبهم على المفصل والله تعالى أعلم.
" فإذا قعد في الركعتين" : أي الأوليين "أفضي بوركه اليسرى إلى الأرض" : أي مس بما لان من الورك الأرض. قال الجوهري: أفضي بيده إلى الأرض إذا مسها ببطن راحته "وأخرج قدميه من ناحية واحدة" : وهي ناحية اليمنى. والحديث يدل على نوع آخر من التورك وهو إخراج القدمين من ناحية واحدة لكن الحديث ضعيف. وقال في المرقاة إطلاق الإخراج على اليمنى تغليب لأن المخرج حقيقة هو اليسرى لا غير.
"فسجد فانتصب" : أي ارتفع واعتمد "وهو جالس فتورك ونصب قدمه الأخرى" : قد تقدمت هذه الرواية في باب افتتاح الصلاة بلفظ "وهو ساجد ثم كبر فجلس فتورك ونصب قدمه الأخرى" وهذه الرواية المتقدمة هي الصحيحة معنى. وهذه الرواية تخالف رواية عبد الحميد في صفة الجلوس فإنها ظاهرة في الافتراش بين السجدتين، وفي بعض الروايات "فاعتدل على عقبة وصدور قدميه" قال الحافظ: فإن لم يحمل على التعدد فرواية عبد الحميد أرجح "ثم جلس بعد الركعتين" : أي الأوليين "حتى إذا هو أراد أن ينهض للقيام قام بتكبير" : هذا

(3/173)


قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَلَمْ يَذْكُرْ في حَدِيثِهِ ما ذَكَرَ عَبْدُ الْحَمِيدِ في التّوَرّكِ وَالرّفْعِ إذَا قَامَ مِنْ ثِنْتَيْنِ.
963 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا عَبْدُ المَلِكِ بنُ عَمْرٍو أخبرني فلَيْحٌ أخبرني عَبّاسُ بنُ سَهْلٍ قال: اجْتَمَعَ أبُو حُمَيْدٍ وَأبُو أُسَيْدٍ وَسَهْلُ بنُ سَعْدٍ ومُحَمّدُ بنُ مَسْلَمَةَ، فَذَكَرَ هذا الحديثَ، لَمْ يَذْكُرِ الرّفْعَ إذَا قَامَ مِنْ ثِنْتَيْنِ وَلاَ الْجُلُوسَ، قال: حتّى فَرَغَ ثُمّ جَلَسَ فَافْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَأقْبَلَ بِصَدْرِ الْيُمْنَى عَلَى قِبْلَتِهِ .
__________
يخالف في الظاهر رواية عبد الحميد حيث قال " ثم إذا قام من الركعتين كبر ورفع يديه كما كبر عند افتتاح الصلاة" قال الحافظ: ويمكن الجمع بينهما بأن التشبيه واقع على صفة التكبير لا على محله، ويكون معنى قوله: إذا قام أي أراد القيام أو شرع فيه "قال أبو داوود ولم يذكر": أي عيسى بن عبد الله "في حديثه ما ذكر عبد الحميد في التورك والرفع إذا قام من ثنتين": حاصله أن عبد الحميد ذكر التورك في التشهد ورفع اليدين حين القيام من الركعتين الأوليين ولم يذكرهما عيسى "فذكر هذا الحديث": قد تقدم الحديث في باب افتتاح الصلاة مطولاً.
" ثم جلس فافترش رجله اليسرى وأقبل بصدر اليمنى على قبلته" : قد احتج به القائلون بالافتراش في التشهد الأخير. وأجيب بأن هذه الجلسة التي ذكرت هيئتها في هذا الحديث هي جلسة التشهد الأول بدليل الروايات المتقدمة، فانه وصف هيئة الجلوس الأول بهذه الصفة ثم ذكر بعدها هيئة الجلوس الآخر، وقد تقدم الكلام في هذه المسألة.

(3/174)


180 - باب التشهد
964 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا[أنبأنا] يَحْيَى عن سُلَيْمَانَ الأعمَشِ حدثني شَقِيقُ بنُ سَلَمَةَ عن عبد الله بنِ مَسْعُودٍ قال: كُنّا إذَا جَلَسْنَا مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في الصّلاَةِ قُلْنَا: السّلاَمُ عَلَى الله قَبْلَ عِبَادِهِ، السّلاَمُ عَلَى فُلاَنٍ وَفُلاَنٍ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا
__________
باب التشهد
"قلنا السلام على الله قبل عباده" : أي قبل السلام على عباده وهو ظرف قلنا. قال ميرك: كذا وقع في أصل سماعنا في المشكاة، وفي صحيح البخاري: بفتح القاف وسكون الموحدة، ووقع في بعض النسخ منهما بكسر القاف وفتح الموحدة، ويؤيده ما وقع في رواية البخاري

(3/174)


تَقُولُوا السّلاَمُ عَلَى الله فإنّ الله هُوَ السّلاَمُ، وَلَكِنْ إذَا جَلَسَ أحَدُكُم فَلْيَقُلْ: التّحِيّات لله وَالصّلَوَاتُ وَالطّيّبَاتُ، السّلاَمُ عَلَيْكَ أيّهَا النّبيّ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ، السّلاَمُ عَلَيْنَا
__________
بلفظ السلام على الله من عباده . انتهى. والسلام على الله بمعنى الاعتراف بسلامته تعالى من كل نقض، فعلى فيه بمعنى اللام "السلام على فلان وفلان" : في رواية البخاري "السلام على جبرئيل وميكائيل السلام على فلان وفلان" وفي رواية عبد الله بن نمير عن الأعمش عند ابن ماجه يعنون الملائكة. وفي بعض الروايات "فنعد من الملائكة ما شاء الله" "لا تقولوا السلام على الله فإن الله هو السلام" : قال البيضاوي ما حاصله: إنه صلى الله عليه وسلم أنكر التسليم على الله تعالى، وبين أن ذلك عكس ما يجب أن يقال، فإن كل سلامة ورحمة له ومنه وهو مالكها ومعطيها. وقال التوربشتي: وجه النهي عن السلام على الله لأنه المرجوع إليه بالمسائل المتعالي عن المعاني المذكورة، فكيف يدعي له وهو المدعو على الحالات. وقال الخطابي: المراد أن الله هو ذو السلام فلا تقولوا السلام على الله فإن السلام منه بدأ وإليه يعود ومرجع الأمر في إضافته إليه أنه ذو السلام من كل آفة وعيب، ويحتمل أن يكون مرجعها إلى حظ العبد فيما يطلبه من السلامة من الآفات والمهالك، كذا في الفتح "ولكن إذا جلس أحدكم فليقل" : استدل به على وجوب التشهد، خلافاً لمن لم يقل به كمالك. وأجاب بعض المالكية بأن التسبيح في الركوع والسجود مندوب، وقد وقع الأمر به في قوله صلى الله عليه وسلم "لما نزلت فسبح باسم ربك العظيم اجعلوها في ركوعكم" الحديث، فكذلك التشهد. وأجاب الكرماني بأن الأمر حقيقته الوجوب فيحمل عليه إلا إذا دل دليل على خلافه، ولولا الإجماع على عدم وجوب التسبيح في الركوع والسجود لحملناه على الوجوب انتهى. وفي دعوى هذا الإجماع نظر، فإن أحمد يقول بوجوبه ويقول بوجوب التشهد الأول أيضاً. وقد جاء عن ابن مسعود التصريح بفرضية التشهد وذلك فيما رواه الدارقطني وغيره بإسناد صحيح من طريق علقمة عن ابن مسعود "كنا لا ندري ما نقول قبل أن يفرض علينا التشهد" "التحيات لله" : أي دون غيره، قيل التحية تفعله من الحياة بمعنى الاحياء والتبقية، وقيل التحية الملك سمي بها لأن الملك سبب تحية مخصوصة كقولهم: أبيت اللعن وأسلم وأنعم "والصلوات" : قيل المراد الخمس أو ما هو أعم من ذلك من الفرائض والنوافذ في كل شريعة، وقيل المراد العبادات كلها، وقيل الدعوات، وقيل المراد الرحمة، وقيل التحيات العبادات القولية والصلوات العبادات الفعلية والطيبات الصدقات المالية "والطيبات" : أي ما طاب من الكلام وحسن أن يثني به على الله دون ما لا يليق بصفاته مما كان الملوك يحيون به. وقيل الطيبات ذكر الله وقيل الأقوال الصالحة كالدعاء والثناء، وقيل الأعمال الصالحة وهو أعم. قال القاضي: يحتمل أن يكون الصلوات والطيبات معطوفتين على التحيات: ويحتمل أن

(3/175)


وَعَلَى عِبَادِ الله الصّالِحِينَ، فإنّكُم إذَا قُلْتُمْ ذَلِكَ أصَابَ كلّ عَبْدٍ صَالِحٍ في السّمَاءِ وَالأرْضِ أوْ بَيْنَ السّمَاءِ وَالأرْضِ، أشْهَدُ أنْ لاَ إلَهَ إلاّ الله وَأشْهَدُ أنّ مُحَمّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمّ لِيَتَخَيّرْ أحَدُكُم مِنَ الدّعَاءِ أعْجَبهُ إلَيْهِ فَيَدْعُوَ بِهِ".
__________
يكون الصلوات مبتدأ وخبرها محذوف والطيبات معطوفة عليها، والواو الأولى لعطف الجملة على الجملة التي قبلها والثانية لعطف المفرد على الجملة انتهى "السلام عليك" : قيل معناه اسم السلام أي اسم الله عليك فإنه من أسمائه تعالى لأنه المسلم لعباده من الآفات. وقال الزهري: السلام بمعنى التسليم، ومن سلم الله عليه من الآفات كلها، وقيل: السلامة من الآفات كلها عليك. قال النووي: يجوز فيه وفيما بعده أي السلام حذف اللام وإثباتها، والإثبات أفضل وهو الموجود في روايات الصحيحين انتهى. قال الحافظ: لم يقع في شيء من طرق حديث ابن مسعود بحذف اللام وإنما اختلف ذلك في حديث ابن عباس وهو من أفراد مسلم. فإن قيل: كيف شرع هذا اللفظ وهو خطاب بشر مع كونه منهياً عنه في الصلاة، فالجواب أن ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم "ورحمة الله" : أي إحسانه وهي لغة عطف وميل نفساني غايته التفضل والإحسان والإنعام أو إرادة ذلك، ولاستحالة ذلك على الله تعالى أريد بها غايتها التي هي صفة فعل أو صفة ذات قاله في المرقاة "وبركاته" : وهو اسم لكل خير فائض منه تعالى على الدوام وقيل البركة الزيادة في الخير وإنما جمعت البركة دون السلام والرحمة لأنهما مصدران "السلام علينا" : استدل به على استحباب البداءة بالنفس في الدعاء.
وفي الترمذي مصححاً من حديث أُبيّ بن كعب "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ذكر أحداً فدعا له بدأ بنفسه" .
وأصله في مسلم قاله الحافظ "وعلى عباد الله الصالحين" : الأشهر في تفسير الصالح أنه القائم بما يجب عليه من حقوق الله وحقوق عباده "إذا قلتم ذلك أصاب" : فاعله ضمير ذلك أي أصاب ثواب هذا الدعاء أو بركته "كل عبد صالح" : قيد به لأن التسليم لا يصلح للمفسد. والصالح هو القائم بحقوق الله وحقوق العباد وقيل المراد به كل مسلم أو بين السماء والأرض شك من الراوي "ثم ليتخير" : أي ليختر "من الدعاء أعجبه إليه" : أي أحب الدعاء وأرضاه من الدين والدنيا و الآخرة. واستدل به على جواز الدعاء في الصلاة بما اختار المصلي من أمر الدنيا و الآخرة. والمعروف في كتب الحنيفة أنه لا يدعو في الصلاة إلا بما جاء في القرآن أو ثبت في الحديث وعبارة بعضهم ما كان مأثوراً. قال قائلهم: والمأثور أعم من أن يكون مرفوعاً أو غير مرفوع لكن ظاهر حديث الباب يرد عليهم قاله الحافظ.

(3/176)


965 - حدثنا تَمِيمُ بنُ المُنْتَصِرِ أنْبأنَا إسْحَاقُ - يَعْني ابنَ يُوسُفَ - عن شَرِيكٍ عن أبي إسْحَاقَ عن أبي الأحْوَصِ عن عبد الله قال: كُنّا لا نَدْرِي مَا نَقُولُ إذَا جَلَسْنَا في الصّلاَةِ، وَكَانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قَدْ عُلّمَ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ .
قال شَرِيكٌ: وأخبرنا جَامِعٌ - يَعْني ابنَ شَدّادٍ - عن أبي وَائِلٍ عن عبد الله بِمِثْلِهِ
__________
قال الترمذي: حديث ابن مسعود روى عنه من غير وجه وهو أصح حديث روى في التشهد والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم. قال وذهب الشافعي إلى حديث ابن عباس في التشهد. انتهى. وقال البزاز: لما سئل عن أصح حديث في التشهد قال هو عندي حديث ابن مسعود وروى من نيف وعشرين طريقاً ثم سرد أكثرها وقال لا أعلم في التشهد أثبت منه ولا أصح أسانيد ولا أشهر رجالاً. ذكره الحافظ وقال لا اختلاف بين أهل الحديث في ذلك، وممن جزم بذلك البغوي في شرح السنة. ومن رجحانه أنه متفق عليه دون غيره وأن الرواة عنه من الثقات لم يختلفوا في ألفاظه بخلاف غيره، وأنه تلقاه عن النبي صلى الله عليه وسلم تلقيناً كما روى الطحاوي بلفظ: أخذت التشهد من فيّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقننيه كلمة كلمة. قال ورجح بأنه ورد بصيغة الأمر بخلاف غيره فإنه مجرد حكاية.
ولأحمد من حديث ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمه وأمره أن يعلمه الناس ولم ينقل ذلك لغيره ففيه دليل على مزيته. وقال الشافعي بعد أن أخرج حديث ابن عباس: رويت أحاديث في التشهد مختلفة وكان هذا أحب إليّ لأنه أكملها. وقد اختار مالك وأصحابه تشهد عمر لكونه علمه للناس وهو على المنبر ولم ينكروه فيكون إجماعاً ولفظه نحو حديث ابن عباس إلا أنه قال الزاكيات بدل المباركات وكأنه بالمعنى. قال ثم إن هذا الاختلاف إنما هو في الأفضل. ونقل جماعة من العلماء الاتفاق على جواز التشهد بكل ما ثبت. انتهى ملخصاً.
قال الإمام الخطابي في المعالم: واختلفوا في التشهد هل هو واجب أم لا فروى عن عمر بن الخطاب أنه قال من لم يتشهد فلا صلاة له، وبه قال الحسن البصري، وإليه ذهب الشافعي ومذهب مالك قريب منه. وقال الزهري وقتادة وحماد: إن ترك التشهد حتى انصرف مضت صلاته.
وقال أصحاب الرأي: التشهد والصلاة على النبي وآله مستحب غير واجب والقعود قدر التشهد واجب. انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه. وأخرجه الترمذي من حديث الأسود بن يزيد عن ابن مسعود.

(3/177)


قال: وكان يُعَلّمُنَا كَلِمَاتٍ وَلَمْ يَكُنْ يُعَلّمُنَا هُنّ كَمَا يُعَلّمُنَا التّشَهّدَ: اللّهُمّ ألّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا وَأصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا وَاهْدِنَا سُبُلَ السّلاَمِ وَنَجّنَا مِنَ الظّلُمَاتِ إلَى النّورِ وَجَنّبْنَا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَما بَطَنَ وَبَارِكْ لَنَا في أسْمَاعِنَا وَأبْصَارِنَا وَقُلُوبِنَا وَأزْوَاجِنَا وَذُرّيّاتِنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إنّكَ أنْتَ التّوّابُ الرّحِيمُ، وَاجْعَلْنَا شَاكِرِينَ لِنِعْمَتِكَ، مُثْنِينَ بِهَا، قَابِلِيها [قَائِلِيها] وَأتِمّهَا عَلَيْنَا .
966 - حدثنا عبد الله بنُ مُحَمّدٍ النّفَيْلِيّ أخبرنا زُهَيْرٌ أخبرنا الْحَسَنُ بنُ الْحُرّ عن الْقَاسِمِ ابنِ مُخَيْمَرَةَ قال: أخَذَ عَلْقَمَةُ بِيَدِي فَحدّثَني أنّ عبد الله بنَ مَسْعُودٍ أخَذَ بِيَدِهِ، وَأنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أخَذَ بِيَدِ عبد الله فَعَلّمَهُ التّشَهّدَ في الصّلاَةِ، فَذَكَرَ مِثْلَ دُعَاءِ حديثِ الأعمَشِ: إذَا قُلْتَ هَذَا أوْ قَضَيْتَ هَذَا فَقَدْ قَضَيْتَ صَلاَتَكَ، إنْ شِئْتَ أنْ تَقُومَ فَقُمْ وَإنْ شِئْتَ أنْ تَقْعُدَ فَاقْعُدْ.
__________
"قد علم" : على البناء للمجهول من التعليم أي علم من الله تعالى ما لم يعلمه "وكان يعلمنا كلمات" : أي غير التشهد وهي اللهم ألف بين قلوبنا الخ "ألف بين قلوبنا" : أي أوقع الألفة بينها "وأصلح ذات بيننا" : أي أصلح أحوال بيننا قال في المجمع: ذات الشيء نفسه وحقيقته والمراد ما أضيف إليه، ومنه إصلاح ذات البين. أي إصلاح أحوال بينكم حتى يكون أحوال ألفة ومحبة واتفاق قال: ولما كانت الأحوال ملابسة للبين قيل لها ذات البين "سبل السلام" : جمع سبيل أي طرق السلامة "وجنبنا الفواحش" : أي الكبائر كالزنا "ما ظهر منها وما بطن" : أي علانيتها وسرها "أتمها" : أمر من الإتمام.
"إذا قلت هذا أو قضيت هذا إلخ": قال الخطابي في المعالم: قد اختلفوا في هذا الكلام هل هو من قول النبي صلى الله عليه وسلم أو من قول ابن مسعود، فإن صح مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم ففيه دلالة على أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد غير واجبة، وقوله عليه السلام: قد قضيت صلاتك يريد معظم الصلاة من القرآن والذكر والخفض والرفع، وإنما بقي عليه الخروج منها بالسلام وكنى عن التسليم بالقيام إذا كان القيام إنما يقع عقب السلام ولا يجوز أن يقوم بغير تسليم لأنه تبطل صلاته لقوله عليه السلام "تحريمها التكبير وتحليلها التسليم" قال المنذري: وأخرجه النسائي مختصراً. وقال أبو بكر الخطيب: قوله فإذا قلت ذلك فقد تمت صلاتك وما بعده إلى آخر الحديث ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو قول ابن مسعود أدرج في الحديث وقد بينه شبابة بن سوار في روايته عن زهير بن معاوية وفصل كلام ابن مسعود من كلام

(3/178)


967 - حدثنا نَصْرُ بنُ عَلِيّ حدثني أبي أخبرنا شُعْبَةُ عن أبي بِشْرٍ سَمِعْتُ مُجَاهِداً يُحَدّثُ عن ابنِ عُمَرَ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في التّشَهّدِ: "التّحِيّاتُ لله الصّلَوَاتُ الطّيّبَاتُ السّلاَمُ عَلَيْكَ أيّهَا النِبيّ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ". قال قال ابنُ عُمَرَ: زَدْتُ فيها وَبَرَكَاتُهُ. "السّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ الله الصّالِحِينَ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلاّ الله". قال ابنُ عُمَرَ: زِدْتُ فيها وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ. "وَأشْهَدُ أنّ مُحَمّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ".
968 - حدثنا عَمْرُو بنُ عَوْنٍ أنْبأنَا أبُو عَوَانَةَ عن قَتَادَةَ ح. وأنْبأنَا[حدثنا] أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ حدثنا هِشَامٌ عن قَتَادَةَ عن يُونُسَ بنِ جُبَيْرٍ عن حِطّانَ بنِ عبد الله الرّقَاشِيّ قال: صَلّى بِنَا أبُو مُوسَى الأشْعَرِيّ، فَلَمّا جَلَسَ في آخِرِ صَلاَتِهِ قال رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: أُقِرّتِ الصّلاَةُ بالْبِرّ وَالزّكَاةِ، فَلمّا انْفَتَلَ أبُو مُوسَى أقْبَلَ عَلَى الْقَوْمِ فقال: أيّكُم الْقَائِلُ كَلِمَةَ كَذَا وَكَذَا؟ قال: فأرَمّ الْقَوْمُ. قال: أيّكُم الْقَائِلُ كَلِمَةَ كَذَا وَكَذَا؟ قال: فأرّمَ الْقَوْمُ. قال: فَلَعَلّكَ يَاحَطّانُ أنْتَ قُلْتَهَا؟ قال: مَا قُلْتُهَا،
__________
النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك رواه عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن الحسين بن أبي الحسين مفصلاً مبيناً. انتهى. قال أبو الحسن السندي في شرح شرح النخبة: وأما قول الخطابي في المعالم: اختلفوا فيه هل هو من قول النبي صلى الله عليه وسلم أو من قول ابن مسعود فأراد اختلاف الرواة في وصله وفصله لا اختلاف الحفاظ فأنهم متفقون على أنها مدرجة. كذا قاله العراقي. انتهى.
"قال ابن عمر زدت فيها وبركاته": ثبتت زيادة في الصحيحين وغيرهما مرفوعة "زدت فيها وحده لا شريك له" : هذه الزيادة أيضاً ثبتت في حديث أبي موسى عند مسلم، وفي حديث عائشة الموقوف في الموطأ، وفي حديث ابن عمر عند الدارقطني إلا أن سنده ضعيف.
"حطان" : بكسر الحاء المهملة وتشديد الطاء "الرقاشي" : بمفتوحة وخفة قاف وشين معجمة نسبة إلى رقاش بنت ضبيعة بن قيس وهي قبيلة من بني ربيعة "أقرت" : من القرار أي أثبتت وأديمت. قال النووي: معناه قرنت وأقرت معهما وصار الجميع مأموراً به "بالبر" : بالكسر الخير والفضل "والزكاة" : أي الطهارة من الذنوب و الآثام ومنه قوله تعالى { وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} أي تطهرهم بها، كذا في الصحاح للجوهري "فلما انفتل" : أي انصرف من الصلاة "فارم القوم" : بفتح الراء وتشديد الميم، قال الحافظ بن الأثير: أي سكتوا ولم يجيبوا يقال: أرم فهو مرم ويروي فأزم بالزاي وتخفيف الميم وهو بمعناه لأن الأزم الإمساك عن الطعام والكلام. انتهى

(3/179)


وَلَقَدْ رَهِبْتُ أنْ تَبْكَعَنِي بِهَا. فقال لهُ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أنَا قُلْتُهَا وَمَا أرَدْتُ بِهَا إلاّ الْخَيْرَ. فقال أبُو مُوسَى: أما تَعْلَمُونَ كَيْفَ تَقُولُونَ في صَلاَتِكُم إنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم خَطَبَنَا فَعَلّمَنَا وَبَيّنَ لَنَا سُنّتَنَا وَعَلّمَنَا صَلاَتَنَا، فقال: إذَا صَلّيْتُمْ فأقِيمُوا صُفُوفَكُم، ثُمّ ليَؤُمّكُم أحَدُكُم، فإذَا كَبّرَ فَكَبّرُوا وَإذَا قَرَأَ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضّالّينَ فَقُولُوا آمِينَ يُحِبّكُم الله، وَإذَا كَبّرَ وَرَكَعَ فَكَبّرُوا وَارْكَعُوا فإنّ الإمَامَ يَرْكَعُ قَبْلَكُمْ وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ
__________
كلامه. وأيضاً قال النووي في شرح مسلم هو بفتح الراء وتشديد الميم أي سكتوا "لقد رهبت أن تبكعني" : هو بفتح المثناة في أوله وإسكان الموحدة بعدها أي تبكتني بها وتوبخني. قال الأصمعي: يقال بكعت الرجل بكعاً إذا استقبله بما يكره "فأقيموا صفوفكم" : أمر بإقامة الصفوف وهو مأمور بإجماع الأمة والمراد تسويتها ولاعتدال فيها وتتميم الأول فالأول منها والتراص فيها "ثم ليؤمكم أحدكم" : فيه الأمر بالجماعة في المكتوباب ولا خلاف في ذلك، ولكن اختلفوا في أنه أمر ندب أم إيجاب على أربعة مذاهب، فالراجح عند الشافعي رحمه الله تعالى وعند أكثر أصحابه أنها فرض كفاية إذا فعله من يحصل به إظهار هذا الشعار سقط الحرج من الباقين وإن تركوه كلهم أثموا كلهم.
وقالت طائفة من أصحابه هي سنة، وقال ابن خزيمة هي فرض عين لكن ليست بشرط فمن تركها وصلى منفرداً بلا عذر أثم وصحت صلاته. وقال بعض أهل الظاهر هي شرط لصحة الصلاة "فإذا كبر فكبروا" : فيه أمر المأموم بأن يكون تكبيره عقب تكبير الإمام، ويتضمن مسألتين إحداهما أنه لا يكبر قبله ولا معه بل بعده، فلو شرع المأموم في تكبيرة الإحرام ناويا الاقتداء بالإمام وقد بقي للإمام منها حرف لم يصح إحرام المأموم بلا خلاف لأنه نوى الاقتداء بمن لم يصر إماماً بل بمن سيصير إماماً إذا فرغ من التكبير، والثانية أنه يستحب كون تكبيرة المأموم عقب تكبيرة الإمام ولا يتأخر فلو تأخر جاز وفاته كمال فضيلة تعجيل التكبير قاله النووي "وإذا قرأ غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين" : فيه دلالة ظاهرة لما قاله بعض علماء الشافعية وغيرهم إن تأمين المأموم يكون مع تأمين الإمام لا بعده، فإذا قال الإمام ولا الضالين قال الإمام والمأموم معاً آمين، وتأولوا قوله صلى الله عليه وسلم إذا أمن الإمام فأمنوا قالوا معناه إذا أراد التأمين ليجمع بينه وبين هذا الحديث وهو يريد التأمين في آخر قوله ولا الضالين فيعقب إرادته تأمينه وتأمينكم معاً.
وفي آمين لغتان المد والقصر أفصح والميم خفيفة فيهما ومعناه استجب قاله النووي "يحبكم الله" : بالحاء المهملة من الحب هكذا في أكثر النسخ، وفي بعضها بالجيم

(3/180)


قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "فَتِلْكَ بِتِلْكَ". وَإذَا قال سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: اللّهُمّ رَبّنَا لَكَ الْحَمْدُ، يَسْمَعُ الله لَكُمْ، فإنّ الله عز وجل قال عَلَى لِسَانِ نَبِيّهِ صلى الله عليه وسلم: "سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ". وَإذَا كَبّرَ وَسَجَدَ فَكَبّرُوا وَاسْجُدُوا، فإنّ الإمَامَ يَسْجُدُ قَبْلَكُمْ وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ، قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "فَتِلْكَ بِتِلْكَ"، فإذَا كَانَ عِنْدَ الْقَعْدَةِ فَلْيَكُنْ مِنْ أوّلِ قَوْلِ أحَدِكُم أنْ يَقُولَ التّحِيّاتُ الطّيّبَاتُ الصّلَوَاتُ لله السّلاَمُ عَلَيْكَ أيّهَا النّبيّ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ السّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ الله الصّالِحِينَ أشْهَدُ أنْ لاَ إلَهَ إلاّ الله وَأشْهَدُ أنّ مُحَمّداً عَبْدُهُ
__________
يجيبكم الله وهكذا في رواية مسلم قال النووي أي يستجب دعاءكم، وهذا حث عظيم على التأمين فيتأكد الاهتمام به "فتلك بتلك" : معناه اجعلوا تكبير للركوع وركوعكم بعد تكبيره وركوعه وكذلك رفعكم من الركوع يكون بعد رفعه، ومعنى تلك بتلك أن اللحظة التي سبقكم الإمام بها في تقدمه إلى الركوع تجبر لكم بتأخيركم في الركوع بعد رفعه لحظة فتلك اللحظة وصار قدر ركوعكم كقدر ركوعه، وقال بمثله في السجود. وقال الخطابي: فيه وجهان أحدهما أن يكون ذلك مردوداً إلى قوله، وإذا قرأ غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين يجيبكم الله يريد أن كلمة آمين يستجاب بها الدعاء الذي تضمنته السورة والآية كأنه قال فتلك الدعوة متضمنة بتلك الكلمة أو معلقة بها، والآخر أن يكون ذلك معطوفاً على ما يليه من الكلام، وإذا كبر وركع فكبروا واركعوا يريد أن صلاتكم معلقة بصلاة إمامكم فاتبعوه، وائتمنوا به ولا تختلفوا عليه إنما تصبح وتثبت بتلك "وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا لك الحمد يسمع الله لكم" : قال النووي: فيه دلالة لما قاله أصحابنا وغيرهم أنه يستحب للإمام الجهر بقوله سمع الله لمن حمده وحينئذ يسمعونه فيقولون. وفيه دلالة لمذهب من يقول لا يزيد المأموم على قوله ربنا لك الحمد ولا يقول معه سمع الله لمن حمده ومذهبنا أنه يجمع بينهما الإمام والمأموم والمنفرد لأنه ثبت أنه صلى الله عليه وسلم جمع بينهما وثبت أنه صلى الله عليه وسلم قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" . ومعنى سمع الله لمن حمده أي أجاب دعاء من حمده، ومعي يسمع الله لكم يستجيب دعاء كم. قوله ربنا لك الحمد، هكذا هو هنا بلا واو وفي غير هذا الموضع ربنا ولك الحمد، وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بإثبات الواو وبحذفها وكلاهما جاءت به روايات كثيرة، والمختار أنه على وجه الجواز وأن الأمرين جائزان ولا ترجيح لأحدهما على الآخر "فليكن من أول قول أحدكم أن يقول التحيات" استدل جماعة بهذا على أنه يقول في أول جلوسه التحيات ولا يقول بسم الله، وليس هذا الاستدلال بواضح، لأنه قال فليكن من أول ولم يقل فليكن أول، قاله النووي والله أعلم.

(3/181)


وَرَسُولُهُ، لَمْ يَقُلْ أَحْمَدُ وَبَرَكَاتُهُ ولا قال وَأشْهَدُ قال وَأنّ مُحَمّداً.
969 - حدثنا عَاصِمُ بنُ النّضْرِ أخبرنا المُعْتَمِرُ قال: سَمِعْتُ أبي أخبرنا قَتَادَةَ عن أبي غَلاّبٍ يُحَدّثُهُ عن حِطّانَ بنِ عبد الله الرّقَاشِيّ بهذا الحديثِ. زَادَ: فإذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا. وقال في التّشَهّدِ بَعْدَ أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلاّ الله، زَادَ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ .
قَالَ أبُو دَاوُدَ: قَوْلُهُ "وَأنْصِتُوا" لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ، لَمْ يَجِىءْ بِهِ إلاّ سُلَيْمَانَ التّيْمِيّ في هذا الحديثِ.
970 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا اللّيْثُ عن أبي الزّبَيْرِ عن سَعِيدٍ بنِ جُبَيْرٍ
__________
"زاد فإذا قرأ فأنصتوا" : واعلم أن هذه الزيادة وهي قوله "وإذا قرأ فأنصتوا" مما اختلف الحفاظ في صحته، فروى البيهقي في السنن الكبرى عن أبي داوود السجستاني أن هذه اللفظة ليست بمحفوظة، وكذلك رواه يحيى بن معين وأبي حاتم الرازي والدارقطني والحافظ أبي على النيسابوري شيخ الحاكم أبي عبد الله قال البيهقي قال أبو علي الحافظ: هذه اللفظة غير محفوظة قد خالف سليمان التيمي فيها جميع أصحاب قتادة واجتماع هؤلاء الحفاظ على تضعيفها مقدم على تصحيح مسلم لها لا سيما ولم يروها مسندة في صحيحه والله أعلم انتهى كلامه. وقال الزيلعي: روى هذا من حديث أبي موسى ومن حديث أبي هريرة، فحديث أبي موسى رواه مسلم في صحيحه في باب القراءة والركوع والسجود والتشهيد فقال وحدثنا أبو غسان المسمعي حدثنا معاذ بن هشام حدثنا أبي ونحوه وحدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا جرير عن سليمان التيمي عن قتادة بهذا الإسناد مثله يعني حديث قتادة عن يونس بن جبير عن حطان بن عبد الله الرقاشي عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر حديث: "إذا كبر الإمام فكبروا" قال مسلم وفي حديث جرير عن سليمان عن قتادة من الزيادة "وإذا قرأ فأنصتوا" ثم قال: قال أبو إسحاق يعني صاحب مسلم قال أبو بكر بن أخت أبي النضر في هذا الحديث أي طعن فيه فقال مسلم تريد أحفظ من سليمان التيمي فقال له أبو بكر فحديث أبي هريرة يعني "وإذا قرأ فأنصتوا" فقال مسلم هو عندي صحيح، فقال لم لم تضعه ههنا؟ فقال ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا، إنما وضعت ههنا ما اجتمعوا عليه انتهى كلام مسلم، قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه وقد تقدم الكلام على قوله "وإذا قرأ فأنصتوا" في باب الإمام يصلي من قعود في الجزء الرابع.

(3/182)


وَطَاوُسٍ عن ابنِ عَبّاسٍ أنّهُ قال: كَانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُعَلّمُنَا التّشَهّدَ كما يُعَلّمُنَا الْقُرْآنَ وكانَ يقولُ: "التّحِيّاتُ المُبَارَكَاتُ الصّلَوَاتُ الطّيّبَاتُ لله، السّلاَمُ عَلَيْكَ أيّهَا النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ، السّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ الله الصّالِحِينَ، وَأشْهَدُ أن لاَ إلَهَ إلاّ الله، وَأشْهَدُ أنّ مُحَمّداً رَسُولُ الله" .
971 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ دَاوُدَ بنِ سُفْيَانَ أخبرنا يَحْيَى بنُ حَسّانَ أخبرنا سُلَيْمَانُ بنُ مُوسَى أبُو دَاوُدَ أخبرنا جَعْفَرُ بنُ سَعْدِ بنِ سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ حدثني خُبَيْبُ بنُ سُلَيْمَانَ عن أبِيهِ سُلَيْمَانَ بنِ سَمُرَةَ عن سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ: "أمّا بَعْدُ، أمَرَنَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: إذَا كانَ في وَسَطِ الصّلاَةِ أوْ حِينَ انْقِضَائِهَا فابدؤوا قَبْلَ التّسْلِيمِ فَقُولُوا: "التّحِيّاتُ الطّيّبَاتُ وَالصّلَوَاتُ وَالْمُلْكُ لله، ثُمّ سَلّمُوا عن[على] الْيَمِينِ، ثُمّ
__________
"يعلمنا التشهد" : سمي باسم جزئه الأشرف كما هو القاعدة عند البلغاء في تسمية الكل باسم البعض "كما يعلمنا القرآن" : فيه دلالة على اهتمامه وإشارة إلى وجوبه "وكان يقول التحيات المباركات" : أي الناميات "الصلوات الطيبات لله" : قال بعض العلماء: ومن جملة ما يرجح تشهد ابن مسعود أن واو العطف تقتضي المغايرة فتكون كل جملة ثناء مستقلاً بخلاف ما إذا سقطت فإن ما عدا اللفظ الأول يكون صفة له فيكون جملة واحدة في الثناء والأول أبلغ، وحذف واو العطف ولو كان جائزاً لكن التقدير خلاف الظاهر لأن المعنى صحيح بدون تقديرها "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" : قال الطيبي: يجوز فيه وفيما بعده أعني "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" : حذف اللام وإثباته والإثبات أفضل وهو الموجود في رواية الصحيحين. قلت بل في الصحاح الست "وأشهد أن لا أله ألا الله وأشهد أن محمداً رسول الله" : انفرد ابن عباس بهذا اللفظ إذ في سائر التشهدات الواردة عن عمر وابن مسعود وجابر وأبي موسى وعبد الله بن الزبير كلها بلفظ وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وأما قول الرافعي المنقول أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول في تشهده وأشهد أني رسول الله فمردود بأنه لا أصل له قاله علي القاري. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"فقولوا التحيات" : قال النووي: جمع تحية وهي للملك، قيل البقاء، وقيل العظمة، وقيل الحياة، وإنما قيل التحيات بالجمع لأن ملوك العرب كان كل واحد منهم يحييه أصحابه بتحية مخصوصة فقيل جميع تحياتهم لله تعالى وهو المستحق لذلك حقيقة، والمباركات والزاكيات في حديث عمر رضي الله عنه بمعنى واحد، والبركة كثرة الخير وقيل النماء وكذا

(3/183)


سَلّمُوا عَلَى قَارِيكُمْ وَعَلَى أنْفُسِكُمْ".
قَالَ أبُو دَاوُدَ: سُلَيْمَانُ بنُ مُوسَى كُوفِيّ الأصْلِ كَانَ بِدِمِشْقَ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَدَلّتْ هَذِهِ الصّحِيفَةُ عَلَى أنّ الْحَسَنَ سَمِعَ مِنْ سَمُرَةَ.
__________
الزكاة أصلها النماء "والطيبات" : أي الكلمات الطيبات "والصلوات" : هي الصلوات المعروفة، وقيل الدعوات والتضرع، وقيل الرحمة أي الله المتفضل بها "ثم سلموا" : فقيل معناه التعويذ بالله والتحصين به سبحانه وتعالى، فإن السلام اسم له سبحانه وتعالى تقديره الله عليكم حفيظ وكيل كما يقال الله معك أي بالحفظ والمعونة واللطف، وقيل معناه السلامة والنجاة لكم ويكون مصدراً كاللذاذة واللذاذ كما قال الله تعالى {فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ} أما السلام الذي في آخر الصلاة وهو سلام التحليل فاختلف العلماء فيه فمنهم من جوز الأمرين فيه هكذا ويقول الألف واللام أفضل، ومنهم من أوجب الألف واللام لأنه لم ينقل إلا بالألف واللام ولأنه تقدم ذكره في التشهد فينبغي أن يعيده بالألف واللام ليعود التعريف إلى سابق كلامه كما يقول جاءني رجل فأكرمت الرجل انتهى "قال أبو داوود ودلت هذه الصحيفة على أن الحسن سمع من سمرة": وفي سنين أبي داوود في باب اتخاذ المساجد في الدور عن سمرة بن جندب أنه كتب إلى بنيه أما بعد فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث فثبت أنه كان عند أبناء سمرة صحيفة من سمرة وأنهم جمعوا ما كتب إليهم سمرة فصارت هذه المكاتيب عندهم بمنزلة الصحيفة والكتاب، وأما قول المؤلف دلت هذه الصحيفة، فوجه دلالتها وتعلقها بالباب أن هذا اللفظ الذي رواه سليمان بن سمرة عن أبيه بقوله أما بعد فأن رسول الله صلى الله عليه وسلم الخ من ألفاظ الصحيفة التي أملاها سمرة ورواها عنه ولده سليمان فأراد أبو داوود أن سليمان بن سمرة كما صح سماعه من أبيه بهذه الصحيفة وغيرها كذلك الحسن البصري صح سماعه بهذه الصحيفة وغيرها من سمرة لأن كل منهما أي سليمان بن سمرة وكذا الحسن بن يسار من الطبقة الثالثة فدل ذلك أن الحسن سمع من سمرة كما أن سليمان بن سمرة سمع من أبيه سمرة لأنهما من الطبقة الثالثة، فلما سمع سليمان من أبيه سمرة فلا مانع أن يكون الحسن سمع منه وأن أبا داوود من القائلين بأن الحسن البصري ثبت سماعه من سمرة وإن كان عند بعضهم أنه لم يسمع منه إلا حديث العقيقة وما عدا ذلك فصحيفة يرويها عن سمرة من غير سماع منه. ويدل على ذلك ما قاله الإمام الترمذي في جامعه في باب ما جاء في الصلاة الوسطى أنها العصر حدثنا عبدة عن سعيد عن قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الصلاة الوسطى صلاة العصر. قال أبو عيسى: قال محمد قال علي بن عبد الله حديث الحسن عن سمرة حسن وقد سمع منه. وقال أيضاً في هذا

(3/184)


__________
الباب: قال محمد قال علي سماع الحسن من سمرة صحيح واحتج بهذا الحديث يعني حديث العقيقة وفي الترمذي أيضاً في باب احتلاب المواشي إذن الأرباب: حدثنا أبو سلمة يحيى بن خلف حدثنا عبد الأعلى عن سعيد عن قتادة عن الحسن عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه" الحديث هذا حديث حسن غريب صحيح. قال علي بن المديني: سماع الحسن من سمرة صحيح وقد تكلم بعض أهل الحديث في رواية الحسن عن سمرة وقالوا إنما يحدث عن صحيفة سمرة انتهى. لكن قال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب في ترجمة الحسن البصري بعد نقل كلام المؤلف: لم يظهر لي وجه الدلالة بعد والله أعلم. كذا في غاية المقصود شرح سنن أبي داوود.

(3/185)


181 - باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد التشهد
972 - حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ أخبرنا شُعْبَةُ عن الْحَكَمِ عن ابنِ أبي لَيْلَى عن كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ قال: قُلْنَا أوْ قالُوا: يا رسولَ الله أمَرْتَنَا أنْ نُصَلّيَ عَلَيْكَ وَأنْ نُسَلّمَ عَلَيْكَ، فأمّا السّلاَمُ فَقَدْ عَرَفْنَاهُ، فَكَيْفَ نُصَلّي عَلَيْكَ؟ قال قُولُوا: "اللّهُمّ صَلّ عَلى
__________
باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد التشهد
الصلاة الدعاء والرحمة والاستغفار وحسن الثناء من الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو من العباد طلب إفاضة الرحمة الشاملة لخير الدنيا و الآخرة من الله تعالى عليه صلى الله عليه وسلم، وقد أمر المؤمنين به، وقد أجمعوا على أنه للوجوب فهي واجبة في الجملة، فقيل يجب كلما جرى ذكره، وقيل الواجب الذي به يسقط المأتم هو الإتيان بها مرة كالشهادة بنبوته صلى الله عليه وسلم وما عدا ذلك فهو مندوب، كذا في اللمعات. وقال في المرقاة اعلم أن العلماء اختلفوا في أن الأمر في قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} هل هو للندب أو للوجوب، ثم هل الصلاة عليه فرض عين أو فرض كفاية، ثم هل تتكرر كلما سمع ذكره أم لا، وإذا تكرر هل تتداخل في المجلس أم لا، فذهب الشافعي إلى أن الصلاة في القعدة الأخيرة فرض، والجمهور على أنها سنة، والمعتمد عندنا الوجوب والتداخل انتهى. والكلام في هذه المسألة طويل وقد أجاد وأحسن وأطال الشيخ العلامة الخفاجي في نسيم الرياض شرح شفاه القاضي عياض والإمام ابن القيم في جلاء الأفهام
"عن كعب بن عجرة": بضم العين وسكون الجيم "فقد عرفناه" : يعني بما تقدم في أحاديث التشهد وهو السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وهو يدل على تأخير مشروعية الصلاة عن التشهد "فكيف نصلي عليك" : فيه أنه يندب لمن أشكل عليه كيفية ما فهم جملته أن

(3/185)


مُحَمّدٍ وَآلِ مُحَمّدٍ كَما صَلّيْتَ على إبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلى مُحَمّدٍ وَآلِ مُحَمّدٍ كما بَارَكْتَ على آلِ إبْرَاهِيمَ إنّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ".
__________
يسأل عنه من له به علم "قولوا اللهم إلخ" : استدل بذلك على وجوب الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم بعد التشهد وإلى ذلك ذهب عمر وابنه عبد الله وابن مسعود وجابر بن زيد والشعبي ومحمد بن كعب القرظي وأبو جعفر الباقر والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وابن المواز واختاره القاضي أبو بكر بن العربي، وذهب الجمهور إلى عدم الوجوب منهم مالك وأبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي وآخرون. قال الطبري والطحاوي. إنه أجمع المتقدمون والمتأخرون على عدم الوجوب. قال الشوكاني: ودعوى الإجماع من الدعاوي الباطلة لما عرفت من نسبة القول بالوجوب إلى جماعة من الصحابة والتابعين والفقهاء ولكنه لا يتم الاستدلال على وجوب الصلاة بعد التشهد بما في حديث الباب من الأمر بها وبما في سائر أحاديث الباب، لأن غايتها الأمر بمطلق الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم وهو يقتضي الوجوب في الجملة فيحصل الامتثال بإيقاع فرد منها خارج الصلاة فليس فيها زيادة على ما في قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} ولكنه يمكن الاستدلال لوجوب الصلاة في الصلاة بما أخرجه ابن حبان والحاكم والبيهقي وصححوه وابن خزيمة في صحيحه والدارقطني من حديث أبي مسعود بزيادة "كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا" وفي رواية "كيف نصلي عليك في صلاتنا" وغاية هذه الزيادة أن يتعين بها محل الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم، وهو مطلق الصلاة وليس فيها ما يعين محل النزاع، وهو إيقاعها بعد التشهد الأخير. ويمكن الاعتذار عن القول بالوجوب بأن الأوامر المذكورة في الأحاديث تعليم كيفية وهي لا تفيد الوجوب، فإنه لا يشك من له ذوق أن من قال لغيره إذا أعطيتك درهماً فكيف أعطيك إياه، أسراً أم جهراً، فقال له: أعطنيه سراً كان ذلك أمراً بالكيفية التي هي السرية، لا أمراً بالإعطاء، وتبادر هذا المعنى لغة وشرعاً وعرفاً لا يدفع، وقد تكرر في السنة وكثر فمنه "إذا قام أحدكم الليل فليفتتح الصلاة بركعتين خفيفتين" الحديث.
وأطال الكلام في نيل الأوطار "وآل محمد" : بحذف على، وسائر الروايات كذا في نيل الأوطار. وفي المرقاة قيل الآل من حرمت عليه الزكاة كبني هاشم وبني المطلب، وقيل كل تقي آله ذكره الطيبي. وقيل المراد ب الآل جميع أمة الإجابة وقيل المراد ب الآل الأزواج ومن حرمت عليه الصدقة ويدخل فيهم الذرية وبذلك يجمع بين الأحاديث. وقال ابن حجر المكي: هم مؤمنو بني هاشم والمطلب عند الشافعي وجمهور العلماء، وقيل أولاد فاطمة ونسلهم، وقيل أزواجه وذريته

(3/186)


973 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ أخبرنا شُعْبَةُ بهذا الحديثِ قال: "صَلّ عَلَى مُحَمّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمّدٍ كما صَلّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ".
974 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ الْعَلاَءِ أخبرنا ابنُ بِشْرٍ عن مِسْعَرٍ عن الْحَكَمِ بِإسْنَادِهِ بهذا قال: "اللّهُمّ صَلّ على مُحَمّدٍ وعلى آلِ مُحَمّدٍ كما صَلّيتَ على إبْرَاهِيمَ إنّكَ
__________
لأنهم ذكروا جملة في رواية ورد بأنه ثبت الجمع بين الثلاثة في حديث واحد، وقيل كل مسلم، ومال إليه مالك واختاره الزهري وآخرون، وهو قول سفيان الثوري وغيره، ورجحه النووي في شرح مسلم، وقيده القاضي حسين بالأتقياء، ويؤيده ما روى تمام في فوائده والديلمي عن أنس قال: "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: من آل محمد؟ فقال كل تقي من آل محمد" زاد الديملي: ثم قرأ {إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ} .
"كما صليت على إبراهيم" : ذكر في وجه تخصيصه من بين الأنبياء وجوه أظهرها كونه جد النبي صلى الله عليه وسلم وقد أمرنا بمتابعته في أصول الدين أو في التوحيد المطلق والانقياد المحقق انتهى كذا في المرقاة. وقال في نيل الأوطار: واستشكل جماعة من العلماء التشبيه للصلاة عليه صلى الله عليه وسلم بالصلاة على إبراهيم كما وقع في هذه الرواية أو على آل إبراهيم كما في بعض الرواية، مع أن المشبه دون المشبه به في الغالب، وهو صلى الله عليه وسلم أفضل من إبراهيم وآله، وأجيب عن ذلك بأجوبة منها أن المشبه مجموع الصلاة على محمد وآله بمجموع الصلاة على إبراهيم وآله، وفي آل إبراهيم معظم الأنبياء، فالمشبه به أقوى من هذه الحيثية، ومنها أن التشبيه وقع لأصل الصلاة بأصل الصلاة لا للقدر بالقدر، ومنها أن التشبيه وقع في الصلاة على الآل لا على النبي صلى الله عليه وسلم وهو خلاف الظاهر، ومنها أنه كان ذلك منه صلى الله عليه وسلم قبل أن يعلمه أنه أفضل من إبراهيم، ومنها أن مراده صلى الله عليه وسلم أن يتم النعمة عليه كما أتمها على إبراهيم وآله، ومنها أن مراده صلى الله عليه وسلم أن يبقي له لسان صدق في الآخرين كإبراهيم، ومنها أنه سأل أن يتخذه الله خليلاً كإبراهيم "وبارك على محمد" : البركة هي الثبوت والدوام من قولهم: برك البعير إذا ثبت ودام أي أدم شرفه وكرامته وتعظيمه "إنك حميد مجيد" : أي محمود الأفعال مستحق لجميع المحامد لما في الصيغة من المبالغة وهو تعليل لطلب الصلاة منه، والمجيد المتصف بالمجد وهو كمال الشرف والكرم والصفات المحمودة قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"بإسناده بهذا": أي الحديث "وعلى آل محمد" : أصل آل أهل فأبدلت الهاء همزة ثم الهمزة ألفاً بدل عليه تصغيره على أهيل ويختص بالأشهر الأشرف كقولهم القراء آل محمد ولا يقال آل الخياط والاسكاف اختلفوا في الآل من هم قيل من حرمت عليه الزكاة كبني هاشم

(3/187)


حَمِيدٌ مَجِيدٌ. اللّهُمّ بَارِك على مُحَمّدٍ وعلى آلِ مُحَمّدٍ كَما بارَكْتَ على آلِ إبْرَاهِيمَ إنّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ".
قَالَ أبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ الزّبَيْرُ بنُ عَدِيَ عن ابنِ لَيْلَى، كما رَوَاهُ مِسْعَرٌ، إلاّ أنّهُ قال: "كما صَلّيْتَ على آلِ إبْرَاهِيمَ إنّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ وَبَارِكْ على مُحَمّدٍ" وَسَاقَ مِثْلَهُ.
975 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ ح. وأخبرنا ابنُ السّرْحِ أنْبأنَا ابنُ وَهْبٍ أخبرني مَالِكٌ عن عبد الله بنِ أبي بَكْرِ بنِ مُحَمّدِ بنِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ عن أبيه عن عَمْرِو بنِ سُلَيْمٍ الزّرَقِيّ أنّهُ قال أخبرني أبُو حُمَيْدٍ السّاعِدِيّ: أنّهُمْ قَالُوا: يَارسولُ الله كَيْفَ نُصَلّي عَلَيْكَ. قال قُولُوا: "اللّهُمّ صَلّ على مُحَمّدٍ وَأزْوَاجِهِ وَذُرّيّتِهِ كَمَا صَلّيْتَ على آلِ إبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ على مُحَمّدٍ وَأزْوَاجِهِ وَذُرّيّتِهِ كما بَارَكْتَ على آلِ إبْرَاهِيمَ إنّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ" .
__________
وبني المطلب والفاطمة والحسن والحسين وعلى وأخويه جعفر وعقيل وأعمامه صلى الله عليه وسلم العباس والحارث وحمزة وأولادهم، وقيل كل تقي آله صلى الله عليه وسلم ذكره الطيبي وتقدم آنفاً بيانه "كما صليت على آل إبراهيم" : هم إسماعيل وإسحاق وأولادهما وقد جمع الله لهم الرحمة والبركة بقوله: {رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} ولم يجمعا لغيرهم، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم إعطاء ما تضمنته الآية قال ابن تيمية في المنتقي تحت حديث كعب بن عجرة: هذا الحديث رواه الجماعة أي بلفظ كما صليت على آل إبراهيم وكما باركت على آل إبراهيم إلا أن الترمذي قال فيه على إبراهيم في الموضعين لم يذكر آله. انتهى.
"أخبرني أبو حميد": بالتصغير واختلف في اسمه "قالوا يا رسول الله كيف نصلي عليك" : قال على القاري: جاء في بعض طرق الحديث بسند جيد سبب هذا سؤال ولفظه "لما نزلت {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} قالوا يا رسول الله هذا السلام عليك قد علمنا ما هو فكيف تأمرنا أن نصلي عليك" "قولوا اللهم" : أي يا الله، فالميم عوض عن ياء ومن ثم شذ الجمع بينهما، وقيل الميم مقتطعة من جملة أخرى أي يا الله أمنا بخير، وقيل زائدة للتفخيم، وقيل دالة على الجمع كالواو أي يا من اجتمعت له الأسماء الحسنى، ويؤيده قول الحسن البصري اللهم مجتمع الدعاء، وقول النضر بن شميل من قال اللهم فقد سأل الله بجميع أسمائه، وقول أبي رجاء الميم ههنا فيها تسعة وتسعون اسما له تعالى "صلّ على محمد" هو علم منقول من اسم مفعول المضعف، سمي به بإلهام من الله لجده

(3/188)


976 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن نُعَيْم بنِ عبد الله المُجْمِرِ أنّ مُحَمّدَ بنَ عبد الله بنِ زَيْدٍ، وَ عبد الله بنُ زَيْدٍ هُوَ الّذِي أرىَ النّدَاء بالصّلاَةِ أخْبَرَهُ عن أبي مَسْعُودٍ الأنْصَارِيّ أنّهُ قال: أتَانَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في مَجْلِسِ سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ فقال لَهُ بَشِيرُ بنُ سَعْدٍ: أمَرَنَا الله أنْ نُصَلّيَ عَلَيْكَ يا رسولَ الله فَكَيْفَ نُصَلّي عَلَيْكَ؟ فَسَكَتَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حتّى تمَنّيْنَا أنّهُ لَمْ يَسْألْهُ، ثُمّ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "قُولُوا" فَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ. زَادَ في آخِر: "في الْعَالَمِينَ إنّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ".
__________
عبد المطلب ليحمده أهل السماء والأرض، وقد حقق الله رجاءه، ومن ثم كان يقول كما أخرجه البخاري في تاريخه:
وشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد
وهو أشهر أسمائه لأن الله جمع له من المحامد وصفات الحمد ما لم يجمعه لغيره ومن ثم كان بيده لواء الحمد، وكان صاحب المقام المحمود الذي يحمده فيه الأولون و الآخرون وألهم من مجامع الحمد حين يسجد بين يدي ربه للشفاعة العظمي في فصل القضاء التي هي المقام المحمود ما لم يفتح به عليه قبل ذلك، وسميت أمته الحمادون لحمدهم على السراء والضراء. وأما أحمد فلم يسم به غيره قط. وأما محمد فكذلك قبل أوان ظهوره وبعده مد أناس أعناقهم إلى رجائهم غفلة عن أن الله أعلم حيث يجعل رسالته فسموا أبنائهم محمداً حتى بلغوا خمسة عشر نفساً.
هذا وقد قال بعض العلماء إن زيادة وارحم محمداً وآل محمد كما رحمت على إبراهيم كما يقوله بعض الناس وربما يقولون ترحمت بالتاء لم يرد بل غير صحيح إذ لا يقال رحمت عليه، ولأن الترحم فيه معنى التكلف والتصنع، فلا يحسن إطلاقه على الله تعالى. وقال النووي: هي بدعة لا أصل لها ووافقة العلماء بعده "وأزواجه وذريته" : بضم المعجمة. وقال ابن حجر: ويجوز كسرها من الذرء، أي الخلق وسقطت الهمزة وقيل غير ذلك، وهي نسل الإنسان من ذكر أو أنثى وعند أبي حنيفة وغيره لا يدخل فيه أولاد البنات إلا أولاد بناته عليه السلام، لأنهم ينسبون إليه في الكفاء وغيرها، فهم هنا أولاد فاطمة رضي عنها، وكذا غيرها من بناته، لكن بعضهن لم يعقب وبعضهن انقطع عقبه. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة.
"عن أبي مسعود الأنصاري أنه قال أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم" : قال الشوكاني في النيل الحديث أخرجه أيضاً أبو داوود وابن خزيمة وابن حبان والدارقطني وحسنه والحاكم وصححه والبيهقي.

(3/189)


977 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ أخبرنا زُهَيْرٌ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ إسْحَاق أخبرنا مُحَمّدُ بنُ إبْرَاهِيمَ بنِ الْحَارِثِ عن مُحَمّدِ بنِ عبد الله بنِ زَيْدٍ عن عُقْبَةَ بنِ عَمْرٍو بهذا الخبَرَ قال: "قُولُوا: اللّهُمّ صَلّ عَلَى مُحَمّدٍ النّبيّ الأُمّيّ وَعَلَى آلِ مُحَمّدٍ" .
978 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حِبّانُ بنُ يَسَارٍ الْكِلابِيّ حدثني أبُو
__________
وصححه وزاد والنبي الأمي بعد قوله قالوا: اللهم صل على محمد ، وزاد أبو داوود، بعد قوله كما باركت على آل إبراهيم لفظ في العالمين وفي الباب عن كعب بن عجرة عند الجماعة، وعن علي عند النسائي وعن أبي هريرة عند أبي داوود، وعن طلحة بن عبيد الله عند النسائي بلفظ: اللهم صل على محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد" وفي رواية وآل محمد في الموضعين ولم يقل فيهما وآل إبراهيم وعن أبي سعيد عند البخاري والنسائي ابن ماجه بلفظ قولوا "اللهم صل على محمد عبدك ورسولك كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم" وعن بريدة عند أحمد بلفظ "اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على محمد وآل محمد كما جعلتها على آل إبراهيم إنك حميد مجيد" وفيه أبو داوود الأعمى نفيع وهو ضعيف جدا. وعن زيد بن خارجة عند أحمد والنسائي بلفظ "قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد" وعن أبي حميد عند الشيخين وعن رويفع بن ثابت وجابر وابن عباس عند المستغفري في الدعوات. قال النووي في شرح المهذب: ينبغي أن تجمع ما في الأحاديث الصحيحة فتقول اللهم صل على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد وأزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. قال العراقي: بقي عليه مما في الأحاديث الصحيحة ألفاظ آخر وهي خمسة يجمعها قولك اللهم صل على محمد عبدك ورسولك النبي الأمي وعلى آل محمد وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد وأزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد انتهى. وهذه الزيادات التي ذكرها العراقي ثابتة في أحاديث الباب التي ذكرها ابن تيمية في المنتقي. وقد وردت زيادات غير هذه في أحاديث أخر عن علي وابن مسعود وغيرهما ولكن فيها مقال انتهى. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي.
وفي رواية "اللهم صل على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد" تم كلامه.

(3/190)


مُطَرّفٍ عبيد الله بنُ طَلْحَةَ بنِ عبيد الله بنِ كُرَيْزٍ حدثني مُحَمّدُ بنُ عَلِيّ الْهَاشِمِيّ عن المُجْمِرِ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ سَرّهُ أنْ يَكْتَالَ بِالمِكْيَالِ الأوْفَى إذَا صَلّى عَلَيْنَا أهْلِ الْبَيْتِ فَلْيَقُلْ اللّهُمّ صَلّ عَلى مُحَمّدٍ النّبيّ وَأزْوَاجِهِ أُمّهَاتِ المُؤْمِنِينَ وَذُرّيّتِهِ وَأهْلِ بَيْتِهِ كَما صَلّيْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ" .
__________
"بالمكيال" : بكسر الميم وهو ما يكال به، وفيه دليل على أن هذه الصلاة أعظم أجراً من غيرها وأوفر ثواباً "أهل البيت" : الأشهر فيه النصب على الاختصاص ويجوز إبداله من ضمير علينا "فليقل اللهم صل على محمد" : قال الإسنوي: قد اشتهر زيادة سيدنا قبل محمد عند أكثر المصلين وفي كون ذلك أفضل نظر، وقد روى عن ابن عبد السلام أنه جعله من باب سلوك الأدب وهو مبني على أن سلوك طريق الأدب أحب من الامتثال، ويؤيده حديث أبي بكر حين أمره صلى الله عليه وسلم أن يثبت مكانه فلم يمتثل وقال ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك امتناع على محو اسم النبي صلى الله عليه وسلم من الصحيفة في صلح الحديبية بعد أن أمره بذلك وقال لا أمحو اسمك أبداً. وكلا الحديثين في الصحيح، فتقريره صلى الله عليه وسلم لهما على الامتناع من امتثال الأمر تأدباً مشعر بأولويته. والحديث استدل به القائلون بأن الزوجات من الآل، والقائلون إن الذرية من الآل، وهو أدل دليلاً على ذلك لذكر الآل فيه مجملاً ومبيناً. والحديث سكت عنه أبو داوود والمنذري وهو من طريق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي عن المجمر عن أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم. وقد اختلف فيه على أبي جعفر وأخرجه النسائي من طريق عمرو بن عاصم عن حبان بن يسار الكلابي عن عبد الرحمن بن طلحة الخزاعي عن أبي جعفر عن محمد بن الحنفية عن أبيه عن على عن النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ حديث أبي هريرة. وقد اختلف فيه على أبي جعفر وعلي حبان بن يسار.

(3/191)


182 - باب ما يقول بعد التشهد
979 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا الْوَلِيدُ بن مُسْلِمٍ أخبرنا الأوْزَاعِيّ حدثني حَسّانُ بنُ عَطِيّةَ حدثني مُحَمّدُ بنُ أبي عَائِشَةَ أنّهُ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ يقولُ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذَا فَرَغَ أحَدُكُم مِنَ التّشَهّدِ الآخر فَلْيَتَعَوّذْ بالله منْ أرْبَعٍ: مِنْ عَذَابِ
__________
باب ما يقول بعد التشهد
"إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر" : فيه تعيين محل هذه الاستعاذة بعد التشهد الأخير

(3/191)


جَهَنّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةَ المَحْيَا وَالمَمَاتِ، وَمِنْ شَرّ المَسِيحِ الدّجّالِ" .
980 - حدثنا وَهْبُ بنُ بَقِيّةَ أنْبأنَا عُمَرُ بنُ يُونُسَ الْيَمَامِيّ حدثني مُحَمّدُ بنُ عبد الله بنِ طَاؤُسٍ عن أبِيهِ عن طَاوُسٍ عن ابنِ عَبّاسٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّهُ كَانَ يقولُ
__________
وهو مقيد وحديث عائشة المروي في الصحيحين والسنن بلفظ "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو في الصلاة اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر" الحديث مطلق فيحمل عليه، وهو يرد ما ذهب إليه ابن حزم من وجوبها في التشهد الأول، وما ورد من الإذن للمصلي بالدعاء بما شاء بعد التشهد يكون بعد هذه الاستعاذة لقوله إذا فرغ "فليتعوذ بالله" : استدل بهذا الأمر على وجوب الاستعاذة، وقد ذهب إلى ذلك بعض الظاهرية. وفي السبل: والحديث دليل على وجوب الاستعاذة مما ذكر، وهو مذهب الظاهرية وابن حزم منهم، ويجب عنده أيضاً في التشهد الأول عملاً منه بإطلاق اللفظ المتفق عليه، وأمر طاؤس ابنه بإعادة الصلاة لما لم يستعذ فيها فإنه يقول بالوجوب وبطلان الصلاة من تركها، والجمهور جعلوه على الندب انتهى "من عذاب جهنم" : قدم فإنه أشد وأبقي بدل بإعادة الجار "ومن عذاب القبر" : فيه رد على المنكرين لذلك من المعتزلة، والأحاديث في الباب متواترة "ومن فتنة المحيا والممات" : قال ابن دقيق العيد: فتنة المحيا ما يعرض للإنسان مدة حياته من الافتنان بالدنيا والشهوات والجهالات وأعظمها والعياذ بالله أمر الخاتمة عند الموت. وفتنة الممات يجوز أن يراد بها الفتنة عند الموت أضيفت إليه لقربها منه، ويكون المراد على هذا بفتنة المحيا ما قبل ذلك، ويجوز أن يراد بها فتنة القبر، وقد صح أنهم يفتنون في قبورهم. وقيل أراد بفتنة المحيا الابتلاء مع زوال الصبر وبفتنة الممات السؤال في القبر مع الحيرة. كذا في الفتح "ومن شر المسيح الدجال" : قال أبو داوود في السنن مثقل الدجال ومخفف عيسى، ونقل العزيزي عن خلف بن عامر أن المسيح بالتشديد والتخفيف واحد ويقال للدجال ويقال لعيسى وأنه لا فرق بينهما. قال الجوهري في الصحاح من قاله بالتخفيف فلمسحه الأرض ومن قاله بالتشديد فلكونه ممسوح العين. قال الحافظ: وحكى عن بعضهم بالخاء المعجمة في الدجال ونسب قائله إلى التصحيف. قال في القاموس: والمسيح عيسى بن مريم صلوات الله عليه لبركته كذا في النيل. وفي السبل: وأما عيسى فقيل له المسيح لأنه خرج من بطن أمه ممسوحاً بالدهن، وقيل لأن زكريا مسحه، وقيل لأنه ما كان يمسح ذا عاهة إلا بريء. وذكر صاحب القاموس أنه جمع في وجه تسميته بذلك خمسين قولاً. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي ابن ماجه.

(3/192)


بَعْدَ التّشَهّدِ: "اللّهُمّ إنّي أعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنّمَ، وَأعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدّجّالَ، وَأعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ".
981 - حدثنا عبد الله بنُ عَمْرٍو وَ أبُو مَعْمَرٍ أخبرنا عَبْدُ الوَارِثِ أخبرنا الحُسَيْنُ المُعَلّمُ عن عبد الله بنِ بُرَيْدَةَ عن حَنْظَلَةَ بنِ عَليّ أنّ مِحْجَنَ بنَ الأدْرَعِ حَدّثَهُ قال: دَخَلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المَسْجِدَ فإذَا هُوَ بِرَجُلِ قَدْ قَضَى صَلاَتَهُ وَهُوَ يَتَشَهّدُ وَهُوَ يقولُ: اللّهُمّ إنّي أسْألُكَ يَا الله الأحَدُ الصّمَدُ الّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أحَدٌ، أنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي، إنّكَ أنْتَ الْغَفُورُ الرّحِيمُ. قال فقال: "قَدْ غُفِرَ لَهُ، قَدْ غُفِرَ لَهُ. ثَلاَثاً".
__________
"اللهم إني" : بفتح الياء وسكونها "من عذاب القبر" : ومنه شدة الضغطة ووحشة الوحدة. قال ابن حجر المكي: وفيه أبلغ الرد على المعتزلة في إنكارهم له ومبالغتهم في الحط على أهل السنة في إثباتهم له حتى وقع لسني أنه صلى على معتزلي فقال في دعائه اللهم أذقه عذاب القبر فإنه كان لا يؤمن به ويبالغ في نفيه ويخطئ مثبته "من فتنة الدجال" : أي ابتلائه وامتحانه.
"أن تغفر لي" : أي تستر بي "إنك أنت الغفور الرحيم" : فالمغفرة ستر الذنوب ومحوها، والرحمة إيصال الخيرات، ففي الأول طلب الزحزحة عن النار وفي الثاني طلب إدخال الجنة مع الأبرار، وهذا هو الفوز العظيم والنعيم المقيم رزقنا الله بفضله الكريم "فقال" : أي النبي صلى الله عليه وسلم. قال المنذري: وأخرجه النسائي.

(3/193)


183 - باب إخفاء التشهد
982 - حدثنا عبد الله بنُ سَعِيدٍ الْكِنْدِيّ حدثنا يُونُسُ - يَعْني ابنَ بُكَيْرٍ عن مُحَمّدِ بنِ إسْحَاقَ عن عبد الرحمن بنِ الأسْوَدِ عن أبِيهِ عن عبد الله قال: مِنَ السّنّةِ أنْ يُخْفَى التّشَهّدُ.
__________
باب إخفاء التشهد
"عن عبد الله قال من السنة أن يخفي التشهد" : قال الطيبي: إذا قال الصحابي من السنة كذا أو السنة كذا فهو في الحكم كقوله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا مذهب الجمهور من المحدثين والفقهاء، وجعله بعضهم موقوفاً وليس بشيء. وقيل معنى سن كذا شامل لمعنى قال وفعل

(3/193)


__________
وقرر. والحديث أخرجه الترمذي وقال حسن، ورواه الحاكم في المستدرك وقال الصحيح على شرط الشيخين

(3/194)


184 - باب الإشَارة في التشهد
983 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن مُسْلِمِ بنِ أبي مَرْيَمَ عن عَلِيّ بنِ عبد الرحمن المُعَاوِيّ قال: رَآنِي عبد الله بنُ عُمَرَ وَأنَا أعْبَثُ بالحَصَا في الصّلاَةِ، فَلمّا انْصَرَفَ نَهَانِي وقال: اصْنَعْ كمَا كَانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَصْنَعُ، فَقُلْتُ: كَيْفَ كَانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَصْنَعُ؟ قال: إذَا جَلَسَ في الصّلاَةِ وَضَعَ كَفّهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى وَقَبَضَ أصَابِعَهُ كُلّهَا، وَأشَارَ بِإصْبَعِهِ الّتي تَلِي الإبْهَامَ، وَوَضَعَ كَفّهُ الْيُسْرَى على فَخِذِهِ الْيُسْرَى.
984 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ عَبْدِ الرّحِيمِ الْبَزّازُ أخبرنا عَفّانُ أخبرنا عَبْدُ الْوَاحِدِ بنُ زِيَادٍ أخبرنا عُثْمَانُ بنُ حَكِيمٍ أخبرنا عَامِرُ بنُ عبد الله بنِ الزّبَيْرِ عن أبِيهِ قال: كَانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا قَعَدَ في الصّلاَةِ جَعَلَ قَدَمَهُ الْيُسْرَى تَحْتَ فَخِذِهِ الْيُمْنَى وَسَاقِهِ وَفَرَشَ
__________
باب الإشَارة في التشهد
"وأنا أعبث" : الواو حالية أي ألعب "وقبض أصابعه كلها" : والحديث فيه دليل على قبض كل الأصابع والإشارة بالسبابة. وفي رواية لمسلم عن عبد الله بن عمر إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه ورفع اصبعه اليمنى التي تلي الإبهام فدعا بها ويده اليسرى على ركبته باسطها عليها" وظاهر هذه الرواية عدم القبض لشيء من الأصابع إلا أن تحمل الرواية التي لم يذكر فيها القبض على الروايات التي فيها القبض حمل المطلق على المقيد. ويمكن أن يقال إن قوله ويده اليسري على ركبته باسطها عليها مشعر بقبض اليمنى ولكنه إشعار فيه خفاء على أنه يمكن أن يكون توصيف اليسرى بأنها مبسوطة ناظراً إلى رفع أصبع اليمنى للدعاء، فيفيد أنه لم يرفع أصبع اليسرى للدعاء والله أعلم. ذكره الشوكاني "وأشار بأصبعه التي تلي الإبهام" : وهي السبابة. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي.
"إذا قعد في الصلاة" : ولفظ مسلم في صحيحه من حديث ابن الزبير "أنه صلى الله عليه وسلم كان يجعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه ويفرش قدمه اليمنى" واختار هذه الصفة أبو القاسم الخرقي في مصنفه ولعله صلى الله عليه وسلم كان يفعل هذا تارة وقد وقع الخلاف في الجلوس للتشهد الأخير هل هو

(3/194)


قَدَمَهُ الْيُمْنَى وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى على رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى على فَخِذِهِ الْيُمْنَى وَأشَارَ بِإصْبَعَيْهِ وَأرَانَا عَبْدُ الْوَاحِدِ وَأشَارَ بالسّبّابَةِ.
__________
واجب أم لا فقال بالوجوب عمر بن الخطاب وأبو مسعود، ومن الأئمة أبو حنيفة والشافعي. وقال علي بن أبي طالب، ومن الفقهاء الثوري والزهري ومالك إنه غير واجب. استدل الأولون بملازمته صلى الله عليه وسلم، والآخرون بأنه صلى الله عليه وسلم لم يعلمه المسيء، ومجرد الملازمة لا تفيد الوجوب. قال الشوكاني: هذا هو الظاهر لاسيما مع قوله صلى الله عليه وسلم في حديث المسيء بعد أن علمه "فإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك" ولا يتوهم أن ما دل على وجوب التسليم دل على وجوب جلوس التشهد لأنه لا ملازمة بينهما "أشار بالسبابة" : أي المسبحة حين الجلوس. وقد ورد في وضع اليمنى على الفخذ حال التشهد هيئات: الأولى ما أخرجه المؤلف من حديث وائل في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه "جعل حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى ثم قبض ثنيتين من أصابعه وحلق حلقة ثم رفع أصبعه فرأيته يحركها يدعو بها" والثانية ما أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن عمر "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا جلس في الصلاة وضع يده اليمنى على ركبتيه اليمنى وعقد ثلاثة وخمسين وأشار بالسبابة. والثالثة قبض كل الأصابع والإشارة بالسباحة كما في حديث ابن عمر. والرابعة ما أخرجه مسلم والمؤلف من حديث ابن الزبير بلفظ "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قعد يدعو وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى ويده اليسرى على فخذه اليسرى وأشار بأصبعه السبابة ووضع إبهامه على أصبعه الوسطى ويلقم كفه اليسرى ركبته والخامسة وضع اليد اليمنى على الفخذ من غير قبض والإشارة بالسبابة. وقد أخرج مسلم رواية أخرى عن ابن الزبير تدل على ذلك لأنه اقتصر فيها على مجرد الوضع والإشارة وتقدمت هذه الرواية. وكذلك أخرج المؤلف والترمذي من حديث أبي حميد بدون ذكر القبض اللهم إلا أن يحمل الرواية التي لم يذكر فيها القبض كما تقدم بيانه آنفاً.
وقد جعل الحافظ ابن القيم في زاد المعاد الروايات المذكورة كلها واحدة، قال فإن من قال قبض أصابعه الثلاث أراد به أن الوسطي كانت مضمومة ولم تكن منشورة كالسبابة، ومن قال قبض اثنين أراد أن الوسطي لم تكن مقبوضة مع البنصر بل الخنصر والبنصر متساويتان في القبض دون الوسطي، وقد صرح بذلك من قال وعقد ثلاثاً وخمسين، فإن الوسطي في هذا العقد تكون مضمومة ولا تكون مقبوضة مع البنصر انتهى.
قلت: ما قاله الحافظ ابن القيم ليس بواضح والصحيح ما قال الرافعي إن الأخبار وردت بها جميعاً، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصنع مرة هكذا ومرة هكذا انتهى. وقال الطيبي: وللفقهاء

(3/195)


985 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بنُ الْحَسَنِ المصيّصِيّ أخبرنا حَجّاجٌ عن ابنِ جُرَيْجٍ عن زِيَادٍ عن مُحَمّدِ بنِ عَجْلاَنَ عن عَامِرِ بنِ عبد الله عن عبد الله بنِ الزّبَيْرِ: أنّهُ ذَكَرَ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُشِيرُ بِإصْبَعَهِ إذَا دَعَا وَلاَ يُحَرّكُهَا.
__________
في كيفية عقدها وجوه أحدها أن يعقد الخنصر والبنصر والوسطي ويرسل المسبحة ويضم الإبهام إلى أصل المسبحة وهو عقد ثلاثة وخمسين، والثاني أن يضم الإبهام إلى الوسطي المقبوضة كالقابض ثلاثاً وعشرين فإن ابن الزبير رواه كذلك. قال الأشرف: وهذا يدل على أن في الصحابة من يعرف هذا العقد والحساب المخصوص، والثالث أن يقبض الخنصر والبنصر ويرسل المسبحة ويحلق الإبهام والوسطى كما رواه وائل بن حجر انتهى. قال في المحلي: وهي صورة عقد تسعين وهو المختار عند الحنابلة وهو القول القديم للشافعي انتهى.
والحديث يدل على استحباب وضع اليدين على الركبتين حال الجلوس للتشهد وهو مجمع عليه. قال أصحاب الشافعي: يكون الإشارة بالأصبع عند قوله إلا الله من الشهادة. قال النووي: والسنة أن لا يجاوز بصره إشارته، وفيه حديث صحيح في سنن أبي داوود ويشير بها موجهة إلى القبلة وينوي بالإشارة التوحيد والإخلاص. قال ابن رسلان: والحكمة في الإشارة بها إلى أن المعبود سبحانه وتعالى واحد ليجمع في توحيده بين القول والفعل والاعتقاد. وروى عن ابن عباس في الإشارة أنه قال هي الإخلاص، وقال مجاهد مقمعة الشيطان. وفي المحلي شرح الموطأ قال الحلواني من الحنيفة يقيم إصبعه عند قوله لا إله إلا الله ويضع عند قوله إلا الله فيكون الرفع للنفي والوضع للاثبات وقال الشافعية يشير عند قوله إلا الله وروى البيهقي فيهما حديثاً ذكره النووي وفيه حديث خفاف أنه صلى الله عليه وسلم كان يشير بها للتوحيد ذكره البيهقي وقال: السنة أن لا يجاوز بصره إشارته كما صح في أبي داوود ويشير بها موجهة إلى القبلة وينوي بالإشارة التوحيد والإخلاص انتهى. وسيجيء بعض بيانه. قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم.
"كان يشير بإصبعه إذا دعا" : أي إذا تشهد. قال في المرقاة: والمراد إذا تشهد والتشهد حقيقة النطق بالشهادة وإنما سمي التشهد دعاء لاشتماله عليه ومنه قوله في الرواية الثانية يدعو بها أي يتشهد بها وإن يستمر على الرفع إلى آخر التشهد. انتهى. وفي المحلي شرح الموطأ: ونقل عن بعض أئمة الشافعية والمالكية أنه يديم رفعها إلى آخر التشهد، واستدل له بما في أبي داوود أنه رفع إصبعه فرأيناه يحركها ويدعو، وفيه تحريكها دائماً إذا الدعاء بعد التشهد. قال ابن حجر المكي: ويسن أن يستمر إلى الرفع إلى آخر التشهد انتهى كلام صاحب المحلي.

(3/196)


قال ابنُ جُرَيْجٍ: وَزَادَ عَمْرُو بنُ دِينَارٍ قال أخبرني عَامِرٌ عن أبِيهِ: أنّهُ رَأى النّبيّ صلى الله عليه وسلم بيده اليسرى يَدْعُو كَذَلِكَ، وَيَتَحَامَلُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى .
986 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ بَشّارٍ أخبرنا يَحْيَى أخبرنا ابنُ عَجْلاَنَ عن عَامِرِ بنِ عبد الله بنِ الزّبَيْرِ عن أبِيهِ بهذا الحديثِ قال: لاَ يُجَاوِزُ بَصَرَهُ إشَارَتَهُ وحديثُ حَجّاجٍ أتَمّ.
987 - حدثنا عبد الله بنُ مُحَمّدٍ النّفَيْلِيّ أخبرنا عُثْمَانُ - يَعْني ابنَ عبد الرحمن - أخبرنا عِصَامُ بنُ قُدَامَةَ مِنْ بَنِي بَجِيلَةَ عن مَالِكِ بنُ نُمَيْرٍ الْخُزَاعِيّ عن أبِيهِ قال: رَأيْتُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَاضِعاً ذِرَاعَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى رَافِعاً إصْبَعَهُ السّبّابَةَ قَدْ حَنّاهَا شَيْئاً .
__________
وقال السيد العلامة نذير حسين الدهلوي في بعض فتاواه: أن المصلي يستمر إلى الرفع إلى آخر الدعاء بعد التشهد. وقد نقل صاحب غاية المقصود فتواه بتمامه "ولا يحركها" : قال ابن الملك: يدل على أنها لا يحرك الإصبع إذا رفعها للإشارة وعليه أبو حنيفة. قال الشيخ سلام الله في المحلي شرح الموطأ: وفي حديث وائل عند أبي داوود، وفيه ثم رفع أصبعه فرأيته يحركها يدعو بها ففيه تحريك السبابة عند الرفع وبه أخذ مالك والجمهور، على أن المراد بالتحريك ههنا هو الرفع لا غير فلا يعارضه ما في مسلم عن ابن الزبير: "كان صلى الله عليه وسلم يشير بإصبعه إذا دعا ولا يحركها" قال المالكية: إنه لا يخالف ما قبله لأنه تركه لبيان أنه ليس بواجب. انتهى كلامه "يدعو كذلك" : أي يشير بها أي يرفع إصبعه الواحدة إلى وحدانية الله تعالى في دعائه أي تشهده وهو حقيقة النطق بالشهادتين وسمي التشهد دعاء لاشتمالة عليه. قاله على القاري "ويتحامل" : أي يضع.
"قال لا يجاوز بصره إشارته" : أي بل كان يتبع بصره إشارته لأنه الأدب الموافق للخضوع، والمعنى لا ينظر إلى السماء حين الإشارة إلى التوحيد، كما هو عادة بعض الناس بل ينظر إلى إصبعه ولا يجاوز بصره عنها. قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"قد حناها شيئاً" : أي: أمالها قليلاً. قال المنذري: وأخرجه النسائي، ابن ماجة.

(3/197)


185- باب كراهية الاعتماد على اليد في الصلاة
988 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ وَأَحْمَدُ بنُ مُحَمّدِ بنِ شَبّوَيْهِ وَمُحَمّدُ بنُ رَافِعٍ وَمُحَمّدُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ قالُوا أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ عن مَعْمَرٍ عن إسْمَاعِيلَ بنِ أُمَيّةَ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ قال: نَهَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم - قال أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ - أنْ يَجْلِسَ
__________
باب كراهية الاعتماد على اليد في الصلاة
"حدثنا أحمد بن حنبل وأحمد بن محمد": سيجيء بيان ألفاظ شيوخ المؤلف في هذا الحديث وهناك تظهر لك الرواية الراجحة من الرواية المرجوحة. قال ابن رسلان في شرح السنن: وقال ابن عبد الملك في روايته: نهي أن يعتمد الرجل على يديه إذا نهض في الصلاة . قال شارح المصابيح: يعني لا يضع يديه على الأرض ولا يتكئ عليها إذا نهض للقيام، وهذه الرواية حجة للحنفية، واختيار الخرقي وهو مروي عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وبه يقول مالك وأصحاب الرأي، وقال أحمد أكثر الأحاديث على أنه لا يجلس للاستراحة ولا يضع يديه معتمداً عليهما. وذهب الشافعي إلى أنه يجلس، وبه قال مالك بن الحويرث وأبو حميد ورواية عن أحمد.
وحجة الشافعية حديث مالك بن الحويرث "أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعداً" رواه البخاري. وأجابوا عن قول أحمد أنه الذي عليه أكثر الأحاديث، فمراده أن أكثر الأحاديث ليس فيها ذكر الجلسة إثباتاً ولا نفياً واحتجوا على الاعتماد على الأرض للقيام بحديث أيوب السختياني عن أبي قلابة وفيه "فإذا رأسه من السجدة الثانية جلس واعتمد على الأرض ثم قام" رواه البخاري في صحيحه. وأجابوا عن حديث ابن عمر هذه بأنه ضعيف من وجهين. أحدهما أن رواية محمد بن عبد الملك مجهول. والثاني أنه مخالف لرواية الثقات لأن أحمد بن حنبل رفيق محمد ابن عبد الملك الغزال بفتح الغين المعجمة والزاي المشددة في الرواية لهذا الحديث عن عبد الرزاق وقال فيه: نهي أن يجلس الرجل في الصلاة وهو يعتمد على يده، ولم يقل بالاعتماد على إحدى اليد من دون الأخرى أحد وقد علم من قاعدة المحدثين وغيرهم أن من خالف الثقات كان حديثه شاذاً مردوداً، وعلى تقدير صحة هذا الرواية فهي محمولة على أنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك في آخر عمره عند كبره وضعفه، وهذا فيه جمع بين الأخبار أو محمول على أنه فعله مرة لبيان الجواز. انتهى كلام ابن رسلان رحمه الله بلفظه. انتهى.

(3/198)


الرّجُلُ في الصّلاَةِ وَهُوَ مُعْتَمِدٌ عَلَى يَدِهِ. وقال ابنُ شَبّوَيْهِ: نَهَى أنْ يَعْتَمِدَ الرّجُلُ عَلَى يَدِهِ في الصّلاَةِ. وقال ابنُ رَافِعٍ: نَهَى أنْ يُصَلّيَ الرّجُلُ وَهُوَ مُعْتَمِدٌ على يَدِهِ. وَذَكَرَهُ
__________
وقال السيد عبد الله الأمير رحمه الله تعالى: حديث ابن عمر رضي الله عنهما في النهي عن الاعتماد على اليد في الصلاة رواه أبو داوود عن أربعة من شيوخه الإمام أحمد بن حنبل وأحمد بن محمد بن شبويه ومحمد بن رافع ومحمد بن عبد الملك ولفظ أحمد بن حنبل "نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجلس الرجل في الصلاة وهو معتمد على يده" قال ابن رسلان: الرواية الصحيحة يديه ولفظ ابن رافع: "نهي أن يعتمد الرجل على يديه في الصلاة" وقال أبو داوود: وذكروه في باب الرفع من السجدة. قال ابن رسلان: يعني بل يضعها على ركبتيه انتهى فعرف من هذا أن رواية ابن شبويه وابن رافع مطلقة، ورواية أحمد بن حنبل مقيدة بحال الجلوس، ورواية ابن عبد الملك مقيدة بحال النهوض فقد تعارض القيدان والحديث واحد وراوية الإمام أحمد أرجح لأنه إمام ثقة مشهور العدالة. ومحمد بن عبد الملك بن مروان الواسطي قال فيه في التقريب صدوق وهو ممن يصحح حديثه أو يحسن بالمتابعة والشواهد.
ويرجح رواية الإمام أحمد بن حنبل أيضاً ما في البخاري من حديث مالك بن الحويرث بلفظ "واعتمد على الأرض" وعند الشافعي "واعتمد بيديه على الأرض" والله سبحانه أعلم. انتهى من خط السيد العلامة رحمه الله. وقال على القاري في المرقاة: نهي أن يعتمد أي يتكئ الرجل على يديه إذا نهض أي قام في الصلاة بل ينهض على صدور قدميه من غير اعتماد على الأرض وبه قال أبو حنيفة: قال في الأزهار: قيل معنى قوله أن يجلس الرجل في الصلاة وهو معتمد على يده أن يضع يده في التشهد على الأرض ويتكئ عليها وقيل هو أن يجلس الرجل في الصلاة ويرسل اليدين إلى الأرض من فخذيه، وقيل هو أن توضع على الأرض قبل الركبتين في الهوى، وقيل هو أن يضع يديه على الأرض عند القيام، والأول أقرب إلى اللفظ يعني والأخير هو في غاية من البعد في اللفظ والمعنى، إذ معناه لا يلائم النهي عن الجلوس.
وأيضاً لو حمل على المعنى الأخير لتناقضت الروايتان عن راو واحد، ومع هذا قال، وبه قال الشافعي، وتمسك أبو حنيفة بالرواية الثانية على أن المصلي لا يعتمد على يديه عند قيامه. ويعتمد على ظهور القدمين، لما روى أبو هريرة قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهض في الصلاة على صدور قدميه" رواه أبو داوود. انتهى كلام القاري.

(3/199)


في بابِ الرّفْعِ مِنَ السّجُودِ[السجدة]. وقال ابنُ عَبْدُ المَلِكِ: نَهَى أنْ يَعْتَمِدَ الرّجُلُ على يَدَيْهِ إذَا نَهَضَ في الصّلاَةِ.
989 - حدثنا بِشْرُ بنُ هِلاَلٍ أخبرنا عَبْدُ الْوَارِثِ عن إسْمَاعِيلَ بنِ أُمَيّةَ قال: سَألْتُ نَافِعاً عن الرّجُلِ يُصَلّي وَهُوَ مُشَبّكٌ يَدَيْهِ. قال قال ابنُ عُمَرَ: تِلْكَ صَلاَةُ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ.
990 - حدثنا هَارُونُ بنُ زَيْدِ بنِ أبي الزّرْقَاءِ أخبرنا أبي ح. وأخبرنا مُحَمّدُ بنُ سَلَمَةَ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ - وهذا لَفْظُهُ - جَمِيعاً عن هِشَامِ بنِ سَعْدٍ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ: أنّهُ رَأى رَجُلاً يَتّكِىءُ عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى وَهُوَ قَاعِدٌ في الصَلاَةِ. وقال هَارُونُ بنُ زَيْدٍ: سَاقِطٌ عَلى شِقّهِ الأيْسَرِ، ثُمّ اتّفَقَا فقال لَهُ: لا تَجْلِسْ هكذَا فإنّ هكَذَا يَجْلِسُ الّذِينَ يُعَذّبُونَ.
__________
قلت: حديث صدور القدمين ما أخرجه أبو داوود بل أخرجه الترمذي وضعفه وأخرجه ابن عدي في الكامل وهو أيضاً ضعيف، فلا يصلح لمعارضة حديث مالك بن الحويرث الذي عند البخاري. نعم روى عن جماعة من الصحابة أنهم ينهضون في الصلاة على صدور قدميه أخرج عنهم ابن أبي شيبة وعبد الرازق في مصنفيهما والبيهقي في سننه لكن هذا كله موقوف فكيف يترك المرفوع بالموقوف، ومعنى رواية أحمد بن حنبل هو ما ذكره العلامة عبد الله الأمير اليماني، وقال في الأزهار هو أقرب إلى اللفظ والله أعلم.
"إذا نهض" : أي قام.
"وهو مشبك": التشبيك إدخال أصابع إحدى اليدين في أصابع اليد الأخرى.
"وهذا لفظه": أي لفظ محمد بن سلمة "جميعاً": حال زيد بن الزرقاء أبي وابن وهب أي يرويان جميعاً "ثم اتفقا": أي هارون بن زيد ومحمد بن سلمة "فقال": ابن عمر "لا تجلس هكذا": خطاب للرجل المذكور. وهذا الأثر يؤيد رواية ابن عمر مرفوعاً من طريق أحمد ابن حنبل والله أعلم.

(3/200)


186- باب في تخفيف القعود
991 - حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ أخبرنا شُعْبَةُ عن سَعْدِ بنِ إبْرَاهِيمَ عن أبي عُبَيْدَةَ عن أبِيهِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم: كَانَ في الركْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ كَأنّهُ على الرّضْفِ. قال قُلْنَا: حتّى يَقُومَ؟ قال: حَتّى يَقُومَ.
__________
باب في تخفيف القعود
"كأنه على الرضف" : بسكون المعجمة وتفتح الراء وبعدها فاء جمع رضفة وهي حجارة محماة على النار، أراد به تخفيف التشهد الأول وسرعة القيام في الثلاثية والرباعية. قاله الطيبي يعني لا يلبث في التشهد الأول كثيراً بل يخففه ويقوم مسرعاً كمن هو قاعد على حجر حار، فيكون مكتفياً بالتشهد دون الصلاة والدعاء على مذهب أبي حنيفة أو مكتفياً بالتشهد والصلاة على الدعاء عند الشافعية. قال ابن حجر المكي: ومنه أخذ أئمتنا أنه لا يسن فيه الصلاة على الآل، والأظهر ما قاله بعض الشراح: إن معناه إذا قام في الركعتين الأوليين يعني الأولى والثالثة من كل صلاة رباعية فهما الأوليان من كل ركعتين تقع الفاصلة بينهما بالتشهد، وحاصله أن الثالثة هي الأولى من الشفع الثاني، ويؤيد هذا المعنى حيث قال في الركعتين دون بعدهما والله أعلم "قال" : أي شعبة "قلنا حتى يقوم" : النبي صلى الله عليه وسلم "قال" : أي سعد بن إبراهيم "حتى يقوم" : وفي رواية الترمذي قال شعبة ثم حرك سعد شفتيه بشيء فأقول حتى يقوم فيقول حتى يقوم.
قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم يختارون أن لا يطيل الرجل القعود في الركعتين الأوليين ولا يزيد على التشهد شيئاً في الركعتين الأوليين، وقالوا إن زاد على التشهد فعليه سجدة السهو. هكذا روى عن الشعبي وغيره انتهى. وفي حاشية السندي: والمراد بقوله في الركعتين في جلوس الركعتين في غير الثنائية يدل عليه قوله حتى يقوم، وكونه على الرضف كناية عن التخفيف، وحتى في قوله حتى يقوم للتعليل بقرينة الجواب بقوله ذاك يريد ولا يناسب هذا الجواب كون حتى للغاية انتهى.
ولفظ النسائي من طريق إبراهيم بن سعد عن أبيه سعد بن إبراهيم عن أبي عبيدة. وفيه قلت حتى يقوم قال ذاك يريد انتهى. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وقال الترمذي هذا حديث حسن إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، هذا آخر كلامه. وأبو عبيدة هذا اسمه عامر ويقال اسمه كنيته، وقد احتج البخاري ومسلم بحديثه في صحيحيهما غير أنه لم يسمع من أبيه كما قال الترمذي وغيره وقال عمرو بن مرة سألت أبا عبيدة هل تذكر من عبد الله شيئاً قال ما أذكر شيئاً والله أعلم.

(3/201)


187 - باب في السلام
992 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنْبأنَا سُفْيَانُ ح. وأخبرنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ أخبرنا زَئِدَةُ ح. وأخبرنا مُسَدّدٌ أخبرنا أبُو الأحْوَصِ ح. وأخبرنا مُحَمّدُ بنُ عُبَيْدٍ المُحَارِبِيّ وَ زِيَادُ بنُ أيّوبَ قالا أخبرنا عُمَرُ بنُ عُبَيْدٍ الطّنَافِسِيّ ح. وأخبرنا تَمِيمُ بنُ المُنْتَصِرِ أنّ إسْحَاقَ - يَعْني ابنَ يُوسُفَ - عن شَرِيكٍ ح. وحدثنا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ أخبرنا حُسَيْنُ بنُ مُحَمّدٍ أخبرنا إسْرَائِيلُ كلهُمْ عن أبي إسْحَاقَ عن أبي الأحْوَصِ عن عبد الله وقال إسْرَائِيلُ عن أبي الأحْوَصِ وَ الأسْوَدِ عن عبد الله : أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُسَلّمُ عن يَمِينِهِ وعن شِمَالِهِ حتّى يُرَى بَيَاضُ خَدّهِ: السّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ الله، السّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ الله.
__________
باب في السلام
"كلهم عن أبي إسحاق": قال أخونا أبو الطيب في غاية المقصود شرح سنن أبي داوود: أي سفيان الثوري وزائدة وأبو الأحوص سلام بن سليم الحنفي الكوفي وعمر بن عبيد الطنافسي وشريك وإسرائيل هؤلاء ستة أنفس كلهم يروون عن أبي إسحاق وأما الأحوص عوف بن مالك "عن عبد الله ": وهو ابن مسعود "كان يسلم" : أي من صلاته حال كونه ملتفتاً بخده "عن يمينه" : قال الطيبي أي مجاوزاً نظره عن يمينه كما يسلم أحد على من في يمينه "وعن شماله" : فيه مشروعية أن يكون التسليم إلى جهة اليمين ثم إلى جهة الشمال. قال النووي: ولو سلم التسليمتين عن يمينه أو عن يساره أو تلقاء وجهه أو الأولى عن يساره والثانية عن يمينه صحت صلاته وحصلت التسليمتان، ولكن فاته الفضيلة في كيفيتهما "حتى يرى بياض خده" : بضم الياء المثناة من تحت من قوله يرى مبنياً للمجهول كذا قال ابن رسلان، وبياض بالرفع على النيابة. وفيه دليل على المبالغة في الالتفات إلى جهة اليمين وإلى جهة اليسار وزاد النسائي فقال "عن يمينه حتى يرى بياض خده الأيمن وعن يساره حتى يرى بياض خده الأيسر" وفي رواية له "حتى يرى بياض خده من ههنا وبياض خده من ههنا" انتهى "السلام عليكم الخ" : إما حال مؤكدة أي يسلم قائلاً: السلام عليكم أو جملة استئنافية على تقدير ماذا كان يقول. كذا في المرقاة. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي ابن ماجه. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

(3/202)


قَالَ أبُو دَاوُدَ: وهذا لَفْظُ حديثِ سُفْيَانَ وحديثُ إسْرَائِيلَ لَمْ يُفَسّرْهُ.
__________
"وهذا لفظ حديث سفيان": الثوري، وحديث الثوري أخرجه أيضاً أحمد والترمذي والنسائي كلهم من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله مثله سنداً ومتناً. وأخرج أيضاً أحمد من طريق وكيع عن سفيان. وأخرج الطحاوي من طريق عبيد الله بن موسى العبسي وأبي نعيم عن سفيان بالإسناد المذكور. فهذا سفيان الثوري لم يختلف عليه رواته بل اتفق كل من رواه عنه كمحمد بن كثير عبد الرحمن بن مهدي ووكيع وعبيد الله بن موسى وأبي نعيم على هذا الإسناد والمتن قالوا كلهم: أخبرنا سفيان عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلم عن يمينه وعن شماله حتى يرى بياض خده السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله" "وحديث إسرائيل لم يفسره": يشبه أن يكون الضمير المنصوب إلى حديث سفيان وفاعله حديث إسرائيل فالمعنى والله أعلم أي لم يفسر حديث إسرائيل لحديث سفيان ولم يبينه ولم يوافقه في الإسناد بل يخالفه تارة في المتن أيضاً لأن سفيان الثوري يروى عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله ، وإنما إسرائيل يروى عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص والأسود كليهما عن عبد الله، بل يروي إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه وعلقمة عن عبد الله، فإسرائيل اختلف عليه فروى حسين بن محمد عن إسرائيل كما ذكره المؤلف أي عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص والأسود عن عبد الله. ولفظ أحمد في مسنده حدثنا هاشم وحسين المعنى قالا حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص والأسود بن يزيد عن عبد الله قال "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله حتى يبدو بياض خده الأيمن وعن يساره بمثل ذلك" وروى يحيى بن آدم وأبو أحمد وإسحاق بن منصور ثلاثتهم عن إسرائيل بلفظ آخر قال أحمد في مسنده حدثنا يحيى بن آدم وأبو أحمد قالا حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه وعلقمة عن عبد الله قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر في كل ركوع وسجود ورفع ووضع وأبو بكر وعمر ويسلمون على أيمانهم وشمائلهم السلام عليكم ورحمة الله" وقال البيهقي في المعرفة بسنده إلى إسحاق بن منصور حدثنا إسرائيل وزهير عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه وعلقمة عن عبد الله نحوه. وروى وكيع عن إسرائيل بلفظ آخر قال أحمد في مسنده حدثنا وكيع عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن الأسود وعلقمة أو أحدهما عن عبد الله "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر في كل رفع وخفض قال وفعله أبو بكر وعمر وروى أسد عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن الأسود عن عبد الله وحديثه عند الطحاوي. وروى عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن

(3/203)


قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ زُهَيْرٌ عن أبي إسْحَاق وَيَحْيَى بنُ آدَمَ عن إسْرَائِيلَ عن أبي
__________
عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن عبد الله و