Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود

أول كتاب المناسك
1 - باب فرض الحج
1718 - حدثنا زُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ وَ عُثْمانُ بن أبي شَيْبَةَ المَعْنى قالا أخبرنا يَزِيدُ بنُ هارُونَ عن سُفْيَانَ بنِ حُسَيْنٍ عن الزّهْرِيّ عن أبي سِنَانٍ عن ابنِ عَبّاسٍ: أَنّ الأَقْرَعَ بنَ حَابِسٍ سَأَلَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَقال: يا رسول الله الْحَجّ في كلّ سَنَةٍ أوْ مَرّةً وَاحِدَةً؟ قال:"بَلْ مَرّةً وَاحِدَةً، فَمَنْ زَادَ [فتَطَوَّعَ] فَهُوَ تَطَوّعٌ" .
ـــــــ
أول كتاب المناسك
باب فرض الحج
النسك بضمتين العبادة وكل حق لله عزوجل، والمناسك جمع منسك بفتح السين وكسرها وهو المتعبد ويقع على المصدر والزمان والمكان ثم سميت به أمور الحج، والمنسك المذبح والنسيكة الذبيحة. وأصل الحج في اللغة القصد. وقال الخليل كثرة القصد إلى معظم، وفي الشرع القصد إلى البيت الحرام بأعمال مخصوصة وهو بفتح المهملة وبكسرها لغتان. ووجوب الحج معلوم من الدين بالضرورة، وأجمعوا على أنه لا يتكرر إلا بعارض كالنذر. واختلف هل هو على الفور أو التراخي وفي وقت ابتداء فرضه، فالجمهور على أنها سنة ست لأنها نزل فيها قوله تعالى {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} وهذا يبتني على أن المراد بالإتمام ابتداء الفرض ويؤيده قراءة علقمة ومسروق وإبراهيم النخعي بلفظ وأقيموا أخرجه الطبري بأسانيد صحيحة عنهم. وقيل المراد بالإتمام الإكمال بعد الشروع وهذا يقتضي تقدم فرصه قبل ذلك. وقد وقع في قصة ضمام ذكر الأمر بالحج وكان قدومه على ما ذكر الواقدي سنة خمس وهذا يدل - إن ثبت - على تقدمه على سنة خمس لوقوعه فيها وأما فضله فمشهور ولا سيما في الوعيد على تركه
"الحج في كل سنة" قياساً على الصوم والزكاة فإن الأول عبادة بدنية والثاني طاعة مالية والحج مركب منهما "قال بل مرة واحدة".

(5/99)


قال أَبُو دَاوُد: هُوَ أبُو سِنَانٍ الدّؤَلِيّ، كَذَا قال عبد الْجَلِيلِ بنُ حُمَيْدٍ، وَسُلَيْمانُ بنُ كَثِيرٍ جَمِيعاً عن الزّهْرِيّ، وَقال عُقَيْلٌ عن سِنَان.
1719 - حدثنا النّفَيْلِيّ أخبرنا عبد الْعَزِيزِ بنُ مُحمّدٍ عن زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ عن ابنٍ لأَبِي وَاقِدٍ اللّيْثِيّ عن أبِيهِ قال:سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقُولُ لأَزْوَاجِه في حَجّةِ الْوَداعِ: "هَذِهِ
ـــــــ
قال الخطابي: لا خلاف بين العلماء في أن الحج لا يتكرر وجوبه إلا أن هذا الإجماع إنما حصل منهم بدليل، فأما نفس اللفظ فقد كان موهماً للتكرار ومن أجله عرض هذا السؤال، وذلك أن الحج في اللغة قصد فيه تكرار ومن ذلك قول الشاعر:
يحجون بيت الزبرقان المزعفرا
يريد أنهم يقصدونه في أمورهم ويختلفون إليه في حاجاتهم مرة بعد أخرى وكان سيداً لهم ورئيساً فيهم. وقد استدلوا بهذا المعنى في إيجاب العمرة وقالوا: إذا كان الحج قصدا فيه تكرر فإن معناه لا يتحقق إلا بوجوب العمرة لأن القصد في الحج إنما هو مرة واحدة لا يتكرر. وفي هذا الحديث دليل على أن المسلم إذا حج مرة ثم ارتد ثم أسلم أنه لا إعادة عليه في الحج.
وقد اختلف العلماء في الأمر الوارد من قبل الشارع هل يوجب التكرار أم لا على وجهين، فقال بعضهم نفس الأمر يوجب التكرار، وذهبوا إلى معنى اقتضاء العموم منه، وقال الآخرون لا يوجبه ويقع الخلاص منه والخروج من عهدته باستعماله مرة واحدة لأنه إذا قيل له أفعلت ما أمرت به فقال: نعم، كان صادقاً، وإلى هذا ذهب أكثر العلماء. قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه. وفي إسناده سفيان بن حسين صاحب الزهري وقد تكلم فيه يحيى بن معين وغيره غير أنه قد تابعه عليه سليمان بن كثير وغيره فرووه عن الزهري كما رواه وقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة قال: "خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا، فقال رجل لكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم" الحديث وأخرجه النسائي أيضاً انتهى "عقيل عن سنان" أي بغير لفظ أبي، والحاصل أن سفيان بن حسين وعبد الجليل بن حميد وسليمان بن كثير كلهم قالوا عن الزهري عن أبي سنان، وأما عقيل وحده فقال عن الزهري عن سنان. قلت: والصحيح أن أبا سنان كنيته واسمه يزيد بن أمية مشهور بكنيته ومنهم من عده في الصحابة والله أعلم.

(5/100)


ثُمّ ظُهُورَ الْحُصُرِ" .
ـــــــ
-"هذه" أي هذه الحجة مفروضة عليكن "ثم" بعد ذلك "ظهور" جمع ظهر "الحصر" بضمتين وتسكن الصاد تخفيفاً جمع الحصر الذي يبسط في البيوت أي عليكن لزوم البيت ولا يجب عليكن مرة أخرى بعد ذلك الحج. فهذا الحديث يدل على أن الحج فرض مرة ولذا أورده المؤلف في باب فرض الحج. والحديث استدل به أيضاً على عدم جواز الحج لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم بعد حجة الوداع. قال الإمام ابن الأثير في النهاية. وفي الحديث "أفضل الجهاد وأجمله حج مبرور ثم لزوم الحصر" وفي رواية أنه قال لأزواجه "هذه ثم لزوم الحصر" أي إنكن لا تعدن تخرجن من بيوتكن وتلزمن الحصر انتهى.
وأجيب عن هذا من وجهين: الأول أن حديث أبي واقد محتمل لمعنيين وليس بصريح ولا واضح على المنع فلا يترك به المتيقن وهو الجواز، وذلك لما أخرجه البخاري عن عائشة أم المؤمنين قالت: قلت: "يا رسول الله ألا نغزو ونجاهد معكم؟ فقال: لكن أحسن الجهاد وأجمله الحج حج مبرور" فقالت عائشة فلا أدع الحج بعد إذ سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم " ولفظ ابن ماجه: "قلت يا رسول الله على النساء جهاد؟ قال: نعم جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة" ولفظ الإسماعيلي "لو جاهدنا معك قال لا جهاد ولكن حج مبرور" فالمراد بقوله لا في جواب قولهن ألا نخرج فنجاهد معك، أي ليس ذلك واجباً عليكن كما وجب على الرجال ولم يرد بذلك تحريمه عليهن، فقد ثبت في حديث أم عطية أنهن كن يخرجن فيداوين الجرحى، وفهمت عائشة ومن وافقها من هذا الترغيب في الحج إباحة تكريره لهن، كما أبيح للرجال تكرير الجهاد، وخص به عموم قوله: "هذه ثم ظهور الحصر" وقوله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} وكأن عمر رضي الله عنه كان متوقفاً في ذلك ثم ظهر له قوة دليلها فأذن لهن في آخر خلافته ثم كان عثمان بعده يحج بهن في خلافته أيضاً كما سيجيء. وقال البيهقي: في حديث عائشة هذا دليل على أن المراد بحديث أبي واقد وجوب الحج مرة واحدة كالرجال لا المنع من الزيادة، وفيه دليل على أن الأمر بالقرار في البيوت ليس على سبيل الوجوب كذا في فتح الباري.
والثاني: المراد بحديث أبي واقد جواز الترك لا النهي من الحج لهن بعد حجة الوداع فقد ثبت حجهن بعد النبي صلى الله عليه وسلم لما أخرج البخاري من طريق إبراهيم عن أبيه عن جده إذن عمر رضي الله عنه لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حجة حجها فبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمَن. وروى ابن سعد في الطبقات، بإسناد صححه الحافظ في الفتح من طريق أبي إسحاق السبيعي قال رأيت نساء النبي صلى الله عليه وسلم حججن في هوادج عليها الطيالسة زمن المغيرة

(5/101)


..................................
ـــــــ
أي ابن شعبة، والظاهر أنه أراد بذلك زمن ولاية المغيرة على الكوفة لمعاوية وكان ذلك سنة خمسين أو قبلها ولابن سعد أيضاً من حديث أم معبد الخزاعية قالت رأيت عثمان وعبد الرحمَن في خلافة عمر حجا بنساء النبي صلى الله عليه وسلم فنزلن بقديد فدخلت عليهن وهن ثمان. وله من حديث عائشة أنهن استأذن عثمان في الحج فقال أنا أحج بكن فحج بنا جميعاً إلا زينب كانت ماتت وإلا سودة فإنها لم تخرج من بيتها بعد النبي صلى الله عليه وسلم وأخرج ابن سعد من حديث أبي هريرة فكن نساء النبي صلى الله عليه وسلم يحججن إلا سودة وزينب فقالا لا تحركنا دابة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان عمر متوقفاً في ذلك ثم ظهر له الجواز فأذن لهن وتبعه على ذلك من ذكر من الصحابة ومن في عصره من غير نكير.
وروى ابن سعد من مرسل أبي جعفر الباقر قال: منع عمر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم الحج والعمرة. ومن طريق أم درة عن عائشة قالت: منعنا عمر الحج والعمرة حتى إذا كان آخر عام فأذن لنا. وروى عمر بن شبة عن عائشة أن عمر أذن لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم فحججن في آخر حجة حجها عمر الحديث قاله الحافظ. كذا في غاية المقصود. قال المنذري: وابن أبي واقد هذا اسمه واقد وقد جاء مبيناً، وواقد هذا شبه المجهول انتهى. وقال في الفتح: وإسناد حديث أبي واقد صحيح والله أعلم.

(5/102)


2 - باب في المرأة تحج بغير محرم
1720 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ الثّقَفِيّ أخبرنا اللّيْثُ بنُ سَعْدٍ عن سَعِيدِ بنِ أبي سَعِيدٍ عن أبِيهِ أَنّ أَبَا هُرَيْرَةَ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا يَحِلّ لاِمْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ لَيْلَةٍ إِلاّ وَمَعَهَا رَجُلٌ ذُو حُرْمَةٍ مِنْهَا" .
1720 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ الثّقَفِيّ أخبرنا اللّيْثُ بنُ سَعْدٍ عن سَعِيدِ بنِ أبي سَعِيدٍ عن أبِيهِ أَنّ أَبَا هُرَيْرَةَ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا يَحِلّ لاِمْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ لَيْلَةٍ إِلاّ وَمَعَهَا رَجُلٌ ذُو حُرْمَةٍ مِنْهَا" .
ـــــــ
باب في المرأة تحج بغير محرم
بفتح الميم وسكون الحاء، وذو المحرم من لا يحل له نكاحها من الأقارب كالأب والابن والأخ والعم ومن يجري مجراهم.
"ذو حرمة" بضم الحاء وسكون الراء بمعنى ذي المحرم، فذو حرمة وذو المحرم كلاهما بمعنى واحد. قلت: ورد حديث نهي السفر للمرأة بغير ذي محرم بألفاظ مختلفة، ففي رواية: "لا تسافر المرأة ثلاثاً إلا معها ذو محرم" وفي رواية فوق ثلاث وفي رواية "ثلاثة" وفي رواية " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة ثلاث ليال إلا ومعها ذو محرم" وفي رواية "لا تسافر المرأة يومين من الدهر إلا ومعها ذو محرم منها أو زوجها" وفي رواية "نهى أن تسافر المرأة مسيرة يومين" وفي رواية " لا يحل لامرأة مسلمة تسافر

(5/102)


1724 - حدثنا عبد الله بنُ مَسْلَمَةَ وَ النّفَيْلِيّ عن مَالِكٍ ح. وحدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ
ـــــــ
مسيرة ليلة إلا ومعها ذو حرمة منها" وفي رواية لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم" وفي رواية "مسيرة يوم وليلة" وفي رواية "لا تسافر إمرأة إلا مع ذي محرم" هذه روايات مسلم وغيره. وفي رواية لأبي داوود "لا تسافر بريداً" والبريد مسيرة نصف يوم قال العلماء: اختلاف هذه الألفاظ لاختلاف السائلين واختلاف المواطن وليس في النهي عن الثلاثة تصريح بإباحة اليوم والليلة أو البريد.
قال البيهقي: كأنه صلى الله عليه وسلم يسأل عن المرأة تسافر ثلاثاً بغير محرم فقال لا، وسئل عن سفرها يومين بغير محرم فقال لا، وسئل عن سفرها يوماً فقال لا، وكذلك البريد، فأدى كل منهم ما سمعه، وما جاء منها مختلفاً عن راو واحد فسمعه في مواطن فروى تارة هذا وتارة هذا وكله صحيح، وليس في هذا كله تحديد لأقل ما يقع عليه اسم السفر ولم يرد صلى الله عليه وسلم تحديد أقل ما يسمى سفراً. فالحاصل أن كل ما يسمى سفر انتهي عنه المرأة بغير زوج أو محرم سواء كان ثلاثة أيام أو يومين أو يوماً أو بريداً أو غير ذلك لرواية ابن عباس المطلقة وهي آخر روايات مسلم السابقة "لا تسافر إمرأة إلا مع ذي محرم" وهذا يتناول جميع ما يسمى سفراً. وأجمعت الأمة على أن المرأة يلزمها حجة الإسلام إذا استطاعت لعموم قوله تعالى {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} وقوله صلى الله عليه وسلم "بني الإسلام على خمس" الحديث واستطاعتها كاستطاعة الرجل، لكن اختلفوا في اشتراط المحرم لها، فأبو حنيفة يشترط لوجوب الحج عليها إلا أن يكون بينها وبين مكة دون ثلاث مراحل، ووافقه جماعة من أصحاب الحديث وأصحاب الرأي، حكى ذلك أيضاً عن الحسن البصري والنخعي. وقال عطاء وسعيد بن جبير وابن سيرين ومالك والأوزاعي والشافعي في المشهور عنه: لا يشترط المحرم بل يشترط الأمن على نفسها. قال أصحاب الشافعي: يحصل الأمن بزوج أو محرم أو نسوة ثقات. ولا يلزمها الحج عند الشافعي إلا بأحد هذه الأشياء، فلو وجدت امرأة واحدة ثقة لم يلزمها لكن يجوز لها الحج معها هذا هو الصحيح قاله النووي في شرح مسلم.
قال القرطبي: وسبب هذا الخلاف مخالفة ظواهر الأحاديث لظاهر قوله تعالى {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} لأن ظاهره الاستطاعة بالبدن فيجب على كل قادر عليه ببدنه، ومن لم تجد محرماً قادرة ببدنها فيجب عليها، فلما تعارضت هذه الظواهر اختلف العلماء في تأويل ذلك، فجمع أبو حنيفة ومن وافقه بأن جعل الحديث مبيناً الاستطاعة في حق المرأة، ورأى مالك ومن وافقه أن للاستطاعة الأمنية بنفسها في حق الرجال والنساء وأن الأحاديث المذكورة لم تتعرض للأسفار الواجبة وقد أجيب أيضاً بحمل الأخبار على ما إذا لم

(5/103)


أخبرنا بِشْرُ بنُ عُمَرَ حَدّثَني مَالِكٌ عن سَعِيدِ بنِ أبي سَعِيدٍ قال الْحَسَنُ في حَدِيثِهِ عن أبِيهِ ثُمّ اتّفَقُوا عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "لاَ يَحِلّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بالله وَالْيَوْمِ الآخر أَنْ تُسَافِرَ يَوْماً وَلَيْلَةً" . فَذَكَرَ مَعْنَاهُ. قال النّفَيْلِيّ حدّثنا مَالِكٌ.
قال أَبُو دَاوُد: وَلم يَذْكُر النّفَيْلِيّ وَالْقَعْنَبِيّ عن أبِيهِ، رَوَاهُ ابنُ وَهْبٍ وَعُثْمانُ بنُ عُمَرَ عن مَالِكٍ كما قالَ الْقَعْنَبِيّ.
ـــــــ
تكن الطريق آمناً ذكره الزرقاني والله أعلم. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي. وفي حديث البخاري يوم وليلة. انتهى كلامه. وقوله في الحديث تسافر هكذا الرواية بدون أن نظير قولهم تسمع بالمعيدي خير من أن تراه فتسمع موضعه رفع على الإبتداء وتسافر موضعه رفع على الفاعلية فيجوز رفعه ونصبه بإضمار أن. قاله الحافظ ولي العراقي. وقوله مسيرة مصدر ميمي بمعنى السير كمعيشة بمعنى العيش وليست التاء فيه للمرة.
-"قال الحسن" ابن علي وحده في حديثه دون عبد الله بن مسلمة القعنبي والنفيلي "عن أبيه" أي سعيد بن أبي سعيد عن أبيه أبي سعيد بن أبي هريرة، وأما القعنبي والنفيلي فقال عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة بحذف لفظ عن أبيه بين سعيد وأبي هريرة "ثم اتفقوا" أي القعنبي والنفيلي والحسن كلهم "عن أبي هريرة" أي جعل كلهم من مسندات أبي هريرة وإنما الاختلاف في زيادة لفظ عن أبيه "فذكر معناه" أي ذكر مالك معنى حديث الليث. ولفظ مسلم من طريق مالك "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم عليها" قال المنذري: وأخرجه مسلم وابن ماجه وأخرجه البخاري متابعة انتهى. "قال النفيلي حدثنا مالك" وأما القعنبي فقال عن مالك "والقعنبي" هو عبد الله بن مسلمة "عن أبيه" أي لفظ عن أبيه بين سعيد بن أبي سعيد وأبي هريرة "واه ابن وهب" هو عبد الله بن وهب بن مسلم "وعثمان بن عمر" بن فارس كلاهما "عن مالك" بحذف عن أبيه "كما قال القعنبي" أي كما روى القعنبي من جهة مالك بحذف لفظ عن أبيه.
قال النووي في شرح مسلم تحت حديث مالك هكذا أي بإثبات عن أبيه وقع هذا الحديث في نسخ بلادنا عن سعيد عن أبيه. قال القاضي وكذا وقع في النسخ عن الجلودي وأبي العلاء والكسائي، وكذا رواه مسلم عن قتيبة عن الليث عن سعيد عن أبيه، وكذا رواه الشيخان من رواية ابن أبي ذئب عن سعيد عن أبيه. واستدرك الدارقطني عليهما وقال الصواب عن سعيد عن أبي هريرة من غير ذكر أبيه، واحتج بأن مالكا ويحيى بن أبي كثير وسيهلا قالوا عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ولم يذكروا عن أبيه، وكذا رواه معظم رواة الموطأ عن مالك،

(5/104)


1722 - حدثنا يُوسُفُ بنُ مُوسَى عن جَرِيرٍ عن سُهَيْلٍ عن سَعِيدِ بنِ أبي سَعِيدٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، وَذَكَرَ نَحْوَهُ إِلاّ أَنّهُ قال: "بَرِيداً".
1723 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ وَ هَنّادٌ أَنّ أَبَا مُعَاوِيَةَ وَ وَكِيعاً حَدّثَاهُمْ [حَدّثَاهُما] عن الأَعمَشِ عن أبي صَالِحٍ عن أبي سَعِيدٍ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا يَحِلّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بالله وَالْيَوْمِ الآخر أنْ تُسَافِرَ سَفَراً فَوْقَ ثَلاَثَةِ أَيّامِ فَصَاعِداً إِلاّ وَمَعَهَا أَبُوهَا أوْ أخُوهَا أوْ زَوْجُهَا أوْ ابْنُهَا أوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا" .
ـــــــ
ورواه الزهراني والفروي عن مالك فقالا عن سعيد عن أبيه، وكذا رواه الترمذي في النكاح عن الحسن بن علي بن بشر بن عمر بن مالك عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة، ورواه أبو داوود من جهة مالك وسهيل كلاهما عن سعيد عن أبي هريرة، فحصل اختلاف ظاهر بين الحفاظ في ذكر أبيه فلعله سمعه من أبيه عن أبي هريرة ثم سمعه من أبي هريرة نفسه فرواه تارة كذا وتارة كذا، وسماعه من أبي هريرة صحيح معروف انتهى كلام النووي ملخصاً.
وقال الزرقاني في شرح الموطأ: وأجيب بأن هذا اختلاف لا يقدح، فإن سماع سعيد من أبي هريرة صحيح معروف فلعله سمعه من أبي هريرة نفسه فحدث به على الوجهين، وبهذا ابن حبان فقال سمع هذا الخبر سعيد المقبري عن أبي هريرة وسمعه من أبيه عن أبي هريرة فالطريقان جميعاً محفوظان انتهى. ويؤيده أن سعيداً ليس بمدلس فالحديث صحيح على كل حال انتهى.
"وذكر" أي سهيل "نحوه" أي نحو حديث مالك "إلا أنه قال بريداً" أي لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر بريداً إلا مع ذي محرم. قال النووي: والبريد مسيرة نصف يوم. وقال ابن الأثير: هو أربعة فراسخ والفرسخ ثلاثة أميال والميل أربعة آلاف ذارع انتهى.
"لا يحل" نفي معناه نهي "فصاعداً" هو منصوب على الحال. قال ابن مالك في شرح التسهيل: هو بحذف عامله وجوباً أي فارتقى ذلك صاعداً أو فذهب صاعداً "ذو محرم" بفتح الميم أي حرام "منها" بنسب أو صهر أو رضاع، إلا أن مالكاً كره تنزيهاً سفرها مع ابن زوجها لفساد الزمان وحداثة الحرمة ولأن الداعي إلى النفرة عن امرأة الأب ليس كالداعي إلى النفرة عن سائر المحارم، والمرأة فتنة إلا فيما جبلت عليه النفوس من النفرة عن محارم النسب. وقوله أو زوجها وفي معناه السيد ولو لم يرد ذكر الزوج لقيس على المحرم قياساً جلياً. ولفظ امرأة عام في جميع النساء، ونقل عياض عن بعضهم أنه في الشابة أما الكبيرة التي لا تشتهى فتسافر في كل الأسفار بلا زوج ولا محرم. قال ابن دقيق العيد: وهو تخصيص للعموم بالنظر إلى

(5/105)


1724 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلَ أخبرنا يَحْيى بنُ سَعِيدٍ عن عُبَيْدِالله حَدّثَني نَافِعٌ عن ابنِ عُمَرَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "لاَ تُسَافِرُ المَرَأَةُ ثَلاَثاً إِلاّ وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ" .
1725 - حدثنا نَصْرُ بنُ عَلِيَ أخبرنا أبُو أَحْمَدَ أخبرنا سُفْيَانُ عن عُبَيْدِالله عن نَافِعٍ: أَنّ ابنَ عُمَرَ كَانَ يُرْدِفُ مَوْلاَةً لَهُ يُقالُ لَها صَفِيّةُ تُسَافِرُ مَعَهُ إِلَى مَكّةَ".
ـــــــ
المعنى. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي وابن ماجه وأخرجه البخاري ومسلم من حديث قزعة بن يحيى عن أبي سعيد بنحوه انتهى.
ثلاثاً" أي ثلاثة أيام. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم.
"كان يردف" الرديف الذي تحمله خلفك على ظهر الدابة "مولاة له" أي أمة لابن عمر، والسيد في حكم الزوج كما تقدم: والحديث سكت عنه المنذري.

(5/106)


3 - باب لا صرورة في الإسلام
1726 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا أبُو خَالِدٍ - يَعْني سُلَيْمانَ بنَ حَيّانَ اْلأَحْمَرَ - عن ابن جُرَيْجٍ عن عُمَرَ بنِ عَطَاءٍ - يَعْني ابنَ أبي خَوارٍ - عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ صَرُورَةَ في اْلإِسْلاَمِ".
ـــــــ
باب لا صرورة في الإسلام
بفتح الصاد المهملة المفتوحة وضم الراء وإسكان الواو وفتح الراء وهو الذي لم يحج قط وهو نفي معناه النهي أو الذي انقطع عن النكاح على طريق الرهبان. وفي الموطأ قال مالك في الصرورة من النساء التي تحج قط إن لم يكن لها ذو محرم يخرج معها أو كان لها فلم يستطع أن يخرج معها أنها لا تترك فريضة الله عليها في الحج ولتخرج في جماعة النساء انتهى-وفي النهاية: "لا صرورة في الإسلام" قال أبو عبيد: هو في الحديث التبتل وترك النكاح والصرورة أيضاً الذي لم يحج قط وأصله من الصر الحبس والمنع وقيل أراد من قَتَل في الحرم قُتِل ولا يُقْبَل منه أن يقول إني صرورة ما حججت ولا عرفت حرمة الحرم، كان الرجل في الجاهلية إذا أحدث حدثاً فلجأ إلى الكعبة لم يُهج فكان إذا لقيه ولي الدم في الحرم قيل له هو صرورة فلا تهجه انتهى كلام الخطابي. الصرورة تفسر تفسيرين أحدهما أن الصرورة هو الرجل الذي قد انقطع عن النكاح وتبتل على مذهب رهبانية النصارى، و الآخر أن الصرورة هو الرجل الذي لم

(5/106)


4 - باب التزود في الحج
1727 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ الْفُرَاتِ - يَعْنِي أبَا مَسْعُودٍ الرّازِيّ - وَ مُحمّدُ بنُ عبد الله المُخَرّمِيّ - وَهَذَا لَفْظُهُ - قالا أخبرنا شَبَابَةُ عن [حدثنا] وَرْقَاءَ عن عَمْرِو بن دِينَارٍ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ قال:كَانُوا يَحُجّونَ وَلا يَتَزَوّدُونَ. قال أبُو مَسْعُودٍ: كَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ أوْ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ يَحُجّونَ وَلا يَتَزَوّدُونَ وَيقُولُونَ نَحْنُ المَتَوَكّلُونَ، فأنْزَلَ الله عَزّوَجلّ: {وَتَزَوّدُوا فإنّ خَيْرَ الزّادِ التّقْوَى} ".
ـــــــ
باب التزود في الحج
"يحجون" أي يقصدون الحج "ولا يتزودون" أي لا يأخذون الزاد معهم مطلقاً أو يأخذون مقدار ما يحتاجون إليه في البرية "نحن المتوكلون" والحال أنهم المتآكلون أو المعتمدون على الناس يقولون نحج بيت الله ولا يطعمنا وسألوا في مكة كما سألوا في الطريق "وتزودوا" أي خذوا زادكم من الطعام واتقوا الاستطعام والتثقيل على الأنام "فإن خير الزاد التقوى" أي الذي يتقي صاحبه عن السؤال: فمن التقوى الكف عن السؤال والإبرام. ومفعول تزودوا محذوف هو التقوى ولما حذف مفعوله أتى بخبر إن ظاهراً ليدل على المحذوف ولولا المحذوف لأتى مضمراً، كذا في جامع البيان. قال في المرقاة: ففي الآية والحديث إشارة إلى أن ارتكاب الأسباب لا ينافي التوكل بل هو الأفضل، وأما من أراد التوكل المجرد فلا حرج عليه إذا كان مستقيماً في حاله غير مضطرب حيث لا يخطر الخلق بباله. قال المنذري: وأخرجه البخاري والنسائي.

(5/106)


5 - باب التجارة في الحج
1728 - حدثنا يُوسُفُ بنُ مُوسَى أخبرنا جَرِيرٌ عن يَزِيدِ بنِ أبي زِيَادٍ عن مُجَاهِدٍ عن عبد الله بنِ عَبّاسٍ قال: قَرَأَ هَذِهِ الآية {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبّكُم}
ـــــــ
باب التجارة في الحج
{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} إثم {أَنْ تَبْتَغُوا} أي في أن تبتغوا {فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ} عطاء ورزقا منه

(5/107)


قال: كَانُوا لا يَتّجِرُونَ بِمِنًى فأُمِرُوا بالتّجَارَةِ إذَا أفاضُوا مِنْ عَرَفاتٍ.
ـــــــ
بالتجارة. وكان المسلمون كرهوا التجارة في الحج فنزلت "فأمروا" بصيغة المجهول وهذا أمر إرشاد لا أمر إيجاب "أفاضوا" أي رجعوا. قال المنذري: في إسناده يزيد بن أبي زياد وقد تكلم فيه جماعة من الأئمة وأخرجه له مسلم في المتابعة انتهى.

(5/108)


6 - باب
1729 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا أبُو مُعَاوِيَةَ مُحمّدُ بنُ خَازِمٍ عن الأَعْمَشِ عن الْحَسَنِ بنِ عَمْرٍو عن مِهْرَانَ أبي صَفْوانَ عن ابنِ عَبّاسٍ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَرَادَ الْحَجّ فَلْيَتَعَجّلْ" .
7 - باب الكري
1730 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا عبد الْوَاحِدِ بنُ زِيَادٍ أخبرنا الْعَلاَءَ بنُ المُسَيّبِ أخبرنا أبُو أُمَامَةَ التّيْمِيّ قال:كُنْتُ رَجُلاً أُكْرِي في هَذَا الْوَجْهِ وكَانَ نَاسٌ يَقُولُونَ إِنّهُ لَيْسَ لَكَ
ـــــــ
باب
"من أراد الحج فليتعجل" زاد البيهقي "فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له من مرض أو حاجة" وفي لفظ "فإنه قد يمرض وتضل الضالة وتعرض الحاجة" وفيه دليل على أن الحج واجب على الفور وإلى القول بالفور ذهب مالك وأبو حنيفة وبعض أصحاب الشافعي. وقال الشافعي والأوزاعي وأبو يوسف ومحمد: إنه على التراخي واحتجوا بأنه صلى الله عليه وسلم حج سنة عشر وفرض الحج كان سنة ست أو خمس.
وأجيب بأنه قد اختلف في الوقت الذي فرض فيه الحج ومن جملة الأقوال أنه فرض في سنة عشر فلا تأخير، ولو سلم أنه فرض قبل العاشرة فتراخيه صلى الله عليه وآله وسلم إنما كان لكراهة اختلاط في الحج بأهل الشرك لأنهم كانوا يحجون ويطوفون بالبيت عراة، فلما طهر الله البيت الحرام منهم حج صلى الله عليه وآله وسلم، فتراخيه لعذر. ومحل النزاع التراخي مع عدمه، ذكره في نيل الأوطار. قال المنذري: فيه مهران أبو صفوان. قال أبو زرعة الرازي: لا أعرفه إلا في هذا الحديث.

(5/108)


7 - باب الكري
1730 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا عبد الْوَاحِدِ بنُ زِيَادٍ أخبرنا الْعَلاَءَ بنُ المُسَيّبِ أخبرنا أبُو أُمَامَةَ التّيْمِيّ قال:كُنْتُ رَجُلاً أُكْرِي في هَذَا الْوَجْهِ وكَانَ نَاسٌ يَقُولُونَ إِنّهُ لَيْسَ لَكَ
ـــــــ
باب الكري
"أكري في هذا الوجه" أي سفر الحج "ليس لك حج" أي لا يصح حجك مع الكراء "قال

(5/108)


8 - باب في الصبي يحج
1733 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلَ أخبرنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن إِبراهِيمَ بن عُقْبَةَ عن كُرَيْبٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قال:كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بالرّوْحَاءِ فَلَقِيَ رَكْباً فَسَلّمَ عَلَيْهِمْ فَقال [فَقالُوا]: "مَنِ الْقَوْمُ"؟ فَقالُوا: المُسْلِمُونَ، فَقالُوا فَمَنْ أَنْتُمْ؟ قالُوا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فَفَزِعَتْ امْرَأَةٌ فَأَخَذَتْ بِعَضُدِ صَبِيَ فاخْرَجَتْهُ مِنْ مِحَفّتِهَا. فَقالَتْ يا رسول الله هَلْ لِهَذَا حَجّ؟ قالَ "نَعَمْ وَلَكِ أَجْرٌ" .
ـــــــ
باب في الصبي يحج
"بالروحاء" بفتح الراء موضع من أعمال الفرع على نحو من أربعين ميلا من المدينة. وفي كتاب مسلم ستة وثلاثين ميلا منها "فلقي ركباً" بفتح الراء وسكون الكاف جمع راكب أو اسم جمع كصاحب وهو العشرة فما فوقها من أصحاب الإبل في السفر دون بقية الدواب ثم اتسع لكل جماعة "فقال من القوم" بالاستفهام "فأخرجته من محفتها" بكسر الميم وتشديد الفاء مركب من مراكب النساء كالهودج إلا أنها لا تقبب كما تقبب الهودج، كذا في الصحاح "قال نعم ولك أجر" قال الخطابي: إنما كان له الحج من ناحية الفضيلة دون أن يكون محسوباً عن فرضه لو بقي حتى بلغ ويدرك مدرك الرجال، وهذا كالصلاة يؤمر بها إذا أطاقها وهي غير واجبة عليه وجوب فرض ولكن يكتب له أجرها تفضلا من الله سبحانه وتعالى ويكتب لمن يأمره بها ويرشده إليها أجر فإذا كان له حج فقد علم أن من سننه أن يوقف به المواقف ويطاف به حول البيت محمولا إن لم يطق المشي وكذلك السعي بين الصفا والمروة ونحوها من أعمال الحج. وفي معناه المجنون إذا كان ميؤوساً من إفاقته. وفي ذلك دليل على أن حجه إذا فسد ودخله نقص فإن جبرانه واجب عليه كالكبير، وإن اصطاد صيداً لزمه الفداء كما يلزم الكبير وفي

(5/110)


....................................
ـــــــ
وجوب هذه الغرامات عليه في ماله كما يلزمه لو تلف مالا لإنسان فيكون غرمه في ماله أو وجوبها على وليه إذا كان هو الحامل له على الحج والنائب عنه في ذلك نظر وفيه اختلاف بين الفقهاء. وقال بعض أهل العراق: لا يحج الصبي الصغير، والسنة أولى ما اتبع انتهى. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي.

(5/111)


9 - باب في المواقيت
1734 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ [عبد الله بن مسلمة] عن مَالِكٍ ح. وَحدثنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ أخبرنا مالِكٌ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ قالَ: وَقّتَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلأَهْلِ الشّامِ الْجُحْفَةَ، وَلأهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ، وَبَلَغَنِي أَنّهُ وَقّتَ لأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ .
ـــــــ
باب في المواقيت
"عن ابن عمر قال وقت" أي اجعل ميقاتاً للإحرام، والمراد بالتوقيت هنا التحديد ويحتمل أن يريد به تعليق الإحرام بوقت الوصول إلى هذه الأماكن بالشرط المعتبر. وقال القاضي عياض: وقت أي حدّد. قال الحافظ: وأصل التوقيت أن يجعل للشيء وقت يختص به وهو بيان مقدار المدة ثم اتسع فيه فأطلق على المكان أيضاً. قال ابن الأثير: التأقيت أن يجعل للشيء وقت يختص به وهو بيان مقدار المدة، يقال وقت الشيء بالتشديد يؤقته ووقته بالتخفيف يقته إذا بيّن مدته، ثم اتسع فيه فقيل للموضع ميقات. وقال ابن دقيق العيد : إن التأقيت في اللغة تعليق الحكم بالوقت ثم استعمل للتحديد والتعيين، وعلى هذا فالتحديد من لوازم الوقت، وقد يكون وقت بمعنى أوجب ومنه قوله تعالى {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً} "لأهل المدينة ذا الحليفة" بالحاء المهملة والفاء مصغراً. قال في الفتح: مكان معروف بينه وبين مكة مائتا ميل غير ميلين، قاله ابن حزم. وقال غيره: بينهما عشر مراحل. قال النووي: بينها وبين المدينة ستة أميال، ووهم من قال بينهما ميل واحد وهو ابن الصباغ، وبها مسجد يعرف بمسجد الشجرة خراب وفيها بئر يقال لها بئر علي انتهى. "الجحفة" بضم الجيم وسكون المهملة. قال في الفتح: وهي قرية خربة بينها وبين مكة خمس مراحل أو ست. وفي قول النووي في شرح المهذب ثلاث مراحل نظر. وقال في القاموس: هي على اثنين وثمانين ميلا من مكة وبها غدير خم كما قال صاحب النهاية "ولأهل نجد قرن" بفتح القاف وسكون الراء بعدها نون وضبطه صاحب الصحاح بفتح الراء وغلطه القاموس وحكى النووي الاتفاق

(5/111)


1735 - حدثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ أخبرنا حَمّادٌ عن عُمَرِو بن دِينَارٍ عن طَاوُوسٍ عن ابن عَبّاس وَعن ابنِ طاوُوسٍ عن أبِيهِ قالا: وَقّتَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِمَعْناهُ، وَقالَ أَحَدُهُمَا: وَلأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، وَقالَ أَحَدُهُما: أَلَمْلَمَ، قالَ فَهُنّ لَهُمْ. وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنّ، مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنّ مِمّنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَجّ وَالْعُمَرْةَ، وَمَنْ كانَ دُونَ ذَلِكَ. قَالَ ابنُ طَاووسٍ مِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ. قَالَ وَكَذَلِكَ حَتّى أَهْلَ مَكّةَ يُهِلّونَ مِنْهَا.
1736 - حدثنا هِشَامُ بنُ بَهْرَامَ المَدَائِنِيّ أخبرنا المُعَافَى بنُ عِمْرَانَ عن أَفْلَحَ - يَعْني ابنَ حُمَيْدٍ - عن الْقَاسِمِ بنِ مُحمّدٍ عنْ عَائِشَةَ:أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم وَقّتَ لأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ.
ـــــــ
على تخطئته وقيل إنه بالسكون الجبل وبالفتح الطريق حكاه عياض عن القابسي. قال في الفتح: والجبل المذكور بينه وبين مكة من جهة المشرق مرحلتان "يلملم" بفتح التحتانية واللام وسكون الميم بعدها لام مفتوحة ثم ميم. قال في القاموس: ميقات أهل اليمن على مرحلتين من مكة. وقال في الفتح كذلك وزاد بينهما ثلاثون ميلاً. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.
"عن ابن طاووس" هو عبد الله بن طاووس "عن أبيه" طاووس عن ابن عباس مرفوعاً كما عند البخاري "قالا" أي عمرو بن دينار وعبد الله بن طاووس بإسنادهما "بمعناه" أي بمعنى حديث نافع "وقال أحدهما" أي عمرو ابن دينار أو ابن طاووس "الملم" بالهمزة وهو الأصل "فهن" أي المواقيت المذكورة وهي ضمير جماعة المؤنث وأصله لما يعقل وقد يستعمل فيلا لا يعقل لكن فيما دون العشرة كذا في الفتح "لهم" أي لأهل البلاد المذكورة "ولمن أتى عليهن" أي على المواقيت من غير أهل البلاد المذكورة، فإذا أراد الشامي الحج فدخل المدينة فميقاته ذو الحليفة لاجتيازه عليها ولا يؤخر حتى يأتي الجحفة التي هي ميقاته الأصلي فإن أخّر أساء ولزمه دم عند الجمهور، وادعى النووي الإجماع على ذلك، وتعقب بأن المالكية يقولون يجوز له ذلك وإن كان الأفضل خلافه، وبه قالت الحنفية وأبو ثور وابن المنذر من الشافعية، وهكذا ما كان من البلدان خارجاً عن البلدان المذكورة فإن ميقات أهلها الميقات الذي يأتون عليه "ومن كان دون ذلك" مبتدأ أي داخل هذه المواقيت أي بين الميقات ومكة "من حيث أنشأ" خبر المبتد أي يهل من حيث أنشأ سفره. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"وقت لأهل العراق ذات عرق" بكسر العين المهملة وسكون الراء بعدها قاف بينه وبين

(5/112)


1737 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ مُحمّدِ بنِ حَنْبَلٍ أخبرنا وَكِيعٌ أخبرنا سُفْيَانُ عن يَزِيدَ بنِ أبي زِيَادٍ عن مُحمّدِ بنِ عَلِيَ بنِ عبد الله بن عَبّاسٍ عن ابنِ عبّاسٍ قال: وَقّتَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لأَهْلِ المَشْرِقِ الْعَقِيقَ.
ـــــــ
مكة مرحلتان وسمي بذلك لأن فيه عرقا وهو الجبل الصغير وهي والعقيق متقاربان لكن العقيق قبيل ذات عرق، وفي صحة الحديث مقال، والأصح عند الجمهور أن النبي صلى الله عليه وسلم ما بين لأهل المشرق ميقاتاً وإنما حد لهم عمر رضي الله عنه حين فتح العراق. وقال الشافعي : ينبغي أن يحرم من العقيق احتياطاً وجمعاً بين الحديثين. قاله الطيبي. قال الكرماني: اختلفوا في أن ذات عرق صارت بتوقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أم باجتهاد عمر رضي الله عنه والأصح هو الثاني كما هو لفظ الصحيح وعليه نص الشافعي انتهى. وصححه العلامة العيني الأول وبسط الكلام في شرح البخاري. قال المنذري: وأخرجه النسائي وأخرج مسلم من حديث أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل عن المهل فقال أحسبه رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث وفيه: ومهل أهل العراق من ذات عرق، وأخرجه ابن ماجه من حديث إبراهيم بن يزيد الخوزي عن أبي الزبير عن جابر قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره جازماً به غير أن إبراهيم هذا لا يحتج بحديثه وفي صحيح البخاري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حد لهم ذات عرق، وكان الإمام أحمد بن حنبل ينكر هذا الحديث مع غيره على أفلح بن حميد أعني حديث عائشة في ذات عرق.
"لأهل المشرق العقيق" قال الخطابي: الحديث في العقيق أثبت منه في ذات عرق والصحيح أن عمر بن الخطاب وقتها لأهل العراق بعد أن فتحت العراق وكان ذلك على التقدير على موازاة قرن لأهل نجد وكان الشافعي يستحب أن يحرم أهل العراق من العقيق فإذا أحرموا من ذات عرق أجزأهم، وقد تابع الناس في ذلك عمر رضي الله عنه إلى زماننا هذا انتهى. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال هذا حديث حسن. هذا آخر كلامه، وفي إسناده يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف وذكر البيهقي أنه تفرد به.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وقال ابن القطان علته الشك في اتصاله فإن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس يرويه عن ابن عباس ومحمد بن علي إنما هو معروف في الرواية عن أبيه عن جده ابن عباس وفي صحيح مسلم حدثنا حبيب بن أبي ثابت عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن عبد الله بن عباس أنه رقد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث وحديثه عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل كتفا أو لحما ثم

(5/113)


1738 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ أخبرنا ابنُ أبي فُدَيْكٍ عن عبد الله بنِ عبد الرّحْمَنِ بن يُحَنّسَ عن يَحْيَى بنِ أبي سفْيَانَ الأَخْنَسِيّ عن جَدّتِهِ حُكَيْمَةَ عنْ أُمّ سَلَمَةَ زَوْجِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أَنّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنْ أَهَلّ بِحَجّةٍ أوْ عُمْرَةٍ مِنَ المَسْجِدِ الأَقْصَى إلَى المَسْجِدِ الْحَرَامِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخّرَ أوْ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنّةُ" شَكّ عبد الله أَيّتَهُمَا قالَ.
قال أَبُو دَاوُد: يَرْحَمُ الله وَكِيعاً، أَحْرَمَ مِنْ بَيْتِ المَقْدِسِ يَعْنِي إلَى مَكّةَ.
1739 - حدثنا أبُو مَعْمَرٍ عبد الله بنُ عَمْرِو بنِ أبي الْحَجّاجِ أخبرنا عبد الْوَارِثِ أخبرنا عُتْبَةُ بنِ عبد المَلِكِ السّهْمِيّ حَدّثَني زُرَارَةُ بنُ كَرَيْمٍ أنْ الْحَارِثَ بنَ عَمْرِو السّهْمِيّ حَدّثَهُ قَالَ: أتَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ بِمِنًى أوْ بِعَرَفَاتٍ، وَقَدْ أطَافَ بِهِ النّاسُ. قالَ: فَتَجِيءُ الأَعْرَابُ فإذَا رَأَوْا وَجْهَهُ قالُوا هَذَا وَجْهٌ مُبَارَكٌ. قالَ وَقّتَ ذَاتَ عِرْقٍ لأَهْلِ الْعِرَاقِ".
ـــــــ
"ابن يحنس" بضم أوله وفتح المهملة وتشديد النون المفتوحة ثم مهملة "من أهل" أي أحرم "بحجة أو عمرة" أو للتنويع "غفر ما تقدم من ذنبه وما تأخر" أي من الصغائر ويرجى الكبائر "أو وجبت" أي ثبتت "له الجنة" أي ابتداء وأو للشك وفيه إشارة إلى أن موضع الإحرام متى كان أبعد كان الثواب أكثر. قال الخطابي: فيه جواز تقديم الإحرام على الميقات من المكان البعيد مع الترغيب فيه وقد فعله غير واحد من الصحابة. ذكر ذلك جماعة وأنكر عمر بن الخطاب على عمران بن حصين إحرامه من البصرة وكرهه الحسن البصري وعطاء بن أبي رباح ومالك بن أنس. وقال أحمد بن حنبل : وجه العمل المواقيت وكذلك قال إسحاق قلت: ويشبه
ـــــــ
صلى ولم يمس ماء ذكره البزار وقال ولا أعلم روى عن جده إلا هذا الحديث يعني وقت لأهل السرق الخ وأخاف أن يكون منقطعا ولم يذكر البخاري ولا ابن أبي حاتم أنه روى عن جده وقال مسلم في كتاب التمييز لم يعلم له سماع من جده ولا أنه لقيه.
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله: هذا الحديث حديث أم سلمة قال غير واحد من الحفاظ إسناده ليس بالقوي وقد سئل عبد الله بن عبدالرحمن بن يحنس هل قال "ووجبت له الجنة" أو قال أو وجبت بالشك بدل قوله "غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر" هذا هو الصواب بأو وفي كثير من النسخ ووجبت بالواو وهو غلط والله أعلم.

(5/114)


....................................
ـــــــ
أن يكون عمر رضي الله عنه إنما أنكر ذلك شفقاً أن يعرض للمحرم إذا بعدت المسافة آفة تفسد إحرامه ورأى أن ذلك في أقصر المسافة أسلم والله أعلم. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه ولفظه "من أهل بعمرة من بيت المقدس غفر له" وفي رواية "من أهل بعمرة من بيت المقدس كانت كفارة لما قبلها من ذنوب" وقد اختلف الرواة في متنه وإسناده اختلافاً كثيراً.
"ووقت" حكى الأثرم عن أحمد أنه سئل في أيّ سنة وقت النبي صلى الله عليه وسلم المواقيت، فقال عام حجّ. قال المنذري: وأخرجه النسائي وقال البيهقي: في إسناده من هو غير معروف.

(5/115)


10 - باب الحائض تهل بالحج
1740 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ أخبرنا عبد ةُ عن عُبَيْدِ الله عن عبد الرّحْمَنِ بن الْقَاسِمِ عن أبِيهِ عن عَائِشَةَ قالَتْ: نُفِسَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ بِمُحَمّدِ بنِ أبي بكْرٍ بالشّجَرَةِ فأَمَرَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أبا بَكْرٍ أنْ تَغْتَسِلَ وَتُهِلّ .
1741 - حدثنا مُحمّدُ بنُ عِيسَى وَ إِسْمَاعِيلُ بنُ إِبراهِيمَ أبُو مَعْمَرِ قالا أخبرنا مَرْوَانُ بنُ شُجَاعٍ عن خُصَيْفٍ عن عِكْرِمَةَ وَ مُجَاهِدٍ وَ عَطَاءٍ عن ابنِ عَباسٍ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: " الْحَائِضُ وَالنّفَسَاءُ إذَا أتَتَا [أتَيا - أتوا] عَلَى الْوَقْتِ تَغْتَسِلاَنِ وَتُحْرِمَانِ وَتَقْضِيَانِ المَنَاسِكَ كُلّهَا غَيْرَ الطّوَافِ بالْبَيْتِ" .
ـــــــ
باب الحائض تهل بالحج
"عن عائشة قالت نفست" بصيغة المجهول أي ولدت محمد بن أبي بكر "أسماء بنت عميس" إحدى زوجات أبي بكر الصديق. قال النووي: قولها نفست أي ولدت وبكسر الفاء لا غير، وفي النون لغتان المشهورة ضمها والثانية فتحها، سمي نفاساً لخروج النفس وهي المولود والدم أيضاً، وفيه صحة إحرام النفساء والحائض واستحباب اغتسالهم للإحرام وهو مجمع على الأمر به، لكن مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة والجمهور أنه مستحب. وقال الحسن: وأهل الظاهر هو واجب والحائض والنفساء يصح منهما أفعال الحج إلا الطواف وركعتيه لقوله صلى الله عليه وسلم: "اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي" وفيه أن ركعتي الإحرام سنة ليستا بشرط لصحة الحج لأن أسماء لم تصلهما "بالشجرة" وفي رواية عند مسلم بذي الحليفة، وفي رواية بالبيداء، هذه المواضع الثلاثة متقاربة فالشجرة بذي الحليفة وأما البيداء فهي طرف ذي الحليفة. قال القاضي: يحتمل أنها نزلت بطرف البيداء لتبعد عن الناس وكان منزل النبي صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة حقيقة وهناك بات وأحرم فسمي منزل الناس كلهم منزل باسم إمامهم "تهل" أي تحرم. قال

(5/115)


قالَ أبُو مَعْمَرٍ في حَدِيثهِ: "حَتّى تَطْهُرَ". وَلَمْ يَذْكُرِ ابنُ عِيسَى عِكْرِمَةَ وَمُجَاهِداً.
قالَ عنْ عَطَاءٍ عنِ ابنِ عَبّاسٍ وَلَمْ يَقُلْ ابنُ عِيسَى كُلّهَا قالَ: "المَنَاسِكَ إِلاّ الطّوَافَ بالْبَيْتِ".
ـــــــ
المنذري: وأخرجه مسلم وابن ماجه.
"على الوقت" أي الميقات "قال أبو معمر" هو إسماعيل بن إبراهيم. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال غريب من هذا الوجه هذا آخر كلامه وفي إسناده خصيف وهو ابن عبد الرحمَن الحراني كنيته أبو عون وقد ضعفه غير واحد.

(5/116)


11 - باب الطيب عند الإحرام
1742 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ [حدثنا الْقَعْنَبِيّ عنْ مَالِكٍ ح وَحدثنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ حدثنا مالك] وَحدثنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ قالا أخبرنا مَالِكٌ عن عبد الرّحْمَنِ بنِ الْقَاسِمِ عنْ أبِيهِ عنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أُطَيّبُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلإِحْلاَلِهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بالْبَيْتِ.
ـــــــ
باب الطيب عند الإحرام
"كنت أطيب" أي أعطر "لإحرامه" أي لأجل دخوله في الإحرام أو لأجل إحرام حجه "ولإحلاله" أي لخروجه من الإحرام وهو الإحلال الذي يحل به كل محظور وهو طواف الزيارة ويقال له طواف الإفاضة وقد كان حل بعض الإحلال وهو بالرمي الذي يحل به الطيب وغيره ولا يمنع بعده إلا من النساء وظاهر هذا أنه قد فعل الحلق والرمي وبقى الطواف كذا في السبل "قبل أن يطوف بالبيت" أي طواف الإفاضة وهو متعلق بحله وفيه دليل على أن الطيب يحل بالتحلل الأول خلافاً لمن ألحقه بالجماع قاله في المرقاة. وقال في سبل السلام: فيه دليل على استحباب التطيب عند إرادة فعل الإحرام وجواز استدامته بعد الإحرام وأنه لا يضر بقاء لونه وريحه وإنما يحرم ابتداؤه في حال الإحرام، وإلى هذا ذهب جماهير الأمة من الصحابة والتابعين، وذهب جماعة منهم إلى خلافه وتكلفوا لهذه الرواية ونحوها بما لا يتم به مدعاهم، فإنهم قالوا إنه صلى الله عليه وسلم تطيب ثم اغتسل بعده فذهب الطيب. قال النووي في شرح مسلم بعد ذكره: الصواب ما قاله من أنه يستحب للإحرام لقولها لإحرامه. ومنهم من زعم أن ذلك خاص به صلى الله عليه وآله وسلم ولا يتم ثبوت الخصوصية إلا بدليل عليها بل الدليل قائم على خلافها وهو ما ثبت من حديث عائشة "كنا ننضح وجوهنا بالطيب المسك قبل أن نحرم فنعرق فنغسل وجوهنا ونحن

(5/116)


1743 - حدثنا مُحمّدُ بنُ الصّبّاحِ الْبَزّازُ أخبرنا إِسْمَاعِيلُ بنُ زَكَرِيّا عن الْحَسَنِ بنِ عُبَيْدِالله عن إِبراهِيمَ عن الأَسْوَدِ عن عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا قَالَتْ :كَأَنّي أَنْظُرُ إلَى وَبِيصِ المِسْكِ [الطيب] في مَفْرَقِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ مُحْرِمٌ.
ـــــــ
مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلا ينهانا" رواه أبو داوود وأحمد بلفظ: "كنا نخرج مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى مكة فنضمخ جباهنا بالمسك الطيب عند الإحرام فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها فيراه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلا ينهانا" ولا يقال هذا خاص بالنساء لأن الرجال والنساء في الطيب سواء بالإجماع، والطيب يحرم بعد الإحرام لا قبله وإن دام حاله فإنه كالنكاح لأنه من دواعيه والنكاح إنما يمنع المحرم من ابتدائه لا من استدامته فكذلك الطيب، لأن الطيب من النظافة من حيث أنه يقصد به دفع الرائحة الكريهة كما يقصد بالنظافة إزالة ما يجمعه الشعر والظفر من الوسخ، ولذا استحب أن يأخذ قبل الإحرام من شعره وأظفاره لكونه ممنوعاً منه بعد الإحرام وإن بقي أثره بعده. أما حديث مسلم في الرجل الذي جاء يسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم كيف يصنع في عمرته وكان الرجل قد أحرم وهو متضمخ بالطيب فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات" الحديث فقد أجيب عنه بأن هذا السؤال والجواب كانا بالجعرانة في ذي القعدة سنة ثمان وقد حج صلى الله عليه وآله وسلم سنة عشر واستدام الطيب وإنما يؤخذ بالآخر من أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأنه يكون ناسخاً للأول انتهى. وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
-"كأني أنظر" قال الحافظ: أرادت بذلك قوة تحققها لذلك بحيث أنها لشدة استحضارها له كأنها ناظرة إليه "وبيص" بالموحدة المكسورة وآخره صاد مهملة هو البريق. وقال الإسماعيلي: إن الوبيص زيادة على البريق وإن المراد به التلألؤ، وإنه يدل على وجود عين قائمة لا الريح فقط "في مفرق" هو المكان الذي يفرق فيه الشعر في وسط الرأس. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.

(5/117)


12 - باب التلبيد
1744 - حدثنا سُلَيْمانُ بنُ دَاوُدَ المَهْرِيّ أخبرنا [أنبأنا] ابنُ وَهْبٍ أخبرَني يُونُسُ عن ابنِ شِهَابٍ عنْ سَالِمٍ - يَعْنِي ابنَ عبد الله - عنْ أبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يُهِلّ مُلَبّداً.
ـــــــ
- باب التلبيد
-"يهل ملبداً" أي يحرم بالتلبيد، والتلبيد أن يجعل المحرم في رأسه صمغاً أو غيره

(5/117)


1745 - حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ عُمَرَ أخبرنا عبد الأَعْلَى أخبرنا مُحمّدُ بنُ إِسْحَاقَ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لَبّدَ رَأْسَهُ بِالْعَسَلِ.
ـــــــ
ليتلبد شعره أي يلتصق بعضه ببعض فلا يتخلله الغبار ولا يصيبه الشعث ولا القمل، وإنما يفعله من يطول مكثه في الإحرام. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.
"لبد رأسه بالعسل" قال ابن عبد السلام: يحتمل أنه بفتح المهملتين ويحتمل أنه بكسر المعجمة وسكون المهملة وهو ما يغسل به الرأس من خطمي وغيره قال في فتح الباري: ضبطناه في روايتنا في سنن أبي داوود بالمهملتين. قاله السيوطي.

(5/118)


13 - باب في الهدي
1746 - حدثنا النّفَيْلِيّ أخبرنا مُحمّدُ بنُ سَلَمَةَ حدثنا مُحمّدُ بنُ إسْحَاقَ ح وحدثنا مُحمّدُ بنُ المِنْهَالِ أخبرَنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ عن ابنِ إسْحَاقَ المَعْنَى قالَ قالَ عبد الله - يَعْنِي ابنَ أبي نَجِيحٍ - حَدّثَني مُجَاهِدٌ عنْ ابنِ عَبّاسٍ: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أَهْدَى عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي هدَايا رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم جَمَلاً كَانَ لأَبِي جَهْلٍ في رَأْسِهِ بُرَةُ فِضّةٍ. قالَ ابنُ مِنْهَالِ: بُرَةٌ مِنْ ذَهَبِ. زَادَ النّفَيْلِيّ: يَغِيظُ بِذَلِكَ المُشْرِكِينَ
ـــــــ
باب في الهدي
"أهدى عام الحديبية" بالتخفيف على الأفصح وهي السنة السادسة من الهجرة توجه فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة للعمرة فأحصره المشركون بالحديبية وهو موضع من أطراف الحل وقضيته مشهورة "في هدايا" أي في جملة هدايا "جملا" نصب بأهدى وفي هدايا صلة له، وكان حقه أن يقول في هداياه فوضع المظهر موضع المضمر، والمعنى جملاً كائناً في هداياه كان لأبي جهل أي عمرو بن هشام المخزومي اغتنمه صلى الله عليه وسلم يوم بدر "في رأسه" أي أنفه "برة فضة" بضم الموحدة وفتح الراي المخففة أي حلقة، والمعنى أي في أنفه حلقة فضة فإن البرة حلقة صفر ونحوه تجعل في لحم أنف البعير. وقال الأصمعي: في أحد جانبي المنخرين لكن لما كان الأنف من الرأس قال في رأسه على الاتساع "قال ابن منهال برة من ذهب" ويمكن التعدد باعتبار المنخرين "يغيظ بذلك المشركين" بفتح حرف المضارعة أي يوصل الغيظ إلى قلوبهم في نحر ذلك الجمل. قلت: خاتمة جمله أجمل منه فإنها نحرت في سبيل الله وأكل منها رسوله وأولياؤه، ثم نظير الحديث قوله تعالى {لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّار} كذا في المرقاة.

(5/118)


14 - باب في هدي البقر
1747 - حدثنا ابنُ السّرْحِ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني يُونُسُ عن ابن شِهَابٍ عن عَمْرَةَ بِنْتِ عبد الرّحْمَنِ عنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نَحَرَ عنْ آلِ مُحمّدٍ صلى الله عليه وسلم في حَجّةِ الْوَدَاعِ بَقَرَةً وَاحِدَةً .
1748 - حدثنا عَمْرُو بنُ عُثْمانَ وَ مُحمّدُ بنُ مَهْرَانَ الرّازِيّ قالا أخبرنا الْوَلِيدُ عنِ الأوْزَاعِيّ عنْ يَحْيَى عنْ أبي سَلَمَةَ عن أَبي هُرَيْرَةَ: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم ذَبَحَ عَمّنْ اعْتَمَرَ مِنْ نِسَائِهِ بَقَرَةً بَيْنَهُنّ .
ـــــــ
باب في هدي البقر
"عن عائشة" وعند مسلم من حديث جابر قال: "ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عائشة بقرة يوم النحر" وفي لفظ له قال "نحر النبي صلى الله عليه وسلم عن نسائه بقرة في حجته" "بقرة واحدة" قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه.
"بقرة بينهن" قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وقد روى النسائي من حديث إسرائيل عن عمار عن عبدالرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت ذبح عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حججنا بقرة بقرة وعن الزهري عن عمرة عن عائشة قالت ما ذبح عن آل محمد في الوداع إلا بقرة وبه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر عن آل محمد في حجة

(5/119)


15 - باب في الإشعار
1749 - حدثنا أبُو الْوَلِيدِ الطّيالِسِيّ وَ حَفْصُ بنُ عُمَرَ المَعْنى قالا أخبرنا شُعْبَةُ عن قَتَادَةَ قال أبُو الْوَلِيدِ قالَ: سَمِعْتُ أبا حَسّانَ عن ابن عباسٍ: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم صَلّى الظّهْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ ثُمّ دَعا بِبَدَنَةٍ [ببدبته] فَأَشْعَرَهَا مِنْ صَفْحَةِ سَنامِهَا الأيْمَنِ ثُمّ
ـــــــ
باب في الإشعار
"قال أبو الوليد" في روايته "قال" قتادة "صلى الظهر بذي الحليفة" أي ركعتين لكونه مسافر "فأشعرها" الإشعار هو أن يكشط جلد البدنة حتى يسيل دم ثم يسلته فيكون ذلك علامة

(5/119)


سَلَتَ الدّمَ عَنْهَا [منها الدم] وَقَلّدَهَا بِنَعْلَيْنِ، ثُمّ أُتِيَ بِرَاحِلَتِهِ، فَلَمّا قَعَدَ عَلَيْهَا وَاسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلّ بالْحَجّ .
1750 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ بِمَعْنَى أبي الْوَلِيدِ.
ـــــــ
على كونها هدياً ويكون ذلك في صفحة سنامها الأيمن. وقد ذهب إلى مشروعيته الجمهور من السلف والخلف، وروى الطحاوي عن أبي حنيفة كراهته والأحاديث ترد عليه. وقد خالف الناس في ذلك حتى صاحباه أبو يوسف ومحمد واحتج على الكراهة بأنه من المثلة، وأجاب الخطابي بمنع كونه منها بل هو باب آخر كالكي وشق أذن الحيوان فيصير علامة وغير ذلك من الوسم وكالختان والحجامة كما سيجيء، على أنه لو كان من المثلة لكان ما فيه من الأحاديث مخصصاً له من عموم النهي عنها "الدم عنها" أي عن صفحة سنامها "وقلدها بنعلين" فيه دليل على مشروعية تقليد الهدي، وبه قال الجمهور. قال ابن المنذر: أنكر مالك وأصحاب الرأي التقليد للغنم، زاد غيره وكأنه لم يبلغهم الحديث وسيجيء "على البيداء" محل بذي الحليفة، أي علت فوق البيداء وصعدت "أهلّ" أي لبى "بالحج" وكذا بالعمرة لما في الصحيحين عن أنس قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي بالحج والعمرة يقول لبيك عمرة وحجاً" قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
ـــــــ
الوداع بقرة واحدة وسيأتي قول عائشة ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم البقر يوم النحر ولا ريب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حج بنسائه كلهن وهن يومئذ تسع وكلهن كن متمتعات حتى عائشة فإنها قرنت فإن كان الهدي متعددا فلا إشكال وإن كان بقرة واحدة بينهن وهن تسع فهذا حجة لإسحاق ومن قال بقوله إن البدنة تجزىء عن عشرة وهو إحدى الروايتين عن أحمد وقد ذهب ابن حزم إلى أن هذا الاشتراك في البقرة إنما كان بين ثمان نسوة قال لأن عائشة لما قرنت لم يكن عليها هدي واحتج بما في صحيح مسلم عنها من قولها فلما كانت ليلة الحصبة وقد قضى الله حجنا أرسل معي عبدالرحمن بن أبي بكر فأردفني وخرج بي إلى التنعيم فأهللت بعمرة فقضى الله حجنا وعمرتنا ولم يكن في ذلك هدي ولا صدقة ولا صوم وجعل هذا أصلا في إسقاط الدم عن القارن ولكن هذه الزيادة وهي ولم يكن في ذلك هدي مدرجة في الحديث من كلام هشام بن عروة بينه مسلم في الصحيح قال أنبأنا أبو كريب أنبأنا وكيع حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة فذكر الحديث وفي آخره قال عروة في ذلك أنه قضى الله حجها وعمرتها قال هشام ولم يكن في ذلك هدي ولا صيام ولا صدقة فجعل وكيع هذا اللفظ من قول هشام وابن نمير وعبدة لم يقولا قالت عائشة بل أدرجاه إدراجا وفصله وكيع وغيره

(5/120)


قالَ: "ثُمّ سَلَتَ الدّمَ بِيَدِهِ".
قال أَبُو دَاوُد: رَوَاهُ هَمّامٌ قَالَ سَلَتَ الدّمَ عَنْها [عنها الدم] بِإِصْبَعِهِ.
قال أَبُو دَاوُد: هَذَا مِنْ سُنَن أَهْلِ الْبَصْرَةِ الّذِي تَفَرّدُوا بِهِ.
1751 - حدثنا عبد الأعْلَى بنُ حَمّادٍ أخبرنا سُفْيانُ بنُ عُيَيْنَةَ عنِ الزّهْرِيّ عن عُرْوَةَ عن المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ وَ مَرْوَانَ أَنّهُمَا قالا: خَرَجَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فَلَمّا كَانَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ قَلّدَ الهَدْيَ وَأَشْعَرَهُ وَأَحْرَمَ.
1752 - حدثنا هَنّادٌ أخبرَنا وَكِيعٌ عنْ سُفْيَانَ عنْ مَنْصُورٍ وَ الأَعمْشِ عنْ إِبراهِيمَ عنِ الأسْوَدِ عنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أَهْدَى عَنْهمَا مُقَلّدَةً.
ـــــــ
"قال ثم سلت الدم بيده" أي مسح وأماط. قال الخطابي: سلت بيده، أي أماطه بإصبعيه. وأصل السلت القطع ويقال: سلت الله أنف فلان أي جدعه "هذا من سنن أهل البصرة" أي حديث التقليد بالنعلين من الأحاديث المروية لأهل البصرة لأن رواة هذا الحديث كلهم بصريون أبو حسان الأعرج مسلم بن عبد الله الذي يدور الإسناد إليه بصري وقتادة الراوي عن أبي حسان ثم شعبة الراوي عن قتادة كلاهما بصريان. وروى أيضاً هشام الدستوائي عن قتادة وهو أيضاً بصري وحديثه عند مسلم وهمام بن يحيى أيضاً روى عن قتادة وهو بصري وإليه أشار المؤلف بقوله قال أبو داوود رواه همام. كذا في غاية المقصود.
"قلد الهدي وأشعره" قال الخطابي: الإشعار أن يطعن في سنامها حتى يسيل دمها فيكون ذلك علماً أنها بدنة، ومنها الشعار في الحروب هو العلامة التي يعرف بها الرجل صاحبه ويميز بينه وبين عدوه. وفيه بيان أن الإشعار ليس من جملة ما نهي عنه من المثلة وإنما المثلة أن يقطع عضواً من البهيمة يراد بذلك التعذيب. وفيه أيضاً من السنة التقليد وهو في الإبل كالإجماع من أهل العلم، وفيه أن الإشعار من الشق الأيمن وهو السنة. قال المنذري: وأخرجه البخاري والنسائي.
"أهدى غنما مقلدة" قال الخطابي: فيه من الفقه أن الغنم قد يقع عليها اسم الهدي وزعم بعضهم أن الغنم لا يطلق عليها اسم الهدي. وفيه أن الغنم تقلد، وبه قال عطاء والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق. وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا ساق الهدي ثم قلده فلا تقلد الغنم وكذلك قال مالك. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه بنحوه

(5/121)


16- باب تبديل الهدي
1753 - حدثنا عبد الله بنُ مُحمّدٍ النّفَيْلِيّ أخبرنا مُحمّدُ بنُ سَلَمَةَ عن أبي عبد الرّحِيمِ.
قال أَبُو دَاوُد: أبُو عبد الرّحِيمِ خَالِدُ بنُ أبي يَزِيدَ خَالُ مُحمّدٍ يَعْنِي ابنَ سَلَمَةَ رَوَى عَنْهُ حَجّاجُ بنُ مُحمّدٍ عنْ جَهْمِ بنِ الْجَارُودِ عنْ سَالِمِ بنِ عبد الله عنْ أبِيهِ قالَ: أَهْدَى عُمَرُ بنُ الْخَطّابِ بُخْتِيّاً [نجيبا] فَأُعْطِيَ بِها ثَلاَثَ مائَةِ دِينَارٍ فَأَتَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَقالَ: يا رسول الله إِنّي أَهْدَيْتُ بُخْتِيّاً [نجيبا] فأُعْطِيتُ بِهَا ثَلاَثَمائَةِ دِينَارٍ فَأَبِيعُهَا وَأَشْتَرِي بِثَمَنِهَا بُدْناً؟ قالَ لاَ انْحَرْهَا إيّاهَا" .
ـــــــ
باب تبديل الهدي
"قال أهدى عمر بن الخطاب بختياً" بضم الباء وسكون الخاء المعجمة ثم التاء المثناة الفوقانية. قال في القاموس: هي الإبل الخراسانية انتهى. وفي النهاية البختية الأنثى من الجمال البخت والذكر بختي وهي جمال طوال الأعناق انتهى. وفي بعض النسخ نجيباً بفتح النون وكسر الجيم ثم الياء والنجيب والنجيبة الناقة والجمع النجائب. قال في النهاية: النجيب الفاضل من كل حيوان. ثم قال وقد تكرر في الحديث ذكر النجيب من الإبل مفرداً ومجموعاً وهو القوي منها الخفيف السريع انتهى "بدناً" جمع بدنة "قال: لا" أي لا تبعها بل انحرها "إياها" للتأكيد "قال أبو داوود هذا" أي منعه صلى الله عليه وسلم عن بيعها. والحديث يدل على أنه لا يجوز بيع الهدي لإبدال مثله أو أفضل. ومن قوله: قال أبو داوود أبو عبد الرحيم إلى قوله حجاج بن محمد في بعض النسخ، وهذه ترجمة لأبي عبد الرحيم ذكرها أبو داوود، فأبو عبد الرحيم هذا هو خالد بن أبي يزيد خال محمد بن سلمة روى عن زيد بن أبي أنيسة ومكحول وجهم بن الجارود وعنه حجاج بن محمد الأعور ومحمد بن سلمة وموسى بن أعين وثقه ابن معين. قال المنذري: قال البخاري: لا يعرف لجهم سماع من سالم انتهى.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
هو الجهم بن الجارود وقد ذكر هذا الحديث البخاري في تاريخه الكبير وعلله بهذه العلة وأعله ابن القطان بأن جهم بن الجارود لا يعرف حاله ولا يعرف له راو إلا أبو عبدالرحيم خالد بن أبي يزيد قال وبذلك ذكره البخاري وأبو حاتم.

(5/122)


.....................................
ـــــــ
قلت: وهذا الحديث أخرجه أحمد والبخاري في تاريخه وابن حبان وابن خزيمة في صحيحيهما.

(5/123)


17 - باب من بعث بهديه وأقام
1754 - حدثنا عبد الله بنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيّ أخبرنا أفْلَحُ بنُ حُمَيْدٍ عن الْقَاسِمِ عنْ عَائِشَةَ قالَتْ: فَتَلْتُ قَلاَئِدَ بُدْنِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بِيَديّ ثُمّ أَشْعَرَهَا وَقَلّدَهَا ثُمّ بَعَثَ بِهَا إلى الْبَيْتِ وَأَقَامَ بالْمَدِينَةِ فمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَانَ لَهُ حِلاً [أحل له].
1755 - حدثنا يَزِيدُ بنُ خَالِدِ الرّمْلِيّ الْهَمْدَانِيّ وَ قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أنّ اللّيْثَ بنَ سَعْدٍ حَدّثَهُمْ عن ابن شِهَابٍ عنْ عرْوَةَ وَعَمْرَةَ بِنْتِ عبد الرّحْمَنِ أنّ عَائِشَةَ قالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُهْدِي مِنَ الْمَدِينَةِ فأَفْتِلُ قَلاَئِدَ هَدْيِهِ ثُمّ لاَ يَجْتَنِبُ شَيْئاً مِمّا يَجْتَنِبُ المُحْرِمُ.
1756 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا بِشْرُ بنُ المُفَضّلِ أخبرنا ابنُ عَوْنٍ عن الْقَاسِمِ بنِ
ـــــــ
باب من بعث بهديه وأقام
ببلده غير محرم
"قلائد بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم " القلائد جمع قلادة وهي ما تعلق بالعنق. والبدن جمع البدنة وهي ناقة أو بقرة تنحر بمكة "بيديّ" بتشديد الياء "ثم بعث بها" مع أبي بكر رضي الله عنه في السنة التاسعة "فما حرم" بتفح الحاء وضم الراء "عليه" أي على النبي صلى الله عليه وسلم "شيء كان له حلا" أراد محظورات الإحرام، معناه أنه صلى الله عليه وسلم كان يبعث بالهدي ولا يحرم فلهذا لا يجتنب عن محظورات الإحرام.
قال النووي: فيه دليل على استحباب بعث الهدي إلى الحرم، وأن من لم يذهب إليه يستحب له بعثه مع غيره، وفيه أن من يبعث هديه لا يصير محرماً ولا يحرم عليه شيء ما يحرم على المحرم، وهو مذهب كافة العلماء إلا رواية حكيت عن ابن عباس وابن عمر وعطاء وسعيد بن جبير أنه إذا فعل ذلك اجتنب ما يجتنبه المحرم ولا يصير محرماً من غير نية الإحرام والصحيح ما قاله الجمهور لهذه الأحاديث الصحيحة. وسبب هذا القول من عائشة أنه بلغها فتيا بعض الصحابة فيمن بعث هدياً إلى مكة أنه يحرم عليه ما يحرم على الحاج من لبس

(5/123)


مُحمّدٍ وَعنْ إِبراهِيمَ - زَعَمَ أَنّهُ سَمِعَهُ مِنْهُمَا سَمِعَهُ مِنْهُمَا جَمِيعاً وَلَمْ يَحْفَظْ حَديثَ هَذَا مِنْ حَدِيثِ هَذَا وَلاَ حَدِيثَ هَذَا منْ حَدِيثِ هَذَا - قالا قالَتْ أُمّ المُؤْمِنِينَ:بَعَثَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بالهَدْيِ فَأَنَا فَتَلْتُ قَلاَئِدَهَا بِيَدِي مِنْ عِهْنٍ كَانَ عِنْدَنَا، ثُمّ أَصْبَحَ فِينا حَلالاّ يَأْتِي مَا يَأْتَيِ الرّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ.
ـــــــ
المخيط وغيره حتى ينحر هديه بمكة فقالت رداً عليه. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.
"زعم" أي ابن عون "سمعه" أي هذا الحديث "منهما" أي القاسم وإبراهيم "ولم يحفظ" أي لم يميز حديث هذا من الآخر "أم المؤمنين" وهي عائشة "من عهن" هو الصوف المصبوغ ألواناً. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"يسوق بدنة" أي ناقة "قال إنها بدنة" أي هدي ظناً أنه لا يجوز ركوب الهدي مطلقاً. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.

(5/124)


18 - باب في ركوب البدن
1757 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ [القنعبي فيما قرأ على مالك بن أبي الزناد] عنْ مَالِكٍ عنْ أبي الزّنَادِ عن الأعْرَجِ عنْ أَبي هُرَيْرَةَ: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم رَأَى رَجُلاً يَسُوقُ بَدَنَةً فَقَالَ "ارْكَبْهَا" قالَ [فَقَالَ] إِنّهَا بَدَنَةٌ قالَ [فَقَالَ]: "ارْكَبْهَا وَيْلَكَ" في الثّانِيَةِ أوْ الثّالِثَةِ.
1758 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عن ابنِ جُرَيْجٍ قالَ أخبرَنِي أبُو الزّبَيْرِ قالَ:سَأَلَتُ جَابِرَ بنَ عبد الله عنْ رُكُوبِ الْهَدْيِ فَقالَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "ارْكَبْهَا بالْمَعْرُوفِ إذَا أُلْجِئْتَ إِلَيْهَا حَتّى تَجِدَ ظَهْراً" .
ـــــــ
باب في ركوب البدن
"اركبها بالمعروف" أي بوجه لا يلحقها ضرر "إذا ألجئت" أي: إذا اضطررت اضطررت "إليها" إلى ركوبها "حتى تجد ظهراً" أي مركوباً آخر.
قال النووي: هذا دليل على ركوب البدنة المهداة وفيه مذاهب، مذهب الشافعي أنه يركبها إذا احتاج ولا يركبها من غير حاجة وإنما يركبها بالمعروف من غير إضرار وبهذا قال جماعة وهو رواية عن مالك في الرواية الأخرى وأحمد وإسحاق له ركوبها من غير حاجة بحيث

(5/124)


..................................
ـــــــ
لا يضرها، وبه قال أهل الظاهر. وقال أبو حنيفة: لا يركبها إلا أن لا يجد منه بداً انتهى. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي.

(5/125)


19 - باب الهدي إذا عطب قبل أن يبلغ
1759 - حدثنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنبأنا سُفْيَانُ عنْ هِشَامٍ عنْ أبِيهِ عنْ نَاجِيَةَ الأَسْلَمَيّ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم بَعَثَ مَعَهُ بِهَدْيٍ فَقَالَ: "إِنْ عَطَبَ مِنْهَا شَيْءٌ فَانْحَرْهُ ثُمّ اصْبَغَ نَعْلَهُ في دَمِهِ ثُمّ خَلّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الناسِ" .
1760 - حدثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ وَ مُسَدّدٌ قالا أَخبرنا حَمّادٌ ح. وَأخبرنا مُسَدّدٌ أخبرنا عبد الوَارِثِ وَهذَا حَدِيثُ مُسَدّدٍ عنْ أبي التّيّاحِ عنْ مُوسَى بنِ سَلَمَةَ عن ابن عَبّاسٍ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فُلاَناً الأَسْلَمِيّ وَبَعَثَ مَعَهُ بَثَمَانَ عَشْرَةَ بَدْنَةً، فَقَالَ أَرَأَيْتَ إِنْ أُزْحِفَ عَلَيّ مِنْهَا شَيْءٌ؟ قَالَ: " تَنْحَرُهَا ثُمّ تَصْبُغُ نَعْلَهَا في دَمِهَا ثُمّ اضْرِبْهَا عَلَى صَفْحَتِهَا وَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا أَنْتَ وَلاَ أَحَدٌ منْ أَصْحَابِكَ" أوْ قَالَ "مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ" .
ـــــــ
باب الهدي إذا عطب قبل أن يبلغ
"فقال إن عطب" بكسر الطاء أي عيي وعجز من السير ووقف في الطريق وقيل أي قرب من العطب وهو الهلاك. ففي القاموس: عطب كنصر لان، وكفرح هلك والمعنى على الثاني "منها" أي من الهدي المهداة إلى الكعبة بيان "ثم اصبغ" أي اغمس "نعله" أي المقلدة به "في دمه" أي ثم اجعلها على صفحته قال الخطابي: إنما أمره أن يصبغ نعله في دمه ليعلم المار به أنه هدي فيجتنبه إذا لم يكن محتاجاً ولم يكن مضطراً إلى أكله "ثم خل بينه وبين الناس" في دلالة على أنه لا يحرم على أحد أن يأكل منه إذا احتاج إليه قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه. وقال الترمذي: حديث ناجية حديث حسن صحيح.
"عن أبي التياح" أي حماد وعبد الوارث كلاهما عن أبي التياح "إن أزحف" أي أعيي وعجز عن المشي وهو بضم الهمزة على ما لم يسم فاعله، هكذا ضبطه الخطابي، وفي صحيح مسلم فأزحفت عليه بفتح الهمزة وإسكان الزاء. قال النووي: كلاهما صحيحان. قال الخطابي: معناه أعيي وكل يقال زحف البعير إذا خرّ على استه على الأرض من الإعياء وأزحفه السير إذا جهد وبلغ به هذا الحال "ثم تصبغ نعلها" أي التي قلدتها في عنقها "في دمها" لئلا يأكل منها الأغنياء "ثم اضربها" أي النعل "على صفحتها" أي كل واحدة من النعلين على

(5/125)


قال أَبُو دَاوُد: الّذِي تَفَرّدَ بِهِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُهُ: "وَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا أَنْتَ وَلاَ أَحْدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ" .
وَقالَ في حَدِيثِ عبد الْوَارِثِ: "اجْعَلْهُ [ثم اجْعَلْهُ] عَلَى صَفْحَتِها مَكَانَ اضْرِبْهَا".
قال أَبُو دَاوُد: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ يَقُولُ: إذَا أَقَمْتَ اْلإِسْنَادَ وَالمَعْنى: كَفَاكَ.
ـــــــ
صفحة من صفحتي سنامها "ولا تأكل منها أنت" للتأكيد "ولا أحد" أي لا يأكل أحد "من أهل رفقتك" بضم الراء وسكون الفاء، وفي القاموس الرفقة مثلته أي رفقائك، فأهل زائد والإضافة بيانية.
قال الطيبي رحمه الله: سواء كان فقيراً أو غنياً، وإنما منعوا ذلك قطعاً لأطماعهم لئلا ينحرها أحد ويتعلل بالعطب هذا إذا أوجبه على نفسه، وأما إذا كان تطوعاً فله أن ينحره ويأكل منه فإن مجرد التقليد لا يخرجه عن ملكه، قاله في المرقاة. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي.
"الذي تفرد به انتهى" هذه العبارة ليست في عامة النسخ ولا يستقيم المعنى بها فإن التفرد بهذه الجملة ليس في طبقة الصحابة لأن ابن عباس رواها عن ذؤيب أبي قبيصة عن النبي صلى الله عليه وسلم كما عند مسلم وأرسله ابن عباس مرة كما عند المؤلف، وهكذا روى عمرو بن خارجة الثمالي عن النبي صلى الله عليه وسلم كما عند أحمد في مسنده ولفظه: "ولا تأكل أنت ولا أهل رفقتك وخل بينه وبين الناس" بل هذه الجملة في حديث ناجية الأسلمي أيضاً عند الواقدي في المغازي لكن الواقدي ضعيف جداً. وأما في طبقة التابعين فروى موسى بن سلمة الهذلي وسنان بن سلمة كلاهما عن ابن عباس كما عند مسلم وشهر بن حوب عن عمور بن خارجة عند أحمد. ويشبه أن يكون المراد تفرداً لأبي التياح فإن مدار الإسناد إليه وهو يروي عن موسى بن سلمة. وأجيب بأن أبا التياح قد توبع تابعه قتادة عن سنان بن سلمة عن ابن عباس كما عند مسلم "سمعت أبا سلمة" هو موسى بن إسماعيل المنقري "إذا أقمت الإسناد" في الحديث "والمعنى كفاك" ولا يضرك روايتك الحديث إن غيرت بعض الألفاظ فإن رواية الحديث بالمعنى جائر كذا في الشرح.
واعلم أن باب الهدي إذا عطب قبل أن يبلغ تم إلى حديث ابن عباس وبه تم الجزء العاشر. وفرق في بعض نسخ الكتاب بين الباب المذكور وبين قوله حدثنا هارون بن عبد الله أي حديث علي إلى حديث عرفة بن الحارث الكندي بالبسملة فقال بسم الله الرحمَن الرحيم

(5/126)


1761 - حدثنا هَارُونَ بنُ عبد الله أخبرنا مُحمّدُ وَ يَعْلَى ابْنَا عُبَيْدِ قالا أخبرنا مُحمّدُ بنُ إِسْحَاقَ عنِ أبي نَجْيحٍ عن مُجَاهِدٍ عن عبد الرّحْمَنِ بنِ أبي لَيْلَى عن عَلِيَ قال: لَمّا نَحَرَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بُدْنَهُ فَنَحَرَ ثَلاَثِينَ بِيَدِهِ وَأَمَرَنِي فَنَحَرْتُ سائِرَهَا.
1762 - حدثنا إِبراهِيمُ بنُ مُوسَى الرّازِيّ أنبأنا عِيسَى وَأخبرنا مُسَدّدٌ أخبرنا عِيسَى، وَهَذَا لَفْظُ إِبراهِيمَ عن ثَوْرٍ عن رَاشِدِ بنِ سَعْدٍ عن عبد الله بنِ عَامِرِ بن لُحَىَ عن عبد الله بنِ قُرْطٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: " إنّ أَعْظَمَ اْلأيّامِ عِنْدَ الله يَوْمُ النّحْرِ ثُمّ يَوْمُ الْقَرّ" . قال عِيسَى قال ثَوْرٌ: وَهُوَ الْيَوْمُ الثّانِي. وَقال: وَقُرّبَ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بَدَنَاتٌ خَمْسٌ أَوْ سِتّ فَطَفِقْنَ يَزْدَلِفْنَ إِلَيْهِ بِأَيّتِهِنّ يَبْدَأُ، فَلَمّا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا قال: فَتَكَلّمَ بِكَلِمَةٍ خَفِيّةٍ لَمْ أَفْهَمْهَا، فَقُلْتُ: مَا قَال؟ قال: "مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ".
ـــــــ
حدثنا هارون بن عبد الله إلى آخره. وقال المنذري في مختصره في آخر حديث ابن عباس آخر الجزء العاشر ويتلوه الحادي عشر من أصله انتهى. والأشبه أن من قوله حدثنا هارون بن عبد الله باب آخر فسقط الباب وأما إدخال هذه الأحاديث الثلاثة أي حديث علي وعبد الله بن قرط وعرفة الكندي في الباب المذكور فلا يخلو من تعسف وتكلف كما لا يخفى والله أعلم.
"فنحرت سائرها" أي باقيها. والحديث فيه محمد بن إسحاق وقد عنعن وبه أعله المنذري.
"عن عبد الله بن قرط" بضم القاف وسكون الراء ثم طاء مهملة "ثم يوم القر" هو اليوم الذي يلي يوم النحر لأن الناس يقرون فيه بمنى بعد أن فرغوا من طواف الإفاضة والنحر واستراحوا والقر بفتح القاف وتشديد الراء "وقرب" بتشديد الراء مجهولا "بدنات خمس أو ست" شك من الراوي أو ترديد من عبد الله تقريب الأمر أي بدنات من بدن النبي صلى الله عليه وسلم "فطفقن" بكسر الفاء الثانية أي شرعن "يزدلفن" أي يتقربن ويسعين يعني يقصد كل من البدنة أن يبدأ في النحر بها ولا يخفى ما فيه من المعجزة الباهرة. قال الطيبي: أي منتظرات يأتيهن يبدأ للتبرك بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم في نحرهن. قال الخطابي: يزدلفن معناه يقربن من قولك زلف الشيء إذا قرب ومنه قوله تعالى {وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ} معناه والله أعلم الدنو والقرب من الهلاك، وإنما سميت المزدلفة لاقتراب الناس إلى منى بعد الإفاضة عن عرفات "فلما وجبت جنوبها" أي سقطت على الأرض. قال الخطابي: معناه ذهبت أنفسها فسقطت على جنوبها. وأصل الوجوب السقوط "من

(5/127)


1763 - حدثنا مُحمّدُ بنُ حَاتِمٍ أخبرنا عبد الرّحْمَنِ بنُ مَهْدِيَ أخبرنا عبد الله بنُ المُبَارَكِ عن حَرْمَلَةَ بنه عِمْرَانَ عن عبد الله بنِ الْحَارِثِ اْلأَزْدِيّ قال سَمِعْتُ غَرَفَةَ بنَ الْحَارِثِ الْكِنْدِيّ قال:شَهِدْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم في حَجّةِ الْوَدَاعِ وَأُتِيَ بالْبُدْنِ فَقال: "ادْعُوا لِي أَبَا حَسَنٍ"، فَدُعِيَ لَهُ عَلِيّ، فَقال لَهُ: "خُذْ بِأَسْفَلِ الْحَرْبَةِ"، وَأَخَذَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِأَعْلاَهَا، ثُمّ طَعَنَا بِهَا الْبُدْنَ، فَلمّا فَرَغَ رَكِبَ بَغْلَتَهُ وَأَرْدَفَ عَلِيّاً رَضِيَ الله عَنْهُ .
ـــــــ
شاء اقتطع" أي أخذ قطعة منها. قال الخطابي: فيه دليل على جواز هبة المشاع. قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"قال شهدت" أي حضرت "أبا حسن" أراد به علي بن أبي طالب "بأسفل الحربة" هي كالرمح وإنما أخذ أسفلها ليمسكها فلا تسقط على الأرض.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وفيه أي في الحديث دليل على أن يوم النحر أفضل الأيام وذهبت جماعة من العلماء إلى أن يوم الجمعة أفضل الأيام واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجعمة" وهو حديث صحيح رواه ابن حبان وغيره.
وفصل النزاع أن يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع ويوم النحر أفضل أيام العام فيوم النحر مفضل على الأيام كلها التي فيها الجمعة وغيرها ويوم الجمعة مفضل على أيام الأسبوع فإن اجتمعا في يوم تظاهرت الفضيلتان وإن تباينا فيوم النحر أفضل وأعظم لهذا الحديث والله أعلم.

(5/128)


20 - باب كيف تنحر البدن
1764 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا أبُو خَالِدٍ اْلأَحْمَرُ عن ابنِ جُرَيْجٍ عن أبي الزّبَيْرِ عن جَابِرٍ، وَأخبرني عبد الرّحْمَنِ بنُ سابِطٍ :أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابَهُ كَانُوا
ـــــــ
باب كيف تنحر البدن
"وأخبرني عبد الرحمَن بن سابط" والمخبر عن عبد الرحمَن بن سابط هو ابن جريج فالحديث من مسند جابر كما ذكره أصحاب الأطراف وكتب الأحكام وغيرهم لكن رواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن ابن جريج عن عبد الرحمَن بن سابط أن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره مرسلا.

(5/128)


يَنْحَرُونَ الْبَدَنَةَ مَعْقُولَةَ الْيُسْرَى قَائِمَةً عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ قَوَائِمِهَا.
1765 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا هُشَيْمٌ أنبأنا يُونُسُ أخبرني زِيَادُ بنُ جُبَيْرٍ قال: كُنْتُ مَعَ ابنِ عُمَرَ بِمِنًى فَمَرّ بِرَجُلٍ وَهُوَ يَنْحَرُ بَدَنَتَهُ [بُدْنَهُ] وَهِيَ بَارِكَةٌ فَقال: ابْعَثْهَا قِيَاماً مُقَيّدَةً سُنّةَ مُحمّدٍ صلى الله عليه وسلم.
1766 - حدثنا عَمْرُو بنُ عَوْنٍ أنبأنا سُفْيَانُ - يَعْني ابنَ عُيَيْنَةَ - عن عبد الْكَرِيمِ الْجَزْرِيّ عن مُجَاهِدٍ عن عبد الرّحْمَنِ بنِ أبي لَيْلَى عن عَلِيَ قال: أَمَرَنِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ وَأَقْسِمُ جُلُودَهَا وَجِلاَلَها، وَأَمَرَنِي أَنْ لا أُعْطِيَ الْجَزّارَ مِنْهَا شَيْئاً وَقال: "نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا" .
ـــــــ
قال ابن القطان في كتابه بعد أن ذكره من جهة أبي داوود القائل وأخبرني هو ابن جريج فيكون ابن جريج رواه عن تابعيين أحدهما أسنده وهو أبو الزبير والآخر أرسله وهو عبد الرحمَن بن سابط كذا في الشرح "معقولة اليسرى" أي مربوطة قائمتها اليسرى. والحديث سكت عنه المنذري.
"باركة" أي جالسة "فقال ابعثها" أي أقمها "قياماً" حال مؤكدة أي قائمة "مقيدة" حال ثانية أو صفة لقائمة معناه معقولة برجل وهي قائمة على الثلاث "سنة محمد صلى الله عليه وسلم " نصب بعامل محذوف تقديره اتبع سنة محمد صلى الله عليه وسلم وبدل عليه رواية انحر قائمة فإنها سنة محمد صلى الله عليه وسلم وبه قال الشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة والثوري: ينحر باركة وقائمة، واستحب عطاء أي ينحرها باركة معقولة. وأما البقرة والغنم فيستحب أن تذبح مضطجعه على جنبها الأيسر قاله الكرماني. قال المنذري: أخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"وأمرني أن لا أعطي الجزار منها شيئاً" قال الخطابي: أي لا يعطي على معنى الأجرة شيئاً فأما أن يتصدق به عليه فلا بأس به، والدليل على هذا قوله: "نعطيه من عندنا" أي أجر عمله، وبهذا قال أكثر أهل العلم وروي عن الحسن قال لا بأس أن يعطى الجزار الجلد، وأما الأكل من لحوم الهدي فما كان منه واجباً لم يحل أكل شيء منه وهو مثل الدم يجب في جزاء الصيد وإفساد الحج ودم المتعة والقرّان، وكذلك ما كان نذراً أوجبه المرء على نفسه، وما كان تطوعاً كالضحايا والهدايا فله أن يأكل منه ويهدي ويتصدق، وهذا كله على مذهب الشافعي. وقال مالك: يؤكل من الهدي الذي ساقه لفساد حجه ولفوات الحج ومن هدي التمتع ومن

(5/129)


..................................
ـــــــ
الهدي كله إلا فدية الأذى وجزاء الصيد وما نذر للمساكين. وقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه: لا يؤكل من البدن ومن جزاء الصيد ويؤكل ما سوى ذلك.
وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما. وعند أبي حنيفة وأصحابه يأكل من هدي المتعة وهدي القران وهدى التطوع ولا يأكل مما سواهما. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.

(5/130)


21 - باب وقت الإحرام
1767 - حدثنا مُحمّدُ بنُ مَنْصُورٍ أخبرنا يَعْقُوبُ - يَعْني ابنَ إِبراهِيمَ - أخبرنا أبِي عن ابنِ إسْحَاقَ حدثني [حدثنا] خُصَيْفُ بنُ عبد الرّحْمَنِ الْجَزْرِيّ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ قال: قُلْتُ لِعبد الله ابنِ عَبّاسٍ: يَا أَبَا الْعَبّاسِ عَجِبْتُ لاِخْتِلاَفِ أَصْحَابِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في إِهْلاَلِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم حِينَ أَوْجَبَ، فَقال: إِنّي لأَعْلَمُ النّاسِ بِذَلِكَ، إِنّهَا إِنّمَا كَانَتْ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم حَجّةٌ وَاحِدَةٌ، فَمِنْ هُنَاكَ اخْتَلَفُوا، خَرَجَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم حَاجّا، فَلَمّا صَلَى في مَسْجِدِهِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْهِ أَوْجَبَ [أَوْجَبَهُ] في مَجْلِسِه، فَأَهَلّ بالْحَجّ حِينَ فَرَغَ مِنْ رَكْعَتَيْهِ، فَسَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ أَقْوَامٌ فَحَفِظْتُهُ عَنْهُ ثُمّ رَكِبَ فَلمّا اسْتَقْلّتْ بِهِ نَاقَتُهُ أَهَلّ، وَأَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْهُ أَقْوامٌ، وَذَلِكَ أَنّ النّاسَ إِنّمَا كَانُوا يأْتُونَ أَرْسَالاً فَسَمِعُوهُ حِينَ اسْتَقَلّتْ بِهِ نَاقَتُهُ يُهِلّ فَقَالُوا: إِنّمَا أَهَلّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم حِينَ اسْتَقَلّتْ بِهِ نَاقَتُهُ، ثُمّ مَضَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَلَمّا عَلاَ شَرَفِ الْبَيْدَاءِ أَهَلّ، وَأَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْهُ أَقْوَامٌ فَقَالُوا إِنّمَا أَهَلّ حِينَ عَلاَ عَلَى شَرَفِ الْبَيْدَاءِ، وَأَيْمُ الله لَقَدْ أَوْجَبَ في مُصَلاّهُ، وَأَهَلّ حِينَ اسْتَقَلّتْ بِهِ نَاقَتُهُ، وَأَهَلّ حينَ عَلاَ عَلَى شَرَفِ الْبَيْدَاءِ.
ـــــــ
باب وقت الإحرام
"في إهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أي إحرامه "فسمع ذلك" أي إهلاله وتلبيته "فلما استقلت به" أي برسول الله صلى الله عليه وسلم "ناقته" فاعل استقلت. والمعنى ارتفعت وتعالت ناقته به صلى الله عليه وسلم "يأتون أرسالا" أي أفواجاً وفرقا "فقالوا" أي زعموا "وأدرك ذلك" أي إهلاله هنا البيداء المفازة التي لا شيء فيها وهي هَهنا اسم موضع مخصوص بقرب ذي الحليفة. وهذا الحديث يزول به الإشكال ويجمع بين الروايات المختلفة بما فيه فيكون شروعه صلى الله عليه وسلم في الإهلال بعد الفراغ من صلاته بمسجد ذي الحليفة في مجلسه قبل أن يركب، فنقل عنه من سمعه يهل هنالك أنه أهل بذلك

(5/30)


22 - باب الاشتراط في الحج
1773 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلَ أخبرنا عَبّادُ بنُ الْعَوّامِ عن هِلاَلِ بنِ خَبّابٍ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ:أَنّ ضُبَاعَةَ بِنْتَ الزّبَيْرِ بنِ عبد المُطّلِبِ أَتَتْ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم
ـــــــ
باب الاشتراط في الحج
"أن ضباعة" بضم المعجمة بعدها موحدة قال الشافعي: كنيتها أم حكيم وهي بنت عم

(5/133)


فَقَالَتْ: يا رسول الله إِنّي أُرِيدُ الحَجّ أشْتَرِطُ [آشْتَرِطُ]؟ قال:" نَعَمْ". قالَتْ: فَكَيْفَ أَقُولُ؟ قال قُولِي: "لَبّيْكَ اللّهُمّ لَبّيْكَ وَمَحِلّي مِنَ الأَرْضِ حَيْثُ حَبَسْتَنِي" .
ـــــــ
النبي صلى الله عليه وسلم أبوها الزبير بن عبد المطلب بن هاشم "اشترط" بحذف همزة الاستفهام "ومحلي" بفتح الميم وكسر المهملة أي مكان إحلالي. والحديث يدل على أن من اشترط هذا الاشتراط ثم عرض له ما يحبسه عن الحج جاز له التحلل وأنه لا يجوز التحلل مع عدم الاشتراط، وبه قال جماعة من الصحابة منهم علي وابن مسعود وعمر وجماعة من التابعين، وإليه ذهب أحمد وإسحاق وأبو ثور وهو المصحح للشافعي كما قال النووي. وقال أبو حنيفة ومالك وبعض التابعين إنه لا يصح الاشتراط، وهو مروي عن ابن عمر. قال البيهقي: لو بلغ ابن عمر حديث ضباعة لقال به ولم ينكر الاشتراط كما لم ينكر أبوه انتهى. قال الخطابي: وفيه دليل على أن المحصر يحل حيث يحبس وينحر.
هدية هناك حرماً كان أو حلاً وكذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عام الحديبية حين أحصر نحر هديه وحل. وقال أبو حنيفة وأصحابه دم الإحصار لا يراق إلا في الحرم يقيم المحصر على إحرامه ويبعث بالهدي ويواعدهم يوم يقدر فيه بلوغ الهدي المنسك فإذا كان ذلك الوقت حل. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي من حديث عائشة.

(5/134)


23 - باب في إفراد الحج
1774 - حدثنا عبد الله بنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيّ أخبرنا مَالِكٌ عن عبد الرّحْمَنِ بنِ الْقَاسِمِ عن أبِيهِ عن عَائِشَةَ: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أَفْرَدَ الْحَجّ".
ـــــــ
باب في إفراد الحج
"أفرد الحج" قال النووي: والإفراد أن يحرم بالحج في أشهره ويفرغ منه ثم يعتمر، والتمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويفرغ منها ثم يحج من عامه، والقران أن يحرم بهما جميعاً. قال الخطابي: لم تختلف الأمة في أن الإفراد والقران والتمتع بالعمرة إلى الحج كلها جائزة، غير أن طوائف العلماء اختلفوا في الأفضل منها، فقال مالك والشافعي: الإفراد أفضل، وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري: القران أفضل، وقال أحمد بن حنبل: التمتع بالعمرة إلى الحج هو الأفضل. وكل من هذه الطوائف ذهب إلى حديث وذكر أبو داوود، وتلك الأحاديث على اختلافها مجملا ومفسراً وعلى حسب ما وقع له في الرواية، وسيأتي البيان على شرحها وكشف مواضع الإشكال منها في مواضعها إن شاء الله تعالى. غير أن نفراً من

(5/134)


1775 - حدثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ أخبرنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ ح. وَأخبرنا مَوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ - يَعْني ابنَ سَلَمَةَ ح. وَأخبرنا مُوسَى أخبرنا وُهَيْبٌ عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن أبِيهِ عن عَائِشَةَ أَنّهَا قالَتْ:خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم مَوَافِينَ هِلاَلَ ذِي الْحِجّةِ، فَلمّا كَانَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ قالَ: مَنْ شَاءَ أَنْ يُهِلّ بِحَجَ فَلْيُهِلّ، وَمَنْ شَاءَ أَنْ يُهِلّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلّ بِعُمْرَةٍ . قال مُوسَى في حَدِيثِ وُهَيْبٍ: فإِنّي لَوْلاَ أَنّي أَهْدَيْتُ لأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ. وَقال في حَدِيثِ حَمّادِ بنِ سَلَمَةَ: وَأَمّا أَنَا فأُهِلّ بالْحَجّ فإِنّ مَعي الْهَدْيَ، ثُمّ اتّفَقُوا، فكُنْتُ فِيمَنْ أَهَلّ بِعُمْرَةٍ، فَلمّا كَانَ في بَعْضِ الطّرِيقِ حِضْتُ، فَدَخَلَ عَلَيّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَأَنَا أَبْكِي، فَقال: "ما يُبْكِيكِ"؟ قُلْتُ: وَدِدْتُ أَنّي لَمْ أكُنْ خَرَجْتُ الْعَامَ. قال: "ارْفُضي عُمْرَتَكِ وَانْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي" . قال مُوسَى: "وَأَهِلّي بالحَجّ" ، وقال
ـــــــ
الملحدين طعنوا في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي أهل الرواية والنقل من أئمة الحديث وقالوا لم يحج النبي صلى الله عليه وسلم بعد قيام الإسلام إلا حجة واحدة فكيف يجوز أن يكون تلك الحجة مفرداً وقارئاً ومتمتعاً وأفعال نسكها مختلفة وأحكامها غير متفقة وأسانيدها كلها عند أهل الرواية ونقلة الأخبار جياد صحاح، ثم قد وجد فيها هذا التناقض والاختلاف يريدون بذلك توهين الحديث وتصغير شأنه وضعف أمر حملته ورواته. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"عن هشام" أي حماد بن زيد وحماد بن سلمة ووهيب كلهم عن هشام "موافين هلال ذي الحجة" أي مقارنين لاستهلاله وكان خروجهم قبله بخمس في ذي القعدة كما صرحت به في رواية العمرة التي ذكرها مسلم "لولا أني أهديت لأهللت بعمرة" أي خالصة لكن الهدي يمنع الإحلال قبل الحج كالقران والإفراد. هذا مما يحتج به من يقول بتفضيل التمتع ومثله قوله صلى الله عليه وسلم: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي" ووجه الدلالة منهما أنه صلى الله عليه وسلم لا يتمنى إلا الأفضل، وفي هذه الرواية تصريح بأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن متمتعاً "ارفضى عمرتك" قال الخطابي: اختلف الناس في معناه فقال بعضهم اتركيها وأخريها على القضاء، وقال الشافعي: إنما أمرها أن تترك العمل للعمرة من الطواف والسعي لأنها تترك العمرة أصلا وإنما أمرها أن تدخل الحج على العمرة فتكون قارنة.
قلت: وعلى هذا المذهب تكون عمرتها من التنعيم تطوعاً لا عن واجب ولكن أراد أن يطيب نفسها فأعمرها وكانت قد سألته ذلك. وقد روي ما يشبه هذا المعنى في حديث جابر.

(5/135)


سُلَيْمانُ: "وَاصْنَعِي مَا يَصْنَعُ المُسْلِمُونَ في حَجّهِمْ" ، فَلمّا كَانَ لَيْلَةُ الصّدْرِ أَمَرَ [أَمَرَ يعني] رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عبد الرّحْمَنِ فَذَهَبَ بِهَا إلَى التّنْعِيمِ. زَادَ مُوسَى: فأَهَلّتْ بِعُمْرَةٍ مكَانَ عُمْرَتِهَا وَطَافَتْ بالْبَيْتِ، فَقَضَى الله عُمْرَتَهَا وَحَجّهَا. قال هِشَامٌ: وَلم يَكُنْ في شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَدْيٌ".
قال أَبُو دَاوُد: زَادَ في حَدِيثِ حَمّادِ بنِ سَلَمَةَ: فَلمّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْبَطْحَاءِ طَهُرَتْ عَائِشَةُ.
ـــــــ
انتهى كلامه "ليلة الصدر" أي ليلة طواف الصدر وهو بفتح الصاد والدال المهملتين بمعنى رجوع المسافر من مقصده ومنه قوله صلى الله عليه وسلم للمهاجر إقامة ثلاث بعد الصدر يعني بمكة بعد أن يقضي نسكه.
قال في اللسان: والصدر اليوم الرابع من أيام النحر، لأن الناس يصدرون فيه عن مكة إلى أماكنهم. وفي المثل تركته على مثل ليلة الصدر يعني حين صدر الناس من حجهم "ليلة البطحاء" قال في اللسان: البطحاء مسيل فيه دقاق الحصى. قال الجوهري: الأبطح مسيل واسع فيه دقاق الحصى وبطحاء مكة وأبطحها معروفة ومنى من الأبطح انتهى. والمعنى أن عائشة طهرت في ليلة من أيام نزول البطحاء وهي منى فكانت طهارتها في ليلة من ليالي أيام منى والله أعلم قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
والأحاديث الصحيحة صريحة بأنها أهلت أولا بعمرة ثم أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حاضت أن تهل بالحج فصارت قارنة ولهذا قال لها النبي صلى الله عليه وسلم "يكفيك طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة لحجك وعمرتك" متفق عليه وهو صريح في رد قول من قال إنها رفضت إحرام العمرة رأسا وانتقلت إلى الإفراد وإنما أمرت برفض أعمال العمرة من الطواف والسعي حتى تطهر لا برفض إحرمها.
وأما قوله ولم يكن في شيء من ذلك هدي فهو مدرج من كلام هشام كما بينه وكيع وغيره عنه حيث فصل كلام عائشة من كلام هشام وأما ابن نمير وعبدة فأدرجاه في حديثهما ولم يميزاه والذي ميزه معه زيادة علم ولم يعارض غيره فابن نمير وعبدة لم يقولا قالت عائشة ولم يكن في شيء من ذلك هدى بل أدرجاه وميزه غيرهما وأما قول من قال إنها أحرمت بحج ثم نوت فسخه بعمرة ثم رجعت إلى حج مفرد فهو خلاف ما أخبرت به عن نفسها وخلاف ما دل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم لها "يسعك طوافك لحجك وعمرتك" والنبي صلى الله عليه وسلم إنما أمرها أن تهل بالحج لما حاضت,

(5/136)


1776 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عبد الله بنُ مَسْلَمَةَ عن مَالِكٍ عن أبي الأسْوَدِ مُحمّدِ بنِ عبد الرّحْمَنِ بنِ نَوْفَلٍ عن عُرْوَةَ بنِ الزّبَيْرِ عن عَائِشَةَ زَوْجِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم عَامَ حَجّةِ الْوَدَاعِ، فَمِنّا مَنْ أَهَلّ بِعُمْرَةٍ وَمِنّا مَنْ أَهَلّ بِحَجَ وَعُمْرَةٍ، وَمِنّا مَنْ أَهَلّ بالْحَجّ، وَأَهَلّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بالْحَجّ، وَأَمّا[فأَمّا] مَنْ أَهَلّ بالحجّ أوْ جَمَعَ الحجّ وَالْعُمْرَةَ فلَمْ يَحِلّوا حَتّى كَانَ يَوْمُ النّحْرِ".
ـــــــ
"فلم يحلوا حتى كان يوم النحر" المحققون قالوا في نسكه صلى الله عليه وسلم إنه القران فقد صح ذلك من رواية اثني عشر من الصحابة رضي الله عنهم بحيث لا يحتمل التأويل. وقد جمع أحاديثهم ابن حزم الظاهري في حجة الوداع وذكرها حديثاً حديثاً. قالوا وبه يحصل الجمع بين أحاديث الباب.
أما أحاديث الإفراد فمبنية على أن الراوي سمعه يلبي بالحج فزعم أنه مفرد بالحج فأخبر على حسب ذلك، ويحتمل أن المراد بإفراد الحج أنه صلى الله عليه وسلم لم يحج بعد الافتراض إلا حجة واحدة. وأما أحاديث التمتع فمبنية لعى أنه سمعه يلبي بالعمرة، فزعم أنه متمتع وهذا لا مانع منه من إفراد نسك بالذكر للقارن على أنه قد يختفي الصوت بالثاني، ويحتمل أن المراد بالتمتع القران لأنه من إطلاقات القديمة وهم كانوا يسمون القران تمتعاً والله تعالى أعلم كذا في فتح الودود قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه مختصراً ومطولاً.
ـــــــ
كما أخبرت بذلك عن نفسها وأمرها أن تدع العمرة وتهل بالحج وهذا كان بسرف قبل أن يأمر أصحابه بفسخ حجهم إلى العمرة فإنه إنما أمرهم بذلك على المروة.
وقوله إنها أشارت بقولها فكنت فيمن أهل بعمرة إلى الوقت الذي نوت فيه الفسخ في غاية الفساد فإن صريح الحديث يشهد ببطلانه فإنها قالت فكنت فيمن أهل بعمرة فلما كان في بعض الطريق حضت فهذا صريح في أنها حاضت بعد إهلالها بعمرة.
ومن تأمل أحاديثها علم أنها أحرمت أولا بعمرة ثم أدخلت عليها الحج فصارت قارنة ثم اعتمرت من التنعيم عمرة مستقلة تطييبا لقلبها.
وقد غلط في قصة عائشة من قال إنها كانت مفردة فإن عمرتها من التنعيم هي عمرة الإسلام الواجبة وغلط من قال إنها كانت متمتعة ثم فسخت المتعة إلى إفراد وكانت عمرة التنعيم قضاء لتلك العمرة.
وغلط من قال إنها كانت قارنة ولم يكن عليها صدقة ولا صوم وأن ذلك إنما يجب على المتمتع ومن تأمل أحاديثها علم ذلك وتبين له أن الصواب ما ذكرناه والله أعلم.

(5/137)


1777 - حدثنا ابنُ السّرْحِ أنبأنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني مَالِكٌ عن أبي الأَسْوَدِ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ. زَادَ: فأَمّا مَنْ أَهَلّ بِعُمْرَةٍ فأَحَلّ [فحَلّ].
1778 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن ابنِ شِهَابٍ عن عُرْوَةَ بنِ الزّبَيْرِ عن عَائِشَةَ زَوْجِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أَنّهَا قالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في حَجّةِ الْوَدَاعِ فأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ، ثُمّ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلّ بالحجّ مع الْعُمْرَةِ ثُمّ لا يَحِلّ حَتّى يَحِلّ مِنْهُمَ جَمِيعاً" . فَقَدِمْتُ مَكّةَ وَأَنَا حَائِضٌ وَلَمْ أَطُفْ بالْبَيْتِ وَلا بَيْنَ الصّفَا وَالمَرْوَةِ، فَشَكوْتُ ذَلِكَ إلَى رَسُولِ الله [النبي] صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: "انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي وَأَهِلّي بالحَجّ وَدَعِي الْعُمْرَةَ" . قال فَفَعَلْتُ. فَلمّا قَضَيْنَا الْحَجّ أَرْسَلنِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مَعَ عبد الرّحْمَنِ بنِ أبي بَكْرٍ إلَى التّنْعِيمِ فَاعْتَمَرْتُ، فَقال: "هَذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِكِ" . قالَتْ: فَطَافَ الّذِينَ أَهَلّوا بالْعُمْرَةِ بالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصّفَا وَالمَرْوَةِ ثُمّ حَلّوا ثُمّ طَافُوا طَوَافاً آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى لِحَجّهِمْ، وَأَمّا الذِينَ كَانُوا جَمَعُوا الْحَجّ وَالْعُمْرَةَ فإِنّمَا طَافُوا طَوَافاً وَاحِداً.
ـــــــ
"فأهللنا بعمرة" اختلفت الروايات في إحرام عائشة اختلافاً كثيراً وبسطه الحافظ في الفتح "انقضي رأسك" بضم القاف والضاد المعجمة أي حلي ضفر شعرك، وفي رواية البخاري في كتاب الحيض بلفظ "وافعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت" "وامتشطي" أي سرحي بالمشط. قال الحافظ: قال الخطابي استشكل بعض أهل العلم أمره لها بنقض رأسها ثم بالامتشاط وكان الشافعي يتأوّله على أنه أمرها أن تدع العمرة وتدخل عليه الحج فتصير قارنة، قال وهذا لا يشاكل القصة وقيل أن مذهبها أن المعتمر إذا دخل مكة استباح ما يستبيحه الحاج إذا رمى الجمرة قال وهذا لا يعلم وجودها لا يعلم وجهه وقيل كانت مضطرة إلى ذلك. قال ويحتمل أن يكون نقض رأسها كان لأجل الغسل لتهل بالحج لا سيما أن كانت ملبدة فتحتاج إلى نقض الضفر، وأما الامتشاط فلعل المراد به تسريحها شعرها بأصابعها برفق حتى لا يسقط منه شيء ثم تضفره كما كان انتهى "بالبيت" متعلق طاف أي طواف العمرة "ثم طافوا طوافاً آخر" هو طواف الإفاضة "طوافاً واحداً" لأن القارن يكفيه طواف واحد وسعي واحد لأن أفعال
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وقد احتج به ابن حزم على أن المحرم لا يحرم عليه الامتشاط ولم يأت بتحريمه نص وحمله الأكثرون على امتشاط رفيق لا يقطع الشعر ومن قال كان بعد جمرة العقبة فسياق الحديث يبطل

(5/138)


قال أَبُو دَاوُد: رَوَاهُ إِبراهِيمُ بنُ سَعْدٍ وَمَعْمَرٌ عن ابنِ شِهَابٍ نَحْوَهُ، لَمْ يَذْكُرُوا طَوَافَ الّذِينَ أَهَلّوا بِعُمْرَةٍ وَطَوافَ الّذِينَ جَمَعُوا الْحَجّ وَالْعُمْرَةَ.
1779 - حدثنا أبُو سَلَمَةَ مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عن عبد الرّحْمَنِ بنِ الْقَاسِمِ عن أبِيهِ عن عَائِشَةَ أَنّهَا قَالَتْ: لَبّيْنَا بالْحَجّ حَتّى إذَا كُنّا بِسَرِفَ حِضْتُ، فَدَخَلَ عَلَيّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَأَنَا أَبْكِي فَقال: " ما يُبْكِيكِ يَاعَائِشَةَ"؟ فَقُلْتُ حِضْتُ، لَيْتَنِي
ـــــــ
العمرة تندرج في أفعال الحج وهو مذهب عطاء والحسن وطاووس وبه قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداوود وجماهير العلماء خلافاً للحنفية، قالوا لا بد للقارن من طوافين وسعيين لأن القران هو الجمع بين العبادتين فلا يتحقق إلا بالإتيان بأفعال كل منهما، وهو محكي عن أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود والحسن بن علي ولا يصح عن واحد منهم واستدل العيني بحديث ابن عمر عند الدارقطني بلفظ أنه جمع بين حجة وعمرة معاً وطاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين، وقال هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع. وبحديث علي عند الدارقطني أيضاً وبحديث ابن مسعود وحديث عمران بن حصين عنده أيضاً، وكلها مطعون فيها لما في رواتها من الضعف المانع للاحتجاج بها والله أعلم. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"حتى إذا كنا بسرف" هو بفتح السين المهملة وكسر الراء هو ما بين مكة والمدينة على
ـــــــ
قوله ومن قال هو التمشط بالأصابع فقد أبعد في التأويل ومن قال إنها أمرت بترك العمرة رأسا فقوله باطل لما تقدم فإنها لو تركتها رأسا لكان قضاؤها واجبا والنبي صلى الله عليه وسلم قد أخبرها أنه لا عمرة عليها وأن طوافها يكفي عنهما وقوله "أهلي بالحج" صريح في أن إحرامها الأول كان بعمرة كما أخبرت به عن نفسها وهو يبطل قول من قال كانت مفردة فأمرت باستدامة الإفراد.
وفي الحديث دليل على تعدد السعي على المتمتع فإن قولها ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم تريد به الطواف بين الصفا والمروة ولهذا نفته عن القارنين ولو كان المراد به الطواف بالبيت لكان الجميع فيه سواء فإن طواف الإفاضة لا يفترق فيه القارن والمتمتع.
وقد خالفها جابر في ذلك ففي صحيح مسلم عنه أنه قال لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا طوافه الأول وأخذ الإمام أحمد بحديث جابر هذا في رواية ابنه عبد الله والمشهور عنه أنه لابد من طوافين على حديث عائشة ولكن هذه اللفظة وهي فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت إلى آخره قد قيل إنها مدرجة في الحديث من كلام عروة.

(5/139)


لم أكُنْ حَجَجْتُ، فَقال: "سُبْحَانَ الله إِنّمَا ذَلِكَ شَيْءٌ كَتَبَهُ الله عَلَى بَنَاتِ آدَمَ"، فَقال: "انْسُكِي المَنَاسِكَ كُلّهَا غَيْرَ أن لاَ تَطُوفِي بالْبَيْتِ" ، فَلمّا دَخَلْنَا مَكّةَ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ شَاءَ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً إِلاّ مَنْ كان مَعَهُ الْهَدْيُ" . قالَتْ: وَذَبَحَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عن نِسَائِهِ الْبَقَرَ يَوْمَ النّحْرِ، فَلمّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْبَطْحَاء وَطَهُرَتْ [وَتجهَّزَتْ] عَائِشَةُ رَضِيَ الله عَنْهَا قالَتْ: يا رسول الله أَتَرْجِعُ صَوَاحِبِي بِحَجَ وَعُمْرَةٍ وَأَرْجِعُ أنَا بِالْحَجّ، فأَمَرَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عبد الرّحْمَنِ بنَ أبي بَكْرٍ فَذْهَبَ بِهَا إلَى التّنْعِيمِ فَلَبّتْ بالْعُمْرَةِ" .
1780 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا جَرِيرٌ عن مَنْصُورٍ عن إِبراهِيمَ عن الأَسْوَدِ عن عَائِشَةَ قالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم لا نَرَى إِلاّ أَنّهُ الحجّ، فَلمّا قَدِمْنَا تَطَوّفْنَا [طُفْنَا] بالْبَيْتِ، فأَمَرَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ أَنْ يُحِلّ، فأَحَلّ [فحَلّ] مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ.
ـــــــ
أميال منها قيل ستة وقيل تسعة وقيل عشرة وقيل اثنا عشر ميلا "إنما ذلك شيء كتبه الله" هذا تسلية لها وتخفيف لها ومعناه أنك لست مختصة به بل كل بنات آدم يكون منهن هذا كما يكون منهن ومن الرجال البول والغائط وغيرهما. واستدل البخاري في صحيحه في كتاب الحيض بعموم هذا على أن الحيض كان في جميع بنات آدم وأنكر به على من قال إن الحيض أول ما أرسل وقع في بني إسرائيل "غير أن لا تطوفي بالبيت" في هذا دليل على الحائض والنفساء والمحدث والجنب يصح منهم جميع أفعال الحج وأحواله وهيئاته إلا الطواف وركعتيه، فيصح الوقوف بعرفات وغيره وفيه دليل على أن الطواف لا يصح من الحائض وهذا مجمع عليه "وذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسائه البقر" واستدل به مالك في أن التضحية بالبقر أفضل من بدنة ولا دلالة له فيه لأنه ليس فيه ذكر تفضيل البقر ولا عموم لفظ، إنما قضية عين محتملة الأمور فلا حجة فيها لما قاله. وذهب الشافعي والأكثرون إلى أن التضحية بالبدنة أفضل من البقرة لقوله صلى الله عليه وسلم: "من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة" إلى آخره قاله النووي "ليلة البطحاء" قال العيني وكان ابتداء حيضها يوم السبت لثلاث خلون من ذي الحجة بسرف وطهرت يوم السبت وهو يوم النحر والله أعلم. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم.
"لا نرى إلا أنه الحج" وفي لفظ لمسلم ولا نذكر إلا الحج، وظاهر هذا أن عائشة مع

(5/140)


1781 - حدثنا مُحمّدُ بنُ يَحْيَى بنِ فَارِسٍ أخبرنا عُثْمانُ بنُ عُمَرَ أنبأنا يُونُسُ عن الزّهْرِيّ عن عُرْوَةَ عن عَائِشَةَ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أمْرِي ما اسْتَدْبَرْتُ لَمَا سُقْتُ الْهَدْيَ" .
قال مُحمّدٌ: أَحْسَبُهُ قال: وَلَحَلَلْتُ مَعَ الّذِينَ أَحَلّوْا مِنَ الْعُمْرَةِ . قال أَرَادَ أن يَكُونَ أَمْرُ النّاسِ وَاحِداً.
1782 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا اللّيْثُ عن أبي الزّبَيْرِ عن جَابِرٍ قال: أَقْبَلْنَا مُهِلّينَ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بالحجّ مُفْرَداً وَأَقْبَلَتْ عَائِشَةُ مُهِلّةً بِعُمْرَةٍ حَتّى إِذَا كانَتْ
ـــــــ
غيرها من الصحابة كانوا محرمين بالحج وقد تقدم قولها فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بالحج والعمرة ومنا من أهل بالحج فيحمل أنها ذكرت ما كانوا يعتادونه من ترك الاعتمار في أشهر الحج فخرجوا لا يعرفون إلا الحج، ثم بين لهم النبي صلى الله عليه وسلم وجوه الإحرام وجوز لهم الاعتمار في أشهر الحج. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"لو استقبلت من أمري ما استدبرت" أي لو عنّ لي هذا الرأي الذي رأيته آخراً وأمرتكم به في أول أمري لما سقت الهدي معي وقلدته وأشعرته فإنه إذا فعل ذلك لا يحل حتى ينحره ولا ينحر إلا يوم النحر فلا يصح له فسخ الحج بعمرة، ومن لم يكن معه هدي فلا يلتزم هذا ويجوز له فسخ الحج. وإنما أراد بهذا القول تطييب قلوب أصحابه لأنه كان يشق عليهم أن يحلوا وهو محرم فقال لهم ذلك لئلا يجدوا في أنفسهم وليعلموا أن الأفضل لهم قبول ما دعاهم إليه وأنه لولا الهدي لفعله كذا في النهاية. قلت: فتكون دلالة الحديث حينئذ على معنى جواز التمتع لا على معنى الاختيار "قال محمد" بن يحيى الذهلي "أحسبه" أي عثمان بن عمر "قال" في روايته هذه الجملة لحللت الخ "قال" أي محمد الذهلي في تفسير هذا الكلام.
"بالحج مفرداً" استدل به من قال إن حجه صلى الله عليه وآله وسلم كان مفرداً وليس فيه ما يدل على ذلك لأن غاية ما فيه أنهم أفردوا الحج
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
والصواب أن ما أحرم به صلى الله عليه وسلم كان أفضل وهو القرآن ولكن أخبر أنه لو استقبل من أمره ما استدبر لأحرم بعمرة وكان حينئذ موافقا لهم في المفضول تأليفا لهم وتطييبا لقلوبهم كما ترك بناء الكعبة على قواعد إبراهيم وإدخال الحجر فيها وإلصاق بابها بالأرض تأليفا لقلوب الصحابة الحديثي العهد بالإسلام خشية أن تنفر قلوبهم وعلى هذا فيكون الله تعالى قد جمع له الأمرين النسك الأفضل الذي أحرم به وموافقته لأصحابه بقوله "لو استقبلت" فهذا بفعله وهذا بنيته وقوله وهذا الأليق بحاله صلوات الله وسلامه عليه.

(5/141)


بِسَرِفَ عَرَكَتْ حَتّى إذا قَدِمْنَا طُفْنَا بالْكَعْبةِ وبالصّفَا والمَرْوَةِ، فأَمَرَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ يِحِلّ مِنّا مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ. قال فَقُلْنَا: حِلّ مَاذَا؟ قال: الْحِلّ كُلّهُ ، فَوَاقَعْنَا النّسَاءَ وَتَطَيّبْنَا بالطّيبِ وَلَبِسْنَا ثِيَابَنَا وَلَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ إلاّ أَرْبَعُ لَيَالٍ. ثُمّ أَهْلَلْنَا يَوْمَ التّرْوِيَةِ ثُمّ دَخَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلى عَائِشَةَ فَوْجَدَهَا تَبْكِي فَقال: "مَا شَأَنُكِ"؟ قالت: شَأْنِي أَنّي قَدْ حِضْتُ وَقَدْ حَلّ النّاسُ وَلَمْ أَحْلُلْ وَلَمْ أَطُفْ بالْبَيتِ وَالنّاسُ يَذْهَبُونَ إِلَى الحجّ الآن. قال [فَقال]: "إنّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ الله عَلَى بَنَاتِ آدَمَ فاغْتَسِلِي ثُمّ أَهِلّي بالحَجّ"، فَفَعَلَتْ وَوَقَفَتِ الْمَواقِفَ حَتّى إذَا طَهُرَتْ طَافَتْ بالْبَيْتِ وَبالصّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمّ قال: "قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجّكِ وَعُمْرَتِكِ جَمِيعاً" . قالَتْ: يا رسول الله إِنّي أجد في نفسي إِنّي لَمْ أَطُفْ بالْبَيْتِ حِينَ حَجَجَتُ. قال: "فاذْهَبْ بِهَا يَا عبد الرّحْمَنِ فاعْمِرْهَا مِنَ التّنْعِيمِ"،وَذَلِكَ لَيْلَةُ الحصْبَةِ .
1783 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ [حدثنا أحمد بن حنبل
ـــــــ
مع النبي صلى الله عليه وسلم وليس فيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أفرد الحج ولو سلم أنه يدل على ذلك فهو مؤول "عركت" بفتح العين المهملة والراء أي حاضت، يقال عركت تعرك عروكا كقعد تقعد قعوداً "حل ماذا" بكسر الحاء المهملة وتشديد اللام وحذف التنوين للإضافة وما استفهامية، أي الحل من أي شيء ذا، وهذا السؤال من جهة من جوز أنه حل من بعض الأشياء دون بعض "الحل كله" أي الحل الذي لا يبقى معه شيء من ممنوعات الإحرام بعد التحلل المأمور به "ثم أهللنا يوم التروية" هو اليوم الثامن من ذي الحجة "فاغتسلي" هذا الغسل قيل هو الغسل للإحرام ويحتمل أن يكون الغسل من الحيض "حتى إذا طهرت" قال النووي: يستنبط منه ثلاث مسائل حسنة: إحداها- أن عائشة رضي الله عنها كانت قارنة ولم تبطل عمرتها وأن الرفض المذكور متأول. والثانية - أن القارن يكفيه طواف واحد وسعي واحد، والثالثة أن السعي بين الصفا والمروة يشترط وقوعه بعد طواف صحيح. وموضع الدلالة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرها أن تصنع ما يصنع الحاج غير الطواف بالبيت ولم تسع كما لم تطف فلو لم يكن السعي متوقفاً على تقدم الطواف عليه لما أخرته انتهى. واعلم أن طهر عائشة هذا المذكور كان يوم السبت وهو يوم النحر في حجة الوداع وكان ابتداء حيضها هذا يوم السبت أيضاً لثلاث خلون من ذي الحجة سنة عشر. ذكره أبو محمد بن حزم في كتاب حجة الوداع وتقدم بيانه أيضاً "من التنعيم" هو موضع على نحو ثلاثة أميال من مكة "وذلك" أي إحرام العمرة "ليلة الحصبة" أي الليلة التي بعد ليالي

(5/142)


ومسدد قالا:حدثنا يحيى]عن ابنِ جُرَيْجٍ أخبرَني أبُو الزّبَيْرِ أَنّهُ سَمِعَ جَابراً قال: "دَخَلَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم عَلَى عَائِشَةَ بِبَعْضِ هَذِهِ الْقِصّةِ. قال عِنْدَ قَوْلهِ: "وَأَهِلّي بالْحَجّ: ثُمّ حُجّي وَاصْنَعِي مَا يَصْنَعُ الْحَاجّ، غَيْرَ أنْ لا تَطُوفِي بالْبَيْتِ وَلا تُصَلّي" .
1784 - حدثنا الْعَبّاسُ بنُ الْوَلِيدِ بنِ مَزْيَدٍ أخبرنا أبِي قال حدّثنا الأوْزَاعِيّ حدثني مَنْ سَمِعَ عَطَاءَ بنَ أبِي رَبَاحٍ حَدّثَني جَابرُ بنُ عبد الله قال: اهْلَلْنَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بالْحَجّ خَالِصاً لا يُخَالِطُهُ شَيْءٌ، فَقَدِمْنَا مَكّةَ لأَرْبَعِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْحِجّةِ، فَطُفْنَا وَسَعَيْنَا، ثُمّ أَمَرَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ نَحِلّ وَقال: "لَوْلاَ هَدْيِي لَحَلَلْتُ" ، ثُمّ قامَ سُرَاقَةُ بنُ مَالِكٍ فَقال: يا رسول الله أَرَأَيْتُ مُتْعَتَنَا هَذِه، ألِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِلأَبَدِ؟ فَقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "بَلْ هِيَ لِلأبَدِ" .
ـــــــ
التشريق التي ينزل الحجاج فيها في المحصب. والمشهور في الحصبة بسكون الصاد وجاء فتحها وكسرها وهي أرض ذات حصى. قال المنذري: أخرجه مسلم والنسائي.
"لا يخالطه شيء" يعني من العمرة ولا القران ولا غيرهما "خلون" أي مضين "من ذي الحجة" بكسر الحاء على الأفصح "أرأيت متعتنا هذه" أي أخبرني عن فسخنا الحج إلى عمرتنا هذه التي تمتعنا فيها بالجماع والطيب واللبس "لعامنا هذا" أي مخصوصة به لا تجوز في غيره "أم للأبد" أي جميع الأعصار. وقد استدل به من قال إنه يجوز فسخ الحج إلى العمرة لكل أحد
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وعند النسائي عن سراقة تمتع رسول الله وتمتعنا معه فقلنا ألنا خاصة أم للأبد قال "بل للأبد" وهو صريح في أن العمرة التي فسخوا حجهم إليها لم تكن مختصة بهم وأنها مشروعة للأمة إلى يوم القيامة وقول من قال إن المراد به السؤال عن المتعة في أشهر الحج لا عن عمرة الفسخ باطل من وجوه:
أحدها أنه لم يقع السؤال عن ذلك ولا في اللفظ ما يدل عليه وإنما سأله عن تلك العمرة المعينة التي أمروا بالفسخ إليها ولهذا أشار إليها بعينها فقال متعتنا هذه ولم يقل العمرة في أشهر الحج.
الثاني أنه لو قدر أن السائل أراد ذلك فالنبي أطلق الجواب بأن تلك العمرة مشروعة إلى الأبد ومعلوم أنها مشتملة على وصفين كونها عمرة فسخ الحج إليها وكونها في أشهر الحج فلو كان المراد أحد الأمرين وهو كونها في أشهر الحج لبينه للسائل لا سيما إذا كان الفسخ حراما باطلا,

(5/143)


قال الاْوْزَاعِيّ: سَمِعْتُ عَطَاءَ بنَ أبي رَبَاحٍ يُحَدّثُ بِهذَا فلَمْ أحفَظْهُ حَتّى لَقِيتُ ابنَ جُرَيْجٍ فأَثْبَتَهُ لِي.
ـــــــ
وبه قال أحمد وطائفة من أهل الظاهر وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وغيرهم إن فسخ الحج إلى العمرة هو مختص بالصحابة في تلك السنة لا يجوز بعدها قالوا وإنما أمروا به في تلك السنة ليخالفوا ما كانت عليه الجاهلية من تحريم العمرة في أشهر الحج، واستدلوا بحديث أبي ذر وحديث الحرث بن بلال عن أبيه وسيأتيان عند المؤلف. قالوا ومعنى قوله للأبد جواز الاعتمار في أشهر الحج أو القران فهما جائزان إلى يوم القيامة. وأما فسخ الحج إلى العمرة فمختص بتلك السنة. وقد عارض المجوزون للفسخ ما احتج به المانعون بأحاديث كثيرة عن أربعة عشر من الصحابة قد ذكر ابن تيمية في المنتقى منها أحاديث عشرة منهم وهم جابر وسراقة ابن مالك وأبو سعيد وأسماء وعائشة وابن عباس وأنس وابن عمر والربيع بن سبرة والبراء والأربعة الباقية هم حفصة وعلي وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو موسى. قال المنذري:
ـــــــ
فكيف يطلق الجواب عما يجوز ويشرع وما لا يحل ولا يصح إطلاقا واحدا هذا مما ينزه عنه آحاد أمته فضلا عنه ومعلوم أن من سئل عن أمر يشتمل على جائز ومحرم وجب عليه أن يبين للسائل جائزه من حرامه ولا يطلق الجواز والمشروعية عليه إطلاقا واحدا.
الثالث أن النبي قد اعتمر قبل ذلك ثلاث عمر كلهن في أشهر الحج وقد علم ذلك الخاص والعام أفما كان في ذلك ما يدل على جواز العمرة في أشهر الحج؟!
الرابع أن النبي قال لهم عند إحرامهم "من شاء أن يهل بعمرة فليهل" وفي هذا أعظم البيان لجواز العمرة في أشهر الحج.
الخامس أنه خص بذلك الفسخ من لم يكن معه هدي وأما من كان معه هدي فأمره بالبقاء على إحرامه وأن لا يفسخ فلو كان المراد ما ذكروه لعم الجميع بالفسخ ولم يكن للهدي أثر أصلا فإن سبب الفسخ عندهم الإعلام المجرد بالجواز وهذا الإعلام لا تأثير للهدي في المنع منه.
السادس أن طرق الإعلام بجواز الاعتمار في أشهر الحج أظهر وأبين قولا وفعلا من الفسخ فكيف يعدل عن الإعلام بأقرب الطرق وأبينها وأسهلها وأدلها إلى الفسخ الذي ليس بظاهر فيما ذكره من الإعلام والخروج من نسك إلى نسك وتعويضهم بسعة ذلك عليهم لمجرد الإعلام الممكن الحصول بأقرب الطرق وقد بين ذلك غاية البيان بقوله وفعله فلم يحلهم بالإعلام على الفسخ.
السابع أنه لو فرض أن الفسخ للإعلام المذكور لكان ذلك دليلا على دوام مشروعيته إلى يوم =

(5/144)


......................................
ـــــــ
= القيامة فإن ما شرع في المناسك لمخالفة المشركين مشروع أبدا كالوقوف بعرفة لقريش وغيرهم والدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس.
الثامن أن هذا الفسخ وقع في آخر حياة النبي ولم يجىء عنه كلمة قط تدل على نسخه وإبطاله ولم تجمع الأمة بعده على ذلك بل منهم من يوجبه كقول حبر الأمة وعالمها عبد الله بن عباس ومن وافقه وقول إسحاق وهو قول الظاهرية وغيرهم ومنهم من يستحبه ويراه سنة رسول الله كقول إمام أهل السنة أحمد بن حنبل وقد قال له سلمة بن شبيب ياأبا عبد الله كل شيء منك حسن إلا خصلة واحدة تقول بفسخ الحج إلى العمرة فقال ياسلمة كان يبلغني عنك أنك أحمق وكنت أدافع عنك والآن علمت أنك أحمق عندي في ذلك بضعة عشر حديثا صحيحه عن رسول الله أدعها لقولك وهو قول الحسن وعطاء ومجاهد وعبيد الله بن الحسن وكثير من أهل الحديث أو أكثرهم.
التاسع أن هذا موافق لحج خير الأمة وأفضلها مع خير الخلق وأفضلهم فإنه أمرهم بالفسخ إلى المتعة وهو لا يختار لهم إلا الأفضل فكيف يكون ما اختاره لهم هو المفضول المنقوص بل الباطل الذي لا يسوغ لأحد أن يقتدي بهم فيه؟
العاشر أن الصحابة رضي الله عنهم إذا لم يكتفوا بعمل العمرة معه ثلاثة أعوام في أشهر الحج وبقوله لهم عند الإحرام "من شاء أن يهل بعمرة فليهل" على جواز العمرة في أشهر الحج فهم أحرى أن يكتفوا بالأمر بالفسخ في العلم بجواز العمرة في أشهر الحج فإنه إذا لم يحصل لهم العلم بالجواز بقوله وفعله فكيف يحصل بأمره لهم بالنسخ.
الحادي عشر أن ابن عباس الذي روى أنهم كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور وأن النبي أمرهم لما قدموا بالفسخ هو كان يرى وجوب الفسخ ولا بد بل كان يقول كل من طاف بالبيت فقد حل من إحرامه ما لم يكن معه هدي وابن عباس أعلم بذلك فلو كان النبي إنما أمرهم بالفسخ للإعلام بجواز العمرة لم يخف ذلك على ابن عباس ولم يقل إن كل من طاف بالبيت من قارن أو حاج لا هدي معه فقد حل.
الثاني عشر أنه لا يظن بالصحابة الذين هم أصح الناس أذهانا وأفهاما وأطوعهم لله ولرسوله أنهم لم يفهموا جواز العمرة في أشهر الحج وقد عملوها مع رسول الله ثلاثة أعوام وأذن لهم فيها ثم فهموا ذلك من الأمر بالفسخ.
الثالث عشر أن النبي إما أن يكون أمرهم بالفسخ لأن التمتع أفضل فأمرهم بالفسخ إلى أفضل الأنساك أو يكون أمرهم به ليكون نسكهم مخالفا للمشركين في التمتع في أشهر الحج وعلى التقديرين فهو مشروع غير منسوخ إلى الأبد. =

(5/145)


..................................
ـــــــ
= أما الأول فظاهر وأما الثاني فلأن الشريعة قد استقرت ولا سيما في المناسك على قصد مخالفة المشركين فالنسك المشتمل على مخالفتهم أفضل بلا ريب وهذا واضح.
الرابع عشر أن السائل للنبي عمرتنا هذه لعامنا أم للأبد لم يرد به أنها هل تجزىء عن تلك السنة فقط أو عن العمر كله فإنه لو كان مراده ذلك لسأل عن الحج الذي هو فرض الإسلام ومن المعلوم أن العمرة إن كانت واجبة لم تجب في العمر إلا مرة واحدة ولأنه لو أراد ذلك لم يقل له النبي "بل لأبد الأبد" فإن أبد الأبد إنما يكون في حق الأمة "قوما يعرفون" إلى يوم القيامة وإن الأبد لا يكون في حق طائفة معينة بل هو لجميع الأمة ولأنه قال في رواية النسائي ألنا خاصة أم للأبد فدل على أنهم إنما سألوا هل يسوغ فعلها بعدك على هذا الوجه فأجابهم بأن فعلها كذلك سائغ أبد الأبد وفي رواية للبخاري أن سراقة بن مالك لقي النبي فقال ألكم هذه خاصة يارسول الله قال" بل للأبد".
الخامس عشر أن النبي أخبرهم في تلك الحجة أن كل من طاف بالبيت فقد حل إلا من كان معه الهدي ففي السنن من حديث الربيع بن سبرة عن أبيه قال خرجنا مع رسول الله حتى إذا كان بعسفان قال له سراقة بن مالك المدلجي يارسول الله اقض لنا قضاء قوم كأنما ولدوا اليوم فقال:"إن الله عزوجل قد أدخل عليكم في حجكم هذا عمرة فإذا قدمتم فمن تطوف بالبيت وبين الصفا والمروة فقد حل إلا من كان معه هدي" وسيأتي الحديث فهذا نص انفساخه شاء أم أبى كما قال ابن عباس وإسحاق ومن وافقهما وقوله اقض لنا قضاء قوم كأنما ولدوا اليوم يريد قضاء لازما لا يتغير ولا يتبدل بل نتمسك به من يومنا هذا إلى آخر العمر.
السادس عشر أن النبي لما سئل عن تلك العمرة التي فسخوا إليها الحج وتمتعوا بها ابتداء فقال:"دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة "كان هذا تصريحا منه بأن هذا الحكم ثابت أبدا لا ينسخ إلى يوم القيامة ومن جعله منسوخا فهذا النص يرد قوله وحمله على العمرة المبتدأة التي لم يفسخ الحج إليها باطل فإن عمدة الفسخ سبب الحديث فهي مرادة منه نصا وما عداها ظاهرا وإخراج محل السبب وتخصيصه من اللفظ العام لا يجوز فالتخصيص وإن تطرق إلى العموم فلا يتطرق إلى محل السبب وهذا باطل.
السابع عشر أن متعة الفسخ لو كانت منسوخة لكان ذلك من المعلوم عند الصحابة ضرورة كما كان من المعلوم عندهم نسخ الكلام في الصلاة ونسخ القبلة ونسخ تحريم الطعام والشراب على الصائم بعد ما ينام بل كان بمنزلة الوقوف بعرفة والدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس فإن هذا من أمور المناسك الظاهرة المشترك فيها أهل الإسلام فكان نسخه لا يخفى على أحد وقد كان ابن عباس إذا سألوه عن فتياه بها يقول سنة نبيكم وإن رغمتم فلا يراجعونه فكيف تكون منسوخة عندهم =

(5/146)


...............................
ـــــــ
= وابن عباس يخبر أنها سنة نبيهم ويفتي بها الخاص والعام وهم يقرونه على ذلك هذا من أبطل الباطل.
الثامن عشر أن الفسخ قد رواه عن النبي أربعة عشر من الصحابة وهم عائشة وحفصة وعلي وفاطمة وأسماء بنت أبي بكر وجابر وأبو سعيد وأنس وأبو موسى والبراء وابن عباس وسراقة وسبرة ورواه عن عائشة الأسود بن يزيد والقاسم وعروة وعمرة وذكوان مولاها ورواه عن جابر عطاء ومجاهد ومحمد بن علي وأبو الزبير ورواه عن أسماء صفية ومجاهد ورواه عن أبي سعيد أبو نضرة ورواه عن البراء أبو إسحاق ورواه عن ابن عمر سالم ابنه وبكر بن عبد الله ورواه عن أنس أبو قلابة ورواه عن أبي موسى طارق بن شهاب ورواه عن ابن عباس طاووس وعطاء وابن سيرين وجابر بن زيد ومجاهد وكريب وأبو العالية ومسلم القرشي وأبو حسان الأعرج ورواه عن سبرة ابنه.
فصار نقل كافة عن كافة يوجب العلم ومثل هذا لا يجوز دعوى نسخه إلا بما يترجح عليه أو يقاومه فكيف يسوغ دعوى نسخه بأحاديث لا تقاومه ولا تدانيه ولا تقاربه وإنما هي بين مجهول رواتها أو ضعفاء لا تقوم بهم حجة وما صح فيها فهو رأي صاحب قاله بظنه واجتهاده وهو أصح ما فيها وهو قول أبي ذر كانت المتعة لنا خاصة وما عداه فليس بشيء وقد كفانا رواته مؤنته فلو كان ما قاله أبو ذر رواية صحيحة ثابتة مرفوعة لكان نسخ هذه الأحاديث المتواترة به ممتنعا فكيف وإنما هو قوله ومع هذا فقد خالفه فيه عشرة من الصحابة كابن عباس وأبي موسى الأشعري وغيرهما.
التاسع عشر أن الفسخ موافق للنصوص والقياس.
أما موافقته للنصوص فلا ريب فيه كما تقدم وأما موافقته للقياس فإن المحرم إذا التزم أكثر مما كان التزمه جاز بالاتفاق فلو أحرم بالعمرة ثم أدخل عليها الحج جاز اتفاقا وعكسه لا يجوز عند الأكثرين وأبو حنيفة يجوزه على أصله فإن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين فإذا أدخل العمرة على الحج جاز عنده لالتزامه طوافا ثانيا وسعيا وإذا كان كذلك فالمحرم بالحج لم يلتزم إلا الحج إذا صار متمتعا صار ملتزما لعمرة وحج فكان ما التزمه بالفسخ أكثر مما كان عليه فجاز ذلك بل استحب له لأنه أفضل وأكثر مما التزمه أولا وإنما يتوهم الإشكال من يتوهم أنه فنسخ حج إلى عمرة وليس كذلك فإنه لو أراد أن يفسخ الحج إلى عمرة مفردة لم يجز عند أحد وإنما يجوز الفسخ لمن نيته أن يحج بعد متعته من عامه والمتمتع من حين يحرم بالعمرة دخل في الحج كما قال النبي دخلت العمرة في الحج فهذه المتعة التي فسخ إليها هي جزء من الحج ليست عمرة مفردة وهي من الحج بمنزلة الوضوء من غسل الجنابة فهي عبادة واحدة قد تخللها الرخصة بالإحلال وهذا لا يمنع أن تكون واحدة كطواف الافاضة فإنه من =

(5/147)


1785 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عن قَيْسِ بنِ سَعْدٍ عن عَطَاءِ بنِ أبي ربَاحٍ عن جَابِرٍ قال: "قَدِمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ لأَرْبَعِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الحجّةِ، فَلمّا طَافُوا بالْبَيْتِ وَبالصّفَا وَالمَرْوَةِ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "اجْعَلُوها عُمْرَةً إِلاّ مَنْ كانَ مَعَهُ الْهَدْيُ" فَلمّا كانَ يُوْمُ التّرْوِيَةِ أَهَلّوا بالحَجّ، فَلمّا كانَ يَوْمُ النّحْرِ قَدِمُوا فَطَافُوا بالْبَيْتِ وَلم يَطُوفُوا بَيْنَ الصّفَا وَالمَرْوَةِ".
1786 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا عبد الْوَهّابِ الثّقَفِيّ أخبرنا حَبِيبٌ - يَعْنى المُعَلّمَ - عن عَطَاءٍ حَدّثَني جَابرُ بنُ عبد الله: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أَهَلّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ
ـــــــ
وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه
"اجعلوها عمرة" خطاب لمن كان أهل بالحج مفرداً لأنهم كانوا ثلاث فرق قاله العيني أي افسخوه إلى العمرة لبيان مخالفة كانت عليه الجاهلية من تحريم العمرة في أشهر الحج. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه مختصراً ومطولاً.
ـــــــ
= تمام الحج ولا يفعل إلا بعد التحلل الأول وكذلك رمي الجمار أيام منى من تمام الحج وهو يفعل بعد التحلل التام.
وقول النبي "من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق" يتناول من حج حجة تمتع فيها بالعمرة وإن تحلل من إحرامه ولم تكن حجته مكية اذ لا ينقلهم الرؤوف الرحيم بهم من الفاضل الراجح إلى المفضول الناقص بل إنما نقلهم من المفضول إلى الفاضل الكامل لا يجوز غير هذا البتة.
العشرون أن القياس أنه إذا اجتمعت عبادتان كبرى وصغرى فالسنة تقديم الصغرى على الكبرى منهما ولهذا كان النبي يبدأ في غسل الجنابة الوضوء أولا ثم يتبعه الغسل وقال في غسل ابنته "ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها" فنسخ الحج إلى العمرة يتضمن موافقة هذه السنة.
فقد تبين أنه موافق للنصوص والقياس ولحج خيار الأمة مع نبيها ولو لم يمكن فيه نص لكان القياس يدل على جوازه من الوجوه التي ذكرنا وغيرها ولو تتبعنا أدلة جوازه لطالت وفي هذا كفاية والحمد لله
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وفيه اكتفاء المتمتع بسعي واحد كما تقدم والله أعلم.

(5/148)


بالحجّ وَلَيْسَ مَعَ أَحَدٍ [واحَدٍ] مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ هَدْيٌ إِلاّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَطَلْحَةَ، وكانَ عَلِيّ رَضِيَ الله عَنْهُ قَدِمَ مِنَ الْيَمَنِ وَمَعَهُ الْهَدْيُ [هَدْيٌ] فَقال: أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلّ بِهِ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، وَأَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً يَطُوفُوا ثُمّ يَقْصُرُوا وَيَحِلّوا إِلاّ مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ، فَقَالُوا: أَنَنْطَلِقُ إِلَى مِنًى وَذُكورُنَا [وَذُكرُنَا] تَقَطُرُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَقال: "لَوْ أَنّي [أَنّي لَوْ] اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي ما اسْتَدْبَرْتُ ما أَهْدَيْتُ، وَلَوْلاَ أَنّ مَعِي الْهَدْيَ لأَحْلَلْتُ" .
1787 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أنّ مُحمّدَ بنَ جَعْفَرٍ حَدّثَهُمْ عن شُعْبَةَ عن الْحَكَمِ عن مُجَاهِدٍ عن ابنِ عَبّاسِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أَنّهُ قال: "هَذِهِ عُمْرَةٌ اسْتَمْتَعْنَا بِهَا، فَمنْ لَم يَكُنْ عِنْدَهُ [معه] هَدْيٌ فَلْيَحِلّ الْحِلّ كُلّهُ، وَقَدْ دَخَلَتِ الْعُمَرَةُ في الحَجّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" .
ـــــــ
"ثم يقصروا" لم يأمرهم بالحلق ليتوفر الشعر يوم الحلق لأنهم يحلون بعد قليل بالحج لأن بين دخولهم مكة وبين يوم التروية أربعة أيام فقط "أننطلق إلى منى" بالهمزة للاستفهام التعجبي "وذكورنا تقطر" هو باب المبالغة أي نفضي إلى مجامعة النساء ثم نحرم بالحج عقب ذلك فنخرج وذكر أحدنا لقربه بالجماع يقطر منياً وحالة الحج تنافي الترفه وتناسب الشعث فكيف يكون ذلك "فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم " يعني بلغ النبي صلى الله عليه وسلم قولهم هذا وأنهم تمتعوا به وقلوبهم لا تطيب به لأنه صلى الله عليه وسلم غير متمتع وكانوا يحبون موافقته صلى الله عليه وسلم. قال المنذري: وأخرجه البخاري وفيه دليل على أن عقد الإحرام مبهماً من غير تعيين جائز وصاحبه بالخيار إن شاء صرفه إلى الحج والعمرة وإن شاء إلى أحدهما.
"هذه عمرة استمتعنا بها" قال الخطابي يحتج من ذهب إلى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان متمتعاً وتأوله من ذهب إلى خلافه على أنه أراد به من تمتع به من أصحابه فقد كان فيهم المتمتع والقارن والمفرد وهذا كما يقول الرجل الرئيس من قومه فعلنا كذا وصنعنا كذا ولو لم تباشر نفسه فعل شيء من ذلك وإنما هو حكاية عن فعل أصحابه يضيفها إلى نفسه على معنى أفعالهم صادرة عن رأيه منصرفة إلى إذنه "وقد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة" قال الخطابي
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وقوله "دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة" لا ريب في أنه من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم

(5/149)


قال أَبُو دَاوُد: هَذَا مُنْكَرٌ إِنّمَا هُوَ قَوْلُ ابنِ عَبّاسٍ.
1788 - حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُعَاذٍ حَدّثَني أبي أخبرنا النّهّاسُ عن عَطَاءٍ عن ابنِ عَبّاسٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "إذَا أَهَلّ الرّجُلُ بالحجّ ثُمّ قَدِمَ مَكَةَ فَطَافَ [وطَافَ] بالْبَيْتِ وَبالصّفَا وَالمَرْوَةِ فَقَدْ حَلّ وَهِيَ عُمْرَةٌ" .
ـــــــ
مختلف في تأويله يتنازعه الفريقان موجبوها ونافوها فرضاً فمن قال إنها واجبة كوجوب الحج عمر وابن عباس وبه قال عطاء وطاووس ومجاهد والحسن وابن سيرين والشعبي وسعيد بن جبير، وإلى إيجابها ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وقال الثوري في العمرة سمعنا إنها واجبة قلت فوجه الاستدلال من قوله دخلت العمرة في الحج لمن لا يراها واجبة أن فرضها ساقط بالحج وهو معنى دخولها فيه ومن أوجبها يتأول على وجهين أحدهما أن عمل العمرة قد دخل في عمل الحج فلا يرى على القارن أكثر من طواف واحد وسعي واحد كما لا يرى عليه أكثر من إحرام واحد والوجه الآخر أنها قد دخلت في وقت الحج وشهوره وكان أهل الجاهلية لا يعتمرون في أشهر الحج فأبطل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك لهذا القول قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي "هذا منكر" أي رفع هذا الحديث منكر قال المنذري: وفيما قاله أبو داوود نظر، وذلك أنه قد رواه الإمام أحمد بن حنبل ومحمد بن المثنى ومحمد بن بشار وعثمان بن أبي شيبة عن محمد بن جعفر عن شعبة مرفوعا ورواه أيضاً يزيد بن هارون ومعاذ العنبري وأبو داوود الطيالسي وعمر بن مرزوق عن شعبة مرفوعاً وتقصير من يقصر به من الرواة لا يؤثر فيما أثبته الحفاظ انتهى.
-"عن النهاس" بفتح النون وتشديد الهاء قال المنذري في إسناد الحديث النهاس بن قهم أبو الخطاب البصري لا يحتج بحديثه انتهى.
ـــــــ
يقل أحد أنه من قول ابن عباس وكذلك قوله هذه عمرة تمتعنا بها وهذا لا يشك فيه من له أدنى خبرة بالحديث والله أعلم.
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
والتعليل الذي تقدم لأبي داود في قوله هذا حديث منكر إنما هو لحديث عطاء هذا عن ابن عباس يرفعه إذا أهل الرجل بالحج فإن هذا قول ابن عباس الثابت عنه بلا ريب رواه عنه أبو الشعثاء وعطاء وأنس بن سليم وغيرهم من كلامه فانقلب على الناسخ فنقله إلى حديث مجاهد عن ابن عباس وهو إلى جانبه وهو حديث صحيح لا مطعن فيه ولا علة ولا يعلل أبو داود مثله ولا

(5/150)


قال أَبُو دَاوُد: رَوَاهُ ابنُ جُرَيجٍ عن رَجُلٍ عن عَطَاءٍ: دَخَلَ أَصْحَابُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم مُهِلّينَ بالحجّ خَالِصاً، فَجَعَلَهَا النّبيّ صلى الله عليه وسلم عُمْرَةً.
1789 - حدثنا الحَسَنُ بنُ شَوْكَرٍ وَ أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ قالا أخبرنا هُشَيْمٌ عن يَزِيدَ بنِ أبي زِيَادٍ، قال ابنُ مَنِيعٍ أخبرنِي [أنبأنا] يَزِيدُ بنُ أبي زِيَادٍ المَعْنَى عن مُجَاهِدٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قَالَ: أَهَلّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بالْحَجّ، فَلَمّا قَدِمَ طَافَ بالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصّفَا والمَرْوَةِ. وَقال ابنُ شَوْكَرٍ: وَلم يُقَصّرْ - اتّفَقَا - وَلم يَحِلّ مِنْ أَجْلِ الْهَدْيِ، وَأَمَرَ مَنْ لَم يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ أَنْ يَطُوفَ وَأَنْ يَسْعَى وَيُقَصّرَ ثُمّ يَحِلّ. زَادَ [قال] ابنُ مَنِيعٍ في حَدِيثِهِ: أوْ يَحْلِقِ ثُمّ يَحِلّ".
1790 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالحٍ أخبرنا عبد الله بنُ وَهْبٍ أخبرني حَيْوَةُ أخبرني أبُو عِيسَى الْخَراسَانِيّ عن عبد الله بنِ الْقَاسِمِ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ أَنّ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أَتَى عُمَرَ بنَ الْخَطّابِ رَضِيَ الله عَنْهُ فَشَهِدَ عِنْدَهُ أَنّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم في مَرَضِهِ الّذِي قُبِضَ فِيهِ يَنْهَى عن الْعُمْرَةِ قَبْلَ الْحَجّ.
ـــــــ
"ولم يحل من أجل الهدي" فيه أن من ساق الهدي لا يتحلل من عمل العمرة حتى يهل بالحج ويفرغ منه، وفيه أنه لا يحل حتى ينحر هديه وهو قول أبي حنيفة رحمه الله وأحمد رحمه الله، وفيه دليل على أنه صلى الله عليه وسلم كان قارناً قال المنذري: في إسناده يزيد بن أبي زياد أبو عبد الله الكوفي تكلم فيه غير واحد وأخرج له مسلم في الشواهد.
"ينهي عن العمرة قبل الحج" قال الخطابي في إسناد هذا الحديث مقال، وقد اعتمر
ـــــــ
من هو دون أبي داود وقد اتفق الأئمة الأثبات على رفعه والمنذري رحمه الله رأى ذلك في السنن فنقله كما وجده والأمر كما ذكرنا والله أعلم.
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وهذا الحديث باطل ولا يحتاج تعليله إلى عدم سماع ابن المسيب من عمر فإن ابن المسيب إذا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حجة قال الإمام أحمد إذا لم يقبل سعيد بن المسيب عن عمر فمن يقبل وقال أبو محمد بن حزم هذا حديث في غاية الوهي والسقوط لأنه مرسل عمن لم يسم وفيه أيضا ثلاثة مجهولون أبو عيسى الخراساني وعبد الله بن القاسم وأبوه ففيه خمسة عيوب وهو ساقط لا يحتج به من له أدنى علم وقال عبدالحق هذا منقطع ضعيف الإسناد.

(5/151)


1791 - حدثنا مُوسَى أبُو سَلَمَةَ أخبرنا حَمّادٌ عن قَتَادَةَ عن أبي شَيْخٍ الْهُنَائِيّ خَيْوَان [حَيْوَان] بنِ خَلْدَةَ مِمّنْ قَرَأَ عَلَى أبي مُوسَى الأَشْعَرِيّ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ أَنْ مُعَاوِيَةَ بنَ أبي سُفْيَانَ قال لأَصْحَابِ [يا أَصْحَابِ] النّبيّ صلى الله عليه وسلم: هَلْ تَعَلَمُونَ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهَى عن كَذَا وَكَذَا وَعن رُكُوبِ جُلُودِ النّمُورِ؟ قالُوا: نَعَمْ. قال: فَتَعَلمُونَ أَنّهُ نَهَى أنْ يُقْرَنَ بَيْنَ الْحَجّ وَالْعُمْرَةِ؟ فَقالُوا: أَمّا هَذَا [هَذَه] فَلاَ، فَقال: أمَا إنّهَا مَعَهُنّ وَلَكِنّكُم نَسِيتُمْ.
ـــــــ
رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرتين قبل حجه، والأمر الثابت المعلوم لا يترك بالأمر المظنون وجواز ذلك إجماع من أهل العلم لم يذكر فيه خلاف وقد يحتمل أن يكون النهي عنه اختياراً واستحباباً وأنه إنما أمر بتقديم الحج لأنه أعظم الأمرين وأهمهما ووقته محصور والعمرة ليس لها وقت مؤقت وأيام السنة كلها تتسع لذلك وقدم الله اسم الحج عليها فقال: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} انتهى قال المنذري: سعيد بن المسيب لم يصح سماعه من عمر بن الخطاب.
-"خيوان" بالخاء المعجمة ويقال بالحاء المهملة والهنائي بضم الهاء وتخفيف النون كذا في التقريب "ممن قرأ" القرآن وغير ذلك على أبي موسى الأشعري الصحابي فأبو شيخ يروي عن أبي موسى ومعاوية بن أبي سفيان "من أهل البصرة" هذه صفة لأبي شيخ أي هو بصري "جلود النمور" جمع نمر بكسر النون وسكون الميم وهو سبع أخبث وأجرأ من الأسد "أما هذا" أي النهي عن القران "فقال" معاوية "أما" حرف التنبيه "إنها" أي العمرة مع الحج وهو القران "معهن" أي مع هذه الأمور المذكورة في النهي. قال الخطابي: جواز الفرق بين الحج والعمرة إجماع من الأمة
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وقال عبدالحق لم يسمع أبو شيخ من معاوية هذا الحديث وإنما سمع منه النهي عن ركوب جلود النمور فأما النهي عن القران فسمعه من أبي حسان عن معاوية بن مرة يقول عن أخيه حمان ومرة يقول جمان وهم مجهولون وقال ابن القطان يرويه عن أبي شيخ رجلان قتادة ومطرف لا يجعلان بين أبي شيخ وبين معاوية أحدا ورواه عنه بيهس بن فهدان فذكر سماعه من معاوية لفظ النهي عن ركوب جلود النمور خاصة قال النسائي ورواه عن أبي شيخ يحيى بن أبي كثير فأدخل بينه وبين معاوية رجلا اختلفوا في ضبطه فقيل أبو حماز وقيل حمان وهو أخو أبي شيخ.
وقال الدارقطني القول قول من لم يدخل بين أبي شيخ ومعاوية فيه أحدا يعنى قتادة ومطرفا وبيهس بن فهدان.

(5/152)


......................
ـــــــ
ولا يجوز أن يتفقوا على جواز شيء منهى عنه، ولم يوافق الصحابة معاوية على هذه الرواية ولم يساعدوه عليها، ويشبه أن يكون ذهب في ذلك إلى تأويل قوله حين أمر أصحابه في حجته بالإحلال فشق عليهم "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي" وكان قارناً فيما دلت عليه هذه القصة، فحمل معاوية هذا الكلام منه على الهدي انتهى. قال السندي: لم يوافق الصحابة معاوية على هذه الرواية وإن ثبت يحمل على الأفضل لأن الإفراد أفضل من القران أي على بعض المذاهب انتهى. قال المنذري: وأخرجه النسائي مختصراً. وقد اختلف في هذا الحديث اختلافاً كثيراً فروي كما ذكرنا وروى عنه عن أبي شيخ عن أخيه حمان ويقال أبو حمان عن معاوية، وروى عن بيهس بن فهدان عن أبي شيخ عن عبد الله بن عمرو بن بيهس عن أبي
ـــــــ
وقال غيره أبو شيخ هذا لم نعلم عدالته وحفظه ولو كان حافظا لكان حديثه هذا معلوم البطلان إذ هو خلاف المتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من فعله وقوله فإنه أحرم قارنا رواه عنه ستة عشر نفسا من أصحابه وخير أصحابه بين القران والإفراد والتمتع وأجمعت الأمة على جوازه ولو فرض صحة هذا عن معاوية فقد أنكر الصحابة عليه أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه فلعله وهم أو اشتبه عليه نهيه عن متعة النساء بمتعة الحج كما اشتبه على غيره والقران داخل عندهم في اسم المتعة وكما اشتبه عليه تقصيره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض عمره بأن ذلك في حجته وكما اشتبه على ابن عباس نكاح رسول الله صلى الله عليه وسلم لميمونة فظن أنه نكحها محرما وكان قد أرسل أبا رافع إليها ونكحها وهو حلال فاشتبه الأمر على ابن عباس وهذا كثير.
ووقع في بعض نسخ سنن أبي داود نهى أن يفرق بين الحج والعمرة بالفاء والقاف قال ابن حزم هكذا روايتي عن عبد الله بن ربيع وهكذا في كتابه وهو والله أعلم وهم والمحفوظ يقرن في هذا الحديث تم كلامه وقد رواه النسائي في سننه قال حدثنا أبو داود أخبرنا يزيد بن هارون أخبرنا شريك بن أبي فروة عن الحسن قال خطب معاوية الناس فقال إني محدثكم بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فصدقوني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تلبسوا الذهب إلا مقطعا" قالوا سمعنا قال وسمعته يقول: "من ركب جلود النمور لم تصحبه الملائكة" قالوا سمعنا قال وسمعته ينهي عن المتعة قالوا لم نسمع فقال بلى وإلا فصمتا فهذا أصح من حديث أبي شيخ وإنما فيه النهي عن المتعة وهي والله أعلم متعة النساء فظن من ظن أنها متعة الحج والقران متعة فرواه بالمعنى فأخطأ خطأ فاحشا وعلى كل حال فليس أبو شيخ ممن يعارض به كبار الصحابة الذين رووا القران عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإخباره أن العمرة دخلت في الحج إلى يوم القيامة وأجمعت الأمة عليه والله أعلم.

(5/153)


...................................
ـــــــ
شيخ عن معاوية. واختلفوا على يحيى بن أبي كثير فيه، فروى عنه عن أبي شيخ عن أخيه، وروى عنه عن أبي إسحاق عن حمان، وروى عنه حدثني حمران من غير واسطة وسماه حمران انتهى كلامه.

(5/154)


24 - باب في الإقران
1792 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا هُشَيْمٌ أنبأنا [أخبرنا] يَحْيَى بنُ أبي إسْحَاقَ وَ عبد الْعَزِيزِ بنُ صُهَيْبٍ وَ حَمَيْدُ الطّوِيلُ عن أنَسِ بنِ مَالِكٍ أَنّهُمْ سَمِعُوهُ يقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يُلَبّي بالْحَجّ وَالْعُمْرَةِ جَمِيعاً، يقُولُ: "لَبّيْكَ عُمْرَةً وَحَجّا، لَبّيْكَ عُمْرَةً وَحَجّا" .
1793 - حدثنا أبُو سَلَمَةَ مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا وُهَيْبٌ أخبرنا أَيّوبُ عن أبِي قِلاَبَةَ عن أنَسٍ: أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بَاتَ بِهَا - يَعْنِي بِذِي الْحُلَيْفَةِ - حَتّى أَصْبَحَ، ثُمّ ركِبَ،
ـــــــ
باب في الإقران
"يقول لبيك عمرة وحجا" هو من أدلة القائلين بأن حجه صلى الله عليه وآله وسلم كان قراناً، وقد رواه عن أنس عن جماعة من التابعين منهم الحسن البصري وأبو قلابة وحميد بن هلال وحميد بن عبد الرحمَن الطويل وقتادة ويحيى بن سعيد الأنصاري وثابت البناني وبكر بن عبد الله المزني وعبد العزيز بن صهيب وسليمان ويحيى بن أبي إسحاق وزيد بن أسلم ومصعب بن سليم وأبو قدامة عاصم بن حسين وسويد بن حجر الباهلي. قاله الشوكاني.
والحديث يحتج به من يقول بالقران وقد قدمنا أن الصحيح المختار في حجة النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان في أول إحرامه مفرداً ثم أدخل العمرة على الحج فصار قارناً وجمعنا بين الأحاديث أحسن جمع. فحديث ابن عمر عند مسلم وغيره محمول على أول إحرامه صلى الله عليه وسلم، وحديث أنس محمول على أواخره وأثنائه وكأنه لم يسمعه أولا، ولابد من هذا التأويل أو نحوه ليكون روايته موافقة لرواية الأكثرين. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه مطولاً ومختصراً.
"بات بها" فيه استحباب المبيت بميقات الإحرام "حتى أصبح" ظاهره أن إهلاله كان بعد صلاة الصبح، لكن عند مسلم من طريق أبي حسان عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بذي الحليفة ثم دعا بناقته فأشعرها ثم ركب راحلته فلما استوت به على البيداء أهل بالحج.
وللنسائي من طريق الحسن عن أنس أنه صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بالبيداء ثم ركب، ومجمع

(5/154)


حَتّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ حَمِدَ الله وَسَبّحَ وَكَبّرَ ثُمّ أَهَلّ بِحَجَّ [بِحَجَّةٍ] وَعُمْرَةٍ، وَأَهَلّ النّاسُ بِهمَا، فَلمّا قَدِمْنَا أَمَرَ النّاسَ فَحَلّوا حَتّى إذَا كَانَ يَوْمُ التّرْوِيَةِ أَهَلّوا بالْحَجّ وَنَحَرَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم سَبْعَ بَدَنَاتٍ بِيَدِهِ قِيَاماً.
قال أَبُو دَاوُد: الّذِي تَفَرّدَ بِهِ يَعْنِي أَنَساً مِنْ هذَا الحَدِيثِ أَنّهُ بَدَأَ بالْحَمدِ وَالتّسْبِيحِ وَالتّكْبِيرِ ثُمّ أَهَلّ بالحَجّ.
1794 - حدثنا يَحْيَى بنُ مُعِينٍ أخبرنا حَجّاجٌ أخبرنا يُونُسُ عن أبي إِسْحَاقَ عن الْبَرَاءِ بنِ عَازِبٍ قال: كُنْتُ مَعَ عَلِيَ رَضِيَ الله عَنْهُ حِينَ أَمّرَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى الْيَمَنِ، قال: فأَصَبْتُ مَعَهُ أَوَاقاً [أَوَاقي من ذهب] قال: فَلَمّا قَدِمَ عَليّ مِنَ الْيَمَنِ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قال: وَجَدْتُ فَاطِمَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا قَدْ لَبِسَتْ ثِيَاباً صَبِيغاً وَقَدْ نَضَحَتِ الْبَيْتَ بِنَضُوحٍ [وَقَدْ نَضَختِ الْبَيْتَ بِنَضُوخ] فَقَالَتْ: مَا لَكَ فإِنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَدْ أَمَرَ أَصْحَابَهُ فأَحَلّوا. قال قُلْتُ لَها: إِنّي أَهْلَلْتُ بِإِهْلاَلِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم. قال: فأَتَيْتُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَقال لِي: "كَيْفَ صَنَعْتَ"؟ قال قُلْتُ: أَهَلَلْتُ بِإِهْلاَلِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم. قال: "فإِنّي
ـــــــ
بينهما بأنه صلاها في آخر ذي الحليفة وأول البيداء. قاله الحافظ والله أعلم "ثم ركب حتى إذا استوت" أي بعد الاستواء على الدابة لا حال وضع الرجل مثلا في الركاب "ثم أهل بحج وعمرة" فيه رد على من زعم أنه يكتفي بالتسبيح وغيره عن التلبية، ووجه ذلك أنه صلى الله عليه وسلم أتى بالتسبيح وغيره ثم لم يكتف به حتى لبى "وأهل الناس بهما" فيه استحباب أن تكون تلبية الناس بعد تلبية كبير القوم "إذا كان يوم التروية" بضم يوم لأن كان تامة وهو اليوم الثامن من ذي الحجة كذا في الفتح "قياماً" فيه استحباب نحر الإبل قائمة "تفرد به يعني أنساً" وتفرد الصحابة لا يضر فإنهم كلهم عدول وزيادات الثقات الأثبات معتبرة. وبوب البخاري في صحيحه باب التحميد والتسبيح والتكبير قبل الإهلال عند الركوب على الدابة. قال المنذري: وأخرجه البخاري بنحوه.
"ثياباً صبيغاً" فعيل ههنا بمعنى مفعول أي مصبوغات "وقد نضحت" بفتح النون والضاد المعجمة والحاء المهملة "بنضوح" بفتح النون وضم الضاد المعجمة بعد الواو حاء مهملة وهي ضرب من الطيب تفوح رائحة "فقالت" ههنا كلام محذوف تقديره فأنكر عليها صبغ ثيابها ونضح بيتها بالطيب فقالت "قد أمر أصحابه فأحلوا" في رواية مسلم: فوجد فاطمة ممن حلت

(5/155)


قَدْ سُقْتُ الْهَدْيَ وَقَرَنتُ". قال فَقال لِي: "انْحَرْ مِنَ الْبُدْنِ سبْعاً وَسِتّينَ أوْ سِتّا وَسِتّينَ، وَأَمْسَكْ لِنَفْسِكَ ثَلاَثاً وَثَلاثِينَ أَوْ أَرْبَعاً وَثَلاَثِينَ، وَأَمْسِكْ لِي مِنْ كلّ بَدَنَةٍ مِنْهَا بَضْعةً" .
ـــــــ
ولبست ثياباً صبيغاً واكتحلت، فأنكر ذلك عليها قالت أمرني أبي بهذا "فقال لي انحر من البدن" هكذا وقع في رواية أبي داوود ولا يخلو من الوهم ويشبه أن يكون المراد أي انحر أنت عنى وعن نفسي من البدن ستاً وستين وانحر بقية من هذا العدد لنفسك، فعلى هذا يكون النحر لكل من البدنة بيد علي رضي الله عنه لكن قد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم نحر غالب العدد لنفسه بيده كما سيجيء، أو المراد هييء لنحري وأحضرني في المنحر لكي أنحر هذا العدد المذكور بيدي وانحر أنت هذا العدد بيدك والله أعلم "أو ستاً وستين" وكان جملة الهدي الذي قدم به على من اليمين والذي أتى به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مائة كما في صحيح مسلم.
وفي لفظ لمسلم: فنحر ثلاثاً وستين بيده ثم أعطى علياً فنحر ما غبر. قال النووي والقرطبي ونقله القاضي عن جميع الرواة: إن هذا هو الصواب لا ما وقع في رواية أبي داوود "بضعة" بفتح الباء الموحدة وهي القطعة من اللحم وفي صحيح مسلم: ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر وطبخت، فأكل هو وعلي من لحمها وشربا من مرقها.
واستدل بهذا الحديث من قال إن حجه صلى الله عليه وآله وسلم كان قراناً وهو واضح لأنه صلى الله عليه وآله وسلم أعلم بما كان نواه وقصده من ذلك وفيه دليل على صحة الإحرام معلقاً وعلى جواز الاشتراك في الهدي. وفيه دليل على جواز أكل القارن والمتمتع من لحم هديه. قال المنذري: وأخرجه النسائي وفي إسناده يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وقد احتج به مسلم وأخرجه جماعة. وقال الإمام أحمد حديثه فيه زيادة على حديث الناس. وقال البيهقي كذا في هذه الرواية وقرنت وليس ذلك في حديث جابر وصف قدوم علي وإهلاله وحديث جابر أصح سنداً وأحسن سياقاً ومع حديث جابر حديث أنس يريد أن حديث أنس ذكر فيه قدوم على ذكر إهلاله وليس فيه قرنت وهو في الصحيحين: وهذه القصة مذكورة في حديث جابر الطويل.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
ومن تأمل الأحاديث الواردة في هذا الباب حق التأمل جزم جزما لا ريب فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم في حجته قارنا ولا تحتمل الأحاديث غير ذلك بوجه من الوجوه أصلا قال الإمام أحمد لا أشك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قارنا تم كلامه وقد روى عنه ذلك خمسة عشر من أصحابه وهم عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعائشة أم المؤمنين وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عباس وعمران بن حصين والبراء بن عازب وحفصة أم المؤمنين وأنس بن مالك

(5/156)


......................................
ـــــــ
وأبو قتادة وابن أبي أوفى فهؤلاء صحت عنهم الرواية بغاية البيان والتصريح ورواه الهرماس بن زياد وسراقة بن مالك وأبو طلحة وأم سلمة لكن روت أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أهله بالقران وهؤلاء منهم من أخبر عن لفظه في إهلاله بنسكه أنه قال لبيك حجا وعمرة كأنس وهو متفق على صحته وكعلي بن أبي طالب فإنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي بهما جميعا وهو في الصحيحين والنسائي وسنن أبي داود ولفظ أصحاب الصحيح أن عليا أهل بحج وعمرة وقال ما كنت لأدع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول أحد فقد أخبر علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبى بهما جميعا وأهل هو بهما جميعا وأخبر أنها سنة النبي صلى الله عليه وسلم ووافقه عثمان على ذلك ومنهم من أخبر عن خبره صلى الله عليه وسلم عن نفسه بأنه كان قارنا وهم البراء بن عازب فإنه روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لفظه أنه قال لعلي: " إني سقت الهدي وقرنت" وهو حديث صحيح رواه أهل السنن ومنهم من أخبر عنه صلى الله عليه وسلم باللفظ الذي أمره به ربه وهو أن يقول عمرة في حجة كعمر بن الخطاب وحمل ذلك على أنه أمر بتعليمه كلام في غاية البطلان ومن تأمل سياق الحديث ولفظه ومقصوده علم بطلان هذا التأويل الفاسد.
وقولهم إن الرواية الصحيحة قل عمرة وحجة وأنه فصل بينهما بالواو فهو صريح في نفس القران فإنه جمع بينهما في إحرامه وامتثل صلى الله عليه وسلم أمر ربه وهو أحق من امتثله فقال: "لبيك عمرة وحجا" بالواو.
وقولهم يحتمل أن يريد به أنه يحرم بعمرة إذا فرغ من حجته قبل أن يرجع إلى منزله فعياذا بالله من تقليد يوقع في مثل هذه الخيالات الباطلة فمن المعلوم بالضرورة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعتمر بعد حجته قط هذا ما لا يشك فيه من له أدنى إلمام بالعلم وهو صلى الله عليه وسلم أحق الخلق بامتثال أمر ربه فلو كان أمر أن يعتمر بعد الحج كان أولى الخلق بالمبادرة إلى ذلك ولا ريب أنه صلى الله عليه وسلم اعتمر مع حجته فكانت عمرته مع الحج لا بعده قطعا ونصرة الأقوام إذا أفضت بالرجل إلى هذا الحد ظهر قبحها وفسادها.
وقولهم محمول على تحصيلمها معا قلنا أجل وقد حصلهما صلى الله عليه وسلم جميعا بالقران على الوجه الذي أخبر به عن نفسه وتبعه أصحابه من إهلاله ومنهم من أخبر عن فعله وهو عمران بن حصين في الصحيحين عنه قال جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين حجة وعمرة وتأويل هذا بأنه أمر أو إذن في غاية الفساد ولهذا قال تمتع وتمتعنا معه فأخبر عن فعله وفعلهم وسمي القران تمتعا وهو لغة الصحابة كما سيأتي.
ومنهم من أخبر عن إهلاله بهما أحدهما بعد الآخر وهم عبد الله بن عمر وعائشة ففي الصحيحين عنهما وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج وعن عائشة مثله وفي الصحيحين عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر الرابعة مع حجته ومن المعلوم ضرورة أنه لم يعتمر بعد الحج فكانت عمرته مع حجته قطعا وفي الصحيحين مثله عن أنس واتفق ستة عشرة

(5/157)


......................
ـــــــ
نفسا من الثقات عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل بهما جميعا وهم الحسن البصري وأبو قلابة وحميد بن هلال وحميد بن عبدالرحمن الطويل وقتادة ويحيى بن سعيد الأنصاري وثابت البناني وبكر بن عبد الله المزني وعبدالعزيز بن صهيب وسليمان التيمي ويحيى بن أبي إسحاق وزيد بن أسلم ومصعب ابن سليم وأبو أسماء وأبو قدامة وأبو قزعة الباهلي.
وروى البزار من حديث ابن أبي أوفى قال إنما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الحج والعمرة لأنه علم أنه لا يحج بعد عامه ذلك وروى أبو القاسم البغوي من حديث سفيان بن عيينة عن ابن أبي خالد أنه سمع عبد الله بن أبي قتادة يقول إنما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بن الحج والعمرة لأنه علم أنه لا يحج بعدها وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث الهرماس بن زياد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بالحج والعمرة وروى ابن أبي شيبة حدثنا شبابة حدثنا الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي عمران قال دخلت على أم سلمة أم المؤمنين فقالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أهلوا ياآل محمد بعمرة وحج" ولم يكن صلى الله عليه وسلم يختار لآله إلا أفضل الأنساك وهو الذي اختاره لعلي وأخبر عن نفسه أنه فعله.
فهذه الأحاديث صحيحة صريحة لا تحتمل مطعنا في مسندها ولا تأويلا يخالف مدلولها وكلها دالة على أنه صلى الله عليه وسلم كان قارنا.
والذين عليهم مدار الإفراد أربعة عائشة وابن عمر وجابر وابن عباس وكلهم قد روى القران .
أما ابن عمر وعائشة ففي الصحيحين عن ابن عمر أنه قال بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج وفي الصحيحين عن عروة أن عائشة أخبرته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تمتعه بالحج إلى العمرة وتمتع الناس معه بمثل هذا وروى عبدالرزاق حدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع أن ابن عمر قرن بين الحج والعمرة فطاف بالبيت لهما وبين الصفا والمروة طوافا واحدا وقال هكذا صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم ورواه مسلم عن قتيبة عن الليث عن نافع عن ابن عمر وقالت عائشة اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا سوى التي قرن بحجة الوداع ذكره أبو داود وسيأتي وروى الثوري عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حج ثلاث حجج قبل أن يهاجر وحجة بعد ما هاجر معها عمرة الحديث وفي صحيح مسلم عن ابن عباس أهل النبي صلى الله عليه وسلم بعمرة وأهل أصحابه بحج فلم يحل النبي صلى الله عليه وسلم ولا من ساق الهدي من أصحابه وحل بقيتهم وسيأتي في كتاب السنن عن عكرمة عنه قال اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر عمرة الحديبية والثانية حين تواطؤوا على عمرة قابل والثالثة من الجعرانة والرابعة التي قرن مع حجته وهذا العمرة التي قرنها مع حجته هي التي قال فيها أهل النبي صلى الله عليه وسلم بعمرة ردا على من قال أهل بحج مفرد ولم يقل أحد من هؤلاء ولا من غيرهم

(5/158)


1795 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا جَرِيرٌ بنُ عبد الْحَمِيدِ عن مَنْصُورٍ عن أبي وَائِلٍ قال قال الصّبَيّ بنُ مَعبد : أَهْلَلْتُ بِهمَا مَعاً، فَقال عُمَرُ: هُدِيتَ لِسُنّةِ نِبِيّكَ صلى الله عليه وسلم.
1796 - حدثنا مُحمّدُ بنُ قُدَامَةَ بنِ أعْيَنَ وَ عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ المَعْنَى قالا حدثنا جَرِيرُ بنُ عبد الْحَمِيدِ عن مَنْصُورٍ عن أبي وَائِلٍ قال قال الصّبَيّ بنُ مَعبد : كُنْتُ رجُلاً أَعْرابِيّا نَصْرَانِيّا فأَسْلَمْتُ، فأَتَيْتُ رَجُلاً مِنْ عَشِيرَتِي يُقَالُ لَهُ هُدَيْمُ
ـــــــ
"قال الصبي بن معبد " هو بضم صاد مهملة وفتح باء موحدة وتشديد ياء. قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه. قال البيهقي: وهذا الحديث يدل على جواز القران فإنه ليس بضلال كما توهمه زيد بن صوحان وسلمان بن ربيعة إلا أنه أفضل من غيره.
"حدثنا محمد بن قدامة" هذا الحديث في رواية ابن داسة دون اللؤلؤي "هديم" بالهاء المضمومة وفتح الدال المهملة قاله ابن الأثير. وقال ابن ماكولا: بضم الهاء وبالذال المعجمة وهو هذيم بن عبد الله بن علقمة وقد جعله أبو عمر هريم بالراء "بن ثرملة" بالثاء المثلثة ثم
ـــــــ
قط عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إني أفردت الحج كما قال قرنت ولا قال سمعته يقول لبيك حجا كما قال:"لبيك حجا وعمرة" ولا هو أخبر عن نفسه بذلك ولا أحد من الصحابة أخبر عن لفظ إهلاله به.
فأما إخباره عن نفسه بالقران وإخبار أصحابه عنه بلفظه فصريح لا معارض له.
والذين رووا الإفراد قد تبين أنهم رووا القران والتمتع وهم لا يتناقضون في رواياتهم بل رواياتهم يصدق بعضها بعضا وإنما وقع الإشكال حيث لم تقع الإحاطة بمعرفة مراد الصحابة ولغتهم فإنهم كانوا يسمون القران تمتعا كما في الصحيحين من حديث ابن عمر وقد تقدم وحديث علي أن عثمان لما نهى عن المتعة قال علي لبيك بهما وقال لم أكن لأدع سنة رسول الله لقول أحد ومن قال أفرد الحج لم يقل أفرد إهلال الحج وإنما من مراده أنه اقتصر على أعمال الحج ودخلت عمرته في حجه فلم يفرد كل واحد من النسكين بعمل ولهذا أخبر أيضا أنه قرن فعلم أن مراده بالإفراد ما ذكرنا.
ومن قال تمتع أراد به التمتع العام الذي يدخل فيه القران بنص القرآن في قوله تعالى {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ}والقارن داخل في هذا النص فتمتع صلى الله عليه وسلم بترفهه بسقوط أحد السفرين وقرن بجمعه في إهلاله بين النسكين وأفرد فلم يطف طوافين ولم يسع سعيين ومن تأمل الأحاديث الصحيحة في هذا الباب حزم بهذا وهذا فصل النزاع والله أعلم.

(5/159)


[هُذَيْمُ] بنُ ثُرْمُلَةَ فَقُلْتُ لَهُ: يَاهَنَاهْ[يَاهَنَتاهْ] إِنّي حَرِيصٌ عَلَى الْجِهَادِ وَإِنّي وَجَدْتُ الْحَجّ وَالْعُمْرَةَ مَكْتُوبَيْنِ عَلَيّ فَكَيْفَ لِي بأنْ أَجْمَعَهُمَا؟ قال: اجْمَعْهُمَا وَاذْبَحْ ما اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، فأَهْلَلْتُ بِهمَا مَعاً، فَلمّا أَتَيْتُ الْعُذَيبَ لَقِيَنِي سَلْمَانُ بنُ رَبِيعَةً وَزَيْدُ بنُ صُوحَانَ وأَنَا أُهِلّ بِهِمَا، فَقال أَحَدُهُمَا لِلآخَرِ: مَا هَذَا بِأَفْقَهُ مِنْ بَعِيْرِه، قَالَ: فَكَأَنّمَا أُلْقِيَ عَلَيّ جَبَلٌ حتّى أَتَيْتُ عُمَرَ بنَ الْخَطّابِ رَضِيَ الله عَنْهُ، فَقُلْتُ لَهُ: يا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ إِنّي كُنْتُ رَجُلاً أَعَرَابِياً نَصْرَانِيّا وَإِنّي أَسْلَمْتُ وَأَنَا حَرِيصٌ عَلَى الْجِهادِ، وَإِنّي وَجَدْتُ الحَجّ وَالْعُمْرَةَ مَكْتُوبيْنَ عَلَيّ، فأَتَيْتُ رَجُلاً مِنْ قَوْمِي فَقال لِيَ اجْمَعْهُمَا وَ[ثم] اذْبَحْ ما اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، وَإِني أَهْلَلْتُ بِهمَا مَعاً، فَقال لِي عُمَرُ: هُدِيتَ لِسُنّة نَبِيّكَ صلى الله عليه وسلم.
1797 - حدثنا النّفَيْلِيّ أخبرنا مِسْكِينٌ عن الاْوزاعِيّ عن يَحْيَى بنِ أبي كَثيرٍ عن عِكْرِمَةَ قال سَمِعْتُ ابنَ عَبّاسٍ يقُولُ حَدّثَني عُمَرُ بنُ الْخَطّابِ رَضِيَ الله عَنْهُ أَنّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقُولُ: "أَتَانِي اللّيْلَةَ آتٍ مِنْ عِنْدِ رَبِي عَزّوَجلّ، قال وَهُوَ بالْعَقِيقِ، فَقال: صَلّ في هَذَا الْوَادِي المُبَارَكِ وَقال: عُمْرَةٌ في حَجّةِ".
ـــــــ
الراء المهملة ثم الميم هكذا في بعض النسخ وهو غلط فإنه هديم بن عبد الله كما في رواية النسائي وكذا قاله ابن ماكولا وابن الأثير والحافظ ابن حجر وغيرهم "ياهناه" أي ياهذا وأصله هن ألحقت الهاء لبيان الحركة فصار ياهنه وأشبعت الحركة فصارت ألفاً فقيل ياهناه بسكون الهاء ولك ضم الهاء. قال الجوهري: هذه اللفظة مختص بالنداء كذا في زهر الربى "مكتوبين على" لعله أخذه من قوله تعالى {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّه} أنهما مفروضان على الإنسان "العذيب" تصغير عذب اسم ماء لبني تميم على مرحلة من كوفة "ما هذا بأفقه من بعيره" أي أن عمر منع عن الجمع واشتهر ذلك المنع وهو لا يدري به فهو والبعير سواء في عدم الفهم وفي رواية للنسائي لأنت أضل من جملك من هذا "هديت" على بناء المفعول وتاء الخطاب أي هداك الله بواسطة من أفتاك أو هداك من أفتاك. فإن قلت: كان عمر يمنع عن الجمع فكيف قرره على ذلك بأحسن تقرير قلت كأنه يرى جواز ذلك لبعض المصالح ويرى أنه جوز النبي صلى الله عليه وسلم لذلك فكأنه كان يرى أن من عرض له مصلحة اقتضت الجمع في حقه فالجمع في حقه سنة. قاله السندي والحديث أخرجه النسائي.
"أتاني الليلة آت" هو جبريل كما في الفتح "فقال صل في هذا الوادي المبارك" هو وادي

(5/160)


قال أَبُو دَاوُد: رَوَاهُ الْوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ وَعُمَرُ بنُ عبد الْوَاحِدِ في هَذَا الحدِيثِ عن الاْوْزَاعِيّ: "وَقُلْ عُمْرَةٌ في حَجّةِ".
قال أَبُو دَاوُد: وكَذَا رَوَاهُ عَليّ بنُ المُبَارَكِ عن يَحْيَى بنِ أبي كَثِيرٍ في هَذَا الحدِيثِ قال: "وَقُلْ: عُمْرَةٌ في حَجّةٍ".
ـــــــ
العقيق وبقرب العقيق بينه وبين المدينة أربعة أميال. وروى الزبير بن بكار في أخبار المدينة أن تبعاً لما انحدر في مكان عند رجوعه من المدينة قال هذا عقيق الأرض فسمي العقيق "وقال عمرة في حجة" برفع عمرة في أكثر الروايات وبنصبها بإضمار فعل أي جعلتها عمرة، وهو دليل على أن حجه صلى الله عليه وسلم كان قراناً. قال الشوكاني: وأبعد من قال إن معناه أنه يعتمر في تلك السنة بعد فراغ حجه. وظاهر حديث عمر هذا أن حجه صلى الله عليه وآله وسلم القران كان بأمر من الله فكيف يقول صلى الله عليه وآله وسلم لو استقبلت من أمري ما استدبرت لجعلتها عمرة فينظر في هذا، فإن أجيب أنه إنما قال ذلك تطيباً لخواطر أصحابه فهو تغرير لا يليق نسبة مثلة إلى الشارع انتهى كلام الشوكاني "رواه الوليد بن مسلم" واعلم أن هذه الجملة وردت بثلاثة ألفاظ فقال مسكين عن الأوزاعي قال عمرة في حجة بلفظ قال وحرف في بين عمرة وحجة. وقال الوليد بن مسلم وعمر بن عبد الواحد عن الأوزاعي قل عمرة في حجة بلفظ قل صيغة أمر وكذا رواه علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير بلفظ قل وحرف في فهذه متابعة للأوزاعي وفي رواية للبخاري وقل عمرة وحجة بحرف الواو العاطفة بين عمرة وحجة. قال المنذري: وقال عمرة في حجة وفي رواية وقل عمرة في حجة وأخرجه البخاري وابن ماجه. وفي لفظ البخاري: وقل عمرة وحجة قال بعضهم أي قل ذلك لأصحابك أي أعلمهم أن القران جائز. واحتج به من يقول إن القران أفضل وقال لأنه هو الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم وأحب. فالرواية الصحيحة وهي قوله عمرة وحجة فصل بينهما بالواو. ويحتمل أن يريد أن يحرم بعمرة إذا فرغ من حجته قبل أن يرجع إلى منزله وهو كأنه قال إذا حججت فقل لبيك بعمرة وتكون في حجتك التي حججت فيها. وقال بعضهم: هو محمول على معنى تحصيلهما جميعاً لأن عمرة التمتع واقعة في أشهر الحج وفيه إعلام بفضيلة المكان والتبرك به والصلاة فيه انتهى. وقال الحافظ المزي في الأطراف: حديث عمر هذا أخرجه البخاري في الحج عن الحميدي عن الوليد بن مسلم وبشر بن بكر. وفي المزارعة عن إسحاق بن إبراهيم عن شعيب بن إسحاق ثلاثتهم عن الأوزاعي. وفي الاعتصام عن سعيد بن الربيع عن علي بن المبارك كلاهما عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن ابن عباس عن عمر، وأبو داوود في الحج عن النفيلي عن مسكين عن الأوزاعي به، وابن ماجه فيه عن دحيم عن

(5/161)


1798 - حدثنا هَنّادُ بنُ السّرِيّ أخبرنا ابنُ أبي زَائِدَةَ حدثنا [حدثنا] عبد الْعَزِيزِ بنُ عُمَرَ بنِ عبد الْعَزِيزِ حَدّثَني الرّبيعُ بنُ سَبْرَةَ عن أبِيهِ قال: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم حَتّى إذَا كُنّا[كان] بِعُسْفَانَ قال لَهُ سُرَاقَةُ بنُ مَالِكٍ المُدْلِجِيّ: يا رسول الله اقْضِ لَنَا قَضَاءَ قُوْمٍ كَأَنّمَا وُلِدُوا الْيَوْمَ، فَقال: "إِنّ الله عَزّ وَجلّ قَدْ أَدْخَلَ عَلَيْكُمْ في حَجّكُمْ هَذَا عُمْرَةً، فإِذَا قَدِمْتُمْ، فَمنْ تَطَوّفَ بالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصّفَا وَالمَرْوَةِ فَقَدْ حلّ إِلاّ مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ" .
1799 - حدثنا عبد الْوَهّابِ بنُ نَجْدَةَ أخبرنا شُعْيبُ بنُ إِسْحَاقَ عن ابنِ جُرَيجٍ. وَحدثنا أبُو بَكْرٍ بنُ خَلاّدٍ أخبرنا يَحْيَى المَعنى عن ابنِ جَرَيْجٍ أخبرني الْحَسَنُ بنُ مُسْلِمٍ عن طَاووسٍ عن ابنِ عَبّاسٍ أنّ مُعَاوِيَةَ بنَ أبي سُفْيَانَ أخْبَرَهُ قال:قَصَرْتُ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِمشْقَصٍ عَلَى المَرْوَةِ، أوْ رَأَيْتُهُ يُقَصّرُ عَنْهُ عَلَى المَرْوَةِ بِمِشْقَصٍ".
ـــــــ
الوليد بن مسلم به، وعن أبي بكر بن أبي شيبة عن محمد بن مصعب عن الأوزاعي به انتهى.
"اقض لنا قضاء قوم كأنما ولدوا اليوم" أي بين لنا بياناً وافياً في غاية الوضوح كالبيان لمن لا يعلم شيئاً قبل اليوم "قد أدخل عليكم في حجكم هذا عمرة" معناه أوجب عليكم عمرة بشروعكم في الحج. قال السندي. وقال الإمام ابن الأثير: قوله دخلت العمرة في الحج معناه أنها سقط فرضها بوجوب الحج ودخلت فيه وهذا تأويل من لم يرها واجبة، فأما من أوجبها فقال معناه أن عمل العمرة قد دخل عمل الحج فلا يرى على القارن أكثر من إحرام واحد وطواف وسعي، وقيل معناه أنها قد دخلت في وقت الحج وشهورة لأنهم كانوا لا يعتمرون في أشهر الحج فأبطل الاسلام ذلك وأجازه انتهى "فقد حل" أي فكان ينبغي له أن يحل أو الواجب عليه ذلك.
"بمشقص" هو بكسر الميم وإسكان الشين المعجمة وفتح القاف قال أبو عبيد وغيره: هو نصل السهم إذا كان طويلا ليس بعريض وقال الخليل: هو سهم فيه نصل عريض يرمى به الوحش. قال النووي: وهذا الحديث محمول على أنه قصر عن النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة الجعرانة لأن النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع كان قارناً كما سبق إيضاحه. وثبت أنه صلى الله عليه وسلم حلق بمنى، وفرق أبو طلحة رضي الله عنه شعره بين الناس فلا يجوز حمل تقصير معاوية على حجة الوداع، ولا يصح حمله أيضاً على عمرة القضاء الواقعة سنة سبع من الهجرة لأن معاوية لم يكن يومئذ مسلماً إنما أسلم يوم الفتح سنة ثمان هذا هو الصحيح المشهور. ولا يصح قول من حمله على حجة الوداع

(5/162)


قال ابنُ خَلاّدٍ: إِنّ مُعَاوِيَةَ لم يَذْكُرْ أَخْبَرَهُ.
1800 - حدثنا الْحَسَنُ بن عَلِيَ وَ مُحمّدُ بنُ يَحْيَى وَ مَخْلَدُ بنُ خَالِدٍ الْمَعْنَى قالاً[قالوا] أخبرنا عبد الرّزّاقِ أنبأنا مَعْمَرٌ عن ابنِ طَاووسٍ عن أبِيهِ عن ابنِ عَبّاسٍ أَنّ مُعَاوِيَةَ قال لَهُ: مَا عَلِمْتُ أني قَصّرْتُ عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بِمِشْقَصٍ أَعْرابِيٍ عَلَى المَرْوَةِ.
زادَ الْحَسَنُ في حَدِيثِهِ: بِحَجّتِهِ.
ـــــــ
وزعم أنه صلى الله عليه وسلم كان متمتعاً لأن هذا غلط فاحش فقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة السابقة في مسلم وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له ما شأن الناس حلوا ولم تحل أنت، فقال "إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر الهدي،" وفي رواية حتى أحل من الحج "أو رأيته" شك من الراوي "يقصر" بصيغة المجهول من التقصير "قال ابن خلاد" في حديثه أن معاوية قال ولم يذكر ابن خلاد لفظ أخبره بل قال عن ابن عباس أن معاوية قال قصرت الحديث. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
-"بحجته" قال السندي: لعل معاوية عني بالحجة عمرة الجعرانة لأنه قد أسلم حينئذ ولا يسوغ هذا التأويل في رواية من روى أنه كان في ذي الحجة أو لعله قصر عنه صلى الله عليه وسلم بقية شعر لم يكن استوفاه الحلاق بعده، فقصره معاوية على المروة يوم النحر انتهى.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
بعد قول المنذري وقد قالت حفصة ما بال الناس حلوا الخ واحتج بهذا من قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم تمتع في حجة الوداع تمتعا حل فيه كالقاضي أبي يعلى وغيره وهذا غلط منهم فإن المعلوم من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لم يحل بعمرة في حجته وقد تواتر عنه صلى الله عليه وسلم ذلك وقال "لولا أن معي الهدي لأحللت" وهذا لا يستريب فيه من له علم بالحديث فهذا لم يقع في حجته بلا ريب وإنما وقع في بعض عمره ويتعين أن يكون في عمرة الجعرانة والله أعلم لأن معاوية إنما أسلم يوم الفتح مع أبيه فلم يقصر عنه في عمرة الحديبية ولا عمرة القضية والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن محرما في الفتح ولم يحل من إحرامه في حجة الوداع بعمرة فتعين أن يكون ذلك في عمرة الجعرانة هذا إن كان المحفوظ أنه هو الذي قصر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان المحفوظ هو الرواية الأخرى وهو قوله رأيته يقصر عنه على المروة فيجوز أن يكون في عمرة القضية أو الجعرانة حسب ولا يجوز في غيرهما لما تقدم والله أعلم.

(5/163)


1801 - حدثنا ابنُ مُعَاذٍ أنبأنا أبي أخبرنا شُعْبَةُ عن مُسْلِمٍ الْقُرّيّ سَمِعَ ابنَ عَبّاسٍ يقُولُ: أَهَلّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِعُمْرَةٍ، وَأَهَلّ أَصْحَابُهُ بِحَجَ.
1802 - حدثنا عبد المَلِكِ بنُ شُعَيْبِ بنِ اللّيْثِ حَدّثَني أبي عن جدي عن عُقَيْلٍ عن ابنِ شِهَابٍ عن سَالِمِ بنِ عبد الله أنّ عبد الله بنَ عُمَرَ قال: تَمَتّعَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في حَجّةِ الْوَدَاعِ بالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجّ، فأَهْدَى وَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَبَدَأَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فأَهَلّ بالعُمْرَةِ ثُمّ أَهَلّ بالحَجّ، وَتَمَتّعَ النّاسُ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجّ، فَكَانَ مِنَ النّاسِ مَنْ أَهْدَى فَسَاقَ [وَسَاقَ] الْهَدْيَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَم يُهْدِ، فَلمّا قَدِمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مَكّةَ قال لِلنّاسِ: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فإِنّهُ لا يَحِلّ لَهُ مِنْ
ـــــــ
قال الإمام الخطابي: هذا صنيع من كان متمتعاً وذلك أن المفرد والقارن لا يحلق رأسه ولا يقصر شعره إلا يوم النحر والمعتمر يقصر عند الفراغ من السعي. وفي الروايات الصحيحة أنه لم يحلق ولم يقصر إلا يوم النحر بعد رمي الجمار وهي أولى. ويشبه أن يكون ما حكاه معاوية إنما هو في عمرة اعتمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم دون الحجة المشهورة انتهى. قال المنذري: وأخرجه النسائي وليس فيه لحجته وقوله يعني لعمرته. وقد أخرجه النسائي أيضاً وفيه في عمرة على المروة وسمى العمرة حجاً لأن معناهما القصد، وقد قالت حفصة: ما بال الناس حلوا، ولم تحلل أنت من عمرتك. قيل: إنها تعني من حجتك انتهى.
"عن مسلم القري" هو بقاف مضمومة ثم راء مشددة. قال السمعاني: هو منسوب إلى بني قرة حي من عبد القيس قال وقال ابن ماكولا هذا ثم قال وقيل بل لأنه كان ينزل قنطرة قرة. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي.
"تمتع" قال القاضي: هو محمول على التمتع اللغوي وهو القرآن آخراً ومعناه أنه صلى الله عليه وسلم أحرم أولا بالحج مفرداً ثم أحرم بالعمرة فصار قارناً في آخر أمره، والقارن هو متمتع من حيث اللغة. ومن حيث المعنى لأنه ترفه باتحاد الميقات والإحرام والفعل، ويتعين هذا التأويل هنا للجمع بين الأحاديث في ذلك "وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الخ" فهو محمول على التلبية في أثناء الإحرام وليس المراد أنه أحرم في أول أمره بعمرة ثم أحرم بحج، لأنه يفضي إلى مخالفة الأحاديث فوجب تأويل هذا على موافقتها ويؤيد هذا التأويل "وتمتع الناس الخ" ومعلوم أن كثيراً منهم أو أكثرهم أحرموا بالحج أولا مفرداً وإنما فسخوه إلى العمرة آخراً فصاروا متمتعين

(5/164)


شَيْءٍ [لايَحِلُّ مِنْهُ شَيْءٌ] حَرُمَ مِنْهُ حَتّى يَقْضِي حَجّهُ، وَمَنْ لم يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بالْبَيْتِ وَبالصّفَا وَالمَرْوَةِ وَلْيَقْصُرْ وَلْيَحْلِلْ ثُمّ ليُهِلّ بالحَجّ وَليُهْدِ، فَمنْ لم يَجِدْ هَدْياً فَلْيَصُمْ ثَلاَثَةَ أَيّامِ في الْحَجّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ" . وَطَافَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
ـــــــ
فقوله وتمتع الناس يعني في آخر الأمر "ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت الخ" معناه يفعل الطواف والسعي والتقصير وقد صار حلالا، وهذا دليل على أن التقصير أو الحلق نسك من مناسك الحج. وهذا هو الصحيح في مذهب الشافعي، وبه قال جماهير العلماء، وقيل إنه استباحة محظور وليس بنسك وهذا ضعيف، وإنما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتقصير ولم يأمره بالحلق مع أن الحلق أفضل ليبقى له شعر يحلقه في الحج فإن الحلق في تحلل الحج أفضل منه في تحلل العمرة "وليحلل" معناه قد صار حلالا فله فعل ما كان محظوراً عليه في الإحرام من الطيب واللباس والنساء والصيد وغير ذلك "ثم ليهل بالحج" أي ويحرم به في وقت الخروج إلى عرفات لا أنه يهل به عقب تحلل العمرة. ولهذا قال ثم ليهل فآتى بثم التي هي للتراخي والمهلة "وليهد" والمراد به هدي التمتع فهو واجب بشروط: الأول أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، الثاني أن يحج من عامه، الثالث أن يكون أفقياً لا من حاضري المسجد وحاضروه أهل الحرم ومن كان منه على مسافة لا تقصر فيها الصلاة، الرابع أن لا يعود إلى الميقات لإحرام الحج قاله النووي "فمن لم يجد هدياً" فالمراد لم يجده هناك، إما لعدم الهدي أو لعدم ثمنه وإما لكونه يباع بأكثر من المثل وإما لكونه موجوداً لكنه لا يبيعه صاحبه ففي كل هذه الصور يكون عادماً للهدي فينتقل إلى الصوم سواء كان واجداً لثمنه في بلده أم لا "فليصم ثلاثة أيام في الحج" هو موافق
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
بعد قول المنذري وفي لفظ مسلم لبى بالحج وحده الخ الذين قالوا قرن النبي صلى الله عليه وسلم في حجته اختلفت طرقهم في كيفية قرانه فطائفة قالت أحرم بالعمرة أولا ثم أدخل عليها الحج وهذا ظاهر حديث ابن عمر وعائشة كما تقدم وهي طريقة أبي حاتم بن حبان في صحيحه قال هذه الأخبار التي ذكرنا في إفراد النبي صلى الله عليه وسلم مما تنازع الأئمة فيها من زمان إلى زماننا هذا وشنع بها المعطلة وأهل البدع على أئمتنا وقالوا رويتم ثلاثة أحاديث متضادة في فعل واحد ورجل واحد وحاله واحدة وزعمتم أنها ثلاثتها صحاح من جهة النقل والعقل يدفع ما قلتم إذ محال أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع كان مفردا قارنا متمتعا إلى أن قال ولو توجه قائل هذا في الخلوة إلى الباري وسأله التوفيق لإصابة الحق والهداية لطلب الرشد في الجمع بين الأخبار ونفي التضاد عن الآثار لعلم بتوفيق الواحد القهار أن أخبار المصطفى لا تتضاد ولا تهاتر ولا يكذب بعضها بعضا إذا صحت من جهة النقل

(5/165)


حِينَ قَدِمَ مَكّةَ فاسْتَلَمَ الرّكْنَ أَوّلَ شَيْءٍ ثُمّ خَبّ ثَلاَثَةَ أطْوَافٍ مِنَ السّبْعِ وَمَشَى أَرْبَعَةَ أطْوافٍ، ثُمّ رَكَعَ حِينَ قَضَى طَوافَهُ بالْبَيْتِ عِنْدَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ ثُمّ سَلّمَ فانْصَرَفَ فأَتَى
ـــــــ
لنص كتاب الله تعالى ويجب صوم هذه الثلاثة قبل يوم النحر ويجوز صوم يوم عرفة منها لكن الأولى أن يصوم الثلاثة قبله والأفضل أن لا يصومها حتى يحرم بالحج بعد فراغه من العمرة فإن صامها بعد فراغه من العمرة وقبل الإحرام بالحج أجزأه، وإن صامها بعد الإحرام بالعمرة وقبل فراغها لم يجزئه على الصحيح، فإن لم يصمها قبل يوم النحر وأراد صومها في أيام التشريق ففي صحته قولان مشهوران للشافعي أصحهما من حيث الدليل جوازه. هذا تفضيل مذهب الشافعي ووافقه أصحاب مالك في أنه لا يجوز صوم الثلاثة قبل الفراغ من العمرة وجوزه الثوري وأبو حنيفة، ولو ترك صيامها حتى مضي العيد والتشريق لزمه قضاؤها عند الشافعي. وقال أبو حنيفة: يفوت صيامها ويلزمه الهدي إذا استطاعه. وأما صوم السبعة فيجب إذا رجع، وفي المراد بالرجوع خلاف. والصحيح أنه إذا رجع إلى أهله وهذا هو الصواب لهذا الحديث الصحيح الصريح والثاني إذا فرغ من الحج ورجع إلى مكة من منى وهذان القولان للشافعي ومالك، وبالثاني قال أبو حنيفة، ولو لم يصم الثلاثة ولا السبعة حتى عاد إلى وطنه لزمه صوم عشرة أيام قاله النووي "وطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة الخ" فيه إثبات طواف القدوم، واستحباب الرمل فيه هو الخبب وأنه يصلي ركعتي الطواف، وأنهما يستحبان خلف المقام. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
ـــــــ
قال والفصل بين الجمع في هذه الأخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل بالعمرة حيث أحرم كذلك قاله مالك عن الزهري عن عروة عن عائشة فخرج وهو مهل بالعمرة وحدها حتى إذا بلغ سرف أمر أصحابه بما ذكرنا في خبر أفلح بن حميد يعني بالفسخ إلى العمرة فمنهم من أفرد ومنهم من أقام على عمرته وأما من ساق الهدي منهم فأدخل الحج على عمرته ولم يحل فأهل صلى الله عليه وسلم بهما معا حينئذ إلى أن دخل مكة وكذلك أصحابه الذين ساقوا الهدي.
فكل خبر روي في قران النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان ذلك حيث رأوه يهل بهما بعد إدخاله الحج على العمرة إلى أن دخل مكة فطاف وسعى وأمر ثانيا من لم يكن ساق الهدي وكان قد أهل بعمرة أن يتمتع ويحل وكان يتلهف على ما فاته من الإهلال حيث كان ساق الهدي حتى إن بعض الصحابة ممن لم يكن ساق الهدي لم يحلوا حيث رأوه صلى الله عليه وسلم لم يحل حتى كان من أمره ما وصفنا من دخوله صلى الله عليه وسلم على عائشة وهو مغضب فلما كان يوم التروية وأحرم المتمتعون خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منى وهو يهل بالحج مفردا إذ العمرة التي قد أهل بها في أول الأمر قد انقضت عند دخوله مكة بطوافه بالبيت,

(5/166)


الصّفَا فَطَافَ [وَطَافَ] بالصّفَا وَالمَرْوَةِ سَبْعَةَ أطْوافٍ ثُمّ لم يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ، حَرُمَ مِنْهُ حَتّى قَضَى حَجّهُ وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النّحْرِ وَأَفَاضَ[فَأَفَاضَ] فَطَافَ بالْبيْتِ ثُمّ حَلّ مِنْ كلّ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ، وَفَعَلَ النّاسُ مِثْلَ فِعْلِ [مِثْلَ مَا فِعْلِ] رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مَنْ أَهْدَى وَسَاقَ الْهَدْيَ مِنَ النّاسِ".
ـــــــ
وسعيه بين الصفا والمروة فحكى ابن عمر وعائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أفرد الحج أرادا خروجه إلى منى من مكة من غير أن يكون بين هذه الأخبار تضاد أو تهاتر وفقنا الله لما يحبه من الخضوع عند ورود السنن إذا صحت والانقياد لقبولها واتهام الأنفس وإلزاق الخطأ بها إذا لم يوفق لإدراك حقيقة الصواب دون القدح في السنن والتعريج على الآراء المنكوسة والمقاييس المعكوسة إنه خير مسؤول تم كلامه.
وطائفة قالت كان مفردا أولا ثم أدخل العمرة على الحج فصار قارنا فظنوا أن ذلك من خصائصه وأنهم يجمعون بذلك بين الأحاديث وهذا مع أن الأكثر لا يجوزونه فلم تأت لفظة واحدة تدل عليه بخلاف الأول فإنه قد قاله طائفة وفيه أحاديث صحاح.
وطائفة قالت قرن ابتداء من حين أحرم وهو أصح الأقوال لحديث عمر وأنس وغيرهما وقد تقدما.
والذين قالوا أفرد طائفتان:
طائفة ظنت أنه أفرد إفرادا اعتمر عقبه من التنعيم وهذا غلط بلا ريب لم ينقل قط بإسناد صحيح ولا ضعيف ولا قاله أحد من الصحابة وهو خلاف المتواتر المعلوم من فعله صلى الله عليه وسلم.
وطائفة قالت: أفرد إفرادا اقتصر فيه على الحج ولم يعتمر. والأحاديث الثابتة التي اتفق أئمة الحديث على صحتها صريحة في أنه اعتمر عقبه فهو باطل قطعا وإن كان إفرادا مجردا عن العمرة فالأحاديث الصحيحة تدل على خلافه.
والذين قالوا: تمتع . طائفتان:
طائفة قالت: تمتع تمتعا حل منه وهذا باطل قطعا كما تقدم.
وطائفة قالت: تمتع تمتعا لم يحل منه لأجل الهدي وهذا وإن كان أقل خطأ من الذي قبله فالأحاديث الصحيحة تدل على أنه قرن إلا أن يريدوا بالتمتع القران فهذا حق.
وطائفة قالت: أحرم إحراما مطلقا ثم عينة بالإفراد وهذا أيضا يكفي في رده الأحاديث الثابتة الصريحة.
وطائفة قالت: قرن وطاف طوافين وسعى سعيين والأحاديث الثابتة التي لا مطعن فيها تبطل ذلك والله أعلم.

(5/167)


1803 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن نَافِعٍ عن عبد الله بنِ عُمَرَ عن حَفْصَةَ زَوْجِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أَنّهَا قَالتْ: يا رسول الله ما شَأْنُ النّاسِ قَدْ حَلّوا وَلم تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ فَقال: "إني لَبّدْتُ رَأْسِي وَقَلّدْتُ هَدْيِي فَلاَ أَحِلّ حَتّى أنْحَرَ الْهَدْيَ" .
ـــــــ
"أنها قالت يا رسول الله ما شأن الناس" هذا دليل للمذهب الصحيح المختار أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارناً في حجة الوداع "من عمرتك" أي العمرة المضمومة إلى الحج وفيه أن القارن لا يتحلل بالطواف والسعي ولا بد له في تحلله من الوقوف بعرفات والرمي والحلق والطواف كما في الحج المفرد "لبدت رأسي وقلدت هديي" فيه استحباب التلبيد وتقليد الهدي
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وقد تأتي من بمعنى الباء كقوله {يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} أي بأمره تريد ولم تحل أنت بعمرة.
وقالت طائفة معناه لم تحل من العمرة التي أمرت الناس بها.
وقالت طائفة هذه اللفظة غير محفوظة فإن عبيد الله بن عمر لم يذكرها في حديثه حكاهما ابن حزم وقالت طائفة هي مروية بالمعنى والحديث ولم تحل أنت من حجك فأبدل لفظ الحج بالعمرة.
وقالت طائفة الحديث إنما فيه إقراره لها على أنه في عمرة وليس فيه أنها عمرة مفردة لا حجة معها وقد أخبر عن نفسه بأنه قرن فهو إذن في حج وعمرة ومن كان في حج وعمرة فهو في عمرة قطعا.
وهذه الوجوه بعضها واه وبعضها مقارب.
فقول من قال المراد به من حجتك بعيد جدا إذ لا يعبر بالعمرة عن الحج وليس هذا عرف الشرع ولا يطلق ذلك إلا إطلاقا مقيدا فيقال هي الحج الأصغر.
وقول من قال إنها ظنت أنه صلى الله عليه وسلم كان فسخ العمرة كما أمر أصحابه ولم يحل كما أحلوا فبعيد جدا فإن هذا الظن إنما كان يظهر بإحلاله فبه يكون معتمرا فكيف تظن أنه قد فسخ بعمرة وهي تراه لم يحل؟
وأما قول من قال معناه لم تحل بعمرة ومن بمعنى الباء فتعسف ظاهر وإضافة العمرة إليه تدل على أنها عمرة مختصة به هو فيها.

(5/168)


..................................
ـــــــ
وهما سنتان بالاتفاق وقال الخطابي: هذا يبين لك أن قد كانت هناك عمرة ولكنه قد أدخل عليها حجة فصار بذلك قارناً انتهى. ولم يختلف الناس في إدخال الحج على العمرة جائز ما لم يفسخ الطواف بالبيت للعمرة. واختلفوا في إدخال العمرة على الحج. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.
ـــــــ
وأما قول من قال معناه لم تحلل من العمرة التي أمرت الناس بها ففاسد فإنه كيف يحل من عمرة غيره وحفصة أجل من أن تسأل هذا السؤال؟.
وأما قول من قال إن هذه اللفظة ولم يذكرها عبيد الله فخطأ من وجهين:
أحدهما أن مالكا قد ذكرها ومالك مالك.
والثاني أن عبيد الله نفسه قد ذكرها أيضا ذكره مسلم في الصحيح عن يحيى بن سعيد عن عبيد الله فذكر الحديث وفيه "ولم تحل من عمرتك".
وقول من قال مروية بالمعنى بعيد أيضا.
فالوجه الأخير أقربها إلى الصواب وهو أنه ليس فيه إلا الإخبار عن كونه في عمرة وهذا لا ينفي أن يكون في حجة.
وأجود منه أن يقال المراد بالعمرة المتعة وقد تقدم أن التمتع يراد به القران والعمرة تطلق على التمتع فيكون المراد لم تحل من قرانك وسمته عمرة كما يسمى تمتعا وهذه لغة الصحابة كما تقدم والله أعلم.
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله وهذا الحديث قد تضمن أمرين:
أحدهما فعل الصحابة لها وهو بلا ريب بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وهذه الرواية.
والثاني اختصاصهم بها دون غيرهم وهذا رأي فروايته حجة ورأيه غير حجة وقد خالفه فيه عبد الله بن عباس وأبو موسى الأشعري وقد حمله طائفة على أن الذي اختص به هو وجوب الفسخ عليهم حتما وأما غيرهم فيستحب له ذلك هذا إن كان مراده متعة الفسخ وإن كان المراد مطلق المتعة فهو خلاف الإجماع والسنة المتواترة والله أعلم.

(5/169)


25 - باب الرجل يهل بالحج ثم يجعلها عمرة
1804 - حدثنا هَنّادٌ يَعْنِي ابنَ السّرِيّ عن ابنِ أبِي زَائِدَةَ أنبأنا مُحمّدُ بنُ إِسْحَاقَ عن عبد الرّحْمَنِ بنِ الأسْوَدِ عن سُلَيْمِ بنِ الأَسْوَدِ: أَنّ أَبَا ذَرَ كَانَ يَقُولُ في مَنْ حَجّ ثُمّ فَسَخَهَا بِعُمْرَةٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إِلاّ لِلرّكْبِ الّذِينَ كَانُوا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
باب الرجل يهل بالحج ثم يجعلها عمرة
"إلا للركب" بفتح الراء وسكون الكاف، قال ابن الأثير: ركب اسم من أسماء الجمع

(5/169)


1805 - حدثنا النّفَيْلِيّ أخبرنا عبد الْعَزِيزِ يَعْنِي ابنَ مُحمّدٍ أنبأنا [أخبرني]. رَبِيعَةُ بنُ أبِي عبد الرّحْمَنِ عن الْحَارِثِ بنِ بِلاَلِ بنِ الْحَارِثِ عن أبِيهِ قال: قُلْتُ: يا رسول الله فسخ الْحَجّ لَنَا خَاصّةً أوْ لِمَنْ بَعْدَنَا؟ قالَ "بَلْ لَكُمْ خَاصّةً" .
ـــــــ
كنفر ورهط، والراكب في الأصل هو راكب الإبل خاصة ثم اتسع فيه فأطلق على كل من ركب دابة انتهى. ويجيء تحقيق الحديث في آخر الباب. قال المنذري: وقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث يزيد بن شريك التيمي وأخرجه النسائي وابن ماجه.
"قلت يا رسول الله فسخ الحج لنا خاصة أو لمن بعدنا، قال بل لكم خاصة".
قال الخطابي: قد قيل إن الفسخ إنما وقع إلى العمرة لأنهم كانوا يحرمون العمرة في أشهر الحج ولا يستبيحونها فيها، ففسخ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحج عليهم وأمرهم بالعمرة في زمان الحج ليزولوا عن شبه الجاهلية وليتمسكوا بما تبين لهم في الإسلام وقد بين صلى الله عليه وآله وسلم أنه ليس لمن بعدهم ممن أحرم بالحج أن يفسخه. وقد اتفق أهل العلم على أنه إذا فسد حجه مضى فيه مع الفساد، واختلفوا فيمن أهل بحجتين، فقال الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه: لا يلزمه إلا حجة واحدة، ومن حجتهم في ذلك أن المضي فيها لا يلزم وأن فعله لم يصح بالإجماع وقال أبو حنيفة وأصحابه: يرفض أحدهما إلى قابل لأنه يكون في معنى الفسخ، وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أن فسخ الحج كان لهم خاصاً دون من بعدهم وقال سفيان الثوري: يلزمه حجة وعمرة من عامة ويهريق دماً ويحج من قابل. وحكى عن مالك أنه قال يصير قارناً وعليه دم، ولا يلزمه على مذهب الشافعي شيء من عمرة ولا دم ولا قضاء من قابل انتهى.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وقد قال عبد الله بن أحمد سألت أبي عن حديث بلال بن الحرث المزني في فسخ الحج فقال لا أقول به وليس إسناده بالمعروف ولم يروه إلا الدراوردي وحده وقال عبدالحق الصحيح في هذا قول أبي ذر غير المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال ابن القطان فيه الحرث بن بلال عن أبيه بلال بن الحرث والحرث بن بلال لا يعرف حاله. =

(5/170)


..................
ـــــــ
= قلت: قال المنذري. حديث بلال أخرجه النسائي وابن ماجه. قال الدارقطني: تفرد به ربيعة بن أبي عبد الرحمَن عن الحارث عن أبيه وتفرد به عبد العزيز الدراوردي عنه. هذا آخر كلامه. والحارث بن بلال شبه المجهول، وقد قال الإمام أحمد في حديث بلال هذا إنه لا يثبت. هذا آخر كلامه. وحديث أبي ذر في ذلك صحيح. انتهى. وفي المنتقى قال أحمد بن حنبل: حديث بلال بن الحارث عندي ليس بثبت ولا أقول به ولا يعرف هذا الرجل يعني الحارث بن بلال. وقال: أرأيت لو عرف الحارث بن بلال، إلا أن أحد عشر رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يروون ما يروون من الفسخ فأين يقع الحارث بن بلال منهم. وقال في رواية أبي داوود: ليس يصح حديث في أن الفسخ كان لهم خاصة، وهذا أبو موسى الأشعري يفتي به في خلافة أبي بكر وشطراً من خلافة عمر، ويشهد لما قاله قوله في حديث جابر بل هي للأبد. وحديث أبي ذر موقوف وقد خالفه أبو موسى وابن عباس وغيرهما انتهى.
وقال اابن القيم في زاد المعاد: نحن نشهد بالله أن حديث بلال بن الحارث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غلط عليه، قال ثم كيف يكون هذا ثابتاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عباس يفتي بخلافه ويناظر عليه طول عمره بمشهد من الخاص والعام وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرون ولا يقول له رجل واحد منهم هذا كان مختصاً بنا ليس لغيرنا انتهى وقد روى عن عثمان مثل قول أبي ذر اختصاص ذلك بالصحابة ولكنهما جميعاً مخالفان للمروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ذلك للأبد بمحض الرأي. قاله الشوكاني.
وأما حديث أبي ذر من أن المتعة في الحج كانت لهم خاصة فيرده إجماع المسلمين على جوازها إلى يوم القيامة. ومن جملة ما احتج به المانعون من الفسخ أن مثل ما قاله عثمان وأبو ذر لا يقال بالرأي، ويجاب بأن هذا من مواطن الاجتهاد ومما للرأي فيه مدخل، على أنه قد ثبت في الصحيحين عن عمران بن حصين أنه قال: تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل القرآن فقال رجل برأيه ما شاء، فهذا تصريح من عمران أن المنع من التمتع بالعمرة إلى الحج من بعض الصحابة إنما هو من محض الرأي، فكما أن المنع من التمتع على العموم من قبيل الرأي كذلك دعوى اختصاص التمتع الخاص أعني به الفسخ بجماعة مخصوصة. وقد أطال الكلام ابن القيم في ذلك والله أعلم.

(5/171)


26 - باب الرجل يحج عن غيره
1806 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن ابنِ شِهَابٍ عن سُلَيْمَانَ بنِ يَسَارٍ عن عبد الله بنِ عَبّاسٍ قَالَ: كَانَ الْفَضْلُ بنُ عَبّاسٍ رَدِيفَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ تَسْتَفْتِيه، فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَجَعَل رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إلَى الشّقّ الآخر، فَقَالَتْ: يا رسول الله إنّ فَرِيضَةَ الله عَزّوَجلّ عَلَى عِبَادِهِ في الحجّ أَدْرَكَتْ أبِي شَيْخاً كَبِيراً لاَ يَسْتَطِيعُ أنْ يَثْبُتَ عَلَى الرّاحِلَةِ أَفأَحُجّ عَنْهُ قَالَ"نَعَمْ" وَذَلِكَ في حَجّةِ الْوَدَاعِ.
ـــــــ
باب الرجل يحج عن غيره
"امرأة من خثعم" بالخاء المعجمة مفتوحة فمثلثة ساكنة فعين مهملة غير منصرف للعلمية ووزن الفعل أو التأنيث لكونه اسم قبيلة معروفة "فجعل الفضل ينظر إليها" وأعجبه حسنها "وتنظر إليه" وكان الفضل رجلا جميلاً "أدركت أبي" حال كونه "شيخاً" منصوب على الحال وقوله "كبيراً" يصح صفة ولا ينافي اشتراط كون الحال نكرة إذا لا يخجه ذلك عنها "لا يستطيع أن" صفة ثانية ويحتمل الحال ووقع في بعض ألفاظه وإن شددته خيشت عليه "أفأحج" نيابة "عنه قال نعم" أي حجي عنه "وذلك" أي جميع ما ذكر "في حجة الوداع" قال في سبل السلام: في الحديث روايات أخر، ففي بعضها أن السائل رجل وأنه سأل هل يحج عن أمه، فيجوز تعدد القضية. وفي الحديث دليل على أنه يجزي الحج عن المكلف إذا كان ميؤوساً منه القدرة على الحج بنفسه مثل الشيخوخة فإنه ميؤوس زوالها، وأما إذا كان عدم القدرة لأجل مرض أو جنون يرجي برؤهما فلا يصح. وظاهر الحديث مع الزيادة أنه لا بد في صحة التحجيج عنه من الأمرين عدم ثباته على الراحلة والخشية عن الضرر عليه من شده، فمن لا يضره الشد كالذي يقدر على المحفة لا يجزئه حج الغير عنه. ويؤخذ من الحديث أنه إذا تبرع أحد بالحج عن غيره لزمه الحج عن ذلك الغير وإن كان لا يجب عليه الحج، ووجهه أن المرأة لم تبين أن أباها مستطيع بالزاد والراحلة ولم يستفصل صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك، ورد هذا بأنه ليس في الحديث إلا الإجزاء لا الوجوب فلم يتعرض له، وبأنه يجوز أنها قد عرفت وجوب الحج على أبيها كما يدل له قولها إن فريضة الله على عباده في الحج، فإنها عبادة دالة على علمها بشرط دليل الوجوب وهو الاستطاعة. واتفق القائلون فإجزاء الحج عن فريضة الغير بأنه لا يجزىء إلا عن موت أو عدم قدرة عن عجز ونحوه بخلاف النفل فإنه ذهب أحمد وأبو حنيفة إلى جواز النيابة عن الغير فيه

(5/172)


1807 - حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ وَ مُسْلِمُ بنُ إِبراهِيمَ بِمَعْنَاهُ قالا أخبرنا شُعْبَةُ عن النّعْمانِ بنِ سَالِمٍ عن عَمْرو بنِ أوْسٍ عن أبِي رَزِينٍ قَالَ حَفْصٌ في حَدِيثهِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرٍ أَنّهُ قَالَ: يا رسول الله إِنّ أبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ لاَ يَسْتَطِيعُ الْحَجّ وَالْعُمْرَةَ وَلاَ الظّعْنَ مَعاً قَال "احْجُجْ عَنْ أبِيكَ وَاعْتَمِرْ" .
ـــــــ
مطلقاً للتوسيع في النفل، وذهب بعضهم إلى أن الحج عن فرض الغير لا يجزىء أحداً وأن هذا الحكم يختص بصاحبة هذه القصة وإن كان الاختصاص خلاف الأصل إلا أنه استدل بزيادة رواية في الحديث بلفظ: حجي عنه وليس لأحد بعدك، ورد بأن هذه الزيادة رويت بإسناد ضعيف. وعن بعضهم أنه يختص بالولد، وأجيب عنه بأن القياس عليه دليل شرعي، وقد نبه صلى الله عليه وآله وسلم على العلة بقوله في الحديث. فدين الله أحق بالقضاء فجعله ديناً والدين يصح أن يقضيه غير الولد بالاتفاق. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وقد أخرجه أيضاً البخاري ومسلم والترمذي والنسائي من حديث عبد الله بن عباس عن الفضل بن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
"عن ابن رزين" هو لقيط العقيلي "ولا الظعن" بكسر الظاء وبفتح العين وسكونها مصدر ظعن يظعن بالضم إذا سار. قاله السيوطي وقال السندي: الظعن بفتحتين أو سكون الثاني، وفي المجمع الظعن الراحلة أي لا يقوى على السير ولا على الركوب من كبر السن "قال احجج عن أبيك واعتمر" الحديث يدل على جواز حج الولد عن أبيه العاجز عن المشي، واستدل به على وجوب الحج والعمرة. وقد جزم بوجوب العمرة جماعة من أهل الحديث وهو المشهور عن الشافعي وأحمد وبه قال إسحاق والثوري والمزني والمشهور عن المالكية أن العمرة ليست بواجبة وهو قول الحنفية ولا خلاف في المشروعية. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه. وقال الترمذي حسن صحيح. وقال الإمام أحمد: لا أعلم في إيجاب العمرة حديثاً أجود من هذا ولا أصح منه.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
قول الإمام أحمد قال البيهقي قال مسلم: سمعت أحمد بن حنبل يقول فذكره وفي سنن ابن ماجه بإسناد على شرط الصحيحين عن عائشة قالت: يارسول الله هل على النساء جهاد؟ قال: "جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة" .
واحتج من نفى الوجوب بحديث جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن العمرة أواجبة هي؟ قال:"لا وأن

(5/173)


1808 - حدثنا إسْحَاقُ بنُ إِسْمَاعِيلَ الطّالَقَانِيّ وَ هَنّادُ بنُ السّرِيّ المعنَى وَاحِدٌ قَالَ إسْحَاقُ أخبرنا عبدةُ بنُ سُلَيْمَانَ عن ابنِ أبِي عُرُوبَةَ عن قَتَادَةَ عن عَزْرَةَ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبّاسٍ: أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم سَمِعَ رَجُلاً يَقُولُ لَبّيْكَ عن شُبْرُمَةَ، قالَ "مَنْ شُبْرُمَةُ"؟ قالَ: أخٌ لِي أوْ قَرِيبٌ لِي قَالَ "حَجَجْتَ عن نَفْسِكَ"؟ قالَ لاَ، قالَ "حُجّ عن نَفْسِكَ ثُمّ حُج عن شُبْرُمَةَ" .
ـــــــ
"يقول لبيك عن شبرمة" بضم الشين المعجمة فموحدة ساكنة "أو قريب لي" شك من الراوي والحديث أخرجه أيضاً ابن حبان وصحهه والبيهقي قال إسناده صحيح وليس في هذا الباب أصح منه، وقد روى موقوفاً والرفع زيادة يتعين قبولها إذا جاءت من طريق ثقة وهي ههنا كذلك لأن الذي رفعه عبد ة بن سليمان قال الحافظ وهو ثقة محتج به في الصحيحين، وتابعه على رفعه محمد بن بشر ومحمد بن عبيدالله الأنصاري، وكذا رجح عبد الحق وابن القطان رفعه، وقد رجح الطحاوي أنه موقوف، وقال أحمد رفعه خطأ. وقال ابن المنذر: لا يثبت رفعه. وقد أطال الكلام الحافظ في التلخيص ومال إلى صحته وظاهر الحديث أنه لا يجوز لمن لم يحج عن نفسه أن يحج عن غيره وسواء كان مستطيعاً أو غير مستطيع لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يستفصل هذا الرجل الذي سمعه يلبي عن شبرمة، وهو ينزل منزلة العموم، وإلى ذلك ذهب الشافعي. وقال الثوري: إنه يجزىء حج من لم يحج عن نفسه ما لم يتضيق عليه. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه. وقال البيهقي: هذا إسناد صحيح ليس في الباب أصح منه
ـــــــ
تعتمر خير لك" رواه الترمذي من حديث الحجاج بن أرطاة عن محمد بن المنكدر عن جابر وقال:حسن صحيح قال البيهقي كذا رواه الحجاج مرفوعا والمحفوظ إنما هو عن جابر موقوف عليه غير مرفوع وقد نوقش الترمذي في تصحيحه فإن من رواية الحجاج بن أرطاة وقد ضعف ولو كان ثقة فهو مدلس كبير وقد قال عن محمد بن المنكدر لم يذكر سماعا ولا ريب أن هذا قادح في صحة الحديث.
وقد قال الشافعي ليس في العمرة شيء ثابت بأنها تطوع وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد ضعيف لا تقوم بمثله حجة تم كلامه.
قال البيهقي: وروى ابن لهيعة عن عطاء عن جابر مرفوعا "الحج والعمرة فريضتان واجبتان" قال البيهقي وهذا أيضا ضعيف لا يصح فقد سقط الاحتجاج برواية جابر من الطريقين وفي سنن ابن ماجه من حديث عمر بن قيس أخبرني طلحة بن يحيى عن محمد بن إسحق عن طلحة بن عبيد الله أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " الحج جهاد والعمرة تطوع" رواه عن هشام عمار بن عن الحسن بن يحيى الخشني.

(5/174)


27 - باب كيف التلبية
1809 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن نَافِعٍ عن عبد الله بنِ عُمَرَ: أَنّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم: "لَبّيْكَ اللّهُمّ لَبّيْكَ. لَبّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبّيْكَ. إِنّ الْحَمْدَ وَالنّعْمَةَ
ـــــــ
باب كيف التلبية
هي مصدر لبى كزكى تزكية أي كيف قال لبيك، وهو عند ابن سيبويه والأكثرين مثنى لقلب ألفه ياء مع المظهر وليست ثنيته حقيقة بل من المثناة لفظاً ومعناها التكثير والمبالغة وهو منصوب على المصدر بعامل مضمر أي أجبت إجابة بعد إجابة إلى مالا نهاية له. قال ابن عبد البر: قال جماعة من أهل العلم: معنى التلبية إجابة دعوة إبراهيم حين أذن في الناس بالحج "اللهم لبيك" أي يا الله أجبناك فيما دعوتنا. وأخرج أحمد بن منيع في مسنده وابن أبي حاتم من طريق قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس قال: لما فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت قيل له أذن في الناس بالحج، قال رب وما يبلغ صوتي قال أذن وعلى البلاغ، قال فنادى إبراهيم يا أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق، فسمعه من بين السماء والأرض، أفلا ترون أن الناس يجيئون من أقصى الأرض يلبون. ومن طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس وفيه فأجابوه بالتلبية في أصلاب الرجال وأرحام النساء، وأول من أجابه أهل اليمن فليس حاج يحج من يومئذ إلى أن تقوم الساعة إلا من كان أجاب إبراهيم يومئذ "إن الحمد" روى بكسر الهمزة على الاستئناف، كأنه لما قال لبيك استأنف كلاماً آخر فقال إن الحمد، وبالفتح على التعليل كأنه قال أجبتك لأن الحمد والنعمة لك، والكسر أجود عند الجمهور وحكاه الزمخشري عن أبي حنيفة وابن قدامة عن أحمد بن حنبل وابن عبد البر عن اختيار أهل العربية لأنه يقتضي أن تكون الإجابة مطلقة غير معللة، فإن الحمد والنعمة لله على كل حال والفتح بدل على التعليل، لكن قال في اللامع والعدة إنه إذا كسر صار للتعليل أيضاً من حيث أنه استئناف جواباً عن سؤال عن العلة "والنعمة لك" بكسر النون الإحسان والمنة مطلقاً وهي بالنصب على الأشهر عطفاً على الحمد، ويجوز الرفع على الابتداء والخبر محذوف لدلالة خبر إن تقديره إن الحمد لك والنعمة مستقرة لك. وجوز ابن الأنباري أن يكون الموجود خبر المبتدأ وخبر إن هو
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
في معنى التلبية ثمانية أقوال:
أحدهما إجابة لك بعد إجابة ولهذا المعنى كررت التلبية إيذانا بتكرير الإجابة.

(5/175)


لَكَ، وَالمُلْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ ". قالَ: وَكَانَ عبد الله بنُ عُمَرَ يَزِيدُ في تلْبِيَتِهِ لَبّيْكَ لَبّيْكَ لَبّيْكَ وَسَعْدَيكَ وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ وَالرّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ.
ـــــــ
المحذوف "والملك" بضم الميم والنصب عطفاً على اسم إن وبالرفع على الابتداء والخبر محذوف تقديره والملك كذلك "وسعديك" هو من باب لبيك فيأتي فيه ما سبق ومعناه أسعدني إسعاداً بعد إسعاد، فالمصدر فيه مضاف للفاعل وإن كان الأصل في معناه أسعدك بالإجابة إسعاداً بعد إسعاد على أن المصدر فيه مضاف للمفعول. وقيل المعنى مساعدة على طاعتك بعد مساعدة فيكون من المضاف المنصوب "والرغباء إليك" بفتح الراء والمد وبضمها مع القصر كالعلاء والعلا وبالفتح مع القصر ومعناه الطلب والمسألة، يعني أنه تعالى هو المطلوب المسؤول منه فبيده جميع الأمور "والعمل" له سبحانه لأنه المستحق للعبادة وحده. وفي حذف يحتمل أن تقديره والعمل إليك أي إليك القصد به والانتهاء به إليك لتجازي عليه ووقع عند مسلم من رواية موسى بن عقبة عن نافع وغيره عن ابن عمر "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استوت به راحلته عند مسجد ذي الحليفة أهل فقال لبيك" الحديث. وللبخاري في اللباس من طريق
ـــــــ
الثاني : أنه انقياد من قولهم لببت الرجل إذا قبضت على تلابيبه ومنه لببته بردائه والمعنى: انقدت لك وسعت نفسي لك خاضعة ذليلة كما يفعل بمن لبب بردائه وقبض على تلابيبه.
الثالث : أنه من لب بالمكان إذا قام به ولزمه والمعنى أنا مقيم على طاعتك ملازم لها اختاره صاحب الصحاح.
الرابع : أنه من قولهم داري تلب دارك أي تواجهها وتقابلها أي مواجهتك بما تحب متوجه إليك حكاه في الصحاح عن الخليل.
الخامس : معناه حبا لك بعد حب من قولهم امرأة لبة إذا كانت محبة لولدها.
السادس : أنه مأخوذ من لب الشيء وهو خالصه ومنه لب الطعام ولب الرجل عقله وقلبه ومعناه أخلصت لي وقلبي لك وجعلت لك لبي وخالصتي.
السابع : أنه من قولهم فلان رخي اللبب وفي لب رخي أي في حال واسعة منشرح الصدر ومعناه أن منشرح الصدر متسع القلب لقبول دعوتك وإجابتها متوجه إليك بلبب رخي يوجد المحب إلى محبوبه لا بكره ولا تكلف.
الثامن: أنه من الإلباب وهو الاقتراب أي اقترابا إليك بعد اقتراب كما يتقرب المحب من محبوبه.

(5/176)


...........................
ـــــــ
الزهري عن سالم عن أبيه "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل ملبداً يقول لبيك اللهم لبيك" الحديث. وقال في آخره لا يزيد على هذه الكلمات. زاد مسلم من هذا الوجه قال ابن عمر كان عمر يهل بهذا ويزيد لبيك وسعديك والخير في يديك والرغباء إليك والعمل وهذا القدر في رواية مالك أيضاً عنده عن نافع عن ابن عمر أنه كان يزيد فيها فذكر نحوه فعرف أن ابن عمر اقتدى في ذلك بأبيه واستدل به على استحباب الزيادة على ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك. قال الطحاوي بعد أن أخرجه من حديث ابن عمر وابن مسعود وعائشة وجابر وعمرو بن معد يكرب: أجمع المسلمون جميعاً على هذه التلبية غير أن قوماً قالوا لا بأس أن يزيد من الذكر لله ما أحب وهو قول محمد والثوري والأوزاعي، واحتجوا بحديث أبي هريرة يعني الذي أخرجه النسائي وابن
ـــــــ
و سعديك من المساعدة وهي المطاوعة ومعناه مساعدة في طاعتك وما تحب بعد مساعدة قال الحربي ولم يسمع سعديك مفردا.
و "الرغباء إليك" يقال بفتح الراء مع المد وبضمها مع القصر. ومعناها الطلب والمسألة والرغبة.
واختلف النحاة في الياء في لبيك فقال سيبويه: هي ياء التثنية.
وهو من الملتزم نصبه على المصدر كقولهم حمدا وشكرا وكرامة ومسرة والتزموا تثنيته إيذانا بتكرير معناه واستدامته والتزموا إضافته إلى ضمير المخاطب لما خصوه بإجابة الداعي وقد جاء إضافته إلى ضمير للغائب نادرا كقول الشاعر:
دعوت لما نابني مسورا ... فلبي فلبي يدي مسور
والتثنية فيه كالتثنية في قوله تعالى {ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ} وليس المراد مما يشفع الواحد فقط وكذلك سعديك ودواليك وقال يونس هو مفرد والباء فيه مثل عليك وإليك ولديك.
ومن حجة سيبويه على يونس أن على و إلى يختلفان بحسب الإضافة فإن جرا مضمرا كانا بالياء وإن جرا ظاهرا كانا بالألف فلو كان لبيك كذلك لما كان بالياء في جميع أحواله سواء أضيف إلى ظاهر أو مضمر كما قال فلبي يدي مسور.
وقالت طائفة من النحاة أصل الكلمة لبا لبا أي إجابة بعد إجابة فثقل عليهم تكرار الكلمة فجمعوا بين اللفظين ليكون أخف عليهم فجاءت التثنية وحذف التنوين لأجل الإضافة وقد اشتملت كلمات التلبية على قواعد عظيمة وفوائد جليلة:

(5/177)


.......................
ـــــــ
ماجه وصححه ابن حبان والحاكم قال: "من تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم: لبيك إله الحق لبيك" وبزيادة ابن عمر المذكورة. وخالفهم آخرون فقالوا: لا ينبغي أن يزاد على ما علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس كما في حديث عمرو بن معد يكرب ثم فعله هو ولم يقل لبوا بما شئتم مما من جنس هذا، بل علمهم كما علمهم التكبير في الصلاة فكذا لا ينبغي أن يتعدى في ذلك شيئاً مما علمه، ثم أخرج حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أنه سمع رجلا يقول: لبيك ذا المعارج،
ـــــــ
إحداها : أن قولك لبيك يتضمن إجابة داع دعاك ومناد ناداك ولا يصح في لغة ولا عقل إجابة من لا يتكلم ولا يدعو من أجابه.
الثانية : أنها تتضمن المحبة كما تقدم ولا يقال لبيك إلا لمن تحبه وتعظمه ولهذا قيل في معناها أنا مواجه لك بما تحب وأنها من قولهم امرأة لبة أي محبة لولدها.
الثالثة : أنها تتضمن التزام دوام العبودية ولهذا قيل هي من الإقامة أي أنا مقيم على طاعتك.
الرابعة : أنها تتضمن الخضوع والذل أي خضوعا بعد خضوع من قولهم أنا ملب بين يديك أي خاضع ذليل.
الخامسة : أنها تتضمن الإخلاص ولهذا قيل إنها من اللب وهو الخالص.
السادسة : أنها تتضمن الإقرار بسمع الرب تعالى إذ يستحيل أن يقول الرجل لبيك لمن لا يسمع دعاءه.
السابعة : أنها تتضمن التقرب من الله ولهذا قيل إنها من الإلباب وهو التقرب.
الثامنة : أنها جعلت في الإحرام شعارا لانتقال من حال إلى حال ومن منسك إلى منسك كما جعل التكبير في الصلاة سبعا للانتقال من ركن إلى ركن ولهذا كانت السنة أن يلبي حتى يشرع في الطواف فيقطع التلبية ثم إذا سار لبى حتى يقف بعرفة فيقطعها ثم يلبي حتى يقف بمزدلفة فيقطعها ثم يلبي حتى يرمي جمرة العقبة فيقطعها فالتلبية شعار الحج والتنقل في أعمال المناسك فالحاج كلما انتقل من ركن إلى ركن قال لبيك اللهم لبيك كما أن المصلي يقول في انتقاله من ركن إلى ركن الله أكبر فإذا حل من نسكه قطعها كما يكون سلام المصلي قاطعا لتكبيره.
التاسعة : أنها شعار لتوحيد ملة إبراهيم الذي هو روح الحج ومقصده بل روح العبادات كلها والمقصود منها ولهذا كانت التلبية مفتاح هذه العبادة التي يدخل فيها بها.
العاشرة : أنها متضمنة لمفتاح الجنة وباب الإسلام الذي يدخل منه إليه وهو كلمة الإخلاص والشهادة لله بأنه لا شريك له

(5/178)


....................................
ـــــــ
فقال إنه لذو المعارج وما هكذا كنا نلبي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى. وسيأتي بعض الكلام فيه.
ثم اعلم أن في حكم التلبية أربعة مذاهب: الأول: أنها سنة من السنن لا يجب بتركها شيء. وهو قول الشافعي وأحمد. والثاني: واجبة ويجب بتركها دم. حكاه الماوردي عن بعض الشافعية، وحكاه ابن قدامة عن بعض المالكية، والخطابي عن مالك وأبي حنيفة. والثالث: واجبة لكن يقوم مقامها فعل يتعلق بالحج. قال ابن المنذر قال أصحاب الرأي: إن كبر أو هلل أو سبح ينوي بذلك الإحرام فهو محرم. الرابع: أنها ركن في الإحرام لا ينعقد
ـــــــ
الحادية عشرة: أنها مشتملة على الحمد لله الذي هو من أحب ما يتقرب به العبد إلى الله واول من يدعي إلى الجنة أهله وهو فاتحة الصلاة وخاتمتها.
الثانية عشرة: أنها مشتملة على الاعتراف لله بالنعمة كلها ولهذا عرفها باللام المفيدة للاستغراق أي النعم كلها لك وانت موليها والمنعم بها.
الثالثة عشرة: أنها مشتملة على الاعتراف بأن الملك كله لله وحده فلا ملك على الحقيقة لغيره.
الرابعة عشرة: أن هذا المعنى مؤكد الثبوت بإن المقتضية تحقيق الخبر وتثبيته وأنه مما لا يدخله ريب ولا شك.
الخامسة عشرة : في إن وجهان فتحها وكسرها فمن فتحها تضمنت معنى التعليل أي لبيك الحمد والنعمة لك ومن كسرها كانت جملة مستقلة مستأنفة تتضمن ابتداء الثناء على الله والثناء إذا كثرت جمله وتعددت كان أحسن من قلتها وأما إذا فتحت فإنها تقدر بلام التعليل المحذوفة معها قياسا والمعنى لبيك لأن الحمد لك والفرق بين أن تكون جمل الثناء علة لغيرها وبين أن تكون مستقلة مرادة لنفسها ولهذا قال ثعلب من قال إن بالكسر فقد عم ومن قال أن بالفتح فقد خص ونظير هذين الوجهين والتعليلين والترجيح سواء قوله تعالى حكاية عن المؤمنين {إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ} كسر إن وفتحها فمن فتح كان المعنى: "ندعوه لأنه هو البر الرحيم" ومن كسر كان الكلام جملتين إحدهما قوله ندعوه ثم استأنف فقال: "إنه هو البر الرحيم" قال أبو عبيد والكسر أحسن ورجحه بما ذكرناه.
السادسة عشرة: أنها متضمنة للإخبار عن اجتماع الملك والنعمة والحمد لله عزوجل وهذا نوع آخر من الثناء عليه غير الثناء بمفردات تلك الأوصاف العلية فله سبحانه من أوصافه العلي نوعا ثناء نوع متعلق بكل صفة على انفرادها ونوع متعلق باجتماعها وهو كمال مع كمال وهو عامة الكمال والله سبحانه

(5/179)


.......................
ـــــــ
بدونها، حكاه ابن عبد البر عن الثوري وأبي حنيفة وابن حبيب من المالكية وأهل الظاهر قالوا هي نظير تكبيرة الإحرام للصلاة. وهو قول عطاء أخرجه سعيد بن منصور بإسناد صحيح عنه
ـــــــ
يفرق في صفاته بين الملك والحمد وسوغ هذا المعنى أن اقتران أحدهما بالآخر من أعظم الكمال والملك وحده كمال والحمد كمال واقتران أحدهما بالآخر كمال فإذا اجتمع الملك المتضمن للقدرة مع النعمة المتضمنة لغاية النفع والإحسان والرحمة مع الحمد المتضمن لعامة الجلال والإكرام الداعي إلى محبته كان في ذلك من العظمة والكمال والجلال ما هو أولى به وهو أهله وكان في ذكر الحمد له ومعرفته به من انجذاب قلبه إلى الله وإقباله عليه والتوجه بدواعي المحبة كلها إليه ما هو مقصود العبودية ولبها وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
ونظير هذا اقتران الغنى بالكرم كقوله {فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} فله كمال من غناه وكرمه ومن اقتران أحدهما بالآخر.
ونظيره اقتران العزة بالرحمة {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ}.
ونظيره اقتران العفو بالقدرة {فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً} .
ونظيره اقتران العلم بالحلم {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ} .
ونظيره اقتران الرحمة بالقدرة { وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .
وهذا يطلع ذا اللب على رياض من العلم أنيقات ويفتح له باب محبة الله ومعرفته والله المستعان وعليه التكلان.
السابعة عشرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" وقد اشتملت بالتلبية على هذه الكلمات بعينها وتضمنت معانيها وقوله وهو على كل شيء قدير لك أن تدخلها تحت قولك في التلبية لا شريك لك ولك أن تدخلها تحت قولك إن الحمد والنعمة لك ولك أن تدخلها تحت إثبات الملك له تعالى إذ لو كان بعض الموجودات خارجا عن قدرته وملكه واقعا بخلق غيره لم يكن نفي الشريك عاما ولم يكن إثبات الملك والحمد له عاما وهذا من أعظم المحال والملك كله له والحمد كله له وليس له شريك بوجه من الوجوه.
الثامنة عشر: أن كلمات التلبية متضمنة للرد على كل مبطل في صفات الله وتوحيده فإنها مبطلة لقول المشركين على اختلاف طوائفهم ومقالاتهم ولقول الفلاسفة وإخوانهم من الجهمية المعطلين لصفات الكمال التي هي متعلق الحمد فهو سبحانه محمود لذاته ولصفاته ولأفعاله فمن

(5/180)


1810 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ أخبرنا جَعْفَرٌ أخبرنا أبِي عن جَابِرٍ بن عبد الله قالَ: أَهَلّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ التّلْبِيَةَ مِثْلَ حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ قَالَ وَالنّاسُ يَزِيدُونَ ذَا المَعَارِجِ وَنْحْوَهُ مِنَ الكَلاَمِ وَالنّبيّ صلى الله عليه وسلم يَسْمَعُ فَلاَ يَقُولُ لَهُمْ شَيْئاً.
ـــــــ
قال: التلبية فرض الحج. وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر وطاووس وعكرمة وحكى النووي عن داوود أنه لابد من رفع الصوت بها وهذا زائد على أصل كونها ركناً. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي والترمذي وابن ماجه.
"ذا المعارج" من أسماء الله تعالى والمعارج المصاعد والدرج واحدها معرج، يريد معارج الملائكة إلى السماء، وقيل المعارج الفواضل العالية كذا في النهاية وفي رواية البيهقي ذا المعارج وذا الفواضل "فلا يقول" النبي صلى الله عليه وسلم "لهم شيئاً" فسكوت النبي صلى الله عليه وسلم على قولهم يدل
ـــــــ
جحد صفاته وأفعاله فقد جحد حمده ومبطلة لقول مجوس الأمة لقدرية الذين أخرجوا من ملك الرب وقدرته أفعال عباده من الملائكة والجن والإنس فلم يثبتوا له عليها قدرة ولا جعلوه خالقا لها فعلى قولهم لا تكون داخلة تحت ملكه إذ من لا قدرة له على الشيء كيف يكون هذا الشيء داخلا تحت ملكه فلم يجعلوا الملك كله لله ولم يجعلوه على كل شيء قدير وأما الفلاسفة فعندهم لا قدرة له على شيء البتة فمن علم معنى هذه الكلمات وشهدها وأيقن بها باين جميع الطوائف المعطلة.
التاسعة عشرة: في عطف الملك على الحمد والنعمة بعد كمال الخبر وهو قوله"إن الحمد والنعمة والملك" ولم يقل إن الحمد والنعمة لك والملك لطيفة بديعة وهي أن الكلام يصير بذلك جملتين مستقلتين فإنه لو قال إن الحمد والنعمة والملك لك كان عطف الملك على ما قبله عطف مفرد فلما تمت الجملة الأولى بقوله لك ثم عطف الملك كان تقديره والملك لك فيكون مساويا لقوله "له الملك وله الحمد" ولم يقل الملك والحمد وفائدته تكرار الحمد في الثناء.
العشرون: لما عطف النعمة على الحمد ولم يفصل بينهما بالخير كان فيه إشعار باقترانهما وتلازمهما وعدم مفارقة أحدهما للآخر فالإنعام والحمد قرينان.
الحادية والعشرون: في إعادة الشهادة له بأنه لا شريك له لطيفة وهي أنه أخبر لا شريك له عقب إجابته بقوله لبيك ثم أعادها عقب قوله"إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك" وذلك يتضمن أنه لا شريك له في الحمد والنعمة الملك والأول يتضمن أنه لا شريك لك في إجابة هذه الدعوة وهذا نظير قوله تعالى {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ

(5/181)


1811 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن عبد الله بنِ أبِي بَكْرٍ بنِ مُحمّدَ بنِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ عن عبد المَلِكِ بنِ أبِي بَكْرٍ بنِ عبد الرّحْمَنِ بنِ الْحَارِثِ بنِ هِشَامٍ عن خَلاّدِ بنِ السّائِبِ الأَنْصَارِيّ عن أبِيهِ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "أَتَانِي جِبْرَائِيلُ عَلَيْهِ السّلاَمُ فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أصْحَابِي وَمَنْ مَعِيَ أَنْ يَرْفَعُوا أصْواتَهُمْ بالإهْلاَلِ" أوْ قَالَ بالتّلْبِيَةِ يُريدُ أحَدُهُمَا".
ـــــــ
على جواز الزيادة على التلبية المعنية، ويدل على جواز ما وقع عند النسائي عن ابن مسعود قال: كان من تلبية النبي صلى الله عليه وسلم فذكره، ففيه دلالة على أنه قد كان يلبي بغير ذلك وما تقدم عن عمر وابن عمر. وروى سعيد بن منصور من طريق الأسود بن يزيد أنه كان يقول لبيك غفار الذنوب. وفي حديث جابر الطويل في صفة الحج: حتى استوت به ناقته على البيداء أهل بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك قال: وأهل الناس بهذا الذي يهلون به فلم يرد عليهم شيئاً منه ولزم تلبيته. والحاصل أن الاقتصار على التلبية المرفوعة أفضل لمداومة رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها وأنه لا بأس بالزيادة لكونه لم يردها عليهم وأقرهم عليها، وهو قول الجمهور، كذا في الفتح. وحكى الترمذي عن الشافعي قال: فإن زاد في التلبية شيئاً من تعظيم الله فلا بأس وأحب إليّ أن يقتصر على تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أن ابن عمر حفظ التلبية عنه ثم زاد من قبله زيادة والله أعلم. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه انتهى.
"أن آمر أصحابي" والحديث استدل به على استحباب رفع الصوت للرجل بالتلبية بحيث لا يضر نفسه، وبه قال ابن رسلان، وخرج بقوله أصحابي النساء فإن المرأة لا تجهر بها بل تقتصر على إسماع نفسها. وذهب داوود إلى أن رفع الصوت واجب. قال الشوكاني: وهو ظاهر قوله فأمرني أن آمر أصحابي لا سيما وأفعال الحج وأقواله بيان لمجمل واجب هو قول الله تعالى {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "خذوا عني مناسككم" قال الخطابي: يحتج به من يرى التلبية واجبة، وهو قول أبي حنيفة. وقال: من لم يلب لزمه دم، ولا شيء عند الشافعي على من لم يلب. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وقال الترمذي: حسن صحيح.
ـــــــ
إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} فأخبر بأنه لا إله إلا هو في أول الآية وذلك داخل تحت شهادته وشهادة ملائكته وأولي العلم وهذا هو المشهود به ثم أخبر عن قيامه بالقسط وهو العدل فأعاد الشهادة بأنه لا إله إلا هو مع قيامه بالقسط.

(5/182)


28 - باب متى يقطع التلبية
1812 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا وَكيعٌ أخبرنا ابنُ جُرَيْجٍ عن عَطَاءٍ عن ابنِ عَبّاسٍ عن الْفَضْلِ بنِ عَبّاسٍ: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لَبّى حَتّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ" .
1813 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرَنا عبد الله بنُ نُمَيْرٍ أخبرنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عن عبد الله بنِ أبِي سَلَمَةَ عن عبد الله بنِ عبد الله بنِ عُمَرَ عن أبِيهِ قَالَ: غَدَوْنَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم مِن مِنًى إلَى عَرَفَاتٍ مِنّا المُلَبّي وَمِنّا المُكَبّرُ.
ـــــــ
باب متى يقطع الحاج التلبية
"لبى حتى رمى جمرة العقبة" قال الخطابي: ذهب عامة أهل الحديث في هذا إلى حديث الفضل بن عباس دون حديث ابن عمر، وقالوا: لا يزال يلبي حتى يرمي جمرة العقبة إلا أنهم اختلفوا فقال بعضهم: يقطعها مع أول حصاة، وهو قول سفيان الثوري وأبي حنيفة وأصحابه، وكذلك قال الشافعي. وقال أحمد وإسحاق: يلبي حتى يرمي الجمرة ثم يقطعها وقال يلبي حتى تزول الشمس يوم عرفة فإذا راح إلى المسجد قطعها. وقال الحسن: يلبي حتى يصلي الغداة من يوم عرفة فإذا صلى الغداة أمسك عنها. وكره مالك التلبية لغير المحرم ولم يكرهها غيره. انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
وفي لفظ البخاري ومسلم "لم يزل يلبي حين بلغ الجمرة" فذهب الشافعي وغيره من العلماء إلى أنه يقطع التلبية مع أول حصاة على ظاهر هذا اللفظ، وذهب بعضهم إلى أنه لا يقطع التلبية حتى يرمي الجمرة بأسرها سبع حصيات، وقول جابر بن عبد الله في الحديث الطويل: فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة وفي حديث ابن مسعود نحوه وذلك يؤيد ما ذهب إليه الشافعي وغيره "قال: غدونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم" قال النووي: وفي الرواية الأخرى لمسلم: يهل المهل فلا ينكر عليه ويكبر المكبر فلا ينكر عليه: فيه دليل على استحبابها في الذهاب من منى إلى عرفات يوم عرفة والتلبية أفضل وفيه رد على من: يقطع التلبية بعد صبح يوم عرفة. قال المنذري: وأخرجه مسلم بنحوه.

(5/183)


29 - باب متى يقطع المعتمر التلبية
1814 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا هُشَيْمٌ عن ابنِ أبي لَيْلَى عن عَطَاءٍ عن ابنِ عَبّاسٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "يُلَبّي المُعْتَمِرُ حتى يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ" .
قال أَبُو دَاوُد: رَوَاهُ عبد المَلِكِ بنُ أبِي سُلَيْمَانَ وَهَمّامٌ عن عَطَاءٍ عن ابنِ عَبّاسٍ مَوْقُوفاً.
ـــــــ
باب متى يقطع المعتمر التلبية
"حتى يستلم الحجر" قال ابن الأثير: هو افتعل من السلام التحية، وأهل اليمن يسمون الركن الأسود المحيا، أي أن الناس يحيونه بالسلام، وقيل: هو افتعل من السلام وهي الحجارة واحدتها سلمة بكسر اللام يقال: استلم الحجر إذا لمسه وتناوله انتهى. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال صحيح. هذا آخر كلامه. وفي إسناده محمد بن عبد الرحمَن بن أبي ليلى وقد تكلم فيه جماعة من الأئمة. قال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث صحيح والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، قالوا لا يقطع المعتمر التلبية حتى يستلم الحجر، وقال بعضهم: إذا انتهى إلى بيوت مكة قطع التلبية، والعمل على حديث النبي صلى الله عليه وسلم وبه يقول سفيان والشافعي وأحمد وإسحاق انتهى.
قلت: ولفظ الترمذي: حدثنا هناد أخبرنا هشيم عن ابن أبي ليلى عن عطاء عن ابن عباس قال: يرفع الحديث: "إنه كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر" انتهى.

(5/184)


30 - باب المحرم يؤدب غلامه
1815 - حدثنا ابنُ حَنْبَلٍ قال حدّثناح. وحدّثنا مُحمّدُ بن عبد الْعَزِيزِ بنِ أبِي رِزْمَةَ قال أنبأنا عبد الله بنُ إِدْرِيسَ أنبأنا ابنُ إِسْحَاقَ عن يَحْيَى بنِ عَبّادِ بنِ عبد الله بنِ الزّبَيْرِ عن أبِيهِ عن أسْمَاءَ بِنْتَ أبي بَكْرٍ قالت: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم حُجّاجاً حَتى إذَا كُنّا بالْعَرْجِ نَزَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَنَزَلْنَا، فَجَلَسَتْ عَائِشَةُ إلَى جَنْبِ
ـــــــ
باب المحرم يؤدب غلامه
وبوب ابن ماجه في التوقي في الإحرام "إذا كنا بالعرج" بفتح العين وسكون الراء والجيم

(5/184)


رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، وَجَلَسْتُ إلَى جَنْبِ أبي [أبي بَكْر] وكَانَتْ زِمَالَةُ أبي بَكْرٍ رَضِيَ الله عَنْهُ وَزِمَالَةُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَاحِدَةً مَعَ غُلاَمٍ لأبي بَكْرٍ فَجَلَسَ أبُو بَكْرٍ يَنْتَظِرُ أنْ يَطْلُعَ عَلَيْهِ فَطَلَعَ وَلَيْسَ مَعَهُ بَعِيرُهُ قَالَ [فَقَالَ] أيْنَ بَعِيرُكَ؟ قال أَضَلَلْتَهُ الْبَارِحَةَ، قَالَ فَقَالَ أبُو بَكْرٍ بَعِيرٌ وَاحِدٌ تُضِلّه؟ قَالَ فَطَفَقَ يَضْرِبُهُ وَرَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَتَبَسّمُ وَيَقُولُ: "انْظُرُوا إلَى هَذَا المُحْرِمِ مَا يَصْنَعُ" . قَالَ ابنُ أبِي رِزْمَةَ فَمَا يَزِيدُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى أنْ يَقُولَ: "انْظُرُوا إلَى هَذَا المُحْرِمِ مَا يَصْنَعُ، وَيَتَبَسّمُ" .
ـــــــ
قرية جامعة من أعمال الفرع على أيام من المدينة "وكانت زمالة أبي بكر الخ" بكسر الزاي أي مركوبهما وما كان معهما من أداوت السفر واحداً. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه وفي إسناده محمد بن إسحاق.

(5/185)


31 - باب الرجل يحرم في ثيابه
1816 - حدثنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنبأنا هَمّامٌ قال سَمِعْتُ عَطَاءً أنبأنا صَفْوَانُ بنُ يَعْلَى بنِ أُمَيّةَ عن أبِيهِ: أَنّ رَجُلاً أتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ وَعَلَيْهِ أَثَرُ خَلُوقٍ، أوْ
ـــــــ
باب الرجل يحرم في ثيابه
"أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم " في فتح الباري لم أقف على اسمه لكن ذكر ابن فتحون أن اسمه عطاء بن منية. قال ابن فتحون: إن ثبت ذلك فهو أخو يعلى بن منية راوي الخبر، ويجوز أن يكون خطأ من اسم الراوي فإنه من رواية عطاء عن صفوان بن يعلى بن منية عن أبيه، ومنهم من لم يذكر بين عطاء ويعلى أحداً، ويجوز أن يكون عمرو بن سواد إذ في كتاب الشفاء للقاضي عياض عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا متخلق الحديث، لكن عمرو هذا لا يدرك ذا فإنه صاحب ابن وهب "وهو بالجعرانة" بكسر الجيم وسكون العين وتخفيف الراء على الصحيح، ومنهم من يقول بكسر الجيم والعين المهملة وتشديد الراء. وهذا هو المشهور على الألسنة وهي بين الطائف، وهي إلى مكة أدنى في حدود الحرم، أحرم منه صلى الله عليه وسلم للعمرة وهو أفضل من التنعيم عند الشافعية. خلافا لأبي حنيفة رحمه الله بناء على أن الدليل القولي أقوى عنده لأن القول لا يصدر إلا عن قصده، والفعل يحتمل أن يكون اتفاقياً لا قصدياً، وقد أمر صلى الله عليه وسلم عائشة أن تعتمر من التنعيم وهو أقرب المواضع من الحرم. قاله علي القاري "وعليه أثر خلوق" بفتح الخاء

(5/185)


قال صُفْرَةٍ، وَعَلَيْهِ جُبّةٌ فَقال: يا رسول الله كَيْفَ تَأْمُرُني أنْ أَصْنَعَ في عُمْرَتِي؟ فَأَنْزَلَ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم الْوَحْيَ، فَلمّا سُرّيَ عَنْهُ قال: "أَيْنَ السّائِلُ عن الْعُمْرَةِ"؟ قال: "اغْسِلْ عَنْكَ أَثَرَ الْخَلُوقِ"، أو قَال "أثَرَ الصّفْرَةِ، وَاخْلَعِ الْجُبّةَ عَنْكَ وَاصْنَعْ في عُمْرَتِكَ ما صَنَعْتَ في حَجّتِكَ" .
1817 - حدثنا مُحمّدُ بنُ عِيسَى أخبرنا أبُو عَوانَةَ عن أبي بِشْرٍ عن عَطَاءِ عن يَعْلَى بنِ أُمَيّةَ وَ هُشَيْمٌ عن الْحَجّاجِ عن عَطَاءٍ عن صَفْوانَ بنِ يَعْلَى عن أبِيهِ بِهذِهِ الْقِصّةِ قال فِيهِ: فَقال لَهُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "اخْلَعْ جُبّتَكَ" ، فَخَلَعَهَا مِنْ رَأْسِهِ وَسَاقَ الحدِيثَ.
1818 - حدثنا يَزِيدُ بنُ خَالِدِ بنِ عبد الله بنِ مَوْهِبٍ الْهَمْدَانِيّ الرّمْلِيّ حدثنا اللّيْثُ عن عَطَاءِ بنِ أبي رَبَاحٍ عن ابنِ يَعْلَى بنِ مُنْيَةَ عن أبِيهِ بِهذَا الْخَبَرِ قال فِيهِ:
ـــــــ
المعجمة نوع من الطيب يتخذ من الزعفران وغيره، حتى كاد يتقاطر الطيب من بدنه "وعليه جبة" ثوب معروف ومنه قولهم جبة البرد جنة البرد "فلما سري عنه" بضم المهملة وتشديد الراء المكسورة أي كشف عنه شيئاً بعد شيء "اغسل عنك أثر الخلوق" هو أعم من أن يكون بثوبه أو ببدنه "واصنع في عمرتك الخ" فيه دليل على أنهم كانوا يعرفون أعمال الحج. قال ابن العربي: كأنهم كانوا في الجاهلية يخلعون الثياب ويجتنبون الطيب في الإحرام إذا حجوا وكانوا يتساهلون في ذلك في العمرة فأخبره النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن مجراهما واحد. وقال ابن المنير: قوله واصنع معناه اترك لأن المراد بيان ما يجتنبه المحرم فيؤخذ منه فائدة حسنة وهي أن الترك فعل، وأما قول ابن بطال: أراد الأدعية وغيرها، مما يشترك فيه الحج والعمرة ففيه نظر، لأن التروك مشتركة بخلاف الأعمال فإن في الحج أشياء زائدة على العمرة كالوقوف وما بعده. قاله الحافظ.
قال الخطابي: فيه من الفقه أن أحرم وعليه ثياب مخيط من قميص وجبة ونحوهما لم يكن عليه تمزيقه وأنه إذا نزعه من رأسه لم يلزمه دم. وقد روى عن إبراهيم النخعي أنه قال: يشقه. وعن الشعبي قال يمزق ثيابه.
قلت: وهذا خلاف السنة لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمره بخلع الجبة وخلعها الرجل من رأسه فلم يوجب عليه غرامة، وقد نهى صلى الله عليه وآله وسلم عن إضاعة المال وتمزيق الثياب تضييع له فهو غير جائز. وقال المنذري: وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي.
"عن يعلى بن منية" يقال فيه يعلى بن أمية ويعلى بن منية وأمية أبوه ومنية أمه "ويغتسل"

(5/186)


"فَأَمَرَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ يَنْزِعَهَا نَزْعاً وَيَغْتَسِلَ مَرّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثاً" وَسَاقَ الحَدِيثَ.
1819 - حدثنا عُقْبَةُ بنُ مُكْرِمٍ أخبرنا وَهْبُ بنُ جَرِيرٍ أخبرنا أبي قال سَمِعْتُ قَيْسَ بنَ سَعْدٍ يُحَدّثُ عن عَطَاءٍ عن صَفْوانَ بنِ يَعْلَى بنِ أُمَيّةَ عن أبِيهِ: أَنّ رَجُلاً أتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم بالْجِعِرّانَةِ وَقَدْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَعَلَيْهِ جُبّةٌ وَهُوَ مُصَفّرٌ لِحْيَتِهِ وَرَأْسِهِ" وَساقَ الْحَدِيثَ.
ـــــــ
أي محل الطيب من البدن أو الثوب "مرتين أو ثلاثاً" وفي رواية البخاري: اغسل الطيب الذي بك ثلاث مرات. قال ابن جريج أحد رواته فقلت لعطاء أراد الانقاء حين أمره أن يغسل ثلاث مرات فقال نعم. قال الحافظ: إن عطاء فهم من السياق أن قوله ثلاث مرات من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم لكن يحتمل أن يكون من كلام الصحابي وأنه صلى الله عليه وسلم، أعاد لفظه اغسله مرة ثم مرة على عادته أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً لتفهم عنه. نبه عليه عياض انتهى. وقوله في: الحديث اغسل عنك أثر الخلوق وهو أعم من أن يكون بثوبه أو ببدنه. وفي رواية البخاري: عليه قميص فيه أثر صفرة. والخلوق في العادة: إنما يكون في الثوب. ورواه أبو داوود الطيالسي في مسنده عن شعبة عن قتادة عن عطاء بلفظ: رأى رجلا عليه جبة عليها أثر خلوق. ولمسلم من طريق رباح عن عطاء مثله. وقال سعيد بن منصور: حدثنا هشيم أخبرنا عبد الملك ومنصور وغيرهما عن عطاء عن يعلى أن رجلا قال: يا رسول الله إني أحرمت وعليّ جبتي هذه وعلى جبته ردغ من خلوق.. الحديث وفيه: فقال اخلع هذه الجبة واغسل هذا الزعفران.
وفي هذه الروايات كلها رد على الحافظ الإسماعيلي حيث قال: ليس في حديث الباب أن الخلوق كان على الثوب وإنما فيه أن الرجل كان متضمخاً وكان مصفراً لحيته ورأسه. وفي لفظ البخاري: أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات، وهو يوضح أن الطيب لم يكن على ثوبه وإنما كان على بدنه، ولو كان على الجبة لكان في نزعها كفاية من جهة الإحرام. انتهى كلامه.
واستدل بحديث الباب على منع استدامة الطيب بعد الإحرام للأمر بغسل أثره من الثوب والبدن وهو قول مالك ومحمد بن الحسن. وأجاب الجمهور عنه بأن قصة يعلى كانت بالجعرانة وهي في سنة ثمان بلا خلاف، وقد ثبت عن عائشة أنها طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدها عند إحرامهما وكان ذلك في حجة الوداع وهي سنة عشر بلا خلاف، وإنما يؤخذ بالأمر الآخر فالآخر، وبأن المأمور بغسله في قصة يعلى إنما هو الخلوق لا مطلق الطيب، فلعل علة الأمر فيه ما خالطه من الزعفران، وقد ثبت النهي عن تزعفر الرجل مطلقاً محرماً وغير محرم.

(5/187)


..................................
ـــــــ
واستدل أيضاً على أن من أصاب طيباً في إحرامه ناسياً أو جاهلاً ثم علم فبادر إلى إزالته فلا كفارة عليه. وعلى أن اللبس جهلا لا يوجب الفدية. وقال مالك: إن طال ذلك عليه لزمه دم. وعن أبي حنيفة وأحمد في رواية: يجب مطلقاً.

(5/188)


32 - باب ما يلبس المحرم
1820 - حدثنا مُسَدّدٌ وَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ قالا أخبرنا سُفْيَانُ عن الزّهْرِيّ عن سَالِمٍ عن أبِيهِ قال: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم ما يَتْرُكُ المُحْرِمُ مِنَ الثّيَابِ؟ فَقال: "لا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ وَلا الْبُرْنُسَ وَلا السّراوِيلَ وَلا الْعِمَامَةَ وَلا ثَوْباً مَسّهُ وَرْسٌ وَلا زَعْفَرَانٌ وَلا الْخُفّيْنِ إِلاّ لِمَنْ لا يَجِدُ النّعْلَيْنِ، فَمنْ لم يَجِدِ النّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ" .
ـــــــ
باب ما يلبس المحرم
قال الحافظ: المراد بالمحرم من أحرم بحج أو عمرة أو قرن. وحكى ابن دقيق العيد أن ابن عبد السلام كان يستشكل معرفة حقيقة الإحرام يعني على مذهب الشافعي ويرد على من يقول إنه النية، لأن النية شرط في الحج الذي الإحرام ركنه وشرط الشيء غيره، ويعترض على من يقول: إنه التلبية بأنها ليست ركناً، وكأنه يحوم على تعيين فعل تتعلق به النية في الابتداء انتهى. والذي يظهر أنه مجموع الصفة الحاصلة من تجرد وتلبية ونحو ذلك."ولا البرنس" بضم الباء والنون هو كل ثوب رأسه منه ملتزق به من دراعة أو جبة أو غيره. قال الجوهري: هو قلنسوة طويلة كان النساك يلبسونها في صدر الإسلام من البرس بكسر الموحدة القطن كذا في مجمع البحار.
وقال الخطابي: فيه دليل على أن كل شيء غطى رأسه من معتاد اللباس كالعمائم والقلانس ونحوها وكالبرنس أو الحمل يحمله على رأسه والمكتل يضعه فوقه وكل ما دخل في معناه فإن فيه الفدية "ولا ثوباً مسه ورس" الورس بفتح الواو وسكون الراء بعدها مهملة نبت أصفر طيب الرائحة يصبغ به. قال ابن العربي: ليس الورس من الطيب ولكنه نبه به على اجتناب الطيب وما يشبهه في ملاءمة الشم فيؤخذ منه تحريم أنواع الطيب على المحرم وهو مجمع عيله فيما يقصد به التطيب. وظاهر قوله مسه تحريم ما صبغ كله أو بعضه ولكنه لابد عند الجمهور من أن يكون للمصبوغ رائحة فإن ذهبت جاز لبسه خلافا لمالك "إلا لمن لا يجد النعلين" في لفظ البخاري: وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين فإن لم يجد النعلين فليلبس

(5/188)


1821 - حدثنا عبد الله بنُ مَسْلَمَةَ عن مَالِكٍ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِمَعْناهُ.
1822 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا اللّيْثُ عن نَافعٍ عن ابنِ عُمَرَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِمَعْنَاهُ وَ زَادَ "لا تَنْتَقِبِ [زَادَ وَلا تَنْتَقِبِ] المَرْأَةُ الْحَرَامُ وَلا تَلْبَسُ الْقُفّازَيْنِ" .
ـــــــ
الخفين، وفيه دليل على أن واجد النعلين لا يلبس الخفين المقطوعين. وهو قول الجمهور، وعن بعض الشافعية جوازه والمراد بالوجدان القدرة على التحصيل "أسفل من الكعبين" هما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم. وظاهر الحديث أنه لا فدية على من لبسهما إذا لم يجد النعلين. وعن الحنفية تجب، وتعقب بأنها لو كانت واجبة لبينها النبي صلى الله عليه وآهله وسلم لأنه وقت الحاجة وتأخير البيان عنه لا يجوز. واستدل به على أن القطع شرط لجواز لبس الخفين خلافاً للمشهور عن أحمد فإنه أجاز لبسهما من غير قطع لإطلاق حديث ابن عباس الآتي، وأجاب عنه الجمهور بأن حمل المطلق على المقيد واجب وهو من القائلين به.
قال الخطابي: وأنا أتعجب من أحمد بن حنبل في هذا فإنه لا يكاد يخالف سنة تبلغه، وقلت سنة لم تبلغه. وقال الخطابي أيضاً: وفيه أن المحرم منهى عن الطيب في بدنه وفي لباسه وفي معناه الطيب في طعامه لأن بغية الناس في تطييب الطعام كبغيتهم في تطيب تطيب وفيه أنه إذا لم يجد النعلين ووجد الخفين قطعهما ولم يكن ذلك من جملة ما نهي عنه من تضييع المال لكنه مستثنى منه وكل إتلاف من باب المصلحة فليس بتضييع وليس في أمر الشريعة إلا الاتباع وقد اختلف الناس في هذا فقال عطاء لا يقطعهما لأن في قطعهما فساد، وكذلك أحمد بن حنبل. وممن قال يقطع كما جاء في الحديث مالك وسفيان الثوري والشافعي وإسحاق بن راهويه. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي بنحوه.
"لا تنتقب المرأة الحرام" أي المحرمة، والانتقاب لبس غطاء للوجه فيه نقبان على العينين تنظر المرأة منهما. قال في الفتح: النقاب الخمار الذي يشد

(5/189)


قال أَبُو دَاوُد: وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ حاتِمُ بنُ إِسْمَاعِيلَ ويَحْيَى بنُ أيّوبَ عن مُوسَى بنِ عُقْبَةَ عن نَافِعٍ عَلَى ما قال اللّيْثُ [عن نافع عن عمر عن النيي صلى الله عليه وسلم كما قال الليث] وَرَوَاهُ مُوسَى بنُ طَارِقٍ عن مُوسَى بنِ عُقْبَةَ مَوْقُوفاً عَلَى ابنِ عُمَرَ. وكَذَلِكَ رَوَاهُ عُبَيْدُالله بنُ عُمَرَ ومالِكٌ وَأَيُوبُ مَوْقُوفاً وإِبْرَاهِيمُ بنُ سَعِيدٍ المَدِينِيّ [المَدِنِيُّ] [وكذلك رواه عبيد الله بن عمر ومالك وأيوب عن نافع عن ابن عمر عن موقوفا ورواه إبراهيم بن سعيد المدني]عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "المُحْرِمَةُ لا تَنْتَقِبُ ولا تَلْبَسُ الْقُفّازَيْنِ" .
قال أَبُو دَاوُد: إِبراهِيمُ بنُ سَعِيدٍ المَدِينِيّ [المَدِنِيُّ] شَيخٌ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ لَيْسَ لَهُ كَبِيرُ حَدِيثٍ.
ـــــــ
على الأنف أو تحت المحاجر. انتهى قاله الشوكاني. وقال ابن المنذر: أجمعوا على أن المرأة تلبس المخيط والخفاف، و لها أن تغطي رأسها لا وجهها فتسدل الثوب سدلا خفيفاً تستر به عن نظر الرجال انتهى "ولا تلبس القفازين" تثنية القفاز بوزن رمان. قال في القاموس: شيء يعمل لليدين يحشى بقطن تلبسهما المرأة للبرد أو ضرب من الحلي لليدين والرجلين. قال في الفتح: والقفاز بضم القاف وتشديد الفاء بعد الألف زاي ما تلبسه المرأة في يدها فيغطي أصابعها وكفيها عند معاناة الشيء كغزل ونحوه وهو لليد كالخف للرجل. والنقاب الخمار الذي يشد على الأنف أو تحت المحاجر، وظاهره اختصاص ذلك بالمرأة ولكن الرجل في القفاز مثلها لكونه في معنى الخف فإن كلامنهما محيط بجزء من البدن. وأما النقاب فلا يحرم على الرجل من جهة الإحرام لأنه لا يحرم عليه تغطية وجهه على الراجح. ومعنى لا تنتقب أي لا تستر وجهها واختلف العلماء في ذلك فمنعه الجمهور وأجازاه الحنفية وهو رواية عند الشافعية والمالكية ولم يختلفوا في منعها من ستر وجهها وكفيها بما سوى النقاب والقفازين انتهى كلامه. قال المنذري: وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي قال علي القاري: قوله لا تنتقب نفي أو نهي أي لا تستر وجهها بالبرقع والنقاب ولو سدلت على وجهها شيئاً مجافياً جاز وتغطيه وجه الرجل حرام كالمرأة عندنا وبه قال مالك وأحمد رحمهم الله في رواية خلافا للشافعي رحمه الله "وقد روى هذا الحديث حاتم بن إسماعيل" أي مرفوعاً بذكر هذه الجملة: ولا تنتقب المرأة الحرام كما رواها الليث لكن اختلف على موسى بن عقبة، فروى حاتم بن إسماعيل ويحيى بن أيوب عنه عن نافع مرفوعاً كما قال الليث وروى موسى بن طارق عنه عن نافع موقوفاً على عبد الله بن عمر وهكذا روى عبيدالله بن عمر ومالك وأيوب كلهم عن نافع عن ابن عمر موقوفاً وأما إبراهيم بن سعيد المديني فرواه عن نافع مرفوعاً لكن إبراهيم بن سعيد هذا قليل الحديث هذا معنى قول المؤلف. والحديث أخرجه البخاري من طريق عبد الله بن يزيد عن الليث عن نافع مرفوعاً بذكر هذا الزيادة ثم قال البخاري تابعه موسى بن عقد وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة وجويرية وابن إسحاق في النقاب والقفازين أي هؤلاء والليث بذكر هذه الجملة مرفوعاً وقال عبيدالله ومالك وليث بن أبي سليم عن نافع موقوفاً. هذا معنى قول البخاري.

(5/190)


1823 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا إِبراهِيمُ بنُ سَعِيدٍ المَدِينِيّ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "المُحْرِمَةُ لا تَنْتَقِبُ ولا تَلْبَسُ الْقُفّازَيْنِ" .
1824 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا يَعْقُوبُ أخبرنا أبي عن ابنِ إسْحَاقَ قال فإِنّ نَافِعاً مَوْلَى عبد الله بنِ عُمَرَ حَدّثَني [قال: قال لي نافع مولى عبد الله بن عمر حدثني] عن عبد الله بنِ عُمَرَ: " أَنّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهَى النّسَاءَ في إحْرَامِهِنّ عن
ـــــــ
قلت: أخرج مالك في الموطأ عن نافع عن ابن عمر: لا تنتقب المحرمة، وهو أقتصره على الموقوف فقط. وقد اختلف في قوله: لا تنتقب المرأة في رفعه ووقفه، فنقل الحاكم عن شيخه على النيسابوري أنه من قول ابن عمر أدرج في الحديث. وقال الخطابي في المعالم: وعللوه بأن ذكر القفازين إنما هو من قول ابن عمر ليس عن النبي صلى الله عليه وسلم. وعلق الشافعي القول في ذلك.
وقال البيهقي في المعرفة: إنه رواه الليث مدرجاً وقد استشكل الشيخ تقي الدين في الإمام الحكم بالإدراج في هذا الحديث من وجهين: الأول لورود النهي عن النقاب والقفازين مفرداً مرفوعاً كما رواه أبو داوود من رواية إبراهيم بن سعد المدني. والوجه الثاني أنه جاء النهي عن القفازين مبتدأ به في صدره الحديث مسنداً إلى النبي صلى الله عليه وسلم سابقاً على النهي عن غيره. قال: وهذا يمنع من الإدراج ويخالف الطريق المشهورة، فروى أبو داوود أيضاً من طريق ابن إسحاق كما سيأتي.
وقال الحافظ العراقي في شرح الترمذي: في الوجه الأول قرينه تدل على عدم الإدراج لكن الحديث ضعيف لأن إبراهيم بن سعيد المدني مجهول وقد ذكره ابن عدي مقتصراً على ذكر النقاب. وقال لا يتابع إبراهيم بن سعيد هذا على رفعه. قال ورواه جماعة عن نافع من قول ابن عمر. وقال الذهبي في الميزان: إن إبراهيم بن سعيد هذا منكر الحديث غير معروف ثم قال له حديث واحد في الإحرام أخرجه أبو داوود وسكت عنه فهو مقارب الحال. وفي الوجه الثاني ابن إسحاق وهو لا شك دون عبيدالله بن عمر في الحفظ والإتقان، وقد فصل الموقوف من المرفوع. وقول الشيخ إن هذا يمنع من الإدراج مخالف لقوله في الاقتراح إنه يضعف لا يمنعه فلعل بعض من ظنّه مرفوعاً قدمه والتقديم والتأخير في الحديث سائغ بناء على جواز الرواية بالمعنى قاله العيني رحمه الله.
"أخبرنا يعقوب أخبرنا أبي" هو إبراهيم بن سعد "عن ابن إسحاق قال فإن نافعاً" ولفظ

(5/191)


الْقُفّازَيْنِ وَالنّقَابِ وَما مَسّ الْوَرْسُ وَالزّعْفَرَانُ مِنَ الثّيَابِ وَلْتَلْبَسْ بَعْدَ ذَلِكَ ما أَحَبّتْ مِنْ ألْوَانِ الثّيَابِ مُعَصْفَراً أو خَزّا أو حُلِيّا أو سَرَاوِيلَ أو قَمِيصاً أو خُفّا" .
قال أَبُو دَاوُد: رَوَى هَذَا عن ابنِ إسْحَاقَ عن نَافِعٍ عبد ةُ وَمُحمّدُ بنُ سَلَمَةَ عن مُحمّدِ بنِ إسْحَاقَ إلَى قَوْلِهِ: وما مَسّ الْوَرْسُ وَالزّعْفَرَانُ مِنَ الثّيابِ ولم يَذْكُرَا ما بَعْدَهُ.
1825 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلُ أخبرنا حَمّادٌ عن أيّوبَ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ: "أَنّهُ وَجَدَ الْقُرّ فَقال: ألْقِ عَلَيّ ثَوْباً يَانَافِعُ، فأَلْقَيْتُ عَلَيْهِ بُرْنُساً، فَقال: تُلْقِي عَلَيّ هَذَا وَقَدْ نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ يُلْبَسَهُ المُحْرِمُ".
1826 - حدثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ أخبرنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عن عَمْرِو بنِ دِينَارٍ عنْ جَابِرِ بنِ زَيْدٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "السّرَاوِيلُ لِمَنْ لاَ يَجِدُ الإِزَارَ، وَالْخُفّ لِمَنْ لاَ يَجِدُ النّعْلَيْنِ" .
ـــــــ
أحمد حدثني نافع "لم يذكرا" أي عبد ة ومحمد بن سلمة "ما بعده" أي من قوله ولتلبس إلى آخره إنما تفرد به إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق.
"وجد القر" بضم القاف وتشديد، الراء البرد. قال المنذري: وأخرجه البخاري والنسائي المسند منه بنحوه أتم منه.
"السراويل لمن لا يجد الإزار" قال في فتح الباري: هذا الحكم للمحرم لا الحلال فلا يتوقف جواز لبسه السروايل على فقد الإزار. قال القرطبي: أخذ بظاهر هذا الحديث أحمد فأجاز لبس الخف والسراويل للمحرم الذي لا يجد النعلين والإزار على حالهما، واشترط الجمهور قطع الخف وفتق السروايل: فلو لبس شيئاً منهما على حاله لزمته الفدية. والدليل لهم قوله في حديث ابن عمر: "وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين" فيحمل المطلق على المقيد ويلحق النظير بالنظير لاستوائهما في الحكم. وقال ابن قدامة: الأولى قطعهما عملا بالحديث الصحيح وخروجاً من الخلاف انتهى. والأصح عند الشافعية والأكثر جواز لبس السراويل بغير فتق كقول أحمد، واشترط الفتق محمد بن الحسن وإمام الحرمين وطائفة. وعن أبي حنيفة منع السراويل للمحرم مطلقاً، ومثله عن مالك، وكأن حديث ابن عباس لم يبلغه ففي الموطأ أنه سئل عنه فقال لم أسمع بهذا الحديث. وقال الرازي من الحنفية: يجوز لبسه وعليه الفدية كما قاله أصحابهم في الخفين ومن أجاز لبس السراويل على حاله قيده بأن لا يكون في حالة لو فتقه لكان إزاراً لأنه في تلك الحالة يكون واجداً لإزار. قال المنذري: وأخرجه

(5/192)


قال أَبُو دَاوُد: "هَذَا حَدِيثُ أَهْلِ مَكّةَ وَمَرْجِعُهُ إلَى الْبَصْرَةِ إلَى جَابِرِ بنِ زَيْدٍ، وَالّذِي تَفَرّدَ بِهِ مِنْهُ ذِكْرُ السّرَاوِيلِ وَلَمْ يَذْكُرِ الْقَطْعَ في الْخُفّ".
1827 - حدثنا الْحُسَيْنُ بنُ جُنَيْدِ الدّامِغَانِيّ أخبرنا أبُو أُسَامَةَ أخْبَرَنِي عُمَرُ بنُ سُوَيْدٍ الثّقَفِيّ حَدّثَتْني عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ أنّ عَائِشَةَ أَمّ الْمُؤْمِنِينَ حَدّثَتْهَا قالَتْ: كُنّا نَخْرُجُ مَعَ النّبيّ [رسول الله] صلى الله عليه وسلم إلَى مَكّةَ فَنُضَمّدُ جِبِاهَنَا بالسّكّ المُطَيّبِ عِنْدَ الإِحْرَامِ، فَإِذَا عَرِقَتْ إحْدَانا سَالَ عَلَى وَجْهِهَا فَيَرَاهُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَلاَ يَنْهَاهَا [فَلاَ يَنْهَانَا].
1828 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا ابنُ عَدِيَ عن مُحمّدِ بنِ إسْحَاقَ قَالَ ذَكَرْتُ لاِبْنِ شِهَابٍ فَقَالَ: حَدّثَني سَالِمُ بنُ عبد الله: "أَنّ عبد الله - يَعْنِي ابنَ عُمَرَ -
ـــــــ
البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه بنحوه أتم منه "هذا حديث أهل مكة" لأن سليمان بن حرب مكي وروى عنه المصنف وإسناد الحديث يدور على جابر بن يزيد وهو بصري. وأن جابراً لم يذكر القطع، وتفرد بذكر السراويل.
"فنضمد" بفتح الضاد المعجمة وتشديد الميم المكسورة أي نلطخ "جباهنا" بكسر الجيم والجبهة من الإنسان تجمع على جباه مثل كلبة وكلاب. قال الأصمعي: هي موضع السجود "بالسك" بضم السين المهملة وتشديد الكاف وهو نوع من الطيب معروف "فإذا عرقت" بكسر الراء "فلا ينهاها" وسكوته صلى الله عليه وآله وسلم يدل على الجواز لأنه لا يسكت على باطل في رواية أحمد بن حنبل من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم ادهن بزيت غير مقتت وهو محرم. في القاموس: زيت مقتت طبخ فيه الرياحين أو خلط بأدهان طيبة. وفيه دليل على جواز الادهان بالزيت الذي لم يخلط بشيء من الطيب وقد قال ابن المنذر: أنه أجمع العلماء على أنه يجوز للمحرم أن يأكل الزيت والشحم والسمن والشيرج وأن يستعمل ذلك في جميع بدنه سوى رأسه ولحيته. قال: أجمعوا على أن الطيب لا يجوز استعماله في بدنه، وفرقوا بين الطيب والزيت في هذا.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
حديث ابن عمر هذا فيه أحكام عديدة:
الحكم الأول: أنه صلى الله عليه وسلم سئل عما يلبس المحرم وهو غير محصور فأجاب بما لا يلبس لحصره فعلم أن غيره على الإباحة ونبه بالقميص على ما فصل للبدن كله من جبة أو دلق أو دراعة أو عرقشين ونحوه ونبه بالعمامة على كل ساتر للرأس معتاد كالقبع والطاقية والقلنسوة والكلتة

(5/193)


كَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ يَعْنِي يَقْطَعُ الْخُفّيْنِ للْمَرْأَةِ المُحْرِمَةِ. ثُمّ حَدّثَتْهُ صَفِيّةُ بِنْتُ أبي عُبَيْدٍ أنّ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا حَدّثَتْهَا: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: قَدْ كَانَ رَخّصَ لِلنّسَاءِ في الْخُفّيْنِ فَتَرَكَ ذَلِكَ .
ـــــــ
واستدل المؤلف بحديث عائشة على أن الطيب الباقي على الثوب قبل الإحرام لا يضر لبسه بعد الإحرام.
"يقطع الخفين للمرأة المحرمة" لعموم حديث ابن عمر المتقدم، فإن ظاهره شمول الرجل والمرأة لولا هذا الحديث "فترك ذلك" يعني رجع عن فتواه. وفيه دليل على أنه يجوز للمرأة أن تلبس الخفين بغير قطع. قال المنذري: في إسناده محمد بن إسحاق. انتهى. قلت: روايته ليست معنعنة بل شافه الزهري وروى عنه.
ـــــــ
ونحوها ونبه بالبرنس على المحيط بالرأس والبدن جميعا كالغفارة ونحوها ونبه بالسراويل على المفصل على الأسافل كالتبان ونحوه. ونبه بالخفين على ما في معناهما من الجرموق والجورب والزربول ذي الساق ونحوه.
الحكم الثاني : أنه منعه من الثوب المصبوغ بالورس أو الزعفران وليس هذا لكونه طيبا فإن الطيب في غير الورس والزعفران أشد ولأنه خصه بالثوب دون البدن وإنما هذا من أوصاف الثوب الذي يحرم فيه أن لا يكون مصبوغا بورس ولا زعفران وقد نهى أن يتزعفر الرجل وهذا منهي عنه خارج الإحرام وفي الإحرام أشد والنبي صلى الله عليه وسلم لم يتعرض هنا إلا لأوصاف الملبوس لا لبيان جميع محظورات الإحرام.
الحكم الثالث : أنه صلى الله عليه وسلم رخص في لبس الخفين عند عدم النعلين ولم يذكر فدية ورخص في حديث كعب بن عجرة في حلق رأسه مع الفدية وكلاهما محظور بدون العذر والفرق بينهما أن أذى الرأس ضرورة خاصة لا تعم فهي رفاهية للحاجة وأما لبس الخفين عند عدم النعلين فبدل يقوم مقام المبدل والمبدل وهو النعل لا فدية فيه فلا فدية في بدله وأما حلق الرأس فليس ببدل وإنما هو ترفه للحاجة فجبر بالدم.
الحكم الرابع: أنه أمر لابس الخفين بقطعهما أسفل من كعبيه في حديث ابن عمر لأنه إذا قطعهما أسفل من الكعبين صارا شبيهين بالنعل فاختلف الفقهاء في هذا القطع هل هو واجب أم لا على قولين أحدهما أنه واجب وهذا قول الشافعي وأبي حنيفة ومالك والثوري وإسحاق وابن المنذر وإحدى الروايتين عن أحمد لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطعهما وتعجب الخطابي من أحمد فقال العجب =

(5/194)


....................
ـــــــ
= من أحمد في هذا فإنه لا يكاد يخالف سنة تبلغه وقلت سنة لم تبلغه وعلى هذه الرواية إذا لم يقطعهما تلزمه الفدية.
والثاني: أن القطع ليس بواجب وهو أصح الروايتين عن أحمد ويروى عن علي بن أبي طالب وهو قول أصحاب ابن عباس وعطاء وعكرمة وهذه الرواية أصح لما في الصحيحين عن ابن عباس قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب بعرفات "من لم يجد إزارا فليلبس سراويل ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين" فأطلق الإذن في لبس الخفين ولم يشترط القطع وهذا كان بعرفات والحاضرون معه إذ ذاك أكثرهم لم يشهدوا خطبته بالمدينة فإنه كان معه من أهل مكة واليمن والبوادي من لا يحصيهم إلا الله تعالى وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع.
وفي صحيح مسلم عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يجد نعلين فليلبس خفين ومن لم يجد إزارا فليلبس سراويل" فهذا كلام مبتدأ من النبي صلى الله عليه وسلم بين فيه في عرفات في أعظم جمع كان له أن من لم يجد الإزار فليلبس السروايل ومن لم يجد النعلين فليلبس الخفين ولم يأمر بقطع ولا فتق وأكثر الحاضرين بعرفات لم يسمعوا خطبته بالمدينة ولا سمعوه يأمر بقطع الخفين وتأخير البيان عن وقته ممتنع.
فدل هذا على أن هذا الجواز لم يكن شرع بالمدينة وأن الذي شرع بالمدينة هو لبس الخف المقطوع ثم شرع بعرفات لبس الخف من غير قطع.
فإن قيل: فحديث بن عمر مقيد وحديث ابن عباس مطلق والحكم والسبب واحد وفي مثل هذا يتعين حمل المطلق على المقيد وقد أمر في حديث ابن عمر بالقطع.
فالجواب من وجهين:
أحدهما : أن قوله في حديث ابن عمر وليقطعهما قد قيل إنه مدرج من كلام نافع قال صاحب المغني: كذلك روي في أمالي أبي القاسم بن بشران بإسناد صحيح أن نافعا قال بعد روايته للحديث وليقطع الخفين أسفل من الكعبين والإدراج فيه محتمل لأن الجملة الثانية يستقل الكلام الأول بدونها فالإدراج فيه ممكن فإذا جاء مصرحا به أن نافعا قاله زال الإشكال.
ويدل على صحة هذا أن ابن عمر كان يفتي بقطعهما للنساء فأخبرته صفية بنت أبي عبيد عن عائشة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص للمحرم أن يلبس الخفين ولا يقطعهما قالت صفية: فلما أخبرته بهذا رجع".
الجواب الثاني : أن الأمر بالقطع كان بالمدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر فناداه رجل فقال: "ما يلبس المحرم من الثياب"؟ فأجابه بذلك وفيه الأمر بالقطع وحديث ابن عباس وجابر بعده

(5/195)


..................................
ـــــــ
وعمرو بن دينار روى الحديثين معا ثم قال انظروا أيهما كان قبل وهذا يدل على أنهم علموا نسخ الأمر بحديث ابن عباس.
وقال الدارقطني: قال أبو بكر النيسابوري: حديث ابن عمر قبل لأنه قال نادى: رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فذكره وابن عباس يقول: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب بعرفات".
فإن قيل: حديث ابن عباس رواه أيوب والثوري وابن عيينة وابن زيد وابن جريج وهشيم كلهم عن عمرو بن دينار عن جابر بن زيد عن ابن عباس ولم يقل أحد منهم بعرفات غير شعبة ورواية الجماعة أولى من رواية الواحد.
قيل: هذا عبث فإن هذه اللفظة متفق عليها في الصحيحين وناهيك برواية شعبة لها وشعبة حفظها وغيره لم ينفها بل هي في حكم جملة أخرى في الحديث مستقلة وليست تتضمن مخالفة للآخرين ومثل هذا يقبل ولا يرد ولهذا رواه الشيخان وقد قال علي رضي الله عنه قطع الخفين فساد يلبسهما كما هما وهذا مقتضى القياس فإن النبي صلى الله عليه وسلم سوى بين السراويل وبين الخف في لبس كل منهما عند عدم الإزار والنعل ولم يأمر بفتق السراويل لا في حديث ابن عمر ولا في حديث ابن عباس ولا غيرهما ولهذا كان مذهب الأكثرين أنه يلبس السراويل بلا فتق عند عدم الإزار فكذلك الخف يلبس ولا يقطع ولا فرق بينهما وأبو حنيفة طرد القياس وقال يفتق السراويل حتى يصير كالإزار والجمهور قالوا هذا خلاف النص لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال "السراويل لمن لم يجد الإزار" وإذا فتق لم يبق سراويل ومن اشترط قطع الخف خالف القياس مع مخالفته النص المطلق بالجواز.
ولا يسلم من مخالفة النص والقياس إلا من جوز لبسهما بلا قطع أما القياس فظاهر وأما النص فما تقدم تقديره.
والعجب أن من يوجب القطع يوجب مالا فائدة فيه فإنهم لا يجوزون لبس المقطوع كالمداس والجمجم ونحوهما بل عندهم المقطوع كالصحيح في عدم جواز لبسه فأي معنى للقطع والمقطوع عندكم كالصحيح.
وأما أبو حنيفة فيجوز لبس المقطوع وليس عنده كالصحيح وكذلك المداس والجمجم ونحوهما.
قال شيخنا: وأفتى به جدي أبو البركات في آخر عمره لما حج قال شيخنا: وهو الصحيح لأن المقطوع لبسه أصل لا بدل قال شيخنا فأبو حنيفة فهم من حديث ابن عمر أن المقطوع لبسه أصل لا بدل فجوز لبسه مطلقا وهذا فهم صحيح وقوله في هذا أصح من قول الثلاثة والثلاثة فهموا منه الرخصة في لبس السراويل عنه عدم الإزار والخف عند عدم النعل وهذا فهم صحيح وقولهم في

(5/196)


.........................
ـــــــ
هذا أصح من قوله وأحمد فهم من النص المتأخر لبس الخف صحيحا بلا قطع عند عدم النعل وأن ذلك ناسخ للأمر بالقطع وهذا فهم صحيح وقوله في ذلك أصح الأقوال.
فإن قيل: فلو كان المقطوع أصلا لم يكن عدم النعل شرطا فيه والنبي صلى الله عليه وسلم إنما جعله عند عدم النعل.
قيل: بل الحديث دليل على أنه ليس كالخف إذ لو كان كالخف لما أمر بقطعه فدل على أن بقطعه يخرج من شبه الخف ويلتحق بالنعل.
وأما جعله عدم النعل شرطا فلأجل أن القطع إفساد لصورته وماليته وهذا لا يصار إليه إلا عند عدم النعل وأما مع وجود النعل فلا يفسد الخف ويعدم ماليته.
فإذا تبين هذا تبين أن المقطوع ملحق بالنعل لا بالخف كما قال أبو حنيفة وأن على قول الموجبين للقطع لا فائدة فيه فإنهم لا يجوزون لبس المقطوع وهو عندهم كالخف.
فإن قيل: فغاية ما يدل عليه الحديث جواز الانتقال إلى الخف والسراويل عند عدم النعل والإزار وهذا يفيد الجواز وأما سقوط الفدية فلا فهلا قلتم كما قال أبو حنيفة يجوز له ذلك مع الفدية فاستفاد الجواز من هذ الحديث واستفاد الفدية من حديث كعب بن عجرة حيث جوز له فعل المحظور مع الفدية فكان أسعد بالنصوص وبموافقتها منكم مع موافقته لابن عمر في ذلك.
قيل: بل إيجاب الفدية ضعيف في النص والقياس فإن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر البدل في حديث ابن عمر وابن عباس وجابر وعائشة ولم يأمر في شيء منها بالفدية مع الحاجة إلى بيانها وتأخير البيان عن وقته ممتنع فسكوته عن إيجابها مع شدة الحاجة إلى بيانه لو كان واجبا دليل على عدم الوجوب كما أنه جوز لبس السراويل بلا فتق ولو كان الفتق واجبا لبينه وأما القياس فضعيف جدا.
فإن قيل: هذا من باب الأبدال التي تجوز عند عدم مبدلاتها كالتراب عند عدم الماء وكالصيام عند العجز عن الإعتاق والإطعام وكالعدة بالأشهر عند تعذر الأقراء ونظائره وليس هذا من باب المحظور المستباح بالفدية والفرق بينهما أن الناس مشتركون في الحاجة إلى لبس ما يسترون به عوراتهم ويقون به أرجلهم الأرض والحر والشوك ونحوه فالحاجة إلى ذلك عامة ولما احتاج إليه العموم لم يحظر عليهم ولم يكن عليهم فيه فائدة بخلاف ما يحتاج إليه لمرض أو برد فإن ذلك حاجة لعارض ولهذا رخص النبي صلى الله عليه وسلم للنساء في اللباس مطلقا بلا فدية ونهى عن النقاب والقفازين فإن المرأة لما كانت كلها عورة وهي محتاجة إلى ستر بدنها لم يكن عليها في ستر بدنها فدية وكذلك حاجة الرجال إلى السراويلات والخفاف هي عامة إذا لم يجدوا الإزار والنعال وابن عمر لما لم يبلغه حديث الرخصة مطلقا أخذ بحديث القطع وكان يأمر النساء بقطع الخفاف حتى أخبرته بعد هذا صفية زوجته عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أرخص للنساء في ذلك فرجع عن قوله

(5/197)


......................
ـــــــ
ومما يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم أرخص في الخفين بلا قطع بعد أن منع منهما أن في حديث ابن عمر المنع من لبس السراويل مطلقا ولم يبين فيه حالة من حالة وفي حديث ابن عباس وجابر المتأخرين ترخيصه في لبس السراويل عند عدم الازار فدل على أن رخصة البدل لم تكن شرعت في لبس السراويل وأنها إنما شرعت وقت خطبته بها وهي متأخرة فكان الأخذ بالمتأخر أولى لأنه إنما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فمدار المسألة على ثلاث نكت:
إحداها : أن رخصة البدلية إنما شرعت بعرفات ولم تشرع قبل.
والثانية : أن تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع.
والثالثة : أن الخف المقطوع كالنعل أصل لا أنه بدل . والله أعلم
فصل
وأما نهيه صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر المرأة أن تنتقب وأن تلبس القفازين فهو دليل على أن وجه المرأة كبدن الرجل لا كرأسه فيحرم عليها فيه ما وضع وفصل على قدر الوجه كالنقاب والبرقع ولا يحرم عليها سترة بالمقنعة والجلباب ونحوهما وهذا أصح القولين فإن النبي صلى الله عليه وسلم سوى بين وجهها ويديها ومنعها من القفازين والنقاب ومعلوم أنه لا يحرم عليها ستر يديها وأنهما كبدن المحرم يحرم سترهما بالمفصل على قدرهما وهما القفازان فهكذا الوجه إنما يحرم ستره بالنقاب ونحوه وليس عن النبي صلى الله عليه وسلم حرف واحد في وجوب كشف المرأة وجهها عند الإحرام إلا النهي عن النقاب وهو كالنهي عن القفازين فنسبة النقاب إلى الوجه كنسبة القفازين إلى اليد سواء وهذا واضح بحمد الله وقد ثبت عن أسماء أنها كانت تغطي وجهها وهي محرمة وقالت عائشة "كانت الركبان يمرون بنا ونحن محرمات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها على وجهها فإذا جاوزونا كشفنا" ذكره أبو داود.
واشتراط المجافاة عن الوجه كما ذكره القاضي وغيره ضعيف لا أصل له دليل ولا مذهبا.
ال صاحب المغني: ولم أر هذا الشرط يعني المجافاة عن أحمد ولا هو في الخبر مع أن الظاهر خلافه فإن الثوب المسدل لا يكاد يسلم من إصابة البشرة فلو كان هذا شرطا لبين وإنما منعت المرأة من البرقع والنقاب ونحوهما مما يعد لستر الوجه قال أحمد لها أن تسدل على وجهها من فوق وليس لها أن ترفع الثوب من أسفل كأنه يقول إن النقاب من أسفل على وجهها تم كلامه.
فإن قيل: فما تصنعون بالحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إحرام الرجل في رأسه وإحرام المرأة في وجهها" فجعل وجه المرأة كرأس الرجل وهذا يدل على وجوب كشفه؟

(5/198)


......................................
ـــــــ
قيل هذا الحديث لا أصل له ولم يروه أحد من أصحاب الكتب المعتمد عليها ولا يعرف له إسناد ولا تقوم به حجة ولا يترك له الحديث الصحيح الدال على أن وجهها كبدنها وأنه يحرم عليها فيه ما أعد للعضو كالنقاب والبرقع ونحوه لا مطلق الستر كاليدين والله أعلم.
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
تحريم لبس القفازين قول عبد الله بن عمر وعطاء وطاووس ومجاهد وإبراهيم النخعي ومالك والإمام أحمد والشافعي في أحد قوليه وإسحق بن راهويه وتذكر الرخصة عن علي وعائشة وسعد بن أبي وقاص وبه قال الثوري وأبو حنيفة والشافعي في القول الآخر ونهى المرأة عن لبسهما ثابت في الصحيح كنهي الرجل عن لبس القميص والعمائم وكلاهما في حديث واحد عن راو واحد وكنهيه المرأة عن النقاب وهو في الحديث نفسه وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بالاتباع وهي حجه على من خالفها وليس قول من خالفها حجة عليها.
فأما تعليل حديث ابن عمر في القفازين بأنه من قوله فإنه تعليل باطل وقد رواه أصحاب الصحيح والسنن والمسانيد عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث نهيه عن لبس القمص والعمائم والسراويلات وانتقاب المرأة ولبسها القفازين ولا ريب عند أحد من أئمة الحديث أن هذا كله حديث واحد من أصح الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرفوعا إليه ليس من كلام ابن عمر.
وموضع الشبهة في تعليله أن نافعا اختلف عليه فيه: فرواه الليث بن سعد عنه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر فيه "ولا تلبس القفازين" قال أبو داود: ورواه حاتم بن إسماعيل ويحيى بن أيوب عن موسى بن عقبة عن نافع على ما قال الليث ورواه موسى بن طارق عن موسى بن عقبة موقوفا على ابن عمر وكذلك رواه عبيد الله بن عمر ومالك وأيوب موقوفا وكذلك هو في الموطأ عن نافع: أن عبد الله بن عمر كان يقول: "لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين" ولكن قد رفعه الليث بن سعد وموسى بن عقبة في الأكثر عنه وإبراهيم بن سعد أيضا رفعه عن نافع ذكره أبو داود ورواه محمد بن إسحاق عن نافع مرفوعا كما تقدم.
فأما حديث الليث بن سعد فأخرجه البخاري في صحيحه والترمذي وقال حديث صحيح ورواه النسائي في سننه ولم يروا وقف من وقفه علة.
وأما حديث موسى بن عقبة فرواه النسائي في سننه عن سويد بن نصر أخبرنا عبد الله بن المبارك عن موسى بن عقبة فذكر الحديث وقال في آخره: "ولا تنتقب المرأة الحرام ولا تلبس القفازين" مرفوعا قال البخاري: تابعه موسى بن عقبة وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة وجويرية وابن إسحاق في النقاب والقفازين" وقال عبيد الله وكان يقول: "لا تنتقب المحرمة ولا تلبس القفازين" وقال مالك عن

(5/199)


...................................
ـــــــ
نافع عن ابن عمر: "لا تنتقب المرأة" وتابعه ليث بن أبي سليم فالبخاري رحمه الله ذكر تعليله ولم يرها علة مؤثرة فأخرجه في صحيحه عن عبد الله بن يزيد حدثنا الليث حدثنا نافع عن ابن عمر- فذكره.

(5/200)


33 - باب المحرم يحمل السلاح
1829 حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا مُحمّدُ بنُ جَعْفَرٍ أخبرنا شُعْبَةُ عنْ أبي إسْحَاقَ قال: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يَقُولُ: لَمّا صَالَحَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَهْلَ الْحُدَيْبِيَةِ صَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ لاَ يَدْخُلُوهَا إِلاّ بِجُلْبَانِ السّلاَحِ فَسَأَلْتُهُ مَا جُلْبَانُ السّلاَحِ؟ قَالَ الْقِرَابُ بِمَا فِيهِ".
ـــــــ
باب المحرم يحمل السلاح
"على أن لا يدخلوها" النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه "إلا بجلبان السلاح" بضم الجيم وسكون اللام شبه الجراب من الأدم، يوضع فيه السيف مغموراً ويطرح فيه الراكب سوطه وأدائه ويعلقه في آخرة الكور أو وسطه ورواه القتيبي بضم الجيم واللام وتشديد الباء، وقال هو أوعية السلاح بما فيها. وفي بعض الروايات ولا يدخلها إلا بجلبان السلاح السيف والقوس ونحوه، يريد ما يحتاج في إظهاره والقتال به إلى معاناة لا كالرماح لأنها مظهرة يمكن تعجيل الأذى بها وإنما اشترطوا ذلك ليكون علماً وأمارة للسلم إذا كان دخولهم صلحاً. كذا في النهاية. وقال ابن بطال: أجاز مالك والشافعي حمل السلاح للمحرم في الحج والعمرة وكرهه الحسن "قال القراث بما فيه" قال الكرماني: القراب جراب قلت: ليس بجراب ولكنه يشبه الجراب يطرح فيه الراكب سيفه بغمده وسوطه ويطرح فيه زاد من تمر وغيره قاله العيني.
قال الخطابي: هكذا جاء تفسير الجلبان في هذا الحديث ولم أسمع فيه من ثقة شيئاً، وزعم بعضهم أنه إنما سمي جلباناً لجفائه وارتفاع شخصه من قولهم رجل جلبان وامرأة جلبانة إذا كانت جسيمة جافية الخلق، قلت: قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا الحديث، ويشبه أن يكون المعنى في مصالحتهم على أن لا يدخلوها بالسيوف في القرب أنهم لم يأمنوا أهل مكة أن يخفروا الذمة فاشترط حمل السلاح في القرب معهم ولم يشترط شهر السلاح ليكون سمة وأمارة له انتهى. قال المنذري: أخرجه البخاري ومسلم أتم منه.

(5/200)


34 - باب في المحرمة تغطي وجهها
1830- حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا هُشَيْمُ أخبرنا [أنبأنا] يَزِيدُ بنُ أبي زِيَادٍ عنْ مُجاهِدٍ عنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا قَالَتْ: "كَانَ الرّكْبَانُ يَمُرّونَ بِنَا وَنحْنُ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم مُحْرِمَاتٌ فَإِذَا حاذَوْا بِنا [حَاذَوْنا] سَدَلَتْ إحْدَانا جِلْبَابَها مِنْ رَأْسِها عَلَى وَجْهِها، فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْناهُ".
ـــــــ
باب في المحرمة تغطي وجهها
"كان الركبان" بضم الراء جمع الراكب "يمرون" أي مارين "بنا" أي علينا معشر النساء "محرمات" بالرفع على الخبرية أي مكشوفات الوجوه "فإذا حاذوا بنا" وهو بفتح الذال من المحاذاة بمعنى المقابلة أي قابلوا "سدلت" أي أرسلت "جلبابها" بكسر الجيم أي برقعها أو طرف ثوبها "من رأسها على وجهها" بحيث لم يمس الجلباب بشرة. كذا في المرقاة. وقال محدث العصر مولانا محمد إسحاق الدهلوي: أي سدلت منفصلا عن الوجه لئلا يتعارض حديث لا تنتقب المحرمة "فإذا جاوزونا" أي تعدوا عنا وتقدموا علينا "كشفناه" أزلنا الجلباب ورفعنا النقاب وتركنا الحجاب. ولو جعل الضمير إلى الوجه بقرينة المقام فله وجه كذا في المرقاة.
وفي نيل الأوطار: واستدل بهذا الحديث على أنه يجوز للمرأة إذا احتاجت إلى ستر وجهها لمرور الرجال قريباً منها تسدل الثوب من فوق رأسها على وجهها لأن المرأة تحتاج إلى ستر وجهها فلم يحرم عليها ستره مطلقاً كالعورة لكن إذا سدلت يكون الثوب متجافياً عن وجهها بحيث لا يصيب البشرة. هكذا قال أصحاب الشافعي وغيرهم. وظاهر الحديث خلافه لأن المسدول لا يكاد يسلم من إصابة البشرة، فلو كان التجافي شرطاً لبينه صلى الله عليه وسلم انتهى. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه. وذكر سعد بن يحيى بن سعيد القطان ويحيى بن معين أن مجاهداً لم يسمع من عائشة. وقال أبو حاتم الرازي: مجاهد عن عائشة مرسل وقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحهما من حديث مجاهد عن عائشة أحاديث منها ما هو ظاهر في سماعه وفي إسناده أيضاً يزيد بن أبي زياد وتكلم فيه غير واحد وأخرج له مسلم في جماعة غير محتج به انتهى.

(5/201)


35 - باب في المحرم يظلل
1831- حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا مُحمّدُ بنُ سَلَمَةَ عن أبِي عبد الرّحِيمِ عن زَيْدِ بنِ أبي أُنَيْسَةَ عن يَحْيَى بنِ حُصَيْنٍ عن أُمّ الْحُصَيْنِ حَدّثَتْهُ قَالَتْ حَجَجْنَا مَعَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم حَجّةَ الْوَدَاعِ فَرَأَيْتُ أُسَامَةَ وَبِلاَلاً وَأَحَدَهُمَا آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَةِ النّبيّ [رَسُولِ اللَّهُ] صلى الله عليه وسلم والآخر رَافِعٌ ثَوْبَهُ يَسْتُرْهُ [لِيَسْتُرَهُ] مِنَ الْحَرّ حَتّى رَمَى جَمْرَةً الْعَقَبَةِ".
ـــــــ
باب في المحرم يظلل
"وأحدهما" أي والحال أن أحدهما "أخذ" بصيغة الفاعل "بخطام" بكسر الخاء بمعنى الزمام والمهار ككتاب "رافع" بالتنوين "ثوبه" ثوباً في يده "يستره" أي يظلله بثوب مرتفع على رأسه بحيث لم يصل الثوب إلى رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولفظ أحمد ومسلم: "حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع فرأيته حين رمى جمرة العقبة وانصرف وهو على راحلته ومعه بلال وأسامة أحدهما يقود به راحلته والآخر رافع ثوبه على رأس النبي صلى الله عليه وسلم يظلله من الشمس" "من الحر" وفيه جواز تظليل المحرم على رأسه بثوب وغيره من محمل وغيره، وإلى ذلك ذهب الجمهور. وقال مالك وأحمد لا يجوز والحديث يرد عليهما. وأجاب عنه بعض أصحاب مالك بأن هذا المقدار لا يكاد يدوم، فهو كما أجاز مالك للمحرم أن يستظل بيده فإن فعل لزمته الفدية عند مالك وأحمد، وأجمعوا على أنه لو قعد تحت خيمة أو سقف جاز. وقد احتج لمالك وأحمد على منع التظلل بما رواه البيهقي بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه أبصر رجلا على بعيره وهو محرم قد استظل بينه وبين الشمس فقال اضح لمن أحرمت له وبما أخرجه البيهقي أيضاً بإسناد ضعيف عن جابر مرفوعاً ما: من محرم يضحي للشمس حتى تغرب إلا غربت بذنوبه حتى يعود كما ولدته أمه، وقوله اضح بالضاد المعجمة وكذا يضحي الشمس والمراد أبرز للضحى. قال الله تعالى {وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى} ويجاب عن قول ابن عمر بأنه موقوف وبأن حديث جابر مع كونه ضعيفاً لا يدل على المطلوب وهو المنع من التظلل ووجوب الكشف، لأن غاية ما فيه أنه أفضل على أنه يبعد منه صلى الله عليه وآله وسلم أن يفعل المفضول ويدع الأفضل في مقام التبليغ قاله الشوكاني. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي.

(5/202)


36 - باب المحرم يحتجم
1832- حدثنا أحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا سُفْيَانُ عن عَمْرِو بنِ دِينَارٍ عن عَطَاءٍ وَ طاووسٍ عن ابنِ عَبّاسٍ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ .
1833- حدثنا عُثْمَانُ بنُ أَبِي شيْبَةَ أخبرنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ أنبأنا هِشَامٌ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ في رَأْسِهِ مِنْ دَاءٍ كَانَ بِهِ .
1834- حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا عبد الرّزّاقِ أنبأنا مَعْمَرٌ عن قَتَادَةَ عن
ـــــــ
باب المحرم يحتجم
"احتجم وهو محرم" قال الخطابي: لم يكن أكثر من كره من الفقهاء الحجامة للمحرم إلا من أجل قطع الشعر، وإن احتجم في موضع لا شعر عليه فلا بأس به، وإن قطع شعراً افتدى. وممن رخص في الحجامة للمحرم سفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابه وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق. وقال مالك: لا يحتجم المحرم إلا من ضرورة لا بد منها. وكان الحسن يرى في الحجامة دما يهريقه. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي انتهى.
"من داء كان به" أي من مرض. ولفظ البخاري ومسلم في وسط رأسه من رواية ابن بحينة. قال النووي: في هذا الحديث دليل لجواز الحجامة للمحرم، وقد أجمع العلماء على جوازها له في الرأس وغيره إذا كان له عذر في ذلك وقطع الشعر حينئذ، لكن عليه الفدية لقطع الشعر فإن لم يقطع فلا فدية عليه. ودليل المسألة قوله تعالى {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ} الآية. وهذا الحديث محمول على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له عذر في الحجامة في وسط الرأس لأنه لا ينفك عن قطع شعر أما إذا أراد المحرم الحجامة بغير حاجة فإن تضمنت قلع شعر فهي حرام لتحريم قطع الشعر فإن لم تضمن ذلك بأن كانت في موضع لا شعر فيه فيهي جائز عندنا وعند الجمهور ولا فدية فيها. وعن ابن عمر ومالك كراهتها، وعن الحسن البصري فيها الفدية. دليلنا أن إخراج الدم ليس حراماً في الإحرام. وفي هذا الحديث بيان قاعدة من مسائل الإحرام وهي أن الحلق واللباس وقتل الصيد ونحو ذلك من المحرمات يباح للحاجة وعليه الفدية كمن احتاج إلى حلق أو لباس لمرض أو حر أو برد أو قتل صيد للمجاعة وغير ذلك انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري وأخرجه النسائي مختصراً.

(5/203)


أنَسٍ: "أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِهِ" .
قال أَبُو دَاوُد: سَمِعْتُ أحْمَدَ قالَ ابنُ أبِي عَرُوبَةَ أَرْسَلَهُ يَعْنِي عن قَتَادَةَ.
ـــــــ
"على ظهر القدم" أي أعلى القدم "من وجع كان به" ولفظ النسائي. احتجم وهو محرم على ظهر القدم من وثأكان به، وفي رواية له من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم من وثاكان به، ومعناه من وجع يصيب اللحم لا يبلغ العظم أو وجع يصيب العظم من غير كسر قاله السندي. وهذا الحديث يرد إطلاق من ذهب إلى كراهتها وكذا إطلاق الحسن البصري أن فيها الفدية. قال المنذري: وأخرجه الترمذي ولفظ النسائي من وثأكان به "ابن أبي عروبة" هو سعيد أي روي عن قتادة مرسلا من غير ذكر أنس.

(5/204)


37- باب يكتحل المحرم
1835- حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا سُفْيَانُ عن أيّوبَ بنِ مُوسَى عن نُبَيْهِ بنِ وَهْبٍ قَالَ: "اشْتَكَى عُمَرُ بنُ عُبَيْدِالله بنِ مَعْمَرٍ عَيْنَيْهِ فأَرْسَلَ إلَى أَبَانَ بِن عُثْمانَ قالَ سُفْيَانُ وَهُوَ أمِيرُ المَوْسِمِ مَا يَصْنَعُ بِهِمَا قَالَ اضْمِدْهُمَا بالْصّبِرِ فإِنّي سَمِعْتُ عُثْمانَ يُحَدّثُ ذَلِكَ عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم".
1836- حدثنا عُثْمانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ حدثنا إِسْمَاعِيلُ بنُ إِبراهِيمَ بنِ عُلَيّةَ عن أيّوبَ عن نَافِعٍ عن نُبَيْهِ بنِ وَهْبٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ.
ـــــــ
باب يكتحل المحرم
"أمير الموسم" قال في المصباح: السمة هي العلامة ومنه الموسم، لأنه معلم يجتمع إليه انتهى. والمعنى أنه كان أمير الحجاج في موسم الحج "قال: أضمدهما بالصبر" بفتح ثم كسر دواء معروف مر. قال الخطابي: الصبر ليس بطيب، ولذلك رخص له أن يتعالج به. فأما الكحل الذي لا طيب فيه فلا بأس به. وقال الشافعي: وأنا له في النساء أشد كراهة مني له في الرجال ولا أعلم على واحد منهما الفدية. ورخص في الكحل للمحرم سفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد وإسحاق. وكره الإثمد للمحرم سفيان وإسحاق. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي.

(5/204)


38 - باب المحرم يغتسل
1837 حدثنا عبد لله بنُ مَسْلَمَةَ عن مَالِكٍ عن زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عن إِبراهِيمَ بنِ عبد الله بنِ حُنَيْنٍ عن أبِيهِ: "أنّ عبد الله بنَ عَبّاسٍ وَالمِسْوَرَ بنَ مَخْرَمَةَ اخْتَلَفَا بِالأَبْوَاءِ فَقَالَ ابنُ عَبّاسٍ يَغْسِلُ المُحْرِمُ رَأْسَهُ. قَالَ المِسْوَرُ لاَ يَغْسِلُ المُحْرِمُ رَأْسَهُ، فأَرْسَلَهُ عبد الله بنُ عَبّاسٍ إلَى أبِي أيّوبَ الأَنْصَارِيّ فَوَجَدَهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ وَهُوَ يَسْتُر بِثَوْبٍ. قال فَسَلّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ مَنْ هَذَا قُلْتُ أَنَا عبد الله بنُ حُنَيْنٍ أَرْسَلَنِي إلَيْكَ عبد الله ابنُ عَبّاسٍ أَسْأَلُكَ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ قال فَوَضَعَ أبُو أَيّوبَ يَدَهُ عَلَى الثّوْبِ فَطَأْطَأَهُ حَتّى بَدَا لِي رَأْسُهُ ثُمّ قالَ لإِنْسَانٍ يَصُبّ عَلَيْهِ أصْبُبْ، قالَ فَصَبّ عَلَى رَأْسِهِ ثُمّ حَرّكَ أبُو أيّوبَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهمَا وَأَدْبَرَ ثُمّ قال هَكَذَا رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ صلى الله عليه وسلم".
ـــــــ
باب المحرم يغتسل
أي الاغتسال للمحرم ترفهاً وتنطفاً وتطهراً من الجنابة. قال ابن المنذر: أجمعوا على أن للمحرم أن يغتسل من الجنابة، واختلفوا فيما عدا ذلك. وروى عن مالك أنه كره للمحرم أن يغطي رأسه في الماء. وروي في الموطأ عن نافع أن ابن عمر كان لا يغسل رأسه وهو محرم إلا من احتلام
"بالأبواء" بفتح الهمزة وسكون الموحدة موضع قريب من مكة وهما نازلان بها "بين القرنين" هو بفتح القاف تثنية قرن وهما الخشبتان القائمتان على رأس البئر وشبههما من البناء وتمد بينهما خشبة يجر عليها الحبل المستقى به ويعلق عليها البكرة قاله النووي "على الثوب" الساتر "فطأطأه" أي أزاله عن رأسه. وفي رواية البخاري: جمع ثيابه إلى صدره حتى نظرت إليه وحتى رأيت رأسه ووجهه في رواية له، وفي هذا الحديث فوائد منها اغتسال المحرم وغسله رأسه وإمرار اليد على شعره بحيث لا ينتف شعراً، ومنها قبول خبر الواحد وأن قبوله كان مشهوراً عند الصحابة، ومنها الرجوع إلى النص عند الاختلاف وترك الاجتهاد والقياس عند وجود النص. ومنها السلام على المتطهر في وضوء وغسل بخلاف الجالس على الحدث، ومنها جواز الاستعانة في الطهارة ولكن الأولى تركها إلا لحاجة واتفق العلماء على جواز غسل المحرم رأسه وجسده عن الجنابة بل هو واجب عليه وأما غسله لتبرد فمذهبنا ومذهب الجمهور جوازه بلا كراهة، ويجوز عندنا غسل رأسه بالسدر والخطمى بحيث لا ينتف شعراً. وقال أبو

(5/205)


..................................
ـــــــ
حنيفة ومالك هو حرام موجب للفدية قاله النووي. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم وابن ماجه.

(5/206)


39 - باب المحرم يتزوج
1838حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن نَافِعٍ عن نُبَيْهِ بنِ وَهْبٍ أخِي بَنِي عبد الدّارِ أَنّ عُمَرَ بنَ عُبَيْدِالله [عبْدِ اللَّهِ] أرْسَلَ إلَى أبَانَ بنِ عُثْمانَ بنِ عَفّانَ يَسْأَلُهُ وَأَبَانُ يَوْمَئِذٍ أمِيرُ الحاجّ وَهُمَا مُحْرِمانِ إِنّي أَرَدْتُ أَنْ أنْكِحَ طَلْحَةَ بنَ عُمَرَ ابْنَةَ شَيْبَةَ بنَ جُبَيْرٍ فأَرَدْتُ أَنْ تَحْضُرَ ذَلِكَ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَبَانُ وَقَالَ إِنّي سَمِعْتُ أبي عُثْمانَ بنَ عَفّانَ يَقُولُ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَنْكِحُ المُحْرِمُ وَلاَ يُنْكَحُ" .
ـــــــ
باب المحرم يتزوج
"عن نبيه" بضم النون مصغراً "أن عمر بن عبيدالله" مصغراً "أرسل" نبيها الراوي المذكور في رواية لمسلم "إلى أبان" بفتح الهمزة والموحدة "أمير الحاج" من جهة عبد الملك "أردت أن أنكح" بضم فسكون أزوج ابني "فأردت أن تحضر" فيه ندب الاستئذان لحضور العقد "فأنكر ذلك عليه أبان" فقال لا أراه إلا أعرابياً أي جاهلاً بالسنة كما عند مسلم "قال إني سمعت أبي عثمان" عطف بيان أو بدل من أبي وفي تصريحه بسمعت رد على من قال: إنه لم يسمع أباه فالمثبت مقدم "لا ينكح" بفتح أوله أي لا يعقد لنفسه "المحرم" بحج أو عمرة أو بهما "ولا ينكح" بضم أوله أي لا يعقد لغيره بولاية ولا وكالة وهو بالجزم فيهما على النهي كما ذكر الخطابي أنه الرواية الصحيحة، قاله الزرقاني. قال الخطابي: قد ذهب إلى ظاهر الحديث مالك والشافعي، ورأيا النكاح إذا عقد في الإحرام مفسوخاً عقده المرء لنفسه أو كان ولياً يعقده لغيره. وقال أبو حنيفة وأصحابه: نكاح المحرم لنفسه وإنكاحه لغيره جائز. واجتمعوا في ذلك بخبر ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تزوج ميمونة وهو محرم. وتأول بعضهم خبر عثمان على معنى أنه إخبار عن حال المحرم، وأنه باشتغاله بنسكه لا يتسع بعقد النكاح ولا يفرغ له، وقال بعضهم معنى ينكح أي أنه لا يطأ ليس أنه لا يعقد.
قال الخطابي: قلت الرواية الصحيحة لا ينكح المحرم بكسر الحاء على معنى النهي لا على حكاية الحال وقصة أبان في منعه عمر بن عبيدالله من العقد وإنكاره ذلك وهو راوي الخبر دليل على أن المعنى في ذلك العقد، فأما أن المحرم مشغول بنسكه ممنوع من الوطء فهذا من العلم العام المفروغ من بيانه اتفاق الجماعة والعامة من أهل العلم انتهى، قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.

(5/206)


1839حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أنّ مُحمّدَ بنَ جَعْفَرٍ حدّثَهُمْ أخبرنا سَعِيدٌ عنْ مَطَرٍ وَ يَعْلَى بنُ حَكِيمٍ عنْ نَافِعٍ عنْ نُبَيْهِ بنِ وَهْبٍ عن أبَانَ بنِ عُثْمَانَ عن عُثْمانَ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم ذَكَرَ مِثْلَهُ. زَادَ: "وَلاَ يَخْطُبُ" .
1840- حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عنْ حبِيبِ بنِ الشّهِيدِ عنْ مَيْمُونِ بنِ مِهْرَانَ عنْ يَزِيدَ بنِ الأَصَمّ بنِ أخِي مَيْمُونَةَ عنْ مَيْمُونَةَ قالَتْ: "تَزَوّجَنِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَنَحْنُ حَلاَلاَنِ بِسَرِفَ" .
1841- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ أَيّوبَ عن عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبّاسٍ: "أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم تَزَوّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ".
ـــــــ
"زاد ولا يخطب" بضم الطاء من الخطبة بكسر الخاء أي لا يطالب امرأة لنكاح، قال علي القاري: روى الكلمات الثلاث بالنفي والنهي. وذكر الخطابي أنها على صيغة النهي أصح على أن النفي بمعنى النهي أيضاً بل أبلغ، والأولان للتحريم والثالث للتنزيه عند الشافعي فلا يصح نكاح المحرم ولا إنكاحه عنده، والكل للتنزيه عند أبي حنيفة. وقال الطيبي: أخرج هذا الحديث مسلم وأبو داوود وأبو عيسى وأبو عبد الرحمَن في كتبهم والذي وجدناه الأكثر فيما يعتمد عليه من الروايات الإثبات وهو الرفع في تلك الكلمات.
"ونحن حلالان بسرف" ومن غريب التاريخ أنها دفنت بسرف أيضاً، وهو بين الحرمين قريب مكة دون الوادي المهشورة بوادي فاطمة. قال الطبري: وهو على عشرة أميال من مكة، والصحيح أنه على ستة أميال. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي وابن ماجه بنحوه.
"تزوج ميمونة وهو محرم" قال العيني: واحتج بهذا الحديث إبراهيم النخعي والثوري وعطاء بن أبي رباح وحماد بن أبي سليمان وعكرمة ومسروق وأبو حنيفة وصاحباه وقالوا: لا
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وعن سعيد بن المسيب قال: "وهم ابن عباس في تزويج ميمونة وهو محرم" وقد روى مالك في الموطأ عن ربيعة بن أبي عبدالرحمن عن سليمان بن يسار: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا رافع مولاه ورجلا من الأنصار فزوجاه ميمونة بنت الحارث ورسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة قبل أن يخرج" وهذا وإن كان ظاهره الإرسال فهو متصل لأن سليمان بن يسار رواه عن أبي رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حلال وبنى بها وهو حلال وكنت الرسول بينهما وسليمان بن يسار مولى ميمونة وهذا صريح في تزوجها بالوكالة قبل الإحرام.

(5/207)


1842- حدثنا ابنُ بَشّارٍ حدثنا عبد الرّحْمَنِ بنُ مَهْدِيَ أخبرنا سفْيَانُ عنْ إِسْمَاعِيلَ بنِ أُمَيّةَ عنْ رَجُلٍ عنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ قَالَ: وَهِم ابنُ عَبّاسٍ فِي تَزْوِيجِ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ.
ـــــــ
بأس للمحرم أن ينكح ولكنه لا يدخل بها حتى يحل، وهو قول ابن عباس وابن مسعود. وقال سعيد بن المسيب وسالم والقاسم وسليمان بن يسار والليث والأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق: لا يجوز للمحرم أن ينكح ولا ينكح غيره فإن فعل ذلك، فالنكاح باطل، وهو قول عمر وعلي. انتهى.
قلت: لا حجة لهم برواية ابن عباس هذه لأنها مخالف لرواية أكثر الصحابة ولم يروه كذلك إلا ابن عباس وحده وانفرد به، قاله القاضي عياض، ولأن سعيد بن المسيب وغيره وهموه في ذلك وخالفته ميمونة وأبو رافع فرويا أنه نحكها وهو حلال وهو أولى بالقبول لأن ميمونة هي الزوجة وأبو رافع هو السفير بينهما فهما أعرف بالواقعة من ابن عباس لأنه ليس له من من التعلق بالقصة مالهما ولصغره حينئذ عنهما إذ لم يكن في سنهما ولا يقرب منه فإن لم يكن وهما فهو قابل للتأويل بأنه تزوجها في أرض الحرم وهو حلال فأطلق ابن عباس على من في الحرم أنه محرم لكن هو بعيد، وأجيب عن التفرد بأنه قد صح من رواية عائشة وأبي هريرة نحوه كما قاله الحافظ في الفتح، وقول سعيد بن المسيب أخرجه أبو داوود وسكت عنه هو ثم المنذري، وفي إسناده رجل مجهول فالقول المحقق في جوابه بأن رواية صاحب القصة والسفير فيها أولى لأنه أخبر وأعرف بها والله أعلم.
وقال الحافظ في الفتح: وأجابوا عن حديث ميمونة بأنه اختلف في الواقعة كيف كانت ولا تقوم بها الحجة ولأنها تحتمل الخصوصية فكان الحديث في النهي عن ذلك أولى بأن يؤخذ به. وقال عطاء وعكرمة وأهل الكوفة يجوز للمحرم أن يتزوج كما يجوز له أن يشتري الجارية للوطء، وتعقب بأنه قياس في معارضة السنة فلا يعتبر به. وأما تأويلهم حديث عثمان بأن المراد به الوطء، فمتعقب بالتصريح فيه بقوله ولا ينكح بضم أوله وبقوله فيه ولا يخطب انتهى قال المنذري: وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي بنحوه.
"وهم ابن عباس الخ" هذا هو أحد الأجوبة التي أجاب بها الجمهور عن حديث ابن عباس.

(5/208)


40 - باب ما يقتل المحرم من الدواب
1843- حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن الزّهْرِيّ عنْ سالِمٍ عنْ أبِيهِ قال: سُئِلَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم عَمّا يَقْتُلُ المُحْرِمُ مِنَ الدّوَابّ؟ فَقالَ: " خَمْسٌ، لاَ جُنَاحَ فِي قَتْلِهِنّ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنّ فِي الحِلّ وَالحَرَمِ: الْعَقْرَبُ، وَالْغُرَابُ، وَالْفَأْرَةُ [الْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ وَالْغُرَابْ]، وَالحِدَأَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورِ" .
ـــــــ
باب ما يقتل المحرم من الدواب
بتشديد الباء الموحدة جمع دابة وهي ما دب من الحيوان من غير فرق بين الطير وغيره ومن أخرج الطير من الدواب فحديث الباب من جملة ما يرد به عليه.
"خمس" أي من الدواب كما عند مسلم "لا جناح" أي لا إثم ولا جزاء، والمعنى لا حرج "في الحل والحرم" أي في أرضه. وورد في لفظ عند مسلم من روايته أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر بقتل الكلب العقور الحديث. وعند أبي عوانة ليقتل المحرم وظاهر الأمر الوجوب ويحتمل الندب والإباحة. وقد روى البزار من حديث أبي رافع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بقتل العقرب والفأرة والحية والحدأة، وهذا الأمر ورد بعد نهي المحرم عن القتل وفي الأمر الوارد بعد النهي خلاف معروف في الأصول هل يفيد الوجوب أو لا، قاله الشوكاني "العقرب" قال في الفتح: هذا اللفظ للذكر والأنثى. قال ابن المنذر: لا نعلمهم اختلفوا في جواز قتل العقرب "والغراب" هذا الإطلاق مقيد بما عند مسلم من حديث عائشة بلفظ الأبقع وهو الذي في ظهره أو بطنه بياض، وقد اعتذر ابن بطال وابن عبد البر عن قبول هذه الزيادة بأنها لم تصح لأنها من رواية قتادة وهو مدلس، وتعقب بأن شعبة لا يروي عن شيوخه المدلسين إلا ما هو مسموع لهم وهذه الزيادة من رواية شعبة، بل صرح النسائي بسماع قتادة قال في الفتح: وقد اتفق العلماء على إخراج الغراب الصغير الذي يأكل الحب من ذلك، ويقال له غراب الزرع وأفتوا بجواز أكله فبقي ما عداه من الغربان ملحقاً بالأبقع انتهى.
قال ابن المنذر: أباح كل من يحفظ عنه العلم قتل الغراب في الإحرام إلا عطاء قال الخطابي: لم يتابع أحد عطاء على هذا "والفأرة" بهمزة ساكنة ويجوز فيها التسهيل. قال في الفتح: ولم يختلف العلماء في جواز قتلها للمحرم إلا ما حكي عن إبراهيم النخعي فإنه قال فيها جزاء إذا قتلها المحرم أخرجه عنه ابن المنذر. وقال هذا خلاف السنة وخلاف قول جميع أهل العلم "والحدأة" بكسر الحاء المهملة وفتح الدال بعدها همزة بغير مد على وزن عنبة،

(5/209)


1844- حدثنا عَلِيُ بنُ بَحْرٍ أخبرنا حاتِمُ بنُ إِسْمَاعِيلَ حَدّثَني مُحمّدُ بنُ عَجْلاَنَ عن الْقَعْقَاعِ بنِ حَكيمٍ عن أبي صَالِحٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "خَمْسٌ قَتْلُهُنّ حَلاَلٌ في الْحَرَمِ: الْحَيّةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْحِدْأَةُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ" .
1845- حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا هُشَيْمٌ أنبأنا يَزِيدُ بنُ أبي زِيَادٍ أخبرنا عبد الرّحْمَنِ بنُ أبي نُعْمٍ الْبَجَلِيّ عنْ أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ: "أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عَمّا يَقْتُلُ المُحْرِمُ؟ قالَ: "الْحَيّةُ، وَالْعَقْرَبُ وَالْفُوَيْسِقَةُ، وَيَرْمِي الْغُرَابَ وَلاَ يَقْتُلُهُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالسّبُعُ الْعَادِي" .
ـــــــ
المحكم فيه المد "والكلب العقور" اختلف في المراد بالكلب العقور، فروى سعيد بن منصور عن أبي هريرة بإسناد حسن كما قال الحافظ إنه الأسد. وعن زيد بن أسلم أنه قال: وأي كلب أعقر من الحية. وقال زفر: المراد به هنا الذئب خاصة وقال في الموطأ: كل ما عقر الناس وعدا عليهم وأخافهم مثل الأسد والنمر والفهد والذئب فهو عقور. وكذا نقل أبو عبيد عن سفيان وهو قول الجمهور. وقال أبو حنيفة: المراد به هنا الكلب خاصة ولا يلتحق به في هذا الحكم سوى الذئب. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي من حديث عبد الله بن عمر عن أخته حفصة.
"عن أبي هريرة" إلى آخر الحديث. قال المنذري: في إسناده محمد بن عجلان "والفويسقة" تصغير فاسقة لخروجها من جحرها على الناس وإفسادها. وأصل الفسق هو الخروج ومن هذا سمي الخارج عن الطاعة فاسقاً، ويقال: فسقت الرطبة عن قشرها إذا خرجت عنه قاله الخطابي "ويرمي الغراب ولا يقتله" قال الخطابي: يشبه أن يكون المراد به الغراب الصغير الذي يأكل الحب وهو الذي استثناه مالك من جملة الغربان، وأيضاً قال: اختلف أهل العلم فيما يقتله المحرم من الدواب، فقال الشافعي: إذا قتل المحرم شيئاً من هذه الأعيان المذكورة في هذه الأخبار فلا شيء عليه، وقاس عليها كل سبع ضار، وكل شيء من الحيوان لا يؤكل الحمه، لأن بعض هذه الأعيان سباع ضارية وبعضها هوام قاتلة وبعضها طير لا يدخل في معنى السباع ولا هي من جملة الهوام وإنما هو حيوان مستخبث اللحم غير مستطاب الأكل وتحريم الأكل يجمعهن كلهن فاعتبره وجعله دليل الحكم، وقال مالك نحواً من قول الشافعي إلا أنه قال لا يقتل المحرم الغراب الصغير، وقال أبو حنيفة وأصحابه: يقتل الكلب وسائر ما جاء في الخبر وقاسوا عليه الذئب ولم يجعلوا على قاتله فدية، وقالوا في السبع والنمر والفهد والخنزير عليه الجزاء إن قتلها، إلا أن يكون قد ابتدأه المحرم

(5/210)


...................................
ـــــــ
فعليه قيمته إلا أن يكون قيمته أكثر من دم، فعليه دم ولا يجاوزه انتهى كلام الخطابي مختصراً "والسبع العادي" أي الظالم الذي يفترس الناس ويعقر، فكل ما كان هذا الفعل نعتاً له من أسد ونمر وفهد ونحوها، فحكمه هذا الحكم وليس على قاتلها فدية والله أعلم. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه. وقال الترمذي: حديث حسن. هذا آخر كلامه، وفي إسناده يزيد بن أبي زياد وقد تقدم الكلام عليه.

(5/211)


41 - باب لحم الصيد للمحرم
1846- حدثنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنبأنا سلَيْمانُ بنُ كُثَيْرٍ عنْ حُمَيْدٍ الطّوِيلِ عنْ إِسْحَاقَ بنِ عبد الله بنِ الْحَارِثِ عنْ أبِيهِ - وَكَانَ الْحَارِثُ خَلْيفَةَ عُثْمانَ رَضِيَ الله عَنْهُ عَلَى الطّائِفِ - فَصَنَعَ لِعُثْمَانَ طَعَاماً فِيهِ مِنَ الْحَجَلِ وَالْيَعَاقِيبِ وَلَحْمِ الْوَحْشِ، قالَ: فَبَعَثَ إلَى عَلِيَ رَضِيَ الله عَنْهُ فَجَاءَهُ الرّسُولُ وَهُوَ يَخْبِطُ لأَبَاعِرَ لَهُ فَجَاءَ وَهُوَ يَنْفُضُ الْخَبَطَ عنْ يَدِهِ. فَقَالُوا لَهُ كُلْ فَقَالَ أَطْعِمُوهُ قَوْماً حَلاَلاً فإِنّا حُرُمٌ. فَقَالَ عَلِيّ رَضِيَ الله عَنْهُ أَنْشُدُ الله مَنْ كَانَ هَهُنَا مِنْ أشْجَعَ، أَتَعْلَمُونَ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أَهْدَى إلَيْهِ رَجُلٌ حِمَارَ وَحْشٍ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَأَبَى أنْ يَأْكُلَهُ؟ قالُوا نَعَمْ.
ـــــــ
باب لحم الصيد للمحرم
"فصنع" أي الحارث "من الحجل" بتقديم المهملة على الجيم جمع حجلة طائر معروف بالفارسية كبك "واليعاقيب" جمع يعقوب طائر معروف. قال في منتهى الإرب بالفارسية كبك نر. قال العلامة الدميري: الحجل طائر على قدر الحمام أحمر المنقار والرجلين ويسمى دجاج البر وهو صنفان نجدي وتهامي، فالنجدي أخضر اللون أحمر الرجلين والتهامي فيه بياض وخضرة. واليعقوب هو ذكر الحجل. انتهى كلامه "فبعث" أي الحارث أو عثمان رضي الله عنه "وهو" أي علي رضي الله عنه "يخبط" من الخبط وهو ضرب الشجرة بالعصا ليتناثر ورقها لعلف الإبل، والخبط بفتحتين الورق بمعنى مخبوط "لأباعر" جمع بعير "ينفض الخبط" أي علي رضي الله عنه يزيله ويدفعه "حرم" بضمتين جمع حرام بمعنى محرم "من أشجع" هي قبيلة.
قال الخطابي: يشبه أن يكون علي رضي الله عنه قد علم أن الحارث إنما اتخذ هذا الطعام من أجل عثمان رضي الله عنه ولم يحضر معه أحد من أصحابه، فلم ير أن يأكله هو ولا أحد ممن بحضرته، فأما إذا لم يصد الطير والوحش من أجل المحرم فقد رخص كثير من

(5/211)


1847 حدثنا أبُو سَلَمَةَ مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عن قَيْسٍ عن عَطَاء عن ابنِ عَبّاسٍ أَنّهُ قال: يَازَيْدَ بنَ أرْقَمَ هَلْ عَلِمْتَ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أُهْدِيَ إِلَيْهِ عُضُوُدُ صَيْدٍ فلَمْ يَقْبَلْهُ وَقال: "أَنَا حُرُمٌ" ؟ قال: نَعَمْ".
1848 حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا يَعْقُوبُ - يَعْنِي اْلإِسكَنْدَرَانِيّ - الْقَارِىء عن عَمْرِو عن عبد المُطّلِبِ عن جَابِرِ بنِ عبد الله قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقُولُ: "صَيْدُ الْبَرّ لَكُمْ حَلاَلٌ ما لم تَصِيدُوهُ أوْ يُصَادُ لَكُمْ" .
ـــــــ
العلماء في تناوله ويدل على ذلك حديث جابر، وقد ذكره أبو داوود على أثره في هذا الباب انتهى كلام الخطابي.
"فلم يقبله وقال أنا حرم" وقد استدل بهذا من قال بتحريم الأكل من لحم الصيد على المحرم مطلقاً لأنه اقتصر في التعليل على كونه محرماً فدل على أنه سبب الامتناع خاصة وهو قول علي وابن عباس وابن عمر والليث والثوري وإسحاق، واستدلوا أيضاً بعموم قوله تعالى {حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ} ولكنه يعارض ذلك حديث أبي قتادة وسيأتي. وقال الكوفيون وطائفة من السلف: إنه يجوز للمحرم أكل لحم الصيد مطلقاً وكلا المذهبين يستلزم إطراح بعض الأحاديث الصحيحة بلا موجب، فالحق مع من ذهب إلى الجمع بين الأحاديث المختلفة فقال أحاديث القبول محمولة على ما يصيده الحلال لنفسه ثم يهدي منه للمحرم. وأحاديث الرد محمولة على ما صاده الحلال لأجل المحرم، ويؤيد هذا الجمع حديث جابر الآتي. قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"يقول صيد البر لكم حلال" هذا الحديث صريح في التفرقة بين أن يصيده المحرم أو يصيده غيره له وبين أن لا يصيده المحرم ولا يصاد له بل يصيده الحلال لنفسه ويطعمه المحرم ومقيد لبقية الأحاديث المطلقة كحديث الصعب وطلحة وأبي قتادة ومخصص لعموم الآية المتقدمة. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وقال الترمذي: والمطلب لا نعرف له سماعاً من جابر، وقال في موضع آخر: والمطلب بن عبد الله بن حنطب يقال إنه لم يسمع من جابر وذكر أبو حاتم الرازي أنه لم يسمع من جابر وقال ابنه عبد الرحمَن بن أبي حاتم يشبه أن يكون أدركه. قال الخطابي تحت حديث جابر: وممن هذا مذهبه عطاء بن أبي رباح ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل وقال مجاهد وسعيد بن جبير: يأكل المحرم ما لم يصد إذا كان قد ذبحه حلال وإلى نحو من هذا ذهب أبو حنيفة وأصحابه قالوا لأنه الآن ليس بصيد. وكان ابن

(5/212)


قال أَبُو دَاوُد: إذَا تَنَازَعَ الْخَبَرانِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم يُنْظَرُ بما أخَذَ بِهِ أصحَابُهُ.
1849 حدثنا عبد الله بنُ مَسْلَمَةَ عن مَالِكٍ عن أبي النّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بن عُبَيْدِالله التّيْمِيّ عن نَافِعٍ مَوْلَى أبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيّ عن أبي قَتَادَةَ: أَنّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم حَتّى إذَا كَانَ بِبَعْضِ طَرِيقِ مَكّةَ تَخَلّفَ مَعَ أَصحَابٍ لَهُ مُحْرِمِينَ وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ فَرَأَى حِمَاراً وَحْشِيّا فاسْتَوَى عَلَى فَرَسِهِ. قال: فَسَأَلَ أَصحَابَهُ أنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطَهُ فأَبَوْا فَسَأَلَهُمْ رُمْحَهُ فأَبَوْا، فأَخَذَهُ، ثُمّ شَدّ عَلَى الْحِمَارِ فَقَتَلَهُ، فأَكَلَ مِنْهُ بَعْضُ أصْحَابِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَأَبَى بَعضُهُمْ، فلَمّا أَدْرَكُوا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم سَأَلُوهُ عن ذَلِكَ فَقال: "إِنّمَا هِي طُعْمَةٌ أَطْعَمَكُموهَا الله تَعَالَى" .
ـــــــ
عباس رضي الله عنهما يحرم لحم الصيد على المحرمين في عامة الأحوال ويتلو قوله تعالى {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً} ويقول الآية مبهمة. وإلى نحو من ذلك ذهب طاووس وعكرمة وسفيان الثوري وإسحاق بن راهويه "أو يصاد لكم" هكذا في النسخ والجاري على قوانين العربية أو يُصَدْ لأنه معطوف على المجزوم قاله السندي.
"تخلف" أي تأخر أبو قتادة "مع أصحاب له" أي لأبي قتادة "وهو" أي أبو قتادة "أن يناولوه" أي يعطوه "فأبوا" أن يعاونوه "ثم شد" أي حمل عليه "فلما أدركوا" أي لحقوا "سألوه عن ذلك" هل يجوز أكله أم لا والحديث فيه فوائد: منها أنه يحل للمحرم لحم ما يصيده الحلال إذا لم يكن صاده لأجله ولم يقع منه إعانة له، ومنها أن مجرد محبة المحرم أن يقع من الحلال الصيد فيأكل منه غير قادحة في إحرامه ولا في حل الأكل منه، ومنها أن عقر الصيد ذكاته ومنها جواز الاجتهاد في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبالقرب منه. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، ووقع في البخاري ومسلم أنه صلى الله عليه وسلم أكل منه وأخرجه الدارقطني في سننه من حديث معمر بن راشد وفيه: وإني إنما اصطدته لك فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فأكلوا ولم يأكل حين أخبرته أني اصطدته له. قال الدارقطني: قال أبو بكر يعني النيسابوري قوله: اصطدته لك
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وروى مسلم في صحيحه من حديث عبدالرحمن بن عثمان التيمي قال كنا مع طلحة بن عبيد الله في طريق مكة ونحن محرمون فأهدوا لنا لحم صيد وطلحة راقد فمنا من أكل ومنا من تورع فلم

(5/213)


...............................
ـــــــ
يأكل فلما استيقظ قال للذين أكلوا أصبتم وقال الذين لم يأكلوا أخطأتم فإنا قد أكلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن حرم".
وروى مالك عن يحيى بن سعيد أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي عن عيسى بن طلحة عن عمرو بن سلمة الضمري عن البهزي يزيد بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يريد مكة وهو محرم حتى إذا كانوا بالروحاء إذا حمار وحشي عقير فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"دعوه فإنه يوشك أن يأتي صاحبه" فجاء البهزي وهو صاحبه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يارسول الله شأنكم بهذا الحمار فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر فقسمه بين الرفاق ثم مضى حتى إذا كان بالأثاية بين الرويثة والعرج إذا ظبي حاقف في ظل وفيه سهم فزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر رجلا يقف عنده لا يريبه أحد من الناس حتى جاوزوه وفي الصحيحين عن الصعب بن جثامة أنه أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا وهو بالأبواء أو بودان فرده عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم" ورواه مسلم عن سفيان وقال لحم حمار وحش قال الحميدي كان سفيان يقول في الحديث أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم لحم حمار وحش وربما قال سفيان يقطر دما وكان فيما خلا ربما قال حمار وحش ثم صار إلى لحم حتى مات وفي رواية لمسلم شق حمار وحش فرده وفي رواية له عجز حمار فرده وفي رواية له رجل حمار قال الشافعي فإن كان الصعب أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم الحمار حيا فليس لمحرم ذبح حمار وحش وإن كان أهدى له لحما فقد يحتمل أن يكون علم أنه صيد له فرده عليه وإيضاحه في حديث جابر قال وحديث مالك أنه أهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم حمارا أثبت من حديث أنه أهدي له من لحم حمار تم كلامه قال البيهقي وروى يحيى بن سعيد عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري عن أبيه أن الصعب بن جثامة أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم عجز حمار وهو بالجحفة فأكل منه وأكل القوم قال وهذا إسناد صحيح فإن كان محفوظا فكأنه رد الحي وقبل اللحم تم كلامه.
وقد اختلف الناس قديما وحديثا في هذه المسألة وأشكلت عليهم الأحاديث فيها فكان عطاء ومجاهد وسعيد بن جبير يرون للمحرم أكل ما صاده الحلال من الصيد وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وهو قول عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان والزبير بن العوام وأبي هريرة ذكر ذلك ابن عبدالبر عنهم وحجتهم حديث أبي قتادة المتقدم وحديث طلحة بن عبيد الله وحديث البهزي.
وقالت طائفة: لحم الصيد حرام على المحرم بكل حال وهذا قول علي وابن عباس وابن عمر.
قال ابن عباس: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ} هي مبهمة وروى عن طاووس وجابر بن زيد وسفيان الثوري المنع منه.
وحجة هذا المذهب: حديث ابن عباس عن الصعب بن جثامة وحديث علي في أول الباب واحتجوا بظاهر الآية وقالوا تحريم الصيد يعم اصطياده وأكله.

(5/214)


...................................
ـــــــ
وقوله: ولم يأكل منه لا أعلم أحداً ذكره في هذا الحديث غير معمر. وقال غيره هي لفظة غريبة لم نكتبها إلا من هذا الوجه هذا آخر كلامه وقد تقدم في الصحيحين أنه أكل صلى الله عليه وسلم منه.
ـــــــ
وقالت طائفة: ما صاده الحلال للمحرم ومن أجله فلا يجوز له أكله فأما ما لم يصده من أجله بل صاده لنفسه أو لحلال لم يحرم على المحرم أكله وهذا قول مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهم وقول إسحاق وأبي ثور قال ابن عبدالبر وهو الصحيح عن عثمان في هذا الباب.
قال: وحجة من ذهب هذا المذهب أنه عليه تصح الأحاديث في هذا الباب وإذا حملت على ذلك لم تتضاد ولم تختلف ولم تتدافع وعلى هذا يجب أن تحمل السنن ولا يعارض بعضها ببعض ما وجد إلى استعمالها سبيل تم كلامه.
وآثار الصحابة كلها في هذا الباب إنما تدل على هذا التفصيل . فروى البيهقي من حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: "رأيت عثمان بن عفان بالعرج في يوم صائف وهو محرم وقد غطى وجهه بقطيفة أرجوان ثم أتي بلحم صيد فقال لأصحابه كلوا قالوا ألا تأكل أنت قال إني لست كهيئتكم إنما صيد من أجلي".
وحديث أبي قتادة والبهزي وطلحة بن عبيد الله قضايا أعيان لا عموم لها وهي تدل على جواز أكل المحرم من صيد الحلال وحديث الصعب بن جثامة يدل على منعه منه وحديث جابر صريح في التفريق.
فحيت أكل علم أنه لم يصد لأجله وحيث امتنع علم أنه صيد لأجله فهذا فعله وقوله في حديث جابر يدل على الأمرين فلا تعارض بين أحاديثه صلى الله عليه وسلم بحال وكذلك امتناع علي من أكله لعله ظن أنه صيد لأجله وإباحة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه حمار البهزي ومنعهم من التعرض للظبي الحاقف لأن الحمار كان عقيرا في حد الموت وأما الظبي فكان سالما ولم يسقط إلى الأرض فلم يتعرض له لأنه حيوان حي والله أعلم.

(5/215)


42 - باب الجراد للمحرم
1850ثنا مُحمّدُ بنُ عِيسَى أخبرنا حَمّادٌ عن مَيْمُونِ بنِ جَابانَ عن أبي رَافِعٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "الْجَرَادُ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ" .
ـــــــ
باب الجراد للمحرم
"حماد" هو ابن زيد قاله المزي "عن ميمون بن جابان" بجيم موحدة ونون قال المنذري: ميمون بن جابان لا يحتج به "عن أبي رافع" اسمه نفيع "قال الجراد من صيد البحر"

(5/215)


1851- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا عبد الْوَارِثِ عن حَبيبٍ المُعَلّمِ عن أبي المُهَزّمِ عن أَبي هُرَيْرَةَ قال: أَصَبْنَا صِرْماً [صِرْباً] مِنْ جَرَادٍ فَكَانَ رَجُلٌ يَضْرِبُ بِسَوْطِهِ وهُوَ مُحْرِمٌ، فَقِيلَ لَهُ: إنّ هَذَا لا يَصْلُحُ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنّبيّ صلى الله عليه وسلم فَقالَ: "إِنّمَا هُوَ من صَيْدِ الْبَحْرِ".
سَمِعْتُ أبا دَاوُدَ يقُولُ [قال أبو داود] أَبُو المُهَزّمِ ضَعِيفٌ، وَالحدِيثانِ جَمِيعاً وَهْمٌ.
1852- حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عن مَيْمُونِ بنِ جابانَ عن أبي رَافِعٍ عن كَعْبٍ قال: "الْجَرَادُ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ".
ـــــــ
قال علي القاري قال العلماء إنما عده من صيد البحر لأنه يشبه صيد البحر من حيث أنه يحل ميتته ولا يجوز للمحرم قتل الجراد ولزمه بقتله قيمته. وفي الهداية أن الجراد من صيد البر. قال ابن الهمام: عليه كثير من العلماء، ويشكل عليه ما فيه أبي داوود والترمذي عن أبي هريرة قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة أو غزوة فاستقبلنا رجل من جراد فجعلنا نضربه بسياطنا وقسينا فقال صلى الله عليه وسلم كلوه فإنه من صيد البحر وعلى هذا لا يكون فيه شيء أصلا، لكن تظاهر عن عمر إلزام الجزاء فيها في الموطأ أنبأنا يحيى بن سعيد أن رجلا سأل عمر عن جرادة قتلها وهو محرم فقال عمر لكعب تعال حتى تحكم فقال كعب درهم. فقال عمر: إنك لتجد الدراهم لتمرة خير من جرادة. ورواه ابن أبي شيبة عنه بقصته وتبع عمر أصحاب المذاهب انتهى كلام ابن الهمام. قال ملا على القاري: لو صح حديث أبي داوود والترمذي المذكور سابقاً كان ينبغي أن يجمع بين الأحاديث بأن الجراد على نوعين بحري وبري فيعمل في كل منهما بحكمه.
"صرما من جراد" بكسر الصاد وسكون الراء قطعة من الجماعة الكبيرة "فقيل له" للرجل "لا يصلح" لأنه صيد. قال المنذري: أبو المهزم اسمه يزيد بن سفيان بصري متروك وهو بضم الميم وفتح الهاء وكسر الزاي وتشديدها بعدها ميم. وقال أبو بكر المعافري: ليس في هذا الباب حديث صحيح "عن أبي رافع عن كعب" قال المزي في الأطراف: حديث موسى بن إسماعيل في رواية أبي بكر بن داسة ولم يذكره أبو القاسم.

(5/216)


43 - باب في الفدية
1853- حدثنا وَهْبُ بنُ بَقِيّةَ عن خَالِدٍ الطّحّانِ عن خالِدِ الْحذّاء عن أَبي قِلاَبَةَ عن عبد الرّحْمَنِ بنِ أبي لَيْلَى عن كَعْبٍ بنِ عُجْرَةَ: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم مَرّ بِهِ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فقال: " قَدْ آذَاكَ هَوَامّ رَأْسِكَ"؟ قال: نَعَمْ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "احْلِقْ ثُمّ اذْبَحْ شَاةً نَسُكاً، أو صُمْ ثَلاَثَة أَيّامٍ، أو أَطْعِمْ ثَلاَثَةَ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ عَلَى سِتّةِ مَسَاكِينَ" .
ـــــــ
باب في الفدية
"عن كعب بن عجرة" بضم العين وإسكان الجيم "هوام رأسك" قال في المصباح: والهامة ماله سم يقتل كالحية. قاله الأزهري، والجمع الهوام مثل دابة ودواب، وقد تطلق الهوام على مالا يقتل كالحشرات ومنه حديث كعب بن عجرة أيؤذيك هو أم رأسك، والمراد القمل على الاستعارة بجامع الأذى انتهى "اذبح شاة نسكا" بضم النون والسين. قال في النهاية: والنسيكة الذبيحة وجمعها نسك، والنسك أيضاً الطاعة والعبادة وكل ما تقرب به إلى الله تعالى انتهى. وهذا دم تخيير استفيد بأو في قوله أو صم ثلاثة أيام "أو أطعم" أو للتخيير "آصع" جمع صاع، وفي الصاع لغتان التذكير والتأنيث وهو مكيال يسع خسمة أرطال وثلث بالبغدادي، هذا مذهب الشافعي ومالك وأحمد وجماهير العلماء. وقال أبو حنيفة: يسع ثمانية أرطال. وأجمعوا على أن الصاع أربعة أمداد وهذا الذي قدمنا من أن الآصع جمع صاع صحيح.
وقد ثبت استعمال الآصع في هذا الحديث الصحيح من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك هو مشهور في كتب اللغة. قال النووي: المعنى أن من احتاج إلى حلق الرأس لضرر من قمل أو مرض أو نحوهما فله حلقه في الإحرام وعليه الفدية. قال الله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} ، وبين النبي صلى الله عليه وسلم أن الصيام ثلاثة أيام والصدقة ثلاثة آصع لستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، والنسك شاة وهي شاة تجزى في الأضحية ثم إن الآية الكريمة والأحاديث متفقة على أنه مخير بين هذه الأنواع الثلاثة، وهكذا الحكم عند العلماء أنه مخير بين الثلاثة. واتفق العلماء على القول بظاهر هذا الحديث إلا ما حكي عن أبي حنيفة والثوري أن نصف الصاع لكل مسكين إنما هو في الحنطة فأما التمر والشعير وغيرهما فيجب صاع لكل مسكين وهذا خلاف نصه صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ثلاثة آصع من تمر. وعن أحمد بن حنبل رواية أنه لكل مسكين مد من حنطة أو نصف صاع من غيره، وعن

(5/217)


1854- حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عن دَاوُدَ عن الشّعْبِيّ عن عبد الرّحْمَنِ بنِ أبي لَيْلَى عن كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال لَهُ: "إِنْ شِئْتَ فانْسُكْ نَسِيكَةً، وَإِنْ شِئْتَ فَصُمْ ثَلاثَةَ أَيّامٍ وَإِنْ شِئْتَ فأَطْعِمْ ثَلاَثَةَ آصُعِ مِنْ تَمْرٍ لِسِتّةِ مَساكِينَ" .
1855- حدثنا ابنُ المُثَنّى أخبرنا عبد الْوَهّابِ ح. وَحدثنا نَصْرُ بنُ عَلِيَ أخبرنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ وَهَذَا لَفْظُ ابنُ المُثَنّى عنْ دَاوُدَ عنْ عَامِرٍ عنْ كَعْبِ بن عُجْرَةَ: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم مَرّ بِهِ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فَذَكَرَ الْقِصّةَ: قال "أَمَعَكَ دَمٌ"؟ قالَ لاَ. قَالَ: فَصُمْ ثَلاَثَةَ أَيّامٍ أوْ تَصَدّقْ بِثَلاَثَةِ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ عَلى سِتّةِ مَسَاكِينَ بَيْنَ كُلّ مَسْكِينَيْنِ صَاعٌ" .
1856- حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدثنا اللّيْثُ عنْ نَافِعٍ: أَنّ رَجُلاً مِنَ الأنْصَارِ أخْبَرَهُ عنْ كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ وَكَانَ قَدْ أَصَابَهُ فِي رَأْسِهِ أَذًى فَحَلَقَ، فأَمَرَهُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُهْدِيَ هَدْياً بَقَرَةً".
1857 حدثنا مُحمّدُ بنُ مَنْصُورٍ أخبرنا يَعْقُوبُ حَدّثَني أبي عن ابنِ إسْحَاقَ قال حَدّثَني أَبَانُ - يَعْني ابنَ صَالحٍ - عن الْحَكَمِ بنِ عُتَيْبَةَ عن عبد الرّحْمَنِ بنِ أبي
ـــــــ
الحسن البصري وبعض السلف أنه يجب إطعام عشرة مساكين أو صوم عشرة أيام وهذا ضعيف منابذاً للسنة مردود. وقوله صلى الله عليه وسلم أو أطعم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين معناه مقسومة على ستة مساكين تم كلامه مختصراً. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.
"إن شئت فانسك نسيكة" أي اذبح ذبيحة. وفي الموطأ أي ذلك فعلت أجزأ وفيه دليل على أنه مخير في الثلاثة جميعاً، ولذا قال البخاري في أول باب الكفارات: خير النبي صلى الله عليه وآله وسلم كعباً في الفدية انتهى والحديث سكت عنه المنذري.
عن عامر" هو الشعبي "قال أمعك دم" أي شاة أو نحوه "قال لا" أي ليس معي دم "قال فصم" قال النووي: ليس المراد أن الصوم لا يجزي إلا لعادم الهدي بل هو محمول على أنه سأله عن النسك فإن وجده أخبره أنه مخير بينه وبين الصيام والإطعام وإن عدمه فهو مخير بين الصيام والإطعام. والحديث سكت عنه المنذري.
"أن رجلا من الأنصار" قال في التقريب: هو عبد الرحمَن بن أبي ليلى "فحلق" أي شعر

(5/218)


لَيْلَى عن كَعْبٍ بنِ عُجْرَةَ قال: أَصَابَنِي هَوَامّ في رَأْسِي وَأَنَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ حَتّى تَخَوّفْتُ عَلَى بَصَرِيِ، فأَنْزَلَ الله عَزّوَجلّ فِيّ {فَمنْ كَانَ مِنْكُم مَرِيضاً أوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ} الآية، فَدَعَانِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَقال لِي: "احْلِقْ رَأْسَكَ وَصُمْ ثَلاَثَةَ أَيّامٍ أو أَطْعِمْ سِتّةَ مَسَاكِينَ فَرَقاً مِنْ زَبِيبٍ أو انْسُكْ شَاةً"، فَحَلَقْتُ رَأْسِي ثُمّ نَسَكْتُ" .
1858 حدثنا عبد الله بنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن عبد الْكَرِيمِ بنِ مَالِكٍ الْجَزْرِيّ عن عبد الرّحْمَنِ بنِ أبي لَيْلَى عن كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ في هَذِهِ الْقِصّةَ. زَادَ: "أيّ ذَلِكَ فَعَلْتَ أَجْزَأَ عَنْكَ" .
ـــــــ
رأسه. قال المنذري: فيه رجل مجهول.
"هوام" جمع هامة بتشديد الميم "حتى تخوفت" من كثرة القمل والأذى بأنه يضعف الدماغ ويزيل قوته "على بصري" متعلق بتخوفت أي على ذهاب بصري "في" أي في شأني "{فَمنْ كَانَ مِنْكُم مَرِيضاً أوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ} الآية" {ففِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} "فرقاً من زبيب" قال الخطابي: والفرق ستة عشر رطلا، وهو ثلاثة أصواع أمره أن يقسمه بين ستة مساكين، فهذا في الزبيب نص كما نص في التمر.
وقال سفيان الثوري: إذا تصدق بالبر أطعم ثلاثة أصواع بين ستة مساكين لكل واحد منهم نصف صاع فإن أطعم تمراً أو زبيباً أطعم صاعاً صاعاً. قال الخطابي: هذا خلاف السنة وقد جاء في الحديث ذكر التمر مقدار نصف صاع، فلا معنى لخلافه. وقال أبو حنيفة وأصحابه نحواً من قول سفيان. والحجة عليه وعليهم نص الحديث. قال الخطابي: فإن حلقه ناسياً فإن الشافعي يوجب عليه لفدية كالعمد سواء وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري ولم يفرقوا بين عمده وخطئه لأنه إتلاف شيء له حرمة كالصيد. وقال الشافعي: إن تطيب ناسياً، فلا شيء عليه. وسوى أبو حنيفة وأصحابه في الطيب ولم يفرقوا بين عمده وخطئه ورأوا فيه الفدية كالحلق والصيد. وقال إسحق بن راهويه: لا شيء على من حلق رأسه ناسياً "أو انسك" أي اذبح. قال المنذري: في إسناده محمد بن إسحاق. قلت: صرح بالتحديث.
-"فعلت أجزأ عنك" هذا الحديث وجد في النسختين وذكره الحافظ المزي في الأطراف وعزاه إلى أبي داوود، ثم قال: حديث القعنبي في رواية أبي الحسن بن العبد وأبي بكر بن داسة ولم يذكره أبو القاسم انتهى. كذا في الغاية.

(5/219)


44 - باب الإحصار
1859- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عن حَجّاجٍ الصّوّافِ حَدّثَني يَحْيَى بنُ أبي كَثِيرٍ عن عِكْرِمَةَ قال سَمِعْتُ الْحَجّاجَ بنَ عَمْرٍو الأَنْصَارِيّ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ كُسِرَ أوْ عَرَجَ فَقَدْ حَلّ وَعَلَيْهِ الْحَجّ مِنْ قابِلٍ" .
قال عِكْرِمَةُ: فَسَأَلْتُ ابنَ عَبّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ عن ذَلِكَ فَقالا: صَدَقَ.
1860- حدثنا مُحمّدُ بنُ المُتَوَكّل الْعَسْقَلاَنِيّ وَ سَلَمَةُ قالا أخبرنا عبد الرّزّاقِ عن مَعْمرٍ عن يَحْيَى بنِ أبي كَثِيرٍ عن عِكْرِمَةَ عن عبد الله بنِ رافِعٍ عن الْحَجّاجِ بنِ عَمْرٍو عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ كُسِرَ أوْ عَرِجَ [مَنْ عَرِجَ أوْ كُسِرَ] أوْ مَرِضَ" فَذَكَرَ مَعْنَاهُ.
ـــــــ
باب الإحصار
قال العيني: اختلف العلماء في الحصر بأي شيء يكون وبأي معنى، فقال قوم يكون الحصر حال من مرض أو عدو وكسر وذهاب نفقة ونحوها، مما يمنعه عن المضي إلى البيت، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. وروى ذلك عن ابن عباس وابن مسعود وزيد بن ثابت. وقال آخرون وهم: الليث بن سعد ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق لا يكون الإحصار إلا بالعدو فقط ولا يكون بالمرض. انتهى
"من كسر" بضم الكاف وكسر السين "أو عرج" بفتح المهملة والراء أي أصابه شيء في رجله وليس بخلقة فإذا كان خلقة قيل عرج بكسر الراء "من قابل" أي في السنة المستقبلة.
قال الخطابي: وهذا الحديث حجة لمن رأى الإحصار بالمرض والعذر يعرض للمحرم من غير حبس العدو، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه وسفيان الثوري وروى ذلك عن عطاء وعروة والنخعي. وقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق لا حصر إلا حصر العدو، وروى ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما وروى معناه أيضاً عن ابن عمر "وعليه الحج من قابل" وإنما فيمن كان حجه عن فرض، فأما المتطوع بالحج إذا حصر فلا شيء غير هذا الإحصار.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وإن صح حديث الحجاج بن عمرو فقد حمله بعض أهل العلم أنه يحل بعد فواته بما يحل به من يفوته الحج بغير مرض فقد روينا عن ابن عباس ثابتا عنه أنه قال: "لا حصر إلا حصر عدو" . تم كلامه.

(5/220)


قال سَلَمَةُ بنُ شَبِيبٍ قال أنبأنا مَعْمَرٌ.
1861- حدثنا النّفَيْلِيّ أخبرنا مُحمّدُ بنُ سَلَمَةَ عن مُحمّدِ بنِ إِسْحَاقَ عن عَمْرِو بنِ مَيْمُونَ قال سَمِعْتُ أَبَا حَاضِرٍ الْحِمْيَرِيّ يُحَدّثُ أبي مَيْمُونٍ بنِ مِهْرَانَ قال: "خَرَجْتُ مُعْتَمِراً عَامَ حَاصَرَ أَهْلُ الشّامِ ابنَ الزّبَيْرِ بمَكّةَ وَبَعَثَ مَعِي رِجَالٌ مِنْ قَوْمِي بِهَدْيٍ، فَلمّا انْتَهَيْنَا إلَى أهْلِ الشّامِ مَنَعُونَا أن نَدْخُلَ الْحَرَمَ، فَنَحَرْتُ الْهَدْيَ مَكَانِي ثُمّ أَحْلَلْتُ ثُمّ رَجَعْتُ، فَلمّا كَانَ مِنَ الْعَامِ المُقْبِلِ خَرَجْتُ لأَقْضِيَ عُمْرَتِي، فأَتَيْتُ ابنَ عَبّاسٍ، فَسَأَلْتُهُ فَقال: أَبْدِلِ الْهَدْيَ فإِنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُبَدّلُوا الْهَدْيَ الّذِي نَحَرُوا عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ في عُمْرَةِ الْقَضَاءِ".
ـــــــ
وهذا على مذهب مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة وأصحابه: عليه حجة وعمرة، وهو قول النخعي، وعن مجاهد والشعبي وعكرمة عليه حجة من قابل قاله الخطابي قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه.
قال المنذري: حديث حسن.
"أبي ميمون بن مهران" بدل من لفظ أبي "أهل الشام" يعني الحجاج "وبعث" أي أرسل "مكاني" الذي كنت فيه. قال الخطابي: أما من لا يرى عليه القضاء في غير الفرض فإنه لا يلزمه بدل الهدي، ومن أوجبه فإنما يلزمه البدل لقوله تعالى: {هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ} ومن نحر الهدي في الموضع الذي أحصر فيه وكان خارجاً من الحرم فإن هديه لم يبلغ الكعبة فلزمه إبداله وإبلاغه الكعبة. وفي الحديث حجة لهذا القول انتهى. وقال البيهقي: وفعله إن صح الحديث استحب الإبدال وإن لم يكن واجباً، كما استحب الإتيان بالعمرة، ولم يكن قضاء ما أحصر عنه واجباً بالتحلل انتهى "عام الحديبية" قال ابن القيم: عمرة الحديبية كانت سنة ست فصده المشركون عن البيت فنحر البدن حيث صد بالحديبية وحلق هو وأصحابه رؤوسهم وحلوا من إحرامهم ورجع من عامه إلى المدينة، وعمرة القضاء ويقال لها عمرة القضية في العام المقبل دخلها فأقام بها ثلاثاً ثم خرج بعد إكمال عمرته.
ـــــــ
وقال: غيره: معنى حديث الحجاج بن عمرو أن تحلله بالكسر والعرج إذا كان قد اشترط ذلك في عقد الإحرام على معنى حديث ضباعة.
قالوا: ولو كان الكسر مبيحا للحل لم يكن للاشتراط معنى.

(5/221)


..................................
ـــــــ
واختلف هل كانت قضاء العمرة التي صد عنها في العام الماضي عمرة مستأنفة على قولين للعلماء وهما روايتان عن الإمام أحمد أحدهما أنها قضاء وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله، والثاني ليست بقضاء وهو قول مالك رحمه الله والذين قالوا كانت قضاء احتجوا بأنها سميت عمرة القضاء وهذا الاسم تابع للحكم. وقال آخرون: القضاء هنا من المقاضاة لأنه قاضى أهل مكة عليها لا أنه من قضى يقضي قضاء، قالوا ولهذا سميت عمرة القضية، قالوا والذين صدوا عن البيت كانوا ألفاً وأبعمائمة وهؤلاء كلهم لم يكونوا معه في عمرة القضية، ولو كان قضاء لم يتخلق منهم أحد. وهذا القول أصح لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمر من كان معه بالقضاء انتهى.
قال المنذري: والحديث في إسناده محمد بن إسحاق.
ـــــــ
قالوا: وأيضا فلا يقول أحد بظاهر هذا الحديث فإنه لا يحل بمجرد الكسر والعرج فلا بد من تأويله فيحمله على ما ذكرناه.
قالوا: وأيضا فإنه لا يستفيد بالحل زوال عقده ولا الانتقال من حاله بخلاف المحصر بالعدو.
وقوله: "وعليه الحج من قابل" هذا إذا لم يكن حج الفرض فأما إن كان متطوعا فلا شيء عليه غير هدي الإحصار.
قال: البيهقي وحديث الحجاج بن عمرو قد اختلف في إسناده والثابت عن ابن عباس خلافه وأنه لا حصر إلا حصر العدو تم كلامه.
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
اختلف العلماء من الصحابة فمن بعدهم فيمن منع من الوصول إلى البيت بمرض أو كسر أو عرج هل حكمه حكم المحصر في جواز التحلل فروي عن ابن عباس وابن عمر ومروان بن الحكم: أنه لا يحلله إلا الطواف بالبيت وهو قوله مالك والشافعي وإسحاق وأحمد في المشهور من مذهبه.
وروى عن ابن مسعود أنه كالمحصر بالعدو وهو قول عطاء والثوري وأبي حنيفة وأصحابه وإبراهيم النخعي وأبي ثور وأحمد في الرواية الأخرى عنه.
ومن حجة هؤلاء: حديث الحجاج وأبي هريرة وابن عباس.
قالوا: وهو حديث حسن يحتج بمثله.

(5/222)


....................................
ـــــــ
قالوا: وأيضا ظاهر القرآن بل صريحه يدل على أن الحصر يكون بالمرض فإن لفظ الإحصار إنما هو للمرض يقال أحصره المرض وحصر العدو فيكون لفظ الآية صريحا في المريض وحصر العدو ملحق به فكيف يثبت الحكم في الفرع دون الأصل قال الخليل وغيره حصرت الرجل حصرا منعته وحبسته وأحصر هو عن بلوغ المناسك بمرض أو نحوه.
قالوا: وعلى هذا خرج قول ابن عباس "لا حصر إلا حصر العدو" ولم يقل لا إحصار إلا إحصار العدو فليس بين رأيه وروايته تعارض ولو قدر تعارضهما فالأخذ بروايته دون رأيه لأن روايته حجة ورأيه ليس بحجة.
قالوا: وقولكم: لوكان يحل بالحصر لم يكن للاشتراط معنى جوابه من وجهين:
أحدهما: أنكم لا تقولون بالاشتراط ولا يفيد الشرط عندكم شيئا فلا يحل عندكم بشرط ولا بدونه فالحديثان معا حجة عليكم وأما نحن فعندنا أنه يستفيد بالشرط فائدتين إحداهما جواز الإحلال والثانية سقوط الدم فإذا لم يكن شرط استفاد بالعذر الإحلال وحده وثبت وجوب الدم عليه فتأثير الاشتراط في سقوط الدم.
وأما قولكم: إن معناه أنه يحل بعد فواته بما يحل به من يفوته الحج لغير مرض ففي غاية الضعف فإنه لا تأثير للكسر ولا للعرج في ذلك فإن المفوت يحل صحيحا كان أو مريضا.
وأيضا فإن هذا يتضمن تعليق الحكم بوصف لم يعتبره النص وإلغاء الوصف الذي اعتبره وهذا غير جائز.
وأما قولكم: إنه يحمل على الحل بالشرط فالشرط إما أن يكون له تأثير في الحل عندكم أو لا تأثير له فإن كان مؤثرا في الحل لم يكن الكسر والعرج هو السبب الذي علق الحكم به وهو خلاف النص وإن لم يكن له تأثير في الحل بطل حمل الحديث عليه.
قالوا: وأما قولكم إنه لا يقول أحد بظاهره فإن ظاهره إنه بمجرد الكسر والعرج يحل.
فجوابه: أن المعنى فقد صار ممن يجوز له الحل بعد أن كان ممنوعا منه وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا فقد أفطر الصائم" وليس المراد به أنه أفطر حكما وإن لم يباشر المفطرات بدليل إذنه لأصحابه في الوصال إلى السحر ولو أفطروا حكما لاستحال منهم الوصال ولقوله تعالى {فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} فإذا نكحت زوجا آخر حلت لا بمجرد نكاح الثاني بل لا بد من مفارقته وانقضاء العدة وعقد الأول عليها.
قالوا: وأما قولكم إنه لا يستفيد بالإحلال الانتقال من حاله التي هو عليها ولا التخلص من أذاه بخلاف من حصره العدو- فكلام لا معنى تحته فإنه قد يستفيد بحله أكثر مما يستفيد المحصر بالعدو

(5/223)


45 - باب دخول مكة
1862- حدثنا مُحمّدُ بنُ عُبَيْدٍ [حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ حدثنا إِسْمَاعِيلُ ح وحدثنا مُحمَّدُ بنُ عُبِيدِ] حدثنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عن أيّوبَ عن نَافِعٍ "أَنّ ابنَ عُمَرَ كَانَ إذَا قَدِمَ مَكّةَ بَاتَ بِذِي طَوّى حَتّى يُصْبِحَ وَيَغْتَسِلَ ثُمّ يَدْخُلُ مَكّةَ نَهَاراً وَيَذْكُرُ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أَنّهُ فَعَلهُ".
1863- حدثنا عبد الله بنُ جَعْفَرٍ الْبَرْمَكِيّ أخبرنا مَعْنٌ عن مَالِكٍ ح. وحدثنا مُسَدّدٌ وَابنُ حَنْبَلٍ عن يَحْيَى ح. وحدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا أبُو أُسَامَةَ جَمِيعاً عن عُبَيْدِالله عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَدْخُلُ مَكّةَ مِنَ الثّنِيّةِ الْعُلْيَا قالا عن يَحْيَى أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَدْخُلُ مَكّةَ مِنْ كَدَاءَ مِنْ ثَنِيّةِ الْبَطْحَاءِ، وَيَخْرُجُ مِنَ الثّنِيّةِ السّفْلَى. زَادَ الْبَرْمَكِيّ: يَعْني ثَنِيّتِيْ مَكّةَ. وَحَدِيثُ مُسَدّد أَتَمّ".
ـــــــ
باب دخول مكة
"بات" أي نزل في الليل ليلة قدومه "بذي طوى" بفتح الطاء وضمها وكسرها والفتح أفصح وأشهر موضع بمكة داخل الحرم، وقيل اسم بئر عند مكة في طريق أهل المدينة. قال النووي: والحديث فيه فوائد منها الاغتسال للدخول مكة وأنه يكون بذي طوى لمن كان في طريقه وبقدر بعدها لمن لم يكن في طريقه وهذا الغسل سنة، ومنها المبيت بذي طوى وهو مستحب لمن هي على طريقه وهو موضع معروف بقرب مكة، ومنها استحباب دخول مكة نهاراً وهذا هو الصحيح، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم دخلها محرما بعمرة الجعرانة ليلا. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي. وقد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ليلا في عمرة الجعرانة.
"من الثنية العليا" التي ينزل منها إلى المعلى مقبرة أهل مكة يقال لها كداء بالفتح والمد. والثنية بفتح الثاء المثلثة وكسر النون وتشديد الياء كل عقبة في جبل أو طريق عال فيه تسمى ثنية "من ثنية البطحاء" الأبطح كل مكان متسع، والأبطح بمكة هو المحصب "ويخرج من الثنية السفلى"
ـــــــ
فإنه إذا بقي ممنوعا من اللباس وتغطية الرأس والطيب مع مرضه تضرر بذلك أعظم الضرر في الحر والبرد ومعلوم أنه قد يستفيد بحله من الترفه ما يكون سبب زوال أذاه كما يستفيد المحصر بالعدو بحله فلا فرق بينهما فلو لم يأت نص بحل المحصر بمرض لكان القياس على المحصر بالعدو يقتضيه فكيف وظاهر القرآن والسنة والقياس يدل عليه؟ والله أعلم.

(5/224)


1864- حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا أبو أُسَامَةَ عن عُبَيْدِالله عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ: "أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَخْرُجُ منْ طَرِيقِ الشّجَرَةِ وَيَدْخُلُ مِنْ طَرِيقِ المُعَرّسِ".
1865- حدثنا هَارُونُ بنُ عبد الله أخبرنا أبُو أُسَامَةَ أخبرنا هِشَامُ بنُ عُرْوَةَ عن أبِيهِ عن عَائِشَةَ قالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَامَ الْفَتْحِ مِنْ كَدَاءً مِنْ أَعْلَى مَكّةَ، "وَدَخَلَ في الْعُمْرَةِ مِنْ كُدًى، وَكَانَ عُرْوَةُ يَدْخُلُ مِنْهُمَا جَمِيعاً، وَأَكْثرُ ما كَانَ يَدْخُلُ مِنْ كُدًى، وَكَان أَقْرَبَهُمَا إلَى مَنْزِلِهِ".
ـــــــ
وهي التي أسفل مكة عند باب شبيكة يقال لها كدى بضم الكاف مقصور بقرب شعب الشاميين وشعب ابن الزبير عند قعيقعان. وقال ابن المواز كدى التي دخل منها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي العقبة الصغرى التي بأعلى مكة التي يهبط منها على الأبطح والمقبرة منها على يسارك وكدى التي خرج منها هي العقبة الوسطى التي بأسفل مكة وفي لفظ للبخاري من طريق مسدد عن يحيى عن عبيدالله عن نافع بلفظ: دخل مكة من كداء من الثنية العليا التي بالبطحاء ويخرج من الثنية السفلى "زاد البرمكي يعني ثنيتي مكة" وكذا أخرجه الإسماعيلي في مستخرجه من طريق أخرى قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.
"من طريق الشجرة" هي شجرة كانت بذي الحليفة. قاله السندي. وفي عمدة القاري قال المنذري هلى على ستة أميال من المدينة وعند البكري هي من البقيع وقال عياض: هو موضع معروف على طريق من أراد الذهاب إلى مكة من المدينة كان صلى الله عليه وسلم يخرج منها إلى ذي الحليفة فيبيت بها وإذا رجع بات بها أيضاً.
"من طريق المعرس" بلفظ اسم المفعول من التعريس مكان معروف على ستة أميال من المدينة. قال الحافظ وكل من الشجرة والمعرس على ستة أميال من المدينة لكن المعرس أقرب انتهى. والمعنى كان يخرج من المدينة من طريق الشجرة التي عند مسجد ذي الحليفة ويدخل المدينة من طريق المعرس وهو أسفل من مسجد ذي الحليفة قال ابن بطال: كان صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك كما يفعل في العيد يذهب من طريق ويرجع من أخرى. قال المنذري: وأخرجه مسلم والبخاري.
"عام الفتح من كداء" أي من أعلى مكة بفتح الكاف والمد منوناً الثنية العليا مما يلي المقابر "ويدخل في العمرة من كدى" بالضم القصر والصرف الثنية السفلى مما يلي باب العمرة قاله السندي.
وفي رواية البخاري: دخل عام الفتح من كداء من أعلى مكة، وفي رواية وخرج من

(5/225)


1866- حدثنا ابنُ المُثَنّى أخبرنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن أبِيهِ عن عَائِشَةَ: "أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إذَا دَخَلَ مَكّةَ دَخَلَ مِنْ أَعْلاَهَا، وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا".
ـــــــ
كدى. قال عياض والقرطبي وغيرهما اختلفا في ضبط كداء وكدا فالأكثر على أن العليا بالفتح والمد والسفلى بالضم والقصر "يدخل منهما" أي من كداء وكدى مرة من ذاك وأخرى من هذا وفي رواية البخاري: قال هشام وكان عروة يدخل الحديث "وكان" كدى "أقربهما إلى منزله" أي عروة. فيه اعتذار هشام لأبيه لكونه روى الحديث وخالفه لأنه رأى أن ذلك ليس بحتم لازم وكان ربما فعله وكثيراً ما يفعل غيره بقصد التيسير قاله الحافظ. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم.
"دخل من أعلاها" هو ثنية كداء بفتح الكاف "وخرج من أسفلها" هو ثنية كدى بالضم والقصر. والحديث فيه استحباب الدخول إلى مكة من الثنية العليا والخروج من السفلى سواء فيه الحج والمعتمر ومن دخلها بغير إحرام وفيه استحباب الخروج من أسفل مكة للخارج منها سواء خرج للوقوف بعرفة أو غير ذلك قاله العيني. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي انتهى. قال ابن تيمية: يشبه أن يكون ذلك والله أعلم أن الثنية العليا التي تشرف على الأبطح والمقابر إذا دخل منها الإنسان فإنه يأتي من وجهه البلد والكعبة ويستقبلها استقبالاً من غير انحراف بخلاف الذي يدخل من الناحية السفلى لأنه يستدبر البلد والكعبة مستحب أن يكون ما يليه منها مؤخراً لئلا يستدير وجهها انتهى.

(5/226)


46-باب في رفع اليد إذا رأى البيت
1867 - حدثنا يَحْيَى بنُ مَعِينٍ أنّ مُحمّدَ بنَ جَعْفَرٍ حَدّثَهُمْ أخبرنا شُعْبَةُ سَمِعْتُ أَبَا قَزَعَةَ يُحَدّثُ عن المُهَاجِرِ المَكّيّ قال: سُئِلَ جَابِرُ بنُ عبد الله عن الرّجُلِ يَرَى الْبَيْتَ يَرْفَعُ [فَيَرْفَعُ] يَدَيْهِ، فَقال: ما كُنْتُ أَرَى أحَداً يَفْعَلُ هَذَا إلاّ الْيَهُودَ، قَدْ حَجَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فلَمْ يَكُنْ يَفْعَلُهُ".
ـــــــ
باب في رفع اليد إذا رأى البيت
"عن الرجل" الذي يرى البيت "يرفع يديه" أي هو مشروع أم لا "يفعل هذا" أي يرفع اليد عند رؤيته في الدعاء "إلا اليهود" أي عند رؤية الكعبة أو بيت المقدس. قلت: والجواب عن هذه الرواية بأن المثبتين بالرفع أولى لأن معهم زيادة علم ومن ثم قال البيهقي رواية غير جابر في

(5/226)


1868- حدثنا مُسْلِمُ بنُ إِبراهِيمَ أخبرنا سَلاّمُ بنُ مِسْكِينٍ أخبرنا ثَابِتٌ البُنَانِيّ عن عبد الله بنِ رَبَاحٍ الأَنْصَارِيّ عن أَبي هُرَيْرَةَ: أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لَمّا دَخَلَ مَكّةَ طَافَ بالْبَيْتِ وَصَلّى رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ المَقَامِ، يَعْنِي يَوْمَ الْفَتْحِ.
1869- حدثنا ابنُ حَنْبَلٍ أخبرنا بَهْزُ بنُ أسَدٍ وَ هَاشِمٌ - يَعْني ابنَ الْقَاسِمِ قالا أخبرنا سُلَيْمانُ بنُ المُغِيرَةِ عن ثَابِتٍ عن عبد الله بنِ رَبَاحٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ قال: أَقْبَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَدَخَلَ مَكّةَ، فأَقْبَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إلَى الْحَجَرِ فَاسْتَلَمَهُ ثُمّ طَافَ بالْبَيْتِ ثُمّ أَتَى الصّفَا فَعَلاَهُ حَيْثُ يَنْظُرُ إلَى الْبَيْتِ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَذْكُرُ الله عَزّوَجلّ مَا شَاءَ
ـــــــ
إثبات الرفع أشهر عند أهل العلم والقول في مثل هذا قول من أثبت. ويمكن الجمع بينهما بأن يحمل الإثبات على أول رؤية والنفي على كل مرة. قال الخطابي: قد اختلف الناس في هذا فكان ممن يرفع يديه إذا رأى البيت سفيان الثوري وابن المبارك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه فضعف هؤلاء حديث جابر لأن المهاجر راويه عندهم مجهول، وذهبوا إلى حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ترفع الأيدي في سبعة مواطن: افتتاح الصلاة واستقبال البيت وعلى الصفا والمروة والموقفين والجمرتين. وروى عن ابن عمر أنه كان يرفع اليدين عند رؤية البيت. وعن ابن عباس مثل ذلك انتهى. وقال ابن الهمام: أسند البيهقي إلى سعيد بن المسيب قال سمعت من عمر كلمة ما بقي أحد من الناس سمعها غيري سمعته يقول إذا رأى البيت قال اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا بالسلام. وأسند الشافعي عن ابن جريج أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى البيت رفع يديه وقال اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتعظيماً وتكريماً ومهابة الحديث انتهى. قال المنذري: وحديث جابر أخرجه الترمذي والنسائي بنحوه، وقال الترمذي : إنما نعرفه من حديث شعبة. وذكر الخطابي أن سفيان الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق ضعفوا حديث جابر والله أعلم.
"خلف المقام" أي مقام إبراهيم وهذا الحديث طرف من الحديث الذي بعده "أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم " أي توجه من المدينة "إلى الحجر" أي الأسود "فاستلمه" أي باللمس والتقبيل "ثم طاف بالبيت" سبعة أشواط "ثم أتى الصفا" بعد ركعتي الطواف "فعلاه" أي صعده "حيث ينظر إلى البيت" وعند مسلم من حديث جابر: فرقي عليه حتى رأى البيت وأنه فعل في المروة مثل ذلك وهذا في الصفا باعتبار ذلك الزمن وأما الآن فالبيت يرى من باب الصفا قبل رقيه لما حدث من ارتفاع الأرض ثمة حتى اندفن كثير من درج الصفا وقيل بوجوب الرقي مطلقاً كذا في المرقاة "فرفع يديه" هذا موضع الترجمة لكن يقال إن هذا الرفع للدعاء على الصفا لا لرؤية

(5/227)


أنْ يَذْكُرَهُ وَيَدْعُوهُ" . قال: وَاْلأَنْصَارُ [وَاْلأَنْصَابُ] تَحْتَهُ. قال هَاشِمٌ فَدَعَا وَحَمِدَ الله وَدَعَا بِمَا شَاءَ أَنْ يَدْعُوَ".
ـــــــ
البيت، وأجيب بأن هذا مشترك بينهما، وأما ما يفعله العوام من رفع اليدين مع التكبير على هيئة رفعهما في الصلاة فلا أصل له "أن يذكره" أي من التكبير والتهليل والتحميد والتوحيد "ويدعوه" أي بما شاء وفيه إشارة إلى المختار عند محمد أن لا تعيين في دعوات الناسك لأنه يورث خشوع المناسك. وقال ابن الهمام: لأن توقيتها يذهب بالرقة لأنه يصير كمن يكرر محفوظه وإن تبرك بالمأثور فحسن "والأنصار تحته" كذا في نسخه صحيحة الأنصار بالراء وكذا قاله المنذري. وفي بعض النسخ والأنصاب بالباء الموحدة بمعنى الأحجار المنصوبة للصعود إلى الصفا والله أعلم. قال المنذري: وأخرجه مسلم بنحوه في الحديث الطويل في الفتح وليس فيه ذكر الأنصار قال الأزهري: استلام الحجر افتعال من السلام وهو التحية وكذا أهل اليمن يسمون الركن الأسود المحيا معناه أن الناس يحيونه. وقال القشيري: هو افتعال من السلام وهي الحجارة واحدتها سلمة بكسر اللام يقال استلمت الحجر إذا لمسته كما يقال اكتحلت من الكحل. وقال غيره: الاستلام أن يحيي نفسه عن الحجر بالسلام لأن الحجر لا يحييه كما يقال اختدم إذا لم يكن له خادم فخدم نفسه. وقال ابن الأعرابي هو مهموز الأصل ترك همزه مأخوذ من السلام وهي الحجر كما يقال استنوق الجمل وبعضهم يهمزه انتهى.

(5/228)


47 - باب في تقبيل الحجر
1870 - حدثنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنبأنا سُفْيَانُ عن الأَعْمَشِ عن إِبراهِيمَ عن عَابِسِ بنِ رَبِيعَةَ عن عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُ: أَنّهُ جَاءَ إلَى الْحَجَرِ فَقَبّلَهُ فَقال: إِنّي أَعْلَمُ [لأَعْلَمُ] أَنّكَ حَجَرٌ لا تَنْفَعُ وَلا تَضُرّ، وَلَوْلاَ أَنّي رَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يُقَبّلُكَ مَا [لمَا] قَبّلْتُكَ.
ـــــــ
باب في تقبيل الحجر
"جاء إلى الحجر فقبله" قال الخطابي: فيه من الفقه أن متابعة السنن واجبة ولم يوقف "يقف" لها على علل معلومة وأسباب معقولة وأن أعيانها حجة على من بلغته وإن لم يفقه معانيها، إلا أن معلوماً في الجملة أن تقبيله الحجر إنما هو إكرام له وإعظام لحقه وتبرك به، وقد فضل بعض الأحجار على بعض كما فضل بعض البقاع والبلدان وكما فضل بعض الليالي

(5/228)


...................................
ـــــــ
والأيام والشهور، وباب هذا كله التسليم وهو أمر شائع في العقول جائز فيها غير ممتنع ولا مستنكر. وقد روي في بعض الأحاديث أن الحجر يمين الله في الأرض. والمعنى أن من صافحه في الأرض كان له عند الله تعالى عهد، فكان كالعهد يعقده المملوك بالمصافحة لمن يريد من الأمة والاختصاص به وكما يصفق على أيدي الملوك للبيعة، وكذلك تقبيل اليد من الخدم للسادة والكبراء فهذا كالتمثيل بذلك والتشبيه انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وأخرجه مسلم والترمذي وابن ماجه من حديث عبد الله بن سرجس عن عمر وعابس بفتح العين المهملة وبعد الألف باء موحدة مكسورة وسين مهملة.

(5/229)


48 - باب استلام الأَركان
1871 - حدثنا أبُو الْوَلِيدِ الطّيَالِسِيّ أخبرنا لَيْثٌ عن ابنِ شِهَابٍ عن سَالِمٍ عن ابنِ عُمَرَ قال: لَمْ أَرَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَمْسَحُ [يَمْسُّ] مِنَ الْبَيْتِ إِلاّ الرّكْنَيْنِ الْيَمَانِيّيْنِ.
1872 - حدثنا مَخْلَدُ بنُ خَالِدٍ أخبرنا عبد الرّزّاقِ أنبأنا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن سَالِمٍ عن ابنِ عُمَرَ: أَنّهُ أُخْبِرَ بِقَوْلِ عَائِشَةَ: إنّ الْحَجَرَ بَعْضُهُ مِنَ الْبَيْتِ، فَقال ابنُ
ـــــــ
باب استلام الأَركان
"يمسح من البيت" أي من أركانه أو من أجزائه "إلا الركنين اليمانيين" بتخفيف الياء الأولى وقد يشدد والمراد بهما الركن الأسود والركن اليماني تغليباً والركنان الآخران أحدهما شامي وثانيهما عراقي، ويقال لهما الشاميان تغليباً. وركن البيت جانبه، وللركنين اليمانيين فضيلة باعتبار بقائهما على بناء الخليل عليه الصلاة والسلام، فلذلك خصهما بالاستلام، والركن الأسود أفضل لكون الحجر الأسود فيه ولهذا يقبل ويكتفي باللمس في الركن اليماني. ولم يثبت منه صلى الله عليه وسلم تقبيل الركن اليماني وعليه الجمهور. قاله الشيخ عبد الحق الدهلوي. قال الحافظ العسقلاني رحمه الله: في البيت أربعة أركان: الأول له فضيلتان لكون الحجر الأسود فيه وكونه على قواعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام، والثاني لكونه على قواعد إبراهيم فقط وليس للاَخرين شيء منها، ولذلك يقبل الأول ويستلم الثاني ولا يقبلان ولا يستلمان هذا على رأي الجمهور. واستحب بعضهم تقبيل الركن اليماني انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.
"أنه أُخبر" بصيغة المجهول ولفظ مالك في الموطأ وكذا لفظ البخاري عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن محمد بن أبي بكر الصديق أخبر عبد الله بن عمر عن عائشة. قال الحافظ: بنصب عبد على المفعولية وظاهره أن سالماً كان حاضراً لذلك فتكون من روايته عن

(5/229)


عُمَرَ: وَالله إِنّي لأَظُنّ عَائِشَةَ إِنْ كَانَتْ سَمِعَتْ هَذَا مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، إِنّي لأَظُنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم [أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم] لم يترك استلامهما إلا أنهما ليسا على قواعد البيت ولا طاف الناس وَرَاءَ [مِنْ وَرَاءَ] الْحِجْرِ إِلاّ لِذَلِكَ.
ـــــــ
عبد الله بن محمد، وقوله عن عائشة متعلق بأخبر "إن الحجر بعضه من البيت" الحجر بكسر الحاء اسم الحائط المستدير إلى جانب الكعبة الغربي. قاله ابن الأثير. قال العيني: وهو معروف على صفة نصف الدائرة وقدرها تسع وثلاثون ذراعاً وقالوا ستة أذرع منه محسوب من البيت بلا خلاف وفي الزائد خلاف "بعضه من البيت" فيه دليل لما ذهب إليه الرافعي فقال الصحيح أن الحجر ليس كله من البيت بل الذي هو من البيت قدر ستة أذرع متصل بالبيت، وبه قال جماعة منهم البغوي وتؤيده رواية مسلم من حديث عائشة بلفظ: وزدت فيها ستة أذرع من الحجر. وأما رواية البخاري من طريق الأسود عن عائشة قالت: " سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الجدر أمن البيت هو قال نعم" فتدل على أن الحجر كله من البيت وبذلك كان يفتي عبد الله بن عباس، وتؤيدها رواية الترمذي عن عائشة بلفظ "فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فأدخلني الحجر فقال: "صلي في الحجر إن أردت دخول البيت" . الحديث قال الحافظ العراقي: في هذا الحديث أن الحجر كله من البيت وهو ظاهر نص الشافعي ورجحه ابن الصلاح والنووي وجماعة "إن كانت سمت هذا" ليس هذا الكلام منه على سبيل التضعيف لروايتها والتشكيك في صدقها لأنها كانت صديقة حافظة ولكن كثيراً يقع في كلام العرب صورة التشكيك والمراد به اليقين والتقرير كقوله تعالى {وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} وكقوله {قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي} قاله النووي "إني لأظن" جزاء شرط يريد إن كانت عائشة سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك استلامها، فكان ابن عمر علم ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستلام ولم يعلم علته فلما أخبره عبد الله بن محمد بخبر عائشة هذا عرف علة ذلك وهو كونهما ليسا على القواعد بل أخرج منه بعض الحجر ولم يبلغ به ركن البيت الذي من تلك الجهة والركنان اللذان اليوم من جهة الحجر لا يستلمان كما لا يستلم سائر الجدر لأنه حكم مختص بالأركان وعن عروة ومعاوية استلام الكل وأنه ليس من البيت شيئاً مهجوراً. وذكر عن ابن الزبير أيضاً وكذا عن جابر وابن عباس والحسن والحسين رضي الله عنهما وقال أبو حنيفة: لا يستلم إلا الركن الأسود خاصة ولا يستلم اليماني لأنه ليس بسنة فإن استلمه فلا بأس قاله العيني. وقال القسطلاني: وهذا الذي قاله ابن عمر من فقهه ومن تعليل العدم بالعدم علل عدم الاستلام بعدم أنها من البيت انتهى "وراء الحجر" أي الحطيم "إلا لذلك" أي لإجل أنه قطعة من

(5/230)


1873 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عن عبد الْعَزِيزِ بنِ أبي رَوّادٍ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ قال: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لا يَدَعُ أن يَسْتَلِمَ الرّكْنَ اليَمَانِيّ وَالْحَجَرَ في كلّ طَوَافِهِ [طَوْفَهٍ] قال: وكَانَ عبد الله بنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ.
ـــــــ
البيت. قال المنذري: وأخرجه النسائي. وأخرج البخاري ومسلم قول ابن عمر هذا بمعناه عن عائشة في أثناء عمارة البيت انتهى.
"لا يدع أن يستلم" والحديث فيه دليل على استلام الركن اليماني والحجر الأسود فيرد الحديث على من قال إنه ليس بسنة كما تقدم آنفاً والله أعلم. قال المنذري: وأخرجه النسائي وفي إسناده عبد العزيز بن أبي رواد وفيه مقال انتهى.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وقد روى ابن حبان في صحيحه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مسح الحجر والركن اليماني يحط الخطايا حطا" .
وروى النسائي من حديث حنظلة بن أبي سفيان قال رأيت طاووسا يمر بالركن فإن وجد عليه زحاما مر ولم يزاحم وإن رآه خاليا قبله ثلاثا ثم قال رأيت ابن عباس فعل مثل ذلك ثم قال ابن عباس رأيت عمر بن الخطاب فعل مثل ذلك ثم قال عمر إنك حجر لا تنفع ولا تضر ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلك ما قبلتك ثم قال عمر رضي الله عنه رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل مثل ذلك وترجم عليه النسائي كم يقبل الحجر وفي النسائي عن عمر أنه قبل الحجر الأسود والتزمه وقال رأيت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم بك حفيا وفي النسائي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الحجر الأسود من الجنة وفي صحيح أبي حاتم عن نافع بن شيبة الحجبي قال سمعت عبد الله بن عمرو يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو مسند ظهره إلى الكعبة: " الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة ولولا أن الله طمس نورهما لأضاءا ما بين المشرق والمغرب" .
وفي صحيحه أيضا عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن لهذا الحجر لسانا وشفتين يشهدان لمن استلمه يوم القيامة بحق" .
وفي صحيحه أيضا عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليبعثن الله هذا الركن يوم القيامة له عينان يبصر بهما ولسان ينطق به يشهد لمن استلمه بالحق" وأخرج النسائي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطوف بالبيت على راحلته فإذا انتهى إلى الركن أشار إليه وفي الصحيح عن ابن عمر أنه سئل عن استلام الحجر؟ فقال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يستلمه ويقبله رواه البخاري وهذا يحتمل الجمع بينهما ويحتمل أنه رآه يفعل هذا تارة وهذا تارة.

(5/231)


49 - باب الطواف الواجب
1874 - حدثنا أَحْمدُ بنُ صَالِحٍ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني يُونُسُ عن ابنِ شِهَابٍ
ـــــــ
باب الطواف الواجب
هكذا في جميع النسخ الحاضرة وكذا في نسخ المنذري وفي المعالم للخطابي باب طواف البيت والمراد بهذا الطواف طواف القدوم وظاهر تبويب المؤلف يدل على أنه يذهب إلى وجوبه كما هو رأي مالك وبعض الحنفية قال علي القاري الحنفي في شرح مناسك الحج: الأول - طواف القدوم ويسمى طواف التحية وهو سنة على ما في عامة الكتب المعتمدة وفي خزانة المفتيين أنه واجب على الأصح. والثاني - طواف الزيارة ويسمى طواف الركن والإفاضة وطواف الحج وطواف الفرض وطواف يوم النحر وهو ركن لا يتم الحج إلا به. الثالث - طواف الصدر ويسمى طواف الوداع وهو واجب على الآفاقي دون المكي انتهى ملخصاً. وفي رحمة الأمة في اختلاف الأئمة: وطواف القدوم سنة عند الثلاثة أي أبي حنيفة والشافعي وأحمد. وقال مالك إن تركه مطيقاً لزمه دم وطواف الإفاضة ركن بالاتفاق وطواف
ـــــــ
وقد ثبت تقبيل اليد بعد استلامه ففي الصحيحين أيضا عن نافع قال رأيت ابن عمر استلم الحجر بيده ثم قبد يده وقال ما تركته منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله.
فهذه ثلاثة أنواع صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم تقبيله وهو أعلاها واستلامه وتقبيل يده والإشارة إليه بالمحجن وتقبيله لما رواه مسلم عن أبي الطفيل قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت ويستلم الحجر بمحجن معه ويقبل المحجن وقد روى الإمام أحمد في مسنده عن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "ياعمر إنك رجل قوي لا تزاحم على الحجر إن وجدت خلوة فاستلمه وإلا فاستقبله وهلل وكبر" .
وأما الركن اليماني فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استلمه من رواية ابن عمر وابن عباس وحديث ابن عمر في الصحيحين لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يمس من الأركان إلا اليمانيين وحديث ابن عباس في الترمذي وقد روى البخاري في تاريخه عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استلم الركن اليماني قبله وفي صحيح الحاكم عنه كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الركن اليماني ويضع خده عليه وهذا المراد به الأسود فإنه يسمى يمانيا مع الركن الآخر يقال لهما اليمانيين بدليل حديث عمر في تقبيله الحجر الأسود خاصة وقوله لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك فلو قبل الآخر لقبله عمر وفي النفس من حديث ابن عباس هذا شيء وهل هو محفوظ أم لا؟

(5/232)


عن عُبَيْدِالله - يَعْني ابنَ عبد الله بنِ عُتْبَةَ - عن ابنِ عَبّاسٍ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم طَافَ في حَجّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ يَسْتَلِمُ الرّكْنَ بِمِحْجَنٍ.
1875 - حدثنا مُصْرّفُ بنُ عُمْرٍو الْيَامِيّ أخبرنا يُونُسُ - يعْنِي ابنَ بُكَيْرٍ - أخبرنا ابنُ إِسْحَاقَ حَدّثَني مُحمّدُ بنُ جَعْفَرِ بنِ الزّبَيْرِ عن عُبَيْدِالله بنِ عبد الله بنِ أبي ثَوْرٍ عن صَفِيّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ قالَتْ: لَمّا اطْمَأَنّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِمَكّةَ عَامَ الْفَتْحِ طَافَ عَلَى بَعِيرٍ [بَعِيرِهِ] يَسْتَلِمُ الرّكْنَ بِمِحْجَنٍ في يَدِهِ. قالَتْ: وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ.
ـــــــ
الوداع من واجبات الحج على المشهور عند الفقهاء إلا لمن أقام فلا وداع عليه وقال أبو حنيفة: لا يسقط إلا بالإقامة انتهى ويشبه أن يكون استدلال المؤلف على وجوبه بأنه ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم طواف القدوم مع كونه يشتكي بل طاف على بعيره وكذا أمر أم سملة رضي الله عنها بأنها تطوف راكبة وهذا شأن ما يكون واجباً وفي شرح المنتقى: قد اختلف في وجوب طواف القدوم فذهب مالك وأبو ثور وبعض أصحاب الشافعي إلى أنه فرض لقوله تعالى {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} ولفعله صلى الله عليه وسلم وقوله: "خذوا عني مناسككم" وقال أبو حنيفة: إنه سنة. وقال الشافعي: هو كتحية المسجد قالا لأنه ليس فيه إلا فعله صلى الله عليه وآله وسلم وهو لا يدل على الوجوب وأما الاستدلال على الوجوب بالآية فقال بعضهم أنها تدل على طواف القدوم لأنها في طواف الزيارة إجماعاً والله أعلم. كذا في غاية المقصود "يستلم الركن بمحجن" قال الخطابي: معنى طوافه على البعير أن يكون بحيث يراه الناس وأن يشاهده فيسألوه عن أمر دينهم ويأخذوا عنه مناسكهم، فاحتاج إلى أن يشرف عليهم وقد روى هذا المعنى عن جابر بن عبد الله. وفيه من الفقه جواز الطواف عن المحمول وإن كان مطيقاً للمشي. وقد يستدل بهذا الحديث من يرى بول ما يؤكل لحمه طاهراً لأن البعير إذا بقي في المسجد المدة التي يقضى فيها الطواف لم يكد يخلو من أن يبول، فلو كان بوله ينجس المكان لنزه المسجد عن إدخاله فيه والله أعلم. والمحجن العود المعقف الرأس يكون مع الراكب يحرك به راحلته. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.
"قالت لما اطمأن" أي صار مطمئناً. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه. وصفية هذه أخرج لها البخاري في صحيحه حديثاً. وقيل: إنها ليست بصحابية. وإن الحديث مرسل حكى ذلك عن أبي عبد الرحمَن النسائي وأبي بكر البرقاني وذكرها ابن السكن في كتابه في الصحابة وكذلك أبو عمر بن عبد البر وقال بضهم ولها رواية وهذا الذي ذكرناه تقول فيه وأنا

(5/233)


1876 - حدثنا هَارُونُ بن عبد الله وَ مُحمّدُ بنُ رَافِعٍ المَعْنَى قالا أخبرنا أبُو عَاصِمٍ عن مَعْرُوفٍ - يَعْنِي ابنَ خَرْبّوذٍ المَكّيّ - أخبرنا أبُو الطّفَيْلِ [أخبرنا أبُو الطّفَيْلِ عن أبي عبد الله – أخبرنا أبُو الطّفَيْلِ عن ابن عَبَّاس] قال: رَأَيْتُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَطُوفُ بالْبَيْتِ عَلَى رَاحِلَتِهِ يَسْتَلِمُ الرّكْنَ بِمِحْجَنِهِ ثُمّ يُقَبّلُهُ. زَادَ مُحمّدُ بنُ رَافِعٍ: ثُمّ خَرَجَ إلَى الصّفَا وَالمَرْوَةِ فَطَافَ سَبْعاً عَلَى راحِلَتِهِ.
1877 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا يَحْيَى عن ابنِ جُرَيْجٍ أخبرني أبُو الزّبَيْرِ أَنّهُ سَمِعَ جَابِرَ بنَ عبد الله يقُولُ: طَافَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم في حَجّةِ الْوَدَاعِ عَلَى رَاحِلَتِهِ بالْبَيْتِ وَبالصّفَا وَالمَرْوَةِ لِيَرَاهُ النّاسُ وَلِيُشْرِفَ وَلِيَسْأَلُوهُ فإِنّ النّاسَ غَشَوْهُ.
1878 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا خَالِدُ بنُ عبد الله أخبرنا يَزِيدُ بنُ أبي زِيَادٍ عن
ـــــــ
أنظر إليه. وقد أخرج ابن ماجه عنها وذكر أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب عام الفتح غير أن هذين الحديثين من رواية محمد بن إسحاق بن يسار، وقد تقدم الكلام عليه انتهى.
"ابن خربوذ" بفتح الخاء المعجمة والراء المشددة وضم الموحدة وسكون الواو وذال معجمة "يستلم الركن بمحجنه" أي يشير إليه "ثم يقبله" أي بدل الحجر للماشي. قال في سبل السلام: والحديث دال على أنه يجزي عن استلامه باليد بآلة ويقبل الآلة كالمحجن والعصا، وكذلك إذا استلمه بيده قبل يده فقد روى الشافعي أنه قال: قال ابن جريج لعطاء هل رأيت أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا استلموا قبلوا أيديهم؟ قال: نعم رأيت جابر بن عبد الله وابن عمر وأبا سعيد وأبا هريرة إذا استلموا قبلوا أيديهم، فإن لم يمكن استلامه لأجل الزحمة قام حياله ورفع يده وكبر لما روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: ياعمر إنك رجل قوي لا تزاحم على الحجر فتؤذي الضعفاء إن وجدت خلوة فاستلمه وإلا فاستقبله وهلل وكبر. رواه أحمد والأزرقي، وإذا أشار بيده فلا يقبلها لأنه لا يقبل إلا الحجر أو ما مس الحجر انتهى قال المنذري: وأبو الطفيل هو عامر بن واثلة. وأخرجه مسلم وابن ماجه.
"ليراه الناس" فيه بيان العلة التي لأجلها طاف صلى الله عليه وآله وسلم راكباً "وليشرف" أي ليطلعوا عليه "غشوه" بتخفيف الشين أي ازدحموا عليه وكثروا، وسيجيء أنه قدم مكة وهو يشتكي فيحتمل أنه فعل ذلك لأمرين، وهذا هو الصواب. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي.

(5/234)


عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم مكة وهو يشتكي فطاف على راحلته كلما أتى على الركن استلم الركن بمحجن , فلما فرغ من طوافه أناخ فصلى ركعتين.
1879- حدثنا القعنبي عن مالك عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل عن عروة بن الزبير عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: شكوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم أني اشتكي فقال: "طوفي من وراء الناس وأنت راكبة" , قالت : فطفت ورسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ يصلي إلى جنب البيت وهو بقرأ والطور وكتاب مسطور
ـــــــ
"وهو يشتكي فطاف على راحلته" قال النووي: وجاء في سنن أبي داوود أنه كان صلى الله عليه وسلم في طوافه هذا مريضاً، وإلى هذا المعنى أشار البخاري وترجم عليه باب المريض يطوف راكباً فيحتمل أنه صلى الله عليه وسلم طاف راكباً لهذا كله. وفيه دليل على استحباب استلام الحجر الأسود، وأنه إذا عجز عن استلامه بيده بأن كان راكباً أو غيره استلمه بعصى ونحوه ثم قبل ما استلم به "أناخ" أي راحلته. قال المنذري: في إسناده يزيد بن أبي زياد، ولا يحتج به. وقال البيهقي: وفي حديث يزيد بن أبي زياد لفظة لم يوافق عليها وهو قوله وهو يشتكي.
"أني أشتكي" أي شكوت إليه أني مريضة والشكاية المرض "فقال طوفي من وراء الناس وأنت راكبة" فيه دلالة على أن الطواف راكباً ليس من خصوصياته صلى الله عليه وسلم. قال النووي: إنما أمرها صلى الله عليه وسلم بالطواف من وراء الناس لشيئين أحدهما أن سنة النساء التباعد عن الرجال في الطواف، والثاني أن قربها يخاف منه تأذي الناس بدابتها، وكذا إذا طاف الرجل راكباً، وإنما طافت في حال صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ليكون أستر لها وكانت هذه الصلاة صلاة الصبح انتهى "إلى جنب البيت" أي متصلا إلى جدار الكعبة وفيه تنبيه على أن أصحابه كانوا متحلقين حولها "وهو يقرأ بالطور وكتاب مسطور" أي بهذه السورة في ركعة واحدة كما هو عادته صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن قرأها في ركعتين، وكان الأولى للراوي أن يقول يقرأ الطور أو يكتفي بالطور ولم يقل وكتاب مسطور. كذا في المرقاة. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.

(5/235)


50 - باب الاضطباع في الطواف
1880 - حدثنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنبأنا سُفْيَانُ عن ابنِ جُرَيْجٍ عن ابنِ يَعْلَى عن يَعْلَى قال: طَافَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم مُضْطَبِعاً بِبُرْدٍ أَخْضَرَ.
1881 - حدثنا أبُو سَلَمَةَ مُوسَى أخبرنا حَمّادٌ عن عبد الله بنِ عُثْمانَ بنِ خُثَيْمِ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبّاسٍ: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابَهُ اعْتَمَرُوا مِنَ الْجِعِرّانَةِ فَرَمَلُوا بالْبَيْتِ وَجَعَلُوا أَرْدِيَتَهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ قَدْ "ثُمّ" قَذَفُوهَا عَلَى عَوَاتِقِهمْ الْيُسْرَى.
ـــــــ
باب الاضطباع في الطواف
"طاف النبي صلى الله عليه وسلم مضطبعاً" من الضبع بسكون الباء وهو وسط العضد، وقيل هو ما تحت الإبط، والاضطباع أن يأخذ الإزار أو البرد فيجعل وسطه تحت إبطه الأيمن ويلقي طرفه على كتفه الأيسر من جهتي صدره وظهره وسمي بذلك لإبداء الضبعين. قيل: إنما فعل ذلك إظهاراً للتشجع، كالرمل في الطواف قاله الطيبي. وقال النووي في شرح مسلم: قوله مضطبعاً هو افتعال من الضبع بإسكان الباء الموحدة وهو العضد، وهو أن يدخل إزاره تحت إبطه الأيمن ويرد طرفه على منكبه الأيسر ويكون منكبه الأيمن مكشوفاً وكذا في شرح البخاري للحافظ. وهذه الهيئة هي المذكورة في حديث ابن عباس الآتي. والحكمة في فعله أنه يعين على إسراع المشي. وقد ذهب إلى استحبابه الجمهور سوى مالك قاله ابن المنذر.
وقال أصحاب الشافعي: وإنما يستحب الاضطجاع في طواف يسن فيه المرمل "ببرد أخضر" ولفظ أحمد في مسنده: وهو مضطبع ببرد له حضرمي. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه. وقال حسن صحيح. وليس في حديث الترمذي وابن ماجه: أخضر.
"فرملوا بالبيت" الرمل بفتح الراء والميم هو إسراع المشي مع تقارب الخطى دون العدْو فيما قاله الشافعي، وعند الحنفية أن يهز في مشيه كتفيه كالمبارز المتبختر بين الصفين كذا في الهداية وغيرها. والرمل في الأطواف الثلاثة الاول سنة عند الأئمة الأربعة والجمهور كذا في المحلى شرح الموطأ "أرديتهم" جمع رداء "تحت آباطهم" قال ابن رسلان: المراد أن يجعله تحت عاتقهم الأيمن "ثم قذفوها" أي ألقوها وطرحوا طرفيها "على عواتقهم" العاتق المنكب. والحديث سكت عنه المنذري وأخرج نحو ابن عباس رضي الله عنهما الطبراني. قال الشوكاني: حديث ابن عباس رجاله رجال الصحيح، وقد صحح حديث الاضطباع النووي.

(5/236)


51 - باب في الرمل
1882 - حدثنا أبُو سَلَمَةَ مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ أخبرنا أبُو عَاصِمٍ الْغَنَوِيّ عن أبِي الطّفَيْلِ قال: قُلْتُ لاِبنِ عَبّاسٍ: يَزْعُمُ قَوْمُكَ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَدْ رَمَلَ بالْبَيْتِ وَأَنّ ذَلِكَ سُنّةٌ؟ قالَ: صَدَقُوا وكَذَبُوا. قُلْتُ: وَمَا صَدَقُوا وَمَا كَذَبُوا؟ قال: صَدَقُوا، قَدْ رَمَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، وكَذَبُوا لَيْسَ بِسُنّةٍ، إنّ قُرَيْشاً قالَتْ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ: دَعُوا مُحمّداً وَأَصْحَابَهُ حَتّى يَمُوتُوا مَوْتَ النّغَفِ، فَلمّا صَالَحُوهُ عَلَى أَنْ يَجِيئُوا [يَحُجُّوا] مِنَ الْعَامِ المُقْبِلِ فَيُقِيمُوا بمَكّةَ ثَلاَثَةَ أَيّامٍ، فَقَدِمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَالمُشْرِكُونَ مِنْ قِبَلِ قُعَيْقِعَانَ، فَقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لأَصْحَابِهِ: ارْمُلُوا بالْبَيْتِ ثَلاثَاً وَلَيْسَ بِسُنّة . قُلْتُ: يَزْعُمُ قَوْمُكَ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم طَافَ بَيْنَ الصّفَا والمَرْوَةِ عَلَى بَعِيرِهِ [بَعِيرٍ] وَأَنّ ذَلِكَ سُنّةٌ؟ قال: صَدَقُوا وكَذَبُوا. قُلْتُ: مَا صَدَقُوا وَمَا كَذَبُوا قال: صَدَقُوا، قَدْ طَافَ بَيْنَ الصّفَا وَالمَرْوَةِ عَلَى بَعِيرٍ [بَعِيرِهِ] وكَذَبُوا لَيْسَتْ [لَيْسَ] بِسُنّةٍ، كَانَ
ـــــــ
باب في الرمل
بفتح الراء والميم ومر آنفاً تفسيره
"قد رمل بالبيت" قال النووي: الرمل مستحب في الطوافات الثلاثة الأول من السبع ولا يسن ذلك إلا في طواف العمرة وفي طواف واحد في الحج، واختلفوا في ذلك وهما قولان للشافعي أصحهما أنه إنما يشرع في طواف يعقبه سعي، ويتصور ذلك في طواف القدوم وفي طواف الإفاضة ولا يتصور في طواف الوداع لأن شرط طواف الوداع أن يكون قد طاف الإفاضة. فعلى هذا القول إذا طاف للقدوم وفي نيته أنه يسعى بعده استحب الرمل فيه وإن لم يكن هذا في نيته لم يرمل فيه بل يرمل في طواف الإفاضة. والقول الثاني أنه يرمل في طواف القدوم سواء أراد السعي بعده أم لا انتهى "موت النغف" بفتح النون والغين المعجمة وفاء، دود يسقط من أنوف الدواب واحدتها نغفة، يقال للرجل إذا استحقر واستضعف ما هو إلا نغفة "والمشركون من قبل قعيقعان" اسم جبل بمكة والجملة حالية "وليس بسنة" قال الخطابي: معناه أنه أمر لم يسن فعله لكافة الأمة على معنى القرية كالسنن التي هي عبادات ولكن شيء فعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسبب خاص وهو أنه أراد أن يري المشركين قوة أصحابه وكانوا يزعمون أن أصحاب محمد قد أوهنتهم حمّى يثرب انتهى "على بعيره" هذا يدل على جواز الطواف بين الصفا والمروة للراكب لعذر. قال ابن رسلان في شرح السنن بعد أن ذكر حديث ابن عباس هذا ما لفظه: وهذا الذي قاله ابن عباس مجمع عليه انتهى. يعني نفي

(5/237)


النّاسُ لا يُدْفَعُونَ عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَلا يُصْرَفُونَ [وَلا يُضْْرَبُونَ] عَنْهُ، فَطَافَ عَلَى بَعِيرٍ لِيَسْمَعُوا كلاَمَهُ وَلِيَرَوْا مكَانَهُ وَلا تَنَالُهُ أَيْدِيِهُمْ".
1883 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عن أيّوبَ عن سَعِيدٍ بنِ جُبَيْرٍ أَنّهُ حَدّثَ عن ابنِ عَبّاسٍ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مَكّةَ وَقَدْ وَهَنَتْهُمْ حُمّى يَثْرِبَ، فَقال المُشْرِكُونَ: "إِنّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُم قَوْمٌ وَهَنَتْهُمْ الحُمّى وَلَقُوا مِنْهَا شَرّا فأَطْلَعَ الله تَعَالَى نَبِيّهُ صلى الله عليه وسلم عَلَى مَا قَالُوا، فأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الثّلاَثَةَ، وَأَنْ يَمْشُوا بَيْنَ الرّكْنَيْنِ، فَلمّا رَأَوْهُمْ رَمَلُوا قالُوا: هَؤُلاَءِ الّذِينَ ذَكَرْتُمْ أَنّ الحُمّى قَدْ وَهَنَتْهُمْ، هَؤُلاَءِ أَجْلَدُ مِنّا.
قالَ ابنُ عَبّاسٍ: وَلَمْ يأْمُرُهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا اْلأَشْوَاطَ كُلّهَا إِلاّ الإبْقَاءَ [إِلاّ لِلإبْقَاءِ] عَلَيْهِمْ.
ـــــــ
كون الطواف بصفة الركوب سنابل الطواف من الماشي أفضل ذكره الشوكاني "لا يدفعون" بصيغة المجهول وكذا قوله الآتي لا يصرفون "وليروا مكانه" صلى الله عليه وسلم. قال المنذري: أبو الطفيل هو عامر بن واثلة وهو آخر من مات من الصحابة رضي الله عنهم وأبو عاصم الغنوي لا يعرف اسمه. وقد أخرج هذا الحديث مسلم في صحيحه من حديث سعيد بن إياس الجريري وعبد الملك بن سعيد الحر وعبد الله بن عبد الرحمَن بن أبي حسين ثلاثتهم عن أبي الطفيل بنحوه وفيه زيادة ونقصان "وهنتهم" بتخفيف الهاء أي أضعفتهم يقال وهنته وأوهنته لغتان "يثرب" هو اسم المدينة في الجاهلية وسميت في الإسلام المدينة وطيبة وطابة "يقدم" بفتح الدال وأما بضم الدال فمعناه يتقدم "ولقوا منها" أي من يثرب "شراً" ولفظ مسلم شدة فجلسوا مما يلي الحجر "فأمرهم" النبي صلى الله عليه وسلم "الأشواط" بفتح الهمزة وسكون المعجمة جمع شوط وهو الجري مرة إلى الغاية والمراد به هنا الطوفة حول الكعبة وهذا دليل على جواز تسمية الطواف شوطاً. وقال مجاهد والشعبي أنه يكره تسميته شوطاً والحديث يرد عليهما "وأن يمشوا بين الركنين" قال النووي: هذا منسوخ بحديث نافع عن ابن عمر الآتي بعد ذلك ويجيء بسط الكلام هناك "إلا الإبقاء عليهم" بكسر الهمزة وبالموحدة والقاف الرفق والشفقة، وهو بالرفع على أنه فاعل لم يأمرهم ويجوز النصب. وفي الحديث جواز إظهار القوة بالعدة والسلاح ونحو ذلك للكفار إرهاباً لهم، ولا يعد ذلك من الرياء المذموم. وفيه جواز المعاريض بالفعل كما تجوز بالقول وربما كانت بالفعل أولى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.

(5/238)


1884 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا عبد المَلِكِ بنُ عَمْرٍو أخبرنا هِشَامُ بنُ سَعْدٍ عن زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ عن أبِيهِ قال: سَمِعْتُ عُمَرَ بنَ الْخَطّابِ يقُولُ: فِيمَا الرّمَلاَنُ الْيَوْمَ وَالْكَشْفُ عن المَنَاكِبِ؟ وَقَدْ أَطّأَ الله الاْسْلاَمَ، وَنَفَى الْكُفْرَ وَأَهْلَهُ، مَعَ ذَلِكَ لا نَدَعُ شَيْئاً كُنّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم.
1885 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا عِيسَى بنُ يُونُسَ أخبرنا عُبَيْدُالله بنُ أبي زِيَادٍ عن الْقَاسِمِ عن عَائِشَةَ قالَتْ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنّمَا جُعِلَ الطّوَافُ بالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصّفَا وَالمَرْوَةِ وَرَمْيُ الْجِمَارِ لإقَامَةِ ذِكْرِ الله" .
1886 - حدثنا مُحمّدُ بنُ سُلَيْمانَ الأَنْبَارِيّ أخبرنا يَحْيَى بنُ سُلَيْمٍ عن ابنِ
ـــــــ
"فيما الرملان" بإثبات ألف ما الاستفهامية وهي لغة والأكثر يحذفونها، والرملان بفتحتين مصدر رمل "والكشف عن المناكب" هو الاضطباع "وقد آطأ الله" بتشديد الطاء، أي أثبته وأحكمه، أصله وطىء فأبدلت الواو همزة كما في وقتت وأقتت. قال الخطابي: إنما هو وطأ أي ثبته وأرساه بالواو وقد تبدل ألفا "لا ندع شيئاً" زاد الإسماعيلي في آخره: ثم رمل، وحاصله أن عمر كان قد هم بترك الرمل في الطواف لأنه عرف سببه وقد انقضى فهمّ أن يتركه لفقد سببه ثم رجع عن ذلك لاحتمال أن يكون له حكمة ما اطلع عليها فرأى أن الاتباع أولى ويؤيد مشروعية الرمل على الإطلاق ما ثبت في حديث ابن عباس أنهم رملوا في حجة الوداع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد نفى الله في ذلك الوقت الكفر وأهله عن مكة. والرمل في حجة الوداع ثابت أيضاً في حديث جابر الطويل عند مسلم وغيره. قال الخطابي: وفيه دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد يسن الشيء لمعنى فيزول وتبقى السنة على حالها. وممن كان يرى الرمل سنة مؤكدة ويرى على من تركه دما سفيان الثوري وقال عامة أهل العلم: ليس على تاركه شيء انتهى. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه.
"إنما جعل الطواف بالبيت" أي الكعبة "وبين الصفا والمروة" أي وإنما جعل السعي بينهما "ورمي الجمار لإقامة ذكر الله" يعني إنما شرع ذلك لإقامة شعار النسك. قاله المناوي: قال علي القاري أي لأن يذكر الله في هذه المواضع المتبركة فالحذر الحذر من الغفلة والطواف حول البيت والوقوف للدعاء فإن أثر العبادة لائحة فيهما. وإنما جعل رمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة سنة لإقامة ذكر الله تعالى يعني التكبير سنة مع كل جمرة، والدعوات في السعي سنة. وأطال الطيبي الكلام في ذلك. قال المنذري: وأخرجه الترمذي. وقال حسن صحيح.

(5/239)


خُثَيْمٍ عن أبي الطّفَيْلِ عن ابنِ عَبّاسٍ:أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم اضْطَبَعَ فَاسْتَلَمَ فَكَبّرَ ثُمّ رَمَلَ ثَلاَثَةَ أطْوَافٍ، وكَانُوا إذَا بَلَغُوا الرّكْنَ الْيَمَانِيّ وَتَغيّبُوا مِنْ قُرَيْشٍ مَشَوْا ثُمّ يَطْلُعُونَ عَلَيْهِمْ يَرْمُلُونَ، تَقُولُ قُرَيْشٌ: كَأَنّهُمْ الْغِزْلاَنُ".
قال ابنُ عَبّاسٍ: فَكَانَتْ سُنّةً.
1887 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ أنبأنا عبد الله بنُ عُثْمَانَ بنِ خُثَيْمٍ عن أبي الطّفَيْلِ عن ابنِ عَبّاسٍ: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابَهُ اعْتَمَرُوا مِنَ الْجِعِرّانَةِ فَرَمَلُوا بالْبَيْتِ ثَلاَثاً وَمَشَوْا أَرْبَعاً.
1888 - حدثنا أَبُو كَامِلٍ أخبرنا سُلَيْمُ بنُ أَخْضَرَ أخبرنا عُبَيْدُالله عن نَافِعٍ: أَنّ ابنَ عُمَرَ رَمَلَ مِنَ الْحَجَرِ إلَى الْحَجَرِ، وَذَكَرَ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَعَلَ ذَلِكَ.
ـــــــ
"فاستلم" أي الحجر "ثم رمل ثلاثة أطواف" والمراد بالرمل الخبب وهو أن يقارب خطاه بسرعة من غير عدو ولا وثب. وغلط من قال إنه دون الخبب ومن قال إنه العدو "وكانوا" أي الصحابة "وتغيبوا من قريش" وكانت القريش جالسة مما يلي الحجر كما عند مسلم "مشوا" أي الصحابة. وقد صح أنهم رملوا في تمام الدورة كما سيجيء والإثبات مقدم على النفي فلذلك أخذ العلماء بذلك "ثم يطلعون عليهم" أي على قريش "كأنهم الغزلان" كغلمان جمع غزال هو ولد الظبية "فكانت سنة" وقد مر قول ابن عباس إنه ليس بسنة، وهذا رجوعه منه إلى قول الجماعة إنه سنة بعد ما تقدم منه من النفي كذا في فتح الورود والحديث سكت عنه المنذري.
"عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه بنحوه.
"رمل من الحجر" أي الأسود "إلى الحجر" فيه دليل على أنه يرمل في ثلاثة أشواط كاملة. قال في الفتح: ولا يشرع تدارك الرمل فلو تركه في الثلاثة لم يقضه في الأربعة لأن هيئتها السكينة ولا تتغير، ويختص بالرجال فلا رمل على النساء، ويختص بطواف يتعقبه سعي على المشهور ولا فرق في استحبابه بين ماش وراكب ولا دم بتركه عند الجمهور. واختلف في ذلك المالكية، وقد روي عن مالك أن عليه دماً. قال النووي: فيه بيان أن الرمل يشرع في جميع المطاف من الحجر إلى الحجر. وأما حديث ابن عباس المتقدم قال أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرملوا ثلاثة أشواط ويمشوا ما بين الركنين فمنسوخ بحديث ابن عمر هذا، لأن حديث ابن عباس كان في عمرة القضاء سنة سبع قبل فتح مكة وكان في المسلمين ضعف في أبدانهم وإنما

(5/240)


...................................
ـــــــ
رملوا إظهاراً للقوة واحتاجوا إلى ذلك في غير ما بين الركنين اليمانيين لأن المشركين كانوا جلوساً في الحجر وكانوا لا يرونهم بين هذين الركنين ويرونهم فيما سوى ذلك، فلما حج النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع سنة عشر رمل من الحجر إلى الحجر فوجب الأخذ بهذا التأخر انتهى. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه بنحوه من حديث جابر عن عبد الله رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتقدم أنه صلى الله عليه وسلم قال أن يمشوا بين الركنين ولا معارضة بين الحديثين فإنهما قضيتان، فالرمل في جميع الأشواط الثلاثة كان في حجة الوداع والمشي بين الركنين كان في عمرة الحديبية لأنهم إذا كانوا بين الركنين لا تقع عليهم أعين المشركين وفعل ذلك رفقاً بهم لما كان بهم من المرض وأمرهم بالتجلد في الجهات التي تقع عليهم فيها أعين المشركين حين جلسوا لهم.

(5/241)


52 - باب الدعاء في الطواف
1889 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا عِيسَى بنُ يُونُسَ أخبرنا ابنُ جُرَيْجٍ عن يَحْيَى بنِ عُبَيْدٍ عن أبِيهِ عن عبد الله بنِ السّائِبِ قال سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقُولُ مَا بَيْنَ الرّكْنَيْنِ: "رَبّنَا آتِنَا في الدّنْيَا حَسَنَةَ وَفي الآخرة حَسَنَةَ وَقِنَا عَذَابَ النّارِ" .
1890 - حدثنا قُتَيْبَةُ أخبرنا يَعْقُوبُ عن مُوسَى بنِ عُقْبَةَ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ:أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ إذَا طَافَ في الْحَجّ وَالْعُمْرَةِ أَوّلَ مَا يَقْدمُ فإِنّهُ يَسْعَى ثَلاَثَةَ أَطْوَافٍ وَيَمْشِي أَرْبَعاً ثُمّ يُصَلّي سَجْدَتَيْنِ.
ـــــــ
باب الدعاء في الطواف
"ربنا" منصوب بحذف النداء "آتنا" أي أعطنا "في الدنيا حسنة" أي العلم والعمل أو العفو والعافية والرزق الحسن أو حياة طيبة أو القناعة أو ذرية صالحة "وفي الآخرة حسنة" أي المغفرة والجنة والدرجة العالية أو مرافقة الأنبياء أو الرضاء أو الرؤية أو اللقاء "وقنا" أي احفظنا "عذاب النار" أي شدائد جهنم من حرها وزمهريرها وسمومها وجوعها وعطشها ونتنها وضيقها وعقاربها وحياتها. قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"أول ما يقدم" قال النووي: هذا تصريح بأن الرمل أول ما يشرع في طواف العمرة أو في طواف القدوم في الحج "يسعى ثلاثة أطواف" فمراده يرمل وسماه سعياً مجازاً لكونه يشارك السعي في أصل الإسراع وإن اختلف صفتها وأن الرمل لا يكون إلا في الثلاثة الأول من السبع وهذا مجمع عليه "ثم يصلى سجدتين" والمراد بهما ركعتا الطواف وهما سنة على المشهور

(5/241)


......................................
ـــــــ
وفي قول واجبتان وسماهما سجدتين مجازاً. وزاد مسلم ثم يطوف بين الصفا والمروة. ففيه دليل على وجوب الترتيب بين الطواف والسعي كذا ذكره النووي. وقوله ثم يصلي سجدتين هو موضع ترجمة الباب، لأن الركعتين بعد الطواف من متمات الطواف ولا بد في الصلاة من الأدعية وفي المعالم للخطابي حديث جبير بن مطعم الآتي تحت هذا الباب أي باب الدعاء في الطواف وليس في الخطابي باب الطواف بعد العصر ثم قال الخطابي تحت حديث جبير: وقد تأول بعضهم الصلاة في هذا الحديث بمعنى الدعاء ويشبه أن يكون هذا معنى الحديث عند أبي داوود، ويدل على ذلك ترجمة الباب بالدعاء في الطواف انتهى كلامه. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.

(5/242)


53- باب الطواف بعد العصر
1891 - حدثنا ابنُ السّرْحِ وَ الْفَضْلُ بنُ يَعْقُوبَ وَهَذَا لَفْظُهُ قالا أخبرنا سُفْيَانُ عنْ أبي الزّبَيْرِ عنْ عبد الله بنِ بَابَاهْ عنْ جُبَيْرِ بن مُطْعِمٍ يَبْلُغُ بِهِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "لاَ تَمْنَعُوا أَحَدَا يَطُوفُ بِهَذَا الْبَيْتِ وَيُصَلّي أيّ سَاعَةٍ شَاء مِنَ لَيْلٍ أوْ نَهَارٍ" .
ـــــــ
باب الطواف بعد العصر
"قال لا تمنعوا أحداً" واعلم أن حديث ابن السرح ثابت في رواية اللؤلؤي وحديث الفضل بن يعقوب في رواية ابن العبد ولم يذكره أبو القاسم قاله المزي في الأطراف ولذا أكثر النسخ خال عن حديث الفضل كذا في الشرح قال الخطابي: واستدل به الشافعي على أن
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وقد روى ابن حبان في صحيحه عن ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"من طاف بالبيت أسبوعا لا يضع قدما ولا يرفع أخرى إلا حط الله عنه بها خطيئة وكتب له بها حسنة ورفع له بها درجة " وأخرج النسائي عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :"من طاف بالبيت أسبوعا فهو كعدل رقبة".
وهذه الأحاديث عامة في كل الأوقات لم يأت ما يخصها ويخرجها عن عمومها وقد روى الترمذي في الجامع من حديث عبد الله بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من طاف بالبيت خمسين مرة خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" قال وفي الباب عن أنس وابن عمر وحديث ابن عباس غريب وسألت محمدا عن هذا الحديث فقال إنما يروى هذا عن ابن عباس قوله قال أيوب السختياني وكانوا يقولون عبد الله بن سعيد بن جبير أفضل من أبيه

(5/242)


قالَ الْفَضْلُ: إِنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "يَابَنِي عبد مَنَافٍ لا تَمْنَعُوا أَحَدًا" .
ـــــــ
الصلاة جائزة بمكة في الأوقات المنهى فيها عن الصلاة في سائر البلدان، واحتج له أيضاً بحديث أبي ذر. وقوله إلا بمكة فاستثناه من بين البقاع. وذهب بعضهم إلى تخصيص ركعتي الطواف من بين الصلاة وقالوا إذا كان الطواف بالبيت غير محظور في شيء من الأوقات وكان من سنة الطواف أن يصلي الركعتان بعده فقد عقل أن هذا النوع من الصلاة غير منهى عنه. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه. قال الترمذي: حديث جبير بن مطعم حديث حسن صحيح.

(5/243)


54 - باب طواف القارن
1892 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا يَحْيَى عن ابنِ جُرَيْجٍ قالَ أخْبَرَنِي أبُو الزّبَيْرِ قال: سَمِعْتُ جَابِرَ بنَ عبد الله يَقُولُ: لَمْ يَطُفِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وَلاَ أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصّفَا وَالمَرْوَةِ، إِلاّ طَوَافاً وَاحِداً، طَوَافَهُ الأوّلَ
ـــــــ
باب طواف القارن
"إلا طوافاً واحداً طوافه الأول" قال النووي: فيه دليل على أن السعي في الحج والعمرة لا يكرر بل يقتصر منه على مرة واحدة ويكره تكراره لأنه بدعة. وفيه دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارناً وأن القارن يكفيه طواف واحد وسعي واحد. وفيه خلاف لأبي حنيفة وغيره. قال المنذري: أخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
اختلف العلماء في طواف القارن والمتمتع على ثلاثة مذاهب:
أحدها: أن على كل منهما طوافين وسعيين روي ذلك عن علي وابن مسعود وهو قول سفيان الثوري وأبي حنيفة وأهل الكوفة والأوزاعي وإحدى الروايات عن الإمام أحمد.
الثاني : أن عليهما كليهما طوافا واحدا وسعيا واحدا نص عليه الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله وهو ظاهر حديث جابر هذا
الثالث: أن على المتمتع طوافين وسعيين وعلى القارن سعي واحد وهذا هو المعروف عن عطاء وطاووس والحسن وهو مذهب مالك والشافعي وظاهر مذهب أحمد وحجتهم حديث عائشة وقد تقدم وذكرنا ما قيل فيه وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه طاف طوافين وسعى سعيين من رواية علي وابن مسعود وعبد الله بن عمر وعمران بن حصين ولا يثبت شيء منها والذين قالوا لا بد للمتمتع من سعيين تأولوا حديث جابر بتأويلات مستكرهة جدا

(5/243)


......................
ـــــــ
فقال بعضهم طوافا واحدا أي طوافين على صفة واحدة فالواحدة راجعة إلى صفة الطواف لا إلى نفسه وهذا في غاية البعد وسيأتي الكلام يشهد ببطلانه وقال البيهقي أراد به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين كانوا قارنين خاصة فإنه صلى الله عليه وسلم كان مفردا وأمر أصحابه أن يحلوا من إحرامهم إلا من ساق الهدي فاكتفى هو وأصحابه القارنون بطواف واحد وهذا بعيد جدا فإن الذين قرنوا من أصحابه كلهم حلوا بعمرة إلا من ساق الهدي من سائرهم وهم آحاد يسيرة لم يبلغوا العشرة ولا الخمسة بل الحديث ظاهر جدا في اكتفائهم كلهم بطواف واحد بين الصفا والمروة ولم يأت لهذا الحديث معارض إلا حديث عائشة وقد ذكر بعض الحفاظ أن تلك الزيادة من قول عروة لا من قولها.
وقد ثبت عن ابن عباس اكتفاء المتمتع بسعي واحد روى الإمام أحمد في مناسك ابنه عبد الله عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس أنه كان يقول القارن والمفرد والمتمتع يجزيه طواف البيت وسعي بين الصفا والمروة ولكن في صحيح البخاري عن عكرمة عن ابن عباس أنه سئل عن متعة الحج فقال أهل المهاجرون والأنصار وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وأهللنا فلما قدمنا مكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي" طفنا بالبيت وبالصفا والمروة وأتينا النساء ولبسنا الثياب وقال:"من قلد الهدي فإنه لا يحل له حتى يبلغ الهدي محله" ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة فقد تم حجنا وعلينا الهدي كما قال الله تعالى: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} إلى أمصاركم الشاة تجزىء فجمعوا نسكين في عام بين الحج والعمرة فإن الله أنزله في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وأباحه للناس غير أهل مكة وذكر باقي الحديث فهذا صريح في أن المتمتع يسعى سعيين وهذا مثل حديث عائشة سواء بل هو أصرح منه في تعدد السعي على المتمتع فإن صح عن ابن عباس ما رواه الوليد عن الأوزاعي عن عطاء فلعل عنه في المسألة روايتين كما عن الإمام أحمد فيها روايتان.
وفي مسائل عبد الله قال قلت لأبي المتمتع كم يسعى بين الصفا والمروة قال إن طاف طوافين فهو أجود وإن طاف طوافا واحدا فلا بأس قال وإن طاف طوافا واحدا فهو أعجب إلي واحتج بحديث جابر وأحمد فهم من حديث عائشة قولها فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبالصفا والمروة ثم حلوا ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى بحجهم أن هذا طواف القدوم واستحب في رواية المروذي وغيره للقادم من عرفة إذا كان متمتعا أن يطوف طواف القدوم ورد عليه بعض أصحابه ذلك وفهم من حديث عائشة أن المراد به طواف الفرض وهذا سهو منه فإن طواف الفرض مشترك بين الجميع وعائشة أثبتت للمتمتع ما نفته عن القارن وليس المراد بحديث عائشة إلا الطواف بين الصفا والمروة والله أعلم.

(5/244)


1893 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا مَالِكُ بنُ أَنَسٍ عن ابن شِهَابٍ عن عُرْوَةَ عنْ عَائِشَةَ: أَنّ أصْحَابَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم الّذِينَ كَانُوا مَعَهُ لَمْ يَطُوفُوا حَتّى رَمَوْا الْجَمْرَةَ.
1894 - حدثنا الرّبيعُ بنُ سُلْيْمانَ المُؤَذّنُ أنبأنا الشّافِعِيّ عن ابن عُيَيْنَةَ عن ابنِ نَجِيحٍ عنْ عَطَاءٍ عن عَائِشَةَ: أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ لَهَا: "طَوَافُكِ بالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصّفَا وَالمَرْوَةِ يَكْفِيكِ لِحَجّتِكِ وَعُمْرَتِكِ" . قال الشّافِعِيّ: كَانَ سُفْيَانُ رُبّمَا قالَ عَنْ عَطاء عَنْ عَائِشَةَ وَرُبّمَا قال عنْ عَطَاءِ أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا.
ـــــــ
"الذين كانوا معه" أي الذين وافقوا معه في القران كما هو ظاهر من ترجمة الباب للمؤلف. وقيل بل مطلقاً والصحابة كانوا ما بين قارن ومتمتع وكل منهما يكفيه سعي واحد وعليه بنى النسائي ترجمته فقال كم طواف القارن والمتمتع بين الصفا والمروة "لم يطوفوا" بين الصفا والمروة "حتى رموا الجمرة" يوم النحر قال المنذري وأخرجه النسائي.
"قال لها طوافك إلخ" فيه دليل على أن القارن يكفيه طواف واحد وسعي واحد للحج والعمرة كما مر، وإليه ذهب جماعة من الصحابة ابن عمر وجابر وعائشة وهو قول مالك والشافعي وإسحاق وداوود وغيرهم. وذهبت الحنفية وجماعة إلى أنه لا بد من طوافين وسعيين والأحاديث متواردة على معنى حديث عائشة عن ابن عمر وجابر وغيرهما. واستدل من قال بالطوافين لقوله تعالى {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} ولا دليل في ذلك فإن التمام حاصل وإن لم يطف إلا طوافاً واحداً. وقد اكتفى صلى الله عليه وسلم بطواف وسعي واحد وكان قارناً كما هو الحق. واعلم أن عائشة قد أهلت بعمرة ولكنها حاضت فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ارفضي عمرتك. قال النووي: معنى رفضها إياها رفض العمل فيها وإتمام أعمالها التي هي الطواف والسعي وتقصير شعر الرأس فأمرها صلى الله عليه وآله وسلم بالإعراض عن أفعال العمرة وأن تحرم بالحج فتصير قارنة وتقف بعرفات وتفعل المناسك كلها إلا الطواف فتؤخره حتى تطهر. ومن أدلة أنها صارت قارنة قوله صلى الله عليه وآله وسلم لها: طوافك بالبيت الحديث. فإنه صريح أنها كانت متلبسة بحج وعمرة. ويتعين
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وفي الصحيحين عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة:"لما طفت بالكعبة وبالصفا والمروة حللت من حجك وعمرتك جميعا" قالت يارسول الله إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حين حججت قال:"فاذهب بها ياعبدالرحمن فأعمرها من التنعيم"

(5/245)


...................................
ـــــــ
تأويل قوله صلى الله عليه وآله وسلم ارفضي عمرتك بما ذكره النووي، فليس معنى ارفضي العمرة الخروج منها وإبطالها بالكلية فإن الحج والعمرة لا يصح الخروج منهما بعد الإحرام بهما بنية الخروج، وإنما يصح بالتحلل منهما بعد فراغهما. قاله في سبل السلام. وأخرج عبد الرزاق عن طاوس بإسناد صحيح أنه حلف ما طاف أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لحجته وعمرته إلا طوافاً واحداً. وأخرج البخاري عن ابن عمر أنه طاف لحجته وعمرته طوافاً واحداً بعد أن قال أنه سنفعل كما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأخرج عنه من وجه آخر أنه رأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول يعني الذي طاف يوم النحر للإفاضة وقال كذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أخرجه عبد الرزاق والدارقطني عن علي رضي الله عنه أنه جمع بين الحج والعمرة وطاف لهما طوافين وسعي لهما سعيين ثم قال هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الحافظ وطرقه ضعيفة، وكذا روى نحوه من حديث ابن مسعود بإسناد ضعيف ومن حديث ابن عمر بإسناد فيه الحسن بن عمارة وهو متروك. قال ابن حزم: لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة في ذلك شيء أصلا: وتعقبه في الفتح بأنه قد روى الطحاوي وغيره مرفوعاً عن علي وابن مسعود ذلك بأسانيد لا بأس بها انتهى. فينبغي أن يصار إلى الجمع كما قال البيهقي إن ثبتت الرواية أنه طاف طوافين فيحمل على طواف القدوم وطواف الإفاضة، وأما السعي مرتين فلم يثبت انتهى والله أعلم. قال المنذري: وقد أخرجه مسلم في صحيحه من حديث طاووس بن كيسان عن عائشة ومن حديث مجاهد بن جبر عن عائشة بمعناه.

(5/246)


55 - باب الملتزم
1895 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا جَرِيرُ بنُ عبد الْحَمِيدِ عنْ يَزِيدَ بنِ أبي زِيَادٍ عنْ مُجَاهِدٍ عنْ عبد الرّحْمَنِ بنِ صَفُوَانَ قالَ: لَمّا فَتَحَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مَكّةَ قُلْتُ لأَلْبَسَنّ ثِيَابِي وَكَانَتْ دَارِي عَلَى الطّرِيقِ فَلأَنْظُرَنّ كَيْفَ يَصْنَعُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَانْطَلَقْتُ، فَرَأَيْتُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، قَدْ خَرَجَ مِنَ الْكَعْبَةِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ قَدِ اسْتَلَمُوا الْبَيْتَ مِن
ـــــــ
باب الملتزم
وسيجيء تفسيره
"قد خرج من الكعبة" ولفظ أحمد في مسنده قد خرج من الكعبة
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وروى البيهقي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلزق وجهه وصدره بالملتزم.

(5/246)


الْبَابِ إلَى الْحَطِيمِ وَقَدْ وَضَعُوا خُدُودَهُمْ عَلَى الْبَيْتِ وَرَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَسَطُهُمْ.
ـــــــ
وأصحابه قد استلموا البيت "من الباب إلى الحطيم" متعلق بقوله استلموا وهذا تفسير للمكان الذي استلموه من البيت والحطيم هو ما بين الركن والباب كما ذكره محب الدين الطبري وغيره. وقال مالك في المدونة: الحطيم ما بين الباب إلى المقام. وقال ابن حبيب: هو ما بين الحجر الأسود إلى الباب إلى المقام، وقيل هو الشاذروان، وقيل هو الحجر الأسود كما يشعر به سياق هذا الحديث. وسمي حطيما لأن الناس كانوا يحطمون هناك بالإيمان، ويستجاب فيه الدعاء للمظلوم على الظالم، وقل من حلف هنالك كاذباً إلا عجلت له العقوبة. وفي كتب الحنفية أن الحطيم هو الموضع الذي فيه الميزاب "قد وضعوا خدودهم على البيت" فيه استحباب وضع الخد والصدر على البيت وهو ما بين الركن والباب ويقال له الملتزم، كما روي الطبراني عن مجاهد عن ابن عباس أنه قال: الملتزم ما بين الركن والباب. وأخرجه البيهقي في الشعب من طريق أبي الزبير عن ابن عباس مرفوعاً، ورواه عبد الرزاق بإسناد يصح عنه موقوفاً كذا في النيل. وسمي بذلك لأن الناس يلتزمونه "وسطهم" قال الجوهري: تقول جلست وسط القوم بالتسكين لأنه ظرف وجلست وسط الدار بالفتح لأنه اسم قال وكل وسط يصلح فيه بين فهو وسط الإسكان وإن لم يصلح بين فهو وسط بالفتح. قال الأزهري: كل ما بين بعضه من بعض كوسط الصف والقلادة والسبحة وحلقة الناس فهو بالإسكان وما كان منضما لا يبين بعضه من بعض كالساحة والدار والراحبة فهو وسط بالفتح. وقد أجازوا في المفتوح الإسكان ولم يجيزوا في الساكن الفتح انتهى. وقال السندي تحت قوله استلموا البيت لا يخفي أن الملتزم ما بين الباب والركن فكان الاستدلال بهذا الحديث بالمقايسة فإنه لما ثبت استلام هذا الموضع يقاس عليه استيلاء الملتزم انتهى. وقال الشيخ العلامة محمد إسحاق الدهلوي أو بان موضع الملتزم ازدحموا عليه من قبل ما كان فارغاً فاستلموا في هذا الباب الجانب من الباب، وليس قوله ورسول الله صلى الله عليه وسلم وسطهم نصاً على أنه صلى الله عليه وسلم كان شريكاً في هذا الفعل أيضاً انتهى. قال
ـــــــ
وفي البيهقي أيضا عن ابن عباس أنه كان يلزم ما بين الركن والباب وكان يقول ما بين الركن والباب يدعي الملتزم لا يلزم ما بينهما أحد يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه.
وأما الحطيم فقيل فيه أقوال أحدها أنه ما بين الركن والباب وهو الملتزم وقيل هو جدار الحجر لأن البيت رفع وترك هذا الجدار محطوما والصحيح أن الحطيم الحجر نفسه وهو الذي ذكره البخاري في صحيحه واحتج عليه بحديث الإسراء قال بينا أنا نائم في الحطيم وربما قال في الحجر قال وهو حطيم بمعنى محطوم كقتيل بمعنى مقتول.

(5/247)


1896 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا عِيسَى بنُ يُونُسَ أخبرنا المُثَنّى بنُ الصّبّاحِ عنْ عَمْرِو بنِ شُعَيبٍ عنْ أبِيهِ قال:طُفْتُ مَعَ عبد الله فَلَمّا جِئْنَا دُبُرَ الكَعَبْةِ قُلْتُ أَلاَ تَتَعَوّذُ قالَ نَعُوذُ بِالله مِنَ النّارِ، ثُمّ مَضَى حَتّى اسْتَلَمَ الْحَجَرَ وَأَقَامَ بَيْنَ الرّكْن وَالْبَابِ، فَوَضَعَ صَدْرَهُ وَوَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَكَفّيْهِ هَكَذَا وَبَسَطَهُما بَسْطاً ثُمّ قال: هَكَذَا رأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَفْعَلُهُ.
1897 - حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ عُمَرَ بنِ مَيْسَرَةَ أخبرنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ أخبرنا السّائِبُ بنُ عُمَرَ الْمَخْزُومِيّ قالَ حدثني مُحمّدُ بنُ عبد الله بن السّائِبِ عن أبِيهِ أنّهُ كَانَ يَقُودُ ابنَ عبّاسٍ فَيُقِيمُهُ عِنْدَ الشّقّةِ الثّالِثَةِ مِمّا يَلِي الرّكْنَ الّذِي يَلِي الحَجَرَ مِمّا يَلَي الْبَابَ، فَيَقُولُ لَهُ ابنُ عَبّاسٍ: نُبّئْتُ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلّي هَهُنَا، فَيَقُولُ نَعَمْ، فَيَقُومُ فَيُصَلّي.
ـــــــ
المنذري: في إسناده يزيد بن أبي زياد ولا يحتج به وذكر الدارقطني أن يزيد بن أبي زياد تفرد به عن مجاهد.
"قال طفت مع عبد الله" ولفظ ابن ماجه حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال طفت مع عبد الله بن عمرو فلما فرغنا من السبع ركعنا في دبر الكعبة فقلت ألا تتعوذ بالله من النار قال أعوذ بالله من النار. قال ثم مضى فاستلم الركن ثم قام بين الحجر والباب فألصق صدره ويديه وخده إليه ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل انتهى "جئنا دبر الكعبة" تقدم من رواية ابن ماجه أن هذا المجيء كان لركعتي الطواف. قال السندي: وهو يدل على أن الصلاة خلف المقام غير لازم انتهى "حتى استلم الحجر" يقال استلم الحجر إذا لمسه وتناوله "بين الركن والباب" أي عند الملتزم. وإسناد الحديث ليس بقوي. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه. وقد تقدم الكلام على عمرو بن شعيب. وروى عنه هذا الحديث المثنى بن الصباح ولا يحتج به. وقوله عن أبيه وهو شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو وقد سمع شعيب من عبد الله على الصحيح ووقع في كتاب ابن ماجه عن أبيه عن جده فيكون شعيب ومحمد طافا جميعاً مع عبد الله.
"كان يقود ابن عباس" بعد ذهاب بصره "عند الشقة" بضم الشين المعجمة وتشديد القاف بمعنى الناحية أي ناحية الملتزم "الذي يلي الحجر" بفتحتين أي الحجر الأسود والموصول صفة الركن "مما يلي الباب" أي باب البيت أي الشقة التي بين الحجر والباب

(5/248)


...................................
ـــــــ
"نبئت" وفي رواية النسائي أما أنبئت على صيغة الخطاب وبناء المفعول أي أخبرت. قال المنذري: وأخرجه النسائي وفي إسناده محمد بن عبد الله بن السائب يروي عن أبيه وهو شبه المجهول.

(5/249)


56 - باب أمر الصفا والمروة
1898 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عنْ مَالِكٍ عنْ هِشَامِ بن عُرْوَةَ ح وَحدثنا ابنُ السّرْحِ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ عنْ مَالِكٍ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن أبِيهِ أَنّهُ قالَ:قُلْتُ لِعَائِشَةَ زَوْجِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السّنّ أَرَأَيْتِ قَوْلَ الله عَزّوَجلّ: {إِنّ الصّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ الله} فَما أَرَى عَلَى أَحَدٍ شَيْئاً أَلاّ يَطّوّفَ بِهِمَا. قالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ الله عَنْهَا: كَلاّ لَوْ كَانَ كما تَقُولُ كَانَتْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أن لاَ يَطّوّفَ بِهِمَا. إِنْمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآية في الأنْصَارِ كَانُوا يُهِلّونَ لِمَنَاةَ، وَكَانَتْ مَنَاةُ حَذْوَ قُدَيْدٍ، وَكَانُوا يَتَحَرّجُونَ أَنْ يَتَطَوّفُوا بَيْنَ الصّفَا وَالمَرْوَةَ، فَلَمّا جَاءَ الاْسْلاَمَ سَأَلُوا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عَنْ ذَلِكَ فَأَنْزَلَ الله عَزّوَجلّ: {إِنّ الصّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ الله} .
ـــــــ
باب أمر الصفا والمروة
"قالت عائشة رضي الله عنها كلا لو كان كما تقول" قال النووي: هذا من دقيق علمها وفهمها الثاقب وكبير معرفتها بدقائق الألفاظ لأن الآية الكريمة إنما دل لفظها على رفع الجناح عمن يطوف بهما وليس فيه دلالة على عدم وجوب السعي ولا على وجوبه فأخبرته عائشة رضي الله عنها أن الآية ليست فيها دلالة للوجوب ولا لعدمه وبينت السبب في نزولها والحكمة في نظمها وأنها نزلت في الأنصار حين تحرجوا من السعي بين الصفا والمروة في الإسلام، وأنها لو كانت كما يقول عروة لكانت فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، وقد يكون الفعل واجبا ويعتقد إنسان أنه يمنع إيقاعه على صفة مخصوصة، وذلك كمن عليه صلاة الظهر وظن أنه لا يجوز فعلها عند غروب الشمس فسأل عن ذلك فيقال في جوابه لا جناح عليك إن صليتها في هذا الوقت فيكون جواباً صحيحا ولا يقتضي نفي وجوب صلاة الظهر "يهلون" أي يحجون "لمناة" بفتح الميم والنون الخفيفة صنم كان في الجاهلية وقال ابن الكلبي: كانت صخرة نصبها عمرو بن لحي لهذيل وكانوا يعبد ونها والطاغية صفة لها إسلامية "وكانت مناة حذو قديد" أي مقابلة، وقديد بقاف مصغر قرية جامعة بين مكة والمدينة كثير المياه قاله أبو عبيد البكري "وكانوا يتحرجون أن يتطوفوا بين الصفا والمروة" ظاهره أنهم كانوا في الجاهلية لا يطوفون بين

(5/249)


1899 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا خَالِدُ بنُ عبد الله أخبرنا إِسْمَاعِيلُ بنُ أبي خَالِدٍ عنْ عبد الله بن أبي أوْفَى: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم اعْتَمَرَ فَطَافَ بالْبَيْتِ وَصَلّى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ وَمَعَهُ مَنْ يَسْتُرُهُ مِنَ النّاسِ فَقِيلَ لِعبد الله: أدَخَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الْكَعْبَةَ؟ قال: لاَ.
1900 - حدثنا تَمِيمُ بنُ المُنْتَصِرِ أنبأنا إسْحَاقُ بنُ يُوسُفَ أنبأنا شَرِيكٌ عنْ إِسْمَاعِيلَ بن أبي خالِدٍ قالَ سَمِعْتُ عبد الله بنَ أبي أوْفَى بِهَذَا الحَدِيثِ زَادَ: ثُمّ أَتَى الصّفَا وَالمَرْوَةَ فَسَعَى بَيْنَهُمَا سَبْعاً ثُمّ حَلَقَ رَأْسَهُ.
1901 - حدثنا النّفَيْلِيّ أخبرنا زُهَيْرٌ أخبرنا عَطَاءُ بنُ السّائِبِ عن كَثِيرِ بنِ جُمْهَانَ: أَنّ رَجُلاً قالَ لِعبد الله بنِ عُمَرَ بَيْنَ الصّفَا وَالمَرْوَةِ: يَا أَبَا عبد الرّحْمَنِ إِنّي أَرَاكَ
ـــــــ
الصفا والمروة ويقتصرون على الطواف بمناة فسألوا عن حكم الإسلام في ذلك، ويصرح بذلك رواية سفيان المذكورة في صحيح البخاري بلفظ إنما كان من أهل بمناة الطاغية التي بالمشلل لا يطوفون بين الصفا والمروة وفي رواية معمر عن الزهري إنا كنا لا نطوف بين الصفا والمروة تعظيماً لمناة أخرجه البخاري تعليقاً ووصله أحمد وغيره انتهى ملخصا من فتح الباري. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم وأخرجه أيضاً البخاري ومسلم والترمذي والنسائي من حديث الزهري عن عروة.
"اعتمر" أي في سنة سبع عام القضية "أدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة" الهمزة للاستفهام أي في تلك العمرة "قال لا" قال النووي: سبب ترك دخوله ما كان في البيت من الأصنام والصور، ولم يكن المشركون يتركونه ليغيرها، فلما كان في الفتح أمر بإزالة الصورة ثم دخلها يعني كما في حديث ابن عباس الذي عند مسلم وغيره انتهى ويحتمل أن يكون دخول البيت لم يقع في الشرط فلو أراد دخوله لمنعوه كما منع من الإقامة بمكة زيادة على الثلاث، فلم يقصد دخوله لئلا يمنعوه. قاله الحافظ. قال المنذري: وأخرجه البخاري والنسائي وابن ماجه وأخرجه مسلم مختصراً. قلت لعبد الله ابن أبي أوفى صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أدخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت في عمرته قال لا. فقد بين ابن أبي أوفى أن ذلك كان في عمرته وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل البيت في حجته "عن كثير بن جمهان أن رجلاً" ولفظ النسائي: قال رأيت ابن عمر يمشي بين الصفا والمروة فقال إن أمشي فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي وإن أسعى فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسعى وأنا شيخ كبير. ولفظ الترمذي رأيت ابن عمر يمشي في

(5/250)


57 - باب صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم
1902 - حدثنا عبد الله بنُ مُحمّدٍ النّفَيْلِيّ وَ عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ وَ هِشَامُ بنُ عَمّارٍ وَ سُلَيْمانُ بنُ عبد الرّحْمَنِ الدّمَشْقِيّانِ، وَرُبّمَا زَادَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ الْكَلِمَةَ وَالشّيْء قالُوا أنبأنا حاتِمُ بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا جَعْفَرُ بنُ مُحمّدٍ عنْ أبِيهِ قالَ: دَخَلْنَا عَلَى جَابِرِ بنِ عبد الله فَلَمّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهِ سَأَلَ عَنِ الْقَوْمِ حَتّى انْتَهَى إلَيّ فَقُلْتُ أنَا
ـــــــ
باب صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم
"دخلنا على جابر بن عبد الله" قال النووي: هو حديث عظيم مشتمل على جمل من الفوائد ونفائس من مهمات القواعد وهو من إفراد مسلم لم يروه البخاري في صحيحه ورواه أبو

(5/251)


58 - باب الوقوف بعرفة
1907 - حدثنا هَنّادٌ عنْ أبي مُعَاوِيَةَ عنْ هِشَامِ بن عُرْوَةَ عن أبِيهِ عنْ عَائِشَةَ قالَتْ: كَانَتْ قُرَيْشٌ وَمَنْ دَانَ دِينَهَا يَقِفُونَ بالمُزْدَلِفَةِ، وَكَانُوا يُسَمّوْنَ الْحُمُسَ وَكَانَ سَائِرُ الْعَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ. قالَتْ فَلَمّا جَاءَ الاْسْلاَمُ أمَرَ الله تَعَالَى نَبِيّهُ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَأْتِيَ
ـــــــ
باب الوقوف بعرفة
"ومن دان دينها" أي تبعهم واتخذ دينهم ديناً "يقفون بالمزدلفة" أي حين يقف الناس بعرفة "وكانوا" أي قريش "يسمون الحمس" جمع أحمس من الحماسة بمعنى الشجاعة والشدة وبه لقب قريش وكنانة ومن قبلهم في الجاهلية، لتحمسهم في دينهم أو لالتجائهم إلى الحمساء وهي الكعبة لأن أحجارها أبيض إلى السواد وهو يكون شديداً والحاصل أن قريشاً كانت قبل الإسلام تقف بالمزدلفة وهي من الحرم ولا يقفون بعرفات، وكان سائر العرب يقفون بعرفات، وكانت قريش تقول: نحن أهل الحرم فلا نخرج منه "سائر العرب" يعني بقيتهم "يقفون بعرفة"

(5/271)


عَرَفَاتٍ فَيَقِفَ بِهَا ثُم يُفِيضُ مِنْهَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {ثُمّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النّاسُ} .
ـــــــ
على العادة القديمة "ثم يفيض منها" الإفاضة الدفع في السير، وأصلها الصب، فاستعير للدفع في السير، وأصله أفاض نفسه أو راحلته، ثم ترك المفعول رأساً حتى صار كاللازم "ثم أفيضوا" أي ادفعوا "من حيث أفاض الناس" أي عامتهم وهو عرفة. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.

(5/272)


59 - باب الخروج إلى منى
1908 - حدثنا زُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ أخبرنا الأحْوَصُ بنُ جَوّابٍ الضّبّيّ أخبرنا عَمّارُ بنُ رُزَيْقٍ عنْ سلَيْمانَ الأَعْمَشِ عنِ الْحَكَمِ عنْ مِقْسَمٍ عنْ ابنِ عَبّاسٍ قالَ: صَلّى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الظّهْرَ يَوْمَ التّرْوِيَةِ وَالْفَجْرَ يَوْمَ عَرَفَةَ بِمِنًى.
1909 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ إِبراهِيمَ أخبرنا إسْحَاقُ الأزْرَقُ عنْ سُفْيَانَ عنْ عبد الْعَزِيزِ بنِ رُفَيْعٍ قالَ: سَأَلتُ أَنَسَ بنَ مَالِكٍ قُلْتُ أَخبِرْني بِشَيْءٍ عَقَلْتَهُ عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أَيْنَ صَلّى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الظّهْرَ يَوْمَ التّرْوِيَةِ قالَ بِمِنًى قُلْتُ أَيْنَ صَلّى الْعَصْرَ يَوْمَ النّفْرِ؟ قالَ بالأَبْطَحِ، ثُمّ قالَ افْعَلْ كما يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ
ـــــــ
باب الخروج إلى منى
"يوم التروية" هو الثامن من ذي الحجة "يوم عرفة" هو التاسع من ذي الحجة. قال المنذري: وأخرجه الترمذي بنحوه. وذكر أن شعبة قال لم يسمع الحكم من مقسم إلا خمسة أشياء وعدها، وليس هذا الحديث فيما عد شعبة، فعلى هذا يكون هذا منقطعاً انتهى.
"عقلته" بفتح القاف أي علمته وحفظته "يوم النفر" أي الرجوع من منى وهو اليوم الثالث من أيام التشريق "قال بالأبطح" وهو المحصب، وفيه دليل على أنه عليه الصلاة والسلام أول صلاة صلاها في الأبطح هو العصر "ثم قال" أي أنس "افعل كما يفعل أمراؤك" أي لا تخالفهم فإن نزلوا به فانزل به وإن تركوه فاتركه. وفيه إشارة إلى متابعة أولي الأمر والاحتراز عن مخالفة الجماعة وأن ذلك ليس بنسك واجب. نعم المسنون ما فعله الشارع، وبه قال الأئمة الأربعة وغيرهم. والحاصل أن قول أنس يفيد أن تركه لعذر لا بأس به، ولا عبرة بقول ابن حجر المكي

(5/272)


......................................
ـــــــ
فإنه قال: وإنما الخلاف في كونه سنة أم لا. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.

(5/273)


60 - باب الخروج إلى عرفة
1910 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا يَعْقُوبُ أخبرنا أبي عن ابْن إِسْحَاقَ حَدّثَني نَافِعٌ عن ابن عُمَرَ قال: غَدَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ مِنًى حِينَ صَلّى الصّبْحَ صَبِيحَةَ يَوْمِ عَرَفَةَ حَتّى أَتَى عَرَفَةَ فَنَزَلَ بِنَمْرَةَ وَهِيَ مَنْزِلُ اْلإِمَامِ الذِي يَنْزِلُ بِهِ بِعَرَفَةَ، حَتّى إِذَا كانَ عِنْدَ صَلاَةِ الظّهْرِ رَاحَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مُهَجّراً فَجَمَعَ بَيْنَ الظّهْرِ وَالْعَصْرِ ثُمّ خَطَبَ النّاسَ ثُمّ رَاحَ فَوَقَفَ عَلَى المَوْقِفِ مِنْ عَرَفَةَ.
ـــــــ
باب الخروج إلى عرفة
"غدا" بالغين المعجمة أي سار غدوة "حين صلى الصبح" ظاهره أنه توجه من منى حين صلى الصبح بها ولكنه مقيد بأنه كان بعد طلوع الشمس لما تقدم في حديث جابر الطويل، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس "وهي منزل الإمام" قال ابن الحاج المالكي: وهذا الموضع يقال له الأراك. قال الماوردي: يستحب أن ينزل بنمرة حيث نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عند الصخرة الساقطة بأصل الجبل على يمين الذاهب إلى عرفات "راح" أي بعد زوال الشمس "مهجراً" بتشديد الجيم المكسورة. قال الجوهري: التهجير والتهجر السير في الهاجرة، والهاجرة نصف النهار عند اشتداد الحر، والتوجه وقت الهاجرة في ذلك اليوم سنة لما يلزم من تعجيل الصلاة ذلك اليوم وقد أشار البخاري إلى هذا الحديث في صحيحه فقال: باب التهجير بالرواح يوم عرفة أي من نمرة "فجمع بين الظهر والعصر إلخ" قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الإمام يجمع بين الظهر والعصر بعرفة، وكذلك من صلى مع الإمام وذكر أصحاب الشافعي أنه لا يجوز الجمع إلا لمن بينه وبين وطنه ستة عشرة فرسخاً إلحاقاً له بالقصر، قال وليس بصحيح، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جمع فجمع معه من حضره من المكيين وغيرهم ولم يأمرهم بترك الجمع كما أمرهم بترك القصر فقال أتموا فإنا سفر، ولو حرم الجمع لبينه لهم، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. قال ولم يبلغنا عن أحد من المتقدمين خلاف في الجمع بعرفة والمزدلفة بل وافق عليه من لا يرى الجمع في غيره. وقوله ثم خطب الناس فيه

(5/273)


..................................
ـــــــ
دليل على أنه صلى الله عليه وآله وسلم خطب بعد الصلاة، وحديث جابر الطويل يدل على خلافه وعليه عمل العلماء.
قال ابن حزم: رواية ابن عمر لا تخلو عن وجهين لا ثالث لهما إما أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم خطب كما روى جابر، ثم جمع بين الصلاتين، ثم كلم صلى الله عليه وسلم الناس ببعض ما يأمرهم ويعظهم فيه، فسمى ذلك الكلام خطبة فيتفق الحديثان بذلك وهذا أحسن، فإن لم يكن كذلك فحديث ابن عمر وهم. قال المنذري: في إسناده محمد بن إسحاق بن يسار وقد تقدم الكلام عليه انتهى. قلت: وقد صرح ههنا بالتحديث.

(5/274)


61 - باب الرواح إلى عرفة
1911 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا وَكِيعٌ أخبرنا نَافِعٌ بنُ عُمَرَ عن سَعِيدِ بنِ حَسّانَ عن ابنِ عُمَرَ قال: لَمّا أَنْ قَتَلَ الْحَجّاجُ بنَ الزّبَيْرِ أَرْسَلَ إلى ابنِ عُمَرَ أَيّةَ سَاَعَةٍ كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَرُوحُ في هَذَا الْيَوْمِ؟ قال: إذَا كانَ ذَلِكَ [ذَاكَ] رُحْنَا، فَلَمّا أَرَاد ابنُ عُمرَ أَنْ يَرُوحَ قال قالُوا: لم تَزِغْ الشّمْسُ. قال: أَزَاغَتْ؟ قالُوا: لم تَزِغْ أَوْ زاغَت. قال: فَلمّا قالُوا قَدْ زَاغَتْ ارْتَحَلَ.
ـــــــ
باب الرواح إلى عرفة
والفرق بين البابين أي باب الخروج إلى عرفة وباب الرواح إلى عرفة أن الأول في بيان أن الخروج من منى إلى عرفة يكون بعد صلاة الصبح، والثاني في بيان أن الذهاب من وادي نمرة إلى عرفات ووقوفه في عرفات يكون بعد زوال الشمس "عن ابن عمر" وعند ابن ماجه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل بعرفة في وادي نمرة، قال فلما قتل الحجاج الحديث "يروح في هذا اليوم" أي من وادي نمرة إلى الموقف في العرفات "قال" أي ابن عمر "إذا كان ذلك" أي زوال الشمس كما يفهم من السياق "فلما أراد ابن عمر" وعند ابن ماجه فلما أراد ابن عمر أن يرتحل قال أزاغت الشمس؟ قالوا لم تزغ بعد فجلس ثم قال أزاغت الشمس؟ قالوا لم تزغ بعد، فجلس ثم قال أزاغت الشمس قالوا لم تزغ بعد، فجلس ثم قال أزاغت الشمس؟ قالوا نعم، فلما قالوا زاغت ارتحل. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه والله أعلم.

(5/274)


62 - باب الخطبة بعرفة
1912 - حدثنا هَنّادٌ عن ابن أبي زَائِدَةَ أنبأنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عن رَجُلٍ مِنْ بَنِي ضَمْرَةَ عن أبِيهِ أوْ عَمّهِ قال: رأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ بِعَرَفَةَ.
1913 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا عبد الله بنُ دَاوُدَ عن سَلَمَةَ بنِ نُبَيْطٍ عن رَجُلٍ مِنَ الْحَيّ عن أبِيهِ نُبَيْطٍ: أَنّهُ رَأَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَاقِفاً بِعَرَفَةَ عَلَى بَعِيرٍ أَحْمَرَ يَخْطُبُ.
1914 - حدثنا هَنّادُ بنُ السّرِيّ وَ عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ قالا أخبرنا وَكِيعٌ عن عبد المَجِيدِ حَدّثَني الْعَدّاءُ بنُ خَالِدِ بنِ هَوْذَةَ قال هَنّادٌ عن عبد المَجِيدِ أبي عَمْرٍو حَدّثَني خَالِدُ بنُ الْعَدّاء بنِ هَوْذَةَ قال: رَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ النّاسَ يَوْم عَرَفَةَ عَلَى بَعِيرٍ قَائِمٌ في الرّكَابَيْنِ.
ـــــــ
باب الخطبة بعرفة
"عن أبيه أو عمه" أي رجل من بني ضمرة يروي عن أبيه أو عمه وكثيراً ما يروي زيد بن أسلم عن رجل من بني ضمرة عن أبيه كحديث مالك عن زيد بن أسلم عن رجل من بني ضمرة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن العقيقة الحديث "وهو على المنبر بعرفة" قيل لم يكن بعرفات منبر في وقته صلى الله عليه وسلم بلا شك، وخطبته كانت على ناقته كما في حديث جابر رضي الله عنه، فقوله على المنبر إما أن يكون كناية عن كونه على الناقة أو سهو قاله في فتح الودود. وقال مولانا محمد إسحاق المحدث الدهلوي: لعل المراد به شيء مرتفع. قال المنذري: فيه رجل مجهول.
"أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم واقفاً بعرفة الخ" وفي النسائي: يخطب على جمل أحمر بعرفة قبل الصلاة. قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه عن سلمة بن نبيط ولم يقولا عن رجل من الحي، وذكره البخاري في التاريخ الكبير كذلك، وأبوه هو نبيط بن شريط له صحبة ولأبيه شريط صحبة رضي الله عنهم. ونبيط بضم النون وفتح الباء وسكون الياء آخر الحروف وبعدها طاء مهملة وشريط بفتح الشين المعجمة وكسر الراء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبعدها طاء مهملة.
"عن عبد المجيد أبي عمرو" كنية عبد المجيد "خالد بن العداء" بفتح العين المهملة وتشديد الدال المهملة "بن هوذة" بفتح الهاء وسكون الواو بعدها ذال معجمة "يخطب الناس"

(5/275)


قال أَبُو دَاوُد: رَوَاهُ ابنُ الْعَلاَءِ عن وَكِيعٍ كما قال هَنّادٌ.
1915 - حدثنا عَبّاسُ بنُ عبد الْعَظِيم أخبرنا عُثْمانُ بنُ عُمَرَ أخبرنا عبد المَجِيدِ أبُو عَمْرِو عن الْعَدّاءِ بنِ خَالِدِ بِمَعْنَاهُ.
ـــــــ
أي يعظهم ويعلمهم المناسك "يوم عرفة" بعد الزوال كما في حديث جابر "على بعير قائم في الركابين" وفي بعض النسخ قائماً حالان مترادفان أو متداخلان. وقوله: قائماً أو واقفاً، لا أنه قائم على الدابة، بل معناه أن حال كون الرجلين داخلين في الركابين والحديث سكت عنه المنذري.

(5/276)


63 - باب موضع الوقوف بعرفة
1916 - حدثنا ابنُ نُفَيْلٍ [عَبْدُ اللّه بن مُحَمَّدِ بنِ نُفَيْلٍ] أخبرنا سُفْيَانُ عن عَمْرٍو - يَعْني ابنَ دِينَارٍ - عن عَمْرِو بنِ عبد الله بنِ صَفْوانَ عن يَزِيدَ بنِ شَيْبَانَ قال: أتَانَا ابنُ مِرْبَعِ الاْنْصَارِيّ وَنَحْنُ بِعَرفَةَ في مكَانٍ يُبَاعِدْهُ عَمْرٌو عن اْلإِمَامِ، فقال: أمَا إِنّي رَسُولُ
ـــــــ
باب موضع الوقوف بعرفة
"عن عمرو بن عبد الله بن صفوان" أي الجمحي القرشي من التابعين "عن يزيد بن شيبان" أي الأزدي له صحبة ورواية ويذكر في الوحدان وهو خال عمرو بن عبد الله "قال" أي يزيد "أتانا ابن مربع" بكسر الميم وسكون الراء وفتح الموحدة وقيل اسمه زيد وقيل يزيد وقيل عبد الله والأول أكثر "ونحن بعرفة" هي اسم للمكان المخصوص وقيل يجيء بمعنى الزمان وأما عرفات بلفظ الجمع فيجيء بمعنى المكان فقط ولعل جمعه باعتبار نواحيه وأطرافه. كذا في اللمعات "في مكان يباعده عمرو" بن عبد الله أي يصفه بالبعد. وهذا مدرج في الحديث أدرجه عمرو بن دينار من أن عمرو بن عبد الله بن صفوان يصف مكاناً بأن هذا المكان الذي كان يزيد بن شيبان وغيره فيه كان بعيداً عن الإمام، يعني قال عمرو بن دينار قال عمرو بن عبد الله وكان بين ذلك الموقف وبين موقف إمام الحاج مسافة وعند ابن ماجه عن عمرو بن عبد الله عن يزيد بن شيبان. قال: كنا وقوفاً في مكان تباعده من الموقف فأتانا ابن مربع الحديث.
قال السندي: أي من موقف الإمام وهو من باعد بمعنى بعد مشدداً وعمرو هو المخاطب

(5/276)


رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إلَيْكُمْ، يقُولُ لَكُمْ "قِفُوا عَلَى مَشَاعِرِكم، فإِنّكُمْ عَلَى إِرْثٍ مِنْ إِرْثِ أبِيكُمْ إِبراهِيمَ" .
ـــــــ
بهذا الكلام أي مكاناً تبعده أنت أي تعده بعيداً. ويحتمل أن هذا من كلام الراوي عن عمرو بمنزلة قال عمرو كان ذلك المكان بعيداً عن موقف الإمام انتهى. "قفوا على مشاعركم" أي مواضع نسككم ومواقفكم القديمة فإنها جاءتكم من إرث إبراهيم ولا تحقروا شأن موقفكم بسبب بعده عن موقف الإمام. والمشاعر جمع المشعر وهو العلم أن موضع النسك والعبادة. قال الطيبي: والمقصود دفع أن يتوهم أن الموقف ما اختاره النبي صلى الله عليه وسلم وتطييب خاطرهم بأنهم على إرث أبيهم وسننه انتهى. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه. وقال الترمذي: حديث ابن مربع الأنصاري حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث ابن عيينة عن عمرو بن دينار. وابن مربع اسمه يزيد بن مربع الأنصاري وإنما يعرف له هذا الحديث الواحد. هذا آخر كلامه. وقال غيره: اسمه عبد الله وقيل زيد. ومربع بكسر الميم وسكون الراء المهملة وفتح الباء الموحدة وتخفيفها.

(5/277)


64 - باب الدفعة من عرفة
1917 - حدثنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنبأنا سُفْيَانُ عن الأَعْمَشِ ح. وحدثنا وَهْبُ بنُ بَيَانٍ أخبرنا عُبَيْدَةُ أخبرنا سُلَيْمانُ الأَعمَشُ المَعْنَى عن الْحَكَمِ عن مِقْسَمٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: أَفَاضَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ عَرَفَةَ وَعَلَيْهِ السّكِينَةُ وَرَدِيفُهُ أُسَامَةُ فقال: "يَا أَيّهَا النّاسُ
ـــــــ
باب الدفعة من عرفة
"قال أفاض" قال الخطابي: معناه صدر راجعاً إلى منى، وأصل الفيض السيلان، يقال فاض الماء إذا سال وأفضته إذا أسلته "وعليه السكينة" أي في السير والمراد السير بالرفق وعدم المزاحمة "ورديفه" وهو الراكب خلفه "أسامة" ابن زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم "عليكم بالسكينة" أي لازموا الطمأنينة والرفق وعدم المزاحمة في السير، وعلل ذلك بقوله "فإن البر" أي الخير "ليس بإيجاف الخيل والإبل" والإيجاف الإسراع في السير، يقال: وجف الفرس وجيفاً وأوجف الفرس إيجافاً.، قال الله تعالى: {فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ} "فما

(5/277)


عَلَيْكُم بالسّكِينَةِ فإِنّ الْبِرّ لَيْسَ بإيجَافِ الْخَيْلِ وَالإِبِلِ فعليكم بالسكينة" . قال: فما رَأَيْتُهَا رَافِعَةً يَدَيْهَا عَادِيَة حَتّى أَتَى جَمْعاً. زَادَ وَهْبٌ: ثُمّ أَرْدَفَ الْفَضْلَ بنَ الْعَبّاسِ وَقال: "أَيّهَا النّاسُ إِنّ الْبِرّ لَيْسَ بإيجَافِ الْخَيْلِ وَالإِبِلِ" . قال: فما رَأَيْتُهَا رَافِعَةً يَدَيْهَا حَتّى أَتَى مِنًى".
1918 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ عبد الله بنِ يُونُسَ أخبرنا زُهَيْرٌ ح. وحدثنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنبأنا سُفْيَانُ وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثِ زُهَيْرٍ أخبرنا إِبراهِيمُ بنُ عُقْبَةَ أخبرني كُرَيْبٌ: أَنّهُ سَأَلَ أُسَامَةَ بنَ زَيْدٍ قُلتُ أخْبِرْنِي كَيْفَ فَعَلْتُمْ أَوْ صَنَعْتُمْ عَشِيّةَ رَدِفْتَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: جِئْنَا الشّعْبَ الّذِي يُنِيخُ فيهِ النّاسُ لِلْمُعَرّسِ فَأَنَاخَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم نَاقَتَهُ ثُمّ بَالَ وما قال أَهْرَاقَ الْمَاءَ. ثُمّ دَعَا بالْوَضُوءِ فَتَوَضّأَ وُضُوءًا لَيْسَ بالْبَالِغِ جِدّا. قُلْتُ: يارسول الله الصّلاَةُ. قال: "الصّلاَةُ أَمَامَكَ" . قال: فَرَكِبَ حتى قَدِمْنَا المُزْدَلِفَةَ فأَقَامَ
ـــــــ
رأيتها" أي الخيل والإبل "عادية" أي مسرعة في المشيء "حتى أتى جمعاً" أي المزدلفة. والحديث سكت عنه المنذري.
"أخبرنا إبراهيم بن عقبة" أي زهير وسفيان كلاهما يرويان عن إبراهيم "عشية" وعند مسلم: كيف صنعتم حين ردفت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة "ردفت رسول الله صلى الله عليه وسلم " بكسر الدال أي ركبت وراءه. وفيه الركوب حال الدفع من عرفة والارتداف على الدابة ومحله إذا كانت مطيقة "جئنا الشعب" وفي رواية لمسلم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الدفعة من عرفات إلى بعض تلك الشعاب لحاجته انتهى. والشعب بالكسر الطريق وقيل الطريق في الجبل "للمعرس" بصيغة المجهول هو موضع التعريس وبه سمي معرس ذي الحليفة عرس به النبي صلى الله عليه وسلم وصلى فيه الصبح والتعريس نزول المسافر آخر الليل نزلة للنوم والاستراحة وعند مسلم من طريق زهير جئنا الشعب الذي ينيخ الناس فيه للمغرب انتهى. أي لصلاة المغرب "وما قال" وعند مسلم ولم يقل أسامة "أهراق الماء" هو بفتح الهاء وفيه أداء الرواية بحروفها "ثم دعا بالوضوء" أي بماء الوضوء "فتوضأ وضوءاً ليس بالبالغ جداً" أي توضأ وضوءاً خفيفاً بأن توضأ مرة مرة وخفف استعمال الماء بالنسبة إلى غالب عادته، وهو معنى قوله في رواية مالك الآتية بلفظ، فلم يسبخ الوضوء. قال الخطابي: إنما ترك إسباغه حين نزل الشعب ليكون مستصحباً للطهارة في طريقه وتجوز فيه لأنه لم يرد أن يصلي به فلما نزل وأرادها أسبغه "قلت يا رسول الله الصلاة" بالنصب على إضمار الفعل أي تذكر الصلاة أوصلّ ويجوز الرفع على تقدير حضرت الصلاة "الصلاة" بالرفع "أمامك" بفتح الهمزة وبالنصب على الظرفية أي الصلاة، ستصلى بين يديك، أو أطلق الصلاة على مكانها أي المصلى بين يديك أو معنى أمامك لا تفوتك وستدركها. وفيه تذكير

(5/278)


المَغْرِبَ، ثُمّ أَنَاخَ النّاسُ في مَنَازِلِهِم وَلم يَحُلّوا حتى أَقَامَ الْعِشَاءَ وَصَلى ثُمّ حَلّ النّاسُ. زَادَ مُحمّدٌ في حَدِيثِهِ قال: قُلْتُ كَيْفَ فَعَلْتُمْ حِينَ أَصْبَحْتُمْ؟ قال: رَدِفَهُ الْفَضْلُ وَانْطَلَقتُ أَنَا في سُبّاقِ قُرَيْشٍ عَلَى رِجْلَيّ.
1919 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا يَحْيَى بنُ آدَمَ سُفْيَانُ عن عبد الرّحْمَنِ بنِ عَيّاشٍ عن زَيْدِ بنِ عَلِيّ عن أبِيهِ عن عُبَيْدِالله بنِ أبي رَافِعٍ عن عَلِيّ قال: ثُمّ أَرْدَفَ أُسَامَةَ فَجَعَلَ يُعْنِقُ على نَاقَتِهِ وَالنّاسُ يَضْرِبُونَ الإِبِلَ يَمِيناً وَشِمَالاً لا يَلْتَفتُ إِلَيْهِمْ وَيقُولُ: "السّكِينَةُ أَيّهَا النّاسُ" ، وَدَفَعَ حِينَ غَابَت الشّمْسُ.
ـــــــ
التابع بما تركه متبوعه ليفعله أو يعتذر عنه أو يبين له صوابه "حتى قدمنا المزدلفة فأقام المغرب" أي لم يبدأ بشيء قبل الصلاة.
وفي رواية عند مسلم: ثم سار حتى بلغ جمعاً فصلى المغرب والعشاء، وسيأتي من رواية مالك: فلما جاء المزدلفة فتوضأ فأسبغ الوضوء ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله ثم أقيمت الصلاة فصلى ولم يصلّ بينهما. وعند مسلم من وجه آخر: أنهم لم يزيدوا بين الصلاتين عل الإناخة ولفظه: فأقام المغرب ثم أناخ الناس ولم يحلوا حتى أقام العشاء فصلوا ثم حلوا وكأنهم صنعوا ذلك رفقاً بالدواب أو للأمن من تشويشهم بها. وفيه إشعار بأنه خفف القراءة في الصلاتين. وفيه أنه لا بأس بالعمل اليسير بين الصلاتين اللتين يجمع بينهما ولا يقطع ذلك الجمع "ولم يحلوا" أي المحامل عن ظهور الدواب "ثم حل الناس" أي المحامل "قال ردفه الفضل" أي ركب خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الفضل بن العباس بن عبد المطلب "وانطلقت أنا في سباق" بضم السين والباء المشددة على وزن الحفاظ جمع سابق كالحافظ والقاري والقراء يقال سبقه إليه سبقاً أي تقدمه وجازه وخلفه فهو سابق. وأما السباق بفتح السين فهو فعال للمبالغة في السبق "على رجلي" يعني ماشياً إلى منى. واستدل بالحديث على جمع التأخير وهو إجماع بمزدلفة لكنه عند الشافعية وطائفة بسبب السفر، وعند الحنفية والمالكية بسبب النسك. وقال الخطابي: فيه دليل على أنه لا يجوز أن يصلي الحاج المغرب إذا أفاض من عرفة حتى يبلغ المزدلفة ولو أجزأته في غيرها لما أخرها النبي صلى الله عليه وسلم عن وقتها المؤقت لها في سائر الأيام. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.
"ثم أردف" النبي صلى الله عليه وسلم "فجعل يعنق" من باب الإفعال أي يسير النبي صلى الله عليه وسلم سيراً وسطاً

(5/279)


1920 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن أبِيهِ أَنّهُ قال: سُئِلَ أُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ وَأَنَا جَالِسٌ: كَيْفَ كَان رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَسِيرُ في حَجّةِ الْوَدَاعِ حِينَ دَفَعَ؟ قال: كان يَسِيرُ الْعَنَقَ، فإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصّ. قال هِشَامٌ: النّصُ فَوْقَ الْعَنَقِ.
1921 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا يَعْقُوبُ أخبرنا أبِي عن ابنِ إِسْحَاقَ حَدّثَني إِبراهِيمُ بنُ عُقْبَةَ عن كُرَيْبٍ مَوْلَى عبد الله بنِ عَبّاسٍ عن أُسَامَةَ قال: كُنْتُ رِدْفَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمّا وَقَعتِ الشّمْسُ دَفَعَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم.
19225 - حدثنا عبدالله بنُ مَسْلَمَةَ عن مَالِكٍ عن مُوسَى بنِ عُقْبَةَ عن كُرَيْبٍ مَوْلَى عبد الله بن عَبّاسٍ عن أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ أَنّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ:دَفَعَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ عَرَفَةَ، حَتّى إِذَا كَان بالشّعْبِ نَزَلَ فَبَال فَتَوَضّأَ وَلَمْ يُسْبِغِ الْوُضُوءَ. قُلْتُ [فَقُلْتُ] لهُ الصّلاَةُ فَقال: الصّلاَةُ أَمَامَكَ. فَرَكَبَ، فَلَمّا جَاءَ المُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضّأَ فأَسْبَغَ الْوُضُوءَ،
ـــــــ
"ويقول السكينة" أي الزموا السكينة "ودفع" أي رجع من عرفات. قال المنذري: وأخرجه الترمذي بنحوه أتم منه وقال حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث علي من هذا الوجه.
"سئل أسامة بن زيد" خص بالسؤال لأنه كان رديفه عليه الصلاة والسلام من عرفة إلى المزدلفة "حين دفع" أي انصرف من عرفة إلى المزدلفة. قيل إنما يستعمل الدفع في الإفاضة لأن الناس في مسيرهم ذلك يدفع بعضهم بعضاً. وقيل حقيقة دفع أي دفع نفسه عن عرفة ونحاها "قال" أي أسامة "كان يسير العنق" بفتحتين أي السير السريع وقيل ما بين الإبطاء والإسراع فوق المشي وانتصابه على المصدرية كقولهم رجع القهقرى، أو الوصفية، أي يسير السير العنق "فإذا وجد فجوة" بفتح أي سعة ومكاناً خالياً عن المارة والفجوة الفرجة بين الشيئين "نص" بتشديد الصاد المهملة أي سار سيراً أسرع وحرك الناقة يستخرج أقصى سيرها. قيل أصل النص الاستقصاء والبلوغ إلى الغاية أي ساق دابته سوقاً شديداً حتى استخرج أقصى ما عندها. قال الطيبي: العنق المشي والنص فوق العنق، ولعل النكتة المبادرة والمسارعة إلى العبادة المستقبلة والطاعة. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.
"ردف النبي صلى الله عليه وسلم " الردف بكسر الراء وسكون الدال والرديف الراكب خلف الراكب "فلما وقعت الشمس" أي غربت "دفع" أي انصرف والحديث سكت عنه المنذري.
"حتى إذا كان بالشعب" بكسر الشين الطريق بين الجبلين "ولم يسبغ الوضوء" قال

(5/280)


ثُمّ أُقِيمَتِ الصّلاَةُ فَصَلّى المَغْرِبَ ثُمّ أَنَاخَ كُلّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ في مَنْزِلِهِ ثُمّ أُقِيمَتِ الْعِشَاءُ فَصَلاّها ولَمْ يُصَلّ بَيْنَهُمَا شَيْئاً.
1923 - حدثنا مُحمّدُ بنُ المُثَنّى قال أخبرنا رَوْحُ بنُ عُبادَةَ قال أخبرنا زَكَرِيّا بنُ إِسْحَاقَ أنبأنا إِبراهِيمُ بنُ مَيْسَرَةَ أنبأنا يَعْقُوبُ بنُ عَاصِمٍ بنِ عُرْوَةَ أَنّهُ سَمِعَ الشّرِيدَ رَضِيَ الله عَنْهُ يقولُ: أَفَضْتُ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَمَا مَسّتْ قَدَمَاهُ اْلأرْضَ حتى أتَى جَمْعاً.
ـــــــ
القرطبي: اختلف الشراح في قوله ولم يسبغ هل المراد به أنه اقتصر على بعض الأعضاء فيكون وضوءاً لغوياً أو اقتصر على بعض العدد فيكون وضوءاً شرعياً. قال كلاهما محتمل لكن يعضد من قال بالثاني ما في الرواية الأخرى وضوءاً خفيفاً، لأنه لا يقال في الناقص خفيف. فإن قلت: هذا يدل على أنه توضأ وضوء الصلاة ولكنه خفف ثم لما نزل توضأ وضوءاً آخر وأسبغه والوضوء لا يشرع مرتين لصلاة واحدة. قاله ابن عبد البر. قال العيني: قلت لا نسلم عدم مشروعية تكرار الوضوء لصلاة واحدة ولئن سلمنا فيحتمل أنه توضأ ثانياً لحدث طارىء "ثم أناخ كل إنسان بعيره" قال العيني: كأنهم فعلوا ذلك خشية ما يحصل فيها من التشويش بقيامها. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"أفضت" أي رجعت من عرفات إلى المزدلفة "فما مست قدماه" وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينزل لحاجة بين عرفات والمزدلفة، وحديث أسامة المتقدم يعارض ذلك، لكن يرجح حديث أسامة على حديث الشريد لأنه المثبت وكان رديف النبي صلى الله عليه وسلم فهو أعلم بحاله، ولم ير الشريد نزوله صلى الله عليه وسلم فلذا نفاه على علمه. وقال الحافظ المزي في الأطراف: هذا الحديث في رواية أبي الحسن ابن العبد وأبي بكر بن داسة عن أبي داوود ولم يذكره أبو القاسم انتهى.

(5/281)


65 - باب الصلاة بجمع
1924 - حدثنا عبد الله بنُ مَسْلَمَةَ عن مَالِكٍ عن ابنِ شِهَابٍ عن سَالِمِ بنِ عبد الله عن عبد الله بنِ عُمَرَ: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم صَلّى المَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بالمُزْدَلِفَةِ جَمِيعاً .
ـــــــ
باب الصلاة بجمع
بفتح الجيم وسكون الميم هو المزدلفة "صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعاً" قال

(5/281)


1925 - حدثنا ابنُ حَنْبَلٍ أَخبرنا حَمّادُ بنُ خَالِدٍ عن ابنِ أبي ذِئْبٍ عن الزّهْرِيّ بإسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ قال: بإقَامَةٍ إقَامَةٍ جَمَعَ بَيْنَهُمَا.
قال أَحْمَدٌ قال وَكِيعٌ: صَلّى كلّ صَلاَةٍ بإقَامَةٍ.
1926 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا شَبَابَةُ ح. وحدثنا مَخْلَدُ بنُ خَالِدٍ المَعْنَى أخبرنا عُثْمانُ بنُ عُمَرَ عن ابنِ أَبي ذِئْبٍ عن الزّهْرِيّ بإسْنَادِ ابنِ حَنْبَلٍ عن حَمّادٍ وَمَعْنَاهُ قال: "بإقَامَةٍ وَاحِدَةٍ لِكلّ صَلاَةٍ، وَلم يُنَادِ في الأُولَى، وَلم يُسَبّحْ عَلَى إِثْرِ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا.
قال مَخْلَدٌ: لَمْ يُنَادِ في وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا.
1927 - حدثنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنبأنا [حدثنا] سُفْيَانُ عن أبي إسْحَاقَ عن عبد الله بنِ مَالِكٍ قال: صَلّيْتُ مَعَ ابنِ عُمَرَ المَغْرِبَ ثَلاَثاً وَالْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ، فقال لَهُ
ـــــــ
الخطابي: هذا سنة النبي صلى الله عليه وسلم في الجمع بين هاتين الصلاتين بالمزدلفة في وقت الآخرة منهما، كما سن الجمع بين الظهر والعصر بعرفة في الأولى منهما، ومعناه الرخصة دون العزيمة إلا أن المستحب متابعة السنة والتمسك بها، واختلفوا فيمن فرق بين هاتين الصلاتين فصلى كل واحدة منهما في وقتهما، صلاهما قبل أن ينزل المزدلفة، فقال أكثر الفقهاء إن ذلك يجزيه مع الكراهة لفعله. وقال أبو حنيفة وأصحابه إن صلاهما قبل أن يأتي جمعاً كان عليه الإعادة، وحكى نحواً من هذا عن سفيان الثوري غير أنهم قالوا إن من فرق بين الظهر والعصر أجزأه على الكراهة ولم يروا عليه الإعادة.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
في رواية بإقامة جمع بينهما. وفي رواية صلى كل صلاة بإقامة. وفي رواية الشافعي ومن وافقه أنه يقيم لكل واحد منهما لا يؤذن لواحدة منهما انتهى.
"شبابة" هو ابن سوار فهو وعثمان بن عمر كلاهما يرويان عن ابن أبي ذئب "ولم يناد في الأول" أي لم يؤذن في الأولى وتخصيص الأولى لأنه إذا لم يكن أذان في الأولى ففي الثانية
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وذهب سفيان الثوري وجماعة إلى أنه يصليهما بإقامة واحدة لهما كما جاء في بعض روايات حديث ابن عمر.

(5/282)


مَالِكُ بنُ الْحَارِثِ: مَا هَذِهِ الصّلاَةُ؟ قال: صَلّيْتُهُمَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في هَذَا المَكَانِ بإقَامَةٍ وَاحِدَةٍ".
1928 - حدثنا مُحمّدُ بنُ سُلَيْمانَ الأَنْبَارِيّ أخبرنا إسْحَاقُ - يَعْنِي ابنَ يُوسُفَ - عن شَرِيكٍ عن أبي إسْحَاقَ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ وَ عبد الله بنِ مَالِكٍ قالا: صَلّيْنَا مَعَ ابنِ عُمَرَ بالمُزْدَلِفَةِ المَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بإقَامَةٍ وَاحِدَةٍ فَذَكَرَ مَعْنَى ابنِ كَثِيرٍ.
ـــــــ
بالأولى "ولم يسبح" أي لم يصل النافلة "في هذا المكان بإقامة واحدة" قال الخطابي: اختلف الفقهاء في ذلك، فقال الشافعي: لا يؤذن ويصليهما بإقامتين وذلك أن الأذان إنما سن لصلاة الوقت وصلاة المغرب لم تصل في وقتها فلا يؤذن لها كما لا يؤذن للعصر بعرفة، وكذلك قال إسحاق بن راهويه.
قال أبو حنيفة وأصحابه: يؤذن للأولى ويقام لها ثم يقام للأخرى بلا أذان وقد روى هذا في حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر في قصة الحج أنه فعلها بأذان وإقامتين. وقال مالك: يؤذن لكل صلاة فيقام لها فيصلي بأذانين وإقامتين. وقال سفيان الثوري: يجمعان بإقامة واحدة على حديث ابن عمر من رواية أبي إسحاق. وقال أحمد أيهما فعلت أجزأك انتهى.
وقال النووي: وقد سبق في حديث جابر الطويل في صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين وهذه الرواية متقدمة لأن مع جابر رضي الله عنه زيادة علم وزيادة الثقة مقبولة ولأن جابر اعتنى الحديث ونقل حجة النبي صلى الله عليه وسلم مستقصاة فهو أولى بالاعتماد، وهذا هو الصحيح من مذهب الشافعي أنه يستحب الأذان للأولى منهما ويقيم لكل واحدة إقامة فيصليهما بأذان وإقامتين، ويتأول حديث إقامة واحدة أن كل صلاة لها إقامة ولا بد من هذا ليجمع بين الروايات قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال حسن صحيح.
"قالا صلينا مع ابن عمر بالمزدلفة" قال العيني: في هذه المسألة للعلماء ستة أقوال:
أحدها: أنه يقيم لكل منهما ولا يؤذن لواحدة منهما.
ـــــــ
قال ابن عبد البر: وهو محفوظ من روايات الثقات أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى المغرب والعشاء بجمع بإقامة واحدة.
قلت وقد ثبت ذلك عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصلاتين بالمزدلفة بإقامة واحدة .

(5/283)


1929 - حدثنا ابنُ الْعَلاَءِ أخبرنا أبُو أُسَامَةَ عن إِسْمَاعِيلَ عن أبي إسْحَاقَ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ قال: أَفَضْنَا مَعَ ابنِ عُمَرَ فَلمّا بَلَغْنَا جَمْعاً صَلّى بِنَا المَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بإقَامَةٍ وَاحِدَةٍ ثَلاَثاً وَاثْنَتَيْنِ، فَلمّا انْصَرَفَ قال لَنا ابنُ عُمَرَ: هكَذَا صَلّى بِنا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في هَذَا المَكَانِ.
ـــــــ
والثاني: أنه يقيم مرة واحدة للأولى فقط ولا أذان أصلاً.
والثالث: أنه يؤذن للأولى ويقيم لكل منهما، وهو الصحيح من مذهب الشافعي والحنابلة.
والرابع: الأذان والإقامة للأولى فقط وهو قول أبي حنيفة.
والخامس: أنه يؤذن لكل منهما ويقيم، وهو قول مالك.
والسادس: أنه لا يؤذن لواحدة منهما ولا يقيم أصلاً. وأصل هذه الأقوال إما الأخبار أو الآثار، وأشد الاضطراب في ذلك عن ابن عمر رضي الله عنه فإنه روى عنه من عمله الجمع بينهما، بلا أذان ولا إقامة، وروى عنه أيضاً بإقامة واحدة، وروى عنه موقوفاً بأذان واحد وإقامة، وروى عنه مسنداً بأذان واحد وإقامة واحدة، وروى عنه مسند الجمع بإقامتين انتهى. والحديث سكت عنه المنذري.
"ثلاثاً واثنتين" أي المغرب ثلاث ركعات والعشاء ركعتين. قال النووي: فيه دليل على أن المغرب لا يقصر بل يصلى ثلاثاً أبداً، وكذلك أجمع عليه المسلمون، وفيه أن القصر في العشاء وغيرها من الرباعيات أفضل والله أعلم. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي.
ـــــــ
وقال مالك صليهما بأذانين وإقامتين وهو مذهب ابن مسعود وفي صحيح البخاري من حديث ابن مسعود أنه صلى صلاتين كل واحدة وحدها بأذان وإقامة.
قال ابن المنذر وروى هذا عمر رضي الله عنه.
قال ابن عبد البر ولا أعلم في ذلك حديثا مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بوجه من الوجوه ولكنه روى عن عمر بن الخطاب أنه صلاهما بالمزدلفة كذلك.
ومذهب إسحاق وسالم والقاسم أنه يصليهما بإقامتين فقط وحجتهم حديث ابن عمر المتقدم هو رواية عن أحمد ومذهب أحمد والشافعي في الأصح عنه وأبي ثور وعبدالملك الماجشون والطحاوي أنه يصليهما بأذان واحد وإقامتين وحجتهم حديث جابر الطويل.

(5/284)


1930 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عن شُعْبَةَ حَدّثَني سَلَمَةُ بنُ كُهَيْلٍ قالَ: رَأَيْتُ سَعِيدَ بنَ جُبَيْرٍ أَقَامَ بِجَمْعٍ فَصَلّى المَغْرِبَ ثَلاَثاً، ثُمّ صَلّى الْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ ثُمّ قَالَ شَهِدْتُ ابنَ عُمَرَ صَنَعَ في هَذَا المَكَانِ مِثْلَ هَذَا، وَقَالَ: شَهِدْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم صَنَعَ مِثْلَ هَذَا في هذَا المَكَانِ.
1931 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا أبُو الأحْوَصِ أخبرنا أَشْعَثُ بنُ سُلَيْمٍ عنْ أبِيهِ قَالَ: أَقْبَلْتُ مَعَ ابنِ عُمَرَ مِنْ عَرَفَاتٍ إلَى المُزْدَلِفَةِ فَلَمْ يَكُنْ يَفْتُرُ مِنَ التّكْبِيرِ وَالتّهْلِيلِ حَتّى أَتَيْنَا المُزْدَلِفَةَ فَأَذّنَ وَأَقَامَ أوْ أَمَرَ إِنْسَاناً فَأَذّنَ وَأَقَامَ فَصَلّى بِنَا المَغْرِبَ ثَلاَثَ رَكَعَاتٍ ثُمّ الْتَفَتَ إِلَيْنَا فَقَال: الصّلاَةُ فَصلّى بِنَا الْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ ثُمّ دَعَا بِعَشَائِهِ. قَالَ وَأَخْبَرَنِي عِلاَجُ بنُ عَمْرٍو بِمِثْلِ حَدِيثِ أبِي عَنِ ابن عُمَرَ، فَقِيلَ لابن عُمَرَ في ذَلِكَ، فَقَال صَلّيْتُ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم هَكَذَا.
ـــــــ
"حدثني سلمة بن كهيل" والحديث سكت عنه المنذري.
"فلم يكن يفتر" أي يمل ويضعف "أقام أو أمر" شك من الراوي "فقال الصلاة" أي صلوا الصلاة أو قامت الصلاة "دعا بعشائه" بفتح العين طعام العشية "قال" أي الأشعث "حديث أبي"
ـــــــ
وقد تكلف قوم الجمع بين هذه الأحاديث بضروب من التكلف.
وعن ابن عمر في ذلك ثلاث روايات إحداهن أنه جمع بينهما بإقامتين فقط والثانية أنه جمع بينهما بإقامة واحدة لهما وقد ذكر أبو داود الروايتين والثالثة أنه صلاهما بلا أذان ولا إقامة ذكر ذلك البغوي حدثنا الحجاج بن المنهال حدثنا حماد بن سلمة عن أنس بن سيرين قال وقفت مع ابن عمر بعرفة وكان يكثر أن يقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير فلما أفضنا من عرفة دخل الشعب فتوضأ ثم جاء إلى جمع فعرض راحلته ثم قال الصلاة فصلى المغرب ولم يؤذن ولم يقم ثم سلم ثم قال الصلاة ثم صلى العشاء ولم يؤذن ولم يقم.
والصحيح في ذلك كله الأخذ بحديث جابر وهو الجمع بينهما بأذان وإقامتين لوجيهن اثنين أحدهما أن الأحاديث سواء مضطربة مختلفة فهذا حديث ابن عمر في غاية الاضطراب كما تقدم فروي عن ابن عمر من فعله الجمع بينهما بلا أذان ولا إقامة وروي عنه الجمع بينهما بإقامة واحدة وروي عنه الجمع بينهما بأذان واحد وإقامة واحدة وروي عنه مسندا إلى النبي صلى الله عليه وسلم الجمع

(5/285)


1932 - حدثنا مُسَدّدٌ أنّ عبد الْوَاحِدِ بنِ زِيَادٍ وَ أَبَا عَوَانَةَ وَ أَبَا مُعَاوِيَةَ حَدّثوهُمْ عن الأعمَشِ عن عُمَارَةَ عن عبد الرّحْمَنِ بن يَزِيدَ عن ابن مَسْعُودٍ قال: ما رَأَيْتُ
ـــــــ
أي سليم. قال المنذري: هذا الحديث مخالف للأحاديث الصحيحة عن ابن عمر في هذا، وعلاج بن عمرو ذكر البخاري أنه رأى ابن عمر وهذا يدل على أنه لم يسمع منه غير أن سليم بن الأسود وهو أبو الشعثاء قد سمع من ابن عمر وذهب أبو حنيفة وغيره إلى أنه يجمع بينهما بأذان واحد وإقامة واحدة كما جاء فيه. وقد أخرج البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن مسعود أنه صلى الصلاتين كل صلاة وحدها بأذان وإقامة والعشاء بينهما. وروى عن مالك أنه قال: يؤذن ويقيم لكل صلاة على ظاهر حديث ابن مسعود. وفي حديث جابر الطويل أنه صلى الله عليه وسلم صلى المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، وذهب إليه أحمد وأبو ثور وغيرهما وقد أشار بعضهم إلى الجمع بين الأحاديث فقال قوله بإقامة واحدة يعني لكل صلاة دون أذان ويحتمل أن يكون بأذان كما ثبت في حديث جابر وهو حج واحد، لكن لم يتعرض هنا لذكر أذان ولا نفيه فيجمع بين الروايتين على هذا ويبقي الإشكال في إثبات جابر إقامتهن ونص ابن عمر على إقامة واحدة، فلعله يعني بواحدة في العشاء الآخرة يعني دون أذان فيها، وبقيت الأولى بأذان وإقامة انتهى كلام المنذري.
ـــــــ
بينهما بإقامة واحدة وروي عنه مرفوعا الجمع بينهما بإقامتين وعنه أيضا مرفوعا الجمع بينهما بأذان واحد وإقامة واحدة لهما وعنه مرفوعا الجمع بينهما دون ذكر أذان ولا إقامة وهذه الروايات صحيحة عنه فيسقط الأخذ بها لاختلافها واضطرابها.
وأما حديث ابن مسعود فإنه موقوف عليه من فعله.
وأما حديث ابن عباس فغايته أن يكون شهادة على نفي الأذان والإقامة الثابتين ومن أثبتهما فمعه زيادة علم وقد شهد على أمر ثابت عاينه وسمعه.
وأما حديث أسامة فليس فيه الإتيان بعدد الإقامة لهما وسكت عن الأذان وليس سكوته عنه مقدما على حديث من أثبته سماعا صريحا بل لو نفاه جملة لقدم عليه حديث من أثبته لتضمنه زيادة على خفيت على النافي.
الوجه الثاني أنه قد صح من حديث جابر في جمعه صلى الله عليه وسلم بعرفة أنه جمع بينهما بأذان وإقامتين ولم يأت في حديث ثابت قط خلافه والجمع بين الصلاتين بمزدلفة كالجمع بينهما بعرفة لا يفترقان إلا في التقديم والتأخير فلو فرضنا تدافع أحاديث الجمع بمزدلفة جملة لأخذنا حكم الجمع من جمع عرفة.

(5/286)


رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم صلّى صَلاَةً إلاّ لِوَقْتِها إِلاّ بِجَمْعٍ فَإِنّهُ جَمَعَ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ، وصَلّى صَلاَةَ الصّبْحِ مِن الْغَدِ قَبْل وَقْتِهَا.
1933 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا يَحْيَى بنُ آدَم حدثنا سُفْيَانُ عن عبد الرّحْمَنِ بن عَيّاشٍ عن زَيْدِ بن عَلِيَ عن أبِيهِ عن عُبَيْدِالله بن أبي رَافعٍ عن علِيّ قال :فَلَمّا أصْبَحَ يَعْني النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَوَقَفَ عَلَى قُزَحَ فقال: " هَذَا قُزَحُ وَهُوَ المَوْقِفُ وَجَمْعٌ كُلّهَا مَوْقِفٌ وَنَحَرْتُ هَهُنَا وَمِنًى كُلّهَا مَنْحَرٌ، فانْحَرُوا في رِحَالِكُم".
ـــــــ
"وصلى صلاة الصبح من الغد" أي من يوم النحر "قبل وقتها" قال النووي: معناه أنه صلى المغرب في قوت العشاء بجمع، التي هي المزدلفة، وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها المعتادة، ولكن بعد تحقق طلوع الفجر فقوله قبل وقتها المراد قبل وقتها المعتادة لا قبل طلوع الفجر لأن ذلك ليس بجائز بإجماع المسلمين فيتعين تأويله على ما ذكرته. وقد ثبت في صحيح البخاري في هذا الحديث في بعض رواياته أن ابن مسعود صلى الفجر حين طلع الفجر بالمزدلفة، ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الفجر هذه الساعة، وفي رواية: فلما طلع الفجر قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي هذه الساعة إلا هذه الصلاة في هذا المكان من هذا اليوم. وفي هذه الرواية حجة لأبي حنيفة في استحباب الصلاة في آخر الوقت في غير هذا اليوم.
ومذهب الجمهور استحباب الصلاة في أول الوقت في كل الأيام ولكن في هذا اليوم أشد استحباباً. وقد يحتج أصحاب أبي حنيفة بهذا الحديث على منع الجمع بين الصلاتين في السفر لأن ابن مسعود من ملازمي النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أخبره أنه ما رآه يجمع إلا في هذه الليلة.
ومذهب الجمور جواز الجمع في جميع الأسفار المباحة التي يجوز فيها القصر، والجواب عن هذا الحديث أنه مفهوم، وهم لا يقولون به، ونحن نقول بالمفهوم ولكن إذا عارضه منطوق قدمناه على المفهوم، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بجواز الجمع ثم هو متروك الظاهر بالإجماع في صلاتي الظهر والعصر بعرفات. انتهى كلامه. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"فلما أصبح يعني النبي صلى الله عليه وسلم " أي بمزدلفة "فقال هذا قزح" بضم القاف وفتح الزاء كعمر غير منصرف للعدل، والعلمية: اسم لموقف الإمام بمزدلفة، وتقدم تحقيقه. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه مختصراً ومطولا. وقال الترمذي حسن صحيح، لا نعرفه من حديث علي إلا من هذا الوجه.

(5/287)


1934 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا حَفْصُ بنُ غِياثٍ عن جَعْفَرِ بنِ مُحمّدٍ عن أبِيهِ عن جَابِرٍ: "أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "وَقَفْتُ هَهُنَا بِعَرَفَةَ وَعَرَفَةُ كُلّهَا مَوْقِفٌ، وَوَقَفْتُ هَهُنَا بِجَمْعٍ وَجَمْعٌ كُلّهَا مَوْقِفٌ، وَنَحَرْتُ هَهُنَا وَمِنًى كُلّهَا مَنْحَرٌ، فانْحَرُوا في رِحَالِكُمْ" .
1935 - حدثنا الحسَنُ بنُ عَلِيّ أخبرنا أبُو أُسَامَةَ عن أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ عن عَطاءٍ قال حَدّثَني جَابرُ بنُ عبد الله أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "كلّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ وكلّ مِنًى مَنْحَرٌ وكلّ المُزْدَلِفَةِ مَوْقِفٌ وكلّ فِجَاجِ مَكّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ" .
1936 - حدثنا ابنُ كَثِيرٍ أنبأنا سُفْيَانُ عن أبي إسْحَاقَ عن عَمْرٍو بنِ مَيْمُونٍ قال قال عُمَرُ بنُ الْخَطّابِ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِليّةِ لا يُفِيضُونَ حتى يَرَوُوا الشّمْسَ عَلَى ثَبِيرَ، فَخالَفَهُمْ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَدَفَعَ قَبْلَ طُلوعِ الشّمْسُ.
ـــــــ
"وقفت ههنا" أي قرب الصخرات "وعرفة كلها موقف" أي يصح الوقوف فيها إلا بطن عرنة "ووقفت ههنا" أي عند المشعر الحرام بمزدلفة، وهو البناء الموجود بها الآن "وجمع" أي المزدلفة "كلها موقف" أي إلا وادي محسر، قيل جمع علم لمزدلفة لاجتماع الناس فيه. وقيل غير ذلك "ونحرت ههنا ومنى كلها منحر" يعني كل بقعة منها يصح النحر فيها وهو متفق عليه لكن الأفضل النحر في المكان الذي نحر فيه صلى الله عليه وآله وسلم كذا قال الشافعي. ومنحر النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو عند الجمرة الأولى التي تلي مسجد منى كذا قال ابن التين وحد منى من وادي محسر إلى العقبة "في رحالكم" المراد بالرحال المنازل: قال أهل اللغة: رحل الرجل منزله سواء كان من حجر أو مدر أو شعر أو وبر. والحديث سكت عنه المنذري.
"قال كل عرفة" أي أجزائها ومواضعها ووجوه جبالها "موقف" أي موضع وقوف للحج "وكل منى منحر" أي موضع نحر وذبح للهدايا المتعلقة بالحج "وكل المزدلفة موقف" أي لوقوف صبح العيد "وكل فجاج مكة" بكسر الفاء جمع فج وهو الطريق الواسع "طريق ومنحر" أي يجوز دخول مكة من جميع طرقها وإن كان الدخول من ثنية كداء أفضل، ويجوز النحر في جميع نواحيها لأنها من الحرم، والمقصود نفي الحرج. ذكره الطيبي. ويجوز ذبح جميع الهدايا في أرض الحرم بالاتفاق، إلا أن منى أفضل لدماء الحج، ومكة لا سيما المروة لدماء العمرة، ولعل هذا وجه تخصيصهما بالذكر. كذا في المرقاة والحديث سكت عنه المنذري.
"لا يفيضون" بضم أوله أي لا يدفعون من المزدلفة "على ثبير" بفتح المثلثة وكسر

(5/288)


....................................
ـــــــ
الموحدة وسكون التحتية بعدها راء مهملة وهو جبل معروف بمكة، وهو أعظم جبالها. والحديث فيه مشروعية الدفع من الموقف بالمزدلفة قبل طلوع الشمس عند الإسفار. وقد نقل الطبري الإجماع على أن من لم يقف فيها حتى طلعت الشمس فاته الوقوف.
قال ابن المنذر: وكان الشافعي، وجمهور أهل العلم يقولون بظاهر هذا الحديث وما ورد في معناه، وكان مالك يرى أن يدفع قبل الإسفار وهو مردود بالنصوص. كذا في نيل الأوطار: قال المنذري: وأخرجه والترمذي وابن ماجه.

(5/289)


66 - باب التعجيل من جمع
1937 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا سُفْيَانُ أخبرني عُبَيْدُالله بنُ أبي يَزِيدَ أَنّهُ سَمِعَ ابنَ عَبّاسٍ يقُولُ: أنا مِمّنْ قَدّمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لَيْلَةَ المُزْدَلِفَةِ في ضَعَفَةِ أَهْلِهِ.
1938 - حدثنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنبأنا سُفْيانُ أخبرنا سَلَمَةُ بنُ كُهَيْلٍ عن الحسَنِ الْعُرَنيّ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: قَدّمَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لَيْلَةَ المُزْدَلِفَةِ أُغَيْلَمَةَ بَنِي عبد المُطّلِبِ عَلَى حُمُرَاتٍ، فَجَعَلَ يَلْطَحُ أَفخاذَنا وَيُقُولُ: أُبَيْنِيّ لا تَرْمُوا الْجَمْرَةَ حتى تَطْلُعَ الشّمْسُ.
ـــــــ
باب التعجيل من جمع
"أنا ممن قدم" أي قدمه "ليلة المزدلفة" أي إلى منى "في ضعفة أهله" بفتحتين جمع ضعيف أي من النساء والصبيان. قال الطيبي: يستحب تقديم الضعفة ليلا لئلا يتأذوا بالزحام انتهى. والحديث أخرجه البخاري والترمذي وابن ماجه. قاله المنذري.
"أغيلمة" بدل من الضمير في قدمنا. قال في النيل: منصوب على الاختصاص أو على الندب. قال في النهاية: تصغير أغلمة بسكون الغين وكسر اللام: جمع غلام وهو جائز في القياس، ولم يرد في جمع الغلام أغلمة وإنما ورد غلمة بكسر الغين والمراد بالأغيلمة الصبيان، ولذلك صغرهم "على حمرات" بضم الحاء المهملة والميم جمع الحمر وحمر جمع لحمار "فجعل" النبي صلى الله عليه وسلم "يلطح" بفتح الياء التحتية والطاء المهملة وبعدها حاء مهملة. قال الجوهري: اللطح: الضرب اللين على الظهر ببطن الكف انتهى. أي يضرب بيده ضرباً خفيفاً، وإنما فعل ذلك ملاطفة لهم "أفخاذنا" جمع فخذ "ويقول أبيني" بضم الهمزة وفتح الباء الموحدة وسكون ياء التصغير وبعدها نون مكسورة ثم ياء النسب المشددة، كذا قال ابن رسلان

(5/289)


قال أَبُو دَاوُد: اللّطْحُ الضّرْبُ اللّيّنُ.
1939 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا الْوَلِيدُ بنُ عُقْبَةَ أخبرنا حَمْزَةُ الزّيّاتُ عن حَبيبٍ عن عَطَاءٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُقَدّمُ ضُعَفَاءَ أَهْلِهِ بِغَلَسٍ وَيأْمُرُهُمْ - يَعْني لا يَرْمُونَ الْجَمْرَةَ - حتى تَطْلُعَ الشّمْسُ.
1940 - حدثنا هَارُونُ بنُ عبد الله أخبرنا ابنُ أبي فُدَيْكٍ عن الضّحّاكِ - يَعْني ابنَ عُثْمانَ - عن هِشَام بنِ عُرْوَةَ عن أبِيهِ عن عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا أَنّها قالَتْ: أَرْسَلَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بأُمّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النّحْرِ فَرَمَتِ الْجَمْرَةَ قَبْلَ الفَجْرِ ثُمّ مَضَتْ فأَفَاضَتْ وكَانَ ذَلِكَ
ـــــــ
في شرح السنن. وقال في النهاية: الأبيني بوزن الأعيمي تصغيراً لأبناء بوزن أعمى هو جمع ابن "حتى تطلع الشمس" استدل بهذا من قال إن وقت رمي جمرة العقبة من بعد طلوع الشمس. قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه. والحسن العرني بجلي كوفي ثقة واحتج به مسلم واستشهد به البخاري غير أن حديثه عن ابن عباس منقطع. وقال الإمام أحمد بن حنبل: الحسن العرني لم يسمع من ابن عباس شيئاً. انتهى. والعرني بضم العين المهملة وفتح الراء المهملة.
"يقدم ضعفاء أهله" قال محمد في الموطأ: لا بأس أن يقدم الضعفة ويأمرهم ويؤكد عليهم أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا انتهى. وقال القاري:: وجوزه الشافعي بعد نصف الليل. وقال العيني: وقد اختلف السلف في المبيت بالمزدلفة، فذهب أبو حنيفة وأصحابه والثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور ومحمد بن إدريس في أحد قوليه إلى وجوب المبيت بها وأنه ليس بركن، فمن تركه فعليه الدم وعن الشافعي أنه سنة، وهو قول مالك. وقال ابن خزيمة: هو ركن. قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه. وأخرجه الترمذي من حديث مقسم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم ضعفة أهله، وقال: لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس، وقال حسن صحيح. ويمكن حمل هذه الأحاديث على الاستحباب جمعاً بين السنتين.
"عن عائشة" حديث عائشة أخرجه أيضاً الحاكم والبيهقي ورجاله رجال الصحيح "قبل الفجر" هذا مختص بالنساء فلا يصلح للتمسك به على جواز الرمي لغيرهن من هذا الوقت لورود الأدلة القاضية بخلاف ذلك، ولكنه يجوز لمن بعث معن من الضعفة كالعبيد والصبيان أن يرمي في وقت رميهن كما سيأتي في حديث أسماء. وأخرج أحمد من حديث ابن عباس أن

(5/290)


الْيَومُ الْيَومَ الّذِي يَكُونَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم - تَعْنِي عِنْدَها.
1941 - حدثنا مُحمّدُ بنُ خَلاّدٍ الْبَاهِليّ أخبرنا يَحْيَى عن ابنِ جُرَيْجٍ أخبرني عَطَاءٌ أخبرني مُخْبِرٌ عن أَسْمَاءَ: أَنّهَا رَمَتِ الْجَمْرَةَ. قُلْتُ: إِنّا [إِنّمَا] رَمَيْنَا الْجَمْرَةَ بِلَيْلٍ. قالَتْ: إِنّا كُنّا نَصْنَعُ هَذَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
النبي صلى الله عليه وسلم بعث به مع أهله إلى منى يوم النحر فرموا الجمرة مع الفجر "فأفاضت" أي ذهبت لطواف الإفاضة ثم رجعت إلى منى "اليوم الذي" خبر كان أي يوم نوبتها كأنه إشارة إلى سبب استعجالها في الرمي والإفاضة "يعني" هو من تفسير أبي داوود أو أحد رواته. قال المنذري: قال البيهقي: وهذا إسناد صحيح لا غبار عليه، وذكر ذلك عقيب حديث أبي داوود.
قال الشافعي: فدل على أن خروجها بعد نصف الليل وقبل الفجر لأن رميها كان قبل الفجر لأنها لا تصلى الصبح بمكة إلا وقد رمت قبل الفجر بساعة، ووافق الشافعي عطاء وطاووس فقالا ترمى قبل طلوع الفجر، وقال مالك وغيره ترمي بعد طلوع الفجر ولا يجوز قبل ذلك. انتهى كلام المنذري.
"مخبر" اسم الفاعل من الإخبار "أنها رمت الجمرة" هذه جملة مجملة فسرها ذلك المخبر عن أسماء بقوله "قلت" القائل ذلك المخبر "قالت" أسماء "إنا كنا نصنع هذا" وأخرج البخاري
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم:
قال ابن عبد البر كان الإمام أحمد يدفع حديث أم سلمة هذا ويضعفه قال ابن عبدالبر وأجمع المسلمون على أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما رماها ضحى ذلك اليوم وقال جابر رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة ضحى يوم النحر وحده ورمى بعد ذلك بعد زوال الشمس أخرجه مسلم وقال أبو داود اختلفوا في رميها قبل طلوع الشمس فمن رماها قبل طلوع الشمس يجزه وعليه الإعادة.
قال ابن عبد البر وحجته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رماها بعد طلوع الشمس فمن رماها قبل طلوع الشمس كان مخالفا للسنة ولزمه إعادتها قال زعم ابن المنذر أنه لا يعلم خلافا فيمن رماها قبل طلوع الشمس وبعد الفجر أنه يجزئه قال ولو علمت أن في ذلك خلافا لأوجبت على فاعل ذلك الإعادة قال ولم يعلم قول الثوري يعني أنه لا يجوز رميها إلا بعد طلوع الشمس وهو قول مجاهد وإبراهيم النخعي فمقتضى مذهب ابن المنذر أنه يجب الإعادة على من رماها قبل طلوع الشمس وحديث ابن عباس صريح في توقيتها بطلوع الشمس وفعله صلى الله عليه وسلم متفق عليه بين الأمة فهذا فعله وهذا قوله وحديث أم سلمة قد أنكره الإمام أحمد وضعفه.

(5/291)


1942 - حدثنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنبأنا سُفْيَانُ حَدّثَني أبُو الزّبَيْرِ عن جَابِرٍ قال: أَفَاضَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْهِ السّكِينَةُ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْمُوا بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ فأَوضَعَ في وَادِي مُحَسّرٍ.
ـــــــ
ومسلم من طريق عبد الله مولى أسماء عن أسماء أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة فقامت تصلي فصلت ساعة ثم قالت يابني هل غاب القمر؟ قلت لا، فصلت ساعة ثم قالت يابني هل غاب القمر؟ قلت لا، فصلت ساعة ثم قالت يابني هل غاب القمر؟ قلت نعم قال فارتحلوا فارتحلنا ومضينا حتى رمت الجمرة ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها فقلت لها ياهنتاه ما أرانا إلا قد غلسنا، قالت: يابني إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن للظعن انتهى. وفي هذا الحديث دليل على أنه يجوز للنساء الرمي لجمرة العقبة في النصف الأخير من الليل. واستدل به بعضهم على إسقاط المرور بالمشعر عن الظعينة. ولا دلالة فيه على ذلك، لأن غاية ما فيه السكوت عن المرور بالمشعر، وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره عن ابن عمر أنه كان يقدم ضعفة أهله فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بليل ثم يقدمون منى لصلاة الفجر ويرمون. قاله الشوكاني. قال المنذري: وأخرجه النسائي وقال فيه عن عطاء أن مولى لأسماء أخبره. وأخرج البخاري ومسلم معناه أتم منه من رواية عبد الله مولى أسماء عنها.
-"بمثل حصى الخذف" أي بقدره في الصغر وتقدم تفسيره "فأوضع" أي أسرع السير بإبله، يقال: وضع البعير وأوضعه راكبه: أي أسرع به السير "وادي محسر" اسم فاعل من
ـــــــ
وقال مالك لم يبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرخص لأحد في الرمي قبل طلوع الفجر.
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
والحديث الذي أشار إليه هو مافي الصحيحين عن عبد الله مولى أسماء أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة فقامت تصلي فصلت ساعة ثم قالت يابني هل غاب القمر قلت نعم قالت فارتحلوا فارتحلنا فمضينا حتى رمت الجمرة ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها فقلت لها ياهنتاه ما أرانا إلا قد غلسنا قالت يابني إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن للظعن وفي لفظ لمسلم لظعنه وليس في هذا دليل على جواز رميها بعد نصف الليل فإن القمر يتأخر في الليلة العاشرة إلى قبيل الفجر وقد ذهبت أسماء بعد غيابه من مزدلفة إلى منى فلعلها وصلت مع الفجر أو بعده فهي واقعة عين ومع هذا فهي رخصة للظعن وإن دلت على تقدم الرمي فإنما تدل على الرمي بعد طلوع الفجر وهذا قول أحمد في رواية واختيار ابن المنذر وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابهما.

(5/292)


..................................
ـــــــ
التحسير. قال الأزرقي وهو خمسمائة ذراع وخمسة وأربعون ذراعاً، وإنما شرع الإسراع فيه، لأن العرب كانوا يقفون فيه، ويذكرون مفاخر آبائهم، فاستحب الشارع مخالفتهم. والحديث فيه دليل على مشروعية الإسراع بالمشي في وادي محسر. قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه.

(5/293)


67 - باب يوم الحج الأكبر
1943 - حدثنا مُؤَمّلُ بنُ الْفَضْلِ أخبرنا الْوَلِيدُ أخبرنا هِشَامٌ - يَعْنِي ابنَ الْغَازِ - أخبرنا نَافِعٌ عن ابنِ عُمَرَ: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم وَقَفَ يَوْمَ النّحْرِ بَيْنَ الْجَمرَاتِ في الْحَجّةِ التي حَجّ فقال: "أي يَوْمٍ هَذَا"؟ قالُوا: يَوْمُ النّحْرِ. قال:"هَذَا يَوْمُ الْحَجّ الاْكْبَرِ".
1944 - حدثنا مُحمّدُ بنُ يَحْيَى بنِ فَارِسِ أَنّ الحَكَمَ بنَ نَافِعٍ حَدّثَهُمْ أنبأنا [حدثنا] شُعَيْبٌ عن الزّهْرِيّ حَدّثَني حُمَيْدُ بنُ عبد الرّحْمَنِ أنّ أَبَا هُرَيْرَةَ قال: بَعَثَنِي
ـــــــ
باب يوم الحج الأكبر
اختلفوا فيه على خمسة أقوال، قيل هو يوم النحر، وقيل هو يوم عرفة، وقيل هو أيام الحج كلها كقولهم يوم الجمل ويوم صفين ونحوه، وقيل الأكبر القران والأصغر الإفراد، وقيل هو حج أبي بكر الصديق رضي الله عنه ذكره القسطلاني.
"قال هذا يوم الحج الأكبر" قال تعالى: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ} أي إعلام {يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} قال البيضاوي: أي يوم العيد لأن فيه تمام الحج معظم أفعاله ولأن الإعلام كان فيه. ووصف الحج بالأكبر لأن العمرة الحج الأصغر أو لأن المراد بالحج ما يقع في ذلك اليوم من أعماله فإنه أكبر من باقي الأعمال كذا في المرقاة. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه والبخاري تعليقاً.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
والقرآن قد صرح بأن الأذان يوم الحج الأكبر ولا خلاف أن النداء بذلك إنما وقع يوم النحر بمنى فهذا دليل قاطع على أن يوم الحج الأكبر يوم النحر.
وذهب عمر بن الخطاب وابنه عبد الله والشافعي إلى أنه يوم عرفة.
وقيل أيام الحج كلها فعبر عن الأيام باليوم كما قالوا يوم الجمل ويوم صفين قاله الثوري والصواب القول الأول.

(5/293)


أبُو بَكْرٍ في مَنْ يُؤَذّنُ يَوْمَ النّحْرِ بِمِنًى أَنْ لا يَحُجّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفُ بالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَيَوْمُ الحجّ اْلأكْبرِ يَوْمُ النّحْرِ، وَالحَجّ الاْكْبرُ الحجّ.
ـــــــ
"بعثني أبو بكر" سنة تسع من الهجرة ليحج بالناس "في" جملة رهط "من يؤذن" من التأذين أو الإيذان بمعنى الإعلام "يوم النحر" ظرف لقوله بعثني "لا يحج بعد العام" أي بعد هذا العام "مشرك" قال النووي: موافق لقول الله تعالى: {إنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} والمراد بالمسجد الحرام هنا الحرام كله فلا يمكن مشرك من دخول الحرم بحال حتى لو جاء في رسالة أو أمر مهم لا يمكن من الدخول ولو دخل خفية ومرض ومات نبش وأخرج من الحرم "ولا يطوف بالبيت عريان" هذا إبطال لما كانت الجاهلية عليه من الطواف بالبيت عراة. واستدل به أصحاب الشافعي وغيرهم على أن الطواف يشترط له ستر العورة. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم. وفي حديث البخاري ويوم الحج الأكبر يوم النحر، وإنما قيل الأكبر من أجل قول الناس الحج الأصغر. وذكر البخاري ومسلم أن حميد بن عبد الرحمَن كان يقول: يوم النحر يوم الحج الأكبر من أجل حديث أبي هريرة انتهى.

(5/294)


68 - باب الأشهر الحرم
1945 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا إِسْمَاعِيلُ أخبرنا أيّوبُ عن مُحمّدِ عن أبي بَكْرَةَ: أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم خَطَبَ في حَجّتِهِ فقال: "ِإنّ الزّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ الله السّمَاوَاتِ
ـــــــ
باب الأشهر الحرم
"إن الزمان قد استدار كهيئته" أي دار على الترتيب الذي اختاره الله تعالى ووضعه يوم خلق السماوات والأرض، وهو أن يكون كل عام اثني عشر شهراً وكل شهر ما بين تسعة وعشرين إلى ثلاثين يوماً، وكانت العرب في جاهليتهم غيروا ذلك فجعلوا عاماً اثني عشر شهراً وعاماً ثلاثة عشر، فإنهم كانوا ينسئون الحج في كل عامين نم شهر إلى شهر آخر بعده، ويجعلون الشهر الذي أنسأوه ملغى، فتصير تلك السنة ثلاثة عشر وتتبدل أشهرها فيحلون الأشهر الحرم ويحرمون غيرها، فأبطل الله تعالى ذلك وقرره على مداره الأصلي. فالسنة التي حج فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع هي السنة التي وصل ذو الحجة إلى موضعه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الزمان قد استدار يعني أمر الله تعالى أن يكون ذو الحجة في هذا الوقت فاحفظوه، واجعلوا الحج في هذا الوقت، ولا تبدلوا شهراً بشهر كعادة أهل الجاهلية. كذا في شرح المشكاة.

(5/294)


وَالأْضَ، السّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً، مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ: ثَلاَثٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقِعْدَةِ وَذُو الحجّةِ وَالمُحَرّمُ وَرَجَبُ مُضَرَ الّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ" .
ـــــــ
وقال الإمام الحافظ الخطابي في المعالم: معنى هذا الكلام أن العرب في الجاهلية كانت قد بدلت أشهر الحرام وقدمت وأخرت أوقاتها من أجل النسيء الذي كانوا يفعلونه وهو ما ذكر الله سبحانه في كتابه فقال: {إنَمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً} الآية ومعنى النسيء تأخير رجب إلى شعبان والمحرم إلى صفر، وأصله مأخوذ من نسأت الشيء إذا أخرته، ومنه النسيئة في البيع، وكان من جملة ما يعتقدونه من الدين تعظيم هذه الأشهر الحرم وكانوا يتحرجون فيها عن القتال وسفك الدماء ويأمن بعضهم بعضاً إلى أن تنصرم هذه الأشهر ويخرجوا إلى أشهر الحل، فكان أكثرهم يتمسكون بذلك فلا يستحلون القتال فيها، وكان قبائل منهم يستبيحونها فإذا قاتلوا في شهر حرام حرموا مكانه شهراً آخر من أشهر الحل فيقولون نسأنا الشهر، واستمر ذلك بهم حتى اختلط ذلك عليهم وخرج حسابه من أيديهم، فكانوا ربما يحجون في بعض السنن في شهر ويحجون في بعض السنن في شهر ويحجون من قابل في شهر غيره إلى كان العام الذي حج فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فصادف حجهم شهر الحج المشروع وهو ذو الحجة فوقف بعرفة اليوم التاسع منه، ثم خطبهم فأعلمهم أن أشهر الحج قد تناسخت باستدارة الزمان، وعاد الأمر إلى الأصل الذي وضع الله حساب الأشهر عليه يوم خلق السماوات والأرض، وأمرهم بالمحافظة عليه لئلا يتبدل أو يتغير فيما يستأنف من الأيام. فهذا تفسيره ومعناه انتهى كلامه "السنة اثنا عشر" جملة مستأنفة مبينة للجملة الأولى. قاله الطيبي "منها أربعة حرم" قال تعالى: {فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} أي بهتك حرمتها وارتكاب حرامها، والجمهور على أن حرمة المقاتلة فيها منسوخة، ويؤيد النسخ ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حاصر الطائف وغزا هوازن بحنين في شوال وذي القعدة "ثلاث" أي ليالي "متواليات" أي متتابعات اعتبر ابتداء الشهور من الليالي فحذفت التاء قاله الطيبي "ورجب مضر" إنما أضاف الشهر إلى مضر لأنها تشدد في تحريم رجب، وتحافظ على ذلك أشد من محافظة سائر العرب، فأضيف الشهر إليهم بهذا المعنى "الذي بين جمادي وشعبان" فقد يحتمل أن يكون ذلك على معنى توكيد البيان كما قال في أسنان الصدقة. فإذا لم يكن ابنة مخاض فابن لبون ذكر، ومعلوم أن ابن اللبون لا يكون إلا ذكراً، ويحتمل أن يكون إنما قال ذلك من أجل أنهم قد كانوا نسوا رجباً وحولوه عن موضعه وسموا به بعض الشهور الأخر، فنحلوه اسمه، فبين لهم أن رجباً هذا الشهر الذي بين جمادي وشعبان لا ما كانوا يسمونه رجباً على حساب النسيء قاله الخطابي: والحديث سكت عنه المنذري.

(5/295)


1946 - حدثنا مُحمّدُ بنُ يَحْيَى بنِ فَيّاضٍ أخبرنا عبد الْوَهّاب أخبرنا أَيّوبُ السّخْتِيَانِيّ عن مُحمّدِ بنِ سِيرِينَ عن ابنِ أبي بَكْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِمَعْنَاهُ.
قال أَبُو دَاوُد: وَسَمّاهُ ابنُ عَوْنٍ فقالَ عن عبد الرّحْمَنِ بنِ أبي بَكْرَةَ عَنْ أبِي بَكْرَةَ في هَذَا الحدِيثِ
ـــــــ
"عن ابن أبي بكرة" إثبات واسطة ابن أبي بكرة في هذا الحديث، أي حديث محمد بن يحيى بن فياض صحيح. قال المزي في الأطراف: حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في حجته فقال: "إن الزمان قد استدار" الحديث أخرجه أبو داوود في الحج عن محمد بن يحيى بن فياض عن عبد الوهاب الثقفي عن أيوب السختياني عن محمد بن سيرين عن ابن أبي بكرة عن أبيه به، ورواه إسماعيل بن علية عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي بكرة وسيأتي انتهى. وقال المنذري: محمد بن سيرين عن ابن أبي بكرة هو عبد الرحمَن عن أبي بكرة انتهى. وأما زيادة ابن أبي بكرة بين محمد وأبي بكرة في حديث مسدد عن إسماعيل عن أيوب عن محمد المتقدم وجدت في بعض نسخ السنن دون بعض والصحيح إسقاط هذه الزيادة في حديث مسدد. وهكذا بحذف إسقاط واسطة ابن أبي بكرة في تحفة الأشراف في ترجمة مسدد عن إسماعيل بن علية عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي بكرة.
وقال المنذري: محمد هو ابن سيرين عن أبي بكرة هكذا في النسختين من المنذري "وسماه ابن عون" حديث ابن عون رواه البخاري في كتاب العلم عن مسدد عن بشر بن المفضل عن ابن عون عن محمد بن سيرين عن عبد الرحمَن بن أبي بكرة، وأخرجه مسلم في الديات من طريق حماد بن مسعدة عن ابن عون. قاله المزي في الأطراف. قال المنذري: وحديث محمد بن سيرين عن ابن أبي بكرة عن أبيه أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه مختصراً ومطولا.

(5/296)


69 - باب من لم يدرك عرفة
1947 - حدثنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنبأنا سُفْيَانُ حَدّثَني بُكَيْرُ بنُ عَطاءٍ عن عبد الرّحْمَنِ بنِ يَعْمَرَ الدّيلِيّ قال: أَتَيْتُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ بِعَرَفَةَ، فَجاءَ ناسٌ أوْ نَفَرٌ مِنْ
ـــــــ
باب من لم يدرك عرفة
"عن عبد الرحمَن بن يعمر" غير منصرف وهو بفتح الياء تحتها نقطتان وفتح الميم ويضم "الديلي" بكسر الدال وسكون التحتانية "فنادى" ذلك الرجل "رسول الله" مفعول نادى "فأمر"

(5/296)


أَهْلِ نَجْدٍ، فأَمَرُوا رَجُلاً فَنَادَى رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَيْفَ الحجّ؟ فأَمَرَ رَجُلاً فَنادَى: "الحجّ الحجّ يَوْمُ عَرَفَةَ مَنْ جاءَ قَبْلَ صَلاَةِ الصّبْحِ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ فَتَمّ حَجّهُ أَيّامُ مِنًى ثَلاَثَةٌ فَمَنْ تَعَجّلَ في يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخّرَ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ" . قال: ثُمّ أَرْدَفَ رَجُلاً خَلْفَهُ فَجَعَلَ يُنَادِي بِذَلِكَ".
ـــــــ
النبي صلى الله عليه وسلم "فنادى" المنادي بأمر النبي صلى الله عليه وسلم "الحج الحج يوم عرفة" قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: تقديره إدراك الحج وقوف عرفة. وفي المرقاة: أي ملاك الحج ومعظم أركانه وقوف عرفة لأنه يفوت بفواته "من جاء قبل صلاة الصبح" فيه رد على من زعم أن الوقوف يفوت بغروب الشمس يوم عرفة، ومن زعم أن وقته يمتد إلى ما بعد الفجر إلى طلوع الشمس "من ليلة جمع" أي ولو من ليلة المزدلفة وهي العيد، ولفظ الترمذي: الحج يوم عرفة من أدرك عرفة ليلة جمع قبل طلوع الفجر "فتم حجه" أي لم يفته وأمن من الفساد إذا لم يجامع قبل الوقوف، وأما إذا فاته الوقوف حتى أدركه الفجر وجب عليه أن يتحلل بأفعال العمرة ويحرم عليه استدامة إحرامه إلى قابل كما نقل الإجماع في ذلك إلا رواية عن مالك فإن استدام إحرامه إلى قابل لم يجزئه الحج "أيام منى ثلاثة" مرفوع على الابتداء وخبره قوله ثلاثة وهي الأيام المعدودات وأيام التشريق وأيام رمي الجمار، وهي الثلاثة التي بعد يوم النحر وليس يوم النحر منها لإجماع الناس على أنه لا يجوز النفر يوم ثاني النحر، ولو كان يوم النحر من الثلاث لجاز أن ينفر من شاء في ثانية. قاله الشوكاني "فمن تعجل" أي استعجل بالنفر أي الخروج من منى "في يومين" أي اليومين الأخيرين من أيام التشريق فنفر في اليوم الثاني منها بعد رمي جمارة "فلا إثم عليه" بالتعجيل "ومن تأخر" عن النفر في اليوم الثاني من أيام التشريق إلى اليوم الثالث حتى بات ليلة الثالث ورمى يوم الثالث جماره. وقيل المعنى ومن تأخر عن الثالث إلى الرابع ولم ينفر مع العامة. قاله الشوكاني. وسقط عنه مبيت الليلة الثالثة ورمى اليوم الثالث ولا دم عليه. وتعجل جاء لازماً ومتعدياً وهنا لازم لمقابلة قوله ومن تأخر "فلا إثم عليه" وهو أفضل لكون العمل فيه أكمل لعملهلله وقد ذكر أهل التفسير أن أهل الجاهلية كانوا فئتين إحداهما ترى المتعجل آثماً وأخرى ترى المتأخر آثماً، فورد التنزيل بنفي الحرج عنهما ودل فعله عليه الصلاة والسلام على بيان الأفضل منهما كذا في المرقاة. وقال الزرقاني في شرح الموطأ، أيام التشريق هي ثلاثة أيام بعد يوم النحر أولها اليوم الحادي عشر من ذي الحجة وهو قول ابن عمر وابن عباس والحسن وعطاء ومجاهد وقتادة وهو مذهب الشافعي. قيل إن الأيام المعدودات يوم النحر ويومان بعده، وهو قول علي بن أبي طالب ويروي عن ابن عمر أيضاً وهو مذهب أبي حنيفة. وقال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي ابن ماجه. وأخرجه الترمذي من حديث

(5/297)


قال أَبُو دَاوُد: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مِهْرَانُ عن سُفْيَانَ قال: الحجّ الحجّ مَرّتَينِ. وَرَوَاهُ يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ الْقَطّانُ عن سُفْيَانَ قال الحجّ مَرّةً.
948 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عن إِسْمَاعِيلَ أخبرنا عَامِرٌ أخبرني عُرْوَةَ بنُ مَضَرّسٍ الطّائِيّ قال: أَتَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم بالمَوْقِفِ - يَعْنِي بِجَمْعٍ قُلْتُ: جِئْتُ يا رسول الله مِن جَبَلَيْ [جَبَلٍ] طَيَ أَكَلَلْتُ مَطِيّتِي وَأَتْعَبْتُ نَفْسِي وَالله ما تَرَكْتُ مِنْ حَبْلٍ [جَبَلٍ] إِلاّ وَقَفْتُ عَلَيْهِ، فَهَلْ لِي مِنْ حَجّ؟ فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصّلاَةَ، وَأَتَى عَرَفَاتٍ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلاً أوْ نَهَاراً، فَقَدْ تَمّ حَجّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ" .
ـــــــ
سفيان بن عيينة عن سفيان الثوري، وذكر أن سفيان بن عيينة قال وهذا أجود حديث رواه سفيان الثوري.
"ابن مضرس" بضم الميم وفتح الضاد المعجمة وتشديد الراء المكسورة ثم سين مهملة "بجمع" أي بالمزدلفة "من جبل طي" هما جبل سلمى وجبل أجا قاله المنذري: وطيء بفتح الطاء وتشديد الياء بعدها همزة "أكللت مطيتي" أي أعييت دابتي "من حبل" بفتح الحاء المهملة وإسكان الموحدة أحد حبال الرمل وهو ما اجتمعع فاستطال وارتفع. قاله الجوهري "هذه الصلاة" يعني صلاة الفجر بمزدلفة. قال الخطابي. وظاهر قوله من أدرك معنا هذه الصلاة شرط لا يصح إلا بشهوده جمعاً. وقد قال به غير واحد من أعيان أهل العلم قال علقمة والشعبي والنخعي: إذا فاته جمع ولم يقف به فقد فاته الحج ويجعل إحرامه عمرة، وممن تابعهم على ذلك أبو عبد الرحمَن الشافعي، وإليه ذهب ابن خزيمة وابن جرير الطبري واحتجوا بقوله تعالى: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} وهذا نص والأمر على الوجوب فتركه لا يجوز بوجه. وقال أكثر الفقهاء إن فاته المبيت بالزدلفة والوقوف بها أجزأه وعليه دم انتهى كلامه "ليلاً أو نهاراً" تمسك بهذا أحمد بن حنبل فقال وقت الوقوف لا يختص بما بعد الزوال بل وقته ما بين طلوع الفجر يوم عرفة وطلوعه يوم العيد لأن لفظ الليل والنهار مطلقان وأجاب الجمهور عن الحديث بأن المراد بالنهار ما بعد الزوال بدليل أنه صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين بعده لم يقفوا إلا بعد الزوال ولم ينقل عن أحد أنه وقف قبله فكأنهم جعلوا هذا الفعل مقيداً لذلك المطلق "فقد تم حجه" فاعل تم. قال الخطابي: يريد به معظم الحج وهو الوقوف لأنه هو الذي يخاف عليه
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وقال علي بن المديني: عروة بن مضرس لم يرو عنه غير الشعبي.

(5/298)


..................................
ـــــــ
الفوات فأما طواف الزيارة فلا يخشى فواته وهذا كقوله "الحج عرفه" أي معظم الحج هو الوقوف "وقضى" ذلك الحاج "تفثه" مفعول قضى قيل المراد به أنه أتى بما عليه من المناسك، والمشهور أن التفث ما يصنعه المحرم عند حله من تقصير شعر أو حلقه وحلق العانة ونتف الإبط وغيره من خصال الفطرة، ويدخل في ضمن ذلك نحر البدن وقضاء جميع المناسك لأنه لا يقضي التفث، إلا بعد ذلك. وأصل التفث الوسخ والقذر.
قال الخطابي: في هذا الحديث من الفقه أن من وقف بعرفات وقفة بعد الزوال من يوم عرفة إلى أن يطلع الفجر من يوم النحر فقد أدرك الحج وقال أصحاب مالك: النهار تبع الليل في الوقوف فمن لم يقف بعرفة حتى تغرب الشمس فقد فاته الحج وعليه حج من قابل. وروى عن الحسن أنه قال عليه هدي من الإبل وحجة تامة، وقال أكثر الفقهاء: من صدر يوم عرفة قبل غروب الشمس فعليه دم وحجة تامة، كذلك قال عطاء وسفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابه، وهو قول الشافعي وأحمد بن حنبل. وقال مالك والشافعي: فمن دفع من عرفة قبل غروب الشمس ثم رجع إليها قبل طلوع الفجر فلا شيء عليه. وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا رجع بعد غروب الشمس ووقف لم يسقط عنه الدم. انتهى.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه. وقال الترمذي:حسن صحيح. هذا آخر كلامه. قال علي بن المديني: عروة بن مضرس لم يرو عنه الشعبي انتهى كلامه.
قلت: عامر هو الشعبي وهو يقول أخبرني عروة بن المضرس فكيف يقال عروة بن مضرس لم يرو عنه الشعبي والحديث أخرجه أيضاً ابن حبان والحاكم والدارقطني وصححه الحاكم والدارقطني والقاضي أبو بكر بن العربي على شرطهما كذا في الشرح.

(5/299)


70 - باب النزول بمنى
1949 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا عبد الرّزّاقِ أنبأنا مَعْمَرٌ عن حُمَيدٍ الأعْرَجِ عن مُحمّدِ بنِ إِبراهِيمَ التّيْمِيّ عن عبد الرّحْمَنِ بنِ مُعَاذٍ عن رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: خَطَبَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم النّاسَ بِمِنًى وَنَزّلَهُمْ مَنَازِلَهُمْ، فقال: "لِيَنْزِلِ المُهَاجِرُونَ هَهُنَا"، وَأَشَارَ إِلَى مَيْمَنَةِ الْقِبْلَةِ، "وَالأنْصَارُ هَهُنَا"، وَأَشَارَ إلى مَيْسَرَةَ الْقِبْلَةِ،
ـــــــ
باب النزول بمنى
"ونزلهم" من التنزيل "وأشار" النبي صلى الله عليه وسلم "إلى ميمنة القبلة" أي جانب أي جانب اليمين من القبلة "إلى ميسرة القبلة" أي جانب اليسار من القبلة بحيث لو وقفت في منى مولياً ظهرك إلى منى،

(5/299)


ثم ينزل الناس حولهم"
ـــــــ
وجعلت القبلة تلقاء وجهك فأي مكان وقع جانبك اليمين فهو يمين القبلة، وما كان جانبك اليسار فهو يسار القبلة "ثم لينزل الناس حولهم" أي حول المهاجرين والأنصار. وهذا المعنى يفهم من لفظ الحديث لكن حديث عبد الرحمَن بن معاذ الآتي في باب ما يذكر الإمام في خطبته يفسر هذا الحديث تفسيراً واضحاً لا يبقى فيه خفاء. فالمعنى أشار إلى ميمنة القبلة، أي إلى مقدم مسجد منى، وأشار إلى ميسرة القبلة أي إلى وراء مسجد منى، وهذا المعنى هو المتعين. والحديث سكت عنه المنذري.

(5/300)


71 - باب أي يوم يخطب بمنى
1950 - حدثنا مُحمّدُ بنُ الْعَلاَءِ أخبرنا ابنُ المُبَارَكِ عن إِبراهِيمَ بنِ نَافِعٍ عن ابنِ أبي نَجِيحٍ عن أبِيهِ عن رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي بَكْرٍ قالا: رَأَيْنَا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ بَيْنَ أَوْسَطِ أَيّامِ التّشْرِيقِ وَنَحْنُ عِنْدَ رَاحِلَتِهِ وَهِيَ خُطْبَةُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم التي خَطَبَ بِمَنًى.
1951 - حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ أخبرنا أبُو عَاصِمٍ أخبرنا رَبِيعَةُ بنُ عبد الرّحْمَنِ بنِ حُصَيْنٍ [حِصَْنٍ] حَدّثَتْني جَدّتي سَرّاءُ بِنْتُ نَبْهَانَ - وَكَانَتْ رَبّةُ بَيْتٍ في
ـــــــ
باب أي يوم يخطب بمنى
"عن رجلين من بني بكر" والحديث سكت عنه أبو داوود والمنذري والحافظ في التلخيص ورجاله رجال الصحيح "يخطب بين" أي في "أوسط أيام التشريق" هو اليوم الثاني من أيام التشريق "وهي" أي خطبته صلى الله عليه وسلم في ثاني عشر ذي الحجة "التي خطب بمنى" يوم النحر عاشر ذي الحجة، فالخطبتان في يوم النحر وفي ثالث النحر متحدتان في المعنى، وهو تعليم أحكام المناسك وغير ذلك، وسيجيء بيان أنه كم يستحب من الخطب في الحاج في آخر أبواب الخطب.
"سراء" بفتح السين المهملة وتشديد الراء والمد وقيل القصر "بنت نبهان" الغنوية صحابية لها حديث واحد. قاله صاحب التقريب: والحديث سكت عنه أبو داوود والمنذري وقال في مجمع الزوائد: رجاله ثقات "وكانت ربة بيت" أي صاحبة بيت يكون فيه الأصنام "يوم

(5/300)


الْجَاهِلِيّةِ - قالتْ:خَطَبَنَا النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الرّوؤسِ فقال: "أَيّ يَوْمٍ هَذَا"؟ قُلْنَا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قال:"أَلَيْسَ أَوْسَطُ أَيّامِ التّشْرِيقِ" .
قال أَبُو دَاوُد: وكَذَلِكَ قال عَمّ أبي حُرّةَ الرّقَاشِيّ: َنّهُ خَطَبَ أَوْسَطَ أَيّامِ التّشْرِيقِ.
ـــــــ
الرؤوس" بضم الراء والهمزة بعدها، وهو اليوم الثاني من أيام التشريق، سمي بذلك لأنهم كانوا يأكلون فيه رؤوس الأضاحي. قال إمام الفن جاد الله الزمخشري في أساس البلاغة: أهل مكة يسمون يوم القر يوم الرؤوس لأنهم يأكلون فيه رؤوس الأضاحي انتهى. وهذا من ألفاظ المجاز ولذا لم يذكره أصحاب اللغة كصاحب المصباح والقاموس واللسان وغيرهم.
وأما يوم القر فقال في المصباح قيل اليوم الأول من أيام التشريق يوم القر لأن الناس يقرون في منى "أي يوم هذا" سأل عنه وهو عالم به لتكون الخطبة أوقع في قلوبهم وأثبت "الله ورسوله أعلم" هذا من حسن الأدب في الجواب للأكابر والاعتراف بالجهل، ولعلهم قالوا ذلك لأنهم ظنوا أنه سيسميه بغير اسمه كما وقع في حديث أبي بكرة "عم أبي حرة" بضم الحاء المهملة وتشديد الراء، واسم أبي حرة حنيفة. وقيل حكيم "الرقاشي" بفتح الراء وتخفيف القاف وبعد الألف شين معجمة.

(5/301)


72 - باب من قال خطب يوم النحر
1952 - حدثنا هَارُونُ بنُ عبدالله أَخبرنا هِشَامُ بنُ عبد المَلِكِ أخبرنا عِكْرِمَةُ حَدّثَني الْهِرْمَاسُ بنُ زِيَادٍ الْبَاهِليّ قال: رَأَيْتُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ النّاسَ عَلَى نَاقَتِهِ الْعَضْبَاءِ يَوْمَ الأضْحَى بِمِنًى.
ـــــــ
باب من قال خطب يوم النحر
"العضباء" هي مقطوعة الأذن. قال الأصمعي: كل قطع في الأذن جدع، فإن جاوز الربع فهي عضباء. وقال أبو عبيد: إن العضباء التي قطع نصف أذنها فما فوق. وقال الخليل: هي مشقوقة الأذن. قال الحربي: الحديث يدل على أن العضباء اسم لها وإن كانت عضباء الأذن فقد جعل اسمها هذا "يوم الأضاحي بمنى" وهذه هي الخطبة الثالثة بعد صلاة الظهر فعلها ليعلم الناس بها المبيت والرمي في أيام التشريق وغير ذلك مما بين أيديهم كذا في نيل الأوطار. قال المنذري: وأخرجه النسائي.

(5/301)


1953 - حدثنا مُؤَمّلُ - يَعني ابنَ الْفَضْلِ الْحَرّانيّ أخبرنا الْوَلِيدُ أخبرنا ابنُ جابِرٍ أخبرنا سُلَيْمُ بنُ عامِرٍ الْكَلاَعِيّ سَمِعْتُ أبا أُمَامَةَ يقُولُ: سَمِعْتُ خُطْبَةَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بِمِنًى يَوْمَ النّحْرِ.
ـــــــ
"بمنى يوم النحر" فيه دليل واضح على مشروعية الخطبة في يوم النحر، والحديث سكت عنه المنذري ورجال إسناده ثقات.

(5/302)


73 - باب أي وقت يخطب يوم النحر
1954 - حدثنا عبد الْوَهّابِ بنُ عبد الرّحِيمِ الدّمَشْقِيّ أخبرنا مَرْوَانُ عن هِلاَلٍ بنِ عَامِرٍ المُزْنِيّ حَدّثَني رَافِعُ بنُ عَمْرٍو المُزَنِيّ قال:رَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ النّاسَ بِمِنًى حِينَ ارْتَفَعَ الضّحَى عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ وَعَلِيّ رَضِيَ الله عَنْهُ يُعَبّرُ عَنْهُ وَالنّاسُ بَيْنَ قَائِمٍ وَقَاعِدٍ.
ـــــــ
باب أي وقت يخطب يوم النحر
"رافع بن عمرو المزني" نسبة إلى قبيلة مزينة بضم الميم وفتح الزاي "يخطب الناس بمنى" أي أول النحر بقرينة قوله "حين ارتفع الضحى على بغلة شهباء" أي بيضاء يخالطها قليل سواد. ولا ينافيه حديث قدامة: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة يوم النحر على ناقة صهباء "وعلي رضي الله عنه يعبر عنه" من التعبير أي يبلغ حديثه من هو بعيد من النبي صلى الله عليه وسلم، فهو رضي الله عنه وقف حيث يبلغه صوت النبي صلى الله عليه وسلم ويفهمه فيبلغه للناس ويفهمهم من غير زيادة ونقصان "والناس بين قائم وقاعد" أي بعضهم قاعدون وبعضهم قائمون وهم كثيرون حيث بلغوا مائة ألف وثلاثين ألفاً. كذا في المرقاة.
واعلم أن حديث الهرماس بن زياد وأبي أمامة وغيره يدل على مشروعية الخطبة في يوم النحر وهو يرد على من زعم أن يوم النحر لا خطبة فيه للحاج وأن هذه الأحاديث إنما هو من قبيل الوصايا العامة لا أنه خطبة من شعار الحج.
ووجه الرد أن الرواة سموها خطبة كما سموا التي وقعت بعرفات خطبة وقد اتفق على مشروعية الخطبة بعرفات ولا دليل على ذلك إلا ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه خطب بعرفات. والقائلون بعدم مشروعية الخطبة يوم النحر هم المالكية والحنفية. وقالوا خطب الحج سابع ذي الحجة

(5/302)


...................................
ـــــــ
ويوم عرفة وثاني يوم النحر ووافقهم الشافعي إلا أنه قال بدل ثاني النحر ثالثه وزاد خطبة رابعة وهي يوم النحر قال وبالناس إليها حاجة ليعلموا أعمال ذلك اليوم من الرمي والذبح والحلق والطواف واستدل بالأحاديث الواردة في ذلك.
وتعقبه الطحاوي: بأن الخطبة المذكورة يوم النحر ليست من متعلقات الحج لأنه لم يذكر فيها شيئاً من أعمال الحج وإنما ذكر وصايا عامة. قال ولم ينقل أحد أنه علمهم فيها شيئاً مما يتعلق بالحج يوم النحر فعرفنا أنها لم تقصد لأجل الحج. وقال ابن القصار: إنما فعل ذلك من أجل تبليغ ما ذكره لكثرة الجمع الذي اجتمع من أقاصي الدنيا فظن الذي رآه أنه خطب قال وأما ما ذكره الشافعي أن بالناس حاجة إلى تعليمهم أسباب التحلل المذكورة فليس بمتعين، لأن الإمام يمكنه أن يعلمهم إياها بمكة أو يوم عرفة انتهى.
وأجيب بأنه صلى الله عليه وسلم نبه في الخطبة المذكورة على تعظيم يوم النحر، وعلى تعظيم عشر ذي الحجة وعلى تعظيم بلد الحرام، وقد جزم الصحابة بتسميتها خطبة فلا تلتفت إلى تأويل غيرهم. وما ذكره من إمكان تعليم ما ذكره يوم عرفة يعكر عليه كونه يرى مشروعية الخطبة ثاني يوم النحر، وكان يمكن أن يعلموا يوم التروية جميع ما يأتي بعده من أعمال الحج، لكن لما كان في كل يوم أعمال لسيت في غيره شرع تجديد التعليم بحسب تجدد الأسباب. وأما قول الطحاوي: إنه لم يعلمهم شيئاً من أسباب التحلل فيرده ما عند البخاري من حديث عمرو بن العاص أنه شهد النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم النحر، وذكر فيه السؤال عن تقديم بعض المناسك. كذا في النيل. قال المنذري: وأخرجه النسائي.

(5/303)


74 - باب ما يذكر الإمام في خطبته بمنًى
1955 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا عبد الْوَارِثِ عن حُمَيْدٍ الأعْرَجِ عن مُحمّدِ بنِ إِبراهِيمَ التّيْمِيّ عن عبد الرّحْمَنِ بنِ مُعَاذٍ التّيْمِيّ قال: خَطَبَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَنَحْنُ بِمِنًى فَفُتِحَتْ أَسْمَاعُنَا حَتّى كُنّا نَسْمَعُ ما يقُولُ وَنَحْنُ في مَنَازِلِنَا، فَطَفِقَ يُعَلّمُهُمْ
ـــــــ
باب ما يذكر الإمام في خطبته بمنًى
"ونحن بمنى" أيام منى أربعة أيام يوم النحر وثلاثة أيام بعده، والأحاديث الأخر مصرحة بيوم النحر فيحمل المطلق على المقيد ويتعين يوم النحر "ففتحت أسماعنا" بضم الفاء الثانية وكسر الفوقية بعدها أي اتسع سمع أسماعنا وقوي، من قولهم قارورة فتح بضم الفاء والتاء أي واسعة الرأس. قال الكسائي: ليس لها صمام وغلاف، وهكذا صارت أسماعهم لما سمعوا

(5/303)


مَنَاسِكَهُمْ حَتّى بَلَغَ الْجِمَارَ فَوَضَعَ إِصْبَعَيْهِ السّبّابَتَيْنِ [السّبّابَتَيْنِ في أُذُنَيْهِ] ثُمّ قال: "بِحَصَى الْحَذْفِ [الْخَذْفِ]" ثُمّ أَمَرَ المُهَاجِرِينَ فَنَزَلُوا في مُقَدّمِ المَسْجِدِ، وَأَمَرَالْأنْصَار فَنَزَلُوا مِنْ وَرَاءِ المَسْجِدِ، ثُمّ نَزَلَ النّاسُ بَعْدَ ذَلِك.
ـــــــ
صوت النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من بركات صوته إذا سمعه المؤمن قوي سمعه واتسع مسلكه حتى صار يسمع الصوت من الأماكن البعيدة ويسمع الأصوات الخفية "ونحن في منازلنا" فيه دليل على أنهم لم يذهبوا لسماع الخطبة بل وقفوا في رحالهم وهم يسمعونها، ولعلى هذا المكان فيمن له عذر منعه عن الحضور لاستماعها وهو اللائق بحال الصحابة رضي الله عنهم "فطفق يعلمهم" هذا انتقال من التكلم إلى الغيبة وهو أسباب من أساليب البلاغة مستحسن "حتى بلغ الجمار" يعني المكان الذي ترمى فيه الجمار، والجمار هي الحصى الصغار التي يرمي به الجمرات "فوضع إصبعيه السبابتين" زاد في نسخة لأبي داوود: في أذنيه، وإنما فعل ذلك ليكون أجمع لصوته في إسماع خطبته ولهذا كان بلال يضع إصبعيه في صماخي أذنيه في الأذان وعلى هذا وفي الكلام تقديم وتأخير وتقديره فوضع إصبعيه السبابتين في أذنيه حتى بلغ الجمار "ثم قال" أي رمى. وفيه استعارة القول للفعل وهو كثير في السنة، والمراد أنه وضع إحدى السبابتين على الأخرى ليريهم أنه يريد حصى الخذف. قاله الشوكاني. وقال في موضع آخر: يحتمل أن يكون المراد بالقول القول النفسي كما قال تعالى {وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ} ويكون المراد هنا النية للرمي. قال أبو حيان: وتراكيب القول الست تدل على معنى الخفة والسرعة، فلهذا عبر هنا بالقول "بحصى الخذف" بالحاء المهملة والذال المعجمة، ويروي بالخاء والذال المعجمتين. قال الشوكاني: والثاني هو الأصوب.
قال الجوهري في فصل الحاء المهملة: حذفته بالعصا أي رميته بها، وفي فصل الخاء المعجمة خذف الحصى الرمي به بالأصابع وقال الأزهري: حصى الخذف صغار مثل النوى يرمى بها بين إصبعين. قال الشافعي: حصى الخذف أصغر من الأنملة طولا وعرضاً، ومنهم من قال بقدر الباقلا. وقال النووي: بقدر النواة وكل هذه المقادير متقاربة لأن الخذف بالمعجمتين لا يكون إلا بالصغير "في مقدم المسجد" أي مسجد الخيف الذي بمنى، ولعل المراد بالمقدم الجهة "ثم نزل الناس" برفع الناس على أنه فاعل، وفي نسخة من سنن أبي داوود، ثم نزل بتشديد الزاي كذا في النيل. قال المنذري: وأخرجه النسائي.

(5/304)


75 - باب يبيت بمكة ليالي منًى
1956 - حدثنا أبُو بَكْرٍ مُحمّدُ بنُ خَلاّدٍ الْبَاهِلِيّ أخبرنا يَحْيَى عن ابنِ جُرَيْجٍ حَدّثَني [أخبرني] حَرِيزٌ، أوْ أبُو حَرِيزٍ - الشّكُ مِنْ يَحْيَى - أَنّهُ سَمِعَ عبد الرّحْمَنِ بنَ فَرّوخٍ يَسْأَلُ ابنَ عُمَرَ قال: إِنّا نَتَبَايَعُ [نَتْبَاعُ] بأمْوَالِ النّاسِ فَيَأْتِي أَحَدُنَا مَكّةَ فَيَبِيتُ عَلَى الْمَالِ، فقال: أَمّا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَبَاتَ بِمَنًى وَظَلّ.
1957 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا ابنُ نُمَيْرٍ وَ أبُو أُسَامَةُ عن عُبَيْدِالله عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ قال: اسْتَأَذَنَ الْعَبّاسُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أنْ يَبِيتَ بِمَكّةَ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ [سِقَايَةِ] فأذِنَ لَهُ.
ـــــــ
باب يبيت بمكة ليالي منًى
"فبات بمنى وظل" ظل عطف على بات أي بات بمنى وظل بمنى، وظل وبات من الأفعال الناقصة موضوعتان لاقتران مضمون الجملة بوقتيهما. فمعنى ظل زيد سائراً كان زيد في جميع النهار سائراً، فاقترن مضمون الجملة وهو سير زيد بجميع النهار مستغرقاً له. ومعنى بات زيد سائراً كان زيد في جميع الليل سائراً، فاقترن مضمون الجملة أعنى سير زيد بجميع الليل مستغرقاً له. فمعنى قول ابن عمر إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في جميع الليل والنهار مقيما بمنى أيام منى يعني أنه لم يبت بمكة أيام منى أصلا ليلاً ولا نهاراً، وأما نحن فلم نكن كذلك، فإن منا من كان يبيت بمكة أيام منى لضرورة داعية إلى بيتوته بها مثل حفظ المال وسقاية الحج، فنحن نتبايع بأموال الناس فيأتي أحدنا مكة أيام منى فيبيت هناك من أجل حفظ المال الذي كنا نتبايع به، كما أن العباس رضي الله عنه يبيت بها من أجل سقايته وفقه الحديث أن للحاج رخصة في بيتوتته بمكة أيام منى إذا دعت إليها الضرورة وليست مقصورة على سقاية الحاج بل يعمها وغيرها من الضرورات كذا في الشرح. وقال في فتح الودود: يريد ابن عمر أن فعلكم يخالف السنة ومقتضى حديث العباس الآتي أنه لا إساءة في المعذور في ترك المبيت انتهى. قال الخطابي: قد اختلف أهل العلم في المبيت بمكة ليالي منى لحاجة من حفظ مال ونحوه، فكان ابن عباس يقول لا بأس به إذا كان للرجل متاع بمكة يخشى عليه إن بات بمنى. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا شيء على من كان بمكة أيام منى إذا رمى الجمرة وقد أساء. وقال الشافعي: ليست الرخصة في هذا إلا لأهل السقاية، ومن مذهبه أن في ليلة درهماً وفي ليلتين درهمين وفي ليال دم. وكان مالك يرى عليه في ليلة واحدة دماً انتهى. والحديث سكت عنه المنذري.
"أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته" أي التي بالمسجد الحرام المملوءة من ماء

(5/305)


..................................
ـــــــ
زمزم المندوب الشرب منها عقب طواف الإفاضة وغيره إذا لم يتيسر الشرب من البئر للخلق الكثير وهي الآن بركة وكانت حياضاً في يد قصي، ثم منه لابنه عبد مناف، ثم منه لابنه هاشم، ثم منه لابنه عبد المطلب، ثم منه لابنه العباس، ثم منه لابنه عبد الله، ثم منه لابنه علي، وهكذا إلى الآن لهم نُوّاب يقومون بها، قالوا وهو لاَل عباس أبدا "فأذن له" قال بعض العلماء: يجوز لمن هو مشغول بالاستقاء من سقاية العباس لأجل الناس أن يترك المبيت بمنى ليالي منى ويبيت بمكة ولمن له عذر شديد أيضاً، فلا يجوز ترك السنة إلا بعذر ومع العذر ترتفع عنه الإساءة. وأما عند الشافعي فيجب المبيت في أكثر الليل. ومن الأعذار الخوف على نفس أو مال أو ضياع مريض أو حصول مرض له يشق معه المبيت مشقة لا تحتمل عادة، كذا في المرقاة. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.

(5/306)


76- باب الصلاة بمنًى
1958 - حدثنا مُسَدّدٌ: أَنّ أَبَا مُعَاوِيَةَ وَ حَفْصَ بنَ غِيَاثٍ حدّثاهم [حدّثاه] وَحَدِيثُ أبي مُعَاوِيَةَ أَتَمّ، عن الأَعمَشِ عن إِبراهِيمَ عن عبد الرّحْمَنِ بنِ يَزِيدَ قال:صَلّى عُثْمانُ بِمِنًى أَرْبَعاً، فقال عبد الله: صَلّيْتُ مَعَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم رَكْعَتَيْنِ وَمَعَ أبي بَكْرٍ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ عُمَرَ رَكْعَتَيْنِ، زَادَ عن حَفْصٍ: وَمَعَ عُثْمانَ صَدْراً مِنْ إمَارَتِهِ ثُمّ أَتمّهَا. زَادَ مِنْ هَهُنَا عن أبي مُعَاوِيَةَ - ثُمّ تَفَرّقَتْ بِكُمُ الطّرُقُ، فَلَوَدِدْتُ أَنّ لِي مِنْ أرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَيْنِ مُتَقَبّلَتَيْنِ. قال الأَعمَشُ: فحَدّثَني مُعَاوِيَةُ بنُ قُرّةَ عن أشْيَاخِهِ أنّ عبد الله صَلّى أرْبَعاً. قال فقِيلَ لَهُ: عِبْتَ عَلَى عُثْمانَ ثُمّ صَلّيْتَ أرْبعاً. قال: الْخِلاَفُ شَرّ".
ـــــــ
باب الصلاة بمنًى
أي في بيان كمية الصلاة الرباعية في منى هل يصلي على حالها أو يقصر
"وحديث أبي معاوية أتم" هذه مقولة أبي داوود "عن الأعمش" أي يروي أبو معاوية وحفص عن الأعمش "زاد" أي مسدد "عن حفص" بن غياث "صدراً من إمارته" إنما ذكر صدراً وقيد به لأن عثمان أتم الصلاة بعد ست سنين "زاد" أي مسدد "من ههنا" أي من قوله الآتي ثم تفرقت إلى آخره "ثم تفرقت بكم الطرق" أي اختلفتم فمنكم من يقصر ومنكم من لا يقصر "فلوددت" أي فلتمنّيت غرضه وددت أن عثمان صلى ركعتين بدل الأربع كما كان النبي صلى الله عليه وسلم وصاحباه يفعلونه. وفيه كراهة مخالفة ما كانوا عليه. كذا في عمدة القاري. وقال الحافظ في فتح الباري: قال الداوودي خشي ابن مسعود أن لا يجزىء الأربع فاعلها وتبع عثمان كراهية لخلافه وأخبر بما يعتقده. وقال

(5/306)


1959 - حدثنا مُحمّدُ بنُ الْعَلاَءِ أنبأنا ابنُ المُبَارَكِ عن مَعْمَرٍ عن الزّهْرِيّ: "أَنّ عُثْمانَ إِنّمَا صَلّى بِمنًى أرْبعاً لأَنّهُ أَجْمَعَ عَلَى اْلإِقَامَةِ بَعْدَ الْحَجّ".
ـــــــ
غيره: يريد أنه لو صلى أربعاً تكلفها فليتها تقبل كما تقبل الركعتان انتهى. والذي يظهر أنه قال ذلك على سبيل التفويض إلى الله لعدم اطلاعه على الغيب وهل يقبل الله صلاته أم لا فتمنى أن يقبل منه من الأربع التي يصليها ركعتان ولو لم يقبل الزائد، وهو يشعر بأن المسافر عنده مخير بين القصر والإتمام والركعتان لابد منهما، ومع ذلك فكان يخاف أن لا يقبل منه شيء، فحاصله أنه قال إنما أتم متابعة لعثمان وليت الله قبل مني ركعتين من الأربع. قال الخطابي: لو كان المسافر لا يجوز له الإتمام كما يجوز له القصر لم يتابعوا عثمان إذ لا يجوز على الملأ من الصحابة متابعته على الباطل، فدل ذلك على أن من رأيهم جواز الإتمام وإن كان الاختيار عند كثير منهم القصر، ألا ترى أن عبد الله أتم الصلاة بعد ذلك واعتذر بقوله الخلاف شر، فلو كان الإتمام لا يجوز لكان الخلاف له خيراً من الشر إلا إنه روى عن إبراهيم أنه قال إنما صلى عثمان رضي الله عنه أربعاً لأنه كان اتخذها وطناً. وعن الزهري أنه قال إنما فعل ذلك لأنه اتخذ الأموال بالطائف وأراد أن يقيم بها، وكان من مذهب ابن عباس رضي الله عنه أن المسافر إذا قدم على أهل أو ماشية أتم الصلاة. وقال أحمد بن حنبل بمثل قول ابن عباس انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي مختصراً ومطولاً وليس في حديثهم ما ذكره ابن قرة عن ابن مسعود.
"لأنه أجمع" أي أجمع عزيمته وصمم قصده على الإقامة بعد الحج. قال المنذري: هذا منقطع، الزهري لم يدرك عثمان رضي الله عنه.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
بعد قول المنذري وأما ما روي عن عثمان أنه تأهل بمكة فيرده سفر النبي صلى الله عليه وسلم بزوجاته انتهى.
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وأما ما روي عن عثمان أنه تأهل بمكة فيرده أن هذا غير معروف بل المعروف أنه لم يكن له بها أهل ولا مال وقد ذكر مالك في الموطأ أنه بلغه أن عثمان بن عفان كان إذا اعتمر ربما لم يحطط راحلته حتى يرجع.
ويردده ما تقدم أن عثمان من المهاجرين الأولين وليس لهم أن يقيموا بمكة بعد الهجرة وقال ابن عبد البر وأصح ما قيل فيه أن عثمان أخذ بالإباحة في ذلك.

(5/307)


1960 - حدثنا هَنّادُ بنُ السّرِيّ عن أبي الأحْوَصِ عن المُغِيرَةِ عن إِبراهِيمَ قال: "إِنّ عُثْمانَ صَلّى أرْبعاً لأَنّهُ اتّخَذَهَا وَطَناً".
1961 - حدثنا مُحمّدُ بنُ الْعَلاَءِ أنبأنا ابنُ المُبَارَكِ عن يُونُسَ عن الزّهْرِيّ قال: "لَمّا اتّخَذَ عُثْمانُ الأمْوالَ بالطّائِفِ وَأَرَادَ أَنْ يُقِيْمَ بِهَا صَلّى أَرْبَعاً. قال: ثُمّ أَخَذَ بِهِ الأئِمّةُ بَعْدَهُ".
1962 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عن أيّوبَ عن الزّهْرِيّ: "أَنّ عُثْمانَ بنَ عَفّانَ أَتَمّ الصّلاَةَ بِمِنًى مِنْ أَجْلِ الأعْرَابِ لأَنّهُمْ كَثُرُوا عامَئِذٍ، فَصَلّى بالنّاسِ أَرْبعاً لِيُعَلّمَهُمْ أَنّ الصّلاَةَ أَرْبَعٌ.
ـــــــ
"عن إبراهيم" قال المنذري: هذا أيضاً منقطع.
"ثم أخذ به" أي بالإتمام دون القصر.
"عامئذ" أي في تلك السنة قال المنذري: والظاهر أن هذا كله إنما هو تأويل لفعل عثمان رضي الله عنه. وقد أجيب عن هذا جميعه.
ـــــــ
وقال غيره اعتقد عثمان وعائشة في قصر النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان رخصة أخذ بالأيسر رفقا بأمته فأخذا بالعزيمة وتركا الرخصة والله أعلم.

(5/308)


77 - باب القصر لأهل مكة
1963 - حدثنا النّفَيْلِيّ أخبرنا زُهَيْرٌ أخبرنا أبُو إِسْحَاقَ حَدّثَني حارِثةُ بنُ وَهْبٍ الْخُزَاعِيّ - وكَانَتْ أُمّهُ تَحْتَ عُمَرَ فَوَلَدَتْ لَهُ عُبَيْدَالله بنَ عُمَرَ قال: صَلّيْتُ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بِمنًى وَالنّاسُ أَكْثَرَ ما كَانُوا فَصَلّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ في حَجّةِ الْوَدَاعِ.
قال أَبُو دَاوُد: حارِثةُ مِنْ خُزَاعَةَ وَدَارُهُمْ بمَكّةَ.
ـــــــ
باب القصر لأهل مكة
"أكثر ما كانوا" ما مصدرية ومعناه الجمع أي أكثر أكوانهم لأن ما أضيف إليه أفعل يكون جمعاً، والمعنى صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين والحال أن الناس كان أكوانهم في ذلك الوقت أكثر من أكوانهم في سائر الأوقات يعني أن الناس كانوا في ذلك الوقت أكثر مما كانوا في سائر الأوقات. ففي رواية مسلم والناس أكثر مما كانوا. وفقه الحديث أن القصر ليس

(5/308)


...............................
ـــــــ
مختصاً بالخوف، فإن ذلك الوقت كان وقت أمن ومع ذلك قصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقصرنا معه، فدل على أن القصر ليس بمختص بالخوف. وفي حديث ابن عباس عند الترمذي وصححه النسائي خرج من المدينة إلى مكة لا يخاف إلا الله يصلي ركعتين، كذا في الشرح. قال الخطابي: ليس في قوله صلى بنا ركعتين دليل على أن المكي يقصر الصلاة بمنى لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مسافراً بمنى فصلى صلاة المسافر، ولعله لو سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن صلاته لأمره بالإتمام، وقد يترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيان بعض المأمور في بعض المواطن اقتصاراً على ما تقدم من البيان السابق خصوصاً في مثل هذا الأمر الذي هو من العلم الظاهر العام. وكان عمر بن الخطاب يصلي بهم فيقصر فإذا سلم التفت إليهم وقال أتموا يا أهل مكة فإنا قوم سفر، وقد اختلف الناس في هذا، فقال الشافعي: يقصر الإمام والمسافر معه ويقوم أهل مكة فيتمون لأنفسهم، وإليه ذهب سفيان الثوري وأحمد بن حنبل، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. وقد روي ذلك عن عطاء ومجاهد والزهري، وذهب مالك والأوزاعي وإسحاق إلى أن الإمام إذا قصر قصروا معه وسواء في ذلك أهل مكة وغيرهم انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي بنحوه.

(5/309)


78 - باب في رمي الجمار
1964 - حدثنا إِبراهِيمُ بنُ مَهْدِيَ حَدّثَني عَليّ بنُ مُسْهِرٍ عن يَزِيدَ بنِ أبي زِيَادٍ أنبأنا سُلَيْمانُ بنُ عَمْرِو بنِ الأحْوَصِ عن أُمّهِ قالَتْ:رَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَرْمِي الْجَمرَةَ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي وَهُوَ راكِبٌ، يُكَبّرُ مَعَ كلّ حَصَاةٍ، وَرَجُلٌ مِنْ خَلْفِهِ يَسْتُرُهُ، فَسَأَلْتُ عن الرّجُلِ فقالُوا: الْفَضْلُ بنُ الْعَبّاسِ، وَازْدَحَمَ النّاسُ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "يا أَيّهَا النّاسُ لا يَقْتُلْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً، وَإِذَا رَمَيْتُمُ الْجَمرَةَ فارْمُوا بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ" .
1965 - حدثنا أبُو ثَوْرٍ إِبراهِيمُ بنُ خَالِدٍ وَ وَهْبُ بنُ بَيانٍ قالا أخبرنا عُبَيْدَةُ عن يَزِيدَ بنِ أبي زِيادٍ عن سُلَيْمانَ بنِ عَمْرِو بنِ الأحْوَصِ عن أُمّهِ قالَتْ: رَأَيْتُ
ـــــــ
باب في رمي الجمار
"عن أمه" هي أم جندب الأزدية كما سيجيء "من بطن الوادي" هو مسيل الماء، قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم يختارون أن يرمي الرجل من بطن الوادي، وقد رخص بعض أهل العلم إن لم يمكنه أن يرمي من بطن الوادي رمى من حيث قدر عليه وإن لم يكن في بطن الوادي قال محمد في الموطأ هو أفضل ومن حيث ما رمى فهو جائز وهو قول أبي حنيفة رحمه الله وقول العامة "لا يقتل بعضكم بعضاً" أي بالزحام وبالرمي بالحصى الكبيرة. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه بنحوه وأم سليمان هي أم جندب الأزدية، جاء ذلك مبيناً في

(5/309)


رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عِنْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ راكِباً وَرَأَيْتُ بَيْنَ أصابِعِهِ حَجَراً فَرَمَى وَرَمَى النّاسُ.
1966 - حدثنا مُحمّدُ بنُ الْعَلاَءِ أنبأنا ابنُ إدْرِيسَ أخبرنا يَزِيدُ بنُ أبي زِيادٍ بإسْنَادِهِ في هَذَا الْحَدِيثِ. زَادَ: وَلم يَقُمْ عِنْدَها.
1967 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ أخبرنا عبد الله - يَعني ابنَ عُمَرَ - عن نافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ: أَنّهُ كَانَ يَأْتِي الْجِمَارَ في الأيّامِ الثّلاَثَةِ بَعْدَ يَوْمِ النّحْرِ ماشِياً ذَاهِباً وَرَاجِعاً، وَيُخْبِرُ أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
1968 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا يَحْيى بنُ سَعِيدٍ عن ابنِ جُرَيْجٍ أخبرني أبُو الزّبَيْرِ أَنّهُ سَمِعَ جابِرَ بنَ عبد الله يقُولُ:رَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النّحْرِ يقُولُ: "لتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ" . قال: لا أَدْرِي [فإنِّي لا أَدْرِي] لَعَلّي لا أَحُجّ بَعْدَ حَجّتِي هَذِهِ" .
ـــــــ
بعض طرقه وفي إسناده يزيد بن أبي زياد وقد تقدم الكلام عليه "بين أصابعه حجراً" أي حصى كما يدل عليه قوله بين أصابعه "ولم يقم عندها" أي عند جمرة العقبة يوم النحر، وأما بعد يوم النحر ففيه حديث عائشة أنه كان يقف عند الأولى والثانية فيطيل القيام كما سيجيء "عن ابن عمر أنه كان يأتي الجمار" قال المنذري: في إسناده عبد الله بن عمر بن حفص العمري وفيه مقال، وقد أخرج له مسلم مقروناً بأخيه عبيدالله "يرمي على راحلته يوم النحر" قال الشافعي: يستحب لمن وصل منى راكباً أن يرمي جمرة العقبة يوم النحر راكباً ومن وصلها ماشياً أن يرميها ماشياً، وفي اليومين الأولين من التشريق يرمي جميع الجمرات ماشياً، وفي اليوم الثالث راكباً: وقال أحمد وإسحاق: يستحب يوم النحر أن يرمي ماشياً. ذكره الطيبي "لتأخذوا" بكسر اللام.
قال النووي: هي لام الأمر ومعناه خذوا مناسككم قال: وهكذا وقع في رواية غير مسلم وتقدير الحديث أن هذه الأمور التي أتيت بها في حجتي من الأقوال والأفعال والهيئات هي أمور الحج وصفته، والمعنى اقبلوها واحفظوها واعملوا بها وعلموها الناس "قال لا أدري" ولفظ مسلم:"فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي" بفتح الحاء مصدر "هذه" التي في تلك السنة الحاضرة وفيه إشارة إلى توديعهم وإعلامهم بقرب وفاته صلى الله عليه وسلم، ولهذا سميت حجة الوداع.
وروى البيهقي وابن عبدالبر أنه صلى الله عليه وسلم رمى أيام التشريق ماشياً قال البيهقي: فإن صح هذا

(5/310)


1969- حدثنا ابنُ حَنْبَلٍ [أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ] أخبرنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عن ابنِ جُرَيْجٍ أخبرني أبُو الزّبَيْرِ سَمِعْتُ جَابِرَ بنَ عبد الله يقُولُ: رأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النّحْرِ ضُحًى، فأَمّا بَعْدَ ذَلِكَ فَبَعْدَ زَوَالِ الشّمْسِ.
1970 - حدثنا عبد الله بنُ مُحمّدٍ الزّهْرِيّ أخبرنا سُفْيَانُ عن مِسْعَرٍ عن وَبَرَةَ قال: سَأَلْتُ ابنَ عُمَرَ: مَتَى أَرْمِي الْجمَارَ؟ قال: إذَا رَمَى إِمَامُكَ فارْمِ. فأَعَدْتُ عَلَيْهِ
ـــــــ
كان أولى بالاتباع. وقال غيره: قد صححه الترمذي. قال ابن عبد البر: وفعله جماعة من الخلفاء بعده وعليه العمل وحسبك ما رواه القاسم بن محمد من فعل الناس، ولا خلاف أنه صلى الله عليه وسلم وقف بعرفة راكباً ورمى الجمار ماشياً وذلك محفوظ من حديث جابر انتهى.
قلت: ويستثنى منه رمي جمرة العقبة في أول أيام النحر وحديث جابر هذا ليس في رواية اللؤلؤي، ولذا لم يذكره المنذري. قال المزي: هذا الحديث في رواية أبي الحسن بن العبد وأبي بكر بن داسة ولم يذكره أبو القاسم. قلت: وأخرجه مسلم والنسائي والله أعلم.
"ضحى" أي قبل الزوال. قال الشوكاني: لا خلاف أن هذا الوقت هو الأحسن لرميها. واختلف فيمن رماها قبل الفجر، فقال الشافعي: يجوز تقديمه من نصف الليل، وبه قال عطاء وطاووس. وقالت الحنفية وأحمد وإسحاق والجمهور: إنه لا يرمي جمرة العقبة إلا بعد طلوع الشمس، ومن رمى قبل طلوع الشمس وبعد طلوع الفجر جاز، وإن رماها قبل الفجر أعاد. قال ابن المنذر: السنة أن لا يرمي إلا بعد طلوع الشمس كما فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا يجوز الرمي قبل طلوع الفجر لأن فاعله مخالف للسنة، ومن رماها حينئذ فلا إعادة عليه إذ لا أعلم أحداً قال لا يجزئه انتهى. والأدلة تدل على أن وقت الرمي من بعد طلوع الشمس لمن كان لا رخصة له، ومن كان له رخصة كالنساء وغيرهن من الضعفة جاز له قبل ذلك ولكنه لا يجزىء في أول ليلة النحر إجماعاً. واعلم أن قد قيل إن الرمي واجب بالإجماع، كما حكى ذلك بعض، واقتصر صاحب الفتح على حكاية الوجوب عن الجمهور. وقال إنه عند المالكية سنة، وحكى ابن جرير عن عائشة وغيرها أن الرمي إنما شرع حفظاً للتكبير فإن تركه وكبر أجزأه والحق أنه واجب لأن أفعاله صلى الله عليه عليه وسلم بيان لمجمل واجب وهو قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "خذوا عني مناسككم" قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه بنحوه.
-"عن وبرة" بفتحات وقيل بسكون الموحدة هو ابن عبد الرحمَن تابعي "قال سألت ابن عمر متى أرمي الجمار" أي في اليوم الثاني وما بعده "قال إذا رمي إمامك" أي اقتد في الرمي

(5/311)


المَسْأَلَةَ. فقال: كُنّا نَتَحَيّنُ زَوَالَ الشّمْسِ، فإِذَا زَالَتِ الشّمْسُ رَمَيْنَا.
1971 - حدثنا عَلِيّ بنُ بَحْرٍ وَ عبد الله بنُ سَعِيدٍ المعنى قالا أخبرنا أبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ عن مُحمّدِ بنِ إِسْحَاقَ عن عبد الرّحْمَنِ بنِ الْقَاسِمِ عن أبِيهِ عن عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْها قالَتْ: أَفَاضَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ حِينَ صَلّى الظّهْرَ ثُمّ رَجَعَ إلَى مِنًى فَمَكَثَ بِهَا لَيَالِي أَيّامِ التّشْرِيقِ يَرْمِي الْجَمْرَةَ إِذَا زَالَتِ الشّمْسُ، كلّ جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبّرُ مَع كلّ حَصَاةٍ، وَيَقِفُ عِنْدَ اْلأُولَى وَالثّانِيَةِ فَيُطِيلُ الْقِيَامَ وَيَتَضَرّعُ وَيَرْمِي الثّالِثَةَ وَلا يَقِفُ عِنْدَهَا .
ـــــــ
بمن هو أعلم منك بوقت الرمي. قاله الطيبي رحمه الله. ويؤيده ما قال بعضهم من تبع عالماً لقى الله سالما.
وأما قول ابن حجر المكي أي الإمام الأعظم إن حضر الحج وإلا فأمير الحج ففيه أنهم لا يجوز الاقتداء بهم في زماننا "فارم" تقديره ارم موضع الجمرة أو ارم الرمي أو الحصى "فأعدت عليه المسألة" أردت تحقيق وقت رمي الجمرة "فقال كنا نتحين" أي نطلب الحين والوقت أي بعد يوم النحر. قال الطيبي: أي ننتظر دخول وقت الرمي "فإذا زالت الشمس رمينا" بلا ضمير أي الجمرة وفي رواية ابن ماجه تصريح بأنه بعد صلاة الظهر، كذا في المرقاة. قال المنذري وأخرجه البخاري.
"أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه" أي طاف للزيارة في آخر يوم النحر وهو أول أيام النحر "حين صلى الظهر" فيه دلالة على أنه صلى الظهر بمنى ثم أفاض، وتقدم الكلام فيه "فمكث بها" أي بمنى "ليالي أيام التشريق" هذا من جملة ما استدل به الجمهور على أن المبيت بمنى واجب وأنه من جملة مناسك الحج. وقد اختلف في وجوب الدم لتركه، وتقدم الكلام فيه "يكبر مع كل حصاة" حكى الماوردي عن الشافعي أن صفته: الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد "ويقف عند الأولى الخ" فيه استحباب الوقوف عند الجمرة الأولى والثانية وهي الوسطى والتضرع عندها وترك القيام عند الثالثة وهي جمرة العقبة قال المنذري: في إسناده محمد بن إسحاق بن يسار وقد تقدم الكلام عليه.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رمى الجمرة بسبع حصيات من رواية عبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عمر وشك الشاك لا يؤثر في جزم الجازم.

(5/312)


1972 - حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ وَ مُسْلِمُ بنُ إِبراهِيمَ المعنى قالا أخبرنا شُعْبَةُ عن الْحَكَمِ عن إِبراهِيمَ عن عبد الرّحْمَنِ بنِ يَزِيدَ عن ابنِ مَسْعُودٍ قال: لَمّا انْتَهَى إلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى جَعَلَ الْبَيْتَ عن يَسَارِهِ وَمِنًى عن يَمِينِهِ وَرَمَى الْجَمْرَةَ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ وَقال: هَكذَا رَمَى الّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ.
1973 - حدثنا عبد الله بنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ ح. وأخبرنا ابنُ السّرْحِ
ـــــــ
"عن ابن مسعود قال لما انتهى" أي وصل "إلى الجمرة الكبرى" أي العقبة ووهم الطيبي فقال أي الجمرة التي عند مسجد الخيف "جعل البيت" أي الكعبة "عن يساره" فيه أنه يستحب لمن وقف عند الجمرة أن يجعل مكة عن يساره "ومنى عن يمينه" فيه أنه يستحب أن يجعل منى على جهة يمينه ويستقبل الجمرة بوجهه"ورمى الجمرة بسبع حصيات" فيه دليل على أن رمي الجمرة يكون بسبع حصيات وهو يرد قول ابن عمر ما أبالي رميت الجمرة بست أو بسبع. وروى عن مجاهد أنه لا شيء على من رمى بست. وعن طاووس يتصدق بشيء وعن مالك والأوزاعي من رمى أقل من سبع وفاته التدارك يجبره بدم. وعن الشافعي في ترك حصاة مد، وفي ترك حصاتين مدان، وفي ثلاثة فأكثر دم. وعن الحنفية إن ترك أقل من نصف الجمرات الثلاث فنصف صاع وإلا فدم "أنزلت عليه سورة البقرة" خصها بالذكر لأن معظم أحكام الحج فيها. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه مختصراً.
ـــــــ
واختلف الناس في ذلك فالذي ذهب إليه الجمهور وجوب استيفاء السبع في كل رمي وحكى الطبري عن بعضهم أنه لو ترك رمي جميعهن بعد أن يكبر عند كل جمرة سبع تكبيرات أجزأه ذلك قال وإنما جعل الرمي بالحصى في ذلك سببا لحفظ التكبيرات السبع.
وقال عطاء إن رمى بخمس أجزأه وقال مجاهد إن رمى بست فلا شيء عليه وبه قال إسحاق وقال الإمام أحمد إن نقص حصاة أو حصاتين فلا بأس وقال مرة إن رمى بست ناسيا فلا شيء عليه ولا ينبغي أن يتعمدة فإن تعمده تصدق بشيء.
وكان عمر يقول ما أبالي رميت بست أو بسبع وقال مرة لا يجزيه أقل من سبع.
وروى النسائي والبيهقي في سننه والأثرم وغيرهم عن ابن أبي نجيح سئل طاووس عن رجل ترك حصاة قال يطعم لقمة فقال أبو عبدالرحمن لم تسمع قول سعد قال سعد بن مالك رجعنا في حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنا من يقول رميت بست ومنا من يقول رميت بسبع فلم يعب ذلك بعضنا على بعض.

(5/313)


أنبأنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني مَالِكٌ عن عبد الله بنِ أبي بَكْرِ بنِ مُحمّدِ بنِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ عن أبِيهِ عن أبي الْبَدّاحِ بنِ عَاصِمٍ عن أبِيهِ: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم رَخّصَ [أرَخّصَ] لرِعَاءِ اْلإِبِلِ في الْبَيْتُوتَةِ يَرْمُونَ يَوْمَ النّحْرِ، ثُمّ يَرْمُونَ الْغَدَ وَمِنْ بَعْدِ الْغَدِ بِيَوْمَيْنِ، وَيَرْمُونَ يَوْمَ النّفْرِ.
ـــــــ
"عن أبي البداح" بفتح الموحدة فتشديد الدال وبالحاء المهملتين. ابن عاصم "عن أبيه" أي عاصم بن عدي. قال الطيبي رحمه الله: الصحيح أن أبا البداح صحابي يروي عن أبيه. قال ابن عبد البر: وقد اختلف في صحبته فقيل له إدراك وقيل إن الصحبة لأبيه وليست له صحبة، والصحيح أنه صحابي "رخص لرعاء الإبل" بكسر الراء والمد جمع راع لرعاتها "في البيتوتة" أي في تركها "يرمون" أي جمرة العقبة "يوم النحر" أي يوم العيد وهو العاشر من ذي الحجة "ثم يرمون الغد" من يوم النحر وهو اليوم الحادي عشر وأول أيام التشريق "ومن بعد الغد" وهو اليوم الثاني عشر "بيومين" أي ليومين متعلق ليرمون فظاهر الحديث أنهم يرمون بعد يوم النحر وهو اليوم الحادي عشر لذلك اليوم باليوم الآتي وهو الثاني عشر، ويجمعون بين رمي يومين بتقديم الرمي على يومه وفي الترمذي والنسائي وغيرهما من هذا الوجه بلفظ: رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم لرعاء الإبل في البيتوتة أن يرموا يوم النحر ثم يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر فيرموه في أحدهما "ويرمون يوم النفر" أي الانصراف من منى وهذا الظاهر خلاف ما فسره مالك لهذا الحديث فقال في الموطأ والزرقاني في شرحه قال مالك: تفسير الحديث فيما نرى والله أعلم أنهم يرمون يوم النحر جمرة العقبة ثم ينصرفون لرعيهم فإذا مضى اليوم الذي يلي يوم النحر وهو ثانيه أتوا اليوم الثالث رموا من الغد وذلك يوم النفر الأول لمن تعجل في يومين فيرمون لليوم الذي مضى أي ثاني النحر، ثم يرمون ليومهم ذلك الحاضر ثالث النحر ويدل لفهم مالك الإمام رواية سفيان الآتية بلفظ: رخص للرعاء أن يرموا يوماً ويدعوا يوماً. قال مالك: فإن بدا لهم النفر فقد فرغوا لأنهم تعجلوا في يومين وإن أقاموا بمنى إلى الغد رموا مع الناس يوم النفر الآخر بكسر الخاء ونفروا، وهكذا قاله مالك والزرقاني في شرحه.
وقال الخطابي: أراد بيوم النفر ههنا النفر الكبير وهذا رخصة رخصها رسول الله صلى الله عليه وسلم للرعاء لأنهم مضطرون إلى حفظ أموالهم فلو أنهم أخذوا بالمقام والمبيت بمنى ضاعت أموالهم وليس حكم غيرهم كحكمهم. وقد اختلف الناس في تعيين اليوم الذي يرمى فيه فقال مالك: يرمون يوم النحر، فإذا مضى اليوم الذي يلي يوم النحر رموا من الغد وذلك يوم النفر الأول

(5/314)


1974 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا سُفْيَانُ عن عبد الله وَ مُحمّدٍ ابْنَيْ أبي بَكْرٍ عن أبِيهِمَا عن أبي الْبَدّاحِ بنِ عَدِيَ عن أبِيهِ: أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم رَخّصَ للرّعَاءِ أَنْ يَرْمُوا يَوْماً وَيَدَعُوا يَوْماً .
1975 - حدثنا عبد الرّحْمَنِ بنُ المُبَارَكِ أخبرنا خَالِدُ بنُ الْحَارِث أخبرنا شُعْبَةُ عن قَتَادَةَ قال: سَمِعْتُ أَبَا مِجْلَزٍ يقُولُ سَأَلْتُ ابنَ عَبّاسٍ عن شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجِمَارِ، فقال: ما أَدْرَي أَرَمَاهَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِسِتَ أوْ بِسَبْعٍ.
1976 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا عبد الْوَاحِدِ بنُ زِيَادٍ أخبرنا الْحَجّاجُ عن الزّهْرِيّ عن عَمْرَةَ بِنْتِ عبد الرّحْمَنِ عن عَائِشَةَ قالَتْ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا رَمَى أَحَدُكُم جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فَقَدْ حَلّ لَهُ كلّ شَيْءٍ إِلاّ النّسَاءَ" .
قال أَبُو دَاوُد: هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ. الْحَجّاجُ لَمْ يَرَ الزّهْرِيّ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ
ـــــــ
يرمون لليوم الذي مضى ويرمون ليومهم ذلك، وذلك لأنه لا يقضي أحد شيئاً حتى يجب عليه. وقال الشافعي نحواً من قول مالك. وقال بعضهم هم بالخيار، إن شاؤوا قدموا وإن شاؤوا أخروا. انتهى.
قلت: النفر الآخر والنفر الكبير هو نفر اليوم الرابع إن لم يتعجلوا. كذا في الشرح. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وقال الترمذي حسن صحيح.
"عن أبي البداح بن عدي" قال الحافظ في التلخيص: قال الحاكم من قال عن أبي البداح بن عدي فقد نسبه إلى جده انتهى "رخص للرعاء أن يرموا" قال المنذري: وأخرجه الترمذي وذكر الأول أصح.
"عن شيء من أمر الجمار" أي عن عدد الحصى التي يرمي بها الجمار "فقال" ابن عباس "ما أدرى" قلت: قد ثبت من حديث عبد الله بن مسعود عند الشيخين وابن عمر عند البخاري وجابر بن عبد الله عند مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى بسبع حصيات فهو أولى بالأخذ، وأما ابن عباس فتردد وشك فيه فلا يؤخذ به. كذا في الشرح قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"إذا رمى أحدكم الخ" وعند أحمد في مسنده من هذا الوجه: إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب وكل شيء إلا النساء، وهو يدل على أنه بمجموع الأمرين رمي جمرة العقبة والحلق يحل كل محرم على المحرم إلا النساء، فلا يحل وطئهن إلا بعد طواف الإفاضة، والظاهر أنه مجمع على حل الطيب وغيره إلا الوطء بعد الرمي وإن لم يحلق، كذا في سبل السلام. وعند أحمد أيضاً من حديث ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل

(5/315)


...................................
ـــــــ
شيء إلا النساء" قال في البدر المنير: إسناده حسن. قال الشوكاني واستدل به الحنفية والشافعية على أنه يحل بالرمي لجمرة العقبة كل محظور من محظورات الإحرام إلا الوطء للنساء فإنه لا يحل به بالإجماع انتهى.
قال المنذري: والحجاج هذا هو ابن أرطاة، قد ذكر غير واحد من الحفاظ أنه لا يحتج بحديثه. وذكر عباد بن العوام ويحيى وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان أن الحجاج لم يسمع من الزهري شيئاً. وذكر عن الحجاج نفسه أنه لم يسمع منه شيئاً.

(5/316)


79 - باب الحلق والتقصير
1977 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن نَافِعٍ عن عبد الله بنِ عُمَرَ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "اللّهُمّ ارْحَمِ المُحَلّقِينَ". قالُوا: يا رسول الله وَالمُقَصّرِينَ. قال: "اللّهُمّ ارْحَمِ المُحَلّقِينَ". قالُوا يا رسول الله وَالمُقَصّرِينَ. قال: "وَالمُقَصّرِينَ" .
1978 - حدثنا قُتَيْبَةُ أخبرنا يَعْقُوبَ - يَعْني اْلإِسْكَنْدَارانيّ - عن مُوسَى بنِ عُقْبَةَ
ـــــــ
باب الحلق والتقصير
"قال اللهم ارحم المحلقين" وفيه دليل على الترحم على الحي وعدم اختصاصه بالميت "والمقصرين" هو عطف على محذوف تقديره قل والمقصرين ويسمى عطف التلقين. والحديث يدل على أن الحلق أفضل من التقصير لتكريره صلى الله عليه وآله وسلم الدعاء للمحلقين وترك الدعاء للمقصرين في المرة الأولى والثانية مع سؤالهم له ذلك. وظاهر صيغة المحلقين أنه يشرع حلق جميع الرأس لأنه الذي تقتضيه الصيغة إذ لا يقال لمن حلق بعض رأسه إنه حلق إلا مجازاً.
وقال قال بوجوب حلق الجميع أحمد ومالك واستحبه الكوفيون والشافعي ويجزىء البعض عندهم، واختلفوا في مقداره فعن الحنفية الربع إلا أن أبا يوسف قال النصف، وعن الشافعي أقل ما يجب حلق ثلاث شعرات، وهكذا الخلاف في التقصير. وقد اختلف أهل العلم في الحلق هل هو نسك أو تحليل محظور، فذهب إلى الأول الجمهور وإلى الثاني عطاء وأبو يوسف ورواية عن أحمد وبعض المالكية. وقد أطال صاحب الفتح الكلام على هذا الحديث فمن أحب الإحاطة بجميع ذيوله فليرجع إليه. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم.

(5/316)


عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم حَلّقَ رَأُسَهُ في حَجّةِ الْوَدَاعِ.
1979 - حدثنا مُحمّدُ بنُ الْعَلاَءِ أخبرنا حَفْصٌ عن هِشَامٍ عن ابنِ سِيرِينَ عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النّحْرِ، ثُمّ رجَعَ إلى مَنْزِلِهِ بِمِنًى فَدَعَا بِذِبْحٍ فَذَبَحَ، ثُمّ دَعَا بالْحَلاّقِ فأَخَذَ يَشُقّ رَأْسَهُ الأيْمَنَ فَحَلَقَهُ فَجَعَلَ يَقْسِمُ بَيْنَ مَنْ يَلِيهِ الشّعْرَةَ وَالشّعْرَتَيْنِ، ثُمّ أَخَذَ بِشِقّ رَأْسِهِ الأيْسَرِ فَحَلَقَهُ ثُمّ قال: [فقال] هَهُنَا أبُو طَلْحَةَ، فَدَفَعَهُ إلى أبي طَلْحَةِ .
1980 - حدثنا عُبَيْدُ بنُ هَشَامٍ أبُو نُعَيْمٍ الْحَلَبيّ وَ عَمْرُو بنُ عُثْمانَ المعنى قالا
ـــــــ
"حلق رأسه" بتشديد اللام وتخفيفها أي أمر بحلقه. اختلفوا في اسم هذا الرجل الذي حلق رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، فالصحيح المشهور أنه معمر بن عبد الله العدوي لما في صحيح البخاري قال: زعموا أنه معمر بن عبد الله. قال في المرقاة: في الصحيحين وغيرهما أنه صلى الله عليه وسلم قصر في عمرة القضاء، وقد قال تعالى {مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} : فدل على جواز كل منهما إلا أن الحلق أفضل بلا خلاف، والظاهر وجوب استيعاب الرأس، وبه قال مالك وغيره، وحكى النووي الإجماع عليه والمراد به إجماع الصحابة أو السلف رحمهم الله، ولم يحفظ عنه صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه الكرام الاكتفاء ببعض شعر الرأس. وأما القياس على مسح الرأس فغير صحيح للفرق بينهما. ولم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام قط أنهم اكتفوا بحلق بعض الرأس أو تقصيره بل ورد النهي عن القزعة حتى للصغار وهي حلق بعض الرأس وتخلية بعضه فالظاهر أنه لا يخرج من الإحرام إلا بالاستيعاب كما قال به مالك. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم.
"ثم رجع إلى منزله بمنى" وهو الآن يسمى مسجد الحنيف. قال ابن حجر المكي: هو ما بين مسجد الحنيف ومحل نحره المشهور على يمين الذاهب إلى عرفة "فدعا بذبح" بكسر أوله ما يذبح من الغنم "ثم دعا بالحلاق" هو معمر بن عبد الله العدوي وقيل غيره "فأخذ بشق رأسه الأيمن" قال الطيبي: دل على أن المستحب الابتداء بالأيمن، وذهب بعضهم إلى أن المستحب الأيسر أي ليكون أيمن الحالق "الشعرة" بفتح الشين "ثم قال ههنا" بحذف حرف الاستفهام "أبو طلحة" الأنصاري "فدفعه" أي النصف "إلى أبي طلحة" قال الشوكاني: فيه مشروعية التبرك بشعر أهل الفضل ونحوه، وفيه دليل على طهارة شعر الآدمي وبه قال الجمهور. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.

(5/317)


أخبرنا سُفْيَانُ عن هِشَامِ بنِ حَسّانَ بإسْنَادِهِ بِهذَا قال فيه: قال لِلْحَالِقِ: "ابْدَأْ بالشّقّ الأَيْمَنِ فاحْلِقْهُ" .
1981 - حدثنا نَصْرُ بنُ عَلِيَ أنبأنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ أنبأنا خَالِدٌ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ: أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَسْأَلُ يَوْمَ مِنًى فَيَقُولُ: "لاَ حَرَجَ"، فَسَأَلَهُ رَجُلٌ فقال: إِنّي حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ. قال: "اذْبَحْ وَلاَ حَرَجَ". قال: إِنّي أَمْسَيْتُ وَلم أَرْمِ. قال: "ارْمِ وَلاَ حَرَجَ" .
1982 - حدثنا مُحمّدُ بنُ الْحَسَنِ الْعَتَكِيّ أنبأنا مُحمّدُ بنُ بكْرٍ أنبأنا ابنُ جُرَيجٍ قال: بَلَغَنِي عن صَفِيّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ بنِ عُثْمانَ قَالَتْ أَخْبَرَتْني أُمّ عُثْمانَ بِنْتُ أبي سُفْيَانَ
ـــــــ
"قال للحالق" قد وجد هذا الحديث في النسختين. قال المزي: حديث عبيد بن هشام الحلبي وعمرو بن عثمان الحمصي في رواية أبي الحسن بن العبد وأبي بكر بن داسة، ولم يذكره أبو القاسم ولم يوجد هذا الحديث في بعض النسخ الموجودة وكذا ليس في مختصر المنذري، كذا في الشرح "كان يسأل" بصيغة المجهول "يوم منى" أي عن تقديم بعض الأفعال وتأخيرها "فيقول لا حرج" قال الطيبي: أفعال يوم النحر أربعة: رمي جمرة العقبة ثم الذبح ثم الحلق ثم طواف الإفاضة، فقيل هذا الترتيب سنة وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق لهذا الحديث فلا يتعلق بتركه دم. وقال ابن جبير: إنه واجب، وإليه ذهب جماعة من العلماء، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأولوا قوله ولا حرج على دفع الإثم لجهله دون الفدية انتهى. قلت: الحديث يدل على جواز تقديم بعض الأمور المذكورة فيها على بعض وهو إجماع كما قال ابن قدامة في المغني. قال في الفتح: إلا أنهم اختلفوا في وجوب الدم في بعض المواضع انتهى. وقد ذهب إلى إيجاب الدم بعض الأئمة كما تقدم، وذهب أكثر العلماء من الفقهاء والمحدثين إلى الجواز وعدم وجوب الدم قالوا لأن قوله صلى الله عليه وسلم ولا حرج يقتضي رفع الإثم والفدية معاً لأن المراد بنفي الحرج نفي الضيق وإيجاب أحدهما فيه ضيق، وأيضاً لو كان الدم واجباً لبينه صلى الله عليه وسلم لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. قاله الشوكاني في النيل وأطال فيه الكلام "إني أمسيت" المساء خلاف الصباح. قال أهل اللغة: المساء ما بين الظهر إلى المغرب والمعنى أني دخلت في المساء ولم أرم وكان عليّ الرمي قبل الزوال. قال المنذري: وأخرجه البخاري والنسائي.

(5/318)


أنّ ابنَ عَبّاسٍ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ عَلَى النّسَاءِ الْحَلْقُ إِنّمَا عَلَى النّسَاءِ التّقْصِيرُ" .
1983 - حدثنا أبُو يَعقُوبَ الْبَغْدَادِيّ ثِقَةٌ أخبرنا هِشَامُ بنُ يُوسُفَ عن ابن جُرَيْجٍ عن عبد الْحَمِيدِ بنِ جُبَيْرٍ بن شَيْبَةَ عن صَفِيّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ قالتْ أَخْبَرَتْني أُمّ عُثْمانَ بِنْتُ أبي سُفْيَانَ أَنّ ابنَ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: " لَيْسَ عَلَى النّسَاءِ الْحَلْقُ إِنّمَا عَلَى النّسَاءِ التّقْصِيرُ" .
ـــــــ
"ليس على النساء الحلق" أي لا يجب عليهن الحلق في التحلل إنما على النساء التقصير أي إنما الواجب عليهن التقصير بخلاف الرجال فإنه يجب عليهم أحدهما والحلق أفضل كذا في المرقاة، وفي النيل فيه دليل على أن المشروع في حقهن التقصير، وقد حكى الحافظ الإجماع على ذلك. قال جمهور الشافعية: فإن حلقت أجزأها. قال القاضي أبو الطيب والقاضي حسين: لا يجوز. وقد أخرج الترمذي من حديث علي رضي الله عنه نهى أن تحلق المرأة رأسها. وحديث ابن عباس سكت عنه المنذري وأخرجه الدارقطني والطبراني وقد قوى إسناده البخاري في التاريخ وأبو حاتم في العلل وحسنه الحافظ وأعله ابن القطان ورد عليه ابن المواق فأصاب. قاله الشوكاني.

(5/319)


80 - باب العمرة
1984 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا مَخْلَدُ بنُ يَزِيدَ وَ يَحْيَى بنُ زَكَرِيّا عن ابن جُرَيْجٍ عن عِكْرِمَةَ بن خَالِدٍ عن ابن عُمَرَ قالَ: اعْتَمَرَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قَبْلَ أَنْ يَحُجّ.
1985 - حدثنا هَنّادُ بنُ السّرِيّ عن ابن أبي زَائِدَةَ أخبرنا ابن جُرَيْجٍ وَ مُحمّدُ بنُ
ـــــــ
باب العمرة
هي في اللغة بمعنى الزيارة، وفي الشرع عبارة عن أفعال مخصوصة هي الطواف والسعي دون الوقوف بعرفة ودون المبيت بمزدلفة "عن ابن جريج عن عكرمة" وأخرجه ابن خزيمة من طريق محمد بن بكر عن ابن جريج قال: قال عكرمة بن خالد. وفي صحيح البخاري من طريق ابن جريج أن عكرمة بن خالد سأل ابن عمر عن العمرة قبل الحج فقال لا بأس. قال عكرمة قال ابن عمر: اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يحج. قال البخاري: وقال إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق حدثني عكرمة بن خالد قال سألت ابن عمر مثله. وعند أحمد في مسنده

(5/319)


إسْحَاقَ عن عبد الله بنِ طَاووسٍ عن أبِيهِ عن ابن عَبّاسٍ قال: وَالله مَا أَعْمَرَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَائِشَةَ في ذِي الْحِجّةِ إِلاّ لِيَقْطَعَ بِذَلِكَ أَمْرَ أَهْلِ الشّرْكِ، فإِنّ هَذَا الْحَيّ مِنْ قُرَيْشٍ وَمَنْ دَانَ دِينَهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ إذَا عَفَا الْوَبَرْ، وَبَرَأَ الدّبَرْ، وَدَخَلَ صَفَرْ فَقَدْ حَلّتِ الْعُمْرَةُ لِمَنْ اعْتَمَرَ، فَكَانُوا يُحَرّمُونَ الْعُمْرَةَ حَتّى يَنْسَلِخَ ذُو الْحِجّةِ وَالمُحْرّمُ.
1986 - حدثنا أبُو كَامِلٍ أخبرنا أبُو عَوَانَةَ عن إِبراهِيمَ بن مُهَاجِرٍ عن أبي بَكْرِ بن عبد الرّحْمَنِ أخْبَرَنِي رَسُولُ مَرْوَانَ الّذِي أُرْسِلَ إلَى أُمّ مَعْقَلٍ قَالَتْ:كَانَ [جَاءَ] أبُو مَعْقَلٍ حَاجّاً مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَلَمّا قَدِمَ قَالَتْ أُمّ مَعقَلٍ قَدْ عَلِمْتَ أَنّ عَلَيّ حَجّةً
ـــــــ
من طريق يعقوب بن إبراهيم عن ابن إسحاق حدثنا عكرمة بن خالد قال: قدمت المدينة في نفر من أهل مكة فلقيت عبد الله بن عمر فقلت: إنا لم نحج قط أفنعتمر من المدينة؟ قال نعم وما يمنعكم من ذلك فقد اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمره كلها قبل حجه، قال فاعتمرنا. كذا في فتح الباري.
"ليقطع" وليبطل "بذلك" أي باعتمارها في ذي الحجة "أمر أهل الشرك" الذين يرون أن العمرة في أشهر الحج أفجر الفجور في الأرض ويجعلون المحرم صفراً، وهذا من تحكماتهم الباطلة المأخوذة من غير أصل "ومن دان دينهم" أي تعبد بدينهم وتدين به "إذا عفا" أي كثر، يقال عفى القوم إذا كثر عددهم ومنه قوله تعالى: {حَتَّى عَفَوْا} "الوبر" بفتح الواو والباء أي وبر الإبل الذي حلق بالرحال. ولفظ الشيخين يقولون: إذا عفا الأثر أي اندرس أثر الإبل وغيرها في سيرها ويحتمل أثر الدبر "وبرأ الدبر" بفتح المهملة والموحدة أي ما كان يحصل بظهور الإبل من الحمل عليها ومشقة السفر فإنه كان يبرأ بعد انصرافهم من الحج، كذا في الفتح.
قال النووي: وهذه الألفاظ تقرأ ساكنة الراء لإرادة السجع. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم طرفاً منه ولم يخرجا قصة عائشة في العمرة، وحديث أبي داوود في إسناده محمد بن إسحاق وتقدم الكلام عليه.
"أخبرني رسول مروان الذي" صفة رسول "أُرسل" بصيغة المجهول "إلى أم معقل" والمرسل بكسر السين هو مروان، ويحتمل أن يكون لفظ الذي صفة مروان ولفظ أرسل بصيغة المعلوم وفاعله مروان وهذا احتمال قوي، وتؤيده رواية ابن مندة من طريق أبي عوانة وفيها الذي أرسله إلى أم معقل "فلما قدم" أبو معقل "قالت أم معقل" لزوجها أبي معقل "قد علمت" بصيغة الخطاب "أن علي حجة" أي بإرادة حج لي كانت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن ما قدر لي

(5/320)


فانطلقا يمشيان حتى دخلا عليه فقالت يا رسول الله إن علي حجة وَإِنّ لأبي مَعْقَلٍ بَكْراً، قالَ أبُو مَعْقَلٍ صَدَقَتْ جَعَلْتُهُ في سَبِيلِ الله، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "أَعْطِهَا فَلْتَحُجّ عَلَيْهِ فإِنّهُ في سَبِيلِ الله"، فَأَعْطَاهَا الْبَكْرَ، فَقَالَتْ يا رسول الله إِنّي امْرأَةٌ قَدْ
ـــــــ
الحج مع النبي صلى الله عليه وسلم وفاتني وحصل لي الحزن والتأسف على فوت المعية التي كانت باعثة لكثرة الثواب وتؤيده رواية النسائي ولفظه أن أم معقل جعلت عليها حجة معك، وعند ابن مندة أيضاً جعلت على نفسها حجة معك فلم يتيسر لها ذلك وليس المراد أن علي حجة فرضاً أو نذراً، فلا يدل الحديث على إجزاء العمرة في رمضان عن الحج وأنه يسقط بها الفرض عن الذمة بل المراد أن ثواب العمرة في رمضان كثواب الحج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا التأويل هو المتعين. ولا شك أن رواة هذا الحديث لم يتقنوا ألفاظ الحديث ولم يحفظوها بل اختلطوا وغيروا الألفاظ واضطربوا في الإسناد، وفيه ضعيف ومجهول "حتى دخلا عليه" أي على النبي صلى الله عليه وسلم "إن علي حجة" تقدم تأويله "بكراً" بالفتح الفتى من الإبل "صدقت" زوجتي أم معقل "جعلته" البكر "في سبيل الله" أي الغزو والجهاد "عليه" أي على البكر "فإنه" الحج "في سبيل الله" كما أن الجهاد في سبيل الله. قال الخطابي: فيه من الفقه جواز إحباس الحيوان، وفيه أنه جعل الحج من السبيل. وقد اختلف الناس في ذلك فكان ابن عباس لا يرى بأساً أن يعطي الرجل من زكاته في الحج، وروى مثل ذلك عن ابن عمر، وكان أحمد بن حنبل وإسحاق يقولان يعطي من ذلك الحج، وقال أبو حنيفة وأصحابه وسفيان الثوري والشافعي لا تصرف الزكاة إلى الحج وسهم السبيل عندهم الغزاة والمجاهدون انتهى. وقال المنذري: قال الترمذي: وحديث أم معقل حسن غريب من هذا الوجه انتهى. وقد روى من حديث أبي بكر بن عبد الرحمَن عن أبي معقل وهو الأسدي ويقال الأنصاري وحديث أم معقل في إسناده رجل مجهول وفي إسناده أيضاً إبراهيم بن مهاجر البجلي الكوفي وتكلم فيه غير واحد.
وقد اختلف عل ابن أبي بكر بن عبد الرحمَن فيه، فروى فيه عنه كما ههنا، وروى عنه عن أم معقل بغير واسطة، وروى عنه عن أبي معقل كما ذكرنا. وقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لامرأة من الأنصار سماها ابن عباس فنسيت اسمها "ما منعك أن تحجي معنا؟ قلت لم يكن لنا إلا ناضحان فحج أبو ولدها وابنها على ناضح وترك لنا ناضحاً ننضح عليه. قال فإذا جاء رمضان فاعتمري فإن عمرة فيه تعدل حجة" ولفظ البخاري: "فإن عمرة في رمضان حجة" أو نحواً مما قال، وسماها في رواية مسلم أم

(5/321)


كَبِرْتُ وَسَقِمْتُ فَهَلْ مِنْ عَمَلٍ يُجْزِىءُ عَنّي مِنْ حَجّتِي؟ قالَ "عُمْرَةٌ في رَمَضَانَ تُجْزِىءُ حَجّةً" .
1987 - حدثنا مُحمّدُ بنُ عَوْفٍ الطّائِيّ حدثنا أَحْمَدُ بنُ خَالِدٍ الْوَهْبِيّ أخبرنا مُحمّدُ بنُ إسْحَاقَ عنْ عِيسَى بنِ مَعْقَلٍ بن أُمّ مَعْقَلٍ الأسَدِيّ أَسَدِ خُزَيْمَةَ حَدّثَني يُوسُفُ بنُ عبد الله بنِ سَلاَمٍ عنْ جَدّتِهِ أُمّ مَعْقَلٍ قالَتْ: لَمّا حَجّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم حَجّةَ الْوَدَاعِ وَكَانَ لَنَا جَمَلٌ فَجَعَلَهُ أبُو مَعْقَلٍ في سَبِيلِ الله وَأَصَابَنَا مَرَضٌ وَهَلَكَ أبُو مَعْقَلٍ وَخَرَجَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمّا فَرَغَ مِنْ حَجّهِ جِئْتُهُ فَقَالَ "يَا أُمّ مَعْقَلٍ مَا مَنَعَكِ أَنْ تَخْرُجِي مَعَنَا"؟ قالَتْ لَقَدْ تَهَيّأْنَا فَهَلَكَ أبُو مَعْقَلٍ وَكانَ لَنَا جَمَلٌ هُوَ الّذِي نَحُجّ عَلَيْهِ، فَأَوْصَى بِهِ أبُو مَعْقَلٍ في سَبِيلِ الله قالَ "فَهَلاّ خَرَجْتِ عَلَيْهِ فَإِنّ الْحَجّ في سَبِيلِ الله، فأَمّا إذْ [إذَا] فَاتَتْكِ هَذِهِ الْحَجّةُ مَعَنَا، فَاعْتَمِرِي في رَمَضَانَ فَإِنّهَا كَحَجّةٍ"،
ـــــــ
سنان. وفيه قال جعله في سبيل الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعطها فلتحج عليه فعمرة في رمضان تقضي حجة أو حجة معي" انتهى كلام المنذري "إني امرأة قد كبرت" من باب سمع أي من طول عمري "وسقمت" الآن فما أدري متى أحج "فهل من عمل يجزىء" أي يكفي "عني من حجتي" معك "تجزىء حجة" معي.
"الأسدي أسد خزيمة" الأسدي منسوب إلى أسد والأسد كثيرون لكن أم معقل هي منسوبة إلى أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر أبي قبيلة عظيمة من مضر الحمراء: قاله في تاج العروس "فجعله أبو معقل في سبيل الله" ولم يكن لي غير هذا الجمل فكان هذا هو السبب لفوت حجتي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم "وأصابنا مرض" بعد ذلك "وهلك أبو معقل" بعد رجوعه مع النبي صلى الله عليه وسلم وليس المراد أنه مات قبل خروجه صلى الله عليه وسلم إلى الحج، فالعبارة فيها تقديم وتأخير، ولفظ البخاري: قالت لنا ناضح فركبه أبو فلان وابنه وترك ناضحاً ننضح عليه. وفي لفظ لمسلم: قالت ناضحان كانا لأبي فلان زوجها حج هو وابنه على أحدهما وكان الآخر يسقي عليه غلامنا "فلما فرغ" النبي صلى الله عليه وسلم "من حجه" ودخل المدينة "جئته" أي أنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم "فقال" لي النبي صلى الله عليه وسلم "لقد تهيأنا" للخروج معك فلم نقدر على الخروج وخرج أبو معقل معك "فهلك أبو معقل" بعد الحج "فأوصى به" أي جعله في سبيل الله "فهلا خرجت عليه" أي على ذلك الجمل المعد في سبيل الله "فإنها" العمرة في رمضان "كحجة" معي أي في الثواب

(5/322)


فَكَانَتْ تَقُولُ الْحَجّ حَجّةٌ وَالْعُمْرَةُ عُمْرَةٌ، وَقَدْ قالَ هَذَا لِيَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، مَا أَدْرِي أَلَيَ خَاصّةً.
1988 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا عبدالْوَارِثِ عنْ عَامِرِ الأحْوَلِ عنْ بَكْرٍ بنِ عبد الله عن ابن عَبّاسٍ قالَ: أَرَادَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الْحَجّ فَقَالَتْ امْرَأَةٌ لِزَوْجِهَا أَحِجّنِي
ـــــــ
"فكانت تقول" أم معقل "الحج حجة والعمرة عمرة" تعني ما هما واحدة في المنزلة فكيف جعل النبي صلى الله عليه وسلم عمرة رمضان كحجة "و" لاشك "قد قال هذا" القول أي العمرة في رمضان تعدل حجة "فما أدري ألي خاصة" أو لجميع الأمة عامة.
قال الحافظ في الفتح: قال ابن خزيمة في هذا الحديث: إن الشيء يشبه بالشيء ويجعل عدله إذا أشبهه في بعض المعاني لا جميعها، لأن العمرة لا يقضي بها فرض الحج ولا النذر. وقال ابن بطال: وفيه دليل على أن الحج الذي ندبها إليه كان تطوعاً لإجماع الأمة على أن العمرة لا تجزىء عن حجة الفريضة. فالحاصل أنه أعلمها أن العمرة في رمضان تعدل الحجة في الثواب لا أنها تقوم مقامها في إسقاط الفرض للإجماع على أن الاعتمار لا يجزىء عن حج الفرض. ونقل الترمذي عن إسحاق بن راهويه أن معنى الحديث نظير ما جاء أن قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن. وقال ابن العربي: حديث العمرة صحيح وهو من فضل الله ونعمته فقد أدركت العمرة منزلة الحج بانضمام رمضان إليها. وقال ابن الجوزي: فيه أن ثواب العمل يزيد بزيادة شرف الوقت كما يزيد بحضور القلب وبخلوص القصد. وقال غيره: يحتمل أن يكون المراد عمرة فريضة في رمضان كحجة فريضة وعمرة نافلة في رمضان كحجة نافلة.
ويحتمل أن يكون لبركة رمضان، ويحتمل أن يكون مخصوصاً بهذه المرأة. قال الحافظ: الثالث قال به بعض المتقدمين كسعيد بن جبير فإنه قال: ولا تعلم هذا إلا لهذ