Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود

بسم الله الرحمن الرحيم
أول كتاب الفرائض
1-باب ما جاء في تعليم الفرائض
2882 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ عَمْرِو بنِ السّرْحِ قال أخبرنا[حدثنا] ابنُ وَهْبٍ قالَ حَدّثني[أخبرنا] عبد الرحمن بنُ زِيَادٍ عن عبد الرحمن بنِ رَافِعٍ التّنُوخِيّ عن عَبْدِ الله بنِ عَمْرِو بنِ الْعَاصِ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "الْعِلْمُ ثَلاَثَةٌ وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ فَضْلٌ: آيَةٌ مُحْكَمَةٌ، أوْ سُنّةٌ قَائِمَةٌ، أوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ".
ـــــــ
أول كتاب الفرائض
باب ما جاء في تعليم الفرائض
جمع فريضة كحديقة وحدائق، والفريضة فعيلة بمعنى مفروضة مأخذوة من الفرض وهو القطع، يقال فرضت لفلان كذا أي قطعت له شيئاً من المال. قاله الخطابي: وخصت المواريث باسم الفرائض من قوله تعالى {نَصِيباً مَفْرُوضاً} أي مقدراً أو معلوماً أو مقطوعاً عن غيرهم كذا في الفتح.
"العلم" أي الذي هو أصل علوم الدين، واللام للعهد الذهني "فهو فضل" أي زائد لا ضرورة إلى معرفته "آية محكمه" أي غير منسوخة أو ما لا يحتمل إلا تأويلاً واحداً. قاله القاري "أو سنة قائمة" أي ثابتة صحيحة منقولة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأو للتنويع "أو فريضة عادلة" قال في فتح الودود: المراد بالفريضة كل حكم من الأحكام يحصل به العدل في القسمة بين الورثة. وقيل المراد بالفريضة كل ما يجب العمل به وبالعادلة المساوية لما يؤخذ من القرآن والسنة في وجوب العمل فهذا إشارة إلى الإجماع والقياس وكلام المصنف مبني على المعنى الأول انتهى.
قال الخطابي: في هذا حث على تعلم الفرائض وتحريض عليه وتقديم لعلمه، والآية

(8/66)


المحكمة هي كتاب الله تعالى واشترط فيها الإحكام لأن من الآي ما هو منسوخ لا يعمل به وإنما يعمل بناسخه. والسنة القائمة هي الثابتة مما جاء عنه صلى الله عليه وآله وسلم من السنن المروية، وذكر في الفريضة العادلة قريباً مما في فتح الودود. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه، وفي إسناده عبد الرحمَن بن زياد بن أنعم الإفريقي وهو أول مولود ولد بإفريقية في الإسلام وولي القضاء بها، وقد تكلم فيه غير واحد. وفيه أيضاً عبد الرحمَن بن رافع التنوخي قاضي إفريقية وقد غمزه البخاري وابن أبي حاتم.

(8/67)


2 - باب في الكلالة
2883 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ قال حدثنا سُفْيَانُ قال سَمِعْتُ ابنَ المُنْكَدِرِ أنّهُ سَمِعَ جَابِراً يَقُولُ: مَرِضْتُ فَأتَانِي النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَعُودُني هُوَ وَأبُو بَكْرٍ مَاشِيَيْنِ، وَقَدْ أُغْمِيَ عَلَيّ فَلَمْ أُكَلّمْهُ فَتَوَضّأَ وَصَبّهُ عَلَيّ، فَأفَقْتُ فَقُلْتُ: يَارَسُولَ الله كَيْفَ أصْنَعُ في مَالِي وَلِي أخَوَاتٌ؟ قال فَنَزَلَتْ آيَةُ المِيرَاثِ[المواريث] {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُم في الْكَلاَلَةِ}.
ـــــــ
باب في الكلالة
قال القسطلاني: الكلالة الميت الذي لا ولد له ولا والد، وهو قول جمهور اللغويين، وقال به علي وابن مسعود. أو الذي لا والد له فقط، وهو قول عمر. أو الذي لا ولد له فقط، وهو قول بعضهم. أو من لا يرثه أب ولا أم. وعلى هذه الأقوال فالكلالة اسم للميت، وقيل الكلالة اسم للورثة ما عدا الأبوين والولد. قاله قطرب واختاره أبو بكر رضي الله عنه. وسموا بذلك لأن الميت بذهاب طرفيه تكلله الورثة أي أحاطوا به من جميع جهاته انتهى.
"يعودني" من العيادة "وصبه" أي صب ماء وضوئه "فأفقت" أي من إغمائي "ولي أخوات" قال الخطابي: وكان جابر يوم نزول الآية ليس له ولد ولا والد. قال وروى أن عبد الله بن حرام أبا جابر قتل يوم أحد، ونزلت آية الكلالة في آخر عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم "فنزلت آية الميراث" وهي قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ} الآية: {يَسْتَفْتُونَكَ} أي يستخبرونك في الكلالة، والاستفتاء طلب الفتوى. وتمام الآية: {إِنِ امْرُؤٌ} مرفوع بفعل يفسره {هَلَكَ} أي مات {لَيْسَ لَهُ} أي ولا والد وهو الكلالة {وَلَهُ أُخْتٌ} من أبوين أو أب {فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ} أي الأخ كذلك {يَرِثُهَا} جميع ما تركت {إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ} فإن كان لها ولد ذكر فلا شيء له أو أنثى فله ما فضل عن نصيبها. ولو كانت الأخت أو الأخ من أم ففرضه السدس

(8/67)


كما تقدم أول السورة {فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ} أي الأختان {اثْنَتَيْنِ} أي فصاعداً لأنها نزلت في جابر وقد مات عن أخوات {فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ} أي الأخ. كذا في تفسير الجلالين. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.

(8/68)


باب من كان ليس له و ولد وله أخوات
...
3 - باب من كان ليس له ولد وله أخوات
2884 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ قال أخبرنا كَثِيرُ بنُ هِشَامٍ قال أخبرنا هِشَامٌ - يَعني الدّسْتَوَائِيّ - عن أبي الزّبَيْرِ عن جَابِرٍ قال: اشْتَكَيْتُ وَعِنْدِي سَبْعُ أخَوَاتٍ فَدَخَلَ عَلَيّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَنَفَخَ في وَجْهِي فَأفَقْتُ فَقُلْتُ: يَارَسُولَ الله ألاَ أُوصِي لاِءَخَوَاتِي بالثّلُثِ[بالثلثين] قال: "أحْسِنْ"، قُلْتُ: الشّطْرَ؟ قال: "أحْسِنْ"، ثُمّ خَرَجَ وَتَرَكَنِي فقال: يَاجَابِرُ "لاَ أُرَاكَ مَيّتاً مِنْ وَجَعِكَ هَذَا؟ وَإنّ الله قَدْ أنْزَلَ فَبَيّنَ الّذِي لأخَوَاتِكَ، فَجَعَلَ لَهُنّ الثّلُثَيْنِ". قال: فَكَانَ جَابِرٌ يَقُولُ: أُنْزِلَتْ فِيّ هَذِهِ الآية: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ}.
2885 - حدثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ قال حدثنا شُعْبَةُ عن أبي إسْحَاقَ عنْ الْبَرَاءِ بنِ عَازِبٍ قال: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ في الْكَلاَلَةِ: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ في الكَلاَلَةِ}.
2886 - حدثنا مَنْصُورُ بنُ أبي مُزَاحِمٍ قال أخبرنا أبُو بَكْرٍ عن أبي إسْحَاقَ عن
ـــــــ
باب من كان ليس له ولد وله أخوات
"اشتكيت" أي مرضت "ألا أوصي لأخواتي" أي من مالي الذي يكون بعد موتي لأخواتي. قاله مولانا محمد إسحاق الدهلوي "قال أحسن" أي إلى أخواتك "الشطر" أي النصف "لا أراك" بضم الهمزة أي لا أظنك "من وجعك" أي من مرضك. قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"قال آخر آية نزلت في الكلالة" إن قلت كيف الجمع بين هذا وبين حديث ابن عباس قال آخر آية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم آية الربى" قلت: يجمع بينهما بأن الآيتين نزلتا جميعاً فيصدق أن كلاً منهما آخر بالنسبة لما عداهما، ويحتمل أن تكون الآخرية في آية النساء مقيدة بما يتعلق بالمواريث مثلاً بخلاف آية البقرة، ويحتمل عكسه والأول أرجح لما في آية البقرة من الإشارة إلى معنى الوفاة المستلزمة لخاتمة النزول. ذكره الحافظ في الفتح. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي

(8/68)


الْبَرَاءِ بنِ عَازِبٍ قال: "جَاءَ رَجُلٌ إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالَ: يَارَسُولَ الله {يَسْتَفْتُونَكَ في الْكِلاَلَةِ} فَمَا الْكَلاَلَةُ؟ قال: "تُجْزِئُكَ آيَةُ الصّيْفِ". قُلْتُ[فقلت] لاِءَبِي إسْحَاقَ: هُوَ مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَدَعْ وَلَداً وَلا وَالِداً[ولا ولد ولد] قالَ: كَذَلِكَ[كذا] ظَنّوا أنّهُ كَذَلِكَ".
ـــــــ
"جاء رجل" قال الخطابي: قد روى أن هذا الرجل هو عمر بن الخطاب، ويشبه أن يكون إنما لم يفته عن مسألته، ووكل الأمر في ذلك إلى بيان الآية اعتماداً على علمه وفهمه انتهى ملخصاً "تجزئك" أي تكفيك "آية الصيف" وهي قوله تعالى {وَيَسْتَفْتُونَكَ} الآية.
قال الخطابي: أنزل الله في الكلالة آيتين أحدهما في الشتاء وهي الآية التي في أول سورة النساء وفيها إجمال وإبهام لا يكاد يتبين هذا المعنى من ظاهرها، ثم أنزل الآية الأخرى في الصيف وهي التي في آخر سورة النساء وفيها من زيدة البيان ما ليس في آية الشتاء، فأحال السائل عليها ليتبين المراد بالكلالة المذكورة فيها انتهى. "هو من مات الخ" قال الخطابي: واختلفوا في الكلالة من هو، فقال أكثر الصحابة هو من لا ولد له ولا والد، وروى عن عمر بن الخطاب مثل قولهم، وروى عنه أنه قال هو من لا ولد له، ويقال إن هذا آخر قوليه. قال المنذري وأخرجه الترمذي.

(8/69)


4 - باب ما جاء في ميراث الصلب
2887 - حدثنا عَبْدُ الله بنُ عَامِرِ بنِ زُرَارَةَ قال أخبرنا عَلِيّ بنُ مُسْهِرٍ عن الأعْمَشِ عن أبي قَيْسٍ الأوْدِيّ عن هُزَيْلِ بنِ شُرَحْبِيلَ الأوْدِيّ قال: جَاءَ رَجُلٌ إلَى أبي مُوسَى الأشْعَرِيّ وَسَلْمَانَ بنِ رَبِيعَةَ، فَسَألَهُمَا عن ابْنَةٍ وَابْنَةِ ابنٍ وَأُخْتٍ لأَبٍ وَأُمّ، فقالا: لاِبْنَتِهِ النّصْفُ وَلِلاْخْتِ مِنَ الأبِ وَالأُمّ النّصْفُ، وَلَمْ يُوَرّثَا بِنْتَ الابْنِ شَيْئاً، وَائْتِ ابنَ مَسْعُودٍ فإنّهُ سَيُتَابِعُنَا، فَأتَاهُ الرّجُلُ، فَسَألَهُ، وَأخْبَرَهُ بِقَوْلِهِمَا. فَقالَ: لَقَدْ ضَلَلْتُ إذاً وَمَا أنَا مِنَ المُهْتَدِينَ، وَلَكِنّي سَأقْضِي[أقضي] فيهَا[فيهما] بِقَضَاءِ
ـــــــ
باب ما جاء في ميراث الصلب
أي الأولاد كالإبن والبنت وابن الإبن وبنت الإبن.
"عن هزيل" بالتصغير "ابن شرحبيل" بضم معجمة وفتح راء وسكون مهملة وكسر موحدة وترك صرف "وائت ابن مسعود" هذا مقول أبي موسى "سيتابعنا" أي يوافقنا"لقد ضللت إذاً" أي

(8/69)


رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم: لاِبْنَتِهِ النّصْفُ، وَلاِبْنَةِ الابْنِ سَهْمٌ تَكْمِلَةُ الثّلُثَيْنِ، وَمَا بَقِيَ فَلِلاْخْتِ مِنَ الأبِ وَالأُمّ.
2888 - حدثنا مُسْدَدٌ قال أخبرنا بِشْرُ بنُ المُفَضّلِ قال أخبرنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمّدِ بنِ عَقِيلٍ عن جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله قال: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم حَتّى جِئْنَا امْرَأةً مِنَ الأنْصَارِ في الأسْوَافِ[الأسواق] فَجَاءَت المَرْأةُ بِابْنَتَيْنِ لَهَا فَقَالَتْ: يَارَسُولَ الله هَاتَانِ بِنْتَا ثَابِتِ بنِ قَيْسٍ قُتِلَ مَعَكَ يَوْمَ أُحُدٍ وَقَدْ اسْتَفَاءَ عَمّهُمَا مَالَهُمَا وَمِيرَاثَهُمَا كُلّهُ وَلَمْ يَدَعْ لَهُمَا مَالاً إلاّ أخَذَهُ، فَمَا تَرَى يَارَسُولَ الله؟ فَوَ الله لا تُنْكَحَانِ أبَداً إلاّ وَلَهُمَا
ـــــــ
إن وافقتهما وقلت بحرمان بنت الإبن "فيها" أي في هذه القضية "ولابنة الإبن سهم" وهو السدس "تكملة الثلثين" منصوب على أنه مفعول له أي لتكميل الثلثين "وما بقي فللأخت" أي لكونها عصبة مع البنات وبيانه أن حق البنات الثلثان وقد أخذت البنت الواحدة النصف فبقي سدس من حق البنات فهو لبنت الإبن تكملة الثلثين وما بقي فللأخت.
قال الخطابي: فيه بيان أن الأخوات مع البنات عصبة وهو قول جماعة الصحابة والتابعين وعوام فقهاء الأمصار، إلا ابن عباس فإنه قد خالف عامة الصحابة في ذلك وكان يقول في رجل مات وترك ابنة وأختاً لأبيه وأمه أن النصف للبنت وليس للأخت شيء انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه، وليس في حديث البخاري ذكر سلمان بن ربيعة وأخرجه النسائي بالوجهين.
"في الأسواف" بالفاء. قال في النهاية: هو اسم لحرم المدينة الذي حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى. وفي بعض النسخ بالقاف مكان الفاء "هاتان بنتا ثابت بن قيس" قال الخطابي: هو غلط من بعض الرواة، فإنما هو سعد بن الربيع وهما ابنتاه وقتل سعد بأحد وبقي ثابت بن قيس حتى شهد اليمامة في عهد أبي بكر رضي الله عنه. انتهى ملخصاً "قتل معك" أي مصاحباً لك. قال الطيبي رحمه الله لا يجوز أن يتعلق معك بقتل انتهى. والحاصل أنه ظرف مستقل لا ظرف لغو "وقد استفاء عمهما مالهما": معناه استرد واسترجع حقهما من الميراث وأصله من الفيء الذي يؤخذ من أموال الكفار وإنما هو مال رده الله تعالى إلى المسلمين كان في أيدي الكفار انتهى.
قال في المجمع: أي استرجعه وجعله فيئاً له، وهو استفعل من الفيء "فو الله لا تنكحان أبداً إلا ولهما مال" يعني أن الأزواج لا يرغبون في نكاحهن إلا إذا كان معهن مال وكان ذلك

(8/70)


مَالٌ. فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يَقْضِي الله في ذَلِكَ". قال وَنَزَلَتْ سُورَةُ النّسَاءِ: {يُوصِيكُمُ الله في أوْلاَدِكُم} الآية. فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "اُدْعُوا لِيَ المَرْأةَ وَصَاحِبَهَا"، فَقالَ لِعَمّهِمَا: "أعْطِهِمَا الثّلُثَيْنِ وَأعْطِ أُمّهُمَا الثّمُنَ وَمَا بَقِيَ فَلَكَ".
قَالَ أبُو دَاوُدَ: أخْطَأَ بِشْرٌ فِيهِ، إنّمَا هُما ابْنَتَا سَعْدِ بنِ الرّبِيعِ وَثَابِتُ بنُ قَيْسٍ، قُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ.
2889 - حدثنا ابنُ السّرْحِ قال أخبرنا ابنُ وَهْبٍ قال أخبرني دَاوُدُ بنُ قَيْسٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أهْلِ الْعِلْمِ عن عَبْد الله بنِ مُحَمّدِ بنِ عَقِيلٍ عن جَابِرٍ بنِ عَبْدِ الله: أنّ امْرَأةَ سَعْدِ بنِ الرّبِيعِ قالَتْ: يَارَسُولَ الله إنّ سَعْداً هَلَكَ وَتَرَكَ ابْنَتَيْن وَسَاقَ نَحْوَهُ. قَالَ أبُو دَاوُدَ: هَذَا هُوَ أصَحّ.
2890 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قال أخبرنا أبانُ قال أخبرنا قَتَادَةُ قال حدّثني أبُو حَسّانَ عن الأسْوَدِ بنِ يَزِيدَ: أنّ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ وَرّثَ أُخْتاً وَابْنَةً، فَجَعَلَ[جعل] لِكُلّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا النّصْفَ وَهُوَ بالْيَمَنِ وَنَبيّ الله صلى الله عليه وسلم يَوْمَئِذٍ حَيّ.
ـــــــ
معروفاً في العرب. قاله في النيل "يقضي الله" أي يحكم "وصاحبها" يعني أخا زوجها "وما بقي فلك" أي بالعصوبة. والحديث فيه دليل على أن للبنتين الثلثين، وإليه ذهب الأكثرون. وقال ابن عباس بل للثلاث فصاعداً لقوله تعالى: {فَوْقَ اثْنَتَيْنِ} وحديث الباب نص في محل النزاع قاله في النيل "أخطأ بشر" هو ابن المفضل "فيه" أي في الحديث "يوم اليمامة" اسم بلد وقع فيه القتال بين أبي بكر رضي الله عنه وبين مسيلمة الكذاب. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه وفي حديثهما سعد بن الربوع وقال الترمذي حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل. هذا آخر كلامه وعبد الله بن محمد بن عقيل اختلف الأئمة في الاحتجاج بحديثه.
"وساق" أي داؤد بن قيس "نحوه" أي نحو حديث بشر.
"ونبي الله صلى الله عليه وسلم يومئذ حي" فيه إشارة إلى أن معاذاً لا يقضي بمثل هذا القضاء في حياته صلى الله عليه وسلم إلا لدليل يعرفه، ولو لم يكن لديه دليل لم يعجل بالقضية. قاله في النيل، والحديث سكت عنه المنذري.

(8/71)


5 - باب في الجدة
[باب ما جاء في ميراث الجدة]
2891 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن ابنِ شِهَابٍ عن عُثْمَانَ بنِ إسْحَاقَ بنِ خَرَشَةَ عن قَبِيصَةَ بنِ ذُؤَيْبٍ أنّهُ قال: جَاءَت الْجَدّةُ إلَى أبي بَكْرٍ الصّدّيقِ رَضِيَ الله عَنْهُ[كرم الله وجهه] تَسْألُهُ مِيرَاثَها، فقال: مَا لَكِ في كِتَابِ الله شَيْءٌ،[من شيء] وَما عَلِمْتُ لَكِ في سُنّةِ نَبِيّ الله صلى الله عليه وسلم شَيْئاً، فَارْجِعِي حَتّى أسْألَ النّاسَ، فَسَألَ النّاسَ، فقال المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ: حَضَرْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أعْطَاهَا السّدُسَ، فقال أبُو بَكْرٍ: هَلْ مَعَكَ غَيْرُكَ؟ فقامَ مُحَمّدُ بنُ مَسْلَمَةَ فقالَ مِثْلَ مَا قَالَ المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ، فَأنْفَذَهُ لَهَا أبُو بَكْر رَضِيَ الله عَنْهُ. ثُمّ جَاءَتِ الْجَدّةُ الأُخْرَى إلَى عُمَرَ بنِ الْخَطّابِ تَسْألُهُ مِيرَاثَهَا، فَقالَ: مَا لَكِ في كِتَابِ الله شَيْءٌ وَمَا كَانَ الْقَضَاءُ الّذِي قُضِيَ بِهِ إلاّ لِغَيْرِكِ وما أنا بِزَائِدٍ في الْفَرَائِضِ وَلَكِنْ هُوَ ذَلِكَ السّدُسُ، فَإنْ اجْتَمَعْتُمَا فيه فَهُوَ بَيْنَكُمَا وَأيّتُكُمَا[أيكما] ما خَلَتْ بِهِ فَهُوَ لَهَا.
ـــــــ
باب في الجدة
أي أم الأب وأم الأم.
"عن عثمان بن إسحاق بن خرشة" بمعجمتين بينهما راء مفتوحات "عن قبيصة" بفتح القاف وكسر الموحدة "ابن ذؤيب" بالتصغير "جاءت الجدة" أي أم الأم كما في رواية. قاله القاري "مالك" أي ليس لك "حتى أسأل الناس" أي الصحابة رضي الله عنهم "فأنفذه لها" أي فأنفذ الحكم بالسدس للجدة وأعطاه إياها "ثم جاءت الجدة الأخرى" قال في فتح الودود: في رواية الترمذي "التي تخالفها" والمراد أنها على خلاف صفة التي جاءت ألى أبي بكر رضي الله عنه بأنها أم الأب وهذه أم الأم أو بالعكس انتهى "وما" نافية "كان القضاء الذي قضى" بصيغة المجهول "به" أي في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر "إلا لغيرك" الخطاب للجدة الأخرى، وغيرها هي الجدة الأولى "ولكن هو" أي فرض الجدة "وأيتكما ما خلت به" ما زائدة أي انفردت بالسدس. والحديث فيه دليل على أن فرض الجدة السدس سواء كانت واحدة أو أكثر. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي حسن صحيح وفي لفظ الترمذي "جاءت الجدة أم الأم أو أم الأب إلى أبي بكر رضي الله عنه" وفي لفظ النسائي "أن الجدة أم الأب أتت أبا بكر رضي الله عنه".

(8/72)


2892 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ عَبْدِالعَزِيزِ بن أبِي رِزْمَةَ قال أخبرني أبِي قال أخبرنا عُبَيْدُ الله أبُو المُنِيبِ الْعَتَكِيّ عن ابنِ بُرَيْدَةَ عن أبِيهِ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم[فرض] لِلْجَدّةِ السّدُسَ إذَا لَمْ تَكُنْ دُونَها أُمّ".
ـــــــ
"العتكي" بفتح المهملة والمثناة "عن ابن بريدة" هو عبد الله "إذا لم تكن دونها أم" قال الطيبي: دون هنا بمعنى قدام" لأن الحاجب كالحاجز بين الوارث والميراث انتهى. والمعنى إن لم يكن هناك أم الميت، فإن كانت هناك أم الميت لا ترث الجدة لا أم الأم ولا أم الأب. قال المنذري: وأخرجه النسائي. وفي إسناده عبيد الله العتكي وهو أبو المنيب عبيد الله بن عبد الله العتكي المروزي، وقد وثقه يحيى بن معين، وتكلم فيه غير واحد.

(8/73)


6 - باب ما جاء في ميراث الجد
2893 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ كَثِيرٍ قال أخبرنا هَمّامٌ عن قَتَادَةَ عن الْحَسَنِ عن عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ: أنّ رَجُلاً أتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: إنّ ابنَ ابْنِي مَاتَ فَما لِي مِنْ مِيرَاثِهِ؟ قال: "لَكَ السّدُسُ" ، فَلَمّا أدْبَرَ دَعَاهُ فقال: "لَكَ سُدُسٌ آخَرَ" ، فَلَمّا أدْبَرَ دَعَاهُ فقال "إنّ السّدُسَ الآخر طُعْمَةٌ"، قال قَتَادَةُ: فَلاَ يَدْرُونَ مَعَ أيّ شَيْءٍ وَرّثَهُ قال قَتَادَةُ: أقَلّ شَيْءٍ وَرِثَ الْجَدّ السّدُسَ.
ـــــــ
باب ما جاء في ميراث الجد
أي أب الأب دون أب الأم فإنه جد فاسد ليس من أصحاب الفرائض ولا من العصبات وإنما هو من ذوي الأرحام.
"إن ابن ابني مات فما لي من ميراثه" أي وله بنتان ولهما الثلثان وكان معلوماً عندهم. قاله القاري "لك السدس" أي بالفرضية "لك سدس آخر" أي بالعصوبة "إن السدس الآخر" ضبط في بعض النسخ بفتح الخاء وقال القاري في المرقاة بكسر الخاء، وفي نسخة بالفتح والمراد به الآخر بالكسر "طعمة" أي لك، يعني رزق لك بسبب عدم كثرة أصحاب الفروض وليس بفرض لك، فإنهم إن كثروا لم يبق هذا السدس الأخير لك. قال الطيبي رحمه الله: صورة هذه المسألة أن الميت ترك بنتين وهذا السائل فلهما الثلثان وبقي الثلث فدفع عليه الصلاة والسلام إلى السائل سدساً بالفرض لأنه جد الميت وتركه حتى ذهب فدعاه ودفع إليه السدس الأخير كيلا يظن أن فرضه الثلث، ومعنى الطعمة هنا التعصيب أي رزق لك ليس بفرض، وإنما قال في

(8/73)


2894 - حدثنا وَهْبُ بنُ بَقِيّةَ عن خَالِدٍ عن يُونُسَ عن الْحَسَنِ أنّ عُمَرَ قال: أيّكُم يَعْلَمُ مَا وَرّثَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الْجَدّ؟ قالَ[فقال] مَعْقِلُ بنُ يَسَارٍ: أَنَا وَرّثَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم السّدُسَ، قال: مَعَ مَنْ؟ قال: لاَ أدْرِي، قال: لاَ دَرَيْتَ فَمَا تَغْنِي إذاً.
ـــــــ
السدس الآخر طعمة دون الأول لأنه فرض والفرض لا يتغير بخلاف التعصيب، فلما لم يكن التعصيب شيئاً مستقراً ثابتاً سماه طعمة انتهى. "فلا يدرون" أي الصحابة "مع أي شيء" أي من الورثة "أقل شيء" مبتدأ موصوف "ورث" يخفة الراء "الجد" فاعل ورث والجملة صفة خبر المبتدأ، أي أقل شيء ورثه الجد السدس "السدس" مفعوله، والجملة خبر والمعنى أن وراثة السدس الواحد للجد هي أقل شيء له لأنه يستحق في بعض الأحيان للسدسين السدس الواحد بالفرض والسدس الآخر بالعصوبة والله أعلم. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي حسن صحيح. هذا آخر كلامه. وقد قال علي بن المديني وأبو حاتم الرازي وغيرهما إن الحسن لم يسمع من عمران بن حصين.
"عن الحسن" هو البصري "قال معقل بن يسار أنا" أي أنا أعلم "ورثه" أي الجد. قال المنذري: وأخرجه النسائي وأخرجه ابن ماجه بنحوه وحديث الحسن عن عمر بن الخطاب منقطع فإنه ولد في سنة إحدى وعشرين وقتل عمر رضي الله عنه في سنة ثلاث وعشرين ومات فيها. وقيل مات سنة أربع وعشرين وذكر أبو حاتم الرازي أنه لم يصح للحسن سماع عن معقل بن يسار رضي الله عنهم. وقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحهما حديث الحسن عن معقل بن يسار.

(8/74)


7 - باب في ميراث العصبة
2895- حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالحٍ وَ مَخْلَدُ بنُ خَالِدٍ - وَهَذَا حَدِيثُ مَخْلَدٍ وَهُوَ أشْبَعُ - قالا أخبرنا عَبْدُالرّزّاقِ أخبرنا مَعْمَرٌ عن ابنِ طَاؤُسٍ عن أبِيهِ عن ابنِ عَبّاسٍ
ـــــــ
باب في ميراث العصبة
العصبة كل من يأخذ من التركة ما أبقته أصحاب الفرائض، وعند الانفراد يحرز جميع المال.
"وهو أشبع" أي حديث مخلد أتم من حديث أحمد "بين أهل الفرائض" جمع فريضة فعيلة بمعنى مفعولة وهو الأنصباء المقدرة في كتاب الله وهي النصف ونصفه ونصف نصفه،

(8/74)


قالَ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "اقْسِم المَالَ بَيْنَ أهْلِ الْفَرَائِضِ عَلَى كِتَابِ الله فَمَا تَرَكَتِ الْفَرَائِضُ فَلأَوْلَى ذَكَرٍ".
ـــــــ
والثلثان ونصفهما ونصف نصفهما، والمراد بأهلها المستحقون لها بنص القرآن "على كتاب الله" أي على ما فيه "فما تركت الفرائض" المعنى فما بقي من أهل الفرائض "فلأولى" بفتح الهمزة واللام بينهما واو ساكنة "ذكر": أي لأقرب ذكر من الميت مأخوذ من الولي وهو القرب، وفيه تنبيه على سبب استحقاقه وهي الذكورة التي سبب العصوبة.
وفي نسخة الخطابي "فلأولى عصبة ذكر قال" قال القسطلاني أي أقرب في النسب إلى الموروث دون الأبعد، والوصف بالذكورة للتنبيه على سبب الاستحقاق بالعصوبة والترجيح في الإرث بكون الذكر له مثل حظ الأنثيين، لأن الرجال تلحقهم مؤن كثيرة بالقتال والقيام بالضيفان والعيال ونحو ذلك. انتهى. وقال في السبل: المراد بأولى رجل أن الرجل من العصبة بعد أهل الفرائض إذا كان فيهم من هو أقرب إلى الميت استحق دون من هو أبعد، فإن استووا اشتركوا وخرج من ذلك الأخ والأخت لأبوين أو لأب فإنهم يرثون بنص قوله تعالى: {وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} وأقرب العصبات البنون ثم بنوهم وإن سفلوا، ثم الأب ثم الجد أبو الأب وإن علوا. والحديث مبني على وجود عصبة من الرجال فإذا لم يوجد عصبة من الرجال أعطى بقية الميراث من لا فرض له من النساء. انتهى كلامه. وقال الخطابي: أولى ها هنا أقرب، والولي القريب، يريد أقرب العصبة إلى الميت كالأخ والعم، فإن الأخ أقرب من العم، وكالعم وابن العم، فإن العم أقرب من ابن العم، وعلى هذا المعنى. ولو كان قوله عليه السلام أولى بمعنى أحق لبقي الكلام مبهماً لا يستفاد منه بيان الحكم إذ كان لا يدري من الأحق ممن ليس بأحق فعلم أن معناه قرب النسب على ما فسرناه انتهى.

(8/75)


8 - باب في ميراث ذوي الأرحام
2896 - حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ قال أخبرنا شُعْبَةُ عن بُدَيْلٍ عن عَلِيّ بنِ أبي طَلْحَةَ عن رَاشِدٍ بنِ سَعْدٍ عن أبي عَامِرٍ الْهَوْزَنيّ عَبْدِ الله بنِ لُحَيّ عن المِقْدَامِ قالَ:
ـــــــ
باب في ميراث ذوي الأرحام
اعلم أن ذا الرحم هو كل قريب ليس بذي فرض ولا عصبة، فأكثر الصحابة كعمر وعلي وابن مسعود وأبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وأبي الدرداء وابن عباس رضوان الله تعالى عليهم أجمعين في رواية عنه مشهورة وغيرهم يرون توريث ذوي الأرحام، وتابعهم في ذلك من

(8/75)


قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ تَرَكَ كَلاّ فإلَيّ وَرُبّمَا قَالَ إلَى الله وَإلَى رَسُولِهِ، وَمَنْ تَرَكَ مَالاً فَلِوَرَثَتِهِ، وَأنَا وَارِثُ مَنْ لاَ وَارِثَ لَهُ، أعْقِلُ لَهُ وَارِثَهُ، وَالْخَالُ وَارِثُ مَنْ لاَ وَارِثَ لَهُ، يَعْقِلُ عَنْهُ وَيَرِثُهُ".
2897 - حدثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ في آخَرِينَ قَالُوا أخبرنا حَمّادٌ عن بُدَيْلٍ - يَعْني ابنَ مَيْسَرَةَ - عن عَلِيّ بنِ أبي طَلْحَةَ عن رَاشِدِ بنِ سَعْدٍ عن أبي عَامِرٍ الْهَوْزَنِيّ عن
ـــــــ
التابعين علقمة والنخعي وشريح والحسن وابن سيرين وعطاء ومجاهد وبه قال أبو حنيفة رحمه الله وأبو يوسف ومحمد وزفر ومن تابعهم.
وقال زيد بن ثابت وابن عباس في رواية شاذة لا ميراث لذوي الأرحام ويوضع المال عند عدم صاحب الفرض والعصبة في بيت المال، وتابعهما في ذلك من التابعين سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير، وبه قال مالك رحمه الله والشافعي رحمه الله. كذا في المرقاة وذوو الأرحام هم أولاد البنات وإن سفلوا، وأولاد بنات الإبن كذلك، والأجداد الفاسدون وإن علوا، والجدات الفاسدات وإن علون، وأولاد الأخوات وبنات الإخوة والعمات وغيرهم كما في كتب الفرائض.
"من ترك كلاً" بفتح الكاف وتشديد اللام أي ثقلاً وهو يشمل الدين والعيال، والمعنى إن ترك الأولاد فإلى ملجأهم وأنا كافلهم، وإن ترك الدين فعلى قضاؤه "أعقل له" أي أؤدي عنه ما يلزمه بسبب الجنايات التي تتحمله العاقلة "وأرثه" أي من لا وارث له.
قال القاضي رحمه الله: يريد به صرف ماله إلى بيت مال المسلمين، فإنه لله ولرسوله "والخال وارث من لا وارث له": فيه دليل لمن قال بتوريث ذوي الأرحام "يعقل عنه" أي إذا جنى ابن أخته ولم يكن له عصبة يؤدي الخال عنه الدية كالعصبة "ويرثه" أي الخال إياه قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه واختلف في هذا الحديث، وروى عن راشد بن سعد عن المقدام، وروى عن راشد بن سعد عن أبي عامر الهوزني عن المقدام، وروى عن راشد بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مرسلاً. وقال أبو بكر البيهقي في هذا الحديث: وكان ابن معين يضعفه ويقول ليس فيه حديث قوي وقال وأيضاً وقد أجمعوا على أن الخال الذي لا يكون ابن عم أو مولى لا يعقل إلا بالخؤولة فخالفوا الحديث الذي احتجوا به في العقل، فإن كان ثابتاً فيشبه أن يكون في وقت كان يعقل الخؤولة ثم صار الأمر إلى غير ذلك، أو أراد خالاً يعقل بأن يكون ابن عم أو مولي أو اختار وضع ماله فيه إذا لم يكن له وارث سواه انتهى كلام المنذري.

(8/76)


المِقْدَامِ الْكِنْدِيّ قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أنَا أوْلَى بِكُلّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ، فَمَنْ تَرَكَ دَيْناً أوْ ضَيْعَةً فَإلَيّ، وَمَنْ تَرَكَ مالاً فَلِوَرَثَتِهِ، وَأنَا مَوْلَى مَنْ لاَ مَوْلَى لَهُ، أرِثُ مَالَهُ وَأفُكّ عَانَهُ، وَالْخَالُ مَوْلَى مَنْ لاَ مَوْلَى لَهُ، يَرِثُ مَالَهُ وَيَفُكّ عَانَهُ".
قَالَ أبُو دَاوُدَ: الضّيْعَةُ مَعْنَاهُ عِيَالٌ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ الزّبَيْدِيّ عن رَاشِدِ بنِ سَعْدٍ عن ابنِ عَائِذٍ عن المِقْدَامِ. وَرَوَاهُ مُعَاوِيَةُ بنُ صَالحٍ عن رَاشِدٍ قال سَمِعْتُ المِقْدَامَ.
2898 - حدثنا عَبْدُالسّلاَمِ بنُ عَتِيقٍ الدّمَشْقِيّ قال أخبرنا مُحَمّدُ بنُ المُبَارَكِ قال أخبرنا إسْمَاعِيلُ بنُ عَيّاشٍ عن يَزِيدَ بنِ حُجْرٍ عن صَالِحِ بنِ يَحْيَى بنِ المِقْدَامِ عن أبِيهِ عن جَدّهِ قال سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "أنَا وَارِثُ مَنْ لاَ وَارِثَ لَهُ، أفُكّ عُنِيّهُ[عانيه] وَأرِثُ[نرث] مَالَهُ، وَالْخَالُ وَارِثُ مَنْ لاَ وَارِثَ لَهُ، يَفُكّ عُنِيّهُ[عانيه] وَيَرِثُ مَالَهُ".
ـــــــ
"أنا أولى بكل مؤمن من نفسه" قال في فتح الودود: معنى الأولوية النصرة والقولية أي أتولى أمورهم بعد وفاتهم، وأنصرهم فوق ما كان منهم لو عاشوا "أو ضيعة" أي عيالاُ "فإلى" أي أداء الدين وكفالة الضيعة "وأنا مولى من لا مولى له" أي وارث من لا وارث له. قاله القاري "وأفك عانه" أي أخلص أسيره بالفداء عنه وأصله عانيَه حذف الياء تخفيفاً كما في يد يقال عنا يعنو إذ خضع وذل، والمراد به من تعلقت به الحقوق بسبب الجنايات. قاله القاري "قال أبو داوود رواه الزبيدي" بالزاي والموحدة مصغراً هو محمد بن الوليد ويشير المؤلف بكلامه هذا إلى الاختلاف في إسناد الحديث. والحديث سكت عنه المنذري.
"افك عنيه" بضم عين وكسر نون وتشديد ياء بمعنى الأسر. قال الخطابي: هو مصدر عنا الرجل يعنو عنواً وعنياً، وفيه لغة أخرى عني يعني. ومعنى الأسر ها هنا هو ما يتعلق به ذمته ويلزمه بسبب الجنايات التي سبيلها أن تتحملها العاقلة، وبيان ذلك قوله عليه السلام في هذا الحديث من رواية شعبة عن بديل ابن ميسرة "يعقل عنه ويرث ماله" والحديث حجة لمن ذهب
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
فهذا ما رد به حديث الخال وهي بأسرها وجوه ضعيفة.
أما قولهم: إن أحاديثه ضعاف فكلام فيه إجمال فإن أريد بها أنها ليست في درجة الصحاح التي

(8/77)


إلى توريث ذوي الأرحام وتأول من لم يقل بتوريثهم حديث المقدام على أنه طعمة أطعمها عليه السلام الخال عند عدم الوارث لا على أن يكون للخال ميراث، ولكنه لما جعله عليه السلام يخلف الميت فيما يصير إليه من المال سماه وارثاً على سبيل المجاز كما قيل الصبر حيلة من لا حيلة له، والجوع طعام من لا طعام له انتهى مختصراً. والحديث سكت عنه المنذري.
ـــــــ
لا علة فيها فصحيح ولكن هذا لا يمنع الاحتجاج بها ولا يوجب انحطاطها عن درجة الحسن بل هذه الأحاديث وأمثالها هي الأحاديث الحسان فإنها قد تعددت طرقها ورويت من وجوه مختلفة وعرفت مخارجها ورواتها ليسوا بمجروحين ولا متهمين.
وقد أخرجها أبو حاتم بن حبان في صحيحه وحكم بصحتها.
وليس في أحاديث الأصول ما يعارضها.
وقد رويت من حديث المقدام بن معدي كرب هذا ومن حديث عمر بن الخطاب ذكره الترمذي عن حكيم بن حكيم عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال كتب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الله ورسوله مولى من لا مولى له والخال وارث من لا وارث له" قال الترمذي هذا حديث حسن.
رواه ابن حبان في صحيحه ولم يصنع من أعل هذا الحديث بحكيم بن حكيم وأنه مجهول شيئا فإنه قد روى عنه سهيل بن صالح وعبد الرحمن بن الحارث وعثمان بن حكيم أخوه ولم يعلم أن أحدا جرحه وبمثل هذا يرتفع عنه الجهالة ويحتج بحديثه.
ومن حديث عائشة ذكره الترمذي أيضا عن ابن جريج عن عمرو بن مسلم عن طاوس عن عائشة ترفعه الخال وارث من لا وارث له قال الترمذي حسن غريب.
قال: وإلى هذا الحديث ذهب أكثر أهل العلم في توريث ذوي الأرحام.
وأما زيد بن ثابت فلم يورثهم وقد أرسله بعضهم ولم يذكر فيه عن عائشة تم كلامه.
وهذا على طريقة منازعينا لا يضر الحديث شيئا لوجهين:
أحدهما: أنهم يحكمون بزيادة الثقة والذي وصله ثقة وقد زاد فيجب عندهم قبول زيادته.
الثاني: أنه مرسل قد عمل به أكثر أهل العلم كما قال الترمذي ومثل هذا حجة عند من يرى المرسل حجة كما نص عليه الشافعي.
وأما حمل الحديث على الخال الذي هو عصبته فباطل ينزه كلام الرسول عن أن يحمل عليه لما يتضمنه من اللبس فإنه أنما علق الميراث بكونه خالا فإذا كان سبب توريثه كونه ابن عم أو مولى،

(8/78)


فعدل عن هذا الوصف الموجب للتوريث إلى وصف لا يوجب التوريث وعلق به الحكم فهذا ضد البيان وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم منزه عن مثل ذلك.
وأما قوله قد أجمعوا على أن الخال لا يكون ابن عم أو مولى لا يعقل بالخؤولة فلا إجماع في ذلك أصلا وأين الإجماع.
ثم لو قدر أن الإجماع انعقد على خلافه في التعاقل فلم ينعقد على عدم توريثه بل جمهور العلماء يورثونه وهو قول أكثر الصحابة فكيف يترك القول بتوريثه لأجل القول بعدم تحمله في العاقلة.
وهذا حديث المسح على الجوربين والخمار والمسح على العصائب والتساخين والمسح على الناصية والعمامة قد أخذوا منه ببعضه دون بعض وكذلك حديث بصرة ابن أبي بصرة في الذي تزوج امرأة فوجدها حبلى أخذوا ببعضه دون بعض وهذا موجود في غير حديث.
وقوله لو كان ثابتا يكون في وقت كان الخال يعقل بالخؤولة فهو إشارة إلى النسخ الذي لا يمكن إثباته إلا بعد أمرين .
أحدهما ثبوت معارضته المقاوم له.
والثاني تأخره عنه.
ولا سبيل هنا إلى واحد من الأمرين.
وقوله اختار وضع ماله فيه يعني على سبيل الطعمة لا الميراث فباطل لثلاثة أوجه.
أحدها أن لفظ الحديث يبطله فإنه قال يرث ماله وفي لفظ يرثه.
الثاني أنه سماه وارثا والأصل في التسمية الحقيقة فلا يعدل عنها إلا بعد أمور أربعة.
أحدها قيام دليل على امتناع إرادتها.
الثاني بيان احتمال اللفظ للمعنى الذي عينه مجازا له ولا يكفي ذلك إلا بالثالث.
وهو بيان استعماله فيه لغة حتى لا يكون لنا وضع يحمل عليه لفظ النص.
وكثير من الناس يغفل عن هذه الثلاثة ويقول يحمل على كذا وكذا وهذا غلط فإن الحمل ليس بإنشاء وإنما هو إخبار عن استعمال اللفظ في ذلك المعنى الذي حمله عليه وإن لم يكن مطابقا كان خبرا كاذبا وإن أراد به أني أنشىء حمله على هذا المعنى كما يظن كثير ممن لا تحقيق عنده فهو باطل قطعا لا يحل لأحد أن يرتكبه ثم يحمل كلام الشارع عليه.
الرابع الجواب عن المعارض وهو دليل إرادة الحقيقية ولا يكفيه دليل امتناع إرادتها ما لم يجب عن دليل الإرادة

(8/79)


2899 - حدثنا مُسَدّدٌ قال أخبرنا يَحْيَى قال أخْبَرَنَا شُعْبَةُ المعنى ح. وحدثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ قال أخبرنا وَكِيعُ بنُ الْجَرّاحِ عن سُفْيَانَ جَمِيعاً عن ابنِ الأصْبَهَانِيّ عن مُجَاهِدِ بنِ وَرْدَانَ عن عُرْوَةَ عن عَائِشَةَ: أنّ مَوْلًى لِلنّبيّ صلى الله عليه وسلم مَاتَ وَتَرَكَ شَيْئاً وَلَمْ يَدَعْ وَلَداً وَلاَ حَميماً، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أعْطُوا مِيرَاثَهُ رَجُلاً مِنْ أهْلِ قَرْيَتِهِ".
قَالَ أبُو دَاوُدَ: حَدِيثُ سُفْيَانَ أتَمّ، وَقال مُسْدَدٌ قالَ فقالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "هَاهُنَا أحَدٌ مِنْ أهْلِ أرْضِهِ"؟ قالُوا: نَعَمْ، قال "فَأعْطُوهُ مِيرَاثَهُ".
2900 - حدثنا عَبْدُ الله بنُ سَعِيدٍ الْكِنْدِيّ قال أخبرنا المُحَارَبِيّ عن جِبْرِيلَ بنِ أحْمَرَ عن عَبْدِ الله بنِ بُرَيْدَةَ عن أبِيهِ قال: أتَى رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ فقال: إنّ عِنْدِي مِيرَاثَ رَجُلٍ مِنَ الأزْدِ وَلَسْتُ أجِدُ أزْدِيّا أدْفَعُهُ إلَيْهِ، قال: "فَاذْهَبْ فَالْتَمِسْ أزْدِيّا حَوْلاً" [فالتمس أزديا فالتمس أزدياحولا] قال: فَأتَاهُ بَعْدَ الْحَوْلِ فقال: يَارَسُولَ الله لَمْ أجِدْ أزْدِيّا أدْفَعُهُ إلَيْهِ. قال: "فَانْطَلِقْ فَانْظُرْ أوّلَ خُزَاعِيَ تَلْقَاهُ فَادْفَعْهُ إلَيْهِ"، فَلَمّا وَلّى قال: عَلَيّ الرّجُلَ، فَلَمّا جَاءَهُ قال: "انْظُرْ كُبْرَ خُزَاعَةَ فَادْفَعْهُ إلَيْهِ".
ـــــــ
"أن مولى" أي عتيقاً "ولا حميماً" أي قريباً "أعطوا ميراثه رجلاً من أهل قريته" أي فإنه أولى من آحاد المسلمين. قال القاضي رحمه الله: إنما أمر أن يعطي رجلاً من قريته تصدقاً منه أو ترفعاً، أو لأنه كان لبيت المال ومصرفه مصالح المسلمين وسد حاجاتهم فوضعه فيهم لما رأى من المصلحة فإن الأنبياء كما لا يورث عنهم لا يرثون عن غيرهم انتهى. قال في النيل: فيه دليل على جواز صرف ميراث من لا وارث له معلوم إلى واحد من أهل بلده انتهى. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث حسن.
"فالتمس أزديا" قال في شرح القاموس: أزد بن الغوث أبو حي باليمين ومن أولاده الأنصار كلهم، وخزاعة حي من الأزد انتهى "حولاً" أي سنة "على الرجل" أي ردوه "كبر
الخامس أن المخاطبين بهذا اللفظ فهموا منه الميراث دون غيره وهم الصحابة رضي الله عنهم ولهذا كتب به عمر رضي الله عنه جوابا لأبي عبيدة حين سأله في كتابه عن ميراث الخال وهم أحق الخلق بالإصابة في الفهم.
وقد علم بهذا بطلان حمل الحديث على أن الخال السلطان وعلى أن المراد به السلب وكل هذه وجوه باطلة.
وأسعد الناس بهذه الأحاديث من ذهب إليها وبالله التوفيق.

(8/80)


2901 - حدثنا الْحُسَيْنُ بنُ أسْوَدَ الْعِجْلِيّ أخبرنا يَحْيَى - يَعْني ابن آدَمَ - قال حدثنا شَرِيكٌ عن جِبْرِيلَ بنِ أحْمَرَ أبِي بَكْرٍ عن ابْنِ بُرَيْدَةَ عن أبِيهِ قال: مَاتَ رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ فَأُتِيَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِمِيرَاثِهِ، فقالَ: "الْتَمِسُوا لَهُ وَارِثاً أوْ ذَا رَحِمٍ" ، فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ وَارِثاً ولا ذَا رَحِمٍ، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أعْطُوهُ الْكَبِيرَ[الكبر] مِنْ خُزَاعَةَ". قال يَحْيَى: قَدْ سَمِعْتُهُ مَرّةً يَقُولُ في هَذَا الْحَدِيثِ: انْظُرُوا أكْبَرَ رَجُلٍ مِنْ خُزَاعَةَ.
2902 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ أنْبأنَا عَمْرُو بنُ دِينَارٍ عن عَوْسَجَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ: أنّ رَجُلاً مَاتَ وَلَمْ يَدَعْ وَارِثاً إلاّ غُلاَماً لَهُ كَانَ أعْتَقَهُ، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "هَلْ لَهُ أحَدٌ؟ قالُوا[فقالوا]: لاَ، إلاّ غُلاَماً لَهُ كَانَ أعْتَقَهُ، فَجَعَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مِيراثَهُ لَهُ".
ـــــــ
خزاعة" بضم الكاف وسكون الموحدة. قال في النهاية: يقال فلان كبر قومه بالضم إذا كان أقعدهم في النسب وهو أن ينتسب إلى جده الأكبر بآباء أقل عدداً من باقي عشيرته، وقوله أكبر رجل أي كبيرهم وهو أقربهم إلى الجد الأعلى انتهى. قال المنذري: وأخرجه النسائي مسنداً ومرسلاً وقال جبريل بن أحمر ليس بالقوى والحديث منكر هذا آخر كلامه. وقال الموصلي: فيه نظر. وقال أبو زرعة الرازي شيخ، وقال يحيى بن معين كوفي ثقة.
"الكبير من خزاعة": وفي بعض النسخ الكبر من خزاعة والمراد من الكبير هو الكبر وتقدم معناه "أكبر رجل من خزاعة": أي كبيرهم وهو أقربهم إلى الجد الأعلى. قال المنذري: وهو الحديث المتقدم.
"ولم يدع وارثاً" أي لم يترك أحداً يرثه "إلا غلاماً له" استثناء منقطع لكن ترك عبداً "هل له أحد" أي يرثه "فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ميراثه" أي ميراث الرجل "له" أي للغلام. قال القاري: وهذا لجعل مثل ما سبق في حديث عائشة رضي الله عنها أعطوا ميراثه رجلاً من أهل قريته بطريق التبرع لأنه صار ماله لبيت المال: قال المظهر: قال شريح وطاوس: يرث العتيق من المعتق كما يرث المعتق من العقيق انتهى. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي حديث حسن. هذا آخر كلامه وقال البخاري: عوسجة مولى ابن عباس الهاشمي، روى عنه عمرو بن دينار ولم يصح. وقال أبو حاتم الرازي: ليس بالمشهور. وقال النسائي: عوسجة ليس بالمشهور ولا نعلم أحداً يروي عنه غير عمرو. وقال أبو زرعة الرازي: ثقة.

(8/81)


9 - باب ميراث ابن الملاعنة
2903 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى الرّازِيّ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ حَرْبٍ حدّثني[حدثنا] عُمَرُ بنُ رُوبَةَ التّغْلِبِيّ عن عَبْدِالوَاحِدِ بن عَبْدِ الله النّصْرِيّ عن وَاثِلَةَ بنِ الأسْقَعِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "المَرْأةُ تُحْرِزُ[تحوز] ثَلاَثَةَ[ثلاث] مَوَارِيثَ: عَتِيقَهَا وَلَقِيطَهَا وَوَلَدَهَا الّذِي لاَ عَنَتَ عَلَيْهِ [عَنْهُ]".
ـــــــ
باب ميراث ابن الملاعنة
"النصري" بالنون ثم الصاد المهملة منسوب إلى الجد "المرأة تحرز" أي تجمع، وفي بعض النسخ تحوز "عتيقها" أي ميراث عتيقها فإنه إذا أعتقت عبداً ومات لم يكن له وارث ترث ماله بالولاء "ولقيطها" هو طفل يوجد ملقي على الطريق لا يعرف أبواه. قاله في المجمع.
قال الخطابي: أما اللقيط فإنه في قول عامة الفقهاء حر، فإذا كان حراً فلا ولاء عليه لأحد، والميراث إنما يستحق بنسب أو ولاء وليس بين اللقيط وملتقطه واحد منهما. وكان إسحاق بن راهويه يقول: ولاء اللقيط لملتقطه ويحتج بحديث واثلة، وهذا الحديث غير ثابت عند أهل النقل، فإذا لم يثبت الحديث لم يلزم القول به فكان ما ذهب إليه عامة العلماء أولى انتهى "لاعنت عليه": وفي بعض النسخ "عنه" أي عن قبله ومن أجله. قال في شرح السنة: وأما
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وأعل أيضا بعبد الواحد بن عبد الله بن بسر البصري راوية عن وائلة قال ابن أبي حاتم صالح لا يحتج به.
وقد اشتمل على ثلاث جمل:
إحداها: ميراث المرأة عتيقها وهو متفق عليه.
الثانية: ميراثها ولدها الذي لاعنت عليه وقد اختلف فيه فكان زيد بن ثابت يجعل ميراثها منه كميراثها من الولد الذي لم تلاعن عليه وروى عن ابن عباس نحوه وهو قول جماعة من التابعين وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم وعندهم لا تأثير لانقطاع نسبه من أبيه في ميراث الأم منه.
وكان الحسن وابن سيرين وجابر بن زيد وعطاء والنخعي والحكم وحماد والثوري والحسن بن صالح وغيرهم يجعلون عصبة أمه عصبة له وهذا مذهب أحمد في إحدى الروايتين عنه وهو إحدى الروايتين عن علي وابن عباس.
وكان ابن مسعود وعلي في الرواية الأخرى عنه يجعلون أمه نفسها عصبة وهي قائمة مقام أمه وأبيه فإن عدمت فعصبتها عصبته.

(8/82)


الولد الذي نفاه الرجل باللعان فلا خلاف أن أحدهما لا يرث الآخر، لأن التوارث بسبب النسب انتفي باللعان، وأما نسبه من جهة الأم فثابت ويتوارثان انتهى. قال المنذري: وأخرجه الترمذي.
ـــــــ
وهذا هو الرواية الثانية عن أحمد نقلها عنه أبو الحارث ومهنا.
ونقل الأولى الأثرم وحنبل وهو مذهب مكحول والشعبي.
وأصح هذه الأقوال أن أمه نفسها عصبة وعصبتها من بعدها عصبة له هذا مقتضى الآثار والقياس.
أما الآثار: فمنها حديث واثلة هذا.
ومنها ما ذكره أبو داود في الباب عن مكحول.
ومنها ما رواه أيضا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.
ومنها ما رواه أبو داود أيضا عن عبد الله بن عبيد عن رجل من أهل الشام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لولد الملاعنة: "عصبته عصبة أمه" ذكره في المراسيل.
وفي لفظ له عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال كتبت إلى صديق لي من أهل المدينة من بني زريق أسأله عن ولد الملاعنة لمن قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فكتب إلي إني سألت فأخبرت أنه قضى به لأمه وهي بمنزلة أبيه وأمه.
وهذه آثار يشد بعضها بعضا وقد قال الشافعي إن المرسل إذا روى من وجهين مختلفين أو روى مسندا أو اعتضد بعمل بعض الصحابة فهو حجة وهذا قد روى من وجوه متعددة وعمل به من ذكرنا من الصحابة والقياس معه فإنها لو كانت معتقة كان عصبتها من الولاء عصبة لولدها ولا يكون عصبتها من النسب عصبة لهم.
ومعلوم أن تعصيب الولاء الثابت لغير المباشر بالعتق فرع على ثبوت تعصيب النسب فكيف يثبت الفرع مع انتفاء أصله.
وأيضا: فإن الولاء في الأصل لموالي الأب فإذا انقطع من جهتهم رجع إلى موالي الأم فإذا عاد من جهة الأب انتقل من موالي الأم إلى موالي الأب وهكذا النسب هو في الأصل للأب وعصباته فإذا انقطع من جهته باللعان عاد إلى الأم وعصباتها فإذا عاد إلى الأب باعترافه بالولد وإكذابه نفسه رجع النسب إليه كالولاء سواء بل النسب هو الأصل في ذلك والولاء ملحق به.
وهذا من أوضح القياس وأبينه وأدله على دقة أفهام الصحابة وبعد غورهم في مأخذ الأحكام وقد أشار إلى هذا في قوله في الحديث هي" بمنزلة أمه وأبيه".

(8/83)


والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن حرب. هذا آخر كلامه. وفي إسناده عمر بن روية التغلبي قال البخاري فيه نظر وسئل عنه أبو حاتم الرازي فقال صالح الحديث، قيل تقوم بالحجة؟ فقال لا ولكن صالح وقال الخطابي: وهذا الحديث غير ثابت عند أهل النقل. وقال البيهقي: لم يثبت البخاري ولا مسلم هذا الحديث لجهالة بعض رواته.
ـــــــ
حتى لو لم ترد هذه الآثار لكان هذا محض القياس الصحيح.
وإذا ثبت أن عصبة أمه عصبة له فهي أولى أن تكون عصبته لأنهم فرعها وهم إنما صاروا عصبة له بواسطتها ومن جهتها استفادوا تعصيبهم فلأن تكون هي نفسها عصبة أولى وأحرى.
فإن قيل: لو كانت أمه بمنزلة أمه وأبيه لحجبت إخوته ولم يرثوا معها شيئا وأيضا فإنهم إنما يرثون منه بالفرض فكيف يكونون عصبة له؟
فالجواب: إنها إنما لم تحجب إخوته من حيث إن تعصيبها مفرع على انقطاع تعصيبه من جهة الأب كما أن تعصيب الولاء مفرع على انقطاع التعصيب من جهة النسب فكما لا يحجب عصبة الولاء أحدا من أهل النسب كذلك لا تحجب الأم الإخوة لضعف تعصيبها وكونه إنما صار إليها ضرورة تعذره من جهة أصله وهو بعرض الزوال بأن يقر به الملاعن فيزول.
وأيضا فإن الاخوة استفادوا من جهتها أمرين أخوة ولد الملاعنة وتعصيبه فهم يرثون أخاهم معها بالأخوة لا بالتعصيب وتعصيبها إنما يدفع تعصيبهم لا أخوتهم ولهذا ورثوا معها بالفرض لا بالتعصيب وبالله التوفيق.
الجملة الثالثة: في حديث واثلة ميراث اللقيط وهذا قد اختلف فيه.
فذهب الجمهور إلى أنه لا توارث بينه وبين ملتقطه بذلك.
وذهب إسحاق بن راهويه إلى أن ميراثه لملتقطه عند عدم نسبه لظاهر حديث واثلة وإن صح الحديث فالقول ما قال إسحاق لأن إنعام الملتقط على اللقيط بتربيته والقيام عليه والإحسان إليه ليس بدون إنعام المعتق على العبد بعتقه فإذا كان الإنعام بالعتق سببا لميراث المعتق مع أنه لا نسب بينهما فكيف يستبعد أن يكون الإنعام بالالتقاط سببا له مع أنه قد يكون أعظم موقعا وأتم نعمة؟
وأيضا فقد ساوى هذا الملتقط المسلمين في مال اللقيط وامتاز عنهم بتربية اللقيط والقيام بمصالحه وإحيائه من الهلكة فمن محاسن الشرع ومصلحته وحكمته أن يكون أحق بميراثه.
وإذا تدبرت هذا وجدته أصح من كثير من القياسات التي يبنون عليها الأحكام والعقول أشد قبولا له.

(8/84)


2904 - حدثنا مَحْمُودُ بنُ خَالِدٍ وَ مُوسَى بنُ عَامِرٍ قالا أخبرنا الْوَلِيدُ أخبرنا ابنُ جَابِرٍ أخبرنا مَكْحُولٌ قال: "جَعَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مِيرَاثَ ابنِ المُلاَعِنَةِ لاِمّهِ وَلِوَرَثَتِهَا مِنْ بَعْدِهَا".
2905 - حدثنا مُوسَى بنُ عَامِرٍ أخبرنا الْوَلِيدُ أخبرني عِيسَى أبُو مُحَمّدٍ عن الْعَلاَءِ بنِ الْحَارِثِ عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبِيهِ عن جَدّهِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَهُ.
ـــــــ
"جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ميراث ابن الملاعنة الخ": فيه أن ابن الملاعنة يكون ميراثه لأمه فيكون للأم سهمها ثم لعصبتها على الترتيب، وهذا حيث لم يكن غير الأم وقرابتها من ابن للميت أو زوجة، فإن كان له ابن أو زوجة أعطى كل واحد ما يستحقه كما في سائر المواريث. قاله في النيل. قال المنذري: حديث مكحول مرسل. وذكر الإمام الشافعي في الرد على من قال انه احتج برواية ليست مما تقوم بها حجة. قال البيهقي وأظنه أراد حديث مكحول.
"عن عمرو بن شعيب الخ" قال المنذري: وحديث عمرو بن شعيب قد تقدم الكلام على اختلاف الأئمة في الاحتجاج به، وفي رواته أبو محمد عيسى بن موسى القرشي الدمشقي قال البيهقي: وليس بمشهور.
ـــــــ
فقول إسحاق في هذه المسألة في غاية القوة والنبي صلى الله عليه وسلم كان يدفع الميراث بدون هذا كما دفعه إلى العتيق مرة وإلى الكبر من خزاعة مرة وإلى أهل سكة الميت ودربه مرة وإلى من أسلم على يديه مرة ولم يعرف عنه صلى الله عليه وسلم شيء ينسخ ذلك ولكن الذي استقر عليه شرعه تقديم النسب على هذه الأمور كلها وأما نسخها عند عدم النسب فمما لا سبيل إلى إثباته أصلا، وبالله التوفيق.

(8/85)


10 - باب هل يرث المسلم الكافر
2906 - حدثنا مُسْدَدٌ أخبرنا سُفْيَانُ عن الزّهْرِيّ عن عَلِيّ بنِ حُسَيْنٍ عن عَمْرِو بنِ عُثْمَانَ عن أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَرِثُ المُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلا الْكَافِرُ المُسْلِمَ" [لايرث الكافر المسلم،ولا المسلم الكافر].
ـــــــ
باب هل يرث المسلم الكافر
"لا يرث المسلم الكافر إلخ": قال النووي: أجمع المسلمون على أن الكافر لا يرث المسلم، وأما المسلم من الكافر ففيه خلاف، فالجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم

(8/85)


2907 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا عَبْدُالرّزّاقِ أخبرنا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن عَلِيّ بنِ حُسَيْنٍ عن عَمْرِو بنِ عُثْمَانَ عن أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ قال: قُلْتُ: يَارَسُولَ الله أيْنَ تَنْزِلُ[ننزل] غَداً في حَجّتِهِ؟ قال: "وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مَنْزِلاً، ثُمّ قالَ: نَحْنُ نَازِلُونَ بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ قَاسَمَتْ[تقاسمت] قُرَيْشٌ عَلى الْكُفْرِ - يَعْني المُحَصّبَ" وَذَاكَ أنّ بَنِي كِنَانَةَ حَالَفَتْ قُرَيْشاً عَلَى بَنِي هَاشِمٍ أنْ لاَ يُنَاكِحُوهُمْ وَلاَ يُبَايِعُوهُمْ وَلا يُؤْوُوهُمْ.
قال الزّهْرِيّ: وَالْخَيْفُ الْوَادِي.
ـــــــ
على أنه لا يرث أيضاً، وذهب معاذ بن جبل ومعاوية وسعيد بن المسيب ومسروق رحمهم الله وغيرهم إلى أنه يرث من الكافر، واستدلوا بقوله عليه الصلاة والسلام: "الإسلام يعلو ولا يعلى عليه" وحجة الجمهور هذا الحديث الصحيح. والمراد من حديث الإسلام فضل الإسلام على المسلم بالإجماع. وأما المسلم من المرتد ففيه أيضاً الخلاف، فعند مالك والشافعي وربيعة وابن أبي ليلى وغيرهم أن المسلم لا يرث منه.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: ما اكتسبه في ردته فهو لبيت المال وما اكتسبه في الإسلام فهو لورثته المسلمين انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"وهل ترك لنا عقيل منزلاً": وزاد ابن ماجه في روايته: "وكان عقيل ورث أبا طالب هو وطالب ولم يرث جعفر ولا على شيئاً لأنهما كانا مسلمين، وكان عقيل وطالب كافرين، فكان عمر من أجل ذلك يقول: "لا يرث المؤمن الكافر" انتهى.
قال الخطابي: موضع استدلال أبي داوود من هذا الحديث في أن المسلم لا يرث الكافر أن عقيلاً لم يكن أسلم يوم وفاة أبي طالب فورثه، وكان علي وجعفر مسلمين فلم يرثاه، ولما ملك عقيل رباع عبد المطلب باعها فذلك معنى قوله عليه السلام: "وهل ترك عقيل منزلاً" انتهى "بخيف بني كنانة": بفتح الخاء وسكون التحتية ما ارتفع عن السيل وانحدر عن الجبل، والمراد به المحصب "حيث قاسمت": أي حالفت "يعني المحصب": تفسير لخيف بني كنانة. قال في المجمع: المحصب هو الشعب الذي مخرجه إلى الأبطح بين مكة ومنى "حالفت قريشاً": قال النووي: تحالفوا على إخراج النبي صلى الله عليه وسلم وبني هاشم وبني المطلب من مكة إلى هذا

(8/86)


2908 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عن حَبِيبٍ المُعَلّمِ عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبِيهِ عن جَدّهِ عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا يَتَوَارَثُ أهْلُ مِلّتَيْنِ شَتّى[شيئا]".
2909 - حدثنا مُسْدَدٌ أخبرنا عَبْدُالْوَارِثِ عن عَمْرِو بنِ أبي حَكِيمٍ الْوَاسِطِيّ أخبرنا[عن] عَبْدُ الله بنُ بُرَيْدَةَ: أنّ أخَوَيْنِ اخْتَصَمَا إلى يَحْيَى بنِ يَعْمَرَ - يَهُودِيّ وَمُسْلِمٌ - فَوَرّثَ المُسْلِمَ مِنْهُمَا، وَقال حدّثني أبُو الأسْوَدِ أنّ رَجُلاً حَدّثَهُ أنّ مُعاذاً قال
ـــــــ
الشعب وهو خفيف بني كنانة، وكتبوا بينهم الصحيفة المسطورة فيها أنواع من الأباطل، فأرسل الله عليها الأرضة، فأكلت ما فيها من الكفر وترك ما فيها من ذكر الله تعالى، فأخبر جبرئيل النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فأخبر عمه أبا طالب فأخبرهم عن النبي صلى الله عليه وسلم فوجدوه كما قال فسقط في أيديهم ونكسوا على رؤوسهم. والقصة مشهورة. وإنما اختار النزول هناك شكراً لله تعالى على النعمة في دخوله ظاهراً ونقضاً لما تعاقدوه بينهم كذا في شرح البخاري للعيني والقسطلاني. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.
"لا يتوارث أهل ملتين شتى" بفتح فتشديد صفة أهل أي متفرقون. وقال الطيبي: حال من فاعل لا يتوارث أي متفرقين. وقيل: يجوز أن يكون صفة الملتين أي ملتين متفرقتين. وفي بعض النسخ شيئاً مكان شتى. والحديث دليل على أنه لا توارث بين أهل ملتين مختلفتين بالكفر أو بالإسلام والكفر وذهب الجمهور إلى أن المراد بالملتين الكفر والإسلام فيكون كحديث "لا يرث المسلم الكافر" الحديث.
قالوا: وأما توريث ملل الكفر بعضهم من بعض فإنه ثابت ولم يقل بعموم الحديث للملل كلها إلا الأوزاعي فإنه قال: لا يرث اليهودي من النصراني ولا عكسه وكذلك سائر الملل.
قال في السبل: والظاهر من الحديث مع الأوزاعي قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه، وأخرجه الترمذي من حديث محمد بن عبد الرحمَن بن أبي ليلى عن أبي الزبير عن جابر وقال غريب لا نعرفه من حديث جابر إلا من حديث ابن أبي ليلى. هذا آخر كلامه. وابن أبي ليلى هذا لا يحتج بحديثه.
"إلى يحيى بن يعمر" بفتح التحتانية والميم بينهما مهملة ساكنة البصري: نزيل مرو وقاضيها ثقة فصيح وكان يرسل من الثالثة قاله في التقريب "يهودي ومسلم" أي أحد الأخوين

(8/87)


سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "الإسْلاَمُ يَزِيدُ وَلا يَنْقُصُ"، فَوَرّثَ المُسْلِمَ.
2910 - حدثنا مُسْدَدٌ أخبرنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عن شُعْبَةَ عن عَمْرِو بنِ أبي حَكِيمٍ عن عَبْدِ الله بنِ بُرَيْدَةَ عنْ يَحْيَى بنِ يَعْمَرَ عنْ أبي الأسْوَدِ الدّيلِيّ أنّ مُعاذاً أُتِيَ بِمِيرَاثِ يَهُودِيَ وَارِثَهُ مُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
يهودي والآخر منهما مسلم "الإسلام يزيد ولا ينقص" أي يزيد بالداخلين فيه ولا ينقص بالمرتدين، أو يزيد بما يفتح من البلاد ولا ينقص بما غلب عليه الكفرة منها، أو أن حكمه يغلب ومن تغليبه الحكم بإسلام أحد أبويه، واستدل معاذ بهذا الحديث على أن المسلم يورث الكافر ولا عكس كذا في السراج المنير. قال المناوي: رواته ثقات لكن فيه انقطاع. انتهى. وقال المنذري: فيه رجل مجهول.
"أن معاذاً أتى" بصيغة المجهول "بميراث يهودي" ميراث مضاف إلى يهودي "وارثه مسلم" صفة يهودي، والمعنى أن يهودياً مات وترك وارثين أحدهما مسلم والآخر يهودي فورّث معاذ مسلماً ولم يورث يهودياً. قال المنذري: في سماع أبي الأسود عن معاذ بن جبل نظر.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وقد دل على هذا قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا} فأمرهم بترك ما لم يقبضوا من الربا ولم يتعرض لما قبضوه بل أمضاه لهم.
وكذلك الأنكحة لم يتعرض فيها لما مضى ولا لكيفية عقدها بل أمضاها وأبطل منها ما كان موجب إبطاله قائما في الإسلام كنكاح الأختين والزائدة على الأربع فهو نظير الباقي من الربا.

(8/88)


باب فيمن أسلم على ميراث
...
11 - باب فيمن أسلم على الميراث
2911 - حدثنا حَجّاجُ بنُ أبي يَعْقُوبَ أخبرنا مُوسَى بنُ دَاوُدَ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ
ـــــــ
باب فيمن أسلم على الميراث
أي أسلم قبل قسمة المواريث فماذا حكمه.
وقال ابن ماجه: باب قسمة المواريث، وأورد فيه حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما كان من ميراث قسم في الجاهلية فهو على قسمة والجاهلية وما كان من ميراث أدركه الإسلام فهو على قسمة الإسلام" انتهى. وفي صحيح البخاري: باب لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم وإذا أسلم قبل أن يقسم الميراث فلا ميراث له انتهى.

(8/88)


مُسْلِمٍ عن عَمْرِو بنِ دِينَارٍ عن أبي الشّعْثَاءِ عن ابنِ عَبّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا قال قال النّبيّ[رسول الله] صلى الله عليه وسلم: "كُلّ قَسْمٍ قُسِمْ في الْجَاهِلِيّةِ فَهُوَ عَلَى ما قُسِمَ، وَكُلّ قَسْمٍ أدْرَكَهُ الإسْلاَمُ فَإنّهُ عَلَى قَسْمِ الإسْلاَمِ".
ـــــــ
قال القسطلاني: أي إذا أسلم الكافر قبل أن يقسم الميراث المخلف عن أبيه أو أخيه فلا ميراث له لأنه الاعتبار بوقت الموت لا بوقت القسمة عند الجمهور انتهى.
"كل قسم" مصدر أريد به المال المقسوم "قسم" بصيغة المجهول "في الجاهلية فهو على قسم" بصيغة المجهول.
قال الخطابي: فيه بيان أن أحكام الأموال والأسباب والأنكحة التي كانت في الجاهلية
ـــــــ
وكذلك الأموال لم يسأل النبي صلى الله عليه وسلم أحدا بعد إسلامه عن ماله ووجه أخذه ولا تعرض لذلك وكذلك للأسباب الأخرى كما تقدم في المستلحق في بابه.
وهذا أصل من أصول الشريعة ينبني عليه أحكام كثيرة.
وأما الرجل يسلم على الميراث قبل أن يقسم فروى عن عمر بن الخطاب وعثمان وعبد الله بن مسعود والحسن بن علي أنه يرث وقال به جابر بن زيد والحسن ومكحول وقتادة وحميد وإياس بن معاوية وإسحاق بن راهويه والإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه اختارها أكثر أصحابه وذهب عامة الفقهاء إلى أنه لا يرث كما لو أسلم بعد القسمة وهذا مذهب الثلاثة.
وذكر ابن عبد البر في التمهيد أن عمر قضى أن من أسلم على ميراث قبل أن يقسم فله نصيبه وقضى به عثمان. واحتج لهذا القول الأول بما روى سعيد بن منصور في سننه عن عروة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من أسلم على شيء فهو له" ورواه أيضا عن ابن أبي مليكة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
واحتجوا أيضا بحديث أبي داود هذا.
واحتجوا بأنه قضاء انتشر في الصحابة من عمر وعثمان ولم يعلم لهما مخالفا وفيه نظر فإن المشهور عن علي أنه لا يرث.
واحتجوا أيضا بأن التركة إنما يتحقق انتقالها إليهم بقسمتها وحوزها واختصاص كل من الوارثين بنصيبه وما قبل ذلك فهي بمنزلة ما قبل الموت.
والتحقيق: أنها بمنزلة ما قبل الموت من وجه وبمنزلة ما قبل القسمة من وجه فإنهم ملكوها بالموت ملكا قهريا ونماؤها لهم وابتدأ حول الزكاة من حين الموت ولكن هي قبل القسمة كالباقي على

(8/89)


ماضية على ما وقع الحكم منهم فيها في أيام الجاهلية لا يرد منها شيء في الإسلام، وأن ما حدث من هذه الأحكام في الإسلام، فإنه يستأنف فيه حكم الإسلام انتهى. قال المنذري وأخرجه ابن ماجه.
ـــــــ
الملك الموروث ولو نمت لضوعف منها وصاياه وقضيت منها ديونه فهي في حكم الباقي على ملكه من بعض الوجوه.
ولو تجدد للميت صيد بعد موته بأن يقع في شبكة نصبها قبل موته ثبت ملكه عليه ولو وقع إنسان في بئر حفرها لتعلق ضمانه بتركته بعد موته فإذا قسمت التركة وتعين حق كل وارث انقطعت علاقة الميت عنها، والله أعلم.

(8/90)


12 - باب في الولاء
2912 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قال: قُرِىءَ عَلَى مَالِكٍ وَأنَا حَاضِرٌ قال مَالِكٌ: عَرَضَ عَلَيّ نَافِعٌ عن ابنِ عُمَرَ: أنّ عَائِشَةَ أُمّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ الله عَنْهَا أرَادَتْ أنْ تَشْتَرِي جَارِيَةً تَعْتِقُهَا، فقال أهْلُهَا: نَبِيعُكُهَا عَلَى أنّ وَلاَءَهَا لَنَا، فَذَكَرَتْ عَائِشَةُ ذَاكَ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فقالَ: "لاَ يَمْنَعُكِ[لايمنعنك] ذَلِكَ فَإنّ الْوَلاَءَ لِمَنْ أعْتَقَ".
2913 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا وَكِيعُ بنُ الْجَرّاحِ عن سُفْيَانَ الثُوْرِيّ عن مَنْصُورٍ عن إبْرَاهِيمَ عن الأسْوَدِ عنْ عَائِشَةَ قالَتْ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "الْوَلاَءُ لِمَنْ أعْطَى الثّمَنَ وَوَلِيَ النّعْمَةَ".
ـــــــ
باب في الولاء
بفتح الواو يعني ولاء العتق وهو إذا مات المعتق ورثه معتقه أو ورثه معتقه والولاء كالنسب فلا يزول بالإزالة.
"أن تشتري جارية" اسمها بريرة "لا يمنعك ذلك" أي الاشتراط منهم بقي أنه يفسد البيع عند كثير فكيف يجوز. وأجيب بأنه مخصوص لمصلحة ويجوز للشارع مثله لمصلحة والله تعالى أعلم. كذا في فتح الودود.
قال الخطابي. معناه إبطال ما شرطوه من الولاء لغير المعتق انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم.
"وولي النعمة" أي نعمة العتق. قال الحافظ: معنى قوله وولي النعمة أعتق انتهى. قال

(8/90)


2914 - حدثنا عَبْدُ الله بنُ عَمْرِو بنِ أبي الْحَجّاجِ أبُو مَعْمَرٍ أخبرنا عَبْدُالْوَارِثِ عن حُسَيْنٍ المُعَلّمِ عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبِيهِ عن جَدّهِ: أنّ رِئَابَ بنَ حُذَيْفَةَ تَزَوّجَ امْرَأةً فَوَلَدَتْ لَهُ ثَلاَثَةَ غِلْمَةٍ فَمَاتَتْ أُمّهُمْ فَوَرِثُوهَا رِبَاعَهَا وَوَلاَءَ مَوَالِيهَا، وَكَانَ عَمْرُو بنُ الْعَاصِ عَصَبَةَ بَنِيهَا، فَأخْرَجَهُمْ إلَى الشّامِ فَمَاتُوا، فَقَدِمَ عَمْرُو بنُ الْعَاصِ وَمَاتَ مَوْلًى لَهَا وَتَرَكَ مَالاً لَهُ فَخَاصَمَهُ إخْوَتُهَا إلَى عُمَرَ بنِ الْخَطّابِ، فقالَ عُمَرُ: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَا أحْرَزَ الْوَلَدُ أو الْوَالِدُ فَهُوَ لِعَصَبَتِهِ مَنْ كَانَ"، قالَ فَكَتَبَ لَهُ كِتَاباً فِيهِ شَهَادَةُ عبد الرحمن بنِ عَوْفٍ وَزَيْدِ بنِ ثَابِتٍ وَرَجُلٍ آخَرَ، فَلَمّا اسْتُخْلِفَ عَبْدُالْمَلِكِ اختَصَمُوا إلَى هِشَامِ بنِ إسْمَاعِيلَ أو إلَى إسْمَاعِيلَ بنِ هِشَامٍ، فَرَفَعَهُمْ إلَى عَبْدِالمَلِكِ
ـــــــ
القسطلاني: والحديث كما قاله ابن بطال يقتضي أن الولاء لكل معتق ذكراً كان أو أنثى وهو مجمع عليه وليس بين الفقهاء خلاف أنه ليس للنساء من الولاء إلا ما أعتقن أو جره إليهن من أعتق بولادة أو عتق انتهى. قال المنذري وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي.
"رئاب بن حذيفة" يجيء ضبطه في كلام المنذري "تزوج امرأة" اسمها أم وائل بنت معمر الجمحية كما في رواية ابن ماجه "ثلاثة غلمة" جمع غلام أي ثلاثة أبناء "فورثوها" الضمير المرفوع للغلمة والمؤنث للمرأة. ولفظ ابن ماجه "فورثها بنوها" "رباعها" بكسر الراء جمع ربع أي دورها "فأخرجهم" أي أخرج عمرو بن العاص بنيها وفي رواية ابن ماجه: "فخرج بهم عمرو بن العاص" "فماتوا" أي بنو المرأة في طاعون عمواس الذي وقع في زمن عمر بنُ الخطاب في الشام ومات فيه بشر كثير من الصحابة "مالاً له" أي مالاً كان في ملكه "فخاصمه" أي عمرو بن العاص. والمعنى ورث عمرو مال بني المرأة ومال مولاها فخاصمه إخوتها في ولاء أختهم. ولفظ ابن ماجه: "فلما رجع عمرو بن العاص جاء بنو معمر يخاصمونه في ولاء أختهم إلى عمر" "ما أحرز الولد" أي من إرث الأب أو الأم "أو الوالد فهو لعصبته" أي الولد إن كان هو المحرز "من كان" قال في السبل: المراد بإحراز الوالد والولد ما صار مستحقاً لهما من الحقوق فإنه يكون للعصبة ميراثاً.
والحديث دليل على أن الولاء لا يورث وفيه خلاف، وتظهر فيه فائدة الخلاف فيما إذا أعتق رجل عبداً ثم مات ذلك الرجل وترك أخوين أو ابنين ثم مات أحد الإبنين وترك ابناً أو أحد الأخوين وترك ابناً، فعلى القول بالتوريث ميراثه بين الإبن وابن الإبن أو ابن الأخ، وعلى القول بعدمه يكون للابن وحده انتهى "فكتب" أي عمر رضي الله عنه "له" أي لعمرو بن العاص "عبد الملك" أي ابن مروان "اختصموا" أي إخوة المرأة "أو إلى إسماعيل" شك من الراوي "ما

(8/91)


فقال: هَذَا مِنَ الْقَضَاءِ الّذِي ما كُنْتُ أرَاهُ. قال: فَقَضَى لَنَا بِكِتَابِ عُمَرَ بنِ الْخَطّابِ فَنَحْنُ فِيهِ إلَى السّاعَةِ.
2915 - حدثنا أبُو دَاوُدَ قال حدثنا أبُو سَلَمَةَ قال حدثنا حَمّادٌ عن حُمَيْدٍ قال: النّاسُ يَتّهِمُونَ عَمْرَو بنَ شُعَيْبٍ في هَذَا الْحَدِيثِ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَرَوَى عن أبي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ خِلاَفَ هَذَا الْحَدِيثِ إلاّ أنّهُ رَوَى عن عَلِيّ بنِ أبي طَالِبٍ بِمِثْلِ هَذَا.
ـــــــ
كنت أراه" ما موصولة "إلى الساعة" أي إلى هذه الساعة. ولفظ ابن ماجه: "فقال عمر أقضي بينكم بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ سمعته يقول: ما أحرز الولد والوالد فهو لعصبته من كان قال فقضي لنا به، وكتب لنا به كتاباً فيه شهادة عبد الرحمَن بن عوف وزيد بن ثابت وآخر، حتى إذا استخلف عبد الملك بن مروان توفي مولى لها، وترك ألفي دينار فبلغني أن ذلك القضاء قد غير فخاصمه إلى هشام بن إسماعيل فرفعنا إلى عبد الملك فأتيناه بكتاب عمر فقال إن كنت لأرى أن هذا من القضاء الذي لا يشك فيه وما كنت أرى أن أمر أهل المدينة بلغ هذا أن يشكوا في هذا القضاء فقضى لنا فيه فلم نزل فيه بعد انتهى.
قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه وأخرجه النسائي أيضاً مرسلاً وقد تقدم الكلام على اختلاف الأئمة في الاحتجاج بحديث عمرو بن شعيب ورياب بكسر الراء المهملة وبعدها ياء آخر الحروف مفتوحة وبعد الألف ياء بواحدة انتهى.
"حدثنا أبو داوود قال حدثنا أبو سلمة إلى قوله بمثل هذا" هذه العبارة إنما وجدت في نسخة صحيحة وعامة النسخ خالية عنها.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وقال ابن عبد البر هذا حديث حسن صحيح غريب:
وذكر توثيق الناس لعمرو بن شعيب وأنه إنما أنكر من حديثه وضعف ما كان عن قوم ضعفاء عنه وهذا الحديث قد رواه أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة عن حسين المعلم عن عمرو فذكره.

(8/92)


13 - باب في الرجل يسلم على يدي الرجل
2916 - حدثنا يَزِيدُ بنُ خَالِدِ بنِ مَوْهِبٍ الرّمْلِيّ وَ هِشَامُ بنُ عَمّارٍ قالا أخبرنا يَحْيَى. قَالَ أبُو دَاوُدَ: وهُوَ ابنُ حَمْزَةَ عن عَبْدِالعَزِيزِ بنِ عُمَرَ قال سَمِعْتُ عَبْدَ الله بنَ مَوْهِبٍ يُحَدّثُ عُمَرَ بنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ عن قَبِيصَةَ بنِ ذُؤَيْبٍ، قالَ هِشَامٌ عن تَمِيمٍ الدّارِيّ أنّهُ قال: يَارَسُولَ الله، وَقال يَزِيدُ أنّ تَمِيماً قال: يَارَسُولَ الله: مَا السّنّةُ في الرّجُلِ يُسْلِمُ عَلَى يَديِ الرّجُلِ مِنَ المُسْلِمِينَ؟ قال: "هُوَ أوْلَى النّاسِ بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ".
ـــــــ
باب في الرجل يسلم على يدي الرجل
"ما السنة في الرجل" أي ما حكم الشرع في الرجل الكافر "قال" أي النبي صلى الله عليه وسلم "هو" أي الرجل المسلم الذي أسلم على يديه الكافر "بمحياه ومماته" أي بمن أسلم في حياته ومماته. قال الخطابي: قد يحتج به من يرى توريث الرجل ممن يسلم على يده من الكفار وإليه ذهب أصحاب الرأي إلا أنهم قد زادوا في ذلك شرطاً وهو أن يعاقده ويواليه فإن أسلم على يده ولم يعاقده ولم يواله فلا شيء. له وقال إسحاق بن راهويه كقول أصحاب الرأي إلا أنه لم يذكر الموالاة. قال الخطابي: ودلالة الحديث مبهمة وليس فيه أنه يرثه وإنما فيه أنه أولى الناس بمحياه ومماته، فقد يحتمل أن يكون ذلك في الميراث وقد يحتمل أن يكون ذلك في رعي الذمام والإيثار والبر والصلة وما أشبهها من الأمور، وقد عارضه قوله صلى الله عليه وسلم "الولاء لمن اعتق" وقال أكثر الفقهاء لا يرثه. وضعف أحمد بن حنبل حديث تميم الداري هذا وقال: عبد العزيز راويه ليس من أهل الحفظ والإتقان انتهى. وقال الشيخ أبو البركات النسفي الحنفي: وعقد الموالاة
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
والذين ردوا هذا الحديث منهم من رده لضعفه ومنهم من رده لكونه منسوخا ومنهم من قال لا دلالة فيه على الميراث بل لو صح كان معناه هو أحق به يواليه وينصره ويبره ويصله ويرعي ذمامه ويغسله ويصلي عليه ويدفنه فهذه أولويته به لا أنها أولويته بميراثه وهذا هو التأويل.
وقال بهذا الحديث آخرون منهم إسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه وطاوس وربيعة والليث بن سعد وهو قول عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز.
وفيها مذهب ثالث أنه إن عقل عنه ورثه وإن لم يعقل عنه لم يرثه وهو مذهب سعيد بن المسيب.

(8/93)


مشروعة والوراثة بها ثابتة عند عامة الصحابة وهو قول الحنفية، وتفسيره إذا أسلم رجل أو امرأة لا وارث له وليس بعربي ولا معتق فيقول الآخر واليتك على أن تعقلني إذا جنيت وترث مني إذا مت، ويقول الآخر قبلت انعقد ذلك ويرث الأعلى من الأسفل انتهى.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وقال الترمذي لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن موهب ويقال ابن وهب عن تميم الداري وقد أدخل بعضهم بين عبد الله بن موهب وبين تميم الداري قبيصة بن ذؤيب وهو عندي ليس بمتصل. هذا آخر كلامه. وقال الشافعي: هذا الحديث ليس بثابت إنما يرويه عبد العزيز بن عمر عن ابن موهب عن تميم الداري، وابن موهب ليس بالمعروف عندنا ولا نعلمه لقي تميماً، ومثل هذا لا يثبت عندنا ولا عندك من قبل أنه مجهول ولا أعلمه متصلاً. وقال الخطابي: ضعف أحمد بن حنبل حديث تميم الداري هذا وقال عبد العزيز راويه ليس من أهل الحفظ والاتقان. وقال البخاري في الصحيح: واختلفوا في صحة هذا الخبر. هذا آخر كلامه. وقال أبو مسهر: عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز ضعيف الحديث، وقد قلت احتج البخاري في صحيحه بحديث عبد العزيز هذا وأخرج له عن نافع مولى بن عمر حديثاً واحداً وذكر الحاكم أبو عبد الله النيسابوري وأبو الحسن الدارقطني أن البخاري ومسلماً أخرجا له. وقال يحيى بن معين:
ـــــــ
وفيها مذهب رابع أنه إن أسلم على يديه ووالاه فإنه يرثه ويعقل عنه وله أن يتحول عنه إلى غيره ما لم يعقل عنه إلى غيره فإذا عقل عنه لم يكن له أن يتحول عنه إلى غيره وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد.
وفيها مذهب خامس: أن هذا الحكم ثابت فيمن كان من أهل الحرب دون اهل الذمة وهو مذهب يحيى بن سعيد.
فلا إجماع في المسألة مع مخالفة هؤلاء الأعلام.
وأما تضعيف الحديث: فقد رويت له شواهد. منها: حديث أبي أمامة.
وأما رده بجعفر بن الزبير فقد رواه سعيد بن منصور أخبرنا عيسى بن يونس حدثنا معاوية بن يحيى الصدفي عن القاسم عن أبي أمامة مرفوعا ورواه أيضا من حديث سعيد بن المسيب عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا.
وحديث تميم وإن لم يكن في رتبة الصحيح فلا ينحط عن أدنى درجات الحسن وقد عضده المرسل وقضاء عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز برواية الفرائض وإنما يقتضي تقديم الأقارب عليه ولا يدل على عدم توريثه إذا لم يكن له نسب، والله أعلم.

(8/94)


عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز ثقة ليس بين الناس فيه اختلاف. هكذا قال. وقد قدمنا الخلاف فيه انتهى كلام المنذري.

(8/95)


14 - باب في بيع الولاء
2917 - حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ أخبرنا شُعْبَةُ عن عَبْدِ الله بنِ دِينارٍ عن ابنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا قال: "نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عنْ بَيْعِ الْوَلاَءِ وَعَنْ هِبَتِهِ".
ـــــــ
باب في بيع الولاء
"نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الولاء وعن هبته" : قال الخطابي: قال ابن الأعرابي عن محمد بن زياد كانت العرب تبيع ولاء مواليها وتأخذ عليه المال، وأنشد في ذلك فباعوه مملوكاً وباعوه معتقاً. فليس له حتى الممات خلاص. فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك قال: وهذا كالإجماع من أهل العلم إلا أنه قد روى عن ميمونة أنها وهبت ولاء مواليها من العباس أو من ابن عباس. وسمعت أبا الوليد حسان بن محمد يذكر أن الذي وهبت ميمونة من الولاء كان ولاء السائبة، وولاء السائبة قد اختلف فيه أهل العلم انتهى. وقال ابن الأثير: نهي عن بيع الولاء وهبته يعني ولاء العتق وهو إذا مات المعتق ورثه معتقه أو ورثة معتقه كانت العرب تبيعه وتهبه فنهي عنه لأن الولاء كالنسب فلا يزول بالإزالة انتهى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.

(8/95)


15 - باب في المولود يستهل ثم يموت
2918 - حدثنا حُسَيْنُ بنُ مُعَاذٍ أخبرنا عَبْدُالأعْلَى أخبرنا مُحَمّدٌ - يَعْني ابنَ إسْحَاقَ -عن يَزِيدَ بنِ عَبْدِ الله بنِ قُسَيْطٍ عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "إذَا اسْتَهَلَ المَوْلُودُ وُرّثَ".
ـــــــ
باب في المولود يستهل ثم يموت
"إذا استهل المولود" أي رفع صوته يعني علم حياته "ورث" بضم فتشديد راء مكسور
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وروى النسائي من حديث أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الصبي "إذا استهل ورث وصلى عليه" ورواه الترمذي وقال هذا حديث قد روى موقوفا على جابر وكان الموقوف أصح ولفظه

(8/95)


16 - باب نسخ ميراث العقد بميراث الرحم
2919 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ مُحَمّدِ بنِ ثَابِتٍ قال حدّثني عَلِيّ بنُ حُسَيْنٍ عن أبِيهِ عن يَزِيدَ النّحْوِيّ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا قال: {وَالّذِينَ عَاقَدَتْ
ـــــــ
باب نسخ ميراث العقد
قال في النهاية: المعاقدة المعاهدة والميثاق "بميراث الرحم" أي بميراث ذوي الأرحام.
"قال" ابن عباس في تفسير قوله تعالى: {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} وقريء عقدت بغير ألف مع التخفيف. قال الخازن. المعاقدة المحالفة والمعاهدة. والأيمان جمع يمين يحتمل أن يراد بها القسم أو اليد أو هما جميعاً وذلك أنهم إذا تحالفوا أخذ كل واحد منهم بيد صاحبه وتحالفوا على الوفاء بالعهد والتمسك بذلك العقد، وكان الرجل يحالف الرجل في الجاهلية ويعاقده فيقول دمي دمك، وهدمي هدمك وثأري ثأرك وحربي حربك، وسلمي سلمك، ترثني وأرثك وتطلب بي وأطلب بك، وتعقل عني وأعقل عنك، فيكون لكل واحد من الحليفين السدس في مال الآخر، وكان الحكم ثابتاً في الجاهلية وابتداء الإسلام انتهى والمعنى أي الحلفاء الذين

(8/96)


[عقدت] أيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} كَانَ الرّجُلُ يُحَالِفُ الرّجُلَ لَيْسَ بَيْنَهُمَا نَسَبٌ فَيَرِثُ أحَدُهُمَا الآخر فَنَسَخَ ذَلِكَ الأنْفَالُ فقال: {وَأُولُوا الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أوْلَى بِبَعْض}.
2920 - حدثنا هَارُونُ بنُ عَبْدِ الله أخبرنا أبُو أُسَامَةَ حدّثني إدْرِيسُ بنُ يَزِيدَ أخبرنا طَلْحَةُ بنُ مُصَرّفٍ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: {وَالّذِينَ عَاقَدَتْ [عقدت] أيْمَانُكُم فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} قال: كَانَ المُهَاجِرُونَ حِينَ قَدِمُوا المَدِينَةَ تُوَرّثُ الأنْصَارَ دُونَ ذَوِي[ذي] رَحِمِهِ لِلاْخُوّةِ الّتي آخَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بَيْنَهُمْ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآية: {وَلِكُلّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمّا تَرَكَ} قال: نَسَخَتْهَا {وَالّذِينَ عَاقَدَتْ
ـــــــ
عاهدتموهم في الجاهلية على النصرة والإرث "فأتوهم" أي الأن "نصيبهم" أي حظهم من الميراث وهو السدس "كان الرجل يحالف الرجل" أي يعاهده على الأخوة والنصرة والإرث "فنسخ ذلك" في محل النصب على المفعولية أي قوله تعالى: {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} "الأنفال" بالرفع أي قوله تعالى: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} في سورة الأنفال "فقال: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ} أعطوهم الخ" أي وأولو القرابات أولى بالتوارث وهو نسخ للتوارث بالهجرة والنصرة. قال الخازن قال ابن عباس: كانوا يتوارثون بالهجرة والإخاء حتى نزلت هذه الآية: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} أي في الميراث فبين بهذه الأية أن سبب القرابة أقوى وأولى من سبب الهجرة والإخاء، ونسخ بهذه الآية ذلك التوارث. وقوله: {فِي كِتَابِ اللَّهِ} يعني في حكم الله أو أراد به القرآن، وهي أن قسمة المواريث مذكورة في سورة النساء من كتاب الله وهو القرآن. وتمسك أبو حنيفة رحمه الله تعالى ومن وافقه بهذه الآية في توريث ذوي الأرحام وأجاب عنه الشافعي رحمه الله ومن وافقه بأنه لما قال {فِي كِتَابِ اللَّهِ} كان معناه في حكم الله الذي بينه في سورة النساء فصارت هذه الآية مقيدة بالأحكام التي ذكرها في سورة النساء من قسمة المواريث وإعطاء أهل الفروض فروضهم وما بقي فللعصمات انتهى.
قال المنذري: في إسناده علي بن الحسين بن واقد وفيه مقال.
"تورث" بصيغة المجهول أي المهاجرون وتأنيث الضمير بتأويل الجماعة "الأنصار" بالنصب، والمعنى أعطوا الميراث من الأنصار "دون ذوي رحمه" أي أقاربه. ولفظ البخاري في التفسير "كان المهاجرون لما قدمو المدينة يورث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمة" "للأخوة": متعلق بتورث "بينهم" أي بي المهاجرين والأنصار "ولكل" أي من الرجال والنساء "جعلنا موالي" وراثاً يلونه ويحرزونه. قاله النسفي. وقال الخازن: يعني ورثة من بني عم

(8/97)


[عقدت] أيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} مِنَ النّصْرِ وَالنّصِيحَةِ وَالرّفَادَةِ، وَيُوصِي لَهُ وَقَدْ ذَهَبَ المِيرَاثُ.
2921 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ و عَبْدُالعَزِيزِ بنُ يَحْيَى المَعْنَى قالَ أَحْمَدُ أخبرنا
ـــــــ
وإخوة وسائر العصبات "مما ترك": يعني يرثون مما ترك وبقية الآية {الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ} من ميراثهم فعلى هذا الوالدان والأقربون هم المورثون انتهى "قال": ابن عباس "نسختها" كذا في جميع النسخ. وقال القسطلاني في شرح البخاري قال نسختها {الَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} كذا في جميع الأصول. والصواب كما قاله ابن بطال إن المنسوخة {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} والناسخة {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} وكذا وقع في الكفالة والتفسير من رواية الصلت بن محمد عن أبي أسامة فلما نزلت {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} نسخت. وقال ابن المنير: الضمير في قوله نسختها عائد على المؤاخاه لا على الآية، والضمير في نسختها وهو الفاعل المستتر يعود على قوله {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} وقوله {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} بدل من الضمير. وأصل الكلام لما نزلت {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} نسخت {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ}.
وقال الكرماني: فاعل نسختها آية جعلنا والذين عقدت منصوب بإضمار أعني. والمراد أن قوله تعالى {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا} نسخ حكيم الميراث الذي دل عليه {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} وقال ابن الجوزي: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان آخي بين المهاجرين والأنصار فكانوا يتوارثون بتلك الأخوة ويرونها داخلة في قوله تعالى {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} فلما نزل قوله تعالى {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} نسخ الميراث بين المتعاقدين وبقي النصرة والرفادة وجواز الوصية لهم انتهى "الرفادة" بكسر الراء المعاونة "ويوصي له" بكسر الصاد أي للحليف "وقد ذهب الميراث" أي نسخ حكيم الميراث بالمؤاخاة.
قال الخازن: فذهب قوم إلى أن قوله تعالى {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} منسوخ بقوله تعالى {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} وذهب قوم إلى أن الآية ليست بمنسوخة بل حكمها باق والمراد بقوله {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} الحلفاء، والمراد من قوله {فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} يعني من النصرة والنصيحة والموافاة والمصافاة ونحو ذلك، فعلى هذا لا تكون منسوخة. وقيل نزلت في عبد الرحمَن بن أبي بكر الصديق كما أخرجه أبو داوود، وعلى هذا فلا نسخ أيضاً. فمن قال إن حكم الآية باق قال إنما كانت المعاقدة في الجاهلية على النصرة لا غير والإسلام لم يغير ذلك، ويدل عليه ما رواه مسلم عن جبير بن مطعم مرفوعاً ثم ذكر كما سيأتي في الباب التالي. قال المنذري: وأخرجه البخاري والنسائي.

(8/98)


مُحَمّدُ بنُ سَلَمَةَ عن ابنِ إسْحَاقَ عن دَاوُدَ بنِ الْحُصَيْنِ قال: كُنْتُ أقْرَأُ عَلَى أُمّ سَعْدٍ بِنْتِ الرّبِيعِ، وَكَانَتْ يَتِيمَةً في حِجْرِ أبي بَكْرٍ فَقَرَأتْ {وَالّذِينَ عَاقَدَتْ أيْمَانُكُمْ} فَقَالَتْ: لاَ تَقْرَأْ: {وَالّذِينَ عَاقَدَتْ أيْمَانُكُم} [لاتقرأ ولكن {والذين عقدت أيمانكم} إنّمَا نَزَلَتْ [أنزلت أمر الله تعالى نبيه عليه السلام] في أبي بَكْرٍ وَابْنِهِ عبد الرحمن حِينَ أبى الإسْلاَمَ، فَحَلَفَ أبُو بَكْرٍ أنْ لا يُوَرّثَهُ، فَلَمّا أسْلَمَ أمَرَهُ نَبِيّ الله صلى الله عليه وسلم[أمره الله تعالى] أنْ يُؤْتِيَهُ نَصِيبَهُ. زَادَ عَبْدُالعَزِيزِ: فَمَا أسْلَمَ حَتّى حُمِلَ عَلَى الإسْلاَمِ بالسّيْفِ".
قَالَ أبُو دَاوُدَ: مَنْ قالَ عَقَدَتْ جَعَلَهُ حِلْفاً، وَمَنْ قالَ عَاقَدَتْ جَعَلَهُ حَالِفاً. قالَ: وَالصّوَابُ حَدِيثُ طَلْحَةَ عَاقَدَتْ.
2922 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ مُحَمّدٍ أخبرنا عَلِيّ بنُ حُسَيْنٍ عن أبِيهِ عن يَزِيدَ النّحْوِيّ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا وَالّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا {وَالّذِينَ
ـــــــ
"على أم سعد بنت الربيع" هي أم سعد بنت سعد بن الربيع الأنصارية صحابية أوصى بها أبوها إلى أبي بكر الصديق فكانت في حجرة ويقال إن اسمها جميلة "لا تقرأ {والذين عاقدت} أي بالألف ولكن اقرأ {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ} أي بغير ألف مع التخفيف، وكانت هذه قراءتها، مع أنه قريء في القرآن بالوجهين "حين أبى الإسلام": فتأخر إسلامه إلى أيام الهدنة فأسلم وحسن إسلامه، وقيل إنما أسلم يوم الفتح، ويقال إنه شهد بدراً مع المشركين وهو أسن ولد أبي بكر رضي الله عنه كذا في الإصابة "فما أسلم": ما نافية أي عبد الرحمَن "حتى حمل": بصيغة المجهول "على الإسلام": أي على قبول الإسلام "بالسيف": والمعنى أن عبد الرحمَن لم يسلم وتأخر إسلامه إلى أن غلب الإسلام بقوة السيف. والحديث سكت عنه المنذري "من قال عقدت جعله حلفاً": فمعنى قوله عقدت أي عقدت عهودهم أيديكم. ومعنى عاقدت أي عاقدتهم أيديكم "والصوب حديث طلحة عاقدت": أي بالألف من باب المفاعلة، وهي قراءة نافع وابن عامر وابن كثير وأبي عمرو. وقال الحافظ بن كثير في تفسيره بعد إيراد حديث داوود بن الحصين عن أم سعد وهذا قول غريب والصحيح الأول، وإن هذا كان في ابتداء الإسلام يتوارثون بالحلف ثم نسخ وبقي تأثير الحلف بعد ذلك، وإن كانوا قد أمروا أن يوفوا بالعهود والعقود والحلف الذي كانوا قد تعاقدوه قبل ذلك انتهى.
{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا} الخ" أشار ابن عباس إلى قوله تعالى الذي في الأنفال وتمام الآية

(8/99)


آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا} فَكَانَ الأعْرَابِيّ يَرِثُ المُهَاجِرَ وَلاَ يَرِثُهُ المُهَاجِرُ فَنَسَخَتْهَا فقال: {وَأُولُوا الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أوْلَى بِبَعْضٍ}.
ـــــــ
هكذا {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} يعني إن الذين آمنوا بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم وصدقوا بما جاءهم به، وهاجروا يعني وهجروا ديارهم وقومهم في ذات الله عز وجل وهم المهاجرون الأولون {وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا} يعني أووا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من أصحابه من المهاجرين وأسكنوهم منازلهم، ونصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم الأنصار {أُولَئِكَ} يعني المهاجرين والأنصار {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} يعني في العون والنصر دون أقربائهم من الكفار. وقال ابن عباس أي يتولى بعضهم بعضاً في الميراث وكانوا يتوارثون بالهجرة وكان المهاجرون والأنصار يتوارثون دون أقربائهم وذوي أرحامهم، وكان من آمن ولم يهاجر لا يرث من قريبه المهاجر حتى كان فتح مكة وانقطعت الهجرة فتوارثوا بالأرحام حيثما كانوا فصار ذلك منسوخاً بقوله تعالى {وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} كذا في الخازن {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا} يعني آمنوا وأقاموا بمكة {مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ} أي من توليهم في الميراث. قاله النسفي. وفي - السمين الولاية بالفتح معناه الموالاه في الدين وهي النصرة انتهى.وفي تفسير الخطيب {مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} أي فلا إرث بينكم وبينهم ولا نصيب لهم في الغنيمة {مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا} إلى المدينة، فكان لا يرث المؤمن الذي لم يهاجر ممن آمن وهاجر. قال المنذري: وفي إسناده علي بن الحسين بن وقد وفيه مقال.

(8/100)


17 - باب في الحلف
2923 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ بِشْرٍ وَ ابنُ نُمَيْرٍ وَ أبُو أُسَامَةَ عن زَكَرِيّا عن سَعْدِ بنِ إبْرَاهِيمَ عن أبِيهِ عن جُبَيْرِ بنِ مُطْعَمٍ قالَ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ حِلْفَ في الإسْلاَمِ، وَأيّمَا حِلْفٍ كَانَ في الْجَاهِلِيّةِ لَمْ يَزِدْهُ الإسْلاَمُ إلاّ شِدّةً".
ـــــــ
باب في الحلف
"لا حلف في الإسلام" بكسر الحاء المهملة وسكون اللام المعاهدة، والمراد به هنا ما كان يفعل في الجاهلية من المعاهدة على القتال والغارات وغيرهما مما يتعلق بالمفاسد "وأيما حلف" ما فيه زائدة "كان في الجاهلية" المراد منه ما كان من المعاهدة على الخير كصلة الأرحام
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
فالظاهر- والله أعلم- أن المراد بالحديث أن الله تعالى قد ألف بين المسلمين بالإسلام

(8/100)


ونصرة المظلوم وغيرهما "لم يزده الإسلام إلا شدة": أي تأكيداً وحفظاً على ذلك. كذا في شرح المشارق لابن الملك قال القاضي: قال الطبري: لا يجوز الحلف اليوم، فإن المذكور في الحديث والموارثة به وبالمؤاخاة كله منسوخ لقوله تعالى {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} وقال الحسن: كان التوارث بالحلف فنسخ بآية المواريث. قلت: أما ما يتعلق بالإرث فنسخت فيه المحالفة عند جماهير العلماء، وأما المؤاخاة في الإسلام والمحالفة على طاعة الله تعالى والتناصر في الدين والتعاون على البر والتقوى وإقامة الحق فهذا باق لم ينسخ، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم في هذه الأحاديث "وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة" وأما قوله صلى الله عليه وسلم "لا حلف في الإسلام" فالمراد به حلف التوارث والحلف عل ما منع الشرع منه والله أعلم. كذا في شرح صحيح مسلم للنووي رحمه الله.
وقال في النهاية: أصل الحلف المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد والإنفاق فما كان منه في الجاهلية على الفتن والقتال بين القبائل والغارات فذلك الذي ورد النهي عنه في الإسلام بقوله صلى الله عليه وسلم "لا حلف في الإسلام" وما كان منه في الجاهلية على نصر المظلوم وصلة الأرحام كحلف للطيبين وما جرى مجراه فذلك الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم: "وأيما حلف كان في الجاهلية
ـــــــ
وجعلهم به إخوة متناصرين متعاضدين يدا واحدة بمنزلة الجسد الواحد فقد أغناهم بالإسلام عن الحلف بل الذي توجبه أخوة الإسلام لبعضهم على بعض أعظم مما يقتضيه الحلف.
فالحلف إن اقتضى شيئا يخالف الإسلام فهو باطل وإن اقتضى ما يقتضيه الإسلام فلا تأثير له فلا فائدة فيه.
وإذا كان قد وقع في الجاهلية ثم جاء الإسلام بمقتضاه لم يزده إلا شدة وتأكيدا.
وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: "شهدت حلفا في الجاهلية ما أحب أن لي به حمر النعم لو دعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت" فهذا والله أعلم هو حلف المطيبين حيث تحالفت قريش على نصر المظلوم وكف الظالم ونحوه فهذا إذا وقع في الإسلام كان تأكيدا لموجب الإسلام وتقوية.
وأما الحلف الذي أبطله فهو تحالف القبائل: بأن يقوم بعضها مع بعض وينصره ويحارب حاربه ويسالم من سالمه فهذا لا يعقد في الإسلام وما كان منه قد وقع في الجاهلية فإن الإسلام يؤكده ويشده إذا صار موجبه في الإسلام التناصر والتعاضد والتساعد على إعلاء كلمة الله تعالى وجهاد أعدائه وتأليف الكلمة وجمع الشمل.

(8/101)


2924 - حدثنا مُسْدَدٌ أخبرنا سُفْيَانُ عن عَاصِمٍ الأحْوَلِ قال سَمِعْتُ أنَسَ بنَ مَالِكٍ يَقُولُ: حَالَفَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بَيْنَ المُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ في دَارِنَا، فَقِيلَ لَهُ: ألَيْسَ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ حِلْفَ في الإسْلاَمِ"، فقال: حَالَفَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بَيْنَ المُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ في دَارِنَا مَرّتَيْنِ أوْ ثَلاَثاً.
ـــــــ
لم يزده الإسلام إلا شدة" يريد من المعاقدة على الخير ونصرة الحق، وبذلك يجتمع الحديثان، وهذا هو الحلف الذي يقتضيه الإسلام، والممنوع منه ما خالف حكم الإسلام، وقيل المحالفة كانت قبل الفتح، وقوله "لا حلف في الإسلام" قاله زمن الفتح انتهى. وقال ابن كثير بعد إيراد حديث جبير بن مطعم: وهذا نص في الرد على من ذهب إلى التوارث بالحلف اليوم كما هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه ورواية عن أحمد بن حنبل، والصحيح قول الجمهور ومالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه، ولهذا قال تعالى: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ} أي ورثة من قراباته من أبويه وأقربيه وهم يرثونه دون سائر الناس انتهى. قال المنذري: وأخرجه مسلم.
"حالف" أي أخي "في دارنا" أي بالمدينة على الحق والنصرة والأخذ على يد الظالم كما قال ابن عباس رضي الله عنه إلا النصرة والنصيحة والرفادة ويوصي له، وقد ذهب الميراث "لا حلف في الإسلام" أي لا عهد على الأشياء التي كانوا يتعاهدون عليها في الجاهلية. كذا في شرح البخاري للقسطلاني "مرتين أو ثلاثاً" أي قال أنس قوله "حالف" الخ مرتين أو ثلاثاً. قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم بنحوه.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وقد تبين ان الحلف الذي نفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس هو الحلف والإخاء الذي عقده بين المهاجرين والأنصار ويشبه أن يكون أنس فهم من السائل له أن النهي عن الحلف متناول لمثل ما عقده النبي صلى الله عليه وسلم فرد عليه أنس بحلف النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه في دارهم والله أعلم.

(8/102)


18 - باب في المرأة ترث من دية زوجها
2925 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ أخبرنا سُفْيَانُ عن الزّهْرِيّ عن سَعِيدٍ قال: كَانَ عُمَرُ بنُ الْخَطّابِ يَقُولُ: الدّيَةُ لِلْعَاقِلَةِ وَلا تَرِثُ المَرْأةُ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا شَيْئاً حَتّى
ـــــــ
باب في المرأة ترث من دية زوجها
"الدية للعاقلة": قال في المجمع: العاقلة العصبة والأقارب من قبل الأب الذين يعطون

(8/102)


قالَ لَهُ الضّحّاكُ بنُ سُفْيَانَ: كَتَبَ إلَيّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ وَرّثْ[أورث] امْرَأةَ أشْيَمَ الضّبَابِيّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا فَرَجَعَ عُمَرُ. قال أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ أخبرنا عَبْدُالرّزّاقِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عن مَعْمَرٍ عن الزّهْرِيّ عن سَعِيدٍ، وَقال فِيهِ: وَكَانَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم اسْتَعْمَلَهُ عَلَى الأعْرَابِ.
آخر كتاب الفرائض
ـــــــ
دية قتيل الخطأ وهي صفة جماعة اسم فاعل من العقل "حتى قال له" أي لعمر رضي الله عنه "الضحاك" بتشديد الحاء المهملة "ابن سفيان" بالتثليث والضم أشهر. قال مؤلف المشكاة ويقال إنه كان بشجاعته يعد بمائة فارس وكان يقوم على رأس النبي صلى الله عليه وسلم بالسيف، وولاه النبي صلى الله عليه وسلم على من أسلم من قومه "أن" مصدرية أو تفسيرية فإن الكتابة فيها معنى القول "ورث" بتشديد الراء المكسورة أي أعط الميراث "امرأة أشيم" بفتح الهمزة فسكون شين معجمة بعدها تحتية مفتوحة وكان قتل خطأ "الضبابي" بكسر الضاد المعجمة وتخفيف الموحدة الأولى منسوب إلى صباب قلعة بالكوفة وهو صحابي ذكره ابن عبد البر وغيره في الصحابة "فرجع عمر" أي عن قوله لا ترث المرأة من دية زوجها.
في شرح السنة: فيه دليل على أن الدية تجب للمقتول أولاً ثم تنتقل منه إلى ورثته كسائر أملاكه، وهذا قول أكثر أهل العلم. وروى عن علي كرم الله وجهه أنه كان لا يورث الإخوة من الأم ولا الزوج ولا المرأة من الدية شيئاً كذا في المرقاة للقاري.
قال الخطابي: وإنما كان عمر يذهب في قوله الأول إلى ظاهر القياس، وذلك أن المقتول لا تجب ديته إلا بعد موته وإذا مات بطل ملكه، فلما بلغته السنة ترك الرأي وصار إلى السنة انتهى "استعمله": أي الضحاك بن سفيان أي جعله عاملاً عليهم. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وقال الترمذي حسن صحيح.

(8/103)