Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود

المجلد السادس
تابع لكتاب المناسك
باب الإقامة في مكة
...
بسم الله الرحمن الرحيم
92 - باب الإقامة بمكة
2020 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ أخبرنا عبد الْعَزِيزِ - يَعني الدّرَاوَرْدِيّ - عن عبد الرّحْمَنِ بنِ حُمَيْدٍ أَنّهُ سَمِعَ عُمَرَ بنَ عبد الْعَزِيزِ يَسْأَلُ السّائِبَ بنَ يَزِيدَ: هَلْ سَمِعْتَ في الاْقَامَةِ بمَكّةَ شَيْئاً؟ قال أخبرني ابنُ الْحَضْرَمِيّ: أَنّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقُولُ للْمُهَاجِرِينَ: "إِقَامَةٌ بَعْدَ الصّدْرِ ثَلاَثاً في الْكَعْبَةَ" .
ـــــــ
باب الإقامة بمكة
"يقول للمهاجرين إقامة بعد الصدر ثلاثاً في الكعبة" أي بمكة بعد قضاء النسك، والمراد أن له مكث هذه المدة لقضاء حوائجه وليس له أزيد منها لأنها بلدة تركها لله تعالى فلا يقيم فيها أكثر من هذه المدة لأنه يشبه العود إلى ما تركه لله تعالى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه بمعناه.
وفي لفظ لمسلم: يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا قيل هذا يدل على أنه يريد بالصدر وقت صدر الناس آخر أيام منى بعد تمام نسكهم فيقيم هو بعدهم لحاجة لا أنه يقيم بعد أن يطوف طواف الصدر ثلاثة أيام ويجزيه ما تقدم من طوافه بل يعيده عند كافتهم إلا ما حكي عن أصحاب الرأي.
وهذا الحديث حجة لمن منع المهاجرة بعد الفتح مع الاتفاق على وجوب الهجرة عليهم قبل الفتح، ووجوب سكنى المدينة لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم ومواساتهم له بأنفسهم وإعزازهم لدينهم من الفتنة. وأما المهاجر ممن آمن بعد ذلك فلا خلاف في سكنى بلدة مكة أو غيرها انتهى.

(6/3)


93 - باب الصلاة في الكعبة
2021 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مالِكٍ عن نَافِعٍ عن عبد الله بنِ عُمَرَ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم دَخَلَ الْكَعْبَةَ هُوَ وَأُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ وَعُثْمانُ بنُ طَلْحَةَ الحَجَبِيّ وَبِلاَلٌ فَأَغْلَقَهَا عَلَيْهِ، فَمَكَثَ فيهَا. قالَ عبد الله بنُ عُمَرَ: فَسَأَلْتُ بِلاَلاً حِينَ خَرَجَ مَاذَا صَنَعَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم؟ فَقالَ جَعَلَ عَمُوداً عَنْ يَسَارِهِ وَعَمُودَيْنِ عنْ يَمِينِهِ وَثَلاَثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ، وَكَانَ الْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتّةِ أَعْمِدَةٍ ثُمّ صَلّى .
ـــــــ
باب الصلاة في الكعبة
"الحجبي" بفتح المهملة والجيم منسوب إلى حجابة الكعبة وهي ولايتها وفتحها وإغلاقها وخدمتها "فأغلقها" لخوف الزحام ولئلا يجتمع الناس ويدخلوا ويزدحموا فينالهم ضرر "فمكث فيها" قال النووي: ذكر مسلم عن بلال رضي الله عنه دخل الكعبة وصلى فيها بين العمودين.
وعن أسامة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وآله وسلم دعا في نواحيها ولم يصلّ. وأجمع أهل الحديث على الأخذ برواية بلال ولأنه مثبت فمعه زيادة علم، فوجب ترجيحة. والمراد الصلاة المعهودة ذات الركوع والسجود، ولهذا قال ابن عمر ونسيت أن أسأله كم صلى، وأما نفي أسامة فسببه أنهم لما دخلوا الكعبة أغلقوا الباب واشتغلوا بالدعاء فرأى أسامة النبي صلى الله عليه وسلم يدعو، ثم اشتغل أسامة بالدعاء في ناحية من نواحي البيت، والنبي صلى الله عليه وسلم في ناحية أخرى وبلال قريب منه، ثم صلى النبي صلى الله عليه وسلم فرآه بلال لقربه ولم يره أسامة لبعده واشتغاله، وكانت صلاة خفيفة فلم يرها أسامة لإغلاق الباب مع بعده واشتغاله بالدعاء وجاز له نفيها عملاً بظنه وأما بلال فحققها فأخبر بها واختلف العلماء في الصلاة في الكعبة إذا صلى متوجهاً إلى جدار منها أو إلى الباب، فقال الشافعي والثوري وأبو حنيفة وأحمد والجمهور: يصح فيها صلاة النفل وصلاة الفرض.
وقال مالك: تصح فيها صلاة النفل المطلق ولا يصح الفرض ولا الوتر ولا ركعتا الفجر ولا ركعتا الطواف. وقال محمد بن جرير واصبغ المالكي وبعض أهل الظاهر: لا تصح فيها صلاة أبداً لا فريضة ولا نافلة. ودليل الجمهور حديث بلال، وإذا صحت النافلة صحت الفريضة "جعل عموداً عن يساره وعمودين عن يمينه" هكذا هو في رواية للبخاري: عمودين عن يمينه وعموداً عن يساره، وهكذا هو في الموطأ. وفي رواية لمسلم: جعل عمودين عن

(6/4)


2022 - حدثنا عبد الله بنُ مُحمّدِ بن إسْحَاقَ الأَذْرَمِيّ أخبرنا عبد الرّحْمَنِ بنُ مَهْدِيَ عنْ مَالِكٍ بهَذَا الْحَدِيثِ لَمْ يَذْكُرِ السّوَارِيّ قالَ: ثُمّ صَلّى وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ ثَلاَثَةُ أَذْرُعٍ.
2023 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا أبُو أُسَامَةَ عنْ عُبَيْدِالله عنْ نَافِعٍ عن ابن عُمَرَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بمَعْنى حَدِيثِ الْقَعْنَبِيّ قال: وَنَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُ كَمْ صَلّى.
2024 - حدثنا زُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ أخبرنا جَرِيرٌ عنْ يَزِيدَ بن أبي زِيَادٍ عن مُجَاهِدٍ عنْ عبد الرّحْمَنِ بن صَفْوَانَ قالَ قُلتُ لِ عُمَرَ بنِ الْخَطّابِ: كَيْفَ صَنَعَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم حينَ دَخَلَ الْكَعْبَةَ؟ قالَ صَلّى رَكْعَتَيْنِ.
2025 - حدثنا أبُو مَعْمَرٍ عبد الله بنُ عَمْرٍو بن أبي الْحَجّاجِ أخبرنا عبد الْوَارِثِ عنْ أَيّوبَ عنْ عِكْرِمَةَ عن ابن عبّاسٍ: أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لَمّا قَدِمَ مَكّةَ أبَى أَنْ يَدْخُلَ الْبَيْتَ وَفِيهِ الآلِهَةُ فَأَمَرَ بِهَا فأُخْرِجَتْ قالَ: فَأُخْرِجَ صُورَةُ إِبراهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَفي أَيْدِيهِمَا
ـــــــ
يساره وعموداً عن يمينه، وكله من رواية مالك. وفي رواية البخاري عموداً عن يمينه وعموداً عن يساره. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
وقد اختلف في لفظه على الإمام مالك، فروى عنه كما ذكره أبو داوود، عموداً عن يساره وعمودين على يمينه، وأخرجه البخاري كذلك. وقال البيهقي: وهو الصحيح وروى عنه: عمودين عن يساره وعموداً عن يمينه. وأخرجه مسلم كذلك. وروى عموداً عن يمينه وعموداً على يساره. وأخرجه البخاري كذلك.
"لم يذكر" أي عبد الرحمَن بن مهدي "السواري" جمع السارية وهي العمود. والحديث سكت عنه المنذري. والأذرم بفتح الهمزة وسكون المعجمة وفتح الراء قرية قديمة من ديار ربيعة وهي اليوم من أعمال نصيبين قرية كغيرها.
"قال صلى ركعتين" قال النووي في شرح مسلم: إسناده فيه ضعف. وقال المنذري: وعبد الرحمَن بن صفوان هذا له صحبة رضي الله عنه وفي إسناده يزيد بن أبي زياد وفيه مقال.
"أبى أن يدخل البيت" أي امتنع عن دخول البيت "وفيه الآلهة" أي الأصنام وأطلق عليها الآلهة باعتبار ما كانوا يزعمون وكانت تماثيل على صور شتى، فامتنع النبي صلى الله عليه وسلم من دخول البيت وهي فيه لأنه لا يقر على باطل ولأنه لا يحب فراق الملائكة وهي لا تدخل ما فيه صورة، كذا في

(6/5)


الأَزْلاَمُ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "قاتَلَهُمُ الله، وَالله لَقَدْ عَلِمُوا مَا اسْتَقْسَمَا [مَا اقْتَسَمَا] بِهَا قَطّ". قال ثُمّ دَخَلَ الْبَيْتَ فَكَبّرَ في نَوَاحِيهِ وَفي زَوَايَاهُ، ثُمّ خَرَجَ وَلَمْ يُصَلّ فِيهِ .
ـــــــ
فتح الباري "وفي أيديهما الأزلام" جمع زلم وهي الأقلام وقال ابن التين: الأزلام: القداح وهي أعواد كتبوا في أحدها افعل وفي الآخر لا تفعل ولا شيء في الآخر فإذا أراد أحدهم السفر أو حاجة ألقاها في الوعاء فإن خرج افعل فعل، وإن خرج لا تفعل لم يفعل، وإن خرج لا شيء أعاد الإخرارج حتى يخرج له افعل أو لا تفعل "والله لقد علموا" أي أنهم كانو يعلمون اسم أول من أحدث الاستفهام وهو عمرو بن لحي وكانت نسبتهم إلى إبراهيم وول،ه الاستفهام بها افتراء عليهما لتقدمهما على عمرو "ما استقسما" أي ما اقتسم إبراهيم وإسماعيل بالأزلام قط. قال في النهاية: الاستقسام طلب القسم بكسر القاف الذي قسم له وقدر مما لم يقسم ولم يقدر وهو استفعال منه أي استدعاء ظهور القسم، كما أن الاستسقاء طلب وقوع السقي "فكبر في نواحيه" قال المنذري: وأخرجه البخاري، وقال بعضهم: إن الناس تركوا رواية ابن عباس وأخذ في الجواب عنه كما أجيب عن حديث أسامة، وقد أخرج مسلم في الصحيح أن ابن عباس رواه عن أسامة فرجع الحديث إلى أسامة وقد تقدم الجواب عنه.

(6/6)


94 - باب الصلاة في الحجر
2026 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ أخبرنا عبد الْعَزِيزِ عن عَلْقَمَةَ عنْ أُمّهِ عن عَائِشَةَ أَنّهَا قَالتْ: "كُنتُ أُحِبّ أَنْ أدْخُلَ الْبَيْتَ وَأُصَلّي فِيهِ، فَأَخَذَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِيَدِي فَأَدْخَلَنِي في الحِجْرِ، فَقال: "صلّي في الحِجْرِ إذَا أَرَدْتِ دُخُولَ الْبَيْتِ فَإِنّمَا هُوَ قَطْعَةٌ مِنَ الْبَيْتِ، فَإِنّ قَوْمَكِ اقْتَصَرُوا حِينَ بَنَوْا الْكَعْبَةَ فَأَخْرَجُوهُ مِنَ الْبَيْتِ" .
ـــــــ
باب الصلاة في الحجر
"فأدخلني في الحجر" بكسر الحاء أي الحطيم. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي. وقال الترمذي: حسن صحيح.
وعلقمة بن أبي علقمة بن بلال هذا آخر كلامه. وعلقمة هذا هو مولى عائشة تابعي مدني احتج به البخاري ومسلم وأمه حكى البخاري وغيره أن اسمها مرجانة.

(6/6)


95 - باب في دخول الكعبة
2027 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا عبد الله بنُ دَاوُدَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بن عبد المَلِكِ عن عبد الله بنِ أبي مُلَيْكَةَ عن عَائِشَةَ: أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا وَهُوَ مَسْرُورٌ ثُمّ رَجَعَ إِلَيّ وَهُوَ كَئِيبٌ فقال: " إِنّي دَخَلْتُ الْكَعْبَةَ وَلو اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي ما اسْتَدْبَرْتُ ما دَخَلْتُهَا، إِنّي أَخَافُ أَنْ أَكْونَ قَدْ شَقَقْتُ عَلَى أُمّتِي" .
2028 - حدثنا ابنُ السّرْحِ وَ سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ وَ مُسَدّدٌ قالُوا أخبرنا سُفْيَانُ عن مَنْصُورٍ الْحَجَبيّ حَدّثَني خَالِي عن أُمّي صَفِيّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ قالَتْ: سَمِعْتُ الأَسْلَمِيّةَ تَقُولُ: قُلْتُ لِعُثْمَانَ: ما قال لَكَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم حِينَ دَعَاكَ؟ قال: "إِنّي نَسِيتُ أَنْ آمُرَكَ أَنْ تُخَمّرَ الْقَرْنَيْنِ فإِنّهُ لَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ في الْبَيْتِ شَيْءٌ يَشْغَلُ المُصَلّي" .
قال ابنُ السّرْحِ: خَالِي مُسَافِعُ بنُ شَيْبَةَ.
ـــــــ
باب في دخول الكعبة
"وهو كئيب" أي مغموم فعيل من الكآبة "لو استقبلت من أمري" أي لو علمت في أول الأمر ما علمت في آخره ما دخلتها أي في البيت. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه. وقال الترمذي: حسن صحيح.
"حدثني خالي" اسمه مسافع بن شيبة "لعثمان" ابن طلحة الحجبي "أن تخمر القرنين" أي تغطي قرني الكبش الذي فدى الله تعالى به إسماعيل عليه السلام عن أعين الناس، كذا في فتح الودود. وفي الدر المنثور: أخرج سعيد بن منصور وأحمد والبيهقي في سننه عن امرأة من بني سليم قالت: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عثمان بن طلحة فسألت لما دعاه النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال إني كنت رأيت قرني الكبش حين دخلت الكعبة فنسيت أن آمرك أن تخمرها فخمرهما فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلين انتهى "قال ابن السرج" أي في حديثه "خالي مسافع بن شيبة" بدل من خالي. ومسافع هذا هو خال منصور.
قال المنذري: وأم منصور هي صفية بنت شيبة القرشية العبد رية، وقد جاءت مسماة في بعض طرق هذا الحديث، واختلف في صحبتها. وقد جاءت أحاديث ظاهرة في صحبتها. وعثمان هذا هو ابن طلحة القرشي العبد ري الحجبي رضي الله عنهم بفتح الحاء المهملة وبعدها جيم مفتوحة وباء موحدة منسوبة إلى حجابة بيت الله الحرام شرفه الله تعالى وهم جماعة بني جماعة بني عبد الدار إليهم حجابة الكعبة ومفتاحها نسب كذلك غير واحد.

(6/7)


...................................
ـــــــ
وقد اختلف في هذا الحديث، فروى كما سقناه عن منصور عن خاله مسافع عن صفية بنت شيبة عن امرأة من بني سليم وروى عنه عن خاله عن امرأة من بني سليم ولم يذكر أمه.

(6/8)


96 - باب في مال الكعبة
2029 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا عبد الرّحْمَنِ بنُ مُحمّدٍ المُحَارِبيّ عن الشّيْبَانِيّ عن وَاصِلِ الأَجْدَبِ عن شَقِيقٍ عن شَيْبَةَ - يَعْني ابنَ عُثْمانَ - قال: قَعَدَ عُمَرُ بنُ الْخَطّابِ في مَقْعَدِكَ الّذِي أَنْتَ فِيهِ فقال: لا أخْرُجُ حَتّى أقْسِمَ مَالَ الْكَعْبَةِ، قال قُلْتُ: ما أَنْتَ بِفَاعِلٍ، قال: بَلَى لأَفْعَلَنّ، قال قُلْتُ: ما أَنْتَ بِفَاعِلٍ، قال: لِمَ؟ قُلْتُ: لأَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَدْ رَأَى مَكَانَهُ وَأَبُو بَكْرٍ وَهُمَا أَحْوَجُ مِنْكَ إلَى الْمَالِ فلَمْ يُحَرّكَاهُ فَقَامَ فَخَرَجَ.
ـــــــ
باب في مال الكعبة
"حتى أقسم مال الكعبة" أي المدفون فيها. ولفظ البخاري: لقد هممت أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمته، وفي لفظ له: إلا قسمتها بين المسلمين. وعند الإسماعيلي لا أخرج حتى أقسم مال الكعبة بين فقراء المسلمين. قال القرطبي: غلط من ظن أن المراد بذلك حلية الكعبة، وإنما المراد الكنز الذي بها وهو ما كان يهدى إليها فيدخر ما يزيد عن الحاجة وقال ابن الجوزي كانوا في الجاهلية يهدون إلى الكعبة المال تعظيماً إليها فيجتمع فيها "قد رأى مكانه" أي مكان المال "فلم يحركاه" أي لم يخرجا المال عن موضعه. قال ابن بطال: أراد عمر لكثرته إنفاقه في منافع المسلمين ثم لما ذكر بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتعرض له أمسك، وإنما تركا ذلك والله أعلم لأن ما جعل في الكعبة وسبل لها يجري مجرى الأوقاف فلا يجوز تغييره عن وجهه، وفي ذلك تعظيم الإسلام وترهيب العدو.
قلت: هذا التعليل ليس بظاهر من الحديث بل يحتمل أن يكون تركه صلى الله عليه وسلم لذلك رعاية لقلوب قريش كما ترك بناء الكعبة على قواعد إبراهيم ويؤيده ما وقع عند مسلم في بعض طرق حديث عائشة في بناء الكعبة لأنفقت كنز الكعبة ولفظه "لولا أن قومك حديث عهد بكفر لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله ولجعلت بابها بالأرض" الحديث. فهذا التعليل هو المعتمد، قاله الحافظ. قال المنذري: وأخرجه البخاري والنسائي بنحوه. وشيبة بن عثمان هذا هو القرشي العبد ري له صحبة، كنيته أبو عثمان ويقال أبو صفية.

(6/8)


97 - باب
2030 - حدثنا حَامِدُ بنُ يَحْيَى أخبرنا عبد الله بنُ الْحَارِثِ عن مُحمّدِ بنِ عبد الله بنِ إِنْسَانٍ الطّائِفيّ عن أبِيهِ عن عُرْوَةَ بنِ الزّبَيْرِ عن الزّبَيْرِ قال: لَمّا أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ لِيّةَ حَتّى إذَا كُنّا عِنْدَ السّدْرَةِ وَقَفَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في طَرَفِ الْقَرْنِ الأَسْوَدِ حَذْوَهَا فاسْتَقْبَلَ نَخِبَاً بِبَصَرِهِ وَقال مَرّةً وَادِيَهُ، وَوَقَفَ حَتّى اتّقَفَ النّاسُ كُلهُمْ، ثُمّ قال: " إِنّ صَيْدَ وَجّ عِضَاهَهُ حَرَمٌ مُحَرّمٌ لله" ، وَذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِهِ الطّائِفَ وَحِصَارِهِ لِثَقِيفٍ.
ـــــــ
باب
ليس ههنا باب في عامة النسخ لكن لا تعلق لهذا الحديث مع الباب الأول والله أعلم
"من لية" بكسر اللام وتشديد المثناة التحتية غير منصرف جبل قرب الطائف أعلاه لثقيف وأسفله لنصر بن معاوية مر به رسول الله صلى الله عليه وسلم عند انصرافه من حنين يريد الطائف وأمر وهو به بهدم حصن مالك بن عوف قائد غطفان "في طرف القرن" بفتح القاف وسكون الراء جبل صغير في الحجاز بقرب الطائف "حذوها" أي مقابل السدرة "فاستقبل نخباً" بفتح النون وكسر الخاء ثم الباء الموحدة واد بالطائف، قيل بينه وبين الطائف ساعة كذا في المراصد.
"ببصره" متعلق استقبل أي استقبل النبي صلى الله عليه وسلم نخباً ببصره وعينه "وقال" الراوي "مرة" أخرى "واديه" أي استقبل وادي الطائف وهو نخب "ووقف" النبي صلى الله عليه وسلم "حتى اتقف الناس" أي حتى وقفوا اتقف مطاوع وقف، تقول وقفته فاتقف مثل وعدته فاتعد، والأصل فيه أو تقف فقلبت الواو ياء لسكونها وكسر ما قبلها ثم قلبت الياء تاء وأدغمت في تاء الافتعال "ثم قال" النبي صلى الله عليه وسلم "إن صيد وج" بالفتح ثم التشديد واد بالطائف به كانت غزوة النبي صلى الله عليه وسلم للطائف، وقيل هو الطائف. كذا في المراصد. وقال ابن رسلان: هو أرض بالطائف عند أهل اللغة. وقال أصحابنا: هو واد بالطائف، وقيل كل الطائف انتهى. وقال الحازمي في المؤتلف والمختلف في الأماكن. وج اسم لحصون الطائف، وقيل: الواحد منها، وإنما اشتبه وج بوح بالحاء المهملة وهي ناحية نعمان "وعضاهه" قال في النيل: بكسر العين المهملة وتخفيف الضاد المعجمة كل شجر فيه شوك، واحدتها عضاهة وعضهة.
قال الجوهري: العضا كل شجر يعظم وله شوك "حرم" بفتح الحاء والراء الحرام كقولهم زمن وزمان "محرم لله" تأكيد للحرمة.

(6/9)


......................................
ـــــــ
قال في النهاية: يحتمل أن يكون على سبيل الحمى له، ويحتمل أن يكون محرمة في وقت معلوم ثم نسخ، وكذا قال الخطابي كما سيجيء. والحديث يدل على تحريم صيد وج وشجره وقد ذهب إلى كراهته الشافعي وجزم جمهور أصحاب الشافعي بالتحريم، وقالوا إن مراد الشافعي بالكراهة كراهة التحريم قال ابن رسلان في شرح السنن بعد أن ذكر قول الشافعي في الإملاء: وللأصحاب فيه طريقان أصحهما وهو الذي أورده الجمهور القطع بتحريمه، قالوا ومراد الشافعي بالكراهة كراهة التحريم، ثم قال وفيه طريقان أصحهما وهو قول الجمهور يعني من أصحاب الشافعي أنه يأثم فيؤدبه الحاكم على فعله ولا يلزمه شيء لأن الأصل عدم الضمان إلا فيما ورد به الشرع ولم يرد في هذا شيء، والطريق الثاني حكمه في الضمان حكم المدينة وشجرها. وفي وجوب الضمان فيه خلاف انتهى "وذلك" يعني تحريم وج "قبل نزوله" صلى الله عليه وسلم "الطائف وحصاره لثقيف" وكانت غزوة الطائف في شوال سنة ثمان، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم قريباً من حصن الطائف وعسكر هناك فحاصر ثقيفاً ثمانية عشر يوماً. وقال ابن إسحاق بضعاً وعشرين ليلة.
وقوله وذلك قبل نزوله الطائف ليس من قول أبي داوود المؤلف ولا شيخه حامد بن يحيى لأن أحمد بن حنبل أخرجه من طريق عبد الله بن الحارث. وفيه هذه الجملة أيضاً، فيشبه أن يكون هذا القول ما دون زبير بن العوام الصحابي. قال الخطابي: ولست أعلم لتحريمه وجهاً إلا أن يكون ذلك على سبيل الحمى لنوع من منافع المسلمين، وقد يحتمل أن يكون ذلك التحريم إنما كان في وقت معلوم وفي مدة محصورة ثم نسخ، ويدل على ذلك قوله وذلك قبل نزوله الطائف وحصاره ثقيفاً ثم عاد الأمر فيه إلى الإباحة كسائر بلاد الحل. ومعلوم أن عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزلوا بحضرة الطائف وحصروا أهلها ارتفقوا بما نالته أيديهم من شجر وصيد ومرفق، فدل ذلك على أنها حل مباح، وليس يحضرني في هذا وجه غير ما ذكرته انتهى.
قال في الشرح: قلت في ثبوت هذا القول أي كون تحريم وج قبل نزول الطائف نظر، لأن محمد بن إسحاق قال في مغازيه ما ملخصه: إن رجالاً من ثقيف قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة بعد وقعة الطائف، فضرب عليهم قبة في ناحية مسجده، وكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كتبوا كتابهم، وكان خالد هو الذي كتبه، وكان كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتب لهم أي بعد إسلام أهل الطائف:
بسم الله الرحمَن الرحيم من محمد النبي رسول الله إلى المؤمنين أن عضاه وصيده حرام لا يعضد من وجد يصنع شيئاً من ذلك فإنه يجلد وينزع ثيابه، فإن تعدى ذلك فإنه يؤخذ فيبلغ

(6/10)


.....................................
ـــــــ
النبي محمد، وأن هذا أمر النبي محمد رسول الله. وكتب خالد بن سعيد بأمر الرسول محمد بن عبد الله فلا يتعداه أحد فيظلم نفسه فيما أمر به محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. انتهى ملخصاً محرراً من زاد المعاد. ثم قال ابن القيم: إن وادي وج، وهو واد بالطائف حرم يحرم صيده وقطع شجره، وقد اختلف الفقهاء في ذلك، والجمهور قالوا: ليس في البقاع حرم إلا مكة والمدينة، وأبو حنيفة رحمه الله خالفهم في حرم المدينة.
وقال الشافعي رحمه الله في أحد قوليه: وج حرم يحرم صيده وشجره واحتج لهذا القول بحديثين أحدهما هذا الذي تقدم، والثاني حديث عروة بن الزبير عن أبيه الزبير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن صيد وج وعضاهه حرم محرم لله، ورواه الإمام أحمد وأبو داوود، وهذا الحديث يعرف لمحمد بن عبد الله بن إنسان عن أبيه عن عروة. قال البخاري في تاريخه: لا يتابع عليه.
قلت: وفي سماع عروة عن أبيه نظر وإن كان قد رآه والله أعلم. انتهى. والحديث سكت عنه أبو داوود وكذا عبد الحق أيضاً، وتعقب بما نقل عن البخاري أنه لم يصح وكذا قال الأزدي. وذكر الذهبي أن الشافعي صححه وذكر الخلال أن أحمد ضعفه. وقال ابن حبان: محمد بن عبد الله المذكور كان يخطىء ومقتضاه تضعيف الحديث فإنه ليس له غيره، فإن كان أخطأ فيه فهو ضعيف. وقال العقيلي: لا يتابع إلا من جهة تقاربه في الضعف. وقال النووي في شرح المهذب اسناده ضعيف. قال وقال البخاري لا يصح. وذكر الخلال في العلل أن أحمد ضعفه. وقال الذهبي في ترجمة محمد بن عبد الله بن شيبان: هذا صوابه ابن إنسان. وقال في ترجمة عبد الله بن إنسان له حديث في رصيد وج قال ولم يرو عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا هذا الحديث.
وقال المنذري: في إسناده محمد بن عبد الله بن إنسان الطائفي وأبوه، فأما محمد فسئل عنه أبو حاتم الرازي فقال ليس بالقوي وفي حديثه نظر، وذكره البخاري في تاريخه الكبير وذكر له هذا الحديث وقال لم يتابع عليه، وذكر أباه وأشار إلى هذا الحديث وقال ولم يصح حديثه. وقال البستي: عبد الله بن إنسان روى عنه ابنه محمد لم يصح حديثه.

(6/11)


98 - باب في إتيان المدينة
2031 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا سُفْيَانُ عن الزّهْرِيّ عن سَعِيد بنِ المُسَيّبِ عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "لاَ تُشُدّوا الرّحَالَ إِلاّ إلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْحَرامِ،
ـــــــ
باب في إتيان المدينة
"لا تشد" بصيغة المجهول نفي بمعنى النهي "الرحال" جمع رحل بفتح وسكون كنى به

(6/11)


وَمَسْجِدي هَذَا، وَالمَسْجِدِ الأَقْصَى" .
ـــــــ
عن السفر "والمسجد الأقصى" وهو بيت المقدس سمي به لبعده عن مسجد مكة أو لكونه لا مسجد وراءه، وخصها لأن الأول إليه الحج والقبلة، والثاني أسس على التقوى، والثالث قبلة الأمم الماضية.
قال الخطابي: هذا في النذر ينذره الإنسان أن يصلي في بعض المساجد، فإن شاء وفى به وإن شاء صلى في غيره إلا أن يكون نذر الصلاة في واحد من هذه المساجد فإن الوفاء يلزمه بما نذر فيها. وإنما خص هذه المساجد بذلك لأنها مساجد الأنبياء صلاة الله وسلامه عليهم وقد أمرنا بالاقتداء بهم. وقال بعض أهل العلم: لا يصح الاعتكاف إلا في واحد من هذه المساجد الثلاثة، وعليه تأولوا الخبر. انتهى.
قال القسطلاني: اختلف في شد الرحال إلى غيرها كالذهاب إلى زيارة الصالحين أحياء وأمواتاً والمواضع الفاضلة فيها والتبرك بها، فقال أبو محمد الجويني محرم عملاً بظاهر الحديث، واختاره القاضي الحسين، وقال به القاضي عياض وطائفة والصحيح عند إمام الحرمين وغيره من الشافعية الجواز وخص بعضهم النهي فيما حكاه الخطابي بالاعتكاف في غير الثلاثة لكن لم أر عليه دليلاً. انتهى.
وأخرج مالك في الموطأ عن مرثد بن عبد الله بن الهاد عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن ابي سلمة بن عبد الرحمَن عن أبي هريرة قال: لقيت بصرة بن أبي بصرة الغفاري فقال من أين أقبلت؟ فقلت: من الطور، فقال: لو أدركت قبل أن يخرج إليه، ما خرجت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "لا يعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد".
قال الشيخ الأجل عبد العزيز الدهلوي في شرح حديث: لا تشد الرحال تعليقاً على البخاري: المستثنى منه المحذوف في هذا الحديث إما جنس قريب أو جنس بعيد فعلى الأول تقدير الكلام لا تشد الرحال إلى المساجد إلا إلى ثلاثة مساجد وحينئذ ما سوى المساجد مسكوت عنه، وعلى الوجه الثاني لا تشد الرحال إلى موضع يتقرب به إلا إلى ثلاثة مساجد، فحينئذ شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة المعظمة منهي عنه بظاهر سياق الحديث. ويؤيده ما روى أبو هريرة عن بصرة الغفاري حين راجع عن الطور وتمامه في الموطأ، وهذا الوجه قوي من جهة مدلول حديث بصرة انتهى.
وقال الشيخ ولي الله في حجة الله البالغة: قوله صلى الله عليه وسلم "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا" أقول: كان أهل الجاهلية يقصدون مواضع

(6/12)


......................................
ـــــــ
معظمة بزعمهم يزورونها ويتبركون بها، وفيه من التحريف والفساد ما لا يخفى، فسد النبي صلى الله عليه وسلم الفساد لئلا يلتحق غير الشعائر بالشعائر ولئلا يصير ذريعة لعبادة غير الله والحق عندي أن القبر ومحل عبادة ولي من أولياء الله والطور كل ذلك سواء في النهي. انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.

(6/13)


99 - باب في تحريم المدينة
2032 - حدثنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنبأنا سُفْيَانُ عن الأعمَشِ عن إِبراهِيمَ التّيْمِيّ عن أبِيهِ عن عَلِيّ قال: مَا كَتَبْنَا عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم إِلاّ الْقُرْآنَ وَمَا في هَذِهِ الصّحِيفَةِ. قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "المَدِينَةُ حَرَامٌ ما بَيْنَ عَائِرَ إلَى ثَوْرٍ، فَمَنْ أَحْدَثَ حَدَثاً[حدثا
ـــــــ
باب في تحريم المدينة
"ما كتبنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أحكام الشريعة أو المنفي شيء اختصوا به على الناس "وما في هذه الصحيفة" وسبب قول عليّ هذا يظهر بما روينا في مسند أحمد من طريق قتادة عن أبي حسان الأعرج أن علياً كان يأمر بالأمر فيقال له قد فعلنا فيقول صدق الله ورسوله، فقال له اوشتر: هذا الذي تقول شيء عهده إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال ما عهد إليّ شيئاً خاصاً دون الناس إلا شيئاً سمعته منه فهو في صحيفة في قراب سيفي، فلم يزالوا به حتى أخرج الصحيفة فإذا فيها "المدينة حرام" أي حرم كما عند البخاري أي حرم محرمة "ما بين عائر" بالعين المهملة والألف مهموزاً آخره راء جبل بالمدينة "إلى ثور" وهكذا عند مسلم من حديث علي إلى ثور، وعند أحمد والطبراني من حديث عبد الله بن سلام ما بين عير إلى أحد" قال أبو عبيد: أهل المدينة لا يعرفون جبلاً عندهم يقال له ثور، وإنما ثور بمكة، لكن قال صاحب القاموس: ثور جبل بمكة وجبل بالمدينة ومنه الحديث الصحيح: "المدينة حرم ما بين عير إلى ثور".
وأما قول أبي عبيد بن سلام وغيره من أكابر الأعلام أن هذا تصحيف والصواب إلى أحد لأن ثوراً إنما هو بمكة فغير جيد لما أخبرني الشجاع البعلي الشيخ الزاهد عن الحافظ أبي محمد عبد السلام البصري أن حذاء أحد جانحاً إلى ورائه جبلاً صغيراً يقال له ثور، وتكرر سؤالي عنه طوائف من العرب العارفين بتلك الأرض فكل أخبر أن اسمه ثور، ولما كتب إلى الشيخ عفيف الدين المطري عن والده الحافظ الثقة قال: إن خلف أحد عن شماله جبلاً صغيراً مدوراً يسمى ثوراً يعرفه أهل المدينة خلفاً عن سلف ونحو ذلك. قاله صاحب تحقيق النصرة.
وقال المحب الطبري في الأحكام: قد أخبرني الثقة العالم أبو محمد عبد السلام

(6/13)


فيها]أَوْ آوَى مُحْدِثاً فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله وَالمَلاَئِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ، لا يُقْبَلُ مِنْهُ عَدْلٌ وَلاَ صَرَفٌ، وَذِمّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِماً فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله وَالمَلاَئِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ، لا يُقْبَلُ مِنْهُ عَدْلٌ وَلا صَرَفٌ، وَمَنْ وَالَى قَوْماً بِغَيْرِ إِذْنِ
ـــــــ
البصري أن حذاء أحد عن يساره جانحاً إلى ورائه جبلاً صغيراً يقال له ثور، وأخبر أنه تكرر سؤاله عنه لطوائف من العرب العارفين بتلك الأرض وما فيها من الجبال فكل أخبر أن ذلك الجبل اسمه ثور وتواردوا على ذلك. قال: فعلمنا أن ذكر ثور المذكور في الحديث الصحيح صحيح، وأن عدم علم أكابر العلماء به لعدم شهرته وعدم بحثهم عنه وهذه فائدة جليلة. وقال أبو بكر بن حسين المراغي نزيل المدينة في مختصره لأخبار المدينة: إن خلف أهل المدينة ينقلون عن سلفهم أن خلف أحد من جهة الشمال جبلاً صغيراً إلى الحمرة بتدوير يسمى ثوراً. قال وقد تحققته بالمشاهدة.
"فمن أحدث" أي أظهر "حدثاً" بفتح الحاء والدال أي مخالفاً لما جاء به الرسول الله صلى الله عليه وسلم كمن ابتدع بها بدعة "أو آوى" بالمد "محدثاً" بكسر الدال أي مبتدعاً "والناس أجمعين" فيه وعيد شديد. قال القسطلاني: لكن المراد باللعن هنا العذاب الذي يستحقه على ذنبه لا كلعن الكافر المبعد عن رحمة الله كل الإبعاد "لا يقبل" بصيغة المجهول "منه" من كل واحد "عدل ولا صرف" قال الخطابي: يقال في تفسير العدل إنه الفريضة والصرف النافلة. ومعنى العدل هو الواجب الذي لا بد منه ومعنى الصرف الربح والزيادة، ومنه صرف الدارهم والدنانير. والنوافل الزيادات على الأصول فلذلك سميت صرفاً انتهى "ذمة المسلمين" أي عهدهم وأمانهم "واحدة" أي أنها كالشيء الواحد لا يختلف باختلاف المراتب ولا يجوز نقضها لتفرد العاقد بها. وكأن الذي ينقص ذمة نفسه وهي ما يذم الرجل على إضاعته من عهد وأمان كأنهم كالجسد الواحد الذي إذا اشتكى بعضه اشتكى كله "يسعي بها" أي يتولاها ويلي أمرها "أدناهم" أي أدنى المسلمين مرتبة. والمعنى أن ذمة المسلمين واحدة سواء صدرت من واحد أو أكثر شريف أو وضيع. قال الطيبي: فإذا أمن أحد من المسلمين كافراً لم يحل لأحد نقضه وإن كان المؤمن عبد اً. قال الخطابي: معناه أن يحاصر الإمام قوماً من أهل الكفر فيعطي بعض عسكرة المسلمين أماناً لبعض الكفار فإن أمانه ماض وإن كان المحير عبد اً وهو أدناهم وأقلهم. وهذا خاص في أمان بعض الكفار دون جماعتهم ولا يجوز لمسلم أن يعطي أماناً عاماً لجماعة الكفار، فإن فعل ذلك لم يجز أمانة لأن ذلك يؤدي إلى تعطيل الجهاد أصلاً وذلك غير جائز انتهى "فمن أخفر" بالخاء المعجمة أي نقض عهده وأمانه للكافر بأن قتل ذلك الكافر أو أخذ ماله، وحقيقته إزالة حفرته أي عهده وأمانه "ومن والي قوماً" بأن يقول معتق

(6/14)


مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله وَالمَلاَئِكَةِ [وَالنَّاس] أَجْمَعِينَ لا يُقْبَلُ مِنْهُ عَدْلٌ وَلاَ صَرَفٌ" .
2033 - حدثنا ابنُ المُثَنّى أخبرنا عبد الصّمَدِ أخبرنا هَمّامٌ أخبرنا قَتَادَةَ عن أبي حَسّانَ عن عَلِيّ رَضِيَ الله عَنْهُ في هَذِهِ الْقِصّةِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "لا يُخْتَلَى خَلاَهَا وَلا يُنَفّرُ صَيْدُهَا وَلا يُلْتَقَطُ [وَلا تُلْتَقَطُ] لُقَطَتُهَا إِلاّ لِمَنْ أَشَادَ بِهَا [أَنْشَدَهَا] وَلا يَصْلُحُ لِرَجُلٍ أَنْ يَحْمِلَ فيهَا السّلاَحَ لِقِتَالٍ وَلا يَصْلُحُ أَن يُقْطَعَ مِنْهَا شَجَرَةٌ إِلا أن يَعْلِفَ رَجُلٌ بَعِيرَهُ" .
ـــــــ
لغير معتقه أنت مولاي "بغير إذن مواليه" ليس لتقييد الحكم بعدم الإذن وقصره عليه بل بني الأمر فيه على الغالب وهو أنه إذا استأذن مواليه لم يأذنوا له. قال الطيبي: قيل أراد به ولاء المولاة لا ولاء العتق، كمن انتسب إلى غير أبيه. وقال الخطابي: ليس معناه معنى الشرط حتى يجوز أن يوالي غير مواليه إذا أذنوا له في ذلك، وإنما هو بمعنى التوكيد لتحريمه. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.
"قال لا يختلي خلالها" أي لا يقطع كلؤها. قال النووي: معنى يختلي يؤخذ ويقطع، والخلاء بفتح الخاء المعجمة مقصوراً هو الرطب من الكلأ قالوا الخلاء والعشب اسم للرطب منه، والحشيش والهشيم اسم اليابس منه والكلأ مهموزاً يقع على الرطب واليابس "ولا ينفر صيدها" وفيه تصريح بتحريم التنفير وهو الإزعاج وتنحيته من موضعه فإن نفره عصى سواء تلف أم لا لكن إن تلف في نفاره قبل سكون نفاره ضمنه المنفر وإلا فلا ضمان. قال العلماء: نبه النبي صلى الله عليه وسلم بالتنفير على الإتلاف ونحوه لأنه إذا حرم التنفير فالإتلاف أولى. قاله النووي "أشاد بها" هكذا في بعض النسخ أي رفع صوته بتعريفها أبداً لا سنة، يقال أشاده وأشاد به إذا أشاعه ورفع ذكره. كذا في النهاية. وفي بعضها أنشدها، وفي رواية مسلم من حديث أبي هريرة لا تحل لقطتها إلا لمنشد. المنشد هو المعرف، وأما طالبها فيقال له ناشد. وأصل النشد والنشاد رفع الصوت. ومعنى الحديث لا تحل لقطتها لمن يريد أن يعرفها سنة ثم يتملكها كما في باقي البلاد بل لا تحل إلا لمن يعرفها أبداً ولا يتملكها، وبهذا قال الشافعي وعبد الرحمَن بن مهدي وأبو عبيد وغيرهم. وقال مالك: يجوز تملكها بعد تعرفها سنة كما في سائر البلاد. وبه قال بعض أصحاب الشافعي. قاله النووي "ولا يصلح الرجل" قال ابن رسلان: هذا محمول عند أهل العلم على حمل السلاح لغير ضرورة ولا حاجة فإن كانت حاجة جاز "ولا يصلح أن يقطع" استدل بهذا وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة على تحريم شجرها وخبطه وعضده وتحريم صيدها وتنفيرة. الشافعي ومالك وأحمد وجمهور أهل العلم على أن للمدينة حرماً كحرم مكة

(6/15)


2034 - حدثنا مُحمّدُ بنُ الْعَلاَءِ أَنّ زَيْدَ بنَ الْحُبَابِ حَدّثَهُمْ أخبرنا سُلَيْمانُ بنُ كِنَانَةَ مَوْلَى عُثْمانَ بنِ عَفّانٍ أنبأنا عبد الله بنُ أبي سُفْيَانَ عن عَدِيّ بنِ زَيْدٍ قال: حَمَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم كلّ نَاحِيَةٍ مِنَ المَدِينَةِ بَرِيداً بَرِيداً لا يُخْبَطُ شَجَرَةً [شَجَرُهَا - شَجَرُهُ] وَلا يُعْضَدُ إِلاّ ما يُسَاقُ بِهِ الْجَمَلُ.
ـــــــ
يحرم صيده وشجره. قال الشافعي ومالك: فإن قتل صيداً أو قطع شجراً فلا ضمان لأنه ليس بمحل للنسك فأشبه الحمى. وقال ابن أبي ذئب وابن أبي ليلى يجب فيه الجزاء كحرم مكة، وبه قال بعض المالكية وهو ظاهر قوله كما حرم إبراهيم مكة. وذهب أبو حنيفة وغيره إلى أن حرم المدينة ليس بحرم على الحقيقة ولا تثبت له الأحكام من تحريم قتل الصيد وقطع الشجر، والأحاديث ترد عليهم واستدلوا بحديث "يا أبا عمير ما فعل النغير" وأجيب عنه بأن ذلك كان قبل تحريم المدينة أو أنه من صيد الحل "إلا أن يعلف" من باب ضرب والعلف بفتح العين واللام اسم الحشيش أي ما تأكله الدابة وبسكون اللام مصدر علفت علفاً. وفيه جواز أخذ أوراق الشجر للعلف لا لغيره. والحديث سكت عنه المنذري.
"قال حمى رسول الله صلى الله عليه وسلم " وفي المنتقى عن أبي هريرة قال "حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين لابتي المدينة وجعل اثني عشر ميلاً حول المدينة حمى" متفق عليه. ولفظ مسلم من حديث أبي هريرة قال "حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين لابتي المدينة" قال أبو هريرة: فلو وجدت الظباء ما بين لابتيها ما ذعرتها، وجعل اثني عشر ميلاً حول المدينة حمى انتهى والضمير في قوله "جعل" راجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما يدل على ذلك حديث عدي بن زيد الجذامي هذا، فهذا الحديث مثل ما في الصحيحين لأن البريد أربعة فراسخ والفرسخ ثلاثة أميال، وهذان الحديثان فيهما التصريح بمقدار حرم المدينة. قال أهل اللغة: اللابتان الحرتان واحدتهما لابة بتخفيف الموحدة وهي الحرة والحرة الحجارة السود، وللمدينة لابتان شرقية وغربية وهي بينهما. ومعنى الحديث أنه حمى المدينة من كل جانب أي الشرق والغرب والجنوب والشمال أربعة بريداً وهي اثنا عشر ميلاً فصار في كل ناحية ثلاثة أميال "لا يخبط" بصيغة المجهول الخبط ضرب الشجر ليسقط ورقه "ولا يعضد" بصيغة المجهول أي لا يقطع والعضد القطع "إلا ما يساق به" من السوق يقال سقت الدابة أسواقها سوقاً أي ما يكون علفاً للجمل على قدر الضرورة فيساق به للجمل للرعي. قال المنذري: في إسناده سليمان سليمان بن كنانة سئل عنه أبو حاتم الرازي فقال لا أعرفه، ولم يذكره البخاري في تاريخه، وفي إسناده أيضاً عبد الله بن أبي سفيان وهو في معنى المجهول.

(6/16)


2035 - حدثنا أبُو سَلَمَةَ أخبرنا جَرِيرٌ - يَعني ابنَ حَازِمٍ - قال حَدّثَني يَعْلَى بنُ حَكِيمٍ عن سُلَيْمانَ بنِ أبي عبد الله قال: رَأَيْتُ سَعْدَ بنَ أبي وَقّاصٍ أخَذَ رَجُلاً يَصِيدُ في حَرَمِ المَدِينَةِ الّذِي حَرّمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَسَلَبَهُ ثِيَابَهُ، فَجَاءَ مَوَالِيهِ وكَلَّمُوهُ [فَكَلَّمُوهُ] فِيهِ، فقال: إنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم حَرّمَ هَذَا الْحَرَمَ وَقال: "مَنْ وَجَدَ [أَخَذَ] أَحَداً يَصِيدُ فِيهِ فَلْيَسْلِبُهُ ثِيَابَهُ" وَلاَ أَرُدّ عَلَيْكُم طُعْمَةً أَطْعَمَنِيهَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَلَكِنْ إِنْ شِئْتُمْ دَفَعْتُ إِلَيْكُم ثَمَنَهُ.
2036 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ أنبأنا ابنُ أبي ذِئْبٍ عن صَالِحٍ مَوْلَى التّوْأَمَةِ عن مَوْلًى لِسَعْدٍ أَنّ سَعْداً وَجَدَ عَبِيداً مِنْ عَبِيدِ المَدِينَةِ يَقْطَعُونَ مِنْ شَجَرِ المَدِينَةِ، فأَخَذَ مَتَاعَهُمْ وَقال - يَعني لِمَوَالِيهِمْ - سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَنْهَى
ـــــــ
"أخذ رجلاً" أي عبد اً "فسلبه ثيابه" بدل اشتمال أي أخذ ما عليه من الثياب "فجاء مواليه وكلموه فيه" أي شأن العبد ورد سلبه "حرم هذا الحرم" قال الطيبي رحمه الله: دل على أنه اعتقد أن تحريمها كتحريم مكة "قال" أي النبي صلى الله عليه وسلم "فليسلبه ثيابه" هذا ظاهر في أنها تؤخذ ثيابه جميعها. وقال الماوردي: يبقي له ما يستر عورته. وصححه النووي واختاره جماعة من أصحاب الشافعي "ولا أرد عليكم طعمة" بضم الطاء وكسرها، ومعنى الطعمة الأكلة وأما الكسر فجهة الكسب وهيئته "ولكن إن سئمد فعت" أي تبرعاً. وبقصة سعد هذه احتج من قال إن من صاد من حرم المدينة أو قطع من شجرها أخذ سلبه. وهو قول الشافعي في القديم.
قال النووي: وبهذا قال سعد بن أبي وقاص وجماعة من الصحابة انتهى. وقد حكى ابن قدامة عن أحمد في أحد الروايتين القول به، قال وروى ذلك عن أبي ذئب وابن المنذر انتهى. وهذا يرد على القاضي عياض حيث قال: ولم يقل به أحد بعد الصحابة إلا الشافعي في قوله القديم. وقد اختلف في السلب فقيل: إنه لمن سلبه وقيل لمساكين المدينة وقيل لبيت المال، وظاهر الأدلة أنه طعمة لكل من وجد فيه أحداً يصيد أو يأخذ من شجرة انتهى. قال المنذري: سئل أبو حاتم الرازي عن سليمان بن أبي عبد الله فقال ليس بالمشهور، فيعتبر حديثه انتهى. قال الذهبي: تابعي وثق.
"من شجر المدينة" أي من بعض أشجارها "فأخذ متاعهم" أي ثيابهم وما عندهم "وقال يعني لمواليهم" تفسير من الراوي "أن يقطع" بصيغة المجهول "وقال" أي النبي صلى الله عليه وسلم "من قطع

(6/17)


أَنْ يُقْطَعَ منْ شَجَرِ المَدِينَةِ شَيْءٌ وَقال: "مَنْ قَطَعَ مِنْهُ شَيْئاً فَلِمَنْ أَخَذَهُ سَلَبُهُ" .
2037 - حدثنا مُحمّدُ بنُ حَفْصٍ أبُو عبد الرّحْمَنِ الْقَطّانُ أخبرنا مُحمَّدُ بنُ خَالِدٍ [مُحمَّدُ بنُ عَثْمَةَ] أخبرني خَارِجَةُ بنُ الْحَارِثِ الْجُهَنِيّ أخبرني أبِي عن جَابِرٍ بنِ عبد الله أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يُخْبَطُ وَلا يَعْضَدُ حِمَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَلَكِنْ يُهَشّ هَشّا رَفِيقاً" .
2038 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى ح. وَحدثنا عُثْمانَ بنُ أبي شَيْبَةَ عن ابنِ نُمَيْرٍ عن عُبَيْدِالله عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يَأْتِي قُبَاءَ مَاشِياً وَرَاكِباً. زَادَ ابنُ نُمَيْرٍ: وَيُصَلّي رَكْعَتَيْنِ.
ـــــــ
منه" أي من شجرها "فلمن" أي الذي "أخذه" أي القاطع "سلبه" بفتح السين واللام أي ما عليه من الثياب وغيره. قال المنذري: صالح مولى التوأمة لا يحتج بحديثه، ومولى سعد مجهول. وقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص أن سعداً ركب إلى قصره بالعقيق فوجد عبداً يقطع شجراً أو يخبطه فسلبه فلما رجع سعد جاءه أهل العبد فكلموه أن يرد على غلامهم أو عليهم ما أخذ من غلامهم، فقال معاذ الله أن أردّ شيئاً نفلنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبى أن يرد عليهم. وقال أبو بكر البزاز: وهذا الحديث لا يعلم رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا سعد ولا يعلم رواه عن سعد إلا عامر هذا آخر كلامه، وقد قدمناه من حديث سليمان بن أبي عبد الله عن سعد، ومن حديث مولى سعد عنه فلعله أراد من وجه يثبت انتهى كلامه. ووهم الحاكم فقال في حديث سعد إن الشيخين لم يخرجاه وهو في مسلم.
"حمى" بكسر الحاء بغير تنوين وهو المحظور، وفي العرف ما يحيمه الإمام لمواشي الصدقة ونحوها. قال في المصباح: حميت المكان من الناس حمياً من باب رمي وحمية بالكسر منعته عنهم، وأحميته بالألف جعلته حمى لا يقرب ولا يجترأ عليه "ولكن يهش" بصيغة المجهول "هشا" أي ينثر بلين ورفق. قال في المصباح: هش الرجل هشاً من باب قتل صال بعصاه وهش الشجرة هشاً أيضاً ضربها ليتساقط ورقها انتهى. والحديث سكت عنه المنذري.
"كان يأتي قباء ماشياً وراكباً" وفي رواية لمسلم أن ابن عمر كان يأتي مسجد قباء كل سبت وكان يقول رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يأتيه كل سبت أما قباء فالصحيح المشهور فيه المد والتذكير والصرف وهو قريب من المدينة من عواليها. وفيه بيان فضله وفضل مسجده والصلاة فيه وفضيلة زيارته وأنه يجوز زيارته راكباً وماشياً وقوله كل سبت فيه جواز تخصيص بعض الأيام بالزيارة

(6/18)


..................................
ـــــــ
وهذا هو الصواب وقول الجمهور، وكره ابن مسلمة المالكي ذلك قالوا لعله لم يبلغه هذا الحديث قاله النووي. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي من حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر.
"زاد ابن نمير" هو عبد الله.

(6/19)


100- باب زيارة القبور
2039 - حدثنا مُحمّدُ بنُ عَوْفٍ أخبرنا المُقْرِىءُ أخبرنا حَيْوَةَ عن أبي صَخْرٍ حُمَيْدِ بنِ زِيَادِ عن يَزِيدَ بنِ عبد الله بنِ قُسَيْطٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَا مِنَ أَحْدٍ يُسَلّمُ عَلَيّ إِلاّ رَدّ الله عَلَيّ رُوحي حَتّى أَرُدّ عَلَيْهِ السّلاَمَ" .
ـــــــ
باب زيارة القبور
هكذا في بعض النسخ والأكثر خال عن هذا وليس هذا الباب في المنذري أيضاً وإنما أورد المؤلف في باب تحريم المدينة أحاديث تحريمها وما يتعلق بفضائل المدينة وزيارة قباء والصلاة والسلام عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم وغير ذلك. " قال ما من أحد يسلم عليّ إلا رد الله عليّ روحي حتى أراد عليه السلام" قال في فتح الودود: إلا رد الله عليّ روحي من قبيل حذف المعلول وإقامة العلة مقامه، وهذا فن في الكلام شائع في الجزاء والخبر مثل قوله تعالى {فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ} أي فإن كذبوك فلا تحزن فقد كذب. الخ، فحذف الجزاء وأقيم علته مقامه، وقوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً} أي إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلا نضيع عملهم لأنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً، فكذا ههنا يقدر الكلام أي ما من أحد يسلم عليّ إلا أرد عليه السلام لأني حي أقدر على رد السلام وقوله حتى أرد عليه، أي فسبب ذلك حتى أرد عليه فحتى هنا حرف ابتداء تفيد السببية مثل مرض فلان حتى لا يرجونه، لا بمعنى كي، وبهذا اتضح معنى الحديث ولا يخالف ما ثبت حياة الأنبياء عليهم السلام انتهى كلامه. قال السيوطي: وقع السؤال عن الجمع بين هذا الحديث وبين حديث الأنبياء أحياء وفي قبورهم يصلون وسائر الأحاديث الدالة في حياة الأنبياء فإن ظاهر الأول مفارقة الروح في بعض الأوقات وألفت في الجواب عن ذلك تأليفاً سميته انتباه الأذكياء بحياة الأنبياء.
وحاصل ما ذكرته فيه خمسة عشر وجهاً أقواها أن قوله: رد الله روحي جملة حالية، وقاعدة

(6/19)


...........................
ـــــــ
العربية أن جملة الحال إذا صدرت بفعل ماض قدرت فيه كقوله تعالى: {أوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} أي قد حصرت وكذا ههنا بقدر قد والجملة ماضية سابقة على السلام الواقع من كل أحد، وحتى ليست للتعليل بل لمجرد العطف بمعنى الواو فصار تقدير الحديث: ما من أحد يسلم عليّ إلا قد رد الله على روحي قبل ذلك وأرد عليه. وإنما جاء الإشكال من أن جملة رد الله عليّ روحي بمعنى حال أو استقبال، وظن أن حتى تعليلية ولا يصح كل ذلك. وبهذا الذي قدرناه ارتفع الإشكال من أصله. ويؤيده من حيث المعنى أن الرد لو أخذ بمعنى حال أو استقبال للزم تكرره عند تكرر المسلمين، وتكرر الرد يستلزم تكرر المفارقة، وتكرر المفارقة يلزم عليه محذورات، منها تألم الجسد الشريف بتكرار خروج روحه وعوده أو نوع ما من مخالفة تكرير إن لم يتألم ومنها مخالفة سائر الناس من الشهداء وغيرهم إذا لم يثبت لأحدهم أنه يتكرر له مفارقة روحه وعوده بالبرزخ وهو صلى الله عليه وسلم أولى بالاستمرار الذي هو أعلى رتبة. ومنها مخالفة القرآن إذ دل أنه ليس إلا موتتان وحياتان، وهذا التكرار يستلزم موتات كثيرة وهو باطل. ومنها مخالفة الأحاديث المتواترة الدالة على حياة الأنبياء وما خالف القرآن والسنة المتواترة وجب تأويله.
قال البيهقي في كتاب الاعتقاد: الأنبياء بعد ما قبضوا ردت إليهم أرواحهم فهم أحياء عند ربهم كالشهداء. والحديث أخرجه البيهقي في كتاب حياة الأنبياء بلفظ "إلا وقد رد الله علي روحي" بزيادة لفظ "قد" وقال البيهقي في شعب الإيمان: وقوله "إلا رد الله علي روحي" معناه والله أعلم إلا وقد رد الله علي روحي فأرد عليه السلام، فأحدث الله عوداً على بدء.
قال السيوطي: ولفظ الرد قد لا يدل على المفارقة بل كنى به عن مطلق الصيرورة وحسنه هذا مراعاة المناسبة اللفظية بينه وبين قوله حتى أرد عليه السلام فجاء لفظ الرد في صدر الحديث لمناسبة ذكره بآخره. وليس المراد بردها عودها بعد مفارقة بدنها وإنما النبي صلى الله عليه وسلم بالبرزخ مشغول بأحوال الملكوت مستغرق في مشاهدته تعالى كما هو في الدنيا بحالة الوحي، فعبر عن إفاقته من تلك الحالة برد الروح انتهى.
قال الشيخ تاج الدين الفاكهاني: فإن قلت: قوله "إلا رد الله علي روحي" لا يلتئم مع كونه حياً دائماً، بل يلزم منه أن تتعدد حياته ومماته، فالجواب أن يقال معنى الروح هنا النطق مجازاً، فكأنه قال: إلا رد الله علي نطقي وهو حي دائماً، لكن لا يلزم من حياته نطقه فيرد عليه نطقه عند سلام كل أحد، وعلاقة المجاز أن النطق من لازمه وجود الروح، كما أن الروح من لازمه وجود النطق بالفعل أو القوة، فعبر صلى الله عليه وسلم بأحد المتلازمين عن الآخر. ومما يحقق ذلك أن

(6/20)


..................................
ـــــــ
عود الروح لا يكون إلا مرتين لقوله تعالى: {رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ} انتهى كلامه.
وقال العلامة السخاوي في كتاب البديع: رد روحه يلزمه تعدد حياته ووفاته في أقل من ساعة إذ الكون لا يخلو من أن يسلم عليه، بل قد يتعدد في آن واحد كثيراً. وأجاب الفاكهاني وبعضهم بأن الروح هنا بمعنى النطق مجازاً فكأنه قال يرد الله على نطقي. وقيل إنه على ظاهره بلا مشقة. وقيل: المراد بالروح ملك وكل بإبلاغه السلام وفيه نظر. انتهى.
قال الخفاجي في نسيم الرياض شرح الشفاء للقاضي عياض: واستعارة رد الروح للنطق بعيدة وغير معروفة، وكون المراد بالروح الملك تأباه الإضافة لضمير إلا أنه ملك كان ملازماً له، فاختص به على أنه أقرب الأجوبة. وقد ورد في بعض الأحاديث. قال أبو داوود: بلغني أن ملكاً موكلاً بكل من صلى الله عليه وسلم حين يبلغه.
وقد ورد أيضاً إطلاق الروح على الملك في القرآن، وإذا خص هذا بالزوار هان أمره.
وجملة: "رد الله عليّ روحي" حالية ولا يلزمها قد إذا وقعت بعد إلا كما ذكره في التسهيل، وهو استثناء من أعم الأحوال. وبالجملة فهذا الحديث لا يخلو من الإشكال. قال الخفاجي: أقول الذي يظهر في تفسير الحديث من غير تكلف أن الأنبياء والشهداء أحياء وحياة الأنبياء أقوى، وإذا لم يسلط عليهم الأرض فهم كالنائمين. والنائم لا يسمع ولا ينطق حتى ينتبه كما قال الله تعالى: {وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} الآية فالمراد بالرد الإرسال الذي في الآية، وحينئذ فمعناه أنه إذا سمع الصلاة والسلام بواسطة أو بدونها تيقظ ورد لا أن روحه تقبض قبض الممات ثم ينفخ وتعاد كموت الدنيا وحياتها لأن روحه مجردة نورانية وهذا لمن زاره ومن بعد تبلغه الملائكة سلامه فلا إشكال أصلاً انتهى.
قال في غاية المقصود شرح سنن أبي داوود بعد ما أطال الكلام: هذا أي تقرير الخفاجي من أحسن التقارير.
وأخرج أبو بكر بن أبي شيبة والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى عليّ عند قبري سمعته، ومن صلى نائياً بلغته" ومعنى قوله نائياً أي بعيداً عني وبلغته بصيغة المجهول مشدداً أي بلغته الملائكة سلامه وصلاته عليّ.
وأخرج أحمد والنسائي والدارمي عن أبي مسعود الأنصاري مرفوعاً: "إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام" وإسناده صحيح. قاله الخفاجي.
وأخرج أبو الشيخ في كتاب الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم: حدثنا عبد الرحمَن بن أحمد

(6/21)


2040 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالحٍ قَرَأَتُ عَلَى عبد الله بنِ نَافِعٍ قال أخبرني ابنُ أبي ذِئْبٍ عن سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ عن أَبي هُرَيْرَةَ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُوراً، وَلا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيداً، وَصَلّوا عَلَيّ فإِنّ صَلاَتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ" .
ـــــــ
الأعرج حدثنا الحسين بن الصباح حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى عليّ عند قبري سمعته، ومن صلى عليّ من بعيد أبلغته" قال اابن القيم في جلاء الأفهام: وهذا الحديث غريب جداً. وما قال علي القاري تحت حديث الباب في شرح الشفاء وظاهره الإطلاق الشامل لكل مكان وزمان ومن خص الرد بوقت الزيادة فعليه البيان انتهى. فيرد كلامه بما ذكرنا من الروايات. والقول الصحيح أن هذا لمن زاره ومن بعد عنه تبلغه الملائكة سلامه. وحديث الباب أخرجه أحمد بقوله حدثنا عبد الله بن يزيد حدثنا حيوة نحوه سنداً ومتناً.
قال ابن القيم: وقد صح إسناد هذا الحديث وسألت شيخنا ابن تيمية عن سماع يزيد بن عبد الله من أبي هريرة فقال كأنه أدركه وفي سماعه منه نظر انتهى كلامه. وقال النووي في الأذكار ورياض الصالحين: إسناده صحيح. وقال ابن حجر: رواته ثقات. وقال المنذري: أبو صخر حميد بن زياد وقد أخرج له مسلم في صحيحه وقد أنكر عليه شيء من حديثه وضعفه يحيى بن معين مرة ووثقه أخرى انتهى كذا في غاية المقصود مختصراً.
"لا تجعلوا بيوتكم قبوراً" أي لا تتركوا الصلوات والعبادة فتكونوا فيها كأنكم أموات. شبه المكان الخالي عن العبادة بالقبور، والغافل عنها بالميت، ثم أطلق القبر على المقبرة. وقيل المراد لا تدفنوا في البيوت، وإنما دفن المصطفى في بيت عائشة مخافة اتخاذ قبره مسجداً ذكره القاضي، قاله المناوي في فتح القدير وقال الخفاجي: ولا يرد عليه أنه صلى الله عليه وسلم دفن في بيته لأنه اتبع فيه سنة الأنبياء عليهم السلام كما ورد: ما قبض نبي إلا دفن حيث يقبض. فهو مخصوص بهم انتهى "ولا تجعلوا قبري عيداً" قال الإمام ابن تيمية رحمه الله معنى الحديث
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وقد أبعد بعض المتكلفين وقال يحتمل أن يكون المراد به الحث على كثرة زيارة قبره صلى الله عليه وسلم وأن لا يهمل حتى لا يزار إلا في بعض الأوقات كالعبد الذي لا يأتي في العام إلا مرتين قال ويؤيد هذا التأويل ما جاء في الحديث نفسه "لا تجعلوا بيوتكم قبورا" أي لا تتركوا الصلاة في بيوتكم حتى تجعلوها كالقبور التي لا يصلى فيها.

(6/22)


............................
ـــــــ
لا تعطلوا البيوت من الصلاة فيها والدعاء والقراءة فتكون بمنزلة القبور، فأمر بتحري العبادة بالبيوت ونهى عن تحريها عند القبور، عكس ما يفعله المشركون من النصارى ومن تشبه بهم من هذه الأمة. والعيد اسم ما يعود من الإجتماع العام على وجه معتاد عائداً ما يعود السنة أو يعود الأسبوع أو الشهر ونحو ذلك.
وقال ابن القيم: العيد ما يعتاد مجيئه وقصده من زمان ومكان مأخوذ من المعاودة والاعتياد، فإذا كان اسماً للمكان فهو المكان الذي يقصد فيه الاجتماع الانتياب بالعبادة وبغيرها كما أن المسجد الحرام ومنى ومزدلفة وعرفة والمشاعر جعلها الله تعالى عيداً للحنفاء ومثابة للناس، كما جعل أيام العيد منها عيداً. وكان للمشركين أعياد زمانية ومكانية فلما جاء الله بالإسلام أبطلها وعوض الحنفاء منها عيد الفطر وعيد النحر، كما عوضهم عن أعياد المشركين المكانية بكعبة ومنى ومزدلفة وسائر المشاعر انتهى.
قال المناوي: في فتح القدير: معناه النهي عن الاجتماع لزيارته اجتماعهم للعيد إما لدفع المشقة أو كراهة أن يتجاوزوا حد التعظيم. وقيل العيد ما يعاد إليه أي لا تجعلوا قبري عيداً تعودون إليه متى أردتم أن تصلوا عليّ، فظاهره منهي عن المعاودة والمراد المنع عما يوجبه وهو ظنهم بأن دعاء الغائب لا يصل إليه ويؤيده قوله: "وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" أي لا تتكفلوا المعاودة إلى فقد استغنيتم بالصلاة عليّ.
قال المناوي ويؤخذ منه أن اجتماع العامة في بعض أضرحة الأولياء في يوم أو شهر مخصوص من السنة ويقولون هذا يوم مولد الشيخ ويأكلون ويشربون وربما يرقصون فيه منهي عنه شرعاً، وعلى ولي الشرع ردعهم على ذلك، وإنكاره عليهم وإبطاله انتهى.
ـــــــ
قال بعضهم وزيارة قبره صلوات الله وسلامه عليه غنية عن هذا التكلف البارد والتأويل الفاسد الذي يعلم فساده من تأمل سياق الحديث ودلالة اللفظ على معناه وقوله في آخره"وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" وهل في الألغاز أبعد من دلالة من يريد الترغيب في الإكثار من الشيء وملازمته بقوله لا تجعله عيدا وقوله "ولا تتخذوا بيوتكم قبورا" نهى لهم أن يجعلوه بمنزلة القبور التي لا يصلى فيها وكذلك نهيه لهم أن يتخذوا قبره عيدا نهي لهم أن يجعلوه مجمعا كالأعياد التي يقصد الناس الاجتماع إليها للصلاة بل يزار قبره صلوات الله وسلامه عليه كما كان يزوره الصحابة رضوان الله عليهم على الوجه الذي يرضيه ويحبه صلوات الله وسلامه عليه.

(6/23)


................................
ـــــــ
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: الحديث يشير إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قربكم من قبري وبعدكم عنه فلا حاجة بكم إلى اتخاذه عيداً انتهى.
والحديث دليل على منع السفر لزيارته صلى الله عليه وسلم لأن المقصود منها هو الصلاة والسلام عليه والدعاء له صلى الله عليه وسلم، وهذا يمكن استحصاله من بعد كما يمكن من قرب، وأن من سافر إليه وحضر من ناس آخرين فقد اتخذه عيداً وهو منهي عنه بنص الحديث، فثبت منع شد الرحل لأجل ذلك بإشارة النص، كما ثبت النهي عن جعله عيداً بدلالة النص، وهاتان الدلالتان معمول بهما عند علماء الأصول، ووجه هذه الدلالة على المراد قوله تبلغني حيث كنتم فإنه يشير إلى البعد، والبعيد عنه صلى الله عليه وسلم لا يحصل له القرب إلا باختيار السفر إليه، والسفر يصدق على أقل مسافة من يوم فكيف بمسافة باعدة، ففيه النهي عن السفر لأجل الزيارة والله أعلم. والحديث حسن جيد الإسناد وله شواهد كثيرة يرتقي بها إلى درجة الصحة. قاله الشيخ العلامة محمد بن عبد الهادي رحمه الله.
وقال في فتح المجيد شرح كتاب التوحيد: رواته مشاهير لكن قال أبو حاتم الرازي فيه عبد الله ابن نافع ليس بالحافظ نعرف وننكر. وقال ابن معين: هو ثقة، وقال أبو زرعة: لا بأس به.
قال الشيخ ابن تيمية: ومثل هذا إذا كان لحديثه شواهد علم أنه محفوظ، وهذا له شواهد متعددة انتهى ومن شواهده الصادقة ما روى عن علي بن الحسين أنه رأى رجلاً يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها فيدعو فنهاه وقال ألا أحدثكم حديثاً سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تتخذوا قبري عيداً ولا بيوتكم قبوراً فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم" رواه الضياء في المختارة وأبو يعلى والقاضي إسماعيل.
وقال سعيد بن منصور في سننه: حدثنا عبد العزيز بن محمد أخبرني سهل بن سهيل قال رآني الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب عند القبر فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى فقال هلم إلى العشاء، فقلت لا أريده، فقال ما لي رأيتك عند القبر؟ فقلت سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال إذا دخلت المسجد فسلم ثم قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تتخذوا قبري عيداً ولا تتخذوا بيوتكم مقابر وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء".
قال سعيد بن منصور أيضاً بسنده عن أبي سعيد مولى المهري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تتخذوا قبري عيداً، ولا بيوتكم قبوراً، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني" .

(6/24)


2041 - حدثنا حَامِدُ بنُ يَحْيَى أخبرنا مُحمّدُ بنُ مَعْنٍ المَدِينيُّ [المَدَِنيُّ] أخبرني دَاوُدُ بنُ خَالِدٍ عن رَبِيعَةَ بنِ أبي عبد الرّحْمَنِ عن رَبِيعَةَ - يَعني ابنَ الْهُدَيْرِ قال: ما سَمِعْتُ طَلْحَةَ بنَ عُبَيْدِالله يُحَدّثُ عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم حَدِيثاً قَطّ غَيْرَ حَدِيثٍ وَاحِدٍ،
ـــــــ
قال ابن تيمية: فهذان المرسلان من هذين الوجهين المختلفين يدلان على ثبوت الحديث لا سيما وقد احتج به من أرسله وذلك يقتضي ثبوته عنده هذا لو لم يرو من وجوه مسندة غير هذين فكيف وقد تقدم مسنداً. انتهى.
قال ابن تيمية: وفي الحديث دليل على منع شد الرحل إلى قبره صلى الله عليه وسلم وإلى قبر غيره من القبور والمشاهد لأن ذلك من اتخاذها أعياداً.
قال في فتح المجيد شرح كتاب التوحيد: وهذه هي المسألة التي أفتى فيها شيخ الإسلام أعني من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين، ونقل فيها اختلاف العلماء، فمن مبيح لذلك كالغزالي وأبي محمد المقدسي، ومن مانع لذلك كابن بطة وابن عقيل وأبي محمد الجويني والقاضي عياض وهو قول الجمهور. نص عليه مالك ولم يخالفه أحد من الأئمة وهو الصواب لحديث شد الرحال إلى ثلاثة مساجد كما في الصحيحين. انتهى كلامه.
وأما الآن فالناس في المسجد الشريف إذا سلم الإمام عن الصلاة قاموا في مصلاهم مستقبلين القبر الشريف راكعين له، ومنهم من يلتصق بالسرادق ويطوف حوله وكل ذلك حرام باتفاق أهل العم وفيه ما يجر الفاعل إلى الشرك ومن أعظم البدع المحرمة هجوم النسوة حول حجرة المرقد المنور وقيامهن هناك في أكثر الأوقات وتشويشهن على المصلين بالسؤال وتكلمهن مع الرجال كاشفات الأعين والوجوه فإنا لله.. إلى ما ذهب بهم إبليس العدو وفي أي هوة أوقعهم في لباس الدين وزي الحسنات. وإن شئت التفصيل في هذه المسألة، فانظر إلى كتب شيوخ الإسلام كابن تيمية واابن القيم ومحمد بن عبد الهادي من المتقدمين. وأما من المتأخرين فكشيخنا العلامة القاضي بشير الدين القنوجي رحمه الله تعالى، فإن كتابه أحسن الأقوال في شرح حديث: لا تشد الرحال، والرد على منتهى المقال من أحسن المؤلفة في هذا الباب.
واعلم أن زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم أشرف من أكثر الطاعات وأفضل من كثير المندوبات لكن ينبغي لمن يسافر أن ينوي زيارة المسجد النبوي ثم يزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم ويصلي ويسلم عليه: اللهم ارزقنا زيارة المسجد النبوي وزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم آمين.
"ابن الهدير" مصغراً "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم " أي في المدينة "نريد قبور الشهداء" أي

(6/25)


قال قُلْتُ: وَمَا هُوَ؟ قال: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم نُرِيدُ قُبُورَ الشّهَدَاءِ حتى إذَا أَشْرَفْنَا عَلَى حَرّةِ وَاقِمٍ، فَلمّا تَدَلّيْنَا مِنْهَا فإِذَا قُبورٌ بِمَحْنِيَةٍ، قال قُلْنَا: يا رسول الله أَقُبُورُ إِخْوَانِنَا هَذِهِ؟ قال: "قُبُورُ أَصْحَابِنَا"، فَلمّا جِئْنَا قُبُورَ الشّهَدَاءِ قال: "هَذِهِ قُبُورُ إِخْوَانِنَا" .
2042 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن نَافِعٍ عن عبد الله بنِ عُمَرَ: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أَنَاخَ بالْبَطْحَاءِ التي بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَصَلّى بِهَا، فَكَانَ عبد الله بنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
2043 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ قال قال مَالِكٌ: لا يَنْبَغِيَ لأَحَدٍ أَنْ يُجَاوِزَ المُعَرّسَ إِذَا قَفَلَ رَاجِعاً إلَى المَدِينَةِ حتى يُصَلّي فيهَا ما بَدَا لَهُ لأَنّهُ بَلَغَنِي أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عَرّسَ بِهِ.
ـــــــ
زيارتها "حتى إذا أشرفنا" أي صعدنا "على حرة واقم" بإضافة حرة إلى واقم. قال في النهاية: الحرة الأرض ذات الحجارة وواقم بكسر القاف اطم من أطام المدينة وإليه ينسب الحرة "فلما تدلينا منها" أي هبطنا إلى الأسفل "فإذا قبور بمحنية" بحيث ينعطف الوادي وهو منحناه أيضاً أي بمحل انعطاف الوادي، ومحاني الوادي معاطفة كذا في النهاية. ومحنية بفتح الميم وسكون الحاء وكسر النون وفتح الياء "أ" بهمزة الاستفهام "قبور اخواننا" المسلمين "قال" النبي صلى الله عليه وسلم هذه "قبور أصحابنا" الذين ماتوا على الإسلام ولم ينالوا منزلة الشهداء "قبور الشهداء" في سبيل الله "قبور إخواننا" إنما أضاف النبي صلى الله عليه وسلم نسبة الأخوة وشرف بها لمنزلة الشهداء عند الله تعالى ما ليست لأحد. والحديث سكت عنه المنذري.
-"أناخ بالبطحاء" أي ناقته، والأبطح كل مكان متسع "التي بذي الحليفة" قرية بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة انتهى. وهذا احتراز عن البطحاء التي بين مكة ومنى "فصلى بها" قال القاضي: واستحب مالك النزول والصلاة فيه وأن لا يجاوز حتى يصلي فيه، وإن كان غير وقت صلاة مكث حتى يدخل وقت الصلاة فيصلي. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
-"المعرس" قال القاضي: المعرس موضع النزول. قال أبو زيد عرس القوم في المنزل إذا نزلوا به أي وقت كان من ليل أو نهار. وقال الخليل والأصمعي: التعريس النزول في آخر الليل. قال القاضي: والنزول بالبطحاء بذي الحليفة في رجوع الحاج ليس من مناسك الحج

(6/26)


قالَ أَبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُ مُحمّدَ بنَ إسْحَاقَ المَدِينِيّ قال: المُعَرّسُ عَلَى سِتّةِ أَمْيَالٍ مِنَ المَدِينَةِ.
2044 – [حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالحٍ قال قَرَأْتُ عَلَى عبد الله بنِ نَافِعٍ قال حَدّثَني عبد الله - يَعني الْعَمْرِيّ - عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا قَدِمَ باتَ بالمُعَرّسِ حتى يَغْتَدِيَ].
آخر كتاب المناسك
ـــــــ
وإنما فعله من فعله من أهل المدينة تبركاً بآثار النبي صلى الله عليه وسلم ولأنها بطحاء مباركة. قال: وقيل إنما نزل به صلى الله عليه وسلم في رجوعه حتى يصبح لئلا يفجأ الناس أهاليهم ليلا كما نهى عنه صريحاً في الأحاديث المشهورة والله أعلم. قال المنذري: هذا آخر كلامه وهو بضم الميم وفتح العين المهملة وتشديد الراء المهملة وفتحها وبعدها سين مهملة. قال في المراصد: المعرس مسجد ذي الحليفة على ستة أميال من المدينة وهو منهل أهل المدينة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرس فيه ثم يرحل انتهى.
وفي النهاية: المعرس موضع التعريس وبه سمي معرس ذي الحليفة عرس به النبي صلى الله عليه وسلم.
-"حتى يغتدي" يقال: غدى الرجل يغدو ذهب وهو نقيض راح، وغدا عليه غدواً أي بكر، ثم كثر حتى استعمل في الذهاب والانطلاق في أي وقت كان. واغتدى عليه اغتداء بمعنى غدا. والمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم بات بمعرس ذي الحليفة ثم ارتحل بعد الصبح. والحديث ليس من رواية اللؤلؤي ولذا لم يذكره المنذري في مختصره. قال المزي في الأطراف: هذا الحديث في رواية أبي الحسن بن العبد وأبي بكر بن داسة ولم يذكره أبو القاسم.

(6/27)