Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود

المجلد الرابع
تابع لكتاب الصلاة
باب ترك الأذان في العيد
...
بسم الله الرحمن الرحيم
249 - باب ترك الأذان في العيد
1143 - حدثنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنبأنا سُفْيَانُ عن عبد الرحمن بنِ عَابِسٍ قال: سَأَلَ رَجُلٌ ابنَ عَبّاسٍ: أَشَهِدْتَ الْعِيدَ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نَعَمْ، وَلوْلاَ مَنْزِلَتِي مِنْهُ مَا شَهِدْتُهُ مِنَ الْصّغَرِ. فأَتَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم العَلَمَ الّذِي عَنْدَ دَارِ كَثِيرِ بنِ الصّلْتِ، فَصَلّى ثُمّ خَطَبَ ولم يَذْكُرْ أَذَاناً ولا إِقَامَةً. قال: ثُمّ أَمَرَ بالصّدَقَةِ. قال: فَجَعَلْنَ
__________
باب ترك الأذان في العيد
"أشهدت العيد" : أي أحضرت صلاته "قال نعم" : أي شهدته "ولولا منزلتي منه" : أي من النبي صلى الله عليه وسلم يعني لولا قربي ومكاني منه صلى الله عليه وسلم ما شهدته "من الصغر" : وفي رواية البخاري من طريق عمرو بن علي عن يحيى القطان عن سفيان بلفظ: "ولولا مكاني منه ما شهدته يعني من صغره" قال العيني: هذا من كلام الراوي وكلمة من للتعليل. وأخرج البخاري من طريق مسدد عن يحيى عن سفيان بلفظ "ولولا مكاني من الصغر ما شهدته" قال العيني فيه تقديم وتأخير وحذف تقديره ولولا مكاني من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أشهده لأجل الصغر، وكلمة من للتعليل. والحديث المذكور من طريق عمرو بن علي يؤيد هذا المعنى وهو قوله: "لولا مكاني منه ما شهدته" أي لولا مكاني من النبي صلى الله عليه وسلم ما حضرته أي العيد. وفسر الراوي هناك علة عدم الحضور بقوله يعني من صغره فالصغر علة لعدم الحضور، ولكن قرب ابن عباس منه صلى الله عليه وسلم ومكانه عنده كان سبباً لحضوره انتهى كلامه. وكلام العيني هذا حسن جداً لا مزيد على حسنه.
"العلم" : بفتح العين واللام وهو المنار والجبل والراية والعلامة "عند دار كثير بن الصلت" : كثير بن الصلت هو أبو عبد الله ولد في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وله دار كبيرة بالمدينة قبلة المصلى للعيدين، وكان اسمه قليلا فسماه عمر بن الخطاب كثيراً وكان يعد في أهل الحجاز "فصلى ثم خطب" : روى ابن ماجه عن جابر قال: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فطر أو ضحى فخطب قائماً ثم

(4/3)


النّسَاءُ يُشِرْنَ إِلَى آذَانِهنّ وَحُلُوقِهنّ. قال: فأَمَرَ بِلاَلاً فأَتَاهُنّ ثُمّ رَجَعَ إِلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
1144 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عن ابنِ جُرَيْجٍ عن الْحَسَنِ بنِ مُسْلِمٍ عن طَاوسٍ عن ابنِ عَبّاسٍ: أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم صَلّى الْعِيدَ بِلاَ أَذَانٍ وَلاَ إِقَامَةٍ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ أَوْ عُثْمانَ. شَكّ يَحْيَى.
__________
قعد ثم قام" وسنده ضعيف فيه إسماعيل بن مسلم وأبو بحر وهما ضعيفان. قال النووي في الخلاصة: وما روي عن ابن مسعود أنه قال: السنة أن يخطب في العيد خطبتين يفصل بينهما بجلوس ضعيف غير متصل، ولم يثبت في تكرير الخطبة شيء والمعتمد فيه القياس على الجمعة "ولم يذكر" : أي ابن عباس في بيان كيفية صلاته عليه الصلاة والسلام "أذاناً ولا إقامة" : فالجملة معترضة "ثم أمر بالصدقة" : أي بصدقة الفطر أو بالزكاة أو بمطلق الصدقة "إلى آذانهن" : بالمد جمع أذن "وحلوقهن" : جمع حلق وهو الحلقوم أي ما فيهما من القرط والقلادة. وقال ابن الملك الحلوق جمع حلقة. قاله في المرقاة. قال العيني: حلق بفتح اللام جمع حلقة وهي الخاتم لا فص له. وفي هذا الحديث من الفوائد منها أن الصبي إذا ملك نفسه وضبطها عن اللعب وعقل الصلاة شرع له حضور العيد وغيره، ومنها المستحب للإمام أن يعظ النساء ويذكرهن إذا حضرن مصلى العيد ويأمرهن بالصدقة، ومنها الخطبة في صلاة العيد بعدها من غير أذان ولا إقامة ومنها أن يصلى في الصحراء انتهى. قال في شرح السنة: فيه دليل على جواز عطية المرأة بغير إذن زوجها، وهو قول عامة أهل العلم إلا ما حكي عن مالك "قال" ابن عباس "فأمر" النبي صلى الله عليه وسلم "ثم رجع" بلال قال المنذري: وأخرجه البخاري والنسائي.
"صلى العيد بلا أذان ولا إقامة" : وأخرج الشيخان من حديث ابن عباس وجابر قالا: "لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم الأضحى" ولمسلم عن عطاء قال أخبرني جابر: "أن لا أذان للصلاة يوم الفطر حين يخرج الإمام ولا بعدما يخرج ولا إقامة ولا نداء ولا شيء ولا نداء يومئذ ولا إقامة" "و" : أن "أبا بكر وعمر" : صليا العيد بلا أذان ولا إقامة وهذا عطف على اسم أن "أو عثمان" : مكان عمر "شك يحيى": هو القطان قاله المنذري. وفي الباب عن سعد بن أبي وقاص عند البزار في مسنده "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى العيد بغير أذان ولا إقامة، وكان يخطب خطبتين قائماً يفصل بينهما بجلسة" وعن البراء بن عازب عند الطبراني في الأوسط: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في يوم الأضحى بغير أذان ولا إقامة" وعن أبي رافع عند الطبراني في الكبير: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج إلى العيد ماشياً بغير أذان ولا إقامة" وفي إسناده مندل وفيه مقال. وأحاديث الباب تدل على عدم شرعية الأذان والإقامة في صلاة العيدين. قال

(4/4)


1145 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أَبي شَيْبَةَ وَهَنّادٌ لَفَظَهُ قالا أخبرنا أبُو اْلأَحْوَصِ عن سِمَاكٍ - يَعْني ابنَ حَرْبٍ - عن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ قال: صَلّيْتُ مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم غَيْرَ مَرّةٍ ولا مَرّتَيْنِ الْعِيدَيْنِ بِغَيْرِ أَذَانٍ ولا إِقَامَةٍ .
__________
العراقي: وعليه عمل العلماء كافة. وقال ابن قدامة في المغني: ولا نعلم في هذا خلافا ممن يعتد بخلافه إلا أنه روى عن ابن الزبير أنه أذن وأقام. قال: وقيل إن أول من أذن في العيدين زياد انتهى. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه مختصراً.
"غير مرة ولا مرتين" : قال الطيبي: حال أي كثيراً "بغير أذان ولا إقامة" : في شرح السنة العمل على هذا عند عامة أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا أذان ولا إقامة لصلاة العيد ولا لشيء من النوافل وفي الأزهار بل يكره ولا عبرة بإحداث من فعل ذلك من الولاة انتهى. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي.

(4/5)


250 - باب التكبير في العيدين
1146 - حدثنا قُتَيْبَةُ أخبرنا ابنُ لَهِيْعَةَ عن عَقَيْلٍ عن ابنِ شِهَابٍ عن عُرْوَةَ عن عَائشةَ: أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يُكَبّرُ في الْفِطْرِ وَاْلأَضْحَى، في الأُولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ وفي الثّانِيَةِ خَمْساً.
__________
باب التكبير في العيدين
"في الأولى" : أي الركعة الأولى "وفي الثانية" : أي الركعة الثانية. قال النووي: وأما التكبير المشروع في أول صلاة العيد. فقال الشافعي: هو سبع في الأولى غير تكبيرة الإحرام وخمس في الثانية غير تكبيرة القيام، وقال مالك وأحمد وأبو ثور كذلك لكن سبع في الأولى إحداهن تكبيرة الإحرام. وقال الثوري وأبو حنيفة خمس في الأولى وأربع في الثانية بتكبيرة الإحرام والقيام وجمهور العلماء يرى هذه التكبيرات متوالية متصلة. وقال عطاء والشافعي وأحمد يستحب بين كل تكبيرتين ذكر الله تعالى. وروى هذا أيضاً عن ابن مسعود وقال المنذري: وفي رواية سوى تكبيرتي الركوع وأخرجه ابن ماجه وفي إسناده عبد الله بن لهيعة ولا يحتج بحديثه وحديث عائشة أخرجه الحاكم في المستدرك. وقال: تفرد به ابن لهيعة وقد استشهد به مسلم في موضعين. قال: وفي الباب عن ابن عمر وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو والطرق إليهم فاسدة. انتهى. وذكر الدارقطني في علله أن فيه اضطراباً فقيل عن ابن لهيعة عن خالد بن يزيد عن

(4/5)


1147 - حدثنا ابنُ السّرْحِ أنبأنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني ابنُ لَهِيعَةَ عن خَالِدِ بنِ يَزِيدَ عن ابنِ شِهَابٍ بإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ قال: سِوَى تَكْبِيرَتَيِ الرّكُوعِ .
1148 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا المُعْتَمِرُ قال سَمِعْتُ عبد الله بنَ عبد الرحمن الطّائِفِيّ يُحَدّثُ عن عَمْرِو بنُ شُعَيْبٍ عن أَبِيهِ عن عبد الله بنِ عَمْرِو بنِ الْعَاصِ قال قال نَبِيّ الله صلى الله عليه وسلم "التّكْبِيرُ في الْفِطْرِ سَبْعٌ في الأُولَى وَخَمْسٌ في الآخرة وَالْقِرَاءَةُ بَعْدَهُمَا كلْتَيْهِمَا".
__________
الزهري، وقيل عنه عن عقيل عن الزهري، وقيل عنه عن أبي الأسود عن عروة عن عائشة، وقيل عنه عن الأعرج عن أبي هريرة، قال والاضطراب فيه من ابن لهيعة انتهى. وقال الترمذي في علله: سألت محمداً عن هذا الحديث فضعفه وقال: لا أعلم رواه غير ابن لهيعة انتهى.
"خالد بن يزيد": وأخرج الدارقطني من طريق خالد بن يزيد عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر في الفطر والأضحى سبعاً وخمساً سوى تكبيرتي الركوع" انتهى. وأخرجه أيضاً الحاكم من هذا الوجه. ومرة قال ابن لهيعة عن يونس عن الزهري وهو عند الطبراني في الأوسط قال في التلخيص: يحتمل أن ابن لهيعة سمع من الثلاثة أي عقيل وخالد ويونس عن الزهري "بإسناده": بإسناد حديث قتيبة أي عن الزهري عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة "سوى تكبيرتي الركوع" : أي سبع تكبيرات في الركعة الأولى وخمس في الثانية كلها اثنتا عشرة تكبيرة سوى تكبيرتي الركوع، فمع تكبيرتي الركوع تصير التكبيرات أربع عشرة تكبيرة.
"عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي": قال ابن القطان في كتابه: والطائفي هذا ضعفه جماعة منهم ابن معين قاله الزيلعي. وقال المنذري: في إسناده عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي وفيه مقال. وقد أخرج له مسلم في المتابعات. وقد تقدم الكلام على عمرو بن شعيب انتهى. وقال النووي في الخلاصة. قال الترمذي في العلل: سألت البخاري عنه فقال هو صحيح انتهى. وفي التلخيص: روى أحمد وأبو داوود وابن ماجه والدارقطني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وصححه أحمد وعلي والبخاري فيما حكاه الترمذي انتهى. "والقراءة" : الحمد وسورة "بعدهما كلتيهما" : زاد الدارقطني فيه من طريق أبي نعيم عن عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي: "وخمس في الثانية سوى تكبيرة الصلاة" ، وفي الحديث دليل على أن القراءة بعد التكبير في الركعتين، وبه قال الشافعي ومالك وذهب أبو حنيفة إلى أنه يقدم التكبير في الأولى، ويؤخره في الثانية ليوالي بين القراءتين.

(4/6)


1149 - حدثنا أَبُو تَوْبَةَ الرّبِيعُ بنُ نَافِعٍ أخبرنا سُلَيْمانُ - يَعْني ابنَ حَيّان - عن أَبي يَعْلَى الطّائِفِيّ عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أَبِيهِ عن جَدّهِ: أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُكَبّرُ في الْفِطْرِ في الأُولَى سَبْعاً ثُمّ يَقْرَأُ ثُمّ يُكَبّرُ ثُمّ يَقُومُ فَيُكَبّرُ أَرْبَعاً ثُمّ يَقْرَأُ ثُمّ يَرْكَعُ .
قال أَبُو دَاوُد: رَوَاهُ وَكِيعٌ وَابنُ المُبَارَكِ قالا سَبْعاً وَخَمْساً .
1150 - حدثنا مُحمّدُ بنُ الْعَلاَءِ وَابنُ أبي زِيادٍ - المَعْنَى قَرِيبٌ - قالا أخبرنا زيدٌ - يَعْني ابنَ حُبابٍ - عن عبد الرحمن بنِ ثَوْبَانَ عن أَبِيهِ عن مَكْحُول قال: أخبرني أَبُو عَائشةَ جَلَيسٌ لأبي هُرَيْرَةَ - أَنّ سَعِيدَ بنَ الْعَاصِ سَأَلَ أَبَا مُوسَى اْلأَشْعَرِي وحُذَيْفَةَ بنَ الْيَمانِ: كَيْفَ كَانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُكَبّرُ في اْلأَضْحَى وَالْفِطْرِ؟ فقال أَبُو مُوسَى: كَانَ يُكَبّرُ أَرْبَعاً تَكْبِيرَهُ عَلَى الْجَنائِزِ. فقال حُذَيْفَةَ: صَدَقَ. فقال أَبُو مُوسَى: كذَلِكَ كُنْتُ أُكَبّرُ في الْبَصْرَةِ حَيْثُ كُنْتُ عَلَيْهِمْ. قال أَبُو عَائشةَ: وَأَنَا حَاضِرٌ سَعِيدَ بنَ الْعَاصِ .
__________
"عن أبي يعلى الطائفي": هو عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى بن كعب الطائفي أبو يعلى "فيكبر أربعاً" : هكذا رواه سليمان بن حيان وخالف أصحاب عبد الله الطائفي "رواه وكيع وابن المبارك": أي رويا عن عبد الله الطائفي "قالا سبعاً وخمساً" : بخلاف سليمان فإنه قال سبعاً وأربعاً، ورواية ابن المبارك أخرجها ابن ماجه بلفظ حدثنا محمد بن العلاء حدثنا عبد الله بن المبارك عن عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر في صلاة العيد سبعاً وخمساً" .
"عن عبد الرحمن بن ثوبان": قال ابن الجوزي في التحقيق قال ابن معين هو ضعيف وقال أحمد لم يكن بالقوي وأحاديثه مناكير انتهى. قال الحافظ شمس الدين بن عبدالهادي في التنقيح: عبد الرحمن بن ثوبان وثقه غير واحد، وقال ابن معين ليس به بأس ولكن أبو عائشة قال ابن حزم فيه مجهول، وقال ابن القطان لا أعرفه انتهى "يكبر في الأضحى والفطر" : أي في صلاتهما "كان" : النبي صلى الله عليه وسلم "يكبر" : أي في كل ركعة "أربعاً" : أي متوالية. والمعنى مع تكبيرة الإحرام في الركعة الأولى ومع تكبيرة الركوع في الثانية "تكبيرة" : أي مثل عدد تكبيره "على الجنائز" : صلاة الجنائز "صدق" : أبو موسى "حيث كنت عليهم" : أي أميراً "وأنا حاضر" : وقت هذه المكالمة والحديث استدل به الحنفية وقالوا: يصلي الإمام بالناس ركعتين يكبر في الأولى للافتتاح وثلاثاً بعدها ثم يقرأ الفاتحة وسورة ويكبر تكبيرة يركع بها ثم يبتدي في الركعة الثانية بالقراءة ثم يكبر ثلاثاً بعدها ويكبر رابعةٍ يركع بها، وهذا قول ابن مسعود وهو قولنا كذا في

(4/7)


..............................
__________
الهداية. والحديث سكت عنه أبو داوود ثم المنذري لكن فيه كلام كما تقدم. وقال البيهقي في المعرفة: وعبد الرحمن هذا قد ضعفه يحيى بن معين والمشهور من هذه القصة أنهم أسندوا أمرهم إلى ابن مسعود فأفتاه ابن مسعود بأربع في الأولى قبل القراءة وأربع في الثانية بعد القراءة ويركع لرابعة ولم يسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم، كذلك رواه أبو إسحاق السبيعي وغيره عن شيوخهم، ولو كان عند أبي موسى فيه علم عن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان يسأله عن ابن مسعود. وروي عن علقمة عن عبد الله أنه قال خمس في الأولى وأربع في الثانية، وهذا يخالف الرواية الأولى عنه انتهى كلامه.
قلت رواية أبي إسحاق التي أشار إليها البيهقي أخرجها عبد الرزاق في مصنفه أخبرنا معمر عن أبي إسحاق عن علقمة والأسود قال: "كان ابن مسعود جالساً وعنده حذيفة وأبو موسى الأشعري فسألهم سعيد بن العاص عن التكبير في صلاة العيد فقال حذيفة سل الأشعري، فقال الأشعري سل عبد الله فإنه أقدمنا وأعلمنا، فسأله فقال ابن مسعود يكبر أربعاً ثم يقرأ ثم يكبر فيركع فيقوم في الثانية فيقرأ ثم يكبر أربعاً بعد القراءة" وأخرجه أيضاً أخبرنا سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن علقمة والأسود أن ابن معسود "كان يكبر في العيدين تسعاً أربع قبل القراءة ثم يكبر فيركع وفي الثانية يقرأ فإذا فرغ كبر أربعاً ثم ركع" وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه حدثنا هشيم حدثنا خالد الحذاء عن عبد الله بن الحارث قال: "صلى ابن عباس يوم عيد فكبر تسع تكبيرات خمساً في الأولى وأربعاً في الآخرة ووالى بين القراءتين" ورواه عبد الرزاق في مصنفه أخبرنا إسماعيل بن أبي الوليد حدثنا خالد الحذاء عن عبد الله بن الحارث قال: "شهدت ابن عباس كبر في صلاة العيد بالبصرة تسع تكبيرات ووالى بين القراءتين قال وشهدت المغيرة بن شعبة فعل ذلك أيضاً فسألت خالداً كيف كان فعل ابن عباس ففسر لنا كما صنع ابن مسعود في حديث معمر والثوري عن أبي إسحاق سواء" وأخرج ابن أبي شيبة حدثنا يحيى بن سعيد عن أشعث عن محمد بن سيرين عن أنس: "أنه كان يكبر في العيد تسعاً" فذكر مثل حديث ابن مسعود انتهى. وأشعث هو ابن ابن سوار ضعيف. وهذه الآثار كلها تؤيد مذهب أبي حنيفة رحمه الله وروى عن عباس أيضاً خلاف ذلك أخرج ابن أبي شيبة حدثنا وكيع عن ابن جريج عن عطاء: "أن ابن عباس كبر في العيد ثلاث عشرة سبعاً في الأولى وستاً في الآخرة بتكبيرة الركوع كلهن قبل القراءة" أخبرنا ابن إدريس حدثنا ابن جريج به نحوه. حدثنا هشيم عن حجاج وعبدالملك عن عطاء عن ابن عباس: "أنه كان يكبر في العيد ثلاث عشرة تكبيرة" حدثنا يزيد بن هارون حدثنا حميد عن عمار بن أبي عمار: "أن ابن عباس كبر في العيد ثنتي عشرة تكبيرة سبعاً في الأولى

(4/8)


..............................
__________
وخمساً في الآخرة" انتهى. وكان رواية يزيد بن هارون هذه هي الرواية الثانية عن ابن عباس لأنه كبر في الأولى سبعاً بتكبيرة الركوع وكبر في الثانية خمساً بتكبيرة الركوع فالجملة اثنتي عشرة تكبيرة والله أعلم. وأخرج مالك في الموطأ عن نافع مولى ابن عمر قال: "شهدت الأضحى والفطر مع أبي هريرة فكبر في الأولى سبع تكبيرات قبل القراءة وفي الآخرة خمساً قبل القراءة" قال مالك وهو الأمر عندنا. وأخرج البيهقي في المعرفة بإسناده إلى الشافعي أخبرنا إبراهيم بن محمد حدثني إسحاق بن عبد الله عن عثمان بن عروة عن أبيه: "أن أيوب وزيد بن ثابت أمراه أن يكبر في صلاة العيدين سبعاً وخمساً" وهذه الآثار كلها توافق مذهب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم من الأئمة، وجاءت فيه الأحاديث المرفوعة أيضاً غير ما تقدمت.
فمنها ما أخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده عمرو بن عوف المزني: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر في العيدين في الأولى سبعاً قبل القراءة وفي الآخرة خمساً قبل القراءة" قال الترمذي: حديث حسن وهو أحسن شيء روي في هذا الباب وقال في علله الكبرى: سألت محمداً عن هذا الحديث فقال ليس شيء أصح منه وبه أقول انتهى. قال ابن القطان في كتابه هذا ليس بصريح في التصحيح فقوله هو أصح شيء في الباب يعني ما في الباب وأقل ضعفاً وقوله به أقول يحتمل أن يكون من كلام الترمذي أي وأنا أقول إن هذا الحديث أشبه ما في الباب، لأن كثير بن عبد الله عندهم متروك.
ومنها ما رواه ابن ماجه حدثنا هشام بن عمار حدثنا عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حدثني أبي عن أبيه عن جده: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكبر في العيدين في الأولى سبعاً قبل القراءة وفي الآخرة خمساً قبل القراءة" وهذا الحديث ضعيف لضعف عبد الرحمن بن سعد وأبوه لا يعرف حاله: قاله السندي. وأخرج الدارقطني في سننه عن عبد الله بن محمد بن عمار عن أبيه عن جده قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر في العيدين في الأولى سبعاً وفي الآخرة خمساً" قال الزيلعي: عبد الله بن محمد قال فيه ابن معين ليس بشيء، وقال الذهبي عبد الله بن محمد بن عمار عن آبائه ضعفه ابن معين. قال عثمان بن سعيد قلت ليحيى كيف حال هؤلاء قال ليسوا بشيء انتهى.
ومنها ما أخرجه الدارقطني أيضاً عن فرج بن فضالة عن يحيى بن سعيد عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "التكبير في العيدين في الأولى سبع تكبيرات وفي الآخرة خمس تكبيرات" قال الترمذي في علله الكبرى: سألت محمداً عن هذا الحديث فقال الفرج بن فضالة

(4/9)


..............................
__________
ذاهب الحديث، والصحيح ما رواه مالك وغيره من الحفاظ عن نافع عن أبي هريرة فعله انتهى.
ومنها ما رواه عبد الرزاق في مصنفه أخبرنا إبراهيم بن أبي يحيى عن جعفر بن محمد عن أبيه قال قال علي "يكبر في الأضحى والفطر والاستسقاء سبعاً في الأولى وخمساً في الأخرى ويصلي قبل الخطبة ويجهر بالقراءة، قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان يفعلون ذلك" وإبراهيم بن أبي يحيى ضعفه ابن معين وأحمد ووثقه الشافعي. قال ابن القطان قال أحمد بن حنبل ليس في تكبير العيدين عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث صحيح. وروى العقيلي عن أحمد أنه قال ليس يروى في التكبير في العيدين حديث صحيح مرفوع وكذا قال الحاكم وسلف كلامه. قال البيهقي في الخلافيات: لا شك في صحته موقوفاً على أبي هريرة، وعن ابن عباس مثله ورواته ثقات وكذا الطبراني قال في حديث أبي هريرة الصحيح الموقوف. وقال ابن عبدالبر روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من طرق حسان أنه كبر في العيدين سبعاً في الأولى وخمساً في الثانية من حديث عبد الله بن عمر وابن عمرو وجابر وعائشة وأبي واقد وعمرو بن عوف المزني ولم يرو عنه من وجه قوي ولا ضعيف خلاف هذا وهو أولى ما عمل به انتهى.
وقد اختلف العلماء في عدد التكبيرات في صلاة العيد في الركعتين وفي وضع التكبير على عشرة أقوال: أحدها - أنه يكبر في الأولى سبعاً قبل القراءة وفي الثانية خمساً قبل القراءة. قال العراقي: وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين والأئمة قال: وهو مروي عن عمر وعلي وأبي هريرة وأبي سعيد وجابر وابن عمر وابن عباس وأبي أيوب وزيد بن ثابت وعائشة: وهو قول الفقهاء السبعة من أهل المدينة وعمر بن عبد العزيز والزهري ومكحول وبه يقول مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق. قال الشافعي والأوزاعي وإسحاق: إن السبع في الأولى بعد تكبيرة الإحرام.
القول الثاني: أن تكبيرة الإحرام معدودة من السبع في الأولى، وهو قول مالك وأحمد والمزني.
والقول الثالث: أن التكبير في الأولى سبع وفي الثانية سبع، روي ذلك عن أنس بن مالك والمغيرة بن شعبة وابن عباس وسعيد بن المسيب والنخعي.
القول الرابع: في الأولى ثلاث بعد تكبيرة الإحرام قبل القراءة وفي الثانية ثلاث بعد

(4/10)


__________
القراءة، وهو مروي عن جماعة من الصحابة، ابن مسعود وأبي موسى وأبي مسعود الأنصاري، وهو قول الثوري وأبي حنفية.
والقول الخامس: يكبر في الأولى ستاً بعد تكبيرة الإحرام وقبل القراءة وفي الثانية خمساً بعد القراءة، وهو إحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل.
وباقي الأقوال الخمسة مذكورة في نيل الأوطار فليرجع إليه.
وأما رفع اليدين في تكبيرات العيدين فلم يثبت في حديث صحيح مرفوع وإنما جاء في ذلك أثر. قال البيهقي في المعرفة باب رفع اليدين في تكبير العيد، قال أحمد والبيهقي: ورويناه عن عمر بن الخطاب في حديث مرسل وهو قول عطاء بن أبي رباح، وقاسه الشافعي على رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه حين افتتح الصلاة وحين أراد أن يركع وحين رفع رأسه من الركوع ولم يرفع في السجود، قال: فلما رفع يديه في كل ذكر كان حين يذكر الله قائماً أو رافعاً إلى قيام من غير سجود لم يجز إلا أن يقال يرفع المكبر في العيدين يديه عند كل تكبيرة كان قائماً فيها. انتهى. والله أعلم.

(4/11)


251 - باب ما يقرأ في الأضحى والفطر
1151 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن ضَمْرَةَ بنِ سَعِيدٍ الْمَازِنيّ عن عبيد الله بنِ عُتْبَةَ بنِ مَسْعُودٍ: أَنّ عُمَرَ بنَ الْخَطّابِ سَأَلَ أَبَا وَاقِدٍ اللّيْثِيّ: مَاذَا كانَ يَقْرأُ بِهِ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في الأَضْحَى وَالْفِطْرِ؟ قال: كَانَ يَقْرَأُ فيهِمَا بقاف والقُرْآنِ المَجِيدِ، وَاقْتَرَبْتِ السّاعَةُ وَانْشَقّ الْقَمَرُ.
__________
باب ما يقرأ في الأضحى والفطر
"كان يقرأ فيهما بقاف الخ" : قال النووي: فيه دليل للشافعي وموافقيه أنه تسن القراءة بهما
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه:
الله أبو واقد الليثي اسمه الحارث بن عوف على المهشور.
والحديث غير متصل في ظاهره لأن عبيد الله لا سماع له من عمر، وقد ذكره مسلم بغير هذا فبين فيه الاتصال فإنه أخرجه من رواية فليح بن سلمان عن ضمرة بن سعيد عن عبيد الله عن أبي واقد الليثي قال سألني عمر وسؤال عمر عن هذا ومثله لا يخفى عليه لعله ليخبره هل حفظه أم لا أو يكون دخل عليه الشك أو نازعه غيره فأحب الاستشهاد أو نسيه والله أعلم.

(4/11)


__________
في العيدين. قال العلماء: والحكمة في قراءتهما لما اشتملتا عليه من الإخبار بالبعث والإخبار عن القرون الماضية وإهلاك المكذبين، وتشبيه بروز الناس للعيد ببروزهم للبعث وخروجهم من الأحداث كأنهم جراد منتشر والله أعلم. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.

(4/12)


252- باب الجلوس للخطبة
1152- حدثنا مُحمّدُ بنُ الصّبّاحِ الْبَزّازُ أخبرنا الْفَضْلُ بنُ مُوسَى السّينَانِيّ أخبرنا ابنُ جُرَيْجٍ عن عَطَاءٍ عن عبد الله بنِ السّائِبِ قال: شَهِدْتُ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم الْعِيْدَ، فَلمّا قَضَى الصّلاَةَ قال: "إِنّا نَخْطُبُ، فَمَنْ أَحَبّ أَنْ يَجْلِسَ لِلْخُطْبَةِ فَلْيَجْلِسْ وَمَنْ أَحَبّ أَنْ يَذْهَبَ فَلْيَذْهَبْ" .
قال أَبُو دَاوُد: وَهَذَا مُرْسَلٌ عن عَطَاءٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
__________
باب الجلوس للخطبة
"البزاز": بمعجمتين "فلما قضى الصلاة إلخ" : وفيه أن الجلوس لسماع خطبة العيد غير واجب. قال في المنتقى: وفيه بيان أن الخطبة سنة، إذ لو وجبت وجب الجلوس لها. انتهى. قال الشوكاني: وفيه أن تخيير السامع لا يدل على عدم وجوب الخطبة بل على عدم وجوب سماعها إلا أن يقال إنه يدل من باب الإشارة، لأنه إذا لم يجب سماعها لا يجب فعلها، وذلك لأن الخطبة خطاب ولا خطاب إلا لمخاطب، فإذا لم يجب السماع على المخاطب لم يجب الخطاب. وقد اتفق الموجبون لصلاة العيد وغيرهم على عدم وجوب خطبته، ولا أعرف قائلا يقول بوجوبها. وقال النووي: اتفق أصحابنا على أنه لو قدمها على الصلاة صحت ولكنه يكون تاركاً للسنة مفوتاً للفضيلة بخلاف خطبة الجمعة فإنه يشترط لصحة صلاة الجمعة تقدم خطبتها عليها، لأن خطبة الجمعة واجبة وخطبة العيد مندوبة "وهذا مرسل عن عطاء عن النبي صلى الله عليه وسلم": وكذا قال النسائي ونقل البيهقي عن ابن معين أنه قال: غلط الفضل بن موسى في إسناده، وإنما هو عن عطاء عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل، انتهى، قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه، وقال النسائي: هذا خطأ والصواب أنه مرسل.

(4/12)


253 - باب الخروج إلى العيد في طريق ويرجع في طريق
1153 - حدثنا عَبَدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ أخبرنا عبد الله - يَعْني ابنَ عُمَرَ - عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ: أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أَخَذَ يَوْمَ الْعِيدِ في طَرِيقٍ ثُمّ رَجَعَ في طَرِيقٍ آخَر َ.
__________
باب الخروج إلى العيد في طريق ويرجع في طريق
"أخذ يوم العيد في طريق إلخ" : والحديث يدل على استحباب الذهاب إلى صلاة العيد في طريق والرجوع في طريق أخرى للإمام والمأموم، وبه قال أكثر أهل العلم كما في الفتح، وقد اختلف في الحكمة في مخالفته صلى الله عليه وسلم الطريق في الذهاب والرجوع يوم العيد على أقوال كثيرة. قال الحافظ: اجتمع لي منها أكثر من عشرين قولا. قال القاضي عبد الوهاب المالكي: ذكر في ذلك فوائد بعضها قريب وأكثرها دعاوى فارغة. انتهى. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه وفي إسناده عبد الله بن عمر بن حفص العمري، وفيه مقال، وقد أخرج له مسلم مقروناً بأخيه عبيد الله بن عمر رضي الله عنهم.

(4/13)


254 - باب إذا لم يخرج الإمام للعيد من يومه يخرج من الغد
1154 - حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ أخبرنا شُعْبَةَ عن جَعْفَرٍ بنِ أَبي وَحْشِيّةَ عن أَبي عُمَيْرِ بنِ أَنَسٍ عن عُمُومَةٍ لَهُ مِنْ أَصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: أَنّ رَكْبَاً جَاؤوا إِلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَشْهَدُونَ أَنّهُمْ رَأَوا الْهِلاَلَ بالأَمْسِ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُفْطِرُوا وَإِذَا أَصْبَحُوا يَغْدُوا إِلَى مُصَلاّهُم ْ.
__________
باب إذا لم يخرج الإمام للعيد من يومه يخرج من الغد
"عن أبي عمير بن أنس": أي أنس بن مالك الأنصاري يقال اسمه عبد الله معدود في صغار التابعين عُمّر بعد أبيه زماناً طويلاً "عن عمومة له": جمع عم كالبعولة جمع بعل. ذكره الجوهري وهو المراد هنا وقد يستعمل بمعنى المصدر كأبوة وخؤولة "من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم": صفة عمومة وجهالة الصحابي لا تضر فإنهم كلهم عدول "أن ركباً" : جمع راكب كصحب جمع صاحب "يشهدون" : أي يؤدون الشهادة "إنهم رأوا الهلال بالأمس" : ولفظ أحمد

(4/13)


1158 - حدثنا حَمْزَةُ بنُ نُصَيْرٍ أخبرنا ابنُ أبي مَرْيَمَ أخبرنا إِبراهِيمُ بنُ سُوَيْدٍ أخبرني أُنَيْسُ بنُ أَبي يَحْيَى أخبرني إِسْحَاقُ بنُ سَالِمٍ مَوْلَى نَوْفَلِ بنِ عَدِيٍ أخبرني
__________
في مسنده: "عم علينا هلال شوال فأصبحنا صياماً، فجاء ركب من آخر النهار فشهدوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم رأوا الهلال بالأمس فأمر الناس أن يفطروا من يومهم وأن يخرجوا لعيدهم من الغد" وهكذا في رواية ابن ماجه في كتاب الصيام والدارقطني "أنهم قدموا آخر النهار" وصحح الداقطني إسناده بهذا اللفظ، وصححه النووي في الخلاصة، وقد وقع في بعض طرقه من رواية الطحاوي "أنهم شهدوا بعد الزوال" وبه أخذ أبو حنيفة أن وقتها من ارتفاع الشمس إلى زوالها، إذ لو كانت صلاة العيد تؤدى بعد الزوال لما أخرها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغد "فأمرهم" أي الناس "أن يفطروا" أي ذلك اليوم "وإذا أصبحوا يغدوا" : أي يذهبوا في الغدوة جميعاً "إلى مصلاهم" : لصلاة العيد، يعني لم يروا الهلال في المدينة ليلة الثلاثين من رمضان فصاموا ذلك اليوم، فجاء قافلة في أثناء ذلك اليوم وشهدوا أنهم رأوا الهلال ليلة الثلاثين، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإفطار وبأداء صلاة العيد في اليوم الحادي والثلاثين قاله علي القاري. وقال الشوكاني: والحديث دليل لمن قال إن صلاة العيد تصلى في اليوم الثاني إن لم يتبين العيد إلا بعد خروج وقت صلاته، وإلى ذلك ذهب الأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد، وهو قول الشافعي. وظاهر الحديث أن الصلاة في اليوم الثاني أداء لا قضاء. وروى الخطابي عن الشافعي أنهم إن علموا بالعيد قبل الزوال صلوا وإلا لم يصلوا يومهم ولا من الغد لأنه عمل في وقت فلا يعمل في غيره، قال: وكذا قال مالك وأبو ثور قال الخطابي: سنة النبي صلى الله عليه وسلم أولى بالاتباع، وحديث أبي عمير صحيح فالمصير إليه واجب. قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه. وأبو عمير هذا هو عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري. وقال الخطابي: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى وحديث أبي عمير صحيح فالمصير إليه واجب، يريد أنه لا فرق بين أن يعلموا بذلك قبيل الزوال أو بعده، خلافاً للشافعي ومالك وأبي ثور بأنه ليس في الحديث ما يدل على أنهم شهدوا بذلك بعد، ويحتج للشافعي ومالك وأبي ثور بأنه ليس في الحديث ما يدل على أنهم شهدوا بذلك بعد الزوال. تم كلام المنذري.
قلت: وقد عرفت من رواية أحمد وابن ماجه والدارقطني أنهم شهدوا بذلك آخر النهار. والحديث أخرجه أيضاً ابن حبان في صحيحه وصححه ابن المنذر وابن السكن وابن حزم والخطابي وابن حجر، وقول ابن عبدالبر إن أبا عمير مجهول مردود بأنه قد عرفه من صحح له. قاله الحافظ.
"إسحاق بن سالم مولى": قال الذهبي في الميزان: لا يعرف لكن قال ابن السكن إسناده

(4/14)


بَكْرُ بنُ مُبَشّرٍ اْلأَنْصَارِيّ قال: كُنْتُ أَغْدُو مع أَصْحَابِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إِلَى المُصَلّى يَوْمَ الْفِطْرِ وَيْومَ الأَضْحَى، فَنَسْلُكَ بَطْنَ بَطْحَانَ حتّى نَأْتِيَ المُصَلّى فَنُصَلّيَ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ثُمّ نَرْجِعُ مِنْ بَطْنِ بَطْحَانَ إِلَى بُيُوتِنَا .
__________
صالح. قلت: لا يعرف إسحاق وبكر بغير هذا الخبر. انتهى. وقال في التقريب: هو مجهول الحال "بكر بن مبشر الأنصاري": قال ابن الأثير هو ابن جبر الأنصاري من بني عبيد بطن من الأوس له صحبة عداده في أهل المدينة، قال ابن منده: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه تفرد به سعيد بن أبي مريم عن إبراهيم بن سويد. قلت: قال أبو عمر روى عنه إسحاق بن سالم وأنيس بن أبي يحيى وليس كذلك إنما أنيس راو عن إسحاق. انتهى كلام ابن الأثير. وفي الإصابة قال أبو حاتم له صحبة وكذا قال ابن حبان، وقال ابن السكن: له حديث واحد بإسناد صالح، وأخرجه الحاكم في مستدركه، وأبو داوود والبخاري في تاريخه والبارودي، وقال ابن القطان: لم يرو عنه إلا إسحاق بن سالم وإسحاق لا يعرف. انتهى "كنت أغدو" : قال الجوهري في الصحاح: الغدو نقيض الرواح وقد غدا يغدوا غدواً. انتهى. وقال في النهاية الغدوة المرة من الغدو وهو سير أول النهار نقيض الرواح، وقد غدا يغدو غدواً والغدوة بالضم ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس. انتهى. وفي لسان العرب: وغدا عليه غدواً وغُدواً واغتدى بكّر غاداه باكره وغدا عليه، ويقال غدا الرجل يغدو فهو غاد. انتهى. والمعنى أي أسير وأذهب أول النهار إلى المصلى مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم "بطن بطحان" : بفتح الباء اسم وادي المدينة، والبطحانيون منسوبون إليه وأكثرهم يضمون الباء ولعله الأصح انتهى.
واعلم أن حديث بكر بن مبشر هذا وجد في بعض نسخ الكتاب في هذا الباب، أي باب إذا لم يخرج الإمام للعيد من يومه يخرج من الغد، وهكذا في مختصر المنذري، ووجد في بعض النسخ هذا الحديث قبل هذا الباب، أي في باب الخروج إلى العيد في طريق ويرجع في طريق، فإدخال الحديث في الباب الأول، أي باب مخالفة الطريق ظاهر لاخفاء فيه من حيث أن النبي صلى الله عليه وسلم خالف الطريق كما في حديث ابن عمر وأقر على من يخالف كما في حديث بكر بن مبشر لأن مخالفة الطريق من المندوبات والباب يشمل الصورتين، مع أن حديث بكر ضعيف، وأما إدخاله في الباب الثاني فلا يستقيم لأن قوله كنت أغدو ليس فعل من الغد الذي أصله الغدو، وحذف الواو بلا عوض، ويدخل فيه الألف واللام للتعريف، وهو اليوم الذي يأتي بعد يومك، أي ثاني يومك، فلا يقال كنت أغدوا بمعنى كنت أسير وأذهب في اليوم الثاني بعد يومي هذا، ولا يستعمل بهذا المعنى في محاورة العرب، فلا يطابق الحديث من الباب بل هو من تصرفات النساخ، والله أعلم.

(4/15)


255 - باب الصلاة بعد صلاة العيد
1156 - حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ أخبرنا شُعْبَةُ حدثني عدِيّ بنُ ثَابِتٍ عن سَعِيدٍ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: خَرَجَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَوْمَ فِطْرٍ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلّ قَبْلَهَا[قبلهما] وَلاَ بَعْدَهَا[بعدهما] ثُمّ أَتَى النّسَاءَ وَمَعَهُ بِلالٌ فَأَمَرَهُنّ بالصّدَقَةِ فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُلْقِي خِرْصَهَا وَسِخَابَهَا.
__________
باب الصلاة بعد صلاة العيد
"لم يصل" : أي سنة. قاله الطيبي. هذا النفي محمول على المصلي لخبر أبي سعيد الخدري "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصلي قبل العيد شيئاً فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين" رواه ابن ماجه وأحمد والحاكم وصححه وحسنه الحافظ في الفتح. وحديث ابن عباس هذا أخرجه الأئمة الستة، وفيه دليل على كراهة الصلاة قبل صلاة العيد وبعدها، وإلى ذلك ذهب أحمد بن حنبل. قال ابن قدامة: وهو مذهب ابن عباس وابن عمر. قال: وروي ذلك عن علي وابن مسعود وحذيفة وبريدة وسلمة بن الأكوع وجابر وابن أبي أوفى، وقال به شريح وعبد الله بن مغفل ومسروق والضحاك والقاسم وسالم ومعمر وابن جريج والشعبي ومالك، وروي عن مالك أنه قال لا يتطوع في المصلى قبلها ولا بعدها وله في المسجد روايتان، وقال الزهري: لم أسمع أحداً من علمائنا يذكر أن أحداً من سلف هذه الأمة كان يصلي قبل تلك الصلاة ولا بعدها. قال ابن قدامة: وهو إجماع كما ذكرنا عن الزهري وعن غيره. انتهى.
ويردد دعوى الإجماع ما حكاه الترمذي عن طائفة من أهل العلم من الصحابة وغيرهم أنهم رأوا جواز الصلاة قبل صلاة العيد وبعدها، وروى ذلك العراقي عن جماعة من الصحابة وجماعة من التابعين، وأما أقوال التابعين فرواها ابن أبي شيبة، وبعضها في المعرفة للبيهقي. وروى ابن المنذر عن أحمد أنه قال: الكوفيون يصلون بعدها لا قبلها، والبصريون يصلون قبلها لا بعدها، والمدنيون لا قبلها ولا بعدها، قال في الفتح، وبالأول قال الأوزاعي والثوري والحنفية، وبالثاني قال الحسن البصري وجماعه، وبالثالث قال الزهري وابن جريج وأحمد، وأما مالك فمنعه في المصلى، وعنه في المسجد روايتان، انتهى، وعن مالك وأحمد أنه لا يصلي قبلها ولا بعدها، وعن أبي حنيفة أنه يصلي بعدها لا قبلها "تلقي خرصها" : هو الحلقة الصغيرة من الحلي، وفي القاموس الخرص بالضم ويكسر حلقة الذهب والفضة أو حلقة القرط أو الحلقة الصغيرة من الحلى انتهى "وسخابها" : بسين مهملة مكسورة بعدها خاء معجمة، وهو

(4/16)


خيط تنظم فيه الخرزات. وفي القاموس أن السخاب ككتاب قلادة من سك وقرنفل ومحلب بلا جوهر. وقال الخطابي: الخرص الحلقة والسخاب القلادة. وفي الحديث من الفقه أن عطية المرأة البالغة وصدقتها بغير إذن زوجها جائزة ماضية، ولو كان ذلك مفتقراً إلى إذن الأزواج لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ليأمرهن بالصدقة قبل أن يستأذن أزواجهن في ذلك. انتهى.
__________

(4/17)


256 - باب يصلى بالناس العيد في المسجد إذا كان يوم مطر
1157 - حدثنا هِشَامُ بنُ عَمّارِ أخبرنا الْوَلِيدُ ح. وأخبرنا الرّبِيعُ بنُ سُلَيْمَانَ أخبرنا عبد الله بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا الْوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ أخبرنا رَجُلٌ مِنَ القروِيّينَ وَسَمّاهُ الرّبِيعُ في حَدِيثِهِ عِيسَى بنَ عبد الأعلى بنِ أَبي فَرْوَةَ سَمِعَ أَبَا يَحْيَى عبيد الله التّيْمِيّ يُحَدّثُ عن أَبي هُرَيْرَةَ: أَنّهُ أَصَابَهُمْ مَطَرٌ في يَوْمِ عِيدٍ فَصَلّى بِهمْ النّبيّ صلى الله عليه وسلم صَلاَةَ الْعِيدِ في المَسْجِدِ .
__________
باب يصلى بالناس العيد في المسجد إذا كان يوم مطر
"أنه" : أي الشأن "أصابهم" : أي الصحابة "صلاة العيد في المسجد" : أي مسجد المدينة. قال ابن الملك: يعني كان صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة العيد في الصحراء إلا إذا أصابهم مطر فيصلي في المسجد، فالأفضل أداؤها في الصحراء في سائر البلدان وفي مكة خلاف، والظاهر أن المعتمد في مكة أن يصلي في المسجد الحرام على ما عليه العمل في هذه الأيام، ولم يعرف خلافه منه عليه الصلاة والسلام ولا من أحد من السلف الكرام، فإنه موضوع بحكم قوله تعالى {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ} لعموم عباداتهم من صلاة الجماعة والجمعة والعيد والاستسقاء والجنازة والكسوف والخسوف. ذكره في المرقاة. وفي السبل: وقد اختلف العلماء على قولين: هل الأفضل في صلاة العيد الخروج إلى الجبانة، أو الصلاة في مسجد البلد إذا كان واسعاً. الأول قول الشافعي أنه إذا كان مسجد البلد واسعاً صلوا فيه ولا يخرجون، فكلامه يقضي بأن العلة في الخروج طلب الاجتماع، ولذا أمر صلى الله عليه وسلم بإخراج العواتق وذوات الخدور، فإذا حصل ذلك في المسجد فهو أفضل، ولذلك أهل مكة لا يخرجون لسعة مسجدها وضيق أطرافها وإلى هذا ذهب جماعة قالوا الصلاة في المسجد أفضل. والقول الثاني لمالك أن الخروج إلى الجبانة أفضل ولو اتسع المسجد للناس وحجتهم محافظته صلى الله عليه وسلم على ذلك ولم يصل في المسجد إلا لعذر المطر ولا يحافظ صلى الله عليه وسلم إلا على الأفضل، ولقول علي رضي الله عنه وأنه روى أنه خرج إلى الجبانة لصلاة العيد وقال:

(4/17)


__________
لولا أنه السنة لصليت في المسجد، واستخلف من يصلي بضعفة الناس في المسجد، قالوا: فإن كان في الجبانة مسجد مكشوف فالصلاة فيه أفضل، وإن كان مسقوفاً فيه تردد. انتهى.
قال في فتح الباري قال الشافعي في الأم: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج في العيدين إلى المصلى بالمدينة وهكذا من بعده إلا من عذر مطر ونحوه ، وكذا عامة أهل البلدان إلا أهل مكة. انتهى.
والحديث أخرجه ابن ماجه والحاكم وسكت عنه أبو داوود والمنذري وقال في التلخيص: إسناده ضعيف. انتهى.
قلت: في إسناده رجل مجهول وهو عيسى بن عبد الأعلى بن أبي فروة الفروي المدني، قال فيه الذهبي في الميزان: لا يكاد يعرف، وقال هذا حديث منكر. وقال ابن القطان: لا أعلم عيسى هذا مذكوراً في شيء من كتب الرجال ولا في غير هذا الإسناد انتهى. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه.

(4/18)


جُماع أبواب صلاة الاستسقاء وتفريعها
1158 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ مُحمّدِ بنِ ثَابِتٍ المَرْوَزِيّ أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ أنبأنا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن عَبّادِ بنِ تمِيمٍ عن عَمّهِ: أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم خَرَجَ بالنّاسِ يَسْتَسْقِي فَصَلّى بِهمْ ركْعَتَيْنِ جَهَرَ بالْقَراءَةِ فيهِمَا وَحَوّلَ رِدَاءَهُ وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَدَعَا وَاسْتَسْقَى وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ.
__________
جُماع أبواب صلاة الاستسقاء وتفريعها
"جماع": بضم الجيم وتشديد الميم، يقال جماع الناس أي اختلاطهم "وتفريعها": بالرفع معطوف على الجماع، أي تفريع أبواب صلاة الاستسقاء، والفرع ما يتفرع من أصله، يقال: فرعت من هذا الأصل مسائل فتفرعت، أي استخرجت فخرجت، والمعنى هذه مجموع أبواب الاستسقاء وما يتفرع عليه من المسائل من تحويل الرداء والخطبة ورفع اليدين في الدعاء بهيئة مخصوصة وغير ذلك والله أعلم.
"عن عمه": المراد بعمه عبد الله بن زيد بن عاصم المتكرر في الروايات "خرج بالناس" : فيه استحباب الخروج للاستقساء إلى الصحراء لأنه بلغ في الافتقار والتواضع ولأنها أوسع للناس "فصلى بهم ركعتين" : فيه دليل على استحباب الركعتين في صلاة الاستسقاء "جهر بالقراءة فيهما" : ولم يذكر في رواية مسلم الجهر بالقراءة وذكره البخاري

(4/18)


1159 - حدثنا ابنُ السّرْحِ وَسُلْيْمانُ بنُ دَاوُدَ قالا أنبأنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني ابنُ أَبي ذِئبٍ وَيُونُسُ عن ابنِ شِهَابٍ أخبرني عَبّادُ بنُ تَمِيمٍ المازِنيّ أَنّهُ سَمِعَ عَمّهُ - وكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم - يقولُ: خَرَجَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَوْماً يَسْتَسْقِي فَحَوّلَ إِلَى النّاسِ ظَهْرَهُ يَدْعُو الله عَزّ وَجلّ. قال سُلَيْمانُ بنُ دَاوُدَ: وَاسْتقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَحَوّلَ رِدَاءَهُ ثُمّ صَلّى رَكْعَتَيْنِ. قال ابنُ أبي ذِئْبٍ: وَقَرَأَ فِيهِمَا: زَادَ ابنُ السّرْحِ: يُرِيدُ الْجَهْرَ.
1160 - حدثنا مُحمّدُ بنُ عَوْفٍ قال قَرَأْتُ في كِتَابِ عَمْرِو بنِ الْحَارِثِ - يَعْني الْحِمْصِيّ - عن عبد الله بنِ سَالِمٍ عن الزّبَيْدِيّ عن مُحمّدِ بنِ مُسْلِمٍ بهذا الحديث
__________
وأجمعوا على استحبابه، وأجمعوا أنه لا يؤذن لها ولا يقام لحديث أخرجه عن أحمد أبي هريرة "وحول رداءه" : أي جعل اليمين من ردائه على عاتقه الشمال، والشمال منه على عاتقه الأيمن، وصار ظاهره باطناً وباطنه ظاهراً. قال الشيخ عبد الحق في اللمعات: وطريقه هذا القلب والتحويل أن يأخذ بيده اليمنى الطرف الأسفل من جانب يساره وبيده اليسرى الطرف الأسفل من جانب يمينه ويقلب يديه خلف ظهره حتى يكون الطرف المقبوض بيده اليمنى على كتفه الأعلى من جانب اليمين والطرف المقبوض بيده اليسرى على كتفه الأعلى من جانب اليسار. انتهى. وفيه استحباب تحويل الرداء في أثنائها للاستسقاء.
قال النووي: أجمع العلماء على أن الاستسقاء سنة، واختلفوا هل تسن له صلاة أم لا، فقال أبو حنيفة: لا تسن له صلاة بل يستسقى بالدعاء بلا صلاة، وقال سائر العلماء من السلف والخلف الصحابة والتابعون فمن بعدهم تسن الصلاة ولم يخالف فيه إلا أبو حنيفة، وتعلق بأحاديث الاستسقاء التي ليس فيها صلاة، واحتج الجمهور بالأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلّى للاستسقاء ركعتين ، وأما الأحاديث التي ليس فيها ذكر الصلاة فبعضها محمول على نسيان الراوي وبعضها كان في الخطبة للجمعة ويتعقبه الصلاة للجمعة فاكتفى بها ولو لم يصل أصلا كان بياناً لجواز الاستسقاء بالدعاء بلا صلاة ولا خلاف في جوازه، وتكون الأحاديث المثبتة للصلاة مقدمة لأنها زيادة علم ولا معارضة بينهما. قال أصحابنا: الاستسقاء ثلاثة أنواع، أحدها: الاستسقاء بالدعاء من غير صلاة، الثاني: الاستسقاء في خطبة الجمعة أو في إثر صلاة مفروضة وهو أفضل من النوع الذي قبله، والثالث: وهو أكملها أن يكون بصلاة ركعتين وخطبتين ويتأهب قبله بصدقة وصيام وتوبة وإقبال على الخير ومجانبة الشر ونحو ذلك من طاعة الله تعالى. قال المنذري: وأخرجه البخاري مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"عن محمد بن مسلم": هو ابن شهاب الزهري بالإسناد المذكور "لم يذكر": أي الزبيدي

(4/19)


بإِسْنَادِهِ، لم يَذْكُر الصّلاَةَ[قال]: وَحَوّلَ[قال وحول] رِدَاءَهُ فَجَعَلَ عِطَافَهُ الأَيْمَنَ عَلَى عَاتِقِهِ اْلأَيْسَرَ، وَجَعَلَ عِطَافَهُ الأَيْسَرِ عَلَى عَاتِقِهِ اْلأَيْمَنِ ثُمّ دَعَا الله عَزّ وَجلّ.
1161 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ عن عُمَارَةَ بنِ غَزِيّةَ عن عَبّادِ بنِ تمِيمٍ عن عبد الله بنِ زَيْدٍ قال: اسْتَسْقَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ لَهُ سَوْدَاءُ، فأَرَادَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ يَأْخُذَ بأَسْفَلِهَا فَيَجْعَلَهُ أَعْلاَهَا، فَلمّا ثَقُلَتْ قَلّبَهَا عَلَى عَاتِقِهِ[عاتقيه].
1162 - حدثنا النّفَيْلِيّ وعُثْمانُ بنُ أَبي شَيْبَةَ نَحْوَهُ قالا حدثنا حَاتِمُ بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا هِشَامُ بنُ إِسْحَاقَ بنِ عبد الله بنِ كِنَانَةَ أخبرني أَبي قال: أَرْسَلنِي الْوَلِيدُ بنُ عُتْبَةَ. قال عُثْمانُ بنُ عُقْبَةَ - وكانَ أَمِيرَ المَدِينَةِ - إِلَى ابنِ عَبّاس أَسْأَلَهُ عن صَلاَةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في الاسْتِسْقَاءِ فقال: خَرَجَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مُتَبَذّلاً مُتَوَاضِعا ً
__________
عن الزهري قصة الصلاة "وقال": أي الزبيدي "فجعل عطافه الأيمن" : قال الخطابي: أصل العطاف الرداء وإنما أضاف العطاف إلى الرداء لأنه أراد أحد شقي العطاف. انتهى. قال في شرح المشكاة فالهاء ضمير الرداء، ويجوز أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم ويريد بالعطاف جانب الرداء. قال التوربشتي سمي الرداء عطافاً لوقوعه على العطفين وهما الجانبان. انتهى.
"وعليه خميصة" : أي كساء أسود مربع له علمان في طرفيه من صوف وغيره، وسوداء صفة لخميصة وفيه تجريد قال في النهاية: هي ثوب خزّ أو وصوف معلم، وقيل لا تسمى خميصة إلا أن تكون سوداء معلمة وكانت من لباس الناس قديمها وجمعها الخمائص انتهى "فلما ثقلت" : الخميصة أي عسرت عليه "قلبها" : بتشديد اللام وقيل بتخفيفها "على عاتقيه" : بالتثنية هكذا في أكثر النسخ، وفي بعضها بالإفراد، والمعنى أي لم يجعل أسفلها أعلاها بل جعل ما على كتفه الأيمن على عاتقه الأيسر. وزاد الإمام أحمد في روايته: "حول الناس معه" وقال الحاكم هو على شرط مسلم.
"نحوه": أي رواية عثمان نحو رواية النفيلي وهو كقوله المعني أي معنى حديثهما واحد "قال عثمان": بن أبي شيبة "ابن عقبة": بالقاف بعد العين هو صفة الوليد أي قال عثمان في روايته الوليد بن عقبة، وأما النفيلي فقال الوليد بن عتبة بالتاء بعد العين "متبذلا" : بتقديم التاء على الموحدة أي لابساً لثياب البذلة تاركاً لثياب الزينة تواضعاً لله تعالى. التبذل والابتذال ترك

(4/20)


مُتَضَرّعاً حتّى أَتَى يُصَلّي - زَادَ عُثْمانُ: فَرَقِيَ عَلَى المِنْبَرِ، ثُمّ اتّفَقَا - فلَمْ يَخْطُبْ خُطَبَكُم[خطبتكم] هَذِهِ، وَلَكِنْ لَمْ يَزَلْ في الدّعَاءِ وَالتّضَرّعِ وَالتّكْبِيرِ، ثُمّ صَلّى رَكْعَتَيْنِ كمَا يُصَلّي في الْعِيدِ .
قال أَبُو دَاوُد: وَالإخْبَارُ للنّفَيْلِيّ، وَالصّوابُ ابنُ عُتْبَةَ.
__________
التزين والتهي بالهيئة الحسنة الجميلة على جهة التواضع "متضرعاً" : أي مظهراً للضراعة، وهي التذلل عند طلب الحاجة "فلم يخطب خطبكم هذه" : النفي متوجه إلى القيد لا إلى المقيد كما يدل على ذلك الأحاديث المصرحة بالخطبة، ويدل عليه أيضاً قوله في هذا الحديث "فرقي المنبر ولم يخطب خطبكم هذه" فإنما نفى وقوع خطبة منه صلى الله عليه وسلم مشابهة لخطبة المخاطبين، ولم ينف وقوع مطلق الخطبة منه على ذلك، فلا يصح التمسك به لعدم مشروعية الخطبة. وقال الزيلعي: مفهوم الحديث أنه خطب لكنه لم يخطب كما يفعل في الجمعة ولكنه خطب الخطبة واحدة، فلذلك نفى النوع ولم ينف الجنس، ولم يرو أنه خطب خطبتين فلذلك قال أبو يوسف يخطب خطبة واحدة، ومحمد يقول يخطب خطبتين ولم أجد له شاهداً انتهى "ثم صلى ركعتين" : فيه دليل على استحباب الصلاة لم يخالف فيه إلا الحنفية "كما يصلي في العيدين" : تمسك به الشافعي ومن معه في مشروعية التكبير في صلاة الاستسقاء كتكبير العيد وتأوله الجمهور على أن المراد كصلاة العيد في عدد الركعة والجهر بالقراءة وكونها قبل الخطبة والله أعلم. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وذكر أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي في كتابه أن إسحاق بن عبد الله بن كنانة روى عن أبي هريرة مرسلا انتهى.

(4/21)


257 - باب في أي وقت يحول رداءه إذا استسقى
1163 - حدثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ أخبرنا سُلَيْمَانُ - يَعْني ابنَ بِلاَلٍ - عن يَحْيَى عن أبي بَكْرِ بنِ مُحمّدٍ عن عَبّادِ بنِ تمِيمٍ أَنّ عبد الله بنَ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ: أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم خَرَجَ إِلَى المُصَلّى يَسْتَسْقِي، وَأَنّهُ لَمّا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ثُمّ حَوّلَ رِدَاءَهُ .
__________
باب في أي وقت الخ
"استقبل القبلة" : قال النووي: فيه استحباب استقبالها للدعاء ويلحق به القراءة والأذان

(4/21)


1164 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن عبد الله بنِ أَبي بَكْرٍ أَنّهُ سَمِعَ عَبّادَ بنَ تمِيمٍ يقولُ سَمِعْتُ عبد الله بنَ زَيْدٍ المَازِنيّ يقولُ: خَرَجَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إِلَى المُصَلّى فَاسْتَسْقَى، وَحَوّلَ رِدَاءَهُ حِينَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ.
__________
وسائر الطاعات إلا ما خرج بدليل كالخطبة "ثم حول رداءه" : فيه دليل لجماهير العلماء في استحباب تحويل الرداء، ولا يستحبه أبو حنيفة والحديث يرد عليه. قالوا والتحويل شرع تفاؤلا بتغير الحال من القحط إلى نزول الغيث والخصب، ومن ضيق الحال إلى سعة. قاله النووي.

(4/22)


258 - باب رفع اليدين في الاستسقاء
1165 - حدثنا مُحمّدُ بنُ سَلَمَةَ المُرَادِيّ أنبأنا ابن وَهْبٍ عن حَيْوَةً وَعُمَرَ بنِ مَالِكٍ عن ابنِ الْهادِ عن مُحمّدِ بنِ إِبراهِيمَ عن عُمَيْرٍ مَوْلَى بَنِي آبِي اللّحْمِ: أَنّهُ رَأَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَسْتَسْقِي عِنْدَ أَحْجَارِ الزّيْتِ قَرِيباً مِنْ الزّوْرَاءِ قَائِماً يَدْعُو يَسْتَسْقِي رَافِعاً يَدَيْهِ قِبَلَ وَجْهِهِ لا يُجَاوِزْ بِهمَا رَأْسَهُ.
1166 - حدثنا ابنُ أبي خَلَفٍ أخبرنا مُحمّدُ بنُ عُبَيْدٍ أخبرنا مِسْعَرٌ عن يَزِيدَ
__________
باب رفع اليدين في الاستسقاء
"عن عمير": بالتصغير "مولى بني آبي اللحم": بالمداسم رجل من قدماء الصحابة سمى بذلك لامتناعه من أكل اللحم أو لحم ما ذبح على النصب في الجاهلية اسمه عبد الله بن عبدالملك استشهد يوم حنين. قيل: هو الذي يروي هذا الحديث ولا يعرف له حديث سواه، وعمير عنه وله أيضاً صحبة "عند أحجار الزيت" : وهو موضع بالمدينة من الحرة سميت بذلك لسواد أحجارها بها كأنها طليت بالزيت "من الزوراء" : بفتح الزاي المعجمة موضع بالمدينة "قائماً يدعو يستسقي" : حالان أي داعياً مستسقياً "قبل وجهه" : بكسر القاف وفتح الموحدة أي قبالته "لا يجاوز بهما" : أي بيديه حين رفعهما "رأسه" : ولا ينافي ما يأتي في رواية أنس أنه كان يبالغ في الرفع للاستسقاء لاحتمال أن ذلك أكثر أحواله وهذا في نادر منها أو بالعكس. قال المنذري وأخرجه الترمذي والنسائي من حديث عمير مولى آبي اللحم. وقال المنذري: كذا قال قتيبة في هذا الحديث عن آبي اللحم ولا يعرف له عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا هذا الحديث الواحد. وعمير مولى آبي اللحم قد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث وله صحبة.

(4/22)


الْفَقِيرِ عن جَابِرِ بنِ عبد الله قال: أَتَتِ[أتيت] النّبيّ صلى الله عليه وسلم بَوَاكِيَ[يواكىء] فقال: "اللّهُمّ أَسْقِنَا غَيْثاً مُغِيثاً مَرِيئاً مُرِيعاً نَافِعاً غَيْرَ ضَارٍ عَاجِلاً غَيْرَ آجِلٍ". قال: فأُطْبِقَتْ عَلَيْهِمُ السّماءُ .
__________
"أتت النبي صلى الله عليه وسلم بواكي" : جمع باكية أي جاءت عند النبي صلى الله عليه وسلم نفوس باكية أو نساء باكيات لانقطاع المطر عنهم ملتجئة إليه، وهذه هي الرواية المشهورة في سنن أبي داوود. قال المنذري: هكذا وقع في روايتنا، وفي غيرها مما شاهدناه بالباء الموحدة المفتوحة، وذكر الخطابي قال: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يواكي" بضم الياء باثنتين من تحتها. انتهى.
قلت: المواكاة والتوكؤ والاتكاء والتحامل على الشيء. قال الخطابي في المعالم: معناه التحامل على يديه إذا رفعهما ومدهما في الدعاء، ومن هذا التوكؤ على العصا وهمو التحامل عليها انتهى. وقال في النهاية: أي يتحامل على يديه أي يرفعهما ويمدهما في الدعاء، ومنه التوكؤ على العصا وهو التحامل عليها انتهى. وقد أخذ هذه الرواية صاحب المشكاة أيضاً. قال المنذري: قال بعضهم: والصحيح ما ذكره الخطابي. قال المنذري: وللرواية المشهورة وجه انتهى. ورجح السندي الرواية المشهورة وبالغ في رد غيرها ولم يقف على كلام الخطابي وابن الأثير والمنذري. وقال النووي: وهذا الذي ادعاه الخطابي لم تأت به الرواية ولا انحصر الصواب فيه بل ليس هو واضح المعنى. وفي رواية البيهقي: "أتت النبي صلى الله عليه وسلم هوازل بدل بواكي" انتهى. قلت: على رواية الخطابي يوافق الحديث بالباب والله أعلم، كذا في غاية المقصود. "أسقنا" : بالوصل والقطع "غيثاً" : أي مطراً "مغيثاً" : بضم أوله أي معينا من الإغاثة بمعنى الإعانة "مريئاً" : بفتح الميم والمد ويجوز إدغامه أي هنيئاً محمود العاقبة لا ضرر فيه من الغرق والهدم "مريعا" : يروى على وجهين بالياء والباء فمن رواه بالياء جعله من المراعة وهو الخصب يقال منه أمرع المكان إذا أخصب ومن رواه مربعاً كان معناه منبتاً للربيع قاله الخطابي. وفي شرح المشكاة مريعاً بفتح الميم وبضم أي كثيراً. وفي شرح السنة ذا مراعة وخصب، ويروى مربعاً بالباء بضم الميم أي منبتاً للربيع، ويروى مرتعاً بفتح الميم والتاء أي ينبت به ما يرتع الإبل وكل خصب مرتع ومنه يرتع ويلعب ذكره الطيبي "فأطبقت عليهم السماء" : على بناء الفاعل وقيل بالمفعول، يقال أطبق إذا جعل الطبق على رأس شيء وغطاه به أي جعلت عليهم السحاب كطبق، قيل أي ظهر السحاب في ذلك الوقت وغطاهم السحاب كطبق فوق رؤوسهم بحيث لا يرون السماء من تراكم السحاب وعمومه الجوانب، وقيل أطبقت بالمطر الدائم، يقال أطبقت عليه الحمى أي دامت. وفي شرح السنة أي ملأت، والغيث المطبق هو العام الواسع.

(4/23)


1167 - حدثنا نَصْرُ بنُ عَلِيّ أخبرنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ أخبرنا سَعِيدٌ عن قَتَادَةَ عن أَنَسٍ: أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ لا يَرْفَعُ يَدَيْهِ في شَيْءٍ مِنَ الدّعَاءِ إِلاّ في الاسْتِسْقَاءِ فإِنّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حتّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْه ِ.
1168 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ مُحمّدٍ الزّعْفَرَانِيّ أخبرنا عَفانُ أخبرنا حَمّادٌ أنبأنا ثَابِتٌ عن أَنَسٍ: أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَسْتَسْقِي هكذَا - يَعْني وَمَدّ يَدَيْه وَجَعَلَ بُطونَهُمَا مِمّا يَلِي الأَرْضَ حتّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْه ِ.
__________
"إلا في الاستسقاء" : قال في النيل: ظاهره نفي الرفع في كل دعاء غير الاستسقاء وهو معارض للأحاديث الثابتة في الرفع في غير الاستسقاء وهي كثيرة وقد أفردها البخاري بترجمة في كتاب الدعوات وساق فيها عدة أحاديث وصنف المنذري في ذلك جزءاً. وقال النووي هي أكثر من أن تحصر قال وقد جمعت منها نحواً من ثلاثين حديثاً من الصحيحين أو أحدهما قال وذكرتها في آخر باب صفة الصلاة في شرح المهذب. انتهى. فذهب بعض أهل العلم إلى أن العمل بها أولى، وحمل حديث أنس على نفي رؤيته وذلك لا يستلزم نفي رؤية غيره، وذهب آخرون إلى تأويل حديث أنس المذكور لأجل الجمع بأن يحمل النفي على جهة مخصوصة إما على الرفع البليغ، ويدل عليه قوله: حتى يرى بياض إبطيه، ويؤيده أن غالب الأحاديث التي وردت في رفع اليدين في الدعاء إنما المراد بها مد اليدين وبسطهما عند الدعاء، وكأنه عند الاستسقاء زاد على ذلك فرفعهما إلى جهة وجهة حتى حاذتاه وحينئذ يرى بياض إبطيه، وإما على صفة رفع اليدين في ذلك كله في رواية مسلم المذكورة ولأبي داوود من حديث أنس "كان يستسقي هكذا ومد يديه وجعل بطونهما مما يلي الأرض حتى رأيت بياض إبطيه" كما سيأتي. والظاهر أنه ينبغي البقاء على النفي المذكور عن أنس فلا ترفع اليد في شيء من الأدعية إلا في المواضع التي ورد فيها الرفع ويعمل فيما سواها بمتقضى النفي وتكون الأحاديث الواردة في الرفع في غير الاستسقاء أرجح من النفي المذكور في حديث أنس إما لأنها خاصة فيبنى العام على الخاص أو لأنها مثبتة وهي أولى من النفي. وغاية ما في حديث أنس نفى الرفع فيما يعلمه، ومن علم حجة على من لم يعلم انتهى كلامه. والحق أن أنساً لم ينف رفع اليدين في الدعاء بل إنما مراده أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يبالغ في الرفع رفعاً بليغاً فوق حذاء الصدر بحيث يجعل بطون يديه مما يلي الأرض حتى يرى بياض إبطيه إلا في الاستسقاء والله أعلم. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.
"ومد يديه وجعل بطونهما الخ" : قال جماعة من العلماء: والسنة في كل دعاء لرفع بلاء

(4/24)


1169 - حدثنا مُسْلِمُ بنُ إِبراهِيمَ أخبرنا شُعْبَةُ عن عَبْدِ رَبّهِ بنِ سَعِيدٍ عن مُحمّدِ بنِ إِبراهِيمَ: أخبرني مَنْ رَأَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَدْعُو عِنْدَ أحْجَارِ الزّيْتِ بَاسِطاً كَفّيْه ِ.
1170 - حدثنا هَارُونُ بنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيّ أخبرنا خَالِدُ بنُ نِزَارٍ قال حدثني الْقَاسِمُ بنُ مَبْرُورٍ عن يُونُسَ عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن أبِيهِ عن عَائشةَ قالت: شَكَا النّاسُ إِلَى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قُحْوطَ المَطَرِ فأَمَرَ بِمِنْبَرٍ فَوُضِعَ لَهُ في المُصَلّى، وَوَعَدَ النّاسَ يَوْماً يَخْرُجُونَ فيه. قالت عَائشةُ: فَخَرَجَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشّمْسِ فَقَعَدَ عَلَى المِنْبَرِ فَكَبّرَ وَحَمِدَ الله عز وجل ثُم قال: إِنّكُم شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُم وَاسْتِيخَارَ المَطَرِ عن إِبّانِ زَمَانِهِ عَنْكُم وَقَدْ أَمَرَكُم الله عز وجل أَنْ تَدْعُوهُ
__________
كالقحط ونحوه أن يرفع يديه ويجعل ظهر كفيه إلى السماء وإذا دعا لسؤال شيء وتحصيله جعل بطن كفيه إلى السماء، واحتجوا بهذا الحديث قاله النووي. وقال المنذري: وأخرجه مسلم مختصراً بنحوه.
"محمد بن إبراهيم": هو التيمي والحديث سكت عنه المنذري.
"خالد بن نزار": بكسر النون وفتح الزاء المخففة "قحوط المطر" : بضم القاف هو مصدر كالقحط معناه احتباس المطر وفقده. في القاموس القحط احتباس المطر "فأمر بمنبر إلخ" : فيه استحباب الصعود على المنبر لخطبة الاستسقاء "ووعد الناس يوماً" : أي عينه لهم ويستحب للإمام أن يجمع الناس ويخرج بهم إلى خارج البلد "حاجب الناس" : في القاموس: حاجب الشمس ضوءها أو ناحيتها انتهى. وإنما سمي الضوء حاجباً لأنه يحجب جرمها عن الإدراك، وفيه استحباب الخروج لصلاة الاستسقاء عند طلوع الشمس. وقد أخرج الحاكم وأصحاب السنن عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم صنع في الاستسقاء كما صنع في العيد وظاهره أنه صلاها وقت صلاة العيد، كما قال الحافظ وقد حكى ابن المنذر الاختلاف في وقتها قال في الفتح والراجح أنه لا وقت لها معين وإن كان أكثر أحكامها كالعيد لكنها مخالفة بأنها لا تختص بيوم معين. ونقل ابن قدامة الإجماع على أنها لا تصلى في وقت الكراهة. وأفاد ابن حبان بأن خروجه صلى الله عليه وسلم للاستسقاء كان في شهر رمضان سنة ست من الهجرة "جدب دياركم" : بفتح الجيم وسكون المهملة أي قحطها "واستيخار المطر" : أي تأخره. قال الطيبي: والسين للمبالغة يقال استأخر الشيء إذا تأخر تأخراً بعيداً "عن إبان زمانه" : بكسر الهمزة وتشديد الباء أي وقته من إضافة الخاص إلى العام يعني عن أول زمان المطر، وإلا بان أول الشيء. قال في

(4/25)


وَوَعَدَكُم أَنْ يَسْتَجِيبَ لَكُم. ثُمّ قال: الْحَمْدُ لله رَبّ الْعَالَمِينَ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ مَلِكِ يَوْمِ الدّيْنِ، لا إِلهَ إِلاّ الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، اللّهُمّ أَنْتَ الله لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ الْغَنِيّ وَنَحْنُ الْفُقَرَاءُ. أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْتَ لَنَا قُوّةً وَبَلاَغَاً إِلَى حِينٍ[خير] ثُمّ رَفَعَ يَدَيْهِ، فلَمْ يَزَلْ في الرّفْعِ حتّى بَدَا بَيْاضُ إِبْطَيْهِ، ثُمّ حَوّلَ إِلَى النّاسِ ظَهْرَهُ، وَقَلّبَ أَوْ حَوّلَ رِدَاءَهُ وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ، ثُم أَقْبَلَ عَلَى النّاسِ وَنَزَلَ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ، فأَنْشأَ الله سَحَابَةً فَرَعَدَتْ وَبَرَقَتْ ثُمّ أَمْطَرَتْ بإِذْنِ الله، فلَمْ يَأْتِ مَسْجِدَهُ حتّى سَالَتِ السّيُولُ، فَلمّا رَأَى
__________
النهاية قيل نونه أصلية فيكون فعالا وقيل زائدة فيكون فعلان من آب الشيء يؤب إذا تهيأ للذهاب. وفي القاموس إبان الشيء بالكسر حينه أو أوله "وقد أمركم الله" : يريد قول الله تعالى {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} .
"ثم قال الحمد لله" : فيه دليل على عدم افتتاح الخطبة بالبسملة بل بالحمدلة ولم تأت رواية عنه صلى الله عليه وسلم أنه افتتح الخطبة بغير التحميد كما في السبل "ملك يوم الدين" : بقصر الميم أي بلا ألف بعد الميم في مالك "قوة" : أي بالقوت حتى لا نموت، والمعنى اجعله منفعة لنا لا مضرة علينا "وبلاغاً" : أي زاداً يبلغنا "إلى حين" : أي من أحيان آجالنا. قال الطيبي: البلاغ ما يتبلغ به إلى المطلوب، والمعنى اجعل الخير الذي أنزل علينا سبباً لقوتنا ومدداً لنا مدداً طوالا "ثم رفع يديه إلخ" : فيه استحباب المبالغة في رفع اليدين عند الاستسقاء وقد تقدم بيانه "ثم حول إلى الناس ظهره" : فيه استحباب استقبال الخطيب عند تحويل الرداء القبلة، والحكمة في ذلك التفاؤل بتحوله عن الحالة التي كان عليها وهي المواجهة للناس إلى الحالة الأخرى وهي استقبال القبلة واستدبارهم ليتحول عنهم الحال الذي هم فيه وهو الجدب بحال آخر وهو الخصب "وقلب" : بالتشديد "أو حول رداءه" : شك من الراوي "فأنشأ الله سحابة" : أي أوجد وأحدث "فرعدت وبرقت" : بفتح الراء أي ظهر فيها الرعد والبرق فالنسبة مجازية قال في النهاية برقت بالكسر بمعنى الحيرة وبالفتح من البريق اللمعان "ثم أمطرت بإذن الله" : في شرح مسلم جاء في البخاري ومسلم أمطرت بالألف وهو دليل للمذهب المختار الذي عليه الأكثرون والمحققون من أهل اللغة أن أمطرت ومطرت لغتان في المطر. وقال بعض أهل اللغة لا يقال أمطرت إلا في العذاب لقوله تعالى {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً} والمشهور الأول. قال تعالى {عَارِضٌ مُمْطِرُنَا} وهو الخير لأنهم يحبون خيراً "فلم يأت" : رسول الله صلى الله عليه وسلم من المحل الذي استسقى فيه الصحراء "مسجده" : أي النبوي في المدينة "حتى سالت السيول" : أي من الجوانب "رأى سرعتهم" : أي سرعة مشيهم والتجائهم "إلى الكن" : بكسر

(4/26)


سُرْعَتَهُمْ إِلَى الْكِنّ ضَحِكَ صلى الله عليه وسلم حتّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ فقال: "أَشْهَدُ أَنّ الله عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنّي عَبْدُ الله وَرَسُوَلُهُ".
قال أَبُو دَاوُد: هذا حديثٌ غريبٌ إِسْنَادُهُ جَيّدٌ. أَهْلُ المَدِينَةِ يَقْرأُونَ مَلِكِ يَوْمِ الدّيْنِ، وَإِنّ هذا الحديثَ حُجّةٌ لَهُمْ.
1171 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا حَمّادُ بنُ زيْدٍ عن عَبْدِ الْعَزِيزِ بنِ صُهَيْبٍ عن أَنَسٍ بنِ مَالِكٍ وَيُونُسُ بنُ عُبَيْدٍ عن ثَابِتٍ عن أَنَسٍ قال: أَصَابَ أَهْلُ المَدِينَةِ قَحْطٌ عَلَى عَهْدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَبَيْنَمَا هُوَ يَخْطُبُنَا يَوْمَ جُمُعَةٍ إِذْ قَامَ رَجُلٌ فقال: يَا رسولَ الله هَلَكَ الْكُرَاعُ، هَلَكَ الشّاءُ، فَادْعُ الله أَنْ يَسْقِيَنَا، فَمَدّ يَدَيْهِ وَدَعَا. قال
__________
الكاف وتشديد النون وهو ما يرد به الحر والبرد من المساكن. وفي القاموس السكن وقاء كل شيء وستره كالكنة والكنان بكسرهما والبيت الجمع أكنان وأكنة انتهى "حتى بدت نواجذه" : النواجذ على ما ذكره صاحب القاموس أقصى الأضراس وهي أربعة أو هي الأنياب أو التي تلي الأنياب أو هي الأضراس كلها جمع ناجذ والنجذ شدة العض بها انتهى. قال الطيبي: وكأن ضحكه تعجباً من طلبهم المطر اضطراراً ثم طلبهم السكن عنه فراراً، ومن عظيم قدرة الله تعالى وإظهار قربة رسوله وصدقه بإجابة دعائه سريعاً ولصدقه أتى بالشهادتين "هذا": أي حديث عائشة الذي فيه ملك يوم الدين "حديث غريب": وليس بمشهور لتفرد رواته "إسناده جيد": أي قوي لا علة فيه لاتصال إسناده وثقات رواته وأخرجه أيضاً أبو عوانة وابن حبان والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين وصححه ابن السكن "ملك يوم الدين" : أي بغير ألف. قال ابن كثير في تفسيره: قرأ بعض القراء ملك يوم الدين أي بغير ألف وقرأ آخرون مالك بالألف وكلاهما صحيح متواتر في السبع، وقد رجح كلا من القراءتين مرجح من حيث المعنى وكلاهما صحيحة حسنة، ورجح الزمخشري ملك بغير ألف لأنها قراءة أهل الحرمين "حجة لهم" : أي لأهل المدينة، ويجيء الكلام فيه في كتاب القراءة إن شاء الله تعالى.
"ويونس بن عبيد": البصري وهذا عطف على عبد العزيز والمعنى أن حماد بن زيد رواه بإسنادين: الأول عن عبد العزيز عن أنس والثاني عن يونس عن ثابت عن أنس، وبهذا الإسناد الثاني أخرجه البخاري في الجمعة وفي علامات النبوة، ذكره الحافظ المزي كذا في الشرح "فبينما هو يخطبنا الخ" : فيه دليل على أنه إذا اتفق وقوع الاستسقاء يوم جمعة اندرجت خطبة الاستسقاء وصلاتها في الجمعة، وقد بوب لذلك البخاري "الكراع" : بضم الكاف: جماعة

(4/27)


أَنَسٌ: وَإِنّ السّماءَ لَمِثْلُ الزّجَاجَةِ فَهَاجَتْ رِيحٌ ثُمّ أَنْشَأَتْ سَحابَةً ثُمّ اجْتَمَعَتْ ثُمّ أَرْسَلَتِ السّماءُ عَزَالِيهَا، فَخَرَجْنَا نَخُوضُ الْمَاءَ حتّى أَتَيْنَا مَنَازِلَنَا، فلَمْ يَزَلِ المَطَرُ إِلَى الْجُمُعَةِ اْلأُخْرَى، فَقَامَ إِلَيْهِ ذَلِكَ الرّجُلُ أَوْ غَيْرُهُ فقال: يَا رسولَ الله تَهَدّمَتِ الْبُيُوتُ فَادْعُ الله أَنْ يَحْبِسَهُ، فَتَبَسّمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ثُمّ قال: "حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا"، فَنَظَرْتُ إِلَى السّحَابِ يَتَصَدّعُ حَوْلَ المَدِينَةِ كأَنّهُ إِكْلِيلٌ.
1172 - حدثنا عِيسَى بنُ حَمّادٍ أنبأنا اللّيْثُ عن سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ عن شَرِيكِ بنِ عبد الله ابنِ أَبي نَمِرٍ عن أَنَسٍ أَنّهُ سَمِعَهُ يقولُ فَذَكَرَ نحوَ حديثِ عبد العزيز قال: فَرَفَعَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَدَيْهِ بِحِذَاءِ وَجْهِهِ فقال: "اللّهُمّ أَسْقِنَا" وَسَاقَ نحوَهُ.
1173 - حدثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عن مَالِكٍ عن يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عن عَمْرِو بنِ شُعْيبٍ أَنّ[عن] رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ح. وحدثنا سَهْلُ بنُ صَالحٍ أخبرنا عَلِيّ بنُ قَادِمٍ
__________
الخيل "الشاء" : جمع شاة "لمثل الزجاجة" : أي كناية عن صفائها "عزاليها" : بالعين المهملة ثم الزاي: جمع عزلاء وزن حمراء فم المزادة الأسفل والجمع العزالي بفتح اللام وكسرها، وقوله أرسلت السماء عزاليها إشارة إلى شدة وقع المطر على التشبيه بنزوله من أفواه المزادات، كذا في المصباح، قلت: عزلاء هو فم المزادة الأسفل فشبه اتساع المطر واندفاقه بالذي يخرج من المزادة "ثم قال حوالينا" : بفتح اللام والحوال والحول بمعنى الجانب، ففي رواية مسلم حولنا ، وعند البخاري وأبي داوود حوالينا تثنية حوال وكلاهما صحيح وهو ظرف يتعلق بمحذوف تقديره اللهم أنزل وأمطر حوالينا ولا تنزل علينا، والمراد به صرف المطر عن الأبنية والدور "ولا علينا" : فيه بيان للمراد بقوله حوالينا لأنه يشمل الطرق التي حولهم فأراد إخراجها بقوله ولا علينا. قال الطيبي: في إدخال الواو هنا معنى لطيف وذلك لأنه لو أسقطها لكان مستسقياً للاَكام وما معها فقط ودخول الواو يقتضي أن طلب المطر على المذكورات ليس مقصوداً لعينه ولكن ليكون وقاية من أذى المطر فليست الواو محصلة للعطف ولكنها للتعليل، كقولهم تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها، فإن الجوع ليس مقصوداً لعينه ولكن ليكون مانعاً من الرضاع بأجرة، إذ كانوا يكرهون ذلك آنفاً. انتهى "يتصدع" : أي ينقطع ويتفرق "كأنه إكليل" : بكسر الهمزة، يريد أن الغيم تقشع واستدار في آفافها، لأن الإكليل يجعل كالحلقة ويوضع على الرأس وهو شبه عصابة مزينة بالجوهر، كذا في النهاية، قال المنذري: وأخرجه البخاري مختصراً.
"عن أنس أنه سمعه يقول": قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.

(4/28)


أخبرنا سُفْيَانُ عن يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أَبِيهِ عن جَدّهِ قال: كَانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إِذَا اسْتَسْقَى قال: "اللّهُمّ اسْقِ عِبَادَكَ وَبَهائِمَكَ وَانْشُرْ رَحْمَتَكَ وَاحْيِ بَلَدَكَ المَيّتَ" هذا لَفْظُ حديثِ مَالِكٍ.
__________
"عن أبيه عن جده": أي عبد الله بن عمرو بن العاص "قال اللهم اسق" : بهمزة الوصل أو القطع "عبادك" : يشمل الرجال والنساء والعبيد والإماء "وبهائمك" : أي من جميع دواب الأرض وحشراتها "وانشر" : بضم الشين أي ابسط "وأحيي بلدك الميت" : أي بإنبات الأرض بعد موتها أي يبسها، وفي تلميح إلى قوله تعالى {فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} قال المنذري: وحديث مالك الذي ذكره فيه عن عمرو بن شعيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرسل

(4/29)


259 - باب صلاة الكسوف
1174 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أَبي شَيْبَةَ أخبرنا إِسْمَاعِيلُ بنُ عُلَيّةَ عن ابنِ جُرَيْجٍ عن
__________
باب صلاة الكسوف
قال النووي: يقال كسفت الشمس والقمر بفتح الكاف، وقال في المصباح خسف القمر ذهب ضوؤه أو نقص وهو الكسوف أيضاً، وقال ثعلب: أجود الكلام خسف القمر وكسفت الشمس، وقال أبو حاتم: إذا ذهب بعض نور الشمس فهو الكسوف وإذا ذهب جميعه فهو الخسوف. انتهى. وعقد المؤلف هذا الباب لإثبات صلاة الكسوف فقط، وأما الباب الآتي فلبيان هيئتها وأنواعها. كذا في الشرح.
قال النووي: واعلم أن صلاة الكسوف رويت على أوجه كثيرة، ذكر مسلم منها جملة وأبو داوود أخرى وغيرهما أخرى. وأجمع العلماء على أنها سنة. ومذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء أنه يسن فعلها جماعة. وقال العراقيون فرادى. وحجة الجمهور الأحاديث الصحيحة في مسلم وغيره، واختلفوا في صفتها، فالمشهور في مذهب الشافعي أنها ركعتان، في كل ركعة قيامان وقراءتان وركوعان، وأما السجود فسجدتان كغيرهما، وسواء تمادى الكسوف أم لا. وبهذا قال مالك والليث وأحمد وأبو ثور وجمهور علماء الحجاز وغيرهم وقال الكوفيون: هم ركعتان كسائر النوافل عملا بظاهر حديث جابر بن سمرة. وأبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين . وحجة الجمهور حديث عائشة من رواية عروة وعمرة، وحديث جابر وابن عباس وابن عمر وابن العاص أنها ركعتان في كل ركعة ركوعان وسجدتان. قال ابن عبد البر: وهذا

(4/29)


عَطَاءِ عن عُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ أخبرني مَنْ أُصَدّقُ وَظَنَنْتُ أَنّهُ يُرِيدُ عَائشةَ قال: كُسِفَتِ الشّمْسُ عَلَى عَهْدِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فقامَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قِيَاماً شَدِيداً يَقُومُ بالنّاسِ ثُمّ يَرْكَعُ ثُمّ يَقُومُ ثُمّ يَرْكَعُ ثُمّ يَقُومُ ثُمّ يَرْكَعُ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ في كلّ رَكْعَةٍ ثَلاَثَ ركَعَاتٍ يَرْكَعُ الثّالِثَةَ ثُمّ يَسْجُدُ حتّى أَنّ رِجَالاً يَوْمَئِذٍ لَيُغْشَى عَلَيْهِمْ مِمّا قَامَ بِهمْ حتّى أَنّ سِجَالَ الْمَاءِ لَيَنْصَبّ[لتصب] عَلَيْهِمْ، يقولُ إِذَا رَكَعَ: "الله أَكْبَرُ وإذا رَفَعَ: سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ" حتّى تَجَلّتِ الشّمْسُ، ثُمّ قال: "إِنّ الشّمْسَ وَالْقَمَرَ لا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ ولا لِحَيَاتِهِ وَلَكِنّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ الله عز وجل يُخَوفُ بِهِمَا عِبَادَهُ، فإِذَا كُسِفَا فَافْزَعُوا إِلَى الصّلاَةِ" .
__________
أصح ما في هذا الباب. قال: وباقي الروايات المخالفة معللة ضعفية. انتهى. وما قاله ابن عبد البر فيه كلام. والله أعلم
"أخبرني من أصدق": وهكذا في رواية لمسلم. قال النووي: له حكم المرسل إذا قلنا عن عطاء بن أبي رباح عن عبيد بن عمير عن عائشة "وظننت" : ولفظ مسلم حسبته وهذه مقولة عطاء "أنه" : أي عبيد بن عمير "قال كسفت الشمس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم" : بالمدينة في السنة العاشرة من الهجرة كما عليه جمهور أهل السير في ربيع الأول أو في رمضان أو في ذي الحجة في عاشر الشهر وعليه الأكثر "قياماً شديداً" : أي طويلاً لطول القراءة فيه "في كل ركعة ثلاث ركعات" : أي ثلاث ركوعات، وهذا يدل على أن المشروع في صلاة الكسوف في كل ركعة ثلاث ركوعات أيضاً "حتى أن سجال الماء" : جمع سجل وهو الدلو الملاء "حتى تجلت الشمس" : بالمثناة الفوقية وتشديد اللام، أي صفت وعاد نورها "لموت أحد" : من الناس "فافزعوا إلى الصلاة" : أي بادروا إليها. قال النووي: معناه بادروا بالصلاة وأسرعوا إليها حتى يزول عنكم هذا العارض الذي يخاف كونه مقدمة عذاب. انتهى. وفيه بيان أن السنة أن يصلى الكسوف جماعة، وفيه بيان أن يركع في كل ركعة ثلاث ركعات. قال الخطابي: وقال سفيان الثوري وأصحاب الرأي: يركع ركعتين في ركعة ركوع واحد كسائر الصلوات. واختلفت الروايات في هذا الباب، فروي أنه ركع ركعتين في أربع ركعات وأربع سجدات وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وروي أنه ركعهما في ركعتين وأربع سجدات ، وروى أنه ركع ركعتين في ست ركعات وأربع سجدات ، وروي أنه ركع ركعتين في عشر ركعات وأربع سجدات . وقد ذكر أبو داوود أنواعاً

(4/30)


__________
منها، ويشبه أن يكون المعنى في ذلك أنه صلاها مرات وكرات فكانت إذا طالت مدة الكسوف مد في صلاته وزد في عدد الركوع، وإذا قصرت نقص من ذلك، وكل ذلك جائز يصلي على حسب الحال ومقدار الحاجة فيه. انتهى. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي بنحوه.

(4/31)


260 - باب من قال أربع ركعات
1175 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا يَحْيَى عن عَبْدِ المَلِكِ حدثني[حدثنا] عَطَاءُ عن جَابِرِ بنِ عبد الله قال: كُسِفَتِ الشّمْسُ عَلَى عَهْدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وكانَ ذَلِكَ الْيَومُ الّذِي مَاتَ فِيهِ إِبراهِيمُ بنُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقال النّاسُ: إِنّمَا كُسِفَتْ لِمَوْتِ إِبراهِيمَ، فَقَامَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَصَلّى بالنّاسِ سِتّ ركَعَاتٍ في أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ، كَبّرَ ثُمّ قَرَأَ فأَطَالَ الْقِرَاءَةَ ثُم ركَعَ نَحْواً مِمّا قَامَ ثُم رفَعَ رأْسَهُ فَقَرَأَ دُونَ الْقِرَاءَةِ الأُولَى ثُم
__________
باب من قال
أي من الأئمة كمالك والشافعي وأحمد وجمهور علماء الحجاز "أربع ركعات" : أي أربع ركوعات في الركعتين فصار في كل ركعة ركوعان وهذا هو الراجح الصحيح ولذا بوب عليه المؤلف. وأما من قال غير ذلك ورآها واسعاً ولم يختص بصورة واحدة فأورد دلائلهم أيضاً في هذا الباب والله أعلم.
"اليوم الذي مات فيه إبراهيم" هو في السنة العاشرة من الهجرة وهو ابن ثمانية عشر شهراً أو أكثر وكان ذلك يوم عاشر الشهر كما قال بعض الحفاظ، وفيه رد لقول أهل الهيئة لا يمكن كسوفها في غير يوم السابع أو الثامن أو التاسع والعشرين إلا أن يريدوا أن ذلك باعتبار العادة وهذا خارق لها "ست ركعات" : أي ركوعات إطلاقا للكل وإرادة للجزء "في أربع سجدات" : أي في ركعتين فيكون في كل ركعة ثلاث ركوعات وسجدتان. قال الطيبي: أي صلى ركعتين كل ركعة بثلاث ركوعات. وعند الشافعي وأكثر أهل العلم أن الخسوف إذا تمادى جاز أن يركع في كل ركعة ثلاث ركوعات وخمس ركوعات وأربع ركوعات انتهى. وقال الإمام البخاري وغيره من الأئمة: لا مساغ لحمل هذه الأحاديث على بيان الجواز إلا إذا تعددت الواقعة وهي لم تتعدد لأن مرجعها كلها إلى صلاته صلى الله عليه وسلم في كسوف الشمس يوم مات ابنه إبراهيم وحينئذ يجب ترجيح أخبار الركوعين فقط، لأنها أصح وأشهر، وخالف في ذلك جماعة من الأئمة الجامعين بين الفقه والحديث كابن المنذر فذهبوا إلى تعدد الواقعة وحملوا الروايات في الزيادة والتكرير على بيان الجواز، وقواه النووي في شرح مسلم وغيره "نحوا ً

(4/31)


رَكَعَ نَحْواً مِمّا قَامَ ثُم رفَعَ رأْسَهُ فَقَرَأَ الْقِرَاءَةَ الثّالِثَةَ دُونَ الْقِرَاءَةِ الثّانِيَةِ ثُم ركَعَ نَحْواً مِمّا قَامَ ثُم رفَعَ رأْسَهُ فَانْحَدَرَ لِلسّجُودِ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُم قَامَ فَرَكَعَ ثَلاَثَ رَكَعَاتٍ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ، لَيْسَ فيها رَكْعَةٌ إِلاّ التّي قَبْلَهَا أَطْوَلُ مِنَ الّتي بَعْدَهَا، إِلاّ أَنّ رُكُوعَهُ نَحْوٌ مِنْ قِيَامِهِ. قال: ثُم تأَخّرَ في صلاتِهِ فَتأَخّرَتِ الصّفُوفُ مَعَهُ ثُم تَقَدّمَ فَقَامَ في مَقَامِهِ وَتَقَدّمَتِ الصّفُوفُ فَقَضَى الصّلاَةَ وَقَدْ طَلَعَتِ الشّمْسُ، فقال: "يَا أَيّهَا النّاسُ إِنّ الشّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آياتِ الله عز وجل لا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ بَشَرٍ، فإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئاً منْ ذَلِكَ فَصَلّوا حتى تَنْجَلِيَ" وساقَ بَقِيّةَ الحديثِ.
1176 - حدثنا مُؤَمّلُ بنُ هِشَامٍ أخبرنا إِسْمَاعِيلُ عن هِشَامٍ أخبرنا أَبُو الزّبَيْرِ عن جَابِرٍ قال: كُسِفَتِ الشّمْسُ عَلَى عَهْدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرّ، فَصَلّى
__________
مما قام" : أي مماثلاً للقيام في المقدار "القراءة الثالثة" : أي في المرة الثالثة "فانحدر" أي انخفض "فسجد سجدتين" : فائدة ذكرها أن الزيادة منحصرة في الركوع دون السجود "ليس فيها ركعة" : أي ركوع "نحو من قيامه" : أي في الطول، "قال" : جابر "ثم تأخر" : النبي صلى الله عليه وسلم "في صلاته" : من موضعه الذي كان فيه "فتأخرت الصفوف معه" : مع النبي اتباعاً للنبي صلى الله عليه وسلم "ثم تقدم" : النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك المكان "فقام في مقامه" : السابق {وتقدمت الصفوف} كذلك إتباعا للنبي صلى الله عليه وسلم، وإنما كان وجه تأخره وتقدمه صلى الله عليه وسلم رؤيته الجنة والنار، لما أخرجه مسلم وغيره بلفظ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدتم حتى لقد رأيتني أريد أن آخذ قطفاً من الجنة حين رأيتموني جعلت أتقدم، ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها بعضاً حين رأيتموني تأخرت" الحديث "إن الشمس والقمر آيتان الخ" : وفي رواية أنهم قالوا: كسفت لموت إبراهيم فقال النبي صلى الله عليه وسلم هذا الكلام رداً عليهم . قال العلماء: والحكمة في هذا الكلام أن بعض الجهلة الضلال كانوا يعظمون الشمس والقمر فبين أنهما آيتان مخلوقتان لله تعالى لا صنع لهما بل هما كسائر المخلوقات يطرأ عليهما النقص والتغيير كغيرهما وكان بعض الضلال من المنجمين وغيرهم يقول لا ينكسفان إلا لموت عظيم أو نحو ذلك فبين أن هذا باطل لا يغتر بأقوالهم لا سيما وقد صادف موت إبراهيم رضي الله عنه فإذا رأيتم شيئاً من ذلك فصلوا وفي رواية: "فإذا رأيتموها فكبروا وادعوا الله وصلوا وتصدقوا" وفيه الحث على هذه الطاعات وهو أمر استحباب. قال المنذري: وأخرجه مسلم بطوله.

(4/32)


رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بأَصْحَابِهِ فأَطَالَ الْقِيَامَ حتّى جَعَلُوا يَخِرّونَ ثُم رَكَعَ فأَطَالَ ثُم رفَعَ فأَطَالَ ثُم ركَعَ فأَطَالَ ثُم رفَعَ فأَطَالَ ثُم سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُم قَامَ فَصَنَعَ نَحْواً مِنْ ذَلِكَ فَكَانَ أَرْبَعَ ركَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجْداتٍ وساقَ الحديثَ.
1177 - حدثنا ابنُ السّرْحِ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ. وحدثنا مُحمّدُ بنُ سَلَمَةَ المُرَادِيّ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ عن يُونُسَ عن ابنِ شِهَابٍ أخبرني عُرْوَةُ بنُ الزّبَيْرِ عن عَائشةَ زَوْجِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالت: خُسِفَتِ الشّمْسُ في حَيَاةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَخَرَجَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إِلَى المَسْجِدِ فَقَامَ فَكَبّرَ وَصَفّ النّاسُ وَرَاءَهُ، فَاقْتَرَأَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قِرَاءَةً طَوِيلَةً، ثُم كَبّرَ فَرَكَعَ رُكُوعاً طَوِيلاً، ثُم رفَعَ رأْسَهُ فقال: "سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبّنَا وَلَكَ الْحَمدُ"، ثُم قَامَ فَاقْتَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً هِيَ أَدْنَى مِنَ الْقِرَاءَةِ الأُولَى ثُم كَبّرَ فَرَكَعَ رُكُوعاً طَوِيلاً هُوَ أَدْنَى مِنَ الرّكُوعِ اْلأَوّلِ ثُم قال: "سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبّنَا وَلَكَ الْحَمدُ"، ثُم فَعَلَ في الركْعَةِ اْلأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، فَاسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ ركَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجْداتٍ، وَانْجَلَتِ الشّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ.
__________
"يخرون" : أي يسقطون "فأطال" : أي الركوع "فأطال" : أي القيام "فكان أربع ركعات" : أي ركوعات وفيه دليل لمن ذهب إلى اختيار الركوعين في كل ركعة. والحديث اختلف على جابر بن عبد الله فروى عنه عطاء كما تقدم فصلى بالناس ست ركعات وروى عنه أبو الزبير فكان أربع ركعات، ولأجل هذا الاختلاف أورد المؤلف الروايتين معاً من غير اقتصار على الرواية الثانية، وإن كانت هي الثانية فقط مطابقة للباب والله أعلم كذا في الشرح.
قال الفاكهاني: إن في بعض الروايات تقدير القيام الأول بنحو سورة البقرة والثاني بنحو سورة آل عمران والثالث بنحو سورة النساء والرابع بنحو سورة المائدة، واستشكل تقدير الثالث بالنساء مع كون المختار أن يكون القيام الثالث أقصر من القيام الثاني والنساء أطول من آل عمران، ولكن الحديث الذي ذكره غير معروف، نعم يطول القيام الأول نحواً من سورة البقرة لحديث ابن عباس عند البخاري وغيره وإن الثاني دونه وأن القيام الأول من الركعة الثانية نحو القيام الأول وكذا الباقي، نعم في الدارقطني من حديث عائشة أنه قرأ في الأول بالعنكبوت والروم وفي الثاني بيس ذكره القسطلاني. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي.
"وصف الناس" : بالرفع اصطفوا، يقال: صف القوم إذا صاروا صفاً ويجوز النصب والفاعل محذوف والمراد به النبي صلى الله عليه وسلم "فاقترأ" : افتعال من القراءة "وانجلت الشمس الخ" : فيه أن

(4/33)


1178 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالحٍ أخبرنا عَنْبَسَةُ أخبرنا يُونُسُ عن ابنِ شِهَابٍ قال: كَانَ كَثِيرُ بنُ عَبّاسٍ يُحَدّثُ أَنّ عبد الله بنَ عَبّاسٍ كانَ يُحَدّثُ: أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم صَلّى في كُسُوفِ الشّمْسِ مِثْلَ حديثِ عُرْوَةَ عن عَائشةَ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أَنّهُ صَلّى رَكْعَتَيْنِ في كلّ رَكْعَةٍ ركْعَتَيْنِ .
1179 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ الْفُرَاتِ بنِ خَالِدٍ أَبُو مَسْعُودٍ الرّازِيّ أنبأنا مُحمّدُ بنُ عبد الله ابنِ أَبي جَعْفَرٍ الرّازِيّ عن أَبِيهِ عن أَبي جَعْفَرٍ الرّازِيّ. قال أَبُو دَاوُد: وَحُدّثْتُ عن عُمَرَ بنِ شَقِيقٍ أخبرنا أَبُو جَعْفَرٍ الرّازِيّ وهذا لَفْظُهُ وَهُو أَتَمّ عن الرّبِيعِ بنِ أَنَسِ عن أَبي الْعَالِيَةِ عن أُبَيّ بنِ كَعْبٍ قال: انْكَسَفَتِ الشّمْسُ عَلَى عَهْدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وَإِنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم صَلّى بِهمْ فَقَرَأَ بِسُورَةٍ مِنَ الطّوَلِ ورَكَعَ خَمْسَ ركَعَاتٍ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُم قام الثّانِيَةَ فَقَرَأَ سُورَةً مِنَ الطِوَلِ ورَكَعَ خَمْسَ ركَعَاتٍ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُم جَلَسَ كما هُو مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ يَدْعُو حتّى انْجَلَى كُسُوفُهَا.
__________
الانجلاء وقع قبل انصراف النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"في كل ركعة ركعتين" : أي ركوعين تسمية الجزء باسم الكل. قال النووي: وحجة الجمهور حديث عائشة من رواية عروة وعمرة، وحديث جابر وابن عباس وابن عمرو بن العاص أنها ركعتان في كل ركعة ركوعان وسجدتان. قال ابن عبد البر: وهذا أصح ما في هذا الباب. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"صلى بهم" : أي صلاة الكسوف "فقرأ بسورة من الطول" : بضم الطاء وتكسر وبفتح الواو، قال الطيبي: جمع الطولى كالكبرى والكبر "وركع خمس ركعات" : أي ركوعات "ثم قام الثانية" : بالنصب على نزع الخافض وفي نسخة إلى الثانية "ثم جلس كما هو" : أي كائناً على الهيئة التي هو عليها "مستقبل القبلة" : بالنصب أي جلس بعد الصلاة كجلوسه فيها يعني مستقبل القبلة "يدعو حتى انجلى كسوفها" : أي انكشف وارتفع. والحديث أخرجه عبد الله بن أحمد في زيادات المسند والحاكم والبيهقي وقال هذا سند لم يحتج الشيخان بمثله، وهذا توهين منه للحديث بأن سنده مما لا يصلح للاحتجاج به عند الشيخين لا أنه تقوية للحديث وتعظيم لشأنه كما فهمه بعض المتأخرين. وروي عن ابن السكن تصحيح هذا الحديث، وقال الحاكم رواته

(4/34)


1180 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عن سُفْيَانَ أخبرنا حَبِيبُ بنُ أَبي ثَابِتٍ عن طَاووسٍ عن ابنِ عَبّاسٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم: أَنّهُ صَلّى في كُسُوفِ الشّمْسِ فَقَرَأَ ثُم ركَعَ ثُم قَرَأَ ثُم ركَعَ ثُم قَرَأَ ثُم ركَعَ ثُم قَرَأَ ثُم ركَعَ ثُم سَجَدَ وَاْلأُخْرَى مِثْلُهَا.
1181 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ أخبرنا زُهَيْرٌ أخبرنا الأَسْوَدُ بنُ قَيْسٍ حدثني ثَعْلَبَةُ بنُ عِبَادٍ الْعَبْدِيّ - مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ - أَنّهُ شَهِدَ خُطْبَةً يَوْماً لِسَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ قال قال سَمُرَةَ: بَيْنَمَا أَنَا وَغُلاَمٌ مِنَ اْلأَنْصَارِ نَرْمِي غَرَضَيْنِ لَنَا حتّى إذا كَانَتِ الشّمْسُ قِيدَ رُمْحَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةٍ في عَيْنِ النّاظِرِ مِنَ الأُفْقِ اسْوَدّتْ حتّى آضَتْ كَأَنّهَا تَنّومَةٌ، فقال أَحَدُنَا لِصَاحِبِهِ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى الْمَسْجِدِ فَوَالله لَيُحْدِثَنّ شَأْنَ هَذِهِ الشّمْسِ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم في أُمّتِهِ حَدَثاً. قال: فَدُفِعْنَا فإِذَا هُوَ بَارِزٌ فَاسْتَقْدَمَ فَصَلّى فَقَامَ بِنَا كَأَطْوَلِ مَا قَامَ بِنَا في
__________
صادقون وفي إسناده أبو جعفر عيسى بن عبد الله الرازي. قال الفلاس سيىء الحفظ، وقال ابن المديني يخلط، وقال ابن معين ثقة، واحتج بهذا الحديث القائلون بأن صلاة الكسوف ركعتان في كل ركعة خمس ركوعات والله أعلم. قال المنذري: في إسناده أبو جعفر واسمه عيسى بن عبد الله بن ماهان الرازي وفيه مقال، واختلف فيه قول ابن معين وابن المديني رضي الله عنهم.
"عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم": الحديث مع كونه في صحيح مسلم ومع تصحيح الترمذي له قد قال ابن حبان في صحيحه إنه ليس بصحيح قال لأنه من رواية حبيب بن أبي ثابت عن طاؤس ولم يسمعه حبيب من طاؤس وحبيب معروف بالتدليس ولم يصرح بالسماع من طاؤس، وقد خالفه سليمان الأحول فوقفه وروى عن حذيفة نحوه قاله البيهقي. والحديث يدل على أن من جملة صفات صلاة الكسوف ركعتين في كل ركعة أربعة ركوعات "والأخرى مثلها" : أي الركعة الأخرى مثل الأولى بأربع ركوعات قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي.
"ابن عباد": بكسر المهملة وتخفيف الموحدة "ابن جندب": بفتح الدال وضمها مع ضم الجيم "غرضين" : الغرض بالتحريك الهدف الذي يرمي إليه والجمع أغراض مثل سبب وأسباب وبالفارسية نشائه تير "قيد" : بكسر القاف يقال قيد رمح وقاد رمح أي قدر رمح "حتى آضت" : بالمد أي رجعت وصارت كأنها تنومة بفتح فوقية وتشديد نون مضمومة نوع من نبات الأرض فيها وفي ثمرها سواد قليل. قال الخطابي: التنوم نبت لونه إلى السواد ويقال بل هو شجر له ثمر كمد اللون "ليحدثن" : من الإحداث بالنون الثقلية "شأن هذه الشمس" : مرفوع بالفاعلية "حدثاً" : أي

(4/35)


صَلاَةٍ قطّ لا نَسْمَعُ لَهُ صَوْتاً. قال: ثُمّ ركَعَ بِنَا كَأَطْوَلِ مَا ركَعَ بِنَا في صَلاَةٍ قَطّ لا نَسْمَعُ لَهُ صَوْتاً. قال: ثُمّ سَجَدَ بِنَا كَأَطْوَلِ ما سَجَدَ بِنَا في صَلاَةٍ قَطّ لا نَسْمَعُ لَهُ صَوْتاً. ثُم فَعَلَ في الركْعَةِ اْلأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ قال: فَوَافَقَ تَجَلّي الشّمْسِ جُلُوسَهُ في الركْعَةِ الثّانِيَةِ. قال: ثُم سَلّمَ ثُم قامَ فَحَمِدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَشَهِدَ أَن لا إِلَهَ إِلاّ الله وَشَهِدَ أَنّهُ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ثُم سَاقَ أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ خُطْبَةَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم .
__________
أمراً جديداً "فدفعنا" : على بناء الفاعل أو المفعول أي دفعنا الانطلاق "وإذا هو بارز" : قال الحافظ بن الأثير: جاء هذا الحديث هكذا في سنن أبي داوود بارز براء ثم زاء من البروز وهو الظهور وهو تصحيف من الراوي. قال الخطابي في المعالم والأزهري في التهذيب وإنما هو بازز بباء الجر وهمزة مضمومة وزائين معجمتين أي بجمع كثير يقال أوتيت الوالي والمجلس أزز أي كثير الزحام ليس فيه متسع، والناس أزز إذا انضم بعضهم إلى بعض، والمعنى انتهيت إلى المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ممتلىء بالناس "في صلاة قط" : فيه استعمال قط في الإثبات وهي مختصة بالنفي بإجماع النحاة، وخرجه الشيخ جمال الدين بن هشام على أنه وقع قط بعد ما المصدرية كما يقع بعد ما النافية. قال الرضى: وربما يستعمل قط بدون النفي لفظاً ومعنى كنت أراه قط أي دائماً، وقد يستعمل بدونه لفظاً لا معنى هل رأيت ذئباً قط قاله السيوطي "لا نسمع له صوتاً" : قال في المنتقي: وهذا يحتمل أنه لم يسمعه لبعده لأن في رواية مبسوطة له "أتينا والمسجد قد امتلأ" وعند الشيخين والترمذي وصححه وعند أحمد والطيالسي وابن حبان والحاكم من حديث عائشة "أن النبي صلى الله عليه وسلم جهر بالقراءة" وعند الشافعي وأبي يعلى عن ابن عباس قال "كنت إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف فما سمعت منه حرفاً من القرآن" وفي إسناده ابن لهيعة. قال البخاري: حديث عائشة في الجهر أصح من حديث سمرة، ورجح الشافعي رواية سمرة بأنها موافقة لرواية ابن عباس.
قلت: حديث عائشة أرجح لكونه في الصحيحين، ولكونه متضمناً للزيادة، ولكونه مثبتاً، ولكونه معتضداً بما أخرجه ابن خزيمة وغيره عن علي مرفوعاً من إثبات الجهر، وحديث سمرة صححه الترمذي وابن حبان والحاكم لكن أعله ابن حزم بجهالة ثعلبة بن عباد راوية عن سمرة، وقد قال ابن المديني إنه مجهول وذكره ابن حبان في الثقات مع أنه لا راوي له إلا الأسود بن قيس قيس قاله الحافظ. وفي سند حديث ابن عباس رضي الله عنه ابن لهيعة وهو ضعيف. وقد ذهب إلى الجهر أحمد وإسحاق وابن خزيمة وابن المنذر وبه قال صاحب أبي حنيفة وابن العربي من المالكية، وحكى النووي عن الشافعي ومالك وأبي حنيفة والليث بن

(4/36)


1182 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا وُهَيْبٌ أخبرنا أَيّوبُ عن أبي قِلاَبَةَ عن قَبِيصَةَ الْهِلاَلِيّ قال: كُسِفَتِ الشّمْسُ عَلَى عَهْدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فَخَرَجَ فَزِعاً يَجُرّ ثَوْبَهُ وَأَنَا مَعَهُ يَوْمَئِذٍ بالمَدِينَةِ فَصَلّى ركْعَتَيْنِ فَأَطَالَ فيهِمَا الْقِيَامَ ثُم انْصَرَفَ وَانْجَلَتْ فقال: "إِنّمَا هَذِهِ الآيات يُخَوّفُ الله عز وجل بِهَا، فإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَصَلّوا كَأَحْدَثِ صَلاَةٍ صَلّيْتُمُوهَا مِنَ المَكْتُوبَةِ".
1183 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ إِبراهِيمَ أخبرنا رَيْحَانُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا عَبّادُ بنُ مَنْصُورٍ عن أَيّوبَ عن أبي قِلاَبَةَ عن هِلاَلِ بنِ عَامِرٍ: أَنْ قَبِيصَة الْهِلاَلِيّ حَدّثَهُ أَنّ الشّمْسَ كُسِفَتْ بمَعْنَى حديثِ مُوسَى قال: "حتّى بَدَتِ النّجُومُ.
__________
سعد وجمهور الفقهاء: أنه يسر في كسوف الشمس ويجهر في خسوف القمر. وقد احتج بحديث سمرة هذا وحديث قبيصة الآتي بأن صلاة الكسوف ركعتان بركوع واحد كسائر الصلوات. قال المنذري: وأخرجه الترمذي مختصراً والنسائي مطولاً ومختصراً وابن ماجه مختصراً. وقال الترمذي حديث حسن صحيح.
"عن قبيصة الهلالي قال: كسفت الشمس الخ." : قال السندي في حاشية النسائي: وقوله: وصلوا كأحدث صلاة. فيه أنه ينبغي أن يلاحظ وقت الكسوف فيصلي لأجله صلاة هي مثل ما صلاها من المكتوبة قبيلها، ويلزم منه أن يكون عدد الركعات على حسب تلك الصلاة وأن يكون الركوع واحداً. ومقتضى هذا الحديث أنه يجب على الناس العمل بهذا وإن سلم أنه صلى الله عليه وسلم صلى بركوعين لأن هذا أمر للناس وذلك فعل انتهى كلامه. وفي النيل: وأما حديث قبيصة فأخرجه أبو داوود، والنسائي والحاكم وسكت عنه أبو داوود والمنذري ورجاله رجال الصحيح، وفي الباب عن أبي بكرة عند النسائي "أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى ركعتين مثل صلاتكم هذه" وقد احتج بهذه الأحاديث القائلون بأن صلاة الكسوف ركعتان بركوع واحد كسائر الصلوات وقد رجحت أدلة هذا المذهب باشتمالها على القول كما في حديث قبيصة، والقول أرجح من الفعل. وأشار صاحب المنتقي إلى ترجيح الأحاديث التي فيها تكرار الركوع ولا شك أنها أرجح من وجوه كثيرة منها كثرة طرقها. وكونها في الصحيحين واشتمالها على الزيادة. انتهى. وكذا أخرجه أحمد في مسنده. قال المنذري: وأخرجه النسائي.

(4/37)


261 - باب القراءة في صلاة الكسوف
1184 - حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ سَعْدٍ أخبرنا عَمّي أخبرنا أبي عن مُحمّدِ بنِ إِسْحَاقَ حدثني هِشَامُ بنُ عُرْوَةَ وَعبد الله بنُ أَبي سَلَمَةَ عن سُلَيْمانَ بنِ يَسَارٍ كُلّهُمْ قد حدثني عن عُرْوَةَ عن عَائشةَ قالت: كُسِفَتِ الشّمْسُ عَلَى عَهْدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فَخَرَجَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فَصَلّى بالنّاسِ فَقَامَ فَحَزَرْتُ قِرَاءَتَهُ فَرَأَيْتُ أَنّهُ قَرَأَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ وَسَاقَ الحديثَ ثُم سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُم قَامَ فأَطَالَ الْقِرَاءَةَ فَحَزَرْتُ قِرَاءَتَهُ فَرَأَيْتُ أَنّهُ قَرَأَ بِسُوَرَةِ آلِ عَمْران.
1185 - حدثنا الْعَبّاسُ بنُ الْوَلِيدِ بنِ مَزْيَدٍ أخبرني أبِي أخبرنا اْلأَوْزَاعِيّ أخبرني الزّهْرِيّ أخبرني عُرْوَةُ بنُ الزّبَيْرِ عن عَائشةَ أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلةً فَجَهَرَ بِهَا - يَعْني في صَلاَةِ الْكُسُوفِ .
1186 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ عن عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ عن ابنِ عَبّاسٍ[عن أبي هريرة] قال: خُسِفَتِ الشّمْسُ فَصَلّى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وَالنّاسُ مَعَهُ فَقَامَ قِيَاماً طَوِيلاً بِنَحْوٍ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ثُم رَكَعَ وَسَاقَ الحديثَ .
__________
باب القراءة في صلاة الكسوف
"فقام فحزرت" : بحاء مهملة وزاء معجمة ثم راء مهملة أي قدرت. قال الخطابي: هذا يدل على أنه لم يجهر بالقراءة فيها ولو جهر لم تحتج فيها إلى الحزر والتخمين. وممن قال لا يجهر بالقراءة فيها مالك وأصحاب الرأي، وكذلك قال الشافعي. قال المنذري: في إسناده محمد بن إسحاق وقد تقدم الكلام عليه.
"فجهر بها يعني في صلاة الكسوف" : قال الخطابي: هذا خلاف الرواية الأولى عن عائشة، وإليه ذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وجماعة من أصحاب الحديث قالوا وقول المثبت أولى من قول النافي لأنه حفظ زيادة لم يحفظها النافي، وقال:وقد يحتمل أن يكون الجهر إنما جاء في صلاة الليل دون صلاة النهار ويحتمل أن يكون جهر مرة وخفت مرة أخرى وكل جائز انتهى. وتقدم بعض الكلام آنفاً. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي بمعناه.
"عن ابن عباس": في فتح الباري ووقع في رواية اللؤلؤي في سنن أبي داوود عن أبي هريرة

(4/38)


__________
بدل ابن عباس وهو غلط. وقال المزي في الأطراف ووقع في نسخة القاضي عن أبي هريرة وهو وهم. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.

(4/39)


262 - باب ينادي فيها بالصلاة
1187 - حدثنا عَمْرُو بنُ عُثْمانَ أخبرنا الْوَلِيدُ أخبرنا عبد الرحمن بنُ نَمِرٍ أَنّهُ سَأَلَ الزّهْرِيّ فقال الزّهْرِيّ أخبرني عُرْوَةُ عن عَائشةَ قالت: كُسِفَتِ الشّمْسُ فأَمَرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم رَجُلاً فَنَادَى أَنِ الصّلاَةُ جَامِعَةٌ .
__________
باب ينادي فيها بالصلاة
"فنادى أن الصلاة جامعة" : وفي رواية أخرى فبعث منادياً أن ينادي بهذه الجملة. قال ابن الهمام ليجتمعوا إن لم يكونوا اجتمعوا. قال الطيبي: الصلاة مبتدأ وجامعة خبره أي الصلاة تجمع الناس، ويجوز أن يكون التقدير الصلاة ذات جماعة أي تصلي جماعة لا منفرداً كالسنن الرواتب، فالإسناد مجازي كطريق سائر كذا في المرقاة. وفي فتح الباري "أن الصلاة" بفتح الهمزة وتخفيف النون وهي المفسرة، وروى بتشديد النون والخبر محذوف تقديره إن الصلاة ذات جماعة حاضرة. ويروي جامعة على أنه الخبر، قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث حجة لمن استحب ذلك، وقد اتفقوا على أنه لا يؤذن لها ولا يقام. قال المنذري: وأخرجه مسلم مطولاً، وأخرجه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمرو ابن العاص.

(4/39)


263 - باب الصدقة فيها
1188 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن عُرْوَةَ عن عَائشةَ أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "الشّمْسُ وَالْقَمَرُ لا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ، فإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا الله عز وجل وَكَبّرُوا وَتَصَدّقُوا".
__________
باب الصدقة فيها
"فادعوا الله عز وجل" : أي اعبدوه، وأفضل العبادات الصلاة، والأمر للاستحباب عند الجمهور. قال ابن الملك: إنما أمر بالدعاء لأن النفوس عند مشاهدة ما هو خارق للعادة تكون معرضة عن الدنيا، ومتوجهة إلى الحضرة العليا فتكون أقرب إلى الإجابة "وكبروا" : أي عظموا الرب أو قولوا الله أكبر "وتصدقوا" : بالترحم على الفقراء والمساكين، وفيه إشارة إلى أن الأغنياء

(4/39)


264 - باب العتق فيها
1189 - حدثنا زُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ أخبرنا مُعَاوِيَةُ بنُ عَمْرٍو أخبرنا زَائِدَةُ عن هِشَامٍ عن فَاطِمَةَ عن أَسْمَاءَ قالت: كَانَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُ بالْعَتَاقَةِ في صَلاَةِ الكُسُوفِ .
__________
باب العتق فيها
"يأمر بالعتاقة" : بفتح العين المهملة، وفي لفظ البخاري في كتاب العتق من طريق غنام بن علي عن هشام "كنا نؤمر عند الكسوف بالعتاقة" وفيه مشروعية الإعتاق عند الكسوف. قال المنذري: وأخرجه البخاري.

(4/40)


265 - باب من قال يركع ركعتين
1190 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ أبي شُعَيْبٍ الْحَرّانِيّ حدثني الْحَارِثُ بنُ عُمَيْرٍ الْبَصَرِيّ عن أَيّوبَ السّخْتِيَانِيّ عن أبي قِلاَبَةَ عن النّعْمَانِ بنِ بَشِيرٍ قال: "كُسِفَتِ الشّمْسُ عَلَى عَهْدِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَجَعَلَ يُصَلّي رَكْعَتَيْنِ ركْعَتَيْنِ وَيَسْأَلُ عَنْهَا حتّى انْجَلَتْ".
__________
باب من قال
من الأئمة كأبي حنيفة وصاحبيه "يركع ركعتين" : أي يركع بركوعين في كل ركعة ركوع واحد كسائر الصلوات، وتقدم بعض الأحاديث الذي يدل على ذلك في باب من قال أربع ركعات، ومع ذلك أفرد المؤلف هذا الباب.
"فجعل يصلي ركعتين ركعتين" : قال الحافظ في الفتح: إن كان هذا الحديث محفوظاً احتمل أن يكون معنى قوله ركعتين أي ركوعين، وقد وقع التعبير بالركوع عن الركعة في حديث الحسن البصري عند الشافعي في مسنده ولفظه قال "خسف القمر وابن عباس أمير على البصرة فخرج فصلى بنا ركعتين في كل ركعة ركعتين" "ويسأل عنها" : قال الحافظ: يحتمل أن يكون السؤال بالإشارة فلا يلزم التكرار.
وقد أخرج عبد الرزاق بإسناد صحيح عن أبي قلابة أنه صلى الله عليه وسلم كان كلما ركع ركعة أرسل رجلاً ينظر هل انجلت، فتعين الاحتمال المذكور. وإن ثبت تعدد القصة زال الإشكال. انتهى. وقال في المرقاة قال المظهر يشبه أن يكون صلاها مرات.

(4/40)


1191 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عن عَطَاءَ بنِ السّائِبِ عن أَبِيهِ عن عبد الله بنِ عَمْرٍو قال: انْكَسَفَتِ الشّمْسُ عَلَى عَهْدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فَقَامَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لَمْ يَكَدْ يَرْكَعُ ثُم رَكَعَ فَلَمْ يَكَدْ يَرْفَعُ ثُم رَفَعَ فَلَمْ يَكَدْ يَسْجُدُ ثُمّ سَجَدَ فَلَمْ يَكَدْ يَرْفَعُ ثُم رَفَعَ فَلَمْ يَكَدْ يَسْجُدُ ثُم سَجَدَ فَلَمْ يَكَدْ يَرْفَعُ ثُم رَفَعَ وَفَعَلَ في الرّكْعةِ الأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُم نَفَخَ في آخِرِ سُجُودِهِ فقال "أُفْ أُفْ"، ثُم قال: "رَبّ أَلَمْ تَعِدْنِي أَنْ لا تُعَذّبَهُمْ وَأَنَا فيهِمْ، أَلَمْ تَعِدْنِي أَنْ لا تُعَذّبِهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ" فَفَرَغَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ صَلاَتِهِ وَقَدْ أَمْحَصَتِ الشّمْسُ وَسَاقَ الحديثَ.
__________
قال الطيبي: ويسأل الله بالدعاء أن يكشف عنها أو يسأل الناس عن انجلائها أي كلما صلى ركعتين يسأل هل انجلت، فالمراد بتكرار الركعتين المرات وهذا بظاهره ينافي الأحاديث المتقدمة ويقرب إلى مذهب أبي حنيفة. انتهى كلامه. وقال السندي تحت قوله ركعتين ركعتين قيل ركوعين ركوعين في كل ركعة، ويبعده ما في بعض الروايات ويسأل عنها. قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه، في إسناده الحارث بن عمير أبو عمير البصري استشهد به البخاري ووثقه يحيى بن معين وأبو حاتم الرازي، وقال أبو زرعة الرازي: ثقة رجل صالح، وكان حماد بن زيد يقدمه ويثني عليه، وقال ابن حبان: كان ممن يروي عن الأثبات الأشياء الموضوعات.
"لم يكد يركع" : أي أطال القيام "فلم يكد يرفع" : هذا كناية عن إطالة الركوع "ثم نفخ في آخر سجوده" : قال الخطابي: وفي الحديث دليل على أن النفخ لا يقطع الصلاة إذا لم يكن له هجاء فيكون كلمة تامة "فقال أف أف" : لا يكون كلاماً حتى يشدد الفاء في نفخه مشددة فلا يكاد يخرجها فاء فتكون على ثلاثة أحرف من التأفيف، كقولك أف لكذا، فأما الفاء خفيفة فليس بكلام، والنافخ يخرج الفاء صادقة من مخرجها بين الشفة السفلى في مقاديم الأسنان العليا لكنه يخرجها من غير إطباق السن على الشفة ولا تشديد، وما كان كذلك لم يكن كلاماً وقد قال عامة الفقهاء: إذا نفخ في صلاته فسدت صلاته إلا أبا يوسف فإنه قال صلاته جائزة "وقد أمحصت الشمس" : معناه انجلت، وأصل المحص الخلوص، يقال: محصت الشيء محصاً إذا خلصته من الشوب، وأمحص هو إذا أخلص، ومنه التمحيص من الذنوب وهو التطهير منها. وفي الحديث بيان أن السجود في صلاة الكسوف يطول كما يطول الركوع. وقال مالك: لم نسمع أن السجود يطول في صلاة الكسوف. ومذهب الشافعي وإسحاق بن راهويه يطول السجود كالركوع. انتهى كلام الخطابي. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وفي

(4/41)


1192 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا بِشْرُ بنُ المُفَضّلِ أخبرنا الْجُرَيْرِيّ عن حَيّانَ بنِ عُمَيْرٍ عن عبد الرحمن بنِ سَمُرَةَ قال: بَيْنَمَا أَنَا أَتَرَمّى بأَسْهُمٍ في حَيَاةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إِذْ كُسِفَتِ الشّمْسُ فَنَبَذَتُهُنّ وَقُلْتُ: لأَنْظُرَنّ مَا أَحْدَثَ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم كُسُوفُ الشّمْسِ الْيَوْمَ فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ يُسَبّحُ وَيُحْمّدُ وَيُهَلّلُ وَيَدْعُو حتى حُسِرَ عن الشّمْسِ فَقَرَأَ بِسُوَرَتَيْنِ وَرَكَعَ ركْعَتَيْنِ.
__________
إسناده عطاء بن السائب أخرج له البخاري حديثاً مقروناً بأبي بشر، وقال أبو أيوب هو ثقة، وقال يحيى بن معين لا يحتج بحديثه، وفرق الإمام أحمد وغيره بين من سمع منه قديماً ومن سمع منه حديثاً.
"قال بينما أنا أترمى" : أي أطرح من القوس "بأسهم" : جمع سهام "في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم" : يعني امتثالاً لقوله تعالى {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} فإنه صح أن النبي صلى الله عليه وسلم فسرها بالرمي وقال "من تعلم الرمي فتركه فليس منا" "فنبذتهن" : أي وضعت الأسهم وألقيتها "وقلت" : في نفسي أو لأصحابي "لأنظرن" : أي لأبصرن "ما أحدث" : أي تجدد من السنة "حتى حسر" : أى أزيل الكسوف وكشف عنها "فقرأ بسورتين وركع ركعتين" : ولفظ مسلم "بينما أنا أرمي بأسهمي في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ انكسفت الشمس فنبذتهن وقلت لأنظرن ما يحدث لرسول الله صلى الله عليه وسلم في انكساف الشمس فانتهيت إليه وهو رافع يديه ويدعو ويكبر ويحمد ويهلل حتى جلي عن الشمس فقرأ سورتين وركع ركعتين" وفي الرواية الثانية لمسلم قال "فأتيته وهو قائم في الصلاة رافع يديه فجعل يسبح ويحمد ويهلل ويكبر ويدعو حتى حسر عنها، قال فلما حسر عنها، قرأ سورتين وصلى ركعتين" قال الطيبي: يعني دخل في الصلاة ووقف في القيام الأول وطول التسبيح والتهليل والتكبير والتحميد حتى ذهب الخسوف ثم قرأ القرآن وركع ثم سجد ثم قال في الركعة الثانية وقرأ فيها القرآن وركع وسجد وتشهد وسلم انتهى. وقال النووي في شرح مسلم: هذا مما يستشكل ويظن أن ظاهره أنه ابتدأ صلاة الكسوف بعد انجلاء الشمس وليس كذلك، فإنه لا يجوز ابتداء صلاتها بعد الانجلاء، وهذا الحديث محمول على أنه وجده في الصلاة كما صرح به في الرواية الثانية ثم جمع الراوي جميع ما جرى في الصلاة من دعاء وتكبير وتهليل وتسبيح وتحميد وقراءة سورتين في القيامين الآخرين للركعة الثانية، وكانت السورتان بعد الانجلاء تتميماً للصلاة فتمت جملة الصلاة ركعتين أولها في حال الكسوف وآخرها بعد الانجلاء، وهذا الذي ذكرته من تقديره لا بد منه لأنه مطابق للرواية الثانية ولقواعد الفقه ولروايات باقي الصحابة، والرواية الأولى محمولة عليه أيضاً ليتفق الروايتان. ونقل

(4/42)


__________
القاضي عن المازري أنه تأوله على صلاة ركعتين تطوعاً مستقلاً بعد انجلاء الكسوف لا أنها صلاة كسوف وهذا ضعيف مخالف لظاهر الرواية الثانية وقوله هو رافع يديه فيه دليل لأصحابنا في رفع اليدين في القنوت، ورد على من يقول لا ترفع الأيدي في دعوات الصلاة انتهى كلام النووي. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي.

(4/43)


266 - باب الصلاة عند الظلمة ونحوها
1193 - حدثنا مُحمّدُ بنُ عَمْرِو بنِ جَبَلَةَ بنِ أَبي رَوّادٍ أخبرنا حَرْمِيّ بنُ عُمَارَةَ عن عبيد الله بنِ النّضْرِ حدثني أبي قال: كَانَتْ ظُلْمَةٌ عَلَى عَهْدِ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ - قال - فأَتَيْتُ أَنَساً فَقُلْتُ: يَا أَبَا حَمْزَةَ هِلْ كَانَ يُصِيبُكُم مِثْلُ هَذَا عَلَى عَهْدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: مَعَاذَ الله إِنْ كَانَتْ الرّيْحُ لَتَشْتَدّ فَنُبَادِرُ المَسْجِدَ مَخَافَةَ الْقِيَامَةِ.
__________
باب الصلاة عند الظلمة ونحوها
من الريح والزلازل.
"عبيد الله بن النضر": بالضاد المعجمة وكلما كان باللام فهو بالمعجمة "فنبادر المسجد" : أي نسرع ونسعى إليه لأجل الصلاة وذكر الله. وأخرج ابن السني عن جابر مرفوعاً "إذا وقعت كبيرة أو هاجت ريح مظلمة فعليكم بالتكبير فإنه يجلي العجاج الأسود" وأخرج عبد بن حميد عن أبي بن كعب "أن ريحاً هاجت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبها رجل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تسبها فإنها مأمورة ولكن قل اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أُمرت بها وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أُمرت به" وأخرج الشافعي عن علي أنه صلى في زلزلة ست ركعات في أربع سجدات خسم ركعات وسجدتين في ركعة وركعة وسجدتين في ركعة. قال الشافعي: ولو ثبت هذا الحديث عندنا عن علي لقلنا به، ورواه البيهقي أيضاً وقال: هو ثابت عن ابن عباس.
وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن الحارث "أن عبد الله بن العباس بينا هو بالبصرة وهو أمير عليها استعمله علي بن أبي طالب إذ زلزلت الأرض فانطلق إلى المسجد والناس معه فكبر أربع ركعات يطيل فيهن القراءة ثم ركع ثم قال سمع الله لمن حمده ثم كبر أربعاً يطيل فيهن القيام ثم ركع ثم قال سمع الله لمن حمده ثم كبر أربعاً يطيل فيهن القيام ثم ركع ثم قال سمع الله لمن حمده ثم سجد سجدتين ثم قال فكبر أربعاً يطيل فيهن القيام ثم ركع ثم قال سمع الله لمن حمده ثم قام فكبر أربعاً يطيل فيهن القيام ثم ركع ثم قال سمع الله لمن حمده ثم قام فكبر

(4/43)


__________
أربعاً يطيل فيهن القيام ثم ركع ثم قال سمع الله لمن حمده ثم سجد سجدتين، فكانت أربعاً وعشرين تكبيرة وأربع سجدات وقال هذه صلاة الآيات" كذا في كنز العمال. قال المنذري تحت حديث أنس: حكى البخاري في التاريخ فيه اضطراباً.

(4/44)


267 - باب السجود عند الآيات
1194 - حدثنا مُحمّدُ بنُ عُثْمانَ بنِ أَبي صَفْوَانَ الثّقَفِيّ أخبرنا يَحْيَى بنُ كَثِيرٍ أخبرنا سَلْمُ بنُ جَعْفَرٍ عن الْحَكَمِ بنِ أَبَانَ عن عِكْرمَةَ قال: قِيلَ لابْنِ عَبّاسٍ: مَاتَتْ فُلاَنَةُ بَعْضُ أَزْوَاجِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَخَرّ سَاجِداً، فَقِيلَ لَهُ: تَسْجُدُ هذِهِ السّاعَةَ؟ فقال قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا رَأَيْتُمْ آيَةً فَاسْجُدُوا"، وَأَيّ آيَةٍ أَعْظَمُ مِنْ ذَهَابِ أَزْوَاجِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم .
__________
باب السجود عند الآيات
"ماتت فلانة" : أي صفية وقيل حفصة "بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم" : بالرفع بدل أو بيان أو خبر مبتدأ محذوف، والنصب بتقدير يعنون "فخر" : أي سقط ووقع "ساجداً" : آتياً بالسجود "فقيل له تسجد" : بحذف الاستفهام "في هذه الساعة" : أي في الساعة التي وصل إليك خبر موتها "إذا رأيتم آية" : أي علامة مخوفة. قال الطيبي: قالوا المراد بها العلامات المنذرة بنزول البلايا والمحن التي يخوف الله بها عباده، ووفاة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من تلك الآيات لأنهن ضممن إلى شرف الزوجية شرف الصحبة، وقد قال صلى الله عليه وسلم "أنا أمنة أصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة أهل الأرض" الحديث، فهن أحق بهذا المعنى من غيرهن، فكانت وفاتهن سالبة للأمنة، وزوال الأمنة موجب الخوف "فاسجدوا" : قال الطيبي: هذا مطلق، فإن أريد بالآية خسوف الشمس والقمر فالمراد بالسجود الصلاة، وإن كانت غيرها كمجيء الريح الشديدة والزلزلة وغيرهما فالسجود هو المتعارف، ويجوز الحمل على الصلاة أيضاً لما ورد: كان إذا حزنه أمر فزع إلى الصلاة "وأي آية أعظم" : لأنهن ذوات البركة، فبحياتهن يدفع العذاب عن الناس ويخاف العذاب بذهابهن، فينبغي الالتجاء إلى ذكر الله والسجود عند انقطاع بركتهن ليندفع العذاب ببركة الذكر والصلاة. كذا في المرقاة. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. هذا آخر كلامه وفي إسناده سلم بن جعفر، قال يحيى بن كثير العنبري: كان ثقة وقال الموصلي: متروك الحديث لا يحتج به، وذكر هذا الحديث.

(4/44)


تفريع أبواب صلاة السفر
268 - باب صلاة المسافر
1195 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن صَالِحِ بنِ كَيْسَانَ عن عُرْوَةَ بنِ الزّبَيْرِ عن عَائشةَ قالت: فُرِضَتِ الصّلاَةُ ركْعَتَيْنِ ركْعَتَيْنِ في الْحَضَرِ وَالسّفَرِ فَأُقِرّتْ صَلاَةُ السّفَرِ وَزِيدَ في صَلاَةِ الْحَضَرِ.
__________
تفريع أبواب صلاة السفر
باب صلاة المسافر
أي أبواب صلاة السفر وما يتفرع عليها من المسائل والأحكام.
"قالت فرضت الصلاة ركعتين الخ": اختلف العلماء في القصر في السفر، فقال الشافعي ومالك بن أنس وأكثر العلماء: يجوز القصر والإتمام والقصر أفضل، وقال أبو حنيفة وكثيرون: القصر واجب ولا يجوز الإتمام ويحتجون بأن أكثر فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كان القصر، واحتج الشافعي وموافقوه بالأحاديث المشهورة في صحيح مسلم وغيره أن الصحابة كانوا يسافرون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمنهم القاصر ومنهم المتم، ومنهم الصائم ومنهم المفطر، لا يعيب بعضهم على بعض ، وبأن عثمان كان يتم وكذلك عائشة وغيرها، وهو ظاهر قول الله عز وجل {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ} وهذا يقتضي رفع الجناح والإباحة.
وأما حديث "فرضت الصلاة ركعتين" فمعناه فرضت ركعتين لمن أراد الاقتصار عليهما، فزيد في صلاة الحضر ركعتان على سبيل التحتم أقرت صلاة السفر على جواز الاقتصار وثبتت دلائل جواز الإتمام فوجب المصير إليها والجمع بين دلائل الشرع. ذكره النووي وقال الخطابي: هذا قول عائشة عن نفسها وليست برواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بحكاية عن قوله، وقد روى عن ابن عباس مثل ذلك عن قوله، فيحتمل أن يكون الأمر في ذلك كما قالاه لأنهما فقيهان عالمان وقد شهدا زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحباه وإن لم يكونا شهدا أول زمان الشريعة وقت إنشاء فرض الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن الصلاة فرضت عليه بمكة ولم تكن عائشة

(4/45)


1196 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ وَمُسَدّدٌ قالا أخبرنا يَحْيَى عن ابنِ جُرَيْجٍ ح. وحدثنا خُشَيْشٌ - يَعْني ابنَ أَصْرَمَ - أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ عن ابنِ جُرَيْجٍ حدثني عبد الرحمن بنُ عبد الله بنِ أبي عَمّارٍ عن عبد الله بنِ بَابَيْهِ عن يَعْلَى بنِ أُمَيّةَ قال: قُلْتُ لِعُمَرَ بنِ الْخَطّابِ: أَرَأَيْتَ إِقْصَارَ النّاسِ الصّلاَةَ وَإِنّمَا قال الله عَزّ وَجلّ: {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُم الّذِينَ كَفَرُوا} فَقَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ الْيَومَ، فقال: عَجِبْتُ مِمّا عَجِبْتَ مِنْهُ،
__________
عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالمدينة، ولم يكن ابن عباس في ذلك الزمان في سن من يعقل الأمور ويعرف حقائقها، ولا يبعد أن يكون قد أخذ هذا الكلام عن عائشة فإنه قد يفعل ذلك كثيراً في حديثه، وإذا فتشت عن أكثر ما يرويه كان ذلك سماعاً عن أكثر الصحابة، وإذا كان كذلك فإن عائشة نفسها قد ثبتت عنها أنها كانت تتم في السفر وتصلي أربعاً. انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"عبد الله بن بابيه": بموحدة فألف فموحدة ثانية مفتوحة فمثناة تحت ويقال باباه كذا في المغني "عن يعلى بن أمية": مصغراً، أسلم يوم الفتح وشهد حنيفاً والطائف وتبوك "ذهب ذلك اليوم" : أي وذهب الخوف فما وجه القصر "عجبت مما عجبت منه" : وفي رواية لمسلم "عجبت ما عجبت منه" والرواية الأولى هي المشهورة المعروفة. قاله النووي "فقال صدقة الخ" : أي صلاة القصر صدقة من الله تعالى. وفيه جواز قول القائل: تصدق الله علينا واللهم تصدق علينا، وقد كرهه بعض السلف، قال النووي: وهو غلط ظاهر.
واعلم أنه قد اختلف أهل العلم: هل القصر واجب أم رخصة والتمام أفضل، فذهب إلى الأول الحنفية، وروي عن علي وعمر ونسبه النووي إلى كثير من أهل العلم. قال الخطابي في المعالم: كان مذاهب أكثر علماء السلف وفقهاء الأمصار على أن القصر هو الواجب في السفر، وهو قول علي وعمر وابن عمر وابن عباس، وروى ذلك عن عمر بن عبد العزيز وقتادة والحسن، وقال حماد بن أبي سليمان: يعيد من يصلي في السفر أربعاً، وقال مالك: يعيد ما دام في الوقت. انتهى كلام الخطابي. وإلى الثاني الشافعي ومالك وأحمد. قال النووي وأكثر العلماء، وروى عن عائشة وعثمان وابن عباس. قال ابن المنذر: وقد أجمعوا على أنه لا يقصر في الصبح ولا في المغرب. قال النووي: ذهب الجمهور إلى أنه يجوز القصر في كل سفر مباح، وذهب بعض إلى أنه يشترط في القصر الخوف في السفر، وبعضهم كونه سفر حج أو عمرة، وعن بعضهم كونه سفر طاعة.

(4/46)


فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقال: "صَدَقَةٌ تَصَدّقَ الله عز وجل بِهَا عَلَيْكُم فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ".
1197 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ و مُحمّدُ بنُ بَكْرٍ قالا أنبأنا ابنُ جُرَيْجٍ قال سَمِعْتُ عبد الله بنَ أَبي عَمّارٍ يُحَدّثُ فذكَرَهُ نحْوَهُ.
قال أَبُو دَاوُد: رَوَاهُ أَبُو عَاصِمٍ وَحَمّادُ بنُ مَسْعَدَةَ كما رَوَاهُ ابنُ بَكْرٍ.
__________
"فاقبلوا صدقته" : أي سواء حصل الخوف أم لا، إنما قال في الآية {إِنْ خِفْتُمْ} لأنه قد خرج مخرج الأغلب، فحينئذ لا تدل على عدم القصر إن لم يكن خوف وأمر فاقبلوا ظاهره الوجوب فيؤيد قول من قال إن القصر عزيمة، وقد قال البغوي: أكثرهم على وجوب القصر، وقال الخطابي: في هذا الحديث حجة لمن ذهب إلى أن الإتمام هو الأصل ألا ترى أنهما قد تعجبا من القصر مع عدم شرط الخوف فلو كان أصل صلاة المسافر ركعتين لم يتعجبا من ذلك فدل على أن القصر إنما هو عن أصل كامل قد تقدمه فحذف بعضه وأبقى بعضه، وفي قوله عليه السلام صدقة تصدق الله بها عليكم دليل على أنه رخصة رخص لهم فيها والرخصة إنما تكون إباحة لا عزيمة انتهى. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"رواه أبو عاصم وحماد بن مسعدة": وروح بن عبادة كلهم عن ابن جريج "كما رواه ابن بكر": أي محمد بن بكر عن ابن جريج عن عبد الله بن أبي عمار عن عبد الله بن بابيه. وحديث روح عند الطحاوي، وحديث أبي عاصم عند الدارمي لكن بلفظ أخبرنا أبو عاصم عن ابن جريج عن ابن أبي عمار. وأما عبد الرزاق وكذا يحيى عند مسلم فقالا عن ابن جريج عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار عن عبد الله بن بابية. وأما عبد الله بن إدريس عند مسلم والنسائي وابن ماجه فقال عن ابن جريج عن ابن أبي عمار. فأشار المؤلف إلى هذا الاختلاف كذا في غاية المقصود.

(4/47)


269 - باب متى يقصر المسافر
1198 - حدثنا ابنُ بَشّارٍ أخبرنا مُحمّدُ بنُ جَعْفَرٍ أخبرنا شُعْبَةُ عن يَحْيَى بنِ يَزِيدَ الْهُنَائِيّ قال: سَأَلْتُ أَنَسَ بنَ مَالِكٍ عن قَصْرِ الصّلاَةِ، فقال أَنَسٌ: كَانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم
__________
باب متى يقصر المسافر
وفي صحيح البخاري باب في كم يقصر الصلاة.

(4/47)


إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلاَثَةِ أَمْيَالٍ أَوْ ثَلاَثَةِ فَرَاسِخَ - شَكّ شُعْبَةُ - يُصَلّي ركْعَتَيْنِ.
__________
"إذا خرج مسيرة ثلاثه أميال" : اختلف في تقدير الميل فقال في الفتح الميل هو من الأرض منتهى مد البصر لأن البصر يميل عنه على وجه الأرض حتى يفني إدراكه وبذلك جزم الجوهري، وقيل أن ينظر إلى الشخص في أرض مستوية فلا يدري أرجل هو أم امرأة أم ذاهب أو آت. قال النووي: الميل ستة آلاف ذراع والذراع أربعة وعشرون إصبعاً معترضة معتدلة والإصبع ست شعيرات معترضة معتدلة. قال الحافظ: وهذا الذي قال هو الأشهر. ومنهم من عبر عن ذلك باثني عشر ألف قدم بقدم الإنسان، وقيل هو أربعة آلاف ذراع وقيل ثلاثة آلاف ذارع. نقله صاحب البيان، وقيل خمسمائة وصححه ابن عبد البر، وقيل ألفا ذراع. ومنهم من عبر عن ذلك بألف خطوة للجمل. قال ثم إن الذارع الذي ذكره النووي تحريره قد حرر غيره بذراع الحديد المشهور في مصر والحجاز في هذه الأعصار فوجده ينقص عن ذراع الحديد بقدر الثمن، فعلى هذا فالميل بذراع الحديد في القول المشهور خمسة آلاف ذراع ومائتان وخمسون ذراعاً "أو ثلاثة فراسخ" : الفرسخ في الأصل السكون ذكره ابن سيده، وقيل السعة، وقيل الشيء الطويل، وذكر الفراء أن الفرسخ فارسي معرب وهو ثلاثة أميال.
واعلم أنه قد وقع الخلاف الطويل بين علماء الإسلام في مقدار المسافة التي يقصر فيها الصلاة. قال في الفتح فحكى ابن المنذر وغيره فيها نحواً من عشرين قولاً أقل ما قيل في ذلك يوم وليلة وأكثره ما دام غائباً عن بلده، وقيل أقل ما قيل في ذلك الميل كما رواه ابن شيبة بإسناد صحيح عن ابن عمر وإلى ذلك ذهب ابن حزم الظاهري واحتج له بإطلاق السفر في كتاب الله تعالى كقوله {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ} الآية. وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فلم يخص الله ولا رسوله ولا المسلمون بأجمعهم سفراً من سفر، ثم احتج على ترك القصر فيما دون الميل بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد خرج إلى البقيع لدفن الموتى وخرج إلى الفضاء للغائط والناس معه فلم يقصر ولا أفطر. وقد أخذ بظاهر حديث أنس المذكور في الباب الظاهرية كما قال النووي فذهبوا إلى أن أقل مسافة القصر ثلاثة أميال. قال في الفتح وهو أصح حديث ورد في ذلك وأصرحه. وقد حمله من خالفه على أن المراد المسافة التي يبتدأ منها القصر لا غاية السفر. قال ولا يخفى بعد هذا الحمل مع أن البيهقي ذكر في روايته من هذا الوجه أن يحيى بن يزيد راوية عن أنس قال سألت أنساً عن قصر الصلاة وكنت أخرج إلى الكوفة يعني من البصرة فأصلي ركعتين ركعتين حتى أرجع فقال أنس فذكر الحديث. قال فظهر أنه سأله عن جواز القصر في السفر لا عن الموضع الذي يبتدىء القصر منه. وذهب الشافعي ومالك وأصحابهما والليث والأوزاعي وفقهاء أصحاب الحديث وغيرهم إلى أنه لا يجوز إلا في مسيرة مرحلتين

(4/48)


1199 - حدثنا زُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ أخبرنا ابنُ عُيَيْنَةَ عن مُحمّدِ بنِ المُنْكَدِرِ وَإِبراهِيم بنِ مَيْسَرَةَ سَمِعاً أَنَسَ بنَ مَالِكٍ يقولُ: صَلّيْتُ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم الظّهْرَ بالمَدِينَةِ أَرْبَعاً، وَالْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ.
__________
وهما ثمانية وأربعون ميلا هاشمية كما قال النووي. وقال أبو حنيفة والكوفيون لا يقصر في أقل من ثلاث مراحل.
وقد أورد البخاري ما يدل على أن اختياره أن أقل مسافة القصر يوم وليلة يعني قوله في صحيحه وسمى النبي صلى الله عليه وسلم السفر يوماً وليلة بعد قوله باب في كم يقصر الصلاة. وقال الخطابي إن ثبت هذا الحديث كانت الثلاثة فراسخ حدا فيما تقصر فيه الصلاة إلا أني لا أعرف أحداً من الفقهاء يقول به. وقد روى عن أنس أنه كان يقصر الصلاة فيما بينه وبين خمسة فراسخ. وعن ابن عمر أنه قال إني لأسافر الساعة من النهار فأقصر وعن عليَ أنه خرج إلى البجيلة فصلى بهم الظهر ركعتين ثم رجع من يومه. وقال عمرو بن دينار قال لي جابر بن زيد أقصر بعرفة.
فأما مذهب الفقهاء فإن الأوزاعي قال عامة العلماء يقولون مسيرة يوم تام وبهذا نأخذ. وقال مالك القصر من مكة إلى عسفان وإلى الطائف وإلى جدة، وهو قول أحمد بن حنبل وإسحاق، وإلى نحوه أشار الشافعي حين قال ليلتين قاصدتين. وروى عن الحسن والزهري قريب من ذلك قالا يقصر في مسيرة يومين. واعتمد الشافعي في ذلك قول ابن عباس حين سئل فقيل له نقصر إلى عرفة قال لا ولكن إلى عسفان وإلى جدة وإلى الطائف. وروى عن ابن عمر مثل ذلك وهو أربعة برد وهذا عن ابن عمر أصح الروايتين. وقال سفيان الثوري وأصحاب الرأي لا يقصر إلا في مسافة ثلاثة أيام انتهى. قال المنذري: وأخرجه مسلم.
"العصر بذي الحليفة ركعتين" : وقد استدل بذلك على إباحة القصر في السفر القصير لأن بين المدينة وذي الحليفة ستة أميال. وتعقب بأن ذا الحليفة لم تكن منتهى السفر وإنما خرج إليها حيث كان قاصداً إلى مكة واتفق نزوله بها وكانت أول صلاة حضرت صلاة العصر فقصرها واستمر يقصر إلى أن رجع قال في المرقاة: لا يجوز القصر إلا بعد مفارقته بنيان البلد عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد ورواية عن مالك، وعنه أنه يقصر إذا كان من المصر على ثلاثة أميال، وقال بعض التابعين إنه يجوز أن يقصر من منزله. وروى ابن أبي شيبة عن علي رضي الله عنه أنه خرج من البصرة فصلى الظهر أربعاً ثم قال: إنا لو جاوزنا هذا الخص لصلينا ركعتين. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.

(4/49)


270 - باب الأذان في السفر
1200 - حدثنا هَارُونُ بنُ مَعْرُوفٍ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ عن عَمْرِو بنِ الْحَارِثِ أَنّ أَبَا عُشّانَةَ المُعَافِرِيّ حَدّثَهُ عن عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ قال سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: "يَعْجَبُ رَبّكَ عز وجل مِنْ رَاعِي غَنَم في رَأْسِ شَظِيّةٍ بِجَبَلٍ يُؤَذّنُ لِلصّلاَةِ وَيُصَلّي، فيقولُ الله عَزّ وَجلّ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي هَذَا يُؤَذّنُ وَيُقِيمُ لِلصّلاَةِ [الصلاة]يَخَافُ مِنّي قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي وَأَدْخَلْتُهُ الْجَنّةَ".
__________
باب الأذان في السفر
"أبا عشانة": بضم العين المهملة وتشديد الشين المعجمة "يعجب ربك" : أي يرضي. قال النووي: التعجب على الله محال إذ لا يخفى عليه أسباب الأشياء والتعجب إنما يكون مما خفي سببه، فالمعنى عظم ذلك عنده وكبر، وقيل معناه الرضا والخطاب إما للراوي أو لواحد من الصحابة غيره.
وقيل الخطاب عام "من راعي غنم" : اختار العزلة من الناس "في رأس شظية بجبل" : بفتح الشين المعجمة وكسر الظاء المعجمة وتشديد التحتانية أي قطعة من رأس الجبل، وقيل هي الصخرة العظيمة الخارجة من الجبل كأنها أنف الجبل "يؤذن للصلاة ويصلي" : وفائدة تأذينه إعلام الملائكة والجن بدخول الوقت فإن لهم صلاة أيضاً، وشهادة الأشياء على توحيده ومتابعة سنته والتشبه بالمسلمين في جماعتهم. وقيل إذا أذن وأقام تصلي الملائكة معه ويحصل له ثواب الجماعة والله أعلم "فيقول الله عزوجل" : أي لملائكة وأرواح المقربين عنده، "انظروا إلى عبدي هذا" : تعجيب للملائكة من ذلك الأمر بعد التعجب لمزيد التفخيم وكذا تسميته بالعبد وإضافته إلى نفسه والإشارة بهذا تعظيم على تعظيم "يخاف مني" : أي يفعل ذلك خوفاً من عذابي لا ليراه أحد. وفي الحديث دليل على استحباب الأذان والإقامة للمنفرد "قد غفرت لعبدي" : فإن الحسنات يذهبن السيئات "وأدخلته الجنة" : فإنها دار المثوبات. قال المنذري: رجال إسناده ثقات.

(4/50)


باب المسافر يصلي وهو يشك في الوقت
...
270 - باب الأذان في السفر
1200 - حدثنا هَارُونُ بنُ مَعْرُوفٍ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ عن عَمْرِو بنِ الْحَارِثِ أَنّ أَبَا عُشّانَةَ المُعَافِرِيّ حَدّثَهُ عن عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ قال سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: "يَعْجَبُ رَبّكَ عز وجل مِنْ رَاعِي غَنَم في رَأْسِ شَظِيّةٍ بِجَبَلٍ يُؤَذّنُ لِلصّلاَةِ وَيُصَلّي، فيقولُ الله عَزّ وَجلّ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي هَذَا يُؤَذّنُ وَيُقِيمُ لِلصّلاَةِ [الصلاة]يَخَافُ مِنّي قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي وَأَدْخَلْتُهُ الْجَنّةَ".
__________
باب الأذان في السفر
"أبا عشانة": بضم العين المهملة وتشديد الشين المعجمة "يعجب ربك" : أي يرضي. قال النووي: التعجب على الله محال إذ لا يخفى عليه أسباب الأشياء والتعجب إنما يكون مما خفي سببه، فالمعنى عظم ذلك عنده وكبر، وقيل معناه الرضا والخطاب إما للراوي أو لواحد من الصحابة غيره.
وقيل الخطاب عام "من راعي غنم" : اختار العزلة من الناس "في رأس شظية بجبل" : بفتح الشين المعجمة وكسر الظاء المعجمة وتشديد التحتانية أي قطعة من رأس الجبل، وقيل هي الصخرة العظيمة الخارجة من الجبل كأنها أنف الجبل "يؤذن للصلاة ويصلي" : وفائدة تأذينه إعلام الملائكة والجن بدخول الوقت فإن لهم صلاة أيضاً، وشهادة الأشياء على توحيده ومتابعة سنته والتشبه بالمسلمين في جماعتهم. وقيل إذا أذن وأقام تصلي الملائكة معه ويحصل له ثواب الجماعة والله أعلم "فيقول الله عزوجل" : أي لملائكة وأرواح المقربين عنده، "انظروا إلى عبدي هذا" : تعجيب للملائكة من ذلك الأمر بعد التعجب لمزيد التفخيم وكذا تسميته بالعبد وإضافته إلى نفسه والإشارة بهذا تعظيم على تعظيم "يخاف مني" : أي يفعل ذلك خوفاً من عذابي لا ليراه أحد. وفي الحديث دليل على استحباب الأذان والإقامة للمنفرد "قد غفرت لعبدي" : فإن الحسنات يذهبن السيئات "وأدخلته الجنة" : فإنها دار المثوبات. قال المنذري: رجال إسناده ثقات.

(4/50)


لأَنَسِ بنِ مَالِكٍ حدّثْنا مَا سَمِعْتَ من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قال: كُنّا إِذَا كُنّا مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في السّفَرِ فَقُلْنَا زَالَتِ الشّمْسُ أَوْ لَمْ تَزَلْ صَلّى الظّهْرَ ثُمّ ارْتَحَلَ.
1202 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عن شُعْبَةَ حدثني حَمْزَةُ الْعَائِذِيّ - رَجُلٌ مِنْ بَنِي ضَبّةَ - قال سَمِعْتُ أَنَسَ بنِ مَالِكٍ يقولُ: كَانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إِذَا نَزَلَ مَنْزِلاً لَمْ يَرْتَحِلْ حتّى يُصَلّيَ الظّهْرَ، فقال لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ بِنِصْفِ النّهَارِ؟ قال: وَإِنْ كَانَ بِنِصْفِ النّهَارِ.
__________
اعتبار لشكه وإنما الاعتماد في معرفة الأوقات على الإمام، فإن تيقن الإمام على مجيء الوقت فلا يعتبر بشك بعض الأتباع.
"فقلنا زالت الشمس أو لم تزل" : الشمس أي لم يتيقن أنس وغيره بزوال الشمس ولا بعدمه، وأما النبي صلى الله عليه وسلم فكان أعرف الناس للأوقات فلا يصلي الظهر إلا بعد الزوال. وفيه دليل إلى مبادرة صلاة الظهر بعد الزوال معاً من غير تأخير. سكت عنه المنذري.
"إذا نزل منزلاً" : أي قبيل الظهر لا مطلقاً كيف وقد صح عن أنس إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر "وإن كان بنصف النهار" : متعلق بما يفهم من السياق من التعجيل أي يعجل ولا يبالي بها وإن كان بنصف النهار. والمراد قرب نصف النهار إذ لا بد من الزوال. قاله السندي. قال المنذري: والحديث أخرجه النسائي.
قلت: وبوب باب تعجيل الظهر في السفر انتهى. وبوب ابن أبي شيبة في مصنفه باب من قال إذا كنت في سفر فقل أزالت الشمس أم لا، وأورد فيه رواية جرير عن مسحاج بن موسى الضبي قال سمعت أنس بن مالك يقول لمحمد بن عمرو: إذا كنت في سفر فقلت أزالت الشمس أو لم تزل أو انتصف النهار أو لم ينتصف فصل قبل أن يرتحل. ومن طريق منصور بن الحكم قال: إذا كنت في سفر فقلت زالت الشمس أو لم تزل فصل. انتهى. قال المنذري: وأخرجه النسائي.

(4/51)


272- باب الجمع بين الصلاتين
1203 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن أبي الزّبَيْرِ المَكّيّ عن أبي الطّفَيْلِ
__________
باب الجمع بين الصلاتين
قال الشافعي والأكثرون: يجزو الجمع بين الظهر والعصر في وقت أيتهما شاء، وبين

(4/51)


عَامِرِ بنِ وَائِلَةَ أَنّ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ أَخْبَرَهُمْ: أَنّهُمْ خَرَجُوا مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَكَانَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَجْمَعُ بَيْنَ الظّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، فأَخّرَ الصّلاَةَ يَوْماً ثُمّ خَرَجَ فَصَلّى الظّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعاً، ثُمّ دَخَلَ ثُمّ خَرَجَ فَصَلّى المَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعاً .
1204 - حدثنا سُلَيْمانُ بنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيّ أخبرنا حَمّادٌ أخبرنا أَيّوبُ عن نَافِعٍ: أَنّ ابنَ عُمَرَ اسْتُصْرِخَ عَلَى صَفِيّةَ وَهُوَ بِمَكّةَ، فَسَارَ حتّى غَرَبَت الشّمْسُ وَبَدَتِ النّجُومُ،
__________
المغرب والعشاء في وقت أيتهما شاء. وشرط الجمع في وقت الأولى أن يقدمها وينوي الجمع قبل فراغه من الأولى وأن لا يفرق بينهما، وإن أراد الجمع في وقت الثانية وجب أن ينويه في وقت الأولى ويكون قبل ضيق وقتها، بحيث يبقى من الوقت ما يسع تلك الصلاة فأكثر، فإن أخرها بلا نية عصى، وصارت قضاء، وإذا أخرها بالنية استحب أن يصلي الأولى أولا وأن ينوي الجمع وأن لا يفرق بنيهما قاله النووي.
"فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين الظهر والعصر الخ" : قال الخطابي: في هذا بيان واضح أن الجمع بين الصلاتين في غير يوم عرفة، وبغير المزدلفة جائز، وفيه أن الجمع بين الصلاتين لمن كان نازلا في السفر غير سائر جائز. وقد اختلف الناس في الجمع بين الصلاتين في غير يوم عرفة بعرفة والمزدلفة فقال قوم لا يجمع بين الصلاتين فيصلي كل واحدة منهما في وقتها، روى ذلك عن إبراهيم النخعي وحكاه عن أصحاب عبد الله ، وكان الحسن ومكحول يكرهان الجمع في السفر بين الصلاتين. وقال أصحاب الرأي إذا جمع بين الصلاتين في السفر أخر الظهر إلى آخر وقتها وعجل العصر في أول وقتها، فلا يجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما. وروى عن سعد بن أبي وقاص أنه كان يجمع بينهما كذلك. وقال كثير من أهل العلم يجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما إن شاء قدم العصر وإن شاء أخر الظهر على ظاهر الأخبار المروية في هذا الباب. هذا قول ابن عباس وعطاء بن أبي رباح وسالم بن عبد الله وطاووس ومجاهد، وبه قال الشافعي وإسحاق بن راهويه. وقال أحمد بن حنبل: إن فعل ذلك لم يكن به بأس. قال الخطابي: فدل على صحة ما ذهب إليه هؤلاء حديث ابن عمر وأنس عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ذكرهما أبو داوود في هذا الباب انتهى. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه.
"استصرخ على صفية": يقال استصرخ به إذا أتاه الصارخ وهو الصوت، يعلمه بأمر

(4/52)


فقال: إِنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا عَجّلَ بِهِ أَمْرٌ في سَفَرٍ جَمَعَ بَيْنَ هَاتَيْنِ الصّلاَتَيْنِ، فَسَارَ حتى غَابَ الشّفَقُ فَنَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا.
1205 - حدثنا يَزِيدُ بنُ خَالِدٍ بنِ يَزِيدَ بنِ عبد الله بنِ مَوْهَبٍ الرّمْلِيّ الْهَمْدَانِيّ أخبرنا المُفَضّلُ بنُ فَضَالَةَ وَاللّيْثُ بنُ سَعْدٍ عن هِشَامِ بنِ سَعْدٍ عن أبي الزّبَيْرِ عن أبي الطّفَيْلِ عن مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ: أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ في غَزْوَةِ تَبُوكٍ إذا زَاغَتِ الشّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ جَمَعَ بَيْنَ الظّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَإِنْ يَرْتَحِلْ[يرحل] قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشّمْسُ
__________
حادث يستعين به عليه أو ينعي له ميتاً. والاستصراخ الاستغاثة كذا في النهاية. والمراد ههنا إعلام أمر موتها أي أنه أخبر بموتها "فنزل فجمع بينهما" : قال الخطابي: ظاهر اسم الجمع عرفاً لا يقع على من أخر الظهر حتى صلاها في آخر وقتها وعجل العصر فصلاها في أول وقتها لأن هذا قد صلى كل صلاة منهما في وقتها الخاص منها، وإنما الجمع المعروف بينهما أن تكون الصلاتان معاً في وقت إحداهما، ألا ترى أن الجمع بعرفة والمزدلفة كذلك، ومعقول أن الجمع بين الصلاتين من الرخص العامة لجميع الناس عامهم وخاصهم، ومعرفة أوائل الأوقات وأواخرها مما لا يدركه أكثر الخاصة فضلا عن العامة، وإذا كان كذلك كان في اعتبار الساعات على الوجه الذي ذهبوا إليه مما يبطل أن تكون هذه الرخصة عامة على ما فيه من المشقة المرتبة على تفريق الصلوات في أوقاتها المؤقتة انتهى.
قلت: وحديث ابن عمر هذا استدل به من قال باختصاص رخصة الجمع في السفر بمن كان سائراً لا نازلاً. وأجيب عن ذلك بما وقع من التصريح في حديث معاذ بن جبل المذكور بلفظ: "خرج فصلى الظهر والعصر جميعاً ثم دخل ثم خرج" قال الشافعي في الأم قوله ثم دخل ثم خرج لا يكون إلا وهو نازل، فالمسافر أن يجمع نازلاً ومسافراً. وقال ابن عبدالبر: هذا أوضح دليل في الرد على من قال لا يجمع إلا من جد به السير وهو قاطع للالتباس وهذه الأحاديث تخصص أحاديث الأوقات التي بينها جبريل، وبينها النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي حيث قال في آخرها: الوقت ما بين هذين الوقتين. قال المنذري: وأخرجه الترمذي من حديث عبيد الله بن عمر عن نافع وقال حسن صحيح، وأخرجه النسائي من حديث سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه بمعناه أتم منه وقد أخرج المسند منه بمعناه مسلم والنسائي من حديث مالك عن نافع.
"تبوك" : غير منصرف على المشهور وهو موضع قريب من الشام "إذا زاغت" : أي مالت "الشمس" : أي عن وسط السماء إلى جانب المغرب أراد به الزوال "جمع بين الظهر والعصر"

(4/53)


أَخّرَ الظّهْرَ حتى يَنْزِلَ لِلْعَصْرِ، وَفي المَغْرِبِ مِثْلَ ذَلِكَ إِنْ غَابَتِ الشّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ جَمَعَ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَإِن يَرْتَحِلْ[وإن ارتحل] قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشّمْسُ أَخّرَ المَغْرِبَ حتى يَنْزِلَ لِلْعِشَاءِ ثُم جَمَعَ بَيْنَهُمَا.
قال أَبُو دَاوُد: رَوَاهُ هِشَامُ بنُ عُرْوَةَ عن حُسَيْنِ بنِ عبد الله عن كُرَيْبٍ عن ابنِ عَبّاسٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَ حديث المُفَضّلِ وَاللّيْثُ.
__________
قال المنذري: وحكي عن أبي داوود أنه أنكر. وقال المنذري: وقد حكي عن أبي داوود أنه قال ليس في تقديم الوقت حديث قائم "رواه هشام بن عروة": أخرج الدارقطني في سننه من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج حدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس عن عكرمة وعن كريب مولى ابن عباس قال: "ألا أخبركم عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر قلنا بلى قال كان إذا زاغت له الشمس في منزله جمع بين الظهر والعصر قبل أن يركب وإذا لم تزغ له في منزله سار حتى إذا حانت العصر نزل فجمع بين الظهر والعصر، وإذا حانت له المغرب في منزله جمع بينها وبين العشاء وإذا لم تحن في منزله ركب، حتى إذا حانت العشاء نزل فجمع بينهما" قال الدارقطني: روى هذا الحديث حجاج عن ابن جريج قال: أخبرني حسين عن كريب وحده عن ابن عباس. ورواه عثمان ابن عمر عن ابن جريج عن حسين عن عكرمة عن ابن عباس. ورواه عبد المجيد عن ابن جريج سمعه أولاً من هشام بن عروة عن حسين عن كريب عن ابن عباس وكلهم ثقات. فاحتمل أن يكون ابن جريج سمعه أولا من هشام بن عروة عن حسين كقول عبد المجيد عنه، ثم لقي ابن جريج حسيناً فسمعه منه كقول عبد الرزاق وحجاج عن ابن جريج حدثني حسين. واحتمل أن يكون حسين سمعه من عكرمة ومن كريب جميعاً عن ابن عباس وكان يحدث به مرة عنهما جميعاً كرواية عبد الرزاق عنه ومرة عن كريب وحده كقول حجاج وابن أبي رواد ومرة عن عكرمة وحده عن ابن عباس كقول عثمان بن عمرو تصح الأقاويل كلها انتهى.
وفي التلخيص وروى إسماعيل القاضي في الأحكام عن إسماعيل بن أبي أويس عن أخيه عن سليمان بن بلال عن هشام بن عروة عن كريب عن ابن عباس انتهى. قال المنذري: وذكر أبو بكر بن محمد بن عبد الله الأندلسي أن حديث ابن عباس في الباب صحيح وليس له علة ويشبه أن يكون سكن إلى ما رآه في كتاب الدارقطني من جوابه على اختلاف الطرق فيه. وحسين ابن عبد الله هذا هو أبو عبد الله حسين الهاشمي المديني ولا يحتج بحديثه. انتهى مختصراً.

(4/54)


1206 - حدثنا قُتَيْبَةُ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ نَافِعٍ عن أبي مَوْدُودٍ عن سُلَيْمانَ بنِ أَبي يَحْيَى عن ابنِ عُمَرَ قال: مَا جَمَعَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بَيْنَ المَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ قَطّ في السّفَرِ إِلاّ مَرّةً .
قال أَبُو دَاوُد: وهذا يُرْوَى عن أَيّوبَ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ مُوْقُوفاً عَلَى ابنِ عُمَرَ أَنّهُ لَمْ يُرَ ابنُ عُمَرَ جَمَعَ بَيْنَهُمَا قَطّ إِلاّ تِلْكَ اللّيْلَةَ - يَعْني لَيْلَةَ اسْتُصْرِخَ عَلَى صَفِيّةَ - وَرُوَي من حديث مكْحُولٍ عن نَافِعٍ: أَنّهُ رَأَى ابنَ عُمَرَ فَعَلَ ذَلِكَ مَرّةً أَوْ مَرّتَيْنِ.
1207 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن أبي الزّبَيْرِ المَكّيّ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن عبد الله بنِ عَبّاسٍ قال: صَلّى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الظّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعاً، وَالمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعاً، في غَيْرِ خوْفٍ وَلاَ سَفَرٍ. قال مَالِكٌ: أُرَى ذَلِكَ كَان في مَطَرٍ.
قال أَبُو دَاوُد: رَوَاهُ حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ نَحْوَهُ عن أبي الزّبَيْرِ. وَرَوَاهُ قُرّةُ بنُ خَالِدٍ عن
__________
"ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم" : قال المنذري: في إسناده عبد الله بن نافع أبو محمد المخزومي مولاهم المدني الصائغ قال يحيى بن معين ثقة، وقال أبو زرعة الرازي لا بأس به، وقال الإمام أحمد بن حنبل لم يكن صاحب حديث كان ضيقاً فيه، وكان صاحب رأي وكان يفتي أهل المدينة برأي مالك ولم يكن في الحديث بذاك. وقال البخاري يعرف حفظه وينكر، وقال أبو حاتم الرازي ليس بالحافظ هو لين يعرف حفظه وينكر وكتابه أصح انتهى. فلم يثبت حديث ابن عمر مرفوعاً وإنما روي موقوفاً عليه. فروى أيوب عن نافع عنه أنه لم ير ابن عمر جمع بينهما إلا تلك الليلة، وروى مكحول عن نافع أنه رأى ابن عمر فعل ذلك مرة أو مرتين.
"في غير خوف ولا سفر" : قال المنذري: قال مالك أرى ذلك كان في مطر وأخرجه مسلم والنسائي وليس فيه كلام مالك. وقال الخطابي: وقد اختلف الناس في جواز الجمع بين الصلاتين للمطر في الحضر فأجازه جماعة من السلف، وروى ذلك عن ابن عمر وفعله عروة وابن المسيب وعمر بن عبد العزيز وأبو بكر بن عبد الرحمن وأبو سلمة وعامة فقهاء المدينة، وهو قول مالك والشافعي وأحمد بن حنبل غير أن الشافعي اشترط أن يكون المطر قائماً في وقت افتتاح الصلاتين معاً، وكذلك قال أبو ثور ولم يشترط ذلك غيرهما، وكان مالك يرى أن يجمع الممطور بينهما في الطين وفي حال الظلمة، وهو قول عمر بن عبد العزيز. وقال

(4/55)


أبي الزّبَيْرِ قال: في سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا إِلَى تَبُوكَ .
1208 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا أَبُو مُعَاوِيَةَ أخبرنا الاْعمَشُ عن حَبِيبِ بنِ أبي ثَابِتٍ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: جَمَعَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بَيْنَ الظّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بالمَدِينَةِ من غَيْرِ خَوْفٍ ولا مَطَرٍ، فَقِيلَ لابْنِ عَبّاسٍ: مَا أَرَادَ إِلى ذَلِكَ، قال: أَرَادَ أَن لا يُحْرِجَ أُمّتَهُ .
1209 - حدثنا مُحمّدُ بنُ عُبَيْدٍ المُحَارِبيّ أخبرنا مُحمّدُ بنُ فُضَيْلٍ عن أبِيهِ عن
__________
الأوزاعي وأصحاب الرأي يصلي الممطور كل صلاة في وقتها انتهى "قال في سفره سافرناها إلى تبوك" : قال المنذري: وحديث قرة هذا الذي ذكره أبو داوود، وأخرجه مسلم في صحيحه انتهى.
قلت: ولفظ مسلم من طريق قرة قيل أخبرنا أبو الزبير قال أخبرنا سعيد بن جبير قال أخبرنا ابن عباس: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين الصلاة في سفرة سافرناها في غزوة تبوك فجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء . قال سعيد: فقلت لابن عباس ما حمله على ذلك؟ قال أراد أن لا يحرج أمته" .
"أراد أن لا يحرج أمته" : قال الخطابي: هذا حديث لا يقول به أكثر الفقهاء وإسناده جيد إلا ما تكلموا فيه من أمر حبيب، وكان ابن المنذر يقول به ويحكيه عن غير واحد من أصحاب الحديث. وسمعت أبا بكر القفال يحكيه عن أبي إسحاق المروزي وحكى عن ابن سيرين أنه كان لا يرى بأساً أن يجمع بين الصلاتين إذا كانت حاجة أو شيء مما لا يتخذه عادة. وتأوله بعضهم على أن يكون ذلك في حال المرض.
قال ابن المنذر: ولا معنى لحمل الأمر فيه على عذر من الأعذار لأن ابن عباس قد أخبر بالعلة فيه وهو قوله: "أراد أن لا يحرج أمته" وقد اختلف الناس في ذلك فرخص فيه عطاء بن أبي رباح للمريض في الجمع بين الصلاتين، وهو قول مالك وأحمد بن حنبل. وقال أصحاب الرأي: يجمع المريض بين الصلاتين إلا أنهم أباحوا ذلك على شرطهم في جمع المسافر بينهما، ومنع ذلك الشافعي في الحضر إلا للممطور. انتهى. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي.
"محمد بن فضيل عن أبيه": فضيل بن غزوان. ومحمد وأبوه فضيل كلاهما ثقتان. والحديث سكت عنه المنذري، وفي هذا دليل على معنى الجمع الصوري الذي تأول به

(4/56)


نَافِعٍ وعبد الله بن واقد أن مؤذن ابن عمر قال: الصلاة, قال: سر سر, حتى إذا كان قبل غيوب الشفق نزل فصلى المغرب, ثم انتظر حتى غاب الشفق فصلى العشاء ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا عجل به أمر صنع مثل الذي صنعت, فسار في ذلك اليوم والليلة مسيرة ثلاث .
قال أبو داود: رواه ابن جابر عن نافع نحو هذا بإسناده.
1210 - حدثنا إِبراهِيمُ بنُ مُوسَى الرّازِيّ أنبأنا عِيسَى عن ابنِ جَابِرٍ بهذا المَعْنَى. قال أَبُو دَاوُد: وَرَوَاهُ عبد الله بنُ الْعَلاَءِ عن نَافِعٍ قال: حتّى إذا كَان عِنْدَ ذَهَابِ الشّفَقِ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا .
1211 - حدثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ وَمُسَدّدٌ قالا أخبرنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ ح. وحدثنا عَمْرُو ابنُ عَوْنٍ أخبرنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عن عَمْرِو بنِ دِينَارٍ عن جَابِرِ بنِ زَيْدٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: صَلّى بِنَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلمبالمَدِينَةِ ثمَانِياً وَسَبْعاً، الظّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ ولم يَقُلْ سُلَيْمانُ وَمُسَدّدٌ بِنَا. قال أَبُو دَاوُد: وَرَوَاهُ صَالحٌ مَوْلَى التّوْأَمَةِ عن ابنِ عَبّاسٍ قال في غَيْرِ مَطَرٍ.
__________
الحنفية أحاديث الجمع بين الصلاتين ويجيء تحقيق الكلام فيه "رواه ابن جابر": هو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر "نحو هذا": أي نحو حديث فضيل بن غزوان.
"عن ابن جابر بهذا المعنى": وحديث عبد الرحمن بن يزيد عن جابر وصله الطحاوي من طريق بشر بن بكر قال حدثني ابن جابر حدثني نافع ولفظه "حتى إذا كان في آخر الشفق نزل فصلى المغرب ثم صلى العشاء ووصله الدارقطني من طريق الوليد بن مزيد سمعت ابن جابر حدثني نافع نحوه "حتى إذا كان" : أي ابن عمر "عند ذهاب الشفق" : وهو آخر المغرب.
"صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة" : أي ثمان ركعات أربعاً للظهر وأربعاً للعصر وسبع ركعات ثلاثاً للمغرب وأربعاً للعشاء. وأورد البخاري هذا الحديث في باب تأخير الظهر إلى العصر من طريق عمرو بن دينار عن جابر بن زيد عن ابن عباس: "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالمدينة سبعاً وثمانياً الظهر والعصر والمغرب والعشاء فقال أيوب لعله في ليلة مطيرة قال عسى" وأخرج البخاري في كتاب التّهجد من طريق سفيان عن عمرو سمعت أبا الشعثاء جابراً سمعت ابن

(4/57)


1212 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالحٍ أخبرنا يَحْيَى بنُ مُحمّدٍ الْجَارِيّ أخبرنا عبد العزيز بنُ مُحمّدٍ عن مَالِكٍ عن أبي الزّبَيْرِ عن جَابرٍ: أَن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم غَابَتْ لَهُ الشّمْسُ بمَكّةَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا بِسَرِفَ .
1213 - حدثنا مُحمّدُ بنُ هِشَامٍ جَارُ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ أخبرنا جَعْفَرُ بنُ عَوْنٍ عن هِشَامِ ابنِ سَعْدٍ قال: بَيْنَهُمَا عَشْرَةُ أَمْيَالٍ يَعْني بَيْنَ مَكّةَ وَسَرِفَ.
1214 - حدثنا عَبْدُ المَلِكِ بنِ شُعَيْبٍ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ عن اللّيْثِ قال قال رَبِيعَةُ - يَعْني كَتَبَ إِلَيْهِ - حدثني عَبْدُ الله بنُ دِينَارٍ قال: غَابَتِ الشّمْسُ وَأَنَا عِنْدَ عبد الله بنِ عُمَرَ فَسِرْنَا فَلمّا رَأَيْنَاهُ قَدْ أَمْسَى قُلْنَا الصّلاَةُ فَسَارَ حتّى غَابَ الشّفَقُ
__________
عباس قال: "صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانياً جميعاً وسبعاً جميعاً. قلت يا أبا الشعثاء أظنه أخر الظهر وعجل العصر وعجل العشاء وأخر المغرب قال وأنا أظنه" قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي. قال أبو داوود ورواه صالح مولى التوأمة عن ابن عباس قال في غير مطر. هذا آخر كلامه. وصالح هذا هو ابن نبهان المدني وقد تكلم فيه غير واحد والتوأمة هي بنت أمية بن خلف كان معها أخت لها في بطن. وفي مسلم قلت يا أبا الشعثاء أظنه أخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء قال وأنا أظن ذلك. وفي البخاري معناه وأدرج هذا الكلام في الحديث في كتاب النسائي وفي كتاب البخاري فقال أقول لعله في ليلة مطيرة قال عسى.
"فجمع بينهما بسرف" : بكسر الراء اسم موضع قريب بمكة. قال المنذري: وأخرجه النسائي في إسناده يحيى الجاري. قال البخاري يتكلمون فيه. وذكر أبو داوود عن هشام بن سعد قال بينهما عشرة أميال يعني بين مكة وسرف. هذا آخر كلامه. وقد ذكر غيره أن سرف على ستة أميال من مكة وقيل سبعة وقيل تسعة وقيل اثني عشر وهي بفتح السين وكسر الراء المهملتين وبعدها فاء.
"قال": أي الليث "قال ربيعة يعني كتب": ربيعة "إليه": إلى الليث "حدثني": القائل حدثني هو ربيعة والمعنى الليث بن سعد يروي عن ربيعة مكاتبة ويروي ربيعة عن عبد الله بن دينار "حتى غاب الشفق" : قال ابن الأثير: الشفق من الأضداد يقع على الحمرة التي ترى في المغرب بعد مغيب الشمس وبه أخذ الشافعي، وعلى البياض الباقي في الأفق الغربي بعد

(4/58)


وَتَصَوّبَتِ النّجُومُ، ثُمّ إِنّهُ نَزَلَ فَصَلّى الصّلاتَيْنِ جَمِيعاً ثُمّ قال: رَأَيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم إذا جَدّ بِهِ السّيْرُ صَلّى صَلاَتِي هَذِهِ، يقولُ: يَجْمَعُ بَيْنَهُما بَعْدَ لَيْلٍ.
قال أَبُو دَاوُد: رَوَاهُ عاصِمُ بنُ مُحمّدٍ عن أَخِيهِ عن سَالِمٍ. وَرَوَاهُ ابنُ أبي نَجِيحٍ عن إِسْمَاعِيلَ بنِ عبد الرحمن بنِ ذُؤَيْبٍ أَنّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا مِنَ ابنِ عُمَرَ كَان بَعْدَ غُيُوبِ الشّفَقِ.
__________
الحمرة المذكورة وبه أخذ أبو حنيفة انتهى "وتصوبت النجوم" : أي اجتمعت "ثم أنه" : أي عبد الله بن عمر "ثم قال" : ابن عمر "إذا جدبه السير" : أي اشتد قاله صاحب المحكم وقال عياض جدبه السير أي أسرع. كذا قال وكأنه نسب الإسراع إلى السير توسعاً كذا في الفتح. وقال ابن الأثير أي إذا اهتم به وأسرع فيه يقال جد يجد ويجد بالضم والكسر وجدبه الأمر وجد فيه إذا اجتهد انتهى. ولفظ الموطأ إذا عجله السير . وفي رواية للبخاري إذا أعجله السير . وتعلق به من اشترط في الجمع الجد في السير، ورده الحافظ بن عبد البر بأنه إنما حكى الحال التي رأى ولم يقل لا يجمع إلا أن يجد به فلا يعارض حديث معاذ قبله. وفي هذا الحديث دليل واضح على أن الجمع بينهما من ابن عمر كان بعد غروب الشفق وهذا هو الصحيح المشهور من فعله. "رواه عاصم بن محمد عن أخيه": عمر بن محمد "عن سالم": وهذا التعليق وصله الدارقطني بإسناده إلى عاصم بن محمد عن أخيه عمر ابن محمد عن نافع وعن سالم قال أتى عبد الله بن عمر خبر من صفية فأسرع السير ثم ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه وقال بعد أن غاب الشفق "ورواه ابن أبي نجيح": هو عبد الله "عن إسماعيل بن عبد الرحمن بن ذؤيب": أو ابن أبي ذؤيب الأسدي المدني وهذا التعليق وصله الطحاوي من طريق ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن إسماعيل بن أبي ذؤيب قال كنت مع ابن عمرو فيه فسار حتى ذهبت فحمة العشاء ورأينا بياض الأفق فنزل فصلى ثلاثاً المغرب واثنين العشاء الحديث "أن الجمع بينهما من ابن عمر كان بعد غيوب الشفق": الجمع من ابن عمر بعد غيوب الشفق هو الصحيح المشهور من فعله، وهكذا رواه عن عبد الله بن عمر خمسة من حفاظ أصحابه كأسلم مولى عمر وحديثه عند البخاري في الجهاد من طريق أسلم عن ابن عمر في هذه القصة حتى كان بعد غروب الشفق نزل فصلى المغرب والعشاء جمعا بينهما، وكعبد الله بن دينار وتقدم حديثه، وكإسماعيل بن أبي ذؤيب وتقدم حديثه أيضاً وكسالم بن عبد الله المدني وتقدم حديثه أيضاً، ولفظ البخاري من طريق الزهري عن سالم عن نافع وفيه. "فقلت له الصلاة فقال سر حتى صار ميلين أو ثلاثة ثم نزل فصلى" الحديث، وكنافع مولى ابن عمر، وأما عبد الله ابن واقد فخالفهم والعدد الكثير أولى

(4/59)


1215 - حدثنا قُتَيْبَةُ وَ ابنُ مَوْهِبٍ المَعْنَى قالا أخبرنا المُفَضّلُ عن عُقَيْلٍ عن
__________
بالحفظ، وعبد الله بن واقد مقبول وهؤلاء ثقات إثبات فلا يعتبر بروايته مع وجود رواية هؤلاء الحفاظ. لكن اختلف على نافع فروى من حفاظ أصحاب نافع عنه أن نزوله كان بعد غيوب الشفق كعبيد الله بن عمر عن نافع عند مسلم أن ابن عمر جمع بين المغرب والعشاء بعد أن يغيب الشفق، وكالليث عنه عند الطحاوي ولفظه فسار حتى هم الشفق أن يغيب وأصحابه ينادونه للصلاة، فأبى عليهم حتى إذا أكثروا عليه قال إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين هاتين الصلاتين وأنا أجمع بينهما، وكأيوب وموسى بن عقبة عن نافع فأخر المغرب بعد ذهاب الشفق حتى ذهب هوى من الليل أخرجه عبد الرزاق عن معمر عنهما، ورواية أيوب عند الطحاوي ورواية موسى بن عقبة عند الدارقطني أيضاً، وروى يحيى بن سعيد عن نافع عن ابن عمر قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جدبه السير جمع بين المغرب والعشاء إلى ربع الليل" .
وأما فضيل بن غزوان من أصحاب نافع فروى عنه أن نزوله كان قبل غيوب الشفق فصلى المغرب ثم انتظر حتى غاب الشفق فصلى العشاء. وهذه الجملة قد تفرد بها فضيل بين ثقات أصحاب نافع ما قالها أحد غيره. وفضيل وإن كان ثقة لكن لا شك أنه دون عبيد الله بن عمر في الحفظ والإتقان والثبات حتى قدمه أحمد بن صالح على مالك في نافع، وأنه دون أيوب السختياني فإن أيوب ثقة ثبت حجة من كبار الفقهاء العباد، ودون موسى بن عقبة فإنه ثقة فقيه إمام في المغازي، ودون الليث بن سعد فإنه ثقة ثبت فقيه إمام مشهور، فحديث فضيل شاذ لا يقبل.
وأما ابن جابر عن نافع فقال حتى إذا كان في آخر الشفق نزل فصلى المغرب ثم العشاء. وأما عبد الله بن العلاء عن نافع فقال حتى إذا كان عند ذهاب الشفق نزل فجمع بينهما وتقدم حديثهما. وأما عطاف بن خالد المخزومي عن نافع فقال حتى إذا كاد الشفق أن يغيب نزل فصلى المغرب وغاب الشفق فصلى العشاء وحديثه عند الطحاوي والدارقطني. وأما أسامة بن زيد عنه فقال حتى إذا كان عند غيبوبة الشفق نزل فجمع بينهما أخرجه الطحاوي. فابن جابر وعبد الله بن العلاء وإن كانا ثقتين لكن لا يساويان الحفاظ الأربعة المذكورة من أصحاب نافع. وعطاف صدوق يهم وأسامة ضعيف. وعلى أن ليس في حديث ابن جابر وعبد الله بن العلاء أن ابن عمر صلى المغرب قبل غيوب الشفق، وإنما في حديثهما أنه نزل عند غيبوبة الشفق وثبت في روايات الحفاظ الأربعة من أصحاب نافع وكذا في رواية أسلم وعبد الله بن دينار وإسماعيل بن أبي ذؤيب من أجلاء حفاظ أصحاب ابن عمر أنه صلى المغرب بعد غيوب

(4/60)


ابنِ شِهَابٍ عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قال: كَان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشّمسُ أَخّرَ الظّهْرَ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ، ثُمّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، فإِنْ زَاغَتِ الشّمسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلّى الظّهْرَ ثُمّ رَكِبَ صلى الله عليه وسلم.
قال أَبُو دَاوُد: كَان مُفَضّلٌ قَاضِي مِصْرَ وكَان مُجَابَ [مُسْتَجَابَ] الدّعْوَةِ وَهُوَ ابنُ فَضَالَةَ.
__________
الشفق، بل في رواية سالم أن ابن عمر غيوب الشمس ميلين أو ثلاثة أميال ثم نزل فصلى، فروايات هؤلاء الثقات الأثبات مقدمة عند التعارض ومفسرة لإبهام رواية غيرهم انتهى مختصراً من غاية المقصود.
"إذا ارتحل : في سفره "قبل أن تزيغ الشمس" : أي قبل الزوال "أي قبل أن يرتحل صلى الظهر" : أي وحده وهو المحفوظ من رواية عقيل في الصحيحين، ومقتضاه أنه كان لا يجمع بين الصلاتين إلا في وقت الثانية منهما، وبه احتج من أبى جمع التقديم لكن روى إسحاق ابن راهويه من هذا الحديث عن شبابة بن سوار عن الليث عن عقيل عن الزهري عن أنس وفيه "إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً ثم ارتحل أخرجه الإسماعيلي وأعلّ بتفرد إسحاق بذلك عن شبابة بن سوار، ثم تفرد جعفر الفريابي به عن إسحاق وليس ذلك بقادح فإنهما إمامان حافظان. وقال النووي إسناده صحيح كذا في الفتح والتلخيص. وأخرج الحاكم في الأربعين حدثنا محمد بن يعقوب هو الأصم حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني وهو أحد شيوخ مسلم حدثنا حسان بن عبد الله الواسطي عن المفضل بن فضالة عن عقيل عن ابن شهاب عن أنس "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل فجمع بينهما فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر والعصر ثم ركب . قال الحافظ سنده صحيح. وقال الحافظ صلاح الدين العلائي سنده جيد. وفي رواية أبي نعيم في مستخرجه على صحيح مسلم كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً ثم ارتحل فقد أفادت رواية الإسماعيلي والحاكم وأبي نعيم ثبوت جمع التقديم من فعله صلى الله عليه وسلم ولا يتصور فيه الجمع الصوري، وهذه الروايات صحيحة كما قال الحافظ في بلوغ المرام والفتح إلا أنه قال ابن القيم إنه اختلف في رواية الحاكم فمنهم من صححها ومنهم من حسنها ومنهم من قدح فيها وجعلها موضوعة وهو الحاكم فإنه حكم بوضعه، ثم ذكر كلام الحاكم في وضع الحديث ثم رده ابن القيم واختار أنه ليس بموضوع، وسكوت ابن حجر هنا عليه وجزمه بأنه بإسناد صحيح يدل على رده لكلام الحاكم.

(4/61)


1216 - حدثنا سُلَيْمانُ بنُ دَاوُدَ المَهْرِيّ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني جَابِرُ بنُ إِسْمَاعِيلَ عن عُقَيْلٍ بهذا الحديثِ بإِسْنَادِهِ قال: وَيُؤَخّرُ المَغْرِبَ حتى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ حِينَ يَغِيبَ الشّفَقُ .
1217 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا اللّيْثُ عن يَزِيدَ بنِ أبي حَبِيبٍ عن أبي الطّفَيْلِ عَامِرِ ابنِ وَائِلَةَ عن مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ: أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كَان في غَزْوَةِ تَبُوكَ إذا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشّمْسُ أَخّرَ الظّهْرَ حتى يَجْمَعَهَا إِلى الْعَصْرِ فَيُصَلّيِهمَا جَمِيعاً، وَإذا ارْتَحَلَ بَعْدَ زَيْغِ الشّمسِ صَلّى الظّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعاً ثُمّ سَارَ، وكَان إذا ارْتَحَلَ قَبْلَ المَغْرِبِ أَخّرَ المَغْرِبَ حتى يُصَلّيَهَا مع الْعِشَاءِ، وإذا ارْتَحَلَ بَعْدَ المَغْرِبِ عَجّلَ الْعِشَاءَ فَصَلاّهَا مع المَغْرِبِ.
قال أَبُو دَاوُد: ولم يَرْوِ هذا الحديثَ إِلاّ قُتَيْبَةُ وَحْدَهُ.
__________
وأما رواية المستخرج والإسماعيلي فإنه لا مقال فيها. ويؤيد صحته حديث معاذ المتقدم ولفظه لجمع التأخير كليهما لكن حديث أنس الآتي من طريق قتيبة عن الليث هو كالتفصيل للمجمل. ويؤيده أيضاً حديث مسلم من طريق حكم بن عتيبة عن أبي جحيفة قال: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه وسلم بالهاجرة إلى البطحاء فتوضأ فصلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين وبين يديه عنزة" قال النووي: فيه دليل على القصر والجمع في السفر، وفيه أن الأفضل لمن أراد الجمع وهو نازل في وقت الأولى أن يقدم الثانية إلى الأولى. انتهى. ولفظ البخاري في باب سترة الإمام سترة لمن خلفه من طريق عون بن أبي جحيفة قال سمعت أبي يحدث "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم بالبطحاء وبين يديه عنزة الظهر ركعتين والعصر ركعتين" وأخرجه أيضاً في عدة مواضع وله ألفاظ. وأورد دلائل إثبات جمع التقديم الحافظ في الفتح. وإلى جواز الجمع للمسافر تقديماً وتأخيراً ذهب الشافعي ومالك وأحمد وغيرهم وقال الأوزاعي يجوز للمسافر جمع التأخير فقط دون جمع التقديم وهو رواية عن مالك وأحمد بن حنبل واختاره ابن حزم الظاهري. وقد عرف مما تقدم أن أحاديث جمع التقديم بعضها صحيح وبعضها حسن وذلك يرد ما حكي عن أبي داوود أنه قال ليس في جمع التقديم حديث قائم. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وليس في حديث البخاري ويؤخر المغرب.
"لم يرو هذا الحديث إلا قتيبة وحده": وقال المنذري: وروى علي بن المديني عن أحمد بن حنبل عن قتيبة هذا الحديث، وحديث معاذ حسن غريب تفرد به قتيبة لا نعرف أحداً

(4/62)


__________
رواه عن الليث غيره، وحديث الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل عن معاذ حديث غريب، والمعروف عند أهل العلم حديث معاذ من حديث أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ انتهى. وقال المنذري: وذكر أبو سعد بن يونس الحافظ لم يحدث به إلا قتيبة وقال إنه غلط فيه فغير بعض الأسماء، وأن موضع يزيد بن أبي حبيب أبو الزبير. وذكر الحاكم أبو عبد الله أن الحديث موضوع وقتيبة بن سعيد ثقة مأمون وحكى عن البخاري أنه قال قلت لقتيبة بن سعيد مع من كتبت عن الليث بن سعد حديث يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل فقال كتبته مع خالد المدايني. قال البخاري وكان خالد المدايني يدخل الأحاديث على الشيوخ. هذا آخر كلامه وخالد هذا هو أبو الهيثم بن القاسم المدايني متروك الحديث انتهى. وفي التلخيص قال ابن أبي حاتم في العلل عن أبيه لا أعرفه من حديث يزيد والذي عندي أنه دخل له حديث في حديث. وأطنب الحاكم في علوم الحديث في بيان علة هذا الخبر فليراجع منه. وأعله ابن حزم بأنه معنعن ليزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل ولا يعرف له عنه رواية انتهى. قال في البدر المنير: إن للحفاظ في هذا الحديث خمسة أقوال أحدها أنه حسن غريب. قاله الترمذي، ثانيها أنه محفوظ صحيح قاله ابن حبان، ثالثها منكر قاله أبو داوود، رابعها أنه منقطع قاله ابن حزم، خامسها أنه موضوع قاله الحاكم. وأصل الحديث أبي الطفيل في صحيح مسلم وأبو الطفيل عدل ثقة مأمون انتهى. وأطال الكلام في غاية المقصود والله أعلم.

(4/63)


273 - باب قصر قراءة الصلاة في السفر
1218 - حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ أخبرنا شُعْبَةُ عن عَدِيّ بنِ ثَابِتٍ عن الْبَراءِ قال: خَرَجْنَا مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في سَفَرٍ فَصَلّى بِنَا الْعِشَاءَ الآخرة فَقَرَأَ في إِحْدَى الرّكْعَتَيْنِ بالتّينِ وَالزّيْتُونِ.
__________
باب قصر قراءة الصلاة في السفر
"فقرأ في إحدى الركعتين الخ" : قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه بنحوه.

(4/63)


274 - باب التطوع في السفر
1219 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا اللّيْثُ عن صَفْوَانَ بنِ سُلَيْمٍ عن أبي
__________
باب التطوع في السفر
"أبي بسرة": بضم الباء وسكون السين المهملة وفتح الراء المهملة وآخره تاء تأنيث قاله

(4/63)


275 - باب التطوع على الراحلة والوتر
1221 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالحٍ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني يُونُسُ عن ابنِ شِهَابٍ عن سَالِمٍ عن أبِيهِ قال: كَان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُسَبّحُ عَلَى الرّاحِلةِ أَيّ وَجْهٍ تَوَجّهَ وَيُوتِرُ عَلَيْهَا، غَيْرَ أَنّهُ لا يُصَلّي المَكْتُوبَةَ عَلَيْهَا.
1222 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا رِبَعِيّ بنُ عبد الله بنِ الْجَارُودِ حدثني عَمْرُو بنُ أبي الْحَجّاجِ حدثني الْجَارُودُ بنُ أبي سَبْرَةَ حدثني أَنَسُ بنُ مَالِكٍ: أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كَان إذا سَافَرَ فأَرَادَ أَنْ يَتَطَوّعَ اسْتَقْبَلَ بِنَاقَتِهِ الْقِبْلَةَ فَكَبّرَ ثُمّ صَلّى حَيْثُ وَجّهَهُ رِكَابُهُ.
__________
باب التطوع على الراحلة والوتر
"يسبح على الراحلة" : يقال يصلي سبحة أي يتنفل، والسبحة بضم السين وإسكان الباء النافلة "أي وجه توجه" : يعني في جهة مقصده. قال العلماء فلو توجه إلى غير المقصد فإن كان إلى القبلة جاز وإلا فلا "ويوتر عليها" : فيه دليل لمذهب الشافعي ومالك وأحمد والجمهور أنه يجوز الوتر على الراحلة في السفر حيث توجه وأنه سنة ليس بواجب، وقال أبو حنيفة هو واجب ولا يجوز على الراحلة، والأحاديث الصحيحة المروية في ذلك ترد عليه، وقد أطنب الكلام فيه الإمام محمد بن نصر المروزي في كتاب قيام الليل والله أعلم. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"فأراد أن يتطوع" : أي يتنفل راكباً والدابة تسير "استقبل بناقته القبلة فكبر" : أي للاستفتاح عقب الاستقبال. قال في المحيط منهم من شرط التوجه إلى القبلة عند التحريمة يعني بشرط

(4/65)


1223 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن عَمْرِو بنِ يَحْيَى الْمَازِنيّ عن أبي الْحُبَابِ سَعِيدِ بنِ يَسَارٍ عن عبد الله بنِ عُمَرَ أَنّهُ قال: رَأَيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يُصَلّي عَلَى حِمَارٍ وَهُوَ مُتَوَجّهٌ إِلى خَيْبَرَ.
1224 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا وَكِيعٌ عن سُفْيَانَ عن أبي الزّبَيْرِ عن جَابِرٍ قال: بَعَثَنِي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في حَاجَةٍ. قال: فَجِئْتُ وَهُوَ يُصَلّي عَلَى رَاحِلَتِهِ نَحْوَ المَشْرِقِ وَالسّجُودُ أَخْفَضُ مِنَ الرّكُوعِ.
__________
كونها سهلة وزمامها بيده، وبه قال الشافعي والحنفية لم يأخذوا به، هذا في النفل وأما في الفرض فقد اشترط التوجه إليها عند التحريمة، وفي الخلاصة أن الفرض على الدابة يجوز عند العذر، ومن الأعذار المطر والخوف من عدو أو سبع والعجز عن الركوب للضعف "حيث وجهه ركابه" : أي ذهب به مركوبه.
"يصلي على حمار" : قال الدارقطني وغيره هذا غلط من عمرو بن يحيى المازني قالوا وإنما لمعروف في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على راحلته أو على البعير والصواب أن الصلاة على الحمار من فعل أنس كما ذكره مسلم ولهذا لم يذكر البخاري حديث عمرو. هذا كلام الدارقطني ومتابعيه. وفي الحكم بتغليط رواية عمرو نظر لأنه ثقة نقل شيئاً محتملاً، فلعله كان الحمار مرة والبعير مرة أو مرات، لكن قد يقال إنه شاذ، فإنه مخالف لرواية الجمهور في البعير والراحلة والشاذ مردود وهو المخالف للجماعة ذكره النووي قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي، وقال النسائي: عمرو بن يحيى لا يتابع على قوله يصلي على حمار وربما يقول: على راحلته، وقال غيره: وهم الدارقطني وغيره عمرو بن يحيى في قوله على حمار والمعروف على راحلته وعلى البعير. هذا آخر كلامه. وقد أخرجه مسلم من فعل أنس بن مالك وأخرجه الإمام مالك بن أنس في الموطأ من فعل أنس بن مالك أيضاً، وقال: فيه يركع ويسجد إيماء من غير أن يضع وجهه على شيء.
"فجئت" : أي إليه "وهو يصلي" : حال "على راحلته نحو المشرق" : ظرف أي يصلى إلى جانب المشرق أو حال أي متوجهاً نحو المشرق أو كانت متوجهة إلى جانب المشرق "والسجود أخفض من الركوع" : أي أسفل من إيمائه إلى الركوع أي يجعل رأسه للسجود أخفض منه للركوع. وهذه الأحاديث فيها دلالة على جواز صلاة الوتر والتطوع على الراحلة للمسافر قبل جهة مقصده وهو إجماع كما قال النووي والعراقي وابن حجر وغيرهم، وإنما

(4/66)


__________
الخلاف في جواز ذلك في الحضر فجوزه أبو يوسف وأبو سعيد الاصطخري وأهل الظاهر. قال ابن حزم: وقد روينا عن وكيع عن سفيان عن منصور بن المعتمر عن إبراهيم النخعي قال كانوا يصلون على رحالهم ودوابهم حيثما توجهت قال وهذه حكاية عن الصحابة والتابعين عموماً في الحضر والسفر. قال النووي: هو محكي عن أنس قال العراقي: استدل من ذهب إلى ذلك بعموم الأحاديث التي لم يصرح فيها بذكر السفر وحمل جمهور العلماء الروايات المطلقة على المقيدة بالسفر قال المنذري وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه بنحوه أتم منه. وفي حديث الترمذي وحده السجود أخفض من الركوع وقال حسن صحيح.

(4/67)


276 - باب الفريضة على الراحلة من عذر
1225 - حدثنا مَحمُودُ بنُ خَالِدٍ أخبرنا مُحمّدُ بنُ شُعَيْبٍ عن النّعْمَانِ بنِ المُنْذِرِ عن عَطَاء بنِ أبي رَبَاحٍ أَنّهُ سَأَلَ عَائشةَ: هَلْ رُخّصَ لِلنّسَاءِ أَنْ يُصَلّينَ عَلَى الدّوَابّ؟ قالت: لم يُرَخّصْ لَهُنّ في ذَلِكَ في شِدّةٍ وَلا رَخَاءٍ.
__________
باب الفريضة على الراحلة من عذر
هل تجوز وهكذا لفظ الباب أي الفريضة على الراحلة من عذر في جميع النسخ الحاضرة. وأما في النسختين من المنذري بخط عتيق فباب الفريضة على الراحلة من غير عذر بزيادة لفظ غير.
"هل رخص": بصيغة المجهول أي رخص في زمان نزول الوحي "لم يرخص" بصيغة المجهول أي من النبي صلى الله عليه وسلم "في ذلك": أي في أداء الصلاة على الدواب "في شدة": والمراد بالشدة الأمر الذي تجعل على نفسها شديدة محكمة من غير أن يحكم به الشرع. ومثله رواية عامر بن ربيعة قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على راحلته يسبح يومئ برأسه قبل أي وجهة توجه ولم يكن يصنع ذلك في الصلاة المكتوبة" متفق عليه فتحمل هذه الرواية على غير الضرورة الشرعية وأما الضرورة الشرعية فيجوز أداء الفرض على الدواب والراحلة، لما أخرج أحمد في مسنده والدارقطني والترمذي والنسائي عن يعلى بن مرة "أن النبي صلى الله عليه وسلم انتهى إلى مضيق هو وأصحابه وهو على راحلته والسماء من فوقهم والبلة من أسفل منهم فحضرت الصلاة فأمر المؤذن فأذن وأقام ثم تقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته فصلى بهم يومئ إيماء يجعل السجود أخفض من الركوع" قال الترمذي حديث غريب تفرد به عمر بن ميمون بن الرماح البلخي لا يعرف إلا من حديثه. وقد روى عنه غير واحد من أهل العلم. وكذا روي عن

(4/67)


قال مُحمّدٌ: هذا في المَكْتُوبَةِ.
__________
أنس بن مالك أنه صلى في ماء وطين على دابته، والعمل على هذا عند أهل العلم وبه يقول أحمد وإسحاق انتهى. قال في شرح الأحكام لابن تيمية: والحديث صححه عبد الحق وحسنه النووي، وضعفه البيهقي وهو يدل على ما ذهب إليه البعض من صحة صلاة الفريضة على الراحلة كما تصح في السفينة بالإجماع. وقد صحح الشافعي الصلاة المفروضة على الراحلة بالشروط التي ستأتي. وحكى النووي في شرح مسلم والحافظ في الفتح الإجماع على عدم جواز ترك الاستقبال في الفريضة. قال الحافظ: لكن رخص في شدة الخوف وحكى النووي أيضاً الإجماع على عدم صلاة الفريضة على الدابة قال فلو أمكنه استقبال القبلة والقيام والركوع والسجود على دابة واقفة عليها هودج أو نحوه، جازت الفريضة على الصحيح من مذهب الشافعي، فإن كانت سائرة لم تصح على الصحيح المنصوص للشافعي، وقيل تصح كالسفينة فإنها تصح فيها الفريضة بالإجماع. ولو كان في ركب وخاف لو نزل للفريضة انقطع عنهم ولحقه الضرر، قال أصحاب الشافعي: يصلى الفريضة على الدابة بحسب الإمكان ويلزمه إعادتها لأنه عذر نادر انتهى. قال في شرح الأحكام: والحديث يدل على جواز صلاة الفريضة على الراحلة ولا دليل على اعتبار تلك الشروط إلا عمومات يصلح هذا الحديث لتخصيصها وليس في الحديث إلا ذكر عذر المطر ونداوة الأرض فالظاهر صحة الفريضة على الراحلة في السفر لمن حصل له مثل هذا العذر، وإن لم يكن في هودج إلا أن يمنع من ذلك إجماع ولا إجماع، فقد روى الترمذي عن أحمد وإسحاق أنهما يقولان بجواز الفريضة على الراحلة إذا لم يجد موضعاً يؤدي فيه الفريضة نازلاً، ورواه العراقي في شرح الترمذي عن الشافعي انتهى. "هذا في المكتوبة": أي عدم الرخصة. قال المنذري: قال الدارقطني: تفرد به النعمان بن المنذر هذا غساني دمشقي ثقة كنيته أبو الوزير انتهى.

(4/68)


277- باب متى يتم المسافر
1226 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ ح. وحدثنا إِبراهِيمُ بنُ مُوسَى
__________
باب متى يتم المسافر صلاته إذا نزل في موضع وأقام فيه.
"حماد": هو ابن مسلمة فحماد وإسماعيل بن إبراهيم المعروف بابن علية كلاهما يرويان

(4/68)


أنبأنا ابنُ عُلَيّةَ - وهذا لَفْظُهُ - قال أنبأنا عَلِيّ بنُ زَيْدٍ عن أبي نَضْرَةَ عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ قال: غَزَوْتُ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وَشَهِدْتُ مَعَهُ الْفَتْحَ، فأَقَامَ بِمَكّةَ ثَمانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً لا يُصَلّي إِلا ركْعَتَيْنِ، يقولُ: "يَا أَهْلَ الْبَلَدِ صَلّوا أَرْبَعاً فإِنّا قُوْمٌ سَفْرٌ".
1227 - حدثنا مُحمّدُ بنُ الْعَلاَءِ وَ عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ - المَعْنَى وَاحِدٌ - قالا أخبرنا حَفْصٌ عن عَاصِمٍ عن عِكْرمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ: أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أقَامَ سَبْعَ
__________
عن علي بن زيد لكن هذا لفظ ابن علية دون حماد "فأقام" : أي مكث "يقول" : أي بعد تسليمه خطابا للمقتدين به "يا أهل البلد صلوا أربعاً" : أي أتموا صلاتكم "فإنا" : أي فإني وأصحابي "سفر" : بسكون الفاء جمع سافر، كركب وصحب أي مسافرون. قال الطيبي: الفاء هي الفصيحة لدلالتها على محذوف هو سبب لما بعد الفاء أي صلوا أربعاً ولا تقتدوا بنا فإنا سفر، كقوله تعالى: {فَانْفَجَرَتْ} أي فضرب فانفجرت. قال الخطابي: هذا العدد جعله الشافعي حداً في القصر لما كان في حرب يخاف على نفسه العدو، وكذلك كان حال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام مقامه بمكة عام الفتح، فأما في حال الأمن فإن الحد في ذلك عنده أربعة أيام فإذا أزمع مقام أربع الصلاة، وذهب في ذلك إلى مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجه بمكة، وذلك أنه دخلها يوم الأحد وخرج منها يوم الخميس كل ذلك يقصر الصلاة، فكان مقامه أربعة أيام. وقد روي عن عثمان أنه قال "من أزمع مقام أربع فليتم" وهو قول مالك بن أنس وأبي ثور، واختلفت الروايات عن ابن عباس في مقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة عام الفتح، فروى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام سبع عشر بمكة يقصر الصلاة، وعنه أقام تسع عشرة، وعنه أنه أقام خمس عشرة، وكل قد ذكره أبو داوود على اختلافه، فكان خبر عمران بن حصين أصحها عند الشافعي وأسلمها من الاختلاف فصار إليه. وقال أصحاب الرأي وسفيان الثوري إذا أجمع المسافر مقام خمس عشرة أتم الصلاة، ويشبه أن يكونوا ذهبوا إلى إحدى الروايات عن ابن عباس، وقال الأوزاعي إذا أقام اثني عشرة ليلة أتم الصلاة، وروى ذلك عن ابن عمر. وقال الحسن بن صالح بن حيي إذا عزم مقام عشر أتم الصلاة وأراه ذهب إلى حديث أنس بن مالك، ورواه أبو داوود انتهى. قال المنذري: وأخرجه الترمذي بنحوه. وقال حسن صحيح. هذا آخر كلامه. وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان، وقد تكلم فيه جماعة من الأئمة، وقال بعضهم هو حديث لا تقوم به حجة لكثرة اضطرابه.
"أقام سبع عشرة بمكة" : بتقديم السين قبل الباء، لكن في رواية البخاري من طريق أبي عوانة عن عاصم وحصين عن عكرمة عن ابن عباس بلفظ تسعة عشر بتقديم التاء قبل السين

(4/69)


عَشْرَةَ بمَكّةَ يَقْصُرُ الصّلاَةَ قال ابنُ عَبّاسٍ: وَمَنْ أَقَامَ سَبْعَ عَشْرَةَ قَصَرَ وَمَنْ أَقَامَ أَكْثَرَ أتَمّ.
قال أَبُو دَاوُد: قال عَبّادُ بنُ مَنْصُورٍ عن عِكْرمَةَ عن ابنِ عَبّاس قال: أقَامَ تِسْعَ عَشْرَةَ.
1228 - حدثنا النّفَيْلِيّ أخبرنا مُحمّدُ بنُ سَلَمَةَ عن مُحمّدِ بنِ إِسْحَاقَ عن الزّهْرِيّ عن عبيد الله بنِ عبد الله عن ابنِ عَبّاسٍ قال: أقَامَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بمَكّةَ عَامَ
__________
ولفظه "أقام النبي صلى الله عليه وسلم تسع عشرة يقصر فنحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا وإن زدنا أتممنا" انتهى. وكذا أخرجه البخاري في المغازي من وجه آخر عن عاصم وحده، وكذا رواه ابن المنذر من طريق عبد الرحمن بن الأصبهاني عن عكرمة لكن أخرجه أبو داوود، من هذا الوجه أي من طريق ابن الأصبهاني بلفظ سبعة عشر بتقديم السين، وكذا أخرجه المؤلف من طريق حفص بن غياث عن عاصم قال أبو داوود، وقال عباد بن منصور عن عكرمة تسع عشرة بتقديم التاء كذا ذكرها معلقة، وقد وصلها البيهقي. وتقدم لأبي داوود من حديث عمران بن حصين وفيه، فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين، ولأبي داوود من طريق ابن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس: "أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عام الفتح خمس عشرة يقصر الصلاة" قال الحافظ: وجمع البيهقي بين هذا الاختلاف بأن من قال: تسع عشرة عد يومي الدخول والخروج، ومن قال سبع عشرة حذفهما. ومن قال ثماني عشرة عد أحدهما، وأما رواية خسمة عشر فضعفها النووي في الخلاصة وليس بجيد لأن رواتها ثقات ولم ينفرد بها ابن إسحاق فقد أخرجها النسائي من رواية عراك بن مالك عن عبيد الله كذلك وإذا ثبت أنها صحيحة فليحمل على أن الراوي ظن أن الأصل رواية سبع عشرة فحذف منها يومي الدخول والخروج فذكر أنها خمس عشرة، واقتضى ذلك أن رواية تسع عشرة أرجح الروايات، وبهذا أخذ إسحاق بن راهويه، ويرجحها أيضاً أنها أكثر ما وردت به الروايات الصحيحة وأخذ الثوري وأهل الكوفة برواية خمس عشرة لكونها أقل ما ورد فيحمل ما زاد على أنه وقع اتفاقاً، وأخذ الشافعي بحديث عمران بن حصين لكن محله عنده فيمن لم يزمع الإقامة فإنه إذا مضت عليه المذكورة وجب عليه الإتمام، فإن أزمع الإقامة في أول الحال على أربعة أيام أتم على خلاف بين أصحابه في دخول يومي الدخول والخروج فيها أولا انتهى كلام الحافظ ملخصاً. قال المنذري: وأخرجه البخاري والترمذي وابن ماجه. ولفظ البخاري والترمذي وابن ماجه. تسعة عشر.
"عن عبيد الله بن عبد الله": قال البيهقي وأما حديث محمد بن إسحاق عن الزهري عن

(4/70)


الْفَتْحِ خَمْسَ عَشْرَةَ يَقْصُرُ الصّلاَةَ.
قال أَبُو دَاوُد: رَوَى هذا الحديثَ عَبْدَةُ بنُ سُلَيْمانَ وَأَحْمَدُ بنُ خَالِدٍ الْوَهْبِيّ وَسَلَمَةُ بنُ الْفَضْلِ عن ابنِ إِسْحَاقَ، لم يَذْكْرُوا فيه ابنَ عَبّاسٍ.
1229 - حدثنا نَصْرُ بنُ عَلِيّ أخبرني أبي أخبرنا شَرِيكٌ عن ابن الأَصْبَهَانِيّ عن عِكْرمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ: أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أقَامَ بمَكّةَ سَبْعَ عَشْرَةَ يُصَلّي ركْعَتَيْنِ .
1230 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ وَمُسْلِمُ بنُ إِبراهِيمَ المَعْنَى قالا أخبرنا وُهَيْبٌ حدثني يَحْيَى بنُ أبي إِسْحَاقَ عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قال: خَرَجْنَا مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مِنَ المَدِينَةِ إِلَى مَكّةَ فَكَان يُصَلّي ركْعَتَيْنِ حتّى رجَعْنَا إلى المَدِينَةِ، فَقُلْنَا: هَلْ أَقمْتُمْ بها شَيْئاً؟ قال: أَقَمْنَا عَشْراً.
__________
عبيد الله متصلا فقد رواه كذلك بعض أصحاب ابن إسحاق عنه، ورواه عبد بن سليمان وسلمة بن الفضل عن ابن إسحاق لم يذكر ابن عباس، ورواه عبيد الله بن إدريس عن ابن إسحاق عن الزهري قوله انتهى. وقال المنذري وأخرجه ابن ماجه، وأخرجه النسائي بنحوه، وفي إسناده محمد بن إسحاق. واختلف على ابن إسحاق فيه فروى عنه مسنداً ومرسلاً، وروى عنه عن الزهري من قوله انتهى.
"أقمنا عشراً" : قال الحافظ: لا يعارض ذلك حديث ابن عباس المذكور لأن حديث ابن عباس كان في فتح مكة، وحديث أنس في حجة الوداع، وقد أخرج البخاري من حديث ابن عباس قدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لصبح رابعة الحديث. ولا شك أنه خرج من مكة صبح الرابع عشر فتكون مدة الإقامة بمكة ونواحيها عشرة أيام بلياليها كما قال أنس، وتكون مدة إقامته بمكة أربعة أيام سواء لأنه خرج منها في اليوم الثامن فصلى الظهر بمنى، ومن ثم قال الشافعي: إن المسافر إذا أقام ببلدة قصر أربعة أيام، وقال أحمد: إحدى وعشرين صلاة انتهى. وقال الزيلعي: وقدرها الشافعي بأربعة أيام فإن نواها صار مقيماً، ويرده حديث أنس فإن فيه قلت كم أقمتم بمكة؟ قال أقمنا بها عشراً. ولا يقال يحتمل أنهم عزموا على السفر في اليوم الثاني أو الثالث واستمر بهم ذلك إلى عشر، لأن الحديث إنما هو في حجة الوداع فتعين أنهم نووا لإقامة أكثر من أربعة أيام لأجل قضاء النسك. نعم كان يستقيم هذا لو كان الحديث في قضية الفتح. والحاصل أنهما حديثان أحدهما حديث ابن عباس وكان في الفتح صرح بذلك في بعض طرقه

(4/71)


1231 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ وَ ابنُ المُثَنّى - وهو لَفْظُ ابنِ المُثَنّى - قالا أخبرنا أَبُو أُسَامَةَ قال ابنُ المُثَنّى قال أخبرني عبد الله بنُ مُحمّدِ بنِ عُمَرَ بنِ عَلِيّ بنِ أبي طَالِبٍ عن أبِيهِ عن جَدّهِ: أَنّ عَلِيّا كَانَ إذا سَافَرَ سَارَ بَعْدَ ما تَغْرُبُ الشّمْسُ حتّى تَكَادُ أَنْ تُظْلِمَ، ثُمّ يَنْزِلُ فَيُصَلّي المَغْرِبَ، ثُمّ يَدْعُو بِعَشَائِهِ فَيَتَعَشّى، ثُمّ يُصَلّي الْعِشَاءَ ثُمّ يَرْتَحِلُ ويقولُ: هكَذا كَان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَصْنَعُ.
قال عُثْمانُ عن عبد الله بنِ مُحمّدِ بنِ عُمَرَ بنِ عَلِيَ: سَمِعْتُ أَبَا دَاوُدَ يقولُ: وَرَوَى أُسَامَةُ ابنُ زَيْدٍ عن حَفْصِ بنِ عبيد الله - يَعْني ابنَ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ: أَنّ أَنَساً كَان يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا حِينَ يَغيبُ الشّفَقُ ويقولُ: كَان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَصْنَعُ ذَلِكَ وَرِوَايَةُ الزّهْرِيّ عن أَنَسٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم مِثْلُهُ.
__________
أقام بمكة عام الفتح، والآخر حديث أنس وكان في حجة الوداع. انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"قال": أبو أسامة "أخبرني عبد الله": وهذا لفظ ابن المثنى، وأما عثمان فقال عن عبد الله كما سيأتي "عن أبيه": محمد بن عمر "عن جده": عمر بن علي "إذا سافر" : من منزله "حتى تكاد" : أي تقرب الشمس "أن تظلم" : من باب الأفعال أي تظلم الشمس ما على الأرض بحيث لا يبقى أثر من شعاع الشمس وضوئها على الأرض وتظهر ظلمة الليل "فيصلي المغرب" : لم يبين الراوي أن صلاة المغرب كانت قبل غروب الشفق أو بعده، والاحتمال في الجانبين قائم.
"ثم يدعو بعشائه" : بفتح العين أي يطلب طعام العشي "فيتعشى" : أي فيأكل طعام العشى "ثم يصلي العشاء" : لم يبين الراوي وقت أدائها والاحتمال في كلا الجانبين موجود فليس فيه حجة للحنفية على جمع الصورى. واعلم أن الحديث ههنا في هذا الباب موجود في جميع النسخ الحاضرة وكذا موجود في مختصر المنذري، لكن الحديث ليس مطابقاً لترجمة الباب فيشبه أن يكون أورده المؤلف عقب هذا الباب تتميماً لأحاديث الجمع ولا يخفى ما فيه من البعد، أو هذا التقديم والتأخير من تصرفات النساخ والله أعلم. قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"قال عثمان": ابن أبي شيبة في روايته "عن عبد الله": بالعنعنة، وأما ابن المثنى فبالإخبار "سمعت أبا داوود": يعني المؤلف وهذه المقولة لأبي علي اللؤلؤي راوي السنن "يجمع بينهما" : أي المغرب والعشاء "حين يغيب الشفق" : فهذه الرواية مفسرة لإجمال ما في رواية علي بن أبي

(4/72)


__________
طالب "مثله": أي مثل حديث حفص بن عبيد الله، فرواية حفص والزهري عن أنس متفقتان على أن الجمع كان بعد غيوب الشفق وتقدمت رواية الزهري في باب الجمع بين الصلاتين بلفظ "ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حين يغيب الشفق" .

(4/73)


278 - باب إذا أقام بأرض العدو يقصر
1232 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ أنبأنا مَعْمَرٌ عن يَحْيَى بنِ أبي كَثِيرٍ عن مُحّمدِ بنِ عبد الرحمن بنِ ثَوْبَانَ عن جَابرِ بنِ عبد الله قال: أَقَامَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْماً يَقْصُرُ الصّلاَةَ . قال أَبُو دَاوُد: غَيْرُ مَعْمَرٍ لا يَسْنِدُهُ.
__________
باب إذا أقام بأرض العدو يقصر
"يقصر الصلاة" : وقد اختلف العلماء في تقدير المدة التي يقصر فيها المسافر إذا أقام ببلدة وكان متردداً غير عازم على إقامة أيام معلومة، فذهب بعضهم إلى أن من لم يعزم إقامة مدة معلومة كمنتظر الفتح يقصر إلى شهر ويتم بعده، وذهب أبو حنيفة وأصحابه وهو مروي عن الشافعي إلى أنه يقصر أبداً لأن الأصل السفر. وما روي من قصره صلى الله عليه وسلم في مكة وتبوك دليل لهم لا عليهم لأنه صلى الله عليه وسلم قصر مدة إقامته ولا دليل على التمام فيما بعد تلك المدة، ويؤيد ذلك ما أخرجه البيهقي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بحنين أربعين يوماً يقصر الصلاة ولكنه قال تفرد به الحسن ابن عمارة وهو غير محتج به، وروى عن ابن عمر وأنس أنه يتم بعد أربعة أيام. قال الشوكاني: والحق أن الأصل في المقيم الاتمام لأن القصر لم يشرعه الشارع إلا للمسافر، والمقيم غير مسافر، فلولا ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من قصره بمكة وتبوك مع الإقامة لكان المتعين هو الإتمام، فلا ينتقل عن ذلك الأصل إلا بدليل، وقد دل الدليل على القصر مع التردد إلى عشرين يوماً كما في حديث جابر، ولم يصح أنه صلى الله عليه وسلم قصر في الإقامة أكثر من ذلك فيقتصر على هذا المقدار، ولا شك أن قصره صلى الله عليه وسلم في تلك المدة لا ينفي القصر فيما زاد عليها ولكن ملاحظة الأصل المذكورة هي القاضية بذلك "غير معمر لا يسنده": ورواه ابن حبان والبيهقي من حديث معمر وصححه ابن حزم والنووي وأعله الدارقطني في العلل بالإرسال والانقطاع، وأن علي بن المبارك وغيره من الحفاظ رووه عن يحيى بن أبي كثير عن ابن ثوبان مرسلاً، وأن الأوزاعي رواه عن يحيى عن أنس فقال بضع عشرة، وبهذا اللفظ رواه جابر أخرجه البيهقي من طريقه والله أعلم.

(4/73)


279 - باب صلاة الخوف
مَنْ رَأَى أَنْ يُصَلّيَ بِهمْ وَهُمْ صَفّانِ فَيُكْبّرُ بِهم جَمِيعاً ثُمّ يَرْكَعُ بِهم جَمِيعاً ثُمّ يَسْجُدُ اْلإِمَامُ وَالصّفّ الّذِي يَلِيهِ وَالآخرون قِيَامٌ يَحْرُسُونَهُمْ، فإِذا قَامُوا سَجَدَ الآخرون الّذِينَ كَانُوا خَلْفَهُمْ، ثُمّ تأَخّرَ الصّفّ الّذِي يَلِيهِ إلى مَقَامِ الآخَرِينَ وَتَقَدّمَ الصّفّ اْلأَخِيرُ إلى مَقَامِهمْ، ثُمّ يَرْكَعُ اْلإِمَامُ وَيَرْكَعُونَ جَمِيعاً ثُمّ يَسْجُدُ وَيَسْجُدُ الصّفّ الّذِي يَلِيهِ وَالآخرون يَحْرُسُونَهُمْ فإِذَا جَلَسَ اْلإِمَامُ وَالصّفّ الّذِي يَلِيهِ سَجَدَ الآخرون ثُمّ جَلَسُوا جَمِيعاً ثُم سَلّمَ عَلَيْهِمْ جَمِيعاً. قال أَبُو دَاوُد هذا قَوْلُ سُفْيَانَ.
1233 - حدثنا سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ أخبرنا جَرِيرُ بنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عن مَنْصُورٍ عن مُجَاهِدٍ عن أبي عَيّاشٍ الزّرَقِيّ قال: كُنّا مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بِعُسْفانَ وَعَلَى المُشْرِكِينَ خَالِدُ بنُ الْوَلِيدِ فَصَلّيْنَا الظّهْرَ، فقال المُشْرِكُونَ: لَقَدْ أَصَبْنَا غِرّةً، لَقَدْ أَصَبْنَا غَفْلَةً لَوْ كُنّا حَمَلْنَا عَلَيْهمْ وَهُمْ في الصّلاَةِ، فَنَزَلَتْ آيةُ الْقَصْرِ بَيْنَ الظّهْرِ وَالْعَصْرِ، فَلمّا حَضَرَتِ
__________
باب صلاة الخوف
"من رأى": أي من الأئمة من ذهب إلى "أن يصلي": الإمام "بهم": أي بالناس المجتمعين "وهم": أي الناس المجتمعون "فيكبر بهم": أي فيكبر الإمام بهؤلاء فيفتحون الصلاة كلهم معاً "ثم يركع بهم جميعاً": أي يركع الإمام بهؤلاء كلهم "ثم يسجد الإمام": سجدتين "والصف الذي يليه": أي الصف المقدم الذي يلي الإمام هو يسجد مع الإمام "والآخرون": الذين هم في الصف المؤخر "قيام": جمع قائم "يحرسونهم": أي يحرسون الإمام والصف المقدم "فإذا قاموا": أي الذين في الصف المقدم "الذين كانوا خلفهم": أي خلف الصف المقدم ولم يسجدوا معهم.
"عن مجاهد عن أبي عياش الزرقي": اسمه زيد بن الصامت ورواه البيهقي في المعرفة بلفظ حدثنا أبو عياش قال وفي هذا تصريح بسماع مجاهد من أبي عياش انتهى "بعسفان" : بضم العين وسكون السين موضع على مرحلتين من مكة، وقيل هي قرية جامعة على ستة وثلاثين ميلا من مكة وهي حد تهامة كذا في مراصد الاطلاع "وعلى المشركين خالد" : أي كان أميرهم خالد بن الوليد "لقد أصبنا غرة" : بكسر الغين المعجمة وتشديد الراء أي غفلة في صلاة الظهر يريدون فلو حملنا عليهم كان أحسن "فنزلت آية القصر" : وفي رواية النسائي فنزلت يعني صلاة

(4/74)


الْعَصْرُ قَامَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَالمُشْرِكُون أَمَامَهُ، فَصَفّ خَلْفَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم صَفّ، وَصَفّ بَعْدَ ذَلِكَ الصّفّ صَفّ آخَرُ، فَرَكَعَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وَرَكَعُوا جَمِيعاً ثُمّ سَجَدَ وَسَجَدَ الصّفّ الّذِي يَلُونَهُ وَقَامَ الآخرون يَحْرُسُونَهُمْ، فَلمّا صَلّى هَؤُلاَءِ السّجْدَتَيْنِ وَقَامُوا سَجَدَ الآخرون الّذِينَ كَانُوا خَلْفَهُمْ، ثُمّ تأخّرَ الصّفّ الّذِي يَلِيهِ إلى مَقَامِ الآخَرِينَ وَتَقَدّمَ الصّفّ اْلأَخِيرُ إلى مَقَامِ الصّفّ اْلأَوّلِ، ثُمّ رَكَعَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وَرَكعُوا جَمِيعاً، ثُمّ سَجَدَ وَسَجَدَ الصّفّ الّذِي يَلِيهِ وَقَامَ الآخرون يَحْرُسُونَهُمْ، فَلمّا جَلَسَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وَالصّفّ الّذِي يَلِيهِ سَجَدَ الآخرون، ثُمّ جَلَسُوا جَمِيعاً، فَسَلّمَ عَلَيْهِمْ جَمِيعاً، فَصَلاّهَا بِعُسْفَانَ وَصَلاّهَا يَوْمَ بَنِي سُلَيْمٍ.
قال أَبُو دَاوُد: رَوَاهُ[روى] أَيّوبُ وَهِشَامٌ عن أبي الزّبَيْرِ عن جَابِرٍ هذا المَعْنَى عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ دَاوُدُ بنُ حُصَيْنٍ عن عِكْرمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ، وكَذَلِكَ عَبْدُ المَلِكِ عن عَطَاءٍ عن جَابرٍ، وَكَذَلِكَ قَتَادَةُ عن الْحَسَنِ عن حِطّانَ عن أبي مُوسَى
__________
الخوف "فصلاها بعسفان وصلاها يوم بني سليم" : ولفظ النسائي "وصلى مرة بأرض بني سليم" ولفظ أحمد والدارقطني "فصلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين مرة بعسفان ومرة بأرض بني سليم" انتهى. وحديث أبي عياش إسناده صحيح. وفي هذا الحديث وكذا في حديث جابر الذي سيذكره المؤلف معلقاً أن صلاة الطائفتين مع الإمام جميعاً واشتراكهم في الحراسة ومتابعته في جميع أركان الصلاة إلا السجود فتسجد معه طائفة وتنتظر الأخرى حتى تفرغ الطائفة الأولى ثم تسجد، وإذا فرغوا من الركعة الأولى تقدمت الطائفة المتأخرة مكان الطائفة المتقدمة وتأخرت المتقدمة "رواه أيوب وهشام عن أبي الزبير عن جابر هذا المعنى": حديث هشام وصله البيهقي في المعرفة بلفظ: "فكبروا جميعاً وركعوا جميعاً ثم سجد الذين يلونه والآخرون قيام فلما رفعوا رؤوسهم سجد الآخرون، ثم تقدم هؤلاء وتأخر هؤلاء فكبروا جميعاً وركعوا جميعاً، ثم سجد الذين يلونهم والآخرون قيام فلما رفعوا رؤوسهم سجد الآخرون" قال البيهقي هذا إسناد صحيح وأخرجه النسائي من طريق سفيان عن أبي الزبير عن جابر وحديث أيوب وصله ابن ماجه "وكذلك": أي كما رواه أبو عياش الزرقي "رواه داوود بن حصين": حديث داوود بن الحصين وصله النسائي من طريق محمد بن إسحاق قال حدثني داوود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس فذكر الحديث "وكذلك": أي كحديث أبي عياش رواه "عبد الملك": ابن أبي سليمان "عن عطاء بن جابر": وحديث عبد الملك وصله مسلم والنسائي "عن أبي

(4/75)


فِعْلَهُ، وَكَذَلكَ عِكْرمَةُ بنُ خَالِدٍ عن مُجَاهِدٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وَكَذَلكَ هِشامُ ابنُ عُرْوَةَ عن أَبِيهِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ قَوْلُ الثّوْرِيّ.
__________
موسى": الأشعري "فعله": موقوفاً عليه. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف من طريق قتادة عن أبي العالية عن أبي موسى الأشعري بلفظ آخر، وكذا من طريق يونس عن الحسن عن أبي موسى "وكذلك": أي كحديث أبي عياش رواه "عكرمة بن خالد": بن العاص ثقة "عن مجاهد عن النبي صلى الله عليه وسلم": مرسلا. وفي المصنف من طريق عمر بن ذر سمعه من مجاهد قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث ثم قال مجاهد "فكان تكبيرهم وركوعهم وتسليمه عليهم سواء وتناصفوا في السجود" "هشام بن عروة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم": مرسلا. فهذه الروايات كلها مثل حديث أبي عياش الزرقي "وهو قول الثوري": سفيان الإمام وابن أبي ليلى قاله ابن عبد البر، وهو قول للشافعي، فحديث جابر من طريق عطاء وحديث أبي عياش الزرقي مفهومهما واحد. قال الخطابي: صلاة الخوف أنواع وقد صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أيام مختلفة على أشكال متباينة يتوخى في كلها ما هو أحوط للصلاة وأبلغ في الحراسة، وهي على اختلاف صورها مؤتلفة في المعاني وهذا النوع منها هو الاختيار إذا كان العدو بينهم وبين القبلة فإذا كان العدو وراء القبلة صلى بهم صلاته في يوم ذات الرقاع انتهى. قال المنذري وأخرجه النسائي وقال البيهقي هذا إسناد صحيح إلا أن بعض أهل العلم بالحديث يشك في سماع مجاهد من أبي عياش، ثم ذكر الحديث بإسناد جيد عن مجاهد قال حدثنا أبو عياش وقال بين فيه سماع مجاهد من أبي عياش. هذا آخر كلامه وسماعه منه متوجه فإنه ذكر ما يدل على أن مولد مجاهد سنة عشرين، وعاش أبو عياش إلى بعد الأربعين وقيل إلى بعد الخمسين انتهى.

(4/76)


280 - باب من قال يقوم صف مع الإمام وصف وِجاه العدو
فَيُصَلّي بالّذِينَ يَلُونَهُ ركْعَةً ثُم يَقُومُ قَائِماً حتّى يُصَلّي الّذِينَ مَعَهُ ركْعَةً أُخْرَى ثُم يَنْصَرِفُوا فَيصُفّوا وِجَاهَ الْعَدُوّ، وَتَجِيءُ الطّائِفَةُ الأُخْرَى فَيُصَلّي بِهمْ ركْعَةً وَيَثْبُتُ جَالِساً فَيُتِمّونَ لأَنْفُسِهمْ ركْعَةً أُخْرَى ثُم يُسَلّمُ بِهمْ جَمِيعاً.
__________
باب من قال يقوم صف مع الإمام وصف وِجاه العدو
هو بكسر الواو وضمها يقال وجاهة وتجاهه أي قبالته "فيصفوا" : من نصر ينصر "وتجيء الطائفة الأخرى" : الطائفة الفرقة أو القطعة من الشيء تقع على القليل والكثير، لكن قال

(4/76)


1234 - حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُعَاذٍ أخبرنا أبي أخبرنا شُعْبَةُ عن عبد الرحمن بنِ الْقَاسِمِ عن أبِيهِ عن صَالحِ بنِ خَوّاتٍ عن سَهْلِ بنِ أبي حَثْمَةَ: أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم صَلّى بأَصْحَابِهِ في خَوْفٍ فَجَعَلَهُمْ خَلْفَهُ صَفّيْنِ فَصَلّى بالذِينَ يَلُونَهُ ركْعَةً ثُم قامَ فلَمْ يَزَلْ قائِماً حتّى صَلّى الّذِينَ خَلْفَهُمْ ركْعَةً ثُم تَقَدّمُوا وَتأَخّرَ الّذِيْنَ كَانُوا قُدّامَهُمْ فَصَلّى بِهمْ النّبيّ صلى الله عليه وسلم ركْعَةً ثُم قَعَدَ حتى صَلّى الّذِينَ تَخَلّفُوا ركْعَةً ثم سَلّمَ.
__________
الشافعي أكره أن تكون الطائفة في صلاة الخوف أقل من ثلاثة فينبغي أن تكون الطائفة التي مع الإمام ثلاثة فأكثر والذين في وجه العدو كذلك، واستدل بقول الله تعالى {وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا} الآية، فأعاد على كل طائفة ضمير الجمع وأقل الجمع ثلاثة على المشهور، وخالف فيه بعض الأئمة كما سيجيء "ثم يسلم" : الإمام "بهم جميعاً" : أي بالطائفتين جميعاً كما هو ظاهر العبارة لكن حديث الباب لا يدل على ذلك "فصلى" : النبي صلى الله عليه وسلم "بالذين يلونه ركعة" : ولم يذكر عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه القاسم أن أهل الصف الأول الذين يلونه صلوا وأتموا لأنفسهم ركعة أخرى أم لا، لكن روى يحيى بن سعيد عن القاسم أنهم أتموا لأنفسهم الركعة الباقية، والمؤلف حمل هذا الحديث على ذلك المعنى المفسر ولذا قال في ترجمة الباب حتى يصلي الذين معه ركعة أخرى الخ "ثم قام" : النبي صلى الله عليه وسلم "فلم يزل قائماً" : لكي يفرغ أهل الصف الأول من الركعة الثانية ولأجل أن يصلي معه أهل الصف المؤخر ركعة بعد فراغ أهل الصف الأول "حتى صلى الذين خلفهم ركعة" : أي خلف أهل الصف الأول، وهذه غاية لقيام النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت صلاة الصف المؤخر معه صلى الله عليه وسلم بعد فراغ الصف المقدم ولذا فصل الكلام وقال "ثم تقدموا" : أي أهل الصف المؤخر للصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم "وتأخر الذين الذين كانوا قدامهم" : أي قدام الصف المؤخر، وكان تأخر ذلك الصف المقدم لأجل الحراسة وهم قد فرغوا من الصلاة "فصلى بهم" : أي بالصف المؤخر "ركعة" : واحدة "ثم قعد" : النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد "حتى صلى الذين تخلفوا" : عن الركعة الأولى وهم أهل الصف المؤخر "ركعة" : أخرى "ثم سلم" : النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الطائفة الثانية أو بالطائفتين جميعاً، وإليه جنح المؤلف، والظاهر هو الأول والله أعلم. قال المنذري: وفي رواية وثبت قائماً وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه مختصراً ومطولاً انتهى.

(4/77)


281 - باب من قال إذا صلى ركعة
وَثَبَتَ قَائِماً أَتَمّوا لأَنْفُسِهمْ ركْعةً ثم سَلّمُوا ثم انْصَرَفُوا فَكَانُوا وِجَاهَ الْعَدُوّ وَاخْتَلَفَ في السّلاَمِ.
1235 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن يَزِيدَ بنِ رُومَانَ عن صَالحِ بنِ خَوّاتٍ عَمّنْ صَلّى مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم يَوْمَ ذَاتِ الرّقَاعِ صلاةَ الْخَوْفِ: أَنّ طَائِفَةً صَفّتْ مَعَهُ وَطَائِفَةً وِجَاهَ الْعَدُوّ فَصَلّى بالّتِي مَعَهُ ركْعَةً ثم ثَبَتَ قائِماً وَأَتَمّوا لأَنْفُسِهمْ ثم انْصَرَفُوا وَصَفّوا وِجَاهَ الْعَدُوّ وَجَاءَتِ الطّائِفَةُ اْلأُخْرَى فَصَلّى بِهم الرّكْعةَ الّتِي بَقِيَتْ مِنْ صلاتِهِ ثم ثَبَتَ جَالِساً وَأَتَمّوا لأَنْفُسِهُمْ ثم سَلّمَ بِهمْ.
قال مَالِكٌ: وحديثُ يَزِيدَ بنِ رُومَانَ أَحَبّ مَا سَمِعْتُ إِلَيّ.
__________
باب من قال إذا صلى ركعة
الإمام "أتموا" : الذين يلون الإمام "لأنفسهم ركعة" : أخرى "ثم سلموا" : هؤلاء بعد الفراغ من الركعتين "واختلف" : الإمام والمأموم "في السلام" فلا يكون سلام بعض المأمومين مع الإمام.
"عن صالح بن خوات": بفتح الخاء المعجمة وشدة الواو تابعي ثقة، وأبوه صحابي جليل "عمن صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم" : قيل هو سهل بن أبي حثمة. قال الحافظ والراجح أنه أبوه خوات بن جبير كما جزم به النووي في تهذيبه وقال إنه محقق من رواية مسلم وغيره وذلك لأن أبا أويس رواه عن يزيد شيخ مالك فقال عن صالح عن أبيه أخرجه ابن منده، ويحتمل أن صالحاً سمعه من أبيه ومن سهل فأبهمه تارة وعينه أخرى لكن قوله "يوم ذات الرقاع" : يعين أن المبهم أبوه إذ ليس في رواية صالح عن سهل أنه صلاها مع النبي صلى الله عليه وسلم، ويؤيد أن سهلا لم يكن في سن من يخرج في تلك الغزوة لصغره، لكن لا يلزم أن لا يرويها فروايته إياها مرسل صحابي، فبهذا يقوي تفسير الذي صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم بخوات. وسميت ذات الرقاع لأن أقدام المسلمين نقبت من الحفاء، فكانوا يلفون عليها الخرق "ثم ثبت" : حال كونه "قائماً وأتموا" : أي الذين صلى بهم الركعة "لأنفسهم" : ركعة أخرى "الطائفة الأخرى" : التي كانت وجاه العدو "ثم ثبت جالساً" : لم يخرج من صلاته "ثم سلم" : النبي صلى الله عليه وسلم "بهم" : بالطائفة الأخرى.
وأما الاختلاف في السلام مع الإمام والمأموم فكان مع الطائفة الأولى فقط فإنهم أتموا

(4/78)


1236 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عن الْقَاسِمِ بنِ مُحمّدٍ عن صَالِحٍ ابنِ خَوّاتٍ الأَنْصَارِيّ أَنّ سَهْلَ بنَ أبي حَثْمَةَ الأَنْصَارِيّ حَدّثَهُ: أَنّ صلاةَ الْخَوْفِ أَنْ يَقُومَ اْلإمَامُ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَطَائِفَةٌ مُواجِهَةَ الْعَدُوّ، فَيَرْكَعَ اْلإِمَامُ رَكْعةً وَيَسْجُدَ بالّذِينَ مَعَهُ ثم يَقُومَ، فإِذا اسْتَوَى قائِماً ثَبَتَ وَأَتَمّوا لأَنْفُسِهُمْ الرّكْعةَ الْبَاقِيةَ ثم سَلّمُوا وَانْصَرَفُوا وَالإِمَامُ قَائمٌ، فَكَانُوا وِجَاهَ الْعَدُوّ، ثم يُقْبِلُ الآخرون الّذِينَ لم يُصَلّوا فَيُكَبّرُوا وَرَاءَ الإِمَامِ فَيَرْكَعُ بِهمْ وَيَسْجُدُ بِهمْ ثُم يُسَلّمُ فَيَقُومُون فَيرْكَعُون لأَنْفُسِهمْ الرّكْعةَ الْبَاقِيةَ ثم يُسَلّمُونَ.
قال أَبُو دَاوُد: وَأَمّا رِوَايَةُ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عن الْقَاسِمِ نَحْوَ رِوَايَةِ يَزِيدَ بنِ رُومَانَ إِلاّ أَنّهُ خَالَفَهُ في السّلاَمِ، وَرِوَايَةُ عبيد الله نَحْوَ رِوَايَةِ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ قال قال: وَيَثْبُتُ قَائِماً.
__________
لأنفسهم بالسلام والطائفة الثانية سلموا مع الإمام. وأما في الرواية الآتية فالاختلاف للطائفتين مع الإمام في السلام، ويشبه أن يكون هذا الاختلاف مراد المؤلف بقوله واختلف في السلام في ترجمة الباب قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي. وقال الخطابي: وإلى هذا الحديث ذهب مالك والشافعي إذا كان العدو من ورائهم، وأما أصحاب الرأي فإنهم ذهبوا إلى حديث ابن عمر انتهى "قال مالك وحديث يزيد بن رومان أحب ما سمعت إلي": هذا في رواية القعنبي عن مالك، وأما في رواية يحيى بن يحيى الليثي في الموطأ عن مالك. فقال: قال مالك وحديث القاسم بن محمد عن صالح بن خوات أحب ما سمعت إلي في صلاة الخوف انتهى.
"يحيى بن سعيد": هو الأنصاري كما في رواية ابن ماجه "أن يقوم الإمام": مستقبل القبلة كما عند ابن ماجه "مواجهة العدو": وعند ابن ماجه وطائفة من قبل العدو ووجوههم إلى الصف "ثم يسلمون": وفي الطريق الأولى أنه صلى الله عليه وسلم ثبت جالساً وأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم، وفي الطريق الثانية أن الإمام لا ينتظر المأموم وأن المأموم إنما يقضي بعد سلام الإمام. قال ابن ماجه بعد أن روى حديث يحيى بن سعيد الأنصاري قال محمد بن بشار فسألت يحيى بن سعيد القطان عن هذا الحديث فحدثني عن شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن صالح بن خوات عن سهل بن أبي حثمة عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل حديث يحيى بن سعيد "إلا أنه خالفه في السلام": ففي رواية يحيى الأنصاري يسلم الإمام قبل إتمام الطائفة الثانية صلاتهم، وفي رواية يزيد بن رومان يسلم الإمام بالطائفة الثانية بعد انتظار إتمامها جلوساً "ورواية عبيد الله": بن معاذ

(4/79)


__________
العنبري المتقدمة "نحو رواية يحيى بن سعيد": الأنصاري "قال": يحيى بن سعيد "قال": القاسم "ويثبت قائماً": هذه الجملة أي قوله رواية عبيد الله نحو رواية يحيى الخ تحتمل معنيين الأول أنه رواية عبيد الله من طريق شعبة عن عبد الرحمن عن القاسم نحو رواية يحيى الأنصاري عن القاسم، لكن رواية عبد الرحمن فيها اختصار وهو عدم الذكر لإتمام الطائفة الأولى ركعتهم الأخرى وانتظار الإمام لهم قائماً، لكن رواية يحيى الأنصاري مشتملة على هذه الزيادة، فتحمل رواية عبد الرحمن على رواية يحيى. والثاني أن رواية عبيد الله أيضاً نحو رواية يحيى بن سعيد أي بذكر هذه الزيادة وهو ذكر إتمام الطائفة الأولى ركعتهم الآخرة المعبر بقوله ويثبت قائماً لكن لم يسق المؤلف رواية عبيد الله هذه ويشبه أن يكون الحافظ المنذري فهم هذا المعنى ولذا قال تحت عبيد الله بن معاذ وفي رواية وثبت قائماً انتهى والله أعلم.

(4/80)


282 - باب من قال يكبرون جميعا
وَإِنْ كَانُوا مُسْتَدْبِرِينَ[مستدبري] الْقِبْلَةِ ثُم يُصَلّي بِمَنْ مَعَهُ ركْعةً ثم يَأْتُونَ مَصَافّ أَصْحَابِهمْ وَيَجِيءُ الآخرون فَيْركَعُونَ لأَنْفُسِهمْ ركْعةً ثم يُصَلّي بِهمْ ركْعَةً ثم تُقْبِلُ الطّائِفَةُ التي كَانَتْ تُقَابِلُ[مقابل] الْعَدُوّ فَيُصَلّونَ لأَنْفُسِهمْ ركْعةً وَالإِمَامُ قاعِدٌ ثم يُسَلّمُ بِهمْ كُلّهمْ.
1237 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ أخبرنا أَبُو عبد الرحمن المُقْرِىءُ أخبرنا حَيْوَةُ وَ ابنُ لَهِيعَةَ قالا أخبرنا[أنبأنا] أَبُو اْلأَسْوَدِ أَنّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ بنَ الزّبَيْرِ يُحَدّثُ عن مَرْوَانَ بنِ الْحَكَمِ أَنّهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ: هَلْ صَلّيْتَ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم صلاةَ الْخَوْفِ؟ قال أَبُو هُرَيْرَةَ: نَعَمْ. فقال مَرْوَانُ: مَتَى؟ قال أَبُو هُرَيْرَةَ: عَامَ غَزْوَةِ نَجْدٍ قَامَ
__________
باب من قال يكبرون جميعا إلخ
"أبو الأسود": هو محمد بن عبد الرحمن الأسدي كما عند الطحاوي "عام غزوة نجد" : قال ابن القيم: غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه غزوة ذات الرقاع وهي غزوة نجد فلقي جمعاً من غطفان فتوافقوا ولم يكن بينهم قتال إلا أنه صلى بهم يومئذ صلاة الخوف انتهى. والنجد اسم لكل ما ارتفع من بلاد العرب من تهامة إلى العراق. قال الأبهري والمراد هنا نجد الحجاز لا نجد اليمن قال العيني قال الحاكم في الإكليل حين ذكر غزوة الرقاع وقد تسمى هذه الغزوة غزوة محارب، ويقال غزوة خصفة، ويقال غزوة ثعلبة، ويقال غطفان، والذي صح أنه صلى

(4/80)


رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى صَلاةِ الْعَصْرِ فَقَامَتْ مَعَهُ طَائِفةٌ وَطَائِفَةٌ أُخْرَى مُقَابِلَ الْعَدُوّ وَظُهُورُهُمْ إلى الْقِبْلَةِ، فكَبّرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فكَبّرُوا جَمِيعاً الذينَ مَعَهُ وَالذين مُقَابِلى[مقابلو] الْعَدُوّ، ثم ركع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة واحدة وركعت الطائفة التي معه ثم سجد فسجدت الطائفة التي تليه والآخرون قيام مقابل العدو، ثم قامَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وقامَتِ الطّائِفَةُ التي مَعَهُ فَذَهَبُوا إلى الْعَدُوّ فَقَابَلُوهُمْ، وَأَقْبَلَتِ الطّائِفَةُ التي كَانَتْ مُقَابِلي[مقابلو] الْعَدُوّ فَرَكَعُوا وَسَجَدُوا ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم قائِمٌ كما هُوَ ثم قامُوا فَرَكَعَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ركْعةً أُخْرَى وَرَكَعُوا مَعَهُ وَسَجَدَ وَسَجَدُوا مَعَهُ، ثم أَقْبَلَتِ الطّائِفَةُ التي كَانَتْ مُقَابِلي الْعَدُوّ فَرَكَعُوا وَسَجَدُوا ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم قَاعِدٌ وَمَنْ كَان مَعَهُ ثم كَان السّلاَمُ فَسلّمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وَسَلّمُوا جَمِيعاً، فَكَان لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم ركْعَتَيْنِ[ركعتان] وِلكُلّ رَجُلٍ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ ركْعَةً ركْعَةً.
1238 - حدثنا مُحمّدُ بنُ عَمْرِو الرّازِيّ أخبرنا سَلَمَةُ حدثني مُحمّدُ بنُ إِسْحَاقَ عن مُحمّدِ بنِ جَعْفَرَ بنِ الزّبَيْرِ وَ مُحمّدِ بنِ الأَسْوَدِ عن عُرْوَةَ بنِ الزّبَيْرِ عن أَبي هُرَيْرَةَ قال: خَرَجْنَا مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إلى نَجْدٍ حتّى إذا كُنّا بِذَاتِ الرّقاعِ مِنْ نَخْلٍ لَقِيَ
__________
بها صلاة الخوف من الغزوات ذات الرقاع وذو قرد وعسفان وغزوة الطائف وليس بعد غزوة الطائف إلا تبوك، وليس فيها لقاء العدو، والظاهر أن غزوة نجد مرتان والذي شهدها أبو موسى وأبو هريرة هي غزوة نجد الثانية لصحة حديثهما في شهودها انتهى "ركعة ركعة" : أي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والحديث فيه أن من صفة صلاة الخوف أن تدخل الطائفتان مع الإمام في الصلاة جميعاً ثم تقوم إحدى الطائفتين بإزاء العدو وتصلي معه إحدى الطائفتين ركعة ثم يذهبون فيقومون في وجاه العدو، ثم تأتي الطائفة الأخرى فتصلي لنفسها ركعة والإمام قائم ثم يصلي بهم الركعة التي بقيت معه ثم تأتي الطائفة القائمة في وجاه العدو فيصلون لأنفسهم ركعة والإمام قاعد ثم يسلم الإمام ويسلمون جميعاً. قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"عن محمد بن جعفر": وفي رواية الطحاوي من طريق يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق قال حدثني محمد بن جعفر "إذا كنا بذات الرقاع" : بكسر الراء. قال في مراصد الاطلاع: ذات الرقاع به غزوة للنبي صلى الله عليه وسلم، قيل: هي اسم شجرة في ذلك الموضع. وقيل جبل،

(4/81)


جَمْعاً مِنْ غَطْفَانَ، فَذَكَرَ مَعْنَاهُ، وَلَفْظُهُ عَلَى غَيْرِ لَفْظِ حَيْوَةَ. وقال فيه: حِينَ ركَعَ بِمَنْ مَعَهُ وَسَجَدَ قال فَلمّا قَامُوا مَشَوُا الْقَهْقَرَى إلى مَصَافّ أَصْحَابِهمْ ولم يَذْكُرِ اسْتِدْبَارَ الْقِبْلَةِ.
قال أَبُو دَاوُد: وأَمّا عُبَيْدُ الله بنُ سَعْدٍ فحدّثنا قال حدثني عَمّي أخبرنا أبي عن ابنِ إِسْحَاقَ حدثني مُحمّدُ بنُ جَعْفَرِ بنِ الزّبَيْرِ أَنّ عُرْوَةَ بنَ الزّبَيْرِ حَدّثَهُ أَنّ عَائشةَ حَدّثَتْهُ بهذه القِصّةِ قالت: كَبّرَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وكَبّرَتِ الطّائِفَةُ الذينَ صَفّوا مَعَهُ، ثم ركَعَ
__________
والأصح أنها موضع انتهى. وقال النووي: هي غزوة معروفة كانت سنة خمس من الهجرة بأرض غطفان من نجد سميت ذات الرقاع، لأن أقدام المسلمين نقبت من الحفاء كما تقدم، وقيل سميت لشجرة هناك، ويحتمل أن هذه الأمور كلها وجدت فيها انتهى "من نخل" : بفتح النون وسكون الخاء وآخره اللام جمع نخلة منزل من منازل بني ثعلبة من المدينة على مرحلتين، وقيل: موضع بنجد من أرض غطفان وهو موضع في طرف الشام من ناحية مصر كذا في المراصد "فذكر": أي محمد بن إسحاق "معناه": أي معنى حديث حيوة "ولفظه": أي لفظ محمد بن إسحاق "مشوا القهقرى" : أي على أعقابهم. وتمام الحديث عند الطحاوي من هذا الوجه ولفظه "صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف فصدع الناس صدعين فصلت طائفة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وطائفة تجاه العدو، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن خلفه ركعة وسجد بهم سجدتين ثم قام وقاموا معه، فلما استووا قياماً رجع الذين خلفه وراءهم القهقرى فقاموا وراء الذين بإزاء العدو وجاء الآخرون فقاموا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلوا لأنفسهم ركعة رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم ثم قاموا فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم أخرى فكانت لهم ولرسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتان وجاء الذين بازاء العدو فصلوا لأنفسهم ركعة وسجدتين ثم جلسوا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم بهم جميعاً" قال البيهقي في المعرفة: وقد روي عن عروة بن الزبير عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف وفيها أن الطائفة الثانية قضت الركعة الأولى عند مجيئها ثم صلت الأخرى مع الإمام ثم قضت الطائفة الأولى الركعة الثانية ثم كان السلام. وقال في حديثه إن ذلك كان من النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة نخل. وروى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوة خلاف فصارت الراويتان متعارضتين ورجح البخاري ومسلم إسناد حديث ابن عمر فأخرجاه في الصحيح دون حديث أبي هريرة، وقد قيل فيه عن عروة عن عائشة انتهى. قلت: كذا قال البيهقي وسيجيء بعض البيان في آخر كتاب الخوف.
"وكبرت الطائفة الذي صفوا" : وهم الطائفة الأولى "جالساً" : أي بين السجدتين

(4/82)


فَرَكَعُوا، ثم سَجَدَ فَسَجَدُوا ثم رَفَعَ فَرَفَعُوا، ثم مَكَثَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم جَالِساً ثم سَجَدُوا هُمْ لأَنْفُسِهمْ الثّانِيةَ ثم قَامُوا فَنَكَصُوا عَلَى أَعْقَابِهمْ يَمْشُونَ الْقَهْقَرَى حتى قَامُوا مِنْ وَرَائِهمْ، وجَاءَتِ الطّائِفَةُ الأُخْرَى فَقامُوا فكَبّرُوا، ثم ركَعُوا لأِنْفُسِهمْ، ثم سَجَدَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فَسَجَدُوا مَعَهُ، ثم قَامَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وَسَجَدُوا لأَنْفُسِهمْ الثّانِيةَ، ثُم قَامَتِ الطّائِفَتَانِ جَمِيعاً فَصَلّوا مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فَرَكَعَ فَرَكَعُوا، ثُم سَجَدَ فَسَجَدُوا جَمِيعاً، ثُم عَادَ فَسَجَدَ الثّانِيَةَ وَسَجَدُوا مَعَهُ سَرِيعاً كأسْرَعِ اْلأَسْرَاعِ جَاهِداً لا يَأْلُونَ سِرَاعاً، ثُم سَلّمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وَسَلّمُوا[فسلموا] فَقَامَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وقَدْ شَارَكَهُ النّاسُ في الصّلاَةِ كُلّهَا.
__________
"فنكصوا" : رجعوا "حتى قاموا من ورائهم" : ولفظ الطحاوي من طريق أبي هريرة فقاموا وراء الذين بإزاء العدو "فسجدوا معه" : السجدة الأولى "ثم سجد" : النبي صلى الله عليه وسلم السجدة الأولى "وسجدوا" : كلهم أجمعون "معه" : السجدة الثانية "كأسرع الأسراع" : أسرع على وزن أفعل صيغة المبالغة، وأسراع بفتح الهمزة صيغة جمع "جاهداً" : أي مجتهداً في السرعة "لا يألون" : أي لا يقصرون "سراعاً" : بكسر السين، والمعنى أن الجماعة كلها قد بالغت في السرعة لإتمام السجدة الثانية. قلت: رواية حيوة ومحمد بن إسحاق ليس بينهما تعارض إلا أن محمد بن إسحاق وحده ذكر في روايته جعة القهقرى ولم يذكر استدبار القبلة، فالروايتان في جملة الهيئات مساويتان. وأما رواية عائشة فتنبغي أن تكون صفة ثانية من صفات غير الصفة التي في حديث أبي هريرة لمخالفتها في هيئات كثيرة والله أعلم.

(4/83)


عن ابنِ عُمَرَ: أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم صَلّى بإِحْدَى الطّائِفَتَيْنِ ركْعَةً والطّائِفةُ اْلأُخْرَى مُوَاجِهَةُ الْعَدُوّ ثُمّ انْصَرَفُوا فَقَامُوا في مَقَامِ أُولَئِكَ وَجَاؤُوا أُوْلَئِكَ فَصَلّى بِهمْ ركْعةً أُخْرَى ثُم سَلّمَ عَلَيْهِمْ، ثُم قامَ هَؤُلاَءِ فَقَضَوْا ركْعَتَهُمْ وقامَ هَؤلاءِ فَقَضَوا ركْعَتَهُمْ.
قال أَبُو دَاوُد: وكَذَلِكَ رَوَاهُ نَافِعٌ وخَالِدُ بنُ مَعْدَانَ عن ابنِ عُمَرَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وكذلك قَوْلُ مَسْرُوقٍ ويُوسُفَ بنِ مِهْرَانَ عن ابنِ عَبّاسٍ، وكذلك رَوَى يُونُسُ عن الْحَسَنِ عن أبي مُوسَى أَنّهُ فَعَلَهُ.
__________
مسعود كان قضائهم متفرقاً على صفة صلاتهم انتهى. فلعل المؤلف أراد هذا الفرق بين البابين والله أعلم.
"صلى بإحدى الطائفتين" : ولفظ البخاري من طريق شعيب عن الزهري بلفظ "غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل نجد فوازينا العدو" فذكر الحديث. واستدل بقوله طائفة على أنه لا يشترط استواء الفريقين في العدد لكن لا بد أن تكون التي تحرس تحصل القوة والثقة بها في ذلك. قال الحافظ: والطائفة تطلق على القليل والكثير حتى على الواحد، فلو كانوا ثلاثة ووقع لهم الخوف جاز لأحدهم أن يصلي بواحد ويحرس واحد ثم يصلي الأخر وهو أقل ما يتصور في صلاة الخوف جماعة انتهى. والحديث فيه أن من صفة صلاة الخوف أن يصلي الإمام بطائفة من الجيش ركعة والطائفة الأخرى قائمة تجاه العدو، ثم تنصرف الطائفة التي صلت معه الركعة وتقوم تجاه العدو وتأتي الطائفة الأخرى فتصلي معه ركعة ثم تقضي كل طائفة لنفسها ركعة. قال الحافظ في الفتح: وظاهر قوله ثم قام هؤلاء فقضوا ركعتهم وقام هؤلاء فقضوا ركعتهم أنهم أتموا في حالة واحدة، ويحتمل أنهم أتموا على التعاقب. قال وهو الراجح من حيث المعنى وإلا فيستلزم تضييع الحراسة المطلوبة وإفراد الإمام وحده، ويرجحه حديث ابن مسعود الآتي انتهى مختصراً. قال النووي: وبحديث ابن عمر أخذ الأوزاعي والأشهب المالكي وهو جائز عند الشافعي، ثم قيل إن الطائفتين قضوا ركعتهم الباقية معاً وقيل متفرقين وهو الصحيح، وبحديث ابن أبي حثمة أخذ مالك والشافعي وأبو ثور وغيرهم انتهى وقد رجح ابن عبدالبر هذه الكيفية الواردة في حديث ابن عمر على غيرها لقوة الإسناد. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي "وكذلك رواه نافع": حديث نافع عند مسلم والنسائي وابن أبي شيبة والطحاوي والدارقطني "وكذلك قول مسروق": أخرجه ابن أبي شيبة بلفظ حدثنا غندر عن شعبة عن مغيرة عن الشعبي عن مسروق أنه قال صلاة الخوف يقوم الإمام ويصفون خلفه

(4/84)


__________
صفين ثم يركع الإمام فيركع الذين يلونه ثم يسجد بالذين يلونه فإذا قام تأخر هؤلاء الذين يلونه وجاء الآخرون فقاموا مقامهم فركع بهم وسجد بهم والآخرون قيام ثم يقومون فيقضون ركعة ركعة، فيكون للإمام ركعتان في جماعة ويكون للقوم ركعة ركعة في جماعة ويقضون الركعة الثانية "و": كذلك روى "يوسف بن مهران عن ابن عباس": قال ابن أبي شيبة حدثنا غندر عن شعبة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران.
عن ابن عباس مثل ذلك أي مثل قول مسروق "وكذلك روى يونس عن الحسن الخ": قال ابن أبي شيبة حدثنا عبد الأعلى عن يونس عن الحسن أن أبا موسى صلى بأصحابه بأصبهان فصلت طائفة منهم معه وطائفة مواجهة العدو فصلى بهم ركعة ثم نكصوا وأقبل الآخرون يتخللونهم فصلى بهم ركعة ثم سلم وقامت الطائفتان فصلتا ركعة.

(4/85)


باب من قال يصلي بكل طائفة ركعة ثم يسلم ...إلخ
...
284 - باب من قال يصلي بكل طائفة ركعة ثم يسلم
فيقوم الذين خلفه فيصلون ركعة ثم يجيء
الآخرون إلى مقام هؤلاء فيصلون ركعة
1240 - حدثنا عِمْرانُ بنُ مَيْسَرةَ أخبرنا ابنُ فُضَيْلٍ أخبرنا خُصَيْفٌ عن أبي عُبَيْدَةَ عن عبد الله بنِ مَسْعُودٍ قال: صَلّى بِنَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم صلاةَ الْخَوْفِ، فَقَامُوا صَفّا[صفين صف] خَلْفَ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وصَفّ مُسْتَقْبِلَ[مستقبلي] الْعَدُوّ، فَصَلّى بِهمْ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ركْعةً، ثُم جَاء الآخرون فَقَامُوا مَقَامَهُمْ وَاسْتَقْبَلَ هؤلاء الْعَدُوّ فَصَلّى بِهم النّبيّ صلى الله عليه وسلم ركْعةً ثُم سَلّمَ فَقَامَ هَؤُلاَءِ فَصَلّوا لأَنْفُسِهمْ ركْعَةً ثُم سَلّمُوا ثُم ذَهَبُوا فَقَامُوا مَقَامَ أُولَئِكَ مُسْتَقْبِلي الْعَدُوّ وَرَجَعَ أُولَئِكَ إلى مَقَامِهم فَصَلّوا لأَنْفُسِهم ركْعةً ثُم سَلّمُوا.
__________
باب من قال يصلي الخ
"أخبرنا خصيف": هو ابن عبد الرحمن الحضرمي بكسر المعجمة الأولى ضعفه أحمد، وقال البيهقي ليس بالقوى، ووثقه ابن معين وأبو زرعة، وقال النسائي صالح "عن أبي عبيدة": هو ابن مسعود اسمه عامر. قال عمرو بن مرة سألته هل تذكر عن عبد الله شيئاً؟ قال لا، يعني لم يسمع من أبيه. كذا قال الترمذي والبيهقي، لكن قال العيني قال أبو داوود كان أبو عبيدة يوم مات أبوه ابن سبع سنين مميز وابن سبع سنين يحتمل السماع انتهى. "ثم سلم" : النبي صلى الله عليه وسلم "فقام هؤلاء" : أي الطائفة الثانية "ثم سلموا" : قال الحافظ: وظاهره أن الطائفة الثانية والت بين ركعتيها ثم أتمت الطائفة الأولى بعدها.

(4/85)


1241 - حدثنا تَمِيمُ بنُ المُنْتَصِرِ أخبرنا[أنبأنا] إِسْحَاقُ - يَعْنى ابنَ يُوسُف - عن شَرِيكٍ عن خُصَيْفٍ بإِسْنَادِهِ ومَعْنَاهُ قال: فكَبّرَ نَبيّ الله صلى الله عليه وسلم فكَبّرَ الصّفّانِ جَمِيعاً.
قال أَبُو دَاوُد: رَوَاهُ الثّوْرِيّ بهذا المَعنَى عن خُصَيْفٍ: وصَلّى عبد الرحمن بنُ سَمُرَةَ هَكذا إِلاّ أَنّ الطّائِفةَ الّتي صَلّى بِهم ركْعةً ثُم سَلّمَ مَضَوْا إِلى مَقَامِ أَصحابِهم وَجَاءَ هَؤُلاَء فَصَلّوا لأَنْفُسِهم ركْعةً ثُم رَجَعُوا إلى مَقَامِ أُولَئِكَ فَصَلّوا لأَنْفُسِهم ركْعةً.
قال أَبُو دَاوُد: حدثنا بِذَلِكَ مُسْلِمُ بنُ إِبراهِيمَ أخبرنا عَبْدُ الصّمَدِ بنُ حَبِيبٍ أخبرني[حدثني] أبي أَنّهُمْ غَزَوْا مع عبد الرحمن بنِ سَمُرَةَ كابُلَ فَصَلّى بِنَا صلاةَ الْخَوفِ.
__________
"رواه الثوري بهذا المعنى": أخرج الطحاوي من طريق قبيصة ومؤمل قالا حدثنا سفيان عن خصيف عن أبي عبيدة عن عبد الله قال "صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف في بعض أيامه فصف صفاً خلفه وصفاً موازي العدو وكلهم في صلاة، فصلى بهم ركعة ثم ذهب هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، وجاء هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، فصلى بهم ركعة ثم قضوا ركعة ركعة، ثم ذهب هؤلاء إلى مصاف هؤلاء وجاء هؤلاء إلى مصاف هؤلاء فقضوا ركعة" انتهى. ومراد المؤلف أن في رواية شريك عن خصيف فكبر الصفان جميعاً، وليست هذه الجملة في رواية محمد بن فضيل عن خصيف لكن رواه الثوري بمعنى رواية شريك فقال الثوري في روايته وكلهم في صلاة كما سلف "وصلى عبد الرحمن بن سمرة": صحابي أسلم يوم الفتح وافتتح سجستان وكابل "هكذا": أي كما ذكر في حديث ابن مسعود "إلا أن الطائفة التي صلى بهم ركعة": وهي الطائفة الثانية التي دخلت مع الإمام في الركعة الثانية "ثم سلم": الإمام بعد فراغه من الركعتين "مضوا": خبر إن "وجاء هؤلاء": وهي الطائفة الأولى التي صلت مع الإمام الركعة الأولى "ثم رجعوا": أي الطائفة الأولى "إلى مقام أولئك": أي الطائفة الثانية "فصلوا": أي الطائفة الثانية ركعتهم الباقية. والفرق بين رواية ابن مسعود وأثر عبد الرحمن بن سمرة أن في حديث ابن مسعود أن الطائفة الثانية والت بين ركعتيها ثم أتمت الطائفة الأولى بعدها، وفي فعل عبد الرحمن أن الطائفة الثانية أتمت ركعتهم الباقية بعد إتمام الطائفة الأولى ركعتهم الثانية والله أعلم "أخبرني أبي": هو حبيب بن عبد الله الأردي "كابل": بضم الباء الموحدة ويقال كابلستان وهي بين الهند وسجستان في ظهر الغور وبه زعفران وعود وأهليلج كذا في المراصد.

(4/86)


285 - باب من قال يصلي بكل طائفة ركعة ولا يقضون
1242 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عن سُفْيَانَ حدثني الأَشْعَثُ بنُ سُلَيْمٍ عن الأَسْوَدِ بنِ هِلاَلٍ عن ثَعْلَبَةَ بنِ زَهْدَمٍ قال: كُنّا مع سَعِيدِ بنِ الْعَاصِ بِطَبَرِسْتَانَ فَقَامَ فقال: أَيّكُم صَلّى مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم صلاةَ الْخَوْفِ؟ فقال حُذَيْفَةُ: أَنَا، فَصَلّى بِهَؤُلاَءِ ركْعةً وبِهَؤُلاَءِ ركْعةً، ولم يَقْضُوا.
قال أَبُو دَاوُد: وكَذَا رَوَاهُ عبيد الله بنُ عبد الله ومُجَاهِدٌ عن ابنِ عَبّاسٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وَعَبْدُ الله بنُ شَقِيقٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم، ويَزِيدُ الْفَقِيرُ وَأَبُو مُوسَى.
__________
باب من قال يصلي
الإمام "ولا يقضون": من خلفه ركعة أخرى.
"بطبرستان" : بفتح أوله وثانية وكسر الراء بلاد واسعة ومدن كثيرة يشتملها هذا الاسم يغلب عليها الجبال وهي تسمي بمازندران كذا في المراصد "ولم يقضوا" : والحديث سكت عنه المؤلف والمنذري ورجال إسناده رجال الصحيح. وفيه دليل على أن من صفة صلاة الخوف الاقتصار على ركعة لكل طائفة. قال الحافظ: وبالاقتصار على ركعة واحدة في الخوف يقول الثوري وإسحاق ومن تبعهما وقال به أبو هريرة وأبو موسى الأشعري وغير واحد من التابعين، ومنهم من قيد بشدة الخوف. وقال الجمهور قصر الخوف قصر هيئة لا قصر عدد، وتأولوا هذا الحديث وأشباهه بأن المراد بها ركعة مع الإمام وليس فيها نفي الثانية، وأجيب بأن قوله ولم يقضوا وكذا بعض الروايات الآتية يرد ذلك والله أعلم "وكذا رواه عبيد الله بن عبد الله": عن ابن عباس وحديثه عند النسائي من طريق يحيى بن سعيد عن سفيان قال حدثني أبو بكر بن أبي الجهم عن عبيد الله بن عبد الله فذكر الحديث وفيه ولم يقضوا، وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق وكيع قال حدثنا سفيان عن أبي بكر بن أبي الجهم نحوه ولم يذكر فيه هذه الجملة أي ولم يقضوا "ومجاهد عن ابن عباس": وسيجيء هذا الحديث "و": كذا رواه "عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة": وحديثه عند النسائي بلفظ "تكون لهم مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعة ركعة وللنبي صلى الله عليه وسلم ركعتان" "ويزيد الفقير": حديث يزيد من طريق عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي عنه عن جابر مرفوعاً

(4/87)


قال أَبُو دَاوُد: رَجُلٌ مِنَ التّابِعِينَ لَيْسَ باْلأَشْعَرِيّ جَمِيعاً عن جَابِرٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم. وقد قال بَعَضُهم عن شُعْبَةَ في حديثِ يَزيدَ الْفَقِيرِ أَنّهُمْ قَضَوْا ركْعَةً أُخْرَى. وكَذلك رَوَاهُ سِمَاكٌ الْحَنَفِيّ عن ابنِ عُمَرَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم. وكَذلك رَوَاهُ زَيْدُ بن ثابِتٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: فَكَانَتْ لِلْقَوْمِ ركْعةً وللنّبيّ عَلَيْهِ السّلاَمُ ركْعَتَيْنِ.
1243 - حدثنا مُسَدّدٌ وَسَعِيدٌ بنُ مَنْصُورٍ قالا أخبرنا أَبُو عَوانَةَ عن بُكَيْرٍ بنِ اْلأَخْنَسِ عن مُجَاهِدٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: فَرَضَ الله عز وجل الصّلاَةَ عَلَى لِسَانِ نِبِيّكُم صلى الله عليه وسلم، في الْحَضَرِ أَرْبَعاً، وفي السّفَرِ ركْعَتَيْنِ، وفي الْخَوْفِ ركْعةً.
__________
عند النسائي بلفظ "فصلى بالذين خلفه ركعة وسجد بهم سجدتين ثم إنهم انطلقوا وجاءت تلك الطائفة فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة وسجد بهم سجدتين، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم فسلم الذين خلفه وسلم أولئك" انتهى مختصراً. وأخرج ابن أبي شيبة من طريق وكيع حدثنا المسعودي ومسعر عن يزيد الفقير عن جابر بن عبد الله قال صلاة الخوف ركعة ركعة "وقد قال بعضهم عن شعبة": عن الحكم عن يزيد الفقير "أنهم قضوا ركعة أخرى": أخرج النسائي من طريق حجاج بن محمد عن شعبة عن الحكم عن يزيد الفقير عن جابر بن عبد الله بلفظ "فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم ركعتان ولهم ركعة" وكذا عند ابن أبي شيبة من طريق غندر عن شعبة نحوه، وليس عندهما هذا اللفظ أي أنهم قضوا ركعة أخرى "وكذلك": أي كما روى هؤلاء "رواه سماك الحنفي": هو سماك بن الوليد اليمامي ثم الكوفي "وكذلك رواه زيد بن ثابت": أخرجه النسائي عن زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل صلاة حذيفة. وأخرجه ابن أبي شيبة. وأخرج الطحاوي بلفظ "صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف فصف صفاً خلفه وصفاً موازي العدو فصلى بهم ركعة ثم ذهب هؤلاء إلى مصاف هؤلاء وجاء هؤلاء إلى مصاف هؤلاء فصلى بهم ركعة ثم سلم عليهم" وفي لفظ له "فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم ركعتان ولكل طائفة ركعة ركعة" .
"بكير بن الأخنس": الكوفي روى عنه أشعث والأعمش وأبو عوانة. قال ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي ثقة وأخرج له مسلم "وفي الخوف ركعة": قال النووي: هذا الحديث قد عمل بظاهره طائفة من السلف منهم الحسن البصري والضحاك وإسحاق بن راهويه، وقال الشافعي ومالك والجمهور إن صلاة الخوف كصلاة الأمن في عدد الركعات، فإن كانت في الحضر وجب أربع ركعات وإن كانت في السفر وجب ركعتان ولا يجوز الاقتصار على ركعة واحدة في حال من الأحوال، وتأولوا حديث ابن عباس هذا على أن المراد ركعة مع الإمام وركعة أخرى يأتي بها منفرداً كما جاءت

(4/88)


__________
الأحاديث الصحيحة في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الخوف، وهذا التأويل لا بد منه للجمع بين الأدلة انتهى. قال السندي: قلت لا منافاة بين وجوب واحدة والعمل باثنتين حتى يحتاج إلى التأويل للتوفيق لجواز أنهم عملوا بالأحب والأولى والله أعلم. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه.

(4/89)


286 - باب من قال يصلي بكل طائفة ركعتين
1244 - حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُعَاذٍ أخبرنا أبي أخبرنا الأَشْعَثُ عن الْحَسَنِ عن أبي بَكَرَةَ قال: صَلّى النّبيّ صلى الله عليه وسلم في خَوْفٍ الظّهْرَ، فَصَفّ بَعْضَهُمْ خَلْفَهُ وَبَعْضَهُمْ بإِزَاءِ الْعَدُوّ، فَصَلّى بِهم ركْعَتَيْنِ ثُمّ سَلّمَ، فَانْطَلَقَ الّذِينَ صَلّوا مَعَهُ فَوَقَفُوا مَوْقِفَ أَصْحابِهم، ثُمّ جَاءَ أُولَئِكَ فَصَلّوا خَلْفَهُ فَصَلّى بِهم ركْعَتَيْنِ ثُم سَلّمَ، فَكَانَتْ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم أَرْبَعَا ولأَصحابِهِ ركْعَتَيْنِ ركْعَتَيْنِ، وبِذَلِكَ كَان يُفْتِي الْحَسَنُ.
__________
باب من قال الخ
"فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم" : والحديث فيه دليل على أن من صفات صلاة الخوف أن يصلي
__________
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وحديث أبي بكرة هذا رواه الدارقطني عنه فقال فيه:
إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالقوم صلاة المغرب ثلاث ركعات ثم انصرف وجاء الآخرون فصلى بهم ثلاث ركعات وكان له ست ركعات وللقوم ثلاث ركعات قال ابن القطان وعندي أن الحديثين غير متصلين فإن أبا بكرة لم يصل معه صلاة الخوف لأنه بلا ريب أسلم في حصار الطائف فتدلى ببكرة من الحصن فسمي أبا بكرة وهذا كان بعد فراغه صلى الله عليه وسلم من هوازن ثم لم يلق صلى الله عليه وسلم كيدا إلى أن قبضه الله.
وهذا الذي قاله لا ريب فيه لكن مثل هذا ليس بعلة ولا انقطاع عند جميع أئمة الحديث والفقه فإن أبا بكرة وإن لم يشهد القصة فإنه سمعها من صحابي غيره وقد اتفقت الأمة على قبول رواية ابن عباس ونظرائه من الصحابة مع أن عامتها مرسلة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينازع في ذلك اثنان من السلف وأهل الحديث والفقهاء فالتعليل على هذا باطل والله أعلم.

(4/89)


قال أَبُو دَاوُد: وكَذلكَ في المَغْرِبِ يَكْونُ لِلإْمَامِ سِتّ ركَعَاتٍ وللقَوْمِ ثَلاَثاً. قال أَبُو دَاوُد: وكَذلكَ رَوَاهُ يَحْيَى بنُ أبي كَثِيرٍ عن أبي سَلَمَةَ عن جَابِرٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وكَذلكَ قال سُلَيْمانُ الْيَشْكَرِيّ عن جَابرٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
__________
الإمام بكل طائفة ركعتين فيكون مفترضاً في ركعتين ومتنفلاً في ركعتين. قال النووي: وبهذا قال الشافعي وحكوه عن الحسن، وادعى الطحاوي أنه منسوخ ولا تقبل دعواه إذ لا دليل لنسخه انتهى. وقال السندي: فيه اقتداء المفترض بالمتنقل قطعاً ولم أر لهم عنه جواباً شافياً انتهى "وكذلك في المغرب": وهو قياس صحيح والظاهر أنه من قول أبي داوود، ولكن أخرج البيهقي هذا الحديث من طريق أبي بكر محمد بن بكير عن أبي داوود عن عبيد الله بن معاذ نحوه سنداً ومتناً وفيه كذلك في المغرب إلى آخر القول ثم قال البيهقي وهذا أظنه من قول الأشعث. وأخرج الدارقطني من طريق عمر والبكراوي حدثنا أشعث عن الحسن عن أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالقوم صلاة المغرب ثلاث ركعات ثم انصرف وجاء الآخرون فصلى بهم ثلاث ركعات فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم ست ركعات وللقوم ثلاث ثلاث. قال البيهقي في المعرفة: ورواه عمر والبكراوي عن أشعث عن الحسن عن أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في المغرب وهو وهم والصحيح هو الأول أي قول أشعث "وكذلك رواه يحيى بن أبي كثير": يعني في غير المغرب وحديثه عند مسلم بلفظ "فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا فصلى بالطائفة الأخرى ركعتين" قال فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ركعات وللقوم ركعتان "وكذلك": أي كما رواه أبو سلمة عن جابر رواه سليمان اليشكري أيضاً، وهكذا روى الحسن عن جابر بن عبد الله، ففي حديث هؤلاء كلهم أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالقوم ركعتين ثم سلم ثم صلى بالقوم الآخرين ركعتين ثم سلم فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم أربع ركعات ولهؤلاء ركعتين ركعتين. قال المنذري: حديث أبي بكرة أخرجه النسائي انتهى.
ثم اعلم أنه قال الحافظ بن عبد البر في التمهيد روى في صلاة الخوف عن النبي صلى الله عليه وسلم وجوه كثيرة فذكر منها ستة أوجه، الأول ما دل عليه حديث ابن عمر قال به من الأئمة الأوزاعي وأشهب. قال العيني وقال به أبو حنيفة وأصحابه. قال ابن عبد البر الثاني حديث صالح بن خوات عن سهل بن أبي حثمة قال به مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور. الثالث حديث ابن مسعود قال به أبو حنيفة وأصحابه إلا أبا يوسف. الرابع حديث أبي عياش الزرقي قال به ابن أبي ليلى والثوري. الخامس حديث حذيفة قال به الثوري في مجيزه وهو المروي عن جماعة من الصحابة منهم حذيفة وابن عباس وزيد بن ثابت وجابر ابن عبد الله. السادس حديث أبي بكرة

(4/90)


__________
أنه صلى بكل طائفة ركعتين وكان الحسن البصري يفتي به، وقد حكى المزني عن الشافعي أنه لو صلى في الخوف بطائفة ركعتين ثم سلم فصلى بالطائفة الأخرى ركعتين ثم سلم كان جائزاً قال وهكذا صلى النبي صلى الله عليه وسلم ببطن نخل. قال ابن عبد البر وروى أن صلاته هكذا كانت يوم ذات الرقاع، وذكر أبو داوود في سننه لصلاة الخوف ثمانية صور وذكرها ابن حبان في صحيحه تسعة أنواع، وذكر القاضي عياض في الإكمال لصلاة الخوف ثلاثة عشر وجهاً، وذكر النووي أنها تبلغ ستة عشر وجهاً ولم يبين شيئاً من ذلك. وقال الحافظ العراقي في شرح الترمذي: قد جمعت طرق الأحاديث الواردة في صلاة الخوف فبلغت سبعة عشر وجهاً وبينها لكن يمكن التداخل في بعضها. وحكى ابن القصار المالكي أن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها عشر مرات وقال ابن العربي صلاها أربعاً وعشرين مرة وبين القاضي عياض تلك المواطن وأطال الكلام فيه. كذا في عمدة القاري مختصراً. وفي التخليص: رويت صلاة الخوف عن النبي صلى الله عليه وسلم على أربعة عشر نوعاً ذكرها ابن حزم في جزء مفرد وبعضها في صحيح مسلم ومعظمها في سنن أبي داوود. وذكر الحاكم منها ثمانية أنواع وابن حبان تسعة أنواع وقال ليس بينها تضاد ولكنه صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الخوف مراراً والمرء مباح له أن يصلي ما شاء عند الخوف من هذه الأنواع وهي من الاختلاف المباح. ونقل ابن الجوزي عن أحمد أنه قال ما أعلم في هذا الباب حديثاً إلا صحيحاً انتهى. هذا كله ملخصاً عن غاية المقصود.

(4/91)


287 - باب صلاة الطالب
1245 - حدثنا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ الله بنُ عَمْرٍو أخبرنا عَبْدُ الْوَارِثِ أخبرنا مُحمّدُ بنُ إِسْحَاقَ عن مُحمّدِ بنِ جَعْفَرٍ عن ابنِ عبد الله بنِ أُنَيْسٍ عن أَبِيهِ قال: بَعَثَنِي
__________
باب صلاة الطالب
"عن ابن عبد الله بن أنيس": قال المنذري: هذا هو عبد الله بن عبد الله بن أنيس جاء ذلك مبيناً من رواية محمد بن سلمة الحراني عن محمد بن إسحاق انتهى. والحديث سكت عنه أبو داوود والمنذري وحسن إسناده الحافظ في الفتح والحديث استدل به على جواز الصلاة عند شدة الخوف بالإيماء، وهذا الاستدلال صحيح لا شك فيه، لأن عبد الله بن أنيس فعل ذلك في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وذلك زمان نزول الوحي، ومحال أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يطلع عليه، وفعل الصحابي أيضاً حجة ما لم يعارضه حديث مرفوع. كذا في الغاية. قال ابن المنذر: كل من أحفظ عنه العلم يقول أن المطلوب يصلي على دابته يؤمى إيماء وإن كان طالباً نزل فصلى بالأرض. قال الشافعي إلا أن ينقطع عن أصحابه فيخاف عود المطلوب عليه فيجزئه ذلك،

(4/91)


رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى خَالِدِ بنِ سُفْيَانَ الْهُذَلِيّ - وكَان نَحْوَ عُرَنَةَ وَعَرَفَاتٍ - فقال: "اذْهَبْ فْاقْتُلْهُ". قال: فَرَأَيْتُهُ، وَحَضَرَتْ صلاةُ الْعَصْرِ فَقُلْتُ: إِنّي لأَخَافُ أَنْ يَكُونَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مَا إِنْ أُؤَخّرَ الصّلاَةَ، فَانْطَلَقْتُ أَمْشِي وَأَنَا أُصَلّي أُوْمِي إِيْمَاءً نَحْوَهُ، فَلمّا دَنَوْتُ مِنْهُ قال لِي: مَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ بَلَغَنِي أَنّكَ تَجْمَعُ لِهَذَا الرّجُلِ فَجِئْتُكَ في ذَاكَ. قال: إِنّي لَفِي ذَاكَ. فَمَشْيْتُ مَعَهُ سَاعَةً حتّى إذا أَمْكَنَنِي عَلُوْتُهُ بِسَيْفِي حتّى بَرَدَ.
__________
وعرف بهذا أن الطالب فيه التفصيل بخلاف المطلوب، ووجه الفرق أن شدة الخوف في المطلوب ظاهرة لتحقق السبب المقتضي لها، وأما الطالب فلا يخاف استيلاء العدو عليه وإنما يخاف أن يفوته العدو. قال في الفتح: وما نقله ابن المنذر متعقب بكلام الأوزاعي فإنه قيده بشدة الخوف ولم يستثن طالباً من مطلوب وبه قال ابن حبيب من المالكية، وذكر أبو إسحاق الفزاري في كتاب السنن له عن الأوزاعي أنه قال إذا خاف الطالبون إن نزلوا الأرض فوت العدو وصلوا حيث وجهوا على كل حال، والظاهر أن مرجع هذا الخلاف إلى الخوف المذكور في الآية، فمن قيده بالخوف على النفس والمال من العدو فرق بين الطالب والمطلوب، ومن جعله أعم من ذلك لم يفرق بينهما وجوز الصلاة المذكورة للراجل والراكب عند حصول أي خوف قاله في شرح المنتقي. وقال في عمدة القاري: ومذاهب الفقهاء في هذا الباب فعند أبي حنيفة إذا كان الرجل مطلوباً فلا بأس بصلاته سائراً وإن كان طالباً فلا، وقال مالك وجماعة من أصحابه هما سواء كل واحد منهما يصلي على دابته وقال الأوزاعي والشافعي في آخرين كقول أبي حنيفة وهو قول عطاء والحسن والثوري وأحمد وأبي ثور. وعن الشافعي إن خاف الطالب فوت المطلوب أومأ وإلا فلا انتهى "عرنة" : بضم العين وفتح الراء والنون واد بحذاء عرفات "فأقتله" : أي خالد بن سفيان "أن يكون بيني وبينه" : أي خالد "ما" : موصولة أي القتال والحرب أو الكيد والمكر "أن أوخر الصلاة" : ولفظ أحمد أن يكون بيني وبينه ما يؤخر الصلاة "نحوه" : أي نحو عرنة فكان الاستقبال إلى غير القبلة "قال": خالد "إنك تجمع" : العساكر "لهذا الرجل" : أي لقتاله يعني النبي صلى الله عليه وسلم "في ذاك" : الأمر. وهذا الكلام ذو المعنيين، ولقد صدق عبد الله بن أنيس فيما عنى به وما اطلع عدو الله خالد على هذه التورية "لفي ذاك" : أي في جمع العساكر "فمشيت معه ساعة" : لأجل التمكين والقدرة عليه "حتى إذا أمكنني" : أي سهل وتيسر لي أمر المخادعة "حتى برد" : أي مات.

(4/92)


باب تفريع أبواب التطوع وركعات السنة
1246 - حدثنا مُحمّدُ بنُ عِيسَى أخبرنا[أنبأنا] ابنُ عُلَيّةَ أخبرنا دَاوُدُ بنُ أبي هِنْدٍ حدثني النّعْمَانُ ابنُ سَالِمٍ عن عَمْرِو بنِ أَوْسٍ عن
عَنْبَسَةَ بنِ أبي سُفْيَانَ عن أُمّ حَبِيبَةَ قَالَتْ قَالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلّى في يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ ركْعةً تَطَوّعاً بُنِيَ لَهُ بِهنّ بَيْتٌ في الْجَنّةِ".
1247 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا هُشَيْمٌ أخبرنا خَالِدٌ ح. وحدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَزيدُ ابنُ زُرَيْعٍ أخبرنا خَالِدٌ المَعْنَى عن عبد الله بنِ شَقِيقٍ قال: سَأَلْتُ عَائشةَ عن صلاةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مِنَ التّطَوّعِ، فقالت: كَان يُصَلّي قَبْلَ الظّهْرِ أَرْبَعاً في بَيْتِي، ثُم يَخْرُجُ فَيُصَلّي بالنّاسِ، ثُمّ يَرْجِعُ إلى بَيْتِي فَيُصَلّي ركْعَتَيْنِ، وكَان يُصَلّي بالنّاسِ المَغْرِبَ ثُم يَرْجِعُ إلى بَيْتِي فَيُصَلّي ركْعَتَيْنِ، وكان يُصَلّي بِهم الْعِشَاءَ ثُمّ يَدْخُلُ بَيْتِي فَيُصَلّي ركْعَتَيْنِ، وكان يُصَلّي مِنَ اللّيْلِ تِسْعَ ركَعَاتٍ فيهِنّ الْوِتْرُ، وكان يُصَلّي لَيْلاً
__________
باب تفريع أبواب التطوع وركعات السنة
"عن أم حبيبة": وهي أخت معاوية زوجة النبي صلى الله عليه وسلم "ثنتي عشرة" : بسكون الشين وتكسر "ركعة" : بسكون الكاف، وإنما ذكر ذلك مع أنه من الواضحات لأنها على ألسنة كثير من العوام تجرى بفتحها لكون جمعها كذلك "بني له بهن بنات في الجنة" : مشتمل على أنواع من النعمة. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"كان يصلي قبل الظهر" : فيه استحباب النوافل الراتبة في البيت كما يستحب فيه غيرها وسواء فيه راتبة فرائض النهار والليل. وقال مالك والثوري: الأفضل فعل نوافل النهار الراتبة في المسجد وراتبة الليل في البيت. قلت: أخرج مسلم وغيره أنه صلى الله عليه وسلم صلى سنة الصبح والجمعة في بيته وهما صلاتا نهار مع قوله صلى الله عليه وسلم: "أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" وهذا عام صحيح صريح لا معارض له، فليس لأحد العدول عنه وهو قول الشافعي والله أعلم.

(4/93)


طَوِيلاً قَائِماً وَلَيْلاً طوِيلاً جَالِساً، فإِذَا قَرَأَ وَهُوَ قَائِمٌ ركَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَائِمٌ، وَإِذَا قَرَأَ وَهُوَ قَاعِدٌ ركَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَاعِدٌ، وكان إذا طَلَعَ الْفَجْرُ صَلّى ركْعَتَيْنِ، ثُم يَخْرُجُ فَيُصَلّي بالنّاسِ صلاةَ الْفَجْرِ.
1248 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن نَافِعٍ عن عبد الله بنِ عُمَرَ: أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كَان يُصَلّي قَبْلَ الظّهْرِ ركْعَتَيْنِ وَبَعْدَهَا ركْعَتَيْنِ، وَبَعْدَ المَغْرِبِ ركْعَتَيْنِ في بَيْتِهِ، وَبَعْدَ صلاةِ الْعِشَاءِ ركْعَتَيْنِ، وكان لا يُصَلّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ حتّى يَنْصَرِفَ فَيُصَلّي ركْعَتَيْنِ.
1249 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عن شُعْبَةَ عن إِبراهِيمَ بنِ مُحمّدِ بنِ المُنْتَشِرِ عن أبِيهِ عن عَائشةَ: أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كانَ لا يَدَعُ أَرْبَعاً قَبْلَ الظّهْرِ وَركْعَتَيْنِ قَبْلَ صلاةِ الْغَدَاةِ.
__________
قرأ وهو قائم ركع وسجد" : أي ينتقل من القيام وكذا معنى قوله ركع وسجد وهو قاعد، لكن هذا في بعض الأحيان، وفي بعضها ينتقل من القعود إلى القيام ويقرأ بعض القراءة ثم ينتقل من القيام إلى الركوع والسجود ولم يرو عكس ذلك، فكان صلى الله عليه وسلم في صلاة الليل على ثلاثة أحوال قائماً في كلها وقاعداً في بعضها ثم قائماً انتهى. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه مختصراً ومطولاً.
"كان يصلي قبل الظهر ركعتين" : والتثنية لا تنافي الجمع، وبه يحصل الجمع بينه وبين ما روي أنه كان لا يدع أربعاً قبل الظهر "في بيته" : الظاهر أنه قيد للأخيرة. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"كان لا يدع" : أي لا يترك "أربعاً قبل الظهر" : وهي سنة الظهر، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي قبل الظهر أربعاً في الأكثر ويصلي ركعتين أيضاً والراجح هو الأربع. قال المنذري: وأخرجه البخاري والنسائي.

(4/94)


288 - باب ركعتي الفجر
1253 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عن ابنِ جُرَيْجٍ حدثني عَطَاءٌ عن عُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ عن عَائشةَ قالت: إِنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لم يَكُنْ عَلَى شَيْءٍ مِنَ النّوَافِلِ أَشَدّ مُعَاهَدَةً مِنْهُ عَلَى الرّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصّبْحِ.
__________
باب ركعتي الفجر
"لم يكن على شيء" : أي على محافظة شيء "من النوافل" : أي الزوائد على الفرائض من السنن "أشد" : خبر لم يكن "معاهدة" : أي محافظة ومداومة "منه" : أي من تعاهده على السلام "على الركعتين قبل الصبح" : قال الطيبي: قولها على متعلقة بمعاهدة ويجوز تقديم معمول التمييز عليه، والظاهر أن خبر لم يكن على شيء أي لم يكن يتعاهد على شيء من النوافل، وأشد معاهدة حال أو مفعول مطلق على تأويل أن يكون المعاهد متعاهداً كقوله {أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً} قاله على القاري. والحديث فيه دليل على عظم فضلهما، وأنهما أقوى وأوكد السنن الرواتب والمحافظة عليهما أشد من غيرهما. واستدل به لمن قال بالوجوب وهو المنقول عن الحسن البصري، ونقل أبو غسان مثله عن أبي حنيفة. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم.

(4/95)


289 - باب في تخفيفهما
1251 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ أبي شُعَيْبٍ الْحَرّانيّ أخبرنا زُهَيْرُ بنُ مُعَاوِيَةَ أخبرنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عن مُحمّدِ بنِ عبد الرحمن عن عَمْرَةَ عن عَائشةَ قالت: كانَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يُخَفّفُ الرّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صلاةِ الْفَجْرِ حتّى أَنّي لأَقُولُ: هَلْ قَرَأَ فيهِمَا بأُمّ الْقُرْآنِ؟.
1252 - حدثنا يَحْيَى بنُ مَعِينٍ أخبرنا مَرْوَانُ بنُ مُعَاوِيَةَ أخبرنا يَزِيدُ بنُ كَيْسَانَ
__________
باب في تخفيفهما
"حتى إني لأقول" : ليس المعنى أنها شكت في قراءته صلى الله عليه وسلم الفاتحة وإنما معناه أنه كان يطيل في النوافل ويرتل فلما خفف في قراءة ركعتي الفجر صار كأنه لم يقرأ بالنسبة إلى غيرها. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.

(4/95)


عن أبي حَازِمٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ: أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قَرَأَ في ركْعَتَيِ الْفَجْرِ قُلْ يَا أَيّهَا الْكَافِروُنَ وَقُلْ هُوَ الله أَحَدٌ .
1253 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا أَبُو المُغِيرَة أخبرنا عَبْدُ الله بنُ العَلاَءِ حدثني أَبُو زِيَادَةٌ عبيد الله بن زِيَادَةَ الْكِنْدِيّ عن بلالٍ أَنّهُ حَدّثَهُ: أَنّهُ أَتَى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لِيُؤْذِنَهُ بِصَلاَةِ الْغَدَاةِ فَشَغَلَتْ عَائِشَةُ بِلاَلاً بأمْرِ سَأَلَتْهُ عَنْهُ حتى فَضَحْهُ الصّبْحُ فَأَصْبَحَ جِدّا. قالَ فَقَامَ بِلاَلٌ فأَذّنَهُ بالصّلاَةِ وَتَابَعَ أذَانَهُ فَلَمْ يَخْرُجْ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فَلَمّا خَرَجَ صَلّى بالنّاسِ وَأَخْبَرَهُ أَنّ عَائشةَ شَغَلَتْهُ بِأَمْرٍ سَأَلَتْهُ عَنْهُ حتى أَصْبَحَ جِدّا وَأَنّهُ أَبْطَأَ عَلَيْهِ بِالْخُرُوجِ فَقالَ إِنّي كُنْتُ رَكَعْتُ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ فقالَ يَا رسولَ الله إِنّكَ أَصْبَحْتَ جِدّا قالَ "لَوْ أَصْبَحْتُ أَكْثَرَ مِمّا أَصْبَحْتُ لَرَكَعْتُهُمَا وَأَحْسَنْتُهُمَا وَأَجْمَلْتُهُمَا".
1254 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا خَالِدٌ أخبرنا عَبْدُ الرّحْمَنِ يَعْنِي ابْنَ إِسْحَاقَ المَدَنِيّ عن ابنِ زَيْدٍ عن ابنِ سَيْلاَنَ عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ قالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ تَدَعُوهُمَا وَإِنْ طَرَدَتْكمُ الْخَيْلُ".
__________
"قرأ في ركعتي الفجر" : فيه دليل لمذهب الجمهور أنه يستحب أن يقرأ فيهما بعد الفاتحة سورة، ويستحب أن يكون هاتان السورتان أو الآيتان المذكورتان في رواية أخرى. وقال مالك وجمهور أصحابه: لا يقرأ غير الفاتحة. وقال بعض السلف: لا يقرأ شيئاً، وكلاهما خلاف هذه السنة الصحيحة التي لا معارض لها. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه.
"ليؤذنه" : من الإيذان بمعنى الإعلام "حتى فضحه الصبح" : بالفاء والضاد المعجمة، أي دهمته فضحة الصبح وهي بياضه، والأفضح الأبيض ليس بشديد البياض، وقيل فضحه أي كشفه وبينه للأعين بضوئه، ويروى بالصاد المهملة، وهو بمعناه، وقيل معناه لما تبين الصبح جداً ظهرت غفلته عن الوقت فصار كما يفتضح بعيب ظهر منه ذكره في النهاية "وأخبره": أي أخبر بلال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أصبحت جداً" : أي ومع ذلك صليت النافلة.
"لا تدعوهما" : من الودع وهو الترك. "وإن طردتكم الخيل" : في معنى هذا الحديث تأويلان. الأول لا تتركوا ركعتي الفجر وإن دفعتكم الفرسان والركبان للرحيل، يعني إن حان وقت رحيل الجيش وسار الجيش وعجل للرحيل فلا تتركوا في هذا الوقت المضيق أيضاً وإن يستمر

(4/96)


1255 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ أخبرنا زُهَيْرٌ أخبرنا عُثْمانُ بنُ حكِيمٍ أخبرني سَعِيدُ بن يَسَارٍ عن عبد الله بن عَبّاسٍ: أَنّ كَثيراً مِمّا كَانَ يَقْرَأُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ بِآمَنّا بالله وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا هذه الآية. قالَ هذه في الرّكْعَةِ الأُولَى، وَفي الرّكعَةِ الآخرة بِآمَنّا بِالله وَاشْهَدْ بِأَنّا مُسْلِمُونَ.
1256 - حدثنا مُحمّدُ بنُ الصّبّاحِ بنُ سُفْيَانَ أخبرنا عَبدُ الْعَزِيزِ بنُ مُحمّدٍ عن عُثْمَانَ بنِ عُمَرَ يَعْنِي ابنَ مُوسَى عن أبي الْغَيْثِ عن أَبي هُرَيْرَةَ: أَنّهُ سَمِعَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ في رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ {قُلْ آمَنّا بِالله وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا} في الرّكْعَةِ الأُولَى وَفي الرّكْعَةِ الأخْرَى بهذه الآية: {رَبّنَا آمَنّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتّبَعْنَا الرّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشّاهِدِينَ} أو
__________
الجيش ويترككم، ففيه غاية التأكيد لأداء سنة الفجر، لأن العرب لا يتركون مصاحبة الجيش وفي فقدانها لهم مصائب عظيمة ومع أنه قد أمروا بإتيانهما. قاله الشيخ المحدث السيد نذير حسين الدهلوي. والثاني: وإن طردتكم الخيل أي خيل العدو، ومعناه إذا كان الرجل مثلا هارباً من العدو والعدو يركض فرسه ليقتله فلا ينبغي للمطلوب ترك ركعتي الفجر. والمقصود التأكيد من الشارع في الإتيان بهما وعدم تركهما، وإن كان في حالة شاقة كمن يطلبه العدو خلفه على الخيل ليقتله، قاله الشيخ المحدث حسين بن محسن الأنصاري. وقال العيني في شرح الهداية أي جيش العدو انتهى. وقال المناوي في فتح القدير شرح الجامع الصغير: لا تدعوا ركعتي الفجر أي صلاتهما وإن طردتكم الخيل خيل العدو بل صلوهما ركباناً ومشاة بالإيماء ولو لغير القبلة، وهذا اعتناء عظيم بركعتي الفجر وحث على شدة الحرص عليهما حضراً وسفراً وأمناً وخوفاً انتهى. هذا ملخص من إعلام أهل العصر بأحكام ركعتي الفجر. قال المنذري: في إسناده عبد الرحمن بن إسحاق المدني، ويقال فيه عباد بن إسحاق أخرج له مسلم واستشهد به البخاري ووثقه يحيى بن معين، وقال أبو حاتم الرازي لا يحتج به وهو حسن الحديث وليس بثبت ولا قوي. وقال يحيى بن سعيد القطان: سألت عنه بالمدينة فلم يحمدوه. وقال بعضهم: إنما لم يحمدوه في مذهبه فإنه كان قدرياً فنفوه من المدينة، فأما رواياته فلا بأس. وقال البخاري: مقارب الحديث وابن سيلان هو عبد ربه أبو سيلان جاء مبيناً في بعض طرقه، وقيل هو جابر بن سيلان وهو بكسر السين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وآخره نون، وقد رواه أيضاً ابن المنكدر عن أبي هريرة.
"عن عبد الله بن عباس أن كثيراً الخ": قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي.

(4/97)


إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ}. شك الدراوردي.
__________
"شك الدراوردي": هو عبد العزيز بن محمد.

(4/98)


290 - باب الاضطجاع بعدها
1257 - حدثنا مُسَدّدٌ وَ أَبُو كَامِلٍ وَعبيد الله بنُ عُمَرَ بنِ مَيْسَرَةَ قالوا أخبرنا عَبْدُ الْوَاحِدِ الأَعْمَشُ عن أبِي صَالِحٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذا صَلّى أَحَدُكُمُ الرّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصّبْحِ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى يَمِينِهِ". فَقالَ لَهُ مَرْوَانُ بنُ الْحكَمِ: أَمَا يُجْزِىءُ أَحَدَنَا مَمْشَاهُ إِلَى المَسْجِدِ حَتّى يَضْطَجِعَ عَلَى يَمِينِهِ؟ قالَ عبيد الله في حَدِيثِهِ: قالَ: "لاَ". قالَ فَبَلَغَ ذَلِكَ ابنَ عُمَرَ فَقالَ أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى نَفْسِهِ, قالَ فقيلَ لابنِ عُمَرَ هَلْ تَنْكِرُ شَيْئاً مِمّا يَقُولُ؟ قالَ لاَ وَلَكِنّهُ اجْتَرَأَ وَجَبُنّا. قالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا هُرَيْرَةَ. قالَ: فَمَا ذَنْبي أَنْ كُنْتُ حَفِظْتُ وَنَسُوا.
__________
باب الاضطجاع بعدها
أي بعد سنة الفجر.
"فليضطجع علي يمينه" : قال في إعلام أهل البصرة بأحكام ركعتي الفجر ويسن الاضطجاع بعد ركعتي الفجر على جنبه الأيمن سواء كان له تهجد بالليل أم لا، وهذا هو الحق وهو المروي من حديث أربعة أنفس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عائشة وأبو هريرة وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو، وتفصيل المقام فيه فارجع إليه "أما يجزىء" : همزة استفهام وما نافية أي يكفي "ممشاه" : أي مشيه "أكثر أبو هريرة" : أي إكثاراً يعود ضرره إليه من حيث السهو والخطأ ومن حيث تكلم الناس واعتراضهم "ولكنه اجترأ" : من الجرأة بمعنى الإقدام على شيء "وجبنا" : من الجبن صيغة ماض مع الغير وهو ضد الجرأة يقال جبن الرجل كنصر وكرم، يريد أنه أقدم على الإكثار من الحديث وجبنا نحن عنه فكثر حديثه وقل حديثنا. ذكره في فتح الودود. قال المنذري: وأخرجه الترمذي. وقال حديث حسن غريب من هذا الوجه. وقد قيل: إن أبا صالح لم يسمع هذا الحديث من أبي هريرة فيكون منقطعاً. انتهى. وقال النووي في شرح مسلم: إسناده على شرط الشيخين. وقال في رياض الصالحين: إسناده صحيح. وقال زكريا الأنصاري في فتح العلام: إسناده على شرط الشيخين انتهى.

(4/98)


1258 - حدثنا يَحْيَى بنُ حَكِيمٍ أخبرنا بِشْرُ بنُ عُمَرَ أخبرنا مَالِكُ بنُ أَنَسٍ عن سَالِمٍ أبي النّضرِ عن أبي سَلَمَةَ بن عبد الرحمن عن عَائِشَةَ قالت: كَانَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا قَضَى صَلاتَهُ مِنْ آخِرِ اللّيْلِ نَظَرَ فإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حَدّثَنِي وَإن كُنْتُ نَائِمَةً أَيْقَظَنِي وَصَلّى الرّكْعَتَيْنِ ثُمّ اضْطَجَعَ حَتّى يَأْتِيَه المُؤذّنُ فَيُؤْذِنَهُ بِصَلاَةِ الصّبْحِ فَيُصَلّي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ثُمّ يَخْرُجُ إلى الصّلاَةِ.
1259 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا سُفْيَانُ عن زَيَادِ بن سَعْدٍ عَمّنْ حَدّثَهُ ابنُ أبي عَتّابٍ أَوْ غَيْرِهِ عن أبي سَلَمَةَ قالَ قَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذَا صَلّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ فإِنْ كُنْتُ نَائِمَةً اضْطَجَعَ وَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حَدّثَنِي .
1260 - حدثنا عَبّاسٌ الْعَنْبَرِيّ وَزِيَادُ بنُ يَحْيَى قالا أخبرنا سَهْلُ بنُ حَمّادٍ عن
__________
"فإن كنت مستيقظة حدثني" : والحديث يدل على مشروعية الاضطجاع بعد صلاة ركعتي الفجر إلى أن يؤذن بالصلاة. وقد اختلف في حكم هذا الاضطجاع على ستة أقوال، الأول: وهو الصحيح أنه مشروع على سبيل الاستحباب. قال العراقي: فمن كان يفعل ذلك أو يفتي به من الصحابة أبو موسى الأشعري ورافع بن خديج وأنس بن مالك وأبو هريرة، واختلف فيه على ابن عمر، فروي عنه فعل ذلك كما ذكره ابن أبي شيبة في مصنفه، وروي عنه إنكاره. وممن قال به من التابعين ابن سيرين وسعيد بن المسيب والقاسم بن محمد بن أبي بكر وعروة بن الزبير وأبو بكر بن عبد الرحمن وخارجة بن زيد ابن ثابت وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وسليمان بن يسار. قال ابن حزم: وروينا من طريق يحيى بن سعيد القطان عن عثمان بن غياث أنه حدثه قال كان الرجل يجيء وعمر ابن الخطاب يصلي بالناس فيصلي ركعتين في مؤخر المسجد، ويضع جنبه في الأرض ويدخل معه في الصلاة. وممن قال باستحباب ذلك من الأئمة الشافعي وأصحابه وتمام الكلام في إعلام أهل العصر فليرجع إليه "وإن كنت نائمة أيقظني" : أي للحديث أو للوتر. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي.
"عمن حدثه": فاعل حيث زياد بن سعد والضمير المنصوب يرجع إلى من الموصولة "ابن أبي عتاب": بدل من منَ الموصولة واسمه زيد أو عبد الرحمن قاله المزي "أو غيره": أي غير ابن أبي عتاب، فالشيخ لزياد بن سعد مجهول لا يدرى هو ابن أبي عتاب أو غيره "فإن كنت نائمة اضطجع": هذا محمول على اختلاف الأوقات "وإن كنت مستيقظة حدثني" : قال ابن الملك: فيه دليل على أن الفصل بين سنة الصبح وبين الفريضة جائز، وعلى أن الحديث مع الأهل سنة

(4/99)


أبي مَكِينٍ أخبرنا أَبُو الْفَضْلِ - رَجُلٌ مِنَ اْلأَنْصَارِ - عن مُسْلِمِ بنِ أبي بَكَرَةَ عن أبِيهِ قالَ: خَرَجْتُ مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم لِصَلاَةِ الصّبْحِ فَكانَ لاَ يَمُرّ بِرَجُلٍ إِلاّ نَادَاهُ بالصّلاَةِ أَوْ حَرّكَهُ بِرِجْلِهِ. قال زِيَادٌ قال أخبرنا أَبُو الْفُضَيْلِ.
__________
يعني من قال إن الكلام بين السنة والفرض يبطل الصلاة أو ثوابها فقوله باطل قال المنذري: في إسناده رجل مجهول.
"لا يمر برجل إلا ناداه بالصلاة الخ" : فيه دليل على أن يوقظ مستيقظ النائم للصلاة. قال المنذري: في إسناده أبو الفضل الأنصاري وهو غير مشهور "أبو الفضيل": هكذا مصغراً في بعض النسخ. والذي في التقريب أبو الفضل بن خلف الأنصاري، وقيل فيه أبو المفضل بزيادة ميم، وقيل ابن الفضل. انتهى.

(4/100)


291 - باب إذا أدرك الإمام ولم يصلّ ركعتي الفجر
1261 - حدثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ أخبرنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ عَاصِمٍ عن عبد الله بنِ سَرْجَسٍ قالَ: جَاءَ رَجُلٌ وَالنّبيّ صلى الله عليه وسلم يُصَلّي الصّبْحَ فَصَلّى الرّكْعَتَيْنِ ثُمّ دَخَلَ مَعَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم في الصّلاَةِ فَلمّا انْصَرَفَ قالَ: "يا فُلاَنُ أَيّتُهُمَا صَلاَتُكَ الّتي صَلّيْتَ وَحْدَكَ أَوْ الّتِي صَلّيْتَ مَعَنَا؟".
__________
باب إذا أدرك الإمام ولم يصلّ ركعتي الفجر
"عن عبد الله بن سرجس قال جاء رجل" : قال الخطابي: في هذا دليل على أنه إذا صادف الإمام في الفريضة لم يشتغل بركعتي الفجر ويتركهما إلى أن يقضيهما بعد الصلاة "أيتهما صلاتك" : مسألة إنكار يريد بذلك التهديد على فعله، وفيه دلالة على أنه لا يجوز له أن يفعل ذلك وإن كان الوقت يتسع الفراغ منها قبل خروج الإمام من صلاته، لأن قوله صلى الله عليه وسلم أو التي صليت معنا يدل على أنه أدرك الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فراغه من الركعتين. هذا آخر كلام الخطابي. وقال النووي في شرح مسلم: فيه دليل على أنه لا يصلي بعد الإقامة نافلة وإن كان يدرك الصلاة مع الإمام، ورد على من قال إن علم أنه يدرك الركعة الأولى والثانية يصلي النافلة. وقال ابن عبد البر: كل هذا إنكار منه لذلك الفعل فلا يجوز لأحد أن يصلي في المسجد شيئاً من النوافل إذا قامت المكتوبة. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه.

(4/100)


1262 - حدثنا مُسْلِمُ بنُ إِبراهِيمَ أخبرنا حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ ح. وأخبرنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا مُحمّدُ بنُ جَعْفَرٍ أخبرنا شُعْبَةُ عن وَرْقَاءَ ح. وأخبرنا الحسنُ بنُ عَلِيّ أخبرنا أَبُو عَاصِمٍ عَن ابنِ جُرَيْجٍ ح. وأخبرنا الحسَنُ بنُ عَلِيّ أخبرنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ عن حَمّادِ بن زَيْدٍ عن أَيوبَ ح. وأخبرنا مُحمّدُ بنُ المُتَوَكّلِ أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ أخبرنا زَكَرِيّا بنُ إِسْحَاقَ كُلّهُمْ عنْ عَمْرِو بن دِينَارٍ عنْ عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذَا أُقِيمَتِ الصّلاَةُ فَلاَ صَلاَةَ إِلاّ المَكْتُوبَةَ".
__________
"أخبرنا حماد بن سلمة": وهو يروي عن عمرو بن دينار كما عند الدارمي "عن ورقاء": وهو يروي عن عمرو بن دينار كما عند مسلم "عن ابن جريج": يروى عن عمرو بن دينار "عن أيوب": عن عمرو بن دينار كما عند ابن ماجه "كلهم": أي حماد بن سلمة وورقاء وابن جريج وأيوب وزكريا بن إسحاق عن عمرو بن دينار عن عطاء عن أبي هريرة مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفي هذا رد على الطحاوي حيث قال أصل الحديث عن أبي هريرة لا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وتمام الكلام في الإعلام "إذا أقيمت الصلاة" : والحديث يدل على أنه لا يجوز الشروع في النافلة عند إقامة الصلاة من غير فرق بين ركعتي الفجر وغيرهما. وقد اختلفت الصحابة والتابعون ومن بعدهم في ذلك على تسعة أقوال أحدها الكراهة، وهذا القول هو الصحيح لصحة الحديث في نهيه ولا معارض لحديث صحيح ثابت إلا مثله، وليس في الجواز واحد من الحديث الصحيح المرفوع. فإن قلت أخرج البيهقي في سننه الكبرى أنبأنا أبو بكر بن الحارث أنبأنا أبو محمد بن حيان حدثنا محمد بن إبراهيم بن داوود حدثنا أبو عمرو الحلبي حدثنا حجاج بن نصير عن عباد بن كثير عن ليث عن عطاء عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة إلا ركعتي الصبح" .
قلت: قال البيهقي في آخر الحديث: هذه الزيادة لا أصل لها، وحجاج بن نصير وعباد بن كثير ضعيفان انتهى. وقال ابن القيم في إعلام الموقعين: فهذه الزيادة كاسمها زيادة في الحديث لا أصل لها انتهى. وقد يعارض هذه الزيادة ما رواه البيهقي وابن عدي من طريق مسلم بن خالد الزنجي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة، قيل يا رسول الله ولا ركعتي الفجر قال ولا ركعتي الفجر" قال الحافظ في الفتح إسناده حسن. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه. قال أبو هريرة بظاهره، وروى الكراهية فيه عن ابن عمر وسعيد بن جبير وابن سيرين وعروة بن الزبير وإبراهيم النخعي وعطاء والشافعي وأحمد، وروى الرخصة فيه عن ابن مسعود ومسروق

(4/101)


__________
والحسن ومجاهد ومكحول وحماد بن أبي سليمان، وروى عن عمر أنه كان يضرب على صلاة الركعتين بعد الإقامة، وذهب إليه بعض الظاهرية، ورأوا أنه يقطع صلاته إذا أقيمت عليه الصلاة، وكلهم يقولون لا يبتدىء نافلة بعد الإقامة لنهيه صلى الله عليه وسلم.

(4/102)


292 - باب من فاتته متى يقضيها
1263 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا ابنُ نُمَيْرٍ عَنْ سَعْدِ بنِ سَعِيدٍ حَدّثَني مُحمّدُ بنُ إِبراهِيمَ عن قَيْسِ بنِ عَمْرٍو قال: رَأَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم رَجُلاً يُصَلّي بَعْدَ صَلاَةِ الصّبْحِ ركْعَتَيْنِ فَقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "صلاةُ الصّبْحِ رَكْعَتَانِ" فَقالَ الرّجُلُ إِنّي لَمْ أَكُنْ صَلّيْتُ الرّكْعَتَيْنِ اللّتَيْنِ قَبْلَهُمَا فَصَلّيْتُهُمَا الآن، فَسَكَتَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم.
__________
باب من فاتته متى يقضيها
"فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم" : قال الخطابي: فيه بيان أن لمن فاتته الركعتان قبل الفريضة أن يصليهما بعدها قبل طلوع الشمس، وأن النهي عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس إنما هو فيما يتطوع به الإنسان إنشاء وابتداء دون ما كان له تعلق بسبب. وقد اختلف الناس في وقت قضاء ركعتي الفجر، فروى عن ابن عمر أنه قال يقضيهما بعد صلاة الصبح، وبه قال عطاء وطاوس وابن جريج، وقالت طائفة يقضيهما إذا طلعت الشمس، وبه قال القاسم بن محمد والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق. وقال أصحاب الرأي أحب قضاءهما إذا ارتفعت الشمس وإن لم يفعل فلا شيء عليه لأنه تطوع. وقال مالك أحب أن يقضيهما ضحى إلى وقت زوال الشمس ولا يقضيهما بعد الزوال. قال المنذري وأخرجه الترمذي وابن ماجه. وقال الترمذي لا نعرفه مثل هذا إلا من حديث سعد بن سعيد، وذكر أن هذا الحديث إنما يروى مرسلا وإن إسناده ليس بمتصل محمد بن إبراهيم التيمي لم يسمع من قيس هذا آخر كلامه. وقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث ابن بحينة قال: "أقيمت صلاة الصبح فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يصلي والمؤذن يقيم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أتصلي الصبح أربعاً ، وفي رواية يوشك أن يصلي أحدكم الصبح أربعاً" وقال بعضهم هذه إشارة إلى علة المنع حماية للذريعة لئلا يطول الأمر، ويكثر ذلك فيظن الظان أن الفرض قد تغير وفيه رد على من يجيز صلاة ركعتي الفجر في
__________
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وقيس هذا هو قيس بن عمرو ويقال قيس بن فهد وجعلهما ابن السكن اثنين ابن فهد وابن عمرو وسعد بن سعيد راوية عن محمد بن إبراهيم فيه اختلاف.

(4/102)


1264 - حدثنا حَامِدُ بنُ يَحْيَى الْبَلْخِيّ قالَ قالَ سُفْيَانُ كَانَ عَطَاءُ بنُ أبي رَبَاحٍ يُحَدّثُ بهَذَا الْحَدِيثِ عنْ سَعْدِ بنِ سَعِيدٍ.
قال أَبُو دَاوُد: رَوَى عَبْدُ رَبّهِ وَيَحْيَى ابْنَا سَعِيدٍ هذَا الحَدِيثَ مُرْسَلاً أَنّ جَدّهُمُ زَيْداً صَلّى مَعَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بهذِهِ الْقِصّة.
__________
المسجد والإمام يصلي الصبح وإن أدركها معه بدليل قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن سرجس: "بأي الصلاتين اعتددت أبصلاتك وحدك أم بصلاتك معنا" انتهى.
"يحدث بهذا الحديث": قال البيهقي في المعرفة: ورواه الحميدي وغيره عن سفيان عن سعد ابن سعيد بن قيس الأنصاري عن محمد بن إبراهيم التيمي عن قيس جد سعد. قال سفيان وكان عطاء بن أبي رباح يروي هذا الحديث عن سعد. قال البيهقي ورواه عبد الله بن نمير عن سعد بن سعيد وأخرجه أبو داوود في كتاب السنن ثم قال بعض الرواة فيه قيس بن عمرو، وقال بعضهم قيس بن فهد وقيس بن عمرو أصح. قال يحيى بن معين: هو قيس بن عمرو بن سهل جد يحيى بن سعيد بن قيس قال البيهقي يحيى وسعد أخوان انتهى "أن جدهم زيداً": هكذا في جميع النسخ الحاضرة، وحذف لفظ زيد أصح. قال الحافظ في الإصابة: زيد جد يحيى بن سعيد الأنصاري ذكره أبو داوود في باب من فاتته ركعتا الفجر، فقال قال عبد ربه ويحيى ابنا سعيد: صلى جدنا زيد مع النبي صلى الله عليه وسلم هكذا قرأت بخط شيخنا البلقيني الكبير في هامش نسخته من تجريد الذهبي ولم أر في النسخ المعتمدة من السنن لفظ زيد بل فيها جدنا خاصة فليحرز، فإن نسب يحيى بن سعيد ليس فيه أحد يقال له زيد إلا زيد بن ثعلبة وهو جد أعلى جداً هلك في الجاهلية. انتهى. كذا في غاية المقصود.

(4/103)


293 - باب الأربع قبل الظهر وبعدها
1265 - حدثنا مُؤَمّلُ بنُ الفَضْلِ أخبرنا مُحمّدُ بنُ شُعَيْبٍ عنِ النعْمَانِ عن مَكْحُولٍ عن عَنْبَسَةَ بنِ أبِي سُفْيَانَ قالَ قالَتْ أُمّ حَبِيبَةَ زَوْجُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظّهْرِ وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا حَرُمَ عَلَى النّارِ".
__________
باب الأربع قبل الظهر وبعدها
"من حافظ" : أي داوم وواظب "وأربع بعدها" : ركعتان منها مؤكدة، وركعتان مستحبة

(4/103)


قال أَبُو دَاوُد: رَوَاهُ الْعَلاَءُ بنُ الْحَارِثِ وَسُلَيْمانُ بنُ مُوسَى عنْ مَكْحَولٍ بإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ.
1266 - حدثنا ابنُ المُثَنّى أخبَرَنا مُحمّدُ بنُ جَعْفَرٍ أخبرنا شُعْبَةُ قالَ سَمِعْتُ عُبَيْدَةَ يُحَدّثُ عن إِبراهِيمَ عنِ ابنِ مِنْجَابٍ عن قَرْثَعٍ عن أبِي أَيّوبَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "أرْبَعٌ قَبْلَ الظّهْرِ لَيْسَ فيهِنّ تَسْلِيمٌ تُفْتَحُ لَهُنّ أَبْوَابُ السّمَاءِ" .
قال أَبُو دَاوُد: بَلَغَنِي عنْ يَحَيَى بنِ سَعِيدٍ القَطّانِ قال: لَوْ حَدّثْتُ عن عُبَيْدَةَ بِشَيْءٍ لَحَدّثْتُ عَنْهُ بهذَا الحَدِيثِ.
قال أَبُو دَاوُد: عُبَيْدَةُ ضَعِيفٌ. قال أَبُو دَاوُد ابنُ مِنْجَابٍ هُوَ سَهْم.
__________
فالأولى بتسليمتين "حرم على النار" : أي حرمة الله على النار، وفي رواية لم تمسه النار، وفي رواية حرم الله على النار ، وفي أخرى حرم الله لحمه على النار وقد اختلف في معنى ذلك هل المراد أنه لا يدخل النار أصلا أو أنه وإن قدر عليه دخولها لا تأكله النار أو أنه يحرم على النار أن تستوعب أجزاءه وإن مست بعضه كما في بعض طرق الحديث عند النسائي بلفظ: "فتمس وجهه النار أبداً" وهو موافق لقوله في الحديث الصحيح "وحرم على النار أن تأكل مواضع السجود" فيكون قد أطلق الكل وأريد البعض مجازاً، والحمل على الحقيقة أولى وأن الله تعالى يحرم جميعه على النار وفضل الله تعالى أوسع ورحمته أعم. والحديث يدل على تأكد استحباب أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعده، وكفى بهذا الترغيب باعثاً على ذلك. وظاهر قوله من صلى أن التحريم على النار يحصل مرة واحدة ولكنه قد أخرجه الترمذي وأبو داوود وغيرهما بلفظ: "من حافظ" فلا يحرم على النار إلا المحافظ. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وذكر أبو زرعة وهشام بن عمارة وأبو عبد الرحمن النسائي أن مكحولاً لم يسمع من عنبسة بن أبي سفيان وصححه الترمذي من حديث أبي عبد الرحمن القاسم بن عبد الرحمن صاحب أبي أمامة. والقاسم هذا اختلف فيه فمنهم من يضعف روايته ومنهم من يوثقه.
"أربع" : من الركعات يصليهن الإنسان "قبل الظهر" : أي قبل صلاته أو قبيل دخول وقته وهو عند الزوال "ليس فيهن تسليم" : أي ليس بين كل ركعتين منها فصل بسلام "تفتح لهن أبواب السماء" : كناية عن حسن القبول وسرعة الوصول وتسمى هذه سنة الزوال وهي غير سنة الظهر، صرح به الغزالي. قاله المناوي. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه. وقال أبو داوود:

(4/104)


__________
عبيدة ضعيف. هذا آخر كلامه كلامه. وعبيدة هذا هو ابن معتب الضبي الكوفي لا يحتج بحديثه، وهو بضم العين المهملة وفتح الباء الموحدة.

(4/105)


294 - باب الصلاة قبل العصر
1267 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ إِبراهِيمَ أخبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ أخبَرَنا مُحمّدُ بنُ مِهْرَانَ الْقُرَشِيّ حَدّثَني جَدّي أَبُو المُثَنّى عنِ ابنِ عُمَرَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "رَحِمَ الله امْرَأً صَلّى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعاً" .
1268 - حدثنا حَفْصُ بن عُمَرَ أخبَرَنا شُعْبَةُ عنْ أبِي إِسْحَاقَ عنْ عَاصِمِ بن ضَمُرَةَ عن عَلِيّ: أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلّي قَبْلَ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ.
__________
باب الصلاة قبل العصر
"رحم الله امرأًًِِِِ صلى قبل العصر أربعاً" : في النيل: وفي الباب عن علي رضي الله عنه عند أهل السنن بلفظ: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي قبل العصر أربع ركعات يفصل بينهن بالتسليم" وزاد الترمذي والنسائي وابن ماجه "على الملائكة المقربين ومن تبعهم من المسلمين والمؤمنين" وله حديث آخر بمعناه عند الطبراني في الأوسط، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص عند الطبراني في الكبير والأوسط مرفوعاً بلفظ "من صلى أربع ركعات قبل العصر لم تمسه النار" وعن أبي هريرة عند أبي نعيم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى أربع ركعات قبل العصر غفر الله له" وهو من رواية الحسن عن أبي هريرة ولم يسمع منه. وعن أم حبيبة عند أبي يعلى بلفظ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حافظ على أربع ركعات قبل العصر بنى الله له بيتاً في الجنة" وعن أم سلمة عند الطبراني في الكبير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من صلى أربع ركعات قبل العصر حرم الله بدنه على النار" والأحاديث المذكورة تدل على استحباب أربع ركعات قبل العصر والدعاء منه صلى الله عليه وسلم بالرحمة لمن فعل ذلك، والتصريح بتحريم بدنه على النار، مما يتنافس فيه المتنافسون. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال حديث حسن. هذا آخر كلامه. وأبو المثنى اسمه مسلم بن المثنى الكوفي القرشي. وقال ابن مهران: مؤذن المسجد الجامع بالكوفة وهو ثقة.
"كان يصلي قبل العصر ركعتين" : أي أحياناً فلا ينافي ما تقدم من الأربع. ومن جهة الاختلاف في الروايات صار التخيير بين الأربع والركعتين جمعاً بين الروايتين والأربع أفضل. قال المنذري: عاصم بن ضمرة وثقه يحيى بن معين وغيره وتكلم فيه غير واحد.

(4/105)


295- باب الصلاة بعد العصر
1269 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ وَهْبٍ أخبرني عَمْرُو بنُ الحارِث عن بُكَيْرِ بنِ اْلأَشَجّ عن كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَباسٍ أَنّ عبد الله بن عَباسٍ وَعبد الرحمن بنَ أزْهَرٍ وَالمِسْوَرَ بنَ مَخْرَمَةَ أرسَلُوهُ إلَى عَائِشَةَ زَوْجِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: اقْرَأْ عَلَيْهَا السّلاَمَ مِنّا جَميعاً وَسَلْهَا عنِ الرّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَقُلْ إِنّا أُخْبِرْنَا أنّكِ تُصَلّينَهُمَا وَقَدْ بَلَغَنَا أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْهُمَا فَدَخَلْتُ عَلَيْهَا فَبَلّغْتُهَا مَا أَرْسَلُونِي بِهِ فَقَالَتْ سَلْ أُمّ سَلَمَةَ فَخَرَجْتُ إِلَيْهِمْ فَأَخْبَرْتُهُمْ بِقَوْلِهَا فَرَدّونِي إِلَى أُمّ سَلَمَةَ بِمِثْلِ مَا أَرْسَلُونِي بِهِ إلَى عَائشةَ فَقَالَتْ أُمّ سَلَمَةَ سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَنْهَى عَنْهُمَا ثُمّ رَأَيْتُهُ يُصَلّيهِمَا أَمّا حِينَ صَلاّهُما فإِنّهُ صَلّى الْعَصْرَ ثُمّ دَخَلَ وَعِنْدِي نِسْوَةٌ مِنْ بَنِي حَرَامٍ مِنَ اْلأَنْصَارِ فَصَلاّهُمَا فأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ الْجَارِيَةَ فَقُلْتُ قُومِي بِجَنْبِهِ فَقُولِي لَهُ تَقُولُ أُمّ سَلَمَةَ يَا رسُولَ الله أَسْمَعُكَ تَنْهَى عنْ هَاتَيْنِ الرّكْعَتَيْنِ وَأَرَاكَ تُصَلّيهِمَا فإِنْ أَشَارَ بِيَدِهِ فَاسْتَأْخِرِي عَنْهُ. قالَتْ فَفَعَلَتِ الْجَارِيَةُ فَأَشَارَ بِيَدِهِ فَاسْتَأْخَرَتْ عَنْهُ، فَلَمّا انْصَرَفَ قالَ: "يَا بِنْتَ أبي أُمَيةَ سَأَلْتِ عنِ الرّكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ إِنّهُ أتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ
__________
باب الصلاة بعد العصر
"فردوني إلى أم سلمة" : قال النووي: فيه أنه يستحب للعالم إذا طلب منه تحقيق أمر مهم ويعلم أن غيره أعلم به أو أعرف بأصله أن يرشد إليه إذا أمكنه. وفيه الاعتراف لأهل الفضل بمزيتهم وفيه إشارة إلى أدب الرسول في حاجة وأنه لا يستقل فيها بتصرف لم يؤذن له فيه ولهذا لم يستقل كريب بالذهاب إلى أم سلمة لأنهم إنما أرسلوه إلى عائشة، فلما أرشدته عائشة إلى أم سلمة وكان رسولا للجماعة لم يستقل بالذهاب حتى رجع إليهم فأخبرهم فأرسلوه إليها "فأرسلت إليه الجارية" : فيه قبول خبر الواحد والمرأة مع القدرة على اليقين بالسماع من لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم "فقولي له تقول أم سلمة" : إنما قالت عن نفسها تقول أم سلمة فكنت نفسها ولم تقل هند باسمها لأنها معروفة بكنيتها، ولا بأس بذكر الإنسان نفسه بالكنية إذا لم يعرف إلا بها أو اشتهر بها بحيث لا يعرف غالباً إلا بها، وكنيت بابنها سلمة بن أبي سلمة وكان صحابياً رضي الله عنه "فأشار بيده" : فيه أن إشارة المصلي بيده ونحوها من الأفعال الخفيفة لا تبطل الصلاة

(4/106)


بالإسْلاَمِ مِنْ قَوْمِهِمْ فَشَغَلُونِي عنِ الرّكْعَتَيْنِ اللّتَيْنِ بَعْدَ الظّهْرِ فَهُمَا هَاتَانِ" .
__________
"فهما هاتان" : فيه فوائد منها إثبات سنة الظهر بعدها، ومنها أن السنن الراتبة إذا فاتت يستحب قضاؤها وهو الصحيح، ومنها أن الصلاة التي لها سبب لا تكره في وقت النهي وإنما يكره ما لا سبب لها. فإن قيل هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، قلنا: الأصل الاقتداء به صلى الله عليه وسلم وعدم التخصيص حتى يقوم دليل به بل هنا دلالة ظاهرة على عدم التخصيص وهي أنه صلى الله عليه وسلم بين أنها سنة الظهر ولم يقل هذا الفعل مختص بي، وسكوته ظاهر في جواز الاقتداء. نعم إن المداومة عليهما من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم انتهى كلام النووي مختصراً.
وقال الحافظ ابن عبد البر: إنما المعنى في نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بعد الصبح والعصر على التطوع المبتدأ والنافلة، وأما الصلوات المفروضات أو الصلوات المسنونات، أو ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يواظب عليه من النوافل، فلا يدخل في النهي. واحتجوا بالإجماع في الصلاة على الجنائز بعد العصر وبعد الصبح إذا لم يكن عند الغروب ولا عند الطلوع، وبقوله صلى الله عليه وسلم: "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس" الحديث. وبقوله: "من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها" وبحديث قيس بن عمرو قال: "رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يصلي بعد الصبح ركعتين" الحديث، وبحديث أم سلمة: "دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بعد العصر فصلى عندي ركعتين" الحديث. قالوا ففي قضاء الرجل ركعتي الفجر وسكوته صلى الله عليه وسلم وقضائه الركعتين بعد الظهر وهما من السنة شغل عنهما فقضاهما بعد العصر دليل على أن نهيه عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر إنما هو غير الصلوات المسنونات والمفترضات لأنه معلوم أن نهيه إنما أصبح على غير ما أباحه ولا سبيل إلى استعمال الأحاديث عنه صلى الله عليه وسلم إلا بما ذكر. قال: وفي صلاة الناس بكل مصر على الجنائز بعد الصبح والعصر دليل على ما ذكر. هذا قول الشافعي وأصحابه في هذا الباب وقال الترمذي: هو قول أكثر الفقهاء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم أنهم كرهوا الصلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب الشمس، وأما الصلوات الفوائت فلا بأس أن تقضى بعد العصر وبعد الصبح.
وقد أسرد الروايات في إعلام أهل العصر وقال في آخره: فثبت من هذه الروايات أن قضاء الراتبة بعد العصر جائز لأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى ركعتي الظهر بعد صلاة العصر بعد نهيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بعد العصر، وهكذا نقول إن الصلوات المفروضات والسنن الرواتب تقضى بعد الفجر والعصر انتهى كلامه. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم.

(4/107)


296 - باب من رخص فيهما إذا كانت الشمس مرتفعة
1270 - حدثنا مُسْلِمُ بنُ إِبراهِيمَ أخبرنا شُعْبَةُ عن مَنْصُورٍ عن هِلاَلِ بنِ يَسَافٍ
__________
باب من رخص فيهما إذا كانت الشمس مرتفعة
فلا تكره الصلاة عنده بعد العصر إذا كانت الشمس حية بيضاء. قال الحافظ ابن عبدالبر: قال طائفة من العلماء إنه لا بأس بالتطوع بعد الصبح وبعد العصر لأن النهي إنما قصد به إلى ترك الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها واحتجوا بأحاديث جماعة من الصحابة الذين رووا النهي عن الصلاة في هذه الأوقات، واحتجوا أيضاً بقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تصلوا بعد العصر إلا أن تصلوا والشمس مرتفعة" وبقوله صلى الله عليه وسلم "لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها" وبإجماع المسلمين على الصلاة على الجنائز بعد الصبح وبعد العصر إذا لم يكن عند الطلوع وعند الغروب. قالوا فالنهي عن الصلاة بعد العصر والصبح هذا معناه وحقيقته. قالوا ونهيه على قطع الذريعة، لأنه لو أبيحت الصلاة بعد الصبح والعصر لم يؤمن التمادي فيهما إلى الأوقات المنهى عنها وهي حين طلوع الشمس وحين غروبها. هذا مذهب ابن عمر وقال به جماعة ذكر عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج عن نافع سمع ابن عمر يقول أما أنا فلا أنهي أحداً يصلي من ليل ونهار غير أن لا يتحرى طلوع الشمس ولا غروبها فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك. وروى مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر معناه، وهو قول عطاء وطاووس وعمرو بن دينار وابن جريج وروى عن ابن مسعود نحوه، ومذهب ابن عمر في هذا الباب خلاف مذهب أبيه، ومذهب عائشة في هذا الباب كمذهب ابن عمر لما روى ابن طاووس عن أبيه عن عائشة قالت: "وهم عمر إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة أن يتحراها طلوع الشمس أو غروبها" انتهى. كذا في إعلام أهل العصر. وفي الفتح: حكى أبو الفتح اليعمري عن جماعة من السلف أنهم قالوا: إن النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر إنما هو إعلام بأنهما لا يتطوع بعدهما ولم يقصد الوقت بالنهي كما قصد به وقت الطلوع ووقت الغروب وتؤيده رواية أبي داوود عن علي بإسناد حسن، فدل على أن المراد بالبعدية ليس على عمومه، وإنما المراد وقت الطلوع ووقت الغروب وما قاربها.
وأخرج البخاري في الحج من طريق عبد العزيز بن رفيع قال: رأيت ابن الزبير يصلي ركعتين بعد العصر ويخبر أن عائشة حدثته أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدخل بيتها إلا صلاهما، وكأن ابن الزبير فهم من ذلك ما فهمته خالته عائشة. انتهى

(4/108)


عن وَهْبِ بن اْلأَجْدَعِ عن عَلِيّ: أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عن الصّلاَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ إلاّ وَالشّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ .
1271 - حدثنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ أخبرنا سُفْيَانُ عن أبي إسْحَاقَ عنْ عَاصِمِ بن ضَمْرَةَ عن عَلِيّ قالَ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُصَلّي في إِثْرِ كلّ صَلاَةٍ مَكْتُوبَةٍ رَكْعَتَيْنِ إلاّ الْفَجْرِ وَالْعَصْر .
1272 - حدثنا مُسْلِمُ بنُ إِبراهِيمَ أخبَرَنا أَبَانُ أخبَرَنَا قَتَادَةُ عنْ أبِي العَالِيَةِ عن ابن عَبّاسٍ قالَ: شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مَرْضِيّونَ فيهمْ عُمَرُ بنُ الْخَطّابِ وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَرُ أَنّ نبي الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "لا صلاَةَ بَعْدَ صلاَةِ الصّبْحِ حَتّى تَطْلُعَ الشّمْسُ وَلاَ صلاَةَ بَعْدَ صلاَةِ الْعَصْرِ حَتّى تَغْرُبَ الشّمْسُ".
__________
"إلا والشمس مرتفعة" : فتجوز الصلاة مطلقاً سواء كانت المكتوبة الفائتة أو سنة أو نفلا أو الجنازة. قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"في إثر" : بكسر الهمزة وسكون الثاء أي خلف "إلا الفجر والعصر" : فلا يصلى بعدهما أي في المسجد لقطع الذريعة كما تقدم، وإلا فقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم صلى بعد العصر في بيت عائشة رضي الله عنها وخفي ذلك على عليَ رضي الله عنه. قال المنذري: وقد تقدم الكلام على عاصم بن ضمرة.
"حتى تغرب الشمس" : قال في الإعلام إن الأوقات التي نهي فيها عن الصلاة على نوعين أحدهما ما يتعلق الكراهة فيه بالفعل بمعنى أنه إن تأخر الفعل لم تكره الصلاة قبله وإن تقدم في أول الوقت كرهت، وذلك في صلاة الصبح وصلاة العصر، ففي هذا يختلف وقت الكراهة في الطول والقصر. وثانيهما ما يتعلق فيه الكراهة بالوقت كطلوع الشمس إلى الارتفاع ووقت الاستواء ووقت الغروب، ومحصل ما ورد من الأخبار في تعيين الأوقات التي تكره فيها الصلاة أنها خمسة عند طلوع الشمس وعند غروبها وبعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر وعند الاستواء، وترجع بالتحقيق إلى ثلاثة: وقت الاستواء ومن بعد صلاة الصبح إلى أن ترتفع الشمس فيدخل فيه الصلاة عند طلوع الشمس، وكذا من بعد صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس انتهى. واعلم أن حديث عمر رضي الله عنه ظاهر في النهي عن الصلاة بعد الفجر والعصر وإن كانت قبل طلوع الشمس أو قبل غروبها كما هو مذهب عمر وجماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة. وقيد جماعة من الصحابة والتابعين الكراهة وقت الطلوع والغروب كما تقدم فقالوا

(4/109)


1273 - حدثنا الرّبيعُ بن نَافِعٍ أخبرنا محمدُ بنُ المُهَاجِرِ عن الْعَبّاسِ بنِ سَالمٍ عن أبي سَلاّمٍ عن أبِي أُمَامَةَ عن عَمْرو بن عَبَسَةَ السّلَمِيّ أَنّهُ قال: قُلْتُ يَا رسُولَ الله أَيّ اللّيْلِ أَسْمَعٌ؟ قال: "جَوْفُ اللّيْلِ الآخر فَصَلّ مَا شِئْتَ فَإِنّ الصّلاَةَ مَشْهُودَةٌ مَكْتُوبَةٌ حتى تُصَلّي الصّبْحَ ثم أقْصِرْ حتى تَطْلُعَ الشّمْسُ فَتَرْتَفِعُ قِيْسَ رُمْحٍ أَو رُمْحَيْنِ فإنها تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ وَيُصَلّي لهَا الكُفّارُ، ثُم صَلّ مَا شِئْتَ فإِن الصّلاَةَ مَشْهودَةٌ مَكْتُوبَةٌ حتى يَعْدِلَ الرّمْحُ ظِلّه ثم أَقْصِرْ فإِنّ جَهَنّم تُسْجَرُ وَتُفْتَحُ أَبْوَابُهَا، فإِذا زَاغَتِ
__________
لا تكره الصلاة بعد الصبح ولا بعد العصر إلا لمن قصد بصلاته طلوع الشمس وغروبها. وقوى هذا المعنى الإمام ابن المنذر. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"عن عمرو بن عبسة": بالحركات "أي الليل أسمع" : قال الخطابي: يريد أن أي أوقات الليل أرجى للدعوة وأولى للاستجابة "قال جوف الليل الآخر" : أي ثلث الليل الآخر وهو الجزء الخامس من أسداس الليل "فإن الصلاة مشهودة" : أي تشهدها الملائكة وتكتب أجر المصلين "ثم أقصر" : أي انته عن الصلاة وكف عنها "فترتفع" : فيه أن النهي عن الصلاة بعد الصبح لا يزول بنفس طلوع الشمس بل لابد من الارتفاع. وقد وقع عند البخاري من حديث عمر بلفظ "حتى تشرق الشمس" والإشراق الإضاءة. وفي حديث عقبة عند مسلم وأصحاب السنن "حتى تشرق الشمس بازغة" وذلك يبين أن المراد بالطلوع الارتفاع والإضاءة لا مجرد الظهور. ذكر معنى ذلك القاضي عياض. قال النووي: وهو متعين لا عدول عنه للجمع بين الروايات "قيس رمح" : بكسر القاف أي قدر رمح في رأي العين. قال في النهاية القيس والقيد سواء أي القدر "فإنها" : أي الشمس "تطلع بين قرني شيطان" : قال النووي: قيل المراد بقرني الشيطان حزبه وأتباعه وقيل غلبة أتباعه وانتشار فساده وقيل القرنان ناحيتا الرأس وأنه على ظاهره، قال وهذا الأقوى ومعناه أنه يدني رأسه إلى الشمس في هذه الأوقات ليكون الساجدون لها من الكفار كالساجدين له في الصورة، وحينئذ يكون له ولشيعته تسلط ظاهر وتمكن من أن يلبسوا على المصلين صلاتهم فكرهت الصلاة حينئذ صيانة لها كما كرهت في الأماكن التي هي مأوى الشيطان "ويصلى لها" : أي للشمس "الكفار" : وعند مسلم وأحمد "وحينئذ يسجد لها الكفار" "ثم" : أي بعد ارتفاعها قدر رمح "مشهودة مكتوبة" : أي تشهدها الملائكة ويحضرونها وتكتب أجرها وذلك أقرب إلى القبول وحصول الرحمة "حتى يعدل الرمح ظله" : ولفظ مسلم "حتى يستقل الظل بالرمح" قال النووي: معناه أنه يقوم مقابله في الشمال ليس مائلا إلى

(4/110)


الشّمْسُ فَصَلّ مَا شِئْتَ فإِنّ الصّلاَةَ مَشْهُودَةٌ حتى تُصَلّيَ الْعَصْرَ ثم أَقْصِرْ حتى تَغْرُبَ الشّمْسُ فإنها تَغْرُبُ بَيْنَ قرني شَيْطَانٍ وَيُصَلّي لها الكُفّارُ" . وَقَصّ حَدِيثاً طَوِيلاً. قال العَبّاسُ: هَكَذَا حَدّثَنِي أَبُو سَلاّمٍ عن أبي أُمَامَةَ إِلاّ أَنْ أُخْطِىءَ شَيْئاً لا أُرِيدُهُ فَأَسْتَغْفِرُ الله وَأَتَوبُ إِلَيهِ.
1274 - حدثنا مُسْلِمُ بنُ إِبراهِيمَ أخبرنا وُهَيْبٌ أخبَرَنَا قُدَامَةُ بنُ مُوسَى عن أَيّوبَ بنِ حُصَيْنٍ عن أبي عَلْقَمَةَ عن يَسَارٍ مَوْلَى ابنِ عُمَرَ قَالَ: رَآنِي ابنُ عُمَرَ وَأَنَا أُصَلّي بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ فَقَالَ يَا يَسَارُ إِنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم خَرَجَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ نُصَلّي هَذِهِ الصّلاَةَ فَقَالَ: "لِيُبَلّغْ شَاهِدُكُم غَائِبَكُم لا تُصَلّوا بَعْدَ الْفَجْرِ إِلاّ سَجْدَتَيْنِ".
__________
المشرق ولا إلى المغرب وهذا حالة الاستواء انتهى. والمراد أنه يكون الظل في جانب الرمح ولم يبق على الأرض من ظله شيء، وهذا يكون في بعض أيام السنة ويقدر في سائر الأيام عليه. وقال الخطابي وهو إذا قامت الشمس قبل أن تزول وإذا تناهى قصر الظل فهو وقت اعتداله فإذا أخذ في الزيادة فهو وقت الزوال "فإن جهنم تسجر" : بالسين المهملة والجيم والراء أي يوقد عليها إيقاداً بليغاً. وقال الخطابي ذكر تسجير جهنم وكون الشمس بين قرني الشيطان وما أشبه ذلك من الأشياء التي تذكر على سبيل التعليل لتحريم شيء أو لنهي عن شيء من أمور لا تدرك معانيها من طريق الحس والعيان وإنما يجب علينا الإيمان بها "حتى تصلي العصر" : قال في النيل: فيه دليل على أن وقت النهي لا يدخل بدخول وقت العصر ولا بصلاة غير المصلي وإنما يكره لكل إنسان بعد صلاته نفسه حتى لو أخرها عن أول الوقت لم يكره التنقل قبلها انتهى. قلت: هذا هو الظاهر من الحديث، وحمله الآخرون على وقت الغروب وعلى وقت الطلوع كما تقدم "لا أريده" : أي يكون ذلك الخطأ مني بلا اختيار وتعمد. قال المنذري: وأخرجه الترمذي مختصراً بمعناه وقال هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. هذا آخر كلامه وقد أخرج مسلم طرفاً منه في أثناء الحديث الطويل.
"لا تصلوا بعد الفجر" : أي بعد طلوعها "إلا سجدتين" : أي سنة الفجر. والحديث يدل على كراهة التطوع بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر. قال الترمذي: وهو مما أجمع عليه أهل العلم كرهوا أن يصلي الرجل بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر. قال الحافظ في التلخيص: دعوى الترمذي الإجماع على الكراهة لذلك عجيب. فإن الخلاف فيه مشهور حكاه ابن المنذر وغيره، وقد أطنب في ذلك محمد بن نصر في قيام الليل انتهى. وطرق حديث الباب يقوي بعضها بعضاً فتنهض للاحتجاج بها على الكراهة. وقد أفرط ابن حزم فقال الروايات في أنه لا

(4/111)


1275 - حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ أخبَرَنَا شُعْبَةُ عن أبي إسْحَاقَ عنْ الأَسْوَدِ وَمَسْرُوقٍ قالا نَشْهَدُ عَلَى عَائِشَةَ أَنّهَا قَالَتْ: مَا مِنْ يَوْمٍ يَأْتِي على النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلاّ صلّى بَعْدَ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ .
1276 - حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ سَعْدٍ أخبرنا عَمّي أخبرنا أبِي عنْ ابنِ إِسْحَاقَ عن محمدِ بنِ عَمْرِو بنِ عَطَاءِ عن ذَكْوَانَ مَوْلَى عَائِشَةَ: أَنّهَا حَدّثَتْهُ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يُصَلّي بَعْدَ الْعَصْرِ وَيَنْهَى عنها وَيُوَاصِلُ وَيَنْهَى عن الوِصَالِ .
__________
صلاة بعد الفجر إلا ركعتا الفجر ساقطة مطروحة مكذوبة. كذا في النيل قلت: وإدخال الحديث في الباب لا يخلو عن تكلف شديد. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه مختصراً. وقال الترمذي هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث قدامة بن موسى، وذكره البخاري في التاريخ الكبير وساق اختلاف الرواة فيه.
"إلا صلى بعد العصر ركعتين" : قال الخطابي: صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الوقت قيل إنه مخصوص بذلك، وقيل إن الأصل فيه أنه صلاها يوماً قضاء لفائت ركعتي الظهر، وكان صلى الله عليه وسلم إذا فعل فعلا واظب عليه ولم يقطعه فيما بعد، وقيل إنه صلى بعد العصر تنبيهاً لأمته أن نهيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر على وجه الكراهية لا على وجه التحريم قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"ويواصل" : أي في الصيام بأن يصوم ولا يفطر يومين أو أياماً. كذا في النهاية. قلت: رواية محمد بن عمرو بن عطاء عن ذكوان عن عائشة مخالفة لما عند مسلم من رواية عبد الله بن طاؤس عن أبيه عن عائشة أنها قالت: "وهم عمر إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتحرى طلوع الشمس وغروبها".
فإنما مفاد كلامها في رواية ذكوان أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد العصر، ومفاد كلامها في رواية طاؤس أن النهي يتعلق بطلوع الشمس وغروبها ولا بفعل صلاة الفجر والعصر، وثبت عنها أنها كانت تصلي بعد العصر كما عند الشيخين أن ابن عباس وغيره أرسل كريباً إلى عائشة يسألها عن الركعتين وقال قل لها إنا أخبرنا أنك تصليهما. فتأويل قول عائشة الذي في رواية ذكوان أنها كانت ترى مداومة النبي صلى الله عليه وسلم عليهما من خصائصه، وكانت تقول إنه صلى الله عليه وسلم لا يصليهما في المسجد مخافة أن يثقل على أمته، وكان يحب ما خفف عنهم، فهذا يرجع إلى استدامته لهما لا إلى أصل الصلاة في ذلك الوقت هذا ملخص من إعلام أهل العصر والله أعلم. قال المنذري: في إسناده محمد بن إسحاق بن يسار وقد اختلف في الاحتجاج بحديثه.

(4/112)


297 - باب الصلاة قبل المغرب
1277 - حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ عُمَرَ أخبرنا عَبْدُ الْوَارِثِ بنُ سَعِيدٍ عن حُسَيْنٍ المُعَلّمِ عن عبد الله بنِ بُرَيْدَةَ عن عبد الله المُزَنِيّ قَالَ قَالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "صَلّوا قَبْلَ المَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ ثُمّ قَالَ صَلّوا قَبْلَ المَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ لِمَنْ شَاء خَشْيَةَ أَنْ يَتّخِذَهَا النّاسُ سُنّةً".
1278 - حدثنا مُحمدُ بنُ عبدِ الرحيمِ البَزّازُ أنبأنا سَعِيدُ بنُ سُلَيْمانَ أخبرنا مَنْصُورُ بنُ أبي الأَسْوَدِ عن المُخْتَارِ بن فُلْفُلٍ عن أَنَسِ بن مَالِكٍ قال: صَلّيْتُ الرّكْعَتَيْنِ قَبْلَ المَغْرِبِ على عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم. قال قُلْتُ لأِنَسٍ أَرَآكُم رَسُول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال نَعَمْ رَآنَا فَلَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا.
__________
باب الصلاة قبل المغرب
"صلوا قبل المغرب ركعتين" : ولفظ البخاري قال في الثالثة "لمن شاء" هذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم قال صلوا قبل صلاة المغرب ثلاث مرات، وكذا وقع في رواية الإسماعيلي ثلاث مرات، وقال في الثالثة لمن شاء، وفي رواية أبي نعيم صلوا قبل المغرب ركعتين قالها ثلاثاً، ثم قال لمن شاء "خشية" : وفي البخاري كراهية أن يتخذها الناس سنة وانتصاب خشية وكراهية على التعليل ومعنى سنة طريقة لازمة يواظبون عليها. قال في السبل أي طريقة مألوفة لا يتخلفون عنها فقد يؤدي إلى فوات أول الوقت، وهو دليل على أنها تندب الصلاة قبل صلاة المغرب إذ هو المراد من قوله قبل المغرب لا أن المراد قبل الوقت لما علم من أنه منهي عن الصلاة فيه. وفي رواية لابن حبان: "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى قبل المغرب ركعتين" فثبت شرعيتهما بالقول والفعل انتهى، وتجيء هذه الرواية. قال المنذري: وأخرجه البخاري بنحوه.
"محمد بن عبد الرحيم البزاز": بزائين معجمتين هكذا في تذكرة الحفاظ للذهبي. ومحمد بن عبد الرحيم هذا المعروف بصاعقة وهكذا في تحفة الأشراف. وفي بعض النسخ محمد بن عبدالرحيم البرقي وهو أيضاً من شيوخ أبي داوود والأول هو الأصح. كذا في غاية المقصود "عن المختار بن فلفل": بضمتين "قلت": قول المختار الراوي "فلم يأمرنا ولم ينهنا" : قال الطيبي: أي لم يأمر من لم يصل ولم ينه من صلى انتهى. وفيه تقرير منه عليه السلام.
قال النووي: في هذه الروايات استحباب ركعتين بين المغرب وصلاة المغرب وفي

(4/113)


1279 - حدثنا عَبْدُ الله بنُ محمدٍ النّفَيْلِيّ أخبرنا ابنُ عُلَيّةَ عن الجُرَيْريّ عن عبد الله بنِ بُرَيْدَةَ عن عبد الله بنِ مُغَفّلٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "بَيْنَ كُلّ أَذَانَيْنِ صَلاَةٌ بَيْنَ كُلّ أَذَانَيْنِ صَلاَةٌ لِمَنْ شَاءَ".
1280 - حدثنا ابنُ بَشّارٍ أخبرنا محمدُ بنُ جَعْفَرٍ أخبرنا شعْبَةُ عنْ أبي شُعَيْبٍ عن طَاووسٍ قَال: سُئِلَ ابنُ عُمَرَ عن الرّكْعَتَيْنِ قَبْلَ المَغْرِبِ فَقَالَ مَا رَأَيْتُ أَحَداً على
__________
المسألة مذهبان للسلف، واستحبهما جماعة من الصحابة والتابعين، ومن المتأخرين أحمد وإسحاق ولم يستحبهما أكثر الفقهاء وحجة هؤلاء أن استحبابهما يؤدي إلى تأخير المغرب عن أول وقتها قليلا. وزعم بعضهم في جواب هذه الأحاديث أنها منسوخة والمختار استحبابها لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة. وأما قولهم يؤدي إلى تأخير المغرب فهذا خيال منابذ للسنة فلا يلتفت إليه، ومع هذا فهو زمن يسير لا تتأخر به الصلاة عن أول وقتها. وأما من زعم النسخ فهو مجازف لأن النسخ لا يصار إليه إلا إذا عجزنا عن التأويل والجمع بين الأحاديث وعلمنا التاريخ وليس ههنا شيء من ذلك انتهى كلامه مختصراً. وأخرج الإمام الحافظ محمد بن نصر في قيام الليل حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد حدثني أبي حدثنا حسين عن ابن بريدة أن عبد الله المزني حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى قبل المغرب ركعتين ثم قال: صلوا قبل المغرب ركعتين ثم قال عند الثالثة لمن شاء خاف أن يحسبها الناس سنة. قال العلامة أحمد بن علي المقريزي في مختصره هذا إسناد صحيح على شرط مسلم فإن عبد الوارث بن عبد الصمد احتج به مسلم والباقون احتج بهم الجماعة. وقد صح في ابن حبان حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين قبل المغرب. قال ابن حبان: أخبرنا محمد بن خزيمة حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث حدثني أبي حدثنا حسين المعلم عن عبد الله بن بريدة أن عبد الله المزني حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى قبل المغرب ركعتين . انتهى كلام المقريزي. قال المنذري: وأخرجه مسلم.
"بين كل أذانين" : المراد بالأذانين الأذان والإقامة تغليباً. وحديث عبد الله المزني وأنس يدل على استحباب هاتين الركعتين بخصوصها، وحديث عبد الله بن مغفل بعمومها. وأخرج محمد بن نصر من حديث عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من صلاة مفروضة إلا وبين يديها سجدتان" يعني ركعتين، كذا في غاية المقصود مختصراً. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.
"ما رأيت أحداً" : الحديث سكت عنه المؤلف ثم المنذري، فهو صالح الإسناد عندهما

(4/114)


عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم يُصَلّيهِمَا وَرَخّصَ في الرّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ . قال أَبُو دَاوُد سَمِعْتُ يَحْيَى بنَ مُعِينٍ يَقُولُ هوَ شُعَيْبٌ يَعْنِي وَهِمَ شُعْبَةٌ في اسْمِهِ.
__________
وصححه العيني وابن الهمام. وشعيب الراوي عن طاووس هو شعيب بياع الطيالسة. قال أبو زرعة: لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات وروى عنه وكيع وابن أبي غنية وعمر ابن عبيد الطنافسي وموسى بن إسماعيل، قاله العيني. وقال ابن حزم: سنده لا يصح لأنه عن أبي شعيب أو شعيب ولا يدرى من هو انتهى. وعندي أن هذا الحديث وهم من شعيب الراوي عن طاووس، وتفرد بروايته عن طاوس، وكيف تصح هذه الرواية وقد روى جماعة من الصحابة كعبد الله بن مغفل وأنس وعقبة بن عامر وغيرهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أذن في ذلك لمن أراد أن يصلي وفعل في عهده بحضرته فلم ينه عنه. وقد روي عن جماعة من الصحابة والتابعين أنهم كانوا يصلون قبل المغرب ركعتين، فمن الصحابة أنس وعبد الرحمن بن عوف وأبي بن كعب وأبو أيوب الأنصاري وأبو الدرداء وجابر بن عبد الله وغيرهم، ورواية هؤلاء مروية في قيام الليل لمحمد بن نصر كذا في الشرح "هو": أي الراوي عن طاووس "شعيب": لا أبو شعيب "وهم شعبة": الراوي عن شعيب "في اسمه": فقال أبو شعيب بالكنية وإنما هو شعيب فشعبة وهم فيه. وعلى كل حال هذا الراوي ليس بذاك القوي الذي يعارض حديثه بحديث الشيخين الذي هو في أعلى مرتبة الصحة. ونازع في هذا الشيخ ابن الهمام في شرح الهداية وكلامه باطل وفاسد لا يعبأ به. وقد أشيع الكلام في الرد عليه صاحب الدراسات فأجاد وأحسن. كذا في الشرح لأخينا أبي الطيب.

(4/115)


298 - باب صلاة الضحى
1281 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ عن عَبّادِ بن عَبّادٍ ح. وأخبرنا مُسَدّدٌ أخبرنا
__________
باب صلاة الضحى
قال الطيبي: المراد وقت الضحى وهو صدر النهار حين ترتفع الشمس وتلقي شعاعها انتهى. قال القاري: قيل التقدير صلاة وقت الضحى والظاهر أن إضافة الصلاة إلى الضحى بمعنى في كصلاة الليل وصلاة النهار فلا حاجة إلى القول بحذف المضاف، وقيل من باب إضافة المسبب كصلاة الظهر. وقال ميرك: الضحوة بفتح المعجمة وسكون المهملة ارتفاع النهار، والضحى بالضم والقصر شروقه وبه سمى صلاة الضحى، والضحاء بالفتح والمد هو إذا علت الشمس إلى زيغ الشمس فما بعده، وقيل وقت الضحى عند مضي

(4/115)


حَمّادُ بنُ زَيْدٍ المَعْنَى عن وَاصِلٍ عَنْ يَحْيَى بنِ عُقَيْلٍ عن يَحْيَى بنِ يَعْمُرَ عن أبي ذَرَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "يُصْبِحُ على كُلّ سُلاَمَى مِنَ ابنِ آدَمَ صَدَقَةٌ تَسْلِيمُهُ على مَنْ لَقِيَ صَدَقَةٌ، وَأَمْرُهُ بالمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيُهُ عن المُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَإِمَاطَةُ الأَذَى عن الطّرِيقِ صَدَقَةٌ، وَبُضْعَةُ أَهْلِهِ صَدَقَةٌ، وَيجْزِىء مِنْ ذَلِكَ كُلّهِ رَكْعَتَانِ مِنَ الضّحَى" قال أبو
__________
ربع اليوم إلى قبيل الزوال، وقيل هذا وقته المتعارف، وأما وقته فوقت صلاة الإشراق، وقيل: الإشراق أول الضحى. قال النووي: وإن أقلها ركعتان وأكملها ثمان ركعات وأوسطها أربع ركعات أو ست.
"يحيى بن عقيل": بضم العين قاله السيوطي "على كل سلامى" : هو بضم السين وتخفيف اللام وأصله عظام الأصابع وسائر الكف ثم استعمل في جميع عظام البدن ومفاصله. وفي صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "خلق الإنسان على ستين وثلاثمائة مفصل على كل مفصل صدقة" قاله النووي: وفي النهاية السلامى جمع سلامية وهي الأنملة من أنامل الأصابع، وقيل واحده وجمعه سواء ويجمع على سلاميات وهي التي بين كل مفصلين من أصابع الإنسان وقيل السلامى كل عظم مجوف من صغار العظام المعنى على كل عظم من عظام ابن آدم صدقة انتهى. وقال الخطابي: إن كل عضو ومفصل من بدنه عليه صدقة. انتهى "وإماطة الأذى" : أي إزالة الأذى "وبضعة أهله" : البضع بضم الباء هو الجماع، والمعنى مباشرته مع أهله "ويجزىء من ذلك كله" : ويجزىء بفتح أوله وضمه فالضم من الإجزاء والفتح من جزى يجزي أي كفى، ومنه قوله تعالى: {لا تَجْزِي نَفْسٌ} وفي الحديث "لا يجزىء عن أحد بعدك" وفيه دليل على عظم فضل الضحى وكبير موقعها وأنها تصح ركعتين والحث على المحافظة عليها. وفي الباب عن عائشة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي الضحى إلا أن يجيء من مغيبه وأنها ما رأته صلى الله عليه وسلم يصلي سبحة الضحى قط قالت: وإني لأسبحها وإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم" وفي رواية عنها: "أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي الضحى أربع ركعات ويزيد ما يشاء" وفي رواية "ما شاء الله" وفي حديث أم هانىء "أنه صلى الله عليه وسلم صلى ثمان ركعات" وفي حديث أبي ذر وأبي هريرة وأبي الدرداء ركعتان وهذه الأحاديث المروية في صحيح مسلم وغيره كلها متفقة لا اختلاف بنيها عند أهل التحقيق وحاصلها أن الضحى سنة متأكدة وأن أقلها ركعتان وأكملها ثمان ركعات وبينهما أربع أو ست كلاهما أكمل من ركعتين ودون ثمان، وأما الجمع بين حديثي عائشة في نفي صلاته صلى الله عليه وسلم الضحى وإثباتها، فهو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصليها بعض الأوقات لفضلها ويتركها في بعضها خشية

(4/116)


داوود وحَدِيثُ عَبّادٍ أتَمّ. وَلَمْ يَذْكُرْ مُسَدّدٌ الأَمْرَ وَالنّهْي. زَادَ في حَدِيثِهِ: وَقَالَ كَذَا وكَذَا. وَزَادَ ابنُ مَنِيعٍ في حَدِيثهِ: قالوا يَا رَسُولَ الله أَحَدُنَا يَقْضِي شَهْوَتَهُ وَتَكُونُ لَهُ صَدَقَةٌ؟ قَال: "أَرَأَيْتَ لَوْ وَضَعَهَا في غَيْرِ حِلّهَا أَلَمْ يَكُن يَأْثَمُ".
1282 - حدثنا وَهْبُ ابنُ بَقِيّةَ أنبأنا خَالِدٌ عن وَاصِلٍ عن يَحْيَى بنِ عُقَيْلٍ عن يَحْيَى بنِ يَعْمُرَ عن أبي الأَسْوَدِ الدّؤَلِيّ قال بَيْنَمَا نَحْنُ عند أبي ذَرّ قال: "يُصْبِح على كُلّ سُلاَمَى مِنْ أَحَدِكُم في كُلّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ فَلَهُ بِكُلّ صَلاَةٍ صَدَقَةٌ وَصِيَامٍ صَدَقَةٌ وَحَجّ صَدَقَةٌ وَتَسْبِيحٍ صَدَقَةٌ وَتَكْبِيرِ صَدَقَةٌ وَتَحْمِيدٍ صَدَقَةٌ" فَعَدّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ هذه الأَعْمَالِ الصّالِحَةِ ثم قال: "يُجْزِىءُ أَحَدَكُمْ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَا الضّحَى".
1283 - حدثنا محمدُ بنُ سَلَمَةَ المُرَادِيّ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ عن يَحْيَى بنِ أَيّوبَ عن زَبّانِ ابنِ فَائِدٍ عن سَهْلِ بنِ مُعَاذِ بنِ أَنَسِ الجُهَنِيّ عن أبيهِ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ قَعَدَ في مُصَلاّهُ حِينَ يَنْصَرِفُ مِنْ صَلاَةِ الصّبْحِ حتى يَسَبّحَ رَكْعَتَيِ الضّحَى لا
__________
أن تفرض كما ذكرته عائشة، ويتأول قولها ما كان يصليها إلا أن يجيء من مغيبه، على أن معناه ما رأيته كما قالت في الرواية الثانية: "ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي سبحة الضحى" وسببه أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يكون عند عائشة في وقت الضحى إلا في نادر من الأوقات فإنه قد يكون في ذلك مسافراً، وقد يكون حاضراً ولكنه في المسجد أو في موضع آخر وإذا كان عند نسائه فإنما كان لها يوم من تسعة فيصح قولها ما رأيته. قال المنذري: وأخرجه مسلم، وفي الألفاظ اختلاف "وحديث عباد": من رواية أحمد بن منيع عنه عن واصل "أتم": من حديث مسدد عن حماد بن زيد عن واصل "ولم يذكر مسدد": في روايته "الأمر والنهي": كما ذكره أحمد بن منيع "زاد": أي مسدد في روايته"وقال كذا وكذا": هكذا أبهم ولم يذكر المشار إليه، وصرح أحمد بن منيع به، وهو ذكر الأمر والنهي "وزاد ابن منيع": دون مسدد "يقضي شهوته" : أي يجامع أهله لقضاء شهوته "قال" : النبي صلى الله عليه وسلم "أرأيت" : أي أخبرني "لو وضعها" : أي شهوته "في غير حلها" : وهو الزنا "ألم يكن يأثم" : ويرتكب المعصية.
"عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني": منسوب إلى قبيلة جهينة مصغراً "من قعد" : أي استمر "في مصلاه" : من المسجد أو البيت مشتغلا بالذكر أو الفكر أو مفيداً للعلم أو مستفيداً وطائفاً بالبيت "حين ينصرف" : أي يسلم "من صلاة الصبح حتى يسبح" : أي إلى أن يصلي

(4/117)


يَقُولُ إِلاّ خَيْراً غُفِرَ لَهُ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ أكْثَرَ مِنْ زَبَد البَحْرِ".
1284 - حدثنا أَبُو تَوْبَةَ الرّبيعُ بنُ نَافِعٍ أخبرنا الْهَيْثَمُ بنُ حُمَيْدٍ عن يَحْيَى بنِ الْحَارِثِ عن الْقَاسِمِ أبِي[بن] عبد الرحمن عن أبِي أُمَامَةَ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "صَلاَةٌ في إثْرِ صَلاَةٍ لاَ لَغْوَ بَيْنَهُمَا كِتابٌ في عِلّيّينَ" .
1285 - حدثنا دَاوُدُ بنُ رُشَيْدٍ أخبرنا الوَلِيدُ عن سَعِيدِ بنِ عبد العزيز عن مَكْحُولٍ عن كَثِيرِ بنِ مُرّةَ[مرة أبي شجرة] عن نَعِيمِ بنِ هَمّارٍ قال سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "يَقُولُ [قال] الله عز وجل يا ابنَ آدَم لا تُعْجِزْنِي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ في أَوّلِ نَهَارِكَ أَكْفِكَ آخِرَهُ".
__________
"ركعتي الضحى" : أي بعد طلوع الشمس وارتفاعها "لا يقول" : أي فيما بينهما "إلا خيراً" : أي وهو ما يترتب عليه الثواب، واكتفى بالقول عن الفعل "غفر له خطاياه" : أي الصغائر ويحتمل الكبائر قاله على القارىء. قال المنذري: سهل بن معاذ بن أنس ضعيف والراوي عنه زبان بن فايد الحمراوي ضعيف أيضاً، ومعاذ بن أنس الجهني له صحبة معدود في أهل مصر والشام، وزبان بفتح الزاي وبعدها باء موحدة مشددة مفتوحة وبعد الألف نون وفايد بالفاء وبعد الألف ياء آخر الحروف ودال مهملة "صلاة في إثر صلاة" : أي صلاة تتبع صلاة وتتصل بها فرضاً أو سنة أو نفلا "لا لغو بينهما" : أي ليس بينهما كلام باطل ولا لغط واللغو اختلاط الكلام "كتاب في عليين" : أي مكتوب ومقبول تصعد به الملائكة المقربون إلى عليين لكرامة المؤمن وعمله الصالح قاله المناوي. قال المنذري: قد تقدم الكلام على القاسم هذا واختلاف الأئمة في الاحتجاج بحديثه.
"يا ابن آدم" : وفي بعض النسخ بحذف حرف النداء "لا تعجزني" : يقال: أعجزه الأمر إذا فاته أي لا تفوتني من العبادة. قال الحافظ العراقي: أي تفتني بأن لا تفعل ذلك فيفوتك كفايتي آخر النهار "في أول نهارك" : يحتمل أن يراد بها فرض الصبح وركعتا الفجر أو أريد بالأربع المذكورة صلاة الضحى وإليه جنح المؤلف وعليه عمل الناس "أكفك آخره" : يحتمل أن يراد كفايته من الآفات والحوادث الضارة، وأن يراد حفظه من الذنوب والعفو عما وقع منه في ذلك أو أعم من ذلك قاله السيوطي قال الشوكاني: واستدل بالحديث على مشروعية الضحى ولكنه لا يتم إلا على تسليم أنه أريد بالأربع المذكورة صلاة الضحى. وقد قيل يحتمل أن يراد بها فرض الصبح وركعتا الفجر لأنها هي التي أول النهار حقيقة ويكون معناه كقوله صلى الله عليه وسلم: "من صلى

(4/118)


1286 - حدثنا أحمدُ بنُ صالِحٍ و أحمدُ بنُ عَمْرِو بنِ السّرْحِ قالا أخبرنا ابنُ وَهْبٍ حدثني عَيّاضُ بنُ عبد الله عن مَخْرَمَةَ بنِ سُلَيْمانَ عن كُرَيْبٍ مَوْلَى ابنِ عَبّاسٍ عن أُمّ هَانِىءِ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الْفَتْحِ صَلّى سُبْحَةَ الضّحَى ثمَانِيَ[ثمان] رَكَعَاتٍ يُسَلّمُ منْ كُلّ رَكْعَتَيْنِ قال[قال أبو داود قال] أحمدُ بنُ صَالِحٍ إِنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم صَلّى يَوْمَ الْفَتْحِ سُبْحَةَ الضّحَى فَذَكَرَ مِثْلَهُ قال ابنُ
__________
الصبح فهو في ذمة الله" قال العراقي: وهذا ينبىء على أن النهار هل هو من طلوع الفجر أو من طلوع الشمس، والمشهور الذي يدل عليه كلام جمهور أهل اللغة وعلماء الشريعة أنه من طلوع الفجر. قال: وعلى تقدير أن يكون النهار من طلوع الفجر فلا مانع من أن يراد بهذه الأربع الركعات بعد طلوع الشمس لأن ذلك الوقت ما خرج عن كونه أول النهار وهذا هو الظاهر من الحديث وعمل الناس، فيكون المراد بهذه الأربع ركعات صلاة الضحى انتهى.
وقد اختلف في وقت دخول الضحى فروى النووي في الروضة عن أصحاب الشافعي أن وقت الضحى يدخل بطلوع الشمس ولكن يستحب تأخيرها إلى ارتفاع الشمس، وذهب البعض منهم إلى أن وقتها يدخل من الارتفاع، وبه جزم الرافعي وابن الرفعة. قال المنذري: وأخرجه الترمذي من حديث أبي الدرداء وأبي ذر وقال حسن غريب هذا آخر كلامه. وفي إسناده إسماعيل بن عياش وفيه مقال، ومن الأئمة من يصحح حديثه عن الشاميين، وهذا الحديث شامي الإسناد، وحديث أبي همار قد اختلف الرواة فيه اختلافاً كثيراً وقد جمعت طرقه في جزء مفرد. وحمل العلماء هذه الركعات على صلاة الضحى. وقال بعضهم النهار يقع عند أكثرهم على ما بين طلوع الشمس إلى غروبها وأخرجه أبو داوود والترمذي في باب صلاة الضحى، وذكر بعضهم أن نعيم بن همار روى عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثاً واحداً وذكر هذا الحديث. وقد وقع لنا أحاديث من روايته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير هذا. وقد قيل في اسم أبيه هبار بالباء الموحدة وهدار بالدال المهملة وهمام بميمين، وقيل خمار بالخاء المفتوحة المعجمة، وقيل حمار بالحاء المهملة المكسورة انتهى.
"صلى سبحة الضحى ثماني ركعات" : قال النووي: هذا أوضح من حديثها الذي في الصحيح، ويبين أن المراد به صلاة الضحى، وبه يندفع توقف القاضي عياض وغيره في الاستدلال به قائلين إنها أخبرت عن وقت صلاته لا عن نيتها فلعلها كانت صلاة شكر لله تعالى على الفتح. قال إسناد أبي داوود في هذا الحديث صحيح على شرط البخاري انتهى "قال أحمد بن صالح": مقصوده ذكر اختلاف لفظ أحمد بن صالح وأحمد بن عمرو فذكر أحمد بن

(4/119)


السرْحِ إنّ أُمّ هَانِىءٍ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ولَمْ يَذْكُر سُبْحَةَ الضّحَى بمَعْنَاهُ .
1287 - حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ أخبَرَنَا شُعْبَةُ عن عَمْرِو بن مُرّةَ عنْ ابنِ أبِي لَيْلَى قال: مَا أَخْبَرَنَا أَحَدٌ أَنّهُ رَأَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم صلّى الضّحَى غَيْرَ أُمّ هَانِىء فإِنّهَا ذَكَرَتْ أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ فَتْحَ مَكّةَ اغْتَسَلَ في بَيْتِهَا وَصلّى ثمَانِ ركَعَاتٍ، فَلَمْ يَرَهُ أَحَدٌ صَلاّهُنّ بَعْدُ .
1288 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَزيِدُ بنُ زُرَيْعٍ حدثَنَا الجُرَيْرِيّ عنْ عبد الله بنِ شَقِيقٍ قالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ هَلْ كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُصَلّي الضّحَى فَقَالَتْ لاَ إِلاّ أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ، قُلْتُ: هَلْ كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَقْرِنُ بَيْنَ السّوَرتين؟ قالَتْ: مِنَ المُفَصّلِ.
__________
صالح لفظه سبحة الضحى أي صلى يوم الفتح سبحة الضحى ثمان ركعات، ولم يذكره ابن السرح بل قال صلى يوم الفتح ثمان ركعات. قال المنذري: أخرجه ابن ماجة.
"يوم فتح مكة اغتسل في بيتها" : قال الحافظ ابن حجر: ظاهره أن الاغتسال وقع في بيتها ووقع في الموطأ ومسلم من طريق أبي مرة عن أم هانىء أنها ذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بأعلى مكة فوجدته يغتسل، وجمع بينهما بأن ذلك تكرر منه. ويؤيده ما رواه ابن خزيمة من طريق مجاهد عن أم هانىء، وفيه أن أبا ذر ستره لما اغتسل وأن في رواية أبي مرة عنها أن فاطمة بنته هي التي سترته، ويحتمل أن يكون نزل في بيتها بأعلى مكة وكانت هي في بيت آخر بمكة فجاءت إليه فوجدته يغتسل فيصح القولان، وأما الستر فيحتمل أن يكون أحدهما ستره في ابتداء الغسل والآخر في أثنائه والله أعلم "وصلى ثمان ركعات" : زاد كريب عن أم هانىء في الرواية المتقدمة "يسلم من كل ركعتين" وكذا أخرجه ابن خزيمة أيضاً.، وفيه رد على من تمسك به في صلاتها موصولة سواء صلى ثمان ركعات أو أقل. وفي الطبراني من حديث ابن أبي أوفى "أنه صلى الضحى ركعتين فسأَلته امرأته فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوم الفتح ركعتين" وهو محمول على أنه روي من صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين، ورأت أم هانىء بقية الثمان وهذا يقوي أنه صلاها مفصولة، والله أعلم. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي.
"فقالت لا إلا أن يجيء من مغيبه" : بفتح الميم وكسر الغين أي من سفره قال الخطابي: أخذ قوم بحديث عائشة فلم يروا صلاة الضحى وقالوا: إن الصلاة التي صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم

(4/120)


1289 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عنْ مَالِكٍ عنْ ابنِ شِهَابٍ عن عُرْوَةَ بنِ الزّبَيْرِ عن عَائِشةَ زَوْجِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أَنهَا قالَتْ: مَا سَبّحَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم سُبْحَةَ الضّحَى قَطّ وإِنّي لأُسَبِحُهَا وإِنْ كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لَيَدَعُ العَمَلَ وَهُوَ يُحِبّ أَنْ يَعْمَلَ به خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ به النّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِم.
1290 - حدثنا ابنُ نُفَيْلٍ وأحمدُ بنُ يُونُسَ قَالا: أخبرنا زُهَيْرٌ أخبرنا سِمَاكٌ قَال: قُلْتُ لِجَابِرِ بنِ سَمُرَةَ أَكُنْتَ تُجَالِسُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم؟ قال نَعْمْ كَثِيراً فَكَانَ لا يَقُومُ مِن مُصَلاّهُ الذِي صَلّى فيه الغَدَاةَ حتى تَطْلُعَ الشّمْسُ فإِذَا طَلَعَتْ قَامَ صلى الله عليه وسلم.
__________
يوم الفتح هي سنة الفتح. قال: وهذا التأول لا يدفع صلاة الضحى لتواتر الروايات بها عن النبي صلى الله عليه وسلم. ومعنى حديث عائشة أنه ما صلاها معلناً بها. ومذهب السلف الاستتار بها وترك إظهارها. قال وحديث أبي هريرة للترغيب فيها لأنه صلى الله عليه وسلم لا يوصي بعمل إلا وفي فعله جزيل الأجر والثواب انتهى "يقرن" : أي يجمع "بين السور" : أي بين سور القرآن في ركعة واحدة "من المفصل" : وهو السبع الأخير من القرآن. قال الطيبي: أوله سورة الحجرات لأن سوره قصار كل سورة كفصل من الكلام انتهى. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي مختصراً ومطولا.
"ما سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم" : قال النووي: أي ما يداوم عليها فيكون نفياً للمداومة لا لأصلها والله أعلم. وأما ما صح عن ابن عمر أنه قال في الضحى هي بدعة فمحمول على أن صلاتها في المسجد والتظاهر بها كما كانوا يفعلونه بدعة لا أن أصلها في البيوت ونحوها مذموم. أو يقال إن ابن عمر لم يبلغه فعل النبي صلى الله عليه وسلم الضحى وأمره بها، وكيف كان فجمهور العلماء على استحباب الضحى "ما سبح" : أي ما صلى "سبحة الضحى" : بضم السين أي نافلة الضحى "وإن كان" : مخففة من مثقلة "ليدع" : بفتح اللام وفتح الدال أي يترك "أن يعمل به" : بفتح الياء أي يعمله. وفيه بيان كمال شفقته صلى الله عليه وسلم ورأفته بأمته. وفيه إذا تعارضت مصالح قدم أهمها انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم.
"فإذا طلعت قام صلى الله عليه وسلم" : أي لصلاة الإشراق أي للصلاة وهي الضحوة الصغرى يقال لها الإشراق والقيام إلى الصلاة هو ظاهر من تبويب المؤلف. وفي رواية لمسلم "حتى تطلع الشمس حسناً" هو بفتح السين وبالتنوين أي طلوعاً حسناً أي مرتفعة. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي بنحوه.

(4/121)


299 - باب صلاة النهار
1291 - حدثنا عَمْرُو بنُ مَرْزُوقٍ أنبأنا شُعْبَةُ عنْ يَعْلى بنِ عَطَاءٍ عن عَلِيّ بن عبد الله البَارِقِيّ عن ابنِ عُمَرَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "صَلاَةُ اللّيْلِ وَالنّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى".
1292 - حدثنا ابنُ المُثَنّى أخبَرَنَا مُعَاذُ بنُ مُعَاذٍ أخبَرَنَا شُعْبَةُ حَدّثَني عَبْدُ رَبّهِ بنُ سَعِيدٍ عن أَنَسٍ بن أبي أَنَسٍ عن عبد الله بن نَافِعٍ عنْ عبد الله بن الحارِثِ عن المُطّلِبِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "الصّلاَةُ مَثْنَى مَثْنَى أَنْ تَشْهّدَ في كُلّ رَكْعَتَيْنِ وَأَنْ تَبَأَسَ
__________
باب صلاة النهار
"صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" : قال الخطابي: روى هذا عن ابن عمر نافع وطاووس وعبد الله بن دينار لم يذكر فيها أحد صلاة النهار وإنما هو صلاة الليل مثنى مثنى، إلا أن سبيل الزيادات أن تقبل. وقد قال بهذا في النوافل مالك بن أنس والشافعي وأحمد بن حنبل، وقد صلى صلى الله عليه وسلم صلاة الضحى يوم الفتح ثمان ركعات سلم عن كل ركعتين، وصلاة العيد ركعتان، وصلاة الاستسقاء ركعتان، وهذه كلها من صلاة النهار. وقال في النيل. والحديث يدل على أن المستحب في صلاة تطوع الليل والنهار أن يكون مثنى مثنى إلا ما خص من ذلك إما من جانب الزيادة كحديث عائشة صلى أربعاً، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم صلى أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، وإما في جانب النقصان كأحاديث الإيثار بركعة. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجة.
قال الترمذي: اختلف أصحاب شعبة في حديث ابن عمر فرفعه بعضهم ووقفه بعضهم وقال الصحيح ما روي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "صلاة الليل مثنى مثنى" وروى الثقات عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكروا فيه صلاة النهار. وقال النسائي هذا الحديث عندي خطأ والله أعلم. وقال الإمام الشافعي هكذا جاء الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابت، وقد يروى عنه خبر يثبت أهل الحديث مثله في صلاة النهار. وذكر حديث يعلى بن عطاء هذا. وسئل البخاري عن حديث يعلى بن عطاء أصحيح هو فقال نعم. وذكر البخاري في الصحيح عن يحيى بن سعيد الأنصاري أنه قال ما أدركت فقهاء أرضنا إلا يسلمون في كل اثنتين من النهار، وذكر في الباب أحاديث تدل على ذلك. وحكى ذلك عن جماعة من الصحابة والتابعين. ثم ذكر المنذري كلام الخطابي الذي تقدم.
"الصلاة مثنى مثنى" : قال العراقي: يحتمل أن يكون المراد أنه يسلم في كل ركعتين

(4/122)


وَتَمَسْكَنَ وَتُقْنِعَ بيدَيكَ وتَقُولَ اللّهُمّ اللّهُمّ فمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَهَيَ خِدَاجٌ" سُئِلَ أَبُو دَاوُدَ عن صَلاَةِ اللّيْلِ مَثْنَى قال: إِنْ شِئْتَ مَثْنَى مَثْنَى وإنْ شِئْتَ أَرْبَعاً.
__________
ويحتمل أن المراد أنه يتشهد في كل ركعتين وإن جمع ركعات بتسليم واحد فيكون قوله عقبه "أن تشهد في كل ركعتين" : تفسير المعنى مثنى مثنى "وأن تبأس" : أي تظهر بؤساً وفاقة. قال الخطابي: معناه إظهار البؤس والفاقة. وقال أبو موسى المديني: أي تظهر خضوعاً وفقراً. قال الخطابي: أصحاب الحديث يغلطون شعبة في رواية هذا الحديث. قال محمد بن إسماعيل البخاري: أخطأ شعبة في هذا الحديث في مواضع قال عن أنس بن أبي أنس وإنما هو عمران بن أبي أنس، وقال عن عبد الله بن الحارث وإنما عن عبد الله بن نافع عن ربيعة بن الحارث وربيعة بن الحارث هو ابن المطلب فقال هو عن المطلب. والحديث عن الفضل بن عباس ولم يذكر فيه الفضل. قلت: ورواه الليث بن سعد عن عبد ربه بن سعيد عن عمران بن أبي أنس عن عبد الله بن نافع عن ربيعة بن الحارث عن الفضل بن العباس عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو الصحيح. وقال يعقوب بن سفيان في هذا الحديث مثل قول البخاري وخطأ شعبة وصوب الليث بن سعد وكذلك قال محمد بن إسحاق بن خزيمة انتهى. "وتمسكن" : من المسكنة وقيل من السكون والوقار والميم مزيدة فيها قاله الخطابي أي تظهر سكوناً ووقاراً فميمه زائد. وقال العراقي مضارع حذف منه أحد التاءين "وتقنع بيديك" : قال الخطابي: إقناع اليدين رفعهما في الدعاء المسألة انتهى. وجعل ابن العربي هذا الرفع بعد الصلاة فيها. قال العراقي لا يتعين بل يجوز أن يراد الرفع في قنوت الصلاة في الصبح والوتر انتهى "وتقول اللهم اللهم" : نداء معناه يا الله أي أعطني كذا وكذا "فهي خداج" : أي نقصان في الأجر والفضيلة: قال المنذري: وأخرجه البخاري وابن ماجه. وفي حديث ابن ماجه المطلب بن أبي وداعة وهو وهم، وقيل هو عبد المطلب ابن ربيعة، وقيل الصحيح فيه ربيعة بن الحارث عن الفضل بن عباس رضي الله عنهم. وأخطأ فيه شعبة في مواضع، وقال البخاري في التاريخ إنه لا يصح انتهى. قلت: هكذا في نسختين من المنذري وليس الحديث في صحيح البخاري أصلا. وقال المزي في الأطراف: حديث "الصلاة مثنى مثنى أن تشهد في كل ركعتين" أخرجه أبو داوود والنسائي وابن ماجة انتهى. وهذا وهم من المنذري جرى القلم بلفظ البخاري مكان النسائي كذا في الشرح.

(4/123)


300 - باب صلاة التسبيح
1293 - حدثنا عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ بِشْرِ بنِ الْحَكَمِ النَيْسَابُورِيّ أخبَرَنَا مُوسَى بنُ عبد العزيز أخبَرَنَا الْحَكَمُ بنُ أَبَانَ عن عِكْرِمَةَ عنْ ابن عَبّاسٍ أَنْ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال لِلعَبّاسِ بنِ عَبْدِ المُطّلِبِ: "يَا عَبّاسُ يَا عَمّاهُ أَلاَ أُعْطِيكَ؟ أَلاَ أَمْنَحُكَ؟ أَلاَ أَحْبُوكَ؟ أَلاَ
__________
باب صلاة التسبيح
"يا عماه" : إشارة إلى مزيد استحقاقه وهو منادى مضاف إلى ياء المتكلم فقلبت ياؤه ألفاً وألحقت بهاء السكت كيا غلاماه "ألا أمنحك" : أي ألا أعطيك منحة. قال في المغرب: المنح أن يعطي الرجل الرجل شاة أو ناقة ليشرب لبنها ثم يردها إذا ذهب درها هذا أصله ثم كثر استعماله حتى قيل في كل عطاء "ألا أحبوك" : يقال حباه كذا وبكذا إذ أعطاه، والحباء العطية. كذا في النهاية وهو قريب المعنى. وكرر ألفاظاً متقاربة المعنى تقريراً للتأكيد قال السيوطي: وأفرط ابن الجوزي فأورد هذا الحديث في كتاب الموضوعات وأعله بموسى ابن عبد العزيز قال إنه مجهول. قال الحافظ أبو الفضل بن حجر في كتاب الخصال المكفرة للذنوب المقدمة والمؤخرة أساء ابن الجوزي بذكر هذا الحديث في الموضوعات. وقوله إن موسى بن عبد العزيز مجهول لم يصب فيه فإن ابن معين والنسائي وثقاه. وقال في أمالي الأذكار: هذا الحديث أخرجه البخاري في جزء القراءة خلف الإمام وأبو داوود وابن ماجه وابن خزيمة في صحيحه والحاكم في مستدركه وصححه البيهقي وغيرهم وقال ابن شاهين في الترغيب سمعت أبا بكر بن أبي داوود يقول سمعت أبي يقول أصح حديث في صلاة التسبيح هذا قال وموسى بن عبد العزيز وثقه ابن معين والنسائي وابن حبان وروى عنه خلق وأخرجه البخاري في جزء القراءة هذا الحديث بعينه وأخرج له في الأدب حديثاً في سماع الرعد. وببعض هذه الأمور ترتفع الجهالة. وممن صحح هذا الحديث أو حسنه غير من تقدم ابن مندة وألف في تصحيحه كتاباً والآجري والخطيب وأبو سعد السمعاني وأبو موسى المديني وأبو الحسن بن المفضل والمنذري وابن الصلاح والنووي في تهذيب الأسماء وآخرون. وقال الديلمي في مسند الفردوس: صلاة التسبيح أشهر الصلوات وأصحها إسناداً. وروى البيهقي وغيره عن أبي حامد الشرفي قال كنت عند مسلم بن الحجاج ومعنا هذا الحديث فسمعت مسلماً يقول لا يروى فيها إسناد أحسن من هذا. وقال الترمذي: قد رأى ابن المبارك وغيره من أهل العلم صلاة التسبيح وذكروا الفضل فيها. وقال البيقهي: كان عبد الله بن المبارك يصليها وتداولها الصالحون بعضهم عن بعض، وفيه تقوية للحديث المرفوع. ولحديث ابن عباس هذا طرق

(4/124)


أَفْعَلُ بِكَ عَشْرَ خِصَالٍ إذا أَنْتَ فَعَلْتَ ذَلِكَ غَفَرَ الله لَكَ ذَنْبَكَ أَوّلَهُ وَآخِرَهُ قَدِيمَهُ وَحَدِيثَهُ خَطْأَهُ وَعَمْدَهُ، صَغِيرَهُ وَكَبِيرَهُ سِرّهُ وَعَلاَنِيَتَهُ عَشْرَ خُصَالٍ أَنْ تُصَلّي أَربَعَ رَكَعَاتٍ تَقْرَأُ في كُلّ رَكْعَةٍ فَاتِحَةَ الكِتَابِ وَسُورَةً. فَإِذَا فَرَغْتَ مِنَ الْقِرَاءَةِ في أَوّلِ رَكْعَةٍ وَأَنْتَ قَائِمٌ قُلْتَ سُبْحَانَ الله وَالْحَمْدُ لله وَلاَ إِلهَ إِلاّ الله وَالله أَكْبَرُ خَمْسَ عَشَرَةَ مَرّةً ثم تَركَعُ
__________
فتابع موسى بن عبد العزيز عن الحكم بن أبان إبراهيم بن الحكم، ومن طريقه أخرجه ابن راهويه وابن خزيمة والحاكم وتابع عكرمة عن ابن عباس عطاء وأبو الجوزاء ومجاهد.
وورد حديث صلاة التسبيح أيضاً من حديث العباس بن عبد المطلب وابنه الفضل وأبي رافع وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمر وعلي بن أبي طالب وجعفر بن أبي طالب وابنه عبد الله وأم سلمة والأنصاري الذي أخرج المؤلف حديثه وسيجيء. وقال الزركشي: غلط ابن الجوزي بلا شك في جعله من الموضوعات، لأنه رواه من ثلاثة طرق أحدها: حديث ابن عباس وهو صحيح وليس بضعيف فضلا عن أن يكون موضوعاً وغاية ما علله بموسى بن عبد العزيز فقال مجهول وليس كذلك، فقد روى عنه بشر بن الحكم وابنه عبد الرحمن وإسحاق بن أبي إسرائيل وزيد بن المبارك الصنعاني وغيرهم. وقال فيه ابن معين والنسائي ليس به بأس ولو ثبتت جهالته لم يلزم أن يكون الحديث موضوعاً، ما لم يكن في إسناده من يتهم بالوضع. والطريقان الآخران في كل منهما ضعيف ولا يلزم من ضعفهما أن يكون حديثهما موضوعاً انتهى.
"عشر خصال" : بالنصب على أنه مفعول للأفعال المتقدمة على سبيل التنازع قال التوربشتي: الخصلة هي الخلة، أي عشرة أنواع ذنوبك، والخصال العشر منحصرة في قوله أوله وآخره، وقد زادها إيضاحاً بقوله عشر خصال بعد حصر هذه الأقسام أي هذه عشر خصال. وقال ميرك: فالخصال العشر هي الأقسام العشر من الذنوب. وقال بعضهم المراد بالعشر الخصال التسبيحات والتحميدات والتهليلات والتكبيرات فإنها سوى القيام عشر عشر انتهى "أوله وآخره" : بالنصب قال التوربشتي أي مبدأه ومنتهاه وذلك أن من الذنب مالا يواقعه الإنسان دفعه واحدة وإنما يتأتى منه شيئاً فشيئاً ويحتمل أن يكون معناه ما تقدم من ذنبه وما تأخر "سره وعلانيته" : والضمير في هذه كلها عائد إلى قوله ذنبك وفي شرح العلامة الاردبيلي ههنا بحث شريف "أن تصلي" : أن مفسرة لأن التعليم في معنى القول أو هي خبر مبتدأ محذوف والمقدر عائد إلى ذلك أي هو يعني المأمور به أن تصلي "في أول ركعة" : أي قبل الركوع "خمس عشرة مرة" : وفيه أن التسبيح بعد القراءة وبه أخذ أكثر الأئمة، وأما ما كان عبد الله بن المبارك يفعله من

(4/125)


فَتقُولُهَا وَأَنْتَ رَاكِعٌ عشْراً[عشر مرات] ثم تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِنَ الرّكُوعِ فَتَقُولُها عَشْراً ثم تَهْوِي سَاجِداً فَتَقُولُها وَأَنْتَ سَاجِدٌ عَشْراً ثم تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِنَ السّجُودِ فَتَقُولُهَا عَشراً ثم تَسْجُدُ فَتَقُولُهَا عَشْراً ثم تَرْفَعُ رَأْسَكَ فَتَقُولُهَا عَشْراً فَذَلِكَ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ في كلّ رَكْعَةٍ تَفْعَلُ ذَلِكَ في أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ إنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تُصَلّيهَا في كلّ يَوْمٍ فَافْعَلْ، فإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي كلّ جُمُعَةٍ مَرّةً، فإِنْ لَمْ تَفْعَل فَفِي كُلّ شَهْرٍ مَرّةً، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي كُلّ سَنَةٍ مَرّةً، فإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي عُمُرِكَ مَرّةً" .
__________
جعله خمس عشرة قبل القراءة وبعد القراءة عشراً ولا يسبح في الاعتدال فهو مخالف لهذا الحديث، ووافقه النووي في الأذكار فجعل قبل الفاتحة عشراً لكنه أسقط في مقابلتها ما يقال في جلسة الاستراحة. وقال بعضهم وفي رواية عن ابن المبارك أنه كان يقول عشرين في السجدة الثانية. قال القاري وهذا ورد في أثر بخلاف ما قبل القراءة "ثم تركع فتقولها وأنت راكع عشرا" : أي بعد تسبيح الركوع فتقولها عشراً أي بعد التسميع والتحميد "وأنت ساجد عشراً" : أي بعد تسبيح السجود "ثم تسجد" : أي ثانياً "ثم ترفع رأسك" : أي من السجدة الثانية "فتقولها عشراً" : أي قبل أن تقوم على ما في الحصن. قال القاري: وهو يحتمل جلسة الاستراحة وجلسة التشهد انتهى.
قلت: الحديث الثاني فيه تصريح بأنه جلسة الاستراحة لا غيرها "فذلك" : أي مجموع ما ذكر من التسبيحات "خمس وسبعون" : مرة "في أربع ركعات" : أي في مجموعها بلا مخالفة بين الأولى والثلاث فتصير ثلاث مائة تسبيحة. وقال عبد الله بن المبارك: ويبدأ في الركوع بسبحان ربي العظيم ثلاثاً وفي السجود سبحان ربي الأعلى ثلاثاً ثم يسبح التسبيحات المذكورة. وقيل له إن سها في هذه الصلاة هل يسبح في سجدتي السهو عشراً عشراً، قال: لا إنما هي ثلاث مائة تسبيحة.
وذكر الترمذي عن ابن المبارك أنه قال إن صلاها ليلا فأحب إلى أن يسلم من كل ركعتين وإن صلاها نهاراً فإن شاء سلم وإن شاء لم يسلم غير أن التسبيح الذي يقوله بعد الفراغ من السجدة الثانية يؤدي إلى جلسة الاستراحة. وكان عبد الله بن المبارك يسبح قبل القراءة خمس عشرة مرة ثم بعد القراءة عشراً، والباقي كما في الحديث ولا يسبح بعد الرفع من السجدتين. قاله الترمذي. كذا في المرقاة. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجة.

(4/126)


1294 - حدثنا مُحمّدُ بنُ سُفْيَانَ اْلأُبُلّيّ أخبرنا حَبّانُ بنُ هِلاَلٍ أَبُو حَبِيبٍ أخبرنا مَهْدِيّ ابن مَيْمُونٍ أخبرنا عَمْرُو بنُ مالِكٍ عن أبي الْجَوْزَاءِ حدثني رَجُلٌ كَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ يَرَوْنَ أَنّهُ عبد الله بنُ عَمْرٍو قال قال لِيَ النّبيّ[رسول الله] صلى الله عليه وسلم: "ائْتِنِي غَداً أَحْبُوكَ وَأُثِيبكَ وَأُعْطِيكَ حتّى ظَنَنْتُ أَنّهُ يُعْطِينِي عَطِيّةً. قالَ إذَا زَالَ النّهَارُ فَقُمْ فَصَلّ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ. قالَ ثُمّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ يَعْني مِنَ السّجْدَةِ الثّانِيَةِ فَاسْتَوِ جَالِساً وَلاَ تَقُمْ حَتى تُسَبّحَ عَشْراً، وَتَحْمَدَ عَشْراً، وَتُكَبّرَ عَشْراً، وَتُهَلّلَ عَشْراً، ثمّ تَصْنَعُ ذَلِكَ في الأرْبَعِ رَكَعَاتٍ[الركعات]. قالَ فإِنّكَ لَوْ كُنْتَ أَعْظَمَ أَهْلِ الأرْضِ ذَنْباً غُفِرَ لَكَ بِذَلِكَ. قالَ قُلْتُ فَإِنْ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أُصَلّيَهَا تِلْكَ السّاعَةِ قال صَلّهَا مِنَ اللّيْلِ وَالنّهَارِ".
قال أَبُو دَاوُد: وَحَبّانُ بنُ هِلاَلٍ خالُ هِلاَلٍ الرّائِيّ[الرازي].
قال أَبُو دَاوُد: رواه المُسْتَمِرّ بنُ الرّيّانِ عن أبي الْجَوْزَاءِ عن عبد الله بنِ عَمْرِو مَوْقُوفاً وَرَوَاهُ رَوْحُ بنُ المُسَيّبِ وَجَعْفَرُ بنُ سُلَيْمَانَ عن عَمْرِو بنِ مَالِكِ النّكَرِيّ عن أبي الْجَوْزاء عنِ ابنِ عَبّاسٍ قَوْلُهُ، وَقال في حَدِيثِ رَوْحٍ: فَقَالَ حَدِيثُ النّبيّ[حدثت عن النبي] صلى الله عليه وسلم.
__________
"يرون" : بصيغة المجهول أي يظنون "وأثيبك" : أي أعطيك. يقال أثابه الله إثابة جازاه وأثاب الله الرجل مثوبته أعطاه إياها "قال" : النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتيته غداً "إذ زال النهار" : أي زالت الشمس "فاستو جالساً ولا تقم حتى تسبح" : وهذا تصريح في إثبات التسبيحات والتكبيرات والتحميدات والتهليلات في جلسة الاستراحة. قال السيوطي في اللاَلىء: قال المنذري: رواة هذا الحديث ثقات. وقال الحافظ ابن حجر: لكن اختلف فيه على أبي الجوزاء فقيل عنه عن عبد الله بن عباس، وقيل عنه عن عبد الله بن عمرو، وقيل عنه عن عبد الله بن عمر مع الاختلاف عليه في رفعه ووقفه. وقد أكثر الدارقطني من تخريج طرقه على اختلافها انتهى. والحديث سكت عنه المنذري "المستمر بن الريان": قال علي بن سعيد عن أحمد بن حنبل إسناد حديث أبي الجوزاء ضعيف كل يروي عن عمرو بن مالك النكري وفيه مقال، قلت له قد رواه المستمر بن الريان عن أبي الجوزاء قال من حدثك؟ قلت: مسلم بن إبراهيم، فقال المستمر شيخ ثقة وكأنه أعجبه. قال الحافظ ابن حجر: فكأن أحمد لم يبلغه إلا من رواية عمرو بن مالك فلما بلغه متابعة المستمر أعجبه فظاهره أنه رجع عن تضعيفه. كذا في اللاَلىء "عن ابن عباس قوله"

(4/127)


1295 - حدثنا أَبُو تَوْبَةَ الرّبِيعُ بنُ نَافِعٍ أخبرنا مُحمّدُ بنُ مَهَاجِرٍ عن عُرْوَةَ بنِ رُوَيْمٍ حدثني الأَنْصَاريّ أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ لِجَعْفَرٍ بِهذَا الحديث. فَذَكَرَ نَحْوَهُمْ قالَ في السّجْدَةِ الثّانِيَةِ مِنَ الرّكْعَةِ الأولى كما قالَ في حَديثِ مَهْدِيّ بنِ مَيْمُونٍ.
__________
موقوفاً عليه "وقال": الراوي "في حديث روح": هذه الجملة التالية "فقال": أي ابن عباس رضي الله عنه "حديث النبي صلى الله عليه وسلم": أي هذا حديث النبي صلى الله عليه وسلم أي مرفوعاً ولا أقول لكم من قبل نفسي، وفي بعض النسخ حدثت عن النبي صلى الله عليه وسلم بصيغة المتكلم قال الحافظ ابن حجر في أمالى الأذكار ورواية روح وصلها الدارقطني في كتاب صلاة التسبيح من طريق يحيى بن يحيى النيسابوري عنه. وأخرجه الطبراني في الأوسط عن إبراهيم بن محمد الصنعاني عن أبي الوليد هشام بن إبراهيم المخزومي عن موسى بن جعفر بن أبي كثير عن عبد القدوس بن حبيب عن مجاهد عن ابن عباس مرفوعاً. وعبد القدوس شديد الضعف كذا في اللاَلىء.
"حدثني الأنصاري": قال الحافظ في أمالي الأذكار، والأنصاري غير مسمى قال المزي قيل إنه جابر بن عبد الله وأن ابن عساكر أخرج في ترجمة عروة بن رويم أحاديث عن جابر وهو الأنصاري فجوز أن يكون هو الذي ههنا، لكن تلك أحاديث من رواية غير محمد ابن مهاجر عن عروة قال: وقد وجدت في ترجمة عروة هذا من الشاميين للطبراني حديثين أخرجهما من طريق أبي توبة الربيع بن نافع بهذا السند بعينه فقال فيهما حدثني أبو كبشة الأنماري فلعل الميم كبرت قليلاً فأشبهت الصاد فإن يكن كذلك فصحابي هذا حديث أبي كبشة، وعلى التقديرين فسند هذا الحديث لا ينحط عن درجة الحسن فكيف إذا ضم إلى رواية أبي الجوزاء عن عبد الله بن عمرو كذا في اللاَلىء. هذا ملخص من غاية المقصود. قال المنذري: وقد أخرج حديث صلاة التسبيح الترمذي وابن ماجه من حديث أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الترمذي:هذا حديث غريب من حديث أبي رافع، وقال أيضاً وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم غير حديث في صلاة التسبيح ولا يصح منه كبير شيء. وقال أبو جعفر محمد بن عمرو العقيلي الحافظ: ليس في صلاة التسبيح حديث يثبت هذا آخر كلامه وقد وقع لنا حديث صلاة التسبيح من حديث العباس بن عبد المطلب وأنس بن مالك وغيرهما وفي كليهما مقال. وأمثل الأحاديث فيها حديث عكرمة عن ابن عباس الذي ذكرناه أول هذا الباب، فإن أبا داوود وابن ماجه أخرجاه عن عبد الرحمن بن بشر بن الحكم العبدي النيسابوري وهو ممن اتفق البخاري ومسلم على الاحتجاج بحديثه في صحيحيهما عن موسى بن عبد العزيز وهو أبو سعيد العدني القنباري، روى عنه عبد الرحمن بن بشر بن الحكم ومحمد بن الحكم بن أسد الخشني وقال يحيى بن

(4/128)


__________
معين لا أرى بأساً عن الحكم بن أبان وقد وثقه يحيى بن معين أحد العباد، وعكرمة مولى ابن عباس وإن كان قد تكلم فيه جماعة فقد واحتج به البخاري في صحيحه انتهى كلامه. وفي التلخيص والحق أن طرقه كلها ضعيفة وإن كان حديث ابن عباس يقرب من شرط الحسن إلا أنه أنه شاذ لشدة الفردية فيه وعدم المتابع والشاهد من وجه معتبر وموسى بن عبد العزيز وإن كان صادقاً صالحاً فلا يحتمل منه هذا التفرد، وقد ضعفها ابن تيمية والمزي وتوقف الذهبي حكاه ابن عبد الهادي عنهم في أحكامه انتهى.

(4/129)


301 - باب ركعتي المغرب أين تصليان
1296 - حدثنا أَبُو بَكْرِ بن أبي الأَسْوَدِ حَدّثَني أَبُو مُطَرّفٍ مُحمّدُ بنُ أبي الوَزِيرِ أخبرنا مُحمّدُ بنُ مُوسَى الْفِطْرِيّ عن سَعْدِ بن إِسْحَاقَ بن كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ عن أبيه عنْ جَدّهِ: أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أَتَى مَسْجِدَ بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ فَصَلّى فِيهِ المَغْرِبَ فَلَمّا قَضَوْا صَلاَتَهُمْ رَآهُمْ يُسَبّحُونَ بَعْدَهَا. فَقَالَ: "هذِهِ صَلاَةُ الْبُيُوتِ".
1297 - حدثنا حُسَيْنُ بنُ عبد الرحمن الْجَرْجَرَائِيّ أخبرنا طَلْقُ بنُ غَنّامٍ أخبرنا يَعْقُوبُ ابنُ عبد الله عن جَعْفَرِ بن أبي المُغِيرَةِ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابن عَباسٍ قالَ:
__________
باب ركعتي المغرب أين تصليان؟
"الفطري": بكسر الفاء وسكون الطاء قاله الحافظ "كعب بن عجرة": بضم العين وسكون الجيم "بني عبد الأشهل": طائفة من الأنصار "رآهم يسبحون" : أي يتطوعون ويصلون نافلة "فقال هذه" : أي النوافل "صلاة البيوت" : أي الأفضل كونها فيها لأنها أبعد من الرياء وأقرب إلى الإخلاص لله تعالى، ولأنه فيه حظ للبيوت من البركة في القوت، والظاهر أن هذا إنما هو لمن يريد الرجوع إلى بيته بخلاف المعتكف في المسجد فإنه يصليها فيه ولا كراهة بالاتفاق. وفي رواية الترمذي والنسائي: "قام ناس يتنفلون فقال النبي صلى الله عليه وسلم عليكم بهذه الصلاة في البيوت" انتهى قال الذهبي في الميزان إن إسحاق بن كعب تابعي مستور تفرد بحديث سنة المغرب وهو غريب جداً انتهى. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، والصحيح ما روى عن ابن عمر قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الركعتين بعد المغرب في بيته" .

(4/129)


كَانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُطِيلُ القِرَاءَةَ في الرّكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ حَتّى يَتَفَرّقَ[ينصرف] أَهْلُ المَسْجِدِ.
قال أَبُو دَاوُد: رَوَاهُ نَصْرٌ المُجَدّرُ عن يَعْقُوبَ الْقُمّيّ وَأَسْنَدَهُ مِثْلَهُ.
قال أَبُو دَاوُد: حدثناهُ مُحمّدُ بنُ عَيسَى بنِ الطّباعِ أخبرنا نَصْرُ المُجَدّرُ عن يَعقُوبَ مِثْلَهُ.
1298 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ وَ سُليْمانُ بنُ دَاوُدَ الْعَتَكيّ قالا أخبرنا يَعْقُوبُ عن جَعْفَرٍ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بمَعْنَاهُ مُرْسَلٌ[مرسلا].
قال أبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُ مُحمّدَ بنَ حُمَيْدٍ يقول: سَمِعْتُ يَعْقُوبَ يقولُ: كلّ شَيْءٍ حَدّثْتُكُمْ عن جَعْفَرٍ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَهُوَ مُسْنَدٌ عن ابنِ عَبّاسٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
__________
"يطيل القراءة في الركعتين بعد المغرب" : أي أحياناً لما روى ابن ماجه أنه كان يقرأ فيهما الكافرون والإخلاص "حتى يتفرق أهل المسجد" : ظاهره أنه كان يصليهما في المسجد فيحمل على أن فعلهما فيه لعذر منعه من دخول البيت والأظهر أنه يحمل على بيان الجواز "رواه نصر المجدر": هو نصر بن زيد الهاشمي أبو الحسن البغدادي، والمجدر على وزن معظم لقب نصر بن زيد. كذا فإن التاج "القمي": بضم القاف وتشديد الميم المكسورة "وأسنده": أي جعله موصولاً كما رواه موصولاً طلق بن غنام بذكر ابن عباس. وأما أحمد ابن يونس وسليمان بن داوود فلم يذكرا في روايتهما ابن عباس، لكن قال يعقوب القمي كل شيء حدثتكم عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو مسند عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم فصار الحديث موصولا. قال المنذري: في إسناده يعقوب بن عبد الله وهو القمي الأشعري كنيته أبو الحسن. قال الدارقطني: ليس بالقوي انتهى

(4/130)


302 - باب الصلاة بعد العشاء
1299 - حدثنا مُحمّدُ بنُ رَافِعٍ أخبرنا زَيْدُ بنُ الْحُبَابِ الْعُكْلِيّ أخبرنا مالِكُ بنُ
__________
باب الصلاة بعد العشاء
"العكلي": بضم العين المهملة وسكون الكاف "إلا صلى أربع ركعات" : أي ركعتان

(4/130)


مِغْوَلٍ حدثني مُقَاتِلُ بنُ بَشِيرِ الْعِجْلِيّ عن شُرَيْحِ بنِ هَانِىءٍ عن عَائشةَ قال: سَأَلْتُهَا عن صَلاَةِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: ما صَلّى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الْعِشَاءَ قَطّ فَدَخَلَ عَلَيّ إِلاّ صَلّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ أَوْ سِتّ رَكَعَاتٍ وَلَقَدْ مُطِرْنَا مَرّةً باللّيْلِ فَطَرَحْنَا لَهُ نَطْعاً، فَكأَنّي أنْظُرُ إلَى ثَقْبٍ فيه يَنْبُعُ المَاءُ مِنْهُ، وَمَا رَأَيْتُهُ مُتّقِياً الأَرْضَ بِشَيْء مِنْ ثِيَابِهِ قَطّ.
__________
مؤكدة بتسليمة وركعتان مستحبة قاله القاري "أو ست ركعات" : يحتمل الشك والتنويع فركعتان نافلة، قاله القاري. وقال الزرقاني في شرح المواهب: قالت عائشة "ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء قط فدخل بيتي إلا صلى أربع ركعات" أي تارة أو ست ركعات أي أخرى فليست أو للشك وفي مسلم قالت عائشة "ثم يصلي بالناس العشاء ويدخل بيتي فيصلي ركعتين" وكذا في حديث ابن عمر الشيخين. ومفاد الأحاديث أنه كان يصلي بحسب ما تيسر ركعتين وأربعاً وستاً إذا دخل بيته بعد العشاء انتهى "ولقد مطرنا" : بصيغة المجهول "فطرحنا له" : أي فرشنا وبسطنا له على الأرض "نطعاً" : بكسر النون وفتح الطاء على وزن عنب قاله السيوطي وغيره، وهو المتخذ من الأديم والجلد ليصلي عليه ولا تصل إليه رطوبة الأرض الندى. قالت عائشة: وإني أحفظ هذه الواقعة "فكأني أنظر إلى ثقب" : أي خرق الذي كان "فيه" : أي النطع "ينبع الماء" : من باب نصر وضرب وفتح أي يخرج ويجري الماء "منه" : أي من الثقب الذي كان في النطع ووصل الماء إلى قريب النطع فأصابه وقالت عائشة في كيفية تواضع النبي صلى الله عليه وسلم "وما رأيته" : أي النبي صلى الله عليه وسلم "متقياً" : من الاتقاء أي مجتنباً "الأرض" : أي من الأرض الندى أو اليابسة "بشيء من ثيابه قط" : بشيء متعلق بقولها متقياً أي بسبب صيانة الثياب من الطين والتراب والله أعلم. كذا في الشرح.

(4/131)


أبواب قيام الليل (باب نسخ قيام الليل والتيسير فيه)
...
أبواب قيام الليل
303 - باب نسخ قيام الليل والتيسير فيه
1300 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ مُحمّدٍ المَرْوَزِيّ بن شَبّوَيْهِ حدثني عَلِيّ بنُ حُسَيْنٍ عن أبِيهِ عن يَزِيدَ النّحْوِيّ عن عِكْرمَةَ عنِ ابنِ عَبّاسٍ قالَ في المُزّمّلِ {قُمِ اللّيْلَ إِلاّ قَلِيلاً نِصْفَهُ} نَسَخَتْهَا الآية الّتِي فيهَا {عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَأُوا مَا تَيَسّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} وَنَاشِئَةُ اللّيْلِ أَوّلُهُ وَكَانَتْ صَلاَتُهُمْ لأَوّلِ اللّيْلِ يَقُولُ هُوَ أَجْدَرُ أَنْ
__________
باب نسخ قيام الليل والتيسير فيه
"قال في المزمل": أي في سورة المزمل، يقال تزمل وتدثر بثوبه إذا تغطى به أراد يا أيها النائم قم فصل. قال العلماء كان هذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم في أول الوحي قبل تبليغ الرسالة ثم خوطب بعد بالنبي والرسول {قُمِ اللَّيْلَ} : أي للصلاة {إِلَّا قَلِيلاً} : وكان القيام فريضة في الابتداء ثم بين قدره فقال تعالى {نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً} أي إلى الثلث أو زد عليه أي على النصف إلى الثلثين، خيره بين هذه المنازل، فكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم يقومون على هذه المقادير، وكان الرجل لا يدري متى ثلث الليل ومتى النصف ومتى الثلثان، فكان يقوم حتى يصبح مخافة أن لا يحفظ القدر الواجب، واشتد ذلك عليهم حتى انتفخت أقدامهم فرحمهم الله وخففه عنهم ونسخها الله تعالى بقوله الآتي كما قال الراوي "نسختها": أي هذه الآية "الآية": الأخرى "التي فيها": أي في هذه السورة وهو قوله {عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ} أي لن تطيقوه {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} : أي فعاد عليكم بالعفو والتخفيف {فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} من غير تحديد لوقت لكن قوموا من الليل ما تيسر، عبر عن الصلاة بالقراءة، فهذه الآية نسخت الذي كان الله أوجبه على المسلمين أولاً من قيام الليل: واختلفوا في المدة التي بينهما سنة أو قريب منها أو ستة عشر شهراً أو عشر سنين. أخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن عائشة قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم قلما ينام من الليل لما قال الله له قم الليل إلا قليلا" وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم والبيهقي وغيرهم عن ابن عباس قال "لما نزلت أول المزمل كانوا يقومون نحواً من قيامهم في شه

(4/132)


تُحْصُوا مَا فَرَضَ الله عَلَيْكُمْ مِنْ قِيَامِ اللّيْلِ وَذَلِكَ أَنّ الإنْسَانَ إِذَا نَامَ لَمْ يَدْرِ مَتَى يَسْتَيْقِظُ، وَقَوْلُهُ: {أَقْوَمُ قِيلاً} هُوَ أَجْدَرُ أَنْ يَفْقَهَ[تفقه] في الْقُرآنِ وَقولُهُ: {إِنّ لَكَ في النّهَارِ سَبْحَاً طَوِيلاً} يَقُولُ فَرَاغاً طَوِيلاً.
1301 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ مُحمّدٍ يَعْني المَرْوَزِيّ أخبرنا وَكِيعٌ عن مِسْعَرٍ عن سِمَاكٍ الْحَنَفِيّ عنْ ابنِ عَبّاسٍ قَالَ: لَمّا نَزَلَتْ أَوّلُ المُزّمّلِ كَانُوا يَقُومُونَ نَحْواً مِنْ قِيَامِهِمْ في شَهْرِ رَمَضَانَ حَتى نَزَلَ آخِرُهَا، وَكَانَ بَيْنَ أَوّلِهَا وَآخِرِهَا سَنَةٌ.
__________
رمضان حتى أنزل آخرها وكان بين أولها وآخرها نحو من سنة" وأخرج ابن جرير وغيره عن أبي عبد الرحمن السلمي قال "لما نزلت يا أيها المزمل قاموا حولا حتى ورمت أقدامهم وسوقهم حتى نزلت فاقرؤوا ما تيسر منه فاستراح الناس" وأخرج ابن جرير وغيره عن سعيد بن جبير قال: "لما نزلت يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا مكث النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الحال عشر سنين يقوم الليل كما أمره الله وكانت طائفة من أصحابه يقومون معه فأنزل الله بعد عشر سنين إن ربك يعلم أنك تقوم إلى قوله فأقيموا الصلاة فخفف الله عنهم بعد عشر سنين" كذا في الدر المنثور "وناشئة الليل أوله": أي أول الليل هذا تفسير من ابن عباس في معنى ناشئة الليل. وأخرج البيهقي عن ابن عباس في قوله تعالى {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ} قال قيام الليل بلسان الحبشة إذا قام الرجل قالوا نشأ. وأخرجه أيضاً في سننه عن ابن أبي مليكة قال سألت ابن عباس وابن الزبير عن ناشئة الليل قالا قيام الليل "وكانت صلاتهم": أي الصحابة "لأول الليل": أي كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقومون للتهجد في أول الليل خشية أن لا يقومون بعد نومهم فيفوت عنهم الفرض وهو قيام الليل "يقول": أي ابن عباس "هو": قيام أول الليل "أجدر": أي أليق وأحرى "وقوله": تعالى "أقوم قيلا" : قال ابن عباس في تفسيره "هو أجدر أن يفقه في القرآن": لأن قيام الليل أصوب قراءة وأصح قولا من النهار لسكوت الأصوات في الليل فيتدبر في معاني القرآن "يقول": ابن عباس في تفسير قوله سبحاً طويلا أي فراقاً طويلا أي لك تقلباً وإقبالا وإدباراً في حوائجك وتصرفاً في أشغالك لا تفرع فيه لتلاوة القرآن فعليك بها في الليل الذي هو محل الفراغ. قال المنذري: في إسناده علي بن الحسين بن واقد المروزي وفي مقال.
"وكان بين أولها": أي أول السورة وهو قوله قمم الليل إلا قليلا "وآخرها": أي السورة "سنة": واحدة وقيل أكثر من ذلك وتقدم بيانه آنفاً. قال المنذري: وقد صح من حديث عائشة أنها قالت: "وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهراً في السماء" انتهى

(4/133)


304 - باب قيام الليل
1302 - حدثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عن مَالِكٍ عنْ أبِي الزّنَادِ عنْ الأَعْرَجِ عنْ أَبي هُرَيْرَةَ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "يَعْقِدُ الشّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إذَا هُوَ نَامَ ثَلاَثَ عُقَدٍ يَضْرِبُ مَكَانِ كلّ عُقْدَةٍ: عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ. فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ الله انْحَلّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضّأَ انْحَلّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلّى انْحَلّتْ عُقْدَةٌ، فَأَصْبَحَ نَشِيطاً طَيّبَ
__________
باب قيام الليل
"يعقد" : بكسر القاف أي يشد "على قافية رأس أحدكم" : أي قفاه ومؤخره وقيل وسطه "ثلاث عقد" : جمع عقدة والمراد بها عقد الكسل أي يحمله الشيطان عليه قاله ابن الملك. قال الطيبي: أراد تثقليه وإطالته فكأنه قد شد عليه شداً وعقده ثلاث عقد قال البيضاوي: القافية القفا وقفا كل شيء وقافيته آخره، وعقد الشيطان على قافيته استعارة عن تسويل الشيطان وتحبيبه النوم إليه والدعة والاستراحة، والتقييد بالثلاث للتأكيد أو لأن الذي ينحل به عقدته ثلاثة أشياء الذكر والوضوء والصلاة، وكأن الشيطان منعه عن كل واحدة منها بعقدة عقدها على قافيته، ولعل تخصيص القفا لأنه محل الواهمة ومحل تصرفها وهو أطوع القوى للشيطان وأسرع إجابة لدعوته "يضرب" : أي بيده تأكيداً أو إحكاماً "مكان كل عقدة" : قيل معنى يضرب يحجب الحس عن النائم حتى لا يستيقظ. قال ميرك: واختلف في هذا العقد فقيل على الحقيقة كما يعقد الساحر من يسحره، ويؤيده ما ورد في بعض طرق الحديث "إن على رأس كل آدمي حبلا فيه ثلاث عقد" وذلك عند ابن ماجه ونحوه لأحمد وابن خزيمة وابن حبان. وقيل على المجاز كأنه شبه فعل الشيطان بالنائم من منعه من الذكر والصلاة بفعل الساحر بالمسحور من منعه عن مراده "عليك ليل طويل" : وهكذا وقع في جميع روايات ليل بالرفع. وقال القاضي عياض رواية الأكثر عن مسلم بالنصب على الإغراء. وقال الطيبي عليك ليل طويل مع ما بعده أي قوله "فارقد" : مفعول للقول المحذوف أي يلقي الشيطان على كل عقدة يعقدها هذا القول وهو عليك ليل طويل "فإن استيقظ" : أي من نوم الغفلة "فذكر الله" : بقلبه أو لسانه "انحلت" : أي انفتحت "عقدة" : أي عقدة الغفلة "فإن توضأ انحلت عقدة" : أي عقدة النجاسة "فإن صلى انحلت عقدة" : أي عقدة الكسالة والبطالة. قال الحافظ ابن حجر: وقع بلفظ الجمع أي عقدة بغير اختلاف في رواية البخاري، وفي الموطأ بلفظ الإفراد "فأصبح" : أي دخل في الصباح أو صار "نشيطاً" : أي للعبادة "طيب النفس" : أي ذات فرح لأنه تخلص عن وثاق الشيطان وتخفف عنه

(4/134)


النّفْسِ وَإِلاّ أَصْبَحَ خَبِيثَ النّفْسِ كَسْلاَناً[كسلان]".
1303 - حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ أخبرنا أَبُو دَاوُدَ أخبرنا شُعْبَةُ عنْ يَزِيدَ بنِ خُمَيْرٍ قالَ: سَمِعْتُ عبد الله بنَ أَبي قَيْسٍ يَقُولُ: قالَتْ عَائِشَةُ "لاَ تَدَعْ قِيَامَ اللّيْلِ فإِنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ لاَ يَدَعُهُ، وَكَانَ إذَا مَرِضَ أَوْ كَسِلَ صَلّى قَاعِداً .
1304 - حدثنا ابنُ بَشّارٍ أخبرنا يَحْيَى أخبَرَنَا ابنُ عَجْلاَنَ عنْ الْقَعْقَاعِ عنْ أبي صَالِحٍ عنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "رَحِمَ الله رَجُلاً قامَ مِنَ اللّيْلِ فَصَلّى وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ، فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ في وَجْهِهَا المَاءَ. رَحِمَ الله امْرَأَةً قامَتْ مِنَ اللّيْلِ فَصَلّتْ وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا، فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ في وَجْهِهِ المَاءَ".
__________
أعباء الغفلة والنسيان وحصل له رضا الرحمن "وإلا" : أي وإن لم يفعل كذلك بل أطاع الشيطان ونام حتى تفوته صلاة الصبح. ذكره ميرك والظاهر حتى تفوته صلاة التهجد "أصبح خبيث النفس" : محزون القلب كثير الهم متحيراً في أمره "كسلان" : كذا في النسخ وفي بعضها كسلاناً أي لا يحصل مراده فيما يقصده من أموره لأنه مقيد بقيد الشيطان ومبعد عن قرب الرحمن. ذكره علي القاري. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"وكان إذا مرض أو كسل" : أي تعب والحديث يدل على جواز التنفل قاعداً من له كسل مع القدرة على القيام. قال النووي وهو إجماع العلماء. قال ابن حجر المكي: ومن خصائصه عليه الصلاة والسلام أن ثواب تطوعه جالساً كهو قائماً لأن الكسل المقتضي لكون أجر القاعد على النصف من أجر القائم كما في الصحيح مأمون في حقه عليه السلام انتهى. وفيه أن كل من صلى جالساً ضرورة فرضاً أو نفلا يكون ثوابه كاملا فلا يعد مثل هذا من الخصائص، اللهم إلا أن يراد به الإطلاق سواء جلوسه يكون بعذر أو بغير عذر قاله علي القاري وأخرج مسلم من حديث عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "صلاة الرجل قاعداً نصف الصلاة قال فأتيته فوجدته يصلي جالساً قلت يا رسول الله إنك قلت صلاة الرجل قاعداً على نصف الصلاة وأنت تصلي قاعداً قال أجل ولكني لست كأحد منكم" والحديث سكت عنه المنذري.
"قام من الليل" : أي بعضه "فصلى" : أي التهجد "وأيقظ امرأته" : بالتنبيه أو الموعظة وفي معناها محارمه "فإن أبت" : أي امتنعت لغلبة النوم وكثرة الكسل "نضح" : أي رش "في وجهها الماء" : والمراد التلطف معها والسعي في قيامها لطاعة ربها مهما أمكن قال تعالى {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} وقال ابن الملك: وهذا يدل على إن إكراه أحد على الخير يجوز بل

(4/135)


1305 - حدثنا ابنُ كَثِيرٍ أخَبَرَنَا سُفْيَانُ عنْ عَلِيّ بنِ الأَقْمَرِ ح. وَحَدّثَنَا مُحمّدُ بنُ حَاتِمِ ابنِ بَزِيعٍ أخْبَرَنَا عبيد الله بنُ مُوسَى عنْ شَيْبَانَ عنِ الأَعْمَشِ عنْ عَلِيّ بنِ الأَقْمَرِ المعنَى عنِ الأغَرّ عن أبي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قالا قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : "إِذَا أَيْقَظَ الرّجُلُ أَهْلَهُ مِنَ اللّيلِ فَصَلّيَا أَوْ صَلى رَكْعَتَيْنِ جَمِيعاً كُتِبَ[كتبا] في الذّاكِرِينَ وَ[أو]الذّاكِرَاتِ" وَلَمْ يَرْفَعْهُ ابنُ كَثِيرٍ وَلاَ ذَكَرَ أَبَا هُرَيْرَةَ جَعَلَهُ كَلاَمَ أَبِي سَعِيد.
قال أَبُو دَاوُد: رَوَاهُ ابنُ مَهْدِيّ عن سُفيَانَ قالَ وَأُرَاهُ ذَكَرَ أَبَا هُرَيْرَةَ. قال أَبُو دَاوُد وحَدِيثُ سُفْيَانَ مَوْقوفٌ.
__________
يستحب "رحم الله امرأة قامت من الليل" : أي وفقت بالسبق "فصلت وأيقظت زوجها" : والواو لمطلق الجمع وفي الترتيب الذكرى إشارة لطيفة لا تخفى، وفيه بيان حسن المعاشرة وكمال الملاطفة والموافقة. كذا في المرقاة. قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه، وفي إسناده محمد بن عجلان وقد وثقه الإمام أحمد ويحيى بن معين وأبو حاتم الرازي واستشهد به البخاري، وأخرج له مسلم في المتابعة وتكلم فيه بعضهم.
"إذا أيقظ الرجل أهله" : أي امرأته أو نسائه وأولاده وأقاربه وعبيده وإماءه "من الليل" : أي في بعض أجزاء الليل "فصليا" : أي الرجل والمرأة أو الرجل وأهله "أو صلى" : أي كل واحد منهما "ركعتين جميعاً" : قال الطيبي: حال مؤكدة من فاعل فصليا على التثنية لا الإفراد لأنه ترديد من الراوي فالتقدير فصليا ركعتين جميعاً ثم أدخل أو صلى في البين فإذا أريد تقييده بفاعله يقدر فصلى وصلت جميعاً فهو قريب من التنازع انتهى. وهو يفيد أن جميعاً ليس بقيد لقوله فصلى مع أنه خلاف الظاهر لأنه لو كان كذلك لقال فصليا جميعاً أو صلى فالصحيح أن الشك إنما هو بين الإفراد والتثنية والبقية على حالها فيقال حينئذ إن جميعاً حال من معنى ضمير فصلى وهو كل واحد منهما كقوله تعالى {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً} كذا في المرقاة "كتبا" : أي الصنفان من الرجال والنساء وفي بعض النسخ كتب "في الذاكرين" : أي الله كثيراً أي في جملتهم "والذاكرات" : كذلك. وفي الحديث إشارة إلى تفسير الآية الكريمة {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} "ولم يرفعه ابن كثير": والحاصل أن محمد بن حاتم رفعه وجعل من مسندات أبي هريرة وأبي سعيد الخدري، وأما محمد بن كثير عن سفيان. فلم يرفع الحديث ولا ذكر أبا هريرة بل جعله من كلام أبي سعيد موقوفاً عليه، وأما

(4/136)


__________
عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان فقال في روايته وأراه أي أظن أن سفيان ذكر أبا هريرة. وعلى كل حال هذا الحديث من طريق سفيان عن مسعر موقوف على الصحابي، ومن طريق شيبان عن الأعمش مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم. قال المنذري وأخرجه النسائي وابن ماجه مسنداً.

(4/137)


305 - باب النّعاس في الصلاة
1306 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن أبِيهِ عن عَائشةَ زَوْجِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ في الصّلاَةِ فَلْيَرْقُدْ حتّى يَذْهَبَ عَنْهُ النّوْمُ فَإِنّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلّى وَهُوَ نَاعِسٌ لَعَلّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبّ نَفْسَهُ" .
1307 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ أنْبَأَنَا[حدثنا] مَعْمَرٌ عن همّامِ بنِ مُنَبّهٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللّيْلِ فَاسْتَعْجَمَ الْقُرْآنُ عَلَى لِسَانِهِ فَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ فَلْيَضْطَجِعْ" .
__________
باب النّعاس في الصلاة
"قال إذا نعس" : بفتح العين وبكسر والنعاس أول النوم ومقدمته "فليرقد" : الأمر للاستحباب فيترتب عليه الثواب ويكره له الصلاة حينئذ "فإن أحدكم" : علة للرقاد وترك الصلاة "لعله" : استئناف بيان لما قبله "يذهب يستغفر" : أي يريد أن يستغفر "فيسب" : بالنصب ويجوز الرفع قاله الحافظ العسقلاني "نفسه" : أي من حيث لا يدري قال ابن الملك أي يقصد أن يستغفر لنفسه بأن يقول اللهم أغفر فيسب نفسه بأن يقول اللهم اعفر والعفر هو التراب فيكون دعاء عليه بالذل والهوان، وهو تصوير مثال من الأمثلة ولا يشترط إليه التصحيف والتحريف. وقال ابن حجر المكي بالرفع عطفاً على يستغفر وبالنصب جواباً للترجي ذكره في المرقاة. قال النووي: وفيه الحث على الإقبال على الصلاة بخشوع وفراغ قلب ونشاط، وفيه أمر الناعس بالنوم أو نحوه مما يذهب عنه النعاس، وهذا عام في صلاة الفرض والنفل في الليل والنهار وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور لكن لا يخرج فريضة عن وقتها. قال القاضي: وحمله مالك وجماعة على نفل الليل لأنها محل النوم غالباً انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة.
"فاستعجم القرآن" : أي استغلق ولم ينطلق به لسانه لغلبة النعاس قاله النووي. وفي النهاية أي ارتج عليه فلم يقدر أن يقرأ كأنه صار به عجمة انتهى. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي.

(4/137)


1308 - حدثنا زِيَادُ بنُ أَيّوبَ وَ هَارُونُ بنُ عَبّادٍ الأَزْدِيّ أَنّ إِسْمَاعِيلَ بنَ إِبْرَاهِيم حَدّثَهُمْ قَالَ أخْبَرَنَا عبد العزيز عن أَنَسٍ قالَ: دَخَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم المَسْجِدَ وَحَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ سَارِيَتَيْنِ فَقَالَ: "مَا هَذَا الْحَبْلُ؟" فَقِيلَ يَا رسُولَ الله هذِهِ حَمْنَةُ ابْنَةُ جَحْشٍ تُصَلّي فَإِذَا أَعْيَتْ تَعَلّقَتْ بِهِ فَقَال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لِتُصَلّ[لتصلي] مَا أَطَاقَتْ فَإِذَا أَعْيَتْ فَلْتَجْلِسْ" قالَ زِيَادٌ: فَقالَ: "ما هذَا؟" قَالُوا لِزَيْنَبَ تُصَلّي، فَإِذَا كَسِلَتْ أَوْ فَتَرَتْ أَمْسَكَتْ بِهِ، فَقالَ: "حُلّوهُ". فقال: "لِيُصَلّ أَحَدُكُمْ نَشاطَهُ فَإِذَا كَسِلَ أَوْ فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ".
__________
"وحبل ممدود بين ساريتين" : أي الأسطوانتين المعهودتين "فإذا أعيت" : أي فترت عن القيام "ليصل" : بكسر اللام "نشاطه" : بفتح النون أي ليصل أحدكم وقت نشاطه أو الصلاة التي نشط لها "أو فتر" : في أثناء القيام "فليقعد" : ويتم صلاته قاعداً أو إذا فتر بعد فراغ بعض التسليمات فليقعد لإيقاع ما بقي من نوافله قاعداً أو إذا فتر بعد انقضاء البعض فليترك بقية النوافل جملة إلى أن يحدث له نشاط، أو إذا فتر بعد الدخول فيها فليقطعها. كذا في إرشاد الساري. قال النووي: والحديث فيه الحث على الاقتصاد في العبادة والنهي عن التعمق، والأمر بالإقبال عليها بنشاط وأنه إذا فتر فليقعد حتى يذهب الفتور، وفيه إزالة المنكر باليد لمن تمكن منه وفيه جواز التنفل في المسجد فإنها كانت تصلي النافلة فيه فلم ينكر عليها انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.

(4/138)


306 - باب من نام عن حزبه
1309 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا أَبُو صفْوانَ عَبْدُ الله بنُ سَعِيدِ بنِ عبد المَلِكِ بن مَرْوانَ ح. وَحدثنا سُلَيْمانُ بنُ دَاوُدَ وَ مُحمّدُ بنُ سَلَمَةَ المُرَادِيّ قالا: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ المَعنى عن يُونُسَ عن ابنِ شِهابٍ أَنّ السّائِبَ بنَ يَزِيدَ وَعبيد الله أَخْبَرَاهُ أَنّ عبد الرحمن بنَ عَبْدٍ قالا عنْ ابنِ وَهْبٍ بنِ عَبدٍ الْقَارِيّ قال: سَمِعْتُ
__________
باب من نام عن حزبه
الحزب بكسر الحاء المهملة وسكون الزاي بعدها باء موحدة الورد، والمراد هنا الورد من القرآن، وقيل المراد ما كان معتاده من صلاة الليل "أبو صفوان": هو يروي عن يونس "قالا": أي سليمان بن داوود ومحمد بن سلمة المرادي "أخبرنا ابن وهب": وأبو صفوان كلاهما يرويان عن يونس "قالا": أي سليمان ومحمد "عن ابن وهب": في حديثه أن عبد الرحمن بن عبد

(4/138)


عُمرَ بن الْخَطّابِ يقُول: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَقَرَأَهُ مَا بَيْنَ صَلاَةِ الْفَجْرِ وَصَلاَةِ الظّهْرِ كُتِبَ لَهُ كأنما قَرَأَهُ مِنَ اللّيْلِ".
__________
القاري، وأما أبو صفوان فقال عن يونس إن عبد الرحمن بن عبد بإسقاط لفظ القاري وهذا هو الفرق بين روايتهما. وعبد الرحمن هذا هو ابن عبد بغير إضافة والقاري بتشديد الياء منسوب إلى القارة قبيلة مشهورة بجودة الرمي "أو عن شيء منه" : أي من الحزب. والحديث يدل على مشروعية اتخاذ ورد في الليل وعلى مشروعية قضائه إذا فات لنوم أو عذر من الأعذار، وأن من فعله ما بين صلاة الفجر إلى صلاة الظهر كان كمن فعله في الليل. وفي استحباب قضاء التهجد إذا فاته من الليل. ولم يستحب أصحاب الشافعي قضاءه. إنما يستحبوا قضاء السنن الرواتب قاله الشوكاني "كتب له" : قال القرطبي: هذا الفضل من الله تعالى وهذه الفضيلة إنما تحصل لمن غلبه نوم أو عذر منعه من القيام مع أن نيته القيام. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة.

(4/139)


307 - باب من نوى القيام فنام
1310 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مالِكٍ عن مُحمّدِ بنِ المُنْكَدِرِ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن رَجُلٍ عِنْدَهُ رَضِيٍّ[رضا] أَنّ عَائشةَ زَوْجَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أَخْبَرَتْهُ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "ما مِنْ امْرِىء تَكُونُ لَهُ صَلاَةٌ بِلَيْلٍ يَغْلِبُهُ علَيْهَا نَوْمٌ إِلاّ كُتِبَ لَهُ أَجْرُ صَلاَتِهِ وَكَانَ نَوْمُهُ عَلَيْهِ صَدَقَةً".
__________
باب من نوى القيام فنام
"عن رجل عنده رضى": وفي رواية النسائي من طريق أبي جعفر الرازي عن محمد المنكدر أنه الأسود بن يزيد "يغلبه" : الضمير المنصوب إلى امرىء "عليها" : أي على الصلاة "نوم" : فاعل يغلبه "إلا كتب له أجر صلاته" : يفيد أنه يكتب له الأجر وإن لم يقض، فما جاء من القضاء فللمحافظة على العادة ولمضاعفة الأجر والله أعلم. قال المنذري: وأخرجه النسائي. والرجل الرضي هو الأسود بن يزيد النخعي قاله أبو عبد الرحمن السلمي.

(4/139)


308 - باب أي الليل أفضل
1311 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن ابنِ شِهَابٍ عنْ أبِي سَلَمَةَ بنِ عبد الرحمن وَعنْ أَبي عبد الله الأغَرّ عن أَبي هُرَيْرَةَ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "يَنزِلُ رَبّنَا عز وجل كلّ لَيْلَةٍ إلى سَمَاءِ الدّنْيَا حينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللّيْلِ الآخر فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُني فَأَعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ".
__________
باب أي الليل أفضل من سائر أجزاء الليل.
"ينزل ربنا" : أخرج البيهقي في كتاب الأسماء والصفات عن أبي محمد المزني يقول حديث النزول قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجوه صحيحة وورد في التنزيل ما يصدقه وهو قوله تعالى {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً} والمجيء والنزول صفتان منفيتان عن الله تعالى من طريق الحركة والانتقال من حال إلى حال بل هما صفتان من صفات الله تعالى بلا تشبيه جل الله تعالى عما يقول المعطلة لصفاته والمشبهة بها علواً كبيراً. وفي كتاب الدعوات لأبي عثمان: وقد اختلف العلماء في قوله ينزل الله فسئل أبو حنيفة فقال ينزل بلا كيف وقال بعضهم ينزل نزولا يليق بالربوبية بلا كيف من غير أن يكون نزوله مثل نزول الخلق بالتجلي والتملي لأنه جل جلاله منزه عن أن تكون صفاته مثل صفات الخلق كما كان منزهاً عن أن تكون ذاته مثل ذات الغير فمجيئه وإتيانه ونزوله على حسب ما يليق بصفاته من غير تشبيه وكيفية انتهى. وأخرج البيهقي من طريق بقية قال حدثنا الأوزاعي عن الزهوي ومكحول قالا: امضوا الأحاديث على ما جاءت. ومن طريق الوليد بن مسلم قال سئل الأوزاعي ومالك وسفيان الثوري والليث بن سعد عن هذه الأحاديث التي جاءت في التشبيه فقالوا أمروها كما جاءت بلا كيفية. وعن إسحاق ابن راهويه يقول دخلت على عبد الله بن طاهر فقال لي يا أبا يعقوب تقول إن الله ينزل كل ليلة فقلت أيها الأمير إن الله بعث إلينا نبياً نقل إلينا عنه أخبار بها نحلل الدماء وبها نحرم. وبها نحلل الفروج وبها نحرم، وبها نبيح الأموال وبها نحرم، فإن صح ذا صح ذاك، وإن بطل ذا بطل ذاك. قال فأمسك عبد الله انتهى. ملخصاً محرراً. والحاصل أن هذا الحديث وما أشبهه من الأحاديث في الصفات كان مذهب السلف فيها الإيمان بها وإجراؤها على ظاهرها ونفي الكيفية عنها. وقد أطال الكلام في هذه المسألة وأشباهها من أحاديث الصفات حفاظ الإسلام كابن تيمية وابن القيم والذهبي وغيرهم فعليك مطالعة كتبهم والله أعلم.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة.

(4/140)


309 - باب وقت قيام النبي صلى الله عليه وسلم من الليل
1312 - حدثنا حُسَيْنُ بنُ يَزِيدَ الْكُوفِيّ أخبرنا حَفصٌ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن أَبِيهِ عن عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لَيُوقِظُهُ الله عز وجل باللّيْلِ فَما يَجِيءُ السّحَرُ حتى يَفْرُغَ مِنْ حِزْبِهِ.
1313 - حدثنا إِبراهِيمُ بنُ مُوسَى، حدثنا أَبُو الأحْوَصِ ح. وَحدثنا هَنّادٌ عنْ أبي الأحْوَصِ، وهذا حدِيثُ إِبراهِيمَ عن أَشْعَثَ عنْ أبِيهِ عنْ مَسْرُوقٍ قالَ: سَأَلْتُ عَائشةَ عنْ صَلاَةِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَقُلْتُ لَهَا أيّ حِينٍ كَانَ يُصَلّي؟ قَالَتْ: كَانَ إِذَا سَمِعَ الصّرَاخَ قَامَ فَصَلّى.
1314 - حدثنا أبُو تَوْبَةَ عنْ إِبراهِيمَ بنِ سَعْدٍ عنْ أبيهِ عنْ أبي سَلَمَةَ عنْ عَائشةَ قَالَتْ: مَا أَلْفَاهُ السّحَرُ عِنْدِي إِلاّ نَائِماً تَعْنِي النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
__________
باب وقت قيام النبي صلى الله عليه وسلم من الليل
"إن كان" : مخففة من مثقلة "فما يجيء السحر" : بفتحتين أي السدس الأخير قاله السندي. وذلك أرفق لأن النوم بعد القيام يريح البدن ويذهب ضرر السهر وذبول الجسم بخلاف السهر إلى الصباح قاله القسطلاني. والحديث سكت عنه المنذري.
"إذا سمع الصراخ" : بضم الصاد الصوت الشديد وصوت الصارخ، يعني الديك لأنه كثير الصياح في الليل كذا في اللسان. وفي رواية البخاري ومسلم "إذا سمع الصارخ" : وقال الحافظ: ووقع في مسند الطيالسي في حديث مسروق الصارخ الديك والصرخة الصيحة الشديدة، وجرت العادة بأن الديك يصيح عند نصف الليل غالباً، قاله محمد بن ناصر. قال ابن التين: وهو موافق لقول ابن عباس نصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل. وقال ابن بطال الصارخ يصرخ عند ثلث الليل وكان داوود يتحرى الوقت الذي ينادي الله فيه هل من سائل كذا قال. والمراد بالدوام قيامه كل ليلة في ذلك الوقت لا الدوام المطلق انتهى "قام فصلى" : لأنه وقت نزول الرحمة والسكون. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم أتم منه.
"ما ألفاه" : بالفاء أي وجده صلى الله عليه وسلم "السحر" : بالرفع فاعل ألفى "عندي إلا نائماً" : بعد القيام الذي مبدؤه عند سماع الصارخ جمعاً بينه وبين رواية مسروق السابقة، وهل المراد حقيقة النوم، أو اضطجاعه على جنبه لقولها في رواية البخاري فإن كنت يقظى حدثني وإلا اضطجع أو

(4/141)


1315 - حدثنا مُحمّدُ بنُ عِيسَى أخبَرَنَا يَحْيَى بنُ زَكَرِيّا عنْ عِكْرمَةَ بنِ عَمّارٍ عنْ مُحمّدِ بنِ عبد الله الدّؤَلِيّ عنْ عبد العزيز بنِ أخي حُذَيْفَةَ عنْ حْذَيْفَةَ قالَ: كَانَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلّى .
1316 - حدثنا هِشَامُ بنُ عَمّارٍ أخبرنا الْهِقْلُ بنُ زَيَادِ السّكْسَكِيّ أخبرنا الأوْزَاعِيّ عنْ يَحْيَى بنِ أبي كَثِيرٍ عنْ أبي سَلَمَةَ قَال: سَمِعْتُ رَبيعَةَ بنَ كَعْبٍ الأسْلَمِيّ يقولُ: كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم آتِيهِ بِوَضُوئِهِ وَبِحَاجَتِهِ فَقَال: "سَلْنِي" فَقُلْتُ مُرَافَقَتَكَ في الْجَنّةِ، قَال: "أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ؟" قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، قَال: "فَأَعِنّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السّجُودِ".
1317 - حدثنا أَبُو كَامِلٍ أخبرنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ أخبرنا سَعيدٌ عن قَتَادَةَ عنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ في هذِهِ الآية :{تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} قَالَ: كَانُوا يَتَيَقّظُونَ[يتنفلون] مَا بَيْنَ المَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ يُصَلّونَ. قالَ وَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: قِيَامُ اللّيْلِ.
__________
كان نومه خاصاً بالليالي الطوال، وفي غير رمضان دون القصار لكن يحتاج إخراجها إلى دليل، قاله القسطلاني. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم وابن ماجة.
"إذ حزبه أمر" : بالحاء المهملة ثم الزاي، قال في النهاية: أي نزل به أمر مهم أو أصابه غم، وروى بالنون من الحزن. قال المنذري: وذكر بعضهم أنه روي مرسلا انتهى. والحديث ليس له تعلق بالباب إلا أن يقال إذا حزبه أمر صلى في آخر الليل. والله أعلم.
"آتيه بوضوئه" : بفتح الواو أي ماء الوضوء "فقلت مرافقتك" : أي أسأل صحبتك وقربك في الجنة "أو غير ذلك" : بفتح الواو قاله النووي وغيره "هو ذاك" : أي سؤالي هذا لا غير "فأعني على نفسك" : معناه كن لي عوناً في إصلاح نفسك بكثرة السجود ونحوها. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي. وأخرج الترمذي وابن ماجه طرفاً منه، وليس لربيعة ابن كعب في كتبهم سوى هذا الحديث.
"كانوا يتيقظون" : هكذا في أكثر النسخ وفي بعضها يتنفلون. وأخرج ابن مردويه في تفسيره من طريق مالك بن دينار قال: سألت أنس بن مالك عن قوله تعالى {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} فقال كان ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء الآخرة فأنزل لله فيهم {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ} وفي سنده ضعف. ورواه أيضاً من

(4/142)


1318 - حدثنا مُحمّدُ بنُ المثَنّى أخبرنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ وَابنُ أبي عَدِيّ عنْ سعيدٍ عنْ قَتَادَةَ عنْ أَنَسٍ في قَوْلِهِ: {كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} قالَ: كَانُوا يُصَلّونَ فِيما بَيْنَ المَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ[فيما بينهما بين المغرب والعشاء] زَادَ في حَدِيثِ يَحْيَى وَكَذَلِكَ {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ}.
__________
رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس في هذه الآية قال: يصلون ما بين المغرب والعشاء قال العراقي: وإسناده جيد وأخرج نحوه أيضاً من رواية يزيد بن أسلم عن أبيه قال: قال بلال لما نزلت هذه الآية تتجافى كنا نجلس في المجلس وناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يصلون بعد المغرب إلى العشاء. وروى ابن أبي شبية في المصنف عن حميد بن عبد الرحمن عن عمارة بن زاذان عن ثابت عن أنس أنه يصلي ما بين المغرب والعشاء ويقول هي ناشئة الليل.
وممن قال بذلك من التابعين أبو حازم ومحمد بن المنكدر وسعيد بن جبير وزين العابدين ذكره العراقي كذا في النيل. وأخرج أحمد في مسنده عن حذيفة قال: "صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم المغرب فلما قضى الصلاة قام يصلي فلم يزل يصلي حتى صلى العشاء ثم خرج" وأخرجه أيضاً الترمذي والنسائي. وحديث الباب سكت عنه المنذري.
"حدثني محمد بن المثنى": وروى أيضاً محمد بن نصر عن أنس أن قوله تعالى {كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} نزلت فيمن كان يصلي ما بين العشاء والمغرب. قال العراقي: سنده صحيح. وقال: وممن كان يصلي ما بين المغرب والعشاء من الصحابة عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو وسلمان الفارسي وابن عمر وأنس في ناس من الأنصار انتهى. والحديث سكت عنه المنذري.

(4/143)


310 - باب افتتاح صلاة الليل بركعتين
1319 - حدثنا الرّبِيعُ بنُ نَافِعٍ أَبُو تَوْبَةَ أخبرنا سُلَيْمانُ بنُ حَيّانَ عنْ هِشَامِ بنِ حَسّانَ عن ابن سِيرِينَ عن أَبي هُرَيْرَةَ قَال قَال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللّيْلِ فَلْيُصَلّ رَكْعَتَيْنِ خَفِيْفَتَيْنِ".
__________
باب افتتاح صلاة الليل بركعتين
"فليصل ركعتين خفيفتين" : هذا الحديث يدل على مشروعية افتتاح صلاة الليل بركعتين خفيفتين لينشط بهما لما بعدهما. وأخرج مسلم عن عائشة قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام

(4/143)


1320 - حدثنا مَخْلَدُ بنُ خَالِدٍ أخبرنا إِبراهِيمُ يَعْنِى ابنَ خَالِدٍ عنْ رَبَاحٍ عنْ مَعْمَرٍ عنْ أَيّوبَ عن ابنِ سِيرِينَ عنْ أَبي هُرَيْرَةَ قال: إذَا - بِمَعْنَاهُ - زَادَ: ثُمّ لِيُطَوّلْ بَعْدُ مَا شَاءَ .
قال أَبُو دَاوُد: رَوَى هذَا الحَديثَ حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ وَزُهَيْرُ بنُ مُعَاوِيَةَ، وَجَمَاعَةٌ عن هِشَامٍ[هشام عن محمد] أَوْقَفُوهُ عَلَى أَبي هُرَيْرَةَ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَيّوبُ وَابنُ عَوْنٍ أَوْقَفُوهُ عَلَى أَبي هُرَيْرَةَ، وَرَوَاهُ ابنُ عَوْنٍ عنْ مُحمّدٍ قال: فيهِما تَجَوّزْ.
__________
من الليل ليصلي افتتح صلاته بركعتين خفيفتين" والجمع بين روايات عائشة المختلفة في حكايتها لصلاته صلى الله عليه وسلم أنها ثلاث عشرة تارة وأنها إحدى عشرة أخرى بأنها ضمت هاتين الركعتين فقالت ثلاث عشرة ولم تضمهما، فقالت إحدى عشرة ولا منافاة بين هذين الحديثين، وبين قولها في صفة صلاته صلى الله عليه وسلم صلى أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، لأن المراد صلى أربعاً بعد هاتين الركعتين. قال المنذري: وأخرجه مسلم وفي رواية لأبي داوود موقوفة ثم ليطول بعد ما شاء وفي أخرى فيهما تجوز انتهى. قال في الأزهار: المراد بهما ركعتا الوضوء، ويستحب فيهما التخفيف لورود الروايات بتخفيفهما قولا وفعلا، والأظهر أن الركعتين من جملة التهجد يقومان مقام تحية الوضوء لأن الوضوء ليس له صلاة على حدة فيكون فيه إشارة إلى أن من أراد أمراً يشرع فيه قليلا ليتدرج. قال الطيبي ليحصل بهما نشاط الصلاة ويعتاد بهما ثم يزيد عليهما بعد ذلك. ذكره في المرقاة.
"عن أبي هريرة قال إذا بمعناه": أي إذ قام أحدكم من الليل "وزاد": هذه الجملة "ثم ليطول بعد" : أي بعد هاتين الركعتين في بقية صلاته "عن محمد": بن سيرين "قال فيهما": أي في الركعتين "تجوز": أي في القراءة والحاصل أن سليمان بن حيان روى عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة هذا الحديث مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأما حماد بن سلمة وزهير وجماعة فرووه عن هشام بن حسان عن ابن سيرين موقوفاً على أبي هريرة وكذلك روى أيوب وابن عون هذا الحديث عن محمد بن سيرين موقوفاً على أبي هريرة. فسليمان بن حيان تفرد برفع هذا الحديث، والفرق بين رواية ابن عون وأيوب أن أيوب قال فليصل ركعتين خفيفتين، وقال ابن عون فليصل ركعتين وتجوز فيهما. قال في غاية المقصود: إن سليمان بن حيان ليس بمنفرد عن هشام بل تابعه محمد بن سلمة الحراني قال أحمد في مسنده حدثنا محمد بن سلمة عن هشام عن محمد بن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا قام أحدكم ليصلي بالليل فليبدأ بركعتين خفيفتين" انتهى.

(4/144)


1321 - حدثنا ابنُ حَنْبَلٍ يَعْنِي أَحْمَدَ أخبرنا حَجّاجٌ قالَ: قالَ ابنُ جُرَيْجٍ: أخبَرَنِي عُثْمانُ ابنُ أبي سُلَيْمانَ عنْ عَلِيّ الأَزْدِيّ عنْ عُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ عنْ عبد الله بنِ حَبْشِيَ الْخَثْعَمِيّ: أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ أَيّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قالَ: "طُولُ الْقِيَامِ".
__________
"أي الأعمال أفضل؟ قال: طول القيام" : قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام هذا مشكل بقوله صلى الله عليه وسلم: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" وبقوله صلى الله عليه وسلم: "وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم" لأن قرب العبد من الله تعالى راجع إلى إحسان إليه، وذلك بكثرة الثواب وهذا معنى كون طول القيام أفضل، ولا يمكن أن يكون في الصلاة ركنان كل واحد أفضل الصلاة، وأيضاً فإن السجود أفضل من القيام واجبه ونفله، لأن الشرع سامح في القيام في حق المسبوق ولم يسامح في السجود فدل على أن الواجب السجود أفضل من واجب القيام وآكد، وكل ما كان واجبه أفضل كان نفله أفضل، فيرجح فرض السجود ونفله على القيام. قال والجواب أن المراد بالحديثين سنة القيام وسنة السجود، أما الأول فلقوله وطول القيام، وطوله ليس واجباً بالإجماع، وأما الثاني فلقوله فأكثروا فيه من الدعاء، والواجب من السجود لا يسع دعاء، فالمراد بالصلاة في قول السائل أي الصلاة أفضل الصلاة لأن الألف واللام للعموم فيكون التقدير أي سنن الصلاة أفضل انتهى. قال السيوطي: والإشكال باق.

(4/145)


311 - باب صلاة الليل مثنى مثنى
1322 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عنْ مَالِكٍ عنْ نَافِعٍ وَعبد الله بنِ دِينَارٍ عنْ عبد الله بنِ عُمَرَ: "أَنّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عنْ صَلاَةِ اللّيْلِ فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "صَلاَةُ اللّيْلِ
__________
باب صلاة الليل مثنى مثنى
لا اختلاف في مشروعية لأحد وإنما اختلفوا في الأفضل. قال الشافعي: إن الأفضل في صلاة الليل والنهار مثنى مثنى. وقال أبو حنيفة رحمه الله الأفضل فيهما أربع أربع، وقال صاحباه في الليل مثنى وفي النهار رباع. والأخبار وردت على أنحاء فكل أخذ بما يترجح عنده. ومما يوافق مذهب أبي حنيفة ما ورد عن عائشة رضي الله عنها "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى أربع ركعات لا يفصل بينهن بسلام" رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده، وما في مسلم من حديث معاذة: "أنها سألت عائشة كم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى قالت أربع ركعات" الحديث وما في الصحيحين من حديث عائشة في بيان صلاة الليل: "يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن" الحديث. فهذا الفصل

(4/145)


مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصّبْحَ صلّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلّى".
__________
يفيد المراد، وإلا لقالت ثمانياً فلا تسأل. كذا ذكره ابن الهمام في فتح القدير شرح الهداية. وفي رواية الشيخين "قام رجل فقال يا رسول الله كيف صلاة الليل" والجواب عن هذا السؤال يشعر بأنه وقع عن كيفية الوصل والفصل لا عن مطلق الكيفية ومعنى قوله مثنى مثنى أي اثنتين اثنتين، وتكرار لفظ مثنى مثنى للمبالغة وقد فسر ذلك ابن عمر في رواية أحمد ومسلم عنه.
"فإذا خشي أحدكم الصبح" : استدل به على خروج وقت الوتر بطلوع الفجر، واستدل على مشروعية الإيتار بركعة واحدة عند مخافة هجوم الصبح، ويدل أكثر الأحاديث الصحيحة الصريحة على مشروعية الإيتار بركعة واحدة من غير تقييد. وقد ذهب إلى ذلك جماعة من الأئمة، وسيجيء بيانه "توتر له" : أي تجعل تلك الركعة صلاته وتراً. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة.

(4/146)


312 - باب رفع الصوت بالقراءة في صلاة الليل
1323 - حدثنا مُحمّدُ بنُ جَعْفَرٍ الْوَرَكَانِيّ أخبرنا ابنُ أبي الزّنَادِ عن عَمْرِو بن أبي عَمْرٍو مَوْلَى المُطّلِبِ عنْ عِكْرِمَةَ عن ابن عَبّاسٍ قَالَ: كَانَتْ قِرَاءَةُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم على قَدْرِ مَا يَسْمَعُهُ مَنْ في الْحُجْرَةِ وَهُوَ في الْبَيْتِ.
1324 - حدثنا مُحمّدُ بنُ بَكّارِ بنِ الرّيّانِ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ المُبَارَكِ عنْ عِمْرَانَ بنِ زَائِدَةَ عنْ أَبِيهِ عن أبي خَالِدٍ الْوَالِبيّ عنْ أَبي هُرَيْرَةَ أَنّهُ قَال: كَانَتْ قِرَاءَةُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم باللّيْلِ يَرْفَعُ طَوْراً وَيَخْفِضُ طَوْراً.
__________
باب رفع الصوت بالقراءة في صلاة الليل
"على قدر ما يسمعه" : أي مقدار قراءة يسمعها "من في الحجرة" : المراد صحن الحجرة، قاله السندي "وهو في البيت" : أي في بيته. قال القاري. قيل المراد بالحجرة أخص من البيت يعني كان لا يرفع صوته كثيراً ولا يسر بحيث لا يسمعه أحد، وهذا إذا كان يصلي ليلاً، وأما في المسجد فكان يرفع صوته فيها كثيراً ذكره ابن الملك. قال المنذري: في إسناده ابن أبي الزناد وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن ذكوان وفيه مقال، وقد استشهد به البخاري في مواضع.
"كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم بالليل" : في الأزهار: يعني في الصلاة ويحتمل في غيرها أيضاً والخبر محذوف وهو مختلفه "يرفع" : أي صوته رفعاً متوسطاً "طوراً" : أي مرة أو حالة إن كان

(4/146)


قال أَبُو دَاوُد: أَبُو خَالِدِ الْوَالِبيّ اسْمُهُ هُرْمُزُ.
1325 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيّ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم ح وَحدثنا الْحَسَنُ بنُ الصّبّاحِ أخبرنا يَحْيَى بنُ إسْحَاقَ أنبأنا حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ عن ثَابِتِ الْبُنَانِيّ عنْ عبد الله بنِ رَبَاحٍ عنْ أبي قَتَادَةَ: أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ لَيْلَةً فَإِذَا هُوَ بِأَبي بَكْرٍ يُصَلّي يَخْفِضُ مِنْ صَوْتِهِ. قَال: وَمَرّ بِعُمَرَ بنِ الخَطّابِ وَهُوَ يُصَلّي رَافِعاً صَوْتَهُ. قال: فَلَمّا اجْتَمَعَا عِنْدَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "يا أَبَا بَكْرٍ مَرَرْتُ بِكَ وَأَنْتَ تُصَلّي تَخْفِضْ صَوْتَكَ؟" قَال: قَدْ أَسْمَعْتُ مَنْ نَاجَيْتُ يَا رسولَ الله، قال: وَقال لِعُمَرَ: "مَرَرْتُ بِكَ وَأَنْتَ تُصَلّي رافِعاً صَوْتَكَ". قال فَقال يَا رسولَ الله أُوقِظُ الْوَسْنانَ وَأَطْرُدُ الشّيْطَانَ.
زَادَ الْحَسَنُ فِي حَدِيثِهِ: فَقَال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "يَا أبا بَكْرٍ ارْفَعْ مِنْ صَوْتِكَ شَيْئاً، وَقَالَ لِعُمَرَ: اخْفِضْ مِنْ صَوْتِكَ شَيْئاً".
__________
خاليا "ويخفض طوراً" : إن كان هناك نائم أو يحسب حاله المناسب لكل منهما. وقال الطيبي: يرفع خبر كان والعائد محذوف أي يرفع عليه السلام فيها طوراً صوته انتهى. والحديث سكت عنه المنذري.
"فإذا هو بأبي بكر" : قال الطيبي: أي مار بأبي بكر "يصلي" : حال عنه "يخفض" : حال عن ضمير يصلي "تخفض صوتك" : بدل أو حال "قد أسمعت من ناجيت يا رسول الله" : جواب متضمن لعلة الخفض أي أنا أناجي ربي وهو يسمع لا يحتاج إلى رفع الصوت "أوقظ" : أي أنبه "الوسنان" : أي النائم الذي ليس بمستغرق في نومه "وأطرد" : أي أبعد "الشيطان" : ووسوسته بالغفلة عن ذكر الرحمن. وتأمل في الفرق بين مرتبتهما ومقامهما وإن كان لكل نية حسنة في فعليهما وحاليهما من مرتبة الجمع للأول وحالة الفرق للثاني والأكمل هو جمع الجمع الذي كان حاله عليه السلام ودلهما عليه وأشار لهما إليه "يا أبا بكر ارفع من صوتك شيئاً" : أي قليلا لينتفع بك سامع ويتعظ مهتد "وقال لعمر أخفض من صوتك شيئاً" : أي قليلا لئلا يتشوش بك نحو مصل أو نائم معذور. قال الطيبي: نظيره قوله تعالى {وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً} كأنه قال للصديق أنزل من مناجاتك ربك شيئاً قليلا واجعل للخلق من قراءتك نصيباً، وقال لعمر ارتفع من الخلق هوناً واجعل لنفسك من مناجاة ربك نصيباً. كذا في المرقاة. قال المنذري: أخرجه مرسلاً ومسنداً وأخرجه الترمذي. وقال حديث غريب،

(4/147)


1326 - حدثنا أَبُو حُصَيْنِ بنِ يَحْيَى الرّازِيّ أخبرنا أَسْبَاطُ بنُ مُحمّدٍ عنْ مُحمّدِ بنِ عَمْرٍو عنْ أبي سَلَمَةَ عنْ أَبي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِهَذِهِ الْقِصّةِ لَمْ يَذْكُرْ: فَقالَ لأَبِي بَكْر: "ارْفَعْ شَيْئاً" وَلاَ لِعُمَرَ "اخْفِضْ شَيْئاً" .
زَادَ وَقَدْ سَمِعْتُكَ يَا بِلاَلُ وَأَنْتَ تَقْرَأُ مِنْ هذِهِ السّورَةِ وَمِنْ هذِهِ السّورَةِ قالَ كَلاَمٌ طَيّبٌ يَجْمَعُهُ الله بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ، فَقالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم "كُلّكُمْ قَدْ أَصَابَ".
1327 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ عُرْوَةَ عنْ عَائَشَةَ: أَنّ رَجُلاً قامَ مِنَ اللّيْلِ فَقَرَأَ فَرَفَعَ صَوْتَهُ بالْقُرْآنِ فَلَمّا أَصْبَحَ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يَرْحَمُ الله فُلاَناً كَأَيّنْ مِنْ آيَةٍ أَذْكَرَنِيهَا اللّيْلَةَ كُنْتُ قَدْ أَسْقَطْتُهَا" .
__________
وإنما أسنده يحيى بن إسحاق عن حماد بن سلمة. وأكثر الناس إنما رووا هذا الحديث عن ثابت عن عبد الله بن رباح مرسلا. هذا آخر كلامه ويحيى بن إسحاق هذا هو البجلي السيلحيني وقد احتج به مسلم في صحيحه.
"وأنت تقرأ من هذه السورة" : من تبعيضية أي تقرأ آيات من هذه السورة وآيات من هذه السورة ولا تقرأ سورة كاملة "قال" بلال: "كلام طيب" : أي كل القرآن كلام طيب "يجمعه" : الضمير المنصوب يرجع إلى الكلام والمراد بعض الكلام كما يدل عليه قوله "بعضه" : بعض الكلام "إلى بعض" : والمعنى أن كل القرآن كلام طيب تشتهي إليه النفوس ويرغب فيه أهل الإيمان، وجمع الله تعالى بعض الكلام وضمه إلى بعض ووضع بعضاً مع بعض لأجل ما تقتضي إليه الحاجة وإني أقرأ منه ما أحبه وما أشتهي إليه. والحديث سكت عنه المنذري.
"أن رجلا قام من الليل فقرأ فرفع صوته بالقرآن" : وفي رواية لمسلم "كان النبي صلى الله عليه وسلم يستمع قراءة رجل في المسجد فقال رحمه الله لقد أذكرني آية كنت أنسيتها" وفي رواية له "سمع رجلا يقرأ من الليل فقال يرحمه الله، لقد أذكرني كذا وكذا آية كنت أسقطتها من سورة كذا وكذا" "كأين من آية" : أي كم من آية "أذكرنيها الليلة" : مفعول أذكرني وفاعله فلان وهذه الآية الكريمة من سورة يوسف {وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} قال النووي وفي الحديث فوائد منها جواز رفع الصوت بالقراءة في الليل، وفي المسجد، ولا كراهة فيه إذا لم يؤذ أحداً ولا تعرض للرياء والإعجاب ونحو ذلك، وفيه الدعاء لمن أصاب الإنسان من جهته خيراً وإن لم يقصده ذلك الإنسان وفيه أن الاستماع للقراءة سنة، وفيه جواز قول سورة كذا كسورة البقرة ونحوها ولا التفات إلى من خالف في ذلك، فقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على استعماله

(4/148)


قال أَبُو دَاوُد: وَرَوَاهُ هَارُونُ النّحْوِيّ عنْ حَمّادِ بن سَلَمَةَ في سُورَةٍ آلِ عِمْرَانَ في الحُرُوفِ: وَكَأَيّنْ مِنْ نَبِيَ .
1328 - حدثنا الحَسَنُ بنُ عَلِيّ أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ أنبأنا مَعْمَرٌ عنْ إِسْمَاعِيلَ بنِ أُمَيّةَ عنْ أبي سَلَمَةَ عنْ أبي سَعِيدٍ قال: اعْتَكَفَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في المَسْجِدِ فَسَمِعَهُمْ يَجْهَرُونَ بالْقِرَاءَةِ. فَكَشَفَ السّتْرَ وَقالَ: "أَلاَ إِنّ كُلّكُمْ مُنَاجٍ رَبّهُ، فَلاَ يُؤْذِيَنّ بَعْضُكُمْ بَعضاً. وَلاَ يَرفَعُ بَعضُكُم عَلَى بَعْضٍ في الْقِرَاءَةِ" أَوْ قالَ: "فِي الصّلاَةِ".
1329 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا إِسْمَاعِيلُ بنُ عَيّاشٍ عن بَحيرِ بنِ سَعْدٍ عنْ خَالِدِ بنِ مَعْدَانَ عن كَثِيرِ بنِ مُرّةَ الْحَضْرَمِيّ عن عُقْبَةَ بنِ عَامِرِ الْجُهَنِيّ قالَ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "الْجَاهِرُ بالْقرآنِ كَالْجَاهِرِ بالصّدَقَةِ وَالمُسِرّ بالْقُرآنِ كَالمُسِرّ بالصّدَقَةِ".
__________
انتهى "قد أسقطتها" : أي تركتها في القراءة نسياناً "عن حماد بن سلمة": غرضه أن هارون النحوي قال عن حماد بن سلمة يرحم الله فلاناً أذكرني في سورة آل عمران حروفاً أي كلمات أسقطتها وهي قوله تعالى {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي بنحوه.
"وعن أبي سعيد": وهو الخدري "ولا يرفع بعضكم على بعض" : أي صوته "أو قال في الصلاة" : شك من الراوي. قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة" : قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب هذا آخر كلامه وفي إسناده إسماعيل بن عياش وفيه مقال، ومنهم من يصحح حديثه عن الشاميين. وهذا الحديث شامي الإسناد.

(4/149)


313 - باب في صلاة الليل
1330 - حدثنا ابنُ المُثَنّى أخبرنا ابنُ أبي عَدِيّ عن حَنْظَلَةَ عن الْقَاسِمِ بنِ مُحَمّدٍ عن عَائشةَ قالَتْ: كانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُصَلّي مِن اللّيْلِ عَشْرَ رَكَعَاتٍ وَيُوتِرُ
__________
باب في صلاة الليل
"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل عشر ركعات" : في السبل: وظاهره أنها موصولة لا

(4/149)


بِسَجْدَةٍ وَيَسْجُدُ سَجْدَتَيِ الْفَجْرِ فَذَلِكَ ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً.
1331 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن ابنِ شِهَابٍ عن عُرْوَةَ بنِ الزّبَيْرِ عنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كانَ يُصَلّي مِنَ اللّيْلِ إحْدَى عَشْرَةَ ركْعَةً يُوتِرُ مِنْهَا بِوَاحِدَةٍ فَإِذَا فَرَغَ منْهَا اضْطَجَعَ عَلَى شِقّهِ الأَيْمَنِ.
1332 - حدثنا عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ إِبراهِيمَ وَ نَصْرُ بنُ عَاصِمٍ[عاصم الأزد] وَهَذَا لَفْظُهُ قالا أخبرنا الْوَلِيدُ أخبرنا الأَوْزَاعِيّ وَقال نَصْرٌ عن ابنِ أبي ذِئْبٍ وَ الأوْزَاعِيّ عن الزّهْرِيّ عن عُرْوَةَ عن عَائشةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُصَلّي فيمَا بَيْنَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلاَةِ الْعِشَاءِ إِلَى أَنْ يَنْصَدِعَ الْفَجْرُ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُسَلّم مِنْ كُلّ ثِنْتَيْنِ، وَيُوتِرُ
__________
قعود فيها انتهى. قلت: هذا خلاف الظاهر "ويوتر بسجدة" : أي ركعة "ويسجد سجدتي الفجر" : أي يصلي ركعتي الفجر بعد طلوعه "فذلك" : أي ما ذكر من الصلاة في الليل مع تغليب ركعتي الفجر أو الصلاة جميعاً "ثلاث عشرة ركعة" : وفي رواية أنه كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة ثم يصلي إذا سمع النداء ركعتين خفيفتين فكانت خمس عشرة ركعة ، ولما اختلفت ألفاظ حديث عائشة زعم البعض أنه حديث مضطرب، وليس كذلك، بل الروايات محمولة على أوقات متعددة وأوقات مختلفة بحسب النشاط وبيان الجواز وأن الكل جائز، فالأحسن أنه يقال أنها أخبرت عن الأغلب من فعله صلى الله عليه وآله وسلم فلا ينافيه ما خالفه لأنه إخبار عن النادر. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة" : هي أكثر الوتر عند الشافعي لهذا الحديث ولقولها "ما كان صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة" ولا يصح زيادة عليها لم يجز ولم يصح وتره. قال السبكي: وأنا أقطع بحل الإيتار بذلك. وصحته لكني أحب الاقتصار على إحدى عشرة فأقل لأنه غالب أحواله صلى الله عليه وسلم "اضطجع على شقه الأيمن" : لأنه كان يحب التيمن. قال بعض العلماء: حكمته أن لا يستغرق في النوم لأن القلب في اليسار ففي النوم عليه راحة له فيستغرق فيه، وفيه كلام لأنه صح أنه عليه الصلاة والسلام كان تنام عينه ولا ينام قلبه . نعم يجوز أن يكون فعله لإرشاد أمته وتعليمهم. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"إلى أن ينصدع" : أي ينشق "الفجر" : وهو بظاهره يشمل ما إذا كان بعد نوم أم لا "ويوتر

(4/150)


بِواحِدَةٍ، وَيَمْكُثُ في سُجُودِهِ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ، فَإِذَا سَكَتَ المُؤَذّنُ بالأُوَلى مِنْ صلاَةِ الْفَجْرِ قَامَ فَرَكَعَ[يركع] رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقّهِ الأيْمَنِ حَتّى يَأْتِيَهُ المُؤَذّنُ.
1333 - حدثنا سُلَيْمانُ بنُ دَاوُدَ المَهْرِيّ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني ابنُ أبي ذِئبٍ وَعمْرُو ابنُ الْحَارِثِ وَيُونُسُ بنُ يَزِيدَ أَنّ ابنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُمْ بإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ قال: وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ وَيَسْجُدُ سَجْدَةً قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ فإِذَا سَكَتَ المُؤَذّنُ مِنْ صَلاَةِ الْفَجْرِ وَتَبَيْنَ لَهُ الْفَجْرُ . وَسَاقَ مَعْنَاهُ. قالَ وَبَعْضُهُمْ يَزِيدُ عَلَى بَعْضِ.
1334 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا وُهَيْبٌ أخبرنا هِشَامُ بنُ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عن عَائشةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُصَلّي مِنَ اللّيْلِ ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً يُوتِرُ مِنْهَا
__________
بواحدة" : فيه أن أقل الوتر ركعة فردة والتسليم من كل ركعتين وبهما قال الأئمة الثلاثة "ويمكث في سجوده" : يعني يمكث في كل واحدة من سجدات تلك الركعات قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية "فإذا سكت" : بالتاء. "المؤذن" : أي فرغ. قال الحافظ العسقلاني: هكذا في الروايات المعتمدة بالمثناة الفوقانية، وروى سكب بالموحدة ومعناه صب الأذان والرواية المذكورة لم تثبت في شيء من الطرق وإنما ذكر الخطابي من طريق الأوزاعي عن الزهري انتهى. وقال بعض العلماء يجوز فيه التاء المثناة من فوق ولكن قيدوه بالباء الموحدة، كذا في الفائق للزمخشري والنهاية للجزري وقالا: أرادت عائشة إذا أذن فاستعارت السكب للإفاضة في الكلام كما يقال أفرغ في أذني حديثاً أي ألقى وصب. وقال في الفائق: كما يقال هضب في الحديث وأخذ في الخطبة، وكذا صرح به الهروي في الغريبين "بالأولى من صلاة الفجر" : أي بالنداء الأولى وهي الأذان والثانية الإقامة "قام فركع ركعتين" : هما سنة الفجر "خفيفتين" : يقرأ فيهما الكافرون والإخلاص "ثم اضطجع على شقه الأيمن" : أي للاستراحة من تعب قيام الليل ليصلي فرضه على نشاط. كذا قاله ابن الملك وغيره. وقال النووي: يستحب الاضطجاع بعد ركعتي الفجر انتهى "حتى يأتيه المؤذن" : أي يستأذنه للإقامة قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"ثلاث عشرة ركعة" : قال ابن الملك: ثمان ركعات منها بتسليمتين، وقال ابن حجر المكي في شرح الشمائلي بأربع تسليمات، ويمكن أنه عليه الصلاة والسلام صلى أربعاً بتسليمة وأربعاً بتسليمتين جمعاً بين القضيتين وإحاطة بالفضيلتين. كذا

(4/151)


بِخَمْسٍ لا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْخَمْسِ حتى يَجلِسَ في الآخرة فَيُسَلّمَ.
قال أَبُو دَاوُد: روَاهُ ابنُ نُمَيْرٍ عنْ هِشَامٍ نَحْوَهُ.
1335 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن أَبيهِ عن عَائِشَةَ قالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُصَلّي باللّيْلِ ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ثُمّ يُصَلّي إِذَا سَمِعَ النّدَاءَ بالصّبْحِ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ.
1336 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ وَمُسْلِمُ بنُ إِبراهِيمَ قالا أخبرنا أَبَانُ عن يَحْيَى عن أبي سَلَمَةَ عن عَائِشَةَ أنّ نَبِيّ الله صلى الله عليه وسلم كانَ يُصَلّي مِنَ اللّيْلِ ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً كَانَ يُصَلّي ثَمَانِي رَكْعَاتٍ وَيُوتِرُ بِرَكْعَةٍ ثُمّ يُصَلّي . قالَ مُسْلِمٌ: بَعْدَ الْوِترِ - ثُمّ اتّفَقَا رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَركَعَ قَامَ فَرَكَعَ، وَيُصَلّي بَيْنَ أَذَانِ الْفَجْرِ وَالإِقَامَةِ رَكْعَتَيْنِ.
1337 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن سَعِيدٍ بنِ أبي سَعِيدٍ المَقْبَرِيّ عن أبي
__________
في المرقاة "يوتر منها" : أي من ثلاث عشرة "بخمس" : أي يصلي خمس ركعات بنية الوتر لا يجلس في شيء أي للتشهد حتى يجلس في الآخرة وإليه ذهب الشافعي وغيره من الأئمة والحديث يدل على مشروعية الإيتار بخمس ركعات، وهو يرد على قال بتعيين الثلاث "رواه ابن نمير عن هشام": فوهيب ليس بمتفرد في هذه الرواية عن هشام بل تابعه ابن نمير، وحديثه عند مسلم وتابعه أيضاً وكيع وأبو أسامة كما عند مسلم أيضاً. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة.
"يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة" : منها الركعتان الخفيفتان اللتان يفتتح بهما صلاته "ثم يصلي إذا سمع النداء بالصبح" : سنة "ركعتين خفيفتين" : يقرأ بقل يا أيها الكافرون: وقل هو الله أحد رواه مسلم ولأبي داوود: {قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا} في الركعة الأولى وفي الثانية {رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ} قال المنذري: وهو طرف من الذي قبله.
"كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة" : قال ابن الملك: إنما أعدت الوتر وركعتي الفجر بالتهجد لأن الظاهر أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي الوتر آخر الليل ويبقى مستيقظاً إلى الفجر ويصلي الركعتين أي سنة الفجر متصلا بتهجده ووتره. كذا في المرقاة. قال السندي: ظاهر هذا التفصيل أنها ثلاث عشرة مع سنة الفجر. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي.

(4/152)


سَلَمَةَ بنِ عبد الرحمن أَنّهُ أَخْبَرَهُ أَنّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ زَوْجَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كَيْفَ كَانَتْ صَلاَةُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في رَمَضَانَ فَقَالَتْ: مَا كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَزيدُ في رَمَضَانَ وَلاَ في غَيْرِهِ عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ ركْعَةً، يُصَلّي أَرْبَعاً فَلاَ تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنّ وَطُولِهِنّ، ثُمّ يُصَلّي أَرْبَعاً فَلاَ تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنّ وَطُولِهِنّ، ثُمّ يُصَلّي ثَلاَثاً. قالَتْ عَائِشَةُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ فَقَالَ: "يا عَائِشَةُ إِنّ عَيْنَيَ تَنَامَانِ وَلاَ يَنَامُ قَلْبِي".
1338 - حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ أخبرنا هَمّامٌ حدثنا قَتَادَةُ عنْ زُرَارَةَ بنِ أَوْفَى عنْ سَعْدِ ابنِ هِشَامٍ قال: طَلّقْتُ امْرَأَتِي فَأَتَيْتُ المَدِينَةَ لأَبِيعَ عَقَاراً كَانَ لِي بِهَا فَأَشْتَري بِهِ السّلاَحَ وَأَغْزُو فَلَقِيتُ نَفَراً مِنْ أَصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا قَدْ أَرَادَ نَفَرٌ مِنّا سِتّةً أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ فَنَهَاهُمُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وَقالَ: "لَكُمْ[لقد كان لكم] في رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ" فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبّاسٍ فَسَأَلْتُهُ عنْ وِتْرِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَقال أَدُلّكَ عَلَى أَعْلَمِ النّاسِ بِوِتْرِ
__________
"كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في": ليالي "رمضان فقالت: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة" : أي غير ركعتي الفجر، وأما ما رواه ابن أبي شيبة عن ابن عباس "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في رمضان عشرين ركعة والوتر" فإسناده ضعيف، وقد عارضه حديث عائشة هذا وهو في الصحيحين مع كونها أعلم بحاله عليه السلام ليلا من غيرها "يصلي أربعاً" : أي أربع ركعات. وأما ما سبق من أنه كان يصلي مثنى مثنى ثم واحدة فمحمول على وقت آخر، فالأمران جائزان "فلا تسأل عن حسنهن وطولهن" : لأنهن في نهاية من كمال الحسن والطول مستغنيات لظهور حسنهن وطولهن عن السؤال عنه والوصف "فقلت" : بفاء العطف على السابق "يارسول الله أتنام" : بهمزة الاستفهام الاستخباري "ولا ينام قلبي" : ولا يعارض بنومه عليه السلام بالوادي لأن طلوع الفجر متعلق بالعين لا بالقلب، وفيه دلالة على كراهة النوم قبل الوتر لاستفهام عائشة عن ذلك، لأنه تقرر عندها منع ذلك فأجابها بأنه صلى الله عليه وسلم ليس هو في ذلك كغيره، ذكره القسطلاني. قال المنذري: أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.
"لأبيع عقاراً" : على وزن سلام كل ملك ثابت له أصل كالدار والنخل. وقال بعض أهل اللغة: ربما أطلق على المتاع "فأشترى به" : أي بثمن العقار "منا ستة" : بدل من نفر "أن يفعلوا ذلك" : أي تطليق النساء وبيع المتاع لإرادة الغزو "وقال" : كل واحد من الصحابة ممن لقيت بهم "أسوة حسنة" : أي اقتداء ومتابعة حسنة جميلة "فقال أدلك على أعلم الناس" : فيه أنه يستحب

(4/153)


رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم: فَأْتِ عَائِشَةَ فَأَتَيْتُهَا فَاسْتَتْبَعْتُ حَكِيمَ بنَ أَفْلَحَ فَأَبَى فَنَاشَدْتُهُ فَانْطَلَقَ مَعِي، فَاسْتَأْذَنّا عَلَى عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ حَكِيمُ بنُ أَفْلَحَ قالَتْ وَمَنْ مَعَكَ؟ قال: سَعْدُ بنُ هِشَامٍ، قالَتْ هِشَامُ بنُ عَامِرٍ الّذِي قُتِلَ يَوْمَ أُحَدٍ؟ قالَ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَتْ: نِعْمَ الْمَرءُ كَانَ عَامِراً. قال قُلْتُ يا أُمّ الْمُؤْمِنِينَ حَدّثِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قالَتْ أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَإِنّ خُلُقَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ الْقُرْآنَ. قال: قُلْتُ حَدّثِينِي عَنْ قِيَامِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم باللّيْلِ قالَتْ أَلَسْتَ تَقْرَأُ يا أَيّهَا المُزّمّلُ؟ قالَ: قُلْتُ بَلَى، قالَتْ: فإِنّ أَوّلَ هَذِهِ السّورَةِ نَزَلَتْ، فَقامَ أَصْحَابُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم حَتّى انْتَفَخَتْ أَقْدَامُهُمْ وَحُبِسَ خَاتِمَتُهَا في السّماءِ اثْني عَشَرَ شَهْراً، ثُمّ نَزَلَ آخِرُهَا، فَصَارَ قَيَامُ اللّيْلِ تَطَوّعاً بَعْدَ فَرِيضَةٍ، قالَ: قُلْتُ حَدّثِيني عَنْ وِتْرِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم؟ قَالت: كَانَ يُوتِرُ بثَماني[بثمان] رَكعَاتٍ، لاَ يَجْلِسُ إِلاّ في الثّامِنَةِ، ثُمّ يَقُومُ فَيُصَلّي رَكْعَةً أُخْرَى، لا يَجْلِسُ إِلاّ في الثّامِنَةِ وَالتّاسِعَةِ، وَلاَ يُسَلّمُ إِلاّ في التّاسِعَةِ، ثُمّ يُصَلّي رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ، فَذَلِكَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يَا بُنَيّ، فَلَمّا أَسَنّ وَأَخَذَ اللّحْمَ أَوْتَرَ بِسَبْعِ رَكَعَاتٍ لَمْ يَجْلِسْ إِلاّ فِي السّادِسَةِ وَالسّابِعَةِ، وَلَمْ يُسَلّمْ إِلاّ فِي السّابِعَةِ، ثُم ّ
__________
للعالم إذا سئل عن شيء ويعرف أن غيره أعلم منه به أن يرشد السائل إليه، فإن الدين النصيحة ويتضمن مع ذلك الإنصاف والاعتراف بالفضل لأهله والتواضع "فاستتبعت" : أي استصحبت وطلبت منه المصاحبة، وسألت منه أن يتبعني في الذهاب إلى عائشة "عن خلق رسول الله" : بضم الحاء واللام ويسكن أي أخلاقه وشمائله "كان القرآن" : أي كان خلقه جميع ما فصل في القرآن من مكارم الأخلاق، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان متحلياً به. وقال النووي: معناه العمل به والوقوف عند حدوده والتأديب بآدابه والاعتبار بأمثاله وقصصه وتدبره وحسن تلاوته "فصار قيام الليل تطوعاً بعد فريضة" : هذا ظاهره أنه صار تطوعاً في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمة، فأما الأمة فهو تطوع في حقهم بالإجماع، وأما النبي صلى الله عليه وسلم فاختلفوا في نسخه في حقه والأصح نسخه قاله النووي "ولا يسلم إلا في التاسعة" : فيه مشروعية الإيتار بتسع ركعات متصلة لا يسلم إلا في آخرها ويقعد في الثامنة ولا يسلم "فلما أسن وأخذ اللحم" : أي كبر عمره وبدن "أوتر بسبع ركعات لم يجلس إلا في السادسة والسابعة" : وفي رواية النسائي "صلى سبع ركعات لا يقعد إلا في آخرهن" فرواية المؤلف تدل على إثبات القعود في السادسة والرواية الثانية تدل على نفيه، ويمكن الجمع بحمل النفي للقعود في رواية النسائي على القعود الذي يكون فيه التسليم.

(4/154)


يُصَلّي رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ، فَتِلْكَ تِسْعُ رَكْعَاتٍ يَا بُنَيّ، وَلَمْ يَقُمْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لَيْلَةً يُتِمّهَا إِلى الصّبَاحِ، وَلَمْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي لَيْلَةٍ قَطّ، وَلَمْ يَصُمْ شَهْراً يُتِمّهُ غَيْرَ رَمَضَانَ، وَكَانَ إِذَا صَلّى صَلاَةً دَاوَمَ عَلَيْهَا، وَكَانَ إذَا غَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ مِنَ اللّيْلِ بِنَوْمٍ صَلّى مِنَ النّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، قَالَ فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبّاسٍ، فَحَدّثْتُهُ، فَقَالَ: هذَا وَالله هُوَ الْحَدِيثُ، وَلَوْ كُنْتُ أُكَلّمُهَا لأتَيْتُهَا حَتّى أُشَافِهَهَا بِهِ مُشَافَهَةً، قالَ: قُلْتُ: لَوْ عَلِمتُ أَنّكَ لاَ تُكَلّمُهَا مَا حَدّثْتُكَ.
1339 - حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ أخبرنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ بإِسْنَادِهِ نَحْوَهُ قال: يُصَلّي ثَمَانِيَ[ثمان] رَكَعَاتٍ لاَ يَجْلِسُ فِيهِنّ إِلاّ عِنْدَ الثّامِنَةِ،
__________
وظاهره هذا الحديث وغيره من الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يوتر بدون سبع ركعات وقال ابن حزم في المحلي: إن الوتر وتهجد الليل ينقسم إلى ثلاثة عشر وجهاً أيها فعل أجزأه ثم ذكرها واستدل على كل واحد منها ثم قال وأحبها إلينا وأفضلها أن يصلي ثنتي عشرة ركعة يسلم من كل ركعتين ثم يصلي ركعة واحدة ويسلم انتهى.
"ثم يصلي ركعتين وهو جالس" : أخذ بظاهره الأوزاعي وأحمد وأباحا ركعتين بعد الوتر جالساً وأنكره مالك قال النووي: الصواب أن فعله صلى الله عليه وسلم لبيان الجواز ولم يواظب على ذلك بل فعله مرة أو مرات قليلة، ولفظ كان لا يلازم منها الدوام ولا التكرار. قال: وإنما تأولنا حديث الركعتين لأن الروايات المشهورة في الصحيحين بأن آخر صلاته صلى الله عليه وسلم في الليل كانت وتراً. وفي الصحيحين أحاديث كثيرة مشهورة بالأمر بجعل آخر صلاة الليل وتراً، فكيف يظن أنه يداوم على ركعتين بعد الوتر، وما أشار إليه القاضي عياض من رد رواية الركعتين فليس بصواب لأن الأحاديث إذا صحت وأمكن الجمع بينها تعين انتهى ملخصاً.
"ولم يقرأ القرآن في ليلة" : أي كاملا بتمامه "وكان إذا غلبته عيناه" : هذا دليل على استحباب المحافظة على الأوراد وأنها إذا فاتت تقضى "والله هو الحديث" : الذي أريده "أكلمها" : أي عائشة "حتى أشافهها به" : أي بالحديث "مشافهة" : أي أسمع منها مواجهة، ويشبه أن يكون ترك الكلام معها لأجل المنازعة التي كانت بين علي بن أبي طالب وبينها أو لأمر آخر، لكن هذا فعل ابن عباس ليس به حجة بل هو مخالف للنصوص والله أعلم "ما حدثتك" : أي لتذهب إليها للحديث فتكلمها أو المراد أنك لا تكلمها، فإن علمت هذا قبل ذلك ما حدثتك حديثها أيضاً. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي

(4/155)


فَيَجْلِسُ فَيَذْكُرُ الله ثُمّ يَدْعُو ثُم يُسَلّمُ تَسْلِيماً يُسْمِعُنَا، ثُم يُصَلّي رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ، بَعْدَ مَا يُسَلّمُ ثُمّ يُصَلّي رَكْعَةً، فَتِلْكَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يَا بُنَيّ، فَلَمّا أَسَنّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وَأَخَذَ اللّحْمَ أَوْتَرَ بِسَبْعٍ وَصَلّى رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ بَعْدَ مَا سَلّمَ - بِمَعْنَاهُ - إِلَى مُشَافَهَةٍ.
1340 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا مُحمّدُ بنُ بِشْرٍ أخبرنا سَعِيدٌ بِهَذا الحَدِيثِ قالَ: يُسَلّمُ تَسْلِيماً يُسْمِعُنَا, كَمَا قَالَ يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ.
1341 - حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ أخبرنا ابنُ أبي عَدِيّ عنْ سَعِيدٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ. قالَ ابنُ بَشّارٍ بِنَحْوِ حَدِيثِ يَحْيَى بنِ سَعْيدٍ إِلاّ أَنّهُ قال: وَيُسَلّمُ تَسْلِيمَةً يُسْمِعُنَا.
1342 - حدثنا عَلِيّ بنُ حُسَيْنِ الدّرْهَمِيّ أخبرنا ابنُ أبي عَدِيّ عن بَهْزِ بنِ حَكِيمٍ أخبرنا زُرَارَةُ بنُ أَوْفَى: أَنّ عَائِشَةَ سُئِلَتْ عَنْ صَلاَةِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فِي جَوْفِ اللّيْلِ فَقَالَتْ: كَانَ يُصَلّي صَلاَةَ الْعِشَاءِ فِي جَمَاعَةٍ ثُمّ يَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ فَيَرْكَعُ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ثُمّ يَأْوِي إِلَى فِرَاشِهِ وَيَنَامُ وَطَهُورُهُ مُغَطّى عِنْدَ رَأْسِهِ وَسِوَاكَهُ مَوْضُوعٌ حَتّى يَبْعَثَهُ الله سَاعَتَهُ الّتِي يَبْعَثُهُ مِنَ اللّيْلِ فَيَتَسَوّكُ وَيُسْبِغُ الوُضُوءَ، ثُمّ يَقُومُ إِلَى مُصَلاّهُ فَيُصَلّي ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ يَقْرَأُ فِيهِنّ بِأُمّ الْكِتَابِ[القرآن] وَسُورَةٍ مِنَ الْقُرآنِ وَمَا شَاءَ الله وَلاَ يَقْعُدُ فِي شَيْءٍ مِنْها حَتّى يَقْعُدَ فِي الثّامِنَةِ وَلاَ يُسَلّمُ وَيَقْرَأُ فِي التّاسِعَةِ ثُمّ يَقْعُدُ فَيَدْعُو بِمَا شَاءَ الله أَنْ يَدْعُوَهُ وَيَسْأَلُهُ وَيَرْغَبُ إِلَيْهِ وَيُسَلّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً شَدِيدَةً يَكَادُ يُوقِظُ[أن يوقظ] أَهْلَ الْبَيْت مِنْ شِدّةِ تَسْلِيمِهِ ثُمّ يَقْرَأُ وَهُوَ قَاعِدٌ بِأُمّ الْكِتَابِ وَيَرْكَعُ وَهُوَ قَاعِدٌ ثُمّ يَقْرَأُ الثّانِيَةَ فَيَرْكَعُ وَيَسْجُدُ وَهُوَ قَاعِدٌ ثُمّ يَدْعُو مَا شَاءَ الله أَنْ يَدْعُوَ[أن يدعو به] ثُمّ يُسَلّمُ وَيَنْصَرِفُ فَلَمْ تَزَلْ تِلْكَ صَلاَةُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم حَتّى بَدّنَ فَنَقَصَ مِنَ التّسْعِ ثِنْتَيْنِ
__________
"يسمعنا" : من الإسماع، وفيه استحباب الجهر بالتسليم فهذا نوع آخر من صلاته مغاير لما تقدم فيه أنه صلى ثمان ركعات ولم يجلس إلا في آخرهن ثم صلى ركعتين ثم صلى ركعة، فهذه رواية سعيد عن قتادة، والتي تقدمت هي رواية همام عن قتادة عن زرارة.
"حتى بدّن" : بتشديد الدال من التبدين وهو الكبر والضعف أي مسه الكبر "فنقص من التسع" : الذي كان يصلي متصلا بتشهد أو تشهدين "ثنتين" : مفعول نقص "فجعلها" : أي الصلاة

(4/156)


فَجَعَلَهَا[أي فجعلها إلى ست ركعات بغير الوتر وإلى سبع ركعات مع الوتر فالست والسبع باعتبار ضم الوتر وحذفه] إلى السّتّ وَالسّبْعِ وَرَكْعَتَيْهِ وَهُوَ قَاعِدٌ حَتّى قُبِضَ عَلَى ذَلِكَ.
1343 - حدثنا هَارُونُ بنُ عبد الله أخبَرَنَا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ أنبأنا بَهْزُ بنُ حَكِيمٍ فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ بإِسْنَادِهِ قالَ: يُصَلّي الْعِشَاءَ ثُمّ يَأْوِي إِلَى فِرَاشِهِ لَمْ يَذْكُرْ الأَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَسَاقَ الْحَدِيثَ وَقالَ فِيهِ: فَيُصَلّي ثَمَانِي رَكَعَاتٍ يُسَوّي بَيْنَهُنّ في الْقِرَاءَةِ وَالرّكُوعِ وَالسّجُودِ وَلاَ يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ مِنْهُنّ إِلاّ فِي الثّامِنَةِ فإِنّهُ كَانَ يَجْلِسُ ثُمّ يَقُومُ وَلاَ يُسَلّمُ فِيهِ فِيُصَلّي رَكْعَةً يُوتِرُ بِهَا ثُمّ يُسَلّمُ تَسْلِيمَةً يَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ حَتى يُوقِظَنَا . ثُمّ سَاقَ مَعْناهُ.
1344 - حدثنا عُمَرُ بنُ عُثْمانَ أخبَرَنا مَرْوَانُ يَعْني ابنَ مُعَاوِيَةَ عن بَهْزٍ أخبَرَنَا زُرَارَةُ بنُ أَوْفَى عن عَائِشَةَ أُمّ المُؤْمِنِينَ أَنّهَا سُئِلَتْ عن صَلاَةِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالتْ: كَانَ يُصَلّي بالنّاسِ الْعِشَاءَ ثُمّ يَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ فَيُصَلّي أَرْبَعاً ثُمّ يَأْوِي إِلَى فِرَاشِهِ. ثُمّ سَاقَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ سَوّى بَيْنَهُنّ فِي الْقِرَاءَةِ وَالرّكُوعِ وَالسّجُودِ وَلَمْ يَذْكُرْ في التّسْلِيمِ حَتّى يُوقِظْنَا.
1345 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبَرَنَا حَمّادُ يَعْني ابنَ سَلَمَةَ عن بَهْزٍ بنِ حَكِيمٍ عن زُرَارَةَ بنِ أَوْفَى عنْ سَعْدِ بنِ هِشَامٍ عن عَائِشَةَ بِهذا الْحَدِيثِ وَلَيْسَ في تَمَامِ حَدِيثهِمْ.
__________
التي نقصت من التسع "إلى الست" : فجعلها إلى ست ركعات بغير الوتر "والسبع" : أي إلى السبع ركعات مع الوتر "وركعتيه" : أي إلى الست وركعتيه وإلى السبع وركعتيه. فالست والسبع باعتبار ضم الوتر وحذفه.
"وليس" : هذا الحديث الذي فيه بهز عن زرارة عن سعد "في تمام حديثهم" : يشبه أن يكون المعنى أي من جيد أحاديثهم من جهة الإسناد، لأن ابن أبي عدي ويزيد بن هارون ومروان ابن معاوية كلهم قالوه عن بهز بن حكيم عن زرارة عن عائشة بحذف واسطة سعد، وأما حماد بن سلمة فقال عن بهز عن زرارة عن سعد بن هشام عن عائشة، وهذا البحث في حديث بهز دون قتادة، لكن قال المنذري: وروى أبو داوود عن زرارة بن أوفى عن سعد ابن هشام عن عائشة وقال

(4/157)


1346 - حدثنا مُوسَى يَعْني ابنَ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادُ يَعْني ابْنَ سَلَمَةَ عَنْ مُحمّدِ بنِ عَمْرٍو عَنْ أبي سَلَمَةَ بنِ عبد الرحمن عن عَائِشَةَ: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كانَ يُصَلّي مِنَ اللّيْلِ ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ بِسَبْعٍ - أَوْ كَمَا قالَتْ - وَيُصَلّي رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ، وَرَكْعَتَيِ الْفَجْرِ بَيْنَ الأذَانِ وَاْلإِقَامَةِ.
1347 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبَرَنَا حَمّادٌ عنْ مُحمّدِ بنِ عَمْرٍو عن
__________
ليس في تمام حديثهم هذا آخر كلامه. ورواية زرارة بن أوفى عن سعد بن هشام عن عائشة هي المحفوظة، وعندي في سماع زرارة من عائشة نظر، فإن أبا حاتم الرازي قال قد سمع زرارة من عمران بن حصين ومن أبي هريرة ومن ابن عباس. قلت أيضاً: قال هذا ما صح له وظاهر هذا أنه لم يسمع عنده من عائشة انتهى كلام المنذري. قال النووي: قال القاضي في حديث عائشة من رواية سعد بن هشام قيام النبي صلى الله عليه وسلم بتسع ركعات، وحديث عروة عن عائشة بإحدى عشرة منهن الوتر يسلم من كل ركعتين وكان يركع ركعتي الفجر، ومن رواية هشام بن عروة وغيره عن عروة عنها ثلاث عشرة بركعتي الفجر، وعنها كان لا يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة أربعاً أربعاً وثلاثاً، وعنها كان يصلي ثلاث عشرة ثانياً ثم يوتر ثم يصلي ركعتين وهو جالس ثم يصلي ركعتي الفجر، وقد فسرتها في الحديث الآخر منها ركعتا الفجر، هذه روايات مسلم وغيره. وعنها في البخاري أن صلاته بالليل سبع وتسع. وعند الشيخين من حديث ابن عباس أن صلاته صلى الله عليه وسلم من الليل ثلاث عشرة ركعة وركعتين بعد الفجر سنة الصبح، وفي حديث زيد بن خالد أنه صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين خفيفتين ثم طويلتين وذكر الحديث، وقال في آخره فتلك ثلاث عشرة. قال العلماء في هذه الأحاديث إخبار كل واحد من ابن عباس وزيد وعائشة بما شاهد.
وأما الاختلاف في حديث عائشة فقيل هو منها وقيل من الرواة عنها، فيحتمل أن إخبارها بإحدى عشرة هو الأغلب وباقي رواياتها إخبار منها بما كان يقع نادراً في بعض الأوقات فأكثره خمس عشرة بركعتي الفجر وأقله سبع، وذلك بحسب ما كان يحصل من اتساع الوقت أو ضيقه بطول قراءة أو لنوم أو عذر مرض وغيره أو في بعض الأوقات عند كبر السن أو تارة تعد الركعتين الخفيفتين في أول قيام الليل وتعد ركعتي الفجر تارة وتحذفهما تارة أو تعد أحدهما وقد تكون عدت راتبة العشاء مع ذلك تارة، وحذفتها تارة. قال القاضي: ولا خلاف أنه ليس في ذلك حد لا يزاد عليه ولا ينقص منه، وإن صلاة الليل من الطاعات التي كلما زاد فيها زاد الأجر، وإنما الخلاف في فعل النبي صلى الله عليه وسلم وما اختاره لنفسه انتهى ملخصاً.
"أبي سلمة بن عبد الرحمَن": تقدم وجه الجمع بين هذه الأحاديث المتقدمة والآتية من

(4/158)


مُحمّدِ بنِ إِبراهِيمَ عنْ عَلْقَمَةَ بنِ وَقّاصٍ عنْ عَائِشَةَ: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يُوتِرُ بِتِسْعِ رَكَعَاتٍ ثُمّ أَوْتَرَ بِسَبْعِ رَكَعاتٍ وَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ بَعْدَ الْوِتْرِ يَقْرَأُ فِيِهِمَا، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قامَ فَرَكَعَ ثُمّ سَجَدَ.
قال أَبُو دَاوُد: رَوَى الْحَدِيثَيْنِ[هذين الحديثين] خَالِدُ بنُ عبد الله الوَاسِطِيّ عنْ مُحمّدِ بنِ عَمْرٍو مِثْلَهُ قالَ فِيهِ: قالَ عَلْقَمَةُ بنُ وَقّاصٍ: يَا أُمّتَاهُ كَيْفَ كَانَ يُصَلّي الرّكْعَتَيْنِ. فَذَكَرَ مَعْنَاهُ.
1348 - حدثنا وَهْبُ بنُ بَقِيّةَ عنْ خَالِدٍ ح وَأخبَرَنَا ابنُ المُثَنّى أخبرنا عبد الأعلى أخبرنا هِشَامٌ عنِ الحَسَنِ عنْ سَعْدِ بنِ هِشَامٍ قالَ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْتُ أَخْبِرِينِي عَنْ صَلاَةِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قالَت: إِنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلّي بالنّاسِ صَلاَةَ الْعِشَاءِ ثُمّ يَأْوِي إِلَى فِرَاشِهِ فَيَنَامُ فَإِذَا كَانَ جَوْفُ اللّيْلِ قَامَ إِلَى حَاجَتِهِ وَإِلَى طَهُورِهِ فَتَوَضّأَ[فيتوضأ] ثُمّ دَخَلَ المَسْجِدَ فَصَلى ثَمَانِي رَكَعَاتٍ يُخَيّلُ إِلَيّ
__________
كلام القاضي النووي والله أعلم. والحديث سكت عنه المنذري.
"علقمة بن وقاص": قال المنذري: وأخرج مسلم طرفاً منه في الركعتين، "روى هذين الحديثين": أي حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن وعلقمة بن وقاص "خالد بن عبد الله الواسطي": ثقة ثبت "عن محمد بن عمرو مثله": أي مثل حديث حماد بن سلمة لكن فيه بعض الزيادة كما أشار بقوله "قال": أي خالد بن عبد الله "كان يصلي الركعتين" : أي بعد الوتر.
"عن خالد": بن عبد الله الطحان الواسطي وهو يروي عن هشام بن حسان كما يروى عنه عبدالأعلى. قال في الشرح: رواية وهب بن بقية عن خالد عن هشام ما وجدناها في أطراف المزي، وأما رواية ابن المثنى عن عبد الأعلى فثابتة فيه والله أعلم "دخل المسجد" : أي الموضع الذي يصلي في البيت "يخيّل" : بصيغة المجهول بتشديد الياء "إليّ" : بتشديد الياء "فأذنه" : بهمزة
__________
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وقد روى أبو حاتم في صحيحه من حديث جعفر بن غياث عن حميد الطويل عن عبد الله بن شقيق عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى متربعا وهذا يدل على أن أفضل هيئات المصلى جالسا التربيع والله أعلم.

(4/159)


أَنّهُ يَسُوّي[سوى] بَيْنَهُن في الْقِرَاءَةِ وَالرّكُوعِ وَالسّجُودِ ثُمّ يُوتِرُ بِرَكْعَةٍ ثُمّ يُصَلّي رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ، ثُمّ يَضَعُ جَنْبَهُ فَرُبّمَا جَاءَ بِلاَلٌ فَآذَنَهُ بالصّلاَةِ، ثُمّ يُغْفِي وَرُبّمَا شَكَكْتُ أَغْفَا أَوْ لاَ؟ حَتّى يُؤْذِنَهُ بالصّلاَةِ، فَكَانَتْ تِلْكَ صَلاَتُهُ حَتّى أَسَنّ[سن] وَلَحُمَ فَذَكَرْتْ مِنْ لَحْمِهِ مَا شَاءَ الله . وَساقَ الْحَديثَ.
1349 - حدثنا مُوسَى حَدّثنا وُهَيْبٌ حَدّثنا هِشامُ بنُ عُرْوَةَ عنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا قالَت: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُصَلّي منَ اللّيْلِ ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً يُوتِرُ مِنْهَا بِخَمْس وَلاَ يَجْلِسُ فِي شَيْء مِنَ الْخَمْسِ حَتّى يَجْلِسَ في الآخِرَةِ فَيُسَلّمَ.
قال: أَبُو دَاوُدَ: إِنّمَا كَرّرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لأَنّهُمْ اضْطَرَبُوا فِيهِ ثُمّ قال أَبُو دَاوُد:
__________
ممدودة من الإيذان أي أعلمه "ثم يغفي" : من الإغفاء أي ينام نوماً خفيفاً. قالت عائشة "وربما شككت" : في نومه صلى الله عليه وسلم "هل أغفا أو لا" : قال في النهاية: غفوت غفوة أي نمت نومة خفيفة، ويقال أغفا إغفاءً وإغفاءة إذا نام، وقلما يقال غفا انتهى. "أسن" : بإثبات الهمزة هكذا في بعض نسخ الكتاب وفي بعضها سن بدون الهمزة. قال النووي: هكذا في معظم الأصول لصحيح مسلم سن وفي بعضها أسن وهذا هو المشهور في اللغة. قال المنذري: والحسن هو البصري، والحديث أخرجه النسائي.
"عن عائشة": تقدم هذا الحديث في أول الباب سنداً ومتناً ولم يوجد هذا في هذا الموضع إلا في نسخة واحدة مع قول أبي داوود. إنما كررت الخ، وكان في آخر الحديث هذه العبارة صح لابن دحيم عن الرملي انتهى. يعني من رواية أحمد بن دحيم عن الرملي، لكن لم ينبه المزي على ذلك، وكذا ليس في المنذري في هذا المحل "لأنهم اضطربوا فيه" : أي في هذا الحديث على هشام بن عروة، فروى وهيب وابن نمير عن هشام هكذا أي أوتر بخمس لم يجلس إلا في آخرهن وروى مالك وجماعة عن هشام خلاف ذلك وتقدم بعض بيان ذلك في أول الباب ولذا قال بعض العلماء: إن أحاديث الفصل كما رواه مالك أثبت وأكثر طرقا، إذ هو الذي رواه أكثر الحفاظ عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، ورواية أوتر بخمس لم يجلس إلا في آخرهن انفرد بها بعض أهل العراق عن هشام وقد أنكرها مالك وقال منذ صار هشام بالعراق أتانا عنه ما لم نعرف. وقال ابن عبدالبر: ما حدث به هشام قبل خروجه إلى العراق أصح عند أهل الحديث. قاله الزرقاني في شرح المواهب. وقد أجيب عن كلام مالك وابن عبد البر وفيه بحث طويل إن شئت فارجع إلى الشرح والله أعلم.

(4/160)


أَصْحَابُنَا لاَ يَرَوْنَ الرّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْوِتْرِ.
1350 - حدثنا مُحمّدُ بنُ عِيسَى أخْبَرَنَا هُشَيْمٌ أنبأنا حُصَيْنٌ عَنْ حَبِيبِ بنِ أبي ثَابِتٍ ح. وَحَدّثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخْبَرَنَا مُحمّدُ بنُ فُضَيْلٍ عنْ حُصَيْنٍ عنْ حَبيبِ بنِ أبي ثابِتٍ عنْ مُحمّدِ بنِ عَلِيّ بنِ عبد الله بنِ عَبّاسٍ عنْ أبِيهِ عن ابنِ عَبّاسٍ أَنّهُ رَقَدَ عِنْدَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَرَآهُ اسْتَيْقَظَ فَتَسَوّكَ وَتَوَضّأَ وَهُوَ يَقُولُ: "إِنّ في خَلْقِ السّمَوَاتِ وَاْلأَرْضِ حَتى خَتَمَ السّوْرَةَ" ثُمّ قَامَ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ أَطَالَ فِيهِمَا الْقِيَامَ وَالرّكُوعَ وَالسّجُودَ ثُمّ انْصَرَفَ، فَنَامَ حَتى نَفَخَ، ثُمّ فَعَلَ ذَلِكَ ثَلاَثَ مَرّاتٍ سِتّ[بست] رَكَعَاتٍ كلّ ذَلِكَ يَسْتَاكُ ثُمّ يَتَوَضّأُ وَيَقْرَأُ هَؤُلاءِ الآياتِ، ثُمّ أَوْتَرَ قال عُثْمانُ: بِثَلاَثِ رَكَعَاتٍ فَأَتَاهُ المُؤَذّنُ فَخَرَجَ إِلَى الصّلاَةِ. وَقَالَ ابْنُ عِيسَى ثُمّ أَوْتَرَ فَأَتَاهُ بِلاَلٌ فَآذَنَهُ بالصّلاَةِ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ فَصَلّى[ثم صلى] رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، ثُمّ خَرَجَ إِلَى الصّلاَةِ - ثُمّ اتّفَقَا - وَهُوَ يَقُولُ: "اللّهُمّ
__________
"أصحابنا": أي شيوخنا في الحديث "لا يرون الركعتين بعد الوتر": وتقدم الكلام فيه.
"عن ابن عباس أنه رقد": أي نام. وفي الشمائل وغيره قال: فاضطجعت في عرض الوسادة أي المخدة أو الفراش، واضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم في طولها "فتسوك" : فيه استحباب السواك عند القيام من النوم "وهو يقول إن في خلق السموات والأرض" : أي من آخر سورة آل عمران "حتى ختم السورة" : فإن فيها لطائف عظيمة لمن تأمل في مبانيها "فنام حتى نفخ" : أي تنفس بصوت حتى يسمع منه صوت النفخ بالفم كما يسمع من النائم. قال النووي: هذه الرواية فيها مخالفة لباقي الروايات في تخليل النوم بين الركعات وفي عدد الركعات فإنه لم يذكر في باقي الروايات تخلل النوم وذكر الركعات ثلاث عشرة. قال القاضي: هذه الرواية وهي رواية حصين عن حبيب بن أبي ثابت مما استدركه الدارقطني على مسلم لاضطرابها واختلاف الرواة. قال الدارقطني: وروى عنه على سبعة أوجه وخالف فيه الجمهور. قال القاضي: ويحتمل أنه لم يعد في هذه الصلاة الركعتين الأوليين الخفيفتين. ولهذا قال صلى ركعتين فأطال فيهما فدل على أنهما بعد الخفيفتين، فتكون الخفيفتان ثم الطويلتان ثم الست المذكورات ثم ثلاث بعدها كما ذكر فصارت الجملة ثلاث عشرة كما في باقي الروايات انتهى "فعل ذلك" : المذكور من قوله فتسوك إلى قوله حتى نفخ "ثلاث مرات ست ركعات" : قال الطيبي: بدل من ثلاث مرات أي فعل ذلك في ست ركعات "كل ذلك" : بالنصب بيان لثلاث ويجوز أن يكون مفعول "يستاك" : وهذا الحديث يدل على أن الوتر ثلاث ركعات "وهو يقول" : الجملة حال من ضمير الفاعل في

(4/161)


اجْعَلْ في قَلْبِي نُوراً، وَاجْعَلْ في لِسَانِي نُوراً، وَاجْعَلْ في سَمَعِي نُوراً، وَاجْعَلْ في بَصَرِي نُوراً، وَاجْعَلْ خَلْفِي نُوراً، وَأَمَامِي نُوراً، وَاجْعَلْ مِنْ فَوْقِي نُوراً، وَمِنْ تَحْتِي نُوراً. اللّهُمّ وَأعْظِمْ لِي نُوراً".
1351 - حدثنا وَهْبُ بنُ بَقِيّةَ عنْ خَالِدٍ عنْ حُصَيْنٍ نَحْوَهُ. قالَ: "وَأَعْظِمْ لِي نُوراً".
قال أَبُو دَاوُد: وَكذَلِكَ قالَ أَبُو خَالِدِ الدّالانِيّ عنْ حَبِيبٍ في هَذَا. وكَذَلِكَ قالَ في هَذَا الْحَدِيثِ. وَقالَ سَلَمَةُ بنُ كُهَيْلٍ عنْ أبي رِشْدَينٍ عن ابنِ عَبّاسٍ.
1352 - حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ أخبرَنَا أبُو عَاصِمٍ أخبَرَنَا زُهَيْرُ بنُ مُحمّدٍ عنْ
__________
خرج "في قلبي نوراً" : قيل هو ما يتبين به الشيء ويظهر. قال الكرماني: التنوين للتعظيم أي نوراً عظيماً وقدم القلب لأنه بمنزلة الملك. قال القرطبي: هذه الأنوار يمكن حملها على ظاهرها فيكون سأل الله تعالى أن يجعل له في كل عضو من أعضائه نوراً يستضيء به من ظلمات يوم القيامة هو ومن يتبعه أو من شاء الله منهم. قال والأولى أن يقال هي مستعارة للعلم والهداية، كما قال تعالى {فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ}{وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ}.
قلت: ويمكن الجمع فتأمل فإنه لا منع ثم قال: والتحقيق في معناه أن النور يظهر ما ينسب إليه وهو يختلف بحسبه، فنور السمع مظهر للمسموعات، ونور البصر كاشف للمبصرات، ونور القلب كاشف عن المعلومات، ونور الجوارح ما يبدو عليها من أعمال الطاعات. قال النووي: سأل النور في أعضائه وجهاته والمراد به بيان الحق وضياؤه والهداية إليه، فسأل النور في جميع أعضائه وجسمه وتصرفاته وتقلباته وحالاته وجملته في جهاته الست حتى لا يزيغ شيء منها انتهى قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي من حديث كريب عن ابن عباس وسيأتي.
"قال وأعظم لي نوراً" : والحاصل أن وهب بن بقية عن خالد الطحان عن حصين قال وأعظم لي نوراً بحذف اللهم وما قال اللهم أعطني نوراً كما عند مسلم عن بعض الرواة، وأما هشيم ومحمد بن فضيل كلاهما عن حصين فبلفظ أعظم لي نوراً وإثبات اللهم. وأما أبو خالد عن حبيب وكذا سلمة بن كهيل عن أبي رشدين فقالا كما رواه وهب أي بلفظ أعظم لي نوراً وبحذف اللهم. وحديث أبي رشدين أخرجه مسلم.

(4/162)


شَرِيكِ بنِ عبد الله بنِ أبي نَمِرٍ عنْ كُرَيْبٍ عنِ الْفَضْلِ بنِ عَبّاسٍ قالَ: بِتّ لَيْلَةً عِنْدَ النّبيّ[عند خالتي] صلى الله عليه وسلم لأَنْظُرَ كَيْفَ يُصَلّي فَقَامَ فَتَوَضّأَ وَصَلّى رَكْعَتَيْنِ قِيَامُهُ مِثلُ رُكُوعِهِ، وَرُكُوعُهُ مِثْلُ سُجُودِهِ، ثُمّ نَامَ ثُم اسْتَيْقَظَ فَتَوَضّأَ وَاسْتَنّ[واستنثر] ثُمّ قَرَأَ بِخْمْسِ آيَاتٍ مِنْ آل عمْرانَ: إِنّ فِي خَلْقِ السّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاختِلاَفِ اللّيْلِ وَالنّهَارِ فَلَمْ يَزَلْ يَفْعَلُ هَذَا حتّى صَلّى عَشْرَ رَكَعَاتٍ ثُمّ قَامَ فَصَلّى سَجْدَةً وَاحِدَةً فَأَوْتَرَ بهَا وَنَادَى المُنَادِي عِنْدَ ذَلِكَ فَقَامَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بَعْدَمَا سَكَتَ المُؤَذّنُ فَصَلّى سَجْدَتَيْنِ خَفِيْفَتَيْنِ ثُمّ جَلَسَ حَتى صَلّى الصّبْحَ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: خَفِيَ عَلَيّ مِنَ ابنِ بِشّارٍ بَعْضُهُ.
1353 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبَرَنَا وَكِيعٌ أخبَرَنَا مُحمّدُ بنُ قَيْسٍ الأَسَدِيّ عنِ الْحَكَمِ بن عُتَيْبَةَ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبّاسٍ قالَ: بِتّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ فَجَاءَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بَعْدَ مَا أَمْسَى فَقَالَ: "أَصَلّى الْغُلاَمُ؟" قَالُوا نَعَمْ، فَاضْطَجَعَ حَتّى إِذَا مَضَى مِنَ اللّيْلِ مَا شَاءَ الله قامَ فَتَوضّأَ ثمّ صَلّى سَبْعاً أَوْ خَمْساً أَوْتَرَ بِهنّ لَمْ يُسَلّمْ إِلاّ في آخِرِهِنّ.
1354 - حدثنا ابنُ المُثَنّى أخبَرَنَا ابنُ أبي عَدِيّ عنْ شُعْبَةَ عنِ الْحَكَمِ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابن عَبّاسٍ قالَ: بِتّ في بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ فَصَلّى
__________
"قال بت" : ماض من البيتوتة "واستن" : أي استاك "إن في خلق السموات والأرض" : أي في خلق العلويات والسفليات "واختلاف الليل والنهار" : أي طولاً وقصراً أو ظلمة ونوراً، أو حراً وبرداً "فأوتر بها" : أي بتلك الركعة "بعد ما سكت" : أي فرغ من الأذان "خفي علي" : ولم يظهر لي "من ابن بشار": هو محمد "بعضه": أي بعض الحديث يشتبه أن يكون المعنى أي سمعت منه هذا القدر الذي رويناه لكن عنده بعض الزيادات على هذا القدر المذكور لكن لم أسمع منه وخفي عليّ كذا في الشرح والحديث سكت عنه المنذري.
"صلى سبعاً أو خمساً" : هذا شك من ابن عباس أو من بعض الرواة والآخر هو الظاهر، وفيه الإيتار بسبع أو بخمس متصلة من غير فصل والتسليم في آخرهن والحديث سكت عنه المنذري.

(4/163)


النّبيّ صلى الله عليه وسلم الْعِشَاءَ ثُمّ جَاءَ فَصَلّى أَرْبَعاً ثُمّ نَامَ ثُمّ قَامَ يُصَلّي فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَأَدَارَنِي فَأَقامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلّى خَمْساً، ثُمّ نَامَ حَتّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ أَو خَطِيطَهُ، ثُمّ قَامَ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ ثُمّ خَرَجَ إِلَى الْغَدَاةِ.
1355 - حدثنا قُتَيْبَةُ أخْبَرَنَا عبد العزيز بنُ مُحمّدٍ عَنْ عَبْدِ المَجِيدِ عَنْ يَحْيَى بنِ عَبّادٍ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ أَنّ ابْنَ عَبّاسٍ حَدّثَهُ في هَذِهِ الْقِصّةِ قالَ: قَامَ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتّى صَلّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ ثُمّ أَوْتَرَ بِخَمْسٍ وَلَمْ يَجْلِسْ بَيْنَهُنّ.
1356 - حدثنا عَبْدُ الَعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الحَرّانِيّ حَدّثَني مُحمّدُ بنُ سَلَمَةَ عنْ مُحمّدِ بنِ إِسْحَاقَ عنْ مُحمّدِ بنِ جَعْفَرِ بنِ الزّبَيْرِ عَنْ عُرْوَةَ بنِ الزّبَيْرِ عنْ عَائِشَةَ قالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُصَلّي ثَلاَثَ عَشْرةَ رَكْعَةً بِرَكْعتَيْهِ قَبْلَ الصّبْحِ سِتّا مَثْنَى مَثْنَى وَيُوتِرُ بِخَمْسٍ لاَ يَقْعُدُ بَيْنَهُنّ إِلاّ في آخِرِهِنّ.
1357 - حدثنا قُتَيْبَةُ أخبَرَنَا اللّيْثُ عنْ يَزِيدَ بنِ أبي حَبِيبٍ عنْ عِرَاكِ بنِ مالك عن عُرْوَةَ عنْ عَائِشَةَ أَنّهَا أخْبَرَتْهُ: أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كانَ يُصَلّي باللّيْلِ [مِنَ اللّيْلِ] ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً بِرَكْعَتَيِ الْفَجْرِ .
1358 - حدثنا نَصْرُ بنُ عَلِيّ وَجَعْفَرُ بنُ مُسَافِرٍ أَنّ عبد الله بنَ يَزِيدَ المُقْرِىءَ
__________
"فصلى أربعاً" : هي راتبة العشاء "ثم قام يصلي" : لم يذكر ابن عباس عددها "فأدارني فأقامني عن يمينه" : عن ههنا بمعنى الجانب أي أدارني عن جانب يساره إلى جانب يمينه "فصلى خمساً" : أوتر بها "غطيطه" : في النهاية: الغطيط الصوت الذي يخرج من نفس النائم وهو ترديده حيث لا يجد مساغاً "أو خطيطه" : وهو قريب من الغطيط وهو صوت النائم "فصلى ركعتين" : هما ركعتا الفجر. قال المنذري: وأخرجه البخاري والنسائي.
"فصلى ركعتين ركعتين حتى صلى ثمان ركعات" : قد ذكر الراوي في هذه الرواية عدد الصلاة التي صلى قبل الإيتار بخمس وبعد الأربع من راتبة العشاء، وأبهم ذكر العدد في الرواية المتقدمة. والحديث سكت عنه المنذري.
"عن عروة بن الزبير عن عائشة": والحديث سكت عنه المنذري.
"بركعتي الفجر" : قال المنذري: وأخرجه مسلم.

(4/164)


أَخَبَرَهُمَا عنْ سَعِيد بنِ أبي أيّوبَ عنْ جَعْفَرِ بنِ رَبِيعَةَ عنْ عِراكِ بنِ مَالِكٍ عنْ أبي سَلَمَةَ عنْ عَائِشَةَ: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم صَلّى الْعِشَاءَ ثُمّ صَلّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ قَائِماً وَرَكْعَتَيْنِ بَيْنَ الأَذَانَيْنِ وَلَمْ يَكُنْ يَدَعُهُمَا.
قالَ جَعْفَرُ بنُ مُسَافِرٍ في حَدِيثِهِ: وَرَكْعَتَيْنِ جَالِسَاً بَيْنَ الأَذَانَيْنِ. زَادَ جَالِساً.
1359 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ وَمُحمّدُ بنُ سَلَمَةَ المُرَادِيّ قالا أخبرَنا ابنُ وَهْبٍ عنْ مُعَاوَيَةَ بنِ صَالِحٍ عنْ عبد الله بن أبي قَيْسٍ قال: قُلْتُ لِعَائِشَةَ بِكَمْ كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُوتِرُ قَالتْ كَانَ يُوتِرُ بِأَرْبَعٍ وَثَلاَثٍ وَسِتَ وَثَلاَثٍ وَثَمَانٍ وَثَلاَثٍ وَعَشْرٍ وَثَلاَثٍ، وَلَمْ يَكُنْ يُوتِرُ بأَنْقَصَ مِنْ سَبْعٍ وَلاَ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلاَث عَشْرَة.
قال أَبُو دَاوُد: زَادَ أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ وَلَمْ يَكُنْ يُوتِرُ بِرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ. قُلْتُ: مَا يُوتِرُ؟ قالَتْ: لَمْ يَكُنْ يَدَعُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحْمَدُ وَسِتَ وَثَلاَثٍ.
__________
"صل العشاء ثم صلى ثماني ركعات" : وترك الراوي ذكر الوتر. ولفظ البخاري حدثنا عبد الله بن يزيد حدثنا سعيد بن أبي أيوب حدثنا جعفر بن ربيعة عن عراك بن مالك عن أبي سلمة عن عائشة قالت: "صلى النبي صلى الله عليه وسلم العشاء ثم صلى ثمان ركعات وركعتين جالساً وركعتين بين الندائين، ولم يكن يدعهما أبداً "بين الأذانين": أي الأذان والإقامة "قال جعفر بن مسافر في حديثه وركعتين جالساً بين الأذانين" : ولم يقل لفظ جالساً نصر بن علي وكذا لم يقل البخاري، وهو وهم من جعفر والله أعلم.
"بكم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر" : أي بكم ركعة كان يجعل صلاته وتراً أو بكم كان يصلي الوتر "كان يوتر بأربع" : بتسليمة أو بتسليمتين "وثلاث" : أي بتسليمة كما هو الظاهر فيكون سبعاً "وست وثلاث" : فيكون تسعاً مع الوتر "وثمان وثلاث" : فيكون إحدى عشرة ركعة "وعشر وثلاث" : فيكون ثلاث عشرة ركعة، وفي إتيانها بثلاث في كل عدد دلالة ظاهرة بأن الوتر في هذه الرواية في الحقيقة هو الثلاث، وما وقع قبله من مقدماته المسماة بصلاة التهجد فإطلاق الوتر على الكل مجاز، ويؤيده الحديث الصحيح "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً" كذا في المرقاة "ولم يكن يوتر بأنقص من سبع، ولا بأكثر من ثلاث عشرة" : أي غالباً وإلا فقد ثبت أنه أوتر بخمس عشرة، وهذا الاختلاف بحسب ما كان يحصل من اتساع الوقت أو طول القراءة كما جاء في حديث حذيفة وابن مسعود أو من نوم أو من مرض أو كبر السن. قالت: "فلما أسن صلى أربع ركعات أو غيرها" نقله الطيبي. والحديث سكت عنه المنذري.

(4/165)


1360 - حدثنا مُؤَمّلُ بنُ هِشَامٍ أخبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بنُ إِبراهِيمَ عن مَنْصُورِ بْنِ عبد الرحمن عنْ إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيّ عَنِ الأَسْوَدِ بنِ يَزِيدَ: أَنّهُ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فَسَأَلَهَا عنْ صَلاَةِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم باللّيْلِ فَقَالَتْ: كَانَ يُصَلّي ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً مِنَ اللّيْلِ، ثُمّ إِنّهُ صَلّى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةَ وَتَرَكَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمّ قُبِضَ حِينَ قُبِضَ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يُصَلّي مِنَ اللّيْلِ تِسْعَ رَكْعَاتٍ، وَكَانَ آخِرُ صَلاَتِهِ مِنَ اللّيْلِ الْوِتْرُ.
1361 - حدثنا عَبْدُ المَلِكِ بنُ شُعَيْبِ بنِ اللّيْثِ حَدّثَني أبي عَنْ جَدّي عنْ خَالِدِ بنِ يَزِيدَ عنْ سَعِيدِ بنِ أبي هِلاَلٍ عَنْ مَخْرَمَةَ بنِ سُلَيْمَانَ أَنّ كُرَيْباً مَوْلَى ابْنِ عَبّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنّهُ قالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبّاسٍ كَيْفَ كَانَتْ صَلاَةُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم باللّيْلِ؟ قالَ: بِتّ عِنْدَهُ لَيْلَةً وَهُوَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ فَنامَ حتّى إذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللّيْلِ أَوْ نِصْفُهُ اسْتَيْقَظَ قَامَ[فقام] إلَى شَنّ فِيهِ مَاءٌ فَتَوَضّأَ وَتَوَضّأَتُ مَعَهُ ثُمّ قَامَ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ عَلَى يَسَارِهِ فَجَعَلَنِي عَلَى يَمِينِهِ، ثُمّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِي كَأَنّهُ يَمَسّ أُذُنِي كَأَنّهُ يُوقِظُنِي فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ. قُلْتُ: قَرَأَ فِيهِمَا بِأُمّ الْقُرآنِ في كلّ رَكْعَةٍ ثُمّ سَلّمَ، ثُمّ صَلّى حَتّى صَلّى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً بالْوِتْرِ ثُمّ نامَ فَأَتَاهُ بِلاَلٌ فَقَالَ الصّلاَةُ يَا رسولَ الله، فَقَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ ثُمّ صَلّى للِنّاسِ[بالناس] .
1362 - حدثنا نُوحُ بْنُ حَبِيبٍ وَيَحْيَى بنُ مُوسَى قالا أخبَرَنَا عَبْدُ الرّزّاقِ أنبأنا مَعْمَرٌ عن ابنِ طَاووسٍ عنْ عِكْرِمَةَ بنِ خَالِدٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قَال: بِتّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ فَقَامَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يصلّي مِنَ اللّيْلِ فَصَلّى ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً مِنْهَا رَكْعَتَا[ركعتي]
__________
"عن الأسود بن يزيد أنه دخل على عائشة": قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي. وأخرج مسلم طرفاً منه وهو قول عائشة "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل حتى يكون آخر صلاته الوتر" .
"قام إلى شن" : قال النووي: الشن القربة الخلق وجمعه شنان "فقمت إلى جنبه على يساره فجعلني على يمينه" : فيه أن موقف المأموم الواحد عن يمين الإمام وأنه إذا وقف عن يساره يتحول إلى يمينه وأنه إذا لم يتحول حوله الإمام، وأن الفعل القليل لا يبطل الصلاة، وأن صلاة الصبي صحيحة وأن له موقفاً من الإمام كالبالغ، وأن الجماعة في غير المكتوبات صحيحة. انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه مختصراً ومطولاً.

(4/166)


الْفَجْرِ حَزَرْتُ قِيَامَهُ في كَلّ رَكْعَةٍ بِقَدْرٍ يَا أَيّهَا المُزّمّلُ لَمْ يَقُلْ نُوحٌ مِنْهَا رَكَعَتَا[ركعتي] الْفَجْرِ.
1363 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عنْ مالك عنْ عبد الله بنِ أبي بَكْرٍ عنْ أبِيهِ أَنّ عبد الله بنَ قَيْسِ ابنِ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَهُ عنْ يَزِيدَ بنِ خَالِدِ الْجُهَنِيّ أَنّهُ قالَ: لأَرْمُقَنّ صَلاَةَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم اللّيْلَةَ قالَ: فَتَوَسّدْتُ عَتَبَتَهُ أَوْ فُسْطَاطَهُ فَصَلّى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ثُمّ صَلّى رَكْعَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طويلَتَيْن طويلَتَيْن ثُمّ صَلّى رَكْعَتَيْنِ، وَهُمَا دُونَ اللّتَيْنِ قَبْلَهُمَا ثُمّ صَلّى رَكْعَتَيْنِ دُونَ[وهما دون] اللّتَيْنِ قَبْلَهُمَا ثُمّ صَلّى رَكْعَتَيْنِ دُونَ[وهما دون] اللّتَيْنِ قَبْلَهُمَا ثُمّ صَلّى رَكْعَتَيْنِ دُونَ[وهما دون] اللّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمّ أَوْتَرَ، فَذَلِكَ ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً.
1364 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عنْ مَالِكٍ عنْ مَخْرَمَةَ بنِ سُلَيْمانَ عنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبّاسٍ أَنّ عبد الله بْنَ عَبّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنّهُ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَهِيَ خَالَتَهُ قالَ فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الْوِسَادَةِ وَاضْطَجَعَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا، فَنَامَ
__________
"حزرت قيامه" : بالحاء المهملة ثم الزاء ثم الراء أي قدرت وفرضت. قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"أنه قال لأرمقن" : بضم الميم، أي لأنظرن وأتأملن وأرقبن. قال الطيبي: وعدل ههنا عن الماضي إلى المضارع استحضاراً لتلك الحالة لتقررها في ذهن السامع "الليلة" : أي في هذه الليلة حتى أرى كم يصلي ولعله صلى الله عليه وسلم كان خارجاً عن الحجرات "فتوسدت عتبته" : بفتحات أي وضعت رأسي عليها، والمراد رقدت عند بابه، قاله السندي. قال في المصباح: العتبة هي إسكفة الباب "أو فسطاطه" : وهو الخيمة العظيمة على ما في المغرب فيكون المراد من توسد الفسطاط.
توسد عتبته فيكون شكاً من الراوي قاله القاري "فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين خفيفتين" : افتتح بهما صلاة الليل "طويلتين" : كررها ثلاث مرات للمبالغة في طولهما "ثم أوتر" : أي بواحدة. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة.
"فاضطجعت في عرض الوسادة" : عرض بفتح العين، هكذا نقله القاضي عياض عن رواية الأكثرين قال ورواه الداوودي بالضم وهو الجانب والصحيح الفتح، والمراد بالوسادة، الوسادة المعروفة التي تكون تحت الرؤوس. وقال الباجي والأصيلي وغيرهما: إن الوسادة هنا

(4/167)


رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم حَتّى إِذَا انْتَصَفَ اللّيْلُ أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ ثُمّ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَجَلَسَ يَمْسَحُ النّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ، ثُمّ قَرَأَ الْعَشْرَ الآياتِ الْخَوَاتِمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عمْرَانَ ثُمّ قامَ إِلَى شَنَ مُعَلّقَةٍ فَتَوَضّأَ مِنْهَا فأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمّ قَامَ يُصَلّي. قالَ عَبْدُ الله: فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ ثُمّ ذَهَبْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي، فَأَخَذَ بِأُذُنِي يَفْتِلُهَا، فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمّ رَكْعَتَيْنِ، ثمّ رَكْعَتَيْنِ، ثمّ رَكْعَتَيْنِ، ثمّ رَكْعَتَيْنِ . قالَ الْقَعْنَبِيّ: سِتّ مِرَارٍ، ثمّ أَوْتَرَ، ثمّ اضْطَجَعَ حَتى جَاءَهُ المُؤَذّنُ فَقَامَ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ثمّ خَرَجَ فَصَلّى الصّبْحَ.
__________
الفراش لقوله اضطجع في طولها وهذا ضعيف، وفيه دليل على جواز نوم الرجل مع امرأته من غير مواقعة بحضرة بعض محارمها وإن كان مميزاً. وقد جاء في بعض روايات هذا الحديث، قال ابن عباس: "بت عند خالتي في ليلة كانت فيها حائضاً" وهذه الكلمة وإن لم تصح طريقاً فهي حسنة المعنى جداً إذا لم يكن ابن عباس يطلب المبيت في ليلة للنبي صلى الله عليه وسلم فيها حاجة إلى أهله ولا يرسله أبوه إلا إذا علم عدم حاجته إلى أهله، لأنه معلوم أنه لا يفعل حاجته مع حضرة ابن عباس معهما في الوسادة مع أنه كان مراقباً لأفعال النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه لم ينم أو نام قليلا جداً. قاله النووي "فجلس يمسح النوم عن وجهه" : معناه أثر النوم، وفيه استحباب هذا واستعمال المجاز "ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران" : فيه جواز القراءة للمحدث وهذا إجماع المسلمين، وإنما تحرم القراءة على الجنب والحائض، وفيه استحباب قراءة هذه الآيات عند القيام من النوم، وفيه جواز قول سورة آل عمران وسورة البقرة وسورة النساء ونحوها وكرهه بعض المتقدمين وليس بشيء "إلى شن معلقة" : إنما أنثها على إرادة القربة، وفي رواية أخرى شن معلق على إرادة السقاء والوعاء "فأخذ بأذني يفتلها : إنما فتلها تنبيهاً من النعاس لقوله في الرواية لمسلم: "فجعلت إذا أغفيت يأخذ بشحمة أذني" "فصلى ركعتين ثم ركعتين إلخ" : فيه أن الأفضل في الوتر وغيره من الصلاة أن يسلم من كل ركعتين وأن الوتر يكون آخره ركعة مفصولة وهذا مذهب الشافعي وأكثر الأئمة. وقال أبو حنيفة ركعة موصولة بركعتين كالمغرب، وفيه جواز إتيان المؤذن إلى الإمام ليخرج إلى الصلاة، وتخفيف سنة الصبح، وأن الإيتار بثلاث عشرة ركعة أكمل، وفيه خلاف للشافعية. قال بعضهم: أكثر الوتر ثلاث عشرة لظاهر هذا الحديث، وقال أكثرهم أكثره إحدى عشرة وتأولوا حديث ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم صلى منها ركعتي

(4/168)


__________
سنة العشاء وهو تأويل ضعيف مباعد للحديث قاله النووي في شرح مسلم والحديث أخرجه البخاري ومسلم.

(4/169)


314 - باب ما يؤمر به من القصد في الصلاة
1365 - حدثنا قُتَيْبَةُ أخَبَرَنَا اللّيْثُ عن ابنِ عَجْلاَنَ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيّ عنْ أبي سَلَمَةَ عنْ عَائِشَةَ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "اكْلَفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فإِنّ الله لاَ يَمَلّ حَتى تَمَلّوا، فَإِنّ أَحَبّ الْعَمَلِ إِلَى الله أَدْوَمهُ وَإِنْ قَلّ، وَكَانَ إِذَا عَمِلَ عَمَلاً أَثْبَتَهُ".
1366 - حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ سَعِدٍ أخبَرَنَا عَمّي أخبَرَنَا أبي عن ابنِ إِسْحَاقَ عنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عنْ أبيهِ عنْ عَائِشةَ: أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ إِلَى عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ فَجَاءَهُ فَقَالَ: "يَا عُثْمانُ أَرَغِبْتَ عَنْ سُنّتِي؟" قَالَ لاَ وَالله يا رَسُولَ الله، وَلَكِنْ سُنّتَكَ أَطْلَبُ،
__________
باب ما يؤمر به من القصد في الصلاة
أصل القصد الاستعانة في الطريق كقوله تعالى {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ} ثم استعير للتوسط في الأمور في القول والفعل، والتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط.
"قال اكلفوا" : بفتح اللام من باب سمع أي تحملوا من العمل ما تطيقونه على الدوام والثبات "فإن الله لا يمل" : بفتح الميم أي لا يقطع الإقبال عليكم بالإحسان "حتى تملوا" : في عبادته. والإملال هو استثقال النفس من الشيء ونفورها عنه بعد محبته. وإطلاقه على الله تعالى من باب المشاكلة، كما في قوله تعالى {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} كذا في المرقاة. وقال القسطلاني: والمعنى والله أعلم اعملوا حسب وسعكم وطاقتكم، فإن الله تعالى لا يعرض عنكم إعراض الملول ولا ينقص ثواب أعمالكم ما بقي لكم نشاط فإذا فترتم فاقعدوا فإنكم إذا مللتم من العبادة وآتيتم بها على كلال وفتور كانت معاملة الله معكم حينئذ معاملة الملول. وقال التوربشتي: إسناد الملال إلى الله على طريقة الازدواج والمشاكلة، والعرب تذكر إحدى اللفظتين موافقة للأخرى وإن خالفتها معنى. قال الله تعالى {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} وقال الخطابي: معناه أن الله لا يمل أبداً وإن مللتم. وقيل معناه أن الله لا يمل من الثواب ما لم تملوا من العمل. ومعنى تمل تترك لأن من ملّ شيئاً تركه وأعرض عنه انتهى "وكان" : النبي صلى الله عليه وسلم "أثبته" : أي داوم عليه. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة.

(4/169)


قَالَ: "فإِني أَنَامُ وَأُصَلّي وَأَصَومُ وَأُفْطِرُ، وَأَنْكِحُ النّسَاءَ، فَاتّقِ الله يَا عُثْمانَ، فَإِنّ لأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقّا، وَإِنّ لِضَيْفِكَ عَلَيْكَ حَقّا، وَإِنّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقّا، فَصُم وَأَفْطِرْ، وَصَلّ وَنَمْ".
1367 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عنْ إِبراهِيمَ عنْ عَلقَمَةَ قالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ كَيْفَ كانَ عَمَلُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم هَلْ كَانَ يَخُصّ شَيْئاً مِنَ الأيّامِ؟ قالَتْ: لاَ، كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً، وَأَيّكُمْ يَسْتَطِيعُ مَا كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَسْتَطِيعُ.
__________
"أرغبت" : أي أعرضت "فإن لأهلك عليك حقاً" : قال الخطابي: يريد أنه إذا أذاب نفسه وجهدها ضعفت قوته فلم يستطع لقضاء أهله "وإن لضيفك عليك حقاً" : فيه دليل على أن المتطوع بالصوم إذا أضافه ضيف كان المستحب له أن يفطر ويأكل معه لينبسط بذلك منه ويزيد في محبته لمواكلته إياه وذلك نوع من إكرامه، وقد قال صلى الله عليه وسلم "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه" انتهى "وصل ونم" : أي صل في بعض الليالي ونم في بعضها والحديث سكت عنه المنذري.
"من الأيام" : أي لعمل فيه "كان عمله ديمة" : هو بكسر الدال وإسكان الياء أي يدوم عليه ولا يقطعه. قال في النهاية: الديمة المطر الدائم في سكون، شبهت عمله في دوامه مع الاقتصار بديمة المطر وأصله الواو فانقلبت ياء لكسر ما قبلها. قال المنذري: وأخرجه ومسلم والترمذي.

(4/170)


باب تفريع أبواب شهر رمضان (باب في تمام قيام شهر رمضان)
...
باب تفريع أبواب شهر رمضان
315 - باب في قيام شهر رمضان
1368 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ وَمُحمّدُ بنُ المَتَوَكّلِ قالا أخبَرَنَا عَبْدُ الرّزّاقِ أنبأنا مَعْمَرٌ قالَ الْحَسَنُ في حَدِيثهِ وَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عنِ الزّهْرِيّ عنْ أبي سَلَمَةَ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُرَغّبُ في قِيَامِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِعَزِيمةٍ، ثمّ يقُولُ: "مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدّمَ مِنْ ذَنْبِهِ"، فَتُوُفّيَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَالأمْرُ عَلَى ذَلِكَ، ثُمّ كانَ الأمْرُ عَلَى ذَلِكَ في خِلاَفَةِ أبي بَكْرٍ رَضِيَ الله عَنْهُ وَصَدْرَاً مِنْ خِلاَفَةِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُ.
__________
باب تفريع أبواب شهر رمضان
قال أَبُو دَاوُد: لَيْسَ هذا الحديثُ بالقَوِيّ، مُسْلِمُ بنُ خَالِدٍ ضَعِيفٌ.
"قال الحسن في حديثه": أي فمعمر ومالك كلاهما يرويان عن الزهري "من غير أن يأمرهم بعزيمة" : معناه لا يأمرهم أمر إيجاب وتحتيم بل أمر ندب وترغيب، ثم فسره بقوله "ثم يقول من قام رمضان" : وهذه الصيغة تقتضي الترغيب والندب دون الإيجاب، واجتمعت الأمة أن قيام رمضان ليس بواجب بل هو مندوب "إيماناً" : أي مؤمناً بالله ومصدقاً بأنه تقرب إليه "واحتساباً" : أي محتسباً بما فعله عند الله أجراً لم يقصد به غيره، يقال احتسب بالشيء أي أعتد به فنصبهما على الحال ويجوز أن يكون على المفعول له أي تصديقاً بالله وإخلاصاً وطلباً للثواب "غفر له ما تقدم من ذنبه" : زاد أحمد "وما تأخر" أي من الصغائر، ويرجى غفران الكبائر "فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك" : معناه استمر الأمر هذه المدة على أن كل واحد يقوم رمضان في بيته منفرداً حتى انقضى صدر من خلافة عمر ثم جمعهم عمر رضي الله عنه على أبيّ بن كعب فصلى بهم جماعة واستمر العمل على فعلها جماعة وقد جاءت هذه الزيادة في

(4/171)


قال أَبُو دَاوُد: وَكَذَا رَوَاهُ عُقَيْلٌ وَيُونُسُ وَأَبُو أُوَيْسٍ: "مَنْ قامَ رَمَضَانَ" وَرَوَى عُقَيْلٌ: "مَنْ صامَ رَمَضَانَ وقامَهُ".
1369 - حدثنا مَخْلَدُ بنُ خَالِدٍ وَابْنُ أبي خَلَفٍ المَعْنى قالا أخْبرَنَا سُفْيَانُ عن الزّهْرِيّ عنْ أبي سَلَمَةَ عنْ أَبي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيْماناً وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" .
قال أَبُو دَاوُد: كَذا رَوَاهُ يَحَيَى بنُ أبي كَثِيرٍ عنْ أبي سَلَمَةَ وَمُحمّدُ بنُ عَمْرٍو عنْ أبي سَلَمَةَ.
1370 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عنْ مَالِكٍ عنْ ابْنِ شِهَابٍ عنْ عُرْوَةَ بنِ الزّبَيْرِ عنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم صلّى في المَسْجِدِ فَصَلّى بِصَلاتِهِ نَاسٌ، ثُمّ صَلّى مِنَ الْقَابِلَةِ فَكَثُرَ النّاسُ، ثُمّ اجْتَمَعُوا مِنَ اللّيْلَةِ الثّالثَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَلَمّا
__________
صحيح البخاري في كتاب الصيام قاله النووي "وكذا رواه عقيل ويونس وأبو أويس": أي كلهم عن الزهري بلفظ "من قام" بالقاف، وروى سفيان بالصاد أي "من صام" وتجيء روايته. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي. قال أبو داوود: وكذا رواه عقيل ويونس وأبو أويس "من قام رمضان" وروى عقيل "من صام رمضان وقامه" هذا آخر كلامه. وقد أخرج البخاري حديث عقيل عن الزهري بلفظ القيام.
"من قام ليلة القدر" : هذا مع الحديث المتقدم من قام رمضان قد يقال إن أحدهما يعني عن الآخر وجوابه أن يقال قيام رمضان من غير موافقة ليلة القدر ومعرفتها سبب لغفران الذنوب، وقيام ليلة القدر لمن وافقها وعرفها سبب للغفران وإن لم يقم غيرها. قاله النووي: قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وأخرجه ابن ماجه مختصراً في ذكر الصوم انتهى.
"صلى في المسجد" : وفي رواية للبخاري "خرج ليلة من خوف الليل يصلي في المسجد" "بصلاته ناس" : مقتدين به. وعند البخاري "فأصبح الناس فتحدثوا" "ثم صلى من القابلة" : أي الليلة الثانية "ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة" : وعند البخاري "فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز

(4/172)


أَصْبَحَ قالَ: "قَدْ رَأَيْتُ الّذِي صَنَعْتُمْ فَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ إِلاّ أَنّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ وَذَلِكَ في رَمَضَانَ".
1371 - حدثنا هَنّادُ بنُ السّرِيّ أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ عن مُحمّدِ بنِ عَمْرٍو عن مُحمّدِ بنِ إِبراهِيمَ عن أبي سَلَمَةَ بنِ عبد الرحمن عن عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النّاسُ يُصَلّونَ في المَسْجِدِ في رَمَضَانَ أَوْزَاعاً فأَمَرَنِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَضَرَبْتُ لَهُ حَصِيراً فَصَلّى عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْقِصّةِ قالَتْ فيه قالَ - تَعْنِي النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "أَيّهَا النّاسُ أما وَالله مَا بِتّ لَيْلَتِي هَذِهِ بِحَمْدِ الله غَافِلاً وَلاَ خَفِيَ عَلَيّ مَكَانُكُمْ".
1372 - حدثنا مُسَدّدٌ أخْبَرَنَا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ أخْبَرَنا دَاوُدُ بنُ أبي هِنْدٍ عن الْوَلِيدِ بنِ عبد الرحمن عن جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ عن أبي ذَرّ قال: صُمْنَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم
__________
المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح" "أن تفرض" : صلاة التروايح "عليكم" : وظاهر قوله خشيت أن تفرض عليكم أنه صلى الله عليه وسلم توقع ترتب افتراض قيام رمضان في جماعة على مواظبتهم عليه. فقيل إن النبي صلى الله عليه وسلم كان حكمه أنه إذا ثبت على شيء من أعمال القرب واقتدى الناس به في ذلك العمل فرض عليهم، ولذا قال خشيت أن تفرض عليكم. وقال في الفتح: إن المخوف افتراض قيام الليل بمعنى جعل التهجد في المسجد جماعة شرطاً في صحة التنفل بالليل، ويومىء إليه قوله في حديث زيد بن ثابت "حتى خشيت أن يكتب عليكم ولو كتب عليكم ما قمتم به فصلوا أيها الناس في بيوتكم" فمنعهم من التجميع في المسجد إشفاقاً عليهم من اشتراطه وآمن مع إذنه في المواظبة على ذلك في بيوتهم من افتراضه عليهم انتهى. وكان عمر رضي الله عنه يقول في جمعه الناس على جماعة واحدة "نعمت البدعة هي" وإنما سماها بدعة باعتبار صورتها فإن هذا الاجتماع محدث بعده صلى الله عليه وسلم، وباعتبار الحقيقة فليست ببدعة لأنه صلى الله عليه وسلم إنما أمرهم بصلاتها في بيوتهم لعلة هي خشية الافتراض، وقد زالت بوفاته صلى الله عليه وسلم. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم.
"يصلون في المسجد في رمضان أوزاعاً" : قال الخطابي: تريد متفرقين، ومن هذا قولهم وزعت الشيء إذا فرقته، ففي هذا إثبات الجماعة في قيام شهر رمضان وفيه إبطال قول من زعم أنها محدثة "فضربت" : أي بسطت "بحمد الله" : جملة معترضة بين الحال وذي الحال "غافلا" : حال من ضمير ما بت "ولا خفي على مكانكم" : ومع ذلك لم أخرج إليكم خشية الافتراض عليكم. والحديث سكت عنه المنذري.

(4/173)


رَمَضَانَ فَلَمْ يَقُمْ بِنَا شَيْئاً مِنَ الشّهْرِ حَتّى بَقِيَ سَبْعٌ، فَقَامَ بِنَا حَتّى ذَهَبَ ثُلُثُ اللّيْلِ، فَلمّا كَانَتِ السّادِسَةُ لَمْ يَقُمْ بِنَا، فَلمّا كَانَتْ الْخَامِسَةُ قَامَ بِنَا حتّى ذَهَبَ شَطْرُ اللّيْلِ فَقُلْتُ: يَا رسولَ الله لَوْ نَفّلْتَنَا قِيَامَ هَذِهِ اللّيْلَةَ. قالَ فَقَالَ: "إِنّ الرّجُلَ إِذَا صَلّى مَعَ اْلإِمَامِ حَتى يَنْصَرِفَ حُسِبَ لَهُ قِيَامُ اللّيْلَةَ". قالَ: فَلمّا كانَتِ الرّابِعةُ لَمْ يَقُمْ، فَلمّا كانَتِ الثّالِثَةُ جَمَعَ أَهْلَهُ وَنِسَاءَهُ وَالنّاسَ فَقَامَ بِنَا حتَى خَشِينَا أَنْ يَفُوتَنَا الْفَلاَحُ. قالَ قُلْتُ: وَمَا الْفَلاَحُ؟ قالَ: "السّحُور". ثُمّ لَمْ يَقُمْ بِنَا بَقِيّةَ الشّهْرِ.
__________
"فلم يقم بنا شيئاً من الشهر" : أي لم يصل بنا غير الفريضة من ليالي شهر رمضان، وكان إذا صلى الفرض دخل حجرته "حتى بقى سبع" : أي من الشهر، كما في رواية ومضى اثنان وعشرون. قال الطيبي: أي سبع ليال نظر إلى المتقين وهو أن الشهر تسع وعشرون فيكون القيام في قوله "فقام بنا" : ليلة الثالثة والعشرين "حتى ذهب ثلث الليل" : فصلى وذكر الله وقرأ القرآن "فلما كانت السادسة" : أي مما بقي وهي الليلة الرابعة والعشرون "فلما كانت الخامسة" : وهي الليلة الخامسة والعشرون. قال صاحب المفاتيح فحسب من آخر الشهر وهو ليلة الثلاثين إلى آخر سبع ليال وهو الليلة الرابعة والعشرون "حتى ذهب شطر الليل" : أي نصفه "لو نفلتنا" : بالتشديد "قيام هذه الليلة" : وفي رواية بقية ليلتنا أي لو جعلت بقية الليل زيادة لنا على قيام الشطر. وفي النهاية لو زدتنا من الصلاة النافلة سميت بها النوافل لأنها زائدة على الفرائض. وقال المظهر: تقديره لو زدت قيام الليل على نصفه لكان خيراً لنا، ولو للتمني "حتى ينصرف" : أي الإمام "حسب له" : على البناء للمفعول أي اعتبر وعد "قيام الليلة" : أي حصل له ثواب قيام ليلة تامة يعني الأجر حاصل بالفرض وزيادة النوافل مبنية على قدر النشاط لأن الله لا يمل حتى تملوا. قال في المرقاة: والظاهر أن المراد بالفرض العشاء والصبح "فلما كانت الرابعة" : أي من الباقية وهي السادسة والعشرون "فلما كانت الثالثة" : أي من الباقية وهي ليلة السابع والعشرين "جمع أهله ونساءه والناس" : أي الخواص منهم "حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح" : قال الخطابي: أصل الفلاح البقاء، وسمى السحور فلاحاً إذ كان سبباً لبقاء الصوم ومعيناً عليه ومن ذلك حي على الفلاح، أي العمل الذي يخلدكم في الجنة. وقيل لأنه معين على إتمام الصوم المفضي إلى الفلاح وهو الفوز بالزلفي والبقاء في العقبى "قلت" : قاله الراوي عن أبي ذر "قال" أبو ذرّ: "السحور" : بالضم والفتح. قال ابن الأثير في النهاية: هو بالفتح ما يتسحر به من الطعام والشراب، وبالضم المصدر والفعل نفسه، وأكثر ما يروى بالفتح. وقيل: الصواب بالضم لأنه بالفتح الطعام والبركة والأجر والصواب في الفعل لا في الطعام انتهى.

(4/174)


1373 - حدثنا نَصْرُ بنُ عَلِيّ وَدَاوُدُ بنُ أُمَيّةَ أَنّ سُفْيَانَ أَخْبَرَهُمْ عن أبي يَعْفُورَ،
__________
قال علي القاري: وبه يظهر خشيتهم من فوته "بقية الشهر" : أي الثامنة والعشرين والتاسعة والعشرين. وأما عدد الركعات التي صلى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الليالي فأخرجه الإمام الحافظ محمد بن نصر المروزي في قيام الليل. حدثنا إسحاق أخبرنا أبو الربيع حدثنا يعقوب حدثنا عيسى بن جارية عن جابر "صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان ثمان ركعات وأوتر، فلما كانت الليلة القابلة اجتمعنا في المسجد ورجونا أن يخرج فيصلي بنا فأقمنا فيه حتى أصبحنا فقلنا يارسول الله رجونا أن تخرج فتصلي بنا فقال: "إني كرهت أو خشيت أن يكتب عليكم الوتر" حدثنا محمد بن حميد الرازي حدثنا يعقوب بن عبد الله حدثنا عيسى بن جارية عن جابر قال: "صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان ليلة ثمان ركعات والوتر" فذكر الحديث. حدثنا إسحاق أخبرنا النضر بن محمد حدثنا العلاء بن المسيب عن طلحة بن زيد الأنصاري عن حذيفة "أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة في رمضان، فركع فقال في ركوعه سبحان ربي العظيم مثل ما كان قائماً ثم سجد فقال في سجوده سبحان ربي الأعلى مثل ما كان قائماً، ثم جلس يقول رب اغفر لي مثل ما كان قائماً، ثم سجد فقال سبحان ربي الأعلى مثل ما كان قائماً، فما صلى إلا أربع ركعات حتى جاء بلال إلى الغداة" حدثنا محمد بن حميد الرازي حدثنا يعقوب بن عبد الله حدثنا عيسى بن جارية عن جابر قال: "جاء أُبيّ بن كعب في رمضان فقال يارسول الله كان مني الليلة شيء. قال وما ذاك يا أُبيّ قال نسوة داري قلن إنا لا نقرأ القرآن فنصلي خلفك بصلاتك فصليت بهن ثمان ركعات والوتر، فسكت عنه وكان شبه الرضا" وأخرج مالك عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد أنه قال: "أمر عمر بن الخطاب أُبيّ بن كعب وتميماً الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة" وقال الإمام سعيد بن منصور في سننه حدثنا عبد الله بن محمد حدثني محمد بن يوسف سمعت السائب بن يزيد يقول كنا نقوم في زمان عمر بن الخطاب بإحدى عشرة ركعة" وأخرج محمد بن نصر في قيام الليل حدثنا محمد بن إسحاق حدثني محمد بن يوسف عن جده السائب بن يزيد قال: "كنا نصلي في زمن عمر في رمضان ثلاث عشرة" وأما ما قال بعض من اشتهر في رسالته تحفة الأخيار بإحياء سنة سيد الأبرار: إن التراويح عشرون ركعة سنة مؤكدة واظب عليها الخلفاء الراشدون فغلط بيّن لا يلتفت إليه، لأنه لم يثبت قط أن أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب صليا عشرين ركعة مرة واحدة أيضاً، فضلا عن المواظبة والله أعلم. كذا في غلبة المقصود ملخصاً. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه. وقال الترمذي حديث حسن صحيح.

(4/175)


وقالَ دَاوُدُ عن ابنِ عُبَيْد بنِ نِسْطَاسٍ عن أبي الضّحَى عن مَسْرُوقٍ عن عَائِشَةَ: أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ أَحْيَي اللّيْلَ وَشَدّ المئْزَرَ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ .
قال أَبُو دَاوُد: أَبُو يَعْفُورَ اسْمُهُ عَبْدُ الرّحْمَنِ بنِ عُبَيْدِ بنِ نَسْطَاسٍ.
1374 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيّ أخْبَرَنَا عبد الله بنُ وَهْبٍ أخْبَرَنِي مُسْلِمُ بنُ خَالِدٍ عن الْعَلاَءِ بنِ عبد الرحمن عن أبِيهِ عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: خَرَجَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فإِذَا نَاسٌ[فإذا الناس] في رَمَضَانَ يُصَلّونَ في نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ: "مَا هَؤُلاَءِ؟" فَقِيلَ: هَؤُلاَءِ نَاسٌ لَيْسَ مَعَهُمْ قُرْآنُ وَأُبَيّ بنُ كَعْبٍ يُصَلّي وَهُمْ يُصَلّونَ بِصَلاَتِهِ، فَقَالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "أَصَابُوا وَنِعْمَ مَا صَنَعُوا".
قال أبو داود: ليس هذا الحديث بالقوي, مسلم بن خالد ضعيف.
__________
"وقال داوود": بن أمية في حديثه "عن ابن عبيد بن نسطاس": وقال نصر بن علي عن أبي يعفور وكلاهما واحد لأن أبا يعفور هو ابن عبيد واسمه عبد الرحمن كما سيصرح به أبو داوود "إذا دخل العشر" : أي الأخر فاللام للعهد، وفي رواية لابن أبي شيبة التصريح بالأخير "أحيى الليل" : أي غالبه بالصلاة والذكر وتلاوة القرآن. قال النووي: أي استغرق بالسهر في الصلاة وغيرها. قال في الشرح وأما قول بعض شيوخنا المحققين، بكراهة قيام كل الليل فمعناه الدوام عليه ولم يذهب بكراهة ليلة أو ليلتين أو عشر انتهى "وشد المئزر" : بكسر الميم أي إزاره هو عبارة عن القصد والتوجه إلى فعل شاق مهم كتشمير الثوب. قال الخطابي: شد المئزر يتأول على وجهين أحدهما هجران النساء وترك غشيانهن وقيل: الجد والتشمير في العمل "وأيقظ أهله" : أي أمر بإيقاظهم للعبادة وطلب ليلة القدر، لقوله تعالى {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ} وإنما لم يأمرهم بنفسه لأنه كان معتكفاً قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة.
"ليس معهم قرآن" : أي لا يحفظون شيئاً كثيراً من القرآن "مسلم بن خالد ضعيف": فقيه صدوق كثير الأوهام. كذا في التقريب. وقال في الخلاصة والتهذيب: مسلم بن خالد المكي الفقيه الإمام المعروف بالزنجي روى عنه الشافعي وابن وهب والحميدي وطائفة. قال ابن معين: ثقة وضعفه أبو داوود، وقال ابن عدي: حسن الحديث، وقال أبو حاتم: إمام في الفقه تعرف وتنكر ليس بذاك القوي، يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال النسائي بالقوي.

(4/176)


316 - باب في ليلة القدر
1375 - حدثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ وَمُسَدّدٌ المَعْنَى قالا أخْبَرَنَا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عن عَاصِمٍ عن زِرّ قال: قُلْتُ لأُبِيّ بنِ كَعْبٍ: أخْبِرْنِي عن لَيْلَةِ الْقَدرِ يَا أَبَا المُنْذِرِ فإِنّ صَاحِبَنَا سُئِلَ[يسأل] عَنْهَا، فَقَالَ: مَنْ يَقُمِ الْحَوْلَ يُصِبْهَا، فَقَالَ: رَحِمَ الله أَبَا عبد الرحمن وَالله لَقَدْ عَلِمَ أَنّهَا في رَمَضَانَ زَادَ مُسَدّدٌ: وَلَكِنْ كَرِه أَنْ يَتّكِلُوا أَوْ أَحَبّ أَن لاَ يَتّكِلُوا، ثُمّ اتّفَقَا: وَالله إِنّهَا لَفِي رَمَضَانَ لَيْلَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ لا يَسْتَثْنِي. قُلْتُ: يا أَبَا المُنْذِرِ أَنّى عَلِمْتَ ذَلِكَ؟ قال: بالآيَةِ الّتِي أخْبَرَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم.
قُلْتُ لِزرّ: ما الآيَةُ؟ قالَ: تُصْبِحُ الشّمْسُ صُبَيْحَةَ تِلْكَ اللّيْلَةِ مِثْلَ الطّسْتِ لَيْسَ لَها شُعاعٌ حَتّى تَرْتَفِعَ.
1376 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَفْصِ بنِ عبد الله السّلَمِيّ حَدّثَني[حدثنا] أبي
__________
باب في ليلة القدر
"عن زر": بكسر الزاي وتشديد الراء بن حبيش مصغراً "يا أبا المنذر" : هذا كنية أُبيّ بن كعب "فإن صاحبنا" : يعني عبد الله بن مسعود "فقال" : أي ابن مسعود: "من يقم الحول" : أي تمام الحول لأنها تدور في تمام السنة "أبا عبد الرحمَن" : هذا كنية ابن مسعود "أو أحب" : شك من الراوي "ثم اتفقا" : أي سليمان ومسدد "لا يستثنى" : حال أي حلف حلفاً جازماً من غير أن يقول عقيبه إن شاء الله تعالى، مثل أن يقول الحالف لأفعلن إلا إن يشاء الله أو إن شاء الله، فإنه لا ينعقد اليمين وإنه لا يظهر جزم الحالف "ما الآية": أي العلامة والأمارة "مثل الطست" : معناه بالفارسية تشت وأصله طس أبدل إحدى السينين تاء للاستثقال فإذا جمعت أو صغرت رددت السين لأنك فصلت بينهما بواو أو ألف أو ياء، فقلت طسوس وطساس وطسيس، وحكى بالشين المعجمة لفظة أعجمية "ليس لها شعاع حتى ترتفع" : قال الطيبي: والشعاع هو ما يرى من ضوء الشمس عند حدورها مثل الحبال والقضبان مقبلة إليك كما نظرت إليها انتهى.
قيل: وفائدة كون هذا علامة مع أنه إنما يوجد بعد انقضاء الليلة لأنه يسن إحياء يومها كما يسن إحياء ليلها. انتهى.
قال القاري: وفي قوله يسن إحياء يومها نظر يحتاج إلى أثر، والأظهر أن فائدة العلامة أن يشكر على حصول تلك النعمة إن قام بخدمة الليلة وإلا فيتأسف على ما فاته من الكرامة،

(4/177)


حَدّثَني إِبراهِيمُ بنُ طَهْمَانَ عن عَبّادِ بنِ إِسْحَاقَ عن مُحمّدِ بنِ مُسْلِمٍ الزّهْرِيّ عنْ ضَمْرَةَ ابنِ عبد الله بنِ أُنَيْسٍ عن أبِيهِ قالَ: كُنْتُ في مَجْلِسِ بَنِي سَلَمَةَ وَأَنَا أَصغَرُهُمْ فَقَالُوا مَنْ يَسْأَلُ لَنَا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ. وَذَلِكَ صَبيحَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ، فَخَرَجْتُ فَوَافَيْتُ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم صلاَةَ المَغْرِبِ، ثُمّ قُمْتُ بِبَابِ بَيْتِهِ فَمَرّ بِي، فَقَالَ: "ادْخُلْ" فَدَخَلْتُ فَأُتِيَ بِعَشَائِهِ فَرَأَيْتُنِي[فرآني] أَكُفّ عَنْهُ مِنْ قِلّتِهِ، فَلَمّا فَرَغَ قالَ: "نَاوِلْنِي نَعْلِي"، فَقَامَ وَقُمْتُ مَعَهُ، فقَالَ: "كَأَنّ لَكَ؟" قُلْتُ أَجَلْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ رَهْطٌ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ يَسْأَلُونَكَ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَقالَ: "كَمِ اللّيْلَةُ؟" فَقُلْتُ اثْنَتَانِ وَعِشْرُونَ، قالَ: "هِيَ اللّيْلَةُ"، ثُمّ رَجَعَ، فَقالَ: "أَوِ الْقَابِلَةَ" يُريدُ لَيْلَةَ ثَلاَثِ وَعِشْرِينَ .
1377 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ أخبَرَنَا زُهَيْرٌ أخبرنا مُحمّدُ بنُ إسْحَاقَ حَدّثَني مُحمّدُ بنُ إِبراهِيمَ عنْ ابنِ عبد الله بن أُنَيْسٍ الْجُهَنِيّ عن أبيهِ قالَ: قُلْتُ:يَا
__________
ويتدارك في السنة الآتية، وإنما لم يجعل علامة في أول ليلها إبقاء لها على إبهامها. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي.
"عن ليلة القدر" : إنما سميت بها لأنه يقدر فيها الأرزاق ويقضي ويكتب الآجال والأحكام التي تكون في تلك السنة لقوله تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيم} وقوله تعالى: {تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ} والقدر بهذا المعنى يجوز فيه تسكين الدال والمشهور التحريك. وقيل: سمى بها لعظم قدرها وشرفها، والإضافة على هذا من قبيل حاتم الجود. كذا في اللمعات والمرقاة "وذلك" : أي اجتماع الناس وعزمهم على سؤال هذا الأمر "صبيحة إحدى وعشرين" : أي بعد مضي تلك الليلة "فوافيت" : أي لقيت معه. واجتمعت به وقت صلاة المغرب "فأُتي" : بصيغة المجهول "بعشائه" : بفتح العين أي طعام الليل "أكف عنه" : أي عن الطعام يدي "من قلته" : أي الطعام وما أكل إلا القليل "رهط" : أي جماعة "من بني سلمة" : بكسر اللام "فقال" : النبي صلى الله عليه وسلم "كم الليلة" : التي أنت فيها موجودة تسألني عنها "فقلت" : هذه الليلة الحاضرة "اثنتان وعشرون" : وقد مضت ليلة إحدى وعشرين "قال" : النبي صلى الله عليه وسلم "هي الليلة" : أي ليلة القدر هي هذه الليلة الحاضرة واستدل به من قال إنها ليلة اثنتين وعشرين "أو القابلة" : أي الآتية بعد ذلك. قال المنذري: وأخرجه النسائي. وقال أبو داوود: هذا حديث غريب، وعنه لم يرو الزهري عن ضمرة غير هذا الحديث.

(4/178)


رَسُولَ الله إِنّ لِي بَادِيَةً أكُونُ فيهَا وَأَنَا أُصَلّي فيهَا بِحَمْدِ الله، فَمُرْنِي بِلَيْلَةٍ أَنْزَلُهَا إِلَى هَذَا المَسْجِدِ، فَقَالَ: "انْزِلْ لَيْلَةَ ثَلاَثٍ وَعِشْرِينَ"، فَقُلْتُ لاِبْنِهِ: فَكَيْفَ كَانَ أَبُوكَ يَصْنَعُ؟ قالَ: كانَ يَدْخُلُ المَسْجِدَ إِذَا صَلّى الْعَصْرَ فَلا يَخْرُجُ مِنْهُ لِحَاجَةٍ حَتّى يُصَلّيَ الصّبْحَ، فإِذَا صَلّى الصّبْحَ وَجَدَ دَابّتَهُ عَلَى بَابِ المَسْجِدِ فَجَلَسَ عَلَيْهَا فَلَحِقَ بِبَادِيَتِهِ .
1378 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا وُهَيْبٌ أخبرنا أَيّوبُ عن عِكْرمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "الْتَمِسُوهَا في الْعَشْرِ اْلأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، في تَاسِعَةٍ تَبْقَى، وَفي سَابِعَةٍ تَبْقَى، وَفي خَامِسَةٍ تَبْقَى".
__________
"إن لي بادية أكون" : أي ساكناً "فيها" : المراد بالبادية دار إقامة بها. فقوله إن لي بادية أي إن لي داراً ببادية أو بيتاً أو خيمة هناك، واسم تلك البادية الوطاءة قاله القاري "وأنا أصلي فيها بحمد الله" : ولكن أريد أن أعتكف وأريد إدراك ليلة القدر "فمرني" : أمر من أمر مخففاً "بليلة" : زاد في المصابيح من هذا الشهر يعني شهر رمضان "أنزلها" : بالرفع على أنه صفة، وقيل بالجزم على جواب الأمر أي أنزل تلك الليلة من النزول بمعنى الحلول. وقال الطيبي: أي أنزل فيها قاصداً أو منتهياً "إلى هذا المسجد" : إشارة إلى المسجد النبوي وقصد حيازة فضيلتي الزمان والمكان "فقال انزل ليلة ثلاث وعشرين" : فتدرك ليلة القدر "فقلت" : هذا قول محمد بن إبراهيم الراوي عن ضمرة "لابنه" : أي لابن عبد الله وهو ضمرة بن عبيد الله "فكيف كان أبوك" : أي عبد الله بن أنيس "يصنع" : أي في قوله "إذا صلى العصر" : أي يوم الثاني والعشرين من رمضان "فلا يخرج منه لحاجة" : أي من الحاجات الدنيوية اغتناماً للخيرات الأخروية أو لحاجة غير ضرروية "حتى يصلي الصبح" : يشير إلى أنها ليلة القدر قال المنذري: في سنده محمد بن إسحاق وقد تقدم الكلام فيه. وقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث بسر بن سعيد عن عبد الله بن أنيس في ليلة القدر وقوله صلى الله عليه وسلم وأراني صبيحتها أسجد في ماء وطين قال فمطرنا ليلة ثلاث وعشرين الحديث انتهى.
"في تاسعة تبقى" : بدل من قوله في العشر الأواخر وتبقى صفة لما قبله من العدد أي يرجى بقاؤها "وفي سابعة تبقى وفي خامسة تبقى" : الظاهر أنه أراد التاسعة والعشرين والسابعة والعشرين والخامسة والعشرين.
وقال الطيبي رحمه الله: قوله في تاسعة تبقى الليلة الثانية والعشرون تاسعة من الأعداد الباقية، والرابعة والعشرون سابعة منها، والسادسة والعشرون خامسة منها.

(4/179)


__________
وقال الزركشي: تبقى الأولى هي ليلة إحدى وعشرين، والثانية ليلة ثلاث وعشرين، والثالثة ليلة خمس وعشرين، هكذا قاله مالك. وقال بعضهم: إنما يصح معناه ويوافق ليلة القدر وتراً من الليالي إذا كان الشهر ناقصاً، فإن كان كاملاً فلا يكون إلا في شفع فتكون التاسعة الباقية ليلة اثنتي وعشرين، والخامسة الباقية ليلة ست وعشرين، والسابعة الباقية ليلة أربع وعشرين على ما ذكره البخاري بعد عن ابن عباس، ولا يصادف واحد منهن وتراً، وهذا على طريقة العرب في التاريخ إذا جاوزوا نصف الشهر فإنما يؤرخون بالباقي منه لا بالماضي كذا في المرقاة. قال المنذري: وأخرجه البخاري وذكر متابعته عن عكرمة عن ابن عباس التمسوها في أربع وعشرين انتهى.
قال النووي: اختلفوا في محلها فقال جماعة هي متنقلة تكون في سنة في ليلة، وفي سنة أخرى في ليلة أخرى وهكذا، وبهذا يجمع بين الأحاديث ويقال كل حديث جاء بأحد أوقاتها ولا تعارض فيها. قال ونحو هذا قول مالك والثوري وأحمد وإسحاق وأبي ثور وغيرهم، قالوا وإنما تنتقل في العشر الأواخر من رمضان، وقيل بل في كله، وقيل إنها معينة فلا تنتقل أبداً، بل هي ليلة معينة في جميع السنين لا تفارقها، وعلى هذا قيل هي في السنة كلها، وهو قول ابن مسعود وأبي حنيفة وصاحبيه، وقيل بل في شهر رمضان كله، وهو قول ابن عمر وجماعة من الصحابة، وقيل بل في العشر الوسط والأواخر، وقيل في العشر الأواخر، وقيل تختص بأوتار العشر، وقيل بأشفاعها كما في حديث أبي سعيد، وقيل بل في ثلاث وعشرين أو سبع وعشرين وهو قول ابن عباس وقيل تطلب في ليلة سبع عشرة أو إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين، وحكى عن علي وابن مسعود، وقيل ليلة ثلاث وعشرين، وهو قول كثيرين من الصحابة وغيرهم، وقيل ليلة أربع وعشرين وهو محكي عن بلال وابن عباس والحسن وقتادة، وقيل ليلة سبع وعشرين وهو قول جماعة من الصحابة، وقيل ليلة سبع عشرة وهو محكي عن زيد بن أرقم وابن مسعود أيضاً، وقيل ليلة تسع عشرة، وحكى عن ابن مسعود أيضاً وحكى عن علي أيضاً، وقيل آخر ليلة من الشهر. انتهى مختصراً وقد أطال الكلام فيه الحافظ في الفتح فليرجع إليه.

(4/180)


317 - باب فيمن قال ليلة إحدى وعشرين
1379 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن يَزِيدَ بنِ عبد الله بنِ الْهادِ عن مُحمّدِ بنِ
__________
باب فيمن قال ليلة إحدى وعشرين
"من رمضان" : فيه مداومة النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، فالاعتكاف فيه سنة لمواظبته صلى الله عليه وسلم. قاله

(4/180)


إِبراهِيمَ بنِ الْحَارِثِ التّيْمِيّ عن أبي سَلَمَةَ بنِ عبد الرحمن عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قالَ: كَان رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأوسِطَ مِنْ رَمَضَانَ، فاعْتَكَفَ عَاماً حتّى إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ إِحْدَىَ وَعِشْرِينَ - وَهِيَ اللّيْلة التي يَخْرُجُ فيهَا مِنَ اعْتِكَافِهِ - قالَ: "مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَي فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ اْلأَوَاخِرَ، وَقَدْ رَأَيْتُ هَذِهِ اللّيْلَةَ ثُمّ أُنْسِيْتُهَا، وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ مِنْ صَبِيْحَتِهَا في ماءٍ وَطِينٍ، فَالْتَمِسُوها في الْعَشْرِ اْلأَوَاخِرِ وَالْتَمِسُوها في كلّ وِتْرٍ".
__________
ابن عبد البر، ولعل مراده رمضان لا يقيد وسطه إذ هو لم يداوم عليه "فاعتكف عاماً" : أي اعتكف في رمضان في عام "يخرج فيها" : ولفظ الموطأ الليلة التي يخرج فيها من صبحها من اعتكافه "من كان اعتكف معي" : العشر الوسط "فليعتكف العشر الأواخر" : وفي رواية للشيخين "فخطبنا صبيحة عشرين، وفي أخرى لهما فخطب الناس فأمرهم ما شاء الله ثم قال: كنت أجاور هذا العشر ثم بدا لي أن أجاور هذا العشر الأواخر، فمن كان اعتكف معي فليثبت في معتكفه" .
وفي مسلم من وجه آخر عن أبي سعيد "أنه صلى الله عليه وسلم اعتكف في العشر الأول من رمضان ثم اعتكف العشر الأوسط في قبة تركية على سدتها حصير، فأخذه فنحاه في ناحية القبة، ثم كلم الناس فقال إني اعتكفت العشر الأول ألتمس هذه الليلة ثم اعتكفت العشر الأوسط ثم أوتيت فقيل لي إنها في العشر الأواخر، فمن أحب منكم أن يعتكف فليعتكف فاعتكف الناس معه" وعند البخاري أن جبريل أتاه في المرتين فقال له إن الذي تطلب أمامك بفتح الهمزة والميم أي قدامك "وقد رأيت" : وفي رواية أريت بهمزة أوله مضمومة مبني للمفعول أي أعلمت "هذه الليلة نصب مفعول به لا طرف أي أريت ليلة القدر. وجوز الباجي أن الرؤية بمعنى البصر أي رأى علامتها التي أعلمت له بها وهي السجود في الماء والطين "ثم أنسيتها" : بضم الهمزة. قال القفال ليس معناه أنه رأى الملائكة والأنوار عياناً ثم نسي في أول ليلة رأى ذلك لأن مثل هذا قل أن ينسى، وإنما معناه أنه قيل له ليلة القدر ليلة كذا وكذا، فنسي كيف قيل له "وقد رأيتني" : بضم التاء وفيه عمل الفعل في ضميري الفاعل والمفعول وهو المتكلم، وذلك من خصائص أفعال القلوب أي رأيت نفسي "أسجد من صبيحتها" : بمعنى في كقوله تعالى: {مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ} أو لابتداء الغاية الزمانية "في ماء وطين" : علامة جعلت له يستدل بها عليها ثم المراد أنه نسي علم تعيينها تلك السنة لا رفع وجودها لأمره بطلبها بقوله "فالتمسوها في العشر الأواخر" : من رمضان "والتمسوها في كل وتر" : منه أي أوتار لياليه وأولها ليلة الحادي والعشرين إلى آخر ليلة التاسع والعشرين، وهذا لا يقال قوله التمسوها في السبع الأواخر، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يحدث بما هنا جازماً

(4/181)


قال أَبُو سَعِيدٍ: فَمُطِرَتِ السّمَاءُ مِنْ تِلْكَ اللّيْلَةِ، وكَانَ المَسْجِدُ عَلَى عَرِيشٍ فَوَكَفَ المَسْجِدُ، فَقالَ أَبُو سَعِيدِ: فَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم وَعَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ أَثَرُ المَاءِ وَالطّيْنِ مِنْ صَبِيْحَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ.
1380 - حدثنا مُحمّدُ بنُ المُثَنّى أخْبَرَنَا عَبْدُ الأَعْلَى أخْبَرَنَا سَعِيدٌ عن أبي نَصْرَةَ عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "الْتَمِسُوهَا في الْعَشْرِ اْلأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ والْتَمِسُوهَا في التّاسِعَةِ وَالسّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ". قالَ قُلْتُ: يَا أَبَا سَعَيدِ إِنّكُم أَعْلَمُ بالْعَدَدِ مِنّا. قالَ: أَجَلْ قُلْتُ: ما التّاسِعَةِ وَالسّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ؟ قالَ: إِذَا مَضَتْ وَاحِدَةٌ وَعِشْرُونَ فالّتِي تَلِيهَا التّاسِعَةُ، وَإِذَا مضى ثَلاَثٌ وَعِشْرُونَ فَالّتِي تَلِيهَا السّابِعَةُ، وَإِذَا مَضَى خَمْسٌ وَعِشْرُونَ فَالّتِي تَلِيهَا الْخَامِسَةُ.
قال أَبُو دَاوُد: لاَ أَدْرِي أَخَفِيَ عَلَيّ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لاَ.
__________
به. قال الباجي: يحتمل في ذلك العام، ويحتمل أنه الأغلب في كل عام. قاله الزرقاني.
"قال أبو سعيد فمطرت" : بفتحتين "السماء من تلك الليلة" : أي التي أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي رواية للشيخين فجاءت سحابة فمطرت حتى سال سقف المسجد "وكان المسجد على عريش" : أي على مثل العريش، وإلا فالعريش هو السقف أي أنه كان مظللا بالخوص والجريد، ولم يكن محكم البناء بحيث يكنّ من المطر. وفي رواية وكان السقف من جريد النخل "فوكف المسجد" : أي سال ماء المطر من سقفه فهو من ذكر المحل وإرادة الحال "فأبصرت عيناي" : توكيد "من صبيحة إحدى وعشرين" . قال في المرقاة: يعني الليلة التي رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها ليلة القدر هي ليلة الحادي والعشرين. كذا قيل: والأظهر أن من بمعنى في وهي متعلقة بقوله فأبصرت انتهى. ولفظ الموطأ قال أبو سعيد: فأبصرت عيناي رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين من صبح ليلة إحدى وعشرين قال الزرقاني: قوله من صبح ليلة إحدى وعشرين متعلق بقوله انصرف، وفي رواية فنظرت إليه وقد انصرف من صلاة الصبح ووجهه وأنفه فيهما الماء والطين تصديق رؤياه، وفيه السجود على الطين وحمله الجمهور على الخفيف. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة.
"فالتي تليها التاسعة" : ولفظ مسلم "فالتمسوها في العشر الأواخر من رمضان التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة. قال قلت: يا أبا سعيد إنكم أعلم بالعدد منا فقال أجل نحن أحق بذاك منكم. قال قلت: ما التاسعة والسابعة والخامسة؟ قال إذا مضت واحدة وعشرون فالتي

(4/182)


__________
تليها اثنان وعشرون فهي التاسعة، فإذا مضت ثلاث وعشرون فالتي تليها السابعة، فإذا مضت خمس وعشرون فالتي تليها الخامسة" قال النووي: قوله فالتي تليها اثنان وعشرون هكذا وقع في بعض نسخ مسلم وفي أكثرها ثنتين وعشرين بالياء وهي أصوب. انتهى قال السندي: حاصل الحديث أن اعتبار العدد بالنظر إلى ما بقي لا بالنظر إلى ما مضى، لكن بقي الإشكال فيه من جهة فوات الوتر، وأيضاً هذا العدد يخرج الليلة التي قد تحققت مرة أنها ليلة القدر وهي ليلة إحدى وعشرين كما في الحديث السابق، والله أعلم. إلا أن يجاب عن الأول أنها أوتار بالنظر إلى مابقي وهو يكفي. ومقتضى الحديث السابق أن تعتبر الأوتار بالنظر إلى ما مضى، فيلزم أن يسعى كل ليلة من ليالي العشر الأخير لإدراكه مراعاة للأوتار بالنظر إلى ما مضى وإلى ما بقي فتأمل والله تعالى أعلم. كذا في فتح الودود. وفي النيل: والحديث يدل على أن ليلة القدر يرجى وجودها في تلك الثلاث الليالي انتهى. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي.

(4/183)


318 - باب من روى أنها ليلة سبع عشرة
1381 - حدثنا حَكِيمُ بنُ سَيْفٍ الرّقِيّ أخبرنا عبيد الله - يَعْني ابنَ عَمْرٍو. عن زَيْدٍ - يَعْني ابنَ أبي أُنَيْسَةَ - عن أبي إِسْحَاقَ عن عبد الرحمن بنِ الأَسْوَدِ عن أبِيهِ عن ابنِ مَسْعُودٍ قالَ قالَ لَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "اطْلُبُوهَا لَيْلَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ مِنْ رَمَضَانَ وَلَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَلَيْلَةَ ثَلاَثَ وَعِشْرينَ، ثُمّ سَكَتَ" .
__________
باب من روى أنها ليلة سبع عشرة
"عن ابن مسعود": وكذا أخرجه ابن أبي شيبة والطبراني من حديث زيد بن أرقم قال: بلا شك ولا امتراء : إنها ليلة سبع عشرة من رمضان ليلة أنزل القرآن انتهى. قال المنذري: في إسناده حكيم بن سيف وفيه مقال.

(4/183)


319 - باب من روى في السبع الأواخر
1382 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن عَبْدِ الله بنِ دِينَارٍ عن ابنِ عُمَرَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "تَحَرّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ في السّبْعِ اْلأَوَاخِرِ".
__________
باب من روى في السبع الأواخر
"تحروا ليلة القدر في السبع الأواخر" : التحري القصد والاجتهاد في الطلب ثم إن هذا

(4/183)


320 - باب من قال سبع وعشرون
1383 - حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُعَاذٍ أخبرنا[حدثني] أبِي أخبرنا شُعْبَةُ عن قَتَادَةَ أَنّهُ سَمِعَ مُطَرّفاً عن مُعَاوِيَةَ بنِ أبي سُفْيَانَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم في لَيْلَةِ الْقَدْرِ قال: "لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ".
__________
باب من قال سبع وعشرون
وأخرج أحمد في مسنده عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كان متحريها فليتحرها ليلة سبع وعشرين" قال في المنتقى: إسناده صحيح، وحديث معاوية سكت عنه المنذري. قال العيني: فإن قلت: ما وجه هذه الأقوال؟ قلت: لا منافاة لأن مفهوم العدد لا اعتبار له. وقال الشافعي: والذي عندي أنه صلى الله عليه وسلم كان يجيب على نحو ما يسأل عنه يقال له: نلتمسها في كذا فيقول التمسوها في ليلة كذا، وقيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحدث بميقاتها جزماً، فذهب كل واحد من الصحابة بما سمعه والذاهبون إلى سبع وعشرين هم الأكثرون.

(4/184)


321 - باب من قال هي في كل رمضان
1384 - حدثنا حُمَيْدُ بنُ زَنْجُوَيْهِ النّسَائِيّ أخبَرَنَا سَعِيدُ بنُ أبي مَرْيَمَ حدّثنا[حدثني] مُحمّدُ بنُ جَعْفَرٍ بنِ أبي كَثِيرٍ أخبَرَنَا مُوسَى بنُ عُقْبَةَ عن أبي إسْحَاقَ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن عبد الله بنِ عُمَرَ قال: سُئِلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَأَنَا أَسْمَعُ عن لَيْلَةٍ الْقَدْرِ فَقَالَ: "هِيَ في كلّ رَمَضَانَ".
قال أَبُو دَاوُد: رَوَاهُ سُفْيَانُ وَشُعْبةُ عن أبي إسْحَاقَ مَوْقُوفاً عَلَى ابنِ عُمَرَ لَمْ يَرْفَعَاهُ إِلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
__________
باب من قال هي في كل رمضان
"عن ليلة القدر" : أهي في كل السنة أو في كل رمضان "فقال هي في كل رمضان" قال ابن الملك: أي ليست مختصة بالعشر الأواخر بل كل ليلة من رمضان يمكن أن تكون ليلة القدر، ولهذا لو قال أحد لامرأته في نصف رمضان أو أقل أنت طالق في ليلة القدر لا تطلق حتى يأتي رمضان السنة القابلة فتطلق في الليلة التي علق فيها الطلاق. قاله علي القاري. وفي النيل القول الخامس أن ليلة القدر مختصة برمضان ممكنة في جميع لياليه.
وروى عن ابن عمر وأبي حنيفة، وبه قال ابن المنذر وبعض الشافعية، ورجحه السبكي.

(4/185)


أبواب قراءة القرآن وتحزيبه وترتيله (باب في كم يقرأ القرآن)
...
أبواب قراءة القرآن وتحزيبه وترتيله
322 - باب في كم يقرأ القرآن
1385 - حدثنا مُسْلِمُ بنُ أبي إِبراهِيمَ وَمُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ قالا أخبرنا أَبَانُ عن يَحْيَى عن مُحمّدِ بنِ إِبراهِيمَ عن أبي سَلَمَةَ عن عبد الله بنِ عَمْرٍو: أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ لَهُ: "اقْرَأ الْقُرْآنَ في شَهْرٍ". قالَ: إِنّي أَجِدُ قُوّةً. قالَ: "اقْرَأ في عِشْرِينَ". قالَ: إِنّي أَجِدُ قُوّةً. قالَ: "اقْرَأْ في خَمْسَ عَشْرَةَ". قالَ: إِنّي أَجِدُ قُوّةً. قالَ: "اقْرَأَ في عَشْرٍ". قالَ: إِنّي أَجِدُ قُوّةً. قال: "اقْرَأ في سَبْعٍ وَلاَ تَزِيدَنّ عَلَى ذَلِكَ".
قال أَبُو دَاوُد: وَحَدِيثُ مُسْلِمٍ أَتَمّ.
__________
باب في كم يقرأ القرآن
"قال اقرأ في سبع ولا تزيدن على ذلك" قال النووي: هذا من نحو ما سبق من الإرشاد إلى الاقتصاد في العبادة والإرشاد إلى تدبر القرآن. وقد كانت للسلف عادات مختلفة فيما يقرؤون كل يوم، بحسب أحوالهم وأفهامهم ووظائفهم، فكان بعضهم يختم القرآن في كل شهر، وبعضهم في عشرين يوماً وبعضهم في عشرة أيام، وبعضهم أو أكثرهم في سبعة، وكثير منهم في ثلاثة، وكثير في يوم وليلة، وبعضهم في كل ليلة، وبعضهم في اليوم والليلة ثلاث ختمات، وبعضهم ثمان ختمات، والمختار أنه يستكثر منه ما يمكنه الدوام عليه ولا يعتاد إلا ما يغلب على ظنه الدوام عليه في حال نشاطه وغيره هذا إذا لم تكن له وظائف عامة أو خاصة يتعطل بإكثار القرآن عنها، فإن كانت له وظيفة عامة كولاية وتعليم ونحو ذلك فليوظف لنفسه قراءة يمكنه المحافظة عليها مع نشاطه وغيره من غير إخلال بشيء من كمال تلك الوظيفة، وعلى هذا يحمل ما جاء عن السلف. انتهى. وقد أطال الكلام في هذه المسألة شيخنا المحدث السيد نذير حسين الدهلوي في كتابه معيار الحق والله أعلم. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم.

(4/186)


1386 - حدثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ أخبَرَنَا حَمّادٌ عن عَطَاءِ بنِ السّائِبِ عنْ أَبِيهِ عنْ عبد الله بنِ عَمْرٍو قالَ قالَ لِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "صُمْ مِنْ كلّ شَهْرٍ ثَلاَثَةَ أَيّامٍ وَاقْرَأْ الْقُرْآنَ فِي شَهْرٍ، فنَاقَصَني ونَاقَصَته فَقَالَ: "صُمْ يَوْماً وَأفْطِرْ يَوْماً" قَال عَطَاءٌ: وَاخْتَلَفْنَا عَنْ أبِي فَقَالَ بَعْضُنَا سَبْعَةُ أَيّامٍ. وَقالَ بَعْضُنَا خَمْساً.
1387 - حدثنا ابْنُ المثَنّى أخْبَرَنَا عَبْدُ الصّمَدِ أخبَرَنَا هَمامٌ أخبَرَنَا قَتَادَةُ عَنْ يَزِيدَ بنِ عبد الله عنْ عبد الله بنِ عَمْرٍو أَنّهُ قالَ: يَا رَسُولَ الله في كَمْ أقرأ الْقُرآنَ؟ قالَ: "في شَهْرٍ". قال: إِنّي أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ. رَدّدَ الْكَلاَمَ أَبُو مُوسَى[ردد أبو موسى هذا الكلام] وَتَنَاقَصَهُ حَتّى قالَ: "اقْرَأْهُ في سَبْعٍ". قالَ: إِنّي أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ. قالَ: "لاَ يَفْقَهُ مَنْ قَرَأَهُ في أَقَلّ منْ ثَلاَثٍ".
1388 - حدثنا مُحمّدُ بنُ حَفْصٍ أَبُو عبد الرحمن الْقَطّانُ خَالُ عِيسَى ابنِ شَاذَانَ أخبرنا أَبُو دَاوُدَ أخبرنا الْحُرَيْشُ بنُ سُلَيْم عنْ طَلْحَةَ بنِ مُصَرّفٍ عنْ خَيْثَمَةَ عنْ عبد الله بنِ عَمْرِو قالَ قالَ لِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "اقْرَأْ الْقُرْآنَ فِي شَهْرٍ". قالَ إِنّ بِي قُوّةً. قالَ "اقْرَأْهُ فِي ثَلاثٍ". قَالَ أَبُو عَلِيّ: سَمِعْتُ أَبَا دَاوُدَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ يَعْني
__________
"فناقصني وناقصته" : قال في فتح الودود: بالصاد المهملة أي جرى بيني وبينه مراجعة في النقصان فيرى ما أذكره ناقصاً فيردني عنه وأنا أعد ما ذكره ناقصاً فأرده عنه كما هو شأن من يجري بينهما المراجعة، ولو جعل من المناقضة بالضاد المعجمة لكان له وجه، وقد ضبطه بعضهم كذلك، أي ينقض قولي وأنقص قوله.انتهى "قال عطاء": بن السائب "واختلفنا" : أي أنا ومن روى هذا الحديث "عن أبي" : هو السائب "فقال بعضنا سبعة أيام" : أي في حكم القراءة على ما أمر في لفظ حديث مسلم الذي هو أتم. قال المنذري: عطاء بن السائب فيه مقال، وقد أخرج له البخاري مقروناً وأبوه السائب بن مالك. قال يحيى بن معين ثقة.
"ابن المثنى": هو محمد بن المثنى كنيته أبو موسى "ردد أبو موسى": محمد بن المثنى "هذا الكلام": أي إني أقوى من ذلك "وتناقصه" : كما في حديث مسلم بن إبراهيم "حتى قال" : النبي صلى الله عليه وسلم "اقرأ في سبع" : أي في سبعة أيام "قال" : النبي صلى الله عليه وسلم "لا يفقه" : أي لا يفهم معاني القرآن ولا يتدبر فيها ولا يتفكر "من قرأه" : أي القرآن "في أقل من ثلاث" : أي ثلاثة أيام. وهذا نص صريح في أنه لا يختم القرآن في أقل من ثلاثة أيام. والحديث سكت عنه المنذري.

(4/187)


ابنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ عِيسَى بْنُ شَاذَانَ كَيّسٌ.
__________
"قال أبو علي": محمد اللؤلؤي راوي السنن "كيس": بالتثقيل على وزن جيد بمعنى الفطنة والعقل أي عاقل فطين وهذا توثيق لعيسى من أحمد بن حنبل. وقال ابن حبان كان من الحفاظ.

(4/188)


323 - باب تحزيب القرآن
1389 - حدثنا مُحمّدُ بنُ يَحْيَى بنُ فَارِسٍ أخبَرَنَا[أنبأنا] ابنُ أَبِي مَرْيَم أنبأنا يَحْيَى بنُ أَيّوبَ عن ابنِ الهَادِ قَالَ: سَأَلَنِي نَافِعُ بنُ جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ فَقَالَ لِي: في كَمْ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ فَقُلْتُ مَا أُحَزّبُهُ، فَقَالَ لِي نافِعٌ: لاَ تَقُلْ مَا أُحَزّبُهُ فإِنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "قَرَأْتُ جُزْءًا مِنَ الْقُرْآنِ" قَالَ حَسِبْتُ أَنّهُ ذَكَرَهُ عن المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَة.
1390 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا قُرّانُ بنُ تَمّامٍ ح وَحَدّثنا عَبْدُ الله بنُ سَعِيدٍ أخبَرَنَا أَبُو خالِدٍ وَهَذَا لَفْظُهُ عنْ عبد الله بنِ عبد الرحمن بنِ يَعْلَى عنْ عُثْمَانَ بنِ عبد الله بنِ أَوْسٍ عنْ جَدّهِ قَالَ عبد الله بنُ سَعِيدٍ في حَدِيثِهِ أَوْسُ بنُ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَدِمْنَا عَلَى
__________
باب تحزيب القرآن
"في كم": أي في كم مدة "فقلت ما": نافية "أحزبه": بتشديد الزاء المعجمة، والحزب ما يجعل على نفسه من قراءة أو صلاة كالورد. والحزب النوبة في ورود الماء وتحزيب القرآن تجزيته واتخاذ كل جزء حزباً له. كذا في الفتح الودود "لا تقل ما أحزبه": أي لا تنكر من التحزيب واتخاذ كل جزء حزباً له "قرأت جزءاً" : وهو المعنى من الحزب "أنه" : أي نافع ابن جبير "ذكره": أي الحديث "عن المغيرة بن شعبة": فيكون الحديث متصلا. والحديث سكت عنه المنذري.
"أبو خالد": هو الأحمر "وهذا لفظه": أي لفظ عبد الله بن سعيد الكندي الكوفي "عن عبد الله بن عبد الرحمَن": أي قران بن تمام وأبو خالد الأحمر كلاهما يرويان عن عبد الله "أوس ابن حذيفة": قال ابن مندة: وممن نزل الطائف من الصحابة أوس بن حذيفة الثقفي كان في ثقيف روى عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال ابن عبد البر: هو جد عثمان بن عبد الله وكان في الوفد الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني مالك فأنزلهم في قبة بين المسجد وبين أهله. قال ابن معين: إسناد هذا الحديث صالح وحديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث ليس بالقائم في تحزيب القرآن

(4/188)


رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في وَفْدِ ثَقِيفٍ قَالَ فَنَزَلَتِ الأحْلاَفُ عَلَى المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ وَأَنْزَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بَني مَالِكٍ في قُبّةٍ لَهُ. قَالَ مُسَدّدٌ: وَكَانَ في الْوَفْدِ الّذَينَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم منْ ثَقيفٍ. قَالَ كَانَ كلّ لَيْلَةٍ يأْتِينَا بَعْدَ الْعِشَاءِ يُحَدّثُنَا. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: قائِماً عَلَى رِجْلَيْهِ حَتى يُرَاوِحَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ وَأَكْثَرُ مَا يُحَدّثُنَا ما لَقِيَ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ قُرَيْشٍ ثُم يَقُولُ لاَ سَوَاءَ[لا أنسى] كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ مُسْتَذَلّينَ. قال مُسَدّدٌ: بِمكّةَ فَلَمّا خَرَجْنَا إِلَى المَدِينَةِ كَانَتْ سِجالُ الحَرْبِ بَيْنَمَا وَبَيْنَهُمْ نُدالُ عَلَيْهُمْ وَيُدَالُونَ عَلَيْنَا، فَلَمّا كَانَتْ لَيْلَةً أَبْطَأَ عِنْدَ الْوَقْتِ الّذِي كَانَ يَأْتِينَا فِيهِ، فَقُلْنَا لَقَدْ أَبْطَأْتَ عَنّا
__________
انتهى. كذا في أسد الغابة "فنزلت الأحلاف": جمع حليف ولفظ أبي داوود الطيالسي فنزل الأحلافيون على المغيرة بن شعبة. قال في المصباح: الحليف المعاهد يقال منه تحالفا إذا تحالفا وتعاقدا على أن يكون أمرهما واحداً في النصرة والحماية انتهى "كان": أي أوس بن حذيفة "قال": أي أوس بن حذيفة "كان": رسول الله صلى الله عليه وسلم "قال أبو سعيد": هو عبد الله بن سعيد كنيته "حتى يراوح": أي يعتمد على إحدى الرجلين مرة وعلى الأخرى مرة للاستراحة. قال الخطابي: هو أنه يطول قيام الإنسان حتى يعين فيعتمد على إحدى رجليه مرة على رجله الأخرى مرة. وقال في النهاية: أي يعتمد على إحداهما مرة وعلى الأخرى مرة ليواصل الراحة إلى كل منهما "وأكثرها يحدثنا ما": موصوله "لقي": وهو الأذى "من قومه من قريش": بدل من قومه. ولفظ الطيالسي وكان أكثر ما يحدثنا اشتكا قريش "لا سواء": هكذا في أكثر النسخ. قال الطيبي: أي لا نحن سواء فحذف المبتدأ وجعلت لا عوضاً عن المحذوف وهذا قول سيبويه والمعنى حالنا الآن غير ما كانت عليه قبل الهجرة انتهى. وقال السندي: أي ما كان بيننا وبينهم مساواة بل أنهم كانوا أولا أعز ثم أذلهم الله تعالى انتهى وفي بعض نسخ الكتاب لا أنسى، وهكذا في نسختين من المنذري والمعنى لا أنسى أذيتهم وعداوتهم معنا "فلما خرجنا إلى المدينة": ولفظ الطيالسي "فلما قدمنا المدينة انتصفنا من القوم فكانت سجال الحرب لنا وعلينا" "كانت سجال الحرب": أي ذنوبها. قال الخطابي: وهي جمع سجل وهي الدلو الكبيرة وقد يكون السجال مصدر ساجلت الرجل مساجلة وسجالا وهو أن يستقي الرجلان من بئر أو ركية فينزع هذا سجلا وهذا سجلا يتناوبان السقي بينهما انتهى "ندال عليهم": أي مرة تكون لنا عليهم دولة وغلبة ولهم علينا دولة فهو تفسير قوله سجال الحرب بيننا وبينهم "فلما كانت ليلة أبطأ": أي تأخر صلى الله عليه وسلم ولفظ الطيالسي: "واحتبس عنا ليلة عن الوقت الذي كان يأتينا فيه"

(4/189)


اللّيْلَةَ. قالَ إِنّهُ[إني] طَرَأَ عَلَيّ جُزْئِي[حزبي] مِنَ الْقُرْآنِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَجِيءَ حتّى أُتِمّهُ.
قالَ أَوْسٌ: سَأَلْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم كَيْفَ تُحَزّبُونَ الْقُرآنَ؟ قَالُوا ثَلاَثٌ وَخَمْسٌ وَسَبْعٌ وَتِسْعٌ وَإِحْدَى عَشْرَةَ وَثَلاَثَ عَشْرَةَ وَحِزْبُ المُفَصّلِ وَحْدَهُ.
قال أَبُو دَاوُد: وَحَدِيثُ أبي سَعِيدٍ أَتَم.
1391 - حدثنا مُحمّدُ بنُ المِنْهَالِ أخبَرَنَا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ أخبرنا سَعِيدٌ عنْ قَتَادَةَ عن أبي الْعَلاَءِ يَزِيدَ بنِ عبد الله بنِ الشّخّيْرِ عنْ عبد الله يَعْنِي ابنَ عَمْرٍو قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَفْقَهُ منْ قَرَأَ الْقُرآنَ فِي أَقَلّ مِنْ ثَلاَثٍ" .
1392 - حدثنا نُوحُ بنُ حَبِيبٍ أخبرنا عَبْدُ الرّزَاقٍ أنبأنا مَعْمَرٌ عنْ سِمَاكِ بنِ الْفَضْلِ عنْ وَهْبِ بن مُنَبّهٍ عنْ عبد الله بنِ عَمْرِو: أَنّهُ سَأَلَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم في كَمْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قالَ: "فِي أَرْبَعِينَ يَوْماً" ثمّ قالَ: "في شَهْرٍ"، ثمّ قالَ: "في عِشْرِينَ"، ثمّ قالَ: "في
__________
"طرأ عليّ جزئي": هكذا في بعض النسخ، وفي بعض النسخ حزبي. قال الخطابي: يريد كأنه أغفله عن وقته ثم ذكره فقرأه. وأصله من قولك طرأ عليك الرجل إذا خرج عليك فجاءة طروا فهو طار. وفي النهاية أي ورد وأقبل يقال طرأ يطرأ مهموزاً إذا جاء مفاجأة كأنه فجأة الوقت الذي كان يؤدي فيه ورده من القراءة انتهى "كيف تحزبون القرآن": وكيف تجعلونه المنازل. والحزب هو ما يجعله الرجل على نفسه من قراءة "قالوا ثلاث": أي البقرة وآل عمران والنساء فهذه السور الثلاثة منزل واحد من سبع منازل القرآن "وخمس": من المائدة إلى البراءة "وسبع": من يونس إلى النحل "وتسع": من بني إسرائيل إلى الفرقان "وإحدى عشرة": من الشعراء إلى يس "وثلاث عشرة": من الصافات إلى الحجرات "وحزب المفصل وحده": من قاف إلى آخر القرآن. فعلم من هذا أن في عصر الصحابة كان ترتيب القرآن مشهوراً على هذا النمط المعروف الآن. قال المنذري: والحديث أخرجه ابن ماجة.
"لا يفقه" : بفتح القاف. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وقال الترمذي حسن صحيح.
"في كم يقرأ" : أي في كم مدة. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وقال الترمذي: حسن غريب وذكر أن بعضهم رواه مرسلا.

(4/190)


خَمْسَ عَشْرَةَ"، ثُمّ قالَ: "في عَشْرٍ"، ثُمّ قالَ: "في سَبْعٍ لَمْ يَنْزِلْ منْ سَبْعٍ".
1393 - حدثنا عَبّادُ بنُ مُوسَى أخبرنا إِسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ إِسْرَائِيلَ عنْ أبي إِسْحَاقَ عنْ عَلْقَمَةَ و الأَسْوَدِ قالا أَتَى ابنَ مَسْعُودٍ رَجُلٌ فَقَالَ إِنّي أَقْرَأُ المُفَصّلَ فِي رَكْعَةٍ فَقَالَ: أَهَذّا كَهَذّ الشّعْرِ وَنَثْراً كَنَثْرِ الدّقَلِ؟ لَكِنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقْرَأُ النّظَائِرَ السّورَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ النّجْمَ وَالرّحْمَنَ[الرحمن والنجم] فِي رَكْعَةٍ، وَاقْتَرَبَتْ وَالْحَاقّةَ فِي رَكْعَةٍ، وَالطّورَ وَالذّارِيَاتِ في رَكْعَةٍ، وَإِذَا وَقَعَتْ وَنُونَ في ركْعَةٍ، وَسَأَلَ سَائِلٌ وَالنّازِعَاتِ في رَكْعَةٍ، وَوَيْلٌ لِلْمُطفّفِينَ وَعَبَسَ في رَكْعَةٍ، والمُدّثّرَ وَالمُزّمّلَ في رَكْعَةٍ، وَهَلْ أَتَى وَلاَ أُقْسِمُ بَيَوْمِ الْقِيَامَةِ في رَكْعَةٍ، وَعَمّ يَتَسَاءَلُونَ والمُرْسَلاَتِ فِي ركْعَة، وَالدّخَانَ وَإِذَا الشّمْسُ كُوّرَتْ في ركْعَةٍ.
قال أَبُو دَاوُد: هَذَا تَأْلِيفُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَحِمَهُ الله.
1394 - حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ عنْ إِبراهِيمَ عنْ عبد الرحمن بنِ يَزَيدَ قالَ: سَأَلْتُ أَبَا مَسْعُودٍ وَهُوَ يَطُوفُ بالْبَيْتِ، فَقَالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ قَرَأَ الآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ في لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ".
__________
"فقال أهذّا كهذ الشعر" قال الخطابي: الهذ سرعة القراءة وإنما عاب ذلك عليه لأنه إذا أسرع القرآن ولم يرتل فاته فهم القرآن وإدراك معانيه انتهى. وفي النهاية: أراد أتهذّ القرآن هذّا فتسرع فيه كما تسرع في قراءة الشعر، والهذ سرعة القطع ونصبه على المصدر "ونثراً كنثر الدقل" : أي كما يتساقط الرطب اليابس من العذق إذ هُزّ. والدقل ردي التمر ويابسه وما ليس له اسم خاص فتراه ليبسه ورداءته لا يجتمع ويكون منثوراً. قال في النهاية "كان يقرأ النظائر" : هي السور المتقاربة في الطول. قال القاضي: هذا صحيح موافق لرواية عائشة وابن عباس أن قيام النبي صلى الله عليه وسلم كان إحدى عشرة ركعة بالوتر وأن هذا كان قدر قراءته غالباً وأن تطويله الوارد إنما كان في التدبر والترتيل وما ورد من غير ذلك في قراءته البقرة والنساء وآل عمران كان في نادر من الأوقات. قاله النووي. قال المنذري: وقد أخرج مسلم في صحيحه في ذكر الهذ والنظائر من حديث أبي وائل شقيق ابن سلمة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه "هذا تأليف ابن مسعود": فبهذا الترتيب كانت السور في مصحفه.
"كفتاه" : أي من قيام الليل، وقيل من الشيطان، وقيل من الآفات، ويحتمل من الجميع،

(4/191)


1395 - حدثنا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ أنبأنا عَمْرُو أَنّ أَبَا سَوِيّةَ حَدّثَهُ أَنّهُ سَمِعَ ابنَ حُجَيْرَةَ يُخْبرُ عنْ عبد الله بنِ عَمْرِو بنِ الْعَاصِ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ قَامَ بِعَشْرِ آيَاتٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنْ الْغَافِلِينَ، وَمَنْ قامَ بِمَائَةِ آيةٍ كُتِبَ مِنَ الْقَانِتينَ، وَمَنْ قامَ بِأَلْفِ آيةٍ كُتِبَ مِن المُقَنْطِرِينَ".
قَالَ أبُو دَاوُدَ: ابنُ حُجَيْرَةَ الأصْغَرُ عَبْدُ الله بنُ عبد الرحمن بنُ حُجَيْرَة.
1396 - حدثنا يَحْيَى بنُ مُوسَى الْبَلْخِيّ وَهَارُونُ بنُ عبد الله قالا أخبرنا عَبْدُ الله بنُ يَزِيدَ أخبرنا سَعِيدُ بنُ أَبي أَيّوبَ حَدّثَني عيّاشُ بنُ عَبّاسٍ الْقِتْبَانِيّ عنْ عيسَى بنِ هِلاَلٍ الصّدَفِيّ عنْ عبد الله بنِ عَمْرٍو قالَ: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: أَقْرِئْنِي يَا رَسُولَ الله فَقالَ[قال]: "اقْرَأْ ثَلاَثاً مِنْ ذَوَاتِ الرّاءِ" فَقال: كَبِرَتْ سِنّي، وَاشْتَدّ قَلْبِي، وَغَلُظ لِسَانِي قالَ: "فاْقَرأْ ثَلاَثاً مِنْ ذَوَاتِ حَم"، فَقَالَ: مِثْلَ مَقَالَتِهِ، فَقَالَ:
__________
قال في النهاية: أي أغنتاه عن قيام الليل وقيل أراد أنهما أقل ما يجزىء من القراءة في قيام الليل وقيل تكفيان السوء وتقيان من المكروه قال السيوطي. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة.
"من القانتين" : يرد بمعان متعددة كالطاعة والخشوع والصلاة والدعاء والعبادة والقيام والسكوت فيصرف في كل واحد من هذه المعاني إلى ما يحتمله لفظ الحديث الوارد فيه، كذا في النهاية، والمراد ههنا القيام في الليل "كتب من المقنطرين" : بكسر الطاء من المالكين مالاً كثيراً، والمراد كثرة الأجر وقيل أي ممن أعطى من الأجر أي أجراً عظيماً قاله السندي. والحديث سكت عنه المنذري "ابن حجيرة الأصغر عبد الله": وأما ابن حجيرة الأكبر فهو أبوه عبد الرحمن بن حجيرة القاضي وكلاهما مشهوران بابن حجيرة، لكن عبد الله بابن حجيرة الأصغر وعبد الرحمن بابن حجيرة الأكبر والله أعلم.
"فقال أقرئني" : بفتح الهمزة وكسر الراء أي علمني "فقال اقرأ ثلاثاً" : أي ثلاث سور "من ذوات الراء" : بالمد والهمزة قال الطيبي أي من السور التي صدرت بالراء "فقال كبرت" : بضم الباء وتكسر "سني" : أي كثر عمري "واشتد قلبي" : أي غلب عليه قلة الحفظ وكثرة النسيان "وغلط لساني" : أي ثقل بحيث لم يطاوعني في تعلم القرآن ولا تعلم السور الطوال "قال" : أي فإن كنت لا تستطيع قراءتهن "فاقرأ ثلاثاً من ذوات حم" : فإن أقصر ذوات حَم أقصر من أقصر ذوات الراء

(4/192)


"اقْرَأْ ثَلاَثاً مِنَ المُسَبّحَاتِ"، فَقَالَ: مِثْلَ مَقَالَتِهِ، فَقَالَ الرّجُلُ: يَا رَسُولَ الله أَقْرئْني سُورَةً جَامِعَةً، فَأَقْرَأَهُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ حَتّى فَرَغَ مِنْهَا. فَقَالَ الرّجُلُ: وَالّذِي بَعَثَكَ بالحَقّ لا أَزِيدُ عَلَيْهَا أَبَداً ثُمّ أَدْبَرَ الرّجُلُ، فَقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "أَفلَحَ الرّوَيْجِلُ مَرّتَيْنِ".
__________
"من المسبحات" : أي ما في أوله سبح ويسبح "فأقرأه النبي صلى الله عليه وسلم إذا زلزلت الأرض حتى فرغ منها" : أي النبي صلى الله عليه وسلم أو الرجل قال الطيبي: كأنه طلبه لما يحصل به الفلاح إذا عمل به فلذلك قال سورة جامعة، وفي هذه السورة آية زائدة لا مزيد عليها {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ} ولأجل هذا الجمع الذي لا حد له قال صلى الله عليه وسلم حين سئل عن الحمر الأهلية لم ينزل علي فيها شيء إلا هذه الجامعة الفاذة {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} قال الطيبي: وبيان ذلك أنها وردت لبيان الاستقصاء في عرض الأعمال والجزاء عليها كقوله تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} "لا أزيد عليه أبداً" : أي على العمل بما دل عليه ما أقرأتنيه من فعل الخير وترك الشر، ولعل القصد بالحلف تأكيد العزم لا سيما بحضوره صلى الله عليه وسلم الذي بمنزلة المبايعة والعهد "ثم أدبر" : أي ولى دبره وذهب "أفلح" : أي فاز بالمطلوب "الرويجل" : قال الطيبي: تصغير تعظيم لبعد غوره وقوة إدراكه وهو تصغير شاذ إذ قياسه رجيل، ويحتمل أن يكون تصغير راجل بالألف بمعنى الماشي "مرتين" : إما للتأكيد أو مرة للدنيا ومرة للأخرى، وقيل لشدة إعجابه عليه الصلاة والسلام منه قاله علي القاري. قال المنذري: وأخرجه النسائي والله أعلم.

(4/193)


324 - باب في عدد الآي
1397 - حدثنا عَمْرُو بنُ مَرْزُوقٍ أنبأنا شُعْبَةُ أنبأنا قَتَادَةُ عن عَبّاسٍ الْجُشَمِيّ عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "سُورَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ ثَلاَثُونَ آيَةً تَشْفَعُ لِصَاحِبِهَا حتّى غُفِرَ لَهُ: تَبَارَكَ الّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ".
__________
باب في عدد الآي
"ثلاثون آية" : خبر مبتدأ محذوف أي هي ثلاثون والجملة صفة لها قاله الطيبي. قال في المرقاة: والأظهر أن قوله ثلاثون الخبر الأول وتشفع الخبر الثاني. وقد استدل بهذا الحديث من قال البسملة ليست من السورة وآية تامة منها لأن كونها ثلاثين آية إنما يصح على تقدير كونها آية تامة منها والحال أنها ثلاثون من غير كونها آية تامة، فهي إما ليست بآية منها كمذهب أبي حنيفة

(4/193)


..............................
__________
ومالك والأكثرين، وإما ليست بآية تامة بل هي جزء من الآية الأولى كرواية في مذهب الشافعي "تشفع لصاحبها" : أي لمن يقرؤها في القبر أو يوم القيامة. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي حسن. هذا آخر كلامه. وقد ذكره البخاري في التاريخ الكبير من رواية عباس الجشمي عن أبي هريرة كما أخرجه أبو داوود ومن ذكر معه وقال لم يذكر سماعاً من أبي هريرة أن عباس الجشمي روى هذا الحديث عن أبي هريرة لم يذكر فيه أنه سمعه من أبي هريرة.

(4/194)


باب تفريغ أبواب السجود وكم سجدة في القرآن [تفريغ أبواب سجود القرآن وكم فيه من سجدة]
1398 - حدثنا مُحمّدُ بنُ عَبْدِ الرّحِيمِ بنِ الْبَرَقِيّ أخبرنا ابنُ أبي مَرْيَمَ أنبأنا نافِعُ بنُ يَزِيدَ عن الْحَارِثِ بنِ سَعِيدٍ الْعُتَقِيّ عن عبد الله بنِ مُنَيْنٍ - مِنْ بَنِي عَبْدِ كُلاَلٍ - عن عَمْرِو بنِ الْعَاصِ: أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أَقْرَأَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً في الْقُرْآنِ مِنْهَا ثَلاَثٌ في المُفَصّلِ وَفي سُورَةِ الْحَجّ سَجْدَتَانِ[سجدتين] . قال أَبُو دَاوُد: رُوِي عن أبي الدّرْدَاءِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم إِحْدَى عَشْرَةَ سَجْدَةً، وَإِسْنَادُهُ وَاهٍ[واهي].
1399 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ عَمْرِو بنِ السّرْحِ أنبأنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني ابنُ لَهِيعَةَ أَنّ مِشْرَحَ ابنَ هَاعَانَ أَبَا المُصْعَبِ حَدّثَهُ أَنّ عُقْبَةَ بنَ عَامِرٍ حَدّثَهُ قال: قُلْتُ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم: يَا رسولَ الله في سُورَةِ الْحَجّ سَجْدَتانِ؟ قال: "نَعَمْ وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُما فَلاَ يَقْرَأْهُما".
__________
باب تفريغ أبواب السجود وكم سجدة في القرآن
"العتقي": على وزن زفر نسبة إلى العتقاء وهم كثيرون "اقرأه": أي عمرا "خمس عشرة سجدة" : قال الطيبي أي حمله أن يجمع في قراءته خمس عشرة سجدة "في القرآن" : في النهاية إذا قرأ الرجل القرآن أو الحديث على الشيخ يقول أقرأني فلان أي حملني على أن أقرأ عليه "منها ثلاث في المفصل" : وهي النجم وانشقت وقد علم محالها، وبهذا الحديث قال أحمد وابن المبارك. وأخرج الشافعي سجدة ص، وأبو حنيفة الثانية من الحج، وأخرج مالك المفصل "وإسناده واه": أي ضعيف قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه. وحديث أبي الدرداء هذا الذي أشار إليه أبو داوود وأخرجه الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي غريب.
"ومن لم يسجدها فلا يقرأها" : قال في السبل: وفي الحديث رد على أبي حنيفة وغيره

(4/195)


__________
ممن قال أنه ليس في سورة الحج إلا سجدة واحدة في الأخيرة منها. وفي قوله ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما تأكيد لشرعية السجود فيها، ومن قال بإيجابه فهو من أدلته، ومن قال ليس بواجب قال لما ترك السنة وهو سجود التلاوة بفعل المندوب وهو القرآن كان الأليق الاعتناء بالسنون وأن لا يتركه فإذا تركه فالأحسن له أن لا يقرأ السورة. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال هذا حديث إسناده ليس بالقوي. هذا آخر كلامه. وفي إسناده عبد الله بن لهيعة ومشرح بن هاعان ولا يحتج بحديثهما والله أعلم انتهى. وفي المرقاة قال ميرك لكن الحديث صحيح أخرجه الحاكم في مستدركه من غير طريقهما وأقره الذهبي على تصحيحه انتهى.

(4/196)


325 - باب من لم ير السجود في المفصّل
1400 - حدثنا مُحمّدُ بنُ رَافِعٍ أخبرنا أَزْهَرُ بنُ الْقَاسِمِ. قالَ مُحمّدٌ رَأَيْتُهُ بِمَكّةَ أخبرنا أَبُو قُدَامَةَ عن مَطَرٍ الْوَرّاقِ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لَمْ يَسْجُدْ في شَيْءٍ مِنَ المُفَصّلِ مُنْذُ تَحَوّلَ إِلَى المَدِينَةِ.
1401 - حدثنا هَنّادُ بنُ السّرِيّ أخبرنا وَكِيعٌ عن ابنِ أبي ذِئْبٍ عن يَزِيدَ بنِ
__________
باب من لم ير السجود في المفصّل
"قال محمد": بن رافع "رأيته": أي هذا الشيخ وهو أزهر بن القاسم "لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة" : قال التوربشتي: هذا الحديث إن صح لم يلزم منه حجة لما صح عن أبي هريرة قال: "سجدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في إذا السماء انشقت، وفي اقرأ باسم ربك" وأبو هريرة متأخر. قال ابن الملك: ولأن كثيراً من الصحابة يروونها فيه، فالإثبات أولى بالقبول. قال النووي: هذا حديث ضعيف الإسناد ومع كونه ضعيفاً مناف للمثبت المقدم عليه، فإن إسلام أبي هريرة سنة سبع وقد ذكر أنه سجد مع النبي صلى الله عليه وسلم في الانشقاق واقرأ وهما من المفصل، على أن الترك يحتمل أن يكون لسبب من الأسباب قال المنذري: في إسناده
__________
قال شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وقال الإمام أحمد أبو قدامة مضطرب الحديث وقال يحيى بن معين ضعيف وقال النسائي: صدوق عنده مناكير. وقال البستي كان شيخا صالحا ممن كثر وهمه وعلله ابن القطان بمطر الوراق وقال كان يشبه في سوء الحفظ محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى وقد عيب على مسلم إخراج حديثه وضعف عبدالحق هذا الحديث.

(4/196)


عبد الله بنِ قُسَيْطٍ عن عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ عن زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ قال: قَرَأَتُ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم النّجْمَ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا.
1402 - حدثنا ابنُ السّرْحِ أنبأنا ابنُ وَهْبٍ أخبرنا أَبُو صَخْرٍ عن ابنِ قُسَيْطٍ عن خَارِجَةَ ابنِ زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ عن أبِيهِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِمَعْنَاهُ.
قال أَبُو دَاوُد: كَانَ زَيْدٌ اْلإِمَامَ فلَمْ يَسْجُدْ فيهَا.
__________
أبو قدامة واسمه الحارث بن عبيد أيادي بصري لا يحتج بحديثه، وقد صح أن أبا هريرة رضي الله عنه سجد مع النبي صلى الله عليه وسلم في إذا السماء انشقت وفي اقرأ باسم ربك على ما سيأتي، وأبو هريرة إنما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة السابعة من الهجرة.
"فلم يسجد فيها" : قال في النيل الحديث احتج به من قال أن المفصل لا يشرع فيه سجود التلاوة وهم المالكية والشافعي في أحد قوليه واحتج به أيضاً من خص سورة النجم بعدم السجود وهو أبو ثور، وأجيب عن ذلك بأن تركه صلى الله عليه وسلم للسجود في هذه الحالة لا يدل على تركه مطلقاً لاحتمال أن يكون السبب في الترك إذ ذاك إما لكونه كان بلا وضوء، أو لكون الوقت كان وقت كراهة، أو لكون القارىء لم يسجد، أو كان الترك لبيان الجواز. قال في الفتح. وهذا أرجح الاحتمالات، وبه جزم الشافعي. وقد روى البخاري من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس" وروى البزار والدارقطني عن أبي هريرة أنه قال أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في سورة النجم وسجدنا معه . قال في الفتح ورجاله ثقات. وروى ابن مردويه بإسناد حسنه الحافظ عن أبي هريرة أنه سجد في خاتمة النجم فسئل عن ذلك فقال أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم سجد فيها، وقد تقدم أن أبا هريرة إنما أسلم سنة سبع من الهجرة. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.
"قال أبو داوود كان زيد الإمام فلم يسجد فيها": يريد أن القارىء إمام للسامع فيجوز أن زيداً ترك السجود فتركها النبي صلى الله عليه وسلم اتباعاً لزيد والله أعلم.

(4/197)


326 - باب من رأى فيها سجودا
1403 - حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ أخبرنا شُعْبَةُ عن أبي إِسْحَاقَ عن الأَسْوَدِ عن عَبْدِ الله: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَرَأَ سُورَةَ النّجْمِ فَسَجَدَ بِهَا[فيها] وَمَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنَ الْقَوْمِ
__________
باب من رأى فيها سجودا
"قرأ سورة النجم فسجد بها" : وفي نسخة فسجد فيها أي لما فرغ من قراءتها "وما بقي

(4/197)


إِلاّ سَجَدَ، فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ كَفّا مِنْ حَصَا أَوْ تُرَابٍ فَرَفَعَهُ إِلَى وَجْهِه وَقال: يَكْفِينِي هَذَا. قال عَبْدُ الله: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ قُتِلَ كَافِراً.
__________
أحد من القوم" : الذين اطلع عليهم عبد الله بن مسعود "إلا سجد" : معه عليه الصلاة والسلام. وقال النووي: أي من كان حاضراً قراءته من المسلمين والمشركين والجن والإنس قاله ابن عباس حتى شاع أن أهل مكة أسلموا "فأخذ رجل من القوم" : الحاضرين هو أمية ابن خلف "كفاً من حصا" : أي حجارة صغار "أو تراب" : شك من الراوي "يكفيني هذا" : كان المقصود من السجود التواضع والانقياد والمذلة بين يدي رب العباد ووضع أشرف الأعضاء في أخس الأشياء رجوعاً إلى أصله من الغناء، وهذا لما في رأسه من توهم الكبرياء وعدم وصوله إلى مقام الأصفياء "قال عبد الله " : أي ابن مسعود "بعد ذلك" : أي بعد هذه القصة "قتل" : أي يوم بدر "كافراً" : قال الطيبي: فيه أن من سجد مع النبي صلى الله عليه وسلم من المشركين قد أسلموا والحديث فيه مشروعية السجود لمن حضر عند القارىء للآية التي فيها السجدة. قال القاضي عياض: وكان سبب سجودهم فيما قال ابن مسعود أنها أول سجدة نزلت، وأما ما يرويه الإخباريون والمفسرون أن سبب ذلك ما جرى على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الثناء على آلهة المشركين في سورة النجم فباطل لا يصح فيه شيء لا من جهة العقل ولا من جهة النقل كذا في شرح مسلم للنووي. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم وأخرجه النسائي مختصراً. وهذا الرجل هو أمية بن خلف، وقيل هو الوليد بن المغيرة، وقيل هو عبيد بن ربيعة، وقيل إنه أبو أحيحة سعيد بن العاص، والأول أصح وهو الذي ذكره البخاري.

(4/198)


327 - باب السجود في إذا السماء انشقت واقرأ
1404 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا سُفْيَانُ عن أَيّوبَ بنِ مُوسَى عن عَطَاءِ بنِ مِينَاءَ عن أَبي هُرَيْرَةَ قال: سَجَدْنَا معَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في إذَا السّمَاءُ انْشَقّتْ وَاقْرَأْ بِاسْمِ رَبّكَ الّذِي خَلَقَ.
__________
باب السجود في إذا السماء انشقت واقرأ
"عن أبي هريرة قال سجدنا" : قال في السبل: والحديث دليل على مشروعية سجود التلاوة، وقد أجمع على ذلك العلماء. وإنما اختلفوا في الوجوب، وفي مواضع السجود، فالجمهور على أنه سنة، وقال أبو حنيفة واجب غير فرض، ثم هو سنة في حق التالي،

(4/198)


قال أَبُو دَاوُد: أَسْلَمَ أَبُو هُرَيْرةَ سَنَةَ سِتَ عَامَ خَيْبَرَ، وَهَذَا السّجُودُ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم آخِرَ فِعْلِهِ.
1405 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا المُعْتَمِرُ قال سَمِعْتُ أَبِي قال أخبرنا بَكْرٌ عن أبي رَافِعٍ قال: صَلّيْتُ مع أَبي هُرَيْرَةَ الْعَتَمَةَ فَقَرَأَ إِذَا السّماءُ انْشَقّتْ فَقُلْتُ: مَا هَذِهِ السّجْدَةُ؟ قال: سَجَدْتُ بِهَا خَلْفَ أَبي الْقَاسِمِ فَلاَ أَزَالُ أَسْجُدُ بهَا حَتّى أَلْقَاهُ.
__________
والمستمع إن سجد التالي، وقيل وإن لم يسجد، وأما مواضع السجود فقال الشافعي: يسجد فيما عدا المفصل فيكون أحد عشر موضعاً وقالت الحنفية في أربعة عشر محلا، إلا أن الحنيفة لا يعدون في الحج إلا سجدة واعتبروا بسجدة سورة ص. وقال أحمد وجماعة: يسجد في خمسة عشر موضعاً عدّوا سجدتي الحج وسجدة ص، واختلفوا أيضاً هل يشترط فيها ما يشترط في الصلاة من الطهارة وغيرها، فاشترط ذلك جماعة، وقال قوم لا يشترط، وقال البخاري: كان ابن عمر يسجد على غير وضوء. وفي مسند ابن أبي شبية: كان ابن عمر ينزل عن راحلته فيهريق الماء ثم يركب فيقرأ السجدة فيسجد وما يتوضأ ووافقه الشعبي على ذلك. وروى عن ابن عمر أنه قال: لا يسجد الرجل، إلا وهو طاهر، وجمع بين قوله وفعله على الطهارة من الحدث الأكبر. وهذا الحديث دل على السجود للتلاوة في المفصل. انتهى. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة.
"قال أبو داوود أسلم أبو هريرة": هذه العبارة ليست في أكثر النسخ. وكذا ليست في مختصر المنذري.
"فقلت ما هذه السجدة" : هو استفهام إنكار، وبذلك تمسك من رأى ترك السجود للتلاوة في الصلاة ومن رأى تركه في المفصل، ويجاب عن ذلك بأن أبا رافع وكذا أبو سلمة كما عند البخاري لم ينكروا على أبي هريرة بعد أن أعلمهما بالسنة في هذه المسألة ولا احتجا عليه بالعمل على خلاف ذلك. قال ابن عبد البر: وأيّ عمل يدعى مع مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين بعده. والحديث يدل على مشروعية سجود التلاوة في الصلاة، لأن ظاهر السياق أن سجوده صلى الله عليه وآله وسلم كان في الصلاة. وفي الفتح أن في رواية أبي الأشعث عن معمر التصريح بأن سجود النبي صلى الله عليه وسلم فيها كان داخل الصلاة، وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء ولم يفرقوا بين صلاة الفريضة والنافلة. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.

(4/199)


328 - باب السجود في ص
1406 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا وُهَيْبٌ أخبرنا أَيّوبُ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: لَيْسَ ص مِنْ عَزَائِمِ السّجُودِ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَسْجُدُ فيهَا.
1407 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالحٍ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني عَمْرٌو - يَعْني ابنَ الْحَارِثِ - عن ابنِ أبي هِلاَلٍ عن عِيَاضِ بنِ عبد الله بنِ سَعْدِ بنِ أبي سَرْحٍ عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ أَنّهُ قال: قَرَأَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ ص، فَلَمّا بَلَغَ السّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النّاسُ مَعَهُ، فَلمّا كَانَ يَوْمٌ آخَرُ قَرَأَهَا، فَلمّا بَلَغَ السّجْدَةَ تَشَزّنَ النّاسُ لِلسّجُودِ فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنّمَا هِيَ تَوْبَةُ نَبِيَ وَلَكِنّي رَأَيْتُكُمْ تَشَزّنْتُمْ لِلسّجُودِ"، فَنَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدُوا.
__________
باب السجود في ص
"ليس ص من عزائم السجود" قال في الفتح: والمراد بالعزائم ما وردت العزيمة على فعله كصيغة الأمر مثلا بناء على أن بعض المندوبات آكد من بعض عند من لا يقول بالوجوب، وقد ورد أنه قال صلى الله عليه وسلم "سجدها داوود توبة وسجدنا شكراً" وقد روى ابن المنذر وغيره عن علي بن أبي طالب بإسناد حسن أن العزائم حم والنجم واقرأ وألم تنزيل، وكذا ثبت عن ابن عباس في الثلاثة الأخر، وقيل الأعراف وسبحان وحم وألم أخرجه ابن أبي شيبة. قال المنذري: وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي.
"تشزّن الناس" : بفتح الشين المعجمة والزاء المشددة والنون. قال الخطابي: معناه استوفروا وتأهبوا له وتهيؤوا وأصله من الشزن وهو القلق يقال: بات فلان على شزن إذا بات قلقاً ينقلب من جنب إلى جنب انتهى وتقدم الكلام في مذاهب العلماء "إنما توبة نبي" : أي داوود عليه السلام كما في قوله تعالى: {فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ} "تشزنتم" : أي تأهبتم وتهيأتم. والحديث سكت عنه المنذري.

(4/200)


329 - باب في الرجل يسمع السجدة وهو راكب أو في غير صلاة
1408 - حدثنا مُحمّدُ بنُ عُثْمانَ الدّمَشْقِيّ أَبُو الْجُماهِرِ أخبرنا عبد العزيز - يَعْني ابنَ مُحمّدِ - عن مُصْعَبِ بنِ ثَابِتِ بنِ عبد الله بنِ الزّبَيْرِ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَرَأَ عَامَ الْفَتْحِ سَجْدَةً فَسَجَدَ النّاسُ كُلّهُمْ مِنْهُمْ الرّاكِبُ وَالسّاجِدُ في الأَرْضِ حَتّى إِنّ الرّاكِبَ لَيَسْجُدُ[يسجد] عَلَى يَدِهِ .
1409 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ ح. وأخبرنا أَحْمَدُ بنُ أَبي شُعَيْبٍ الْحَرّانِيّ أخبرنا ابنُ نُمَيْرٍ المَعْنَى عن عبيد الله عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ قال: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ عَلَيْنَا السّورَةَ. قال ابنُ نُمَيْرٍ: في غَيْرِ الصّلاَةِ - ثُم اتّفَقَا - فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ مَعَهُ حَتّى لا يَجِدُ أَحَدُنَا مكَاناً لِمَوْضِعِ جَبْهَتِهِ.
__________
باب في الرجل يسمع السجدة وهو راكب أو في غير صلاة
"قرأ عام الفتح" : أي فتح مكة "سجدة" : أي آية سجدة بانضمام ما قبلها أو بعدها أو منفردة لبيان الجواز "في الأرض" : متعلق بالساجد. ولما كان الراكب لا يسجد على الأرض جعل غير الساجد عليها قسيما له، ففيه إيماء إلى أن الراكب لا يلزمه النزول للسجود بالأرض "حتى إن الراكب" : بكسر إن وتفتح "يسجد على يده" : أي الموضوعة على السرج أو غيره ليجد الحجم حالة السجدة قال ابن الملك: وهذا يدل على أن من يسجد على يده يصح إذا أنحى عنقه عند أبي حنيفة لا عند الشافعي. قال ابن همام: إذا تلا راكباً أو مريضاً لا يقدر على السجود أجزأه الإيماء انتهى. والحديث أخرجه الحاكم وصححه. وأقره الذهبي. كذا في المرقاة. قال المنذري: في إسناده مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير وقد ضعفه غير واحد من الأئمة.
"المعنى": أي واحد وكلاهما أي يحيى بن سعيد وابن نمير يرويان عن عبيد الله "ثم اتفقا" : أي يحيى بن سعيد وابن نمير "لا يجد أحدنا مكاناً" : لكثرة الزحام واختلاط الناس. وروى البيهقي بإسناد صحيح عن عمر رضي الله عنه قال: "إذا اشتد الزحام فليسجد أحدكم على ظهر أخيه" . أي ولو بغير إذنه، مع أن الأمر فيه يسير، ولا بد من إمكانه مع القدرة على رعاية هيئة الساجد بأن يكون على مرتفع والمسجود عليه في منخفض، وبه قال أحمد والكوفيون. وقال مالك: يمسك فإذا رفعوا سجد، وإذا قلنا بجواز السجود في الفرض فهو أجوز في سجود القرآن

(4/201)


1410 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ الْفُرَاتِ أَبُو مَسْعُودٍ الرّازِيّ أنبأنا عَبْدُ الرّزّاقِ أنبأنا عبد الله بنُ عُمَرَ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ قال: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ عَلَيْنَا الْقُرْآنَ فَإِذَا مَرّ بالسّجْدَةِ كَبّرَ وَسَجَدَ وَسَجَدْنَا مَعَهُ. قال عَبْدُ الرّزّاق: كَانَ الثّوْرِيّ يُعْجِبُهُ هَذَا الْحَدِيثُ.
قال أَبُو دَاوُد: يُعْجِبُهُ لأَنّهُ كَبّرَ.
__________
لأنه سنة وذاك فرض، قاله القسطلاني. قال النووي: إذا سجد المستمع لقراءة غيره وهما في غير صلاة لم ترتبط به. بل له أن يرفع قبله وله أن يطول السجود بعده، وله أن يسجد وإن لم يسجد القارىء سواء كان القارىء متطهراً أو محدثاً أو امرأة أو صبياً أو غيرهم قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم.
"إذا مر بالسجدة كبر وسجد وسجدنا" : قال الخطابي: فيه من الفقه أن المستمع للقرآن إذا قرىء بحضرته السجدة سجد مع القارىء. وقال مالك والشافعي: إذا لم يكن قعد لاستماع القرآن فإن شاء سجد وإن شاء لم يسجد. وفيه أن السنة أن يكبر للسجدة وعلى هذا مذهب أكثر أهل العلم وكذلك يكبر إذا رفع رأسه. وكان الشافعي وأحمد يقولان يرفع يديه إذا أراد أن يسجد. وعن عطاء وابن سيرين إذا رفع رأسه من السجود سلم، وبه قال إسحاق بن راهويه، واحتج لهم في ذلك بقوله عليه السلام: "تحريمها التكبير وتحليلها التسليم" وكان أحمد لا يرى التسليم في هذا. قال المنذري: في إسناده عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب. وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة، وأخرج له مسلم مقروناً بأخيه عبيد الله بن عمر رضي الله عنهم "لأنه كبر" : أي لأنه فيه ذكر التكبير، وما جاء ذكر التكبير في سجود التلاوة إلا في هذا الحديث. وأخرجه الحاكم من رواية العمري أيضاً، لكن وقع عنده مصغراً، والمصغر ثقة. ولهذا قال على شرط الشيخين. قال الحافظ: وأصله في الصحيحين من حديث ابن عمر بلفظ آخر.

(4/202)


330 - باب ما يقول إذا سجد
1411 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ أخبَرَنَا خَالِدٌ الْحَذّاءُ عن رَجُلٍ عن أبي الْعَالِيَةِ عن عَائِشَةَ قالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يقُولُ في سُجُودِ الْقُرْآنِ باللّيْلِ، يقُولُ في السّجْدَةِ مِراراً: "سَجَدَ وَجْهِي لِلّذِي خَلَقَهُ وَشَقّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوّتِهِ".
__________
باب ما يقول إذا سجد
"سجد وجهي" : بفتح الياء وسكونها والنسبة مجازية، أو المراد بالوجه الذات "للذي خلقه

(4/202)


__________
وشق سمعه وبصره" : تخصيص بعد تعميم أي فتحهما وأعطاهما الإدراك، وأثبت لهما الإمداد بعد الإيجاد "بحوله" : أي بصرفه الآفات عنهما "وقوته" : أي قدرته بالثبات والإعانة عليهما.
وهذا الحديث أخرجه الدارقطني والحاكم والبيهقي وصححه ابن السكن وقال في آخره ثلاثاً، وزاد الحاكم: "فتبارك الله أحسن الخالقين" وزاد البيهقي: وصوره بعد قوله خلقه . ولمسلم نحوه من حديث علي في سجود الصلاة، وللنسائي أيضاً نحوه من حديث جابر في سجود الصلاة أيضاً، والحديث يدل على مشروعية الذكر في سجود التلاوة بما اشتمل عليه. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وقال الترمذي حديث صحيح.
فائدة: ليس في أحاديث سجود التلاوة ما يدل على اعتبار أن يكون الساجد متوضئاً، وقد كان يسجد معه صلى الله عليه وسلم من حضر تلاوته ولم ينقل أنه أمر أحداً منهم بالوضوء، ويبعد أن يكونوا جميعاً متوضئين.
وقد روى البخاري عن ابن عمر أنه كان يسجد على غير وضوء. قال في الفتح: لم يوافق ابن عمر أحد على جواز السجود بلا وضوء إلا الشعبي أخرجه ابن أبي شيبة عنه بسند صحيح.
وأخرج أيضاً عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه كان يقرأ السجدة ثم يسجد وهو على غير وضوء وتقدم فيه بعض الكلام والله أعلم.

(4/203)


331 - باب فيمن يقرأ السجدة بعد الصبح
1412 - حدثنا عَبْدُ الله بنُ الصّبّاحِ الْعَطّارُ أخبرنا أَبُو بَحْرٍ أخبرنا ثَابِتُ بنُ عُمَارَةَ أخبرنا أَبُو تَمِيمَةَ الْهُجْيْمِيّ قال: لَمّا بَعَثْنَا الرّكْبَ[الراكب] قال أَبُو دَاوُد: يَعْني إِلَى المَدِينَةِ. قال: كُنْتُ أَقُصّ بَعَدَ صَلاَةِ الصّبْحِ فأَسْجُدُ فيهَا، فَنَهَانِي ابنُ عُمَرَ فَلَمْ أَنْتَهِ ثَلاَثَ مَرّاتٍ[مرار] ثُمّ عَادَ فَقَال: إِنّي صَلّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَمَعَ أَبي بَكْرٍ
__________
باب فيمن يقرأ السجدة بعد الصبح
"الركب" أي جماعة من الركبان "كنت أقص" : أي كنت أعظ الناس وأذكرهم فأقرأ سورة من القرآن فيها السجدة، ومنه الحديث: "لا يقص إلا أمير أو مأمور أو محتال" أي لا ينبغي ذلك إلا لأمير يعظ الناس ويخبرهم بما مضى ليعتبروا أو مأمور بذلك فيكون حكمه حكم الأمير ولا يقص تكسباً كذا في النهاية "فنهاني ابن عمر" : عن سجدة التلاوة بعد صلاة الصبح وقبل طلوع الشمس "فلم أنته" : عن هذا الفعل بل كنت أفعلها "ثلاث مرات" : ظرف فنهاني أي نهاني ثلاث

(4/203)


وَعُمَرَ وَعُثْمانُ فَلَمْ يَسْجُدُوا حتّى تَطْلُعَ الشّمْسُ.
__________
مرار "ثم عاد" : ابن عمر للمنع في المرة الرابعة بقوله "فقال" : ابن عمر "حتى تطلع الشمس" قال الشوكاني: روي عن بعض الصحابة أنه يكره سجود التلاوة في الأوقات المكروهة، والظاهر عدم الكراهة، لأن السجود المذكور ليس بصلاة والأحاديث الواردة بالنهي مختصة بالصلاة انتهى. قال المنذري: في إسناده أبو بحر البكراوي عبد الرحمن بن عثمان بن أمية ولا يحتج بحديثه.

(4/204)


تفريع أبواب الوتر
332 - باب استحباب الوتر
1413 - حدثنا إِبراهِيمُ بنُ مُوسَى أنبأنا عِيسَى عن زَكَرِيّا عن أبي إِسْحَاقَ عن عَاصِمٍ عن عَلِيَ قال قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ أَوْتِرُوا فإِنّ الله وِتْرٌ يُحِبّ الْوِتْرَ".
1414 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا أَبُو حَفْصٍ الأَبّارُ عن الأَعمَشِ عن عَمْرِو بنِ مُرّةَ عن أبي عُبَيْدَةَ عن عبد الله عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِمَعْنَاهُ. زَادَ: فَقَالَ أَعْر