Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود

كتاب الزكاة
مدخل
...
كتاب الزكاة
1553 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ الثّقَفِيّ أخبرنا اللّيْثُ عن عُقَيْلٍ عن الزّهْرِيّ أخبرني عبيد الله بنُ عبد الله بنِ عُتْبَةَ عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: لَمّا تُوُفّيَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ قَالَ عُمَرُ بنُ الْخَطّابِ لأبي بَكْرٍ: كَيْفَ تُقَاتِلُ النّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاّ الله، فَمَنْ قالَ لاَ إِلَهَ إِلاّ الله عَصَمَ مِنّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلاّ بِحَقّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى الله؟
__________
كتاب الزكاة
اختلف في أول وقت فرض الزكاة، فذهب الأكثر إلى أنه وقع بعد الهجرة فقيل كان في السنة الثانية قبل فرض رمضان كما قاله النووي في الروضة، وجزم ابن الأثير في التاريخ بأن ذلك كان في التاسعة. قال الحافظ: وفيه نظر فقد ثبت في حديث ضمام بن ثعلبة الذي أخرجه البخاري وغيره وفي حديث وفد عبد القيس وفي عدة أحاديث ذكر الزكاة. وأطال الكلام في ذلك الحافظ في الفتح.
"لما توفي" : على بناء المفعول أي مات "واستخلف أبو بكر": بصيغة المفعول على الصحيح أي جعله خليفة "بعده": أي بعد وفاته صلى الله عليه وسلم "وكفر من كفر": أي منع الزكاة وعامل معاملة من كفر أو ارتد لإنكاره افتراض الزكاة "من العرب": قال الطيبي: يريد غطفان وفزارة وبني سليم وغيرهم منعوا الزكاة فأراد أبو بكر أن يقاتلهم فاعترض عمر رضي الله عنه بقوله الآتي وقال "كيف تقاتل الناس": أي الذي يمنع الزكاة من المسلمين وأهل الإيمان "أن أقاتل الناس" : المراد به المشركون وأهل الأوثان "فمن قال لا إلَه إلا الله" : يعني كلمة التوحيد وهي لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم للإجماع على أنه لا يعقد الإسلام بتلك وحدها "عصم" : بفتح الصاد أي حفظ ومنع "مني" : أي من تعرضي أنا ومن اتبعني "إلا بحقه" : أي بحق الإسلام. قال الطيبي: أي

(4/290)


فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَالله لأَقاتِلَنّ مَنْ فَرّقَ بَيْنَ الصّلاَةِ وَالزّكَاةِ، فَإِنّ الزّكَاةَ حَقّ المَالِ وَالله لَوْ مَنَعُونِي عِقَالاً كانُوا يُؤَدّونَهُ إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ. فَقَالَ عُمَرُ بنُ الْخَطّابِ: فَوَالله مَا هُوَ إِلاّ أَنْ رَأَيْتُ الله قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أبي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، قالَ فَعَرَفْتُ أَنّهُ الْحَقّ.
__________
لا يحل لأحد أن يتعرض لماله ونفسه بوجه من الوجوه إلا بحقه أي بحق هذا القول أو بحق أحد المذكورين "حسابه" : أي جزاؤه ومحاسبته "على الله" : بأنه مخلص أم لا، قال الطيبي: يعني من قال لا إله إلا الله وأظهر الإسلام نترك مقاتلته ولا نفتش باطنه هل هو مخلص أم منافق فإن ذلك مفوض إلى الله تعالى وحسابه عليه "فقال أبو بكر": جواباً وتأكيداً "من فرّق": بالتشديد والتخفيف أي من قال بوجوب الصلاة دون الزكاة "فإن الزكاة حق المال": كما أن الصلاة حق النفس. قاله الطيبي. وقال غيره: يعني الحق المذكور في قوله إلا بحقه أعم من المال وغيره. قال الطيبي: كأن عمر حمل قوله بحقه على غير الزكاة فلذلك صح استدلاله بالحديث، فأجاب أبو بكر بأنه شامل للزكاة أيضاً، أو توهم عمر أن القتال للكفر فأجاب بأنه لمنع الزكاة لا للكفر، ولذلك رجع عمر إلى أبي بكر وعلم أن فعله موافق للحديث وأنه قد وفق به من الله تعالى "عقالا": بكسر العين الحبل الذي يعقل به البعير وليس من الصدقة فلا يحل له القتال، فقيل أراد المبالغة بأنهم لو منعوا من الصدقة ما يساوي هذا القدر يحل قتالهم فكيف إذا منعوا الزكاة كلها. وقيل قد يطلق العقال على صدقة عام وهو المراد هاهنا كما سيجيء بيانه. وفي رواية أخرى عناقاً مكان عقالا "فوالله ما هو": أي الشأن أو سبب رجوعي إلى رأي أبي بكر رضي الله عنه "إلا أن رأيت": أي علمت وأيقنت "شرح": أي فتح ووسع وليّن "للقتال": معناه علمت أنه جازم بالقتال لما ألقى الله سبحانه وتعالى في قلبه من الطمأنينة لذلك واستصوابه ذلك "فعرفت أنه": أي رأى أبي بكر أو القتال "الحق": أي بما أظهر من الدليل وإقامة الحجة فعرفت بذلك أن ما ذهب إليه أنه الحق. قال الخطابي: إنه صلى الله عليه وسلم جعل آخر كلامه عند وفاته قوله "الصلاة وما ملكت أيمانكم" ليعقل أن فرض الزكاة قائم كفرض الصلاة، وأن القائم بالصلاة هو القائم بأخذ الزكاة، ولذلك قال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة. استدلالا بهذا مع سائر ما عقل من أنواع الأدلة على وجوبها.
وفي هذا الحديث حجة لمن ذهب إلى أن الكفار مخاطبون بالصلاة والزكاة وسائر العبادات وذلك لأنهم إذا كانوا مقاتلين على الصلاة والزكاة فقد عقل أنهم مخاطبون بها. وفيه دليل على أن الردة لا تسقط عن المرتد الزكاة الواجبة في أمواله انتهى كلامه. قال المنذري:

(4/291)


[قال أبو داود: قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: العقال صدقة سنة والعقالان صدقة سنتين].
قال أَبُو دَاوُد: رَواهُ رَبَاحُ بنُ زَيْدٍ و[رواه] عبد الرزاق عنْ مَعْمَرٍ عنِ الزّهْرِيّ بِإِسْنَادِهِ.
قالَ بَعْضُهُمْ: عِقَالاً، ورَوَاهُ ابنُ وَهْبٍ عنْ يُونُسَ قَالَ عَنَاقاً.
__________
وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي "قال أبو عبيدة": من قوله قال أبو داوود إلى قوله سنتين وجد في نسخه واحدة. قال النووي: اختلف العلماء قديماً وحديثاً فيها، فذهب جماعة منهم إلى أن المراد بالعقال زكاة عام وهو معروف في اللغة بذلك، وهو قول الكسائي والنضر بن شميل وأبي عبيد والمبرد وغيرهم من أهل اللغة وهو قول جماعة من الفقهاء واحتج هؤلاء على أن العقال يطلق على زكاة العام بقول عمرو بن العداء:
سعى عقالا فلم يترك لنا سيدا ... فكيف لو قد سعى عمرو عقالين
أراد مدة عقال فنصبه على الظرف، وعمرو هذا الساعي هو عمرو بن عقبة بن أبي سفيان ولاه عمه معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه صدقات كلب فقال فيه قائلهم ذلك. قالوا ولأن العقال الذي هو الحبل الذي يعقل به البعير لا يجب دفعه في الزكاة فلا يجوز القتال عليه فلا يصح حمل الحديث عليه. وذهب كثيرون من المحققين إلى أن المراد بالعقال الحبل الذي يعقل به البعير، وهذا القول يحكى عن مالك وابن أبي ذئب وغيرهما وهو اختيار صاحب التحرير وجماعة من حذاق المتأخرين انتهى.
"قال أبو داوود رواه رباح بن زيد": القرشي "وعبد الرزاق عن معمر عن الزهري": بن شهاب "بإسناده": أي بإسناد الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة، لكن رواية معمر في سنن النسائي والدارقطني من غير هذه الطريق، فلفظ النسائي حدثنا محمد بن بشار حدثنا عمرو بن عاصم حدثنا عمران أبو العوام القطان حدثنا معمر عن الزهري عن أنس قال: "لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم" الحديث. قال أبو عبد الرحمن النسائي: عمران القطان ليس بالقوي في الحديث. وهذا الحديث خطأ والذي قبله الصواب حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة وكذا قال الترمذي "قال بعضهم عقالا": يشبه أن يكون المعنى والله أعلم أن بعض شيوخ الزهري قال عقالا، فالزهري روى عن بعض شيوخه عقالا وروى أيضاً بلفظ

(4/292)


قال أَبُو دَاوُد: وقالَ شُعَيْبُ بنُ أبي حَمْزَةَ ومَعْمَرُ الزّبَيْدِيّ عن الزّهْرِيّ فِي هَذا الْحَدِيثِ قال: لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقاً. وَرَوَى عَنْبَسَةُ عنْ يُونُسَ عن الزّهْرِيّ فِي هذا الْحَدِيثِ قَالَ عَنَاقاً.
1554 - حدثنا ابْنُ السّرْحِ وَسُلَيْمانُ بنُ دَاوُدَ قالا أنبأنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني يُونُسُ عن الزّهْرِيّ هَذَا الْحَدِيثَ. قالَ قالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنّ حَقّهُ أَدَاءُ الزّكَاةِ وَقَالَ عِقَالاً.
__________
آخر، ففي رواية رباح بن زيد وعبد الرزاق كلاهما عن معمر قال الزهري هكذا، وأما في رواية أبي اليمان الحكم بن نافع عن شعيب بن أبي حمزة عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة فقال الزهري عناقاً وهي عند البخاري في الزكاة، وكذا في رواية يحيى ابن بكير عن الليث عن عقيل عن الزهري عن عبيد الله عن أبي هريرة بلفظ عناقاً، وهي عند البخاري في استتابة المرتدين وهكذا روى عثمان بن سعيد والوليد وبقية كلهم عن شعيب بن أبي حمزة عن الزهري عن عبيد الله عن أبي هريرة إلا الوليد فإنه روى عن شعيب عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة بلفظ عناقاً، وهذه الروايات عند النسائي في كتاب المحاربة وتحريم الدم وكتاب الجهاد. وأما قتيبة بن سعيد فروى عن الليث عن عقيل عن الزهري بالسند المذكور بلفظ عقالا، وهي عند مسلم والترمذي في كتاب الأيمان، وعند أبي داوود والنسائي في كتاب الزكاة. وأما عند البخاري في الاعتصام فعن قتيبة بهذا الإسناد بلفظ لو منعوني كذا وكذا ليس فيه ذكر العقال ولا العناق. قال البخاري: وقال لي ابن بكير وعبد الله عن الليث عن عقيل عناقاً وهو أصح، ورواه الناس عناقاً وعقالاً ههنا لا يجوز انتهى "ورواه ابن وهب": هو عبد الله "عن يونس": بن يزيد الأيلي عن الزهري "عناقا": كما روى عن الزهري جماعة "و": كذا "قال شعيب بن أبي حمزة ومعمر والزبيدي عن الزهري": بإسناده "عناقا": فرواية شعيب أخرجها البخاري في الزكاة وأيضاً النسائي كما تقدمت، ورواية الزبيدي أخرجها النسائي في الجهاد من طريق كثير بن عبيد عن محمد بن حرب عن الزبيدي عن الزهري عن عبيد الله عن أبي هريرة "و": كذا "روى": وفي بعض النسخ رواه "عنبسة عن يونس عن الزهري": بإسناده إلى أبي هريرة "عناقاً": بفتح العين وبالنون وهي الأنثى من ولد المعز لم تبلغ سنة، فإما هو على المبالغة أو مبنى على أن من عنده أربعين سخلة تجب عليه واحدة منها وأن حول الأمهات حول النتاج ولا يستأنف لها حول قاله السندي، ويجيء بيانه مفصلا من كلام الخطابي والنووي. والحاصل أنه روى يونس وشعيب ومعمر والزبيدي كلهم عن الزهري عناقاً، وأما

(4/293)


..............................
__________
يونس فاختلف عليه، قال عنبسة عن يونس عناقاً، وقال ابن وهب عن يونس عقالا، ومرة قال ابن وهب عناقاً كما قال الجماعة.
واعلم أن هذا الحديث رواه الزهري عن ثلاثة شيوخ: عبيد الله بن عبد الله وسعيد بن المسيب وأنس، فحديث عبيد الله بن عبد الله أخرجه الأئمة الستة في كتبهم غير ابن ماجه وحديث سعيد بن المسيب عند النسائي وحديث أنس عند النسائي أيضاً وقال هو خطأ ثم روى عن الزهري ثمانية أنفس شعيب بن أبي حمزة وعقيل ومعمر وعبد الرحمن بن خالد والزبيدي وسفيان بن عيينة وسفيان بن الحسين ويونس وكلهم قالوا عن الزهري عناقاً غير يونس فإنه قال مرة عناقا ومرة قال عقالا. وأما عقيل فروى عنه الليث بن سعد وروى عن الليث اثنان يحيى بن بكير وقتيبة بن سعيد فيحيى بن بكير قال عناقا كما قال الجماعة، وقتيبة بن سعيد مرة قال عقالا ومرة قال لو منعوني كذا وكذا. فيعلم عند التعمق أن أكثر الروات قالوا عناقا أما عقالا فما قال غير يونس في طبقة رواه الزهري، وأما من بعدهم فما قال غير قتيبة، ولذا قال الإمام البخاري في صحيحه قال لي ابن بكير وعبد الله عن الليث عن عقيل عناقا وهو أصح، ورواه الناس عناقا، وعقالا ههنا لا يجوز انتهى. والأمر كما قال البخاري رضي الله عنه.
وقال النووي: هكذا في صحيح مسلم عقالا وكذا في بعض روايات البخاري وفي بعضها عناقاً وكلاهما صحيح، وهو محمول على أنه كرر الكلام مرتين فقال في مرة عقالا وفي الأخرى عناقا فروي اللفظان، فأما رواية العناق فهي محمولة على ما إذا كانت الغنم صغاراً كلها بأن ماتت أمهاتها في بعض الحول فإذا حال حول الأمهات زكي السخال الصغار بحول الأمهات سواء بقي من الأمهات شيء أم لا. هذا هو الصحيح المشهور. وقال أبو القاسم الأنماطي. لا تزكى الأولاد بحول الأمهات إلى أن يبقى من الأمهات نصاب. وقال بعض الشافعية: إلا أن يبقى من الأمهات شيء، ويتصور ذلك أيضاً فيما إذا مات معظم الكبار وحدثت صغار فحال حول الكبار على بقيتها وعلى الصغار انتهى.
وقال الإمام الخطابي: وفي قوله لو منعوني عناقاً دليل على وجوب الصدقة في السخال والفصلان والعجاجيل وأن واحدة منها تجزىء عن الواجب في الأربعين منها إذا كانت كلها صغاراً ولا يكلف صاحبها مسنة. وفيه دليل على أن النتاج حول الأمهات ولو كان يستأنف بها الحول لم يوجد السبيل إلى أخذ العناق انتهى كلامه. كذا في غاية المقصود باختصار.

(4/294)


1 - باب ما تجب فيه الزكاة
1555 - حدثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ قَال: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ بن أنَسٍ عنْ عَمْرِو بنِ يَحْيَى المَازِنِيّ عنْ أبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ يَقُولُ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ".
__________
باب ما تجب فيه الزكاة
"سمعت أبا سعيد" قال الخطابي: حديث أبي سعيد أصل في بيان مقادير ما يحتمل من الأموال المواساة وإيجاب الصدقة فيها وإسقاطها عن القليل الذي لا يحتملها لئلا يجحف بأرباب الأموال ولا يبخس الفقراء حقوقهم. وجعلت هذه المقادير أصولا وأنصبة إذا بلغتها أنواع هذه الأموال وجب فيها الحق "ليس فيما دون خمس ذود" : الذود بإعجام الأول وإهمال آخره قال الخطابي: هو اسم لعدد من الإبل غير كثير ويقال ما بين الثلاث إلى العشر ولا واحد له من لفظه وإنما يقال للواحد بعير كما قيل للواحدة من النساء امرأة. وقال أبو عبيد: الذود من الإناث دون الذكور قال في النهاية: والحديث عام لأن من ملك خمساً من الإبل وجبت عليه الزكاة ذكوراً كانت أو إناثاً. وروى بالإضافة وروى بتنوين خمس فيكون ذود بدلا عنها، لكن الرواية المشهورة هي الأولى "خمس أواق" : كجوار جمع أوقية بضم الهمزة وتشديد الياء، ويقال لها الوقية بحذف الألف وفتح الواو وهي أربعون درهماً وخسمة أواق مائتا درهم "خمسة أوسق" : جمع وسق بفتح الواو وكسرها، والوسق ستون صاعاً والصاع أربعة أمداد والمد رطل وثلث. قال الداوودي: معياره الذي لا يختلف أربع حفنات وبكفي الرجل ليس بعظيم الكفين ولا صغيرهما. قال صاحب القاموس: جربت ذلك فوجدته صحيحاً. قال الخطابي: وقد يستدل بهذا الحديث من يرى أن الصدقة لا تجب في شيء من الخضراوات لأنه يزعم أنها لا توسق، ودليل الخبر أن الزكاة إنما تجب فيما يوسق ويكال من الحبوب والثمار دون مالا يكال من الفواكه والخضراوات ونحوها وعليه عامة أهل العلم. قال: وقد اختلف الناس فيما زاد من الورق على مائتي درهم فقال أكثر أهل العلم يخرج عما زاد على المائتي درهم بحسابه ربع العشر، قلت الزيادة أو كثرت. وروي ذلك عن علي وابن عمر، وبه قال النخعي والثوري وابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وهو قول مالك والشافعي وأحمد وأبي عبيد، وروى عن الحسن وعطاء وطاووس والشعبي ومكحول والزهري أنهم قالوا لا شيء في الزيادة حتى

(4/295)


1556 - حدثنا أَيّوبُ بنُ مُحمّدِ الرّقّيّ أخبرنا مُحمّدُ بنُ عُبَيْدٍ أخبرنا إِدْرِيسُ بنُ يَزِيدَ الأوْدِيّ عن عَمْرِو بن مُرّةَ الْجَمَلِيّ عن أبي الْبَخْتَرِيّ الطّائِيّ عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ - يَرْفَعُهُ إِلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم - قال: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسَاقٍ[أوسق] زَكَاةٌ، وَالْوَسْقُ سِتّونَ مَخْتُوماً".
قَالَ أبُو دَاوُدَ: أَبُو الْبَخْتَرِيّ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أبي سَعِيدٍ.
1557 - حدثنا مُحمّدُ بنُ قُدَامَةَ بنِ أَعْيَنَ أخبرنا جَرِيرٌ عن المُغِيرَةِ[مغيرة] عن إِبراهِيمَ قَالَ: الْوَسْقُ سِتّونَ صَاعاً مَخْتُوماً بالْحَجّاجِيّ.
1558 - حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ حدثني[حدثنا] مُحمّدُ بنُ عبد الله الأنْصَارِيّ أخبرنا صُرَدُ بنُ أبي المَنَازِلِ سَمِعْتُ حَبيباً المالِكِيّ قالَ قالَ رَجُلٌ لِعِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ: يَا أَبَا نُجَيْدٍ إِنّكُمْ لَتُحَدِثُونّا[لتحدثوننا] بِأَحَادِيثَ مَا نَجِدُ لَهَا أَصْلاً في الْقُرْآنِ، فَغَضِبَ عِمْرانُ وَقَالَ لِلرّجُلِ أَوَجَدْتُمْ في كلّ أَرْبَعِينَ دِرْهَماً دِرْهَمٌ[درهما]، وَمِنْ كلّ كَذَا وَكَذَا شَاةً شَاةٌ، وَمنَ كَذَا وكَذَا بَعِيراً كَذَا وَكَذَا. أَوَجَدْتُمْ هَذَا فِي الْقُرْآنِ؟ قَالَ لاَ. قَالَ فَعَمّنْ أَخَذْتُمْ هَذَا؟ أَخَذْتُمُوهُ عَنّا وَأَخَذْنَاهُ عنْ نَبِيّ الله صلى الله عليه وسلم، وَذَكَرَ أَشْيَاءَ نَحْوَ هَذَا.
__________
تبلغ أربعين درهماً، وبه قال أبو حنيفة انتهى كلامه."الجملي": بفتح الجيم والميم منسوب إلى جمل بن كنانة. قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه مختصراً "ستون مختوماً ": أي ستون صاعاً، وكان الصاع معلماً بعلامة فلذلك سماه مختوماً "أبو البختري": بفتح الموحدة والمثناة بينهما معجمة ساكنة اسمه سعيد بن فيروز."مختوماً بالحجاجي": أي مختوماً بعلامة الحجاج وهي ستون صاعاً وكل صاع أربعة أمداد وكل مد رطل وثلث عند الحجازيين، وهو قول الشافعي وعامة العلماء، وتقدم بيانه في الطهارة. قال المنذري: أخرجه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجة. "فغضب عمران" : بن حصين، وغرضه أنه إن وجدنا في القرآن مسألة فحسبنا، وإن لم أجد في القرآن أنظر إلى السنة فنأخذ منها، فكم من المسائل ليس ذكرها في القرآن، وإنما أخذناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مثل عمران للسائل "وقال" : عمران "للرجل" : السائل "أوجدتم" : في القرآن "في كل أربعين درهماً" : منصوب على التميز "درهماً" : مفعول وجدتم "وذكر أشياء نحو هذا" : لإثبات مدعاه.

(4/296)


2 - باب العروض إذا كانت للتجارة هل فيها زكاة
1559 - حدثنا مُحمّدُ بنُ دَاوُدَ بنُ سُفْيَانَ أخبرَنا يَحْيَى بنُ حَسّانَ أخبرنا سُلَيْمانُ بنُ مُوسَى أَبُو دَاوُدَ أخبرنا جَعْفَرُ بنُ سَعْدٍ بنِ سَمُرَةَ بنُ جُنْدُبٍ حَدّثَني خَبَيْبُ بنُ سُلَيْمانَ عن أبِيهِ سُلَيْمانَ[عن أبيه سليمان] عن سَمُرَةَ بن جُنْدُبٍ قال: أَمّا بَعْدُ، فَإِنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الصّدَقَةَ مِنَ الّذِي نُعِدّ لِلْبَيْعِ.
__________
باب العروض الخ
جمع عرض بسكون الراء مثل فلس وفلوس هو المتاع. قالوا: والدرهم والدنانير عين وما سواهما عرض. وقال أبو عبيد: العروض الأمتعة التي لا يدخلها كيل ولا وزن ولا تكون حيواناً ولا عقاراً، كذا في المصباح. "من الذي" : أي من المال الذي "نعد" : أي نهيئه "للبيع" : أي للتجارة، وخص لأنه الأغلب. قال الطيبي: وفيه دليل على أن ما ينوى به القنية لا زكاة فيه انتهى. والحديث سكت عنه أبو داوود ثم المنذري. وقال ابن عبد البر إسناده حسن. وقال عبد الحق في أحكامه: خبيب هذا ليس بمشهور ولا نعلم روى عنه إلا جعفر بن سعد وليس جعفر ممن يعتمد عليه. قال ابن القطان في كتابه متعقباً على عبد الحق فذكر في كتاب الجهاد حديث من كتم مالا فهو مثله وسكت عنه من رواية جعفر بن سعد هذا عن خبيب بن سليمان عن أبيه فهو منه تصحيح. وقال الشيخ تقي الدين في الإمام وسليمان بن سمرة بن جندب لو يعرف ابن أبي حاتم بحاله وذكر أنه روى عنه ربيعة وابنه خبيب انتهى. ورواه الدارقطني في سننه والطبراني في معجمه. وأخرج الدارقطني والحاكم عن أبي ذر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "في الإبل صدقتها وفي الغنم صدقتها وفي البقر صدقتها وفي البز صدقته" الحديث. والبز بالباء الموحدة والزاي المعجمة ما يبيعه البزازون. كذا ضبطه الدارقطني والبيهقي. والحديث صححه الحاكم وتكلم فيه غيره. وقال النووي: ومن الناس من صحفه بضم الباء وبالزاي المهملة وهو غلط انتهى. وأخرج الشافعي وأحمد وعبد الرزاق والدارقطني عن أبي عمرو بن حماس عن أبيه أنه قال كنت أبيع الأدم فمر بي عمر بن الخطاب فقال لي: أد صدقة مالك، فقلت يا أمير المؤمنين إنما هو في الأدم، فقال قومه ثم أخرج صدقته. وروى البيهقي عن ابن عمر قال: ليس في العروض زكاة إلا ما كان للتجارة. وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر وعروة بن الزبير وسعيد بن المسيب والقاسم أنهم قالوا بذلك. وقال في سبل السلام: والحديث دليل على وجوب الزكاة في مال التجارة. واستدل للوجوب أيضاً بقوله تعالى {أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} الآية قال مجاهد: نزلت في التجارة. قال ابن المنذر: الإجماع قائم

(4/297)


__________
على وجوب الزكاة في مال التجارة. وممن قال بوجوبها الفقهاء السبعة. قال لكن لا يكفر جاحدها للاختلاف فيها.

(4/298)


3 - باب الكنز ما هو؟ وزكاة الحلي
1560 - حدثنا أَبُو كَامِلٍ وَحُمَيدُ بنُ مَسْعَدَةَ المَعْنَى أَنّ خَالِدَ بنَ الْحَارِثِ حَدّثَهُمْ أخبرنا حُسَيْنٌ عن عَمْرِو بن شُعَيْبٍ عن أبِيهِ عن جَدّهِ: أَنّ امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم وَمَعَهَا ابْنَةٌ[بنت] لَهَا، وَفي يَدِ ابْنَتِهَا مَسَكَتَانِ غَلِيظَتَانِ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ لَهَا: "أَتُعْطِينَ زَكَاةَ هَذَا؟" قَالَتْ لاَ. قَالَ: "أَيَسُرّكِ أَنْ يُسَوّرَكِ الله بِهِمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ سِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ؟" قَالَ: فَخَلَعَتْهُمَا فأَلْقَتْهُمَا إِلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وَقَالَتْ: هُمَا لله وَلِرَسُولِهِ".
1561 - حدثنا مُحمّدُ بنُ عِيسَى أخبرنا عَتّابٌ يَعْنِي ابنَ بَشِيرٍ عنْ ثَابِتٍ بن عَجْلاَنَ عنْ عَطَاءٍ عن أُمّ سَلَمَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَلْبَسُ أَوْضَاحاً مِنْ ذَهَبٍ، فَقُلْتُ يَا رسولَ الله أكَنْزٌ هُوَ؟ فَقَالَ: "مَا بَلَغَ أَنْ تُؤَدّى زَكاتُهُ فَزُكيّ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ".
__________
باب الكنز ما هو؟ وزكاة الحلي
هذه الترجمة مشتملة على الأمرين، الأول في تعريف الكنز، والثاني في زكاة الحلي. "أن امرأة" : هي أسماء بنت يزيد بن السكن "مسكتان" : بفتح الميم وفتح السين المهملة الواحدة مسكة وهي الإسورة والخلاخيل "قال أيسرك" : قال الخطابي: إنما هو تأويل قوله تعالى {يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ} قال المنذري: وأخرجه الترمذي بنحوه، وقال لا يصح في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء. وأخرجه النسائي مسنداً ومرسلا وذكر أن المرسل أولى بالصواب انتهى كلامه. قال الزيلعي: قال ابن القطان في كتابه: إسناده صحيح. وقال المنذري: إسناده لا مقال فيه فإن أبا داوود رواه عن أبي كامل الجحدري وحميد بن مسعدة وهما من الثقات احتج بهما مسلم وخالد بن الحارث إمام فقيه احتج به البخاري ومسلم وكذلك حسين بن ذكوان المعلم احتجابه في الصحيح ووثقه ابن المديني وابن معين وأبو حاتم وعمرو بن شعيب فهو ممن قد علم وهذا إسناد تقوم به الحجة إن شاء الله تعالى. "كنت ألبس أوضاحاً" : بالضاد المعجمة والحاء المهملة جمع وضح. قال في النهاية: هي نوع من الحلى تعمل من الفضة سميت بها لبياضها واحدها وضح انتهى. وفي منتهى الإرب بالفارسية وضح بمعنى خلخال أي حلقة طلا ونقره كه درباي كنند وآنرا بفارسي اي برنجن نامند انتهى. "أكنز هو" : أي استعمال الحلي كنز من الكنوز الذي توعد على اقتنائه في القرآن أم

(4/298)


1562 - حدثنا مُحمّدُ بنُ إِدْرِيسَ[عمرو] الرّازِيّ أخبرنا عَمْرُو بنُ الرّبِيعِ بنِ طَارِقٍ أخبرنا يَحْيَى بنُ أَيّوبَ عنْ عبيد الله بنِ أبي جَعْفَرٍ أَنّ مُحمّدَ بنَ عَمْرِو بن عَطَاء أَخْبرَهُ عن عبد الله بنِ شَدّادٍ بنِ الْهَادِ أَنّهُ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ زَوْجِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: دَخَلَ عَلَيّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فَرَأَى فِي يَدَي فَتَخَاتٍ مِنْ وَرِقٍ، فَقَالَ: "مَا هذَا يَا عَائِشَةَ؟" فَقُلْتُ: صَنَعْتُهُنّ أَتَزَيّنُ لَكَ يَا رسولَ الله، قَالَ: "أَتُؤَدّينَ زَكَاتَهُنّ؟" قُلْتُ: لاَ، أوْ مَا شَاءَ الله، قالَ: "هُوَ حَسْبُكِ مِنَ النّارِ".
__________
لا "فقال ما بلغ" : أي الذي بلغ "أن تؤدى" : بصيغة المجهول "زكاته" : أي بلغ نصاباً "فزكي" : على صيغة المجهول قال المنذري: في إسناده عتاب بن بشير أبو الحسين الحراني وقد أخرج له البخاري وتكلم فيه غير واحد انتهى. وأخرجه الحاكم في المستدرك عن محمد بن المهاجر عن ثابت به وقال صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه ولفظه إذا أديت زكاته فليس بكنز. وكذلك رواه الدارقطني ثم البيهقي في سننهما. قال البيهقي تفرد به ثابت بن عجلان. قال في التنقيح: وهذا لا يضر فإن ثابت بن عجلان روى له البخاري ووثقه ابن معين والنسائي، وقول عبد الحق فيه لا يحتج به قول لم يقله غيره انتهى. وقال ابن دقيق العيد: وقول العقيلي في ثابت بن عجلان لا يتابع على حديثه تحامل منه انتهى وأخرج مالك في الموطأ عن عبد الله بن دينار أنه قال سمعت عبد الله بن عمر وهو يسأل عن الكنز ما هو فقال هو المال الذي لا تؤدى منه الزكاة انتهى أي فما أديت منه فليس بكنز، وعلى هذا التفسير جمهور العلماء وفقهاء الأمصار. وأخرج البيهقي عن ابن عمر مرفوعاً كل ما أديت زكاته وإن كانت تحت سبع أرضين فليس بكنز وكل مالا تؤدى زكاته فهو كنز وإن كان ظاهراً على وجه الأرض. قال البيهقي: ليس بمحفوظ والمشهور وقفه. قال ابن عبد البر: ويشهد له حديث أبي هريرة مرفوعاً إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك ، أخرجه الترمذي وقال حسن غريب، وصححه الحاكم. وقال ابن عبد البر: وفي سند حديث أم سلمة مقال. وقال الزين العراقي: سنده جيد. وروى ابن أبي شيبة عن ابن عباس ما أدي زكاته فليس بكنز وللحاكم عن جابر مرفوعاً: إذا أديت زكاة مالك فقد أذهبت عنك شره . ورواه عبد الرزاق موقوفاً، ورجحه أبو زرعة والبيهقي وغيرهما." فتخات من ورق" : أي الخواتيم الكبار كانت النساء يتختمن بها والواحدة فتخة. قال المنذري: ذكر البيهقي أن بعضهم زعم أن ذلك حين كان التحلي بالذهب حراماً على النساء فلما أبيح ذلك لهن سقطت منه الزكاة. قال البيهقي: وكيف يصح هذا القول مع حديث عائشة إن كان ذكر الورق فيه محفوظاً، غير أن رواية القاسم بن محمد وابن أبي مليكة عن عائشة في ترك إخراج الزكاة

(4/299)


000000000000000000000000
__________
من الحلي مع ما ثبت من مذهبها إخراج الزكاة عن أموال اليتامى يوقع ريبا في هذه الرواية المرفوعة، وهي لا تخالف النبي صلى الله عليه وسلم إلا فيما علمته منسوخاً انتهى.
والحديث أخرجه الحاكم في المستدرك عن محمد بن عمرو بن عطاء به. وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وأخرجه الدارقطني في سننه عن محمد بن عطاء فنسبه إلى جده دون أبيه ثم قال: ومحمد بن عطاء مجهول. قال البيهقي في المعرفة: هو محمد بن عمرو بن عطاء لكنه لما نسب إلى جده ظن الدارقطني أنه مجهول وليس كذلك انتهى. وتبع الدارقطني في تجهيل محمد بن عطاء عبد الحق في أحكامه، وتعقبه ابن القطان فقال:لما خفي على الدار قطني أمره جعله مجهولا وتبعه عبد الحق في ذلك، وإنما هو محمد بن عمرو بن عطاء أحد الثقاة، وقد جاء مبيناً عند أبي داوود بينه شيخه محمد بن إدريس الرازي، وهو أبو حاتم الرازي إمام الجرح والتعديل انتهى.
قال ابن دقيق العيد في الإمام ويحيى بن أيوب أخرج له مسلم وعبيد الله بن أبي جعفر من رجال الصحيحين، وكذلك عبد الله بن شداد والحديث على شرط مسلم انتهى. أخرج مالك في الموطأ عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كانت تلي بنات أخيها يتامى في حجرها لهن الحلي فلا تخرج من حليهن الزكاة.
وأخرج عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يحلي بناته وجواريه الذهب، ثم لا يخرج من حليهن الزكاة. وأخرج الدارقطني عن شريك عن علي بن سليمان قال: سألت أنس بن مالك عن الحلي فقال ليس فيه زكاة. وأخرج البيهقي من طريق عمرو بن دينار قال: سمعت ابن خالد يسأل جابر بن عبد الله عن الحلي أفيه زكاة. قال جابر لا، فقال وإن كان يبلغ ألف دينار فقال جابر: أكثر انتهي وأخرج الدارقطني عن هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر أنها كانت تحلي بناتها الذهب ولا تزكيه نحواً من خمسين ألف. قال صاحب التنقيح: قال الأثرم سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول خمسة من الصحابة كانوا لا يرون في الحلي زكاة أنس بن مالك وجابر وابن عمر وعائشة وأسماء انتهى.
قال الإمام الخطابي: واختلف الناس في وجوب الزكاة في الحلي، فروى عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وابن عباس أنهم أوجبوا فيه الزكاة، وهو قول ابن المسيب وسعيد بن جبير وعطاء وابن سيرين وجابر بن زيد ومجاهد والزهري، وإليه ذهب الثوري وأصحاب الرأي. وروي عن ابن عمر وجابر بن عبد الله وعائشة وعن القاسم بن محمد

(4/300)


1563 - حدثنا صَفْوانُ بنُ صَالِحٍ أخبرنا الْوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ أخبرنا سُفْيَانُ عنْ عُمَرَ بنِ يَعْلَى فَذَكَرَ الْحَدِيثَ نَحْوَ حَدِيثِ الخَاتَمِ. قِيلَ لِسفْيَانَ كَيْفَ تُزَكّيهِ؟ قَالَ تَضُمّهُ إِلَى غَيْرِهِ.
__________
والشعبي أنهم لم يروا فيه زكاة، وإليه ذهب مالك بن أنس وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وهو أظهر قولي الشافعي. قال الخطابي: الظاهر من الكتاب يشهد لقول من أوجبها والأثر يؤيده ومن أسقطها ذهب إلى النظر ومعه طرف من الأثر والاحتياط أداؤها انتهى. وفي سبل السلام: والحديث دليل على وجوب الزكاة في الحلية وظاهره أنه لا نصاب لها لأمره صلى الله عليه وسلم بتزكية هذه المذكورة ولا يكون خمس أواقي في الأغلب. وفي المسألة أربعة أقوال: الأول وجوب الزكاة وهو مذهب جماعة من السلف وأحد أقوال الشافعي عملا بهذه الأحاديث، والثاني لا تجب الزكاة في الحلية، وهو مذهب مالك وأحمد والشافعي في أحد أقواله لآثار وردت عن السلف قاضية بعدم وجوبها في الحلية ولكن بعد صحة الحديث لا أثر للآثار، والثالث أن زكاة الحلية عاريتها كما روى الدارقطني عن أنس وأسماء بنت أبي بكر، الرابع أنها تجب فيه الزكاة مرة واحدة، رواه البيهقي عن أنس. وأظهر الأقوال دليلا وجوبها لصحة الحديث وقوته. وأما نصابها فعند الموجبين نصاب النقدين وظاهر حديثها الاطلاق وكأنهم قيدوه بأحاديث النقدين ويقوي الوجوب حديث أم سلمة رضي الله عنها انتهى ما في سبل السلام.
"سفيان": هو الثوري "عن عمر بن يعلى": هو عمر بن عبد الله بن يعلى بن مرة الكوفي ضعفه ابن معين. واعلم أن هذا الحديث وجد في النسختين وهو من رواية ابن داسة. قال الحافظ جمال الحافظ جمال المزي في الأطراف في كتاب المراسيل: عمر بن يعلى وهو عمر ابن عبد الله بن يعلى بن مرة حديث في زكاة الخاتم أبو داوود في الزكاة عن صفوان بن صالح عن الوليد بن مسلم عن سفيان عن عمر بن يعلى نحو حديث عبد الله بن شداد عن عائشة في رواية ابن داسة انتهى "نحو حديث الخاتم": أي نحو حديث عائشة في زكاة الخاتم "قيل لسفيان": الثوري "كيف تزكيه": أي خاتماً واحداً من ورق وهو لا يبلغ النصاب "قال": سفيان "تضمه": أي الخاتم "إلى غيره": من الحلي فتزكي الخاتم مع حلي آخر والله أعلم.
قلت: والحديث أخرجه ابن الجارود في المنتقى حدثنا إسحاق بن عبد الله النيسابوري حدثنا حفص بن عبد الرحمن حدثنا سفيان بن سعيد عن عمرو الثقفي عن أبيه عن جده قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده خاتم من ذهب عظيم فقال أتؤدي زكاة هذا؟ قال وما

(4/301)


__________
زكاته قال فلما ولي قال جمهرة عظيمة . قال أبو محمد: قال الوليد بن مسلم في هذا عن سفيان عن عمرو بن يعلى الطائفي انتهى.

(4/302)


4- باب في زكاة السائمة
1564 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ قال أَخَذْتُ مِنْ ثُمَامَةَ بنِ عبد الله بنِ أنَسٍ كِتَاباً زَعَمَ أَنّ أَبَا بَكْرٍ كَتَبَهُ لأَنَسٍ وَعَلَيْهِ خَاتَمُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم حِينَ بَعَثَهُ مُصَدّقاً وَكَتَبَهُ لَهُ فإِذَا فِيهِ: هَذِهِ فَرِيضَةُ الصّدَقَةِ الّتي فَرضَهَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى المُسْلِمِينَ الّتي أَمَرَ الله بِهَا نَبِيّهُ عَلَيْهِ السّلاَمُ[صلى الله عليه وسلم] فَمَنْ سُئِلَهَا مِنَ المُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِهَا فَلَيُعْطِهَا، وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَهَا فَلاَ يُعْطِهِ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الإِبِلٍ.
__________
باب في زكاة السائمة
أي المواشي التي ترعى في الصحراء والمرعى."قال أخذت من ثمامة": بضم المثلثة قال الحافظ ابن حجر: صرح إسحاق بن راهويه في مسنده بأن حماداً سمعه من ثمامة وأقرأه الكتاب فانتفى تعليل من أعله بكونه مكاتبة "أن أبا بكر كتبه" : أي كتابا "لأنس" : ليعمل به "عليه" : أي على الكتاب "حين بعثه" : أي أنساً "مصدقا" : هو الذي يأخذ صدقات المسلمين، أي حين وجه أنساً إلى البحرين عاملا على الصدقة "وكتبه" : أي كتب النبي صلى الله عليه وسلم الكتاب "له" : أي لأنس "فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم" : أي أوجب أو شرع أو قدر لأن إيجابها بالكتاب إلا أن التحديد والتقدير عرفناه ببيان النبي صلى الله عليه وسلم "التي أمر الله" : عطف على التي عطف تفسير أي الصدقة التي "فمن سألها" : بصيغة المجهول أي طلبها "على وجهها" : حال من المفعول الثاني في سئلها أي كائنة على الوجه المشروع بلا تعد. وقال الخطابي: أي حسب ما بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من مقاديرها "فليعطها" : أي الصدقة "ومن سئل فوقها فلا يعطه" : يتناول على وجهين أحدهما أن لا يعطي الزيادة على الواجب، والوجه الآخر أن لا يعطي شيئاً منها لأن الساعي إذا طلب فوق الواجب كان خائناً فإذا ظهرت خيانته سقطت طاعته. وفي ذلك دليل على أن الإمام والحاكم إذا ظهر فسقهما بطل حكمهما. وفيه دليل على جواز إخراج المرء صدقة أمواله الظاهرة بنفسه دون الإمام. وفي الحديث بيان أنه لا شيء في الأوقاص وهو ما بين الفريضتين. وفيه دليل أن الإبل إذا زادت على عشرين ومائة لم يستأنف لها الفريضة لأنه علق بغير الفرض كالواحدة بعد الخمسة والثلاثين وبعد الخمسة والأربعين وبعد كمال الستين قاله الخطابي "في

(4/302)


الْغَنَمُ في كلّ خَمْسِ ذَوْدٍ شَاةٌ، فإِذَا بَلَغَتْ خَمْساً وَعِشْرِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ إِلَى أَنْ تَبْلُغَ خَمْساً وَثَلاَثِينَ، فإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ، فإِنْ بَلَغَتْ سِتّا وَثَلاَثِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ، فإِذَا بَلَغَتْ سِتّا وَأرْبَعِينَ فَفِيهَا حِقّةٌ طَرُوقَةُ الْفَحْلِ إلَى سِتّينَ، فإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَسِتّينَ فَفِيهَا جَذْعَةٌ إِلَى خَمْسٍ وَسبْعِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتّا وَسَبْعِينَ فَفَيهَا ابْنَتَا لَبُونٍ إلَى تِسْعِينَ، فإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ فَفَيهَا حِقّتَانِ طَرُوقَتَا الْفَحْلِ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِي كلّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفي كلّ خَمْسِينَ حِقّةَ، فإِذَا تَبَايَنَ أَسْنَانُ اْلإِبِلِ في فَرَائِضِ الصّدَقَاتِ، فَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْجَذَعَةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ جَذَعَةٌ وَعِنْدَهُ حِقَةٌ فإِنّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ وَأَنْ يُجْعَلَ مَعَهَا شَاتَيْنِ إنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَماً، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقّةِ وَلَيْسَتْ
__________
كل خمس ذود" : بإضافة خمس إلى ذود أي إبل وتقدم معناه "ففيها بنت مخاض" : وهي التي مضى عليها سنة وطعنت في الثانية وحملت أمها. والمخاض بفتح الميم والمعجمة المخففة الحامل أي دخل وقت حملها وإن لم تحمل "فابن لبون ذكر" : هو الذي دخل في السنة الثالثة. وقوله ذكر تأكيد لقوله ابن لبون، وفيه دليل على جواز العدول إلى ابن اللبون عند عدم بنت المخاض "ففيها بنت لبون" : وهي التي أتى عليها حولان وصارت أمها لبوناً بوضع الحمل "ففيها حقة" : بكسر المهملة وتشديد القاف هي التي أتت عليها ثلاث سنين وطعنت في الرابعة "طروقة الفحل" : بفتح أوله أي مطروقة كحلوبة بمعنى محلوبة والمراد أنها بلغت أن يطرقها الفحل وهي التي أتت عليها ثلاث سنين ودخلت في الرابعة "ففيها جذعة" : بفتح الجيم والذال المعجمة وهي التي أتى عليها أربع سنين وطعنت في الخامسة "ففي كل أربعين بنت لبون" : أي إذا زاد يجعل الكل على عدد الأربعينات والخمسينات مثلا إذا زاد واحد على العدد المذكور يعتبر الكل ثلاث أربعينات وواحد والواحد لا شيء فيه وثلاث أربعينات فيها ثلاث بنات لبون إلى ثلاثين ومائة، وفي ثلاثين ومائة حقة لخمسين وبنتا لبون لأربعين وهكذا ولا يظهر التغير إلا عند زيادة عشر "فإذا تباين" : أي اختلف الأسنان في باب الفريضة بأن يكون المفروض سناً والموجود عند صاحب المال سنا آخر "فإنها تقبل منه" .
والمراد أن الحقة تقبل موضع الجذعة مع شاتين أو عشرين درهما، وحمله بعض على أن ذاك تفاوت قيمة ما بين الجذعة والحقة في تلك الأيام، فالواجب هو تفاوت القيمة لا تعيين ذلك، فاستدل به على جواز أداء القيم في الزكاة والأكثر على تعيين ذلك القدر برضا صاحب المال وإلا فليطلب السن الواجب ولم يجوزوا القيمة "استيسرتا له" : أي كانتا موجودتين في

(4/303)


عِنْدَهُ حِقّةٌ وَعِنْدَهُ جَذَعَةٌ فإِنّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ وَيُعْطِيهِ المُصَدّقُ عِشْرِينَ دِرْهَماً أَوْ شَاتَيْنِ، وَمَنْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقّةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ حِقّةٌ وَعِنْدَهُ ابْنَةُ[بنت] لَبُونٍ فإِنّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ. قال أَبُو دَاوُد: مِنْ هِهنَا لَمْ أضْبِطْهُ عن مُوسَى كما أحِبّ، وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَماً، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ بِنْتِ لَبُونٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ إِلاّ حقّةٌ فإِنّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ. قال أَبُو دَاوُد: إِلَى هُهنَا ثُمّ أَتْقَنْتُهُ، وَيُعْطِيهِ المُصّدّقُ عِشْرِينَ دِرْهماً أَوْ شَاتَيْنِ، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدهُ صَدَقَةُ ابْنَةِ[بنت] لَبُونٍ وَلَيْسَ عِنْدَهُ إِلاّ ابْنَةُ[بنت] مَخَاضٍ فإِنّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ وَشَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَماً، وَمَن بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ ابْنَةِ[بنت] مَخَاضٍ وَلَيْسَ عِنْدَهُ إِلاّ ابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ فإِنّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إِلاّ أَرْبعٌ فَلَيْسَ فيهَا شَيْءٌ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ رَبّهَا. وَفي سَائِمَةِ الْغَنَمِ إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ فَفِيهَا شَاةٌ
__________
ماشيته مثلا "وليست عنده" : أي صاحب المال "فإنها تقبل" : مبني للمفعول "منه" : أي صاحب المال "ويعطيه المصدق" : أصله المتصدق أي العامل على أخذ الصدقات بتخفيف الصاد وكسر الدال أي العامل على أخذ الصدقات من أربابها وهو المراد ها هنا يقال صَدّقهم يُصَدّقهم فهو مصدق، وأما المصّدّق بتشديد الصاد والدال معاً وكسر الدال فهو صاحب الماشية وأصله المتصدق "عشرين درهما أو شاتين" : أو للتخيير أي فيه خيار للمصدق أي إن شاء أعطى عشرين درهماً وإن شاء أعطى شاتين "إلى هَهنا" : أي لم أضبط هذا القدر من حديث موسى بن إسماعيل أي من قوله ويجعل معها شاتين إلى قوله إلا حقة فإنها تقبل منه ثم أتقنت الباقي من الحديث كما أحب "فإنه يقبل منه" : أي بدلا من بنت مخاض قهراً على الساعي "وليس معه شيء" : أي لا يلزمه مع ابن لبون شيء آخر من الجبران.
قال الطيبي: وهذا يدل على أن فضيلة الأنوثة تجبر بفضل السن "إلا أربع" : من الإبل "فليس فيها شيء" : لأنه لم يبلغ النصاب "إلا أن يشاء ربها" : فيخرج عنها نفلا منه وإلا واجب عليه فهو استثناء منقطع ذكر لدفع توهم نشأ من قوله ليس فيها صدقة أن المنفي مطلق الصدقة لاحتمال اللفظ له، وإن كان غير مقصود فهذه صدقة الإبل الواجبة فصلت في هذا الحديث وظاهره وجوب أعيان ما ذكر إلا أنه من لم يجد العين الواجبة أجزأه غيرها "وفي سائمة الغنم" : سميت به لأنه ليس له آلة الدفاع فكانت غنيمة لكل طالب ثم الضأن والماعز سواء في الحكم. والسائمة هي التي ترعى في أكثر السنة.
قال في شرح السنة: فيه دليل على أن الزكاة إنما تجب في الغنم إذا كانت سائمة فأما

(4/304)


ِإلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمائةٍ فَفِيهَا شَاتَانِ إلَى أنْ تَبْلُغَ مائَتَيْنِ، فإِذَا زَادَتْ عَلى مائَتَيْنِ فَفِيهَا ثَلاَثُ شِيَاهٍ إِلَى أنْ تَبْلُغَ ثَلاَثمائَةٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلاَثمائَةٍ فَفِي كلّ مِائَةٍ شَاةٍ شاةٌ، ولا يُؤْخَذُ في الصّدَقَةِ هَرمَةٌ وَلا ذَاتُ عُوَارٍ مِنَ الْغَنَمِ وَلا تَيْسُ الْغَنَمِ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ المُصّدّقُ، ولا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ[متفرق] ولا يُفَرّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ
__________
المعلوفة فلا زكاة فيها، ولذلك لا تجب الزكاة في عوامل البقر والإبل عند عامة أهل العلم وإن كانت سائمة وأوجبها مالك في عوامل البقر ونواضح الإبل انتهى "فإذا زادت" : ولو واحدة كما في كتاب عمرو بن حزم "فإذا زادت على مائتين" : ولو واحدة "فإذا زادت على ثلاث مائة ففي كل مائة شاة شاة" : في النيل ظاهره أنه لا تجب الشاة الرابعة حتى تفي أربع مائة، وهو قول الجمهور وفي رواية عن أحمد وبعض الكوفيين إذا زادت على ثلاثمائة واحدة وجبت الأربع انتهى.
وفي شرح السنة: معناه أن تزيد مائة أخرى فتصير أربعمائة فيجب أربع شياه، وهو قول عامة أهل العلم. وقال الحسن بن صالح إذا زادت على ثلاثمائة واحدة ففيها أربع شياه انتهى. "هرمة": بفتح الهاء وكسر الراء هي الكبير التي سقطت أسنانها "ولا ذات عوار" : بفتح العين المهملة وضمها أي معيبة، وقيل بالفتح العيب وبالضم العور "ولا تيس الغنم" : بتاء فوقية مفتوحة ثم الياء التحتانية وهو فحل الغنم "إلا أن يشاء المصدق" : اختلف في ضبطه فالأكثر على أنه بالتشديد والمراد المالك وهو اختيار أبي عبيد. وتقدير الحديث: لا تؤخذ هرمة ولا ذات عيب أصلا ولا يؤخذ التيس وهو فحل الغنم إلا برضا المالك لكونه يحتاج إليه ففي أخذه بغير اختياره إضرار به، وعلى هذا فالاستثناء مختص بالثالث. ومنهم من ضبطه بتخفيف الصاد وهو الساعي، وكأنه يشير بذلك إلى التفويض إليه في اجتهاده لكونه يجري مجرى الوكيل فلا يتصرف بغير المصلحة، وهذا قول الشافعي في البويطي ولفظه ولا تؤخذ ذات عوار، ولا تيس ولا هرمة، إلا أن يرى المصدق أن ذلك أفضل للمساكين فيأخذ على النظر لهم كذا في فتح الباري "ولا يجمع بين مفترق الخ" : قال مالك في الموطأ معنى هذا أن يكون النفر الثلاثة لكل واحد منهم أربعون شاة وجبت فيها الزكاة فيجمعونها حتى لا يجب عليهم كلهم إلا شاة واحدة أو يكون للخليطين مائتا شاة وشاة فيكون عليهما فيها ثلاث شياه فيفرقونها حتى لا يكون على كل واحد منهما إلا شاة واحدة. قال الشافعي: هو خطاب للمالك من جهة وللساعي من جهة، فأمر كل واحد أن لا يحدث شيئاً من الجمع والتفريق خشية الصدقة قرب المال يخشى أن تكثر الصدقة فيجمع أو يفرق لتقل، والساعي يخشى أن تقل الصدقة فيجمع أو يفرق لتكثر. فمعنى قوله خشية الصدقة أي خشية أن تكثر الصدقة أو خشية أن تقل الصدقة، فلما كان محتملا

(4/305)


الصّدَقَةِ، وَما كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فإِنّهُما يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُما بالسّوِيّةِ، فَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ سَائِمَةُ الرّجُلِ أَرْبَعِينَ فَلَيْسَ فيها شَيْءٌ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ رَبّها، وَفي الرَقَةِ رُبُعُ الْعُشْرِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَالُ إِلاّ تِسْعِينَ وَمائَةً فَلَيْسَ فيها شَيْءٌ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ رَبّهَا.
1565 - حدثنا عَبْدُ الله بنُ مُحمّدٍ النّفَيْلِيّ أخبرنا عَبّادُ بنُ الْعَوّامِ عن سُفْيَانَ بنِ حُسَيْنٍ عن الزّهْرِيّ عن سَالِمٍ عن أبِيهِ قال: كَتَبَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم كِتَابَ الصّدَقَةِ فلَمْ
__________
للأمرين لم يكن الحمل على أحدهما بأولى من الآخر فحمل عليهما معاً، لكن الأظهر حمله على المالك. ذكره في فتح الباري "وما كان من خليطين" : أي شريكين "فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية" : قال الخطابي: فمعناه أن يكونا شريكين في الإبل يجب فيها الغنم فتوجد الإبل في أيدي أحدهما فتؤخذ منه صدقتها فإنه يرجع على شريكه بحصته على السوية. وفيه دلالة على أن الساعي إذا ظلم فأخذ زيادة على فرضه فإنه لا يرجع بها على شريكه وإنما يغرم له قيمة ما يخصه من الواجب دون الزيادة التي هي ظلم، وذلك معنى قوله بالسوية. وقد يكون تراجعها من وجه آخر وهو أن يكون بين رجلين أربعون شاة لكل واحد منهما عشرون قد عرف كل واحد منهما عين ماله فيأخذ المصدق من نصيب أحدهما شاة فيرجع المأخوذ من ماله على شريكه بقيمة نصف شاته. وفيه دليل على أن الخلطة تصح مع تعين أعيان الأموال. وقد روى عن عطاء وطاووس أنهما قالا: إذا عرف الخليطان كل واحد منها أموالهما فليس بخليطين. وقد اختلف مالك والشافعي في شرط الخليطة. فقال مالك: إذا كان الراعي والمراح والفحل واحداً فهما خليطان، وكذلك قال الأوزاعي. وقال مالك: فإن فرقهما المبيت هذه في قرية وهذه في قرية خليطان. وقال الشافعي: إن فرق بينهما في المراح فليسا بخليطة، واشترط في الخلطة المراح والمسرح والسقي واختلاط الفحولة، وقال إذا افترقا في شيء من هذه الخصال فليسا بخليطين إلا أن مالكا قال لا يكونان خليطين حتى يكون لكل واحد منهما تمام النصاب. وعند الشافعي إذا تم مالهما نصاب فهما خليطان وإن كان لأحدهما شاة واحدة "إلا أن يشاء ربها" : أي فيعطي شيئاً تطوعاً "وفي الرقة" : بكسر الراء وتخفيف القاف الفضة الخالصة مضروبة كانت أولا، أصله ورِق وهو الفضة حذف منه الواو وعوض عنها التاء كما في عدة ودية "ربع العشر" : بضم الأول وسكون الثاني وضمهما فيهما يعني إذا كانت الفضة مائتي درهم العشر خمسة دراهم "إلا تسعين ومائة" : من الدراهم. والمعنى إذا كانت الفضة ناقصة عن مائتي درهم. قال
__________
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وأخرجه الدارقطني ثم ذكر عبارة المنذري بنصها إلى قول الشافعي وبه نأخذ.

(4/306)


يُخْرِجْهُ إلى عُمّالِهِ حَتّى قُبِضَ فَقَرَنَهُ بِسَيْفِهِ، فَعَمِلَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ حتّى قُبِضَ، ثُمّ عَمِلَ بِهِ عُمَرُ حتّى قُبِضَ فَكَانَ فِيهِ: في خَمْسٍ مِنَ الإِبِلِ شَاةٌ، وَفي عَشْرٍ شَاتَانِ، وَفي خَمْسَ عَشَرَ ثَلاَثُ شَيَاهٍ، وَفي عِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ، وَفي خَمَسٍ وَعِشْرِينَ ابْنَةُ مَخَاضٍ إِلَى خَمْسٍ وَثَلاَثِينَ، فإن زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا ابْنَةُ لَبُونٍ إلى خَمْسٍ وَأرْبَعِينَ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا حِقّةٌ إلى سِتّينَ، فإذا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا جَذَعَةٌ إِلى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، فإذا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا ابْنَتَا لَبُونٍ إِلى تِسْعِينَ، فإذا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا حِقّتَانِ إلى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فإن كَانَتْ اْلإِبِلُ أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ فَفِي كلّ خَمْسِينَ حِقّةٌ، وَفي كلّ أَرْبَعِينَ ابْنَةُ لَبُونٍ، وَفي الْغَنَمِ في كلّ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ إِلى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فإن زَادَتْ وَاحِدَةً فَشَاتَانِ إلى مِائَتَيْنِ فإذا زَادَتْ وَاحِدَةً عَلَى الْمِائَتَيْنِ ففِيهَا ثَلاَثُ شَيَاهٍ إلى ثَلاَثمائةٍ، فإن كَانَتْ الْغَنَمُ أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ فَفي كلّ مِائَةُ شَاةٍ شَاةٌ وَلَيْسَ فيهَا شَيْءٌ حتّى تَبْلُغَ الْمائَةَ، وَلا يُفَرّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ وَلاَ يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرّقٍ مَخافَةَ الصّدَقَةِ، وَما كَان مِنْ خَلِيطَيْنِ فإِنّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بالسّوِيّةِ، وَلا يُؤْخَذُ في الصّدَقَةِ هَرِمَةُ وَلا ذَاتُ عَيْبٍ. قالَ: وَقالَ الزّهْرِيّ: إِذَا جَاءَ المُصَدّقُ قُسِمَتِ الشّاءُ أثْلاَثاً ثُلُثاً شِرَاراً وَثُلُثاً خِياراً وَثُلُثاً وَسَطاً
__________
المنذري: أخرجه النسائي وأخرجه البخاري وابن ماجة ."مخافة الصدقة" : منصوب على أنه مفعول له وقد تنازع فيه الفعلان يجمع ويفرق والمخافة مخافتان مخافة الساعي أن تقل الصدقة ومخافة ربّ المال أن تكثر الصدقة، فأمر كل واحد منهما أن لا يحدث شيئاً من الجمع والتفريق. والحاصل أن التقدير مخافة وجوب الصدقة أو كثرتها إن رجع للمالك، ومخافة سقوط الصدقة أو قلتها إن رجع إلى الساعي. قال بعض العلماء الحنفية: النهي للساعي عن جمع المتفرقة مثل أن يجمع أربعين شاة لرجلين لأخذ الصدقة وتفريق المجتمعة مثل أن يفرق مائة وعشرين لرجل أربعين أربعين ليأخذ ثلاث شياه. وهذا قول أبي حنيفة.
والنهي للمالك أن يجمع أربعينه مثلا إلى أربعين بغيره لتقليل الصدقة وأن يفرق عشرين له مخلوطة بعشرين لغيره لسقوطها، وهذا قول الشافعي.
وفي شرح السنة: هذا نهي للمالك والساعي جميعاً، نهي رب المال عن الجمع والتفريق قصداً إلى تكثير الصدقة.
قال الطيبي: ويتأتى هذا في صور أربع أشار إليها القاضي بقوله الظاهر أنه نهى للمالك

(4/307)


[ثلث سرار وثلث خيار وثلث وسط]فَأَخَذَ[فيأخذ] المُصَدّقُ مِنَ الْوَسَطِ، وَلم يَذْكُر الزهْرِيّ الْبَقَرَ.
1566 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا مُحمّدُ بنُ يَزِيدَ الْوَاسِطيّ أنبأنا سُفْيَانُ بنُ حُسَيْنٍ بإِسْنَادِهِ وَمَعْناهُ. قالَ: فَإِنْ لَمْ تكُن ابْنَةُ مَخاضٍ فابْنُ لَبُونٍ، وَلم يَذْكُرْ كلامَ الزّهْرِيّ.
__________
عن الجمع والتفريق قصداً إلى سقوط الزكاة أو تقليلها. كما إذا كان له أربعون شاة فيخلطها بأربعين لغيره واجبه من شاة إلى نصفها، وكما إذا كان له عشرون مخلوطة بمثلها ففرقها لئلا يكون نصابا يجب شيء، وهو قول أكثر أهل العلم، وقد نهى الساعي أن يفرق المواشي على المالك فيزيد الواجب كما إذا كان له مائة وعشرون شاة وواجبها شاة ففرقها الساعي أربعين أربعين ليأخذ ثلاث شياه، وأن يجمع بين متفرق لتجب فيه الزكاة أو يزيد، كما إذا كان لرجلين أربعون شاة متفرقة فجمعها الساعي ليأخذ شاة أو كان لكل واحد منهما مائة وعشرون فجمع بينهما ليصير الواجب ثلاث شياه وهو قول من لم يعتبر الخلطة ولم يجعل لها تأثيراً كالثوري وأبي حنيفة. قال الطيبي رحمه الله: وظاهر قوله وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية يعضد الوجه الأول، وقوله بالسوية أي بالعدالة بمقتضى الحصة فيشمل أنواع المشاركة. قال ابن الملك: مثل أن كان بينهما خمس إبل فأخذ الساعي وهي في يد أحدهما شاة، فإنه يرجع على شريكه بقيمة حصته على السوية، وباقي بيانه تقدم.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجة. قال الترمذي: حسن غريب وقد روى يونس ابن يزيد وغير واحد عن الزهري عن سالم هذا الحديث ولم يرفعه وإنما رفعه سفيان بن حسين هذا كلامه وسفيان بن حسين أخرج له مسلم، واستشهد به البخاري إلا أن حديثه عن الزهري فيه مقال، وقد تابع سفيان بن حسين على رفعه سليمان بن كثير وهو ممن اتفق البخاري ومسلم على الاحتجاج بحديثه. وقال الترمذي في كتاب العلل: سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث فقال أرجو أن يكون محفوظاً وسفيان بن حسين صدوق "ولم يذكر الزهري البقر": أي تقسيم البقر أثلاثاً كما ذكر في الشاة.
"بإسناده ومعناه": أي بإسناد عباد بن العوام ومعنى حديثه إلا أن محمد بن يزيد الواسطي زاد هذه الجملة في روايته فإن لم تكن ابنة مخاض فابن لبون وليست هذه الزيادة في رواية عباد عن سفيان "ولم يذكر": محمد بن يزيد الواسطي "كلام الزهري": من تقسيم الشاء أثلاثاً كما ذكره عباد عن سفيان والله أعلم.

(4/308)


1567 - حدثنا مُحمّدُ بنُ الْعَلاَءِ أنبأنا ابنُ المُبَارَكِ عن يُونُسَ بنِ يَزِيدَ عن ابنِ شِهَابٍ قالَ: هَذِهِ نُسْخَةُ كِتَابِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم الّذِي كَتَبَهُ في الصّدَقَةِ، وَهِيَ عِنْدَ آلِ عُمَرَ بنِ الْخَطّابِ. قال ابنُ شِهَابٍ: أقْرَأَنِيها سَالِمُ بنُ عبد الله بنِ عُمَرَ فَوَعَيْتُهَا عَلَى وَجْهِهَا، وَهِيَ الّتي انْتَسَخَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ عبد الله بنِ عبد الله بنِ عُمَرَ وَسَالِمِ بنِ عبد الله بنِ عُمَرَ، فَذَكَرَ الحديثَ. قال: فإِذَا كَانَتْ إحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةً ففِيهَا ثَلاَثُ بَنَاتٍ لَبُونٍ حتّى تَبْلُغَ تِسْعاً وَعِشْرِينَ وَمِائَةً، فإذَا كَانَتْ ثَلاَثينَ وَمِائَةً فَفيهَا بِنْتا لَبُونٍ وَحِقّةٌ حتّى تَبْلُغَ تِسْعاً وَثَلاَثِينَ وَمِائَةً، فإذا كَانَتْ أرْبَعِينَ وَمائَةً ففيهَا حِقّتَانِ وَبِنْتُ لَبُونٍ حتّى تَبْلُغَ تِسْعاً وَأرْبَعِينَ وَمائَةً، فإذا كَانَتْ خَمْسِينَ وَمائَةً فَفيهَا ثَلاَثُ حِقَاقٍ حتّى تَبْلُغَ تِسْعاً وَخَمْسِينَ وَمائَةً، فَإِذَا كَانَتْ سِتّينَ وَمائَةً فَفِيهَا أَرْبَعُ بَنَاتٍ لَبُونٍ حتّى تَبْلُغَ تِسْعاً وَسِتّينَ وَمائَةً، فَإِذَا كَانَتْ سَبْعِينَ وَمائَةً فَفِيهَا ثَلاَثُ بَنَاتٍ لَبُونٍ وَحِقّةٌ حتّى تَبْلُغَ تِسْعاً وَسَبْعِينَ وَمائَةً، فَإِذَا كَانَتْ ثمَانِينَ وَمائَةً فَفِيهَا حِقّتَانِ وَابْنَتَا لَبُونٍ حتّى تَبْلُغَ تِسْعاً وَثمانِينَ وَمَائَةً، فَإِذَا كَانَتْ تِسْعِينَ وَمائَةً فَفِيهَا ثَلاَثُ حِقَاقٍ وَبِنْتُ لَبُونٍ حتّى تَبْلُغَ تِسْعاً وَتِسْعِينَ وَمائَةً، فَإِذَا كَانَتْ مِائَتَيْنِ فَفِيهَا أَرْبعُ حِقَاقٍ أَوْ خَمْسُ بَنَاتٍ لَبُونٍ، أَيّ السّنِين وُجِدَتْ أُخِذَتْ. وفي سائِمة الْغَنَمِ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ سُفْيَانَ بنِ حُسَيْنٍ، وَفيه: وَلا
__________
"الذي كتبه": أي الكتاب "في الصدقة وهي": أي النسخة "فوعيتها": أي حفظت النسخة "وهي": أي النسخة "فذكر": أي الزهري "الحديث": مثل حديث سالم عن أبيه " ففيها بنتا لبون وحقة" : الحقة عن خمسين، وبنتا اللبون عن ثمانين، وكذلك إذا بلغت مائة وأربعين ففيها حقتان عن مائة وبنت لبون عن أربعين، وإذا بلغت مائة وخمسين ففيه ثلاث حقاق عن كل خمسين حقة، وإذا بلغت مائة وستين ففيها أربع بنات لبون عن كل أربعين واحدة، وإذا بلغت مائة وسبعين ففيها ثلاث بنات لبون عن مائة وعشرين حقة عن خمسين، وإذا بلغت مائة وثمانين ففيها حقتان عن مائة وابنتا لبون عن ثمانين، وإذا بلغت مائة وتسعين ففيها ثلاث حقاق عن مائة وخمسين وبنت لبون عن أربعين وإذا بلغت مائتين ففيها أربع حقاق عن كل خمسين حقة أو خمس بنات لبون عن كل أربعين واحدة، وهذا لا يخالف ما تقدم في حديث أنس لأن قوله فيه ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة معناه مثل هذا لا فرق بينه وبينه إلا أنه مجمل وهذا مفصل قاله الشوكاني. قال المنذري: رواية الزهري هذه عن سالم مرسلة "ثلاث حقاق" : جمع حقة "ففيها أربع حقاق أو خمس بنات لبون" : أو هَهنا للتخيير لتوافق حساب الأربعينات

(4/309)


يُؤْخَذُ في الصّدَقَةِ هَرِمَةٌ وَلا ذَاتُ عَوَارٍ مِنَ الْغَنَمِ وَلا تَيْسُ الْغَنَمِ إِلاّ أنْ يَشَاءَ المُصَدّقُ.
1568 - حدثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ قال قال مَالِكٌ: وَقَوْلُ عُمَرَ بنُ الْخَطّابِ رَضِيَ الله عَنْهُ: لا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ وَلا يُفَرّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ هُوَ أَنْ يَكُونَ لِكُلّ رَجُلٍ أَرْبَعُونَ شَاةً. فإذا أظَلّهُمُ المُصَدّقُ جَمَعُوهَا، لأنْ لا يَكُونَ فيهَا إلاّ شَاةٌ، وَلا يُفَرّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ أَنّ الْخَلِيطَيْنِ إذا كَانَ لِكُلّ وَاحِدٍ مِنْهُما مَائَةُ شَاةٍ وَشَاةٌ، فَيَكُونُ عَلَيْهِمَا فيهَا ثَلاَثُ شِيَاهٍ، فإذا أَظَلّهُمَا المُصَدّقُ فَرّقَا غَنَمَهُمَا فلَمْ يَكُنْ عَلَى كلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلاّ شَاةٌ، فَهذَا الّذِي سَمِعْتُ في ذَلِكَ.
1569 - حدثنا عَبْدُ الله بنُ مُحمّدٍ النّفَيْلِيّ أخبرنا زُهَيْرٌ أخبرنا أَبُو إِسْحَاقَ عن عَاصِمِ بنِ ضَمْرَةَ وَعن الْحَارِثِ اْلأَعْوَرِ عن عَلِيّ رَضِيَ الله عَنْهُ قال زُهَيْرٌ أَحْسَبُهُ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أَنّهُ قال: "هَاتُوا رُبْعَ الْعُشُورِ مِنْ كلّ أَرْبَعِينَ دِرْهَماً دِرْهَمٌ[درهما] وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ شَيْءٌ حتّى تَتِمّ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، فمَا زَادَ فَعَلَى حِسَابِ ذَلِكَ".
__________
والخمسينات "أي السنين" : من بنات اللبون والحقاق "أن يشاء المصدق" : روى أبو عبيد بفتح الدال وهو المالك، وجمهور المحدثين بكسرها، فعلى الأول يختص الاستثناء بقوله ولا تيس إذ ليس للمالك أن يخرج ذات عور في صدقته، وعلى الثاني معناه أن للعامل يأخذ ما شاء مما يراه أصلح وأنفع للمستحقين فإنه وكيلهم.
"قول عمر": أي معنى قول عمر وهو مبتدأ "هو أن يكون": خبره "لكل رجل": من النفر الثلاثة "أربعون شاة": قد وجبت على كل واحد منهم في غنمهم الصدقة "فإذا أظلهم": بظاء معجمة أشرف عليهم "إلا شاة": واحدة لأنها واجب مائة وعشرين فنهوا عن تقليل الصدقة "مائة شاة": بإضافة مائة إلى الشاة "وشاة": واحدة "إلا شاة": واحدة فنهوا عن ذلك "سمعت في": تفسير "ذلك" وإليه ذهب سفيان الثوري.
"قال زهير أحسبه": أي أظن أن أبا إسحاق روى الحديث عن عاصم عن علي مرفوعاً لا موقوفاً عليه "هاتوا" : أي آتوا في كل حول "ربع العشور" : من الفضة "درهما" : نصب على التميز "درهم" بالرفع على الابتداء وبالنصب على المفعولية "عليكم شيء" : من الزكاة "حتى تتم" : بالتأنيث أي تبلغ الرقة أو الدراهم "مائتي درهم" : نصبه على الحالية أي بالغة مائتين "فإذا كانت"

(4/310)


وَفي الْغَنَمِ في كلّ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ، فإنْ لَم يَكُنْ إِلاّ تِسْعٌ وَثَلاَثُونَ فَلَيْسَ عَلَيْكَ فيهَا شَيْءٌ" . وَسَاقَ صَدَقَةَ الْغَنَمِ مِثْلَ الزّهْرِيّ. وقالَ: "وفي الْبَقَرِ في كلّ ثَلاَثِينَ تَبِيعٌ وَفي اْلأَرْبَعِينَ مُسِنّةٌ وَلَيْسَ على الْعَوَامِلِ شَيْءٌ. وفي الإِبِلِ فَذَكَرَ[ذكر] صَدَقَتَهَا كما ذَكَرَ الزّهْرِيّ. قالَ: وفي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ خَمْسَةٌ مِنَ الْغَنَمِ، فإِذا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا ابْنَةُ مَخَاضٍ، فإن لَمْ تَكُنْ ابْنَةُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرَ إلَى خَمْسٍ وَثَلاَثِينَ، فإذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ إِلَى خَمْسٍ وَأرْبَعِينَ، فإذا زَادَتْ وَاحِدَةٌ فَفِيهَا حِقّةُ طَرُوقَةُ الْجَمَلِ إلَى سِتّينَ". ثُمّ سَاقَ مِثْلَ حَدِيثِ الزّهْرِيّ. قالَ: "فإذَا زَادَتْ وَاحِدَةٌ يَعْني وَاحِدَةً وَتِسْعِينَ فَفِيهَا حِقّتَانِ طَرُوقَتَا الْجَمَلِ إِلَى عِشْرِينَ وَمائَةٍ، فإنْ كَانَتْ اْلإِبِلُ أَكْثرَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي كلّ خَمْسِينَ حِقّةٌ، وَلا يُفَرّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ وَلا يَجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرّقٍ[مفترق] خَشْيَةَ الصّدَقَةِ، وَلا يُؤْخَذُ في الصّدَقَةِ هَرِمَةٌ وَلا ذَاتُ عَوارٍ وَلا تَيْسٌ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ المُصَدّقُ. وَفي
__________
الدراهم "ففيها" : أي حينئذ "فما زاد" أي على أقل نصاب "فعلى حساب ذلك" : قال الخطابي: فيه دليل على أن القليل والكثير من الزيادة على النصاب محسوب على صاحبه ومأخوذ منه الزكاة بحصته. انتهى. قال ابن الملك: وهذا يدل على أنه تجب الزكاة في الزائد على النصاب بقدره قل أو كثر، وإليه ذهب أبو يوسف ومحمد. وقال أبو حنيفة: لا زكاة في الزائد عليه حتى يبلغ أربعين درهما انتهى "في كل أربعين شاة شاة" : إلى عشرين ومائة، فإن زادت واحدة فشاتان إلى مائتين، فإن زادت فثلاث شياه إلى ثلاثمائة، فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة "فإن لم تكن" : روى بالتأنيث والتذكير "إلا تسع وثلاثون" : من الغنم "فليس عليك فيها شيء" : لأنها لم تبلغ النصاب "تبيع" : أي ماله سنة، وسمي به لأنه يتبع أمه بعد والأنثى تبيعة.
قال الخطابي: إن العجل ما دام يتبع أمه فهو تبيع إلى تمام سنة ثم هو جذع ثم ثني ثم رباع ثم سدس وسديس ثم صالغ وهو المسن انتهى "مسنة" : أي ماله سنتان وطلع سنها. حكى في النهاية عن الأزهري أن البقر والشاة يقع عليها اسم المسن إذا كان في السنة الثانية. والاقتصار على المسنة في الحديث يدل على أنه لا يجزىء المسن. ولكنه أخرج الطبراني عن ابن عباس مرفوعاً وفي كل أربعين مسنة أو مسن انتهى "وليس على العوامل" قال الخطابي: فيه بيان فساد قول من أوجب فيها الصدقة وفي الحديث دليل على أن البقر إذا زادت على الأربعين لم يكن فيها شيء حتى تستكمل ستين، ويدل على صحة ذلك ما روي عن معاذ أنه أتي بوقص البقر فلم يأخذه. ومذهب أبي حنيفة أن ما زاد على الأربعين، فبحسابه انتهى.

(4/311)


النّبَاتِ ما سَقَتْهُ اْلأنْهَارُ أوْ سَقَتِ السّمَاءُ الْعُشْرُ وَما سُقَي بالْغَرْبِ فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشرِ". وَفي حَدِيثِ عَاصِمٍ وَالْحَارِثِ: "الصّدَقَةُ في كلّ عَامٍ" . قال زُهَيْرٌ: أَحْسَبُهُ قال: "مَرّةَ" وَفي حَدِيثِ عَاصِمٍ: "إذا لَمْ يَكُنْ في الإِبِلِ ابْنَةُ مَخاضِ ولا ابْنُ لَبُونٍ فَعَشَرَةُ دَرَاهِمَ أَوْ شَاتَانِ" .
__________
وحديث معاذ في الأوقاص أخرجه أحمد في مسنده "ما سقته الأنهار" : موصولة "وسقت السماء" : أي ماء المطر "وما سقي بالغرب نصف العشر" قال الخطابي: الغرب الدلو الكبير يريد ما سقي بالسواني وما في معناهما مما سقي بالدواليب لأن ما عمت منفعته وخفت مؤونته كان أحمل للمواساة فوجب فيه العشر توسعه: على الفقراء وجعل فيما كثرت مؤونته نصف العشر رفقاً بأهل الأموال. انتهى قال المنذري: وأخرجه ابن ماجة طرفاً منه. "قال مرة" : أي مرة واحدة في كل سنة.
__________
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
قال ابن حزم حديث علي هذا رواه ابن وهب عن جرير بن حازم عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة والحرث الأعور قرن فيه أبو إسحاق بين عاصم والحرث والحرث كذاب وكثير من الشيوخ يجوز عليه مثل هذا وهو أن الحارث أسنده وعاصم لم يسنده فجمعهما جرير وأدخل حديث أحدهما في الآخر وقد رواه شعبة وسفيان ومعمر عن أبي إسحاق عن عاصم من علي موقوفا عليه وكذلك كل ثقة رواه عن عاصم إنما وقفه على علي فلو أن جريرا أسنده عن عاصم وبين ذلك أخذنا به هذه حكاية عبد الحق الاشبيلي عن ابن حزم وقد رجع عن هذا في كتابه المحلي فقال في آخر المسألة ثم استدركنا فرأينا أن حديث جرير بن حازم مسند صحيح لا يجوز خلافه وأن الاعتلال فيه بأن أبا إسحاق أو جريرا خلط إسناد الحديث بإرسال عاصم هو الظن الباطل الذي لا يجوز وما علينا في مشاركة الحرث لعاصم ولا لإرسال من أرسله ولا لشك زهير فيه وجرير ثقة فالأخذ بما أسند لازم تم كلامه وقال غيره هذا التعليل لا يقدح في الحديث فإن جريرا ثقة وقد أسنده عنهما وقد أسنده أيضا أبو عوانة عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي ولم يذكر الحول ذكر حديثه الترمذي وأبو عوانة ثقة وقد روى حديث ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول من حديث عائشة بإسناد صحيح قال محمد بن عبيد الله بن المنادي حدثنا أبو زيد شجاع بن الوليد حدثنا حارثة بن محمد عن عمرة عن عائشة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول" رواه أبو الحسين بن بشران عن عثمان بن السماك عن ابن المنادي.

(4/312)


1570 - حدثنا سُلَيْمانُ بنُ دَاوُدَ المَهْرِيّ أنبأنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني جَرِيرُ بنُ حَازِمٍ - وَسَمّى آخَرَ - عن أبي إسْحَاقَ عن عَاصِمِ بن ضَمْرَةَ و الحارِثِ اْلأَعْوَرِ عن عَلِيّ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِبَعْضِ أَوّلِ هذَا الْحَدِيثِ قَالَ: "فَإِذَا كَانَتْ لَكَ مائَتَا دِرْهَمٍ وَحَالَ عَلَيْهَا الحَوْلُ، فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَلَيْسَ عَلَيْكَ شَيْءُ يَعْنِي في الذّهَبِ حَتّى تَكونَ لَكَ عِشْرُونَ دِينَاراً فَإِذَا كَانَتْ لَكَ عِشْرُونَ دِينَاراً وَحَالَ عَلَيْهَا الحَوْلُ فَفِيهَا نِصْفُ دينَارٍ" فَما زَادَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ. قَالَ فَلاَ أَدْرِي أَعَلِيّ يَقُولُ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ أَوْ رَفَعَهُ إِلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم؟ "وَلَيْسَ في مَالٍ زَكاةٌ حَتّى يَحولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ" إِلاّ جَرِيراً قَالَ: ابْنُ وَهْبٍ يَزِيدُ في الْحَدِيثِ عَنِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ في مَالٍ زَكاةٌ حَتّى يَحولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ".
__________
"وسمى آخر": أي سمى ابن وهب مع جرير رجلا آخر "ففيها خمسة دراهم" : أي ربع عشرها "إلا أن جريراً قال ابن وهب يزيد" : لفظ جرير اسم إنّ وجملة يزيد خبر إنّ، وقال ابن وهب هو مدرج بين اسم إن وخبره "حتى يحول عليه الحول" قال الخطابي: إنما أراد به المال النامي كالمواشي والنقود، لأن نماها لا يظهر إلا بمدة الحول عليها. فأما الزرع والثمار فإنه لا يراعى فيها الحول وإنما ينظر إلى وقت إدراكها واستحصادها فيخرج الحق منه. وفيه حجة لمن ذهب إلى أن القول بالفوائد والأرباح يستأنف بها الحول ولا يبنى على حول الأصل. وفيه دليل على أن النصاب إذا نقص في خلال الحول ولم يوجد كاملا من أول الحول إلى آخره أنه لا تجب فيه الزكاة. وإلى هذا ذهب الشافعي.
وعند أبي حنيفة أن النصاب إذا وجد كاملا في طرفي الحول وإن نقص في خلاله لم تسقط عنه الزكاة، ولم يختلفا في العروض التي هي للتجارة أن الاعتبار إنما هو لنظر في الحول وذلك لأنه لا يمكن ضبط أمرها في خلال السنة. انتهى.
قال في سبل السلام: الحديث أخرجه أبو داوود مرفوعاً من حديث الحارث الأعور إلا قوله فما زاد فبحساب ذلك. قال فلا أدري أعلي يقول: فبحساب ذلك أو يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإلا قوله ليس في المال زكاة حتى يحول عليه الحول، فأفاد كلام أبي داوود أن في رفعه بجملته اختلافا. ونبه الحافظ ابن حجر في التخليص على أنه معلول وبين علته، ولكنه أخرج الدارقطني الجملة الآخرة من حديث ابن عمر مرفوعاً بلفظ: "لا زكاة في مال امرىء حتى يحول عليه الحول" . وأخرج أيضاً عن عائشة مرفوعاً: ليس في المال زكاة حتى يحول عليه الحول. وله طرق أخرى انتهى.

(4/313)


..............................
__________
وقال الحافظ في التلخيص: أخرجه أبو داوود بقوله حدثنا سليمان بن داوود المهري حدثنا ابن وهب حدثنا جرير بن حازم وسمى آخر عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة والحارث عن علي ونبه ابن المواق على علة خفية فيه، وهي أن جرير بن حازم والحارث ابن نبهان عن الحسن بن عمارة عن أبي إسحاق فذكره قال ابن المواق: والحمل فيه على سليمان شيخ أبي داوود فإنه وهم في إسقاط رجل انتهى. وقوله فبحساب ذلك أسنده زيد ابن حبان الرقي عن أبي إسحاق بسنده انتهى كلامه. والحديث دليل على أن نصاب الفضة مائتا درهم وهو إجماع وإنما الخلاف في قدر الدرهم فإن فيه خلافا كثيراً. وفي شرح الدميري أن كل درهم ستة دوانيق وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، والمثقال لم يتغير في جاهلية ولا إسلام. قال: واجتمع المسلمون على هذا.
وقال بعض العلماء: إن نصاب الفضة من القروش الموجودة على رأي بعض ثلاثة عشر قرشاً، وعلى رأي الشافعية أربعة عشر، وعلى رأي الحنفية عشرون وتزيد قليلاً، وإن نصاب الذهب عند بعض خمس عشر أحمر وعشرين عند الحنفية. ثم قال: وهذا تقريب.
قال في سبل السلام: أن قدر زكاة المائتي درهم ربع العشر هو إجماع. وقوله فما زاد فبحساب ذلك قد عرفت أن في رفعه خلافاً، وعلى ثبوته فيدل على أنه يجب في الزائد وقال بذلك جماعة من العلماء. وروي عن علي وعن ابن عمر أنهما قالا ما زاد على النصاب من الذهب والفضة ففيه أي الزائد ربع العشر في قليله وكثيرة وأنه لا وقص فيهما، ولعلهم يحملون حديث جابر الذي أخرجه مسلم بلفظ: وليس فيما دون خمس أواقي صدقة، على ما إذا انفردت عن نصاب منهما لا إذا كانت مضافة إلى نصاب منهما. وهذا الخلاف في الذهب والفضة، وأما الحبوب فقال النووي في شرح مسلم: إنهم أجمعوا فيما زاد على خمسة أوسق أنها تجب زكاته بحسابه وأنه لا أوقاص فيها انتهى وحملوا حديث أبي سعيد الذي أخرجه مسلم بلفظ: وليس فيما دون خمسة أوساق من تمر ولا حب صدقة على ما لم ينضم إلى خمسة أوسق، وهذا يقوي مذهب علي وابن عمر رضي الله عنهما الذي قدمنا في النقدين.
وقوله وليس عليك شيء حتى يكون لك عشرون ديناراً، وفيه حكم نصاب الذهب وقدر زكاته وأنه عشرون ديناراً وفيها نصف دينار وهو أيضاً ربع عشرها، وهو عام لكل فضة وذهب مضروبين أو غير مضروبين. وفي حديث أبي سعيد مرفوعاً أخرجه الدارقطني وفيه: لا يحل في الورق زكاة حتى يبلغ خمس أواق . وأخرج أيضاً من حديث جابر مرفوعاً ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة. وأما الذهب ففيه هذا الحديث. ونقل الحافظ ابن حجر عن الشافعي

(4/314)


1571 - حدثنا عَمْرُو بنُ عَوْنٍ أنبأنا أَبُو عَوَانَةَ عنْ أبي إِسْحَاقَ عنْ عَاصِمِ بنِ ضَمْرَةَ عنْ عَلِيّ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "قَدْ عَفَوْتُ عنِ الْخَيْلِ وَالرّقِيقِ، فَهَاتُوا
__________
أنه قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الورق صدقة، فأخذ المسلمون بعده في الذهب صدقة إما بخبر لم يبلغنا وإما قياساً. وقال ابن عبد البر: لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الذهب شيء من جهة نقل الآحاد الثقات، وذكر هذا الحديث الذي أخرجه أبو داوود وأخرجه الدارقطني. قال صاحب السبل: قلت لكن قوله تعالى {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} الآية منبه على أن في الذهب حقاً لله. وأخرج البخاري وأبو داوود وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقهما إلا جعلت له يوم القيامة صفائح وأحمي عليها" الحديث. فحقها هو زكاتها.
وفي الباب أحاديث يشد بعضها بعضا سردها في الدر المنثور. ولا بد في نصاب الذهب والفضة من أن يكونا خالصين من الغش. وفي شرح الدميري على المنهاج أنه إذا كان الغش يماثل أجرة الضرب والتخليص فيتسامح به، وبه عمل الناس على الإخراج انتهى كلام صاحب السبل.
"قد عفوت عن الخيل والرقيق" : أي تركت لكم أخذ زكاتها وتجاوزت عنه قال الخطابي: إنما أسقط الزكاة عن الخيل والرقيق إذا كانت للركوب والخدمة، فأما ما كان للتجارة ففيه الزكاة في قيمتها. وقد اختلف الناس في وجوب الصدقة في الخيل، فذهب أكثر الفقهاء إلى أنه لا صدقة وقال حماد بن أبي سليمان: فيها صدقة. وقال أبو حنيفة: في الخيل الإناث والذكور التي يطلب منها نسلها في كل فرس دينار فإن شئت قومتها دراهم فجعلت في كل مائتي درهم خمسة دراهم وروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أخذ من كل فرس ديناراً. قلت: وإنما هو شيء تطوعوا به لم يلزمهم عمر إياه. روى مالك عن الزهري عن سليمان بن يسار أن أهل الشام عرضوه على أبي عبيدة فأبى ثم كلموه فأبى ثم كتب إلى عمر رضي الله عنه في ذلك فكتب إليه إن أحبوا فخذها منهم وارددهم عليهم وارزقهم رقيقهم انتهى كلامه. وفي نيل الأوطار وتمسك أيضاً بما روي عن عمر أنه أمر عامله بأخذ الصدقة من الخيل. وقد تقرر أن أفعال الصحابة وأقوالهم لا حجة فيها لا سيما بعد إقرار عمر بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبا بكر لم يأخذا الصدقة من الخيل كما في رواية أحمد عن عمر وجاءه ناس من أهل الشام فقالوا إنا قد أصبنا أموالا خيلا ورقيقا نحب أن يكون لنا فيها زكاة وطهور. قال ما فعله

(4/315)


صَدَقَةَ الرّقَةِ مِن كْلّ أَرْبَعِينَ دِرْهَماً دِرْهَمٌ، وَلَيْسَ فِي تِسْعِينَ وَمائَةٍ شَيْءُ، فَإِذَا بَلَغَتْ مائَتَيْنِ فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ".
قال أَبُو دَاوُد: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الأعْمَشُ عنْ أبي إِسْحَاقَ كما قالَ أبُو عَوَانَةَ، وَرَوَاهُ شَيْبَانُ أَبُو مُعَاوِيَةَ وَإِبراهِيمُ بنُ طَهْمَانَ عنْ أبي إِسْحَاقَ عن الْحَارِثِ عنْ عَلِيَ رَضِيَ الله عَنْهُ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَهُ.
قال أَبُو دَاوُد: وَرَوَى حَدِيثُ النّفَيْلِيّ شُعْبَةُ وَسُفْيَانُ وَغَيْرُهُمَا عنْ أبي إسْحَاقَ عنْ عَاصِمٍ لَمْ يَرْفَعُوهُ وأَوْقَفُوهُ على عَلِيَ.
1572 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ أنبأنا بَهْزُ بنُ حَكِيمٍ ح. وَحدثنا
__________
صاحباي قبلي فأفعله واستشار أصحاب محمد الحديث. وقد احتج بظاهر حديث الباب الظاهرية فقالوا لا تجب الزكاة في الخيل والرقيق لا لتجارة ولا لغيرها، وأجيب عنهم بأن الزكاة التجارة ثابتة بالإجماع كما نقله ابن المنذر وغيره فيخص به عموم هذا الحديث. والحديث يدل على وجوب الزكاة في الفضة وهو مجمع على ذلك، ويدل أيضاً على أن زكاتها ربع العشر ولا أعلم في ذلك خلافا، ويدل أيضاً على اعتبار النصاب في زكاة الفضة وهو إجماع أيضاً وعلى أنه مائتا درهم " فهاتوا" : أي آتوا "صدقة الرقة" : قال الخطابي: هي الدراهم المضروبة أصلها الورق حذفت الواو وعوض منها الهاء كعدة وزنة وأخرجه الترمذي وابن ماجة قال المنذري "كما قال أبو عوانة": أي عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة، ورواه شيبان وإبراهيم عن أبي إسحاق عن الحارث الأعور، وأما زهير فجمع بين عاصم والحارث "روى حديث النفيلي": هو عبد الله بن محمد النفيلي وحديثه قبل هذا بحديثين "شعبة وسفيان": والحاصل أن شعبة وسفيان وغيرهما رووه عن أبي إسحاق لكنه لم يرفعوه بل جعلوه موقوفاً على علي رضي الله عنه. وأما زهير وجرير بن حازم وغيرهما عن أبي إسحاق رفعوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم."عن بهز": بفتح الباء الموحدة وسكون الهاء وبالزاي "بن حكيم": ابن معاوية وبهز تابعي مختلف في الاحتجاج به. قال أبو حاتم: هو شيخ يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال الشافعي: ليس بحجة. وقال الذهبي:
__________
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
إنما أسقط الصدقة من الخيل والرقيق إذا كانت للركوب والخدمة فأما ما كان منها للتجارة ففيه الزكاة في قيمتها.

(4/316)


مُحمّدُ بنُ الْعَلاَءِ أنبأنا أَبُو أُسَامَةَ عن بِهْزٍ بنِ حَكِيمٍ عن أبِيهِ عن جَدّهِ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "فِي كُلّ سَائِمَةِ إبِلٍ في أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ لاَ يُفَرّقُ إِبِلٌ عنْ حِسَابِهَا مَنْ أَعْطَاهَا مُؤُتَجِراً - قالَ ابنُ الْعَلاَءِ - مُؤْتَجِراً بِهَا فَلَهُ أَجْرُهَا وَمَنْ مَنَعَهَا فَإِنّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ
__________
ما تركه عالم قط "عن أبيه عن جده": هو معاوية بن حيدة صحابي "في كل سائمة إبل في أربعين بنت لبون" : تقدم في حديث أنس أن بنت اللبون تجب من ستة وثلاثين إلى خمس وأربعين فهو يصدق على أنه يجب في الأربعين بنت لبون، ومفهوم العدد هنا مطرح زيادة ونقصانا لأنه عارضه المنطوق الصريح وهو حديث أنس "لا يفرق إبل عن حسابها" : معناه أن الملك لا يفرق ملكه عن ملك غيره حيث كانا خليطين كما تقدم، أو المعنى تحاسب الكل في الأربعين ولا يترك هزال ولا سمين ولا صغير ولا كبير نعم العامل لا يأخذ إلا الوسط "من أعطاها مؤتجراً بها" : أي قاصداً للأجر بإعطائها "وشطر ماله" : اختلف في ضبط لفظ شطر وإعرابه، فقال بعض الأئمة هو عطف على الضمير المنصوب في آخذوها، والمراد من الشطر البعض وظاهره أن ذلك عقوبة بأخذ جزء من المال على منعه إخراج الزكاة. وقال بعض الأئمة: شطر بضم الشين المعجمة وكسر الطاء المهملة المشددة فعل مبني للمجهول ومعناه جعل ماله شطرين يأخذ المصدق الصدقة من أي الشطرين أراد. قال الإمام ابن الأثير: قال الحربي غلط الراوي في لفظ الرواية إنما هو وشطر ماله أي يجعل ماله شطرين ويتخير عليه المصدق فيأخذ الصدقة من غير النصفين عقوبة لمنعه الزكاة، فأما لا تلزمه فلا. وقال الخطابي في قول الحربي لا أعرف هذا الوجه وقيل إنه كان في صدر الإسلام يقع بعض العقوبات في الأموال ثم نسخ وله في الحديث نظائر وقد أخذ أحمد بن حنبل بشيء من هذا وعمل به. وقال الشافعي في القديم من منع زكاة ماله أخذت منه وأخذ شطر ماله عقوبة على منعه واستدل بهذا الحديث. وقال في الجديد: لا يؤخذ منه إلا الزكاة لا غير وجعل هذا الحديث منسوخاً وقال كان ذلك حيث كانت العقوبات في المال ثم نسخت. ومذهب عامة الفقهاء أن لا واجب على متلف الشيء أكثر من مثله أو قيمته انتهى كلامه. وقال الحافظ في التلخيص: وقال البيهقي وغيره: حديث بهز هذا منسوخ وتعقبه النووي بأن الذي ادعوه من كون العقوبة كانت بالأموال في الأموال في أول الإسلام ليس بثابت ولا معروف، ودعوى النسخ غير مقبولة مع الجهل بالتاريخ. والجواب عن ذلك ما أجاب به إبراهيم الحربي فإنه قال في سياق هذا المتن لفظه وهم فيها الراوي وإنما هو فإنا آخذوها من شطر ماله أي نجعل ماله شطرين فيتخير عليه المصدق ويأخذ الصدقة من خير الشطرين عقوبة لمنع الزكاة، فأما ما لا تلزمه فلا. نقله ابن الجوزي في جامع المسانيد عن الحربي والله أعلم.

(4/317)


عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبّنَا عز وجل لَيْسَ لاَِلِ مُحمّدٍ منْهَا شَيْءٌ".
__________
"عزمة" : قال في البدر المنير عزمه خبر مبتدأ محذوف تقديره ذلك عزمة، وضبطه صاحب إرشاد الفقه بالنصب على المصدر، وكلا الوجهين جائز من حيث العربية. ومعنى العزمة في اللغة الجد في الأمر، وفيه دليل على أن ذلك واجب مفروض من الأحكام، والعزائم الفرائض كما في كتب اللغة كذا في النيل. وقال في سبل السلام: يجوز رفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف ونصبه على المصدرية وهو مصدر مؤكد لنفسه مثل له على ألف درهم اعترافاً والناصب له فعل يدل عليه جملة فإنا آخذوها. والعزمة الجد والحق في الأمر يعني آخذ ذلك بجد لأنه واجب مفروض "من عزمات ربنا" : أي حقوقه وواجباته. والحديث دليل على أنه يأخذ الإمام الزكاة قهراً ممن منعها انتهى ما في السبل.
__________
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
قوله "فإنا آخذوها وشطر ماله" أكثر العلماء على أن الغلول في الصدقة والغنيمة لا يوجب غرامة في المال وقالوا كان هذا في أول الإسلام ثم نسخ واستدل الشافعي على نسخه بحديث البراء بن عازب فيما أفسدت ناقته فلم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أضعف الغرم بل نقل فيها حكمه بالضمان فقط وقال بعهضم يشبه أن يكون هذا على سبيل التوعد لينتهي فاعل ذلك وقال بعضهم إن الحق يستوفي منه غير متروك عليه وإن تلف شطر ماله كرجل كان له ألف شاة فتلفت حتى لم يبق له إلا عشرون فإنه يؤخذ منه عشر شياه لصدقة الألف وهو شطر ماله الباقي أو نصفه وهو بعيد لأنه لم يقل إنا آخذوا شطر ماله وقال إبراهيم الحربي إنما هو وشطر ماله أي جعل ماله شطرين ويتخير عليه المصدق فيأخذ الصدقة من خير النصفين عقوبة لمنعه الزكاة فأما مالا يلزمه فلا قال الخطابي ولا أعرف هذا الوجه هذا آخر كلامه وقال بظاهر الحديث الأوزاعي والإمام أحمد وإسحاق بن راهويه على ما فضل عنهم وقال الشافعي في القديم من منع زكاة ماله أخذت منه وأخذ شطر ماله عقوبة على منعه واستدل بهذا الحديث وقال في الجديد لا يؤخذ منه إلا الزكاة لا غير وجعل هذا الحديث منسوخا وقال كان ذلك حين كانت العقوبات في المال ثم نسخت هذا آخر كلامه ومن قال إن بهز بن حكيم ثقة احتاج إلى الاعتذار عن هذا الحديث بما تقدم فأما من قال لا يحتج بحديثه فلا يحتاج إلى شيء من ذلك وقد قال الشافعي في بهز ليس بحجة فيحتمل أن يكون ظهر له ذلك منه بعد اعتذاره عن الحديث أو أجاب عنه على تقدير الصحة وقال أبو حاتم الرازي في بهز بن حكيم هو شيخ يكتب حديثه ولا يحتج به وقال البستي كان يخطىء كثيرا فأما الإمام أحمد وإسحاق فهما يحتجان به ويرويان عنه وتركه جماعة من أئمتنا ولولا حديثه إنا آخذوها وشطر إبله عزمة من عزمات ربنا لأدخلناه في الثقات وهو ممن استخير الله فيه فجعل روايته لهذا الحديث مانعة.

(4/318)


1573 - حدثنا النّفَيْلِيّ أخبرنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عن الأعْمَشِ عن أبي وَائِلٍ عن مُعَاذٍ: أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لَمّا وَجّهَهُ إلَى الْيَمَنِ أمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْبَقَرِ مِنْ كُلّ ثَلاَثِينَ تَبِيعاً أَوْ تَبِيعَة،
__________
وقال الخطابي: اختلف الناس في القول بظاهر الحديث فذهب أكثر الفقهاء إلى أن الغلول والصدقة والغنيمة لا يوجب غرامة في المال وهو مذهب الثوري وأبي حنيفة وأصحابه، وإليه ذهب الشافعي وكان الأوزاعي يقول في الغنيمة إن للإمام أن يحرق رحله، وكذلك قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه. وقال أحمد في الرجل يحمل التمرة في أكمامها فيه القيمة مرتين وضرب النكال. وقال: كل من درأنا عنه الحد أضعفنا عليه العزم. واحتج في هذا بعضهم بما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال في ضالة الإبل المكتومة غرامتها ومثلها والنكال وفي الحديث تأويل آخر ذهب إليه بعض أهل العلم وهو أن يكون معناه أن الحق يستوفى منه غير متروك عليه وإن تلف ماله فلم يبق إلا شطر كرجل كان له ألف شاة فتلف حتى لم يبق منه إلا عشرون فإنه يؤخذ منه عشر شياه لصدقة الألف وهو شطر ماله الباقي أي نصفه، وهذا محتمل وإن كان الظاهر ما ذهب إليه غيره ممن قد ذكرناه وفي قوله ومن منعنا فإن آخذوها دليل على أن من فرط في إخراج الصدقة بعد وجوبها فمنع بعد الإمكان ولم يردها حتى هلك المال أن عليه الغرامة انتهى. "من كل ثلاثين تبيعا أو تبيعة" : فيه أنه مخير
__________
من إدخاله في الثقات تم كلامه وقد قال علي بن المديني حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده صحيح وقال الإمام أحمد بهز بن حكيم عن أبيه عن جده صحيح وليس لمن رد هذا الحدث حجة ودعوى نسخه دعوى باطلة إذ هي دعوى ما لا دليل عليه وفي ثبوت شرعية العقوبات المالية عدة أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت نسخها بحجة وعمل بها الخلفاء بعده وأما معارضته بحديث البراء في قصة ناقته ففي غاية الضعف فإن العقوبة إنما تسوغ إذا كان المعاقب متعديا بمنع واجب أو ارتكاب محظور وأما ما تولد من غير جنايته وقصده فلا يسوغ أحد عقوبته عليه وقول من حمل ذلك على سبيل الوعيد دون الحقيقة في غاية الفساد ينزه عن مثله كلام النبي صلى الله عليه وسلم وقول من حمله على أخذ الشطر الباقي بعد التلف باطل لشدة منافرته وبعده عن مفهوم الكلام ولقوله "فأنا آخذوها وشطر ماله" وقول الحربي إنه "وشطر" بوزن شغل في غاية الفساد ولا يعرفه أحد من أهل الحديث بل هو من التصحيف وقول ابن حبان لولا حديثه هذا لأدخلناه في الثقات كلام ساقط جدا فإنه إذا لم يكن لضعفه سبب إلا روايته هذا الحديث وهذا الحديث إنما رد لضعفه كان هذا دورا باطلا وليس في روايته لهذا ما يوجب ضعفه فإنه لم يخالف فيه الثقات وهذا نظير رد من رد حديث عبدالملك بن أبي سليمان بحديث جابر في شفعه الجوار وضعفه بكونه روى هذا الحديث وهذا غير موجب للضعف بحال والله أعلم.

(4/319)


وَمِنْ كُلّ أَرْبَعِينَ مُسِنّةً، وَمِنْ كُلّ حَالِمٍ يَعْنِي مُحْتَلِماً[محتلم] دِينَاراً أَوْ عَدْلُهُ مِنَ المَعَافِرِ[المعافري] ثيَابٌ تَكُونُ بالْيَمَنِ .
1574 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ و النّفَيْلِيّ وَابنُ المُثَنّى قالُوا أخبرنا أبو مُعَاوِيَةَ أخبرنا الأَعمَشُ عن إِبراهِيمَ عن مَسْرُوقٍ عن مُعَاذٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَهُ.
1575 - حدثنا هارُونُ بنُ زَيْدٍ بن أبي الزّرْقَاءِ أخبرنا أبي عن سُفْيَانَ عن
__________
بين الأمرين. والتبيع ذو الحول ذكراً كان أو أنثى "مسنة" : وهي ذات الحولين "ومن كل حالم" : أراد بالحالم من بلغ الحلم وجرى عليه حكم الرجال سواء احتلم أم لا كما فسره الراوي "ديناراً" : والمراد به الجزية ممن لم يسلم أي من أهل الذمة "أو عدله" : قال الخطابي: عدله أي ما يعادل قيمته من الثياب. قال الفراء: هذا عدل الشيء بكسر العين أي مثله في الصورة وهذا عدله بفتح العين إذا كان مثله في القيمة انتهى. وفي النهاية العدل الكسر والفتح وهما بمعنى المثل "المعافر" : وهكذا في رواية أحمد معافر بفتح الميم على وزن مساجد وفي بعض نسخ الكتاب المعافري، وهي برود باليمن منسوبة إلى معافر وهي قبيلة في اليمن إليهم تنسب الثياب المعافرية، يقال ثوب معافري. وفي سبل السلام: والحديث دليل على وجوب الزكاة في البقر وأن نصابها ما ذكر قال ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء أن السنة في زكاة البقر على ما في حديث معاذ وأنه النصاب المجمع عليه، وفيه دلالة على أنه لا يجب فيما دون الثلاثين شيء وفيه خلاف للزهري فقال يجب في كل خمس شاة قياساً على الإبل. وأجاب الجمهور بأن النصاب لا يثبت بالقياس وبأنه قد روى ليس فيما دون ثلاثين من البقر شيء، وهو إن كان مجهول الإسناد فمفهوم حديث معاذ يؤيده. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجة. وقال الترمذي هذا حديث حسن. وذكر أن بعضهم رواه مرسلا. وقال هذا أصح."قال يعلى ومعمر عن معاذ مثله": مراد المؤلف أن جريراً وشعبة وأبا عوانة ويحيى بن سعيد كلهم يروون عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا، ويعلى ومعمر روياه عن الأعمش متصلا بذكر معاذ. قال الترمذي: والرواية المرسلة أصح انتهى. وفي بلوغ المرام: والحديث حسنه الترمذي وأشار إلى اختلاف في وصله وصححه ابن حبان والحاكم انتهى. وإنما رجح الترمذي الرواية المرسلة لأنها اعترضت رواية الاتصال بأن مسروقا لم يلق معاذاً وأجيب عنه بأن مسروقا همداني النسب ويماني الدار وقد كان في أيام معاذ باليمن، فاللقاء ممكن بينهما فهو محكوم باتصاله على رأي الجمهور، وكأن رأي الترمذي رأي البخاري أنه لا بد من تحقق اللقاء والله أعلم.

(4/320)


الأعْمَشِ عن أبي وَائِلٍ عن مَسْرُوقٍ عن مُعاذِ بنِ جَبَلٍ قالَ: بَعَثَهُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْيَمَنِ. فَذَكَرَ مِثْلَهُ ولَمْ يَذْكُرْ ثِيَاباً تَكُونُ بالْيَمَنِ وَلا ذَكَرَ - يَعْني: مُحْتَلِمٍ[محتلما].
قال أَبُو دَاوُد: رَوَاهُ جَرِيرٌ وَيَعْلَى وَمَعْمَرٌ وَشُعْبَةُ وَأَبُو عَوَانَةَ وَيَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عن الأعمَشِ عن أبي وَائِلٍ عن مَسْرُوقٍ. قال يَعْلَى وَمَعْمَرٍ عن مُعَاذٍ مِثْلَهُ.
1576 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا أبُو عَوَانَةَ عن هِلاَلِ بنِ خَبّابٍ عن مَيْسَرَةَ أبي صَالحٍ عن سُوَيْدِ بنِ غَفَلَةَ قال: سِرْتُ أوْ قال أخبرَنِي مَنْ سَارَ مَعَ مُصَدّقِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فإِذَا في عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أن لا تأْخُذَ مِنْ رَاضِعِ لَبَنٍ، ولا تَجْمَعَ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ[متفرق] وَلا تُفَرّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، وكَانَ إِنّمَا يَأْتِي الْمِيَاهَ حِينَ تَرِدُ الْغَنَمُ فَيَقُولُ: أَدّوا صَدَقَاتِ أمْوَالِكُمْ. قالَ: فَعَمَدَ رَجُلٌ منْهُمْ إِلَى نَاقَةٍ كَوْمَاءٍ. قالَ قُلْتُ: يَا أَبَا صَالحٍ مَا الْكَوْمَاءُ؟ قال: عَظِيمَةُ السّنَامِ. قال فأَبَى أن يَقْبَلَهَا. قال: إِنّي أُحِبّ أَنْ تَأْخُذَ خَيْرَ إِبِلِي. قال: فأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا قال: فَخَطَمَ لَهُ أُخْرَى دُونَهَا، فأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا. ثُمّ خَطَمَ لَهُ أُخْرَى دُونَهَا فَقَبِلَهَا وَقالَ: إِنّي آخِذُهَا وَأَخَافُ أَنْ يَجِدَ عَلَيّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ لِي عَمَدْتَ إِلَى رَجُلٍ فَتَخَيّرْتَ عَلَيْهِ إِبْلَهُ.
__________
"من سار مع مصدق" : في القاموس: المصدق كمحدث آخذ الصدقة والمتصدق معطيها "في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم" : يعني كتابه "أن لا تأخذ" : بصيغة الخطاب "من راضع لبن" : في النهاية أراد بالراضع ذات الدر واللبن، وفي الكلام مضاف محذوف تقديره ذات راضع فأما من غير حذف فالراضع الصغير الذي يرضع. ونهيه عن أخذها لأنه خيار المال، ومن زائدة. وقيل هو أن يكون عند الرجل الشاة الواحدة واللقحة قد اتخذها للدر فلا يؤخذ منها شيء وقال العلامة السندي: أي لا نأخذ صغيراً يرضع اللبن أو المراد ذات لبن بتقدير المضاف أي ذات راضع لبن. والنهي عن الثاني لأنها من خيار المال. وعلى الأول لأن حق الفقراء في الأوساط وفي الصغار إخلال بحقهم. وقيل المعنى أن ما أعدت للدر لا يؤخذ منها شيء انتهى "يأتي المياه" : جمع ماء "ترد" : للسقي "فعمد" : قصد "كوماء" : بفتح الكاف وسكون الواو أي مشرفة السنام عاليته "فأبى" : المصدق "قال" : الرجل المتصدق "فخطم له أخرى" : أي قادها إليه بخطامها. والإبل إذا أرسلت في مسارحها لم يكن عليها خطم وإنما تخطم إذا أراد ردها "دونها أي أدنى قيمة من الأولى أن يجد" : أي يغضب "عمدت" : بفتح الميم قال المنذري:

(4/321)


قال أَبُو دَاوُد: رَوَاهُ هُشَيْمٌ عن هِلاَلِ بنِ خَبّابٍ نَحْوَهُ، إِلاّ أَنّهُ قال: لا يُفَرّقُ.
1577 - حدثنا مُحمّدُ بنُ الصّبّاحِ الْبَزّازُ أخبرنا شَرِيكٌ عن عُثْمانَ بنِ أبي زُرْعَةَ عن أبي لَيْلَى الْكِنْدِيّ عن سُوَيْدِ بنِ غَفَلَةَ قال: أَتَانَا مُصَدّقُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ وَقَرَأْتُ في عَهْدِهِ: لا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ[متفرق] وَلا يُفَرّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصّدَقَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ رَاضِعَ لَبَنٍ.
قال أَبُو دَاوُد: بَيْنَ لا تَجْمعْ وَلا يُجْمَعْ حُكْمٌ.
1578 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ أخبرنا وَكِيعٌ عن زَكَرِيّا بن إِسْحَاقَ المَكّيّ عن عَمْرِو بنِ أبي سُفْيَانَ الْجُمَحِيّ عن مُسْلِمِ بنِ ثَفِثَةَ الْيَشْكُرِيّ. قال الْحَسَنُ رَوْحٌ يَقُولُ مُسْلِمُ بنُ شُعْبَةَ قال: اسْتَعْمَلَ نَافِعٌ بنُ عَلْقَمَةَ أَبِي عَلَى عِرَافَةِ قَوْمِهِ فأَمَرَهُ أَنْ يُصَدّقَهُمْ.
__________
وأخرجه النسائي وابن ماجة وفي إسناده هلال بن خباب وقد وثقه غير واحد وتكلم فيه بعضهم انتهى "إلا أنه قال لا يفرق" : أي بصيغة النائب المجهول، وأما في الرواية الأولى فبصيغة الحاضر المعروف والله أعلم. "فأخذت بيده" : أي أخذت السند فيه ذكر أخذ الصدقة "وقرأت في عهده" : أن في سنده وكتابه "قال أبو داوود": من ههنا إلى قوله حكم ما وجد إلا في نسخة واحدة "بين" : رواية "لا تجمع" : بصيغة الحاضر والخطاب للمصدق كما في رواية أبي عوانة عن هلال بن خباب "و" : بين رواية "لا يجمع" : أي بصيغة الغائب المجهول كما في رواية أبي ليلى الكندي "حكم": مغاير بينهما لأن الأول هو خاص بالنهي للمصدق ولا يدخل المتصدق تحت هذا النهي، والثاني هو عام بالنهي للمصدق والمتصدق، فإن المصدق يطلب منفعته والمتصدق يريد فائدة نفسه فأمر لهما أن لا يجمعوا بين متفرق ولا يفرقوا بين مجتمع خشية الصدقة والله أعلم.
"مسلم بن ثفنة": قال الذهبي وابن حجر: كلاهما في المشتبه بمثلثة وفاء ونون مفتوحات والأصح مسلم بن شعبة. وقال المزي في التهذيب: مسلم بن ثفنة ويقال ابن شعبة البكري ويقال اليشكري: قال أحمد بن حنبل: أخطأ وكيع في قوله ابن ثفنة والصواب ابن شعبة وكذا قال الدارقطني. وقال النسائي: لا أعلم أحداً تابع وكيعاً على قوله ابن ثفنة. قال السيوطي "روح": مبتدأ "يقول مسلم": خبره "استعمل نافع بن علقمة" : هو فاعل استعمل "أبي" : مفعول استعمل "عرافة" : بكسر العين هو القيم بأمور القبيلة "أن يصدقهم" : أي يأخذ صدقتهم "سعر"

(4/322)


قال: فَبَعَثَنِي أَبِي في طَائِفَةٍ منْهُمْ، فأَتَيْتُ شَيْخاً كَبِيراً يُقَالُ لَهُ سِعْرٌ [سِعْرُ بنُ دَيْسَم] فَقُلْتُ إِنّ أَبِي بَعَثَنِي إِلَيْكَ - يَعْني لأَصَدّقَكَ. قال: ابنَ أخِي وَأَيّ نَحْوٍ تَأْخُذونَ؟ قُلْتُ: نَخْتَارُ حَتّى إِنّا نُبَيّنُ[نتبين] ضُرُوعَ الْغَنَمِ. قال: ابنَ أخِي فإِنّي أُحَدّثُكَ[محدثك] أَنّي كُنْتُ في شِعْبٍ مِنْ هَذِهِ الشّعَابِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في غَنَمٍ لِي فَجَاءَنِي رَجُلاَنِ عَلَى بَعِيرٍ فَقالا لِي: إِنّا رَسُولاَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم إِلَيْكَ لِتُؤَدّيَ صَدَقَةَ غَنَمِكَ، فَقُلْتُ: ما عَلَيّ فيهَا؟ فَقَالا: شَاةٌ، فَعَمَدْتُ[فأعمد] إِلَى شَاةٍ قَدْ عَرَفْتُ مَكَانَهَا مُمْتَلِئَة مَحْضاً[مخضا] وَشَحْماً فأَخْرَجْتُهَا إِلَيْهِمَا، فَقَالا: هَذِهِ شَاةُ[الشاة] الشّافِعِ، وَقَدْ نَهَانَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ نأْخُذَ شَافِعاً قُلْتُ: فأَيّ شَيْء تأْخُذَانِ؟ قالا: عَنَاقا جَذَعَةً أوْ ثَنِيّةً. قال: فأَعْمِدُ إِلَى عَنَاقٍ مُعْتَاطٍ - وَالمُعْتَاطُ التي لم تَلِدْ وَلداً وَقَدْ
__________
بكسر السين وسكون العين المهملتين وآخره راء كذا في جامع الأصول. وقال المنذري: سعر بكسر السين وسكون العين المهملتين وآخره راء مهملة هو سعر الدولي ذكر الدارقطني وغيره أن له صحبة. وقيل كان في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما جاء في هذا الحديث. وفي كتاب ابن عبد البر بفتح السين المهملة وهو ابن ديسم بفتح الدال المهملة وسكون الياء التحتية وفتح السين المهملة الكناني الديلي، روى عنه ابنه جابر هذا الحديث انتهى "قال ابن أخي" : بحذف حرف النداء "إنا نبين" : من البيان أي نقدر، هكذا في بعض النسخ إنا نبين، وأما في أكثر النسخ إنا نشبر أي نمسح بالشبر لنعلم جودتها وفي بعض النسخ نسبر بالنون ثم السين المهملة. قال في النهاية: أسبر أي أختبر وأعتبر وأنظر انتهى "محضاً" : بالحاء المهملة والضاد المعجمة قاله السيوطي. قال الخطابي: المحض اللبن. وقال ابن الأثير: أي سمينة كثير اللبن. وقد تكرر في الحديث بمعنى اللبن مطلقاً انتهى "الشاة الشافع" : قال ابن الأثير: هي التي معها ولدها سميت به لأن ولدها شفعها وشفعته هي فصارا شفعاً، وقيل شاة شافع إذا كان في بطنها ولدها ويتلوها آخر. وقال في رواية شاة الشافع بالإضافة كقولهم صلاة الأولى ومسجد الجامع انتهى. وقال الخطابي: الشافع الحامل "قالا عناقا" : بفتح العين الأنثى من ولد المعز أتى عليها أربعة أشهر وإن كان ذكراً فهو جدي. قال الخطابي: وهذا يدل على أن غنمه كانت ماعزة ولو كانت ضائنة لم تجزه العناق ولا يكون العناق إلا الأنثى من المعز. وقال مالك: الجذع يؤخذ من الماعز والضأن.
وقال الشافعي: يؤخذ من الضأن ولا يؤخذ من المعز إلا الأنثى. وقال أبو حنيفة: لا تؤخذ الجذعة من الضأن ولا من الماعز انتهى "معتاط" : بالميم والعين والمثناة الفوقية وآخره الطاء.

(4/323)


حَانَ وَلاَدُهَا - فأَخْرَجْتُهَا إِلَيْهِمَا، فَقَالا: نَاوِلْنَاها، فَجَعَلاها معهما على بَعِيرِهما ثُمّ انْطَلَقَا.
قال أَبُو دَاوُد: أبُو عَاصِمٍ رَوَاهُ عن زَكَرِيّا قال أيضاً مُسْلِمُ بنُ شُعْبَةَ كما قالَ رَوْحٌ.
1579 - حدثنا مُحمّدُ بنُ يُونُسَ النّسَائيّ أخبرنا رَوْحٌ حدثنا زَكَرِيّا بنُ إِسْحَاقَ بإِسْنَادِهِ بِهذَا الحديثِ. قالَ مُسْلِمُ بنُ شُعْبَةَ قالَ فيه: وَالشّافِعُ التي في بَطْنِهَا الْوَلَدُ.
قال أَبُو دَاوُد: وَقَرَأْتُ في كِتَابِ عبد الله بنِ سَالِمٍ بِحِمْصَ عِنْدَ آلِ عَمْرِو بنِ الْحَارِثِ الْحِمْصِيّ عن الزّبَيْدِيّ قالَ وَأخبرني يَحْيَى بنُ جَابِرٍ عن جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ عن عبد الله بنِ مُعَاوِيَةَ الْغَاضِرِيّ: مِنْ غَاضِرَةِ قَيْسٍ قالَ قالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "ثَلاَثٌ مَنْ فَعَلَهُنّ
__________
قال الخطابي: والمعتاط من الغنم هي التي امتنعت عن الحمل لسمنها وكثرة شحمها، يقال اعتاطت الشاة وشاة معتاط "أبو عاصم رواه": أي الحديث عن زكريا بن إسحاق فقال في إسناده مسلم بن شعبة كما قال روح عن زكريا بن إسحاق، فاتفاق أبي عاصم وروح يدل على وهم وكيع فإنه قال مسلم بن ثفنة وتقدم بيانه.
"وقرأت في كتاب عبد الله بن سالم": الأشعري الحمصي ولم يدركه أبو داوود لأن عبد الله بن سالم من الطبقة السابعة وهي طبقة كبار أتباع التابعين كمالك والثوري ولذا قال المنذري الحديث منقطع "عن الزبيدي": هو محمد بن الوليد القاضي الحمصي روى عنه عبد الله بن سالم "قال": الزبيدي "وأخبرني يحيى بن جابر": الطائي قاضي حمص كما أخبرني غير يحيى "عن جبير بن نفير": هكذا في عامة النسخ الموجودة، لكن قال الحافظ ابن حجر في الإصابة: روى أبو داوود والطبراني من طريق يحيى بن جابر عن عبد الرحمن بن جبير عن أبيه عن عبد الله بن معاوية. وأخرج البخاري في تاريخه من طريق يحيى بن جابر أن عبد الرحمن بن جبير بن نفير حدثه أن أباه حدثه أن عبد الله بن معاوية الغاضري حدثهم انتهى. والذي في الإصابة من رواية أبي داوود هو الصحيح والنسخ التي بأيدينا سقط منها لفظ عبد الرحمن بن جبير بين يحيى بن جابر وجبير بن نفير وتؤيده رواية البخاري في التاريخ. وأيضاً يحيى بن جابر الحمصي يروي عن عبد الرحمن بن جبير لا عن أبيه جبير بن نفير "عن عبد الله بن معاوية الغاضري": صحابي نزل حمص. قال أبو حاتم الرازي وابن حبان: له صحبة كذا في الإصابة. قال المنذري: الحديث أخرجه أبو داوود منقطعاً وذكره أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة مسنداً، وذكره أيضاً أبو القاسم الطبراني وغيره مسنداً.

(4/324)


فَقَدْ طَعِمَ طَعْمَ اْلإِيمَانِ: مَنْ عَبَدَ الله وَحْدَهُ وَأَنّهُ لاَ إِلَهَ إِلاّ الله، وَأَعْطَى زَكَاةَ مَالِهِ طَيّبَةً بِهَا نَفْسُهُ رَافِدَةَ عَلَيْهِ كلّ عَامٍ، وَلا يُعْطَى الْهَرِمَةَ وَلا الدّرِنَةَ وَلا المَرِيضَةَ وَلا الشّرَطَ اللّئِيمَةَ، وَلَكِنْ مِنْ وَسَطِ أَمْوالِكُمْ، فإِنّ الله لَم يَسْأَلْكُمْ خَيْرَهُ وَلا[لم] يَأْمُرْكُمْ بِشَرّهِ".
1580 - حدثنا مُحمّدُ بنُ مَنْصُورٍ أخبرنا يَعْقُوبُ بنُ إِبراهِيمَ أخبرنا أبِي عنْ ابنِ إِسْحَاقَ حَدّثَني عبد الله بنُ أبي بَكْرٍ عن يَحْيَى بنِ عبد الله بنِ عبد الرحمن بنِ سَعْدِ بنِ زُرَارَةَ عن عُمَارَةَ بنِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ عن أُبَيّ بنِ كَعْبٍ قال: بَعَثَنِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مُصَدّقا فَمَرَرْتُ بِرَجُلٍ فَلمّا جَمَعَ لِي مَالَهُ لم أَجِدْ عَلَيْهِ فيه إِلاّ ابْنَةَ مَخَاضٍ، فَقُلْتُ لَهُ: أَدّ ابْنَةَ مَخَاضٍ فإِنّهَا صَدَقَتُكَ، فَقَالَ: ذَاكَ[فقال:ذلك] ما لا لَبَنَ فِيهِ وَلاَ ظَهْرَ وَلَكِنْ هَذِهِ نَاقَةٌ فَتِيّةٌ عَظِيمَةٌ سَمِينَةٌ فَخُذْهَا، فَقُلْتُ لَهُ مَا أَنا بِآخِذٍ ما لَمْ أُوْمَرْ بِهِ، وَهَذَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مِنْكَ قَرِيبٌ. فإِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ تَأْتِيَهُ فَتَعْرِضَ عَلَيْهِ مَا
__________
وعبد الله بن معاوية هذا له صحبة وهو معدود في أهل حمص وقيل: إنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثاً واحداً انتهى "من غاضرة قيس": غاضرة هو أبو قبيلة. قال في اللسان والغواضر آل قيس وغاضرة قبيلة من أسد وهم بنو غاضرة بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد. وغاضرة حي من بني غالب بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن. وغاضرة أمه. وغاضرة بطن من ثقيف ومن بني كندة، هكذا في تاج العروس.
وفي المغني لمحمد طاهر الغاضري بكسر الضاد المعجمة منسوب إلى غاضرة بن مالك ومنه عبد الله بن معاوية والله أعلم "رافدة عليه" : الرافدة فاعلة من الرفد وهو الإعانة، يقال رفدته أرفده إذا أعنته أي تعينه نفسه على أداء الزكاة "ولا الدرنة" : بفتح الدال المهملة بعدها راء مكسورة ثم نون وهي الجرباء، قاله الخطابي. وأصل الدرن الوسخ كما في القاموس "ولا الشرط" : بفتح الشين المعجمة والراء. قال أبو عبيد: هي صغار المال وشراره. وقال الخطابي: والشرط رذالة المال "اللئيمة" : البخيلة باللبن ويقال لئيم للشحيح والدني النفس والمهين "ولكن من وسط أموالكم" : فيه دليل على أنه ينبغي أن يخرج الزكاة من أوساط المال لا من شراره ولا من خياره.
"لم أجد عليه" : أي لم أجد على ذمته من الصدقة المفروضة "إلا ابنة مخاض" : وهي التي أتى عليها حول ودخلت في السنة الثانية "فقال ذاك" : أي بنت المخاض لا ينتفع بها لا بلبن ولا بركوب "فتية" : بفتح الفاء وتشديد الياء الشابه القوية "أن تأتيه" : أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما عرضت" ما

(4/325)


عَرَضْتَ عَلَيّ فَافْعَلْ، فإِنْ قَبِلَهُ مِنْكَ قَبِلْتُهُ وَإِنْ رَدّهُ عَلَيْكَ رَدَدْتُهُ. قالَ فإِنّي فَاعِلٌ، فَخَرَجَ مَعِيَ، وَخَرَجَ بالنّاقَةِ الّتِي عَرَضَ عَلَيّ حَتّى قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لَهُ يَا نَبيّ الله أَتَانِي رَسُولُكَ لِيَأْخُذَ مِنّي صَدَقَةَ مَالِي وَايْمُ الله مَا قامَ في مَالِي رَسُولُ الله وَلا رَسُولُهُ قَطّ قَبْلَهُ فَجَمَعْتُ لَهُ مَالِي، فَزَعَمَ أَنّ مَا عَلَيّ فِيهِ ابْنَةُ مَخَاضٍ، وَذَلِكَ مَا لاَ لَبَنَ فِيهِ وَلاَ ظَهْرَ، وَقَدْ عَرَضْتُ عَلَيْهِ نَاقَةً عَظِيمَةً فَتِيّةً لِيَأْخُذَهَا فأَبَى عَلَيّ وَهَا هِيَ ذِهْ قَدْ جِئْتُكَ بِهَا يَا رَسُولَ الله خُذْهَا. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ذَاكَ الّذِي عَلَيْكَ فإِنْ تَطَوّعْتَ بِخَيْرٍ آجَرَكَ الله فِيهِ وَقَبِلْنَاهُ مِنْكَ". قالَ فَهَا هِيَ ذِهْ يَا رَسُولَ الله قَدْ جِئْتُكَ بِهَا فَخُذْهَا. قالَ: فَأَمَرَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِقَبْضِهَا وَدَعَا لَهُ فِي مَالِهِ بالْبَرَكَةِ.
1581 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرَنا وَكِيعٌ أخبرنا زَكَرِيّا بنُ إِسْحَاقَ المَكّيّ عن يَحْيَى ابنِ عبد الله بن صَيْفِيّ عن أبي مَعْبَدٍ عن ابن عَبّاسٍ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم بَعَثَ مُعاذاً إلَى الْيَمَنِ فَقالَ: "إِنّكَ تَأْتِي قَوْماً أَهْلِ الْكِتَابِ فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاّ الله وَأَنّي رَسُولُ الله فإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنّ الله افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْس صَلَوَاتٍ
__________
موصولة "فخرج" : الرجل "أن ما عليّ" : اسم أن "فيه" : في مالي "ابنه مخاض" : خبر أن "وها" : للتنبيه "هي" : الناقة "ذه" : هذه موجودة "ذاك" : أي بنت مخاض "الذي عليك" : فرض. قال المنذري: في إسناده محمد بن إسحاق وقد تقدم اختلاف الأئمة في الاحتجاج بحديثه انتهى.
قلت: محمد بن إسحاق ههنا صرح بالتحديث فتقبل روايته لأنه ثقة، وثقه جماعة من الأئمة وإنما نقم عليه التدليس.
"بعث معاذاً" : بضم الميم أي أرسل وكان بعثه سنة عشر قبل حج النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكره البخاري في أواخر المغازي وفيه أقوال أخرى ذكرها الواقدي وابن سعد، واتفقوا على أنه لم يزل باليمن إلى أن قدم في عهد أبي بكر ثم توجه إلى الشام فمات بها "أهل الكتاب" : اليهود والنصارى. قال الطيبي: قيد قوله قوماً أهل الكتاب ومنهم أهل الذمة وغيرهم من المشركين تفضيلا لهم أو تغليباً على غيرهم "فادعهم" : إنما وقعت البداية بالشهادتين لأنهما أصل الدين الذي لا يصح شيء غيرهما إلا بهما. فمن كان منهم غير موحد فالمطالبة متوجهة إليه بكل واحدة من الشهادتين على التعيين، ومن كان موحداً فالمطالبة بالجمع بين الإقرار بالوحدانية والإقرار بالرسالة، وإن كانوا ما يقتضي الإشراك، أو يستلزمه فيكون مطالبتهم بالتوحيد لنفي ما يلزم من عقائدهم "فإن هم أطاعوك لذلك" : استدل به على أن الكفار غير مخاطبين بالفروع

(4/326)


في كُلّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنّ الله افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدّ في فُقَرَائِهِمْ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فإِيّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ فإِنّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الله حِجَابٌ".
__________
حيث دعوا أولا إلى الإيمان فقط ثم دعوا إلى العمل ورتب عليه بالفاء وفيه بحث ذكره الحافظ في الفتح "صدقة" : أي زكاة لأموالهم "تؤخذ من أغنيائهم" : استدل به على أن الإمام هو الذي يتولى قبض الزكاة وصرفها إما بنفسه وإما بنائبه، فمن أمتنع منهم أخذت منه قهراً "في فقرائهم" : أي المسلمين. واستدل به على أنه يكفي إخراج الزكاة في صنف واحد.
قال الخطابي: وقد يستدل به من لا يرى المديون زكاة إذا لم يفضل من الدين الذي عليه قدر نصاب لأنه ليس بغني إذا خرج ماله مستحقاً لغرمائه. وفيه دليل على أن تدفع إلى جيرانها وأن لا تنقل من بلد إلى بلد آخر انتهى. وجوز البخاري والحنفية نقل الزكاة ومعهم أدلة صحيحة والله أعلم "وكرائم أموالهم" : منصوب بفعل مضمر لا يجوز إظهاره. والكرائم جمع كريمة أي نفيسة. وفيه دليل على أنه لا يجوز للمصدق أخذ خيار المال لأن الزكاة لمواساة الفقراء، فلا يناسب ذلك الإجحاف بالمالك إلا برضاه.
قال الطيبي: فيه دليل على أن تلف المال يسقط الزكاة ما لم يقصر في الأداء وقت الإمكان أي بعد الوجوب "واتق دعوة المظلوم" : فيه تنبيه على المنع من جميع أنواع الظلم والنكتة في ذكره عقب المنع من أخذ كرائم الأموال الإشارة إلى أن أخذها ظلم "حجاب" : أي ليس لها صارف يصرفها ولا مانع. والمراد مقبولة وإن كان عاصياً كما جاء في حديث أبي هريرة عند أحمد مرفوعاً: دعوة المظلوم مستجابة وإن كان فاجراً ففجوره على نفسه. وإسناده حسن. وقد احتج به أنها تجب في مال المجنون والطفل الغني لعموم قوله من أغنيائهم قاله عياض، وفيه بحث. وفيه دليل على بعث السعاة وتوصية الإمام عامله فيما يحتاج إليه من الأحكام وقبول خبر الواحد ووجوب العمل به.
وقد استشكل عدم ذكر الصوم والحج في الحديث مع أن بعث معاذ كان في آخر الأمر كما تقدم، وأجاب ابن الصلاح بأن ذلك تقصير من بعض الرواة، وتعقب بأنه يفضي إلى ارتفاع الوثوق بكثير من الأحاديث النبوية لاحتمال الزيادة والنقصان، وأجار الكرماني بأن اهمتام الشارع بالصلاة والزكاة أكثر ولهذا كرر في القرآن، فمن ثم لم يذكر الصوم والحج في هذا الحديث مع أنهما من أركان الإسلام، كذا في فتح الباري ملخصاً محرراً. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة.

(4/327)


1582 - حدثنا قُتَيْبَةَ بنُ سَعِيدٍ أخبرَنا اللّيْثُ عن يَزِيدَ بنِ أبي حَبِيبٍ عن سَعْدِ بنِ سِنانٍ عن أَنَسٍ بن مالِكٍ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "المُعْتَدِي[المتعدي] فِي الصّدَقَةِ كَمانِعِها".
__________
"المعتدي" : هو أن يعطي الزكاة غير مستحقيها، وقيل أراد أن الساعي إذا أخذ خيار المال ربما منعها في السنة الأخرى فيكون سبباً في ذلك فهما في الإثم سواء. قال في شرح السنة: معنى الحديث أن على المعتدي في الصدقة من الإثم ما على المانع فلا يحل لرب المال كتمان المال وإن اعتدى عليه الساعي. قال الطيبي: يريد أن المشبه به في الحديث ليس بمطلق بل مقيد بقيد الاستمرار في المنع فإذا فقد القيد فقد التشبيه انتهى. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجة. وقال الترمذي حديث أنس حديث غريب من هذا الوجه. وقد تكلم أحمد بن حنبل في سعد بن سنان انتهى. وسعد بن سنان كندي مصري تكلم فيه غير واحد من الأئمة واختلف فيه فقيل سعد بن سنان وقيل سنان بن سعد وقال البخاري: والصحيح سنان بن سعد، وذكره أبو سعيد بن يونس في تاريخ المصريين في باب سنان ولم يذكر سواه انتهى كلامه.

(4/328)


5 - باب رضاء المصدّق
1583 - حدثنا مَهْدِيّ بنُ حَفْصٍ وَمُحمّدُ بنُ عُبَيْدٍ المَعْنَى قالا أخبرنا حَمّادٌ عن أيّوبَ عن رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ دَيْسَمٌ. وَقال ابنُ عُبَيْدٍ مِنْ بَنِي سَدُوسٍ عن بَشِيرٍ بنِ الْخَصَاصِيّةِ.
قالَ ابنُ عُبَيْدٍ في حَدِيثِهِ وَما كَانَ اسْمُهُ بَشِيراً، وَلَكِنْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم سَمّاهُ بَشِيراً. قالَ: قُلْنا إِنّ أَهْلَ الصّدَقَةِ يَعْتَدُونَ عَلَيْنَا أَفَنَكْتُمُ مِنْ أَمْوَالِنَا بِقَدْرِ ما يَعْتَدُونَ عَلَيْنَا فَقالَ: "لاَ".
__________
باب رضاء المصدّق
أي الساعي الذي يأخذ الصدقات من الناس"من بني سدوس": صفة رجل "الخصاصية": بتشديد الياء تحتها نقطتان. كذا في جامع الأصول. قال الطيبي: وقيل بالتخفيف وهو بشير ابن معبد وقيل بشير بن يزيد وهو المعروف بابن الخصاصية بتشديد الياء وهي أمه، وقيل منسوبة إلى خصاص وهو قبيلة من أزد "إن أهل الصدقة" : أي أهل أخذ الصدقة من العمال "يعتدون

(4/328)


1584 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ وَيَحْيَى بنُ مُوسَى قالا أخبرنا عبد الرزاق عنْ مَعْمَرٍ عن أيّوبَ بإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ إِلاّ أَنّهُ قالَ: قُلْنَا يَا رَسُولَ الله إِنّ أَصْحَابَ الصّدَقَةِ يَعْتَدُونَ.
قال أَبُو دَاوُد: رَفَعَهُ عَبْدُ الرّزّاقِ عنْ مَعْمَرٍ.
1585 - حدثنا عَبّاسُ بنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ وَمُحمّدُ بنُ المُثَنّى قالا أخبرنا بِشْرُ بنُ عُمَرَ عن أبي الْغُصْنِ عن صَخْرِ بنِ إِسْحَاقَ عن عبد الرحمن بنِ جَابِرِ بن عَتِيكٍ عن أبِيهِ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "سَيَأْتِيكُمْ رَكْبٌ مُبَغِضُونَ، فإِذَا جاؤُوكُمْ فَرَحّبُوا بِهِمْ وَخَلّوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَبْتَغُونَ فإِنْ عَدَلُوا فَلأَنْفُسِهِمْ، وإِنْ ظَلَمُوا فَعَلَيْهَا وَأَرْضُوهُمْ، فإِنّ تَمَامَ
__________
علينا" : أي يظلمون ويتجاوزون ويأخذون أكثر مما وجب علينا "فقال لا" قال ابن الملك: وإنما لم يرخص لهم في ذلك لأن كتمان بعض المال خيانة ومكر، ولأنه لو رخص لربما كتم بعضهم على عامل غير ظالم.
والحديث أخرجه أيضاً عبد الرزاق وسكت عنه أبو داوود والمنذري. وفي إسناده ديسم السدوسي ذكره ابن حبان في الثقات. وقال في التقريب. مقبول. وفي الباب عن جرير بن عبد الله وأبي هريرة عند البيهقي والحديث استدل به على أنه لا يجوز كتم شيء عن المصدقين وإن ظلموا وتعدوا قال ابن رسلان: لعل المراد بالمنع من الكتم أن ما أخذه الساعي ظلماً يكون في ذمته لرب المال. فإن قدر المالك على استرجاعه منه استرجعه وإلا استقر في ذمته. "رفعه عبد الرزاق عن معمر": معنى هذا الكلام أن في رواية حماد عن أيوب أن بشير بن الخصاصية قال قلنا ولم يذكر لمن قال هذا القول للنبي صلى الله عليه وسلم فيكون الحديث مرفوعاً أو للخلفاء بعده فيكون موقوفاً. وأما معمر عن أيوب فصرح في روايته أنه قال قلنا يا رسول الله، فمعمر عن أيوب رفعه وحماد عن أيوب لم يرفعه والله أعلم.
"جابر بن عتيك": بفتح العين وكسر التاء الفوقية "سيأتيكم ركب" : وهو اسم جمع للراكب أي سعاة وعمال للزكاة "مبغضون" : بفتح الباء والغين المشددة أي يبغضون طبعاً لا شرعاً لأنهم يأخذون محبوب قلوبهم. وقيل بسكون الباء وفتح الغين المخففة أي تبغضونهم لأنهم يأخذون الأموال "فإذا جاؤوكم فرحبوا بهم" : أي قولوا لهم مرحباً وأهلا وسهلا وأظهروا الفرح بقدومهم وعظموهم "وخلوا" : أي اتركوا "بينهم وبين ما يبتغون" : أي ما يطلبون من الزكاة. قال ابن الملك: يعني لا تمنعون وإن ظلموكم لأن مخالفتهم مخالفة السلطان لأنهم مأمورون من جهته

(4/329)


زَكَاتِكم رِضَاهُمْ، وَلْيَدْعُوا لَكُم".
قال أَبُو دَاوُد: أَبُو الْغُصْنِ هُوَ ثَابِتُ بنُ قَيْسٍ بنِ غصنٍ.
1586 - حدثنا أبو كَامِلٍ أخبرنا عَبْدُ الْوَاحِدِ بنِ زِيادٍ ح. وأخبرنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرَنا عَبْدُ الرّحِيمِ بنُ سُلَيْمانَ وَهَذَا حَدِيثُ أبي كَامِلٍ عنْ مُحمّدِ بنِ أبِي إِسْمَاعِيلَ أخبرَنا عبد الرحمن بنُ هِلاَلٍ الْعَبْسِيّ عنْ جَرِيرِ بنِ عبد الله قَالَ جَاءَ نَاسٌ
__________
ومخالفة السلطان تؤدي إلى الفتنة وهو كلام المظهر بناء على أنه عم الحكم في جميع الأزمنة. قال الطيبي: وفيه بحث لأن العلة لو كانت هي المخالفة لجاز الكتمان لكنه لم يجز لقوله في الحديث أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون قال: لا "فإن عدلوا" : أي في أخذ الزكاة "فلأنفسهم" : أي فلهم الثواب "وإن ظلموا" : بأخذ الزكاة أكثر مما وجب عليكم أو أفضل مما وجب "فعليها" : أي فعلى أنفسهم إثم ذلك الظلم وعليكم الثواب بتحمل ظلمهم "وأرضوهم" : أي اجتهدوا وبالغوا في إرضائهم بأن تعطوهم الواجب من غير مطل ومكث ولا غش ولا خيانة "فإن تمام زكاتكم" : أي كمالها كما وجب "رضاهم" : بالقصر وقد يمد أي حصول رضائهم ما أمكن "وليدعوا" : بسكون اللام وكسرها "لكم" : هو أمر ندب لقابض الزكاة ساعياً أو مستحقاً أن يدعوا للمزكي. وعلى تقدير أن تكون اللام مفتوحة للتعليل يكون المعنى أرضوهم لتتم زكاتكم وليدعوا. وفيه إشارة إلى أن الاسترضاء سبب لحصول الدعاء ووصول القبول.
قال الطيبي: فالمعنى أنه سيأتيكم عمال يطلبون منكم زكاة أموالكم والنفس مجبولة على حب المال فتبغضونهم وتزعمون أنهم ظالمون وليسوا بذلك وقوله عدلوا وظلموا مبني على هذا الزعم ولو كانوا ظالمين في الحقيقة والواقع كيف يأمرهم بالدعاء لهم بقوله ويدعوا لكم. قال المنذري: في إسناده أبو الغصن وهو ثابت بن قيس المدني الغفاري مولاهم وقيل مولى عثمان بن عفان. وقال الإمام أحمد بن حنبل: ثقة. وقال يحيى بن معين: وقال مرة ليس بذاك صالح، وقال مرة ليس به بأس. قال المنذري: وفي الرواة خمسة كل منهم اسمه ثابت بن قيس لا نعرف فيهم من تكلم فيه غيره انتهى كلامه.
"عن محمد بن أبي إسماعيل": أي عبد الواحد بن زياد وعبد الرحيم بن سليمان كلاهما
__________
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وفي الرواة خمسة كل منهم اسمه ثابت بن قيس لانعرف فيهم من تكلم فيه غيره.

(4/330)


يَعْنِي مِنَ الأَعْرَابِ إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا إِنّ نَاساً مِنَ المُصَدّقِينَ يَأْتُونَا فَيَظْلِمُونَا، قالَ فَقَالَ: "أَرْضُوا مُصَدّقِيكُمْ". قَالُوا يَا رَسُولَ الله وَإِنْ ظَلمُونَا قالَ: "أَرْضُوا مُصَدّقِيكُمْ" - زَادَ عُثْمانُ: "وَإِنْ ظُلِمْتُمْ".
قال أَبُو كامِلٍ في حَدِيثِهِ: قالَ جَرِيرٌ مَا صَدَرَ عَنّي مُصَدّقٌ بَعْدَ مَا سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم إِلاّ وَهُوَ عَنّي رَاضٍ.
__________
يرويان عن محمد بن أبي إسماعيل "فقال أرضوا مصدقيكم" معناه: أرضوهم ببذل الواجب وملاطفتهم وترك مشاقتهم، وهذا محمول على ظلم لا يفسق به الساعي. إذ لو فسق لانعزل ولم يجب الدفع إليه بل لا يجزى "ما صدر عني" : ما رجع عني. واخرجه مسلم والنسائي.

(4/331)


6 - باب دعاء المصدّق لأهل الصدقة
1587 - حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ النّمَرِيّ وَأَبُو الْوَلِيدِ الطّيَالِسِيّ المَعْنَى قالا أخبرنا شُعْبَةُ عنْ عَمْرِو بنِ مُرّةَ عنْ عبد الله بنِ أبِي أوْفَى قالَ: كَانَ أبي منْ أصْحَابِ الشَجَرَةِ، وَكانَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَتاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قالَ:: "اللّهُمّ صَلّ عَلَى آلِ فُلاَنٍ". قالَ: فأَتَاهُ أبي بِصَدَقَتِهِ فَقَالَ: "اللّهُمّ صلّ عَلَى آلِ أبِي أَوْفَى".
__________
باب دعاء المصدّق لأهل الصدقة
"قال كان أبي" : أي أبو أوفى "من أصحاب الشجرة" : أي الذين بايعوه صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان تحت الشجرة "قال اللهم صلي على آل فلان" : وفي بعض الرواية على فلان وفي أخرى عليهم "على آل أبي أوفى" : يريد أبا أوفى نفسه لأن الآل يطلق على ذات الشيء كقوله في قصة أبي موسى لقد أوتى مزماراً من مزامير آل داوود. وقيل لا يقال ذلك إلا حق الرجل الجليل القدر. واسم أبي أوفى علقمة بن خالد بن الحارث الأسلمي شهد هو وابنه عبد الله بيعة الرضوان تحت الشجرة. واستدل بهذا الحديث على جواز الصلاة على غير الأنبياء وكرهه مالك وأكثر العلماء. قال ابن التين: وهذا الحديث يعكر عليه. وقد قال جماعة من العلماء يدعو آخذ الصدقة للمصدق، بهذا الدعاء لهذا الحديث. وأجيب عنه بأن أصل الصلاة الدعاء إلا أنه يختلف بحسب المدعو له، فصلاة النبي صلى الله عليه وسلم على أمته دعاء لهم بالمغفرة، وصلاة أمته دعاء بزيادة القربة والزلفى ولذلك كانت لا تليق بغيره. وفيه دليل على أنه يستحب الدعاء عند أخذ الزكاة لمعطيها، وأوجبه بعض أهل الظاهر، وحكاه الحناطي وجها لبعض الشافعية وأجيب

(4/331)


__________
بأنه لو كان واجباً لعلمه النبي صلى الله عليه وآله وسلم السعاة، ولأن سائر ما يأخذه الإمام من الكفارات والديون وغيرها لا يجب عليه فيه الدعاء فكذلك الزكاة. وأما الآية فيحتمل أن يكون الوجوب خاصاً به، لكون صلاته صلى الله عليه وسلم سكناً لهم بخلاف غيره، وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة.

(4/332)


7 - باب تفسير أسنان الإبل
قال أَبُو دَاوُد: سَمِعْتُهُ مِنَ الرّيَاشِيّ وَأبي حَاتِمٍ وَغَيْرِهمَا، وَمِنْ كِتَابِ النّضْرِ بنِ شُمَيْلٍ، وَمَنْ كِتَابِ أبي عُبَيْدٍ، وَرُبّمَا ذَكَرَ أَحَدُهُمْ الْكَلِمَةَ، قالُوا: يُسَمّى الْحُوَارُ ثُمّ الْفَصِيلُ إذَا فَصَلَ ثُمّ تَكُونُ بِنْتُ مَخَاضٍ لِسَنَةٍ إِلَى تَمَامِ سَنَتَيْنِ، فإذا دَخَلَتْ في الثّالِثَةِ فَهِيَ ابْنَةُ لَبُونٍ، فإذا تَمّتْ لَهُ ثَلاَثُ سِنِينَ فَهُوَ حِقّ وَحِقّةٌ إلَى تمَامِ أَرْبَعِ سِنِينَ لأَنّهَا
__________
باب تفسير أسنان الإبل
جمع سنّ بمعنى العمر وهي مؤنثة. قال في اللسان: وجمعها أسنان لا غير. وفي حديث عثمان: وجاوزت أسنان أهل بيتي أي أعمارهم. والمعنى باب أعمار الإبل، وأما السن من الفم فهي مؤنثة أيضاً وجمعها الأسنان أيضاً، مثل حمل وأحمال والله أعلم. "سمعته من الرياشي": بكسر الراء ثم الياء التحتانية المخففة اسمه عباس بن الفرج البصري النحوي وثقه ابن حبان والخطيب "وأبي حاتم" الرازي اسمه محمد بن إدريس الحافظ الكبير روى عن ابن معين وأحمد والأصمعي وجماعة. قال النسائي ثقة، وقال الخطابي: كان أحد الأئمة الحفاظ الأثبات "من كتاب النضر بن شميل": الكوفي النحوي وثقه ابن معين والنسائي، وكتابه في غريب الحديث "ومن كتاب أبي عبيد": القاسم بن سلام البغدادي صاحب التصانيف. قال أبو داوود: ثقة مأمون وكتابه في غريب الحديث، "وربما ذكر أحدهم": ممن ذكر وأوهم الرياشي وأبو حاتم والنضر وأبو عبيد "الكلمة" مفعول ذكر أي ذكر واحد منهم بعض الألفاظ ولم يذكره غيره. والحاصل: أني أحرر الألفاظ في تفسير الأسنان آخذاً من كلام هؤلاء فربما اتفقوا جميعهم على تفسير بعض الألفاظ وربما انفرد به بعض دون بعض ولكن أنا لا أتركه بل أحرره على وجه الاستيعاب والله أعلم "يسمى الحوار": بضم الحاء وقد تكسر ولد الناقة ساعة تضعه أو إلى أن يفصل عن أمه. كذا في القاموس. وفي الصحاح الحوار ولد الناقة ولا يزال حواراً حتى يفصل فإذا فصل عن أمه فهو فصيل "حق وحقة": قال الجوهري: الحق بالكسر ما كان من الإبل ابن ثلاث سنين وقد دخل في الرابعة، والأنثى حقة وحق أيضاً، سمي بذلك لاستحقاقه أن

(4/332)


اسْتَحَقّتْ أَنْ تُرْكَبَ وَيُحْمَلَ عَلَيْهَا الْفَحْلُ وَهي تَلْقَحُ وَلا يُلْقَحُ الذّكَرُ حتى يُثَنّي. وَيُقَالُ لِلْحِقّةِ طَرُوقَةُ الْفَحْلِ لأَنّ الْفَحْلَ يَطْرُقُهَا إلَى تمَامِ أَرْبَعِ سِنينَ، فإِذَا طَعَنَتْ في الْخَامِسَةِ فَهِيَ جَذَعَةٌ حتى يَتِمّ لَها خَمْسُ سِنينَ، فإذا دَخَلَتْ في السّادِسَةِ وَأَلْقَى ثَنِيّةً[ثنيته] فَهُوَ حِينَئِذٍ ثَنِيّ حتى يَسْتَكْمِلَ سِتّا، فإذا طَعَنَ في السّابِعَةِ سُمّي الذّكَرُ رَبَاعِيّ[رباعيا] وَالأُنْثَى رَبَاعِيّةً[رباعا] إلَى تمَامِ السّابِعَةِ، فإذا دَخَلَ في الثّامِنَةِ وَأَلْقَى السّنّ السّدِيسَ الّذِي بَعْدَ الرّبَاعِيَةِ فَهُوَ سَدِيسٌ وَسَدَسٌ إلَى تمَامِ الثّامِنَةِ، فإذا دَخَلَ في
__________
يحمل عليه وأن ينتقع به "لأنها": أي الحقة "الفحل": للذكر من الإبل أي يضربها الفحل ويقضي حاجته منها "وهي تلقح": يقال: لقحت الناقة تلقح إذا حملت فاستبان حملها. والمعنى أن الناقة إلى تمام أربع سنين تكون قابلة لضرب الفحل وتكون حاملة "ولا يلقح": بصيغة المجهول "الذكر": قال في القاموس وشرحه: واللقاح اسم ماء الفحل من الإبل أو الخيل هذا هو الأصل والمعنى أن الذكر من الإبل لا يصير قابلا للضرب وصب ماء الفحل "حتى يثني": الإبل أي يستكمل ستاً من السنين بإلقاء ثنيته.
قال في لسان العرب: الثنية واحدة الثنايا من السن وثنايا الإنسان في فمه الأربع التي في مقدم فيه ثنتان من فوق وثنتان من أسفل. قال ابن سيده: وللإنسان والخف والسبع ثنيتان من فوق وثنيتان من أسفل، والثني من الإبل الذي يلقي ثنيته وذلك في السادسة، وإنما سمي البعير ثنياً لأنه ألقى ثنيته. قال الجوهري: الثني الذي يلقى ثنيته ويكون ذلك في الظلف، والحافر في السنة الثالثة، وفي الخف في السنة السادسة "وألقى السن السديس": بفتح السين وكسر الدال هو السن التي بعد الرباعية. والسديس والسدس من الإبل والغنم الملقي سديسه، وقد أسدس البعير إذا ألقى السن بعد الرباعية وذلك في السنة الثامنة "بعد الرباعية": قال في اللسان: والرباعية مثل الثمانية إحدى الأسنان الأربعة التي تلي الثنايا بين الثنية والناب تكون للإنسان وغيره والجمع رباعيات قال الأصمعي للإنسان من فوق ثنيتان ورباعيتان بعدهما ونابان وضاحكان وستة أرحاء من كل جانب وناجذان، وكذلك من أسفل. قال أبو زيد: وللحافر بعد الثنايا أربع رباعيات وأربعة قوارح وأربعة أنياب وثمانية أضراس، يقال للذكر من الإبل إذا طلعت رباعيته رباع وللأنثى رباعية بالتخفيف وذلك إذا دخلا في السنة السابعة "فهو سديس": بفتح السين وكسر الدال "وسدس": بفتح السين وفتح الدال المهملتين.
قال في اللسان: السديس من الإبل ما دخل في السنة الثامنة وذلك إذا ألقى السن التي

(4/333)


التّسْعِ نَابَهُ فَهُوَ بَازلٌ أَيْ بَزَلَ نَابُهُ - يَعْني طَلَعَ - حتى يَدْخُلَ في الْعَاشِرَةِ فَهُوَ حِينَئِذٍ مُخْلِفٌ، ثُمّ لَيْسَ لَهُ اسْمٌ، وَلَكِنْ يُقَالُ بَازِلُ عَامٍ وَبَازِلُ عَامَيْنِ، وَمُخْلِفُ عَامٍ وَمُخْلِفُ عَامَيْنِ وَمُخْلِفُ ثَلاَثَةِ أَعْوامٍ إلَى خَمْسِ سِنينَ. وَالْخَلِفَةُ الْحَامِلُ. قال أبُو حَاتِمٍ: وَالْجَذُوعَةُ وَقْتٌ مِنْ الزّمَنِ[الزمان] لَيْسَ بِسِنّ، وَفُصُولُ الأَسْنانِ عِنْدَ طُلُوعِ سُهَيْلٍ.
__________
بعد الرباعية. والسدس بالتحريك السن قبل البازل يستوي فيه المذكر والمؤنث لأن الإناث في الأسنان كلها بالهاء إلا السدس، والسديس والبازل "طلع نابه": الناب هي السن التي خلف الرباعية "فهو بازل أي بزل نابه يعني طلع": قال الأصمعي وغيره: يقال للبعير إذا استكمل السنة الثامنة وطعن في التاسعة وفطرنا به فهو حينئذ بازل وكذلك الأنثى بغير هاء جمل بازل وناقة بازل وهو أقصى أسنان البعير، سمي بازلا من البزل وهو الشق وذلك أن نابه إذا طلع، يقال له بازل لشقه اللحم عن منبته شقاً "مخلف": بضم الميم وسكون الخاء وكسر اللام. قال في اللسان: والإخلاف أن يأتي على البعير البازل سنة بعد بزوله يقال بعير مخلف والمخلف من الإبل الذي جاز البازل. وفي المحكم: المخلف بعد البازل وليس بعده سن ولكن يقال مخلف عام أو عامين وكذلك مازاد، والأنثى بالهاء وقيل الذكر والأنثى فيه سواء انتهى "بازل عام": بالإضافة "وبازل عامين": قال في تاج العروس: وقولهم: بازل عام وبازل عامين إذا مضى له بعد البزول عام أو عامان انتهى. وكذا معنى قولهم مخلف عام ومخلف عامين إذا مضى له بعد الإخلاف عام أو عامان أو ثلاثة أعوام إلى خمس سنين "والخلفة": بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام الحامل من النوق وتجمع على خلفات وخلائف "والجذوعة": بفتح الجيم وضم الذال المعجمة بعدها واو هكذا في جميع النسخ بزيادة الواو بعد الذال، والذي في القاموس ما نصه: الجذع محركة قبل الثني وهي بهاء اسم له في زمن وليس بسن تنبت أو تسقط انتهى.
وفي لسان العرب: الجذع الصغير السن والجذع اسم له في زمن ليس بسن تنبت ولا تسقط وتعاقبها أخرى، فأما البعير فإنه يجذع لاستكماله أربعة أعوام، ودخوله في السنة الخامسة وهو قبل ذلك حق، والذكر جذع والأنثى جذعة وهي التي أوجبها النبي صلى الله عليه وسلم في صدقة الإبل إذا جاوزت ستين. وليس في صدقات الإبل سنّ فوق الجذعة ولا يجزيء الجذع من الإبل في الأضاحي "وفصول الأسنان": أي أعمار الإبل "عند طلوع سهيل": بضم السين قال في لسان العرب: سهيل كوكب يمان. قال الزهري: سهيل كوكب لا يرى بخراسان ويرى بالعراق. قال الليث: بلغنا أن سهيلا كان عشاراً على طريق اليمن ظلوماً فمسخه الله تعالى كوكباً. وقال ابن كناسة: سهيل يرى بالحجاز وفي جميع أرض العرب ولا يرى بأرض أرمينية، وبين رؤية أهل

(4/334)


قال أَبُو دَاوُد: أنْشَدَنَا الرّيَاشِيّ شِعْراً:
إذا سُهَيْلٌ أَوّلَ[آخر] اللّيْلِ طَلَعْ ... فابْنُ اللّبُونِ الْحِقّ وَالْحِقّ جَذَعْ
__________
الحجاز سهيلا، ورؤية أهل العراق إياه عشرون يوماً ويقال إنه يطلع عند نتاج الإبل فإذا حالت السنة تحولت أسنان الإبل. والمعنى أن حساب أسنان الإبل أي أعمارها عند طلوع سهيل لأن سهيلا إنما يطلع في زمن نتاج الإبل فحساب عمرها إنما يكون من زمن طلوعه. فالإبل التي كانت ابن لبون تصير عند طلوع سهيل حقاً، وقلما تنتج الإبل غير زمن طلوع سهيل. فالإبل التي تلد في غير زمنه لا بحسب سنها من طلوع سهيل بل بولادتها وإليه أشار الشاعر "إذا سهيل": كوكب يمان "أول الليل": في فصل طلوعه "طلع": وفي لسان العرب إذا سهيل "مطلع الشمس طلع": أي لفظ مطلع الشمس بدل أول الليل، لكن ما نقله أبو داوود أحسن منه لأن من المعلوم أن الكواكب بأسرها تطلع مطلع الشمس أي جهة المشرق فلا فائدة في ذكره مع قوله طلع بخلاف ما في الكتاب، فإن الكواكب مختلفة الطلوع فبعضها تطلع أول الليل وبعضها وسطه وبعضها آخره فذكره مفيد.
واعلم أن ما ذكره المؤلف أبو داوود رحمه الله ههنا مما أنشده الرياشي ثلاثة أبيات أحدها قوله:
إذا سهيل أول الليل طلع
والثاني: فابن اللبون الحق والحق جذع
والثالث: لم يبق من أسنانها غير الهبع
وكلها من مشطور الرجز والقافية متراكب، وهذا على قول غير الخليل وأما الخليل فإنه لا يعده شعراً وكان الشعر عنده ما له مصراعان وعروض وضرب. أصل الرجز مستفعلن ست مرات وهو في الاستعمال يسدس تارة على الأصل ويربع مجزوءا أخرى ويثلث مشطوراً ثالثة، وسمي المثلث مشطوراً. والتفصيل في علمي العروض والقوافي "فابن اللبون": التي دخلت في الثالثة وهو مبتدأ "الحق": التي دخلت في الرابعة وهو خبره والجملة جواب الشرط "والحق": مبتدأ "جذع": التي دخلت في الخامسة خبره والجملة معطوفة على جملة جواب الشرط، المعنى أنه إذا طلع سهيل أول الليل صار ابن اللبون حقاً وصار الحق جذعاً، وكذا صار الجذع ثنياً والثني رباعياً والرباعي سديساً، وهكذا لما سبق من أن سهيلا يطلع أو الليل عند نتاج الإبل

(4/335)


لَم يَبْقَ منْ أَسنَانِهَا غَيْرُ الْهُبَعْ ... وَالْهُبَعُ: الّذِي يُولَدُ في غَيْرِ حَيْنِهِ.
__________
فإذا حالت السنة بطلوع سهيل تحولت أسنان الإبل. ثم قال الشاعر "لم يبق من أسنانها": الإبل "غير الهبع": يعن أن الإبل على قسمين أحدهما وهو الأكثر ما يولد زمن طلوع سهيل أو الليل والثاني ما يولد في غير زمنه وقد مر ذكر أسنان القسم الأول في البيتين السابقين فلم يبق من أسنان الإبل غير مذكور إلا القسم الثاني وهو الذي يقال له الهبع على ما قال المؤلف "والهبع الذي يولد": بصيغة المجهول "في غير حينه": أي حين طلوع سهيل أو الليل. قال في اللسان: الهبع الفصيل الذي ينتج في الصيف، وقيل هو الفصيل الذي فصل في آخر النتاج. قال ابن السكيت: العرب تقول ماله هبع ولا ربع فالربع ما نتج في أول الربيع والهبع ما نتج في الصيف. هذا كله من غاية المقصود شرح سنن أبي داوود.

(4/336)


8 - باب أين تصدق الأموال
1588 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا ابنُ أبي عَدِيّ عن ابنِ إِسْحَاقَ عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبِيهِ عن جَدّهِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "لاَ جَلَبَ وَلاَ جَنَبَ وَلاَ تُؤْخَذُ صَدَقَاتُهُمْ إِلاّ فِي دُورِهم".
1589 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ أخبرنا يَعْقُوبُ بنُ إِبراهِيمَ سَمَعْتُ أبي يقُولُ عن مُحمّدِ ابنِ إِسْحَاقَ في قَوْلِه: "لا جَلَبَ وَلا جَنَبَ". قال: أَنْ تُصَدّقَ الْمَاشِيَةُ في
__________
باب أين تصدق الأموال
"قال لا جلب" : أي بفتحتين بمعنى لا يقرب العامل أموال الناس إليه لما فيه من المشقة عليهم بأن ينزل الساعي محلا بعيداً عن الماشية ثم يحضرها وإنما ينبغي له أن ينزل على مياههم أو أمكنة مواشيهم لسهولة الأخذ حينئذ. ويطلق الجلب أيضاً على حث فرس السباق على قوة الجري بمزيد الصياح عليه لما يترتب عليه من إضرار الفرس "ولا جنب" : بفتحتين أي لا يبعد صاحب المال المال بحيث تكون مشقة على العامل "ولا تؤخذ" : بالتأنيث وتذكر "إلا في دورهم" : أي منازلهم وأماكنهم ومياههم وقبائلهم على سبيل الحصر، لأنه كنى بها عنه فإن أخذ الصدقة في دورهم لازم لعدم بعد الساعي عنها فيجلب إليه ولعدم بعد المزكي فإنه إذا بعد عنها لم يؤخذ فيها. وحاصله أن آخر الحديث مؤكد لأوله أو إجمال لتفصيله، كذا في المرقاة.

(4/336)


مَوَاضِعهَا وَلا تُجْلَبُ إِلَى المُصَدّقِ. وَالْجَنَبُ عن هَذِهِ الْفَرِيضَةِ أيْضا[عن هذه الطريقة أيضا][عن غير هذه الطريقة أيضا] لا يُجْنَبُ أَصْحَابُها يقُولُ: وَلاَ يَكُونُ الرّجُلُ بِأَقْصَى مَواضِعِ أَصْحَابِ الصّدَقَةِ فَتُجَنَبُ إِلَيْهِ، وَلَكِنْ تُؤْخَذُ في مَوْضِعهِ.
__________
"والجنب عن هذه الفريضة" : أي في فريضة الزكاة ولا في السباق "أيضاً" : يجيء بمعنى "لا يجنب" : بصيغة المجهول "أصحابها" : أي أصحاب الأموال "ولا يكون الرجل" : الساعي المصدق "أصحاب الصدقة" : أي مالك المواشي "فتجنب بصيغة المجهول أي تحضر المواشي إليه": إلى المصدق "لكن تؤخذ" : المواشي "في موضعه" : أي صاحب الأموال. قال ابن الأثير في النهاية: الجلب يكون في شيئين أحدهما في الزكاة وهو أن يقدم المصدق على أهل الزكاة فينزل موضعاً ثم يرسل من يجلب إليه الأموال من أماكنها ليأخذ صدقتها، فنهى عن ذلك وأمر أن تؤخذ صدقاتهم على مياههم وأماكنهم. الثاني أن يكون في السباق وهو أن يتبع الرجل فرسه فيزجره ويجلب عليه ويصيح حثاً له على الجري فنهى عن ذلك. والجنب بالتحريك في السباق أن يجنب فرساً إلى فرسه الذي يسابق عليه فإذا فتر المركوب تحول إلى المجنوب وهو في الزكاة أن ينزل العامل بأقصى مواضع أصحاب الصدقة ثم يأمر بالأموال أن تجنب إليه أي تحضر فنهوا عن ذلك. وقيل هو أن يجنب رب المال بماله أي يبعده عن مواضعه حتى يحتاج العامل إلى الإبعاد في اتباعه وطلبه انتهى كلامه. قال المنذري: وأخرجه أبو داوود في الجهاد من حديث الحسن البصري عن عمران بن الحصين وليس فيه ولا تؤخذ صدقاتهم في دورهم. وأخرجه أيضاً من هذا الوجه الترمذي والنسائي. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. هذا آخر كلامه. وقد ذكر علي بن المديني وأبو حاتم الرازي وغيرهما من الأئمة أن الحسن لم يسمع من عمران بن حصين انتهى كلامه.

(4/337)


9 - باب الرجل يبتاع صدقته
1590 - حدثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عن مَالِكٍ عن نَافِعٍ عن عبد الله بنِ عُمَرَ أَنّ عُمَرَ بنَ الْخَطّابِ رَضِيَ الله عَنْهُ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ في سَبِيلِ الله فَوَجَدَهُ يُبَاعُ، فأَرَادَ
__________
باب الرجل يبتاع صدقته
"فوجده يباع" : أي أصابه حال كونه يباع بضم الياء مبنياً للمفعول. وفيه دلالة على أن فرس الصدقة ما كان على سبيل الوقف بل ملكه له ليغزو عليه إذ لو وقفه لما صح أن يبتاعه. قاله

(4/337)


أَنْ يُبْتَاعَهُ، فَسَأَلَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عن ذَلِكَ، فَقَالَ: "لاَ تَبْتَاعُهُ[لا تبتعه] وَلا تَعُدْ في صَدَقَتِكَ".
__________
القسطلاني "فقال لا تبتاعه" : فيه النهي عن الرجوع في الهبة وعن شراء الرجل صدقته. قال ابن بطال: كره أكثر العلماء شراء الرجل صدقته لحديث عمر رضي الله عنه، وهو قول مالك والكوفيين والشافعي سواء كانت الصدقة فرضاً أو نفلاً، فإن اشترى أحد صدقته لم يفسخ بيعه وأولى به التنزه عنها، وكذا قولهم فيما يخرجه المكفر في كفارة اليمين وأجمعوا على أن من تصدق بصدقة ثم ورثها فإنها حلال له قاله العيني. وقال ابن المنذر: ليس لأحد أن يتصدق ثم يشتريها للنهي الثابت ويلزم من ذلك فساد البيع إلا إن ثبت الإجماع على جوازه. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.

(4/338)


10 - باب صدقة الرقيق
1591 - حدثنا مُحمّدُ بنُ المُثَنّى وَمُحمّدُ بنُ يَحْيَى بنُ فَيّاضٍ قالا أخبرنا عَبْدُ الْوَهّابِ أخبرنا عبيد الله عنْ رَجُلٍ عن مَكْحُولٍ عن عِرَاكِ بنِ مَالِكٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "لَيْسَ في الْخَيْلِ وَالرّقِيقِ زكَاةٌ إلاّ زكَاةُ الْفِطْرِ في الرّقِيقِ".
1592 - حدثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ أخبرنا مَالِكٌ عن عبد الله بنِ دِينَارٍ عن سُلَيْمانَ بنِ يَسَارٍ عن عِرَاكِ بنِ مالِكٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ في عَبْدِهِ وَلاَ في فَرَسَهِ صَدَقَةٌ".
__________
باب صدقة الرقيق
"ليس على المسلم" قال ابن حجر المكي: يؤخذ منه أن شرط وجوب زكاة المال بأنواعها الإسلام، ويوافقه قول الصديق في كتابه. قال على القاري: هذا حجة على من يقول إن الكفار مخاطبون بالشرائع في الدنيا بخلاف من يقول إن الكافر مخاطب بفروع الشريعة بالنسبة للعقاب عليها في الآخرة كما أفهمه قوله تعالى {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} وقالوا {وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ} وعليه جمع من الحنفية والأصح عند الشافعي "في عبده ولا في فرسه صدقة" : أي الذين لم يعدا للتجارة، وبه قال مالك والشافعي وغيرهما، وأوجبها أبو حنيفة في أناثى الخيل ديناراً في كل فرس أو يقومها صاحبها ويخرج من كل مائتي درهم خمسة

(4/338)


__________
دراهم. كذا ذكره ابن حجر المكي: قال ابن الملك: هذا حجة لأبي يوسف ومحمد في عدم وجوب الزكاة في الفرس وللشافعي في عدم وجوبها في الخيل والعبيد مطلقاً في قوله القديم، وذهب أبو حنيفة إلى وجوبها في الفرس والعبيد إذا لم يكن للخدمة وحمل العبد على العبد للخدمة والفرس على فرس الغازي وفي فتح الباري قال ابن رشيد: لا خلاف في عدم وجوب الزكاة في العبد المتصرف والفرس المعد للركوب، ولا خلاف أيضاً أنها لا تؤخذ من الرقاب، وإنما قال بعض الكوفيين يؤخذ منها بالقيمة. ولعل البخاري أشار في ترجمة الباب إلى حديث علي مرفوعاً: عفوت عن الخيل والرقيق فهاتوا صدقة الرقة . الحديث أخرجه أبو داوود وإسناده حسن والخلاف في ذلك عن أبي حنيفة إذا كانت الخيل ذكراناً وإناثاً نظراً إلى النسل فإذا انفردت فعنه روايتان، ثم عنده أن المالك يتخير بين أن يخرج عن كل فرس ديناراً أو يقوم ويخرج ربع العشر. واستدل عليه بهذا الحديث.
وأجيب بحمل النفي فيه على الرقبة لا على القيمة. واستدل به من قال من أهل الظاهر بعدم وجوب الزكاة فيهما مطلقاً ولو كانا للتجارة وأجيبوا بأن زكاة التجارة ثابتة بالإجماع كما نقله ابن المنذر وغيره فيخص به عموم هذا الحديث والله أعلم. قال المنذري: أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة. وحديث محمد بن المثنى ومحمد بن يحيى بلفظ: ليس في الخيل . قال المنذري: في إسناده رجل مجهول. وقد أخرج مسلم من حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر انتهى.

(4/339)


11 - باب صدقة الزرع
1593 - حدثنا هَارُونُ بنُ سَعِيدِ بنِ الْهَيْثَمِ الأَيْلِيّ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ وَهْبٍ أخبرَنِي يُونُسُ ابنُ يَزِيدَ عن ابنِ شِهابٍ عن سَالِمٍ بنِ عبد الله عن أبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "فَيمَا سَقَتِ السّماءُ وَالأنْهَارُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ بَعْلاً العُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بالسّوَانِي أَوْ النّضْحِ نِصْفُ الْعُشْر".
__________
باب صدقة الزرع
"فيما سقت السماء" : المراد بذلك المطر أو الثلج أو البرد أو الطل وهو خبر مقدم "العشر" : مبتدأ مؤخر والبعل بفتح الباء الموحدة وسكن العين المهملة ويروى بضمها.، قال في القاموس: البعل الأرض المرتفعة تمطر في السنة مرة وكل نخل وزرع لا يسقى أو ما سقته السماء انتهى. وفي النهاية هو الأشجار التي تشرب بعروقها من الأرض من غير سقي سانية

(4/339)


1594 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالحٍ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ وَهْبٍ أخبرَنِي عَمْرٌو عن أبي الزّبَيْرِ عن جَابِرِ بنِ عبد الله أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "فِيمَا سَقَتِ الأَنْهَارُ وَالْعُيُونُ الْعُشْرُ، وَما سُقِيَ بالسّوَانِي فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ".
1595 - حدثنا الْهَيْثَمُ بنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيّ وَحُسَيْنُ بنُ الأَسْوَدِ الْعِجْلِيّ قالا قالَ وَكيعٌ: الْبَعْلُ الْكَبُوسُ الّذِي يَنْبُتُ مِنْ مَاءِ السّمَاءِ. قالَ ابْنُ الأَسْوَدِ وَقالَ يَحْيَى يَعْني ابنَ آدَمَ سَأَلْتُ أَبَا إِيّاسٍ الأَسَدِيّ عن الْبَعْلِ فَقَالَ الّذِي يُسْقَى بِمَاءِ السّمَاءِ. وَقالَ النّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ: الْبَعْلُ مَاءُ المَطَرِ.
__________
"وفيما سقى بالسواني" : جمع سانية وهي بعير يستقى عليه "أو النضح" : بفتح النون وسكون الضاد المعجمة بعدها حاء مهملة أي بالسانية أي البعير أو ما سقي من الآبار بالغرب، والمراد سقي النخل والزرع بالبعير والبقر والحمر. قال المنذري: وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجة.
"فيما سقت الأنهار والعيون" : المراد بالعيون الأنهار الجارية التي يستقى منها من دون اعتراف بآلة بل تساح إساحة "وما سقي بالسواني" : جمع سانية هي البعير الذي يستقى به الماء من البئر ويقال له الناضح، يقال منه سنا يسنو سنا إذا استقى به. والحديث يدل على أنه يجب العشر فيما سقي بماء السماء والأنهار ونحوهما مما ليس فيه مؤنة كثيرة، ونصف العشر فيما سقي بالنواضح ونحوها مما فيه مؤنة كثيرة. قال النووي: وهذا متفق عليه. وإن وجد مما يسقى بالنضح تارة وبالمطر أخرى، فإن كان ذلك على جهة الاستواء وجب ثلاثة أرباع العشر، وهو قول أهل العلم قال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافا وإن كان أحدهما أكثر كان حكم الأقل تبعاً للأكثر عند أحمد والثوري وأبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي. وقيل يؤخذ بالتقسيط. قال الحافظ: ويحتمل أن يقال: إن أمكن فصل كل واحد منهما أخذ بحسابه. وعن ابن القاسم صاحب مالك العبرة بما تم به الزرع ولو كان أقل. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي، وقال النسائي: ورواه ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر. قوله ولا نعلم أحداً رفعه غير عمرو بن الحارث وحديث ابن جريج أولى بالصواب، وإن كان عمرو أحفظ منه وعمرو من الحفاظ روى عنه مالك انتهى. وإذا كان عمرو أحفظ من ابن جريج وقد رفعه فالرفع فيه زيادة الثقة مقبولة وكأن حديث عمرو أولى بالترجيح والله أعلم.
"الكبوس" قال الجوهري: كبست النهر والبئر كبساً طممتهما بالتراب، واسم ذلك

(4/340)


1596 - حدثنا الرّبيعُ بنُ سُلَيْمانَ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ عنْ سُلَيْمانَ يَعْنِي ابنَ بِلاَلٍ عن شَرِيكِ بن عبد الله بنِ أبي نَمِرٍ عن عَطَاءِ بنِ يَسارٍ عن مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ فَقَال: "خُذِ الْحَبّ منَ الْحَبّ، وَالشّاةَ مِنَ الْغَنَمِ، وَالْبَعِيرَ مِنَ الإِبِلِ، وَالْبَقَرَةَ مِنَ الْبَقَرِ".
قال أَبُو دَاوُد: شَبّرْتُ قِثّاءَةً بِمِصْرَ ثَلاَثَةَ عَشَرَ شِبْراً، وَرَأَيْتُ أُتْرُجّةً عَلَى بَعِيرٍ بِقِطْعَتَيْنِ قُطِعَتْ وَصُيّرَتْ عَلَى مِثْلِ عِدْلَيْنِ.
__________
التراب كبس بالكسر. انتهى. وفي اللسان: وقد كبس الحفرة يكبسها كبساً طواها بالتراب وغيره. "والبعير من الإبل" : أي إذا كانت كثيرة وإلا فيما دون خمس وعشرون يؤخذ الشياه. والحاصل أن الأصل أن تؤخذ الزكاة من المال الذي يجب فيه الزكاة. والله أعلم. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجة.

(4/341)


12 - باب زكاة العسل
1597 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ أبي شُعَيْبٍ الْحَرّانِيّ أخبرنا مُوسَى بنُ أَعْيَنَ عن عَمْرِو بنِ الحارِثِ المِصْرِيّ عن عَمْرِو بن شُعَيْبٍ عن أبِيهِ عن جَدّهِ قالَ: جَاءَ هِلاَلٌ أَحَدُ بَنِي مُتْعَانَ إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بِعُشُورِ نَحْلٍ لَهُ وَكَانَ سَأَلَهُ أَنْ يَحْمِي وَادِياً يُقالُ لَهُ سَلَبَةُ فَحَمّى لَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ذَلِكَ الْوَادِي، فَلَمّا وُلّيَ عُمَرُ بنُ الْخَطّابِ رَضِيَ الله عَنْهُ كَتَبَ سُفْيَانُ بنُ وَهْبٍ إِلَى عُمَرَ بنِ الْخَطّابِ يَسْأَلُهُ عن ذَلِكَ فَكَتَبَ عُمَرُ: إِنْ أَدّى إِلَيْكَ ما كَانَ يُؤَدّي إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ عُشُورِ نَحْلِهِ فاحْمِ لَهُ سَلْبَةَ وَإِلاّ
__________
باب زكاة العسل
"قال جاء هلال أحد بني متعان" : بدل من هلال متعان بضم الميم وسكون المثناة بعدها مهملة "نحل له" : أي لهلال والنحل هو ذباب العسل والمراد العسل "يحمي وادياً" : كان فيه النحل ومعنى يحمي أي يحفظه حتى لا يطمع فيه أحد "سلبه" : بفتح المهملة واللام والباء الموحدة هو ولد لبني متعان قاله البكري في معجم البلدان "ولي" : بكسر لام مخففة على بناء الفاعل أو مشددة على بناء المفعول "إن أدى" : أي هلال "صح" : أي احفظ "له" : لهلال. واستدل بأحاديث الباب على وجوب العشر في العسل أبو حنيفة وأحمد وإسحاق، وحكاه الترمذي عن

(4/341)


فَإِنما هُوَ ذُبَابُ غَيْثٍ يَأْكُلُهُ مَنْ يَشَاءُ.
1598 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ عَبْدَةَ الضّبّيّ أخبرنا المُغِيرَةُ وَنَسَبَهُ إلَى عبد الرحمن بنِ الْحَارِثِ المَخْزُومِيّ[أحسبه يعني ابن عبد الرحمن] حَدّثَني أبي عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبِيهِ عن جَدّه أَنّ شَبَابَةَ بَطْنٌ من فَهْمٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ. قال: مِنْ كلّ عَشْرِ قِرَبٍ قِرْبَةٌ.
__________
أكثر أهل العلم، وحكاه بعض عن عمر وابن عباس وعمر بن عبد العزيز وأحد قولي الشافعي. وقد حكى البخاري وابن أبي شيبة وعبد الرزاق عن عمر بن عبد العزيز أنه لا يجب في العسل شيء من الزكاة. وروى عنه عبد الرزاق أيضاً مثل ما روى عنه بعض ولكنه إسناده ضعيف كما قال الحافظ في الفتح. وذهب الشافعي ومالك وحكاه ابن عبد البر عن الجمهور إلى عد وجوب الزكاة في العسل. وأشار العراقي في شرح الترمذي إلى أن الذي نقله ابن المنذر عن الجمهور أولى من نقل الترمذي. قال الشوكاني: حديث هلال لا يدل على وجوب الزكاة في العسل لأنه تطوع بها وحمى له بدل ما أخذ. ويؤيد عدم الوجوب ما تقدم من الأحاديث القاضية بأن الصدقة إنما تجب في أربعة أجناس. ويؤيده أيضاً ما رواه الحميدي بإسناده إلى معاذ بن جبل أنه أتي بوقص البقر والعسل فقال معاذ كلاهما لم يأمرني فيه صلى الله عليه وآله وسلم بشيء انتهى كلامه مختصراً "وإلا فإنما هو ذباب غيث" : أي وإن لم يؤدوا عشور النحل فالعسل مأخوذ من ذباب النحل، وأضاف الذباب إلى الغيث لأن النحل يقصد مواضع القطر لما فيها من العشب والخصب "يأكله من يشاء" : يعني العسل فالضمير المنصوب راجع إلى النحل، وفيه دليل على أن العسل الذي يوجد في الجبال يكون من سبق إليه أحق به قاله الشوكاني. قال السندي: وإلا فإنما هو ذباب غيث أي وإلا فلا يلزم عليك حفظه لأن الذباب غير مملوك فيحل لمن يأخذه وعلم أن الزكاة فيه غير واجبة على وجه يجبر صاحبه على الدفع لكن لا يلزم الإمام حمايته إلا بأداء حمايته إلا بأداء الزكاة انتهى.
قال المنذري: وأخرج النسائي وأخرجه ابن ماجة طرفاً منه، وتقدم الكلام على حديث عمرو بن شعيب. وقال البخاري: وليس في زكاة العسل شيء يصح. وقال الترمذي: ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب كبير شيء. وقال أبو بكر بن المنذر ليس في وجوب صدقة العسل حديث ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا إجماع فلا زكاة فيه انتهى."ونسبه": أي نسب أحمد بن عبدة المغيرة إلى عبد الرحمن إلى المغيرة هو ابن عبد الرحمن بن الحارث "حدثني أبي": هو عبد الرحمن بن الحارث "أن شبابة": بفتح الشين المعجمة وببائين الموحدتين بينهما ألف بطن من فهم نزلوا السراة أو الطائف. قال في المغرب: بنو شبابة قوم بالطائف من خثعم كانوا

(4/342)


وقال سُفْيَانُ بنُ عبد الله الثّقَفِيّ قالَ: وكَانَ يُحَمّي لَهُمْ وَادِيَيْنِ. زَادَ: فأَدّوا إِلَيْهِ ما كَانُوا يُؤَدّونَهُ إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَحَمّى لَهُمْ وَادِيَيْهِمْ.
1599 - حدثنا الرّبِيعُ بنُ سُلَيْمانَ المُؤَذّنُ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني أُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبِيهِ عن جَدّهِ أَنّ بَطْناً من فَهْمٍ بمَعْنَى المُغِيرَةِ قال: مِنْ عَشْرِ قِرَبٍ قِرْبَةٌ وقال: وَادِيَيْنِ لَهِمْ.
__________
يتخذون النحل حتى نسب إليهم العسل فقيل عسل شبابي انتهى "وقال": أي عبد الرحمن ابن الحارث في روايته "سفيان بن عبد الله الثقفي": مكان سفيان بن وهب وتابع عبد الرحمن أسامة بن زيد كما يجيء من رواية الطبراني. وأما عمرو بن الحارث المصري فقال سفيان بن وهب والصحيح سفيان بن عبد الله الثقفي وهو الطائفي الصحابي وكان عامل عمر على الطائف "يحمي": من التفعيل "واديين" : بالتثنية ويجيء تمام الحديث "وحمى": من التفعيل أي عمر بن الخطاب "وادييهم": بالتثنية.
"أسامة بن زيد": الحديث أخرجه الطبراني في معجمه من طريق أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب أخبرني أسامة بن زيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن بني شبابة بطن من فهم كانوا يؤدون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نحل كان لهم العشر من كل عشر قرب قربة وكان يحمي واديين لهم فلما كان عمر استعمل على ما هناك سفيان بن عبد الله الثقفي فأبوا أن يؤدوا إليه شيئاً. وقالوا إنما كنا نؤديه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكتب سفيان إلى عمر إليه عمر إنما النحل ذباب غيث يسوقه الله عز وجل رزقاً إلى من يشاء، فإن أدوا إليك ما كانوا يؤدون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحم لهم أوديتهم وإلا فخل بينه وبين الناس، فأدوا إليه ما كانوا يؤدون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمى لهم أوديتهم وأخرج أيضاً ابن الجارود في المنتقى أخبرنا بحر بن نصر أن ابن وهب أخبرهم قال أخبرني يحيى بن عبد الله بن سالم عن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فذكر الحديث نحوه مختصراً. وأخرجه أيضاً أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الأموال. كذا في غاية المقصود شرح سنن أبي داوود.

(4/343)


13 - باب في خرص العنب
1600 - حدثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بنُ السّرِيّ النّاقِطُ أخبرنا بِشْرُ بنُ مَنْصُورٍ عن
__________
باب في خرص العنب
"الناقط": قال في التقريب: الناقد ويقال بالطاء بدل الدال مقبول من العاشرة."عتاب"

(4/343)


عبد الرحمن بنِ إِسْحَاقَ عن الزّهْرِيّ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ عن عَتّابِ بنِ أُسَيْدٍ قالَ: أَمَرَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ يُخْرِصَ الْعِنَبُ كَمَا يُخْرَصَ النّخْلُ، وَتُؤْخَذَ زَكَاتُهُ زَبِيباً، كَمَا تُؤْخَذُ صَدَقَةُ النّخْلِ تَمْراً.
1601 - حدثنا مُحمّدُ بنُ إِسْحَاقَ المُسَيّبِي أخبرنا عَبْدُ الله بنُ نَافِعٍ عن مُحمّدِ بنِ صَالِحٍ التّمّارِ عن ابنِ شِهَابٍ بإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ.
قال أَبُو دَاوُد: وَسَعِيدٌ لم يَسْمَعْ مِنْ عَتّابٍ شَيْئاً.
__________
بفتح الهمزة المهملة وتشديد المثناة الفوقية آخره موحدة "ابن أسيد": بفتح الهمزة وكسر السين المهملة وسكون المثناة التحتية "أن يخرص العنب كما يخرص النخل" : أي يحرز ويخمن العنب "زكاته" : أي المخروص قال ابن الملك: أي إذا ظهر في العنب والتمر حلاوة يقدر الخارص أن هذا العنب إذا صار زبيبا كم يكون فهو حد الزكاة إن بلغ نصاباً انتهى. وقال في السبل وصفة الخرص أن يطوف بالشجر ويرى جميع ثمرتها ويقول خرصها كذا وكذا رطباً ويجيء منه كذا وكذا يابساً. واعلم أن النص ورد بخرص النخل والعنب قيل ويقاس عليه غيره مما يمكن ضبطه وإحاطة النظر به، وقيل يقتصر على محل النص وهو الأقرب لعدم النص على العلة، ويكفي فيه خارص واحد عدل لأن الفاسق لا يقبل خبره عارف لأن الجاهل بالشيء ليس من أهل الاجتهاد فيه لأنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يبعث عبد الله بن رواحة وحده يخرص على أهل خيبر ولأنه كالحاكم يجتهد ويعمل، فإن أصابت الثمرة جائحة بعد الخرص فقال ابن عبد البر: أجمع من يحفظ عنه العلم أن المخروص إذا أصابته جائحة قبل الجداد فلا ضمان. وفائدة الخرص أمن الخيانة من رب المال ولذلك يجب عليه البينة في دعوى النقص بعد الخرص وضبط حق الفقراء على الملك ومطالبة المصدق بقدر ما خرصه وانتفاع المالك بالأكل ونحوه انتهى.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجة. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وقد روى ابن جريج هذا الحديث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة. وسألت محمداً يعني البخاري عن هذا الحديث فقال: حديث ابن جريج غير محفوظ وحديث سعيد ابن المسيب عن عتاب بن أسيد أصح. هذا آخر كلامه. وذكر غيره أن هذا الحديث منقطع وما ذكره ظاهر جداً، فإن عتاب بن أسيد توفي في اليوم الذي توفي فيه أبو بكر الصديق، ومولد سعيد بن المسيب في خلافة عمر سنة خمس عشرة على المشهور، وقيل كان مولده بعد ذلك انتهى كلام المنذري.

(4/344)


14 - باب في الخرص
1602 - حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ أخبرنا شُعْبَةُ عن خُبَيْبِ بنِ عبد الرحمن عن عبد الرحمن ابنِ مَسْعُودٍ قال: جَاءَ[لما جاء] سَهْلُ بنُ أبي حَثْمَةَ إِلَى مَجْلِسنَا قال: أَمَرَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا خَرَصْتُمْ فَجُذّوا[فخذوا] وَدَعُوا الثّلُثَ، فإِنْ لم تَدَعُوا أَوْ تَجِدُوا الثّلُثَ فَدَعُوا الرّبُعَ. قال أَبُو دَاوُد: الْخَارِصُ يَدَعُ الثّلُثَ لِلْحِرْفَةِ.
__________
باب في الخرص
بفتح الخاء المعجمة وقد تكسر وسكون الراء بعدها صاد مهملة هو حرز ما على النخل من تمر ليحصى على ماله ويعرف مقدار عشره فيثبت على مالكه ويخلى بينه وبين الثمر قاله القسطلاني. والباب الأول كان خاصاً في خرص العنب وهذا عام في كل شيء من التمر وغير ذلك مما يكال ويوزن والله أعلم.
"إذا خرصتم" : الخرص تقدير ما على النخل من الرطب ثمراً وما على الكرم من العنب زبيباً ليعرف مقدار عشره ثم يخلى بينه وبين مالكه ويؤخذ ذلك المقدار وقت قطع الثمار وفائدة التوسعة على أرباب الثمار في التناول منها وهو جائز عند الجمهور خلافاً للحنفية وأحاديث الباب ترد عليه قال الطيبي: وجواز الخرص هو قول قديم للشافعي وعامة أهل الحديث، وعند أصحاب الرأي لا عبرة بالخرص لإفضائه إلى الربا، وزعموا أن الأحاديث الواردة فيه كانت قبل تحريم الربا، ويرده حديث عتاب فإنه أسلم يوم الفتح وتحريم الربا كان مقدماً انتهى. "فجذوا" : بالجيم ثم الذال المعجمة، كذا في بعض نسخ الكتاب هو أمر من الجذ وهو القطع والكسر، وفي بعض النسخ فحذوا بالحاء المهملة ثم الذال المعجمة وهكذا في جامع الأصول من رواية أبي داوود. قال ابن الأثير في النهاية: الجذ التقدير والقطع، وفي بعض النسخ فجدوا بالجيم والدال المهملة بمعنى القطع. وفي بعض النسخ فخذوا بالخاء المعجمة ثم الذال المعجمة من الأخذ وهو موافق لما أخرجه أصحاب السنن وأحمد في مسنده. فالمعنى فخذوا أي زكاة المخروص إن سلم المخروص من الآفة. قال الطيبي: فخذوا جواب للشرط ودعوا عطف عليه أي إذا خرصتم فبينوا مقدار الزكاة ثم خذوا ثلثي ذلك المقدار، واتركوا الثلث لصاحب المال حتى يتصدق به "ودعوا الثلث" : أي من القدر الذي قررتم بالخرص. وقد اختلف في معنى الحديث على قولين أحدهما أن يترك الثلث أو الربع من العشر، وثانيهما أن يترك ذلك من نفس الثمر قبل أن يعشر. وقال الشافعي: معناه أن يدع ثلث الزكاة أو ربعها ليفرقها هو بنفسه على أقاربه وجيرانه. وقال في فتح الباري: قال بظاهره الليث وأحمد وإسحاق وغيرهم، وفهم منه

(4/345)


__________
أبو عبيد في كتاب الأموال أن القدر الذي يأكله بحسب احتياجهم إليه فقال يترك قدر احتياجهم. وقال مالك وسفيان: لا يترك لهم شيء وهو المشهور عن الشافعي. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي.

(4/346)


15 - باب متى يخرص التمر
1603 - حدثنا يَحْيَى بنُ مَعِينٍ أخبرنا حَجّاجٌ عن ابنِ جُرَيْجٍ قالَ أُخْبَرْتُ عن ابنِ شِهَابٍ عن عُرْوَةَ عن عَائِشَةَ أَنّهَا قالَتْ وَهِيَ تَذْكَرُ شَأْنَ خَيْبَرِ: كَانَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَبْعَثُ عبد الله بنَ رَوَاحَةَ إِلَى يَهُودٍ فَيُخْرِصُ النّخْل حِينَ يَطِيبُ قَبْلَ أَنْ يُؤْكَلَ مِنْهُ .
__________
باب متى يخرص التمر
"يبعث" : أي يرسل "إلى يهود" : أي في خيبر "فيخرص النخل" : بضم الراء أي يحرزها "حين يطيب" : بالتذكير والتأنيث أي يظهر في الثمار الحلاوة "قبل أن يؤكل منه" : هذا الحديث فيه واسطة بين ابن جريج والزهري ولم يعرف، وقد رواه عبد الرزاق والدارقطني بدون الواسطة المذكورة. وابن جريج مدلس وذكر الدارقطني الاختلاف فيه فقال رواه صالح عن أبي الأخضر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة وأرسله معمر ومالك وعقيل ولم يذكروا أبا هريرة ورواه المؤلف أبو داوود هذا الحديث في هذا الباب وفي إسناده رجل مجهول، لكن أخرج هو أيضاً في كتاب البيوع من حديث أبي الزبير عن جابر. قال المنذري: رجاله ثقات.

(4/346)


16 - باب ما لا يجوز من الثمرة في الصدقة
1604 - حدثنا مُحمّدُ بنُ يَحْيَى بنِ فَارِسَ أخبرنا سَعِيدُ بنُ سُلَيْمانَ أخبرنا عَبّادٌ عن سُفْيَانَ بنِ حُسَيْنٍ عن الزّهْرِيّ عن أبي أُمَامَةَ بنِ سَهْلٍ عن أبِيهِ قال: ن َهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عن الْجُعْرُورِ وَلَوْنِ الْحُبَيْقِ أَنْ يُؤْخَذَا في الصّدَقَةِ.
__________
باب ما لا يجوز من الثمرة في الصدقة
"الجعرور" : بضم الجيم وسكون العين المهملة وضم الراء وسكون الواو بعدها قال في القاموس: هو تمر رديء "ولون الحبيق" : بضم الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة وسكون التحتية بعدها قاف كزبير تمر دقل ونوع رديء من التمر منسوب إلى ابن أبي حبيق اسم رجل

(4/346)