Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود

المجلد الخامس
تابع لكتاب الزكاة
باب زكاة الفطر
...
بسم الله الرحمن الرحيم
17- باب زكاة الفطر
1606 - حدثنا محمُودُ بنُ خَالِدٍ الدّمَشْقِيّ وَ عبد الله بنُ عبد الرّحْمَنِ السّمْرَقَنْدِيّ قالا أخبرنا مَرْوانُ قال عبد الله أخبرنا أبُو يَزِيدَ الْخَوْلاَنِيّ وكَانَ شَيْخَ صِدْقٍ، وكانَ ابنُ وَهْبٍ يَرْوِي عَنْهُ - أخبرنا سَيّارُ بنُ عبد الرّحْمَنِ، قال محمُودٌ الصّدَفِيّ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: فَرَضَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصّيَامِ مِنَ اللّغْوِ وَالرّفَثِ وَطُعْمَةً للْمَسَاكِينِ، مَنْ أَدّاهَا قَبْلَ الصّلاَةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدّاهَا بَعْدَ الصّلاَةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصّدَقَاتِ.
__________
"باب زكاة الفطر"
أي صدقة فطر
"وكان" أبو زيد "شيخ صدق" بإضافة الشيخ إلى صدق "وكان ابن وهب يروي عنه" أي عن أبي يزيد إلى ههنا مقولة عبد الله بن عبد الرحمَن وهذا توثيق منه لأبي يزيد "قال محمود" في روايته "الصدفي" بمهملتين مفتوحتين أي قال محمود في روايته سيار بن عبد الرحمَن الصدفي ولم يقل الصدفى عبد الله بن عبد الرحمَن "طهرة" أي تطهيراً لنفس من صام رمضان "من اللغو" وهو مالا ينعقد عليه القلب من القول "والرفث" قال ابن الأثير: الرفث هنا هو الفحش من كلام "وطعمة" بضم الطاء وهو الطعام الذي يؤكل. وفيه دليل على أن الفطرة تصرف في المساكين دون غيرهم من مصارف الزكاة "من أداها قبل الصلاة" أي قبل صلاة العيد "فهي زكاة مقبولة" المراد بالزكاة صدقة الفطر "صدقة من الصدقات" يعني التي يتصدق بها في سائر الأوقات، وأمر القبول فيها موقوف على مشيئة الله تعالى. والظاهر أن من أخرج الفطرة بعد صلاة كان كمن لم يخرجها باعتبار اشتراكهما في ترك هذه الصدقة الواجبة. وقد ذهب أكثر العلماء إلى أن إخراجها قبل صلاة العيد إنما هو مستحب فقط، وجزموا بأنها تجزىء إلى آخر

(5/3)


18 - باب متى تؤدى
1607 - حدثنا عبد الله بنُ مُحمّدٍ النّفَيْلِيّ أخبرنا زُهَيْرٌ أخبرنا مُوسَى بنُ عُقْبَةَ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ قال: أَمَرَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِزَكَاةِ الْفِطْرِ أَنْ تُؤَدّى قَبْلَ خُرُوجِ النّاسِ إِلَى الصّلاَةِ . قالَ: فَكَانَ ابنُ عُمَرَ يُؤَدّيهَا قَبْلَ ذَلِكَ بالْيَومِ وَالْيَومَيْنِ.
__________
يوم الفطر، والحديث يرد عليهم، وأما تأخيرها عن يوم العيد. فقال ابن رسلان: إنه حرام بالاتفاق لأنها زكاة، فوجب أن يكون في تأخيرها إثم كما في إخراج الصلاة عن وقتها. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه.
باب متى تؤدى
-"قبل خروج الناس إلى الصلاة" قال ابن التين: أي قبل خروج الناس إلى صلاة العيد وبعد صلاة الفجر. قال ابن عيينة في تفسيره عن عمرو بن دينار عن عكرمة قال: يقدم الرجل زكاته يوم الفطر بين يدي صلاته فإن الله تعالى يقول: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} ولابن خزيمة من طريق كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن هذه الآية فقال نزلت في زكاة الفطر. وحمل الشافعي التقيد بقبل صلاة العيد على الاستحباب لصدق اليوم على جميع النهار. وقد رواه أبو معشر عن نافع عن ابن عمر بلفظ: كان يأمرنا أن نخرجها قبل أن نصلي، فإذا انصرف قسمه بينهم وقال أغنوهم عن الطلب. أخرجه سعيد بن منصور ولكن أبو معشر ضعيف. وهم ابن العربي في عزو هذه الزيادة لمسلم. وقد استدل بالحديث على كراهة تأخيرها عن الصلاة وحمله ابن حزم على التحريم "قبل ذلك" أي يوم الفطر "باليوم واليومين" فيه دليل على جواز تعجيل الفطرة قبل يوم الفطر، وقد جوزه الشافعي من أول رمضان ومثله قال أبو حنيفة. وقال أحمد: لا تقدم على وقت وجوبها إلا كيوم أو يومين. وقال مالك: لا يجوز التعجيل مطلقاً. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، وليس في حديثهم فعل ابن عمر.

(5/4)


19- باب كم يُؤدى في صدقة الفطر
1608 - حدثنا عبد الله بنُ مَسْلَمَةَ أخبرنا مَالِكٌ وَقَرَأَهُ عَلَيّ مَالِكٌ أيضاً عن نَافِعٍ
__________
باب كم يُؤدى في صدقة الفطر
"وقرأه عليّ مالك أيضاً" المعنى والله أعلم، أن مالكا حدث عبد الله بن مسلمة بهذا الحديث مرتين، مرة قرأ عبد الله على مالك الإمام كما كان دأب مالك وتم حديثه على قوله إن

(5/4)


عن ابنِ عُمَرَ: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ قال فِيهِ فِيمَا قَرَأَهُ عَلَيّ مَالِكٌ: زَكَاةُ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ صَاعٌ من تَمْرٍ أوْ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ عَلَى كلّ حُرَ أَوْ عبد ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنَ المُسْلِمينَ .
ـــــــ
رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر، ومرة قرأ مالك على عبد الله بن مسلمة، لكن زاد مالك في مرة أخرى على الرواية الأولى. فلفظ في الموطأ عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعا من تر أو صاعاً من شعير على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين انتهى "فرض زكاة الفطر" فيه دليل على أن صدقة الفطر من الفرائض. وقد نقل ابن المنذر وغيره الإجماع على ذلك، ولكن الحنفية يقولون بالوجوب دون الفرضية، على قاعدتهم في التفرقة بين الفرض والواجب. قالوا إذ لا دليل قاطع تثبت به الفرضية. قال الحافظ: وفي نقل الإجماع نظر لأن إبراهيم بن علية وأبا بكر بن كيسان الأصم قالا: أن وجوبها نسخ واستدل لهما بما روى النسائي وغيره عن قيس بن سعد بن عبادة قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة فلما نزلت الزكاة لم يأمرنا ولم ينهانا ونحن نفعله. قال وتعقب بأن في إسناده راوياً مجهولاً، وعلى تقدير الصحة فلا دليل فيه على النسخ، لاحتمال الاكتفاء بالأمر الأول لأن نزول فرض الواجب سقوط فرض آخر. وقد ثبت أن قوله تعالى {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} نزلت في زكاة الفطر، كما روى ذلك ابن خزيمة "زكاة الفطر" أضيفت الزكاة إلى الفطر لكونها تجب بالفطر من رمضان كما في الفتح. وقد استدل بقوله زكاة الفطر على أن وقت وجوبها غروب الشمس ليلة الفطر لأنه وقت الفطر من رمضان، وقيل: وقت وجوبها طلوع الفجر من يوم العيد، لأن الليل ليس محلا للصوم، وإنما يتبين الفطر الحقيقي بالأكل بعد طلوع الفجر، والأول قول الثوري وأحمد وإسحاق والشافعي في الجديد وإحدى الروايتين عن مالك، والثاني قول أبي حنيفة والليث والشافعي في القديم، والرواية الثانية عن مالك "صاع من تمر أو صاع من شعير" الصاع خمسة أرطال وثلث رطل وهو قول أهل المدينة وأهل الحجاز كافة، وهذا هو الصحيح من حيث الرواية. وذهب العراقيون إلى أن الصاع ثمانية أرطال وهو غير صحيح وقد تقدم البحث مبسوطاً في باب مقدار الماء الذي يجزىء به الغسل أو للتخيير.
"قال الطيبي" دل على أن النصاب ليس بشرط. قال القاري أي للإطلاق، وإلا فلا دلالة فيه نفياً وإثباتاً. فعند الشافعي تجب إذا فضل عن قوته وقوت عياله ليوم العيد وليلته قدر صدقة الفطر.

(5/5)


1609 - حدثنا يَحْيَى بنُ مُحمّدٍ بنِ السّكَنِ أخبرنا مُحمّدُ بنُ جَهْضَمٍ أخبرنا إِسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ عن عُمَرَ بنِ نَافِعٍ عن أبِيهِ عن عبد الله بنِ عُمَرَ قالَ: فَرَضَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعاً فَذَكَرَ بِمَعْنَى مَالِكٍ. زَادَ: والصّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدّى قَبْلَ خُرُوجِ النّاسِ إِلَى الصّلاَةِ.
ـــــــ
أقول: وهذا تقدير نصاب كما لا يخفى، إلا أن الحنفية قيدوا هذا الإطلاق بأحاديث وردت تفيد التقييد بالغنى وصرفوه إلى المعنى الشرعي والعرفي وهو من يملك نصاباً، منها قوله عليه الصلاة والسلام: لا صدقة إلا عن ظهر غنى، رواه الإمام أحمد في مسنده انتهى "على كل حر أو عبد " ظاهره وجوبها على العبد وإن كان سيده يتحملها عنه، قال الخطابي: ظاهره إلزام العبد نفسه إلا أنه لا ملك له فيلزم السيد إخراجه عنه. وقال داوود: لازم للعبد وعلى السيد أن يمكنه من الكسب حتى يكسب فيؤديه.
"من المسلمين" وفيه دليل على أنه يزكي عن عبيده المسلمين كانوا للتجارة أو الخدمة لأن عموم اللفظ شملهم كلهم، وفيه وجوبها على الصغير منهم والكبير والحاضر والغائب، وكذلك الآبق منهم والمرهون والمغصوب، وفي كل من أضيف إلى ملكه. وفيه دليل على أنه لا يزكى عن عبيده الكفار لقوله من المسلمين فقيده بشرط الإسلام، فدل على أن عبد ه الذمي لا يلزمه، وهو قول مالك والشافعي وأحمد وابن حنبل. وروى ذلك عن الحسن البصري. وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه: يؤدي عبد ه الذمي، وهو قول عطاء والنخعي. وفيه دليل على أن إخراج أقل من صاع لا يجزىء، وذلك أنه ذكر في هذا الخبر التمر والشعير وهما قوت أهل ذلك الزمان في ذلك المكان فقياس ما يقتاتونه من البر وغيره من أقوات أنه لا يجزىء منه أقل من صاع.
وقد اختلف الناس في هذا فقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق لا يجزيه من البر أقل من صاع، وروي عن الحسن وجابر بن زيد وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري يجزيه من الزبيب نصف صاع كالقمح. وروى عن جماعة من الصحابة إخراج نصف صاع البر. كذا في معالم السنن للخطابي. وقال المنذري: أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
-بشر "بمعنى" حديث "مالك" ولفظ البخاري من طريق عمر بن نافع عن أبيه نافع عن ابن عمر قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعا من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل الصلاة انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري

(5/6)


قال أَبُو دَاوُد: رَوَاهُ عبد الله الْعُمَرِيّ عن نَافِعٍ بإِسْنَادِهِ قالَ: عَلَى كلّ مُسْلِمٍ.
وَرَوَاهُ سَعِيدٌ الْجُمَحِيّ عنْ عُبَيْدِ الله عن نَافِعٍ قالَ فيهِ: وَالمَشْهُورُ عن عُبَيْدِالله لَيْسَ فِيهِ مِنَ المُسْلِمِينَ.
1610 - حدثنا مُسَدّدٌ أَنّ يَحْيَى بنَ سَعِيدٍ وَ بِشْرَ بنَ المُفَضّلِ حَدّثَاهُمْ عنْ عُبَيْدِالله ح. وأخبرنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا أَبَانُ عن عُبَيْدِالله عن نَافِعٍ عن عبد الله عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم: أَنّهُ فَرَضَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ أَوْ تَمْرٍ عَلَى الصّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالْحُرّ وَالمَمْلُوكِ زَادَ مُوسَى: وَالذّكَرِ وَاْلأُنْثَى .
ـــــــ
والنسائي "رواه عبد الله" المكبر "العمري" أبو عبد الرحمَن وفيه ضعف وحديثه عند الدارقطني بلفظ: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر على كل مسلم حر أو عبد ذكر أو أنثى صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير "رواه سعيد" بن عبد الرحمَن "الجمحي" بضم الجيم وفتح الميم المخففة منسوب إلى جمح بن عمر "عن عبيدالله" المصغر وحديثه عند الحاكم في المستدرك بلفظ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من بر على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين وصححه ورواه الدارقطني في سننه من طريق سعيد بن عبد الرحمَن الجمحي، عن عبيدالله عن نافع. وفي بعض نسخ الدارقطني عن عبد الله عن نافع والصحيح هو الأول أي المصغر. والله أعلم "والمشهور عن عبيدالله" المصغر "ليس فيه" في حديث زكاة الفطر لفظ "من المسلمين" أخرج مسلم من طريق عبد الله بن نمير وأبي أسامة كلاهما عن عبيدالله المصغر عن نافع عن ابن عمر قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على كل عبد أو حر صغير أو كبير. والمعنى أن سعيداً الجمحي روى عن عبيدالله، فذكر في حديثه لفظ المسلمين، وأما غير سعيد مثل رواة عبيدالله مثل عبد الله بن نمير وأبي أسامة كما عند مسلم ويحيى بن سعيد وبشر بن المفضل وأبان كما سيجيء عند المؤلف فلم يذكر واحد منهم عن عبيدالله لفظ المسلمين.
"صاعاً من شعير أو تمر" انتصب صاعاً على التميز أو أنه مفعول ثان "على الصغير والكبير" وجوب فطرة الصغير في ماله والمخاطب بإخراجها وليه إن كان للصغير مال ولا وجبت على من تلزمه نفقته. وإلى هذا ذهب الجمهور. وقال محمد بن الحسن: هي على الأب مطلقاً فإن لم يكن له أب فلا شيء عليه. وعن سعيد بن المسيب والحسن البصري لا تجب إلا على من صام. ونقل ابن المنذر الإجماع على أنها لا تجب على الجنين. وكان أحمد يستحبه ولا يوجبه كذا في الفتح.

(5/7)


قال أَبُو دَاوُد: قَالَ فِيهِ أَيّوبُ وَعبدالله يَعْنِي الْعمرِيّ في حَدِيثِهما عنْ نَافِعٍ: ذَكَرَ أَوْ أُنْثَى. أَيضاً.
ـــــــ
"زاد موسى" بن إسماعيل في روايته "والذكر والأنثى" ولم يذكر هذه اللفظة مسدد وقد ذكرها أيضاً عمر بن نافع عن أبيه عن نافع عن ابن عمر كما تقدم من رواية يحيى بن محمد بن السكن. قال الحافظ: ظاهره وجوبها على المرأة سواء كان لها زوج أم لا، وبه قال الثوري وأبو حنيفة وابن المنذر. وقال مالك والشافعي والليث وأحمد وإسحاق: تجب على زوجها تبعاً للنفقة. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم "قال فيه أيوب" السختياني "وعبد الله يعني العمري في حديثهما" أي كما زاد عمر بن نافع عن أبيه نافع جملة الذكر والأنثى كذا زادها أيوب وعبد الله العمري أيضاً ورواية أيوب عند الشيخين ورواية عبد الله العمري عند الدارقطني في سننه.
واعلم أنه قال الترمذي وأبو قلابة الرقاشي ومحمد بن وضاح وتبعهم ابن الصلاح ومن تبعه إن مالكا تفرد بقوله من المسلمين دون أصحاب نافع، وتعقب ذلك ابن عبد البر فقال كل الرواة عن مالك قالوا فيه من المسلمين إلا قتيبة بن سعيد وحده فلم يقلها. قال وأخطأ من ظن أن مالكا تفرد بها فقد تابعه عليها جماعة عن نافع منهم عمر بن نافع عند البخاري وكثير بن فرقد عند الطحاوي، والدارقطني والحاكم وعبيدالله بن عمر أي عند الدارقطني، والحاكم ويونس بن يزيد عند الطحاوي في مشكل الآثار، وأيوب السختياني عند الشيخين والدارقطني وابن خزيمة. زاد الحافظ ابن حجر على اختلاف عنه وعلى عبيدالله في زيادتهما والضحاك بن عثمان عند مسلم والمعلى بن إسماعيل عند ابن حبان وابن أبي ليلى عند الدارقطني وابن الجارود قال الحافظ: وذكر شيخنا ابن الملقن أن البيهقي أخرجه من طريق أيوب بن موسى ويحيى بن سعيد وموسى بن عقبة ثلاثتهم عن نافع بالزيادة. وقد تتبعت تصانيف البيهقي فلم أجد فيها هذه الزيادة من رواية أحد من هؤلاء الثلاثة انتهى.
قال الشيخ ابن دقيق العيد: وقد اشتهرت هذه اللفظة أعني قوله: من المسلمين من رواية مالك حتى قيل إنه تفرد بها. قال أبو قلابة: عبد الملك بن محمد ليس أحد يقول فيه من المسلمين غير مالك. وقال الترمذي بعد تخريجه له: زاد فيه مالك من المسلمين وقد رواه غير واحد عن نافع فلم يقولوا فيه من المسلمين انتهى. قال فمنهم الليث بن سعد وحديثه عند مسلم وعبيدالله بن عمر وحديثه أيضاً عند مسلم وأيوب السختياني وحديثه عند البخاري ومسلم كلهم يرووه عن نافع عن ابن عمر فلم يقولوا فيه من المسلمين قال وتبعها على هذه

(5/8)


1611 - حدثنا الْهَيْثَمُ بنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيّ أخبرنا حُسَيْنُ بنُ عَلِيّ الْجُعْفِيّ عنْ زَائِدَةَ أخبرنا عبد الْعَزِيزِ بنُ أبي رَوّادٍ عن نَافِعٍ عن عبد الله بنِ عُمَرَ قَال: كانَ النّاسُ يُخْرِجُونَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ أَوْ تَمْرٍ أَوْ سُلْتٍ أَوْ زَبِيبٍ. قالَ قالَ عبد الله فَلَمّا كَانَ عُمَرُ رَحِمَهُ الله وَكَثُرَتِ الْحِنْطَةُ جَعَلَ عُمَرُ نِصْفَ صَاعٍ حِنْطَةٍ منْ تِلْكَ الأشْيَاء.
1612 - حدثنا مُسَدّدٌ وَ سُلَيْمانُ بنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيّ قالا أخبرنا حَمّادٌ عن أَيّوبَ عن نَافِعٍ قَالَ قَالَ عبد الله: فَعَدَلَ النّاسُ بَعْدُ نِصْفَ صَاعٍ منْ بُرّ قالَ وَكَانَ عبد الله
ـــــــ
المقالة جماعة وليس بصحيح. فقد تابع مالكا على هذه اللفظة من الثقات سبعة عمر بن نافع والضحاك بن عثمان والمعلى بن إسماعيل وعبيدالله بن عمر وكثير بن فرقد وعبد الله بن عمر العمري ويونس بن يزيد انتهى. هذا كله من غاية المقصود.
"أو سلت" بضم السين المهملة وسكون اللام نوع من الشعير يشبه البر. قاله السندي وفي نيل الأوطار نوع من الشعير وهو كالحنطة في ملاسته وكالشعير في برودته وطبعه انتهى. وفي الصراع جو برهنه يعني بي بوست "من تلك الأشياء" أي عوضاً من تلك الأشياء. قال المنذري: وأخرجه النسائي وفي إسناده عبد العزيز بن داوود وهو ضعيف انتهى. والحديث أعله ابن الجوزي بعبد العزيز وقال قال ابن حبان: كان يحدث عن التوهم فسقط الاحتجاج به. وفي حديث أبي سعيد أنه إنما عدل القيمة في الصاع معاوية، فأما عمر فإنه كان أشد اتباعاً للأثر من أن يفعل ذلك انتهى. قال صاحب التنقيح: وعبد العزيز هذا وإن كان ابن حبان تكلم فيه فقد وثقه يحيى بن سعيد القطان ويحيى بن معين وأبو حاتم الرازي وغيرهم فالموثقون له أعرف من المضعفين، وقد أخرج له البخاري استشهاداً انتهى.
"فعدل الناس" أي معاوية رضي الله عنه ومن معه "من بر" فجعل في كل شيء سوى الحنطة صاعاً وفي الحنطة نصف صاع ومثله عن طاووس وابن المسيب وابن الزبير وسعيد بن جبير، وأخرج الطحاوي عن جماعة كثيرة ثم قال فهذا كل ما روينا في هذا الباب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه وعن تابعيهم كلها على أن صدقة الفطر من الحنطة نصف صاع وما علمنا أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من التابعين روى عنه خلاف ذلك فلا ينبغي لأحد أن يخالف ذلك إذ قد صار إجماعاً في زمن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي انتهى مختصراً.
قال ابن المنذر: لا نعلم في القمح خبراً ثابتاً عن النبي صلى الله عليه وسلم يعتمد عليه ولم يكن البر

(5/9)


يُعْطِي التّمْرَ، فَأُعْوِزَ أَهْلُ المَدِينَةِ التّمْرَ عاماً فَأَعْطَى الشّعِيرَ.
1613 - حدثنا عبد الله بنُ مَسْلَمَةَ أخبرنا دَاوُدُ يَعْني ابنَ قَيْسٍ عنْ عُيَاضِ بنِ عبد الله عنْ أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قالَ: كُنّا نُخْرِجُ إِذْ كانَ فِينَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم زَكَاةَ الْفِطْرِ عن كلّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ حُرٍ وَمَمْلُوكٍ صَاعاً منْ طَعامٍ، أو صَاعاً من أَقَطٍ، أَو صَاعاً من شَعِيرٍ أو صَاعاً من تَمْرٍ أَو صَاعاً من زَبِيبٍ، فَلَمْ نَزَلْ نُخْرِجُهُ حَتّى قَدِمَ مُعاوِيَةُ حَاجّاً أَوْ
ـــــــ
بالمدينة في ذلك الوقت إلا الشيء اليسير فلما كثر في زمن الصحابة رأوا أن نصف صاع منه يقوم مقام صاع من الشعير وهم الأئمة، فغير جائز أن يعدل عن قولهم إلا إلى قول مثلهم، ثم أسند عن عثمان وعلي وأبي هريرة وجابر وابن عباس وابن الزبير وأمه أسماء بنت أبي بكر بأسانيد قال الحافظ صحيحة أنهم رأوا أن في زكاة الفطر نصف صاع من قمح انتهى. قال الحافظ: وهذا مصير من ابن المنذر إلى اختيار ما ذهب إليه الحنفية، لكن حديث أبي سعيد دال على أنه لم يوافق على ذلك وكذلك ابن عمر فلا إجماع في المسألة خلافاً للطحاوي. والكلام في هذه المسألة في فتح الباري وغيره. وذهب أبو سعيد وأبو العالية وأبو الشعثاء والحسن البصري وجابر بن زيد والشافعي ومالك وأحمد وإسحاق إلى أن البر والزبيب كذلك يجب من كل واحد منهما صاع.
"فأعوز أهل المدينة" بالمهملة والزاي أي احتاج يقال أعوزني الشيء إذا احتجت إليه فلم أقدر عليه وفيه دلالة على أن التمر أفضل ما يخرج في صدقة الفطر وقد روى جعفر الفريابي من طريق أبي مجلز قال قلت لابن عمر قد أوسع الله والبر أفضل من التمر أفلا تعطي البر قال لا أعطي إلا كما كان يعطي أصحابي. ويستنبط من ذلك أنهم كانوا يخرجون من أعلى الأصناف التي يقتات بها لأن التمر أعلى من غيره مما ذكر في حديث أبي سعيد وإن كان ابن عمر فهم منه خصوصية التمر بذلك كذا في فتح الباري. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي "صاعاً من طعام أو صاعاً من أقط" قال الحافظ: هذا يقتضي المغايرة بين الطعام وبين ما ذكر بعده، وقد حكى الخطابي أن المراد بالطعام ههنا الحنطة وأنه اسم خاص له. قال ويدل على ذلك ذكر الشعير وغيره من الأقوات والحنطة أعلاها فلولا أنه أرادهما بذلك لكان ذكرها عند التفصيل كغيرها من الأقوات ولا سيما حيث عطفت عليها بحرف أو الفاصلة، وقال هو وغيره وقد كانت لفظة الطعام تستعمل في الحنطة عند الإطلاق حتى إذا قيل اذهب إلى سوق الطعام فهو منه سوق القمح، وإذا غلب العرف نزل اللفظ عليه لأنه لما

(5/10)


مُعْتَمِراً، فَكَلّمَ النّاسَ عَلَى المِنْبَرِ، فَكَانَ فِيمَا كَلّمَ بِهِ النّاسَ أَنْ قال: إِنّي أَرَى أَنّ مُدّيْنِ مِنْ سَمْرَاءِ الشّامِ تَعْدِلُ صَاعاً مِنْ تَمْرٍ، فَأَخَذَ النّاسُ بِذَلِكَ. فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فأَمّا أَنَا فلا أَزَالُ أُخْرِجُهُ أَبَداً ما عِشْتُ.
قال أَبُو دَاوُد: رَوَاهُ ابنُ عُلَيّةَ وَعبد ةُ وَغَيْرُهُمَا عن ابنِ إِسْحَاقَ عن عبد الله بنِ عبد الله بنِ عُثْمانَ بنِ حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ عنْ عِيَاضٍ عنْ أبي سَعِيدٍ بِمَعْنَاهُ. وَذَكَرَ رَجُلٌ وَاحِدٌ فيه عن ابنِ عُلَيّةَ: أَوْ صَاعاً مِنْ حِنْطَةٍ، وَلَيْسَ بمَحْفُوظٍ.
ـــــــ
غلب استعمال اللفظ فيه كان خطوره عند الإطلاق أقرب انتهى. وقد رد ذلك ابن المنذر وقال ظن أصحابنا أن قوله في حديث أبي سعيد صاعاً من طعام حجة لمن قال صاعاً من طعام حنطة وهذا غلط منه، وذلك أن أبا سعيد أجمل الطعام ثم فسره ثم أورد طريق حفص بن ميسرة عند البخاري وغيره أن أبا سعيد قال: كنا نخرج في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفطر صاعاً من طعام. قال أبو سعيد: وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر وهي ظاهرة فيما قال. وأخرج الطحاوي نحوه من طريق أخرى. وأخرج ابن خزيمة والحاكم في صحيحهما أن أبا سعيد قال ما ذكروا عنده صدقة رمضان لا أخرج إلا ما كنت أخرج في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاع تمر أو صاع حنطة أو صاع شعير أو صاع أقط، فقال له رجل من القوم أو مدين من قمح فقال لا تلك قيمة معاوية لا أقبلها ولا أعمل بها. قال ابن خزيمة: ذكر الحنطة في خبر أبي سعيد هذا غير محفوظ ولا أدري ممن الوهم "أن مدين" المد ربع الصاع "من سمراء الشام" بفتح السين المهملة وإسكان الميم وبالمد هي القمح الشامي. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه مطولا ومختصراً "رواه ابن علية" هو إسماعيل بن إبراهيم، وعلية هي أم إسماعيل "وعبد ة" بن سليمان الكلابي "وغيرهما" كأحمد بن خالد الوهبي وروايته عند الطحاوي "عن أبي سعيد بمعناه" ووصله المؤلف إلى ابن علية فيما يأتي بعد ذلك وأخرج الحاكم في المستدرك من طريق أحمد بن حنبل عن ابن علية عن ابن إسحاق عن عبد الله بن عبد الله بن عثمان بن حكيم بن حزام عن عياض بن عبد الله قال قال أبو سعيد وذكر عنده صدقة الفطر فقال: لا أخرج إلا ما كنت أخرجه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير، فقال له رجل من القوم أو مدين من قمح فقال لا تلك قيمة معاوية لا أقبلها ولا أعمل بها وصححه "وذكر رجل واحد" وهو يعقوب الدورقي وروايته عند الدارقطني "فيه" في هذا الحديث "أو صاع من حنطة" ولفظ الدارقطني: حدثنا الحسين بن إسماعيل وعبد الملك قالا أخبرنا يعقوب الدورقي حدثنا ابن علية عن محمد بن إسحاق حدثني عبد الله بن

(5/11)


1614 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا إِسْمَاعِيلُ، لَيْسَ فيه ذِكْرُ الْحِنْطَةِ.
قال أَبُو دَاوُد: وَقَدْ ذَكَرَ مُعَاوِيَةُ بنُ هِشَامٍ في هذا الحدِيثِ عن الثّوْرِيّ عن زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ عن عِيَاضٍ عن أبي سَعِيدٍ: نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرَ، وَهُوَ وَهْمٌ مِنْ مُعَاوِيَةَ بنِ هِشَامٍ أَوْ مِمّنْ رَوَاهُ عَنْهُ.
1615 - حدثنا حَامِدُ بنُ يَحْيَى أنبأنا سُفْيَانُ ح. وأخبرنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عن ابنِ عَجْلاَنَ سَمِعَ عِيَاضاً قال سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ يقُولُ: لا أُخْرِجُ أَبَداً إِلاّ صَاعاً، إِنّا كُنّا نُخْرِجُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم صَاعَ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ
ـــــــ
عبد الله عن عياض بن عبد الله قال قال أبو سعيد وذكروا عنده صدقة رمضان فقال لا أخرج إلا ما كنت أخرج على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعاً من تمر أو صاعاً من حنطة أو صاعاً من شعير أو صاعاً من أقط فقال له رجل من القوم أو مدين من قمح قال لا تلك قيمة معاوية لا أقبلها ولا أعمل بها "وليس بمحفوظ" قال الشيخ تقي الدين قال ابن خزيمة: وذكر الحنطة في هذا الخبر غير محفوظ ولا أدري ممن الوهم. وقول الرجل أو مدين دال على أن ذكر الحنطة في أول الخبر خطأ ووهم إذ لو كان صحيحاً لم يكن لقوله أو مدين من قمح معنى انتهى.
"أخبرنا إسماعيل" هو ابن علية المذكور "ليس فيه ذكر الحنطة" واعلم أن المؤلف أورد قبل ذلك رواية ابن علية معلقاً ثم أورد ههنا متصلا بذكر مسدد عن إسماعيل ابن علية "قد ذكر معاوية بن هشام" الأزدي الكوفي هو شيخ شيخ أبي داوود ولم يدركه أبو داوود روى معاوية عن سفيان الثوري وغيره وروى عنه أحمد وإسحاق "أو ممن رواه عنه" عن معاوية والمحفوظ من رواية الثوري ما رواه الطحاوي حدثنا علي بن شبية حدثنا قبيصة بن عقبة حدثنا سفيان عن زيد بن أسلم عن عياض بن عبد الله عن أبي سعيد الخدري قال: كنا نعطي زكاة الفطر من رمضان صاعاً من طعام أو صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير أو صاعاً من أقط.
"أخبرنا يحيى" أي ابن سعيد القطان وكلاهما أي سفيان بن عيينة ويحيى القطان يروي عن ابن عجلان "أو أقط" بفتح الهمزة وكسر القاف وهو لبن يابس غير منزوع الزبد. وقال الأزهري: يتخذ من اللبن المخيض يطبخ ثم يترك حتى يتصل وقد اختلف في إجزائه على قولين أحدهما أنه لا يجزىء لأنه غير مقتات به. قال أبو حنيفة إلا أنه أجاز إخراجه بدلا عن القيمة على قاعدته، والقول الثاني أنه يجزىء وبه قال مالك وأحمد وهو الراجج لهذا الحديث ولما أخرجه مسلم في الصحيح من غير معارض. وروى عن أحمد أنه يجزىء مع عدم وجدان غيره. وزعم الماوردي أنه يجزىء عن أهل البادية دون أهل الحاضرة فلا يجزىء عنهم بلا خلاف، وتعقبه النووي فقال قطع الجمهور بأن

(5/12)


أَقَطٍ أَوْ زَبِيبٍ هذا حَدِيثُ يَحْيَى. زَادَ سُفْيَانُ: أَوْ صَاعاً مِنْ دَقِيقٍ.
قال حَامِدٌ: فأَنْكَرُوا عَلَيْهِ فَتَرَكَهُ سُفْيَانَ.
قال أَبُو دَاوُد: فَهَذِهِ الزّيَادَةُ وَهْمٌ مِنَ ابنِ عُيَيْنَةَ.
ـــــــ
الخلاف في الجميع "هذا حديث يحيى" القطان "زاد سفيان" ابن عيينة في روايته "أو صاعاً من دقيق" وأخرج الدارقطني من طريق العباس بن يزيد حدثنا سفيان بن عيينة حدثنا ابن عجلان عن عياض بن عبد الله أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول ما أخرجنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا صاعاً من دقيق أو صاعاً من تمر أو صاعاً من سلت أو صاعاً من زبيب أو صاعاً من شعير أو صاعاً من أقط، فقال له علي بن المديني وهو معنا يا أبا محمد أحد لا يذكر في هذا الدقيق قال بلى هو فيه انتهى. وقد جاء ذكر الدقيق في حديث آخر أخرج ابن خزيمة من حديث ابن عباس قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تؤدى زكاة رمضان صاعا من طعام من الصغير والكبير والحر والمملوك من أدى سلتا قبل منه وأحسبه قال من أدى دقيقاً قبل منه، ومن أدى سويقاً قبل منه ورواه الدارقطني ولكن قال ابن أبي حاتم سألت أبي عن هذا الحديث فقال منكر لأن ابن سيرين لم يسمع من ابن عباس وقد استدل بذلك على جواز إخراج الدقيق كما يجوز إخراج السويق وبه قال أحمد "قال حامد" بن يحيى "فأنكروا عليه" أي على ابن عيينة "الدقيق" أي زيادة لفظ الدقيق "فتركه سفيان" قال المنذري قال البيهقي: رواه جماعة عن ابن عجلان منهم حاتم بن إسماعيل ومن ذلك الوجه أخرجه مسلم في الصحيح ويحيى القطان وأبو خالد الأحمر وحماد بن مسعدة وغيرهم فلم يذكر أحد الدقيق غير سفيان وقد أنكر عليه فتركه وروى عن ابن سيرين عن ابن عباس مرسلا موقوفاً على طريق التوهم وليس بثابت انتهى. كذا في غاية المقصود.

(5/13)


20 - باب من روى نصف صاع من قمح
1616 - حدثنا مُسَدّدٌ وَ سُلَيْمانُ بنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيّ قالا أخبرنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عن النّعْمَانِ بنِ رَاشِدٍ عن الزّهْرِيّ قال مُسَدّدٌ عن ثَعَلَبَةَ بنِ أبي صُعَيْرٍ[بن عبد الله] عن
ـــــــ
باب من روى نصف صاع من قمح
بفتح القاف الحنطة.
"العتكي" بالعين المهملة المفتوحة ثم التاء الفوقانية المفتوحة منسوب إلى العتك بن أزد "ثعلبة بن أبي صعير" أو ابن صعير بمهملتين مصغر العذري بضم المهملة وسكون المعجمة ويقال ثعلبة بن عبد الله بن صعير، ويقال عبد الله بن ثعلبة بن صعير مختلف

(5/13)


أبِيهِ، وَقال سُلَيْمانُ بنُ دَاوُدَ عن عبد الله بنِ ثَعْلَبَةَ أَوْ ثَعْلَبَةَ بنُ عبد الله بنِ أبي صُعَيْرٍ عن أبِيهِ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: " صَاعٌ مِنْ بُرّ أوْ قَمْحٍ عَلَى كلّ اثْنَيْنِ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، حُرّ أَوْ عبد ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى. أَمّا غَنِيّكُمْ فَيُزَكّيهِ الله تَعَالَى، وَأَمّا فَقِيرُكُمْ فَيَرُدّ الله تَعَالَى عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِمّا أَعَطَاهُ" . زَادَ سُلَيْمانُ في حَدِيثِهِ: "غَنِيّ أَوْ فَقِيرٍ".
ـــــــ
في صحبته كذا في التقريب. وقال في حرف العين عبد الله بن ثعلبة بن صعير ويقال ابن أبي صعير له رواية ولم يثبت له سماع انتهى "عن أبيه" أورد الذهبي في الكاشف عبد الله بن ثعلبة بن صعير بلا لفظ أبي وكذا أورده المزي في تهذيب الكمال وقال عبد الله بن ثعلبة بن صعير ويقال ابن أبي صعير أبو محمد المدني الشاعر حليف بني زهرة ويقال ثعلبة بن عبد الله بن صعير وأمه من بني زهرة مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهه ورأسه زمن الفتح ودعا له، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أبيه ثعلبة بن صعير وعمر بن الخطاب وعلي وجابر بن عبد الله وسعد بن أبي وقاص وأبي هريرة "صاع من بر" أي الفطرة صاع موصوف بأنه من بر "أو قمح" أي الحنطة شك من الراوي "أما غنيكم" أي فرضها عليه "فيزكيه الله" التزكية بمعنى التطهير أو التنمية أي يطهر حاله وينمي ماله وأعماله بسببها "وأما فقيركم" أي بالإضافة إلى أكابر الأغنياء على مذهب أبي حنيفة، وأما على مذهب الشافعي فمن ملك صدقة الفطر زيادة على قوت نفسه وعياله ليوم العيد وليلته "مما أعطاه" أي هو المساكين. وفي هذا تسلية لمن يكون قليل المال بوعد العوض والخلف في المال "في حديثه غني أو فقير" أي حر أو عبد ذكر أو أنثى غني أو فقير. قال المنذري: في إسناده النعمان بن راشد ولا يحتج بحديثه انتهى قلت: ضعفه جماعة قال معاوية عن ابن معين ضعيف، وقال العباس عنه ليس بشيء، وقال أحمد مضطرب الحديث، وقال البخاري في حديثه وهم كثيراً وهو في الأصل صدوق والله أعلم. والحديث أخرجه الدارقطني من طريق إسحاق بن أبي إسرائيل عن حماد بن زيد عن النعمان بن راشد به موفوعاً أدوا صدقة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير أو نصف صاع من بر الحديث ثم أخرجه عن يزيد بن هارون حدثنا حماد بن زيد عن النعمان بن راشد به مرفوعاً بلفظ أدوا عن كل انسان صاعا من بر عن الصغير والكبير الحديث. ثم أخرجه عن سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن النعمان بن راشد عن الزهري عن ثعلبة بن أبي صعير عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أدوا صاعا من قمح أو قال من بر عن الصغير والكبير الحديث. ثم أخرج عن خالد بن خداش حدثنا حماد بن زيد بهذا الإسناد مثله ثم أخرجه عن مسدد حدثنا حماد بن زيد بهذا الإسناد: أدوا صدقة الفطر صاعا من بر أو قمح عن كل رأس صغير أو كبير.

(5/14)


1617 - حدثنا عَلِيّ بنُ الْحَسَنِ الْدّرَابِجِرْدِيّ أخبرنا عبد الله بنُ يَزِيدَ أخبرنا هَمّامٌ أخبرنا بَكَرٌ - هُوَ ابنُ وَائِلٍ - عن الزّهْرِيّ عن ثَعْلَبَةَ بنِ عبد الله أَوْ قال عبد الله بنِ ثعْلَبَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم ح. وأخبرنا مُحمّدُ بنُ يَحْيَى النّيْسَابُورِيّ أخبرنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا هَمّامٌ عن بَكْرٍ الْكُوفِيّ، قال مُحمّدُ بنُ يَحْيَى: هُوَ بَكْرُ بنُ وَائِلٍ بنِ دَاوُدَ أَنّ الزّهْرِيّ حَدّثَهُمْ عن عبد الله بن ثَعْلَبَةَ بنِ صُعَيْرٍ عن أبِيهِ قال: قَامَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم خَطِيباً فأَمَرَ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ صَاعِ تَمْرٍ أَوْ صَاعِ شَعِيرٍ عنْ كلّ رَأْسٍ . زَادَ عَلِيّ في حَدِيثِهِ: أوْ صَاعِ بُرَ أوْ قَمْحٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمّ اتّفَقَا: عنْ الصّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالْحُرّ وَالْعبد .
1618 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ أخبرنا عبد الرّزّاقِ أنبأنا ابنُ جُرَيْجٍ قال وقالَ ابنُ شِهَابٍ قال عبد الله بنُ ثَعْلَبَةَ قال أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ: قال الْعَدَوِيّ قال أَبُو دَاوُد قال أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ وَإِنّمَا هُوَ الْعُذْرِيّ: خَطَبَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم النّاسَ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمَيْنِ بِمَعْنَى حَدِيثِ المُقْرِىءِ.
ـــــــ
"الداربجردي" بكسر الموحدة والجيم وسكون الراء نسبة إلى دار أبجرد محلة متصلة بالصحراء في أعلى نيسابور "هو" أي بكر الكوفي "عن النبي صلى الله عليه وسلم " قال المنذري: وهذا مرسل "زاد علي" أي ابن الحسن "ثم اتفقا" أي علي بن الحسن ومحمد بن يحيى الذهلي. وأخرج الدارقطني من طريق عمرو بن عاصم حدثنا همام عن بكر بن وائل عن الزهري عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام خطيباً فأمر بصدقة الفطر عن الصغير والكبير والحر والعبد صاعا من تمر أو صاعا من شعير عن كل واحد أو عن كل رأس أو صاع قمح.
-"أنبأنا ابن جريج قال" أي ابن جريج "وقال ابن شهاب" الزهري في حديثه "قال عبد الله بن ثعلبة" بالجزم من غير شك في اسمه وفي رواية النعمان بن راشد وبكر بن وائل عن الزهري المتقدمة بالشك "قال أحمد بن صالح" شيح المؤلف "قال" عبد الرزاق في نسبة عبد الله بن ثعلبة إنه "العدوي" نسبة إلى عدى "وإنما هو" أي عبد الله بن ثعلبة "العذري" نسبة إلى عذرة بن سعد، قال الإمام الحافظ الغساني في تقييد المهمل: العذري بضم الذال المعجمة والراء هو عبد الله بن ثعلبة والعدوي تصحيف انتهى "خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم " ولفظ عبد الرزاق في مصنفه أخبرنا ابن جريج عن ابن شهاب عن عبد الله بن ثعلبة قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس قبل يوم الفطر بيوم أو يومين فقال: أدوا صاعاً من بر أو قمح بين اثنين أو

(5/15)


1619 - حدثنا مُحمّدُ بنُ المُثَنّى أخبرنا سَهْلُ بنُ يُوسُفَ قال حُمَيْدٌ أخبرنا عن
ـــــــ
صاعاً من تمر أو شعير عن كل حر أو عبد صغير أو كبير، ومن طريق عبد الرزاق رواه الدارقطني في سننه والطبراني في معجمه "بمعنى حديث المقرىء" المكي أبي عبد الرحمَن أقرأ القرآن نيفاً وسبعين سنة والمقرىء هذا هو عبد الله بن يزيد شيخ علي بن الحسن الداربجردي المتقدم ذكره. قال الإمام الدارقطني في كتاب العلل: هذا حديث اختلف في إسناده ومتنه، أما سنده فرواه الزهري، واختلف عليه فيه فرواه النعمان بن راشد عنه عن ثعلبة بن أبي صعير عن أبيه، ورواه بكر بن وائل عن الزهري عن عبد الله بن ثعلبة بن أبي صعير وقيل عن ابن عيينة عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، وقيل عن عقيل ويونس عن الزهري عن سعيد مرسلا، ورواه معمر عن الزهري عن الأعرج عن أبي هريرة، وأما اختلاف متنه ففي حديث سفيان بن حسين عن الزهري صاع من قمح، وكذلك في حديث النعمان بن راشد عن الزهري عن ثعلبة بن أبي صعير عن أبيه صاع من قمح عن كل إنسان. وفي حديث الباقين نصف صاع من قمح قال وأصحها عن الزهري عن سعيد بن المسيب مرسلا انتهى. قال ابن دقيق العيد: وحاصل ما يعلل به هذا الحديث أمران أحدهما الاختلاف في اسم أبي صعير، والعلة الثانية الاختلاف في اللفظ. وذكر البيهقي عن محمد بن يحيى الذهلي أنه قال في كتاب العلل: إنما هو عبد الله بن ثعلبة وإنما هو عن كل رأس أو كل إنسان، هكذا رواية بكر بن وائل لم يقم الحديث غيره قد أصاب الإسناد والمتن. قال ابن دقيق العيد: ويمكن أن يحرف رأس إلى اثنين، ولكن يبعد هذا بعض الروايات كالرواية التي فيها صاع بر أو قمح بين كل اثنين انتهى. قال الخطابي: في هذا حجة لمذهب من أجاز نصف صاع من البر، وفيه دليل على أنها واجبة على الطفل كوجوبها على البالغ، وفيه بيان أنها تلزم الفقير إذا وجد ما يؤديه، ألا تراه يقول وأما فقيركم فيرد الله عليه أكثر مما أعطاه، فقد أوجب أن يؤديها عن نفسه مع إجازته له أن يأخذ صدقة غيره انتهى.
"قال" أي سهل بن يوسف "حميد" هو الطويل "أخبرنا" بصيغة المعروف وفاعل أخبرنا حميد وحق العبارة قال سهل أخبرنا حميد عن الحسن، ولفظ النسائي أخبرنا علي بن حجر حدثنا يزيد بن هارون حدثنا حميد عن الحسن وأخرجه الدارقطني أيضاً من طريق يزيد مثله. وفي لفظ للدارقطني من طريق محمد بن المثنى حدثنا خالد بن الحارث حدثنا حميد عن الحسن وزعم بعضهم أن قوله أخبرنا بصيغة المجهول وهو غلط واضح لأن الحديث فيه علة واحدة، وهي عدم سماع الحسن عن ابن عباس وعلى ضبط صيغة المجهول تزيد علة أخرى، وهي جهالة للخبر عن الحسن، ولم ينبه على هذه العلة الأخرى المنذري ولا صاحب التنقيح

(5/16)


الْحَسَنِ قال: خَطَبَ ابنُ عَبّاسٍ في آخِرِ رَمَضَانَ عَلَى مِنْبَرِ الْبَصْرَةِ فَقَالَ: أَخرِجُوا صَدَقَةَ صَوْمِكُمْ، فَكَأَنّ النّاسَ لَمْ يَعْلَمُوا، فَقَالَ مَنْ هَهُنَا مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ، قومُوا إلَى إخْوَانِكُمْ فَعَلّمُوهُمْ فإِنّهُمْ لا يَعْلَمونَ. فَرَضَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم هَذِهِ الصّدَقَةَ صَاعاً مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ، أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ قَمْحِ عَلَى كلّ حُرَ أَوْ مَمْلُوكٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، صَغِيرٍ أوْ كَبِيرٍ. فَلمّا قَدِمَ عَلِيّ رَأَى رُخْصَ السّعْرِ قال: قَدْ أَوْسَعَ الله عَلَيْكُمْ فَلَوْ جَعَلْتُمُوهُ صَاعاً
ـــــــ
كما سيجيء، وأيضاً رواية النسائي والدارقطني تدفع هذه العلة "قال خطب ابن عباس" وهكذا في رواية النسائي والدارقطني من طريق يزيد بن هارون قال المنذري قال النسائي: الحسن لم يسمع من ابن عباس وهذا الذي قاله النسائي قاله الإمام أحمد وعلي ابن المديني وغيرهما من الأئمة. وقال ابن أبي حاتم سمعت أبي يقول الحسن لم يسمع من ابن عباس، وقوله خطبنا ابن عباس يعني خطب أهل البصرة. وقال علي بن المديني في حديث الحسن خطبنا ابن عباس بالبصرة إنما هو كقول ثابت قدم علينا عمران بن حصين، ومثل قول مجاهد خرج علينا عليّ وكقول الحسين إن سراقة بن مالك بن جعشم حدثهم. وقال علي ابن المديني أيضاً: الحسن لم يسمع من ابن عباس وما رآه قط كان بالمدينة أيام كان ابن عباس على البصرة انتهى كلام المنذري.
وقال الحاكم: أخبرنا الحسن بن محمد الاسفرائيني حدثنا محمد بن أحمد بن البراء قال سمعت علي بن المديني سئل عن هذا الحديث فقال: الحسن لم يسمع من ابن عباس ولا رآه قط كان بالمدينة أيام كان ابن عباس على البصرة، ثم ذكر الحاكم في توجيه قوله خطب كما ذكره ابن أبي حاتم سواء. وقال صاحب التنقيح: الحديث رواته ثقات مشهورون لكن فيه إرسال فإن الحسن لم يسمع من ابن عباس على ما قيل، وقد جاء في مسند أبي يعلى الموصلي في حديث عن الحسن قال أخبرني ابن عباس، وهذا إن ثبت دل على سماعه منه. وقال البزار في مسنده بعد أن رواه لا يعلم روى الحسن عن ابن عباس غير هذا الحديث ولم يسمع الحسن من ابن عباس. وقوله خطبنا أي خطب أهل البصرة، ولم يكن الحسن شاهد الخطبة ولا دخل البصرة بعد، لأن ابن عباس خطب يوم الجمل والحسن دخل أيام صفين انتهى. كذا في غاية المقصود "فكان" الحرف المشبه بالفعل "الناس" اسم كان، ولفظ النسائي فجعل الناس ينظر بعضهم إلى بعض "قمح" أي حنطة "فلما قدم علي" بن أبي طالب أي بالبصرة "رأى رخص" بضم الراء وسكون الخاء على وزن فعل ضد الغلاء، يقال رخص الشيء رخصاً فهو رخيص من باب قرب "قال" علي "من كل شيء" لكان حسناً. ولفظ النسائي قال الحسن: فقال

(5/17)


مِنْ كلّ شَيْءٍ. قال حُمَيْدٌ: وكَانَ الْحَسَنُ يَرَى صَدَقَةَ رَمَضَانَ عَلَى مَنْ صَامَ.
ـــــــ
علي: أما إذا أوسع الله فأوسعوا أعطوا صاعاً من بر أو غيره "على من صام" ومقتضاه أن الحسن لم ير صدقة الفطر على الصغير لأنه لا يصوم، لكن قوله هذا ليس بحجة والله أعلم.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله قال الترمذي سألت أبا عبد الله البخاري عن حديث الحسن وخطبنا ابن عباس فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض صدقة الفطر فقال روى غير يزيد بن هارون عن حميد عن الحسن خطب ابن عباس فكأنه رأى هذا أصح قال الترمذي وإنما قال البخاري هذا لأن ابن عباس كان بالبصرة في أيام علي والحسن البصري في أيام عثمان وعلي رضي الله عنهما كان بالمدينة.

(5/18)


21 - باب في تعجيل الزكاة
1620 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ الصّبّاحِ أخبرنا شَبَابَةُ عن وَرْقَاءَ عن أبي الزّنَادِ عن الأعْرَج عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: "بَعثَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم عُمَرَ بنَ الْخَطّابِ رَضِيَ الله عَنْهُ عَلَى الصّدَقَةِ فَمَنَعَ ابنُ جَمِيلٍ وَخَالِدُ بنُ الْوَلِيدِ وَالْعَبّاسُ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "مَا يَنْقِمُ ابنُ جَمِيلٍ إِلاّ أَنْ كَانَ فَقِيراً فَأَغْنَاهُ الله، وَأمّا خَالِدُ بنُ الْوَلِيدِ فإِنّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِداً فَقَدْ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتُدَه في سَبِيلِ الله عَزّوَجلّ: وَأَمّا الْعَبّاسُ عَمّ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَهِيَ عَلَيّ وَمِثْلُهَا
ـــــــ
باب في تعجيل الزكاة
"عمر بن الخطاب" ساعياً "على الصدقة" وهو مشعر بأنها صدقة الفرض لأن صدقة التطوع لا يبعث عليها السعاة "منع ابن جميل" أي منعوا الزكاة ولم يؤدوها إلى عمر قال في الفتح: ابن جميل هذا لم أقف على اسمه في كتب الحديث وقال القاضي حسين: اسمه عبد الله "ما ينقم" بكسر القاف أي ما ينكر نعمة الله أو يكره "فأغناه الله" وفي رواية البخاري: أغناه الله ورسوله، وإنما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه، لأنه كان سبباً لدخوله في الإسلام، فأصبح غنياً بعد فقره، بما أفاء الله وأباح لأمته من الغنائم. وهذا السياق من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم، لأنه إذا لم يكن له عذر إلا ما ذكر من أن الله أغناه فلا عذر له. وفيه التعريض بكفران النعم وتفريع بسوء الصنيع في مقابلة الإحسان "فإنكم تظلمون خالداً" والمعنى أنكم تظلمونه بطلبكم الزكاة منه، إذ ليس عليه زكاة لأنه "فقد احتبس" أي وقف قبل الحول "أدراعه" جمع درع الحديد "وأعتده" بضم المثناة الفوقية جمع عتد بفتحتين هو ما يعده الرجل من الدواب والسلاح. وقيل الخيل خاصة.
قال في النيل: ومعنى ذلك أنهم طلبوا من خالد زكاة أعتاده ظناً منهم أنها للتجارة وأن

(5/18)


، ثُم قالَ أَمَا شَعَرْتَ أَنّ عَمّ الرّجُلِ صِنْوُ الأبِ أَوْ صِنْوُ أبِيهِ" .
__________
الزكاة فيها واجبة فقال لهم لا زكاة عليّ، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم إن خالداً منع الزكاة فقال: إنكم تظلمونه لأنه حبسها ووقفها في سبيل الله قبل الحول عليها فلا زكاة فيها. ويحتمل أن يكون المراد لو وجبت عليه زكاة لأعطاها ولم يشح بها لأنه قد وقف أمواله لله تعالى متبرعاً فكيف يشح بواجب عليه. واستنبط بعضهم من هذا وجوب زكاة التجارة، وبه قال جمهور السلف والخلف خلافا لداوود. وفيه دليل على صحة وقف المنقول، وبه قالت الأمة بأسرها إلا أبا حنيفة وبعض الكوفيين "فهي عليّ ومثلها" معها ومما يقوي أن المراد بهذا أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم أنه تعجل من العباس صدقة عامين ما أخرجه أبو داوود الطيالسي من حديث أبي رافع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعمر: إنا كنا تعجلنا صدقة مال العباس عام الأول قال الخطابي: في صدقة العباس رضي الله عنه هي علي ومثلها، فإنه يتأول على وجهين أحدهما أنه كان يسلف منه صدقة سنتين فصارت ديناً عليه، وفي ذلك دليل على جواز تعجيل الصدقة قبل محلها، وقد اختلف العلماء في ذلك، فأجاز كثير منهم تعجيلها قبل أوان محلها، ذهب إليه الزهري والأوزاعي وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي، وكان مالك بن أنس لا يرى تعجيلها عن وقت محلها. ويروى عن الحسن البصري أنه قال: إن للصلاة وقتاً وللزكاة وقتاً، فمن صلى قبل الوقت أعاد ومن زكى قبل الوقت أعاد. والوجه الآخر هو أن يكون قد قبض صلى الله عليه وآله وسلم منه صدقة ذلك العام الذي شكاه فيها العامل وتعجل صدقة العام الثاني فقال هي ومثلها أي الصدقة التي قد حلت وأنت تطالبه بها مع مثلها من صدقة عام واحد "أن عم الرجل صنو الأب" أي مثله تفضيلا له وتشريفاً ويحتمل أن يكون تحمل عنه
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله لفظ مسلم وأبي داود فهي علي ومثلها معها وفيه قولان أحدهما أنه كان تسلف منه صدقة عامين والثاني أنه تحملها عنه يؤديها عنه ولفظ البخاري والنسائي فهي عليه صدقة ومثلها معها وفيه قولان أحدهما أنه جعله مصرفا لها وهذا قبل تحريمها على بني هاشم والثاني أنه أسقطها عنه عامين لمصلحة كما فعل عمر عام الرمادة ولفظ ابن إسحاق هي عليه ومثلها ومعها حكاه البخاري وفيه قولان أحدهما أنه أنظره بها ذلك العام إلى القابل فيأخذها ومثلها والثاني أن هذا مدح للعباس وأنه سمح بما طلب منه لا يمتنع من إخراج ما عليه بل يخرجه ومثله معه وقال موسى بن عقبة فهي له ومثلها معها ذكره ابن حبان وفيه قولان أحدهما أن له بمعنى عليه كقوله تعالى {وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} والثاني إطلاقها له وإخراج النبي صلى الله عليه وسلم عنه من عنده برا به ولهذا قال "أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه"

(5/19)


1621 - حدثنا سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ أخبرنا إِسْمَاعِيلُ بنُ زَكَرِيّا عن الْحَجّاجِ بنِ دِينَارٍ عن الْحَكَمِ عن حُجَيّةَ عن عَلِيّ: أَنّ الْعَبّاسَ سَأَلَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم في تَعْجِيلِ الصّدَقَةِ قَبْلَ أَنْ تَحُلّ، فَرَخّصَ لَهُ في ذَلِكَ قالَ مَرّةً فَأَذِنَ لَهُ في ذَلِكَ .
قال أَبُو دَاوُد: رَوَى هَذَا الحَدِيثِ هُشَيمٌ عنْ مَنْصُورِ بنِ زَاذَان عن الْحَكَمِ عن الْحَسَنِ بنِ مُسْلِم عنْ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وحَدِيثُ هُشَيْمٍ أَصَحّ.
__________
بها فيستفاد منه أن الزكاة تتعلق بالذمة كما هو أحد قولي الشافعي. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"قبل أن تحل" بكسر الحاء أي تجب الزكاة، وقيل قبل أن تصير حالا بمضى الحول "فرخص له" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس "في ذلك" أي تعجيل الصدقة. قال ابن الملك: وهذا يدل على جواز تعجيل الصدقة بعد حصول النصاب قبل تمام الحول وكذا على جواز تعجيل الفطرة بعد دخول رمضان. وفي سبل السلام لكنه مخصوص جوازه بالمالك ولا يصح من المتصرف بالوصاية والولاية.
واستدل من منع التعجيل مطلقاً بحديث أنه لا زكاة حتى يحول الحول، والجواب أنه لا وجوب حتى يحول عليه الحول، وهذا لا ينفي جواز التعجيل وبأنه كالصلاة قبل الوقت، وأجيب بأنه لا قياس مع النص. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه وحجية بن عدي قال أبو حاتم الرازي: شيخ لا يحتج بحديثه شبه المجهول، وأخرجه أبو داوود من حديث هشيم معضلا. قال وحديث هشيم أصح. وذكر البيهقي أن هذا الحديث مختلف فيه وأن المرسل فيه أصح انتهى كلام المنذري. والحاصل أن الاختلاف على الحكم بن عتيبة، فروى الحجاج بن دينار عن الحكم عن حجية بن عدي كما عند المؤلف والدارقطني، ومرة قال الحجاج عن الحكم عن حجر العدوي كما عند الدارقطني وروى الحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة عن موسى بن طلحة عن طلحة مرفوعاً. قال الدارقطني: اختلفوا عن الحكم في إسناده والصحيح عن الحسن بن مسلم مرسل انتهى.

(5/20)


22 - باب في الزكاة هل تحمل من بلد إلى بلد
1622 - حدثنا نَصْرُ بنُ عَلِيّ أنبأنا أبي أنبأنا إِبراهِيمُ بنُ عَطَاءٍ مَوْلَى عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ عن أبِيهِ: أَنّ زَيَاداً أَوْ بعْضَ الأُمَرَاءِ بَعَثَ عِمرانَ بنَ حُصَيْنِ عَلَى الصّدَقَةِ فَلَمّا رَجَعَ قَالَ لِعْمَرَانَ أَيْنَ المَالُ قَالَ وَلِلْمالِ أَرْسَلْتَنِي أَخَذْنَاهَا مِنْ حَيْثُ كُنّا نأْخُذُهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ووَضَعْنَاهَا حَيْثُ كُنّا نَضَعُهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم.
__________
باب في الزكاة هل تحمل من بلد إلى بلد
"أي المال" أي مال الصدقات "أخذناها" أي الصدقات "ووضعناها" أي صرفناها إلى مستحقيها. وقد استدل بهذا على مشروعية صرف زكاة كل بلد في فقراء أهله وكراهية صرفها في غيرهم. وقد روي عن مالك والشافعي والثوري أنه لا يجوز صرفها في غير فقراء البلد. وقال غيرهم إنه يجوز مع كراهة لما علم بالضرورة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يستدعي الصدقات من الأعراب إلى المدينة ويصرفها في فقراء المهاجرين والأنصار كما أخرج النسائي من حديث عبد الله بن هلال الثقفي قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم فقال كدت أقتل بعدك في عناق أو شاة من الصدقة، فقال صلى الله عليه وسلم لولا أنها تعطى فقراء المهاجرين ما أخذتها. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه.

(5/22)


23 - باب من يعطي من الصدقة وحد الغنى
1623 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ أخبرنا يَحْيَى بنُ آدَمَ أخبرنا سُفْيَانُ عن حَكِيمِ بن جُبَيْرٍ عن مُحمّد بن عبد الرّحْمَنِ بنِ يَزِيدَ عن أبِيهِ عن عبد الله قَالَ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ سَأَلَ وَلَهُ مَا يُغْنيهِ جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ خُمُوشٌ أَوْ خُدُوَشٌ أَوْ كُدُوحٌ في
__________
باب من يعطي من الصدقة وحد الغنى
-"وله ما يغنيه" أي عن السؤال ويكفيه بقدر الحال "خموش" أي جروح "أو خدوش أو كدوح" بضم أوائلها ألفاظ متقاربة المعاني جمع خمش وخدش وكدح. قال الخطابي: الخموش هي الخدوش يقال خمشت المرأة وجهها إذا خدشته بظفر أو حديدة أو نحوها، والكدوح الآثار من الخدوش والعض ونحوه وإنما قيل للحمار مكدح لما به من آثار العضاض، فأو هنا إما لشك الراوي إذ الكل يعرب عن أثر ما يظهر على الجلد واللحم من ملاقاة الجسد ما

(5/21)


24- باب من يجوز له أخذ الصدقة وهو غني
1632 - حدثنا عبد الله بنُ مَسْلَمَةَ عن مَالِكٍ عن زَيْدِ بن أسْلَمَ عن عَطَاء بنِ
__________
باب من يجوز له أخذ الصدقة وهو غني
"عن عطاء بن يسار" تابعي جليل مرسل وقد وصله المؤلف وابن ماجه والحاكم من

(5/30)


25 - باب كم يعطى الرجل الواحد من الزكاة
1635 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ مُحمّدِ بنِ الصّبّاحِ أخبرنا أَبُو نُعَيْمٍ حَدّثَني سَعِيدُ بنُ عُبَيْدٍ الطّائِيّ عن بُشَيْرِ بنِ يَسَارٍ وَزَعَمَ أَنّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ سَهْلُ بنُ أبِي حَثْمَةَ أَخْبَرَهُ: "أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَدَاهُ بِمَائَةٍ مِنْ إِبِلِ الصّدَقَةِ يَعْنِي دِيَةَ الأَنْصَارِيّ الّذِي قُتِلَ بِخَيْبَرَ" .
ـــــــ
باب كم يعطى الرجل الواحد من الزكاة
"عن بشير بن يسار" مصغراً "وداه" من الدية "بمائة من إبل الصدقة" قال الخطابي: يشبه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما أعطاه ذلك من سهم الغارمين على معنى الحمالة في إصلاح ذات البين. لأنه شجر بين الأنصار وبين أهل خيبر في دم القتيل الذي وجد بها منهم فإنه لا مصرف لمال الصدقات في الديات. وقد اختلف الناس في قدر ما يعطى الفقير من الصدقة فكره أبو حنيفة وأصحابه أن يبلغ مائتي درهم إذا لم يكن عليه دين أو له عيال. وكان سفيان الثوري يقول: لا يدفع إلى رجل من الزكاة أكثر من خمسين درهما. وكذلك قال أحمد بن حنبل. وعلى مذهب الشافعي: يجوز أن يعطى على قدر حاجته من غير تحديد فيه، فإذا زال اسم الفقر عنه لم يعط. وقد يحتج بها من يرى جمع الصدقة من صنف واحد من أهل السهمان الثمانية انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه مختصراً ومطولا في القصة المشهورة انتهى.

(5/33)


26 - باب ما تجوز فيه المسألة
1636 - حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ النّمَرِيّ أخبرنا شُعْبَةُ عن عبد المَلِكِ بنِ عُمَيْرٍ
ـــــــ
باب ما تجوز فيه المسألة
"حفص بن عمر النمري" بفتحتين نسبة إلى نمر "قال المسائل" جمع المسألة وجمعت

(5/33)


27 - باب كراهية المسألة
1639 - حدثنا هِشَامُ بنُ عَمّارٍ أخبرنا الوَلِيدُ أخبرنا سَعِيدُ بنُ عبد الْعَزِيزِ عن رَبِيعَةَ يَعْنِي ابنَ يَزِيدَ عن أبِي إِدْرِيسَ الخَوْلاَنِيّ عن أبِي مُسْلِم الْخَوْلاَنِيّ حَدّثَني
ـــــــ
باب كراهية المسألة
"عن أبي إدريس الخولاني عن أبي مسلم الخولاني" قال النووي: اسم أبي إدريس عائذ بن عبد الله، واسم أبي مسلم عبد الله بن ثوب بضم المثلثة وفتح الواو وبعدها موحدة، ويقال ابن ثواب بفتح المثلثة وتخفيف الواو ويقال غير ذلك، وهو مشهور بالزهذ والكرامات الظاهرات والمحاسن الباهرات، أسلم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وألقاه الأسود العنسي في النار فلم يحترق فتركه فجاء مهاجراً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتوفى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الطريق فجاء إلى المدينة فلقي أبا بكر الصديق وعمر وغيرهما من كبار الصحابة رضي الله عنهم هذا هو الصواب المعروف ولا خلاف فيه بين العلماء وأما قول السمعاني في الأنساب أنه أسلم في زمن

(5/38)


الْحَبِيبُ الأَمِينُ أَمّا هُوَ إِلَيّ فَحْبِيبٌ وَأَمّا هُوَ عِنْدِي فَأَمِينٌ عَوْفُ بنُ مَالِكٍ قال:كُنّا عِنْدَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم سَبْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً أَوْ تِسْعَةً، فَقَالَ: "أَلاَ تُبَايِعُونَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم وَكُنّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِبَيْعَةٍ. قُلْنَا قَدْ بَايَعْنَاكَ، حَتّى قَالهَا ثَلاَثاً وَبَسَطْنَا أَيْدِينَا فَبَايَعْنَا. فَقَالَ قَائِلٌ يا رسول الله إِنّا قَدْ بَايَعْنَاكَ فَعَلَى مَا نُبَايِعُكَ؟ قال:"أنْ تَعبد وا الله وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَتُصَلّوا الصّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَتَسْمَعُوا وَتُطِيعُوا"، وأَسَرّ كَلِمَةً خَفِيفَةً قَالَ:"ولاَ تَسْأَلوا النّاسَ شَيْئاً" . قَال فَلَقَدْ كَانَ بَعْضُ أُولَئِكَ النّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُهُ فَمَا يَسْأَلُ أحَداً أَنْ يُنَاوِلَهُ إِيّاهُ".
قال أَبُو دَاوُد: حَدِيثُ هِشَامٍ لَمْ يَرْوِهِ إِلاّ سَعِيدٌ.
1640 - حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُعَاذٍ أخبرنا أبِي أخبرنا شُعْبَةُ عن عَاصِمٍ عن أبِي العَالِيَةِ عن ثَوْبَانَ قال وَكَانَ ثَوْبَانُ مَوْلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ تَكَفّلَ لِي أَنْ لاَ يَسْأَلَ النّاسَ شَيْئاً فَأَتَكَفّلَ لَهُ بالْجَنّةِ" ، فَقَالَ ثَوْبَانُ أَنَا فَكَانَ لاَ يَسْأَلُ أَحَداً شَيْئاً".
ـــــــ
معاوية فغلط باتفاق أهل العلم من المحدثين وأصحاب التواريخ والمغازي والسير وغيرهم "عوف بن مالك" عطف بيان أو بدل من الحبيب الأمين "فقال ألا تبايعون رسول الله" فيها التفات من التكلم إلى الغيبة "فلقد كان بعض أولئك النفر إلخ" قال النووي: فيه التمسك بالعموم لأنهم نهى عن السؤال فحملوه على عمومه. وفيه الحث على التنزه عن جميع ما يسمى سؤالا وإن كان حقيراً انتهى. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه "حديث هشام" بن عمار "لم يروه إلا سعيد" بن عبد العزيز أي هذا المتن من حديث عوف بن مالك لم يرو عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس عن عوف إلا سعيد بن عبد العزيز فسعيد تفرد بهذا المتن عن ربيعة وروى عن سعيد جماعة الوليد بن مسلم عند المؤلف وعند ابن ماجه في الجهاد ومروان بن محمد الدمشقي عند مسلم في الزكاة وأبو مسهر عند النسائي في الصلاة.
"من تكفل" من استفهامية أي ضمن والنزم "لي" ويتقبل مني "أن لا يسأل الناس شيئاً" أي من السؤال أو من الأشياء "فأتكفل" بالنصب والرفع أي أتضمن "له بالجنة" أي أولا من غير سابقة عقوبة. وفيه إشارة إلى بشارة حسن الخاتمة "فقال ثوبان أنا" أي تضمنت أو أتضمن "فكان" ثوبان بعد ذلك "لا يسأل أحداً شيئاً" أي ولو كان به خصاصة. واستثنى منه إذا خاف على نفسه الموت فإن الضرورات تبيح المحظورات، بل قيل إنه لو لم يسأل حتى يموت يموت عاصياً.

(5/39)


28 - باب في الاستعفاف
1641 - حدثنا عبد الله بنُ مَسْلَمَةَ عن مَالِكٍ عن ابنِ شِهَابٍ عن عَطَاءِ بنِ يَزِيدَ اللّيْثِيّ عن أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيّ: أنّ نَاساً مِنَ الأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَأعْطَاهُمْ، ثُمّ سَأَلُوهُ فَأعْطَاهُمْ، حَتّى إذَا نَفِدَ مَا عِنْدَهُ قال: "مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدّخِرَهُ عَنْكُمُ، وَمَنْ يَسْتَعْفِف يُعِفّهُ الله، وَمن يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ الله، وَمَنْ يَتَصَبّرْ يُصَبّرْهُ الله، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مِنْ عَطَاءٍ أوْسَعَ مِنَ الصّبْرِ" .
ـــــــ
باب في الاستعفاف
أي في شيء من غير المصالح الدينية
"أن ناساً من الأنصار" لم يتعين لي أسماءهم إلا أن النسائي روى من طريق عبد الرحمَن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه ما يدل على أن أبا سعيد راوي هذا الحديث خوطب بشيء من ذلك ولفظ ففي حديثه سرّحتني أمي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يعني لأسأله من حاجة شديدة، فأتيته وقعدت فقال من استغنى أغناه الله الحديث، وزاد فيه: وسأل وله أوقية فقد ألحف، فقلت ناقتي خير من أوقية فرجعت ولم أسأله. ذكره في فتح الباري "حتى إذا نفذ" بكسر الفاء أي فرغ وفى "من خير" أي مال ومن بيان لما وما خبرية متضمنة للشرط أي لك شيء من المال موجود عندي أعطيكم "فلن أدخره عنكم" أي أحبسه وأخبؤه وأمنعكم إياه منفرداً به عنكم. وفيه ما كان عليه من السخاء وإنفاذ أمر الله. وفيه إعطاء السائل مرتين والاعتذار إلى السائل والحض على التعفف. وفيه جواز السؤال للحاجة، وإن كان الأولى تركه والصبر حتى يأتيه رزقه بغير مسألة "ومن يستعفف" أي من يطلب من نفسه العفة عن السؤال.
قال الطيبي: أو يطلب العفة من الله تعالى فليس السين لمجرد التأكيد "يعفه الله" يجعله عفيفاً من الإعفاف. وهو إعطاء العفة وهي الحفظ عن المناهي، يعني من قنع بأدنى قوت وترك السؤال تسهل عليه القناعة وهي كنر لا يفنى "ومن يستغن" أي يظهر الغنى بالاستغناء عن أموال الناس والتعفف عن السؤال حتى يحسبه الجاهل غنياً من التعفف "يغنه الله" أي يجعله غنياً أي بالقلب لأن الغني ليس عن كثرة العرض إنما غنى النفس "ومن يتصبر" أي يطلب توفيق الصبر من الله لأنه قال تعالى {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ} أي يأمر نفسه بالصبر ويتكلف في التحمل عن مشاقه، وهو تعميم بعد تخصيص لأن الصبر يشتمل على صبر الطاعة والمعصية والبلية أو من يتصبر عن السؤال والتطلع إلى ما في أيدي الناس بأن يتجرع مرارة ذلك ولا يشكو حاله لغير ربه "يصبره الله" بالتشديد أي يسهل عليه الصبر فتكون الجمل مؤكدات. ويؤيد إرادة معنى العموم قوله "وما أعطي أحد من عطاء" أي معطى أو شيئاً "أوسع" أي أشرح

(5/40)


1642 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا عبد الله بنُ دَاوُدَ ح. وَأخبرنا عبد المَلِكِ بنُ حَبِيبٍ أبُو مَرَوانَ أخبرَنا ابنُ المُبَارَكِ وَهَذَا حَدِيثُهُ عن بَشِيْرٍ بنِ سَلْمَانَ عن سَيّار أبِي حَمْزَةَ عن طَارِقٍ عن ابنِ مَسْعُودٍ قَال قَال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ. فَأنْزَلَهَا بِالنّاسِ لَمْ تُسَدّ فَاقَتُهُ وَمَنْ أَنْزَلَهَا بِالله أوْشَكَ الله لَهُ بالْغِنَى إِمّا بِمَوْتٍ عَاجِلٍ أو غَنًى عَاجِلٍ" .
1643- حدثنا قُتَبْيةُ بنْ سَعِيدٍ أخبرَنا اللّيْثُ بنُ سَعْدٍ عن جَعْفَر بنِ رَبِيعَةَ عن بَكْرٍ بنِ سَوّادَةَ عن مُسْلِمِ بنِ مَخْشِيَ عن ابنِ الفِرَاسِيّ أَنّ الفِرَاسِيّ قال لِرَسُولِ
ـــــــ
للصدر "من الصبر" وذلك لأن مقام الصبر أعلى المقامات لأنه جامع لمكارم الصفات والحالات، كذا في المرقاة. وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي قاله المنذري.
"وهذا حديثه" أي حديث عبد الله بن المبارك.، والمعنى أن عبد الله بن داوود وعبد الله بن المبارك كلاهما يرويان عن بشير بن سلمان وهذا لفظ ابن المبارك دون عبد الله بن داوود "من أصابته فاقة" أي حاجة شديدة وأكثر استعمالها في الفقر وضيق المعيشة "فأنزلها بالناس" أي عرضها عليهم وأظهرها بطريق الشكاية لهم وطلب إزالة فاقته منهم. قال الطيبي: يقال نزل بالمكان ونزل من علو، ومن المجاز نزل به مكروه وأنزلت حاجتي على كريم، وخلاصته أن من اعتمد في سدها على سؤالهم "لم تسد فاقته" أي لم تقض حاجته ولم تزل فاقته، وكلما تسد حاجة أصابته أخرى أشد منها "ومن أنزلها بالله" بأن اعتمد على مولاه "أوشك الله" أي أسرع وعجل "بالغنى" بالكسر مقصوراً أي اليسار، وفي نسخة المصابيح له بالغناء أي بفتح الغين والمد أي الكفاية. قال شراح المصابيح: ورواية بالغنى أي بالكسر مقصوراً على معنى اليسار تحريف للمعنى لأنه قال يأتيه الكفاية عما هو فيه انتهى "إما بموت عاجل" قيل بموت قريب له غنى فيرثه. ولعل الحديث مقتبس من قوله تعالى {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} "أو غنى" بكسر وقصر أي يسار "عاجل" أي بأن يعطيه مالا ويجعله غنياً. قال الطيبي: هو هكذا أي عاجل بالعين في أكثر نسخ المصابيح وجامع الأصول. وفي سنن أبي داوود والترمذي: أو غنى آجل بهمزة ممدودة وهو أصح دراية لقوله تعالى {إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} انتهى. قلت: نسخ أبي داوود التي عندي في كلها عاجل بالعين وكذا في نسخ المنذري، والله أعلم. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال حسن صحيح غريب.
"عن ابن الفراسي" بكسر الفاء. قال الحافظ في التقريب: ابن الفراسي عن النبي صلى الله عليه وسلم

(5/41)


الله صلى الله عليه وسلم: أَسْأَلُ يا رسول الله؟ فَقَالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم "لا، وَإِنْ كُنْتَ سَائِلاً لاَ بُدّ فَسَلِ الصّالِحينَ" .
1644 - حدثنا أبُو الْوَلِيدِ الطّيَالِسِيّ أخبرنا لَيْثٌ عن بُكَيْرِ بنِ عبد الله بنِ الأشَجّ عن بُسْرِ بنِ سَعِيدٍ عن ابنِ السّاعِدِيّ قال: اسْتَعْمَلَنِي عُمَرُ عَلَى الصّدَقَةِ فَلَمّا فَرَغْتُ مِنْهَا وَأَدّيْتُهَا إِلَيْهِ أَمَرَ لِي بِعُمَالَةٍ، فَقُلْتُ إِنّمَا عَمِلْتُ لله وَأَجْرِي عَلَى الله، قال خُذْ مَا
ـــــــ
وقيل عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعرف اسمه. "أن الفراسي" هو من بني فراس بن غنم بن مالك بن كنانة وله صحبة. ذكره الطيبي "قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أسأل" بحذف حرف الاستفهام "يا رسول الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا" أي لا تسأل الناس شيئاً من المال وتوكل على الله في كل حال "وإن كنت سائلا لابد" أي لك منه ولا غنى لك عنه "فسل الصالحين" أي القادرين على قضاء الحاجة، أو أخيار الناس لأنهم لا يحرمون السائلين ويعطون ما يعطون عن طيب نفس لأن الصالح لا يعطي إلا من الحلال ولا يكون إلا كريماً ورحيما ولا يهتك العرض ولأنه يدعو لك فيستجاب. قال المنذري: وأخرجه النسائي. ويقال فيه عن الفراسي، ومنهم من يقول عن ابن الفراسي عن أبيه كما ذكره أبو داوود وهو من بني فراس بن مالك بن كنانة، وله حديث آخر في البحر هو الطهور ماؤه والحل ميتته كلاهما يرويه الليث بن سعد. انتهى.
"عن ابن الساعدي" قال القاضي عياض: الصواب ابن السعدي واسمه قدامة وقيل عمرو وإنما قيل له السعدي لأنه استرضع في بني سعد بن بكر وأما الساعدي فلا يعرف له وجه وابنه عبد الله بن من الصحابة وهو قرشي عامري مكي من بني مالك بن حنبل بن عامر بن لؤي، وسيجيء بيانه من كلام المنذري "بعمالة" قال الجوهري: العمالة بالضم رزق العامل على
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
واختلف العلماء فيما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك بعد إجماعهم على أنه أمر ندب وإرشاد فقيل هو ندب من النبي صلى الله عليه وسلم لكل من أعطى عطية كانت من سلطان أو عامي صالحا كان أو فاسقا بعد أن يكون ممن تجوز عطيته حكى ذلك غير واحد وقيل ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم ندب إلى قبول عطية من غير السلطان فأما السلطان فبعضهم منعها وبعضهم كرهها وقال آخرون ذلك ندب لقبول هدية السلطان دون غيره ورجح بعضهم الأول فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخص وجها من الوجوه إلى هنا تم كلامه وسياق الحديث إنما يدل على عطية العامل على الصدقة فإنه يجوز له أخذ عمالته وتمولها

(5/42)


أُعْطِيتَ فَإِنّي قَدْ عَمِلْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَعَمّلَنِي فَقُلْتُ مِثْلَ قَوْلِكَ فَقَالَ لِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: " إِذَا أُعْطِيتَ شَيْئاً مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسْأَلَهُ فَكُلْ وَتَصَدّقْ" .
ـــــــ
عمله "فعملني" بتشديد الميم أي أعطاني أجرة عمل وجعل لي عمالة "من غير أن تسأله" فيه دليل على أنه لا يحل أكل ما حصل من المال عن مسألة. وفي الحديث دلالة على أن عمل الساعي سبب لاستحقاقه الأجرة كما أن وصف الفقر والمسكنة هو السبب في ذلك وإذا كان العمل هو السبب اقتضى قياس قواعد الشرع أن المأخوذ في مقابلته أجرة، ولهذا قال أصحاب الشافعي تبعاً له إنه يستحق أجرة المثل. وفيه أيضاً دليل على أن من نوى التبرع يجوز له أخذ الأجرة بعد ذلك "فكل وتصدق" هنيئاً مريئاً، وإن لم تحتج إلى أكله فتصدق. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي بنحوه.
ورواه الزهري عن السائب بن يزيد عن حويطب بن عبد العزي عن عبد الله بن السعدي عن عمر، فاجتمع في إسناده أربعة من الصحابة وهو أحد الأحاديث التي جاءت كذلك. ووقع في حديث الليث بن سعد الساعدي كما قدمناه، وهو عبد الله بن السعدي ولم يكن سعديا فإنما قيل لأبيه السعدي لأنه كان مسترضعاً في بني سعد بن بكر وهو قرشي عامري مالكي من مالك بن حنبل. واسم السعدي عمرو بن وقدان وقيل قدامة بن وقدان، وأما الساعدي فنسبة إلى بني ساعدة من الأنصار من الخزرج ولا وجه له ههنا إلا أن يكون له نزول أو حلف أو غير ذلك. وقوله فعملني بفتح العين المهملة وتشديد الميم وفتحها أي جعل له العمالة وهي أجرة العمل، وفيه جواز أخذ الأجرة على أعمال المسلمين وولاياتهم الدينية والدنيوية. قيل: وليس معنى الحديث في الصدقات وإنما هو في الأموال التي يقسمها الإمام على أغنياء الناس وفقرائهم، واستشهد بقوله في بعض طرقه فتموله وقال الفقير لا ينبغي أن يأخذ من الصدقة ما يتخذه مالا كان عن مسألة أو غير مسألة.
واختلف العلماء فيما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم عمر من ذلك، بعد إجماعهم على أنه أمر ندب وإرشاد، فقيل هو ندب من النبي صلى الله عليه وسلم لكل من أعطى عطية كانت من سلطان أو عامل صالحاً كان أو فاسقاً، بعد أن يكون ممن يجوز عطيته، حكى ذلك غير واحد، وقيل ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم ندب إلى قبول عطية غير السلطان، فأما السلطان فبعضهم منعها وبعضهم كرهه وقال آخرون
ـــــــ
وإن كان غنيا والحديث لذلك وعليه خرج جواب النبي صلى الله عليه وسلم وليس المراد به العموم في كل عطية من كل معط والله أعلم.

(5/43)


1645 - حدثنا عبد الله بنُ مَسْلَمَةَ عن مَالِكٍ عن نَافِعٍ عن عبد الله بنِ عُمَرَ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ وَهُوَ يَذْكُرُ الصّدَقَةَ وَالتّعَفّفَ مِنْهَا والمَسْأَلَةَ: "الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السّفْلَى، وَاليَدُ العُلْيَا المُنْفِقَةُ والسّفْلَى السّائِلَةُ" .
قال أَبُو دَاوُد: اخْتُلِفَ عَلَى أَيّوبَ عن نَافِعٍ في هَذَا الْحَدِيثِ. قال عبد الوَارِثِ:
ـــــــ
ذلك ندب لقبول هدية السلطان دون غيره، ورجح بعضهم الأول لأن النبي صلى الله عليه وسلم يخصص وجها من الوجوه. انتهى كلام المنذري.
"منها" أي من أخذ الصدقة "والمسألة" عطف على الصدقة أي يذكر السؤال. وفي رواية البخاري وذكر الصدقة والتعفف والمسألة بالواو قبل المسألة كما عند المؤلف. وفي رواية مسلم عن قتيبة عن مالك والتعفف عن المسألة. والمعنى أنه كان يحض الغني على الصدقة والفقير على التعفف عن المسألة أو يحضه على التعفف ويدم المسألة "اليد العليا" أي المنفقة أو المتعففة أو العطية الجزيلة على اختلاف الأقوال والأولى ما فسر الحديث بالحديث "خير من اليد السفلى" أي السائل أو العطية القليلة. وفي فتح الباري: وأما يد الآدمي فهي أربعة: يد المعطي وقد تضافرت الأخبار بأنها عليا، ثانيها يد السائل وقد تضافرت بأنها سفلى سواء أخذت أم لا وهذا موافق لكيفية الإعطاء والأخذ غالباً، وللمقابلة بين العلو والسفل المشتق منهما، ثالثها يد المتعفف عن الأخذ ولو بعد أن تمد إليه يد المعطي مثلا، وهذه توصف بكونها عليا علواً معنوياً، رابعها الآخذ بغير سؤال وهذه قد اختلف فيها، فذهب جمع إلى أنها سفلى وهذا بالنظر إلى الأمر المحسوس، وأما المعنوي فلا يطرد فقد تكون عليا في بعض الصور. انتهى مختصراً.
قال الخطابي: رواية من قال المتعففة أشبه وأصح في المعنى وذلك أن عمر ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هذا الكلام وهو يذكر الصدقة والتعفف منها فعطف الكلام على سننه الذي خرج عليه وعلى ما يطابقه في معناه أولى. وقد يتوهم كثير من الناس أن معنى العليا هو أن يد المعطي مستعلية فوق يد الآخذ، يجعلونه من علوت الشيء إلى فوق، وليس ذلك عندي بالوجه، وإنما هو من على المجد والكرم يريد به الترفع عن المسألة والتعفف عنها انتهى "واليد العليا المنفقة" من الإنفاق "اختلف على أيوب" السختياني "قال عبد الوارث" عن أيوب "اليد العليا المتعففة" بالعين والفاءين من العفة.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وتفسير من فسر اليد العليا بالآخذة باطل قطعا من وجوه:

(5/44)


الْيَدُ الْعُلْيَا المُتَعَفّفَةُ. وَقال أكْثَرُهُمْ عن حَمّادِ بنِ زَيْدٍ عن أَيّوبَ: الْيَدُ الْعُلْيَا المُنْفِقَةُ. وقال وَاحِدٌ عن حَمّادٍ المُتَعَفّفَةُ.
ـــــــ
والحاصل أن بعض الرواة عن أيوب مثل حماد بن زيد وغيره روى عن أيوب بلفظ اليد العليا المنفقة كما رواه مالك، وأما عبد الوراث فروى عن أيوب بلفظ اليد العليا وهذا الاختلاف على أيوب السختياني ثم اختلف على حماد بن زيد الراوي عن أيوب فقال أكثر الرواة عن حماد بن زيد عن أيوب اليد العليا المنفقة "وقال واحد" هو مسدد بن مسرهد كما رواه مسدد في مسنده ومن طريقه أخرجه ابن عبد البر في التمهيد، كذا في الفتح. وقال الحافظ زين العراقي: قلت بل قاله عن حماد اثنان أبو الربيع سليمان الزهراني كما رويناه في كتاب الزكاة ليوسف بن يعقوب القاضي والآخر مسدد كما رواه ابن عبد البر في التمهيد، ورواه أيضاً عن نافع موسى بن عقبة فاختلف عليه، فقال إبراهيم بن طهمان عنه المتعففة، وقال حفص بن ميسرة عنه المنفقة رويناهما في سنن البيهقي ورجح الخطابي في المعالم رواية المتعففة، فقال أنها أشبه وأصح، ورجح ابن عبد البر في التمهيد رواية المنفقة، فقال إنها أولى وأشبه بالصواب من قول من قال المتعففة، وكذا رواه البخاري في صحيحه عن غارم عن حماد بن زيد. وقال النووي في شرح مسلم إنه الصحيح، قال ويحتمل صحة الروايتين فالمنفقة أعلى من السائلة والمتعففة أولى من السائلة انتهى. قال الحافظ في الفتح: وأما رواية عبد الوارث فلم أقف عليها موصولة. وقد أخرجه أبو نعيم في المستخرج من طريق سليمان بن حرب عن حماد بلفظ: واليد العليا المعطى، وهذا يدل على أن من وراه عن نافع بلفظ المتعففة فقد صحف كذا في الغاية. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي بهذا اللفظ اليد العليا المنفقة والسفلى السائلة. وروي عن الحسن البصري أن السفلى الممسكة المانعة انتهى.
ـــــــ
أحدها: أن تفسير النبي صلى الله عليه وسلم بالمنفقة يدل على بطلانه.
الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم أخبر أنها خير من اليد السفلى ومعلوم بالضرورة أن العطاء خير وأفضل من الأخذ فكيف تكون يد الآخذ أفضل من يد المعطي؟.
الثالث: أن يد المعطي أعلى من يد السائل حسا ومعنى وهذا معلوم بالضرورة.
الرابع: أن العطاء صفة كمال دال على الغنى والكرم والإحسان والمجد والأخذ صفة نقص مصدره عن الفقر والحاجة فكيف تفضل يد المعطى هذا عكس الفطرة والحس والشريعة والله أعلم.

(5/45)


1646 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا عُبَيْدَةُ بنُ حُمَيْدٍ التّيْمِيّ حَدّثَني أَبُو الزّعْرَاءِ عن أبِي الأَحْوَصِ عن أبِيهِ مَالِكِ بنِ نَضْلَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "الأَيْدِي ثَلاَثَةٌ: فَيَدُ الله الْعُلْيَا، وَيَدُ المُعْطِي الّتِي تَلِيهَا، وَيَدُ السّائِلِ السّفْلَى، فَأَعْطِ الفَضْلَ وَلاَ تَعْجِزْ عَنْ نَفْسِكَ" .
ـــــــ
-"مالك بن نضلة" ويقال ابن عوف بن نضلة والد أبي الأحوص صحابي قليل الحديث كذا في التقريب "الأيدي ثلاثة" وأخرج الطبراني بإسناد قال الحافظ صحيح عن حكيم بن حزام مرفوعاً يد الله فوق يد المعطي ويد المعطي فوق يد المعطى، ويد المعطى أسفل الأيدي. وللطبراني من حديث عدي الجذامي مرفوعاً مثله. ولابن خزيمة من حديث أبي الأحوص عوف بن مالك عن أبيه مثل رواية المؤلف. ولأحمد والبزار من حديث عطية السعدي اليد المعطية هي العليا والسائلة هي السفلى. وروى علي بن عاصم عن إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص عن ابن مسعود مرفوعاً: الأيدي ثلاثة يد الله العليا، ويد المعطي التي تليها، ويد السائل إلى يوم القيامة. قال البيهقي: تابع علياً إبراهيم بن طهمان عن الهجري على رفعه، ورواه جعفر بن عون عن الهجري فوقفه، وقال الحاكم حديث محفوظ مشهور وخرجه. قال الحافظ العراقي: الصواب أن العليا هي المعطية كما تشهد بذلك الأحاديث الصحيحة "فأعط الفضل" هو المال للمستحقين "ولا تعجز" بلا النهي من باب ضرب "عن نفسك" أي عن رد نفسك إذا منعتك عن الإعطاء. وقال المناوي في شرح الجامع: فأعط الفضل أي الفاضل عن نفسك وعن من تلزمك مؤنته. وقوله ولا تعجز عن نفسك بفتح التاء وكسر الجيم أي لا تعجز بعد عطيتك عن مؤنة نفسك ومن عليك مؤنته بأن تعطي مالك كله ثم تعول على السؤال انتهى. كذا في الغاية. قال المنذري: في هذا الحديث أن الأيدي ثلاثة، وذهب المتصوفة إلى أن اليد العليا هي الآخذة لأنها نائبة عن يد الله تعالى، وما جاء في الحديث الصحيح من التفسير مع مهم القصد من الحث على الصدقة أولى. وفيه ندب إلى التعفف عن المسألة وحض على معالي الأمور وترك دنيها. وفيها أيضاً حث على الصدقة انتهى.

(5/46)


29 - باب الصدقة على بني هاشم
1647 - حدثنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنبأنا شُعْبَةُ عن الْحَكَمِ عن ابنِ أبِي رَافِعٍ عن
ـــــــ
باب الصدقة على بني هاشم
وبنو هاشم هم: آل علي، وآل عباس، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل الحارث بن عبد

(5/46)


أبِي رَافِعٍ:أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ رَجُلاً عَلَى الصّدَقَةِ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ فَقَالَ لأَبي رَافِعٍ اصْحَبْنِي فإِنّكَ تُصِيبُ مِنْهَا. قال حَتّى آتِي النّبيّ صلى الله عليه وسلم فأَسْأَلُهُ، فَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: "مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَإِنّا لاَ تَحِلّ لَنَا الصّدَقَةُ" .
ـــــــ
المطلب، وهاشم هو عبد ابن مناف بن قصى بن كلاب بن مرة "عن ابن أبي رافع" هو عبيدالله كاتب علي قاله العيني وثقه أبو حاتم "عن أبي رافع" مولى النبي صلى الله عليه وآله وسلم "بعث رجلا على الصدقة" أي أرسله ساعيا ليجمع الزكاة ويأتي بها إليه فلما أتى أبا رافع في طريقه "فقال لأبي رافع اصحبني" أي ائت معي إلى النبي صلى الله عليه وسلم "فإنك تصيب منها" أي من الصدقة بسبب ذهابك معي أو بأن أقول له ليعطي نصيبك من الزكاة، والظاهر أنه طلب منه المرافقة والمصاحبة والمعاونة عند السفر لا بعد الرجوع كما يدل عليه جوابه "قال" أبو رافع "فأسأله" أي لا أصحبك حتى أجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم واستأذنه أو أسأله هل يجوز لي أم لا "فسأله" عن ذلك "فقال مولى القوم" أي عتقاؤهم "من أنفسهم" أي فحكمهم كحكمهم "وإنا لا تحل لنا الصدقة" فكيف تحل لمواليهم. وهذا دليل لمن قال بحرمة الصدقة على موالي من تحرم الصدقة عليه. قال الخطابي: أما النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلا خلاف بين المسلمين أن الصدقة لا تحل له وكذلك بنو هاشم في قول أكثر العلماء. وقال الشافعي: لا تحل الصدقة لبني عبد المطلب لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعطاهم من سهم ذوي القربى وأشركهم فيه مع بني هاشم ولم يعط أحداً من قبائل قريش غيرهم، وتلك العطية عوض عوضوه بدلا عما حرموه من الصدقة، فأما موالي بني هاشم فإنه لاحظ لهم في سهم ذوي القربى فلا يجوز أن يحرموا الصدقة. ويشبه أن يكون إنما نهاه عن ذلك تنزيهاً له وقال مولى القوم على سبيل التشبه للاستنان بهم والاقتداء بسيرتهم في اجتناب ما الصدقة التي هي أوساخ الناس ويشبه أن يكون صلى الله عليه وآله وسلم قد كان تكفيه المؤنة إذ كان أبو رافع مولى له، وكان يتصرف له في الحاجة والخدمة فقال له على هذا المعنى إذا كنت تستغني بما أعطيت فلا تطلب أوساخ الناس فإنك مولانا ومنا انتهى.
وقال النووي: تحريم الزكاة على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله وهم بنو هاشم وبنو المطلب. هذا مذهب الشافعي وموافقيه أن آله صلى الله عليه وسلم هم بنو هاشم وبنو المطلب. وبه قال بعض المالكية. وقال أبو حنيفة ومالك: هم بنو هاشم خاصة. وقال بعض العلماء: هم قريش كلها. وقال أصبغ المالكي: هم بنو قصي. دليل الشافعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن بني هاشم وبني المطلب شيء واحد وقسم بينهم سهم ذوي القربى انتهى. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. هذا آخر كلامه. وهذا الرجل الذي بعث

(5/47)


1648 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ وَ مُسْلِمُ بنُ إِبراهِيمَ المعنى قَالا أخبرنا حَمّادٌ عن قَتَادَةَ عن أنَسٍ: أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَمُرّ بالْتّمْرَةِ العَائِرَةِ فَمَا يَمْنَعُهُ مِنْ أَخْذِهَا إلاّ مَخَافَةُ أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً".
1649 - حدثنا نَصْرُ بنُ عَلِيَ أنبأنا أبِي عن خَالِدِ بنِ قَيْسٍ عن قَتَادَةَ عن أنَسٍ:أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَجَدَ تَمْرَةً فَقَالَ: "لَوْلاَ أَنّي أخَافُ أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً لأكَلْتُهَا" .
قال أَبُو دَاوُد: رَوَاهُ هِشَامٌ عن قَتَادَةَ هَكَذَا.
1650 - حدثنا مُحمّدُ بنُ عُبَيْدٍ المُحَارِبِيّ أخبرنا مُحمّدُ بنُ فُضَيْلٍ عن الأَعْمَشِ عن حَبِيبِ بنِ أبي ثَابِتٍ عن كُرَيْبٍ مَوْلَى ابنِ عَبّاسٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قال:بَعَثَنِي أبِي
ـــــــ
رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الأرقم ابن الأرقم بن القرشي المخزومي، بين ذلك الخطيب والنسائي وكان من المهاجرين الأولين وكنيته أبو عبد الله، وهذا الذي استخفى رسول الله صلى الله عليه وسلم في داره بمكة في أسفل الصفا حتى كملوا الأربعين رجلا آخرهم عمر بن الخطاب وهي التي تعرف بالخيزران وأبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمه إبراهيم وقيل أسلم وقيل ثابت وقيل هرمز انتهى كلامه.
"بالتمرة العائرة" بالمهملة أي الساقطة لا يعرف مالكها من عار يعير يقال: عار الفرس يعير: إذا أطلق من مربطه مارا على وجهه.
قال الخطابي: العائرة هي الساقطة على وجه الأرض ولا يعرف من صاحبها ومن هذا قيل قد عار الفرس إذا انفلت عن صاحبه وذهب على وجهه ولم يرتع "أن تكون" أي التمرة "صدقة" من تمر الصدقة وهذا أصل في الورع، وفيه دليل على أن التمر ونحوها من الطعام إذا وجدها الإنسان ملقاة في طريق ونحوها أن له أخذها وأكلها إن شاء وأنها ليست من جملة اللقطة التي حكمها التعريف لها انتهى.
-"وجد تمرة" في الطريق ملقاة "لأكلتها" تعظيماً لنعمة الله تعالى. والحديث يدل على ما وجد في الطريق من الطعام القليل الذي لا يطالبه مالكه كما تقدم آنفاً من كلام الخطابي، وعلى أن الأولى بالمتقي أن يجتنب عما فيه تردد. قال المنذري: أخرجه مسلم "رواه هشام" الدستوائي "عن قتادة هكذا" أي كما رواه خالد بن قيس عن قتادة. والفرق بين رواية هشام وخالد ورواية حماد بن سلمة أن حماداً لم يجعل الحديث من قول النبي صلى الله عليه وسلم وإنما جعله من فهم أنس وأما خالد وهشام فجعلاه مرفوعاً من قول النبي صلى الله عليه وسلم، ورواية هشام أخرجها مسلم من طريق معاذ عن أبيه.

(5/48)


إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم في إِبِلٍ أَعْطَاهَا إِيّاهُ مِنَ الصّدَقَةِ.
1651 - حدثنا مُحمّدُ بنُ العَلاَءِ وَ عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ قالا:أخبرنا مُحمّدٌ هُوَ ابنُ أبِي عُبَيْدَةَ عن أبِيهِ عن الأَعْمَشِ عن سَالِمٍ عن كُرَيْبٍ مَوْلَى ابنِ عَبّاسٍ عن ابنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ. زادَ أبِي [أي] يُبْدِلهَا لَهُ.
ـــــــ
"في إبل أعطاها إياه" أي عباس بن عبد المطلب "من الصدقة" قال أبو سليمان الخطابي: لا أدري ما وجهه، والذي لا أشك فيه أن الصدقة محرمة على العباس والمشهور أنه أعطاه من سهم ذي القربى من الفيء، ويشبه أن يكون ما أعطاه من إبل الصدقة إن ثبت الحديث قضاء عن سلف كان استلفه منه لأهل الصدقة، فقد روى أن شكا إليه العباس رضي الله عنه في منع الصدقة فقال هي عليّ ومثلها كأنه كان قد تسلف منه صدقة عامين فردها أو رد صدقة أحد العامين عليه لما جاءته إبل الصدقة، فروى من رواه على الاختصار من غير ذكر السبب انتهى كلامه.
وقال البيهقي: هذا الحديث لا يحتمل إلا معنيين أحدهما أن يكون قبل تحريم الصدقة على بني هاشم فصار منسوخاً، والآخر أن يكون استسلف من العباس للمساكين إبلا ثم ردها عليه من إبل الصدقة انتهى.
وقال النووي: وأما صدقة التطوع فللشافعي فيها ثلاثة أقوال أصحها أنها تحرم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحل لاَله، والثاني تحرم عليه وعليهم، والثالث تحل له ولهم.
وأما موالي بني هاشم وبني المطلب فهل تحرم عليهم الزكاة فيه وجهان لأصحابنا أصحها تحرم الثاني تحل، وبالتحريم قال أبو حنيفة وسائر الكوفيين وبعض المالكية وبالإباحة قال مالك، وادعى ابن بطال المالكي أن الخلاف إنما هو موالي بني هاشم وأما موالي غيرهم فتباح لهم بالإجماع ولي كما قال بل الأصح تحريمها على موالي بني هاشم وبني المطلب ولا فرق بينهما والله أعلم. قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"زاد" أي أبو عبيدة عن الأعمش في روايته هذه الجملة "أبي" بالباء الموحدة بين الألف والياء التحتانية أي عباس بن عبد المطلب "يبدلها" بصيغة المضارع والضمير المنصوب يرجع إلى الإبل، هكذا في بعض النسخ أبي يبدلها وفي بعضها أي يبدلها بحرف التفسير، وفي بعضها أن يبدلها بأن المصدرية، وفي بعضها أتى بصيغة المتكلم من الإتيان ويبدلها بحرف الباء الجارة والبدل مصدر فهذه الأربعة النسخ التي وقفت عليها في هذه الجملة ولم يترجح لي

(5/49)


..................................
ـــــــ
واحد منها من الأخرى. والمعنى أن عبد الله بن العباس يقول: إن أبي العباس أرسلني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأجل أن يبدل الإبل التي أعطاها العباس من إبل الصدقة، فقوله من الصدقة متعلق بأن يبدل لا بقوله أعطاها، بل أعطاها النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك من غير الصدقة، فلما جاءت إبل الصدقة إلى النبي صلى الله عليه وسلم أراد عباس أن يبدل تلك الإبل من إبل الصدقة، فعلى رواية أبي عبيدة لا حاجة إلى التأويل المذكور من كلام الإمامين الخطابي والبيهقي والله أعلم. كذا في غاية المقصود.

(5/50)


30 - باب الفقير يهدي للغني من الصدقة
1652 - حدثنا عَمْرُو بنُ مَرْزُوقٍ أنبأنا [حدثنا] شُعْبَةُ عن قَتَادَةَ عن أنَسٍ:أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بِلَحْمٍ قال: "مَا هَذَا"؟ قَالُوا شَيْءٌ تُصُدّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ فَقالَ [قال]: "هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيّةٌ".
ـــــــ
باب الفقير يهدي للغني من الصدقة
"أتي" بضم الهمزة مبنياً للمفعول "بلحم" أي بلحم الشاة "تصدق به" بضم أوله وثانيه "على بريرة" مولاة عائشة "فقال هو" أي اللحم المتصدق به على بريرة "لها صدقة ولنا هدية" قال ابن مالك يجوز في صدقة الرفع على أنه خبر هو ولها صفة قدمت فصارت حالا، ويجوز النصب فيها على الحال والخبر لها انتهى. والصدقة منحة لثواب الآخرة، والهدية تمليك الغير شيئاً تقرباً إليه، وإكراماً له، ففي الصدقة نوع ذل للاَخذ، فلذلك حرمت الصدقة عليه صلى الله عليه وسلم دون الهدية، وقيل لأن الهدية يثاب عليها في الدنيا فتزول المنة، والصدقة يراد بها ثواب الآخرة فتبقى المنة ولا ينبغي لنبي أن يمن عليه غير الله. وقال البيضاوي: إذا تصدق على المحتاج بشيء ملكه وصار له كسائر ما يملكه فله أن يهدي به غيره كما له أن يهدي سائر أمواله بلا فرق ذكره القسطلاني قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.

(5/50)


31 - باب من تصدق بصدقة ثم ورثها
1653 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ عبد الله بنُ يُونُسَ أخبرنا زُهَيْرٌ أخبرنا عبد الله بنُ عَطَاءٍ عن عبد الله بنِ بُرَيْدَةَ عن أبِيهِ بُرَيْدَةَ: أَنّ امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ كُنْتُ تَصَدّقْتُ عَلَى أُمّي بِوَلِيدَةٍ وَإِنّهَا مَاتَتْ وَتَرَكَتْ تِلْكَ الْوَلِيدَةَ قال:"قد وَجَبَ أَجْرُكِ وَرَجَعَتْ إِلَيْكِ في المِيْرَاثِ" .
ـــــــ
باب من تصدق بصدقة ثم ورثها
"بوليدة" أي الجارية الحديثة السن "وإنها" أي أمي "تلك الوليدة" فهل آخذها وتعود في

(5/50)


32 - باب في حقوق المال
1654 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا أبُو عَوَانَةَ عن عَاصِمٍ بنِ أبي النّجُودِ عن شَقَيقٍ عن عبد الله قال: كُنّا نَعُدّ المَاعُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم عَارِيَةَ الدّلْوِ وَالْقِدْرِ.
1655 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرَنا حَمّادٌ عن سُهَيْلِ بنِ أبِي صَالِحٍ عن أبِيهِ عن أَبي هُرَيْرَةَ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَا مِنْ صَاحِبِ كَنْزٍ لاَ يُؤَدّي حَقّهُ إِلاّ جَعَلَهُ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُحْمَى عَلَيْهَا في نَارِ جَهَنّمَ فَتُكْوَى بِهَا جَبْهَتُهُ وَجَنْبُهُ وَظَهْرُهُ حَتّى يَقْضِيَ الله بَيْنَ
ـــــــ
باب حقوق المال
"قال كنا نعد الماعون" أي في قوله تعالى {وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال هي الزكاة، وهو قول ابن عمر وقتادة والحسن والضحاك وقال عبد الله بن معسود: الماعون الفأس والدلو والقدر وأشباه ذلك، وهي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال مجاهد: الماعون العارية، وقال عكرمة أعلاها الزكاة المعروفة وأدناها عارية المتاع. قال محمد بن كعب والكلبي: الماعون المعروف الذي يتعاطاه الناس فيما بينهم. وقيل أصل الماعون من القلة فسمى الزكاة والصدقة والمعروف ماعوناً لأنه قليل من كثير. وقيل الماعون ما لا يحل المنع منه مثل الماء والملح والنار، كذا في المعالم.
"قال: ما من صاحب كنز لا يؤدي حقه" قال القاضي عياض: اختلف السلف في المراد بالكنز المذكور في القرآن وفي الحديث. فقال أكثرهم: هو كل مال وجبت فيه صدقة الزكاة فلم تؤد، فأما مال خرجت زكاته فليس بكنز، واتفق أئمة الفتوى على هذا القول لقوله صلى الله عليه وآله وسلم لا تؤدى زكاته وفي صحيح مسلم: "من كان عنده مال لم يؤد زكاته مثل له شجاعاً أقرع، وفي آخره فيقول أنا كنزك" . وفي لفظ لمسلم بدل قوله ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤيد منهما حقهما "يحمى عليها" بصيغة المجهول والجار والمجرور نائب

(5/51)


عِبَادِهِ في يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ ألفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدّونَ ثُمّ يَرَى سَبِيلَهُ إِمّا إِلَى الْجَنّةِ وَإمّا النّارِ. وَمَا مِنْ صَاحِبِ غَنَمٍ لاَ يُؤَدّي حَقّهَا إِلاّ جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْفَرَ مَا كَانَتْ فَيُبْطَحُ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ فَتُنْطِحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَظْلاَفِهَا لَيْسَ فِيهَا عَقْصاءُ وَلا جَلْحَاءُ كُلّمَا مَضَتْ أُخْرَاهَا رُدّتْ عَلَيْهِ أُولاَهَا حَتّى يَحْكُمَ الله بَيْنَ عِبَادِهِ في يَوْمٍ كَانَ مقْدَارُهُ خَمْسِينَ ألفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدّونَ ثُمّ يَرَى سَبِيلَهُ إِمّا إِلَى الْجَنّةِ وَإِمّا إلَى النّارِ. وَمَا صَاحِبِ إِبِلٍ لاَ يُؤَدّي حَقّهَا إِلاّ جَاءَتْ يَوْمَ الْقَيَامَةِ أَوْفَرَ مَا كَانَتْ فَيُبْطَحُ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ فَتَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا
ـــــــ
الفاعل أي يوقد عليها ذات حمى وحر شديد من قوله تعالى {نَارٌ حَامِيَةٌ} ففيه مبالغة ليست في أحميت في نار، والضمير في عليها راجع إلى الكنز لكونه عبارة عن الدراهم والدنانير "في نار جهنم" يشتد حرها "فتكوى بها" أي بتلك الدراهم "جبهته وجنبه وظهره" قيل لأنها أشرف الأعضاء الظاهرة لاشتمالها على الأعضاء الرئيسية التي هي الدماغ والقلب والكبد "حتى يقضي الله" أي يحكم "في يوم" هو يوم القيامة "كان مقداره الخ" أي على الكافرين، ويطول على بقية العاصين بقدر ذنوبهم، وأما المؤمنون الكاملون فلا يطول عليهم. قال الله تعالى {يوَْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ} "ثم يرى" على صيغة المجهول من الرؤية أو الإراءة "سبيله" مرفوع على الأول ومنصوب بالمفعول الثاني على الثاني. قال النووي رحمه الله: ضبطناه بضم الياء وفتحها وبرفع لام سبيله ونصبها. وفيه إشارة إلى أنه مسلوب الاختيار يومئذ مقهور لا يقدر أن يروح إلى النار فضلا عن الجنة حتى يعين له أحد السبيلين "إما إلى الجنة" إن لم يكن له ذنب سواه وكان العذاب تكفيراً له "وإما إلى النار" إن كان على خلاف ذلك. وفيه رد على من يقول إن الآية مختصة بأهل الكتاب لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، مع أنه لا دلالة في الحديث على خلوده في النار. وقيل في توجيهه إما إلى الجنة إن كان مؤمناً بأن لم يستحل ترك الزكاة، وإما إلى النار إن كان كافراً بأن استحل تركها "أوفر ما كانت" أي أكثر عدداً وأعظم سمناً وأقوى قوة، يريد به كمال حال الغنم التي وطئت صاحبها في القوة والسمن ليكون أثقل لوطئها "فيبطح" أي يلقى ذلك الصاحب على وجهه "لها" أي لتلك الغنم "بقاع قرقر" في النهاية: القاع المكان المستوي الواسع، والقرقر المكان المستوي فيكون صفة مؤكدة، وقيل الأملس المستوي من الأرض "فتنطحه" بفتح الطاء وتكسر في القاموس: نطحه كمنعه وضربه أصابه بقرنه "بقرونها" إما تأكيد وإما تجريد "بأظلافها" جمع ظلف وهو للبقر والغنم بمنزلة الحافر للفرس "عقصاء" بفتح العين وسكون القاف أي الملتوية القرون "ولا جنحاء" بجيم مفتوحة ثم لام ساكنة ثم حاء مهملة التي لا قرن لها. قال الخطابي: وإنما اشترط نفي العقص والالتواء في

(5/52)


كُلّمَا مَضَتْ أُخْرَاهَا رُدّتْ عَلَيْهِ أُوْلاَهَا حَتّى يَحْكُمَ الله بَيْنَ عِبَادِهِ في يَوْمِ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدّونَ ثُمّ يَرَى سَبِيلَهُ إِمّا إلَى الْجَنّةِ وَإِمّا إِلَى النّارِ" .
1656 - حدثنا جَعْفَرُ بنِ مُسَافِرٍ أخبرنا ابنُ أبي فُدَيْكٍ عن هِشَامِ بنِ أبي سَعْدٍ عن زَيْدٍ بنِ أسْلَمَ عن أبِي صَالِحٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ قال في قِصّةِ اْلإِبِلِ بَعْدَ قَوْلِهِ لاَ يُؤَدّي حَقّهَا قال: "وَمِنْ حَقّهَا حَلْبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا" .
ـــــــ
قرونها ليكون أنكى لها وأدنى أن تحوز في النطوح "بأخفافها" أي بأرجلها. والحديث يدل على وجوب الزكاة في الذهب والفضة والإبل والغنم. وقد زاد مسلم في هذا الحديث: ولا صاحب بقر الخ. قال النووي: وهو أصح حديث ورد في زكاة البقر. وقد استدل به أبو حنيفة على وجوب الزكاة في الخيل لما وقع في رواية لمسلم عند ذكر الخيل ثم لم ينس حق الله في ظهورها ولا رقابها. وتأول الجمهور هذا الحديث على أن المراد يجاهد بها، وقيل المراد بالحق في رقابها الإحسان إليها والقيام بعلفها وسائر مؤنها، والمراد بظهورها إطراق فحلها إذا طلبت عاريته وقيل المراد حق الله مما يكسبه من مال العدو على ظهورها وهو خمس الغنيمة.
"نحوه" أي نحو حديث سهيل بن أبي صالح "قال" أي زيد بن أسلم عن أبي صالح "في قصة الإبل" والحديث أخرجه مسلم بهذا الإسناد. ولفظه: قيل يا رسول الله فالإبل؟ قال: ولا صاحب الإبل لا يؤدي منها حقها ومن حقها حلبها يوم وردها الحديث "حلبها" قال النووي: بفتح اللام هي اللغة المهشورة وحكى سكونها وهو غريب ضعيف وإن كان هو القياس "يوم وردها" بكسر الواو الماء الذي ترد عليه.
قال النووي: قيل الورد الإتيان إلى الماء ونوبة الإتيان إلى الماء، فإن الإبل تأتي الماء في كل ثلاثة أو أربعة وربما تأتي في ثمانية. قال الطيبي: ومعنى حلبها يوم وردها أن يسقى ألبانها المارة وهذا مثل نهيه عليه الصلاة والسلام عن الجذاذ بالليل أراد أن يصرم بالنهار ليحضرها الفقراء. وقال ابن الملك: وحصر يوم الورد لاجتماعهم غالباً على المياه وهذا على سبيل الاستحباب. وقيل معناه ومن حقها أن يحلبها في يوم شربها الماء دون غيره، لئلا يلحقها مشقة العطش ومشقة الحلب. واعلم أن ذكره وقع استطراداً وبياناً لما ينبغي أن يعتني به من مروءة لا لكون التعذيب يترتب عليه أيضاً لما هو مقرر من أن العذاب لا يكون إلا على ترك واجب أو فعل محرم اللهم إلا أن يحمل على وقت القحط أو حالة الاضطرار. وقيل يحتمل أن التعذيب عليهما معاً تغليط. قاله علي القاري في المرقاة.

(5/53)


1657 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيَ أخبرنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ أنبأنا شُعْبَةُ عن قَتَادَةَ عن أبِي عُمَرَ الْغُدَانِيّ عن أَبي هُرَيْرَةَ قال سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نَحْوَ هَذِهِ الْقِصّة فَقَالَ لَهُ - يَعْنِي لأَبي هُرَيْرَةَ - فَما حَقّ الإِبِلِ؟ قال: "تُعْطِي الكَرِيمَةَ وَتَمْنَحُ الْغَزِيرَةَ وَتُفْقِرُ الظّهْرَ وَتَطْرِقُ الْفَحْلَ وَتَسْقِي اللّبَنَ".
1658 - حدثنا يَحْيَى بنُ خَلَفٍ أخبرنا أبُو عَاصِمٍ عن ابنِ جُرَيْجٍ قالَ قالَ أَبُو الزّبَيْرِ سَمِعْتُ عُبَيْدَ بنَ عُمَيْرٍ قالَ قالَ رَجُلٌ: يا رسول الله مَا حَقّ الإِبِلِ؟ فَذَكَرَ نَحْوَهُ زَادَ: "وَإِعَارَةَ دَلْوِهَا" .
1659 - حدثنا عبد الْعَزِيزِ بنُ يَحْيَى الْحَرّاِنِيّ حَدّثَني مُحمّدُ بنُ سَلَمَةَ عن مُحمّدِ بنِ إِسْحَاقَ عن مُحمّدِ بنِ يَحْيَى بنِ حَبّانَ عن عَمّهِ واسِع بنِ حَبّانَ عن جَابِرِ بنِ.
ـــــــ
"عن أبي عمر الغداني" قال في التقريب: أبو عمر ويقال أبو عمر والغداني بضم المعجمة وتخفيف الدال البصري مقبول ووهم من قال اسمه يحيى بن عبيد انتهى. والغداني نسبة إلى غدانة بن يربوع كذا في المغني: قال المنذري: وأخرجه مسلم وأخرجه البخاري مختصراً بنحوه من حديث الأعرج عن أبي هريرة "قال تعطى الكريمة" أي النفيسة "وتمنح الغزيرة" بتقديم المجمة على المهملة أي الكثيرة اللبن والمنيحة الشاة اللبون أو الناقة ذات الدر تعار لدرها فإذا حلبت ردت إلى أهلها "تفقر الظهر" بضم أوله أي تعيره للركوب يقال أفقرت الرجل بعيره يفقره إفقارا إذ أعرته إياه ليركبه ويبلغ عليه حاجته. قال الخطابي: إفقار الظهر إعارته للركوب يقال "أفقرت" الرجل بعيري إذا أعرته ظهره ليركبه ويبلغ حاجته "وتطرق الفحل" أي تعيره للضراب. قال الخطابي: وإطراق الفحل عاريته للضراب لا يمنعه إذ طلبه ولا يأخذ عليه أجراً، ويقال طرق الفحل الناقة فهي مطروقة وهي طروقة الفحل إذا حان لها أن تطرق انتهى قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"وإعارة دلوها" أي ضرعها. والحديث أخرجه مسلم من طريق ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله ثم قال وقال أبو الزبير سمعت عبيد بن عمير يقول هذا القول ثم سألنا جابر بن عبد الله عن ذلك فقال مثل قول عبيد بن عمير انتهى من صحيح مسلم. قال المنذري: وهذا مرسل عبيد بن عمير ولد في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع من عمر بن الخطاب وغيره معدود في كبار التابعين ولأبيه صحبة.

(5/54)


عبد الله: أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ مِنْ كُلّ جَاذ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ مِنَ الْتّمْرِ بِقِنْوٍ يُعَلّقُ في المَسْجِدِ لِلْمَسَاكِينِ" .
1660 - حدثنا مُحمّدُ بنُ عبد الله الْخَزَاعِيّ وَ مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ قالا أخبرنا أبُو اْلأَشْهَبِ عن أبِي نَضْرَةَ عن أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قال: بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في سَفَرٍ إذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ فَجَعَلَ يُصَرّفُهَا يَمِينَاً وَشِمَالاً، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لاَ ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لاَ زَادَ لَهُ" حَتّى ظَنَنّا أَنّهُ لاَ حَقّ لأَحَدٍ مِنّا في الْفَضْلِ.
1661 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا يَحْيَى بنُ يَعْلَى المَحَارِبيّ أخبرنا أبي
ـــــــ
"من كل جاد" بالجيم والذال المهملة هكذا في عامة النسخ وهو الصحيح. وقال السيوطي والسندي بالجيم والدال المجمة من جذ بتشديد الذال إذا قطع ومن زائدة، وقيل المراد قدر من النخل يجذ منه عشرة أوسق فهو فاعل بمعنى مفعول انتهى كلامهما بتغير. قلت: جاد مضاف إلى عشرة أوسق وبقنو متعلق بأمر والجاد بمعنى المجدود أي نخل يجد يعني يقطع من ثمرته عشرة أوسق قال الأصمعي: يقال لفلان أرض جاد مائة وسق أي تخرج مائة وسق إذا زرعت وهو كلام عربي كذا في اللسان.
وقال ابن الأثير: الجداد بالفتح والكسر صرام النخل وهو قطع ثمرتها يقال جد الثمرة يجدها جدا ومنه الحديث أنه أوصى بجاد مائة وسق للأشعريين وبجاد مائة وسق عنها للشيبيين الجاد بمعنى المجدود أي نخل يجد منه ما يبلغ مائة وسق. ومنه من ربط فرساً فله جاد مائة وخمسين وسقاً. ومنه حديث أبي بكر قال لعائشة إني كنت نحلتك جاد عشرين وسقاً انتهى. وفي جامع الأصول تعني عائشة رضي الله عنها أنه كان وهبها في صحته نخلا يقطع منه في كل صرام عشرون وسقا "بقنو يعلق" متعلق بأمر. قال الخطابي: أراد بالقنو العذق بما عليه من الرطب والبسر يعلق للمساكين يأكلونه وهذا من صدقة المعروف دون الصدقة التي هي فرض وواجب انتهى. وقنو بالفارسية خوشه خرما وحاصل المعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من كل نخل يقطع من ثمرته عشرة أوسق من التمر بالعذق بما عليه من الرطب والبسر يعلق للمساكين يأكلونه والله أعلم كذا في غاية المقصود.
"فجعل يصرفها" قال السندي: أي متعرضاً لشيء يدفع به حاجته والأقرب أن الناقة أعجزها السير فأراد أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فيعطيه غيرها "فليعد به" من العود أي فليقبل به

(5/55)


حدثنا غَيْلاَنُ عن جَعْفَرِ بن إيَاسٍ عن مُجَاهِدٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآية {وَالّذِينَ يَكْنِزُونَ الذّهَبَ وَالْفِضّةِ} قال كَبُرَ ذَلِكَ عَلَى المُسْلِمِينَ فَقَالَ عُمَرُ أَنَا أُفَرّجُ عَنْكُمْ فَانْطَلِقُوا فَقَالُوا: [فَانْطَلِقُ فَقَالُ]: يَانَبِيّ الله إِنّهُ كَبُرَ عَلَى أَصْحَابِكَ هَذِهِ الآية، فَقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنّ الله لَمْ يَفْرِضْ الزّكَاةَ إِلاّ لِيُطَيّبَ مَا بَقِيَ مِنْ أَمْوَالِكُمْ وَإِنّمَا فَرَضَ المَوَارِيثَ لِتَكُونَ لِمَنْ بَعْدَكُمْ"قالَ: فَكَبّرَ عُمَرَ ثُمّ قالَ لَهُ: "أَلاَ أُخْبِرُكَ بِخَيْرٍ مَا يَكْنِزُ المَرْءُ: المَرْأَةُ الصّالِحةُ إِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا سَرّتْهُ وَإِذَا أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ وَإِذَا غَابَ عَنْهَا حَفِظَتْهُ"
ـــــــ
وليحسن على من لا ظهر له هكذا في فتح الودود. قال المنذري: وأخرجه مسلم.
{وَالّذِينَ يَكْنِزُونَ الذّهَبَ وَالْفِضّةِ} أي يجمعونها أو يدفنونها "كبر" بضم الباء أي شق وأشكل "ذلك" أي ظاهر الآية من العموم "على المسلمين" لأنهم حسبوا أنه يمنع جمع المال مطلقاً وإن كل من تأثل مالا جل أو قل فالوعيد لاحق به "أنا أفرج" بتشديد الراء أي أزيل الغم والحزن "عنكم" إذ ليس في الدين من حرج "فانطلق" أي فذهب عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي بعض النسخ فانطلقوا "إنه" أي الشأن "كبر" أي عظم "هذه الآية" أي حكمها والعمل بها لما فيها من عموم منع الجمع "إلا ليطيب" من التفعيل أي ليحل الله بأداء الزكاة لكم "ما بقي من أموالكم" قال الله تعالى {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} ومعنى التطييب أن أداء الزكاة إما أن يحل ما بقي من ماله المخلوط بحق الفقراء وإما أن يزكيه من تبعة ما لحق به من إثم منع حق الله تعالى. وحاصل الجواب أن المراد بالكنز منع الزكاة لا الجمع مطلقاً "وإنما فرض المواريث" عطف على قوله إن الله لم يفرض الزكاة كأنه قيل: إن الله لم يفرض الزكاة إلا لكذا أو لم يفرض المواريث إلا ليكون طيباً لمن يكون بعدكم. والمعنى لو كان الجمع محظوراً مطلقاً لما افترض الله الزكاة ولا الميراث "لتكون" أي وإنما فرض المواريث لتكون المواريث لمن بعدكم "فقال" أي ابن عباس "فكبر عمر" أي قال الله أكبر فرحاً بكشف الحال ورفع الإشكال ثم "قال" النبي صلى الله عليه وسلم "له" أي لعمر "ألا أخبرك" يحتمل أن يكون ألا للتنبيه وأن تكون الهمزة استفهامية ولا نافية "بخير ما يكنز المرء" أي بأفضل ما يقتنيه ويتخذه لعاقبته "المرأة الصالحة" أي الجميلة ظاهراً وباطناً قال الطيبي: المرأة مبتدأ والجملة الشرطية خبره ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف والجملة الشرطية بيان. قيل فيه إشارة إلى أن هذه المرأة أنفع من الكنز المعروف فإنها خير ما يدخرها الرجل لأن النفع فيها أكثر لأنه "إذا نظر" أي الرجل "إليها سرته" أي جعلته مسروراً لجمال صورتها وحسن سيرتها وحصول حفظ الدين بها "وإذا أمرها" بأمر شرعي أو عرفي "أطاعته" وخدمته "وإذا غاب عنها حفظته" قال القاضي: لما بين لهم صلى الله عليه وسلم

(5/56)


..................................
ـــــــ
أنه لا حرج عليهم في جمع المال وكنزه مات داموا يؤدون الزكاة ورأى استبشارهم به رغبهم عنه إلى ما هو خير وأبقى وهي المرأة الصالحة الجميلة فإن الذهب لا ينفعك إلا بعد ذهاب عنك، وهي ما دامت معك تكون رفيقتك تنظر إليها فتسرك وتقضي عند الحاجة إليها وطرك وتشاورها فيما يعن لك فتحفظ عليك سرك وتستمد منها في حوائجك فتطيع أمرك وإذا غبت عنها تحامي مالك وتراعي عيالك. ذكره في المرقاة.

(5/57)


33 - باب حق السائل
1662 - حدثنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ أخبرنا سُفْيَانُ أخبرنا مُصْعَبُ بنُ مُحمّدٍ بن شُرَحْبِيلَ حَدّثَني يَعْلَى بنُ أبي يَحْيَى عنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ حُسَيْنٍ عن حُسَيْنِ بن عَلِيَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لِلسّائِلِ حَقّ وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ" .
1663 - حدثنا مُحمّدُ بنُ رَافِعٍ أخبرنا يَحْيَى بنُ آدَمَ أخبرنا زُهَيْرُ عن شَيْخٍ قالَ رَأَيْتُ سُفْيَانَ عِنْدَهُ عن فَاطِمَةَ بِنْتِ حُسَيْنٍ عن أبِيهَا عن عَليّ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَهُ.
ـــــــ
باب حق السائل
"للسائل حق وإن جاء على فرس" فيه الأمر بحسن الظن بالمسلم الذي امتهن نفسه بذل السؤال فلا يقابله بسوء الظن به واحتقاره بل يكرمه بإظهار السرور له ويقدر أن الفرس التي تحته عارية أو أنه ممن يجوز له أخذ الزكاة مع الغنى، كمن تحمل حمالة أو غرم غرماً لإصلاح ذات البين، أو يكون من أصحاب سهم السبيل فيباح له أخذها مع الغنى عنها. قال السيوطي في مرقاة الصعود: وقد انتقد الحافظ سراج الدين القزويني على المصابيح أحاديث وزعم أنها موضوعة ورد عليه الحافظ العلائي في كراسة ثم أبو الفضل بن حجر منها هذا الحديث. قال العلائي: أما الطريق الأولى فإنها حسنة مصعب وثقه ابن معين وغيره. قال فيه أبو حاتم صالح ولا يحتج به وتوثيق الأولين أولى بالاعتماد، ويعلى بن أبي يحيى قال فيه أبو حاتم مجهول، ووثقه ابن حبان فعنده زيادة علم على من لم يعلم حاله، وقد أثبت أبو عبد الله محمد بن يحيى بن الحذاء سماع الحسين عن جده رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أبو علي بن السكن وأبو القاسم البغوي وغيرهما كل رواياته مراسيل، فعلى هذا هي مرسل صحابي وجمهور العلماء على الاحتجاج بها. فأما على الرواية الثانية فقد بين فيها أنه سمع ذلك من أبيه علي عن النبي صلى الله عليه وسلم. وزهير بن معاوية متفق على الاحتجاج به ولكن شيخه لم يسمه والظاهر أنه يعلى بن أبي يحيى المتقدم. وبالجملة الحديث حسن، ولا يجوز نسبته إلى الوضع انتهى قلت: وروينا

(5/57)


1664 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا اللّيْثُ عنْ سَعِيدِ بن أبي سَعِيدٍ عن عبد الرّحْمَنِ بنِ بُجَيْدٍ عن جَدّتِهِ أُمّ بُجَيْدٍ وَكَانَتْ مِمّنْ بَايَعَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أَنّهَا قالتْ لَهُ: يَارَسُولَالله صلى الله عَليكَ إِنّ المِسْكِينَ لَيَقُومَ عَلَى بَابِي فَمَا أَجِدُ لَهُ شَيْئاً أُعْطِيهِ إَيّاهُ، فَقالَ لَهَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "إِنْ لَمْ تَجِدِي لَهُ شَيْئاً تُعْطِينَهُ إِيّاهُ إِلاّ ظِلْفَاً مُحْرَقاً فَادْفَعِيهِ إِلَيْهِ في يَدِهِ" .
ـــــــ
هذا الحديث بالسند المسلسل في أربعين أهل البيت للشيخ ولي الله الدهلوي رحمه الله. وقال المنذري: في إسناده يعلى بن أبي يحيى سئل عنه أبو حاتم الرازي فقال: مجهول. وقال أبو علي سعيد بن السكن. قد روى من وجوه صحاح حضور الحسين بن علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعبه بين يديه وتقبيله إياه، فأما الرواية التي تأتي عن الحسين بن علي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلها مراسيل. وقال أبو القاسم البغوي في معجمه نحواً من ذلك. وقال أبو عبد الله محمد بن يحيى بن الحذاء سمع النبي صلى الله عليه وسلم ورآه ولم يكن بينه وبين أخيه الحسن الأطهر واحد.انتهى.
"أم بجيد" بضم الموحدة وفتح الجيم اسمها حواء بنت يزيد بن السكن "ليقوم على بابي" أي يسأل شيئاً مني ويكرر سؤاله عني حتى استحيى "إلا" ظلفاً بالكسر أي ولو كان ما يدفع به ظلفاً وهو للبقر والشاة والظبي وشبهه بمنزلة القدم منا كالحافر للفرس والبغل والخف للبعير يعني شيئاً يسيراً "محرقا" من الإحراق أراد المبالغة في رد السائل بأدنى ما تيسر ولم يرد صدور هذا الفعل من المسؤول منه، فإن الظلف المحرق غير منتفع به إلا إذا كان الوقت زمن القحط. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي. وقال الترمذي: حسن صحيح.

(5/58)


34 - باب الصدقة على أهل الذمة
1665 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ أبي شُعْيبٍ الْحَرّانِيّ أنبأنا عِيسَى بنُ يُونُسَ أخبرنا هِشَامُ بنُ عُرْوَةَ عن أبِيهِ عن أَسْمَاءَ قَالت: قَدِمَتْ عَلَيّ أُمّي رَاغِبَةً في عَهْدِ قُرَيْشٍ وَهِي رَاغِمَةٌ مُشْرِكَةٌ، فُقَلْتُ: يا رسول الله إِنّ أُمّي قَدِمَتْ عَلَيّ وَهِيَ رَاغِمَةٌ مُشْرِكَةٌ أَفَأَصِلُهَا؟ قالَ "نَعَمْ فَصِلي أُمّكِ" .
ـــــــ
باب الصدقة على أهل الذمة
"قدمت علي أمي راغبة" بالباء طامعة طالبة صلتي "في عهد قريش" وهو صلح الحديبية وفي لفظ لمسلم عن أسماء بنت أبي بكر قالت: قلت يا رسول الله قدمت عليّ أمي وهي مشركة

(5/58)


..........................................
ـــــــ
في عهد قريش إذ عاهدهم فاستفتيت. الحديث "وهي راغمة" بالميم معناه كارهة للإسلام ساخطة علي، وفيه جواز صلة القريب المشرك وأم أسماء قتلة وقيل قتيلة بالقاف وتاء مثناة من فوق. واختلف العلماء في أنها أسلمت أم ماتت على كفرها والأكثرون على موتها مشركة. قاله النووي. قال الخطابي: وهي راغمة معناه كارهة للإسلام ساخطة علي تريد أنها لم تقدم مهاجرة راغبة في الدين كما كان يقدم المسلمون من مكة للهجرة والإقامة بحضرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإنما أمر بصلتها لأجل الرحم فأما دفع الصدقة الواجبة إليها فلا يجوز وإنما هي حق للمسلمين لا يجوز صرفها إلى غيرهم ولو كانت أمها مسلمة ولم يكن أيضاً يجوز لها إعطاؤها الصدقة فإن حلتها مسدودة بوجوب النفقة لها على ولدها إلا أن تكون غارمة فتعطي من سهم الفقراء والمساكين فلا، وكذلك إذا كان الوالد غازياً جاز للولد أن يدفع إليه من سهم السبيل. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم.

(5/59)


35 - باب ما لا يجوز منعه
1666 - حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُعَاذٍ أخبرنا أبِي أخبرنا كَهْمَسٌ عنْ سَيّارِ بنِ مَنْظُورٍ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ عن أبِيهِ عن امْرَأَةٍ يُقَالَ لَهَا بُهَيْسَةَ عن أبِيهَا قالتْ: اسْتَأْذَنَ أبي النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَدَخَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَمِيصِهِ فَجَعَلَ يُقَبّلُ وَيَلْتَزِمُ ثُمّ قَالَ: يَانَبيّ الله مَا الشّيْءُ الّذِي لاَ يَحِلّ مَنْعُهُ؟ قالَ: "المَاءُ". قَالَ: يَانَبِيّ الله مَا الشّيْءُ الّذِي لاَ يَحِلّ مَنْعُهُ؟ قال:"المِلْحُ". قالَ: يَانَبِيّ الله مَا الشّيْءُ الذِي لاَ يَحِلّ مَنْعُهُ؟ قالَ:" أَنْ تَفْعَلَ الْخَيْرَ خَيْرٌ لَكَ" .
ـــــــ
باب ما لا يجوز منعه
"بهيسة" بضم الموحدة وفتح الهاء قال في التقريب: هي الفزارية لا تعرف ويقال إن لها صحبة "لا يحل منعه قال الماء" أي عند عدم احتياج صاحب الماء إليه، وإنما أطلق بناء على وسعه عادة "قال الملح" لكثرة احتياج الناس إليه وبذله عرفا "قال أن تفعل الخير" مصدرية أي فعل الخير جميعه "خير لك" لقوله تعالى {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ} والخير لا يحل لك منعه، فهذا تعميم بعد تخصيص وإيماء إلى أن قوله لا يحل بمعنى لا ينبغي. قال المنذري: وأخرجه النسائي.

(5/59)


36 - باب المسألة في المساجد
1667 - حدثنا بِشْرُ بْنُ آدَمَ أخبرنا عبد الله بنُ بَكْرٍ السّهْمِيّ أخبرنا مُبَارَكُ بنُ فَضَالَةَ عنْ ثَابِتِ الْبُنَانِيّ عنْ عبد الرّحْمَنِ بنِ أبي لَيْلَى عن عبد الرّحْمَنِ بنِ أبي بَكْرٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا قال قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ أَطْعَمَ الْيَوْمَ مِسْكِيناً"؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: دَخَلْتُ المَسْجِدَ فَإِذَا أَنَا بِسَائِلٍ يَسْأَلُ فَوَجَدْتُ كِسْرَةَ خُبْزٍ في يَدِ عبد الرّحْمَنِ فَأَخَذْتُهَا مِنْهُ فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهِ .
ـــــــ
باب المسألة في المساجد
"فإذا أنا بسائل يسأل" قال السيوطي: الحديث فيه استحباب الصدقة على من سأل في المسجد ذكره النووي في شرح المهذب وغلط من أفتى بخلافه، ورددت عليه في مؤلف انتهى كلامه. قال المنذري: قال أبو بكر البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عبد الرحمَن بن أبي بكر إلا بهذا الإسناد وذكر أنه روي مرسلا. وقد أخرجه مسلم في صحيحه والنسائي في سننه من حديث أبي حازم سلمان الأشجعي عن أبي هريرة بنحوه أتم منه.

(5/60)


37- باب كراهية المسألة بوجه الله عَزّ وَجل
1668 - حدثنا أبُو الْعَبّاسَ الْقِلّوْرِيّ أخبرنا يَعْقُوبُ بنُ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيّ عن سُلَيْمَانَ بنِ مُعَاذٍ التّيْمِيّ أخبرنا ابنُ المُنْكَدَرِ عن جَابِرٍ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ يُسْأَلُ بِوَجْهِ الله إِلاّ الْجَنّةُ".
ـــــــ
باب كراهية المسألة بوجه الله عَزّ وَجل
"أبو العباس القلوري" بكسر القاف وتشديد اللام المفتوحة، وسكون الواو بعدها راء اسمه أحمد وقيل غير ذلك. كذا في التقريب "لا يسأل بوجه الله إلا الجنة" إذ كل شيء أحقر دون عظمته تعالى، والتوسل بالعظيم في الحقير تحقير له. نعم الجنة أعظم مطلب للإنسان، فصار التوسل به تعالى فيها مناسباً، وقوله إلا الجنة بالرفع أي لا يسأل بوجه الله شيء إلا الجنة مثل أن يقال: اللهم إنا نسألك بوجهك الكريم أن تدخلنا جنة النعيم.
قال القاري: ولا يسأل روى غائباً نفياً ونهياً مجهولاً ورفع الجنة ونهياً مخاطباً معلوماً مفرداً ونصب الجنة. وقال الطيبي: أي لا تسألوا من الناس شيئاً بوجه الله مثل أن تقولوا أعطني

(5/60)


...............................
ـــــــ
شيئاً بوجه الله أو بالله فإن اسم الله أعظم من أن يسأل به متاع الدنيا بل اسألوا به الجنة، أو لا تسألوا الله متاع الدنيا بل رضاه والجنة. والوجه يعبر به عن الذات.
قال المنذري: في إسناده سليمان بن معاذ، قال الدارقطني: سليمان بن معاذ هو سليمان بن قرم. وذكر أبو أحمد بن عدي هذا الحديث في ترجمة سليمان بن قرم وقال هذا الحديث لا أعرفه عن محمد بن المنكدر إلا من رواية سليمان بن قرم وعن سليمان بن يعقوب بن إسحاق الحضرمي وعن يعقوب أحمد بن عمرو العصفري. هذا آخر كلامه.
وهذا الإسناد هو الذي أخرجه أبو داوود في سننه. وأحمد بن عمرو العصفري هو العباس القلوري الذي روى عنه أبو داوود هذا الحديث وسليمان بن قرم تكلم فيه غير واحد انتهى.

(5/61)


38 - باب عطية من سأل بالله عَزّ وَجل
1669 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا جَرِيرٌ عن الأَعمَش عن مُجَاهِدٍ عن عبد الله بنِ عُمَرَ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: " مَنِ اسْتَعَاذَ بالله فأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَ بالله فأَعْطُوهُ، وَمَنْ دَعَاكُم فأَجِيبُوهُ، وَمَن صَنَعَ إِلَيْكُم مَعْرُوفاً فَكَافِئُوهُ، فإِنْ لَم تَجِدُوا ما تُكَافِئُوا بِهِ فَادْعُوا لَهُ حَتّى تَرَوْا أَنّكُم قَدْ كَافأْتُموهُ"
ـــــــ
باب عطية من سأل بالله عَز ّوَجل
"من استعاذ" أي من سأل منكم الإعاذة مستغيثاً "بالله فأعيذوه" قال الطيبي: أي من استعاذ بكم وطلب منكم دفع شركم أو شر غيركم قائلاً: بالله عليك أن تدفع عني شرك فأجيبوه، وادفعوا عنه الشر تعظيماً لاسم الله تعالى، فالتقدير من استعاذ منكم متوسلاً بالله مستعطفاً به، ويحتمل أن يكون الباء صلة استعاذ، أي من استعاذ بالله فلا تتعرضوا له بل أعيذوه، وادفعوا عنه الشر فوضع أعيذوا موضع ادفعوا، ولا تتعرضوا مبالغة "فأعطوه" أي تعظيماً لاسم الله وشفقة على حق الله "ومن دعاكم" أي إلى دعوة "فأجيبوه" أي إن لم يكن مانع شرعي "ومن صنع إليكم معروفاً" أي أحسن إليكم إحساناً قولياً أو فعلياً "فكافئوه" من المكافأة أي أحسنوا إليه مثل ما أحسن إليكم لقوله تعالى: {هَلْ جَزَاءُ الأِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ} {وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} ،
"فإن لم تجدوا ما تكافئوا به" أي بالمال والأصل تكافئون فسقط النون بلا ناصب وجازم إما تخفيفاً أو سهواً من الناسخين كذا ذكره الطيبي والمعتمد الأول لأن

(5/61)


..............................
ـــــــ
الحديث على الحفظ معول ونظيره "كما تكونوا يول عليكم" على ما رواه الديلمي في مسند الفردوس عن أبي بكرة "فادعوا له" أي للمحسن يعني فكافئوه بالدعاء له "حتى تروا" بضم التاء أي تظنوا وبفتحها أي تعلموا أو تحسبوا "أنكم قد كافأتموه" أي كرروا الدعاء حتى تظنوا أن قد أديتم حقه. وقد جاء من حديث أسامة مرفوعاً: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله جزاك الله خيراً فقد أبلغ في الثناء" رواه النسائي والترمذي وابن حبان، فدل هذا الحديث على أن من قال لأحد جزاك الله خيراً مرة واحدة فقد أدى العوض وإن كان حقه كثيراً. قال المنذري: وأخرجه النسائي.

(5/62)


39 - باب الرجل يخرج من ماله
1670 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عن مُحمّدِ بنِ إِسْحَاقَ عن عَاصِمِ بنِ عُمَرَ بنِ قَتَادَةَ عن مَحْمُودِ بنِ لَبِيدٍ عن جَابِرِ بنِ عبد الله اْلأَنْصَارِيّ قال: كُنّا عِنْدَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ بِمِثْلِ بَيْضَةٍ مِنْ ذَهَبٍ: فقال: يا رسول الله أَصَبْتُ هَذِهِ مِنْ مَعْدَنٍ فَخُذْهَا فَهِيَ صَدَقَةٌ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهَا، فأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ثُمّ أَتَاهُ مِنْ قِبَلِ رُكْنِهِ الأَيْمَنِ فقال مِثْلَ ذَلِكَ، فأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمّ أَتَاهُ مِنْ قِبَلِ رُكْنِهِ الأَيْسَرِ، فأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، ثُمّ أَتَاهُ مِنْ خَلْفِهِ، فأَخَذَهَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَحَذَفَهُ بِهَا، فَلَوْ أَصَابَتْهُ لأَوْجَعَتْهُ أَوْ لَعَقَرَتْهُ، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يَأْتِي أَحَدُكُم بِمَا يَمْلِكُ فيقُولُ هَذِهِ صَدَقَةٌ، ثُمّ يَقْعُدُ يَسْتَكِفّ النّاسَ، خيْرُ الصّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى" .
ـــــــ
باب الرجل يخرج من ماله
من نصر ينصر "من ماله" فلا يبقى في يده شيء أي من تصدق بماله كله أجمع كيف حكمه.
"فحذفه" بحاء مهملة وذال معجمة أي رماه "أو لعقرته" أي جرحته "يستكف الناس" قال الخطابي: معناه يتعرض للصدقة وهو أن يأخذها ببطن كفه يقال تكفف الرجل واستكف إذا فعل ذلك، ومن هذا قوله صلى الله عليه وآله وسلم لسعد "إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير لك من أن تدعهم عالة يتكففون الناس" انتهى قال السيوطي: بكسر الكاف وتشديد الفاء أي تعرض للصدقة ومد كفه إليها أو سأل كفاً من الطعام أو ما يكف الجوع انتهى "ما كان عن ظهر غنى" قال الخطابي: أي

(5/62)


1671 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا ابنُ إِدْرِيسَ عن ابنِ إسْحَاقَ بإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ. زَادَ: "خُذْ عَنّا مَالَكَ لا حَاجَةَ لَنَا بِهِ" .
1672 - حدثنا إِسْحَاقَ بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا سُفْيَانُ عن ابنِ عَجْلاَنَ عن عِيَاضِ بنِ عبد الله بنِ سَعْدٍ سَمِعَ أَبَا سعَيدٍ الْخُدْرِيّ يقُولُ: دَخَلَ رَجُلٌ المَسْجِدَ، فأَمَرَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم النّاسَ أَنْ يَطّرِحُوا ثِيَاباً، فَطَرَحُوا، فأَمَرَ لَهُ منها بِثَوْبَيْنِ، ثُمّ حَثّ عَلَى الصّدَقَةِ، فَجَاءَ فَطَرَحَ أَحَدَ الثّوْبَيْنِ، فَصَاحَ بِهِ وَقال:"خُذْ ثَوْبَكَ" .
ـــــــ
عن غنى يعتمده ويستظهر به على النوائب التي تنوبه كقوله في حديث آخر "خير الصدقة ما أبقت غنى"، وفي الحديث من العلم أن الاختيار للمرء أن يستبقي لنفسه قوتاً وإن لا ينخلع من ملكه أجمع مرة واحدة لما يخاف عليه من فتنة الفقر وشدة نزاع النفس إلى ما خرج من يده فيندم فيذهب ماله ويبطل أجره ويصير كلاً على الناس. قال الخطابي: ولم ينكر على أبي بكر الصديق خروجه من ماله أجمع لما علمه من صحة نيته وقوة يقينه ولم يخف عليه الفتنة كما خافها على الذي رد عليه الذهب انتهى كلامه. وقال السندي: عن ظهر غنى أي ما يبقى خلفها غنى لصاحبه قلبيّ كما كان للصديق أو قالبيّ فيصير الغنى للصدقة كالظهر للإنسان وراء الإنسان فإضافة الظهر إلى الغنى بيانية لبيان أن الصدقة إذا كانت بحيث يبقى لصاحبها الغنى بعدها إما لقوة قلبه أو لوجود شيء بعدها يستغنى به عما تصدق فهو أحسن، وإن كانت بحيث يحتاج صاحبها بعدها إلى ما أعطى ويضطر إليه فلا ينبغي لصاحبها التصدق به انتهى. وقال في النهاية: أي ما كان عفواً قد فضل عن غنى وقيل أراد ما فضل عن العيال والظهر قد يزاد في مثل هذا إشباعاً للكلام. وتمكيناً كأن صدقته مستندة إلى ظهر قوي من المال انتهى.
"فصاح به" أي زجره ولفظ النسائي "أن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فقال: "صلى ركعتين" ثم جاء الجمعة الثانية والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال: "صلى ركعتين" ثم جاء الجمعة الثالثة فقال: "صلى ركعتين" ثم قال تصدقوا فتصدقوا فأعطاه ثوبين ثم قال تصدقوا فطرح أحد ثوبيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألم تروا إلى هذا إنه دخل المسجد بهيئة بذة فرجوت أن تفطنوا له فتتصدقوا عليه فلم تفعلوا فقلت تصدقوا فتصدقتم، فأعطتيه ثوبين ثم قلت تصدقوا فطرح أحد ثوبيه خذ ثوبك وانتهزه" . قال المنذري: وأخرجه النسائي أتم منه وفي إسناده محمد بن عجلان وثقه بعضهم وتكلم فيه بعضهم وقد أخرجه الترمذي بهذا الإسناد بقصة دخول المسجد والإمام يخطب ولم يذكر قصة الثوبين وقال حسن صحيح.

(5/63)


1673 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا جَرِيرٌ عن الأَعمَشِ عن أبي صَالحٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنّ خَيْرَ الصّدَقَةِ ما تَرَكَ غِنًى، أَوْ تُصُدّقَ بِهِ عن ظَهْرِ غِنًى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ" .
ـــــــ
"إن خير الصدقة ما ترك غنى" قال الخطابي: يتأول على وجهين أحدهما أن يترك غنى للمتصدق عليه بأن يجزل له العطية، والآخر أن يترك غنى للمتصدق وهو الأظهر لقوله "وابدأ بمن تعول" أي لا تضيع عيالك وتتفضل على غيرهم. قال النووي في شرح صحيح مسلم: وإنما كانت هذه أفضل الصدقة بالنسبة إلى من تصدق بجميع ماله لأن من تصدق بالجميع يندم غالباً أو قد يندم إذا احتاج ويود أنه لم يتصدق بخلاف من بقي بعدها مستغنياً فإنه لا يندم عليها بل يسر بها. وقد اختلف العلماء في الصدقة بجميع ماله فمذهبنا أنه يستحب لمن لا دين عليه ولا له عيال لا يصبرون بشرط أن يكون ممن يصبر على الإضاقة والفقر، فإن لم يجتمع هذه الشروط فهو مكروه. قال القاضي: جوز جمهور العلماء وأئمة الأمصار الصدقة بجميع ماله، وقيل يرد جمعها وهو مروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقيل ينفذ في الثلث وهو مذهب أهل الشام، وقيل إن زاد على النصف ردت الزيادة وهو محكي عن مكحول. قال أبو جعفر الطبري: ومع جوازه فالمستحب أن يفعله وأن يقتصر على الثلث. وقوله صلى الله عليه وسلم: "وابدأ بمن تعول" فيه تقديم نفقة نفسه وعياله لأنها منحصرة فيه بخلاف نفقة غيرهم، وفيه الابتداء بالأهم فالأهم في الأمور الشرعية. قال المنذري: وأخرجه البخاري والنسائي بنحوه وأخرجه مسلم والنسائي من حديث حكيم بن حزام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(5/64)


40 - باب الرخصة في ذلك
1674 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ وَ يَزِيدُ بنُ خَالِدِ بنِ مَوْهِبٍ الرّمْلِيّ قالا أخبرنا اللّيْثُ عن أبي الزّبَيْرِ عن يَحْيَى بنِ جَعْدَةَ عن أَبي هُرَيْرَةَ أَنّهُ قال: يَا رَسُولَ الله أَيّ الصّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قال:"جُهْدُ المُقِلّ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ" .
ـــــــ
باب الرخصة في ذلك
أي في جواز التصدق بجميع المال
"جهد المقل" قال في النهاية: الجهد بالضم الوسع والطاقة وبالفتح المشقة، وقيل المبالغة والغاية، وقيل هما لغتان في السوع والطاقة، فأما في المشقة والغاية فالفتح لا غير. ومن المضموم حديث الصدقة "أي الصدقة أفضل. قال جهد

(5/64)


1675 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالحٍ وَ عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ، وَهَذَا حَدِيثُهُ قالا أخبرنا الْفَضْلُ بنُ دُكَيْنٍ أخبرنا هِشَامُ بنُ سَعْدٍ عن زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عن أبِيهِ قال سَمِعْتُ عُمَرَ بنَ الْخَطّابِ رَضِيَ الله عَنْهُ يقُولُ: أَمَرَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَوْماً أَنْ نَتَصَدّقَ، فَوَافَقَ ذَلِكَ مَالاً عِنْدِي، فَقُلْتُ: الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْماً فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ما أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ"؟ فَقُلْتُ مِثْلَهُ. قال: وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ بكلّ ما عِنْدَهُ، فقال لَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَا أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ"؟ قال: أَبْقَيْتُ لَهُمُ الله وَرَسُولَهُ. قُلْتُ: لا أُسَابِقُكَ إِلَى شَيْءٍ أَبَداً.
ـــــــ
المقل" أي قدر ما يحتمله حال القليل المال انتهى. والمقل أي الفقير وقليل المال "وابدأ" أيها المتصدق أو المقل "بمن تعول" أي بمن تلزمك نفقته والجمع بين هذا الباب وبين ما تقدم أن الفضيلة تتفاوت بحسب الأشخاص وقوة التوكل وضعف اليقين.
"فوافق ذلك مالاً عندي" أي صادف أمره بالتصدق حصول مال عندي، فعندي حال من مال، والجملة حال مما قبله، يعني والحال أنه كان لي مال كثير في ذلك الزمان "أسبق أبا بكر" أي بالمبارزة أو بالمغالبة "إن سبقته يوماً" من الأيام وإن شرطية دل على جوابها ما قبلها أو التقدير إن سبقته يوماً فهذا يومه وقيل إن نافية أي ما سبقته يوماً قبل ذلك فهو استئناف تعليل "فقلت مثله" أبقيت مثله يعني نصف ماله "بكل ما عنده" من المال "الله ورسوله" مفعول أبقيت أي رضاهما "إلى شيء" من الفضائل "أبداً" لأنه إذا لم يقدر على مغالبته حين كثرة ماله وقلة مال أبي بكر ففي غير هذا الحال أولى أن لا يسبقه ذكره علي القاري. قال المنذري: وأخرجه الترمذي.

(5/65)


41 - باب في فضل سقي الماء
1676 - حدثنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ أخبرنا هَمّامٌ عن قَتَادَةَ عن سَعِيدٍ أَنّ سَعْداً أَتَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: أَيّ الصّدَقَةِ أَعْجَبُ إِلَيْكَ؟ قال:"الْمَاءُ" .
1677 - حدثنا مُحمّدُ بنُ عبد الرّحِيمِ أخبرنا مُحمّدُ بنُ عَرْعَرَةَ عن شُعْبَةَ عن قَتَادَةَ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ وَ الْحَسَنِ عن سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ.
ـــــــ
باب في فضل سقي الماء
"قال الماء" إما لعزته في المدينة في تلك الأيام أو لأنه أحوج الأشياء عادة.-"إن أم سعد" أراد به نفسه "فأي الصدقة أفضل" أي لروحها "قال الماء" إنما كان الماء أفضل لأنه أعم نفعاً في الأمور الدينية والدنيوية خصوصاً في تلك البلاد الحارة، ولذلك من الله تعالى بقوله {وأنزلنا من

(5/65)


1678 - حدثنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنبأنا إِسْرَائِيلُ عن أبي إِسْحَاقَ عن رَجُلٍ عن سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ أَنّهُ قال: يَارَسُولَالله إِنّ أُمّ سَعْدٍ مَاتَتْ فأَيّ الصّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قال:"الْمَاءُ" . قال: فَحَفَرَ بِئْراً وَقال: هَذِهِ لأُمّ سَعْدٍ".
1679 - حدثنا عَلِيّ بنُ حُسَيْنِ بنِ إِبراهِيمَ بنِ إِشْكَابَ أخبرنا أبُو بَدْرٍ أخبرنا أبو خَالِدِ الّذِي كَانَ يَنْزِلُ في بَنِي دَالانَ عن نُبَيْحٍ عن أبي سَعِيدٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "أَيّمَا مُسْلِمٍ كَسَا مُسْلِمَاً ثَوْباً عَلَى عُرْيٍ كَسَاهُ الله مِنْ خُضْرِ الْجَنّةِ، وَأَيّمَا مُسْلِمٍ أَطْعَمَ مُسْلِماً عَلَى جُوعٍ أَطْعَمَهُ الله مِنْ ثِمارٍ الْجَنّةِ، وَأَيّمَا مُسْلِمٍ سَقَى مُسْلِماً عَلَى ظَمَإٍ سَقَاهُ الله عَزّ وَجلّ مِنْ رَحِيقِ المَخْتُومِ" .
ـــــــ
السماء ماءاً طهوراً} كذا ذكره الطيبي. وفي الأزهار الأفضلية من الأمور النسبية: وكان هناك أفضل لشدة الحر والحاجة وقلة الماء "فحفر" أي سعد "وقال" أي سعد "هذه لأم سعد" أي هذه البئر صدقة لها. قال المنذري وأخرجه النسائي بنحوه من حديث سعيد ومن حديث الحسن البصري وأخرجه ابن ماجه بنحوه من حديث سعيد بن المسيب وهو منقطع فإن سعيد بن المسيب والحسن البصري لم يدركا سعد بن عبادة فإن مولد سعيد بن المسيب سنة خمس عشرة ومولد الحسن البصري سنة إحدى وعشرين، وتوفي سعد بن عبادة بالشام سنة خمس عشرة وقيل سنة أربع عشرة وقيل سنة إحدى وعشرة فكيف انتهى.
"أيما مسلم" ما زائدة وأيّ مرفوع على الابتداء "كذا" أي أليس "عري" بضم السكون أي على حاله عرى أو لأجل عري أو لدفع عري وهو يشمل عري العورة وسائر الأعضاء "من خضر الجنة" أي من ثيابها الخضر جمع أخضر من باب إقامة الصفة مقام الموصوف. وفيه إيماء إلى قوله تعالى {يَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْرا} وفي رواية الترمذي "من حُلل الجنة" ولا منافاة "من ثمار الجنة فيه إشارة إلى أن ثمارها أفضل أطعمتها "على ظمأ" بفتحتين مقصوراً وقد يمد أي عطش "من رحيق الختوم" أي من خمر الجنة أو شرابها، والرحيق صفوة الخمر والشراب الخالص الذي لا غش فيه، والمختوم هو المصون الذي لم يبتذل لأجل ختامة ولم يصل إليه غير أصحابه، وهو عبارة عن نفاسته. وقيل الذي يختتم بالمسك مكان الطين والشمع ونحوه. وقال الطيبي: هو الذي يختتم أوانيه لنفاسته وكرامته. وقيل المراد منه آخر ما يجدون منه في الطعم رائحة المسك من قولهم ختمت الكتاب أي انتهيت إلى آخره. قال المنذري: في إسناده أبو خالد محمد بن عبد الرحمَن المعروف بالدالاني وقد أثنى عليه غير واحد وتكلم فيه غير واحد وتقدم الكلام عليه.

(5/66)


42 - باب في المنيحة
1680 - حدثنا إِبراهِيمُ بنُ مُوسَى قال أخبرنا إِسْرَائِيلُ ح. وحدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا عِيسَى، وَهَذَا حَدِيثُ مُسَدّدٍ وَهُوَ أَتَمّ عن الأَوْزَاعِيّ عن حَسّانَ بنِ عَطِيّةَ عن أبي كَبْشَةَ السّلُولِيّ قال سَمِعْتُ عبد الله بنَ عَمْرٍو يقُولُ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أَرْبَعُونَ خَصْلَةً أَعْلاَهُنّ مَنِيحَةُ الْعَنْزِ ما يَعْمَلُ رَجُلٌ [عبد] بِخَصْلَةٍ مِنْهَا رَجَاء ثَوَابِهَا وَتَصْدِيقَ مَوْعُودِهَا، إِلاّ أَدْخَلَهُ الله بِهَا الْجَنّةَ".
قال أَبُو دَاوُد: في حَدِيثِ مُسَدّدٍ قال حَسّانُ: فَعَدَدْنَا مَا دُونَ مَنِيحَةِ الْعَنْزِ: مِنْ رَدّ
ـــــــ
باب في المنيحة
قال النووي: وقع في بعض النسخ منيحة وبعضها منحة بحذف الياء. قال أهل اللغة المنحة بكسر الميم والمنيحة بفتحها مع زيادة الياء هي العطية وتكون في الحيوان والثمار وغيرهما. وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم منح أم أيمن عذاقاً أي نخيلاً. ثم قد يكون المنيحة عطية للرقبة بمنافعها وهي الهبة وقد تكون عطية اللبن أو التمرة مدة وتكون الرقبة باقية على ملك صاحبها ويردها إليه إذا انقضى اللبن أو التمر المأذون فيه انتهى
"وهو أتم" أي حديث مسدد أتم من حديث إبراهيم "عن الأوزاعي" أي إسرائيل وعيسى كلاهما يرويان عن الأوزاعي "أربعون خصلة" بفتح الخاء مبتدأ "أعلاهن" مبتدأ ثان "منيحة العنز" خبر الثاني والجملة خبر الأول والعنز بفتح العين وسكون النون الأنثى من المعز أي عطية شاة ينتفع بلبنها وصوفها ويعيدها "رجاء ثوابها" أي على رجاء ثوابها "وتصديق موعودها" بالإضافة منصوب بنزع الخافض أي على تصديق ما وعد الله ورسوله عليها للعاملين بها "إلا أدخله الله بها" أي بسبب قبوله لها تفضيلا "الجنة" فالدخول بالفضل لا بالعمل. ونبه بالأولى على الأعلى كمنحة البقرة والبدنة كذلك بل أفضل.
قال حسان: هو ابن عطية راوي الحديث وهو موصول بالإسناد المذكور قاله العلقمي. قال ابن بطال: ليس في قول حسان ما يمنع من وجدان ذلك وقد حض رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبواب من أبواب الخير والبر لا تحصى كثرة. ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم كان عالماً بالأربعين المذكورة وإنما لم يذكرها لمعنى هو أنفع لنا من ذكرها وذلك خشية من اقتصار العاملين عليها وزهدهم في غيرها من أبواب الخير. قال الحافظ: إن بعضهم تطلبها فوجدها تزيد على الأربعين. فما زاده: إعانة الصانع، والصنعة للأخرق، وإعطاء شسع النعل والستر على المسلم، والذب عن

(5/67)


السّلاَمِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَإِمَاطَةِ الأَذَى عن الطّرِيقِ وَنَحْوَهُ، فَمَا اسْتَطَعْنَا أَنْ نَبْلُغَ خَمْسَةَ عَشَرَ خَصْلَةً".
ـــــــ
عرضه وإدخال السرور عليه، والتفسح له في المجلس، والدلالة على الخير، والكلام الطيب والغرس والزرع والشفاعة وعيادة المريض، والمصافحة، والمحبة في الله والبغض لأجله، والمجالسة لله، والتزاور، والنصح، والرحمة، وكلها في الأحاديث الصحيحة وفيها ما قد ينازع في كونه دون منيحة العنز وحذفت مما ذكره أشياء قد تعقب ابن المنير بعضها وقال إن الأولى أن لا يعتنى بعدها لما تقدم. وقال الكرماني: جميع ما ذكره رجم بالغيب ثم من أين عرف أنها أدنى من المنيحة. قال الحافظ: وإنما أردت بما ذكرته منها تقريب الخمس عشر التي عدها حسان بن عطية وهي إن شاء الله تعالى لا تخرج عما ذكرته ومع ذلك فأنا موافق لابن بطال في إمكان تتبع أربعين خصلة من خصال الخير أدناها منيحة العنز وموافق لابن المنير في رد كثير مما ذكره ابن بطال بما هو ظاهر أنه فوق المنيحة. انتهى كلام الحافظ. وفي فتح القدير للمناوي: وتطلبها بعضهم في الأحاديث فزادت عن الأربعين، منها السعي على ذي رحم قاطع وإطعام جائع وسقي ظمآن ونصر مظلوم.
ونوزع بأن بعض هذه أعلى من المنحة وبأنه رجم بالغيب، فالأحسن أن لا يعد لأن حكمة الإبهام أن لا يحتقر شيء من وجوه البر وإن قل كما أبهم ليلة القدر وساعة الإجابة يوم الجمعة انتهى. والحديث أخرجه البخاري والعجب من الحافظ المنذري أنه لم ينسبه إلى البخاري وقال المناوي: ووهم الحاكم فاستدركه انتهى والله أعلم "خمسة عشر خصلة" هكذا في جميع النسخ، وفي النسختين من المنذري خمس عشرة خصلة وهو الصواب.

(5/68)


43 - باب أجر الخازن
1681 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ وَ مُحَمّدُ بنُ الْعَلاَءِ المَعْنَى وَاحِد أخبرنا أبُو أُسَامَةَ عن بُرَيْدِ بنِ عبد الله بنِ أبي بُرْدَةَ عن أبي بُرْدَةَ عن أبي مُوسَى قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنّ الْخَازِنَ اْلأَمِينَ الّذِي يُعْطِي ما أُمِرَ بِهِ كَامِلاً مُوَفّراً طَيّبَةً بِهِ نَفْسُهُ حَتّى يَدْفَعَهُ إِلَى
ـــــــ
باب أجر الخازن
الخادم الذي يكون بيده حفظ شيء
"إن الخازن" وعند الشيخين الخازن المسلم الأمين "ما أمر به" أي من الصدقة ونحوها "كاملا" حال من المفعول أو صفة لمصدر محذوف "موفراً"

(5/68)


الّذِي أُمِرَ لَهُ بِهِ أَحَدُ المُتَصَدّقَيْنِ".
ـــــــ
بفتح الفاء المشددة أي تاما فهو كيد وبكسرها حال من الفاعل أي مكملا عطاؤه "طيبة" أي راضية غير شحيحة "به" أي بالعطاء "حتى يدفعه" عطف على يعطي، فالخازن مبتدأ وما بعده صفات له وخبره أحد المتصدقين وهذه الأوصاف لابد من اعتبارها في تحصيل أجر الصدقة للخازن فإنه إذا لم يكن مسلماً لم تصح منه نية التقرب، وإن لم يكن أميناً كان عليه وزر الخيانة فكيف يحصل له أجر الصدقة، وإن لم يكن نفسه بذلك طيبة لم يكن له نية فلا يؤجر "أحد المتصدقين" قال القرطبي: لم نروه إلا بالتثنية ومعناه أن الخازن بما فعل متصدق وصاحب المال متصدق آخر فهما متصدقان. قال ويصح أن يقال على الجمع فتكسر القاف ويكون معناه أنه متصدق من جملة المتصدقين والحديث يدل على أن المشاركة في الطاعة توجب المشاركة في الأجر، ومعنى المشاركة أن له أجراً كما أن لصاحبه أجراً وليس معناه أنه يزاحمه في أجره بل المراد المشاركة في الطاعة في أصل الثواب فيكون لهذا ثواب ولهذا ثواب وإن كان أحدهما أكثر، ولا يلزم أن يكون مقدار ثوابهما سواء بل قد يكون ثواب هذا أكثر وقد يكون عكسه، فإذا أعطى المالك خازنه مائة درهم أو نحوها ليوصلها إلى مستحق للصدقة على باب داره فأجر المالك أكثر وإن أعطاه رمانة أو رغيفاً أو نحوهما حيث ليس له كثير قيمة ليذهب به إلى محتاج في مسافة بعيدة بحيث يقابل ذهاب الماشي إليه أكثر من الرمانة ونحوها فأجر الخازن أكثر، وقد يكون الذهاب مقدار الرمانة فيكون الأجر سواء. قال ابن رسلان: ويدخل في الخازن من يتخذه الرجل على عياله من وكيل أو عبد وامرأة وغلام ومن يقوم على طعام الضيفان. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.

(5/69)


44- باب المرأة تصدق من بيت زوجها
1682 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرَنا أبُو عَوانةَ عن مَنْصُورٍ عن شَقِيقٍ عن مَسْرُوقٍ عن عَائِشَةَ قالَتْ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ كَانَ لَها
ـــــــ
باب المرأة ..إلخ
"إذا أنفقت المرأة" أي تصدقت كما في رواية للبخاري "غير مفسدة" نصب على الحال أي غير مسرفة في التصدق، وهذا محمول على إذن الزوج لها بذلك صريحاً أو دلالة. وقيل هذا جار على عادة أهل الحجاز فإن عاداتهم أن يأذنوا لزوجاتهم وخدمهم بأن يضيفوا الأضياف ويطعموا السائل والمسكين والجيران فحرض رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته على هذه العادة الحسنة

(5/69)


أَجْرُ ما أَنْفَقَتْ وَلزوْجِهَا أَجْرُ ما اكْتَسَبَ وَلِخَازِنِهِ مِثْلُ ذَلِكَ لا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ" .
1683 - حدثنا مُحمّدُ بنُ سَوّارٍ المِصْرِيّ أخبرنا عبد السّلاَمِ بنُ حَرْبٍ عن يُونُسَ بنِ عُبَيْدٍ عن زِيَادِ بنِ جُبَيْرِ بنِ حَيّةَ عن سَعْدٍ قال:لَمّا بَايَعَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم النّسَاءَ قَامَتِ امْرَأَةٌ جَلِيلةٌ كأنّهَا مِنْ نِسَاءِ مُضَرَ فَقَالَتْ: يانَبِيّ الله إِنّا كَلّ عَلَى آبائِنَا وَأبْنَائِنا قال أبو دَاوُدَ وأُرى فِيهِ : وَأَزْوَاجِنَا فَمَا يَحِلّ لَنَا مِنْ أَمْوَالِهمْ؟ قالَ"الرّطْبُ تَأْكُلْنَهُ وَتَهْدِينَهُ" .
قال أَبُو دَاوُد: الرّطْبُ الْخُبزُ [نحو الخبز] وَالْبَقْلُ وَالرّطَبُ.
قال أَبُو دَاوُد: وَكَذَا رَوَاهُ الثّوْرِيّ عن يُونُسَ.
ـــــــ
والخصلة المستحسنة "لا ينقص بعضهم أجر بعض" أي شيئاً من النقص أو من الأجر أي من طعام أعد للأكل وجعلت متصرفة وجعلت له خازناً، فإذا أنفقت المرأة منه عليه وعلى من يعوله من غير تبذير كان لها أجرها وأما جواز التصدق منه فليس في هذا الحديث دلالة عليه صريحاً نعم الحديث الآتي دل على جواز التصدق بغير أمره. وقال محي السنة: عامة العلماء على أنه لا يجوز لها التصدق من مال زوجها بغير إذنه وكذا الخادم. والحديث الدال على الجواز أخرج على عادة أهل الحجاز يطلقون الأمر للأهل والخادم في التصدق والإنفاق عند حضور السائل ونزول الضيف كما في الصحيح للبخاري "لا توعى فيوعى الله عليك" قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"جليلة" أي عظيمة القدر أن طويلة القامة "من نساء مضر" وهي قبيلة "إنا كل" بفتح الكاف أي ثقل وعياك "وأرى" أي أظن "فيه" أي في الحديث "فما يحل لنا" أي من غير أمرهم "قال الرطب" بفتح الراء وسكون الطاء ما يسرع إليه الفساد من المرق واللبن والفاكهة والبقول ومثل ذلك وقع فيها للمسامحة بترك الاستئذان جريا على العادة المستحسنة بخلاف اليابس. ذكره الطيبي "وتهدينه" أي ترسلينه هدية "الرطب" بفتح الراء وسكون الطاء ضد اليابس "والرطب" بضم الراء وفتح الطاء بالفارسية خرماتر وهو رطب التمر وكذلك العنب وسائر الفواكه الرطبة دون اليابسة "وكذا رواه" الحديث "الثوري" سفيان كما رواه عبد السلام بن حرب "عن يونس" بن عبيد فتابع سفيان عبد السلام بن حرب وهذه إشارة من المؤلف على أن يونس قد اختلف عليه فالثوري وعبد السلام قد اتفقا في روايتهما والله أعلم.

(5/70)


1684 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيَ أخبرنا عبد الرّزّاقِ أنبأنا مَعْمَرٌ عن هَمّامِ بنِ مُنَبّهٍ قال سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يقُولُ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذَا أنْفَقَتِ المَرْأَةُ مِنْ كَسْبِ زَوْجِهَا مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ فَلَهَا نِصْفُ أَجْرِهِ" .
ـــــــ
"إذا أنفقت المرأة" أي تصدقت "من كسب زوجها" أي من ماله "من غير أمره" أي مع علمها برضى الزوج أو محمول على النوع الذي سومحت فيه من غير إذن "فلها نصف أجره" قيل هذا مفسر بما إذا أخذت من مال زوجها، أكثر من نفقتها وتصدقت به فعليها غرم ما أخذت أكثر منها فإذا علم الزوج ورضي بذلك فلها نصف أجره بما تصدقت من نفقتها ونصف أجره له بما تصدقت به أكثر من نفقتها لأن الأكثر حق الزوج. قاله القاري.
قال النووي: واعلم أنه لابد في العامل وهو الخازن وفي الزوجة والمملوك من إذن المالك في ذلك، فإن لم يكن أذن أصلا فلا أجر لأحد من هؤلاء الثلاثة بل عليهم وزر بتصرفهم في مال غيرهم بغير إذنه. والإذن ضربان أحدهما الإذن الصريح في النفقة والصدقة. والثاني الإذن المفهوم من اطراد العرف كإعطاء السائل كسرة ونحوهما مما جرت العادة واطراد العرف فيه وعلم بالعرف رضاء الزوج والمالك به فإذنه في ذلك حاصل وإن لم يتكلم، وهذا إذا علم رضاه لاطراد العرف وعلم أن نفسه كنفوس غالب الناس في السماحة بذلك والرضاء به فإن اضطرب العرف وشك في رضاه أو كان شحيحاً يشح بذلك وعلم من حاله ذلك أو شك فيه لم يجز للمرأة وغيرها التصدق في ماله إلا بصريح إذنه.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "وما أنفقت من كسبه من غير أمره فلها نصف أجره" فمعناه من غير أمره الصريح في ذلك القدر المعين ويكون معها إذن عام سابق متناول لهذا القدر وغيره، وذلك الإذن الذي قد بيناه سابقاً إما بالصريح وإما بالعرف لابد من هذا التأويل لأنه صلى الله عليه وسلم جعل الأجر مناصفة. ومعلوم أنها إذا أنفقت من غير إذن صريح ولا معروف من العرف فلا أجر لها بل عليها وزر فتعين تأويله. واعلم أن هذا كله مفروض في قدر يسير يعلم رضاء المالك به في العادة، فإن زاد على التعارف لم يجز، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة" فأشار صلى الله عليه وسلم أنه قدر يعلم رضى الزوج به في العادة وبينه بالطعام أيضاً على ذلك لأنه يسمح به في العادة بخلاف الدراهم والدنانير في حق أكثر الناس وفي كثير من الأحوال. واعلم أن المراد بنفقة المرأة والعبد والخازن النفقة على عيال صاحب المال وغلمانه ومصالحه وقاصديه من ضيف وابن سبيل ونحوهما، وكذلك صدقتهم المأذون فيها بالصريح أو العرف والله أعلم انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم انتهى.

(5/71)


1685 - حدثنا مُحمّدُ بنُ سَوّارٍ المِصْرِيّ أخبرَنا عبد ةُ عن عبد الْمَلِكِ عن عَطَاءٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ: في المَرْأَةِ تَصَدّقُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا. قال: لاَ إِلاّ مِنْ قُوتِهَا وَالأَجْرُ بَيْنَهُمَا وَلاَ يَحِلّ لَها أَنْ تَصَدّقَ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا إِلاّ بإِذْنِهِ.
قال أَبُو دَاوُد: هَذَا يُضَعّفُ حَدِيثَ هَمّامٍ.
ـــــــ
قلت: حديث عبد الرزاق بن همام عن معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة أخرجه البخاري في البيوع عن يحيى بن جعفر وفي النفقات عن يحيى ومسلم في الزكاة عن محمد بن رافع والمؤلف عن الحسن بن علي الخلال كلهم عن عبد الرزاق بالسند المذكور ولفظ مسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تصم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته وهو شاهد إلا بإذنه، وما أنفقت من كسبه من غير أمره فإن نصف أجره له" والحديث صحيح قوي متصل الإسناد ليس فيه علة اتفق الشيخان على إخراجه والله أعلم.
"قال لا" أي لا يحل لها التصديق "إلا من قوتها" أي من قوت نفسها وهو ما أعطاها الزوج لتأكل، وهذا الذي قاله أبو هريرة هو موقوف عليه لكن أخرج الترمذي من حديث أبي أمامة الباهلي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته عام حجة الوداع: "لا تنفق امرأة شيئاً من بيت زوجها إلا بإذن زوجها، قيل يا رسول الله ولا الطعام قال ذاك أفضل أموالنا" وقال حديث حسن.
فإن قلت: أحاديث هذا الباب جاءت مختلفة فمنها ما يدل على منع المرأة أن تنفق من بيت زوجها إلا بإذنه وهو حديث أبي أمامة المذكور، ومنها ما يدل على الإباحة بحصول الأجر لها في ذلك وهو حديث عائشة المذكور، ومنها ما قيد فيه الترغيب في الإنفاق بكونه بطيب نفس منه وبكونها غير مفسدة وهو حديث عائشة أيضاً، ومنها ما هو مقيد بكونها غير مفسدة وإن كان من غير أمره وهو حديث أبي هريرة، ومنها ما قيد الحكم فيه بكونه رطباً وهو حديث سعد بن أبي وقاص. قلت: كيفية الجمع بينهما أن ذلك يختلف باختلاف عادات البلاد وباختلاف حال الزوج من مسامحته ورضاه بذلك أو كراهته لذلك، وباختلاف الحال في الشيء المنفق بين أن يكون شيئاً يسيراً يتسامح به وبين أن يكون له خطر في نفس الزوج يبخل بمثله، وبين أن يكون ذلك رطباً يخشى فساده إن تأخر وبين أن يكون يدخر ولا يخشى عليه الفساد قاله العيني "والأجر بينهما" أي بين الزوجين "قال أبو داوود هذا" أي حديث أبي هريرة الموقوف "يضعف حديث همام" بن منبه. واعلم أن هذه العبارة وجدت في بعض النسخ والأكثر عنها

(5/72)


..................................
ـــــــ
خالية. قلت: حديث أبي هريرة من طريق همام بن منبه حديث صحيح قوي متصل الإسناد اتفق الشيخان على إخراجه ليس فيه علة فكيف يضعفه حديث أبي هريرة من طريق عطاء الذي هو موقوف والجمع بينهما ممكن بما ذكره النووي في شرح مسلم وتقدم بيانه، وهو أنها إذا أنفقت المرأة من غير إذن صريح ولا معروف من العرف فلا يحل لها ولا أجر لها بل عليها وزر هذا معنى روايته الموقوفة ويحصل لها نصف الأجر إن كان التصدق من غير أمره الصريح في ذلك القدر المعين ولا يكون معها إذن عام سابق متناول لهذا القدر وغيره، وهذا معنى روايته المرفوعة والله أعلم. كذا في غاية المقصود.

(5/73)


45 - باب في صلة الرحم
1686 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ - هُوَ ابنُ سَلَمَةَ - عن ثَابِتٍ عن أَنَسٍ قال: "لَمّا نَزَلَتْ {لَنْ تَنَالُوا الْبِرّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تحِبّونَ} قال أبُو طَلْحَةَ: يا رسول الله أُرَى رَبّنَا يَسْأَلُنَا مِنْ أَمْوَالِنَا فإِنّي أُشْهِدُكَ أَنّي قَدْ جَعَلْتُ أَرْضِي بأرِيحَاءَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "اجْعَلْهَا في قَرَابَتِكَ" ، فَقَسَمَهَا بَيْنَ حَسّانَ بنِ ثَابِتٍ وَأُبَيّ بنِ كَعْبٍ".
ـــــــ
باب في صلة الرحم
بفتح الراء وكسر الحاء، وذو الرحم هو الأقارب، ويقع على كل من يجمع بينك وبينه نسب، ويطلق في الفرائض على الأقارب من جهة النساء. وصلة الرحم كناية عن الإحسان إلى الأقربين من ذوي النسب والأصهار والتعطف عليهم والرفق بهم والرعاية لأحوالهم وكذلك إن بعدوا أو أساؤوا. وقطع الرحم ضد ذلك كله يقال وصل رحمه يصلها وصلا وصلة والهاء فيها عوض من الواو المحذوفة، فكأنه بالإحسان إليهم قد وصل ما بينه وبينهم من علاقة القرابة والصهر كذا في النهاية.
"لما نزلت" أي علي هذه الآية "لن تنالوا البر" أي الجنة، قاله ابن مسعود وابن عباس ومجاهد، وقيل التقوى، وقيل الطاعة، وقيل الخير. وقال الحسن: لن تكونوا أبراراً حتى تنفقوا مما تحبون أي من أحب أموالكم إليكم "قال أبو طلحة" الأنصاري زوج أم أنس بن مالك "أرى" أي أظن "بأريحاء" قال في النهاية هذه اللفظة كثيراً ما تختلف ألفاظ المحدثين فيها فيقولون بيرحا بفتح الباء وكسرها وبفتح الراء وضمها والمد فيهما وبفتحهما والقصر وهي اسم مال وموضع بالمدينة. وقال الزمخشري في الفائق إنها فيعلى من البراح وهي الأرض الظاهرة انتهى كلام ابن الأثير. وقال العيني: قال التيمي وبيرحا بستان وكانت بساتين المدينة تدعى

(5/73)


قال أَبُو دَاوُد: وَبَلَغَنِي عن الأنْصَارِيّ مُحمّدِ بنِ عبد الله قال أَبُو طَلْحَةَ زَيْدُ بنُ سَهْلٍ بنِ الأَسوَدِ بنِ حَرامِ بنِ عَمْرِو بنِ زَيْدِ مَنَاةِ بنِ عَدِيّ بنِ عَمْرِو بنِ مَالِكٍ بنِ
ـــــــ
بالآبار التي فيها أي البستان التي فيه بئر حا أضيف البئر إلى حا. ويروي بيرحا بفتح الباء وسكون التحتية وفتح الراء هو اسم مقصور فهو كلمة واحدة لا مضاف ولا مضاف إليه. وفي معجم أبي عبيد حا على لفظ حرف الهجاء موضع بالشام، وحا آخر موضع بالمدينة وهو الذي ينسب إليه بئر حا، ورواه حماد بن سلمة عن ثابت أريحا خرجه أبو داوود ولا أعلم أريحا إلا بالشام انتهى كلامه مختصراً "له" أي لربنا. قال الخطابي: إن الحبس إذا وقع أصله منها ولم يذكر المحبس حصر فيها بعد موته فإن مرجعها يكون إلى أقرب الناس من قبيلته، وقياس ذلك فيمن وقفها على رجل فمات الموقف عليه وبقى الشيء محبس الأصل غير مبين السبيل أن يوضع في أقاربه وأن يتوخى في ذلك الأقرب فالأقرب ويكون في التقدير كأن الواقف قد شرطه له وهذا يشبه معنى قول الشافعي. وقال المزني: يرجع إلى أقرب الناس به إذا كان فقيراً وقصة أبي بن كعب تدل على أن الفقير والغني في ذلك سواء. وقال الشافعي: كان أبي يعد من مياسير الأنصار. وفيه دلالة على جواز قسم الأرض الموقوفة بين الشركاء وأن للقسم مدخلا فيما ليس بمملوك الرقبة. وقد يحتمل أن يكون أريد بهذا القسم قسمة ريعها دون رقبتها وقد امتنع عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن قسمة أحباس النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين علي والعباس رضي الله عنهما لما جاءاه يلتسمان ذلك انتهى.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي وليس في حديثهما كلام الأنصاري. وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي من حديث إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك أتم منه، وفيه حب الرجل الصالح للمال وإباحة دخول بساتين الإخوان والأكل من ثمارها والشرب من مائها بغير إذن، وفيه مدح صاحب الصدقة الجزلة، وفيه أن الحبس المطلق جائز وحقه أن يصرف في جميع وجوه البر، وفيه أن الصدقة على الأقارب وأولى الأرحام أفضل انتهى "فقسمها" أي قسم أبو طلحة أرضه "عن الأنصاري" هو "محمد بن عبد الله" المثنى البصري القاضي من التاسعة "قال" محمد بن عبد الله الأنصاري في بيان قرابة أبي طلحة بين أُبي حسان فذكر أولا نسب أبي طلحة "أبو طلحة زيد بن سهل" هو اسم أبي طلحة "ابن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار" هكذا في نسخ الكتاب وهكذا في أسد الغابة والذي في الإصابة زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عمرو بن مالك بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي "وحسان بن ثابت

(5/74)


النّجّارِ، وَحَسّانُ بنُ ثَابِتِ بنِ المُنْذِرِ بنِ حَرَامٍ، يَجْتَمِعَانِ إلَى حَرَامٍ وَهُوَ اْلأَبُ الثّالِثُ، وَأُبَيّ بنُ كَعْبِ بنِ قَيْسِ بنِ عَتِيكِ بنِ زَيْدِ بنِ مُعَاوِيَةَ بنِ عَمْرِو بنِ مَالِكِ بنِ النّجّارِ، فَعَمْرُو يَجْمَعُ حَسّانَ وَأَبَا طَلْحَةَ وَأُبَيّا. قال الأنْصَارِيّ: بَيْنَ أُبَيَ وَأبِي طَلْحَةَ سِتّةُ آباء.
1687 - حدثنا هَنّادُ بنُ السّرِيّ عن عبدةَ عن مُحمّدِ بنِ إسْحَاقَ عن بُكَيْرٍ بنِ عبد الله بنِ الأَشَجّ عن سُلَيْمانَ بنِ يَسَارٍ عن مَيْمُونَة زَوْجِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَتْ: كَانَتْ لِي جَارِيَةٌ فأعْتَقْتُهَا، فَدَخَلَ عَلَيّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فأخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: "آجَرَكِ الله، أمَا إِنّكِ لَوْ كُنْتِ أَعْطَيْتِها أَخْوالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لأَجْرِكِ" .
1688 - حدثنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنبأنا سُفْيَانُ عن مُحمّدِ بنِ عَجْلاَنَ عن المَقْبُرِيّ عن أَبي هُرَيْرَةَ قال: أَمَرَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بالصّدَقَةِ، فَقالَ رَجُلٌ: يا رسول الله عِنْدِي دِينَارٌ. قال"تَصَدّقْ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ". قال: عِنْدِي آخَرُ قال:"تَصَدّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِكَ". قال: عِنْدِي آخَرُ. قال:"تَصَدّقْ بِهِ عَلَى زَوْجَتِكَ"، أوْ قال زَوْجِكَ. قال: عِنْدِي
ـــــــ
بن المنذر بن حرام" بن عمرو بن زيد مناة "يجتمعان" أي أبو طلحة وحسان "إلى حرام وهو" أي حرام "الأب الثالث" لأبي طلحة وحسان بن ثابت "وأُبي بن كعب بن قيس بن عتيك الخ" هكذا في نسخ الكتاب، والذي في أسد الغابة والإصابة أُبي بن كعب بن قيس بن عُبَيْد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار انتهى "فعمرو" بن مالك "يجمع حسان وأبا طلحة وأبياً" أي كلهم من أولاد عمرو بن مالك "بين أُبي وأبي طلحة ستة آباء" فعمرو بن مالك أب سادس لأبي بن كعب وأب سابع لأبي طلحة، وكلام الأنصاري يشير بأن عمراً أب سادس لأبي طلحة أيضاً، وهذه منه مسامحة. نعم على ما في الإصابة يصير عمرو بن مالك أبا سادساً لأبي طلحة أيضاً فيستقيم كلام الأنصاري والله أعلم. وفيه دليل واضح على أن في صلة الأرحام كما تعتبر وتلاحظ القرابة القريبة كذا تعتبر القرابة البعيدة أيضاً كذا في غاية المقصود.
-"كانت لي جارية" أي مولودة مملوكة في ملكي "آجرك الله" بالمد والقصر أي أعطاك الله جزاء عملك "أخوالك" جمع الخال لأنهم كانوا محتاجين إلى خادم من ضيق الحال "كان أعظم لأجرك" لأن في إعطائها صلة الرحم والصدقة وفي الإعتاق الصدقة فقط. قال المنذري: وأخرجه النسائي وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي من حديث كريب عن ميمونة رضي الله عنها.
"عندي دينار" أريد أن أتصدق به "أو قال زوجك" يذكر ويؤنث لعدم الالتباس فيه والشك

(5/75)


آخَرُ. قال:"تَصَدّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِكَ". قال: عِنْدِي آخَرُ. قال:"أَنْتَ أبْصَرُ" .
1689 - حدثنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ أخبرنا سُفْيَانُ أخبرنا أبُو إسْحَاقَ عن وَهْبِ بنِ جَابرٍ الْخَيْوَانِيّ عن عبد الله بنِ عَمْرٍو قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "كَفَى بالمَرْءِ إِثْماً أنْ يُضَيّعَ مَنْ يَقُوتُ" .
1690 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ وَ يَعْقُوبُ بنُ كَعْبٍ وَهَذَا حَدِيثُهُ قالا أخبرنا ابنُ وَهْبٍ قال أخبرني يُونُسُ عن الزّهْرِيّ عن أَنَسٍ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ سَرّهُ أَنْ
ـــــــ
من الراوي "قال أنت أبصر" أي أعلم. قال الطيبي: إنما قدم الولد على الزوجة لشدة افتقاره إلى النفقة بخلافها فإنه لو طلقها لأمكنها أن تتزوج بآخر. وقال الخطابي: هذا الترتيب إذا تأملته علمت أنه صلى الله عليه وآله وسلم قدم الأولى فالأولى والأقرب فالأقرب، وهو أنه أمره أن يبدأ بنفسه ثم بولده لأن ولده كبعضه فإذا ضيعه هلك ولم يجد من ينوب عنه في الإنفاق عليه، ثم ثلث بالزوجة وأخوها عن الولد لأنه إذا لم يجد ما ينفق عليها فرق بينهما وكان لها من يمونها من زوج أو ذي رحم تجب نفقتها عليه، ثم ذكر الخادم لأنه يباع عليه إذا عجز عن نفقته فتكون النفقة على من يبتاعه ويملكه، ثم قال فيما بعد أنت أبصر أي إن شئت تصدقت وإن شئت أمسكت وقياس هذا في قول من رأى أن صدقة الفطر تلزم الزوج عن الزوجة ولمن يفضل من قوته أكثر من صاع أن يخرجه عن ولده دون الزوجة لأن الولد مقدم الحق على الزوجة ونفقة الأولاد إنما تجب لحق العصبية النسبية، ونفقة الزوجة إنما تجب لحق المتعة العوضية، وقد يجوز أن ينقطع ما بين الزوجين بالطلاق، والنسب لا ينقطع أبداً. ومعنى الصدقة في هذا الحديث النفقة انتهى. قال المنذري: وأخرجه النسائي وفي إسناده محمد بن عجلان وقد تقدم الكلام عليه.
"الخيواني" بفتح الخاء المعجمة وسكون التحتانية الهمداني الكوفي مقبول من الرابعة كذا في التقريب "كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت" قال السندي: من يقوت من قاته أي أعطاه قوته ويمكن أن يجعل من التفعيل وهو موافق لرواية من يقيت من أقات أي من تلزمه نفقته من أهله وعياله وعبيدة انتهى. قال الخطابي: يريد من يلزمه قوته، والمعنى كأنه قال للمتصدق لا يتصدق بما لا فضل فيه عن قوت أهله يطلب به الأجر فينقلب ذلك الأجر إثماً إذا أنت ضيعتهم انتهى.
قال المنذري: وأخرجه النسائي وأخرج مسلم في الصحيح من حديث خيثمة بن عبد الرحمَن عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوته".

(5/76)


يُبْسَطَ عَلَيْهِ في رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ في أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ" .
1691 - حدثنا مُسَدّدٌ وَ أبُو بَكْرِ بنِ أبي شَيْبَةَ قالا أخبرنا سُفْيَانُ عن الزّهْرِيّ عن أبي سَلَمَةَ عن عبد الرّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ قال سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقُولُ: "قال الله تَعَالَى: أَنَا الرّحْمَنُ وَهِيَ الرّحِمُ شَقَقْتُ لَها اسماً مِنْ اسْمِي، مَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتّهُ" .
ـــــــ
"أن يبسط" بصيغة المجهول أي يوسع "في رزقه" أي في دنياه "وينسأ" بضم فسكون ففتح فنصب فهمزة أي يؤخر له "في أثره" بفتحتين أي أجله "فليصل رحمه" وتقدم معنى صلة الرحم في أول الباب. قال ابن الأثير: النساء التأخير يقال نسأت الشيء أنسأ وأنسأتة إنساء إذا أخرته، والنساء الاسم ويكون في العمر والدين والأثر والأجل انتهى. وقال الخطابي: يؤخر في أجله يقال لرجل نسأ الله في عمرك وأنسأ عمرك، والأثر ههنا آخر العمر. قال كعب بن زهير:
والمرء ما عاش ممدود له أملا ينتهي العمر حتى ينتهى الأثر
انتهى. وتأخير الأجل بالصلة إما بمعنى حصول البركة والتوفيق في العمر وعدم ضياع العمر، فكأنه زاد، أو بمعنى أنه سبب لبقاء ذكره الجميل بعده ولا مانع أنها سبب لزيادة العمر كسائر أسباب العالم ممن أراد الله زيادة عمره وفقّه بصلة الأرحام والزيادة إنما هو بحسب لظاهر بالنسبة إلى الخلق وأما في علم الله تعالى فلا زيادة ولا نقصان وهو وجه الجمع بين قوله صلى الله عليه وسلم: "جف القلم بما هو كائن" وقد أطال الكلام في شرح هذا الحديث النووي في شرح مسلم والحافظ في فتح الباري والعيني في عمدة القاري والله أعلم. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"أنا الرحمن" أي المتصف بهذه الصفة "وهي" أي التي يؤمر بوصلها "الرحم" بفتح الراء وكسر الحاء "شققت" أي أخرجت وأخذت "لها" أي للرحم "اسماً من اسمي" أي الرحمن وفيه إيماء إلى أن المناسبة الاسمية واجبة الرعاية في الجملة وإن كان المعنى على أنها أثر من رحمة الرحمان، ويتعين على المؤمن التخلق بأخلاق الله والتعلق بأسمائه وصفاته "من وصلها وصلته" أي إلى رحمتي ومحل كرامتي. قال الخطابي: في هذا بيان صحة القول بالاشتقاق في الأسماء اللغوية ورد على الذين أنكروا ذلك وزعموا أن الأسماء كلها موضوعة وهذا يبين لك فساد قولهم. وفيه دليل على أن اسم الرحمان عربي مأخوذ من الرحمة. وقد زعم بعض المفسرين برأيه عبراني وهذا يرده "ومن قطعها بتته" بتشديد الفوقية الثانية أي قطعته من رحمتي

(5/77)


1692 - حدثنا مُحمّدُ بنُ المُتَوَكّلِ الْعَسْقَلانيّ أخبرنا عبد الرّزّاقِ أنبأنا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ حَدّثَني أَبُو سَلَمَةَ أَنّ الرّدّادَ اللّيْثِيّ أخْبَرَهُ عن عبد الرّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ أَنّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم بمَعْنَاهُ.
1693 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا سُفْيَانُ عن الزّهْرِيّ عن مُحمّدِ بنِ جُبَيْرٍ بنِ مُطْعِمٍ عن أبِيهِ يَبْلُغُ بِهِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "لا يَدْخُلُ الْجَنّةَ قَاطِعٌ" .
1694 - حدثنا ابنُ كَثِيرٍ أنبأنا سُفْيَانُ عن الأَعمَشِ وَ الْحَسَنِ بنِ عَمْرٍو وَ فِطْرٍ عن مُجَاهِدٍ عن عبد الله بنِ عَمْرٍو قال سُفْيَانُ وَلَمْ يَرْفَعْهُ سُلَيْمَانُ إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَرَفَعَهُ فِطْرٌ وَالْحَسَنُ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ الْوَاصِلُ بالمُكَافِىءِ وَلَكِنّ الْوَاصِلَ الّذِي إذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا" .
ـــــــ
الخاصة والبت القطع والمراد به القطع الكلي ومنه طلاق البت وكذا قولهم البتة كذا في المرقاة. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال حديث صحيح وفي تصحيحه نظر فإن يحيى بن معين قال أبو سلمة بن عبد الرحمَن لم يسمع من أبيه شيئاً، وذكر غير أن أبا سلمة وأخاه حميداً لم يصح لهما سماع من أبيهما انتهى. والحديث أخرجه أيضاً أحمد والبخاري في الأدب المفرد والحاكم عن عبد الرحمان بن عوف والحاكم أيضاً عن أبي هريرة والله أعلم.
"أن الرداد" بالدالين المهملتين وثقه ابن حبان. قال المنذري: وأشار إليه الترمذي وحكى عن البخاري أنه قال وحديث معمر خطأ. وقد أخرج البخاري ومسلم والنسائي من حديث سعيد بن يسار أبي الحُباب عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت هذا مقام العائذ من القطيعة" قال نعم الحديث.
"قال لا يدخل الجنة قاطع" أي قاطع الرحم، وقد تعارف إطلاق القطع في قطعها كالصلة في وصلها، وهذا تشديد وتهديد أو أول الوهلة أو المراد من يستحل القطع.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي. قال سفيان بن عيينة: يعني قاطع رحم.
"ولم يرفعه سليمان" هو الأعمش، والحاصل أن سفيان يروي عن ثلاثة من الشيوخ الأعمش والحسن وفطر وهؤلاء الثلاثة عن مجاهد لكن فطرا والحسن رفعاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسليمان الأعمش جعله موقوفاً على عبد الله بن عمرو "ليس الواصل" أي واصل الرحم "بالمكافىء" بكسر الفاء ثم الهمزة الذي يكافىء ويجزىء إحساناً فعل به "ولكن الواصل الذي إذا قطعت" بصيغة المجهول بالتشديد والتخفيف "رحمه" بالرفع على نيابة الفاعل "وصلها" أي

(5/78)


...................................
ـــــــ
قرابته التي تقطع عنه، وهذا من باب الحث على مكارم الأخلاق كما ورد " صل من قطعك وأعط من حرمك واعف عمن ظلمك" قال المنذري: وأخرجه البخاري والترمذي.

(5/79)


46 - باب في الشح
1695 - حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ أخبرنا شُعْبَةُ عن عَمْرِو بنِ مُرّةَ عن عبد الله بنِ الْحَارِثِ عن أبي كَثِيرٍ عن عبد الله بنِ عَمْرٍو قال:خَطَبَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: "إِيّاكُم وَالشّحّ فإِنّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُم بالشّحّ، أَمَرَهُمْ بالْبُخْلِ فَبَخِلُوا، وَأَمَرَهُمْ بالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا، وَأَمَرَهُمْ بالْفُجُورِ فَفَجَرُوا" .
1696 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا إِسْمَاعِيلُ أنبأنا أَيّوبُ أخبرنا عبد الله بنُ أبي مُلَيْكَةَ حَدّثَتْني أَسْمَاءُ بِنْتُ أبي بَكْرٍ قالَتْ قُلْتُ: يا رسول الله ما لِي شَيْءٌ إِلاّ ما أَدخَلَ عَلَيّ الزّبَيْرُ بَيْتَهُ، أفأُعْطِي مِنْهُ؟ قال: "أَعْطِي وَلا تُوكِى فَيُوكَى عَلَيْكِ" .
ـــــــ
باب في الشح
"فقال إياكم والشح" قال الخطابي: الشح أبلغ في المنع من البخل وإنما الشح بمنزلة الجنس والبخل بمنزلة النوع وأكثر ما يقال البخل إنما هو في أفراد الأمور وخواص الأشياء والشح عام هو كالوصف اللازم للانسان من قبل الطبع والجبلة وقال بعضهم البخل أن يضن بماله وبمعروفه والشح أن يبخل بماله انتهى. وقال ابن الأثير الشح أشد البخل وهو أبلغ في المنع من البخل، وقيل هو البخل مع الحرص وقيل البخل في أفراد الأمور وآحادها والشح عام، وقيل البخل بالمال والشح بالمال والمعروف والاسم الشح انتهى "قبلكم" من الأمم "بالشح" كيف وهو من سوء الظن بالله "أمرهم" فاعل أمر هو الشح "فبخلوا" بكسر الخاء "وأمرهم" أي الشح "بالقطيعة" للرحم "فقطعوا" أي الرحم ومن قطعها قطع الله عنه مزيد رحمته "بالفجور" وهو الميل عن القصد والسداد وقيل هو الانبعاث في المعاصي أو الزنا "ففجروا" قال ابن رسلان: ويشبه أن يراد أمرهم بالزنا فزنوا وأمرهم بالقطيعة أي قطيعة الرحم فقطعوها انتهى. فالشح من جميع وجوهه يخالف الإيمان {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} قال الخطابي: والفجور ههنا الكذب وأصل الفجور الميل والانحراف عن الصدق ويقال للكاذب فاجر وقد فجر أي انحرف عن الصدق انتهى. والحديث صححه الحاكم وأقروه والله أعلم قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"ما لي" ما نافية "إلا ما أدخل عليّ الزبير" اسم زوجها "ولا توكي فيوكي عليك" قال

(5/79)


1697 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا إِسْمَاعِيلُ أنبأنا أَيّوبُ عن عبد الله بنِ أبي مُلَيْكَةَ عن عَائِشَةَ أَنّهَا ذَكَرَتْ عِدّةً مِنْ مَسَاكِينَ. قال أبُو دَاوُدَ وَقال غَيْرُهُ: أوْ عِدّة مِنْ صَدَقَةٍ، فَقال لَها رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أَعْطِي وَلا تُحْصِي فَيُحْصَى عَلَيْكِ" .
هذا آخر كتاب الزكاة
ـــــــ
الخطابي: معناه وأعطي من نصيبك منه ولا توكي أي لا تدخري والإيكاء شد رأس الوعاء بالوكاء وهو الرباط الذي يربط به يقول لا تمنعني ما في يدك فتنقطع مادة الرزق عليك. وفيه وجه آخر أن صاحب البيت إذا أدخل الشيء بيته كان ذلك في العرف مفوضاً إلى ربة المنزل فهي تتفق منه قدر الحاجة في الوقت وربما تدخر منه الشيء لغابر الزمان، فكأنه قال إذا كان الشيء مفوضاً إليك موكولا إلى تدبيرك فاقتصري على قدر الحاجة للنفقة وتصدقي بالباقي منه ولا تدخريه والله أعلم. قال المنذري: أخرجه الترمذي والنسائي وأخرجه البخاري ومسلم من حديث ابن أبي مليكة عن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أسماء مختصراً ومطولا بنحوه.
"أنها" أي عائشة "ذكرت" للنبي صلى الله عليه وسلم "عدة" بكسر العين وتشديد الدال أي عدداً "من مساكين" أي جاؤوا عدة من المساكين على بابي فأعطيتهم وتصدقت عليهم، أو المعنى أي أنهم يأتون على بابي فما نفعل بهم "وقال غيره" يشبه أن يكون المراد أي قال غير مسدد "عدة من صدقة" أي ذكرت عائشة عدة من الصدقة التي تصدقت بها ذلك اليوم أو المعنى أي كم مقدار من الصدقة أعطيها للمساكين إن جاؤوا على بابي "لا تحصي" من الإحصاء وهو العدو الحفظ "فيحصى عليك" بصيغة المجهول أي يمحق البركة حتى يصير كالشيء المعدود أو يحاسبك الله تعالى ويناقشك في الآخرة قاله الطيبي.

(5/80)