Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود

أول كتاب الجهاد
باب ما جاء في الهجرة وسكنى البدو
...
بسم الله الرحمن الرحيم
أول كتاب الجهاد
1- باب ما جاء في الهجرة وسكنى البدو
2474 - حدثنا مُؤَمّلُ بنُ الْفَضْلِ أخبرنا الْوَلِيدُ يَعْنِي ابنَ مُسْلِمٍ عن الأَوْزَاعِيّ عن الزّهْرِيّ عن عَطَاءِ بنِ يَزِيدَ عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ: أنّ أعْرَابِيّا سَألَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن الهِجْرَةِ فقالَ "وَيْحَكَ إنّ شَأْنَ الهِجْرَةِ شَدِيدٌ، فَهَلْ لَكَ مِنْ إبِلٍ" قالَ نَعَمْ. قالَ "فَهَلْ تُؤَدّي صَدَقَتَهَا؟ قالَ نَعَمْ، قالَ "فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ الْبِحَارِ، فَإنّ الله لَنْ يَتْرُكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئاً".
ـــــــ
"أول كتاب الجهاد"
بكسر الجيم أصله لغة المشقة، يقال جهدت جهاداً بلغة المشقة، وشرعاً بذل الجهد في قتال الكفار أو البغاة.
"باب ماجاء في الهجرة وسكنى البدو"
في القاموس: البدو والبادية والبادات والبداوة خلاف الحضر. وليس في بعض النسخ لفظ وسكنى البدو.
"عن الهجرة": أي أن يبايعه على الإقامة بالمدينة ولم يكن من أهل مكة الذين وجبت عليهم الهجرة قبل الفتح "ويحك": كلمة ترحم وتوجع لمن وقع في هلكة لا يستحقها "إن شأن الهجرة": أي القيام بحق الهجرة "شديد": لا يستطيع القيام بها إلا القليل، ولعلها كانت متعذرة على السائل شاقة عليه فلم يجبه إليها "صدقتها": أي زكاتها "قال نعم": لي إبل أؤدي زكاتها "من وراء البحار": بموحدة ومهملة أي من وراء القرى والمدن وكأنه قال إذا كنت تؤدي فرض الله عليك في نفسك ومالك فلا تبال أن تقيم في بيتك ولو كنت في أبعد مكان. قال في النهاية:

(7/111)


2475 - حدثنا عُثْمَانُ وَ أبُو بَكْرٍ ابْنَا أبي شَيْبَةَ قالا أخبرنا شَرِيكٌ عن المِقْدامِ بنِ شُرَيْحٍ عن أبِيهِ قالَ: سَألْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنهَا عن الْبَدَاوَةِ فقالتْ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَبْدُو إلَى هَذِهِ التّلاَعِ وَإنّهُ أرَادَ الْبِدَاوَةَ مَرّةً فَأرْسَلَ إلَيّ نَاقَةً مُحَرّمَةً مِنْ إبِلِ الصّدَقَةِ فَقالَ يَاعَائِشَةُ ارْفُقِي فَإنّ الرّفْقَ لَمْ يَكُنْ في شَيْءٍ قَطّ إلاّ زَانَهُ وَلاَ نُزِعَ مِنْ شَيْءٍ قَطّ إلاّ شَانَهُ.

(7/112)


2 - باب في الهجرة هل انقطعت
2476 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى الرّازِيّ أنْبَأنَا عِيسَى عَنْ حَرِيزٍ بنِ عُثْمَانَ عن عبد الرحمن بنِ أبِي عَوْفٍ عن أبي هِنْدٍ عن مُعَاوِيَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "لاَ تَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ حَتّى تَنْقَطِعَ التّوْبَةُ، وَلاَ تَنْقَطِعُ التّوْبَةُ حَتّى تَطْلُعَ الشّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا".
ـــــــ
والعرب تسمي المدن والقرى البحار "لن يترك": بكسر المثناة الفوقية من وتر يتر أي لن ينقصك.
قال في القاموس: وتره ماله نقصه إياه. قال الخطابي: والمعنى أنك قد تدرك بالنية أجر المهاجر وإن أقمت من وراء البحر وسكنت أقصى الأرض. وفيه دلالة على أن الهجرة إنما كان وجوبها على من أطاقها دون من لم يقدر عليها. انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"عن البداوة": أي الخروج إلى البدو والمقام به. وفيه لغتان بكسر الباء وفتحها قاله الخطابي "يبدو": أي يخرج إلى البادية لحصول الخلوة وغيرها. قال في الصحاح: بدا القوم بدواً أي خرجوا إلى باديتهم "إلى هذه التلاع": بكسر الفوقية مجاري الماء من أعلى الأرض إلى بطون الأودية واحدتها تلعة بفتح فسكون وقيل هو من الأضداد يقع على ما انحدر من الأرض وما ارتفع منها "ناقة محرمة": بفتح الراء من التحريم. قال الخطابي: الناقة المحرمة التي لم تركب ولم تذلل فهي غير وطئة. ويقال أعرابي محرم إذا كان جلفاً لم يخالط أهل الحضر انتهى "ارفقي": أي لا تصعبي على الناقة "إلا زانه": من الزينة "إلا شانه": من الشين بمعنى العيب. قال المنذري: وأخرجه مسلم بمعناه.
"باب في الهجرة هل انقطعت"
"عن حريز": بفتح الحاء المهملة آخره زاي هو ابن عثمان "لا تنقطع الهجرة إلخ": في هذا

(7/112)


2477 - حدثنا عُثْمَانُ بن أبي شَيْبَةَ أخبرنا جَرِيرٌ عن مَنْصُورٍ عن مُجَاهِدِ عن طَاوُوسٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يَوْمُ الْفَتْحِ فَتْحُ مَكّةَ: لاَ هِجْرَةً، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيّةٌ، وَإذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا".
2478 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عن إسْمَاعِيلَ بن أبي خَالِدٍ أخبرنا عَامِرٌ قالَ: أتَى رَجُلٌ عَبْدَالله بنَ عَمْرٍو وَعِنْدَهُ الْقَوْمُ حَتى جَلَسَ عِنْدَهُ، فَقالَ أخْبِرْنِي بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فقالَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى الله عَنْهُ".
ـــــــ
الحديث دلالة على أن الهجرة غير منقطعة. وحديث ابن عباس الآتي يدل على أنه لا هجرة بعد فتح مكة. وقد اختلف في الجمع بينهما، فقال الخطابي في المعالم: كانت الهجرة في أول الإسلام فرضاً ثم صارت منذوبة، وذلك في قوله تعالى{وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً}: نزل حين اشتد أذى المشركين على المسلمين بمكة، ثم وجبت الهجرة على المسلمين عند انتقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأمروا بالانتقال إلى حضرته ليكونوا معه فيتعاونوا ويتظاهروا إن أحزبهم أمر، وليتعلموا منه أمر دينهم. وكان عظم الخوف في ذلك الزمان من أهل مكة فلما فتحت مكة ونجعت بالطاعة زال ذلك المعنى وارتفع وجوب الهجرة وعاد الأمر فيها إلى الندب والاستحباب فالهجرة المنقطعة هي الفرض والباقية هي الندب، فهذا وجه الجمع بين الحديثين على أن بين الإسنادين ما بينهما، إسناد حديث ابن عباس رضي الله عنه متصل صحيح، وإسناد حديث معاوية رضي الله عنه فيه مقال انتهى باختصار يسير. وفي شرح السنة: يحتمل الجمع بأن يكون قوله "لا هجرة بعد الفتح" أي من مكة إلى المدينة وقوله "لا تنقطع" أي من دار الكفر في حق من أسلم إلى دار الإسلام انتهى. قال المنذري: وأخرجه النسائي وقال الخطابي: إسناده حديث معاوية فيه مقال "فتح مكة": بالجر بدل من الفتح "لا هجرة": أي واجبة من مكة إلى المدينة "ولكن جهاد ونية": أي الهجرة بسبب الجهاد في سبيل الله، والهجرة بسبب النية الخالصة لله تعالى كطلب العلم والفرار من الفتن باقيان مدى الدهر "وإذا استنفرتم": بضم الفوقية وكسر الفاء "فانفروا": بكسر الفاء الثانية أي إذا طلب منكم الإمام الخروج إلى الغزو فاخرجوا إليه وجوباً، فيتعين على من عينه الإمام. كذا في إرشاد الساري. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.
"المسلم": أي الكامل "والمهاجرمن هجر": أي ترك. قال العلقمي: والهجرة ضربان ظاهرة وباطنة، فالباطنة ترك ما تدعو إليه النفس الأمارة بالسوء والشيطان، والظاهرة الفرار

(7/113)


3 - باب في سكنى الشام
2479 - حدثنا عُبَيْدُالله بنُ عُمَرَ أخبرنا مُعَاذُ بنُ هِشَامٍ حدّثني أبي عن قَتَادَةَ عن شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ عنْ عَبْدِالله بنِ عَمْرٍو قالَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ فَخِيَارُ أهْلِ الأرْضِ ألْزَمُهُمْ مُهَاجَرَ إبْرَاهِيمَ، وَيَبْقَى في الأرْضِ شِرَارُ أهْلِهَا تَلْفِظُهُمْ أرْضُوهُمْ تَقْذَرُهُمْ نَفْسُ الله وَتَحْشُرُهُمْ النّارُ مَعَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ".
ـــــــ
بالدين من الفتن، وكأن المهاجرين خوطبوا بذلك لئلا يتكلوا على مجرد التحول من دارهم حتى يمتثلوا أوامر الشرع ونواهيه ويحتمل أن يكون ذلك قيل بعد انقطاع الهجرة لما فتحت مكة تطييباً لقلوب من لم يدرك ذلك، لأن حقيقة الهجرة تحصل لمن هجر ما نهى الله عنه انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري والنسائي.
"باب في سكنى الشام"
"هجرة بعد هجرة": قال الخطابي: معنى الهجرة الثانية الهجرة إلى الشام يرغبها في القيام بها وهي مهاجر إبراهيم صلى الله على نبينا وعليه وعلى آلهما وسلم "مهاجر إبراهيم": بفتح الجيم وهو الشام "تلفظهم": بكسر الفاء أي تقذفهم وترميهم، يقال قد لفظ الشيء لفظاً إذا رماه "أرضوهم": جمع أرض "تقذرهم": بفتح الذال المعجمة أي تكرههم "نفس الله": بسكون الفاء أي ذاته تعالى. قال الخطابي: تأويله أن الله يكره خروجهم إليها ومقامهم بها فلا يوفقهم لذلك فصاروا بالرد وعدم القبول في معنى الشيء الذي تقذره نفس الإنسان، وذكر النفس ههنا مجاز واتساع في الكلام وهذا شبيه بمعنى قوله سبحانه وتعالى {وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ} انتهى. قال في النهاية: يقال قذرت الشيء أقذره إذا كرهته واجتنبته انتهى "وتحشرهم النار مع القردة والخنازير": أي تجمعهم وتسوقهم النار
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وقد رواه ابن حبان في صحيحه وروى الوليد بن مسلم عن عقبة بن عثمان أنه سمع سليم بن عامر يحدث عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: "رأيت عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي فأتبعته بصري فإذا هو نور ساطع حتى ظننت أنه قد هوى به فعمد به إلى الشام وإني أولت ذلك أن الفتن إذا وقعت أن الإيمان بالشام" رواه أحمد في مسنده. وروى شعبة عن معاوية بن قرة عن أبيه قال: قال

(7/114)


000000000000000000000000000
ـــــــ
فيفرون هؤلاء والشرار مخافة النار مع البهائم من القردة والخنازير والنار لا تفارقهم بحال. وليس هذا حشر يوم القيامة وإلا قيل تحشر شرار أهلها إلى النار ولا يقال تحشرهم النار، ولقوله في بعض الروايات تقيل معهم، فإنه يدل على أن النار ليست حقيقة بل نار الفتنة، وهذه القيلولة والبيتوتة هي المرادة في قوله ستكون هجرة بعد هجرة إلى قوله تحشرهم النار مع القردة تبيت معهم إذا باتوا انتهى كلام الطيبي ملخصاً محرراً والله أعلم. قال المنذري: شهر بن حوشب تكلم فيه غير واحد وروى من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب بإسناد أمثل من هذا.
__________
رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم لا تزال طائفة من أمتى منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة" رواه الترمذي وقال قال محمد بن إسماعيل قال علي بن المديني هم أصحاب الحديث وهذا حديث حسن صحيح وروى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال قلت يارسول الله أين تأمرني قال ههنا ونحا بيده نحو الشام قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وقال الإمام أحمد حدثنا حسن أخبرنا ابن لهيعة أخبرنا يزيد بن أبي حبيب عن ابن شماسة عن زيد بن ثابت قال بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال: "طوبى للشام طوبى للشام طوبى للشام" قلت ما بال الشام؟ قال: "الملائكة باسطو أجنحتها على الشام" ورواه أحمد أيضا عن يحيى بن إسحاق السيلحيني أخبرنا يحيى بن أيوب عن يزيد بن أبي حبيب ورواه ابن وهب أخبرني عمرو عن يزيد بن أبي حبيب عن ابن شماسة حدثه أنه سمع زيد بن ثابت فذكره قال أبو عبد الله المقدسي وهذا الإسناد عندي على شرط مسلم وفي صحيح البخاري عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اللهم بارك لنا في شامنا اللهم بارك لنا في يمننا" فقالها مرارا فلما كان في الثالثة أو الرابعة قالوا يارسول الله وفي عراقنا قال: "بها الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان" وفي مسند الإمام أحمد من حديث محمد بن عبيد عن الأعمش عن عبد الله بن ضرار الأسدى عن أبيه عن عبد الله قال قسم الله الخير فجعله عشرة فجعل تسعة أعشاره في الشام وبقيته في سائر الأرض وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث الوليد بن عبدالرحمن عن جبير بن نفير عن سلمة بن نفيل أنه أخبرهم أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني سئمت الخيل وألقيت السلاح ووضعت الحرب أوزارها ( قلت: لا قتال ) قال: فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "الآن جاء القتال لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الناس يرفع الله قلوب أقوام فيقاتلونهم ويرزقهم الله منهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك ألا إن عقد دار المؤمنين الشام والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة" ورواه النسائي وفي المسند والترمذي من حديث أبي قلابة عن سالم عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ستخرج نار من حضرموت أو بحضرموت قبل يوم القيامة تحشر الناس قلنا: يارسول الله فما تأمرنا؟ قال: "عليكم بالشام" قال الترمذي حديث حسن صحيح غريب من حديث ابن عمر وفي المسند والترمذي والنسائي من

(7/115)


2480 - حدثنا حَيْوَةُ بنُ شُرَيْحٍ الْحَضْرَمِيّ أخبرنا بَقِيّةُ حدّثَني بَحِيرٌ عن خَالِدٍ يَعْني ابنَ مَعْدَانَ عن ابنِ أبي قُتَيْلَةَ عن ابنِ حَوَالَةَ قالَ: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "سَيَصِيرُ الأمْرُ إلَى أنْ تَكُونُوا جُنُوداً مُجَنّدَةً: جُنْدٌ بالشّامِ، وَجُنْدٌ بالْيَمَنِ، وَجُنْدٌ بالْعِرَاقِ". قالَ ابنُ حَوَالَةَ: خِرْ لِي يَارَسُولَ الله إنْ أدْرَكْتُ ذَلِكَ، فقالَ "عَلَيْكَ بالشّامِ، فإنّهَا خِيرَةُ الله مِنْ أرْضِهِ، يَجْتَبِي إلَيْهَا خيرَتَهُ مِنْ عِبَادِهِ، فأمّا إذْ[إن][إذا] أبَيْتُمْ فَعَلَيْكُمْ بِيَمَنِكُم وَاسْقُوا مِنْ غُدْرِكُم، فإنّ الله تَوَكّلَ لِي بالشّامِ وَأهْلِهِ".
ـــــــ
"حدثني بحير": بكسر المهملة ابن سعيد السحولي أبو خالد وثقه النسائي "عن ابن أبي قتيلة": بالقاف والمثناة مصغراً "عن ابن حوالة": بفتح المهملة وتخفيف الواو وهو عبد الله رضي الله عنه "جنوداً مجندة": أي مختلفة، وقيل مجتمعة والمراد ستصيرون فرقاً ثلاثة "خر لي": أي خر لي خير تلك الأماكن ومعناه بالفارسية يسندكن براي من بهترين ازين امكنه "فإنها": أي الشام "خيرة الله": بفتح التحتية بوزن عنبة أي مختارته "خيرته من عباده": أي المختارين منهم "إذا أبيتم": أي امتنعتم من التزام الشام "فعليكم بيمنكم": أي فالزموا اليمن "من غدركم": كصرد جمع غدير وهو الحوض "توكل": أي تكفل وتضمن "لي بالشام": بأن لا يخربه بالفتنة "وأهله": أي تكفل لي بأهل الشام بأن لا تصيبه الفتنة ولا يهلك الله بالفتنة من أقام بها. والحديث سكت عنه المنذري.
حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال قلت يارسول الله أين تأمرني قال ههنا ونحا بيده نحو الشام قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح ومن حديث المخلص أخبرنا يحيى بن صاعد أخبرنا محمد بن إسماعيل السلمي أخبرنا أبو أيوب سليمان بن عبدالرحمن أخبرنا بشر بن عون القرشى أبو عون أنبأنا بكار بن تميم عن مكحول عن واثله قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحذيفة بن اليمان ومعاذ بن جبل وهما يستشيرانه في المنزل فأومأ إلى الشام ثم سألاه فأومأ إلى الشام ثم سألاه فأومأ إلى الشام ثم قال: "عليكم بالشام فإنها صفوة بلاد الله يسكنها خيرته من عباده فمن أبى فليلحق بيمنه ويستقي من غدره فإن الله عزوجل تكفل له بالشام وأهله" ورواه الطبراني في المعجم عن سليمان به وذكر الطبراني من حديث الوليد بن مسلم عن محمد بن أيوب بن ميسرة بن حبيش عن أبيه عن خريم بن فاتك الأسدي أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أهل الشام سوط الله في أرضه ينتقم بهم ممن يشاء من عباده وحرام على منافقيهم أن يظهروا على مؤمنيهم ولا يموتون إلا غما وهما" رواه الإمام أحمد في مسنده موقوفا وكذلك أبو يعلى الموصلي وقال أحمد في مسنده حدثنا عبدالصمد أنبأنا حماد عن الجريري عن أبي المشاء وهو لقيط بن المشاء عن أبي أمامة قال لا تقوم الساعة حتى يتحول خيار أهل العراق إلى الشام ويتحول شرار أهل الشام إلى العراق وقال

(7/116)


4 - باب في دوام الجهاد
2481 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عن قَتَادَةَ عن مُطَرّفِ عن عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ قالَ: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقّ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَاهُمْ حَتّى يُقَاتِلَ آخِرُهُمْ المَسِيحَ الدّجّالَ".
ـــــــ
"باب في دوام الجهاد"
"على الحق": أي على تحصيله وإظهاره "ظاهرين": علي غالبين منصورين "على من ناواهم": أي على من عاداهم. وفي شرح مسلم هو بهمزة بعد الواو وهو مأخوذ من ناء إليهم ونأوا إليه أي نهضوا للقتال. وفي النهاية النواء والمناواة المعاداة "حتى يقاتل آخرهم": أي المهدي وعيسى عليه السلام وأتباعهما. قال النووي: وأما هذه الطائفة فقال البخاري هم أهل العلم. وقال أحمد بن حنبل: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم. قال القاضي عياض: إنما أراد أحمد أهل السنة والجماعة ومن يعتقد مذهب أهل الحديث. قال النووي: ويحتمل أن هذه الطائفة متفرقة بين أنواع المؤمنين منهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدثون، ومنهم زهاد وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض. قال النووي وفيه دليل لكون الإجماع حجة، وهوأصح ما يستدل به له من الحديث، وأما حديث لا تجتمع أمتي على ضلالة فضعيف انتهى "المسيح الدجال": ويقتله عيسى عليه السلام بعد نزوله من السماء على المنارة البيضاء شرقي دمشق بباب له من بيت المقدس حين حاصر المسلمين وفيهم المهدي، وبعد قتله لا يكون الجهاد باقياً. أما على يأجوج ومأجوج فلعدم القدرة عليهم وبعد إهلاك الله إياهم لا يبقى على وجه الأرض كافر ما دام عيسى عليه السلام حياً في الأرض. كذا في المرقاة. والحديث سكت عنه المنذري.
رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عليكم بالشام" كذا رواه أحمد أوله موقوفا وآخره مرفوعا وروى الطبراني في معجمه من حديث.

(7/117)


5 - باب في ثواب الجهاد
2482 - حدثنا أبُو الوَلِيدِ الطّيَالِسِيّ أخبرنا سُلَيْمَانُ بنُ كَثِيرٍ أخبرنا الزّهْرِيّ عن عَطَاءِ بنِ يَزِيدَ عن أبي سَعِيدٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم: أنّهُ سُئِلَ: أيّ المُؤْمِنِينَ أكْمَلُ إيماناً؟ قال: "رَجُلٌ يُجَاهِدُ في سَبِيلِ الله بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، وَرَجُلٌ يَعْبُدُ الله في شِعْبٍ مِنَ الشّعَابِ قَدْ كَفَى النّاسَ شَرّهُ".

(7/118)


6 - باب في النهي عن السياحة
2483 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ عُثْمَانَ التّنّوخِيّ أبُو الْجَمَاهِرِ أخبرنا الْهَيْثَمُ بنُ حُمَيْدٍ أخْبَرَني الْعَلاَءُ بنُ الْحَارِثِ عن الْقَاسِمِ أبي عبد الرحمن عن أبي أُمَامَةَ: أنّ رَجُلاً قال: يَارَسُولَ الله ائْذَنْ لِي بالسّيَاحَةِ[في السياحة]. قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "إنّ سِيَاحَةَ أُمّتِي الْجِهَادُ في سَبِيلِ الله عَزّوَجَلّ".
ـــــــ
"باب في ثواب الجهاد"
"في شعب": هو ما انفرج بين جبلين، وقيل الطريق فيه، والمراد الاعتزال في أي مكان. قاله في المجمع "قد كفى الناس شره": أي وقاهم شره. قال القسطلاني: الشعاب بكسر الشين المعجمة وهو ما انفرج بين الجبلين، وليس بقيد بل على سبيل المثال، والغالب على الشعاب الخلو عن الناس، فلذا مثل بها للعزلة. وفيه فضل العزلة لما فيها من السلامة من الغيبة واللغو ونحوهما وهو مقيد بوقوع الفتنة، أما عند عدم الفتنة فمذهب الجمهور أن الاختلاط أفضل لحديث الترمذي انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"باب في النهي عن السياحة"
من ساح في الأرض يسيح إذا ذهب فيها، والمراد مفارقة الأمصار وسكنى البراري وترك الجمعة والجماعات "إن سياحة أمتي الخ": قال في السراج المنير: كأن هذا السائل استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في الذهاب في الأرض قهراً لنفسه بمفارقة المألوفات والمباحات واللذات، وترك الجمعة والجماعات، وتعليم العلم ونحوه، فرد عليه ذلك كما رد على عثمان بن مظعون في التبتل انتهى. قال المنذري: القاسم هذا تكلم فيه غير واحد.

(7/118)


باب في فضل القفل في الغزو
...
7 - باب في فضل القتل في الغزو
2484 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ المُصَفّى أخبرنا عَلِيّ بنُ عَيّاشٍ عن اللّيْثِ بنِ سَعْدٍ أخبرنا حَيْوَةُ عن ابنِ شُفَيَ عن شُفَيّ بنِ مَانِعٍ عن عَبْدِالله هُوَ ابنُ عَمْرٍو[أخبرنا حيوة عن ابن شفي عن عبد الله هو ابن عمرو] عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "قَفْلَةٌ كَغَزْوَةٍ".

(7/119)


باب فضل قتال الروم على غيرهم من الأسم
...
8 - باب فضل قتال الروم على غيرهم من الأمم
2485 - حدثنا عبد الرحمن بنُ سَلاّمٍ أخبرنا حَجّاجُ بنُ مُحَمّدٍ عن فَرَجِ بنِ فَضَالَةَ عن عَبْدِ الْخَبِيرِ بنِ ثَابِتِ بنِ قَيْسِ بنِ شِمّاسٍ عن أبِيهِ عن جَدّهِ قال: جَاءَتِ امْرَأةٌ إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم يُقَالُ لَهَا أُمّ خَلاّدٍ وَهِيَ متنقبة[مُنْتَقّبَةٌ] تَسْألُ عن ابْنِهَا وَهُوَ مَقْتُولٌ، فقالَ لَهَا بَعْضُ أصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: جِئْتِ تَسْألِينَ عن ابْنِكِ وَأنْتِ مُنْتَقّبَةٌ؟ فقالَتْ: إنْ أُرْزَأَ ابْنِي فَلَنْ أُرْزَأَ حَيَائِي، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ابْنُكِ لَهُ أجْرُ شَهِيدَيْنِ"، قالَتْ: وَلِمَ ذَاكَ يَارَسُولَ الله؟ قال: "لأنّهُ قَتَلَهُ أهْلُ الكِتَابِ".
ـــــــ
"باب في فضل القفل في الغزو"
القفل الرجوع"عن ابن شفى": بضم المعجمة وفتح الفاء اسمه حسين "قفلة": هي المرة من القفول وهو الرجوع من سفر "كغزوة": يعني أن أجر الغازي في انصرافه كأجره في ذهابه، لأن في قفوله إراحة للنفس، واستعداداً بالقوة للعدو وحفظاً لأهله برجوعه إليهم. كذا في السراج المنير. قلت: وهذا هو الظاهر في معنى الحديث وذكروا فيه وجوهاً أخر. والحديث سكت عنه المنذري.
"باب فضل قتال الروم على غيرهم من الأمم"
"عن فرج": بفتح الفاء والراء وبالجيم "عن عبدالخبير بن ثابت بن قيس": ثابت بن قيس جد عبدالخبير لا أبوه. قال الحافظ في التقريب: عبدالخبير بن قيس بن ثابت بن قيس بن شماس ووقع عند أبي داوود منسوباً إلى جده انتهى "وهي متنقبة": أي مختمرة وهو من باب التفعل وفي بعض النسخ من باب الافتعال "إن أرزأ ابني فلن أرزأ حيائي": بتقديم المهملة على بناء المفعول آخره همزة من الرزء وهي المصيبة بفقد الأعزة أي إن أصبت بابني وفقدته فلم أصب بحيائي. كذا في فتح الودود. قال المنذري: كذا قال. وجد عبدالخبير هو ثابت بن

(7/119)


9 - باب في ركوب البحر في الغزو
2486 - حدثنا سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ أخبرنا إسْمَاعِيلُ بنُ زَكَرِيّا عن مُطَرّفٍ عن بِشْرٍ أبي عَبْدِالله عن بَشِيرِ بنِ مُسْلِمٍ عن عَبْدِالله بنِ عَمْرٍو قالَ: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَرْكَبُ الْبَحْرَ إلاّ حَاجّ أوْ مُعْتَمِرٌ أوْ غَازٍ في سَبِيلِ الله، فإنّ تَحْتَ الْبَحْرِ نَاراً وَتَحْتَ النّارِ بَحْراً".
ـــــــ
قيس لا قيس بن شماس. قال البخاري: عبدالخبير عن أبيه عن جده ثابت بن قيس عن النبي صلى الله عليه وسلم، روى عنه فرج بن فضالة حديثه ليس بالقائم منكر الحديث.
وقال ابن عدي: وعبدالخبير ليس بالمعروف.
"باب في ركوب البحر في الغزو"
" إلا حاج أو معتمر أو غاز في سبيل الله": فيه رد على من قال: إن البحر عذر لترك الحج، والصواب ما قاله الفقيه أبو الليث السمرقندي من أنه إذا كان الغالب السلامة ففرض عليه، يعني وإلا فهو مخير كذا في المرقاة.
وقال الخطابي: في هذا دليل على أن من لم يجد طريقاً إلى الحج غير البحر، فإن عليه أن يركبه. وقال غير واحد من الفقهاء: إن عليه ركوب البحر في الحج إذا لم يكن له طريق غيره. وقال الشافعي: لا يبين لي أن ذلك يلزمه، وقد ضعفوا إسناد هذا الحديث انتهى "فإن تحت البحر الخ": قيل: هو على ظاهره فإن الله على كل شيء قدير.
وقال الخطابي: تأويله تفخيم أمر البحر وتهويل شأنه، وذلك أن الآفة تسرع إلى راكبه ولا يؤمن الهلاك عليه في كل وقت، كما لا يؤمن الهلاك في ملابسة النار ومداخلتها والدنو منها انتهى. قال المنذري: في هذا الحديث اضطراب روي عن بشير هكذا، وروى عنه أنه بلغه عن عبد الله بن عمرو، وروى عنه عن رجل عن عبد الله بن عمرو، وقيل غير ذلك.
وقال أبو داوود: رواته مجهولون، وذكره البخاري في تاريخه، وذكر له هذا الحديث وذكر اضطرابه، وقال: لم يصح حديثه. وقال الخطابي: وقد ضعفوا إسناد هذا الحديث.

(7/120)


10 - باب فضل الغزو في البحر
2487 - حدثنا سُلَيْمَانُ بنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيّ أخبرنا حَمّادٌ - يَعْني ابنَ زَيْدٍ عن يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عن مُحَمّدِ بنِ يَحْيَى بنِ حَبّانَ عن أنَسِ بنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قال حدّثَتْنِي أُمّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ أُخْتِ أُمّ سُلَيْمٍ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال عِنْدَهُمْ فَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ. قالَتْ فَقُلْتُ: يَارَسُولَ الله مَا أضْحَكَكَ؟ قال: "رَأيْتُ قَوْماً مِمّنْ يَرْكَبُ ظَهْرَ هَذَا الْبَحْرِ كَالْمُلُوكِ عَلى الأسِرّةِ". قالَتْ قُلْتُ: يَارَسُولَ الله ادْعُ الله[ادع الله لي] أنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ قال: "فَإنّكِ مِنْهُمْ". قالت ثُمّ نَامَ فَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ. قالَتْ فَقُلْتُ: يَارَسُولَ الله ما أضْحَكَكَ؟ فقالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ. قالَتْ قُلْتُ[فقلت]: يَارَسُولَ الله ادْعُ الله أنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قالَ: "أنْتِ مِنَ الأوّلِينَ ". قالَ: فَتَزَوّجَهَا عُبَادَةُ بنُ الصّامِتِ فَغَزَا في الْبَحْرِ فَحَمَلَهَا مَعَهُ فَلَمّا رَجَعَ قُرّبَتْ لَهَا بَغْلَةٌ لِتَرْكَبَهَا فَصَرَعَتْهَا فَانْدَقّتْ عُنُقُهَا فَمَاتَتْ.
2488 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن إسْحَاقَ بنِ عَبْدِالله بنِ أبي طَلْحَةَ عن
ـــــــ
"باب فضل الغزو في البحر"
"أم حرام": بفتح الحاء والراء المهملتين هي خالة أنس بن مالك رضي الله عنه "بنت ملحان": بكسر الميم وسكون اللام وبالحاء المهملة "أخت أم سليم": صفة ثانية لأم حرام "قال": من القيلولة أي نام واستراح في وسط النهار "وهو يضحك": أي فرحاً وسروراً لكون أمته تبقى بعده متظاهرة أمور الإسلام قائمة بالجهاد حتى في البحر. والجملة الحالية "ممن يركب ظهر هذا البحر": أي يركب السفن التي تجري على ظهره "كالملوك على الأسرة": جمع سرير.
قال النووي: قيل هو صفة لهم في الآخرة إذا دخلوا الجنة، والأصح أنه صفة لهم في الدنيا، أي يركبون مراكب الملوك لسعة حالهم واستقامة أمرهم وكثرة عددهم "أنت من الأولين": قال النووي: هذا دليل على أن رؤياه الثانية غير الأولى وأنه عرض فيه غير الأولين "فصرعتها": أي أسقطتها "فاندقت": أي انكسرت "فماتت": في الطريق لما رجعوا من غزوهم بغير مباشرة للقتال. وقد قال صلى الله عليه وسلم "من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد" رواه مسلم. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.

(7/121)


أنَسِ بنِ مَالِكٍ أنّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا ذَهَبَ إلَى قُبَاءٍ يَدْخُلُ عَلَى أُمّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ - وَكَانَتْ تَحْتَ عُبَادَةَ بنِ الصّامِتِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا يَوْماً، فأطْعَمَتْهُ وَجَلَسَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ، وساقَ هَذَا الحَدِيثَ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَمَاتَتْ بِنْتُ مِلْحَانَ بِقُبْرُسَ.
2489 - حدثنا يَحْيَى بنُ مَعِينٍ أخبرنا هِشَامُ بنُ يُوسُفَ عن مَعْمَرٍ عن زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عن عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ عن أُخْتِ أُمّ سُلَيْمٍ الرّمَيْصَاءِ قالَتْ: نَامَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فاسْتَيْقَظَ وكَانَتْ تَغْسِلُ رَأْسَهَا، فَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، فقالَتْ: يَارَسُولَ الله أتَضْحَكُ مِنْ رَأْسِي؟ قال: "لاَ"، وَسَاقَ هَذَا الْخَبَرَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: الرّمَيْصَاءُ أُخْتِ أُمّ سُلَيْمٍ مِنَ الرّضَاعَةِ.
ـــــــ
"إلى قباء": بضم قاف وخفة موحدة مع مد وقصر موضع بميلين أو ثلاثة من المدينة مصروف على الصحيح "تفلي رأسه": بفتح الفوقية وسكون الفاء وكسر اللام من باب ضرب يضرب أي تفتش رأسه لتسخرج قمله.
قال النووي: اتفق العلماء على أنها كانت محرماً له صلى الله عليه وسلم، واختلفوا في كيفية ذلك، فقال ابن عبدالبر وغيره: كانت إحدى خالاته صلى الله عليه وسلم من الرضاعة. وقال آخرون: بل كانت خالة لأبيه أو لجده لأن عبدالمطلب كانت أمه من بني النجار "بقبرس": بضم القاف والراء وسكون الموحدة بينهما. قال في القاموس: جزيرة عظيمة للروم بها توفيت أم حرام بنت ملحان. انتهى. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وقال الترمذي: حسن صحيح.
"الرميصاء": بضم الراء وفتح الميم وسكون التحتية بدل من أخت أم سليم والرميصاء هذه هي أم حرام بنت ملحان والرمص اجتماع القذي في مؤخر العين وفي هدبها، وقيل استرخاؤها وانكسار الجفن وكذلك الغمص بالغين المعجمة "قال أبو داوود: والرميصاء أخت أم سليم من الرضاعة": هذه العبارة لم توجد في بعض النسخ.
واعلم أن أم حرام وأم سليم شقيقتان، فقال الحافظ في التقريب: أم حرام بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام الأنصارية خالة أنس صحابية مشهورة. وقال: أم سليم بنت ملحان بن خالد الأنصارية والدة أنس بن مالك اشتهرت بكنيتها وكانت من الصحابيات الفاضلات. ثم اعلم أنه يقال لأم حرام الرميصاء ولأم سليم الغميصاء. فقال الحافظ في فتح الباري: أم حرام هي خاله أنس وكان يقال لها الرميصاء ولأم سليم الغميصاء بالغين المعجمة

(7/122)


2490 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ بَكّارٍ الْعَيْشِيّ أخبرنا مَرْوَانُ ح. وأخبرنا عَبْدُالْوَهّابِ بنُ عَبْدِالرّحِيمِ الْجَوْبَرِيّ الدّمَشْقِيّ المَعْنَى قال أخبرنا مَرْوَانُ أخبرنا[أنبأنا] هِلاَلُ بنُ مَيْمُونٍ الرّمْلِيّ عن يَعْلَى بنِ شَدّادٍ عن أُمّ حَرَامٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّهُ قالَ: "الْمَائِدُ في الْبَحْرِ الّذِي يُصِيبُهُ الْقَيْءُ، لَهُ أجْرُ شَهِيدٍ، وَالْغَرِقُ[الغريق] لَهُ أجْرُ شَهِيدَيْنِ".
2491 - حدثنا عَبْدُالسّلاَمِ بنُ عَتِيقٍ أخبرنا أبُو مِسْهَرٍ أخبرنا إسْمَاعِيلُ بنُ عَبْدِالله - يَعني ابنَ سَمَاعَةَ - أنْبَأنَا الأَوْزَاعِيّ حدّثَني سُلَيْمَانُ بنُ حَبِيبٍ عن أبي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيّ عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قال: "ثَلاَثَةٌ كُلّهُمْ ضَامِنٌ عَلَى الله عَزّوَجَلّ: رَجُلٌ خَرَجَ غَازِياً في سَبِيلِ الله عَزّوَجَلّ فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى الله حَتّى يَتَوَفّاهُ فَيُدْخِلَهُ الْجَنّةَ، أوْ يَرُدّهُ بما نَالَ مِنْ أجْرٍ وَغَنِيمَةٍ، وَرَجُلٌ رَاحَ إلى المَسْجِدِ فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى الله حَتّى يَتَوَفّاهُ فَيُدْخِلَهُ الْجَنّةَ، أوْ يَرُدّهُ بما نَالَ مِنْ أجْرٍ وَغَنِيمَةٍ، وَرَجُلٌ دَخَلَ بَيْتَهُ بِسَلاَمٍ فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى الله عزّوَجَلّ".
ـــــــ
والباقي مثله. قال عياض: وقيل بالعكس. وقال ابن عبدالبر: الغميصاء والرميصاء هي أم سليم، ويرده ما أخرج أبو داوود بسند صحيح عن عطاء بن يسار عن الرميصاء أخت أم سليم فذكر نحو حديث الباب انتهى كلام الحافظ. وإذا عرفت هذا ظهر لك أن قول أبي داوود: الرميصاء أخت أم سليم من الرضاعة ليس بصحيح والله تعالى أعلم وعلمه أتم. قال المنذري: وهو طرف من الحديث المتقدم.
"الجوبري": بجيم وموحدة بوزن جعفر كذا في التقريب "المائد في البحر": أي الذي يدور رأسه من ريح البحر واضطراب السفينة بالأمواج من الميد وهو التحرك والاضطراب "والغرق": قال في النهاية: هو بكسر الراء الذي يموت بالغرق، وقيل هو الذي غلبه الماء ولم يغرق فإذا غرق فهو غريق، ورده في المشارق. وقال الغرق والغريق كلاهما واحد والله أعلم. كذا في مرقاة الصعود. قال المنذري: في إسناده هلال بن ميمون الرملي، قال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم الرازي: ليس بقوي يكتب حديثه.
"ثلاثة كلهم ضامن على الله": قال الخطابي: معناه مضمون على الله فاعل بمعنى مفعول كقوله سبحانه {فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} أي مرضية، وقوله "كلهم" يريدكل واحد منهم. وأنشدني أبوعمر عن أبي العباس في كل بمعنى كل واحد:
فكلهم لابارك الله فيهم ... إذاجاء ألقى خده يتسمعا
"خرج غازياً": أي حال كونه مريداً للغزو "ورجل راح" أي مشى "ورجل دخل بيته

(7/123)


11 - باب في فضل من قتل كافرا
2492 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ الصّبّاحِ الْبَزّازُ أخبرنا إسْمَاعِيلُ - يعْني ابنَ جَعْفَرٍ - عن الْعَلاَءِ عن أبِيهِ عن أبي هُرَيْرَةَ أنّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قال: "لاَ يَجْتَمِعُ في النّارِ كَافِرٌ وَقَاتِلُهُ أبَداً".

(7/124)


12 - باب في حرمة نساء المجاهدين على القاعدين
2493 - حدثنا سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ أخبرنا سُفْيَانُ عن قَعْنَبٍ عن عَلْقَمَةَ بنِ مَرْثَدٍ عن ابنِ بُرَيْدَةَ عن أبِيهِ قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "حُرْمَةُ نِسَاءِ المُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ كَحُرْمَةِ أُمّهَاتِهِمْ، وَمَا مِنْ رَجُلٍ مِنَ الْقَاعِدِينَ يَخْلُفُ رَجُلاً مِنَ المُجَاهِدِينَ في أهْلِهِ إلاّ
ـــــــ
بسلام": قال الخطابي: يحتمل وجهين أحدهما أن يسلم إذا دخل منزله كقوله تعالى{فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ} الآية والوجه الآخر أن يكون أراد بدخول بيته بسلام لزوم البيت من الفتن يرغب بذلك في العزلة ويأمر في الإقلال من المخالطة. انتهى. قال المنذري وقد أخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"باب في فضل من قتل كافرا"
"لا يجتمع في النار إلخ": قال النووي: قال القاضي:يحتمل أن هذا مختص بمن قتل كافراً في الجهاد، فيكون ذلك مكفراً لذنوبه حتى لا يعاقب عليها، أو يكون بنية مخصوصة أو حال مخصوصة، ويحتمل أن يكون عقابه إن عوقب بغير الناس كالحبس في الأعراف عن دخول الجنة أولاً ولا يدخل النار، أو يكون إن عوقب بها في غير موضع عقاب الكفار ولا يجتمعان في إدراكها انتهى. قال المنذري: وأخرجه مسلم والله أعلم.
باب في حرمة نساء المجاهدين على القاعدين
"على القاعدين": أي من الجهاد في بيوتهم "كحرمة أمهاتهم": قال النووي: هذا في شيئين أحدهما تحريم التعرض لهن بريبة من نظر محرم وخلوة وحديث محرم وغير ذلك، والثاني في برّهن والإحسان إليهن وقضاء حوائجهن التي لا يترتب عليها مفسدة ولا يتوصل بها إلى ريبة "يخلف رجلاً": بضم اللام أي يصير خليفة له وينوبه "في أهله": أي في إصلاح حال عيال ذلك الرجل المجاهد وقضاء حاجاتهم والمراد ثم يخونه كما في رواية مسلم "إلا نصب"

(7/124)


نُصِبَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقِيلَ لَهُ: هَذَا قَدْ خَلَفَكَ في أهْلِكَ فَخُذْ مِنْ حَسَنَاتِهِ ما شِئْتَ، فَالْتَفَتَ إلَيْنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ما ظَنّكُم"[وما أظَنّكُم]".
[قال أبو سعيد قال أبو داود:كان قعنب رجلا صالحا وكان ابن أبي ليلى أراد قعنبا على القضاء. قال: فأبى عليه. وقال قعنب: أنا أريد الحاجة بدرهم فأستعين عليها برجل، وأينا لايستعين في حاجته. قال:أخرجوني حتى أنظر فأخرج فتوارى.قال سفيان: بينما هو متوار إذ وقع عليه البيت فمات].

(7/125)


13 - باب في السرية تخفق
2494 - حدثنا عُبَيْدُالله بنُ عُمَرَ بنِ مَيْسَرَةَ أخبرنا عَبْدُالله بنُ يَزِيدَ أخبرنا حَيْوَةُ وَ ابنُ لَهِيعَةَ قالا أخبرنا أبُو هَانِىءِ الْخَوْلاَنيّ أنّهُ سَمِعَ أبَا عبد الرحمن الْحُبُلِيّ يقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَالله بنَ عَمْرٍو يَقُولُ: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ما مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو في سَبِيلِ الله فَيُصِيبُونَ غَنِيمَةً إلاّ تَعَجّلُوا ثُلُثَيْ أجْرِهِمْ مِنَ الآخرة، وَيَبْقَى لَهُمْ الثّلُثُ، فإنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً تَمّ لَهُمْ أجْرَهُمْ".
ـــــــ
بصيغة المجهول أي وقف الخائن "له": أي للرجل ولأجل ما فعل من سوء الخلافة للغازي "فقال وما ظنكم": أي ما تظنون في رغبته في أخذ حسناته والاستكثار منها في ذلك المقام أي لا يبقى منها شيء إن أمكنه والله أعلم ذكره النووي. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي.
"باب في السرية تخفق"
من الإخفاق وهو أن يغزو فلا يغنم شيئاً. قال أهل اللغة: الإخفاق أن يغزوا فلا يغنموا شيئاً، وكذلك كل طالب حاجة إذا لم تحصل فقد أخفق ومنه أخفق الصائد إذا لم يقع له صيد. والسرية قطعة من الجيش تبعث للجهاد.
"ما من غازية": أي جماعة غازية "إلا تعجلوا ثلثي أجرهم": بضم اللام ويسكن أي استوفوا ثلثي أجرهم في الدنيا "من الآخرة": أي من أجرها "تم لهم أجرهم": أي أجرهم باق بكماله لم يستوفوا منه شيئاً فيوفر عليهم بتمامه في الآخرة. قال النووي: معناه أن الغزاة إذا سلموا وغنموا يكون أجرهم أقل من أجر من سلم ولم يغنم، وأما الغنيمة هي في مقابلة جزء من أجر غزوهم، فإذا حصلت لهم فقد تعجلوا ثلثي أجرهم المترتب على الغزو، وتكون هذه الغنيمة من جملة الأجر وأطال النووي الكلام في هذا. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي.

(7/125)


14 - باب في تضعيف الذكر في سبيل الله عز وجل
2495 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ عَمْرِو بنِ السّرْحِ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ عن يَحْيَى بنِ أيّوبَ وَ سَعِيدِ بنِ أبي أيّوبَ عن زَبّانَ بنِ فَائِدٍ عن سَهْلِ بنِ مُعَاذٍ عن أبِيهِ قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ الصّلاَةَ وَالصّيَامَ وَالذّكْرَ يُضَاعَفُ[تضاعف] عَلَى النّفَقَةِ في سَبِيلِ الله عَزّوَجَلّ بِسَبْعِمَائَةِ ضِعْفٍ".
ـــــــ
باب في تضعيف الذكر الخ
"عن زبان": بفتح الزاي وتشديد الموحدة "والذكر": أي من تلاوة وتسبيح وتكبير وتهليل وتحميد. قال العلقمي: كل ذلك في أيام الجهاد "يضاعف على النفقة في سبيل الله": أي يضاعف ثواب كل منها على ثواب النفقة في جهاد أعداء الله لإعلاء كلمة الله. قاله العزيزي "بسبع مائة ضعف": قال المناوي أي إلى سبع مائة ضعف على حسب ما اقترن به من الإخلاص في النية والخشوع وغير ذلك انتهى. قال المنذري: في إسناده زبان بن فائد وسهل بن معاذ وهما ضعيفان وأبوه معاذ بن أنس له صحبة كان بمصر وبالشام وله ذكر في أهل مصر وأهل الشام.
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وقد روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي العبادة أفضل درجة عند الله يوم القيامة قال: "الذاكرين الله كثيرا" قال: قلت: يارسول الله ومن الغازين في سبيل الله قال: "لو ضرب بسيفه في الكفار والمشركين حتى يتكسر ويختضب دما لكان الذاكرون الله أفضل منه درجة" ولكن هو من حديث دراج وقد ضعف وقال الإمام أحمد الشأن في دراج ولكن روى الترمذي والحاكم في المستدرك عن أبي الدرداء قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم" قالوا بلى قال: "ذكر الله" وقد رواه مالك في الموطأ موقوفا على أبي الدرداء قوله قال الترمذي ورواه بعضهم فأرسله.
والتحقيق في ذلك أن المراتب ثلاثة:
المرتبة الأولى: ذكر وجهاد وهي أعلى المراتب قال تعالى {ا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.
المرتبة الثانية: ذكر بلا جهاد فهذه دون الأولى.

(7/126)


15 - باب فيمن مات غازيا
2496 - حدثنا عَبْدُالْوَهّابِ بنُ نَجْدَةَ أخبرنا بَقِيّةُ بنُ الْوَلِيدِ عن ابنِ ثَوْبَانَ عن أبِيهِ يَرُدّ إلى مَكْحُولٍ إلى عبد الرحمن بنِ غَنَمٍ الأشْعَرِيّ أنّ أبَا مَالِكٍ الأشْعَرِيّ قال سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقُولُ: "مَنْ فَصَلَ في سَبِيلِ الله عَزّوَجَلّ فَمَاتَ أوْ قُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ، أوْ وَقَصَهُ فَرَسُهُ أوْ بَعِيرُهُ، أوْ لَدَغَتْهُ هَامّةٌ، أوْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ، أوْ بِأَيّ حَتْفٍ شَاءَ الله، فإنّهُ شَهِيدٌ وَإنّ لَهُ الْجَنّةَ".

(7/127)


16 - باب في فضل الرباط
2497 - حدثنا سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ أخبرنا عَبْدُالله بنُ وَهْبٍ أخبرنا أبُو هَانِىءٍ عن عَمْرٍو بنِ مَالِكٍ عن فَضَالَةَ بنِ عُبَيْدٍ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "كُلّ المَيّتِ يُخْتَمُ عَلَى
ـــــــ
"باب فيمن مات غازيا"
"عن ابن ثوبان": هو عبد الرحمن بن ثابت "يرد إلى مكحول إلى عبد الرحمن بن غنم":
أي يبلغ ثوبان الحديث إلى مكحول وهو يبلغه إلى عبد الرحمن بن غنم.
"من فصل": أي خرج من منزله ومنه قوله تعالى{فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ}"في سبيل الله": أي للجهاد ونحوه "أو وقصه": أي صرعه فدق عنقه "أو لدغته":بالدال المهملة والغين المعجمة أي لسعته "هامة": بتشديد الميم. قال الخطابي: هي إحدى الهوام وهي ذوات السموم من القاتلة كالحية والعقرب ونحوهما "أو بأي حتف": بفتح وسكون أي أيّ نوع من الهلاك. قال المنذري: في إسناده بقية ابن الوليد وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان وهما ضعيفان.
"باب في فضل الرباط"
أي ارتباط الخيل في الثغر والمقام فيه. "عن فضالة": بفتح الفاء والضاد المعجمة "كل
المرتبة الثالثة جهاد بلا ذكر فهي دونهما والذاكر أفضل من هذا.
وإنما وضع الجهاد لأجل ذكر الله فالمقصود من الجهاد أن يذكر الله ويعبد وحده فتوحيده وذكره وعبادته هو غاية الخلق التي خلقوا لها وتبويب أبي داود إنما هو على المرتبة الأولى.
والحديث إنما يدل على أن الذكر أفضل من الإنفاق في سبيل الله فهو كحديث أبي الدرداء وقد يحتمل الحديث أن يكون معناه أن الذكر والصلاة في سبيل الله تضاعف على النفقة في سبيل الله فيكون الظرف متعلقا بالجميع والله أعلم.

(7/127)


عَمَلِهِ إلاّ المُرَابِطُ فإنّهُ يَنْمُو لَهُ عَمَلُهُ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَيُؤَمّنُ مِنْ فُتّانِ الْقَبْرِ".

(7/128)


17 - باب في فضل الحرس في سبيل الله عزوجل
2598 - حدثنا أبُو تَوْبَةَ أخبرنا مُعَاوِيَةُ - يَعني ابنَ سَلاّمٍ - عن زَيْدٍ - يَعني ابنَ سَلاّمٍ - أنّهُ سَمِعَ أبَا سَلاّمٍ قال حدّثَني السّلُولِيّ أبُو كَبْشَةَ أنّهُ حَدّثَهُ سَهْلُ بنُ الْحَنْظَلِيّةِ: أنّهُم سَارُوا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم يَوْمَ حُنَيْنِ فَأَطْنَبُوا السّيْرَ حتّى كَانَ[كانت] عَشِيّةً فَحَضَرْتُ صَلاَةً عِنْدَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَجَاءَ رَجُلٌ فَارِسٌ فقال: يارَسُولَ الله إنّي
ـــــــ
الميت يختم على عمله": المراد به طي صحيفته وأن لا يكتب له بعد موته عمل وفي رواية الترمذي "كل ميت" بغير اللام وهو الصواب من جهة اللفظ لأن كلمة كل إذا أضيفت إلى نكرة فهي لاستغراق إفرادها كقوله تعالى {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} وإذا أضيفت إلى مفرد معرفة فمقتضاها استغراق إجزائه قاله الشيخ ولي الدين العراقي "إلا المرابط": هو الملازم للثغر للجهاد. قال بعض الأئمة: أصل المرابطة أن يربط الفريقان خيولهم في ثغر كل منهما معد لصاحبه، فسمي المقام في الثغور رباطاً "ينمو": أي يزيد "إلى يوم القيامة": يعني أن ثوابه يجري له دائماً ولا ينقطع بموته "ويؤمن": بضم ففتح فتشديد "من فتان القبر": بفتح الفاء وتشديد الفوقية للمبالغة من الفتنة. وقيل بضم فتشديد جمع فاتن قاله في فتح الودود.
وقال العزيزي: أي فتانيه وهما منكر ونكير، قال العلقمي: يحتمل أن يكون المراد أن الملكين لا يجيئان إليه ولا يختبرانه بل يكفي موته مرابطاً في سبيل الله شاهداً على صحة إيمانه. ويحتمل أنهما يجيئان إليه لكن لا يضرانه ولا يحصل بسبب مجيئهما فتنة. قال المنذري: وأخرجه الترمذي. وقال: حسن صحيح.
"باب في فضل الحرس إلخ"
الحرس بالفتح والحراسة بالكسر نكاهباني كردن. -"أخبرنا معاوية يعني ابن سلام": بتشديد اللام "عن زيد": هو أخو معاوية المذكور "سمع أبا سلام": اسمه ممطور وهو جد معاوية وزيد المذكورين "سهل بن الحنظلية": صحابي أنصاري، والحنظلية أمه واختلف في اسم أبيه. قاله الحافظ "فأطنبوا السير": أي بالغوا فيه وتبع بعض الإبل بعضاً قال الجوهري أطنب في الكلام بالغ فيه، وأطنبت الإبل إذا تبع بعضهم بعضاً في السير انتهى "عشية بالنصب ": على أنه خبر كان واسمها محذوف أي كان الوقت عشية، كذا ضبطناه في أصلنا، كذا في مرقاة الصعود "فارس "

(7/128)


انْطَلَقْتُ بَيْنَ أيْدِيكُم حَتّى طَلَعْتُ جَبَلَ كَذَا وَكَذَا فإذَا أنا بِهَوَازِنَ عَلَى بَكْرَةِ آبَائِهِمْ بِظُعُنِهِمْ وَنَعَمِهِمْ وَشَائِهِمْ، اجْتَمَعُوا إلَى حُنَيْنٍ، فَتَبَسّمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَقال: "تِلْكَ غَنِيمَةُ المُسْلِمِينَ غَداً إنْ شَاءَ الله"، ثُمّ قال: "مَنْ يَحْرُسُنَا اللّيْلَةَ؟ قال أنَسُ بنُ أبي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيّ: أنَا يَارَسُولَ الله، قال: "فارْكَبْ"، فَرَكِبَ فَرَساً لَهُ وَجَاءَ إلى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَقالَ لَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "اسْتَقْبِلْ هَذَا الشّعْبَ حَتّى تَكُونَ في أعْلاَهُ، وَلاَ نُغَرّنّ[ولا يغرن] مِنْ قِبَلِكَ اللّيْلَةَ"، فَلَمّا أصْبَحْنَا خَرَجَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى مُصَلاّهُ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمّ قال: "هَلْ أحْسَسْتُمْ فَارِسَكُم؟ قالُوا: يارَسُولَ الله ما أحْسَسْنَاهُ، فَثُوّبَ بالصّلاَةِ، فَجَعَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُصَلّي وَهُوَ يَتَلَفّتُ[يلتفت] إلى الشّعْبِ حتّى إذَا قَضَى صَلاَتَهُ وَسَلّمَ فقالَ[قال] "أَبْشِرُوا فَقَدْ جَاءَكُم فَارِسُكُم"، فَجَعَلْنَا نَنْظُرُ إلى خِلاَلِ الشّجَرِ في الشّعْبِ فإذَا هُوَ قَدْ جَاءَ حَتّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَسَلّمَ وقَالَ[فقال] إنّي انْطَلَقْتُ حتّى كُنْتُ في أعْلَى هَذَا الشّعْبِ حَيْثُ أمَرَنِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فَلَمّا أصْبَحْتُ اطّلَعْتُ الشّعْبَيْنِ كِلَيْهِمَا، فَنَظَرْتُ فَلَمْ أرَ أحَداً، فقالَ لَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "هَلْ نَزَلْتَ اللّيْلَةَ؟ قال: لاَ، إلاّ مُصَلّياً أوْ قَاضياً حَاجَةً[قاضي حاجة] فقالَ لَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:
ـــــــ
أي راكب الفرس "طلعت جبل كذا": أي علوته "فإذا أنا بهوازن": قبيلة "على بكرة آبائهم": بفتح الموحدة وسكون الكاف أي أنهم جاؤوا جميعاً لم يتخلف أحد منهم.
قال الخطابي وابن الأثير: كلمة للعرب يريدون بها الكثرة والوفور في العدد وأنهم جاؤوا لم يتخلف منهم أحد وليس هناك بكرة في الحقيقة وهي التي يستقى عليها الماء كذا في مرقاة الصعود. وقال في المجمع: على بمعنى مع وهو مثل وأصله أن جمعاً عرض لهم انزعاج فارتحلوا جميعاً حتى أخذوا بكرة أبيهم "بظعنهم": الظعن النساء واحدتها ظعينة "ونعمهم": النعم بفتحتين وقد يسكن عينه الإبل والشاء أو خاص بالإبل "وشائهم": جمع شاة "هذا الشعب": بكسر أوله وسكون المعجمة ما انفرج بين الجبلين "ولا تغرن": بصيغة المتكلم مع الغير على البناء للمفعول عن الغرور في آخره نون ثقيلة أي لا يجيئنا العدو من قبلك على غفلة كذا في فتح الودود. وفي بعض النسخ: لا يغرن والظاهر هو الأول "هل أحسستم": من الإحساس وهو العلم بالحواس وهي المشاعر الخمس الظاهرة "فثوب بالصلاة": أي أقيمت "يتلفت": من باب التفعل أي يلتفت، وفي بعض النسخ من باب الافتعال "أو قاضياً حاجة": أي من بول وغائط "قد

(7/129)


"قَدْ أوْجَبْتَ فَلاَ عَلَيْكَ أنْ لا تَعْمَلَ بَعْدَهَا".

(7/130)


18 - باب كراهية ترك الغزو
2599 - حدثنا عَبْدَةُ بنُ سُلَيْمَانَ المَروزِيّ أخبرنا ابنُ المُبَارَكِ أخبرنا وُهَيْبٌ، قال عَبْدَةُ: يعني ابنَ الْوَرْدِ، أخبرني عُمَرُ بنُ مُحَمّدِ بنِ المُنْكَدِرِ عن سُمَيّ عن أبي صَالحٍ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدّثْ نَفْسَهُ بِغَزْوٍ[بالغزو] مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ".
2500 - حدثنا عَمْرُو بنُ عُثْمَانَ، وَقَرَأْتُهُ عَلَى يَزِيدَ بنِ عَبْدِرَبّهِ الْجُرْجُسِيّ قالا أخبرنا الْوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ عن يَحْيَى بنِ الْحَارِثِ عن الْقَاسِمِ أبي عبد الرحمن عن أبي أُمَامَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ لَمْ يَغْزُ أوْ يُجَهّزْ غَازِياً أوْ يَخْلُفْ غَازِياً في أهْلِهِ بِخَيْرٍ، أصَابَهُ الله بِقَارِعَةٍ. قال يَزِيدُ بنُ عَبْدِرَبّهِ في حَدِيثِهِ: قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ".
ـــــــ
أوجبت": أي عملت عملاً يوجب لك الجنة "فلا عليك الخ": أي لا ضرر ولا جناح عليك في ترك العمل بعد هذه الحراسة لأنها تكفيك لدخول الجنة. قال المنذري: أخرجه النسائي والله أعلم.
"باب كراهية ترك الغزو"
"عن سمي": بالتصغير "ولم يحدث نفسه": بالنصب على أنه مفعول به أو بنزع الخافض أي في نفسه وبالرفع على أنه فاعل "على شعبة من نفاق": أي على نوع من أنواعه. وفي رواية مسلم في آخر الحديث قال عبد الله بن المبارك: فنرى أن ذلك كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال النووي: وهذا الذي قاله ابن المبارك محتمل، وقد قال غيره إنه عام، والمراد أن من فعل هذا فقد أشبه المنافقين المخلفين عن الجهاد في هذا الوصف، فمن ترك الجهاد أحد شعب النفاق انتهى. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي وفي مسلم قال عبد الله بن المبارك فنرى شأن ذلك كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
"الجرجسي": بجيمين مضمومتين بينهما راء ساكنة ثم مهملة "أصابه الله بقارعة": أي بداهية مهلكة، قرعه أمر إذا أتاه فجأة وجمعها قوارع كذا في المجمع. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه والقاسم فيه مقال.

(7/130)


2501 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عن حُمَيْدٍ عن أنَسٍ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "جَاهِدُوا المُشْرِكِينَ بأمْوَالِكُم وَأنْفُسِكُمْ وَألْسِنَتِكُم".

(7/131)


19 - باب في نسخ نفير العامة بالخاصة
2502 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ مُحَمّدٍ المَرْوَزِيّ حدّثَني عَلِيّ بنُ حُسَيْنٍ عن أبِيهِ عن يَزِيدَ النّحْوِيّ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: "{إلاّ تَنْفِرُوا يُعَذّبْكُم عَذَاباً ألِيماً} {وَمَا كَانَ لاِءَهْلِ المَدِينَةِ - إلَى قَوْلِهِ: يَعْمَلُونَ} نَسَخَتْهَا الآية الّتي تَلِيهَا {وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافّةً}".
ـــــــ
"جاهدوا المشركين إلخ": قال في السبل: الحديث دليل على وجوب الجهاد بالنفس وهو بالخروج والمباشرة للكفار، وبالمال وهو بذله لما يقوم به من النفقة في الجهاد والسلاح ونحوه، وباللسان بإقامة الحجة عليهم ودعاؤهم إلى الله تعالى والزجر ونحوه من كل ما فيه نكاية للعدو{وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} انتهى مختصراً. قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"باب في نسخ نفير العامة بالخلصة"
النفير بفتح النون وكسر الفاء: الخروج إلى قتال الكفار. وأصل النفير مفارقة مكان إلى مكان لأمر حرك ذلك. -"إلا": بإدغام نون إن الشرطية في لا {تَنْفِرُوا}: تخرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم للجهاد، وهذه الآية في سورة التوبة{ مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ} وبعده من حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله إذا غزا وهذه الآية أيضاً في سورة التوبة في آخرها "نسختها": أي الآية {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ} إلخ مع الآية {إِلاّ تَنْفِرُوا} إلخ وكان الظاهر أن يقول نسختها "الآية التي تليها": الضمير المنصوب راجع إلى {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ} الآية {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً}: أي ليخرجوا إلى الغزو جميعاً وبعده {فَلَوْلا}: أي فهلا {نَفَرَ} أي خرج {مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ}: أي قبيلة {طَائِفَةٌ}: جماعة ومكث الباقون {لِيَتَفَقَّهُوا}: أي الماكثون {فِي الدِّينِ}: الآية.
وقال في معالم التنزيل: اختلفوا في حكم هذه الآية يعني {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ} الآية. قال قتادة: هذه خاصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا بنفسه فلم يكن لأحد أن يتخلف عنه إلا لعذر، فأما غيره من الأئمة والولاة فيجوز لمن شاء من المسلمين أن يتخلف عنه إذا لم يكن للمسلمين إليه ضرورة. وقال الوليد بن مسلم: سمعت الأوزاعي وابن المبارك وابن جابر وسعيد بن

(7/131)


2503 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا زَيْدُ بنُ الْحُبَابِ عن عَبْدِالْمُؤْمِنِ بنِ خَالِدٍ الْحَنَفِيّ حدّثَني نَجْدَةُ بنُ نُفَيْعٍ قال: "سَألْتُ ابنَ عَبّاسٍ عن هَذِهِ الآية {إلاّ تَنْفِرُوا يُعَذّبْكُمْ عَذَاباً ألِيماً} قال: فأُمْسِكَ عَنْهُمْ المَطَرُ وَكَانَ عَذَابَهُمْ".

(7/132)


20 - باب الرخصة في القعود من العذر
2504 - حدثنا سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ أخبرنا عبد الرحمن بنُ أبي الزّنَادِ عن أبِيهِ عن خَارِجَةَ بنِ زَيْدٍ عن زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ قال: "كُنْتُ إلى جَنْبِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَغَشِيَتْهُ السّكِينَةُ، فَوَقَعَتْ فَخِذُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى فَخِذِي فَمَا وَجَدْتُ ثِقَلَ شَيْءٍ أثْقَلَ مِنْ فَخِذِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، ثُمّ سُرّيَ عَنْهُ فقال: اكْتُبْ، فَكَتَبْتُ في كَتِفٍ {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُجَاهِدُونَ في سَبِيلِ الله} إلى آخِرِ الآية، فَقَامَ ابنُ أُمّ مَكْتُومٍ - وكانَ رَجُلاً أعْمَى - لَمّا سَمِعَ فَضِيلَةَ المُجَاهِدِينَ فقالَ: يَارَسُولَ الله فَكَيْفَ بِمَنْ لا يَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ مِنَ المُؤْمِنِينَ؟ فَلَمّا قَضَى كَلاَمَهُ غَشِيَتْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم السّكِينَةَ فَوَقَعَتْ فَخِذُهُ عَلى فَخِذِي وَوَجَدْتُ مِنْ ثِقَلِهَا في المَرّةِ الثّانِيَةِ كَمَا وَجَدْتُ في المَرّةِ الأولَى، ثُمّ
ـــــــ
عبدالعزيز يقولون في هذه الآية، إنها لأول هذه الأمة وآخرها. وقال ابن زيد: هذا حين كان أهل الإسلام قليلاً فلما كثروا نسخها الله تعالى وأباح التخلف لمن شاء فقال {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً} انتهى.
وقال الطبري: يجوزأن يكون {إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً}: خاصاً والمراد به من استنفره النبي صلى الله عليه وسلم فامتنع. قال الحافظ: والذي يظهر أنها مخصوصة وليست بمنسوخة. والحديث سكت عنه المنذري.
"فأمسك": بصيغة المجهول "وكان": أي إمساك المطر "عذابهم": بالنصب خبر كان. والحديث سكت عنه المنذري.
باب الرخصة في القعود من العذر
"فغشيته": أي سترته وغطته "السكينة": يريد ما عرض له من السكون عند نزول الوحي. قاله في المجمع "أثقل من فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم": وكان ثقل فخذه الشريفة من ثقل الوحي "ثم سري": أي كشف وأزيل ما نزل به من برحاء الوحي"فلما قضي"أي ابن مكتوم "الآية كلها": أي

(7/132)


سُرّيَ عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فقالَ: اقْرَأْ يَازَيْدُ، فَقَرَأْتُ {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ} فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: {غَيْرَ أُولِي الضّرَرِ} الآية كُلّهَا. قال زَيْدٌ: فأنْزَلَهَا الله عَزّوَجَلّ وَحْدَهَا فَألْحَقْتُهَا[وألحقتها] وَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَكَأنّي أنْظُرُ إلى مُلْحَقِهَا عِنْدَ صَدْعٍ في كَتِفٍ".
2505 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عن حُمَيْدٍ عن مُوسَى بنِ أنَسِ بنِ مَالِكٍ عن أبِيهِ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "لَقَدْ تَرَكْتُمْ بالمْدِينَةِ أقْواماً مَاسِرْتُمْ مَسِيراً، وَلا أنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ، وَلا قَطَعْتُمْ مِنْ وَادٍ إلاّ وَهُمْ مَعَكُم فِيهِ. قالُوا: يارَسُولَ الله وَكَيْفَ يَكُونُونَ مَعَنَا وَهُمْ بالمَدِينَةِ؟ قال: حَبَسَهُم الْعُذْرُ".

(7/133)


21 - باب ما يجزىء من الغزو
2506 - حدثنا عَبْدُالله بنُ عَمْرِو بن أبي الْحَجّاجِ أبُو مَعْمَرٍ أخبرنا عَبْدُالوَارِثِ أخبرنا الْحُسَيْنُ حدثني يَحْيَى حدثني أبُو سَلَمَةَ حدثني بُسْرُ بنُ سَعِيدٍ حدّثني زَيْدُ بنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيّ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ جَهّزَ غَازِياً في سَبِيلِ الله فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ
ـــــــ
قرأ الآية كلها "فأنزلها": أي {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} "فألحقتها": أي كتبتها في موضعها "إلى ملحقها": بضم الميم أو فتحها أي موضع الإلحاق أو اللحوق "عند صدع": أي شق، وكأن الكتف كان فيه شق. قاله في فتح الودود. قال القسطلاني: إن استثناء أولي الضرر يفهم التسوية بين القاعدين للعذر وبين المجاهدين إذا الحكم المتقدم عدم الاستواء فيلزم ثبوت الاستواء لمن استثنى ضرورة أنه لا واسطة بين الاستواء وعدمه. قال المنذري: في إسناده عبد الرحمن بن أبي الزناد وقد تكلم فيه غير واحدة ووثقه الإمام مالك وقد استشهد به البخاري وقد أشار مسلم إلى حديث زيد بن ثابت هذا والمتابعة، وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي من حديث أبي إسحاق السبيعي عن البراء بن عازب بنحوه.
"إلا وهم معكم فيه": أي في ثوابه "حبسهم العذر": أي منعهم عن الخروج. قال المنذري: وأخرجه البخاري تعليقاً وأخرجه مسلم وابن ماجه من حديث أبي سفيان طلحة بن نافع عن جابر بن عبد الله بنحوه.
"باب ما يجزئ من الغزو"
"من جهز غازياً": أي هيأ له أسباب سفره وما يحتاج إليه مما لا بد منه "فقد غزا": أي حكماً

(7/133)


خَلَفَهُ في أهْلِهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا".
2507 - حدثنا سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ أنبأنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني عَمْرُو بنُ الْحَارِثِ عن يَزِيدَ بنِ أبي حَبِيبٍ عن يَزِيدَ بنَ أبي سَعِيدٍ مَوْلَى المَهْرِيّ عن أبِيهِ عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم بَعَثَ إلَى بَنِي لِحْيَانَ وَقال: "لِيَخْرُجْ مِنْ كُلّ رَجُلَيْنِ رَجُلٌ". ثُمّ قالَ لِلْقَاعِدِ "أيّكُمْ خَلَفَ الْخَارِجَ في أهْلِهِ وَمَالِهِ بِخَيْرٍ كَانَ لَهُ مِثْلُ نِصْفِ أجْرٍ الْخَارِجِ".

(7/134)


22 - باب في الجرأة والجبن
2508 - حدثنا عَبْدُالله بنُ الْجَرّاحِ عن عَبْدِالله بنِ يَزِيدَ عن مُوسَى بنِ عَلَيّ بنِ رَبَاحٍ عن أبِيهِ عن عَبْدِالْعَزِيزِ بنِ مَرْوَانَ قالَ سَمِعْتُ أبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "شَرّ مَا فِي رَجُلٍ شُحّ هَالِعٌ وَجُبْنٌ خَالِعٌ".
ـــــــ
وحصل له ثواب الغزاة "ومن خلفه في أهله": قال القاضي: يقال خلفه في أهله إذا قام مقامه في إصلاح حالهم ومحافظة أمرهم أي من تولى أمر الغازي وناب منابه في مراعاة أهله زمان غيبته شاركه في الثواب. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.
"بعث": أي جيشاً "إلى بني لحيان": بكسر اللام "كان له مثل نصف أجر الخارج": فإن قلت: الحديث المتقدم يدل على أن لمن خلف الغازي في أهله مثل أجره فما التوفيق بين الحديثين قلت: قال القرطبي: لفظه نصف يحتمل أن تكون مقحمة من بعض الرواة. وقال الحافظ: لاحاجة لدعوى زيادتها بعد ثبوتها في الصحيح، والذي يظهر في توجيهها أنها أطلقت بالنسبة إلى مجموع الثواب الحاصل للغازي والخالف له بخير، فإن الثواب إذا انقسم بينهما نصفين كان لكل منهما مثل ما للاَخر، فلا تعارض بين الحديثين انتهى. قال المنذري: وأخرجه مسلم.
"باب في الجرأة والجبن"
"شح هالع": قال الخطابي: أصل الهلع الجزع، والهالع ههنا ذو الهلع، ويقال إن الشح أشد من البخل الذي يمنعه من إخراج الحق الواجب عليه، فإذا استخرج منه هلع وجزع انتهى. وقال في المجمع: الهلع أشد الجزع والضجر "وجبن خالع": أي شديد كأنه يخلع فؤاده

(7/134)


23 - باب في قوله عز وجل{وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}
2509 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ عَمْرٍو بنِ السّرْحِ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ عن حَيْوَةَ بنِ شُرَيْحٍ وَ ابنِ لَهِيعَةَ عن يَزِيدَ بنِ أبِي حَبِيبٍ عن أسْلَمَ أبي عِمْرَانَ قالَ: غَزَوْنَا مِنَ المَدِينَةِ نُرِيدُ الْقُسْطَنْطِينِيّةَ وَعَلَى الْجَمَاعَةِ عبد الرحمن بنُ خَالِدٍ بنِ الْوَلِيدِ وَالرّومُ مُلْصِقُوا ظُهُورِهِمْ بِحَائِطِ المَدِينَةِ فَحَمَلَ رَجُلٌ عَلَى الْعَدُوّ فَقَالَ النّاسُ مَهْ مَهْ لاَ إلَهَ إلاّ الله يُلْقِي بِيَدَيْهِ إلَى التّهْلُكَةِ فَقَالَ أبُو أيّوبَ إنّمَا أُنْزِلَتْ[نزلت] هَذِهِ الآية فِينَا مَعْشَرَ الأنْصَارِ لَمّا نَصَرَ الله نَبِيّهُ صلى الله عليه وسلم وَأظْهَرَ الإسْلاَمَ قُلْنَا هَلُمّ نُقِيمُ فِي أمْوَالِنَا ونُصْلِحُهَا فَأنْزَلَ الله عَزّوَجَلّ {وَأنْفِقُوا فِي سَبِيلِ الله وَلاَ تَلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التّهْلُكَةِ} فَالإِلْقَاءُ بِأيْدِينَا[بالأيدي] إلَى التّهْلُكَةِ أنْ نُقِيمَ فِي أمْوَالِنَا وَنُصْلِحَهَا وَنَدَعَ الْجِهَادَ. قالَ أبُو عُمْرَانَ فَلَمْ يَزَلْ أبُو أيّوبَ يُجَاهِدُ في سَبِيلِ الله عَزّوَجَلّ حَتّى دُفِنَ بِالْقُسْطَنْطِينِيّةِ.
ـــــــ
من شدة خوفه، والمراد به ما يعرض من نوازع الأفكار وضعف القلب عند الخوف. كذا في المجمع. وقوله شر ما في رجل مبتدأ وخبره قوله شح هالع. قال المنذري: قال محمد بن طاهر وهو إسناد متصل وقد احتج مسلم بموسى بن علي عن أبيه عن جماعة من الصحابة.
"باب في قوله عز وجل {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ}"
أي أنفسكم، والباء زائدة {إِلَى التَّهْلُكَةِ} أي الهلاك بالإمساك عن النفقة في الجهاد أو تركه لأنه يقوي العدو عليكم، كذا في الجلالين "غزونا": أي خرجنا بقصد الغزو "نريد القسطنطينية": في القاموس: قسطنطينة أو قسطنطينية بزيادة ياء مشددة وقد يضم الطاء الأولى منها دار ملك الروم "وعلى الجماعة": أي أميرهم هذا لفظ المؤلف، وعند الترمذي: وعلى أهل مصر عقبة بن عامة وعلى الجماعة فضالة بن عبيد "والروم ملصقو ظهورهم بحائط": أي بجدار "المدينة": أي القسطنطينية. والمعنى أن أهل الروم كانو مستعدين للقتال ومنتظرين لخروج المسلمين ملصقين ظهورهم بجدار البلدة "مه مه": أي اكفف "معشر الأنصار": بالنصب على الاختصاص "هلم": أي تعال مركبة من هاء التنبيه ومن لُمّ أي ضم نفسك إلينا يستوي فيه الواحد والجمع والتذكير والتأنيث عند الحجازيين "وندع الجهاد": بفتح النون والدال أي نتركه. وفي الحديث أن المراد بالإلقاء إلى التهلكة هو الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد، وقيل هو

(7/135)


24 - باب في الرمي
2510 - حدثنا سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ أخبرنا عَبْدُالله بنُ المُبَارَكِ حدّثَني عبد الرحمن بنُ يَزِيدَ بنِ جَابِرٍ حَدّثَني أبُو سَلاّمٍ عن خَالِدِ بنِ زَيْدٍ عن عُقْبَة بنِ عَامِرٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إنّ الله عَزّوَجَلّ يُدْخِلُ بالسّهْمِ الوَاحِدِ ثَلاَثَةَ نَفَرٍ الْجَنّةَ[في الجنة] صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ فِي صُنْعَتِهِ الْخَيْرَ وَالرّامِي بِهِ وَمُنَبّلَهُ وَارْمُوا وَارْكَبُوا وَإنْ تَرْمُوا أحَبّ إلَيّ مِنْ أنْ تَرْكَبُوا لَيْسَ مِنَ اللّهْوِ إلاّ ثَلاَثٌ تَأْدِيبُ الرّجُلِ فَرَسَهُ وَمُلاَعَبَتُهُ أهْلَهُ
ـــــــ
البخل وترك الإنفاق في الجهاد. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي. وقال الترمذي: حسن صحيح، وفي حديث الترمذي: فضالة بن عبيد بدل عبد الرحمن بن خالد بن الوليد. انتهى كلام المنذري.
"باب في الرمي"
"بالسهم الواحد": أي بسبب رميه على الكفار. قال في المصباح: السهم واحد من النبل وقيل السهم نفس النصل. وقال النبل السهام العربية وهي مؤنثة ولا واحد لها من لفظها بل الواحد سهم فهي مفردة اللفظ مجموعه المعنى "ثلاثة نفر الجنة": بالنصب فيهما على المفعولية "صانعه": بدل بعض من ثلاثة "يحتسب في صنعته الخير": أي حال كونه يطلب في صنعة السهم الثواب من الله تعالى "والرامي به": أي كذلك محتسباً وكذا قوله "ومنبله": بتشديد الموحدة ويخفف أي مناول النبل ففي النهاية: نبلت الرجل بالتشديد إذا ناولته النبل ليرمي به، وكذلك أنبلته.
قال الخطابي: وقد يكون ذلك على وجهين أحدهما أن يقوم مع الرامي بجنبه أو خلفه ومعه عدد من النبل فيناوله واحداً بعد واحد، والوجه الآخر أن يرد عليه المرمي به "ليس من اللهو إلا ثلاث": قال الخطابي: يريد ليس المباح من اللهو إلا ثلاث. قال في مرقاة الصعود: وعلى هذا ففيه حذف اسم ولم يجزه النحاة ولا حذف خبرها والاقتصار على الاسم. وقد روى الترمذي هذا الحديث بلفظ "كل شيء يلهو به الرجل فهو باطل إلا رميه بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته امرأته فإنهن من الحق " وهذه الرواية لا إشكال فيها وبها يعرف أن الأول من تصرف الرواة. وقال ابن معن في التنقيب في شرح اللفظ الأول يعني ليس من اللهو المستحب انتهى "تأديب الرجل فرسه": أي تعليمه إياه بالركض والجولان على نية الغزو

(7/136)


وَرَمْيُهُ بِقَوْسِهِ وَنَبْلِهِ. وَمَنْ تَرَكَ الرّمْيَ بَعْدَ مَا عَلِمَهُ رَغْبَةً عَنْهُ فَإنّهَا نِعْمَةٌ تَرَكَهَا أوْ قَالَ كَفَرَهَا".
2511 - حدثنا سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ أخبرنا عَبْدُالله بنُ وَهْبٍ أخْبَرَنِي عَمْرُو بنُ الْحَارِثِ عن أبي عَلِيَ ثُمَامَةَ بنِ شُفَيَ الْهَمَدَانِيّ أنّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بنَ عَامِرٍ الْجُهَنِيّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ يَقُولُ {وَأعِدّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوّةٍ} ألاّ إنّ القْوّةَ الرّمْيُ ألاَ إنّ القُوّةَ الرّمْيُ ألاَ إنّ القُوّةَ الرّمْيُ.

(7/137)


25 - باب فيمن يغزو ويلتمس الدنيا
2512 - حدثنا حَيْوَةُ بنُ شُرَيْحٍ الْحَضْرَمِيّ أخبرنا بَقِيّةُ حَدّثَني بَحِيرٌ عن خَالِدِ بنِ مَعْدَانَ عن أبِي بَحْرِيّةَ عن مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أنّهُ قالَ: "الغَزْوُ غَزْوَانِ فَأمّا مَن ابْتَغَى وَجْهَ الله وَأطَاعَ الإمَامَ وَأنْفَقَ الكَرِيمَةَ وَيَاسَرَ الشّرِيكَ وَاجْتَنَبَ الفَسَادَ فَإنّ نَوْمَهُ
ـــــــ
"رغبة عنه": أي إعراضاً عنه "أو قال كفرها": شك من الراوي أي ستر تلك النعمة أو ما قام يشكرها من الكفران ضد الشكر. قال المنذري: وأخرجه النسائي. وأخرج مسلم في صحيحه من حديث عبد الرحمن بن شماسة عن مرثد عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من علم الرمي ثم تركه فليس منا وقد عصى".
{مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ}: قال الطيبي: ما موصولة والعائد محذوف، ومن قوة بيان له، فالمراد هنا نفس القوة وفي هذا البيان والمبين إشارة إلى أن هذه العدة لا تستتب بدون المعالجة والإدمان الطويل وليس شيء من عدة الحرب وأداتها أحوج إلى المعالجة والإدمان عليها مثل القوس والرمي بها، ولذلك كرر صلوات الله وسلامه عليه تفسير القوة بالرمي بقوله "ألا": للتنبيه "إن القوة الرمي": أي هو العمدة. قال المنذري: وأخرجه مسلم وابن ماجه.
"باب فيمن يغزو ويلتمس الدنيا"
"الغزو غزوان": أي نوعان "ابتغى وجه الله": أي طلب رضاه "وأنفق الكريمة": أي النفيسة الجيدة من كل شيء قاله في المجمع. وقال القاري: أي المختارة من ماله وقتل نفسه والتاء للنقل من الوصفية إلى الاسمية "وياسر الشريك": من المياسرة بمعنى المساهلة أي ساهل

(7/137)


وَنَبْهَهُ أجْرٌ كُلّهُ، وَأمّا مَنْ غَزَا فَخْراً وَرِيَاءً وَسُمْعَةً وَعَصَى الإمَامَ وَأفْسَدَ فِي الأرْضِ فَإنّهُ لَمْ يَرْجِعْ بالْكَفَافِ".
2513 - حدثنا أبُو تَوْبَةَ الرّبِيعُ بنُ نَافِعٍ عن ابنِ المُبَارَكِ عن ابنِ أبِي ذِئْبٍ عن الْقَاسِمِ عن بُكَيْرٍ بنِ عَبْدِالله الأشَجّ عن ابنِ مَكْرَزٍ - رَجُلٌ مِنْ أهْلِ الشّامِ - عنْ أبي هُرَيْرَةَ: أنّ رَجُلاً قَالَ يَارَسُولَ الله رَجُلٌ يُرِيدُ الْجِهَادَ في سَبِيلِ الله وَهُوَ يَبْتَغِي عَرَضاً مِنْ عَرَضِ الدّنْيَا؟ فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "لاَ أجْرَ لَهُ"، فَأعْظَمَ ذَلِكَ النّاسُ وَقَالُوا لِلرّجُلِ: عُدْ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَلَعَلّكَ لمْ تُفَهّمْهُ، فقال يَارَسُولَ الله رَجُلٌ يُرِيدُ الْجِهَادَ في سَبِيلِ الله وَهُوَ يَبْتَغِي عَرَضاً مِنْ عَرَضِ الدّنْيَا؟ قالَ: "لاَ أجْرَ لَهُ"، فَقَالُوا لِلرّجُلِ عُدْ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فقالَ لَهُ الثّالِثَةَ فقالَ لَهُ "لاَ أجْرَ لَهُ".
ـــــــ
الرفيق وعامله باليسر "ونبهه": بفتح النون أي انتباهه "كله": ضبط بالرفع والنصب فالرفع على أنه مبتدأ خبره مقدم عليه والجملة خبر إن، أي كل ما ذكر أجر مبالغة كرجل عدل، والنصب على أنه تأكيد لاسم إن أتي به بعد الخبر. قال القاري: وفي جوازه محل نظر. وقال الطيبي: التقدير أعني كله فيكون جملة مؤكدة "فإنه لم يرجع بالكفاف": أي لم يرجع لا عليه ولا له من ثواب تلك الغزوة وعقابها بل يرجع وقد لزمه الإثم لأن الطاعات إذا لم تقع بصلاح سريرة انقلبت معاصي والعاصي آثم. قال المنذري: وأخرجه النسائي وفي إسناده بقية بن الوليد وفيه مقال.
"عن ابن مكرز": قيل هو أيوب بن عبد الله بن مكرز بكسر الميم والصحيح يزيد بن مكرز كما قاله أحمد بن حنبل. ذكره في الخلاصة "وهو يبتغي": أي يطلب والواو للحال "عرضاً من عرض الدنيا": بفتح المهملة والراء أي متاعها وحطامها "فأعظم": أي استعظم "ذلك": أي قوله صلى الله عليه وسلم لا أجر له "عد": أمر من العود "فلعلك لم تفهمه": من باب التفعيل. في القاموس: استفهمني فأفهمته وفهمته والضمير المنصوب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد عد سؤالك فلعله صلى الله عليه وسلم لم يفهمه والله تعالى أعلم والحديث سكت عنه المنذري.

(7/138)


26 - باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا
2514 - حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ أخبرنا شُعْبَةُ عنْ عَمْرِو بنِ مُرّةَ عن أبي وَائِلٍ عن أبي مُوسَى أنّ أعْرَابِيّا جَاءَ إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فقَالَ: إنّ الرّجُلَ يُقَاتِلُ لِلذّكْرِ، وَيُقَاتِلُ لِيُحْمَدَ، وَيُقَاتِلُ لِيَغْنَمَ، وَيُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ؟ فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ قَاتَلَ حَتّى تَكُونَ كَلِمَةُ الله هِيَ أعْلَى[الأعلى] فَهُوَ في سَبِيلِ الله عَزّوَجَلّ".
2515 - حدثنا عَلِيّ بنُ مُسْلِمٍ أخبرنا أبُو دَاوُدَ عنْ شُعْبَةَ عن عَمْرٍو قال سَمِعْتُ مِنْ أبي وَائِلٍ حديثاً أعْجَبَنِي فَذَكَرَ مَعْنَاهُ.
2516 - حدثنا مُسْلِمُ بنُ حَاتِمِ الأنْصَارِيّ أخبرنا عبد الرحمن بنُ مَهْدِيَ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ أبي الْوَضّاحِ عن الْعَلاَءِ بنِ عَبْدِالله بن رَافِعٍ عن حَنَانِ بن خَارِجَةَ عن عَبْدِالله بنِ عَمْرٍو رَضِيَ الله عَنْهُ قالَ: قالَ عَبْدُالله بنُ عَمْرٍو يَارَسُولَ الله أخْبِرْنِي عن الْجِهَادِ وَالْغَزْوِ: فقالَ يَا عَبْدَالله بن عَمْرٍو إنْ قَاتَلْتَ صَابِراً مُحْتَسِباً بَعَثَكَ الله صَابِراً مُحْتَسِباً، وَإنْ قَاتَلْتَ مُرَائِيّا مُكَاثِراً بَعَثَكَ الله مُرَائِيّا مُكَاثِراً، يَا عَبْدَالله بنَ عَمْرٍو: عَلَى أيّ حَالٍ قَاتَلْتَ أوْ قُتِلْتَ بَعَثَكَ الله عَلَى تِيكَ[تلك]الْحَالِ.
ـــــــ
"باب من قاتل"الخ
"إن الرجل يقاتل للذكر": أي ليذكر بين الناس "ليحمد": بصيغة المجهول أي ليوصف بالشجاعة "ليرى": بصيغة المعلوم من الإراءة والضمير للرجل "مكانه": بالنصب على المفعولية أي مرتبته في الشجاعة "كلمة الله": أي كلمة التوحيد وهي لا إله إلا الله "فهو في سبيل الله": أي لا غير. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"عن حنان بن خارجة": بفتح الحاء المهملة وتخفيف النون "صابراً محتسباً": أي طالباً أجرك من الله تعالى وقال القاري أي خالصاً لله تعالى وهما حالان مترادفان أو متداخلان "بعثك الله صابراً محتسباً": أي متصفاً بهذين الوصفين "وإن قاتلت مرائياً مكاثراً": قال الطيبي: التكاثر التباري في الكئرة والتباهي بها. وقال ابن الملك: قوله مكاثراً أي مفاخراً. وقيل هو أن يقول الرجل لغيره أنا أكثر منك مالاً وعدداً أي غزوت ليقال إنك أكثر جيشاً وأشجع أن ينادى عليك يوم القيامة من هذا غزا وفخراً ورياء لا محتسباً كذا في المرقاة والحديث سكت عنه المنذري.

(7/139)


27 - باب في فضل الشهادة
2517 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا عَبْدُالله بنُ إدْرِيسَ عن مُحَمّدِ بنِ إسْحَاقَ عن إسْمَاعِيلَ بنِ أُمَيّةَ عنْ أبي الزّبَيْرِ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَمّا أُصِيبَ إخْوَانُكُم بِأُحُدٍ جَعَلَ الله أرْوَاحَهُمْ في جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أنْهَارَ الْجَنّةِ تَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا وَتَأْوي إلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ مُعَلّقَةٍ في ظِلّ الْعَرْشِ فَلَمّا وَجَدُوا طِيبَ مَأْكَلِهِمْ وَمَشْرَبِهِمْ وَمَقِيلِهِمْ قَالُوا مَنْ يُبَلّغُ إخْوَانَنَا عَنّا أنّا أحْيَاءٌ في الْجَنّةِ نُرْزَقُ لِئَلاّ يَزْهَدُوا في الْجِهَادِ وَلاَ يَنْكُلُوا عِنْدَ الْحَرْبِ؟ فَقال الله تَعَالى: أنَا أُبَلّغُهُمْ عَنْكُم، قالَ: وَأنْزَلَ الله عَزّوَجَلّ {وَلاَ تَحْسَبَنّ الّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ الله أمْوَاتاً} إلى آخِرِ الآية [الآيات].
ـــــــ
"باب في فضل الشهادة"
"لما أصيب إخوانكم": أي من سعادة الشهادة "في جوف طير خضر": أي في أجواف طيور خضر "ترد": من الورود "وتأوي": أي ترجع "إلى قناديل من ذهب معلقة": أي بمنزلة أو كار الطيور "فلما وجدوا": أي الشهداء "طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم": بفتح فكسر أي مأواهم ومستقرهم، والثلاثة مصادر ميمية ولا يبعد أن يراد بها المكان والزمان، وأصل المقيل المكان الذي يؤوى إليه للاستراحة وقت الظهيرة والنوم فيه "قالوا": جواب لما "من يبلغ": من التبليغ أو الإبلاغ ضبط بالوجهين أي من يوصل "إخواننا": أي الذين في الدنيا من المسلمين "عنا": أي عن قبلنا "لئلا يزهدوا": أي إخواننا بل ليرغبوا "ولا ينكلوا": بالنون وضم الكاف أي لا يجبنوا وقد أطال الكلام فيه القرطبي في التذكرة.قال المنذري: وأخرجه الحاكم أبو عبد الله النيسابوري
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
فروى مسروق قال سألنا عبد الله عن هذه الآية {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} فقال أما إنا قد سألنا عن ذلك فقال إن أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل فاطلع إليهم ربكم اطلاعة فقال هل تشتهون شيئا فقالوا أي شيء نشتهي ونحن في الجنة حيث شئنا ففعل ذلك بهم ثلاث مرات فلما رأوا أنهم لم يتركوا من أن يسألوا قالوا يارب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا.

(7/140)


2518 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ أخبرنا عَوْفٌ حدّثَتْنَا حَسْنَاءُ بِنْتُ مُعَاوِيَةَ الصّرِيمِيّةُ قَالَتْ حدثنا عَمّي قال: قُلْتُ لِلنّبيّ صلى الله عليه وسلم: مَنْ في الْجَنّةِ؟ قال: "النّبيّ في الْجَنّةِ، وَالشّهِيدُ في الْجَنّةِ، وَالمَوْلُودُ في الْجَنّةِ، وَالْوَئِيدُ في الْجَنّةِ".

(7/141)


28 - باب في الشهيد يشفع
2519 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالحٍ أخبرنا يَحْيَى بنُ حَسّانَ أخبرنا الْوَلِيدُ بنُ رَبَاحٍ الذِمّارِيّ حَدّثني عَمّي نِمْرَانُ بنُ عُتْبَةَ الذِمّارِيّ قال: "دَخَلْنَا عَلَى أُمّ الدّرْدَاءِ وَنَحْنُ أيْتَامٌ فقالَتْ: أَبْشِرُوا فإنّي سَمِعْتُ أبَا الدّرْدَاءِ يقُولُ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:" يُشَفّعُ الشّهِيدُ
ـــــــ
في صحيحه وذكر الدارقطني أن عبد الله بن إدريس تفرد به عن محمد بن إسحاق وغيره يرويه عن ابن إسحاق لا يذكر فيه سعيد ابن جبير. وقد أخرج مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود.
"الصريمية": بفتح الصاد وكسر الراء "حدثنا عمي": هو أسلم بن سليم، قاله الحافظ "والمولود": قال الخطابي: هو الطفل الصغير والسقط ومن لم يدرك الحنث "والوئيد": هو الموؤد أي المدفون في الأرض حياً، وكانو يئدون البنات، ومنهم من كان يئد البنين أيضاً عند المجاعة والضيق يصيبهم. قاله الخطابي. قال المنذري عمّ حسناء هو أسلم بي سليم وهم ثلاثة إخوة الحارث بن سليم ومعاوية بن سليم وأسلم بن سليم رضي الله عنهم.
"باب في الشهيد يشفع"
"الذماري": بكسر معجمة عند أكثر المحدثين وفتحها عند بعضهم وخفة ميم نسبة إلى قرية باليمن، وقيل هي صنعاء. كذا في المغني "ونحن أيتام": جمع يتيم "يشفع": بصيغة
والظاهر والله أعلم أن المسؤول عن هذه الآية الذي أشار إليه ابن مسعود هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وحذفه لظهور العلم به وأن الوهم لا يذهب إلى سواه وقد كان ابن مسعود يشتد عليه أن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان إذا سماه أرعد وتغير لونه وكان كثيرا ما يقول ألفاظ الحديث موقوفة وإذا رفع منها شيئا تحرى فيه وقال أو شبه هذا أو قريبا من هذا فكأنه والله أعلم جرى على عادته في هذا الحديث وخاف أن لا يؤديه بلفظه فلم يذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة إنما كانوا يسألون عن معاني القرآن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(7/141)


في سَبْعِينَ مِنْ أهْلِ بَيْتِهِ". قَالَ أبُو دَاوُدَ: صَوَابُهُ رَبَاحُ بنُ الْوَلِيدِ.
[قال أبو داود: أخطأ يحيى بن حسان وإنما هو رباح بن الوليد]

(7/142)


29 - باب في النور يُرى عند قبر الشهيد
2520 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ عَمْرٍو الرّازِيّ أخبرنا سَلَمَةُ - يَعني ابنَ الْفَضْلِ - عن مُحَمّدِ بنِ إسْحَاقَ حدّثني يَزِيدُ بنُ رُومَانَ عن عُرْوَةَ عن عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنها قالَتْ: لَمّ مَاتَ النّجَاشِيّ كُنّا نَتَحَدّثُ أنّهُ لا يَزَالُ يُرَى عَلَى قَبْرِهِ نُورٌ.
[قال لنا أبوسعيد وحدثنا أحمد بن عبد الجبار قال أخبرنا يونس بن بكير عن ابن إسحاق نحوه]
2521 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنْبأنَا شُعْبَةُ عن عَمْرِو بن مُرّةَ قال سَمِعْتُ عَمْرَو بنَ مَيْمُونٍ عن عَبْدِالله بنِ رُبَيّعَةَ عن عُبَيْدِ بنِ خَالِدٍ السّلَمِيّ قال: آخَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَقُتِلَ أحَدُهما وَمَاتَ الآخر بَعْدَهُ بِجُمُعَةٍ أوْ نَحْوِهَا، فَصَلّيْنَا
ـــــــ
المجهول من التشفيع أي يقبل شفاعته "في سبعين": أي إنساناً "من أهل بيته": أي من أصوله وفروعه وزوجاته وغيرهم.
قال المناوي: والظاهر أن المراد بالسبعين الكثرة لا التحديد "صوابه رباح بن الوليد": أي لا الوليد بن رباح. قال الحافظ في التقريب: رباح بن الوليد بن يزيد بن نمران وقلبه بعضهم فقال الوليد بن يزيد بن رباح. انتهى. والحديث سكت المنذري.
"باب في النور يرى"
بصيغة المجهول"عند قبر الشهيد":أي لبعض الشهيد دون بعض وكانت شهادته بأي وجه من وجوه الشهادة.
"لا يزال يرى": بصيغة المجهول "على قبره": أي قبر النجاشي قال في فتح الودود: ولعل النجاشي مات بوجه من وجوه الشهادة. انتهى. والحديث سكت عنه المنذري
"عن عبد الله بن ربيعة": بضم أوله وفتح ثانيه وكسر التحتانية المشددة، هو ابن فرقد السلمي ذكر في الصحابة ونفاها أبو حاتم ووثقه ابن حبان "آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين رجلين"

(7/142)


عَلَيْهِ، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم :"مَا قُلْتُمْ؟ فَقُلْنَا: دَعَوْنَا لَهُ وَقُلْنَا: اللّهُمّ اغْفِرْ لَهُ وَألْحِقْهُ بِصَاحِبِهِ، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "فأيْنَ صَلاَتُهُ بَعْدَ صَلاَتِهِ، وَصَوْمُهُ بَعْدَ صَوْمِهِ" - شَكّ شُعْبَةُ في صَوْمِهِ - وَعَمَلُهُ بَعْدَ عَمَلِهِ، إنْ بَيْنَهُمَا كَمَا بَيْنَ السّمَاءِ وَالأرْضِ.

(7/143)


30 - باب في الجعائل في الغزو
2522 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى الرّازِيّ أنْبأنَا ح. وأخبرنا عَمْرُو بنُ عُثْمَانَ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ حَرْبٍ المعنى - وَأنَا لِحَدِيثِهِ أتْقَنُ - عن أبي سَلَمَةَ سُلَيْمَانَ بنِ سُلَيْمٍ عن يَحْيَى بنِ جَابِرٍ الطّائِيّ عن ابنِ أخِي أبي أيّوبَ الأنْصَارِيّ عنْ أبي أيّوبَ أنّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "سَتُفْتَحُ عَلَيْكُم الأمْصَارُ وَسَتَكُونُ جُنُودٌ مُجَنّدَةٌ يُقْطَعُ عَلَيْكُمْ فِيهَا بُعُوثاً[بعوث] فَيَكْرَهُ الرّجُلُ مِنْكُم الْبَعْثَ فِيهَا فَيَتَخَلّصُ مِنْ قَوْمِهِ، ثُمّ يَتَصَفّحُ الْقَبَائِلَ
ـــــــ
أي جعل بينهما أخوة "فقتل": بصيغة المجهول "وألحقه بصاحبه": أي المقتول "فأين صلاته": أي الآخر "بعد صلاته": أي المقتول.
قال في المجمع: فإن قيل كيف يفضل زيادة عمله بلا شهادة على عمله معها. قلت: قد عرف صلى الله عليه وسلم أن عمله بلا شهادة ساوى عمله معها بمزيد إخلاصه وخشوعه، ثم زاد عليه بما عمله بعده. وكم من شهيدلم يدرك درجة الصديق انتهى "إن بينهما": أي بين الذي قتل وبين الذي مات بعده. والحديث يطابق ترجمة الباب من حيث أن رؤية النور عندكل شهيد ليس بلازم ولا يخلو هذا من التعسف والله أعلم. قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"باب في الجعائل في الغزو"
جمع جعل بالضم وهو ما يجعل للعامل على عمله من الأجر.
"وأنا لحديثه": أي لحديث محمد بن حرب "أتقن": أي أضبط وأحفظ "سليمان بن سليم" بالتصغير"ستكون": أي توجد وتقع "جنود": جمع جند أي أعوان وأنصار "مجندة": بتشديد النون المفتوحة أي مجتمعة. وفي النهاية: أي مجموعة كما يقال ألوف مؤلفة وقناطير مقنطرة. وفي نسخة الخطابي: ستكونون جنوداً مجندة "يقطع": بصيغة المجهول أي يعين ويقدر "فيها": أي في تلك الجنود "بعوثاً": كذا في بعض النسخ ولا يظهر له وجه وفي بعضها بعوث بالرفع وهو الصواب، وهو جمع بعث بمعنى الجيش يعني يلزمون أن يخرجوا بعوثاً تنبعث من كل قوم إلى الجهاد. قال المظهر: يعني إذا بلغ الإسلام في كل ناحية يحتاج الإمام إلى أن يرسل في كل ناحية جيشاً ليحارب من يلي

(7/143)


يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَيْهِمْ يَقُولُ: مَنْ أكْفِهِ[أكفيه] بَعَثَ كَذَا، مَنْ أكْفِهِ[أكفيه] بَعَثَ كَذَا، ألاَ وَذَلِكَ الأجِيرُ إلَى آخِرِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهِ".

(7/144)


31 - باب الرخصة في أخذ الجعائل
2523 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بنُ الْحَسَنِ المِصّيصِيّ أخبرنا حَجّاجٌ - يَعني ابنَ مُحَمّدٍ ح. وأخبرنا عَبْدُالمَلِكِ بنِ شُعَيْبٍ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ عن اللّيْثِ بنِ سَعْدٍ عن حَيْوَةَ بنِ شُرَيْحٍ عن ابنِ شُفَيّ عن أبِيهِ عن عَبْدِالله بنِ عَمْرٍو أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "لِلْغَازِي أجْرُهُ، وَلِلْجَاعِلِ أجْرُهُ وَأجْرُ الْغَازِي".
ـــــــ
تلك الناحية الكفار كيلا يغلب كفار تلك الناحية على من في تلك الناحية من المسلمين "البعث": أي الخروج إلى الغزو بلا أجرة "فيتخلص من قومه": أي يخرج من بين قومه ويفر طلباً للخلاص من الغزو "ثم يتصفح القبائل يعرض نفسه عليهم": أي يتفحص عنها ويتساءل فيها. والمعنى أنه بعد أن فارق هذا الكسلان قومه كراهية الغزو يتتبع القبائل طالباً منهم أن يشرطوا له شيئاً ويعطوه "من أكفه": كذا في بعض النسخ بحذف الياء ولا وجه له، وفي بعضها أكفيه بالياء وهو الصواب والمعنى من يأخذني أجيراً أكفيه جيش كذا ويكفيني هو مؤنتي "ألا": للتنبيه "وذلك": مبتدأ "الأجير": خبره وتعريف الخبر للحصر أي ذلك الرجل الذي كره البعث تطوعاً أجير وليس بغاز فلا أجر له "إلى آخر قطرة من دمه": أي إلى القتل يعني أنه وإن قتل فهو أجير ليس غازياً. قال التوربشتي: أراد بقوله هذا من حضر القتال رغبة فيما عقد له من المال لا رغبة في الجهاد ولهذا سماه أجيراً قال الخطابي: فيه دليل على أن عقد الإجارة على الجهاد غير جائز. وقد اختلف الناس في الأجير يحضر الوقعة هل يسهم له، فقال الأوزاعي: المستأجر على خدمة القوم لا سهم له، وكذلك قال إسحاق بن راهوية. قال سفيان الثوري: يسهم له إذا غزا وقاتل. وقال مالك وأحمد بن حنبل: يسهم له إذا شهد وكان مع الناس عند القتال انتهى. والحديث سكت عنه المنذري.
"باب الرخصة في أخذ الجعائل"
"عن الليث": حجاج بن محمد وابن وهب كلاهما يرويان عن الليث بن سعد "عن ابن
شفي": بالفاء مصغراً "للغازي أجره": أي الذي جعله الله له على غزوه "وللجاعل": قال المناوي: أي المجهز الغازي تطوعاً لا استئجاراً لعدم جوازه "أجره": أي ثواب ما بذل من المال "وأجر

(7/144)


32 - باب في الرجل يغزو بأجر الخدمة
2524 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالحٍ أخبرنا عَبْدُالله بنُ وَهْبٍ أخبرني عَاصِمُ بنُ حَكِيمٍ عن يَحْيَى بنِ أبي عَمْرٍو السّيْبَانِيّ عن عَبْدِالله بنِ الدّيْلَمِيّ أنّ يَعْلَى بنَ مُنْيَةَ[أمية] قال: أذّنَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بالْغَزْوِ وَأنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ لَيْسَ لِي خَادِمٌ فَالْتَمَسْتُ أجِيراً يَكْفِينِي وَأُجْرِي لَهُ سَهْمَهُ فَوَجَدْتُ رَجُلاً، فَلَمّا دَنَا الرّحِيلُ أتَانِي فقال: مَا أدْرِي ما السّهْمَانُ وَمَا يُبْلُغُ سَهْمِي فَسَمّ لِي شَيْئاً كَانَ السّهْمُ أوْ لَمْ يَكُنْ، فَسَمّيْتُ لَهُ ثَلاَثَةَ دَنَانِيرَ فَلَمّا حَضَرَتْ غَنِيمَتَهُ[غنيمة] أرَدْتُ أنْ أُجْرِيَ لَهُ سَهْمَهُ فَذَكَرْتُ الدّنَانِيرَ، فَجِئْتُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرْتُ لَهُ أمْرَهُ فقال: "ما أجِدُ في غَزْوَتِهِ هَذِهِ في الدّنْيَا وَ الآخرة إلاّ دَنَانِيرَهُ الّتي سَمّى".
ـــــــ
الغازي": أي مثل أجرة لإعانته على القتال. كذا في السراج المنير. وقال ابن الملك: الجاعل من يدفع جعلاً أي أجره إلى غاز ليغزو، وهذا عندنا صحيح فيكون للغازي أجر سعيه وللجاعل أجران أجر إعطاء المال في سبيل الله وأجر كونه سبباً لغزو ذلك الغازي، ومنعه الشافعي وأوجب رده إن أخذه. ذكره القاري. والحديث سكت عنه المنذري.
"باب في الرجل يغزو بأجر الخدمة"
"السيباني": بفتح السين المهملة والموحدة وبينهما تحتانية وسيبان بطن من حمير. كذا في الخلاصة "أن يعلى ابن منية": بضم الميم وسكون النون بعدها تحتانية مفتوحة وهي أمه، وفي بعض النسخ يعلى بن أمية وهو أبوه "أذن": ضبط بتشديد الذال المعجمة من التأذين. وقال القاري: بالمد أي أعلم أو نادى "بالغزو": أي بالخروج للغزو "فالتمست": أي طلبت "وأجري": من الإجراء أي أمضي "له سهمه": أي كسائر الغزاة "فلما دنا": أي قرب "أتاني": أي الرجل "ما": استفهامية مبتدأ "السهمان": بالضم جمع سهم خبر المبتدأ "فسم": أمر من التسمية أي عين "فلما حضرت غنيمته": وفي بعض النسخ غنيمة بغير الضمير "أمره": أي أمر الرجل. في شرح السنة: اختلفوا في الأجير للعمل وحفظ الدواب يحضر الواقعة هل يسهم له، فقيل لا سهم له قاتل أو لم يقاتل إنما له أجرة عمله، وهو قول الأوزاعي وإسحاق وأحد قولي الشافعي. وقال مالك وأحمد: يسهم له وإن لم قاتل إذا كان مع الناس عند القتال، وقيل يخير بين الأجرة والسهم انتهى. والحديث سكت عنه المنذري.

(7/145)


33 - باب في الرجل يغزو وأبواه كارهان
2525 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنْبأنَا سُفْيَانُ أخبرنا عَطَاءُ بنُ السّائِبِ عن أبِيهِ عن عَبْدِالله بنِ عَمْرٍو قال: جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فقال: جِئْتُ أُبَايِعُكَ عَلَى الهِجْرَةِ وَتَرَكْتُ أبَوَيّ يَبْكِيَانِ، قال: "ارْجِعْ فأَضْحِكْهُمَا كَمَا أبْكَيْتَهُمَا".
2526 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنْبأنَا سُفْيَانُ عن حَبِيبِ بنِ أبي ثَابِتٍ عن أبي الْعَبّاسِ عن عَبْدِالله بنِ عَمْرٍو قال: جَاءَ رَجُلٌ إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يارَسُولَ الله أُجَاهِدُ؟ قال: "ألَكَ أبَوَانِ؟ قال: نَعَمْ، قال: "فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ".
قَالَ أبُو دَاوُدَ: أبُو العَبّاسِ هَذَا الشّاعِرُ اسْمُهُ السّائِبُ بنُ فَرّوخٍ.
2527 - حدثنا سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ أخبرنا عَبْدُالله بنُ وَهْبٍ أخْبَرَنِي عَمْرُو بنُ الْحَارِثِ أنّ دَرّاجاً أبَا السّمْحِ حَدّثَهُ عن أبِي الْهَيْثَمِ عن أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ: أنّ رَجُلاً هَاجَرَ إلى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم مِنَ اليَمَنِ فَقَالَ[قال] "هَلْ لَكَ أحَدٌ بِالْيَمَنِ؟ فَقَالَ أبَوَايَ، فقَالَ "أذِنَا لَكَ؟ قالَ لاَ. قالَ "ارْجِعْ إلَيْهِمَا فَاسْتَأْذِنْهُمَا فَإنْ أذِنَا لَكَ فَجَاهِدْ وَإلاّ فَبِرّهُمَا".
ـــــــ
"باب الرجل يغزو وأبواه كارهان"
"جئت أبايعك على الهجرة إلخ": قال الخطابي: إن كان الخارج فيه متطوعاً فإن ذلك لا يجوز إلا بإذن الوالدين، فأما إذا تعين عليه فرض الجهاد فلا حاجة إلى إذنهما، هذا إذا كانا مسلمين فإن كانا كافرين يخرج بدون إذنهما فرضاً كان الجهاد أو تطوعاً انتهى محصلاً. قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه.
"ففيهما": أي في خدمتهما. قال الطيبي: فيهما متعلق بالأمر قدم للاختصاص. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.
"أن دراجا": بتثقيل الراء وآخره جيم "أبا السمح": بمهملتين الأولى مفتوحة والميم ساكنة "وإلا فبرهما": أي أطعهما واخدمهما. قال المنذري: في إسناده دراج أبو السمح المصري وهو ضعيف.
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
أخرجه الحاكم في المستدرك وليس مما يستدرك على الشيخين فإن فيه دراجا أبا السمح وهو ضعيف.

(7/146)


34 - باب في النساء يغزون
2528 - حدثنا عَبْدُالسّلامِ بنُ مُطَهّرٍ أخبرنا جَعْفَرُ بنُ سُلَيْمَانَ عن ثَابِتٍ عن أنَسٍ قالَ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَغْزُو بِأُمّ سُلَيْمٍ وَنِسْوَةٍ مِنَ الأنْصَارِ لِيَسْقِيْنَ[ليستقين] المَاءَ وَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى.

(7/147)


35 - باب في الغزو مع أئمة الجور
2529 - حدثنا سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ أخبرنا أبُو مُعَاوِيَةَ أخبرنا جَعْفَرُ بنُ بُرْقَانَ عن يَزِيدَ بنِ أبِي نُشْبَةَ عن أنَسِ بنِ مَالِكِ قالَ: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ثَلاَثٌ مِنْ أصْلِ الإيمَانِ: الكَفّ عن مَنْ قَالَ لاَ إلَهَ إلاّ الله وَلاَ تُكَفّرْهُ[لانكفره] بِذَنْبٍ وَلاَ تُخْرِجْهُ[لانخرجه] مِنَ الإسْلاَمِ بِعَمَلٍ، وَالْجِهَادُ مَاضٍ مُنْذُ بَعَثَني الله إلَى أنْ يُقَاتِلَ آخِرُ أُمّتِي
ـــــــ
"باب في النساء يغزون"
"يغزو": أي يسافر للغزو "بأم سليم": أي مصاحباً بها "ليسقين الماء": أي للغزاة "ويداوين الجرحى": جمع جريح أي المجروحين منهم. قال النووي: هذه المداواة لمحارمهن وأزواجهن وما كان منها لغيرهم لا يكون فيه مس بشرة إلا في موضع الحاجة انتهى. قال الخطابي: في هذا الحديث دلالة على جواز الخروج بهن في الغزو لنوع من الرفق والخدمة. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي.
"باب في الغزو مع أئمة الجور"
"أخبرنا جعفر بن برقان": بضم الموحدة وسكون الراء بعدها قاف صدوق يهم في حديث الزهري. كذا في التقريب "عن يزيد بن أبي نشبة": بضم النون وسكون المعجمة مجهول من الخامسة. قاله في التقريب "ثلاث": أي ثلاث خصال "من أصل الإيمان": أي من أساسه وقاعدته "الكف عمن قال لا إلَه إلا الله": أي وأن محمداً رسول الله، فمن قالها وجب الامتناع عن التعرض بنفسه وماله "ولا تكفره": بالتاء فهي، وفي بعض النسخ بالنون فهو نفي، والتكفير والإكفار نسبة أحد إلى الكفر "ولا تخرجه": بالوجهين "بعمل": أي ولو كبيرة سوى الكفر خلافاً للمعتزلة في إخراج صاحب الكبير إلى منزلة بين المنزلتين "والجهاد ماض": أي والخصلة الثانية كون الجهاد ماضياً ونافذاً وجارباً ومستمراً "منذ بعثني الله": أي من ابتداء زمان بعثني الله

(7/147)


الدّجّالَ لاَ يُبْطِلُه جَوْرُ جَائِرٍ وَلاَ عَدْلُ عَادِلٍ، وَالإيمَانُ بالأقْدَارِ".
2530 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ حَدّثَني مُعَاوِيَةُ بنُ صَالِحٍ عن العَلاَءِ بنِ الْحَارِثِ عن مَكْحُولٍ عن أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "الجِهَادُ وَاجِبٌ عَلَيْكُم مَعَ كُلّ أمِيرٍ بَرّا كَانَ أوْ فَاجِراً، وَالصّلاَةُ وَاجِبَةٌ عَلَيْكُم خَلْفَ كُلّ مُسْلِمٍ بَرّا كَانَ أوْ فَاجِراً وَإنْ عَمِلَ الكَبَائِرَ، وَالصّلاَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلّ مُسْلِمٍ بَرّا كَانَ أوْ فَاجِراً وَإنْ عَمِلَ الكَبَائِرَ".
ـــــــ
"إلى أن يقاتل آخر أمتي": يعني عيسى أو المهدي "الدجال": مفعول. وبعد قتل الدجال لا يكون الجهاد باقياً. أما على يأجوج ومأجوج فلعدم القدرة عليهم، وعند ذلك لا وجوب عليهم بنص آية الأنفال، وأما بعد إهلاك الله إياهم لا يبقى على وجه الأرض كافر ما دام عيسى عليه الصلاة والسلام حياً في الأرض، وأما على من كفر من المسلمين بعد عيسى عليه الصلاة والسلام فلموت المسلمين كلهم عن قريب بريح طيبة وبقاء الكفار إلى قيام الساعة. قاله القاري لا يبطله إلخ بضم أوله، والمعنى لا يسقط الجهاد كون الإمام ظالماً أو عادلاً وهو صفة ماض أو خبر بعد خبر "والإيمان بالأقدار": أي بأن جميع ما يجري في العالم هو من قضاء الله وقدره، وهذه هي الخصلة الثالثة. والحديث سكت عنه المنذري.
"الجهاد واجب عليكم مع كل أمير": أي مسلم "براً كان أو فاجراً": أي وإن عمل الكبائر وإثمه على نفسه، والإمام لا يعزل بالفسق "والصلاة": أي المكتوبة "واجبة عليكم خلف كل مسلم": أي اجتمعت فيه شروط الإمامة "براً كان أو فاجراً وإن عمل الكبائر" والاقتداء بغيره أفضل "والصلاة": أي صلاة الجنازة "واجبة على كل مسلم": أي ميت ظاهر الإسلام. قال العزيزي: فالجهاد وصلاة الجماعة وصلاة الجنازة من فروض الكفايات. انتهى.
قلت: كون صلاة الجماعة فرض كفاية بعيد غاية البعد عن شعار الإسلام وطريق السلف العظام، لأنه يؤدي إلى أنه لو صلى شخص واحد مع إمام في مصر تسقط عن الباقين كذا قيل. وكون الجهاد فرض كفاية ليس على الإطلاق بل يكون في بعض الحالات فرض عين. وقد أطال الكلام في إسناد هذا الحديث الإمام الزيلعي في نصب الراية، وفي معنى هذا الحديث علي القاري في المرقاة، وشرح الفقه الأكبر. قال المنذري: هذا منقطع مكحول لم يسمع من أبي هريرة.

(7/148)


36 - باب الرجل يتحمل بمال غيره يغزو
2531 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ سُلَيْمَانَ الأنْبَارِيّ أخبرنا عَبِيدَةُ بنُ حُمَيْدٍ عن الأسْوَدِ بنِ قَيْسٍ عن نُبَيْحٍ العَنَزِيّ عن جَابِرٍ بنِ عَبْدِالله: حَدّثَ عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أنّهُ أرَادَ أنْ يَغْزُوَ قالَ يَامَعْشَرَ المُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ إنّ مِنْ إخْوَانِكُمْ قَوْماً لَيْسَ لَهُم مَالٌ وَلاَ عَشِيرَةٌ فَلْيَضُمّ أحَدُكُم إلَيْهِ الرّجُلَيْنِ أوِ الثّلاَثَةِ فَمَا لاِءَحَدِنَا مِنْ ظَهْرٍ يَحْمِلُهُ إلاّ عُقْبَةً كَعُقْبَةِ يَعْني أحَدِهِمْ قالَ فَضَمَمْتُ إلَيّ اثْنَيْنِ أوْ ثَلاَثَةً قالَ مَا لِي إلاّ عُقْبَةً كَعُقْبَةِ أحَدٍ[أحدهم] مِنْ جَمَلِي.

(7/149)


37 - باب في الرجل يغزو يلتمس الأجر والغنيمة
2532 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ أخبرنا أسَدُ بنُ مُوسَى أخبرنا مُعَاوِيَةُ بنُ صَالِحٍ حَدّثَني ضَمْرَةُ أنّ ابنَ زُغْبٍ الأيَادِيّ حَدّثَهُ قالَ: نَزَلَ عَلَيّ عَبْدُالله بنُ حَوَالَةَ الأَزْدِيّ فَقَالَ لِي: بَعَثَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لِنَغْنَمَ عَلَى أقْدَامِنَا فَرَجَعْنَا فَلَمْ نَغْنَمْ شَيْئاً وَعَرَفَ الجُهْدَ
ـــــــ
"باب الرجل يتحمل بمال غيره يغزو"
ويقال تحمل الحمالة أي حملها، وقيل وضعوا أحمالهم على الإبل، يريدون الرحيل، ومنه لامرىء القيس:
كأني غداة البين يوم تحملوا
والمعنى الرجل يركب على بعير غيره لإرادة الغزو."عن نبيح": بضم النون وفتح الموحدة وآخره مهملة "العنزي": بفتح المهملة والنون ثم زاي "فليضم أحدكم إليه": أي إلى أحدكم "فما لأحدنا من ظهر": أي مركوب "يحمله": صفة ظهر "إلا عقبة": العقبة بالضم ركوب مركب واحد بالنوبة على التعاقب "كعقبة يعني أحدهم": بالجر وهو المضاف إليه لعقبة ووقع لفظ يعني بين المضاف والمضاف إليه، وليس في بعض النسخ لفظ يعني "كعقبة أحد": وفي بعض النسخ كعقبة أحدهم، والمعنى لم يكن لي فضل في الركوب على الذين ضممتهم إلي بل كان لي عقبة من جملي مثل عقبة أحدهم. والحديث سكت عنه المنذري.
"باب في الرجل يغزو يلتمس الأجر والغنيمة"
"على أقدامنا": أي راجلين ليس لنا مركب وهو حال من الضمير في بعثنا أي أرسلنا

(7/149)


في وُجُوهِنَا، فَقَامَ فِينَا فَقَالَ اللّهُمّ لاَ تَكِلْهُمْ إلَيّ فَأضْعُفَ عَنْهُم وَلاَ تَكِلْهُمْ إلَى أنْفُسِهِمْ فَيَعْجَزُوا عَنْهَا وَلاَ تَكِلْهُمْ إلى النّاسِ فَيَسْتَأْثِرُوا عَلَيْهِم ثُمّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِي أوْ عَلَى هَامَتِي ثُمّ قالَ يَا ابْنَ حَوَالَةَ إذَا رَأيْتَ الْخِلاَفَةَ قَدْ نَزَلَتْ أرْضَ المُقَدّسَةَ فَقَدْ دَنَتِ الزّلاَزِلُ وَالبَلاَبِلُ وَالأُمُورُ العِظَامُ وَالسّاعَةُ يَوْمَئِذٍ أقْرَبُ مِنَ النّاسِ مِنْ يَدِي هَذِهِ مِنْ رَأْسِكَ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: عَبْدُالله بنُ حَوَالَةَ حِمْصِيّ.
ـــــــ
لنأخذ الغنيمة رجالاً غير ركاب "وعرف الجهد": أي المشقة والتعب "لا تكلهم": من وكل إليه الأمر وكلا ووكولاً سلمه "فأضعف عنهم": أي عن مؤنتهم "فيعجزوا عنها": أي عن مؤنة أنفسهم "فيستأثروا عليهم": أي يختاروا أنفسهم عليهم، عدل عن قوله فيعجزوا إشعاراً بأنهم ما يكتفون بإظهار العجز بل يتبادرون إلى إن يختاروا الجيد لأنفسهم والرديء لغيرهم.
قال الطيبي: المعنى لا تفوض أمورهم إلي فأضعف عن كفاية مؤنتهم، ولا تفوضهم إلى أنفسهم فيعجزوا عن أنفسهم لكثرة شهواتها وشرورها، ولا تفوضهم إلى الناس فيختاروا أنفسهم على هؤلاء فيضيعوا، بل هم عبادك فافعل بهم ما يفعل السادة بالعبيد "أو على هامتي": شك من الراوي. في القاموس: الهامة رأس كل شيء "إذا رأيت الخلافة": أي خلافة النبوة "قد نزلت أرض المقدسة": أي من المدينة إلى أرض الشام كما وقعت في إمارة بني أمية. قاله القاري "فقد دنت": أي قربت "والبلابل": قال الخطابي: البلابل الهموم والأحزان وبلبلة الصدر وسواس الهموم واضطرابها. قال وإنما أنذر أيام بني أمية وما حدث من الفتن في زمانهم انتهى.
قال المنذري: ابن زغب بضم الزاي وسكون الغين المعجمة وبعدها باء موحدة. ذكر الأمير أبو نصر أن له صحبة، وحكى عن أبي زرعة الدمشقي أن اسمه عبد الله. هذا آخر كلامه. وعبد الله بن حوالة هذا أزدي له صحبة كنيته أبو حوالة، وقيل أبو محمد نزل الأردن، وقيل إنه سكن دمشق وقدم مصر مع مروان بن الحكم. وحوالة في اسم أبيه وكنيته بفتح الحاء المهملة وبعدها واو مفتوحة ولام مفتوحة وتاء تأنيث.

(7/150)


38 - باب في الرجل يشري نفسه
2533 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أنْبأنَا[حدثنا] حَمّادٌ أنْبأنَا عَطَاءُ بنُ السّائِبِ عن مُرّةَ الهَمَدَانِيّ عن عَبْدِالله بنِ مَسْعُودٍ قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "عَجِبَ رَبّنَا عَزّوَجَلّ مِنْ رَجُلٍ غَزَا في سَبِيلِ الله عَزّوَجَلّ فَانْهَزَمَ يَعْني أصْحَابُهُ فَعَلِمَ مَا عَلَيْهِ فَرَجَعَ حَتّى أُهْرِيقَ دَمُهُ فَيَقُولُ الله عَزّوَجَلّ لِمَلاَئِكَتِهِ انْظُرُوا إلى عَبْدِي رَجَعَ رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي وَشَفَقَةً مِمّا عِنْدِي حَتّى أُهْرِيقَ دَمُهُ".

(7/151)


39 - باب فيمن يسلم ويقتل مكانه في سبيل الله تعالى
2534 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ عَمْرٍو عن أبِي سَلَمَةَ عن أبِي هُرَيْرَةَ: أنّ عَمْرَو بنَ أقْيَشٍ كَانَ لَهُ رِبّا في الجَاهِلِيّةَ فَكَرِهَ أنْ يُسْلِمَ حَتّى يَأْخُذَهُ فَجَاءَ يَوْمَ أُحُدٍ فَقَالَ أيْنَ بَنُو عَمّي؟ قَالُوا بِأُحُدٍ قالَ أيْنَ فُلاَنُ قَالُوا بِأُحُدٍ قالَ أيْنَ فُلاَنٌ قَالُوا بِأُحُدٍ فَلَبِسَ لاَمَتَهُ وَرَكَبَ فَرَسَهُ ثُمّ تَوَجّهَ قِبَلَهُم فَلَمّا رَآهُ المُسْلِمُونَ قَالُوا إلَيْكَ عَنّا يَاعَمْرُو قالَ إنّي قَدْ آمَنْتُ. فَقَاتَلَ حَتّى جُرِحَ فَحُمِلَ إلَى أهْلِهِ جَرِيحاً فَجَاءَهُ سَعْدُ
ـــــــ
"باب في الرجل يشري نفسه"
"عجب ربنا": قال المناوي: أي رضي واستحسن. وقال في النهاية: أي عظم عنده وكبر لديه، وإطلاق التعجب على الله مجاز لأنه لا يخفى عليه أسباب الأشياء. والعجب ما خفي سببه ولم يعلم "فعلم ما عليه": قال المناوي: من حرمة الفرار "حتى أهريق": بضم الهمزة وفتح الهاء الزائدة أي أريق "دمه": نائب الفاعل "فيقول الله عزوجل لملائكته": أي مباهياً به "فيما عندي": أي من الثواب "وشفقة": أي خوفاً "مما عندي": أي من العقاب.
قال العلقمي: في الحديث دليل على أن الغازي إذا انهزم أصحابه وكان في ثباته للقتال نكانة للكفار فيستحب الثبات لكن لا يجب كما قاله السبكي، وأما إذا كان الثبات موجهاً للهلاك المحض من غير نكاية فيجب الفرار قطعاً. انتهى. والحديث سكت عنه المنذري.
باب فيمن يسلم ويقتل الخ
"أن عمرو بن أقيش": بضم الهمزة وفتح القاف وسكون المثناة التحتية وشين معجمة "فلبس لامته": أي درعه أو سلاحه "إليك": أي نح "سليه": أمر من السؤال "حمية

(7/151)


ابنُ مُعَاذٍ فَقَالَ لاِخْتِهِ سَلِيهِ حَمِيّةً لِقَوْمِكَ أوْ غَضَباً لَهُمْ أمْ غَضَباً لله؟ فَقَالَ بَلْ غَضَباً لله
وَلِرَسُولِهِ فَمَاتَ فَدَخَلَ الْجَنّةَ وَمَا صَلّى لله صَلاَةً.

(7/152)


40 - باب في الرجل يموت بسلاحه
2535 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ أخبرنا عَبْدُالله بنُ وَهْبٍ أخْبَرَنِي يُونُسُ عن ابنِ شِهَابٍ أخْبَرَنِي عبد الرحمن وَ عَبْدُالله بنُ كَعْبٍ بنِ مَالِكٍ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ قالَ أحْمَدُ كَذَا قالَ هُوَ يَعْني ابنَ وَهْبٍ وَعَنْبَسَةَ يَعْنِي ابنَ خَالِدٍ جَمِيعاً عن يُونُسَ قالَ أَحْمَدُ وَالصّوَابُ عبد الرحمن بنُ عَبْدِالله: "أنّ سَلَمَةَ بنَ الأكْوَعِ قالَ لَمّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ قَاتَلَ أخِي قِتَالاً شَدِيداً فَارْتَدّ عَلَيْهِ سَيْفُهُ فَقَتَلَهُ فَقَالَ أصْحَابُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في ذَلِكَ وَشَكّوا فِيهِ رَجُلٌ مَاتَ بِسِلاَحِهِ، فَقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "مَاتَ جَاهِداً مُجَاهِداً" - قالَ ابنُ شِهَابٍ ثُمّ سَألْتُ ابْناً لِسَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ فحدثَني عن أبِيهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، غَيْرَ أنّهُ قال: فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "كَذَبُوا مَاتَ جَاهِداً مُجَاهِداً فَلَهُ أجْرُهُ مَرّتَيْنِ".
2536- حدثنا هِشَامُ بنُ خَالِدٍ الدّمَشْقِيّ أخبرنا الْوَلِيدُ عن مُعَاوِيَةَ بنِ أبي سَلاّمٍ
ـــــــ
لقومك": أي قاتلت كفار قريش لحمية قومك "أو غضباً لهم": أي للقوم على أعدائهم. قال المنذري: ذكر الدارقطني أن حماد بن سلمة تفرد به.
"باب الرجل يموت بسلاحه"
أي بجرح أصابه بسلاحه.
"قال أحمد": هو ابن صالح شيخ أبي داوود "كذا قال هو الخ": حاصله أن عبد الله بن وهب وعنبسة بن خالد قالا في روايتهما عبد الرحمن وعبد الله بن كعب بن مالك بواو العطف بين عبدالرحمان وعبد الله بن كعب والصواب عبد الرحمن ابن عبد الله بدون الواو بزيادة لفظ الابن "قاتل أخي": اسمه عامر بن الأكوع "فقتله": أي قتل سيف أخي أياه "وشكوا فيه": أي في حكم موته "رجل مات": أي قالوا هو رجل مات الخ "مات جاهداً مجاهداً": اسما فاعلين أي مجتهداً في طاعة الله وغازياً. وقيل هما للتأكيد، قاله في المجمع. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي أتم منه.

(7/152)


عنْ أبِيهِ عنْ جَدّهِ أبِي سَلاّمٍ عن رَجُلٍ مِنْ أصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: أغَرْنَا عَلَى حَيَ مِنْ جُهَيْنَةَ فَطَلَبَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ رَجُلاً مِنْهُمْ فَضَرَبَهُ فَأخْطَأهُ وَأصَابَ نَفْسَهُ بالسّيْفِ، فقال لَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أخُوكُم[اخاكم] يَامَعْشَرَ المُسْلِمِينَ"، فَابْتَدَرَهُ النّاسُ فَوَجَدُوهُ قَدْ مَاتَ، فَلَفّهُ رَسُولُ بِثِيَابِهِ وَدِمَائِهِ وَصَلّى عَلَيْهِ وَدَفَنَهُ، فَقَالُوا: يارَسُولَ الله أشَهِيدٌ هُوَ؟ قال: "نَعَمْ وَأنَا لَهُ شَهِيدٌ".

(7/153)


41 - باب الدعاء عند اللقاء
2537 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ أخبرنا ابنُ أبي مَرْيَمَ أخبرنا مُوسَى بنُ يَعْقُوبَ الزّمْعِيّ عن أبي حَازِمٍ عن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : "ثِنْتَانِ لا تُرَدّانِ أوْ قَلّ مَا تُرَدّانِ: الدّعَاءُ عِنْدَ النّدَاءِ وَعِنْدَ الْبَأْسِ حِينَ يُلْحَمُ بَعْضُهُ بَعْضاً"[بعضهم].
قال مُوسَى وَحَدّثني رِزْقُ بنُ سَعِيدِ بنِ عبد الرحمن عن أبي حَازِمٍ عن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "وَتَحْتَ[وقت] المَطَرِ".
ـــــــ
"أغرنا": من الإغارة "رجلاً منهم": أي من جهينة "نفسه": أي نفس الرجل المسلم "أخوكم": أي قوموا لخبره "فابتدره الناس": أي أسرعوا إله "وأنا له شهيد": أي شاهد. والحديث سكت عنه المنذري.
"باب الدعاء عند اللقاء"
"ثنتان": أي دعوتان ثنتان "لا تردان": بصيغة المجهول "عند النداء": أي الأذان "وعند البأس": بهمزة بعد الموحدة أي القتال "حين يلحم بعضهم بعضاً": قال في مرقاة الصعود: بالحاء المهملة المكسورة وأوله مضموم انتهى. وقال في فتح الودود: من لحم كسمع إذا قتل انتهى. والمعنى حين يشتبك الحرب بينهم ويقتل بعضهم بعضاً "وحدثني رزق": بكسر أوله وسكون الزاي ويقال له: رزق مجهول كذا في التقريب "وتحت المطر": أي ودعاء من دعا تحت المطر، أي وهو نازل عليه لأنه وقت نزول الرحمة. قال المنذري: في إسناده موسى بن يعقوب الزمعي. قال النسائي: ليس بالقوي. وقال يحيى بن معين: ثقة، وقال أبو داوود السجستاني: صالح له مشائخ مجهولون، والبأس بالهمز الشدة في الحرب، والنداء ممدود وهو الأذان بالصلاة، وقوله يلحم بعضهم بعضاً بفتح الياء وسكون اللام وفتح الحاء المهملة أي يشتبك

(7/153)


42 - باب فيمن سأل الله الشهادة
2538 - حدثنا هِشَامُ بنُ خَالِدٍ أبُو مَرْوَانَ وَ ابنُ المُصَفّى قالا أخبرنا بَقِيّةُ عن ابنِ ثَوْبَانَ عن أبِيهِ يَرُدّ إلى مَكْحُولٍ إلى مَالِكِ بنِ يَخامِرَ أنّ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ حَدّثَهُمْ أنّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنْ قَاتَلَ في سَبِيلِ الله فُوَاقَ نَاقَةٍ فَقَدْ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنّةَ، وَمَنْ سَألَ الله الْقَتْلَ مِنْ نَفْسِهِ صَادِقاً ثُمّ مَاتَ أوْ قُتِلَ فإنّ لَهُ أجْرُ شَهِيدٍ" - زَادَ ابنُ المُصَفّى مِنْ هُنَا - وَمَنْ جُرِحَ جَرْحاً في سَبِيلِ الله، أوْ نُكِبَ نَكْبةً، فإنّهَا تَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأغْزَرَ مَا كَانَتْ، لَوْنُهَا لَوْنُ الزّعْفَرَانِ وَرِيحُهَا رِيحُ المِسْكِ، وَمَنْ خَرَجَ بِهِ خُرَاجٌ في سَبِيلِ الله
ـــــــ
الحرب بينهم ويلزم بعضهم بعضاً. يقال: لحمت الرجل إذا قتلته، ويقال ألحمه القتال ولحمه إذا غشيه، وكذا إذا نشب فيه فلم يبرح والملحمة الحرب وموضع القتال مأخوذ من اشتباك الناس واختلافهم كاشتباك لحمة الثوب بالسدا وقيل مأخوذ من اللحم لكثرة القتل فيها. انتهى كلام المنذري.
"باب فيمن سأل الله الشهادة"
"يرد إلى مكحول إلى مالك بن يخامر": بفتح التحتانية والمعجمة وكسر الميم كذا ضبطه في التقريب. وقال في الخلاصة: بضم أوله وفتح المعجمة أي يبلغ ثوبان الحديث إلى مكحول وهو يبلغه إلى مالك بن يخامر "فواق ناقة": بالفتح والضم ما بين الحلبتين يعني قدر مدتي الضرع من الوقت لأنها تحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدر ثم تحلب ثانية "صادقاً": أي بصدق قلبه "ومن جرح": بصيغة المجهول "جرحاً": بضم الجيم وبالفتح هو المصدر أي جراحة كائنة في سبيل الله "أو نكب": بصيغة المجهول أي أصيب "نكبة": بالفتح قيل: الجرح والنكبة كلاهما واحد، وقيل الجرح ما يكون من فعل الكفار والنكبة الجراحة التي أصابته من وقوعه من دابته أو وقوع سلاح عليه. قال القاري: هذا هو الصحيح، وفي النهاية: نكبت إصبعه أي نالتها الحجارة، والنكبة ما يصيب الإنسان من الحوادث "فإنها": أي النكبة، قال الطيبي: قد سبق شيئان الجرح والنكبة وهي ما أصابه في سبيل الله من الحجارة فأعاد الضمير إلى النكبة دلالة على أن حكم النكبة إذا كان بهذه المثابة فما ظنك بالجرح بالسنان والسيف، ونظيره قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا} انتهى، قال القاري: أو يقال إفراد الضمير باعتبار أن مؤداهما واحد وهي المصيبة الحادثة في سبيل الله "كأغزر ما كانت": أي كأكثر أوقات أكوانها في الدنيا، قال الطيبي: الكاف زائدة وما مصدرية والوقت مقدر، يعني حينئذ

(7/154)


عَزّوَجَلّ فإنّ عَلَيْهِ طَابَعُ الشّهَدَاءِ.

(7/155)


43 - باب في كراهية جز نواصي الخيل وأذنابها
2539 - حدثنا أبُو تَوْبَةَ عن الْهَيْثَمِ بنِ حُمَيْدٍح. وأخبرنا خُشَيْشُ بنُ أصْرَمَ أخبرنا أبُو عَاصِمٍ جَمِيعاً عن ثَوْرِ بنِ يَزِيدَ عن نَصْرٍ الْكِنَانيّ عن رَجُلٍ، وَقال أبُو تَوْبَةَ عن ثَوْرِ بنِ يَزِيدَ عن شَيْخٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ عن عُتْبَةَ بنِ عَبْدٍ السّلَمِيّ وَهَذَا لَفظُهُ أنّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ : "لا تَقُصّوا نَوَاصِيَ الْخَيْلِ وَلاَ مَعَارِفَهَا وَلا أذْنَابَهَا، فإنّ أذْنَابَهَا مَذَابّها وَمَعَارِفَهَا دِفَاؤُهَا، وَنَواصِيَهَا مَعْقُودٌ فِيهَا الْخَيْرُ".
ـــــــ
تكون غزارة دمه أبلغ من سائر أوقاته "خراج": بضم الخاء المعجمة ما يخرج في البدن من القروح والدماميل "فإن عليه طابع الشهداء": بفتح الموحدة ويكسر أي الخاتم يختم به على الشيء يعني عليه علامة الشهداء وأماراتهم، قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه. وقال الترمذي: صحيح، وحديث الترمذي وابن ماجه صحيح "يعني وأما إسناد أبي داوود ففيه بقية بن الوليد وهو يتكلم فيه كذا في هامش المنذري".
"باب في كراهية جز نواصي الخيل وأذنابها"
الجز القطع، والنواصي جمع ناصية وهي شعر مقدم الرأس. -"وأخبرنا خشيش": بمعجمات مصغراً "لا تقصوا": أي لا تقطعوا من القص وهو القطع والجز "نواصي الخيل" أي شعر مقدم رأسها "ولا معارفها": بكسر الراء جمع معرفة بفتحها الموضع الذي ينبت عليه عرف الفرس من رقبته، وعرف الفرس بضم فسكون شعر عنقه. قال القاضي: أي شعور عنقها جمع عرف على غير قياس، وقيل هي جمع معرفة وهي المحل الذي ينبت عليها العرف فأطلقت على الأعراف مجازاً. قال في اللسان: عرف الديك والفرس والدابة وغيرها: منبت الشعر والريش من العنق والجمع أعراف وعروف، والمعرفة بالفتح منبت عرف الفرس من الناصية إلى المنسح، وقيل هو اللحم الذي ينبت عليه العرف انتهى "مذابها": بفتح الميم والذال المعجمة وبعد الألف باء موحدة مشددة جمع مذبة بكسر الميم وهي ما يذب به الذباب، والخيل تدفع بأذنابها ما يقع عليها من ذباب وغيره "ومعارفها": بالنصب عطف على أذنابها وبالرفع على أنه مبتدأ وخبره "دفاؤها": بكسر الدال أي كساؤها الذي تدفأ به "ونواصيها": بالوجهين "معقود فيها الخير": أي ملازم بها كأنه معقود فيها. قال المنذري: في إسناده رجل مجهول.

(7/155)


44 - باب فيما يستحب من ألوان الخيل
2540 - حدثنا هَارُونُ بنُ عَبْدِالله أخبرنا هِشَامُ بنُ سَعِيدٍ الطّالقَانيّ أنْبأنَا مُحَمّدُ بنُ مُهَاجِرٍ الأنْصَارِيّ حَدّثني عَقِيلُ بنُ شَبِيبٍ عن أبي وَهْبٍ الْجُشَمِيّ وكانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قال:قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "عَلَيْكُم بِكُلّ كُمَيْتٍ أغَرّ مُحَجّلٍ أوْ أشْقَرَ أغَرّ مُحَجّلٍ أوْ أدْهَمَ أغَرّ مُحَجّلٍ".
2541 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ عَوْفٍ الطّائِيّ أخبرنا أبُو المُغِيرَةِ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ مُهَاجِرٍ أخبرنا عَقِيلُ بنُ شَبِيبٍ عن أبي وَهْبٍ قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "عَلَيْكُم بِكُلّ أشْقَرَ أغَرّ مُحَجّلٍ أوْ كُمَيْتٍ أغَرّ" فَذَكَر نَحْوَهُ. قال مُحَمّدٌ - يَعْني ابنَ مُهَاجِرٍ - وَسَألْتُهُ: لِمَ فَضّلَ الأشْقَرَ؟ قال: لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ سَرِيّةً فَكَانَ أوّلَ مَنْ جَاءَ بالفَتْحِ صَاحِبُ أشْقَرَ.
2542 - حدثنا يَحْيَى بنُ مَعِينٍ أخبرنا حُسَيْنُ بنُ مُحَمّدٍ عن شَيْبَانَ عن عِيسَى بنِ عَلِيّ عن أبِيهِ عن جَدّهِ ابنِ عَبّاسٍ قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يُمْنُ الْخَيْلِ في شُقْرِهَا".
ـــــــ
"باب فيما يستحب من ألوان الخيل"
"الجشمي": بضم وفتح "عليكم": اسم فعل بمعنى ألزموا "بكل كميت": بضم الكاف مصغراً هو الذي في لونه الحمرة والسواد يستوي فيه المذكر والمؤنث "أغر": أي الذي في جبهته بياض كثير "محجل": أي أبيض القوائم "أو أشقر": أي أحمر، والشقرة الحمرة الصافية. قال الطيبي: الفرق بين الكميت والأشقر بقترة تعلو الحمرة وبسواد العرف والذنب في الكميت "أو أدهم": أي أسود من الدهمة وهي السواد على ما في القاموس وأو فيهما للتنويع قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"عليكم بكل أشقر إلخ": في هذه الرواية قدم ذكر أشقر بخلاف الرواية المتقدمة "وسألته": أي عقيلاً "لم فضل": بصيغة المجهول من التفضيل. والحديث سكت عنه المنذري.
"ابن عباس": بدل عن جده "يمن الخيل": أي بركتها "في شقرها": بضم أوله جمع أشقر

(7/156)


45 - باب هل تسمى الأنثى من الخيل فرسا
2543 - حدثنا مُوسَى بنُ مَرْوَانَ الرّقّيّ أخبرنا مَرْوَانُ بنُ مُعَاوِيَةَ عن أبي حَيّانَ التّيْمِيّ أخبرنا أبُو زُرْعَةَ عن أبي هُرَيْرَةَ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يُسَمّي الأُنْثَى مِنَ الْخَيْلِ فَرَساً.

(7/157)


46 - باب ما يكره من الخيل
2544 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنْبأنَا سُفْيَانُ عن سَلْمٍ - هُوَ ابنُ عبد الرحمن - عن أبي زُرْعَةَ عن أبي هُرَيْرَةَ قال: "كَانَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَكْرَهُ الشّكَالَ مِنَ الْخَيْلِ وَالشّكَالُ يَكُونُ الْفَرَسُ في رِجلِه الْيُمْنَى بَيَاضٌ وَفي يَدِهِ الْيُسْرَى بَيَاضٌ، أوْ في يَدِهِ الْيُمْنَى وَفي رِجلهِ الْيُسْرَى".
قَالَ أبُو دَاوُدَ: أيْ مُخَالِفٌ.
ـــــــ
وهو أحمر. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث شيبان يعني ابن عبدالرحمن.
"باب هل تسمى الأنثى إلخ"
ليس هذا الباب في بعض النسخ.
"كان يسمي الأنثى إلخ": أن يطلق اسم الفرس على الأنثى أيضاً. والحديث سكت عنه المنذري.
"باب ما يكره من الخيل"
"يكره الشكال": بكسر أوله "أو في يده اليمنى وفي رجله اليسرى": أي بياض، وأو للتنويع والظاهر أن تفسير الشكال هذا من كلام الراوي وليس من لفظ النبوة وإلا لكان نصاً في المقصود وما وقع الإشكال في تفسير الشكال قاله القاري. قال الخطابي: هكذا جاء هذا التفسير من هذا الوجه. وقد يفسر الشكال بأن يكون يد الفرس وإحدى رجليه محجلة والرجل والأخرى مطلقة ولعله سقط من الحديث حرف والله أعلم انتهى. وذكر النووي في تفسير الشكال أقوالاً أخر من شاء الوقوف فليراجع إليه. ووجه الكراهة لكونه كالمشكول لا يستطيع المشي، وقيل يحتمل أن

(7/157)


47 - باب ما يؤمر به من القيام على الدواب والبهائم
2545 - حدثنا عَبْدُالله بنُ مُحَمّدٍ النّفَيْلِيّ أخبرنا مِسْكِينٌ - يَعْني ابنَ بُكَيْرٍ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ مُهَاجِرٍ عن رَبِيعَةَ بنِ يَزِيدَ عن أبي كَبْشَةَ السّلوليّ عن سَهْلِ ابنِ الْحَنْظَلِيّةِ قال: مَرّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِبَعِيرٍ قَدْ لَحِقَ ظَهْرُهُ بِبَطْنِهِ قالَ اتّقُوا الله في هَذِهِ الْبَهَائِم المُعْجَمَةِ فَارْكَبُوهَا صَالِحَةً وَكُلُوهَا صَالِحَةً.
2546 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا مَهْدِيّ أخبرنا ابنُ أبي يَعْقُوبَ عن الْحَسَنِ بنِ سَعْدٍ مَوْلَى الْحَسَنِ بنِ عَلِيّ عن عَبْدِالله بنِ جَعْفَرٍ قالَ: أرْدَفَنِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم خَلْفَهُ ذَاتَ يَوْمٍ فَأسَرّ إلَيّ حَدِيثاً لاَ أُحَدّثُ بِهِ أحَداً مِنَ النّاسِ وَكَانَ أحَبّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لِحَاجَتِهِ هَدَفاً أوْ حَائِشَ نَخْلٍ. قالَ: فَدَخَلَ حَائِطاً لِرَجُلٍ مِنَ الأنْصَارِ فَإذَا جَمَلٌ، فَلَمّا رَأى النّبيّ صلى الله عليه وسلم حَنّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَأتَاهُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم
ـــــــ
يكون جرب ذلك الجنس فلم يكن فيه نجابة والأولى أن يفوض وجه الكراهة إلى الشارع. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"باب مايؤمر إلخ"
والمراد من القيام على الدواب تعاهدها وأداء حقوقها.
"قد لحق ظهره ببطنه": أي من الجوع "في هذه البهائم": جمع بهيمة وهي كل ذات أربع قوائم ولو في الماء وكل حي لا يميز. قاله في القاموس "المعجمة": أي التي لا تقدر على النطق. قال العلقمي: والمعنى خافوا الله في هذه البهائم التي لا تتكلم فتسأل ما بها من الجوع والعطش والتعب والمشقة "وكلوها صالحة": أي حال كونها صالحة للأكل أي سمينة. قاله العزيزي. والحديث سكت عنه المنذري.
"فأسر": من الإسرار أي الكلام على وجه لا يطلع عليه غيره "لحاجته": أي الحاجة الإنسانية "هدفاً": بفتحتين كل بناء مرتفع مشرف "أو حائش نخل": بحاء مهملة وشين معجمة هو النخل الملتف المجتمع كأنه لالتفافه يحوش بعضه بعضاً، وعين كلمته واو ولا واحداً له من لفظه. قاله في مرقاة الصعود. وقال الخطابي: الحائش جماعة النخل الصغار "حائطاً": أي بستاناً "فإذا": للمفاجأة "فلما رأى": أي الجمل "النبي": بالنصب على المفعولية "حن": أي رجع صوته وبكى "وذرفت": بإعجام الذال وفتح الراء أي جرت "عيناه": أي عينا الجمل "ذفراه": بكسر

(7/158)


فَمَسَحَ ذِفْرَاهُ فَسَكَتَ، فَقَالَ مَنْ رَبّ هَذَا الْجَمَلِ لِمَنْ هَذَا الْجَمَلُ؟ فَجَاءَ فَتًى مِنَ الأنْصَارِ فَقالَ: لِي يارَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ أفَلاَ تَتّقِي الله في هَذِهِ البَهِيمَةِ التي مَلّكَكَ الله إيّاهَا فإنّهُ شَكَا إلَيّ أنّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ.
2547 - حدثنا عَبْدُالله بنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن سُمَيَ مَوْلَى أبي بَكْرٍ عن أبي صَالِحِ السّمانِ عن أبي هُرَيْرَةَ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ، فَاشْتَدّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ فَوَجَدَ بِئْراً فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ ثُمّ خَرَجَ، فَإذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ الرّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبُ مِنَ الْعَطَشِ مِثْلَ الّذِي كَانَ بَلَغَنِي، فَنَزَلَ الْبِئْرَ وَمَلأَ خُفّهُ فَأمْسَكَهُ بِفِيهِ حَتّى رَقَى فَسَقَى الْكَلْبَ فَشَكَرَ الله لَهُ فَغَفَرَ لَهُ فقالُوا يَارَسُولَ الله وَإنّ لَنَا في الْبَهَائِمِ لأَجْراً؟ قالَ في كُلّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أجْرٌ".
ـــــــ
الذال المعجمة وسكون الفاء وراء مقصورة. قال الخطابي:الذفرى من البعير مؤخر رأسه وهو الموضع الذي يعرف من قفاه. وقال في النهاية: ذفرى البعير أصل أذنه وهي مؤنثة وهما ذفريان وألفها للتأنيث "وتدئبه": أي تكرهه وتتعبه وزنا ومعنى ويقال دأب يدأب دأباً وأدأبه كذا في مرقاة الصعود. قال المنذري: وأخرجه مسلم وابن ماجه وليس في حديثهما قصة الجمل.
"فإذا كلب يلبث": أي يخرج لسانه من شدة العطش "يأكل الثرى": أي التراب الندي "من العطش": أي بسببه "لقد بلغ هذا الكلب": بالنصب مفعول بلغ وفاعله مثل الذي إلخ "بفيه": أي بفمه "حتى رقى": أي صعد من قعر البئر "في كل ذات كبد": بفتح فكسر "رطبة": أي من رطوبة الحياة. قال النووي: إن عمومه مخصوص بالحيوان المحترم وهو مالم يؤمر بقتله فيحصل الثواب بسقيه، ويلحق به إطعامه وغير ذلك من وجوه الإحسان. وقال ابن التيمي: لا يمتنع إجراؤه على عمومه يعني فيسقى ثم يقتل لأنا أمرنا بأن نحسن القتلة ونهينا عن المثلة. ذكره العزيزي قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم.

(7/159)


48 - باب في نزول المنازل
2548 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ المُثَنّى حدّثني مُحَمّدُ بنُ جَعْفَرٍ أخبرنا شُعْبَةُ عن حَمْزَةَ الضّبّيّ قالَ سَمِعْتُ أنَسَ بنَ مَالِكٍ قال: كُنّا إذَا نَزَلْنَا مَنْزِلاً لا نُسَبّحُ "لاَ نُنِيخُ حتى نَحِلّ [تُحَلُ] الرّحَالَ.

(7/160)


49 - باب في تقليد الخيل بالأوتار
2549 - حدثنا عَبْدُالله بنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن عَبْدِالله بنِ أبي بَكْرٍ بنِ مُحَمّدِ بنِ عَمْرِو بن حَزْمٍ عن عَبّادِ بنِ تَمِيمٍ: أنّ أبَا بَشِيرٍ الأنْصَارِيّ أخْبَرَهُ أنّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في بَعْضِ أسْفَارِهِ قال فَأرْسَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم رَسُولاً قال عَبْدُالله بنُ أبي بَكْرٍ: حَسِبْتُ أنّهُ قالَ وَالنّاسُ في مَبِيتِهِمْ لا يُبْقَيَنّ "لاَ تُبْقَيَنّ" في رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلاَدَةٌ مِنْ وَتَرٍ وَلاَ قِلاَدَةٌ إلاّ قُطِعَتْ. قالَ مَالِكٌ: أُرَى أنّ ذَلِكَ مِنْ أجْلِ الْعَيْنِ.
ـــــــ
"باب في نزول المنازل"
ليس هذا الباب في أكثر النسخ "لا نسبح حتى نحلّ الرحال": قال الخطابي: أي لا نصلي سبحة الضحى حتى نحط الرحال ونجم المطي. وكان بعض العلماء يستحب أن لا يطعم الراكب إذا نزل حتى يعلف الدابة وأنشدني بعضهم فيما يشبه هذا المعنى. حق المطية أن تبدأ بحاجتها. لا أطعم الضيف حتى أعلف الفرسا. انتهى. وفي بعض النسخ "لا ننيخ" مكان لا نسبح من الإناخة وهو بالفارسية فروخوا بانيدن شترو. الحديث سكت عنه المنذري.
"باب في تقليد الخيل بالأوتار"
جمع وتر بفتحتين وهو بالفارسية زه كمان"حسبت أنه": أي عباد بن تميم "والناس في مبيتهم": الواو للحال "لا يبقين": بصيغة المجهول من الإبقاء "قلادة": بكسر القاف وهي نائب الفاعل "من وتر": بفتحتين واحد أوتار القوس "ولا قلادة": أي مطلقاً "إلا قطعت": أي قلعت "قال مالك أرى": بضم الهمزة أي أظن "أن ذلك من أجل العين": وذلك أنهم كانوا يشدون بتلك الأوتار والقلائد التمائم ويعلقون عليها العوذ يظنون أنها تعصم من الآفات فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عنها واعلمهم أنها لا ترد من أمر الله شيئاً. كذا في شرح السنة. قال الخطابي: وقال غير مالك إنما أمر بقطعها لأنهم كانوا يعلقون فيها الأجراس. وقال بعضهم: لئلا تختنق بها عند شدة الركض انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.

(7/160)


50 - باب إكرام الخيل وارتباطها والمسح على أكفالها
2550 - حدثنا هَارُونُ بنُ عَبْدِالله أخبرنا هِشَامُ بنُ سَعِيدٍ الطّالِقَانِيّ أنْبأنَا مُحَمّدُ بنُ المُهَاجر حدّثني عَقيلُ بنُ شَبِيبٍ عن أبي وَهْبٍ الْجُشَمِيّ وَكَانَ لَهُ صُحْبَةٌ قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ارْتَبِطُوا الْخَيْلَ وَامْسَحَوا بِنَوَاصِيهَا وَأعْجَازِهَا أوْ قال أكْفَالِهَا وَقَلّدُوهَا وَلاَ تُقَلّدُوهَا الأوْتَار".
ـــــــ
"باب إكرام الخيل إلخ"
ليس هذا الباب في بعض النسخ.
"ارتبطوا الخيل": أي بالغوا في ربطها وإمساكها عندكم. قاله القاري. وقيل هو كناية عن تسمينها للغزو "وامسحوا بنواصيها":أي تلطفاً بها وتنظيفاً لها "وأعجازها": جمع عجز وهو الكفل "أو قال أكفالها": جمع كفل بفتحتين وهو ما بين الوركين، وهذا شك من الراوي. قال ابن الملك: يريد بهذا المسح تنظيفها من الغبار وتعرف حالها من السمن "وقلدوها": قال القاري: أي اجعلوا ذلك لازماً لها في أعناقها لزوم القلائد للأعناق. وقيل معناه اجعلوا في أعناق الخيل ما شئتم "ولا تقلدوها الأوتار": أي لا تجعلوا أوتار القوس في أعناقها لأن الخيل ربما رعت الأشجار أو حكت بها عنقها فيتشبث الأوتار ببعض شعبها فيخنقها. قاله القاري. وقيل في وجه النهي غير ذلك كما سبق. وقال الخطابي: يحتمل أن يكون أراد عين الوتر خاصة دون غيره من السيور والخيوط وغيرها: وقيل معناه لا تطلبوا عليها الأوتار والذحول "الذحل هو الحقد" ولا تركضوها في درك الثأر على ما كان من عادتهم في الجاهلية انتهى. قلت: فعلى هذا الأوتار جمع وتر بكسر فسكون وهو الدم وطلب الثأر. قال المنذري: وأخرجه النسائي.

(7/161)


51 - باب في تعليق الأجراس
2551 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عنْ عُبَيْدِالله عنْ نَافِعٍ عنْ سَالِمٍ عنْ أبي الْجَرّاحِ مَوْلَى أُمّ حَبِيبَةَ عن أُمّ حَبِيبَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "لاَ تَصْحَبُ المَلاَئِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا جَرَسٌ".
2552 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ أخبرنا زُهَيْرٌ أخبرنا سُهَيْلُ بنُ أبِي صَالِحٍ عنْ أبِيهِ عن أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ تَصْحَبُ المَلاَئِكَةٌ رُفْقَةً فِيهَا كَلْبٌ أوْ جَرَسٌ[جرس أو كلب]".
2553 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ رَافِعٍ أخبرنا أبُو بَكْرٍ بنِ أبي أُوَيْسٍ حدّثني سُلَيْمَانُ بنُ بِلاَلٍ عن الْعَلاَءِ بنِ عبد الرحمن عن أبِيهِ عن أبي هُرَيْرَةَ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "في الْجَرَسِ مِزْمَارُ الشّيْطَانِ".
ـــــــ
"باب في تعليق الأجراس"
جمع جرس بفتحتين هو الجلجل الذي يعلق في عنق الدواب "لا تصحب الملائكة رفقة": بضم الراء وكسرها الجماعة المرافقون في السفر. قال الشيخ ولي الدين: يحتمل أن يكون المراد أنها لا تصحبهم أصلاً، ويحتمل أنها لا تصحبهم بالكلأ والحفظ والاستغفار من قوله اللهم أنت الصاحب في السفر أي الحافظ والكالىء وإن كان هو مع العبد حيث كان في كل حال. قال: والظاهرأن المراد بهم غير الحفظة فإن الحفظة لا يفارقون بني آدم.
"جرس": قيل سبب منافرة الملائكة له أنه شبيه بالنواقيس، وقيل سببه كراهة صوته، ويؤيده قوله في الرواية الآتية مزمار الشيطان، وقيل لأنه يدل على صاحبه بصوته وكان صلى الله عليه وسلم يحب أن لا يعلم العدو حتى يأتيهم بغتة. قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"لا تصحب الملائكة رفقة فيها الكلب": اختلف في علة ذلك فقيل إنه لما نهى عن اتخاذ الكلب عوقب متخذه بتجنب الملائكة عن صحبته فحرم من بركتهم واستغفارهم وإعانتهم على طاعة الله، وقيل لكونه نجساً وهم المطهرون المقدسون "أو جرس": أو للتنويع. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي.
"قال في الجرس مزمار الشيطان": أي قال في شأن الجرس إنه مزمار الشيطان، وفي رواية

(7/162)


52 - باب في ركوب الجلالة
2554 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا عَبْدُالْوَارِثِ عن أيّوبَ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ قال: نُهِيَ عن رُكُوبِ الْجَلاّلَةِ.
2555 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ أبي سُرَيْجٍ الرّازِيّ أخبرني عَبْدُالله بنُ الْجَهْمِ أخبرنا عَمْرُو يَعْني ابنَ أبي قَيْسٍ عن أيّوبَ السّخْتِيَانِيّ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ قال: نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عنْ الْجَلاّلَةِ في الإبِلِ أنْ يُرْكَبَ عَلَيْهَا.

(7/163)


53 - باب في الرجل يسمي دابته
2556 - حدثنا هَنّادُ بنُ السّرِيّ عن أبي الأحْوَصِ عن أبي إسْحَاقَ عنْ عَمْرِو بنِ مَيْمُونٍ عن مُعَاذٍ قال: كُنْتُ رِدْفَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ.
ـــــــ
مسلم قال الجرس مزامير الشيطان. قال في المرقاة وأضاف إلى الشيطان لأن صوته لم يزل يشغل الانسان من الذكر والفكر انتهى. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي.
"باب في ركوب الجلالة "
بتشديد اللام الأولى هو من الحيوان ما تأكل العذرة والجلة البعر جلت الدابة الجلة واجتلتها فهي جالة وجلالة إذا التقطتها.
"نهي": بصيغة المجهول "عن ركوب الجلالة": قال الخطابي: كره صلى الله عليه وسلم ركوبها كما نهى عن أكل لحومها، ويقال إن الإبل إذا اجتلت أنتن روائحها إذا عرقت كما أنتن لحومها انتهى. والحديث سكت عنه المنذري.
"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجلالة إلخ": والحديث سكت عنه المنذري.
"باب في الرجل يسمي دابته"
"يقال له عفير": قال في مرقاة الصعود قال الخطابي وابن الأثير: هو تصغير ترخيم لأعفر من العفرة ولون التراب كما قالوا في أسود سويد ووتصغيره غير مرخم أعيفر انتهى. قال الخطابي في معالم السنن: ولتسمية الدواب شكل من أشكال العرب وعادة من عاداتها، وكذلك تسمية السلاح وأداة الحرب، وكان سيفه صلى الله عليه وسلم يسمى ذو الفقار، ورايته العقاب، ودرعه

(7/163)


54 - باب النداء عند النفير يا خيل الله اركبي
2557 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ دَاوُدَ بنُ سُفْيَانَ حدثني يَحْيَى بنُ حَسّانٍ أنْبأنَا سُلَيْمَانُ بنُ مُوسَى أبُو دَاوُدَ أخبرنا جَعْفَرُ بنُ سَعْدٍ بنُ سَمُرَةَ بنُ جُنْدُبٍ حدثني خُبَيْبُ بنُ سُلَيْمَانَ عن أبِيهِ سُلَيْمَانَ بنِ سَمُرَةَ عنْ سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ: أمّا بَعْدُ، فَإنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم سَمّى خَيْلَنَا خَيْلَ الله إذَا فَزِعْنَا، وَكَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُنَا إذَا فَزِعْنَا بالْجَمَاعَةِ وَالصّبْرِ وَالسّكِينَةِ وَإذَا قَاتَلْنَا.
ـــــــ
ذات الفضول، وبغلته دلدل وبعض أفراسه السكت وبعضها البحر. انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي مطولاً ومختصراً.
"باب في النداء"
أي نداء الإمام
"عند النفير": نفر إلى الشيء أسرع إليه، ويقال للقوم النافرين لحرب أو غيرها نفير تسمية بالمصدر "ياخيل الله اركبي": قال في النهاية: هذا على حذف المضاف أراد يافرسان خيل الله اركبي وهذا من أحسن المجازات وألطفها انتهى وقال السيوطي: يشير إلى ما أخرجه العسكري في الأمثال عن أنس أن حارثة بن النعمان قال يانبيالله أدع لي بالشهادة فدعا له فنودي يوماً ياخيل الله اركبي فكان أول فارس ركب وأول فارس استشهد. وقال الراغب: الخيل أصله للأفراس والفرسان ويستعمل لكل منفرد نحو ياخيل اركبي فهو للفرسان، وعفوت لكم عن صدقة الخيل أي الأفراس انتهى.
"خيلنا": أي فرساننا "إذا فزعنا": أي خفنا "يأمرنا إذا فزعنا": قال الحافظ العراقي: يحتمل أن يكون معناه إذا خفنا وأن يكون معناه إذا أغثنا. قال: وقد ذكر الجوهري أن الفزع يطلق بالمعنيين جميعاً. وفي النهاية: الفزع في الأصل الخوف فوضع الإغاثة والنصر لأن من شأنه الإغاثة والدفع عن الحريم مراقب حذر انتهى "بالجماعة": متعلق بقوله يأمرنا "والصبر والسكينة": معطوف على قوله بالجماعة "وإذا قاتلنا": قال العراقي: يدل على أن الفزع هنا غير المقاتلة فيحمل على خوف أو يقال لا يلزم من الاستغاثة المقاتلة فقد يغيث ولا يترتب عليه قتال انتهى. أي يأمرنا إذا قاتلنا بالجماعة والصبر والسكينة والحديث سكت عنه المنذري.

(7/164)


55 - باب النهي عن لعن البهيمة
2558 - حدثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ أخبرنا حَمّادٌ عن أيّوبَ عن أبي قِلاَبَةَ عن أبي المُهَلّبِ عنِ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ في سَفَرٍ فَسَمِعَ لَعْنَةً فقال: مَا هَذِهِ؟ قالُوا: هَذِهِ فُلاَنَةٌ لَعَنَتْ رَاحِلَتَهَا فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "ضَعُوا عَنْهَا فإنّهَا مَلْعُونَةٌ"، فَوَضَعُوا عَنْهَا. قال عِمْرَانُ: فَكَأنّي أنْظُرُ إلَيْهَا نَاقَةً وَرْقَاءَ.

(7/165)


56 - باب في التحريش بين البهائم
2559 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ الْعَلاَءِ أخبرنا يَحْيَى بنُ آدَمَ عن قُطْبَةَ بنِ عَبْدِالعَزِيزِ بنِ سِيَاهٍ عن الأعمَشِ عن أبي يَحْيَى الْقَتّاتِ عن مُجَاهِدٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: نهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عن التّحْرِيشِ بَيْنَ الْبَهَائِمِ.
ـــــــ
"باب النهي عن لعن البهيمة"
"ضعوا عنها": أي ضعوا رحالها وأعروها لئلا تركب، وزعم بعض أهل العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أمرهم بذلك فيها لأنه قد استجيب لها الدعاء عليها باللعن، واستدل على ذلك بقوله "فإنها ملعونة" وقد يحتمل أن يكون إنما فعل عقوبة لصاحبتها لئلا تعود إلى مثل قولها انتهى "فكأني أنظر إليها": أي إلى تلك الراحلة "ناقة": بالنصب على الحالية "ورقاء": أي في لونها سواد. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي.
"باب في التحريش بين البهائم"
"عن التحريش بين البهائم": هو الإغراء وتهييج بعضها على بعض كما يفعل بين الكباش والديوك وغيرها. ووجه النهي أنه إيلام للحيوانات وإتعاب له بدون فائدة بل مجرد عبث. قال المنذري: وأخرجه الترمذي مرفوعاً ومرسلاً، وحكى أن المرسل أصح.
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
والصواب أنه فعل ذلك عقوبة لها لئلا تعود مثل قولها وتلعن مالا يستحق اللعن والعقوبة في المال لمصلحة مشروعة بالاتفاق ولكن اختلفوا هل نسخت بعد مشروعيتها أو لم يأت على نسخها حجة وقد حكى أبو عبد الله بن حامد عن بعض أصحاب أحمد أنه من لعن شيئا من متاعه زال ملكه عنه والله تعالى أعلم.

(7/165)


57 - باب في وسم الدواب
2560 - حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ أخبرنا شُعْبَةُ عن هِشَامِ بنِ زَيْدٍ عن أنَسٍ قال: أتَيْتُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِأخٍ لِي حِينَ وُلِدَ لِيُحَنّكَهُ فإذَا هُوَ في مِرْبَدٍ يَسِمُ غَنَماً، أحْسِبُهُ قال في آذَانِهَا.

(7/166)


58 - باب النهي عن الوسم في الوجه والضرب في الوجه
2561 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنْبأنَا سُفْيَانُ عن أبي الزّبَيْرِ عن جَابِرٍ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم مُرّ عَلَيْهِ بِحِمَارٍ قَدْ وُسِمَ في وَجْهِهِ فقال: "أمَا بَلَغَكُمْ أنّي لَعَنْتُ مَنْ وَسَمَ الْبَهِيمَةَ في وَجْهِهَا أوْ ضَرَبَهَا في وَجْهِهَا"، فَنُهِيَ عن ذَلِكَ.
ـــــــ
"باب في وسم الدواب"
الوسم والسمة داغ كردن ونشان كردن"ليحنكه": حنك الصبي وحنكه أي مضغ تمراً ودلك به حنكه "فإذا": للمفاجأة "هو": أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "في مربد" بكسر الميم وسكون الراء وفتح الموحدة هو الموضع الذي تحبس فيه الإبل والغنم من ربد بالمكان إذا أقام فيه وربده إذا حبسه "يسم غنماً": بفتح فكسر من الوسم أي يعلم عليها بالكي "أحسبه": أي أنساً وهذا قول هشام "قال": أي أنس "في آذانها": أي في آذان الغنم وهو متعلق بيسم قال الخطابي: في هذا دلالة على أن الأذن ليس من الوجه لأنه قد نهي عن وسم الوجه وضربه انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم.
"باب النهي عن الوسم الخ"
هذا الباب ليس في بعض النسخ.
"مر": بصيغة المجهول "عليه": أي على النبي صلى الله عليه وسلم "قد وسم": بالبناء للمفعول. وفي الحديث دليل على تحريم وسم الحيوان في وجهه لأنه صلى الله عليه وسلم لا يلعن إلا من فعل محرماً وكذلك ضرب الوجه.
قال النووي: وأما الضرب في الوجه فمنهي عنه في كل الحيوان المحترم من الآدمي والحمير والخيل والإبل والبغال والغنم وغيرها لكنه في الآدمي أشد لأنه مجمع المحاسن، مع أنه لطيف لأنه يظهر فيه أثر الضرب، وربما شأنه وربما آذى بعض الحواس. قال: وأما الوسم

(7/166)


59 - باب في كراهية الحمر تنزى على الخيل
2562 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا اللّيْثُ عن يَزِيدَ بنِ أبي حَبِيبٍ عن أبي الْخَيْرِ عن ابنِ زُرَيْرٍ عن عَلِيّ بنِ أبي طَالِبٍ قال: أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بَغْلَةٌ فَرَكِبَهَا، فقال عَلِيّ: لَوْ حَمَلْنَا الْحَمِيرَ عَلَى الْخَيْلِ فَكَانَتْ لَنَا مِثْلُ هَذِهِ؟ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ".
ـــــــ
في الوجه فمنهي عنه بالإجماع، وأما وسم غير الوجه من غير الآدمي فجائز بلا خلاف عندنا لكن يستحب في نعم الزكاة والجزية ولا يستحب في غيرها ولا ينهى عنه انتهى باختصار. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي بمعناه.
"باب في كراهية الحمر تنزى على الخيل"
من أنزى الحمر على الخيل حملها عليه. قال في المصباح: نزا الفحل نزواً من باب قتل ونزواناً وثب، والاسم النزاء مثل كتاب وغراب، يقال ذلك في الحافز والظلف والسباع، ويتعدى بالهمزة والتضعيف، فيقال أنزاه صاحبه ونزاه تنزية انتهى.
"عن ابن زرير": بتقديم الزاي مصغراً وهو عبد الله ثقة رمى بالتشيع "أهديت": بصيغة المجهول "فكانت لنا مثل هذه": أي البغلة، وجواب لو مقدر أي لكان حسناً أو للتمني "إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون": أي أحكام الشريعة، ويحتمل أن يجري مجرى اللازم للمبالغة أي الذين ليسوا من أهل المعرفة في شيء قال الخطابي: يشبه أن يكون المعنى والله أعلم أن الحمر إذا حملت على الخيل قل عددها وانقطع نماؤها وتعطلت منافعها، والخيل يحتاج إليها للركوب والركض والطلب والجهاد وإحراز الغنائم ولحمها مأكول وغير ذلك من الفوائد وليس للبغل شيء من هذه فأحب أن يكثر نسلها ليكثر الانتفاع بها. كذا في النهاية: قال الطيبي: لعل الإنزاء غير جائز، والركوب والتزين به جائزان، كالصور فإن عملها حرام واستعمالها في الفرش والبسط مباح انتهى.
قلت: وكذا تخليل خل الخمر حرام وأكل خل الخمر جائز على رأي بعض الأئمة كما هو مبسوط في الرسالة المسماة بالقول المحقق، لكن قال القاري: وفي تنظير الطيبي نظر، والحديث سكت عنه المنذري.

(7/167)


60 - باب في ركوب ثلاثة على دابة
2563 - حدثنا أبُو صَالِحٍ مَحْبُوبُ بنُ مُوسَى أخبرنا أبُو إسْحَاقَ الْفَزَارِيّ عن عَاصِمِ بنِ سُلَيْمَانَ عن مُوَرّقٍ - يَعْني الْعِجْلِيّ - حدّثني عَبْدُالله بنُ جَعْفَر قال: كَانَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ اسْتُقْبِلَ بِنَا فَأَيّنَا اسْتُقْبِلَ أوّلاً جَعَلَهُ أمامَهُ فَاسْتُقْبِلَ بِي فَحَمَلَنِي أمامَهُ، ثُمّ اسْتُقْبِلَ بِحَسَنٍ أوْ حُسَيْنٍ فَجَعَلَهُ خَلْفَهُ فَدَخَلْنَا المَدِينَةَ وَإنّا لَكَذَلِكَ.

(7/168)


61 - باب في الوقوف على الدابة
2564 - حدثنا عَبْدُالْوَهّابِ بنُ نَجْدَةَ أخبرنا ابنُ عَيّاشٍ عن يَحْيَى بنِ أبي عَمْرٍو السّيْبَانِيّ عن أبي مَرْيَمَ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "إيّايَ أنْ تَتّخِذُوا
ـــــــ
"باب في ركوب ثلاثة على الدابة"
"عن مؤرق": بضم أوله وشدة الراء المكسورة "عبد الله بن جعفر": أي ابن أبي طالب "استقبل بنا": بصيغة المجهول والضمير المرفوع النبي صلى الله عليه وسلم أي استقبله أولياؤنا بنا "بحسن أو حسين": شك من الراوي "وإنا لكذلك": جملة حالية أي حال كوننا راكبين على دابة واحدة بالترتيب المذكور قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه وفيه جواز الارتداف وجواز ركوب ثلاثة على دابة إذا كان ذلك لا يضر بها انتهى كلام المنذري.
"باب في الوقوف على الدابة"
"السيباني": بالسين المهملة "إياي": المشهور في التحذير الخطاب وقد يكون بصيغة
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وأما وقوف النبي صلى الله عليه وسلم على راحلته في حجة الوداع وخطبته عليها فذاك غير ما نهى عنه فإن هذا عارض لمصلحة عامة في وقت ما لا يكون دائما ولا يلحق الدابة منه من التعب والكلال ما يلحقها من اعتياد ذلك لا لمصلحة بل يستوطنها ويتخذها مقعدا يناجي عليها الرجل ولا ينزل إلى الأرض فإن ذلك يتكرر ويطول بخلاف خطبته صلى الله عليه وسلم على راحلته ليسمع الناس ويعلمهم أمور الإسلام وأحكام النسك فإن هذا لا يتكرر ولا يطول ومصلحته عامة.

(7/168)


ظُهُورَ دَوَابّكُمْ مَنَابِرَ فإنّ الله إنّمَا سَخّرَهَا لَكُم لِتُبَلّغَكُم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالغِيهِ إلاّ بِشَقّ الأنْفُسِ وَجَعَلَ لَكُم الأرْضَ فَعَلَيْهَا فاقْضُوا حَاجَاتِكُم".

(7/169)


62 - باب في الجنائب
2565 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ رَافَعٍ أخبرنا ابنُ أبي فُدَيْكٍ حدّثني عَبْدُالله بنُ أبي يَحْيَى عن سَعِيدِ بنِ أبي هِنْدٍ قال قال أبُو هُرَيْرَةَ: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "تَكُونُ إبِلٌ لِلشّيَاطِينِ وَبُيُوتٌ لِلشّيَاطِينِ فأمّا إبِلُ الشّيَاطِينِ فَقَدْ رَأيْتُها يَخْرُجُ أحَدُكُمْ بِجَنِيبَاتٍ مَعَهُ قَدْ أسْمَنَهَا فَلاَ يَعْلُو بَعِيراً مِنْها وَيَمُرّ بِأخِيهِ قَدِ انْقَطَعَ بِهِ فَلاَ يَحْمِلُهُ، وَأمّا بُيُوتُ الشّيَاطِينِ
ـــــــ
المتكلم قاله في فتح الودود "أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر": قال القاري والمعنى لا تجلسوا على ظهورها فتوقفونها وتحدثون بالبيع والشراء وغير ذلك بل انزلوا واقضوا حاجاتكم ثم اركبوا، قال الطيبي: كناية عن القيام عليها لأنهم إذا خطبوا على المنابر قاموا انتهى "لتبلغكم": أي لتوصلكم "بالغيه": أي واصلين إليه "إلا بشق الأنفس": بكسر أوله أي مشقتها وتعبها "وجعل لكم الأرض": أي بساطاً وقراراً "فعليها": أي على الأرض لا على ظهور الدواب "فاقضوا حاجاتكم": قال الطيبي: الفاء الأولى للسببية والثانية للتعقيب، أي إذا كان كذلك فعلى الأرض اقضوا حاجاتكم ثم عقبه بقوله فاقضوا حاجاتكم تفسيراً للمقدر انتهى.
قال الخطابي ما محصله: إنه قد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه خطب على راحلته واقفاً، فدل على أن الوقوف على ظهورها إذا كان لإرب أو بلوغ وطر لا يدرك مع النزول إلى الأرض جائز وأن النهي انصرف إلى الوقوف عليها لا لمعنى يوجبه بأن يستوطنه الإنسان ويتخذه مقعداً فيتعب الدابة ويضر بها من غير طائل انتهى. قال المنذري: في إسناده إسماعيل بن عياش وفيه مقال.
"باب في الجنائب"
جمع جنيبة، قال في القاموس: جنبه جنباً محركة قاده إلى جنبه فهو جنيب ومجنوب ومجنب وخيل جنائب.
"تكون": أي توجد "إبل الشياطين": يريد بها المعدة للتكاثر والتفاخر ولم يقصد بها أمراً مشروعاً "وبيوت الشياطين": أي إذا كانت زائدة على قدر الحاجة أو للرياء والسمعة "بجنيبات": جمع جنيبة وهي الدابة التي تقاد، والمراد التي ليس عليها راكب، كذا في فتح الودود، وفي بعض النسخ بنجيبات جمع نجيبة وهي الناقة المختارة "فلا يعلو": أي لا يركب "ويمر": أي في

(7/169)


فَلَمْ أرَهَا كَانَ "قال"سَعِيدٌ يَقُولُ لاَ أُرَاهَا إلاّ هَذِهِ الأقْفَاصُ الّتِي يَسْتُرُ النّاسُ بالدّيبَاجِ".

(7/170)


63 - باب في سرعة السير والنهي عن التعريس في الطريق
2566 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ أنبأنا سُهَيْلُ بنُ أبي صَالِحٍ عنْ أبِيهِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "إذَا سَافَرْتُمْ في الخِصْبِ فَأَعْطُوا الإبِلَ حَقّهَا، وَإذَا سَافَرْتُمْ في الْجَدْبِ فَأَسْرِعُوا السّيْرَ فإذَا أرَدْتُمُ التّعْرِيسَ فَتَنَكّبُوا عن الطّرِيقِ".
ـــــــ
السفر "بأخيه": أي في الدين "وقد انقطع به": على صيغة المجهول أي كلّ عن السير فالضمير للرجل المنقطع وبه نائب الفاعل والجملة حال "فلا يحمله": أي أخاه الضعيف عليها "كان سعيد": هو ابن أبي هند التابعي الراوي عن أبي هريرة "لا أراها": بضم الهمزة أي لا أظنها "إلا هذه الأقفاص": أي المحامل والهوادج التي يتخذها المترفون في الأسفار.
واعلم أنه قال القاضي: إن قوله "فأما إبل الشياطين إلى قوله فلم أرها" من كلام أبي هريرة لا من قول النبي صلى الله عليه وسلم قال: عين الصحابي من أصناف هذا النوع من الإبل صنفاً وهو جنيبات سمان يسوقها الرجل معه في سفره فلا يركبها ولا يحتاج إليها في حمل متاعه ثم إنه يمر بأخيه المسلم قد انقطع به من الضعف والعجز فلا يحمله، وعين التابعي صنفاً من البيوت وهو الأقفاص المحلاة بالديباج. وقال في الأشراف: ليس في الحديث ما يدل عليه بل نظم الحديث دليل على أن جميعه إلى قوله فلم أرها من قول النبي صلى الله عليه وسلم وعلى هذا فمعناه أنه صلى الله عليه وسلم قال "فأما إبل الشيطان فقد رأيتها" إلى قوله فلا يحمله "وأما بيوت الشيطان فلم أرها"، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير من الهوادج والمحامل التي يأخذها المترفون في الأسفار. كذا في المرقاة. قال المنذري: قال أبو حاتم الرازي: سعيد بن أبي هند لم يلق أبا هريرة وفي كلام البخاري ما يدل على ذلك.
"باب في سرعة السير الخ"
"في الخصب": بكسر الخاء المعجمة أي زمان كثرة العلف والنبات "فأعطوا الإبل حقها": أي حظها من نبات الأرض يعني دعوها ساعة فساعة ترعى إذ حقها من الأرض رعيها فيه "في الجدب": أي القحط "فأسرعوا السير": ليحصل الاستراحة بالخروج من أرض الجدب ولتبلغكم

(7/170)


2567 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا يَزيدُ بنُ هَارُونَ أنْبأنَا هِشَامٌ عن الحَسَنِ عنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِالله عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَ هَذَا قال بَعْدَ قَوْلِهِ حَقّهَا: "وَلاَ تَعْدُوا المَنَازِلَ".

(7/171)


64 - باب في الدلجة
2568 - حدثنا عَمْرُو بنُ عَلِيّ أخبرنا خَالِدُ بنُ يَزِيدَ أخبرنا أبُو جَعْفَرٍ الرّازِيّ عن الرّبِيعِ بنِ أنَسٍ عن أَنَسٍ قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "عَلَيْكُم بالدّلْجَةِ، فَإنّ الأرْضَ تُطْوَى باللّيْلِ".

(7/171)


65 - باب رب الدابة أحق بصدرها
2569 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ مُحَمّدِ بنِ ثَابِتٍ المَرْوَزِيّ حدثني عَلِيّ بنُ حُسَيْنٍ
ـــــــ
إلى المنزل قبل أن تضعف "التعريس": أي النزول في آخر الليل "فتنكبوا": أي اجتنبوا "عن الطريق": زاد في رواية مسلم "فإنها طرق الدواب ومأوى الهوام بالليل". قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي.
"ولا تعدوا المنازل": أي لا تجاوزوا المنزل المتعارف إلى آخر استسراعاً لأن فيه إتعاب الأنفس البهائم. قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه وذكر علي بن المديني وأبو زرعة الرازي وغيرهما أن الحسن لم يسمع من جابر بن عبد الله.
"باب في الدلجة"
"عليكم بالدلجة": بضم فسكون اسم من أدلج القوم بتخفيف الدال إذا ساروا أول الليل، ومنهم من جعل الإدلاج سير الليل كله، وكأنه المعنى به في الحديث لأنه عقبه بقوله فإن الأرض تطوى بالليل بصيغة المجهول أي تقطع بالسير في الليل. وقال المظهر: يعني لا تقنعوا بالسير نهاراً بل سيروا بالليل أيضاً فإنه يسهل بحيث يظن الماشي أنه سار قليلاً وقد سار كثيراً. كذا في المرقاة. قال المنذري: في إسناده أبو جعفر الرازي اسمه عيسى بن عبد الله بن ماهان وقد وثقه بعضهم وتكلم فيه غير واحد.
"باب رب الدابة أحق بصدرها"
صدرها من ظهرها ما يلي عنقها.

(7/171)


66 - باب في الدابة تعرقب في الحرب
2560 - حدثنا عَبْدُالله بنُ مُحَمّدِ النّفَيْلِيّ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ سَلَمَةَ عن مُحَمّدِ بنِ إسْحَاقَ حدثني ابنُ عَبّادٍ عن أبيهِ عَبّادِ بنِ عَبْدِالله بنِ الزّبَيْرِ قَالَ أبُو دَاوُدَ هُوَ يَحْيَى بنُ عَبّادٍ حدثني أبي الّذِي أرْضَعَنِي وَهُوَ أحَدُ بَنِي مُرّةَ بنِ عَوْفٍ، وَكَانَ في تِلْكَ الْغَزَاةِ غَزَاةِ مُؤْتَةَ قالَ : وَالله لَكَأَنّي أنْظُرُ إلى جَعْفَرٍ حِينَ اقْتَحَمَ عن فَرَسٍ لَهُ شَقْرَاءَ فَعَقَرَهَا، ثُمّ قَاتَلَ الْقَوْمَ حَتّى قُتِلَ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ بالْقَوِيّ.
ـــــــ
"بريدة": بدل من أبي "وتأخر الرجل": أي وأراد أن يركب خلفه متأخراً عنه "لا": أي لا أركب على الصدر "أنت أحق بصدر دابتك": تعليل للا "إلا أن تجعله": أي الصدر "قال": أي الرجل "فركب": أي رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدرها. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال حسن غريب.
"باب في الدابة تعرقب في الحرب"
من عرقب كدحرج أي يقطع عرقوبها والعرقوب بالضم عصب خلف الكعبين بين مفصل القدم والساق من ذوات الأربع ومن الإنسان فويق الكعب كذا في فتح الودود.
"غزاة موتة": بدل من تلك الغزاة ومؤتة بضم الميم وسكون الواو بغير همز وقيل يهمز موضع بالشام "حين اقتحم عن فرس": أي رمى نفسه عنها "شقراء": أي حمراء "فعقرها": قال في النهاية: أصل العقر ضرب قوائم الانسان بالسيف وهو قائم. قال الخطابي: وهذا يفعله الناس في الحرب إذا أرهق وأيقن أنه مغلوب لئلا يظفر به العدو فيتقوى به على قتال المسلمين "ثم قاتل": أي جعفر قال المنذري: قال أبو داوود: هذا الحديث ليس بالقوي.

(7/172)


67 - باب في السبق
2571- حدثنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ أخبرنا ابنُ أبي ذِئْبٍ عنْ نَافِعٍ بن أبي نَافِعٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رَسُولُ- الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ سَبْقَ إلاّ في خُفَ أوْ حَافِرٍ أوْ نَصْلٍ".
2572 - حدثنا عَبْدُالله بنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيّ عنْ مَالِكٍ عنْ نَافِعٍ عنْ عَبْدِالله بنِ عُمَرَ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الّتِي قَدْ أُضْمِرَتْ مِنَ الْحَفْيَاءِ، وَكَانَ أمَدُهَا ثَنِيّةُ الْوَدَاعِ وَسابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الّتِي لَمْ تُضْمَرْ منَ الثّنِيّةِ إلى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ، وَأنّ عَبْدَالله كَانَ مِمّنْ سَابَقَ بِهَا.
ـــــــ
"باب في السبق"
"لا سبق": قال الخطابي: السبق بفتح الباء ما يجعل للسابق على سبقه من جعل ونوال، فأما السبق بسكون الباء فهو مصدر سبقت الرجل أسبقه سبقاً والرواية الصحيحة في هذا الحديث السبق مفتوحة الباء، يريد أن الجعل والعطاء لا يستحق إلا في سباق الخيل والإبل وما في معناهما وفي النصل وهو الرمي وذلك أن هذه الأمور عدة في قتال العدو، وفي بذل الجعل عليها ترغيب في الجهاد وتحريض عليه. قال: وأما السباق بالطير والرجل وبالحمام وما يدخل في معناه مما ليس من عدة الحرب ولا من باب القوة على الجهاد فأخذ السبق عليه قمار محظور لا يجوز انتهى "إلا في خف أو حافر": قال في المجمع: الخف للبعير كالحافر للفرس "أو نصل": هو حديد السهم والرمح والسيف ما لم يكن له مقبض. قال الطيبي: لا بد فيه من تقدير أي ذي نصل وذي خف وذي حافر انتهى. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وقال الترمذي حسن.
"قدأضمرت" بضم أوله والإضمار أن تلف الخيل حتى تسمن وتقوى ثم يقلل علفها بقدر القوت وتدخل بيتاً وتغشى بالجلال حتى تحمى فتعرق فإذا جف عرقها خف لحمها وقويت على الجري. قاله الحافظ "من الحفياء": بفتح الحاء وسكون الفاء بمد ويقصر موضع خارج المدينة "وكان أمدها": بفتحتين أي غايتها "ثنية الوداع": موضع وأضيف الثنية إلى الوداع لأنها موضع التوديع وبين الحفياء وثنية الوداع ستة أميال كما في رواية مسلم "من الثنية": أي من ثنية الوداع "إلى مسجد بني زريق": بضم الزاي وفتح الراء وبين الثنية والمسجد ميل كما في رواية مسلم. قال القرطبي: لا خلاف في جواز المسابقة على الخيل وغيرها من الدواب وعلى

(7/173)


2573 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا الْمُعْتَمِرُ عن عُبَيْدِالله عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ: أنّ نَبِيّ الله النّبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُضَمّرُ الْخَيْلَ، يُسَابِقُ بِهَا.
2574 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا عُقْبَةُ بنُ خَالِدٍ عن عُبَيْدِالله عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم سَبّقَ بَيْنَ الْخَيْلِ، وَفَضّلَ الْقُرّحَ في الْغَايَةِ.

(7/174)


68 - باب في السبق على الرّجل
2575 - حدثنا أبُو صَالِحٍ الأَنْطَاكِيّ مَحْبُوبُ بنُ مُوسَى أنْبأنَا أبُو إسْحَاقَ الْفَزَارِيّ عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن أبِيهِ وَعن أبي سَلَمَةَ عن عَائشةَ: أنّهَا كَانَتْ مَعَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم في سَفَر، قالَتْ: فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ عَلَى رِجْلَيّ، فَلَمّا حَمَلْتُ اللّحْمَ سَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي فقال: "هَذِهِ بِتلْكَ السّبْقَةِ".
ـــــــ
الأقدام وكذا الترامي بالسهام واستعمال الأسلحة لما في ذلك من التدريب في الحرب انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.
"كان يضمر": ضبط من الإضمار والتضمير وهما لغتان. قال في القاموس: الضمر بالضم وبضمتين الهزال ولحاق البطن، وضمر الخيل تضميراً علفها القوت بعد السمن كأضمر. وفي الحديث جواز إضمار الخيل. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه.
"سبق": من التفعيل "وفضل": من التفعيل أيضاً "القرح": بضم القاف وتشديد الراء المفتوحة جمع قارح وهو من الخيل ما دخل في السنة الخامسة. كذا في فتح الودود. والحديث سكت عنه المنذري.
"باب في السبق على الرجل"
"عن أبيه": عروة "وعن أبي سلمة": فهشام يرويه عن شيخيه عروة وأبي سلمة "فسابقته": أي غالبته في السبق أي في العدو والجري "فسبقته": أي غلبته وتقدمت عليه "على رجلي": أي لا على دابة "فلما حملت اللحم": أي سمنت "سابقته": أي مرة أخرى "هذه": أي هذه السبقة، والمعنى تقدمي عليك في هذه النوبة في مقابلة تقدمك في النوبة الأولى. قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه.

(7/174)


69 - باب في المحلل
2576 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا حُصَيْنُ بنُ نُمَيْرٍ أخبرنا سُفْيَانُ بنُ حُسَيْنٍ ح. وأخبرنا عَلِيّ بنُ مُسْلِمٍ أخبرنا عَبّادُ بنُ الْعَوّامِ أنْبأنَا سُفْيَانُ بنُ حُسَيْنٍ المعنى عن الزّهْرِيّ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ أدْخَلَ فَرَساً بَيْنَ فَرَسَيْنِ - يَعْني وَهُوَ لا يُؤْمَنُ أنْ يُسْبَقَ - فَلَيْسَ بِقِمَارٍ، وَمَنْ أدْخَلَ فَرَساً بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَقَدْ أمِنَ أنْ يُسْبَقَ فَهُوَ قِمَارٌ".
ـــــــ
"باب في المحلل"
صيغة اسم الفاعل من التفعيل وسيجيء تفسيره.
"من أدخل فرساً بين فرسين": قال ابن الملك: هذا إشارة في المحلل وهو من جعل العقد حلالاً وهو أن يدخل ثالثاً بينهما "وهو": أي من أدخل "لا يؤمن أن يسبق": كلاهما بصيغة المجهول أي لا يعلم ولا يعرف هذا منه يقيناً "وقد أمن أن يسبق": كلاهما بصيغة المجهول. قال الطيبي: وتبعه ابن الملك: أي يعلم ويعرف أن هذا الفرس سابق غير مسبوق "فهو قمار": بكسر
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
قال أبو داود: ورواه معمر وشعيب وعقيل عن الزهري عن رجال من أهل العلم قال أبو داود وهذا أصح عندنا وهذا الحديث معروف بسفيان بن حسين عن الزهري وهو ثقة لكن جمهور أئمة الحديث والحفاظ يضعفونه في الزهري ولا يرونه في حجة وقد تابعه مثله عن الزهري وهو سعيد بن بشير هو ضعيف أيضا وقال عبدالرحمن بن أبي حاتم في كتاب العلل له سألت أبي عن حديث سفيان بن حسين فقال خطأ لم يعمل سفيان شيئا لا يشبه أن يكون عن النبي صلى الله عليه وسلم وأحسن أحواله أن يكون قول سعيد فقد رواه يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قوله وفي تاريخ ابن أبي خيثمة قال سألت يحيى بن معين عن حديث سفيان هذا فخط على أبي هريرة وقال الدارقطني في كتاب العلل يرويه سعيد بن بشير واختلف عنه فرواه عبيد بن شريك عن هشام بن عمار عن الوليد عنه عن قتادة عن سعيد عن أبي هريرة ووهم في قوله قتادة فغيره يرويه عن هشام فيقول عن الزهري بدل قتادة وكذلك رواه محمود بن خالد وغيره عن الوليد وكذلك رواه سفيان بن حسين عن الزهري وهو المحفوظ قيل له فإن الحسين بن السميذع رواه عن موسى بن أيوب عن الوليد عن سعيد بن عبدالعزيز عن الزهري فقال غلط بل هو ابن بشير وقال ابن معين حديث سفيان في الزهري ليس بذاك إنما سمع منه بالموسم وقال ابن حبان لا يحتج به عن الزهري وهو مثل ابن إسحاق

(7/175)


2577 - حدثنا محمُودُ بنُ خَالِدٍ أخبرنا الْوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ عن سَعِيدِ بنِ بَشِيرٍ عن الزّهْرِيّ بِإسْنَادِ عَبّادٍ وَمَعْنَاهُ.
ـــــــ
القاف أي مقامرة. قال المظهر: اعلم أن المحلل ينبغي أن يكون على فرس مثل فرس المخرجين أو قريباً من فرسيهما في العدو، فإن كان فرس المحلل جواداً بحيث يعلم المحلل أن فرسي المخرجين لا يسبقان فرسه لم يجز بل وجوده كعدمه، وإن كان لا يعلم أنه يسبق فرسي المخرجين يقيناً أو أنه يكون مسبوقاً جاز. وفي شرح السنة: ثم في المسابقة إن كان المال من جهة الإمام أو من جهة واحد من عرض الناس شرط للسابق من الفارسين مالا معلوماً فجائز، وإذا سبق استحقه وإن كان من جهة الفارسين فقال أحدهما لصاحبه إن سبقتني فلك علي كذا وإن سبقتك فلا شيء لي عليك فهو جائز أيضاً فإذا سبق استحق المشروط، وإن كان المال من جهة كل واحد منهما بأن قال لصاحبه إن سبقتك فلي عليك كذا وإن سبقتني فلك علي كذا فهذا لا يجوز إلا بمحلل يدخل بينهما إن سبق المحلل أخذ السبقين وإن سبق فلا شيء عليه. وسمي محللاً لأنه محلل للسابق أخذ المال. فبالمحلل يخرج العقد عن أن يكون قماراً لأن القمار يكون الرجل متردداً بين الغنم والغرم، فإذا دخل بينهما لم يوجد فيه هذا المعنى. ثم إذا جاء المحلل أولاً ثم جاء المستبقان معاً أو أحدهما بعد الآخر أخذ المحلل السبقين، وإن جاء المستبقان معاً ثم المحلل فلا شيء لأحد، وإن جاء أحد المستبقين أولاً ثم المحلل والمستبق الثاني إما معاً أو أحدهما بعد الآخر أحرز السابق سبقه وأخذ سبق المستبق الثاني. وإن جاء المحلل وأحد المستبقين معاً ثم جاء الثاني مصلياً أخذ السابقان سبقه. كذا في المرقاة. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه.
"بإسناد عباد": أي ابن العوام المذكور في الإسناد السابق "قال أبو داوود رواه معمر إلخ": هذه العبارة لم توجد في بعض النسخ.
وسليمان بن كثير فلا تقدم رواية سفيان بن حسين على رواية الأئمة الأثبات من أصحاب الزهري وهم أعلم بحديثه وقد روى أبو حاتم بن حبان في صحيحه من حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل وجعل بينها سبقا وجعل بينها محللا وقال لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر ولكن أنكر عليه إدخاله هذا الحديث في صحيحه من رواية عاصم بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر وهو ضعيف لا يحتج به ضعفه غير واحد من الأئمة وذكره هو في كتابه الضعفاء وقد ذكر أبو أحمد بن عدي هذا الحديث في كتابه مما أنكر على عاصم بن عمر وضعفه عبدالحق وغيره.

(7/176)


قَالَ أبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ مَعْمَرٌ وَشُعَيْبٌ وَعَقِيلٌ عن الزّهْرِيّ عن رِجَالٍ مِنْ أهْلِ الْعِلْمِ، وَهَذَا أصَحّ عِنْدَنَا.

(7/177)


70 - باب في الجلب على الخيل في السباق
2578 - حدثنا يَحْيَى بنُ خَلَفٍ أخبرنا عَبْدُالْوَهّابِ بنُ عَبْدِالمَجِيدِ أخبرنا عَنْبَسَةُ ح. وحدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا بِشْرُ بنُ المُفَضّلِ عن حُمَيْدٍ الطّوِيلِ جَمِيعاً عن الْحَسَنِ عن عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "لاَ جَلَبَ وَلاَ جَنَبَ. زَادَ يَحْيَى في حَدِيثِهِ: في الرّهَانِ".
2579 - حدثنا ابنُ المُثَنّى أخبرنا عَبْدُالأعْلَى عن سَعِيدٍ عن قَتَادَةَ قال: الْجَلَبُ والْجَنَبُ في الرّهَانِ.
ـــــــ
"باب في الجلب على الخيل في السباق"
أي المسابقة"لا جلب ولا جنب": كلاهما بفتحتين. قال في النهاية: الجلب في الزكاة مر معناه، وفي السباق أن يتبع الرجل فرسه رجلاً فيزجره ويصيح حثا له على الجري. والجنب في السباق أن بجنب فرساً إلى فرسه الذي سابق عليه، فإذا فتر المركوب تحول إلى المجنوب انتهى "زاد يحيى": أي ابن خلف "في حديثه في الرهان": أي قال في الروايته "لا جلب ولا جنب في الرهان" بزيادة لفظ "في الرهان" وأما مسدد فلم يذكر في روايته هذا اللفظ. ثم الرهان والمراهنة المراد منه المخاطرة والمسابقة على الخيل. ذكره صاحب القاموس. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. هذا آخر كلامه. وقد ذكر أبو حاتم الرازي وغيره من الأئمة أن الحسن البصري لا يصح له سماع من عمران بن حصين رضي الله عنهم.
"عن قتادة قال الجلب إلخ": قال المنذري: وقد ذكر غيره أن ذلك في الزكاة.

(7/177)


71 - باب في السيف يحلى
2580 - حدثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ أخبرنا جَرِيرُ بنُ حَازِمٍ أخبرنا قَتَادَةُ عن أنَسٍ قال: كَانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فِضّةً.
2581 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ المُثَنّى أخبرنا مُعَاذُ بنُ هِشَامٍ حدّثني أبِي عن قَتَادَةَ عن سَعِيدٍ بنِ أبي الْحَسَنِ قال: كَانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فِضّةً.
قال قَتَادَةُ: وَمَا عَلِمْتُ أحَداً تابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ.
ـــــــ
"باب في السيف يحلى"
"كانت قبيعة سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فضة": قال الخطابي: قبيعة السيف الثومة التي فوق المقبض انتهى. وفي القاموس: قبيعة السيف ما على طرف مقبضه من فضة أو حديدة. قال في شرح السنة: فيه دليل على جواز تحلية السيف بالقليل من الفضة وكذلك المنطقة، واختلفوا في اللجام والسرج فأباحه بعضهم كالسيف وحرم بعضهم لأنه من زينة الدابة، وكذلك اختلفوا في تحلية سكين الحرب والمقلمة بقليل من الفضة، فأما التحلية بالذهب فغير مباح في جميعها. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي. وقال الترمذي: حديث حسن غريب، وهكذا روى عن همام عن قتادة عن أنس، وقد روى بعضهم عن قتادة عن سعيد بن أبي الحسن قال "كانت قبيعة سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضة" قال النسائي: وهذا حديث منكر والصواب قتادة عن سعيد انتهى كلام المنذري.
"عن قتادة عن سعيد بن أبي الحسن قال كانت إلخ": قال المنذري: وأخرجه النسائي وقد أشار إليه الترمذي "قال قتادة": في هذه العبارة اختصار مخل للمقصود وهذا من مقولة المؤلف أبي داوود وحق العبارة أي هكذا قال قتادة يعني في رواية جرير بن حازم متصلاً، وفي رواية هشام الدستوائي مرسلاً "وما علمت أحداً": من أصحاب قتادة، وهذا من بقية مقولة المؤلف "تابعه": الضمير المنصوب يرجع إلى جرير بن حازم لا إلى سعيد بن أبي الحسن "على ذلك": أي الاتصال من مسندات أنس. وقال شيخنا حسين بن محسن في بعض إفاداته ما ملخصه: ففيه إشارة من أبي داوود إلى تفرد جرير بن حازم بذلك، ويؤيد ذلك قول أبي داوود: أقوى هذه الأحاديث حديث سعيد بن أبي الحسن والباقية ضعاف، ويؤيده أيضاً قول الدارمي في مسنده وهذه عبارته: باب قبيعة سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(7/178)


2582 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ بَشّارٍ حدّثني يَحْيَى بنُ كَثِيرٍ أبُو غَسّانَ
ـــــــ
حدثنا أبو النعمان حدثنا جرير بن حازم عن قتادة عن أنس قال "كانت قبيعة سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضة" قال عبد الله يعني الدارمي: هشام الدستوائي خالفه فقال قتادة عن سعيد بن أبي الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم، وزعم الناس أنه هو المحفوظ انتهى فمآل كلام أبي داوود والدارمي واحد.
ومما يقوي ذلك أيضاً الحافظ المنذري: وأخرجه النسائي وقد أشار إليه الترمذي، فإن ذلك يدل صريحاً على أن صواب العبارة قال أبو داوود لا قال قتادة، فإنه لم يعهد من مثل قتادة استعمال هذه العبارة وإنما يستعملها متأخرو المحدثين الذين دونوا قواعد الرواية وآدابها. قال الحافظ ابن حجر في نكته علي بن الصلاح: الذي يبحث عنه المحدثون إنما هو زيارة بعض الرواة من التابعين فمن بعدهم، فإنه يدل صريحاً على أن قوله ولا أعلم أحداً تابعه على ذلك من قول أبي داوود لا من قول قتادة. ويحتمل على بعد أن تكون هذه العبارة من قول قتادة، وكأنه لما ثبت عند قتادة سماعه لذلك من أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم وسمع قتادة سعيد بن أبي الحسن حدث به مرسلاً حصل له إنكار لذلك فقال ما علمت أحداً تابعه على ذلك، فعلى هذا يكون الضمير في تابعه عائداً إلى سعيد بن أبي الحسن انتهى كلام الشيخ.
قلت: إرجاع الضمير إلى سعيد بن أبي الحسن محل نظر.
وقال الزيلعي: قال النسائي هذا حديث منكر والصواب قتادة عن سعيد بن أبي الحسن. وما رواه عن همام غير عمرو بن عاصم انتهى.
وقال الحافظ في تهذيب التهذيب: جرير بن حازم بن زيد البصري ثقة، لكن في حديثه عن قتادة ضعف وله أوهام إذا حدث من حفظه. قال أحمد: حديث جرير عن قتادة عن أنس قال: كانت قبيعة سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فضة خطأ والصواب عن قتادة عن سعيد بن أبي الحسن انتهى. لكن قال الحافظ ابن القيم: إن حديث قتادة عن أنس محفوظ لاتفاق جرير بن حازم وهمام على قتادة عن أنس، والذي رواه عن قتادة عن سعيد بن أبي الحسن مرسلاً هو هشام الدستوائي، وهشام وإن كان مقدماً في أصحاب قتادة فليس همام وجرير إذا اتفقا بدونه انتهى. كذا في غاية المقصود شرح سنن أبي داوود مختصراً والله أعلم.
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
هذا الحديث قد أسنده عمرو بن عاصم عن همام وجرير عن قتادة عن أنس ذكره النسائي.
وقال الدارقطني: الصواب عن قتادة عن سعيد بن أبي الحسن مرسلا وروى النسائي في سننه عن أبي

(7/179)


الْعَنْبَرِيّ عن عُثْمَانَ بنِ سَعْدٍ عن أنَسِ بنِ مَالِكٍ قال: "كَانَ -" فَذَكَرَ مِثْلَهُ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: أقْوَى هَذِهِ الأحَادِيثِ حَدِيثُ سَعِيدِ بنِ أبِي الْحَسَنِ، والْبَاقيةُ ضِعَافٌ.

(7/180)


72 - باب في النبل يدخل في[به] المسجد
2583 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا اللّيْثُ عن أبي الزّبَيْرِ عن جَابِرٍ عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم: أنّهُ أمَرَ رَجُلاً كَانَ يَتَصَدّقُ بالنّبْلِ في المَسْجِدِ أنْ لاَ يَمُرّ بِهَا إلا وَهُوَ آخِذٌ بِنُصُولِهَا.
2584 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ الْعَلاَءِ أخبرنا أبُو أُسَامَةَ عن بُرَيْدٍ عن أبي بُرْدَةَ عن أبي مُوسَى عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذَا مَرّ أحَدُكُم في مَسْجِدِنَا، أوْ في سُوقِنَا، وَمَعَهُ
ـــــــ
"عن عثمان بن سعد عن أنس بن مالك إلخ": قال المنذري:عثمان بن سعد هو أبو بكر التميمي البصري الكاتب تكلم فيه غير واحد "قال أبو داوود أقوى هذه الأحاديث إلخ": هذه العبارة لم توجد في بعض النسخ.
"باب في النبل يدل في المسجد"
النبل بفتح النون وسكون الموحدة السهام العربية وهي مؤنثة ولا واحد لها من لفظها.
"يتصدق بالنبل": فيه جواز التصدق في المسجد "إلا وهو آخذ بنصولها": جمع نصل وهو حديدة السهم والواو للحال. قال المنذري: وأخرجه مسلم.
"في مسجدنا": أي المؤمنين، فليس المراد مسجد المدينة فقط "أو في سوقنا": تنويع من
أمامة بن سهل بن حنيف قال كانت قبيعة سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضة وفي الترمذي عن مزيدة العصري قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح وعلى سيفه ذهب وفضة وقال هذا حديث حسن غريب والصواب أن حديث قتادة عن انس محفوظ من رواية الثقات الضابطين المتثبتين جرير بن حازم وهمام عن قتادة عن أنس والذي رواه عن قتادة عن سعيد بن أبي الحسن مرسلا هو هشام الدستوائي وهشام وإن كان مقدما في أصحاب قتادة فليس همام وجرير إذا اتفقا بدونه والله أعلم

(7/180)


نُبْلٌ، فَلْيُمْسِكْ عَلَى نِصَالِهَا، أوْ قال فَليَقْبِضَ كَفّهُ، أوْ قالَ فَلْيَقْبِضْ بِكَفّهِ أنْ تُصِيبَ أحَداً مِنَ المُسْلِمِينَ".

(7/181)


73 - باب في النهي أن يتعاطى السيف مسلولا
2585 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عن أبي الزّبَيْر عن جَابِرٍ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نَهَى أنْ يُتَعَاطَى السّيْفُ مَسْلُولاً.

(7/181)


74 - باب النهي أن يقد السير بين إصبعين
2586 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ بَشّارٍ أخبرنا قُرَيْشُ بنُ أنَسٍ أخبرنا أشْعَثُ عن الْحَسَنِ عن سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهَى أنْ يُقَدّ السّيْرُ بَيْنَ إصْبَعَيْنِ.
ـــــــ
الشارع لا شك من الراوي "على نصالها": جمع نصل "أو قال فليقبض كفه أي على نصالها أو قال فليقبض بكفه": أي على نصالها وأوفى هذين الموضعين للشك من الراوي "أن تصيب": أي مخافة أن تصيب. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم وابن ماجه.
"باب في النهي أن يتعاطى السيف مسلولا"
السل بركشيدن شمشير وكاردوجزان.
"نهي أن يتعاطى": بصيغة المجهول من التعاطي وهو التناول "السيف مسلولاً": فيكره مناولته كذلك لأنه قد يخطىء في تناوله فيجرح شيئاً من بدنه، أو يسقط على أحد فيؤذيه، قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال حسن غريب.
"باب النهي أن يقد اسير بين إصبعين"
"نهي أن يقد": بصيغة المجهول، والقطع طولاً كالشق "السير": بفتح فسكون ما يقد من الجلد، أي نهي أن يقطع ويشق قطعة الجلد بين إصبعين لئلا تعقره الحديدة، وهو يشبه نهيه عن تعاطي السيف مسلولاً. كذا في فتح الودود. قال المنذري: قد اختلف في سماع الحسن من سمرة.

(7/181)


75 - باب في لبس الدروع
2587 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا سُفْيَانٌ قال حَسِبْتُ أنّي سَمِعْتُ يَزيدَ بنَ خُصَيْفَةَ يَذْكُرُ عن السّائِبِ بنِ يَزِيدَ عن رَجُلٍ قَدْ سَمّاهُ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم ظَاهَرَ يَوْمَ أُحُدٍ بَيْنَ دِرْعَيْنِ أوْ لَبِسَ دِرْعَيْنِ.

(7/182)


76 - باب في الرايات والألوية
2588 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى الرّازِيّ أنْبأنَا ابنُ أبي زَائِدَةَ أنْبأنَا أبُو يَعْقُوبَ الثَقَفِيّ حدثني يُونُسُ بنُ عُبَيْدٍ مَوْلَى مُحَمّدِ بنِ الْقَاسِمِ قالَ: بَعَثَني مُحَمّدُ بنُ الْقَاسِمِ إلَى الْبَرَاءِ بنِ عَازِبٍ يَسْأَلُهُ عنْ رَايَةِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم مَا كَانَتْ؟ فَقالَ: كَانَتْ سَوْدَاءَ مُرَبّعَةً مِنْ نَمِرَةٍ.
ـــــــ
"باب في لبس الدروع"
"ظاهر يوم أحد بين درعين": أي لبس أحدهما فوق الآخر، والتظاهر بمعنى التعاون والتساعد "أو لبس درعين": شك من الراوي، والحديث سكت عنه المنذري.
"باب في الرايات والألوية"
جمع لواء، والرايات جمع راية. قال في المغرب: اللواء علم الجيش وهو دون الراية لأنه شقة ثوب يلوى ويشد إلى عود الرمح، والراية علم الجيش، ويكنى أم الحرب وهو فوق اللواء. وقال التوربشتي: الراية هي التي يتولاها صاحب الحرب ويقاتل عليها وتميل المقاتلة إليها، واللواء علامة كبكبة الأمير تدور معه حيث دار. وفي شرح مسلم: الراية العلم الصغير، واللواء العلم الكبير كذا في المرقاة.
"بعثني": أي أرسلني "كانت سوداء": قال القاضي: أراد بالسوداء ما غالب لونه سواد بحيث يرى من البعيد أسود لا ما لونه سواد خالص لأنه قال "من نمرة": بفتح فكسر وهي بردة من صوف يلبسها الأعراب فيها تخطيط من سواد وبياض، ولذلك سميت نمرة تشبيهاً بالنمر. ذكره القاري قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه. وقال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي زائدة. وأبو يعقوب الثقفي اسمه إسحاق بن إبراهيم. هذا آخر كلامه. وأبو يعقوب الثقفي هذا كوفي. وقال ابن عدي الجرجاني روى عن الثقات ما لا يتابع عليه، قال أيضاً: وأحاديثه غير محفوظة.

(7/182)


2589 - حدثنا إسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ المَرْوَزِيّ وَهُوَ ابنُ رَاهَوَيْهِ أخبرنا يَحْيَى بنُ آدَمَ أخبرنا شَرِيكٌ عن عَمّارٍ الدّهْنِيّ عنْ أبي الزّبَيْرِ عن جَابِرٍ يَرْفَعُهُ إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّهُ كَانَ لِوَاهُ يَوْمَ دَخَلَ مَكّةَ أبْيَضَ.
2590 - حدثنا عُقْبَةُ بنُ مَكْرَمٍ أخبرنا سَلْمُ بنُ قُتَيْبَةَ الشّعِيرِيّ عنْ شُعْبَةَ عنْ سِمَاكٍ عن رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ عنْ آخَرَ مِنْهُمْ قالَ: رَأيْتُ رَايَةَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم صَفْرَاءَ.

(7/183)


77 - باب في الانتصار برذل الخيل والضعفة
2591 - حدثنا مُؤَمّلُ بنُ الْفَضْلِ الْحَرّانِيّ أخبرنا الْوَلِيدُ أخبرنا ابنُ جَابِرٍ عنْ زَيْدِ بنِ أرْطَاةَ الْفَزَارِيّ عن جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ الْحَضْرَمِيّ أنّهُ سَمِعَ أبا الدّرْدَاءِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "ابْغُونِي الضّعَفَاءَ فَإنّمَا تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُم".
ـــــــ
"الدهني": بضم الدال المهملة "كان لواه": كذا في بعض النسخ وفي بعضها لواؤه. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه. قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن آدم عن شريك، قال: وسألت محمداً يعني البخاري عن هذا الحديث فلم يعرفه إلا من حديث يحيى بن آدم عن شريك.
"حدثنا عقبة بن مكرم": بضم الميم وسكون الكاف وفتح المهملة "عن سماك": وهو ابن حرب "عن آخر منهم": أي من قومه "قال رأيت الخ": قال المنذري: في إسناده رجل مجهول. وأخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي مجلز عن ابن عباس قال: كانت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم سوداء ولواؤه أبيض، وفي إسناده يزيد بن حبان أخو مقاتل بن حبان، قال البخاري: عنده غلط كثير، وأخرج البخاري هذا الحديث في تاريخه الكبير من رواية يزيد هذا مختصراً على الراية، وأخرج النسائي من حديث قتادة عن أنس أن ابن مكتوم كانت معه راية سوداء في بعض مشاهد النبي صلى الله عليه وسلم وهو حديث حسن.
"باب الانتصار برذل الخيل والضعفة"
الانتصار طلب النصرة، والرذل الدون الخسيس أو الرديء من كل شيء على ما في القاموس، والخيل بالفارسية سواران واسيبان، والضعفة جمع ضعيف.
"إبغوني": قال في

(7/183)


قَالَ أبُو دَاوُدَ: زَيْدُ بنُ أرْطَاةَ أخُو عَدِيّ بنِ أرْطَاةَ.

(7/184)


78 - باب في الرجل ينادي بالشعار
2592 - حدثنا سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ أخبرنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ عن الْحَجّاجِ عنْ قَتَادَةَ عن الْحَسَنِ عنْ سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ قال: كَانَ شِعَارُ المُهَاجِرِينَ عَبْدُالله وَشِعَارُ الأنْصَارِ عَبْدُالرّحْمَنِ.
2593 - حدثنا هَنّادٌ عن ابن المُبَارَكِ عن عِكْرِمَةَ بنِ عَمّارٍ عن إيَاسِ بنِ سَلَمَةَ عنْ أبِيهِ قال: غَزَوْنَا مَعَ أبي بَكْرٍ زَمَنَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَكَانَ شِعَارُنَا أمِتْ أمِتْ.
ـــــــ
الصراح: بغيتك الشيء طلبته لك، ووقع في بعض النسخ إبغوالي، قال العلقمي: قال ابن رسلان: بهمزة وصل مكسورة لأنه فعل ثلاثي أي اطلبوا لي "الضعفاء": أي صعاليك المسلمين وهم من يستضعفم الناس لرثاثة حالهم أستعين بهم. فإذا قلت ابغني بقطع الهمزة فمعناه أعني على الطلب يقال: أبغيتك الشيء أي أعنتك عليه انتهى. قال شيخنا الزركشي: والأول المراد بالحديث كذا في السراج المنير "وتنصرون": أي تعاونون على عدوكم "بضعفائكم": أي بسببهم أو ببركة دعائهم. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي. وقال الترمذي: حسن صحيح: وقد أخرجه البخاري والنسائي من حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه، وفي حديث النسائي زيادة تبين معنى الحديث، قال النبي صلى الله عليه وسلم "إنما نصر الله هذه الأمة بضعيفها بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم" ومعناه أن عبادة الضعفاء ودعاءهم أشد إخلاصاً لجلاء قلوبهم من التعلق بزخرف الدنيا وجعلوا همهم واحد فأجيب دعاؤهم وزكت أعمالهم انتهى كلام المنذري.
"باب في الرجل ينادي بالشعار"
قال في القاموس: الشعار ككتاب العلامة في الحرب والسفر."كان شعار المهاجرين": أي علامتهم التي يتعارفون بها في الحرب "عبد الله": أي لفظ عبد الله. قال المنذري: في إسناده الحجاج بن أرطاة ولا يحتج بحديثه.
"فكان شعارنا أمت أمت": قال ابن الأثير: هو أمر بالموت، والمراد به التفاؤل بالنصر بعد الأمر بالإماتة مع حصول الغرض للشعار، فإنهم جعلوا هذه الكلمة علامة بينهم يتعارفون بها لأجل ظلمة الليل انتهى. والتكرار للتأكيد أو المراد أن اللفظ كان مما يتكرر، قيل المخاطب هو

(7/184)


2594 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنْبأنَا سُفْيَانُ عنْ أبي إسْحَاقَ عن المُهَلّبِ بن أبي صُفْرَةَ قال أخبرني مَنْ سَمِعَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إنْ بُيّتّمْ فَلْيَكُنْ شِعَارُكُم حَم لاَ يُنْصَرُون".

(7/185)


79 - باب ما يقول الرجل إذا سافر
2595 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى أخبرنا مُحَمّدُ بنُ عَجْلاَنَ حدثني سَعِيدُ المَقْبُرِيّ عن أبي هُرَيْرَةَ قال: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا سَافَرَ قال: "اللّهُمّ أنْتَ الصّاحِبُ في السّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ في الأهْلِ، اللّهُمّ إنّي أعُوذُ بكَ مِنْ وَعْثَاءِ السّفَرِ وَكَآبةِ المُنْقَلَبِ
ـــــــ
الله تعالى فإنه المميت فالمعنى ياناصر أمت العدو، وفي شرح السنة: يامنصور أمت، فالمخاطب كل واحد من المقاتلين ذكره القاري. قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"عن المهلب بن أبي صفرة": بضم المهملة وسكون الفاء "إن بيتم": بصيغة المجهول أي إن بيتكم العدو أي قصدوكم بالقتل ليلاً واختلطتم معه.
قال ابن الأثير: تبييت العدو هو أن يقصد في الليل من غير أن يعلم فيؤخذ بغتة وهو البيات انتهى "حم لا ينصرون": قال الخطابي: معناه الخبر، ولو كان بمعنى الدعاء لكان مجزوماً أي لا ينصروا، وإنما هو إخبار كأنه قال: والله إنهم لا ينصرون. وقد روى عن ابن عباس أنه قال حم اسم من اسماء الله، فكأنه حلف بالله أنهم لا ينصرون.
وقال في النهاية: معناه اللهم لا ينصرون ويريد به الخير لا الدعاء. وقيل إن السور التي أولها حم سور لها شأن فنبه أن ذكرها لشرف منزلتها مما يستظهر بها على استنزال النصر من الله. وقوله لا ينصرون كلام كأنه حين قال قولوا حم قيل ماذا يكون إذا قلناها فقال لا ينصرون. كذا في مرقاة الصعود. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي، وذكر الترمذي أنه روى عن المهلب عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً.
"باب مايقول الرجل إذا سافر"
"اللهم أنت الصاحب في السفر": أي الحافظ والمعين "والخليفة في الأهل": الخليفة من يقوم مقام أحد في إصلاح أمره "من وعثاء السفر": بفتح الواو وسكون العين المهملة أي مشقته وشدته "وكآبة": هي تغير النفس بالانكسار من شدة الهم والحزن، يقال: كئب كآبة واكتئاب فهو كئيب ومكتئب، كذا في النهاية "المنقلب": مصدر ميمي.

(7/185)


وَسُوءِ المَنْظَرِ في الأهْلِ وَالمَالِ، اللّهُمّ اطْوِ لَنَا الأرْضَ وَهَوّنْ عَلَيْنَا السّفَر".
2596 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ أخبرنا عَبْدُالرّزّاقِ أخبرني ابنُ جُرَيْجٍ أخبرني أبُو الزّبَيْرِ أنّ عَلِيّا الأَزْدِيّ أخْبَرَهُ أنّ ابنَ عُمَرَ عَلّمَهُ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ إذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجاً إلى سَفَرٍ كَبّرَ ثَلاَثاً ثُمّ قال: "سُبْحَانَ الّذِي سَخّرَ لَنَا هَذَا وَما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وَإنّا إلَى رَبّنَا لَمُنْقَلِبُونَ. اللّهُمّ إنّي أسْألُكَ في سَفَرِنَا هَذا الْبِرّ وَالتّقْوَى وَمِنَ الْعَمَلِ ما تَرْضَى. اللّهُمّ هَوّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا. اللّهُمّ اطْوِ لَنَا الْبُعْدَ. اللّهُمّ أنْتَ الصّاحِبُ في السّفَرِ والْخَلِيفَةُ في الأهْلِ وَالمَالِ. وَإذَا رَجَعَ قالَهُنّ وَزَادَ فِيهِنّ: آئِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبّنَا حَامِدُونَ". وكَانَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَجُيُوشُهُ إذَا عَلَوْا الثّنَايَا كَبّرُوا. وَإذَا هَبَطُوا سَبّحُوا، فَوُضِعَت الصّلاَةُ عَلَى ذَلِكَ.
ـــــــ
قال الخطابي: أي ينقلب من سفره إلى أهله كئيباً حزيناً غير مقضي الحاجة أو منكوباً ذهب ماله أو أصابته آفة في سفره، أو يقدم على أهله فيجدهم مرضى أو يفقد بعضهم أو ما أشبه ذلك من المكروه "اطو لنا الأرض": أمر من الطي أي قربها لنا وسهل السير فيها "وهون": أي يسر. قال المنذري: وأخرجه النسائي. وقد أخرج مسلم في صحيحه أتم منه من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. وقد أخرج أيضاً من حديث عبد الله بن سرجس رضي الله عنه طرفاً منه.
"استوى على بعيره": أي استقر على ظهر مركوبه "سخر": أي ذلل "هذا": أي المركوب فانقاد لأضعفنا "وما كنا له مقرنين": أي مطيقين قبل ذلك، أو المعنى: ولولا تسخيره ما كنا جميعاً مقتدرين على ركوبه، من أقرن له إذا أطاقه وقوي عليه. قاله القاري "لمنقلبون": أي راجعون واللام للتأكيد "البر": أي الطاعة "والتقوى": أي عن المعصية، أو المراد من البر الإحسان إلى الناس أو من الله إلينا، ومن التقوى ارتكاب الأوامر واجتناب النواهي "ومن العمل ما ترضى": أي به عنا "قالهن": أي الكلمات المذكورة وهي: اللهم إنا نسألك إلخ "آيبون": أي نحن راجعون من السفر بالسلامة إلى الوطن "وإذا علوا الثنايا": جمع ثنية، قال في القاموس: الثنية العقبة أو طريقها أو الجبل أو الطريقة فيه أو إليه "فوضعت الصلاة على ذلك": حيث وضع فيها التسبيح حال الركوع والسجود، والتكبير وقت الرفع. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وآخر حديثهم حامدون.

(7/186)


80 - باب في الدعاء عند الوداع
2597 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا عَبْدُالله بنُ دَاوُدَ عن عَبْدِالعَزِيزِ بنِ عُمَرَ عن إسْمَاعِيلَ بنِ جَرِيرٍ عن قَزَعَةَ قال قال لِي ابنُ عُمَرَ: هَلُمّ أُوَدّعْكَ كَما وَدّعَنِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، أسْتَوْدِعُ الله دِينَكَ وَأمَانَتَكَ وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ.
2598 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ أخبرنا يَحْيَى بنُ إسْحَاقَ السّيْلَحِينِيّ أخبرنا حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ عن أبي جَعْفَرٍ الْخَطْمِيّ عنْ مُحَمّدِ بنِ كَعْبٍ عنْ عَبْدِالله الْخَطْمِيّ قال: كَانَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذَا أرَادَ أنْ يَسْتَوْدِعَ الْجَيْشَ قال : "أسْتَوْدِعُ الله دِينَكُم وَأمَانَتَكُم وَخَواتِيمَ أعْمَالِكُم".
ـــــــ
"باب في الدعاء عند الوداع"
"عن قزعة": بزاي وفتحات وهو ابن يحيى البصري "هلم": أي تعال.
وفي الحجاز يستوي فيه الواحد وغيره ويبنى على الفتح. وفي تميم يثنى ويجمع. قاله في المجمع "أستودع الله دينك": أي أستحفظ وأطلب منه حفظ دينك "وأمانتك": قال الخطابي: الأمانة ههنا أهله ومن يخلفه منهم، وماله الذي يودعه ويستحفظه أمينه ووكيله ومن في معناهما، وجرى ذكر الدين مع الودائع لأن السفر موضع خوف وخطر وقد يصيبه فيه المشقة والتعب فيكون سبباً لإهمال بعض الأمور المتعلقة بالدين فدعا له بالمعونة والتوفيق فيهما انتهى.
وقال في فتح الودود: قوله أمانتك أي ما وضع عندك من الأمانات من الله أو من أحد من خلقه أو ما وضعت أنت عند أحد أو ما يتعلق بك من الأمانات "وخواتيم عملك": جمع خاتم أي ما يختم به عملك أي أخيره، والجمع لإفادة عموم أعماله. قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"السيلحيني": بفتح المهملة واللام بينهما تحتية ساكنة ثم مهملة مكسورة ثم تحتية ساكنة ثم نون قرية قرب بغداد بينه وبينها مقدار ثلاثة فراسخ. كذا في المراصد "إذا أراد أن يستودع الجيش": أي العسكر المتوجه إلى العدو. قال المنذري: وأخرجه النسائي.

(7/187)


81 - باب ما يقول الرجل إذا ركب
2599- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا أبُو الأحْوَصِ أخبرنا أبُو إسْحَاقَ الْهَمْدَانِيّ عن عَلِيّ بنِ رَبِيعَةَ قال: شَهِدْتُ عَلِيّا وَأُتِيَ بِدَابّةٍ لِيَرْكَبَهَا، فَلَمّا وَضَعَ رِجْلَهُ في الرّكَابِ قال: بِسْمِ الله، فَلَمّا اسْتَوَى عَلَى ظَهْرِهَا قال: الْحَمْدُ لله، ثُمّ قال: سُبْحَانَ الله الّذِي سَخّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإنّا إلى رَبّنَا لَمُنْقَلِبُونَ، ثُمّ قالَ: الْحَمدُ لله ثَلاَثَ مَرّاتٍ، ثُمّ قال: الله أكْبَرُ ثَلاَثَ مَرّاتٍ، ثُمّ قال: سُبْحَانَكَ إنّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي، إنّهُ لا يَغْفِرُ الذّنُوبَ إلاّ أنْتَ، ثُمّ ضَحِكَ، فَقيلَ: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ مِنْ أيّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ؟ قال: رَأيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَعَلَ كَما فَعَلْتُ، ثُمّ ضَحِكَ فَقُلْتُ: يَارَسُولَ الله مِنْ أي شَيْءٍ ضَحِكْتَ؟ قال: "إنّ رَبّكَ تعالى يَعْجَبُ مِنْ عَبْدِهِ إذَا قال اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، يَعْلَمُ أنّهُ لا يَغْفِرُ الذّنُوبَ غَيْرِي".

(7/188)


82 - باب ما يقول الرجل إذا نزل المنزل
2600 - حدثنا عَمْرُو بنُ عُثْمانَ أخبرنا بَقِيّةُ حدثني صَفْوَانُ حدّثني شُرَيْحُ بنُ عُبَيَيْدٍ عن الزّبَيْرِ بنِ الْوَلِيدِ عن عَبْدِالله بنِ عَمْرٍ وقال: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا ساَفَرَ فَأَقْبَلَ الّليْلُ قال: "يَا أَرْضُ رَبّي وَرَبّكِ الله. أَعُوذُ بالله مِنْ شَرّكِ وَشَرّ ماَ فِيكِ وَشَرّ ماَ
ـــــــ
"باب مايقول الرجل إذا ركب"
"وأتي": بصيغة المجهول أي جيء "ثم ضحك": أي علي رضي الله عنه "يعجب": بفتح الجيم "من عبده إذا قال اغفر لي ذنوبي": قال الطيبي: أي يرتضي هذا القول ويستحسنه استحسان المعجب. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي. وقال الترمذي: حسن صحيح.
"باب مايقول الرجل إذا نزل المنزل"
"ربي وربك الله": أي فهو المستحق أن يتعوذ به من شرك "أي من شر ما حصل من ذاتك من الخسف والزلزلة والسقوط عن الطريق والتحير في الفيافي": ذكره الطيبي"وشر
فيك": أي ما استقر فيك من الصفات والأحوال الخاصة بطباعك أي العادية كالحرارة والبرودة "وشر ما

(7/188)


ماخُلِقَ فِيكِ، وَمِنْ شَرّ ماَ يَدِبّ عَلَيْكِ، وَأَعُوذُ بالله مِنْ أَسَدٍ وَأَسْوَدِ، وَمِنَ اَلْحيّةِ وَالْعَقْرَبِ، وَمِنْ سَاكِنِي ساكِن الْبَلَدِ، وَمِنْ وَالِدٍ وَمَا وَلَدَ".

(7/189)


83 - باب في كراهية السير في أول الليل
2601 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ أَبي شُعَيْبٍ الْحَرّانيّ أخبرنا زُهَيْرٌ أخبرنا أَبُو الزّبَيْرِ عن جاَبرٍ قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا تُرْسِلُوا فَوَاشِيَكُم إذَا غَابَتِ الشّمْسُ حَتّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ، فإِنّ الشّيَاطِينَ تَعِيثُ إذَا غَابَتِ الشّمْسُ حتّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ".
قال أَبُو دَاوُدَ: الْفَوَاشِي ما يَفْشُو مِنْ كلّ شَيْء.
ـــــــ
خلق فيك": أي من الهوام وغيرها من الفلذات. قاله القاري "وشر ما يدب عليك": بكسر الدال أي يمشي ويتحرك من الحيونات والحشرات مما فيه ضرر "من أسد وأسود": في القاموس: الأسود الحية العظيمة "ومن الحية والعقرب": تعميم بعد تخصيص، وليس الواو العاطفة في بعض النسخ فعلى هذا من بيانية "ومن ساكني البلد": قيل الساكن هو الإنس سماهم لأنهم يسكنون البلاد غالباً، وقيل هو الجن، والمراد بالبلد الأرض. قال تعالى{وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ} "ومن والد وما ولد": قال الخطابي: ويحتمل أن يكون أراد بالوالد إبليس وما ولد الشياطين انتهى. وقيل هما عامان لجميع ما يوجد في التوالد من الحيوانات. قال المنذري: وأخرجه النسائي وفي إسناده بقية بن الوليد وفيه مقال.
باب في كراهية السير في أول الليل
"فواشيكم": جمع فاشية وهي الماشية "فحمة العشاء": بفتح الفاء وسكون الحاء المهملة وهي إقبال الليل وأول سواده تشبيهاً بالفحم "تعيث": أي تفسد، والعيث الإفساد، وفي بعض النسخ تعبث بالموحدة.
"قال أبو داوود الفواشي الخ": قال الخطابي: الفواشي جمع الفاشية وهي ما يرسل من الدواب في الرعي ونحوه فينشر ويفشو انتهى. قال المنذري: وأخرجه مسلم.

(7/189)


84 - باب في أي يوم يستحب السفر
2602 - حدثنا سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ أخبرنا عَبْدُالله بنُ المُبَاركِ عن يُونُسَ بنِ يَزِيدَ عنْ الزّهْرِيّ عنْ عبد الرحمن بنِ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ عنْ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ قال: قَلّ مَا كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَخْرُجُ في سَفَرٍ إلاّ يَوْمَ الخَمِيسِ.

(7/190)


85 - باب في الابتكار في السفر
2603 - حدثنا سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ أخبرنا هُشَيْمٌ أخبرنا يَعْلَى بنُ عَطَاءٍ أخبرنا عُمَارَةُ بنُ حَدِيدٍ عن صَخْرٍ الغْامِدِيّ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم : "الّلهُمّ بَارِكْ لأُمّتي في بُكُورِهَا"، وكَانَ إذَا بَعَثَ سَرِيّةً أَوْ جَيْشاً بَعَثَها مِنْ أَوّلِ النّهَارِ، وكَانَ صَخْرٌ رَجُلاً تَاجِراً، وكَانَ يَبْعَثُ تِجَارَتَهُ مِنْ أَوّلِ النّهَارِ، فأَثْرَى وكَثُرَ مالُهُ.
قال أَبُو دَاوُدَ: وَهُوَ صَخْرُ بنُ وَدَاعَةَ.
ـــــــ
"باب في أي يوم يستحب السفر"
"إلايوم الخميس": قال في الفتح: لعل سببه ما روي من قوله صلى الله عليه وسلم "بورك لأمتي في يوم الخميس" وهو حديث ضعيف. قال: وكونه يحب الخروج يوم الخميس لا يستلزم المواظبة عليه لقيام مانع منه، وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم خرج لحجة الوداع يوم السبت. كذا في النيل. قال المنذري: وأخرجه البخاري والنسائي.
"باب في الابتكار في السفر"
"في بكورها": أي صباحها وأول نهارها، والإضافة لأدنى ملابسة "وكان يبعث تجارته": أي مالها "فأثرى": أي صار ذا ثروة أي مال كثير "وكثر ماله": عطف تفسير. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه.
وقال الترمذي: حديث صخر الغامدي حديث حسن ولا نعرف لصخر الغامدي عن النبي صلى الله عليه وسلم غير هذا الحديث. هذا آخر كلامه. وعمارة بن حديد بجلي سئل عنه أبو حاتم الرازي فقال مجهول، وسئل عنه أبو زرعة الرازي فقال لا نعرف، وقال أبو القاسم البغوي لا أعلم روى صخر الغامدي غير هذا. وذكر أبو علي بن السكن أنه أزدي غامدي سكن الطائف ويعد في أهل الحجاز وقال روى عنه عمارة بن حديد وحده حديثاً واحداً أو عمارة مجهول لم يرو عنه غير يعلى بن عطاء الطائفي وذكر أنه روى من حديث مالك مرسلاً. وقال النمري:

(7/190)


86 - باب في الرجل يسافر وحده
2604 - حدثنا عَبْدُالله بنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبيّ عن مَالِكٍ عن عبد الرحمن بنِ حَرْمَلَةَ عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أَبِيهِ عن جَدّهِ قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "الرّاكِبُ شَيْطَانٌ وَالرّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ وَالثّلاَثَةُ رَكْبٌ ".

(7/191)


87 - باب في القوم يسافرون يؤمرون أحدهم
2605 - حدثنا عَلِيّ بنُ بَحْرِ بنِ بَرّيّ أخبرنا حَاتِمُ بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا مُحمّدُ بنُ عَجْلاَنَ عن نَافِعٍ عن أَبِي سَلْمَةَ عن أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيّ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "إذَا خَرَجَ ثَلاَثَةٌ في سَفَرٍ فَلْيُؤَمّرُوا أَحَدَهُمْ ".
ـــــــ
صخر بن وادعة الغامدي وغامد في الأزد سكن الطائف وهو معدود في أهل الحجاز، وروى عنه عمارة بن حديد وهو مجهول لم يرو عنه غير يعلى الطائفي ولا أعلم لصخر غير حديث "بورك لأمتي في بكورها" وهو لفظ رواه جماعة عن النبي صلى الله عليه وسلم. هذا آخر كلامه. وروى بعضهم أنه روى حديثاً آخر وهو قوله: "لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء" انتهى كلام المنذري.
"باب في الرجل يسافر وحده"
"الراكب شيطان والراكبان شيطانان": قال الخطابي: معناه أن التفرد والذهاب وحده في الأرض من فعل الشيطان، وهو شيء يحمله عليه الشيطان ويدعوه إليه، وكذلك الاثنان، فإذا صاروا ثلاثة فهو ركب أي جماعة وصحب قال: والمنفرد في السفر إن مات لم يكن بحضرته من يقوم بغسله ودفنه وتجهيزه، ولا عنده من يوصى إليه في ماله ويحمل تركته إلى أهله ويورد خبره إليهم، ولا معه في سفره من يعينه على الحمولة، فإذا كانوا ثلاثة تعاونوا وتناوبوا المهنة والحراسة وصلوا الجماعة وأحرزوا الحظ فيها انتهى. ويجيء بعض البيان بعد البابين. والحديث صححه الحاكم وابن خزيمة وأخرجه أيضاً الحاكم من حديث أبي هريرة وصححه. قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"باب في القوم يسافرون بؤمرون أحدهم"
أي يجعلون أحدهم أميراً عليهم. "فليؤمروا أحدهم": قال الخطابي: إنما أمر بذلك ليكون أمرهم جميعاً ولا يتفرق بهم الرأي، ولا يقع بينهم الاختلاف. انتهى. والحديث سكت عنه المنذري.

(7/191)


2606 - حدثنا عَلِيّ بنُ بَحْرٍ أخبرنا حَاتِمُ بنُ إسْمِاعِيلَ أخبرنا مُحمّدُ بنُ عَجْلاَنَ عن نَافِعٍ عن أَبِي سَلَمَةَ عن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "إذَا كَانَ ثَلاَثَةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمّرُوا أَحَدَهُمْ قالَ نَافِعٌ: فَقُلْنَا لأبِي سَلَمَةَ فَأَنْتَ أَمِيرُنَا".

(7/192)


88 - باب في المصحف يسافر به إلى أرض العدو
2607 - حدثنا عَبْدُالله بنُ مَسْلَمَةَ القَعْنَبيّ عن مَالِكٍ عن نَافِعٍ أَنّ عَبْدَالله بنَ عُمَرَ قالَ: نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَن يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ العَدُوّ قالَ مَالِكٌ أُرَاهُ مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ العَدُوّ.

(7/192)


89 - باب في ما يستحب من الجيوش والرفقاء والسرايا
2608 - حدثنا زُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ أَبُو خَيْثَمَةَ أخبرنا وَهْبُ بنُ جَرِيرٍ أخبرنا أبِي قالَ
ـــــــ
"إذا كان ثلاثة": أي مثلاً والمعنى أنه إذا كان جماعة وأقلها ثلاثة "فليؤمروا أحدهم": أي فليجعلوا أحدهم أميراً عليهم.
قال الخطابي: فيه دليل على أن الرجلين إذا حكما رجلاً بينهما في قضية بينهما فقضى بالحق نفذ حكمه انتهى. والحديث سكت عنه المنذري.
"باب في المصحف يسافر به إلى أرض العدو"
"أن يسافر بالقرآن": أي بالمصحف "قال مالك أراه": بضم الهمزة أي أظن "أن يناله": أي القرآن. واعلم أن هذا التعليل قد جاء في رواية ابن ماجه وغيرها مرفوعاً.
قال الحافظ: ولعل مالكاً كان يجزم به ثم صار يشك في رفعه فجعله من تفسير نفسه. قال قال ابن عبدالبر أجمع الفقهاء أن لا يسافر بالمصحف في السرايا والعسكر الصغير المخوف عليه، واختلفوا في الكبير المأمون عليه، فمنع مالك أيضاً مطلقاً، وفصل أبو حنيفة، وأدار الشافعية الكراهة مع الخوف وجوداً وعدماً انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه والله أعلم.
"باب في ما يستحب"
بصيغةالمجهول. "والرفقاء": جمع رفيق ما يستحب من الرفقاء والصحابة في السفر.

(7/192)


90 - باب في دعاء المشركين
2609 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِيّ أخبرنا وَكِيعٌ عن سُفْيَانَ عن عَلْقَمَةَ بنِ مَرْثَدٍ عن سُلَيْمَانَ بنِ بُرَيْدَةَ عن أبِيهِ قالَ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا بَعَثَ أمِيراً عَلَى سَرِيّةٍ أوْ جَيْشٍ أوْصَاهُ بِتَقْوَى الله في خَاصّةِ نَفْسِهِ وَبِمَنْ مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ خَيْراً وَقالَ إذَا لَقِيتَ عَدُوّكَ مِنَ المُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إلَى إحْدَى ثَلاَثِ خِصَالٍ أوْ خِلاَلٍ فأيّتُهَا أجَابُوكَ إلَيْهَا فَاقْبَلْ مِنْهُم وَكُفّ عَنْهُمْ. أُدْعُهُمْ إلَى الإسْلاَمِ فإنْ أجَابُوا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفّ عَنْهُمْ، ثُمّ ادْعُهُمْ إلَى التّحَوّلِ مِنْ دَارِهِمْ إلَى دَارِ المُهَاجِرِينَ وَأعْلِمْهُمْ أنّهُمْ إنْ فَعَلُوا ذَلِكَ أنّ لَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَأنّ عَلَيْهِمْ مَا عَلَى المُهَاجِرِينَ، فَإنْ أبَوْا
ـــــــ
الطلائع أربعون. بل يكون الغلب من سبب آخر كالعجب بكثر العدد وبما زين لهم الشيطان من أنفسهم من قدرتهم على الحرب وشجاعتهم وقوتهم ونحو ذلك. ألا ترى إلى وقعة حنين، فإن المسلمين كان عدتهم فيها اثني عشر ألفاً أو قريباً منها فأعجبهم كثرتهم واعتمدوا عليها وقالوا لن نغلب اليوم عن قلة، فغلبوا عند ذلك. واستدل بهذا الحديث على أن عدد المسلمين إذا بلغ اثني عشر ألفاً أنه يحرم الانصراف وإن زاد الكفار على مثليهم. قال القرطبي: وهو مذهب جمهور العلماء لأنهم جعلوا هذا مخصصاً للاَية الكريمة. انتهى كلام ابن رسلان ملخصاً. قال المنذري: وأخرجه الترمذي، وقال: حسن غريب لا يسنده كثير أحد وذكر أنه روي عن الزهري عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً.
"باب في دعاء المشركين"
أي دعوتهم إلى الإسلام.
"في خاصة نفسه": أي في حق نفسه خصوصاً وهو متعلق بتقوى الله وهو متعلق بأوصاه "وبمن معه من المسلمين خيراً": نصب على انتزاع الخافض أي أوصاه بخير بمن معه من المسلمين "أو خلال": شك من الراوي، والخصال والخلال بكسرهما جمع الخصلة والخلة وهما بمعنى واحد "فأيتها": وفي بعض النسخ أيتهن والضمير للخصال "أجابوك إليها": أي قبلوها منك "وكف عنهم": أي امتنع عن إيذائهم "ادعهم إلى الإسلام": هذه إحدى الخصال الثلاث "ثم ادعهم إلى التحول": أي الانتقال "إلى دار المهاجرين": أي المدينة، وهذا من توابع الخصلة الأولى بل قيل إن الهجرة كانت من أركان الإسلام قبل فتح مكة "وأعلمهم": أي أخبرهم "ذلك": أي التحول "أن لهم ما للمهاجرين": أي من الثواب واستحقاق مال الفيء.

(7/194)


وَاخْتَارُوا دَارَهُمْ فَأعْلِمْهُمْ أنّهُمْ يَكُونُونَ كَأعْرَابِ المُسْلِمِينَ يُجْرَى عَلَيْهِمْ حُكْمُ الله الّذِي يُجْرَى عَلَى المُؤْمِنِينَ وَلاَ يَكُونُ لَهُمْ في الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ نَصِيبٌ إلاّ أنْ يُجَاهِدُوا مَعَ المُسْلِمِينَ، فَإنْ هُمْ أبَوْا فَادْعُهُمْ إلَى إعْطَاءِ الْجِزْيَةِ فإنْ أجَابُوا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفّ عَنْهُمْ، فَإنْ أبَوْا فَاسْتَعِنْ بِالله وَقَاتِلْهُمْ. وَإذَا حَاصَرْتَ أهْلَ حِصْنٍ فَأرَادُوكَ أنْ تُنْزِلهُمْ عَلَى حُكْمِ الله فَلاَ تُنْزِلَهُمْ فَإنّكُمْ لاَ تَدْرُونَ مَا يَحْكُمُ الله فِيهِم وَلَكِنْ أنْزِلُوهُم عَلَى حُكْمِكُمْ ثُمّ اقْضُوا فِيهِمْ بَعْدُ ما شِئْتُمْ قالَ سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ قالَ عَلْقَمَةُ فَذَكَرْتُ هَذَا الحَدِيثَ لمُقَاتِلِ بنِ حَيّانَ فَقَالَ حَدّثَنِي مُسْلِمٌ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: هُوَ ابنُ هَيْصَمَ عن النّعْمَانِ بنِ مُقَرّنٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بنِ بُرَيْدَةَ.
2610 - حدثنا أبُو صَالِحٍ الأَنْطَاكِيّ مَحْبُوبُ بنُ مُوسَى أخبرنا أبُو إسْحَاقَ
ـــــــ
قال الخطابي: إن المهاجرين كانوا أقواماً من قبائل مختلفة تركوا أوطانهم وهجروها في الله تعالى، واختاروا المدينة وطناً، ولم يكن لأكثرهم بها زرع ولا ضرع، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق عليهم مما أفاء الله عليه أيام حياته، ولم يكن للأعراب وسكان البدو في ذلك حظ إلا من قاتل منهم، فإذا شهد الوقعة أخذ سهمه وانصرف إلى أهله فكان فيهم "وأن عليهم ما على المهاجرين": أي من الجهاد والنفير أي وقت دعوا إليه لا يتخلفون. والأعراب من أجاب منهم وقاتل أخذ سهمه، ومن لم يخرج في البعث فلا شيء له من الفيء ولا عتب عليه ما دام في المجاهدين كفاية، قاله الخطابي "فإن أبوا": أي عن التحول "كأعراب المسلمين": أي الذين يسكنون في البوادي "يجرى عليهم": بصيغة المجهول "حكم الله": من وجوب الصلاة والزكاة وغيرهما والقصاص والدية ونحوهما "في الفيء والغنيمة": الغنيمة ما أصيب من مال أهل الحرب وأوجف عليهم المسلمون بالخيل والركاب، والفيء هو ما حصل للمسلمين من أموال الكفار من غير حرب ولا جهاد "فإن هم أبوا": أي عن قبول الإسلام "فادعهم إلى إعطاء الجزية": هذه هي الخصلة الثانية "فإن أجابوا": أي قبلوا بذل الجزية "فاقبل منهم": أي الجزية "فإن أبوا": أي عن الجزية "فاستعن بالله وقاتلهم": هذه هي الخصلة الثالثة "وإذا حاصرت أهل حصن": أي من الكفار "فأرادوك": أي طلبوا منك "على حكم الله": أي على ما يحكم الله فيهم "بعد": مبني على الضم أي بعد إنزالهم. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه. وحديث النعمان بن مقرن أخرجه ابن ماجه.

(7/195)


الْفَزَارِيّ عن سُفْيَانَ عن عَلْقَمَةَ بنِ مَرْثَدٍ عن سُلَيْمَانَ بنِ بُرَيْدَةَ عن أبِيهِ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "اغْزُوا باسْمِ الله وفي سَبِيلِ الله وَقَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بالله. اغْزُوا، وَلا تَغْدُرُوا، وَلا تَغُلّوا، وَلا تُمَثّلُوا، وَلاَ تَقْتُلُوا وَلِيداً".
2611 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا يَحْيَى بنُ آدَمَ وَ عُبَيْدُالله بنُ مُوسَى عن حَسَنِ بنِ صَالِحٍ عن خَالِدِ بنِ الْفِرْزِ حدّثني أنَسُ بنُ مَالِكٍ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "انْطَلِقُوا باسْمِ الله وَبالله وَعَلَى مِلّةِ رَسُولِ الله، وَلا تَقْتُلُوا شَيْخاً فَانِياً وَلاَ طِفْلاً وَلا صَغيراً وَلا امْرَأةً، وَلا تَغُلّوا وَضُمّوا غَنَائِمَكُم وَأصْلِحُوا وَأحْسِنُوا إنّ الله يُحِبّ المُحْسِنِينَ".
ـــــــ
"باسم الله": أي مستعينين بذكر اسمه "ولا تغدروا": بكسر الدال المهملة أي لا تنقضوا عهدكم "ولا تغلوا": بضم الغين المعجمة وتشديد اللام أي لا تخونوا في الغنيمة "ولا تمثلوا": من باب التفعيل هو المشهور رواية، ويروى لا تمثلوا من باب نصر، كذا قيل. وفي تهذيب النووي مثل به يمثل كقتل إذا قطع أطرافه. وفي القاموس: مثل بفلان مثلة بالضم نكل كمثل تمثيلاً "وليداً": أي صبياً: قال المنذري: وهو طرف من الذي قبله.
"عن خالد بن الفرز": بكسر الفاء وفتحها وسكون الراء بعدها زاي مقبول من الرابعة. كذا في التقريب "لا تقتلوا شيخاً فانياً": أي إلا إذا كان مقاتلاً أو ذا رأي. وقد صح أمره عليه السلام بقتل زيد بن الصمة، وكان عمره مائة وعشرين عاماً أو أكثر، وقد جيء به في جيش هوازن للرأي. قاله القاري "ولا طفلاً ولا صغيراً": وفي بعض النسخ ولا طفلاً صغيراً بدون واو العطف، وكذلك في المشكاة. قال القاري: الظاهر أنه بدل أو بيان أي صبياً دون البلوغ واستثنى منه ما إذا كان ملكاً أو مباشراً للقتال "ولا امرأة": أي إذا لم تكن مقاتلة أو ملكة "وضموا": أي اجمعوا "وأصلحوا": أي أموركم "وأحسنوا": أي فيما بينكم. قال المنذري: قال يحيى بن معين: خالد ابن الفزر ليس بذاك. هذا آخر كلامه. وهيصم بفتح الهاء وسكون الياء آخر الحروف وبعدها صاد مهملة وميم، ومقرن بضم الميم وفتح القاف وتشديد الراء المهملة وكسرها ونون والفزر بكسر الفاء وسكون الزاي وبعدها راء مهملة.

(7/196)


91 - باب في الحرق في بلاد العدو
2612 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا اللّيْثُ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم حَرّقَ نَخِيلَ بَنِي النّضِيرِ وَقَطّعَ وَهِيَ الْبُوَيْرَةُ، فَأنْزَلَ الله عَزّوَجَلّ {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ}".
2613 - حدثنا هَنّادُ بنُ السّرِيّ عن ابنِ مُبَارَكٍ عن صَالِحٍ بنِ أبي الأَخْضَرِ عن الزّهْرِيّ قال عُرْوَةُ فَحدّثني أُسَامَةُ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ عَهِدَ إلَيْهِ فقال: "أغِرْ عَلَى أُبْنَى صَبَاحاً وَحَرّقْ" .
2614 - حدثنا عَبْدُالله بنُ عَمْرٍو الْغَزّيّ سَمِعْتُ أبَا مُسْهَرٍ قِيلَ لَهُ أُبْنَى، قال:
ـــــــ
"باب في الحرق في بلاد العدو"
"حرق": من التحريق "نخيل بني النضير": وهم طائفة من اليهود "وقطع": أي أمر بقطع نخيلهم وتحريقها "وهي البويرة": بالتصغير موضع كان به نخل بني النضير{مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ} أي أيّ شيء قطعتم من نخله، وتمام الآية {أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ}.
والحديث يدل على جواز إفساد أموال الحرب بالتحريق والقطع لمصلحة في ذلك.
قال في سبل السلام: وقد ذهب الجماهير إلى جواز التحريق والتخريب في بلاد العدو وكرهه الأوزاعي وأبو ثور واحتجا بأن أبا بكر رضي الله عنه وصى جيوشه أن لا يفعلوا ذلك، وأجيب بأنه رأى المصلحة في بقائه لأنه قد علم أنها تصير للمسلمين فأراد بقاءها لهم. انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"قال عروة": ولفظ ابن ماجه من طريق وكيع عن صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن عروة بن الزبير عن أسامة بن زيد قال: "بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قرية يقال لها أبنى، فقال ائت أبنى صباحاً ثم حرق" "أغر": أمر من الإغارة "على أبنى": بضم الهمزة والقصر اسم موضع من فلسطين بين عسقلان والرملة. قاله القاري "صباحاً": أي حال غفلتهم، وفجاءة نبهتهم، وعدم أهبتهم "وحرق": بصيغة الأمر أي زروعهم وأشجارهم وديارهم. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه.
"الغزي": بفتح الغين المعجمة وتشديد الزاي مدينة في أقصى الشام من ناحية مصر بينها

(7/197)


نَحْنُ أعْلَمُ هِيَ يُبْنَا فِلَسْطِينَ.

(7/198)


92 - باب في بعث العيون
2615 - حدثنا هَارُونُ بنُ عَبْدِالله أخبرنا هَاشِمُ بنُ الْقَاسِمِ أخبرنا سُلَيْمَانُ - يَعني ابنَ المُغِيرَةِ - عن ثَابِتٍ عن أنَسٍ قال: بَعَثَ - يَعني النّبيّ صلى الله عليه وسلم - بُسَيْسَةَ عَيْناً يَنْظُرُ مَا صَنَعَتْ عِيرُ أبي سُفْيَانَ.

(7/198)


93 - باب في ابن السبيل يأكل من التمر[الثمر] ويشرب من اللبن إذا مر به
2616 - حدثنا عَيّاشُ بنُ الْوَلِيدِ الرّقّامُ أخبرنا عَبْدُالأَعْلَى أخبرنا سَعِيدٌ عن قَتَادَةَ عن الْحَسَنِ عن سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ أنّ نَبيّ الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذَا أتَى أحَدُكُم عَلَى مَاشِيَةٍ فإنْ
ـــــــ
وبين عسقلان فرسخان "قيل له": أي لأبي مسهر "هي يبنا فلسطين": قال بالتحتية بدل الهمزة. قال في المجمع: أبنى موضع من فلسطين، ويقال يبنى.
"باب في بعث العيون"
جمع عين بمعنى الجاسوس.
"بسيسة": بالتصغير اسم رجل "عيناً": أي جاسوساً "عير أبي سفيان": أي قافلته. قال في القاموس: العير بالكسر القافلة مؤنثة. قال المنذري: وأخرجه مسلم وبسبسة بضم الباء الموحدة وبعدها سين مهملة ساكنة وبعدها باء بواحدة مفتوحة وسين مهملة مفتوحة وتاء تأنيث ويقال بسبس ليس فيه تاء تأنيث وقيل فيه تأنيث، وقيل فيه أيضاً بسيسة بضم الباء الموحدة وياء آخر الحروف ساكنة بين السينين وتاء تأنيث وهو بسبسة بن عمرو، ويقال ابن بشر انتهى كلام المنذري.
"باب في ابن السبيل يأكل الخ"
"على ماشية": في القاموس: الماشية الإبل والغنم "فإن كان فيها": أي في الماشية
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وقد روى البيهقي من حديث يزيد بن هارون عن سعيد الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أتى أحدكم على راع فليناد ياراعي الإبل ثلاثا فإن أجابه وإلا

(7/198)


94 - باب من قال إنه يأكل مما سقط
2619 - حدثنا عُثْمَانُ وَ أبُو بَكْرٍ ابْنَا أبي شَيْبَةَ وَهَذَا لَفْظُ أبي بَكْرٍ عن مُعْتَمِرِ بنِ سُلَيْمَانَ قال سَمِعْتُ ابنَ أبي حَكَمِ الْغِفَارِيّ يَقُولُ حدّثَتْني جَدّتِي عن عَمّ أبي رَافِعٍ بنِ
ـــــــ
"أصابني سنة": أي مجاعة وقحط "حائطاً": أي بستاناً "ففركت": قال في القاموس: فرك السنبل دلكه انتهى وهو من باب نصر "فجاء صاحبه": أي مالك الحائط "فقال": أي النبي صلى الله عليه وسلم "له": أي لصاحب الحائط "ما علمت": من التعليم "إذا كان جاهلاً": أي فكان اللائق بك تعليمه أولاً "أو قال ساغباً": أي جائعاً والشك من الراوي، قال الخطابي: وفيه أنه صلى الله عليه وسلم عذره بالجهل حين حمل الطعام ولام صاحب الحائط إذ لم يطعمه إذ كان جائعاً. قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه.
وقد قيل إنه ليس لعباد بن شرحبيل اليشكري العنبري سوى هذا الحديث وذكر أبو القاسم البغوي أنه سكن البصرة وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثاً لم يحدث به غير أبي بشر جعفر بن إياس، وذكر له هذا الحديث.
"رجلاً منا": بدل من عباد "من بني غبر": على وزن زفر قبيلة من يشكر كذا في التاج "بمعناه": أي بمعنى الحديث السابق.
"باب من قال إنه يأكل مما سقط"
لم يوجد هذا الباب إلا في بعض النسخ.

(7/205)


عَمْرِو الْغِفَارِيّ قال: "كُنْتُ غُلاَماً أرْمِي نَخْلَ الأنْصَارِ فَأُتِيَ بِي النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: "يَاغُلاَمُ لِمَ تَرْمِي النّخْلَ؟ قال: آكُلُ، قال: فَلاَ تَرْمِي النّخْلَ وَكُلْ مَا يَسْقُطُ في أسْفَلِهَا"، ثُمّ مَسَحَ رَأْسَهُ فقال: "اللّهُمّ أشْبِعْ بَطْنَهُ".

(7/206)


95 - باب فيمن قال لا يحلب
2620 - حدثنا عَبْدُالله بنُ مَسْلَمَةَ عن مَالِكٍ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يَحْلُبَنّ أحَدٌ مَاشِيَةَ أحَدٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ، أيُحِبّ أحَدُكُم أنْ تُؤْتَى مَشْرَبَتَهُ فَتُكْسَرَ خَزَانَتُهُ فَيُنْتَثَلَ طَعَامُهُ فإنّمَا تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَواشِيهم أطْعِمَتَهُمْ، فَلاَ يَحْلُبَنّ أحَدٌ مَاشِيَةَ أحَدٍ إلاّ بِإذْنِهِ".
ـــــــ
"أرمي نخل الأنصار": أي أرمي الحجارة عليها ليسقط ثمرها فآكلها "وكل ما يسقط في أسفلها": فيه دليل لما ترجم به المصنف رحمه الله. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه. وقال الترمذي: حديث حسن غريب صحيح.
"باب فيمن قال لايحلب"
أي ماشية الغير بلا إذنه.
-"أيحب أحدكم أن تؤتى": بصيغة المجهول والاستفهام للانكار "مشربته": بفتح الميم وسكون الشين وضم الراء وفتحها. قال النووي: هي كالغرفة يخزن فيها الطعام وغيره انتهى "خزانته": بكسر الخاء هي مثل المخزون "فينتثل": بصيغة المجهول وبالنون والثاء المثلثة من باب الافتعال أي ينثر ويستخرج، وفي بعض النسخ ينتقل من الانتقال "فإنما تخزن لهم": من باب نصر، يقال خزن المال أي أحرزه "ضروع مواشيهم": فاعل تخزن "أطعمتهم": جمع طعام مفعول "فلا يحلبن الخ": كرر النهي للتأكيد.
قال القاري: والمعنى أن ضروع مواشيهم في حفظ اللبن بمنزلة خزائنكم التي تحفظ طعامكم، فمن حلب مواشيهم فكأنه كسر خزائنهم وسرق منها شيئاً. في شرح السنة: العمل على هذا عند أكثر أهل العلم، أنه لا يجوز أن يحلب ماشية الغير بغير إذنه إلا إذا اضطر في مخمصة. وذهب أحمد وإسحاق وغيرهما إلى إباحته لغير المضطر أيضاً إذا لم يكن المالك حاضراً، فإن أبا بكر رضي الله عنه حلب لرسول الله صلى الله عليه وسلم لبناً من غنم رجل من قريش يرعاها عبد له وصاحبها غائب في هجرته إلى المدينة، ولحديث سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إذا أتى

(7/206)


96 - باب في الطاعة
2621 - حدثنا زُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ أخبرنا حَجّاجٌ قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ {يا أيّهَا الّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا الله وَأطِيعُوا الرّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمُ} في عَبْدِالله بنُ قَيْسِ بنِ عَدِيّ بَعَثَهُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم في سَرِيّةٍ أخْبَرَنِيهُ يَعْلَى عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبّاسٍ.
2622 - حدثنا عَمْرُو بنُ مَرْزُرقٍ أنْبأنَا شُعْبَة عن زُبَيْدٍ عن سَعْدِ بنِ عُبَيْدَةَ عن أبي عبد الرحمن السّلَمِيّ عن عَلِيّ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم بَعَثَ جَيْشاً وَأمّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلاً وَأمَرَهُمْ
ـــــــ
أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها" الحديث. وقد رخص بعضهم لابن السبيل في أكل ثمار الغير لما روي عن ابن عمر رضي الله عنه بإسناد غريب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من دخل حائطاً ليأكل غير متخذ خبنة فلا شيء عليه" وعند أكثرهم لا يباح إلا بإذن المالك إلا لضرورة مجاعة كما سبق انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم.
"باب في الطاعة"
أي طاعة الأمراء.
"وأولي الأمرمنكم": قال النووي: المراد بأولي الأمر من أوجب الله طاعته من الولاة والأمراء. هذا قول جماهير السلف والخلف من المفسرين والفقهاء وغيرهم، وقيل هم العلماء، وقيل الأمراء والعلماء. وأما من قال الصحابة خاصة فقد أخطأ انتهى "عبد الله بن قيس": بالرفع على أنه مبتدأ وخبره قوله بعثه. والمعنى نزلت تلك الآية في شأنه، وفي بعض النسخ في عبد الله بن قيس وهو ظاهر، وفي رواية مسلم نزل{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} في عبد الله بن حذافة بن قيس إلخ. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.
"وأمر عليهم رجلاً": قيل هو علقمة بن مجزز، وقيل إنه عبد الله بن حذافة السهمي
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وقد استشكل قوله صلى الله عليه وسلم: "ما خرجوا منها أبدا ولم يزالوا فيها" مع كونهم لو فعلوا ذلك لم يفعلوه إلا ظنا منهم أنه من الطاعة الواجبة عليهم وكانوا متأولين.

(7/207)


أنْ يَسْمَعُوا لَهُ وَيُطِيعُوا، فَأجّجَ نَاراً وَأمَرَهُمْ أنْ يَقْتَحِمُوا فِيهَا، فَأبَى قَوْمٌ أنْ يَدْخُلُوهَا وَقالُوا: إنّمَا فَرَرْنَا مِنَ النّارِ وَأرَادَ قَوْمٌ أنْ يَدْخُلُوهَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالَ: "لَوْ دَخَلُوهَا أوْ دَخَلُوا فيهَا لَمْ يَزَالُوا فيهَا"، وَقَالَ: "لا طَاعَةَ في مَعْصِيَةِ الله، إنّمَا الطّاعَةُ في المَعْرُوفِ".
2623 - حدثنا مُسْدَدٌ أخبرنا يَحْيَى عن عُبَيْدِالله حَدّثَني نَافِعٌ عن عَبْدِالله عن
ـــــــ
"فأجج": بجيمين أوليهما مشددة أي أوقد "أن يقتحموا": أي يدخلوا "إنما فررنا من النار": أي بترك دين آبائنا "أو دخلوا فيها": شك من الراوي "لم يزالوا فيها": قال الحافظ: الاحتمال الظاهر أن الضمير للنار التي أوقدت لهم أي ظنوا أنهم إذا دخلوا بسبب طاعة أميرهم لا تضرهم، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنهم لو دخلوا فيها لاحترقوا فماتوا فلم يخرجوا انتهى. وذكر له توجيهات في الفتح "لا طاعة في معصية الله": قال الخطابي: هذا يدل على أن طاعة الولاة لا تجب إلا في المعروف كالخروج في البعث إذا أمر به الولاة، والنفوذ لهم في الأمور التي هي الطاعات ومصالح للمسلمين، فأما ما كان منها معصية كقتل النفس المحرمة وما أشبههه فلا طاعة لهم في ذلك "إنما الطاعة في المعروف": لا في المنكر والمراد بالمعروف ما كان من الأمور المعروفة في الشرع، هذا تقييد لما أطلق في الأحاديث المطلقة القاضية بطاعة أولي الأمر على العموم. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
والجواب عن هذا أن دخولهم إياها معصية في نفس الأمر وكان الواجب عليهم أن لايبادروا وأن يتثبتوا حتى يعلموا هل ذلك طاعة لله ورسوله أم لا فأقدموا على الهجوم والاقتحام من غير تثبت ولا نظر فكانت عقوبتهم أنهم لم يزالوا فيها.
وقوله: "أبدا" لا يعطي خلودهم في نار جهنم فإن الإخبار إنما هو عن نار الدنيا. والأبد كثيرا ما يراد به أبد الدنيا قال تعالى في حق اليهود {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً} وقد أخبر عن الكفار أنهم يتمنون الموت في النار ويسألون ربهم أن يقضي عليهم بالموت وقد جاء في بعض الروايات أن هذا الرجل كان مازحا وكان معروفا بكثرة المزاح والمعروف أنهم أغضبوه حتى فعل ذلك.
وفي الحديث دليل أن على من أطاع ولاة الأمر في معصية الله كان عاصيا وأن ذلك لا يمهد له عذرا عند الله بل إثم المعصية لاحق له وإن كان لولا الأمر لم يرتكبها وعلى هذا يدل هذا الحديث وهو وجهه. وبالله التوفيق.

(7/208)


رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أنّهُ قالَ: "السّمْعُ وَالطّاعَةُ عَلَى المَرْءِ المُسْلِمِ فِيمَا أحَبّ وَكَرِهَ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ فَإذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلاَ سَمْعَ وَلاَ طَاعَةَ".
2624 - حدثنا يَحْيَى بنُ مَعِينٍ أخبرنا عَبْدُالصّمَدِ بنُ عَبْدِالوَارِثِ أخبرنا سُلَيْمَانُ بنُ المُغِيرَةِ أخبرنا حُمَيْدُ بنُ هِلاَلٍ عن بِشْرِ بنِ عَاصِمٍ عن عُقْبَةَ بنِ مَالِكٍ مِنْ رَهْطِهِ قالَ: بَعَثَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم سَرِيّةً فَسَلّحْتُ رَجُلاً مِنْهُمْ سَيْفاً فَلَمّا رَجَعَ قالَ لَوْ رَأيْتَ مَا لاَمَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم. قالَ أعَجَزْتُمْ إذْ بَعَثْتُ رَجُلاً مِنْكُمْ فَلَمْ يَمْضِ لأمْرِي أنْ تَجْعَلُوا مَكَانَهُ مَنْ يَمْضِي لأمْرِي.
ـــــــ
"السمع والطاعة": أي ثابتة أو واجبة للإمام أو نائبه "مالم يؤمر": أي المرء المسلم "فإذا أمر": بضم الهمزة. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه.
"من رهطه": أي من قومه "فسلحت": بتخفيف اللام وإن شددته فللتكثير، والتكثير ههنا غير مناسب. كذا في فتح الودود. والمعنى أعطيت، يقال سلحته إذا أعطيته سلاحاً "منهم": أي من الغزاة "سيفاً": ليقتل المشركين "فلما رجع": ذلك الرجل بعد ما قتل رجلاً الذي أظهر إيمانه كما سيجيء "ما لامنا": من اللوم "قال": أي النبي صلى الله عليه وسلم وهذا بيان للومه النبي صلى الله عليه وسلم "فلم يمض لأمري": قال في المجمع في مادة مضى: وفيه إذا بعثت رجلاً فلم يمض أمري أي إذا أمرت أحداً بأن يذهب إلى أمر أو بعثته لأمر ولم يمض عصاني فاعزلوه "أن تجعلوا": أي أعجزتم من أن تجعلوا. وأورد ابن الأثير في أسد الغابة وابن حجر في الإصابة من رواية النسائي والبغوي وابن حبان وغيرهم من طريق سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال قال: أتينا بشر بن عاصم فقال حدثنا عقبة بن مالك وكان من رهطه قال "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فأغارت على قوم فشد من القوم رجل فأتبعه من السرية رجل معه سيف شاهر فقال له الشاد إني مسلم فلم ينظر إلى ما قال فضربه فقتله، فنما الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال فيه قولاً شديداً فبلغ القاتل، فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إذ قال القاتل والله ما كان الذي قال إلا تعوذاً من القتل فأعرض عنه، فعل ذلك ثلاثاً فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه تعرف المساءة في وجهه فقال إن الله عزوجل أبى عليّ فيمن قتل مؤمناً ثلاث مرات" انتهى. قال المنذري: ذكر أبو عمر النميري وغيره أن عقبة هذا روى عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثاً واحداً.

(7/209)


97 - باب ما يؤمر من انضمام العسكر وسعته
2625 - حدثنا عَمْرُو بنُ عُثْمَانَ الْحِمْصِيّ وَ يَزِيدُ بنُ قُبَيْسٍ مِنْ أهْلِ جَبَلَةَ سَاحِلِ حِمْصَ وَهَذَا لَفْظُ يَزِيدَ قالا أخبرنا الْوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ عن عَبْدِالله بنِ العَلاَءِ أنّهُ سَمِعَ مُسْلِمَ بنَ مِشْكَمٍ أبَا عُبَيْدِالله يَقُولُ حَدّثَنا أبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيّ قالَ: "كَانَ النّاسُ إذَا نَزَلُوا مَنْزِلاً قالَ عَمْرٌو وَكَانَ النّاسُ إذَا نَزَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مَنْزِلاً تَفَرّقُوا في الشّعَابِ وَالأوْدِيَةِ فَقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "إنّ تَفَرّقَكُمْ فِي هَذِهِ الشّعَابِ وَالأوْدِيَةِ إنّمَا ذَلِكُمْ مِنَ الشّيْطَانِ" . فَلَمْ يَنْزِلْ بَعْدَ ذَلِكَ مَنْزِلاً إلاّ انْضَمّ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ حَتّى يُقَالُ لَوْ بُسِطَ عَلَيْهِمْ ثَوْبٌ لَعَمّهُمْ.
2626 - حدثنا سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ أخبرنا إسْمَاعِيلُ بنُ عَيّاشٍ عن أسِيدِ بنِ عبد الرحمن الْخَثْعَمِيّ عن فَرْوَةَ بنِ مُجَاهِدٍ اللّخْمِيّ عن سَهْلِ بنِ مَعَاذِ بنِ أنَسٍ الْجُهَنِيّ عن أبِيهِ قالَ: غَزَوْتُ مَعَ نَبِيّ صلى الله عليه وسلم غَزْوَةَ كَذَا وَكَذَا فَضَيّقَ النّاسُ المَنَازِلَ وَقَطَعُوا الطّرِيقَ، فَبَعَثَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم مُنَادِياً يُنَادِي في النّاسِ أنّ مَنْ ضَيّقَ مَنْزِلاً أوْ قَطَعَ طَرِيقاً فَلاَ جِهَادَ لَهُ.
ـــــــ
"باب مايؤمر من انضمام العسكر وسعته"
"يزيد بن قبيس": بموحدة ومهملة مصغراً ثقة "ساحل حمص": بدل من جبلة "مسلم بن مشكم": بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الكاف "أبا عبيد الله": كنية مسلم بن مشكم "قال عمرو": هو ابن عثمان "في الشعاب": بكسر أوله جمع الشعب وهو الطريق في الجبل أو ما انفرج بين الجبلين "والأودية": جمع الوادي وهو المسيل مما بين الجبلين "إنما ذلكم": أي تفرقكم "من الشيطان": أي ليخوف أولياء الله ويحرك أعداءه "فلم ينزل": أي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي بعض النسخ فلم ينزلوا أي الناس "بعد ذلك": أي القول "لو بسط": بصيغة المجهول "لعمهم": أي لشمل جميعهم. قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"عن أسيد بن عبدالرحمن": بفتح الهمزة وكسر المهملة "فضيق الناس المنازل": أي على غيرهم بأن أخذ كل منزلاً لا حاجة له فيه أو فوق حاجته "وقطعوا الطريق": أي بتضييقها على المارة "فلا جهاد له": فيه أنه لا يجوز لأحد تضييق الطريق التي يمر بها الناس، ونفى جهاد من فعل ذلك على طريق المبالغة في الزجر والتنفير، وكذلك لا يجوز تضييق المنازل التي ينزل

(7/210)


2627 - حدثنا عَمْرُو بنُ عُثْمَانَ أخبرنا بَقِيّةُ عن الأَوْزَاعِيّ عن أسِيدِ بنِ عبد الرحمن عن فَرْوَةَ بنِ مُجَاهِدٍ عن سَهْلِ بنِ مُعَاذٍ عن أبِيهِ قالَ: غَزَوْنَامَعَ نَبِيّ الله صلى الله عليه وسلم بِمَعْنَاهُ.

(7/211)


98 - باب في كراهية تمني لقاء العدو
2628 - حدثنا أبُو صَالِحٍ مَحْبُوبُ بنُ مُوسَى أخبرنا أبُو إسْحَاقَ الفَزّارِيّ عن مُوسَى بنِ عُقْبَةَ عن سَالِمٍ أبِي النّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بنِ عُبَيْدِالله يَعْني ابنَ مَعْمَرٍ وكَانَ كَاتِباً لَهُ قالَ: "كَتَبَإلَيْهِ عَبْدُالله بنُ أبِي أوْفَى حِينَ خَرَجَ إلى الْحَرُوْرِيّةِ إنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فِي بَعْضِ أيّامِهِ الّتِي لَقِيَ فِيهَا العَدُوّ قالَ: "يَا أيّهَا النّاسُ لاَ تَتَمَنّوْا لِقَاءَ العَدُوّ وَسَلُوا الله
ـــــــ
فيها المجاهدون لما في ذلك من الإضرار بهم. قال المنذري: سهل بن معاذ ضعيف، وفيه أيضاً إسماعيل وفيه مقال.
"باب في كراهية تمني لقاء العدر"
"وكان": أي سالم "كاتباً له": أي لعمر بن عبيد الله "كتب إليه": أي إلى عمر بن عبيد الله "عبد الله بن أبي أوفى": فاعل كتب. ولفظ مسلم من طريق ابن جريج أخبرني موسى بن عقبة عن أبي النضر عن كتاب رجل من أسلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له عبد الله بن أبي أوفى فكتب إلى عمر بن عبيد الله حين سار إلى الحرورية وعمر بن عبيد الله بن معمر هو التيمي وكان أميراً على حرب الخوارج. ذكره ابن أبي حاتم وذكر له رواية عن بعض التابعين ولم يذكر فيه جرحاً. كذا في الفتح "إلى الحرورية": بفتح الحاء وضم الراء وهم طائفة من الخوارج نسبوا إلى حر وراء بالمد والقصر وهو موضع قريب من الكوفة "لا تتمنوا لقاء العدو": قال ابن بطال: حكمة النهي أن المرء لا يعلم ما يؤول إليه الأمر، وهو نظير سؤال العافية من الفتن. وقال غيره: إنما نهي عن تمني لقاء العدو لما فيه من صورة الإعجاب والاتكال على النفوس والوثوق بالقوة وقلة الاهتمام بالعدو، وكل ذلك يبائن الاحتياط والأخذ بالحزم. وقيل: يحمل النهي على ما إذا وقع الشك في المصلحة أو حصول الضرر وإلا فالقتال فضيلة وطاعة. ويؤيد الأول تعقيب النهي بقوله "وسلوا الله العافية": قال النووي: وهي من الألفاظ العامة المتناولة لدفع جميع المكروهات في البدن والباطن في الدين والدنيا و الآخرة فاصبروا أي اثبتوا ولا تظهروا التألم من شيء يحصل لكم. فالصبر في القتال هو كظم ما يؤلم من غير إظهار شكوى ولا جزع، وهو

(7/211)


العَافِيَةَ، فَإذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا وَاعْلَمُوا أنّ الْجَنّةَ تَحْتَ ظِلاَلِ السّيُوفِ. ثُمّ قالَ: اللّهُمّ مُنْزِلَ الكِتَابِ مُجْرِيَ السّحَابِ وَهَازِمَ الأحْزَابِ اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ".

(7/212)


99 - باب ما يدعى عند اللقاء
2629 - حدثنا نَصْرُ بنُ عَلِيّ أخبَرَني أبِي أخبرنا المُثَنّى بنُ سَعِيدٍ عن قَتَادَةَ عن أنَسِ بنِ مَالِكٍ قالَ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا غَزَا قالَ "اللّهُمّ أنْتَ عَضُدِي وَنَصِيرِي، بِكَ أحُولُ وَبِكَ أصُولُ وَبِكَ أُقَاتِلُ".
ـــــــ
الصبر الجميل "أن الجنة تحت ظلال السيوف": قال الخطابي: معنى ظلال السيوف الدنو من القرن حتى يعلوه بظل سيفه لا يولي عنه ولا ينفر منه، وكل ما دنا منك فقد أظلك. وقال في النهاية: هو كناية عن الدنو من الضراب في الجهاد حتى يعلوه السيف ويصير ظله عليه. وقال النووي: معناه أن الجهاد وحضور معركة الكفار طريق إلى الجنة وسبب لدخولها "منزل الكتاب": جنسه أو القرآن "وهازم الأحزاب": أي أصناف الكفار السابقة من قوم نوح وثمود وعاد وغيرهم "اهزمهم": أي هؤلاء الكفار قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم.
"باب مايدعى عند اللقاء"
أي لقاء العدو.
"اللهم أنت عضدي": بفتح مهملة وضم معجمة أي معتمدي فلا أعتمد على غيرك. وقال في القاموس: العضد بالفتح وبالضم وبالكسر وككتف وندس وعنق ما بين المرفق إلى الكتف. والعضد الناصر والمعين، وهم عضدي وأعضادي "ونصيري": أي معيني عطف تفسيري "بك أحول": أي أصرف كيد العدو وأحتال لدفع مكرهم، من حال يحول حيلة وأصله حولة. قاله القاري "وبك أصول": أي أحمل على العدو حتى أغلبه وأستأصله، ومنه الصولة بمعنى الحملة "وبك أقاتل": أي أعداءك. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي. وقال الترمذي: حديث حسن غريب والله أعلم.

(7/212)


100 - باب في دعاء المشركين
2630 - حدثنا سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ أخبرنا إسْمَاعِيلُ بنُ إبْرَاهِيمَ أنْبأنَا ابنُ عَوْنٍ قالَ: كَتَبْتُ إلَى نَافِعٍ أسْأَلُهُ عن دُعَاءِ المُشْرِكِينَ عِنْدَ القِتَالِ، فَكَتَبَ إلَيّ أنّ ذَلِكَ كَانَ في أوّلِ الإسْلاَمِ وَقَدْ أغَارَ نَبِيّ الله صلى الله عليه وسلم بَنِي المُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارّونَ وَأنْعَامُهُمْ تَسْقَى عَلَى المَاءِ فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ وَسَبَى سَبْيَهُمْ وَأصَابَ يَوْمَئِذٍ جُوَيْرِيّةَ بِنْتَ الْحَارِثِ" حدّثني بِذَلِكَ عَبْدُالله وَكَانَ في ذَلِكَ الْجَيْشِ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: هَذَا حَدِيثٌ نَبِيلٌ رَوَاهُ ابنُ عَوْنٍ عن نَافِعٍ وَلَمْ يُشْرِكْهُ فِيهِ أحَدٌ.
2631 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ أنْبأنَا ثَابِتٌ عن أنَسٍ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُغِيرُ عِنْدَ صَلاَةِ الصّبْحِ وَكَانَ يَتَسَمّعُ فَإذَا سَمِعَ أذَاناً أمْسَكَ وَإلاّ أغَارَ.
ـــــــ
"باب في دعاء المشركين"
أي إلى الإسلام عند القتال.
"إن ذلك": أي دعاء المشركين إلى الإسلام "بني المصطلق": بضم الميم وسكون المهملة وفتح الطاء وكسر اللام بعدها قاف بطن شهير من خزاعة "وهم غارون": بالغين المعجمة وتشديد الراء جمع غار أي غافلون فأخذهم على غزة، والجملة حال "فقتل": أي النبي صلى الله عليه وسلم "مقاتلتهم": بكسر التاء جمع مقاتل: والتاء باعتبار الجماعة والمراد بها ههنا من يصلح للقتال وهو الرجل البالغ العاقل "وسبى سبيهم": أي نساءهم وصبيانهم. قال في السبل: الحديث دليل على جواز المقاتلة قبل الدعاء إلى الإسلام في حق الكفار الذين قد بلغتهم الدعوة من غير إنذار، وهذه أصح الأقوال الثلاثة في المسألة، وهي عدم وجوب الإنذار مطلقاً، والثاني وجوبه مطلقاً، والثالث يجب إن لم تبلغهم الدعوة ولا يجب إن بلغتهم ولكن يستحب. قال ابن المنذر: وهو قول أكثر أهل العلم، وعلى معناه تظافرت الأحاديث الصحيحة انتهى "هذا حديث نبيل": أي جيد يقال فلان نبيل الرأي أي جيده ولم يشركه فيه أحد: أي ابن عون تفرد بهذا الحديث. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"وكان يتسمع": بشدة الميم من باب التفعل أي يضع أذنه ويتوجه بسمعه إلى صوت الأذان "أمسك": أي امتنع من الإغارة "وإلا": أي وإن لم يسمع الأذان "أغار": لكونه علامة الكفر

(7/213)


2632 - حدثنا سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ أخبرنا سُفْيَانُ عن عَبْدِالمَلِكِ بنِ نَوْفَلِ بنِ مُسَاحِقٍ عن ابنِ عِصَامٍ المُزَنِيّ عن أبِيهِ قالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فِي سَرِيّةٍ فَقَالَ: "إذَا رَأيْتُمْ مَسْجِداً أوْ سَمِعْتُمْ مُؤَذّناً فَلاَ تَقْتُلُوا أحَداً".

(7/214)


101 - باب المكر في الحرب
2633 - حدثنا سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ أخبرنا سُفْيَانُ عن عَمْرٍو أنّهُ سَمِعَ جَابِراً أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "الْحَرْبُ خُدْعَةٌ".
2634 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ عُبَيْدٍ أخبرنا ابنُ ثَوْرٍ عن مَعْمَرٍ عن الزّهْرِيّ عن عبد الرحمن بنِ كَعْبٍ بنِ مَالِكٍ عن أبِيهِ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إذَا أرَادَ غَزْوَةً وَرّى غَيْرَهَا وَكَانَ يَقُولُ" الْحَرْبُ خُدْعَةٌ".
ـــــــ
قال الخطابي: فيه بيان أن الأذان شعار لدين الإسلام فلو أن أهل بلد أجمعوا على تركه كان للسلطان قتالهم عليه. ذكره القاري. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي.
"إذا رأيتم مسجداً": أي في ديار العدو "أو سمعتم مؤذناً": أي أذانه. قال في النيل: فيه دليل على أن مجرد وجود المسجد في البلد كاف في الاستدلال به على إسلام أهله وإن لم يسمع منه الأذان لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر سراياه بالاكتفاء بأحد الأمرين إما وجود مسجد أو سماع الأذان. قال المنذري:وأخرجه الترمذي والنسائي وقال الترمذي: حسن غريب والله أعلم.
"باب المكر في الحرب"
"الحرب خدعة": قال النووي: فيها ثلاث لغات مشهورات اتفقوا على أن أفصحهن خدعة بفتح الخاء وإسكان الدال. قال ثعلب وغيره: وهي لغة النبي صلى الله عليه وسلم، والثانية بضم الخاء وإسكان الدال، والثالثة بضم الخاء وفتح الدال واتفق العلماء على جواز خداع الكفار في الحرب كيف أمكن الخداع إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يحل. وقد صح في الحديث جواز الكذب في ثلاثة أشياء أحدها في الحرب انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.
"أخبرنا ابن ثور": هو محمد بن ثور. قاله المزي. وفي بعض النسخ أبو ثور وهو غلط "ورّى غيرها": من التورية وهي أن يريد الانسان شيئاً فيظهر غيره كذا في مرقاة الصعود. قال ابن

(7/214)


قَالَ أبُو دَاوُدَ: لَمْ يَجِيءَ بِهِ إلاّ مَعْمَرٌ يُرِيدُ قَوْلَهُ: "الْحَرْبُ خُدْعَةٌ" بِهَذَا الإسْنَادِ إنّمَا يُرْوَى مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بنِ دِينَارٍ عن جَابِرٍ، وَمِنْ حَدِيثِ مَعْمَرٍ عن هَمّامِ بنِ مُنَبّهٍ عن أبِي هُرَيْرَةَ.

(7/215)


102 - باب في البيات
2635 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ أخبرنا عَبْدُالصّمَدِ وَ أبُو عَامِرٍ عن عِكْرِمَةَ بنِ عَمّارٍ أخبرنا إيَاسُ بنُ سَلَمَةَ عن أبِيهِ قالَ: أمّرَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَيْنَا أبَا بَكْرٍ فَغَزَوْنَا نَاساً مِنَ المُشْرِكِينَ فَبَيّتْنَاهُمْ نَقْتُلُهُمْ وَكَانَ شِعَارُنَا تِلْكَ اللّيْلَةَ أمِتْ أمِتْ. قالَ سَلَمَةُ فَقَتَلْتُ بِيَدِي تِلْكَ اللّيْلَةَ سَبْعَةَ أهْلِ أبْيَاتٍ مِنَ المُشْرِكِينَ.

(7/215)


103 - باب لزوم الساقة
2636 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ شَوْكَرٍ حدثنا إسْمَاعِيلُ بنُ عُلَيّةَ أخبرنا الْحَجّاجُ بنُ أبِي عُثْمَانَ عن أبِي الزّبَيْرِ أنّ جَابِرَ بنَ عَبْدِالله حَدّثَهُمْ قالَ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَتَخَلّفُ فِي المَسِيرِ فَيُزْجِي الضّعِيفَ وَيُرْدِفُ وَيَدْعُو لَهُمْ.
ـــــــ
الملك: أي سترها بغيرها وأظهر أنه يريد غيرها لما فيه من الحزم وإغفال العدو والأمن من جاسوس يطلع على ذلك فيخبر به العدو انتهى. والحديث سكت عنه المنذري "قال أبو داوود إلخ": لم توجد هذه العبارة في أكثر النسخ.
"باب في البيات"
معناه بالفارسية شبخون. وقال في القاموس: بيّت العدو أوقع بهم ليلاً.
"سبعة أهل أبيات": أي سبعة عشائر، وتقدم شرح هذا الحديث في باب الرجل ينادي بالشعار. قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه.
باب لزوم الساقة"
قال في القاموس: ساقه الجيش مؤخرة.
"فيزجي": بضم الياء وسكون الزاي وكسر الجيم أي يسوق "الضعيف": أي مركبه ليلحقه

(7/215)


104 - باب على ما يقاتل المشركون
2637- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا أبُو مُعَاوِيَةَ عن الأَعْمَشِ عن أبِي صَالِحٍ عن أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لاَ إلَهَ إلاّ الله، فَإذَا قَالُوهَا مَنَعُوا مِنّي دِمَاءَهُمْ وَأمْوَالَهُمْ إلاّ بِحَقّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى الله عَزّوَجَلّ".
2638 - حدثنا سَعِيدُ بنُ يَعْقُوبَ الطّالَقَانِيّ أخبرنا عَبْدُالله بنُ المُبَارَكِ عن حُمَيْدٍ عن أنَسٍ قالَ: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النّاسَ حَتّى يَشْهَدُوا أنْ لاَ إلَهَ إلاّ الله وَأنّ مُحَمّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأنْ يَسْتَقْبِلُوا قِبْلَتَنَا وَأنْ يَأْكُلُوا ذَبِيحَتَنَا وَأنْ يُصَلّوا صَلاَتَنَا، فَإذَا فَعَلُوا ذَلِكَ حَرُمَتْ عَلَيْنَا دِمَاءُهُمْ وَأمْوَالُهُمْ إلاّ بِحَقّهَا لَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى المُسْلِمِينَ".
2639 - حدثنا سُلَيْمَانُ بنُ دَاوُدَ المَهْرِيّ أنْبأنَا ابنُ وَهْبٍ أخْبَرَنِي يَحْيَى بنُ أيّوبَ
ـــــــ
بالرفاق. قاله القاري "ويردف": من الإرداف أي يركب خلفه الضعيف من المشاة. والحديث سكت عنه المنذري.
"باب على مايقاتل المشركون"
"أمرت": أي أمرني الله "حتى يقولوا لا إله إلا الله": أي وأن محمداً رسول الله وهو غاية لقتالهم "فإذا قالوها": أي كلمة لا إله إلا الله "إلا بحقها": أي الدماء والأموال والباء بمعنى عن، يعني هي معصومة إلا عن حق الله فيها كردة وحد وترك صلاة وزكاة، أو حق آدمي كقود فنقنع منهم بقولها ولا نفتش عن قلوبهم. قاله العزيزي "وحسابهم على الله": أي فيما يسترونه من كفر وإثم. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"وأن يستقبلوا قبلتنا": إنما ذكره مع اندراجه في قوله وأن يصلوا صلاتنا لأن القبلة أعرف إذ كل أحد يعرف قبلته وإن لم يعرف صلاته ولأن في صلاتنا ما يوجد في صلاة غيره، واستقبال قبلتنا مخصوص بنا "ذبيحتنا": فعيلة بمعنى مفعولة والتاء للجنس كما في الشاة: قاله القاري "وأن يصلوا صلاتنا": أي كما نصلي، ولا توجد إلا من موحد معترف بنبوته، ومن وقد اعترف به اعترف بجميع ما جاء به. وفي الحديث أن أمور الناس محمولة على الظاهر، فمن أظهر شعار الدين أجريت عليه أحكام أهله ما لم يظهر منه خلاف ذلك. قال المنذري: وأخرجه البخاري تعليقاً، وأخرجه الترمذي والنسائي. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه.

(7/216)


عن حُمَيْدٍ الطّوِيلِ عن أنَسِ بنِ مَالِكٍ قالَ: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ المُشْرِكِينَ بِمَعْنَاهُ".
2640 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ وَ عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ المَعْنَى قالا أخبرنا يَعْلَى بنُ عُبَيْدٍ عن الأَعْمَشِ عن أبِي ظَبْيَانَ أخبرنا أُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ قالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم سَرِيّةً إلَى الْحُرَقَاتِ فَنَذِرُوا بِنَا فَهَرَبُوا فَأدْرَكْنَا رَجُلاً فَلَمّا غَشِينَاهُ قالَ لاَ إلَهَ إلاّ الله فَضَرَبْنَاهُ حَتّى قَتَلْنَاهُ فَذَكَرْتُهُ للنّبِيّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ "مَنْ لَكَ بِلاَ إلَهَ إلاّ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقُلْتُ يَارَسُولَ الله إنّمَا قَالَهَا مَخَافَةَ السّلاَحِ. قالَ "أفَلاَ شَقَقْتَ عنْ قَلْبِهِ حَتّى تَعْلَمَ مِنْ أَجِلْ ذَلِكَ قَالَهَا أمْ لاَ. مَنْ لَكَ بِلاَ إلَهَ إلاّ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتّى وَدِدْتُ أنّي لَمْ أُسْلِمْ إلاّ يَوْمَئِذٍ".
2641 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ عن اللّيْثِ عن ابنِ شِهَابٍ عن عَطَاءِ بنِ يَزيدَ اللّيْثِيّ عنْ عُبَيْدِالله بنِ عَدِيّ بنِ الْخِيَارِ عنْ المِقْدَادِ بنِ الأَسْوَدِ أنّهُ أخْبَرَهُ أنّهُ قال: يَا رَسُولَ الله أرَأيْتَ إنْ لَقِيتُ رَجُلاً مِنَ الْكُفّارِ فَقَاتَلَني فَضَرَبَ إحْدَى يَدَيّ بالسّيْفِ ثُمّ لاَذَ مِنّي بِشَجَرَةٍ، فَقَالَ أسْلَمْتُ لله أفَأقْتُلُهُ يَارَسُولَ الله بَعْدَ أنْ قَالَهَا؟ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ تَقْتُلْهُ"، فَقُلْتُ: يَارَسُولَ الله إنّهُ قَطَعَ يَدِي، قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ تَقْتُلْهُ"، فَإنْ قَتَلْتَهُ
ـــــــ
"إلى الحرقات": بضم الحاء وفتح الراء المهملتين ثم قاف اسم لقبائل من جهينة "فنذروا": بكسر الذال المعجمة أي علموا وأحسوا "من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة": أي من يعينك إذا جاءت تلك الكلمة بأن يمثلها الله في صورة رجل مخاصم، أو من يخاصم لها من الملائكة، أو من تلفظ بها "مخافة السلاح": بالنصب أي لأجل خوفه "من أجل ذلك": أي المخافة، حتى وددت أني لم أسلم إلا يؤمئذ وإنما ود ذلك لأن الإسلام يحط ما فعل قبله. قال الخطابي: فيه من الفقه أن الرجل إذا تكلم بالشهادة وإن لم يصف الإيمان وجب الكف عنه والوقوف عن قتله، سواء كان ذلك بعد القدرة عليه أو قبلها. وفي قوله "هلا شققت عن قلبه" دليل على أن الحكم إنما يجري على الظاهر وأن السرائر موكولة إلى الله تعالى انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري والنسائي.
"أرأيت": أي أخبرني "فضرب": أي الرجل "ثم لاذ": بالذال المعجمة أي اعتصم "أسلمت لله": أي دخلت في الإسلام "بعد أن قالها": أي بعد قوله أسلمت لله "فإنه بمنزلتك": أي في عصمة

(7/217)


فَإنّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أنْ تَقْتُلَهُ، وَأنْتَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أنْ يَقُولَ كَلِمَتِهِ الّتي قالَ".

(7/218)


105 - باب النهي عن قتل من اعتصم بالسجود
2642 - حدثنا هَنّادُ بنُ السّرِيّ أخبرنا أبُو مُعَاوِيَةَ عن إسْمَاعِيلَ عن قَيْسٍ عن جَرِيرِ بنِ عَبْدِالله قال: بَعَثَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم سَرِيّةً إلى خَثْعَمٍ، فَاعْتَصَمَ نَاسٌ مِنْهُمْ بالسّجُودِ، فَأسْرَعَ فيهم الْقَتْلَ. قال: فَبَلَغَ ذَلِكَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَأمَرَ لَهُمْ بِنِصْفِ الْعَقْلِ وَقالَ: أنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أظْهُرِ المُشْرِكِينَ. قالُوا: يَارَسُولَ الله: لِمَ؟ قال: "لا تَرَايَا نَارَاهُمَا".
ـــــــ
الدم "وأنت بمنزلته": أي في إباحة الدم. قال الخطابي: قال الخوارج من يذهب مذهبهم في التكفير بالكبائر يتأولونه على أنه بمنزلته في الكفر وهذا تأويل فاسد، وإنما وجهه إنما جعله بمنزلته في إباحة الدم، لأن الكافر قبل أن يسلم مباح الدم بحق الدين، فإذا أسلم فقتله قاتل فإن قاتله مباح الدم بحق القصاص انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"باب النهي عن قتل من اعتصم بالسجود"
"إلى خثعم": قبيلة "فأمر لهم بنصف العقل": أي بنصف الدية. قال في فتح الودود: لأنهم أعانوا على أنفسهم بمقامهم بين الكفرة، فكانوا كمن هلك بفعل نفسه وفعل غيره فسقط حصة جنايته "بين أظهر المشركين": أي بينهم ولفظ أظهر مقحم "لا ترايا ناراهما": كذا كتب في بعض
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
قال بعض أهل العلم إنما أمر لهم بنصف العقل بعد علمه بإسلامهم لأنهم قد أعانوا على أنفسهم بمقامهم بين ظهراني الكفار فكانوا كمن هلك بجناية نفسه وجناية غيره وهذا حسن جدا.
والذي يظهر من معنى الحديث أن النار هي شعار القوم عند النزول وعلامتهم وهي تدعو إليهم والطارق يأنس بها فإذا ألم بها جاور أهلها وسالمهم فنار المشركين تدعو إلى الشيطان وإلى نار الآخرة فإنها إنما توقد في معصية الله ونار المؤمنين تدعو إلى الله وإلى طاعته وإعزاز دينه فكيف تتفق الناران وهذا شأنهما وهذا من أفصح الكلام وأجزله المشتمل على المعنى الكثير الجليل بأوجز عبارة وقد روى النسائي من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال قلت يارسول الله ما أتيتك حتى حلفت أكثر من عددهن لأصابع يديه أن لا آتيك ولا آتي دينك وإني كنت امرءا لا أعقل شيئا إلا علمني الله ورسوله وإني أسألك بوجه الله بم بعثك ربنا إلينا؟ قال:

(7/218)


قَالَ أبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ هُشَيْمٌ وَمَعْمَرٌ وَخَالِدٌ الْوَاسِطِيّ وَجَمَاعَةٌ لم يَذْكُرُوا جَرِيراً.

(7/219)


106 - باب في التولي يوم الزحف
2643 - حدثنا أبُو تَوْبَةَ الرّبِيعُ بنُ نَافِعٍ أخبرنا ابنُ المُبَارَكِ عن جَرِيرِ بنِ حَازِمٍ عن الزّبَيْرِ بنِ خِرّيتٍ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: نَزَلَتْ {إنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ
ـــــــ
النسخ وفي بعضها لا تراءى. قال في النهاية: أي يلزم المسلم ويجب عليه أن يتباعد منزله عن منزل المشرك ولا ينزل بالموضع الذي إن أوقدت فيه ناره تلوح وتظهر للمشرك إذا أوقدها في منزله، ولكنه ينزل مع المسلمين، وهو حث على الهجرة. والترائي تفاعل من الرؤية، يقال تراءى القوم إذا رأى بعضهم بعضاً، وتراءى الشيء، أي ظهر حتى رأيته. وإسناد الترائي إلى النار مجاز من قولهم داري تنظر من دار فلان أي تقابلها. يقول ناراهما تختلفان هذه تدعو إلى الله وهذه تدعو إلى الشيطان فكيف يتفقان. والأصل في تراءى تتراءى فحذف إحدى التائين تخفيفاً. وقال الخطابي: في معناه ثلاثة وجوه: قيل معناه لا يستوي حكمهما، وقيل معناه أن الله فرق بين داري الإسلام والكفر فلا يجوز لمسلم أن يساكن الكفار في بلادهم حتى إذا أوقدوا ناراً كان منهم بحيث يراها. وقيل معناه لا يتسم المسلم بسمة المشرك ولا يتشبه به في هديه وشكله. كذا في مرقاة الصعود. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي. وذكر أبو داوود أن جماعة رووه مرسلاً. وأخرجه الترمذي أيضاً مرسلاً وقال وهذا أصح، وذكر أن أكثر أصحاب إسماعيل يعني ابن أبي خالد لم يذكروا فيه جرير أو ذكر عن البخاري أنه قال الصحيح مرسل ولم يخرجه النسائي إلا مرسلاً والله أعلم.
"باب في التولي يوم الزحف"
أي الفرار يوم الجهاد ولقاء العدو في الحرب، والزحف: الجيش يزحفون إلى العدو أي يمشون. قاله في المجمع. "عن الزبير بن خريت": بكسر المعجمة وتشديد الراء بعدها تحتانية
"بالإسلام" قلت وما آيات الإسلام قال: "أن تقول أسلمت وجهي إلى الله وتخليت وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة. كل المسلم على المسلم محرم أخوان نصيران لا يقبل الله من مشرك بعد ما يسلم عملا أو يفارق المشركين إلى المسلمين" وقد ذكر أبو داود من حديث سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم "من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله. وفي المراسيل لأبي داود عن مكحول عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تتركوا الذرية إزاء العدو".

(7/219)


صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مَائَتَيْنِ} فَشَقّ ذَلِكَ عَلَى المُسْلِمِينَ حِينَ فَرَضَ الله عَلَيْهِمْ أنْ لاَ يَفِرّ وَاحِدٌ مِنْ عَشْرَةٍ، ثُمّ إنّهُ جَاءَ تَخْفِيفٌ فقال {الآن خَفّفَ الله عَنْكُم} قَرَأ أبُو تَوْبَةَ إلى قَوْلِهِ {يَغْلِبُوا مائَتَيْنِ} - قال: فَلَمّا خَفّفَ الله عَنْهُمْ مِنَ الْعِدّةِ نَقَصَ مِنَ الصّبْرِ بِقَدْرِ مَا خَفّفَ عَنْهُمْ".
2644 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ أخبرنا زُهَيْرٌ أخبرنا يَزِيدُ بنُ أبي زِيَادٍ أنّ عبد الرحمن بنَ أبي لَيْلَى حَدّثَهُ أنّ عَبْدَالله بنَ عُمَرَ حَدّثَهُ: "أنّهُ كَانَ في سَرِيّةٍ مِنْ سَرَايا رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم. قال: فَحَاصَ النّاسُ حَيْصَةً فَكُنْتُ فِيمَنْ حَاصَ، فَلَمّا بَرَزْنَا قُلْنَا: كَيْفَ نَصْنَعُ وَقَدْ فَرَرْنَا مِنَ الزّحْفِ وَبُؤْنَا بالْغَضَبِ، فَقُلْنَا: نَدْخُلُ المَدِينَةَ فَنَثْبُتُ فِيهَا لِنَذْهَبَ وَلاَ يَرَانَا أحَدٌ. قال: فَدَخَلْنَا فَقُلْنَا لَوْ عَرَضْنَا أنْفُسَنَا عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فإنْ كَانَتْ لَنَا تَوْبَةٌ أقَمْنَا، وَإنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ ذَهَبْنَا. قال: فَجَلَسْنَا لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قَبْلَ صَلاَةِ الْفَجْرِ، فَلَمّا خَرَجَ قُمْنَا إلَيْهِ فَقُلْنَا نَحْنُ
ـــــــ
ساكنة ثم مثناة فوقية ثقة من صغار التابعين "يغلبوا مائتين": أي من الكفار. والمعنى ليقاتل العشرون منكم المائتين معهم ويثبتوا منهم "فشق ذلك": أي الحكم المذكور {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ}: وبعده {وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} أي لتقاتلوا مثيلكم وتثبتوا لهم "قال فلما خفف الله عنهم إلخ": وهذا قاله ابن عباس توقيفاً عى ما يظهر ويحتمل أن يكون قاله بطريق الاستقراء قاله الحافظ. واستدل بهذا الحديث على وجوب ثبات الواحد المسلم إذا قاوم رجلين من الكفار وتحريم الفرار عليه منهما سواء طلباه أو طالبهما، سواء وقع ذلك وهو واقف في الصف مع العسكر أو لم يكن هناك عسكر، وهذا هو ظاهر تفسير ابن عباس. قاله الحافظ. والحديث سكت عنه المنذري.
"فحاص الناس": بإهمال الحاء والصاد أي جالوا جولة يطلبون الفرار. قاله السيوطي. وفي المرقاة للقاري: أي مالوا عن العدو ملتجئين إلى المدينة، ومنه قوله تعالى{ وَلا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً} أي مهرباً. ويؤيد هذا المعنى قول الجوهري: حاص عنه عدل وحاد، ويقال للأولياء حاصوا عن الأعداء وللأعداء انهزموا وفي الفائق: حاص حيصة أي انحرف وانهزم انتهى. "وبؤنا بالغضب": من باء يبوء على وزن قلنا أي رجعنا بغضب من الله "فنثبت فيها": أي في المدينة. وفي بعض النسخ: فنبيت من البيتوتة، وفي بعضها فنتثبت منها، وفي رواية الترمذي فأتينا المدينة فاختفينا بها لنذهب أي إلى الجهاد مرة ثانية "أقمنا": أي في المدينة "فجلسنا": أي

(7/220)


الْفَرّارُونَ فَأقْبَلَ إلَيْنَا فقالَ: لاَ بَلْ أنْتُمْ الْعَكّارُونَ، قال: فَدَنَوْنَا فَقَبّلْنَا يَدَهُ فقال: أنَا فِئَةُ المُسْلِمِينَ".
2645 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ هِشَامٍ المِصْرِيّ أخبرنا بِشْرُ بنُ المُفَضّلِ أخبرنا دَاوُدُ عن أبي نَضْرَةَ عن أبي سَعِيدٍ قال: "نَزَلَتْ في يَوْمِ بَدْرٍ: {وَمَنْ يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ}".

(7/221)


107 - باب في الأسير يكره على الكفر
2646 - حدثنا عَمْرُو بنُ عَوْنٍ قال أنْبأنَا هُشَيْمٌ وَ خَالِدٌ عن إسْمَاعِيلَ عن قَيْسِ بنِ أبي حَازِمٍ عن خَبّابٍ قال: أتَيْنَا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ مُتَوَسّدٌ بُرْدَةً في ظِلّ
ـــــــ
مترصدين "بل أنتم العكارون": أي أنتم العائدون إلى القتال والعاطفون عليه، يقال عكرت على الشيء إذا عطفت عليه وانصرفت إليه بعد الذهاب عنه. قال الأصمعي: رأيت أعرابياً يفلي ثيابه فيقتل البراغيث ويترك القمل، فقلت لم تصنع هذا؟ قال أقتل الفرسان ثم أعكر على الرجالة "أنا فئة المسلمين": في النهاية الفئة الجماعة من الناس في الأصل والطائفة التي تقوم وراء الجيش فإن كان عليهم خوف أو هزيمة التجأوا إليه انتهى. وقال الخطابي: يمهد بذلك عذرهم وهو تأويل قول الله سبحانه{ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ} انتهى قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه: وقال الترمذي: حسن لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن أبي زياد هذا آخر كلامه. ويزيد بن أبي زياد تكلم فيه غير واحد من الأئمة.
{وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ}: أي يوم لقائهم {دُبُرَهُ}: بعده {إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}: ومعنى قوله تعالى{مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ} أي منعطفاً له بأن يريهم الفرة مكيدة وهو يريد الكرة: وقوله{وْ مُتَحَيِّزاً}: أي منضماً. وقوله {إِلَى فِئَةٍ}: أي جماعة من المسلمين. ويستنجد بها أي يستعين بالفئة أو يقوى بها. كذا في تفسير الجلالين. قال المنذري: وأخرجه النسائي. آخر السادس عشر من أصل الخطيب والحمد لله رب العالمين وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله انتهى كلام المنذري.
"باب في الأسير يكره على الكفر"
"عن خباب": بفتح الخاء المعجمة وتشديد الموحدة الأولى هو ابن الأرت "متوسد بردة": أي كساء مخططاً. والمعنى جاعل البردة وسادة له، من توسد الشيء جعله تحت رأسه

(7/221)


الْكَعْبَةِ فَشَكَوْنَا إلَيْهِ فَقُلْنَا: ألاَ تَسْتَنْصِرُ لَنَا، ألاَ تَدْعُو الله لَنَا؟ فَجَلَسَ مُحْمَرّا وَجْهُهُ فقالَ: "قَدْ كَانَ مِنْ قَبْلِكُمْ يُؤْخَذُ الرّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ في الأرْضِ ثُمّ يُؤْتَى بالمِنْشَارِ فَيُجْعَلُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ فِرْقَتَيْنِ ما يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عن دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ ما دُونَ عَظْمِهِ مِنْ لَحْمٍ وَعَصَبٍ ما يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عن دِينِهِ، وَالله لَيُتِمّنّ الله هَذَا الأمْرَ حَتى يَسِيرَ الرّاكِبُ مَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَحَضْرَمَوْتَ ما يَخَافُ إلاّ الله وَالذّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنّكُمْ تَعْجَلُونَ".
ـــــــ
"فشكونا": أي الكفار "ألا تدعو الله لنا": أي على المشركين فإنهم يؤذوننا "محمراً وجهه": أي من أثر النوم، ويحتمل أن يكون من الغضب، وبه جزم ابن التين قاله الحافظ "فيحفر له": بصيغة المجهول أي يجعل له حفرة "بالمنشار": بكسر الميم هو آلة يشق بها الخشبة "فيجعل فرقتين": أي يجعل الرجل شقين، يعني يقطع نصفين "ما يصرفه ذلك": أي لا يمنعه ذلك العذاب الشديد "ويمشط": بصيغة المجهول "بأمشاط الحديد": جمع المشط وهو ما يتشط به الشعر وهو بالفارسية شانه "ما دون عظمه من لحم وعصب": والمعنى ما عند عظمه ومن بيانية، وفي رواية للبخاري "ما دون لحمه من عظم أو عصب" قال القاري: أي ما تحت لحم ذلك الرجل أو غيره وهو الظاهر. وقال الطيبي: من بيان لما، وفيه مبالغة بأن الأمشاط لحدتها وقوتها كانت تنفذ من اللحم إلى العظم وما يلتصق به من العصب "والله": الواو للقسم "ليتمن الله": بضم حرف المضارعة وكسر التاء "هذا الأمر": أي أمر الدين "الراكب": أي رجل أو امرأة وحده "ما بين صنعاء": بلد باليمن "وحضرموت": هو موضع بأقصى اليمن وهو بفتح الميم غير منصرف للتركيب والعلمية، وقيل اسم قبيلة، وقيل موضع حضر فيه صالح عليه السلام فمات فيه، وحضر جرجيس فمات فيه، كذا في المرقاة "ما يخاف إلا الله": لعدم خوف السرقة ونحوه "والذئب على غنمه": أي ما يخاف إلا الذئب على غنمه. ولا يخفى ما فيه من المبالغة في حصول الأمن وزوال الخوف "ولكنكم تعجلون": أي سيزول عذاب المشركين، فاصبروا على أمر الدين كما صبر من سبقكم. قال ابن بطال: أجمعوا على أن من أكره على الكفر واختار القتل أنه أعظم أجراً عند الله ممن اختار الرخصة، وأما غير الكفر فإن أكره على أكل الخنزير مثلاً فالفعل أولى انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري والنسائي.

(7/222)


108 - باب في حكم الجاسوس إذا كان مسلما
2647 - حدثنا مُسَدّدٌ قَالَ حدّثنا سُفْيَانُ عن عَمْرٍو حدّثَهُ الْحَسَنُ بنُ مُحَمّدِ بنِ عَلِيّ أخْبَرَهُ عُبَيْدُالله بنُ أبِي رَافِعٍ وَكَانَ كَاتِباً لِعَلِيَ بنِ أبي طَالِبٍ قالَ سَمِعْتُ عَلِيّا يَقولُ: بَعَثَنِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أنَا وَالزّبَيْرَ وَالمَقْدَادَ فقَالَ "انْطَلِقُوا حَتّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ فإنّ بِهَا ظَعِينَةً مَعَهَا كِتَابٌ فَخُذُوهُ مِنْهَا": فَانْطَلَقْنَا تَتَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا حَتّى أتَيْنَا الرّوْضَةَ فَإذَا نَحْنُ بالظّعِينَةِ فَقُلْنَا هَلُمّي الكِتَابَ، قالَتْ مَا عِنْدِي مِنْ كِتَابٍ، فَقُلْتُ لَتُخْرِجِنّ الكِتَابَ أوْ لَتُلْقِيَنّ الثّيَابَ، قالَ فأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا فَأَتَيْنَا بِهِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فَإذَا هُوَ مِنْ حَاطِبِ بنِ أبِي بَلْتَعَةَ إلى نَاسٍ مِنَ المُشْرِكِينَ يُخْبِرُهُم بِبَعْضِ أمْرِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم،
ـــــــ
"باب في حكم الجاسوس إذا كان مسلما"
"الحسن بن محمد بن علي": أي ابن أبي طالب "وكان": أي عبيد الله "أنا": كذا في جميع النسخ الحاضرة وكذا في صحيح البخاري، والظاهر إياي. قال القاري فكأنه من باب استعارة المرفوع للمنصوب "والزبير": أي ابن العوام "والمقداد": بكسر الميم وهو ابن عمرو الكندي "روضة خاخ": بخائين معجمتين مصروفاً وقد لا يصرف، موضع بإثني عشر ميلاً من المدينة، وقيل بمهملة وجيم وهو تصحيف كذا في المجمع والمرقاة "ظعينة": أي امرأة اسمها سارة وقيل أم سارة مولاة لقريش "معها كتاب": أي مكتوب من أهل المدينة إلى أهل مكة "تتعادى": أي تتسابق وتتسارع من العدو "هلمي الكتاب": أي أعطيه "لتخرجن": بفتح لام فضم فسكون فكسرتين وتشديد نوع أي لتظهرن "أو لتلقين": بفتح فضم مثناة فوقية فسكون فكسر ففتح فتشديد نون كذا في بعض النسخ بإثبات التحتية المفتوحة. قال القاري في شرح المشكاة: قال ميرك كذا جاءت الرواية بإثبات الياء مكسورة ومفتوحة، فإن قلت القواعد العربية تقتضي أن تحذف تلك الياء ويقال لتلقن، قلت القياس ذلك وإذا صحت الرواية بالياء فتأويل الكسرة أنها لمشاكلة لتخرجن والفتح بالحمل على المؤنث الغائب على طريق الالتفات من الخطاب إلى الغيبة انتهى. والمعنى لترمين الثياب وتتجردين عنها ليتبين لنا الأمر. وفي بعض النسخ لنلقين بالنون بصيغة جمع المتكلم وهو ظاهر "من عقاصها": بكسر العين جمع عقيصة وهي الشعر المضفور. قال الحافظ: والجمع بينه وبين رواية أخرجته من حجزتها أي معقد الإزار لأن عقيصتها طويلة بحيث تصل إلى حجزتها فربطته في عقيصتها وغرزته بحجزتها "فإذا هو": أي الكتاب "ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم": قال الحافظ: وفي مرسل عروة يخبرهم بالذي أجمع عليه

(7/223)


فقالَ مَا هَذَا يَاحَاطِبُ؟ فقالَ يارَسُولَ الله لاَ تَعْجَلَ عَلَيّ فإنّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقاً فِي قُرَيْشٍ وَلَمْ أكُنْ مِنْ أنْفُسِهَا، وَإنّ قُرَيْشاً لَهُمْ بِهَا قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ بِهَا أهْلِيهِمْ بِمَكّةَ فَأحْبَبْتُ إذْ فَاتَني ذَلِكَ أنْ أتّخِذَ فِيهِمْ يَداً يَ[حْمُونَ قَرَابَتِي بِهَا وَالله يَارَسُولَ الله مَا كَانَ بِي مِنْ كُفْرٍ وَلاَ ارْتِدَادٍ. فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "صَدَقَكُم". فَقَالَ عُمَرُ دَعْنِي أضْرِبْ عُنُقَ هَذَا المُنَافِقِ، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "قَدْ شَهِدَ بَدْراً وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلّ الله اطّلَعَ عَلَى أهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ".
2648 - حدثنا وَهْبُ بنُ بَقِيّةَ عن خَالِدٍ عن حُصَيْنٍ عن سَعْدِ بنِ عُبَيْدَةَ عن أبِي عبد الرحمن السّلَمِيّ عن عَلِيّ بِهَذِهِ الْقِصّةِ قالَ انْطَلَقَ حَاطِبٌ: "فَكَتَبَ إلى أهْلِ مَكّةَ أنّ مُحَمّداً قَدْ سَارَ إلَيْكُمْ وَقَالَ فِيهِ قالَتْ مَا مَعِي كِتَابٌ فَأنَخْنَاهَا فَمَا وَجَدْنَا مَعَهَا كِتَاباً، فقَالَ عَلِيّ وَالّذِي يُحْلَفُ بِهِ لأَقْتُلَنّكِ أوْ لَتُخْرِجِنّ الكِتَابَ" وَسَاقَ الْحَدِيثَ.
ـــــــ
رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأمر في السير إليهم "لا تعجل علي": أي في الحكم بالكفر ونحوه "ملصقاً": بصيغة المجهول أي حليفاً "في قريش": أي فيما بينهم. قال النووي: وكان حليف الزبير بن العوام "من أنفسها": الضمير لقريش "وإن قريشاً لهم بها قرابات يحمون بها أهليهم بمكة": ولفظ الشيخين الذي وقع في المشكاة هكذا "وكان من معك من المهاجرين لهم قرابة يحمون بها أموالهم وأهليهم بمكة" قال القاري: قوله قرابة أي ذوو قرابة أي أقارب أو قرابة مع ناس "يحمون": أي الأقارب أو الناس الذين أقاربهم يحفظون ويراعون "بها": أي بتلك القرابة "أموالهم": أي أموال المهاجرين انتهى. قلت: ويمكن أن يرجع الضمائر إلى المهاجرين، وبهذا كله تنحل لك عبارة الكتاب إن شاء الله تعالى "ذلك": أي القرب من النسب فيهم "أن أتخذ": مفعول أحببت "يداً": أي نعمة ومنة عليهم "قرابتي": أي التي بمكة "بها": أي بتلك اليد "صدقكم": بتخفيف الدال أي قال الصدق "دعني": اتركني "وما يدريك": أي أي شيء يعلمك أنه مستحق للقتل "اطلع": بتشديد الطاء أي أقبل "على أهل بدر": ونظر إليهم نظرة الرحمة والمغفرة "ما شئتم": أي من الأعمال الصالحة قليلة أو كثيرة "فقد غفرت لكم": المراد غفران ذنوبهم في الآخرة، وإلا فلو وجب على أحدهم حد مثلاً لم يسقط في الدنيا. قال المنذري: وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي.
"قد سار إليكم": أي للغزو "فأنخناها": من الإناخة وهو بالفارسية فروخوا بانيدن شتر، وفي بعض النسخ فابتحثناها من البحث أي

(7/224)


109 - باب في الجاسوس الذّمي
2649 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ بَشّارٍ قالَ حدّثَني مُحَمّدُ بنُ مُحَبّبٍ أبُو هَمّامٍ الدّلاّلُ قالَ حدثنا سُفْيَانُ بنُ سَعِيدٍ عن أبِي إسْحَاقَ عن حَارِثَةَ بنِ مُضَرّبٍ عن فُرَاتِ بنِ حَيّانَ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أمَرَ بِقَتْلِهِ وَكَانَ عَيْناً لأَبِي سُفْيَانَ وَكَانَ حَلِيفاً لِرَجُلٍ مِنَ الأنْصَارِ فَمَرّ بِحَلْقَةٍ مِنَ الأنْصَارِ فَقَالَ إنّي مُسْلِمٌ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ يَارَسُولَ الله إنّهُ يَقُولُ إنّي مُسْلِمٌ، فَقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "إنّ مِنْكُمْ رِجَالاً لاَ نَكِلُهُم إلى إيمَانِهِمْ مِنْهُمْ فُرَاتُ بنُ حَيّانٍ".
ـــــــ
فتشناها، وفي بعضها فانتحيناها. قال المنذري: أبو عبد الرحمن السلمي هو عبد الله بن حبيب كوفي من كبار التابعين حكى عطاء عنه أنه قال صمت ثمانين رمضان.
"باب في الجاسوس الذمي"
"حدثني محمد بن محبب": بفتح المهملة والموحدة الأولى كمعظم "عن حارثة بن مضرب" بتشديد الراء المكسورة "عن فرات بن حيان": بتحتانية وكان عيناً لقريش فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله ثم أسلم فحسن إسلامه. كذا في الخلاصة "وكان عيناً": أي جاسوساً، وسمي الجاسوس عيناً لأن عمله بعينه أو لشدة اهتمامه بالرؤية واستغراقه فيها كأن جميع بدنه صار عيناً "نكلهم": يقال وكلت الأمر إليه وكلا من باب وعد ووكولاً فوضته إليه واكتفيت به "إلى أيمانهم": القائلين بأننا من المسلمين ونصدقهم على هذا القول. واعلم أن هذا الحديث وقع في منتقى الأخبار براوية أحمد ولفظه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتله وكان ذمياً وكان عيناً لأبي سفيان وحليفاً لرجل من الأنصار فمر إلخ. وبهذا ظهر مناسبة الحديث بالباب. والحديث يدل على جواز قتل الجاسوس الذمي. وفي فتح الباري قتل الحربي الكافر يجوز بالاتفاق، وأما المعاهد والذمي فقال مالك والأوزاعي ينتقض عهده بذلك، وعند الشافعية فيه خلاف، أما لو شرط عليه ذلك في عهده فينتقض بالاتفاق. انتهى. قال المنذري: في إسناده أبو همام الدلال محمد بن محبب ولا يحتج بحديثه، وهو رواه عن سفيان الثوري. وقد روى هذا الحديث عن الثوري بشر بن السري البصري وهو ممن اتفق البخاري ومسلم على الاحتجاج بحديثه، ورواه عن الثوري عباد بن موسى الأزرق العباداني وكان ثقة. وفرات بضم الفاء وراء مهملة، وبعد الألف تاء ثالث الحروف. وفرات هذا له صحبة وهو عجلي سكن الكوفة وكان هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يزل يغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن قبض فنزل الكوفة.

(7/225)


110 - باب في الجاسوس المستأمن
2650 - حدثنا الْحَسنُ بنُ عَلِيّ قالَ حدّثنَا أَبُو نُعَيْمٍ قالَ حَدّثنَا أَبُو عُمَيْسٍ عن ابنِ سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ عن أبيهِ قالَ: أتَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عَيْنٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وَهُوَ في سَفَرٍ فَجَلَسَ عِنْدَ أصْحَابِهِ ثُمّ انْسَلّ فقالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم "اطْلُبُوهُ فَاقْتُلُوهُ"، قالَ فَسَبَقْتُهُمْ إلَيْهِ فَقَتَلْتُهُ وَأخَذْتُ سَلَبَهُ فَنَفّلَنِي إيّاهُ.
ـــــــ
"باب في الجاسوس المستأمن"
كان الأولى التعبير بالجاسوس بغير أمان كما بوب عليه البخاري رحمه الله تعالى بقوله "باب الحربي إذا دخل دار الإسلام بغير أمان" قاله بعض شيوخنا ويؤيده قول ابن رسلان الآتي. قلت: ومقصود المؤلف أن الكافر الحربي طالباً للأمن إذا دخل دار الإسلام حالة الأمن فظهر بعد ذلك أنه جاسوس يحل قتله والله أعلم.
"عين": فاعل أتى "وهو": أي النبي صلى الله عليه وسلم والواو للحال "فجلس": أي الجاسوس. قال ابن رسلان في شرح السنن: أي جلس عند أصحابه بغير أمان، فإن البخاري بوب عليه باب الحربي إذا دخل دار الإسلام بغير أمان انتهى. قال في الفتح: قوله بغير أمان أي هل يجوز قتله وهي من مسائل الخلاف. قال مالك: يخير فيه الإمام وحكمه حكم أهل الحرب. وقال الأوزاعي والشافعي: إن ادعى أنه رسول قبل منه. وقال أبو حنيفة وأحمد: لا يقبل ذلك منه. قال ابن المنير: ترجم البخاري بالحربي إذا دخل بغير أمان، وأورد الحديث المتعلق بعين المشركين وهو جاسوسهم، وحكم الجاسوس مخالف لحكم الحربي المطلق الداخل بغير أمان فالدعوى أعم من الدليل.
وأجيب بأن الجاسوس المذكور أوهم أنه ممن له أمان، فلما قضى حاجته من التجسس انطلق مسرعاً ففطن له فظهر أنه حربي دخل بغير أمان انتهى "ثم انسل": أي انصرف "وأخذت سلبته": بفتحتين أي ما كان عليه من الثياب والسلاح سمي به لأنه يسلب عنه "فنفلني": بتشديد الفاء ويجوز تخفيفه أي أعطاني "إياه": أي سلبه. قال الطيبي:فنفلني أي أعطاني نفلاً وهو ما يخص به الرجل من الغنيمة ويزاد على سهمه.
قال النووي: فيه قتل الجاسوس الحربي الكافر وهو باتفاق، وأما المعاهد والذمي فقال مالك والأوزاعي ينتقض عهده بذلك، وعند الشافعية خلاف، أما لو شرط عليه ذلك في عهده فينتقض اتفاقاً انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري والنسائي وفيه عن إياس عن أبيه

(7/226)


2651 - حدثنا هَارُونُ بنُ عَبْدِالله أنّ هَاشِمَ بنَ القَاسِمِ وَ هِشَاماً حَدّثَاهُ قالا حدّثَنَا عِكْرِمَةُ قالَ حدّثَني إيَاسُ بنُ سَلَمَةَ قالَ حدّثَني أبِي قال: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم هَوَازِنَ، قالَ فَبَيْنَمَا نَحْنُ نَتَضَحّى وَعَامّتُنَا مُشاةٌ وَفِينَا ضَعْفَةٌ إذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ أحْمَرَ فَانْتَزَعَ طَلَقاً مِنْ حِقْوِ البَعِيرِ فَقَيّدَ بِهِ جَمَلَهُ ثُمّ جَاءَ يَتَغَدّى مَعَ القَوْمِ، فَلَمّا رَأى ضَعْفَتَهُمْ وَرِقّةَ ظَهْرِهِمْ خَرَجَ يَعْدُو إلى جَمَلِهِ فَأطْلَقَهُ ثُمّ أنَاخَهُ فَقَعَدَ عَلَيْهِ ثُمّ خَرَجَ يَرْكُضُهُ وَاتّبَعَهُ رَجُلٌ مِنْ أسْلَمَ عَلَى نَاقَةٍ وَرْقَاءَ هِيَ أمْثَلُ ظَهْرِ الْقَوْمِ قالَ فَخَرَجْتُ أعْدُو فَأدْرَكْتُهُ وَرَأْسُ النّاقَةِ عِنْدَ وَرِكِ الجَمَلِ وَكُنْتُ عِنْدَ وَرِكِ النّاقَةِ ثُمّ تَقَدّمْتُ حَتّى كُنْتُ عِنْدَ وَرِكَ الجَمَلِ ثُمّ تَقَدّمْتُ حَتّى أخَذْتُ بِخِطَامِ الْجَمَلِ فَأنَخْتُهُ فَلَمّا وَضَعَ رُكْبَتَهُ بالأَرْضِ اخْتَرَطْتُ سَيْفِي فَأضْرِبَ رَأْسَهُ فَنَدَرَ فَجِئْتُ بِرَاحِلَتِهِ وَمَا عَلَيْهَا أقُودُهَا فَاسْتَقْبَلَنِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في النّاسِ مُقْبِلاً فقالَ "مَنْ قَتَلَ الرّجُلَ؟ فقَالُوا سَلَمَةُ بنُ الأَكْوَعِ، فَقَالَ: "لَهُ سَلْبُهُ أجْمَعُ" قالَ هَارُونُ هَذَا لَفْظُ هَاشِمَ.
ـــــــ
"إياس": بكسر الهمزة وتخفيف التحتانية "نتضحى": أي يأكل في وقت الضحى كما يقال نتغدى. كذا في النيل "وعامتنا مشاة": جمع ماش "وفينا ضعفة": قال النووي: ضبطوه على وجهين الصحيح المشهور بفتح الضاد وإسكان العين أي حالة ضعف وهزال، والثاني بفتح العين جمع ضعيف "فانتزع": أي أخرج "طلقاً": بفتح الطاء واللام وبالقاف وهو العقال من جلد "من حقو البعير": في القاموس: الحقو الكشح وهو بالفارسية تهيكاه "ورقة ظهرهم": بكسر الراء وتشديد القاف أي قلة مراكبهم "خرج": أي الرجل "يعدو": في الصراح: العدو دويدن خواستن "يركضه": في القاموس: الركض استحثاث الفرس للعدو وهو بالفارسية اسب تاختن "من أسلم": اسم قبيلة "ورقاء": أي في لونها سواد كالغبرة "هي أمثل ظهر القوم": أي أفضل مراكبهم "عند ورك الجمل": في القاموس: الورك بالفتح والكسر وككتف ما فوق الفخذ، والورك محركة عظمها "بخطام الجمل": بكسر أوله أي بزمامه "اخترطت سيفي": أي سللته من غمده "فندر": أي سقط ووقع "أقودها": أي أجرها "في الناس": أي في جملة الناس "مقبلاً": بوجهه "له سلبه أجمع": أي كله. قال المنذري: وأخرجه مسلم.

(7/227)


111 - باب في أي وقت يستحب اللقاء
2652 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قالَ حَدّثَنا حَمّادٌ قالَ أخبرنا أبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيّ عن عَلْقَمَةَ بنِ عَبْدِالله المُزَنِيّ عن مَعْقِلِ بنِ يَسَارٍ أنّ النّعْمَانَ يَعْني ابنَ مُقَرّنٍ قال: شَهِدْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم إذَا لَمْ يُقَاتِلْ مِنْ أوّلِ النّهَارِ أخّرَ القِتَالَ حَتّى تَزُولَ الشّمْسُ وَتَهُبّ الرّيَاحُ وَيَنْزِلَ النّصْرُ.

(7/228)


112 - باب في ما يؤمر به من الصمت عند اللقاء
2653 - حدثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ قال حدّثنا هِشَامٌ. ح. وحدثنا عُبَيْدُالله بنُ عُمَرَ حدّثنا عبد الرحمن بنُ مَهْدِيَ حدثنا هِشَامٌ حدثنا قَتَادَةُ عن الْحَسَنِ عن قَيْسِ بنِ عُبَادٍ قالَ: كَانَ أصْحَابُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَكْرَهُونَ الصّوْتَ عِنْدَ القِتَالِ[اللقاء].
ـــــــ
"باب في أي وقت يستحب اللقاء"
"يعني ابن مقرن": بضم الميم وفتح القاف وتشديد الراء المكسورة وبالنون "حتى تزول الشمس الخ": ظاهر هذا أن التأخير ليدخل وقت الصلاة لكونه مظنة الإجابة، وهبوب الريح قد وقع النصر به في الأحزاب فصار مظنة لذلك، ويدل على ذلك ما أخرجه الترمذي من حديث النعمان بن مقرن قال "غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان إذا طلع الفجر أمسك حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت قاتل، فإذا انتصف النهار أمسك حتى تزول الشمس، فإذا زالت قاتل، فإذا إدخل وقت العصر أمسك حتى يصليها ثم يقاتل، وكان يقال عند ذلك تهيج رياح النصر ويدعو المؤمنون لجيوشهم في صلاتهم" قال في الفتح: لكن فيه انقطاع. قال المنذري: وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي.
"باب فيما يؤمر به من الصمت عند اللقاء"
الصمت السكوت.
"عن قيس بن عباد"بضم المهملة وتخفيف موحدة هو من تابعي البصرة "يكرهون الصوت"قال القاري:أي بغير ذكر الله.وفي النيل:فيه دليل على أن رفع الصوت حال القتال وكثرة اللغط والصراخ مكروهة،ولعل وجه كراهتهم لذلك أن التصويت في ذلك الوقت ربما

(7/228)


2654 - حدثنا عُبَيْدُالله بنُ عُمَرَ قال حدّثنا عبد الرحمن عن هَمّامٍ قالَ حدّثني مَطَرٌ عن قَتَادَةَ عن أبِي بُرْدَةَ عن أبيهِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِمِثْلِ ذَلِكَ.

(7/229)


113 - باب في الرجل يترجل عند اللقاء
2655 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ قال حدّثنا وَكِيعٌ عن إسْرائِيلَ عن أبِي إسْحَاقَ عن البَرَاءِ قال: لَمّا لَقِيَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم المُشْرِكِينَ يَوْمَ حُنَيْنٍ فَانْكَشَفُوا نَزَلَ عن بَغْلَتِهِ فَتَرَجّلَ.

(7/229)


114 - باب في الخيلاء في الحرب
2656 - حدثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ وَ مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ المَعنَى وَاحِدٌ قالا حدّثنا أَبَانُ قالَ حدّثَنَا يَحْيَى عن محمّدِ بنِ إبْرَاهِيمَ عن ابنِ جَابِرِ بنِ عَتِيكٍ عن جَابِرِ بنِ عَتِيكٍ أَنّ نَبِيّ الله صلى الله عليه وسلم كانَ يَقُولُ "مِنَ الغَيْرَةِ مَا يُحِبّ الله ومِنْهَا مَا يُبْغِضُ الله، فَأَمّا الّتِي يُحِبّهَا الله عَزّوَجَلّ فَالغَيْرَةُ في الرّيبَةِ، وَأَمّا الّتِي يَبْغَضُهَا الله فالْغَيْرَةُ في غَيْرِ رِيبَةٍ. وَإنّ مِنَ
ـــــــ
كان مشعرا بالفزع والفشل بخلاف الصمت فإنه دليل الثبات ورباط الجأش.قال المنذري:عباد بضم العين المهملة وبعدها باء موحدة مخففة وبعد الألف دال مهملة.
"باب في الرجل يترجل عند اللقاء"
أي يمشي على الرجل.
"يوم حنين": بمهملة ونونين مصغراً، واد إلى جنب ذي المجاز قريب الطائف. بينه وبين مكة بضعة عشر ميلاً من جهة عرفات. خرج النبي صلى الله عليه وسلم لست خلون من رمضان قاله القسطلاني "فانكشفوا": أي انهزموا "فترجل": أي مشى على الرجل وفي كتب اللغة ترجل نزل عن ركوبته ومشى انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي أتم منه، في أثناء الحديث الطويل.
"باب في الخيلاء في الحرب"
الخيلاء: التكبر.
"فالغيرة في الريبة": نحو أن يغتار الرجل على محارمه إذا رأى منهم فعلاً محرماً فإن الغيرة

(7/229)


115 - باب في الرجل يستأسر
2657 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْماعِيلَ قال حدثنا إبْرَاهِيمُ يَعْني ابنَ سَعْدٍ قالَ أنبأنا ابنُ شِهابٍ قال أخبرني عَمْرُو بنُ جارِيَةَ الثَقَفِيّ حَلِيفُ بَني زُهْرَةَ عن أبي هريرة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: بَعَثَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم عَشْرَةَ عَيْناً، وَأَمّرَ عَلَيْهِمْ عاصِمَ بنَ ثابِتٍ، فَنَفَرُوا لَهُمْ هُذَيْلٌ بِقَرِيبٍ من
ـــــــ
في ذلك ونحوه مما يحبه الله. وفي الحديث الصحيح "ما أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الزنا" "فالغيرة في غير ريبة": نحو أن يغتار الرجل على أمه أن ينكحها زوجها، وكذلك سائر محارمه، فإن هذا مما يبغضه الله تعالى، لأن ما أحله الله تعالى فالواجب علينا الرضى به. فإن لم نرض به كان ذلك من إيثار حمية الجاهلية على ما شرعه الله لنا "فاختيال الرجل نفسه عند القتال": لما في ذلك من الترهيب لأعداء الله والتنشيط لأوليائه "واختياله عند الصدقة": فإنه ربما كان من أسباب الاستكثار منها والرغوب فيها فاختيال الرجل عند القتال هو الدخول في المعركة بنشاط وقوة وإظهار الجلادة والتبختر فيه، والاستهانة والاستخفاف بالعدو لإدخال الروع في قلبه. والاختيال في الصدقة أن يعطيها بطيب نفسه وينبسط بها صورة ولا يستكثر ولا يبالي بما أعطى "فاختياله في البغى": نحو أن يذكر الرجل أنه قتل فلاناً وأخذ ماله ظلماً، أو يصدر منه الاختيال حال البغي على مال الرجل أو نفسه "قال موسى": هو ابن إسماعيل "والفخر": بالجر أي قال موسى في روايته في البغي والفخر ولم يذكر مسلم بن إبراهيم في روايته لفظ والفخر. واختيال الرجل في الفخر نحو أن يذكر ما له من الحسب والنسب وكثرة المال والجاه والشجاعة والكرم لمجرد الافتخار ثم يحصل منه الاختيال عند ذلك، فإن هذا الاختيال مما يبغضه الله تعالى. قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"باب في الرجل يستأسر"
بصيغة المجهول أي يؤخذ أسيراً أي أخذه العدو أسيراً فماذا يفعل؟ فهل يسلم نفسه أو ينكر وإن قتل.
"عشرة عيناً": أي جاسوساً "وأمر عليهم عاصم بن ثابت": أي جعله أميراً "فنفروا": أي

(7/230)


مائَةِ رجُلٍ رامٍ، فَلَمّا أحَسّ بِهِمْ عَاصِمٌ لَجَأُوا إلَى قَرْدَدٍ فَقَالُوا لَهُمُ انْزِلُوا فَأعْطُوا بِأيْدِيكُمْ وَلَكُم الْعَهْدُ وَالمِيثَاقُ أنْ لاَ نَقْتُلَ مِنْكُم أحَداً، فقالَ عَاصِمٌ: أمّا أنَا فَلاَ أنْزِلُ في ذِمّةِ كَافِرٍ فَرَمَوْهُمْ بالنّبْلِ فَقَتَلُوا عَاصِماً في سَبْعَةِ نَفَرٍ، وَنَزَلَ إلَيْهِمْ ثَلاَثةُ نَفَرٍ عَلَى الْعَهْدِ وَالمِيثَاقِ مِنْهُمْ خُبَيْبٌ وَزَيْدُ بنُ الدّثِنَةِ وَرَجُلٌ آخَرُ، فَلَمّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ أطْلَقُوا أوْتَارَ قِسِيّهِمْ فَرَبَطُوهُمْ بِهَا. قالَ الرّجُلُ الثّالِثُ: هَذَا أوّلُ الْغَدْرِ وَالله لاَ أصْحَبُكُمْ إنّ لِي بِهَؤُلاَءِ لأُسْوَةٌ فَجَرّوهُ فَأبَى أنْ يَصْحَبَهُمْ فَقَتَلُوهُ، فَلَبِثَ خُبَيْبٌ أسِيراً حَتّى أجْمَعُوا قَتْلَهُ فَاسْتَعَارَ مُوسَى يَسْتَحِدّ بِهَا، فَلَمّا خَرَجُوا بِهِ لِيَقْتُلُوهُ قالَ لَهُمْ خُبَيْبٌ دَعُونِي أرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمّ قالَ: وَالله لَوْلاَ أنْ تَحْسِبُوا مَا بِي جَزَعاً لَزِدْتُ.
2658 - حدثنا ابنُ عَوْفٍ أخبرنا أبُو الْيَمَانِ أخبرنا شُعَيْبٌ عن الزّهْرِيّ قالَ أخبرني عَمْرُو بنُ أبي سُفْيَانَ بنِ أسِيدِ بنِ جَارِيَةَ الثّقَفِيّ وَهُوَ حَلِيفٌ لِبَنِي زُهْرَةَ، وَكَانَ مِنْ أصْحَابِ أبي هُرَيْرَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
ـــــــ
خرجوا واستعدوا "لهم": أي لقتال العيون "هذيل": بدل من الضمير في نفروا "فلما أحس بهم": أي رآهم "إلى قردد": قال في القاموس: كمهدد جبل وما ارتفع من الأرض. وقال في النهاية: هو الموضع المرتفع من الأرض كأنهم تحصنوا به "فأعطوا بأيديكم": أي انقادوا "بالنبل": أي السهام "في سبعة نفر": أي في جملتهم "منهم خبيب": بضم الخاء المعجمة وفتح الموحدة الأولى بينهما تحتية ساكنة "وزيد بن الدثنة": بفتح الدال المهملة وكسر المثلثة وفتحها وفتح النون. قاله القسطلاني "ورجل آخر": هو عبد الله بن طارق البلوي "فلما استمكنوا منهم": أي قدروا عليهم "أطلقوا": أي حلوا "أوتار قسيهم": أوتار جمع وتر، وقسى جمع قوس "إن لي بهؤلاء": أي القتلى "لأسوة": بالنصب اسم إن أي اقتداء "حتى أجمعوا": أي عزموا "فاستعار": أي طلب "موسى": هي ما يحلق بها "يستحد بها": الاستحداد حلق شعر العانة "أركع": أي أصلي "لولا أن تحسبوا ما بي جزعاً": أي لولا أن تظنوا الذي متلبس بي من أداء الصلاة فزعاً من القتل. والجزع نقيض الصبر. وقوله ما بي مفعول أول لتحسبوا، وقوله جزعاً مفعوله الثاني "لزدت": جواب لولا. قال الحافظ: في رواية بريدة ابن سفيان لزدت سجدتين أخريين. قال المنذري: وأخرجه البخاري والنسائي.

(7/231)


116 - باب في الكمناء
2659 - حدثنا عَبْدُالله بنُ مُحَمّدِ النّفَيْلِيّ أخبرنا زُهَيْرٌ قال حدثنا أبُو إسْحَاقَ قالَ سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يُحَدّثُ قالَ جَعَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى الرّمَاةِ يَوْمَ أُحُدٍ وَكَانُوا خَمْسِينَ رَجُلاً عَبْدَالله بنَ جُبَيْرٍ وَقالَ إنْ رَأيْتُمُونَا تَخْطِفُنَا الطّيْرُ فَلاَ تَبْرَحُوا مِنْ مَكَانِكُمْ هَذَا حَتّى أُرْسِلَ إلَيْكُمْ وَإنْ رَأيْتُمُونَا هَزَمْنَا الْقَوْمَ وَأوْطَأْنَاهُمْ فَلاَ تَبْرَحُوا حَتّى أُرْسِلَ إلَيْكُمْ قالَ فَهَزَمَهُمُ الله. قالَ فَأنَا وَالله رَأيْتُ النّسَاءَ يُسْنِدْنَ عَلَى الْجَبَلِ، فقَالَ أصْحَابُ عَبْدِالله بن جُبَيْرٍ الْغَنِيمَةَ أيْ قَوْمٍ الْغَنِيمَةَ ظَهَرَ أصحَابُكُمْ فَمَا تَنْظُرُونَ؟ فَقالَ عَبْدُالله بنُ جُبَيْرٍ أَنَسِيتُمْ مَا قالَ لَكُم رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم؟ قالُوا وَالله لَنَأْتِيَنّ النّاسَ فَلَنُصِيبَنّ مِنَ الْغَنِيمَةِ فَأتَوْهُمْ فَصُرِفَتْ وُجُوهُهُمْ وَأقْبَلُوا مُنْهَزِمِينَ.

(7/232)


117 - باب في الصفوف
2660 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ سِنَانٍ حدثنا أبُو أَحْمَدَ الزّبَيْرَيّ قالَ حدثنا عبد الرحمن بنُ سُلَيْمَانَ بنِ الْغَسِيلِ عن حَمْزَةَ بنِ أبي أُسَيْدٍ عن أبيهِ قالَ قالَ
ـــــــ
"باب في الكمناء"
جمع كمين ككرماء جمع كريم، والكمين المختفي، والمراد من يختفي في الحرب للأعداء. كذا في فتح الودود.
"على الرماة": جمع رام "عبد الله بن جبير": بالنصب مفعول جعل، والمعنى أمّره عليهم "تخطفنا الطير": كناية عن الهزيمة والقتل "فلا تبرحوا": أي لا تفارقوا "وأوطأناهم": أي غلبناهم "يسندن": بضم أوله وسكون المهملة بعدها نون مكسورة ودال مهملة أي يصعدن يقال أسند في الجبل يسند إذا صعد. وفي بعض النسخ يشتددن أي يسرعن في الصعود، يقال اشتد في مشيه إذا أسرع "الغنيمة": بالنصب على الإغراء "ظهر أصحابكم": أي غلبوا "فصرفت وجوههم": قال الحافظ: أي تحيروا فلم يدروا أين يتوجهون انتهى. وذلك عقوبة لعصيانهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال المنذري: وأخرجه البخاري والنسائي.
"باب في الصفوف"
"حدثنا أبو أحمد الزبيري": هو محمد بن عبد الله بن الزبير "عن حمزة بن أبي أسيد"

(7/232)


رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم حِينَ اصْطَفَفْنَا يَوْمَ بَدْرٍ: "إذَا أكْثَبُوكُم يَعْني إذَا غَشَوْكُمُ فَارْمُوهُمْ بالنّبْلِ وَاسْتَبْقُوا نَبْلَكُمْ".

(7/233)


118 - باب في سل السيوف عند اللقاء
2661 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ عِيسَى قال حدثنا إسْحَاقُ بنُ نَجِيحٍ وَلَيْسَ بالمَلْطِيّ عن مَالِكِ بنِ حَمْزَةَ بنِ أبي أُسَيْدِ السّاعِدِيّ عن أبيهِ عن جَدّهِ قال: قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ بَدْرٍ: "إذَا أكْثَبُوكُمْ فَارْمُوهُمْ بالنّبْلِ، وَلاَ تَسُلّوا السّيُوفَ حَتّى يَغْشَوكُمْ".
ـــــــ
بضم الهمزة وفتح السين وسكون الياء وبالدال المهملة "عن أبيه": هو أبو أسيد واسمه مالك بن ربيعة الأنصاري الساعدي "إذا أكثبوكم": بمثلثة ثم موحدة أي قاربوكم بحيث يصل إليهم سهامكم.
قال الخطابي: معناه غشوكم وأصله من الكثب وهو القرب يقول: إذا دنوا منكم فارموهم ولا ترموهم على بعد انتهى. وفي القاموس: أكثبه دنا منه "بالنبل": بفتح النون وسكون الموحدة أي بالسهم العربي الذي ليس بطويل كالنشاب. كذا في النهاية "واستبقوا نبلكم" استفعال من البقاء. قال في المجمع: أي لا ترموهم عن بعد فإنه يسقط في الأرض أو البحر فذهبت السهام ولم يحصل نكاية. وقيل أرموهم بالحجارة فإنها لا تكاد تخطىء إذا رمى الجماعة انتهى. وقيل معناه أرموهم ببعض النبل دون الكل. قال المنذري: وأخرجه البخاري.
"باب في سل السيوف عند اللقاء"
السل انتزاعك الشيء وإخراجه في رفق.
"وليس": أي إسحاق بن نجيح هذا "بالملطي": بل إسحاق بن نجيح هذا غير الملطي. واعلم أن إسحاق بن نجيح رجلان أحدهما إسحاق بن نجيح الراوي عن مالك بن حمزة، والثاني إسحاق بن نجيح الأزدي الملطي فزعم بعضهم أن إسحاق بن نجيح الأول هو الملطي. فمقصود أبي داوود رحمه الله من قوله وليس بالملطي الرد عليه "لا تسلوا السيوف": أي لا تخرجوها من غلافها "حتى يغشوكم": بفتح الشين، أي حتى يقربوكم قرباً يصل سيفكم إليهم. والحديث سكت عنه المنذري.

(7/233)


119 - باب في المبارزة
2662 - حدثنا هَارُونُ بنُ عَبْدِالله حدثنا عُثْمَانُ بنُ عَمْرٍ حدثنا إسْرَائِيلُ عنْ أبي إسْحَاقَ عنْ حَارِثَةَ بنِ مُضَرّبٍ عن عَلِيّ قالَ: "تَقَدّمَ يَعْنِي عُتْبَةَ بنَ رَبِيعَةَ وَتَبِعَهُ ابْنُهُ وَأخُوهُ فَنَادَى مَنْ يُبَارِزُ؟ فَانْتَدَبَ لَهُ شَبَابٌ مِنَ الأنْصَارِ، فَقالَ مَنْ أنْتُمْ؟ فَأخْبَرُوهُ، فَقالَ لاَ حَاجَةَ لَنَا فِيكُمُ، إنّمَا أرَدْنَا بَنِي عَمّنَا، فقالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "قُمْ يَاحَمْزَةُ، قُمْ يَاعَلِيّ، قُمْ يَاعُبَيْدَةُ بنُ الحَارِثِ"، فَأقْبَلَ حَمْزَةُ إلَى عُتْبَةَ وَأقْبَلَتُ إلَى شَيْبَةَ وَاخْتُلِفَ بَيْنَ عُبَيْدَةَ وَالْوَلِيدِ ضَرْبَتَانِ، فَأثْخَنَ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، ثُمّ مِلْنَا عَلَى الْوَلِيدِ فَقَتَلْنَاهُ وَاحْتَمَلْنَا عُبَيْدَةَ.
ـــــــ
"باب في المبارزة"
قال في القاموس: برز بروزاً خرج إلى البراز أي الفضاء، وبارز القرن مبارزة وبرازاً برز إليه. وفي اللسان البراز بالفتح المكان الفضاء من الأرض البعيد الواسع، وإذا خرج الإنسان إلى ذلك الموضع قيل قد برز يبرز بروزاً أي خرج إلى البراز والمبارزة في الحرب. وقد تبارز القرنان، والقرن بالكسر الكفؤ والنظير في الشجاعة والحرب.
"عن حارثة بن مضرب": بتشديد الراء المكسورة قبلها معجمة "تقدم": أي من الكفار "وتبعه ابنه": أي الوليد "وأخوه": أي شيبة "فنادى": أي عتبة "فانتدب": يقال ندبته فانتدب أي دعوته فأجاب. كذا في النهاية "له": أي لعتبه "شباب": جمع شاب "بني عمنا": أي القرشيين من أكفائنا "قم ياعبيدة بن الحارث": بضم العين وفتح الموحدة وسكون الياء وبفتح التاء وضمها، ففي الكافية العلم الموصوف بابن مضافاً إلى علم آخر يختار فتحه، وأما ابن فمنصوب لا غير "فأقبل حمزة إلى عتبة": أي إلى محاربته فقتله "وأقبلت إلى شيبة": أي فقتلته "واختلف بين عبيدة والوليد ضربتان": أي ضرب كل واحد منهما صاحبه تعاقبا "فأثخن": أي جرح وأضعف "صاحبه": أي قرنه "ثم ملنا": بكسر الميم من الميل. في شرح السنة: فيه إباحة المبارزة في جهاد الكفار ولم يختلفوا في جوازها إذا أذن الإمام، واختلفوا فيها إذا لم تكن عن إذن الإمام، فجوزها جماعة، وإليه ذهب مالك والشافعي انتهى.
وقال الخطابي ما حاصله: إن الحديث يدل على جواز المبارزة بإذن الإمام وبغيره لأن مبارزة حمزة وعلي كانت بالإذن والأنصار كانوا قد خرجوا ولم يكن لهم إذن ولم ينكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم. والحديث سكت عنه المنذري.

(7/234)


120 - باب في النهي عن المثلة
2663 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ عِيسَى وَ زِيَادُ بنُ أيّوبَ قالا حدثنا هُشَيْمٌ قالَ أنْبأنَا مُغِيرَةُ عن شِبَاكٍ عنْ إبْرَاهِيمَ عن هُنَيَ بنِ نُوَيْرَةَ عن عَلْقَمَةَ عن عَبْدِالله قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أعَفّ النّاسِ قِتْلَةً أهْلُ الإيمَانِ".
2664 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ المُثَنّى حدثنا مُعَاذُ بنُ هِشَامٍ قال حَدّثَني أبي عن قَتَادَةَ عن الْحَسَنِ عن الْهَيّاجِ بنِ عِمْرَانَ أنّ عِمْرَانَ أبَقَ لَهُ غُلاَمٌ فَجَعَلَ لله عَلَيْهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ لَيَقْطَعَنّ يَدَهُ، فَأرْسَلَنِي لاِءَسْألَ لَهُ فأتَيْتُ سَمُرَةَ بنَ جُنْدُبٍ فَسَألْتُهُ، فقالَ كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَحُثّنَا عَلَى الصّدَقَةِ وَيَنْهَانَا عنِ المُثْلَةِ، فَأتَيْتُ عِمْرَانَ بنَ حُصَيْنٍ فَسَألْتُهُ فقالَ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَحُثّنَا عَلَى الصّدَقَةِ وَيَنْهَانَا عن المُثْلَةِ.
ـــــــ
"باب في النهي عن المثلة"
يقال مثلت بالقتيل رجدعت أنفه أو أذنه أو مذاكيره أو شيئاً من أطرافه، والاسم المثلة.
"عن شباك": بكسر الشين وتخفيف الموحدة ثم كاف الضبي الكوفي الأعمى ثقة وكان يدلس من السادسة. كذا في التقريب "عن هني": بنون مصغراً "بن نويرة": بنون مصغراً "عن عبد الله": أي ابن مسعود "أعف الناس قتلة": بكسر القاف هيئة القتل أي أكفهم وأرحمهم من لا يتعدى في هيئة القتل التي لا يحل فعلها من تشويه المقتول وإطالة تعذيبه "أهل الإيمان": لما جعل الله في قلوبهم من الرحمة والشفقة لجميع خلقه بخلاف أهل الكفر، كذا في السراج المنير. وقوله أعف أفعل التفضيل من عفّ عفا وعفافاً وعفة أي كف عما لا يحل ولا يجمل. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه.
"عن الهياج": بفتح أوله والتحتانية المشددة ثم جيم مقبول، كذا في التقريب "أن عمران": هو ابن حصين "فجعل لله عليه": أي نذر "يحثنا": أي يحضنا ويرغبنا "وينهانا عن المثلة": قال الخطابي: المثلة تعذيب المقتول بقطع أعضائه وتشويه خلقه قبل أن يقتل أو بعده، وذلك مثل أن يجدع أنفه أو أذنه أو تفقأ عينه أو ما أشبه ذلك من أعضائه، ثم قال ما حاصله إن النهي إذا لم يمثل الكافر بالمقتول المسلم، فإن مثل بالمقتول جاز أن يمثل به، ولذلك قطع النبي صلى الله عليه وسلم أيدي العرنيين وأرجلهم وسمل أعينهم، وكانوا فعلوا ذلك برعائه صلى الله عليه وسلم، وكذلك جاز في القصاص بين المسلمين إذا كان القاتل قطع أعضاء المقتول وعذبه قبل القتل، فإنه يعاقب بمثله، وقد قال الله تعالى{فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} والحديث سكت عنه المنذري.

(7/235)


121 - باب في قتل النساء
2665 - حدثنا يَزِيدُ بنُ خَالِدِ بنِ مَوْهَبٍ وَ قُتَيْبَةُ يَعْني ابنَ سَعِيدٍ قالا حدثنا اللّيْثُ عن نَافِعٍ عن عَبْدِالله: أنّ امْرَأةً وُجِدَتْ في بَعْضِ مَغَازِي رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم مَقْتُولَةً فَأنْكَرَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قَتْلَ النّسَاءِ وَالصّبْيَانِ.
2666 - حدثنا أبُو الْوَلِيدِ الطّيَالِسِيّ قال حدثنا عَمْرُ بنُ المُرَقّعِ بنِ صَيْفِيّ بنِ رَبَاحٍ قال حدّثَني أبِي عن جَدّهِ رَبَاحِ بنِ رَبِيعٍ قال: كُنّا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في غَزْوَةٍ فَرَأى النّاسَ مُجْتَمِعِينَ عَلَى شَيْءٍ، فَبَعَثَ رَجُلاً فقال: انْظُرْ عَلَى مَا اجْتَمَعَ هَؤُلاَءِ، فَجَاءَ فقال: عَلَى امْرَأةً قَتِيلٍ، فقالَ: مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ، قال: وَعَلَى المُقَدّمَةِ خالِدُ بنُ الْوَلِيدِ فَبَعَثَ رَجُلاً فقال: قُلْ لِخَالِدٍ: لاَ تَقْتُلُنّ[لايقتلن] امْرَأةً وَلا عَسِيفاً.
ـــــــ
باب في قتل النساء
"فأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل النساء والصبيان": فيه أنه لا يجوز قتل النساء والصبيان، وإلى ذلك ذهب مالك والأوزاعي، فلا يجوز ذلك عندهما بحال من الأحوال. وقال الشافعي والكوفيون: إذا قاتلت المرأة جاز قتلها. وقال ابن حبيب من المالكية: لا يجوز القصد إلى قتلها إذا قاتلت إلا إن باشرت القتل أو قصدت إليه، كذا في النيل. قال المنذري: وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي.
"عن جده رباح": بفتح الراء والموحدة "بن ربيع": بفتح الراء وكسر الموحدة. وفي التقريب رباح بن الربيع بفتح أوله والموحدة أخو حنظلة الكاتب ويقال بكسر أوله وبالتحتانية صحابي له حديث "على امرأة قتيل": أي مقتولة وإذا ذكر الموصوف يستوي في الفعيل بمعنى المفعول المذكر والمؤنث قاله القاري "ما كانت هذه لتقاتل": اللام هي الداخلة في خبر كان لتأكيد النفي، كقوله تعالى {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ} "وعلى المقدمة": بكسر الدال ويفتح "ولا عسيفاً": بمهملتين وفاء كأجير وزناً ومعنى. قال القاري: ولعل علامته أن يكون بلا سلاح انتهى.
قال الخطابي: في الحديث دليل على أن المرأة إذا قاتلت قتلت، ألا ترى أنه جعل العلة في تحريم قتلها لأنها لا تقاتل، فإذا قاتلت دل على جواز قتلها، والعسيف الأجير والتابع

(7/236)


2667 - حدثنا سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ قال حدثنا هُشَيْمٌ قال حدثنا حَجّاجٌ قال حدثنا قَتَادَةُ عن الْحَسَنِ عن سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "اقْتُلُوا شُيُوخَ المُشْرِكِينَ وَاسْتَبْقُوا شَرْخَهُمْ".
2668 - حدثنا عَبْدُالله بنُ مُحَمّدِ النّفَيْلِيّ قال حدثنا مُحَمّدُ بنُ سَلَمَةَ عن مُحَمّدِ بنِ إسْحَاقَ قال حدّثَني مُحَمّدُ بنُ جَعْفَرِ بنِ الزّبَيْرِ عن عُرْوَةَ بنِ الزّبَيْرِ عنْ عَائِشَةَ قالَتْ: لَمْ تُقْتَلْ مِنْ نِسَائِهِمْ - تَعْني بَنِي قُرَيْظَةَ - إلاّ امْرَأةٌ، إنّهَا لَعِنْدِي تُحَدّثُ تَضْحَكُ ظَهْراً وَبَطْناً وَرَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَقْتُلُ رِجَالَهُمْ بالسّوقِ[بالسيوف] إذْ هَتَفَ هَاتِفٌ باسْمِهَا: أيْنَ فُلاَنَةَ؟ قالَتْ: أنَا، قُلْتُ: وَمَا شَأْنُكِ؟ قالَتْ: حَدَثٌ أحْدَثْتُهُ، قالَتْ: فَانْطَلَقَ بِهَا فَضُرِبَتْ عُنُقُهَا، قالَتْ: فَمَا أَنْسَى عَجَباً مِنْهَا، إنّهَا تَضْحَكُ ظَهْراً وَبَطْناً وَقَدْ عَمِلَتْ أنّهَا تُقْتَلُ.
ـــــــ
انتهى. قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه. ورباح هذا بالباء الموحدة ويقال فيه بالياء آخر الحروف. وقال الدارقطني ليس في الصحابة أحد يقال له رباح إلا هذا على اختلاف فيه أيضاً بكسر الراء.
"اقتلوا شيوخ المشركين واستبقوا شرخهم": قال الخطابي: الشرخ ههنا جمع شارخ، يقال شارخ وشرخ كما قالوا راكب وركب وصاحب وصحب، يريد بهم الصبيان ومن يبلغ مبلغ الرجال، والشيوخ ههنا المسان، وإذا قيل شرخ الشباب كان معناه أول الشباب. قال حسان:
إن شرخ الشباب والشعر الأ
سود ما لم يعاص كان جنوناً
وقال في المجتمع: أراد بالشيوخ الرجال المسان أهل الجلد والقوة على القتال لا الهرمى والشرخ صغار لم يدركوا. ولا ينافي حديث "لا تقتلوا شيخاً فانياً" وقيل: أراد بالشيوخ الهرمى الذين إذا سبوا لم ينتفع بهم في الخدمة وأراد بالشرخ الشباب أهل الجلد وشرخ الشباب أوله وقيل: نضارته وقوته. قال المنذري: وأخرجه الترمذي، وقال حسن صحيح غريب، وقد تقدم أن حديث الحسن عن سمرة كتاب إلا حديث العقيقة على المشهور.
"تعني بني قريظة: هذا تفسير للضمير المجرور في نسائهم من بعض الرواة "بالسوق": وفي بعض النسخ بالسيوف "إذ هتف هاتف": أي صاح صائح ونادى مناد "قالت حدث أحدثته"

(7/237)


2669 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ عَمْرِو بنِ السّرْحِ قال حدثنا سُفْيَانُ عن الزّهْرِيّ عن عُبَيْدِالله - يَعْني ابنَ عَبْدِالله - عن ابنِ عَبّاسٍ عن الصّعْبِ بنِ جَثّامَةَ: أنّهُ سَأَلَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عن الدّارِ مِنَ المُشْرِكِينَ يُبَيّتُونَ فَيُصَابُ مِنْ ذَرَارِيّهِمْ وَنِسَائِهِمْ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: هُمْ مِنْهُمْ، وَكَانَ عَمْرٌو - يَعْني ابنَ دِينَارٍ - يَقُولُ: هُمْ مِنْ آبائِهِمْ. قال الزّهْرِيّ: ثُمّ نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بَعْدَ ذَلِكَ عن قَتْلِ النّسَاءِ والْوِلْدَانِ.
ـــــــ
قال الخطابي: يقال إنها كانت شتمت النبي صلى الله عليه وسلم وهو الحدث الذي أحدثته، وفيه دلالة على وجوب قتل من فعل ذلك. وحكي عن مالك أنه كان لا يرى لمن سب النبي صلى الله عليه وسلم توبة ويقبل توبة من ذكر الله بسبب أو شتم ويكف عنه، انتهى. والحديث سكت عنه المنذري.
"عن الصعب": بفتح الصاد وسكون العين المهملتين "بن جثامة": بفتح الجيم وتشديد المثلثة "عن الدار": أي عن أهل الدار. وفي رواية البخاري "عن أهل الدار" قال الحافظ أي المنزل "يبيتون": بفتح المثناة المشددة بعد الموحدة مبنياً للمفعول، أي يغار عليهم ليلا بحيث لا يعرف رجل من امرأة "فيصاب": أي بالقتل والجرح "من ذراريهم": في شرح مسلم الذراري بالتشديد أفصح، وهي النساء والصبيان انتهى. والمراد هنا الأطفال والولدان من الذكور والإناث "هم منهم": أي الذراري والنساء من أهل الدار من المشركين. قال القسطلاني: ليس المراد إباحة قتلهم بطريق القصد إليهم بل إذا لم يوصل إلى قتل الرجال إلا بذلك قتلوا وإلا فلا تقصد الأطفال والنساء بالقتل مع القدرة على ترك ذلك جمعاً بين الأحاديث المصرحة بالنهي عن قتل النساء والصبيان وما هنا انتهى "وكان عمرو الخ": قائله سفيان "قال الزهري ثم نهى إلخ": قال الحافظ في الفتح: كأن الزهري أشار بذلك إلى نسخ حديث الصعب انتهى. واستدل به من قال: إنه لا يجوز قتل النساء والصبيان مطلقاً.
واعلم أن هذا الحديث أخرجه الجماعة إلا النسائي ولم يذكر هذه الزيادة غير أبي داوود وأخرجها الإسماعيلي من طريق جعفر الفريابي عن علي بن المديني عن سفيان بلفظ: وكان الزهري إذا حدث بهذا الحديث قال وأخبرني ابن كعب بن مالك عن عمه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث إلى ابن أبي الحقيق نهي عن قتل النساء والصبيان. وأخرجه أيضاً ابن حبان مرسلاً كأبي داوود، كذا في النيل. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.

(7/238)


122 - باب في كراهية حرق العدو بالنار
2670 - حدثنا سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ قال حدثنا مُغِيرَةُ بنُ عبد الرحمن الْحِزَامِيّ عن أبي الزّنَادِ قال حدّثني مُحَمّدُ بنُ حَمْزَةَ الأسْلَمِيّ عن أبِيهِ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أمّرَهُ عَلَى سَرِيّةٍ، قال: فَخَرَجْتُ فِيهَا وَقالَ: "إنْ وَجَدْتُمْ فُلاَناً فَأَحْرِقُوهُ بالنّارِ" فَوَلّيْتُ فَنَادَانِي فَرَجعْتُ إلَيْهِ فقال: "إنْ وَجَدْتُمْ فُلاَناً فَاقْتُلُوهُ وَلاَ تُحْرِقُوهُ فإنّهُ لا يُعَذّبُ بالنّارِ إلاّ رَبّ النّارِ".
2671 - حدثنا يَزِيدُ بنُ خَالِدٍ وَ قُتَيْبَةُ أنّ اللّيْثَ بنَ سَعْدٍ حَدّثَهُمْ عن بُكَيْرٍ عن سُلَيْمَانَ بنِ يَسَارٍ عن أبي هُرَيْرَةَ قال: بَعَثَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في بَعْثٍ فقال: إنْ وَجَدْتُمْ فُلاَناً وَفُلاَناً فَذَكَرَ مَعْنَاهُ.
2672 - حدثنا أبُو صَالِحٍ مَحْبُوبُ بنُ مُوسَى قال أنْبأنَا أبُو إسْحَاقَ الْفَزَارِيّ عن أبي إسْحَاقَ الشّيْبَانِيّ عن ابنِ سَعْدٍ قال غَيْرُ أبي صَالِحٍ عن الْحَسَنِ بن سَعْدٍ عنْ عبد الرحمن بن عَبْدِالله عنْ أبِيهِ قال: كُنّا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في سَفَرٍ فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ
ـــــــ
"باب في كراهية حرق العدو بالنار"
"أمّره": من التأمير أي جعله أميراً "الأرب النار": أي الله تعالى، وهو خبر بمعنى النهي، وهو نسخ لأمره السابق. قال القسطلاني: قد اختلف السلف في التحريق فكرهه عمر وابن عباس وغيرهما مطلقاً سواء كان بسبب كفر أو قصاصاً، وأجازه علي وخالد بن الوليد. وقال المهلب: ليس هذا النهي على التحريم بل على سبيل التواضع، وقد سمل عليه الصلاة والسلام أعين العرنيين بالحديد المحمى وحرق أبو بكر رضي الله عنه اللائط بالنار بحضرة الصحابة وتعقب بأنه لا حجة فيه للجواز، فإن قصة العرنيين كانت قصاصاً أو منسوخة، وتجويز الصحابي معارض بمنع صحابي غيره انتهى. والحديث سكت عنه المنذري.
"فذكر معناه": أي معنى الحديث السابق. قال المنذري: وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي.
"قال غير أبي صالح عن الحسن بن سعد": أي بذكر اسمه واسم أبيه، فقال الحسن بن سعد، وأما أبو صالح فقال في روايته عن ابن سعد بغير ذكر اسمه "عن أبيه": هو عبد الله بن

(7/239)


فَرَأيْنَا حُمّرَةً مَعَهَا فَرْخَانِ فَأخَذْنَا فَرْخَيْهَا، فَجَاءَتْ الْحُمّرَةُ فَجَعَلَتْ تَفْرُشُ[تعرش-تفرش أو تعرش] فَجَاءَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: "مَنْ فَجّعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا، رُدّوا وَلْدَهَا إلَيْهَا"، وَرَأى قَرْيَةَ نَمْلٍ قَدْ حَرّقْنَاهَا فقال: "مَنْ حَرّقَ هَذِهِ؟ قُلْنَا: نَحْنُ، قال: "إنّهُ لاَ يَنْبَغِي أنْ يُعَذّبَ بالنّارِ إلاّ رَبّ النّارِ".

(7/240)


123 - باب في الرجل يكري دابته على النصف أو السهم
2673 - حدثنا إسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ الدّمَشْقِيّ أبُو النّضْرِ قال حدثنا مُحَمّدُ بنُ شُعَيْبٍ قال أخبرني أبُو زُرْعَةَ يَحْيَى بنُ أبي عَمْرٍو السّيْبَانِيّ عن عَمْرِو بنِ عَبْدِالله أنّهُ
ـــــــ
مسعود رضي الله عنه "حمرة": بضم الحاء المهملة وتشديد الميم المفتوحة وقد يخفف طائر صغير كالعصفور "معها فرخان": تثنية الفرخ. قال في القاموس: الفرخ ولد الطائر "فجعلت تفرش": كذا في بعض النسخ، وفي بعضها تعرس، وفي نسخة الخطابي تفرش أو تعرش. قال في اللمعات بفتح التاء وضم الراء من فرش الطائر إذا فرش جناحيه وبفتحها وتشديد الراء أي تفرش فحذف إحدى التائين أي ترفرفت بجناحيها وتقربت من الأرض انتهى. قال الخطابي: قوله تفرش أو تعرش معناه ترفرف، والتفريش مأخوذ من فرش الجناح وبسطه، والتعريش أن ترتفع فوقهما وتظلل عليهما انتهى. "من فجع": بفتح الفاء وتشديد الجيم، كذا ضبط، قال في القاموس: فجعه كمنعه أوجعه كفجعه انتهى. وقال غيره: الفجع أن يوجع الإنسان بشيء يكرم عليه فيعدمه، يقال فجع في ماله وأهله وبماله وأهله مجهولاً فهو مفجوع، وفجعه بشدة الجيم مثل فجعه انتهى "قرية نمل": أي موضع نمل.
قال الخطابي: في الحديث دلالة على أن تحريق بيوت الزنابير مكروهة، وأما النمل فالعذر فيه أقل وذلك أن ضرره قد يزول من غير إحراق، قال: والنمل على ضربين أحدهما مؤذ ضرار فدفع عاديته جائز، والضرب الآخر الذي لا ضرر فيه، وهو الطوال الأرجل لا يجوز قتله. قال المنذري: ذكر البخاري وعبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي أن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود سمع من أبيه، وصحح الترمذي حديث عبد الرحمن عن أبيه في جامعه.
"باب في الرجل يكري دابته على النصف أوالسهم"
"السيباني": بفتح المهملة وسكون التحتانية بعدها موحدة، وسيبان بطن من حمير "وقد

(7/240)


حَدّثَهُ عن وَاثِلَةَ بنِ الأسْقَعِ قال: نَادَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في غَزْوَةِ تَبُوكَ فَخَرَجَتُ إلى أهْلِي فَأقْبَلْتُ وَقَدْ خَرَجَ أوّلُ صَحَابَةِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَطَفَقْتُ في المَدِينَةِ أُنَادِي: ألاَ مَنْ يَحْمِلُ رَجُلاً لَهُ سَهْمُهُ، فَنَادَى شَيْخٌ مِنَ الأنْصَارِ قال[فقال] لَنَا سَهْمُهُ عَلَى أنْ نَحْمِلَهُ عَقَبَةً وَطَعامُهُ مَعَنَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قال: فَسِرْ عَلَى بَرَكَةِ الله تعالى قال: فَخَرَجْتُ مَعَ خَيْرِ صَاحِبٍ حَتّى أفَاءَ الله عَلَيْنَا فأصَابَني قَلائِصُ، فَسُقْتُهُنّ حتى اتيته فخرج فقعد على حَقِيبة من حقائب أبله ثم قال سُقْهُنّ مُدْبِرَاتٍ، ثُمّ قالَ سُقْهُنّ مُقْبِلاَتٍ، فقالَ مَا أرَى قَلاَئِصَكَ إلاّ كِرَاماً قالَ إنّمَا هِيَ غَنِيمَتُكَ الّتي شَرَطْتُ لَكَ، قالَ خُذْ قَلاَئِصَكَ يا ابْنَ أخِي فَغَيْرَ سَهْمِكَ أرَدْنَا.
ـــــــ
خرج": الواو للحال "فطفقت في المدينة أنادي": أي أخذت وشرعت في النداء "ألا من يحمل رجلاً له": الضمير المجرور لمن "سهمه": أي سهم الرجل "عقبة": أي رديفاً "فأصابني قلائص": جمع قلوص، في القاموس: القلوص من الإبل الشابة أو الباقية على السير أو أول ما يركب من إناثها إلى أن تثني ثم هي ناقة، والناقة الطويلة القوائم خاص بالإناث. قلائص وقلص وجمع قلاص "على حقيبة": في القاموس: الحقيبة الرفادة في مؤخر القتب وكل ما شد في مؤخر رحل أو قتب فقد احتقب "فقال": أي الشيخ "قال" أي واثلة "إنما هي": أي القلائص "فغير سهملك أردنا": قال الخطابي: يشبه أن يكون معناه أني لم أرد سهمك من المغنم، إنما أردت مشاركتك في الأجر والثواب، والله أعلم.
قال اختلف الناس في هذا فقال أحمد بن حنبل فيمن يعطي فرسه على النصف مما يغنمه في غزاته: أرجو أن لا يكون به بأس.
وقال الأوزاعي: ما أراه إلا جائزاً، وكان مالك بن أنس يكرهه. وفي مذهب الشافعي لا يجوز أن يعطيه فرساً على سهم من الغنيمة، فإن فعل فله أجر مثله ركوبه انتهى. والحديث سكت عنه المنذري.

(7/241)


124 - باب في الأسير يوثق
2674 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ حدثنا حَمّادُ يَعْني ابنَ سَلَمَةَ قال أنْبأنَا مُحَمّدُ بنُ زِيَادٍ قال سَمِعْتُ أبا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "عجِبَ رَبّنَا تعالى مِنْ قَوْمٍ يُقَادُونَ إلى الْجَنّةِ في السّلاَسِلِ".
2675 - حدثنا عَبْدُالله بنُ عَمْرٍو بنِ أبي الْحَجّاجِ أبُو مَعْمَرٍ قالَ حدثنا عَبْدُالْوَارِثِ حدثنا مُحَمّدُ بنُ إسْحَاقَ عنْ يَعْقُوبَ بنِ عُتْبَةَ عن مُسْلِمِ بنِ عَبْدِالله عن جُنْدُبِ بنِ مَكِيثٍ قال: بَعَثَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَبْدَالله بن غَالِبٍ اللّيْثِيّ في سَرِيّةٍ وَكُنْتُ فِيهِمْ وَأمَرَهُمْ أنْ يَشُنّوا الْغَارَةَ عَلَى بَنِي المُلَوّحِ بالْكَدِيدِ فَخَرجْنَا حَتّى إذَا كُنّا بالْكَدِيدِ
ـــــــ
"باب في الأسير يوثق"
"عجب ربنا": قال في النهاية: أي عظم ذلك عنده وكبر لديه. أعلم الله أنه إنما يتعجب الآدمي من الشيء إذا عظم موقعه عنده وخفي عليه سببه فأخبرهم بما يعرفون ليعلموا موقع هذه الأشياء عنده. وقيل معنى عجب ربك أي رضي وأثاب فسماه عجباً مجازاً وليس بعجب في الحقيقة، والأول الوجه انتهى "من قوم يقادون": بصيغة المجهول أي يجرون "في السلاسل": حال من الضمير في يقادون قال القاري: والمعنى أنهم يؤخذون أسارى قهراً وكرهاً في السلاسل والقيود فيدخلون في دار الإسلام ثم يرزقهم الله الإيمان فيدخلون به الجنة، فأحل الدخول في الإسلام محل دخول الجنة لإفضائه إليه انتهى.
وقال الكرماني وتبعه البرماوي: لعلهم المسلمون الذين هم أسارى في أيدي الكفار فيموتون أو يقتلون على هذه الحالة، فيحشرون عليها ويدخلون الجنة كذلك. قال المنذري: وأخرجه البخاري.
"عن جندب": بضم أوله والدال تفتح وتضم "ابن مكيث": بوزن فعيل آخره مثلثة كذا في التقريب "في سرية": هي طائفة من الجيش يبلغ أقصاها أربعمائة تبعث إلى العدو وجمعها السرايا "وأمرهم أن يشنوا الغارة على بني الملوح بالكديد": قال الخطابي: أصل الشن الصب، يقال شننت الماء إذا صببته صباً متفرقاً، والشنان ما يفرق من الماء. انتهى.
وقال في فتح الودود: الملوح بوزن اسم الفاعل من التلويح، والكديد بفتح الكاف، والمعنى أمرهم أن يفرقوا الغارة عليهم من جميع جهاتهم انتهى "حتى إذا كنا بالكديد": في

(7/242)


لَقِينَا الْحَارِثَ بنَ الْبَرصَاءِ اللّيْثِيّ فَأخَذْنَاهُ فقالَ إنّمَا جِئْتُ أُرِيدُ الإسْلاَمَ، وَإنّمَا خَرَجْتُ إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَقُلْنَا إنْ تَكُ[تكن] مُسْلِماً لَمْ يَضُرّكَ رِباطُنَا يَوْماً وَلَيْلَةً، وَإنْ تَكُنْ غَيْرَ ذَلِكَ نَسْتَوْثِقُ مِنْكَ، فَشَدَدْنَاهُ وِثاقاً.
2676 - حدثنا عِيسَى بنُ حَمّادٍ المِصْرِيّ وَ قُتَيْبَةُ قالَ قُتَيْبَةُ حدثنا اللّيْثُ بنُ سَعْدٍ عن سَعِيدِ بنِ أبِي سَعِيدِ أنّهُ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: بَعَثَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم خَيْلاً قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بنُ أُثَالٍ سَيّدُ أهْلِ الْيَمَامَةِ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ، فَخَرَجَ إلَيْهِ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال: "مَاذَا عِنْدَكَ يَاثُمَامَةُ؟ قالَ عِنْدِي يامُحَمّدُ خَيْرٌ، إنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإنْ كُنْتَ
ـــــــ
النهاية: الكديد: التراب الناعم إذا وطىء ثار ترابه "فشددناه وثاقاً": الوثاق ما يوثق به الأسرى.
قال الخطابي: في الحديث دلالة على جواز الاستيثاق من الأسير الكافر بالرباط والغل والقيد وما يدخل في معناها إن خيف انفلاته ولم يؤمن شره إن ترك مطلقاً. انتهى. قال المنذري: والصواب غالب بن عبد الله. انتهى كلام المنذري.
"خيلاً": أي فرساناً، والأصل أنهم كانوا رجالاً على خيل قاله الحافظ "قبل نجد": بكسر القاف وفتح الموحدة: أي حذاءه وجانبه. والنجد ما ارتفع من الأرض وهو اسم خاص لما دون الحجاز مما يلي العراق. قاله في المجمع "فجاءت": أي الخيل "ثمامة": بمثلثة مضمومة "بن أثال": بضم الهمزة بعدها مثلثة خفيفة "بسارية": أي استوانة "من سواري المسجد": أي المسجد النبوي "ماذا عندك": أي أي شيء عندك، ويحتمل أن تكون ما استفهامية وذا موصولة وعندك صلة أي ما الذي استقر في ظنك أن أفعله بك "قال عندي يامحمد خير": أي لأنك لست ممن يظلم بل ممن يعفو ويحسن "إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر": هذا تفصيل لقوله عندي خير، وفعل الشرط إذا كرر في الجزاء دل على فخامة الأمر.
قال النووي: قوله ذا دم فيه وجوه أحدها معناه إن تقتل تقتل صاحب دم لدمه موقع يشتفي بقتله قاتله بثأره أي لرياسته وفضله وحذف هذا لأنهم يفهمونه في عرفهم، وثانيها إن تقتل تقتل من عليه دم مطلوب به وهو مستحق عليه فلا عتب عليك، وثالثها ذا ذم بالذال المعجمة وتشديد الميم أي ذا ذمام وحرمة في قومه، ورواها بعضهم في سنن أبي داوود كذلك.
قال القاضي وهي ضعيفة لأنها تقلب المعنى، فإن احترامه يمنع القتل. قال الشيخ:

(7/243)


تُرِيدُ المَالَ فَسَلْ تَعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ، فَتَرَكَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم حَتّى إذَا كَانَ الْغَدُ، ثُمّ قالَ لَهُ: "مَا عِنْدَكَ يَاثُمَامَةُ" فَأعَادَ مِثْلَ هَذَا الْكَلاَمِ، فَتَرَكَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم حَتّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ فَذَكَرَ مِثْلَ هَذَا، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ"، فَانْطَلَقَ إلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ المَسْجِدِ فاغْتَسَلَ فيهِ ثُمّ دَخَلَ المَسْجِدَ فقالَ أشْهَدُ أنْ لاَ إلَهَ إلاّ الله وَأشْهَدُ أنّ مُحَمّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَساقَ الْحَدِيثَ.
قالَ عِيسَى: أخبرنا اللّيْثُ وَقال ذَا ذِمَ.
2677 - حدثنا مُحَمّدُ بن عَمْرو الرّازِيّ قال حدثنا سَلَمَةُ يعنِي ابنَ الْفَضْلِ عن ابن إسْحَاقَ قالَ: حدثني عَبْدُالله بنُ أبِي بَكْرٍ عنْ يَحْيَى بنِ عَبْدِالله بنِ عبد الرحمن بنِ سَعْدِ بنِ زُرَارَةَ قالَ: قُدِمَ بالاْسَارَى حِينَ قُدِمَ بِهِمْ وَسَوْدَةُ بِنتُ زَمْعَةَ عِنْدَ آلِ عَفْرَاءَ في مُنَاخِهِمْ عَلَى عَوْفٍ وَمُعَوّذٍ ابْنَيْ عَفْرَاءَ. قال: وَذَلِكَ قَبْلَ أنْ يُضْرَبَ عَلَيْهِنّ الْحِجَابُ
ـــــــ
ويمكن تصحيحها بأن يحمل على الوجه الأول، أي تقتل رجلاً جليلاً يحتفل قاتله بقتله بخلاف ما إذا قتل حقيراً مهيناً فإنه لا فضيلة، ولا يدرك به قاتله ثأره. كذا في المرقاة.
قلت: قوله رواها بعضهم أي بعض الرواة، وهو عيسى بن حماد المصري شيخ أبي داوود. وقوله كذلك أي بلفظ ذا ذم بالذال المعجمة وتشديد الميم. وذكر أبو داوود رواية عيسى هذه في آخر الحديث "تعط": بصيغة المجهول "منه": أي من المال، وهو بيان لقوله ما شئت "حتى إذا كان الغد": أي وقع "فأعاد مثل هذا الكلام": أي المذكور أي إن تقتل تقتل الخ "حتى كان بعد الغد": قال الطيبي: اسم كان ضمير عائد إلى ما هو مذكور حكماً أي حتى كان ما هو عليه ثمامة بعد الغد "أطلقوا ثمامة": أي حلوه وخلوا سبيله "فانطلق إلى نخل": بالخاء المعجمة تقديره انطلق إلى نخل فيه ماء قاله النووي.
وفي رواية ابن خزيمة في صحيحه: "فانطلق إلى حائط أبي طلحة" قاله الحافظ "قال عيسى" أي ابن حماد المصري "وقال ذا ذم": بكسر الذال المعجمة وتشديد الميم أي ذا ذمام وحرمة في قومه. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"قدم": بصيغة المجهول أي أتى "بالأسارى": جمع أسير أي في غزوة بدر "عند آل عفراء" بفتح العين وسكون الفاء وبعدها راء اسم امرأة "في مناخهم": المناخ بضم الميم مبرك الإبل "على عوف ومعوذ": على وزن اسم الفاعل من التفعيل أي عند عوف ومعوذ، وهذه الجملة بدل

(7/244)


[بالحجاب] قال: تَقُولُ سَوْدَةُ: وَالله إنّي لَعِنْدَهُمْ إذْ أتَيْتُ فَقِيلَ هَؤُلاَءِ الاْسَارَى قَدْ أُتِيَ بِهِمْ، فَرَجَعْتُ إلَى بَيْتِي وَرَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فِيهِ، وَإذَا أبو يَزِيدَ سُهَيْلُ بنُ عَمْرٍو في نَاحِيَةِ الْحُجْرَةِ مَجْمُوعَةٌ يَدَاهُ إلَى عُنُقِهِ بِحَبْل ثُمّ ذَكَرَ الحدِيثَ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَهُمَا قَتَلاَ أبا جَهْلِ بنَ هِشَامٍ وَكَانَا انْتَدَبَا لَهُ وَلَمْ يَعْرِفَاهُ[به] وَقتَلاَهُ يَوْمَ بَدْرٍ.

(7/245)


125 - باب في الأسير ينال منه ويضرب
[ينال منه يقرر]
[ينال منه ويضرب ويقرر]
2678 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ حدثنا حَمّادُ عن ثَابِتٍ عن أنَسٍ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نَدَبَ أصْحَابَهُ فانْطَلَقُوا[فانطلق] إلَى بَدْرٍ فَإذَا هُمْ بِرَوَايا قُرَيْشٍ فِيها عَبْدٌ أسْوَدُ لِبَنِي الْحَجّاجِ، فَأخَذَهُ أصْحَابُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ أيْنَ أبو سُفْيَانَ؟ فَيَقُولُ: وَالله مَا لِي بِشَيْءٍ مِنْ أمْرِهِ عِلْمٌ، وَلَكِنْ هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ جَاءَتْ فِيهِمْ أبُو جَهْلٍ وَعُتْبَةُ وَشَيْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ وَأُمَيّةُ بنُ خَلَفٍ، فَإذَا قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ ضَرَبُوهُ فَيقُولُ: دَعُوني دَعُوني أُخْبِرْكُمْ فَإذَا تَرَكُوهُ قالَ وَالله مالِي بِأبي سُفْيَانَ من عِلْمٍ، وَلَكِنْ هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ أقْبَلَتْ فِيهِمْ أبُو جَهْلٍ وَعُتْبَة وَشَيْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ وَأُمَيّةُ بنُ خَلَفٍ قَدْ أقْبَلُوا وَالنّبيّ صلى الله عليه وسلم يصلي
ـــــــ
من قولها عند آل عفراء "ابني عفراء": المشهور في الروايات أن ابني عفراء الذين قتلا أبا جهل هما معاذ ومعوذ "عليهن": أي على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم "إذا أتيت": أي من عند آل عفراء إلى مجمع الناس "مجموعة يداه إلى عنقه بحبل": هذا هو موضع الترجمة "انتدبا": أي أجابا والحديث سكت عنه المنذري.
"باب في الأسير ينال منه ويضرب"
قال في القاموس: نال من عرضه: سبه.
"ندب أصحابه": أي دعاهم "فإذا هم": أي الصحابة التقوا "بروايا قريش": جمع راوية وهي الإبل التي يستقى عليها. وأصل الراوية المزادة، فقيل للبعير راوية لحمله المزادة قاله

(7/245)


وَهُوَ يَسْمَعُ ذَلِكَ، فَلَمّا انْصَرَفَ قالَ وَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنّكُم لَتَضْرِبُونَهُ إذَا صَدَقَكُم وَتَدَعُونَهُ إذَا كَذَبَكُم، هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ أقْبَلَتْ لِتَمْنَعَ أبا سُفْيَانَ قالَ أنَسٌ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "هَذَا مَصْرَعُ فُلاَنٍ غَداً وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى الأرْضِ، وَهَذَا مَصْرَعُ فُلاَنٍ غَداً وَوَضَعَ يَدَهُ عَلى الأرْضِ، وَهَذَا مَصْرَعُ فُلاَنٍ غَداً وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى الأرْضِ، فقَالَ وَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما جَاوَزَ أحَدٌ مِنْهُمْ عنْ مَوْضِعِ يَدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَأمَرَ بِهِمْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فَأُخِذَ بأرْجُلِهِمْ، فَسُحِبُوا، فَأُلْقُوا في قَلِيبِ بَدْرٍ".

(7/246)


126 - باب في الأسير يكره على الإسلام
2679 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ عُمَرَ بنِ عَلِيّ المَقْدِمِيّ قال حدثنا أشْعَثُ بنُ عَبْدِالله يَعْني السّجِسْتَانِيّ ح. وحدثنا ابنُ بَشّارٍ حدثنا ابنُ أبي عَدِيّ وَهَذَا لَفْظُهُ ح. وحدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ حدثنا وَهْبُ بنُ جَرِيرٍ عن شُعْبَةَ عنْ أبي بِشْرٍ عنْ سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: كَانَتْ المَرْأةُ تَكُونُ مِقْلاَتاً فَتَجْعَلُ عَلَى نَفْسِهَا إنْ عَاشَ لَهَا وَلَدٌ أنْ
ـــــــ
الخطابي "وهو يسمع ذلك": الواو للحال "فلما انصرف": من صلاته وفي رواية مسلم: "فلم رأى ذلك انصرف" قال النووي: معنى انصرف سلم من صلاته ففيه استحباب تخفيفها إذا عرض أمر في أثنائها انتهى "هذه قريش": هذا مقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "قد أقبلت لتمنع أبا سفيان": أي ليدفعوا تعرضكم عنه "فسحبوا": بصيغة المجهول أي جروا. في القاموس: سحبه كمنعه جره على الأرض. وقال الخطابي: السحب: الجر العنيف "في قليب بدر": قال الخطابي: القليب: البئر التي لم تطو، وإنما هي حفيرة قلب ترابها فسميت قليباً.
وفي الحديث دليل على جواز ضرب الأسير الكافر إذا كان في ضربه طائل انتهى. قال المنذري: وأخرجه مسلم أتم منه.
"باب في الأسيريكره على الإسلام"
"وهذا لفظه": أي لفظ ابن بشار "عن شعبة": أي أشعث وابن أبي عدي ووهب بن جرير كلهم عن شعبة "مقلاتا": بكسر الميم وسكون القاف المرأة التي لا يعيش لها ولد، وأصله من القلت وهو الهلاك، كذا في مرقاة الصعود "فتجعل على نفسها": أي تنذر "أن تهوده": بفتح أن

(7/246)


تُهَوّدَهُ، فَلَمّا أُجْلِيَتْ بَنُو النّضِيرِ كَانَ فِيهِمْ مِنْ أبْنَاءِ الأنْصَارِ فقَالُوا لاَ نَدَعُ أبْنَاءَنَا. فَأنْزَلَ الله عَزّوَجَلّ: {لاَ إكْرَاهَ في الدّينِ قَدْ تَبَيّنَ الرّشْدُ منَ الْغَيّ}.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: المِقْلاَةُ الّتي لا يَعِيشُ لَهَا وَلَدٌ.

(7/247)


127 - باب قتل الأسير ولا يعرض عليه الإسلام
2680 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أَبِي شَيْبَةَ حدثنا أَحْمَدُ بنُ المُفَضّلِ حدّثنا أَسْباطُ بنُ نَصْرٍ قال زَعَمَ السّدّيّ عن مُصْعَبٍ بنِ سَعْدٍ عن سَعْدٍ قالَ: لمّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكّةَ آمَنَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَعْني النّاسَ إلاّ أرْبَعَةَ نَفَرٍ وَامْرَأتَيْنِ وَسَمّاهُمْ وَابنَ أبي سَرْحٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ قالَ وَأمّا ابنُ أبي سَرْحٍ فَإنّهُ اخْتَبَأَ عِنْدَ عُثْمَانَ بنِ عَفّانَ فَلَمّا دَعا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
ـــــــ
مفعول تجعل، فإذا عاش الولد جعلته في اليهود، كذا في معالم التنزيل "فلما أجليت": بصيغة المجهول جلا عن الوطن يجلو وأجلى يجلي إذا خرج مفارقاً، وجلوته أنا وأجليته كلاهما لازم ومتعد "بنو النضير": قبيلة من يهود "فقالوا": أي الأنصار "لا ندع": أي لا نترك{لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}: أي على الدخول فيه {قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} أي ظهر بالآيات البينات أن الإيمان رشد والكفر غي.
قال في معالم التنزيل: فقال النبي صلى الله عليه وسلم "قد خير أصحابكم فإن اختاروكم فهم منكم وإن اختاروهم فأجلوهم معهم" انتهى.
قال الخطابي: في الحديث دليل على أن من انتقل من كفر وشرك إلى يهودية أو نصرانية قبل مجيء دين الإسلام فإنه يقر على ما كان انتقل إليه، وكان سبيله سبيل أهل الكتاب في أخذ الجزية منه وجواز مناكحته واستباحة ذبيحته، فأما من انتقل من شرك إلى يهودية أو نصرانية بعد وقوع نسخ اليهودية وتبديل ملة النصرانية فإنه لا يقر على ذلك. وأما قوله سبحانه وتعالى{لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} فإن حكم الآية مقصور على ما نزلت فيه من قصة اليهود وأما إكراه الكافر على دين الحق فواجب، ولهذا قاتلناهم على أن يسلموا أو يؤدوا الجزية ويرضوا بحكم الدين عليهم انتهى. قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"باب قتل الأسير ولا يعرض عليه الإسلام"
"زعم السدي" بضم السين وتشديد الدال المهملة اسمه إسماعيل "آمن": أي أعطاهم الأمان "وابن أبي سرح": وهذا رابع أربعة نفر "فذكر الحديث": ولفظ النسائي في باب الحكم في

(7/247)


النّاسَ إلَى الْبَيْعَةِ جَاءَ بِهِ حَتّى أوْقَفَهُ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فقالَ يَانَبِيّ الله بَايِعْ عَبْدَالله، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَنَظَرَ إلَيْهِ ثَلاَثاً، كُلّ ذَلِكَ يَأْبَى، فَبَايَعَهُ بَعْدَ ثَلاَثٍ، ثُمّ أقْبَلَ عَلَى أصْحَابِهِ فَقالَ: أمَا كَانَ فِيكُم رَجُلٌ رَشِيدٌ يَقُومُ إلَى هَذَ حَيْثُ رَآني كَفَفْتُ يَدِي عنْ بَيْعَتِهِ،
ـــــــ
المرتد "آمن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلا أربعة نفر وامرأتين وقال اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة، عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي السرح فأما عبد الله بن خطل فأدرك وهو متعلق بأستار الكعبة فاستبق إليه سعيد بن حريث وعمار بن ياسر فسبق سعيد عماراً وكان أشب الرجلين فقتله، وأما مقيس بن صبابة فأدركه الناس في السوق فقتلوه، وأما عكرمة فركب البحر فأصابتهم عاصف فقال أصحاب السفينة أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئاً ههنا، فقال عكرمة والله لئن لم ينجني من البحر إلا الإخلاص لا ينجيني في البر غيره، اللهم إن لك علي عهداً إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمداً صلى الله عليه وسلم حتى أضع يدي في يده فلأجدنه عفواً كريماً، فجاء فأسلم، وأما عبد الله بن سعد بن أبي سرح فإنه اختبأ" الحديث "اختبأ": بهمزة أي اختفى "فقال": عثمان "بايع": صيغة أمر "عبد الله": بن سعد بن أبي السرح "فرفع": النبي صلى الله عليه وسلم "رأسه": الكريمة "فنظر إليه": أي إلى عبد الله بن سعد "ثلاثاً": يحتمل أن يكون ثلاث مرات وأن يكون ثلاثة أيام "يأبى": أي النبي صلى الله عليه وسلم أن يبايع بن أبي سرح "فبايعه بعد ثلاث": وعند النسائي من قول بن عباس أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح الذي كان على مصر كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأزله الشيطان فلحق بالكفار فأمر به أن يقتل يوم الفتح فاستجار له عثمان بن عفان فأجاره رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى. وفي أسد الغابة: ففر عبد الله بن سعد إلى عثمان بن عفان فغيبه عثمان حتى أتى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما اطمأن أهل مكة فاستأمنه له فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلاً ثم قال نعم "ثم أقبل": النبي صلى الله عليه وسلم "فقال": وفي أسد الغابة: فلما انصرف عثمان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن حوله ما صمت إلا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه "رجل رشيد": قال الخطابي: معنى الرشيد ههنا الفطنة لصواب الحكم في قتله انتهى. وفيه أن التوبة عن الكفر في حياته صلى الله عليه وسلم كانت موقوفة على رضاه صلى الله عليه وسلم، وأن الذي ارتد وآذاه صلى الله عليه وسلم إذا آمن سقط قتله قاله السندي "ألا": أي هلا كما عند السندي. قال ابن الأثير: وأسلم ذلك اليوم فحسن إسلامه ولم يظهر منه بعد ذلك ما ينكر عليه وهو أحد العقلاء الكرماء من قريش، ثم ولاه عثمان بعد ذلك مصر سنة خمس وعشرين ففتح الله يديه افريقية وكان فتحاً عظيما بلغ سهم الفارس ثلاثة آلاف مثقال ذهباً، وسهم الراجل ألف مثقال، وشهد معه هذا الفتح عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمرو بن العاص انتهى

(7/248)


فَيَقْتُلُهُ، فَقَالُوا مَا نَدْرِي يَارَسُولَ الله ما في نَفْسِكَ ألاَ أوْمَأْتَ إلَيْنَا بِعَيْنِكَ؟ قالَ إنّهُ لاَ يَنْبَغِي لِنَبِيّ أنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةٌ الأعْيُنِ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَكَانَ عَبْدُالله أخَا عُثْمَانَ مِنَ الرّضَاعَةِ وَكَانَ الْوَلِيدُ بنُ عُقْبَةَ أخَا عُثْمَانَ لاِمّهِ وَضَرَبَهُ عُثْمَانُ الْحَدّ إذْ شَرِبَ الْخَمْرَ.
2681 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ الْعَلاَءِ حدثنا زَيْدُ بنُ حُبَابٍ أنْبأنَا عَمْرُو بنُ عُثْمَانَ بنِ عبد الرحمن بنِ سَعِيدِ بن يَرْبُوعٍ المَخْزُومِيّ قال حدّثني جَدّي عنْ أبِيهِ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكّةَ: "أرْبَعَةٌ لاَ أُومِنُهُمْ في حِلّ وَلاَ حَرَمٍ، فَسَمّاهُمْ. قالَ وَقَيْنَتَيْنِ كَانَتَا لِمَقِيسٍ فَقُتِلَتْ إحْدَاهُمَا وَأُفْلِتَتْ الأُخْرَى فَأسْلَمْتْ ".
قَالَ أبُو دَاوُدَ: لم أفْهَمْ إسْنَادَهُ من ابنِ الْعَلاَءِ كما أُحِبّ.
2682 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن ابنِ شِهَابٍ عن أنَسِ بنِ مَالِكٍ: أنّ
ـــــــ
من غاية المقصود ملخصاً "أومأت إلينا بعينك": معناه بالفارسية جرانه اشاره فرمودي بسوىء ما يجشم خود "خائنة الأعين": قال الخطابي: معنى خائنة الأعين أن يضمر بقلبه غير ما يظهر للناس، فإذا كف بلسانه وأومى بعينه إلى خلاف ذلك وكان ظهور تلك الخيانة من قبل عينه فسميت خائنة الأعين. قال وفي الحديث دليل على أن ظاهر السكوت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشيء يراه يصنع بحضرته يحل محل الرضى به والتقرير له. قال وعبد الله بن أبي السرح كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم فارتد عن الدين فلذلك غلظ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر مما غلظ على غيره من المشركين انتهى. قال المنذري: وأخرجه النسائي وفي إسناده إسماعيل بن عبد الرحمن السدي وقد احتج به مسلم وتكلم فيه غير واحد. وفيه أيضاً أسباط بن نصر وقد احتج به مسلم في صحيحه وتكلم فيه غير واحد.
"لا أومنهم": أي لا أعطيهم الأمان "وقينتين": القينة أمه غنت أو لم تغن والماشطة، وكثيراً ما تطلق على المغنية من الإماء "لمقيس": أي ابن صبابة "فقتلت": بصيغة المجهول "وأفلتت": بصيغة المجهول أي أطلقت "لم أفهم إسناده": أي إسناد هذا الحديث "من ابن العلاء": هو محمد بن العلاء شيخ أبي داوود. قال المنذري: أبو جده وهو سعيد بن يربوع المخزومي كان اسمه الصدي فسماه النبي صلى الله عليه وسلم سعيداً.

(7/249)


رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم دَخَلَ مَكّةَ عَامَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ المِغْفَرُ فَلَمّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقالَ ابنُ خَطَلٍ مُتَعَلّقٌ بِأسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَقالَ "اقْتُلُوهُ".
قَالَ أبُو دَاوُدَ: اسْمُ ابنُ خَطَلٍ عَبْدُالله وَكَانَ أبُو بَرْزَةَ الأَسْلَمِيّ قَتَلَهُ.

(7/250)


128 - باب في قتل الأسير صبرا
2683 - حدثنا عَلِيّ بنُ الْحُسَيْنِ الرّقّيّ حدثنا عَبْدُالله بنُ جَعْفَرٍ الرّقّيّ قال أخبرني عُبَيْدُالله بنُ عَمْرٍو عن زَيْدِ بنِ أبي أُنَيْسَةَ عنْ عَمْرِو بنِ مُرّةَ عن إبْرَاهِيمَ قال: أرَادَ الضّحّاكُ بنُ قَيْسٍ أنْ يَسْتَعْمِلَ مَسْرُوقاً، فقالَ لَهُ عُمَارَةُ بنُ عُقْبَةَ: أتَسْتَعْمِلُ رَجُلاً منْ بَقَايَا قَتَلَةِ عُثْمَانَ؟ فقالَ لَهُ مَسْرُوقٌ حدثنا عَبْدُالله بنُ مَسْعُودٍ، وَكَانَ في أنْفُسِنَا
ـــــــ
"وعلى رأسه المغفر": بكسر الميم وسكون الغين المعجمة وبعد الفاء المفتوحة راء زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس يلبس تحت القلنسوة "جاءه رجل": هو أبو برزة الأسلمي "فقال": أي الرجل "ابن خطل": بفتح الخاء المعجمة والطاء المهملة آخره لام اسمه عبد الله أو عبد العزي "فقال اقتلوه": أي ابن خطل قال الخطابي: وكان ابن خطل بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجه مع رجل من الأنصار وأمر الأنصاري عليه، فلما كان ببعض الطريق وثب على الأنصاري فقتله وذهب بماله فلم ينفذ له رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمان وقتله بحق ما جناه في الإسلام. وفيه دليل على أن الحرم لا يعصم من إقامة حكم واجب ولا يؤخره عن وقته انتهى "وكان أبو برزة الأسلمي": وتقدم من رواية النسائي أن سعيد بن حريث قتله. والتوفيق أن كلاً من الثلاثة أي سعيد وعمار وأبي برزة قتلوه بعضهم باشر بالقتل وبعضهم أعان على القتل. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"باب في قتل الأسير صبرا"
قتل الصبر أن يمسك بحي ثم يرمى بشيء حتى يموت، وأصل الصبر الحبس كذا في مختصر النهاية. "أراد الضحاك بن قيس": أي ابن خالد الفهري الأمير المشهور شهد فتح دمشق وتغلب عليها بعد موت يزيد ودعا إلى البيعة وعسكر بظاهرها، فالتقاه مروان بمرج راهط سنة أربع وستين فقتل كذا في الخلاصة "أن يستعمل مسروقاً": أي أن يجعله عاملاً "فقال له عمارة بن عقبة": أي ابن أبي معيط بمهملتين مصغراً. وعقبة هذا هو الأشقى الذي ألقى سلا الجزور على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة "من بقايا قتلة عثمان": جمع قاتل "وكان": أي

(7/250)


مَوْثُوقَ الْحَدِيث: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لَمّا أرَادَ قَتْلَ أبِيكَ قال مَنْ لِلصّبْيَةِ قال النّارُ فَقَدْ رَضِيتُ لَكَ مَا رَضِيَ لَكَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم.

(7/251)


129 - باب في قتل الأسير بالنبل
2684 - حدثنا سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ حدثنا عَبْدُالله بنُ وَهْبٍ قال أخبرني عَمْرُو بنُ الْحَارِثِ عنْ بُكَيْرٍ بنِ الأشَجّ عنْ ابنِ تعْلِي قال: غَزَوْنَا مَعَ عبد الرحمن بنِ خَالِدِ بنِ الْوَلِيدِ فَأُتِيَ بأرْبَعَةِ أعْلاَجٍ مِنَ الْعَدُوّ فَأمَرَ بِهِمْ فَقُتِلُوا صَبْراً.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: قال لَنَا غَيْرُ سَعِيدٍ عن ابنِ وَهْبٍ في هَذَا الْحَدِيثِ، قال بالنّبْلِ صَبْراً، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبَا أيّوبَ الأَنْصَارِيّ فقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَنْهَى عن قَتْلِ
ـــــــ
عبد الله بن مسعود "لما أراد قتل أبيك": الخطاب لعمارة بن عقبة، وهذا هو محل ترجمة الباب، لأن عقبة قتل صبراً، صرح به الحافظ في الفتح "قال": أي أبوك عقبة بن أبي معيط "من للصبية": بكسر الصاد وسكون الموحدة جمع صبي، والمعني من يكفل بصبياني ويتصدى لتربيتهم وحفظهم وأنت تقتل كافلهم "قال": أي النبي صلى الله عليه وسلم "النار": يحتمل وجهين أحدهما أي يكون النار عبارة عن الضياع يعني إن صلحت النار أن تكون كافلة فهي هي، وثانيهما أن الجواب من الأسلوب الحكيم أي لك النار، والمعنى اهتم بشأن نفسك وما هيىء لك من النار ودع عنك أمر الصبية فإن كافلهم هو الله تعالى، وهذا هو الوجه. ذكره الطيبي. قال القاري: والأظهر أن الأول هو الوجه فإنه لو أريد هذا المعنى لقال الله بدل النار "فقد رضيت لك إلخ": كأن مسروقاً طعن عمارة في مقابلة طعنه إياه مكافأة له. والحديث سكت عنه المنذري.
"باب في قتل الأسيربالنبل"
هي السهام العربية ولا واحد لها من لفظها، وإنما يقال سهم ونشابة كذا في النهاية.
"عن ابن تعلى": بكسر المثناة وإسكان المهملة ثم لام مكسورة اسمه عبيد الطائي الفلسطيني وثقه النسائي "فأتي": بصيغة المجهول "بأربعة أعلاج": جمع علج. قال في مختصر النهاية: العلج الرجل القوي الضخم والرجل من كفار العجم جمعه أعلاج وعلوج "فأمر": أي عبد الرحمن "فقتلوا": بصيغة المجهول "صبراً": قال في مرقاة الصعود: القتل صبراً هو أن يمسك من ذوات الروح بشيء حياً ثم يرمى بشيء حتى يموت، وكل من قتل في غير معركة ولا حرب ولا خطأ فإنه مقتول صبراً "قال بالنبل صبراً": أي قال قتلوا بالنبل صبراً "فبلغ ذلك": أي قتل الأعلاج صبراً

(7/251)


الصّبْرِ، فَوَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَتْ دَجَاجَةٌ ما صَبَرْتُهَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ عبد الرحمن بنَ خَالِدِ بنِ الْوَلِيدِ، فَأعْتَقَ أرْبَعَ رِقَابٍ.

(7/252)


130 - باب في المن على الأسير بغير فداء
2685 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ حدثنا حَمّادٌ قال أنْبأنَا ثَابِتٌ عن أنَسٍ: أنّ ثَمَانِينَ رَجُلاً مِنْ أهْلِ مَكّةَ هَبَطُوا عَلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَأصْحَابِهِ مِنْ جِبَالِ التّنْعِيمِ عِنْدَ صَلاَةِ الْفَجْرِ لِيَقْتُلُوهُمْ، فَأخَذَهُمْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم سِلْماً، فَأعْتَقَهُمْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فَأنْزَلَ الله عَزّوَجَلّ: {وَهُوَ الّذِي كَفّ أيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكّةَ} إلى آخِرِ الآية.
2686 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ يَحْيَى بنِ فَارِسَ قال حدثنا عَبْدُالرّزّاقِ قال أنْبأنَا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن مُحَمّدِ بنِ جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ عن أبِيهِ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال لاِسَارَى بَدْرٍ: "لَوْ كَانَ مُطْعِمُ بنُ عَدِيّ حَيّا ثُمّ كَلّمَنِي في هَؤلاَءِ النّتْنَى لأَطْلَقْتُهُمْ لَهُ".
ـــــــ
"فبلغ ذلك عبدالرحمن": المشار إليه قول أبي أيوب. قال المنذري: ابن تعلى بكسر التاء ثالث الحروف وسكون العين المهملة.
"باب في المن على الأسيربغير فداء"
"هبطوا": أي نزلوا عام الحديبية "من جبال التنعيم": في القاموس: التنعيم موضع على ثلاثة أميال أو أربعة من مكة أقرب أطراف الحل إلى البيت "سلماً": قال النووي: ضبطوه بوجهين أحدهما بفتح السين والام والثاني بإسكان اللام مع كسر السين وفتحها. قال الحميدي: ومعناه الصلح. قال القاضي في المشارق: هكذا ضبطه الأكثرون. قال فيه وفي الشرح الرواية الأولى أظهر ومعناها أسرهم، والسلم الأسير وجزم الخطابي بفتح اللام والسين، قال والمراد به الاستسلام والإذعان كقوله تعالى {وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ} أي الانقياد وهو مصدر يقع على الواحد والاثنين والجمع. قال ابن الأثير هذا هو الأشبه بالقصة فإنهم لم يؤخذوا صلحاً وإنما أخذوا قهراً وأسلموا أنفسهم عجزاً. قال وللقول الآخر وجه وهو أنه لما لم يجر معهم قتال بل عجزوا عن دفعهم والنجاة منهم فرضوا بالأسر فكأنهم قد صولحوا على ذلك انتهى. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي:
"ثم كلمني": أي شفاعة "في هؤلاء النتنى": جمع نتن بالتحريك بمعنى منتن كزمن

(7/252)


131 - باب في فداء الأسير بالمال
2687 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ مُحَمّدٍ بنِ حَنْبَلٍ قال حدثنا أبُو نُوحٍ قال أنْبأنَا عِكْرِمَةُ بنُ عَمّارٍ قال حدثنا سِمَاكٌ الْحَنَفِيّ قال حدّثني ابنُ عَبّاسٍ قال حدّثني عُمَرُ بنُ الْخَطّابِ قال: لَمّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ فأخَذَ - يَعني النّبيّ صلى الله عليه وسلم - الْفِدَاءَ أنْزَلَ الله عَزّوَجَلّ{ما كَانَ لِنَبِيّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرَى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ- إلى قَوْلِهِ- لَمَسّكُم فِيمَا أخَذْتُمْ} مِن الْفِدَاءِ ثُمّ أحَلّ الله لَهُمْ الْغَنَائِمَ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ يُسْألُ[سئل]عن اسْمِ أبي نُوحٍ فقال أيش[أي شيء] تَصْنَعُ[يصنع] باسْمِهِ؟ اسْمُهُ اسْمٌ شَنِيعٌ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: اسْمُهُ قُرَادٌ، وَالصّحِيحُ عبد الرحمن بنُ غَزْوَان.
2688 - حدثنا عبد الرحمن بنُ المُبَارَكِ العيشيّ حدثنا سُفْيَانُ بنُ حَبِيبٍ حدثنا
ـــــــ
وزمنى، وإنما سماهم نتنى إما لرجسهم الحاصل من كفرهم على التمثيل أو لأن المشار إليه أبدانهم وجيفهم الملقاة في قليب بدر. قاله القاري "لأطلقتهم له": أي لتركتهم لأجله يعني بغير فداء. وإنما قال صلى الله عليه وسلم كذلك لأنها كانت للمطعم عنده يد وهي أنه صلى الله عليه وسلم دخل في جواره لما رجع من الطائف وذب المشركين عن النبي صلى الله عليه وسلم فأحب أنه إن كان حياً فكافأه فليها بذلك. والمطعم المذكور هو والد جبير الراوي لهذا الحديث. قال الخطابي: في الحديث إطلاق الأسير والمن عليه من غير فداء. قال المنذري: وأخرجه البخاري.
"باب في فداء الأسير بالمال"
"أنزل الله": جواب لما "أسرى": جمع أسير "حتى يثخن في الأرض": أي يبالغ في قتل الكفار وتمام الآية "تريدون": أي أيها المؤمنون عرض الدنيا أي حطامها بأخذ الفداء "والله يريد الآخرة": أي ثوابها بقتلهم "والله عزيز حكيم. لولا كتاب من الله سبق": أي بإحلال الغنائم والأسرى لكم "لمسكم فيما أخذتم": أي من الفداء عذاب عظيم "من الفداء": ليس هذا من الآية بل هو تفسير وبيان لما في قوله فيما أخذتم من بعض الرواة. قال المنذري: وأخرجه مسلم بنحوه في أثناء الحديث الطويل "قال أبو داوود سمعت إلخ": هذه العبارة ليست في بعض النسخ "أيش تصنع باسمه": أي ما تفعل باسمه. وفي بعض النسخ أي شيء مكان أيش.

(7/253)


شُعْبَةُ عنْ أبي الْعَنْبَسِ عنْ أبي الشّعْثَاءِ عنْ ابنِ عَبّاسٍ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم جَعَلَ فِدَاءَ أهْلِ الْجَاهِلِيّةِ يَوْمَ بَدْرٍ أرْبَعمِائَةٍ.
2689 - حدثنا عَبْدُالله بنُ مُحَمّدٍ النّفَيْلِيّ حدثنا مُحَمّدُ بنُ سَلَمَةَ عن مُحَمّدِ بنِ إسْحَاقَ عن يَحْيَى بن عَبّادٍ عن أبِيهِ عَبّادٍ بن عَبْدِالله بن الزّبَيْرِ عن عَائِشَةَ قالَتْ: لَمّا بَعَثَ أهْلُ مَكّةَ في فِدَاءِ أُسَرَائِهِمْ[أسراهم] بَعَثَتْ زَيْنَبُ في فِدَاء أبي الْعَاصِ بِمَالٍ وَبَعَثَتْ فِيهِ بِقِلاَدَةٍ لَهَا كَانَتْ عِنْدَ خَدِيجَةَ أَدْخَلَتْهَا بِهَا عَلَى أبي الْعَاصِ. قالَتْ: فَلَمّا رَآهَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم رَقّ لَهَا رِقّةً شَدِيدَةً وَقال: "إنْ رَأيْتُمْ أنْ تُطْلِقُوا لَهَا أسِيرَهَا وَتَرُدّوا عَلَيْهَا الّذِي لَهَا". قالُوا[فقالوا]: نَعَمْ، وَكَانَ رَسُولُ الله[النبي] صلى الله عليه وسلم أخَذَ عَلَيْهِ، أوْ وَعَدَهُ أنْ يخَلّيَ سَبِيلَ زَيْنَبَ إلَيْهِ، وَبَعَثَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم زَيْدَ بنَ حَارِثَةَ وَرَجُلاً مِنَ الأنْصَارِ فقال: كُونَا بِبَطْنِ يَأْجِجَ حَتّى تَمُرّ بِكُمَا زَيْنَبُ فَتَصْحَبَاهَا حَتّى تَأْتِيَا بِهَا.
ـــــــ
"جعل فداء الجاهلية إلخ": أي جعل فداء كل رجل ممن يؤخذ منه الفداء أربعمائة درهم. قال المنذري: وأخرجه النسائي انتهى. قلت: ورجاله ثقات إلا أبا عنبس وهو مقبول.
"لما بعث أهل مكة في فداء أسرائهم": جمع أسير، وذلك حين غلب النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر فقتل بعضهم وأسر بعضهم وطلب منهم الفداء "بعثت زينب": أي بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم "في فداء أبي العاص": أي زوجها "بقلادة": بكسر القاف هي ما يجعل في العنق "كانت": أي القلادة "أدخلتها": أي أدخلت خديجة القلادة "بها": أي مع زينب "على أبي العاص": والمعنى دفعتها إليها حين دخل عليها أبو العاص وزفت إليه "فلما رآها": أي القلادة "رق لها": أي لزينب يعني لغربتها ووحدتها، وتذكر عهد خديجة وصحبتها، فإن القلادة كانت لها وفي عنقها "قال": أي لأصحابه "إن رأيتم أن تطلقوا لها": أي لزينب "أسيرها": يعني زوجها "الذي لها": أي ما أرسلت. قال الطيبي: المفعول الثاني لرأيتم وجواب الشرط محذوفان أي إن رأيتم الإطلاق والرد حسناً فافعلوهما "قالوا نعم": أي رأينا ذلك "أخذ عليه": أي على أبي العاص عهداً "أن يخلي سبيل زينب إليه": أي يرسلها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويأذن بالهجرة إلى المدينة.
قال القاضي: وكانت تحت أبي العاص زوجها منه قبل المبعث "كونا": أي قفا "ببطن يأجج": بفتح التحتية وهمزة ساكنة وجيم مكسورة ثم جيم وهو موضع قريب من التنعيم، وقيل موضع أمام مسجد عائشة. وقال القاضي: بطن يأجج من بطون الأودية التي حول الحرم،

(7/254)


2690 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ أبي مَرْيَمَ حدثنا عَمّي - يعني سَعِيدَ بنَ الْحَكَمِ قال أنْبأنَا اللّيْثُ بنُ سَعْدٍ عن عُقَيْلٍ عن ابنِ شِهَابٍ قال: "وَذَكَرَ عُرْوَةُ بنُ الزّبَيْرِ أنّ مَرْوَانَ وَالمِسْوَرَ بنَ مَخْرَمَةَ أخْبَرَاهُ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ، فَسَألُوهُ أنْ يَرُدّ إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَعِي مَنْ تَرَوْنَ"، وَأحَبّ الْحَدِيثِ إلَيّ أصْدَقَهُ، فَاخْتَارُوا إمّا السّبْيَ وَإمّا الْمَالَ، فَقَالُوا: نَخْتَارُ سَبْيَنَا، فَقَامَ
ـــــــ
والبطن المنخفض من الأرض كذا في المرقاة "حتى تمر بكما زينب": أي مع من يصحبها "حتى تأتيا بها": أي إلى المدينة. وفيه دليل على جواز خروج المرأة الشابة البالغة مع غير ذي محرم لضرورة داعية لا سبيل لها إلا إلى ذلك. كذا في الشرح. قال المنذري: في إسناده محمد بن إسحاق وقد تقدم الكلام عليه.
"قال وذكر عروة بن الزبير": وفي رواية البخاري في الشروط من طريق معمر عن الزهري أخبرني عروة "أن مروان": بن الحكم "والمسور بن مخرمة": قال الكرماني: صح سماع مسور من النبي صلى الله عليه وسلم "حين جاءه وفد هوازن": الوفد الرسول يجيء من قوم على عظيم وهو اسم جنس، وهوازن قبيلة مشهورة وكانوا في حنين وهو واد وراء عرفة دون الطائف، وقيل بينه وبين مكة ليال. وغزوة هوازن تسمى غزوة حنين وكانت الغنائم فيها من السبي والأموال أكثر من أن تحصى "مسلمين": حال "أن يرد إليهم أموالهم": كذا في النسخ الحاضرة. وفي رواية البخاري أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم "معي من ترون": من السبايا غير التي قسمت بين الغانمين. وفي كتاب الوكالة من صحيح البخاري في ترجمة الباب لقول النبي صلى الله عليه وسلم لوفد هوازن حين سألوه المغانم فقال النبي صلى الله عليه وسلم "نصيبي لكم" وعند ابن إسحاق في المغازي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أما ما كان لي ولبني عبدالمطلب فهو لكم، فقال المهاجرون وما كان لنا فهو لرسول الله، وقالت الأنصار وما كان لنا فهو لرسول الله" والحاصل أن النبي صلى الله عليه وسلم أجابهم برد ما عنده صلى الله عليه وسلم في ملكه "وأحب الحديث": كلام إضافي مبتدأ وخبره هو قوله "أصدقه": أي أصدق الحديث. فالكلام الصادق والوعد الصادق أحب إلي فما قلت لكم هو كلام صادق، وما وعدت بكم فعلي إيفاؤه. ولفظ البخاري في كتاب العتق فقال "إن معي من ترون وأحب الحديث إلي أصدقه فاختاروا إحدى الطائفتين إما المال وإما السبي وقد كنت استأنيت بهم" وكان النبي صلى الله عليه وسلم انتظرهم بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف الحديث. ومعنى قوله استأنيت بهم أي أخرت قسم السبي ليحضروا وفد هوازن فأبطأوا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ترك السبي بغير قسمة وتوجه إلى الطائف فحاصرها ثم رجع عنها إلى الجعرانة ثم قسم الغنائم

(7/255)


رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَأثْنَى عَلَى الله ثُمّ قالَ: أمّا بَعْدُ، فَإنّ إخْوَانَكُمْ هَؤُلاَءِ جَاؤُوا تَائِبِينَ، وَإنّي قَدْ رَأيْتُ أنْ أرُدّ إلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أحَبّ مِنْكُمْ أنْ يُطَيّبَ ذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أحَبّ مِنْكُمْ أنْ يَكُونَ عَلَى حَظّهِ حَتّى نُعْطِيَهُ إيّاهُ مِنْ أوّلِ مَا يُفِيءُ الله عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ، فَقالَ النّاسُ: قَدْ طَيّبْنَا ذَلِكَ لَهُمْ يارَسُولَ الله، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنّا لاَ نَدْرِي مَنْ أذِنَ مِنْكُمْ مِمّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتّى يَرْفَعَ إلَيْنَا عُرَفَاءُكُمْ أمْرَكُم، فَرَجَعَ النّاسُ فَكَلّمَهُمْ عُرَفَاؤُكُمْ فَأخْبَرُوا[فأخبروه][فأخبروهم] أنّهُمْ قَدْ طَيّبُوا وَأذِنُوا".
2691 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ حدثنا حَمّادٌ عن مُحَمّدِ بنِ إسْحَاقَ عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبِيهِ عن جَدّهِ في هَذِهِ الْقِصّةِ قال: "فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "رُدّوا عَلَيْهِمْ نِسَاءَهُمْ وَأبْنَاءَهُمْ، فَمَنْ مَسّكَ[تمسك] بِشَيءٍ مِنْ هَذَا الْفَيءِ فإنّ لَهُ بِهِ عَلَيْنَا سِتّ فَرَائِضَ من أوّلِ شَيءٍ يَفِيئُهُ الله تعالى عَلَيْنَا ثُمّ دَنَا - يَعْني النّبيّ صلى الله عليه وسلم منْ بَعِيرٍ فَأخَذَ وَبَرَةً
ـــــــ
هناك، فجاءه وفد هوازن بعد ذلك، فبين لهم أنه انتظرهم بضع عشرة ليلة. كذا في غاية المقصود ملخصاً "فاختاروا": أمر من الاختيار "فقام": أي خطيباً "جاؤوا تائبين": أي من الشرك راجعين عن المعصية مسلمين منقادين "قد رأيت": من الرأي "أن يطيب ذلك" أي السبي يعني رده. وقال القسطلاني: بضم أوله وفتح الطاء وتشديد التحتية المكسورة. قال الحافظ: أي يعطيه عن طيب نفس منه من غير عوض "على حظه": أي نصيبه. قال الحافظ: أي بأن يرد السبي بشرط أن يعطى عوضه "حتى نعطيه إياه": أي عوضه "من أول ما يفيء الله": من الإفاءة. والفيء ما أخذ من الكفار بغير الحرب كالجزية، والخراج "قد طيبنا": بتشديد الياء وسكون الباء "ذلك": أي الرد "من أذن منكم ممن لم يأذن": أي لا ندري بطريق الاستغراق من رضي ذلك الرد ممن لم يرض أو من أذن لنا ممن لم يأذن "عرفاؤكم": أي رؤساؤكم ونقباؤكم "أنهم": أي الناس كلهم قاله القاري "وأذنوا": أي له صلى الله عليه وسلم أن يرد السبي إليهم. قال المنذري: وأخرجه البخاري والنسائي مختصراً ومطولاً.
"في هذه القصة": أي السابقة "ردوا عليهم": أي على وفد هوازن "فمن مسك بشيء": قال الخطابي: يريد من أمسك يقال مسكت الشيء وأمسكته بمعنى واحد وفيه إضمار وهو الرد، كأنه قال من أصاب شيئاً من هذا الفيء فأمسكه ثم رده "ست فرائض": جمع فريضة وهي البعير المأخوذ في الزكاة، ثم اتسع فيه حتى سمي البعير في غير الزكاة كذا في النهاية "من أول شيء يفيئه الله علينا": قال الخطابي يريد الخمس من الفيء لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة ينفق منه على أهله

(7/256)


من سَنَامِهِ ثُمّ قالَ: أيّهَا النّاسُ إنّهُ لَيْسَ لِي منْ هَذَا الْفَيْءِ شَيْءٌ وَلاَ هَذَا، وَرَفَعَ إصْبَعَيْهِ إلاّ الْخُمُسَ". وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُم فَأَدّوا الْخِياطَ وَالمَخِيطَ فَقَامَ رَجُلٌ في يَدِهِ كُبّةٌ مِنْ شَعْرِ، فقال؟ أخَذْتُ هَذِهِ لاِصْلِحَ بِهَا بَرْذَعَةً لِي، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أمّا مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِالمُطّلِبِ فَهُوَ لَكَ، فَقَالَ أمّا إذَا[إذ] بَلَغَتْ ما أرَى فَلاَ أرَبَ لِي فِيهَا وَنَبَذَهَا".
ـــــــ
ويجعل الباقي في مصالح الدين ومنافع المسلمين، وذلك بمعنى قوله إلا الخمس والخمس مردود عليكم "ثم دنا": أي قرب "وبرة": بفتحات أي شعرة "ولا هذا": يشير إلى ما أخذ. قال الطيبي: ولا هذا تأكيد وهو إشارة إلى الوبرة على تأويل شيء "ورفع إصبعيه": أي وقد رفع إصبعيه اللتين أخذ بهما الوبرة "إلا الخمس": ضبط بالرفع والنصب فالرفع على البدل والنصب على الاستثناء "والخمس مردود عليكم": أي مصروف في مصالحكم من السلاح والخيل وغير ذلك "فأدوا الخياط": بكسر الخاء أي الخيط أو جمعه "والمخيط" بكسر الميم وسكون الخاء هو الإبرة. قال الخطابي: فيه دليل على أن قليل ما يغنم وكثيره مقسوم بين من شهد الوقعة ليس لأحد أن يستبد منه بشيء وإن قل إلا الطعام الذي قد وردت فيه الرخصة وهذا قول الشافعي انتهى مختصراً "في يده كبة": بضم الكاف وتشديد الموحدة أي قطعة مكبكبة من غزل شعر "برذعة": بفتح الموحدة والدال المهملة وقيل بالمعجمة، وفي القاموس إهمال الدال أكثر، وفي المغرب هي الحلس الذي تحت رحل البعير. قاله القاري "أما ما كان لي ولبني عبدالمطلب فهو لك": أي أما ما كان نصيبي ونصيبهم فأحللناه لك، وأما ما بقي من أنصباء الغانمين فاستحلاله ينبغي أن يكون منهم "فقال": أي الرجل "أما إذا بلغت": أي وصلت الكبة "ما أرى": أي إلى ما أرى من التبعة والمضايقة أو إلى هذه الغاية "فلا أرب": بفتح الهمزة والراء أي لا حاجة "ونبذها": أي ألقاها. وأحاديث الباب تدل على ما ترجم به أبو داوود قال الخطابي ما محصله: إن في حديث جبير وحديث ابن عباس وحديث ابن مسعود دليلاً على أن الإمام مخير في الأسارى البالغين إن شاء منّ عليهم وأطلقهم من غير فداء، وإن شاء فاداهم بمال معلوم، وإن شاء قتلهم يفعل ما هو أحفظ للإسلام وأصلح لأمر الدين. وإلى هذا ذهب الشافعي وأحمد بن حنبل، وهو قول الأوزاعي وسفيان الثوري. وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن شاء قتلهم، وإن شاء فاداهم، وإن شاء استرقهم ولا يمن عليهم فيطلقهم بغير عوض. وزعم بعضهم أن المن خاص للنبي صلى الله عليه وسلم دون غيره. قال والتخصيص لا يكون إلا بدليل. وقوله تعالى{إ ِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ

(7/257)


132 - باب في الإمام يقيم عند الظهور على العدو بعرصتهم
2692 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ المُثَنّى حدثنا مُعَاذُ بنُ مُعاذٍ ح. وَحدثنا هَارُونُ بنُ عَبْدِالله حدثنا رَوْحٌ قالا حدثنا سَعِيدٌ عن قَتَادَةَ عن أنَسٍ عن أبي طَلْحَةَ قالَ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا غَلَبَ عَلَى قَوْمٍ أقامَ بالْعَرْصَةِ ثَلاَثاً. قالَ ابْنُ المُثَنّى: إذَا غَلَبَ قَوْماً أحَبّ أنْ يُقِيمَ بِعَرْصَتِهِمْ ثَلاَثاً.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: كَانَ يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ يَطْعَنُ في هَذَا الْحَدِيثِ لأنّهُ لَيْسَ مِنْ قَدِيمِ حَدِيثِ سَعِيدٍ[سعيد عن قتادة] لأنّهُ تَغَيّرَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأرْبَعِينَ، وَلَمْ يُخْرِجْ هَذَا الْحَدِيثَ إلاّ بآخِرِهِ.
ـــــــ
وَإِمَّا فِدَاءً} الآية عام لجماعة الأمة كلهم ليس فيه تخصيص للنبي صلى الله عليه وسلم انتهى. قال الترمذي: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم أن للإمام أن يمن على من شاء من الأسارى، ويقتل من شاء منهم ويفدي من شاء. واختار بعض أهل العلم القتل على الفداء. وقال الأوزاعي: بلغني أن هذه الآية منسوخة يعني قوله: فإما منا بعد وإما فداء نسخها قوله {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} وقال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد إذا أسر الأسير يقتل أو يفادى أحب إليك؟ قال إن قدر أن يفادي فليس به بأس، وإن قتل فما أعلم به بأساً. قال إسحاق بن براهيم: الإثخان أحب إلي إلا أن يكون معروفاً فأطمع به الكثير انتهى. قال المنذري: وأخرجه النسائي:
"باب في الإمام يقيم عند الظهور على العدوبعرصتهم"
بفتح العين والصاد المهملتين بينهما راء، أي بقعتهم الواسعة التي لا بناء بها من دار وغيرها.
"أقام بالعرصة": أي عرصة القتال وساحته من أرضه "ثلاثاً": أي ثلاث ليال لأن الثلاث أكثر ما يستريح المسافر فيها، أو لقلة احتفالهم كأنه يقول نحن مقيمون فإن كانت لكم قوة فلهموا إلينا "قال أبو داوود إلخ": لم توجد هذه العبارة إلى آخر الباب في بعض النسخ "كان يحيى بن سعيد": هو القطان "لأنه ليس من قديم حديث سعيد": أي ابن أبي عروبة الراوي عن قتادة "لأنه"

(7/258)


قَالَ أبُو دَاوُدَ: يُقَالُ إنّ وَكِيعاً حَمَلَ عَنْهُ في تَغَيّرِهِ.

(7/259)


133 - باب في التفريق بين السبي
2693 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ حدثنا إسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ حدثنا عَبْدُالسّلاَمِ بنُ حَرْبٍ عنْ يَزِيدَ بنِ عبد الرحمن عن الْحَكَمِ عنْ مَيْمُونِ بنِ أبي شَبِيبٍ عن عَلِيّ: أنّهُ فَرّقَ بَيْنَ جَارِيَةٍ وَوَلَدِهَا، فَنَهَاهُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم عنْ ذَلِكَ وَرَدّ الْبَيْعَ.
ـــــــ
أي سعيداً "تغير": أي حفظه "إلا بآخره": أي بآخر عمره "إن وكيعاً حمل عنه": أي سمع الحديث من سعيد بن أبي عروبة "في تغيره": أي في زمان تغيره. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.
"باب في التفريق بين السبي"
"فرق": من التفريق "بين جارية وولدها": أي ببيع أحدهما "عن ذلك": أي التفريق. قال الخطابي: لم يختلف أهل العلم أن التفريق بين الولد الصغير ووالدته غير جائز إلا أنهم اختلفوا في الحد بين الصغير الذي لايجوز معه التفريق وبين الكبير الذي يجوز معه، فقال أبو حنيفة وأصحابه: الحد في ذلك الاحتلام وقال الشافعي: إذا بلغ سبعاً أو ثمانياً وقال الأوزاعي: إذا استغنى عن أمه فقد خرج من الصغر، وقال مالك: إذا أشعر وقال أحمد بن حنبل: لا يفرق بينهما بوجه وإن كبر الولد واحتلم، ولا يجوز عند أبي حنيفة التفريق بين الأخوين إذا كان أحدهما صغيراً والآخر كبيراً، فإن كان صغيرين جاز، وأما الشافعي فإنه يرى التفريق بين ذوي
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وروى عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي قال قدم على النبي صلى الله عليه وسلم بسبي فأمرني ببيع أخوين فبعتهما وفرقت بينهما ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأخبرته فقال "أدركهما وارتجعهما وبعهما جميعا ولا تفرق بينهما" أخرجه الحاكم وقال هو صحيح على شرطهما ولم يخرجاه وفي جامع الترمذي من حديث أبي أيوب الأنصاري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من فرق بين الجارية وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة" قال الترمذي حسن غريب وأخرجه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجه وليس كما قاله فإن إسناده حسين بن عبد الله ولم يخرج له في الصحيحين وقال أحمد في حديثه مناكير وقال البخاري فيه نظر ولفظ الترمذي فيه من فرق بين والدة وولدها.

(7/259)


قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَمَيْمُونُ لَمْ يُدْرِكْ عَلِيّا قُتِلَ بالْجَمَاجِمِ. والْجَمَاجِمُ سَنَةُ ثَلاَثٍ وَثَمَانِينَ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَالْحِرّةُ سَنَةُ ثَلاَثٍ وَسِتّينَ، وَقُتِلَ ابنُ الزّبَيْرِ سَنَةَ ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ.

(7/260)


134 - باب الرخصة في المدركين يفرق بينهم
2694 - حدثنا هَارُونُ بنُ عَبْدِالله قال حدثنا هاشم بنُ الْقَاسِمِ حدثنا عِكْرِمَةُ قال حدّثني إيَاسُ بنُ سَلَمَةَ قال حدثني أبِي قال: "خَرَجْنَا مَعَ أبِي بَكْرٍ وَأمّرَهُ عَلَيْنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فَغَزَوْنَا فَزَارَةَ، فَشَنَنّا الْغَارَةَ، ثُمّ نَظَرْتُ إلى عُنُقٍ مِنَ النّاسِ فِيهِ الذّرّيّةُ
ـــــــ
الأرحام في البيع، واختلفوا في البيع، إذا وقع على التفريق، فقال أبو حنيفة هو ماض وإن كرهناه، وغالب مذهب الشافعي أن البيع مردود، وقال أبو يوسف: البيع مردود، واحتجوا بخبر علي رضي الله عنه هذا إلا أن إسناده غير متصل كما ذكره أبو داوود انتهى مختصراً "وميمون": هو ابن أبي شبيب "قتل": بصيغة المجهول أي ميمون "والجماجم سنة ثلاث وثمانين": كذا في عامة النسخ، وفي بعضها ثلاث وثلاثين وهو غلط. قال الحافظ في التقريب: ميمون بن أبي شبيب صدوق كثير الإرسال من الثالثة. مات سنة ثلاث وثمانين في وقعة الجماجم. وفي شرح القاموس: والجمجمة القدح يسوى من خشب، ودير الجماجم قرب الكوفة. قال أبو عبيدة سمي به لأنه يعمل فيه الأقداح من خشب، وبه كانت وقعة ابن الأشعث مع الحجاج بالعراق "والحرة سنة ثلاث وستين": قال في تاريخ الخلفاء: وفي سنة ثلاث وستين بلغه يعني يزيد أن أهل المدينة خرجوا عليه وخلعوه، فأرسل إليهم جيشاً كثيفاً وأمرهم بقتالهم ثم المسير إلى مكة لقتال ابن الزبير، فجاؤوا وكانت وقعة الحرة على باب طيبة انتهى. قال الإمام ابن الأثير: يوم الحرة يوم مشهور في الإسلام أيام يزيد بن معاوية لما انتهب المدينة عسكره من أهل الشام الذي ندبهم لقتال أهل المدينة من الصحابة والتابعين وأمر عليهم مسلم بن عقبة المزي في ذي الحجة سنة ثلاث وستين وعقيبها هلك يزيد: والحرة هذه أرض بظاهر المدينة بها حجارة سود كثيرة وكانت الوقعة بها. قال المنذري: قال أبو داوود وميمون لم يدرك علياً. وذكر الخطابي إسناده غير متصل كما ذكره أبو داوود.
"باب الرخصة في المدركين يفرق بينهم"
المراد من المدركين البالغون.
"وأمره": أي أبا بكر "فزارة": قبيلة "فشننا الغارة": شن الغارة هو إتيان العدو من جهات

(7/260)


وَالنّسَاءُ، فَرَمَيْتُ بِسَهْمٍ فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْجَبَلِ فَقامُوا فَجِئْتُ بِهِمْ إلَى أبي بَكْرٍ فِيهِمْ امْرَأةٌ منْ فَزَارَةَ وَعَلَيْهَا قِشْعٌ مِنْ أَدَمٍ، مَعَهَا بِنْتٌ لَهَا مِنْ أحْسَنِ الْعَرَبِ، فَنَفّلَنِي أبُو بَكْرٍ بِنْتَهَا[ابنتها] فَقَدِمْتُ المَدِينَةَ، فَلَقِيَنِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فقالَ لِي يَاسَلَمَةُ "هَبْ لِيَ المَرْأةَ"، فَقُلْتُ وَالله لَقَدْ أعْجَبَتْنِي وَمَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْباً، فَسَكَتَ حَتّى إذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ لَقِيَنِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في السّوقِ، فقالَ لِي يَاسَلَمَةُ "هَبْ لِي المَرْأةَ لله أبُوكَ"، فَقُلْتُ يَارَسُولَ الله مَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْباً وَهِيَ لَكَ، فَبَعَثَ بِهَا إلَى أهْلِ مَكّةَ وَفي أيْدِيهِمْ أسْرَى، فَفَدَاهُمْ بِتِلْكَ المَرْأةِ.

(7/261)


135 - باب في المال يصيبه العدو من المسلمين ثم يدركه صاحبه في الغنيمة :
2695 - حدثنا صَالِحُ بنُ سُهَيْلٍ حدثنا يَحْيَى يَعْني ابنَ أبي زَائِدَةَ عن عُبَيْدِالله
ـــــــ
"باب في المال يصيبه العدو من المسلمين ثم يدركه صاحبه في الغنيمة"
أي هل يأخذه لأنه أحق به، أو يكون من الغنيمة.

(7/261)


عن نَافِعٍ عن ابن عُمَرَ: "أنّ غُلاَماً لاِبْنِ عُمَرَ أبَقَ إلَى الْعَدُوّ فَظَهَرَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ، فَرَدّهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى ابنِ عُمَرَ وَلَمْ يُقْسَمْ" .
قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَقال غَيْرُهُ رَدّهُ عليهِ خَالِدُ بنُ الْوَلِيدِ.
2696 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِيّ وَ الْحَسَنُ بنُ عَلَيّ المَعْنى قالا حدثنا ابنُ نُمَيْرٍ عن عُبَيْدِالله عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ قال: ذَهَبَ فَرَسٌ لَهُ فَأخَذَهَا الْعَدُوّ فَظَهَرَ عَلَيْهِمُ المُسْلِمُونَ فَرُدّ عَلَيْهِ في زَمَنِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، وَأَبَقَ عَبْدٌ لَهُ فَلَحِقَ بأرْضِ الرّومِ فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ[عليه] المُسْلِمُونَ فَرَدّهُ عَليهِ خَالِدُ بنُ الْوَلِيدِ بَعْدَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
"أبق" أي هرب "فظهر عليه" أي غلب على العدو "فرده" أي الغلام. والحديث فيه دليل للشافعية وجماعة على أن أهل الحرب لا يملكون بالغلبة شيئاً من مال المسلمين ولصاحبه أخذه قبل القسمة وبعدها. وعند مالك وأحمد وآخرين إن وجده مالكه قبل القسمة فهو أحق به، وإن وجده بعدها فلا يأخذه إلا بالقيمة، رواه الدارقطني من حديث ابن عباس مرفوعاً لكن إسناده ضعيف حداً، وبذلك قال أبو حنيفة إلا في الآبق فقال مالكه أحق به مطلقاً، قاله القسطلاني "وقال غيره": أي غير يحيى بن أبي زائدة "رده عليه خالد بن الوليد": أي مكان رده رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ابن عمر. والمراد من غيره هو ابن نمير وروايته مذكورة بعد هذا الحديث. والحاصل أن في رواية يحيى بن أبي زائدة أن قصة العبد كانت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الذي رده إلى ابن عمر هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي رواية غير يحيى وهي رواية ابن نمير الآتية أن قصته كانت بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الذي رده إلى ابن عمر هو خالد بن الوليد. والحديث سكت عنه المنذري.
"ذهب فرس له": أي نفر وشرد إلى الكفار "فأخذها": أي الفرس. والفرس اسم جنس يذكر ويؤنث كما في الصحاح والقاموس "فظهر": أي غلب "عليهم": أي على العدو، وهو يطلق على المفرد والجمع "فرد": بصيغة المجهول "عليه": أي على ابن عمر. قال المنذري: وأخرجه البخاري وابن ماجه.

(7/262)


136 - باب في عبيد المشركين يلحقون بالمسلمين فيسلمون :
2697 - حدثنا عَبْدُالعَزِيزِ بنُ يَحْيَى الْحَرّانِيّ قال حدثني مُحَمّدٌ يَعْني ابنَ سَلَمَةَ عن مُحَمّدِ بنِ إسْحَاقَ عن أبَانَ بن صَالِحٍ عن مَنْصُورِ بنِ المُعْتَمِرِ عن رِبْعِيّ بن حِرَاشٍ عن عَلِيّ بنِ أبي طَالِبٍ قال: "خَرَجَ عُبْدَانٌ إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم يعني يَوْمَ الْحُدَيْبِيّةِ قَبْلَ الصّلْحِ، فَكَتَبَ إلَيْهِ مَوَالِيهِمْ، فَقَالُوا يَامُحَمّدُ وَالله[والله يامحمد] مَا خَرَجُوا إلَيْكَ رَغْبَةً في دِينِكَ، وَإنّمَا خَرَجُوا هَرَباً مِنَ الرّقّ، فَقالَ نَاسٌ صَدَقُوا يَارَسُولَ الله رُدّهُمْ إلَيْهِمْ، فَغَضِبَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَقالَ "مَا أُرَاكُمْ تَنْتَهُونَ يَامَعْشَرَ قُرَيْشٍ حتى يَبْعَثَ الله عَلَيْكُم مَنْ يَضْرِبُ رِقَابَكُم عَلَى هَذَا وَأبَى أنْ يَرُدّهُمْ وَقالَ هُمْ عُتَقَاءُ الله عَزّوَجَلّ" .
ـــــــ
"باب في عبيد المشركين يلحقون بالمسلمين فيسلمون"
"خرج عبدان": بكسر العين وضمها وسكون الباء جمع عبد بمعنى المملوك، وجاء بكسر العين والباء وتشديد الدال لكن قيل الرواية في الحديث بالتخفيف كذا في فتح الودود "فكتب إليه": أي إلى النبي صلى الله عليه وسلم "مواليهم": أي أسيادهم "هرباً": بفتحتين أي خلاصاً "فقال ناس": أي جمع من الصحابة "صدقوا": أي مواليهم "ردهم" أي عبيدهم "إليهم" : أي إلى مواليهم "فغضب": قال التوربشتي: وإنما غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم عارضوا حكم الشرع فيهم بالظن والتخمين، وشهدوا لأوليائهم المشركين بما ادعوه أنهم خرجوا هرباً من الرق لا رغبة في الإسلام وكان حكم الشرع فيهم أنهم صاروا بخروجهم من ديار الحرب مستعصمين بعروة الإسلام أحراراً لا يجوز ردهم إليهم، فكان معاونتهم لأوليائهم تعاوناً على العدوان "ما أراكم": بضم الهمزة أي ما أظنكم، وبفتح الهمزة أي ما أعلمكم "تنتهون": أي عن العصبية أو عن مثل هذا الحكم وهو الرد "على هذا": أي على ما ذكر من التعصب أو الحكم بالرد "وقال هم عتقاء الله": قال الطيبي: هذا عطف على قوله وقال ما أراكم وما بينهما قول الراوي معترض على سبيل التأكيد. قال المنذري: وأخرجه الترمذي أتم منه وقال هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث ربعي عن علي. وقال أبو بكر البزاز: لا نعلمه يروى عن علي إلا من حديث ربعي عنه رحمه الله تعالى.

(7/263)


137 - باب في إباحة الطعام بأرض العدو :
2698 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بنُ حَمْزَةَ الزّبَيْرِيّ[إبراهيم بن حمزة بن محمد بن حمزة بن مصعب بن الزبير الزبيدي] حدثنا أنَسٌ بنُ عِيَاضٍ عن عُبَيْدِالله عن نَافِعٍ عن ابن عُمَرَ: أنّ جَيْشاً غَنِمُوا في زَمَانِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم طَعَاماً وَعَسَلاً فَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُمُ الْخُمْسُ.
2699 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ وَ الْقَعْنَبِيّ قالا حدثنا سُلَيْمَانُ عن حُمَيْدٍ يَعْني ابْنَ هِلاَلٍ عن عَبْدِالله بنِ مُغَفّلٍ قال: دُلّيَ جِرَابٌ مِنْ شَحْمٍ يَوْمَ خَيْبَرَ قال فَأتَيْتُهُ فَالْتَزَمْتُهُ قال ثُمّ قُلْتُ لاَ أُعْطِي مِنْ هَذَا أحَداً الْيَوْمَ شَيْئاً قالَ فَالْتَفَتّ فَإذَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَتَبَسّمُ إلَيّ.
ـــــــ
"باب في إباحة الطعام في أرض العدو"
"غنموا": بكسر النون "طعاماً وعسلاً": تخصيص بعد تعميم أو أراد بالطعام أنواع الحبوب وما يؤخذ منها "فلم يؤخذ منهم الخمس": أي فيما أكلوا منها. والحديث سكت عنه المنذري.
"عن عبد الله بن مغفل": بالغين المعجمة والفاء بوزن محمد "دلي": بصيغة المجهول من التدلية أي رمي "جراب": بكسر الجيم أي وعاء من جلد "من شحم": أي مملوء من شحم. وفي رواية البخاري فرمى إنسان بجراب فيه شحم "فالتزمته": أي عانقته وضممته إلي "لا أعطي من هذا أحد اليوم شيئاً": قال الطيبي: في قوله اليوم إشعار بأنه كان مضطراً إليه وبلغ الاضطرار إلى أن يستأثر نفسه على الغير ولم يكن ممن قيل فيه {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} ومن ثم تبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم "فالتفت": أي نظرت "يتبسم إلي": زاد أبو داوود الطيالسي في آخره "فقال هو لك" كذا في الفتح. والحديثان يدلان على إباحة الطعام في أرض العدو. قال النووي: قال القاضي: أجمع العلماء على جواز أكل طعام الحربيين ما دام المسلمون في دار الحرب على قدر حاجتهم، ويجوز بإذن الإمام وبغير إذنه. ولم يشترط أحد من العلماء استئذان الإمام إلا الزهري انتهى. وفي الحديث جواز أكل الشحوم التي توجد عند اليهود وكانت محرمة على اليهود، وكرهها مالك وروي عنه وعن أحمد تحريمه. كذا في النيل. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.

(7/264)


138 - باب في النهي عن النهبى إذا كان في الطعام قلة في أرض العدو :
2700 - حدثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ حدثنا جَرِيرٌ يَعْني ابنَ حَازِمٍ عن يَعْلَى بنِ حَكِيمٍ عن أبي لُبَيْدٍ قالَ: كُنّا مَعَ عبد الرحمن بنِ سَمُرَةَ بكَابُلَ فَأصَابَ النّاسُ غَنِيمَةً فَانْتَهَبُوهَا، فَقَامَ خَطِيباً فقال: "سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَنْهَى عن النّهْبَى فَرَدّوا مَا أخَذُوا فَقَسَمَهُ بَيْنَهُمْ" .
2701 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ الْعَلاَءِ حدثنا أبُو مُعَاوِيَةَ حدثنا أبُو إسْحَاقَ الشّيْبَانِيّ عن مُحَمّدِ بنِ أبِي مُجَالِدٍ عن عَبْدِالله بنِ أبِي أوْفَى قال: قُلْتُ هَلْ كُنْتُمْ تُخَمّسُونَ يَعْني الطّعَامَ في عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَقالَ أصَبْنَا طَعَاماً يَوْمَ خَيْبَرَ فَكَانَ الرّجُلُ يَجِيءُ فَيَأْخُذُ مِنْهُ مِقْدَارَ مَا يَكْفِيهِ ثُمّ يَنْصَرِفُ.
2702 - حدثنا هَنّادُ بنُ السّرِيّ حدثنا أبُو الأحْوَصِ عن عَاصِمٍ يَعْني ابنَ كُلَيْبٍ عنْ أبِيهِ عن رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ قالَ: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في سَفَرٍ فَأصَابَ
ـــــــ
"باب في النهي عن النهبي إذا كان في الطعام قلة في أرض العدو"
قال الخطابي: النهبى اسم مبني على فعل من النهب كالرغبى من الرغبة انتهى. والمراد بالنهبى أخذ مال الغنيمة بلا تقسيم.
"بكابل": كآمل من ثغور طخارستان قاله في القاموس "فانتهبوها": أي أخذوها بلا تقسيم "فقام": أي عبد الرحمن بن سمرة "ينهي عن النهبى": قال الخطابي: إنما نهى عن النهب لأن الناهب إنما يأخذ ما يأخذه على قدر قوته لا على قدر استحقاقه فيؤدي ذلك إلى أن يأخذ بعضهم فوق حظه وأن يبخس بعضهم حقه، وإنما لهم سهام معلومة للفرس سهمان وللرجل سهم، فإذا انتهبوا الغنيمة بطلت القسمة وعدمت التسوية انتهى. والحديث سكت عنه المنذري.
"عن محمد بن أبي مجالد": بضم الميم وكسر اللام "قال قلت": أي لبعض الصحابة "هل كنتم تخمسون": من التخميس "فقال": أي بعض الصحابة. والحديث سكت عنه المنذري.

(7/265)


النّاسَ حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ وَجَهْدٌ وَأصَابُوا[فأصابوا] غَنَماً فَانْتَهَبُوهَا، فَإنّ قُدُورُنَا لَتَغْلِي إذْ جَاءَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَمْشِي عَلَى قَوْسِهِ فَأكْفَأ قُدُورَنَا بِقَوْسِهِ ثُمّ جَعَلَ يُرَمّلُ اللّحْمَ بالتّرَابِ ثُمّ قالَ إنّ النّهْبةَ لَيْسَتْ بِأحَلّ من المَيْتَةِ أوْ إنّ المَيْتَةَ لَيْسَتْ بِأحَلّ مِنَ النّهْبَةِ" الشّكّ مِنْ هَنّادٍ.
ـــــــ
"فانتهبوها": أي أخذوا منها قبل القسمة "فأكفأ قدورنا": في القاموس: كفأ كبّه وقلبه كأكفأه "ثم جعل يرمل اللحم بالتراب": أي يلطخه به. قال في القاموس: أرمل الطعام جعل فيه الرمل " إن النهبة ليسب بأحل من الميتة": النهبة بضم النون المال المنهوب، والمعنى أن النهبة والميتة كلاهما حرامان ليس بينهما فرق في الحرمة "الشك من هناد": هو ابن السري. والحديث سكت عنه المنذري.

(7/266)


139 - باب في حمل الطعام من أرض العدو :
2703 - حدثنا سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ حدثنا عَبْدُالله بنُ وَهْبٍ قال أخبرني عَمْرُو بنُ الْحَارِثِ أنّ ابنَ حَرْشَفٍ الأَزْدِيّ حَدّثَهُ عن الْقَاسِمِ مَوْلَى عبد الرحمن عن بَعْضِ أصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: كُنّا نَأْكُلُ الْجَزَرَ[الجزور-الجوز-الحزر] في الْغَزْوِ وَلا نَقْسِمُهُ حَتّى أنْ كُنّا لَنَرْجِعُ إلى رِحَالِنَا وَأخْرِجَتُنَا مِنْهُ مُمْلأَةٌ.
ـــــــ
"باب في حمل الطعام من أرض العدو"
"أن ابن حرشف": قال الحافظ: ابن حرشف الأزدي كأنه تميمي الذي روى عن قتادة وهو مجهول من السادسة "كنا نأكل الجزر": قال في النيل: بفتح الجيم جمع جزور وهي الشاة التي تجزر أي تذبح، كذا قيل. وفي القاموس في مادة جزر ما لفظه: والشاة السمينة ثم قال والجزور البعير أو خاص بالناقة المجزورة ثم قال وما يذبح من الشاة انتهى. وقد قيل إن الجزر في الحديث بضم الجيم والزاي جمع جزور وهو ما تقدم تفسيره انتهى كلام الشوكاني ووقع في بعض النسخ الجزور، وكذلك في المشكاة. قال القاري: بفتح الجيم أي البعير انتهى. وفي بعضها "كنا نأكل الحزر" بالحاء المهملة والزاي ثم الراء. قال في النهاية لا تأخذوا من جزرات أموال الناس أي ما يكون قد أعد للأكل والمشهور بالحاء المهملة انتهى "إلى رحالنا": أي منازلنا في المدينة، وهو الظاهر من تبويب المؤلف. وقال القاري: المراد من الرحال منازلهم في سفر الغزو "وأخرجتنا": بفتح الهمزة وكسر الراء على وزن أفعله جمع خرج بالضم

(7/266)


............................
ـــــــ
وهي الجوالق. في القاموس: الأخرجة جمع الخرج والخرج بالضم وعاء معروف قاله القاري "منه": أي من الجزر "مملأة": أي ملاَنة. قال: واختلفوا فيما يخرج به المرء من الطعام من دار الحرب، فقال سفيان الثوري: يرد ما أخذ منه إلى الإمام وكذلك قال أبو حنيفة، وهو أحد قولي الشافعي، وقال في موضع آخر: له أن يحمله لأنه إذا ملكه في دار الحرب فقد صار له فلا معنى لمنعه من الخروج، وإلى هذا ذهب الأوزاعي إلا أنه قال لا يجوز له أن يبيعه إنما له الأكل فقط، فإن باعه وضع ثمنه في مغانم المسلمين. وكان مالك بن أنس يرخص في القليل منه كاللحم والخبز ونحوهما قال لا بأس أن يأكل في أهله، وكذلك قال أحمد بن حنبل انتهى. قال المنذري:القاسم تكلم فيه غير واحد.

(7/267)


140 - باب في بيع الطعام إذا فضل عن الناس في أرض العدو :
2704 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ المُصَفّى حدثنا مُحَمّدُ بنُ المُبَارَكِ عن يَحْيَى بنِ حَمْزَةَ قال حدثنا[قال حدثني] أبُو عَبْدِالعَزِيزِ - شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الأُرْدُنّ - عن عُبَادَةَ بنِ نُسَيَ عن عبد الرحمن بنِ غَنْمٍ قال: رَابَطْنَا مَدِينَةَ قِنّسْرِينَ مَعَ شُرَحْبِيلَ بنِ السّمْطِ، فَلَمّا فَتَحَهَا أصَابَ فيهَا غَنَماً وَبَقَراً، فَقَسَمَ فِينَا طَائِفَةً مِنْهَا وَجَعَلَ بِفَيّتَهَا في المَغْنَمِ،
ـــــــ
باب في بيع الطعام إذا فضل عن الناس في أرض العدو
"من أهل الأردن": ضبط في بعض النسخ بضم الهمزة وسكون الراء وضم الدال وتشديد النون. قال في القاموس: الأردن بضمتين وشد النون النعاس وكورة بالشام منها عبادة بن نسي انتهى. وفي المغنى في النسب الأردني بمضمومة وسكون راء وضم دال فنون مشددة "عن عبادة بن نسي": بضم النون وفتح المهملة وتشديد الياء "عن عبد الرحمن بن غنم": بفتح المعجمة وسكون النون مختلف في صحبته كذا في التقريب "رابطنا مدينة قنسرين": قال في القاموس: قنسرين وقنسرون بالكسر فيهما كورة بالشام وتكسر نونهما انتهى. والرباط الإقامة على جهاد العدو بالحرب كذا في مختصر النهاية "مع شرحبيل بن السمط" بكسر المهملة وسكون الميم الكندي الشامي جزم ابن سعد بأن له وفادة ثم شهد القادسية وفتح حمص وعمل عليها لمعاوية، كذا في التقريب "فلما فتحها": أي مدينة قنسرين، والضمير المرفوع لشرحبيل

(7/267)


...........
ـــــــ
"فقسم فينا إلخ": قال الخطابي:قوله قسم فينا طائفة أي قدر الحاجة للطعام، وقسم البقية بينهم على السهام. والأصل أن الغنيمة مخموسة ثم الباقي بعد ذلك مقسوم إلا أن الضرورة لما دعت إلى إباحة الطعام للجيش والعلف لدوابهم صار قدر الكفاية منها مستثنى ببيان النبي صلى الله عليه وسلم وما زاد على ذلك مردود إلى المغنم انتهى. والحديث سكت عنه المنذري.

(7/268)


باب في الرجل ينتفع من الغنيمة بشيء (بالشيء)
...
141 - باب في الرجل ينتفع من الغنيمة بشيء :
2705 - حدثنا سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ وَ عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ المعنى. قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَأنَا لِحَدِيثِهِ أَتْقَنُ، قال حدثنا أبُو مُعَاوِيَةَ عن مُحَمّدِ بن إسْحَاقَ عن يَزِيدَ بنِ أبي حَبِيبٍ عن أبي مَرْزُوقٍ مَوْلَى تُجَيْبٍ عن حَنَشٍ الصّنْعَانِيّ عن رُوَيْفِعِ بنِ ثَابِتٍ الأنْصَارِيّ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بالله وَالْيَوْمِ الآخر فَلا يَرْكَبْ دَابّةً مِنْ فَيْءِ المُسْلِمِينَ حَتّى إذَا أعْجَفَهَا رَدّهَا فِيهِ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بالله وَالْيَوْمِ الآخر فَلا يَلْبَسْ ثَوْباً مِنْ فَيْءِ المُسْلِمِينَ حَتّى إذَا أخْلَقَهُ رَدّهُ فيهِ" .
ـــــــ
"باب في الرجل ينتفع من الغنيمة بشيء"
"مولى تجيب": بضم المثناة وكسر الجيم "عن حنش": بفتح أوله وفتح النون الخفيفة بعدها معجمة "من فيء المسلمين": أي غنيمتهم المشتركة "حتى إذا أعجفها": أي أضعفها وأهزلها "ردها فيه": أي في الفيء "حتى إذا أخلقه": بالقاف أي أبلاه والإخلاق بالفارسية كهنة كردن. قال في السبل: يؤخذ منه جواز الركوب ولبس الثوب وإنما يتوجه النهي إلى الإعجاف والإخلاق للثوب، فلو ركب من غير إعجاف ولبس من غير إخلاق وإتلاف جاز انتهى. قال في الفتح: وقد اتفقوا على جواز ركوب دوابهم، يعني أهل الحرب ولبس ثيابهم، واستعمال سلاحهم حال الحرب ورد ذلك بعد انقضاء الحرب. وشرط الأوزاعي فيه إذن الإمام، وعليه أن يرد كلما فرغت حاجته ولا يستعمله في غير الحرب، ولا ينتظر برده انقضاء الحرب لئلا يعرضه للهلاك. قال وحجته حديث رويفع المذكور. قال المنذري: في إسناده محمد بن إسحاق وقد تقدم الكلام عليه.

(7/268)


142 - باب في الرخصة في السلاح يقاتل به في المعركة
2706 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ الْعَلاَءِ قال أنْبأنَا إبْرَاهِيمُ - يَعْنِي ابنَ يُوسُفَ - قَالَ أبُو دَاوُدَ: هُوَ إبْرَاهِيمُ بنُ يُوسُفَ بنِ إسْحَاقَ بنِ أبي إسْحَاقَ السّبَيْعِيّ عن أبِيهِ عن أبي إسْحَاقَ السّبَيْعِيّ قال حدّثني أبُو عُبَيْدَةَ عن أبِيهِ قال: مَرَرْتُ فَإذَا أبُو جَهْلٍ صَرِيعٌ قَدْ ضُرِبَتْ رِجْلُهُ فَقُلْتُ: يَاعَدُوّ الله يَا أبَا جَهْلٍ قَدْ أخْزَى الله الآخر، قالَ وَلاَ أَهَابُهُ عِنْدَ ذَلِكَ، فقال: أبْعَدُ[أعمد] مِنْ رَجُلٍ قَتَلَهُ قَوْمُهُ، فَضَرَبْتُهُ بِسَيْفٍ غَيْرِ طَائِلٍ، فَلَمْ يُغْنِ
ـــــــ
"باب في الرخصة في السلاح يقاتل به في المعركة"
"حدثني أبو عبيدة": هو ابن عبد الله مشهور بكنيته والأشهر أنه لا اسم له غيرها، ويقال اسمه عامر كوفي ثقة من كبار الثالثة، والراجح أنه لا يصح سماعه من أبيه "صريع": أي مقتول "قد ضربت": بصيغة المجهول "رجله": حال أو بيان لقوله صريع "قد أخزى الله الآخر": بوزن الكبد أي الأبعد المتأخر عن الخير، وقيل هو بمعنى الأرذل، وقيل بمعنى اللئيم، وقوله الآخر هو مفعول أخزى المراد به أبو جهل "قال": عبد الله بن مسعود "ولا أهابه": أي ولا أخاف أبا جهل في تلك الحالة لأنه مجروح الرجل لا يقدر على شيء. وفي رواية أحمد قال انتهيت إلى أبي جهل يوم بدر وهو صريع وهو يذب الناس عنه بسيف له فجعلت أتناوله بسيف لي غير طائل فأصبت يده فندر سيفه فأخذته فضربته حتى قتلته ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فنفلني بسلبه انتهى "فقال أبعد من رجل قتله قومه": قال الخطابي هكذا رواه أبو داوود وهو غلط وإنما هو أعمد بالميم بعد العين كلمة للعرب معناها كأنه يقول هل زاد على رجل قتله قومه يهون على نفسه ما حل بها من هلاك، حكاها أبو عبيد عن أبي عبيدة معمر بن المثنى، وأنشد لابن ميادة:
وأعمد من قوم كفاهم أخوهم ... صدام الأعادي حين فلت بيوتها
يقول هل زادنا على أن كفينا إخواننا انتهى. وقال في النهاية في مادة بعد: أي أنهى وأبلغ لأن الشيء المتناهي في نوعه يقال قد أبعد فيه وهذا أمر بعيد أي لا يقع مثله لعظمه يريد أنك استبعدت قتلي واستعظمت شأني فهل هو أبعد من رجل قتله قومه، والصحيح رواية أعمد بميم انتهى. وقال في مادة عمد: أي هل زاد على رجل قتله قومه وهل كان إلا هذا، أي أنه ليس عليه بعار. وقيل أعمد بمعنى أعجب أي أعجب من رجل قتله قومه. وقيل أعمد بمعنى أغضب من قولهم عمد عليه إذا غضب وقيل معناه أتوجع وأشتكي من قولهم عمدني

(7/269)


شَيْئاً حَتّى سَقَطَ سَيْفُهُ مِنْ يَدِهِ فَضَرَبْتُهُ بِهِ حَتّى بَرَدَ.
ـــــــ
الأمر فعمدت أي أوجعني فوجعت. والمراد بذلك كله أن يهون على نفسه ما حل به من الهلاك وأنه ليس بعار عليه أن يقتله قومه "بسيف غير طائل": قال الخطابي:أي غير ماض، وأصل الطائل النفع والفائدة انتهى. وفي النهاية أي غير ماض ولا قاطع كأنه كان سيفاً دوناً بين السيوف وكفن غير طائل أي غير رفيع ولا نفيس "فلم يغن": من باب ضرب أي لم يصرف ولم يكف أبو جهل عن نفسه "شيئاً": من وقعة السيف عليه مع أنه ضربته بسيف غير قاطع قال في النهاية: أغن عني شرك أي اصرفه وكفه. وفي حديث عثمان أن علياً بعث إليه بصحيفة فقال للرسول أغنها عنا أي اصرفها وكفها. ومنه قول ابن مسعود وأنا لا أغني لو كانت لي منعة أي لو كان معي من يمنعني لكفيت شرهم وصرفتهم انتهى "فضربته به" أي بسيفه "حتى برد": أي مات. وأصل الكلمة من الثبوت يريد سكون الموت وعدم حركة الحياة، ومن ذلك قولهم برد لي على فلان حق أي ثبت وفيه أنه قد استعمل سلاحه في قتله وانتفع به قبل القسم قاله الخطابي. قال المنذري: وأخرجه النسائي مختصراً، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه.

(7/270)


143 - باب في تعظيم الغلول :
2707 - حدثنا مُسَدّدٌ أنّ يَحْيَى بنَ سَعِيدٍ وَ بِشْرَ بنَ المُفَضّلِ حدّثاهُمْ عن يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عن مُحَمّدِ بنِ يَحْيَى بنِ حَبّانَ عن أبي عَمْرَةَ عن زَيْدِ بنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيّ: " أنّ رَجُلاً مِنْ أصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم تُوُفّيَ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقَالَ "صَلّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ"، فَتَغَيّرَتْ وُجُوهُ النّاسِ لِذَلِكَ، فقال: "إنّ صَاحِبَكُم غَلّ في سَبِيلِ الله"، فَفَتّشْنَا مَتَاعَهُ فَوَجَدْنَا خَرَزاً مِنْ خَرَزِ يَهُودَ لاَ يُسَاوِي دِرْهَمَيْنِ" .
2708 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن ثَوْرِ بنِ زَيْدِ الدّيْلِيّ عن أبي الْغَيْثِ مَوْلَى ابنِ مُطِيعٍ عن أبي هُرَيْرَةَ أنّهُ قال: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم عَامَ خَيْبَرَ فَلَمْ نَغْنَمَ ذَهَباً
ـــــــ
"باب في تعظيم الغلول"
"فذكروا ذلك": أي خبر موته "صلوا على صاحبكم": والمعنى أنا لا أصلي عليه "لذلك" أي لامتناعه من الصلاة عليه حيث لم يعرفوا سببه "خرزاً": بفتحتين ما ينتظم من جوهر ولؤلؤ وغيرهما. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه.

(7/270)


وَلا وَرِقاً إلاّ الثّيَابَ وَالمَتَاعَ وَالأمْوَالَ. قال: فَوَجّهَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم نَحْوَ وَادِي الْقُرَى وَقَدْ أُهْدِيَ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم عَبْدٌ أسْوَدُ يُقَالُ لَهُ مِدْعَمٌ، حَتّى إذَا كَانُوا بِوَادِي الْقُرَى، فَبَيْنَمَا[فبينا] مِدْعَمٌ يَحُطّ رَحْلَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم إذْ جَاءَهُ سَهْمٌ فَقَتَلَهُ، فَقالَ النّاسُ: هَنِيئاً لَهُ الْجَنّةُ، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "كَلاّ وَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنّ الشّمْلَةَ الّتي أخَذَهَا يَوْمَ خَيْبَرٍ مِنَ المَغَانِمِ لم تُصِبْهَا المَقَاسِمُ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَاراً"، فَلَمّا سَمِعُوا ذَلِكَ جَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكٍ أوْ شِرَاكَيْنِ إلى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ، أوْ قال شِرَاكَان مِنْ نَارٍ" .
ـــــــ
"والأموال": يعني المواشي والعقار والأرض والنخيل "فوجه": من التفعيل بمعنى توجه أي أقبل وقصد "وقد أهدي": بصيغة المجهول "يقال له مدعم": بكسر الميم وسكون الدال وفتح العين المهملة أهداه رفاعة بن زيد "يحط رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم": أي يضعه عن ظهر مركوبه "كلا": للردع أي ليس الأمر كما تظنون "إن الشملة": وهي كساء يشتمل به الرجل "لم تصبها المقاسم": قال ابن الملك: الجملة حال من منصوب أخذها أي غير مقسومة أي أخذها قبل القسمة فكان غلولاً لأنها كانت مشتركة بين الغانمين "ذلك": أي الوعيد الشديد "بشراك": بكسر أوله أحد سيور النعل التي تكون على وجهها. ذكره في النهاية "أو شراكين": شك من الراوي "شراك من نار أو شراكان من نار": قال في فتح الودود: أي لولا رددت أو لأنه رد في وقت ما يمكن قسمته انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي. والشراك بكسر الشين المعجمة أحد سيور النعل التي تكون على وجهها.

(7/271)


144 - باب في الغلول إذا كان يسيراً يتركه الإمام ولا يحرّق رحله :
2709 - حدثنا أبُو صَالِحٍ مَحْبُوبُ بنُ مُوسَى قال أنْبأنَا أبُو إسْحَاقَ الْفَزَارِيّ عن عَبْدِالله بنِ شَوْذَبٍ قال حدّثَني عَامِرٌ - يَعْني ابنَ عَبْدِالْوَاحِدِ - عن ابنِ بُرَيْدَةَ عن عَبْدِالله بنِ عَمْرٍو قال: "كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا أصَابَ غَنِيمَةً أمَرَ بِلاَلاً، فَنَادَى في النّاسِ، فَيَجِيئُونَ بِغَنَائِمِهِمْ فَيَخْمُسُهُ وَيُقَسّمُهُ، فَجَاءَ رَجُلٌ بَعْدَ ذَلِكَ بِزِمَامٍ منْ شَعَرٍ
ـــــــ
باب في الغلول إذا كان يسيرا يتركه الإمام ولا يحرق رحله
"فيجيئون بغنائمهم": الباء للتعدية أي يحضرونها "فيخمسه": من باب نصر كذا في فتح

(7/271)


فقَالَ يَارَسُولَ الله هَذَا فَيمَا كُنّا أصَبْنَاهُ منَ الْغَنِيمَةِ فَقالَ أسَمِعْتَ بِلاَلاً يُنَادِي[نادى] ثَلاَثاً؟ قالَ نَعَمْ. قالَ وَمَا مَنَعَكَ أنْ تَجِيءَ بِهِ فَاعْتَذَرَ إلَيْهِ فقَالَ كُنْ أنْتَ تَجِيءُ به يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَنْ أقْبَلهُ عَنْكَ" .
ـــــــ
الودود. وقال القاري: بتشديد الميم وتخفف. والضمير المنصوب لما يجيئون به "بعد ذلك": أي بعد التخميس "بزمام": بكسر الزاي أي بخطام "من شعر": بفتح العين ويسكن "ثلاثاً": أي ثلاث مرات في يوم أو أيام "فاعتذر إليه": أي للتأخير اعتذاراً غير مسموع "كن أنت تجيء به يوم القيامة": قال الطيبي: والأنسب أن يكون أنت مبتدأ وتجيء خبره والجملة خبر كان وقدم الفاعل المعنوي للتخصيص، أي أنت تجيء به لا غيرك "فلن أقبله عنك": قال الطيبي: هذا وارد على سبيل التغليظ لا أن توبته غير مقبولة، ولا أن رد المظالم على أهلها أو الاستحلال منهم غير ممكن انتهى. وقال المظهر: وإنما لم يقبل ذلك منه لأن جميع الغانمين فيه شركة وقد تفرقوا وتعذر إيصال نصيب كل واحد منهم منه إليه فتركه في يده ليكون إثمه عليه لأنه هو الغاصب. كذا في المرقاة. قال المنذري: كان هذا في اليسير فما الظن بما فوقه.

(7/272)


145 - باب في عقوبة الغال :
2710 - حدثنا النّفَيْلِيّ وَ سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ قالا حدثنا عَبْدُالعَزِيزِ بنُ مُحَمّدٍ قال النّفَيْلِيّ الأنْدَرَاوَرْدِيّ عنْ صَالِح بن مُحَمّدٍ بن زَائِدَةَ. قَالَ أبُو دَاوُدَ وَ صَالِحٌ هَذَا أبُو وَاقِدٍ قالَ: دَخَلْتُ مَعَ مَسْلَمَةَ أرْضَ الرّومِ فَأُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ غَلّ فَسَألَ سَالِماً عَنْهُ فَقَالَ
ـــــــ
باب في عقوبة الغال
"قال النفيلي الأندراوردي": بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الدال الأولى وتفتح الواو بعد الألف، كذا ضبط في بعض النسخ أي قال النفيلي في روايته حدثنا عبدالعزيز بن محمد الأندراوردي بذكر نسب عبد العزيز بن محمد ولم يذكره سعيد بن منصور. وذكر نسبه في التقريب والخلاصة بلفظ الدراوردي "قال أبو داوود وصالح هذا أبو واقد": أي كنيته صالح بن محمد بن زائدة أبو واقد "فأُتي": بصيغة المجهول "فسأل": أي مسلمة "سالماً" أي ابن
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر هذا الحديث وزاد فيه "واضربوا عنقه" بدل "واضربوه" قال عبد الحق هذا حديث يدور على صالح بن محمد وهو منكر الحديث ضعيفه لا يحتج به ضعفه البخاري وغيره انتهى.

(7/272)


سَمِعْتُ أبي يُحَدّثُ عن عُمَرَ بنِ الْخَطّابِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "إذَا وَجَدْتُمُ الرّجُلَ قَدْ غَلّ فَأَحْرِقُوا مَتَاعَهُ وَاضْرِبُوهُ" . قالَ: فَوَجَدْنَا في مَتَاعِهِ مُصْحَفاً، فَسَألَ سَالِماً عَنْهُ؟ فقالَ: بِعْهُ وَتَصَدّقْ بِثَمَنِهِ.
2711 - حدثنا أبُو صَالِحٍ مَحْبُوبُ بنُ مُوسَى الأَنْطَاكِيّ قالَ أنْبأنَا أبُو إسْحَاقَ عن صَالِحِ بنِ مُحَمّدٍ قال: غَزَوْنَا مَعَ الْوَلِيدِ بن هِشَامٍ وَمَعَنَا سَالِمُ بنُ عَبْدِالله بنِ عُمَرَ وَعُمَرُ بنُ عَبْدِالعَزِيزِ فَغَلّ رَجُلٌ مَتَاعاً فَأمَرَ الْوَلِيدُ بِمَتَاعِهِ فَأُحْرِقَ وَطِيفَ بِهِ وَلَمْ يُعْطِهِ سَهْمَهُ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: هَذَا أصَحّ الْحَدِيثَيْنِ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ أنّ الْوَلِيدَ بنَ هِشَامٍ أحْرَقَ رَحْلَ زِيَادِ بن سَعْدٍ وَكَانَ قَدْ غَلّ وَضَرَبَهُ[حرق رحل زياد شعر وكان قد غل وضربه قال أبو داود:زياد شعر لقبه].
2712 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ عَوْفٍ حدثنا مُوسَى بنُ أيّوبَ قال حدثنا الْوَلِيدُ بنُ
ـــــــ
عبد الله بن عمر رضي الله عنه "عنه": أي عن حكم الرجل الغال "فقال": أي سالم "سمعت أبي": أي عبد الله بن عمر "مصحفاً": أي قرآناً. قال الحافظ في الفتح: وقد أخذ بظاهر هذا الحديث أحمد في رواية وهو قول مكحول والأوزاعي، وعن الحسن يحرق متاعه كله إلا الحيوان والمصحف، وقال الطحاوي لو صح الحديث لاحتمل أن يكون حين كانت العقوبة بالمال انتهى. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقال سألت محمداً عن هذا الحديث فقال إنما روى هذا صالح بن محمد بن زائدة وهو أبو واقد الليثي وهو منكر الحديث. وقال محمد يعني البخاري: وقد روى في غير حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في الغال فأمر فيه بحرق متاعه. هذا آخر كلامه. وصالح بن محمد بن زائدة تكلم فيه غير واحد من الأئمة، وقد قيل إنه تفرد به. وقال البخاري: وعامة أصحابنا يحتجون بهذا في الغلول وهو باطل ليس بشيء. وقال الدارقطني أنكروا هذا الحديث على صالح بن محمد، قال: وهذا حديث لم يتابع عليه ولا أصل لهذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
"مع الوليد بن هشام": أي ابن عبدالملك بن مروان بن الحكم "وطيف به": بصيغة المجهول من الطواف "هذا أصح الحديثين": المعنى أن هذا الحديث الموقوف أصح من الحديث المرفوع الذي قبله "وضربه": عطف على أحرق. قال المنذري: قال أبو داوود هذا أصح الحديثين إلخ.

(7/273)


مُسْلِمٍ حدثنا زُهَيْرُ بنُ مُحَمّدٍ عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبيهِ عنْ جَدّهِ: "أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم وَأبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ حَرّقُوا مَتَاعَ الْغَالّ وَضَرَبُوهُ" .
قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَزَادَ فيهِ عَلِيّ بنُ بَحْرٍ عن الْوَلِيدِ: "وَلَمْ أسْمَعْهُ مِنْهُ، وَمَنَعُوهُ سَهْمَهُ".
قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَحَدّثنا بِهِ الْوَلِيدُ بنُ عُتْبَةَ وَعَبْدُالوَهّابِ بنُ نَجْدَةَ قالَ حدثنا الْوَلِيدُ عن زُهَيْرِ بنِ مُحَمّدٍ عنْ عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ قَوْلَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ عَبْدَالوَهّابِ بنِ نَجْدَةَ الْحَوْطِيّ مَنَعَ سَهْمَهُ.
ـــــــ
"حرقوا": بتشديد الراء بمعنى أحرقوا "قال أبو داوود وزاد فيه": أي في الحديث "علي بن بحر": فاعل زاد "ولم أسمعه": أي الحديث أو مازاد "منه": أي من علي بن بحر "ومنعوه سهمه": مفعول زاد أي لم يعطوا الغال سهمه. والحديث سكت عنه المنذري. "وحدثنا به": أي بحديث إحراق متاع الغال "قال حدثنا الوليد": أي ابن مسلم "عن عمرو بن شعيب قوله": أي موقوفاً عليه "لم يذكر" أي في هذا الحديث الموقوف "عبدالوهاب بن نجدة": بفتح النون وسكون الجيم "الحوطي": بفتح الحاء المهملة وسكون الواو "منع سهمه": مفعول لم يذكر أي لم يذكر عبدالوهاب في هذا الحديث الموقوف منع سهم الغال كما ذكره علي بن بحر عن الوليد في الحديث المرفوع المتقدم بلفظ "ومنعوه سهمه" والحديث سكت عنه المنذري.

(7/274)


146 - باب النهي عن الستر على من غل :
2713 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ دَاوُدَ بنِ سُفْيَانَ حدّثنا يَحْيَى بنُ حَسّان حدثنا سُلَيْمَانُ بنُ مُوسَى أبُو دَاوُدَ حدثنا جَعْفَرُ بنُ سَعْدِ بنِ سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ قال حدثني خُبَيْبُ بنُ سُلَيْمَانَ عن أبيهِ سُلَيْمَانَ بنِ سَمُرَةَ عن سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ قال: "أمّا بَعْدُ، وَكَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ "مَنْ كَتَمَ غَالاّ فإنّهُ مِثْلُهُ" .
ـــــــ
"باب النهي عن الستر على من غل"
"من كتم غالا": أي ستر غلول غال ولم يظهره عند الأمير فهو مثل الغال في الإثم والعقوبة. والحديث سكت عنه المنذري.
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وعلة هذا الحديث أنه من رواية زهير بن محمد عن عمرو بن شعيب وزهير هذا ضعيف قال البهيقي وزهير هذا يقال هو مجهول وليس بالمكي وقد رواه أيضا مرسلا.

(7/274)


147 - باب في السلب يعطى القاتل :
2714 - حدثنا عَبْدُالله بنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عنْ عَمْرِو بنِ كَثِيرِ بنِ أفْلَحَ عن أبِي مُحَمّدٍ مَوْلَى أبِي قَتَادَةَ عنْ أبِي قَتَادَةَ أنّهُ قال: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في عَامِ حُنَيْنٍ، فَلَمّا الْتَقَيْنَا كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ قالَ فَرَأَيْتُ رَجُلاً مِنَ المُشْرِكِينَ قَدْ عَلاَ رَجُلاً مِنَ المُسْلِمِينَ قالَ فَاسْتَدَرْتُ لَهُ حَتّى أتَيْتُهُ منْ وَرَائِهِ فَضَرَبْتُهُ بالسّيْفِ عَلَى حَبْلٍ عَاتِقِهِ، فَأقْبَلَ عَلَيّ فَضَمّنِي ضَمّةً وَجَدْتُ مِنْهَا رِيحَ المَوْتِ ثُمّ أدْرَكَهُ المَوْتُ فَأَرْسَلَنِي فَلَحِقْتُ عُمَرَ بن الْخَطّابِ فَقُلْتُ لَهُ مَا بَالُ النّاسِ قَالَ أمْرُ الله، ثُمّ إنّ النّاسَ رَجَعُوا وَجَلَسَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً لَهُ عَلَيْهِ بَيّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ قال فَقُمْتُ ثُمّ قُلْتُ مَنْ يَشْهَدْ لِي ثُمّ جَلَسْتُ ثُمّ قَالَ ذلك الثّانِيَةَ مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً لَهُ عَلَيْهِ بَيّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ. قالَ فَقُمْتُ ثُمّ قُلْتُ مَنْ يَشْهَدْ لِي؟ ثُمّ جَلَسْتُ ثُمّ قَالَ ذَلِكَ الثّالِثَةَ فَقُمْتُ فقال
ـــــــ
"باب في السلب يعطى القاتل"
السلب بفتح المهملة واللام بعدها موحدة هو ما يوجد مع المحارب من ملبوس وغيره عند الجمهور. وعن أحمد لا تدخل الدابة. وعن الشافعي يختص بأداة الحرب. قاله الحافظ.
"في عام حنين": بالحاء المهملة والنون مصروفاً بوزن زبير واد بينه وبين مكة ثلاثة أميال، وكان في السنة الثامنة "فلما التقينا": أي نحن والمشركون "جولة": بفتح الجيم وسكون الواو أي تقدم وتأخر، وعبر بذلك احترازاً عن لفظ الهزيمة، وكانت هذه الجولة في بعض الجيش لا في رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن حوله قاله القسطلاني. وقال السيوطي: أي غلبه من جال في الحرب على قرنه يجول انتهى. "قد علا رجلاً من المسلمين": أي ظهر عليه وأشرف على قتله أو صرعه وجلس عليه "فاستدرت": من استدار بمعنى دار من الدور "على حبل عاتقه": بكسر الفوقية وهو ما بين العنق والكتف وفي إرشاد الساري بفتح الحاء المهملة وسكون الموحدة عرق أو عصب عند موضع الرداء من العنق أو ما بين العنق والمنكب "فضمني": أي ضغطني وعصرني "وجدت منها ريح الموت": استعارة عن أثره، أي وجدت شدة كشدة الموت "فلحقت عمر بن الخطاب": في السياق حذف تبينه الرواية الأخرى من حديثه في البخاري وغيره بلفظ،ثم قتلته وانهزم المسلمون وانهزمت معهم فإذا بعمر ابن الخطاب "ما بال الناس": أي منهزمين "قال أمر الله": أي كان ذلك من قضائه وقدره، أو ما حال المسلمين بعد الانهزام؟ فقال أمر الله غالب والنصرة للمسلمين "له": أي للقاتل "عليه": أي على قتله للمقتول "بينه": أي شاهد ولو واحداً "من يشهد

(7/275)


رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مَا لَكَ يَا أبا قَتَادَةَ فَاقْتَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصّةَ فقالَ رَجُلٌ منَ الْقَوْمِ صَدَقَ يَارَسُولَ الله، وَسَلَبُ ذَلِكَ الْقَتِيلِ عِنْدِي، فَأرْضِهِ مِنْهُ، فقال أبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ: لاَ هَا الله إذًا يَعْمِدُ إلَى أسَدٍ مِنْ أُسْدِ الله يُقَاتِلُ عن الله وَعَنْ رَسُولِهِ، فَيُعْطِيكَ سَلَبُهُ؟ فَقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "صَدَقَ فَأَعْطِهِ إيّاهُ"، فقال أبُو قَتَادَةَ فَأَعْطَانِيهِ فَبِعْتُ الدّرْعَ، فَابْتَعْتُ بِهِ مَخْرَفاً في بَنِي سَلَمَةَ فَأنّهُ لأَوّلُ مَالٍ تَأثّلْتُهُ في الإسْلاَمِ" .
ـــــــ
لي": أي بأني قتلت رجلاً من المشركين فيكون سلبه لي "مالك يا أبا قتادة": أي تقوم وتجلس على هيئة طالب لغرض أو صاحب غرض "صدق": أي أبو قتادة "فأرضه منه": أمر من باب الإفعال والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، أي فأعطه عوضاً عن ذلك السلب ليكون لي أو أرضه بالمصالحة بيني وبينه.
قال الطيبي: من فيه ابتدائية أي أرض أبا قتادة لأجلي ومن جهتي، وذلك إما بالهبة أو بأخذه شيئاً يسيراً من بدله "لاها الله": بالجر أي لا والله أي لا يفعل ما قلت فكلمة ها بدل من واو القسم "إذا يعمد إلى أسد من أسد الله": بضم الهمزة وسكون السين وقيل بضمهما جمع أسد. والمعنى إن فعل ذلك فقد قصد إلى إبطال حق رجل كأنه أسد في الشجاعة وإعطاء سلبه إياك.
قال النووي: في جميع روايات المحدثين في الصحيحين وغيرهما إذا بالألف قبل الذال وأنكره الخطابي وأهل العربية. وقال الخطابي في معالم السنن قوله لاها الله إذاً هكذا يروى والصواب لاها الله ذا بغير الألف قبل الذال ومعناه لا والله يجعلون الهاء مكان الواو، ومعناه لا والله لا يكون ذا انتهى. وقد أطال الحافظ في الفتح الكلام في تصويب ما في روايات المحدثين وتصحيح معناه. واعلم أنه وقع في جميع نسخ أبي داوود الحاضرة "إذا يعمد" وفي رواية البخاري ومسلم وغيرهما "إذا لا يعمد" بالنفي، فمعنى ما في رواية أبي داوود ظاهر، وإن شئت انكشاف ما في رواية الصحيحين وغيرهما فعليك بشروحهما لا سيما فتح الباري للحافظ فإنه يعطيك الثلج إن شاء الله تعالى "يقاتل عن الله وعن رسوله" أي لرضاهما ولنصرة دينهما "صدق": أي أبو بكر الصديق "فأعطه": أي أبا قتادة، والخطاب للذي اعترف بأن السلب عنده "إياه": أي سلبه "فبعت الدرع": بكسر الدال وسكون الراء. ذكر الواقدي أن الذي اشتراه منه هو حاطب بن أبي بلتعة وأن الثمن كان سبع أواقي "فابتعت": أي اشتريت "مخرفاً": بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الراء أي بستاناً "في بني سلمة": بكسر اللام "تأثلته": أي تكلفت جمعه وجعلته أصل مالي، وأثل كل شيء أصله. وفي الحديث دليل على أن السلب للقاتل

(7/276)


2715 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ حدثنا حَمّادٌ عن إسْحَاقَ بنِ عَبْدِالله بنِ أبِي طَلْحَةَ عن أنَسِ بنِ مَالِكٍ قالَ: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَوْمَئِذٍ يَعْنِي يَوْمَ حُنَيْنٍ: "مَنْ قَتَلَ كَافِراً فَلَهُ سَلَبُهُ" . فَقَتَلَ أبُو طَلْحَةَ يَوْمَئِذٍ عِشْرِينَ رَجُلاً وَأخَذَ أسْلاَبَهُمْ، وَلَقِيَ أبُو طَلْحَةَ أُمّ سُلَيْمٍ وَمَعَهَا خِنْجَرٌ، فَقالَ يَا أُمّ سُلَيْمٍ مَا هَذَا مَعَكِ؟ قالَتْ أرَدْتُ وَالله إنْ دَنَا مِنّي بَعْضُهُمْ أبْعَجُ بِهِ بَطْنَهُ فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ أبُو طَلْحَةَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ أبُو دَاوُدَ: هَذَا حديثٌ حَسَنٌ.
ـــــــ
وأنه لا يخمس، وللعلماء فيه اختلاف، وذهب الجمهور إلى أن القاتل يستحق السلب سواء قال أمير الجيش قبل ذلك من قتل قتيلاً فله سلبه أم لا. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه.
"يعني يوم حنين": تفسير من بعض الرواة "وأخذ أسلابهم": فيه أن السلب للقاتل وإن كثر المقتول وليس لغيره فيه نزاع "ومعها خنجر": كجعفر ويكسر خاؤه سكين كبير "أبعج": أي أشق من باب فتح. قال المنذري: وأخرجه مسلم قصة أم سليم في الخنجر بنحوه "قال أبو داوود": وجدت هذه العبارة في بعض النسخ "أردنا بهذا": أي الحديث "الخنجر": مفعول أردنا أي أردنا جواز استعمال الخنجر والله أعلم.

(7/277)


147 - باب في الإمام يمنع القاتل السلب إن رأى والفرس والسلاح من السلب :
2716 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ مُحَمّدِ بنِ حَنْبَلٍ حدثنا الْوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ قالَ حدثني صَفْوَانُ بنُ عَمْرٍو عن عبد الرحمن بنِ جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ عن أبِيهِ عنْ عَوْفِ بن مَالِكٍ الأشْجَعِيّ قالَ: "خَرَجْتُ مَعَ زَيْدِ بنِ حَارِثَةَ في غَزْوَةِ مُؤْتَةَ وَرَافَقَنِي[فرافقني] مَدَدِيّ
ـــــــ
"باب في الإمام يمنع القاتل السلب إلخ"
"في غزوة مؤتة": بضم الميم وهمزة ساكنة ويجوز ترك الهمز كما في نظائره، وهي قرية معروفة في طرف الشام عند الكرك. قاله النووي "ورافقني": أي صار رفيقي "مددي": يعني رجل

(7/277)


مِنْ أهْلِ الْيَمَنِ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُ سَيْفِهِ، فَنَحَرَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ جَزُوراً فَسَألَهُ المَدَدِيّ طِائِفَةً مِنْ جِلْدِهِ فَأعْطَاهُ إيّاهُ فَاتّخَذَهُ كَهَيْئَةِ الدّرَقِ وَمَضَيْنَا فَلَقِينَا جُمُوعَ الرّومِ وَفِيهِمْ رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ لَهُ أشْقَرَ عَلَيْهِ سَرْجٌ مُذْهَبٌ وَسِلاَحٌ مُذْهُبٌ فَجَعَلَ الرّومِيّ يَفْرِي[يغري] بالمُسْلِمِينَ فَقَعَدَ لَهُ المَدَدِيّ خَلْفَ صَخْرَةٍ فَمَرّ بِهِ الرّومِيّ فَعَرْقَبَ فَرَسَهُ فَخَرّ وَعَلاَهُ فَقَتَلَهُ وَحَازَ فَرَسَهُ وَسِلاَحَهُ، فَلَمّا فَتَحَ الله عَزّوَجَلّ لِلْمُسْلِمِينَ بَعَثَ إلَيْهِ خَالِدُ بنُ الْوَلِيدِ فَأخَذَ منَ السّلَبِ. قالَ عَوْفٌ فَأتَيْتُهُ فَقُلْتُ يَاخَالِدُ أمَا عَلِمْتَ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَضَى بالسّلَبِ لِلْقَاتِلِ؟ قالَ بَلَى وَلَكِنّي اسْتَكْثَرْتُهُ. قُلْتُ لَتَرُدّنّهُ إلَيْهِ أوْ لأُعَرّفَنّكَهَا عَنْدَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَأبَى أنْ يَرُدّ عَلَيْهِ. قالَ عَوْفٌ: فَاجْتَمَعْنَا عِنْدَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ قِصّةَ المَدَدِيّ وَمَا فَعَلَ خَالِدٌ، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "يَاخَالِدُ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قال يَارَسُولَ الله اسْتَكْثَرْتُهُ، فَقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يَاخَالِدُ رُدّ عَلَيْهِ مَا أخَذْتَ مِنْهُ". قالَ عَوْفٌ: فَقُلْتُ لَهُ دُونَكَ يَاخَالِدُ ألَمْ أفِ لَكَ، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "وَمَا ذَاكَ؟ قالَ فَأخْبَرْتُهُ. قالَ: فَغَضِبَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَقالَ[فقال] "يَاخَالِدُ لاَ تَرُدّ عَلَيْهِ هَلْ أنْتُمْ تَارِكُونَ لِي[تاركوني][تاركولي] أُمَرَائِي لَكُم صِفْوَةُ أمْرِهِمْ وَعَلَيْهِمْ كَدَرُهُ" .
ـــــــ
من المدد الذين جاؤوا يمدون جيش مؤتة ويساعدونهم "جزوراً": أي بعيراً "طائفة": أي قطعة "كهيئة الدرق": قال في الصراح: درقة بفتحتين سير جمعه درق "أشقر": أي أحمر "مذهب": بضم وسكون أي مطلي بالذهب "يفري": بالفاء والراء كيرمي أي يبالغ في النكاية والقتل، يقال فلان يفري إذا كان يبالغ في الأمر. وفي بعض النسخ يغري بالغين من الإغراء أي يسلط الكفرة على المسلمين ويحثهم على قتالهم "فقعد له": أي للرومي "فعرقب فرسه": أي قطع قوائمها "وعلاه": أي علا المددي الرومي "وحاز": أي جمع " استكثرته": أي زعمته كثيراً "أو لأعرفنكها": من التعريف أي لأجازينك بها حتى تعرف سوء صنيعك، وهي كلمة تقال عند التهديد، كذا في المجمع. وفي بعض الحواشي المنصوب للفعلة أي أجعلنك عارفاً بجزائها "دونك": أي خذ ما وعدتك "هل أنتم تاركون لي": وفي بعض النسخ تاركولي بحذف النون. قال النووي: هذا أيضاً صحيح وهي لغة معروفة "أمرائي": أي الأمراء الذين أمرتهم عليكم منهم خالد بن الوليد تتركونهم بمخالفتهم وعدم متابعتهم وليس صنيعكم هذا لائقاً بشأن الأمراء "لكم صفوة أمرهم": بكسر الصاد خلاصة الشيء وما صفا منه قاله الخطابي "وعليهم": أي على الأمراء "كدره": الكدر بالتحريك ضد الصافي. ولفظ مسلم "فمر خالد بعوف فجر بردائه ثم قال هل أنجزت لك ما

(7/278)


2717 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ مُحَمّدِ بنِ حَنْبَلٍ حدثنا الْوَلِيدُ قالَ سَألْتُ ثَوْراً عنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَحدّثَني عنْ خالِدِ بنِ مَعْدَانَ عنْ جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ عنْ أبِيهِ عنْ عَوْفِ بنِ مَالِكٍ الأشْجَعِيّ نَحْوَهُ.
ـــــــ
ذكرت لك من رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستغضب فقال لا تعطه ياخالد، لا تعطه ياخالد، هل أنتم تاركولي أمرائي إنما مثلكم ومثلهم كمثل رجل استرعى إبلا أو غنماً فرعاها ثم تحين سقيها فأوردها حوضاً فشرعت فيه فشربت صفوه وتركت كدره، فصفوه لكم وكدره عليهم" انتهى.
قال النووي: معناه أن الرعية يأخذون صفو الأمور فتصلهم أعطياتهم بغير نكد، وتبتلى الولاة بمقاساة الناس وجمع الأموال على وجوهها وصرفها في وجوهها، وحفظ الرعية والشفقة عليهم والذب عنهم وإنصاف بعضهم من بعض، ثم متى وقع علقة أو عتب في بعض ذلك توجه على الأمراء دون الناس انتهى. وفي الحديث دليل على أن للإمام أن يعطي السلب غير القاتل لأمر يعرض فيه مصلحة من تأديب أو غيره وفيه أن الفرس والسلاح من السلب. قال المنذري: وأخرجه مسلم.

(7/279)


148 - باب في السلب لا يخمس :
2718 - حدثنا سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ حدثنا إسْمَاعِيلُ بنُ عَيّاشٍ عنْ صَفْوَانَ بنِ عَمْرٍو عن عبد الرحمن بنِ جُبَيْرِ بن نُفَيْرٍ عن أبِيهِ ن عَوْفِ بنِ مَالِكٍ الأَشْجَعِيّ وَ خَالِدِ بنِ الْوَلِيدِ: "أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَضَى بالسّلَبِ لِلْقَاتِلِ وَلَمْ يُخَمّسِ السّلَبَ" .
ـــــــ
"باب في السلب لايخمس"
"ولم يخمس السلب": والمعنى أنه دفع السلب كله إلى القاتل ولم يقسمه خمسة أقسام بخلاف الغنيمة. وفيه دليل لمن قال إنه لا يخمس السلب. قال المنذري: في إسناده ابن عياش وقد تقدم الكلام عليه.

(7/279)


باب من أجاز على جريح مثخن ينقل من سلبه
...
149 - باب من أجاز على جريح مثخن ينفل من سَلَبِه :
2719 - حدثنا هَارُونُ بنُ عَبّادٍ الأُزْدِيّ حدّثنا وَكِيعٌ عن أبِيهِ عن أبي إسْحَاقَ عنْ أبي عُبَيْدَةَ عن عَبْدِالله بنِ مَسْعُودٍ قالَ: "نَفّلَنِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَوْمَ بَدْرٍ سَيْفَ أبي جَهْلٍ كَانَ قَتَلَهُ" .
ـــــــ
"باب من أجاز على جريح إلخ"
قال في القاموس: أجزت على الجريح أجهزت، وقال جهز على الجريح كمنع وأجهز أثبت قتله وأسرعه وتمم عليه، وقال فيه أثخن في العدو بالغ في الجراحة فيهم وحاصل الترجمة أن من أسرع قتل الجريح المثخن الذي به رمق يعطى شيئاً من سلبه.
"نفلني": بتشديد الفاء أي أعطاني نفلاً زائداً على سهم الغنيمة "كان": ابن مسعود "قتله": أي أبا جهل يعني حز رأسه وبه رمق وإلا فقد قتله معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء وهذا من كلام الراوي ويحتمل أن يكون من كلامه على التجريد أو الالتفات وفي الحديث دليل لما ترجم به أبو داوود قال المنذري: وقد تقدم أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه.

(7/280)


150 - باب فيمن جاء بعد الغنيمة لا سهم له :
2720 - حدثنا سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ حدثنا إسْمَاعِيلُ بنُ عَيّاشٍ عن مُحَمّدِ بنِ الْوَلِيدِ الزّبَيْدِيّ عن الزّهْرِيّ أنّ عَنْبَسَةَ بنَ سَعِيدٍ أخْبَرَهُ أنّهُ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ يُحَدّثُ سَعِيدَ بنَ الْعَاصِ: "أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم بَعَثَ أبَانَ بنَ سَعِيدِ بنِ الْعَاصِ عَلَى سَرِيّةٍ مِنَ المَدِينَةِ قِبَلَ نَجْدٍ، فَقَدِمَ أبَانُ بنُ سَعِيدٍ وَأصْحَابُهُ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بِخَيْبَرَ بَعْدَ أنْ فَتَحَهَا. وَإنّ حُزُمَ خَيْلِهِمْ لِيفٌ، فقال أبَانُ: اقْسِمْ لَنَا يَارَسُولَ الله، فقال[قال] أبُو هُرَيْرَةَ فَقُلْتُ: لا تَقْسِمْ لَهُمْ يَارَسُولَ الله، فقال أبَانُ: أنْتَ بِهَا[لها] يَاوَبْرُ تَحَدّرُ عَلَيْنَا مِنْ
ـــــــ
"باب فيمن جاء بعد الغنيمة لاسهم له"
"قبل نجد": بكسر القاف وفتح الموحدة أي نحوه "بعد أن فتحها": أي بعد فتح خيبر "وإن حزم خيلهم": بمهملة وزاي مضمومتين جمع حزام بالكسر وهو ما يشد به الوسط ومعناه بالفارسية تنك ستور "ليف": بالكسر معناه بالفارسية بوست درخت خرماً "فقال أبان أنت بها": قال الخطابي: معناه أنت المتكلم بهذه الكلمة وفي رواية البخاري "وأنت بهذا" قال الحافظ: أي وأنت تقول

(7/280)


رَأْسٍ ضَالٍ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "اجْلِسْ يَا أبَانُ"، وَلَم يَقْسِمْ لَهُمْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم" .
2721 - حدثنا حَامِدُ بنُ يَحْيَى الْبَلْخِيّ قال أخبرنا سُفْيَانُ أخبرنا الزّهْرِيّ وَسَألَهُ إسْمَاعِيلُ بنُ أُمَيّةَ فَحَدّثَنَاهُ الزّهْرِيّ أنّهُ سَمِعَ عَنْبَسَةَ بنَ سَعيدٍ الْقُرَشِيّ يُحَدّثُ عن أبي هُرَيْرَةَ قال: قَدِمْتُ المَدِينَةَ وَرَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِخَيْبَرَ حِينَ افْتَتَحَهَا، فَسَألْتُهُ أنْ يُسْهِمَ لِي، فَتَكَلّمَ بَعْضُ وَلْدِ سَعِيدِ بنِ الْعَاصِ، فقالَ: لا تُسْهِمْ لَهُ يَارَسُولَ الله، قال فَقُلْتُ هَذَا قَاتِلُ ابن قَوْقَلٍ، فقال سَعِيدُ بنُ الْعَاصِ: يَا عَجَباً لِوَبْرٍ قَدْ تَدَلّى عَلَيْنَا مِنْ قُدُومٍ ضَالٍ
ـــــــ
بهذا أو أنت بهذا المكان والمنزلة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مع كونك لست من أهله ولا من قومه ولا من بلاده "ياوبر": بفتح الواو وسكون الموحدة دابة صغيرة كالسنور وحشية "تحدّر": أي تدلى وهبط "من رأس ضال": بتخفيف اللام قال الخطابي: يقال إنه جبل أو موضع. وفي فتح الباري أراد أبان تحقير أبي هريرة وأنه ليس في قدر من يشير بعطاء ولا بمنع وأنه قليل القدرة على القتال انتهى. قال الخطابي: وفي الحديث من الفقه أن الغنيمة لمن شهد الوقعة دون من لحقهم بعد إحرازها. وقال أبو حنيفة من لحق الجيش بعد أخذ الغنيمة قبل قسمها فهو شريك الغانمين. وقال الشافعي: الغنيمة لمن حضر الوقعة وكان ردءاً لهم، فأما من لم يحضرها فلا شيء له، وهو قول مالك وأحمد بن حنبل انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري تعليقاً.
"وسأله": الضمير المنصوب إلى الزهري. وفي رواية البخاري في المغازي عن علي عن سفيان سمعت الزهري وسأله إسماعيل بن أمية فقال أخبرني عنبسة بن سعيد الحديث "أن يسهم لي": أي من غنائم خيبر "بعض ولد سعيد بن العاص": هو أبان بن سعيد "هذا": أي أبان بن سعيد "قاتل ابن قوقل": بقافين على وزن جعفر واسمه النعمان بن مالك بن ثعلبة بن أصرم، وقوقل لقب ثعلبة وأصرم وعند البغوي في الصحابة أن النعمان بن قوقل قال يوم أحد أقسمت عليك يارب أن لا تغيب الشمس حتى أطأ بعرجتي في الجنة فاستشهد ذلك اليوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم لقد رأيته في الجنة وما به عرج قاله القسطلاني "فقال سعيد بن العاص": كذا في جميع النسخ الحاضرة.
وفي رواية البخاري فقال ابن سعيد بن العاص وهو الصحيح "ياعجباً" وفي رواية البخاري واعجباً. قال القسطلاني: بالتنوين اسم فعل بمعنى أعجب وإن لم ينون فأصله واعجبي فأبدلت كسرة الباء فتحة والياء ألفاً كما فعل في يا أسفي وياحسرتي "لوبر" بلام مكسورة قاله القسطلاني وتقدم معنى الوبر "قد تدلى": أي انحدر "من قدوم ضال" بفتح القاف

(7/281)


يُعَيّرُنِي بِقَتْلِ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ أكْرَمَهُ الله تعالى عَلَى يَدَيّ وَلَمْ يُهِنّي عَلى يَدَيْهِ
2722 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ الْعَلاَءِ أخبرنا أبُو أُسَامَةَ حدثنا بُرَيْدٌ عن أبي بُرْدَةَ عن أبي مُوسَى قال: قَدِمنَا فَوَافَقْنَا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم حِينَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ فَأسْهَمَ لَنَا، أوْ قال فَأعْطَانَا مِنْهَا، وَمَا قَسَمَ لاِءَحَدٍ غَابَ عن فَتْحِ خَيْبَرَ مِنْهَا شَيْئاً إلاّ لِمَنْ شَهِدَ مَعَهُ إلاّ أصْحَابَ سَفِينَتِنَا جَعْفَرٌ وَأصْحَابُهُ، فَأسْهَمَ لَهُمْ مَعَهُمْ.
ـــــــ
وضم الدال المخففة أي طرفه، وفسر البخاري الضال بالسدر البري، وكذا قال أهل اللغة إنه السدر البري، وفي رواية البخاري من رأس ضان بالنون قيل هو رأس الجبل لأنه في الغالب موضع مرعى الغنم، وقيل هو جبل دوس وهم قوم أبي هريرة. كذا في النيل.
"أكرمه الله": أي بالشهادة "على يديّ": بتشديد التحتية تثنية يد "ولم يهني": من الإهانة "على يديه": بأن يقتلني كافراً فأدخل النار وقد عاش أبان حتى تاب وأسلم قبل خيبر وبعد الحديبية قال المنذري: وأخرجه البخاري وقال فيه فقال ابن سعيد بن العاص وهذا هو الصحيح قال أبو بكر بن الخطيب هكذا روى أبو داوود هذا الحديث عن حامد بن يحيى وقال فيه فقال سعيد بن العاص وإنما هو ابن سعيد بن العاص واسمه أبان وهو الذي قال لا تسهم له يارسول الله. هذا آخر كلامه. ووقع في هذا الحديث أن أبا هريرة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسهم له، وأن ابن سعيد بن العاص قال للنبي صلى الله عليه وسلم لا تسهم له. وفي الحديث الذي قبله أن أبان بن سعيد هو الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقسم لهم فإن أبا هريرة القائل لا تسهم له وذكر أبو بكر الخطيب أن الصحيح أن أبا هريرة هو السائل لرسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى كلام المنذري.
"بريد": بالتصغير "قدمنا": أي من الحبشة "فوافقنا": أي صادفنا "أو قال فأعطانا منها": أي غنائم خيبر، وأو للشك "إلا لمن شهد معه": استثناء منقطع للتأكيد "إلا أصحاب سفينتنا": استثناء متصل من قوله لأحد، ذكره الطيبي. قال القاري: وقيل جعله بدلاً أظهر، ويرده أن الرواية بالنصب انتهى "جعفر وأصحابه": عطف بيان لأصحاب السفينة، والمراد بهم جعفر بن أبي طالب مع جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا هاجروا إلى الحبشة حين كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، فلما سمعوا بهجرة النبي صلى الله عليه وسلم وقوة دينه رجعوا وكانوا راكبين في السفينة فوافق قدومهم فتح خيبر "فأسهم لهم": أي لجعفر وأصحابه "معهم": أي من شهدوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في فتح خيبر. قال الخطابي: يشبه أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم إنما أعطاهم من الخمس الذي هو حقه دون حقوق من شهد الوقعة انتهى. وفي النيل: وقال ابن التين يحتمل أن يكون أعطاهم برضا بقية الجيش، وبهذا

(7/282)


2723 - حدثنا مَحْبُوبُ بنُ مُوسَى أبُو صَالحٍ قال أخبرنا أبُو إسْحَاقَ الْفَزَارِيّ عن كُلَيْبٍ بنِ وَائِلٍ عن هَانِىءِ بنِ قَيْسٍ عن حَبِيبِ بنِ أبِي مُلَيْكَةَ عن ابنِ عُمَرَ قال: إنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قامَ - يَعني يَوْمَ بَدْرٍ - فقال: "إنّ عُثْمَانَ انْطَلَقَ في حَاجَةِ الله وَحَاجَةِ رَسُولِهِ وَإنّي أُبَايِعُ لَهُ فَضَرَبَ لَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِسَهْمٍ وَلَم يَضْرِبْ لاِءَحَدٍ غَابَ غَيْرُهُ" .
ـــــــ
جزم موسى بن عقبة في مغازيه ويحتمل أن يكون أعطاهم من جميع الغنيمة لكونهم وصلوا قبل القسمة وبعد حوزها وهو أحد الأقوال للشافعي. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي مختصراً ومطولاً.
"يعني يوم بدر": تفسير من أحد الرواة "في حاجة الله وحاجة رسوله": أي في خدمتهما وسبيلهما وأمر دينهما وعثمان رضي الله عنه تخلف في المدينة لتمريض رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي زوجته، وماتت ودفنت وهو صلى الله عليه وسلم ببدر "وإني أبايع له": أي لأجله وبدله، فضرب بيمينه صلى الله عليه وسلم على شماله وقال هذه يد عثمان رضي الله عنه وهذا فيه إشكال وإني أراه وهما من بعض الرواة. ووجه الإشكال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما بايع عن عثمان في غزوة الحديبية كما في عامة كتب الحديث والسير لا في غزوة بدر والذي وقع في بدر أن النبي صلى الله عليه وسلم خلفه على ابنته رقية وكانت مريضة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لك أجر رجل ممن شهد بدراً وسهمه كما في صحيح البخاري في باب مناقب عثمان قال جاء رجل من أهل مصر وحج البيت فرأى قوماً جلوساً فقال من هؤلاء القوم قال هؤلاء قريش، قال فمن الشيخ فيهم قالوا عبد الله بن عمر قال يا ابن عمر إني سائلك عن شيء فحدثني عنه هل تعلم أن عثمان فر يوم أحد قال نعم. فقال تعلم أنه تغيب عن بدر ولم يشهد قال نعم. قال الرجل هل تعلم أنه تغيب عن بيعة الرضوان فلم يشهدها. قال نعم. قال الله أكبر. قال ابن عمر تعال أبين لك أما فراره يوم أحد. فأشهد أن الله عفا عنه وغفر له. وأما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت مريضة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لك أجر رجل ممن شهد بدراً وسهمه. وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى "هذه يد عثمان" فضرب بها على يده فقال "هذه لعثمان" . فقال له ابن عمر اذهب بها الآن معك انتهى. فكانت بيعة الرضوان في غزوة الحديبية لا في غزوة بدر. والسبب في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عثمان ليعلم قريشاً أنه إنما جاء معتمراً لا محارباً ففي غيبة عثمان شاع عندهم أن المشركين تعرضوا لحرب المسلمين فاستعد المسلمون للقتال وبايعهم النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ تحت الشجرة على أن لا يفروا، وذلك في غيبة عثمان. وقيل بل جاء الخبر بأن عثمان قتل فكان ذلك سبب البيعة.

(7/283)


...........................
ـــــــ
وروى الحاكم في المستدرك من طريق حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه قال خلف النبي صلى الله عليه وسلم عثمان وأسامة بن زيد على رقية في مرضها لما خرج إلى بدر فماتت رقية حين وصل زيد بن حارثة بالبشارة "فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهم": قال الخطابي: هذا خاص بعثمان لأنه كان يمرض ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى. "فضرب": أي جعل وبين "له": أي لعثمان. وقد استدل بهذا الحديث على أنه يسهم الإمام لمن كان غائباً في حاجة له بعثه لقضائها، وأما من كان غائباً عن القتال لا لحاجة للإمام وجاء بعد الوقعة فذهب الشافعي ومالك والأوزاعي والثوري والليث إلى أنه لا يسهم له، وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه يسهم لمن حضر قبل إحرازها إلى دار الإسلام كذا في النيل: والحديث سكت عنه المنذري.

(7/284)


151 - باب المرأة والعبد يحذيان من الغنيمة :
2724 - حدثنا مَحْبُوبُ بنُ مُوسَى أبُو صَالحٍ أخبرنا أبُو إسْحَاقَ الْفَزَارِيّ عن زَائِدَةَ عن الأَعمَشِ عن المُخْتَارِ بنِ صَيْفِي عن يَزِيدَ بنِ هُرْمُزَ قال: كَتَبَ نَجْدَةُ إلى ابنِ عَبّاسٍ يَسْأَلُهُ عن كَذَا وَكَذَا ذَكَرَ أشْيَاءَ[عن كذا أو عن أشياء] وَعن المَمْلُوكِ أَلَهُ[المملوك الذي يغزو هل له] في الْفَيْءِ شَيْءٌ وَعن النّسَاءِ هَلْ كُنّ يَخْرُجْنَ[يشهدن الحرب] مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، وَهَلْ لَهُنّ نَصِيبٌ؟ فقال ابنُ عَبّاسٍ: لَوْلاَ أنْ يَأْتِيَ أُحْمُوقَةً ما كَتَبْتُ إلَيْهِ، أمّا المَمْلُوكُ فَكَانَ يُحْذَى، وَأمّا النّسَاءُ فَكُنّ يُدَاوِينَ الْجَرْحَى وَيَسْقِينَ الْمَاءَ.
2725 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ يَحْيَى بنِ فَارِسَ قال أخبرنا أَحْمَدُ بنُ خَالِدٍ – يَعني
ـــــــ
" باب في المرأة والعبد يحذيان من الغنيمة"
بصيغة المجهول أن يعطيان. قال في القاموس: الحذوة بالكسر العطية. "عن يزيد بن هرمز" بضم الهاء والميم غير مصروف وقيل مصروف "نجدة": بفتح نون وسكون جيم رئيس الخوارج "لولا أن يأتي أحموقة": بضم همزة وميم أي لولا أن يفعل فعل الحمقى ويرى رأياً كرأيهم. قاله في فتح الودود "فكان يحذى": أي يعطي. وفيه أن العبد يحذى له ولا يسهم له، وبهذا قال الشافعي وأبو حنيفة وجماهير العلماء. وقال مالك: لا يحذى له، وقال الحسن وابن سيرين والنخعي والحكم. إن قاتل أسهم له. قاله النووي "فكن يداوين الجرحى": جمع جريح. والحديث سكت عنه المنذري.

(7/284)


الْوَهْبِيّ - قال أخبرنا ابنُ إسْحَاقَ عن أبي جَعْفَرٍ وَ الزّهْرِيّ عن يَزِيدَ بنِ هُرْمُزَ قال: كَتَبَ نَجْدَةُ الْحَرُورِيّ إلى ابنِ عَبّاسٍ يَسْأَلُهُ عن النّسَاءِ هَلْ كُنّ يَشْهَدْنَ الْحَرْبَ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، وَهَلْ كَانَ يُضْرَبُ لَهُنّ بِسَهْمٍ[سهما] قال: فَأنَا كَتَبْتُ كِتَابَ ابنِ عَبّاسٍ إلى نَجْدَةَ: قَدْ كُنّ يَحْضُرْنَ الْحَرْبَ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَأمّا أنْ يضرب لَهُنّ بِسَهْمٍ فَلاَ وَقَدْ كَانَ يُرْضَخُ لَهُنّ.
2726 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعِيدٍ وَغَيْرُهُ، قالا أنْبأنَا زَيْدٌ - يَعني ابنَ الْحُبَابِ - أخبرنا رَافِعُ بنُ سَلَمَةَ بنِ زِيَادٍ قال حدّثنِي حَشْرَجُ بنُ زِيَادٍ عن جَدّتِهِ أُمّ أبِيهِ: "أنّها خَرَجَتْ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في غَزْوَةِ خَيْبَرَ سَادِسَ سِتّ[ستة] نِسْوَةٍ، فَبَلَغَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَبَعَثَ إلَيْنَا فَجِئْنَا، فَرَأيْنَا فِيهِ الْغَضَبَ، فَقَالَ: مَعَ مَنْ خَرَجْتُنّ وَبإذْنِ مَنْ خَرَجْتُنّ، فَقُلْنَا: يَارَسُولَ الله خَرَجْنَا نَغْزِلُ الشّعْرَ وَنُعِينُ بِهِ في سَبِيلِ الله، وَمَعَنَا دَوَاءٌ لِلْجَرْحَى[دواء الجرحى] وَنُنَاوِلُ السّهَامَ وَنَسْقِي السّوِيقَ، فقال: "قُمْنَ". حَتّى إذَا فَتَحَ الله عَلَيْهِ خَيْبَر أسْهَمَ لَنَا كما أسْهَمَ لِلرّجَالِ" . قال "فَقُلْتُ لَهَا ياجَدّةُ وَمَا كَانَ ذَلِكَ؟ قالَتْ: تَمْراً.
ـــــــ
"الحروري": بفتح فضم نسبة إلى قرية بظاثر الكوفة هنسبت الخوارج إليها لأنها كانت محل اجتماعهم حين خرجوا على علي رضي الله عنه "فأنا كتبت": هو قول يزيد بن هرمز الراوي "وقد كان يرضخ لهن": بصيغة المجهول أي يعطى قليلاً من الرضخ بضم الراء وبالمعجمتين وهو إعطاء القليل. وفيه أن المرأة تستحق الرضخ ولا تستحق السهم، وبهذا قال أبو حنيفة والثوري والليث والشافعي وجماهير العلماء. وقال الأوزاعي: تستحق السهم إن كانت تقاتل أو تداوي الجرحى. وقال مالك: لا رضخ لها، وهذان المذهبان مردودان بهذا الحديث الصحيح الصريح. قاله النووي. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي مختصراً ومطولاً.
"حدثني حشرج": بوزن جعفر "نغزل الشعر": عن الغزل وهو بالفارسية رشتن من باب ضرب يضرب "أسهم لنا كما أسهم للرجال": قال الخطابي: ذهب أكثر الفقهاء إلى أن النساء
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
ويحتمل قولها أسهم لنا كما أسهم للرجال أنها تعني به أنه أشرك بينهم في أصل العطاء لا في قدره فأرادت أنه أعطانا مثل ما أعطى الرجال لا أنه أعطاهن بقدرهم سواء والله أعلم.

(7/285)


2727 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا بِشْرٌ - يَعني ابنَ المُفَضّلِ - عن مُحَمّدِ بنِ زَيْدٍ قال حدثني عُمَيْرٌ مَوْلَى آبِي اللّحْمِ قال: شَهِدْتُ خَيْبَرَ مع سَادَاتِي[سادتي] فَكَلّمُوا فِيّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَأمَرَ بِي[ني] فَقُلّدْتُ سَيْفاً فإذَا أنَا أجُرّهُ فأُخْبِرَ أنّي مَمْلُوكٌ فأمَرَ لِي بِشَيْءٍ مِنْ خُرْثِيّ المَتَاعِ". قَالَ أبُو دَاوُدَ: مَعْناهُ أنّهُ لم يُسْهِمْ لَهُ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: قال أبُو عُبَيْدٍ: كَانَ حَرّمَ اللّحْمَ عَلَى نَفْسِهِ فَسُمّيَ آبي اللّحْمِ.
2728 - حدثنا سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ قال أخبرنا أبُو مُعَاوِيَةَ عن الأعمَشِ عن أبِي
ـــــــ
والعبيد لا يسهم لهم وإنما يرضخ لهم، إلا أن الأوزاعي قال يسهم لهن وأحسبه ذهب إلى هذا الحديث وإسناده ضعيف لا تقوم الحجة بمثله انتهى.
"قالت تمراً": قال الحافظ ابن القيم رحمه الله قولها أسهم لنا كما أسهم للرجال تعني به أنه أشرك بينهم في أصل العطاء لا في قدره، فأرادت أنه أعطانا مثل ما أعطى الرجال لا أنه أعطاههن بقدره سواء انتهى. وفي فتح الودود: الظاهر أنه عليه السلام قسم بينهم شيئاً من التمر فسوى بينهم في القسمة انتهى. قال المنذري: وأخرجه النسائي. وجدة حشرج هي أم زياد الأشجعية وليس لها في كتابيهما سوى هذا الحديث. وذكر الخطابي أن الأوزاعي قال يسهم لهن قال وأحسبه ذهب إلى هذا الحديث وإسناده ضعيف لا تقوم به الحجة. هذا آخر كلامه وحشرج بفتح الحاء المهملة وسكون الشين المعجمة وبعدها راء مهملة مفتوحة وجيم انتهى. وفي التلخيص في إسناده حشرج وهو مجهول.
"مولى آبي اللحم": اسم فاعل من أبى يأبى. ويأتي وجه التسمية به في آخر الحديث "شهدت": أي حضرت "مع ساداتي": وفي بعض النسخ مع سادتي أي كبار أهلي "فكلموا في": أي في شأني وحقي بما هو مدح لي أو بأن يأخذني للغزو "فأمر بي": وفي بعض النسخ فأمرني أي أمرني بأن أحمل السلاح وأكون مع المجاهدين لأتعلم المحاربة "فقلدت": بصيغة المجهول من التقليد "فإذا أنا أجره" أي أسحب السيف على الأرض من صغر سني أو قصر قامتي "فأخبر": بصيغة المجهول، والضمير للنبي صلى الله عليه وسلم "من خرثي المتاع": بضم المعجمة وسكون الراء وكسر المثلثة وتشديد الياء أي أثاث البيت وأسقاطه كالقدر وغيره "قال أبو داوود معنها إلخ": هذه العبارة لم توجد في بعض النسخ. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه. وقال الترمذي حسن صحيح.

(7/286)


سُفْيَانَ عن جَابِرٍ قالَ: "كُنْتُ أمِيحُ أصْحَابِي المَاءَ يَوْمَ بَدْرٍ".
ـــــــ
"أبي سفيان": المكي هو طلحة بن نافع "عن جابر": هو ابن عبد الله، قاله المنذري: "كنت أميح": مضارع من ماح ميحاً إذا نزل في ماء قليل فملأ الدلو بيده، قاله السندي. وقال ابن الأثير في النهاية في حديث جابر: فنزلنا فيها ستة ماحة هي جمع مائح وهو الذي ينزل في الركية إذا قل ماؤها فيملأ الدلو بيده وقد ماح يميح ميحاً انتهى. والحديث لا يدل على ترجمة الباب وإنما هو من متعلقاته والله أعلم.

(7/287)


152 - باب في المشرك يسهم له :
2729 - حدثنا مُسْدَدٌ وَ يَحْيَى بنُ مَعِينٍ قالا أنْبأنَا يَحْيَى عن مَالِكٍ عن الْفُضَيْلِ عن عَبْدِالله بنِ نِيَارٍ عن عُرْوَةَ عن عَائِشَةَ قالَ يَحْيَى: أنّ رَجُلاً مِنَ المُشْرِكِينَ لَحِقَ بالنّبيّ صلى الله عليه وسلم يُقَاتِلُ مَعَهُ فقَالَ "ارْجِعْ ثُمّ اتّفَقَا فَقالا إنّا لاَ نَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ" .
ـــــــ
باب في المشرك إلخ
"قال يحيى": هو ابن معين "فقال": النبي صلى الله عليه وسلم "ثم اتفقا": يعني مسدداً ويحيى بن معين "فقالا": أي مسدد ويحيى في روايتهما "إنا لا نستعين بمشرك" فلما لم يرض النبي صلى الله عليه وسلم على استعانة المشرك فكيف يسهم له سهم": قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه بنحوه.

(7/287)


153 - باب في سهمان الخيل :
2730 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا أبُو مُعَاوِيَةَ أخبرنا عُبَيْدُالله عن نَافِعٍ عن
ـــــــ
باب في سهمان الخيل
جمع سهم. واعلم أنه اختلف العلماء في سهم الفارس والراجل من الغنيمة، فقال الجمهور يكون للراجل سهم واحد وللفارس ثلاثة أسهم، سهمان بسبب فرسه وسهم بسبب
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
الأعلى للأعلى والأسفل للأسفل ونظيره في ذلك الجنازة بالكسر للسير والجنازة بالفتح للميت قال بعضهم من ذلك الدجاج بالفتح للديكة والدجاج بالكسر للإناث.

(7/287)


154 - باب فيمن أسهم له سهما :
2733 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ عِيسَى أخبرنا مُجَمّعُ بنُ يَعْقُوبَ بنِ مُجَمّعِ بنِ يَزِيدَ
ـــــــ
"باب فيمن أسهم له"
أي للفرس "سهماً" واحداً كما ذهب إليه الحنفية.
"أخبرنا مجمع": بضم أوله وفتح الجيم وتشديد الميم المكسورة وكذا مجمع بن جارية

(7/288)


الأنْصَارِيّ قالَ سَمِعْتُ أبِي يَعْقُوبَ بنَ المُجَمّعِ يَذْكُرُ عن عَمّهِ عبد الرحمن بنِ يَزِيدَ الأنْصَارِيّ عن عَمّهِ مُجَمّعِ بنِ جَارِيَةَ الأنْصَارِيّ قالَ وَكَانَ أحَدَ الْقُرّاءِ الّذِينَ قَرَأُوا الْقُرْآنَ قالَ: "شَهِدْنَا الْحُدَيْبِيّةَ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَلَمّا انْصَرَفْنَا عَنْهَا إذَا النّاسُ يَهُزّونَ الأبَاعِرَ، فَقَالَ بَعْضُ النّاسِ لِبَعْضٍ: مَا لِلنّاسِ؟ قَالُوا أُوحِيَ إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَخَرَجْنَا مَعَ
ـــــــ
"يذكر": أي يعقوب "عن عمه": الضمير المجرور يرجع إلى يعقوب "عن عمه مجمع": والضمير المجرور يرجع إلى عبد الرحمن بن يزيد بن جارية "قال": عبد الرحمن "وكان": أي مجمع بن جارية "قال": أي مجمع "شهدنا الحديبية": أي صلح الحديبية سنة ست في ذي القعدة. والحديبية بتخفيف الياء وتشديدها، وهي بئر سمي المكان بها، وقيل شجرة، وقال الطبري: قرية قريبة من مكة أكثرها في الحرم، وهي على تسعة أميال من مكة. كذا في المواهب اللدنية "مع رسول الله صلى الله عليه وسلم": وكان معه صلى الله عليه وسلم ألف وأربعمائة نفر من الصحابة، خرج النبي صلى الله عليه وسلم بمن معه من الصحابة إلى مكة المكرمة لأداء العمرة، فلما كانوا بذي الحليفة أحرم النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة بالعمرة حتى وصلوا بالغميم، وتعرض المشركون بالمسلمين، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان إلى مكة وقال أخبرهم أنا لم نأت لقتال، وإنما جئنا عماراً، وادعهم إلى الإسلام، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عثمان قد قتل، فدعا إلى البيعة، فثار المسلمون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو تحت الشجرة فبايعوه، ولما تمت البيعة رجع عثمان من مكة سالماً. وأخبر بديل بن ورقاء وكان ممن كتم إيمانه أن المشركين نزلوا مياه الحديبية وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، فجاء عروة بن مسعود الثقفي وغيره وكلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر البيت وصدوه عن البيت ومنعوه عن أداء العمرة، وصالحوه على أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم البيت في العام المقبل، وكتب الكتاب في ذلك بين المسلمين والمشركين بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال عمر بن الخطاب يارسول الله على ما تعطي الدنية في ديننا ونرجع إلى المدينة بغير أداء العمرة ولم يحكم الله تعالى بيننا وبين أعدائنا، فقال إني رسول الله وهو ناصري ولست أعصيه. فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من قضية الكتاب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "قوموا وانحروا ثم احلقوا" ، لكن ما قام منهم رجل حتى قال ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد قام النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكلم أحداً ونحر بدنه ودعا حالقه فحلقه، فلما رأى الناس ذلك قاموا وفعلوا مثله "فلما انصرفنا عنها": أي عن الحديبية ورجعنا إلى المدينة "يهزون": بضم الهاء والزاي أي يحركون رواحلهم قاله السيوطي. قال في القاموس: هزّه وبه حركه "الأباعر": جمع بعير، والمعنى يحركون ويسرعون رواحلهم

(7/289)


النّاسِ نُوجِفُ فَوَجَدْنَا النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَاقِفاً عَلَى رَاحِلَتِهِ عِنْدَ كُرَاعِ الْغَمِيمِ فَلَمّا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النّاسُ قَرَأ عَلَيْهِمْ {إنّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً} . فَقالَ رَجُلٌ يَارَسُولَ الله أفَتْحٌ هُوَ؟ قالَ نَعَمْ وَالّذِي نَفْسُ مُحَمّدٍ بِيَدِهِ إنّهُ لَفَتْحٌ، فَقُسّمَتْ خَيْبَرُ عَلَى أهْلِ الْحُدَيْبِيّةِ فَقَسّمَهَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْماً، وَكَانَ الْجَيْشُ ألْفاً وَخَمْسُمَائَةٍ، فِيهِمْ ثَلاَثُ مائَةِ فَارِسٍ، فَأعْطَى الْفَارِسَ سَهْمَيْنِ، وَأعْطَى الرّاجِلَ سَهْماً" .
ـــــــ
لتجتمع في مكان واحد "نوجف": أي نسرع ونركض "عند كراع الغميم": بضم الكاف والعين المهملة، والغميم بالغين المعجمة موضع بين مكة والمدينة {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً} قال ابن قتيبة قضينا لك قضاء عظيماً، وقال مجاهد: هو ما قضى الله له بالحديبية انتهى. وكانت قصة الحديبية مقدمة بين يدي الفتح الأعظم الذي أعز الله به رسوله وجنده، ودخل الناس به في دين الله أفواجاً فكانت واقعة الحديبية باباً ومفتاحاً ومؤذناً بين يديه، وهذه عادة الله سبحانه في الأمور العظام أن يوطىء لها بين يديها مقدمات وتوطئات تؤذن بها وتدل عليها، وكانت هذه الواقعة من أعظم الفتوح، فإن الناس أمن بعضهم بعضاً واختلط المسلمون بالكفار، ونادوهم بالدعوة وأسمعوهم القرآن، وناظروهم على الإسلام جهرة آمنين وظهر من كان مختفياً بالإسلام ودخل فيه في تلك المدة من شاء الله أن يدخل ولذا سماه الله تعالى فتحاً مبيناً قاله الحافظ ابن القيم "فقال رجل": هو عمر بن الخطاب كما في زاد المعاد "قال نعم": فقال الصحابة هنيالك يارسول الله فما لنا فأنزل الله عزوجل {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ} "إنه لفتح": أي خبر لفتح مكة أو فتح خيبر الذي وقع بعد صلح الحديبية متصلاً به "فقسمت خيبر": أي غنائمها وأراضيها "على أهل الحديبية" : الذين كانوا في صلح الحديبية مع النبي صلى الله عليه وسلم وهم ألف وخمس مائة نفس كما في هذه الرواية "فأعطى الفارس": أي صاحب فرس مع فرسه "وأعطى الراجل": بالألف أي الماشي، والمعنى جعل كل السهام على ثمانية عشر سهماً، فأعطى لكل مائة من الفوارس سهمين وكان ثلاث مائة فارس على هذه الرواية، فصارت سهامهم ستة سهام وبقي اثني عشر سهماً، وكانت الرجالة اثني عشر مائة فكان لكل مائة من الرجالة سهم واحد. وهذا معنى هذا الحديث، لكن هذه الرواية ضعيفة وسيجيء بيانه. وقال ابن القيم في زاد المعاد: وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر على ستة وثلاثين سهماً جمع كل سهم مائة سهم فكانت ثلاثة آلاف وستمائة سهم، فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمسلمين النصف من ذلك وهو ألف وثمان مائة سهم، لرسول الله صلى الله عليه وسلم سهم كسهم أحد المسلمين وعزل النصف الآخر وهو ألف وثمان مائة سهم لنوائبه وما نزل به من أمور المسلمين.

(7/290)


قَالَ أبُو دَاوُدَ: حَدِيثُ أبِي مُعَاوِيَةَ أَصَحّ وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ وَأَرَى الْوَهْمَ في حَدِيثِ مُجَمّعٍ أنّهُ قالَ ثَلاثَ مِائَةِ فَارِسٍ وَكَانُوا مِائَتَيْ فَارِسٍ.
ـــــــ
وإنما قسمت على ألف وثمانمائة سهم لأنها كانت طعمة من الله لأهل الحديبية من شهد منهم ومن غاب عنها وكانوا ألفاً وأربعمائة، وكان معهم مائتا فرس لكل فرس سهمان فقسمت على ألف وثمان مائة سهم. ولم يغب عن خيبر من أهل الحديبية إلا جابر بن عبد الله فقسم له رسول الله صلى الله عليه وسلم كسهم من حضرها، وقسم للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهماً وكانوا ألفاً وأربعمائة وفيهم مائتا فارس، هذا هو الصحيح الذي لا ريب فيه انتهى "قال أبو داوود حديث أبي معاوية": أي المتقدم المذكور في باب سهمان الخيل "أصح": أي من حديث مجمع بن جارية "والعمل": أي عند أكثر أهل العلم "عليه": أي على حديث أبي معاوية.
قال الإمام الشافعي ومجمع بن يعقوب يعني راوي هذا الحديث عن أبيه عن عمه عبد الرحمن بن يزيد عن عمه مجمع بن جارية شيخ لا يعرف فأخذنا في ذلك بحديث عبيد الله ولم ير له مثله خبراً يعارضه ولا يجوز رد خبر إلا بخبر مثله. قال البيهقي: والذي رواه مجمع بن يعقوب بإسناده في عدد الجيش وعدد الفرسان قد خولف فيه، ففي رواية جابر وأهل المغازي أنهم كانوا ألفاً وأربعمائة وهم أهل الحديبية، وفي رواية ابن عباس وصالح بن كيسان وبشير بن يسار وأهل المغازي أن الخيل كانت مائتي فرس وكان للفرس سهمان ولصاحبه سهم ولكل راجل سهم. وقال أبو داوود حديث أبي معاوية أصح وأرى الوهم في حديث مجمع أنه قال ثلاثمائة فارس وإنما كانوا مائتي فارس والله أعلم انتهى ملخصاً من غاية المقصود شرح سنن أبي داوود.

(7/291)


155 - باب في النفل :
2734 - حدثنا وَهْبُ بنُ بَقِيّةَ قالَ أنْبأنَا خَالِدُ عن دَاودَ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ
ـــــــ
"باب في النفل"
قال الخطابي: النفل ما زاد من العطاء على قدر المستحق منه بالقسمة، ومنه النافلة وهي الزيادة من الطاعة بعد الفرض انتهى.
وفي القاموس: النفل محركة الغنيمة والهبة والجمع أنفال ونفال انتهى.
وفي النهاية النفل بالتحريك الغنيمة وجمعه أنفال، والنفل بالسكون وقد يحرك الزيادة، ولا ينفّل الأمير من الغنيمة أحداً من المقاتلة بعد إحرازها حتى تقسم كلها ثم ينفله إن شاء من الخمس، فأما قبل القسمة فلا انتهى.

(7/291)


قالَ: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا فَلَهُ مِنَ النّفْلِ كَذَا وَكَذَا". قالَ فَتَقَدّمَ الْفِتْيَانُ وَلَزِمَ المَشْيَخَةُ الرّايَات فَلَمْ يَبْرَحُوهَا. فَلَمّا فَتَحَ الله عَلَيْهِمْ قالَتِ المَشْيَخَةُ: كُنّا رِدْءًا لَكُم لَو انْهَزَمْتُمْ فِئْتُمْ[لفئتم] إلَيْنَا فَلاَ تَذْهَبُونَ[فلا تذهبوا] بِالْمَغْنَمِ وَنَبْقَى، فَأبَى الْفِتْيَانُ وَقَالُوا[فقالوا] جَعَلَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لَنَا، فَأنْزَلَ الله
ـــــــ
"فله من النفل": بفتح النون والفاء زيادة يزادها الغازي على نصيبه من الغنيمة "الفتيان": جمع فتى بمعنى الشاب "ولزم المشيخة": بفتح الميم هو جمع شيخ ويجمع أيضاً على شيوخ وأشياخ وشيخة وشيخان ومشائخ كذا في النيل "الرايات": جمع راية علم الجيش، يقال أصلها الهمز لكن العرب آثرت تركه تخفيفاً، ومنهم من ينكر هذا القول ويقول لم يسمع الهمز كذا في المصباح "فلم يبرحوها": أي لم يزالوا عند الرايات، يقال ما برح مكانه لم يفارقه وما برح يفعل كذا بمعنى المواظبة والملازمة "كنا ردءاً لكم": بكسر الراء وسكون الدال مهموز على وزن حمل أي عوناً وناصراً لكم "فئتم إلينا": أي رجعتم إلينا. وفي الدر المنثور من رواية الحاكم والبيهقي وغيرهما من حديث ابن عباس قال لما كان يوم بدر قال النبي صلى الله عليه وسلم "من قتل قتيلاً فله كذا وكذا ومن أسر أسيراً فله كذا وكذا"، فأما المشيخة فثبتوا تحت الرايات، وأما الشبان فتسارعوا إلى القتل والغنائم، فقالت المشيخة للشبان أشركونا معكم فإنا كنا لكم ردءاً، ولو كان منكم شيء للجأتم إلينا، فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} فقسم الغنائم بينهم بالسوية انتهى "فلا تذهبون": بالمغنم هو مصدر بمعنى الغنيمة أي فلا تأخذون بالغنيمة كلها أيها الشبان "ونبقى": نحن فما نأخذه "فأبى الفتيان": وأخرج عبدالرزاق في المصنف من حديث ابن عباس قال "لما كان يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من قتل قتيلاً فله كذا، ومن جاء بأسير فله كذا" فجاء أبو اليسر بن عمرو الأنصاري بأسيرين فقال يارسول الله إنك قد وعدتنا فقام سعد بن عبادة فقال يارسول الله "إنك إن أعطيت هؤلاء لم يبق لأصحابك شيء، وإنه لم يمنعنا من هذا زهادة في الأجر ولا جبن عن العدو، وإنما قمنا هذا المقام محافظة عليك أن يأتوك من ورائك" فتشاجروا فنزل القرآن {يسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ - إلى قوله - وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} فيما تشاجرتم به فسلموا الغنيمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرج أحمد في مسنده من حديث عبادة بن الصامت قال خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهدت معه بدراً فالتقى الناس فهزم الله العدو، فانطلقت طائفة في إثرهم يهزمون ويقتلون وأكبت طائفة على الغنائم يحوزونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصيب العدو منه غرة حتى إذا كان الليل وفاء الناس بعضهم إلى بعض قال الذين جمعوا الغنائم نحن حويناها وجمعناها فليس لأحد فيها نصيب، وقال الذين خرجوا في طلب العدو لستم بأحق بها منا، نحن نفينا عنها العدو

(7/292)


تَعالَى: {يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفَالِ قُلِ الأنْفَالُ لله وَالرّسُولِ - إلَى قَوْلِهِ -: كَما أخْرَجَكَ رَبّكَ مِنْ بَيْتِكَ بالْحَقّ وَإنْ فَرِيقاً مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} يَقُولُ فَكَانَ ذَلِكَ خَيْراً لَهُمْ، فَكَذَلِكَ أيْضاً: فَأطِيعُونِي فَإنّي أعْلَمُ بَعَاقِبَةِ هَذَا مِنْكُم.
ـــــــ
وهزمناهم، وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم لستم بأحق منا نحن أحدقنا برسول الله صلى الله عليه وسلم وخفنا أن يصيب العدو منه غرة فاشتغلنا به، فنزلت {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ} الآية، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على فواق بين المسلمين وفي لفظ له فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا فنزعه الله من أيدينا فجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسمه بيننا على سواء {يَسْأَلونَكَ} يامحمد {عَنِ الْأَنْفَالِ} الغنائم لمن هي "قل": لهم {الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} يجعلانها حيث شاء "إلى قوله {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ الخ}وتمام الآية {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} أي حقيقة ما بينكم بالمودة وترك النزاع {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ، وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ. أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ. كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ} متعلق بأخرج وما مصدرية والكاف نعت لمصدر محذوف تقديره الأنفال ثابتة لله ثبوتاً كما أخرجك، أي ثبوتاً بالحق كإخراجك من بيتك بالحق، يعني أنه لامرية في ذلك. أو أنها في محل رفع على خبر ابتداء مضمر تقديره هذه الحال كحال إخراجك، بمعنى أن حالهم في كراهة ما رأيت من تنفل الغزاة مثل حالهم في كراهة خروجهم للحرب.
والحاصل أنه وقع للمسلمين في وقعة بدر كراهتان كراهة قسمة الغنيمة على السوية، وهذه الكراهة من شبانهم فقط وهي لداعي الطبع ولتأويلهم بأنهم باشروا القتال دون الشيوخ، والكراهة الثانية كراهة قتال قريش وعذرهم فيها أنهم خرجوا من المدينة ابتداء لقصد الغنيمة ولم يتهيأوا للقتال، فكان ذلك سبب كراهتهم للقتال فشبه الله إحدى الحالتين بالأخرى في مطلق الكراهة قاله سليمان الجمل.
{وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} الخروج. وذلك أن أبا سفيان قدم بعير من الشام، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ليغنموها، فعلمت قريش فخرج أبو جهل ومقاتلو مكة ليذبوا عنها وهم النفير، وأخذ أبو سفيان بالعير طريق الساحل فنجت، فقيل لأبي جهل ارجع، فأبي وسار إلى بدر، فشاور صلى الله عليه وسلم أصحابه وقال إن الله تعالى وعدني إحدى الطائفتين، فوافقوه على قتال النفير وكره بعضهم ذلك وقالوا لم نستعد له "يقول": أي ابن عباس في تفسير قوله تعالى "فكان ذلك خيراً لهم": أي كان الخروج إلى بدر خيراً لهم، لما ترتب عليه من النصر والظفر "فكذلك

(7/293)


2735 - حدثنا زِيَادُ بنُ أيّوبَ أخبرنا هُشَيْمٌ قالَ أخبرنا دَاوُدُ بنُ أبي هِنْدٍ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ يَوْمَ بَدْرٍ: "مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً فَلَهُ كَذَا وَكَذَا، وَمَنْ أسَرَ أسيراً فَلَهُ كَذَا وَكَذَا" ثُمّ سَاقَ نَحْوَهُ وَحَدِيثُ خَالِدٍ أتَمّ.
2736 - حدثنا هَارُونُ بنُ مُحَمّدٍ بنِ بَكّارِ بنِ بِلاَلٍ قال أخبرنا يَزِيدُ بنُ خَالِدٍ بنِ مَوْهَبٍ الْهَمْدَانِيّ قال أخبرنا يَحْيَى بنُ زَكَرِيّا بنِ أبِي زَائِدَةَ قالَ أخبرنا[أنبأنا] دَاوُدُ بِهَذَا الْحَدِيثِ بِإسْنَادِهِ قالَ: قَسّمَهَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بالسّوَاءِ وَحَدِيثُ خَالِدٍ أتَمّ.
2737 - حدثنا هَنّادُ بنُ السّرِيّ عن أبِي بَكْرٍ عن عَاصِمٍ عن مُصْعَبِ بنِ سَعْدٍ عن أبِيهِ قالَ: جِئْتُ إلَى النِبيّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ بَدْرٍ بِسَيْفٍ فَقُلْتُ يَارَسُولَ الله إنّ الله قَدْ شَفَى صَدْرِي الْيَوْمَ مِنَ الْعَدُوّ فَهَبْ لِي هَذَا السّيْفَ. قالَ: "إنّ هَذَا السّيْفَ لَيْسَ لِي وَلاَ لَكَ
ـــــــ
أيضاً": أي فهذه الحالة التي هي قسمة الغنائم على السوية بين الشبان والمشيخة وعدم مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم في إعطاء النفل لمن أراده مثل الخروج في أن الكل خير لهم "فأطيعوني": في كل ما أقول لكم ولا تخالفوني "بعاقبة هذا": أي إعطاء النفل "منكم": وأنتم لا تعلمون قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"قسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسواء": فيه دليل على أنها إذا انفردت منه قطعة فغنمت شيئاً كانت الغنيمة للجميع.
قال ابن عبد البر: لا يختلف الفقهاء في ذلك أي إذا خرج الجيش جميعه ثم انفردت منه قطعة انتهى. وليس المراد الجيش القاعد في بلاد الإسلام فإنه لا يشارك الجيش الخارج إلى بلاد العدو، بل قال ابن دقيق العيد إن المنقطع من الجيش عن الجيش الذي فيه الإمام ينفرد بما يغنمه. قال وإنما قالوا هو بمشاركة الجيش لهم إذا كانوا قريباً منهم يلحقهم عونه وغوثه لو احتاجوا انتهى. وسيجيء بعض البيان في الباب الآتي.
وقوله في مسند أحمد "فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على فواق" أي قسمها بسرعة في قدر ما بين الحلبتين، وقيل المراد فضل في القسمة، فجعل بعضهم أفوق من بعض على قدر عنايته أي لإيفاء الوعد وهذا أقرب. وهذا الباب لإثبات النفل والأبواب الآتية لأحكام محل النفل ولمن هو المستحق له كذا في الشرح.
"إن الله قد شفى صدري": ولفظ البيهقي وغيره كما في الدر المنثور قد شفاني الله اليوم

(7/294)


فَذَهَبْتُ وَأنَا أقُولُ يُعْطَاهُ الْيَوْمَ مَنْ لَم يُبْلَ بَلاَئِي، فَبَيْنَا أنَا إذْ جَاءَنِي الرّسُولُ فَقَالَ أجِب فَظَنَنْتُ أنّهُ نَزَلَ فِيّ شَيْءٌ بِكَلاَمِي، فَجِئْتُ، فَقَالَ لِي النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "إنّكَ سَألْتَنِي هَذَا السّيْفَ وَلَيْسَ هُوَ لِي وَلاَ لَكَ وَإنّ الله قَدْ جَعَلَهُ لِي فَهُوَ لَكَ، ثُمّ قَرَأ : {يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفَالِ قُلِ الأنْفَالُ لله وَالرّسُولِ} إلَى آخِرِ الآية.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: قِرَاءَةُ ابنِ مَسْعُودٍ: {يَسْألُونَكَ النّفْلَ}.
ـــــــ
من المشركين "يعطاه": بصيغة المجهول، والضمير المنصوب هو مفعوله الثاني، ونائب فاعله هو قوله "من لم يبل" "اليوم": ظرف ليعطي "من لم يبل": بصيغة المجهول والمعنى أي لم يعمل مثل عملي في الحرب، كأنه أراد أن في الحرب يختبر الرجل فيظهر حاله، وقد اختبرت أنا فظهر مني ما ظهر، فأنا أحق لهذا السيف من الذي لم يختبر مثل اختباري قاله السندي "فهو لك":
وفي رواية لمسلم من طريق مصعب بن سعد عن أبيه قال "أخذ أبي من الخمس شيئاً فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم فقال هب لي هذا فأبى فأنزل الله {يَسْأَلونَكَ} الآية وفي رواية له "أصبت سيفاً فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم فقال يارسول الله نفلنيه فقال ضعه، ثم قال فقال يارسول الله نفلنيه" الحديث" وأخرج عبد بن حميد عن سعد قال "أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غنيمة عظيمة فإذا فيها سيف فأخذته فأتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت نفلني هذا السيف فأنا من علمت، فقال: "رده من حيث أخذته" الحديث. وعند ابن مردويه عن سعد قال "نفلني النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر سيفاً ونزل فيّ النفل" قال المنذري سعد هو ابن أبي وقاص. وأخرجه مسلم مطولاً بنحوه. وأخرجه الترمذي والنسائي انتهى.

(7/295)


156 - باب في النفل للسرية[نفل السرية] تخرج من العسكر
2738 - حدثنا عَبْدُالوَهّابِ بنُ نَجْدَةَ أخبرنا الْوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ ح. وأخبرنا مُوسَى بنُ عبد الرحمن الأَنْطَاكِيّ قالَ أخبرنا مُبَشّرٌ ح. وأخبرنا مُحَمّدُ بنُ عَوفٍ الطّائِيّ أنّ الْحَكَمَ بنَ نَافِعٍ حَدّثَهُمْ الْمَعْنَى، كُلّهُمْ عن شُعَيْبٍ بنِ أبيِ حَمْزَةَ عن نَافِعٍ عن ابنِ
ـــــــ
"باب في النفل للسرية تخرج من العسكر"
السرية طائفة من جيش أقصاها أربعمائة تبعث إلى العدو.

(7/295)


عُمَرَ قالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في جَيْشٍ قِبَلَ نَجْدٍ، وَانْبَعَثَ[وانبعثت] سَرِيّةٌ مِنَ[في] الْجَيْشِ، فَكَانَ سُهمَانُ الْجَيْشِ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيراً اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيراً وَنَفّلَ أهْلُ السّرِيّةِ بَعِيراً بَعِيراً، فَكَانَتْ سُهْمَانُهُم ثَلاثَةَ عَشَرَ ثَلاَثَةَ عَشَرَ.
2739 - حدثنا الْوَلِيدُ بنُ عُتْبَةَ الدّمَشْقِيّ قالَ قالَ الْوَلِيدُ يَعْني ابنَ مُسْلِمٍ: حَدّثْتُ ابنَ المُبَارَكِ بِهَذَا الحديثِ قُلْتُ: وَكَذَا حَدّثنا ابنُ أبي فَرْوَةَ عن نَافِعٍ قالَ لاَ
ـــــــ
"قبل نجد": بكسر القاف وفتح الموحدة أي جهتها "فكان سهمان الجيش": بضم السين المهملة وسكون الهاء جمع سهم بمعنى النصيب "اثني عشر بعيراً اثني عشر بعيراً": أي كان هذا القدر لكل واحد من الجيش "ونفل": أي النبي صلى الله عليه وسلم "أهل السرية": أي أعطاهم زائداً على سهامهم "فكانت سهمانهم": أي مع النفل فيه دليل على أنه يجوز للإمام أن ينفل بعض الجيش ببعض الغنيمة إذا كان له من العناية والمقاتلة ما لم يكن لغيره. وقال عمرو بن شعيب: ذلك مختص بالنبي صلى الله عليه وسلم دون من بعده. وكره مالك أن يكون بشرط من أمير الجيش كأن يحرض على القتال ويعد بأن ينفل الربع أو الثلث قبل القسمة أو نحو ذلك، لأن القتال حينئذ يكون للدنيا فلا يجوز. قال في القتح: وفي هذا رد على من حكى الإجماع على مشروعيته. وقد اختلف العلماء هل هو من أصل الغنيمة أو من الخمس أو من خمس الخمس أو مما عدا الخمس على أقوال. واختلفت الرواية عن الشافعي في ذلك، فروى عنه أنه من أصل الغنيمة، وروى عنه أنه من الخمس، وروى عنه أنه من خمس الخمس، والأصح عند الشافعية أنه من خمس الخمس، ونقله منذر بن سعيد عن مالك وهو شاذ عندهم. وقال الأوزاعي وأحمد وأبو ثور وغيرهم: النفل من أصل الغنيمة: وقال مالك وطائفة: لا نفل إلا من الخمس. قال ابن عبدالبر: إن أراد الإمام تفضيل بعض الجيش لمعنى فيه فذلك من الخمس لا من رأس الغنيمة، وان انفردت قطعة فأراد أن ينفلها مما غنمت دون سائر الجيش فذلك من غير الخمس بشرط أن لا يزيد على الثلث انتهى.
وقال الخطابي: في الحديث أن السرية إذا انفصلت من الجيش فجاءت بغنيمة فإنها تكون مشتركة بينهم وبين الجيش لأنهم ردء لهم. واختلفوا في هذه الزيادة التي هي النفل من أين أعطاهم إياها، فكان ابن المسيب يقول إنما ينفل الإمام من الخمس يعني سهم النبي صلى الله عليه وسلم وهو خمس الخمس من الغنيمة، وإلى هذا ذهب الشافعي وأبو عبيد. وقال غيرهم إنما كان النبي صلى الله عليه وسلم ينفل من الغنيمة التي يغنموها كما نفل القاتل السلب من جملة الغنيمة قال وعلى هذا دل أكثر ما روي من الأخبار في هذا الباب، انتهى مختصراً. والحديث سكت عنه المنذري.
"حدثت ابن المبارك بهذا الحديث": المذكور من طريق شعيب بن أبي حمزة عن نافع

(7/296)


يَعْدِلُ مَنْ سَمّيْتَ بِمَالِكٍ هَكَذَا أوْ نَحْوَهُ يَعْنِي مَالِكَ بنَ أنَسٍ.
ـــــــ
"قلت": هذا أيضاً مقولة الوليد بن مسلم "وكذا حدثنا ابن أبي فروة": هو إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة ضعيف جداً. قال البخاري تركوه، وقال أحمد لا تحل الرواية عنه، أي حدثنا به ابن أبي فروة كما حدثنا به شعيب "قال": عبد الله بن المبارك مجيباً للوليد "لا يعدل": بصيغة المضارع الغائب كذا في أكثر النسخ، وفي بعضها بصيغة النهي الحاضر أي لا يساوي في الضبط والإتقان والحفظ "من سميت": بصيغة الخطاب أي من ذكرت اسمه وهو شعيب وابن أبي فروة، وهذه الجملة فاعل لا يعدل "بمالك": بن أنس الإمام، فشعيب دون مالك في الحفظ وابن أبي فروة ضعيف "هكذا أو نحوه": أي قال ابن المبارك هكذا بهذا اللفظ أو نحو هذا اللفظ "يعني مالك بن أنس": هذا تفسير من أحد الرواة أي أراد ابن المبارك بمالك مالك بن أنس. وأما معنى كلام ابن المبارك فهو أن في رواية شعيب وابن أبي فروة، فكانت سهمانهم ثلاثة عشر ثلاثة عشر.
وأما مالك بن أنس الإمام فرواه بلفظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية فيها عبد الله بن عمر قبل نجد، فكان سهمانهم اثني عشر بعيراً بالشك أو أحد عشر بعيراً كما في الموطأ من رواية يحيى الليثي.
قال ابن عبدالبر: اتفق رواة المؤطأ على روايته بالشك إلا الوليد بن مسلم عن فرواه شعيب ومالك جميعاً فقال اثني عشر فلم يشك وكأنه حمل رواية مالك على رواية شعيب وهو منه غلط. وكذا أخرجه أبو داوود عن القعنبي عن مالك والليث بغير شك، فكأنه أيضاً حمل رواية مالك على رواية الليث والقعنبي إنما رواه في الموطأ على الشك، فلا أدري أمن القعنبي جاء هذا حين خلط حديث الليث بحديث مالك أم من أبي داوود. وقال سائر أصحاب نافع اثني عشر بعيراً بلا شك لم يقع الشك فيه إلا من قبل مالك. كذا في شرح الموطأ للزرقاني فصار الاختلاف في عدد السهام. وفي رواية شعيب: "نفل أهل السرية" وفاعل نفل هو النبي صلى الله عليه وسلم. وقال مالك في روايته "ونفلوا بعيراً بعيراً" فالاختلاف بينهما في الموضعين والله أعلم.
وقوله: نفلوا بضم النون مبني للمفعول أي أعطى كل واحد منهم زيادة على السهم المستحق له بعيراً بعيراً.
واعلم أنه اختلفت الرواة في القسم والتنفيل هل كانا معاً من أمير الجيش أو من النبي صلى الله عليه وسلم أو أحدهما من أحدهما، فلأبي داوود عن محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر "أن القسمة

(7/297)


2740 - حدثنا هَنّادٌ أخبرنا عَبْدَةُ يَعْنِي ابنَ سُلَيْمَانَ الْكِلاَبيّ عن مُحَمّدٍ يَعني ابنَ إسْحَاقَ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ قالَ: بَعَثَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم سَرِيّةً إلَى نَجْدٍ، فَخَرَجْتُ مَعَهَا، فَأصَبْنَا نَعَماً كَثِيراً، فَنَفّلَنَا أمِيرُنَا بَعِيراً بَعِيراً لِكُلّ إنْسَانٍ، ثُمّ قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَقَسّمَ بَيْنَنَا غَنِيمَتَنَا فَأصَابَ كلّ رَجُلٍ مِنّا اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيراً بَعْدَ الْخُمُسِ، وَمَا حَاسَبَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بالّذِي أعْطَانَا صَاحِبُنَا وَلاَ عَابَ عَلَيْهِ بَعْدَ مَا صَنَعَ فَكَانَ لِكُلّ رَجُل مِنّا ثَلاَثَةَ عَشَرَ بَعِيراً بِنَفْلِهِ.
2741 - حدثنا عَبْدُالله بنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ ح. وأخبرنا عَبْدُالله بنُ
ـــــــ
من النبي صلى الله عليه وسلم والتنفيل من الأمير". وأخرجه أبو داوود أيضاً من طريق شعيب عن نافع عن ابن عمر قال "بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه فكان سهمان الجيش اثني عشر بعيراً، ونفل أهل السرية بعيراً بعيراً فكانت سهمانهم ثلاثة عشر بعيراً" وأخرجه ابن عبدالبر من هذا الوجه وقال في روايته: "إن ذلك الجيش كان أربعة آلاف أي الذي خرجت منه السرية الخمسة عشر كما عند ابن سعد وغيره وظاهر رواية الليث عن نافع عند مسلم أن ذلك صدر من أمير الجيش وأن النبي صلى الله عليه وسلم أقر ذلك وأجازه لأنه قال فيه: "ولم يغيره النبي صلى الله عليه وسلم" وفي رواية عبيد الله بن عمر عن نافع عنده أيضاً: "ونفلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيراً بعيراً" وهذا يحمل على التقدير، فتجتمع الروايتان معناه أن أمير السرية نفلهم فأجازه النبي صلى الله عليه وسلم فجاءت نسبته لكل منهما.
قال في الاستذكار في رواية مالك إن النفل من الخمس لا من رأس الغنيمة وكذلك رواه عبد الله وأيوب عن نافع، وفي رواية ابن إسحاق عنه أنه من رأس الغنيمة لكنه ليس كهؤلاء في نافع انتهى.
وذهبت تلك السرية في شعبان سنة ثمان قبل فتح مكة قاله ابن سعد وذكر غيره أنها كانت في جمادي الأولى، وقيل في رمضان من السنة وكان أميرها أبو قتادة وكانوا خمسة عشر رجلاً، وكان عبد الله بن عمر في تلك السرية. قاله الحافظ: كذا في الشرح لأبي الطيب وأطال الكلام فيه.
"فأصبنا نعماً كثيراً": النعم بالتحريك وقد يسكن عينه الإبل والشاء أو خاص بالإبل، كذا في القاموس "بالذي أعطانا صاحبنا": أي أميرنا "ولا عاب": أي النبي صلى الله عليه وسلم "عليه": أي على أميرنا "بعد ما صنع": أي الأمير "بنفله": أي مع نفله.
قال الخطابي: في هذا بيان ظاهر أن النفل إنما أعطاهم من جملة الغنيمة لا من الخمس

(7/298)


مَسْلَمَةَ وَ يَزِيدُ بنُ خَالِدٍ بنِ مَوْهَبٍ قالا أخبرنا اللّيْثُ المَعْنَى عنْ نَافِعٍ عنْ عَبْدِالله بنِ عُمَرَ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم بَعَثَ سَرِيّةً فيهَا عَبْدُالله بنُ عُمَرَ قِبَلَ نَجْدٍ، فَغَنِمُوا إبِلاً كَثِيرَةً فَكَانَتْ سُهْمَانُهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيراً[اثنا عشر] وَنَفَلُوا بَعِيراً بَعِيراً. زَادَ ابنُ مَوْهَبٍ فَلَمْ يُغَيّرُهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم.
2742 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عنْ عُبَيْدِالله حدّثني نَافِعٌ عن عَبْدِالله قالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في سَرِيّةٍ فَبَلَغَتْ سُهْمَانُنَا اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيراً وَنَفّلَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بَعِيراً بَعِيراً.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ بُرْدُ بنُ سِنَانٍ مِثْلَهُ عنْ نَافِعٍ مِثْلَ حَدِيثِ عُبَيْدِالله، وَرَوَاهُ أيّوبُ عنْ نَافِعٍ مِثْلَهُ، إلاّ أنّهُ قالَ: وَنُفّلْنَا بَعِيراً بَعِيراً لَمْ يَذْكُرِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
2743 - حدثنا عَبْدُالمَلِكِ بنُ شُعَيْبٍ بنِ اللّيْثِ قالَ حدّثني أبِي عن جَدّي ح. وَحَدّثنَا حَجّاجُ بنُ أبي يَعْقُوبَ قالَ حدّثني حُجَيْنٌ أخبرنا اللّيْثُ عن عُقَيْلٍ عن ابنِ شِهَابٍ عن سَالِمٍ عن عَبْدِالله بنِ عُمَرَ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَدْ كَانَ يُنَفّلُ بَعْضَ مَنْ يَبْعَثُ
ـــــــ
الذي هو سهمه ونصيبه، فظاهر حديث ابن عمر أنه أعطاهم هذا النفل قبل الخمس كما نفلهم السلب قبل الخمس، وإلى هذا ذهب أبو ثور. والحديث سكت عنه المنذري.
"فكانت سهمانهم اثني عشر بعيراً": وفي بعض النسخ اثنا عشر بعيراً، وهو صحيح على لغة من جعل المثنى بالألف سواء كان مرفوعاً أو منصوباً أو مجروراً وهي لغة أربع قبائل من العرب، قاله النووي "فلم يغيره": أي لم يغير ما فعله أميرنا قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم بنحوه.
"ونفلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم": ويفهم من الرواية السابقة أن المنفل هو أمير السرية، والجمع بينهما أن أمير السرية نفلهم فأجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجوز نسبته إلى كل واحد منهما. والحديث سكت عنه المنذري.
"رواه برد": بضم الموحدة وسكون الراء "بن سنان": بكسر أوله "إلا أنه قال ونفلنا": ضبط في بعض النسخ بصيغة المعروف والمجهول.
"حدثني حجين": بضم المهملة وفتح الجيم وسكون التحتية بعدها نون ابن المثنى

(7/299)


مِنَ السّرَايَا لأنْفُسِهِمْ خَاصّةً النّفْلَ سِوَى قَسْمِ عَامّةِ الْجَيْشِ، وَالخُمُسُ وَاجِبٌ في ذَلِكَ كُلّهِ[والخمس في ذلك واجب كله].
2744 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ قالَ أخبرنا عَبْدُالله بنُ وَهْبٍ أخبرنا حُيَيّ عنْ أبِي عبد الرحمن الْحُبُلِيّ عن عَبْدِالله بنِ عَمْرٍو: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم خَرَجَ يَوْمَ بَدْرٍ في ثَلاَثِمائَةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ، فَقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "اللّهُمّ إنّهُمْ حُفَاةٌ فاحْمِلْهُمْ، اللّهُمّ إنّهُمْ عُرَاةٌ فَاكْسُهُمْ، اللّهُمّ إنّهُمْ جِيَاعٌ فَأَشْبِعْهُمْ" ، فَفَتَحَ الله لَهُ يَوْمَ بَدْرٍ فَانْقَلَبُوا حِينَ انْقَلَبُوا وَمَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إلاّ وَقَدْ رَجَعَ بِجَمَلٍ أوْ جَمَلَيْنِ وَاكْتَسُوا وَشَبِعُوا.
ـــــــ
اليمامي ثقة "النفل": بالتحريك ويسكن بالنصب مفعول "والخمس واجب في ذلك كله" بالجر تأكيد لقوله في ذلك، وهذا تصريح بوجوب الخمس في كل الغنائم، قاله النووي. وقال في فتح الودود: يفيد أن الخمس يؤخذ أولاً من الغنيمة ثم ينفل من الباقي ثم يقسم ما بقي انتهى. والحديث سكت عنه المنذري.
"اللهم إنهم حفاة": جمع حاف من الحفاية وهو المشي بغير خف ولا نعل "عراة": "جياع": جمع جائع "بجمل أو جملين": هو محل الترجمة لأن الغنائم تقسم بالسوية وما يفضل أحد على أحد إلا بالنفل والله أعلم. والحديث سكت عنه المنذري.

(7/300)


157 - باب فيمن قال الخمس قبل النفل
2745 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ كَثِيرٍ أخبرنا سُفْيَانُ عن يَزِيدَ بنِ يَزِيدَ بن جَابِرِ الشّامِيّ عن مَكْحُولٍ عنْ زِيَادِ بنِ جَارِيَةَ التّمِيمِيّ عن حَبِيبِ بنِ مَسْلَمَةَ الْفَهِرِيّ أنّهُ قال: "كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُنَفّلُ الثّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ".
ـــــــ
"باب فيمن قال الخمس قبل النفل"
"ينفل الثلث بعد الخمس": قال الخطابي: في هذا الحديث أنه أعطاهم ذلك بعد أن خمس الغنيمة، ويشبه والله أعلم أن يكون الأمران معاً جائزين، وفيه أنه بلغ بالنفل الثلث.
وقد اختلف العلماء في ذلك، فقال مكحول والأوزاعي لا يجاوز بالنفل الثلث. وقال الشافعي: ليس في النفل حد لا يجاوز إنما هو اجتهاد الإمام انتهى. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه.

(7/300)


2746 - حدثنا عُبَيْدُالله بنُ عُمَرَ بنِ مَيْسَرَةَ الْجُشَمِيّ قال أنْبأنَا[حدثنا] عبد الرحمن بنُ مَهْدِيَ عن مُعَاوِيَةَ بنِ صَالِحٍ عن الْعَلاَءِ بنِ الْحَارِثِ عن مَكْحُولٍ عن ابنِ جَارِيَةَ عن حَبِيبِ بنِ مَسْلَمَةَ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يُنَفّلُ الرّبْعَ بَعْدَ الْخُمُسِ وَالثّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ إذَا قَفَلَ.
2747 - حدثنا عَبْدُالله بنُ أَحْمَدَ بنِ بَشِيرِ بنِ ذَكْوَانَ وَ مَحْمُودُ بنُ خَالِدٍ الدّمَشْقِيّانِ المَعْنَى قالا أخبرنا مَرْوَانُ بنُ مُحَمّدٍ قال أخبرنا يَحْيَى بنُ حَمْزَةَ قالَ سَمِعْتُ أبَا وَهْبٍ يَقُولُ سَمِعْتُ مَكْحُولاً يَقُولُ: كُنْتُ عَبْداً بِمِصْرَ لاِمْرَأةٍ مِنْ بَنِي هُذَيْلٍ فَأعْتَقَتْنِي فَمَا خَرَجْتُ مِنْ مِقرَ وَبِهَا عِلْمٌ إلاّ حَوَيْتُ عَلَيْهِ فِيمَا أُرَى ثُمّ أتَيْتُ الحِجَازَ فَمَا خَرَجْتُ مِنْ مِصْرَ وَبهَا عِلْمٌ إلاّ حَوَيْتُ عَلَيْهِ فِيمَا أُرَى، ثُم أتَيْتُ الْعِرَاقَ وَمَا خَرَجْتُ مِنْهَا وَبِهَا عِلْمٌ إلاّ حَوَيْتُ عَلَيْهِ فِيمَا أُرَى، ثُم أتَيْتُ الشّامَ فَغَرْبَلْتُهَا كُلّ ذَلِكَ أسْألُ عَنْ النّفْلِ، فَلَمْ أجِدْ أحَداً يُخْبِرُنِي فِيهِ بِشَيْءٍ حَتّى لَقِيتُ شَيْخاً يُقَالُ لَهُ زِيَادُ بنُ جَارِيَةَ التّمِيمِيّ فَقُلْتُ لَهُ هَلْ سَمِعْتَ في النّفْلِ شَيْئاً؟ قال نَعَمْ سَمِعْتُ حَبِيبَ بنَ مَسْلَمَةَ الْفِهْرِيّ يَقُول: شَهِدْتُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نَفَلَ الرّبُعَ فِي الْبَدْأةِ وَالثّلْثَ في الرّجْعَةِ.
ـــــــ
"كان ينفل الربع": أي في البدأة "بعد الخمس": أي بعد أن يخرج الخمس "والثلث" أي وينفل الثلث "إذا قفل": قيد للمعطوف أي إذا رجع من الغزو والحديث سكت عنه المنذري.
"فما خرجت من مصر وبها علم": من الكتاب والسنة "إلا حويت": بصيغة المتكلم "عليه": أي على العلم أي ما تركت بمصر علماً إلا أخذته. قال في النهاية: يقال حويت الشيء إذا جمعته "ثم أتيت الحجاز": أي مكة والمدينة والطائف واليمن وغيرها "ثم أتيت العراق": أي الكوفة والبصرة والبغداد وغيرها "فيما أرى": بضم الهمزة أي في ظني "فغربلتها": أي كشفت حال من بها كأنه جعلهم في غربال ففرق بين الجيد والرديء قاله في النهاية "نفل الربع في البدأة الخ": قال الخطابي: رواية عن ابن المنذر أنه أنه صلى الله عليه وسلم إنما فرق بين البدأة والقفول حين فضل أحد العطيتين على الأخرى لقوة الظهر عند دخولهم وضعفه عند خروجهم ولأنهم وهم داخلون أنشط وأشهى للسير والإمعان في بلاد العدو وأجم. وهم عند القفول يضعف دوابهم وأبدانهم، وهم أشهى للرجوع إلى أوطانهم وأهاليهم لطول عهدهم بهم وحبهم للرجوع فيرى أنه زادهم في القفول لهذه العلل قال الخطابي: كلام ابن المنذر هذا ليس بالبين لأن فحواه

(7/301)


يوهم أن الرجعة هي القفول إلى أوطانهم وليس هو معنى الحديث، والبدأة إنما هي ابتداء السفر للغزو وإذا نهضت سرية من جملة العسكر فاذا وقعت بطائفة من العدو فما غنموا كان لهم فيه الربع وتشركهم سائر العسكر في ثلاثة أرباعه فإن قفلوا من الغزوة ثم رجعوا فأوقعوا بالعدو ثانية كان لهم مما غنموا الثلث، لأن نهوضهم بعد القفل أشد لكون العدو على حذر وحزم انتهى. قال في السبل: وما قاله الخطابي: هو الأقرب. وقال ابن الأثير: أراد بالبدأة ابتداء الغزو، وبالرجعة القفول منه، والمعنى كان إذا نهضت سرية من جملة العسكر المقبل على العدو فأوقعت بهم نفلها الربع مما غنمت، وإذا فعلت ذلك عند عود العسكر نفلها الثلث، لأن الكرة الثانية أشق عليهم والخطر فيها أعظم، وذلك لقوة الظهر عند دخولهم وضعفه عند خروجهم وهم في الأول أنشط وأشهى للسير والإمعان في بلاد العدو وهم عند القفول أضعف وأفتر وأشهى للرجوع إلى أوطانهم فزادهم لذلك انتهى قال المنذري: أنكر بعضهم أن يكون لحبيب هذا صحبة وأثبتها له غير واحد، وقد قال في حديثه هذا شهدت النبي صلى الله عليه وسلم كنيته أبو عبد الرحمن وكان يسمى حبيب الروم لكثرة مجاهدته الروم وأخرجه ابن ماجه بمعناه.

(7/302)


158 - باب في السرية ترد على أهل العسكر
2748 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا ابنُ أبي عَدِيّ عن ابنِ إسْحَاقَ هُوَ مُحَمّدٌ بِبَعْضِ هَذَا ح. وأخبرنا عُبَيْدُالله بنُ عُمَرَ بنِ مَيْسَرَةَ قالَ حدّثنِي هُشَيْمٌ عن يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ جَمِيعاً عن عَمْرِو بن شُعَيْبٍ عن أبِيهِ عن جَدّهِ قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "المُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ يَسْعَى بِذِمّتِهِمْ أدْنَاهُمْ وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أقْصَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى
ـــــــ
"باب في السرية ترد"
بصيغة المعروف أي ما تغنمه من الأموال "على أهل العسكر": الذي خرجت منه السرية فتكون السرية وأهل العسكر في أخذ الغنيمة والقسمة سواء وسيجيء بيانه.
"تتكافأ": بالهمز في آخره أي تتساوى "دماؤهم": أي في القصاص والديات لا يفضل شريف على وضيع كما كان في الجاهلية "يسعى بذمتهم": أي بأمانهم "أدناهم": أي عدداً وهو الواحد أو منزلة. قال في شرح السنة: أي أن واحداً من المسلمين إذا آمن كافراً حرم على عامة المسلمين دمه وإن كان هذا المجير أدناهم مثل أن يكون عبداً أو امرأة أو عسيفاً تابعاً أو نحو ذلك فلا يخفر ذمته "ويجير عليهم أقصاهم": قال الخطابي: معناه أن بعض المسلمين وإن كان قاصي الدار إذا عقد للكافر عقداً لم يكن لأحد منهم أن ينقضه وإن كان أقرب دار من المعقود له "وهم يد على من سواهم": قال

(7/302)


مَنْ سِوَاهُمْ يَرُدّ مُشِدّهُمْ عَلَى مُضْعِفِهِمْ، وَمُتَسَرّيهمْ[ومتسرعهم] عَلَى قَاعِدِهِمْ لاَ يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ وَلاَ ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ".
وَلَمْ يَذْكُرِ ابنُ إسْحَاقَ الْقَوَدَ وَالتّكَافِي.
2749 - حدثنا هَارونُ بن عَبْدِالله قال أنْبأنَا هَاشِمُ بنُ الْقَاسِمِ أخبرنا عِكْرِمَةُ حَدّثني إيَاسُ بنُ سَلَمَةَ عن أبِيهِ قال أغَارَ عبد الرحمن بنُ عُيَيْنَةَ عَلَى إبِلِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَقَتَلَ رَاعِيهَا وَخَرَجَ يَطْرُدُهَا هُوَ وَأُنَاسٌ مَعَهُ في خَيْلٍ، فَجَعَلْتُ وَجْهِي
ـــــــ
أبو عبيدة: أي المسلمون لا يسعهم التخاذل بل يعاون بعضهم بعضاً على جميع الأديان والملل. وقال الخطابي معنى اليد المظاهرة والمعاونة إذا استنفروا وجب عليهم النفير وإذا استنجدوا أنجدوا ولم يتخلفوا ولم يتخاذلوا انتهى. وفي النهاية أي هم مجتمعون على أعدائهم لا يسعهم التخاذل بل يعاون بعضهم بعضاً كأنه جعل أيديهم يداً واحدة وفعلهم فعلاً واحداً انتهى. يرد مشدهم على مضعفهم قال الخطابي المشد المقوى الذي دوابه شديدة قوية والمضعف من كانت دوابه ضعافاً انتهى وفي النهاية: يريد أن القوي من الغزاة يساهم الضعيف فيما يكسبه من الغنيمة أنتهى. وقال السيوطي: وجاء في بعض طرق الحديث المضعف أمير الرفقة أي يسيرون سير الضعيف لا يتقدمونه فيتخلف عنهم ويبقى بمضيعة انتهى. "ومتسريهم": بالتاء الفوقانية وبعدها سين ثم الراء ثم الياء التحتانية. وفي بعض النسخ متسرعهم بالعين المهملة بعد الراء. قال السيوطي: هو غلط، وقال الخطابي: المتسري هو الذي يخرج في السرية، ومعناه أن يخرج الجيش فينحوا بقرب دار العدو ثم ينفصل منهم سرية فيغنموا فإنهم يردون ما غنموا على الجيش الذي هو ردء لهم لا ينفردون به، فأما إذا كان خروج السرية من البلد فإنهم لا يردون على المقيمين شيئاً في أوطانهم "لا يقتل مؤمن بكافر الخ": يأتي شرح هذه الجملة في كتاب الديات في باب إيقاد المسلم بالكافر "ولاذو عهد في عهده": أي لا يقتل معاهد ما دام في عهده "القود": بفتح القاف وفتح الواو القصاص وقتل القاتل بدل القتيل، والمراد به قوله لا يقتل مؤمن بكافر. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه.
"عن أبيه": سلمة بن الأكوع "قال أغار عبد الرحمن بن عيينة": بن حصن الفزاري رئيس المشركين "على إبل رسول الله صلى الله عليه وسلم": قال أهل المغازي والسير: إنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم عشرون لقحة وهي ذوات اللبن القريبة العهد بالولادة ترعى بالغابة تارة وترعى بذي قرد تارة "فقتل راعيها": أي الإبل، وكان أبو ذر وابنه وامرأته فيها قاله في المواهب.

(7/303)


قِبَلَ المَدِينَةِ ثُمّ نَادَيْتُ ثَلاَثَ مَرّاتٍ: يَاصَبَاحَاهُ، ثُمّ اتّبَعْتُ الْقَوْمَ فَجَعَلْتُ أرْمِي وَأعْقِرُهُمْ، فَإذَا رَجَعَ إلَيّ فَارِسٌ جَلَسْتُ في أصْلِ شَجَرَةٍ حَتّى مَا خَلَقَ الله شَيْئاً مِنْ ظَهْرِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلاّ جَعَلْتُهُ وَرَاءَ ظَهْرِي وَحَتّى أَلْقُوا أكْثَرَ مِنْ ثَلاَثِينَ رُمْحاً وَثَلاَثِينَ بُرْدَةً
ـــــــ
وفي زاد المعاد في غزوة الغابة أغار عيينة بن حصن الفزاري في بني عبد الله بن غطفان على لقاح النبي صلى الله عليه وسلم التي بالغابة فاستاقها وقتل راعيها وهو رجل من غفار واحتملوا امرأته قال عبدالمؤمن بن خلف وهو ابن أبي ذر وهو غريب جداً انتهى "وخرج" عبد الرحمن "يطرد الإبل ويسوقها وأناس معه في خيل": أي فرسان. قال ابن سعد أغار عبد الرحمن في أربعين فارساً فاستاقوها وقتلوا ابن أبي ذر وأسروا المرأة "قبل المدينة": بكسر القاف وفتح الباء أي نحوها "ياصباحاه": كلمة يقولها المستغيث وأصلها إذا صاحوا للغارة لأنهم أكثر ما يغيرون عند الصباح، فكأن المستغيث يقول قد غشينا العدو. وقيل هو نداء المقاتل عند الصباح يعني وقد جاء وقت الصباح فتهيئوا للقتال وفي البخاري ومسلم عن سلمة "خرجت قبل أن يؤذن بالأولى وكانت لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم ترعى بذي قرد فلقيني غلام لعبد الرحمن بن عوف فقال أخذت لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: من أخذها قال غطفان وفزارة فصرخت ثلاث صرخات ياصباحاه ياصباحاه، فأسمعت ما بين لابتي المدينة" الحديث. فنودي: ياخيل الله اركبي وكان أول ما نودي بها. قاله ابن سعد وركب صلى الله عليه وسلم في خمسمائة وقيل سبعمائة واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أم مكتوم وخلف سعد بن عبادة في ثلاثمائة يحرسون المدينة وكان قد عقد لمقداد بن عمرو وكان أول من أقبل إليه وعليه الدرع والمغفر شاهراً سيفه، فعقد له لواء في رمحه وقال له "امض حتى تلحقك الخيول وأنا على أثرك" فأدرك أخريات العدو "ثم اتبعت القوم": العدو، وذلك بعد صريخه وقبل أن تلحقه فرسان رسول الله صلى الله عليه وسلم. فعند ابن إسحاق صرخ واصباحاه ثم خرج يشتد في آثار القوم، فكان مثل السبع حتى لحق بالقوم وهو على رجليه فجعل يرميهم بالنبل "فجعلت أرمي": بالسهام "وأعقرهم": أي أقتل مركوبهم وأجعلهم راجلين بعقر دوابهم "فإذا رجع إلي فارس": من العدو "جلست في أصل شجرة": أي مختفياً عنه. وعند مسلم وغيره "فما زلت أرميهم وأعقرهم فإذا رجع إلي فارس منهم أتيت شجرة فجلست في إصلها ثم رميته فعقرت به، فإذا تضايق الجبل فدخلوا في مضائقه علوت الجبل فرميتهم بالحجارة" الحديث.
"من ظهر النبي صلى الله عليه وسلم": أي من إبله التي أخذوها، يريد أن جميع ما أخذوه من إبله صلى الله عليه وسلم أخذته عنهم وتركته وراء ظهرنا. وفيه دليل على أنه استنقذ جميع اللقاح، وهكذا في الصحيحين من حديث سلمة بن الأكوع. قال الشامي: وهو المعتمد لصحة سنده.

(7/304)


يَسْتَخِفّونَ مِنْهَا ثُمّ أَتَاهُمْ عُيَيْنَةُ مَدَداً، فقَالَ لِيَقمْ إلَيْهِ نَفَرٌ مِنْكُمْ، فَقامَ إلَيّ[إليه] أرْبَعَةٌ مِنْهُمْ وَصَعَدُوا[فصعدوا] الْجَبَلَ، فَلَمّا أسْمَعْتُهُمْ قُلْتُ أتَعْرِفُونِي؟ قالُوا وَمَنْ أنْتَ؟ قُلْتُ أنَا ابْنُ الأَكْوَعِ، وَالّذِي كَرّمَ وَجْهَ مُحَمّدٍ لاَ يَطْلُبُنِي رَجُلٌ مِنْكُم فَيُدْرِكُنِي وَلاَ أطْلُبُهُ فَيَفُوتُنِي فَمَا بَرِحْتُ حَتّى نَظَرْتُ إلَى فَوَارِسِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم يَتَخَلّلُونَ الشّجَرَ أوّلُهُمْ الأخْرَمُ الأَسَدِيّ، فَيَلْحَقُ بِعبد الرحمن بن عُيَيْنَةَ وَيَعطِفُ عَلَيْهِ عبد الرحمن فَاخْتَلَفَا طَعْنَتَيْنِ، فَعَقَرَ الأَخْرَمُ عَبْدَالرّحْمَنِ، وَطَعَنَهُ عبد الرحمن فَقَتَلَهُ، فَتَحَوّلَ عبد الرحمن عَلَى فَرَسِ الأخْرَمِ فَيَلْحَقُ[فلحق] أبُو قَتَادَةَ بِعبد الرحمن فَاخْتَلَفَا طَعْنَتَيْنِ فَعَقَرَ بِأبِي قَتَادَةَ وَقَتَلَهُ أبُو قَتَادَةَ فَتَحَوّلَ أبُو قَتَادَةَ عَلَى فَرَسِ الأَخْرَمِ ثُمّ جِئْتُ إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم
ـــــــ
وفي رواية محمد بن إسحاق وابن سعد والواقدي: فاستنقذوا عشر لقاح وهو مخالف لرواية الصحيحين.
وقال ابن القيم: وهذا غلط بين، والذي في الصحيحين أنهم استنقذوا اللقاح كلها، ولفظ مسلم في صحيحه عن سلمة "حتى ما خلق الله من شيء من لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا خلفته وراء ظهري وأسلبت منهم ثلاثين بردة" انتهى "وحتى ألقوا": أي طرحوا "بردة": كساء صغير مربع ويقال كساء أسود صغير "يستخفون": بتشديد الفاء أي يطلبون الخفة منها ليكونوا أسرع في الفرار "ثم أتاهم عيينة": بن حصن والد عبد الرحمن "مدداً": أي من ينصر لهم ويعينهم من الأعوان والأنصار. وفي رواية أخرى فأتوا مضيقاً فأتاهم عيينة ممداً لهم، فجلسوا يتغذون وجلست على رأس قرن، فقال من هذا؟ قالوا لقينا من هذا الشدة والأذى ما فارقنا السحر حتى الآن وأخذ كل شيء في أيدينا وجعله وراء ظهره "فقال": عيينة "ليقم إليه": أي إلى سلمة بن الأكوع "فلما أسمعتهم": أي قدرت على إسماعهم بقربهم مني "فيفوتني": فقال رجل منهم أظن فرجعوا "فما برحت": أي ما زلت مكاني "إلى فوارس": جمع فارس "يتخللون الشجر": أي يدخلون من خلائلها أي بينها "أولهم الأخرم الأسدي".
قال محمد بن إسحاق: هو أول فارس لحق بالقوم "فيلحق": أي لحق وصيغة المضارع لإحضار تلك الحالة "فعقر الأخرم": فاعل عقر "عبدالرحمن": مفعول عقر أي قتل الأخرم الأسدي دابة عبد الرحمن "وطعنه": أي الأخرم "عبدالرحمن": فاعل طعن "فقتله" أي قتل عبد الرحمن رئيس المشركين الأخرم الأسدي "فعقر": أي عبد الرحمن "بأبي قتادة": أي قتل

(7/305)


وَهُوَ عَلَى المَاءِ الّذِي جَلّيْتُهُمْ[حليتهم] عَنْهُ ذُو قَرَدٍ فإذَا نَبيّ الله في خَمْسِمِائَةٍ، فَأعْطَانِي سَهْمَ الْفَارِسِ وَالرّاجِلِ.
ـــــــ
دابته "جليتهم عنه": هكذا في بعض النسخ الصحيحة بالجيم وتشديد اللام أي نفيتهم وأبعدتهم عنه. وفي بعض النسخ حلأتهم بالحاء المهملة وبالهمز في آخره. وفي نسخة الخطابي حليتهم بالحاء المهملة وبالياء مكان الهمزة، وهذه النسخة هي المعتمدة. قال الخطابي:معناه طردتهم عنه، وأصله الهمزة، ويقال حلأت الرجل عن الماء إذا منعته الورود انتهى. وقال في النهاية: وفي حديث سلمة بن الأكوع حلّيتهم عنه بذي قرد، هكذا جاء في الرواية غير مهموز فقلب الهمزة ياء وليس بالقياس لأن الياء لا تبدل من الهمزة إلا أن يكون ما قبلها مكسوراً نحوه بئر وائلاف، وقد شذ قرَيت في قرأت وليس بالكثير، والأصل الهمز انتهى "ذو قرد": بفتح القاف والراء والدال المهملة آخره.
قال الحافظ: وحكي الضم فيهما. قال الحازمي: الأول ضبط أصحاب الحديث والضم عن أهل اللغة.
وقال البلاذري: الصواب الأول وهو ماء على نحو بريد من المدينة مما يلي بلاد غطفان، وقيل على مسافة يوم. قال السندي: فذو قرد اسم ذلك الماء.
وقال السيوطي: هو بين المدينة وخيبر "فأعطاني سهم الفارس والراجل": ولفظ أحمد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة وخير رجالتنا سلمة" ثم أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم الفارس وسهم الراجل فجعلهما لي جميعاً" قال الخطابي يشبه أن يكون إنما أعطاه من الغنيمة سهم الراجل حسب لأن سلمة كان راجلاً في ذلك اليوم وأعطاه الزيادة نفلاً لما كان من حسن بلائه انتهى. وهذا هو محل ترجمة الباب لأن سلمة بن الأكوع إنما استنقذ منهم أكثر من ثلاثين رمحاً وثلاثين بردة وقال قائل من المشركين وأخذ كل شيء في أيدينا وجعله وراء ظهره ومع ذلك لم يعط النبي صلى الله عليه وسلم لسلمة بن الأكوع أكثر من سهم الراجل والفارس، ولم يخص أهل السرية كأبي قتادة وسلمة وغيرهما بهذه الأموال كلها فلم تُرد تلك الأموال إلا على أهل العسكر كله والله أعلم. كذا في الشرح لأخينا أبي الطيب. قال المنذري: وأخرجه مسلم أتم من هذا انتهى. قلت: وأخرجه البخاري أيضاً في الجهاد وفي المغازي.

(7/306)


159 - باب في النفل من الذهب والفضة ومن أول مغنم
2750 - حدثنا أبُو صَالِحٍ مَحْبُوبُ بنُ مُوسَى قال أنْبأنَا أبُو إسْحَاقَ الْفَزَارِيّ عنْ عَاصِمِ بن كُلَيْبٍ عن أبي الْجُوَيْرِيةِ الْجَرْمِيّ قالَ: "أصَبْتُ بِأرْضِ الرّومِ جَرّةً حَمْرَاءَ فيهَا دَنَانِيرُ في إمْرَةِ مُعَاوِيَةَ وَعَلَيْنَا رَجُلٌ مِنْ أصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ يُقالُ لَهُ مَعْنُ بنُ يَزِيدَ، فَأتَيْتُهُ بِهَا فَقَسَمَهَا بَيْنَ المُسْلِمِينَ وَأعْطَانِي مِنْهَا مِثْلَ ما أعْطَى رَجُلاً مِنْهُمْ ثُمّ قالَ لَوْلاَ أنّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "لاَ نَفْلَ إلاّ بَعْدَ الخُمُسِ" لأعْطَيْتُكَ ثُمّ
ـــــــ
"باب في النفل من الذهب والفضة"
هل يجوز أم لا، فدل الحديث على الجواز "ومن أول مغنم": أي يكون النفل من أول الغنيمة التي يغنمها المجاهدون، وليس النفل فيما يؤخذ من مباحات دار الحرب بعد القتال والحرب، بل انها تكون بين الغانمين سواء لا يختص بها أحد.
" عن أبي الجويرية" بضم الجيم وفتح الواو اسمه حطان بن خفاف تابعي مشهور"الجرمي" بفتح الجيم وسكون الراء "جرة"بفتح الجيم وتشديد الراء ظرف معروف من الخزف "في إمرة معاوية" بكسر الهمزة وسكون الميم أي في زمان إمارته "وعلينا رجل" أي أمير"من بني سليم" بالتصغير "معن" بفتح الميم وسكون العين المهملة "فأتيته بها" أي فجئت إلى معن بالجرة "فقسمها" أي الدنانير "بين المسلمين" أي من الغزاة "لولا أني سمعت الخ" يريد أن الحديث يدل على أن النفل يكون من الغنيمة لأنه محل الخمس وهذا ليس بغنيمة قاله في فتح الودود
وقال الشيخ عبدالحق الدهلوي قوله لا نفل إلا بعد الخمس وههنا ليس بخمس لأن هذا المال لم يكن غنيمة أخذت عنوة بل فيء وليس فيه الخمس فلا نفل والنفل أيضا إنما يكون في القتال انتهى.
وفي المرقاة قال القاضي ظاهر هذا الكلام يدل على أنه إنما لم ينفل أبا الجويرية من الدنانير التي وجدها لسماعه قوله صلى الله عليه وسلم لا نفل إلا بعد الخمس وأنه المانع لتنفيله ووجهه أن ذلك يدل على أن النفل إنما يكون من الأخماس الأربعة التي هي للغانمين كما دل عليه حديث حبيب بن مسلمة الفهري عند أبي داود ولعل التي وجدها كانت من عداد الفيء فلذلك لم يعط النفل منه انتهى "لأعطيتك" هو محل ترجمة الباب وهي جواز النفل من الذهب والفضة

(7/307)


أخَذَ يَعْرِضُ عَلَيّ مِنْ نَصِيبِهِ فَأَبَيْتُ".
2751 - حدثنا هَنّادٌ عن ابنِ المُبَارَكِ عنْ أبِي عُوَانَةَ عن عَاصِمَ بنِ كُلَيْبٍ بإسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ.
ـــــــ
وأن يكون النفل من أول الغنيمة والله أعلم "ثم أخذ يعرض علي من نصيبه" أي شرع عرض نصيبه علي "فأبيت" أي من أخذ نصيبه
قال المنذري: في إسناده عاصم بن كليب وقد قال علي بن المديني لا يحتج به إذا تفرد وقال الإمام أحمد: لا بأس بحديثه وقال أبو حاتم الرازي صالح وقال النسائي ثقة واحتج به مسلم.
"حدثنا هناد"هكذا في جميع النسخ الحاضرة وقال المزي في الأطراف حديث أصبت جرة فيها دنانير أخرجه أبو داود في الجهاد عن أبي صالح محبوب بن موسى عن أبي إسحاق الفزاري عن عاصم بن كليب عن أبي الجويرية فذكره وعن هناد بن السري عن بن المبارك عن أبي عوانة عن عاصم بن كليب بمعناه قال أبو بكر الخطيب في نسختين مرويتين عن أبي داود هذا الحديث عن أبي إسحاق الفزاري عن بن المبارك عن أبي عوانة عن عاصم بن كليب انتهى.

(7/308)


160 - باب في الإمام يستأثر بشيء من الفيء لنفسه
2752 - حدثنا الْوَلِيدُ بن عُتْبَةَ قال أخبرنا الوَلِيدُ حدثنا عَبْدُالله بنُ الْعَلاَءِ أنّهُ سَمِعَ أبا سَلاّمٍ الأسْوَدَ قالَ سَمِعْتُ عَمْرَو بنَ عَبْسَةَ قالَ: "صَلّى بِنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إلَى بَعيرٍ مِنَ المَغْنَمِ فَلَمّا سَلّمَ أخَذَ وَبَرَةً مِنْ جَنْبِ البَعِيرِ ثُمّ قالَ وَلاَ يَحِلّ لِي مِنْ غَنَائِمِكُم مِثْلُ هَذَا إلاّ الْخُمُسَ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُم".
ـــــــ
"باب في الإمام يستأثر"
معنى يستأثر يختار "من الفيء" أي من الغنيمة.
"عمرو بن عبسة": بفتحات "إلى بعير": أي متوجهاً إليه والمعنى جعله سترة له "وبرة": بفتحات أي شعرة.
قال في فتح الودود: الوبرة بفتحتين واحد من صوف الغنم "مثل هذا": إشارة إلى الوبرة

(7/308)


على تأويل شيء "والخمس مردود فيكم": أي مصروف في مصالحكم من السلاح والخيل وغير ذلك فيه أن أربعة أخماس الغنيمة للغانمين وأنها لم تكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الشوكاني: لا يأخذ الإمام من الغنيمة إلا الخمس ويقسم الباقي منها بين الغانمين، والخمس الذي يأخذه أيضاً ليس هو له وحده، بل يجب عليه أن يرده على المسلمين على حسب ما فصله الله تعالى في كتابه بقوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} وروى الطبراني في الأوسط وابن مردويه في التفسير من حديث ابن عباس قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية قسم خمس الغنيمة، فضرب ذلك الخمس في خمسة ثم قرأ: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ} الآية، فجعل سهم الله وسهم رسوله واحداً وسهم ذوي القربى هو والذي قبله في الخيل والسلاح وجعل سهم اليتامى وسهم المساكين وسهم ابن السبيل لا نعطيه غيرهم ثم جعل الأربعة الأسهم الباقية للفرس سهمان ولراكبه سهم وللراجل سهم" وروى أيضاً أبو عبيد في كتاب الأموال نحوه. وفي حديث الباب دليل على أنه لا يستحق الإمام السهم الذي يقال له الصفي واحتج من قال بأنه يستحقه بما أخرجه المؤلف في باب صفايا رسول الله صلى الله عليه وسلم من كتاب الخراج والإمارة ويجيء هناك بيانه قال المنذري وأخرجه النسائي وابن ماجه من حديث عبادة بن الصامت بنحوه. وروي أيضاً من حديث جبير بن مطعم والعرباض بن سارية رضي الله عنهم.

(7/309)


161 - باب في الوفاء بالعهد
2753 - حدثنا عَبْدُالله بنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن عَبْدِالله بنِ دِينَارٍ عن ابنِ عُمَرَ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنّ الْغَادِرَ يُنْصَبُ لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ هَذِهِ غَدْرَةُ فُلاَنٍ بنِ فُلاَنٍ".
ـــــــ
"باب في الوفاء بالعهد"
"إن الغادر": الغدر ضد الوفاء، أي الخائن لإنسان عاهده أو أمنه "ينصب له لواء": أي علم خلفه تشهيراً له بالغدر وتفضيحاً على رؤوس الأشهاد "فيقال": أي ينادى عليه يومئذ "هذه غدرة فلان بن فلان": أي هذه الهيئة الحاصلة له مجازاة غدرته. قاله العزيزي: قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.

(7/309)


162 - باب في الإمام يستجن به في العهود
[باب يستجن بالإمام في العهود]
2754 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ الصّبّاحِ الْبَزّازُ أخبرنا عبد الرحمن بنُ أبِي الزّنَادِ عن أبِي الزّنَادِ عن الأَعْرَجِ عن أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنّمَا الإمَامُ جُنّةٌ يُقَاتَلُ بِهِ".
2755 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ أخبرنا عَبْدُالله بنُ وَهْبٍ أخبرَني عَمْرٌو عن بُكَيْرٍ بنِ اْلأشَجّ عن الْحَسَنِ بنِ عَلِيّ بنِ أبِي رَافِعٍ أنّ أبَا رَافِعٍ أخْبَرَهُ قال: "بَعَثَنِي
ـــــــ
"باب في الإمام يستجن"
بصيغةالمجهول "به": أي بالإمام "في العهود": والميثاق والصلح والأمان. وفي بعض النسخ باب يستجن بالإمام في العهود. قال الراغب: أصل الجن الستر عن الحاسة انتهى. وفي لسان العرب: جن الشيء يجنه جناً ستره، وكل شيء ستر عنك فقد جن عنك وأجنه ستره، وبه سمي الجن لاستتارهم واختفائهم عن الأبصار، ومنه سمي الجنين لا ستتاره في بطن أمه، واستجن فلان إذا استتر بشيء انتهى. والمعنى أن الإمام يستتر به وأنه محل العصمة والوقاية للرعية، فالإمام كالمجن والترس، فإن من استتر بالترس فقد وقى نفسه من أذية العدو فكذا الإمام يستتر به في العهود والميثاق والصلح والأمان فالإمام إذا عقد العهد وصالح بين المسلمين وبين غير أهل الإسلام إلى مدة، فالمسلمون يسيرون ويمرون في بلاد أهل الشرك ولا يتعرض لهم مخالفوهم بأذية ولا فساد في أنفسهم وأموالهم لأجل هذا الصلح، وكذا يسيرون أهل الشرك في بلاد الإسلام من غير خوف على أنفسهم وأموالهم، فالستر والمنع عن الأذى والفساد لا يحصل إلا بعهد وأمان الإمام والله أعلم. كذا في الشرح.
"إنما الإمام جنة" بضم الجيم. قال النووي: أي كالساتر لأنه يمنع العدو من أذى المسلمين، ويمنع الناس بعضهم من بعض، ويحمي بيضة الإسلام انتهى قال الخطابي: معناه أن الإمام هو الذي يعقد العهد والهدنة بين المسلمين وبين أهل الشرك، فإذا رأى ذلك صلاحاً لهم وهادنهم فقد وجب على المسلمين أن يجيزوا أمانه لهم. ومعنى الجنة العصمة والوقاية، وليس لغير الإمام أن يجعل لأمة بأسرها من الكفار أماناً انتهى "يقاتل": بالبناء للمفعول "به": أي برأيه وأمره. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.

(7/310)


[بعثتني] قُرَيْشٌ إلى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَلمّا رَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أُلْقِيَ في قَلْبِيَ الإسلاَمُ فَقُلْتُ: يَارسُولَ الله إنيّ والله لا أَرْجِعُ إلَيْهمْ أبَداً، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنّي لا أَخِيسُ بالْعَهْدِ وَلا أَحْبُسُ الْبُرُدَ وَلكِن ارْجِعْ فإنْ كانَ في نَفْسِكَ الّذِي في نَفْسِكَ الآن فارْجِعْ". قَالَ: فَذَهَبْتُ ثُمّ أتَيْتُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فأَسْلَمْتُ. قال بُكَيْرٌ وأخبرني أنّ أبَا رَافِعٍ كانَ قِبْطِيّا.
قَالَ أبُو دَاوُدَ[سمعت أبا داود يقول] هَذَا كانَ في ذَلِكَ الزّمَانِ، وَالْيَوْمَ[فأما اليوم] لا يَصْلُحُ.
ـــــــ
"ألقي"بصيغة المجهول أي أوقع "لا أخيس": بكسر الخاء المعجمة بعدها تحتية أي لا أنقض العهد، من خاس الشيء في الوعاء إذا فسد "ولا أحبس": بالحاء المهملة والموحدة "البرد": بضمتين، وقيل بسكون الراء جمع بريد وهو الرسول. قال الخطابي: يشبه أن يكون المعنى في ذلك أن الرسالة تقتضي جواباً والجواب لا يصل إلى المرسل إلا مع الرسول بعد انصرافه، فصار كأنه عقد له العقد مدة مجيئه ورجوعه. قال وفي قوله لا أخيس بالعهد أن العهد يراعى مع الكافر كما يراعى مع المسلم، وأن الكافر إذا عقد لك عقد أمان فقد وجب عليك أن تؤمنه ولا تغتاله في دم ولا مال ولا منفعة انتهى "فإن كان": أي ثبت "في نفسك": أي في مستقبل الزمان "الذي في نفسك الآن": يعني الإسلام "فارجع": أي من الكفار إلينا "قال بكير": هو ابن الأشج "وأخبرني": أي الحسن بن علي "قبطياً": أي عبداً قبطياً "واليوم لا يصلح": أي لا يصلح نسبته إلى الرق تعظيماً لشأن الصحابة رضي الله عنهم. كذا في بعض الحواشي، وهذا ليس بشيء والصحيح ما قاله الشيخ ابن تيمية في المنتقي معناه والله أعلم أنه كان في المرة التي شرط لهم فيها أن يرد من جاءه منهم مسلماً انتهى. وقال في زاد المعاد: وكان هديه أيضاً أن لا يحبس الرسول عنده إذا اختار دينه ويمنعه اللحاق بقومه بل يرده إليهم كما قال أبو رافع فذكر حديثه. قال أبو داوود: وكان هذا في المدة التي شرط لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرد إليهم من جاء منهم وإن كان مسلماً وأما اليوم فلا يصلح هذا. وفي قوله لا أحبس البرد إشعار بأن هذا حكم يختص بالرسل مطلقاً. وأما رده لمن جاء إليه منهم وإن كان مسلماً فهذا إنما يكون مع الشرط كما قال أبو داوود. وأما الرسل فلهم حكم آخر ألا تراه لم يتعرض لرسولي مسيلمة وقد قالا له في وجهه ما قالاه انتهى. كذا في الشرح. قال المنذري: وأخرجه النسائي. قال أبو داوود هكذا كان في ذلك الزمان فأما اليوم لا يصلح. هذا آخر كلامه. وأبو رافع اسمه إبراهيم، ويقال أسلم، ويقال ثابت، ويقال هرمز.

(7/311)


163 - باب في الإمام يكون بينه وبين العدو عهد فيسير نحوه[إليه]
2756 - حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ النّمِرِيّ أخبرنا شُعْبَةُ عن أبي الْفَيْضِ عن سُلَيْمِ بنِ عَامِرٍ - رَجُلٍ مِنْ حِمْيَرَ - قال: كَانَ بَيْنَ مُعَاوِيَةَ وَبَينَ الرّومِ عَهْدٌ وكانَ يَسِيرُ نَحْوَ بِلاَدِهِمْ، حتّى إذَا انْقَضَى الْعَهْدُ غَزَاهُمْ، فَجَاءَ رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ أو بِرْذَوْنٍ وَهُوَ يَقُولُ: الله أكْبَرُ الله أكْبَرُ وَفَاءٌ لا غَدْرٌ فَنَظَرُوا فإذَا عَمْرُو بنُ عَبْسَةَ، فأَرْسَلَ إلَيْهِ مُعَاوِيَةُ فَسأَلَهُ فقال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَلاَ يَشُدّ عُقْدَةً وَلا يَحُلّهَا حتّى يَنْقَضِيَ أمَدُهَا، أوْ يَنْبِذَ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ" ، فَرَجَعَ مُعَاوِيَةُ.
ـــــــ
"باب في الإمام يكون بينه وبين العدو عهد فيسيرإليه"
"عن سليم": بالتصغير "وكان يسير نحو بلادهم": أي يذهب معاوية قبل انقضاء العهد ليقرب من بلادهم حين انقضاء العهد "على فرس أو برذون": بكسر الموحدة وفتح الذال المعجمة: قال الطيبي: المراد بالفرس هنا العربي وبالبرذون التركي من الخيل "يقول الله أكبر الله أكبر": أي تعجباً واستبعاداً "وفاء لا غدر": بالرفع على أن لا للعطف أي الواجب عليك وفاء لا غدر "فإذا عمرو بن عبسة": بفتح العين المهملة والباء الموحدة والسين المهملة وإنما كره عمرو بن عبسة ذلك لأنه إذا هادنهم إلى مدة وهو مقيم في وطنه فقد صارت مدة مسيره بعد انقضاء المدة المضروبة كالمشروط مع المدة في أن لا يغزوهم فيها، فإذا سار إليهم في أيام الهدنة كان إيقاعه قبل الوقت الذي يتوقعونه قعد ذلك عمرو غدراً. وأما إن نقض أهل الهدنة بأن ظهرت منهم خيانة فله أن يسير إليهم على غفلة منهم "لا يشد عقدة ولا يحلها": بضم الحاء من الحل بمعنى نقض العهد والشد ضده والظاهر أن المجموع كناية عن حفظ العهد وعدم التعرض له ولفظ الترمذي "فلا يحلن عهداً ولا يشدنه" قال في المرقاة: أراد به المبالغة عن عدم التغيير وإلا فلا مانع من الزيادة في العهد والتأكيد، والمعنى لا يغيرن عهداً ولا ينقضنه بوجه. وفي رواية "فيشده ولا يحله" قال الطيبي: هكذا بجملته عبارة عن عدم التغيير في العهد فلا يذهب على اعتبار معاني مفرداتها. وقال ابن الملك: أي لا يجوز نقض العهد ولا الزيادة على تلك المدة والله أعلم "أمدها": بالأمد بفتحتين بمعنى الغاية "أو ينبذ": بكسر الباء أي يرمي عهدهم "إليهم": بأن يخبرهم بأنه نقض العهد على تقدير خوف الخيانة منهم "على سواء": أي ليكون خصمه مساوياً معه في النقض كي لا يكون ذلك منه غدراً لقوله تعالى" {وَإِمَّا تَخَافَنَّ

(7/312)


مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} قال الطيبي: قوله "على سواء"حال انتهى. قال المظهر: أي يعلمهم أنه يريد أن يغزوهم وأن الصلح قد ارتفع فيكون الفريقان في علم ذلك سواء. قال المنذري: وأخرجه الترمذي، وقال الترمذي حسن صحيح.

(7/313)


باب في الوقاء للمعاهد وحرمة ذمته
...
164 - باب في الوفاء للمعاهد وحرمة ذمته
2757 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أَبي شَيْبَةَ أخبرنا وَكِيعٌ عن عُيَيْنَةَ بنِ عبد الرحمن عن أَبِيِه عن أَبي بَكَرَةَ قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ قَتَلَ معُاهِداً في غَيْرِ كُنْهِهِ حَرّمَ الله عَلَيْهِ الْجَنّةَ".
ـــــــ
"باب في الوفاء للمعاهد"
بفتح الهاء أشهر "وحرمة": بالضم ما لا يحل انتهاكه "ذمته": قال في المصباح: وتفسر الذمة بالعهد وبالأمان، وسمي المعاهد ذمياً نسبة إلى الذمة بمعنى العهد انتهى.
"من قتل معاهداً": قال في النهاية: يجوز أن يكون بكسر الهاء وفتحها على الفاعل والمفعول وهو في الحديث بالفتح أشهر وأكثر، والمعاهد من كان بينك وبينه عهد، وأكثر ما يطلق في الحديث على أهل الذمة، وقد يطلق على غيرهم من الكفار إذا صولحوا على ترك الحرب مدة ما انتهى.
"في غيركنهه"قال في النهاية كنه الأمر حقيقته، وقيل وقته وقدره، وقيل غايته، يعني من قتله في غير وقته أو غاية أمره الذي يجوز فيه قتله انتهى. وقال العلقمي أي في غير وقته أو غاية أمره الذي يجوز فيه قتله "حرم الله عليه الجنة": أي لا يدخلها مع أول من يدخلها من المسلمين الذين لم يقترفوا الكبائر قال المنذري: وأخرجه النسائي.

(7/313)


165 - باب في الرسل
2758 - حدثنا مُحمّدُ بنُ عَمْرِو الرّازِيّ أخبرنا سَلَمَةُ - يَعني ابنَ الْفَضْلِ عن مُحمّدِ بنِ إسْحَاقَ قال: كَانَ مُسَيْلِمَةُ كَتَبَ إلى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، قال: وَقَدْ حدّثني مُحمّدُ بنُ إسْحَاقَ عن شَيْخٍ مِنْ أَشْجَعَ يُقَالُ لَهُ سَعْدُ بنُ طَارِقٍ عن سلَمَةَ بنِ نُعَيْمِ بنِ
ـــــــ
"باب في الرسل"
جمع الرسول "كان مسيلمة" بضم الميم الأولى وفتح السين وكسر اللام وهو الكذاب

(7/313)


166 - باب في أمان المرأة
2760 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالحٍ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني عِيَاضُ بنُ عَبْدِالله عن مَخْرَمةَ بنِ سُلَيْمانَ عن كُرَيْبٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قال حدّثَتْنِي اّمّ هَانىءٍ بِنْتُ أَبي طَالِبٍ: أنّهَا أجَارَتْ رَجُلاً مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَأتَتِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، قال فقالَ: "قَدْ أجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ وَآمَنّا مَنْ آمَنْتِ".
2761 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ قال أنْبأنَا[حدثنا] سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن مَنْصُورٍ عن إبْرَاهِيمَ عن الأسْوَدِ عن عَائِشَةَ قالَتْ: إنْ كَانَت المَرْأةُ لَتُجِيرُ عَلَى المُؤْمِنِينَ فَيَجُوزُ.
ـــــــ
"باب في أمان المرأة"
"أجارت رجلاً": أي أمنته من الإجارة بمعنى الأمن "وآمناً من آمنت": أي أعطينا الأمان لمن أعطيته. قال الخطابي: أجمع عامة أهل العلم أن أمان المرأة جائز، وكذلك قال أكثر الفقهاء في أمان العبد غير أن أبا حنيفة وأصحابه فرقوا بين العبد الذي يقاتل والذي لا يقاتل فأجازوا أمانة إذا كان ممن يقاتل، ولم يجيزوا أمانه إن لم يقاتل، فأما أمان الصبي فإنه لا ينعقد لأن القلم مرفوع عنه انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي بنحوه"إن كانت": إن مخففة من المثقلة "لتجير على المؤمنين": قال في اللمعات: ومعنى علي باعتبار منعهم منه، يقال أجار فلان علي فلان إذا: أعانه عليه ومنعه منه انتهى. قال قال المنذري: وأخرجه النسائي.

(7/315)


167 - باب في صلح العدو
2762 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ عُبَيْدٍ أنّ مُحَمّدَ بنَ ثَوْرٍ حَدّثَهُمْ عن مَعْمَرٍ عن الزّهْرِيّ عن عُرْوَةَ بنِ الزّبَيْرِ عن المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ قال: "خَرَجَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ
ـــــــ
"باب في صلح العدو"
"زمن الحديبية" بضم الحاء المهملة وفتح الدال المهملة قال في النهاية قرية قريبة من

(7/315)


168 - باب في العدو يؤتى على غرة ويتشبه بهم
2765 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ أخبرنا سُفْيَانُ عن عَمْرِو بنِ دِينَارٍ عن جَابِرٍ
ـــــــ
"باب في العدو يؤتى"
بصيغة المجهول"على غرة" أي غفلة، فيدخل الرجل المسلم على العدو الكافر ويقتله على غفلة منه، والحال أن العدو لا يعلم بعزم قتله ولا يقف على إرادته "ويتشبه" أي المسلم الداخل على العدو "بهم" أي بالأعداء في ظاهر الحال وقلبه مطمئن بالإيمان فيتشبه بهيئتهم وأخلاقهم والتلفظ بالكلمات التي فيها تورية بل بالكلمات المنكرة عند الشرع كما قال محمد بن مسلمة "إن هذا الرجل قد سألنا الصدقة وقد عنّانا" فإن التلفظ بأمثال هذه الكلمات لا يجوز قطعاً في غير هذه الحالة.
وفي رواية محمد بن إسحاق "فقال محمد بن مسلمة أنا لك به يارسول الله أنا أقتله، قال فافعل إن قدرت على ذلك، قال يارسول الله لا بد لنا أن نقول، قال قولوا ما بدا لكم فأنتم في حال من ذلك" انتهى. فأباح له الكذب لأنه من خدع الحرب. قال الحافظ: وقد ظهر من سياق ابن سعد للقصة أنهم استأذنوه في أن يشكوا منه وأن يعيبوا دينه انتهى.
قال ابن المنير: هنا لطيفة هي أن النيل من عرضه كفر ولا يباح إلا بإكراه لمن قلبه مطمئن بالإيمان وأين الإكراه هنا وأجاب بأن كعباً كان يحرض على قتل المسلمين وكان في قتله خلاصهم فكأنه أكره الناس على النطق بهذا الكلام بتعريضه إياهم للقتل فدفعوا عن أنفسهم بألسنتهم مع أن قلوبهم مطمئنة بالإيمان انتهى وهو حسن نفيس. والمقصود من عقد هذا الباب أن هذه الأفعال والخديعة وأشباهها تجوز لقتل العدو الكافر لكن لا يجوز ذلك بالعدو بعد الأمان

(7/321)


قالَ: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ لِكَعْبِ بنِ الأَشْرَفِ فَإنّهُ قَدْ آذَى الله وَرَسُولَهُ"، فقامَ مُحَمّدُ بنُ مَسْلَمَةَ فقالَ أنَا يَارَسُولَ الله، أتُحِبّ أنْ أقْتُلَهُ؟ قالَ "نَعَمْ" قالَ فَأْذَنْ لِي أنْ أقُولَ شَيْئاً؟ قالَ "نَعَمْ قُلْ"، فَأتَاهُ فقالَ إنّ هَذَا الرّجُلَ قَدْ سَألَنَا الصّدَقَةَ، وَقَدْ عَنّانَا، قَالَ وَأيْضاً لَتَمَلّنّهُ؟ قالَ اتّبَعْنَاهُ فَنَحْنُ نَكْرَهُ أنْ نَدَعَهُ حَتّى نَنْظُرَ إلَى أيّ شَيْءٍ يَصِيرُ أمْرُهُ، وَقَدْ أرَدْنَا أنْ تُسْلِفَنَا وَسْقاً أوْ وسْقَيْنِ. قالَ كُعْبٌ: أيّ شَيْءٍ تَرْهَنُونيِ؟ قال[قالو] وَمَا تُرِيدُ مِنّا؟
ـــــــ
والصلح والذمة، وعليه يحمل حديث أبي هريرة المذكور في الباب. وبعد الأمان يجوز ذلك بمن نقض العهد وأعان على قتل المسلمين كما فُعل بكعب اليهودي، وقصته كما عند ابن إسحاق وغيره أن كعباً كان شاعراً وكان يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحرض عليه كفار قريش، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة، وكان اليهود والمشركون يؤذون المسلمين أشد الأذى فأمر الله رسوله والمسلمين بالصبر، فلما أبى كعب بن الأشرف أن ينزع عن أذاه وقد كان عاهد النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن لا يعين عليه أحداً فنقض كعب العهد وسبه وسب أصحابه، وكان من عداوته أنه لما قدم البشيران بقتل من قتل ببدر وأسر من قال أسر كعب أحق هذا أترون أن محمداً قتل هؤلاء الذين يسمي هذان الرجلان، فهؤلاء أشراف العرب وملوك الناس، والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها، فلما أيقن الخبر ورأى الأسرى مقرنين كبت وذل وخرج إلى قريش يبكي على قتلاهم ويحرضهم على قتاله صلى الله عليه وسلم، ثم رجع إلى المدينة فشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم. كذا في شرح المواهب للزرقاني.
وقال بعضهم إن قتل كعب كان قبل النهي كما سيجيء. هذا ملخص من شرح أبي داوود لأبي الطيب.
"من لكعب بن الأشرف": أي من الذي ينتدب إلى قتله "قد آذى الله ورسوله": لأنه كان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين ويحرض قريشاً "فأذن لي أن أقول شيئاً": أي قولاً غير مطابق للواقع يسر كعباً لنتوصل به إلى التمكن من قتله وإنه استأذن أن يفتعل شيئاً يحتال به "فأتاه": أي أتى محمد بن مسلمة كعب بن الأشرف "إن هذا الرجل": يعني النبي صلى الله عليه وسلم "وقد عنانا": بالمهملة وتشديد النون الأولى من العناء وهو التعب "قال": أي كعب بن الأشرف "وأيضاً": أي وزيادة على ذلك وقد فسره بعد ذلك قوله "لتملنه": بفتح المثناة والميم وتشديد اللام المضمومة وبالنون المشددة من الملال أي ليزيدن ملالتكم وضجركم عنه "أن ندعه": أي نتركه إلى أي شيء يصير أمره أي أمر النبي صلى الله عليه وسلم، أي يغلب الناس أو يغلبه الناس، كذا في فتح الودود "أن تسلفنا": السلف والسلم والقرض "وسقاً": الوسق بفتح الواو وكسرها ستون صاعاً والصاع أربعة أمداد "أي

(7/322)


فقال نِسَاءَكُم. قالُوا سُبْحَانَ الله أنْتَ أجْمَلُ الْعَرَبِ نَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا فَيَكُونُ ذَلِكَ عَاراً عَلَيْنَا، قالَ: فَتَرْهَنُونِي أوْلاَدَكُمْ، قالُوا سُبْحَانَ الله يُسَبّ ابنُ أحَدِنَا فَيُقَالُ رُهِنْتَ بِوَسْقٍ أوْ وَسْقَيْنِ؟ قالُوا نَرْهَنُكَ الّلأْمَةَ يُرِيدُ السّلاَحَ، قالَ نَعَمْ، فَلَمّا أتَاهُ نَادَاهُ فَخَرَجَ إلَيْهِ وَهُوَ مُتَطَيّبٌ يَنْضَخُ رَأْسُهُ، فَلَمّا أنْ جَلَسَ إلَيْهِ وَقَدْ كَانَ جَاءَ مَعَهُ بِنَفْرٍ ثَلاَثَةٍ أوْ أرْبَعَةٍ فَذَكَرُوا لَهُ، قالَ عِنْدِي فُلاَنَةُ، وَهِيَ أعْطَرُ نِسَاءِ النّاسِ، قالَ تَأْذَنُ لِي فَأشُمّ؟ قالَ نَعَمْ فَأدْخَلَ يَدَهُ في رَأْسِهِ فَشَمّهُ، قالَ أعُودُ قالَ نَعَمْ فَأدْخَلَ يَدَهُ في رَأْسِهِ فَلَمّا اسْتَمْكَنَ مِنْهُ قالَ دُونَكُمْ فَضَرَبُوهُ حَتّى قَتَلُوهُ.
2766 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ حُزَابَةَ أخبرنا إسْحَاقُ يَعْنِي ابنَ مَنْصُورٍ أخبرنا أسْبَاطُ الْهَمْدَانِيّ عنْ السّدّيّ عن أبِيهِ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "الإيمَانُ قَيّدَ الْفَتْكَ لاَ يَفِتِكُ مُؤْمِنٌ".
ـــــــ
شيء ترهنوني" أي أي شيء تدفعونه إلي يكون رهناً "قال": كذا في بعض النسخ وفي بعضها قالوا وهو الظاهر "نساءكم": بالنصب أي أريد نساءكم "يسب": بصيغة المجهول "رهنت": بصيغة المجهول "اللأمة": باللام وسكون الهمزة "يريد السلاح": هذا تفسير اللأمة من بعض الرواة. وقال أهل اللغة: اللأمة الدرع، فعلى هذا إطلاق السلاح عليها من إطلاق اسم الكل على البعض. وفي النهاية: اللأمة مهموزة الدرع وقيل السلاح، ولأمة الحرب أداته وقد يترك الهمز تخفيفاً انتهى "ينضخ رأسه": أي يفوح منه ريح الطيب "جاء معه": أي مع محمد بن مسلمة "قال دونكم": أي قال محمد بن مسلمة لأصحابه خذوه. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"حدثنا محمد بن حزابة" بضم الحاء المهملة ثم زاي خفيفة وبعد الألف موحدة "الإيمان قيد الفتك" بفتح فاء وسكون فوقية. قال في المجمع: هو أن يأتي صاحبه وهو غافل فيشد عليه فيقتله، وقال فيه في مادة قيد: قيد الإيمان الفتك أي الإيمان يمنع عن الفتك كما يمنع القيد عن التصرف فكأنه جعل الفتك مقيداً قال في النهاية: الفتك أن يأتي الرجل صاحبه وهو غار غافل فيشد عليه فيقتله، والغيلة أن يخدعه ثم يقتله في موضع خفي انتهى. قلت: معنى الحديث أن الإيمان يمنع من الفتك الذي هو القتل بعد الأمان غدراً كما يمنع القيد من التصرف والله أعلم "لا يفتك مؤمن" قال في فتح الودود: على بناء الفاعل بضم التاء وكسرها والخبر في معنى النهي ويجوز جزمه على النهي، وقتل كعب وغيره كان قبل النهي أو هو مخصوص. وقال

(7/323)


في المجمع: أي إيمانه يمنعه عن الفتك. قال المنذري: في إسناده أسباط بن بكر الهمداني واسماعيل بن عياش السدي، وقد أخرج لهما مسلم وتكلم فيهما غير واحد من الأئمة.

(7/324)


169 - باب في التكبير على كل شرف في المسير
2767 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن نَافِعٍ عن عَبْدِالله بنِ عُمَرَ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم: "كَانَ إذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوٍ أوْ حَجَ أوْ عُمْرَةٍ يُكَبّرُ عَلَى كُلّ شَرَفٍ مِنَ الأرْضِ ثَلاَثَ تَكْبِيرَاتٍ وَيَقُولُ لاَ إلَهَ إلاّ الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ سَاجِدُونَ لِرَبّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ الله وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَهُ".
ـــــــ
"باب في التكبير على كل شرف في المسير"
الشرف بفتحتين المكان المرتفع"إذا قفل" أي رجع "آئبون" أي راجعون "وهزم الأحزاب وحده" قال الطيبي: الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق فهزمهم الله بغير قتال. قال القاري: ويمكن أن يراد بهم أنواع الكفار الذين غلبوا بالهزيمة والفرار. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.

(7/324)


169 - باب في الإذن في القفول بعد النهي
2768 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ مُحَمّدِ بنِ ثَابِتٍ المَروَزِيّ حدّثَني عَلِيّ بنُ الْحُسَيْنِ عن أبِيهِ عن يَزِيدَ النّحْوِيّ عنْ عِكْرِمَةَ عن ابن عَبّاس قالَ: "{لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بالله وَالْيَوْمِ الآخر} الآية نَسَخَتْهَا الّتِي في النّورِ: {إنّمَا المُؤْمِنُونَ الّذِينَ آمَنُوا بالله وَرَسُولِهِ - إلَى قَوْلِهِ -: غَفُورٌ رَحِيمٌ}".
ـــــــ
"باب في الإذن في القفول بعد النهي"
القفول الرجوع.
{لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} وبعده {أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ}
وقبله {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} وكان صلى الله عليه وسلم أذن لجماعة في التخلف باجتهاد منه فنزلت هذه الآية عتاباً له وقدم العفو تطميناً لقلبه "التي في النور" أي الآية التي في سورة النور {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ

(7/324)


171 - باب في بعثة البشراء
2769 - حدثنا أبُو تَوْبَةَ الرّبِيعُ بنُ نَافِعٍ أخبرنا عِيسَى عنْ إسْمَاعِيلَ عنقَيْسٍ عن جَرِيرٍ قالَ قالَ لِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ألاَ تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ فَأتَاهَا فَحَرّقَهَا ثُمّ بَعَثَ رَجُلاً مِنْ أحْمَسَ إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم يُبَشّرُهُ يُكْنَى أبَا أرْطَاةَ".
ـــــــ
"باب في بعثة البشراء"
جمع بشير.
"عن جرير": هو ابن عبد الله البجلي رضي الله عنه "ألا": بالتخفيف للتنبيه "تريحني": من الإراحة "من ذي الخلصة": بفتح الخاء المعجمة واللام بعدها مهملة.
قال الحافظ: والخلصة اسم للبيت الذي كان فيه الصنم، وقيل اسم البيت الخلصة واسم الصنم ذو الخلصة.
وفي رواية للبخاري: "وكان بيتاً في خثعم يسمى الكعبة اليمانية" "فأتاها": الضمير المرفوع لجرير والمنصوب لذي الخلصة "من أحمس": اسم قبيلة "يكنى": بصيغة المجهول والضمير للرجل "أبا أرطاة": بفتح الهمزة وسكون الراء بعدها مهملة وبعد الألف تاء تأنيث. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وأبو أرطاة اسمه الحصين بن ربيعة له صحبة.

(7/326)


172 - باب في إعطاء البشير
2770 - حدثنا ابن السّرْحِ أنْبأنَا ابنُ وَهْبٍ أخبرني يُونُسُ عن ابنِ شِهَابٍ قال أخبرني عبد الرحمن بنُ عَبْدِالله بنِ كَعْبِ بن مَالِكِ أنّ عَبْدَالله بنَ كَعْبٍ قال سَمِعْتُ كَعْبَ بنَ مَالِكٍ قالَ: "كَانَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بالمَسْجِدِ فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمّ جَلَسَ لِلنّاسِ" وَقَصّ ابنُ السّرْحِ الْحَدِيثَ قالَ: وَنَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم المُسْلِمِينَ عنْ كَلاَمِنَا أيّهَا الثّلاَثَةِ حَتّى إذَا طَالَ عَلَيّ تَسَوّرَتُ جِدَارَ حَائِطِ أبي قَتَادَةَ وَهُوَ
ـــــــ
"باب في إعطاء البشير"
"وقص ابن السرح الحديث": الحديث مذكور بطوله في صحيح البخاري في الجزء الثامن عشر منه "أيها الثلاثة": بالرفع وهو في موضع نصب على الاختصاص أي متخصصين بذلك دون بقية الناس "إذا طال علي": زمان ولا يكلمني أحد "تسورت": أي علوت سور الدار

(7/326)


ابنُ عَمّي فَسَلّمْتُ عَلَيْهِ فَوَالله مَا رَدّ عَلَيّ السّلاَمَ، ثُمّ صَلّيْتُ الصّبْحَ صَبَاحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا، فَسَمِعْتُ صَارِخاً ياكَعْبُ بنُ مَالِكٍ أبْشِرْ فَلَمّا جَاءَنِي الّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشّرُني نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَيّ فَكَسَوْتُهُمَا إيّاهُ، فَانْطَلَقْتُ حَتّى إذَا دَخَلْتُ المَسْجِدَ، فَإذَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم جَالِسٌ، فقامَ إلَيّ طَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِالله يُهَرْوِلُ حَتّى صَافَحَنِي وَهَنّأَنِي.
ـــــــ
"جدار حائط أبي قتادة": أي جدار بستانه "يهرول": أي يسرع بين المشي والعدو "وهنأني": قال في فتح الودود: بهمزة في آخره أي قال هنيئاً لك توبة الله عليك أو نحوه انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي مختصراً ومطولاً والله أعلم.

(7/327)


173 - باب في سجود الشكر
2771 - حدثنا مَخْلَدُ بنُ خَالِدٍ أخبرنا أبُو عَاصِمٍ عنْ أبي بَكَرَةَ بَكّارِ بنِ عَبْدِالعَزِيزِ قال أخْبَرني أبِي عَبْدُالعَزِيزِ عنْ أبي بَكَرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "أنّهُ كَانَ إذَا جَاءَهُ أمْرُ سُرُورٍ أوْ بُشّرَ بهِ[يسر به] خَرّ سَاجِداً شاكِراً[شكرا] لله".
ـــــــ
"باب في سجود الشكر"
"أمر سرور" بالإضافة "أو بشر به" بصيغة الماضي المجهول من التبشير، وأو للشك من الراوي. وفي بعض النسخ يسر به بصيغة المضارع المجهول من السرور. والحديث دليل على شرعية سجود الشكر.
قال في السبل: ذهب إلى شرعيته الشافعي وأحمد خلافاً لمالك ورواية أبي حنيفة بأنه لا كراهة فيها ولا ندب. والحديث دليل للأولين.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وقد روى الإمام أحمد في مسنده عن أبي بكرة أنه شهد النبي صلى الله عليه وسلم أتاه بشير يبشره بظفر جند له على عدوهم ورأسه في حجر عائشة فقام فخر ساجدا.
وفي المسند أيضا عن عبد الرحمن بن عوف قال: "خرج النبي صلى الله عليه وسلم فتوجه نحو صدقته فدخل فاستقبل القبلة فخر ساجدا فأطال السجود ثم رفع رأسه وقال إن جبريل أتاني فبشرني فقال إن الله عزوجل يقول لك من صلى عليك صليت عليه ومن سلم عليك سلمت عليه فسجدت لله شكرا".

(7/327)


2772 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ أخبرنا ابنُ أبي فُدَيْكٍ حَدّثني مُوسَى بنُ يَعْقُوبَ عن ابنِ عُثْمَانَ. قال أبُو دَاوُدَ: وَهُوَ يَحْيَى بنُ الْحَسَنِ بنِ عُثْمَانَ عن أشْعَثَ بنِ إسْحَاقَ بنِ سَعْدٍ عن عَامِرِ بنِ سَعْدٍ عن أبيهِ قال: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ مَكّةَ نُرِيدُ[يريد] المَدِينَةَ فَلَمّا كُنّا قَرِيباً مِنْ عَزْوَرَا نَزَلَ ثُمّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَدَعَا الله سَاعَةً ثُمّ خَرّ سَاجِداً فَمَكَثَ طَوِيلاً، ثُمّ قَامَ فَرَفَعَ يَدَهُ[يديه] فَدَعَا الله تعالى سَاعَةً ثُمّ خَرّ سَاجِداً فَمَكَثَ طَوِيلاً، ثُمّ قَامَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ سَاعَةً ثُمّ خَرّ سَاجِداً". ذَكَرَهُ أَحْمَدُ
ـــــــ
واعلم أنه قد اختلف هل يشترط لها الطهارة أم لا، فقيل يشترط قياساً على الصلاة، وقيل لا يشترط وهو الأقرب انتهى. وقال في النيل. وليس في أحاديث سجود الشكر ما يدل على التكبير انتهى. وفي زاد المعاد: وفي سجود كعب حين سمع صوت المبشر دليل ظاهر أن تلك كانت عادة الصحابة وهو سجود الشكر عند النعم المتجددة والنقم المندفعة، وقد سجد أبو بكر الصديق لما جاءه قتل مسيلمة الكذاب، وسجد علي لما وجد ذا الثدية مقتولاً في الخوارج وسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بشره جبرائيل أنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشراً وسجد حين شفع لأمته فشفعه الله فيهم ثلاث مرات وأتاه بشير فبشره بظفر جند له على عدوهم ورأسه في حجر عائشة رضي الله عنها فقام فخر ساجداً.
وقال أبو بكرة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه أمر يسره خر لله ساجداً. وهي آثار صحيحة لا مطعن فيها انتهى. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث بكار بن عبدالعزيز. هذا آخر كلامه. وبكار بن عبدالعزيز بن أبي بكرة فيه مقال، وقد جاء حديث سجدة الشكر من حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما بإسناد صحيح، ومن حديث كعب بن مالك رضي الله عنه، وغير ذلك.
"قال أبو داوود": هو المصنف "وهو": أي ابن عثمان "من عزورا": بفتح العين المهملة وسكون الزاي وفتح الواو وفتح الراء المهملة بالقصر، ويقال فيها عزور ثنية بالجحفة عليها الطريق من المدينة إلى مكة. كذا في النهاية. وفي المراصد: عزور بفتح أوله وسكون ثانيه وفتح الواو وآخره راء مهملة موضع أو ماء قريب من مكة، وقيل ثنية المدينتين إلى بطحاء مكة وقيل هي ثنية الجحفة عليها الطريق بين مكة والمدينة انتهى "ذكره أحمد": هو ابن صالح الراوي
ـــــــ
وفي مسند الإمام أحمد أيضا أن عليا سجد حين وجد ذا الثدية في الخوارج مقتولا.
وفي سنن سعيد بن منصور أن أبا بكر الصديق سجد حين جاءه قتل مسيلمة الكذاب.

(7/328)


ثَلاَثاً، قالَ: "إنّي سَأَلْتُ رَبّي وَشَفَعْتُ لاِمّتِي فَأعْطَانِي ثُلُثَ أُمّتِي فَخَرَرْتُ سَاجِداً شُكْراً لِرَبّي، ثُمّ رَفَعْتُ رَأْسِي فَسَألْتُ رَبّي لاِمّتِي فَأعْطَانِي ثُلُثَ أُمّتِي فَخَرَرْتُ سَاجِداً لِرَبّي شُكْراً، ثُمّ رَفَعْتُ رَأْسِي فَسَألْتُ رَبّي لاِمّتِي فَأعْطَانِي الثّلُثَ الآخر فَخَرَرْتُ سَاجِداً لِرَبّي".
قَالَ أبُو دَاوُدَ: أشْعَثُ بنُ إسْحَاقَ أسْقَطَهُ أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ حِينَ حدثنا بِهِ فَحدثني[فحدثنا] بِهِ عَنْهُ مُوسَى بنُ سَهْلٍ الرّمْلِيّ.
ـــــــ
"فأعطاني الثلث الآخر": بكسر الخاء وقيل بفتحها. قال التوربشتي: أي فأعطانيهم فلا يجب عليهم الخلود وتنالهم شفاعتي فلا يكونون كالأمم السالفة، فإن من عذب منهم وجب عليهم الخلود، وكثير منهم لعنوا لعصيانهم أنبيائهم فلم تنلهم الشفاعة، والعصاة من هذه الأمة من عوقب منهم نقي وهذب، ومن مات منهم على الشهادتين يخرج من النار وإن عذب بها وتناله الشفاعة وإن اجترح الكبائر، ويتجاوز عنهم ما وسوست به صدورهم ما لم يعملوا أو يتكلموا إلى غير ذلك من الخصائص التي خص الله تعالى هذه الأمة كرامة لنبيه صلى الله عليه وسلم انتهى. كذا في المرقاة. وفي الحديث دليل على استحباب رفع اليدين في الدعاء إلا فيما ورد الأثر بخلافه. قال المنذري: في إسناده موسى بن يعقوب الزمعي وفيه مقال.

(7/329)


174 - باب في الطروق
2773 - حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ وَ مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ قالا أخبرنا شُعْبَةُ عن مُحَارِبِ بنِ دِثَارٍ عن جَابِرِ بنِ عَبْدِالله قال: "كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَكْرَهُ أنْ يَأْ