Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود

كتاب الصيام
1 - باب مبدأ فرض الصيام
2310 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ مُحمّدِ بنِ شَبّويَةَ حَدّثَني عَلِيّ بنُ حُسَيْنٍ بنَ وَاقِدٍ عن أبيهِ عن يَزِيدَ النّحْوِيّ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ: {يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} فَكَانَ النّاسُ عَلَى عَهْدِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذَا صَلّوا
ـــــــ
أول كتاب الصيام
باب مبدأ فرض الصيام
أي هذا الباب في بيان ابتداء فرض الصيام
كتب عليكم" أي فرض "الصيام" قال الحافظ في الفتح: الصوم والصيام في اللغة الإمساك، وفي الشرع إمساك مخصوص في زمن مخصوص عن شيء مخصوص بشرائط مخصوصة. وقال صاحب المحكم: الصوم ترك الطعام والشراب والنكاح والكلام، يقال صام صوماً وصياماً، ورجل صائم وصوم وقال الراغب: الصوم في الأصل الإمساك عن الفعل، ولذلك قيل للفرس الممسك عن السير صائم، وفي الشرع إمساك المكلف بالنية عن تناول المطعم والمشرب والاستمناء والاستقاء من الفجر إلى المغرب انتهى "كما كتب" أي فرض. قال العيني: إنهم تكلموا في هذا التشبيه، فقيل: إنه تشبيه في أصل الوجوب لا في قدر الواجب، والتشبيه لا يقتضي التسوية من كل وجه، كما في قوله صلى الله عليه وسلم "إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر" وهذا تشبيه الرؤية بالرؤية لا تشبيه المرئي بالمرئي. وقيل هذا التشبيه في الأصل والقدر والوقت جميعاً، وكان على الأولين صوم رمضان لكنهم زادوا في العدد ونقلوا من أيام الحر إلى أيام الاعتدال.
وقال الطبري: وقال آخرون بل التشبيه إنما هو من أجل أن صومهم كان من العشاء الآخرة إلى العشاء الآخرة، وكان ذلك فرض على المؤمنين في أول ما افترض عليهم الصوم

(6/304)


الْعَتَمَةَ حَرُمَ عَلَيْهِمُ الطّعَامُ وَالشّرَابُ وَالنّسَاءُ وَصَامُوا إلى الْقَابِلَةِ، فَاخْتَانَ رَجُلٌ نَفْسَهُ فَجَامَعَ امْرَأَتَهُ وَقَدْ صَلّى الْعِشَاءَ وَلم يُفْطِرْ، فَأَرَادَ الله عَزّوَجَلّ أنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ يُسْراً لِمَنْ بَقِيَ وَرُخْصَةً وَمَنْفَعَةً، فقال سُبْحانَهُ {عَلِمَ الله أنّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ} الآية. وكَانَ هَذَا مِمّا نَفَعَ الله بِهِ النّاسَ وَرَخّصَ لهُمْ وَيَسّرَ.
2311 - حدثنا نَصْرُ بنُ عَلِيّ بنِ نَصْرٍ الْجَهْضَمِيّ أنبأنا أبُو أحْمَدَ أنبأنا إسْرَائِيلُ عن أبي إسْحَاقَ عن الْبَرَاءِ قال: كَانَ الرّجلُ إذا صَامَ فَنَامَ لم يَأْكُلْ إلى مِثْلِهَا، وَإِنّ
ـــــــ
"العتمة" بفتح العين والتاء أي العشاء "إلى القابلة" أي الليلة المستقبلة "فاختان رجل نفسه" افتعال من الخيانة أي خان يعني ظلم "فجامع امرأته" بيان للخيانة "وقد صلى العشاء" الواو للحال، أي بعد صلاة العشاء "ولم يفطر" أي لم يأكل هذا الرجل شبعان ولم يتعش وإن كان أفطر وقت الإفطار "ذلك" الحكم "يسراً" بعد العسر "ورخصة ومنفعة" فأباح الجماع والطعام والشراب في جميع الليل "فقال" الله عزوجل "تختانون أنفسكم" يعني تجامعون النساء وتأكلون وتشربون في الوقت الذي كان حراماً عليكم. ذكره الطبري. وفي تفسير ابن أبي حاتم عن مجاهد {تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ} قال تظلمون أنفسكم. قاله العيني "وكان هذا" أي قوله تعالى: {عَلِمَ الله أنّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ} إلى قوله {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} "ويسر" للناس. قال المنذري: في إسناده علي بن حسين بن واقد وهو ضعيف.
"كان الرجل إذا صام فنام" وفي رواية البخاري: إذا كان الرجل صائماً فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر. قال الحافظ في الفتح: وفي رواية زهير كان إذا نام قبل أن يتعشى لم يحل له أن يأكل شيئاً ولا يشرب ليله ويومه حتى تغرب الشمس. ولأبي الشيخ من طريق زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق: كان المسلمون إذا أفطروا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا لم يطعموا شيئاً من ذلك إلى مثلها. فاتفقت الروايات في حديث البراء على أن المنع من ذلك كان مقيداً بالنوم، وهذا هو المشهور في حديث غيره، وقيد المنع من ذلك في حديث ابن عباس الذي سبق بصلاة العتمة. قلت: يحتمل أن يكون ذكر صلاة العشاء لكون ما بعدها مظنة النوم غالباً، والتقييد في الحقيقة إنما هو بالنوم كما في سائر الأحاديث انتهى. وقال في فتح الودود: وقد يقال لا منافاة بينهما فيجوز تقييد المنع بكل منهما فأيهما تحقق أولاً تحقق المنع "لم يأكل" هو جواب إذا "إلى مثلها" أي إلى الليلة الأخرى "وإن صرمة بن قيس" وفي

(6/305)


صِرْمَةَ بنَ قَيْسٍ الأنْصَارِيّ أتَى امْرَأَتَهُ وكَانَ صَائِماً فقال: عِنْدَكِ شَيْءٌ، قالَتْ: لاَ لَعَلّي أذْهَبُ فأطْلُبُ لَكَ شَيْئاً، فَذَهَبَتْ وَغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ فَجَاءَتْ فقالَتْ خَيْبَةٌ لَكَ، فلَمْ يَنْتَصِف النّهارُ حتّى غُشِيَ عَلَيْهِ، وكَان يَعْمَلُ يَوْمَهُ في أرْضِهِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ للنّبيّ صلى الله عليه وسلم فَنَزَلَتْ: {أُحِلّ لَكُم لَيْلَةَ الصّيَامِ الرّفَثُ إلَى نِسَائِكُمْ} - قَرَأ إلَى قَوْلِهِ - {مِنَ الفَجْرِ} .
ـــــــ
رواية البخاري: وإن قيس بن صرمة بكسر الصاد المهملة وسكون الراء هكذا سمي في هذه الرواية ولم يختلف على اسرائيل فيه إلا في رواية أبي أحمد الزبيري عنه فإنه قال صرمه بن قيس أخرجه أبو داوود، ولأبي نعيم في المعرفة من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس مثله. قال وكذا رواه أشعث بن سوار عن عكرمة عن ابن عباس، فمن قال قيس ابن صرمة قلبه كما جزم الداوودي والسهيلي وغيرهما بأنه وقع مقلوباً في رواية البخاري. هذا ما قاله الحافظ في الفتح "وكان" أي صرمة "فقال" أي صرمة بن قيس لامرأته "عندك" بكسر الكاف "شيء" من الطعام "قالت لا" أي ليس عندي طعام "وغلبته عينه" أي نام "خيبة لك" بالنصب وهو مفعول مطلق محذوف العامل، وقيل إذا كان بغير لام يجب نصبه، وإلا جاز والخيبة الحرمان، يقال خاب يخيب إذا لم ينل ما طلب "فلم ينتصف النهار حتى غشي عليه" وفي رواية البخاري: فلما انتصف النهار غشي عليه، وفي رواية أحمد: فأصبح صائماً فلما انتصف النهار، فتحمل رواية البخاري وأحمد على أن الغشي وقع في آخر النصف الأول من النهار "يعمل يومه في أرضه" وفي مرسل السدي: كان يعمل في حيطان المدينة بالأجرة، فعلى هذا فقوله في أرضه إضافة اختصاص. قاله الحافظ في الفتح "الرفث" هو الجماع "إلى قوله من الفجر" ففرح المسلمون بذلك. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري والترمذي والنسائي.

(6/306)


2 - باب نسخ قوله تعالى: {عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ}
2312 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعيدٍ أخبرنا بَكْرٌ - يَعني ابن مُضَرَ - عنْ عَمْرِو بن الْحَارِثِ عنْ بَكِيرٍ عنْ يَزِيدَ مَوْلَى سَلَمَةَ عن سَلَمَةَ بن الأَكْوَعِ قالَ:لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآية: {وَعَلَى الّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينِ} كانَ مَنْ أرَادَ مِنّا أنْ يُفْطِرَ وَيَفْتَدِي
ـــــــ
باب نسخ قوله تعالى {وعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ}
أي هذا باب في بيان أن قوله تعالى {{وعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ} منسوخ
"وعلى الذين يطيقونه" أي الصوم إن أفطروا "فدية" مرفوع على الابتداء وخبره مقدم هو قوله "وعلى الذين"

(6/306)


فَعَلَ حَتّى نَزَلَتُ الآية الّتِي بَعْدَهَا فَنَسَخَتْهَا.
2313 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ مُحمّدٍ أخبرنا عَلِيّ بنُ حُسَيْنٍ عنْ أبِيهِ عنْ يَزِيدَ النّحْوِيّ عنْ عِكْرِمَةَ عن ابن عَبّاسٍ {وَعَلَى الّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} فَكَانَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ أنْ يَفْتَدِي بِطَعَامِ مِسْكِينٍ افْتَدَى وَتَمّ لَهُ صَوْمُهُ، فَقال عَزّوَجَلّ {فَمَنْ تَطَوّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} وَقال: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدّةٌ مِنْ أيّامٍ أُخَر} .
ـــــــ
وقراءة العامة فدية بالتنوين وهي الجزاء والبدل من قولك فديت الشيء بالشيء أي هذا بهذا قاله العيني "طعام مسكين" بيان لفدية أو بدل منها، وهو نصف صاع من بر أو صاع من غيره عند أهل العراق، وعند أهل الحجاز مد قاله العيني "فعل" ذلك "الآية التي بعدها" يعنى قوله تعالى {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} "فنسختها" أي فنسخت هذه الآية {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} الآية الأولى وهي قوله {وعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ} قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.
"وتم له صومه" أي أجراً وإلا فهو مفطر "فقال" الله تعالى {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ} يعني زاد على مسكين واحد فأطعم عن كل يوم مسكينين فأكثر. وقيد فمن زاد على قدر الواجب عليه فأطعم صاعاً وعليه مد فهو خير له قاله في الخازن. وقال في فتح الودود: أي فرغب الله تعالى إياهم في الصوم أولاً وندتهم إليه بقوله { وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} ليعتادوا الصوم فحين اعتادوا ذلك أوجب عليهم، ولم يرد أن قوله {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} ناسخ للفدية من أصلها، فلعل من قال إنه ناسخ للفدية أراد هذا القدر والله تعالى اعلم انتهى كلام السندي وقال الخازن: قيل هو خطاب مع الذين يطيقونه فيكون المعنى وأن تصوموا أيها المطيقون وتتحملوا المشقة فهو خير لكم من الإفطار والفدية. وقيل هو خطاب مع الكافة وهو الأصح
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
اختلف السلف في هذه الآية على أربعة أقوال:
أحدها: أنها ليست بمنسوخة قاله ابن عباس.
الثاني: أنها منسوخة كما قاله سلمة والجمهور.
والثالث: أنها مخصوصة خص منها القادر الذي لا عذر له وبقيت متناوله للمرضع والحامل الرابع أن بعضها منسوخ وبعضها محكم

(6/307)


.........................
ـــــــ
لأن اللفظ عام فرجوعه إلى الكل أولي "وقال" الله تعالى: {فمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} ففرض الصوم ونسخ التخيير. قال المنذري: وفيه علي بن الحسين بن واقد بن المسيح وفيه مقال.

(6/308)


3 - باب من قال هي مثبتة للشيخ والحبلى
2314 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيل أخبرنا أبَانُ أخبرنا قَتَادَةُ أنّ عِكْرِمَةَ حَدّثَهُ أنّ ابنَ عَبّاسٍ قال: أُثْبِتَتْ لِلْحُبْلَى وَالمُرْضِعِ.
2315 - حدثنا ابنُ المُثَنّى أخبرنا ابنُ أبي عَدِيّ عنْ سَعِيدٍ عنْ قَتَادَةَ عن عَرْوَةَ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابن عَبّاسٍ {وَعَلَى الّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} قالَ: كَانَتْ رُخَصَةً لِلشّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْمَرْأَةِ الْكَبِيرَةِ وَهُما يُطِيقَانِ الصّيَامَ أنْ يُفْطِرا وَيُطْعِمَا مَكانَ كلّ يَوْمٍ مِسْكِيناً وَالْحُبْلَى وَالمُرْضِعِ إذَا خَافَتَا.
ـــــــ
باب من قال هي مثبتة للشيخ والحبلى
أي هذا باب في بيان أن من قال هذه الآية {وَعَلَى الّذِينَ يُطِيقُونَهُ} ثابتة للشيخ والحبلي وهي غير منسوخة
"قال أثبتت للحبلى" أي أثبتت آية {وَعَلَى الّذِينَ يُطِيقُونَهُ} لهما ونسخت في الباقي، فالنسخ السابق أراد به نسخ العموم والحاصل أن من يطيق الصوم لكن له عذر يناسب الإفطار أو عليه فيه زيادة تعب كالشيخ الكبير فالآية فيه بقيت معمولة ونسحت في غيره، وعلى هذا فلا حاجة في بناء هذا الإثبات إلى تقدير لا في قوله: {وَعَلَى الّذِينَ يُطِيقُونَهُ} أي لا يطيقونه. قاله السندي: والحديث سكت عنه المنذري.
"كانت" هذه الآية {وَعَلَى الّذِينَ يُطِيقُونَهُ} "رخصة" ثابتة باقية إلى الآن "للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام" لكن مع شدة وتعب ومشقة عظيمة، أو للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يطيقان الصيام "أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكيناً" ويؤيد هذا المعنى الأخير، ما أخرجه الدارقطني عن عطاء عن ابن عباس {وَعَلَى الّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} واحد، فمن تطوع خيراً قال زاد مسكيناً آخر فهو خير، قال وليست بمنسوخة إلا أنه رخص للشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصيام وأمر أن يطعم الذي يعلم أنه لا يطيقه. وهذا إسناد صحيح ثابت. قال في سبل السلام: روى عن ابن عباس أنه كان يقرأ {وَعَلَى الّذِينَ يُطِيقُونَهُ} أي يكلفونه ولا يطيقونه ويقول ليست بمنسوخة، هي للشيخ الكبير والمرأة الهمة انتهى.

(6/308)


قالَ أَبُو دَاوُدَ: يَعني عَلَى أوْلاَدِهِما أفْطَرَتَا وَأطْعَمَتَا.
ـــــــ
وقال العيني: وقد اختلف السلف في قوله عزوجل {وَعَلَى الّذِينَ يُطِيقُونَهُ} فقال قوم إنها منسوخة، واستدلوا بحديث سلمة وابن عمر أي الذي أخرجه البخاري وهو قول علقمة والنخعي والحسن والشعبي وابن شهاب، وعلى هذا يكون قراءتهم {وَعَلَى الّذِينَ يُطِيقُونَهُ} بضم الياء وكسر الطاء وسكون الياء الثانية. وعند ابن عباس هي محكمة وعليه قراءة يطوقونه بالواو المشددة، وروي عنه يطيقونه بفتح الطاء والياء المشددتين ثم إن الشيخ الكبير والعجوز إذا كان الصوم يجهدهما ويشق عليهما مشقة شديدة فلهما أن يفطرا ألأ يطعما لكل يوم مسكيناً، وهذا قول علي وابن عباس وأبي هريرة وغيرهم انتهى. ومعنى يطوقونه أي يكلفونه، ومعنى يطيقونه أي يتكلفونه كما يظهر من كلام العيني. وقال الحافظ في الفتح: واتفقت هذه الأخبار على أن قوله {وَعَلَى الّذِينَ يُطِيقُونَهُ} منسوخ وخالف في ذلك ابن عباس فذهب إلى أنها محكمة، لكنها مخصوصة بالشيخ الكبير ونحوه انتهى.
"والحبلى والمرضع" أي كانت رخصة للحبلى والمرضع. قال الخطابي: مذهب ابن عباس في هذا أن الرخصة مثبتة للحبلى والمرضع إذا خافتا على أولادهما وقد نسخت في الشيخ الكبير الذي يطيق الصوم فليس له أن يفطر ويفدي، إلا أن الحامل والمرضع وإن كانت الرخصة قائمة لهما فإنه يلزمهما القضاء مع الإطعام، وإنما لزمهما الإطعام مع القضاء لأنهما يفطران من أجل غيرهما شفقة على الولد وإبقاء عليه. وإذا كان الشيخ يجب عليه الإطعام، وهو إنما رخص له في الإفطار من أجل نفسه فقد عقل أن من يرخص فيه من غيره أولى بالإطعام وهذا على مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل. وقد روي ذلك أيضاً عن مجاهد. وأما الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم فإنه يطعم ولا قضاء عليه لعجزه. وقد روي ذلك أيضاً عن مجاهد. وأما الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم فإنه يطعم ولا قضاء عليه لعجزه. وقد روي ذلك عن أنس وكان يفعل ذلك بعد ما أسن وكبر، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه في الحبلى والمرضع يقضيان ولا يطعمان كالمريض، كذلك روي عن الحسن وعطاء، والنخعي والزهري. وقال مالك بن أنس: الحبلى هي كالمريض تقضي ولا تطعم والمرضع تقضي وتطعم. والحديث سكت عنه المنذري.

(6/309)


4 - باب الشهر يكون تسعاً وعشرين
2316 - حدثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ أخبرنا شُعْبَةُ عن الأسْوَدِ بن قَيْسٍ عن سَعِيدِ بن عَمْرٍو يَعْني ابنَ سَعيدِ بن الْعَاصِ عن ابن عُمَرَ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنّا أُمّةٌ أُمّيّةٌ لاَ نَكْتُبُ وَلاَ نَحْسُبُ الشّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا" وَخَنَسَ [حَبَسَ] سُلَيْمانُ
ـــــــ
باب الشهر يكون تسعاً وعشرين
أي هذا باب في بيان أن الشهر قد يكون تسعاً وعشرين لا أنه يكون دائماً كذلك
"إنا" أي العرب وقيل أراد نفسه "أمة" أي جماعة قريش مثل قوله تعالى {أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ} وقال الجوهري: الأمة الجماعة. وقال الأخفش: هو في اللفظ واحد وفي المعنى جمع، وكل جنس من الحيوان أمة والأمة الطريقة والدين، يقال فلان لا أمة له أي لا دين له ولا نحلة له، وكسر الهمزة فيه لغة. وقال ابن الأثير: الأمة الرجل المفرد بدين لقوله تعالى {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ} قاله العيني "أمية" بلفظ النسب إلى الأم، فقيل أراد أمة العرب لأنها لا تكتب، أو منسوب إلى الأم لأن المرأة هذه صفتها غالباً، وقيل منسوبون إلى أم القرى وهي مكة أي إنا أمة مكية. قاله الحافظ في الفتح. وقال العيني: قيل معناه باقون على ما ولدت عليه الأمهات. وقال الداوودي: أمة أمية لم يأخذ عن كتب الأمم قبلها إنما أخذت عما جاءه الوحي من الله عزوجل انتهى "لا نكتب ولا نحسب" بالنون فيهما وهما تفسيران لكونهم أمية. قال الحافظ في الفتح: والمراد أهل الإسلام الذين بحضرته عند تلك المقالة، وهو محمول على أكثرهم، أو المراد نفسه صلى الله عليه وسلم. وقيل للعرب اميون لأن الكتابة كانت فيهم عزيزة. قال الله تعالى {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُم} ولا يرد على ذلك أنه كان فيهم من يكتب ويحسب لأن الكتابة كانت فيهم قليلة نادة. والمراد بالحساب هنا حساب النجوم وتسييرها ولم يكونوا يعرفون من ذلك أيضاً إلا النزر اليسير، فعلق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية لرفع الحرج عنهم في معاناة حساب التسيير انتهى.
قال العيني: وقوله لا نحسب بضم السين "الشهر" أي الذي نحن فيه، أو جنس الشهر وهو مبتدأ "هكذا" مشاراً بها إلى نشر الأصابع العشر "وهكذا" ثانياً "وهكذا" ثالثاً خبره بالربط بعد العطف، وفسره الرواي بتسعة وعشرين وثلاثين. قلت: لفظ هكذا وهكذا وهكذا ثابت في بعض النسخ ثلاث مرات وفي بعض النسخ هكذا وهكذا مرتان، وكذا أورده البخاري وفي رواية مختصراً ولفظه الشهر هكذا وهكذا يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين.

(6/310)


إصْبَعَهُ في الثّالِثَةِ يَعْني تِسَعاً وَعِشرِينَ وَثَلاَثِينَ" .
2317 - حدثنا سُلَيْمانُ بنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيّ أخبرنا حَمّادٌ أخبرنا أيّوبُ عن نَافِعٍ عن ابن عُمَرَ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "الشّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ فَلاَ تَصُومُوا حَتّى تَرَوْهُ وَلاَ
ـــــــ
قال الحافظ في الفتح: هكذا ذكره آدم شيخ البخاري مختصراً، وفيه اختصار عما رواه غندر عن شعبة. أخرجه مسلم عن ابن المثنى وغيره عنه بلفظ: الشهر هكذا وهكذا وعقد الإبهام في الثالثة، والشهر هكذا وهكذا وهكذا يعني تمام الثلاثين أي أشار أولاً بأصابع يديه العشر جميعاً مرتين وقبض الإبهام في المرة الثالثة، وهذا المعبر عنه بقوله تسع وعشرون، وأشار مرة أخرى بهما ثلاث مرات وهو المعبر عنه بقوله ثلاثون انتهى.
وقال الخطابي: قوله الشهر هكذا يريد أن الشهر قد يكون تسعة وعشرين وليس يريد أن كل شهر تسعة وعشرون وإنما احتاج إلى بيان ما كان موهوماً أن يخفى عليهم لأن الشهر في العرف وغالب العادة ثلاثون، فوجب أن يكون البيان فيه مصروفاً إلى النادر دون المعروف منه، فلو أن رجلاً حلف أو نذر أن يصوم شهراً بعينه فصام فكان تسعاً وعشرين كان باراً في يمينه ونذره، ولو حلف ليصومن شهراً لا بعينه فعليه إتمام العدة ثلاثين يوماً. وفي الحديث مستدل لمن رأى الحكم بالإشارة وإعمال دلالة الإيماء كمن قال: امرأتي طالق وأشار بإصبعه الثلاث أنه يلزمه ثلاث تطليقات على الظاهر من الحال.
"وخنس سليمان إصبعه" قال الخطابي: أي أضجعها فأخرها عن مقام أخواتها، ويقال للرجل إذا كان مع أصحابه في مسير أو سفر فتخلف عنهم قد خنس عن أصحابه انتهى.
وقال العيني: لفظ خنس بفتح الخاء المعجمة والنون وفي آخره سين مهملة معناه قبض. والمشهور أنه لازم يقال خنس خنوساً، ويروى حبس بالحاء المهملة والباء الموحدة بمعنى خنس وهي رواية الكشميهني. انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم وابن ماجه.
"الشهر تسع وعشرون" ظاهره حصر الشهر في تسع وعشرين مع أنه لا ينحصر فيه بل قد يكون ثلاثين، والجواب أن المعنى أن الشهر يكون تسعة وعشرين أو اللام للعهد والمراد شهر بعينه، أو هو محمول على الأكثر الأغلب لقول ابن مسعود: ما صمنا مع النبي صلى الله عليه وسلم تسعاً وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين أخرجه أبو داوود والترمذي. قاله في الفتح "فلا تصوموا حتى تروه" أي الهلال، لا يقال إنه إضمار قبل الذكر لدلاله السياق عليه، كقوله تعالى: {وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ} أي لأبوي الميت. قاله العيني.

(6/311)


تُفْطِرُوا حَتّى تَرَوْهُ. فَإنْ [فَإذا] غُمّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ ثَلاَثِينَ" . قالَ: فَكَانَ ابنُ عُمَرَ إذَا
ـــــــ
وقال في الفتح: ليس المراد تعليق الصوم بالرؤية في حق كل أحد بل المراد بذلك رؤية بعضهم وهو من يثبت به ذلك إما واحد على رأي الجمهور أو اثنان على رأي آخرين انتهى "ولا تفطروا حتى تروه" أي هلال شوال. وقد استفيد من هذا الحديث أن وجوب الصوم ووجوب الإفطار عند انتهاء الصوم متعلقاً برؤية الهلال "فإن غم عليكم" بضم الغين المعجمة وتشديد الميم أي حال بينكم وبينه غيم. قاله الحافظ.
وقال العيني: أي فإن ستر الهلال عليكم، ومنه الغم لأنه يستر القلب، والرجل الأغم المستور الجبهة بالشعر، وسمي السحاب غيماً لأنه يستر السماء، ويقال غم الهلال إذا استتر ولم ير لاستتاره بغيم ونحوه، وغممت الشيء أي غطيته انتهى "فاقدروا له" أي للشهر. قال الطيبي: أي فاقدروا عدد الشهر الذي كنتم فيه. انتهى. وقال الزركشي يعني حققوا مقادير أيام شعبان حتى تكملوه ثلاثين يوماً انتهى.
وقال العيني: هو بضم الدال وكسرها يقال: قدرت لأمر كذا إذا نظرت فيه ودبرته انتهى. وفي رواية البخاري: الشهر تسع وعشرون ليلة فلا تصوموا حتى نزوه فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين.
قال في الفتح: قال الجمهور المراد بقوله فاقدروا له أي انظروا في أول الشهر واحسبوا تمام الثلاثين ويرجح هذا التأويل الروايات الأخر المصرحة بالمراد وهي فأكملوا العدة ثلاثين ونحوها. وأولى ما فسر الحديث بالحديث انتهى.
قال الخطابي: قوله فاقدروا له معناه التقدير بإكمال العدد ثلاثين، يقال: قدرت الشيء أقدره قدراً بمعنى قدرته تقديراً ومنه قوله تعالى {فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ} وكان بعض أهل المذهب يذهب في ذلك غير هذا المذهب، وتأوله على التقدير بحساب سير القمر في المنازل، والقول الأول أشبه، ألا تراه يقول في الرواية الأخرى "فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين يوماً" حدثناه جعفر بن نصير الخالدي حدثنا الحارث بن أبي أسامة حدثنا سليمان بن داوود حدثنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن ابن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "إن الله عزوجل جعل الأهلة مواقيت للناس فصوموا لرؤيته وأفطرو لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوماً" وعلى هذا قول عامة أهل العلم. ويؤكد ذلك نهيه صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الشك. وكان أحمد بن حنبل يقول: إذا لم ير الهلال لتسع وعشرين من شعبان لعلة في السماء صام الناس، فإن كان صحو لم يصوموا تباعاً لمذهب ابن عمر "نظر له" بصيغة

(6/312)


كان شَعْبَانُ تِسْعاً وَعِشْرِينَ نُظِرَ لَهُ فَإن رُئِيَ فَذَاكَ وَإن [لمْ] يُرَ وَلَمْ يَحُلْ دُون مَنْظَرِهِ سَحَابٌ وَلاَ قَتَرَةٌ أصْبَحَ مُفْطِراً، فَإنْ حَالَ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ أوْ قَتَرَةٌ أصْبَحَ صَائِماً. قال:
ـــــــ
المجهول أي لعبد الله بن عمر "فإن رؤي" أي الهلال "فذاك" يعني أصبح ابن عمر صائماً "وإن لم ير" أي الهلال "ولم يحل" من حال يحول. "ولا قترة" بفتحات.
قال الخطابي: القترة الغبرة في الهواء الحائل بين الإبصار وبين رؤية الهلال "دون منظره" أي قريب منظره "سحاب أو قترة" أي غبار في تلك الليلة وهي ليلة الثلاثين من شعبان "أصبح" ابن عمر "صائماً" قال الخطابي: وكان مذهب عبد الله بن عمر بن الخطاب صوم يوم الشك إذا كان في السماء سحاب أو قترة فإن كان صحو ولم ير الناس أفطر مع الناس انتهى.
قال ابن الجوزي: في التحقيق لأحمد في هذه المسألة وهي ما إذا حال دون مطلع الهلال غيم أو قتر ليلة الثلاثين من شعبان ثلاثة أقوال. أحدها يجب صومه على أنه من رمضان، ثانيها لا يجوز فرضاً ولا نفلاً مطلقاً، بل قضاء وكفارة ونذراً ونفلاً يوافق عادة، وبه قال الشافعي وقال مالك وأبو حنيفة: لا يجوز عن فرض رمضان ويجوز عما سوى ذلك، ثالثها المرجع إلى رأي الإمام في الصوم والفطر. واحتج الأول بأنه موافق لرأي الصحابي راوي الحديث. قال أحمد حدثنا إسماعيل حدثنا أيوب عن نافع عن ابن عمر فذكر الحديث بلفظ "فاقدروا له" قال نافع: فكان ابن عمر إذا مضى من شعبان تسع وعشرون يبعث من ينظر فإن رأى فذاك وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر أصبح مفطراً وإن حال أصبح صائماً.
وأما ما روى الثوري في جامعه عن عبد العزيز بن حكيم سمعت ابن عمر يقول: لو صمت السنة كلها لأفطرت اليوم الذي يشك فيه، فالجمع بينهما أنه في الصورة التي أوجب فيها الصوم لا يسمى يوم شك، وهذا هو المشهور عن أحمد أنه خص يوم الشك بما إذا تقاعد الناس عن رؤية الهلال أو شهد برؤيته من لا يقبل الحاكم شهادته، فأما إذا حال دون منظرة شيء فلا يسمى شكاً واختار كثيرة من المحققين من أصحابه الثاني انتهى.
قلت: قد جاء في رواية البخاري وغيره "فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين" وفي رواية للبخاري وأبي داوود وغيرهما قال عمار: من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم، فهذان يدلان على عدم جواز الصوم يوم الشك وعلى عدم جواز صوم رمضان إذا حال دون مطلع الهلال غيم أو قتر ليلة الثلاثين من شعبان، وما ذهب إليه أحمد بن حنبل هو قول ضعيف

(6/313)


وَكَانَ [فَكَانَ] ابنُ عُمَرَ يُفْطِرُ مَعَ النّاسِ وَلاَ يَأْخُذُ بِهَذَا الحِسَابِ.
2318 - حدثنا حُمَيْدُ بنُ مَسْعَدَةَ أخبرنا عبد الْوَهّابِ حدثني أيّوبُ قالَ: "كَتَبَ عُمَرُ بنُ عبد الْعَزِيزِ إلَى أهْلِ الْبَصْرَةِ بَلَغَنَا عنْ [أنَّ] رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم نَحْوَ حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم زَادَ وَإِنّ أحْسَنَ ما يُقَدّرُ لَهُ أنّا إذَا رَأَيْنَا هِلاَلَ شَعْبَانَ لِكَذَا وَكَذَا فالصّوْمُ إنْ شَاءَ الله لِكَذَا وَكَذَا إلاّ أنْ يَرَوا الهِلاَلَ قَبْلَ ذَلِكَ".
2319 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ عن ابن أبي زَائِدَةَ عنْ عِيسَى بن دِينَارٍ عنْ أبِيهِ عنْ عَمْرِو بن الحَارِثِ بن أبي ضِرَارٍ عن ابن مَسْعُودٍ قالَ: لَمَا صُمْنَا مَعَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم تِسْعاً وَعِشْرِينَ أكْثَرَ مِمّا صُمْنَا مَعَهُ ثَلاَثِينَ
2320 - حدثنا مُسَدّدٌ أنّ يَزِيدَ بنَ زُرَيْعٍ حَدّثهُمْ أخبرنا خَالِدٌ الْحَذّاءُ عن عبد الرّحْمَنِ بن أبي بَكْرَةَ عن أبِيهِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "شَهْرَا عِيدٍ لاَ يَنْقُصَانِ رَمَضَانُ وَذُو الْحِجّة" .
ـــــــ
وقول عمار رضي الله عنه من قبيل المرفوع لأن الصحابي لا يقول ذلك من قبل رأيه وسيجيء بعض بيانه في باب كراهية صوم يوم الشك إن شاء الله تعالى.
"قال" نافع "وكان ابن عمر يفطر مع الناس ولا يأخذ بهذا الحساب" قال الخطابي: يريد أنه كان يفعل ذلك الصنيع في شهر شعبان احتياطاً للصوم ولا يأخذ بهذا الحساب في شهر رمضان ولا يفطر إلا مع الناس انتهى. قال المنذري: وأخرج مسلم منه المسند فقط.
"زاد" أي أيوب في رواية عبد الوهاب عنه دون حماد "إذا رأينا هلال شعبان لكذا وكذا" أي لثلاثين في ليلة فلان وفلان "فالصوم إن شاء الله لكذا وكذا" أي بحساب الثلاثين في يوم فلان وفلان "إلا أن يروا" أي الناس "الهلال قبل ذلك" أي الثلاثين فيكون الصوم بحساب تسعة وعشرين من شعبان. قال المنذري: وهذا الذي قاله عمر بن عبد العزيز قضت به الروايات الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
"لما صمنا" ما موصولة أو مصدرية. قال المنذري: والحديث أخرجه الترمذي.
"شهرا عيد" أي شهر رمضان وشهر ذي الحجة. قال في الفتح أطلق على رمضان أنه
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وفي معناه أقوال:

(6/314)


.......................
ـــــــ
شهر عيد لقربه من العيد أو لكون هلال العيد ربما رئي في اليوم الأخير من رمضان. قاله الأثرم. والأول أولى. ونظيره قوله صلى الله عليه وسلم "المغرب وتر النهار" أخرجه الترمذي من حديث ابن عمر وصلاة المغرب ليلية جهرية وأطلق كونها وتر النهار لقربها منه، وفيه إشارة إلى أن وقتها يقع أول ما تغرب الشمس انتهى "لا ينقصان" قال الخطابي: اختلف الناس في تأويله على وجوه، فقال بعضهم معناه أنهما لا يكونان ناقصين في الحكم وإن وجدا ناقصين في عدد الحساب، وقال بعضهم معناه أنهما لا يكادان يوجدان في سنة واحدة مجتمعين في النقصان إذا كان أحدهما تسعاً وعشرين كان الآخر ثلاثين على الإكمال. قلت: وهذا القول لا يعتمد لأن دلالته تختلف
ـــــــ
أحدها: لا يجتمع نقصهما معا في سنة واحدة وهذا منصوص الإمام أحمد.
والثاني: أن هذا خرج على الغالب والغالب أنهما لا يجتمعان في النقص وإن وقع نادرا.
والثالث: أن المراد بهذا تلك السنة وحدها ذكره جماعة.
الرابع: أنهما لا ينقصان في الأجر والثواب وإن كان رمضان تسعا وعشرين فهو كامل في الأجر.
الخامس: أن المراد بهذا تفضيل العمل في عشر ذي الحجة وأنه لا ينقص أجره وثوابه عن ثواب شهر رمضان.
وقد اختلف في أيام العشر من ذي الحجة والعشر الأخير من رمضان أيهما أفضل قال شيخنا وفصل الخطاب أن ليالي العشر الأخير من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة فإن فيها ليلة القدر وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في تلك الليالي ما لا يجتهد في غيرها من الليالي وأيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام العشر الآخر من رمضان لحديث ابن عباس وقول النبي صلى الله عليه وسلم "أعظم الأيام عند الله يوم النحر"وما جاء في يوم عرفة.
السادس أن الناس كان يكثر اختلافهم في هذين الشهرين لأجل صومهم وحجهم فأعلمهم صلى الله عليه وسلم أن الشهرين وإن نقصت أعدادهما فحكم عبادتها على التمام والكمال ولما كان هذان الشهران هما أفضل شهور العام وكان العمل فيهما أحب إلى الله من سائر الشهور رغب النبي صلى الله عليه وسلم في العمل وأخبر أنه لا ينقص ثوابه وإن نقص الشهران والله أعلم.
قالوا ويشهد لهذا التفسير ما رواه الطبراني في معجمه من حديث عبد الله بن أبي بكرة عن أبيه يرفعه "كل شهر حرام لا ينقص ثلاثين يوما وثلاثين ليلة" ورجال إسناده ثقات وهذا لا يمكن حمله إلا على الثواب أي للعامل فيها ثواب ثلاثين يوما وليلة وإن نقص عدده والله أعلم.

(6/315)


..................
ـــــــ
إلا أن يحمل الأمر في ذلك على الغالب الأكبر. وقال بعضهم إنما أراد بهذا تفضيل العمل في العشر من ذي الحجة فإنه لا ينقص في الأجر والثواب عن شهر رمضان انتهى "رمضان وذو الحجة" بدلان أو بيانان أو هما خبرا مبتدأ محذوف تقديره أحدهما رمضان والآخر ذو الحجة. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه.

(6/316)


5 - باب إذا أخطأ القوم الهلال
2321 - حدثنا مُحمّدُ بنُ عُبَيْدٍ أخبرنا حَمّادٌ في حديثِ أيّوبَ عن مُحمّدِ ابن المُنْكَدِرِ عنْ أَبي هُرَيْرَةَ ذَكَرَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فيهِ قالَ: "وَفِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ وَأضْحَاكُمْ يَوْمَ
ـــــــ
باب إذا أخطأ القوم الهلال
أي هذا باب في بيان أن قوماً اجتهدوا في رؤية الهلال فأخطأوا وذلك مثلاً أن قوماً لم يروا الهلال إلا بعد الثلاثين فلم يفتروا حتى استوفوا العدد ثم ثبت عندهم أن الشهر كان تسعة وعشرين فما حكمه
"فيه" أي في حديث أيوب بسنده المذكور "قال" أي النبي صلى الله عليه وسلم "وفطركم يوم تفطرون" هو محل الترجمة وفي رواية الترمذي حدثنا محمد بن إسماعيل أخبرنا إبراهيم بن المنذر أخبرنا إسحاق بن جعفر بن محمد حدثني عبد الله بن جعفر عن عثمان بن محمد عن المقبري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون" قال الترمذي: فسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقال إنما معنى هذا الصوم والفطر مع الجماعة وعِظَم الناس انتهى يعني هو عند الله مقبول.
قال الخطابي: معنى الحديث أن الخطأ موضوع عن الناس فيما كان سبيله الاجتهاد، فلو أن قوماً اجتهدوا فلم يروا الهلال إلا بعد الثلاثين فلم يفطروا حتى استوفوا العدد ثم ثبت عندهم أن الشهر كان تسعاً وعشرين فإن صومهم وفطرهم ماض لا شيء عليهم من وزر أو عتب وكذلك هذا في الحج إذا أخطأوا يوم عرفة فإنه ليس عليهم إعادته ويجزيهم أضحاؤهم كذلك، وإنما هذا تخفيف من الله سبحانه ورفق بعباده، ولو كلفوا إذا أخطأوا العدد ثم يعيدوا لم يأمنوا أن يخطئوا ثانياً وأن لا يسلموا من الخطأ ثالثاً ورابعاً فأما ما كان سبيله الاجتهاد كان الخطأ غير مأمون فيه انتهى.
قال المنذري: وقيل فيه الإشارة إلى يوم الشك لا يصام احتياطاً وإنما يصوم يوم يصوم الناس، وقيل فيه الرد على من يقول إن من عرف طلوع القمر بتقدير حساب المنازل جاز له أن

(6/316)


تُضَحّونَ وَكُلّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ وَكُلّ مِنًى مَنْحَرٌ، وَكُلّ فِجَاجِ مَكّةَ مَنْحَرٌ وَكُلّ جَمْعٍ مَوْقِفٌ" .
ـــــــ
يصوم به ويفطر دون من لم يعلم، وقيل إن الشاهد الواحد إذا رأى الهلال ولم يحكم القاضي بشهادته أن هذا لا يكون صوماً له كما لم يكن للناس انتهى "وكل عرفة موقف" أي لا تتوهموا أن الموقف يختص بما وقفت فيه بل يجزىء الوقوف بأي جزء من عرفة "وكل منى منحر" أي محل للنحر "وكل فجاج" جمع فج وهو الطريق الواسع "مكة منحر" يعني في أي محل من حوالي مكة ينحر الهدى يجوز لأنها من أرض الحرم، وأراد به التوسعة ونفى الحرج "وكل جمع" أي مزدلفة. قال المنذري: والحديث أخرجه الترمذي من حديث سعيد بن سعيد المقبري عن أبي هريرة وقال حسن غريب انتهى. وفي البدر المنير: ابن المنكدر لم يسمع من أبي هريرة ولم يلقه، قاله ابن معين وأبو زرعة انتهى
ـــــــ.
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وأما حديث أبي داود فقال يحيى بن معين محمد بن المنكدر لم يسمع من أبي هريرة قال الترمذي وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقال إنما معنى هذا الصوم والفطر مع الجماعة وعظم الناس وقال الخطابي في معنى الحديث إن الخطأ مرفوع عن الناس فيما كان سبيله الاجتهاد فلو أن قوما اجتهدوا فلم يروا الهلال إلا بعد الثلاثين فلم يفطروا حتى استوفوا العدد ثم ثبت عندهم أن الشهر كان تسعا وعشرين فإن صومهم وفطرهم ماض لا شيء عليهم من وزر أو عنت وكذلك في الحج إذا أخطأوا يوم عرفة ليس عليهم إعادة.
وقال غيره في الإشارة إلى أن يوم الشك لا يصام احتياطا وإنما يصام يوم يصوم الناس.
وقيل فيه الرد على من يقول إن من عرف طلوع القمر بتقدير حساب المنازل جاز له أن يصوم ويفطر دون من يعلم.
وقيل إن الشاهد الواحد إذا رأى الهلال ولم يحكم القاضي بشهادته أنه لا يكون هذا له صوما كما لم يكن للناس هذا آخر كلامه.
وفيه دليل على أن المنفرد بالرؤية لا يلزمه حكمها لا في الصوم ولا في الفطر ولا في التعريف.

(6/317)


6 - باب إذا أغمي الشهر
2322 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ حدثني عبد الرّحْمَن بنُ مَهْدِيَ حدثني [حدثنا] مُعَاوِيَةُ بنُ صَالِحٍ عنْ عبد الله بن أبي قَيْسٍ قالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها تقُولُ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَتَحَفّظُ مِنْ شَعْبَانَ ما لا يَتَحَفّظُ مِنْ غَيْرِهِ، ثُمّ يَصُومُ لرُؤْيَةِ رَمَضَانَ، فَإِنْ غُمّ علَيْهِ عَدّ ثَلاَثِينَ يَوْماً ثُمّ صام.
2323 - حدثنا مُحمّدُ بنُ الصّباحِ الْبَزّازُ أخبرنا جَرِيرُ بنُ عبد الْحَمِيدِ الضّبّيّ عنْ مَنْصُورٍ بن المُعْتَمَرِ عن رِبْعيّ بن حِراشٍ عن حُذَيْفَةَ قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ تُقَدّمُوا الشّهْرَ حتى تَرَوْا الهِلاَلَ أوْ تُكْمِلُوا الْعِدّةَ ثُمّ صُومُوا حتى تَرَوْا الهِلاَلَ أوْ تُكْمِلُوا الْعِدّةَ" .
ـــــــ
باب إذا أغمي الشهر
أي أخفي هلال شهر شعبان بنحو غيم، والألف واللام فيه للعهد أي ماذا يفعل، يكمل عدة شعبان ثلاثين يوماً أو يصوم لرمضان، يقال أغمي بالحبر إذا خفي
"يتحفظ من شعبان" أي يتكلف في عد أيام شعبان لمحافظة صوم رمضان "فإن غمّ عليه" أي شعبان "عد" أي شعبان. قال المنذري: قال الدارقطني: هذا إسناد صحيح هذا آخر كلامه. ورجال إسناده كلهم محتج بهم في الصحيحين على الاتفاق والانفراد، ومعاوية بن صالح الحضرمي الحمصي قاضي الأندلس وإن كان قد تكلم فيه بعضهم فقد احتج به مسلم في صحيحه وقال البخاري قال علي يعني ابن المديني: كان عبد الرحمَن بن مهدي يوثقه ويقول نزل الأندلس، وقال أحمد بن حنبل: كان ثقة، وقال أبو زرعة الرازي: ثقة.
"لا تقدموا الشهر" الأقرب معنى أنه من التقديم أي لا تحكموا بالشهر قبل أوانه ولا تقدموه عن وقته بل اصبروا حتى تروا الهلال. قاله في الفتح الودود "أو تكملوا العدة" أي ثلاثين يوماً، وهو محل الترجمة لأن إكمال العدة في حالة الغيم ضروري.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
هذا الحديث وصله صحيح فإن الذين وصلوه أوثق وأكثر من الذين أرسلوه والذي أرسله هو الحجاج بن أرطاة عن منصور وقول النسائي لا أعلم أحدا قال في هذا الحديث عن حذيفة غير

(6/318)


قالَ أَبُو دَاوُدَ: "رَوَاهُ سُفْيَانُ وَغَيْرُهُ عن مَنْصُورٍ عن رَبِعْيّ عن رَجُلٍ من أصحابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُسَمّ حُذَيْفَةَ".
ـــــــ
قال المنذري: والحديث أخرجه النسائي مسنداً ومرسلاً وقال لا أعلم أحداً من أصحاب منصور قال في هذا الحديث عن حذيفة غير جرير يعني ابن عبد الحميد. وقال البيهقي: وصله جرير عن منصور فذكر حذيفة فيه وهو ثقة حجة، وروى له الثوري وجماعة عن منصور عن ربعي عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
جرير إنما عنى تسمية الصحابي وإلا فقد رواه الثوري وغيره عن ربعي عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهذا موصول ولا يضره عدم تسمية الصحابي ولا يعلل بذلك

(6/319)


7 - باب من قال فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين
2324 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ أخبرنا حُسَيْنٌ عن زَائِدَةَ عن سِمَاكٍ عن عِكْرِمَةَ عن ابن عَبّاسٍ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ تُقَدّمُوا الشّهْرَ بِصِيَامِ يَوْمٍ وَلاَ يَوْمَيْنِ إلاّ أن
ـــــــ
باب من قال فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين
أي ستر هلال رمضان عليكم فصوموا ثلاثين، وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وجمهور العلماء خلافاً لأحمد بن حنبل.
"لا تقدموا الشهر بصيام يوم ولا يومين" وفي رواية البخاري: لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين الحديث.
قال الترمذي بعد إخراج هذا الحديث والعمل على هذا عند أهل العلم كرهوا أن يتعجل الرجل بصيام قبل دخول شهر مضان لمعنى رمضان انتهى. أي لتعظيمه. وقال الحافظ في الفتح: قال العلماء معنى الحديث لا تستقبلوا رمضان بصيام على نية الاحتياط لرمضان، والحكمة فيه التقوى بالفطر لرمضان ليدخل فيه بقوة ونشاط. وقيل الحكمة فيه خشية اختلاط
ـــــــ
جرير إنما عنى تسمية الصحابي وإلا فقد رواه الثوري وغيره عن ربعي عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهذا موصول ولا يضره عدم تسمية الصحابي ولا يعلل بذلك
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
ولفظ النسائي فيه "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن حال بينكم وبينه سحاب فكملوا العدة ولا تستقبلوا الشهر استقبالا" وفي لفظ للنسائي أيضا "فأكملوا العدة عدة شعبان" رواه من حديث أبي يونس عن سماك عن عكرمة عنه قال الدارقطني ولم يقل في حديث ابن عباس "فأكملوا عدة شعبان" غير آدم قال حدثنا شعبة حدثني عمرو بن مرة قال سمعت أبا البختري الطائي يقول أهل هلال رمضان ونحن بذات الشقوق فشككنا في الهلال فبعثنا رجلا إلى ابن عباس فسأله فقال ابن عباس:

(6/319)


يَكُونَ شَيْءٌ يَصُومُهُ أحَدُكُمْ وَلا تَصُومُوا حتى تَرَوْهُ ثُمّ صُومُوا حتّى تَرَوْهُ، فَإنْ حَال دُونَهُ غَمَامَةٌ فَأَتِمّوا الْعِدّةَ ثَلاَثِينَ. ثُمّ أفْطِرُوا وَالشّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ" .
ـــــــ
النفل بالفرض. وقيل لأن الحكم علق بالرؤية فمن تقدمه بيوم أو يومين فقد حاول الطعن في ذلك الحكم وهذا هو المعتمد "إلا أن يكون شيء يصومه أحدكم" معنى الاستثناء أن من كان له ورد فقد أذن له فيه لأنه اعتاده وألفه وترك المألوف شديد وليس ذلك من استقبال رمضان في شيء ويلتحق بذلك القضاء والنذر لوجوبهما. قاله الحافظ في الفتح "حتى تروه" أي هلال رمضان "ثم صوموا حتى تروه" أي هلال شوال "فإن حال دونه" أي عند الهلال "غمامة" أي سحابة "فأتموا العدة" أي عدة رمضان "والشهر تسع وعشرون" يعني أنه قد يكون تسعاً وعشرين لا أنه يكون دائماً كذلك.
ـــــــ
إن الله أمده لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين قال الدارقطني صحيح عن شعبة ورواه حصين وأبو خالد الدالاني عن عمرو بن مرة ولم يقل فيه عدة شعبان غير آدم وهو ثقة.
قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
حديث أبي هريرة هذا قد روي في الصحيح بثلاثة ألفاظ أحدها هذا اللفظ الثاني "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدة" وفي رواية "فعدوا ثلاثين" اللفظ الثالث "فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين" وهذا اللفظ الأخير للبخاري وحده وقد علل بعلتين أحداهما أنه من رواية محمد بن زياد عنه وقد خالفه فيه سعيد بن الميسب فقال فيه "فصوموا ثلاثين".
قالوا وروايته أولى لإمامته واشتهار عدالته وثقته ولاختصاصه بأبي هريرة وصهره منه ولموافقة روايته لرأي أبي هريرة ومذهبه فإن مذهب أبي هريرة وعمر بن الخطاب وابنه عبد الله وعمرو بن العاص وأنس ومعاوية وعائشة وأسماء صيام يوم الغيم.
قالوا فكيف يكون عند أبي هريرة قول النبي صلى الله عليه وسلم "فأكملوا عدة شعبان" ثم يخالفه.
العلة الثانية ما ذكر الإسماعيلي قال وقد روينا هذا الحديث عن غندر وابن مهدي وابن علية وعيسى بن يونس وشبابة وعاصم بن علي والنضر بن شميل ويزيد بن هارون وأبي داود كلهم عن شعبة لم يذكر أحد منهم "فأكملوا عدة شعبان ثلاثين" فيجوز أن يكون آدم قال ذلك من عنده على وجه التفسير للخبر وإلا فليس لانفراد البخاري عنه بهذا من بين من رواه عنه وجه هذا آخر كلامه.
وقد رواه الدارقطني فقال فيه "فعدوا ثلاثين"يعني عدوا شعبان ثلاثين ثم قال أخرجه البخاري عن

(6/320)


قالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ حاتِمُ بنُ أبي صَغِيرَةَ وَشُعْبَةُ وَالْحَسَنُ بنُ صالِحٍ عن سِمَاكٍ بِمَعْنَاهُ لَمْ يَقُولوا ثُمّ أفْطِرُوا.
ـــــــ
قال المنذري: والحديث أخرجه الترمذي والنسائي بنحوه. وقال الترمذي: حسن صحيح. وأخرج مسلم في صحيحه والنسائي وابن ماجه في سننهما من حديث سعيد بن
ـــــــ
آدم فقال فيه "فعدوا شعبان ثلاثين" ولم يقل يعني وهذا يدل على أن قوله يعني من بعض الرواة والظاهر أنه آدم وأنه قوله وقد تقدم حديث ابن عباس في ذلك وتفرد آدم أيضا فيه بقوله "فأكملو عدة شعبان ثلاثين" وسائر الرواة إنما قالوا "فأكملوا العدة" كما رواه حماد بن سلمة عن عمرو ابن دينار عن ابن عباس وسفيان عن عمرو عن محمد بن حنين عن ابن عباس وحاتم بن أبي صغيرة عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس وأبو الأحوص عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس وحصين عن عمرو بن مرة عن أبي البختري وأبو خالد الدالاني عن عمرو عن أبي البختري كلهم قال في حديثه فأكملوا العدة ومنهم من قال "فأكملوا ثلاثين" وقال آدم من بينهم عدة شعبان فهذه الزيادة من آدم في حديث ابن عباس كهي في حديث أبي هريرة وسائر الرواة على خلافه فيه قال بعض الحفاظ وهذا يدل على أن هذا تفسير منه في الحديثين.
ومدار هذا الباب على حديث ابن عباس وأبي هريرة وابن عمر وعائشة وحذيفة ورافع بن خديج وطلق بن علي وسعد بن أبي وقاص وعمار بن ياسر فهذه عشرة أحاديث:
فأما حديث ابن عباس وأبي هريرة فقد ذكرناهما.
وأما حديث ابن عمر وعائشة وحذيفة فقد تقدمت.
وأما حديث رافع بن خديج فرواه الدارقطني من حديث الزهري عن حنظلة بن علي الأسلمي عن رافع بن خديج قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أحصوا عدة شعبان لرمضان ولا تقدموا الشهر بصوم فإذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين يوما ثم أفطروا فإن الشهر هكذا وهكذا وهكذا" وخنس إبهامه في الثالثة وفيه الواقدي وهو وإن كان ضعيفا فليس العمدة على مجرد حديثه.
وأما حديث طلق فرواه الدارقطني أيضا من حديث أبي يونس عن محمد بن جابر عن قيس بن طلق عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "جعل الله الأهلة مواقيت للناس فإذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فأتموا العدة ثلاثين" قال محمد بن جابر سمعت هذا منه وحديثين آخرين ومحمد بن جابر وإن كان ليس بالقوي فالعمدة على ما تقدم.
وأما حديث سعد فرواه النسائي عن محمد بن سعد عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الشهر هكذا

(6/321)


قالَ أَبُو دَاوُدَ: "وَهُو حاتِمُ بنُ مُسْلِمِ بنِ أبِي صَغِيرَةَ وَأبُو صَغِيرَةَ زَوْجُ أُمّهِ".
ـــــــ
المسيب عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا رأيتم الهلال فصوموا وإن رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين يوماً" .
ـــــــ
وهكذا وهكذا" يعني تسعة وعشرين وفي رواية ثم قبض في الثالثة الإبهام في اليسرى.
وأما حديث عمار بن ياسر فسيأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى.

(6/322)


8 - باب في التقدم
2325 - حدثنا موسى بنْ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عن ثَابِتٍ عن مُطْرّفٍ عن عِمْرِانَ بنِ حُصَيْنٍ وَ سَعِيدِ الْجُريْرِيّ عن أبِي الْعَلاَءِ عنْ مُطَرّفٍ عن عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ لِرَجُلٍ: "هَلْ صُمْتَ من سَرَرِ شَعْبَانَ شَيْئاً"؟ قالَ: لاَ، قال: "فَإذَا أفْطَرْتَ فَصُمْ يَوْماً" ، وَقالَ أحَدُهُمَا يَوْمَيْنِ".
2326 - حدثنا إِبراهِيمَ بنُ الْعَلاَء الزّبَيْدِيّ من كِتَابِهِ أخبرنا الْوَلِيدُ بنُ مُسلمٍ أخبرنا عبد الله بنُ الْعَلاءِ عن أَبي الأزْهَرِ المُغِيرةِ بنِ فَرْوَةَ قال قَام مُعَاوِيَةُ فِي النّاسِ بِدَيْرٍ
ـــــــ
باب في التقدم
أي التقدم بالصوم في شعبان على رمضان
"هل صمت من سرر شعبان" أي من آخره. قال الحافظ في الفتح: والسرر بفتح السين المهملة ويجوز كسرها وضمها جمع سرة ويقال أيضاً سرار بفتح أوله وكسره ورجح الفراء الفتح وهو من الاستسراء. قال أبو عبيد والجمهور: المراد بالسرر هنا آخر الشهر سميت بذلك لاستسرار القمر فيها وهي ليلة ثمان وعشرين وتسع وعشرين وثلاثين انتهى. وقال الخطابي: هذان الحديثان يعني حديث: لا تقدموا الشهر بصيام يوم وحديث: هل صمت من سرر شعبان متعارضان في الظاهر، ووجه الجمع بينهما أن الأمر بالصوم إنما هو شيء كان للرجل قد أوجبه على نفسه بنذره فأمره بالوفاء به، أو كان ذلك عادة اعتادها، أو آخر الشهور فتركه لاستقبال الشهر فاستحب له صلى الله عليه وسلم أن يقضيه. وأما النهي عنه في حديث ابن عباس فهو أن يبتديه المرء متبرعاً به من غير إيجاب نذر ولا عادة قد كان تعودها فيما مضى والله أعلم "فإذا أفطرت" أي انسلخ رمضان "فصم يوماً" أي عوضاً منه فاستحب له الوفاء به. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والنسائي-"بَدَيْر مِسْحَلٍ" قال في.
ـــــــ
وهكذا وهكذا" يعني تسعة وعشرين وفي رواية ثم قبض في الثالثة الإبهام في اليسرى.
وأما حديث عمار بن ياسر فسيأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى.

(6/322)


مِسْحَلٍ الّذِي عَلَى بَابِ حِمْصَ فَقَال: يَأيّهَا النّاسُ إنّا قَدْ رَأَيْنَا الْهِلاَلَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، وَأَنَا مُتَقَدّمٌ بالصّيَامِ، فَمَنْ أحَبّ أنْ يَفْعَلَهُ فَلْيَفْعَلْهُ لم قَالَ: فَقَامَ إلَيْهِ مَالِكُ بنُ
ـــــــ
القاموس: الدير خان النصارى والخان الحانوت أو صاحبه انتهى. والحانوت الدكان. وقال في تاج العروس: ومسحل اسم رجل وهو أبو الدهناء امرأة العجاج انتهى. ولعل مسحلاً كان باني هذا الدير أو مالكه "على باب حِمْص" قال في مراصد الاطلاع: حمص بالكسر ثم السكون والصاد مهملة بلد مشهور كبير "فقال" معاوية "قد رأينا الهلال" أي هلال شعبان "وأنا متقدم" رمضان "بالصيام" وهو محل الترجمة "أن يفعله" أي تقديم رمضان بالصوم "قال" أبو الأزهر
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وقد أشكل هذا على الناس فحمله طائفة على الاحتياط لدخول رمضان قالوا وسرر الشهر وسراره بكسر السين وفتحها ثلاث لغات وهو آخره وقت استسرار هلاله فأمره إذا أفطر أن يصوم يوما أو يومين عوض ما فاته من صيام سرره احتياطا.
وقالت طائفة منهم الأوزاعي وسعيد بن عبدالعزيز سرره أوله وسراره أيضا فأخبره أنه لم يصم من أوله فأمره بقضاء ما أفطر منه ذكره أبو داود عن الأوزاعي وسعيد وأنكر جماعة هذا التفسير فرأوه غلطا قالوا فإن سرار الشهر آخره سمي بذلك لاستسرار القمر فيه.
وقالت طائفة سرره هنا وسطه وسر كل شيء جوفه وقال البيهقي فعلى هذا أراد أيام البيض هذا آخر كلامه ورجح هذا بأن في بعض الروايات فيه أصمت من سره هذا الشهر وسرته وسطه كسرة الآدمي.
وقالت طائفة هذا على سبيل استفهام الإنكار والمقصود منه الزجر قال ابن حبان في صحيحه وقوله صلى الله عليه وسلم "أصمت من سرر هذا الشهر" لفظة استخبار عن فعل مرادها الإعلام بنفي جواز استعمال ذلك الفعل منه كالمنكر عليه لو فعله وهذا كقوله لعائشة أتسترين الجدار وأراد به الإنكار عليها بلفظ الاستخبار.
وأمره صلى الله عليه وسلم بصوم يومين من شوال أراد به انتهاء السرار وذلك أن الشهر إذا كان تسعا وعشرين يستسر القمر يوما واحدا وإذا كان الشهر ثلاثين يستسر القمر يومين والوقت الذي خاطب فيه النبي صلى الله عليه وسلم هذا الخطاب يشبه أن يكون عدد شعبان كان ثلاثين فمن أجله أمر بصوم يومين من شوال آخر كلامه.
وقالت طائفة لعل صوم سرر هذا الشهر كان الرجل قد أوجبه على نفسه بنذر فأمره بالوفاء وقالت طائفة لعل ذلك الرجل كان قد اعتاد صيام آخر الشهر فترك آخر شعبان لظنه أن صومه

(6/323)


هَبِيرَةَ السّبَيَيّ، فقال: يَامُعَاوِيَةُ أشَيْءٌ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أمْ شَيْءٌ مِنْ رَأْيِكَ؟ قَال سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقُولُ: "صُومُوا الشّهْرَ وَسِرّهُ" .
2327 - حدثنا سُلَيْمانُ بنُ عبد الرّحْمَنِ الدّمَشْقِيّ في هذَا الْحَدِيثِ قال قال الْوَلِيدُ سَمِعْتُ أبَا عَمْرٍو - يَعني الأَوْزَاعِيّ - يقُولُ: "سِرّهُ أوّلُهُ".
2328 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ عبد الْوَاحِدِ أخبرنا أبُو مُسْهِرٍ قال: كَانَ سَعِيدٌ - يَعني ابنَ عبد الْعَزِيزِ - يقُولُ "سِرّهُ أوّلُهُ".
قالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقال بَعْضُهُمْ: سِرّهُ وَسَطُهُ، وَقالُوا: آخِرُهُ.
ـــــــ
"فقام إليه" أي إلى معاوية "السبأي" بمفتوحة وفتح موحدة فكسر همزة وقصر نسبة إلى سبأ عامر بن سحب قاله المغني "قال" معاوية "صوموا الشهر وسرّه" قال في النهاية: أراد صوموا أول الشهر وآخر انتهى.
وقال الخطابي: والعرب يسمي الهلال الشهر يقول رأيت الشهر أي الهلال انتهى. وقال في فتح الودود: صوموا الشهر وسره بكسر فتشديد يقال سر الشهر وسراره وسرره لاَخر لاستتار القمر فيه، ويحتمل أن المراد بالشهر رمضان وسره أي آخر لتأكيد الاستيعاب أو المراد بآخره آخر شعبان وإضافته إلى رمضان للاتصال، والخطاب لمن يعتاد أو لبيان الجواز، ويحتمل أن المراد بالشهر كل شهر والمراد صوموا أول كل شهر وآخره، والمقصود بيان الإباحة انتهى.
-"يعني الأوزاعي يقول سره أوله" قال الخطابي: وأنا أنكر هذا التفسير وأراه غلطاً في النقل ولا أعرف له وجهاً في اللغة والصحيح أن سره آخره هكذا حدثنا أصحابنا عن إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل حدثنا محمود بن خالد الدمشقي عن الوليد عن الأوزاعي قال سره آخره وهذا هو الصواب، وفيه لغات يقال سر الشهر وسرار الشهر وسمي آخر الشهر سراً لاسترار القمر فيه، وإذا كان أول الشهر مأموراً بصيامه في قوله صوموا الشهر فقد علم أن الأمر بصيام سره هو غيرأوله.
ـــــــ
يكون استقبالا لرمضان فيكون منهيا عنه فاستحب له النبي صلى الله عليه وسلم أن يقضيه ورجح هذا بقوله "إلا صوم كان يصومه أحدكم فليصمه" والنهي عن التقدم لمن لا عادة له فيتفق الحديثان والله أعلم.

(6/324)


9 - باب إذا رؤي الهلال في بلد قبل الآخرين بليلة
2329 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا إسْمَاعِيلُ - يَعني ابنَ جَعْفَرٍ - أخبرني مُحمّدُ بنُ أبي حَرْمَلَةَ أخبرني كُرَيْبٌ: أنّ أُمّ الْفَضْلِ ابْنَةَ الْحَارِثِ بَعَثَتْهُ إلى مُعَاوِيَةَ بالشّامِ، قال: فَقَدِمْتُ الشّامَ فَقَضَيْتُ حَاجَتَهَا، فَاسْتُهِلّ عَلَيْهِ رَمَضَانُ وَأَنَا بالشّامِ فَرَأَيْنَا الْهِلاَلَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، ثُمّ قَدِمْتُ المَدِينَةَ في آخِرِ الشّهْرِ، فَسأَلَنِي ابنُ عَبّاسٍ، ثُمّ ذَكَرَ الْهِلاَلَ فقال: مَتَى رَأَيْتُمْ الْهِلاَلَ؟ قُلْتُ: رَأَيْتُهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ. قال: أنْتَ رَأَيْتَهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ وَرآهُ النّاسُ، وَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيَةُ، قال: لَكِنّا رَأيْنَاهُ لَيْلَةَ السّبْتِ، فلا نَزَالُ نَصُومُهُ حتّى نُكْمِلَ الثّلاَثِينَ أوْ نَرَاهُ، فَقُلْتُ: أفَلاَ تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ؟ قال: لاَ، هَكَذَا أمَرَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
باب إذا رؤي الهلال في بلد قبل الآخرين بليلة
أي فما حكمه
"بعثته" أي كريباً "قال" كريب "حاجتها" أي أم الفضل "فاستُهِلّ" هو بضم التاء بصيغة المجهول "قال" ابن عباس "أنت رأيته" أي الهلال "قال" ابن عباس "أو نراه" أي الهلال "هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم " قد تمسك بحديث كريب هذا من قال إنه لا يلزم أهل بلد رؤية أهل بلد غيرها، ووجه الاحتجاج به أن ابن عباس لم يعمل برؤية أهل الشام وقال في آخر الحديث هكذا أمرنا، فدل ذلك على أنه قد حفظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا يلزم أهل بلد العمل برؤية أهل بلد آخر. قال الخطابي: اختلف الناس في الهلال يستهله أهل بلد في ليلة ثم يستهله أهل بلد آخر في ليلة قبلها أو بعدها، فذهب إلى ظاهر الحديث ابن عباس والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله بن عمر وعكرمة، وهو مذهب إسحاق بن راهويه وقال لكل قوم رؤيتهم. وقال أكثر الفقهاء: إذا ثبت بخبر الناس أن أهل البلد من البلدان قد رأوه قبلهم فعليهم قضاء ما أفطروه، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ومالك، وإليه ذهب الشافعي وأحمد بن حنبل انتهى. وقال في فتح الودود: قوله "هكذا أمرنا" يحتمل أن المراد به أنه أمرنا أن لا نقبل شهادة الواحد في حق الإفطار، أو أمرنا بأن نعتمد على رؤية أهل بلدنا ولا نعتمد عن رؤية غيرهم وإلى المعنى الثاني تميل ترجمة المصنف، لكن المعنى الأول محتمل فلا يستقيم الاستدلال إذ الاحتمال يفسد الاستدلال انتهى.

(6/325)


2330 - حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُعَاذٍ حَدّثَني أبِي أخبرنا الأَشْعَثُ عن الْحَسَنِ: في رَجُلٍ كَانَ بِمِصْرٍ مِنَ الأَمْصَارِ فَصَامَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ، وَشَهِدَ رَجُلاَنِ أنّهُمَا رَأَيَا الْهِلاَلَ لَيْلَةَ
ـــــــ
وقال الشوكاني في النيل بعد نقل الأقوال: واعلم أن الحجة إنما هي في المرفوع من رواية ابن عباس لا في اجتهاده الذي فهم عنه الناس والمشار إليه بقوله "هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " هو قوله "فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين" والأمر الكائن من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو ما أخرجه الشيخان وغيرهما بلفظ "لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين" وهذا لا يختص بأهل ناحية على جهة الانفراد بل هو خطاب لكل من يصلح له من المسلمين، فالاستدلال به على لزوم رؤية أهل بلد لغيرهم من أهل البلاد أظهر من الاستدلال به على عدم اللزوم لأنه إذا رآه أهل بلد فقد رآه المسلمون فيلزم غيرهم ما لزمهم انتهى ملخصاً.
وقال الحافظ في الفتح: وقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب أحدها - لأهل كل بلد رؤيتهم، وفي صحيح مسلم من حديث ابن عباس ما يشهد له، وحكاه ابن المنذر عن عكرمة والقاسم وسالم وإسحاق وحكاه الترمذي عن أهل العلم ولم يحك سواه، وحكاه الماوردي وجهاً للشافعية. ثانيها - مقابله إذا رؤي ببلدة لزم أهل البلاد كلها وهو المشهور عند المالكية، لكن حكى ابن عبد البر الإجماع على خلافه وقال أجمعوا على أنه لا تراعى الرؤية فيما بعد من البلاد كخراسان والأندلس. قال القرطبي: قد قال شيوخنا إذا كانت رؤية الهلال ظاهرة قاطعة بموضع ثم نقل إلى غيرهم بشهادة اثنين لزمهم الصوم. وقال ابن الماجشون: لا يلزمهم بالشهادة إلا لأهل البلد الذي ثبتت فيه الشهادة إلا أن يثبت عند الإمام الأعظم فيلزم الناس كلهم لأن البلاد في حقه كالبلد الواحد إذ حكمه نافذ في الجميع. وقال بعض الشافعية: إن تقاربت البلاد كان الحكم واحداً وإن تباعدت فوجهان لا يجب عند الأكثر، واختار أبو الطيب وطائفة الوجوب وحكاه البغوي عن الشافعي. وفي ضبط البعد أوجه: أحدها - اختلاف المطالع قطع به العراقيون والصيدلاني وصححه النووي في الروضة وشرح المهذب. ثانيهما - مسافة القصر، قطع به الإمام والبغوي وصححه الرافعي في الصغير والنووي في شرح مسلم. ثالثها - اختلاف الأقاليم. رابعها - حكاه السرخسي فقال: يلزم كل بلد لا يتصور خفاؤه عنهم بلا عارض دون غيرهم. خامسها - قول ابن الماجشون المتقدم انتهى.
قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم والترمذي والنسائي.
-"عن الحسن في رجل" هذا الحديث وجد في نسخة واحدة. وقال الحافظ المزي: هذا الحديث في رواية أبي الحسن بن العبد وأبي بكر بن داسة انتهى. كذا في غاية المقصود.

(6/326)


الأَحَدِ، فقال: لا يَقْضِي ذَلِكَ الْيَوْمَ الرّجُلُ وَلا أهْلُ مِصْرِه إلاّ أنْ يَعْلَمُوا أنّ أهْلَ مِصْرٍ مِنْ أمْصَارِ المُسْلِمِينَ قَدْ صَامُوا يَوْمَ الأَحَدِ فَيَقْضُونَهُ.

(6/327)


10 - باب كراهية صوم يوم الشك
2331 - حدثنا مُحمّدُ بنُ عبد الله بنِ نُمَيْرٍ أخبرنا أبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ عن عَمْرِو بنِ قَيْسٍ عن أبي إسْحَاقَ عن صِلَةَ قال: كُنّا عِنْدَ عَمّارٍ في الْيَوْمِ الّذِي يُشَكّ فِيهِ، فَأُتِيَ بِشَاةٍ، فَتَنَحّى بَعْضُ الْقَوْمِ، فقال عَمّارٌ: مَنْ صَامَ هَذَا الْيَوْمَ فَقَدْ عَصَى أبَا الْقَاسِمِ صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
باب كراهية صوم يوم الشك
"عن صلة" قال الحافظ في الفتح: أما صلة فهو بكسر المهملة وتخفيف اللام المفتوحة ابن زفر بزاي وفاء وزن عمر كوفي عبسي بموحدة ومهملة من كبار التابعين وفضلائهم "يُشك فيه" هل هو من شعبان أو من رمضان وهو على بناء المجهول. قال العلامة العيني: ويوم الشك هو اليوم الذي يتحدث الناس فيه برؤية الهلال ولم يثبت رؤيته أو شهد واحد فردت شهادته أو شاهدان فاسقان فردت شهادتهما "فأتي بشاة" وفي رواية الترمذي: فأتي بشاة مصلية فقال كلوا "فتنحى بعض القوم" أي اعتزل واحترز عن أكله "فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم " قال في الفتح: استدل به على تحريم صوم يوم الشك لأن الصحابي لا يقول ذلك من قبل رأيه فيكون من قبيل المرفوع. قال ابن عبد البر: هو مسند عندهم لا يختلفون في ذلك. قيل فائدة تخصيص ذكر هذه الكنية يعني أبا القاسم الإشارة إلى أنه هو الذي يقسم بين عباد الله أحكامه زماناً ومكاناً وغير ذلك انتهى.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وذكر جماعة أنه موقوف ونظير هذا قول أبي هريرة من لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله والحكم على الحديث بأنه مرفوع بمجرد هذا اللفظ لا يصح وإنما هو لفظ الصحابي قطعا ولعله فهم من قول النبي صلى الله عليه وسلم "لا تقدموا رمضان بيوم ولا يومين" أن صيام يوم الشك تقدم فهو معصية كما فهم أبو هريرة من قوله صلى الله عليه وسلم "إذا دعا أحدكم أخاه فليجبه" أن ترك الإجابة معصية لله ورسوله ولا يجوز أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقله والصحابي إنما يقول ذلك استنادا منه إلى دليل فهم

(6/327)


..................................
ـــــــ
وقال الخطابي: اختلف الناس في معنى النهي عن صيام يوم الشك، فقال قوم إنما نهي عن صيامه إذا نوى به أن يكون من رمضان، فأما من نوى به صوم يوم من شعبان فهو جائز. هذا قول مالك بن أنس والأوزاعي وأبي حنيفة وأصحابه، ورخص فيه على هذا الوجه أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وقالت طائفة: لا يصام ذلك اليوم عن فرض ولا تطوع للنهي فيه وليقع الفصل بذلك بين شعبان ورمضان. وهكذا قال عكرمة.
وروى معناه عن أبي هريرة وابن عباس رضي الله عنهما وعائشة وأسماء ابنتا أبي بكر تصومان ذلك اليوم، وقالت عائشة رضي الله عنها: لأن أصوم يوماً من شعبان أحب إليّ من أن أفطر يوماً من رمضان.
وكان مذهب عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما صوم يوم الشك إذا كان في السماء سحاب أو قترة، فإن كان صحو ولم ير الناس الهلال أفطر مع الناس، وإليه ذهب أحمد بن حنبل، وقال الشافعي: إن وافق يوم الشك يوماً كان يصومه صامه وإلا لم يصمه وهو أن يكون من عادته أن يصوم انتهى. وقد مر بعض بيانه في باب الشهر يكون تسعاً وعشرين. قال المنذري: والحديث أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وقال الترمذي:حسن صحيح. وذكر أبو القاسم البغوي في حديث أبي هريرة فقد عصى الله ورسوله أنه موقوف، وذكر أبو عمر بن عبد البر أن هذا مسند عندهم ولا يختلفون يعني في ذلك.
ـــــــ
منه أن مخالفة مقتضاه معصية ولعله لو ذكر ذلك الدليل لكان له محمل غير ما ظنه فقد كان الصحابة يخالف بعضهم بعضا في كثير من وجوه دلالة النصوص

(6/328)


11 - باب في من يصل شعبان برمضان
2332 - حدثنا مُسْلِمُ بنُ إِبراهِيمَ أخبرنا هِشَامٌ عن يَحْيَى بنِ أبي كَثِيرٍ عنْ أبي سَلَمَةَ عنْ أَبي هُرَيْرَةَ عَنِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "لا تُقَدّمُوا صَوْمَ رَمَضَانَ بِيَوْمٍ وَلا يَوْمَيْنٍ إلاّ أنْ يَكُونَ صَوْمٌ يَصُومُهُ رَجُلٌ فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الصّوْمَ" .
ـــــــ
باب في من يصل شعبان برمضان
"لا تقدموا صوم رمضان" قد مر بيانه ومعناه في باب من قال فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين.
"إلا أن يكون صوم" يكون هنا تامة معناه إلا أن يوجد صوم "يصومه رجل" وكان ذلك
ـــــــ
منه أن مخالفة مقتضاه معصية ولعله لو ذكر ذلك الدليل لكان له محمل غير ما ظنه فقد كان الصحابة يخالف بعضهم بعضا في كثير من وجوه دلالة النصوص

(6/328)


2333 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا مُحمّدُ بنُ جَعْفَرٍ أخبرنا شُعْبَةُ عن تَوْبَةَ الْعَنْبَرِيّ عن مُحمّدِ بنِ إِبراهِيمَ عن أبي سَلَمَةَ عن أُمّ سَلَمَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم: أنّهُ لَمْ يَكُنْ يَصُومُ مِنَ السّنَةِ شَهْراً تَامّا إلاّ شَعْبَانَ يَصِلُهُ بِرَمَضَانَ .
ـــــــ
الصوم نذراً معيناً أو نفلاً معتاداً أو صوماً مطلقاً غير مقيد برمضان "فليصم ذلك الصوم" قال الخطابي: معناه أن يكون قد اعتاد صوم الاثنين والخميس فيوافق صوم المعتاد فيصومه ولا يتعمد صومه إذا لم يكن له عادة، وهذا قريب من معنى الحديث الأول انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"لم يكن يصوم من السنة شهراً تاماً إلا شعبان" وفي رواية ابن أبي لبيد عن أبي سلمة عن عائشة عند مسلم "كان يصوم شعبان إلا قليلاً" ورواه الشافعي من هذا الوجه بلفظ "بل كان يصوم إلى آخره" وهذا يبين أن المراد بقوله في حديث أم سلمة عند أبي داوود وغيره "أنه كان لا يصوم من السنة شهراً تاماً إلا شعبان يصله برمضان" أي كان يصوم معظمه.
ونقل الترمذي عن ابن المبارك أنه قال: جائز في كلام العرب إذا صام أكثر الشهر أن يقول صام الشهر كله، ويقال قام فلان ليلته أجمع ولعله قد تعشى واشتغل ببعض أمره. قال الترمذي: كان ابن المبارك جمع بين الحديثين بذلك وحاصله أن الرواية الأولى مفسرة للثانية مخصصة لها وإن المراد بالكل الأكثر وهو مجاز قليل الاستعمال. قاله الحافظ في الفتح: قال المنذري: والحديث أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وقال الترمذي حديث حسن.

(6/329)


12 - باب في كراهية ذلك
2334 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا عبد الْعَزِيزِ بنُ مُحمّدٍ قال: قَدِمَ عَبّادُ بنُ كَثِيرٍ المَدِينَةَ فمَالَ إلى مَجْلِسِ الْعَلاَءِ فأخَذَ بِيَدِهِ فَأقَامَهُ ثُم قال: اللّهُمّ إنّ هَذَا يُحَدّثُ
ـــــــ
باب في كراهية ذلك
"فأخذ" عباد "بيده" أي العلاء "فأقامه" أي أقام عباد العلاء "ثم قال" عباد "إن هذا" أي
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
الذين ردوا هذا الحديث لهم مأخذان.
أحدهما: أنه لم يتابع العلاء عليه أحد بل انفرد به عن الناس وكيف لا يكون هذا معروفا عند

(6/329)


عن أبِيهِ عن أَبي هُرَيْرَةَ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلاَ تَصُومُوا" ، فقال الْعَلاَء: اللّهُمّ إنّ أبِي حَدّثَني عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ الثّوْرِيّ وَشِبْلُ بنُ الْعَلاَءِ وَأبُو عُمَيْسٍ وَزُهَيْرُ بنُ مُحمّدٍ عن الْعَلاَءِ.
ـــــــ
العلاء "عن أبيه" وهو عبد الرحمَن "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا" قال الخطابي: هذا الحديث كان ينكره عبد الرحمَن بن مهدي من حديث العلاء، وروت أم سلمة رضي الله عنها "أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يصوم شعبان كله ويصله برمضان ولم يكن يصوم من السنة شهراً تاماً غيره" ويشبه أن يكون حديث العلاء إن ثبت على معنى كراهية صوم يوم الشك ليكون في ذلك اليوم مفطراً، أو ليكون ما استحب الصيام في بقية شبعبان ليتقوى بذلك على صيام الفرض في شه ررمضان، كما كره للحاج الصوم بعرفة ليتقوى بالإفطار على الدعاء انتهى.
قال الحافظ في الفتح: قال القرطبي لا تعارض بين حديث النهي عن صوم نصف شعبان الثاني والنهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين وبين وصال شعبان برمضان والجمع ممكن بأن يحمل النهي على من ليست له عادة بذلك ويحمل الأمر على من له عادة حملاً للمخاطب بذلك على ملازمة عادة الخير حتى لا يقطع انتهى ملخصاً.
قال المنذري: والحديث أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه. وقال الترمذي: حسن
ـــــــ
أصحاب أبي هريرة مع أنه أمر تعم به البلوى ويتصل به العمل والمأخذ الثاني أنهم ظنوه معارضا لحديث عائشة وأم سلمة في صيام النبي صلى الله عليه وسلم شعبان كله أو قليلا منه وقوله: "إلا أن يكون لأحدكم صوم فليصمه" وسؤاله للرجل عن صومه سرر شعبان.
قالوا وهذه الأحاديث أصح منه.
وربما ظن بعضهم أن هذا الحديث لم يسمعه العلاء من أبيه.
وأما المصححون له فأجابوا عن هذا بأنه ليس فيه ما يقدح في صحته وهو حديث على شرط مسلم فإن مسلما أخرج في صحيحه عدة أحاديث عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة وتفرده به تفرد ثقة بحديث مستقل وله عدة نظائر في الصحيح.
قالوا والتفرد الذي يعلل به هو تفرد الرجل عن الناس بوصل ما أرسلوه أو رفع ما وقفوه أو زيادة لفظة لم يذكروها وأما الثقة العدل إذا روى حديثا وتفرد به لم يكن تفرده علة فكم قد تفرد الثقات بسنن عن النبي صلى الله عليه وسلم عملت بها الأمة؟.

(6/330)


قالَ أَبُو دَاوُدَ: وكَانَ عبد الرّحْمَنِ لا يُحَدّثُ بِهِ. قُلْتُ لأَحْمَدَ: لِمَ قال لأنّهُ كَانَ عِنْدَهُ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَصِلُ شَعْبَانَ بِرَمَضَانَ، وَقال عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم خِلاَفَهُ.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: وَلَيْسَ هَذَا عِنْدِي خِلاَفُهُ وَلم يَجِىءْ بِهِ غَيْرُ الْعَلاَءِ عن أبِيهِ.
ـــــــ
صحيح. حكى أبو داوود عن الإمام أحمد أنه قال: هذا حديث منكر. قال: وكان عبد الرحمَن يعني ابن مهدي لا يحدث به ويحتمل أن يكون الإمام أحمد إنما أنكره من جهة العلاء بن عبد الرحمَن فإن فيه مقالاً لأئمة هذا الشأن. ومن قال: إن النهي عن الصيام بعد النصف من شعبان لأجل التقوي على صيام رمضان والاستجمام له فقد أبعد، فإن نصف شعبان إذا أضعف كان كل شعبان أحرى أن يضعف.
وقد جوز العلماء صيام جميع شعبان. والعلاء بن عبد الرحمَن وإن كان فيه مقال فقد حدث عنه الإمام مالك مع شدة انتقاده الرجال وتحريه في ذلك. وقد احتج به مسلم في صحيحه وذكر له أحاديث انفرد بها رواتها وكذلك فعل البخاري أيضاً. وللحفاظ في الرجال مذاهب فعل كل منهم ما أدى إليه اجتهاده من القبول والرد رضي الله عنهم والله أعلم.
ـــــــ
قالوا وأما ظن معارضته بالأحاديث الدالة على صيام شعبان فلا معارضة بينهما وإن تلك الأحاديث تدل على صوم نصفه مع ما قبله وعلى الصوم المعتاد في النصف الثاني وحديث العلاء يدل على المنع من تعمد الصوم بعد النصف لا لعادة ولا مضافا إلى ما قبله ويشهد له حديث التقدم.
وأما كون العلاء لم يسمعه من أبيه فهذا لم نعلم أن أحدا علل به الحديث فإن العلاء قد ثبت سماعه من أبيه وفي صحيح مسلم عن العلاء عن أبيه بالعنعنة غير حديث وقد قال1: لقيت العلاء بن عبدالرحمن وهو يطوف فقلت له برب هذا البيت حدثك أبوك عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا فقال ورب هذا البيت سمعت أبي يحدث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم" فذكره.
ـــــــ
1 هنا بياض بالأصل – ومقتضى السياق أن يكون القائل عباد بن كثير. يؤيد سنده الخطابي في الرواية هو عن قتيبة عن عبد العزيز عن عباد

(6/331)


13 - باب شهادة رجلين على رؤية هلال شوال
2335 - حدثنا مُحمّدُ بنُ عبد الرّحِيمِ أبُو يَحْيَى الْبَزّازُ أنبأنا سَعِيدُ بنُ سُلَيْمانَ أخبرنا عَبّادٌ عن أبي مَالِكٍ الأَشْجَعِيّ أخبرنا حُسَيْنُ بنُ الحارثِ الْجَدَلِيّ - مِنْ جَدِيلَةَ قَيْسٍ: أنّ أمِيرَ مَكّةَ خَطَبَ ثُمّ قال: عَهِدَ إلَيْنا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ نَنْسُكَ لِلرّؤْيَةِ، فإنْ لم نَرَهُ وَشَهِدَ شَاهِدَا عَدْلٍ نَسَكْنَا بِشَهَادَتِهِمَا. فَسَأَلْتُ الْحُسَيْنَ بنَ الْحَارِثِ: مَنْ أمِيرُ مَكّةَ؟ فقال: لا أدْرِي، ثُمّ لَقِيَنِي بَعْدُ فقال: هُوَ الحارِثُ بنُ حَاطِبٍ أخُو مُحمّدِ بنِ حَاطِبٍ، ثُمّ قال الأمِيرُ: إنّ فِيكُمْ مَنْ هُوَ أعْلَمُ بالله وَرَسُولِهِ مِنّي، وَشَهِدَ هَذَا مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، وَأوْمأ بِيَدِهِ إلى رَجُلٍ. قال الْحُسَيْنُ فَقُلْتُ لِشَيْخٍ إلى جَنْبِي: مَنْ هَذَا الّذِي أوْمأَ إلَيْهِ الأمِيرُ؟ قال: هَذَا عبد الله بنُ عُمَرَ، وَصَدَقَ كَانَ أعْلَمُ بالله مِنْهُ، فقال بِذَلِكَ أمَرَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
"جديلة قيس" قال في تاج العروس: الجديلة كسفينة القبيلة، وبنو جديلة بطن في قيس وهم فهم وعدوان ابنا عمرو بن قيس عيلان وبطن آخر في الأزد، وهم بنو جديلة بن معاوية بن عمرو بن عدي بن عمرو بن مازن بن الأزد "أن ننسك" أن نعبد ، والنسك العبادة ومعناه نحج "للرؤية" أي لرؤية هلال ذي الحجة "وشهد شاهدا عدل" قال في فتح الودود: استدل المصنف بجواز الحج بشهادة رجلين على ثبوت هلال شوال "فسأَلت الحسين" السائل أبو مالك "ثم لقيني" أي الحسين "فقال" الحسين "هو" أي الأمير "وصدق" الأمير "كان" عبد الله بن عمر "أعلم بالله منه" أي من الأمير "فقال" عبد الله بن عمر "بذلك أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم "
قال الخطابي: لا أعلم اختلافاً في أن شهادة الرجلين العدلين مقبولة في رؤية هلال شوال، وإنما اختلفوا في شهادة رجل واحد، فقال أكثر العلماء لا يقبل فيه أقل من شاهدين عدلين، وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه من طريق عبد الرحمَن بن أبي ليلى أنه أجاز شهادة رجل واحد في أضحى أو فطر، ومال إلى هذا القول بعض أهل الحديث وزعم أن باب رؤية الهلال باب الإخبار فلا يجري مجرى الشهادات. ألا ترى أن شهادة الواحد مقبولة في رؤية هلال شهر رمضان، وكذلك يجب أن تكون مقبولة في هلال شهر شوال.
قلت: لو كان ذلك من باب الإخبار لجاز فيه أن يقول أخبرني فلان أنه رأى الهلال فلما

(6/332)


2336 - حدثنا مُسَدّدٌ وَ خَلَفُ بنُ هِشَامٍ المُقْرِىءُ قالا أخبرنا أبُو عَوانَةَ عن مَنْصُورٍ عن رِبْعِيّ ابنِ حِرَاشٍ عن رَجُلٍ من أصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: اخْتَلَفَ النّاسُ في آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، فَقَدِمَ أعْرَابِيّانِ فَشَهِدَا عِنْدَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِاللّهِ لأَهَلاّ الهِلاَلَ أمْسِ عَشِيّةً، فأمَرَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم النّاسَ أن يُفْطرُوا. زَادَ خَلَفٌ في حَدِيثِهِ: وَأنْ يَغْدُوا إلى مُصَلاّهُمْ.
ـــــــ
لم يجز ذلك على الحكاية عن غيره علم أنه ليس من باب الإخبار والدليل على ذلك أنه يقول أشهد أني رأيت هلال رمضان خصوصاً، وذلك لأن الواحد العدل فيه كاف عند جماعة من العلماء، واحتج بخبر ابن عمر رضي الله عنهما قال: أخبرت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أني رأيت الهلال فأمر الناس بالصيام.
قلت: ومن ذهب إلى هذا الوجه أجاز فيه المرأة والعبد انتهى. قال المنذري: قال الدارقطني: هذا إسناد متصل صحيح.
"لأهلا الهلال" أي لرأيا الهلال "أمس" اسم علم على اليوم الذي قبل يومك ويستعمل فيما قبله مجازاً "عشية" العشي ما بين الزوال إلى الغروب، والمعني بالفارسية دي وقت شام "فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس" فيه رد على من زعم أن أمرهصلى الله عليه وآله وسلم بالإفطار خاص بالركب.
قال الخطابي: فيه أن شهادة الواحد العدل في رؤية هلال رمضان مقبولة، وإليه ذهب الشافعي في أحد قوليه وهو قول أحمد بن حنبل، وكان أبو حنيفة وأبو يوسف يجيزان على هلال رمضان شهادة الرجل الواحد العدل، وإن كان عبد اً وكذلك المرأة الواحدة وإن كانت أمة، ولا يجيزان في هلال الفطر أو رجلاً وامرأتين، وكان الشافعي لا يجيز في ذلك شهادة النساء، وكان مالك والأوزاعي وإسحاق بن راهويه يقولون لا يقبل على هلال شهر رمضان ولا على هلال الفطر أقل من شاهدين عدلين. وفي قول ابن عمر ترا أى الناس الهلال فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقبوله في ذلك قوله وحده دليل على وجوب قبول أخبار الآحاد وأنه لا فرق بين أن يكون المخبر بذلك منفرداً عن الناس وحده وبين أن يكون مع جماعة من الناس ولا يشاركه أصحابه في ذلك انتهى. قال المنذري: قال البيهقي وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم ثقات سموا أو لم يسموا.

(6/333)


14 - باب في شهادة الواحد على رؤية هلال رمضان
2337 - حدثنا مُحمّدُ بنُ بَكّارٍ بن الرّيّان أخبرنا الْوَلِيدُ - يَعني ابنَ أبي ثَوْرٍ ح. وَحدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ أخبرنا الْحُسَيْنُ - يَعني الْجَعْفِيّ - عنْ زَائِدَةَ المَعْنى عن سِمَاكٍ عن عِكْرِمَةَ عن ابن عَبّاسٍ قال: جَاءَ أعْرَابِيّ إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَقالَ: إنّي رَأَيْتُ الهِلاَلَ قال الْحَسَنُ في حَدِيثِهِ يعني رَمَضَانَ، فَقالَ:"أتَشْهَدُ أنْ لاَ إلَهَ إلاّ الله"؟ قال نَعَمْ. قالَ "أتَشْهَدُ أنّ مُحمّداً رَسُولُ الله"؟ قال نَعَمْ. قالَ" يَابِلاَلُ أذّنْ في النّاسِ فَلْيَصُوموا غَداً" .
2338 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عنْ سِمَاكِ بن حَرْبٍ عن عِكْرِمَةَ: أنّهُمْ شَكّوا في هِلاَلِ رَمَضَانَ مَرّةً، فَأَرَادُوا أنْ لاَ يَقُومُوا وَلاَ يَصُومُوا، فَجَاءَ أعْرَابِيّ من
ـــــــ
باب في شهادة الواحد على رؤية هلال رمضان
"عن سماك" يعني الوليد بن أبي ثور وزائدة كلاهما عن سماك "جاء اعرابي" أي واحد من الأعراب وهم سكان البادية "فقال إني رأيت الهلال" يعني وكأن غيما. وفيه دليل على أن الإخبار كاف ولا يحتاج إلى لفظ الشهادة ولا إلى الدعوى قاله علي القاري "أذن في الناس" أي ناد في محضرهم وأعلمهم. قال الخطابي: وفيه حجة لمن أجرى الأمر في رؤية هلال شهر رمضان مجرى الإخبار ولم يحملها على أحكام الشهادات. وفيه أيضاً حجة لمن رأى أن الأصل في المسلمين العدالة وذلك أنه لم يطلب أن يعلم من الأعرابي غير الإسلام فقط ولم يبحث بعد ذلك عن عدالته وصدق لهجته انتهى. والحديث سكت عنه المنذري.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وقد روى البيهقي في سننه من حديث محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان عن أمه فاطمة بنت حسين أن رجلا شهد عند علي على رؤية هلال شهر رمضان فصام وأحسبه قال وأمر الناس أن يصوموا وقال لأن أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان وفي سنن الدارقطني من حديث أبي إسماعيل حفص بن عمر الأيلي عن مسعر بن كدام وأبي عوانة عن عبدالملك بن ميسرة عن طاوس عن ابن عمر وابن عباس قالا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجاز شهادة رجل واحد على رؤية هلال شهر رمضان وقالا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجيز شهادة الإفطار إلا برجلين وأبو إسماعيل هذا ضعيف جدا وأبو حاتم يرميه بالكذب.

(6/334)


الْحَرّةِ فَشَهِدَ أنّهُ رَأَى الهِلاَل فَأُتِيَ بِه النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فقَالَ: "أتَشْهَدُ أنْ لاَ إلَهَ إلاّ الله وَأَنّي رَسُولُ الله"؟ قالَ نَعَمْ وَشَهِدَ أنّهُ رَأَى الهَلاَلَ، فَأَمَرَ بِلاَلاً فَنَادَى في النّاسِ أنْ يَقُومُوا وَأنْ يَصُومُوا .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ جَمَاعَة عن سِمَاكٍ عنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلاً، وَلَمْ يَذْكر الْقِيَامَ أحَدٌ إلاّ حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ.
2339 - حدثنا مَحْمُودُ بنُ خَالِدٍ وَ عبد الله بنُ عبد الرّحْمَنِ السّمْرَقَنْدِيّ وَإِنّا لِحَدِيثِهِ أتْقَنُ قالا أخبرنا مَرْوَانُ هُوَ ابنُ مُحمّدٍ عنْ عبد الله بن وَهْبٍ عن يَحْيَى بنِ عبد الله بن سَالِمٍ عن أبي بَكْرٍ بن نَافِعٍ عنْ أبِيهِ عن ابن عُمَرَ قال: تَرَاءى النّاسُ الهِلاَلَ فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أنّي رَأَيْتُهُ فَصَامَ وَأَمَرَ النّاسَ بِصِيَامِهِ .
ـــــــ
"من الحرة" قال في المصباح المنير: الحرة بالفتح أرض ذات حجارة سود والجمع حرار مثل كلبة وكلاب "فأتى به" أي بالأعرابي "فقال" النبي صلى الله عليه وسلم "قال نعم" أي الأعرابي "وشهد" الأعرابي "فأمر" النبي صلى الله عليه وسلم. قال المنذري: والحديث أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه مسنداً ومرسلاً، وقال الترمذي: فيه اختلاف، وذكر النسائي أن المرسل أولى بالصواب وأن سماك بن حرب إذا انفرد بأصل لم يكن حجة لأنه كان يلقن فيتلقن.
-"تراءى الناس الهلال" قال المظهر: الترائي أن يرى يعض القوم بعضاً والمراد منه هنا الاجتماع للرؤية لقوله "فأخبرت" أي وحدي "أني رأيته" أي الهلال "فصام" النبي صلى الله عليه وسلم "بصيامة" أي بصيام رمضان. قال المنذري: قال الدارقطني تفرد به مروان بن محمد عن ابن وهب وهو ثقة.

(6/335)


15 - باب في توكيد السحور
2340 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا عبد الله بنُ المُبَارَكِ عنْ مُوسَى بنِ عَلِيّ بن رَبَاحٍ عنْ أبِيهِ عنْ أبي قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بن الْعَاصِ عنْ عَمْرِو بن الْعَاصِ قال قال
ـــــــ
باب في توكيد السحور
السحور بالضم مصدر وبالفتح اسم ما يتسحر به من الطعام والشراب، والمحفوظ عند المحدثين الفتح
"عن أبيه" أي لموسى وهو عليّ. قال في التقريب علي بن رباح بن قصير ضد

(6/335)


رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ فَصْلَ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أهْلِ الْكِتَابِ أكَلَةُ السّحَرِ" .
ـــــــ
الطويل اللخمي أبو عبد الله البصري ثقة، والمشهور فيه عُلَيّ بالتصغير، وكان يغضب منها من صغار الثالثة، مات سنة بضع عشرة ومائة.
"إن فصل ما بين صيامنا" الفصل بمعنى الفاصل وماصولة وإضافته من إضافة الموصوف إلى الصفة أي الفارق الذي بين صيامنا وصيام أهل الكتاب. قاله في فتح الودود. وقال علي القاري: ما زائدة أضيف إليها الفصل بمعنى الفرق "أكلة السحر" بفتح الهمزة المرَة وإن كثر المأكول. وقال زين العرب: الأكلة بالضم: اللقمة. وقال التوربشتي: والمعنى أن السحور هو الفارق بين صيامنا وصيام أهل الكتاب لأن الله تعالى أباحه لنا إلى الصبح بعد ما كان حراماً علينا أيضاً في بدء الإسلام وحرمه عليهم بعد أن يناموا أو مطلقاً ومخالفتنا إياهم تقع موقع الشكر لتلك النعمة. انتهى. وفي القاموس: السحر هو قبيل الصبح، وفي الكشاف هو السدس الأخير من الليل. قاله علي القاري.
وقال الخطابي: معنى هذا الكلام الحث على السحر وفيه اعلام بأن هذا الدين يسر ولا عسر فيه، وكان أهل الكتاب إذا ناموا بعد الإفطار لم يحل لهم معاودة الأكل والشرب إلى وقت الفجر بقوله عزوجل {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم والترمذي والنسائي.

(6/336)


16 - باب من سمى السحور الغداء
2341 - حدثنا عَمْرُو بنُ مُحمّدٍ النّاقِدُ حدثنا حَمّادُ بنُ خَالِدٍ الْخَيّاطُ أخبرنا مُعَاوِيَةَ بنُ صَالِحٍ عنْ يُونُسَ بن سَيْفٍ عن الْحَارِثِ بن زِيَادٍ عن أبي رُهْمٍ عن الْعِرْبَاضِ بن سَارِيَةَ قال: دَعَانِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إلَى السّحُورِ في رَمَضَانَ فقالَ "هَلُمّ إلَى الْغَدَاءِ المُبَارَكِ" .
ـــــــ
باب من سمى السحور الغداء
"عن العرباض" بكسر العين "إلى السحور" بفتح السين ويجوز ضمها قال ابن الأثير في النهاية: السحور بالفتح اسم ما يتسحر به من الطعام والشراب وبالضم المصدر والفعل نفسه. وأكثرها ما يروى بالفتح وقيل إن الصواب بالضم لأنه بالفتح الطعام. والبركة والأجر والثواب في الفعل لا في الطعام "هلم" معناه تعال وفيه لغتان، فأهل الحجاز يطلقونه على الواحد والجمع

(6/336)


2342 - حدثنا أبُو دَاوُدَ قال حدثنا عُمَرُ بنُ الْحَسَنِ بنِ إِبراهِيمَ قال حدثنا مُحمّدُ بنُ الْوَزِيرِ أبُو المُطَرّفِ قالَ حدثنا مُحمّدُ بنُ مُوسَى عن سَعِيدِ الْمَقْبُرِيّ عنْ أَبي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "نِعْمَ سُحُورُ المُؤْمِنِ التّمْرُ" .
ـــــــ
والاثنين والمؤنث بلفظ واحد مبني على الفتح، وبنو تميم تثني وتجمع وتؤنث فتقول هلم وهلمي وهلما وهلموا، قاله ابن الأثير في النهاية. وقال علي القاري: وجاء التنزيل بلغة الحجاز {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ} أي أحضروهم "إلى الغداء المبارك" والغداء مأكول الصباح، وأطلق عليه لأنه يقوم مقامه.
قال الخطابي: إنما سماه غداء لأن الصائم يتقوى به على صيام النهار فكأن قد تغدى والعرب تقول غدا فلان لحاجته إذا بكر فيها، وذلك من لدن وقت السحور إلى وقت طلوع الشمس. انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه النسائي وفي إسناده الحارث بن زياد. قال أبو عمر النمري ضعيف مجهول يروي عن أبي رهم السمعي حديثه منكر.
-"نعم سحور المؤمن" الحديث وجد في نسخة واحدة. وقال الحافظ المزي: هذا الحديث في رواية أبي بكر بن داسة ولم يذكره أبو القاسم انتهى. كذا في غاية المقصود.

(6/337)


17 - باب وقت السحور
2343 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ عبد الله بن سَوَادَةَ الْقُشَيْرِيّ عنْ أبِيهِ قال: سَمِعْتُ سَمُرَةَ بنَ جُنْدُبِ يَخْطُبُ وَهُوَ يَقُولُ: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا يَمْنَعَنّ مِنْ سُحُورِكُمْ أذَانُ بِلاَلٍ وَلاَ بَيَاضُ الأفُقِ الّذِي هَكَذَا حتى يَسْتَطيرُ" .
ـــــــ
باب وقت السحور
"من سحوركم" قال العيني: قال شيخنا رحمه الله رويناه بفتح السين وضمها وهو بالضم الفعل وبالفتح اسم لما يتسحر به كالوضوء والسعوط والحنوط ونحوها "ولا بياض الأفق الذي هكذا" يعني بياض الأفق المستطيل "حتى يستطير" أي ينتشر بياض الأفق معترضاً.
قال الخطابي: قوله حتى يستطير معناه يعترض في الأفق ينتشر ضوؤه هناك قال الشاعر:
فهان على سراة بني لؤي ... حريق بالبويرة مستطير
انتهى..
قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم والترمذي والنسائي.

(6/337)


2344 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عن التّيْمِيّ ح. وأخبرنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ أخبرنا زُهَيْرٌ أخبرنا سُلَيْمانُ التّيْمِيّ عن أبي عُثْمانَ عنْ عبد الله بنِ مَسْعُودٍ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَمْنَعَنّ أحَدَكُمْ أذَانُ بِلاَلٍ مِنْ سُحُورِهِ فَإِنّهُ يُؤَذّنُ أوْ قَالَ يُنَادِي لِيَرْجعَ قَائِمُكُم وَيَنْتَبِهَ [وَيُنَّبِهَ] نَائِمُكُم، وَلَيْسَ الْفَجْرُ أنْ يَقُولَ هَكَذَا" . قالَ مُسَدّدٌ: وَجَمَعَ يَحْيَى كَفّهُ"حَتّى يَقُولَ هَكَذَا"، وَمَدّ يَحْيَى بإصْبَعَيْهِ السّبّابَتَيْنِ.
2345 - حدثنا مُحمّدُ بنُ عِيَسى أخبرنا مُلاَزِمُ بن عَمْرِو عن عبد الله بنِ النّعْمَانِ حدثني قَيْسُ ابن طَلْقٍ عنْ أبِيهِ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ يَهِيدَنّكُم السّاطِعُ المُصْعِدُ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَعْتَرِضَ لَكُمُ الأَحْمَرُ" .
ـــــــ
"أو قال ينادي" شك من الراوي "ليرجع قائمتكم" ومعناه أنه إنما يؤذن بليل ليعلمكم بأن الفجر ليس ببعيد فيرد القائم المتهجد إلى راحته لينام غفوة، ليصبح نشيطاً أو يوتر إن لم يكن أوتر، قاله النووي "وينتبه نائمكم" وفي رواية لمسلم: ويوقظ نائمكم.
قال النووي: أي ليتأهب للصبح أيضاً بفعل ما أراد من تهجد قليل أو إيتار إن لم يكن أوتر أو سحور إن أراد الصوم أو اغتسال أو وضوء أو غير ذلك مما يحتاج إليه قبل الفجر "وجمع يحيى كفه حتى يقول هكذا، ومد يحيى بإصبعيه السبابتين" ورواية مسلم أصرح ولفظها: إن الفجر ليس الذي يقول هكذا وجمع أصابعه ثم نكسها إلى الأرض ولكن الذي يقول هكذا ووضع المسبحة على المسبحة ومد يديه. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.
"ولا يهيدنكم" قال الحافظ: هو بكسر الهاء انتهى. وقال الخطابي: معناه لا يمنعكم الأكل، وأصل الهيد الزجر، يقال للرجل أهيده هيدا إذا زجرته، ويقال في زجر الدواب هيد هيد انتهى "الساطع المصعد"
قال الخطابي: سطوعها ارتفاعها مصعداً قبل أن يعترض انتهى. قال ابن الأثير في النهاية: قوله ولا يهيدنكم الساطع المصعد أي لا تنزعجوا للفجر المستطيل فتمتنعوا به عن السحور فإنه الصبح الكاذب، وأصل الهيد الحركة وقد هدت الشيء أهيده هيدا إذا حركته وأزعجته، والساطع المصعد يعني الصبح الأول المستطيل، يقال سطع الصبح يسطع فهو ساطع أول ما ينشق مستطيلاً انتهى.

(6/338)


قالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا مِمّا تَفَرّدَ بِهِ أهْلُ الْيَمَامَةِ.
2346 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا حُصَيْنُ بنُ نُمَيْرٍ ح. وأخبرنا عُثْمانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ أخبرنا ابنُ إدْرِيسَ المَعْنَى عن حُصَيْنٍ عن الشّعْبِيّ عن عَدِيّ بنِ حَاتِمٍ قال: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآية {حَتّى يَتَبَيّنَ لَكُم الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ} قال أخَذْتُ عِقَالاً أبْيَضَ وَعِقَالاً أسْوَدَ، فَوَضَعْتُهُمَا تَحْتَ وِسَادَتِي، فَنَظَرْتُ فَلَمْ أتَبَيّنَ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَضَحِكَ فقالَ: "إنّ وِسَادَكَ إذاً لَطَوِيلٌ عَرِيضٌ [لَعَرِيضٌ طَوِيلٌ] إنّمَا هُوَ اللّيْلُ وَالنّهَارُ" . وَقَالَ عُثْمانُ: "إنّمَا هُوَ سَوَادُ اللّيْلِ وَبَيَاضُ النّهَارِ" .
ـــــــ
"حتى يعترض لكم الأحمر"
قال الخطابي: معنى الأحمر ههنا أن يستبطن البياض المعترض أوائل حمرة، وذلك أن البياض إذا تتام طلوعه ظهرت أوائل الحمرة، والعرب تشبه الصبح بالبلق من الخيل لما فيه من بياض وحمرة انتهى.
قلت: وقد تطلق الأحمر على الأبيض. قال في تاج العروس: الأحمر ما لونه الحمرة ومن المجاز الأحمر من لا سلاح معه في الحرب، والأحمر تمر للونه والأحمر الأبيض ضد، وبه فسر بعض الحديث بعثت إلى الأحمر والأسود، والعرب تقول امرأة حمراء أي بيضاء انتهى. فمعنى قوله صلى الله عليه وسلم حتى يعترض لكم الأحمر أي الأبيض وهو بياض النهار من سواد الليل يعني الصبح الصادق قال المنذري: والحديث أخرجه الترمذي وقال حسن غريب من هذا الوجه هذا آخر كلامه. وقيس هذا قد تكلم فيه غير واحد من الأئمة.
"لما نزلت هذه الآية" قال الحافظ في الفتح: ظاهره أن عدياً كان حاضراً لما نزلت هذه الآية وهو يقتضي تقدم إسلامه وليس كذلك، لأن نزول فرض الصوم كان متقدماً في أوائل الهجرة وإسلام عدي كان في التاسعة أو العاشرة. فيؤول قول عدي هذا على أن المراد بقوله لما نزلت أي لما تليت عليّ عند إسلامي، أو لما بلغني نزول الآية أو في السياق حذف تقديره لما نزلت الآية ثم قدمت فأسلمت ونعلمت الشرائع "أخذت" وقد روى أحمد حديثه من طريق مجالد بلفظ: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة والصيام فقال: صل كذا وصم كذا، فإذا غابت الشمس فكل حتى يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود، قال فأخذت خيطين الحديث. انتهى "عقالاً" بكسر المهملة أي حبلاً. قاله الحافظ "فلم أتبين" أي لم أتميز بين العقال الأبيض والأسود "فقال" النبي صلى الله عليه وسلم "إن وسادك إذاً لطويل عريض" قال العيني: الوساد والوسادة المخدة والجمع وسائد ووسد انتهى.

(6/339)


......................
ـــــــ
وقال الخطابي: فيه قولان أحدهما يريد إن نومك لكثير عني بالوسادة عن النوم إذا كان النائم يتوسد أو يكون أراد إن ليلك إذاً لطويل إذا كنت لا تمسك عن الأكل والشرب حتى يتبين لك سواد العقال من بياضه، والقول الآخر أنه كني بالوسادة عن الموضع الذي يضعه من رأسه وعنقه على الوسادة إذا نام والعرب تقول فلان عريض القفا إذا كانت فيه غباوة وغفلة. وقد روي في هذا الحديث من طريق آخر أنه قال إنك عريض القفا، والعرب تسمي الصبح أول ما يبدو خيطاً انتهى.
وقال النووي: قال القاضي معناه إن جعلت تحت وسادك الخيطين الذين أرادهما الله تعالى وهما الليل والنهار فوسادك يعلوهما ويغطيهما وحينئذ يكون عريضاً انتهى "إنما هو" أي الخيط الأسود والأبيض، قال الحافظ في الفتح: ولو أكل ظاناً أن الفجر لم يطلع لم يفسد صومه عند الجمهور لأن الآية دلت على الإباحة إلى أن يحصل التبيين، وقد روى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: أحل الله لك الأكل والشرب ما شككت. ولابن أبي شيبة عن أبي بكر وعمر نحوه، وروى ابن أبي شيبة من طريق أبي الضحى قال: سأل رجل ابن عباس: عن السحور فقال له رجل من جلسائه كل حتى لا تشك، فقال ابن عباس إن هذا لا يقول شيئاً كل ما شككت حتى لا تشك. قال ابن المنذر: وإلى هذا القول صار أكثر العلماء وقال مالك يقضي انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.

(6/340)


18 - باب الرجل يسمع النداء والإناء على يده
2347 - حدثنا عبد الأَعْلَى بنُ حَمّادٍ أخبرنا حَمّادٌ عن مُحمّدِ بن عَمْرٍو عنْ أبي سَلَمَةَ عن أَبي هُرَيْرَةَ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: " إذَا سَمِعَ أحَدُكُمْ النّدَاءَ وَالإنَاءَ عَلَى يَدِهِ فَلاَ يَضَعْهُ حَتّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ" .
ـــــــ
باب الرجل يسمع النداء والإناء على يده
أي أذان الصبح، والإناء على يده
"النداء" أي أذان الصبح "والإناء" أي الذي يأكل منه أو يشرب منه "على يده" جملة حالية "فلا يضعه" أي الإناء "حتى يقضي حاجته منه" أي بالأكل
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
هذا الحديث أعله ابن القطان بأنه مشكوك في اتصاله قال لأن أبا داود قال أنبأنا عبد

(6/340)


...........................
ـــــــ
والشرب قال الخطابي: هذا على قوله إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم أو يكون معناه إن سمع الأذان وهو يشك في الصبح مثل أن يكون السماء متغيمة فلا يقع له العلم بأذانه أن الفجر قد طلع لعلمه أن دلائل الفجر معدومة ولو ظهرت للمؤذن لظهرت له أيضاً، فإذا علم انفجار الصبح فلا حاجة إلى أوان الصباح أذان الصارخ لأنه مأمور بأن يمسك عن الطعام والشراب إذا تبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر انتهى قال في فتح الودود: قال البيهقي إن صح هذا يحمل عند الجمهور على أنه صلى الله عليه وسلم قال حين كان المنادي ينادي قبل طلوع الفجر بحيث يقع شربه قبل طلوع الفجر قلت: من يتأمل في هذا الحديث وكذا حديث "كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم" فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر، وكذا ظاهر قوله تعالى {حَتّى يَتَبَيّنَ لَكُم الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ} يرى أن المدار هو تبين الفجر وهو يتأخر عن أوائل الفجر بشيء، والمؤذن لانتظاره يصادف أوائل الفجر فيجوز
ـــــــ
الأعلى بن حماد أظنه عن حماد عن محمد بن عمرو عن أبي هريرة فذكره وقد روى النسائي عن زر قال قلنا لحذيفة أي ساعة تسحرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع وقد اختلف في هذه المسألة فروى إسحاق بن راهويه عن وكيع أنه سمع الأعمش يقول لولا الشهرة لصليت الغداة ثم تسحرت ثم ذكر إسحاق عن أبي بكر الصديق وعلي وحذيفة نحو هذا ثم قال وهؤلاء لم يروا فرقا بين الأكل وبين الصلاة المكتوبة هذا آخر كلام إسحاق.
وقد حكي ذلك عن ابن مسعود أيضا.
وذهب الجمهور إلى امتناع السحور بطلوع الفجر وهو قول الأئمة الأربعة وعامة فقهاء الأمصار وروى معناه عن عمر وابن عباس.
واحتج الأولون بقول النبي صلى الله عليه وسلم "فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم" ولم يكن يؤذن إلا بعد طلوع الفجر كذا في البخاري وفي بعض الروايات وكان رجلا أعمى لا يؤذن حتى يقال له أصبحت أصبحت.
قالوا وإن النهار إنما هو من طلوع الشمس.
واحتج الجمهور بقوله تعالى {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} ويقول النبي صلى الله عليه وسلم " كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم" وبقوله "الفجر فجران فأما الأول فإنه لا يحرم الطعام ولا يحل الصلاة وأما الثاني فإنه يحرم الطعام ويحل الصلاة" رواه البيهقي في سننه.
قالوا وأما حديث حذيفة فمعلول وعلته الوقف وأن زرا هو الذي تسحر مع حذيفة ذكره النسائي.

(6/341)


.............................
ـــــــ
الشرب حينئذ إلى أن يتبين، لكن هذا خلاف المشهور بين العلماء فلا اعتماد عليه عندهم والله أعلم انتهى.
وقال في البحر الرائق: اختلف المشائخ في أن العبرة لأول طلوعه أو لاستطارته أو لانتشاره، والظاهر الأخير لتعريفهم الصادق به. وقال علي القاري: قوله صلى الله عليه وسلم "حتى يقضي حاجته منه" هذا إذا علم أو ظن عدم الطلوع. وقال ابن الملك: هذا إذا لم يعلم طلوع الصبح، أما إذا كان قد طلع أو شك فيه فلا. وقال القاري أيضاً: إن إمكان سرعة أكله وشربه لتقارب وقفه واستدراك حاجته واستشراف نفسه وقوة تهمته وتوجه شهوته بجميع همته مما يكاد يخاف عليه أنه لو منع منه لما امتنع فأجازه الشارع رحمة عليه وتدريجاً له بالسلوك والسير إليه، ولعل هذا كان في أول الأمر انتهى. والحديث سكت عنه المنذري.

(6/342)


19 - باب وقت فطر الصائم
2348 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا وَكِيعٌ أخبرنا هِشَامٌ ح. وأخبرنا مُسَدّدٌ أخبرنا عبد الله ابنُ دَاوُدَ عن هِشَامِ المعنى قال هِشَامُ بنُ عُرْوَةَ عن أبِيهِ عن عَاصِمِ بنِ عُمَرَ عن أبِيهِ قال قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "إذَا جَاءَ اللّيْلُ مِنْ هَهُنَا، وَذَهَبَ النّهَارُ مِنْ هَهُنَا" . زَادَ مُسَدّدٌ: "وَغَابَتِ الشّمْسُ"، فَقَدْ أفْطَرَ الصّائِمُ" .
ـــــــ
باب وقت فطر الصائم
"قال هشام بن عروة" والحاصل أن وكيعاً وعبد الله بن داوود، روياه عن هشام بن عروة وهو يروي عن أبيه عروة بن الزبير عن عاصم بن عمر. قاله المزي "إذا جاء الليل من ههنا" أي من جهة المشرق "وذهب النهار من ههنا" أي من المغرب. قال النووي: قال العلماء: كل واحد من هذه الثلاثة يعني جاء الليل وذهب النهار وغابت الشمس يتضمن الآخرين ويلازمهما وإنما جمع بينهما لأنه قد يكون في واد ونحوه بحيث لا يشاهد غروب الشمس فيعتمد إقبال الظلام وإدبار الضياء "فقد أفطر الصائم" قال الخطابي: معناه أنه قد صار في حكم المفطر وإن لم يأكل، وقيل معناه أنه دخل في وقت الفطر وجاز له أن يفطر كما قيل أصبح الرجل إذا دخل في وقت الصبح وأمسى وأظهر كذلك، وفيه دليل على بطلان الوصال انتهى. قلت: قال في لسان العرب: أظهرنا دخلنا في وقت الظهر كأصبحنا وأمسينا في الصباح والمساء انتهى. قال العيني: معنى قوله صلى الله عليه وسلم "فقد أفطر الصائم" أي دخل وقت الإفطار لا أنه يصير مفطراً بغيبوبة الشمس وإن لم يتناول مفطراً. وقال ابن خزيمة: لفظه خبر ومعناه الأمر أي فليفطر الصائم

(6/342)


2349 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا عبد الْوَاحِدِ أخبرنا سُلَيْمانُ الشّيْبَانِيّ سَمِعْتُ عبد الله بنَ أبي أوْفَى يقُولُ:سِرْنَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ صَائِمٌ، فَلَمّا غَرَبَتِ الشّمْسُ قال: "يَابِلاَلُ انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا". قال: يا رسول الله لَوْ أمْسَيْتَ. قال: "انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا". قال: يا رسول الله إنّ عَلَيْكَ نَهَاراً. قال: "انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا". فَنَزَلَ فَجَدَحَ، فَشَرِبَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ثُمّ قال: "إذَا رَأَيْتُمُ اللّيْلَ قَدْ أقْبَلَ مِنْ هَهُنَا فَقَدْ أفْطَرَ الصّائِمُ" ، وَأَشَارَ بإِصْبَعِهِ قِبَلَ المَشْرِقِ.
ـــــــ
انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي. "فاجدع لنا" قال العيني: إجدح بكسر الهمزة أمر من جدعت السويق وأجدحته أي لتته، والمصدر جدح ومادته جيم ودال وحاء مهملة، والجدح أن يحرك السويق بالماء فيخوض حتى يستوي وكذلك اللبن ونحوه، والمجدح بكسر الميم عود مجنح الرأس تساط به الأشربة وربما يكون له ثلاث شعب. وقال الداوودي: اجدح يعني احلب ورد ذلك عياض وغيره. وفي المحكم المجدح خشبة في رأسهما خشبتان معترضتان وكلما خلط فقد جدح. وعن القزاز هو كالملعقة. وفي المنتهى شراب مجدوح ومجدح أي مخوض والمجدح عود ذو جوانب وقيل هو عود يعرض رأسه والجمع مجاديح انتهى. قال الحافظ: فاجدح بالجيم ثم الحاء المهملة والجدح تحريك السويق ونحوه بالماء يعود يقال له المجدح مجنح الرأس انتهى "إن عليك نهاراً" هذا ظن من بلال لما رأى من ضوء الشمس ساطعاً وإن كان جرمها غائباً وتكريره المراجعة لغلبة اعتقاده أن ذلك نهار يحرم فيه الأكل مع تجويزه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينظر إلى ذلك الضوء تاماً فقصد زيادة الإعلام فأعرض النبي صلى الله عليه وسلم عن الضوء واعتبر غيبوبة الشمس. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم النسائي.

(6/343)


20 - باب ما يستحب من تعجيل الفطر
2350 - حدثنا وَهْبُ بنُ بَقِيّةَ عن خَالِدٍ عن مُحمّدٍ - يَعني ابنَ عَمْرٍو - عن أبي سَلَمَةَ عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "لاَ يَزَالُ الدّينُ ظَاهِراً ما عَجّلَ النّاسُ الْفِطْرَ لاِءَنّ الْيَهُودَ وَالنّصَارَى يُؤَخّرُونَ" .
ـــــــ
باب ما يستحب من تعجيل الفطر
"ظاهراً" أي غالباً وعالياً أو واضحاً ولائحاً "ما عجل الناس الفطر" ما ظرفية أي مدة

(6/343)


2351 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا أبُو مُعَاوِيَةَ عن الأَعمَشِ عن عِمَارَةَ بنِ عُمَيْرٍ عن أبي عَطِيّةَ قال: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ أنَا وَمَسْرُوقٌ فَقُلْنَا: يا أُمّ المُؤْمِنِينَ رَجُلاَنِ مِنْ أصْحَابِ مُحمّدِ صلى الله عليه وسلم، أحَدُهُمَا يُعَجّلُ الإفْطَارَ وَيُعَجّلُ الصّلاَةَ، والآخر يُؤَخّرُ الاْفْطَارَ وَيُؤَخّرُ الصّلاَةَ. قالَتْ: أيّهُمَا يُعَجّلُ الإفْطَارَ وَيُعَجّلُ الصّلاَةَ؟ قُلْنَا: عبد الله، قالَتْ: كَذَلِكَ كَانَ يَصْنَعُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
تعجيلهم الفطر "لأن اليهود والنصارى يؤخرون" أي الفطر. قال الطيبي: في هذا التعليل دليل على أن قوام الدين الحنيفي على مخالفة الأعداء من أهل الكتاب وأن في موافقتهم تلفاً للدين انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه النسائي وابن ماجه وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه.
-"عن أبي عطية قال دخلت على عائشة أنا ومسروق" كلاهما تابعي "رجلان" مبتدأ "من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم " صفة وهي مسوغة لكون المبتدأ نكرة والخبر الجملة قوله أحدهما يعجل الإفطار إلى قوله يؤخر الصلاة "قلنا عبد الله" ابن مسعود والآخر أبو موسى. قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم والترمذي والنسائي.

(6/344)


21 - باب ما يفطر عليه
2352 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا عبد الْوَاحِدِ بنُ زِيَادٍ عن عَاصِمٌ الأَحْوَلِ عن حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عن الرّبّابِ عن سَلْمَانَ بنِ عَامِرٍ عَمّهَا قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذَا كَانَ أحَدُكُم صَائِماً فَلْيُفْطِرْ عَلَى التّمْرِ، فإنْ لم يَجِد التّمْرَ فَعَلَى الْمَاءِ فإنّ الْمَاءَ طَهُورٌ" .
ـــــــ
باب ما يفطر عليه
"عمها" أي للرباب وهو بكسر الميم بدل من سلمان "فإن الماء طهور" أي بالغ في الطهارة فيبتدأ به تفاؤلاً بطهارة الظاهر والباطن. قال الطيبي: أي لأنه مزيل المانع من أداء العبادة ولذا من الله تعالى على عباده {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً} وقال ابن الملك: يزيل العطش عن النفس انتهى. ويؤيده قوله عليه الصلاة والسلام عند الإفطار "ذهب الظمأ" قاله علي القاري. وقال المنذري: والحديث أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه. وقال المنذري: حسن صحيح.

(6/344)


2353 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا عبد الرّزّاقِ أخبرنا جَعْفَرُ بنُ سُلَيْمانَ أنبأنا ثَابِتٌ الْبُنَانيّ أنّهُ سَمِعَ أنَسَ بنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُفْطِرُ عَلَى رُطَبَاتٍ قَبْلَ أنْ يُصَلّيَ، فإنْ لَمْ تكُنْ رُطَبَاتٌ فَعَلَى تَمَرَاتٍ، فإنْ لَمْ تَكُنْ حَسَا حَسَواتٍ مِنْ مَاءٍ .
ـــــــ
"يفطر" أي في صيامه "قبل أن يصلي" أي المغرب "حسا حسوات" بفتحتين أي شرب ثلاث مرات. قاله علي القاري. وقال ابن الأثير في النهاية. الحسوة بالضم الجرعة من الشراب بقدر ما يحسي مرة واحدة والحسوة بالفتح المرة انتهى. وقال في لسان العرب: الحسوة المرة الواحدة وقيل الحسوة والحسوة لغتان. قال ابن السكيت: حسوت شريف حسواً وحساء والحسوة ملء الفم انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه الترمذي وقال حسن غريب. وقال أبو بكر البزار: وهذا الحديث لا يعلم رواه عن ثابت عن أنس إلا جعفر بن سليمان وذكره ابن عدي أيضاً في أفراد جعفر عن ثابت انتهى.

(6/345)


22 - باب القول عند الإفطار
2354 - حدثنا عبد الله بنُ مُحمّدِ بنِ يَحْيَى أبُو مُحمّدٍ أخبرنا عَلِيّ بنُ الْحَسَنِ أنبأنا الْحُسَيْنُ بنُ وَاقِدٍ أخبرنا مَرْوَانُ - يَعنى ابنَ سَالِمٍ المُقَفّعُ - قال: رَأَيْتُ ابنَ عُمَرَ يَقْبِضُ عَلَى لِحْيَتِهِ فَيَقْطَعُ ما زَادَتْ عَلَى الْكَفّ، وَقال: كَانَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذَا أفْطَرَ قال: "ذَهَبَ الظّمَأُ وَابْتَلّتِ الْعُرُوقُ وَثَبَتَ الأجْرُ إنْ شَاءَ الله ".
ـــــــ
باب القول عند الإفطار
وفي بعض النسخ باب ما يقول إذا أفطر.
"المقفع" هكذا في النسخ بتقديم القاف على الفاء. قال في التقريب: مروان بن سالم المقفع بقاف ثم فاء ثقيلة مصري مقبول. وفي الخلاصة: المقفع بفتح القاف وبالفاء وثقه ابن حبان "إذا أفطر" أي بعد الإفطار "ذهب الظمأ" بفتحتين قال النووي في الأذكار: الظمأ مهموزاً لاَخر مقصور وهو العطش، وإنما ذكرت هذا وإن كان ظاهراً لأني رأيت من اشتبه عليه فتوهمه ممدوداً انتهى. قال علي القاري: وفيه أن قرىء لا يصيبهم ظماء بالمد والقصر. وفي القاموس: ظمي كفرح ظمأ وظماء وظماءة عطش أو أشد العطش، ولعل كلام النووي محمول على أنه خلاف الرواية لا أنه غير موجود في اللغة "وابتلت العروق" أي بزوال اليبوسة الحاصلة بالعطش "وثبت الأجر" أي زال التعب وحصل الثواب. وهذا حث على العبادات فإن التعب

(6/345)


2355 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا هُشَيْمٌ عن حُصَيْنٍ عن مُعَاذِ بنِ زُهْرَةَ: أنّهُ بَلَغَهُ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إذَا أفْطَرَ قال: "اللّهُمّ لَكَ صُمْتُ وَعَلَى رِزْقِكَ أفْطَرْتُ" .
ـــــــ
يسر لذهابه وزواله والأجر كثير لثباته وبقائه. قال الطيبي: ذكر ثبوت الأجر بعد زوال التعب استلذاذ أي استلذاذ "إن شاء الله" متعلق بالأخير على سبيل التبرك، ويصح التعليق لعدم وجوب الأجر عليه تعالى رداً على المعتزلة، أو لئلا يجزم كل أحد فإن ثبوت أجر الأفراد تحت المشيئة. ويمكن أن يكون إن بمعنى إذ، فتتعلق بجميع ما سبق. ذكره في المرقاة. قال المنذري وأخرجه النسائي.
"عن معاذ بن زهرة" قال في التقريب: معاذ بن زهرة ويقال أبو زهرة مقبول من الثالثة فأرسل حدثنا فوهم من ذكره في الصحابة "إذا أفطر قال" أي دعا وقال ابن الملك أي قرأ بعد الإفطار "اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت" قال الطيبي: قدم الجار والمجرور في القرينتين على العامل دلالة على الاختصاص اظهاراً للاختصاص في الافتتاح وإبداء لشكر الصنيع المختص به في الاختتام. كذا في المرقاة. وفي النيل فيه دليل على أنه يشرع للصائم أن يدعو عند إفطاره بما اشتمل عليه من الدعاء انتهى. قال المنذري: هذا مرسل.

(6/346)


23 - باب الفطر قبل غروب الشمس
2356 - حدثنا هَارُونُ بنُ عبد الله وَ مُحمّدُ بنُ الْعَلاَءِ الْمَعْنَى قالا أخبرنا أبُو أُسَامَةَ أخبرنا هِشَامُ بنُ عُرْوَةَ عن فَاطِمَةَ بِنْتِ المُنْذِرِ عنْ أسْمَاءِ بِنْتِ أبي بَكْرٍ قالَتْ: أفْطَرْنَا يَوْماً في رَمَضَانَ في غَيْمٍ في عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ثُمّ طَلَعَتِ الشّمْسُ. قالَ أبُو
ـــــــ
باب الفطر قبل غروب الشمس
"قالت أفطرنا يوماً في رمضان في غيم" قال الخطابي: اختلف الناس في وجوب القضاء
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
واختلف الناس هل يجب القضاء في هذه الصورة فقال الأكثرون يجب وذهب إسحاق بن راهويه وأهل الظاهر إلى أنه لا قضاء عليهم وحكمهم حكم من أكل ناسيا وحكي ذلك عن الحسن ومجاهد واختلف فيه على عمر فروى زيد بن وهب قال كنت جالسا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان في زمن عمر فأتينا بكأس فيها شراب من بيت حفصة فشربنا ونحن نرى أنه من الليل ثم انكشف السحاب فإذا الشمس طالعة قال فجعل الناس يقولون نقضي يوما مكانه فسمع بذلك عمر فقال والله لا نقضيه وما تجانفا لإثم رواه البيهقي وغيره وقد روى مالك في الموطأ عن زيد بن

(6/346)


أُسَامَةَ: قُلْتُ لِهشَامٍ أُمِرُوا بالْقَضَاءِ قَالَ وَبُدٌ منْ ذَلِكَ؟.
ـــــــ
في مثل هذا، فقال أكثر العلماء القضاء واجب عليه، وقال إسحاق وأهل الظاهر: لا قضاء عليه ويمسك بقية النهار عن الأكل حتى تغرب الشمس، وروى ذلك عن الحسن البصري وشبهوه بمن أكل ناسياً في الصوم. قال الخطابي: الناس لا يمكنه أن يحترز من الأكل ناسياً وهذا يمكنه أن يمكث فلا يأكل حتى يتبين غيبوبة الشمس، فالنسيان خطأ في الفعل وهذا خطأ في الوقت والزمان والتحَرز ممكن انتهى "قال أبو أسامة" هو حماد بن أسامة الليثي "أمروا" من جهة الشارع "بالقضاء قال" هشام بن عروة "وبد من ذلك" أي هل بد من قضاء فحرف
ـــــــ
أسلم أن عمر بن الخطاب أفطر ذات يوم في رمضان في يوم ذي غيم ورأى أنه قد أمسى وغابت الشمس فجاءه رجل فقال له ياأمير المؤمنين قد طلعت الشمس فقال عمر الخطب يسير وقد اجتهدنا قال مالك يريد بقوله الخطب يسير القضاء فيما نرى والله أعلم وكذلك قال الشافعي وهذا لا يناقض الأثر المتقدم.
وقوله وقد اجتهدنا مؤذن بعدم القضاء وقوله الخطب يسير إنما هو تهوين لما فعلوه وتيسير لأمره ولكن قد رواه الأثرم والبيهقي عن عمر وفيه من كان أفطر فليصم يوما مكانه وقدم البيهقي هذه الرواية على رواية زيد بن وهب وجعلها خطأ وقال تظاهرت الروايات بالقضاء قال وكان يعقوب بن سفيان الفارسي يحمل على زيد بن وهب بهذه الرواية المخالفة للروايات المتقدمة قال وزيد ثقة إلا أن الخطأ عليه غير مأمون.
وفيما قاله نظر فإن الرواية لم تتظاهر عن عمر بالقضاء وإنما جاءت من رواية علي بن حنظلة عن أبيه وكان أبوه صديقا لعمر فذكر القصة وقال فيها من كان أفطر فليصم يوما مكانه وقدم البيهقي هذه الرواية على رواية زيد بن وهب وجعلها خطأ وقال تظاهرت الروايات بالقضاء قال وكان يعقوب بن سفيان الفارسي يحمل على زيد بن وهب بهذه الرواية المخالفة للروايات المتقدمة قال وزيد ثقة إلا أن الخطأ عليه غير مأمون وفيما قاله نظر فإن الرواية لم تتظاهر عن عمر بالقضاء وإنما جاءت من رواية علي بن حنظلة عن أبيه وكان أبوه صديقا لعمر فذكر القصة وقال فيها من كان أفطر فليصم يوما مكانه ولم أر الأمر بالقضاء صريحا إلا في هذه الرواية وأما رواية مالك فليس فيها ذكر للقضاء ولا لعدمه فتعارضت رواية حنظلة ورواية زيد بن وهب وتفضلها رواية زيد بن وهب بقدر ما بين حنظلة وبينه من الفضل وقد روى البيهقي بإسناد فيها نظر عن صهيب أنه أمر أصحابه بالقضاء في قصة جرت لهم مثل هذه فلو قدر تعارض الآثار عن عمر لكان القياس يقتضي سقوط القضاء ولأن الجهل ببقاء اليوم كنسيان نفس الصوم ولو أكل ناسيا لصومه لم يجب عليه قضاؤه والشريعة لم تفرق بين الجاهل والناسي فإن كل واحد منهما قد فعل ما يعتقد جوازه وأخطأ في فعله وقد استويا في أكثر الأحكام وفي رفع الآثام فما الموجب للفرق بينهما في في هذا الموضع وقد جعل أصحاب الشافعي وغيرهم الجاهل المخطىء أولى بالعذر من الناسي في مواضع متعددة.
وقد يقال إنه في صورة الصوم أعذر منه فإنه مأمور بتعجيل الفطر استحبابا فقد بادر إلى أداء ما

(6/347)


..................
ـــــــ
الاستفهام مقدر. وفي رواية أبي ذر لصحيح البخاري لا بد من قضاء. قال القسطلاني: وهذا مذهب الشافعية والحنفية والمالكية والحنابلة وعليه أن يمسك بقية النهار لحرمة الوقت ولا كفارة عليه وقد روي عن مجاهد وعطاء وعروة عدم القضاء وعن عمر يقضي وفي آخر لا رواهما البيهقي وضعفت الثانية النافية وفي هذا الحديث كما قاله ابن المنير أن المكلفين إنما خوطبوا بالظاهر فإذا اجتهدوا فأخطئوا فلا حرج عليهم في ذلك انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري والترمذي وابن ماجه. وقال البخاري: قال معمر: سمعت هشاماً يقول لا أدري أقضوا أم لا.
ـــــــ
أمر به واستحبه له الشارع فكيف يفسد صومه وفساد صوم الناسي أولى منه لأن فعله غير مأذون له فيه بل غايته أنه عفو فهو دون المخطىء الجاهل في العذر.
وبالجملة فلم يفرق بينهما في الحج ولا في مفسدات الصلاة كحمل النجاسة وغير ذلك وما قيل من الفرق بينهما بأن الناسي غير مكلف والجاهل مكلف إن أريد به التكليف بالقضاء فغير صحيح لأن هذا هو المتنازع فيه وإن أريد أن فعل ناسي لا ينتهض سببا للإثم ولا يتناوله الخطاب الشرعي فكذلك فعل المخطىء وإن أريد أن المخطىء ذاكر لصومه مقدم على قطعه ففعله داخل تحت التكليف لخلاف الناسي فلا يصح أيضا لأنه يعتقد خروج زمن الصوم وأنه مأمور بالفطر فهو مقدم على فعل ما يعقده جائزا وخطؤه في بقاء اليوم كنسيان الآكل في اليوم فالفعلان سواء فكيف يتعلق التكليف بأحدهما دون الآخر؟!
وأجود ما فرق به بين المسألتين أن المخطىء كان متمكنا من إتمام صومه بأن يؤخر الفطر حتى يتيقن الغروب بخلاف الناسي فإنه لا يضاف إليه الفعل ولم يكن يمكنه الاحتراز وهذا وإن كان فرقا في الظاهر فهو غير مؤثر في وجوب القضاء كما لم يؤثر في الإثم اتفاقا ولو كان منسوبا إلى تفريط للحقه الإثم فلما اتفقوا على أن الإثم موضوع عنه دل على أن فعله غير منسوب فيه إلى تفريط لا سيما وهو مأمور بالمبادرة إلى الفطر والسبب الذي دعاه إلى الفطر غير منسوب إليه في الصورتين وهو النسيان في مسألة الناسي وظهور الظلمة وخفاء النهار في صورة المخطىء فهذا أطعمه الله وسقاه بالنسيان وهذا أطعممه الله وسقاه بإخفاء النهار ولهذا قال صهيب هي طعمة الله ولكن هذا أولى فإنها طعمة الله إذنا وإباحة وإطعام الناسي طعمته عفوا ورفع حرج فهذا مقتضى الدليل.

(6/348)


24 - باب في الوصال
2357 - حدثنا عبد الله بنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن نَافِعٍ عن ابن عُمَرَ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهَى عن الْوِصَالِ قَالُوا فَإِنّكَ تُوَاصِلُ يا رسول الله؟ قَالَ "إنّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُم إنّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى" .
2358 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أنّ بَكْرَ بنَ مُضَرَ حَدّثَهُمْ عن ابن الْهَادِ عنْ عبد الله بن حَبّابٍ عنْ أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ أنّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "لاَ تُوَاصِلُوا فَأَيّكُم أرَادَ أنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتّى السّحَرَ" قالُوا فَإِنّكَ تُوَاصِلُ، قالَ:"إنّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُم، إنّ لِي مُطْعِماً يُطْعِمُني وَسَاقِياً يَسْقِينِي" .
ـــــــ
باب في الوصال
"نهي عن الوصال" أي تتابع الصوم من غير إفطار بالليل. قال الخطابي: الوصال من خصائص ما أبيح لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو محظور على أمته، ويشبه أن يكون المعنى في ذلك ما يتخوف على الصائم من الضعف وسقوط القوة فيعجزوا عن الصيام المفروض وعن سائر الطاعات أو يملوها إذا نالتهم المشقة فيكون سبباً لترك الفريضة.
"إني أُطعم وأُسقي" يحتمل معنيين أحدهما أني أعان على الصيام وأقوى عليه فيكون ذلك لي بمنزلة الطعام والشراب لكم، ويحتمل أن يكون قد يؤتى على الحقيقة بطعام وشراب يطعمها فيكون ذلك تخصيصاً له وكرامة لا يشركه فيها أحد من أصحابه. قاله الخطابي: قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم. "يقول لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر" بالجر بحتى الجارة وهو قول اللخمي من المالكية. ونقل عن أحمد. وعبارة المرداوي في تنقيحه: ويكره الوصال ولا يكره إلى السحر نصاً وتركه أولى انتهى. وقال به أيضاً ابن خزيمة وطائفة من أهل الحديث "إن لي مطعماً" حال كونه "يطعمني" ولي "ساقياً" حال كونه "يسقيني" بفتح أوله. ذكره القسطلاني: قال علي القاري: والحكمة في النهي أنه يورث الضعف والسآمة والقصور عن أداء غيره من الطاعات، فقيل النهي للتحريم، وقيل للتنزيه. قال القاضي: والظاهر الأول انتهى. ويؤيد الثاني ما روته عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم نهاهم عن الوصال رحمة لهم الحديث كما في رياض الصالحين انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم.

(6/349)


25 - باب الغيبة للصائم
2359 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ حدثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ عن المَقْبُرِيّ عن أبِيهِ عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لله حَاجَةٌ أنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ" قَالَ أَحْمَدُ فَهِمْتُ إسْنَادَهُ مِن ابن أبي ذِئْبٍ وَأفْهَمَني الحَدِيثَ رُجُلٌ إلَى جَنْبِهِ أُرَاهُ ابنَ أخِيهِ.
2360 - حدثنا عبد الله بنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن أبي الزّنَادِ عن الأَعْرَجِ عن أَبي هُرَيْرَةَ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "إذَا كانَ [الصيام جنة فإذا كان] أحَدُكُمْ صَائِماً فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَجْهَلْ، فَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ إنّي صَائِمٌ إنّي صَائِمٌ" .
ـــــــ
باب الغيبة للصائم
"لم يدع" أي لم يترك "قول الزور" والمراد منه الكذب والإضافة بيانية "فليس لله حاجة" قال ابن بطال: ليس معناه أنه يؤمر بأن يدع صيامه وإنما معناه التحذير من قول الزور وما ذكر معه. قال في الفتح: ولا مفهوم لذلك فإن الله لا يحتاج إلى شيء وإنما معناه فليس لله إرادة في صيامه فوضع الحاجة موضع الإرادة. وقال ابن المنير: بل هو كناية عن عدم القبول كما يقول المغضب لمن رد عليه شيئاً طلبه منه فلم يقم به لا حاجة لي في كذا. وقال ابن العربي: مقتضى هذا الحديث أن لا يثاب على صيامه ومعناه أن ثواب الصيام لا يقوم في الموازنة بإثم الزور وما ذكر معه. واستدل بهذا الحديث على أن هذه الأفعال تنقص ثواب الصوم، وتعقب بأنها صغائر باجتناب الكبائر. قاله الشوكاني في النيل "قال أحمد" بن يونس "فهمت إسناده" أي إسناد هذا الحديث وحفظت كما أريد "من ابن أبي ذئب" لكن ما سمعت كما ينبغي وما حفظت كما أريد متن الحديث منه لكونه بعيداً أو غير ذلك من الخلل الواقع في سماعه "رجل إلى جنبه" أي ابن أبي ذئب. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم وابن ماجه.
-"فلا يرفث" يريد لا يفحش، والرفث هو السخف وفاحش الكلام، يقال رفث بفتح الفاء يرفث بضمها وكسرها، ورفث بكسرها يرفث بفتحها وفثاً ساكنة الفاء في المصدر ورفثاً بفتحها في الاسم، ويقال أرفث رباعي حكاه القاضي، والجهل قريب من الرفث، وهو خلاف الحكمة وخلاف الصواب من القول والفعل "فليقل إني صائم إني صائم" هكذا هو مرتين، واختلفوا في معناه فقيل يقوله بلسانه ليسمعه الشاتم والمقاتل فيتحرز غالباً، وقيل: لا

(6/350)


.................................
ـــــــ
يقوله بلسانه بل يحدث به نفسه ليمنعها من مشاتمته ومقاتلته ومقابلته ويحرس صومه عن المكدرات، ولو جمع بين الأمرين كان حسناً.
واعلم أن نهي الصائم عن الرفث والجهل والمخاصمة والمشاتمة ليس مختصاً به بل كل أحد مثله في أصل النهي عن ذلك، لكن الصائم آكد والله أعلم كذا قال النووي. وقال الخطابي: يتأول على وجهين أحدهما فليقل ذلك لصاحبه نطقاً باللسان يرده بذلك عن نفسه، والوجه الآخر أن يقول ذلك في نفسه أي ليعلم أنه صائم فلا يخوض معه ولا يكافئه على شتيمه لئلا يفسد صومه ولا يحبط أجر عمله. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي من حديث أبي صالح السمان عن أبي هريرة.

(6/351)


26 - باب السواك للصائم
2361 - حدثنا مُحمّدُ بنُ الصّبّاحِ أخبرنا شَرِيكٌ ح. وأخبرنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عن سُفْيَانَ عنْ عَاصِمِ بن عُبَيْدِالله عن عُبَيْدِالله بن عامِرِ بن رَبِيعَةَ عن أبِيهِ قالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَسْتَاكُ وَهُوَ صائِمٌ. زَادَ مُسَدّدٌ: مَا لا أَعُدّ وَلاَ أُحْصِي" .
ـــــــ
باب السواك للصائم
"عن سفيان عن عاصم" أي شريك وسفيان كلاهما عن عاصم بن عبيد الله "يستاك وهو صائم" قال الخطابي: السواك مستحب للصائم والمفطر إلا أن قوماً من العلماء كرهوا للصائم أن يستاك آخر النهار استبقاء لخلوفه، وإلى هذا ذهب الشافعي وهو قول الأوزاعي، وروى ذلك
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وقد روى ابن ماجه من حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من خير خصال الصائم السواك" قال البخاري وقال ابن عمر: "يستاك أول النهار وآخره وقال زياد بن حدير ما رأيت أحدا أدأب سواكا وهو صائم من عمر رضي الله عنه أراه قال بعود قد ذوي" رواه البيهقي ولو احتج عليه بعموم قوله صلى الله عليه وسلم "لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" لكانت حجة" وبقوله صلى الله عليه وسلم "السواك مطهرة للفم مرضاة للرب" وسائر الأحاديث المرغبة في السواك من غير تفصيل ولم يجيء في منع الصائم منه حديث صحيح قال البيهقي وقد روى عن علي بإسناد ضعيف إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي فإنه ليس من صائم تيبس شفتاه بالعشي إلا كانتا نورا بين عينيه يوم القيامة وروى عمرو بن قيس عن عطاء عن أبي هريرة قال لك السواك إلى العصر فإذا صليت العصر فألقه فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "لخلوف الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" وهذا لو صح عن أبي

(6/351)


..................................
ـــــــ
عن ابن عمر رضي الله عنهما، وإليه ذهب عطاء ومجاهد. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال حسن. هذا آخر كلامه. في إسناده عاصم بن عبيد الله وقد تكلم فيه غير واحد. وذكر البخاري هذا الحديث في صحيحه معلقاً في الترجمة فقال ويذكر عن عامر بن ربيعة.
ـــــــ
هريرة فالثابت عن عمر وابن عمر يخالفه والذين يكرهونه يخالفونه أيضا فإنهم يكرهونه من بعد الزوال وأكثر أهل العلم لا يكرهونه والله أعلم.

(6/352)


27 - باب الصائم يصب عليه الماء من العطش ويبالغ في الاستنشاق
2362 - حدثنا عبد الله بنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عنْ سُمَيّ مَوْلَى أبِي بَكْرٍ بنِ عبد الرّحْمَنِ عن أبي بَكْرٍ بنِ عبد الرّحْمَنِ عنْ بَعْضِ أصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: رَأَيْتُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمَرَ النّاس في سَفَرِهِ عَامَ الْفَتْحِ بالْفِطْرِ وَقال: "تَقَوّوْا لِعَدُوّكُمْ" وَصامَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم - قال أبُو بَكْرٍ قالَ الّذِي حَدّثَني - لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم بالْعَرَجِ يَصُبّ عَلَى رَأْسِهِ الْمآءَ وَهُوَ صَائِمٌ مِنَ الْعَطَشِ أوْ مِن الْحَرّ .
ـــــــ
باب الصائم يصب عليه الماء من العطش ويبالغ في الاستنشاق
"تقووا" صيغة أمر جمع المذكر من القوة أي بالأكل والشرب "بالعرج" بفتح العين وسكون الراء قرية جامعة من عمل الفرع على أيام من المدينة "يصب على رأسه الماء وهو صائم" فيه دليل على أنه يجوز للصائم أن يكسر الحر بصب الماء على بعض بدنه أو كله، وقد ذهب إلى ذلك الجمهور ولم يفرقوا بين الاغتسال الواجبة والمسنونة والمباحة. وقالت الحنفية إنه يكره الاغتسال للصائم، واستدلوا بما أخرجه عبد الرزاق عن علي من النهي عن دخول الصائم الحمام وهو مع كونه أخص من محل النزاع في إسناده ضعف كما قال الحافظ.
واعلم أنه يكره للصائم المبالغة في المضمضة والاستنشاق لحديث الأمر بالمبالغة في ذلك إلا أن يكون صائماً. واختلف إذا دخل من ماء المضمضة والاستنشاق إلى جوفه خطأ، فقالت الحنفية ومالك والشافعي في أحد قوليه والمزني إنه يفسد الصوم وقال أحمد بن حنبل وإسحاق والأوزاعي وأصحاب الشافعي إنه لا يفسد الصوم كالناسي. وقال الحسن البصري والنخعي إنه يفسد إن لم يكن لفريضة "من العطش أو من الحر" شك من الراوي. قال المنذري: وأخرجه النسائي مختصراً.

(6/352)


2363 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا يَحْيَى بنُ سُلَيْمٍ عنْ إِسْمَاعِيلَ بنِ كَثِيرٍ عن عَاصِمِ بن لَقِيطِ بنِ صَبْرَةَ عنْ أبِيهِ لَقِيطِ بنِ صَبْرَةَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "بَالِغْ في الاِسْتِنْشَاقِ إلاّ أنْ تَكُونَ صَائِماً" .
ـــــــ
"بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً" قال الخطابي: فيه من الفقه أن وصل الماء إلى موضع الدماغ يفطر الصائم إذا كان ذلك بفعله، وعلى قياس ذلك كل ما وصل إلى جوفه بفعله من حقنة وغيرها سواء كان ذلك في موضع الطعام والغذاء أو في غيره من حشو جوفه. وقد يستدل به من يوجب الاستنشاق في الطهارة قالوا ولولا وجوبه لكان يطرحه عن الصائم أصلاً احتياطاً على صومه، فلما لم يفعل دل ذلك على أنه واجب لا يجوز تركه، وإلى هذا ذهب إسحاق بن راهويه انتهى. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه مختصراً ومطولاً. وقال الترمذي: حسن صحيح.

(6/353)


28 - باب في الصائم يحتجم
2364 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عن هِشَامِ ح. وأخبرنا أَحْمَدُ بن حَنْبَلٍ أخبرنا حَسنُ بنُ مُوسَى أخبرنا شَيْبَانُ جَمِيعاً عن يَحْيَى عن أبي قِلاَبَةَ عنْ أبِي أسْمَاءَ يَعْني الرّحَبيّ عنْ ثَوبَان عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "أفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ" .
ـــــــ
باب في الصائم يحتجم
"قال أفطر الحاجم والمحجوم" قال الخطابي: اختلف الناس في تأويل هذا الحديث، فذهب طائفة من أهل العلم إلى أن الحجامة تفطر الصائم قولاً بظاهر الحديث، هذا قول أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وقالا عليهما القضاء وليست عليهما الكفارة. وعن عطاء قال من احتجم وهو صائم في شهر رمضان فعليه القضاء والكفارة. وروي عن جماعة من الصحابة أنهم كانوا يحتجمون ليلاً منهم ابن عمر وأبو موسى الأشعري وأنس بن مالك رضي الله عنهم. وكان مسروق والحسن وابن سيرين لا يرون للصائم أن يحتجم. وكان الأوزاعي يكره ذلك. وقال ابن المسيب والشعبي والنخعي إنما كرهت الحجامة للصائم من أجل الضعف. وممن كان لا يرى بأساً بالحجامة للصائم سفيان الثوري ومالك بن أنس والشافعي وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. وتأول بعضهم الحديث فقال معنى قوله "أفطر الحاجم والمحجوم أي تعرضاً للإفطار" أما المحجوم فللضعف الذي يلحقه من ذلك إلى أن

(6/353)


قال شَيْبَانُ في حَدِيثِهِ قالَ أخبرني أبُو قِلاَبَةَ أنّ أبا أسْمَاءَ الرّحَبيّ حدّثهُ أنّ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أخْبَرَهُ أنّهُ سَمِعَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
2365 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا حَسَنُ بنُ مُوسَى أخبرنا شَيْبَانُ عن يَحْيَى حدثني أبُو قِلاَبَةَ الْجَرْمِيّ أنّهُ أخْبَرَهُ أنّ شَدّادَ بنَ أوْسٍ بَيْنَمَا هُوَ يَمْشِي مَعَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
2366 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا وُهَيْبٌ أخبرنا أيّوبُ عن أبِي قِلاَبَةَ عن أبِي الأَشْعَثِ عن شَدّادِ بنِ أوْسِ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أتَى عَلَى رَجُلٍ بالْبَقِيعِ وَهُوَ
ـــــــ
يعجز عن الصوم، وأما الحاجم فلا بد من أن يصل إلى جوفه من طعام الدم أو من بعض أجزائه إذا ضم شفتيه على قصب الملازم. وهذا كما يقال للرجل يتعرض للمهالك قد هلك فلان وإن كان باقياً سالماً، وإنما يراد به قد أشرف على الهلاك. وكقوله صلى الله عليه وسلم "من جعل قاضياً فقد ذبح بغير سكين" يريد أنه قد تعرض للذبح، وقيل فيه وجه آخر وهو أنه مر بهما مساء فقال أفطر الحاجم والمحجوم كأنه عذرهما بهذا القول إذا كانا قد أمسيا ودخلا في وقت الإفطار، كما يقال أصبح الرجل وأمسى وأظهر إذا دخل وقت هذه الأوقات وأحسبه قد روى في بعض هذا الحديث. وقال بعضهم هذا على التغليظ لهما والدعاء عليهما كقوله فيمن صام الدهر لا صام ولا أفطر، فمعنى قوله "أفطر الحاجم والمحجوم" على هذا التأويل أي بطل أجر صيامهما، فكأنما صارا مفطرين غير صائمين. وقيل أيضاً معناه جاز لهما أن يفطرا، كقولك أحصد الزرع إن حان أن يحصد، وأركب المهر إذا حان أن يركب انتهى. قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه. وسئل الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه أيما حديث أصح عندك في أفطر الحاجم والمحجوم، فقال حديث ثوبان حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان.
"أتى على رجل" أي مر عليه "بالبقيع" أي بمقبرة المدينة "وهو" أي الرجل "وهو" أي
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
ولفظ النسائي فيه عن شداد بن أوس قال كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم عام فتح مكة لثمان عشرة أو سبع عشرة مضت من رمضان فمر برجل يحتجم فقال "أفطر الحاجم والمحجوم" قال وروى ابن ماجه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " أفطر الحاجم والمحجوم" ورواه أحمد في مسنده وروى أحمد أيضا عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم طأفطر الحاجم والمحجوم" وروى أحمد أيضا عن أسامة بن زيد عن

(6/354)


يَحْتَجِمُ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِي لِثَمَانِ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، فقال: "أفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى خالِدُ الْحَذّاءُ عن أبي قِلاَبَةَ بإسْنَادِ أيّوبِ مِثْلَهُ.
ـــــــ
النبي صلى الله عليه وسلم "آخذ بيدي" إشارة إلى كمال قربه منه عليه الصلاة والسلام "لثمان عشرة" بسكون الشين ويكسر "خلت" أي مضت "من رمضان" وهذا يدل على كمال حفظ الراوي وضبطه بذكر المكان والزمان وحاله. قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه. وقد روى هذا الحديث
ـــــــ
النبي صلى الله عليه وسلم "أفطر الحاجم والمحجوم" وروى الحسن عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أفطر الحاجم والمحجوم" رواه النسائي وعن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"فطر الحاجم والمحجوم" رواه النسائي وأعله بالوقف وعن معقل بن سنان الأشجعي أنه قال مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أحتجم في ثمان عشرة ليلة خلت من رمضان فقال "أفطر الحاجم والمحجوم" رواه أحمد والنسائي عن الحسن بن معقل ورواه النسائي أيضا عن الحسن عن معقل بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم قالك"أفطر الحاجم والمحجوم رواه النسائي وعن عطاء عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أفطر الحاجم والمحجوم" رواه النسائي.
قال المنذري قال أحمد أحاديث "أفطر الحاجم والمحجوم" "ولا نكاح إلا بولي" يشد بعضها بعضا وأنا أذهب إليها.
قال ابن القيم وقال أبو زرعة حديث عطاء عن أبي هريرة مرفوعا "أفطر الحاجم والمحجوم" حديث حسن ذكره الترمذي عنه وقال علي بن المديني أيضا في رواية عنه لا أعلم في أفطر الحاجم حديثا أصح من حديث رافع بن خديج وقال في حديث شداد لا أرى الحديثين إلا صحيحين وقد يمكن أن يكون أبو أسماء سمعه منهما وقال عثمان بن سعيد الدارمي صح عندي حديث "أفطر الحاجم والمحجوم" من حديث ثوبان وشداد بن أوس وأقول به وسمعت أحمد بن حنبل يقول به وذكر أنه صح عنده حديث ثوبان وشداد. وقال إبراهيم الحربي في حديث شداد هذا إسناد صحيح تقوم به الحجة قال وهذا الحديث صحيح بأسانيد وبه نقول.
وعن قتادة عن شهر عن بلال قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أفطر الحاجم والمحجوم" رواه النسائي وقال الترمذي في كتاب العلل سألت البخاري فقال ليس في هذا الباب شيء أصح من حديث شداد بن أوس فقلت وما فيه من الاضطراب فقال كلاهما عندي صحيح لأن يحيى بن سعيد روى عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان وعن أبي الأشعث عن شداد الحديثين جميعا فقد حكم البخاري بصحة حديث ثوبان وشداد.

(6/355)


2367 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا مُحمّدُ بنُ بَكْرٍ وَ عبد الرّزّاقِ ح. وأخبرنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا إِسْمَاعِيلُ - يَعني ابنَ إِبراهِيمَ - عن ابنِ جُرَيْجٍ أخبرني مَكْحُولٌ أنّ شَيْخاً مِنَ الْحَيّ، قال عُثْمانُ في حَدِيثِهِ: مُصَدّقُ [مُصَدّقاً] أخْبَرَهُ أنّ ثَوْبَانَ مَوْلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم أخْبَرَهُ أنّ نَبِيّ الله صلى الله عليه وسلم قال: "أفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ" .
2368 - حدثنا محمُودُ بنُ خالِدٍ أخبرنا مَرْوَانُ أخبرنا الْهَيْثَمُ بنُ حُمَيْدٍ أخبرنا [أنبأبا] الْعَلاَءُ ابنُ الْحَارِثِ عن مَكْحُولٍ عن أبي أسْمَاءَ الرّحَبِيّ عن ثَوْبَانَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "أفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ ابنُ ثَوْبَانَ عن أبِيهِ عن مكْحُولٍ مِثْلَهُ بإسْنَادِهِ.
ـــــــ
بضع عشر صحابياً إلا أن أكثر الأحاديث ضعاف. وقال إسحاق رضي الله عنه: حديث شداد إسناده صحيح تقوم به الحجة. وذكر أبو داوود بعد هذا حديث ثوبان من طريقين، الطريق المتقدم أجود منهما. وقال أحمد رحمه الله: أحاديث أفطر الحاجم والمحجوم ولا نكاح إلى بولي يشد بعضها بعضاً وأنا أذهب إليها.
-"عن ابن جريج" والحاصل أن محمد بن بكر وعبد الرازق وإسماعيل بن علية ثلاثتهم يروون عن ابن جريج. قاله المزي "مصدق" بصيغة المجهول صفة شيخ.
-"رواه ابن ثوبان" هو محمد بن عبد الرحمَن بن ثوبان "عن أبيه" عبد الرحمَن بن ثوبان.

(6/356)


29 - باب عن الرخصة في ذلك
2369 - حدثنا أبُو مَعْمَرٍ عبد الله بنُ عَمْرٍو أخبرنا عبد الْوَارِثِ عن أيّوبَ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ .
ـــــــ
باب عن الرخصة في ذلك
-"احتجم وهو صائم" قال الخطابي: وهذا يؤكد قول من رخص في الحجامة للصائم
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وروى الدارقطني في سننه عن أنس قال أول ما كرهت الحجامة للصائم أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم فمر به النبي فقال: "أفطر هذان" ثم رخص النبي بعد في الحجامة للصائم وكان أنس يحتجم وهو صائم قال الدارقطني كلهم ثقات ولا أعلم له علة.

(6/356)


قالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ وُهَيْبُ بنُ خَالِدٍ عنْ أيّوبَ بإسْنَادِهِ مِثْلَهُ وَجَعْفَرُ بنُ رَبِيعَةَ وَهِشَامٌ - يَعني ابنَ حَسّانَ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاس مِثْلَهُ.
2370 - حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ أخبرنا شُعْبَةُ عن يَزِيدَ بنِ أبي زِيَادٍ عن مِقْسَمٍ عن ابنِ عَبّاسٍ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ مُحْرِمٌ .
ـــــــ
ورأى أن الحجامة لا تفسد الصوم، وفيه دليل على أن الحجامة لا تضر المحرم ما لم تقطع شعراً. وقد تأول حديث ابن عباس رضي الله عنهما من ذهب إلى أن الحجامة تفطر الصائم فقال إنما احتجم النبي صلى الله عليه وآله وسلم صائماً محرماً وهو مسافر لأن لا نعلمه كان محرماً وهو مقيم، وللمسافر أن يفطر ما شاء من طعام وجماع وحجامة وغيرها. قلت: وهذا التأويل غير صحيح لأنه قد أثبته حين احتجم صائماً، ولو كان يفسد صومه بالحجامة لكان يقال إنه أفطر بالحجامة، كما يقال أفطر الصائم بشرب الماء وأكل التمر وما أشبههما ولا يقال أكل تمراً وهو صائم. قال المنذري: وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي، ولفظ الترمذي: احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم صائم.
"رواه وهيب بن خالد" كما رواه عبد الوارث "عن أيوب بإسناده" أي عن عكرمة "مثله" أي بلفظ "احتجم وهو صائم" من غير ذكر لفظ محرم "وجعفر بن ربيعة" أي وكذا روى جعفر بن ربيعة.
-"عن مقسم عن ابن عباس" قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه. وقال الترمذي حسن صحيح.
ـــــــ
وعن ابي سعيد الخدري قال رخص رسول الله في القبلة للصائم ورخص في الحجامة رواه النسائي.
فذهب إلى هذه الأحاديث جماعة من العلماء ويروى ذلك عن سعيد بن أبي وقاص وابن مسعود وابن عباس وعبد الله بن عمر والحسين بن علي وزيد بن أرقم وعائشة وأم سلمة وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة وهو مذهب عروة بن الزبير وسعيد بن جبير وغيرهما وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وذهب إلى أحاديث الفطر بها جماعة منهم علي بن أبي طالب وأبو موسى الأشعري وروى المعتمر عن أبيه عن الحسن عن غير واحد من أصحاب النبي قالوا أفطر الحاجم والمحجوم ذكره النسائي.
وأما أبو هريرة فروى عنه أبو صالح أفطر الحاجم والمحجوم ذكره النسائي وروى عنه شقيق بن ثور عن أبيه أنه قال لو أحتجم ما بالبيت ذكره عبدالرزاق والنسائي أيضا.

(6/357)


2371 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا عبد الرّحْمَنِ بنُ مَهْدِيَ عن سُفْيَانَ عن عبد الرّحْمَنِ ابنِ عَابِس عن عبد الرّحْمَنِ بنِ أبي لَيْلَى حَدّثَني رَجُلٌ مِنْ أصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهَى عن الحجَامَةِ وَالمُوَاصَلَةِ وَلم يُحَرّمْهُمَا إبْقَاءَ عَلَى أصْحَابِهِ، فَقِيلَ لَهُ يا رسول الله إنّكَ تُوَاصِلُ إلَى السّحَرِ، فقال [قال]:"إنّي أوَاصِلُ إلى السّحَرِ وَرَبّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِيني".
ـــــــ
-"إبقاء على أصحابه" متعلق بقوله نهى، وحديث عبد الرحمَن بن أبي ليلى أخرجه أيضاً عبد الرزاق قال في الفتح وإسناده صحيح، والجهالة بالصحابي لا تضر وقد رواه ابن أبي شيبة عن وكيع عن الثوري بإسناده هذا ولفظه عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قالوا إنما نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الحجامة للصائم وكرهها للضعف أي لئلا يضعف. وفي الباب عن أنس عند الدارقطني قال في الفتح: رواته كلهم من رجال البخاري. وفي الباب عن أبي سعيد الخدري قال "رخص النبيصلى الله عليه وآله وسلم في الحجامة" أخرجه النسائي وابن خزيمة والدارقطني. قال الحافظ: إسناده صحيح ورجاله ثقات. لكن اختلف في رفعه ووقفه. وقد استدل بالأحاديث المذكورة على أن الحجامة لا تفطر فيجمع بين الأحاديث بأن الحجامة مكروهة في حق من كان يضعف بها وتزداد الكراهة إذا كان الضعف يبلغ إلى حد يكون سبباً للافطار، ولا يكره في حق من كان لا يضعف بها. وعلى
ـــــــ
وأما عائشة فروى عطاء وعياض بن عروة عنها أفطر الحاجم والمحجوم ذكره النسائي وقال البيهقي رويت الرخصة عنها.
وذهب إلى الفطر من التابعين عطاء بن أبي رباح والحسن وابن سيرين وذهب إلى ذلك عبدالرحمن بن مهدي والأوزاعي والإمام أحمد وإسحاق بن راهويه وأبو بكر بن المنذر ومحمد بن إسحاق بن خزيمة.
وأجاب المرخصون عن أحاديث الفطر بأجوبة:
أحدهما: القدح فيها تعليلها.
الثاني: دعوى النسخ فيها.
الثالث: أن الفطر فيها لم يكن لأجل الحجامة بل لأجل الغيبة وذكر الحاجم والمحجوم للتعريف لا للتعليل.
الرابع: تأويلها على معنى أنه قد تعرض لأن يفطر لما يلحقه من الضعف ف "أفطر" بمعنى يفطر.

(6/358)


2372 - حدثنا عبد الله بن مسلمة أخبرنا سليمان - يعني ابن المغيرة عن ثابت قال: قال أنس ما كنا ندع الحجامة للصائم إلا كراهية الجهد..
ـــــــ
كل حال تجنب الحجامة للصائم أولى فيتعين حمل قوله "أفطر الحاجم والمحجوم" على المجاز لهذه الأدلة الصارفة له عن معناه الحقيقي. قاله الشوكاني.
"إلا كراهية الجهد" أي المشقة والتعب. قال المنذرى: وأخرجه البخاري وقال شبابة: قال حدثنا شعبة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
الخامس: أنه على حقيقته وأنهما قد أفطرا حقيقة ومرور النبي بهما كان مساء في وقت الفطر فأخبر أنهما قد افطرا ودخلا في وقت الفطر يعني فليصنعا ما أحبا.
السادس: أن هذا تغليظ ودعاء عليهما لا انه خبر عن حكم شرعي بفطرهما.
السابع: ان إفطارهما بمعنى إبطال ثواب صومهما كما جاء "خمس يفطرون الصائم الكذب والغيبة والنميمة والنظرة السوء واليمين الكاذبة" وكما جاءط الحدث حدثان حدث اللسان وهو أشدهما".
الثامن: أنه لو قدر تعارض الأخبار جملة لكان الأخذ بأحاديث الرخصة أولى لتأيدها بالقياس وشواهد أصول الشريعة لها إذا الفطر إنما قياسه أن يكون بما يدخل الجوف لا بالخارج منه كالفصاد والتشريط ونحوه.
قال المفطرون ليس في هذه الأجوبة شيء يصح.
أما جواب المعللين فباطل وإن الأئمة العارفين بهذا الشأن قد تظاهرت أقوالهم بتصحيح بعضها كما تقدم.
والباقي إما حسن يصلح للاحتجاج به وحده وإما ضعيف فهو يصلح للشواهد والمتابعات وليس العمدة عليه وممن صحح ذلك أحمد وإسحاق وعلي بن المديني وإبراهيم الحربي وعثمان بن سعيد الدارمي والبخاري وابن المنذر وكل من له علم بالحديث يشهد بأن هذا الأصل محفوظ عن النبي لتعدد طرقه وثقة رواته واشتهارهم بالعدالة.
قالوا والعجب ممن يذهب إلى أحاديث الجهر بالبسملة وهي دون هذه الأحاديث في الشهرة والصحة ويترك هذه الأحاديث وكذلك أحاديث الفطر بالقيء مع ضعفها وقلتها وأين تقع من أحاديث الفطر بالحجامة؟! وكذلك أحاديث الإتمام في السفر وأحاديث أقل الحيض وأكثره وأحاديث تقدير المهر بعشرة دراهم وأحاديث الوضوء بنبيذ التمر وأحاديث الشهادة في النكاح وأحاديث التيمم

(6/359)


................................
ـــــــ
ضربتان وأحاديث المنع من فسخ الحج إلى التمتع وأحاديث تحريم القراءة على الجنب والحائض وأحاديث تقدير الماء الذي يحمل النجاسة بالقلتين.
قالوا وأحاديث الفطر بالحجامة أقوى وأشهر وأعرف من هذا بل ليست دون أحاديث نقض الوضوء بمس الذكر.
وأما قول بعض أهل الحديث لايصح في الفطر بالحجامة حديث فمجازفة باطلة أنكرها أئمة الحديث كالإمام أحمد لما حكى له قول ابن معين أنكره عليه ثم في هذه الحكاية عنه أنه لا يصح في مس الذكر حديث ولا في النكاح بلا ولي ولم يلتفت القائلون بذلك إلى قوله.
وأما تطرق التعليل إليها فمن نظر في عللها واختلاف طرقها أفاده ذلك علما لا يشك فيه بأن الحديث محفوظ وعلى قول جمهور الفقهاء والأصوليين لا يلتفت إلى شيء من تلك العلل وانها ما بين تعليل بوقف بعض الرواة وقد رفعها آخرون أو إرسالها وقد وصلها آخرون وهم ثقات والزيادة من الثقة مقبولة.
قالوا فعلى قول منازعينا هذه العلل باطلة لا يلتفت إلى شيء منها وقد ذكرت عللها والأجوبة عنه في مصنف مفرد في المسألة.
قالوا وأما دعوى النسخ فلا سبيل إلى صحتها.
ونحن نذكر ما احتجوا به على النسخ ثم نبين ما فيه.
قالوا قد صح عن ابن عباس أن النبي احتجم وهو صائم محرم قال الشافعي وسماع ابن عباس من النبي عام الفتح ولم يكن يومئذ محرما ولم يصحبه محرما قبل حجة الإسلام فذكر ابن عباس حجامة النبي عام حجة الإسلام سنة عشر وحديث أفطر الحاجم والمحجوم سنة ثمان فإن كانا ثابتين فحديث ابن عباس ناسخ.
قالوا ويدل على النسخ حديث أنس في قصة جعفر وقد تقدم.
قالوا ويدل عليه حديث أبي سعيد في الرخصة فيها والرخصة لا تكون إلا بعد تقدم المنع قال المفطرون الثابت أن النبي احتجم وهو محرم وأما قوله وهو صائم فإن الإمام أحمد قال لا تصح هذه اللفطة وبين أنها وهم ووافقه غيره على ذلك وقالوا الصواب احتجم وهو محرم وممن ذكر ذلك عنه الحلال في كتاب العلل.
وقد روى هذا الحديث على أربعة أوجه:
أحدها: احتجم وهو محرم فقط وهذا في الصحيحين.

(6/360)


......................
ـــــــ
الثاني: احتجم وهو محرم واحتجم وهو صائم انفرد به البخاري.
الثالث: احتجم وهو محرم صائم ذكره الترمذي وصححه والنسائي وابن ماجه.
الرابع: احتجم وهو صائم فقط ذكره أبو داود وأما حديث احتجم وهو صائم فهو مختصر من حديث ابن عباس في البخاري: احتجم رسول الله وهو محرم واحتجم وهو صائم.
وأما حديث احتجم وهو محرم صائم فهذا هو الذي تمسك به من ادعى النسخ.
وأما لفظ احتجم وهو صائم فلا يدل على النسخ ولا تصح المعارضة به لوجوه:
أحدها: أنه لا يعلم تاريخه ودعوى النسخ لا تثبت بمجرد الاحتمال.
الثاني : أنه ليس فيه أن الصوم كان فرضا ولعله كان صوم نفل خرج منه.
الثالث : حتى لو ثبت أنه صوم فرض فالظاهر أن الحجامة إنما تكون للعذر ويجوز الخروج من صوم الفرض بعذر المرض والواقعة حكاية فعل لا عموم لها.
ولا يقال قوله وهو صائم جملة حال مقارنة للعامل فيها فدل على مقارنة الصوم للحجامة لأن الراوي لم يذكر أن النبي قال "إني باق على صومي" وإنما رآه يحتجم وهو صائم فأخبره بما شاهده ورآه ولا علم له بنية النبي ولا بما فعل بعد الحجامة مع أن قوله وهو صائم حال من الشروع في الحجامة وابتدائها فكان ابتداؤها مع الصوم وكأنه قال احتجم في اليوم الذي كان صائما فيه ولا يدل ذلك على استمرار الصوم أصلا.
ولهذا نظائر منها حديث الذي وقع على امرأته وهو صائم وقوله في الصحيحين وقعت على امرأتي وأنا صائم والفقهاء وغيرهم يقولون وإن جامع وهو محرم وإن جامع وهو صائم ولا يكون ذلك فاسدا من الكلام فلا تعطل نصوص الفطر بالحجامة بهذا اللفظ المحتمل.
وأما قوله احتجم وهو محرم صائم فلو ثبت هذه اللفظة لم يكن فيها حجة لما ذكرناه ولا دليل فيها أيضا على أن ذلك كان بعد قوله أفطر الحاجم والمحجوم فإن هذا القول منه كان في رمضان سنة ثمان من الهجرة عام الفتح كماجاء في حديث شداد والنبي أحرم بعمرة الحديبية سنة ست وأحرم من العام القابل بعمرة القضية وكلا العمرتين قبل ذلك ثم دخل مكة عام الفتح ولم يكن محرما ثم حج حجة الوداع فاحتجامه وهو صائم محرم لم يبين في أي إحراماته كان وإنما تمكن دعوى النسخ إذا كان ذلك قد وقع في حجة الوداع أو في عمرة الجعرانة حتى يتأخر ذلك عن عام الفتح قال فيه "أفطر الحاجم والمحجوم" ولا سبيل إلى بيان ذلك.
وأما رواية ابن عباس له وهو ممن صحب النبي بعد الفتح فلا تثير ظنا فضلا عن النسخ.

(6/361)


....................................
ـــــــ
به فإن ابن عباس لم يقل شهدت رسول الله ولا رأيته فعل ذلك وإنما روى ذلك رواية مطلقة ومن المعلوم أن أكثر روايات ابن عباس إنما أخذها من الصحابة والذي فيه سماعه من النبي لا يبلغ عشرين قصة كما قاله غير واحد من الحفاظ فمن أين لكم أن ابن عباس لم يرو هذا عن صحابي آخر كأكثر رواياته وقد روى ابن عباس أحاديث كثيرة مقطوع بأنه لم يسمعها من النبي ولا شهدها ونحن نقول إنها حجة لكن لا نثبت بذلك تأخرها ونسخها لغيرها ما لم يعلم التاريخ.
وبالجملة فدعوى النسخ إنما تثبت بشرطين أحدهما تعارض المفسر والثاني العلم بتأخر أحدهما وقد تبين أنه لا سبيل إلى واحد منهما في مسألتنا بل من المقطوع به أن هذه القصة لم تكن في رمضان فإن لم يحرم في رمضان فإن عمره كلها كانت في ذي القعدة وفتح مكة كان في رمضان ولم يكن محرما فغايتها في صوم تطوع في السفر وقد كان آخر الأمرين من رسول الله الفطر في السفر ولما خرج من المدينة عام الفتح صام حتى بلغ الكديد ثم أفطر والناس ينظرون إليه ثم لم يحفظ عنه أنه صام بعد هذا في سفر قط ولما شك الصحابة في صيامه يوم عرفة أرسلوا أم الفضل إليه بقدح فشربه فعلموا أنه لم يكن صائما فقصة الاحتجام وهو صائم محرم إما غلط كما قال الإمام أحمد وغيره وإما قبل الفتح قطعا وعلى التقديرين فلا يعارض بها قوله عام الفتح أفطر الحاجم والمحجوم.
وعلى هذا فحديث ابن عباس إما يدل على أن الحجامة لا تفطر أو لا يدل فإن لم يدل لم يصلح للنسخ وإن دل فهو منسوخ بما ذكرنا من حديث شداد فإنه مؤرخ بعام الفتح فهو متأخر عن إحرام النبي صائما وتقريره ما تقدم وهذا القلب في دعوى كونه منسوخا أظهر من ثبوت النسخ به وعياذا بالله من شر مقلد عصبي يرى العلم جهلا والإنصاف ظلما وترجيح الراجح على المرجوح عدوانا وهذا المضايق لا يصيب السالك فيها إلا من صدقت في العلم نيته وعلت همته وأما من أخلد إلى أرض التقليد واستوعر طريق الترجيح فيقال له ما هذا عشك فادرجي.
قالوا وأما حديث أنس في قصة جعفر فجوابنا عنه من وجوه:
أحدها: أنه من رواية خالد بن مخلد عن ابن المثنى قال الإمام أحمد خالد بن مخلد له مناكي.
قالوا ومما يدل على أن هذا الحديث من مناكيره أنه لم يروه أحد من أهل الكتب المعتمدة لا أصحاب الصحيح ولا أحد من أهل السنن مع شهرة إسناده وكونه في الظاهر على شرط البخاري ولا احتج به الشافعي مع حاجته إلى إثبات النسخ حتى سلك ذلك المسلك في حديث ابن عباس فلو كان هذا صحيحا لكان أظهر دلالة وأبين في حصول النسخ.

(6/362)


....................................
ـــــــ
قالوا وأيضا فجعفر إنما قدم من الحبشة عام خيبر أو آخر سنة ست وأول سنة سبع وقيل عام مؤتة قبل الفتح ولم يشهد الفتح فصام مع النبي رمضانا واحدا سنة سبع وقول النبي "أفطر الحاجم والمحجوم" بعد ذلك في الفتح سنة ثمان فإن كان حديث أنس محفوظا فليس فيه أن الترخيص وقع بعد عام الفتح وإنما فيه أن الترخيص وقع بعد قصة جعفر وعلى هذا فقد وقع الشك في الترخيص وقوله في الفتح "أفطر الحاجم والمحجوم" أيهما هو المتأخر ولو كان حديث أنس قد ذكر فيه الترخيص بعد الفتح لكان حجة ومع وقوع الشك في التاريخ لا يثبت النسخ.
قالوا وأيضا فالذي يبين أن هذا لا يصح عن أنس ما رواه البخاري في صحيحه عن ثابت قال سئل أنس أكنتم تكرهون الجحامة للصائم قال لا إلا من أجل الضعف وفي رواية على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فهذا يدل على أن أنسا لم تكن عنده رواية عن النبي النبي صلى الله عليه وسلم أنه فطر بها ولا أنه رخص فيها بل الذي عنده كراهتها من أجل الضعف ولو علم أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص فيها بعد الفطر بها لم يحتج أن يجيب بهذا من رأيه ولم يكره شيئا رخص فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأيضا فمن المعلوم أن أهل البصرة أشد الناس في التفطير بها وذكر الإمام أحمد وغيره أن أهل البصرة كانوا إذا دخل شهر رمضان يغلقون حوانيت الحجامين وقد تقدم مذهب الحسن وابن سيرين إمامي البصرة أنهما كانا يفطران بالحجامة مع أن فتاوى أنس نصب أعينهم وأنس آخر من مات بالبصرة من الصحابة فيكف يكون عند أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في الحجامة للصائم بعد نهيه عنهما والبصريون يأخذون عنه وهم على خلاف ذلك؟!
وعلى القول بالفطر بها لا سيما وحديث أنس فيه أن ثابتا سمعه منه وثابت من أكبر مشايخ أهل البصرة ومن أخص أصحاب الحسن فكيف تشتهر بين أهل البصرة السنة المنسوخة ولا يعلمون الناسخة ولا يعملون بها ولا تعرف بينهم ولا يتناقلونها بل هم على خلافها هذا محال.
قالوا وأيضا فأبو قلابة من أخص أصحاب أنس وهو الذي يروي قوله أفطر الحاجم والمحجوم من طريق أبي أسماء عن ثوبان ومن طريق أبي الأشعث عن شداد وعلى حديثه اعتمده أئمة الحديث وصححوه وشهدوا أنه أصح أحاديث الباب فلو كان عند أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم سنة تنسخ ذلك لكان أصحابه أعلم بها وأحرص على روايتها من أحاديث الفطر بها والله أعلم.
قالوا وأما حديث أبي سعيد فجوابه من وجوه.
أحدها: أنه حديث قد اختلف فيه عليه فرواه أبو المتوكل عنه واختلف عليه فرفعه المعتمر عن حميد عن أبي المتوكل ووقفه بشر وإسماعيل وابن أبي عدي عن حميد ووقفه أبو نضرة عن أبي سعيد وأبو نضرة من أروى الناس عنه وأعلمهم بحديثه ووقفه قتادة عن أبي المتوكل فالواقفون له أكثر وأشهر فالحكم لهم عند المحدثين.

(6/363)


.............................
ـــــــ
الثاني: أن ذكر الحجامة فيه ليس من كلام النبي قال ابن خزيمة الصحيح ان ذكر الحجامة فيه من كلام أبي سعيد ولكن بعض الرواة أدرجه فيه.
الثالث: أنه ليس فيه بيان للتاريخ ولا يدل على أن هذا الترخيص كان بعد الفتح وقولكم إن الرخصة لا تكون إلا بعد النهي باطل بنفس الحديث فإن فيه رخص رسول الله في القبلة للصائم ولم يتقدم منه نهي عنها ولاقال أحد إن هذا الترخيص فيها ناسخ لمنع تقدم وفي الحديث "إن الماء من الماء" كانت رخصة في أول الإسلام فسمى الحكم المنسوخ رخصة مع أنه لم يتقدم حظره بل المنع منه متأخر.
وبالجملة فهذه المآخذ لا تعد مقاومة لأحاديث الفطر ولا تأخرت عنها فكيف تنسخ بها قالوا وأما جوابكم الثالث بأن الفطر فيها لم يكن للحجامة وذكر الحاجم للتعريف المحض كزيد وعمر في غاية البطلان من وجوه:
أحدها: أن ذلك يتضمن الإبهام والتلبيس بأن يذكر وصفا يرتب عليه الحكم ولا يكون له فيه تأثير البتة.
الثاني: أن هذا يبطل عامة أحكام الشرع التي رتبها على الأوصاف إذا تطرق إليها هذا الخيال والوهم الفاسد كقوله تعالى {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا} {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ} ومعلوم أنه ليس بأيدينا إلا أوصاف رتبت عليها الأحكام فإن جاز أن تكون تلك الأوصاف للتعريف لا للتعليل بطلت الأحكام.
الثالث: أنه لا يفهم قط أحد لا من الخاصة والعامة من قول القائل القاتل لا يرث والعبد لا يرث والكافر لا يرث والقاذف لا تقبل شهادته والمحدث لا تصح صلاته وأمثال ذلك إلا تعلق الأحكام تلك الأوصاف ولهذا لا يحسن ذكر وصف لا تأثير له في الحكم كما لو قال أفطر الخياط والمخيط له وأفطر الحامل والمحمول له وأفطر الشاهد والمشهود له ومن قال هذا عد كلامه سخفا وتعجب الناس من قوله فكيف يضاف ذلك إلى الشارع سبحانك هذا بهتان عظيم.
الرابع: أن هذا قدح في أفهام الصحابة الذين هم أعرف الناس وأفهم الناس بمراد نبيهم وبمقصود من كلامه وقد قال أبو موسى لرجل قال له ألا تحتجم نهارا أتأمرني أن أهريق دمي وأنا صائم وقد سمعت رسول الله يقول:" أفطر الحاجم والمحجوم" والذين فطروا بذلك من الصحابة كعلي وأبي موسى وغيرهم إنما يحتجون بالحديث وكان جماعة من الصحابة لا يحتجمون في الصيام إلا ليلا منهم عبد الله بن عمرو وابن عباس وأبو موسى وأنس ويحتجون بالحديث.

(6/364)


..................
ـــــــ
الخامس أن هذا يتضمن تعليق الحكم وهو الفطر بوصف لا ذكر له في الحديث أصلا وإبطال تعليقه بالوصف الذي علقه به الشارع وهذا من أبطل الباطل.
السادس أنه لوصح ذلك وحاشا لله في قوله "أفطر الحاجم والمحجوم" فكيف يصح ذلك في حديث أنس الذي جعلتموه عمدتكم في الباب وهو قوله لجعفر وقد مر به وهو يحتجم أ"فطر هذان" ثم رخص في الحجامة بعد وفي قوله نهى عن الحجامة ولم يحرمها.
السابع أنه كيف ينفق بضعة عشر صحابيا على رواية أحاديث كلها متفقة بلفظ واحد ويكون النبي صلى الله عليه وسلم قد ذكر الحجامة فيها ولا تأثير لها في الفطر وكلهم يقول أفط الحاجم والمحجوم؟!
الثامن أنه كيف يجوز للصحابة أن يفتوا بذلك ويقولوا أفطر الحاجم والمحجوم أفترى استمر التعريف بذلك دائما ودفع الأحاديث متى وصل إلى هذا الحد ساء وقبح جدا!!
التاسع أنا نقول نعم هو للتعريف بلا شك فإن أحكام الشارع إنما تعرف بالأوصاف وتربط بها وتعم الأمة لأجلها فالوصف في الحديث المذكور لتعريف حكمه وأنه مرتبط بهذا الوصف منوط به.
العاشر أن صاحب القصة التي جرت له قال مر على النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أحتجم فقال "أفطر الحاجم والمحجوم" فلو كان فطره بغير ذلك لبينه له الشارع لحاجته إليه ولم يخف على الصحابي ذلك ولم يكن لذكره الحجامة معنى وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز فكيف يترك الشارع بيان الوصف المفطر فلا يبينه للمكلف ويذكر له وصفا لا يفطر بحال؟!
وأما قولهم إن الفطر بالغيبة فهذا باطل من وجوه:
أحدها أن ذلك لا يثبت وإنما جاء في حديث واحد من تلك الأحاديث وهما يغتابان الناس مع أنها زيادة باطلة.
الثاني أنه لو ثبت لكان الأخذ لعموم اللفظ الذي علق به الحكم دون الغيبة التي لم يعلق بها الحكم.
الثالث أنه لو كان ما ذكروه صحيحا لكان موجب البيان أن يقول افطر المغتابان على عادته وعرفه من ذكر الأوصاف المؤثرة دون غيرها فكيف يعدل عن الغيبة المؤثرة إلى الحجامة المهدرة.
الرابع أن هذا يتضمن حمل الحديث على خلاف الإجماع وتعطيله فإن المنازع لا يقول بأن الغيبة تفطر فكيف نحمل الحديث على ما نعتقد بطلانه؟!
الخامس أن سياق الأحاديث يبطل هذا التأويل كما تقدم.

(6/365)


....................
ـــــــ
السادس :أن معقل بن سنان قال مر بي رسول الله وأنا احتجم فقال:" أفطر الحاجم والمحجوم" ولم يكن يغتاب أحدا ولا جرى للغيبة ذكر أصلا.
قالوا وأما الجواب الواقع بأن افطر بمعنى سيفطر ففاسد أيضا لتضمنه الإيهام بخلاف المراد ولفهم الصحابة خلافه ولاضطراد هذا اللفظ دون مجيئه بالمعنى الذي ذكروه ولشدة مخالفته للوضع ولذكر المحجوم فإنه وإن تعرض المحجوم للفطر بالضعف فأي ضعف لحق الحاجم وكون الحاجم متعرضا لابتلاع الدم والمحجوم متعرضا للضعف هذا التعليل لا يبطل الفطر بالحجامة بل هو مقرر للفطر بها وإلا فلا يجوز استنباط وصف من النص يعود عليه بالإبطال بل هذا الوصف إن كان له تأثير في الفطر وإلا فالتعليل به باطل.
قالوا وأما الجواب الخامس أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بهما مساء فقال ذلك فمما لا يجوز أن يحمل الحديث عليه وأي تأثير للحجامة بل كل الناس قد أفطروا أيضا فهذا كذب فإنه ليس في الحديث ما يدل على ذلك أصلا فقائله مخبر بالكذب.
وأيضا فأي حاجة إلى قول أنس ثم رخص بعد في الحجامة.
وأيضا فأي حاجة بالصحابة أن يؤخروا احتجامهم إلى الليل وكيف يفتون الأمة بفطرهم بأمر قد فعل مساء لا تأثير له في الفطر والحمد لله على المعافاة من رد الأحاديث بمثل هذا الخيالات وأما جوابكم السادس أن هذا تغليظ ودعاء عليهما لا أنه حكم شرعي فالمجيب به كالمستجير من الرمضاء بالنار فإنهما لم يفعلا محرما عندكم ولا مفطرا بل فعلا ما أباحه لهما الشارع عندكم فكيف يغلظ عليهما ويدعو عليهما ومتى عهد في عرف الشارع الدعاء على المكلف بالفطر وفساد العبادة وسائر الوجوه المتقدمة تبطل هذا أيضا.
وأما جوابكم السابع بإن المراد إبطال أجر صومهما فكذلك أيضا فإنكم لا تبطلون أجرهما بذلك ولا تحرمون الحجامة ثم لو كان المراد إبطال الأجر لكان ذلك مقررا لفساد الصوم لا لصحته فإنه قد أخبر عن أمر يتضمن بطلان أجرهما لزوما واستنباطا وبطلان صومهما صريحا ونصا فكيف يعطل ما دل عليه صريحه ويعتبر ما استنبطه منه مع أنه لا منافاة بينه وبين الصريح بل المعنيان حق قد بطل صومهما وأجرهما إذا كانت الحجامة لغير مرض.
وأما جوابكم الثامن أن الأحاديث لو قدر تعارضها لكان الأخذ بأحاديث الرخصة أولى لموافقتها القياس فجوابه.
أولا أن الأحاديث بحمد الله ليست متعارضة وقد بينا أنه لا معارض لأحاديث المنع.

(6/366)


.........................
ـــــــ
ويقال ثانيا لو قدر تعارضها فالأخذ بأحاديث الفطر متعين لأنها ناقلة عن الأصل وأحاديث الإباحة موافقة لما كان الأمر عليه قبل جعلها مفطرة والناقل مقدم على المبقي.
ويقال ثالثا ليس في أحاديث الرخصة لفظ صريح وإنما غايتها أن تكون فعلا محتملا للوجوه التي تقدمت فكيف تقدم على القول الصريح؟!
رابعا: أحاديث الفطر صريحة متعددة الطرق رواها عن النبي صلى الله عليه وسلم أربعة عشر نفسا وساق الإمام أحمد أحاديثهم كلها وهم رافع بن خديج وثوبان وشداد بن أوس وأبو هريرة وعائشة وبلال وأسامة بن زيد ومعقل بن سنان وعلي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وأبو زيد الأنصاري وأبو موسى الأشعري وابن عباس وابن عمر فكيف يقدم عليها أحاديث هي بين أمرين صحيح لا دلالة فيه أو ما فيه دلالة ولكن هو غير صحيح وقد تقدم ذكر في الكلام على الأحاديث وبينا أنه ليس فيها حديث واحد يصلح للمعارضة.
وعلى هذا فالقياس الذي اشرتم إليه فاسد الاعتبار.
ثم نقول بل القياس من جانبنا لأن الشارع علق الفطر بإدخال ما فيه قوام البدن من الطعام والشراب وبإخراجه من القيء واستفراغ المني وجعل الحيض مانعا من الصوم لما فيه من خروج الدم المضعف للبدن.
قالوا فالشارع قد نهى الصائم عن أخذ ما يعينه وعن إخراج ما يضعفه وكلاهما مقصود له لأن الشارع أمر بالاقتصاد في العبادات ولا سيما في الصوم ولهذا امر بتعجيل الفطور وتأخير السحور فله قصد في حفظ قوة الصائم عليه كما له قصد في منعه من إدخال المفطرات وشاهده الفطر بالقيء والحيض والاستمناء فالحجامة كذلك أو أولى وليس معنا في القيء ما يماثل أحاديث الحجامة فيكف يفطر به دون الحجامة مع أن الفطر بها أولى منه نصا وقياسا واعتبارا.
قالوا ولهذا فرق بين الغالب منهما والمستدعي فلا يفطر إذا ذرعه القيء كما لا يفطر بالرعاف وخروج الدم من الدمل والجرح وكما يفطر الاستقاء عمدا كذلك يفطر بإخراج الدم عمدا بالحجامة.
قالوا وشاهده أن دم الحيض لما كان يجري في وقت وينقطع في وقت جعل الشارع صومها في وقت الطهر مغنيا عن صومها وقت الدم ولما كان دم الاستحاضة لا ضابط له ولعله أن يستمر جوز لها الصوم مع جريانه كصاحب الرعاف ونحوه فليس القياس إلا مع النصوص يدور معها حيث دارت.
وأما قياسكم ذلك على الفصاد ونحوه. فنقول:

(6/367)


........................................
ـــــــ
القائلون بأن الحجامة تفطر لهم فيها أربعة أقوال.
أحدها: أن المحتجم يفطر وحده دون الحاجم وهذا ظاهر كلام الخرقي فإنه قال في المفطرات لو احتجم ولم يقل أو حجم.
الثاني: وهو منصوص الإمام أحمد أنه يفطر كل منهما وهذا قول جمهور أصحابه المتقدمين والمتأخرين.
ثم اختلف هؤلاء في التشريط والفصاد على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يفطر بهما.
الثاني: يفطر بهما.
الثالث: يفطر بالتشريط دون الفصاد لأن التشريط عندهم كالحجامة.
واختلفوا في التشريط والفصاد أيهما أولى بالفطر والصواب الفطر بالحجامة والفصاد والتشريط وهو اختيار شيخنا أبي العباس بن تيمية واختيار صاحب الإفصاح لأن المعنى الموجود في الحجامة موجود في الفصاد طبعا وشرعا وكذلك في التشريط وقد بينا أن الفطر بالحجامة هو مقتضى القياس ولا فرق في ذلك بين الفصاد والتشريط فبأي وجه أخرج الدم أفطر به كما يفطر بالإستقاء بأي وجه استقاء إما بإدخال يده فيه أو بشمه ما يقيئه أو بوضع يده على بطنه وتطامنه وغير ذلك فالعبرة بخروج الدم عمدا لا بكيفية الإخراج كما استوى خروج الدم بذلك في إفساد الصلاة ونقض الطهارة عند القائلين به.
وبهذا يتبين توافق النصوص والقياس وشهادة أصول الشرع وقواعده وتصديق بعضها بعضا فإن قيل فهب أن هذا يتأتى لكم في الهجوم فما الموجب لفطر الحاجم؟
قلنا لما كان الحاجم يجتذب الهواء الذي في القارورة بامتصاصه الهواء يجتذب ما فيها من الدم فربما صعد مع الهواء شيء من الدم ودخل في حلقه وهو لا يشعر والحكمة إذا كانت خفية علق الحكم بمظنتها كما أن النائم لما كان قد يخرج منه الريح ولا يشعر بها علق الحكم بالمظنة وهو النوم وإن لم يخرج منه ريح.
فإن قيل فطرد هذا أن لا يفطر الشارط.
قلنا نعم ولا الحاجم الذي يشرط ولا يمص أو يمصه مفطر غيره وليس في هذا مخالفة للنص فإن كلام النبي صلى الله عليه وسلم خرج على الحاجم المعتاد وهو الذي يمص الدم وكلامه إنما يعم المعتاد فاستعمال اللفظ فيه بقصره على الحاجم المعتاد لا يكون تعطيلا للنص والله أعلم.

(6/368)