Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود

المجلد السابع
تابع لكتاب الصيام
باب في الصائم يحتلم نهاراً في رمضان
...
بسم الله الرحمن الرحيم
30- باب في الصائم يحتلم نهاراً في رمضان
2373 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ كَثِير أنْبأنَا سُفْيَانُ عن زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عن رَجُلٍ مِنْ أصْحَابِهِ عن رَجُلٍ مِنْ أصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا يُفْطِرُ مَنْ قَاءَ وَلاَ مَنِ احْتَلَمَ وَلاَ مَنِ احْتَجَمَ".
ـــــــ
"باب في الصائم يحتلم نهاراً في رمضان"
"لا يفطر من قاء ولا من احتلم ولا من احتجم": قال الخطابي: إن ثبت هذا فمعناه من قاء غير عامد، ولكن في إسناده رجل لا يعرف، وقد رواه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا أن عبد الرحمن ضعفه أهل الحديث. وقال أبو عيسى: أخطأ فيه عبد الرحمن ورواه غير واحد عن زيد ابن أسلم مرسلاً، وعبد الرحمن ذاهب الحديث. وقال يحيى بن معين: حديث بني زيد بن أسلم ليس بشيء انتهى. وقال المنذري: هذا لا يثبت، وقد روي من وجه آخر ولا يثبت أيضاً، وأخرجه الدارقطني من حديث هشام بن سعيد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
هذا الحديث قد اختلف في إسناده ووصله وإرساله واختلف في متنه:
فرواه هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء عن ابن عباس وقال القيء والرعاف والاحتلام ذكره ابن عدي ورواه الدارقطني من حديث هشام عن زيد بن أسلم عن عطاء عن أبي سعيد وذكر فيه الاحتجام بدل الرعاف ورواه الترمذي من حديث عبدالرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد فقال الحجامة والقيء والاحتلام قال الترمذي حديث أبي سعيد غير محفوظ وقد روى عبد الله بن زيد بن أسلم وعبدالعزيز بن محمد وغيره واحد هذا الحديث عن زيد ابن أسلم مرسلا لم يذكروا فيه عن أبي سعيد وعبدالرحمن بن زيد بن أسلم يضعف في الحديث.

(7/3)


31 - باب في الكحل عند النوم للصائم
2374 - حدثنا النّفَيْلِيّ أخبرنا عَلِيّ بنُ ثَابِتٍ حدّثَني عبد الرحمن بنُ النّعْمَانِ بنِ مَعْبَدِ بنِ هَوْذَةَ عن أبِيهِ عن جَدّهِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم: أنّهُ أمَرَ بالإثْمِدِ المُرَوّحِ عِنْدَ النّوْمِ وَقال: "لِيَتّقِهِ الصّائِمُ".
قَالَ أبُو دَاوُدَ: قال لِي يَحْيَى بنُ مَعِين: هُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ - يَعني حَدِيثَ الْكُحْلِ.
ـــــــ
الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ثلاثة لا يفطرن الصائم القيء والحجامة والاحتلام" وهشام بن سعيد وإن كان قد تكلم فيه غير واحد فقد احتج به مسلم واستشهد به البخاري، وقد رواه غير واحد عن زيد بن أسلم مرسلاً، وأخرجه الترمذي من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه وقال إنه غير محفوظ، وذكر أن عبد الرحمن ابن زيد يضعف في الحديث والله أعلم.
باب في الكحل عند النوم
"عن أبيه" النعمان بن معبد "عن جده" أي جد عبد الرحمن، وهو معبد بن هوذة صحابي قليل الحديث "أنه أمر بالإثمد" وقد استدل بهذا الحديث ابن شبرمة وابن أبي ليلى فقالا إن الكحل يفسد الصوم وخالفهم الفقهاء وغيرهم فقالوا: الكحل لا يفسد الصوم، وأجابوا عن الحديث بأنه ضعيف لا ينتهض للاحتجاج به، واستدل ابن شبرمة وابن أبي ليلى بما أخرجه البخاري تعليقاً، ووصله البيهقي والدارقطني وابن أبي شيبة من حديث ابن عباس بلفظ "الفطر مما دخل والوضوء مما خرج" قال وإذا وجد طعمة فقد دخل، ويجاب بأن في إسناده الفضل بن المختار وهو ضعيف جداً. وفيه أيضاً شعبة مولى ابن عباس وهو ضعيف.
وقال ابن عدي: الأصل في هذا الحديث أنه موقوف، وقال البيقهي: لا يثبت مرفوعاً، ورواه سعيد بن منصور موقوفاً من طريق الأعمش عن أبي ظبيان عنه، ورواه الطبراني من حديث أبي أمامة. قال الحافظ: وإسناده أضعف من الأول ومن حديث ابن عباس مرفوعاً.
ـــــــ
سمعت ابا داود السجزى يقول سألت أحمد بن حنبل عن عبدالرحمن بن زيد بن أسلم فقال أخوه عبد الله بن زيد لا بأس به قال وسمعت محمدا يذكر عن علي بن عبد الله قال عبد الله بن زيد بن أسلم ثقة وعبدالرحمن بن زيد ضعيف قال محمد ولا أروي عنه شيئا.

(7/4)


2375 - حدثنا وَهْبُ بنُ بَقِيّةَ أنْبأنَا أبُو مُعَاوِيَةَ عن عُتْبَةَ أبي مُعَاذٍ عن عُبَيْدِالله بنِ أبي بَكْرِ بنِ أنَسٍ عن أنَسِ بنِ مَالِكٍ أنّهُ كَانَ يَكْتَحِلُ وَهُوَ صَائِمٌ.
2376 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ عَبْدِالله المَخْرَمِيّ وَ يَحْيَى بنُ مُوسَى الْبَلْخِيّ قالا أخبرنا يَحْيَى بنُ عِيسَى عن الأعمَشِ قال: مَا رَأيْتُ أحَداً من أصحَابِنَا يَكْرَهُ الْكُحْلَ لِلصّائِمِ وَكانَ إبْرَاهِيمُ يُرَخّصُ أنْ يَكْتَحِلَ الصّائِمُ بالصّبِرِ.

(7/5)


32- باب الصائم يستقيء عامدا
2377 - حدثنا مُسْدَدٌ أخبرنا عِيسَى بنُ يُونُسَ أخبرنا هِشَامُ بنُ حَسّانَ عن مُحَمّدِ بنِ سِيرِينَ عن أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ ذَرَعَهُ قَيْءٌ[القيء] وَهُوَ صَائِمٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَإنِ اسْتَقَاءَ فَلْيَقْضِ".
ـــــــ
واحتج الجمهور على أن الكحل لا يفسد الصوم بما أخرجه ابن ماجه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم اكتحل في رمضان وهو صائم، وفي إسناده بقية عن الزبيدي عن هشام عن عروة، والزبيدي المذكور اسمه سعيد بن أبي سعيد ذكره ابن عدي، وأورد هذا الحديث في ترجمته، وكذا قال البيهقي وصرح به في روايته وزاد أنه مجهول. والإثمد بكسر الهمزة وهو حجر للكحل، كما في القاموس "المروح" بضم الميم وتشديد الواو المفتوحة وآخر الحروف حاء مهملة، أي المطيب بالمسك كأنه جعل له رائحة تفوح بعد أن لم تكن له رائحة. قال المنذري: وعبد الرحمن قال يحيى بن معين ضعيف، وقال أبو حاتم الرازي: صدوق.
"عن أنس" سكت عنه المنذري.
"عن الأعمش" سكت عنه المنذري.
"باب الصائم يستقيء عامدا"
"من ذرعه قيء" بالذال المعجمة أي غلبه وسبقه في الخروج "وهو صائم فليس عليه قضاء" لأنه لا تقصير منه "وإن استقاء": أي من تسبب لخروجه "فليقض" قال ابن الملك:
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
هذا الحديث له علة ولعلته علة أما علته فوقفه على أبي هريرة وقفه عطاء وغيره وأما علة

(7/5)


قَالَ أبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ أيْضاً حَفْصُ بنُ غِيَاثٍ عن هِشَامٍ مِثْلَهُ.
2378 - حدثنا أبُو مَعْمَرٍ عَبْدُالله بنُ عَمْرٍو أخبرنا عَبْدُالْوَارِثِ أخبرنا الْحُسَيْنُ عن يَحْيَى حدّثني عبد الرحمن بنُ عَمْرٍو الأَوْزَاعِيّ عن يَعِيشَ بنِ الْوَلِيدِ بنِ هِشَامٍ أنّ
ـــــــ
والأكثر على أنه لا كفارة عليه. وفي شرح السنة: عمل بظاهر هذا الحديث أهل العلم فقالوا من استقاء فعليه القضاء ومن ذرعه فلا قضاء عليه، لم يختلفوا فيه. وقال ابن عباس وعكرمة بطلان الصوم مما دخل وليس مما خرج. روى أبو يعلى الموصلي في مسنده حدثناً أحمد بن منيع حدثنا مروان بن معاوية عن رزين البكري قال حدثتنا مولاة لنا يقال لها سلمى من بكر بن وائل أنها سمعت عائشة رضي الله عنها تقول "دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ياعائشة هل من كسرة فأتته بقرص فوضعه على فيه فقال ياعائشة هل دخل بطني منه شيء كذلك قبلة الصائم إنما الإفطار مما دخل وليس مما خرج" ولجهالة المولاة لم يثبته بعض أهل الحديث. كذا في المرقاة.
وفي النيل: والحديث يدل على أنه لا يبطل صوم من غلبة القيء ولا يجب عليه القضاء، ويبطل صوم من تعمد إخراجه ولم يغلبه ويجب عليه القضاء، وقد ذهب إلى هذا علي وابن عمر وزيد بن أرقم وزيد بن علي والشافعي، وحكى ابن المنذر الإجماع على أن تعمد القيء يفسد الصيام، وقال ابن مسعود وعكرمة وربيعة إنه لا يفسد الصوم سواء كان غالباً أو مستخرجاً ما لم يرجع منه شيء باختياره. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من حديث عيسى بن يونس، وقال محمد يعني البخاري لا أراه محفوظاً، قال أبو عيسى: وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يصح إسناده. قال أبو داوود: سمعت أحمد بن حنبل قال: ليس من ذا شيء. قال الخطابي: يريد أن الحديث غيرمحفوظ.
هذه العلة فقد روى البخاري في صحيحه بإسناده عن أبي هريرة إنه قال إذا قاء فلا يفطر إنما يخرج ولا يولج قال ويذكر عن أبي هريرة أنه يفطر والأول أصح.
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وقد روى البيهقي من حديث فضالة بن عبيد قال أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم صائما فقاء فأفطر فسئل عن ذلك فقال بأني قئت وروى ايضا عن ابن عمر موقوفا عليه من ذرعه القيء فلا قضاء عليه ومن استقاء فعليه القضاء قاله وعن أبي هريرة مثله وروي مرفوعا والحفاظ لا يرونه محفوظا.

(7/6)


أبَاهُ حَدّثَهُ حدّثَني مَعْدَانُ بنُ طَلْحَةَ أنّ أبَا الدّرْدَاءِ حَدّثَهُ: "أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَاءَ فأفْطَرَ[وَأفْطَرَ] فَلَقِيتُ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَقُلْتُ لَهُ: إنّ أبَا الدّرْدَاءِ حدّثني: "أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَاءَ فأفْطَرَ. قال: صَدَقَ، وَأنَا صَبَبْتُ لَهُ وَضُوءَهُ.

(7/7)


32 - باب القبلة للصائم
2379 - حدثنا مُسْدَدٌ أخبرنا أبُو مُعَاوِيَةِ عن الأعمَشِ عن إبْرَاهِيمَ عن الأسْوَدِ وَعَلْقَمَةَ عن عَائِشَةَ قالَتْ:كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُقَبّلُ وَهُوَ صَائِمٌ وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَلَكِنّهُ كَانَ أمْلَكَ لإرْبِهِ.
ـــــــ
"معدان" بفتح الميم "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاء" أي عمداً لما تقدم من أن من ذرعه قيء ليس عليه قضاء "في مسجد دمشق ": بكسر الدال وفتح الميم ويكسر وهو لا ينصرف وقيل منصرف، أي في مسجد الشام "قال": أي ثوبان "صدق": أي أبو الدرداء "وضوءه": بالفتح أي ماء وضوءه.
قال الخطابي: لا أعلم خلافاً بين أهل العلم في أن من ذرعه القيء فإنه لا قضاء عليه ولا في أن من استقاء عامداً أن عليه القضاء، ولكن اختلفوا في الكفارة فقال عامة أهل العلم: ليس عليه غير القضاء وقال عطاء: عليه القضاء والكفارة وحكي ذلك عن الأوزاعي وهو قول أبي ثور وقال: ويدخل في معنى من ذرعه القيء كل ما غلب الإنسان من دخول الذباب ودخول الماء جوفه إذا دخل ماء غمر وأشبه ذلك فمنه لا يفسد صومه شيء من ذلك. انتهى. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي. قال الترمذي: وقد جود حسين المعلم هذا الحديث، وحديث حسين أصح شيء في هذا الباب. وقال الإمام أحمد بن حنبل: حسين المعلم يجوده.
"باب القبلة للصائم"
"يقبل وهو صائم ويباشر وهو صائم": قال النووي: إن القبلة في الصوم ليست محرمة على من لم تحرك شهوته لكن الأولى له تركها، ولا يقال إنها مكروهة له، وإنما قال الشافعي إنها خلاف الأولى في حقه مع ثبوت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعلها لأنه صلى الله عليه وسلم يؤمن في حقه مجاوزة القبلة ويخاف على غيره مجاوزتها كما قالت عائشة "كان أملككم لإربه" وأما من حركت شهوته فهي حرام في حقه على الأصح.
قال القاضي: قد قال بإباحتها للصائم مطلقاً جماعة من الصحابة والتابعين وأحمد وإسحاق وداود، وكرهها على الإطلاق مالك، وقال ابن عباس وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي

(7/7)


2380 - حدثنا أبُو تَوْبَةَ الرّبِيعُ بنُ نَافِعٍ حدثنا أبُو الأحْوَصِ عن زِيَادِ بنِ علاَقَةَ عن عَمْرِو بنِ مَيْمُونٍ عن عَائِشةَ رضي الله عَنها قَالَتْ:كَانَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يُقَبّلُ في شَهْرِ الصّوْمِ.
2381 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنْبأنَا سُفْيَانُ عن سَعْدِ بنِ إبْرَاهِيمَ عن طَلْحَةَ بنِ
ـــــــ
والشافعي: تكره للشاب دون الشيخ الكبير وهي رواية عن مالك وروى ابن وهب عن مالك إباحتها في صوم النفل دون الفرض، ولا خلاف أنها لا تبطل الصوم إلا أن ينزل المني بالقبلة، واحتجوا له بالحديث المشهور في السنن وهو قوله صلى الله عليه وسلم "أرأيت لو تمضمضت" ومعنى الحديث أن المضمضة مقدمة الشرب وقد علمتم أنها لا تفطر، وكذا القبلة مقدمة للجماع فلا تفطر. وحكى الخطابي وغيره عن ابن مسعود وسعيد بن المسيب أن من قبل قضى يوماً مكان يوم القبلة. ومعنى المباشرة ههنا اللمس باليد وهو من التقاء البشرتين.
"ولكنه كان أملك لأربه": هذا اللفظة رووها على وجهين أشهرهما رواية الأكثرين إربه بكسر الهمزة وإسكان الراء، وكذا نقله الخطابي والقاضي عن رواية الأكثرين، والثاني بفتح الهمزة والراء معناه بالكسر الوطر والحاجة، وكذا بالفتح ولكنه يطلق المفتوح أيضاً على العضو.
قال الخطابي في معالم السنن: هذه اللفظة تروى على وجهين الفتح والكسر قال ومعناهما واحد وهو حاجة النفس ووطرها، يقال لفلان على فلان أرب وإرب وأربة ومأربه أي الحاجة، قال: والأرب أيضاً العضو. قال العلماء: معنى كلام عائشة أنه ينبغي لكم الاحتراز عن القبلة ولا تتوهموا من أنفسكم أنكم مثل النبي صلى الله عليه وسلم في استباحتها لأنه يملك نفسه ويأمن من الوقوع في قبلة يتولد منها إنزال أو شهوة أو هيجان نفس ونحو ذلك وأنتم لا تأمنون ذلك، فطريقكم الانكفاف عنها. وفيه جواز الإخبار عن مثل هذا مما يجري بين الزوجين على الجملة للضرورة، وأما في غير حال الضرورة فمنهى عنه. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي جمعاً وإفراداً، وأخرجه ابن ماجه من حديث القاسم بن محمد عن عائشة.
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وقد أخرجا في الصحيحين من حديث أم سلمة وحفصة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقبل وهو صائم وفي صحيح مسلم عن عمر بن أبي سلمة أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيقبل الصائم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "سل هذه لأم سلمة" فأخبرته إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصنع ذلك فقال يارسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "إني لأتقاكم لله وأخشاكم له".

(7/8)


عَبْدِالله - يَعني ابنَ عُثْمَانَ الْقُرَشِيّ - عن عَائِشَةَ قالَتْ:كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُقَبّلُنِي وَهُوَ صَائِمٌ وَأنَا صَائِمَةٌ.
2382 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ حدثنا اللّيْثُ ح. وحدثنا عِيسَى بنُ حَمّادٍ أنْبأنَا اللّيْثُ بنُ سَعْدٍ عن بَكِيرِ بنِ عَبْدِالله عن عبد الملك بنِ سَعِيدٍ عن جَابِرِ بنِ عَبْدِالله قالَ قالَ عُمَرُ بنُ الْخَطّابِ: هَشِشْتُ فَقَبّلْتُ وَأنَا صَائِمٌ، فَقُلْتُ: يارَسُولَ الله صَنَعْتُ الْيَوْمَ أمْراً عَظِيماً، قَبّلْتُ وَأنَا صَائِمٌ. قال: أرَأيْتَ لَوْ مَضْمَضْتَ مِنَ الْمَاءِ وَأنْتَ صَائِمٌ. قال عِيسَى بنُ حَمّادٍ في حَدِيثِهِ قُلْتُ: لا بَأْسَ بِهِ، ثُمّ اتّفَقَا، قال: فَمَهْ.

(7/9)


33 - باب الصائم يبلع الريق [ريقه]
2383 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ عِيسَى أخبرنا مُحَمّدُ بنُ دِينَارٍ أخبرنا سَعْدُ بنُ أوْسٍ الْعَبْدِيّ عن مِصْدَعٍ أبي يَحْيَى عن عَائِشَةَ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُقَبّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ وَيَمَصّ لِسَانَهَا.
ـــــــ
"عن عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلني": قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"هششت": بشينين معجمتين أي نشطت وفرحت لفظاً ومعنى أي بالنظر إلى امرأتي، والهشاش في الأصل الارتياح والخفة والنشاط. كذا في القاموس "قال أرأيت لو مضمضت من الماء": فيه إشارة إلى فقه بديع وهو أن المضمضة لا تنقض الصوم وهي أول الشرب ومفتاحه فكذلك القبلة لا تنقضه وهي من دواعي الجماع وأوائله التي تكون مفتاحاً له والشرب يفسد الصوم كما يفسده الجماع كما ثبت عند عمر أن أوائل الشرب لا تفسد الصيام كذلك أوائل الجماع لا تفسده.
وقال الخطابي: في هذا إثبات القياس والجمع بين الشيئين في الحكم الواحد لاجتماعهما في الشبه، وذلك أن المضمضة بالماء ذريعة لنزوله الحلق ووصوله إلى الجوف فيكون فيه فساد الصوم، كما أن القبلة ذريعة إلى الجماع المفسد لصومه، يقول فإذا كان أحد الأمرين منهما غير مفطر للصائم فالآخر بمثابته "قال": النبي صلى الله عليه وسلم "فمه": أي فماذا للاستفهام فأبدل الألف هاء للوقف والسكت. قال المنذري: وأخرجه النسائي وقال: هذا حديث منكر: وقال أبو بكر البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى إلا عن عمر من هذا الوجه.
"باب الصائم يبلع الريق"
"يمص": بفتح الميم ويجوز ضمه "لسانها": قال في المرقاة: قيل إن ابتلاع ريق الغير يفطر

(7/9)


[قال ابن الأعرابي: بلغني عن أبي داود أنه قال: هذا الإسناد ليس بصحيح]

(7/10)


باب كراعيته للشاب
...
34- باب كراهيته للشاب
2384 - حدثنا نَصْرُ بنُ عَلِيّ أنْبأنَا أبُو أحْمَدَ - يَعْني الزّبَيْرِيّ - أنْبأنَا إسْرَائِيلُ عن أبي الْعَنْبَسِ عن الأغَرّ عن أبي هُرَيْرَةَ: أنّ رَجُلاً سَألَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن المُبَاشَرَةِ لِلصّائِمِ، فَرَخَصّ لَهُ، وَأتَاهُ آخَرُ فَسَألَهُ فَنَهَاهُ، فإذَا الذي رَخّصَ لَهُ شَيْخٌ، وَالّذِي نَهَاهُ شَابّ.
ـــــــ
إجماعاً، وأجيب على تقدير صحة الحديث أنه واقعة حال فعلية محتملة أنه عليه الصلاة والسلام كان يبصقه ولا يبتلعه وكان يمصه ويلقي جميع ما في فمه في فمها والواقعة الفعلية إذا احتملت لا دليل فيها، ولا يخفى أن الوجه الثاني مع بعده إنما يتصور فيما إذا كانت غير صائمة والله أعلم.
قال المنذري: في إسناده محمد بن دينار الطاحي البصري. قال يحيى بن معين: ضعيف، وفي رواية: ليس به بأس ولم يكن له كتاب، وقال غيره: صدوق، وقال ابن عدي الجرجاني: قوله يمص لسانها في المتن لا يقوله إلا محمد بن دينار وهو الذي رواه في إسناده أيضاً سعد بن أوس قال ابن معين بصري ضعيف.
"باب كراهيته للشاب"
"عن المباشرة للصائم": ومعنى المباشرة ههنا اللمس باليد وهو التقاء البشرتين. والحديث سكت عنه المنذري.
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وقال عبدالحق لا تصح هذه الزيادة في مص اللسان لأنها من حديث محمد بن دينار عن سعد ابن أوس ولا يحتج بهما وقد قال ابن الأعرابي بلغني عن أبي داود أنه قال هذا الحديث ليس بصحيح.
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
قال ابن حزم فيه أبو العنبس عن الأغر وأبو العنبس هذا مجهول قال عبدالحق ولم أجد

(7/10)


35 - باب من أصبح جنباً في شهر رمضان
2385 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ ح. وَأخبرنا عَبْدُالله بنُ مُحَمّدِ بنِ إسْحَاقَ الأذْرَمِيّ أخبرنا عبد الرحمن بنُ مَهْدِيَ عن مَالِكٍ عن عَبْدِ رَبّهِ بنِ سَعِيدٍ عنْ أبي بَكْرِ بنِ عبد الرحمن بنِ الْحَارِثِ بنِ هِشَامٍ عنْ عَائِشةَ وَ أُمّ سَلَمَةَ زَوْجَيِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّهُمَا قالَتَا: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُصْبِحُ جُنُباً. قال عَبْدُ الله الأذْرَمِيّ في حَدِيثِهِ في رَمَضَانَ مِنْ جِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلاَمٍ ثُمّ يَصُومُ.
ـــــــ
"باب من أصبح جنبا في شهر رمضان"
"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح جنباً": قال النووي: وفيه دليل لمن يقول بجواز الاحتلام على الأنبياء، وفيه خلاف الأشهر امتناعه، قالوا لأنه من تلاعب الشيطان وهم منزهون عنه، فالمراد يصبح جنباً من جماع ولا يجنب من احتلام لامتناعه منه. أما حكم المسألة فقد أجمع أهل هذه الأعصار على صحة صوم الجنب سواء كان من احتلام أو جماع، وبه قال جماهير الصحابة
أحدا ذكره ولا سماه وروى البيهقي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في القبلة للشيخ وهو صائم ونهى عنها الشاب وقال الشيخ يملك إربه والشاب تفسد صومه وأرخص فيها ابن عباس للشيخ وكرهها للشاب وسأل فتى عبد الله بن عمر عن القبلة وهو صائم فقال لا فقال شيخ عنده لم يحرج الناس ويضيق عليهم والله ما بذلك بأس فقال ابن عمر أما أنت فقبل فليس عند استك خير وروى إباحة القبلة عن سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس.
وأما ما روى عن ابن مسعود أنه كان يقول في القبلة قولا شديدا يعني يصوم مكانه فقال البيهقي هذا محمول على ما إذا أنزل وهذا التفسير من بعض الرواة لا من ابن مسعود والله أعلم.
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
اختلف السلف في هذه المسألة:
فذهب بعضهم إلى إبطال صومه إذا أصبح جنبا واحتجوا بما في صحيح مسلم عن أبي هريرة أنه كان يقول في قصصه من أدركه الفجر جنبا فلا يصوم واختلفت الرواية عن أبي هريرة فالمشهور عنه أنه لا يصح صومه وعنه رواية ثانية أنه إن علم بجنابته ثم نام حتى يصبح فهو مفطر وإن لم يعلم حتى أصبح فهو صائم وروي هذا المذهب عن طاوس وعروة بن الزبير.

(7/11)


قَالَ أبُو دَاوُدَ: مَا أقَلّ مَنْ يَقُولُ هَذِهِ الْكَلِمَةَ - يَعْني يُصْبِحُ جُنُباً في رَمَضَانَ - وَإنّمَا الحدِيثُ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصْبِحُ جُنُباً وَهُوَ صَائِمٌ.
ـــــــ
والتابعين وحكى عن الحسن بن صالح بن حي إبطاله، وكان عليه أبو هريرة والصحيح أنه رجع عنه كما صرح به في رواية مسلم، وقيل لم يرجع عنه وليس بشيء. وحكي عن طاووس وعروة والنخعي إن علم بجنابته لم يصح وإلا فيصح، وحكى مثله عن أبي هريرة وحكى أيضاً عن الحسن البصري والنخعي أنه يجزئه في صوم التطوع دون الفرض. وحكى عن سالم بن عبد الله والحسن البصري والنخعي والحسن بن صالح يصومه ويقضيه، ثم ارتفع هذا الخلاف وأجمع العلماء بعد هؤلاء على صحته. وفي صحة الإجماع بعد الخلاف خلاف مشهور لأهل الأصول. وحديث عائشة وأم سلمة حجة على كل مخالف والله أعلم. وإذا انقطع دم الحائض والنفساء في الليل ثم طلع الفجر قبل اغتسالهما صح صومهما ووجب عليهما إتمامه، سواء تركت الغسل عمداً أو سهواً بعذر أم بغيره كالجنب، وهذا مذهب العلماء كافة إلا ما حكي عن بعض السلف مما لا نعلم صح عنه أم لا انتهى كلام النووي بتغيير. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي مختصراً ومطولاً.
قال أبو داوود: ما أقل من يقول هذه الكلمة يعني يصبح جنباً في رمضان وإنما الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنباً وهو صائم هذا آخر كلامه. وقد وقعت هذه الكلمة في صحيح مسلم وفي كتاب النسائي وفيها رد على إبراهيم والنخعي والحسن البصري في قولهما ولا يجزئه صومه في الفرض ويجزئه في التطوع.
"ما أقل": صيغة تعجب "من يقول هذه الكلمة": المروية في رواية عبد الله الأذرمي "يعني يصبح جنباً في رمضان": وهذه الجملة مشار إليها لقوله هذه الكلمة، فعبد الله الأذرمي يقول في روايته: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح جنباً في رمضان من جماع غير احتلام ثم يصوم، وغير عبد الله الأذرمي يقول يصبح جنباً من جماع غير احتلام ثم يصوم أي من غير ذكر في رمضان "وإنما الحديث": المروي من طرق كثيرة "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنباً وهو صائم": أي من غير
__________
وذهبت طائفة إلى أن الصوم إن كان فرضا لم يصح وإن كان نفلا صح.
وروي هذا عن إبراهيم النخعي والحسن البصري وعن أبي هريرة رواية ثالثة أنه رجع عن فتياه إلى قول الجماعة.
وذهب الجمهور إلى صحة صومه مطلقا في الفرض والنفل وقالوا حديث أبي هريرة منسوخ واستشكلت طائفة ثبوت النسخ وقالت شرط النسخ أن يعلم تأخره بنقل أو بأن تجمع الأمة

(7/12)


00000000000000000000
ـــــــ
ذكر رمضان. فيشبه أن يكون مراد المؤلف أن الحديث مروي بلفظين أحدهما بإطلاق الصوم حالة الجنابة من غير ذكر رمضان كما رواه غير عبد الله الأذرمي. وثانيهما - صومه على تلك الحالة مقيداً بصوم رمضان كما رواه الأذرمي لكن الرواة لرواية تقييد الصوم برمضان أقل قليل جداً من الرواة لرواية إطلاق الصوم حتى صارت قلة رواة التقييد في محل التعجب.
والحاصل أن رواة الإطلاق أكثر وأشهر ورواة التقييد أقل القليل جداً. والأذرمي تفرد في حديث مالك بذكر رمضان، لكن قال المنذري: قد وقعت هذه الكلمة في صحيح مسلم وفي
على ترك الخبر المعارض له فيعلم أنه منسوخ وكلا الأمرين منتف ههنا فمن أين لكم أن خبر أبي هريرة متقدم على خبر عائشة؟؛
والجواب عن هذا أنه لا يصح أن يكون آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم إبطال الصوم بذلك لأن أزواجه أعلم بهذا الحكم وقد أخبرن بعد وفاته صلى الله عليه وسلم أنه كان يصبح جنبا ويصوم ولو كان هذا هو المتقدم لكان المعروف عند أزواجه مثل حديث أبي هريرة ولم يحتج أزواجه بفعله الذي كان يفعله ثم نسخ ومحال أن يخفى هذا عليهن فإنه كان يقسم بينهن إلى أن مات في الصوم والفطر هذا مع أن الحديث في مسلم غير مرفوع وإنما فيه كان أبو هريرة يقول في قصصه حسب وفي الحديث أن أبا هريرة لما حوقق على ذلك رده إلى الفضل بن عباس فقال سمعت ذلك من الفضل ولم أسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم هذا الذي في مسلم وفي لفظ حدثني الفضل بن عباس قال البخاري وقال همام وابن عبد الله بن عمر عن أبي هريرة كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بالفطر والأول أسند ولكن رفعه صحيح رواه سفيان عن عمرو بن يحيى بن جعدة قال سمعت عبد الله بن عبدالقاري قال سمعت أبا هريرة يقول لا ورب هذا البيت ما أنا قلته من أدركه الصبح وهو جنب فلا يصم محمد صلى الله عليه وسلم قاله ومع هذا فقد روى النسائي من حديث أبي بكر بن عبدالرحمن بن الحرث بن هشام قال كنت مع عبدالرحمن عند مروان فذكروا أن أبا هريرة يقول من احتلم وعلم باحتلامه ولم يغتسل حتى يصبح فلا يصم ذلك اليوم قال اذهب فسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فذهب وذهبت معه فذكر الحديث وقال فأتيت مروان فأخبرته قولهما يعني أم سلمة وعائشة فاشتد عليه اختلافهم تخوفا أن يكون أبو هريرة يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال مروان لعبدالرحمن عزمت عليك لما أتيته فحدثته أعن رسول الله صلى الله عليه وسلم تروي هذا قال لا إنما حدثني فلان وفلان ولا ريب أن أبا هريرة لم يسمع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم وقال مرة أخبرنيه الفضل بن عباس ومرة قال أخبرنيه أسامة بن زيد وفي رواية عنه أخبرنيه فلان وفلان وفي رواية أخبرني رجل وفي رواية أخبرنيه مخبر وفي رواية هكذا كنت أحسب.

(7/13)


2386 - حدثنا عَبْدُالله بنُ مَسْلَمَةَ - يَعْني الْقَعْنَبِيّ - عن مَالِكٍ عن عَبْدِالله بنِ عبد الرحمن بن مَعْمَرٍ الأنْصَارِيّ عن أبي يُونُسَ مَوْلَى عَائِشَةَ رَضيَ الله عنها عنْ عَائشَةَ زَوْجِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: أنّ رَجُلاً قالَ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ: يَارَسُولَ الله إنّي أُصْبِحُ جُنُباً وَأنَا أُرِيدُ الصّيَامَ، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "وَأنَا أُصْبِحُ جُنُباً وَأنَا أُرِيدُ الصّيَامَ فَأغْتَسِلُ وَأصُومُ"، فقال الرّجُلُ: يَارَسُولَ الله، إنّكَ لَسْتَ مِثْلَنَا، قَدْ غَفَرَ الله لَكَ مَا تَقَدّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأخّرَ، فَغَضِبَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَقال: "وَالله إنّي لأرْجُو أنْ أكُونَ أخْشَاكُمْ لله وَأعْلَمَكُم بِمَا أتّبِعُ".
ـــــــ
كتاب النسائي انتهى. يعني وإن كان رواة التقييد برمضان بالنسبة إلى رواة الإطلاق قلة، لكن ليست القلة بحيث تفضي إلى العجب، بل رواية التقييد في صحيح مسلم أيضاً من غير طريق الأذرمي وكذا في النسائي فكيف يقال إن رواة التقييد قليلة جداً والله أعلم.
"وهو": أي الرجل "واقف على الباب": ولفظ مسلم: أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستفتيه وهي تسمع من وراء الباب "أصبح": من الإصباح "جنباً": سمي به لكون الجنابة سبباً لتجنب الصلاة والطواف نحوهما في حكم الشرع، وذلك بإنزال الماء أو بالتقاء الختانين، وفي معناه الحائض والنفساء "والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله": قال الشيخ عزالدين بن عبدالسلام: فيه إشكال لأن الخوف والخشية حالة تنشأ من ملاحظة شدة النقمة الممكن وقوعها بالخائف، وقد دل القاطع على أنه صلى الله عليه وسلم غير معذب، وقال الله تعالى " يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} فكيف يتصور منه سنة الخوف فكيف أشد الخوف، والجواب أن الذهول جائز عليه صلى الله عليه وسلم فإذا حصل الذهول عن موجبات نفي العقاب حديث له الخوف ولا يقال إن إخباره بشدة الخوف والخشية يدل على أنه أكثر ذهولاً لأنا نقول المراد بشدة الخوف وأعظم الخشية عظم بالنوع لا بكثرة العدد أي إذا صدر الخوف منه ولو في زمن فرد كان أشد من خوف غيره قاله السيوطي.
وقال بعض العلماء: بل يقع ذلك منه صلى الله عليه وسلم عملاً بقوله تعالى{فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} وأيضاً هو إمام لأمته فلا بد أن يعلمهم هيئات الخير كلها ومن جملتها هيئات الخوف بالله تعالى انتهى.
وقال الشيخ المحدث ولي الله الدهلوي رحمه الله: ويمكن أن يقال أراد بالخشية لازمها وهو الكف عما لا يرضاه الله تعالى، ويمكن أن يقال هذه الخشية خشية هيبة وإجلال لا خشية توقع مكروه انتهى. وفي قوله لأرجو لعل استعماله الرجاء من جملة الخشية وإلا فكونه أخشى وأعلم متحقق قطعاً. قاله السندي "وأعلمكم": عطف على قوله أخشاكم "بما أتبع": أي بما

(7/14)


36 - باب كفارة من أتى أهله في رمضان
2387 - حدثنا مُسْدَدٌ وَ مُحَمّدُ بنُ عِيسَى المعنى قالا أخبرنا سُفْيَانُ قال مُسْدَدٌ قال أخبرنا الزّهْرِيّ عن حُمَيْدِ بنِ عبد الرحمن عن أبي هُرَيْرَةَ قال: "أتَى رَجُلٌ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالَ: هَلَكْتُ، قال[فقال]: "مَا شَأْنُكَ؟ قال: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأتِي في رَمَضَانَ، قال: "فَهَلْ تَجِدُ مَا تَعْتِقُ رَقَبَةً؟ قال: لاَ، قال: "فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قال: قال: لاَ، قال: "فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تُطْعِمَ سِتّينَ مِسْكِيناً؟ قال: لاَ، قال: "اجْلِسْ،" فأُتِيَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ فقال: "تَصَدّقْ بِهِ،" فقال: يارَسُولَ الله مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا أهْلُ بَيْتٍ أفْقَرُ مِنّا، قال: "فَضَحِكَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم حَتّى بَدَتْ ثَنَايَاهُ،" قال: "فأطْعِمْهُ إيّاهُمْ،" وَقال مُسْدَدٌ في مَوْضِعٍ آخَرَ: أنْيَابُهُ".
ـــــــ
أعمل من وظائف العبودية قاله السندي. ولفظ مسلم: أعلمكم بما أتقي. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي وأبو يونس القرشي المدني التميمي مولى عائشة رضي الله عنها، ولا يعرف له اسم، انفرد مسلم بإخراج حديثه.
"باب كفارة من أتى أهله في رمضان"
"أخبرنا سفيان": هو ابن عيينة "قال مسدد": في روايته دون محمد بن عيسى "قال": سفيان "أخبرنا الزهري": أي حدثنا الزهري بصيغة التحديث، وأما محمد بن عيسى فقال عن الزهري بالعنعنة "ما شأنك": أي ما حالك "وقعت على امرأتي": أي جامعتها "رقبة": بالنصب بدل من ما "أن تطعم ستين مسكيناً": أي أن لكل مسكين مداً من طعام ربع صاع "فأتي": بضم الهمزة بصيغة المجهول "بعرق": بفتح العين المهملة والراء ثم قاف. قال الزركشي: ويروى بإسكان الراء أي المكتل والزنبيل "ما بين لابتيها": تثنية لابة بخفة الموحدة وهي الحرة والحرة الأرض التي فيها حجارة سود، ويقال فيها لوبة ونوبة بالنون وهي غير مهموزة "أنيابه": جمع ناب وهو الذي بعد
ثم ذكر الشيخ شمس الدين ابن القيم حديث هلكت وأهلكت ثم استبعد المنذري هذه اللفظة ثم قال قال البيهقي قوله وأهلكت ليس بمحفوظ وضعفها شيخنا أبو عبد الله الحافظ وحملها على أنها أدخلت على محمد بن المسيب الأرغياني قال فإن أبا علي الحافظ رواه عن محمد بن المسيب فلم يذكرها والعباس بن الوليد رواه عن عقبة بن علقمة دونها ودحيم وغيره رووه عن الوليد بن مسلم دونها وكافة أصحاب الأوزاعي رووه عنه دونها ولم يذكرها أحد من أصحاب

(7/15)


2388 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ أخبرنا عَبْدُالرّزّاقِ أنْبأنَا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ بِهَذا
ـــــــ
الرباعية. قال الخطابي: في هذا الحديث من الفقه أن على المجامع متعمداً في نهار شهر رمضان القضاء والكفارة وهو قول عامة أهل العلم غير سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وقتادة فإنهم قالوا عليه القضاء ولا كفارة، ويشبه أن يكون حديث أبي هريرة لم يبلغهم والله أعلم. وفيه أن من قدر على عتق الرقبة لم يجزه الصيام ولا الإطعام، لأن البيان خرج فيه مرتباً، فقدم العتق ثم نسق عليه الصيام ثم الإطعام، كما رتب ذلك في كفارة الظهار، وهو قول أكثر العلماء إلا أن مالك بن أنس زعم أنه مخير بين عتق رقبة وصوم شهرين والإطعام، وحكي عنه أنه قال الإطعام أحب إلي من العتق وفيه دلالة من جهة الظاهر أن الكفارة لإطعام مد واحد لكل مسكين لأن خمسة عشر صاعاً إذا قسمت بين ستين لم يخص كل واحد منهم أكثر من مد، وإلى هذا ذهب مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة وأصحابه: يطعم كل مسكين نصف صاع. وفي قوله {وصم يوماً واستغفر الله} بيان أن صوم ذلك اليوم هو القضاء لا يدخل في صيام شهرين. قال فإن كفر بالعتق أو بالإطعام صام يوماً مكانه. وقال أيضاً: وفي أمره الرجل بالكفارة لما كان منه من الجنابة دليل على أن المرأة عليها كفارة مثلها، لأن الشريعة قد سوت بين الناس في الأحكام إلا موضع قام عليه دليل التخصيص، فإذا لزمها القضاء لأنها أفطرت بجماع متعمدة كما وجب على الرجل وجبت عليها الكفارة لهذه العلة كالرجل سواء، وهذا مذهب أكثر العلماء. وقال الشافعي: يجزئهما كفارة واحدة وهي على الرجل دونها، وكذلك قال الأوزاعي إلا أنه قال إن كانت الكفارة بالصيام كان على كل واحد منهما صوم شهرين انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه بنحوه.
الزهري عن الزهري إلا ما روى عن أبي ثور عن معلى بن منصور عن سفيان بن عيينة عن الزهري قال وكان أبو عبد الله أيضا يستدل على كونها في تلك الرواية خطأ بأنه نظر في كتاب الصوم تصنيف معلى بن منصور بخط مشهور فوجد فيه هذا الحديث دون هذه اللفظة وبأن كافة أصحاب سفيان رووه عنه دونها.
قال الشيخ شمس الدين وقد روى مالك هذا الحديث في الموطأ عن الزهرى عن حميد بن عبدالرحمن بن عوف عن أبي هريرة أن رجلا أفطر في رمضان فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكفر بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا ثم ذكر الحديث وحسبك بهذا الإسناد وفيه أمران:
أحدهما وجوب الكفارة بأي مفطر كان.
والثاني أنها على التخيير.
وهو مذهب مالك في المسألتين قال البيهقي ورواية الجماعة عن الزهري مقيدة بالوطء نافلة

(7/16)


الْحَدِيثِ بِمَعْنَاهُ. زَادَ الزّهْرِيّ[زاد قال الزهري] وَإنّمَا كَانَ هَذا رُخْصَةً لَهُ خَاصّةً فَلَوْ أنّ رَجُلاً فَعَلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَدّ مِنَ التّكْفِيرِ".
قَالَ أبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ اللّيْثُ بنُ سَعْدٍ وَالأوْزَاعِيّ وَمَنْصُورُ بنُ المُعْتَمِرِ وَعِرَاكٌ بنُ مَالِكٍ، عَلَى مَعْنى ابنِ عُيَيْنَةَ. زَادَ فِيهِ الأوْزَاعِيّ:وَاسْتَغْفِر الله.
ـــــــ
"فلو أن رجلاً فعل ذلك اليوم لم يكن له بد من التكفير": قال الخطابي: وهذا من الزهري دعوى لم يحضر عليها برهاناً ولا ذكر فيها شاهداً. وقال غيره هذا منسوخ ولم يذكر في نسخه خبراً يعلم به صحة قوله. فأحسن ما سمعت فيه قول أبي يعقوب البويطي، وذلك أنه قال هذا للرجل وجبت عليه الرقبة فلم يكن عنده ما يشتري رقبة، فقيل له صم فلم يطق الصوم، فقيل له إطعام ستين مسكيناً فلم يجد ما يطعم فأمر له النبي صلى الله عليه وسلم بطعام ليتصدق به فأخبر أنه ليس بالمدينة أحوج منه، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى" فلم ير له أن يتصدق على غيره ويترك نفسه وعياله فلما نقص من ذلك بقدر ما أطعم أهله لقوت يومهم صار طعاماً لا يكفي ستين مسكيناً فسقطت عنه الكفارة في ذلك الوقت وكانت في ذمته إلا أن يجدها، وصار
للفظ صاحب الشرع فهي أولى بالقبول لزيادة حفظهم وأدائهم الحديث على وجهه واتفقت رواياتهم على أن فطره كان بجماع وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالكفارة على اللفظ الذي يقتضي الترتيب وقال أبو الحسن الدارقطنى الذين رووا الكفارة في جماع رمضان على التخيير مالك في الموطأ ويحيى بن سعيد الأنصارى وابن جريج وعبد الله بن أبي بكرة وأبو أويس وفليح بن سليمان وعمر بن عثمان المخزومي ونذير بن عياض وشبل بن عباد والليث بن سعد من رواية أشهب بن عبد العزيز عنه وعبيد الله ابن أبي زياد إلا أنه أرسل عن الزهري كل هؤلاء رووه عن الزهري عن حميد بن عبدالرحمن عن أبي هريرة أن رجلا أفطر في رمضان وجعلوا كفارته على التخيير قال وخالفهم أكثر عددا منهم فرووه عن الزهري بهذا الإسناد أن إفطار الرجل كان لجماع وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يكفر بعتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا منهم عراك بن مالك وعبد الله بن عمر وإسماعيل بن أمية ومحمد بن أبي عتيق وموسى بن عقبة ومعمر ويونس وعقيل وعبدالرحمن بن خالد بن مسافر والأوزاعي وسعيد بن أبي حمزة ومنصور بن المعتمر وسفيان بن عيينة وإبراهيم بن سعد والليث بن سعد وعبد الله بن عيسى ومحمد بن إسحاق والنعمان بن راشد وحجاج بن أرطاة وصالح بن أبي الأخضر ومحمد بن أبي حفصة وعبد الجبار بن عمر وإسحاق بن يحيى العوصي وعمار بن عقيل وثابت بن ثوبان ومرة بن عبدالرحمن وزمعة بن صالح وبحر بن كنيز أبو الوليد السقاء والوليد بن محمد وشعيب بن خالد ونوح بن أبي مريم وغيرهم آخر كلامه.

(7/17)


2389 - حدثنا عَبْدُالله بنُ مَسْلَمَةَ عن مَالِكٍ عنْ ابنِ شِهَابٍ عن حُمَيْدٍ بنِ عبد الرحمن عنْ أبي هُرَيْرَةَ: أنّ رَجُلاً أفْطَرَ في رَمَضَانَ فأمَرَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً أوْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ أوْ يَطْعِمَ سِتّينَ مِسْكِيناً. قالَ لاَ أجِدُ. فقال لَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "اجْلِسْ،" فَأُتِيَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ[بعرق تمر] فقال "خُذْ هَذا فَتَصَدّقْ بِهِ". فقال يَارَسُولُ الله مَا أحَدٌ أحْوَجُ مِنّي - فَضَحِكَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم حَتى بَدَتْ أنْيَابُهُ، وَقالَ لَهُ "كُلْهُ".
قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ ابنُ جُرَيْجٍ عن الزّهْرِيّ عَلَى لَفْظِ مَالِكٍ: أنّ رَجُلاً أفْطَرَ، وَقالَ فِيهِ: أوْ تَعْتِقُ رَقَبَةً، أوْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ أوْ تُطْعِمَ سِتّينَ مِسْكِيناً.
ـــــــ
كالمفلس يمهل ويؤجل وليس في الحديث أنه قال لا كفارة عليك. وقد ذهب بعضهم إلى أن الكفارة لا تلزم الفقير واحتج بظاهر هذا الحديث انتهى.
"رواه ابن جريج": والحاصل أن سفيان بن عيينة والليث بن سعد والأوزاعي ومنصور
ولا ريب أن الزهري حدث به هكذا وهكذا على الوجهين وكلاهما محفوظ عنه بلا ريب وإذا كان هكذا فرواية الترتيب المصرحة بذكر الجماع أولى أن يؤخذ بها لوجوه:
أحدها أن رواتها أكثر وإذا قدر التعارض رجحنا برواية الأكثر اتفاقا وفي الشهادة بخلاف معروف.
الثاني أن رواتها حكوا القصة وساقوا ذكر الفطر وأنه الجماع وحكوا لفظ النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأما رواة التخيير فلم يفسروا بماذا أفطر ولا حكوا أن ذلك لفظ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا من لفظ صاحب القصة ولا حكوه أيضا لفظ الرسول الله صلى الله عليه وسلم في الكفارة فكيف تقدم روايتهم على رواية من ذكر لفظ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الترتيب ولفظ الراوي في خبره عن نفسه بقوله وقعت على أهلي في رمضان؟؛
الثالث أن هذا صريح وقوله أفطر مجمل لم يذكر فيه بماذا أفطر وقد فسرته الرواية الأخرى بأن فطره كان بجماع فتعين الأخذ به.
الرابع أن حرف أو وإن كان ظاهرا في التخيير فليس بنص فيه وقوله هل تستطيع كذا هل تستطيع كذا صريح في الترتيب فإنه لم يجوز له الانتقال إلى الثاني إلا بعد إخباره بعجزه عما قبله مع أنه صريح لفظ صاحب الشرع وقوله فأمره أن يعتق رقبة أو يصوم لم يحك فيه لفظه.
الخامس أن الأخذ بحديث الترتيب متضمن العمل بالحديث الآخر لأنه يفسره ويبين المراد منه والعمل بحديث التخيير لا يتضمن العمل بحديث الترتيب ولا ريب أن العمل بالنصين أولى.

(7/18)


2390 - حدثنا جَعْفَرُ بنُ مُسَافِرٍ أخبرنا ابنُ أبي فُدَيْكٍ أخبرنا هِشَامُ بنُ سَعْدٍ عن ابنِ شِهَابٍ عنْ أبي سَلَمَةَ بنِ عبد الرحمن عن أبِي هُرَيْرَةَ قالَ:جَاءَ رَجُلٌ إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم أفْطَرَ في رَمَضَانَ بِهَذَا الْحَدِيثِ قالَ فَأُتِيَ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ قَدْرَ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعاً وَقالَ فِيهِ: "كُلْهُ أنْتَ وَأهْلُ بَيْتِكَ وَصُمْ يَوْماً وَاسْتَغْفِرِ الله".
ـــــــ
وعراك كلهم قالوا عن الزهري بلفظ "أهلكت ووقعت على امرأتي" وبلفظ "فأطعمه إياهم" وزاد الأوزاعي "واستغفر الله" وأما مالك بن أنس وابن جريج فقالا عن الزهري بلفظ "أن رجلاً أفطر في رمضان" والله أعلم.
وحديث معمر بن مالك وهشام بن سعد كلهم عن الزهري سكت عنه المنذري رحمه الله.
السادس أنا قد رأينا صاحب الشرع جعل نظير هذه الكفارة سواء على الترتيب وهي كفارة الظهار وحكم النظير حكم نظيره ولا ريب إن إلحاق كفارة الجماع في رمضان بكفارة الظهار وكفارة القتل أولى وأشبه من إلحاقها بكفارة اليمين.
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
هذه الزيادة وهي الأمر بالصوم قد طعن فيها غير واحد من الحفاظ قال عبدالحق وطريق حديث مسلم أصح وأشهر وليس فيها صم يوما ولا تكميله التمر ولا الاستغفار وإنما يصح حديث القضاء مرسلا وكذلك ذكره مالك في الموطأ وهو من مراسيل سعيد بن المسيب رواه مالك عن عطاء ابن عبد الله الخراساني عن سعيد بالقصة وقال كله وصم يوما مكان ما أصبت والذي أنكره الحفاظ ذكر هذه اللفظة في حديث الزهري فإن أصحابه الأثبات الثقات كيونس وعقيل ومالك والليث بن سعد وشعيب ومعمر وعبدالرحمن بن خالد لم يذكر أحد منهم هذه اللفظة وإنما ذكرها الضعفاء عنه كهشام بن سعد وصالح بن أبي الأخضر وأضرابهما وقال الدارقطنى رواتها ثقات رواه ابن أبي أويس عن الزهري وتابعه عبدالجبار بن عمر عنه وتابعه أيضا هشام بن سعد عنه قال وكلهم ثقات وهذا لا يفيد صحة هذه اللفظة فإن هؤلاء إنما هم أربعة وقد خالفهم من هو أوثق منهم وأكثر عددا وهم أربعون نفسا لم يذكر أحد منهم هذه اللفظة ولا ريب أن التعليل بدون هذا مؤثر في صحتها ولو انفرد بهذه اللفظة من هو أحفظ منهم وأوثق وخالفهم هذا العدد الكثير لوجب التوقف فيها وثقة الراوي شرط في صحة الحديث لا موجبة بل لا بد من انتفاء العلة والشذوذ وهما غير منتفيين في هذه اللفظة.
وقد اختلف الفقهاء في وجوب القضاء عليه فمذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة والشافعي في أظهر أقواله يجب عليه القضاء وللشافعي قول آخر أنه لا يجب عليه القضاء إذا كفر وله قول

(7/19)


2391 - حدثنا سُلَيْمَانُ بنُ دَاوُدَ المَهْرِيّ أنْبأنَا ابنُ وَهْبٍ أخبرني عَمْرُو بنُ الْحَارِثِ أنّ عبد الرحمن بنَ الْقَاسِمِ حَدّثَهُ أنّ مُحَمّدَ بنَ جَعْفَرٍ بن الزّبَيْرِ حَدّثَهُ أنّ عَبّادَ بنَ عَبْدِالله بنِ الزّبَيْرِ حَدّثَهُ أنّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ زَوْجَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم تَقُولُ: أتَى رَجُلٌ النّبيّ صلى الله عليه وسلم في المَسْجِدِ في رَمَضَانَ فَقالَ يَارَسُولَ الله احْتَرَقْتُ فَسَأَلَهُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم مَا شَأْنُهُ فَقالَ أصَبْتُ أهْلِي؟ قال: "تَصَدّقْ" قال وَالله مَا لي شَيءٌ وَلاَ أقْدِرُ عَلَيْهِ، قال: "اجْلِسْ" فَجَلَسَ، فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ أقْبَلَ رَجُلٌ يَسُوقُ حِمَاراً عَلَيْهِ طَعَامٌ فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أيْنَ المُحْتَرِقُ آنِفاً؟ فقامَ الرّجُلُ، فَقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "تَصَدّقْ بِهَذَا"، فقال يارَسُولَ الله أعَلَى غَيْرِنَا؟ فَوَالله إنّا لَجِيَاعٌ مَا لَنَا شَيْءٌ؟ قال: "كُلُوهُ".
2392 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ عَوْفٍ أخبرنا سَعِيدُ بنُ أبِي مَرْيَمَ حدثنا ابنُ أبي الزّنَادِ عن عبد الرحمن بنِ الْحَارِثِ عن مُحَمّدِ بن جَعْفَرٍ بنِ الزّبَيْرِ عن عَبّادِ بنِ عَبْدِالله عن عَائِشَةَ بِهَذِهِ الْقِصّةِ قال: فَأُتِيَ بِعَرَقٍ فِيهِ عِشْرُونَ صَاعاً.

(7/20)


37 - باب التغليظ فيمن أفطر عمدا
2393 - حدثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قال أخبرنا شُعْبَةُ ح وَحدثنا مُحَمّدُ بنُ كَثِيرٍ
ـــــــ
"احترقت": وهوالمحترق بالجناية دون غيره وهذا تأويل قوله هلكت في حديث أبي هريرة "لجياع": جمع جائع. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي بنحوه وليس فيه قدر الصاع.
"باب التغليظ فيمن أفطر عمدا"
"حدثنا سليمان بن حرب": هذا الإسناد هكذا في النسخ الصحيحة، وكذا في تحفة الأشراف، وفي بعض نسخ الكتاب تحريف واختلاف وهو غلط قطعاً. قال المزي: المطوس
ثالث أنه إن كفر بالصيام فلا قضاء عليه وإن كفر بالعتق أو بالإطعام قضى وهذا قول الأوزاعي.
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وقال الدارقطنى ليس في رواته مجروح وهذه العبارة لا تنفي أن يكون فيهم مجهول لا يعرف بجرح ولا عدالة.

(7/20)


أنْبأنَا شُعْبَةُ عن حَبِيبٍ بنِ أبي ثَابِتٍ عنْ عُمَارَةَ بنِ عُمَيْرٍ عن ابنِ مُطَوّسٍ عنْ أبِيهِ. قالَ ابنُ كَثِيرٍ عنْ أبي المُطَوّسِ عن أبِيهِ عن أبي هُرَيْرَةَ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أفْطَرَ يَوماً مِنْ رَمَضَانَ في غَيْرِ رُخْصَةٍ رَخّصَهَا الله لَهُ لَمْ يَقْضِ عَنْهُ صِيَامُ الدّهْرِ".
2394 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ حدّثَني يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عنْ سُفْيَانَ حدّثَني
ـــــــ
ويقال أبو المطوس واسم أبي المطوس يزيد بن المطوس انتهى. كذا في الغاية "في غير رخصة": كسفر ومرض مبيح للإفطار "لم يقض عنه": أي عن ثواب ذلك اليوم "صيام الدهر": أي صومه فيه، فالإضافة بمعنى في نحو مكر الليل. قال الطيبي: أي لم يجد فضيلة الصوم المفروض بصوم النفل وإن سقط قضاؤه بصوم يوم واحد، وهذا على طريق المبالغة والتشديد. وقال بعض العلماء: الظاهر أن صوم الدهر كله بنية القضاء عما أفطره من رمضان لا يجزئه، قال به علي وابن مسعود والذي عليه أكثر السلف أنه يجزئه يوم بدل يوم وإن كان ما أفطره في غاية الطول والحر وما صامه بدله في غاية القصر والبرد، ولا يكره قضاء رمضان في زمن، وشذ من كرهه في شهر ذي الحجة. ومن أفطر لغير عذر يلزمه القضاء فوراً عقب يوم عيد الفطر ولعذر يسن له ذلك ولا يجب انتهى كلام ذلك البعض بتلخيص.
قال القاري: والظاهر أن الصلاة في معنى الصوم فإنه لا فرق بينهما بل هي أفضل منه عند جمهور العلماء والله أعلم.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وذكره البخاري تعليقا، قال: ويذكر عن أبي هريرة رفعه "من أفطر يوماً من رمضان من غير علة ولا مرض لم يقضه صيام الدهر وإن صامه" وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وسمعت محمداً يعني البخاري يقول: أبو المطوس اسمه يزيد بن المطوس ولا أعرف له غير هذا الحديث. وقال البخاري أيضاً: تفرد أبو المطوس بهذا الحديث ولا نعرف له غيره ولا أدري سمع أبوه من أبي هريرة أم لا. وقال أبو الحسن علي بن خلف فهو حديث ضعيف لا يحتج بمثله. وقد صحت الكفارة بأسانيد صحاح ولا يعارض بمثل هذا الحديث. وقال الإمام الشافعي: قال ربيعة: من أفطر من رمضان يوماً قضى اثني عشر يوماً لأن الله جل ذكره اختاره شهراً من اثني عشر شهراً فعليه أن يقضي بدلا من كل يوم اثني عشر يوماً. قال الشافعي: يلزمه من يترك الصلاة ليلة القدر فعليه أن يقضي تلك
ويقال في هذا ثلاثة أقوال أبو المطوس وابن المطوس والمطوس تفرد بهذا الحديث قال ابن حبان لا يجوز الاحتجاج بما انفرد به من الروايات.

(7/21)


حَبِيبٌ عن عُمَارَةَ عن ابنِ المُطَوّسِ قالَ فَلَقِيتُ ابنَ المُطَوّسِ فَحَدّثَني عن أبِيهِ عن أبي هُرَيْرَةَ قال: قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَ حَدِيثِ ابنِ كَثِيرٍ وَسُلَيْمَانَ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: اخْتُلِفَ عَلَى سُفْيَانَ وَشُعْبَةَ عَنْهُمَا ابنُ المُطَوّسِ وَأبُو المُطَوّسِ.

(7/22)


38 - باب من أكل ناسيا
2395 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عن أيّوبَ وَ حَبِيبٌ وَ هِشَامٌ عن مُحَمّدِ بن سِيرِينَ عن أبي هُرَيْرَةَ قال: "جَاءَ رَجُلٌ إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَقالَ يَارَسُولَ الله إنّي أكَلْتُ وَشَرِبْتُ نَاسِياً وَأنَا صَائِمٌ، فقال "أطْعَمَكَ الله وَسَقَاكَ"[الله أطعمك وسقاك].
ـــــــ
الصلاة ألف شهر لأن الله عزوجل يقول {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} هذا آخر كلامه. وروى هذا الحديث عن أبي هريرة يقال فيه أبو المطوس والمطوس وابن المطوس. وقال أبو حاتم بن حبان: لا يجوز الاحتجاج بما في الفرد من الروايات.
"قال فلقيت ابن المطوس": أي قال حبيب بن أبي ثابت فلقيت ابن المطوس قاله المزي. ولفظ الترمذي عن حبيب بن أبي ثابت قال حدثني أبو المطوس عن أبيه.
"باب من أكل ناسيا"
"أخبرنا حماد": هو ابن سلمة "عن أيوب": السختياني "وحبيب": ابن الشهيد "وهشام": ابن حسان ثلاثتهم عن محمد بن سيرين. قاله المزي. وقوله حبيب معطوف على قوله أيوب "إني أكلت وشربت ناسياً وأنا صائم": وقد روى عبدالرزاق عن عمرو بن دينار أن إنساناً جاء إلى أبي هريرة رضي الله عنه فقال: أصبحت صائماً فنسيت فطعمت، فقال لا بأس. قال ثم دخلت إلى إنسان فنسيت فطعمت وشربت، قال لا بأس. الله أطعمك وسقاك. قال ثم دخلت على
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
في الصحيحين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه" وعند البخاري فأكل وشرب وروى الدارقطنى عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم "إذا أكل الصائم ناسيا أو شرب ناسيا فإنما هو رزق الله ساقه الله إليه ولا قضاء عليه" هذا إسناد صحيح وكلهم ثقات وفي طريق أخرى لا قضاء عليه ولا كفارة قال وهذا صحيح أيضا.

(7/22)


39 - باب تأخير قضاء رمضان
2396 - حدثنا عَبْدُالله بنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عنْ أبي سَلَمَةَ بنِ عبد الرحمن أنّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تَقُولُ: إنْ كَانَ لَيَكُونُ عَلَيّ الصّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أسْتَطِيعُ أنْ أقْضِيَهُ حَتّى يَأْتِيَ شَعْبَانُ.
ـــــــ
آخر فنسيت فطعمت، فقال أبو هريرة أنت إنسان لم تتعود الصيام. ويروى أو شرب واقتصر عليهما دون باقي المفطرات لأنهما الغالب. وقد أخرج ابنا خزيمة وحبان والحاكم والدارقطني من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري عن محمد ابن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة: من أفطر في شهر رمضان ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفارة، فصرح بإسقاط القضاء والكفارة. قال الدارقطني: تفرد به محمد بن مرزوق وهو ثقة عن الأنصاري. وأجيب بأن ابن خزيمة أخرجه أيضاً عن إبراهيم بن محمد الباهلي، وبأن الحاكم أخرجه من طريق أبي حاتم الرازي، كلاهما عن الأنصاري، فهو المنفرد به كما قال البيهقي وهو ثقة، ثم علل كون الناسي لا يفطر بقوله "فقال أطعمك الله وسقاك": وفي رواية البخاري: إذا نسي فأكل وشرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه. وقال الطيبي: إنما للحصر، أي ما أطعمه أحد ولا سقاه إلا الله. فدل على أن هذا النسيان من الله تعالى ومن لطفه في حق عباده تيسيراً عليهم ودفعاً للحرج. وقال الخطابي: النسيان ضرورة والأفعال الضرورية غير مضافة في الحكم إلى فاعلها ولا يؤاخذ بها وهذا الحديث دليل على الإمام مالك حيث قال: إن الصوم يبطل بالنسيان ويجب القضاء. قاله القسطلاني. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"باب تأخير قضاء رمضان"
"إن كان": هي مخففة من المثقلة أي أن الشأن واحداً لكونين زائد، قاله السندي "فما أستطيع أن أقضيه حتى يأتي شعبان" : لشغل من رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في رواية للبخاري.
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه:
الله قال المنذري واختلف فيما لو أخره عن رمضان آخر فقال جماعة من الصحابة والتابعين يقضي ويطعم كل يوم مسكينا.
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وهذا قول ابن عباس وابن عمر وأبي هريرة ومجاهد وسعيد بن جبير والثورى والأوزاعي والإمام

(7/23)


00000000000000000000000
ـــــــ
قال النووي: وقد اتفق العلماء على أن المرأة لا يحل لها صوم التطوع وزوجها حاضر إلا بإذنه بحديث أبي هريرة المروي في صحيح مسلم، وإنما كانت تصومه في شعبان لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم معظم شعبان فلا حاجة له فيهن حينئذ في النهار، ولأنه إذا جاء شعبان يضيق قضاء رمضان، فإنه لا يجوز تأخيره عنه. ومذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وجماهير السلف والخلف أن قضاء رمضان في حق من أفطر بعذر كحيض وسفر يجب على التراخي ولا يشترط المبادرة به في أول الإمكان، لكن قالوا: لا يجوز تأخيره عن شعبان الآتي لأنه يؤخره حينئذ إلى زمان لا يقبله وهو رمضان الآتي فصار كمن أخره إلى الموت.
وقال داوود: تجب المبادرة في أول يوم بعد العيد من شوال، وحديث عائشة هذا يرد عليه. قال الجمهور: ويستحب المبادرة به للاحتياط فيه، فإن إخره فالصحيح عند المحققين أنه يجب العزم على فعله، وكذلك القول في جميع الواجب الموسع، إنما يجوز تأخيره بشرط العزم على فعله، حتى لو أخره بلا عزم عصى. وقيل لا يشترط العزم. وأجمعوا على أنه لو مات قبل خروج شعبان لزمه الفدية في تركته عن كل يوم مد من طعام، هذا إذا كان تمكن القضاء فلم يقض. فأما من أفطر في رمضان بعذر ثم اتصل عجزه فلم يتمكن من الصوم حتى مات فلا صوم عليه ولايطعم عنه ولا يصام عنه.
ومن أراد قضاء صوم رمضان ندب مرتباً متوالياً، فلو قضاه غير مرتب أو مفرقاً جاز وعند الجمهور، لأن اسم الصوم يقع على الجميع. وقال جماعة من الصحابة والتابعين وأهل الظاهر: يجب تتابعه كما يجب الأداء. انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه. وفيه حجة أن قضاء رمضان ليس واجباً على الفور خلافاً لداوود في إيجابه ثاني شوال، وأنه آثم متى لم يقضه. وقال بعضهم: فيه دليل على أن من أخر القضاء إلى أن
أحمد والشافعي ومالك وإسحاق وقال جماعة يقضي ولا فدية عليه وهذا يروى عن الحسن وإبراهم النخعي وهو مذهب أبي حنيفة وقالت طائفة منهم قتادة يطعم ولا يقضي.
ووقع في الصحيحين في هذا الحديث الشغل برسول الله صلى الله عليه وسلم أو من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن هذه اللفظة مدرجة في الحديث من كلام يحيى بن سعيد قد بين ذلك البخاري في صحيحه قال وقال يحيى الشغل من النبي أو بالنبي صلى الله عليه وسلم وفي لفظ قال يحيى فظننت أن ذلك لمكانها من رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الصحيحين عن عائشة أيضا قالت إن كانت إحدانا لتفطر في رمضان في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فما تقدر أن تقضيه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يأتي شعبان.

(7/24)


40 - باب فيمن مات وعليه صيام
2397 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني عَمْرُو بنُ الْحَارِثِ عن عُبَيْدِالله بنِ أبي جَعْفَرٍ عن مُحَمّدِ بنِ جَعْفَرٍ بنِ الزّبَيْرِ عن عُرْوَةَ عن عَائِشَةَ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيّهُ".
ـــــــ
يدخل رمضان من قابل وهو مستطيع له فإن عليه الكفارة، قال: ولولا ذلك لم يكن في ذكرها شعبان وحصرها موضع القضاء فيه فائدة من بين سائر الشهور. وذهب إلى إيجاب ذلك جماعة من الصحابة والتابعين والفقهاء. وقال الحسن البصري وإبراهيم النخعي: يقضي وليس عليه فدية، وإليه ذهب أصحاب الرأي. وقال سعيد بن جبير وقتادة: يطعم ولا يقضي. وأخرجه الترمذي من حديث عبد الله البهي عن عائشة وقال حسن صحيح.
"باب فيمن مات وعليه صيام"
"من مات وعليه صيام صام عنه وليه": قال الخطابي: هذا فيمن لزمه فرض الصوم، إما نذراً وإما قضاء عن فائت مثل أن يكون مسافراً ويقدم وأمكنه القضاء ففرط فيه حتى مات، أو يكون مريضاً فيبرأ ولا يقضي. وإلى ظاهر هذا الحديث ذهب أحمد وإسحاق وقالا يصوم عنه
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وعن ابن عباس قال إذا مرض الرجل في رمضان ثم مات ولم يصح أطعم عنه ولم يكن عليه قضاء وإن نذر قضى عنه وليه وفي الصحيحين عن ابن عباس قال جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يارسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها فقال أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته أكان يؤدى ذلك عنها قالت نعم قال فصومي عن أمك هذا لفظ مسلم ولفظ البخاري نحوه وفي الصحيحن عنه أيضا أن أمرأة جاءت فقالت يارسول الله إن أختي ماتت وعليها صيام شهرين متتابعين وذكر الحديث بنحوه وفي صحيح مسلم عن بريدة قال كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتته امرأة فقالت إني تصدقت على أمي بجارية وإنها ماتت قال وجب أجرك وردها عليك الميراث قالت يارسول الله إنه كان عليها صوم شهر أفأصوم عنها قال صومي عنها قالت يارسول الله إنها لم تحج أفأحج عنها قال حجي عنها وقال البيهقي فثبت بهذه الأحاديث جواز الصوم عن الميت وقال الشافعي في القديم قد ورد في الصوم عن الميت شيء فإن كان ثابتا صيم عنه كما يحج عنه وقال في الجديد فإن قيل فهل روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أحدا أن يصوم عن أحد قيل نعم روي عن ابن عباس فإن قيل لم لا تأخذ به قيل حديث الزهري

(7/25)


قَالَ أبُو دَاوُدَ: هَذَا في النّذْرِ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ.
2398 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ كَثِيرٍ أخبرنا سُفْيَانُ عن أبي حَصِينٍ عن سَعِيدٍ بنِ جُبَيْرِ عن ابنِ عَبّاسٍ قال:إذَا مَرِضَ الرّجُلُ في رَمَضَانَ ثُمّ مَاتَ وَلَمْ يَصِحّ[ولم يصم] أُطْعِمَ عَنْهُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَإنْ نَذَرَ[وإن نذر نذرا][وإن كان عليه نذر] قَضَى عَنْهُ وَلِيّهُ.
ـــــــ
وليه، وهو قول أهل الظاهر، وتأوله بعض أهل العلم معناه أن يطعم عنه وليه، فإذا فعل عنه فقد صام عنه، وسمي الإطعام صياماً على سبيل المجاز والاتساع إذا كان الطعام قد ينوب عنه ومنه قول الله سبحانه{أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً} فدل على أنهما يتناوبان في الحكم. وذهب مالك والشافعي إلى أنه لا يجوز صيام أحد عن أحد وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وقاسوه على الصلاة ونظائرها من أعمال البدن التي لا مدخل للمال فيها. واتفق أهل العلم على أنه إذا أفطر في المرض والسفر ثم لم يفرط في القضاء حتى مات فإنه لا شيء عليه ولا يجب الإطعام عنه، غير قتادة فإنه قال يطعم عنه، وحكي ذلك أيضاً عن طاووس.انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم.
"وإن نذر قضي عنه وليه": في النيل: وتمسك القائلون بأنه يجوز في النذر دون غيره بأن
عن عبيد الله عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم نذر نذرا ولم يسمه مع حفظ الزهري وطول مجالسة عبيد الله لابن عباس فلما جاء غيره عن رجل عن ابن عباس بغير ما في حديث عبيد الله أشبه أن لا يكون محفوظا.
وأراد الشافعي ماروى مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله أن سعد بن عبادة استفتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن أمي ماتت وعليها نذر فقال النبي صلى الله عليه وسلم اقضه عنها وهذا حديث متفق عليه من حديث مالك وغيره عن الزهري إلا أن في رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس أن أمرأة سألت وكذلك رواه الحكم بن عتيبة وسلمة بن كهيل عن مجاهد عن ابن عباس وفي رواية عن مجاهد وعطاء وسعيد بن جبير عن ابن عباس أن امرأة سألت ورواه عكرمة عن ابن عباس ثم رواه بريدة بن حصيب عن النبي صلى الله عليه وسلم فالأشبه أن تكون هذه القصة التي وقع فيها السؤال نصا غير قصة سعد بن عبادة التي وقع السؤال فيها عن النذر مطلقا كيف وقد روى عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد صحيح النص على جواز الصوم عن الميت قال وقد رأيت بعض أصحابنا يضعف حديث ابن عباس لما روي عن يزيد بن زريع عن حجاج الأحول عن أيوب بن موسى عن عطاء عن ابن عباس أنه قال لا يصوم أحد

(7/26)


0000000000000000000000
ـــــــ
حديث عائشة مطلق، وحديث ابن عباس مرفوعاً الذي عند الشيخين كما سيجيء مقيد فيحمل عليه، ويكون المراد بالصيام صيام النذر. قال في الفتح: وليس بينهما تعارض حتى يجمع، فحديث ابن عباس صورة مستقلة يسأل عنها من وقعت له، وأما حديث عائشة فهو تقرير قاعدة
عن أحد ويطعم عنه وما روى عنه في الإطعام عمن مات وعليه صيام شهر رمضان وصيام شهر النذر وضعف حديث عائشة بما روي عنها في امرأة ماتت وعليها الصوم قالت يطعم عنها وفي رواية عنها لا تصوموا عن موتاكم وأطعموا عنهم قال وليس فيما ذكروا ما يوجد للحديث ضعفا فمن يجوز الصيام عن الميت يجوز الإطعام عنه.
وفيما روي عنها في النهي عن الصوم عن الميت نظر والأحاديث المرفوعة أصح إسنادا وأشهر رجالا وقد أودعها صاحبا الصحيح كتابيهما ولو وقف الشافعي على جميع طرقها وتظاهرها لم يخالفها إن شاء الله.
وممن رأى جواز الصيام عن الميت طاووس والحسن البصرى والزهرى وقتادة آخر كلام البيهقي.
وقد اختلف أهل العلم فيمن مات وعليه صوم هل يقضى عنه على ثلاثة أقوال:
أحدها لا يقضى عنه بحال لا في النذر ولا في الواجب الأصلي وهذا ظاهر مذهب الشافعي ومذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابه.
الثاني: أنه يصام عنه فيهما وهذا قول أبي ثور وأحد قولي الشافعي.
الثالث: أنه يصام عنه النذر دون الفرض الأصلي وهذا مذهب أحمد المنصوص عنه وقول أبي عبيد والليث بن سعد وهو المنصوص عن ابن عباس روى الأثرم عنه أنه سئل عن رجل مات وعليه نذر صوم شهر وعليه صوم رمضان قال أما رمضان فليطعم عنه وأما النذر فيصام وهذا أعدل الأقوال وعليه يدل كلام الصحابة وبهذا يزول الإشكال.
وتعليل حديث ابن عباس أنه قال لا يصوم أحد عن أحد ويطعم عنه فإن هذا إنما هو في الفرض الأصلى وأما النذر فيصام عنه كما صرح به ابن عباس ولا معارضة بين فتواه وروايته وهذا هو المروي عنه في قصة من مات وعليه صوم رمضان وصوم النذر فرق بينهما فأفتى بالإطعام في رمضان وبالصوم عنه في النذر فأي شيء في هذا مما يوجب تعليل حديثه وما روى عن عائشة من إفتائها في التي ماتت وعليها الصوم أنه يطعم عنها إنما هو في الفرض لا في النذر لأن الثابت عن عائشة فيمن مات وعليه صيام رمضان أنه يطعم عنه في قضاء رمضان ولا يصام فالمنقول عنها

(7/27)


00000000000000000000000
ـــــــ
عامة، وقد وقعت الإشارة في حديث ابن عباس إلى نحو هذا العموم حيث قال في آخره "فدين الله أحق أن يقضى" انتهى. وإنما قال إن حديث ابن عباس صورة مستقلة يعني أنه من التنصيص على بعض أفراد العام فلا يصلح لتخصيصه ولا لتقييده انتهى.
قال المنذري: وقد أخرج البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عباس قال "جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يارسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها؟ فقال أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته كان يؤدي ذلك عنها؟ قالت نعم، قال فصومي عن أمك" هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري بنحوه.
كالمنقول عن ابن عباس سواء فلا تعارض بين رأيها وروايتها وبهذا يظهر اتفاق الروايات في هذا الباب وموافقة فتاوي الصحابة لها وهو مقتضى الدليل والقياس لأن النذر ليس واجبا بأصل الشرع وإنما أوجبه العبد على نفسه فصار بمنزلة الدين الذي استدانه ولهذا شبهه النبي صلى الله عليه وسلم بالدين في حديث ابن عباس والمسؤول عنه فيه أنه كان صوم نذر والدين تدخله النيابة وأما الصوم الذي فرضه الله عليه ابتداء فهو أحد أركان الإسلام فلا يدخله النيابة بحال كما لا يدخل الصلاة والشهادتين فإن المقصود منها طاعة العبد بنفسه وقيامه بحق العبودية التي خلق لها وأمر بها وهذا أمر لا يؤديه عنه غيره كما لا يسلم عنه غيره ولا يصلي عنه غيره وهكذا من ترك الحج عمدا مع القدرة عليه حتى مات أو ترك الزكاة فلم يخرجها حتى مات فإن مقتضى الدليل وقواعد الشرع أن فعلهما عنه بعد الموت لا يبرىء ذمته ولا يقبل منه والحق أحق أن يتبع.
وسر الفرق أن النذر التزام المكلف لما شغل به ذمته لا أن الشارع ألزمه به ابتداء فهو أخف حكما مما جعله الشارع حقا له عليه شاء أم أبى والذمة تسع المقدور عليه والمعجوز عنه ولهذا تقبل أن يشغلها المكلف بما لا قدرة له عليه بخلاف واجبات الشرع فإنها على قدر طاقة البدن لا تجب على عاجز فواجب الذمة أوسع من واجب الشرع الأصلي لأن المكلف متمكن من إيجاب واجبات واسعة وطريق أداء واجبها كثيرة على نفسه لم يوجنها علية الشارع والذمة أوسع من طريق أداء واجب الشرع فلا يلزم من دخول النيابة في واجبها بعد الموت دخولها في واجب الشرع وهذا يبين أن الصحابة أفقه الخلق وأعمقهم علما وأعرفهم بأسرار الشرع ومقاصده وحكمه وبالله التوفيق:

(7/28)


41 - باب الصوم في السفر
2399 - حدثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ وَ مُسَدّدٌ قالا أخبرنا حَمّادٌ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن أبِيهِ عن عَائِشَةَ: "أنّ حَمْزَةَ الأسْلَمِيّ سَأَلَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ يَارَسُولَ الله إنّي رَجُلٌ أسْرُدُ الصّوْمَ أفَأصُومُ في السّفَرِ؟ قال:" صُمْ إنْ شِئْتَ وَأفْطِرْ إنْ شِئْتَ".
ـــــــ
"باب الصوم في السفر"
"إني رجل أسرد الصوم": قال في الفتح: أي أتابعه. واستدل به على أن لا كراهية في صيام الدهر ولا دلالة فيه، لأن التتابع يصدق بدون صوم الدهر فإن ثبت النهي عن صوم الدهر لم يعارضه هذا الإذن بالسرد، بل الجمع بينهما واضح "أفأصوم في السفر": قال ابن دقيق العيد: ليس فيه تصريح بأنه صوم رمضان فلا يكون فيه حجة على من منع صيام رمضان في السفر. قال الحافظ: هو كما قال بالنسبة إلى سياق حديث الباب، لكن في رواية أبي مراوح التي عند مسلم أنه قال "يارسول الله أجد بي قوة على الصيام في السفر فهل علي جناح؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه" وهذا يشعر بأنه سأل عن صيام الفريضة وذلك أن الرخصة إنما تطلق في مقابلة ما هو واجب. وأصرح من ذلك ما أخرجه أبو داوود والحاكم من طريق محمد بن حمزة بن عمرو عن أبيه أنه قال "يارسول الله إني صاحب ظهر أعالجه أسافر عليه وأكريه، وإنه ربما صادفني هذا الشهر يعني رمضان وأنا أجد القوة وأجدني أن أصوم أهون علي من أن أؤخره فيكون ديناً علي. فقال أي ذلك شئت ياحمزة انتهى "قال صم إن شئت وأفطر إن شئت": قال الخطابي: هذا نص في إثبات الخيار للمسافر بين الصوم والإفطار وفيه بيان جواز صوم الفرض للمسافر إذا صامه، وهو قول عامة أهل العلم إلا ما روى عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: إن صام في السفر قضي في الحضر. وقد روى عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال لا يجزئه. وذهب إلى هذا من المتأخرين داوود بن علي ثم اختلف أهل العلم بعد هذا في أفضل الأمرين منهما، فقالت طائفة أفضل الأمرين الفطر، وإليه ذهب سعيد بن المسيب والشعبي والأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه. وقال أنس بن مالك وعثمان بن أبي العاص: أفضل الأمرين الصوم في السفر، وبه قال النخعي وسعيد بن جبير، وهو قول مالك والثوري والشافعي وأبي حنيفة وأصحابه. وقالت فرقة ثالثة: أفضل الأمرين أيسرهما على المرء لقوله سبحانه {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} فإن كان الصيام أيسر عليه صام وإن كان الفطر أيسر فليفطر. وإليه

(7/29)


2400 - حدثنا عَبْدُالله بنُ مُحَمّدٍ النّفَيْلِيّ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ عَبْدِالْمَجِيدِ المَدَنِيّ قال سَمِعْتُ حَمْزَةَ بنَ مُحَمّدِ بنِ حَمْزَةَ الأسْلَمِيّ يَذْكُرُ أنّ أبَاهُ أخْبَرَهُ عنْ جَدّهِ قال: قُلْتُ يَارَسُولَ الله إنّي صَاحِبُ ظَهْرٍ أُعَالِجُهُ أُسَافِرُ عَلَيْهِ وَأُكْرِيهِ، وَإنّهُ رُبّمَا صَادَفَنِي هَذَا الشّهْرُ يَعْني رَمَضَانَ، وَأنَا أجِدُ الْقُوّةَ، وَأنَا شَابّ، فأجِدُ بأنْ[أن] أصُومَ يَارَسُولَ الله أهْوَنَ عَلَيّ مِنْ أنْ أُؤَخّرَهُ فَيَكُونُ دَيْناً أفَأصُومُ يَارَسُولَ الله أعْظَمُ لأجْرِي أوْ أُفْطِرُ؟ قال: "أيّ ذَلِكَ شِئْتَ يَاحَمْزَةُ".
2401 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا أبُو عَوَانَةَ عن مَنْصُورٍ عن مُجَاهِدٍ عن طَاؤوسٍ عن ابن عَبّاسٍ قالَ: خَرَجَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم مِنَ المَدِينَةِ إلَى مَكّةَ حَتّى بَلَغَ عُسْفَانَ ثُمّ دَعَا بِإنَاءٍ فَرَفَعَهُ إلَى فِيهِ لِيُرِيَهُ النّاسَ، وَذَلِكَ في رَمَضَانَ، فَكَانَ ابنُ عَبّاسٍ يَقُولُ: قَدْ صَامَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَأفْطَرَ، فَمَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أفْطَرَ .
ـــــــ
ذهب مجاهد وعمر بن عبدالعزيز وقتادة. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"إني صاحب ظهر": أي مركب "أعالجه": أي أستعمله "ربما صادفني": أي أدركني "فأجد بأن أصوم": أي أجد حالي على هذا النهج. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي من حديث أبي مراوح عن حمزة بن عمرو بنحوه.
"من المدينة إلى مكة": أي عام الفتح "حتى بلغ عسفان": بضم العين وسكون السين المهملتين هو موضع على مرحتلين من مكة "ثم دعا بإناء": أي طلبه "ليريه الناس": أي ليعلموا جوازه أو ليختاروا متابعته. وعند الشيخين: ليراه الناس فأفطر حتى قدم مكة. قال الطيبي: دل على أن من أصبح صائماً في السفر جاز أن يفطر "فمن شاء صام ومن شاء أفطر": أي لا حرج على أحدهما. وفي شرح السنة لا فرق عند عامة أهل العلم بين من ينشىء السفر في شهر رمضان وبين من يدخل عليه شهر رمضان وهو مسافر. وقال عبيدة السلماني: إذا أنشأ السفر في شهر رمضان لا يجوز له الإفطار لظاهر قوله تعالى {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} وهذا الحديث حجة على القائل ومعنى الآية الشهر كله، فأما من شهد بعضه فلم يشهد الشهر.
قال علي القاري: والأظهر أن معنى الآية فمن شهد منكم شيئاً منه من غير مرض وسفر. واختلف أي يوم خرج صلى الله عليه وسلم للفتح فقيل لعشر خلون من رمضان بعد العصر، وقيل لليلتين خلتاً من رمضان وهو الأصح انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.

(7/30)


2402 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ أخبرنا زَائِدَةُ عن حُمَيْدٍ الطّوِيلِ عنْ أنَسٍ قالَ: سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في رَمَضَانَ، فَصَامَ بَعْضُنَا، وَأفْطَرَ بَعْضُنَا، فَلَمْ يَعِبِ الصّائِمُ عَلَى المُفْطِرُ، وَلا المُفْطِرِ عَلَى الصّائِمِ.
2403 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالحٍ وَ وَهْبُ بنُ بَيَانَ المعنى قالا أخبرنا ابنُ وَهْبٍ حدّثني مُعَاوِيَةُ عن رَبِيعَةَ بنِ يَزِيدَ أنّهُ حَدّثَهُ عن قَزَعَةَ قال: أتَيْتُ أبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ وَهُوَ يُفْتِي النّاسَ وَهُمْ مُكِبّونَ عَلَيْهِ[وهو مكثور عليه-وهو مكبوب عليه] فَانْتَظَرْتُ خَلْوَتَهُ، فَلَمّا خَلاَ سَألْتُهُ عن صِيَامِ رَمَضَانَ في السّفَرِ؟ فقال: خَرَجْنَا مَعَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم في رَمَضَانَ عَامَ الْفَتْحِ، فَكَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَصُومُ وَنَصُومُ حَتّى بَلَغَ مَنْزِلاً مِنَ المَنَازِلِ فقال: إنّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوّكُمْ وَالْفِطْرُ أقْوَى لَكُمْ، فأصْبَحْنَا، مِنّا الصّائِمُ، وَمِنّا المُفْطِرُ. قال: ثُمّ سِرْنَا فَنَزَلْنَا مَنْزِلاً، فقال: إنّكُمْ تُصَبّحُونَ عَدُوّكُمْ، وَالْفِطْرُ أقْوَى لَكُمْ فأفْطِرُوا فَكَانَتْ عَزِيمَةً مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
"فلم يعب الصائم على المفطر إلخ": قال محمد رحمه الله في الموطأ: من شاء صام في السفر ومن شاء أفطر والصوم أفضل لمن قوي عليه انتهى أي لقوله تعالى {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌلَكُمْ} وبه قال مالك والشافعي. وقال أحمد والأوزاعي: الفطر أحب مطلقاً لحديث "ليس من البر الصيام في السفر" وقال بعض أهل الظاهر: لا يصح الصوم في السفر تمسكاً بالحديث المذكور. والجمهور حملوه على مسافر ضره الصوم، ويؤيده ما ورد من سبب أي في حديث جابر فرأى زحاماً ورجلاً قد ظلل عليه الحديث. قاله علي القاري في شرح الموطأ قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم.
"إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم": فيه دليل على أن الفطر لمن وصل في سفره إلى موضع قريب من العدو أولى لأنه ربما وصل إليهم العدو إلى ذلك الموضع الذي هو مظنة ملاقاة العدو، ولهذا كان الإفطار أولى ولم يتحتم. وأما إذا كان لقاء العدو متحققاً فالإفطار عزيمة لأن الصائم يضعف عن منازلة الأقران ولا سيما عند غليان مراجل الضراب والطعان، ولا يخفى ما في ذلك من الإهانة لجنود المحقين وإدخال الوهن على عامة المجاهدين من المسلمين.
واعلم أن المسافة التي يباح الإفطار فيها هي المسافة التي يباح القصر فيها. والخلاف هنا كالخلاف هناك. قاله الشوكاني. قال المنذري: وأخرجه مسلم.

(7/31)


قال أبُو سَعِيدٍ: ثُمّ لَقَدْ رَأيْتَنِي أصُومُ مَعَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ ذَلِكَ وَبَعْدَ ذَلِكَ.

(7/32)


42 - باب اختيار الفطر
[باب من اختار الفطر]
2404 - حدثنا أبُو الوَلِيدِ الطيّالِسيّ أخبرنا شُعْبَةُ عن مُحَمّدِ بنِ عبد الرحمن - يَعْني ابنَ سَعْدِ بنِ زُرَارَةَ عن مُحَمّدِ بنِ عَمْرِو بنِ حَسَنٍ عن جَابِرِ بنِ عَبْدِالله: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم رَأى رَجُلاً يُظَلّلُ عَلَيْهِ وَالزّحَامَ عَلَيْهِ، فقال: "لَيْسَ مِنَ الْبِرّ الصّيَامُ في السّفَرِ".
ـــــــ
"باب اختيار الفطر"
"رأى رجلاً": هو أبو اسرائيل واسمه قيس، وقيل قشير، وقيل قيصر وهو الأصح. ذكره ميرك. ذكره ميرك "يظلل عليه": بصيغة المجهول أي جعل عليه ظل اتقاء عن الشمس أو إبقاء عليه للإفاقة لأنه سقط من شدة الحرارة أو من ضعف الصوم أو من الإغماء. قال في التتمة إنه كان في غزوة تبوك في ظل شجرة. هكذا هو في مسند الشافعي. وقال الشيخ ابن حجر: هو في غزوة الفتح كما بين في رواية أخرى "والزحام عليه": بكسر الزاي أي مزاحمة في الاجتماع على غرض الاطلاع "فقال": أي النبي صلى الله عليه وسلم "ليس من البر الصيام في السفر": قال الخطابي: هذا كلام خرج على سبب فهو مقصور على من كان في مثل حاله كأنه قال ليس من البر أن يصوم المسافر إذا كان الصوم يؤديه إلى مثل هذه الحال، بدليل صيام النبي صلى الله عليه وسلم في سفره عام الفتح، وبديل خبر حمزة الأسلمي وتخييره إياه بين الصوم والإفطار. ولو لم يكن الصوم براً لم يخيره فيه والله أعلم. وفي الفتح أن الصوم لمن قوي عليه أفضل من الفطر، والفطر لمن شق عليه الصوم أو
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وقد احتج به من يوجب الفطر في السفر.
واحتجوا بأن الفطر كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر الرسول الله صلى الله عليه وسلم.
واحتجوا أيضا بحديث دحية بن خليفة الكلبي أنه لما سافر من قريته في رمضان وذلك ثلاثة أميال أفطر فأفطر معه الناس وكره ذلك آخرون فلما رجع إلى قريته قال والله لقد رأيت أمرا ما كنت أظن

(7/32)


2405 - حدثنا شَيْبَانُ بنُ فَرّوخٍ أخبرنا أبُو هِلاَلٍ الرّاسِبِيّ أخبرنا ابنُ سَوَادَةَ الْقُشَيْرِيّ عن أنَسِ بنِ مَالِكٍ - رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَبْدِالله بنِ كَعْبٍ إخْوَةِ بَنِي قُشَيْرٍ - أغَارَتْ عَليْنَا خَيْلٌ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فانْتَهَيْتُ، أوْ قال: فَانْطَلَقْتُ إلى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَأْكُلُ فقال: "اجْلِسْ فَأصِبْ مِنْ طَعَامِنَا هَذَا"، فَقُلْتُ: إنّي صَائِمٌ، قالَ[فقال]: "اجْلِسْ أُحَدّثُكَ عن الصّلاَةِ وَعن الصّيَامِ، إنّ الله وَضَعَ شَطْرَ الصّلاَةِ، أوْ نِصْفَ الصّلاَةِ،
ـــــــ
أعرض من قبول الرخصة أفضل من الصوم، وإن لم يتحقق المشقة يخير بين الصوم والفطر. وقد اختلف السلف في هذه المسألة وأطال الكلام فيه. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم النسائي.
"عن أنس بن مالك رجل إلخ": قال في المرقاة هو من بني عبد الله بن كعب على ما جزم به البخاري في ترجمته وجرى عليه أبو داوود فقال: رجل من بني عبد الله بن كعب إخوه قشير فهو كعبي لا قشيري خلافاً لما وقع لابن عبدالبر لأن كعباً له ابنان عبد الله جد أنس هذا وقشير وهو أخو عبد الله، وأما أنس بن مالك خادم النبي صلى الله عليه وسلم فهو أنصاري خزرجي انتهى "اجلس أحدثك عن الصلاة وعن الصيام إلخ": قال الخطابي: فيه أشياء ذات عدد مسوقة في الذكر مفترقة في الحكم، وذلك أن الشطر الموضوع من الصلاة يسقط لا إلى قضاء، والصوم يسقط في السفر ترخيصاً للمسافر ثم يلزمه القضاء إذا أقام. والحامل والمرضع يفطران إبقاء على الولد ثم يقضيان ويطعمان من أجل أن إفطارهما كان من أجل غير أنفسهما. وممن أوجب على الحامل والمرضع مع القضاء الإطعام مجاهد والشافعي وأحمد بن حنبل. وقال مالك: الحبلي تقضي ولا تكفر لأنها بمنزلة المريض، والمرضع تقضي وتكفر. وقال الحسن وعطاء: يقضيان
أني أراه إن قوما رغبوا عن هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يقول ذلك للذين صاموا ثم قال عند ذلك اللهم اقبضني إليك رواه أبو داود وغيره.
واحتجوا أيضا بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقبول رخصة الفطر فروى النسائي من حديث جابر يرفعه ليس من البر أن تصوموا في السفر وعليكم برخصة الله التي رخص لكم فاقبلوها.
واحتجوا أيضا بقوله صلى الله عليه وسلم في الذين صاموا أولئك العصاة رواه النسائي في قصة فطره عام الفتح.
واحتجوا أيضا بقول عبدالرحمن بن عوف الصائم في السفر كالمفطر في الحضر رواه النسائي ولا يصح رفعه وإنما هو موقوف.

(7/33)


وَالصّوْمَ عن المُسَافِرِ، وَعن المُرْضِعِ أو الْحُبْلَى[وعن المرضع والحبلى] وَالله لَقَدْ قَالَهُمَا جَمِيعاً أوْ أحَدَهُمَا". قال: فَتَلَهّفَتْ نَفْسِي أنْ لاَ أكُونَ أكَلْتُ مِنْ طَعَامِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
ولا يطعمان كالمريض، وهو قول الأوزاعي والثوري، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه "وضع شطر الصلاة": أي رفع نصف الصلاة الرباعية ابتداء عن المسافر ولا قضاء عليه "أو نصف الصلاة": شك من الراوي "والصوم": بالنصب عطف على شطر الصلاة "فتلهفت نفسي": أي تأسفت "أن لا أكون أكلت": أي على ترك أكلي من طعامه صلى الله عليه وسلم. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه. وقال الترمذي: حديث حسن ولا نعرف لأنس بن مالك هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم غير هذا الحديث الواحد. هذا آخر كلامه. وأنس هذا كنيته أبو أمية. وفي الرواية أنس بن مالك خمسة اثنان صحابيان هذا وأبو حمزة أنس بن مالك الأنصاري خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنس بن مالك والد الإمام مالك بن أنس بن مالك، روي عنه حديث في إسناده نظر، والرابع شيخ حمصي حدث والخامس كوفي حدث عن حماد بن أبي سليمان والأعمش وغيرهما والله أعلم.
واحتجوا أيضا بأن الله تعالى إنما أمر المسافر بالعدة من أيام أخر فهي فرضه الذي أمر به فلا يجوز غيره وحكى ذلك عن غير واحد من الصحابة.
وأجاب الأكثرون عن هذا بأنه ليس فيه ما يدل على تحريم الصوم في السفر على الإطلاق وقد أخبر أبو سعيد أنه صام مع النبي صلى الله عليه وسلم بعد الفتح في السفر.
قالوا وأما قوله ليس من البر الصيام في السفر فهذا خرج على شخص معين رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ظلل عليه وجهده الصوم فقال هذا القول أي ليس البر أن يجهد الإنسان نفسه حتى يبلغ بها هذا المبلغ وقد فسح الله له في الفطر فالأخذ إنما يكون بعموم اللفظ الذي يدل سياق الكلام على إرادته فليس من البر هذا النوع من الصيام المشار إليه في السفر.
وأيضا فقوله ليس من البر أي ليس هو أبر البر لأنه قد يكون الإفطار أبر منه إذا كان في حج أو جهاد يتقوى عليه وقد يكون الفطر في السفر المباح برا لأن الله تعالى أباحه ورخص فيه وهو سبحانه يحب أن يؤخذ برخصه وما يحبه الله فهو بر فلم ينحصر البر في الصيام في السفر وتكون من على هذا زائدة ويكون كقوله تعالى {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ} الآية وكقولك ما جاءني من أحد وفي هذا نظر وأحسن منه أن يقال إنها ليست بزائدة بل هي على حالها.
والمعنى أن الصوم في السفر ليس من البر الذي تظنونه وتتنافسون عليه فإنهم ظنوا أن الصوم هو

(7/34)


0000000000000000000000000
ـــــــ
الذي يحبه الله ولا يحب سواه وأنه وحده البر الذي لا أبر منه فأخبرهم أن الصوم في السفر ليس من هذا النوع الذي تظنونه فإنه قد يكون الفطر أحب إلى الله منه فيكون هو البر قالوا وأما كون الفطر كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم فالمراد به واقعة معينة وهي غزاة الفتح فإنه صام حتى بلغ الكديد ثم أفطر فكان فطره آخر أمريه لا أنه حرم الصوم ونظير هذا قول جابر كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مستة النار إنما هو في واقعة معينة دعي لطعام فأكل منه ثم توضأ وقام إلى الصلاة ثم أكل منه وصلى ولم يتوضأ فكان اخر الأمرين منه ترك الوضوء مما مست النار وجابر هو الذي روى هذا وهذا فاختصره بعض الرواة واقتصر منه على اخره ولم يذكر جابر لفظا عن النبي صلى الله عليه وسلم إن هذا آخر الأمرين مني وكذلك قصة الصيام وإنما حكوا ما شاهدوه أنه فعل هذا وهذا وآخرهما منه الفطر وترك الوضوء وإعطاء الأدلة حقها يزيل الاشتباه والاختلاف عنها وأما قصة دحية بن خليفة الكلبي فإنما أنكر فيها على من صام رغبة عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم وظنا أنه لا يسوع الفطر ولا ريب أن مثل هذا قد ارتكب منكرا وهو عاص بصومه والذين أمرهم الصحابة بالقضاء وأخبروا أن صومهم لا يجزيهم هم هؤلاء فإنهم صاموا صوما لم يشرعه الله وهو أنهم ظنوا أنه حتم عليهم كالمقيم ولا ريب أن هذا حكم لم يشرعه الله وهو أنهم ظنوا أنه حتم عليهم كالمقيم ولا ريب أن هذا حكم لم يشرعه الله فلم يمتثلوا ما أمروا به من الصوم فأمرهم الصحابة بالقضاء هذا أحسن ما حمل عليه قول من أفتى بذلك من الصحابة وعليه يحمل قول من قال منهم الصائم في السفر كالمفطر في الحضر وهذا من كمال فقههم ودقة نظرهم رضي الله عنهم قالوا وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم عليكم برخصة الله التي رخص لكم فاقبلوها فهذا يدل على أن قبول المكلف لرخصة الله واجب وهذا حق فإنه متى لم يقبل الرخصة ردها ولم يرها رخصة وهذا عدوان منه ومعصية ولكن إذا قبلها فإن شاء أخذ بها وإن شاء أخذ بالعزيمة هذا مع أن سياق الحديث يدل على أن الأمر بالرخصة لمن جهده الصوم وخاف على نفسه ومثل هذا يؤمر بالفطر فعن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر برجل في ظل شجرة يرش عليه الماء قال ما بال صاحبكم هذا قالوا يارسول الله صائم قال إنه ليس من البر أن تصوموا في السفر وعليكم برخصة الله التي رخص لكم فاقبلوها رواه النسائي قالوا وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم أولئك العصاة فذاك في واقعة معينة أراد منهم الفطر فخالفه بعضهم فقال هذا ففي النسائي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس معه فبلغه أن الناس شق عليهم الصيام فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب والناس ينظرون فأفطر بعض الناس وصام بعض

(7/35)


000000000000000000000000000
ـــــــ
فبلغه أن ناسا صاموا فقال أولئك العصاة فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما أفطر بعد العصر ليقتدوا به فلما لم يقتد به بعضهم قال أولئك العصاة ولم يرد بذلك تحريم الصيام مطلقا على المسافر والدليل عليه ما روى النسائي أيضا عن أبى هريرة قال أتى النبي صلى الله عليه وسلم بمر الظهران فقال لأبي بكر وعمر ادنيا فكلا فقالا إنا صائمان فقال أرحلوا لصاحبكم اعملوا لصاحبكم وأعله بالإرسال ومر الظهران أدنى إلى مكة من كراع الغميم فإن كراع الغميم بين يدي عسفان بنحو ثمانية أميال وبين مكة وعسفان ستة وثلاثون ميلا قالوا وأما احتجاجكم بالآية وأن الله أمر المسافر بعدة من أيام أخر فهي فرضه الذي لا يجوز غيره فاستدلال باطل قطعا فإن الذي أنزلت عليه هذه الآية وهو أعلم الخلق بمعناها والمراد منها قد صام بعد نزولها بأعوام في السفر ومحال أن يكون المراد منها ما ذكرتم ولا يعتقده مسلم فعلم أن المراد بها غير ماذكرتم فإما أن يكون المعنى فأفطر فعدة من أيام أخر كما قال الأكثرون أو يكون المعنى فعدة من أيام أخر تجزي عنه وتقبل منه ونحو ذلك فما الذي أوجب تعيين التقدير بأن عليه عدة من أيام أخر أو ففرضه ونحو ذلك وبالجملة ففعل من أنزلت عليه تفسيرها وتبيين المراد منها وبالله التوفيق وهذا موضع يغلط فيه كثير من قاصري العلم يحتجون بعموم نص على حكم ويغفلون عن عمل صاحب الشريعة وعمل أصحابه الذي يبين مراده ومن تدبر هذا علم به مراد النصوص وفهم معانيها وكان يدور بيني وبين المكيين كلام في الاعتمار من مكة في رمضان وغيره فأقول لهم كثرة الطواف أفضل منهافيذكرون قوله صلى الله عليه وسلم عمرة في رمضان تعدل حجة فقلت لهم في أثناء ذلك محال أن يكون مراد صاحب الشرع العمرة التي يخرج إليها من مكة إلى أدنى الحل وأنها تعدل حجة ثم لا يفعلها هو مدة مقامه بمكة أصلا لا قبل الفتح ولا بعده ولا أحد من أصحابه مع أنهم كانوا أحرص الأمة على الخير وأعلمهم بمراد الرسول وأقدرهم على العمل به ثم مع ذلك يرغبون عن هذا العمل اليسير والأجر العظيم يقدر أن يحج أحدهم في رمضان ثلاثين حجة أو أكثر ثم لا يأتي منها بحجة واحدة وتختصون أنتم عنهم بهذا الفضل والثواب حتى يحصل لأحدكم ستون حجة أو أكثر هذا ما لا يظنه من له مسكة عقل وإنما خرج كلام النبي صلى الله عليه وسلم على العمرة المعتادة التي فعلها هو وأصحابه وهي التي أنشأوا السفر لها من أوطانهم وبها أمر أم معقل وقال لها عمرة في رمضان تعدل حجة ولم يقل لأهل مكة اخرجوا إلى أدنى الحل فأكثروا من الاعتمار فإن عمرة في رمضان تعدل حجة ولا فهم هذا أحد منهم وبالله التوفيق

(7/36)


43 - باب من اختار الصيام
2406 - حدثنا مُؤَمّلُ بنُ الْفَضْلِ أخبرنا الْوَلِيدُ أخبرنا سَعِيدُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ حدّثَني إسْمَاعِيلُ بنُ عُبَيْدِ الله حَدّثَتْني أُمّ الدّرْدَاءِ عن أبي الدّرْدَاءِ قال: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في بَعْضِ غَزَوَاتِهِ في حَرَ شَدِيدٍ حَتّى إنّ أحَدَنَا لَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ أوْ كَفّهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدّةِ الْحَرّ مَا فِينَا صَائِمٌ إلاّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَعَبْدُ الله بنُ رَوَاحَةَ.
2407 - حدثنا حَامِدُ بنُ يَحْيَى أخبرنا هَاشِمُ بنُ الْقَاسِمِ ح. وأخبرنا عُقْبَةُ بنُ مُكْرَمٍ أخبرنا أبُو قُتَيْبَةَ المعنى قالا أخبرنا عَبْدُالصّمَدِ بنُ حَبِيبِ بنِ عَبْدِالله الأزْدِيّ،
ـــــــ
"باب من اختار الصيام"
"حدثتني أم الدرداء": الصغرى واسمها هجيمة التابعية وليست الكبرى المسماة خيرة الصحابية وكلتاهما زوجتا أبي الدرداء "عن أبي الدرداء": عويمر بن مالك الأنصاري الخزرجي "في بعض غزواته": زاد مسلم من طريق سعيد بن عبدالعزيز: هذا في شهر رمضان وليس ذلك في غزوة الفتح لأن عبد الله بن رواحة المذكور في هذا الحديث المذكور أنه كان صائماً استشهد بمؤتة قبل غزوة الفتح بلا خلاف لا في غزوة بدر لأن أبا الدرداء لم يكن حينئذ أسلم "ما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة": وهذا مما يؤيد أن هذا السفر لم يكن في غزوة الفتح، لأن الذين استمروا على الصيام من الصحابة كانوا جماعة، وفي هذا أنه ابن رواحة وحده. قاله القسطلاني. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم وابن ماجه.
"سنان بن سلمة بن المحبق": بفتح الموحدة المشددة وبكسر قال الطيبي بكسر الباء
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
واختلف أهل العلم في الأفضل من الصوم والفطر فذهب عبد الله بن عمرو وعبد الله بن عباس وسعيد بن المسيب والشعبي والأوزاعي وإسحاق وأحمد إلى أن الفطر أفضل وذهب أنس وعثمان بن أبى العاص إلى أن الصومم أفضل وهو قول الشافعي وأبى حنيفة مالك وذهب عمر بن عبدالعزيز ومجاهد وقتادة إلى أن أفضل الأمرين أيسرهما لقوله تعالى {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}.
وذهبت طائفة إلى أنهما سواء لا يرجح أحدهما على الآخر.
وذهبت طائفة إلى تحريم الصوم في السفر وأنه لا يجزي.
وقد علمت أدلة كل فريق مما تقدم.

(7/37)


قال حدّثَني حَبِيبُ بنُ عَبْدِالله، قال سَمِعْتُ سِنَانَ بنَ سَلَمَةَ بنِ المُحَبّقِ الْهُذَلِيّ يُحَدّثُ عن أبِيهِ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ كَانَتْ لَهُ حَمُولَةٌ تَأْوِي إلى شِبَعٍ فَلْيَصُمْ رَمَضَانَ حَيْثُ أدْرَكَهُ".
2408 - حدثنا نَصْرُ بنُ المُهَاجِرِ أخبرنا عَبْدُالصّمَدِ - يَعْني ابنَ عَبْدِالوَارِثِ أخبرنا عَبْدُالصّمَدِ بنُ حَبِيبٍ حدّثني أبي عن سِنَانِ بنِ سَلَمَةَ عن سَلَمَةَ بنِ المُحَبّقِ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أدْرَكَهُ رَمَضَانُ في السّفَرِ، فَذَكَرَ مَعْنَاهُ".

(7/38)


44 - باب متى يفطر المسافر إذا خرج
2409 - حدثنا عُبَيْدُالله بنُ عُمَرَ حدّثني عَبْدُالله بنُ يَزِيدَ ح. وأخبرنا جَعْفَرُ بنُ
ـــــــ
وأهل الحديث يفتحونها. قال القاري: قلت قول المحدثين أقوى من من اللغويين وأحرى كما لا يخفى "من كانت له حمولة": بفتح الحاء أي مركوب كل ما يحمل عليه من إبل أو حمار أو غيرهما وفعول يدخله الهاء إذا كان بمعنى مفعول أي من كان له دابة "تأوي": أي تأويه، فإن آوى لازم ومتعد على لفظ واحد. وفي الحديث يجوز الوجهان والمعنى تؤوي صاحبها أو تأوي بصاحبها "إلى شبع": بكسر الشين وسكون الموحدة ما أشبعك وبفتح الباء المصدر والمعنى الأول هنا أظهر والثاني يحتاج إلى تقدير مضاف وهو في الرواية أكثر يعني من كانت له حمولة تأويه إلى حال شبع ورفاهية أو إلى مقام يقدر على الشبع فيه ولم يلحقه في سفره وعثاء ومشقة وعناء "فليصم رمضان حيث أدركه": أي رمضان. قال الطيبي: الأمر فيه محول على الندب والحث على الأولى والأفضل للنصوص الدالة على جواز الإفطار في السفر مطلقاً. وقال المظهر:يعني من كان راكباً وسفره قصير بحيث يبلغ إلى المنزل في يومه فليصم رمضان. وقال داوود: يجوز الإفطار في السفر أي قدر كان. قاله علي القاري. قال المنذري: في إسناده عبدالصمد بن حبيب الأزدي العوذي المصري. قال يحيى ابن معين: ليس به بأس. وقال أبو حاتم الرازي يكتب حديثه وليس بالمتروك. وقال يحيى من كبار الضعفاء. قال البخاري: لين الحديث ضعفه أحمد. وقال البخاري أيضاً: عبد الصمد بن حبيب منكر الحديث ذاهب ولم يعد البخاري هذا الحديث شيئاً. وقال أبو حاتم الرازي: لين الحديث ضعفه أحمد بن حنبل. وذكر له أبو جعفر العقيلي هذا الحديث وقال لا يتابع عليه ولا يعرف إلا به والله أعلم.
"باب متى يفطر المسافر إذا خرج"
"عبيد الله بن عمر": البصري القواريري "حدثني عبد الله بن يزيد": أبو عبد الرحمن

(7/38)


مُسَافِرٍ أخبرنا عَبْدُالله بنُ يَحْيَى المعنى حدّثني سَعِيدٌ - يعْني ابنَ أبي أيّوبَ - زَادَ جَعْفَرٌ وَ اللّيْثُ قال حدّثني يَزِيدُ بنُ أبي حَبِيبٍ أنّ كُلَيْبَ بنَ ذُهْلٍ الْحَضْرَمِيّ أخْبَرَهُ عن عُبَيْدٍ، قال جَعْفَرُ بنُ جَبْرٍ قال: كُنْتُ مَعَ أبي بَصْرَةَ الْغِفّارِيّ صَاحِبِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في
ـــــــ
المصري نزيل مكة "أخبرنا عبد الله بن يحيى": المعافري البرلسي "المعنى": أي معنى حديث عبد الله بن يزيد وعبد الله بن يحيى واحد "حدثني": أي قال كل واحد منهما حدثني سعيد بن أبي أيوب "زاد جعفر": أي قال جعفر بن مسافر في روايته عن عبد الله بن يحيى "والليث": بالرفع أي حدثني سعيد والليث "قال": أي سعيد بن أبي أيوب وكذا قال الليث "حدثني يزيد بن أبي حبيب": والحاصل أن في رواية عبيد الله بن عمر واسطة سعيد بن أبي أيوب بين عبد الله بن يزيد ويزيد بن أبي حبيب، وفي رواية جعفر واسطة الليث بن سعد أيضاً بين عبد الله بن يحيى ويزيد بن أبي حبيب.
وأخرج أحمد في مسنده من طريق أبي عبد الرحمن حدثنا سعيد بن أبي أيوب حدثني يزيد بن أبي حبيب أن كليب بن ذهل أخبره فذكر الحديث نحوه.
وأخرج أحمد حديثاً آخر غير هذا الحديث من طريق حجاج ويونس قالا حدثنا الليث حدثني يزيد بن أبي حبيب فذكره "عن عبيد": بغير ذكر نسب هكذا في رواية عبيد الله بن عمر "قال جعفر": بن مسافر في روايته "ابن جبر": أي عبيد بن جبير ولفظ جبر هكذا وقع بفتح الجيم
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وقد روى الترمذي عن محمد بن كعب قال أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفرا وقد رحلت له راحلته ولبس ثياب السفر فدعا بطعام فأكل فقلت له سنة فقال سنة ثم ركب قال الترمذي هذا حديث حسن وفيه حجة لمن جوز للمسافر الفطر في يوم سافر في أثنائه وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد وقول عمرو بن شرحبيل والشعبي وإسحاق وحكاه عن أنس وهو قول داود وابن المنذر.
وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة لا يفطر وهو قول الزهري والأوزاعي ومكحول.
وفي المسألة قول شاذ جدا لا يلتفت إليه وهو إنه إن دخل عليه الشهر وهو مقيم ثم سافر في أثنائه لم يجز له الفطر ولا يفطر حتى يدخل عليه رمضان مسافرا وهذا قول عبيدة السلماني وأبى مجلز وسويد بن غفلة وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الفتح في رمضان فصام وأفطر.

(7/39)


سَفِينَةٍ مِنَ الْفُسْطَاطِ في رَمَضَانَ فَرُفِعَ ثُمّ قُرّبَ غَذَاؤُهُ[غداه] قال جَعْفَرٌ في حَدِيثِهِ فَلَمْ يُجَاوِزْ الْبُيُوتَ حَتّى دَعَا بالسّفْرَةِ، قال: اقْتَرِبْ، قُلْتُ: ألَسْتَ تَرَى الْبُيُوتَ؟ قال أبُو بَصْرَةَ: أتَرْغَبُ عن سُنّةِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قال جَعْفَرٌ في حَدِيثِهِ: فأكَلَ.
ـــــــ
مكبراً في نسخ الكتاب وهكذا في الخلاصة وأما في الميزان والتقريب فبضم الجيم مصغراً. قال الحافظ: هو القبطي مولى أبي بصرة، وذكر يعقوب بن سفيان في الثقات وقال ابن خزيمة لا أعرفه انتهى "في سفينة من الفسطاط": بضم الفاء أو كسرها فسكون السين المدينة التي فيها مجمع الناس ويقال لمصر والبصرة الفسطاط قاله السندي وفي النيل: هو اسم علم لمصر العتيقة التي بناها عمرو بن العاص انتهى. والجار والمجرور صفة سفينة أي خرجت السفينة من الفسطاط. وفي رواية لأحمد قال ركبت مع أبي بصرة من الفسطاط إلى الإسكندرية في سفينة. وفي رواية له ركبت مع أبي بصرة السفينة وهو يريد الإسكندرية "فرفع": بالراء بصيغة المجهول أي رفع أبو بصرة ومن كان معه على السفينة. وفي رواية لأحمد فدفع بالدال وهو الواضح وفي رواية له: فلما دفعنا من مرسانا أمر بسفرته فقربت "غداؤه": أي طعام أول النهار "قال": أبو بصرة "اقترب": أي لأجل الطعام، وفي رواية لأحمد ثم دعاني إلى الغداء "ألست ترى البيوت": وفي رواية لأحمد ما تغيب عنا منازلنا بعد "أترغب عن سنة رسول الله": وأخرج الترمذي من حديث محمد بن كعب قال: أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد السفر، أو قد رحلت له راحلته ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل، فقلت له سنة؟ فقال سنة. ثم ركب انتهى.
وقول الصحابي من السنة ينصرف إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد صرح هذان الصحابيان بأن الإفطار للمسافر قبل مجاوزة البيوت من السنة. قال الخطابي: فيه حجة لمن رأى للمقيم ذي الصيام إذا سافر من يومه أن يفطر، وهو قول الشعبي وإليه ذهب أحمد بن حنبل، وعن الحسن أنه قال يفطر إن شاء وهو في بيته يوم يريد أن يخرج. وقال إسحاق بن راهويه: إذا وضع رجله في الرحل فله أن يفطر، وحكاه عن أنس بن مالك وشبهوه بمن أصبح صائماً ثم مرض في يومه فإن له أن يفطر من أجل المرض قالوا فكذلك من أصبح صائماً، ثم سافر لأن كل واحد من الأمرين سبب للرخصة حدث بعد ما مضى شيء من النهار.
قلت: والسفر لا يشبه المرض لأن السفر من فعله وهو الذي ينشئه باختياره والمرض شيء يحدث عليه لا باختياره، فهو يعذر فيه ولا يعذر في السفر الذي فعل نفسه. ولو كان في الصلاة فمرض كان له أن يصلي قاعداً، ولو سافر وهو صائم لم يكن له أن يفطر. وقال أبو حنيفة وأصحابي: لا يفطر إذ سافر يومه ذلك، وهو قول مالك والأوزاعي والشافعي، وروى ذلك عن

(7/40)


45 - باب قدر مسيرة ما يفطر فيه
2410 - حدثنا عِيسَى بنُ حَمّادٍ أنْبأنَا اللّيْثُ - يَعْني ابنَ سَعْدٍ - عن يَزِيدَ بنِ أبي حَبِيبٍ عن أبي الخَيْرِ عن مَنْصُورٍ الْكَلْبَيّ أنّ دِحْيَةَ بنَ خَلِيفَةَ خَرَجَ مِنْ قَرْيَةٍ مِنْ دِمَشْقَ مَرّةً إلى قَدْرِ قَرْيَةِ عَقَبَةَ مِنَ الْفُسْطَاطِ، وذلك ثَلاَثَةُ أمْيَالٍ في رَمَضَانَ، ثُمّ إنّهُ أفْطَرَ
ـــــــ
النخعي ومكحول والزهري. قلت: وهذا أحوط الأمرين. والإقامة إذا اختلط حكمها بحكم السفر غلب حكم المقام انتهى كلامه. وقال الشوكاني: والحديث سكت عنه أبو داوود والمنذري والحافظ في التلخيص ورجال إسناده ثقات. وأخرج البيهقي عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل أنه كان يسافر وهو صائم فيفطر من يومه.
"باب قدر مسيرة ما يفطر فيه"
"أن دحية بن خليفة": الكلبي صحابي جليل نزل المزة. كذا في التقريب "خرج من قرية" له يقال لها مزة بكسر الميم وتشديد الزاي هي قرية كبيرة في سفح الجبل من أعلى دمشق. كذا في المراصد "من دمشق": أي قرية كائنة من أعمال دمشق، وعند أحمد أنه خرج من قريته "إلى قدر قرية عقبة": بفتح العين المهملة وبفتح القاف بإضافة قرية إلى عقبة "من الفسطاط": واعلم أن
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
قال المجوزون للفطر في مطلق السفر هب أن حديث دحية لم يثبت فقد أطلقه الله تعالى ولم يقيده بحد كما أطلقه في آية التيمم فلا يجوز حده إلا بنص من الشارع أو إجماع من الأمة وكلاهما مما لا سبيل إليه كيف وقد قصر أهل مكة مع النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة ومزدلفة ولا تأثير للنسك في القصر بحال فإن الشارع إنما علل القصر بالسفر فهو الوصف المؤثر فيه وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمي مسيرة البريد سفرا في قوله لا يحل لإمرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر بريدا إلا مع ذي محرم وقال تعالى {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} وهذا يدخل فيه كل سفر طويل أو قصير وقال صلى الله عليه وسلم "إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حقها من الأرض وإذا سافرتم في الجدب فبادروا بها نقبها" وهذا يعم كل سفر ولم يفهم منه أحد اختصاصه باليومين فما زاد ونهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو ونهى أن يسافر الرجل وحده وأخبر أن دعوة المسافر مستجابة وكان نيتعوذ من وعثاء السفر وكان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه.
ومعلوم أن شيئا من هذه الأسفار لا يختص بالطويل ولا أنه لو سافر دون اليومين لم يقرع بين نسائه ولم يقض للمقيمات فما الذي أوجب تخصيص اسم السفر بالطويل بالنسبة إلى القصر والفطر دون غيرهما.

(7/41)


وَأفْطَرَ مَعَهُ نَاسٌ، وَكَرِهَ آخَرُونَ أنْ يُفْطِرُوا، فَلَمّا رَجَعَ إلى قَرْيَتِهِ قال: وَالله لَقَدْ رَأيْتُ الْيَوْمَ أمْراً ما كُنْتُ أظُنّ أنّي أراهُ أنّ قَوْماً رَغِبُوا عن هَدْيِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَأصْحَابِهِ يَقُولُ: ذَلِكَ لِلّذِينَ صَامُوا، ثُمّ قالَ عِنْدَ ذَلِكَ: "اللّهُمّ اقْبِضْني إلَيكَ".
ـــــــ
ظاهر العبارة يدل على أن عقبة قرية من الفسطاط، ومن المعلوم أن الفسطاط يقال لمصر والبصرة فعلى هذا المسافة التي بين قرية عقبة وبين الفسطاط هي مقدار المسافة التي كانت بين مزة وبين الموضع الذي خرج إليه دحية الكلبي. والمسافة بين عقبة وبين الفسطاط هي ثلاثة أميال كما ذكره الراوي. لكن لفظ أحمد في مسنده من طريق حجاج ويونس قالا حدثنا الليث حدثني يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن منصور الكلبي عن دحية بن خليفة أنه خرج من قريته إلى قريب من قرية عقبة في رمضان فذكر الحديث، وهذا رواه أحمد في مسند أبي بصرة الغفاري لا في مسند دحية الكلبي.
ومعنى الحديث على رواية أحمد أن دحية الكلبي خرج من قريته مزة إلى قريب من قرية عقبة فتكون المسافة بين مزة وبين عقبة ثلاثة أميال والله أعلم. كذا في الشرح "ثم إنه أفطر وأفطر معه ناس": قال الخطابي: في هذا حجة لمن لم يجد السفر الذي يترخص فيه للإفطار إلا في سفر يجوز فيه القصر، وهو عند أهل العراق ثلاثة أيام، وعند أكثر أهل الحجاز ليلتان أو نحوهما، وليس الحديث بالقوي، وفيه رجل ليس بالمشهور، ثم إن دحية لم يذكر فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفطر في قصر السفر، وإنما قال قوماً رغبوا عن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولعلهم إنما رغبوا عن قبول الرخصة في الإفطار أصلاً. وقد يحتمل أن يكون دحية إنما صار في ذلك إلى ظاهر اسم السفر، وقد خالفه غير واحد من الصحابة، وكان ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما لا يريان القصر والإفطار في أقل من أربعة برد وهما أفقه من دحية وأعلم بالسنن. انتهى.
قالوا: وأين معنا في الشريعة تقسيم الشارع السفر إلى طويل وقصير واختصاص أحدهما بأحكام لا يشاركه فيها الآخر.
ومعلوم أن إطلاق السفر لا يدل على اختصاصه بالطويل ولم يبين النبي صلى الله عليه وسلم مقداره وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع فسكوته عن تحديده من أظهر الأدلة على أنه غير محدود شرعا.
قالوا والذين حددوه مع كثرة اختلافهم وانتشار أقوالهم ليس معهم نص بذلك وليس حد بأولى من حد ولا إجماع في المسألة فلا وجه للتحديد وبالله التوفيق.

(7/42)


2411 - حدثنا مُسَدّدٌ حدثنا المُعْتَمِرُ عن عُبَيْدِ الله عن نَافِعٍ: أنّ ابنَ عُمَرَ كَانَ يَخْرُجُ إلَى الْغَابَةِ فَلاَ يُفْطِرُ وَلاَ يَقْصُرُ.

(7/43)


46 - باب من يقول صمت رمضان كله
2412 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عن المُهَلّبِ بن أبي حَبِيبَةَ أخبرنا الْحَسَنُ عنْ أبي بَكَرَةَ قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَقُولَنّ أحَدُكُمْ إنّي صُمْتُ رَمَضَانَ كُلّهُ وَقُمْتُهُ كُلّهُ فَلاَ أدْرِي أكَرِهَ التّزْكِيَةَ أوْ قالَ لاَ بُدّ مِنْ نَوْمَةٍ أوْ رَقْدَةٍ".
ـــــــ
قال المنذري: قال الخطابي: وليس الحديث بالقوي، في إسناده رجل ليس بالمشهور، وهو بشير بن أبي منصور الكلبي، فإن رجال الإسناد جميعهم ثقات يحتج بهم في الصحيح سواه، وهو مصري روى عنه أبو الخير يزيد بن عبد الله اليزني ولم أجد من رواه عنه سواه، فيكون مجهولاً كما ذكره الخطابي. ولم يزد فيه البخاري على منصور الكلبي. وقال ابن يونس في تاريخ المصريين: منصور بن سعيد بن الأصبغ الكلبي. وقال البيهقي: والذي روينا عن دحية الكلبي ذلك، فكأنه ذهب فيه إلى ظاهر الآية في الرخصة في السفر. وأراد بقوله رغبوا عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في قبول الرخصة لا في تقدير السفر الذي أفطر فيه.
"ابن عمر كان يخرج إلى الغابة": وهو موضع قريب من المدينة من عواليه كذا في مجمع البحار. وقال في المراصد: موضع قرب المدينة من ناحية الشام فيه أموال لأهل المدينة من طرفائه صنع منبر النبي صلى الله عليه وسلم، وهو على بريد منها انتهى. والحديث سكت عنه المنذري.
"باب من يقول صمت رمضان كله"
"لا يقولن أحدكم": النهي ليس راجعاً إلى ذكر رمضان بلا شهر وإنما هو راجع إلى نسبة الصوم إلى نفسه فيه كله مع أن قبوله عند الله تعالى في محل الخطر "فلا أدري": قائل هذا القول الحسن البصري بينه أحمد قال حدثنا يزيد أخبرنا همام عن قتادة عن الحسن عن أبي بكرة مرفوعاً "لا يقولن أحدكم صمت رمضان كله ولا قمته كله" قال الحسن: والله أعلم أخاف على أمته التزكية إذ لا بد من راقد أو غافل. وقال أحمد: وقال يزيد مرة قال قتادة: والحديث أخرجه أحمد من عدة طرق من طريق يحيى بن سعيد عن مهلب بن أبي حبيبة كما عند المؤلف وليس فيه ذكر القائل. ومن طريق محمد بن جعفر وعبد الوهاب كلاهما عن سعيد عن قتادة عن الحسن عن أبي بكرة مرفوعاً "لا يقولن أحدكم قمت رمضان كله" قال فالله تبارك وتعالى أعلم

(7/43)


47 - باب في صوم العيدين
2413 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ وَ زُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ وَهَذَا حَدِيثُهُ قالا أخبرنا سُفْيَانُ عن الزّهْرِيّ عن أبي عُبَيْدٍ قال: شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ، فَبَدَأ بالصّلاَةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ ثُمّ قال إنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهَى عنْ صِيَامِ هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ: أمّا يَوْمُ الأضْحَى، فَتَأْكُلُونَ مِنْ لَحْمِ نُسُكِكُمْ وَأمّا يَوْمُ الْفِطْرِ فَفِطْرُكُمْ مِنْ صِيَامِكُم.
ـــــــ
أخشى على أمته أن تزكي أنفسها قال عبدالوهاب: فالله أعلم أخشى التزكية على أمته أو قال لا بد من نوم أو غفلة ومن طريق يزيد وعفان كلاهما عن همام أخبرنا قتادة عن الحسن عن أبي بكرة مرفوعاً "لا يقولن أحدكم قمت رمضان كله" قال قتادة: فالله تبارك وتعالى أعلم أخشى على أمته التزكية. قال عفان أو قال لا بد من راقد أو غافل. ومن طريق بهز حدثنا همام أخبرنا قتادة عن الحسن عن أبي بكرة مرفوعاً قال "لا يقولن أحدكم إني قمت رمضان كله" قال قتادة: فالله أعلم أخشى التزكية على أمته أو يقول لا بد من راقد أو غافل. وفي هذه الروايات أن قائله قتادة "لا بد من نومة أو رقدة": قال السندي: لا يخفى أن النوم لا ينافي الصوم، فهذا التعليل يفيد منع أن يقول صمته وقمته جميعاً لا أن يقول صمته، ويمكن أن يكون وجه المنع أن مدار الصيام والقيام على القبول وهو مجهول. ولفظ النسائي من هذا الوجه "أو قال لا بد من غفلة ورقدة" أي فيعصي في حال الغفلة بوجه لا يناسب الصوم، فكيف يدعي بعد ذلك الصوم لنفسه. قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"باب في صوم العيدين"
"أما يوم الأضحى فتأكلون": خبر اليوم "من لحم نسككم": بضم السين ويجوز سكونها أي أضحيتكم. قال في فتح الباري: وفائدة وصف اليومين الإشارة إلى العلة في وجوب فطرهما وهي الفصل من الصوم وإظهار تمامه وحده بفطر ما بعده، والآخر لأجل النسك المتقرب بذبحه ليؤكل منه، ولو شرع صومه لم يكن لمشروعية الذبح فيه معنى، فعبر عن علة التحريم بالأكل من النسك لأنه يستلزم النحر. وقوله هذين فيه التغليب وذلك أن الحاضر يشار إليه بهذا والغائب يشار إليه بذلك، فلما أن جمعهما اللفظ قال هذين تغليباً للحاضر على الغائب. قاله القسطلاني. قال النووي: وقد أجمع العلماء على تحريم صوم هذين اليومين لكل حال سواء صامهما عن نذر أو تطوع أو كفارة أو غير ذلك، ولو نذر صومهما متعمداً لعينهما قال الشافعي والجمهور: لا ينعقد نذره ولا يلزمه قضاؤهما. وقال أبو حنيفة: ينعقد ويلزمه قضاؤهما، قال

(7/44)


2414 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا وُهَيْبٌ أخبرنا عَمْرُو بنُ يَحْيَى عنْ أبِيهِ عن أبي سَعِيدِ الخُدْرِيّ قالَ: نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ يَوْمِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ الأضْحَى، وَعَنْ لِبْسَتَيْنِ الصَمّاءِ وَأنْ يَحْتَبِيَ الرّجُلُ في الثّوْبِ الْوَاحِدِ، وَعَنِ الصّلاَةِ في سَاعَتَيْنِ بَعْدَ الصّبْحِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ.

(7/45)


48 - باب صيام أيام التشريق
2415 - حدثنا عَبْدُالله بنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن يَزِيدَ بنِ الهَادِ عنْ أبي مُرّةَ مَوْلَى أُمّ هَانِىءٍ: أنّهُ دَخَلَ مَعَ عَبْدِالله بنِ عَمْرٍو عَلَى أبِيهِ عَمْرِو بنِ الْعَاصِ[العاصي] فَقَرّبَ إلَيْهِمَا طَعَاماً فقَالَ كُلْ قال إنّي صَائِمٌ، فقال عَمْرٌو كُلْ فَهَذِهِ الأيّامُ الّتي كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُنَا بِإفْطَارِهَا وَيَنْهَى[وينهانا] عنْ صِيَامِهَا. قال مَالِكٌ: وَهِيَ أيّامُ التّشْرِيقِ.
ـــــــ
فإن صامهما أجزأه وخالف الناس كلهم في ذلك والله أعلم انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه بمعناه أتم منه.
"عن لبستين الصماء": بفتح الصاد المهملة وتشديد الميم والمد قال الفقهاء أن يشتمل بثوب واحد ليس عليه غيره ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبيه فيبدو منه فرجه، وتعقب هذا التفسير بأنه لا يشعر به لفظ الصماء، والمطابق له ما نقل عن الأصمعي وهوأن يشتمل بالثوب يستر به جميع بدنه بحيث لا يترك فرجة يخرج منها يده حتى لا يتمكن من إزالة شيء يؤذيه بيديه "وأن يحتبىء الرجل": زاد الإسماعيلي: لا يواري فرجه بشيء "في ساعتين بعد": صلاة "الصبح": حتى ترتفع الشمس "وبعد": صلاة "العصر": حتى تغيب الشمس إلا لسبب. قاله القسطلاني. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي وقد تقدم الكلام على الصماء والاحتباء والصلاة.
"باب صيام أيام التشريق"
"يأمرنا بإفطارها وينهي عن صيامها": قال النووي: فيه دليل لمن قال لا يصح صومها بحال وهو أظهر القولين في مذهب الشافعي، وبه قال أبو حنيفة وابن المنذر وغيرهما. وقال جماعة من العلماء: يجوز صيامها لكل أحد تطوعاً وغيره، حكاه ابن المنذر عن الزبير بن العوام وابن عمر وابن سيرين وقال مالك والأوزاعي وإسحاق والشافعي في أحد قوليه: يجوز

(7/45)


2416 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ أخبرنا وَهْبٌ أخبرنا مُوسَى بنُ عَلِيّ ح. وَأخبرنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا وَكِيعٌ عن مُوسَى بنِ عَلِيّ وَالإخْبَارُ في حَدِيثِ وَهْبٍ، قال سَمِعْتُ أبي أنّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بنَ عَامِرٍ قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : "يَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ النّحْرِ وَأيّامُ التّشْرِيقِ عِيدُنَا أهْلَ الإسْلاَمِ وَهِيَ أيّامُ أكْلٍ وَشُرْبٍ".

(7/46)


49 - باب النهي أن يخص يوم الجمعة بصوم
2417 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا أبُو مُعَاوِيَةَ عن الأعْمَشِ عن أبي صَالِحٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَصُمْ[لايصوم] أحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إلاّ أنْ يَصُومَ قَبْلَهُ بِيَوْمٍ أوْ بَعْدَهُ".
ـــــــ
صومها للمتمتع إذا لم يجد الهدي ولا يجوز لغيره، واحتج هؤلاء بحديث البخاري في صحيحه عن ابن عمر وعائشة قالا: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي "قال مالك وهي أيام التشريق": ويقال لها أيضاً الأيام المعدودات وأيام منى، وهي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة. واختلفوا في تعيين أيام التشريق والأصح أن أيام التشريق ثلاثة بعد يوم النحر سميت بذلك لتشريق الناس لحوم الأضاحي فيها وهو تقديدها ونشرها في الشمس.
"أهل الإسلام": نصب على الاختصاص "وهي أيام أكل وشرب": قال الخطابي: وهذا أيضاً كالتعليل في وجوب الإفطار فيها فإنها مستحقة لهذا المعنى فلا يجوز صيامها ابتداء تطوعاً ولا نذراً ولاعن صوم التمتع إذا لم يكن المتمتع صام الثلاثة الأيام في العشر وهو قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه والحسن وعطاء وغالب مذهب الشافعي. وقال مالك والأزاعي وإسحاق بن راهويه: يصوم المتمتع أيام التشريق إذا فاتته الثلاث في العشر. وروى ذلك عن ابن عمر وعائشة وعروة بن الزبير رضي الله عنهم. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي:حسن صحيح.
"باب النهي أن يخص يوم الجمعة بصوم"
"لا يصم أحدكم يوم الجمعة": بلفظ النهي "إلا أن يصوم قبله بيوم أو بعده": قال في فتح
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وقد أخرجا في الصحيحين عن محمد بن عباد بن جعفر قال:

(7/46)


0000000000000000000000000000
ـــــــ
الباري: ويؤخذ من الاستثناء جوازه لمن صام قبله أو بعده أو اتفق وقوعه في أيام له عادة بصومها كمن يصوم أيام البيض أو من له عادة بصوم يوم معين كيوم عرفة فوافق يوم الجمعة، ويؤخذ منه جواز صومه لمن نذر يوم قدوم زيد مثلاً أو يوم شفاء فلان انتهى. قال النووي: قال العلماء: والحكمة في النهي عنه أن يوم الجمعة يوم دعاء وذكر وعبادة من الغسل والتبكير إلى الصلاة وانتظارها واستماع الخطبة وإكثار الذكر بعدها لقول الله تعالى {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً} وغير ذلك من العبادات في يومها، فاستحب الفطر فيه ليكون أعون له على هذه الوظائف وأدائها بنشاط وانشراح لها والتذاذ بها من غير ملل ولا سآمة انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
سألت جابرا أنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الجمعة قال نعم وروى البخاري في صحيحه عن جويرية بنت الحرث أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليهايوم الجمعة وهي صائمة فقال أصمت أمس قالت لا قال تريدين أن تصومي غدا قالت لا قال فأفطري وفي صحيح مسلم عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم" وروى الإمام أحمد في مسنده عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة يوم عيد فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده وعند النسائي عن عبد الله بن عمرو القاري قال سمعت أبا هريرة يقول ما أنا نهيت عن صيام يوم الجمعة محمد صلى الله عليه وسلم ورب البيت نهى عنه وروى النسائي أيضا عن محمد بن سيرين عن أبى الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ياأبا الدرداء لا تخص يوم الجمعة بصيام دون الأيام ولا تخص ليلة الجمعة بقيام دون الليالي"
فذهب طائفة من أهل العلم إلى القول بهذه الأحاديث منهم أبو هريرة وسلمان وقال به أحمد والشافعي وقال مالك وأبو حنيفة لا يكره وفي الموطأ قال مالك لم أسمع أحدا من أهل العلم والفقه ومن يقتدى به ينهي عن صيام يوم الجمعة وصيامه حسن وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه وأراه كان يتحراه قال الداودي لم يبلغ مالكا هذا الحديث ولو بلغه لم يخالفه وقد روى النسائي عن زر بن حبيش عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر وقلما رأيته يفطر يوم الجمعة وإسناده صحيح ولا معارضة بينه وبين أحاديث النهي إذ ليس فيه أنه كان يفرده بالصوم والنهي إنما هو عن الإفراد فمتى وصلهن بغيره زال النهي

(7/47)


50 - باب النهي أن يخص يوم السبت بصوم
2418 - حدثنا حُمَيْدُ بنُ مَسْعَدَةَ أخبرنا سُفْيَانُ بنُ حَبِيبٍ ح. وحدثنا يَزِيدُ بنُ قُبَيْسٍ مِنْ أهْلِ جَبَلَةَ أخبرنا الْوَلِيدُ جَمِيعاً عنْ ثَوْرِ بنِ يَزِيدَ عنْ خَالِدِ بنِ مَعْدَانَ عَن عَبْدِالله بن بُسْرٍ السّلَمِيّ عنْ أُخْتِهِ، وَقال يَزِيدُ الصّمّاءُ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "لاَ تَصُوموا يَوْمَ السّبْتِ إلاّ فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُم وَإنْ لَمْ يَجِدْ أحَدُكُمْ إلاّ لِحَاءَ عِنَبٍ[عنبة] أوْ عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضَغْهُ[ فليمضغها]".
ـــــــ
"باب النهي أن يخص يوم السبت بصوم"
"يزيد بن قبيس": بموحدة ومهملة مصغر بن سليمان الشامي ثقة كذا في التقريب "من أهل جبلة": بالتحريك قلعة مشهورة بساحل الشام من أعمال اللاذقية قرب حلب. كذا في المراصد "عن عبد الله بن بسر": بضم الموحدة وسكون السين "قال يزيد": بن قبيس دون حميد بن مسعدة "الصماء": أي عن اخته الصماء، فالصماء اسم أخت عبد الله بن بسر. وقال في المرقاة: الصماء بتشديد الميم اسمها بهية وتعرف بالصماء "لا تصوموا يوم السبت": أي وحده "إلا فيما افترض": بصيغة المجهول "عليكم": أي ولو بالنذر. قال الطيبي: قالوا النهي عن الإفراد كما في الجمعة، والمقصود مخالفة اليهود فيهما، والنهي فيهما للتنزيه عند الجمهور. وما افترض يتناول
قال الحافظ شمس الدين القيم رحمه الله:
حديث عبد الله بن بسر هذا رواه جماعة عن خالد بن معدان عن عبد الله بن بسر عن أخته الصماء ورواه النسائي عن عبد الله بن بسر عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواه أيضا عن الصماء عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم فهذه ثلاثة أوجه.
وقد أشكل هذا الحديث على الناس قديما وحديثا فقال أبو بكر الأثرم سمعت أبا عبد الله يسأل عن صيام يوم السبت يفرد به فقال أما صيام يوم السبت يفرد به فقد جاء فيه ذلك الحديث حديث الصماء يعني حديث ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن عبد الله بن بسر عن أخته الصماء عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم" قال أبو عبد الله يحيى بن سعيد ينفيه أبى أن يحدثني به وقد كان سمعه من ثور قال فسمعته من أبي عاصم قال الأثرم حجة أبي عبد الله في الرخصة في صوم يوم السبت أن الأحاديث كلها مخالفة لحديث عبد الله بن بسر منها حديث أم سلمة حين سئلت أي الأيام كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر صياما لها فقالت السبت والأحد ومنها حديث جويرية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها يوم الجمعة: "أصمت أمس؟ قالت: لا.قال: "أتريدين أن

(7/48)


قَالَ أبُو دَاوُدَ: هذا الحَدِيثُ مَنْسُوخٌ.
ـــــــ
المكتوب والمنذور وقضاء الفوائت وصوم الكفارة، وفي معناه ما وافق سنة مؤكدة كعرفة وعاشوراء أو وافق ورداً. وزاد ابن الملك: وعشر ذي الحجة أو في خير الصيام صيام داوود فإن المنهى عنه شدة الاهتمام والعناية به حتى كأنه يراه واجباً كما تفعله اليهود. قلت: فعلى هذا يكون النهي للتحريم، وأما على غير هذا الوجه فهو للتنزيه بمجرد المشابهة: قال الطيبي: واتفق الجمهور على أن هذا النهي والنهي عن إفراد الجمعة نهي تنزيه لا تحريم "فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنب": هكذا في بعض النسخ وفي بعضها عنبة قال في القاموس: العنب معلوم واحدته عنبة انتهى واللحاء بكسر اللام قال التوربشتي: اللحاء ممدود وهو قشر الشجر، والعنبة هي الحبة من العنب. وفي المرقاة: قشر حبة واحدة من العنب استعارة من قشر العود "أو عود شجرة": عطفاً على اللحاء "فليمضغه": بفتح الضاد ويضم في القاموس: مضغه كمنعه ونصره لاكه بأسنانه، وهذا تأكيد بالإفطار لنفي الصوم. قاله علي القاري. قال المنذري: قال أبو داوود: هذا الحديث منسوخ، وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وقال الترمذي حديث حسن هذا آخر كلامه وقيل إن الصماء أخت بسر. وروي هذا الحديث من حديث عبد الله بن بسر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن حديث أبيه بسر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث الصماء عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال النسائي: هذه أحاديث مضطربة انتهى كلام المنذري: والحديث أخرجه أحمد والدارمي وصححه الحاكم على شرط البخاري وقال النووي: صححه الأئمة "قال أبو داوود: هذا الحديث منسوخ": ذهب إلى نسخه المؤلف. وقد طعن في هذا الحديث
تصومي غدا فالغد هو يوم السبت. وحديث أبى هريرة نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الجمعة إلا مقرونا بيوم قبله أو يوم بعده فاليوم الذي بعده هو يوم السبت وقال "من صام رمضان وأتبعه بست من شوال" وقد يكون فيها السبت وأمر بصيام الأيام البيض وقد يكون فيها السبت ومثل هذا كثير فقد فهم الأثرم من كلام أبي عبد الله أنه توقف عن الأخذ بالحديث وأنه رخص في صومه حيث ذكر الحديث الذي يحتج به في الكراهة وذكر أن الإمام علل حديث يحيى بن سعيد وكان ينفيه وأبى أن يحدث به فهذا تضعيف للحديث.
واحتج الأثرم بما ذكر في النصوص المتواترة على صوم يوم السبت يعني ان يقال يمكن حمل النصوص الدالة على صومه على ما إذا صامه مع غيره وحديث النهي على صومه وحده وعلى هذا تتفق النصوص.
وهذه طريقة جيدة لولا أن قوله في الحديث "لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم"

(7/49)


0000000000000000000
ـــــــ
جماعة من الأئمة مالك بن أنس وابن شهاب الزهري والأوزاعي والنسائي، فلا تغتر بتحسين الترمذي وتصحيح الحاكم، وإن ثبت تحسينه فلا يعارض حديث جويرية بنت الحارث الذي اتفق عليه الشيخان.
دليل على المنع من صومه في غير الفرد مفردا أو مضافا لأن الاستثناء دليل التناول وهو يقتضي أن النهي عنه يتناول كل صور صومه إلا صورة الفرض ولو كان إنما يتناول صورة الإفراد لقال لا تصوموا يوم السبت إلا أن تصوموا يوما قبله أو يوما بعده كما قال في الجمعة فلما خص الصورة المأذون في صومها بالفرضية علم تناول النهي لما قابلها وقد ثبت صوم يوم السبت مع غيره بما تقدم من الأحاديث وغيرها كقوله في يوم الجمعة إلا أن تصوموا يوما قبله أو يوما بعده فدل على أن الحديث غير محفوظ وأنه شاذ وقد قال أبو داود قال مالك هذا كذب وذكر بإسناده عن الزهري أنه كان إذا ذكر له النهي عن صيام يوم السبت يقول هذا حديث حمصي وعن الأوزاعي قال ما زلت كاتما له حتى رأيته انتشر يعني حديث ابن بسر هذا.
وقالت طائفة منهم أبو داود هذا حديث منسوخ.
وقالت طائفة وهم أكثر أصحاب أحمد محكم وأخذوا به في كراهية إفراده بالصوم وأخذوا بسائر الأحاديث في صومه مع ما يليه.
قالوا وجواب أحمد يدل على هذا التفصيل فإنه سئل في رواية الأثرم عنه فأجاب بالحديث وقاعدة مذهبه أنه إذا سئل عن حكم فأجاب فيه بنص يدل على أن جوابه بالنص دليل على أنه قائل به لأنه ذكره في معرض الجواب فهو متضمن للجواب والاستدلال معا. قالوا: وأما ما ذكره عن يحيى بن سعيد فإنما هو بيان لما وقع من الشبهة في الحديث. قالوا: وإسناده صحيح ورواته غير مجروحين ولا متهمين وذلك يوجب العمل به وسائر الأحاديث ليس فيها ما يعارضه لأنها تدل على صومه مضافا فيحمل النهي على صومه مفردا كما ثبت في يوم الجمعة.
ونظير هذا الحكم أيضا كراهية إفراد رجب بالصوم وعدم كراهيته موصولا بما قبله أو بعده.
ونظيره أيضا ما حمل الإمام أحمد عليه حديث العلاء بن عبدالرحمن عن أبيه عن أبى هريرة في النهي عن الصوم بعد انتصاف شعبان أنه النهي عن ابتداء الصوم فيه وأما صومه مع ما قبله من نصفه الأول فلا يكره.
قالوا وقد جاء هذا مصرحا به في صوم يوم السبت ففي مسند الإمام أحمد من حديث ابن

(7/50)


00000000000000000000
ـــــــ
لهيعة حدثنا موسى بن وردان عن عبيد الأعرج حدثتني جدتي يعني الصماء أنها دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم السبت وهو يتغدى فقال تعالي تغدي فقالت إني صائمة فقال لها أصمت أمس قالت لا قال كلي فإن صيام يوم السبت لا لك ولا عليك وهذا وإن كان في إسناده من لا يحتج به إذا إنفرد لكن يدل عليه ما تقدم من الأحاديث وعلى هذا فيكون معنى قوله صلى الله عليه وسلم لا تصوموا يوم السبت أي لا تقصدوا صومه بعينه إلا في الفرض فإن الرجل يقصد صومه بعينه بحيث لو لم يجب عليه إلا صوم يوم السبت كمن أسلم ولم يبق من الشهر إلا يوم السبت فإنه يصومه وحده وأيضا فقصده بعينه في الفرض لا يكره بخلاف قصده بعينه في النفل فإنه يكره ولا تزول الكراهه إلا بضم غيره إليه أو موافقته عادة فالمزيل للكراهة في الفرض مجرد كونه فرضا لا المقارنة بينه وبين غيره وأما في النفل فالمزيل للكراهة ضم غيره إليه أو موافقته عادة ونحو ذلك قالوا وأما قولكم إن الاستثناء دليل التناول إلى آخره فلا ريب أن الاستثناء أخرج صورة الفرض من عموم النهي فصورة الاقتران بما قبله أو بما بعده أخرجت بالدليل الذي تقدم فكلا الصورتين مخرج أما الفرض فبالمخرج المتصل وأما صومه مضافا فبالمخرج المنفصل فبقيت صورة الإفراد واللفظ متناول لها ولا مخرج لها من عمومه فيتعين حمله عليها ثم اختلف هؤلاء في تعليل الكراهة فعللها ابن عقيل بأنه يوم يمسك فيه اليهود ويخصونه بالإمساك وهو ترك العمل فيه والصائم في مظنة ترك العمل فيصير صومه تشبها بهم وهذه العلة منتفية في الأحد ولا يقال فهذه العلة موجودة إذا صامه مع غيره ومع هذا فإنه لا يكره لأنه إذا صامه مع غيره لم يكن قاصدا تخصيصه المقتضي للتشبه وشاهده استحباب صوم يوم قبل عاشوراء وبعده إليه لتنتفي صورة الموافقة وعللة طائفة أخرى بأنه يوم عيد لأهل الكتاب يعظمونه فقصده بالصوم دون غيره يكون تعظيما له فكره ذلك كما كره إفراد يوم عاشوراء بالتعظيم لما عظمه أهل الكتاب وإفراد رجب أيضا لما عظمه المشركون وهذا التعليل قد تعارض بيوم الأحد فإنه يوم عيد غير للنصارى كما قال النبي صلى الله عليه وسلم اليوم لنا وغدا لليهود وبعد للنصارى ومع ذلك فلا يكره صومه وأيضا فإذا كان يوم عيد فقد يقال مخالفتهم فيه يكون بالصوم لا بالفطر فالصوم فيه تحقيق للمخالفة ويدل على ذلك ما رواه الإمام أحمد والنسائي وغيرهما من حديث كريب مولى ابن عباس قال أرسلني ابن عباس وناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أم سلمة أسألها أي الأيام كان النبي صلى الله عليه وسلم أكثرها صياما فقالت كان يصوم السبت ويوم الأحد أكثر ما يصوم من الأيام ويقول إنهما يوما عيد

(7/51)


00000000000000000000000000
ـــــــ
للمشركين فأنا أحب أن أخالفهم وصححه بعض الحفاظ فهذا نص في استحباب صوم يوم عيدهم لأجل مخالفتهم فكيف نعلل كراهة صومه بكونه عيدا لهم وفي جامع الترمذي عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس قال الترمذي حديث حسن وقد روى ابن مهدي هذا الحديث عن سفيان ولم يرفعه
وهذان الحديثان ليسا بحجة على من كره إفراد السبت بالصوم.
وعلله طائفة بأنهم يتركون العمل فيه والصوم مظنة ذلك فإنه إذا ضم إليه الأحد زال الإفراد المكروه وحصلت المخالفة بصوم يوم فطرهم وزال عنها صورة التعظيم المكروه بعدم التخصيص المؤذن بالتعظيم فاتفقت بحمد الله الأحاديث وزال عنها الاضطراب والاختلاف وتبين تصديق بعضها بعضا.
فإن قيل فما تقولون في صوم يوم النيروز والمهرجان ونحوهما من أعياد المشركين؟
قيل قد كرهه كثير من العلماء وأكثر أصحاب أحمد على الكراهة قال أحمد في رواية ابنه عبد الله حدثنا وكيع عن سفيان عن رجل عن أنس والحسن أنهما كرها صوم يوم النيروز والمهرجان قال عبد الله قال أبي الرجل أبان بن أبي عياش.
فلما أجاب أحمد بهذا الجواب لمن سأله عن صيام هذين اليومين دل ذلك على أنه اختاره وهذه إحدى الطريقتين لأصحابه في مثل ذلك.
وقيل لا يكون هذا اختيارا له ولا ينسب إليه القول الذي حكاه وأكثر الأصحاب على الكراهة وعللوا ذلك بأنهما يومان يعظمهما الكفار فيكون تخصيصهما بالصيام دون غيرهما موافقة لهم في تعظيمهما فكره كيوم السبت قال صاحب المغني وعلى قياس هذا كل عيد للكفار أو يوم يفردونه بالتعظيم
قال شيخنا أبو العباس بن تيمية قدس الله روحه وقد يقال يكره صوم يوم النيروز والمهرجان ونحوهما من الأيام التي لا تعرف بحساب العرب بخلاف ما جاء في الحديث من يوم السبت والأحد لأنه إذا قصد صوم مثل هذا الأيام العجمية أو الجاهلية كان ذريعة إلى إقامة شعار هذه الأيام وإحياء أمرها وإظهار حالها بخلاف السبت والأحد فإنهما من حساب المسلمين فليس في صومهما مفسدة فيكون استحباب صوم أعيادهم المعروفة بالحساب العربي الإسلامي مع كراهة الأعياد المعروفة بالحساب الجاهلي العجمي توفيقا بين الآثار والله أعلم

(7/52)


51 - باب الرخصة في ذلك
2419 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنْبَأنَا هَمّامٌ عن قَتَادَةَ ح. وحدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ أخبرنا هَمّامٌ حدثنا قَتَادَةُ عنْ أبي أيّوبَ قال حَفْصٌ الْعَتَكِيّ عن جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهِيَ صَائِمَةٌ قال[فقال] "أصُمْتِ أمْسٍ؟ قالَتْ: لاَ، قال: "تُرِيدِينَ أنْ تَصُومي غَداً؟ قالَتْ: لاَ، قالَ: "فَأفْطِرِي".
2420 - حدثنا عَبْدُالمَلِكِ بنُ شُعَيْبٍ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ قال سَمِعْتُ اللّيْثَ يُحَدّثُ عن ابنِ شِهَابٍ: أنّهُ كَانَ إذَا ذُكِرَ لَهُ أنّهُ نُهِيَ عن صِيَامِ يَوْمِ السّبْتِ. يقُولُ ابنُ شِهَابٍ: هَذَا حَدِيثٌ حِمْصِيّ.
ـــــــ
"باب الرخصة في ذلك"
"عن أبي أيوب": اسمه يحيى بن مالك ذكره مسلم في صحيحه في بيان أوقات الصلاة وهكذا في التهذيب وهو أبو أيوب المراغي العتكي البصري روى عن جويرية وسمرة وعنه عمران الجوني وقتادة وثقه العجلي. ووهم القسطلاني فقال أبو أيوب هذا هو الأنصاري "العتكي": صفة أبي أيوب أي قال حفص بن عمر في روايته عن أبي أيوب العتكي "عن جويرية": تصغير جارية "بنت الحارث": المصطلقية زوج النبي صلى الله عليه وسلم "وهي صائمة": جملة حالية "أصمت أمس": بهمزة الاستفهام وكسر سين أمس على لغة الحجاز أي يوم الخميس "تريدين أن تصومي غداً": أي يوم السبت "فأفطري": بقطع الهمزة وزاد أبو نعيم في روايته "إذا" قال المنذري وأخرجه البخاري والنسائي. وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم "لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم" وأخرجه أيضاً النسائي.
"أنه": أي ابن شهاب "إذا ذكر": بصيغة المجهول "له": أي لابن شهاب الزهري "نهي": بصيغة المجهول "هذا حديث حمصي": يريد
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
قال عبدالحق ولعل مالكا إنما جعله كذبا من أجل رواية ثور بن يزيد الكلاعي فإنه كان يرمي بالقدر ولكنه كان ثقة فيما يروي قاله يحيى وغيره وروى عنه الجلة مثل يحيى بن سعيد القطان وابن المبارك والثوري وغيرهم وقيل في هذا الحديث عن عبد الله بن بسر عن عمته الصماء وهو أصح واسمها بهية وقيل بهيمة آخر كلامه.

(7/53)


2421 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ الصّبّاحِ بنِ سُفْيَانَ أخبرنا الْوَلِيدُ عن الأَوْزَاعِيّ قال: مَا زِلْتُ لَهُ كَاتِماً حَتّى رَأيْتُهُ انْتَشَرَ - يَعني حَدِيثَ ابنَ بُسْرٍ هَذَا في صَوْمِ يَوْمِ السّبْتِ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ قال مَالِكٌ: هَذا كَذِبٌ.

(7/54)


52 - باب في صوم الدهر تطوعا
2422 - حدثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ وَ مُسَدّدٌ قالا أخبرنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عن غَيْلاَنَ بنِ جَرِيرٍ عن عَبْدِالله بنِ مَعْبَدٍ الزّمَانِيّ عن أبي قَتَادَةَ: "أنّ رَجُلاً أتَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يَارَسُولَ الله كَيْفَ تَصُومُ؟ فَغَضِبَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ قَوْلِهِ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ عُمَرُ قال: رَضِينَا بالله رَبّا وَبِالإسْلاَمِ دِيناً وَبِمُحَمّدٍ نَبِيّا، نَعُوذُ بالله مِنْ غَضَبِ الله وَغَضَبِ رَسُولِهِ، فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَدّدُهَا حَتّى سَكَنَ غَضَبُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فقالَ: يَارَسُولَ الله كَيْفَ بِمَنْ يَصُومُ الدّهْرَ كُلّهُ؟ قال: "لاَ صَامَ وَلا أفْطَرَ". قال مُسَدّدٌ: لم يَصُمْ وَلم يُفْطِرْ، أوْ مَا
ـــــــ
تضعيفه لأن في حديث عبد الله بن بسر راويان حمصيان أحدهما ثور بن يزيد وثانيهما خالد بن معدان تكلم فيهما بعض ووثقهما بعض. وقال السندي في فتح الودود: كأنه يريد تضعيفه وقول مالك هذا كذب أصرح في ذلك وأبلغ لكن قال الترمذي: حديث حسن، والظاهر أن سبب ما ذكروا عدم ظهور المعنى حتى قال بعضهم منسوخ وبعضهم ضعيف والله أعلم.
"باب في صوم الدهر تطوعا"
"فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله": قال العلماء: سبب غضبه صلى الله عليه وسلم أنه كره مسألته لأنه يحتاج إلى أن يجيبه ويخشى من جوابه مفسدة وهي أنه ربما اعتقد السائل وجوبه أو استقله أو اقتصر عليه وكان يقتضي حاله أكثر منه، وإنما اقتصر عليه النبي صلى الله عليه وسلم لشغله لصالح المسلمين وحقوقهم وحقوق أزواجه وأضيافه والوافدين عليه، ولئلا يقتدي به كل أحد فيؤدي الضرر في حق بعضهم. وكان حق السائل أن يقول كم أصوم وكيف أصوم، فيخص السؤال بنفسه ليجيبه بما تقتضيه حاله كما أجاب غيره بمقتضى أحوالهم والله أعلم. قاله النووي "لا صام ولا
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وهو نص في أن صوم يوم وفطر يوم أفضل من سرد الصيام ولو كان سرد الصيام مشروعا أو

(7/54)


صَامَ وَلا أفْطَرَ - شَكّ غَيْلاَنُ - قال: يارَسُولَ الله كَيْفَ بِمَنْ يَصُومُ يَوْمَيْنِ وَيَفْطِرُ يَوماً؟ قال: "أوَ يَطِيقُ ذَلِكَ أحَدٌ؟ قالَ: يارَسُولَ الله فَكَيْفَ بِمَنْ يَصُومُ يَوْماً وَيُفْطِرُ يَوْماً؟ قال: "ذَاكَ[ذلك] صَوْمُ دَاوُدَ". قال: يارَسُولَ الله فكَيْفَ بِمَنْ يَصُومُ يَوْماً وَيُفْطِرُ يَوْمَيْنِ؟ قال: "وَدِدْتُ أنّي طُوّقْتُ ذَلِكَ"، ثُمّ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ثَلاَثٌ مِنْ كُلّ شَهْرٍ وَرَمَضَانُ إلى
ـــــــ
أفطر": معناه لم يصم ولم يفطر، وقد توضع لا بموضع لم كقوله سبحانه{فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى} أي لا تصدق ولم يصل، وقد يحتمل أن يكون معناه الدعاء عليه كراهة لصنعه وزجراً له عن ذلك، ويشبه أن يكون الذي نهى عنه من صوم الدهر. هو أن يسرد الصيام أيام السنة كلها لا يفطر منها الأيام المنهى عن صيامها. وقد سرد الصوم دهره أبو طلحة الأنصاري وكان لا يفطر في سفر ولا حضر فلم يعبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نها عن ذلك، كذا في المعالم "وددت أني طوقت": بصيغة المجهول "ذلك": يحتمل أن يكون إنما خاف العجز عن ذلك للحقوق التي تلزمه لنسائه لأن ذلك يخل بحظوظهن منه لا لضعف جبلته عن احتمال الصيام أو قلة صبره عن الطعام في هذه المدة انتهى كلام الخطابي.
قال النووي: قيل معناه وددت أن أمتي تطوقه لأنه صلى الله عليه وسلم كان يطيقه وأكثر منه، وكان يواصل
مستحبا لكان أكثر عملا فيكون أفضل إذ العبادة لا تكون إلا راجحة فلو كان عبادة لم يكن مرجوحا.
وقد تأول قوم هذا على أن المعنى لا أفضل من ذلك للمخاطب وحده لما علم من حاله ومنتهى قوته وأن ما هو أكثر من ذلك يضعفه عن فرائضه ويقطعه عن القيام بما عليه من الحقوق وهذا تأويل باطل من وجوه.
أحدها: أن سياق الحديث يرده فإنه إنما كان عن المطيق فإنه قال فإني أطيق أفضل من ذلك فسبب الحديث في المطيق فأخبره أنه لا أفضل من ذلك للمطيق الذي سأل ولو أن رجلا سأل من يفضل السرد وقال إني أطيق أفضل من صوم يوم وفطر يوم لقال له السرد أفضل.
الثاني: أنه أخبر عنه بثلاث جمل إحداها أنه أعدل الصيام والثانية أنه صوم داود والثالثة أنه لا أفضل منه وهذه الأخبار تمنع تخصيصه بالسائل.
الثالث : أن في بعض ألفاظ مسلم فيه فإني أقوى قال فلم يزل يرفعني حتى قال صم يوما وأفطر يوما فإنه أفضل الصيام وهو صوم أخي داود فعلل ذلك بكونه أفضل الصيام وأنه صوم داود مع إخباره له بقوته ولم يقل له فإن قويت فالسرد أفضل.

(7/55)


رَمَضاَنَ، فَهَذَا صِيَامُ الدّهْرِ كُلّهِ. وَصِيَامُ عَرَفَةَ إنّي أحْتَسِبُ عَلَى الله أنْ يُكَفّرَ السّنَةَ التي قَبْلَهُ وَالسّنَةَ الّتي بَعْدَهُ، وَصَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، إنّي أحْتَسِبُ عَلَى الله أنْ يُكَفّرَ السّنَةَ الّتي قَبْلَهُ".
ـــــــ
ويقول إني لست كأحدكم إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني. أو يقال إنما قاله لحقوق نسائه وغيرهن من المسلمين والمتعلقين به والقاصدين إليه.
"وصيام عرفه إني أحتسب على الله الخ": معناه يكفر ذنوب صائمه في السنتين قالوا والمراد به الصغائر، وإن لم تكن صغائر يرجى التخفيف من الكبائر، فإن لم يكن رفعت درجات. وحاصل الحديث بيان رفق رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمته وشفقته عليهم وإرشادهم إلى مصالحهم وحثهم على ما يطيقون الدوام عليه ونهيهم عن التعمق والأكثار من العبادات التي يخاف عليهم الملل بسببها أو تركها أو ترك بعضها، وقد بين ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم "عليكم من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا" وبقوله صلى الله عليه وسلم "لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل" وفي الحديث الآخر "أحب العمل إليه ما داوم صاحبه عليه" وقد ذم الله تعالى قوماً أكثروا العبادة ثم فرطوا فيها، فقال تعالى{وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} وفي هذه الرواية النهي عن صيام الدهر. واختلف العلماء فيه، فذهب أهل الظاهر إلى منع صيام الدهر لظواهر هذه الأحاديث. قال القاضي وغيره: ذهب جماهير العلماء إلى جوازه إذا لم يصم الأيام المنهى عنها وهي العيدان والتشريق. ومذهب الشافعي وأصحابه أن سرد الصيام إذا أفطر العيد والتشريق لا كراهة فيه بل هو مستحب بشرط أن لا يلحقه به ضرر ولا يفوت حقاً، فإن تضرر أو فوت حقاً فمكروه. قال
الرابع أن هذا موافق لقوله فيمن صام الأبد لا صام ولا أفطر ومعلوم أن السائل لم يسأله عن الصوم المحرم الذي قد استقر تحريمه عندهم ولو قدر أنه سأله عنه لم يكن ليجيب عنه بقوله لا صام ولا أفطر بل كان يجيب عنه بصريح النهي والسياق يدل على أنه إنما سأله عن الصوم المأذون فيه لا الممنوع منه ولا يعبر عن صيام الأيام الخمسة وعن المنع منها بقوله لا صام من صام الأبد ولا هذه العبارة مطابقة للمقصود بل هي بعيدة منه جدا.
الخامس أنه صلى الله عليه وسلم أخبر أن أحب الصيام إلى الله صيام داود وأحب القيام إلى الله قيام داود وأخبر بهما معا ثم فسره بقوله كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه وكان يصوم يوما ويفطر يوما رواه البخاري ومسلم وهذا صريح في أنه إنما كان أحب إلى الله لأجل هذا الوصف وهو ما يتخلل الصيام والقيام من الراحة التي تجم بها نفسه ويستعين بها على القيام بالحقوق وبالله التوفيق.

(7/56)


2423 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ حدثنا مَهْدِيّ أخبرنا غَيْلاَنُ عن عَبْدِالله بنِ مَعْبَدٍ الزّمَانيّ عن أبي قَتَادَةَ بِهَذَا الحَدِيثِ. زَادَ: قال يارَسُولَ الله أرَأيْتَ صَوْمَ يَوْمِ الاثْنَيْنِ وَيَوْمِ الْخَمِيسِ؟ قال: "فِيهِ وُلِدْتُ وَفِيهِ أُنْزِلَ عَلَيّ الْقُرْآنُ".
2424 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيَ أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ أنْبأنَاب[حدثنا] مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن ابنِ المُسَيّبِ وَ أبي سَلَمَةَ عن عَبْدِالله بنِ عَمْرٍو بنِ الْعَاصِ[العاصي] قال: لَقِيَنِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ألَمْ أُحَدّثْ أنّكَ تَقُولُ: لأَقُومَنّ اللّيْلَ وَلأَصُومَنّ النّهَارَ؟ قال: أحْسِبُهُ قال: نَعَمْ يَارَسُولَ الله قَدْ قُلْتُ ذَاكَ[ذلك] قال: "قُمْ وَنَمْ وَصُمْ وَأفْطِرْ وَصُمْ مِنْ كُلّ شَهْرٍ ثَلاَثَةَ أيّامٍ وَذَاكَ مِثْلُ صِيَامِ الدّهْرِ"، قال قُلْتُ: يَارَسُولَ الله إنّي أُطِيقُ أفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قال: "فَصُمْ يَوْماً وَأفْطِرْ يَوْمَيْنِ". قال فَقُلْتُ: إنّي أُطِيقُ أفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قال: "فَصُمْ يَوْماً وَأفْطِرْ يَوْماً، وَهُوَ أعْدَلُ الصّيَامِ وَهُوَ صِيَامُ دَاوُدَ". قُلْتُ: إنّي أُطِيقُ أفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا أفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ".
ـــــــ
المنذري: وفي رواية "قال يارسول الله أرأيت يوم الاثنين والخميس؟ قال فيه ولدت وفيه أنزل علي القرآن" وأخرجه مسلم وقال: وفي هذا الحديث من رواية شعبة قال وسئل عن صوم يوم الاثنين والخميس فسكتنا عن ذكر الخميس لما نراه وهما وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه مختصراً ومفرقاً.
"فيه ولدت": أي في يوم الاثنين "وفيه أنزل علي القرآن": أي في يوم الاثنين.
"ألم أحدث": بصيغة المجهول "لا أفضل من ذلك": قال النووي: اختلف العلماء فقال المتولي وغيره هو أفضل من السرد لظاهر هذا الحديث، وفي كلام غيره إشارة إلى تفضيل السرد وتخصيص هذا الحديث بعبد الله بن عمرو ومن في معناه، وتقديره لا أفضل من هذا في حقك، ويؤيد هذا أنه صلى الله عليه وسلم لم ينه حمزة بن عمرو عن السرد وأرشده إلى يوم ويوم، ولو كان أفضل في حق كل الناس لأرشده إليه وبينه له فإن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز والله أعلم.
وقال السندي: ظاهره أنه أفضل من صوم يومين وإفطار يوم ومن صيام يوم الدهر بلا صيام أيام الكراهة، وبه قال بعض أهل العلم وهو أشد الصيام على النفس فمنه لا يعتاد الصوم ولا الإفطار فيصعب عليه كل منهما انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.

(7/57)


53 - باب في صوم أشهر الحرم
2425 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عن سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيّ عن أبي السّلِيلِ عن مُجِيبَةَ الْبَاهِليّةَ عن أبِيهَا أوْ عَمّهَا: أنّهُ أتى رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، ثُمّ انْطَلَقَ فَأتَاهُ بَعْدَ سَنَةٍ وَقَدْ تَغَيّرَتْ حَالُهُ وَهَيْئَتُهُ، فقال: يَارَسُولَ الله أمَا تَعْرِفُنِي؟ قال: "وَمَنْ أنْتَ؟ قال: أنَا الْبَاهِليّ الّذي جِئْتُكَ عَامَ الأوّلِ، قال: "فَمَا غَيّرَكَ وَقَدُ كُنْتَ حَسَنَ الْهَيْئَةِ؟ قُلْتُ[قال] مَا أكَلْتُ طَعَاماً مُنْذُ فَارَقْتُكَ إلاّ بِلَيْلٍ، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "لِمَ عَذّبْتَ نَفْسَكَ"، ثُمّ قال: "صُمْ شَهْرَ الصّبْرِ وَيَوْماً مِنْ كُلّ شَهْرٍ"، قال: زِدْني فإنّ بِي قُوّةً، قال: "صُمْ يَوْمَيْنِ"،[صم يومين فإن بي قوة] قال: زِدْنِي، قال: "صُمْ ثَلاَثَةَ أيّامٍ"، قال: زِدْنِي، قال: "صُمْ مِنَ الْحُرُمِ وَاتْرُكْ، صُمْ مِنَ الْحُرُمِ وَاتْرُكْ، صُمْ مِنَ الْحُرْمِ وَاتْرُكْ، وَقال[وقاله] بِأصَابِعِهِ الثّلاَثَةِ فَضَمّهَا ثُمّ أرْسَلَهَا".
ـــــــ
"باب في صوم أشهر الحرم"
"ثم قال صم شهر الصبر": قال الخطابي: شهر الصبر هو شهر رمضان، وأصل الصبر الحبس فسمي الصيام صبراً لما فيه من حبس النفس عن الطعام ومنعها عن وطء النساء وغشيانهن في نهار "صم من الحرم": بضمتين أي الأشهر الحرم وهي أربعة أشهر التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في كتابه فقال {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} وهي شهر رجب وذي القعدة وذي الحجة والمحرم. وقيل لأعرابي كم الأشهر الحرم؟ فقال أربعة ثلاثة سرد وواحد فرد انتهى "وقال بأصابعه الثلاثة": أي صم منها ما شئت، وأشار بالأصابع الثلاثة إلى أنه لا يزيد على الثلاث المتواليات وبعد الثلاث يترك يوماً أو يومين، والأقرب أن الإشارة لإفادة أنه يصوم ثلاثاً ويترك ثلاثاً والله أعلم. قاله السندي.
قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه إلا أن النسائي قال فيه عن مجيبة الباهلي عن عمه، وقال ابن ماجه عن أبي مجيبة الباهلي عن أبيه أو عمه، وذكره أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة وقال فيه عن مجيبة يعني الباهلية قالت حدثني أبي أو عمي، وسمى أباها عبد الله بن الحارث فقال سكن البصرة وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا وقال في موضع آخر: أبو مجيئة الباهلية أو عمها سكن البصرة وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثاً ولم يسمه وذكر هذا الحديث، وذكره ابن قانع في معجم الصحابة وقال فيه عن مجيبة عن أبيها أو عمها، وسماه أيضاً

(7/58)


54 - باب في صوم المحرم
2426 - حدثنا مُسَدّدٌ وَ قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قالا أخبرنا أبُو عَوَانَةَ عن أبي بِشْرٍ عن حُمَيْدِ بنِ عبد الرحمن عن أبي هُرَيْرَةَ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أفْضَلُ الصّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ شَهْرُ الله المُحَرّمِ، وَإنّ أفضَلَ الصّلاَةِ بَعْدَ المَفْرُوضَةِ صَلاَةٌ مِنَ اللّيْلِ"، لَمْ يَقُلْ قُتَيْبَةُ: شَهْرٍ قال: رَمضاَنَ".
2427 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى أنْبأنَا[حدثنا] عِيسَى أخبرنا عُثْمَانُ - يَعْني ابنَ حَكِيمٍ - قال: سَألْتُ سَعِيدَ بن جُبَيْرٍ عن صِيَامِ رَجَبَ، فقال أخبرني ابنُ عَبّاسٍ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يَصُومُ حَتّى نَقُولَ لاَ يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حتى نَقُولَ لاَ يَصُومُ.
ـــــــ
عبد الله بن الحارث هذا آخر كلامه. وقد وقع فيه هذا الاختلاف كما ترى. وأشار بعض شيوخنا إلى تضعيفه لذلك وهو متوجه. ومجيبة بضم الميم وكسر الجيم وسكون الياء آخر الحروف وبعدها باء موحدة مفتوحة وتاء تأنيث انتهى.
"باب في صوم المحرم"
"عن أبي بشر": بكسر الباء هكذا في أكثر النسخ وكذا في الأطراف، وفي بعض النسخ أبو بشير بزيادة الياء ولا يصح "أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم": تصريح بأنه أفضل الشهور للصوم. وأما إكثار النبي صلى الله عليه وسلم من صوم شعبان دون المحرم فجوابه من وجهين أحدهما لعله إنما علم فضله في آخر حياته، والثاني لعله يعرض فيه أعذار من سفر أو مرض أو غيرهما "وإن أفضل الصلاة بعد المفروضة صلاة من الليل": فيه دليل لما اتفق العلماء عليه أن تطوع الليل أفضل من تطوع النهار، وفيه حجة لأبي إسحاق المروزي ومن وافقه صلاة الليل أفضل من السنن الراتبة. وقال أكثر العلماء: الرواتب أفضل لأنها تشبه الفرائض والأول أقوى وأوفق والله أعلم، ذكره النووي.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"كان يصوم حتى نقول لا يفطر حتى نقول لا يصوم": قال النووي: الظاهر أن مراد
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وقد رواه شعبة عن أبي بشر عن حميد بن عبدالرحمن عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا فاختلف فيه شعبة وأبو عوانة فقال أبو عوانة عن أبي بشر حميد بن عبدالرحمن عن أبي هريرة وقال شعبة: عن أبي بشر عن حميد عن النبي صلى الله عليه وسلم ورجح الدارقطنى إرساله.

(7/59)


55 - باب في صوم شعبان
2428 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا عبد الرحمن بنُ مَهْدِيَ عنْ مُعَاوِيَةَ بنِ صَالِحٍ عن عَبْدِالله بنِ أبِي قَيْسٍ أَنّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ[عائشة رضي الله عنها] تَقُولُ: كَانَ أحَبّ الشّهُورِ إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أنْ يَصُومَهُ شَعْبَانُ ثُمّ يَصِلُهُ بِرَمَضَانَ.
ـــــــ
سعيد بن جبير بهذا الاستدلال أنه لا نهي عنه ولا ندب فيه لعينه بل له حكم باقي الشهور، ولم يثبت في صوم رجب نهي ولا ندب ولا نهي لعينه، ولكن أصل الصوم مندوب إليه. وفي سنن أبي داوود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب إلى الصوم من الأشهر الحرم ورجب أحدها والله أعلم. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه.
"باب في صوم شعبان"
"كان أحب الشهور": خبر كان لكونه صفة وشعبان اسمه "أن يصومه": وفيه وجهان الأول أنه بدل من أحب الشهور والضمير المنصوب فيه عائد إلى أحب الشهور "شعبان": اسم كان بحذف المضاف تقديره كان شعبان أي صومه صوم أحب الشهور إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والثاني أن قولها أن يصومه منصوب بنزع الخافض والضمير المنصوب فيه عائد إلى أحب الشهور تقديره كان شعبان أحب الشهور إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يصوم أحب الشهور. وحاصله أن كون شعبان أحب الشهور إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس على الإطلاق بل في أمر الصوم فقط فيجوز أن يكون أحب الشهور إليه صلى الله عليه وسلم في غير أمر الصوم غير شعبان، والوجه الأول هو القوي.
قال ابن رسلان: فإن قيل كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخص شعبان بصيام التطوع فيه، مع أنه قال أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، فالجواب أن جماعة أجابوا عن ذلك بأجوبة غير قوية لاعتقادهم أن صيام المحرم أفضل من شعبان كما صرح به الشافعية وغيرهم، كما قال النووي: أفضل الشهر للصوم بعد رمضان الأشهر الحرم وأفضلها المحرم ويلي المحرم في الفضل رجب والأظهر كما قال بعض الشافعية والحنابلة وغيرهم أن أفضل الصيام بعد شهر رمضان شعبان لمحافظته صلى الله عليه وسلم على صومه أو صوم أكثره، فيكون قوله أفضل الصيام بعد رمضان المحرم محمولاً على التطوع المطلق، وكذا أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل إنما أريد به تفضيل قيام الليل على التطوع المطلق دون السنن والرواتب التي قبل الفرض وبعده خلافاً لبعض الشافعية، فكذلك ما كان قبل رمضان أو بعده من شوال تشبيهاً له بالسنن والرواتب انتهى. والحديث أخرجه الحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط الشيخين، وأقره الذهبي والله أعلم. قال المنذري: وأخرجه النسائي.

(7/60)


56 - باب في صوم شوال
2429 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ عُثْمَانَ العِجْلِيّ أخبرنا عُبَيْدُالله يَعْني ابنَ مُوسَى عنْ هَارُونَ بنِ سَلْمَانَ عنْ عُبَيْدِالله بن مُسْلِمِ الْقُرَشِيّ عنْ أبِيهِ قالَ: سَألْتُ أوْ سُئِلَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن صِيَامِ الدّهْرِ؟ فقال: "إنّ لاِءَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقّا صُمْ رَمَضَانَ وَالّذِي يَلِيهِ وَكُلّ أرْبِعَاءَ وَخَمِيسٍ، فإذاً أنْتَ قَدْ صُمْتَ الدّهْرَ".
قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَافَقَهُ زَيْدٌ الْعُكَلِيّ، وَخَالَفَهُ أبُو نَعِيمٍ. قالَ مُسْلِمُ بنُ عُبَيْدِ الله.

(7/61)


57 - باب في صوم ستة أيام من شوال
2430 - حدثنا النّفَيْلِيّ أخبرنا عَبْدُالعَزِيزِ بنِ مُحَمّدٍ عنْ صَفْوَانَ بنِ سُلَيْمٍ وَ سَعْدِ بنِ سَعِيدٍ عن عُمَرَ بنِ ثَابِتٍ الأنْصَارِيّ عنْ أبي أيّوبَ صَاحِبِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمّ أتْبَعَهُ بِسِتَ مِنْ شَوّالَ فَكَأنّمَا صَامَ الدّهْرَ".
ـــــــ
"باب في صوم شوال"
"إن لأهلك عليك حقاً": والصوم يضعف الإنسان فلا يقدر على أداء حق الأهل، وفيه إشعار بأن صوم الدهر من شأنه أن يفتر الهمة عن القيام بحقوق الله وحقوق عباده فلذاكره "صم رمضان والذي يليه": قيل أراد الست من شوال، وقيل أراد به شعبان "وكل أربعاء": بالمد وعدم الانصراف "وخميس": بالجر والتنوين "فإذاً": بالتنوين "أنت قد صمت الدهر": قال الطيبي: الفاء جزاء شرط محذوف أي إن فعلت ما قلت لك فقد صمت وإذاً جواب جيء لتأكيد الربط. قاله علءَ القاري. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي: حديث غريب، وروى بعضهم عن هارون بن سلمان عن مسلم بن عبيد الله عن أبيه وقد أخرج النسائي الروايتين الرواية الأولى والثانية التي أشار إليها الترمذي.
"باب في صوم ستة أيام من شوال"
"قال من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال": وقد استدل به وغيره من الأحاديث
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
هذا الحديث قد اختلف فيه فأورده مسلم في صحيحه وضعفه غيره وقال هو من رواية سعد بن سعيد أخي يحيى بن سعيد قال النسائي في سننه سعد بن سعيد ضعيف كذلك قال

(7/61)


00000000000000000000000
ـــــــ
المذكورة في هذا الباب على استحباب صوم ستة أيام من شوال، وإليه ذهب الشافعي وأحمد وداوود وغيرهم. وقال أبو حنيفة ومالك: يكره صومها، واستدل لهما على ذلك بأنه ربما ظن وجوبها وهو باطل في مقابلة السنة الصحيحة الصريحة. وأيضاً يلزم مثل ذلك في سائر أنواع الصوم المرغب فيها ولا قائل به. واستدل مالك على الكراهة بما قال في الموطأ من أنه ما رأى أحداً من أهل العلم يصومها، ولا يخفى أن الناس إذا تركوا العمل بسنة لم يكن تركهم دليلاً ترد به السنة.
قال النووي في شرح مسلم: قال أصحابنا: والأفضل أن تصام الست متوالية عقب يوم
أحمد بن حنبل: يحيى بن سعيد: الثقة المأمون أحد الأئمة وعبد ربه بن سعيد لا بأس به وسعد بن سعيد ثالثهم ضعيف وذكر عبد الله بن الزبير الحميدي هذا الحديث في مسنده وقال الصحيح موقوفا وقد روى الإخوة الثلاثة هذا الحديث عن عمر بن ثابت.
فمسلم أورده من رواية سعد بن سعيد ورواه النسائي من حديثه مرفوعا ومن حديث عبد ربه بن سعيد موقوفا ورواه أيضا من حديث يحيى بن سعيد مرفوعا وقد رواه أيضا ثوبان عن النبي قال صيام شهر رمضان بعشرة أشهر وصيام ستة أيام بشهرين فذاك صيام سنة رواه النسائي وفي لفظ له أيضا أنه سمع رسول الله يقول جعل الله الحسنة بعشرة فشهر بعشرة أشهر وستة أيام بعد الفطر تمام السنة قال الترمذي وفي الباب عن جابر وأبي هريرة وثوبان وقد أعل حديث أبي أيوب من جهة طرقه كلها أما رواية مسلم فعن سعد بن سعيد وأما رواية أخيه عبد ربه فقال النسائي فيه عتبة ليس بالقوي يعني روايه عن عبدالملك بن أبي بكر عن يحيى وأما حديث عبد ربه فإنما رواه موقوفا.
وهذه العلل وإن منعته أن يكون في أعلى درجات الصحيح فإنها لاتوجب وهنه وقد تابع سعدا ويحيى وعبد ربه عن عمر بن ثابت عثمان بن عمرو الخزاعي عن عمر لكن قال عن عمر عن محمد بن المنكدر عن أبي أيوب ورواه أيضا صفوان بن سليم عن عمر بن ثابت ذكره ابن حبان في صحيحه وابو داود والنسائي فهؤلاء خمسة يحيى وسعيد وعبد ربه بنو سعيد وصفوان بن سليم وعثمان بن عمرو الخزاعي كلهم رووه عن عمرو فالحديث صحيح.
وأما حديث ثوبان فقد رواه ابن حبان في صحيحه ولفظه من صام رمضان وستا من شوال فقد صام السنة ورواه ابن ماجه ولفظه من صام رمضان وستة أيام بعد الفطر كان تمام السنة، {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا}.
وأما حديث جابر فرواه أحمد في مسنده عن أبي عبدالرحمن المقري عن سعيد ابن أبي أيوب عن عمرو بن جابر الحضرمي عن جابر عن النبي وعمرو بن جابر ضعيف ولكن قال أبو حاتم

(7/62)


00000000000000000000
ـــــــ
الفطر، قال فإن فرقها أو أخرها عن أوائل شوال إلى آخره حصلت فضيلة المتابعة لأنه يصدق أنه أتبعه ستاً من شوال. قال: قال العلماء: وإنما كان ذلك كصيام الدهر لأن الحسنة بعشر أمثالها فرمضان بعشرة أشهر والستة بشهرين، وقد جاء هذا الحديث مرفوعاً في كتاب النسائي. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
الرازي هو صالح له نحو عشرين حديثا وقال أبو نعيم الأصبهاني روى عن عمرو بن دينار ومجاهد عن جابر مثله.
وأما حديث أبي هريرة فرواه أبو نعيم من حديث ليث بن أبي سليم عن مجاهد عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورواه من حديث عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي سعيد عن أبي هريرة عن النبي قال أبو نعيم ورواه عمرو بن دينار عن عبدالرحمن بن أبي هريرة عن أبيه ورواه إسماعيل بن رافع عن أبي صالح عن أبي هريرة وهذه الطرق تصلح للاعتبار والاعتضاد وقد احتج أصحاب السنن الأربعة بليث وقد روى حديث شداد بن أوس قال عبدالرحمن بن أبي حاتم في كتاب العلل سمعت أبي وذكر حديثا رواه سويد بن عبدالعزيز عن يحيى بن الحارث عن أبي الأشعث الصنعاني عن أبي اسماء عن ثوبان مرفوعا من صام رمضان وأتبعه بست من شوال قال أبي هذا وهم من سويد قد سمع يحيى بن الحرث هذا الحديث من أبي اسماء إنما أراد سويد ما حدثنا صفوان بن صالح أخبرنا مروان الطاطري عن يحيى بن حمزة عن يحيى بن الحرث عن أبي الأشعث الصنعاني عن شداد بن أوس عن النبي قال "من صام رمضان" الحديث وهذا إسناد ثقات كلهم ثم قال ابن أبي حاتم بعد ذلك سئل أبي عن حديث رواه مروان الطاطري عن يحيى بن حمزه وذكر هذا الحديث حديث شداد بن أوس قال سمعت أبي يقول الناس يروون عن يحيى بن الحرث عن أبي أسماء عن ثوبان عن النبي قلت لأبي أيهما الصحيح قال جميعا صحيح وقال الدارقطني حدثنا إبراهيم بن محمد الرقي أخبرنا أبو همام أخبرنا يحيى بن حمزة عن إسحاق بن عبد الله قال حدثني سعد بن سعيد عن عدى بن ثابت عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "من صام ستة أيام بعد الفطر فكأنما صام الدهر كله" ويحيى بن حمزة قاضي دمشق صدوق وأبو همام الوليد بن شجاع السكونى أخرج له مسلم وهذا غريب لعله اشتبه على بعض رواته عمر بن ثابت بعدي بن ثابت وتأكد الوهم فجعله عن البراء بن عازب لكثرة رواية عدي بن ثابت عنه.
وقد اختلف أهل العلم في القول بموجب هذه الأحاديث فدهب أكثرهم إلى القول باستحباب صومها منهم الشافعي وأحمد وابن المبارك وغيرهم وكرهها آخرون منهم مالك وقال مطرف كان مالك يصومها في خاصة نفسه قال وإنما كره صومها لئلا يلحق أهل الجاهلية ذلك برمضان فأما من يرغب في ذلك لما جاء فيه فلم ينهه.

(7/63)


0000000000000000000000000
ـــــــ
وقد اعترض بعض الناس على هذه الأحاديث باعتراضات نذكرها ونذكر الجواب عنها إن شاء الله تعالى الاعتراض الأول تضعيفها قالوا وأشهرها حديث أبي أيوب ومداره على سعد بن سعيد وهو ضعيف جدا تركه مالك وأنكر عليه هذا الحديث وقد ضعفه أحمد وقال الترمذي تكلموا فيه من قبل حفظه وقال النسائي ليس بالقوي وقال ابن حبان لا يجوز الاحتجاج بحديث سعد بن سعيد.
وجواب هذا الاعتراض أن الحديث قد صححه مسلم وغيره.
وأما قولكم يدور على سعد بن سعيد فليس كذلك بل قد رواه صفوان بن سليم ويحيى بن سعيد اخو سعد المذكور وعبد ربه بن سعيد وعثمان بن عمر الخزاعي.
أما حديث صفوان فأخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان.
وأما حديث يحيى بن سعيد فرواه النسائي عن هشام بن عمار عن صدقة بن خالد متفق عليهما عن عتبة بن أبي حكيم وثقة الرازيان وابن معين وابن حبان عن عبدالملك بن أبي بكر بن عبدالرحمن بن الحرث بن هشام وعبدالملك بن محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم وإسماعيل بن إبراهيم الصائغ ثلاثتهم عن يحيى بن سعيد عن عمر به.
فإن قيل فقد رواه حفص بن غياث وهو اثبت ممن ذكرت عن يحيى بن سعيد عن أخيه سعد بن سعيد عن عمرو بن ثابت فدل على أن يحيى بن سعيد لم يروه عن عمر بن ثابت وإلا لما رواه عن أخيه عنه ورواه إسحاق بن أبي فروة عن يحيى بن سعيد عن عدي بن ثابت عن البراء فقد اختلف فيه.
قيل رواية عبد الملك ومن معه عن يحيي بن سعيد أرجح من رواية حفص بن غياث لأنهم أتقن وأكثر وأبعد عن الغلط ويحتمل أن يكون يحيى سمعه من أخيه فرواه كذلك ثم سمعه من عمر ولهذا نظائر كثيرة وقد رواه عبد الله بن لهيعة عن عبد ربه بن سعيد عن أخيه يحيى بن سعيد عن عمر فإن كان يحيى إنما سمعه من أخيه سعد فقذ اتفقت فيه رواية الإخوة الثلاثة له بعضهم عن بعض.
وأما حديث عبد ربه بن سعيد فذكره البيهقي وكذلك حديث عثمان بن عمرو الخزاعي وبالجملة فلم ينفرد به سعد سلمنا انفراده لكنه ثقة صدوق روى له مسلم وروى عنه شعبة وسفيان الثوري وابن عيينة وابن جريج وسليمان بن بلال وهؤلاء أئمة هذا الشأن وقال أحمد كان شعبة أمة وحدة في هذا الشأن قال عبد الله يعني في الرجال وبصره بالحديث وتثبته وتنقيته

(7/64)


00000000000000000000000
ـــــــ
للرجال وقال محمد بن سعد شعبة أول من فتش عن أمر المحدثين وجانب الضعفاء والمتروكين وصار علما يقتدى به وتبعه عليه بعده أهل العراق.
وأما ما ذكرتم من تضعيف أحمد والترمذي والنسائي فصحيح.
وأما ما نقلتم عن ابن حبان فإنما قاله في سعد بن سعيد بن أبي سعيد المقبري وليس في كتابه غيره وأما سعد بن سعيد الأنصارى المدني فإنما ذكره في كتاب الثقات وقد قال أبو حاتم الرازي عن ابن معين سعد بن سعيد صالح وقال محمد بن سعد ثقة قليل الحديث وقال ابن أبي حاتم سمعت أبي يقول كان سعد بن سعيد مؤديا يعني أنه كان يحفظ ويؤدي ما سمع وقال ابن عدي له أحاديث صالحة تقرب من الاستقامة ولا أرى بحديثه بأسا مقدار ما يرويه ومثل هذا إنما ينفي ما ينفرد به أو يخالف به الثقات فأما إذا لم ينفرد وروى ما رواه الناس فلا يطرح حديثه.
سلمنا ضعفه لكن مسلم إنما احتج بحديثه لأنه ظهر له أنه لم يخطىء فيه بقرائن ومتابعات ولشواهد دلته على ذلك وإن كان قد عرف خطؤه في غيره فكون الرجل يخطىء في شيء لا يمنع الاحتجاج به فيما ظهر أنه لم يخطىء فيه وهكذا حكم كثير من الأحاديث التي خرجاها وفي إسنادها من تكلم فيه من جهة حفظه فإنهما لم يخرجاها إلا وقد وجدا لها متابعا.
وههنا دقيقة ينبغي التفطن لها وهي أن الحديث الذي روياه أو أحدهما واحتجا برجاله أقوى من حديث احتجا برجاله ولم يخرجاه فتصحيح الحديث أقوى من تصحيح السند.
فإن قيل فلم لا أخرجه البخاري.
قيل هذا لا يلزم لأنه رحمه الله لم يستوعب الصحيح وليس سعد بن سعيد من شرطه على أنه قد استشهد به في صحيحه فقال في كتاب الزكاة وقال سليمان عن سعد بن سعيد عن عمارة بن غزية عن ابن عباس عن أبيه عن النبي صلى الله أحد جبل يحبنا ونحبه.
الاعتراض الثاني أن هذا الحديث قد اختلف في سنده على عمر بن ثابت فرواه أبو عبدالرحمن المقري عن سعيد عن عبد ربه بن سعيد عن عمر بن ثابت عن أبي أيوب موقوفا ذكره النسائي وأخرجه أيضا من حديث عثمان بن عمرو بن ساج عن عمر بن ثابت عن محمد بن المنكدر عن أبي أيوب وهذا يدل على أن طريق سعد بن سعيد غير متصلة حيث لم يذكر محمد بن المنكدر بين عمر بن ثابت وأبي أيوب وقد رواه إسماعيل بن عياش عن محمد بن أبي حميد عن محمد بن المنكدر عن أبي أيوب فدل على أن لرواية محمد بن المنكدر له عن أبي أيوب أصلا ورواه أبو داود الطيالسي عن ورقاء بن عمر اليشكري عن سعد بن سعيد عن يحيى بن سعيد عن عمر بن ثابت عن أبي أيوب وهذا الاختلاف يوجب ضعفه

(7/65)


00000000000000000000000000
ـــــــ
والجواب أن هذا لا يسقط الاحتجاج به أما رواية عبد ربه بن سعيد له موقوفا فإما أن يقال الرفع زيادة وإما أن يقال هو مخالفة وعلى التقديرين فالترجيح حاصل بالكثرة والحفظ فإن صفوان بن سليم ويحيى بن سعيد وهما إمامان جليلان وسعد بن سعيد وهو ثقة محتج به في الصحيح اتفقوا على رفعه وهم أكثر وأحفظ على أن المقبرى لم يتفق عنه على وقفه بل قد رواه أحمد بن يوسف السلمي شيخ مسلم وعقيل بن يحيى جميعا عنه عن شعبة عن عبد ربه بن سعيد عن عمر بن ثابت عن أبي أيوب مرفوعا وذكره ابن منده وهو إسناد صحيح موافق لرواية الجماعة ومقو لحديث صفوان بن سليم وسعد بن سعيد.
وأيضا فقد رواه محمد بن جعفر غندر عن شعبة عن ورقاء عن سعد بن سعيد مرفوعا كرواية الجماعة وغندر أصح الناس حديثا في شعبة حتى قال علي بن المديني هو أحب إلي من عبدالرحمن بن مهدي في شعبة فمن يكون مقدما على عبدالرحمن بن مهدي في حديث شعبة يكون قوله أولى من المقبري.
وأما حديث عثمان بن عمرو بن ساج فقال أبو القاسم بن عساكر في أطرافه عقب روايتها هذا خطأ والصواب عن عمر بن ثابت عن أبي أيوب من غير ذكر محمد بن المنكدر وقد قال أبو حاتم الرازي عثمان والوليد ابنا عمرو بن ساج يكتب حديثهما ولا يحتج به وقال النسائي رأيت عنده كتبا في غير هذا فإذا أحاديث شبه أحاديث محمد بن أبي حميد فلا أدري أكان سماعه من محمد أم من أولئك المشيخة فإن كانت تلك الأحاديث أحاديثه عن أولئك المشيخة ولم يكن سمعه من محمد فهو ضعيف.
وأما رواية إسماعيل بن عياش له عن محمد بن أبي حميد فإسماعيل بن عياش ضعيف في الحجازيين ومحمد بن حميد متفق على ضعفه ونكارة حديثه وكأن ابن ساج سرق هذه الرواية عن محمد بن حميد والغلط في زيادة محمد بن المنكدر منه والله أعلم.
وأما رواية أبي داود الطيالسي فمن رواية عبد الله بن عمران الأصبهاني عنه قال ابن حبان كان يغرب وخالفه يونس بن حبيب فرواه عن أبي داود عن ورقاء بن عمر عن سعد بن سعيد عن عمر بن ثابت موافقة لرواية الجماعة.
فإن قيل فالحديث بعد هذا كله مداره على عمر بن ثابت الأنصاري لم يروه عن أبي أيوب غيره فهو شاذ فلا يحتج به.
قيل ليس هذا من الشاذ الذي لا يحتج به وكثير من أحاديث الصحيحين بهذه المثابة كحديث الأعمال بالنيات تفرد علقمة بن وقاص به وتفرد محمد بن إبراهيم التيمي به عنه وتفرد

(7/66)


00000000000000000000000000
ـــــــ
يحيى بن سعيد به عن التيمي وقال يونس بن عبدالأعلى قال لي الشافعي ليس الشاذ أن يروي الثقة ما لا يروي غيره إنما الشاذ أن يروي الثقة حديثا يخالف ما روى الناس.
وأيضا فليس هذا الأصل مما تفرد به عمر بن ثابت لرواية ثوبان وغيره له عن النبي وقد ترجم ابن حبان على ذلك في صحيحه فقال بعد إخراجه حديث عمر بن ثابت ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن هذا الخبر تفرد به عمر بن ثابت عن أبي أيوب وذكر حديث ثوبان من رواية هشام بن عمار عن الوليد بن مسلم عن يحيى بن الحرث الذماري عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان ورواه ابن ماجه.
ولكن لهذا الحديث علة وهي أن أسد بن موسى رواه عن الوليد بن مسلم عن ثور بن يزيد عن يحيى بن الحرث به والوليد مدلس وقد عنعنه فلعله وصله مرة ودلسه أخرى وقد رواه النسائي من حديث يحيى بن حمزة ومحمد بن شعيب بن سابور وكلاهما عن يحيى بن الحرث الذماري به ورواه أحمد في المسند عن أبي اليمامة عن إسماعيل بن عياش عن يحيى بن الحرث به وقد صحح الحديث أبو حاتم الرازي وإسماعيل إذا روى عن الشاميين فحديثه صحيح وهذا إسناد شامي.
الاعتراض الثالث أن هذا الحديث غير معمول به عند أهل العلم قال مالك في الموطأ ولم أر أحدا من أهل العلم والفقه يصومها ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف وإن أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته وأن يلحق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة والجفاء لو رأوا في ذلك رخصة عن أهل العلم ورأوهم يعملون ذلك تم كلامه قال الحافظ أبو محمد المنذري والذي خشي منه مالك قد وقع بالعجم فصاروا يتركون المسحرين على عادتهم والنواقيس وشعائر رمضان إلى آخر الستة الأيام فحينئذ يظهرون شعائر العيد ويؤيد هذا ما رواه أبو داود في قصة الرجل الذي دخل المسجد وصلى الفرض ثم قام يتنفل فقام إليه عمر وقال له اجلس حتى تفصل بين فرضك ونفلك فبهذا هلك من كان قبلنا فقال له رسول الله "أصاب الله بك ياابن الخطاب".
قالوا فمقصود عمر أن اتصال الفرض بالنفل إذا حصل معه التمادي وطال الزمن ظن الجهال أن ذلك من الفرض كما قد شاع عند كثير من العامة أن صبح يوم الجمعة خمس سجدات ولا بد فإذا تركوا قراءة {ألم تَنْزِيلُ} قرأوا غيرها من سور السجدات بل نهى عن الصوم بعد انتصاف شعبان حماية لرمضان أن يخلط به صوم غيره فكيف بما يضاف إليه بعده
فيقال الكلام هنا في مقامين.
أحدهما في صوم ستة من شوال من حيث الجملة والثاني في وصلها به.
أما الأول فقولكم أن الحديث غير معمول به فباطل وكون أهل المدينة في زمن مالك لم يعملوا به لا يوجب ترك الأمة كلهم له وقد عمل به أحمد والشافعي وابن المبارك وغيرهم قال ابن

(7/67)


00000000000000000000000000
ـــــــ
عبدالبر لم يبلغ مالكا حديث أبي أيوب على أنه حديث مدني والإحاطة بعلم الخاصة لا سبيل إليه والذي كرهه مالك قد بينه وأوضحه خشية أن يضاف إلى فرض رمضان وأن يسبق ذلك إلى العامة وكان متحفظا كثير الاحتياط للدين وأما صوم الستة الأيام على طلب الفضل وعلى التأويل الذي جاء به ثوبان فإن مالكا لا يكره ذلك إن شاء الله لأن الصوم جنة وفضله معلوم يدع طعامه وشرابه لله وهو عمل بر وخير وقد قال تعالى {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [22، 57] ومالك لا يجهل شيئا من هذا ولم يكره من ذلك إلا ما خافه على أهل الجهالة والجفاء إذا استمر ذلك وخشي أن يعد من فرائض الصيام مضافا إلى رمضان وما أظن مالكا جهل الحديث لأنه حديث مدني انفرد به عمر بن ثابت وأظن عمر بن ثابت لم يكن عنده ممن يعتمد عليه وقد ترك مالك الاحتجاج ببعض ما رواه عمر بن ثابت وقيل إنه روى عنه ولولا علمه به ما أنكر بعض شيوخه إذ لم يثق بحفظه لبعض ما يرويه وقد يمكن أن يكون جهل الحديث ولو علمه لقال به هذا كلامه.
وقال القاضي عياض أخذ بهذا الحديث جماعة من العلماء وروي عن مالك وغيره كراهية ذلك ولعل مالكا إنما كره صومها على ما قال في الموطأ أن يعتقد من يصومه أنه فرض وأما على الوجه الذي أراده النبي صلى الله عليه وسلم فجائز.
وأما المقام الثاني فلا ريب أنه متى كان في وصلها برمضان مثل هذا المحذور كره أشد الكراهة وحمى الفرض أن يخلط به ما ليس منه ويصومها في وسط الشهر أو آخره وما ذكروه من المحذور فدفعه والتحرز منه واجب وهو من قواعد الإسلام.
فإن قيل الزيادة في الصوم إنما يخاف منها لو لم يفصل بين ذلك بفطر يوم العيد فأما وقد تخلل فطر يوم العيد فلا محذور وهذا جواب أبي حامد الاسفرايني وغيره.
قيل فطر العيد لا يؤثر عند الجهلة في دفع هذه المفسدة لأنه لما كان واجبا فقد يرونه كفطر يوم الحيض لا يقطع التتابع واتصال الصوم فبكل حال ينبغي تجنب صومها عقب رمضان إذا لم تؤمن معه هذا المفسدة والله أعلم.
فصل: فإن قيل لم قال ست والأيام مذكرة فالأصل أن يقال ستة كما قال الله تعالى {سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ} وهل لشوال بخصوصه مزية على غيره في ذلك أم لا وهل للست خصوصية على ما دونها وأكثر منها أم لا وكيف شبه من فعل ذلك بصيام الدهر فيكون العمل اليسير مشبها بالعمل الكثير ومن جنسه ومعلوم أن من عمل عملا وعمل الآخر بقدره مرتين لا يستويان فكيف يكون بقدره عشر مرات وهل فرق بين قوله فكأنما صام الدهر وبين أن يقال فكأنه قد صام الدهر وهل يدل الحديث على استحباب صيام الدهر لأجل هذا التشبيه أم لا

(7/68)


0000000000000000000000000
ـــــــ
فالجواب أما قوله ست ولم يقل ستة فالعرب إذا عدت الليالي والأيام فإنها تغلب الليالي إذا لم تضف العدد إلى الأيام فمتى أرادوا عد الأيام عدوا الليالي ومرادهم الأيام قال تعالى {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} قال الزمخشري ولو قيل وعشرة لكان لحنا وقال تعالى {يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً} فهذه أيام بدليل قوله تعالى بعدها {إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً} فدل الكلام الأخير على أن المعدود الأول أيام وأما قوله تعالى {سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ} فلا تغليب هناك لذكر النوعين وإضافة كل عدد إلى نوعه.
وأما السؤال الثاني وهو اختصاص شوال ففيه طريقان.
أحدهما أن المراد به الرفق بالمكلف لأنه حديث عهد بالصوم فيكون أسهل عليه ففي ذكر شوال تنبيه على أن صومها في غيره أفضل هذا الذي حكاه القرافي من المالكية وهو غريب عجيب الطريق الثاني أن المقصود به المبادرة بالعمل وانتهاز الفرصة خشية الفوات قال تعالى {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} وقال {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} وهذا تعليل طائفة من الشافعية وغيرهم.
قالوا ولا يلزم أن يعطى هذا الفضل لمن صامها في غيره لفوات مصلحة المبادرة والمسارعة المحبوبة لله.
قالوا وظاهر الحديث مع هذا القول ومن ساعده الظاهر فقوله أولى ولا ريب أنه لا يمكن إلغاء خصوصية شوال وإلا لم يكن لذكره فائدة.
وقال آخرون لما كان صوم رمضان لا بد أن يقع فيه نوع تقصير وتفريط وهضم من حقه وواجبه ندب إلى صوم ستة أيام من شوال جابرة له ومسددة لخلل ما عساه أن يقع فيه فجرت هذه الأيام مجرى سنن الصلوات التي يتنفل بها بعدها جابرة ومكملة وعلى هذا تظهر فائدة اختصاصها بشوال والله أعلم.
فهذه ثلاث مآخذ.
وسوى هذا جواب السؤال الثالث وهو اختصاصها بهذا العدد دون ماهو أقل وأكثر فقد أشار في الحديث إلى حكمته فقال في حديث أبي هريرة من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها فثلاثين بثلاثمائة وستة بستين وقد صام السنة وكذلك في حديث ثوبان ولفظه من صام ستة أيام بعد الفطر كان تمام السنة من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها لفظ ابن ماجه وأخرجه صاحب المختارة ولفظ النسائي فيه صيام رمضان بعشرة أشهر وصيام ستة أيام بشهرين فذلك صيام سنة يعني صيام رمضان وستة أيام بعده فهذه هي الحكمة في كونها ستة

(7/69)


00000000000000000000000000
ـــــــ
وأما ما ذكره بعضهم من أن الستة عدد تام فإنها إذا جمعت أجزاؤها قام منها عدد السنة فإن أجزاءها النصف والثلث والسدس ويكمل بها بخلاف الأربعة والاثني عشر وغيرهما فهذا لا يحسن ولا يليق أن يذكر في أحكام الله ورسوله وينبغي أن يصان الدين عن التعليل بأمثاله.
وأما السؤال الرابع وهو تشبيه هذا الصيام بصيام الدهر مع كونه بقدره عشر مرات فقد أشكل هذا على كثير من الناس.
وقيل في جوابه أن من صام رمضان وستة من شوال من هذه الأمة فهو كمن صام السنة من الأمم المتقدمة.
قالوا لأن تضعيف الحسنات إلى عشر أمثالها من خصائص هذه الأمة.
وأحسن من هذا أن يقال العمل له بالنسبة إلى الجزاء اعتباران اعتبار المقابلة والمساواة وهو الواحد بمثله واعتبار الزيادة والفضل وهو المضاعفة إلى العشر فالتشبيه وقع بين العمل المضاعف ثوابه وبين العمل الذي يستحق به مثله ونظير هذا قوله "من صلى عشاء الآخرة في جماعة فكأنما قام نصف ليلة ومن صلى العشاء والفجر في جماعة فكأنما قام ليلة".
أما السؤال الخامس وهو الفرق بين أن يقول فكأنما قد صام الدهر وبين قوله فكأنما صام الدهر هو أن المقصود تشبيه الصيام بالصيام ولو قال فكأنه قد صام الدهر لكان بعيدا عن المقصود فإنه حينئذ يكون تشبيها للصائم بالصائم فمحل التشبيه هو الصوم لا الصائم ويجيء الفاعل لزوما ولو شبه الصائم لكان هو محل التشبيه ويكون مجيء الصوم لزوما وإنما كان قصد تشبيه الصوم أبلغ وأحسن لتضمنه تنبيه السامع على قدر الفعل وعظمه وكثرة ثوابه فتتوفر رغبته فيه.
وأما السؤال السادس وهو الاستدلال به على استحباب صيام الدهر فقد استدل به طائفة ممن يرى ذلك.
قالوا ولو كان صوم الدهر مكروها لما وقع التشبيه به بل هذا يدل على أنه أفضل الصيام وهذا الاستدلال فاسد جدا من وجوه.
أحدها أن في الحديث نفسه أن وجه التشبيه هو أن الحسنة بعشر أمثالها فستة وثلاثون يوما بسنة كاملة ومعلوم قطعا أن صوم السنة الكاملة حرام بلا ريب والتشبيه لا يتم إلا بدخول العيدين وأيام التشريق في السنة وصومها حرام فعلم أن التشبيه المذكور لا يدل على جواز وقوع المشبه به فضلا عن استحبابه فضلا عن أن يكون أفضل من غيره ونظير هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن عمل يعدل الجهاد فقال "لا تستطيعه هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تقوم فلا تفتر وتصوم فلا تفطر" قال لا قال "فذلك مثل المجاهد" ومعلوم أن هذا المشبه به غير مقدور ولا مشروع

(7/70)


58 - باب كيف كان يصوم النبي صلى الله عليه وسلم
2431 - حدثنا عَبْدُالله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مَالِكٍ عنْ أبي النّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بنِ عُبَيْدِالله عنْ أبي سَلَمَةَ بنِ عبد الرحمن عنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّهَا قالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَصُومُ حَتى نَقُولَ لاَ يُفْطِرُ وَيُفْطِرُ حَتى نَقُولَ لاَ يَصُومُ وَمَا رَأيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم اسْتَكْمَلَ صِيَامُ شَهْرٍ قَطّ إلاّ رَمَضَانَ وَمَا رأيْتُهُ في شَهْرٍ أكْثَرَ صِيَاماً مِنْهُ في شَعْبَان.
ـــــــ
"باب كيف كان يصوم النبي صلى الله عليه وسلم"
"يصوم حتى نقول لا يفطر": فيه أنه يستحب أن لا يخلى شهراً من صيام، وأن صوم النفل غير مختص بزمان معين بل كل السنة صالحة له إلا رمضان والعيد والتشريق. قيل كان يصوم شعبان كله في وقت ويصوم بعضه في سنة أخرى. وقيل كان يصوم تارة من أوله، وتارة من آخره، وتارة بينهما وما يخلي منه شيئاً بلا صيام لكن في سنين. وقيل في تخصيص شعبان بكثرة الصوم لكونه ترتفع فيه أعمال العباد، وقيل غير ذلك.
فإن قيل: تقدم أن أفضل الصوم بعد رمضان صوم المحرم فكيف أكثر منه في شعبان دون
فإن قيل يحمل قوله فكأنما صام الدهر على ما عدا الأيام المنهي عن صومها.
قيل تعليله صلى الله عليه وسلم حكمة هذه المقابلة وذكره الحسنة بعشر أمثالها وتوزيع الستة والثلاثين يوما على أيام السنة يبطل هذا الحمل.
الثاني أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عمن صام الدهر فقال "لا صام ولا أفطر" وفي لفظ لا صام من صام الأبد فإذا كان هذا حال صيام الدهر فكيف يكون أفضل الصيام؟
الثالث أن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه في الصحيحين أنه قال "أفضل الصيام صيام" داود وفي لفظ لا أفضل من صوم داود كان يصوم يوما ويفطر يوما فهذا النص الصحيح الصريح الرافع لكل إشكال يبين أن صوم يوم وفطر يوم أفضل من سرد الصوم مع أنه أكثر عملا وهذا يدل على أنه مكروه لأنه إذا كان الفطر أفضل منه لم يمكن أن يقال بإباحته واستواء طرفيه فإن العبارة لا تكون مستوية الطرفين ولا يمكن أن يقال هو أفضل من الفطر بشهادة النص له بالإبطال فتعين أن يكون مرجوحا وهذا بين لكل منصف ولله الحمد.
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وفي صومه صلى الله عليه وسلم شعبان أكثر من غيره ثلاث معان:

(7/71)


2432 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عن مُحَمّدِ بنِ عَمْرٍو عن أبي سَلَمَةَ عنْ أبي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِمَعْنَاهُ[بهذا] زَادَ: كَانَ يَصُومُهُ إلاّ قَلِيلاً،بَلْ كَانَ يَصُومُهُ كُلّهُ.

(7/72)


59 - باب في صوم الاثنين والخميس
2433 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا أبانُ أخبرنا يَحْيَى عنْ عُمَرَ بنِ أبِي الْحَكَمِ بنِ ثَوْبَانَ عنْ مَوْلَى قُدَامَةَ بنِ مَظْعُونٍ عنْ مَوْلَى أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ: أنّهُ انْطَلَقَ مَعَ أُسَامَةَ
ـــــــ
المحرم؟ فالجواب لعله لم يعلم فضل المحرم إلا في آخر الحياة قبل التمكن من صومه، أو لعله كان يعرض فيه أعذار تمنع من إكثار الصوم فيه كسفر ومرض وغيرهما. قال العلماء: وإنما يستكمل غير رمضان لئلا يظن وجوبه. قاله النووي. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"زاد كان يصومه إلا قليلاً بل كان يصومه كله": أي لغاية قلة المتروك. قال المنذري: وهذه الزيادة أخرجها مسلم في صحيحه وفي البخاري أيضاً "كان يصوم شعبان كله".
"باب في صوم الاثنين والخميس"
"يحيى": هو ابن أبي كثير قاله المزي "عن مولى قدامة": مجهول لا يعرف لكن قال المزي: روى عن أبي عبيد الله مولى قدامة بن مظعون غير هذا الحديث "عن مولى أسامة"
أحدها: أنه كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر فربما شغل عن الصيام أشهرا فجمع ذلك في شعبان ليدركه قبل صيام الفرض.
الثاني أنه فعل ذلك تعظيما لرمضانوهذا الصوم يشبه سنة فرض الصلاة قبلها تعظيما لحقها.
الثالث أنه شهر ترفع فيه الأعمال فأحب صلى الله عليه وسلم أن يرفع عمله وهو صائم.
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وأخرج النسائي من حديث المسيب بن رافع عن سواد الخزاعي عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم الاثنين والخميس وأخرج عن المسيب عن حفصة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم الاثنين والخميس وفي صحيح مسلم من حديث أبي قتادة قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام

(7/72)


إلَى وَادِي الْقُرَى في طَلَبِ مالٍ لَهُ، فَكَانَ يَصُومُ يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ فَقالَ لَهُ مَوْلاَهُ لِمَ تَصُومُ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ وَيَوْمَ الخَمِيسِ وَأنْتَ شَيْخٌ كَبِيرٌ، فقال إنّ نَبيّ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يَصُومُ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، وَسُئِلَ عنْ ذَلِكَ، فقال : "إنّ أعْمَالَ الْعِبَادِ تُعْرَضُ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ".
قَالَ أبُو دَاوُدَ: كَذَا قالَ هِشَامُ الدّسْتِوَائِيّ عنْ يَحْيَى عنْ عُمَرَ بنِ أبي الْحَكَمِ.

(7/73)


60 - باب في صوم العشر
2434 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا أبُو عَوَانَةَ عن الْحُرّ بنِ الصّبّاحِ عنْ هُنَيْدَةَ بنِ خَالِدٍ
ـــــــ
مجهول، وقال المزي: وروى عن حرملة مولى أسامة بن زيد حديث غير هذا "إلى وادي القرى": واد بين المدينة والشام من أعمال المدينة كذا في المراصد "فقال إن أعمال العباد تعرض يوم الاثنين ويوم الخميس": والحديث يدل على استحباب صوم يوم الاثنين والخميس لأنهما يومان تعرض فيهما الأعمال. قال في فتح الودود: قد جاء في الصحيحين "يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل" فيحتمل أنه يعرض عليه تعالى أعمال العباد كل يوم، ثم يعرض أعمال الجمعة في يوم الاثنين والخميس، ثم أعمال السنة في شعبان، ولكل عرض حكمة. ويحتمل أنها تعرض كل يوم تفصيلاً وفي الجمعة إجمالاً أو بالعكس "كذا قال هشام الدستوائي": أي كما روى أبان عن يحيى بن أبي كثير عن عمر بن أبي الحكم هكذا روى هشام الدستوائي أيضاً عن يحيى بن أبي كثير، وأما معاوية بن سلام فروى عن يحيى حدثني مولى قدامة ولم يذكر عمر بن أبي الحكم، وروى الأوزاعي عن يحيى عن مولى لأسامة بن زيد ولم يذكر عمر ولا مولى قدامة. قاله المزي في الأطراف. كذا في الشرح قال المنذري: وأخرجه النسائي وفي إسناده رجلان مجهولان.
"باب في صوم العشر"
أي عشر ذي الحجة.
الاثنين؟ فقال ذاك يوم ولدت فيه ويوم بعثت أو أنزل علي فيه وفيه من رواية شعبة وسئل عن صوم الاثنين والخميس قال مسلم فسكتنا عن ذكر الخميس لما نراه وهما.
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وفي مسند أحمد وسنن النسائي عن حفصة قالت أربع لم يكن يدعهن رسول الله صلى الله عليه وسلم صيام

(7/73)


عن امْرَأتِهِ عنْ بَعْضِ أزْواجِ النّبيّ عَلَيْهِ السّلاَمُ[صلى الله عليه وسلم] قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَصُومُ تِسْعَ ذِي الحِجّةِ وَيَوْمَ عَاشُورَاءَ وَثَلاَثَةَ أيّامٍ مِنْ كُلّ شَهْرٍ أوّلَ اثْنَيْنِ مِنَ الشّهْرِ وَالخَمِيسَ.
2435 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا وَكِيعٌ أخبرنا الأعْمَشُ عنْ أبي صَالِحٍ وَ مُجَاهِدٍ وَ مُسْلِمٍ الْبَطينِ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْ أيّامٍ الْعَمَلُ الصّالِحُ فيهَا أحَبّ إلَى الله مِنْ هَذِهِ الأيّامِ يَعْني أيّامَ الْعَشْرِ قالُوا يارَسُولَ الله وَلاَ الْجِهَادُ في سَبِيلِ الله؟ قالَ وَلاَ الْجِهَادُ في سَبِيلِ الله قالَ إلاّ رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ".
ـــــــ
"ويوم عاشوراء": بالمد على المشهور وحكي فيه القصر. قاله في الفتح. قال العيني: وهو اليوم العاشر عند جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وذهب ابن عباس إلى أن عاشوراء هو اليوم التاسع. وقال بعض الصحابة هو اليوم الحادي عشر. وصام أبو إسحاق ثلاثة أيام وقال إنما أصوم قبله وبعده كراهية أن يفوتني. وسمي به لأنه عاشر المحرم وهذا ظاهر. وقيل لأن الله تعالى أكرم فيه عشرة من الأنبياء عليهم السلام "أول اثنين": بالنصب بدل من قوله وثلاثة أيام "والخميس": بالإفراد هكذا في رواية المؤلف، وكذا في رواية للنسائي، وفي رواية للنسائي وثلاثة أيام من كل شهر أول اثنين من الشهر وخميسين بالتثنية، وكذا في رواية لأحمد. قاله النووي. قال المنذري: وأخرجه النسائي. واختلف على هنيدة بن خالد في إسناده فروى عنه كما أوردناه، وروى عنه عن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وروى عنه عن أمه عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم مختصراً.
"إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء": أي قتل في سبيل الله قال المنذري: وأخرجه البخاري والترمذي وابن ماجه.
عاشوراء والعشر وثلاثة أيام من كل شهر والركعتين قبل الغداة وفي مسند أحمد أيضا عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد".

(7/74)


61 - باب في فطر العشر
2436 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا أبُو عَوَانَةَ عن الأعمَشِ عنْ إبْرَاهِيمَ عن الأسْوَدِ عن عَائِشَةَ[عائشة رضي الله عنها] قالَتْ: مَا رَأيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم صَائِماً الْعَشْرَ قَطّ.

(7/75)


62 - باب في صوم عرفة بعرفة
2437 - حدثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ أخبرنا حَوْشَبُ بنُ عَقِيلٍ عن مَهْدِيَ الهَجَرِيّ أخبرنا عِكْرَمَةُ قال: كُنّا عِنْدَ أبي هُرَيْرَةَ في بَيْتِهِ فَحَدّثَنا أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهَى عنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ.
__________
"باب في فطر العشر"
أي فطر عشر ذي الحجة
"عن عائشة قالت ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صائماً العشر قط": قال العلماء: هذا الحديث مما يوهم كراهة صوم العشر، والمراد بالعشر ههنا الأيام التسعة من أول ذي الحجة. قالوا وهذا مما يتأول، فليس في صوم هذه التسعة كراهة بل هي مستحبة استحباباً شديداً، لا سيما التاسع منها وهو يوم عرفة، وقد جاءت الأحاديث في فضله، وثبت في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من أيام العمل الصالح فيها أفضل منه في هذه يعني العشر الأوائل من ذي الحجة" فيتأول قولها لم يصم العشر أنه لم يصمه لعارض مرض أو سفر أو غيرهما، أو أنها لم تره صائماً فيه، ولا يلزم من ذلك عدم صيامه في نفس الأمر. ويدل على هذا التأويل حديث هنيدة بن خالد. قاله النووي. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"باب في صوم عرفة بعرفة"
"نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة": قال الخطابي: هذا نهي استحباب لا نهي إيجاب، فإنما نهى المحرم عن ذلك خوفاً عليه أن يضعف عن الدعاء والابتهال في ذلك المقام، فأما من وجد قوة لا يخاف معها ضعفاً فصوم ذلك اليوم أفضل له إن شاء الله وقد قال صلى الله عليه وسلم "صيام يوم عرفة يكفر سنتين سنة قبلها وسنة بعدها".
وقد اختلف الناس في صيام الحاج يوم عرفة، فروي عن عثمان بن أبي العاص وابن الزبير أنهما كانا يصومانه. وقال أحمد بن حنبل: إن قدر على أن يصوم صام، وإن أفطر فذلك

(7/75)


2438 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن أبي النّضْرِ عنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى عَبْدِالله بنِ عَبّاسٍ عن أُمّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ: أنّ نَاساً تَمَارَوْا عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ في صَوْمِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَقال بَعْضُهُمْ هُوَ صَائِمٌ، وَقالَ بَعْضُهُمْ لَيْسَ بِصَائِمٍ، فَأرْسَلَتْ إلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ، وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ بِعَرَفَةَ فَشَرِبَ.
ـــــــ
يوم يحتاج فيه إلى قوة. وكان إسحاق يستحب صومه للحاج. وكان عطاء يقول أصوم في الشتاء ولا أصوم في الصيف. وكان مالك وسفيان الثوري يختاران الإفطار للحاج وكذلك الشافعي.
وروى عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال لم يصمه النبي صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا أصومه أنا. انتهى. قال الشوكاني: واعلم أن ظاهر حديث أبي قتادة عند مسلم وأصحاب السنن مرفوعاً "صوم يوم عرفة يكفر سنتين ماضية ومستقبلة" الحديث أنه يستحب صوم يوم عرفة مطلقاً، وظاهر حديث عقبة بن عامر عند أهل السنن غير ابن ماجه "يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام" الحديث أنه يكره صومه مطلقاً، لجعله قريباً في الذكر ليوم النحر وأيام التشريق، وتعليل ذلك أنها عيد وأنها أيام أكل وشرب.
وظاهر حديث أبي هريرة أنه لا يجوز صومه بعرفات، فيجمع بين الأحاديث بأن صوم هذا اليوم مستحب لكل أحد مكروه لمن كان بعرفات حاجاً. والحكمة في ذلك أنه ربما كان مؤدياً إلى الضعف عن الدعاء والذكر يوم عرفة هنالك والقيام بأعمال الحج. وقيل الحكمة أنه يوم عيد لأهل الموقف لاجتماعهم فيه، ويؤيده حديث أبي قتادة. وقيل إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أفطر فيه لموافقته يوم الجمعة وقد نهى عن إفراده بالصوم، ويرد هذا حديث أبي هريرة المصرح بالنهي عن صومه مطلقاً. انتهى. قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه وفي إسناده مهدي الهجري، قال يحيى بن معين: لا أعرفه، وقال الخطابي: هذا نهي استحباب لا نهي إيجاب.
"عن أم الفضل": أي زوجة العباس "أن ناساً تماروا": أي اختلفوا "فشرب": فيه دليل على جواز الأكل والشرب في المحافل من غير كراهة. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم.
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وقد ورد في النهي عن صيام يوم عرفة بعرفة آثار. منها: ما رواه النسائي عن عمرو بن دينار عن عطاء عن عبيد بن عمير قال كان عمر ينهي عن صوم يوم عرفة بعرفة ومنها ما رواه أيضا عن أبي السوار قال سألت ابن عمر عن صوم يوم عرفة فنهاني والمراد بذلك بعرفة بدليل ما روى نافع قال سئل ابن عمر عن صوم يوم عرفة بعرفة فقال لم يصمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان وعن عطاء قال دعا عبد الله بن عباس الفضل بن عباس يوم عرفة إلى الطعام فقال إني

(7/76)


63 - باب في صوم يوم عاشوراء
2439 - حدثنا عَبْدُالله بنُ مَسْلَمَةَ عن مَالِكٍ عن هِشَامِ بن عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عَائِشَةَ قالَتْ: كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ يَوْماً تَصُومُهُ قُرَيْشٌ في الْجَاهِلِيّةِ، وَكَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
ـــــــ
"باب في صوم يوم عاشوراء"
"كان يوم عاشوراء يوماً تصومه قريش في الجاهلية": عن ابن عباس أن يوم عاشوراء هو التاسع من المحرم، ويتأوله على أنه مأخوذ من إظماء الإبل، فإن العرب تسمي اليوم الخامس من أيام الورد ربعاً، وكذا باقي الأيام على هذه النسبة فيكون التاسع عشراً. وذهب جماهير العلماء من السلف والخلف إلى أن عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرم. وممن قال ذلك سعيد بن المسيب والحسن البصري ومالك وأحمد وإسحاق وخلائق، وهذا ظاهر الأحاديث ومقتضى اللفظ. وأما تقدير أخذه من الإظماء فبعيد، ثم إن حديث ابن عباس الآتي في الباب التالي يرد عليه، لأنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم عاشوراء فذكروا أن اليهود والنصارى تصومه فقال إنه في العام المقبل يصوم التاسع، وهذا تصريح بأن الذي كان يصومه ليس هو التاسع، فتعين كونه العاشر. قال الشافعي وأصحابه وأحمد وإسحاق وآخرون: يستحب صوم التاسع والعاشر جميعاً لأن النبي صلى الله عليه وسلم صام العاشر ونوى صيام التاسع. قال بعض العلماء: ولعل السبب في صوم التاسع مع العاشر أن لا يتشبه باليهود في إفراد العاشر، قاله النووي "وأمر
صائم فقال عبد الله لا تصم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرب إليه حلاب فيه لبن يوم عرفة فشرب منه فلا تصم فإن الناس يستنوون بكم رواهما النسائي ثم قال وقد أخرجا في الصحيحين من حديث كريب عن ميمونة بنت الحرث أنها قالت إن الناس شكوا في صيام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة فأرسلت إليه يعني ميمونة بحلاب لبن وهو واقف في الموقف فشرب منه والناس ينظرون فقيل يحتمل أن تكون ميمونة أرسلت وأم الفضل أرسلت كل منهما بقدح ويحتمل أن يكونا مجتمعين فإنها أختها فاتفقنا على الإرسال بقدح واحد فينسب إلى هذه وإلى هذه فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أفطر بعرفة وصح عنه أن صيامه يكفر سنتين فالصواب أن الأفضل لأهل الآفاق صومه ولأهل عرفة فطره لاختياره صلى الله عليه وسلم ذلك لنفسه وعمل خلفائه بعده بالفطر وفيه قوة على الدعاء الذي هو أفضل دعاء العبد وفيه أن يوم عرفة عيد لأهل عرفة فلا يستحب لهم صيامه وبعض الناس يختار الصوم وبعضهم يختار الفطر وبعضهم يفرق بين من يضعفه ومن لا يضعفه وهو اختيار قتادة والصيام اختيار ابن الزبير وعائشة وقال عطاء أصومه في الشتاء ولا أصومه في الصيف وكان بعض السلف لا يأمر به ولا ينهي عنه ويقول من شاء صام ومن شاء أفطر.

(7/77)


يَصُومُهُ في الْجَاهِلِيّةِ، فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم المَدِينَةَ صَامَهُ وَأمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمّا فُرِضَ رَمَضَانُ كَانَ هُوَ الْفَرِيضَةُ وَتُرِكَ عَاشُوراءُ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ.
2440 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عن عُبَيْدِالله أخبرني نَافِعٌ عن ابنِ عُمَرَ قال: كَانَ عَاشُوراءُ يَوْماً نَصُومُهُ في الْجَاهِلِيّةِ، فَلَمّا نَزَلَ رَمَضَانُ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "هَذَا يَوْمٌ منْ أيّامِ الله فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ".
2441 - حدثنا زِيَادُ بنُ أيّوبَ أخبرنا هُشَيْمٌ أنْبأنَا[حدثنا] أبُو بِشْرٍ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: لَمّا قَدِمَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم المَدِينَةَ وَجَدَ الْيَهُودَ يَصُومُونَ عَاشُوراءَ، فَسُئِلُوا عنْ ذَلِكَ فَقَالُوا هَذَا الْيَوْمُ الّذِي أظْهَرَ الله فِيهِ مُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ، وَنَحْنُ نَصُومُهُ تَعْظِيماً لَهُ، فَقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "نَحْنُ أوْلَى بِمُوسَى مِنْكُم وَأمَرَ بِصِيَامِهِ".
ـــــــ
بصيامه": اتفق العلماء على أن صوم يوم عاشوراء اليوم سنة ليس بواجب، واختلفوا في حكمه في أول الإسلام حين شرع صومه قبل صوم رمضان، فقال أبو حنيفة: كان واجباً، واختلف أصحاب الشافعي فيه على وجهين مشهورين أشهرهما أنه لم يزل سنة من حين شرع، ولم يكن واجباً قط في هذه الأمة، ولكنه كان متأكد الاستحباب، فلما نزل صوم رمضان صار مستحباً دون ذلك الاستحباب. والثاني: كان واجباً كقول أبي حنيفة. انتهى كلام النووي. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.
"هذا يوم من أيام الله فمن شاء صامه ومن شاء تركه": قال النووي: معناه أنه ليس متحتماً، فأبو حنيفة يقدره ليس بواجب والشافعية يقدرونه ليس متأكداً أكمل التأكيد، وعلى المذهبين هو سنة مستحبة الآن من حين قال النبي صلى الله عليه وسلم، وكان بعض السلف يقول: كان صوم عاشوراء فرضاً وهو باق على فرضيته لم ينسخ قال وانقرض القائلون بهذا، وحصل الإجماع على أنه ليس بفرض وإنما هو مستحب. وروى عن ابن عمر كراهة قصد صومه وتعيينه بالصوم. والعلماء مجمعون على استحبابه وتعيينه للأحاديث. وأما قول ابن مسعود كنا نصومه ثم ترك فمعناه أنه لم يبق كما كان من الوجوب وتأكد الندب. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم.
"وجد اليهود يصومون فسئلوا عن ذلك": بصيغة المجهول أي اليهود، وفي رواية لمسلم فسألهم "أظهر الله": أي نصره "فيه": في ذلك اليوم "له": أي لذلك اليوم "نحن أولى بموسى": صلى الله عليه وسلم أي نحن أثبت وأقرب لمتابعة موسى صلى الله عليه وسلم منكم، فإنا موافقون له في أصول الدين

(7/78)


64 - باب ما روي أن عاشوراء اليوم التاسع
2442 - حدثنا سُلَيْمَانُ بنُ دَاوُدَ المَهْرِيّ أنْبأنَا[حدثنا] ابنُ وَهْبٍ أخبرني يَحْيَى بنُ أيّوبَ أنّ إسْمَاعِيلَ بنَ أُمَيّةَ الْقُرَشِيّ حَدّثه أنّه سَمِعَ أبا غَطْفَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَالله بنَ عَبّاسٍ يَقولُ حِينَ صَامَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ عَاشُوراءَ وَأمَرَنَا بِصِيَامِهِ قالُوا يَارَسُولَ الله إنّهُ يَوْمٌ تُعَظّمُهُ الْيَهُودُ وَالنّصَارَى، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "فإذَا كَانَ الْعَامُ المُقْبِلُ صُمْنا يَوْمَ التّاسِعِ، فَلَمْ يَأْتِ الْعامُ المُقْبِلُ حَتّى تُوفّيَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم".
ـــــــ
ومصدقون لكتابه وأنتم مخالفون لهما في التغيير والتحريف "وأمر بصيامه": ضبطوا أمر هنا بوجهين أظهرهما بفتح الهمزة والميم والثاني بضم الهمزة وكسر الميم، ولم يذكر القاضي عياض غيره. كذا ذكره النووي. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.
"باب ما روي أن عاشوراء اليوم التاسع"
تقدم آنفاً وجهه وتأويله فليرجع إليه.
"فإذا كان العام المقبل صمنا يوم التاسع": أي فقط أو مع العاشر فيكون مخالفة في الجملة والأول أظهر، ومع هذا ما كان تاركاً لتعظيم اليوم الذي وقع فيه نصرة الدين لأنهم كانوا يصومون شكراً، ويجوز تقديم الشكر سيما على وجه المشارفة على مثل زمان وقوع النعمة فيه، بل صوم العاشر أيضاً فيه التقدم عليه إذ الفتح كان في اثناء النهار والصوم ما يصح إلا من أوله، ولو أراد صلى الله عليه وسلم مخالفتهم بالكلية لترك الصوم مطلقاً والله أعلم.
قال الطيبي: لم يعش رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القابل بل توفي في الثاني عشر من ربيع
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
والصحيح أن المراد صوم التاسع مع العاشر لا نقل اليوم لما روى أحمد في مسنده من حديث ابن عباس يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خالفوا اليهود صوموا يوما قبله أو يوما بعده" وقال عطاء عن ابن عباس صوموا التاسع والعاشر وخالفوا اليهود ذكره البيهقي وهو يبين أن قول ابن عباس إذا رأيت هلال المحرم فاعدد فإذا كان يوم التاسع فأصبح صائما أنه ليس المراد به أن عاشوراء هو التاسع بل أمره أن يصوم اليوم التاسع قبل عاشوراء.
فإن قيل ففي آخر الحديث قيل كذلك كان يصومه محمد صلى الله عليه وسلم قال نعم فدل على أن المراد به نقل الصوم لا صوم يوم قبله.

(7/79)


2443 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى يعْني ابنَ سَعِيدٍ عنْ مُعَاوِيَةَ بنِ غَلاّبٍ ح وأخبرنا مُسَدّدٌ أخبرنا إسْمَاعِيلُ أخبرني حَاجِبُ بنُ عُمَرَ جَمِيعاً المَعْنى عن الحَكَمِ بنِ الأعْرَجِ قال: أتَيْتُ ابنَ عَبّاسٍ وَهُوَ مُتَوَسّدٌ رِدَاءَهُ في المَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَسَأَلْتُهُ عنْ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاء؟ فقالَ: إذَا رَأيْتَ هِلاَلَ المُحَرّمِ فَاعْدُدْ، فإذَا كَانَ يَوْمُ التّاسِعِ فأَصْبِحْ صَائِماً، فَقُلْتُ: كَذَا كَانَ مُحَمّدٌ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ؟ قالَ: كَذَلِكَ كَانَ مُحَمّدٌ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ.
ـــــــ
الأول، فصار اليوم التاسع من المحرم صومه سنة وإن لم يصمه لأنه عزم على صومه. قال التوربشتي: قيل أريد بذلك أن يضم إليه يوماً آخر ليكون هديه مخالفاً لأهل الكتاب، وهذا هو الوجه لأنه وقع موقع الجواب لقولهم إنه يوم يعظمه اليهود. وروى عن ابن عباس أنه قال: صوموا التاسع والعاشر وخالفوا اليهود، وإليه ذهب الشافعي وبعضهم إلى أن المستحب صوم التاسع فقط. وقال ابن همام: يستحب صوم يوم عاشوراء ويستحب أن يصوم قبله يوماً أو بعده يوماً، فإن أفرده فهو مكروه للتشبه باليهود، وروى أحمد خبر صوموا يوم عاشوراء وخالفوا اليهود وصوموا قبله وبعده يوماً، وظاهره أن الواو بمعنى أو لأن المخالفة تحصل بأحدهما، وأخذ الشافعي بظاهر الحديث فيجمعون بين الثلاثة والله أعلم. ذكره في المرقاة. قال المنذري: وأخرجه مسلم.
"معاوية بن غلاب": بفتح الغين المعجمة وتخفيف اللام "قال كذلك كان محمد صلى الله عليه وسلم يصوم": لعله أراد أنه عزم على ذلك آخراً فكأنه صام قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي.
قيل قد صرح ابن عباس بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع" فدل على أن الذي كان يصومه هو العاشر وابن عباس راوي الحديثين معا فقوله هكذا كان يصومه محمد أراد به والله أعلم قوله لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع عزم عليه وأخبر أنه يصومه إن بقي قال ابن عباس هكذا كان يصومه وصدق رضي الله عنه هكذا كان يصومه لو بقي فتوافقت الروايات عن ابن عباس وعلم أن المخالفة المشار إليها بترك إفراده بل يصام يوم قبله أو يوم بعده ويدل عليه أن في رواية الإمام أحمد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع" يعني لصوم عاشوراء وخالفوا اليهود فصوموا قبله يوما وبعده يوما فذكر هذا عقب قوله لأصومن التاسع يبين مراده وبالله التوفيق.

(7/80)


65 - باب في فضل صومه
2444 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ المِنْهَالِ أخبرنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ أخبرنا سَعِيدٌ عنْ قَتَادَةَ عنْ عبد الرحمن بنِ مَسْلَمَةَ عن عَمّهِ: أنّ أسْلَمَ أتَتِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فقالَ: صُمْتُمْ يَوْمَكُمْ هَذَا؟ قالُوا لاَ. قالَ: فأتِمّوا بَقِيّةَ يَوْمِكُمْ وَاقْضُوهُ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: يَعْني يَوْمَ عَاشُورَاءَ.
ـــــــ
"باب في فضل صومه"
"أن أسلم": قبيلة "فقال": النبي صلى الله عليه وسلم "أصمتم يومكم هذا": أي يوم عاشوراء "فأتموا بقية يومكم واقضوه": قال الخطابي أمره صلى الله عليه وسلم للاستحباب وليس بإيجاب، وذلك لأن لأوقات الطاعة ذمة ترعى ولا تهمل، فأحب النبي صلى الله عليه وسلم أن يرشدهم إلى ما فيه الفضل والحظ لئلا يغفلوه عند مصادفتهم وقته، وقد صار هذا أصلاً في مذهب العلماء في مواضع مخصوصة. قال أبو حنيفة وأصحابه: إذا قدم المسافر في بعض نهار الصوم أمسك عن الأكل بقية يومه، وقال الشافعي فيمن لا يجد ماء ولا تراباً وكان محبوساً في خش أو مصلوباً على خشبة أنه يصلي على حسب ما يمكنه مراعاة لحرمة الوقت وعليه الإعادة إذا قدر على الطهارة والصلاة.
قلت: وقد يحتج أبو حنيفة وأصحابه بهذا الحديث في جواز تأخير نية صيام الفرض عن أول وقته إلا أن قوله صلى الله عليه وسلم "واقضوه" يفسد هذا الاستدلال انتهى. قال المنذري: وأخرجه النسائي.
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
قال عبد الحق ولا يصح هذا الحديث في القضاء قال ولفظة اقضوه تفرد بها أبو داود ولم يذكرها النسائي.
قال: واختلف الناس في يوم عاشوراء هل كان صومه واجبا أو تطوعا فقالت طائفة كان واجبا وهذا قول أبي حنيفة وروى عن أحمد وقال أصحاب الشافعي لم يكن واجبا وإنما كان تطوعا واختاره القاضي أبو يعلى وقال هو قياس المذهب واحتج هؤلاء بثلاث حجج.
إحداها: ما أخرجاه في الصحيحين عن حميد بن عبدالرحمن أنه سمع معاوية بن أبي سفيان خطيبا بالمدينة يعني في قدمة قدمها خطبهم يوم عاشوراء فقال أين علماؤكم ياأهل المدينة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لهذا اليوم: "هذا يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه وأنا صائم فمن أحب منكم أن يصوم فليصم ومن أحب منكم أن يفطر فليفطر".

(7/81)


000000000000000000000000000
ـــــــ
الحجة الثانية ما في الصحيحين أيضا عن سلمة بن الأكوع قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من أسلم يوم عاشوراء فأمره أن يؤذن في الناس من كان لم يصم فليصم.
قالوا فهذا أمر بإنشاء الصيام أثناء النهار وهذا لا يجوز إلا في التطوع وأما الصيام الواجب فلا يصح إلا بنية قبل الفجر.
الحجة الثالثة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر المفطرين فيه إذ ذاك بالقضاء.
واحتج الأولون بحجج.
إحداها: ما خرجاه في الصحيحين عن عائشة قالت كانت قريش تصوم عاشوراء في الجاهلية وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه فلما هاجر إلى المدينة صامه وأمر بصيامه فلما فرض شهر رمضان قال من شاء صامه ومن شاء تركه وفي صحيح البخاري عن ابن عمر قال صام النبي صلى الله عليه وسلم عاشوراء وأمر بصيامه فلما فرض رمضان تركه.
قالوا ومعلوم أن الذي ترك هو وجوب صومه لا استحبابه فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرغب فيه ويخبر أن صيامه كفارة سنة وقد أخبر ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصومه إلى حين وفاته وأنه عزم قبل وفاته بعام على صيام التاسع فلو كان المتروك مشروعيته لم يكن لقصد المخالفة بضم التاسع إليه معنى فعلم أن المتروك هو وجوبه.
الحجة الثانية أن في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من كان أكل بأن يمسك بقية يومه وهذا صريح في الوجوب فإن صوم التطوع لا يتصور فيه إمساك بعد الفطر.
الحجة الثالثة: ما في الصحيحين أيضا عن عائشة قالت كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية فذكرت الحديث إلى أن قالت فلما فرض رمضان كان هو الفريضة الحديث وهذا اللفظ من سياق البيهقي فقولها كان هو الفريضة دل على أن عاشوراء كان واجبا وأن رمضان صار هو الفرض لا عاشوراء وإلا لم يكن لقولها كان هو الفريضة معنى.
قال الموجبون وأما حديث معاوية فمعناه ليس مكتوبا عليكم الآن أو لم يكتبه بعد نزول رمضان أو إنما نفى الكتب وهو الفرض المؤكد الثابت بالقرآن ووجوب عاشوراء إنما كان بالسنة ولا يلزم من نفى كتبه وفرضه نفى كونه واجبا فإن المكتوب أخص من مطلق الواجب وهذا جار على أصل من يفرق بين الفرض والواجب وقد نص أحمد في إحدى الروايتين عنه على أنه لا يقال فرض إلا لما ثبت بالقرآن وأما ثبت بالسنة فإنه يسميه واجبا.
قالوا: وأما تصحيحه بنية من النهار فالجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أن هذا حجة لمن يقول بجواز صوم الفرض بنية من النهار.

(7/82)


000000000000000000000000000
ـــــــ
قالوا وهو عمدتنا في المسألة فليس لكم أن تنفوا وجوبه بناءا على بطلان هذا القول فإنه دور ممتنع ومصادر باطلة وهذا جواب أصحاب أبي حنيفة.
قال منازعوهم إذا قلتم إنه كان واجبا ثبت نسخه اتفاقا وأنتم إنما جوزتم الصوم المفروض بنية من النهار بطريق الاستنباط منه وأن ذلك من متعلقاته ولوازمه والحكم إذا نسخ نسخت لوازمه ومتعلقاته ومفهومه وما ثبت بالقياس عليه لأنها فرع الثبوت على الأصل فإذا ارتفع الأصل امتنع بقاء الفرع بعده.
قال الحنفية الحديث دل على شيئين أحدهما إجزاء الصوم الواجب بنية من النهار والثاني تعيين الصوم الواجب بأنه يوم عاشوراء فنسخ تعيين الواجب برمضان وبقي الحكم الآخر لا معارض له فلا يصح دعوى نسخه إذ الناسخ إنما هو تعيين الصوم وإبداله بغيره لا إجزاؤه بنية من النهار.
الجواب الثاني أن ذلك الصوم إنما صح بينة من النهار لأن الوجوب إنما ثبت في حق المكلفين من النهار حين أمر النبي صلى الله عليه وسلم المنادي أن ينادي بالأمر بصومه فحينئذ تحدد الوجوب فقارنت النية وقت وجوبه وقيل هذا لم يكن واجبا فلم تكن نية التبييت واجبة.
قالوا وهذا نظير الكافر يسلم في أثناء النهار أو الصبي يبلغ فإنه يمسك من حين يثبت الوجوب في ذمته ولا قضاء عليه كما قاله مالك وأبو ثور وابن المنذر وأحمد في إحدى الروايتين عنه ونظيره أيضا إذا أثبتنا الصوم تطوعا بنية من النهار ثم نذر إتمامه فإنه يجزئه بنيته عند مقارنة الوجوب.
قالوا ولا يرد علينا ما إذا قامت البينة برؤية هلال رمضان في أثناء النهار حيث يلزم القضاء لمن لم يكن قد بيت الصوم لأن الوجوب هنا كان ثابتا وإنما خفي على بعض الناس وتساوي المكلفين في العلم بالوجوب لا يشترط بخلاف ابتداء الأمر بصيام عاشوراء فإنه حينئذ ابتداء وجوبه فالفرق إنما هو بين ابتداء الوجوب والشروع في الإمساك عقبه وبين خفاء ما تقدم وجوبه ثم تجدد سبب العلم بوجوبه فإن صح هذا الفرق وإلا فالصواب التسوية بين الصورتين وعدم وجوب القضاء والله أعلم.
وذكر الشافعي هذه الأحاديث في كتاب مختلف الحديث ثم قال وليس من هذه الإحاديث شيء مختلف عندنا والله أعلم إلا شيئا ذكر في حديث عائشة وهو مما وصفت من الأحاديث التي يأتي بها المحدث ببعض دون بعض فحديث ابن أبي ذئب عن عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم عاشوراء ويأمرنا بصيامه لو انفرد كان ظاهره أن عاشوراء كان فرضا فذكر هشام عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم صامه في الجاهلية وأمر بصيامه فلما نزل رمضان كان الفريضة وترك عاشوراء قال الشافعي لا يحتمل قول عائشة ترك عاشوراء معنى يصح إلا ترك إيجاب صومه إذا علمنا أن كتاب

(7/83)


66 - باب في صوم يوم وفطر يوم
2445 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ وَ مُحَمّدُ بنُ عِيسَى وَ مُسَدّدٌ - وَ الإِخْبَارُ في حَدِيثِ أَحْمَدَ - قالُوا أخبرنا سُفْيَانُ قال سَمِعْتُ عَمْرًا قال أخبرني عَمْرُو بنُ أوْسٍ سَمِعَهُ مِنْ عَبْدِالله بنِ عَمْرٍو قالَ قالَ لِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أحَبّ الصّيَامِ إلى الله صِيَامُ دَاوُدَ، وَأحَبّ الصّلاَةِ إلى الله صَلاَةُ دَاوُدَ، كَانَ ينَامُ نِصْفَهُ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَكَانَ يُفْطِرُ يَوْماً، وَيَصُومُ يَوْماً".
ـــــــ
"باب في صوم يوم وفطر يوم"
"كان": داوود عليه السلام "ينام نصفه": أي نصف الليل من أوله "ويقوم": بعد ذلك "ثلثه": بضم اللام وسكونه وهو السدس الرابع والخامس "وينام سدسه": بضم الدال ويسكن أي سدسه الأخير، ثم يقوم عند الصبح. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه.
الله بين لهم أن شهر رمضان المفروض صومه وأبان لهم ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ترك استحباب صومه وهو أولى الأمور عندنا لأن حديث ابن عمر ومعاوية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لم يكتب صوم يوم عاشوراء على الناس" ولعل عائشة إن كانت ذهبت إليه أنه كان واجبا ثم نسخ قالته لأنه يحتمل أن تكون رأت النبي صلى الله عليه وسلم لما صامه وأمر بصومه كان صومه فرضا ثم نسخه ترك أمره من شاء أن يدع صومه ولا أحسبها ذهبت إلى هذا ولا ذهبت إلا إلى المذهب الأول لأن الأول هو الموافق للقرآن أن الله فرض الصوم فأبان أنه شهر رمضان ودل حديث ابن عمر ومعاوية عن النبي صلى الله عليه وسلم على مثل معنى القرآن بأن لا فرض في الصوم إلا رمضان وكذلك قول ابن عباس ماعلمت رسول الله صلى الله عليه وسلم صام يوما يتحرى فضله على الأيام إلا هذا اليوم يعني يوم عاشوراء كأنه يذهب بتحرى فضله إلى التطوع بصومه آخر كلامه.
قالوا وأما حجتكم الثالثة بأنه لم يأمرهم بالقضاء فجوابها من وجهين أحدهما أنا قد ذكرنا حديث أبي داود أنهم أمروا بالقضاء وقد اختلف في هذا الحديث فإن كان ثابتا فهو دليل على الوجوب وإن لم يكن ثابتا فإنما لم يؤمروا بالقضاء لعدم تقدم الوجوب إذ الوجوب إنما ثبت عند أمره فاكتفى منهم بإمساك ما بقي كالصبي يبلغ والكافر يسلم والله أعلم.

(7/84)


67 - باب في صوم الثلاث من كل شهر
2446 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنْبأَنَا هَمّامٌ عن أنَسٍ أخِي مُحَمّدٍ عن ابنِ مِلْحَانَ الْقَيْسِيّ عن أبِيهِ قال: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُنَا أنْ نَصُومَ الْبِيضَ ثَلاَثَ عَشْرَةَ وَأرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ. قال وَقال: هُنّ كَهَيْئَةِ الدّهْرِ.
ـــــــ
"باب في صوم الثلاث من كل شهر"
"يأمرنا أن نصوم البيض": أي أيام الليالي البيض "قال": أي ملحان القيسي "وقال": أي النبي صلى الله عليه وسلم "هن": أي صيامهن "كهيئة الدهر": أي كأنها صيام الدهر كله. قال المنذري:وأخرجه النسائي وابن ماجه.
واختلف في ابن ملحان هذا فقيل: هو قتادة بن ملحان القيسي وله صحبة والحديث من مسنده. وقال يحيى بن معين: وهو الصواب. وقيل إنه منهال بن ملحان القيسي والد عبدالملك. قال ابن معين: وهو خطأ.
قال أبو عمر النمري: وحديث همام أيضاً خطأ والصواب ما قال شعبة، وليس همام ممن يعارضني به شعبة، وذكر خلاف هذا في موضع آخر. فقال: يقال إن شعبة أخطأ في اسمه إذ قال فيه منهال بن ملحان. قال: وقال البخاري: حديث همام أصح من حديث شعبة قال: ومنهال بن ملحان لا يعرف في الصحابة والصواب قتادة بن ملحان القيسي، تفرد بالرواية عنه ابنة عبدالملك وقتادة يعد في أهل البصرة.
وقال أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة: المنهال أبو عبد الملك بن منهال رجل من
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وقد روى الإمام أحمد والترمذي والنسائي عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ياأبا ذر إذا صمت من الشهر فصم ثلاثة عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة" وفي صحيح مسلم عن أبي قتادة يرفعه ثلاث من كل شهر ورمضان إلى رمضان فهذا صيام الدهر كله وروى النسائي عن جرير بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر: أيام البيض صبيحة ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة" وروى أيضا عن أبي هريرة قال جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأرنب قد شواها فوضعها بين يديه فأمسك فلم يأكل وأمر القوم أن يأكلوا وأمسك الأعرابي فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ما منعك أن تأكل؟ قال: إني أصوم ثلاثة أيام من كل شهر. قال: "إن كنت صائما فصم الغد".

(7/85)


2447 - حدثنا أبُو كَامِلٍ أخبرنا أبُو دَاوُدَ أخبرنا شَيْبَانُ عن عَاصِمٍ عن زِرّ عن عَبْدِالله قال: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَصُومُ - يَعْني مِنْ غُرّةِ كُلّ شَهْرٍ - ثَلاَثَةِ أيّامٍ.

(7/86)


68- باب من قال الاثنين والخميس
2448 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عن عَاصِمِ بنِ بَهْدَلَةَ عن سواءٍ الْخُزَاعِيّ عن حَفْصَةَ قالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَصُومُ ثَلاَثَةَ أيّامٍ مِنَ الشّهْرِ، الاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسَ وَالاثْنَيْنِ مِنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى.
2449 - حدثنا زُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ فُضَيْلٍ أخبرنا الْحَسَنُ بنُ عُبَيْدِ
ـــــــ
بني قيس بن ثعلبة نزل البصرة وذكر عنه هذا الحديث. وقال في حرف القاف: قتادة بن ملحان القيسي سكن البصرة وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثاً. وذكر عبد الملك بن منهال القيسي عن أبيه. وقال بعضهم: لعل أبا داوود أسقط اسمه لأجل هذا الاضطراب.
"عبد الله": وهو ابن مسعود رضي الله عنه "من غرة كل شهر ثلاثة أيام": أي الأيام البيض الليالي بالقمر وهي ثالث عشر ورابع عشر وخامس عشر. قاله السيوطي.
وقال علي القاري: من غرة كل شهر أي أوله. قيل: لا منافاة بين هذا الحديث وحديث عائشة وهوأنه لم يكن يبالي من أي أيام الشهر يصوم لأن هذا الراوي وجد الأمر على ذلك في غالب ما اطلع عليه من أحوال النبي صلى الله عليه وسلم فحدث بما كان يعرف من ذلك، وعائشة رضي الله عنها اطلعت من ذلك على ما لم يطلع عليه هذا الراوي فحدثت بما علمت، فلا تنافي بين الأمرين وفي القاموس: الغرة من الهلال طلعته فيمكن أن يقال كلما طلع هلال صام ثلاثة أيام، ولا يلزم منه أن يكون الصوم من أوله فيوافق بقية الحديث. انتهى. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي.
وقال الترمذي: حسن غريب. وفي حديث الترمذي "قل ما كان يفطر يوم الجمعة" وفي حديث النسائي "قلما رأيته يفطر يوم الجمعة".
"باب من قال"
يصوم ثلاثة من كل شهر "الاثنين والخميس": وفي الباب السابق الصوم الثلاث في أيام الليالي البيض ولا منافاة بينهما، فإنه كان مرة كذا ومرة كذا.
"عن حفصة": قال المنذري: وأخرجه النسائي.

(7/86)


الله عن هُنَيْدَةَ الْخُزَاعِيّ عن أُمّهِ قالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى أُمّ سَلَمَةَ فَسَألْتُهَا عن الصّيَامِ فَقَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُني أنْ أصُومَ ثَلاَثَةَ أيّامٍ مِنْ كُلّ شَهْرٍ، أوّلُهَا الاثْنَيْنَ وَالْخَمِيسَ.

(7/87)


69 - باب من قال لا يبالي من أي الشهر
2450 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا عَبْدُ الْوَارِثٍ عن يَزِيدَ الرّشْكِ عن مُعَاذَةَ قالَتْ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أكَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَصُومُ مِنْ كُلّ شَهْرٍ ثَلاَثَةَ أيّامٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قُلْتُ: مِنْ أيّ شَهْرٍ كَانَ يَصُومُ؟ قالَتْ: ما كَانَ يُبَالِي مِنْ أيّ أيّامِ الشّهْرِ كَانَ يَصُومُ.
ـــــــ
"أولها": بالرفع "الاثنين": بضم النون وكسرها وفتحها "والخميس": بالحركات الثلاث على التبعية. قال الأشرف: والظاهر الاثنان. فقيل: أعرب بالحركة لا بالحرف، وقيل المضاف محذوف مع إبقاء المضاف إليه على حاله وتقديره أولها يوم الاثنين. وقيل إنه علم كالبحرين والأعلام لا تتغير عن أصل وضعها باختلاف العوامل وقال الطيبي أولها منصوب لكن بفعل مضمر أي اجعل أولها الاثنين والخميس يعني والواو بمعنى أو وعليه ظاهر كلام الشيخ التوربشتي حيث قال صوابه الاثنين أو الخميس.
والمعنى أنها تجعل أو الأيام الثلاثة الاثنين أو الخميس وذلك لأن الشهر إما أن يكون افتتاحه من الأسبوع في القسم الذي بعد الخميس فتفتح صومها في شهرها ذلك بالاثنين، وإما أن يكون بالقسم الذي بعد الاثنين فتفتح شهرها ذلك بالخميس، وكذلك وجدت الحديث فيما يرويه من كتاب الطبراني. كذا في المرقاة. قال المنذري: وأخرجه النسائي0
"باب من قال لا يبالي من أي الشهر"
أي من أي أيام الشهر يصوم. "قالت نعم": أي وهذا أقل ما كان يقتصر عليه "من أي شهر كان يصوم": أي هذه الثلاثة من أولها أو أوسطها أو آخرها متصلة أو منفصلة قالت "ما كان يبالي":أي يهتم للتعيين "من أي أيام الشهر كان يصوم": أي كان يصومها بحسب ما يقتضي رأيه
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وقد روي صيامها على صفة أخرى فعن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من الشهر

(7/87)


70 - باب النية في الصوم
2451 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالْحٍ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ وَهْبٍ حدّثني ابنُ لَهِيعَةَ وَ يَحْيَى بنُ أيّوبَ عن عَبْدِ الله بنِ أبي بَكْرٍ بنِ حَزْمٍ عن ابنِ شِهَابٍ عن سَالِمٍ بنِ عَبْدِالله عن أبِيهِ عن حَفْصَةَ زَوْجِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلاَ صِيَامَ لَهُ".
ـــــــ
الشريف قال العلماء: ولعل النبي صلى الله عليه وسلم لم يواظب على ثلاثة معينة، لئلا يظن تعينها. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي وابن ماجه.
"باب النية في الصوم"
"من لم يجمع الصيام" من الإجماع أي لم ينو. قال الخطابي: معنى الإجماع إحكام النية والعزيمة، يقال أجمعت الرأي وأزمعت بمعنى واحد. وفيه بيان أن من تأخرت نيته للصوم
السبت والأحد والاثنين ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس رواه الترمذي وقال حديث حسن.
وقد روي فيه صفة أخرى: فعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر يوم الاثنين من أول الشهر ثم الخميس الذي يليه ثم الخميس الذي يليه رواه النسائي.
وقد جاء على صفة أخرى فعن هنيدة الخزاعي عن أم سلمة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بصيام ثلاثة أيام أول خميس. والاثنين والاثنين رواه النسائي.
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
قال النسائي الصواب عندنا موقوف ولم يصح رفعه ومدار رفعه على ابن جريج وعبد الله بن أبي بكر فأما حديث عبد الله بن أبي بكر فمن رواية يحيى بن أيوب عنه قال النسائي ويحيى بن أيوب ليس بالقوي وحديث ابن جريج عن الزهري غير محفوظ وقال البيهقي عبد الله بن أبي بكر أقام إسناده ورفعه وهو من الثقات الأثبات آخر كلامه.
وقد روي من حديث عمرة عن عائشة واختلف عليها في وقفه ورفعه فرواه الدارقطني عنها مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له" قال الدارقطني تفرد به عبد الله بن عباد عن المفضل يعني ابن فضالة بهذا الإسناد وكلهم ثقات وغيره يرويه موقوفا على عائشة قاله عبدالحق.

(7/88)


قَالَ أبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ اللّيْثُ وَإسْحَاقُ بنُ حَازِمٍ أيْضاً جَمِيعاً عن عَبْدِالله بنِ أبي بَكْرٍ مِثْلَهُ، وَأوْقَفَهُ[ووقفه] عَلَى حَفْصَةَ مَعْمَرٌ وَالزّبَيْدِيّ وَابنُ عُيَيْنَةَ وَيُونُسُ الأيْلِيّ كُلّهُمْ عن الزّهْرِيّ.
ـــــــ
عن أول وقته فإن صومه فاسد، وفيه دليل على أن تقديم نية الشهر كله في أول ليلة منه لا يجزئه عن الشهر كله، لأن صيام كل يوم من الشهر صيام مفرد متميز عن غيره، فإذا لم ينوه في الثاني قبل فجره، وفي الثالث كذلك لا يجزئه، وهو قول عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وإليه ذهب الحسن البصري والشافعي وأحمد بن حنبل.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا نوى للفرض قبل زوال الشمس أجزأه. وقالوا في صوم النذر والكفارة والقضاء إن عليه تقديم النية قبل الفجر. وقال إسحاق بن راهويه إذا قدم للشهر النية أول ليلة أجزأه للشهر كله وإن لم يجدد النية كل ليلة. وقد زعم بعضهم أن هذا الحديث غير مسند لأن سفيان ومعمراً قد أوقفاث على حفصه. قلت: هذا لا يضر لأن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم قد أسنده، وزيادات الثقات مقبولة انتهى.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه. وقال أبو داوود: رواه الليث وإسحاق بن حازم أيضاً جميعاً عن عبد الله بن أبي بكر مثله يعني مرفوعاً، وأوقفه على حفصة معمر والزبيدي وابن عيينة ويونس الأيلي. وقال الترمذي: لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه. وقد روى عن نافع عن ابن عمر قوله وهو أصح. وقال الدارقطني: رفعه عبد الله بن أبي بكر عن الزهري وهو من الثقات الرفعاء.
وقال الخطابي: عبد الله بن أبي بكر بن عمرو قد أسنده وزيادات الثقات مقبولة. وقال البيهقي: وعبد الله بن أبي بكر أقام إسناده ورفعه وهو من الثقات الأثبات. هذا آخر كلامه. وقد روى من حديث عمرة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "من لم يبت الصيام قبل طلوع الفجر" أخرجه الدارقطني وقال تفرد عبد الله بن عباد عن المفضل يعني ابن فضالة بهذا الإسناد وكلهم ثقات. وقوله من لم يجمع بضم الياء آخر الحروف وسكون الجيم من الإجماع إحكام النية والعزيمة، يقال أجمعت الرأي وأزمعت بمعنى واحد، وروى يبيت بضم الياء رخر الحروف وفتح الباء الموحدة أي ينويه من الليل. وروي بيت بفتح الياء آخر الحروف وضم الباء الموحدة أي لم ينوه ويجزم به فيقطعه من الوقت الذي لا صوم فيه وهو الليل. وروى من لم يورضه الليل أي لم يهيئه بالنية من أرضت المكان إذا سويته انتهى.

(7/89)


71 - باب في الرخصة فيه
2452 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنْبأنَا سُفْيَانُ ح. وأخبرنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا وَكِيعٌ جَمِيعاً عن طَلْحَةَ بنِ يَحْيَى عن عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عن عَائِشَةَ رضي الله عنها قالَتْ: كَانَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذَا دَخَلَ عَلَيّ قال: هَلْ عِنْدَكُم طَعَامٌ؟ فإذَا قُلْنَا لاَ، قال: "إنّي صَائِمٌ". زَادَ وَكِيعٌ: فَدَخَلَ عَلَيْنَا يَوْماً آخَرَ، فَقُلْنَا: يَارَسُولَ الله أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ فَحَبَسْنَاهُ لَكَ، فقال: "أدْنِيه"ِ. فأصْبَحَ صَائِماً وَأفْطَرَ[فأفطر].
ـــــــ
"باب في الرخصة فيه"
أي في ترك النية بالليل.
"هل عندكم طعام فإذا قلنا لا قال إني صائم الخ": قال الخطابي فيه نوعان من الفقه أحدهما جواز تأخير نية الصوم عن أول النهار إذا كان تطوعاً والآخر جواز إفطار الصائم قبل الليل إذا كان متطوعاً به. ولم يذكر في الحديث إيجاب القضاء. وكان غير واحد من الصحابة يذهب إلى ذلك منهم ابن مسعود وحذيفة وأبو الدرداء وأبو أيوب الأنصاري رضي الله عنهم، وبه قال الشافعي وأحمد بن حنبل، وكان ابن عمر لا يصوم تطوعاً حتى يجمع من الليل. وقال جابر بن زيد لا يجزئه في التطوع حتى يبيت النية. وقال مالك بن أنس في صوم النافلة لا أحب أن يصوم أحد إلا أن يكون قد نوى الصيام من الليل "حيس": هو الطعام المتخذ من التمر والأقط والسمن وقد يجعل عوض الأقط الدقيق "أدنيه": من الإدناء أي قربيه. قال المنذري وأخرجه
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
زاد النسائي فأكل وقال ولكن أصوم يوما مكانه ثم قال هذا خطأ قال عبد الحق قد روى الحديث جماعة عن طلحة فلم يذكر أحد منهم ولكن أصوم يوما مكانه وهذه الزيادة هي من رواية سفيان بن عيينة عن طلحة ولفظ النسائي فيه عن مجاهد عن عائشة قالت دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال: "هل عندكم شيء؟ فقلت لا فقال: "فإني صائم" ثم مر بي بعد ذلك اليوم وقد أهدي لنا حيس فخبأت له منه وكان يحب الحيس. قالت يارسول الله إنه أهدي لنا حيس فخبأت لك منه قال: "أدنيه أما إني قد أصبحت وأنا صائم" فأكل منه ثم قال: "إنما مثل صوم المتطوع مثل الرجل يخرج من ماله الصدقة فإن شاء أمضاها وإن شاء حبسها" وفي لفظ النسائي ياعائشة إنما منزلة من صام في غير رمضان أو في غير قضاء رمضان أو في التطوع بمنزلة رجل أخرج صدقة من ماله فجاد منها بما شاء فأمضاه وبخل بما بقي فأمسكه وفي لفظ له عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين

(7/90)


2453 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا جَرِيرُ بنُ عَبْدِالْحَمِيدِ عن يَزِيدَ بنِ أبي زِيَادٍ عن عَبْدِالله بنِ الْحَارِثِ عن أُمّ هَانىءٍ قالَتْ: لَمّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ - فَتْحِ مَكّةَ - جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَجَلَسَتْ عن يَسَارِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَأُمّ هَانىءٍ عن يَمِينِهِ، قالَتْ: فَجَاءَتِ الْوَلِيدَةُ بإنَاءٍ فِيهِ شَرَابٌ، فَنَاوَلَتْهُ فَشَرِبَ مِنْهُ، ثُمّ نَاوَلَهُ أُمّ هَانىءٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ، فَقالَتْ: يَارَسُولَ الله لَقَدْ أفْطَرْتُ وَكُنْتُ صَائِمَةً، فقالَ لَهَا: أكُنْتِ تَقْضِينَ شَيئاً؟ قالَتْ: لاَ، قالَ: "فَلاَ يَضُرّكِ إنْ كَانَ تَطَوّعاً".
ـــــــ
مسلم والترمذي والنسائي وفي رواية لمسلم "فإني إذاً صائم" وأخرجه البيهقي وفيه قال "إني أصوم" وقال وهذا إسناد صحيح.
"الوليدة": أي الأمة "فناولته": أي الجارية، والضمير المنصوب له صلى الله عليه وسلم والمفعول الثاني مقدر وهو الإناء "أكنت تقضين": أي بهذا الصوم "شيئاً": أي من الواجبات عليك "فلا يضرك": أي ليس عليك إثم في فطرك "إن كان": أي صومك "تطوعاً": وهو للتأكيد قاله القاري. قال الخطابي: في هذا بيان أن القضاء غير واجب إذا أفطر في تطوع، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما، وإليه ذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق. وقال أبو حنيفة وأصحابه: يلزمه القضاء إذا أفطر. وقال مالك بن أنس: إذا أفطر من غير علة يلزمه القضاء. قال المنذري وأخرجه الترمذي والنسائي وفي إسناده مقال ولا يثبت. وفي إسناده اختلاف كثير أشار إليه النسائي. وقال الترمذي: في إسناده مقال والله أعلم.
قالت: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال: "هل عندكم من طعام؟ قلت: لا. قال: "إني إذن أصوم" قالت ثم دخل مرة أخرى فقلت قد أهدي لنا حيس فقال: "إذن أفطر، وقد فرضت الصوم".
وفيه حجة على المسألتين جواز إنشاء صوم التطوع بنية من النهار وجواز الخروج منه بعد الدخول فيه وأما زيادة النسائي تمثيله بالصدقة يخرجها الرجل فهذا اللفظ قد رواه مسلم في صحيحه من قول مجاهد قال طلحة بن يحيى فحدثت مجاهدا بهذا الحديث فقال: "ذاك بمنزلة الرجل يخرج الصدقة من ماله فإن شاء أمضاها وإن شاء أمسكها".

(7/91)


72 - باب من رأى عليه القضاء
2454 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ أخبرنا عَبْدُالله بنُ وَهْبٍ أخبرني حَيْوَةُ بنُ شُرَيْحٍ عن ابنِ الْهَادِ عن زُمَيْلٍ مَوْلَى عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ بنِ الزّبَيْرِ عن عَائِشةَ قالَتْ: أُهْدِيَ لِي وَلِحَفْصَةَ طَعَامٌ وَكُنّا صَائِمَتَيْنِ فأفْطَرْنا، ثُمّ دَخَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَقُلْنَا: يارَسُولَ الله إنّا أُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيّةٌ فَاشْتَهَيْنَاهَا فأَفْطَرْنَا، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ عَلَيْكُمَا، صُومَا مَكَانَهُ يَوْماً آخَرَ".
ـــــــ
"باب من رأى عليه القضاء"
"لا عليكما": أي لا بأس عليكما في الإفطار "صوما مكانه يوماً آخر": قال الخطابي وقد جاء في هذا الحديث رواية ابن جريج عن الزهري عن عروة قال ابن جريج: قلت للزهري أسمعته من عروة قال إنما أخبرنيه رجل بباب عبدالملك بن مروان فيشبه أن يكون ذلك الرجل هو زميل هذا. ولو ثبت الحديث أشبه أن يكون إنما أمرهما بذلك استحباباً لأن بدل الشيء في أكثر الأحكام الأصول يحل محل أصله، وهو في الأصل مخير فكذلك في البدل. قال المنذري: وأخرجه النسائي وقال: زميل ليس بالمشهور. وقال البخاري لا يعرف لزميل سماع من عروة ولا ليزيد ابن الهاد من زميل ولا تقوم به الحجة وقال الخطابي: إسناده ضعيف وزميل مجهول.
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وقد روى النسائي حديث الأمر بالقضاء من حديث جرير بن حازم عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم وتابعه الفرج بن فضالة عن يحيى قال الدارقطني وهم فيه جرير وفرج وخالفهما حماد بن زيد وعباد بن العوام ويحيى بن أيوب فرووه عن يحيى بن سعيد عن الزهري مرسلا وقد رواه النسائي أيضا من حديث جعفر بن برقان أخبرنا الزهري عن عروة عن عائشة به وقال اقضيا يوما لغد ومن حديث سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة به وفيه فأمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصوما يوما مكانه وذكر النسائي أنه أيضا من رواية إسماعيل بن عقبة وصالح بن كيسان فقد برىء زميل من عهدة التفرد به وتابعهم أيضا يحيى بن سعيد عن ابن شهاب فهؤلاء سفيان وجعفر بن برقان وصالح بن كيسان وإسماعيل بن عقبة ويحيى بن سعيد على اختلاف عنه عن ابن شهاب الزهري وصلا وإرسالا كلهم يذكر الأمر بالقضاء زيادة على رواية زميل وجرير بن حازم

(7/92)


[قال أبو سعيد بن الأعرابي: هذا الحديث لايثبت]

(7/93)


73 - باب المرأة تصوم بغير إذن زوجها
2455 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ أخبرنا عَبْدُالرّزّاقِ أنْبأَنَا[حدثنا] مَعْمَرٌ عن هَمّامِ بنِ مُنَبّهٍ أنّهُ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ يقُولُ: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ تَصُومُ امْرأةٌ[المرأة] وَبَعْلُهَا شَاهِدٌ إلاّ بإذْنِهِ غَيْرَ رَمَضَانَ وَلا تَأْذَنُ في بَيْتِهِ وَهُوَ شَاهِدٌ إلاّ بِإذْنِهِ".
2456 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا جَرِيرٌ عن الأعمَشِ عن أبي صَالحٍ عن أبي سَعِيدٍ قال: جَاءَتِ امْرَأةٌ إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَنَحْنُ عِنْدَهُ فقالَتْ: يَارَسُولَ الله إنّ زَوْجِي صَفْوَانَ بنَ المُعَطّلِ يَضْرِبُنِي إذَا صَلّيْتُ وَيُفَطّرُني إذَا صُمْتُ، وَلاَ يُصَلّي صَلاَةَ الْفَجْرِ حَتّى تَطْلُعَ الشّمْسُ. قال وَصَفْوَانُ عِنْدَهُ، قال فَسَألَهُ عمّا قالَتْ، فقال: يَارَسُولَ الله أمّا قَوْلُهَا يَضْرِبُنِي إذَا صَلّيْتُ فإنّهَا تَقْرَأُ بِسُورَتَيْنِ [بسورتي] وَقَدْ نَهَيْتُهَا.
ـــــــ
"باب المرأة تصوم بغير إذن زوجها"
"لا تصوم امرأة": أي نفلاً لئلا يفوت على الزوج الاستمتاع بها "وبعلها شاهد": أي زوجها حاضر معها في بلدها "إلا بإذنه": تصريحاً أو تلويحاً "ولا تأذن": أحداً من الأجانب أو الأقارب حتى النساء. وقال ابن حجر المكي: يصح رفعه خبراً يراد به النهي، وجزمه على النهي "في بيته": أي في دخول بيته "إلا بإذنه": وفي معناه العلم برضاه. قال المنذري: وأخرجه مسلم. وأخرج البخاري فصل الصوم خاصة وليس في حديثهما غير رمضان.
"ويفطرني": بالتشديد أي يأمرني بالإفطار "فإنها تقرأ بسورتين": أي تقرأ بسورتين طويلتين
وفرج بن فضالة عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة فالذي يغلب على الظن أن اللفظة محفوظة في الحديث وتعليلها بما ذكر قد تبين ضعفه.
ولكن قد يقال الأمر بالقضاء أمر ندب لا أمر إيجاب وبالله التوفيق.
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وقال غير المنذري: ويدل على أن الحديث وهم لا أصل له أن في حديث الإفك المتفق على صحته قالت عائشة: وإن الرجل الذي قيل له ما قيل ليقول سبحان الله فوالذي نفسي بيده ما كشفت عن كتف أنثى قط قال ثم قتل بعد ذلك في سبيل الله شهيدا وفي هذا نظر فلعله تزوج بعد ذلك والله أعلم.

(7/93)


قال فقالَ: لَوْ كَانَتْ سُورَةً وَاحِدةً لَكَفَتِ النّاسَ. وَأمّا قَوْلُهَا: يُفَطّرُني فإنّهَا تَنْطَلِقُ فَتَصُومُ وَأنَا رَجُلٌ شَابّ فَلاَ أصْبِرُ. فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَوْمَئِذٍ: "لا تَصُومُ امْرأةٌ إلاّ بإذْنِ زَوْجِهَا". وَأمّا قَوْلُهَا: إنّي لا أُصَلّي حتّى تَطْلُعَ الشّمْسُ فإنّا أهْلُ بَيْتٍ قَدْ عُرِفَ لَنَا ذَاكَ، لا نَكَادُ نَسْتَيْقِظُ حتّى تَطْلُعَ الشّمْسُ. قال: "فإذَا اسْتَيْقَظْتَ فَصَلّ".
قَالَ أبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ حَمّادٌ - يَعني ابنَ سَلَمَة - عن حُمَيْدٍ أوْ ثَابِتٍ عن أبي المُتَوَكّلِ.
ـــــــ
في ركعة أو في ركعتين "وقد نهيتها": أي عن تطويل القراءة وإطالة الصلاة "قال": أبو سعيد "فقال": رسول الله صلى الله عليه وسلم "لو كانت": اسمه يعود إلى مصدر تقرأ أي لو كانت القراءة بعد الفاتحة "سورة واحدة": أي أيّ سورة كانت ولو أقصرها. وقال الطيبي: لو كانت القراءة سورة واحدة وهي الفاتحة "لكفت الناس": أي لأجزأتهم كفتهم جمعاً وأفراداً كذا في المرقاة "فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ "لا تصوم امرأة إلا بإذن زوجها": قال الخطابي: في هذا الحديث من الفقه أن منافع المتعة والعشرة من الزوجة مملوكة للزوج في عامة الأحوال، وأن حقها في نفسها محصور في وقت دون وقت، وفيه أن للزوج أن يضربها ضرباً غير مبرح إذا امتنعت عليه من إيفاء الحق وإجمال العشرة، وفيه دليل على أنها لو أحرمت بالحج كان له منعها وحصرها لأن حقه عليها معجل وحق الله متراخ، وإلى هذا ذهب عطاء بن أبي رباح، ولم يختلف العلماء في أن له منعها من حج التطوع "فإنا أهل بيت": أي أنّا أهل صنعة لا ننام الليل "قد عرف لنا ذلك": أي عادتنا ذلك وهي أنهم كانو يسقون الماء في طول الليالي "لا نكاد نستيقظ": أي إذا رقدنا آخر الليل "قال فإذا استيقظت فصل": ذلك أمر عجيب من لطف الله سبحانه بعباده ومن لطف نبيه صلى الله عليه وسلم ورفقه بأمته، ويشبه أن يكون ذلك منه على معنى ملكة الطبع واستيلاء العادة فصار كالشيء المعجوز عنه، وكان صاحبه في ذلك بمنزلة من يغمى عليه، فعذر فيه ولم يثرب عليه. ويحتمل أن يكون ذلك إنما كان يصيبه في بعض الأوقات دون بعض، وذلك إذا لم يكن بحضرته من يوقظه ويبعثه من المنام فيتمادى به النوم حتى تطلع الشمس دون أن يكون ذلك منه في عامة الأحوال فإنه يبعد أن يبقى الإنسان على هذا في دائم الأوقات وليس بحضرته أحد لا يصلح هذا القدر من شأنه ولا يراعي مثل هذا من حاله ولا يجوز أن يظن به الامتناع من الصلاة في وقتها ذلك مع زوال العذر بوقوع التنبيه ولإيقاظ ممن يحضره ويشاهده والله أعلم "عن أبي المتوكل": الناجي البصري. والحاصل أن أبا صالح ليس بمتفرد بهذه الرواية عن أبي سعيد بل تابعه أبو المتوكل عنه ثم الأعمش ليس بمتفرد أيضاً بل تابعه حميد أو ثابت وكذا جرير ليس بمتفرد بل تابعه حماد بن سلمة. وفي هذا كله رد على

(7/94)


74 - باب في الصائم يدعى إلى وليمة[الوليمة]
2457 - حدثنا عَبْدُالله بنُ سَعِيدٍ أخبرنا أبُو خَالِدٍ عن هِشَامٍ عن ابنِ سِيرِينَ عن أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذَا دُعِيَ أحَدُكُم فَلْيُجِبْ، فإنْ كَانَ مُفْطِراً فَلْيَطْعَمْ، وَإنْ كَانَ صَائماً فَليُصَلّ" قال هِشَامٌ: وَالصّلاَةُ الدّعَاءُ .
قَالَ أبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ حَفْصُ بنُ غِيَاثٍ أيضاً عن هِشَامٍ.

(7/95)


75- باب ما يقول الصائم إذا دعي إلى الطعام
2458 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا سُفْيَانُ عن أبي الزّنَادِ عن الأعْرَجِ عن أبي هُرَيْرَةَ
ـــــــ
الإمام أبي بكر البزار وسيجيء كلامه. قال المنذري: قال أبو بكر البزار هذا الحديث كلامه منكر عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال: ولو ثبت احتمل إنما يكون إنما أمرها بذلك استحباباً، وكان صفوان من خيار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما أتى نكرة هذا الحديث أن الأعمش لم يقل حدثنا أبو صالح فأحسب أنه أخذه عن غير ثقة وأمسك عن ذكر الرجل فصار الحديث ظاهر إسناده حسن وكلامه منكر لما فيه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمدح هذا الرجل ويذكره بخير. وليس للحديث عندي أصل.
"باب في الصائم يدعى الى وليمة"
"إذا دعي أحدكم فليجب": أي الدعوة "فإن كان مفطراً فليطعم": أي فليأكل ندباً وقيل وجوباً قاله ابن حجر. والأظهر أنه يجب إذا كان يتشوش خاطر الداعي ويحصل به المعادة إن كان الصوم نفلاً وإن كان يعلم أنه يفرح بأكله ولم يتشوش بعدمه فيستحب، وإن كان الأمران مستويين عنده فالأفضل أن يقول إني صائم سواء حضر أو لم يحضر "وإن كان صائماً فليصل": قال الطيبي: أي ركعتين في ناحية البيت كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في بيت أم سليم أخرجه البخاري. وقيل فليدع لصاحب البيت بالمغفرة. وقال ابن الملك: بالبركة. أقول ظاهر حديث أم سليم أن يجمع بين الصلاة والدعاء. قال المظهر: والضابط عند الشافعي أنه إن تأذى المضيف بترك الإفطار أفطر فإنه أفضل وإلا فلا. كذا في المرقاة. قال المنذري: قال هشام وهو ابن حسان والصلاة الدعاء. وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي.
"باب مايقول الصائم إذا دعي الى الطعام"
وجد هذا الباب في بعض النسخ.

(7/95)


قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذَا دُعِيَ أحَدُكُم إلى طَعَامٍ وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيَقُلْ: إنّي صَائِمٌ".

(7/96)


76 - باب الاعتكاف
2459 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا الّليْثُ عن عُقَيْلٍ عن الزّهْرِيّ عن عُرْوَةَ
ـــــــ
"إذا دعى أحدكم إلى طعام وهو صائم فليقل إني صائم": قال النووي: محمول على أنه يقوله اعتذاراً له وإعلاماً بحاله، فإن سمح له ولم يطالبه بالحضور سقط عنه الحضور وإن لم يسمح وطالبه بالحضور لزمه الحضور وليس الصوم عذراً في إجابة الدعوة لكن إذا حضر لا يلزمه الأكل ويكون الصوم عذراً في ترك الأكل بخلاف المفطر فإنه يلزمه الأكل، والفرق بين الصائم والمفطر منصوص عليه في الحديث الصحيح كما هو معروف في موضعه. وأما الأفضل للصائم فإن كان يشق على صاحب الطعام صومه استحب له الفطر وإلا فلا. هذا إذا كان صوم تطوع فإن كان صوماً واجباً حرم الفطر. ومعنى هذا الحديث أنه لا بأس بإظهار نوافل العبادة من الصوم والصلاة وغيرهما إذا كان دعت إليه حاجة، والمستحب إخفاؤها إذا لم تكن حاجة وفيه الإرشاد إلى حسن المعاشرة وإصلاح ذات البين وتأليف القلوب وحسن الاعتذار عند سببه. قال المنذري: أخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"باب الاعتكاف"
قال النووي: هو في اللغة الحبس والمكث واللزوم، وفي الشرع المكث في المسجد من شخص مخصوص بصفة مخصوصة ويسمى الاعتكاف جواراً، ومنه الأحاديث الصحيحة منها حديث عائشة رضي الله عنها في أوائل الاعتكاف في صحيح البخاري قالت "كان النبي صلى الله عليه وسلم يصغي إلي رأسه وهو مجاور في المسجد فأرجله وأنا حائض" وقد جاءت الأحاديث في اعتكاف النبي صلى الله عليه وسلم العشر الأواخر من رمضان والعشر الأول من شوال، ففيها استحباب الاعتكاف وتأكد استحبابه في العشر الأواخر رمضان. وقد أجمع المسلمون على استحبابه وأنه ليس بواجب، وعلى أنه متأكد في العشر الأواخر من رمضان.
ومذهب الشافعي وأصحابه وموافقيهم: أن الصوم ليس بشرط لصحة الاعتكاف، بل يصح اعتكاف المفطر ويصح اعتكاف ساعة واحد ولحظة واحدة، وضابطه عند أصحابنا مكث يزيد على طمأنينة الركوع أدنى زيادة، ولنا وجه أنه يصح اعتكاف المار في المسجد من غير لبث والمشهور الأول. فينبغي لكل جالس في المسجد لانتظار صلاة أو لشغل آخر من آخرة أو دنيا أن ينوي الاعتكاف فيحسب له ويثاب عليه ما لم يخرج من المسجد، فإذا خرج ثم دخل

(7/96)


عن عَائِشَةَ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حتّى قَبَضَهُ الله، ثُمّ اعْتَكَفَ أزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ.
2460 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ أنْبَأنَا ثَابِتٌ عن أبي رَافِعٍ عن أُبَيّ بنِ كَعْبٍ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، فَلَمْ يَعْتَكِفْ عَاماً، فَلمّا كَانَ في الْعَامِ المُقْبِلِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ لَيْلَةً.
ـــــــ
جدد نية أخرى وليس للاعتكاف ذكر مخصوص ولا فعل آخر سوى اللبث في المسجد بنية الاعتكاف ولو تكلم بكلام دنيا أو عمل صنعة من خياطة أو غيرها لم يبطل اعتكافه. وقال مالك وأبو حنيفة والأكثرون: يشترط في الاعتكاف الصوم فلا يصح اعتكاف مفطر.
"كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى قبضه الله": قال القسطلاني: وفيه دليل على أنه لم ينسخ وأنه من السنن المؤكدة خصوصاً في العشر الأواخر من رمضان لطلب ليلة القدر "ثم اعتكف أزواجه من بعده": فيه دليل على أن النساء كالرجال في الاعتكاف، وقد كان عليه السلام أذن لبعضهن، وأما إنكاره عليهن الاعتكاف بعد الإذن كما في الحديث الصحيح فلمعنى آخر، فقيل خوف أن يكن غير مخلصات في الاعتكاف بل أردن القرب منه لغيرتهن عليه، أو ذهاب المقصود من الاعتكاف بكونهن معه في المعتكف، أو لتضييقهن المسجد بأبنيتهم. وعند أبي حنيفة إنما يصح اعتكاف المرأة في مسجد بيتها وهو الموضع المهيأ في بيتها لصلاتها انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.
"فلم يعتكف عاماً فلما كان في العام المقبل اعتكف عشرين ليلة": قال الخطابي: فيه من الفقه أن النوافل المعتادة تقضى إذا فاتت كما تقضى الفرائض. ومن هذا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وروى النسائي في سننه عن أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان فسافر عاما فلم يعتكف فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين وفي رواية ليلة وهذا أولى من الاحتمال المذكور.
وقال بعضهم يحتمل أن يكون هذان العشران المذكوران في حديث أبى داود هي العشر الذي كان يعتكفه والعشر الذي تركه من أجل أزواجه ثم إعتكف من شوال عشرين ليلة وهذا فاسد فإن الحديث حديث أبي بن كعب وقد أخبر أنه إنما تركه لسفره. وبالله التوفيق.

(7/97)


2461 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا أبُو مُعَاوِيَةَ وَ يَعْلَى بنُ عُبَيْدٍ عن يَحْيَى بنِ سَعِيد عن عَمْرَةَ عن عَائِشَةَ قالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا أرَادَ أنْ يَعْتَكِفَ صَلّى الْفَجْرَ ثُمّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ، قالَتْ: وَإنّهُ أرَادَ مَرّةً أنْ يَعْتَكِفَ في الْعَشْرِ الأوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ،
ـــــــ
بعد العصر الركعتين اللتين فاتتاه لقدوم الوفد واشتغاله بهم. وفيه مستدل لمن أجاز الاعتكاف بغير صوم ينشئه له، وذلك أن صومه في شهر روضان إنما كان للشهر لأن الوقت مستحق له. وقد اختلف الناس في هذا، فقال الحسن البصري: إن اعتكف من غير صيام أجزأه، وإليه ذهب الشافعي. وروى عن علي وابن مسعود أنهما قالا إن شاء صام وإن شاء أفطر. وقال الأوزاعي ومالك: لا اعتكاف إلا بصوم، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه. وروي عن ابن عمر وابن عباس وعائشة رضي الله عنهم وهو قول سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والزهري. قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه.
"عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه الخ": قال الخطابي: فيه من الفقه أن المعتكف يبتدىء اعتكافه من أول النهار ويدخل في معتكفه بعد أن صلى، وإليه ذهب الأوزاعي وبه قال أبو ثور. وقال مالك والشافعي وأحمد بن حنبل: عليه القضاء في الاعتكاف قبل غروب الشمس إذا أراد اعتكاف شهر بعينه، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وفيه دليل على أن الاعتكاف إذا لم يكن نذراً كان للمعتكف أن يخرج منه أي وقت شاء.
قلت: وفي الحديث دليل على جواز اعتكاف النساء، وفيه أنه ليس للمرأة أن تعتكف إلا بإذن زوجها، وعلى أن الزوج أن يمنعها من ذلك بعد الإذن فيه، وفيه دلالة على أن اعتكاف
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وقد احتج من لا يرى الصوم شرطا في الاعتكاف لدخول يوم العيد في اعتكافه وهذا لا يدل فإن الحديث رواه البخاري وقال حتى اعتكف عشرا من شوال لم يذكر غيره وفي صحيح مسلم: اعتكف في العشر الأول من شوال.
وهذا لا يقتضي دخول يوم العيد فيه كما يصح أن يقال صام في العشر الأول من شوال وفي لفظ له حتى اعتكف في آخر العشر من شوال وعدم الدلالة في هذا ظاهرة وقولها إعتكف العشر الأول من شوال ليس بنص في دخول يوم العيد في اعتكافه بل الظاهر أنه لم يدخله في اعتكافه لاشتغاله فيه بالخروج إلى المصلى وصلاة العيد وخطبته ورجوعه إلى منزله لفطره وفي ذلك ذهاب بعض اليوم فلا يقوم بقية اليوم مقام جميعه.

(7/98)


قالَتْ: فأمَرَ بِبنَائِهِ فَضُرِبَ، فَلَمّا رَأيْتُ ذَلِكَ أمَرْتُ بِبِنَائِي فَضُرِبَ، قالَتْ: وَأمَرَ غَيْرِي مِنْ أزْوَاجِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِبِنَائِه[ببنائها] فَضُرِبَ فَلَمّا صَلّى الْفَجْرَ نَظَرَ إلَى الأبْنِيَةِ فَقالَ مَا هَذِهِ آلبِرّ تُرِدْنَ؟ قالتْ: فأمَرَ بِبِنَائِهِ فَقُوّضَ وَأمَرَ أزْوَاجُهُ بِأبْنِيَتِهِنّ فَقُوّضَتْ ثُمّ أخّرَ الاِعْتِكَافَ إلَى الْعَشْرِ الأوّلِ يَعْني مِنْ شَوّالَ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ ابنُ إسْحَاقَ وَالأوْزَاعِيّ عن يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ نَحْوَهُ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ عنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ قالَ: "اعْتَكَفَ عِشْرِينَ مِنْ شَوّالٍ".
ـــــــ
المرأة في بيتها جائز وقد حكى جوازه عن أبي حنيفة وأما الرجل فلم يختلفوا أن اعتكافه في بيته غير جائز وإنما شرع الاعتكاف في المساجد وكان حذيفة بن اليمان يقول: لا يكون الاعتكاف إلا في المساجد الثلاثة مسجد مكة والمدينة وبيت المقدس. وقال عطاء: لا يعتكف إلا في مسجد مكة والمدينة. وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: لا يجوز أن يعتكف إلا في الجامع، وكذلك قال الزهري والحكم وحماد. وقال سعيد بن جبير وأبو قلابة والنخعي: يعتكف في مساجد القبائل، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وإليه ذهب مالك والشافعي انتهى. وقال النووي: احتج به من يقول يبدأ الاعتكاف من أول النهار وبه قال الأوزاعي والثوري والليث في أحد قوليه. وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد: يدخل فيه قبيل غروب الشمس إذا أراد اعتكاف شهر أو اعتكاف عشر، وأولوا على أنه دخل المعتكف وانقطع فيه وتخلى بنفسه بعد صلاة الصبح لا أن ذلك وقت ابتداء الاعتكاف بل كان من قبل المغرب معتكفاً لابثاً في جملة المسجد، فلما صلى الصبح انفرد.
"فأمر ببنائه فضرب": بصيغة المجهول، وفيه دليل على جواز اتخاذ المعتكف لنفسه موضعاً من المسجد ينفرد فيه مدة اعتكافه ما لم يضيق على الناس، وإذا أخذه يكون في آخر المسجد ورحابه لئلا يضيق على غيره وليكون أخلى له وأكمل في انفراده "فقال ما هذه": الأخبية التي أراها "آلبر": بهمزة الاستفهام ممدودة على وجه الإنكار والنصب على أنه مفعول مقدم لقوله "تردن": بضم الفوقية وكسر الراء وسكون الدال من الإرادة أي أمهات المؤمنين "فقوض": بالقاف المضمومة والضاد المعجمة من التفعيل أي أزيل وقلع "ثم أخر الاعتكاف": ولفظ البخاري: فترك الاعتكاف ذلك الشهر ثم اعتكف عشراً من شوال أي قضاء عما تركه من الاعتكاف في رمضان على سبيل الاستحباب، لأنه إذا عمل عملا أثبته، ولو كان للوجوب لاعتكف معه نساؤه أيضاً في شوال ولم ينقل. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.

(7/99)


77 - باب أين يكون الاعتكاف
2462 - حدثنا سُلَيْمَانُ بنُ دَاوُدَ المَهْرِيّ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ عن يُونُسَ أنّ نَافِعاً أخْبَرَهُ عن ابنِ عُمَرَ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ. قال نَافِعٌ: وَقَدْ أرَانِي عَبْدُالله المَكَانَ الّذِي كَانَ يَعْتَكِفُ فِيهِ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مِنَ المَسْجِدِ.
2463 - حدثنا هَنّادٌ عنْ أبي بَكْرٍ عنْ أبي حَصِينٍ عنْ أبي صَالِحٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ قال: كَانَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَعْتَكِفُ كُلّ رَمَضَانَ عَشْرَةَ أيّامٍ، فَلَمّا كَانَ الْعَامُ الّذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْماً .
ـــــــ
"باب أين يكون الاعتكاف"
"قال نافع وقد أراني عبد الله المكان الذي كان الخ": فيه أن الاعتكاف لا يصح إلا في المسجد لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه وأصحابه إنما اعتكفوا في المسجد مع المشقة في ملازمته، فلو جاز في البيت لفعلوه ولو مرة لا سيما النساء لأن حاجتهن إليه في البيوت أكثر وهذا الذي ذكرناه من اختصاصه بالمسجد وأنه لا يصح في غيره هو مذهب مالك والشافعي وأحمد وداوود والجمهور سواء الرجل والمرأة. وقال أبو حنيفة: يصح اعتكاف المرأة في مسجد بيتها وهو الموضع المهيأ من بيتها لصلاتها، قال ولا يجوز للرجل في مسجد بيته وكمذهب أبي حنيفة قول قديم للشافعي ضعيف عند أصحابه، وجوزه بعض أصحاب مالك وبعض أصحاب الشافعي للمرأة والرجل في مسجد بيتهما. ثم اختلف الجمهور المشترطون المسجد العام، فقال الشافعي ومالك وجمهورهم: يصح الاعتكاف في كل مسجد، وقال أحمد: يختص بمسجد تقام الجماعة الراتبة فيه. وقال أبو حنيفة: يختص بمسجد تصلى فيه الصلوات كلها. وقال الزهري وآخرون: يختص بالجامع الذي تقام فيه الجمعة، ونقلوا عن حذيفة بن اليمان الصحابي اختصاصه بالمساجد الثلاثة المسجد الحرام ومسجدي المدينة والأقصى وأجمعوا على أنه لاحد لأكثر الاعتكاف. قاله النووي. وتقدم ذلك من كلام الخطابي: قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم وليس في حديث البخاري قول نافع.
"عن أبي بكر": هو ابن عياش المقري "عن أبي حصين": بفتح الحاء وكسر الصاد هو عثمان بن عاصم قاله القسطلاني "عشرة أيام": وفي رواية يحيى بن آدم عن أبي بكر بن عياش عند النسائي: يعتكف العشر الأواخر من رمضان "فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوماً": لأنه علم بانقضاء أجله فأراد أن يستكثر من الأعمال الصالحة تشريعاً لأمته أن يجتهدوا في

(7/100)


78- باب المعتكف يدخل البيت لحاجته
2464 - حدثنا عَبْدُالله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مَالِكٍ عن ابنِ شِهَابٍ عنْ عُرْوَةَ بنِ الزّبَيْرِ عن عَمْرَةَ بِنْتِ عبد الرحمن عنْ عَائِشَةَ قالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا اعْتَكَفَ يُدْنِي إلَيّ رَأْسَهُ فَأُرَجّلَهُ، وَكَانَ لاَ يَدْخُلُ الْبَيْتَ إلاّ لِحَاجَةِ الإنْسَان.
2465 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ وَ عَبْدُالله بنُ مَسْلَمَةَ قالا أخبرنا اللّيْثُ عن ابنِ شِهَابٍ عنْ عُرْوَةَ وَ عَمْرَةَ عنْ عَائِشَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ يُونُسُ عن الزّهْرِيّ وَلَمْ يُتَابِعْ أحَدٌ مَالِكاً عَلَى عُرْوَةَ عنْ عَمْرَةَ وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ وَزِيَادُ بنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُمَا عنِ الزّهْرِيّ عن عُرْوَةَ عن عَائِشَةَ.
ـــــــ
العمل إذا بلغوا أقصى العمر ليلقوا الله على خير أعمالهم ولأنه عليه الصلاة والسلام اعتاد من جبريل عليه السلام أن يعارضه بالقرآن في كل عام مرة واحدة، فلما عارضه في العام الأخير مرتين اعتكف فيه مثل ما كان يعتكف. ذكره القسطلاني. قال المنذري: وأخرجه البخاري والنسائي وابن ماجه.
"باب المعتكف يدخل البيت لحاجته"
"وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان": قال الخطابي: فيه بيان أن المعتكف لا يدخل بيته إلا لغائط أو بول، فإن دخله لغيرهما من طعام أو شراب فسد اعتكافه. وقد اختلف الناس في ذلك، فقال أبو ثور: لا يخرج إلا لحاجة الوضوء الذي لا بد منه. وقال إسحاق بن راهويه: لا يخرج إلا لغائط أو بول، غير أنه فرق بين الواجب من الاعتكاف والتطوع، فقال في الواجب لا يعود مريضاً ولا يشهد جنازة، وفي التطوع يشترط ذلك حين يبتدىء. وقال الأوزاعي: لا يكون في الاعتكاف شرط. وقال أبو حنيفة وأصحابه: ليس ينبغي للمعتكف أن يخرج من المسجد لحاجة ما خلى الجمعة والغائط والبول، فأما سوى ذلك من عيادة مريض وشهود جنازة فلا يخرج له. وقال مالك والشافعي: لا يخرج المعتكف في عيادة مريض ولا شهود جنازة، وهو قول عطاء ومجاهد وقالت طائفة: للمعتكف أن يشهد الجمعة ويعود المريض ويشهد الجنازة، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو قول سعيد بن جبير والحسن البصري والنخعي. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"وكذلك رواه يونس": أي كما روى الليث عن الزهري عن عروة وعمرة كليهما معاً عن

(7/101)


2466 - حدثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ وَ مُسَدّدٌ قالا أخبرنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ هِشَامِ بن عُرْوَةَ عن أبِيهِ عن عَائِشَةَ قالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَكُونُ مُعْتَكِفاً في المَسْجِدِ، فَيُنَاوِلُنِي رَأْسَهُ مِنْ خَلَلِ الْحُجْرَةِ فَأغْسِلُ رَأْسَهُ، وَقالَ مُسَدّدٌ: فَأُرَجّلَهُ وَأنَا حَائِضٌ.
2467 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ مُحَمّدِ بن شَبّويَةَ المَرْوَزِيّ أخبرنا عَبْدُالرّزّاقِ أنْبَأنَا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن عَلِيّ بن حُسَيْنٍ عنْ صَفِيّةَ قالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مَعْتَكِفاً فَأتَيْتُهُ أزُورُهُ لَيْلاً فَحَدّثْتُهُ ثُمّ قُمْتُ فَانْقَلَبْتُ، فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَنِي، وَكَانَ مَسْكَنُهَا في دَارِ أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ فَمَرّ رَجُلاَنِ مِنَ الأنْصَارِ، فَلَمّا رَأيَا النّبيّ صلى الله عليه وسلم أسْرَعَا، فقالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "عَلَى رِسْلِكُمَا إنّهَا صَفِيّةُ بِنْتُ حُيَيَ" قالا: سُبْحَانَ الله يارَسُولَ الله.. قال: "إنّ الشّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإنْسَانِ مَجْرَى الدّمِ فَخَشِيتُ أنْ يَقْذِفَ في قُلُوبِكُمَا شَيْئاً أوْ قالَ شَرّا".
ـــــــ
عائشة كذلك رواه يونس. والحاصل أن الليث ويونس جمعا بين عروة وعمرة، ورواه معمر وزياد عن الزهري عن عروة وحده من غير ذكر عمرة، ورواه مالك عنه عن عروة عن عمرة عن عائشة. قال أبو داوود: ولم يتابع أحد مالكاً على هذه الزيادة والله أعلم.
"فيناولني رأسه من خلل الحجرة": خلل بفتحتين الفرجة بين الشيئين والجمع خلال مثل جبل وجبال "فأرجله": من الترجيل بالجيم المشط والدهن، وفيه دليل على أنه يجوز للمعتكف التنظيف والطيب والغسل والحلق والتزيين إلحاقاً بالترجل، والجمهور على أنه لا يكره فيه إلا ما يكره في المسجد. وعن مالك يكره الصنائع والحرف حتى طلب العلم وفيه دليل على أن من أخرج بعض بدنه من المسجد لم يكن ذلك قادحاً في صحة الاعتكاف. قال الخطابي: فيه من الفقه أن المعتكف ممنوع من الخروج من المسجد إلا لغائط أو بول وفيه أن ترجيل الشعر مباح للمعتكف والدرن. وفيه أن بدن الحائض طاهر غير نجس. وفيه أن من حلف لا يدخل بيتاً فأدخل رأسه فيه وسائر بدنه خارج لم يحنث انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.
"فأتيته أزوره":من الزيارة "فانقلبت": أي إلى بيتي "فقام معي ليقلبني": أي يردني إلى بيتي "على رسلكما": بكسر الراء أي على هيئتكما. الرسل السير السهل وجاء فيه الكسر والفتح بمعنى التؤدة وترك العجل "سبحان الله": إما أي حقيقة تنزه الله تعالى عن أن يكون رسوله متهماً بما لا ينبغي أو كناية عن التعجب من هذا القول "إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم": وفي رواية البخاري يبلغ من الإنسان مبلغ الدم أي كمبلغ الدم ووجه التشبيه بين طرفي التشبيه

(7/102)


2468 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ يَحْيَى بنِ فَارِسٍ أخبرنا أبُو الْيَمَانِ أخبرنا شُعَيْبٌ عن الزّهْرِيّ بِإسْنَادِهِ بِهَذَا قالَتْ: حَتّى إذَا كَانَ عِنْدَ بَابِ المَسْجِدِ الّذِي عِنْدَ بَابِ أُمّ سَلَمَةَ مَرّ بهِمَا رَجُلاَنِ وَسَاقَ مَعْنَاهُ.

(7/103)


79 - باب المعتكف يعود المريض
2469 - حدثنا عَبْدُالله بنُ مُحَمّدٍ النّفَيْلِيّ وَ مُحَمّدُ بنُ عِيسَى قالا أخبرنا عَبْدُالسّلامِ بنُ حَرْبٍ أنْبأنَا اللّيْثُ[ليث] بنُ أبي سُلَيْمٍ عن عبد الرحمن بن الْقَاسِمِ عن أبيهِ عن عَائِشَة قال النّفَيْلِيّ قالَتْ: كَانَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَمُرّ بالمَرِيضِ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فَيَمُرّ كَمَا هُوَ وَلاَ يُعَرّجُ يَسْألُ عَنْهُ. وَقالَ ابنُ عِيسَى قالَتْ: أنْ كَانَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَعُودُ المَرِيضَ، وَهُوَ مُعْتَكِفٌ.
2470 - حدثنا وَهْبُ بنُ بَقِيّةَ أنْبأنَا خَالِدٌ عن عبد الرحمن يَعْني ابنَ إسْحَاقَ عن الزّهْرِيّ عن عُرْوَةَ عن عَائِشَةَ أنّهَا قالَتْ: السّنّةُ عَلَى المَعْتَكِفِ أنْ لاَ يَعُودَ مَرِيضاً، وَلاَ
ـــــــ
شدة الاتصال وعدم المفارقة. قال الشافعي: معناه أنه خاف عليهما الكفر لو ظنا به ظن التهمة فبادة إلى إعلامهما بمكانها نصيحة لهما قاله العيني وقال الخطابي: حكي لنا عن الشافعي أنه قال: كان ذلك منه صلى الله عليه وسلم شفقة عليهما لأنهما لو ظنا به ظن سوء كفرا، فبادة إلى إعلامهما ذلك لئلا يهلكا. وفيه أنه خرج من المسجد معها ليتبلغ منزلها، وفي هذا حجة لمن رأى أن الاعتكاف لا يفسد إذا خرج في واجب وأنه لا يمنع المعتكف من إتيان المعروف. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.
"باب المعتكف يعود المريض"
"يمر بالمريض وهو": أي النبي صلى الله عليه وسلم "معتكف": والمريض خارج عن المسجد "فيمر كما هو": قال الطيبي: الكاف صفة لمصدر محذوف وما موصولة ولفظ هو مبتدأ والخبر محذوف والجملة صلة ما أي يمر مروراً مثل الهيئة التي هو عليها فلا يميل إلى الجوانب ولا يقف "ولا يعرج": أي لا يمكث بيان للمجمل لأن التعريج الإقامة والميل عن الطريق إلى جانب "يسأل عنه": بيان لقوله يعود على سبيل الاستئناف "إن كان": مخففة من المثقلة. قال المنذري: في إسناده ليث بن أبي سليم وفيه مقال.
"السنة على المعتكف أن لا يعود مريضاً": قال الخطابي: قولها السنة إن كانت أرادت

(7/103)


يَشْهَدُ جَنَازَةً وَلاَ يَمَسّ امْرَأةً وَلاَ يُبَاشِرُهَا وَلاَ يَخْرُجُ لِحَاجَةٍ إلاّ لِمَا لاَ بُدّ مِنْهُ، وَلاَ اعْتِكَافَ إلاّ بِصَوْمٍ وَلاَ اعْتِكَافَ إلاّ في مَسْجِدٍ جَامِعٍ.
ـــــــ
بذلك إضافة هذه الأمور إلى النبي صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً فهي نصوص لا يجوز خلافها، وإن كانت أرادت به الفتيا على معاني ما عقلت من السنة فقد خالفها بعض الصحابة في بعض هذه الأمور، والصحابة إذا اختلفو في مسألة كان سبيلها النظر، على أن أبا داوود قد ذكر على إثر هذا الحديث أن غير عبد الرحمن بن إسحاق لا يقول فيها إنها قالت السنة، فدل ذلك على احتمال أن يكون ما قالته فتوى منها وليس برواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويشبه أن تكون أرادت بقولها لا يعود مريضاً أي لا يخرج من معتكفه قاصداً عيادته، وأنه لا يضيق عليه أن يمر به فيسأله غير معرج عليه كما ذكرته عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث القاسم بن محمد "لا يمس امرأة": تريد الجماع وهذا لا خلاف فيه أنه إذا جامع امرأته فقد بطل اعتكافه قاله الخطابي، وقد نقل ابن المنذر الإجماع على ذلك.
"ولايباشرها": فقد اختلف فيها فقال عطاء والشافعي: إن باشر أو قبل لم يفسد اعتكافه وإن أنزل، وقال مالك: يفسد، وكذلك قال أبو حنيفة وأصحابه. قاله الخطابي. وفي النيل: المراد بالمباشرة هنا الجماع بقرينة ذكر المس قبلها، ويؤيده ما روى الطبري وغيره من طريق قتادة في سبب نزول الآية {وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} أنهم كانوا إذا اعتكفوا فخرج رجل لحاجته فلقي امرأته جامعها إن شاء فنزلت انتهى "إلا لما بد منه": ولا يتصور فعلها في المسجد. فيه دليل على المنع من الخروج لكل حاجة من غير فرق بين ما كان مباحاً أو قربة أو غيرهما إلا الذي لا بد منه كالخروج لقضاء الحاجة وما في حكمها "ولا اعتكاف إلا بصوم": وفيه دليل أنه لا يصح الاعتكاف إلا بصوم وأنه شرط ابن عباس وابن عمر من
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
قلت عبدالرحمن هذا قال فيه أبو حاتم لا يحتج به وقال البخاري ليس ممن يعتمد على حفظه وقال الدارقطني ضعيف يرمى بالقدر.
وأيضا فإن الحديث مختصر وسياقه يدل على أنه ليس مجزوما برفعه وقال الليث حدثني عقيل عن الزهري عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ثم اعتكف أزواجه من بعده والسنة في المعتكف أن لا يخرج إلا لحاجته التي لا بد منها ولا يعود مريضا ولا يمس امرأته ولا يباشرها ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع والسنة فيمن اعتكف أن يصوم. قال الدارقطني قوله والسنة في المعتكف إلى آخره ليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو من

(7/104)


قَالَ أبُو دَاوُدَ: غَيْرُ عبد الرحمن بن إسْحَاقَ لا يَقُولُ فِيهِ قَالَتْ السّنّةُ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: جَعَلَهُ قَوْلَ عَائِشَةَ.
ـــــــ
الصحابة ومالك والأوزاعي والثوري وأبي حنيفة. وقال ابن مسعود رضي الله عنه والحسن البصري والشافعي وأحمد وإسحاق إنه ليس بشرط، قالوا: يصح اعتكاف ساعة واحدة ولحظة واحدة، وهذا هو الحق للأدلة الصحيحة القائمة على ذلك، لا كما قال الإمام الحافظ ابن القيم إن الراجح الذي عليه جمهور السلف أن الصوم شرط في الاعتكاف "ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع": يحتمل أن يكون معناه نفي الفضيلة والكمال وإنما يكره الاعتكاف في غير الجامع لمن نذر اعتكافاً أكثر من جمعة لئلا تفوته صلاة الجمعة، فأما من كان اعتكافه دون ذلك فلا بأس به، والجامع وغيره سواء في ذلك والله أعلم "جعله قول عائشة": وجزم الدارقطني بأن القدر الذي من حديث عائشة قولها لا يخرج وما عداه ممن دونها انتهى وكذلك رجح ذلك البيهقي ذكره ابن كثير في الإرشاد. وقال المنذري: وأخرجه النسائي من حديث يونس بن زيد وليس فيه قالت السنة وأخرجه من حديث الإمام مالك وليس فيه أيضاً ذلك. وعبد الرحمن بن إسحاق هذا هو القرشي المديني يقال له عباد قد أخرج له مسلم في صحيحه ووثقه يحيى بن معين وأثنى عليه غيره وتكلم فيه بعضهم.
قول الزهري ومن أدرجه في الحديث فقد وهم ولهذا والله أعلم ذكر صاحب الصحيح أوله وأعرض عن هذه الزيادة وقد رواه سويد بن عبدالعزيز عن سفيان بن حسين عن الزهري عن عروة عن عائشة يرفعه لا اعتكاف إلا بصيام وسويد قال فيه أحمد متروك وقال ابن معين ليس بشيء وقال النسائي وغيره ضعيف وسفيان بن حسين في الزهري ضعيف.
قال الشيخ شمس الدين: اختلف أهل العلم في اشتراط الصوم في الاعتكاف فأوجبه أكثر أهل العلم منهم عائشة أم المؤمنين وابن عباس وابن عمر وهو قول مالك وأبى حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين عنه وذهب الشافعي وأحمد في الرواية المشهورة عنه أن الصوم فيه مستحب غير واجب.
قال ابن المنذر: وهو مروي عن علي وابن مسعود. واحتج هؤلاء بما في الصحيحين عن عمر أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني نذرت أن أعتكف ليلة في الجاهلية فقال له النبي صلى الله عليه وسلم "أوف بنذرك" قالوا والليل ليس بمحل للصيام وقد جوز الاعتكاف فيه.
واحتجوا أيضا بما رواه الحاكم في مستدركه من حديث ابى سهيل عن طاووس عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه" وقال: صحيح الإسناد.
واحتجوا أيضا بما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن

(7/105)


00000000000000000000000
ـــــــ
يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه وإنه أمر بخباء فضرب وإنه أراد مرة الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان فأمرت زينب بخبائها فضرب وأمر غيرها من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بخبائه فضرب فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر نظر فإذا الأخبية فقال آلبر تردن فأمر بخبائه فقوض وترك الاعتكاف في شهر رمضان حتى اعتكف العشر الأول من شوال ويوم العيد داخل في جملة العشر وليس محلا للصوم.
واحتجوا أيضا بأن الاعتكاف عبادة مستقلة بنفسها فلم يكن الصوم شرطا فيها كسائر العبادات من الحج والصلاة والجهاد والرباط وبأنه لزوم مكان معين لطاعة الله تعالى فلم يكن الصوم شرطا فيه كالرباط وبأنه قربة بنفسه فلا يشترط فيه الصوم كالحج.
قال الموجبون الكلام معكم في مقامين:
أحدهما: ذكر ضعف أدلتكم والثاني ذكر الأدلة على اشتراط الصوم.
فأما المقام الأول فنقول لا دلالة في شيء مما ذكرتم أما حديث ابن عمر عن أبيه فقد اتفق على صحته لكن اختلف في لفظه كثيرا فرواه مسدد وزهير ويعقوب الدورقي عن يحيى القطان عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر فقالوا ليلة وكذلك رواه ابن المبارك وسليمان بن بلال عن عبيد الله وهكذا رواه إسحق بن راهويه عن حفص بن غياث عن عبيد الله ورواه أبو بكر بن أبي شيية عن حفص بن غياث فأبهم النذر فقال إني نذرت أن أعتكف عند المسجد الحرام فقال أوف بنذرك وكذلك رواه أبو أسامة عن عبيد الله مبهما ورواه شعبة عن عبيد الله بن عمر فقال إني نذرت أن أعتكف يوما وكذلك اختلف فيه على أيوب السختياني فرواه حماد بن زيد عنه عن نافع قال ذكر عند ابن عمر عمرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة فقال لم يعتمر منها وكان على عمر نذر اعتكاف ليلة في الجاهلية فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره أن يفي به فدخل المسجد تلك الليلة فلما أصبح إذا السبي يسعون يقولون أعتقنا رسول الله صلى الله عليه وسلم متفق عليه وكذلك رواه ابن عيينة عن أيوب وخالفهما معمر وجرير فقالا يوما وكلاهما في الصحيحين بهذين اللفظين
قال النفاة يجوز أن يكون عمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن اعتكاف ليلة وحدها فأمره به وسأله مرة أخرى عن اعتكاف يوم فأمره به.
قال الموجبون هذا مما لا يشك عالم في بطلانه فإن القصة واحدة وعمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح سؤالا واحدا وهذه الطريقة يسلكها كثير ممن لا تحقيق عنده وهي احتمال التكرار في كل حديث اختلفت ألفاظه بحسب اختلافها وهو مما يقطع ببطلانه في أكثر المواضع كالقطع ببطلان التعدد في اشتراء البعير من جابر مرارا في أسفار والقطع ببطلان التعدد في نكاح الواهبة نفسها بلفظ الإنكاح مرة والتزويج مرة والإملاك مرة والقطع ببطلان الإسراء مرارا كل مرة يفرض عليه فيها

(7/106)


000000000000000000000000
ـــــــ
خمسون صلاة ثم يرجع إلى موسى فيرده إلى ربه حتى تصير خمسا فيقول تعالى لا يبدل القول لدي هي خمس وهي خمسون في الأجر ثم يفرضها في الإسراء الثاني خمسين فهذا مما يجزم ببطلانه ونظائره كثيرة كقول بعضهم في حديث عمران بن حصين كان الله ولا شيء قبله و كان ولا شيء غيره و كان ولا شيء معه إنه يجوز أن تكون وقائع متعددة وهذا القائل لو تأمل سياق الحديث لاستحيا من هذا القول فإن سياقه أنه أناخ راحلته بباب المسجد ثم تفلتت فذهب يطلبها ورسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث فقال بعد ذلك وأيم الله وددت لو أني قعدت وتركتها فيا سبحان الله أفي كل مرة يتفق له هذا؟؛
وبالجملة فهذه طريقة من لا تحقيق له وإذا كان عمر إنما سأل النبي صلى الله عليه وسلم مرة واحدة فإن كان يوما فلا دلالة فيه وإن كان ليلة فالليالي قد تطلق ويراد بها الأيام استعمالا فاشيا في اللغة لا ينكر كيف وقد روى سعيد بن بشير عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن عمر نذر أن يعتكف في الشرك ويصوم فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال أوف بنذرك وسعيد بن بشير هذا وإن كان قد ضعفه ابن المديني ويحيى بن معين والنسائي فقد قال فيه شعبة كان صدوق اللسان وقال سفيان بن عيينة كان حافظا وقال دحيم هو ثقة وقال كان مشيختنا يوثقونه وقال البخاري يتكلمون في حفظه وهو يحتمل وقال عبدالرحمن بن أبى حاتم سمعت أبى ينكر على من أدخله في كتاب الضعفاء وقال محله الصدق وقال ابن عدي الغالب على حديثه الاستقامة وقد روى عبد الله بن يزيد عن عمرو بن دينار عن ابن عمر عن عمر هذا الحديث وفيه فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعتكف ويصوم ولكن تفرد به ابن بديل وضعفه الدارقطني وقال ابن عدي له أحاديث مما ينكر عليه الزيادة في متنه أو إسناده وقال أبو بكر النيسابوري هذا حديث منكر لأن الثقات من أصحاب عمرو بن دينار لم يذكروه منهم ابن جريج وابن عيينة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وابن بديل ضعيف الحديث فهذا مما لا حاجة بنا إلى الاستدلال به وحديث سعيد بن بشير أجود منه.
وأما حديث ابن عباس الذي رواه الحاكم فله علتان:
إحداهما: أنه من رواية عبد الله بن محمد الرملي وليس بالحافظ حتى يقبل منه تفرده بمثل هذا.
العلة الثانية أن الحميدي وعمرو بن زرارة روباه عن الدراوردي عن أبى سهيل عن طاووس عن ابن عباس موقوفا عليه وهذا هو الصواب وهو الثابت عن ابن عباس.
وأما حديث عائشة وقصة اعتكاف النبي صلى الله عليه وسلم العشر الأول من شوال فهذا قد اختلف فيه لفظ الصحيح وفيه ثلاثة ألفاظ أحدها عشرا من شوال والثاني في العشر الأول من شوال والثالث العشر الأول ولا ريب أن هذا ليس بصريح في اعتكاف يوم العيد ولو كان الثابت هو

(7/107)


000000000000000000000000
ـــــــ
قوله العشر الأول من شوال لأنه يصح أن يقال اعتكف العشر الأول وإن كان قد أخل بيوم منه كما يقال قام ليالي العشر الأخير وإن كان قد أخل بالقيام في جزء من الليل ويقال قام ليلة القدر وإن أخل بقيامه في بعضها.
وأما الأقيسة التي ذكرتموها فمعارضة بأمثالها أو بما هو من جنسها فلا حاجة إلى التطويل بذكرها.
وأما المقام الثاني وهو الاستدلال على اشتراط الصوم فأمور:
أحدها أنه لم يعرف مشروعية الاعتكاف إلا بصوم ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه أنهم اعتكفوا بغير صوم ولو كان هذا معروفا عندهم لكانت شهرته تغني عن تكلفكم الاستدلال باعتكافه صلى الله عليه وسلم العشر الأول من شوال.
الثاني حديث عائشة الذي ذكره أبو داود في الباب وقولها السنة كذا وكذا ولا اعتكاف إلا بصوم.
قال النفاة الجواب عن هذا من وجوه:
أحدها: أن رواية عبدالرحمن بن إسحاق قال فيه أبو حاتم لا يحتج به وقال البخاري ليس ممن يعتمد على حفظه وقال الدارقطني يرمي بالقدر.
الثاني أن هذا الكلام من قول الزهري لا من قول عائشة كما ذكره أبو داود وغيره قال الليث عن عقيل عن الزهري عن عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ثم اعتكف أزواجه من بعده فالسنة في المعتكف إلى اخره ليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو من قول الزهري ومن أدركه في الحديث فقد وهم.
الثالث أن غايته الدلالة على استحباب الصوم في الاعتكاف فإن قوله السنة إنما يفيد الاستحباب وقوله لا اعتكاف إلا بصوم نفي للكمال.
قال الموجبون الجواب عما ذكرتم:
أما تضعيف عبدالرحمن بن إسحاق فقد روى له مسلم في صحيحه ووثقه يحيى بن معين وغيره.
وأما قولكم: إنه من قول الزهري ومن أدرجه فقد وهم فجوابه من وجهين:
أحدها: أنا لو تركنا هذا لكان ما ذكرتم فادحا ولكن قد روى الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء عن عائشة قالت من اعتكف فعليه الصوم فهذا يقوي حديث الزهري.
الثاني: أنه ولو ثبت أنه من كلام الزهري فهو يدل على أن السنة المعروفة التي استمر عليها العمل أنه لا اعتكاف إلا بصوم فهل عارض هذه السنة سنة غيرها حتى تقابل به

(7/108)


2471 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ إبْرَاهِيمَ أخبرنا أبُو دَاوُدَ حدثنا عَبْدُالله بنُ بُدَيْلٍ عنْ عَمْرِو
بن دِينَارٍ عن ابنِ عُمَرَ: أنّ عُمَرَ رَضِيَ الله عنه جَعَلَ عَلَيْهِ أنْ يَعْتَكِفَ في الْجَاهِلِيّةِ لَيْلَةً أوْ يَوْماً عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَسَألَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَقالَ "اعْتَكِفْ وَصُمْ".
ـــــــ
"أن عمر رضي الله عنه جعل عليه": أي على نفسه "أن يعتكف في الجاهلية ليلة أو يوماً": شك الراوي "فقال اعتكف وصم": "فقال اعتكف وصم": قال الخطابي: فيه من الفقه أن نذر الجاهلية إذا كان على وفاق حكم الإسلام كان معمولاً به. وفيه دليل على أن من حلف في كفره ثم أسلم فحنث أن الكفارة واجبة عليه، وهذا على مذهب الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا تلزمه الكفارة، وفيه أيضاً دليل على وقوع ظهار الذمي ووجوب الكفارة عليه فيها والله أعلم. وقال في فتح الباري: وقد ورد الأمر بالصوم في رواية عمرو بن دينار عن ابن عمر صريحاً لكن إسنادها ضعيف، وقد زاد فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له "اعتكف وصم" أخرجه أبو داوود والنسائي من طريق عبد الله بن بديل وهو ضعيف. وذكر ابن عدي والدارقطني أنه تفرد بذلك عن عمرو بن دينار، ورواية من روى يوماً شاذة. وقد وقع في رواية سليمان بن بلال عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عند البخاري "فاعتكف ليلة" فدل على أنه لم يزد على نذره شيئاً وأن الاعتكاف لا صوم فيه وأنه لا يشترط له حد معين انتهى.
وأما قولكم إن هذا إنما يدل على الاستحباب فليس المراد بالسنة هاهنا مجرد الاستحباب وإنما المراد طريقة الاعتكاف وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المستمرة فيه. وقوله: "ولا اعتكاف إلا بصوم" يبين ذلك.
وقولكم: إنه لنفي الكمال صحيح ولكن لنفي كمال الواجب أو المستحب الأول مسلم والثاني ممنوع والحمل عليه بعيد جدا إذا لا يصلح النفي المطلق عند نفي بعض المستحبات وإلا صح النفي عن كل عبادة ترك بعض مستحباتها ولا يصح ذلك لغة ولا عرفا ولا شرعا ولا يعهد في الشريعة نفي العبادة إلا بترك واجب فيها وقال الدارقطني يقال إن قوله والسنة على المعتكف إلى آخره من كلام الزهري ومن أدرجه في الحديث فقد وهم فيه.
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وقد روى الدارقطني هذا الحديث في سننه عن نافع عن ابن عمر أن عمر نذر أن يعتكف في الشرك ويصوم فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك بعد إسلامه فقال: "أوف بنذرك" قال هذا إسناد حسن تفرد بهذا اللفظ سعيد بن بشير وروى الدارقطني ايضا عن عائشة ترفعه لا اعتكاف إلا بصيام وقال تفرد به سويد بن عبدالعزيز عن سفيان بن حسين عن الزهري.

(7/109)


2472 - حدثنا عَبْدُالله بنُ عُمَرَ بنِ مُحَمّدِ بنِ أبَانَ عن أبان بنِ صَالِحٍ الْقُرَشِيّ أخبرنا عَمْرُو بنُ مُحَمّدٍ يَعْني الْعَنْقَرِيّ عن عَبْدِالله بن بُدَيْلٍ بإسْنَادِهِ نَحْوَهُ قالَ: فَبَيْنَمَا هُوَ مُعْتَكِفُ إذْ كَبّرَ النّاسُ فَقَالَ مَا هَذَا يَا عَبْدَالله؟ قالَ سَبْيُ هَوَازِنَ أعْتَقَهُمْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "وَتِلْكَ الْجَارِيَةُ فأرْسَلَهَا مَعَهُمْ".

(7/110)


80 - باب المستحاضة تعتكف
2473 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ عِيسَى وَ قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قالا أخبرنا يَزِيدُ عن خَالِدٍ عنْ عِكْرِمَةَ عن عَائِشَةَ قَالَتْ: اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم امْرَأةٌ مِنْ أزْوَاجِهِ، فَكَانَتْ تَرَى الصّفْرَةَ وَالْحُمْرَةَ، فَرُبّمَا وَضَعْنَا الطّسْتَ تَحْتَهَا وَهِيَ تُصَلّي.
آخركتاب الصيام والاعتكاف
ـــــــ
"هو معتكف": أي عمر بن الخطاب "فقال": عمر "ما هذا": الصوت بالتكبير "يا عبد الله": بن عمر "قال": عمر "وتلك الجارية": من سبايا هوازن التي عند عمر كيف تحبس "فأرسلها": عمر بن الخطاب الجارية "معهم": الذين أعتقوا. قال المنذري: وأخرجه النسائي. وفي إسناده عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي المكي وهو ضعيف. وقال ابن عدي: ولا أعلم ذكر في هذا الإسناد الصوم مع الاعتكاف إلا من رواية عبد الله بن بديل عن عمرو بن دينار. وقال الدارقطني: تفرد به ابن بديل عن عمرو وهو ضعيف الحديث. وقال الدارقطني أيضاً: سمعت أبا بكر النيسابوري يقول: هذا حديث منكر لأن الثقات من أصحاب عمرو لم يذكروه يعني الصوم، منهم ابن جريج وابن عيينة وحماد بن سلمة وحماد بن زيد وغيرهم. وابن بديل ضعيف الحديث.
"باب المستحاضة تعتكف"
"امرأة من أزواجه": ولأبي ذر امرأة مستحاضة من أزواجه وهي أم سلمة كما في سنن سعيد بن منصور "فكانت ترى الصفرة": فيه جواز صلاتها كاعتكافها، لكن مع الأمن من التلويث كدائم الحدث. ذكره القسطلاني: وقال الشوكاني في النيل: والحديث يدل على جواز مكث المستحاضة في المسجد وصحة اعتكافها وصلاتها وجواز حدثها في المسجد عند أمن التلويث، ويلحق بها دائم الحدث ومن به جرح يسيل انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري والنسائي وابن ماجه.

(7/110)