Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود

كتاب النكاح
باب التحريض على النكاح
...
بسم الله الرحمن الرحيم
6 - كتاب النكاح
1 - باب التحريض على النكاح
2045 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ أخبرنا جَرِيرٌ عن الأَعمَشِ عن إِبراهِيمَ عن عَلْقَمَةَ قال: "إِنّي لأمْشِي مَعَ عبد الله بنِ مَسْعُودٍ بِمِنى إِذْ لَقِيَهُ عُثْمانُ فاسْتَخْلاَهُ، فَلمّا رَأَى عبد الله أَنْ لَيْسَتْ لَهُ حاجَةً قال لِي: تَعَالَ ياعَلْقَمَةُ، فَجِئتُ، فَقال لَهُ عُثْمانُ:
ـــــــ
كتاب النكاح
النكاح في اللغة الضم والتداخل، وفي الشرع عقد بين الزوجين يحل به الوطء وهو حقيقة في العقد مجاز في الوطء وهو الصحيح لقوله تعالى {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} والوطء لا يجوز بالإذن. وقال أبو حنيفة رحمه الله: هو حقيقة في الوطء مجاز في العقد لقوله صلى الله عليه وسلم "تناكحوا تكاثروا" وقوله "لعن الله ناكح يده" وقيل إنه مشترك بينهما. وقال الفارسي: إنه إذا قيل نكح فلانة أو بنت فلان فالمراد به العقد، وإذا قيل نكح زوجته فالمراد به الوطء، ويدل على القول الأول ما قيل إنه لم يرد في القرآن إلا للعقد كما صرح بذلك الزمخشري في كشافه في أوائل سورة النور ولكنه منتقض لقوله تعالى {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} وقال أبو الحسين بن فارس: إن النكاح لم يرد في القرآن إلا للتزويج إلا قوله تعالى {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ} فإن المراد به الحلم قاله في النيل. وفوائد النكاح كثيرة منها أنه سبب لوجود النوع الإنساني ومنها قضاء الوطر بنيل اللذة والتمتع بالنعمة وهذه هي الفائدة التي في الجنة إذ لا تناسل فيها، ومنها غض البصر وكف النفس عن الحرام وغير ذلك
باب التحريض على النكاح
"فاستخلاه" الضمير المرفوع لعثمان والمنصوب لابن مسعود أي انفراد عثمان بابن مسعود "أن ليست له حاجة" أي في النكاح "قال لي تعال ياعلقمة" لأنه لا حاجة إلى بقاء الخلوة حينئذ "فقال له عثمان" أي في الخلوة فلعل ابن مسعود حدث لعلقمة ويحتمل أنه قال له بعد المجيء

(6/28)


أَلاَ نُزَوّجُكَ يا أَبا عبد الرّحْمَنِ جَارِيَةً [بِجارِيَةٍ] بِكْراً لَعَلّهُ يَرْجِعُ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ ما كُنْتَ تَعْهَدُ؟ فَقال عبد الله: لَئِنْ قُلْتُ ذَاكَ لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقُولُ: "مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُم الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوّجْ فإِنّهُ أَغَضّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لم يَسْتَطِعْ مِنْكُم فَعَلَيْهِ بالصّوْمِ فإِنّهُ لَهُ وِجَاءٌ" .
ـــــــ
على أنه كان تتمة لما ذكره في الخلوة. كذا في فتح الودود "يا أبا عبد الرحمَن" هي كنية ابن مسعود "جارية بكراً" فيه دليل على استحباب البكر وتفضيلها على الثيب "يرجع إليك من نفسك ما كنت تعهد" معناه يرجع إليك ما مضى من نشاطك وقوة شبابك فإن ذلك ينعش البدن "من استطاع منكم الباءة" بالهمزة وتاء التأنيث ممدوداً وفيها لغة أخرى بغير همز ولا مد وقد تهمز وتمد بلا هاء. قال الخطابي: المراد بالباءة النكاح وأصله الموضع يتبوأه ويأوي إليه. وقال النووي: اختلف العلماء في المراد بالباءة هنا على قولين يرجعان إلى معنى واحد أصحهما أن المراد معناها اللغوي وهو الجماع، فتقديره من استطاع منكم الجماع لقدرته على مؤنه وهي مؤنة النكاح فليتزوج، ومن لم يستطع الجماع لعجزه عن مؤنه فعليه بالصوم ليدفع شهوته ويقطع شر منيه كما يقطعه الوجاء. والقول الثاني أن المراد بالباءة مؤنة النكاح سميت باسم ما يلازمها وتقديره من استطاع منكم مؤن النكاح فليتزوج ومن لم يستطع فليصم قالوا والعاجز عن الجماع لا يحتاج إلى الصوم لدفع الشهوة فوجب تأويل الباءة على المؤن. وقال القاضي عياض: لا يبعد أن تختلف الاستطاعتان فيكون المراد بقوله من استطاع الباءة أي بلغ الجماع وقدر عليه فليتزوج، ويكون قوله ومن لم يستطع أي لم يقدر على التزويج وقيل الباءة بالمد القدرة على مؤن النكاح وبالقصر الوطء. قال الحافظ: ولا مانع من الحمل على المعنى الأعم بأن يراد بالباءة القدرة على الوطء ومؤن التزويج وقد رقع في رواية عند الإسماعيلي من طريق أبي عوانة بلفظ "من استطاع منكم أن يتزوج فليتزوج" وفي رواية للنسائي "من كان ذا طول فلينكح" ومثله لابن ماجه من حديث عائشة والبزار من حديث أنس "فإنه" أي التزوج "أغض للمبصر" أي أحفض وأدفع لعين المتزوج عن الأجنبية، من غض طرفه أي خفضه وكفه "وأحصن" أي أحفظ للفرج أي عن الوقوع في الحرام "ومن لم يستطع" أي مؤن الباءة "فعليه بالصوم" قيل هذا من إغراء الغائب، ولا تكاد العرب تغري إلا الشاهد تقول عليك زيداً ولا تقول عليه زيداً. قال الطيبي: وجوابه أنه لما كان الضمير للغائب راجعاً إلى لفظة من وهي عبارة عن المخاطبين في قوله يامعشر الشباب وبيان لقوله منكم جاز قوله عليه لأنه بمنزلة الخطاب. وأجاب القاضي عياض بأن الحديث ليس فيه إغراء الغائب بل الخطاب للحاضرين

(6/29)


.............................
ـــــــ
الذين خاطبهم أولاً بقوله من استطاع منكم، وقد استحسنه القرطبي والحافظ. والإرشاد إلى الصوم لما فيه من الجوع والامتناع عن مثيرات الشهوة ومستدعيات طغيانها "فإنه" أي الصوم "له" أي لمن قدر على الجماع ولم يقدر على التزويج لفقره "وجاء" بكسر الواو والمد هو رض الخصيتين، والمراد ههنا أن الصوم يقطع الشهوة ويقطع شر المني كما يقلعه الوجاء. قال النووي: في هذا الحديث الأمر بالنكاح لمن استطاعه وتاقت إليه نفسه. وهذا مجمع عليه لكنه عندنا وعند العلماء كافة أمر ندب لا إيجاب فلا يلزم التزوج ولا التسري سواء خاف العنت أم لا. هذا مذهب العلماء كافة ولا يعلم أحد أوجبه إلا داوود ومن وافقه من أهل الظاهر. ورواية عن أحمد فإنهم قالوا يلزمه إذا خاف العنت أن يتزوج أو يتسرى قالوا وإنما يلزمه في العمر مرة واحدة ولم يشترط بعضهم خوف العنت. قال أهل الظاهر إنما يلزمه التزويج فقط ولا يلزمه الوطء، وتعلقوا بظاهر الأمر في هذا الحديث مع غيره من الأحاديث مع القرآن. قال الله تعالى {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} وغيرها من الآيات. واحتج الجمهور بقوله تعالى {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ - إلى قوله تعالى - أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} : فخير سبحانه وتعالى بين النكاح والتسري. قال الإمام المازري: هذا حجة للجمهور لأنه سبحانه وتعالى خيره بين النكاح والتسري بالاتفاق، ولو كان النكاح واجباً لما خيره بين النكاح وبين التسري لأنه يصح عند الأصوليين التخيير بين واجب وغيره لأنه يؤدي إلى إبطال حقيقة الواجب وأن تاركه لا يكون آثماً انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.

(6/30)


2 - باب ما يؤمر به من تزويج ذات الدين
2046 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى - يَعني ابنَ سَعِيدٍ - حَدّثَني عُبَيْدُالله حَدّثَني سَعِيدُ بنُ أبي سَعِيدٍ عن أبِيهِ عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "تُنْكَحُ النّسَاءُ لأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَلِجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ" .
ـــــــ
باب ما يؤمر به من تزويج ذات الدين
"تنكح النساء" بضم التاء وفتح الكاف مبنياً للمفعول والنساء رفع به "لأربع" أي لخصها لها الأربع في غالب العادة "لحسبها" بفتحتين أي شرفها. والحسب في الأصل الشرف بالآباء وبالأقارب مأخوذ من الحساب لأنهم كانوا إذا تفاخروا عدوا مناقبهم ومآثر آبائهم وقومهم وحسبوها فيحكم لمن زاد عدده على غيره. وقيل المراد بالحسب ههنا الأفعال الحسنة. وقيل المال وهو مردود بذكره قبله. ويؤخذ منه أن الشريف النسيب يستحب له أن يتزوج نسيبة إلا إن

(6/30)


..........................
ـــــــ
تعارض نسيبة غير دينة وغير نسيبة دينة فتقدم ذات الدين وهكذا في كل الصفات. وأما ما أخرجه أحمد والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم من حديث بريدة رفعه "إن أحساب أهل الدنيا الذي يذهبون إليه المال" فقال الحافظ يحتمل أن يكون المراد أنه حسب من لا حسب له فيقوم النسب الشريف لصاحبه مقام المال لمن لا نسب له، ومنه حديث سمرة رفعه "الحسب المال والكرم والتقوى" أخرجه أحمد والترمذي وصححه هو والحاكم قاله في النيل "ولجمالها" يؤخذ منه استحباب تزوج الجميلة إلا إن تعارض الجميلة الغير دينة والغير جميلة الدينة. نعم لو تساوتا في الدين فالجميلة أولى، ويلتحق بالحسنة الذات الحسنة الصفات ومن ذلك أن تكون خفيفة الصداق "فاظفر بذات الدين" أي فز بنكاحها. والمعنى أن اللائق بذي الدين والمروءة أن يكون الدين مطمح نظره في كل شيء لا سيما فيما تطول صحبته، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بتحصيل صاحبة الدين الذي هو غاية البغية "تربت يداك" يقال ترب الرجل أي افتقر كأنه قال تلصق بالتراب ولا يراد به ههنا الدعاء بل الحث على الجد والتشمير في طلب المأمور به. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.

(6/31)


3 - باب في تزويج الأبكار
2047 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا أبُو مُعَاوِيةَ أنبأنا الأَعمَشُ عن سالِمِ بنِ أبي الْجَعْدِ عن جَابِرِ بنِ عبد الله قال: قال لِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: " أَتَزَوّجْتَ"؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قال: بِكْرٌ أَمْ ثَيّبٌ [بِكْراً أَمْ ثَيّباً]؟ فَقُلْتُ: ثَيّباً [ثَيّبٌ] قال: أَفَلاَ بِكْراً [بِكْرٌ] تُلاَعِبُهَا وَتُلاَعِبُكَ" .
ـــــــ
باب في تزويج الأبكار
"قلت نعم" أي تزوجت "بكر أم ثيب" بحذف همزة الاستفهام أي أهي بكر أم ثيب وفي بعض النسخ بالنصب فيهما أي أتزوجت بكراً أم ثيباً "فقلت ثيباً" أي تزوجت ثيباً. وفي بعض النسخ بالرفع أي هي ثيب "أفلا بكراً" أي فهلا تزوجت بكراً "تلاعبها وتلاعبك" تعليل التزويج البكر لما فيه من الألفة التامة فإن الثيب قد تكون متعلقة القلب بالزوج الأول فلم تكن محبتها كاملة بخلاف البكر. وذكر ابن سعد أن اسم امرأة جابر المذكور سهلة بنت مسعود بن أوس بن مالك الأنصارية الأوسية. قاله القسطلاني. وفي الحديث دليل على استحباب نكاح الأبكار إلا لمتقض لنكاح الثيب كما وقع لجابر فإنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم لما قال له ذلك هلك أبي وترك سبع بنات أو تسع بنات فتزوجت ثيباً كرهت أن أجيئهن بمثلهن، فقال بارك الله لك. هكذا في

(6/31)


........................
ـــــــ
البخاري في النفقات. وفي رواية له ذكرها في المغازي من صحيحه كن لي تسع أخوات فكرهت أن أجمع إليهن جارية خرقاء مثلهن ولكن امرأة تقوم عليهن وتمشطهن، قال أصبت. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي من حديث عمرو بن دينار عن جابر، وأخرجه ابن ماجه من حديث عطاء بن رباح عن جابر.

(6/32)


4 - باب النهي عن تزويج من لم يلد من النساء
قال أبُو دَاوُدَ: كَتَبَ إلَيّ حُسَيْنُ بنُ حُرَيْثٍ المَرْوِزِيّ.
2048 - حدثنا الْفَضْلُ بنُ مُوسَى عن الْحُسَيْنِ بنِ وَاقِدٍ عن عُمَارَةَ بنِ أبي حَفْصَةَ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: جَاءَ رَجُلٌ إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: إِنّ امْرَأَتِي لا تَمْنَعُ يَدَ لاَمِسٍ. قال: "غَرّبْهَا". قال: أَخَافُ أَنْ تَتْبَعُهَا نَفْسِي. قال:"فَاسْتَمْتِعْ بِهَا" .
2049 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ إِبراهِيمَ أخبرنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ أنبأنا مُسْتَلِمُ بنُ سَعِيدٍ
ـــــــ
باب النهي عن تزويج من لم يلد من النساء
هكذا وقع هذا الباب ههنا في نسخة وسائر النسخ الحاضرة عندي خالية عنه، والظاهر أن يكون هذا الباب بعد حديث ابن عباس
"لا تمنع يد لامس" أي لا تمنع نفسها عمن يقصدها بفاحشة، أو لا تمنع أحداً طلب منها شيئاً من مال زوجها "قال" أي النبي صلى الله عليه وسلم "غربها" بالغين المعجمة أمر من التغريب. قال في النهاية: أي أبعدها يريد الطلاق. وفي رواية النسائي بلفظ طلقها "قال" أي الرجل "أخاف أن تتبعها نفسي" أي تتوق إليها نفسي "قال فاستمتع بها" وفي رواية النسائي فأمسكها، خاف النبي صلى الله عليه وسلم إن أوجب عليها طلاقها أن تتوق نفسه إليها فيقع في الحرام. قال الحافظ في التلخيص: اختلف العلماء في معنى قوله "لا تردّ يد لامس" فقيل معناه الفجور وأنها لا تمتنع ممن يطلب منها الفاحشة، وبهذا قال أبو عبيد والخلال والنسائي وابن الأعرابي والخطابي والغزالي والنووي وهو مقتضى استدلال الرافعي به هنا. وقيل معناه التبذير وأنها لا تمنع أحداً طلب منها شيئاً من مال زوجها، وبهذا قال أحمد والأصمعي ومحمد بن ناصر ونقله عن علماء الإسلام وابن الجوزي وأنكر على من ذهب إلى القول الأول. وقال بعض حذاق المتأخرين قوله صلى الله عليه وسلم له "أمسكها" معناه أمسكها عن الزنا أو عن التبذير، إما بمراقبتها أو بالاحتفاظ على المال أو بكثرة جماعها. ورجح القاضي أبو الطيب الأول بأن السخاء مندوب إليه فلا يكون موجباً لقوله طلقها، ولأن التبذير ان كان من مالها فلها التصرف فيه وإن كان من ماله فعليه حفظه ولا يوجب شيئاً من ذلك الأمر بطلاقها. قيل والظاهر أن قوله لا ترد يد لامس أنها لا

(6/32)


ابنُ أُخْتِ مَنْصُورِ بنِ زَاذَانَ عن مَنْصُورٍ - يَعني ابنَ زَاذَانَ - عن مُعَاوِيَةَ بنِ قُرّةَ عن مَعْقِلِ بنِ يَسَارٍ قال: جَاءَ رَجُلٌ إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: إِنّي أَصَبْتُ امْرَأَةً ذَاتَ جَمَالٍ وَحَسَبٍ [ذَاتَ حَسَبٍ وَجَمَالٍ] وَأَنّهَا لا تَلِدُ أَفأَتَزَوّجُهَا؟ قال: "لا "َ، ثُمّ أَتَاهُ الثّانِيَةَ فَنَهَاهُ، ثُمّ أَتَاهُ الثّالِثَةَ فقال:"تَزَوّجُوا الودود الْوَلُودَ فإِنّي مُكَاثِرُ بِكُم الاْمَمَ" .
ـــــــ
تمتنع ممن يمده يده ليتلذذ بلمسها ولو كان كنى به عن الجماع لعد قاذفاً أو أن زوجها فهم من حالها أنها لا تمتنع ممن أراد منها الفاحشة لا أن ذلك وقع منها انتهى كلام الحافظ.
وقال العلامة محمد بن إسماعيل الأمير في سبل السلام بعد ما ذكر الوجهين قي قوله لا تمنع يد لامس: الوجه الأول في غاية من البعد بل لا يصح للاَية، ولأنه صلى الله عليه وسلم لا يأمر الرجل أن يكون ديوثاً فحمله على هذا لا يصح. والثاني بعيد لأن التبذير إن كان بمالها فمنعها ممكن، وإن كان من مال الزوج فكذلك ولا يوجب أمره بطلاقها على أنه لم يتعارف في اللغة أن يقال فلان لا يرد يد لامس كناية عن الجود، فالأقرب المراد أنها سهلة الأخلاق ليس فيها نفور وحشمة عن الأجانب لا أنها تأتي الفاحشة. وكثير من النساء والرجال بهذه المثابة مع البعد من الفاحشة. ولو أراد أنها لا تمنع نفسها عن الوقاع من الأجانب لكان قاذفاً لها انتهى.
قلت: الإرادة بقوله لا تمنع يد لامس أنها سهلة الأخلاق ليس فيها نفور وحشمة عن الأجانب غير ظاهر، والظاهر عندي ما ذكره الحافظ بقوله قيل والظاهر الخ والله تعالى أعلم قال المنذري: وأخرجه النسائي ورجال إسناده محتج بهم في الصحيحين على الاتفاق والانفراد. وذكر الدارقطني أن الحسين بن واقد تفرد به عن عمارة بن أبي حفصة وأن الفضل بن موسى السيناني تفرد به عن الحسين بن واقد. وأخرجه النسائي من حديث عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي عن ابن عباس وبوب عليه في سننه تزويج الزانية وقال هذا الحديث ليس بثابت وذكر أن المرسل فيه أولى بالصواب. وقال الإمام أحمد لا تمنع يد لامس تعطي من ماله. قلت فإن أبا عبيد يقول من الفجور فقال ليس هو عندنا إلا أنها تعطي من ماله ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بإمساكه وهي تفجر. وسئل عنه ابن الأعرابي فقال من الفجور. وقال الخطابي: معناه الريبة وأنها مطاوعة لمن أرادها لا ترده انتهى.
"وأنها لا تلد" كأنه علم بذلك بأنها لا تحيض "تزوجوا الودود" أي التي تحب زوجها "الولود" أي التي تكثر ولادتها. وقيد بهذين لأن الولود إذا لم تكن ودوداً لم يرغب الزوج فيها، والودود إذا لم تكن ولوداً لم يحصل المطلوب وهو تكثير الأمة بكثرة التوالد، ويعرف هذان

(6/33)


2050 – [حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ سَمِعْتُ يَزِيدَ بنِ هَارُونَ يقُولُ: رَأَيْتُ مُسْتَلِماً فَكَانَ يَقَعُ يُمْنَةً وَيُسْرَةً. قال الْحَسَنُ بنُ عَلِيَ: لَمْ يَضَعْ جَنْبَهُ إلَى الأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً. قال أبُو دَاوُدَ: مُسْتَلِمُ بنُ سَعِيدٍ بنِ أخِي وَابنِ أُخْتِ مَنْصُورٍ بنِ زَاذَانَ، مَكَثَ سَبْعِينَ يَوْماً لم يَشْرَبْ الْمَاءَ].
ـــــــ
الوصفان في الأبكار من أقاربهن إذ الغالب سراية طباع الأقارب بعضهن إلى بعض ويحتمل والله تعالى أعلم أن يكون معنى تزوجوا اثبتوا على زواجها وبقاء نكاحها إذا كانت موصوفة بهذين الوصفين قاله في المرقاة. قلت: هذا الاحتمال يزاحمه سبب الحديث "فإني مكاثر بكم الأمم" أي مفاخر بسببكم سائر الأمم لكثرة أتباعي. قال المنذري: وأخرجه النسائي.

(6/34)


5 - باب في قوله تعالى {الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً}
2051 - حدثنا إِبراهِيمُ بنُ مُحمّدٍ التّيْمِيّ أخبرنا يَحْيَى عن عُبَيْدِالله بنِ الأَخْنَسِ عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبِيهِ عن جَدّهِ: أَنّ مَرْثَدَ بنَ أبي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيّ كَان يَحْمِلُ الأَسارَى بِمَكّةَ، وكَان بمَكّةَ بَغِيّ يُقَالُ لَها عَنَاقٌ، وكَانَتْ صَدِيقَتَهُ. قال: جِئْتُ إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ: يَارَسُولَ الله أَنْكِح عَنَاقاً [عَنَاق]. قال: فَسَكَتَ عَنّي، فَنَزَلَتْ: {وَالزّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إلاّ زَانٍ أوْ مُشْرِكٍ} فَدَعَانِي فَقَرَأَهَا عَلَيّ وَقال:"لا تَنْكِحْهَا".
ـــــــ
باب في قوله تعالى {الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً}
هذه الآية في سورة النور وتمامها {أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ}
"أن مرثد بن أبي أثد" بفتح الميم وسكون الراء المهملة وفتح الثاء المثلثة وبعدها دال مهملة "الغنوي" بفتح الغين المعجمة وبعدها نون مفتوحة نسبة إلى غَنِيّ بفتح الغين وكسر النون وهو غني بن يصعر ويقال أعصر بن قيس بن سعد بن غيلان. قاله المنذري "كان يحمل الأسارى بمكة" وفي رواية النسائي: كان يحمل الأسارى من مكة إلى المدينة. وفي رواية الترمذي: كان رجلاً يحمل الأسرى من مكة ويأتي بهم المدينة. والأسارى والأسرى كلاهما جمع أسير "وكان بمكة بغي" أي فاجرة وجمعها البغايا "وكانت" أي عناق "صديقته" أي حبيبته "قال" أي مرثد "وقال لا تنكحها" فيه دليل على أنه لا يحل للرجل أن يتزوج بمن ظهر منها الزنا، ويدل على ذلك الآية المذكورة في الحديث لأن في آخرها {وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} فإنه صريح في التحريم. قال ابن القيم: وأما نكاح الزانية فقد صرح الله بتحريمه

(6/34)


2052 - حدثنا مُسَدّدٌ وَ أبُو مَعْمَرٍ قالا أخبرنا عبد الْوَارِثِ عن حَبِيبٍ حَدّثَني عَمْرُو بنُ شُعَيْبٍ عن سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ عن أَبي هُرَيْرَةَ قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَنْكِحُ الزّانِي المَجْلُودُ إِلاّ مِثْلَهُ" .
ـــــــ
في سورة النور وأخبر أن من نكحها فهو زان أو مشرك فهو إما أن يلتزم حكمه تعالى ويعتقد وجوبه عليه أولاً، فإن لم يعتقده فهو مشرك، وإن التزمه واعتقد وجوبه وخالفه فهو زان، ثم صرح بتحريمه فقال {وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} وأما جعل الإشارة في قوله {وَحُرِّمَ ذَلِكَ} إلى الزنا فضعيف جداً إذ يصير معنى الآية الزاني لا يزني إلا بزانية أو مشركة والزانية لا يزني بها إلا زان أو مشرك وهذا مما ينبغي أن يصان عنه القرآن. ولا يعارض ذلك حديث ابن عباس المذكور في الباب الذي قبله فإنه في الاستمرار على نكاح الزوجة الزانية والآية في ابتداء النكاح، فيجوز للرجل أن يستمر على نكاح من زنت وهي تحته ويحرم عليه أن يتزوج بالزانية. وقد عرفت أنه أريد بقوله: لا تمنع يد لامس. غير الزنا أيضاً وعلى هذا معارضة أصلاً.
قال المنذري: وللعلماء في الآية خمسة أقوال: أحدها أنها منسوخة، قاله سعيد بن المسيب. وقال الشافعي في الآية القول فيها كما قال سعيد بن المسيب إن شاء الله أنها منسوخة. وقال غيره الناسخ لها: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ} فدخلت الزانية في أيَامَى المسلمين وعلى هذا أكثر العلماء يقولون من زنى بامرأة فله أن يتزوجها ولغيره أن يتزوجها.
والثاني : أن النكاح ههنا الوطء والمراد أن الزاني لا يطاوعه على فعله ويشاركه في مراده إلا زانية مثله أو مشركة لا تحرم الزنا. وتمام الفائدة في قوله سبحانه: {وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} يعني الذين امتثلوا الأوامر واجتنبوا النواهي.
والثالث : أن الزاني المجلود لا ينكح إلا زانية مجلودة أو مشركة وكذا الزانية.
والرابع : أن هذا كان في نسوة كان الرجل يتزوج إحداهن على أن تنفق عليه مما كسبته من الزنا، واحتج بأن الآية نزلت في ذلك.
والخامس : أنه عام في تحريم نكاح الزانية على العفيف، والعفيف على الزانية. والله أعلم انتهى. والحديث أخرجه الترمذي والنسائي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الترمذي حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
-"لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله" قال العلامة محمد بن إسماعيل الأمير في سبل السلام: في الحديث دليل على أنه يحرم على المرأة أن تزوج بمن ظهر زناه، ولعل الوصف بالمجلود بناء على الأغلب في حق من ظهر منه الزنا. وكذلك الرجل يحرم عليه أن يتزوج

(6/35)


وقال أبُو مَعْمَرٍ قال أخبرنا حَبِيبُ المُعَلّمُ عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ.
ـــــــ
بالزانية التي ظهر زناؤها. وهذا الحديث موافق قوله تعالى: {وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} إلا أنه حمل الحديث والآية الأكثر من العلماء على أن معنى لا ينكح لا يرغب الزاني المجلود إلا في مثله والزانية لا ترغب في نكاح غير العاهر، هكذا تأولوهما. والذي يدل عليه الحديث والآية النهي عن ذلك لا الإخبار عن مجرد الرغبة، وأنه يحرم نكاح الزاني العفيفة والعفيف الزانية ولا أصرح من ذلك قوله {وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} أي كامل الإيمان الذين هم ليسوا بزناة، وإلا فإن الزاني لا يخرج عن مسمى الإيمان عند الأكثر انتهى. قال المنذري: في إسناده عمرو بن شعيب، وقد تقدم الكلام عليه. وقال بعضهم وهذا الحديث يجوز أن يكون منسوخاً كما نسخت الآية في قول ابن المسيب انتهى "وقال أبو معمر قال" أي عبد الوارث "أخبرنا حبيب المعلم" أي بلفظ التحديث، وأما مسدد فقال في روايته بلفظ "عن عمرو بن شعيب" أي بلفظ عن، وأما مسدد فبلفظ التحديث.

(6/36)


6 - باب في الرجل يعتق أمته ثم يتزوجها
2053 - حدثنا هَنّادُ بنُ السّرِيّ حدثنا عَبْثَرٌ عن مُطَرّفٍ عن عَامِرٍ عن أبي بُرْدَةَ عن أبي مُوسَى قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَعْتَقَ جَارِيَتَهُ وَتَزَوّجَهَا كَانَ لَهُ أَجْرَانِ" .
2054 - حدثنا عَمْرُو بنُ عَوْنٍ أنبأنا أبُو عَوانَةَ عن قَتَادَةَ وَ عبد الْعَزِيزِ بنِ صُهَيْبٍ عن أنَسِ بنِ مَالِكٍ: أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أَعْتَقَ صَفِيّةَ وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا.
ـــــــ
باب في الرجل يعتق أمته ثم يتزوجها
"من أعتق جاريته وتزوجها كان له أجران" أي أجر العتق وأجر التزويج قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي مختصراً ومطولاً. وأبو موسى هو عبد الله بن قيس الأشعري.
"أعتق صفية" بنت حيي بن أخطب "وجعل عتقها صداقها" فيه دليل على أنه يصح أن يجعل العتق صداق المعتقة، وقد أخذ بظاهره من القدماء سعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وطاوس والزهري، ومن فقهاء الأمصار الثوري وأبو يوسف وأحمد وإسحاق، قالوا إذا أعتق أمته على أن يجعل عتقها صداقها صح العقد والعتق والمهر على ظاهر الحديث، وأجاب الباقون عن ظاهر الحديث بأجوبة ذكرها الحافظ في الفتح منها أنه أعتقها بشرط أن يتزوجها فوجب له عليها قيمتها وكانت معلومة فتزوجها بها ولكنه لا يخفي أن ظاهر الروايات أنه جعل المهر نفس العتق المعتقة ومنها أنه جعل نفس العتق المهر ولكنه من خصائصه. ويجاب عنه بأن

(6/36)


............................
ـــــــ
دعوى الاختصاص تفتقر إلى دليل، ومنها أنه يحتمل أن يكون أعتقها بشرط أن ينكحها بغير مهر فلزمها الوفاء بذلك، ويكون خاصاً به صلى الله عليه وسلم، ولا يخفى أن هذا تعسف لا ملجأ إليه.
وبالجملة فليس جواب منها سالماً من خدشه. والحامل لمن خالف الحديث على مثل هذه الأجوبة المخدوشة ظن مخالفته للقياس قالوا لأن العقد إما أن يقع قبل عتقها وهو محال لتناقض حكم الحرية والرق أو بعده وذلك غير لازم لها، وأجيب بأن العقد يكون بعد العتق فإذا منها الامتناع لزمتها السعاية بقيمتها ولا محذور في ذلك. والحق الذي لا محيص عنه هو ما يدل عليه ظاهر الحديث من صحة جعل العتق صداق المعتقة وليس بيد المانع برهان.
وقد أطال البحث في هذه المسألة العلامة اابن القيم في الهدى بما لا مزيد عليه إن شئت الاطلاع فارجع إليه. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وصفية هي بنت حيي بن أخطب زوج النبي صلى الله عليه وسلم. واختلف العلماء في ذلك، فقال بعضهم بظاهر الحديث ولا مهر لها غير العتق، وقال آخرون: كان ذلك خاصاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن الله سبحانه وتعالى أباح له أن يتزوج بغير صداق. وقال الشافعي هي بالخيار إذا أعتقها وإن امتنعت من تزويجه فله عليها قيمتها. وقال بعضهم جعل عتقها صداقها هو قول أنس لم يسنده ولعله تأويل منه إذا لم يسم لها صداقاً والله أعلم. انتهى.
قال الحافظ في الفتح: قال أبو الطيب الطبري من الشافعية وابن المرابط من المالكية ومن تبعهما: إنه قول أنس قاله ظناً من قبل نفسه ولم يرفعه، وربما تأيد ذلك عندهم بما أخرجه البيهقي من حديث أميمة ويقال أمة الله بنت رزينة عن أمها أن النبي صلى الله عليه وسلم أعتق صفية وخطبها وتزوجها وأمهرها رزينة وكان أتى بها مسبية من قريظة والنضير، وهذا لا يقوم حجة لضعف إسناده، ويعارضه ما أخرجه الطبراني وأبو الشيخ من حديث صفية نفسها قالت أعتقني النبي صلى الله عليه وسلم وجعل عتقي صداقي. وهذا موافق لحديث أنس وفيه رد على من قال إن أنساً قال ذلك بناء على ما ظنه انتهى.

(6/37)


7 - باب يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب
2055 - حدثنا عبدالله بنُ مَسْلَمَةَ عن مَالِكٍ عن عبد الله بنِ دِينَارٍ عن سُلَيْمانَ بنِ يَسَارٍ عن عُرْوَةَ عن عَائِشَةَ زَوْجِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "يَحْرُمُ مِنَ الرّضَاعَةِ ما يَحْرُمُ مِنَ الْوِلاَدَةِ" .
ـــــــ
باب يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب
"يحرم من الرضاعة" بفتح الراء ويكسر، وأنكر الأصمعي الكسر مع الهاء وفعله في

(6/37)


....................................
ـــــــ
الفصيح من حد علم يعلم وأهل نجد قالوه من باب ضرب وعليه قول الشاعر يذم علماء زمانه:
وذموا لنا الدنيا وهم يرضعونها
وهو في اللغة مص اللبن من الثدي، ومنه قولهم لئيم مراضع أي يرضع غنماً ولا يحلبها مخافة أن يسمع صوت حلبه فيطلب منه اللبن، وفي الشرع مص الرضع اللبن من ثدي الآدمية في وقت مخصوص "ما يحرم من الولادة" بكسر الواو أي النسب.
وفي الحديث دليل على أن الرضاع ينشر الحرمة بين الرضيع وأولاد المرضعة فيحرم عليها هو ويحرم عليها فروعه من النسب والرضاع، ولا يسري التحريم من الرضيع إلى آبائه وأمهاته وإخوته وأخواته فلأبيه أن ينكح المرضعة إذ لا منع من نكاح أم الإبن وأن ينكح ابنتها وكما صار الرضيع ابن المرضعة تصير هي أمه فتحرم عليه هي وأصولها من النسب والرضاع وإخوتها وأخواتها من النسب والرضاع فهم أخواله وخالاته، وإن ثار اللبن من حمل من زوج صار الرضيع ابناً للزوج فيحرم عليه الرضيع، ولا يثبت التحريم من الرضيع بالنسبة إلى صاحب اللبن إلى أصوله وحواشيه، فلأم الرضيع أن تنكح صاحب اللبن وصار الزوج أباه فيحرم على الرضيع هو وأصوله وفصوله من النسب والرضاع فهم أعمامه وعماته ويحرم إخوته وأخزاته من النسب والرضاع، إذا هم أعمامه عماته. قاله العلامة القسطلاني في شرح البخاري.
قال الحافظ في الفتح: قال العلماء: يستثنى من عموم قوله يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب أربع نسوة يحرمن في النسب مطلقاً وفي الرضاع قد لا يحرمن.
الأولى : أم الأخ في النسب حرام لأنها إما أم وإما زوج أب وفي الرضاع قد تكون أجنبية فترضع الأخ فلا تحرم على أخيه.
الثانية : ام الحفيد حرام في النسب لأنها إما بنت أو زوج ابن، وفي الرضاع قد تكون أجنبية فترضع الحفيد فلا تحرم على جده.
الثالثة : جدة الولد في النسب حرام لأنها إما أم أو أم زوجة، وفي الرضاع قد تكون أجنبية أرضعت الولد فيجوز لوالده أن يتزوجها.
الرابعة : أخت الولد حرام في النسب لأنها بنت أو ربيبة، وفي الرضاع قد تكون أجنبية فترضع الولد فلا تحرم على الوالد. وهذه الصور الأربع اقتصر عليها جماعة ولم يستثن الجمهور شيئاً من ذلك. وفي التحقيق لا يستثنى شيء من ذلك لأنهن لم يحرمن من جهة النسب وإنما حرمن من جهة المصاهرة. واستدرك بعض المتأخرين أم العم وأم العمة وأم

(6/38)


2056 - حدثنا عبدالله بنُ مُحمّدٍ النّفَيْلِيّ أخبرنا زُهَيْرٌ عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن عُرْوَةَ عن زَيْنَبَ بِنْتِ أُمّ سَلَمَةَ عن أُمّ سَلَمَةَ: أَنّ أُمّ حَبِيبَةَ قالَتْ: يا رسول الله هَلْ لَكَ في أُخْتِي؟ قال: "فَأَفْعَلُ مَاذَا". قالَتْ: فَتَنْكِحُهَا قال:"أُخْتَكِ"؟ قالَتْ: نَعَمْ. قال:"أَوَتُحِبّينَ ذَاكَ"؟ قالَتْ: لَسْتُ بمُخْلِيَةٍ بِكَ وَأَحَبّ مَنْ شَرِكَنِي في خَيْرٍ أُخْتِي. قال:"فإِنّهَا لا
ـــــــ
الخال وأم الخالة فإنهن يحرمن في النسب لا في الرضاع وليس ذلك على عمومه والله أعلم انتهى.
قال النووي: فيه دليل على أنه يحرم النكاح ويحل النظر والخلوة والمسافرة لكن لا يترتب عليه أحكام الأمور من كل وجه فلا يتوارثان ولا يجب على واحد منهما نفقة الآخر ولا يعتق بالملك ولا يسقط عنها القصاص بقتله فهما كالأجنبيين في هذه الأحكام انتهى. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي بمعناه. وقال الترمذي حسن صحيح، وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي من حديث عمرة عن عائشة.
"أن أم حبية" بنت أبي سفيان زوج النبي صلى الله عليه وسلم "هل لك في أختي" أي هل لك رغبة في تزويج أختي، وفي رواية لمسلم: أنكح أختي عزة بنت أبي سفيان. وعند الطبراني: هل لك في حمنة بنت أبي سفيان. وعند أبي موسى في الذيل درة بنت أبي سفيان. وجزم المنذري بأن اسمها حمنة كما في الطبراني. وقال عياض لا نعلم لعزة ذكراً في بنات أبي سفيان إلا في رواية يزيد بن أبي حبيب. وقال أبو موسى الأشهر فيها عزة "قال" رسول الله صلى الله عليه وسلم "فأفعل ماذا" فيه شاهد على جواز تقديم الفعل على ما الاستفهامية خلافاً لمن أنكره من النحاة "أختك" بالنصب أي أنكح أختك "أو تحبين ذلك" هو استفهام تعجب من كونها تطلب أن يتزوج غيرها مع ما طبع عليه النساء من الغيرة، والواو عاطفة على ما قبل الهمزة عند سيبويه وعلى مقدر عند الزمخشري وموافقيه أي أنكحها وتحبين ذاك "لست بمخلية" بضم الميم وسكون المعجمة وكسر اللام اسم فاعل من أخلى يخلى أي لست بمنفردة بك ولا خالية من ضرة. وقال بعضهم هو بوزن فاعل الإخلاء متعدياً ولازماً من أخليت بمعنى خلوت من الضرة أي لست بمتفرغة ولا خالية من ضرة. قاله الحافظ. وقال في المجمع أي لست متروكة لدوام الخلوة "وأحب من شركني" وفي رواية للبخاري شاركني بالألف "في خير أختي" أحب مبتدأ وأختي خبره، وهو أفعل تفضيل مضاف إلى من ومن نكرة موصوفة أي وأحب شخص شاركني فجملة شاركني في محل جر صفته، ويحتمل أن تكون موصولة والجملة صلتها والتقدير أحب المشاركين لي في خير أختي. قيل المراد بالخير صحبة النبي صلى الله عليه وسلم، المتضمنة لسعادة الدارين الساترة لما لعله يعرض من

(6/39)


تَحِلّ لِي". قالَتْ: فَوَالله لَقَدْ أُخْبِرْتُ أَنّكَ تَخْطُبُ دُرّةَ أوْ ذُرّةَ - شَكّ زُهَيْرٌ - بِنْتَ أبي سَلَمَةَ. قال: "بِنتَ أُمّ سَلَمَةَ"؟ قالتْ: نَعَمْ. قال: "أَمَا وَالله لَوْ لم تكُنْ رَبِيبَتِي في حَجْرِي ما حَلّتْ لِي، إِنّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْنِي وَأَبَاها ثُوَيْبَةُ، فَلاَ تَعْرِضْنَ عَلَيّ بَنَاتِكُنّ وَلا أَخَوَاتِكُنّ" .
ـــــــ
الغيرة التي جرت بها العادة بين الزوجات. وفي رواية للبخاري: وأحب من شركني فيك أختي. قال الحافظ: فعرف أن المراد بالخير ذاته صلى الله عليه وسلم "فإنها لا تحل لي" لأن الجمع بين الأختين حرام "لقد أخبرت" بضم الهمزة على البناء للمجهول.
قال الحافظ: ولم أقف على اسم من أخبر بذلك ولعله كان من المنافقين، فإنه قد ظهر أن الخبر لا أصل له وهذا مما يستدل به على ضعف المراسيل "أنك تخطب درة" بضم المهملة وتشديد الراء "أو ذرة" بالمعجمة "شك زهير" الراوي عن هشام وفي البخاري وغيره وقع اسمها درة بغير الشك "بنت أم سلمة" منصوب بفعل مقدر أي تعنين بنت أم سلمة وهو استفهام استثبات لرفع الإشكال أو استفهام إنكار، والمعنى أنها إن كانت بنت أبي سلمة من أم سلمة فيكون تحريمها من وجهين كما سيأتي بيانه. وإن كانت من غيرها فمن وجه واحد. وكأن أم حبيبة لم تطلع على تحريم ذلك إما لأن ذلك كان قبل نزول آية التحريم. وإما بعد ذلك وظنت أنه من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم كذا قال الكرماني.
قال: والاحتمال الثاني هو المعتمد والأول يدفعه سياق الحديث "لو لم تكن" أي درة بنت أم سلمة "ربيبتي" أي بنت زوجتي مشتقة من الرب وهو الإصلاح لأن زوج الأم يربها ويقوم بأمرها، وقيل من التربية وهو غلط من جهة الاشتقاق "في حجري" راعي فيه لفظ الآية، وإلا فلا مفهوم له. كذا عند الجمهور وأنه خرج مخرج الغالب "ما حلت لي" هذا جواب لو يعي لو كان بها مانع واحد لكفي في التحريم فكيف وبها مانعان "أرضعتني وأباها" أي والد درة أبا سلمة وهو معطوف على المفعول أو مفعول معه "ثويبة" بضم المثلثة وفتح الواو وبعد التحتية الساكنة موحدة كانت مولاة لأبي لهب بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم "فلا تعرضن" بفتح أوله وسكون العين وكسر الراء بعدها معجمة ساكنة ثم نون علي الخطاب لجماعة النساء، وبكسر المعجمة وتشديد النون خطاب لأم حبيبة. قال الحافظ: والأول أوجه.
قال القرطبي: جاء بلفظ الجمع وإن كانت القصة لإثنين وهما أم حبيبة وأم سلمة ردعاً وزجراً أن تعود واحدة منهما أو غيرهما إلى مثل ذلك، وهذا كما لو رأى رجل امرأة تكلم رجلاً

(6/40)


............................
ـــــــ
فقال لها أتكلمين الرجال فإنه مستعمل شائع. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه من حديث زينب بنت أبي سلمة عن أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم.

(6/41)


8 - باب في لبن الفحل
2057 - حدثنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ الْعبد يّ أنبأنا سُفْيَانُ عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن عُرْوَةَ عن عَائِشَةَ قالَتْ: دَخَلَ عَلَيّ أَفْلَحُ بنُ أبي الْقُعَيْسِ فَاسْتَتَرْتُ مِنْهُ، قال: [فقال] تَسْتَتِرِينَ مِنّي وَأَنَا عَمّكِ؟ قالَتْ قُلْتُ: مِنْ أَيْنَ. قال: أَرْضَعَتْكِ امْرَأَةُ أَخِي. قالَتْ: إِنّمَا أَرْضَعَتْنِي المَرْأَةُ وَلم يُرْضِعْنِي الرّجُلُ. فَدَخَلَ عَلَيّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَحَدّثْتُهُ فقال: " إِنّهُ عَمّكِ فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ" .
ـــــــ
باب في لبن الفحل
بفتح الفاء وسكون الحاء المهملة الرجل أي هل يثبت حرمة الرضاع بينه وبين الرضيع ويصير ولداً له أم لا، ونسبة اللبن إليه مجاز لكونه سبباً فيه "دخل علي أفلح بن أبي القعيس" هكذا جاء في رواية لمسلم بلفظ أفلح بن أبي القعيس، وفي رواية له بلفظ أفلح بن قعيس وفي أخرى له بلفظ عمي من الرضاعة أبو الجعد، وفي روايات متعددة له أن أفلح أخا أبي القعيس جاء يستأذن.
قال النووي: قال الحفاظ الصواب الرواية الأولى وهي التي كررها مسلم في أحاديث الباب وهي المعروفة في كتب الحديث وغيرها أن عمها من الرضاعة هو أفلح أخو أبي القعيس وكنية أفلح أبو الجعد انتهى "فاستترت" أي احتجبت "إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل" أي حصلت لي الرضاعة من جهة المرأة لا من جهة الرجل فكأنها ظنت أن الرضاعة لا تسري إلى الرجال والله تعالى أعلم بالحال "فليلج عليك" من الولوج أي فليدخل. فيه دليل على أن لبن الفحل يحرم حتى تثبت الحرمة في جهة صاحب اللبن كما تثبت من جانب المرضعة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أثبت عمومة الرضاع وألحقها بالنسب فثبت حرمة الرضاع بينه وبين الرضيع ويصير ولداً له وأولاده إخوة اضيع وأخواته، ويكون إخوته أعمام الرضيع وأخواته عماته ويكون أولاد الرضيع أولاده. وإليه ذهب الجمهور من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار كالأوزاعي في أهل الشام والثوري وأبي حنيفة وصاحبيه في أهل الكوفة، وابن جريج في أهل مكة، ومالك في أهل المدينة، والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأتباعهم، وحجتهم هذا الحديث الصحيح.
وخالف في ذلك ابن عمر وابن الزبير ورافع بن خديج وعائشة وجماعة من التابعين وابن

(6/41)


..........................
ـــــــ
المنذر وداوود وأتباعه فقالوا لا يثبت حكم الرضاع للرجل لأن الرضاع إنما هو للمرأة التي اللبن منها. قالوا ويدل عليه قوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ} فإنه لم يذكر العمة ولا البنت كما ذكرهما في النسب، وأجيبوا بأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما عداه، ولاسيما وقد جاءت الأحاديث الصحيحة. واحتج بعضهم من حيث النظر بأن اللبن لا ينفصل من الرجل وإنما ينفصل من المرأة فكيف تنتشر الحرمة إلى الرجل، والجواب أنه قياس في مقابلة النص فلا يلتفت إليه. وأيضاً فإن سبب اللبن هو ماء الرجل والمرأة معاً، فوجب أن يكون الرضاع منهما كالجد لما كان سبب الولد أوجب تحريم ولد الولد به لتعلقه بولده وإلى هذا أشار ابن عباس بقوله في هذه المسألة: اللقاح واحد. أخرجه ابن أبي شيبة. وأيضاً فإن الوطء يدر اللبن فللفحل فيه نصيب. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
وأفلح بالفاء والقعيس بضم القاف وفتح المهملة وسكون الياء وبعدها سين مهملة. واختلف العلماء في التحريم بلبن الفحل، فجمهور العلماء على أنه يحرم، وذهبت طائفة إلى أنه لا يحرم، وإنما يقع التحريم من ناحية المرأة لا من ناحية الرجل روي هذا عن عائشة وابن عمر وابن الزبير وغيرهم من التابعين وهو مذهب أهل الظاهر وابن بنت الشافعي، وقيل إنه لا يصح عن عائشة، وهذا هو الأشبه لأنها التي روت الحديث فيه. قال الإمام الشافعي: نشر الحرمة إلى الفحل خارج عن القياس، فإن اللبن ليس ينفصل منه وإنما ينفصل منها والمتبع الحديث انتهى.

(6/42)


9 - باب في رضاعة الكبير
2058 - حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ أخبرنا شُعْبَةُ ح. وَحدثنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنبأنا سُفْيَانُ عن أَشْعَثَ بنِ سُلَيْمٍ عن أبِيهِ عن مَسْرُوقٍ عن عَائِشَةَ المَعْنَى وَاحِدٌ: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا رَجُلٌ قال حَفْصٌ: فَشَقّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَتَغَيّرَ وَجْهُهُ، ثُمّ اتّفَقَا قالَتْ: يا رسول الله إِنّهُ أَخِي مِنَ الرّضَاعَةِ، فقال: "انْظُرْنَ مَنْ إخْوَانِكنّ، فإِنّمَا الرّضَاعَةُ مِنَ المَجَاعَةِ" .
ـــــــ
باب في رضاعة الكبير
"عن أشعث بن سليم" أي كلاهما عن أشعث "المعنى واحد" أي معنى حديث شعبة وسفيان واحد وإن كان في بعض ألفاظ حديثهما اختلاف "وعندها رجل" الجملة حالية "فشق ذلك" أي دخول ذلك الرجل "عليه" صلى الله عليه وسلم. وفي رواية لمسلم: فاشتد ذلك عليه ورأيت الغضب في وجهه "ثم اتفقا" أي حفص ومحمد بن كثير "فقال انظرن" أي تفكرن واعرفن "من

(6/42)


2059 - حدثنا عبد السّلاَمِ بنُ مُطَهّرٍ أَنّ سُلَيْمانَ بنَ المُغِيرَةِ حَدّثَهُمْ عن أبي مُوسَى عن أبِيهِ عن ابنٍ لِعبد الله بنِ مَسْعُودٍ عن ابنِ مَسْعُودٍ قال: لا رَضَاعَ إِلاّ مَا شَدّ الْعَظْمَ وَأَنْبَتَ اللّحْمَ، فقال أبُو مُوسَى: لا تَسْأَلُونَا وَهَذَا الْحَبْرُ فِيكُمْ.
2060- حدثنا مُحمّد بنُ سُلَيْمانَ الأَنْبَارِيّ أخبرنا وَكِيعٌ عن سُلَيْمانَ بنِ المُغِيرَةِ عن أبي مَوسَى الْهِلاَليّ عن أبِيهِ عن ابنِ مَسْعُودٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بمَعْنَاهُ وَقال: أَنْشَزَ [أَنْشَرَ] الْعَظْمَ".
ـــــــ
إخوانكن" خشية أن يكون رضاعة ذلك الشخص كانت في حالة الكبر "فإنما الرضاعة من المجاعة" بفتح الميم. قال الإمام أبو سليمان الخطابي في المعالم: معناه أن الرضاعة التي بها يقع الحرمة ما كان في الصغر والرضيع طفل يقويه اللبن ويسد جوعه فأما ما كان منه بعد ذلك في الحال التي لا يسد جوعه اللبن ولا يشبعه إلا الخبز واللحم وما كان في معناهما فلا حرمة له.
وقد اختلف العلماء في تحديد مدة الرضاع فقالت طائفة منهم إنها حولان، وإليه ذهب سفيان الثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق، واحتجوا بقوله تعالى {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} قالوا: فدل أن مدة الحولين إذا انقضت فقد انقطع حكمها ولا عبرة لما زاد بعد تمام المدة. وقال أبو حنيفة حولان وستة أشهر، وخالفه صاحبه. وقال زفر بن الهذيل: ثلاث سنين. ويحكى عن مالك أنه جعل حكم الزيادة على الحولين، إذا كانت يسيراً حكم الحولين انتهى. وفي بعض نسخ الكتاب بعد قوله من المجاعة وجدت هذه العبارة. قال أبو داوود روى أهل المدينة في هذا اختلافاً قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم.
"ما شد العظم" أي قواه وأحكمه. وشد العظم وإنبات اللحم لا يحصل إلا إذا كان الرضيع طفلاً يسد اللبن جوعه لأن معدته تكون ضعيفة يكفيها اللبن وينبت بذلك لحمه ويشتد عظمه فيصير كجزء من المرضعة، فيشترك في الحرمة مع أولادها "لا تسألونا وهذا الحبر فيكم" الحبر بفتح الحاء وكسرها العالم، وأراد بهذا الحبر ابن مسعود رضي الله عنه.
-"بمعناه" أي بمعنى الحديث المذكور "وقال أنشر العظم" قال الخطابي أنشر العظم معناه ما شد العظم وقواه والإنشار بمعنى الإحياء كما في قوله سبحانه {ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ} وقد يروي أنشز العظم بالزاي المعجمة ومعناه زاد في حجمه فنشره انتهى. وقال السندي أي رفعه وأعلاه أي أكبر حجمه.

(6/43)


..............................
ـــــــ
قال المنذري: سئل أبو حاتم الرازي عن أبي موسى الهلالي فقال هو مجهول وأبوه مجهول انتهى.
وأحاديث الباب تدل على أنه لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في حال الصغر لأنها الحال الذي يمكن طرد الجوع فيها باللبن، وإليه ذهب الجمهور من الصحابة والتابعين والفقهاء، وإنما اختلفوا في تحديد الصغر، فالجمهور قالوا مهما كان في الحولين فإن رضاعه يحرم ولا يحرم ما كان بعدهما مستدلين بقوله تعالى {حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} وقالت جماعة: الرضاع المحرم ما كان قبل الفطام ولم يقدروه بزمان.
قال الأوزاعي: إن فطم وله عام واحد واستمر فطامه ثم رجع في الحولين لم يحرم هذا الرضاع شيئاً، وإن تمادى رضاعه ولم يفطم فما يرضع وهو في الحولين حرم وما كان بعدهما لا يحرم وإن تمادى رضاعه. وفي المسألة أقوال أخر عارية عن الاستدلال فلم نطل بها المقال.

(6/44)


10 - باب من حرّم به
2061 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالحٍ أخبرنا عَنْبَسَةُ حَدّثَني يُونُسُ عن ابنِ شِهَابٍ حَدّثَني عُرْوَةُ بنُ الزّبَيْرِ عن عَائِشَةَ زَوْجِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَ أُمّ سَلَمَةَ: أَنّ أَبَا حُذَيْفَةَ بنَ عُتْبَةَ بنِ رَبِيعَةَ بنِ عبد شَمْسٍ كَانَ تَبَنّى سَالِماً وَأَنْكَحَهُ ابْنَةَ أَخِيهِ هِنْدَ بِنْتَ الْوَلِيدِ بنِ عُتْبَةَ بنِ رَبِيعَةَ، وَهُوَ مَوْلًى لاِمْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ، كَمَا تَبَنّى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم زَيْداً، وكانَ مَنْ تَبَنّى
ـــــــ
باب من حرّم به
أي برضاع الكبير
"كان تبنى سالماً" أي اتخذه ولداً. وسالم هو ابن معقل مولى أبي حذيفة ولم يكن مولاه وإنما كان يلازمه بل كان من حلفائه كما وقع في رواية لمسلم "وأنكحه" أي زوجه "هند بنت الوليد" بدل من ابنة أخيه. ووقع عند مالك فاطمة فلعل لها اسمين "وهو" أي سالم "مولى لامرأة من الأنصار" قال ابن حبان: يقال لها ليلى ويقال ثبيتة بضم الثاء وفتح الباء وسكون الياء بنت يعار بفتح التحتية ابن زيد بن عبيد وكانت امرأة أبي حذيفة بن عتبة، وبهذا جزم ابن سعد. وقيل اسمها سلمى وقيل غير ذلك "كما تبنى رسول الله صلى الله عليه وسلم زيداً" هو أبو
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وقد قال بقول عائشة في رضاع الكبير الليث بن سعد وعطاء وأهل الظاهر والأكثرون حملوا الحديث إما على الخصوص وإما على النسخ واستدلوا على النسخ بأن قصة سالم كانت في أول الهجرة لأنها هاجرت عقب نزول الآية والآية نزلت في أوائل الهجرة.

(6/44)


رَجُلاً في الْجَاهِليّةِ دَعَاهُ النّاسُ إِلَيْهِ وَرُرّثَ مِيرَاثَهُ حَتّى أَنْزَلَ الله عَزّوَجلّ في ذَلِكَ {أُدْعُوهُمْ لاَبَائِهِمْ - إِلَى قَوْلِهِ - فإِخْوَانُكُم في الدّينِ وَمَوَالِيكُمْ} فَرُدّوا إلَى آبَائِهِمْ، فَمَنْ لم يَعْلَمْ لَهُ أَبٌ كَانَ مَوْلًى وَأَخاً في الدّينِ، فَجَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلِ بنِ عَمْرٍو الْقُرَشِيّ ثُمّ الْعَامِرِيّ وَهِيَ امْرَأَةُ أبي حُذَيْفَةَ، فقالَتْ: يا رسول الله إِنّا كُنّا نَرَى سَالِماً وَلَداً فَكَانَ يَأْوِي مَعِي وَمَعَ أبي حُذَيْفَةَ في بَيْتٍ وَاحِدٍ وَيَرَانِي فُضْلاً، وَقَدْ أَنْزَلَ الله فِيهِمْ ما قَدْ عَلِمْتَ فَكَيْفَ تَرَى فِيهِ؟ فَقال لَها النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "أَرْضِعِيهِ"، فأَرْضَعَتْهُ خَمْسَ
ـــــــ
أسامة زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزى القرشي نسباً الهاشمي ولاء مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحبه وأبو حبه كان أمه خرجت به تزور قومها فأغارت عليهم بنو القين فأخذوا بزيد وقدموا به سوق عكاظ فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة فوهبته للنبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمان سنين فأعتقه وتبناه. قال ابن عمر: ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل قوله تعالى {دْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ} ولم يذكر الله تعالى في القرآن من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلا زيداً بقوله {فلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً} الآية استشهد في غزوة مؤتة سنة ثمان من الهجرة "أدعوهم" أي المتبنين "لاَبائهم" أي آبائهم الذين هم من مائهم لا لمن تبناه. وتمام الآية {هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} "فردوا إلى آبائهم" ولم ينسبوا إلى من تبناه ولم يورثوا ميراثهم بل ميراث آبائهم "كان مولى وأخاً في الدين" لعل في هذا إشارة إلى قولهم مولى أبي حذيفة وأن سالماً لما نزلت "أدعوهم لاَبائهم" كان مما لا يعلم له أب فقيل له مولى أبي حذيفة "إنا كنا نرى" أن نعتقد "فكان" أي سالم "يأوي" أي يسكن. وعند مالك يدخل علي. قال في القاموس أوَيت منزلي وإليه أويا بالضم ويكسر وأويت تأوية وتأويت واتويت وأتويت نزلته بنفسي وسكنت "ويراني فضلاً" بضم الفاء وسكون الضاد أي متبذلة في ثياب المهنة، يقال تفضلت المرأة إذا فعلت ذلك. هذا قول الخطابي وتبعه ابن الأثير وزاد: وكانت في ثوب واحد. وقال ابن عبد البر: قال الخليل رجل فضل متوشح في ثوب واحد يخالف بين طرفيه. قال فعلى هذا فمعنى الحديث أنه كان يدخل عليها وهي منكشف بعضها. وعن ابن وهب فضل مكشوفة الرأس والصدر. وقيل الفضل الذي عليه ثوب واحد ولا إزار تحته. وقال صاحب الصحاج: تفضلت المرأة في بيتها إذا كانت في ثوب واحد كقميص لا كمين له "وقد أنزل الله فيهم ما قد علمت" أي الآية التي ساقها قبل وهي "أدعوهم
ـــــــ
وأما أحاديث الحكم بأن التحريم يختص بالصغر. فرواها من تأخر إسلامهم من الصحابة نحو أبي هريرة وابن عباس وغيرهم فتكون أولى.

(6/45)


رَضَعَاتٍ، فَكَان بِمَنْزِلَةِ وَلَدِهَا مِنَ الرّضَاعَةِ" ، فَبِذَلِكَ كَانَتْ عَائِشَةُ تَأْمُرُ بَنَاتِ أَخَوَاتِهَا وَبَنَاتِ إِخْوَانِهَا أَنْ يُرْضِعْنَ مَنْ أَحَبّتْ عَائِشَةُ أَنْ يَرَاهَا وَيَدْخُلَ عَلَيْهَا وَإِنْ كان كَبِيراً خَمْسَ رَضَعَاتٍ ثُمّ يَدْخُلُ عَلَيْهَا. وَأَبَتْ أُمّ سَلَمَةَ وَسَائِرُ أَزْوَاجِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُدْخِلْنَ عَلَيْهِنّ بِتلْكَ الرّضَاعَةِ أَحَداً مِنَ النّاسِ حَتّى يُرْضَعَ [يُرْضَعْنَ] في المَهْدِ، وَقُلْنَ لِعَائِشَةَ: وَالله ما تَدْرِي لَعَلّهَا كَانَتْ رُخْصَةً مِنَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لِسَالِمٍ دُونَ النّاسِ.
ـــــــ
لاَبائهم" وقوله "وما جعل أدعياءكم أبناءكم" "فكيف ترى فيه" وفي رواية لمسلم: قالت إن سالماً قد بلغ ما يبلغ الرجال وعقل ما عقلوه وإنه يدخل علينا وإني أظن أن في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئاً "أرضعيه" وفي رواية لمسلم: قالت كيف أرضعه وهو رجل كبير فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال قد علمت أنه رجل كبير، وفي أخرى له فقالت إنه ذو لحية. قال القاضي عياض: لعلها حلبته ثم شربه من غير أن يمس ثديها وهذا أحسن، ويحتمل أنه عفا عن مسه للحاجة كما خص بالرضاعة مع الكبر انتهى "أن يرضعن من أحبت عائشة أن يراها" الضمير المرفوع يعود إلى من والمنصوب إلى عائشة "أن يدخلن عليهن بتلك الرضاعة" أي بالرضاعة في الكبر "حتى يرضع" على البناء للمجهول "في المهد" أي في حالة الصغر حين يكون الطفل في المهد. والحديث قد استدل به من قال إن إرضاع الكبير يثبت به التحريم وهو مذهب عائشة وعروة بن الزبير وعطاء بن أبي رباح والليث بن سعد وابن علية وابن حزم.
وذهب الجمهور إلى اعتبار الصغر في الرضاع المحرم وأجابوا عن قصة سالم بأجوبة، منها أنه حكم منسوخ وقرره بعضهم بأن قصة سالم كانت في أوائل الهجرة، والأحاديث الدالة على اعتبار الحولين من رواية أحداث الصحابة فدل على تأخرها وهو مستند ضعيف إذ لا يلزم من تأخر إسلام الراوي ولا من صغره أن لا يكون ما رواه متقدماً. وأيضاً ففي سياق قصة سالم ما يشعر بسبق الحكم باعتبار الحولين لقول امرأة أبي حذيفة في بعض طرقه حيث قال لها النبي صلى الله عليه وسلم أرضعيه، قالت وكيف أرضعه وهو رجل كبير، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي رواية قالت إنه ذو لحية، قال أرضعيه، وهذا يشعر بأنها كانت تعرف أن الصغر معتبر في الرضاع المحرم. ومنها دعوى الخصوصية بسالم وامرأة أبي حذيفة والأصل فيه قول أم سلمة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ما نرى هذا إلا رخصة أرخصها رسول الله صلى الله عليه وسلم لسالم خاصة.
ولقائل أن يقول إن دعوى الاختصاص تحتاج إلى دليل وقد اعترفن بصحة الحجة التي جاءت بها عائشة ولا حجة في إبائهن لها كما أنه لا حجة في أقوالهن إذا خالفت المرفوع، ولو كانت هذه السنة مختصة بسالم لبينها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما بين اختصاص أبي بردة بالتضحية

(6/46)


.......................
ـــــــ
بالجذع من المعز ومنها حديث إنما الرضاعة من المجاعة، وحديث لا رضاع إلا ما شد العظم وأنبت اللحم، وحديث لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام، رواه الترمذي وصححه، وحديث لا رضاع إلا ما كان في الحولين رواه الدارقطني وقال لم يسنده عن ابن عيينة غير الهيثم بن جميل وهو ثقة حافظ. وقد جمع بين حديث الباب وبين هذه الأحاديث بأن الرضاع يعتبر فيه الصغر إلا فيما دعت إليه الحاجة كرضاع الكبير الذي لا يستغني عن دخوله على المرأة ويشق احتجابها منه ويجعل حديث الباب مخصصاً لعموم هذه الأحاديث. وإليه ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية. وقال الشوكاني: وهذا هو الراجح عندي، وقال هذه طريقة متوسطة بين طريقة من استدل بهذه الأحاديث على أنه لا حكم لرضاع الكبير مطلقاً وبين من جعل رضاع الكبير كرضاع الصغير مطلقاً لما لا يخلو عنه كل واحدة من هاتين الطريقتين من التعسف انتهى والله تعالى أعلم وعلمه أتم. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والنسائي.

(6/47)


11 - باب هل يحرم ما دون خمس رضعات
2062 - حدثنا عبد الله بنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن عبد الله بنِ أبي بَكْرٍ بنِ مُحمّدِ بنِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ عن عَمْرَةَ بِنْتِ عبد الرّحْمَنِ عن عَائِشَةَ أَنّهَا قالتْ: كَانَ فِيمَا أَنْزَلَ الله مِنَ الْقُرْآن عَشْرَ رَضَعَاتٍ يَحَرّمْنَ ثُمّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرّمْنَ، فُتُوُفّيَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَهُنّ مِمّا يُقْرَأُ مِنَ [في] الْقُرْآنِ.
ـــــــ
باب هل يحرم ما دون خمس رضعات
"كان فيما أنزل الله من القرآن" من بيانية أي كان سابقاً في القرآن هذه الآية "عشر رضعات يحرمن" بضم الياء وتشديد الراء، وفي رواية مسلم عشر رضعات معلومات يحرمن "ثم نسخن" على البناء للمجهول "بخمس معلومات يحرمن" أي ثم نزلت خمس رضعات معلومات يحرمن فنسخت تلك العشر "فتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وهن" أي خمس رضعات، وفي رواية مسلم وهي أي آية خمس رضعات "مما يقرأ من القرآن" بصيغة المجهول. والمعنى أن النسخ بخمس رضعات تأخر إنزاله جداً حتى إنه صلى الله عليه وسلم توفي وبعض الناس يقرأ خمس رضعات ويجعلها قرآناً متلواً لكونه لم يبلغه النسخ لقرب عهده فلما بلغهم النسخ بعد ذلك رجعوا عن ذلك وأجمعوا على أن هذا لا يتلي. والنسخ ثلاثة أنواع: أحدها - ما نسخ حكمه وتلاوته كعشر رضعات. والثاني - ما نسخت تلاوته دون حكمه كخمس رضعات. وكالشيخ والشيخة إذا زنيا

(6/47)


2063 - حدثنا مُسَدّدٌ بنُ مُسَرْهَدٍ أخبرنا إِسْمَاعِيلُ عن أَيّوبَ عن ابنِ أبي مُلَيْكَةَ عن عبد الله ابنِ الزّبَيْرِ عن عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا قالَتْ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا تُحَرّمُ المَصّةُ وَلا المَصّتَانِ" .
ـــــــ
فارجموهما. والثالث - ما نسخ حكمه وبقيت تلاوته وهذا هو الأكثر ومنه قوله تعالى {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ} الآية قاله النووي. وقد استدل بهذا الحديث من قال إنه لا يقتضي التحريم من الرضاع إلا خمس رضعات وهو مذهب عائشة وابن مسعود وعبد الله بن الزبير وعطاء وطاؤس وسعيد بن جبير وعروة بن الزبير والليث بن سعد والشافعي وأصحابه، وقال به ابن حزم وهي رواية عن أحمد. وذهب أحمد في رواية وإسحاق وأبو عبيدة وأبو ثور وابن المنذر وداوود وأتباعه إلى أن الذي يحرم ثلاث رضعات وقال مالك وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي والليث أن القليل والكثير من الرضاع سواء في التحريم وهو المشهور عند أحمد، وتمسكوا بعموم قوله تعالى {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ} وبالعموم الوارد في الأخبار. قال الحافظ: قوي مذهب الجمهور بأن الأخبار اختلفت في العدد وعائشة التي روت ذلك قد اختلف عليها فيما يعتبر من ذلك فوجب الرجوع إلى أقل ما ينطلق عليه الاسم وأيضاً فقول عشر رضعات معلومات ثم نسخن بخمس معلومات فمات النبي صلى الله عليه وسلم وهن مما يقرأ لا ينتهض للاحتجاج على الأصح من قولي الأصوليين لأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، والراوي روى هذا على أنه قرآن لا خبر فلم يثبت كونه قرآناً ولا ذكر الراوي أنه خبر ليقبل قوله فيه والله أعلم انتهى. وقد بسط الكلام في هذه المسألة الشوكاني في النيل فليراجع إليه. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه. وهذا والذي قبله حجة للشافعي في اعتبار عدد الخمس في التحريم انتهى.
"لا تحرم المصة ولا المصتان" المصة الواحدة من المص وهو أخذ اليسير من الشيء كما في الضياء وفي القاموس مصصته بالكسر أمصه ومصصته أمصه كخصصته أخصه شربته شرباً رفيقاً. والحديث يدل على أن المصة والمصتين لا يثبت بها حكم الرضاع الموجب للتحريم، ويدل بمفهومه على أن الثلث من المصات تقتضي التحريم. وقد سبق ذكر من ذهب إلى العمل به. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.

(6/48)


12 - باب في الرضخ عن الفصال
2064 - حدثنا عبد الله بنُ مُحمّدٍ النّفَيْلِيّ أخبرنا أبُو مُعَاوِيَةَ ح. وَحدثنا ابنُ الْعَلاَءِ أنبأنا ابنُ إِدْرِيسَ عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن أبِيهِ عن حَجّاجِ بنِ حَجّاجٍ عن أبِيهِ قال: قُلْتُ: يا رسول الله ما يُذْهِبُ عَنّي مَذَمّةَ الرّضَاعَةِ؟ قال: "الْغُرّةُ الْعبد أَوِ الأمَةُ" .
قال النّفَيْلِيّ: حَجّاجُ بنُ الْحَجّاجِ الأسْلَمِيّ، وَهَذَا لَفْظُهُ.
ـــــــ
باب في الرضخ عن الفصال
الرضخ الإعطاء
"ابن إدريس" أي أبو معاوية وابن إدريس كلاهما عن هشام "ما يذهب" من الإذهاب أي ما يزيل "مذمة الرضاعة" أي حق الإرضاع أو حق ذات الرضاع. في الفائق المذمة والذمام بالكسر والفتح الحق والحرمة التي يذم مضيعها يقال رعيت ذمام فلان ومذمته. وعن أبي زيد: المذمة بالكسر الذمام وبالفتح الذم. قال القاضي: والمعنى أي شيء يسقط عني حق الإرضاع حتى أكون بأدائه مؤدياً حق المرضعة بكماله، وكانت العرب يستحبون أن يرضخوا للظئر بشيء سوى الأجرة عند الفصال وهو المسئول عنه "الغرة" أي المملوك "العبد أو الأمة" بالرفع بدل من الغرة، وقيل الغرة لا تطلق إلا على الأبيض من الرقيق، وقيل هي أنفس شيء يملك. قال الطيبي: الغرة المملوك وأصلها البياض في جبهة الفرس ثم استعير لأكرم كل شيء، كقولهم غرة القوم سيدهم. ولما كان الإنسان المملوك خير ما يملك سمي غرة، ولما جعلت الظئر نفسها خادمة جوزيت بجنس فعلها. وقال الإمام الخطابي في المعالم: يقول إنها قد خدمتك وأنت طفل وحضنتك وأنت صغير فكافئها بخادم يخدمها ويكفيها المهنة قضاء لذمامها وجزاء لها على إحسانها انتهى. وقد استدل بالحديث على استحباب العطية للمراضعة عند الفطام وأن يكون عبد اً أو أمة. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وقال الترمذي حديث حسن صحيح. هذا آخر كلامه. وأبوه هو الحجاج بن مالك الأسلمي سكن المدينة، وقيل كان ينزل العرج. ذكره أبو القاسم البغوي وقال ولا أعلم للحجاج بن مالك غير هذا الحديث. وقال النمري: له حديث واحد "قال النفيلي" أي في روايته "حجاج بن الحجاج الأسلمي" بزيادة لفظ الأسلمي "وهذا" أي لفظ الحديث المذكور "لفظه" أي لفظ حديث النفيلي.

(6/49)


13 - باب ما يكره أن يجمع بينهن من النساء
2065 - حدثنا عبد الله بنُ مُحمّدٍ النّفَيْلِيّ أخبرنا زُهَيْرٌ أخبرنا دَاوُدَ بنُ أبي هِنْدٍ عن عَامِرٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا تُنْكَحُ المَرْأَةُ عَلَى عَمّتِها وَلا الْعَمّةُ عَلَى بِنْتِ أَخِيهَا وَلا المَرْأَةُ عَلَى خَالَتِهَا وَلا الْخَالَةُ عَلَى بِنْتِ أُخْتِها، وَلا تُنْكَحُ الْكُبْرَى عَلَى الصّغْرَى وَلا الصّغْرَى عَلَى الْكُبْرَى" .
2066 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالحٍ أخبرنا عَنْبَسَةُ أخبرني يُونُسُ عن ابنِ شِهَابٍ قال أخبرني قَبِيصَةُ بنُ ذُؤَيْبٍ أَنّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يقُولُ: نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا وَبَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمّتِهَا .
ـــــــ
باب ما يكره أن يجمع بينهن من النساء
ما بمعنى من، ومن النساء بيان لها، أي باب النساء اللاتي يكره أن يجمع بينهن. "لا تنكح" بصيغة المجهول "على عمتها" سواء كانت سفلى كأخت الأب أو علياً كأخت الجد مثلاً "على خالتها" سفلي كانت أو علياً "ولا تنكح الكبرى" أي سنّا غالباً أو رتبة فهي بمنزلة الأم، والمراد العمة والخالة "على الصغرى" أي بنت الأخ أو بنت الأخت، وسميت صغرى لأنها بمنزلة البنت، وهذه الجملة كالبيان للعلة والتأكيد للحكم "ولا الصغرى على الكبرى" كرر النفي من الجانبين للتأكيد لقوله لا تنكح المرأة على عمتها الخ، ولدفع توهم جواز تزوج العمة على بنت أخيها والخالة على بنت أختها الفضيلة العمة والخالة كما يجوز تزوج الحرة على الأمة. قال الخطابي في المعالم: يشبه أن يكون المعنى في ذلك والله أعلم ما يخاف من وقوع العداوة بينهن لأن المشاركة في الحظ من الزوج توقع المنافسة بينهن فيكون منها قطيعة الرحم، وعلى هذا المعنى يحرم الجمع بين الأختين المملوكتين في الوطء، وهو قول أكثر أهل العلم وقياسه أن لا يجمع بين الأمة وبين عمتها أو خالتها في الوطء انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري تعليقاً وأخرجه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي حسن صحيح.
"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجمع بين المرأة وخالتها وبين المرأة وعمتها" أي في النكاح وكذا في الوطء بملك اليمين. وفي رواية لمسلم: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجمع الرجل وفي آخرها قال ابن شهاب فنرى خالة أبيها وعمة أبيها بتلك المنزلة. قال النووي: هذا الحديث دليل لمذهب العلماء كافة أنه يحرم الجمع بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها سواء كانت عمة وخالة حقيقية وهي أخت الأب وأخت الأم أو مجازية وهي أخت أبي الأب وأبي الجد وإن

(6/50)


2067 - حدثنا عبد الله بنُ مُحمّدٍ النّفَيْلِيّ أخبرنا خَطّابُ بنُ الْقاسِمِ عن خُصَيفٍ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم: أَنّهُ كَرِهَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْعَمّةِ وَالْخَالَةِ وَبَيْنَ الْخَالَتَيْنِ وَالْعَمّتَيْنِ .
ـــــــ
علا، أو أخت أم الأم وأم الجدة من جهتي الأم والأب وإن علت، فكلهن بإجماع العلماء يحرم الجمع بينهما. وقالت طائفة من الخوارج والشيعة يجوز واحتجوا بقوله تعالى {أُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} واحتج الجمهور بهذه الأحاديث خصوا بها الآية. والصحيح الذي عليه جمهور الأصوليين جواز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد لأنه صلى الله عليه وسلم مبين للناس ما أنزل إليهم من كتاب الله. وأما الجمع بينهما في الوطء بملك اليمنى كالنكاح فهو حرام عند العلماء كافة وعند الشيعة مباح. قالوا ويباح أيضاً الجمع بين الأختين بملك اليمين قالوا وقوله تعالى {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ} إنما هو النكاح. وقال العلماء كافة هو حرام كالنكاح لعموم قوله تعالى {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} وقولهم إنه مختص بالنكاح لا يقبل بل جميع المذكورات في الآية محرمات بالنكاح وبملك اليمين جميعاً. ومما يدل عليه قوله تعالى {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} فإن معناه أن ملك اليمين يحل وطؤها بملك اليمين لانكاحها فإن عقد النكاح عليها لا يجوز لسيدها والله أعلم. وأما باقي الأقارب كالجمع بين بنتي العمتين وبنتي الخالتين ونحوهما فجائز عندنا وعند العلماء كافة إلا ما حكاه القاضي عن بعض السلف أنه حرمه. دليل الجمهور قوله تعالى {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} وأما الجمع بين زوجة الرجل وبنته من غيرها فجائز عندنا وعند مالك وأبي حنيفة والجمهور وقال الحسن وعكرمة وابن أبي ليلى لا يجوز. دليل الجمهور قوله تعالى {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"كره أن يجمع بني العمة والخالة وبين الخالتين والعمتين" قال في فتح الودود: كره أن يجمع بين العمة والخالة أي وبين مَنْ هما عمة وخالة لها، فالظرف الثاني من مدخول بين متروك في الكلام لظهوره، وكذا قوله بين الخالتين أي وبين من هما خالتان لها، والمراد بالخالتين الصغيرة ممن هي خالة لها والكبيرة منها أو الأبوية وهي أخت الأم من أب والأمية وهي أخت الأم من أم وعلى هذا قياس العمتين. ويحتمل أن يكون المراد بالخالتين الخالة ومن هي خالة لها أطلق عليها اسم الخالة تغليباً وكذا العمتين والكلام لمجرد التأكيد. وهذا الذي ذكرنا هو الموافق لأحاديث الباب. وقال السيوطي نقلاً عن شرح المنهاج لكمال الدميري: قد أشكل هذا على بعض العلماء حتى حمله على المجاز وإنما المراد النهي عن الجمع بين امرأتين

(6/51)


2068 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ عَمْرِو بنِ السّرْحِ المِصْرِيّ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني يُونُسُ عن ابنِ شِهَابٍ قالَ أخبرني عُرْوَةُ بنُ الزّبَيْرِ: "أَنّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ زَوْجَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن قَوْلِهِ: [عن قول الله عزوجل] {وَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تُقْسِطُوا في الْيَتَامَى فأَنْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النّسَاءِ} قالتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي هِيَ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ في حَجْرِ وَلِيّهَا تُشَارِكُهُ في [فَتُشَارِكُهُ] مَالِهِ، فَيُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا، فَيُرِيدُ وَلِيّهَا أَنْ يَتَزَوّجَهَا بِغَيْرِ أنْ يُقَسِطَ في صَدَاقِهَا فَيُعْطِيهَا مِثْلَ ما يُعْطِيهَا غَيْرُهُ، فَنُهُوا أنْ يَنْكِحُوهُنّ إِلاّ أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنّ وَيَبْلُغُوا بِهِنّ أَعْلَى سُنّتِهِنّ مِنَ الصّدَاقِ، وَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنَ النّسَاءِ سِوَاهُنّ.
قال عُرْوَةُ قالتْ عَائِشَةُ: ثُمّ إِنّ النّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم بَعْدَ هَذِهِ الآية فِيهِنّ فأَنْزَلَ الله عَزّوَجَلّ {وَيَسْتَفْتُونَكَ في النّسَاءِ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي
ـــــــ
إحداهما عمة والأخرى خالة أو كل منهما عمة الأخرى أو كل منهما خالة الأخرى. تصوير الأولى أن يكون رجل وابنه فتزوجا امرأة وبنتها فتزوج الأب البنت والابن الأم فولدت لكل منهما ابنة من هاتين الزوجتين فابنة الأب عمة بنت الابن وبنت الابن خالة لبنت الأب. وتصوير العمتين أن يتزوج رجل أم رجل ويتزوج الآخر أمه فيولد لكل منهما إبنة فإبنة كل منهما عمة الأخرى. وتصوير الخالتين أن يتزوج رجل إبنة رجل والآخر ابنته فولدت لكل منهما إبنة فإبنة كل واحد منهما خالة الأخرى إنتهى. قال المنذري: في إسناده خصيف بن عبد الرحمَن بن عوف الحراني وقد ضعفه غير واحد من الحفاظ.
"عن قوله وإن خفتم الخ" أي عن معنى هذه الآية "يا ابن أختي" أسماء بنت أبي بكر "هي اليتيمة" أي التي مات أبوها "في حجر وليها" أي بالذي يلي مالها "بغير أن يقسط" أي بغير أن يعدل، يقال قسط إذا جار وأقسط إذا عدل، وقيل الهمزة فيه للسلب أي أزال القسط ورجحه ابن التين بقوله تعالى: {ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ} لأن أفعل في أبنية المبالغة لا يكون في المشهور إلا من الثلاثي. ثم حكى السيرافي جواز التعجب بالرباعي وحكى غيره أن قسط من الأضداد والله أعلم "فيعطيها مثل ما يعطيها غيره" هو معطوف على معمول بغير أي يريد أن يتزوجها بغير أن يعطيها مثل ما يعطيها غيره أي ممن يرغب في نكاحها سواه "أعلا سنتهن" أي طريقتهن وعادتهن "سواهن" أي سوى اليتامي من النساء بأي مهر توافتوا عليه "قال عروة قالت عائشة" هو معطوف على الإسناد المذكور وإن كان بغير أداة عطف. قاله الحافظ في الفتح.
"ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم " أي طلبوا منه الفتيا "بعد هذه الآية" أي بعد نزول

(6/52)


الْكِتَابِ في يَتَامَى النّسَاءِ الْلاّتِي لا تُؤْتُونَهُنّ ما كُتِبَ لَهُنّ وَترْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنّ} قالَتْ: وَالذِي ذَكَرَ الله أَنّهُ يُتْلَى عَلَيْهِمْ [عَلَيْكُمْ] في الْكِتَابِ الآية الاْولَى التي قال الله تَعَالَى فيهَا {وَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تُقْسِطُوا في الْيَتَامَى فأَنْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النّسَاءِ} قالَتْ: عَائِشَةُ: وَقَوْلُ الله عَزّوَجَلّ في الآية الآخرة [الأخرى] {وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنّ} هِيَ رَغْبَةُ أَحَدِكُمْ عن يَتِيمَتِهِ التي تكُونُ في حَجْرِهِ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ الْمالِ وَالْجَمَالِ، فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا رَغِبُوا في مَالِها وَجَمَالِها مِنْ يَتَامَى النّسَاءِ إِلاّ بالْقِسْطِ مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنّ.
قال يُونُسُ وَقال رَبِيعَةُ في قَوْلِ الله عَزّوَجَلّ {وَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تُقْسِطُوا في الْيَتَامَى} قالَ يقُولُ: "أُتْرُكُوهُنّ إنْ خِفْتُمْ فَقَدْ أَحْلَلْتُ لَكُمْ أَرْبَعاً.
2069 حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد حدثني أبي عن الوليد بن كثير حدثني محمد بن عمرو بن حلحلة الدؤلي أن
ـــــــ
هذه الآية وهي: {وَإِنْ خِفْتُمْ .. } إلى: {..وَرُبَاعَ } "فيهن" متعلق باستفتوا "وترغبون أن تنكحوهن هي رغبة أحدكم عن يتيمته" فيه تعيين أحد الاحتمالين في قوله وترغبون لأن رغب يتغير معناه بمتعلقة، يقال رغب فيه إذا أراد ورغب عنه إذا لم يرده، لأنه يحتمل أن تحذف في وأن تحذف عن، وقد تأوله سعيد بن جبير على المعنيين فقال نزلت في الغنية والمعدمة، والمروي هنا عن عائشة أوضح في أن الآية الأولى نزلت في الغنية وهذه الآية نزلت في المعدمة "فنهوا" أي نهوا عن نكاح المرغوب فيها لجمالها ومالها لأجل زهدهم فيها إذا كانت قليلة المال والجمال، فينبغي أن يكون نكاح اليتيمتين على السواء في العدل "من أجل رغبتهم عنهن" زاد البخاري: إذا كن قليلات المال والجمال. وفي الحديث اعتبار مهر المثل في المحجورات وأن غيرهن يجوز نكاحها بدون ذلك. وفيه جواز تزويج اليتامى قبل البلوغ لأنهن بعد البلوغ لا يقال لهن يتيمات إلا أن يكون أطلق استصحاباً لحالهن "قال يونس" هو ابن يزيد الراوي عن ابن شهاب "وقال ربيعة" قال المنذري: وربيعة هذا يشبه أن يكون ابن أبي عبد الرحمَن شيخ مالك رضي الله عنه "قال يقول اتركوهن إن خفتم فقد أحللت لكم أربعاً" حاصله أن جزاء قوله {وَإِنْ خِفْتُمْ} محذوف وهو أتركوهن وأقيم مقامه قوله {انْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ} قال المنذري:وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.

(6/53)


ابن شهاب حدثه أن علي بن الحسين حدثه أنهم حين قدموا المدينة من عند يزيد بن معاوية مقتل الحسين بن علي رضي الله عنهما لقيه المسور بن مخرمة فقال له هل لك إلى من حاجة تأمرني بها قال فقلت له لا قال هل أنت معطي سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني أخاف أن يغلبك القوم عليه وأيم الله لئن أعطيتنيه لا يخلص [لا يخلصن] إليه أبدا حتى يبلغ إلى نفسي إن علي بن أبي طالب رضي الله عنه خطب بنت أبي جهل على فاطمة رضي الله عنها فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب الناس في ذلك على منبره هذا وأنا يومئذ محتلم فقال: "إن فاطمة مني وأنا أتخوف [وأنا لا أتخوف] أن تفتن في دينها" قال ثم ذكر صهرا له من بني عبد شمس فأثنى عليه في مصاهرته إياه فأحسن قال "حدثني فصدقني ووعدني فوفى لي [فوفاني]
ـــــــ
"أن علي بن الحسين" هو زين العابدين "مقتل الحسين" أي في زمانه قتله في عاشوراء سنة إحدى وستين "لقيه المسور بن مخرمة" بكسر الميم وسكون السين المهملة ومخرمة بفتحها وسكون الخاء المعجمة ولهما صحبة "فقال له" أي قال المسور لزين العابدين "قال" أي زين العابدين "قال هل أنت معطى" بضم الميم وسكون العين وكسر الطاء وتشديد التحتية "سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم " لعل هذا السيف ذو الفقار، وفي مرآة الزمان أنه عليه السلام وهبه لعلي قبل موته ثم انتقل إلى آله وأراد المسور بذلك صيانة سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم لئلا يأخذه من لا يعرف قدره.
قال العلامة القسطلاني "فإني أخاف أن يغلبك القوم عليه" أي يأخذونه منك بالقوة والاستيلاء "وايم الله" لفظ قسم ذو لغات وهمزتها وصل وقد تقطع تفتح وتكسر "لا يخلص" بضم حرف المضارعة وفتح اللام مبنياً للمفعول "إليه" أي لا يصل إلى السيف أحد "حتى يبلغ إلى نفسي" وفي رواية البخاري ومسلم حتى تبلغ نفسي أي تقبض روحي "خطب بنت أبي جهل" اسمها جويرية تصغير جارية أو جميلة بفتح الجيم "وأنا يومئذ محتلم" أي بالغ "إن فاظمة مني" أي بضعة مني "وأنا أتخوف أن تفتن في دينها" أي بسبب الغيرة وقوله تفتين بضم أوله وفتح ثالثة "ثم ذكر صهراً له من بني عبد شمس" أراد به أبا العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس وكان زوج ابنته زينب قبل البعثة والصهر يطلق على الزوج وأقاربه وأقارب المرأة وهو مشتق من صهرت الشيء وأصهرته إذا قربته، والمصاهرة مقاربة بين الأجانب والمتباعدين "فأحسن" أي فأحسن الثناء عليه "حدثني فصدقني" بتخفيف الدال أي في حديثه "ووعدني" أن

(6/54)


وإني لست أحرم حلالا ولا أحل حراما ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله مكانا واحدا أبدا" .
2070 - حدثنا مُحمّدُ بنُ يَحْيَى بنِ فَارِسٍ أخبرنا عبد الرّزّاقِ أنبأنا مَعْمرٌ عن الزّهْرِيّ عن عُرْوَةَ وَعن أَيّوبَ عن ابنِ أبي مُلَيْكَةَ بِهَذا الْخَبَرِ قال: فَسَكَتَ عَلِيّ رَضِيَ الله عَنْهُ عَنْ ذَلِكَ النّكَاحِ.
ـــــــ
يرسل إلى زينب أي لما أسر ببدر مع المشركين وفدى وشرط عليه صلى الله عليه وسلم أن يرسلها له "فوفى لي" بتخفيف الفاء. وأسر أبو العاص مرة أخرى وأجارته زينب فأسلم وردها إليه النبي صلى الله عليه وسلم إلى نكاحه وولدت له أمامة التي كان يحملها النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي "وإني لست أحرم حلالا ولا أحل حراماً ولكن والله لا تجتمع إلخ" فيه إشارة إلى إباحة نكاح بنت أبي جهل لعلي رضي الله عنه ولكن نهى عن الجمع بينها وبين بنته فاطمة رضي الله عنها لأن ذلك يؤذيها وأذاها يؤذيه صلى الله عليه وسلم، وخوف الفتنة عليها بسبب الغيرة، فيكون من جملة محرمات النكاح الجمع بين بنت نبي الله عليه السلام وبنت عدو الله. قاله العلامة القسطلاني. قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه مختصراً ومطولاً.
"بهذا الخبر" أي بهذا الحديث المذكور "فسكت علي رضي الله عنه عن ذلك النكاح"
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وفي الاستدلال بهذا نظر فإن هذا حكم من النبي صلى الله عليه وسلم مؤيد مؤكد بالقسم ولكن حلف المسور بن مخرمة أنه لا يوصل إليه أبدا ظاهر فيه ثقته بالله في إبراره.
وفيه رد على من يقول إن المسور ولد بمكة في السنة الثانية من الهجرة وكان له يوم موت النبي صلى الله عليه وسلم ثمان سنين هذا قول أكثرهم وقوله وأنا يومئذ محتلم هذه الكلمة ثابتة في الصحيحين.
وفيه تحريم أذى النبي صلى الله عليه وسلم بكل وجه من الوجوه وإن كان بفعل مباح فإذا تأذى به رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجز فعله لقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ} .
وفيه غيرة الرجل وغضبه لابنته وحرمته.
وفيه بقاء عار الآباء في الأعقاب لقوله "بنت عدو الله" فدل على أن لهذا الوصف تأثيرا في المنع وإلا لم يذكره مع كونها مسلمة وعليه بقاء أثر صلاح الآباء في الأعقاب لقوله تعالى: {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً}

(6/55)


2071 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ وَ قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ المَعنى قال أَحْمَدُ أخبرنا اللّيْثُ حَدّثَني عبد الله بنُ عُبَيْدِالله بنِ أبي مُلَيْكَةَ الْقُرَشِيّ التّيْمِيّ أَنّ المِسْوَرَ بنَ مَخْرَمَةَ حَدّثَهُ أَنّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى المِنْبَرِ يقُولُ: "إِنّ بَنِي هِشَامِ بنِ المُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُوا[اسْتَأْذَنُونِي] أَنْ يُنْكِحُوا ابْنَتَهُمْ مِنْ عَلِيّ بنِ أبي طَالبٍ فَلاَ آذَنُ ثُمّ لا آذَنُ ثُمّ لا آذَنُ إِلاّ أَنْ يُرِيدَ ابنُ أَبي طَالِبٍ أَنْ يُطَلّقَ ابْنَتي وَيَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ فإِنّمَا ابْنَتي بَضْعَةٌ مِنّي
ـــــــ
وفي رواية للبخاري: فترك على الخطبة وهي بكسر الخاء المعجمة. قال ابن داوود فيما ذكره المحب الطبري: حرم الله عز وجل على أن ينكح على فاطمة حياتها لقوله تعالى {ومَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} ذكره القسطلاني. "إن بني هشام بن المغيرة" وقع في رواية مسلم هاشم بن المغيرة، والصواب هشام، لأنه جد المخطوبة، وبنو هشام هم أعمام بنت أبي جهل لأنه أبو الحكم عمرو بن هشام بن المغيرة، وقد أسلم أخوه الحارث بن هشام وسلمة بن هشام عام الفتح وحسن إسلامهما. وممن يدخل في إطلاق بني هشام بن المغيرة عكرمة بن أبي جهل بن هشام وقد أسلم أيضاً وحسن إسلامه "استأذنوا" وفي بعض النسخ استأذنوني "فلا آذن ثم لا آذن ثم لا آذن" كرر ذلك تأكيداً. وفيه إشارة إلى تأييد مدة منع الإذن، وكأنه أراد رفع المجاز لاحتمال أن يحمل النفي على مدة بعينها فقال ثم لا آذن أي ولو مضت المدة المفروضة تقديراً لا آذن بعدها ثم كذلك أبداً "فإنما ابنتي بضعة مني" بفتح الموحدة وسكون الضاد المعجمة أي قطعة. قال الحافظ: والسبب فيه أنها كانت أصيبت بأمها ثم بأخواتها واحدة بعد واحدة فلم يبق لها من تستأنس به ممن يخفف عليها الأمر ممن تفضي إليه
ـــــــ
وفيه أوضح دليل على فضل فاطمة وأنها سيدة نساء هذه الأمة لكونها بضعة من النبي صلى الله عليه وسلم.
وفيه ثناء الرجل على زوج ابنته بجميل أوصافه ومحاسن أفعاله.
وفيه أن أذى أهل بيته صلى الله عليه وسلم وإرابتهم أذى له.
وقوله"يريبني ما أرابها" يقول رابني فلان إذا رأيت منه ما يريبك وتكرههه وأرابني أيضا قال الفراء هما بمعنى واحد وفرق آخرون بينهما بأن رابني تحققت منه الريبة وأرابني إذا ظننت ذلك به كأنه أوقعك فيها.
والصهر الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم هو أبو العاص بن الربيع وزوجته زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنت أبي جهل هذه المخطوبة قال عبدالغني بن سعيد وغيره اسمها العوراء وهذه العبارة ذكر بعضها المنذري بمعناها.

(6/56)


يُرِيبُني ما أَرَابَها وَيُؤْذِينِي ما آذَاها" وَاْلإخْبَارُ في حَدِيثِ أَحْمَدَ.
ـــــــ
بسرها إذا حصلت لها الغيرة "يريبني ما أرابها" كذا هنا من أراب رباعياً، وفي رواية مسلم يريبني ما رابها من راب ثلاثياً. قال النووي: يريبني بفتح الياء قال إبراهيم الحربي الريب ما رابك من شيء خفت عقباه. وقال الفراء: راب وأراب بمعنى. وقال أبو زيد: رابني الأمر تيقنت من الريبة وأرابني شككني وأوهمني. وحكى عن أبي زيد أيضاً وغيره كقول الفراء انتهى "ويؤذيني ما آذاها" من الإيذاء قال الحافظ في الفتح: ويؤخذ من هذا الحديث أن فاطمة لو رضيت بذلك لم يمنع علي من التزويج بها أو بغيرها. وفي الحديث تحريم أذي من يتأذى النبي صلى الله عليه وسلم بتأذيه لأن أذى النبي صلى الله عليه وسلم حرام اتفاقاً قليله وكثيره، وقد جزم بأنه يؤذيه ما يؤذي فاطمة، فكل من وقع منه في حق فاطمة شيء فتأذت به فهو يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم بشهادة هذا الخبر الصحيح. ولا شيء أعظم في إدخال الأذى عليها من قتل ولدها، ولهذا عرف بالاستقراء معاجلة من تعاطي ذلك بالعقوبة في الدنيا ولعذاب الآخرة أشد. وفيه حجة لمن يقول بسد الذريعة لأن تزويج ما زاد على الواحدة حلال للرجال ما لم يجاوز الأربع ومع ذلك فقد منع من ذلك في الحال لما يترتب عليه من الضرر في المال وفيه بقاء عار الآباء في أعقابهم لقوله بنت عدو الله، فإن فيه إشعاراً بأن للوصف تأثيراً في المنع مع أنها هي كانت مسلمة حسنة الإسلام انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه مختصراً ومطولاً.

(6/57)


14 - باب في نكاح المتعة
2072 - حدثنا مُسَدّدٌ بنُ مُسْرَهْدٍ أخبرنا عبد الْوَارِثِ عن إِسْمَاعِيلَ بنِ أُمَيّةَ عن الزّهْرِيّ قال: كُنّا عِنْدَ عُمَرَ بنِ عبد الْعَزِيزِ فَتذَاكَرْنَا مُتْعَةَ النّسَاءِ، فقال رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ رَبِيعُ بنُ سَبْرَةَ: أَشْهَدُ عَلَى أبي أَنّهُ حَدّثَ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْها في حَجّةِ الْوَدَاعِ.
ـــــــ
باب في نكاح المتعة
يعني تزويج المرأة إلى أجل فإذا انقضى وقعت الفرقة
"يقال له ربيع بن سبرة" بفتح السين المهملة وإسكان الباء الموحدة "نهى عنها في حجة الوداع" قد روى نسخ المتعة بعد الترخيص في ستة مواطن، الأول: في خيبر، الثاني: في عمرة القضاء، الثالث: عام الفتح، الرابع:

(6/57)


2073 - حدثنا مُحمّدُ بنُ يَحْيَى بنِ فَارِسٍ أخبرنا عبد الرّزّاقِ أنبأنا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن رَبِيعِ بنِ سَبْرَةَ عن أبِيهِ: " أنّ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم حَرّمَ مُتْعَةَ الْنّسَاءِ" .
ـــــــ
عام أوطاس، الخامس: غزوة تبوك، السادس: في حجة الوداع، فهذه التي أوردت إلا أن في ثبوت بعضها خلافاً. قال الثوري: الصواب أن تحريمها وإباحتها وقعا مرتين فكانت مباحة قبل خيبر حرمت فيها ثم أبيحت عام الفتح وهو عام أوطاس ثم حرمت تحريماً مؤبداً. وإلى هذا التحريم ذهب الجماهير من السلف والخلف، وذهب إلى بقاء الرخصة جماعة من الصحابة وروى رجوعهم وقولهم بالنسخ، ومن ذلك ابن عباس روى عنه بقاء الرخصة ثم رجع عنه إلى القول بالتحريم. قال البخاري: بين علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه منسوخ وأخرج ابن ماجه عن عمر بإسناد صحيح أنه خطب فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لنا في المتعة ثلاثاً ثم
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وأما ابن عباس فإنه سلك هذا المسلك في إباحتها عند الحاجة والضرورة ولم يبحها مطلقا فلما بلغه إكثار الناس منها رجع وكان يحمل التحريم على من لم يحتج إليها قال الخطابي حدثنا ابن السماك حدثنا الحسن بن سلام حدثنا الفضل بن دكين حدثنا عبدالسلام عن الحجاج عن أبي خالد عن المنهال عن ابن جبير قال قلت لابن عباس هل تدري ما صنعت وبما أفتيت قد سارت بفتياك الركبان وقالت فيه الشعراء قال وما قالوا؟ قلت: قالوا:
قد قلت للشيخ لما طال محبسه ... ياصاح هل لك في فتيا ابن عباس؟
هل لك في رخصة الأطراف آنسة ... تكون مثواك حتى رجعة الناس؟
فقال ابن عباس: إنا لله وإنا إليه راجعون والله ما بهذا أفتيت ولا هذا أردت ولا أحللت إلا مثل ما أحل الله الميتة والدم ولحم الخنزير وما تحل إلا للمضطر وما هي إلا كالميتة والدم ولحم الخنزير.
وقال إسحاق بن راهويه حدثنا روح بن عبادة حدثنا موسى بن عبيدة سمعت محمد بن كعب القرظي يحدث عن ابن عباس قال كانت المتعة في أول الإسلام متعة النساء فكان الرجل يقدم بسلعته البلد ليس له من يحفظ عليه شيئه ويضم إليه متاعه فيتزوج المرأة إلى قدر ما يرى أنه يقضي حاجته وقد كانت تقرأ {فما استَمتعتم بِه مِنهن إلى أجل مسمى فآتوهنّ أُجورهن} حتى نزلت {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} إلى قوله {مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} فتركت المتعة وكان الإحصان إذا شاء طلق وإذا شاء أمسك ويتوارثان وليس لهما من الأمر شيء فهاتان الروايتان المقيدتان عن ابن عباس تفسران مراده من الرواية المطلقة المقيدة والله أعلم.

(6/58)


......................................
ـــــــ
حرمها والله لا أعلم أحداً تمتع وهو محصن إلا رجمته بالحجارة. وقال ابن عمر: نهانا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كنا مسافحين. إسناده قوي. والقول بأن إباحتها قطعي ونسخها ظني غير صحيح لأن الراوين لإباحتها رووا نسخها وذلك إما قطعي في الطرفين أو ظني في الطرفين جميعاً. قاله في السبل. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه بنحوه أتم منه. "حرم متعة النساء" قال الإمام الخطابي في المعالم: تحريم نكاح المتعة كالإجماع بين المسلمين وقد كان ذلك مباحاً في صدر الإسلام ثم حرمه في حجة الوداع فلم يبق اليوم فيه خلاف بين الأمة إلا شيئاً ذهب إليه بعض الروافض. وكان ابن عباس يتأول في إباحته للمضطر إليه بطول العزبة وقلة اليسار والجدة ثم توقف عنه وأمسك عن الفتوى به حدثنا ابن السماك قال حدثنا الحسن بن سلام السواق قال حدثنا الفضل بن دكين قال حدثنا عبد السلام عن الحجاج عن أبي خالد عن المنهال عن سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس هل تدري ما صنعت وبما أفتيت وقد سارت بفتياك الركبان وقالت فيه الشعراء؟ قال وما قالت؟ قلت قالوا:
قد قلت للشيخ لما طال محبسه ... ياصاح هل لك في فتيا ابن عباس؟
هل لك في رخصة الأطراف آنسة ... تكون مثواك حتى رجعة الناس؟
فقال ابن عباس: إنا لله وإنا إليه راجعون، والله ما بهذا أفتيت ولا هذا أردت ولا أحللت إلا مثل ما أحل الله سبحانة وتعالى من الميتة والدم ولحم الخنزير وما يحل للمضطر، وما هي إلا كالميتة والدم ولحم الخنزير.
قال الخطابي: فهذا يبين لك أنه إنما سلك فيه مسلك القياس وشبهه بالمضطر إلى الطعام، وهو قياس غير صحيح لأن الضرورة في هذا الباب لا تتحقق كهي في باب الطعام الذي به قوام الأنفس وبعدمه يكون التلف، وإنما هذا من باب غلبة الشهوة ومصابرتها ممكنة، وقد تحسم مادتها بالصوم والصلاح فليس أحدهما في حكم الضرورة كالأخر والله أعلم انتهى كلام الخطابي.
واعلم أنه قال في الهداية قال مالك رحمة الله تعالى عليه: هو يعني نكاح المتعة جائز قال ابن الهمام نسبته إلى مالك غلط. وقال ابن دقيق العيد: ما حكاه بعض الحنفية عن مالك من الجواز خطأ، فقد بالغ المالكية في منع النكاح المؤقت حتى أبطلوا توقيت الحل بسببه فقالوا لو علق على وقت لابد من مجيئه وقع الطلاق الآن لأنه توقيت للحل فيكون في معنى نكاح المتعة. قال عياض: وأجمعوا على أن شرط البطلان التصريح بالشرط، فلو نوى عند العقد أن يفارق بعد مدة صح نكاحه إلا الأوزاعي فأبطله.

(6/59)


15 - باب في الشغار
2074 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ ح وَحدثنا مُسَدّدٌ بنُ مُسَرْهَدٍ أخبرنا يَحْيَى عن عُبَيْدِالله كِلاَهُمَا عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهَى عن الشّغَارِ . زَادَ مُسَدّدٌ في حَدِيثِهِ: قُلْتُ لِنَافِعٍ مَا الشّغَارُ؟ قالَ يَنْكِحُ ابْنَةَ الرّجُلِ وَيُنْكِحُهُ ابْنَتَهُ بِغَيْرِ
ـــــــ
باب في الشغار
بكسر الشين المعجمة وبالغين المعجمة أصله في اللغة الرفع يقال شغر الكلب إذا رفع رجله ليبول كأنه قال: لا ترفع رجل بنتي حتى أرفع رجل بنتك، وقيل هو من شغر البلد إذا خلا لخلوه عن الصداق. ويقال: شغرت المرأة إذا رفعت رجلها عند الجماع. قال ابن قتيبة: كل واحد منهما يشغر عند الجماع. وكان الشغار من نكاح الجاهلية، وأجمع العلماء على أنه منهي عنه. قاله النووي
"قلت لنافع ما الشغار" قال ابن البر: ذكر تفسير الشغار جميع رواة مالك عنه، قال الحافظ في الفتح: ولا يرد على إطلاقه أن أبا داوود، يعني المؤلف أخرجه عن القعنبي فلم يذكر التفسير، وكذا أخرجه الترمذي من طريق معن بن عيسى لأنهما اختصرا ذلك في تصنيفهما، وإلا فقد أخرجه النسائي من طريق معن بالتفسير، وكذا أخرجه الخطيب في المدرج من طريق القعنبي انتهى.
واعلم أنه اختلف الرواة عن مالك فيمن ينسب إليه تفسير الشغار. فالأكثر لم ينسبوه لأحد، ولهذا قال الشافعي: لا أدري التفسير عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن ابن عمر أو عن نافع أو عن مالك. قال الخطيب في المدرج: هو من قول مالك بينه وفصله القعنبي وابن مهدي ومحرز بن عون عنه قلت: ومالك إنما تلقاه عن نافع بدليل رواية مسدد هذه.
قال القرطبي في المفهم: التفسير في حديث ابن عمر جاء من قول نافع ومن قول مالك، وأما في حديث أبي هريرة فهو على الاحتمال والظاهر أنه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم. فإن كان من تفسير أبي هريرة فهو مقبول لأنه أعلم بما سمع وهو من أهل اللسان. قال الحافظ: وفي الطبراني من حديث أُبيّ بن كعب مرفوعاً لاشغار، قالوا يا رسول الله وما الشغار؟ قال نكاح المرأة بالمرأة لا صداق بينهما وإسناده ضعيف لكنه يستأنس به في هذا المقام. هذا كله تلخيص ما في التلخيص والفتح. وحديث أبي هريرة الذي أشار إليه القرطبي هو عند مسلم بلفظ "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشغار" زاد ابن نمير: والشغار أن يقول الرجل للرجل: زوجني ابنتك

(6/60)


صَدَاق، وَيَنْكِحُ أُخْتَ الرّجُلِ فَيُنْكِحَهُ أُخْتَهُ بِغَيْرِ صَدَاقٍ.
2075 - حدثنا مُحمّدُ بنُ يَحْيَى بنَ فَارِسٍ أخبرنا يَعقُوبُ بنُ إِبراهِيمَ حَدثنا أبي عن ابن إسْحَاقَ حَدّثَني عبد الرّحْمَنِ بنُ هُرْمُزَ الأَعْرَجُ: أَنّ الْعَبّاسَ بنَ عبد الله بن الْعَبّاسِ أَنْكَحَ عبد الرّحْمَنِ بن الْحَكَمِ ابْنَتَهُ وَأَنْكَحَهُ عبد الرّحْمَنِ ابِنْتَهُ وَكَانَا جَعَلاَ صَدَاقَا. فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ إلَى مَرْوَانَ يَأْمُرُهُ بالتّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا وَقالَ في كِتَابِهِ هَذَا الشّغَارُ الّذِي نَهَى عَنْهُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
وأزوجك ابنتي الحديث "ينكح ابنة الرجل" أي يتزوج رجل بنت رجل "وينكحه" بضم الياء من الإنكاح. والحديث ظاهره يدل على أن نكاح الشغار حرام باطل.
قال النووي: أجمع العلماء على أنه منهي عنه، لكن اختلفوا هل هو نهي يقتضي إبطال النكاح أم لا، فعند الشافعي يقتضي إبطاله، وحكاه الخطابي عن أحمد وإسحاق وأبي عبيد. وقال مالك: يفسخ قبل الدخول وبعده، وفي رواية عنه قبله لا بعده. وقال جماعة: يصح بمهر المثل، وهو مذهب أبي حنيفة، وحكى عن عطاء والزهري والليث، وهو رواية عن أحمد وإسحاق، وبه قال أبو ثور وابن جرير وأجمعوا على أن غير البنات من الأخوات وبنات الأخ والعمات وبنات الأعمام والإماء كالبنات في هذا انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
-"وكانا جعلاً صداقاً" مفعول جعلاً الأول محذوف أي كانا جعلا إنكاح كل واحد منهما الآخر ابنته صداقاً "فكتب معاوية" بن أبي سفيان الخليفة "إلى مروان" بن الحكم وكان علي المدينة من قبل معاوية رضي الله عنه"وقال في كتابه" الذي كتب إلى مروان "هذا الشغار الذي نهي عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم " قال الإمام الخطابي في المعالم: إذا وقع النكاح على هذه الصفة كان باطلاً لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عنه. ولم يختلف الفقهاء أن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن نكاح المرأة على عمتها وخالتها على التحريم وكذلك نهي عن نكاح المتعة فكذلك هذا.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وقد روى ابن حبان في صحيحه من حديث عبدالرزاق عن معمر عن ثابت عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا شغار في الإسلام" ومن حديث حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا جلب ولا جنب ولا شغار ومن انتهب نهبة فليس منا" .

(6/61)


....................................
ـــــــ
وممن أبطل هذا النكاح مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد. وقال أصحاب الرأي وسفيان الثوري: النكاح جائز ولكل واحدة منهما مهر مثلها، ومعنى النهي في هذا عندهم أن يستحل الفرج بغير مهر وقال بعضهم: أصل الشغر في اللغة الرفع يقال: شغر الكلب برجله إذا رفعها عند البول، قال: وإنما سمي هذا النكاح شغاراً لأنهما رفعا المهر بينهما، قال: وهذا القائل لا ينفصل ممن قال بل سمي شغاراً لأنه رفع العقد من أصله فارتفع النكاح والمهر معاً، ويبين ذلك أن النهي قد انطوى على أمرين معاً أن البدل ههنا ليس شيئاً غير العقد ولا العقد شيء غير البدل، فهو إذا فسد مهراً فسد عقداً وإذا أبطلته الشريعة فإنها أفسدته على الجهة التي كانوا يوقعونه وكانوا يوقعونه مهراً وعقداً، فوجب أن يفسدا معاً. وكان ابن أبي هريرة يشبهه برجل تزوج امرأة واستثنى عضواً من أعضائها، وهو مالا خلاف في فساده. قال: وكذلك الشغار لأن كل واحد منهما قد زوج وليته واستثنى بضعها حتى جعله مهراً لصاحبتها، وعلله قال: لأن المعقود له معقود به، وذلك لأن المعقود لها معقود بها، فصار كالعبد تزوج على أن يكون رقبته صداقاً للزوجة انتهى. قال المنذري: في إسناده محمد بن إسحاق انتهى. قلت: صرح بالتحديث.

(6/62)


16 - باب في التحليل
2076 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ أخبرنا زُهَيْرٌ حدثني إِسْمَاعِيلُ عن عَامِرٍ عن الحارِثِ عن عَلِيَ قالَ إِسْمَاعِيلُ وَأُرَاهُ قَدْ رَفَعَهُ إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "لُعِنَ المُحِلّ [المُحَلِّلُ] وَالمُحَلِّلُ لَهُ" .
ـــــــ
باب في التحليل
"قال إسماعيل وأُراه" بضم الهمزة أي أظنه والضمير المنصوب يرجع إلى عامر "قد رفعه" أي الحديث "لعن المحل" اسم فاعل من الإحلال، وفي بعض النسخ المحلل من التحليل وهما بمعنى أي الذي تزوج مطلقة غيره ثلاثاً بقصد أن يطلقها بعد الوطء ليحل الملطق نكاحها. قيل سمي محللاً لقصده إلى التحليل "والمحلل له" بفتح اللام الأولى أي الزوج الأول وهو المطلق ثلاثاً.
قال الحافظ في التلخيص: استدلوا بهذا الحديث على بطلان النكاح إذا شرط الزوج أنه إذا نكحها بانت منه أو شرط أنه يطلقها أو نحو ذلك، وحملوا الحديث على ذلك، ولا شك أن إطلاقه يشمل هذه الصورة وغيرها، لكن روى الحاكم والطبراني في الأوسط من طريق أبي

(6/62)


2077 - حدثنا وَهْبُ بنُ بَقِيّةَ عن خَالِدٍ عن حُصَيْنٍ عن عَامِرٍ عن الْحَارِثِ الأَعْوَرِ عنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: فَرَأَيْنَا أَنّهُ عَلِيّ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بمَعْنَاهُ.
ـــــــ
غسان عن عمر بن نافع عن أبيه قال: جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثاً فتزوجها أخ له عن غير مؤامرة ليحلها لأخيه هل يحل للأول قال لا إلا بنكاح رغبة، كنا نعد هذا سفاحاً على عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال ابن حزم: ليس الحديث على عمومه في كل محلل إذ لو كان كذلك لدخل فيه كل واهب وبائع ومزوج، فصح أنه أراد به بعض المحلين، وهو من أحل حراماً لغيره بلا حجة، فتعين أن يكون ذلك فيمن شرط ذلك لأنهم لم يختلفوا في أن الزوج إذا لم ينو تحليلها للأول ونوته هي أنها لا تدخل في اللعن، فدل على أن المعتبر الشرط والله أعلم انتهى.
قال الخطابي في المعالم: إذا كان ذلك عن شرط بينهما فالنكاح فاسد، لأن العقد متناه إلى مدة كنكاح المتعة، وإذا لم يكن شرطاً وكان نية وعقيدة فهو مكروه، فإن أصابها الزوج ثم طلقها وانقضت العدة فقد حلت للزوج الأول وقد كره غير واحد من العلماء أن يضمرا أو ينويا أو أحدهما التحليل، وإن لم يشترطاه. قال إبراهيم النخعي: لا يحلها لزوجها الأول إلا أن يكون نكاح رغبة، فإن كانت نية أحد الثلاثة الزوج الأول أو الثاني أو المرأة أنه محلل، فالنكاح باطل ولا تحل للأول.
وقال سفيان الثوري: إذا تزوجها وهو يريد أن يحللها لزوجها ثم بدا له أن يمسكها لا يعجبني إلا أن يفارقها ويستأنف نكاحاً جديداً. وكذلك قال أحمد بن حنبل. وقال مالك بن أنس: يفرق بينهما على كل حال. انتهى كلام الخطابي وإنما لعنهما لما في ذلك من هتك المروءة وقلة الحمية والدلالة على خسة النفس وسقوطها. أما النسبة إلى المحلل له فظاهر، وأما بالنسبة إلى المحلل فلأنه يعير نفسه بالوطء لغرض الغير فإنه إنما يطؤها ليعرضها لوطء المحلل له، ولذلك مثله صلى الله عليه وسلم بالتيس المستعار. ذكره في المرقاة نقلا عن القاضي.
-"فرأينا أنه" أي الرجل "بمعناه" أي بمعنى الحديث المذكور. قال المنذري: وأخرجه
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وحديث جابر الذي أشار إليه رواه الترمذي من حديث مجالد عن الشعبي عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن المحلل والمحلل له قال هكذا روى أشعث بن عبدالرحمن عن مجالد عن عامر عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا حديث ليس إسناده بالقائم لأن مجالد بن سعيد قد ضعفه بعض أهل

(6/63)


.........................
ـــــــ
الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي: حديث علي وجابر بن عبد الله حديث معلول. هذا آخر كلامه. والحارث هذا هو ابن عبد الله الأعور الكوفي كنيته أبو زهير وكان كذاباً. وقد روى هذيل بن شرحبيل عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له" أخرجه الترمذي والنسائي. وقال الترمذي حديث حسن صحيح وقال النخعي: لا يحلها لزوجها الأول إلا أن يكون نكاح رغبة، فإِن كان نية أحد الثلاثة الزوج الأول أو الثاني أو المرأة أنه محلل فالنكاح باطل ولا تحل للأول وقال الشافعي: إن عقد النكاح مطلقا لا شرط فيه، فالنكاح ثابت ولا تفسد النية من النكاح شيئا لأن النية حديث نفس وقد رفع عن الناس ما حدثوا به أنفسهم انتهى.
ـــــــ
العلم منهم أحمد بن حنبل وروى عبد الله بن نمير هذا الحديث عن مجالد عن عامر عن جابر عن علي وهذا وهم وهم فيه ابن نمير والحديث الأول أصح قال وقد روى الحديث عن علي من غير وجه قال في الباب عن أبي هريرة وعقبة بن عامر وابن عباس قال والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعبد الله بن عمر وغيرهم وهو قول الفقهاء من التابعين وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق قال وسمعت الجارود يذكر عن وكيع أنه قال بهذا وقال ينبغي أن يرمى بهذا الباب من قول أصحاب الرأي قال وكيع وقال سفيان إذا تزوج الرجل المرأة ليحلها ثم بدا له أن يمسكها فلا يحل له أن يمسكها حتى يتزوجها بنكاح جديد تم كلامه.
وقال إبراهيم النخعي لا يحلها لزوجها الأول إلا بنكاح رغبة فإن كانت نية أحد الثلاثة الزوج الأول أو الثاني أو المرأة أن تحلل فالنكاح باطل ولا تحل للأول.

(6/64)


17 - باب في نكاح العبد بغير اذن مواليه
2078 - حدثنا أَحْمَدُ بن حَنْبَلٍ وَ عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ وَهَذَا لَفْظُ إِسْنَادِهِ وَكلاَمُهُ [وَكلاَهمَا] عن وَكِيعٍ أخبرنا الْحَسَنُ بنُ صَالِحٍ عن عبد الله بنِ مُحمّدِ بنِ عَقِيلٍ عن جَابِرٍ قال قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: " أَيّمَا عبد تَزَوّجَ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ فَهُوَ عَاهِرٌ" .
ـــــــ
باب في نكاح العبد بغير اذن مواليه
وفي بعض النسخ بغير إذن سيده
"بغير إذن مواليه" جمع مولى أي بغير إذن مالكه "فهو عاهر" أي زان. واستدل

(6/64)


2079 - حدثنا عُقْبَةُ بنُ مُكْرَمٍ أخبرنا أبُو قُتَيْبَةَ عن عبد الله بن عُمَرَ عن نَافِعٍ عن ابن عُمَرَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "إذَا نَكَحَ الْعبد بِغَيْرِ إِذْنِ مَوْلاَهُ فَنِكَاحُهُ بَاطِلٌ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا الْحَدِيثُ [هَذَا مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عُمَرَ وَلَيْسَ هُوَ بالصَّحيح] ضَعِيفٌ وَهُوَ مَوْقُوفٌ وَهُوَ قَوْلُ ابنِ عُمَرَ رضي الله عنه.
ـــــــ
بالحديث من قال إن نكاح العبد لا يصح إلا بإذن سيده وذلك للحكم عليه بأنه عاهر، والعاهر الزاني والزنا باطل. وقال داوود: إن نكاح العبد بغير إذن مولاه صحيح لأن النكاح عنده فرض عين وفروض الأعيان لا تحتاج إلى إذن وهو قياس في مقابلة النص. وقال في السبل: وكأنه لم يثبت لديه الحديث. قال المظهر: لا يجوز نكاح العبد بغير إذن السيد، وبه قال الشافعي وأحمد ولا يصير العقد صحيحا عندهما بالإجازة بعده. وقال أبو حنيفة ومالك إن أجاز بعد العقد صح. ذكره في المرقاة. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال حديث حسن. هذا آخر كلامه. وفي إسناده عبد الله بن محمد بن عقيل وقد احتج به غير واحد من الأئمة وتكلم فيه غير واحد من الأئمة.
"حدثنا عقبة بن مكرم" بضم الميم وإسكان الكاف وفتح الراء المهملة "إذا نكح" أي تزوج "فنكاحه باطل" قال الخطابي: وإنما بطل نكاح العبد من أجل أن رقبته ومنفعته مملوكتان لسيده، وهو إذا اشتغل بحق الزوجة لم يتفرغ لخدمة سيده وكان في ذلك ذهاب حقه فأبطل النكاح إبقاء لمنفعته على صاحبه انتهى. والحديث حجة لمن ذهب إلى بطلان هذا النكاح "قال أبو داؤد: هذا الحديث ضعيف الخ" لأن فيه عبد الله بن عمر العمري وهو ضعيف، ورفع هذا الحديث لا يصح والصواب أنه مرقوف على ابن عمر.
ـــــــ
وحديث أبي هريرة الذي أشار إليه الترمذي في كتاب العلل سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال هو حديث حسن وعبد الله بن جعفر المخزمي صدوق ثقة وعثمان بن محمد الأخنسي ثقة وكنت أظن أن عثمان لم يسمع من سعيد المقبري.

(6/65)


18 - باب في كراهية أن يخطب الرجل على خطبة أخيه
2080 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ عَمْرِو بن السّرْحِ أخبرنا سُفْيَانُ عن الزّهْرِيّ عن
ـــــــ
باب في كراهية أن يخطب الرجل على خطبة أخيه
الخطبة بكسر الخاء التماس للنكاح، وأما الخطبة في الجمعة والعيد والحج وبين يدي

(6/65)


سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ عن أَبي هُرَيْرَةَ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا يَخْطُبُ الرّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ" .
2081 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيَ أخبرنا عبد الله بنُ نُمَيْرٍ عنْ عُبَيْدِالله عن نَافِعٍ
ـــــــ
عقد النكاح فبضم الخاء "لا يخطب الرجل" بضم الباء على أن لا نافية وبكسرها على أنها ناهية. قال السيوطي: الكسر والنصب على كونه نهياً فالكسر لكونه أصلاً في تحريك الساكن والفتح لأنها أخف الحركات، وأما الرفع فعلى كونه نفياً ذكره القاري في المرقاة وقال والفتح غير معروف رواية ودراية "على خطبة أخيه" عَبّرَ به للتحريض على كمال التودد وقطع صور المنافرة، أو لأن كل المسلمين إخوة إسلاماً. وقد ذهب الجمهور إلى أن النهي في الحديث للتحريم كما حكى ذلك الحافظ في فتح الباري. وقال الخطابي: إن النهي ههنا للتأديب وليس بنهي تحريم يبطل العقد عند أكثر الفقهاء. قال الحافظ: ولا ملازمة بين كونه للتحريم وبين البطلان عند الجمهور بل هو عندهم للتحريم ولا يبطل العقد وحكى النووي أن النهي فيه للتحريم بالإجماع، ولكنهم اختلفوا في شروطه فقالت الشافعية والحنابلة: محل التحريم إذا صرحت المخطوبة بالإجابة أو وليها الذي أذنت له فلو وقع التصريح بالرد فلا تحريم وليس في الأحاديث ما يدل على اعتبار الإجابة. وأما ما احتج به من قول فاطمة بنت قيس للنبي صلى الله عليه وسلم إن معاوية وأبا جهم خطباها فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك عليهما بل خطبها لأسامة، فليس فيه حجة كما قال النووي لاحتمال أن يكونا خطباها معاً أو لم يعلم الثاني بخطبة الأول، والنبي صلى الله عليه وسلم أشار بأسامة ولم يخطب كما سيأتي. وعلى تقدير أن يكون ذلك خطبة فلعله كان بعد ظهور رغبتها عنهما. وعن بعض المالكية لا تمتنع الخطبة إلا بعد التراضي على الصداق ولا دليل على ذلك. وقال داوود الظاهري: إذا تزوجها الثاني فسخ النكاح قبل الدخول وبعده، وللمالكية في ذلك قولان فقال بعضهم: يفسخ قبله لا بعده. قال في الفتح: وحجة الجمهور أن المنهي عنه الخطبة وهي ليست شرطاً في صحة النكاح فلا يفسخ النكاح بوقوعها غير صحيحة. كذا في النيل. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وذكر الطبري أن بعضهم قال نهيه أن يخطب الرجل على خطبة أخيه منسوخ بخطبته صلى الله عليه وسلم لأسامة فاطمة بنت قيس.
قال الشيخ ابن قيم الجوزية يعني بعد أن خطبها معاوية وأبو جهم قال: وهذا

(6/66)


عن ابن عُمَرَ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَخْطُبُ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ وَلاَ يَبِيعُ [وَلاَ يَبِعْ] عَلَى بَيْع أَخِيهِ إِلاّ بِإِذْنِهِ" .
[قال سفيان :لا يبيع على بيع صاحبه يقول عندي خير منها].
ـــــــ
"لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه ولا يبيع" وفي بعض النسخ ولا يبع بالجزم ويأتي شرح قوله ولا يبيع على بيع أخيه في كتاب البيوع إن شاء الله تعالى واستدل بقوله "على خطبة أخيه" أن محل التحريم إذا كان الخاطب مسلماً فلو خطب الذمي ذمية فأراد المسلم أن يخطبها جاز له ذلك مطلقاً، وهو قول الأوزاعي ووافقه من الشافعية ابن المنذر وابن جويرية والخطابي، ويؤيده قوله في أول حديث عقبة بن عامر عند مسلم "المؤمن أخو المؤمن فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه ولا يخطب على خطبته حتى يذر" وقال الخطابي: قطع الله الأخوة بين الكافر والمسلم، فيختص النهي بالمسلم. وقال ابن المنذر: الأصل في هذا الإباحة حتى يرد المنع وقد ورد المنع مقيداً بالمسلم فبقي ما عدا ذلك على أصل الإباحة. وذهب الجمهور إلى إلحاق الذمي بالمسلم في ذلك وأن التعبير بأخيه خرج على الغالب فلا مفهوم له وهو كقوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ} وكقوله: {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ} ونحو ذلك، وبناه بعضهم على أن هذا المنهي عنه هل هو من حقوق العقد واحترامه أو من حقوق المتعاقدين، فعلى الأول الراجح ما قال الخطابي، وعلى الثاني الراجح ما قال غيره. قاله في الفتح: قال المنذري: وأخرجه مسلم وابن ماجه.
ـــــــ
غلط فإن فاطمة لم تركن إلى واحد منهما وإنما جاءت مستشيرة للنبي صلى الله عليه وسلم فأشار عليها بما هو الأصلح لها والأرضى لله ولرسوله ولم يخطبها لنفسه ومورد النهي إنما هو خطبة الرجل لنفسه على خطبة أخيه فأما إشارته على المرأة إذا استشارته بالكفء الصالح فأين ذلك من الخطبة على خطبة أخيه فقد تبين غلط القائل والحمد لله.
وأيضا فإن هذا من الأحكام الممتنع نسخها فإن صاحب الشرع علله بالأخوة وهي علة مطلوبة البقاء والدوام لا يلحقها نسخ ولا إبطال.

(6/67)


19 - باب في الرجل ينظر إلى المرأة وهو يريد تزويجها
2082 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا عبد الْوَاحِدِ بنُ زِيَادٍ أخبرنا مُحمّدُ بنُ إسْحَاقَ عن دَاوُدَ بن حُصَيْنٍ عن وَاقِدِ بن عبد الرّحْمَنِ - يَعْنِي ابن سَعْدِ بن مُعَاذٍ - عن جَابِرِ بن عبد الله قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: " إذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ الْمَرْأَةَ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إلَى مَا يَدْعُوهُ إلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ" . قَالَ فَخَطَبْتُ جَارِيَةً فَكُنْتُ أَتَخَبّأُ لَها حَتّى رَأَيْتُ مِنْهَا
ـــــــ
باب في الرجل ينظر إلى المرأة وهو يريد تزويجها
"إذا خطب أحدكم المرأة" أي أراد خطبتها وهي بكسر الخاء مقدمات الكلام في أمر النكاح على الخطبة بالضم وهي العقد "فإن استطاع أن ينظر إلى ما" أي عضو "يدعوه" أي يحمله ويبعثه "فليفعل" الأمر للإباحة بقرينة حديث أبي حميد "إذا خطب أحدكم امرأة فلا جناح عليه أن ينظر منها" الحديث رواه أحمد، وحديث محمد بن مسلمة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا ألقى الله عزوجل في قلب امرىء خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها" رواه أحمد وابن ماجه. قال النووي: فيه استحباب النظر إلى من يريد تزوجها وهو مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة وسائر الكوفيين وأحمد وجماهير العلماء. وحكى القاضي عن قوم كراهته، وهذا
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
قال الشافعي ينظر إلى وجهها وكفيها وهي متغطية ولا ينظر إلى ما وراء ذلك وقال داود ينظر إلى سائر جسدها.
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وعن أحمد ثلاث روايات إحداهن ينظر إلى وجهها ويديها والثانية ينظر ما يظهر غالبا كالرقبة والساقين ونحوهما والثالثة ينظر إليها كلها عورة وغيرها فإنه نص على أنه يجوز أن ينظر إليها متجردة واللفظ الذي ذكره مسلم ليس بصريح في نظر الخاطب وقد رواه النسائي خطب رجل امرأة من الأنصار فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " هل نظرت إليها" قال لا فأمره أن ينظر إليها رواه من طريق يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة قال مروان بن معاوية الفزاري عن يزيد خطب رجل امرأة وقال سفيان عن يزيد عن أبي حازم عن أبي هريرة أن رجلا أراد أن يتزوج امرأة وهذا مفسر لحديث مسلم أنه أخبره أنه تزوج امرأة وقد روي من حديث بكر بن عبد الله المزني عن المغيرة بن شعبة قال خطبت امرأة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم "أنظرت إليها" قلت لا قال "فانظر فإنه أحرى أن يؤدم بينكما".

(6/68)


مَا دَعَاني إلَى نِكَاحِهَا فَتَزَوّجْتُهَا[نِكَاحِهَا وَتَزَوّجْتُهَا]
ـــــــ
خطأ مخالف لصريح هذا الحديث ومخالف لإجماع الأمة على جواز النظر للحاجة عند البيع والشرى والشهادة ونحوها ثم إنه إنما يباح له النظر إلى وجهها وكفيها فقط لأنهما ليسا بعورة ولأنه يستدل بالوجه على الجمال أو ضده وبالكفين على خصوبة البدن أو عدمها. هذا مذهبنا ومذهب الأكثرين. وقال الأوزاعي: ينظر إلى مواضع اللحم. وقال داوود: ينظر إلى جميع بدنها وهذا خطأ ظاهر منابذ لأصول السنة والإجماع، ثم مذهبنا ومذهب مالك وأحمد والجمهور أنه لا يشترط في جواز هذا النظر رضاها، بل له ذلك في غفلتها ومن غير تقدم إعلام، لكن قال مالك أكره النظر في غفلتها مخافة من وقوع نظره على عورة. وعن مالك رواية ضعيفة أنه لا ينظر إليها إلا بإذنها وهذا ضعيف، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أذن في ذلك مطلقاً ولم يشترط استئذانها، ولأنها تستحيي غالباً من الإذن، ولأن في ذلك تغريراً فربما رآها فلم تعجبه فيتركها فتنكسر وتتأذى، ولهذا قال أصحابنا: يستحب أن يكون نظره إليها قبل الخطبة حتى إن كرهها تركها من غير إيذاء بخلاف ما إذا تركها بعد الخطبة والله أعلم انتهى.
"فكنت أتخبأ" أي أختفي "ما دعاني" أي حملني. قال المنذري: في إسناده محمد بن إسحاق وقد تقدم الكلام عليه انتهى. قلت: وحديث جابر أخرجه أيضاً الشافعي وعبد الرزاق والبزار والحاكم وصححه. قال الحافظ ورجاله ثقات، وأعله ابن القطان بواقد بن عبد الرحمَن، وقال المعروف واقد بن عمرو ورواية الحاكم فيها واقد بن عمرو وكذا رواية الشافعي وعبد الرزاق، وحديث أبي حميد المذكور. قال في مجمع الزوائد رجال أحمد رجال الصحيح، وحديث محمد بن مسلمة سكت عنه الحافظ في التلخيص والله أعلم.

(6/69)


20 - باب في الولي
2083 - حدثنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنبأنا سُفْيَانُ حدثنا ابنُ جُرَيْجٍ عنْ سُلَيْمانَ بن
ـــــــ
باب في الولي
المراد بالولي هو الأقرب من العصبة من النسب ثم من السبب ثم من عصبته وليس لذوي السهام، ولا لذوي الأرحام ولاية، وهذا مذهب الجمهور، وروي عن أبي حنيفة أن ذوي
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
قال الترمذي: وذكر سليمان بن موسى راويه عن الزهري عن عروة عن عائشة-: سليمان بن

(6/69)


مُوسَى عن الزّهْرِيّ عن عُرْوَةَ عن عَائِشَةَ قالَتْ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أَيّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيَهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ ثَلاَثَ مَرّاتٍ فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فالْمَهْرُ لَها بِمَا أَصَابَ مِنْهَا فَإِنْ تَشَاجَرُوا فالسّلْطَانُ وَلِيّ مَنْ لاَ وَلِيّ لَهُ" .
ـــــــ
الأرحام من الأولياء فإذا لم يكن ثم ولي أو كان موجوداً وعضل انتقل الأمر إلى السلطان. قاله في النيل. وقال علي القاري الحنفي الولي هو العصبة على ترتيبهم بشرط حرية وتكليف ثم الأم ثم ذو الرحم الأقرب فالأقرب ثم مولى الموالات ثم القاضي
"أيما امرأة نكحت" أي نفسها وأيما من ألفاظ العموم في سلب الولاية عنهن من غير تخصيص ببعض دون بعض "بغير إذن مواليها" أي أوليائها "فنكاحها باطل ثلاث مرات" أي قال كلمة فنكاحها باطل ثلاث مرات "فإن دخل" أي الذي نكحته بغير إذن وليها "فالمهر لها بما أصحاب منها" وفي رواية الترمذي "فلها المهر بما استحل من فرجها" "فإن تشاجروا" أي تنازع الأولياء واختلفوا بينهم، والتشاجر الخصومة، والمراد المنع من العقد دون المشاحة في السبق إليه منهم إذا كان ذلك نظراً منه في مصلحتها. قاله في المجمع "فالسلطان ولي من لاولي له" لأن
ـــــــ
موسى ثقة عند أهل الحديث لم يتكلم فيه أحد من المتقدمين إلا البخاري وحده فإنه تكلم فيه من أجل أحاديث انفرد بها وذكره دحيم فقال في حديثه بعض اضطراب وقال لم يكن في أصحاب مكحول أثبت منه وقال النسائي في حديثه شيء وقال البزار سليمان بن موسى أجل من ابن جريج وقال الزهري سليمان بن موسى أحفظ من مكحول وقال البيهقي مع ما في مذهب أهل العلم بالحديث من وجوب قبول خبر الصادق وإن نسيه من أخبره عنه قال الترمذي ورواه الحجاج بن أرطاة وجعفر بن أبي ربيعة عن الزهري عن عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم وروي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن جريج ثم لقيت الزهري فسألته فأنكره فضعفوا هذا الحديث من أجل هذا وذكر عن يحيى بن معين أنه قال لم يذكر هذا الحرف عن ابن جريج إلا إسماعيل بن إبراهيم قال يحيى بن معين وسماع إسماعيل بن إبراهيم من ابن جريج ليس بذاك إنما صحح كتبه على كتب عبدالمجيد بن عبدالعزيز بن أبي رواد فيما سمع من ابن جريج وضعف يحيى رواية إسماعيل بن إبراهيم عن ابن جريج قال الترمذي والعمل على حديث النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب لا نكاح إلا بولي عند أهل العلم من اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وأبو هريرة وغيرهم وهكذا روي عن فقهاء التابعين أنهم قالوا لا نكاح إلا بولي منهم سعيد بن المسيب والحسن البصري وشريح وإبراهيم النخعي,

(6/70)


2084 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ أخبرنا ابنُ لَهِيعَةَ عنْ جَعْفَرٍ يَعْنِي ابنَ رَبِيعَةَ عنْ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُرْوَةَ عنْ عَائِشَةَ عنِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِمَعْنَاهُ.
ـــــــ
الولي إذا امتنع من التزويج فكأنه لا ولي لها فيكون السلطان وليها وإلا فلا ولاية للسلطان مع وجود الولي قال المنذري: وأخرجه الترمذي، وابن ماجه. وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وقال في موضع آخر وحديث عائشة في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم "لا نكاح إلا بولي" وهو عندي حديث حسن ولم يؤثر عند الترمذي إنكار الزهري له، فإن الحكاية في ذلك عن الزهري قد وهنها بعض الأئمة. قال البيهقي: ما في مذهب أهل العلم بالحديث من وجوب قبول خبر الصادق وإن نسيه من أخبره عنه. وقال علي بن المديني حديث اسرائيل صحيح في "لا نكاح إلا بولي" وسئل عنه البخاري فقال الزيادة من الثقة مقبولة وإسرائيل ثقة فإن كان شعبة والثوري أرسلاه فإن ذلك لا يضر الحديث انتهى. وقال في النيل: وأسند الحاكم من طريق علي بن المديني ومن طريق البخاري والذهلي وغيرهم أنهم صححوا حديث اسرائيل وحديث عائشة أخرجه أيضاً أبو عوانة وابن حبان والحاكم وحسنه الترمذي، وقد أعل بالإرسال وتكلم فيه بعضهم من جهة أن ابن جريج قال: ثم لقيت الزهري فسألته عنه فأنكره وقد عد أبو القاسم بن منده عدة من رواه عن ابن جريج فبلغوا عشرين رجلاً، وذكر أن معمراً وعبيد الله بن زحر تابعا ابن جريج على روايته إياه عن سليمان بن موسى، وأن قرة وموسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق وأيوب بن موسى وهشام بن سعد وجماعة تابعوا سليمان بن موسى عن الزهري. قال: ورواه أبو مالك الجنبي ونوح بن دراج ومندل وجعفر بن برقان وجماعة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. وقد أعل ابن حبان وابن عدي وابن عبد البر والحاكم وغيره الحكاية عن ابن جريج بإنكار الزهري وعلى تقدير الصحة لا يلزم من نسيان الزهري له أن يكون سليمان بن موسى وهم فيه انتهى. والحديث يدل على أنه لا يصح النكاح إلا بولي. واختلف العلماء في اشتراط الولي في النكاح، فالجمهور على اشتراطه، وحكي عن ابن المنذر أنه لا يعرف عن أحد من الصحابة خلاف ذلك، وذهبت الحنفية إلى أنه لا يشترط مطلقاً، واحتجوا بحديث ابن عباس "الأيم أحق بنفسها من وليها" الحديث، وفي لفظ لمسلم "البنت أحق بنفسها من وليها" والجواب ما قال ابن الجوزي في التحقيق أنه أثبت لها حقاً
ـــــــ
وعمر بن عبدالعزيز وغيرهم وبهذا يقول سفيان الثوري والأوزاعي وعبد الله بن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق

(6/71)


قالَ أَبُو دَاوُدَ: جَعْفَرٌ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الزّهْرِيّ كَتَبَ إلَيْهِ.
2085 - حدثنا مُحمّدُ بنُ قُدَامَةَ بن أعْيَنَ أخبرنا أبُو عُبَيْدَةَ الْحَدّادُ عن يُونُسَ [عن يونس عن أبي بردة وإسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى] وَ إسْرَائِيلُ عن أبي إسْحَاقَ عن أبي بُرْدَةَ عن أبي مُوسَى أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: " لاَ نِكَاحَ إلاّ بَوَلِيَ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهُوَ يُونُسُ عنْ أبي بُرْدَةَ وَإسْرَائِيلُ عنْ أبي إسْحَاقَ عن أبي بُرْدَةَ.
ـــــــ
وجعلها أحق لأنه ليس للولي إلا مباشرة ولا يجوز له أن يزوجها إلا بإذنها. كذا في تخريج الهداية للزيلعي. والحق أن النكاح بغير الولي باطل كما يدل عليه أحاديث الباب.
"جعفر" أي ابن ربيعة "لم يسمع من الزهري" هو ابن شهاب "كتب" أي الزهري "إليه" أي إلى جعفر.
"حدثنا محمد بن قدامة" بضم القاف وخفة الدال "أبو عبيدة الحداد" هو عبد الواحد بن واصل "عن يونس" بن أبي إسحاق السبيعي أبي اسرائيل الكوفي "واسرائيل" بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي "عن أبي إسحاق" السبيعي، وفي بعض نسخ الكتاب هذه العبارة عن يونس عن أبي بردة وإسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى انتهى. وهذا
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
قال الترمذي وحديث أبي موسى حديث فيه اختلاف رواه إسرائيل وشريك بن عبد الله وأبو عوانة وزهير بن معاوية وقيس بن الربيع عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواه أسباط بن محمد وزيد بن حبان عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم [وروى أبو عبيدة الحداد عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم ونحوه] ولم يذكر فيه عن أبي إسحاق وقد روى عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي بردة عن النبي صلى الله عليه وسلم [وروى شعبة والثوري عن أبي إسحاق عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم] "لا نكاح إلا بولي" وقد ذكر بعض أصحاب سفيان عن سفيان [عن أبي إسحاق عن أبي بردة] عن أبي موسى ولا يصح ورواية هؤلاء الذين رووا عن أبي إسحاق عن أبي بردة [عن أبي موسى] عن النبي صلى الله عليه وسلم "لا نكاح إلا بولي" عندي أصح لأن سماعهم من أبي إسحاق في أوقات مختلفة وإن كان شعبة والثوري أحفظ وأثبت من جميع هؤلاء الذين رووا عن أبي إسحاق هذا الحديث فإن رواية هؤلاء عندي أشبه [وأصح] لأن شعبة والثوري سمعا هذا الحديث من أبي إسحاق في مجلس واحد ومما يدل على ذلك ما حدثنا محمود بن غيلان حدثنا أبو داود حدثنا شعبة قال سمعت سفيان الثوري يسأل أبا إسحاق:

(6/72)


[قال أبو داود : يونس لقي أبا بردة]
2086 - حدثنا مُحمّد بنُ يَحْيَى بنُ فَارِسٍ أخبرنا عبد الرّزّاقِ عنْ مَعْمَرٍ عن
ـــــــ
واضح "قال أبو داوود: وهو يونس عن أبي بردة الخ" مرد المؤلف أن أبا عبيدة الحداد يروي هذا الحديث عن شيخيه الأول يونس وهو عن أبي بردة عن أبي موسى بغير ذكر واسطة أبي إسحاق بينه وبين أبي بردة قال أبو داوود: يونس لقي أبا بردة: والثاني عن إسرائيل عن جده أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى. قال الترمذي في سننه. روى أبو عبيدة عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه ولم يذكر فيه عن أبي إسحاق انتهى. وأما غير أبي عبيدة الحداد فذكر واسطة أبي إسحاق. قال الترمذي: رواه أسباط بن محمد وزيد بن حباب عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم انتهى. قلت: وأخرج أبو داوود الطيالسي في مسنده حدثنا أبو عوانة عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا نكاح إلا بولي" انتهى
ـــــــ.
أسمعت أبا بردة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا نكاح إلا بولي"؟ فقال نعم فدل هذا [الحديث على] أن سماع شعبة والثوري هذا الحديث في وقت واحد وإسرائيل هو ثبت في أبي إسحاق سمعت محمد بن المثنى يقول سمعت عبدالرحمن بن مهدي يقول ما فاتني الذي فاتني من حديث الثوري عن أبي إسحاق إلا لما اتكلت به على إسرائيل لأنه كان يأتي به أتم هذا آخر كلام الترمذي.
وقال علي بن المديني حديث إسرائيل صحيح في "لا نكاح إلا بولي" وسئل عنه البخاري؟ فقال الزيادة من الثقة مقبولة وإسرائيل ثقة فإن كان شعبة والثوري أرسلاه فإن ذلك لا يضر الحديث وقال قبيصة بن عقبة جاءني علي بن المديني فسألني عن هذا الحديث فحدثته به عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى لم يذكر فيه أبا إسحاق فقال استرحنا من خلاف أبي إسحاق.
قلت وكذلك رواه الحسن بن محمد بن الصباح عن أسباط بن محمد عن يونس عن أبي بردة عن أبي موسى ذكره الحاكم في المستدرك فهذا وجه.
"الثاني" رواية عيسى ابنه وحجاج بن محمد المصيصي والحسن بن قتيبة وغيرهم عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا.
"الثالث" رواية شعبة والثوري عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا هذه رواية أكثر الأثبات عنهما.
"الرابع" رواية يزيد بن زريع عن شعبة ورواية مؤمل بن إسماعيل وبشر بن منصور عن الثوري كليهما عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبيه موصولا فهذه أربعة أوجه.

(6/73)


الزّهْرِيّ عن عُرْوَةَ بنِ الزّبَيْرِ عنْ أُمّ حَبِيبَةَ: أَنّهَا كَانَتْ عِنْدَ ابنِ جَحْشٍ فَهَلَكَ عنها وَكَانَ فِيمَنْ هَاجَرَ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةَ فَزَوّجَهَا النّجَاشِيّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم وَهِيَ عَنْدَهُمْ
ـــــــ
"عن أم حبيبة" أم المؤمنين بنت أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس "أنها كانت عند ابن جحش" اسمه عبيد الله بالتصغير أسلمت أم حبيبة قديماً بمكة وأسلم عبيد الله بن جحش أيضاً وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها عبيد الله فتنصر زوجها بالحبشة ومات بها وأبت هي أن تنتصر وثبتت على إسلامها ففارقها "فهلك" عبيد الله بن جحش أي مات "عنها" أي عن أم حبيبة "فزوجها" من التزويج أي أم حبيبة "النجاشي" ملك الحبشة وهو فاعل قوله زوجها "رسول الله صلى الله عليه وسلم" المفعول الثاني "وهي" أي أم حبيبة "عندهم" أي عند أهل الحبشة مقيمة ما
ـــــــ
والترجيح لحديث إسرائيل في وصله من وجوه عديدة.
أحدها تصحيح من تقدم من الأئمة له وحكمهم لروايته بالصحة كالبخاري وعلي بن المديني والترمذي وبعدهم الحاكم وابن حبان وابن خزيمة.
الثاني ترجيح إسرائيل في حفظه وإتقانه لحديث أبي إسحاق وهذا شهادة الأئمة له وإن كان شعبة والثوري أجل منه لكنه لحديث أبي إسحاق أتقن وبه أعرف.
الثالث متابعة من وافق إسرائيل على وصله كشريك ويونس بن أبي إسحاق قال عثمان الدارمي سألت يحيى بن معين شريك أحب إليك في أبي إسحاق أو إسرائيل فقال شريك أحب إلي وهو أقدم وإسرائيل صدوق قلت يونس بن أبي إسحاق أحب إليك أو إسرائيل فقال كل ثقة.
الرابع ما ذكره الترمذي وهو أن سماع الذين وصلوه عن أبي إسحاق كان في أوقات مختلفة وشعبة والثوري سمعاه منه في مجلس واحد الخامس أن وصله زيادة من ثقة ليس دون من أرسله والزيادة إذا كان هذا حالها فهي مقبولة كما أشار إليه البخاري والله أعلم.
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
هذا هو المعروف المعلوم عند أهل العلم أن الذي زوج أم حبيبة للنبي صلى الله عليه وسلم هو النجاشي في أرض الحبشة وأمهرها من عنده وزوجها الأول التي كانت معه في الحبشة هو عبيد الله بن جحش بن رئاب أخو زينب بنت جحش زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم تنصر بأرض الحبشة ومات بها نصرانيا فتزوج امرأته رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي اسمها قولان أحدهما رملة وهو الأشهر والثاني هند وتزويج النجاشي لها حقيقة فإنه كان مسلما وهو أمير البلد وسلطانه.

(6/74)


....................................
ـــــــ
قدمت بالمدينة. قال ابن الأثير في أسد الغابة: تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي بالحبشة زوجها منه عثمان بن عفان، وقيل عقد عليها خالد بن سعيد بن العاص بن أمية وأمهرها النجاشي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع مائة دينار وأولم عليها عثمان لحماً، وقيل أولم عليها النجاشي وحملها شرحبيل بن حسنة إلى المدينة.
وقد قيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها وهي بالمدينة. روى مسلم بن الحجاج في صحيحه أن أبا سفيان طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوجها فأجابه إلى ذلك، وهذا مما يعد من أوهام مسلم، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد تزوجها وهي بالحبشة قبل إسلام أبي سفيان لم يختلف أهل السير في ذلك، ولما جاء أبو سفيان إلى المدينة قبل الفتح لما أوقعت قريش بخزاعة ونقضوا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فخاف فجاء إلى المدينة ليجدد العهد فدخل على ابنته أم حبيبة فلم تتركه يجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت أنت مشرك. وقال قتادة: لما عادت من الحبشة مهاجرة إلى المدينة خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتزوجها وكذلك روى الليث عن عقيل عن ابن شهاب، وروى معمر عن الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها وهي بالحبشة وهو أصح، ولما بلغ الخبر إلى أبي سفيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نكح أم حبيبة ابنته قال ذلك الفحل لا
ـــــــ
وقد تأوله بعض المتكلفين على أنه ساق المهر من عنده فأضيف التزويج إليه وتأوله بعضهم على أنه كان هو الخاطب والذي ولي العقد عثمان بن عفان وقيل عمرو بن أمية الضمري والصحيح أن عمرو بن أمية كان وكيل رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك بعث به النجاشي يزوجه إياها وقيل الذي ولي العقد عليها خالد بن سعيد بن العاص ابن عم أبيها وقد روى مسلم في الصحيح من حديث عكرمة بن عمار عن ابن عباس قال كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه فقال للنبي صلى الله عليه وسلم يانبي الله ثلاث أعطيتهن قال"نعم" قال عندي أحسن العرب وأجملها أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها قال "نعم" قال ومعاوية تجعله كاتبا بين يديك قال "نعم" قال وتأمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين قال "نعم" وقد رد هذا الحديث جماعة من الحفاظ وعدوه من الأغلاط في كتاب مسلم قال ابن حزم هذا حديث موضوع لا شك في وضعه والآفة فيه من عكرمة بن عمار فإنه لم يختلف في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها قبل الفتح بدهر وأبوها كافر وقال أبو الفرج بن الجوزي في كتاب الكشف له هذا الحديث وهم من بعض الرواة لا شك فيه ولا تردد وقد اتهموا به عكرمة بن عمار راويه وقد ضعف أحاديثه يحيى بن سعيد الأنصاري وقال ليست بصحاح وكذلك قال أحمد بن حنبل هي أحاديث ضعاف وكذلك لم يخرج عنه البخاري إنما أخرج عنه مسلم لقول يحيى بن معين ثقة.
قال وإنما قلنا إن هذا وهم لأن أهل التاريخ أجمعوا على أن أم حبيبة كانت تحت عبيد الله بن جحش وولدت له وهاجر بها وهما مسلمان إلى أرض الحبشة ثم تنصر وثبتت أم حبيبة على

(6/75)


.........................
ـــــــ
يقدع أنفه وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة ست وتوفيت سنة أربع وأربعين انتهى. وقال الحافظ في الإصابة أخرج ابن سعد من طريق إسماعيل بن عمرو بن سعيد الأموي قال قالت أم حبيبة رأيت في المنام كأن زوجي عبيد الله بن جحش بأسوإ صورة ففزعت فأصبحت فإذا به قد تنصر فأخبرته بالمنام فلم يحفل به واكب على الخمر حتى مات فأتاني آت في نومي فقال يا أم المؤمنين ففزعت فما هو إلا أن انقضت عدتي فما شعرت إلا برسول النجاشي يستأذن فإذا هي جارية له يقال لها أبرهة فقالت إن الملك يقول لك وكلي من يزوجك، فأرسلت إلى خالد بن سعيد بن العاص بن أمية فوكلته فأعطيت أبرهة سوارين من فضة، فلما كان العشي أمر النجاشي جعفر ابن أبي طالب ومن هناك من المسلمين، فحضروا فخطب النجاشي فحمد الله
ـــــــ
دينها فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي يخطبها عليه فزوجه إياها وأصدقها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة آلاف درهم وذلك سنة سبع من الهجرة وجاء أبو سفيان في زمن الهدنة فدخل عليها فنحت بساط رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لا يجلس عليه ولا خلاف أن أبا سفيان ومعاوية أسلما في فتح مكة سنة ثمان ولا يعرف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أبا سفيان وقد تكلف أقوام تأويلات فاسدة لتصحيح الحديث كقول بعضهم إنه سأله تجديد النكاح عليها وقول بعضهم إنه ظن أن النكاح بغير إذنه وتزويجه غير تام فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزوجه إياها نكاحا تاما فسلم له النبي صلى الله عليه وسلم حاله وطيب قلبه بإجابته وقول بعضهم إنه ظن أن التخيير كان طلاقا فسأل رجعتها وابتداء النكاح عليها وقول بعضهم إنه استشعر كراهة النبي صلى الله عليه وسلم لها وأراد بلفظ التزويج استدامة نكاحها لا ابتداءه وقول بعضهم يحتمل أن يكون وقع طلاق فسأل تجديد النكاح وقول بعضهم يحتمل أن يكون أبو سفيان قال ذلك قبل إسلامه كالمشترط له في إسلامه ويكون التقدير ثلاث إن أسلمت تعطينيهن وعلى هذا اعتمد المحب الطبري في جواباته للمسائل الواردة عليه وطول في تقريره.
وقال بعضهم إنما سأله أن يزوجه ابنته الأخرى وهي أختها وخفي عليه تحريم الجمع بين الأختين لقرب عهده بالإسلام فقد خفي ذلك على ابنته أم حبيبة حتى سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك وغلط الراوي في اسمها.
وهذه التأويلات في غاية الفساد والبطلان وأئمة الحديث والعلم لا يرضون بأمثالها ولا يصححون أغلاط الرواة بمثل هذه الخيالات الفاسدة والتأويلات الباردة التي يكفي في العلم بفسادها تصورها وتأمل الحديث وهذا التأويل الأخير وإن كان في الظاهر أقل فسادا فهو أكذبها وأبطلها وصريح الحديث يرده فإنه قال أم حبيبة أزوجكها قال نعم فلو كان المسؤول تزويج أختها لما أنعم له بذلك صلى الله عليه وسلم فالحديث غلط لا ينبغي التردد فيه والله أعلم.

(6/76)


...................
ـــــــ
وأثنى عليه وتشهد ثم قال أما بعد فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلي أن أزوجه أم حبيبة فأجبت وقد أصدقتها عنه أربع مائة دينار ثم سكب الدنانير، فخطب خالد فقال قد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجته أم حبيبة وقبض الدنانير، وعمل لهم النجاشي طعاماً فأكلوا. قالت أم حبيبة فلما وصل إلى المال أعطيت أبرهة منه خمسين دينارا. قالت فردتها علي وقالت إن الملك عزم علي بذلك وردت على ما كنت أعطيتها أولاً، ثم جاءتني من الغد بعود وورس وعنبر وزباد كثير فقدمت به معي على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروى ابن سعد أن ذلك كان سنة سبع وقيل كان سنة ست والأول أشهر.
ومن طريق الزهري أن الرسول إلى النجاشي بعث بها مع شرحبيل بن حسنة ومن طريق أخرى أن الرسول إلى النجاشي بذلك كان عمرو بن أمية الضمري انتهى كلام الحافظ. ومطابقة الباب بقوله فزوجها النجاشي لأن أباها أبا سفيان لم يكن أسلم ذلك الزمان وكانت أم حبيبة أسلمت فلم يكن أبو سفيان وليها فزوجها النجاشي لأن السلطان ولي من لا ولي له. وعلى رواية ابن سعد كما في الإصابة وعلى رواية زبير بن بكار كما في أسد الغابة: كان خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس أخ أم حبيبة حاضراً ومتولياً لأمر النكاح، ويجيء بعض البيان في باب الصداق والله أعلم. قال المنذري: وأخرجه النسائي بنحوه.

(6/77)


21 - باب في العضل
2087 - حدثنا مُحمّدُ بنُ المُثَنّى حدثني أبُو عامِرٍ أخبرنا عَبّادُ بن رَاشِدٍ عن الْحَسَنِ حَدّثَني مَعْقِلُ بنُ يَسَارٍ قال:كَانَتْ لِي أُخْتٌ تُخْطَبُ إلَيّ فأَتَانِي ابنُ عَمّ لِي فأَنْكَحْتُهَا إِيّاهُ ثُمّ طَلّقَهَا طَلاَقاً لَهُ رَجْعَةٌ ثُمّ تَرَكَهَا حَتّى انْقَضَتْ عِدّتُهَا، فَلمّا خُطِبَتْ إلَيّ
ـــــــ
باب في العضل
العضل منع الولي مولاه من النكاح.
"كانت لي أخت" اسمها جميل بضم الجيم وفتح الميم بنت يسار بن عبد الله المزني، وقيل اسمها ليلى قاله المنذري تبعاً للسهيلي في مبهمات القرآن. وعند ابن إسحاق فاطمة، فيكون لها اسمان ولقب أو لقبان واسم، قاله العلامة القسطلاني "تخطب" بصيغة المجهول من الخطبة بالكسر "فأتاني ابن عم لي فأنكحتها إياه" وفي رواية البخاري: زوجت أختاً لي من رجل. قال الحافظ: قيل هو أبو البداح بن عاصم الأنصاري، هكذا وقع في أحكام القرآن لإسماعيل القاضي ثم ذكر الاختلاف في اسم هذا الرجل ثم قال: وقع في رواية عباد بن راشد عن الحسن عند البزار والدارقطني فأتاني ابن عم

(6/77)


أَتَانِي يَخْطُبُهَا، فَقُلْتُ: لاَ وَالله لا أَنْكِحُهَا [لا أَنْكَحْتُكهَا] أَبَداً. قال فَفِيّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآية {وَإذَا طَلّقْتُمُ النّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنّ} الآية. قال: فكَفّرْتُ عن يَمِينِي فأَنْكَحْتُهَا إِيّاهُ.
ـــــــ
لي فخطبها مع الخطاب وفي هذا نظر لأن معقل بن يسار مزني وأبو البداح أنصاري فيحتمل أنه ابن عمه لأمه أو من الرضاعة "فقلت لا والله لا أنكحها" بضم الهمزة أي لا أزوجها وفي بعض النسخ لا أنكحتكها "ففي نزلت هذه الآية" هذا صريح في نزول هذه الآية في هذه القصة، ولا يمنع ذلك كون ظاهر الخطاب في السياق للأزواج حيث وقع فيها "وإذا طلقتم النساء" لكن قوله في بقيتها "أن ينكحن أزواجهن" ظاهر في أن العضل يتعلق بالأولياء، كذا في الفتح "فبلغن أجلهن" أي انقضت عدتهن "فلا تعضلوهن" أي لا تمنعوهن "الآية" بالنصب أي أتم الآية. قال الحافظ: وهي أصرح دليل على اعتبار الولي وإلا لما كان لعضله معنى، ولأنها لو كان لها أن تزوج نفسها لم تحتج إلى أخيها ومن كان أمره إليه لا يقال إن غيره منعه منه. وذكر ابن المنذر أنه لا يعرف عن أحد من الصحابة خلاف ذلك انتهى. ولا يعارض بإسناد النكاح إليهن لأنه بسبب توقفه إلى إذنهن. قال المنذري: وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي.

(6/78)


22 - باب إذا أنكح الوليان
2088 - حدثنا مُسْلِمُ بنُ إِبراهِيمَ أخبرنا هِشَامٌ ح. وَأخبرنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنبأنا هَمّامٌ ح. وَأخبرنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ المعنى عن قَتَادَةَ عن الْحَسَنِ عن سَمُرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "أَيّمَا امْرَأَةٍ زَوّجَهَا وَلِيّانِ فَهِيَ لِلأَوّلِ مِنْهُمَا، وَأَيّمَا رَجُلٌ بَاعَ بَيْعَاً مِنْ رَجُلَيْنِ فَهُوَ لِلأَوّلِ مِنْهُمَا" .
ـــــــ
باب إذا أنكح الوليان
"أيما امرأة زوجها وليان" أي من رجلين "فهي للأول منهما" أي للسابق منهما ببينة أو تصادق فإن وقعا معاً أو جهل السابق منهما بطلا معاً "وأيما رجل باع بيعاً من رجلين" أي مرتباً "فهو" أي البيع "للأول منهما" أي للسابق منهما فإن وقعا معاً أو جهل السابق بطلا.
قال الترمذي في جامعه بعد إخراج هذا الحديث: والعمل على هذا عند أهل العلم لا نعلم بينهم في ذلك اختلافاً فإذا زوج أحد الوليين قبل الآخر فنكاح الأول جائز ونكاح الآخر مفسوخ، وإذا زوجا جميعاً فنكاحهما جميعاً مفسوخ، وهو قول الثوري وأحمد وإسحاق انتهى

(6/78)


........................
ـــــــ
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه. وقال الترمذي: هذا حديث حسن. هذا آخر كلامه. وقد قيل: إن الحسن لم يسمع من سمرة شيئاً. وقيل إنه سمع منه حديث العقيقة انتهى.

(6/79)


23 - باب في قوله تعالى: {لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ}
2089 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ أخبرنا أَسْبَاطُ بنُ مُحمّدٍ أخبرنا الشّيْبَانيّ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ، قال الشّيْبَانِيّ: وَذَكَرَهُ عَطَاءٌ أبُو الْحَسَنِ السّوآيّ وَلا أَظُنّهُ إلاّ عن ابنِ عَبّاسٍ في هَذِه الآية: {لا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النّسَاءَ كَرْهَا وَلا تَعْضُلُوهُنّ} قال: كَانَ الرّجُلُ إذَا مَاتَ كَانَ أوْلِيَاؤُهُ أَحَقّ بامْرَأَتِهِ مِنْ وَلِيّ نَفْسِهَا إِنْ شَاءَ بَعْضُهُمْ زَوّجَهَا أَوْ زَوّجُوهَا وَإِنْ شَاءُوا لم يُزَوّجُوهَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآية في ذَلِكَ.
ـــــــ
"باب في قوله تعالى: { لا يحل لكم.... }
"أخبرنا أسباط" بفتح الهمزة وسكون السين المهملة "أخبرنا الشيباني" هو سليمان بن أبي سليمان أبو إسحاق الشيباني "قال الشيباني وذكره عطاء أبو الحسن السوائي ولا أظنه إلا عن ابن عباس" حاصله أن للشيباني فيه طريقين أحدهما موصولة وهي عكرمة عن ابن عباس والأخرى مشكوك في وصلها وهي عطاء أبو الحسن السوائي عن ابن عباس وأبو الحسن كنية عطاء، والسوائي بضم المهملة وتخفيف الواو "كان الرجل إذا مات" في رواية السدي تقييد ذلك بالجاهلية، وفي رواية الضحاك تخصيص ذلك بأهل المدينة، وكذلك أورده الطبري من طريق العوفي عن ابن عباس لكن لا يلزم من كونه في الجاهلية أن لا يكون استمر في أول الإسلام إلى أن أنزلت الآية فقد جزم الواحدي أن ذلك كان في الجاهلية وفي أول الإسلام كذا في الفتح "كان أولياؤه" أي أولياء الرجل "من ولي نفسها" أي من أولياء المرأة وأقربائها من أبيها وجدها "إن شاء بعضهم زوجها أو زوجوها" شك من الراوي، وفي رواية البخاري: إن شاء بعضهم تزوجها وإن شاؤوا زوجوها، وإن شاؤوا لم يزوجوها "فنزلت هذه الآية في ذلك" روى
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وقد استشكل بعض المفسرين معنى وراثتهم النساء المنهي عنها حتى قال: المعنى لا يحل لكم أن ترثوا نكاحهن لترثوا أموالهن كرها قال وفي المراد بميراثهن وجهان:

(6/79)


2090 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ مُحمّدِ بنُ ثَابِتٍ المَرْوَزِيّ حَدّثَني عَلِيّ بنُ حُسَيْنٍ عن أبِيهِ عن يَزِيدَ النّحَوِيّ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: {لا يَحِلّ لَكُمْ أنْ تَرِثُوا النّسَاءَ
ـــــــ
الطبري من طريق ابن جريج عن عكرمة أنها نزلت في قصة خاصة. قال نزلت في كبشة بنت معن بن عاصم من الأوس وكانت تحت أبي قيس بن الأسلت فتوفي عنها فجنح عليها ابنه، فجاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يانبي الله لا أنا ورثت زوجي ولا تركت فأنكح. فنزلت هذه الآية وبإسناد حسن عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال: لما توفي أبو قيس بن الأسلت أراد ابنه أن يتزوج امرأته وكان ذلك لهم في الجاهلية فأنزل الله هذه الآية.
وروى الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: كان الرجل إذا مات وترك امرأة ألقى عليها حميمة ثوباً فمنعها من الناس، فإن كانت جميلة تزوجها، وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت ويرثها. وروى الطبري أيضاً من طريق الحسن والسدي وغيرهما: كان الرجل يرث امرأة ذي قرابته فيعضلها حتى تموت أو ترد إليه الصداق. وزاد السدي: إن سبق الوارث فألقى عليها ثوبه كان أحق بها، وإن سبقت هي إلى أهلها فهي أحق بنفسها. ذكر الحافظ هذه الروايات في الفتح. قال المنذري: وأخرجه البخاري والنسائي.
-"عن يزيد النحوي" منسوب إلى نحو بطن من الأزد {لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً}
ـــــــ
أحدهما: ما يصل إلى الأزواج من أموالهن بالموت دون الحياة على ما يقتضيه الظاهر من لفظ الميراث.
الثاني: الوصول إلى أموالهن في الحياة وبعدها وقد يسمى ما وصل في الحياة ميراثا كما قال تعالى {الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ} .
وهذا تكلف وخروج عن مقتضى الآية بل الذي منعوا منه أن يجعلوا حق الزوجية حقا موروثا ينتقل إلى الوارث كسائر حقوقه وهذه كانت شبهتهم أن حق الزوجية انتقل إليهم من مورثهم فأبطل الله ذلك وحكم بأن الزوجية لا تنتقل بالميراث إلى الوارث بل إذا مات الزوج كانت المرأة أحق بنفسها ولم يرث بضعها أحد وليس البضع كالمال فينتقل بالميراث.
وقوله "فوعظ الله ذلك" فيه وجهان:
أحدهما: أي يقدر فيه حرف جر أي في ذلك.
والثاني :أي يضمن وعظ معنى منع وحذر ونحوه.
واستنبط بعضهم من الآية أنه لا يحل للرجل أن يمسك امرأته ولا أرب له فيها طمعا أن تموت فيرث مالها وفيه نظر. والله أعلم.

(6/80)


كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنّ إلاّ أنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مبَيّنَةٍ} وَذَلِكَ أَنّ الرّجُلَ كَان يَرِثُ امْرَأَةَ ذِي قَرَابَتِهِ فَيَعْضُلُهَا حتى تَمُوتَ أَوْ تَرُدّ إلَيْهِ صَدَاقَهَا، فأَحْكَمَ الله عن ذَلِكَ وَنَهَى عن ذَلِكَ.
2091 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ شَبّويَةَ المَرْوَزِيّ أخبرنا عبد الله بنُ عُثْمانَ عن عِيسَى بنِ عُبَيْدٍ عن عُبَيْدِالله مَوْلَى عُمَرَ عن الضّحّاكِ بمَعْناهُ قال: فَوَعَظَ الله ذَلِكَ.
ـــــــ
أن ترثوا في موضع الرفع على الفاعلية بيحل أي لا يحل لكم إرث النساء، والنساء مفعول به، أما على حذف مضاف أي أن ترثوا أموال النساء والخطاب للأزواج لأنه روى أن الرجل كان إذا لم يكن له في المرأة غرض أمسكها حتى تموت فيرثها أو تفتدي بمالها إن لم تمت. وأما من غير حذف على معنى أن يكنّ بمعنى الشيء الموروث إن كان الخطاب للأولياء أو لأقرباء الميت وكرهاً في موضع نصب على الحال من النساء أي ترثوهن كارهات أو مكرهات {وَلا تَعْضُلُوهُنَّ} جزم بلا الناهية أو نصب عطف على أن ترثوا ولا لتأكيد النفي، وفي الكلام حذف أي لا تعضلوهن من النكاح إن كان الخطاب للأولياء أو لا تعضلوهن من الطلاق إن كان للأزواج {لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ} اللام متعلقة بتعضلوهن والباء للتعدية المرادفة لهمزتها أو للمصاحبة، فالجار في محل نصب على الحال ويتعلق بمحذوف أي لتذهبوا مصحوبين ببعض ما آتيتموهن {إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} أي زنا "وذلك أن الرجل كان يرث امرأة ذي قرابة فيعضلها" أي المرأة. وهذا يدل على أن الخطاب في الآية للأولياء "فأحكم الله عن ذلك" أي منعه من أحكمته أي منعته "ونهى عن ذلك" هذه الجملة معطوفة على قبلها عطف تفسير.
"فوعظ الله ذلك" المراد بالوعظ النهي أي نهى عن ذلك.

(6/81)


24 - باب في الاستئمار
2092 - حدثنا مُسْلِمُ بنُ إِبراهِيمَ أخبرنا أبَانُ أخبرنا يَحْيَى عن أبي سَلَمَةَ عن أَبي هُرَيْرَةَ أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "لا تُنْكَحُ الثّيّبُ حتى تُسْتَأْمَرَ وَلا الْبِكْرُ إِلاّ بِإِذْنِهَا". قالُوا:
ـــــــ
باب في الاستئمار
"لا تنكح" بصيغة المجهول نفياً للمبالغة أو نهياً "الثيب" أي التي فارقت زوجها بموت أو طلاق وفي رواية البخاري وغيره وقع لفظ الأيم مكان الثيب قال الحافظ: ظاهر هذا الحديث أن الأيم هي الثيب لمقابلتها بالبكر "حتى تستأمر" أصل الاستئمار طلب الأمر، فالمعنى لا يعقد

(6/81)


يا رسول الله وَمَا إِذْنُهَا؟ قال: "أَنْ تَسْكُتَ" .
2093 - حدثنا أبُو كَامِلٍ أخبرنا يَزِيدُ - يَعني ابنَ زُرَيْعٍ - ح. وَأخبرنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ المَعنى حَدّثَني مُحمّدُ بنُ عَمْرٍو أخبرنا أبُو سَلَمَةَ عن أَبي هُرَيْرَةَ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "تُسْتَأْمَرُ الْيَتِيمَةُ في نَفْسِهَا، فإنْ سَكَتَتْ فَهُوَ
ـــــــ
عليها حتى يطلب الأمر منها. ويؤخذ من قوله تستأمر أنه لا يعقد إلا بعد أن تأمر بذلك، وليس فيه دلالة على عدم اشتراط الولي في حقها بل فيه إشعار باشتراطه. قاله الحافظ "ولا البكر إلا بإذنها" أي ولا ينكح البكر إلا بإذنها. وفي رواية البخاري: لا تنكح البكر حتى تستأذن.
قال الحافظ: عبر للثيب بالاستئمار وللبكر بالاستئذان، فيؤخذ منه فرق بينهما من جهة أن الاستئمار يدل على تأكيد المشاورة وجعل الأمر إلى المستأمرة ولهذا يحتاج إلى صريح إذنها في العقد، فإذا صرحت بمنعه امتنع اتفاقاً، والبكر بخلاف ذلك. والإذن دائر بين القول والسكوت بخلاف الأمر فإنه صريح في القول، وإنما جعل السكوت إذناً في حق البكر لأنها قد تستحيي أن تفصح "وما إذنها" وفي رواية البخاري: وكيف إذنها "قال أن تسكت" أي إذنها سكوتها.
قال الخطابي في المعالم: ظاهر الحديث يدل على أن البكر إذا أنكحت قبل أن تستأذن فتصمت أن النكاح باطل كما يبطل إنكاح الثيب قبل أن تستأمر، فتأذن بالقول. وإلى هذا ذهب الأوزاعي وسفيان الثوري وهو قول أصحاب الرأي. وقال مالك بن أنس وابن أبي ليلى والشافعي وأحمد وإسحاق: إنكاح الأب البكر البالغ جائز وإن لم تستأذن، ومعنى استئذانها إنما هو عندهم على استطابة النفس دون الوجوب كما جاء في الحديث باستئمار أمهاتهن وليس ذلك بشرط في صحة العقد انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"أخبرنا حماد" هو بن سلمة "المعنى" واحد. والحاصل أن يزيد بن زريع وحماد بن سلمة كلاهما يرويان عن محمد بن عمرو، فيزيد يروي بلفظ حدثني محمد بن عمرو، وحماد بصيغة عن ومعنى حديثهما واحد وإن تغاير في بعض اللفظ "تستأمر اليتيمة" هي صغيرة لا أب لها، والمراد هنا البكر البالغة سماها باعتبار ما كانت كقوله تعالى {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} وفائدة التسمية مراعاة حقها والشفقة عليها في تحري الكفاية والصلاح، فإن اليتيم مظنة الرأفة والرحمة. ثم هي قبل البلوغ لا معنى لإذنها ولا لإبائها، فكأنه عليه الصلاة والسلام شرط بلوغها، فمعناه لا تنكح حتى تبلغ فتستأمري أي تستأذن. كذا قال القاري في المرقاة "وإن أبت

(6/82)


إِذْنُهَا، وَإِنْ أَبَتْ فَلاَ جَوَازَ عَلَيْهَا" وَالإِخْبَارُ في حَدِيثِ يَزِيدَ.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: وكَذَلِكَ رَوَاهُ أبُو خالِدٍ سُلَيْمانُ بنُ حَيّانَ وَمُعَاذُ بنُ مُعَاذٍ عن مُحمّدِ بنِ عَمْرٍو.
2094 - حدثنا مُحمّدُ بنُ الْعَلاَءِ أخبرنا ابنُ إدْرِيسَ عن مُحمّدِ بنِ عَمْرِو بِهذَا الحدِيثِ بإسْنَادِهِ. زَادَ فيه قال: "فإنْ بَكَتْ أَوْ سَكَتَتْ" زَادَ: بَكَتْ.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: وَلَيْسَ بَكَتْ بِمَحفُوظٍ، وَهُوَ وَهْمٌ في الحدِيثِ. الْوَهْمُ من ابنِ إدْرِيسَ أوْ من مُحمّدِ بنِ الْعَلاَءِ.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ أبُو عَمْرٍو ذِكْوَانُ عن عَائِشَةَ قالتْ: يا رسول الله إنّ الْبِكْرَ
ـــــــ
فلا جواز عليها" بفتح الجيم أي فلا تعدي عليها ولا إجبار. قال الخطابي في المعالم: واليتيمة ههنا هي البكر البالغة التي مات أبوها قبل بلوغها فلزمها اسم اليتيم فدعيت به وهي بالغة. والعرب ربما دعت الشيء بالاسم الأول الذي إنما سمي به لمعنى متقدم ثم ينقطع ذلك المعنى ولا يزول الإسم.
وقال: وقد اختلف العلماء في جواز إنكاح غير الأب للصغيرة، فقال الشافعي: لا يزوجها غير الأب والجد ولا يزوجها الأخ ولا العم ولا الوصي.
وقال الثوري: لا يزوجها الوصي. وقال حماد بن سليمان ومالك بن أنس: للوصي أن يزوج اليتيمة قبل البلوغ، وروى ذلك عن شريح. وقال أصحاب الرأي: لا يزوجها الوصي حتى يكون ولياً لها، وللولي أن يزوجها وإن لم يكن وصياً لأن لها الخيار إذا بلغت انتهى.
وقال الترمذي بعد إخراج هذا الحديث: اختلف أهل العلم في تزويج اليتيمة فرأى بعض أهل العلم أن اليتيمة إذا زوجت فالنكاح موقوف حتى تبلغ، فإذا بلغت فلها الخيار في إجاز النكاح أو فسخه، وهو قول بعض التابعين وغيرهم وقال بعضهم: لا يجوز نكاح اليتيمة حتى تبلغ ولا يجوز الخيار في النكاح، وهو قول سفيان الثوري والشافعي وغيرهما من أهل العلم. وقال أحمد وإسحاق إذا بلغت اليتيمة تسع سنين فزوجت فرضيت فالنكاح جائز ولا خيار لها إذا أدركت، واحتجا بحديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم بنى بها وهي بنت تسع سنين، وقد قالت عائشة: إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي قال الترمذي: حديث حسن.
"ورواه أبو عمر وذكوان عن عائشة قالت يا رسول الله

(6/83)


تَسْتَحِي [تَسْتَحْيي] أَنْ تَتَكَلّمَ، قال:"سُكَاتُها إِقْرَارُها" .
2095 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا مُعَاوِيَةُ بنُ هِشَامٍ عن سُفْيَانَ عن إِسْمَاعِيلَ بنِ أُمَيّةَ حَدّثَني الْثّقَةُ عن ابنِ عُمَرَ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "آمِرُوا النّسَاءَ في بَنَاتِهِنّ" .
ـــــــ
الخ" هكذا ذكره معلقاً وقد أخرجه البخاري ومسلم والنسائي مسنداً بمعناه "قال سكاتها إقرارها" وفي رواية للبخاري: سكاتها إذنها. وفي أخرى له رضاها صمتها. قال ابن المنذر: يستحب إعلام البكر أن سكوتها إذن لكن لو قالت بعد العقد ما علمت أن صمتي إذن لم يبطل العقد بذلك عند الجمهور، وأبطله بعض المالكية. وقال ابن شعبان منهم يقال لها ذلك ثلاثاً إن رضيت فاسكتي وإن كرهت فانطقي. وقال بعضهم: يطال المقام عندها لئلا تخجل فيمنعها ذلك من المسارعة. واختلفوا فيما إذا لم تتكلم بل ظهرت منها قرينة السخط أو الرضا بالتبسم مثلاً أو البكاء، فعند المالكية إن نفرت أو بكت أو قامت أو ظهر منها ما يدل على الكراهة لم تزوج. وعند الشافعية لا أثر لشيء من ذلك في المنع إلا أن قرنت مع البكاء الصياح ونحوه. وفرق بعضهم بين الدمع، فإن كان حاراً دل على المنع وإن كان بارداً دل على الرضا. وفي هذا الحديث إشارة إلى أن البكر التي أمر باستئذانها هي البالغ، إذ لا معنى لاستئذان، من لا تدري ما الإذن ومن يستوي سكوتها وسخطها. كذا في الفتح.
"آمروا" بمد الهمزة وميم مخففة مكسورة "النساء في بناتهن" أي شاورهن في تزويجهن. قال العلقمي: وذلك من جملة استطابة أنفسهن وهو أدعى إلى الألفة وخوفاً من وقوع الوحشة بينهما إذا لم يكن برضاء الأم إذ البنات إلى الأمهات أَمْيَلُ وفي سماع قولهن أرغب ولأن المرأة ربما علمت من حال بنتها الخافي عن أبيها أمراً لا يصلح معه النكاح من علة تكون بها أو سبب يمنع من الوفاء بحقوق النحاح انتهى. قال المنذري: فيه رجل مجهول.

(6/84)


25 - باب في البكر يزوجها أبوها ولا يستأمرها
2096 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا حُسَيْنُ بنُ مُحمّدٍ أخبرنا جَرِيرُ بنُ حَازِمٍ عن أيّوبَ عن عِكْرِمَةَ عن ابن عَبّاسٍ: " أَنّ جَارِيَةً بِكراً أَتَتِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَتْ أَنّ
ـــــــ
"باب في البكر يزوجها أبوها ولا يستأمرها"
"أن جارية بكراً أتت النبي صلى الله عليه وسلم الخ" في الحديث دلالة على تحريم الإجبار للأب لابنته

(6/84)


أَبَاهَا زَوّجَهَا وَهَيَ كَارِهَةٌ فَخَيّرَهَا النّبيّ صلى الله عليه وسلم" .
2097 - حدثنا مُحمّدُ بنُ عُبَيْدٍ أخبرنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عن أيّوبَ عن عِكْرِمَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِهَذَا الْحَدِيثِ.
ـــــــ
البكر على النكاح، وغيره من الأولياء بالأولي. وإلى عدم جواز إجبار الأب ذهبت الحنفية لهذا الحديث ولحديث والبكر يستأمرها أبوها ويأتي في الباب الذي يليه وذهب أحمد وإسحاق والشافعي إلى أن للأب إجبار ابنته البكر البالغة على النكاح عملاً بمفهوم حديث "الثيب أحق بنفسها من وليها" فإنه دل على أن البكر بخلافها وأن الولي أحق بها، ويرد بأنه مفهوم لا يقاوم المنطوق وبأنه لو أخذ بعمومه لزم في حق غير الأب من الأولياء وأن لا يخص بجواز الإجبار. وقال البيهقي في تقوية كلام الشافعي: إن حديث ابن عباس هذا محمول على أنه زوجها من غير كفء قال الحافظ في الفتح: جواب البيهقي هو المعتمد لأنها واقعة عين فلا يثبت الحكم
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وعلى طريقة البيهقي وأكثر الفقهاء وجيمع أهل الأصول هذا حديث صحيح لأن جرير بن حازم ثقة ثبت وقد وصله وهم يقولون زيادة الثقة مقبولة فما بالها تقبل في موضع بل في أكثر المواضع التي توافق مذهب المقلد وترد في موضع يخالف مذهبه وقد قبلوا زيادة الثقة في أكثر من مائتين من الأحاديث رفعا ووصلا وزيادة لفظ ونحوه وهذا لو انفرد به جرير فكيف وقد تابعه على رفعه عن أيوب زيد بن حبان ذكره ابن ماجه في سننه.
وأما حديث جابر فهو حديث يرويه شعيب بن إسحاق عن الأوزاعي عن عطاء عن جابر أن رجلا زوج ابنته وهي بكر من غير أمرها فأتت النبي صلى الله عليه وسلم ففرق بينهما رواه النسائي ورواه أيضا من حديث أبي حفص التنيسي سمعت الأوزاعي قال حدثني إبراهيم بن مرة عن عطاء بن أبي رباح قال زوج رجل ابنته وهي بكر وساق الحديث وهذا الإرسال لا يدل على أن الموصول خطأ بمجرده.
وأما حديث جرير الذي أشار البيهقي إلى أنه أخطأ فيه على أيوب فرواه النسائي أيضا من حديث جرير عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أن جارية بكرا أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إن أبي زوجني وهي كارهة فرد النبي صلى الله عليه وسلم نكاحها ورجاله محتج بهم في الصحيح وقد تقدم قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تنكح البكر إلا بإذنها" وهذا نهي صريح في المنع فحمله على الاستحباب بعيد جدا وفي حديث ابن عباس "والبكر يستأمرها أبوها" رواه مسلم وسيأتي فهذا خبر في معنى الأمر على إحدى الطريقتين أو خبر محض ويكون خبرا عن حكم الشرع لا خبرا عن الواقع وهي طريقة المحققين.

(6/85)


قالَ أَبُو دَاوُدَ: لَمْ يَذْكُرِ ابنَ عَبّاس وَهَكَذَا رَوَاهُ النّاسُ مُرْسَلاً مَعْرُوفٌ[مَعْرُوفاًً].
ـــــــ
بها تعميماً. قال العلامة محمد بن إسماعيل الأمير في سبل السلام: كلام لهذين الإمامين يعني البيهقي والحافظ محاماة على كلام الشافعي ومذهبهم وإلا فتأويل البيهقي لا دليل عليه فلو كان كما قال لذكرته المرأة بل إنما قالت إنه زوجها وهي كارهة، فالعلة كراهتها، فعليها علق التخيير لأنها المذكورة، فكأنه قال صلى الله عليه وسلم إذا كنت كارهة فأنت بالخيار. وقول الحافظ إنها واقعة عين كلام غير صحيح بل حكم عام لعموم علته، فأينما وجدت الكراهة تثبت الحكم انتهى. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه.
"قال أبو داوود لم يذكر" أي محمد بن عبيد "ابن عباس" بالنصب على المفعولية "وهذا" أي بغير ذكر ابن عباس "رواه الناس مرسلاً" وصورته أن يقول التابعي سواء كان كبيراً أو صغيراً قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وفعل كذا أو فُعِلَ بحضرته كذا أو نحو ذلك "معروف" خبر مبتدأ محذوف أي روايتهم مرسلاً معروف أو إرساله معروف. وما رواه الضعيف مخالفاً للثقة يقال له المنكر ومقابله يقال به المعروف.
ـــــــ
فقد توافق أمره صلى الله عليه وسلم وخبره ونهيه على أن البكر لا تزوج إلا بإذنها ومثل هذا يقرب من القاطع ويبعد كل البعد حمله على الاستحباب وروى النسائي من حديث عكرمة عن ابن عباس قال أنكح رجل من بني المنذر ابنته وهي كارهة فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فرد نكاحها وروى أيضا من حديث عبد الله بن بريدة عن عائشة أن فتاة دخلت عليها فقالت إن أبي زوجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته وأنا كارهة قالت أجلسي حتى يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فأرسل إلى أبيها فدعاه فجعل الأمر إليها فقالت يارسول الله قد اخترت ما صنع أبي ولكني أردت أن أعلم أن للنساء من الأمر شيء وروى أيضا عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة قال أنكح رجل من بني المنذر ابنته وهي كارهة فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فرد نكاحها.
وعمل هذه القضايا وأشباهها على الثيب دون البكر خلاف مقتضاها لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسأل عن ذلك ولا استفصل ولو كان الحكم يختلف بذلك لاستفصل وسأل عنه والشافعي ينزل هذا منزلة العموم ويحتج به كثيرا.
وذكر أبو محمد بن حزم من طريق قاسم بن أصبغ عن ابن عمر أن رجلا زوج ابنته بكرا فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فرد نكاحها وذكر الدارقطني هذا الحديث في سننه وفي كتاب العلل وأعله برواية من روى أن عمها زوجها بعد وفاة أبيها وزوجها من عبيد الله بن عمر وهي بنت عثمان بن مظعون وعمها قدمة فكرهته ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما فتزوجها المغيرة بن شعبة قال وهذا أصح من قول من قال زوجها أبوها والله أعلم.

(6/86)


.......................................
ـــــــ
وقد أورد الحافظ هذا الحديث في التلخيص من مصنف ابن أبي شيبة بالإسناد السابق الموصول. قال: ورجاله ثقات وأعل بالإرسال. وتفرد جرير بن حازم عن أيوب، وتفرد حسين عن جرير وأيوب. وأجيب بأن أيوب بن سويد رواه عن الثوري عن أيوب موصولاً، وكذلك رواه معمر بن جدعان الرقي عن زيد بن حيان عن أيوب موصولاً. وإذا اختلف في وصل الحديث وإرساله حكم لمن وصله على طريقة الفقهاء، وعن الثاني بأن جريراً توبع عن أيوب كما ترى، وعن الثالث بأن سليمان بن حرب تابع حسين بن محمد عن جرير انتهى. قال في الفتح: والطعن في الحديث فلا معنى له فإن طرقه تقوي بعضها ببعض انتهى. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه وأخرجه أبو داوود أيضاً مرسلاً وقال وكذا رواه الناس مرسلاً معروفاً. وقال البيهقي: وهذا حديث أخطأ فيه جرير بن حازم علي أيوب السختياني، والمحفوظ عن أيوب عن عكرمة مرسلاً، وروى من وجه آخر عن عكرمة موصولاً وهو أيضاً خطأ، وذكره من حديث عطاء عن جابر وقال هذا وهم والصواب مرسل وإن صح ذلك فكأنه كان وضعها في غير كفء فخيّرها النبي صلى الله عليه وسلم انتهى. قلت: ما قاله البيهقي هو تأويل فاسد والحديث قوي حسن والله أعلم.

(6/87)


26 - باب في الثيب
2098 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ يُونسَ وَ عبد الله بنُ مَسْلَمَةَ قالا أخبرنا مَالِكٌ عن عبد الله بن الْفَضْلِ عن نَافِعٍ بن جُبَيْرٍ عن ابن عَبّاسٍ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "الأيّمُ أَحَقّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيّهَا وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ في نَفْسِهَا وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا" وَهَذَا لَفْظُ الْقَعْنَبِيّ.
ـــــــ
"باب في الثيب"
"الأيم أحق بنفسها من وليها" قال القاضي: اختلف العلماء في المراد بالأيم ههنا، فقال علماء الحجاز والفقهاء كافة المراد الثيب، واستدلوا بأنه جاء مفسراً في الرواية الأخرى بالثيب، وبأنها جعلت مقابلة للبكر، وبأن أكثر استعمالها في اللغة للثيب. وقال الكوفيون وزفر: الأيم ههنا كل امرأة لا زوج لها بكراً كانت أو ثيباً كما هو مقتضاه في اللغة، قالوا فكل امرأة بلغت فهي أحق بنفسها من وليها، وعقدها على نفسها نكاح صحيح. وبه قال الشعبي والزهري. قالوا وليس الولي من أركان صحة النكاح بل من تمامه. وقال الأوزاعي وأبو يوسف ومحمد: تتوقف صحة النكاح على إجازة الولي. قال القاضي: واختلفوا أيضاً في قوله صلى الله عليه وسلم "أحق من وليها" هل أحق بالإذن فقط أو بالإذن والعقد على نفسها. فعند الجمهور بالإذن فقط،

(6/87)


2099 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ حدثنا سفْيَانُ عن زِيَادِ بن سَعْدٍ عن عبد الله بن الْفَضْلِ بإسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ قالَ: "الثّيّبُ أَحَقّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيّهَا، وَالْبِكْرُ يَسْتَأمِرُهَا أَبُوهَا" .
ـــــــ
وعند هؤلاء بهما جميعاً. وقوله صلى الله عليه وسلم "أحق بنفسها" يحتمل من حيث اللفظ أن المراد أحق من وليها في كل شيء من عقد وغيره كما قاله أبو حنيفة وداوود، ويحتمل أنها أحق بالرضى أي لا تزوج حتى تنطق بالإذن بخلاف البكر، ولكن لما صح قوله صلى الله عليه وسلم "لا نكاح إلا بوليّ" مع غيره من الأحاديث الدالة على اشتراط الولي يتعين الاحتمال الثاني واعلم أن لفظة أحق ههنا للمشاركة معناه أن لها في نفسها في النكاح حقاً ولوليها حقاً وحقها أوكد من حقه فإنه لو أراد تزويجها كفؤاً وامتنعت لم يجبر، ولو أرادت أن تزوج كفؤاً فامتنع الولي أجبر، فإن أصر زوجها القاضي، فدل على تأكد حقها ورجحانه. كذا قال النووي "والبكر تستأمر في نفسها" أي تستأذن في أمر نكاحها "وإذنها صماتها" بضم الصاد أي سكوتها يعني لا تحتاج إلى إذن صريح منها بل يكتفي بسكوتها لكثرة حيائها. قال النووي: ظاهره العموم في كل بكر وكل ولي وأن يسكوتها يكفي مطلقاً وهذا هو الصحيح. وقال بعض أصحابنا إن كان الولي أباً أو جداً فاستئذانه مستحب ويكفي فيه سكوتها، وإن كان غيرهما فلا بد من نطقها لأنها تستحيي من الأب والجد أكثر من غيرهما. والصحيح الذي عليه الجمهور أن السكوت كاف في جميع الأولياء لعموم الحديث ولوجود الحياء. وأما الثيب فلا بد فيها من النطق بلا خلاف سواء كان الولي أباً لو غيره لأنه زال كمال حيائها بممارسة الرجال، وسواء زالت بكارتها بنكاح صحيح أو فاسد أو بوطء شبهة أو بزنا، ولو زالت بكارتها بوثبة أو بإصبع أو بطول المكث أو وطئت في دبرها فلها حكم الثيب على الأصح، وقيل حكم البكر والله أعلم. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه "وهذا لفظ القعنبي" هو عبد الله بن مسلمة.
"والبكر يستأمرها أبوها" ظاهره حجة على من ذهب إلى أنه يجوز للأب أن يزوج البكر البالغة بغير استئذانها. قال الحافظ في الفتح: واختلفوا في الأب يزوج البكر البالغ بغير إذنها فقال الأوزاعي والثوري والحنفية ووافقهم أبو ثور: يشترط استئذانها، فلو عقد عليها بغير استئذان لم يصح. وقال الآخرون: يجوز للأب أن يزوجها ولو كانت بالغاً بغير استئذان وهو قول ابن أبي ليلى ومالك والليث والشافعي وأحمد وإسحاق، ومن حجتهم مفهوم حديث الباب لأنه جعل الثيب أحق بنفسها من وليها، فدل على أن ولي البكر أحق بها منها. قال العلامة الشوكاني: يجاب عنه بأن المفهوم لا ينتهض للتمسك به في مقابلة المنطوق. قال الحافظ: واحتج بعضهم بحديث يونس بن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى مرفوعاً "تستأمر

(6/88)


قالَ أَبُو دَاوُدَ: أبُوهَا لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ.
2100 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيَ أخبرنا عبد الرّزّاقِ أنبأنا مَعْمَرٌ عن صَالِحِ بنِ كَيْسَانَ عن نَافِعِ ابن جُبَيْرِ بن مُطْعِمٍ عن ابن عَبّاسٍ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "لَيْسَ لِلْوَلِيّ مَعَ الثّيّبِ أَمْرٌ وَالْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ وَصَمْتُهَا إِقْرَارُهَا" .
ـــــــ
اليتيمة في نفسها فإن سكتت فهو إذنها" قال فقيد ذلك باليتيمة فيحمل المطلق عليه، وفيه نظر لحديث ابن عباس الذي ذكرته بلفظ "يستأذنها أبوها" فنص على ذكر الأب.
وأجاب الشافعي بأن المؤامرة قد تكون عن استطابة النفس ويؤيده حديث ابن عمر رفعه "وآمِروا النساء في بناتهن" أخرجه أبو داوود. قال الشافعي: لا خلاف أنه ليس للأم أمر لكنه على معنى استطابة النفس. وقال البيهقي: زيادة ذكر الأب في حديث ابن عباس غير محفوظ. قال الشافعي: زادها ابن عيينة في حديثه، وكان ابن عمر والقاسم وسالم يزوجون الأبكار لا يستأمرونهن. قال البيهقي: والمحفوظ في حديث ابن عباس "البكر تستأمر" ورواه صالح بن كيسان بلفظ "واليتيمة تستأمر" وكذلك رواه أبو بردة عن أبي موسى ومحمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة، فدل على أن المراد بالبكر اليتيمة. قلت: وهذا لا يدفع زيادة الثقة الحافظ بلفظ الأب. ولو قال قائل بل المراد باليتيمة البكر لم يدفع وتستأمر بضم أوله يدخل فيه الأب وغيره فلا تعارض بين الروايات ويبقي النظر في أن الاستئمار هل هو شرط في صحة العقد أو مستحب على معنى استطابة النفس كما قال الشافعي كل الأمرين محتمل انتهى كلام الحافظ "قال أبو داوود أبوها ليس بمحفوظ" وفي بعض النسخ: هذا من سفيان وليست هذه الزيادة في عامة النسخ. وقال البيهقي: وزيادة ابن عيينة غير محفوظة انتهى. قال المنذري: وقد أخرج هذه الزيادة مسلم في صحيحه والنسائي في سننه.
"ليس للولي مع الثيب أمر" أي إن لم ترض لما سلف من الدليل على اعتبار رضاها وعلى أن العقد إلى الولي "واليتيمة تستأمر" بصيغة المجهول "وصمتها" أي سكوتها. قال المنذري: وأخرجه النسائي.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وقد اختلف في خنساء هذه هل كانت بكرا أو ثيبا فقال مالك هي ثيب وكذلك ذكره البخاري في صحيحه من حديث مالك عن عبدالرحمن بن القاسم عن أبيه عن عبدالرحمن ومجمع ابني يزيد بن جرير عن خنساء.

(6/89)


2101 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عنْ عبد الرّحْمَنِ بنِ الْقَاسِمِ عنْ أبِيهِ عن عبد الرّحْمَنِ وَ مُجَمّعٍ ابْنَيْ يَزِيدَ الأَنْصَارِيّيْنَ عن خَنْسَاءَ بَنْتِ خِذَامٍ [خِذَمٍ] الأَنْصَارِيّةِ: "أَنّ أَباها زَوّجَها وَهِيَ ثَيّبٌ فَكَرِهَتْ ذَلِكَ فَجَاءَتْ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ فَرَدّ نِكَاحَها" .
ـــــــ
"ومجمع" بضم الميم وفتح الجيم وكسر الميم الثقيلة ثم عين مهملة "الانصاريين" بصيغة التثنية صفة لعبد الرحمَن ومجمع "عن خنساء" بفتح الخاء المعجمة والنون والسين المهملة على وزن حمراء "بنت خدام" بكسر المعجمة وتخفيف المهملة كذا ضبطه الحافظ في الفتح والتقريب. وقال القاري في المرقاة شرح المشكاة قال ميرك: صحح في جامع الأصول وفي شرح الكرماني للبخاري بالذال المعجمة، وخالفهما العسقلاني فصححه بالدال المهملة انتهى. وفي بعض النسخ خذام بالمعجمتين "وهي ثيب" وقع في بعض الروايات: قالت أنكحني أبي وأنا كارهة وأنا بكر، والصحيح الأول كما حققه الحافظ في الفتح "فكرهت ذلك" أي ذلك النكاح أو ذلك الرجل الذي زوجها منه أبوها "فرد نكاحها" أي تزويج الأب أو تزوج الزوج. وفي الحديث دليل على أنه لا يجوز تزويج الثيب بغير إذنها. قال المنذري: وأخرجه البخاري والنسائي وابن ماجه. قال بعضهم: اتفق أئمة الفتوى بالأمصار على أن الأب إذا زوج ابنته الثيب بغير رضاها أنه لا يجوز ويرد، واحتجوا بحديث الخنساء. وشذ الحسن البصري والنخعي فقال الحسن نكاح الأب جائز على ابنته بكراً كانت أو ثيباً كرهت أو لم تكره. وقال النخعي: إن كانت الابنة في عياله زوجها ولم يستأمرها وإن لم تكن في عياله وكانت نائية عنه استأمرها، وقال ما خالف السنة فهو مردود انتهى.
ـــــــ
وخالف مالكا سفيان الثوري فرواه عن عبدالرحمن بن القاسم عن عبد الله بن يزيد عن خنساء قالت أنكحني أبي وأنا كارهة وأنا بكر فشكوت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال لا تنكحها وهي كارهة رواه النسائي من حديث ابن المبارك عن سفيان.
قال عبدالحق روى أنها كانت بكرا ووقع ذلك في كتاب أبي داود والنسائي والصحيح أنها كانت ثيبا.

(6/90)


27 - باب في الأكفاء
2102 - حدثنا عبد الْوَاحِدِ بنُ غِياثٍ أخبرنا حَمّادُ أخبرنا مُحمّدُ بنُ عَمْرِو عنْ أبي سَلَمَةَ عنْ أَبي هُرَيْرَةَ: أَنّ أبا هِنْدٍ حَجَمَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم في الْيَافُوخِ فَقالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم "يَابَنِي بَياضَةَ أَنْكِحُوا أبا هِنْدٍ وَأَنْكِحُوا إلَيْهِ" . وَقالَ: " إِنْ [وَإِنْ] كَانَ في شَيْءٍ مِمّا تَدَاوُونَ بِهِ خَيْرٌ فالْحِجَامَةُ".
ـــــــ
باب في الأكفاء
جمع كفء بضم أوله وسكون الفاء بعدها همزة المثل والنظير
"أن أبا هند" أسمه يسار وكان مولى لبني بياضة "في اليافوخ" وهو حيث التقي عظم مقدمّ الرأس ومؤخرة. قاله في القاموس "أنكحوا أبا هند" أي زوجوه بناتكم "وأنكحوا إليه" أي اخطبوا إليه بناته ولا تخرجوه منكم للحجامة "وإن كان في شيء مما تداوون به خير فالحجامة" أي فهو الحجامة.
قال العلامة ابن الملك في شرح المشارق: فإن قلت: الأصل في إن الشرطية أن تستعمل في المشكوك وثبوت الخيرية في شيء من أدويتهم لا على التعيين، كان محققاً عندهم فكيف أورده بأن قلت: قد تستعمل إن لتأكيد تحقق الجزاء كما يقال لمن يعلم أن له صديقاً إن كان لك صديق فهو زيد على معنى إن تصورت معنى الصديق وثبوته لك حق التصور وحصلت معناه في نفسك فهو زيد انتهى.
قال الخطابي في المعالم: في هذا الحديث حجة لمالك ومن ذهب مذهبه أن الكفاءة بالدين وحده دون غيره وأبو هند مولى بني بياضة ليس من أنفسهم، والكفاءة معتبرة في قول أكثر العلماء بأربعة أشياء: بالدين والحرية والنسب والصناعة. ومنهم من اعتبر فيها السلامة من العيوب واعتبر بعضهم اليسار فيكون جماعها ست خصال انتهى.
قال الحافظ في الفتح: وقد جزم بأن اعتبار الكفاءة مختص بالدين مالك، ونقل عن ابن عمر وابن مسعود ومن التابعين عن محمد بن سيرين وعمر بن عبد العزيز، واعتبر الكفاءة في النسب الجمهور.
قال أبو حنيفة: قريش أكفاء بعضهم بعضاً والعرب كذلك، وليس أحد من العرب كفؤ لقريش كما ليس أحد من غير العرب كفأ للعرب، وهو وجه للشافعية، والصحيح تقديم بني هاشم والمطلب على غيرهم، ومن عدا هؤلاء أكفاء بعضهم لبعض.
وقال الثوري: إذا نكح المولى العربية يفسخ النكاح وبه قال أحمد في رواية وتوسط

(6/91)


..........................
ـــــــ
الشافعي فقال: ليس نكاح غير الأكفاء حراماً فأردّ به النكاح وإنما هو تقصير بالمرأة والأولياء، فإذا رضوا صح ويكون حقاً لهم تركوه فلو رضوا إلا واحداً فله فسخه، وذكر أن المعنى في اشتراط الولاية في النكاح كيلا تضيع المرأة نفسها في غير كفء انتهى. ولم يثبت في اعتبار الكفاءة بالنسب حديث وأما ما أخرجه البزار من حديث معاذ رفعه: العرب بعضهم أكفاء بعض، والموالي بعضهم أكفاء بعض فإسناده ضعيف انتهى. قلت وكذلك ما رواه الحاكم عن ابن عمر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: العرب بعضهم أكفاء بعض والموالي بعضهم اكفاء بعض إلا حائكاً أو حجاماً ضعيف بل هو باطل لا أصل له. سأل ابن أبي حاتم عنه أباه فقال هذا كذاب لا أصل له. وقال في موضع آخر باطل. ورواه ابن عبد البر في التمهيد من طريق بقية عن زرعة عن عمران بن أبي الفضل عن نافع عن ابن عمر. قال الدارقطني في العلل لا يصح. وقال ابن حبان عمران بن أبي الفضل يروي الموضوعات عن الثقات. وقال ابن أبي حاتم سألت أبي عنه فقال منكر، وقد حدث به هشام بن عبيد الله الرازي فزاد فيه بعد أو حجام أو دباغ قال فاجتمع عليه الدباغون وهموا به وقال ابن عبد البر: هذا منكر موضوع وذكره ابن الجوزي في العلل المتناهية من طريقين إلى ابن عمر في أحدهما علي بن عروة وقد رماها ابن حبان بالوضع وفي الآخر محمد بن الفضل بن عطية وهو متروك، والأول في ابن عدي والثاني في الدارقطني كذا في التلخيص. وحديث الباب سكت عنه المؤلف والمنذري وأورده الحافظ في التلخيص وقال إسناده حسن.

(6/92)


28 - باب في تزويج من لم يولد
2103 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ وَ مُحمّدُ بنُ المُثَنّى المَعْنَى قالا أخبرنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ أنبأنا عبد الله بن يَزِيدَ بن مَقْسِمٍ الثّقَفِيّ مِنْ أَهْلِ الطّائِفِ حَدّثَتْنِي سَارّةُ بِنْتُ مِقْسَمٍ أَنّهَا سَمِعَتْ مَيْمُونَةَ بِنْتَ كَرْدَمٍ قالَتْ: خَرَجْتُ مَعَ أبي في حَجّةِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَرَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَدَنَا إلَيْهِ أبي وَهُوَ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ فَوَقَفَ وَاسْتَمَعَ مِنْهُ، وَمَعَهُ دِرّةٌ كَدِرّةِ الْكُتّابِ فَسَمِعْتُ الأَعْرَابَ وَالنّاسَ وَهُمْ يَقُولُونَ الطّبْطَبِيّةَ الطّبْطَبِيّةَ
ـــــــ
باب في تزويج من لم يولد
"ميمونة بنت كرم" بفتح الكاف وسكون الراء المهملة وبعدها دال مهملة مفتوحة وميم "في حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم " أي في حجة الوداع "فدنا" أي قرب "وهو" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "معه درة" بكسر الدال المهملة التي يضرب بها "كدرة الكتاب" بضم الكاف وتشديد التاء، أي كدرة تكون عند معلمي الأطفال. قال المنذري: الدرة بكسر الدال المهملة وتشديد الراء المهملة

(6/92)


الطّبْطَبِيّةَ فَدَنَا إلَيْهِ أبي فَأَخَذَ بِقَدَمِهِ فأَقَرّ لَهُ وَوَقَفَ عَلَيْهِ وَاسْتَمَعَ منْهُ، فَقال إِنّي حَضْرْتُ جَيْشَ عَثْرَانَ، قالَ ابنُ المُثَنّى: جَيْشُ غَثْرَانَ فَقَالَ طَارِقُ بنُ المُرَقّع: مَنْ يُعْطِيني رُمْحاً بِثَوَابِهِ؟ قُلْتُ وَمَا ثَوَابُهُ؟ قالَ أُزَوّجُهُ أَوّلَ بِنْتٍ تَكُونُ لِي فَأَعْطَيْتُهُ رُمْحِي ثُمّ غِبْتُ عَنْهُ حَتّى عَلِمْتُ أَنّهُ قَدْ وُلِدَ لَهُ جَارِيَةٌ وَبَلَغَتْ ثُمّ جِئْتُهُ، فَقُلْتُ لَهُ أَهْلِي جَهّزْهُنّ [جَهّزْهُمْ] إلَيّ فَحَلَفَ أَنْ لاَ يَفْعَلَ حَتّى أُصْدِقَ [أُصْدِقَهَا][أُصْدِقهُ] صَدَاقاً جَدِيداً غَيْرَ الّذِي كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَحَلَفْتُ أَنْ لاَ أُصْدِقَ غَيْرَ الّذِي أَعَطَيْتُهُ، فَقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "وَبِقَرْنِ أَيّ النّسَاءِ هِيَ الْيَوْمَ؟ قالَ قَدْ رَأَتِ الْقَتِيرَ. قالَ أَرَى أنْ تَترُكَهَا قالَ فَرَاعَنِي
ـــــــ
وفتحها هي التي يضرب بها، ويشبه أن يكون أراد بدرة الكتاب التي يؤدي بها المعلم صبيانه فكأنه يشير إلى صغرها انتهى "وهم يقولون الطبطبية الطبطبية الطبطبية" بفتح الطائين المهملتين بينهما باء موحدة ساكنة وبعد الثانية مثلها مكسورة ثم ياء مشددة ثم تاء التأنيث، يحتمل وجهين أحدهما أن يكون أرادت به حكاية وقع الأقدام أي يقولون بأرجلهم طب طب والوجه الآخر أن يكون كناية عن الدرة لأنها إذا ضرب بها حكت صوت طب طب وهي منصوبة على التحذير كقولك الأسد الأسد أي احذروا الطبطبية. كذا في المنذري والخطابي "فأخذ" أي أبي "بقدمه" صلى الله عليه وسلم "فأقر له" أي فأقر برسالته صلى الله عليه وسلم واعترف بها "إني حضرت جيش عثران" بالعين المهملة وكان ذلك في الجاهلية "قال ابن المثني جيش غثران" بالغين المعجمة "من يعطيني رمحاً بثوابه" أي من يعطيني رمحاً ويأخذ مني في عوضه ثوابه أي جزاءه "أول بنت تكون لي" أي تولد لي "فقلت له أهلي" أي هي أهلي أو منصوب على إضمار عامله على شريطة التفسير ويفسره قوله "جهزهن" وضمير الجمع رعاية للفظ أهل أو للتعظيم، وفي بعض النسخ جهزهم "فخلف" أي طارق "أن لا يفعل" أي لا يجهزها "حتى أصدق" أي أجعل لها مهراً "وبقرن أيّ النساء هي" قال الخطابي: يريد بسن أيّ النساء هي، والقرن بنو سن واحد، يقال هؤلاء قرن زمان، كذا وأنشدني أبو عمرو قال أنشدنا أبو العباس أحمد بن يحيى:
إذا ما مضى القرن الذي أنت منهم ... وخلفت في قرن فأنت غريب
وفي النهاية: بقرن أي النساء هي أي بسن أيتهن "قد رأت القتير" أي الشيب "قال" النبي صلى الله عليه وسلم "أن تتركها" أي المرأة "قال" كردم أبو ميمونة "فراعني" أي أفزعني وهو لازم ومتعد "فلما رأى ذلك" أي الفزع "قال لا تأثم ولا صاحبك" أي طارق بن المرقع "يأثم" بالحنث من اليمين.

(6/93)


ذَلِكَ وَنَظَرْتُ إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَلَمّا رَأَى ذَلِكَ مِني قالَ لاَ تَأْثَمْ وَلاَ صَاحِبُكَ يَأْثَمْ[ولا يأثم صاحبك]" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: وَالقَتِيرُ: الشّيْبُ.
2104 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالحٍ أخبرنا عبدالرّزّاقِ أنبأنا ابنُ جُرَيجٍ أخبرني إِبراهِيمُ بنُ مَيْسَرَةَ أَنّ خَالَتَهُ أَخْبَرَتْهُ عن امْرَأَةٍ قالَتْ هِيَ مُصَدّقَةٌ امْرَأَةُ صِدْقٍ قالَتْ: بَيْنَا أبي في غَزَاةٍ في الْجَاهِليّةِ إذْ رَمِضُوا فَقَالَ رَجُلٌ مَنْ يُعْطِيني نَعْلَيْهِ، وَأَنْكِحُهُ أَوّلَ بِنْتٍ تُولَدُ لِي، فَخَلَعَ أبي نَعْلَيْهِ، فأَلْقَاهُمَا إِلَيْهِ، فَوُلِدَتْ لَهُ جَارِيَةٌ، فَبَلَغَتْ، فَذَكَرَ [ذَكَرَ] [وَذَكَرَ] نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ قِصّةَ الْقَتِيرِ.
ـــــــ
قال الخطابي في المعالم: يشبه أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم إنما أشار عليه بتركها لأن عقد النكاح على معدوم العين فاسد، وإنما كان ذلك منه موعداً له فلما رأى أن ذلك لا يفي بما وعد وأن هذا لا يقلع عما طلب أشار عليه بتركها والإعراض عنها لما خاف عليهما من الإثم إذا تنازعنا وتخاصمنا إذ كان كل واحد منهما قد حلف أن لا يفعل غير ما حلف عليه صاحبه، وتلطف النبي صلى الله عليه وسلم في صرفه عنه بالمسألة عن سنها حتى قرر عنده أنها قد رأت القتير أي الشيب وكبرت وأنه لاحظ في نكاحها. وفيه دليل على أن للحاكم أن يشير على أحد الخصمين بما هو أدعى إلى الصلاح وأقرب إلى التقوى انتهى قال المنذري: اختلف في إسناد هذا الحديث. وفي إسناده من لا يعرف.
"إذا رمضوا" بكسر الميم أي وجدوا الحرارة في أقدامهم.

(6/94)


29 - باب الصداق
2105 - حدثنا عبد الله بنُ مُحمّدِ النّفَيْلِيّ أخبرنا عبد الْعُزِيزِ بنُ مُحمّدٍ أخبرنا يَزِيدُ بنُ الْهَادِ عن مُحمّدِ بنِ إِبراهِيمَ عن أبي سَلَمَةَ قالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عن صَدَاقِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ ثِنْتا عَشْرَةَ أُوْقِيّة وَنَشّ، فَقُلْتُ: وَمَا نَشّ؟ قَالتْ نِصْفُ أُوقِيّةٍ.
ـــــــ
باب الصداق
"فقالت: ثنتا عشرة" بسكون الشين ويكسر "أوقية" بضم الهمزة وتشديد المثناة التحتية وهي أربعون درهماً "ونش" بفتح النون وشين معجمة مشددة أي معها نش أو يزاد نش. قال ابن

(6/94)


2106 - حدثنا مُحمّدُ بنُ عُبَيْدٍ أخبرنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ أَيّوبَ عن مُحمّدٍ عن أبي الْعَجْفَاءِ السّلَمِيّ قَالَ خَطَبَنَا عُمَرُ رضي الله عنه فَقالَ: أَلاَ لاَ تُغَالُوا بِصُدُقِ النّسَاءِ فَإِنّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً في الدّنْيَا أَوْ تَقْوًى عِنْدَ الله كَانَ أوْلاَكُمْ بِهَا النّبيّ صلى الله عليه وسلم ما أصْدَقَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ وَلاَ أُصْدِقَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بَناتِهِ أكْثَرَ مِنْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوْقِيّةً.
ـــــــ
الأعرابي: النش النصف من كل شيء، ونش الرغيف نصفه. قال الخطابي: النش عشرون درهماً وهو اسم موضوع لهذا القدر من الدراهم غير مشتق من شيء سواه. قال النووي: استدل أصحابنا بهذا الحديث على استحباب كون المهر خمس مائة درهم، والمراد في حق من يحتمل ذلك. فإن قيل: فصداق أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كان أربعة آلاف درهم أو أربع مائة دينار، فالجواب أن هذا القدر تبرع به النجاشي من ماله إكراماً للنبي صلى الله عليه وسلم انتهى. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه.
"العجفاء" بفتح العين وسكون الجيم "إلا" للتنبيه"لا تغالوا" بضم التاء واللام "بصدق النساء" جمع صداق. قال القاضي: المغالاة التكثير أي لا تكثر مهورهن "فإنها" أي القصة أو المغالاة "لو كانت مكرمة" بفتح الميم وضم الراء واحدة المكارم أي مما تحمد "في الدنيا أو تقوى" أي زيادة تقوى "عند الله" أي مكرمة في الآخرة لقوله تعالى {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} "كان أولاكم بها" أي بمغالاة المهور "النبي" بالرفع والنصب "ما أصدق" أي لم يجعل صداق امرأة "ولا أصدقت" بضم الهمزة على البناء للمجهول "أكثر من ثنتي عشرة أوقية" وهي أربع مائة وثمانون درهماً. وأما ما روى من الحديث الآتي أن صداق أم حبيبة كان أربعة آلاف درهم فإنه مستثني من قول عمر لأنه أصدقها النجاشي في الحبشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة آلاف درهم من غير تعيين من النبي صلى الله عليه وسلم وما روته عائشة فيما سبق من ثنتي عشرة ونش فإنه لم يتجاوز عدد الأواقي التي ذكرها عمر، ولعله أراد عدد الأوقية ولم يلتفت إلى الكسور، مع أنه نفى الزيادة في علمه ولعله لم يبلغه صداق أم حبيبة ولا الزيادة التي روته عائشة.
فإن قلت: نهيه عن المغالاة مخالف لقوله تعالى {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئا} قلت: النص يدل على الجواز لا على الأفضلية والكلام فيها لا فيه، لكن ورد في بعض الروايات أنه قال: لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أوقية فمن زاد ألقيت الزيادة في بيت المال، فقالت امرأة ما ذلك لك، قال ولم؟ قالت لأن الله يقول {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً} فقال عمر: امرأة أصابت ورجل أخطأ. كذا في المرقاة. قال الحافظ في الفتح: أخرج

(6/95)


2107 - حدثنا حَجّاجُ بن أبي يَعْقُوبَ الثّقَفِيّ أخبرنا مُعَلّى بنُ مَنْصُورٍ أخبرنا ابنُ المُبَارَكِ أخبرنا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن عُرْوَةَ عنْ أُمّ حَبِيبَةَ: أَنّهَا كَانَتْ تَحْتَ عُبَيْدِالله بنِ جَحْشٍ فَمَاتَ بأَرْضِ الْحَبَشَةِ فَزَوّجَهَا النّجَاشِيّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَأَمْهَرَهَا عَنْهُ أَرْبَعَةَ آلاَفٍ [آلاَفٍ دِرْهَمٍ] وَبَعَثَ بِهَا إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم مَعَ شُرَحْبِيلَ بنِ حَسَنَةَ".
قالَ: قال أَبُو دَاوُدَ: حَسَنَةُ هِيَ أُمّهُ.
ـــــــ
عبد الرزاق من طريق عبد الرحمَن السلمي قال قال عمر لا تغالوا في مهور النساء فقالت امرأة ليس ذلك لك ياعمر إن الله يقول {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً} من ذهب. قال وكذلك هي في قراءة ابن مسعود فقال عمر امرأة خاصمت عمر فخصمته. وأخرجه الزبير بن بكار من وجه آخر منقطع فقال عمر امرأة أصابت ورجل أخطأ وأخرجه أبو يعلى من وجه آخر عن مسروق عن عمر فذكره متصلاً مطولاً. وأصل قول عمر لا تغالوا في صدقات النساء عند أصحاب السنن وصححه ابن حبان والحاكم لكن ليس فيه قصة المرأة انتهى. قال المنذري: أبو الجعفاء اسمه هرم بن نسيب. قال يحيى بن معين: بصري ثقة. وقال البخاري: وفي حديثه نظر. وقال أبو أحمد الكرابيسي: حديثه ليس بالقائم.
"عن أم حبيبة" بنت أبي سفيان إحدى أمهات المؤمنين "كانت تحت عبيد الله بن جحش" بفتح الجيم وسكون الحاء "فمات" أي زوجها عبيد الله بن جحش "فزوجها النجاشي" بفتح النون ويكسر وتخفيف الجيم والشين المعجمة والياء المخففة ويشدد، لقب مالك الحبشة، واسم الذي آمن أصحمة، وقد يعد في الصحابة، والأولى أن لا يعد لأنه لم يدرك الصحبة. قاله القاري قال الخطابي: معنى قوله زوجها النجاشي النبي صلى الله عليه وسلم أي ساق إليها المهر فأضيف عقد النكاح إليه لوجود سببه منه وهو المهر. وقد روى أصحاب السيران الذي عقد النكاح عليها خالد بن سعيد بن العاص وهو ابن عم أبي سفيان وأبو سفيان إذ ذاك مشرك وقبل نكاحها عمرو بن أمية الضمري وكله رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك انتهى. وقوله وهو ابن عم أبي سفيان أي ابن ابن عم أبي سفيان "وأمهرها عنه" أي أصدقها النجاشي عن النبي صلى الله عليه وسلم "أربعة آلاف" وفي بعض النسخ أربعة آلاف درهم "وبعث بها" أي أرسل أم حبيبة "مع شرحبيل" بضم الشين وفتح الراء وسكون الحاء وكسر الموحدة غير منصرف على ما في المغني، ولعل فيه العجمة مع العلمية وهو من مهاجرة الحبشة "بن حسنة" بفتحات أم شرحبيل. وفي المواهب: وأم المؤمنين أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب، وقيل اسمها هند والأول أصح، وأمها صفية بنت أبي العاص فكانت تحت عبيد الله بن جحش

(6/96)


2108 - حدثنا مُحمّدُ بنُ حَاتِمِ بنِ بَزِيعٍ أخبرنا عَلِيّ بنُ الْحَسَنِ بنِ شَقِيقٍ عن ابنِ المُبَارَكِ عن يُونُسَ عن الزّهْرِيّ: أَنّ النّجَاشِيّ زَوّجَ أُمّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أبي سُفْيَانَ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى صَدَاقِ أَرْبَعةِ آلاَفِ دِرْهَمٍ، وَكَتَبَ بِذَلِكَ إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَقَبِلَ.
ـــــــ
وهاجر بها إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية ثم تنصر وارتد عن الإسلام ومات هناك وثبتت أم حبيبة على الإسلام. واختلف في وقت نكاح رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها وموضع العقد فقيل إنه عقد عليها بأرض الحبشة سنة ست فروى أنه صلى الله عليه وسلم بعث عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي ليخطبها عليه فزوجها إياه وأصدقها عنه أربع مائة دينار وبعث بها إليه مع شرحبيل بن حسنة. وروي أن النجاشي أرسل إليها جاريته أبرهة فقالت إن الملك يقول لك إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أن أزوجك وأنها أرسلت إلى خالد بن سعيد بن العاص فوكلته وأعطت أبرهة سوارين وخاتم فضة سروراً بما بشرتها به، فلما كان العشي أمر النجاشي جعفر ابن أبي طالب ومن هناك من المسلمين فحضروا، فخطب النجاشي فقال الحمد لله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. أما بعد، فقد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أصدقتها أربع مائة دينار ذهباً ثم صب الدنانير بين يدي القوم، فتكلم خالد بن سعيد فقال الحمد الله أحمده وأستعينه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبد ه ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. أما بعد، فقد أجبت إلى ما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجته أم حبيبة بنت أبي سفيان فبارك الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ودفع الدنانير إلى خالد بن سعيد بن العاص فقبضها، ثم أرادوا أن يقوموا فقال اجلسوا فإن سنة الأنبياء إذا تزوجوا أن يؤكل طعام على التزويج، فدعا بطعام فأكلوا ثم تفرقوا. أخرجه صاحب الصفوة كما قاله الطبري، وكان ذلك في سنة سبع من الهجرة. وخالد هذا هو ابن ابن عم أبيها وكان أبو سفيان أبوها حال نكاحها مشركاً محارباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد قيل إن عقد النكاح عليها كان بالمدينة بعد رجوعها من أرض الحبشة، والمشهور الأول انتهى. وتقدم بعض الكلام في باب الولي قال المنذري: أي أم شرحبيل هي حسنة وأبوه عبد الله بن المطاع.
"على صدق أربعة آلاف درهم" وقال ابن إسحاق عن أبي جعفر أصدقها أربع مائة دينار. أخرجه ابن أبي شيبة من طريقة. وأخرج الطبراني عن أنس أنه صدقها مائتي دينار وإسناده ضعيف. كذا في النيل "وكتب" أي النجاشي "بذلك" المذكور من التزويج "فقبل"

(6/97)


...........................
ـــــــ
رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال المنذري: هذا مرسل. وقيل أصدقها أربع مائة دينار، وقيل مائتي دينار انتهى.

(6/98)


30 - باب قلة المهر
2109 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أنبأنا [حدثنا] حَمّادٌ عن ثَابِتٍ الْبُنَانِيّ وَ حُمَيْدٍ عن أَنَسٍ: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم رَأَى عبد الرّحْمَنِ بنَ عَوْفٍ رضي الله عنه وَعَلَيْهِ رَدْعُ زَعْفَرَانٍ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم "مَهْيَمْ"، قال: يا رسول الله تَزَوّجْتُ امْرَأَةً، قال: "ما أَصْدَقْتَهَا"؟ قال:"وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبِ، قال:"أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ".
ـــــــ
باب قلة المهر
"وعليه ردع زعفران" أي أثره. والردع بمهملات مفتوح الأول ساكن الثاني هو أثر الطيب. قال النووي: والصحيح في معنى هذا الحديث أنه تعلق به أثر من الزعفران وغيره من طيب العروس ولم يقصده ولا تعمد التزعفر، فقد ثبت في الصحيح النهي عن التزعفر للرجال، وكذا نهي الرجال عن الخلوق لأنه شعار النساء، وقد نهى الرجال عن التشبه بالنساء فهذا هو الصحيح في معنى الحديث وهو الذي اختاره القاضي والمحققون "فقال النبي صلى الله عليه وسلم مهيم" أي ما شأنك أو ما هذا، وهي كلمة استفهام مبنية على السكون وهل هي بسيطة أو مركبة قولان لأهل اللغة. كذا في الفتح. قال الطيبي: سؤال عن السبب فلذا أجاب بما أجاب، ويحتمل الإنكار بأنه كان نهي عن التضمخ بالخلوق فأجاب بأنه ليس تضمخاً بل شيء علق به من مخالطة العروس أي من غير قصد أو من غير اطلاع انتهى. وفيه أنه يستحب للإمام والفاضل تفقد أصحابه والسؤال عما يختلف من أحوالهم "قال ما أصدقتها" وفي رواية لمسلم كم أصدقتها أي كم جعلت صداقها "قال وزن نواة" بنصب النون على تقدير فعل أن أصدقتها ويجوز الرفع على تقدير مبتدأ أي الذي أصدقتها هو. قاله الحافظ. قال القاضي: قال الخطابي: النواة اسم لقدر معروف عندهم فسروها بخمسة دراهم من ذهب. قال القاضي: كذا فسرها أكثر العلماء. قال أحمد بن حنبل: هي ثلاثة دراهم وثلث. وقيل المراد نواة التمر أي وزنها من ذهب، والصحيح الأول. وقال بعض المالكية: النواة ربع دينار عند أهل المدينة وظاهر كلام أبي عبيد أنه وقع خمسة دراهم قال ولم يكن هناك ذهب إنما هي خمسة دراهم تسمى نواة كما تسمى الأربعون أوقية. كذا قال النووي في شرح صحيح مسلم "أولم ولو بشاة" لو هذه ليست الامتناعية وإنما هي التي للتقليل. وفي الحديث دليل على أن الشاة أقل ما يجزىء في الوليمة عن الموسر، ولولا ثبوت أنه صلى الله عليه وسلم أولم

(6/98)


[قال أبو داود: النواة خمسة دراهم , والنش عشرون والأوقية أربعون]1
2110 - حدثنا إسْحَاقُ بنُ جِبْرَائِيلَ [جِبْرَيلَ] الْبَغْدَادِيّ أنبأنا يَزِيدٌ أنبأنا مُوسَى بنُ مُسْلِمِ بنِ رُومَانَ عن أبي الزّبَيْرِ عن جابرِ بنِ عبد الله أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ أَعْطَى في صَدَاقِ امْرَأَةٍ مِلءَ كَفّيْهِ سَوِيقاً أَوْ تَمْراً فَقَدِ اسْتَحَلّ".
ـــــــ
على بعض نسائه بأقل من الشاة لكان يمكن أن يستدل به على أن الشاة أقل ما يجزيء في الوليمة مطلقاً، ولكن هذا الأمر من خطاب الواحد وفي تناوله لغيره خلاف في الأصول معروف. قال القاضي عياض: وأجموا على أنه لاحد لأكثر ما يولم به، وأما أقله فكذلك ومهما تيسر أجزأ، والمستحب أنها على قدر حال الزوج، كذا في النيل. واستدل بهذا الحديث على استحباب تقليل الصداق لأن عبد الرحمَن بن عوف كان من مياسير الصحابة وقد أقره النبي صلى الله عليه وسلم على إصداقه وزن نواة من ذهب وتعقب بأن ذلك كان في أول الأمر حين قدم المدينة وإنما حصل له اليسار بعد ذلك من ملازمة التجارة حتى ظهرت من الإعانة في بعض الغزوات ما اشتهر وذلك ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
-"ملأ كفيه سويقاً" هو دقيق القمح المقلو أو الذرة أو الشعير أو غيرها "فقد استحل" الضمير المرفوع يرجع إلى من والمفعول محذوف أي فقد جعلها حلالاً. قال الخطابي في المعالم: فيه دليل على أن أقل المهر وأدناه غير مؤقت بشيء معلوم، وإنما هو على ما تراضيا به المتناكحان. وقد اختلف الفقهاء في ذلك فقال سفيان الثوري والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق: لا توقيت في أقل المهر وأدناه وهو ما تراضوا به. وقال سعيد بن المسيب: لو أصدقها سوطاً لحلّت له. وقال مالك: أقل المهر ربع دينار. وقال أصحاب الرأي أقله عشرة دراهم وقدروه بما يقطع فيه يد السارق عندهم، وزعموا أن كل واحد منهما إتلاف عضواً انتهى. قلت: وقال سعيد بن جبير: أقله خمسون درهماً. وقال النخعي: أربعون. وقال ابن شبرمة: خمسة دراهم. واستدل الأولون بأحاديث الباب وبحديث الخاتم الذي سيأتي وبحديث عامر بن ربيعة "أن امرأة من بني فزارة تزوجت على نعلين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أرضيت من نفسك ومالك بنعلين؟ قالت: نعم فأجازه" رواه أحمد وابن ماجه والترمذي
ـــــــ
1 هذه العبارة أنما توجد في نسخة واحداة من النسخ الحاضرة. وإلى هذا التفسير ذهب أكثر العلماء كما مر منه.

(6/99)


قالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ عبد الرّحْمَنِ بنُ مَهْدِيَ عن صَالحٍ بنِ رُومَانَ عن أبي الزّبَيْرِ عن جابِرٍ مَوْقُوفاً، وَرَوَاهُ أبُو عَاصِمٍ عن صَالحٍ بنِ رُومَانَ عن أَبِي الزّبَيْرِ عن جابِرٍ قال: كُنّا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم نَسْتَمْتِعُ بالْقُبْضَةِ مِنَ الطّعَامِ عَلَى مَعْنَى المُتْعَةِ.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ ابنُ جُرَيْجٍ عن أبي الزّبَيْرِ عن جَابِرٍ عَلَى مَعْنَى أبي عَاصِمٍ.
ـــــــ
وصححه وبحديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "أدوا العلائق قيل ما العلائق قال ما تراضى عليه الأهلون ولو كان قضيباً من أراك" وفي بعض هذه الأحاديث ضعف لكن حديث الخاتم وحديث نواة الذهب من أحاديث الصحيحين وفيهما كفاية لإثبات المطلوب، وليس على الأقوال الباقية دليل يدل على أن الأقل هو أحدها لا دونه. ومجرد موافقة مهر من المهور الواقعة في عصر النبوة الواحد منها كحديث النواة من الذهب فإنه موافق لقول ابن شبرمة ولقول مالك على حسب الاختلاف في تفسيرها لا يدل على أنه المقدار الذي لا يجزىء دونه إلا مع التصريح بأنه لا يجزىء دون ذلك المقدار ولا تصريح. فالراجح ما ذهب إليه الأولون. فكل ما له قيمة صح أن يكون مهراً قليلاً كان أو كثيراً والله تعالى أعلم بالصواب.
فإن قلت: روى الدارقطني في سننه عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تنكحوا النساء إلا الأكفاء ولا يزوجهن إلا الأولياء ولا مهر دون عشرة دراهم" ففي هذا الحديث دلالة ظاهرة على ما ذهب إليه الحنفية إذ فيه تصريح بأن لا مهر دون عشرة دراهم. قلت: قال الدارقطني بعد إخراج هذا الحديث: مبشر بن عبيد متروك الحديث أحاديثه لا يتابع عليها انتهى. وقال أخونا العلامة في التعليق المغني الحديث أخرجه البيهقي في سننه، وأسند البيهقي في المعرفة عن أحمد بن حنبل أنه قال: أحاديث مبشر بن عبيد موضوعة كذب انتهى. قال ابن القطان في كتابه: وهو كما قال. ورواه أبو يعلى عن مبشر بن عبيد عن أبي الزبير عن جابر فذكر نحوه وعن أبي يعلى رواه ابن حبان في الضعفاء وقال مبشر يروي عن الثقات الموضوعات لا يحل كتب حديثه إلا على جهة التعجب انتهى. ورواه ابن عدي والعقيلي وأعَلاّه بمبشر بن عبيد وأسند العقيلي عن أحمد أنه وصفه بالوضع والكذب انتهى. وقال البيهقي: هذا حديث ضعيف قاله الزيلعي انتهى. قال المنذري: في إسناده موسى بن مسلم وهو ضعيف "نستمتع بالقبضة" القاف وفتحها والضم أفصح. قال الجوهري: القُبضة بالضم ما قبضت عليه من شيء، يقال أعطاه قبضة من تمر أو سويق قال وربما يفتح "قال أبو داوود رواه ابن جريج عن أبي الزبير الخ" قال المنذري: هذا الذي ذكره أبو داوود معلقاً قد أخرجه مسلم في صحيحه من حديث ابن جريج عن أبي الزبير قال سمعت

(6/100)


......................
ـــــــ
جابر بن عبدالله يقول كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال أبو بكر البيهقي: وهذا وإن كان في نكاح المتعة ونكاح المتعة صار منسوخاً فإنما نسخ منه شرط الأجل، فأما ما يجعلونه صداقاً فإنه لم يرد فيه النسخ انتهى.

(6/101)


31 - باب في التزويج على العمل يعمل
2111 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن أبي حَازِمِ بنِ دِينَارٍ عن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ السّاعِدِيّ: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فقالتْ: يا رسول الله إِنّي قَدْ وَهَبْتُ نَفْسِي لَكَ، فَقامَتْ قِيَاماً طَوِيلاً، فَقَامَ رَجُلٌ فقال: يا رسول الله زَوّجْينِهَا إنْ لَم تَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "هَلْ عِنْدِكَ مِنْ شَيْء تُصْدِقُهَا إِيّاهُ"، قال [فقال] ما عِنْدِي إِلاّ إِزَارِي هَذَا، فقال رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنّكَ إنْ أَعْطَيْتَهَا أَزَارَكَ جَلَسْتَ لا إِزَارَ لَكَ فالْتَمِسْ شَيْئاً"، قال: لا أَجِدُ شَيْئاً، قال: "فالْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَماً مِنْ حَدِيدٍ", فالْتَمَسَ فلَمْ
ـــــــ
باب في التزويج على العمل يعمل
"إني قد وهبت نفسي لك" أي أمر نفسها أو نحو ذلك وإلا فالحقيقة غير مراده لأن رقبة الحر لا تملك فكأنها قالت أتزوجك بغير صداق "فقامت قياماً طويلاً" وفي رواية لمسلم: فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فصعد النظر فيها وصوبه ثم طأطأ رأسه "هل عندك من شيء تصدقها إياه" من باب الأفعال أي تجعل صداقها ذلك الشيء، ومن زائدة في المبتدأ، والخبر متعلق الظرف وجملة تصدقها في موضع الرفع صفة لشيء ويجوز فيه الجزم على جواب الاستفهام "ما عندي إلا إزاري هذا" علم منه أنه لم يكن له رداء ولا إزار غير ما عليه "فالتمس ولو خاتماً من حديد" لو تقليلية. قال عياض: ووهم من زعم خلاف ذلك وقوله خاتماً بكسر التاء وفتحها. قال النووي: وفيه أنه يجوز أن يكون الصداق قليلاً وكثيراً مما يتمول إذا تراضى به الزوجان لأن خاتم الحديد في نهاية من القلة، وهذا مذهب الشافعي وهو مذهب
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين اابن القيم رحمه الله:
وادعى بعضهم أن هذا الحديث منسوخ بقوله "لا نكاح إلا بولي"ولا يصح ذلك فإن الموهوبة كانت تحل لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جعلت أمرها إليه فزوجها بالولاية.
وأما دعوى الخصوص في الحديث فإنها من وجه دون وجه فالمخصوص به صلى الله عليه وسلم هو نكاحه بالهبة لقوله تعالى {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ} إلى قوله {خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} .

(6/101)


يَجِدْ شَيْئاً، فقال لَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "هَلْ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ"؟ قال: نَعَمْ سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا لِسُورٍ سَمّاهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "قَدْ زَوّجّتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ" .
2112 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَفْصِ بنِ عبد الله حَدّثَني أبي حَفْصُ بنُ عبد الله حَدّثَني إِبراهِيمُ بنُ طَهْمَانَ عن الْحَجّاجِ بنِ الْحَجّاجِ الْبَاهِليّ عن عِسْلٍ عن عَطَاءِ بنِ أبي رَبَاحٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ نَحْوَ هَذِهِ الْقِصّةِ. لم يَذْكُرِ الاْزَارَ وَالْخَاتَمَ فَقَال: "ما تَحْفَظُ
ـــــــ
جماهير العلماء من السلف والخلف. وفيه جواز اتخاذ خاتم الحديد، وفيه خلاف للسلف، ولأصحابنا في كراهته وجهان أصحهما لا يكره لأن الحديث في النهي عنه ضعيف انتهى مختصراً.
"قد زوجتكها بما معك من القرآن" فيه دليل على جواز تعليم القرآن صداقاً لأن الباء يقتضي المقابلة في العقود ولأنه لو لم يكن مهراً لم يكن لسؤاله إياه بقوله هل معك من القرآن شيء معنى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
ـــــــ
وأما تزويج المرأة على تعليم القرآن فكثير من أهل العلم يجيزه كالشافعي وأحمد وأصحابهما وكثير يمنعه كأبي حنيفة ومالك.
وفيه جواز نكاح المعدم الذي لا مال له.
وفيه الرد على من قال بتقدير أقل الصداق إما بخمسة دراهم كقول ابن شبرمة أو بعشرة كقول أبي حنيفة أو بأربعين درهما كقول النخعي أو بخمسين كقول سعيد بن جبير أو ثلاثة دراهم أو ربع دينار كقول مالك وليس لشيء من هذه الأقوال حجة يجب المصير إليها وليس بعضها بأولى من بعض.
وغاية ما ذكره المقدرون قياس استباحة البضع على قطع يد السارق وهذا القياس مع مخالفته للنص فاسد إذ ليس بين البابين علة مشتركة توجب إلحاق أحدهما بالآخر وأين قطع يد السارق من باب الصداق وهذا هو الوصف الطردي المحض الذي لا أثر له في تعليق الأحكام به وفيه جواز عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح.
وفيه جواز كون الولي هو الخاطب وترجم عليه البخاري في صحيحه كذلك وذكر الحديث وفيه جواز سكوت العالم ومن سئل شيئا لم يرد قضاءه ولا الجواب عنه وذلك ألين في صرف السائل وأجمل من جهة الرد وهو من مكارم الأخلاق.
وفيه دليل على جواز أن تكون منافع الحر صداقا وفيه نظر والله أعلم.

(6/102)


مِنَ الْقُرْآنِ"؟ قال: سُورَةُ الْبَقَرَةِ أوْ الّتي تَلِيهَا، قال: قُمْ [فَقُمْ] فَعَلّمْهَا عِشْرِينَ آيَةً وَهِيَ امْرَأَتُكَ" .
2113 - حدثنا هَارُونُ بنُ زَيْدِ بنِ أبي الزّرْقَاءِ أخبرنا أبي حدثنا مُحمّدُ بنُ رَاشِدٍ عن مَكْحُولٍ نَحوَ خَبَرِ سَهْلٍ. قال: وكَانَ مَكْحُولٌ يقُولُ لَيْسَ ذَلِكَ لأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
"فعلمها عشرين آية وهي امرأتك" قال الحافظ في الفتح: وفي رواية سعيد ابن المسيب عن سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم زوج رجلاً امرأة على سورتين من القرآن يعلمها إياهما. وفي مرسل أبي النعمان الأزدي: زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة على سورة من القرآن. وفي حديث ابن عباس وجابر هل تقرأ من القرآن شيئاً؟ قال نعم إنا أعطيناك الكوثر، قال أصدقها إياها. قال الحافظ: ويجمع بين هذه الألفاظ بأن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ بعض أو أن القصص متعددة انتهى. قال المنذري: وفي إسناده عسل بن سفيان وهو ضعيف.
"وكان مكحول يقول الخ" هذه الخصوصية تحتاج إلى دليل خاص ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأما ما احتج عليها بما أخرجه سعيد بن منصور من مرسل أبي النعمان الأزدي قال: زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة على سورة من القرآن وقال لا تكون لأحد بعدك مهراً، فهذا مع إرساله فيه من لا يعرف. قاله الحافظ.
قال الخطابي: اختلف الناس في جواز النكاح على تعليم القرآن، فقال الشافعي بجوازه على ظاهر الحديث، وقال مالك: لا يجوز، وهو قول أصحاب الرأي، وقال أحمد أكرهه انتهى.

(6/103)


32 - باب فيمن تزوج ولم يسم صداقاً حتى مات
2114 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا عبد الرّحْمَنِ بنُ مَهْدِيَ عن سُفْيَانَ عن فِراسٍ عن الشّعْبِيّ عن مَسْرُوقٍ عن عبد الله: في رَجُلٍ تَزَوّجَ امْرَأَةً فمَاتَ عَنْهَا
ـــــــ
باب فيمن تزوج ولم يسم صداقاً حتى مات
"عن فراس" بكسر الفاء ابن يحيى الهمداني المكتب الكوفي وثقه ابن معين "عن عبد الله" هو ابن مسعود "ولم يفرض" بفتح الياء وكسر الراء أي لم يقدر ولم يعين "فقال" أي

(6/103)


وَلم يَدْخُلْ بِهَا وَلم يَفْرِضْ لَها الصّدَاقَ، فقال: لَها الصّدَاقُ كَامِلاً وَعَلَيْهَا الْعِدّةُ وَلَها المِيرَاثُ. قال مَعْقِلُ بنُ سِنَانٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَضَى بِهِ في بَرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ
2115 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا يَزِيدُ بنُ هارُونَ وَ ابنُ مَهْدِيَ عن سُفْيَانَ عن مَنْصُورٍ عن إِبراهِيمَ عن عَلْقَمَةَ عن عبد الله فَسَاقَ عُثْمانُ مِثْلَهُ.
2116 - حدثنا عُبَيْدُ الله [عَبْدُ الله] بنُ عُمَرَ أخبرنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ أخبرنا سَعِيدُ بنُ أبي عَرْوبَةَ عن قَتَادَةَ عن خِلاسٍ وَأبي حَسّانَ عن عبد الله بنِ عُتْبَةَ بنِ مَسْعَودٍ:أَنّ عبد الله بنَ مَسْعُودٍ أَتَى في رَجُلٍ بِهَذا الْخَبرِ قالَ: فَاخْتَلَفُوا إلَيْهِ شَهْراً، أَوْ قال مَرّاتٍ، قال: فإِنّي أَقُولُ فيها إِنّ لَها صَدَاقاً كَصَدَاقِ نِسَائِهَا لاوَكْسَ وَلا شَطَطَ. قال: وَإِنّ لَها المِيرَاثَ وَعَلَيْهَا الْعِدّةُ، فإِنْ يَكُ صَوَاباً فَمِنَ الله، وَإِنْ يَكُ خَطَأً فَمِنّي وَمِنَ
ـــــــ
عبد الله بن مسعود "لها الصداق كاملاً" أراد بالصداق الكامل مهر المثل كما يأتي "وعليها العدة" أي للوفاة "قال معقل" بفتح الميم وكسر القاف "ابن سنان" بكسر السين الأشجعي "قضي به" أي بما قضيت "في بروع" قال في القاموس: كجدول ولا يكبر بنت واشق صحابية، وفي المغنى بفتح الباء عند أهل اللغة وكسرها عند أهل الحديث "واشق" بكسر الشين المعجمة. والحديث دليل على أن المرأة تستحق كمال المهر بالموت وإن لم يسم لها الزوج ولا دخل بها قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. "أتي" بصيغة المجهول "بهذا الخبر" أي بهذا الحديث المذكور "فاختلفوا إليه" أي إلى ابن مسعود "أو قال مرات" شك من الراوي "لا وكس" بفتح فسكون أي لا نقص "ولا شطط" بفتحتين أي ولا زيادة. قال الخطابي: الوكس النقصان والشطط العدوان وهو الزيادة على قدر الحق، يقال اشتط الرجل في الحكم إذا تعدي الحق وجاوزه "فإن يك" حكمي هذا وقضائي "فمن الله" أي من توفيق الله "وإن يك خطأ فمني
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وفيه أن الصواب في قول واحد ولا يكون القولان المتضادان صوابا معا. وهو منصوص الأئمة الأربعة والسلف, وأكثر الخلف.
وفيه أن الله تعالى هو الموفق للصواب الملهم له بتوفيقه وإعانته وأن الخطأ من النفس

(6/104)


الشّيْطَانِ، وَالله وَرَسُولُهُ بَرِيّانِ [بَرِيّئَانِ]، فَقَامَ نَاسٌ مِنْ أَشْجَعَ فيهِم الْجَرّاحُ وَأَبُو ِنَانٍ فقالُوا: يا ابْنَ مَسْعُودٍ نَحْنُ نَشْهَدُ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَضَاهَا فِينا في بَرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ وَإِنّ زَوْجَها هِلاَلٌ بنُ مُرّةَ الأَشْجَعَيّ كما قَضَيْتَ. قال: فَفَرِحَ عبد الله بنُ مَسْعُودٍ فَرَحاً شَدِيداً حِينَ وَافَقَ قَضَاؤُهُ قَضَاءَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
ومن الشيطان" أي من قصور علمي ومن تسويل الشيطان وتلبيسه عليّ وجه الحق فيه "والله ورسوله يريان" يريد أن الله سبحانه ثم رسوله صلى الله عليه وسلم لم يتركا شيئاً لم يبيناه في الكتاب أو في السنة، ولم يرشدا إلى صواب الحق فيه إما نصاً أو دلالة، وهما بريئان من أن يضاف إليهما الخطأ الذي يؤتى المرء فيه من جهة عجزه وتقصيره. والحديث فيه دليل على أن المرأة تستحق بموت زوجها بعد العقد قبل فرض الصداق جميع المهر وإن لم يقع منه دخول ولا خلوة، وبه قال ابن مسعود وابن سيرين وابن أبي ليلى وأبو حنيفة وأصحابه وإسحاق وأحمد. وعن علي وابن عباس وابن عمر ومالك والأوزاعي والليث وأحد قولي الشافعي أنها لا تستحق إلا الميراث فقط ولا تستحق مهراً ولا متعة، لأن المتعة لم ترد إلا للمطلقة، والمهر عوض عن الوطء، ولم يقع من الزوج.
وأجابوا عن حديث الباب بالاضطرب فروي مرة عن معقل بن سنان ومرة عن رجل من
ـــــــ
والشيطان ولا يضاف إلى الله ولا إلى رسوله. ولا حجة فيه للقدرية المجوسية إذا إضافته إلى النفس والشيطان إضافة إلى محله ومصدره وهو النفس وشبهها وهو الشيطان وتلبيسه الحق بالباطل بل فيه رد على القدرية الجبرية الذين يبرئون النفس والشيطان من الأفعال البتة ولا يرون للمكلف فعلا اختياريا يكون صوابا أو خطأ والذي دل عليه قول ابن مسعود وهو قول الصحابة كلهم وأئمة السنة من التابعين ومن بعدهم هو إثبات القدر الذي هو نظام التوحيد إثبات فعل العبد الأختياري الذي هو نظام الأمر والنهي وهو متعلق المدح والذم والثواب والعقاب والله أعلم.
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وقد روى النسائي في سننه من حديث عمرو بن شعيب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رجلا كلم النبي صلى الله عليه وسلم في شيء فقال النبي صلى الله عليه وسلم "إن الحمد لله نحمده ونستعينه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أما بعد" والأحاديث كلها متفقة على أن نسعينه ونستغفره ونعوذ به بالنون والشهادتان بالإفراد وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

(6/105)


2117 - حدثنا مُحمّدُ بنُ يَحْيَى بنِ فَارِسٍ الدّهْلِيّ وَ مُحمّدُ بنُ المُثَنّى وَ عُمَرُ بنُ الْخَطّابِ، قال مُحمّدٌ حَدّثَني أبُو اْلأصْبَغِ الْحَرّانيّ [الْجَزرِيُّ] عبد الْعَزِيزِ بنُ يَحْيَى أنبأنا مُحمّدُ بنُ سَلَمَةَ عن أبي عبد الرّحِيمِ خَالِدِ بنِ أبي يَزِيدَ عن زَيْدِ بنِ أبي أُنَيْسَةَ عن يَزِيدَ بنِ أبي حَبِيبٍ عن مَرْثَدِ بنِ عبد الله عن عُقْبَةَ بنِ عامِرٍ: أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال لِرَجُلٍ: "أَتَرْضَى أنْ أَزَوّجَكَ فُلاَنَةَ"؟ قالَ نَعَمْ، وَقَالَ لِلْمَرْأَةِ "تَرْضِينَ [أتَرْضِينَ] أَنْ أُزَوّجَكِ فُلاَناً"؟ قالَتْ نَعَمْ فَزَوّجَ أَحَدَهُمَا صَاحِبَهُ، فَدَخَلَ بِهَا الرّجُلُ وَلَمْ يَفِرِضْ لَهَا
ـــــــ
أشجع أو ناس من أشجع وقيل غير ذلك. وأجيب بأن الاضطراب غير قادح لأنه متردد بين صحابي وصحابي وهذا لا يطعن به في الرواية. وقالوا: روى عن علي أنه قال لا تقبل قول أعرابي بوال على عقبيه فيما يخالف كتاب الله وسنة نبيه، ورُدّ بأن ذلك لم يثبت عنه من وجه صحيح، ولو سلم ثبوته فلم ينفرد بالحديث معقل المذكور بل روى من طريق غيره بل معه الجراح كما وقع في هذه الرواية، وأيضاً الكتاب والسنة إنما نفيا مهر المطلقة قبل المس والفرض لا مهر من مات عنها زوجها، وأحكام الموت غير أحكام الطلاق.
"ومحمد بن المثنى" قال المزي في الأطراف: حديث محمد بن المثنى في رواية أبي الحسن بن العبد وغيره ولم يذكره أبو القاسم انتهى "عبد العزيز بن يحيى" بدل من أبو الأصبغ وهو كنيته "فدخل بها الرجل" أي جامعها "ولم يفرض" أي لم يسم لها مهراً "وكان"
ـــــــ
قال شيخ الإسلام ابن تيمية لما كانت كلمة الشهادة لا يتحملها أحد عن أحد ولا تقبل النيابة بحال أفرد الشهادة بها ولما كانت الاستعانة والاستعاذة والاستغفار يقبل ذلك فيستغفر الرجل لغيره ويستعين الله له ويستعيذ بالله له أتى فيها بلفظ الجمع ولهذا يقول اللهم أعنا وأعذنا واغفر لنا قال ذلك في حديث ابن مسعود وليس فيه نحمده وفي حديث ابن عباس نحمده بالنون مع أن الحمد لا يتحمله أحد عن أحد ولا يقبل النيابة فإن كانت هذه اللفظة محفوظة فيه إلى إلفاظ الحمد والاستعانة على نسق واحد.
وفيه معنى آخر وهو أن الاستعانة والاستعاذة والاستغفار طلب وإنشاء فيستحب للطالب أن يطلبه لنفسه ولإخوانه المؤمنين وأما الشهادة فهي إخبار عن شهادته لله بالواحدانية ولنبيه بالرسالة وهي خبر يطابق عقد القلب وتصديقه وهذا إنما يخبر به الإنسان عن نفسه لعلمه بحاله بخلاف إخباره عن غيره فإنه إنما يخبر عن قوله ونطقه لا عن عقد قلبه والله أعلم.

(6/106)


صَدَاقاً وَلَمْ يُعْطِهَا شَيْئاً وَكَانَ مِمّنْ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ، وكَانَ مَنْ شَهِدَ الحُدَيْبِيّةَ لَهُ [لَهُمْ] سَهْمٌ بِخَيْبَرَ، فَلَمّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قالَ: إنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم زَوّجَني فُلاَنَةَ وَلَمْ أَفْرِضُ لَهَا صَدَاقاً وَلَمْ أُعْطِهَا شَيْئاً، وَإِنّي أُشْهِدُكُمْ أَنّي أَعَطَيْتُهَا مِنْ صَدَاقِهَا سَهْمِي بِخَيْبَرَ، فَأَخَذَتْ سَهْماً فَبَاعَتْهُ بِمَائَةِ أَلْفٍ.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: وَزَادَ عُمَرُ بنُ الْخَطّابِ وَحَدِيثُهُ أَتَمّ في أَوّلِ الْحَدِيثِ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: " خَيْرٌ النّكَاحِ أَيْسَرَهُ" . وَقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لِلرّجُلِ" ثُمّ سَاقَ بِمَعْنَاهُ.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: يُخَافُ [نَخَافُ] أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحَدِيثُ مُلْزَقاً لأنّ الأمْرَ عَلَى غَيْرِ هَذَا
ـــــــ
أي الرجل "ممن شهد الحديبية" أي غزوة الحديبية وهي قرية قريبة من مكة سميت ببئر هناك، وهي مخففة وكثير منهم يشددونها، وكان توجهه صلى الله عليه وسلم إليها من المدينة يوم الاثنين مستهل ذي القعدة سنة ست فخرج قاصداً إلى العمرة فصده المشركون عن الوصول إلى البيت، ووقعت بينهم المصالحة على أن يدخل مكة في العام المقبل "وكان من شهد الحديبية لهم "له" سهم بخيبر" خيبر على وزن جعفر وهي مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع على ثمانية برد من المدينة إلى جهة الشام.
قال ابن إسحاق: خرج النبي صلى الله عليه وسلم في بقية المحرم سنة سبع فأقام يحاصرها بضع عشرة ليلاً إلى أن فتحها في صفر.
وروى يونس بن بكير في المغازي عن ابن إسحاق في حديث المسور ومروان قالا: انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية فنزلت عليه سورة الفتح فيما بين مكة والمدينة، فأعطاه الله فيها خيبر بقوله: {وعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ} ي عني خيبر، فقدم المدينة في ذي الحجة فأقام بها حتى سار إلى خيبر في المحرم "وإني أشهدكم أني أعطيتها" أي فلانة "سهمي بخيبر" أي سهمي الذي بخيبر.
واعلم أن الحافظ جعل حديث عقبة بن عامر هذا شاهد الحديث معقل بن سنان المذكور، ولا شهادة له على ذلك، لأن هذا في امرأة دخل بها زوجها، نعم فيه شاهد أنه يصح النكاح بغير تسمية "خير النكاح أيسره" أي أسهله على الرجل بتخفيف المهر وغيره.
وقال العلامة الشيخ العزيزي أي أقله مهراً أو أسهله إجابة للخطبة انتهى "قال أبو داوود يخاف أن يكون هذا الحديث ملزقاً" أي ملحقاً "لأن الأمر على غير هذا" لأنه أعطاها

(6/107)


...........................
ـــــــ
زائداً على المهر في مرض الموت. وهذه العبارة إنما توجد في بعض النسخ وأكثرها خالية منها.

(6/108)


33 - باب في خطبة النكاح
21 18 - حدثنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنبأنا سفْيَانُ عن أبي إسْحَاقَ عن أبي عُبَيْدَةَ عنْ عبد الله بن مَسْعُودٍ في خُطْبَةِ الْحَاجَةِ في النّكاحِ وَغَيْرِهِ ح وَحدّثنا مُحمّدُ بنُ سُلَيْمانَ الأنْبَارِيّ المَعْنَى أخبرنا وَكِيعٌ عن إسْرَائِيلَ عن أبي إسْحَاقَ عن أبي الأحْوَصِ وَ أبي عُبَيْدَةَ عن عبد الله قالَ: عَلّمَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم خُطْبَةَ الحاجَةِ : "أَنِ الْحَمدُ لله نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا. مَنْ يَهْدِهِ الله فَلاَ مُضِلّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ [يُضْلِلْهُ] فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاّ الله، وَأَشْهَدُ أَنُ مُحمّداً عبد هُ وَرَسُولُهُ "يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اتّقُوا الله الّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنّ الله كَانَ عَلَيْكُم رَقِيباً" . {يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا
ـــــــ
باب في خطبة النكاح
"في خطبة الحاجة في النكاح وغيره" قال المنذري: وأخرجه النسائي. وأبو عبيدة هو ابن عبد الله بن مسعود ولم يسمع من أبيه "أن الحمد لله" بتخفيف أن ورفع الحمد. قال الجزري في تصحيح المصابيح: يجوز تخفيف أن وتشديدها ومع التشديد يجوز رفع الحمد ونصبه ورويناه بذلك ذكره القاري في المرقاة وقال رفع الحمد مع التشديد على الحكاية "نستعينه" أي في حمده وغيره وهو وما بعده جمل مستأنفة مبينة لأحوال الحامدين "ونستغفره" أي في تقصير عبادته وتأخير طاعته "ونعوذ به من شرور أنفسنا" أي من ظهور شرور أخلاق نفوسنا الردية وأحوال طباع هوائنا الدنية "من يهده الله" بإثبات الضمير أي من يوفقه للعبادة "فلا مضل له" أي من شيطان ونفس وغيرهما "ومن يضلل" بحذف ضمير المفعول وفي بعض النسخ بإثبات الضمير "فلا هادي له" أي لا من جهة العقل ولا من جهة النقل ولا من ولي ولا نبي.
قال الطيبي: أضاف الشر إلى الأنفس أولاً كسباً، والإضلال إلى الله تعالى ثانياً خلقاً وتقديراً "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله الذي" قال الطيبي رحمه الله: ولعله هكذا في مصحف ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، فإن المثبت في أول سورة النساء {اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي} بدون يا أيها الذين آمنوا قيل يحتمل أن يكون تأويلا لما في الإمام، فيكون إشارة إلى أن اللام في يا أيها الناس للعهد، والمراد المؤمنون.
قلت: لا يصح هذا الاحتمال لأنه لو كان كذلك لقال {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ

(6/108)


اتّقُوا الله حَقّ تُقاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ. يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اتّقُوا الله وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً، يُصْلِحْ لَكُم أعْمَالَكُم وَيَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُم وَمَنْ يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} " لَمْ يَقُلْ مُحمّدُ بنُ سلَيْمانَ أَنّ.
ـــــــ
الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} الآية مع أن الموصولين لا يلائمان للتخصيص كذا في المرقاة {تَسَاءَلُونَ} بحذف إحدى التاءين وبتشديد السين قراءتان متواترتان {بِهِ} أي تتساءلون فيما بينكم حوائجكم بالله كما تقولون أسألك بالله {وَالأَرْحَامَ} بالنصب عند عامة القراء أي واتقوا الأرحام أن تقطعوها، وفيه عظيم مبالغة في اجتناب قطع الرحم وقرأ حمزة بالخفض أي به وبالأرحام كما في قراءة شاذة عن ابن مسعود، يقال سألتك بالله وبالرحم والعطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار فصيح على الصحيح وطعن من طعن فيه. وقيل الجر للجوار. وقيل الواو للقسم {رَقِيباً} أي حافظاً {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} في المعالم قال ابن مسعود وابن عباس هو أن يطاع فلا يعصى، قيل: وأن يذكر فلا ينسى. قال أهل التفسير: لما نزلت هذه الآية شق ذلك عليهم فقالوا يا رسول الله ومن يقوى على هذا؟ فأنزل الله تعالى {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} فنسخت هذه الآية. وقيل إنها ثابتة والآية الثانية مبينة {وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} النهي في ظاهر الكلام وقع على الموت وإنما نهوا في الحقيقة عن ترك الإسلام، ومعناه داوموا على الإسلام حتى لا يصادفكم الموت إلا وأنتم مسلمون {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ} أي مخالفته ومعاقبته {وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً} أي صواباً، وقيل عدلاً، وقيل صدقاً، وقيل مستقيماً، وقيل هو قول لا إله إلا الله، أي دوموا على هذا القول {يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} أي يتقبل حسناتكم {وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} أي يمحو سيئاتكم {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي بامتثال الأوامر واجتناب الزواجر {فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} أي ظفر خيراً كثيراً وأدرك ملكاً كبيراً.
وقد استدل بحديث ابن مسعود هذا على مشروعية الخطبة عند عقد النكاح وعند كل
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصمها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "بئس الخطيب أنت" فإن صح حديث عمران بن داور فلعله رواه بعضهم بالمعنى فظن أن اللفظين سواء ولم يبلغه حديث "بئس الخطيب أنت" وليس عمران بذلك الحافظ.

(6/109)


2119 - حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ أخبرنا أبُو عَاصِمٍ أخبرنا عِمْرَانُ عن قَتَادَةَ عن عبد رَبّهِ عن أبي عِيَاضٍ عن ابن مَسْعُودٍ: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ إذَا تَشَهّدَ ذَكَرَ نَحْوَهُ قالَ بَعْدَ قَوْلِهِ "وَرَسُولُهُ أَرْسَلَهُ بِالْحَقّ بَشِيراً وَنَذِيراً بَيْنَ يَدَيِ السّاعَةِ، مَنْ يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَد، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فإِنّهُ لاَ يَضُرّ إِلاّ نَفْسَهُ وَلا يَضُرّ الله شَيْئاً".
2120 - حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ أخبرنا بَدَلُ بنُ المُحَبّرِ أخبرنا شُعْبَةُ عن الْعَلاَءِ ابن أخِي شُعَيْبِ الرّازِيّ عن إِسْمَاعِيلَ بنِ إِبراهِيمَ عن رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ قالَ: خَطَبْتُ إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم أُمَامَةَ بِنْتَ عبد المُطّلِبِ فَأَنْكَحَنِي مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَشَهّدَ.
[وقال لنا أبو عيسى :ب لغنا أن أبا داود قيل له : أيجوز هذا؟ قال : نعم , وفي هذا أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم].
ـــــــ
حاجة. قال الترمذي في سننه: وقد قال أهل العلم إن النكاح جائز بغير خطبة، وهو قول سفيان الثوري وغيره من أهل العلم انتهى. ويدل على الجواز حديث إسماعيل بن إبراهيم الآتي فيكون على هذا الخطبة في النكاح مندوبة. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي حديث حسن. ومنهم من أخرجه عن أبي الأحوص وحده، ومنهم من أخرجه عنهما. انتهى. وزاد ابن ماجه بعد قوله أن الحمد لله لفظة نحمده وبعده قوله من شرور أنفسنا لفظة ومن سيئات أعمالنا. وزاد الدارمي بعد قوله عظيماً ثم يتكلم بحاجته.
-"عن أبي عياض" اسمه عمرو بن الأسد العنسي بنون أو الهمداني أحد زهاد الشام مخضرم ثقة عابد من كبار التابعين، مات في خلافة معاوية "كان إذا تشهد" أي خطب "ذكر نحوه" أي نحو الحديث المذكور "أرسله بالحق" أي بالهدى "بشيراً" من أجاب إليه "ونذيراً" من لم يجب إليه "بين يدي الساعة" أي قدامها. قال المنذري: في إسناده عمران بن داوود القطان، وفيه مقال.
-"عن رجل من بني سليم" قال في الخلاصة هو عباد بن شيبان "خطبت" من الخطبة بالكسر "أمامة بنت عبد المطلب" أي عمته صلى الله عليه وسلم "فأنكحني من غير أن يتشهد" أي يخطب. وفيه دليل على جواز النكاح بغير الخطبة. قال المنذري: وأخرجه البخاري في تاريخه الكبير وذكر الاختلاف فيه وذكر في بعضها: خطبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم عمته فأنكحني ولم يتشهد، وفي بعضها: ألا أنكحك أمامة بنت ربيعة بن الحارث. وقال البخاري إسناده مجهول انتهى.
"قال لنا أبو عيسى" هو الإمام الحافظ أبو عيسى إسحاق بن موسى بن سعيد الرملي أحد

(6/110)


.............................
ـــــــ
رواة هذا السنن عن المؤلف أبي داوود، وروى عنه الحافظ أبو عمرو أحمد بن دحيم بن خليل، ولعل قائل قال لنا الخ تلميذه هذا أو تلميذ آخر من تلامذته "قيل له أيجوز هذا" أي جواز النكاح بغير الخطبة "أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم " كحديث سهل بن سعد الساعدي المتقدم لأن الخطبة لم تذكر في شيء من طرقه.
قال الحافظ تحت حديث سهل: وفيه أنه لا يشترط في صحة العقد تقدم الخطبة إذا لم يقع في شيء من طرق هذا الحديث وقوع حمد ولا تشهد ولا غيرهما من أركان الخطبة، وخالف في ذلك الظاهرية فجعلوها واجبة ووافقهم من الشافعية أبو عوانة فترجم في صحيحه باب وجوب الخطبة عند العقد انتهى.

(6/111)


34 - باب في تزويج الصغار
2121 - حدثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ وَ أبُو كَامِلٍ قالا أخبرنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ هِشَام بن عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عن عَائِشَةَ قالَتْ: تَزَوّجَنِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَأَنَا بِنْتُ سَبْعٍ [سبع سنين] قالَ سلَيْمَانُ: أَوْ سِتّ، وَدَخَلَ بي وَأَنَا بِنْتُ تِسْعٍ.
ـــــــ
باب في تزويج الصغار
"قال سليمان أو ست" يعني قال سليمان في روايته وأنا بنت سبع أو ست بالشك.
واعلم أنه وقع في رواية لمسلم تزوجني وأنا بنت سبع وفي أكثر رواياته بنت ست. قال النووي: فالجمع بينهما أنه كان لها ست وكسر، ففي رواية اقتصرت على السنين، وفي رواية عدت السنة التي دخلت فيها والله أعلم انتهى. والحديث يدل على أنه يجوز للأب أن يزوج بنته الصغيرة. قال النووي: أجمع المسلمون على جواز تزويجه بنته البكر الصغيرة لهذا
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وروى النسائي من حديث هشام بن عروة عن بيه عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها لسبع سنين ودخل عليها لتسع سنين ثم روى من حديث الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها وهي بنت تسع ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة ثم روى من حديث مطرف بن طريف عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة قال قالت عائشة تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم لتسع سنين وصحبته تسعا وليس شيء من هذا بمختلف فإن عقده صلى الله عليه وسلم عليها كان وقد استكملت ست سنين ودخلت في السابعة وبناؤه بها كان لتسع سنين من مولدها فعبر عن العقد بالتزويج وكان لست سنين وعبر عن البناء بها بالتزويج وكان لتسع فالروايتان حق.

(6/111)


............................
ـــــــ
الحديث وإذا بلغت فلا خيار لها في فسخه عند مالك والشافعي وسائر فقهاء الحجاز. وقال أهل العراق: لها الخيار إذا بلغت، وأما غير الأب والجد فلا يجوز أن يزوجها عند الشافعي والثوري ومالك وابن أبي ليلى وأحمد وأبي ثور وأبي عبيد والجمهور. قالوا: فإن زوجها لم يصح. وقال الأوزاعي وأبو حنيفة وآخرون من السلف: يجوز لجميع الأولياء ويصح، ولها الخيار إذا بلغت إلا أبا يوسف فقال: لا خيار لها انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.

(6/112)


35- باب في المقام عند البكر
2122 - حدثنا زُهَيْرُ بن حَرْبٍ أخبرنا يَحْيَى عن سفْيَانَ قال حَدّثَني مُحمّدُ بن أبي بَكْرٍ عن عبد المَلِكِ بن أبي بَكْرٍ عن أبِيهِ عن أُمّ سَلَمَةَ: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لَمّا تَزَوّجَ أُمّ سَلَمَةَ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلاَثاً ثُمّ قال "لَيْسَ بِكِ [لك] عَلَى أَهْلِكِ هَوَانٌ، إنْ شِئْتِ سَبّعْتُ لَكِ، وَإِنْ سَبّعْتُ لَكِ سَبّعْتُ لِنِسَائِي" .
2123 - حدثنا وَهْبُ بنُ بَقِيّةَ وَ عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ عنْ هُشَيْمٍ عن حُمَيْدٍ عنْ أَنَسِ بن مَالِكٍ قالَ: لَمّا أَخَذَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم صَفِيّةَ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلاَثاً .
ـــــــ
باب في المقام عند البكر
أي إقامة الزوج عندها بعد الزفاف "أقام عندها ثلاثاً" أي ثلاث ليال "ليس بك على أهلك هوان" أي احتقار، والمراد بالأهل قبيلتها والباء للسببية أي لا يلحق أهلك بسببك هوان، وقيل أراد بالأهل نفسه صلى الله عليه وسلم وكل من الزوجين أهل، والباء متعلقة بهوان أي ليس اقتصاري على الثلاثة لهوانك عليّ ولا لعدم رغبة فيك ولكن لأنه الحكم "إن شئت سبعت لك وإن سبعت لك سبعت لنسائي" وفي رواية لمسلم: وإن شئت ثلثت ثم درت، قالت ثلث. وفي رواية الدارقطني: إن شئت أقمت عندك ثلاثاً خالصة لك وإن شئت سبت لك وإن سبعت لك سبعت لنسائي. قالت تقيم معي ثلاثاً خالصة. قال في النهاية: اشتقوا فعل من الواحد إلى العشرة، فمعنى سبع أقام عندها سبعاً، وثلث أقام عندها ثلاثاً. وفي الحديث دليل على أن الزوج إذا تعدي السبع للبكر والثلاث للثيب بطل الإيثار ووجب قضاء سائر الزوجات مثل تلك المدة بالنص في الثيب والقياس في البكر، ولكن إذا وقع من الزوج تعدي تلك المدة بإذن الزوجة. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه.
"لما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية" هي بنت حيي بن أخطب الإسرائيلية أم المؤمنين من

(6/112)


زَادَ عُثْمانُ: وَكَانَتْ ثَيّباً. وَقالَ حَدّثَني هُشَيْمٌ أنبأنا حُمَيْدٌ أخبرنا أَنَسٌ".
2124 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا هُشَيْمٌ وَ إِسْمَاعِيلَ بنُ عُلَيّةَ عن خَالِدِ الْحَذّاءِ عن أبي قِلاَبَةَ عن أنَسِ بنِ مَالِكٍ قالَ: إِذَا تَزَوّجَ الْبِكْرَ عَلَى الثّيّبِ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعاً، وَإِذَا تَزَوّجَ الثّيّبَ أَقَامَ عِنْدَها ثَلاَثاً. وَلَوْ قُلْتُ إِنّهُ رَفَعَهُ لَصَدَقْتُ وَلَكِنّهُ قالَ السّنّةَ كذَلِكَ.
ـــــــ
بنات هارون عليه السلام أعتقها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزوجها "زاد عثمان" أي في روايته "وكانت" أي صفية "وقال" أي عثمان "حدثني هشيم أنبأنا حميد أخبرنا أنس" وأما وهب بن بقية فقال عن هشيم عن حميد عن أنس بالعنعنة في المواضع الثلاثة. قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"إذا تزوج" أي الرجل "البكر على الثيب" أي تكون عنده امرأة فيتزوج معها بكراً "ولو قلت" القائل أبو قلابة "إن رفعه لصدقت" كأنه يشير إلى أنه لو صرح برفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم لكان صادقاً ويكون روي بالمعنى وهو جائز عنده، ولكنه رأى أن المحافظة على اللفظ أولى.
وقال ابن دقيق العيد: قول أبي قلابة يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون ظن أنه سمعه عن أنس مرفوعاً لفظاً فتحرر عنه تورعاً، والثاني: أن يكون رأى أن قول أنس من السنة في حكم المرفوع فلو عبر عنه بأنه مرفوع على حسب اعتقاده لصح لأنه في حكم المرفوع. قال والأول أقرب لأن قوله من السنة يقتضي أن يكون مرفوعاً بطريق اجتهادي محتمل، وقوله إنه رفعه نص في رفعه، وليس للراوي أن ينقل ما هو ظاهر محتمل إلى ما هو نص غير محتمل انتهى.
قال الشوكاني: وبهذا يندفع ما قاله بعضهم من عدم الفرق بين قوله من السنة، كذا وبين رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد روى هذا الحديث جماعة عن أنس وقالوا فيه قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كما في البيهقي والدارقطني والدارمي وغيرهم انتهى مختصراً. وأحاديث الباب تدل على أن البكر تؤثر بسبع والثيب بثلاث. قيل: وهذا في حق من كان له زوجة قبل الجديدة.
وقال ابن عبد البر حاكياً عن جمهور العلماء: إن ذلك حق للمرأة بسبب الزفاف وسواء عنده زوجة أم لا. وحكى النووي أنه يستحب إذ لم يكن عنده غيرها وإلا فيجب. قال في الفتح: وهذا يوافق كلام أكثر الأصحاب واختار النووي أن لا فرق وإطلاق الشافعي يعضده، ويمكن التمسك لقول من اشترط أن يكون عنده زوجة قبل الجديدة بقوله في حديث أنس المذكور إذا تزوج البكر على الثيب، ويمكن الاستدلال لمن لم يشترط بقوله في حديث أنس المذكور أيضاً. للبكر سبع وللثيب ثلاث.

(6/113)


..............................
ـــــــ
قال الحافظ: لكن القاعدة أن المطلق محمول على المقيد، قال وفيه يعني حديث أنس المذكور حجة على الكوفيين في قولهم إن البكر والثيب سواء، وعلى الأوزاعي في قوله للبكر ثلاث وللثيب يومان، وفيه حديث مرفوع عن عائشة أخرجه الدارقطني عن عائشة بسند ضعيف جداً انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي.

(6/114)


36 - باب في الرجل يدخل بامرأته قبل أن ينقدها شيئا
2125 - حدثنا إسْحَاقَ بنُ إِسْمَاعِيلَ الطّالْقَانِيّ أخبرنا عبد ةُ أخبرنا سَعِيدٌ عن أيّوبَ عن عِكْرِمَةَ عن ابن عَبّاسٍ قالَ: لَمّا تَزَوّجَ عَلِيّ فَاطِمَةَ قالَ لَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: أَعْطِهَا شَيْئاً قالَ مَا عِنْدِي شَيْءٌ. قالَ: أَيْنَ دِرْعُكَ الْحُطَمِيّةُ .
2126 - حدثنا كَثِيرُ بنُ عُبَيْدِ الْحِمْصيّ أخبرنا أبُو حَيْوَةَ عن شُعْيبٍ يَعْنِي ابنَ أبي حَمْزَةَ حَدّثَني غَيْلاَنُ بنُ أنَسٍ حدثنا مُحمّدُ بنُ عبد الرّحْمَنِ بنِ ثَوْبَانَ عن رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: أَنّ عَلِيّا رَضِيَ الله عَنْهُ لَمّا تَزَوّجَ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم،
ـــــــ
باب في الرجل يدخل بامرأته قبل أن ينقدها شيئا
قال في المصباح: نقدت الدارهم نقداً من باب قتل والفاعل ناقد، ونقدت الرجل الدارهم بمعنى أعطيته فيتعدى إلى مفعولين انتهى
"لما تزوج على فاطمة" هي سيدة نساء العالمين تزوجها عليّ رضي الله عنه في السنة الثانية من الهجرة في شهر رمضان وبنى عليها في ذي الحجة ولدت له الحسن والحسين والمحسن وزينب ورقية وأم كلثوم، وماتت بالمدينة بعد موته صلى الله عليه وسلم بستة أشهر "قال أين درعك الحطمية" بضم الحاء المهملة وفتح الطاء المهملة منسوبة إلى الحطم سميت بذلك لأنها تحطم السيوف، وقيل: منسوبة إلى بطن من عبد القيس يقال له حطمة بن محارب كانوا يعملون الدروع كذا في النهاية. وفي الحديث دليل على أنه ينبغي تقديم شيء للزوجة قبل الدخول بها جبراً لخاطرها وهو المعروف عند الناس كافة، ولم يذكر في الرواية هل أعطاها درعه المذكورة أو غيرها. وقد وردت روايات في تعيين ما أعطى عليّ فاطمة رضي الله عنهما، إلا إنها غير مستندة. قاله في السبل قلت قد جاء في الرواية الآتية تعيين ما أعطي علي فاطمة رضي الله عنهما وقد سكت عنها أبو داوود والمنذري، قال المنذري: وأخرجه النسائي.

(6/114)


رَضِيَ الله عَنْهَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ بها فَمَنَعَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم حَتّى يُعْطِيَها شَيْئاً، فَقالَ: يا رسول الله لَيْسَ لِي شَيْءٌ، فَقالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: أعْطِهَا دِرْعَكَ فَأَعْطَاهَا دِرْعَهُ ثُمّ دَخَلَ بها .
2127 - حدثنا كَثِيرٌ يَعْنِي ابنَ عُبَيْدٍ أخبرنا أبُو حَيْوَةَ عنْ شُعَيْبٍ عن غَيْلاَنَ عن عِكْرِمَةَ عن ابن عَبّاسٍ مِثْلَهُ.
2128 - حدثنا مُحمّدُ بنُ الصّبّاحِ الْبَزّازُ أخبرنا شَريكٌ عن مَنْصُورٍ عن طَلْحَةَ عن خَيْثَمَةَ عن عَائِشَةَ قالَتْ: أمَرَني رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ أُدْخِلَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِها قَبْلَ أَنْ يُعْطِيَها شَيْئاً .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: وَخَيْثَمَةُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَائِشَةَ.
2129 - حدثنا مُحمّدُ بنُ مَعْمَرٍ أخبرنا مُحمّدُ بنُ بَكْرٍ البُرْسَانِيّ أنبأنا ابنُ جُرَيْجٍ
ـــــــ
"فمنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يعطيها شيئاً" فيه دليل لمن قال: إنه يجوز الامتناع من تسليم المرأة حتى يسلم الزوج مهرها وكذلك للمرأة الامتناع حتى يسمي الزوج مهرها، وقد تعقب بأن المرأة إذا كانت رضيت بالعقد بلا تسمية وأجازته فقد نفذ وتعين به مهر المثل ولم يثبت لها الإمتناع، وإن لم تكن رضيت به بغير تسمية ولا إجازة فلا عقد رأساً فضلاً عن الحكم بجواز الامتناع، وكذلك يجوز للمرأة أن تمتنع حتى يعين الزوج مهرها ثم حتى يسلمه.
قيل: وظاهر الحديث أن المهر لم يكن مسمى عند العقد، وتعقب بأنه يحتمل أنه كان مسمى عند العقد ووقع التأجيل به، ولكنه صلى الله عليه وسلم أمره بتقديم شيء منه كرامة للمرأة وتأنيساً. كذا في النيل.
"أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أدخل" من الإدخال "قبل أن يعطيها شيئاً" فيه أنه لا يشترط في صحة النكاح أن يسلم الزوج إلى المرأة مهرها قبل الدخول. قال العلامة القاضي الشوكاني: ولا أعرف في ذلك اختلافاً "قال أبو داوود وخيثمة لم يسمع من عائشة" هذه العبارة لم توجد في جميع النسخ، بل إنما وجدت في بعضها، وخيثمة هذا هو ابن عبد الرحمَن بن أبي سبرة الجعفي الكوفي عن أبيه وعلي وعائشة وأبي هريرة وجماعة، وعنه إبراهيم والحكم بن عتيبة وعمرو بن مرة وطلحة بن مصرف قال الأعمش: ورث خيثمة مائتي ألف درهماً فأنفقها على الفقراء، وثقه ابن معين والعجلي. كذا في الخلاصة. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه.

(6/115)


عنْ عَمْرٍو ابن شُعَيْبٍ عن أبِيهِ عن جَدّهِ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أَيّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ عَلَى صَدَاقٍ أوْ حِبَاءٍ أوْ عِدّةٍ قَبْلَ عِصْمَةِ النّكَاحِ فَهُوَ لَها، وَمَا كانَ بَعْدَ عِصْمَةِ النّكَاحِ فَهُوَ لِمَنْ أَعْطِيَهُ، وَأَحَقّ مَا أُكْرِمَ عَلَيْهِ الرّجُلُ ابْنَتُهُ أَوْ أُخْتهُ" .
ـــــــ
"أيما امرأة نكحت" أي تزوجت "على صداق أو حباء" بكسر الحاء المهملة وتخفيف الباء الموحدة مع المد أصله العطية وهو المسمي عند العرب بالحلوان قاله العلامة العزيزي. وقال في السبل: الحباء العطية للغير أو للزوج زائداً على مهرها "أو عدة" بكسر العين وفتح الدال المهملتين.
قال العلقمي: ظاهره أنه يلزمه الوفاء وعند ابن ماجه أو هبة بدل العدة "قبل عصمة النكاح" أي قبل عقد النكاح "فهو لها" أي مختص بها دون أبيها لأنه وهب لها قبل العقد الذي شرط فيه لأبيها ما شرط وليس لأبيها حق فيه إلا برضاها "وما كان بعد عصمة النكاح فهو لمن أعطيه" أي وما شرط من نحو هبة بعد عقد النكاح فهو حق لمن أعطيه، ولا فرق بين الأب وغيره "وأحق ما أكرم" بالبناء للمجهول "عليه الرجل" أي لأجله فعلي للتعليل. قال العلقمي قال ابن رسلان: قال القرطبي: أحق ما أكرم عليه استئناف يقتضي الحض على إكرام الولي تطييباً لنفسه "ابنته" بالرفع خبر مبتدأ الذي هو أحق ويجوز نصبه على حذف كان والتقدير أحق ما أكرم لأجله الرجال إذا كانت ابنته "أو أخته" ظاهر العطف أن الحكم لا يختص بالأب بل كل ولي كذلك.
وفي الحديث دليل على أن المرأة تستحق جميع ما يذكر قبل العقد من صداق أو حباء أو عدة ولو كان ذلك الشيء مذكوراً لغيرها، وما يذكر بعد عقد النكاح فهو لمن جعل له سواء كان ولياً أو غير ولي أو المرأة نفسها، وقد ذهب إلى هذا عمر بن عبد العزيز والثوري وأبو عبيد ومالك، وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن الشرط لازم لمن ذكره من أخ أو أب والنكاح صحيح. وذهب الشافعي أن تسمية المهر تكون فاسدة ولها صداق المثل كذا في النيل والسبل. وقال الخطابي في المعالم تحت هذا الحديث: وهذا مأول على ما يشترطه الولي لنفسه سوى المهر وقد اختلف الناس في وجوبه فقال سفيان الثوري ومالك في الرجل ينكح المرأة على أن لأبيها كذا وكذا شيئاً اتفقا عليه سوى المهر أن ذلك كله للمرأة دون الأب، وكذلك روى عن عطاء وطاؤس. وقال أحمد هو للأب ولا يكون ذلك لغيره من الأولياء لأن يد الأب مبسوطة في مال الولد وروي عن علي بن الحسين أنه زوج ابنته رجلاً فاشترط لنفسه مالاً. وعن مسروق أنه زوج ابنته رجلاً واشترط لنفسه عشرة آلاف درهم يجعلها في الحج والمساكين. وقال

(6/116)


...........................
ـــــــ
الشافعي: إذا فعل ذلك فلها مهر مثلها ولا شيء للولي انتهى. قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه. وقد تقدم اختلاف الحفاظ في الاحتجاج بحديث عمرو بن شعيب.

(6/117)


37 - باب ما يقال للمتزوج
2130 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سعِيدٍ أخبرنا عبد الْعَزِيزِ يَعْنِي ابنَ مُحمّدٍ عن سُهَيْلٍ عن أبِيهِ عن أَبي هُرَيْرَةَ: أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كانَ إِذَا رَفّأَ الاْنْسَانَ إذَا تَزَوّجَ قالَ: "بَارَكَ الله لَكَ، وَبَارَكَ عَلَيْكَ، وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ" .
ـــــــ
باب ما يقال للمتزوج
من الدعاء "كان إذا رفأ الانسان" بتشديد الفاء وهمزة وقد لا يهمز أي هناه ودعا له، وكان من دعائهم للمتزوج أن يقولوا بالرفاء والبنين ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقال للمتزوج بالرفاء والبنين. قال ابن الأثير الرفاء الالتئام والاتفاق والبركة والنماء وهو من قولهم رفأت الثوب رفأ ورفوته ورفوا، وإنما نهي عنه كراهية لأن كان من عادتهم ولهذا سن فيه غيره انتهى "وجمع بينكما في خير" قال الزمخشري: معناه أنه كان يضع الدعاء له بالبركة موضع الترفية المنهي عنها قال المنذري: والحديث أخرجه الترمذي النسائي وابن ماجه. وقال الترمذي: حسن صحيح.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
على قول الخطابي في معنى رفأ فعلى الأول أصله رفأ بالهمز ثم خفف فقيل رفأ وعلى الثاني أصله الواو فهو من المعتل قال الجوهري رفوت الرجل سكنته من الرعب ثم ذكر بيت أبي خراش الهذلي والمرافاة الاتفاق قال:
ولما أن رأيت أبا رويم ... يرافيني ويكره أن يلاما
والرفا الالتحام والاتفاق ويقال رفيته ترفية إذا قلت للمتزوج بالرفاء والبنين قال ابن السكيت وإن شئت كان معناه السكون والطمأنينة من رفوت الرجل إذا سكنته تم كلامه ثم ذكر المنذري حديث عقيل قال ابن القيم رحمه الله بعده وقد رواه النسائي في سننه عن الحسن قال تزوج عقيل بن أبي طالب امرأة من بني خيثم فقيل له بالرفاء والبنين فقال قولوا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بارك الله فيكم وبارك لكم"

(6/117)


38 - باب الرجل يتزوج المرأة فيجدها حبلى
2131 - حدثنا مَخْلَدُ بنُ خَالِدٍ وَ الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ وَ مُحَمّدُ بنُ أبي السّرِيّ المَعْنَى قالُوا أخبرنا عبد الرّزّاقِ أنبأنا ابنُ جُرَيْجٍ عن صَفْوَانَ بنِ سُلَيْمٍ عن سَعِيدِ بن المُسَيّبٍ عن رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ قالَ ابنُ أبي السّرِيّ مِنْ أصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَلَمْ يَقُلْ مِنَ الأنْصَارِ، ثُمّ اتّفَقُوا يُقَالُ لَهُ بَصْرَةُ قالَ: تَزَوّجْتُ امْرَأَةً بِكْرًا في سِتْرِهَا، فَدَخَلْتُ عَلَيْهَا، فَإِذَا هِيَ حُبْلَى، فَقَالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "لهَا الصّدَاقُ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا وَالْوَلَدُ عبد لَكَ، فإِذَا وَلَدَتْ ، قال الْحَسَنُ: فاجْلِدْهَا . وَقال ابنُ أبي السّرِيّ: فاجْلِدُوهَا" أوْ قال: "فَحُدّوهَا".
ـــــــ
باب الرجل يتزوج المرأة فيجدها حبلى
"ثم اتفقوا" أي مخلد بن خالد والحسن بن علي ومحمد بن أبي السري "يقال له" أي لذلك الرجل "بصرة" بفتح أوله وسكون المهملة ابن أكثم بالمثلثة، ويقال بسرة بضم أوله وبالسين، ويقال نضلة بنون مفتوحة ومعجمة صحابي من الأنصار. كذا في التقريب "والولد عبد لك" قال الخطابي في المعالم: لا أعلم أحداً من العلماء اختلف في أن ولد الزنا حر إن كان من حرة فكيف يستعبده، ويشبه أن يكون معناه إن ثبت الخبر أنه أوصاه به خيراً وأمره باصطناعه وتربيته واقتنائه لينتفع بخدمته إذا بلغ فيكون كالعبد له في الطاعة مكافأة له على إحسانه وجزاء لمعروفه، وقيل في المثل: بالبر يستعبد الحر انتهى. "قال الحسن" أي ابن علي "فاجلدها" أي بصيغة الواحد "وقال ابن أبي السري فاجلدوها" أي بصيغة الجمع "أو قال
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
هذا الحديث قد اضطرب في سنده وحكمه واسم الصحابي راويه فقيل بصرة بالباء الموحدة والصاد المهملة وقيل نضرة بالنون المفتوحة والضاد المعجمة.
وقيل نضلة بالنون والضاد المعجمة. واللام وقيل بسرة بالباء الموحدة والسين المهملة وقيل نضرة بن أكثم الخزاعي وقيل الأنصاري وذكر بعضهم أنه بصرة بن أبي بصرة الغفاري ووهم قائله وقيل بصرة هذا مجهول وله علة عجيبة وهي أنه حديث يرويه ابن جريج عن صفوان بن سليم عن سعيد بن المسيب عن رجل من الأنصار وابن جريج لم يسمعه من صفوان إنما رواه عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي عن صفوان وإبراهيم هذا متروك الحديث تركه أحمد بن

(6/118)


قالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ قَتَادَةُ عن سَعِيدِ بنِ يَزِيدَ عن ابنِ المُسَيّبِ، وَرَوَاهُ يَحْيَى بنُ أبي كَثِير عن يَزِيدَ بنِ نُعَيْمٍ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ وَعَطَاءٍ الْخُراسَانيّ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ، أَرْسَلُوهُ كُلّهُمْ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم. وفي حَدِيثِ يَحْيَى بنِ أبي كَثِيرٍ أَنّ بَصْرَةَ بنَ أكْثَمَ نَكَحَ امْرَأَةً، وكُلّهُمْ قال في حَدِيثِهِ جَعَلَ الْوَلَدَ عبدا لَهُ".
ـــــــ
فحدوها" شك من الراوي "أرسلوه كلهم عن النبي صلى الله عليه وسلم " أي روى قتادة ويحيى بن أبي كثير وعطاء الخراساني كل من هؤلاء الثلاثة مرسلاً "وفي حديث يحيى بن أبي كثير أن بصرة بن أكثم" قال الحافظ في التقريب: بصرة بن أكثم بالمثلثة كما تقدم "فذكر معناه" أي فذكر
ـــــــ
حنبل ويحيى بن معين وابن المبارك وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان وغيرهم وسئل عنه مالك بن أنس: أكان ثقة فقال لا ولا في دينه.
وله علة أخرى وهي أن المعروف أنه إنما يروي مرسلا عن سعيد بن المسيب عن النبي صلى الله عليه وسلم كذا رواه قتادة ويزيد بن نعيم وعطاء الخراساني كلهم عن سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر عبدالحق هذين التعليلين ثم قال والإرسال هو الصحيح.
وقد اشتمل على أربعة أحكام:
أحدها: وجوب الصداق عليه بما استحل من فرجها وهو ظاهر لأن الوطء فيه غايته أن يكون وطء شبهة إن لم يصح النكاح.
الثاني: بطلان نكاح الحامل من الزنا وقد اختلف في نكاح الزانية فمذهب الإمام أحمد بن حنبل أنه لا يجوز تزوجها حتى تتوب وتنقضي عدتها فمتى تزوجها قبل التوبة أو قبل انقضاء عدتها كان النكاح فاسدا ويفرق بينهما وهل عدتها ثلاث حيض أو حيضة على روايتين عنه ومذهب الثلاثة أنه يجوز أن يتزوجها قبل توبتها والزنا لا يمنع عندهم صحة العقد كما لم يوجب طريانه فسخه.
ثم اختلف هؤلاء في نكاحها في عدتها فمنعه مالك احتراما لماء الزوج وصيانة لاختلاط النسب الصريح بولد الزنا وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنه يجوز العقد عليها من غير انقضاء عدة ثم اختلفا فقال الشافعي يجوز العقد عليها وإن كانت حاملا لأنه لا حرمة لهذا الحمل وقال أبو يوسف وأبو حنيفة في إحدى الروايتين عنه لا يجوز العقد عليها حتى تضع الحمل لئلا يكون الزوج قد سقى ماءه زرع غيره ونهى النبي صلى الله عليه وسلم أن توطأ المسبية الحامل حتى تضع مع أن حملها مملوك له فالحامل من الزنا أولى أن لا توطأ حتى تضع ولأن ماء الزاني وإن لم يكن له حرمة فماء الزوج محترم فكيف يسوغ له أن يخلطه بماء الفجور ولأن النبي صلى الله عليه وسلم هم بلعن الذي يريد أن يطأ أمته الحامل من غيره

(6/119)


2132 - حدثنا مُحمّدُ بنُ المُثَنّى أخبرنا عُثْمانُ بنُ عُمَرَ أخبرنا عَلِيّ - يَعني ابنَ المُبَارَكِ - عن يَحْيَى [يحيى – يعني ابن كثير] عن يَزِيدَ بنِ نُعَيْمٍ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ أَنّ رَجُلاً يُقَالُ لَهُ بَصْرَةَ بنُ أكْثَمَ نَكَحَ امْرَأَةً، فَذَكَرَ مَعْنَاهُ، زَادَ: وَفَرّقَ بَيْنَهُمَا.
وَحَدِيثُ ابنُ جُرَيْجٍ أَتَمّ.
ـــــــ
محمد بن المثنى معنى الحديث المذكور "زاد" أي محمد بن المثني في روايته. قال الإمام الخطابي في المعالم: في الحديث حجة إن ثبت لمن رأى الحمل من الفجور يمنع عقد النكاح وهو قول سفيان الثوري وأبي يوسف وأحمد وإسحاق وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن: النكاح جائز وهو قول الشافعي والوطء على مذهبه مكروه ولا عدة عليها في قول أبي يوسف وكذلك عند الشافعي. قال ويشبه أن يكون إنما جعل لها صداق المثل دون المسمي لأن في هذا الحديث من رواية ابن نعيم عن ابن المسيب أنه فرق بينهما. ولو كان النكاح وقع صحيحاً لم يجز التفريق لأن حدوث الزنا بالمنكوحة لا يفسخ النكاح ولا يوجب للزوج الخيار. وقد يحتمل أن يكون الحديث إن كان له أصل منسوخاً والله أعلم انتهى. والحديث سكت عنه المنذري.
ـــــــ
وكانت مسبية مع انقطاع الولد عن أبيه وكونه مملوكا له وقال أبو حنيفة في الرواية الأخرى يصح العقد عليها ولكن لا توطأ حتى تضع.
الثالث وجوب الحد بالحبل وهذا مذهب مالك وأحمد في إحدى الروايتين وحجتهم قول عمر رضي الله عنه والرجم حق على من زنى من الرجال والنساء إذا كان محصنا إذا قامت البينة أو كان حمل أو اعتراف متفق عليه ولأن وجود الحمل أمارة ظاهرة على الزنا أظهر من دلالة البينة وما يتطرق إلى دلالة الحمل يتطرق مثله إلى دلالة البينة وأكثر. وحديث بصرة هذا فيه أنه أمره بجلدها بمجرد الحمل من غير اعتبار بينة ولا إقرار.
ونظير هذا حد الصحابة في الخمر بالرائحة والقيء.
الحكم الرابع إرفاق ولد الزنا وهو موضع الإشكال في الحديث وبعض الرواة لم يذكره في حديثه كذلك رواه سعيد وغيره وإنما قالوا ففرق بينهما وجعل لها الصداق وجلدها مائة وعلى هذا فلا إشكال في الحديث وإن ثبتت هذه اللفظة فقد قيل إن هذا لعله كان في أول الإسلام حين كان الرق يثبت على الحر المدين ثم نسخ وقيل إن هذا مجاز والمراد به استخدامه.

(6/120)


39 - باب في القسم بين النساء
2133 - حدثنا أبُو الْوَلِيدِ الطّيَالِسِيّ أخبرنا هَمّامٌ أخبرنا قَتَادَةَ عن النّضْرِ بنِ أنَسٍ عن بَشِيرٍ ابنِ نَهِيكٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إلَى إحْدَاهُما جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقّهُ مَائِلٌ" .
2134 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عن أيّوبَ عن أبي قِلاَبة عن عبد الله بنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيّ عن عَائِشَةَ قالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَقْسِمُ فَيَعْدِلُ وَيقُولُ: "اللّهُمّ هَذَا قَسَمِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلاَ تَلُمْني فِيمَا تَمْلِكُ وَلا أَمْلِكُ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: يَعْني الْقَلْبَ.
ـــــــ
باب في القسم بين النساء
"من كانت له امرأتان" أي مثلاً "فمال إلى إحداهما" أي فلم يعدل بينهما بل مال إلى إحداهما دون الأخرى "وشقه" أي أحد جنبيه وطرفه "مائل" أي مفلوج. والحديث دليل على أنه يجب على الزوج التسوية بين الزوجات، ويحرم عليه الميل إلى إحداهن. وقد قال تعالى {فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ} والمراد الميل في القسم والانفاق لا في المحبة لأنها مما لا يملكه العبد . قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه. وقال الترمذي: لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث همام يعني ابن يحيى.
"الخطمي" بفتح الخاء المعجمة وسكون الطاء المهملة نسبة إلى خطمة فخذ من الأوس "يقسم فيعدل" أي فيسوي بين نسائه في البيتوتة. واستدل به من قال إن القسم كان واجباً عليه. وذهب البعض إلى أنه لا يجب عليه واستدلوا بقوله تعالى {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ} الآية، وذلك من خصائصه "اللهم هذا" أي هذا العدل "قسمي" بفتح القاف "فيما أملك" أي فيما أقدر عليه "فلا تلمني" أي فلا تعاتبني أو لا تؤاخذني "فيما تملك ولا أملك" أي من زيادة المحبة وميل القلب فإنك مقلب القلوب "يعني القلب" هذا تفسير من المؤلف لقوله ما تملك ولا أملك. وقال الترمذي: يعني به الحب والمودة كذلك فسره أهل العلم. والحديث يدل على أن المحبة وميل القلب أمر غير مقدور للعبد بل هو من الله تعالى، ويدل له قوله تعالى {وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} بعد قوله {لوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} وبه فسر {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه. وذكر الترمذي والنسائي أنه روي مرسلاً، وذكر الترمذي أن المرسل أصح.

(6/121)


2135 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ أخبرنا عبدالرّحْمَنِ - يَعْني ابنَ أبي الزّنَادِ عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن أبِيهِ قال: قالَتْ عَائِشَةُ: يَا ابْنَ أُخْتِي كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لا يُفَضّلُ بَعْضَنَا عَلَى بَعْضٍ في الْقَسْمٍ مِنْ مُكْثِهِ عِنْدَنَا. وكَانَ قَلّ يَوْمٌ إِلاّ وَهُوَ يَطُوفُ عَلَيْنَا جَمِيعاً فَيَدْنُو مِنْ كلّ امْرَأَةٍ مِنْ غَيْرِ مَسِيسٍ حتى يَبْلُغَ إلَى التي هُوَ يَوْمُهَا فَيَبِيتُ عِنْدَهَا، وَلَقَدْ قالَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ حِينَ أَسَنّتْ وَفَرِقَتْ أَنْ يُفَارِقَهَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله يَوْمِي لِعَائِشَةَ، فَقَبِلَ ذَلِكَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مِنْهَا. قالَتْ نَقُولُ [تقول] في ذَلِكَ: أنْزَلَ الله عَزّوَجَلّ وَفي أَشْبَاهِها أُرَاهُ قال: {وَإِن امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً} .
2136 - حدثنا يَحْيَى بنُ مَعينٍ وَ مُحمّدُ بنُ عِيسَى المعنى قالا حدثنا عَبّادُ بنُ عَبّادٍ عن عَاصِمٍ عن مُعَاذَةَ عن عَائِشَةَ قالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَسْتَأْذِنّا [يستأذننا] إذَا كَانَ في يَوْمِ المَرْأَةِ مِنّا بَعْدَ ما نَزَلَتْ {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنّ وَتُؤْوِي إلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ}
ـــــــ
"يا ابن أختي" أي أسماء بنت أبي بكر "لا يفضل" من باب التفعيل "من مكثه عندنا" هذا بيان القسم، والمكث الإقامة والتلبث في المكان "وكان قل يوم إلا وهو يطوف علينا جميعاً فيدنو من كل امرأة" وفي رواية أحمد ما من يوم إلا وهو يطوف علينا جميعاً امرأة امرأة فيدنو ويلمس "من غير مسيس" وفي رواية من غير وقاع وهو المراد ههنا "سودة بنت زمعة" هي زوج النبي صلى الله عليه وسلم وكان تزوجها وهو بمكة بعد موت خديجة ودخل عليها بها وهاجرت معه "حين أسنت" أي كبرت "وفرقت" بكسر الراء من باب سمع أي خافت "يا رسول الله يومي لعائشة" أي نوبتي ووقعت بيتوتي لعائشة والحديث فيه دليل على أنه يجوز للرجل الدخول على من لم يكن في يومها من نسائه والتأنيس لها واللمس والتقبيل وفيه بيان حسن خلقه صلى الله عليه وسلم وأنه كان خير الناس لأهله وفيه دليل على جواز هبة المرأة نوبتها لضرتها ويعتبر رضي الزوج ولأن له حقاً في الزوجة فليس لها أن تسقط حقه إلا برضائه. قال المنذري: في إسناده عبد الرحمَن بن أبي الزناد وقد تكلم فيه غير واحد، ووثقه الإمام مالك بن أنس واستشهد به البخاري رضي الله عنه. وقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما أن سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة يومها ويوم سودة "يستأذنا" وفي بعض النسخ يستأذننا "في يوم المرأة" بإضافة يوم إلى المرأة أي يوم نوبتها إذا أراد أن يتوجه إلى الأخرى {تُرْجِي} بالهمزة والياء قراءتان متواترتان من أرجا مهموزاً أو منقوصاً أي تؤخر وتترك وتبعد {مَنْ تَشَاءُ} أي مضاجعة من تشاء {وَتُؤْوِي إلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ} أي تضمها إليك وتضاجعها. قال الحافظ في الفتح في تأويل ترجي أقوال

(6/122)


قالَتْ مُعَاذَةُ فَقُلْتُ لَهَا: ما كُنْتِ تَقُولِينَ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم؟ قالَتْ: كُنْتُ أَقُولُ إِنْ كَانَ ذَاكَ إلَيّ لم أَوثِرْ أَحَداً عَلَى نَفْسِي.
2137 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا مَرْحُومُ بنُ عبد الْعَزِيزِ الْعَطّارُ حَدّثَني أبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيّ عن يَزِيدَ بنِ بَابِنُوسَ عن عَائِشَةَ رضي الله عنها: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم بَعَثَ إلَى النّسَاءَ - يَعْني [تَعْني] في مَرَضِهِ - فاجْتَمَعْنَ فقال: إِنّي لا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَدُورَ بَيْنَكُنّ، فإِنْ رَأَيْتُنّ أَنْ تَأْذَنّ لِي فأَكُونُ [فأكن] عِنْدَ عَائِشَةَ فَعَلْتُنّ، فأَذِنّ لَهُ"
2138 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ عَمْرِو بنِ السّرْحِ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ عن يُونُسَ عن ابنِ شِهَابٍ أنّ عُرْوَةَ بنَ الزّبَيْرِ حَدّثَهُ أَنّ عَائِشَةَ زَوْجَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالتْ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا أَرَادَ سَفَراً أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فأَيّتُهُنّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ، وكَانَ يقْسِمُ لِكُلّ امْرَأَةٍ
ـــــــ
أحدها تطلق وتمسك، ثانيها تعتزل من شئت من منهن بغير طلاق وتقسم لغيرها ثالثها تقبل من شئت من الواهبات وترد من شئت انتهى. قال البغوي: أشهر الأقاويل أنه في القسم بينهن وذلك أن التسوية بينهن في القسم كان واجباً عليه، فلما نزلت هذه الآية سقط عنه وصار الاختيار إليه فيهن "إن كان ذاك" أي الاستئذان "إليّ" بتشديد الياء "لم أوثر أحداً على نفسي" قال النووي: هذه المنافسة فيه صلى الله عليه وسلم ليست لمجرد الاستمتاع ولمطلق العشرة وشهوات النفوس وحظوظها التي تكون من بعض الناس، بل هي منافسة في أمور الآخرة والقرب من سيد الأولين والآخرين، والرغبة فيه وفي خدمته ومعاشرته والاستفادة منه، وفي قضاء لحقوقه وحوائجه وتوقع نزول الرحمة والوحي عليه عندها ونحو ذلك انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"يزيد بن بابنوس" بموحدتين بينهما ألف ثم نون مضمومة وواو ساكنة وسين مهملة. قال الحافظ: مقبول من الثالثة "بعث إلى النساء" أي أرسل إليهن أحداً "في مرضه" أي الذي مات فيه "فأذنّ له" بتشديد النون، فكان صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة حتى مات عندها. قال المنذري: ذكر بعضهم عن أبي حاتم الرازي أنه قال يزيد بن بابنوس مجهول ولم أر ذلك في ما شاهدته من كتاب أبي حاتم لعله ذكره في غيره. وذكر البخاري أنه سمع من عائشة وأنه من السبعة الذين قاتلوا علياً رضي الله عنه.
"إذا أراد سفراً" مفهومه اختصاص القرعة بحالة السفر وليس على عمومه بل لتعين القرعة من يسافر بها وتجري القرعة أيضاً فيما إذا أراد أن يقسم بين زوجاته فلا يبدأ بأيهن شاء

(6/123)


مِنْهُنّ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا، غَيْرَ أَنّ سَوْدَةَ بنْتَ زَمْعَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْها.
ـــــــ
بل يقرع بينهن فيبدأ بالتي تخرج لها القرعة إلا أن يرضين بشيء فيجوز بلا قرعة. قاله الحافظ "خرج بها معه" الباء للتعدية أي أخرج النبي صلى الله عليه وسلم المرأة التي خرج سهمها معه صلى الله عليه وسلم في السفر. واستدل بالحديث على مشروعية القرعة في القسمة بين الشركاء وغير ذلك. والمشهور عن الحنفية والمالكية عدم اعتبار القرعة. قال القاضي عياض: هو مشهور عن مالك وأصحابه لأنها من باب الخطر والقمار، وحكي عن الحنفية إجازتها انتهى. قال المنذري: أخرجه البخاري والنسائي وابن ماجه مختصراً ومطولاً.

(6/124)


40 - باب في الرجل يشترط لها دارها
2139 - حدثنا عِيسَى بنُ حَمّادٍ أنبأنا اللّيْثُ عن يَزِيدَ بنِ أبي حَبِيبٍ عن أبي الْخَيْرِ عن عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أَنّهُ قال: "إِنّ أَحَقّ الشّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ ما اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ" .
ـــــــ
باب في الرجل يشترط لها دارها
أي يشترط في العقد الإقامة معها في بلدها فهل يجوز له أن يخرجها من بلدها أم لا، وظاهر الحديث أنه ليس له ذلك.
"أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج" أي أحق الشروط بالوفاء شروط النكاح. وقوله "أحق الشروط" مبتدأ "وأن توفوا به" بدل من الشروط "وما استحللتم به الفروج" خبر، والظاهر أن المراد به كل ما شرط الزوج ترغيباً للمرأة في النكاح ما لم يكن محظوراً. ومن لا يقول بالعموم يجمله على المهر أو على جميع ما تستحقه المرأة من الزوج من المهر والنفقة وحسن المعاشرة ونحوها. قال النووي: قال الشافعي وأكثر العلماء بأن هذا محمول على شروط لا تنافي مقتضى النكاح بل تكون من مقتضياته ومقاصده كاشتراط العشرة بالمعروف والإنفاق عليها وكسوتها وسكناها بالمعروف وأنه لا يقصر في شيء من حقوقها ويقسم لها كغيرها ونحو ذلك، وأما شرط يخالف مقتضاه كشرط أن لا يقسم لها ولا يتسرى عليها ولا ينفق عليها ولا يسافر بها ونحو ذلك فلا يجب الوفاء به بل يلغو الشرط ويصح النكاح بمهر المثل لقوله صلى الله عليه وسلم "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل" وقال أحمد وجماعة: يجب الوفاء بالشرط مطلقاً لحديث "أحق الشروط" انتهى. وفي المعالم للخطابي: كان أحمد بن

(6/124)


............................
ـــــــ
حنبل وإسحاق يريان أن من تزوج امرأة على أن لا يخرجها من دارها فلا يخرج بها من البلد أو ما أشبه ذلك أن عليه الوفاء بذلك، وهو قول الأوزاعي. وقد روى معناه عن عمر بن الخطاب. وقال سفيان الثوري وأصحاب الرأي: إن شاء أن ينقلها عن دارها كان له ذلك وكذلك قال مالك والشافعي انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.

(6/125)


41 - باب في حق الزوج على المرأة
2140 - حدثنا عَمْرُو بنُ عَوْنٍ أنبأنا إِسْحَاقُ بنُ يُوسُفَ عن شَرِيكٍ عن حُصَيْنٍ عن الشّعْبِيّ عن قَيْسِ بنِ سَعْدٍ قال: أَتَيْتُ الْحِيرَةَ فَرَأَيْتُهُمْ يَسْجُدُونَ لِمَرْزُبَانٍ لَهُمْ، فَقُلْتُ: رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَحَقّ أَنْ يُسْجَدَ لَهُ. قال: فأَتَيْتُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ: إِنّي أتَيتُ الحِيرَةَ فَرَأيْتهُمْ يَسْجُدُونَ لِمَرْزُبَانَ لَهُمْ فأَنتَ يا رسول الله أحَقّ أنْ نَسْجُدَ [يسجد] لَكَ، قال [فقال]: أرَأيتَ لَوْ مَرَرْتَ بِقَبْرِي أكُنْتَ تَسْجُدَ لَهُ؟ قال قُلْتُ: لاَ. قال: فَلاَ
ـــــــ
باب في حق الزوج على المرأة
"أتيت الحيرة" بكسر الحاء المهملة بلدة قديمة بظهر الكوفة "فرأيتهم" أي أهلها "يسجدون لمرزبان لهم" وهو بفتح الميم وضم الزاي الفارس الشجاع المقدم على القوم دون الملك وهو معرب كذا في النهاية. وقيل أهل اللغة يضمون ميمه ثم إنه منصرف وقد لا ينصرف "رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن يسجد له" لأنه أعظم المخلوقات وأكرم الموجودات "أرأيت" أي أخبرني "لو مررت بقبري أكنت تسجد له" أي للقبر أو لمن في القبر "قلت لا، قال فلا
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وقد أخرج الترمذي من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها" قال الترمذي هذا حديث حسن غريب صحيح قال وفي الباب عن معاذ بن جبل وسراقة بن مالك وعائشة وابن عباس وعبد الله بن أبي أوفى وطلق بن علي وأم سلمة وأنس وابن عمر فهذه أحد عشر حديثا فحديث ابن أبي أوفي رواه أحمد في مسنده قال لما قدم معاذ من الشام سجد للنبي صلى الله عليه وسلم فقال:"ما هذا يامعاذ"؟ قال أتيت الشام فوافيتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "فلا تفعلوا فلو كنت آمرا أحدا أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها والذي نفس محمد بيده لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها ولو سألها نفسها وهي على قتب لم تمنعه" ورواه ابن ماجه وروى

(6/125)


تَفْعَلُوا لَوْ كُنْتُ آمِراً [آمر] أحَدًا أنْ يَسْجُدَ لأحَدٍ لأَمَرْتُ النّسَاءَ أنْ يَسْجُدْنَ لأزْوَاجِهِنّ لِمَا جَعَلَ الله لَهُمْ عَلَيْهِنّ مِنَ الْحَقّ" .
2141 - حدثنا مُحمّد بنُ عَمْرٍو الرّازِيّ أخبرنا جَرِيرٌ عن الأعمَشِ عن أبي حَازِمٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "إذَا دَعَا الرّجُلُ امْرَأَتَهُ إلَى فِرَاشِهِ فلَمْ تَأْتِهِ فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا لَعَنَتْهَا المَلاَئِكَةُ حَتّى تُصْبِحَ" .
ـــــــ
تفعلوا" قال الطيبي رحمه الله: أي اسجدوا للحي الذي لا يموت ولمن ملكه لا يزول فإنك إنما تسجد لي الآن مهابة وإجلالاً فإذا صرت رهين رمس امتنعت عنه "لو كنت آمر" بصيغة المتكلم وفي بعض النسخ آمراً بصيغة الفاعل أي لو صح لي أن آمر أو لو فرض أني كنت آمر "لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن لما جعل الله لهم عليهن من الحق" وفي بعض النسخ من حق فالتنوين للتكثير والتعريف للجنس وفيه إيماء إلى قوله تعالى {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} قال المنذري: في إسناده شريك بن عبد الله القاضي وقد تكلم فيه غير واحد، وأخرج له مسلم في المتابعات.
"إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه" قال ابن أبي حمزة: الظاهر أن الفراش كناية عن الجماع "فلم تأته" من غير عذر شرعي "فبات" أي زوجها لعنتها الملائكة لأنها كانت مأمورة إلى طاعة زوجها غير معصية. قيل: والحيض ليس بعذر في الامتناع لأن له حقاً في الاستمتاع بما فوق الإزار عند الجمهور وبما عدا الفرج عند جماعة "حتى تصبح" أي المرأة أو الملائكة. قال القاري: والأظهر أن حكم النهار كذلك حتى يمسي فهو من باب الاكتفاء
ـــــــ
النسائي من حديث حفص بن أخي عن أنس رفعه "لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها " ورواه أحمد وفيه زيادة "والذي نفسي بيده لو كان من قدمه إلى مفرق رأسه قرحة تنجبس بالقيح والصديد ثم استقبلته تلحسه ما أدت حقه" وروى النسائي أيضا من حديث أبي عتبة عن عائشة قالت: سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي الناس أعظم حقا على المرأة قال "زوجها" قلت فأي الناس أعظم حقا على الرجل قال:"أمه" وروى النسائي وابن حبان من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا ينظر الله إلى امرأة لا تشكر لزوجها وهي لا تستغني عنه" وقد روى الترمذي وابن ماجه من حديث أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أيما امرأة ماتت وزوجها راض عنها دخلت الجنة" قال الترمذي حسن غريب وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دعا الرجل امرأته لفراشه فأبت أن تجيء فبات غضبانا عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح" .

(6/126)


...........................
ـــــــ
انتهى. وقد وقع في رواية عند مسلم: "والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى عنها" ولابن حبان وابن خزيمة "ثلاثة لا تقبل لهم صلاة ولا يصعد لهم إلى السماء حسنة: العبد الآبق" الحديث وفيه: "والمرأة الساخط عليها زوجها حتى يرضى عنها" فهذه الإطلاقات تتناول الليل والنهار. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم.

(6/127)


42 - باب في حق المرأة على زوجها
2142 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ أنبأنا [أخبرنا] أبُو قَزَعَةَ الْبَاهِليّ عن حَكِيمِ ابنِ مُعَاوِيَةَ الْقُشَيْرِيّ عن أبِيهِ قال: قُلْتُ: يا رسول الله مَا حَقّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟ قال: "أَنْ تُطْعِمَهَا إذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوَهَا إذَا اكْتَسَيْتَ أو اكْتَسَبْتَ وَلا تَضْرِبِ الْوَجْهَ، وَلا تُقَبّحْ، وَلا تَهْجُرْ إلاّ في الْبَيْتِ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: وَلا تُقَبّحْ أنْ تَقُولَ قَبّحَكِ الله.
2143 - حدثنا ابنُ بَشّارٍ [محمد بنُ بَشّارٍ] أخبرنا يَحْيَى أخبرنا بَهْزُ بنُ حَكِيمٍ حدثنا أبِي عن جَدّي قال: قُلْتُ: يا رسول الله نِسَاؤُنَا ما نأْتِي مِنْهُنّ [مِنْهَا] وَما نَذَرُ؟ قال: "ائْتِ حَرْثَكَ أَنّي شِئْتَ، وَأطْعِمْهَا إذَا طَعِمْتَ، وَاكْسُهَا إذَا اكْتَسَيْتَ، وَلا تُقَبّحِ الْوَجْهَ وَلا تَضْرِبْ" .
ـــــــ
باب في حق المرأة على زوجها
"وتكسوها" بالنصب "إذا اكتسيت" قال الطيبي رحمه الله: التفات من الغيبة إلى الخطاب اهتماماً بثبات ما قصد من الإطعام والكسوة، يعني كان القياس أن يقول أن يطعمها إذا طعم فالمراد بالخطاب عام لكل زوج أي يجب عليك إطعام الزوجة وكسوتها عند قدرتك عليهما لنفسك كذا في المرقاة "ولا تضرب الوجه" فإنه أعظم الإعضاء وأظهرها ومشتمل على أجزاء شريفة وأعضاء لطيفة. وفيه دليل على وجوب اجتناب الوجه عند التأديب "ولا تقبح" بتشديد الباء أي لا تقل لها قولاً قبيحاً ولا تشتمها ولا قبحك الله ونحوه "ولا تهجر إلا في البيت" أي لا تتحول عنها أو لا تحولها إلى دار أخرى لقوله تعالى {وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ} قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه.
"يا رسول الله نساؤنا" أي أزواجنا "ما نأتي منهن" أي ما نستمع من أزواجنا "وما نذر" أي

(6/127)


قالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى شُعْبَةُ: "تُطْعِمُهَا إذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوهَا إذَا اكْتَسَيْتَ" .
2144 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ يُوسُفَ المُهَلّبِيّ النّيْسَابُورِيّ حدثنا عُمَرُ بنُ عبد الله بنِ رَزِينٍ أخبرنا سُفْيَانُ بنُ حُسَيْنٍ عن دَاوُدَ الْوَرّاقِ عن سَعِيدِ بنِ حَكِيمِ بنِ مُعَاوِيةَ عن أبِيهِ عن جَدّه مُعَاوِيةَ الْقُشَيْرِيّ قال: أتَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، قال فَقُلْتُ [قال فقال]: ما تَقُولُ في نِسَائِنَا؟ قال:"أطْعِمُوهُنّ مِمّا تَأْكُلُونَ، وَاكْسُوهُنّ مِمّا تَكْتَسُونَ، وَلا تَضْرِبُوهُنّ وَلا تُقَبّحُوهُنّ" .
ـــــــ
وما نترك "ائت حرثك" أي محل الحرث من حليلتك وهو قبلها إذ هو لك بمنزلة الأرض تزرع. وذكر الحرث يدل على أن الإتيان في غير المأتي حرام "أني شئت" أي كيف شئت من قيام وقعود واضطجاع وإقبال وإدبار بأن يأتيها في قبلها من جهة دبرها. وفيه رد على اليهود حيث قالوا من أتى امرأة في قبلها من جهة دبرها جاء الولد أحول "وأطعمها" بفتح الهمزة "إذا طعمت" بتاء الخطاب لا التأنيث "واكسها" بوصل الهمزة وضم السين ويجوز كسرها "إذا اكتسيت" قال العلقمي: وهذا أمر إرشاد يدل على أن من كمال المروءة أن يطعهما كلما أكل ويكسوها إذا اكتسى. وفي الحديث إشارة إلى أن أكله يقدم على أكلها وأنه يبدأ في الأكل قبلها وحقه في الأكل والكسوة مقدم عليها لحديث "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول" "ولا تقبح الوجه" بتشديد الموحدة أي لا تقل إنه قبيح أو لا تقل قبح الله وجهك أي ذاتك فلا تنسبه ولا شيئاً من بدنها إلى القبح الذي هو ضد الحسن لأن الله تعالى صور وجهها وجسمها وأحسن كل شيء خلقه وذم الصنعة يعود إلى مذمة الصانع. كذا قال العزيزي في السراج المنير "ولا تضرب" أي ضرباً مبرحاً مطلقاً ولا غير مبرح بغير إذن شرعي كنشوز. وظاهر الحديث النهي عن الضرب مطلقاً وإن حصل نشوز، وبه أخذ الشافعية فقالوا الأولى ترك الضرب مع النشوز كذا قال العزيز قلت يفهم من قوله ولا تضرب الوجه في الحديث السابق ضرب غير الوجه إذا ظهر منها ما يقتضي ضربها كالنشوز أو الفاحشة، والله أعلم. قال المنذري: وأخرجه النسائي.
-"عن سعيد بن حكيم بن معاوية" هكذا في بعض النسخ وهو موافق لما في تحفة الأشراف وعليه الاعتماد، وفي بعض النسخ عن سعيد عن بهز بن حكيم وفي بعضها عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده.

(6/128)


43 - باب في ضرب النساء
2145 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عن عَلِيّ بنِ زَيْدٍ عن أبي حُرّةَ الرّقَاشِيّ عن عَمّهِ أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "فإنْ خِفْتُمْ نُشُوزَهُنّ فَاهْجُرُوهُنّ في المَضَاجِعِ" .
قال حَمّادٌ: يَعْنِي النّكَاحَ.
2146 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ أبي خَلَفٍ وَ أَحْمَدُ بنُ عَمْرِو بنِ السّرْحِ قالا حدثنا سُفْيَانُ عن الزّهْرِيّ عن عبد الله بنِ عبد الله، قال ابنُ السّرْحِ عُبَيْدُالله بنُ عبد الله عن إيَاسِ بنِ عبد الله بنِ أبي ذُبَابٍ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ تَضْرِبُوا إمَاءَ الله" ، فَجَاءَ عُمَرُ إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فقال: ذَئِرْنَ النّسَاءُ عَلَى أزْوَاجِهِنّ، فَرَخّصَ في
ـــــــ
باب في ضرب النساء
"فإن خفتم نشوزهن" أصل النشوز الارتفاع ونشوز المرأة هو بغضها لزوجها ورفع نفسها عن طاعته والتكبر عليه "فاهجروهن في المضاجع" أي اعتزلوا إلى فراش آخر. قال الله تعالى {وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ} واختلف أهل التفسير في المراد بالهجران، فالجمهور على أنه ترك الدخول عليهن والإقامة عندهن على ظاهر الآية وهو من الهجران وهو البعد، وظاهره أنه لا يضاجعها. وقيل المعنى يضاجعها ويوليها ظهره، وقيل يمتنع عن جماعها، وقيل يجامعها ولا يكلمها، وقيل اهجروهن مشتق من الهجر بضم الهاء وهو الكلام القبيح أي أغلظوا لهن في القول، كذا قال الحافظ في الفتح "قال حماد" هو ابن سلمة قاله المنذري "يعني النكاح" أي الوطء، فالمراد بالهجران في المضاجع عند حماد الامتناع من الجماع. قال المنذري: أبو حرة الرقاشي اسمه حنيفة وقال أبو الفضل محمد بن طاهر عمه حنيفة ويقال حكيم بن أبي زيد، وقيل عامر بن عبد ة الرقاشي. وقال عبد الله بن محمد البغوي عم أبي حرة الرقاشي بلغني أن اسمه حذيم بن حنيفة وعلي بن زيد هذا هو ابن جدعان المكي نزل البصرة ولا يحتج بحديثه.
"إياس بن عبد الله بن أبي ذباب" بضم الذال المعجمة. قال في الخلاصة: له حديث وعنه عبد الله أو عبيد الله بن عبد الله بن عمر فقط، ذكره ابن حبان في ثقات التابعين "لا تضربوا إماء الله" جمع أمة أي زوَجاتكم فإنهن جوار الله كما أن الرجال عبيد له تعالى "فقال ذئرن النساء" من باب أكلوني البراغيث ومن وادي قوله تعالى {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى} أي اجترأن

(6/129)


ضَرْبِهنّ، فأطَافَ بآلِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم نِسَاءٌ كَثِيرٌ يَشْكُونَ أَزْوَاجَهُنّ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: لَقَدْ طَافَ بآلِ مُحمّدٍ نِسَاءٌ كَثِيرٌ يَشْكُونَ أزْوَاجَهُنّ لَيْسَ أولَئِكَ بِخِيَارِكُمْ" .
[قال لنا أبو داود: هو غبد الله بن عبد الله].
2147 - حدثنا زُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ أخبرنا عبد الرّحْمَنِ بنُ مَهْدِيَ أخبرنا أبُو عَوَانَةَ عن دَاوُدَ بنِ عبد الله الأَوْدِيّ عن عبد الرّحْمَنِ المُسْلِيّ عَنِ الأشْعَثِ بنِ قَيْسٍ عن عُمَرَ بنِ الْخَطّابِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "لا يُسْأَلُ الرّجُلُ فِيمَا ضَرَبَ امْرَأَتَهُ" .
ـــــــ
ونشزن وغلبن "فأطاف" هذا بالهمز يقال أطاف بالشيء ألم به وقارنه أي اجتمع ونزل "بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم " أي بأزواجه الطاهرات ودل على أن الآل يشمل أمهات المؤمنين "يشكون أزواجهن" أي من ضربهم إياهن "فقال النبي صلى الله عليه وسلم لقد طاف" هذا بلا همز. قال الطيبي: قوله لقد طاف صح بغير همز والأول بهمز وفي نسخ المصابيح كلاهما بالهمز فهو من طاف حول الشيء أي دار "ليس أولئك" أي الرجال الذي يضربون نساءهم ضرباً مبرحاً أي مطلقاً "بخياركم" بل خياركم من لا يضربهن ويتحمل عنهن أو يؤدبهن، ولا يضربهن ضرباً شديداً يؤدي إلى شكايتهن.
في شرح السنة: فيه من الفقه أن ضرب النساء في منع حقوق النكاح مباح إلا أنه يضرب ضرباً غير مبرح ووجه ترتب السنة على الكتاب في الضرب يحتمل أن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ضربهن قبل نزول الآية، ثم لما ذئرن النساء أذن في ضربهن ونزل القرآن موافقاً له، ثم لما بالغوا في الضرب أخبر صلى الله عليه وسلم أن الضرب وإن كان مباحاً على شكاسة أخلاقهن، فالتحمل والصبر على سوء أخلاقهن وترك الضرب أفضل وأجمل.
ويحكى عن الشافعي هذا المعنى كذا في المرقاة. قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه. وقال أبو القاسم البغوي: لا أعلم روى إياس بن عبد الله غير هذا الحديث. وذكر البخاري هذا الحديث في تاريخه وقال لا يعرف لإياس به صحبة. وقال ابن أبي حاتم: إياس بن عبد الله بن أبي ذباب الدوسي مدني له صحبة سمعت أبي وأبا زرعة يقولان ذلك. "عبد الرحمَن المسلي" بضم الميم وسكون السين المهملة نسبة إلى مسلية من كنانة عن الأشعث بن قيس وعنه داوود الأودي "لا يسأل" نفي مجهول "فيما ضرب امرأته" أي إذا راعي شروط الضرب وحدوده. قال الطيبي: قوله لا يسأل عبارة عن عدم التحرج والتأثم. قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه.

(6/130)


44- باب في ما يؤمر به من غض البصر
2148 - حدثنا مُحمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنبأنا سُفْيَانُ حَدّثَني يُونُسُ بنُ عُبَيْدٍ عن عَمْرِو بنِ سَعِيدٍ عن أبي زُرْعَةَ عن جَرِيرٍ قال: "سَأَلْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عن نَظَرَةِ الْفَجْأَةِ فقال: اصْرِفْ بَصَرَكَ" .
2149 - حدثنا إِسْمَاعِيلُ بنُ مُوسَى الْفَزَارِيّ أنبأنا شَرِيكٌ عن أبي رَبِيعَةَ الاْيَادِيّ عن ابنِ بُرَيْدَةَ عن أبِيهِ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لِعَلِيَ: "يَاعَلِيّ لا تُتْبِعِ النّظْرَةَ النّظْرَةَ، فإنّ لَكَ الاْولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الآخرة" .
2150 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا أبُو عَوَانَةَ عن الأعمَشِ عن أبي وَائِلٍ عن ابنِ
ـــــــ
باب في ما يؤمر به من غض البصر
"عن نظرة الفجأة" بالضم والمد وبالفتح وسكون الجيم من غير مد كذا في النهاية أي البغتة. قال زين العرب: فجأه الأمر فجاءة بالضم والمد وفاجأه إذا جاء بغتة من غير تقدم سبب وقيد بعضهم بصيغة المرة "فقال اصرف بصرك" أي لا تنظر مرة ثانية لأن الأولى إذا لم تكن بالاختيار فهو معفو عنها، فإن أدام النظر أتم وعليه قوله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} قال القاضي عياض: فيه حجة على أنه لا يجب على المرأة ستر وجهها وإنما ذلك سنة مستحبة لها، ويجب على الرجال غض البصر عنها في جميع الأحوال إلا لغرض صحيح شرعي.
قال الخطابي في المعالم: ويروى أطرق بصرك، قال والإطراق أن يقبل ببصره إلى وجهه، والصرف أن يفتله إلى الشق الآخر والناحية الأخرى انتهى قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي.
"لا تتبع النظرة النظرة" من الإتباع أي لا تعقبها إياها ولا تجعل أخرى بعد الأولى "فإن لك الأولى" أي النظرة الأولى إذا كانت من غير قصد "وليست لك الآخرة" أي النظرة الآخرة لأنها باختيارك فتكون عليك. قال المنذري: وأخرجه الترمذي، وقال حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث شريك.

(6/131)


مَسْعُودٍ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا تُبَاشِرُ المَرْأَةُ المَرْأَةَ لِتَنْعَتَهَا لِزَوْجِهَا كَأَنّمَا يَنْظُرُ إلَيْهَا" 1.
2151 - حدثنا مُسْلِمُ بنُ إِبراهِيمَ أخبرنا هِشَامٌ عن أبي الزّبَيْرِ عن جَابِرٍ: أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم رَأَى امْرَأَةً فَدَخَلَ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فَقَضَى حَاجَتَهُ مِنْهَا ثُمّ خَرَجَ إلى أصْحَابِهِ فقال لَهُمْ: "إنّ المَرْأةَ تُقْبِلُ في صُورَةِ شَيْطَانٍ، فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً فَلَيَأْتِ أهْلَهُ فإنّهُ يُضْمِرُ مَا في نَفْسِهِ" .
ـــــــ
"لا تباشر المرأة المرأة" زاد النسائي في روايته في الثوب الواحد والمباشرة بمعنى المخالطة والملامسة، وأصله من لمس البشرة البشرة، والبشرة ظاهر جلد الإنسان "لتنعتها" وفي رواية البخاري فتنعتها أي فتصف نعومة بدنها ولينة جسدها "كأنما ينظر إليها" فيتعلق قلبه بها ويقع بذلك فتنة. والمنهي في الحقيقة هو الوصف المذكور.
قال الطيبي: المعنى به في الحديث النظر مع اللمس فتنظر إلى ظاهرها من الوجه والكفين وتجس باطنها باللمس وتقف على نعومتها وسمنتها فتنعتها عطف على تباشر، فالنفي منصب عليهما فيجوز المباشرة بغير التوصيف كذا في المرقاة. قال المنذري: وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي.
"فدخل على زينب بنت حجش" أم المؤمنين وكانت أول نسائه صلى الله عليه وسلم موتاً، وهي أول من وضع على النعش في الاسلام "إن المرأة تقبل" من الإقبال "في صورة شيطان" شبهها بالشيطان في صفة الوسوسة والإضلال، فإن رؤيتها من جميع الجهات داعية للفساد "فإنه يضمر ما في نفسه" أي يضعفه ويقلله من الضمور وهو الهزال والضعف كذا في المجمع. قال النووي: قال العلماء معناه الإشارة إلى الهوى والدعاء إلى الفتنة بما جعل الله تعالى في نفوس الرجال من الميل إلى النساء والتلذذ بالنظر إليهن وما يتعلق بهن، فهي شبيهة بالشيطان في دعائه إلى الشر بوسوسته وتزيينه له. ويستنبط من هذا أنه ينبغي لها أن لا تخرج إلا لضرورة ولا تلبس ثياباً فاخرة، وينبغي للرجل أن لا ينظر إليها ولا إلى ثيابها. وفيه أنه لا بأس بالرجل أن يطلب امرأته إلى الوقاع في النهار وإن كانت مشتغلة بما يمكن تركه لأنه ربما غلبت على الرجل شهوته
ـــــــ
1 ذكر الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله هنا كلام الخطابي بالنص فحذفناه تفاديا من التكرار.

(6/132)


2152 - حدثنا مُحمّدُ بنُ عُبَيْدٍ أخبرنا أبُو ثَوْرٍ عن مَعْمَرٍ أنبأنا ابنُ طَاؤُسٍ عن أبِيهِ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: مَا رَأَيْتُ شَيْئاً أَشْبَهَ باللّمَمِ مِمّا قالَ أبُو هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "إنّ الله كَتَبَ عَلَى ابنِ آدَمَ حَظّهُ مِنَ الزّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لا مَحَالَةَ، فَزِنَا الْعَيْنَيْنِ النّظَرُ، وَزِنَا اللّسَانِ المَنْطِقُ، وَالنّفْسُ تَمَنّى وَتَشْتَهِي وَالْفَرْجُ يُصَدّقُ ذَلِكَ وَيُكَذّبُهُ" .
ـــــــ
فيتضرر بالتأخير في بدنه أو قلبه. انتهى. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي بنحوه.
"ما رأيت شيئاً أشبه بالميم مما قال أبو هريرة" قال الخطابي: يريد بذلك ما عفا الله من صغار الذنوب وهو معنى قوله تعالى: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ} وهو ما يلم به الإنسان من صغار الذنوب التي لا يكاد يسلم منها إلا من عصمه الله وحفظه "إن الله كتب" أي أثبت في اللوح المحفوظ "حظه" أي نصيبه "من الزنا" بالقصر على الأفصح. قال القاري: والمراد من الحظ مقدمات الزنا من التمني والتخطي والتكلم لأجله والنظر واللمس والتخلي. وقيل أثبت فيه سببه وهو الشهوة والميل إلى النساء وخلق فيه العينين والقلب والفرج وهي التي تجد لذة الزنا، أو المعنى قدر في الأزل أن يجري عليه الزنا في الجملة "أدرك" أي أصاب ابن آدم ووجد "ذلك" أي ما كتبه الله وقدره وقضاه أو حظه "لا محالة" بفتح الميم ويضم أي لا بد له ولا فراق ولا احتيال منه فهو وقع البتة "فزنا العينين النظر" أي حظها على قصد الشهوة فيما لا يحل له "وزنا اللسان المنطق" أي التكلم على وجه الحرمة كالمواعدة "والنفس" أي القلب كما في رواية عند مسلم ولعل النفس إذا طلبت تبعها القلب "تمنى" بحذف أحد التاءين "وتشتهي" لعله عدل عن سنن السابق لإفادة التجدد أي زنا النفس تمنيها واشتهاؤها وقوع الزنا الحقيقي "والفرج يصدق ذلك ويكذبه" قال الطيبي: سمى هذه الأشياء باسم الزنا، لأنها مقدمات له مؤذنة بوقوعه. ونسب التصديق والتكذيب إلى الفرج لأنه منشؤه ومكانه أي يصدقه بالإتيان بما هو المراد منه ويكذبه بالكف عنه. وقيل معناه إن فعل بالفرج ما هو المقصود من ذلك فقد صار الفرج مصدقاً لتلك الأعضاء، أن ترك ما هو المقصود من لك فقد صار الفرج مكذباً. وقيل معنى كتب أنه أثبت عليه ذلك بأن خلق له الحواس التي يجد بها لذة ذلك الشيء وأعطاه القوى التي بها يقدر على ذلك الفعل، فبالعينين وبما ركب فيهما من القوة الباصرة تجد لذة النظر وعلى هذا، وليس المعنى أنه ألجأه إليه وأجبره عليه بل ركز في جبلته حب الشهوات ثم إنه تعالى برحمته وفضله يعصم من يشاء. وقيل هذا ليس على عمومه، فإن الخواص معصومون عن الزنا ومقدماته، ويحتمل أن يبقى على عمومه بأن يقال كتب الله تعالى

(6/133)


2153 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عن سُهَيْلٍ بنِ أبي صَالحٍ عن أبِيهِ عن أَبي هُرَيْرَةَ أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "لكُلّ ابنِ آدَمَ حَظّهُ مِنَ الزّنَا" بِهذِهِ الْقِصّةِ، قال: "وَاليَدَانِ تَزْنِيَانِ فَزِنَاهُمَا الْبَطْشُ، وَالرّجْلاَنَ تَزْنِيَانِ فَزِنَاهُما المَشيُ، وَالْفَمُ يَزْنِي فَزِنَاهُ الْقُبَلُ" .
2154 - حدثنا قُتَيْبَةُ أخبرنا اللّيْثُ عن ابنِ عَجْلاَنَ عن الْقَعْقَاع بنِ حَكِيمٍ عن أبي صَالحٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِهذِهِ الْقِصّةِ قال: "وَالأُذُنَ زِنَاهَا[والأذنان زناهما] الاسْتِمَاعُ" .
ـــــــ
على كل فرد من بني آدم صدور نفس الزنا، فمن عصمه الله عنه بفضله صدر عنه من مقدمات الظاهرة، ومن عصمه بمزيد فضله ورحمته عن صدور مقدماته وهم خواص عباده صدر عنه لا محالة بمقتضى الجبلة مقدماته الباطنة وهي تمني النفس واشتهاؤها. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"فزناهما البطش" أي الأخذ واللمس، ويدخل فيه الكتابة ورمي الحصى عليها ونحوهما "فزناهما المشي" أي إلى موضع الزنا "فزناه القبل" جمع القبلة "والأذن زناها الاستماع" إلى كلام الزانية أو الواسطة. قال المنذري: وأخرجه مسلم.

(6/134)


45 - باب في وطء السبايا
2155 - حدثنا عُبَيْدُالله بنُ عُمَرَ بنِ مَيْسَرَةَ أخبرنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ أخبرنا سَعِيدٌ عن قَتَادَةَ عن صَالحٍ أبي الْخَلَيلِ عن أبي عَلْقَمَةَ الْهاشِميّ عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم بَعَثَ يَوْمَ حُنَيْنٍ بَعْثاً إلى أوْطَاسٍ فَلَقَوْا عَدُوّهُمْ فَقَاتَلُوهُمْ فَظَهَرُوا
ـــــــ
باب في وطء السبايا
جمع السبية وهي المرأة المنهوبة "بعث يوم حنين" بالتصغير واد بين مكة والطائف وراء عرفات بينه وبين مكة بضعة عشر ميلاً وهو مصروف كما جاء في القرآن "بعثاً" أي جيشاً "إلى أوطاس" بالصرف وقد لا ينصرف موضع أو بقعة على ثلاث مراحل من مكة "فظهروا" أي غلبوا "تحرجوا" أي خافوا الحرج وهو

(6/134)


عَلَيْهِمْ وَأصَابُوا لَهُمْ سَبَايَا، فكَأَنّ أُنَاساً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم تَحَرّجُوا مِنْ غِشْيَانِهنّ مِنْ أَجْلِ أَزْوَاجِهِنّ مِنَ المُشْرِكِينَ، فأَنْزَلَ الله في ذَلِكَ: {وَالمُحَصَنَاتُ مِنَ النّسَاءِ إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} أيْ فَهُنّ لَهُمْ حَلاَلٌ إذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ [عِدَدُهُنَّ].
2156 - حدثنا النّفَيْلِيّ أخبرنا مِسْكِينٌ أخبرنا شُعْبَةُ عن يَزِيدَ بنِ حُمَيْرٍ عن عبد الرّحْمَنِ بنِ جُبَيْرٍ بنِ نُفَيْرٍ عن أبِيهِ عن أبي الدّرْدَاءِ: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ
ـــــــ
الاثم "من غشيانهم" أي من وطئهن "من أجل أزواجهن من المشركين" أي من أجل أنهن مزوجات والمزوجة لا تحل لغير زوجها، فأنزل الله تعالى إباحتهن بقوله: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} المراد بالمحصنات ههنا المزوجات ومعناه والمزوجات حرام على غير أزواجهن إلا ما ملكتم بالسبي فإنه ينفسخ نكاح زوجها الكافر وتحل لكم إذا انقضي استبراؤها "إذا انقضت عدتهن" أي استبراؤهن وهي بوضع الحمل عن الحامل وبحيضة عن الحائل، كما جاءت به الأحاديث الصحيحة.
قال الخطابي في المعالم: في الحديث بيان أن الزوجين إذا سبيا معاً فقد وقعت الفرقة بينهما كما لو سبي أحدهما دون الآخر، وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وأبو ثور، واحتجوا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم السبي وأمر أن لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض ولم يسأل عن ذات زوج وغيرها ولا عمن كانت سبيت منهن مع الزوج أو وحدها، فدل على أن الحكم في ذلك واحد.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
في قوله صلى الله عليه وسلم كيف يورثه وهو لا يحل له قولان:
أحدهما أن ذلك الحمل قد يكون من زوجها المشرك فلا يحل له استلحاقه وتوريثه.
وقد يكون إذا وطئها تنفش ما كان في الظاهر حملا وتعلق منه فيظنه عبده وهو ولده فيستخدمه استخدام العبد وينفيه عنه.
وهذان الوجهان ذكر معناهما المنذري.
قال ابن القيم: وهذا القول ضعيف فإن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين إنكار الأمرين استخدامه واستلحاقه وقد جاء كيف يستعبده ويورثه ومعلوم أن استلحاقه واستعباده جمع بين المتناقضين وكذا إذا تفشى الذي هو حمل في الظاهر وعلقت منه لا يتصور فيه الاستلحاق والاستعباد.

(6/135)


في غَزْوَةٍ فَرَأَى امْرَأَةَ مُجِحّا فقال: "لَعَلّ صَاحِبَهَا أَلَمّ بِهَا، قالُوا: نَعَمْ، قال: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَلْعَنَهُ لَعْنَةً تَدْخُلُ مَعَهُ في قَبْرِهِ كَيْفَ يُوَرّثُهُ وَهُوَ لا يَحِلّ لَهُ وكَيْفَ يَسْتَخْدِمُهُ وَهُوَ لا يَحِلّ لَهُ" .
ـــــــ
وقال أبو حنيفة: إذا سبيا جميعاً فهما على نكاحهما. وقال الأوزاعي: ما كان في المقاسم فهما على نكاحهما فإن اشتراها رجل فشاء أن يجمع بينهما جمع وإن شاء فرق بينهما واتخذها لنفسه بعد أن يستبرئها بحيضة. وقد تأول ابن عباس الآية في الأمة يشتريها ولها زوج فقال بيعها طلاقها وللمشتري اتخاذها لنفسه وهو خلاف أقاويل عامة العلماء، وحديث بريرة يدل على خلافه. انتهى ملخصاً. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي.
"فرأى امرأة مجحاً" بميم مضمومة وجيم مكسورة فحاء مهملة مشددة أي حامل تقرب ولادتها "ألم بها" أي جامعها والإلمام من كنايات الوطء "لقد هممت" أي عزمت وقصدت "أن ألعنه" أي أدعو عليه بالبعد عن الرحمة "لعنة تدخل معه في قبره" أي يستمر إلى ما بعد موته، وإنما همّ بلعنه لأنه إذا ألم بأمته التي يملكها وهي حامل كان تاركاً للاستبراء وقد فرض عليه "كيف يورثه" أي الولد "وهو" أي توريثه "وكيف يستخدمه" أي الولد "وهو" أي استخدامه.
قال النووي: معنى قوله كيف يورثه الخ أنه قد يتأخر ولادتها ستة أشهر، بحيث يحتمل كون الولد من هذا السابي، ويحتمل أنه كان ممن قبله، فعلى تقدير كونه من السابي يكون ولداً له ويتوارثان، وعلى تقدير كونه من غير السابي لا يتوارثان هو والسابي لعدم القرابة بل له استخدامه لأنه مملوكه فتقدير الحديث أنه قد يستلحقه ويجعله ابناً له ويورثه مع أنه لا يحل له توريثه لكونه ليس منه، ولا يحل توارثه ومزاحمته لباقي الورثة، وقد يستخدمه استخدام العبيد ويجعله عبد اً يتملكه مع أنه لا يحل له ذلك لكونه منه إذا وضعته لمدة محتملة كونه من كل واحد
ـــــــ
فالصواب القول الثاني وهو أنه إذا وطئها حاملا صار في الحمل جزء منه فإن الوطء يزيد في تخليقه وهو قد علم أنه عبد له فهو باق على أن يستعبده ويجعله كالمال الموروث عنه فيورثه أي يجعله مالا موروثا عنه وقد صار فيه جزء من الأب قال الإمام أحمد الوطء يزيد في سمعه وبصره وقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى في قوله "لا يحل لرجل أن يسقي ماءه زرع غيره" ومعلوم أن الماء الذي يسقى به الزرع يزيد فيه ويتكون الزرع منه وقد شبه وطء الحامل بساقي الزرع الماء وقد جعل الله تبارك وتعالى محل الوطء حرثا وشبه النبي صلى الله عليه وسلم الحمل بالزرع ووطء الحامل بسقي الزرع وهذا دليل ظاهر جدا على أنه لا يجوز نكاح الزانية حتى تعلم براءة رحمها إما بثلاث حيض أو بحيضة والحيضة أقوى لأن الماء الذي من الزنا والحمل وإن يكن له حرمة فلماء الزوج حرمة وهو

(6/136)


2157 - حدثنا عَمْرُو بنُ عَوْنٍ أنبأنا شَرِيكٌ عن قَيْسِ بنِ وَهْبٍ عن أبي الْوَدّاكِ عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ وَرَفَعَهُ أَنّهُ قال في سَبَايَا أَوْطَاسَ: "لا تُوطَأُ حامِلٌ حَتّى تَضَعَ وَلا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتّى تَحِيضَ حَيْضَة" .
2158 - حدثنا النّفَيْلِيّ أخبرنا مُحمّدُ بنُ سَلَمَةَ عن مُحمّدِ بنِ إسْحَاقَ حَدّثَني يَزِيدُ بنُ أبي حَبِيبٍ عن أبي مَرْزُوقٍ عن حَنَشٍ الصّنْعَانِيّ عن رُوَيْفِعِ بنِ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيّ قال قامَ فِينَا خَطِيباً قال:أَمَا إِنّي لا أقُولُ لَكُمْ إلاّ ما سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقُولُ يَوْمَ حُنَيْنٍ، قال: "لا يَحِلّ لاِمْرِىء يُؤْمِنُ بالله وَالْيَوْمِ الآخر أنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ - يَعْنِي إِتْيَانَ الْحُبَالَى، وَلا يَحِلّ لاِمْرىءِ يُؤْمِنُ بالله وَالْيَوْمِ الآخر أَنْ يَقَعَ عَلَى
ـــــــ
منهما. فيجب عليه الامتناع من وطئها خوفاً من هذا المحظور. انتهى. قال المنذري: وأخرجه مسلم بنحوه.
"لا توطأ" بهمز في آخره أي لا تجامع "ولا غير ذات حمل" أي ولا توطأ حائل "حتى تحيض حيضة" بالفتح ويكسر، وقوله لا توطأ خبر بمعنى النهي، أي لا تجامعوا مسبية حاملاً حتى تضع حملها، ولا حائلاً ذات إقراء حتى تحيض حيضة كاملة، ولو ملكها وهي حائض لا تعتد بتلك الحيضة حتى تستبرىء بحيضة مستأنفة، وإن كانت لا تحيض لصغرها أو كبرها، فاستبراؤها يحصل بشهر واحد أو بثلاثة أشهر فيه قولان للعلماء أصحهما الأول. وفيه دليل على أن استحداث الملك يوجب الاستبراء، وبظاهره قال الأئمة الأربعة. كذا قال القاري نقلاً عن ميرك. قال المنذري: في إسناده شريك القاضي. وقد تقدم الكلام عليه.
"قام" أي رويفع بن ثابت "أن يسقي" بفتح أوله أي يدخل "ماءه" أي نطفته "زرع غيره" أي محل زرع لغيره "يعني" هذا قول رويفع أو غيره أي يريد النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الكلام "إتيان الحبالى" أي جماعهن. قال الخطابي: شبه صلى الله عليه وسلم الولد إذا علق بالرحم بالزرع إذا نبت ورسخ في الأرض، وفيه كراهية وطء الحبالي إذا كان الحبل من غير الواطيء على الوجوه كلها انتهى
ـــــــ
لا يحل له أن ينفي عنه ما قد يكون من مائه ووطئه وقد صار فيه جزء منه كما لا يحل لواطىء المسبية الحامل ذلك ولا فرق بينهما فلهذا قال الإمام أحمد في إحدى الروايات عنه إنه إذا تزوج الأمة وأحبلها ثم ملكها حاملا أنه إن وطئها صارت أم ولد له تعتق بموته لأن الولد قد يلحق من مائه الأول والثاني والله أعلم.

(6/137)


امْرَأَةٍ مِنَ السّبْيِ حَتّى يَسْتَبْرِئَهَا، وَلا يَحِلّ لاِمْرِىء يُؤْمِنُ بالله وَالْيَوْمِ الآخر أنْ يَبِيعَ مَغْنَماً حتى يُقْسَمَ" .
2159 - حدثنا سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ حدثنا أبُو مُعَاوِيَةَ عن ابنِ إسْحَاقَ بِهَذَا الْحَدِيثِ قال: "حَتّى يَسْتَبْرِئَهَا بِحَيْضَةٍ" . زَادَ فيه بِحَيْضَةٍ، وَهُوَ وَهْمٌ مِنْ أبي مُعَاوِيَةَ، وَهُوَ صَحِيحٌ في حَدِيثِ أبي سَعِيدٍ، زَادَ: "وَمَنْ كَان يُؤْمِنُ بالله وَالْيَوْمِ الآخر فَلاَ يَرْكَبُ دَابّةً مِنْ فَيْء المُسْلِمِينَ حتى إذا أَعْجَفَهَا رَدّهَا فيه، وَمَنْ كَان يْؤْمِنُ بالله وَالْيَوْمِ الآخر فَلاَ يَلْبَسْ ثَوْباً مِنْ فَيْءِ المُسْلِمِينَ حتى إذَا أخْلَقَهُ رَدّهُ فِيهِ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: الْحَيْضَةُ لَيْسَتْ بِمَحْفُوظَةٍ، وَهُوَ وَهْمٌ مِنْ أبي مُعَاوِيَةَ.
ـــــــ
"أن يقع على امرأة" أي يجامعها "حتى يستبرئها" أي بحيضة أو بشهر "أن يبيع مغنماً" أي شيئاً من الغنيمة "حتى يقسم" أي بين الغانمين ويخرج منه الخمس.
"زاد" أي سعيد بن منصور "فيه" أي في الحديث "بحيضة" أي لفظ بحيضة "وهو" أي زيادة بحيضة "وهم من أبي معاوية وهو" أي زيادة بحيضة "صحيح في حديث أبي سعيد" المذكور بلفظ لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة "فلا يركب دابة من فيء المسلمين" أي غنيمتهم المشتركة من غير ضرورة "حتى إذا أعجفها" أي أضعفها "ردها فيه" أي في الفيء بمعنى المغنم.
ومفهومه أن الركوب إذا لم يؤد إلى العجف فلا بأس، لكنه ليس بمراد بدليل قوله "فلا يلبس ثوباً من فيء المسلمين" أي من غير ضرورة ملجئة "حتى إذا أخلقه" بالقاف أي أبلاه "رده فيه" أي في الفيء. والحديث سكت عنه المنذري.

(6/138)


46 - باب في جامع النكاح
2160 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ وَ عبد الله بنُ سَعِيدٍ قالا أخبرنا أبُو خَالِدِ - يَعنى سُلَيْمَانَ ابنَ حَيّانَ - عن ابنِ عَجْلاَنَ عن عَمْرِو بنُ شُعَيْبٍ عن أبِيهِ عن جَدّهِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: " إذَا تَزَوّجَ أَحَدُكُمْ امْرَأَةً أَوْ اشْتَرَى خَادِماً فَلْيَقُلْ: اللّهُمّ إِنّي أَسْأَلُكَ
ـــــــ
"أن يقع على امرأة" أي يجامعها "حتى يستبرئها" أي بحيضة أو بشهر "أن يبيع مغنماً" أي شيئاً من الغنيمة "حتى يقسم" أي بين الغانمين ويخرج منه الخمس.
"زاد" أي سعيد بن منصور "فيه" أي في الحديث "بحيضة" أي لفظ بحيضة "وهو" أي زيادة بحيضة "وهم من أبي معاوية وهو" أي زيادة بحيضة "صحيح في حديث أبي سعيد" المذكور بلفظ لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة "فلا يركب دابة من فيء المسلمين" أي غنيمتهم المشتركة من غير ضرورة "حتى إذا أعجفها" أي أضعفها "ردها فيه" أي في الفيء بمعنى المغنم.
ومفهومه أن الركوب إذا لم يؤد إلى العجف فلا بأس، لكنه ليس بمراد بدليل قوله "فلا يلبس ثوباً من فيء المسلمين" أي من غير ضرورة ملجئة "حتى إذا أخلقه" بالقاف أي أبلاه "رده فيه" أي في الفيء. والحديث سكت عنه المنذري.
باب في جامع النكاح
"أو اشترى خادماً" أي جارية أو رفيقاً وهو يشمل الذكر والأنثى فيكون تأنيث الضمير فيما

(6/138)


خَيْرَهَا وَخَيْرَ ما جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ، وأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِهَا وَمِنْ شَرِ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ، وَإِذَا اشْتَرَى بَعِيرًا فَلْيَأْخُذْ بِذِرْوَةِ سَنَامِهِ وَلْيَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ".
قالَ أَبُو دَاوُدَ: زَادَ أبُو سَعِيدٍ: "ثمّ لِيَأْخُذْ بِنَاصِيَتِهَا وَلْيَدْعُ [وَلْيَدْعُو] بالْبَرَكةِ في المَرْأَةِ وَالْخَادِمِ".
2161 - حدثنا مُحمّدُ بنُ عِيسَى أخبرنا جَرِيرٌ عن مَنْصُورٍ عن سَالِمِ بنِ أبي الْجعْدِ عن كُرَيْبٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قال قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "لَوْ أَنّ أَحَدَكُم إذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ قال: بسم الله اللّهُمّ جَنّبْنَا الشّيْطَانَ وَجَنّبِ الشّيْطَانَ ما رَزَقْتَنَا، ثُمّ قُدّرَ أنْ [ثُمّ أنْ قُدّرَ] يَكُونَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ في ذَلِكَ لَمْ يَضُرّهُ شَيْطَانٌ أَبَداً" .
ـــــــ
سيأتي باعتبار النسمة أو النفس "اللهم إني أسألك خيرها" أي خير ذاتها "وخير ما جبلتها عليه" أي خلقتها وطبعتها عليه من الأخلاق البهية "فليأخذ بذروة سنامه" بكسر الذال ويضم ويفتح أي بأعلاه "زاد أبو سعيد" هي كنية عبد الله بن سعيد "ثم ليأخذ بناصيتها" وهي الشعر الكائن في مقدم الرأس. قال المنذري وأخرجه النسائي وابن ماجه. وقد تقدم الكلام على اختلاف الأئمة في حديث عمرو بن شعيب.
"لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله" أي يجامع امرأته أو سريته، ولو هذه يجوز أن تكون للتمني على حد {فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً} والمعنى أنه صلى الله عليه وسلم تمنى لهم ذلك الخير يفعلونه لتحصل لهم السعادة، وحينئذ فيجيء فيه الخلاف المشهور هل يحتاج إلى جواب أو لا وبالثاني قال ابن الصائغ وابن هشام ويجوز أن تكون شرطية والجواب محذوف والتقدير لسلم من الشيطان أو نحو ذلك "قال بسم الله" أي مستعيناً بالله وبذكر اسمه "اللهم جنبنا" أي بعدنا "وجنب الشيطان ما رزقتنا" أي حينئذ من الولد وهو مفعول ثان لجنب، وأطلق ما على من يعقل لأنها بمعنى شيء كقوله {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} "ثم قدر" وفي بعض النسخ ثم إن قدر "أن يكون بينهما ولد في ذلك" أي الإتيان "لم يضره شيطان أبداً" اختلف في الضرر المنفي بعد الاتفاق على عدم الحمل على العموم في أنواع الضرر وإن كان ظاهراً في الحمل على عموم الأحوال من صيغة النفي مع التأييد، وذلك لما ثبت في الحديث من أن: كل ابن آدم يطعن الشيطان في بطنه حين يولد إلا مريم وابنها فإن هذا الطعن نوع ضرر في الجملة، مع أن ذلك سبب صراخه، فقيل المعنى لم يسلط عليه من أجل بركة التسمية بل يكون من جملة العباد الذين قيل فيهم {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} . وقيل المراد لم يصرعه، وقيل لم يضره في بدنه. وقال ابن

(6/139)


2162 - حدثنا هَنّادٌ عن وَكِيعٍ عن سُفْيَانَ عن سُهَيْلٍ بنِ أبي صَالحٍ عن الْحَارِثِ بنِ مَخْلَدٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَةً في دُبُرِهَا".
ـــــــ
دقيق العيد: يحتمل أن يضره في دينه أيضاً ولكن يبعده انتفاء العصمة. وتعقب بأن اختصاص من خص بالعصمة بطريق الوجوب لا بطريق الجواز فلا مانع أن يوجد من لا يصدر منه معصية عمداً وإن لم يكن ذلك واجباً له. وقال الداوودي: معنى لم يضره أي لم يفتنه عن دينه إلى الكفر وليس المراد عصمته منه عن المعصية. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"ملعون من أتى امرأة في دبرها" وفي بعض النسخ امرأته. والحديث يدل على تحريم إتيان النساء في أدبارهن، وإلى هذا ذهبت الأمة إلا القليل للحديث هذا، ولأن الأصل تحريم المباشرة إلا لما أحله الله ولم يحل تعالى إلا القبل كما دل له قوله {فأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} وقوله {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} فأباح موضع الحرث، والمطلوب من الحرث نبات الزرع، فكذلك النساء الغرض من إتيانهن هو طلب النسل لا قضاء الشهوة وهو لا يكون إلا في القبل فيحرم ما عدا موضع الحرث ولا يقاس عليه غيره لعدم المشابهة في كونه محلاً للزرع. وأما
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
هذا الذي أخرجه أبو داود في هذا الباب وقد بقي في الباب أحاديث أخرجها النسائي ونحن نذكرها:
الأول عن خزيمة بن ثابت أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أدبارهن" .
الثاني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن رجلا سأله عن الرجل يأتي امرأة في دبرها قال" تلك اللوطية الصغرى" رفعه همام عن قتادة عن عمرو ووقفه سفيان عن حميد الأعرج عن عمرو وتابعه مطر الوراق عن عمرو بن شعيب موقوفا.
الثالث عن كريب عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلا أو امرأة في دبرها" هذا حديث اختلف فيه فرواه الضحاك ابن عثمان عن مخرمة بن سليمان عن كريب عن ابن عباس ورواه وكيع عن الضحاك موقوفا ورواه أبو خالد عنه مرفوعا وصحح البستي رفعه وأبو خالد هو الأحمر.
الرابع عن ابن الهاد عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تأتوا النساء في أدبارهن" .

(6/140)


..........................
ـــــــ
محل الاستمتاع فيما عدا الفرج فمأخوذ من دليل آخر وهو جواز مباشرة الحائض فيما عدا الفرج. وذهبت الإمامية إلى جواز إتيان الزوجة والأمة بل والمملوك في الدبر. وروى عن الشافعي أنه قال لم يصح في تحليله ولا تحريمه شيء والقياس أنه حلال، ولكن قال الربيع والله الذي لا إله إلا هو لقد نص الشافعي على تحريمة في ستة كتب ويقال إنه كان يقول بحله في القديم. وفي الهدي النبوي عن الشافعي أنه قال: لا أرخص فيه بل أنهي عنه وقال: إن من نقل عن الأئمة إباحته فقد غلط عليهم أفحش الغلط وأقبحه وإنما الذي أباحوه أن يكون الدبر طريقاً إلى الوطء في الفرج، فيطأ من الدبر لا في الدبر فاشتبه على السامع انتهى. كذا في
ـــــــ
الخامس حديث أبي هريرة وقد تقدم وله عن النبي صلى الله عليه وسلم "لا ينظر الله إلى رجل أتى امرأة في دبرها".
السادس عن علي بن طلق قال جاء أعرابي فقال يارسول الله إنا نكون في البادية فيكون من أحدنا الرويحة فقال: "إن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أعجازهن" .
السابع عن ابن عباس قال جاء عمر بن الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله هلكت قال:"وما الذي أهلكك" قال حولت رحلي الليلة فلم يرد عليه شيئا فأوحى الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} يقول: أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة قال أبو عبد الله الحاكم وتفسير الصحابي في حكم المرفوع.
الثامن عن أبي تميمة الهجيمي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أتى حائضا أو امرأة في دبرها أو كاهنا فقد كفر بما أنزل على محمد" .
ثم ذكر أبو داود تفسير ابن عباس لقول الله تعالى {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ}.
ثم قال الشيخ شمس الدين وهذا الذي فسر به ابن عباس فسر به ابن عمر وإنما وهموا عليه لم يهم هو فروى النسائي عن أبي النصر أنه قال لنافع قد أكثر عليك القول أنك تقول عن ابن عمر إنه أفتى بأن يؤتى النساء في أدبارهن قال نافع لقد كذبوا علي ولكن سأخبرك كيف كان الأمر إن ابن عمر عرض المصحف يوما وأنا عنده حتى بلغ {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} قال يانافع هل تعلم ما أمر هذه الآية إنا كنا معشر قريش نجبي النساء فلما دخلنا المدينة ونكحنا نساء الأنصار أردنا منهن مثل ما كنا نريد من نسائنا فإذا هن قد كرهن ذلك وأعظمنه وكانت نساء الأنصار إنما يؤتين على جنوبهن فأنزل الله عزوجل {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} فهذا هو الثابت عن ابن عمر ولم يفهم عنه من نقل عنه غير ذلك.
ويدل عليه أيضا ما روى النسائي عن عبدالرحمن بن القاسم قال قلت لمالك إن عندنا

(6/141)


........................................
ـــــــ
بمصر الليث بن سعد يحدث عن الحرث بن يعقوب عن سعيد بن يسار قال قلت لابن عمر إنا نشتري الجواري فنحمض لهن قال وما التحميض قال نأتيهن في أدبارهن قال أف أو يعمل هذا مسلم فقال لي مالك فأشهد على ربيعة أنه يحدثني عن سعيد بن يسار أنه سأل ابن عمر عنه فقال لا بأس به فقد صح عن ابن عمر أنه فسر الآية بالإتيان في الفرج من ناحية الدبر وهو الذي رواه عنه نافع وأخطأ من أخطأ على نافع فتوهم أن الدبر محل للوطء لا طريق إلى وطء الفرج فكذبهم نافع وكذلك مسألة الجواري إن كان قد حفظ عن ابن عمر أنه رخص في الإحماض لهن فإنما مراده إتيانهن من طريق الدبر فإنه قد صرح في الرواية الأخرى بالإنكار على من وطئهن في الدبر وقال أو يفعل هذا مسلم فهذا يبين تصادق الروايات وتوافقها عنه.
فإن قيل فما تصنعون بما رواه النسائي من حديث سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن عمر أن رجلا أتى امرأته في دبرها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد من ذلك وجدا شديدا فأنزل الله عزوجل {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} قيل هذا غلط بلا شك غلط فيه سليمان بن بلال أو ابن أبي أويس راويه عنه وانقلبت عليه لفظة من بلفظة في وإنما هو أتى امرأة من دبرها ولعل هذه هي قصة عمر بن الخطاب بعينها لما حول رحله ووجد من ذلك وجدا شديدا فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم هلكت وقد تقدمت أو يكون بعض الرواة ظن أن ذلك هو الوطء في الدبر فرواه بالمعنى الذي ظنه مع أن هشام بن سعد قد خالف سليمان في هذا فرواه عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار مرسلا.
والذي يبين هذا ويزيده وضوحا أن هذا الغلط قد عرض مثله لبعض الصحابة حين أفتاه النبي صلى الله عليه وسلم بجواز الوطء في قبلها من دبرها حتى يبين له صلى الله عليه وسلم ذلك بيانا شافيا قال الشافعي أخبرني عمي قال أخبرني عبد الله بن علي بن السائب عن عمرو بن أحيحة بن الجلاح أو عن عمرو بن فلان بن أحيحة قال الشافعي أنا شككت عن خزيمة بن ثابت: "أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن إتيان النساء في أدبارهن أو إتيان الرجل امرأته في دبرها فقال النبي صلى الله عليه وسلم "حلال" فلما ولى الرجال دعاه أو أمر به فدعي فقال "كيف قلت في أي الخربتين"؟ أو"في أي الخرزتين" أو "في أي الخصفتين أمن دبرها في قبلها فنعم أم من دبرها في دبرها فلا إن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أدبارهن" قال الشافعي عمي ثقة وعبد الله بن علي ثقة وقد أخبرني محمد وهو عمه محمد بن علي عن الأنصاري المحدث به أنه أثنى عليه خيرا وخزيمة من لا يشك عالم في ثقته والأنصاري الذي أشار إليه هو عمرو بن أحيحة.
فوقع الاشتباه في كون الدبر طريقا إلى موضع الوطء أو هو مأتى واشتبه على من اشتبه عليه معنى من بمعنى في فوقع الوهم

(6/142)


2163 - حدثنا ابنُ بَشّارٍ أخبرنا عبد الرّحْمَنِ أخبرنا سُفْيَانُ عن مُحمّدِ بنِ المُنْكَدِرِ قال سَمِعْتُ جَابِراً يقُولُ: "إنّ الْيَهُودَ يقُولُون: إذَا جَامَعَ الرّجُلُ أهْلَهُ في
ـــــــ
السبل. قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه."إذا جامع الرجل أهله في فرجها من
ـــــــ
فإن قيل فما تقولون فيما رواه البيهقي عن الحاكم حدثنا الأصم قال سمعت محمد بن عبد الله بن عبدالحكم يقول سمعت الشافعي يقول ليس فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في التحريم والتحليل حديث ثابت والقياس أنه حلال وقد غلط سفيان في حديث ابن الهاد يريد حديثه عن عمارة بن خزيمة عن أبيه يرفعه إن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أدبارهن ويريد بغلطه أن ابن الهاد قال فيه مرة عن عبيد الله بن عبد الله بن حصين عن هرمي بن عبد الله الواقفي عن خزيمة ثم اختلف فيه عن عبيد الله فقيل عنه عن عبدالملك بن عمرو بن قيس الخطمي عن هرمي عن خزيمة وقيل عن عبد الله بن هرمي فمداره على هرمي بن عبد الله عن خزيمة وليس لعمارة بن خزيمة فيه أصل إلا من حديث ابن عيينة وأهل العلم بالحديث يرونه خطأ هذا كلام البيهقي.
قيل هذه الحكاية مختصرة من مناظرة حكاها الشافعي جرت بينه وبين محمد بن الحسن يكون منه تحريم إتيان غيره فالإتيان في الدبر حتى يبلغ منه مبلغ الإتيان في القبل محرم بدلالة الكتاب ثم السنة فذكر حديث عمه ثم قال ولست أرخص به أنهي عنه.
فلعل الشافعي رحمه الله توقف فيه أولا ثم لما تبين له التحريم وثبوت الحديث فيه رجع إليه وهو أولى بجلالته ومنصبه وإمامته من أن يناظر على مسألة يعتقد بطلانها يذب بها عن أهل المدينة جدلا ثم يقول والقياس حله ويقول ليس فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في التحريم والتحليل حديث ثابت على طريق الجدل بل إن كان ابن عبدالحكم حفظ ذلك عن الشافعي فهو مما قد رجع عنه لما تبين له صريح التحريم والله أعلم.
وفي سياقها دلالة على أنه إنما قصد الذب عن أهل المدينة على طريق الجدل فأما هو فقد نص في كتاب عشرة النساء على تحريمه هذا جواب البيهقي.
والشافعي رحمه الله قد صرح في كتبه المصرية بالتحريم واحتج بحديث خزيمة ووثق رواته كما ذكرنا وقال في الجديد قال الله تعالى {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} وبين أن موضع الحرث هو موضع الولد وأن الله تعالى أباح الاتيان فيه إلا في وقت الحيض وأنى شئتم بمعنى من أين شئتم قال وإباحة الإتيان في موضع الحرث يشبه أن ...1 [يكون غرسا للزرع].
ـــــــ
1 هو كذلك بالأصل . والكلام منقطع والزيادة من عندنا يقتضيها السياق.

(6/143)


فَرْجِها مِنْ وَرَائِهَا كَانَ وَلَدُهُ أَحْوَلَ، فأَنْزَلَ الله عَزّوَجَلّ {نِسَاؤكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ}".
2164 - حدثنا عبد الْعَزِيزِ بنُ يَحْيَى أبُو الأَصْبَغِ حَدّثَني مُحمّدٌ - يَعني بنَ سَلَمَةَ - عن مُحمّدِ بنِ إسْحَاقَ عن أبَانَ بنِ صَالحٍ عن مُجَاهِدٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: "إنّ ابنَ عُمَرَ - وَالله يَغْفِرُ لَهُ - أوْهَمَ إِنّمَا كَانَ هَذَا الْحَيّ مِنَ الأَنْصَارِ وَهُمْ أَهْلُ وَثَنٍ مَعَ هَذَا الْحَيّ مِنْ يَهُودَ وَهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ وكَانُوا يَرَوْنَ لَهُمْ فَضْلاً عَلَيْهِمْ في الْعِلْمِ، فَكَانُوا يَقْتَدُونَ بِكَثِيرٍ مِنْ فِعْلِهِمْ، وكَانَ مِنْ أَمْرِ أهْلِ الْكِتَابِ أنْ لا يأْتُوا النّساءَ إلاّ عَلَى حَرْفٍ، وَذَلِكَ أسْتَرُ ما تَكُونُ المَرْأةُ، فَكَانَ هَذَا الْحَيّ مِنَ الأَنْصَارِ قَدْ أخَذُوا بِذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ،
ـــــــ
ورائها" أي من جهة خلفها "كان ولده" أي الحاصل بذلك الجماع "أحول" في القاموس: الحول محركة ظهور البياض في مؤخر العين ويكون السواد في قبل المآق أو إقبال الحدقة على الأنف أو ذهاب حدقتها قبل مؤخرها، وأن تكون العين كأنما تنظر إلى الحجاج "حجاج بالفتح والكسر استخوان" أو أن تميل الحدقة إلى اللحاظ "نساؤكم" أي منكوحاتكم ومملوكاتكم "حرث لكم" أي مواضع زراعة أولادكم يعني هن لكم بمنزلة الأرض المعدة للزراعة ومحله القبل، فإن الدبر موضع الفرث لا موضع الحرث "فأتوا حرثكم أني شئتم" أي كيف شئتم من قيام أو قعود أو اضطجاع أو من ورائها في فرجها والمعنى على أي هيئة كانت فهي مباحة لكم مفوضة إليكم ولا يترتب منها ضرر عليكم. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
-"إن ابن عمر والله يغفر له أوهم" قال الخطابي في المعالم: هكذا وقع في الروايات والصواب بغير ألف، يقال وهم الرجل بكسر الهاء إذا غلط في الشيء ووهم، مفتوحة الهاء إذا ذهب وهمه إلى الشيء وأولاهم بالألف إذا أسقط من قراءته أو كلامه شيئاً، ويشبه أن يكون قد بلغ ابن عباس عن ابن عمر في تأويل الآية شيء خلاف ما كان يذهب إليه ابن عباس. انتهى "وهم أهل وثن" الوثن هو كل ما له جثة معمولة من جواهر الأرض أو من الخشب أو الحجارة، كصورة الآدمي، والصنم الصورة بلا جثة، وقيل هما سواء "وكانوا" أي الحي من الأنصار "يرون" أي يعتقدون "لهم" أي ليهود "فضلاً عليهم في العلم" لأن اليهود كانوا أهل كتاب "إلا على حرف" أي طرف يعني لا يجامعون إلا على طرف واحد وهي حالة الاستلقاء. وقال في

(6/144)


وَكَانَ هَذَا الْحَيّ مِنْ قُرَيْشٍ يَشْرَحُونَ النّسَاءَ شَرْحاً مُنْكَراً، وَيَتَلَذّذُونَ مِنْهُنّ مُقْبِلاَتٍ ومُدْبِرَاتٍ وَمُسْتَلْقِيَاتٍ، فَلَمّا قَدِمَ المُهَاجِرُونَ المَدِينَةَ تَزَوّجَ رَجُلٌ مِنْهُمْ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ، فَذَهَبَ يَصْنَعُ بِهَا ذَلِكَ فَأَنْكَرَتْهُ عَلَيْهِ وَقَالَتْ إِنّمَا كُنّا نُؤْتَى عَلَى حَرْفٍ فَاصْنَعْ ذَلِكَ، وَإِلاّ فَاجْتَنِبْنِي حَتّى شَرِيَ [شَرِا] أَمْرُهُما، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَأَنْزَلَ الله عَزّوَجَلّ: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ} أيْ مُقْبِلاَتٍ وَمُدْبِرَاتٍ وَمُسْتَلْقِيَاتٍ يَعْنِي بِذَلِكَ مَوْضِعَ الْوَلَدِ".
ـــــــ
المجمع: إلا على حرف أي جنب "يشرحون النساء شرحاً منكراً" قال الخطابي: أي يبسطون وأصل الشرح في اللغة البسط، ومنه انشراح الصدر بالأمر وهو انفتاحه، ومن هذا قولهم: شرحت المسألة إذا فتحت المغلق منها وبينت المشكل من معناها.
قلت: قال في القاموس: شرح كمنع كشف، فعلى هذا معنى قوله يشرحون النساء أي يكشفونهن وهو الظاهر "يصنع بها ذلك" أي الشرح المتعارف بينهم "حتى شرى أمرهما" شرى كرضى أي ارتفع وعظم وأصله من قولهم: شرى البرق إذا لج في اللمعان. قاله الخطابي {فَأتُوا حَرثكُمْ أنّي شِئتُمْ} أي كيف شئتم "أي مقبلات ومدبرات ومستلقيات" هذا تفسير لمعنى أني "يعني بذلك" أي بقوله حرثكم "موضع الولد" وهو القبل.
قال الخطابي: في الحديث بيان تحريم إتيان النساء في أدبارهن بغير موضع الولد مع ما جاء من النهي في سائر الأخبار انتهى. وقال النووي: اتفق العلماء الذين يعتد بهم على تحريم وطء المرأة في دبرها حائضاً كانت أو طاهراً لأحاديث كثيرة مشهورة. قال أصحابنا: لا يحل الوطء في الدبر في شيء من الآدميين وغيرهم من الحيوان في حال من الأحوال انتهى. والحديث سكت عنه المنذري.

(6/145)


47 - باب في إتيان الحائض ومباشرتها
2165 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ أنبأنا ثابِتٌ الْبُنَانِيّ عن أنَسٍ بن مَالِكٍ: أنّ الْيَهُودَ كَانَتْ إذَا حَاضَتْ مِنْهُمْ امْرَأَةٌ أخْرَجُوهَا مِنَ الْبَيْتِ وَلَمْ يؤَاكِلُوهَا وَلَمْ
ـــــــ
باب في إتيان الحائض ومباشرتها
"أن اليهود" جمع يهودي كروم ورومي وأصله اليهوديين ثم حذف ياء النسبة كذا قيل وفيه

(6/145)


يُشَارِبُوهَا وَلَمْ يُجَامِعُوهَا في الْبَيْتِ، فَسُئِلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَنْ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ الله عَزّوَجَلّ: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيْضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النّسَاءَ في المَحِيضِ} إلَى آخِرِ الآية، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "جَامِعُوهُنّ في الْبُيُوتِ، وَاصْنَعُوا كلّ شَيْء غَيْرَ النّكَاحِ" ، فَقالَتِ اليَهُودُ: مَا يُرِيدُ هَذَا الرّجُلُ أَنْ يَدَعَ شَيْئاً مِنْ أمْرِنَا إلاّ خَالَفَنَا فِيهِ، فَجَاءَ أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ وَعَبّادُ بنُ بِشْرٍ إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَقالا يا رسول الله إِنّ الْيَهُودَ تَقُولُ كَذَا وَكَذَا، أَفَلاَ نَنْكِحُهُنّ في المَحِيضِ فَتَمَعّرَ وَجْهُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم حَتّى ظَنَنّا أنْ قَدْ وَجَدَ عَلَيْهِمَا فَخَرَجَا فَاسْتَقْبَلَهُمَا [فَاسْتَقْبَلَتْهُمَا] هَدِيّةٌ مِنْ لَبنٍ إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم،
ـــــــ
تأمل، والظاهر أن اليهود قبيلة سميت باسم جدها يهودا أخي يوسف الصديق واليهودي منسوب إليهم بمعنى واحد منهم "ولم يؤاكلوها" بالهمز ويبدل واواً. وقيل: إنه لغة "ولم يجامعوها في البيت" أي لم يخالطوهن ولم يساكنوهن في بيت واحد "عن ذلك" أي عن فعل يهود المذكور {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيْضِ} أي الحيض ماذا يفعل بالنساء فيه { قُلْ هُوَ أَذًى} أي قذر {فَاعْتَزِلُوا النّسَاءَ} أي اتركوا وطئهن {في المَحِيضِ} أي وقته أو مكانه. قال في الأزهار المحيض الأول في الآية هو الدم بالاتفاق لقوله تعالى {قُلْ هُوَ أَذىً} وفي الثاني ثلاثة أقوال أحدها الدم كالأول، والثاني زمان الحيض، والثالث مكانه وهو الفرج، وهو قول جمهور المفسرين وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم. ثم الأذي ما يتأذى به الإنسان، قيل سمي بذلك لأن له لوناً كريهاً ورائحة منتنة ونجاسة مؤذية مانعة عن العبادة كذا في المرقاة "فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أي مبيناً للاعتزال المذكور في الآية بقصره على بعض أفراده "جامعوهن" أي ساكنوهن "واصنعوا كل شيء" من المؤاكلة والمشاربة والملامسة والمضاجعة "غير النكاح" أي الجماع، وهذا تفسير للاَية، وبيان لقوله: فاعتزلوا، فإن الاعتزال شامل للمجانبة عن المؤاكلة والمضاجعة "هذا الرجل" يعنون النبي صلى الله عليه وسلم، وعبروا لإنكارهم النبوة "أن يدع" أي يترك "من أمرنا" أي من أمور ديننا "إلا خالفنا" بفتح الفاء أي لا يترك أمراً من أمورنا إلا مقروناً بالمخالفة كقوله تعالى: {لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا} "فجاء أُسيد بن حضير" بالتصغير فيهما أنصاري أوسي أسلم قبل سعد بن معاذ على يد مصعب بن عمير وكان ممن شهد العقبة الثانية، وشهد بدراً وما بعدها من المشاهد "وعباد بن بشر" هو من بني عبد الأشهل من الأنصار أسلم بالمدينة على يد مصعب أيضاً قبل سعد بن معاذ وشهد بدراً وأُحداً والمشاهد كلها "أفلا ننكحهن" أي أفلا نجامعهن كما في رواية مسلم "فتمعر" أي فتغير "أن قد وجد عليهما" أي غضب "فخرجا" خوفاً من الزيادة في

(6/146)


فَبَعَثَ في آثَارِهِمَا فَظَنَنّا أَنّهُ لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِمَا.
2166 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عن جَابِرٍ بن صُبْحٍ قالَ: سَمِعْتُ خِلاَساً الْهَجَرِيّ قالَ سَمِعْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها تَقُولُ: كُنْتُ أنَا وَرَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم نَبِيتُ في الشّعَارِ الْوَاحِدِ وَأَنَا حَائِضٌ طَامِثٌ فَإِنْ أصَابَهُ مِنّي شَيْءٌ غَسَلَ مَكَانَهُ وَلَمْ يَعْدُهُ، وَإنْ أصَابَ تَعْنِي ثَوْبَهُ مِنْهُ شَيْءٌ غَسَلَ مَكَانَهُ وَلَمْ يَعْدُهُ وَصَلّى فِيهِ.
ـــــــ
التغير أو الغضب "فاستقبلهما هدية" وفي بعض النسخ فاستقبلتهما أي استقبل الرجلين شخص معه هدية يهديها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والإسناد مجازي "من لبن" من بيانية "فبعث في آثارهما" جمع أثر بفتحتين أي أرسل النبي صلى الله عليه وسلم عقبهما أحداً فناداهما فجاءاه. وزاد في رواية مسلم: فسقاهما "فظننا أنه لم يجد عليهما" أي لم يغضب.
قال الخطابي: معناه علمنا وذلك لأنه لا يدعوهما إلى مجالسته ومؤاكلته إلا وهو راض عنهما. والظن يكون بمعنيين أحدهما بمعنى الحسبان والآخر بمعنى اليقين، فكان اللفظ الأول منصرفاً إلى الحسبان، والآخر إلى العلم وزوال الشك. انتهى.
والحديث يدل على جواز المباشرة فيما بين السرة والركبة في غير القبل والدبر. وممن ذهب إلى الجواز عكرمة ومجاهد والشعبي والنخعي والحكم والثوري والأوزاعي وأحمد بن حنبل ومحمد بن الحسن وأصبغ وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وابن المنذر وداوود، وذهب مالك وأبو حنيفة إلى أن المباشرة فيما بين السرة والركبة حرام وهو قول أكثر العلماء منهم سعيد بن المسيب وشريح وطاؤس وعطاء وسليمان بن يسار وقتادة.
وفيها لأصحاب الشافعي ثلاثة وجوه الأشهر منها التحريم، والثاني عدم التحريم مع الكراهة، والثالث إن كان المباشر يضبط نفسه عن الفرج إما لشدة ورع أو لضعف شهوة جاز وإلا لم يجز. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"عن جابر بن صبح" بضم الصاد المهملة وسكون الباء الموحدة "سمعت خلاساً" بكسر أوله هو ابن عمرو "الهجري" بفتحتين "نبيت في الشعار الواحد" الشعار بالكسر ثوب يلي الجسد لأنه يلي شعره والدثار ثوب فوقه "وأنا حائض طامث" هو بمعنى حائض فهو تأكيد لحائض "فإن أصابه" أي أصاب بدنه "مني شيء" أي شيء من الدم "مكانه" أي مكان الدم "ولم يَعْدُه" أي لم يجاوز ذلك المكان. والحديث يدل على جواز النوم مع الحائض والاضطجاع

(6/147)


2167 - حدثنا مُحمّدُ بنُ الْعَلاَءِ وَ مُسَدّدٌ قالا أخبرنا حَفْصٌ عن الشّيْبَانِيّ عن عبد الله بنِ شَدّادٍ عن خَالَتِهِ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ: أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كانَ إذَا أَرَادَ أنْ يُبَاشِرَ امْرَأةً مِنْ نِسَائِهِ وَهِيَ حَائِضٌ أمَرَهَا أنْ تَتّزِرَ ثُمّ يُبَاشِرُهَا .
ـــــــ
معها في لحاف واحد إذا كان هناك حائل يمنع من ملاقاة البشرة فيما بين السرة والركبة أو تمنع الفرج وحده عند من لا يحرم إلا الفرج. قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"أمرها أن تتزر" بتشديد المثناة الثانية وأصله تأتزر بوزن تفتعل وأنكر أكثر النحاة الإدغام حتى قال صاحب المفصل إنه خطأ لكن نقل غيره أنه مذهب الكوفيين وحكاه الصغاني في مجمع البحرين. وقال ابن الملك إنه مقصور على السماع، كذا في فتح الباري.
والمراد بذلك أنها تشد إزاراً تستر سرتها وما تحتها إلى الركبة فما تحتها. والحديث استدل به من قال بتحريم المباشرة بما تحت الإزار. قال المنذري: وأخرجه البخاري.

(6/148)


48 - باب في كفارة من أتى حائضا
2168 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عن شُعْبَةَ غَيرهُ عن سَعِيدٍ حدثني الْحَكَم عن عبد الْحَمِيدِ بن عبد الرّحْمَنِ عن مَقْسِمٍ عن ابن عَبّاسٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم في الّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ قال: "يَتَصَدّقُ بِدِينَارٍ أوْ بِنِصْفِ دِينارٍ" .
ـــــــ
باب في كفارة من أتى حائضا
"في الذي يأتي امرأته وهي حائض" أي فيمن يجامع امرأته في حالة الحيض "قال" أي النبي صلى الله عليه وسلم "يتصدق بدينار أو نصف دينار" فيه دلالة على ثبوت التصدق بدينار أو نصف دينار
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وقد تقدم في الصحيحين حديث عائشة كنت أغتسل أنا والنبي صلى الله عليه وسلم من إناء واحد كلانا جنب وكان يأمرني فأتزر فيباشرني وأنا حائض قال الشافعي قال بعض أهل العلم بالقرآن في قوله تعالى {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} يعني في موضع الحيض وكانت الآية محتملة لما قال ومحتملة اعتزال جميع أبدانهن فدلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على اعتزال ما تحت الإزار منها وإباحة ما فوقه وحديث أنس هذا ظاهر في أن التحريم إنما وقع على موضع الحيض خاصة وهو النكاح وأباح كل ما دونه وأحاديث الإزار لا تناقضه لأن ذلك أبلغ في اجتناب الأذى وهو أولى.

(6/148)


2169 - حدثنا عبد السّلاَمِ بنُ مُطَهّرٍ أخبرنا جعْفَرٌ يَعْني ابنَ سُلَيْمانَ عن عَلِيّ بن الْحَكَم الْبُنَانيّ عن أبي الْحَسَنِ الْجَزَرِيّ عن مِقْسَمٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قالَ: "إذَا أصَابَهَا في الدّمِ فَدِينارٌ، وَإذَا أَصَابَهَا في انْقِطَاعِ الدّمِ فَنِصْفُ دِينارٍ".
ـــــــ
لمن جامع امرأته وهي حائض. قال في السبل: وقد ذهب إلى إيجاب الصدقة الحسن وسعيد لكن قالا يعتق رقبة قياساً على من جامع في رمضان. وقال غيرهما بل يتصدق بدينار أو نصف دينار.
قال الخطابي: قال أكثر أهل العلم لا شيء عليه، وزعموا أن هذا مرسل أو موقوف وقال ابن عبد البر: حجة من لم يوجب اضطراب هذا الحديث وأن الذمة على البراءة ولا يجب أن يثبت فيها شيء لمسكين ولا غيره إلا بدليل لا مدفع فيه ولا مطعن عليه وذلك معدوم في هذه المسألة.
قال العلامة محمد بن إسماعيل الأمير: أما من صح له كابن القطان فإنه أمعن النظر في تصحيحه وأجاب عن طرق الطعن فيه وأقره ابن دقيق العيد وقواه في كتابه الإمام فلا عذر له عن العمل به. وأما من لم يصح عنده كالشافعي وابن عبد البر فالأصل براءة الذمة فلا تقوم به الحجة انتهى. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه.
-"إذا أصابها" أي جامعها "في الدم" وفي بعض الروايات في إقبال الدم "فدينار" أي على المجامع فيه "وإذا أصابها في انقطاع الدم فنصف دينار" قيل إن الحكمة في اختلاف الكفارة
ـــــــ
وأما حديث معاذ قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يحل للرجل من امرأته وهي حائض فقال:"ما فوق الإزار والتعفف عن ذلك أفضل" ففيه بقية عن سعد الأغطش وهما ضعيفان قال عبدالحق رواه أبو داود ثم قال ورواه أبو داود من طريق حزام بن حكيم وهو ضعيف عن عمه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحل لي من امرأتي وهي حائض فقال:"لك ما فوق الإزار" قال ويروي عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم ذكره أبو بكر بن أبي شيبة وليس بقوي.
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
هذا الحديث قد رواه عفان وجماعة عن شعبة موقوفا وكذلك رواه عبدالرحمن بن مهدي عنه موقوفا ثم قال قيل لشعبة إنك كنت ترفعه فذكر ما تقدم وقال النسائي بعد ما رواه شعبة موقوفا قال شعبة أنا حفظي مرفوع وقال فلان وفلان إنه كان لا يرفعه فقال بعض القوم ياأبا بسطام حدثنا بحفظك ودعنا من فلان فقال والله ما أحب أني حدثت بهذا أو سكت عن هذا وأني عمرت في الدنيا عمر نوح في قومه.

(6/149)


..........................
ـــــــ
بالإقبال والإدبار أنه في أوله قريب عهد بالجماع فلم يعذر فيه بخلافه في آخره فخفف فيه والله تعالى أعلم. قال المنذري: وأخرجه النسائي.
وهذا الحديث قد اضطرب الرواة فيه اضطراباً كثيراً في إسناده ومتنه، فروى تارة مرفوعاً وتارة موقوفاً وتارة مرسلاً عن مقسم عن النبي صلى الله عليه وسلم، وتارة معضلاً عن عبد الحميد بن عبد الرحمَن عن النبي صلى الله عليه وسلم، وتارة على الشك دينار أو نصف دينار، وتارة على التفرقة بين أول الدم وآخره وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه: فإن أتى رجل امرأته حائضاً أو بعد تولية الدم ولم تغتسل فليستغفر الله ولا يعد، وقد روى فيه شيء لو كان ثابتاً أخذنا به ولكنه لا يثبت مثله. هذا آخر كلامه. وقيل لشعبة رضي الله عنه إنك كنت ترفعه، قال إني كنت مجنوناً فصححت فرجع عن رفعه بعد ما كان يرفعه انتهى كلام المنذري.
ـــــــ
وقد روى النسائي من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رجلا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه أصاب امرأته وهي حائض فأمره أن يعتق نسمة وله علتان أشار إليهما النسائي.
إحداهما أن هذا الحديث يرويه الوليد بن مسلم عن ابن جابر عن علي بن يذيمة عن ابن جبير عن ابن عباس واختلف على الوليد فرواه عنه موسى بن أيوب كذلك وخالفه محمود بن خالد فرواه عن الوليد عن عبدالرحمن بن يزيد السلمي قال النسائي هو عبدالرحمن بن يزيد بن تميم ضعيف.
العلة الثانية الوقف على ابن عباس ذكره النسائي.
وقال عبدالحق حديث الكفارة في إتيان الحائض لا يروى بإسناد يحتج به ولا يصح في إتيان الحائض إلا التحريم.

(6/150)


49 - باب ما جاء في العزل
2170 - حدثنا إسْحَاقُ بنُ إِسْمَاعِيلَ الطّالْقَانيّ أخبرنا سفْيَانُ عن ابن أبي نَجِيحٍ عن مُجَاهِدٍ عن قَزَعَةَ عن أبي سَعِيدٍ:ذُكِرَ ذَلِكَ عِنْدَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَعْنِي الْعَزْلَ قالَ: "فَلِمَ
ـــــــ
باب ما جاء في العزل
هو أن يجامع فإذا قارب الإنزال نزع وأنزل خارج الفرج
"ذكر" بصيغة المجهول "ذلك" أي العزل "يعني العزل" هذا بيان لذلك "فلم يفعل أحدكم" فإنه لا فائدة له فيه إذ لا مانع عن العلوق إذا أراد الله تعالى "ولم يقل فلا يفعل" أشار

(6/150)


يَفْعَلُ أَحَدُكُمْ" وَلَمْ يَقُلْ فَلاَ يَفْعَلْ أحَدُكُمْ " فَإِنّهُ لَيْسَتْ مِنْ نَفْسٍ مَخْلُوقَةٍ إلاّ الله خالِقُهَا" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: قَزَعَةُ مَوْلَى زِيادٍ.
2171 - حدثنا مُوسى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا أبانُ أخبرنا يَحْيَى أنّ مُحمّدَ بنَ عبد الرّحْمَنِ بن ثَوْبَانَ حَدّثَهُ أَنّ رِفَاعَةَ حَدّثَهُ عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ: أَنّ رَجُلاً قال يا رسول الله إنّ لِي جَارِيَةً وَأنا أعْزِلُ عَنْها وَأنا أكْرَهُ أنْ تَحْمِل وَأَنَا أُرِيدُ ما يُرِيدُ الرّجَالُ
ـــــــ
إلى أنه لم يصرح لهم بالنهي وإنما أشار أن الأولي ترك ذلك "فإنه ليست من نفس مخلوقة إلا الله خالقها" أي كل نفس قدر الله خلقها لا بد أن يخلقها سواء عزل أحدكم أم لا فلا فائدة في العزل. والحديث يدل على كراهة العزل. قال الترمذي بعد ما أخرج هذا الحديث: قد كره العزل قوم من أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم انتهى "قال أبو داوود قزعة مولى زياد" أي ابن أبي سفيان وقزعة بالقاف والزاي وبعدهما مهملة بفتحات هو ابن يحيى البصري عن أبي سعيد وأبي هريرة وابن عمر وعنه مجاهد وعاصم الأحول وثقه العجلي. قال المنذري:
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
فاليهود ظنت أن العزل بمنزلة الوأد في إعدام ما انعقد بسبب خلقه فكذبهم في ذلك وأخبر أنه لو أراد الله خلقه ما صرفه أحد وأما تسميته وأدا خفيا فلأن الرجل إنما يعزل عن امرأته هربا من الولد وحرصا على أن لا يكون فجرى قصده ونيته وحرصه على ذلك مجرى من أعدم الولد بوأده لكن ذاك وأد ظاهر من العبد فعلا وقصدا وهذا وأد خفي له إنما أراده ونواه عزما ونية فكان خفيا.
وقد روى الشافعي تعليقا عن سليمان التيمي عن أبي عمرو الشيباني عن ابن مسعود في العزل قال هو الوأد الخفي.
وقد اختلف السلف والخلف في العزل فقال الشافعي وغيره يروي عن عدد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم رخصوا في ذلك ولم يروا به بأسا قال البيهقي وروينا الرخصة فيه من الصحابة عن سعد بن أبي وقاص وأبي أيوب الأنصاري وزيد بن ثابت وابن عباس وغيرهم وذكر غيره أنه روى عن علي وخباب بن الأرت وجابر بن عبد الله والمعروف عن علي وابن مسعود كراهته قال البيهقي ورويت عنهما الرخصة ورويت الرخصة من التابعين عن سعيد بن المسيب وطاوس وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه.
وألزمهم الشافعي المنع منه فروى عن علي وعبد الله بن مسعود المنع منه ثم قال وليسوا يأخذون بهذا ولا يرون بالعزل بأسا ذكر ذلك فيما خالف فيه العراقيون عليا وعبد الله.

(6/151)


وَإنّ الْيَهُودَ تُحَدّثُ أنّ الْعَزْلَ مَوْءُودَةٌ الصّغْرَى. قالَ: "كَذَبَتْ يَهُودُ لَوْ أَرَاد الله أنْ يَخْلُقَهُ مَا اسْتَطَعْتَ أنْ تَصْرِفَهُ" .
ـــــــ
وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي "إن اليهود تحدث أن العزل موءدة الصغرى" الموءدة هي التي دفنت حية وكانت عادة سراة العرب أن يدفنوا بناتهم إذا ولدت تحرزاً عن لحوق العار، فقالت اليهود إن العزل أيضاً قريب من الوأد لأنه إتلاف نفس ولو بعيدة عن الوجود "قال كذبت يهود" فيه دليل على جواز العزل ولكنه معارض بما في حديث جدامة: أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العزل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ذلك الوأد الخفي" . أخرجه مسلم. وجمع بينهما بأن ما في حديث جدامة محمول على التنزيه وتكذيب اليهود لأنهم أرادوا التحريم الحقيقي.
وقال ابن القيم: الذي كذّب فيه صلى الله عليه وسلم اليهود هو زعمهم أن العزل لا يتصور معه الحمل أصلاً وجعلوا بمنزلة قطع النسل بالوأد فأكذبهم وأخبر أنه لا يمنع الحمل إذا شاء الله خلقه وإذا لم يرد خلقه لم يكن وأداً حقيقة، وإنما أسماه وأداً خفياً في حديث جدامة بأن الرجل إنما يعزل هرباً من الحمل فأجرى قصده لذلك مجرى الوأد لكن الفرق بينهما أن الوأد ظاهر بالمباشرة اجتمع فيه القصد والفعل، والعزل يتعلق بالقصد فقط فلذلك وصفه بكونه خفياً انتهى "لو أراد الله أن يخلقه ما استطعت أن تصرفه" معناه أنه تعالى إذا قدر خلق نفس فلا بد من خلقها وأنه يسبقكم الماء فلا تقدرون على دفعه ولا ينفعكم الحرص على ذلك، فقد يسبق الماء من غير شعور العازل لتمام ما قدره الله.
ـــــــ
وأما قول الإمام أحمد فيه فأكثر نصوصه أن له أن يعزل عن سريته وأما زوجته فإن كانت حرة لم يعزل عنها إلا بإذنها وإن كانت أمة لم يعزل إلا بإذن سيدها.
ورويت كراهة العزل عن عمر بن الخطاب ورويت عن أبي بكر الصديق وعن علي وابن مسعود في المشهور عنهما وعن ابن عمر.
وقالت طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم يحرم كل عزل وقال بعض أصحابه يباح مطلقا وقد روى مسلم في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني أعزل عن امرأتي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لم تفعل ذلك"؟ فقال الرجل أشفق على ولدها أو على أولادها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"لو كان ذلك ضارا أحدا ضر فارس والروم"
وفي الصحيحين من حديث جابر كنا نعزل والقرآن ينزل فلو كان شيء ينهى عنه لنهى عنه القرآن وفي صحيح مسلم عنه في هذا الحديث كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينهنا وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد قال ذكر العزل عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "وما ذاكم" قالوا الرجل تكون له المرأة

(6/152)


2172 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن رَبِيعَةَ بنِ أبي عبد الرّحْمَنِ عن مُحمّدِ بنِ يَحْيَى بن حَبّانَ عن ابنِ مُحَيْرِيزٍ قال: دَخَلْتُ المَسْجِدَ فَرَأَيْتُ أبا سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ فَجَلَسْتُ إلَيْهِ فَسَأَلْتُهُ عن الْعَزْلِ فَقالَ أبو سَعِيدٍ خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ فَأَصَبْنَا سَبَايَا مِنْ سَبْيِ الْعَرَبِ فاشْتَهَيْنَا النّسَاءَ وَاشْتَدّتْ عَلَيْنَا الْعُزْبَةُ وَأحْبَبْنَا الْفِدَاءَ فَأَرَدْنا أنْ نَعْزِلَ ثُمّ قُلْنَا نَعْزِلُ وَرَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بَيْنَ أظْهُرِنا قَبْلَ أَنْ نَسَأَلَهُ عن ذَلِكَ، فَسَأَلْنَاهُ عنْ ذَلِكَ: فَقالَ: "مَا عَلَيْكُم أنْ لا تَفْعَلُوا مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إلاّ وَهِيَ كَائِنَةٌ" .
ـــــــ
قال المنذري: اختلف علي يحيى بن أبي كثير فيه. فقيل عنه عن محمد بن عبد الرحمَن بن ثوبان عن جابر بن عبد الله مختصراً بمعناه، وأخرجه الترمذي والنسائي وفي حديثه وقيل فيه عن رفاعة كما ذكرناه وقيل فيه عن أبي مطيع بن رفاعة، وقيل فيه عن أبي رفاعة وقيل فيه عن أبي هريرة "في عزوة بني المصطلق" بكسر اللام قبيلة من بني خزاعة من العرب.
"فأصبنا سبايا من سبي العرب" قال النووي: فيه دليل على أن العرب يجري عليهم الرق إذا كانوا مشركين لأن بني المصطلق قبيلة من خزاعة وهو مذهب مالك والشافعي وقال أبو حنيفة والشافعي في القديم لا يجري عليهم الرق لشرفهم "واشتدت علينا العزبة" بضم العين أي قلة الجماع "وأحببنا الفداء" أي احتجنا إلى الوطء وخفنا من الحبل فتصير أم ولد فيمتنع بيعها وأخذ الفداء فيها "فأردنا أن نعزل" أي من السبايا مخافة الحبل "ثم قلنا" أي في أنفسنا أو بعضنا لبعض "نعزل" بحذف الاستفهام "ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا" أي بيننا. والجملة حالية معترضة "فسألناه عن ذلك" أي عن العزل أو جوازه "ما عليكم أن لا تفعلوا إلخ" قال النووي:
ـــــــ
ترضع فيصيب منها ويكره أن تحمل منه قال: "فلا عليكم أن لا تفعلوا ذلكم فإنما هو القدر" قال ابن عون فحدثت به الحسن فقال والله لكان هذا زجر وفي لفظ في الصحيحين قال محمد بن سيرين قوله "لا عليكم" أقرب إلى النهي.
ووجه ذلك والله أعلم أنه إنما نفي الحرج عن عدم الفعل فقال "لا عليكم أن لا تفعلوا" يعني في أن لا تفعلوا وهي يدل بمفهومه على ثبوت الحرج في الفعل فإنه لو أراد نفي الحرج عن الفعل لقال لا عليكم أن تفعلوا والحكم بزيادة لا خلاف الأصل فلهذا فهم الحسن وابن سيرين من الحديث الزجر والله أعلم.
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله وفيه دليل على جواز استرقاق العرب ووطء سباياهم وكن كتابيات وقد تقدم حديث أبي سعيد

(6/153)


2173 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا الْفَضْلُ بنُ دُكَيْنٍ أخبرنا زُهَيْرٌ عن أبي الزّبَيْرِ عن جَابرٍ قال: جَاء رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ إلى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَقال: إنّ لِي جَارِيَةً أطُوفُ عَلَيْهَا وَأنَا أكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ فَقال:"اعْزِلْ عَنْهَا إنْ شِئْتَ فأنه سَيَأْتِيهَا مَا قُدّرَ لَها". قال: فَلَبِثَ الرّجُلُ ثُمّ أَتَاهُ فَقال: إنّ الْجَارِيَةَ قَدْ حَمَلَتْ، قال: "قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنّهُ سَيَأْتِيهَا مَا قُدّرَ لَها" .
ـــــــ
معناه ما عليكم ضرر في ترك العزل، لأن كل نفس قدر الله خلقها لابد أن يخلقها سواء عزلتم أم لا وما لم يقدر خلقها لا يقع سواء عزلتم أم لا، فلا فائدة في عزلكم انتهى.
قال في النيل: وقع في رواية للبخاري وغيره: لا عليكم أن لا تفعلوا. قال ابن سيرين: هذا أقرب إلى النهي. وحكى ابن عون عن الحسن أنه قال: والله لكأن هذا زجر. قال القرطبي كأن هؤلاء فهموا من لا النهي عما سألوا عنه، فكأنه قال لا تعزلوا وعليكم أن لا تفعلوا ويكون قوله: وعليكم إلى آخره تأكيداً للنهي. وتعقب بأن الأصل عدم هذا التقدير وإنما معناه ليس عليكم أن تتركوا وهو الذي يساوي أن لا تفعلوا. وقال غيره معنى لا عليكم أن لا تفعلوا أي لا حرج عليكم أن لا تفعلوا، ففيه نفي الحرج عن عدم الفعل، فافهم ثبوت الحرج في فعل العزل، ولو كان المراد نفي الحرج عن الفعل لقال لا عليكم أن تفعلوا إلا أن يدعي أن لا زائدة فيقال الأصل عدم ذلك انتهى. قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
-"إن لي جارية" زاد مسلم هي خادمتنا وسانيتنا "أي التي تسقي لنا شبهها بالبعير في ذلك" "أطوف عليها" أي أجامعها "وأنا أكره أن تحمل" أي تحبل مني "فإنه" أي الشأن "سيأتيها ما قدر لها" أي من الحمل وغيره سواء عزلت أم لا "ثم أتاه" أي النبي صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
في سبايا أوطاس وإباحة وطئهن وهن من العرب وحديثه الآخر "لا توطأ حامل حتى تضع" وكان أكثر سبايا الصحابة في عصر النبي صلى الله عليه وسلم من العرب وكانوا يطأوهن بإذن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يشترط في الوطء غير استبرائهن لم يشترط إسلامهن وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز وقد دفع أبو بكر إلى سلمة بن الأكوع امرأة من السبي نفله إياها من العرب. وأخذ عمرو بن أمية من سبي بني حنيفة وأخذ الصحابة من سبي المجوس ولم ينقل أنهم اجتنبوهن.
قال ابن عبدالبر إباحة وطئهن منسوخ بقوله {وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} وهذا في غاية الضعف لأنه في النكاح وسأل محمد بن الحكم أحمد عن ذلك فقال لا أدري أكانوا أسلموا أم لا.

(6/154)


......................
ـــــــ
قال الخطابي في المعالم: في هذا الحديث من العلم إباحة العزل عن الجواري وقد رخص فيه غير واحد من الصحابة والتابعين وكرهه بعض الصحابة وروى عن ابن عباس أنه قال: تستأمر الحرة في العزل ولا تستأمر الجارية. وإليه ذهب أحمد بن حنبل. وقال مالك: لا يعزل عن الحرة إلا بإذنها ولا يعزل عن الجارية إذا كانت زوجة إلا بإذن أهلها، ويعزل عن أمته بغير إذن. وفي الحديث دلالة على أنه أقر بوطء أمته وادعي العزل فإن الولد لاحق به إلا أن يدعي الاستبراء، وهذا على قول من يرى الأمة فراشاً، وإليه ذهب الشافعي رحمه الله انتهى. قال المنذري: وأخرجه مسلم.

(6/155)


باب ما يكره من ذكر الرجل ما يكون من إصابته أهله
...
51 - باب ما يكره من ذكر الرجل ما يكون من إصابته من أهله
2174 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا بِشْرٌ حدثنا الْجَرَيْرِيّ ح وَحدثنا مُؤَمّلٌ أخبرنا إِسْمَاعِيلُ ح وَحدثنا مُوسَى أخبرنا حَمّادٌ كُلّهُمْ عن الْجُرَيْرِيّ عن أبي نَضْرَةَ حَدّثَني شَيْخٌ مِنْ طُفَاوَةَ قال:تَثَوّيْتُ أبَا هُرَيْرَةَ بالمَدِينَةِ فلَمْ أَرَ رَجُلاً مِنْ أصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أَشَدّ تَشْمِيراً وَلا أقْوَمَ عَلَى ضَيْفٍ مِنْهُ فَبَيْنَمَا أَنَا عِنْدَهُ يَوْماً وَهُوَ عَلَى سَرِيرٍ لَهُ وَمَعَهُ كِيسٌ فِيهِ حَصًى أوْ نَوًى وَأَسْفَلَ مِنْهُ جَارِيَةٌ لَهُ سَوْدَاءُ وَهُوَ يُسُبّجُ بِهَا حَتّى إذَا نَفَدَ [أنْفَدَ] ما في
ـــــــ
باب ما يكره من ذكر الرجل ما يكون من إصابته من أهله
"حدثني شيخ من طفاوة" بضم الطاء المهملة. قال في التقريب: الطفاوي: شيخ لأبي نضرة لم يسم من الثالثة لا يعرف "تثويت أبا هريرة" أي جئته ضيفاً والثوي الضيف وهذا كما تقول تضيفته إذا ضفته. قاله الخطابي "أشد تشميراً" أي أكثر اجتهاداً في العبادة "وهو" أي أبو هريرة رضي الله عنه "يسبح بها" أي بالحصى أو النوى والمعنى يعد التسبيح بها "إذا نفد" أي
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
قوله في الحديث "وليصفق النساء" دليل على أن قوله في حديث سهل بن سعد المتفق عليه "التصفيق للنساء" أنه إذن وإباحة لهن في التصفيق في الصلاة عند نائبة تنوب لا أنه عيب وذم قال الشافعي حكم النساء التصفيق وكذا قاله أحمد وذهب مالك إلى أن المرأة لا تصفق وأنها تسبح واحتج له الباجي وغيره بقوله صلى الله عليه وسلم "من نابه شيء في صلاته فليسبح" قالوا وهذا عام في الرجال

(6/155)


الْكِيسِ ألْقَاهُ إلَيْهَا، فَجَمَعَتْهُ فأَعَادَتْهُ في الْكِيسِ فَرَفَعَتْهُ [فَدََفَعَتْهُ] إلَيْهِ، فقال: ألاَ أُحَدّثُكَ عَنّي وَعن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، قال قُلْتُ: بَلَى، قال: بَيْنَا أَنَا أُوعَكُ في المَسْجِدِ إذْ جَاءَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم حَتّى دَخَلَ المَسْجِدَ فقال: "مَنْ أَحَسّ الْفَتَى الدّوْسِيّ" ثَلاَثَ مَرّاتٍ، فقال رَجُلٌ: يا رسول الله هُوَذَا يُوعَكَ في جَانِبِ المَسْجِدِ، فأَقْبَلَ يَمْشِي حتى انْتَهَى إلَيّ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيّ فقال لِي مَعْرُوفاً، فَنَهَضْتُ، فَانْطَلَقَ يَمْشِي حتى أتَى مَقَامَهُ الّذِي يُصَلّي فِيهِ، فأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ وَمَعَهُ صَفّانِ مِنْ رِجَالٍ وَصَفّ مِنْ نِسَاء، أو صَفّانِ مِنْ نِسَاءٍ وَصَفّ مِنْ رِجَالٍ، فقال: "إِنْ نِسّانِي الشّيْطَانُ شَيْئاً مِنْ صَلاَتِي فَلْيُسَبّح الْقَوْمُ وَلْيُصَفّقَ النّسَاءُ". قال: فَصَلّى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَلم يَنْسَ مِنْ صَلاَتِهِ شَيْئاً، فقال:" مَجَالِسَكُمْ مَجَالِسَكُمْ" . زَادَ مُوسَى هَهُنَا: ثُمّ حَمِدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمّ قال:"أمّا بَعْدُ"-
ـــــــ
فني ولم يبق "ما في الكيس" من النوى أو الحصى "ألقاه إليها" أي ألقى أبو هريرة رضي الله عنه الكيس إلى الجارية "بينا أنا أوعك" بصيغة المجهول من الوعك وهو شدة الحمى "من أحس" أي من أبصر "الفتى الدوسي" يعني أبا هريرة "فقال لي معروفاً" أي قولاً معروفاً "أو صفان من نساء" شك من الراوي "إن نساني" بتشديد السين من باب التفعيل أي أنساني "فليسبح" أي فليقل سبحان الله "القوم" قال الخطابي: اسم القوم إنما ينطبق على الرجال دون النساء.
قال زهير:
وما أدري وسوف أخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء
ويدل على ذلك قوله فليصفق النساء فقابل به النساء، فدل أنهن لم يدخلن فيهم، ويصحح ذلك قوله تعالى: {لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ} انتهى "وليصفق النساء" التصفيق ضرب إحدى اليدين على الأخرى، وقد مر بيان التسبيح والتصفيق في كتاب الصلاة "مجالسكم مجالسكم" بالنصب أي الزموا مجالسكم "زاد موسى" أي في روايته "ههنا" أي بعد قوله
ـــــــ
والنساء قالوا وقوله "التصفيق للنساء" هو على طريق الذم والعيب لهن كما يقال كفران العشير من فعل النساء.
وهذا باطل من ثلاثة أوجه:
أحدها أن في نفس الحديث تقسيم التنبيه بين الرجال والنساء وإنما ساقه في معرض التقسيم وبيان اختصاص كل نوع بما يصلح له فالمرأة لما كان صوتها عورة منعت من التسبيح وجعل لها التصفيق والرجل لما خالفها في ذلك شرع له التسبيح.

(6/156)


- ثُمّ اتّفَقُوا - ثُمّ أَقْبَلَ عَلَى الرّجَالِ قال [فقال]: "هَلْ مِنْكُم الرّجُلُ إذَا أتَى أهْلَهُ فَأَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ وَأَلْقَى عَلَيْهِ سِتْرَهُ وَاسْتَتَرَ بِسِتْرِ الله"؟ قالُوا: نَعَمْ، قال: "ثُمّ يَجْلِسُ بَعْدَ ذَلِكَ فيقُولُ فَعَلْتُ كَذَا فَعَلْتُ كَذَا". قال: فَسَكَتُوا: قال: فأَقْبَلَ عَلَى النّسَاءِ فقالَ:"هَلْ منْكُنّ مَنْ تُحَدّثُ"؟، فَسَكَتْنَ، فَجَثَتْ فَتَاةٌ، قال مُؤَمّلٌ: في حَدِيثِهِ : فَتَاةٌ كَعَابٌ، عَلَى إِحْدَى رُكْبَتَيْهَا وَتَطَاوَلَتْ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم لِيَرَاهَا وَيَسْمَعَ كَلاَمَهَا، فقالتْ: يا رسول الله إِنّهُمْ لَيَتَحَدّثُونَ وَإِنَهُنّ لَيَتَحَدّثْنَهُ، فقالَ:" هَلْ تَدْرُونَ ما مَثَلُ ذَلِكَ"؟ فقالَ:"إنّمَا مَثَلُ ذَلِكَ شَيْطَانَةٍ لَقِيَتْ شَيْطَاناً في السّكَةِ فَقَضَى مِنْها حاجَتَهُ وَالنّاسُ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ، ألاَ إِنّ طِيبَ الرّجالِ ما ظَهَرَ رِيحُهُ وَلم يَظْهَرْ لَوْنُهُ، ألاَ إنّ طِيبَ النّسَاءِ ما ظَهَرَ لَوْنُهُ وَلم يَظْهَرْ رِيحُهُ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: وَمِنْ هَهُنَا حَفِظْتُهُ عن مُؤَمّلٍ وَمُوسَى: "أَلاَ لاَ يُفْضِيَنّ رَجُلٌ إلى رَجُلٍ وَلا امْرَأَةٌ إلى امْرَأةٍ، إلاّ إلى وَلَدٍ أو وَالِدٍ" ، وَذَكَرَ ثَالِثَةً فَنَسِيتُهَا وَهُوَ في
ـــــــ
مجالسكم مجالسكم "ثم اتفقوا" أي الرواة "ثم أقبل" أي النبي صلى الله عليه وسلم "فيقول فعلت كذا فعلت كذا" أي يبين كيفية جماعه ويفشي ما جرى بينه وبين امرأته من أمور الاستمتاع "فجئت" قال في القاموس: جثي كدعا ورمي جثوا وجثيا جلس على ركبتيه "فتاة" أي شابة "كعاب" بالفتح المرأة حين يبدو ثديها للنهود وهي الكاعب أيضاً وجمعها كواعب "وتطاولت" أي امتدت ورفعت عنقها "ما ظهر ريحه ولم يظهر لونه" كماء الورد والمسك والعنبر "إن طيب النساء ما ظهر لونه ولم يظهر ريحه" كالحناء. قال القاري في المرقاة في شرح السنة: حملوا قوله وطيب النساء على ما أرادت أن تخرج، فأما إذا كانت عند زوجها فلتطيب بما شاءت انتهى. ويؤيده حديث: "أيما امرأة أصابت بخوراً فلا تشهد معنا العشاء" انتهى ملخصاً "ألا لا يفضين" بضم أوله أي لا يصلن "رجل إلى رجل ولا امرأة إلى امرأة" أي في ثوب واحد والمعنى لا يضطجعان متجردين تحت ثوب واحد. قال في المجمع: هو نهي تحريم إذا لم يكن بينهما حائل بأن يكونا متجردين وإن كان بينهما حائل فتنزيه انتهى "إلا إلى ولد أو والد" ليس هذا الاستثناء في
ـــــــ
الثاني: أن في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "التسبيح للرجال والتصفيق للنساء" فهذا التقسيم والتنويع صريح في أن حكم كل نوع ما خصه به وخرجه مسلم بهذا اللفظ وقال في آخره في الصلاة.

(6/157)


حَدِيثِ مُسَدّدٌ وَلَكِنّي لم أُتْقِنَهُ كما أُحِبّ" وَقال مُوسَى أخبرنا حَمّادٌ عن الْجُرَيْرِيّ عن أبي نَضْرَةَ عن الطّفَاوِيّ.
ـــــــ
آخر كتاب النكاح
حديث مسلم ولفظه: لا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد ولا تفضي المرأة إلى المرأة في ثوب واحد، رواه في ضمن حديث "وذكر ثالثة" أي كلمة ثالثة "وهو في حديث مسدد" مرجع هو قوله: ألا لا يفضين الخ "وقال موسى أخبرنا حماد الخ" حاصله أن موسى لم يقل في روايته حدثني شيخ من طفاوة كما قال مسدد ومؤمل، بل قال عن الطفاوي والحديث يدل على تحريم إفشاء أحد الزوجين لما يقع بينهما من أمور الجماع، وذلك لأن كون الفاعل لذلك بمنزلة شيطان لقي شيطانة فقضي حاجته منها والناس ينظرون من أعظم الأدلة الدالة على تحريم نشر أحد الزوجين للأسرار الواقعة بينهما الراجعة إلى الوطء ومقدماته.
قيل: وهذا التحريم هو في نشر أمور الاستمتاع ووصف التفاصيل الراجعة إلى الجماع وإفشاء ما يجري من المرأة من قول أو فعل حالة الوقاع. وأما مجرد ذكر نفس الجماع فإن لم يكن فيه فائدة ولا إليه حاجة فمكروه لأنه خلاف المروءة ومن التكلم بما لا يعني، ومن حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه، فإن كان إليه حاجة أو ترتب عليه فائدة فلا كراهة في ذكره، وذلك نحو أن تنكر المرأة نكاح الزوج لها وتدعي عليه العجز عن الجماع أو نحو ذلك، كما روى أن الرجل الذي ادعت عليه امرأته العنة قال يا رسول الله إني لأنفضها نفض الأديم، ولم ينكر عليه. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي مختصراً لقصة الطيب. وقال الترمذي هذا حديث حسن إلا أن الطفاوي لا نعرفه إلا في هذا الحديث ولا يعرف اسمه. وقال أبو الفضل محمد بن طاهر والطفاوي مجهول.
ـــــــ
الثالث : أنه أمر به في قوله "وليصفق النساء" ولو كان قوله "التصفيق للنساء" على جهة الذم والعيب لم يأذن فيه والله أعلم.

(6/158)