Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود

أول كتاب الجنائز
باب الأمراض المكفرة للذنوب
...
أول كتاب الجنائز
1 - باب الأمراض المكفرة للذنوب
3087 - حدثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمّدٍ النّفَيْلِيّ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ سَلَمَةَ عن مُحَمّدِ بنِ إسْحَاقَ قال حَدّثَني رَجُلٌ مِنْ أهْلِ الشّامِ يُقَالُ لَهُ أبُو مَنْظُورٍ عن عَمّهِ قال حَدّثَني عَمّي
ـــــــ
أول كتاب الجنائز
قال العيني: والجنائز جمع جنازة وهي بفتح الجيم اسم للميت المحمول، وبكسرها اسم للنعش الذي يحمل عليه الميت، ويقال عكس ذلك حكاه صاحب المطالع، واشتقاقها من جنز إذا ستر ذكره ابن فارس وغيره، ومضارعه يجنز بكسر النون. وقال الجوهري: الجنازة واحدة الجنائز، والعامة تقول الجنازة بالفتح والمعنى للميت على السرير فإذا لم يكن عليه الميت فهو سرير ونعش انتهى.
باب الأمراض المكفرة للذنوب
"أبو منظور" قال في الخلاصة: أبو منظور عن عمه وعنه ابن إسحاق مجهول. وعامر الرام صحابي له حديث رواه أبو منظور عن عمه عنه انتهى. وقال الحافظ في التقريب: عامر الرامي المحاربي صحابي له حديث يروى بإسناد مجهول، وأبو منظور الشامي مجهول من السادسة انتهى. وقال في الإصابة: قال البخاري: وأبو منظور لا يعرف إلا بهذا انتهى "عن عمه قال حدثني عمي عن عامر" هكذا في جميع النسخ الحاضرة أي أبو منظور يروى عن عمه، وعم أبي منظور يروى عن عمه، وعم عمه يروى عن عامر الرام، فبين أبي منظور وعامر واسطتان الأول عم أبي منظور والثاني عم عمه وكلاهما مجهولان. قال المنذري: في الترغيب: والحديث رواه أبو داوود وفي إسناده راو لم يسم انتهى لكن في أسد الغابة هذا الإسناد هكذا أخبرنا أبو أحمد عبد الوهاب بن علي بإسناده إلى أبي داوود حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن أبي منظور عن عمه عامر الرامي أخي الخضر. ولفظ الإصابة في تمييز الصحابة: وروى أحمد وأبو داوود من طريق ابن إسحاق عن

(8/242)


عن عَامِرٍ الرّامِ أخِي الْخُضْرِ. قال أبُو دَاوُدَ قال النّفَيْلِيّ هُوَ الْخُضْرِ، وَلَكِنْ كَذَا قالَ، قالَ: إنّي لَبِبِلاَدِنَا إذْ رُفِعَتْ لَنَا رَايَاتٌ وَألْوِيَةٌ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا لِوَاءُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَأتَيْتُهُ وَهُوَ تَحْتَ شَجَرَةٍ قَدْ بُسِطَ لَهُ كِسَاءٌ وَهُوَ جَالِسٌ عَلَيْهِ وَقَدْ اجْتَمَعَ إلَيْهِ أصْحَابُهُ فَجَلَسْتُ إلَيْهِمْ، فَذَكَرَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الأسْقَامَ فقال: "إنّ المُؤْمِنَ إذَا أصَابَهُ السّقَمُ ثُمّ أعْفَاهُ الله مِنْهُ[عنه] كَانَ كَفّارَةً لِمَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِ وَمَوْعِظَةً لَهُ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ،
ـــــــ
أبي منظور عن عمه عامر الرامي. ففي هذين الكتابين بحذف الواسطتين المذكورتين وأن عامراً هو عم لأبي منظور. وقال المزي في الأطراف: مسند عامر الرام أخي الخضر قبيلة من محارب عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث: "إني لببلادنا إذ رفعت لنا رايات وألوية" الحديث أخرجه أبو داوود في الجنائز عن عبد الله بن محمد النفيلي عن محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق حدثني رجل من أهل الشام يقال له أبو منظور الشامي عن عمه قال حدثني عمي عن عامر الرام، ورواه محمد ابن حميد الرازي عن سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق عن أبي منظور الشامي عن عمه عن عامر انتهى.
"عن عامر الرام" بحذف الياء تخفيفاً كما في المتعال "أخي الخضر" بضم الخاء وسكون الضاد المعجمتين المحاربي من ولد مالك بن مطرف بن خلف بن محارب، وكان يقال لولد مالك الخضر لأنه كان شديد الأدمة وكان عامر رامياً حسن الرمي فلذلك قيل له الرمي. قاله في الإصابة. وقال في تاج العروس: الخضر بالضم قبيلة. وهم رماة مشهورون ومنهم عامر الرامي أخو الخضر وصخر ابن الجعد وغيرهما انتهى. قال ابن الأثير في أسد الغابة والذهبي في تجريد أسماء الصحابة: عامر الرامي الخضري والخضر قبيلة من قيس عيلان ثم من محارب ابن خصفة بن قيس بن عيلان وهم ولد مالك ابن طريف بن خلف بن محارب قيل لمالك وأولاده الخضر لأنه كان آدم وكان عامر أرمى العرب انتهى "قال النفيلي هو الخضر" بضم الخاء وسكون الضاد المعجمتين "ولكن كذا قال" الراوي أي بفتح الخاء وكسر الضاد. والمعنى أنا حفظنا لفظ الخضر بفتح الخاء وكسر الضاد لكن الصحيح أنه بضم الخاء وسكون الضاد كذا قاله بعض الأعلام في حاشيته على كتاب الترغيب "قال" الراوي "رايات وألوية" قال في المصباح المنير: لواء الجيش علمه وهو دون الراية والجمع ألوية "فأتيته" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "وهو" أي النبي صلى الله عليه وسلم "جالس عليه" أي على الكساء "وقد اجتمع إليه" أي إلى النبي صلى الله عليه وسلم "الأسقام" جمع سقم أي الأمراض وثوابها "إذا أصابه السقم" بفتحتين وبضم فسكون "ثم أعفاه الله" أي عافاه الله "منه" أي من ذلك السقم "كان" أي السقم والصبر عليه "ومواعظة له" أي تنبيهاً

(8/243)


2 - باب إذا كان الرجل يعمل عملاً صالحاً فشغله عنه مرض أو سفر
3089 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ عِيسَى وَ مُسْدَدٌ المَعْنَى قالا أخبرنا هُشَيْمٌ عن الْعَوّامِ بنِ حَوْشَبٍ عن إبْرَاهِيمَ بنِ عبد الرحمن السّكْسَكِيّ عن أبي بُرْدَةَ عن أبِي
ـــــــ
باب إذا كان الرجل الخ
"السكسكي" بفتح المهملتين وسكون الكاف الأولى كذا في المغنى، وهي قبيلة ينسب

(8/245)


مُوسَى قال سَمِعْتُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم غَيْرَ مَرّةٍ وَلاَ مَرّتَيْنِ يَقُولُ: "إذَا كَانَ الْعَبْدُ يَعْمَلُ عَمَلاً صَالِحاً فَشَغَلَهُ عَنْهُ مَرَضٌ أوْ سَفَرٌ كُتِبَ لَهُ كَصَالِحِ مَا كَانَ يَعْمَلُ وَهُوَ صَحِيحٌ مُقِيمٌ".
ـــــــ
إليها مخلاف باليمن كذا في المراصد "فشغله" أي العبد "عنه" أي عن العمل "كتب له" أي للعبد "وهو" أي العبد والواو للحال. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري.

(8/246)


باب في عيادة النساء
...
3 - باب عيادة النساء
3090 - حدثنا سَهْلُ بنُ بَكّارٍ عن أبي عَوَانَةَ عن عَبْدِالمَلِكِ بنِ عُمَيْرٍ عن أُمّ الْعَلاَءِ قالَتْ: عَادَنِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَأنَا مَرِيضَةٌ فَقالَ "أبْشِرِي يَا أُمّ الْعَلاَءِ فَإنّ مَرَضَ المُسْلِمِ يُذْهِبُ الله بِهِ خَطَايَاهُ كَمَا تُذْهِبُ النّارُ خَبَثَ الذّهَبِ وَالْفِضّةِ".
3091 - حدثنا مُسْدَدٌ أخبرنا يَحْيَى ح. وَأخبرنا مُحَمّدُ بَشّارٍ أخبرنا عُثْمَانُ بن عُمَرَ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَهَذَا لَفْظُهُ[لفظ بن بشار] عن أبي عَامِرٍ الْخَزّازِ عن ابنِ أبي مُلَيْكَةَ عنْ عَائِشَةَ قالَتْ: قُلْتُ يَارَسُولَ الله إنّي لأعْلَمُ أشَدّ آيَةٍ في كِتَابِ الله عَزّوَجَلّ[القرآن] قالَ: "أيّةُ آيَةٍ يَاعَائِشَةُ؟" قالَتْ قَوْلُ الله تَعَالَى : {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} قالَ
ـــــــ
باب عيادة النساء
"عادني" من العيادة "يذهب الله به" أي بسبب المرض " خطاياه" أي المسلم "خبث الذهب والفضة" قال ابن الأثير في النهاية: الخبث بفتحتين هو ما تلقيه النار من وسخ الفضة والنحاس وغيرهما إذا أذيبا انتهى. قال المنذري: وأم العلاء هي عمة حكيم بن حزام وكانت من المبايعات. والحديث سكت عنه.
"قال" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم {مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ} قال الحسن: هذا في حق الكفار خاصة لأنهم يجازون بالعقاب على الصغير والكبير ولا يجزي المؤمن بسيء عمله يوم القيامة ولكن يجزي بأحسن عمله ويتجاوز عن سيئاته. ويدل على صحة هذا القول سياق الآية وهو قوله: {وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً} وهذا هو الكافر، فأما المؤمن فله ولي ونصير. وقال آخرون: هذه الآية في حق كل من عمل سوءاً من مسلم ونصراني وكافر. قال ابن عباس: هي عامة في حق كل من عمل سوءاً يجز به إلا أن يتوب قبل أن يموت فيتوب الله عليه.

(8/246)


أمَا عَلِمْتِ يَاعَائِشَةُ أنّ المُسْلِمَ[المؤمن] تُصِيبُهُ النّكْبَةُ أوِ الشّوْكَةُ فَيُكَافى بِأسْوَءِ عَمَلِهِ وَمَنْ حُوسِبَ عَذّبَ قالَتْ[قلت] ألَيْسَ يَقُولُ الله {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً} قالَ ذَاكُمْ الْعَرَضُ يَاعَائِشَةُ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عَذّبَ".
قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَهَذَا لَفْظُ ابنُ بَشّارٍ قالَ أخبرنا ابنُ أبي مُلَيْكَةَ.
ـــــــ
وقال ابن عباس في رواية أبي صالح عنه: لما نزلت هذه الآية شقت على المسلمين مشقة شديدة، وقالوا يا رسول الله وأينا من لم يعمل سوءاً غيرك فكيف الجزاء؟ قال: "منه ما يكون في الدنيا، فمن يعمل حسنة فله عشر حسنات، ومن جوزي بالسيئة نقصت واحدة من عشر حسناته وبقيت له تسع حسنات، فويل لمن غلبت آحاده أعشاره. وأما من كان جزاؤه في الآخرة فيقابل بين حسناته وسيئاته فيلقى مكان كل سيئة حسنة، وينظر في الفضل فيعطي الجزاء في الجنة فيؤتى كل ذي فضل فضله". قاله في تفسير الخازن "قال": أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "النكبة": بفتح نون وسكون كلف ما يصيب الإنسان من الحوادث "فيكافي": بصيغة المجهول أي المسلم "ذاكم العرض": أي عرض الأعمال، كأنه أشار بجمع الخطاب إلى أن معرفة مثله لا ينبغي أن يختص بأحد دون أحد، بل اللائق بحال الكل أن يعرفوا مثل هذه الفوائد واللطائف انتهى "قال أخبرنا ابن أبي مليكة": أي قال محمد بن بشار في روايته عن أبي عامر الخزاز حدثنا ابن أبي مليكة بصيغة التحديث وأما مسدد فروى بصيغة العنعنة. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما "أليس يقول الله عز وجل" وما بعده إلى آخر الحديث.

(8/247)


4 - باب في العيادة
3092 - حدثنا عَبْدُالعَزِيزِ بن يَحْيَى أخبرنا مُحَمّدُ بنُ سَلَمَةَ عنْ مُحَمّدٍ بن إسْحَاقَ عن الزّهْرِيّ عن عُرْوَةَ عنْ أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ قالَ: خَرَجَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَعُودُ عَبْدَ الله بنَ أُبَيَ في مَرَضِهِ الّذِي مَاتَ فِيهِ فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْهِ عَرَفَ فِيهِ المَوْتَ. قالَ: "قَدْ
ـــــــ
باب في العيادة
"فلما دخل" النبي صلى الله عليه وسلم "عليه" أي على عبد الله المنافق "فيه" أي عبد الله "قال" النبي صلى الله عليه وسلم
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
بعد ذكر الأقوال الأربعة التي ذكرها المنذري ولا تعارض بين هذين الحديثين بوجه فإن حديث أسامة صريح في أنه أعطاه القميص وقت موته فكفنه فيه وحديث عبد الله بن عمر لم يقل

(8/247)


كُنْتُ أنْهَاكَ عن حُبّ يَهُودَ". قال فَقَدْ أبْغَضَهُمْ أسْعَدُ بنُ زَرَارَةَ فَمَهْ. فَلَمّا مَاتَ أتَاهُ ابْنُهُ فقَالَ يَانَبِيّ الله إنّ عَبْدَ الله بنَ أُبَيَ قَدْ مَاتَ، فَأعْطِنِي قَمِيصَكَ أكْفِنْهُ فِيهِ، فَنَزَعَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قَمِيصَهُ فَأعْطَاهُ إيّاهُ.
ـــــــ
"قال" عبد الله "فقد أبغضهم" أي اليهود "فمه" أي فماذا حصل له ببغضهم، فالهاء منقلبة عن الألف وأصله فما أو هو اسم فعل بمعنى اسكت، وكأنه يريد أنه لا يضرجهم ولا ينفع بغضهم، ولو نفع بغضهم لما مات أسعد بن زرارة، وهذا من قلة فهمه وقصور نظره على أن الضرر والنفع هو الموت أو الخلاص عنه. قاله في فتح الودود "فلما مات": أي عبد الله "أتاه": أي النبي صلى الله عليه وسلم "ابنه": أي ابن عبد الله وكان مؤمناً "فقال": أي ابن عبد الله "اكفنه": من باب التفعيل أي أكفن عبد الله "فيه": أي في قميصك "فأعطاه": أي فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم ابن عبد الله "إياه": أي قميصه.
قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما من حديث عبد الله بن عمر أن ابنه عبد الله جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يعطيه قميصه أن يكفن فيه أباه فأعطاه:
وأخرج البخاري ومسلم في صحيحهما من حديث جابر بن عبد الله قال: "أتى النبي صلى الله عليه وسلم قبر عبد الله بن أبيّ فأخرجه من قبره فوضعه على ركبته ونفث عليه من ريقه وألبسه قميصه" قيل يجوز أن يكون جابر شاهد من ذلك ما لم يشاهد ابن عمر، ويجوز أن يكون أعطاه قميص الكفن ثم أخرجه فألبسه آخر واختلفوا لم أعطاه ذلك أربعة أقوال: أحدها أن يكون أراد بذلك إكرام ولده فقد كان مسلماً بريئاً من النفاق.
والثاني: أنه صلى الله عليه وسلم ما سئل شيئاً قط فقال لا.
والثالث: أنه كان قد أعطى العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصاً لما أسر يوم بدر ولم يكن على العباس ثياب يومئذ فأراد أن يكافئه على ذلك لئلا يكون لمنافق عنده يد لم يجازه عليها.
والرابع: أنه يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك قبل أن نزل قوله عز وجل: {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} انتهى. كلام المنذري.
ـــــــ
فيه إنه ألبسه قميصه حين أخرجه من قبره وإنما فيه أنه نفث عليه من ريقه وأجلسه على ركبتيه وألبسه قميصه فأخبر بثلاث جمل متباينة الأوليان منها يتعين أن يكونا بعد الإخراج من القبر والثالثة لا يتعين فيها ذلك ولعل ابن عمر لما رأى عليه القميص في تلك الحال ظن أنه ألبسه إياه حينئذ.

(8/248)


5 - باب في عيادة الذمي
3093 - حدثنا سُليْمَانُ بنُ حَرْبٍ أخبرنا حَمّادٌ يَعْني ابنَ زَيْدٍ عن ثَابِتٍ عن أنَسٍ: أنّ غُلاَماً مِنَ الْيَهُودِ كَانَ مَرِضَ فَأتَاهُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَعُودُهُ فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فقالَ لَهُ "أسْلِمْ" فَنَظَرَ إلَى أبِيهِ وَهُوَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فقالَ لَهُ أبُوهُ أطِعْ أبَا الْقَاسِمِ فَأسْلَمَ، فَقَامَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَقُولُ "الْحَمْدُ لله الّذِي أنْقَذَهُ بِي مِنَ النّارِ".
ـــــــ
- باب في عيادة الذمي
"أن غلاماً" أي ولداً "من اليهود كان مرض" وفي رواية البخاري كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض "فقعد" النبي صلى الله عليه وسلم "عند رأسه" أي الغلام "فقال" النبي صلى الله عليه وسلم "له" أي للغلام "فنظر" أي الغلام "وهو" أي أبو الغلام "فقال له" أي للغلام "فأسلم": الغلام. وفي رواية النسائي عن إسحاق بن راهويه عن سليمان المذكور فقال "أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله" قاله الحافظ في الفتح "وهو" أي النبي صلى الله عليه وسلم "أنقذه" أي خلصه ونجاه "بي" أي بسببي "من النار" أي لو مات كافراً.
قال الحافظ في الفتح: في الحديث جواز استخدام المشرك وعيادته إذا مرض، وفيه حسن العهد واستخدام الصغير وعرض الإسلام على الصبي ولولا صحته منه ما عرضه عليه وفي قوله أنقذه من النار دلالة على أنه صح إسلامه وعلى أن الصبي إذا عقل الكفر ومات عليه أنه يعذب انتهى.
قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري والنسائي. قيل يعاد المشرك ليدعي إلى الإسلام إذا رجى إجابته ألا ترى أن اليهودي أسلم حين عرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام، فأما إذا لم يطمع في إسلام الكافر ولا يرجى إنابته فلا ينبغي عيادته، وقد عاد صلى الله عليه وسلم سعد بن عبادة راكباً على حمار. وقد جاء من حديث جابر أيضاً قال أتاني النبي صلى الله عليه وسلم يعودني وأبو بكر وهما ماشيان. وعيادة المريض راكباً وماشياً كل ذلك سنة. انتهى كلام المنذري.

(8/249)


6 - باب المشي في العيادة
3094 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا عبد الرحمن بن مَهْدِيَ عن سُفْيَانَ عن مُحَمّدِ بنِ المُنْكَدِرِ عن جَابِرٍ قالَ: "كَانَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَعُودُنِي لَيْسَ بِرَاكِبٍ بَغْلاً وَلاَ بِرْذَوْناً[بغل ولا برذون]".
ـــــــ
باب المشي في العيادة
"ولا بِرْذَوْنا" قال العيني: البرذون بكسر الباء الموحدة وفتح الذال المعجمة انتهى. وقال ابن الأنباري: يقع على الذكر والأنثى وربما قالوا في الأنثى برذونة. وقال المطرزي: البرذون التركي من الخيل. قاله في المصباح. وفي فتح الودود: المراد هنا مطلق الفرس. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري والترمذي.

(8/250)


7 - باب في فضل العيادة على وضوء
3095 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ عَوْفٍ الطّائِيّ أخبرنا الرّبِيعُ بن رَوْحِ بنُ خُلَيْدٍ أخبرنا مُحَمّدُ بن خَالِدٍ قال أخبرنا الْفَضْلُ بن دَلْهَمَ الْوَاسِطِيّ عن ثَابِتٍ الْبُنَانِيّ عنْ أنَسِ بنِ مَالِكٍ قالَ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَن تَوَضّأَ فَأحْسَنَ الْوُضُوءَ وَعَادَ أخَاهُ المُسْلِمَ مُحْتَسِباً بُوعِدَ مِنْ جَهَنّمَ مَسِيرَةً سَبْعِينَ خَرِيفاً". قُلْتُ: يَا أبَا حَمْزَةَ وَمَا الْخَرِيفُ؟ قال الْعَامُ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَالّذِي تَفَرّدَ بِهِ الْبِصْرِيّونَ مِنْهُ الْعِيَادَةَ وَهُوَ مُتَوَضّىءٌ.
ـــــــ
باب في فضل العيادة
"فأحسن الوضوء" أي أتى به كاملاً "وعاد أخاه المسلم" قال الطيبي: فيه أن الوضوء سنة في العيادة لأنه إذا دعا على الطهارة كان أقرب إلى الإجابة. وقال زين العرب: ولعل الحكمة في الوضوء هنا أن العيادة عبادة وأداء العبادة على وجه الأكمل أفضل "محتسباً" أي طالباً للثواب لا لغرض آخر من الأسباب "بوعد" ماض مجهول من المباعدة والمفاعلة للمبالغة "والذي" أي اللفظ الذي "تفرد به" بذلك اللفظ "البصريون" كثابت البناني البصري عن أنس، ثم عن ثابت البناني فضل بن دلهم وهو الواسطي البصري "منه" من هذا الحديث هذه الجملة الآتية وهي "العيادة وهو متوضىء" فلم يروها غير أهل البصرة.
قال المنذري: وفي إسناده الفضل بن دلهم بصري وقيل واسطي. قال يحيى بن معين:

(8/250)


3096 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنبأنا شُعْبَةُ عن الْحَكَمِ عن عَبْدِ الله بنِ نَافِعٍ عن عَلِيَ قال: "مَا مِنْ رَجُلٍ يَعُودُ مَرِيضاً مُمْسِياً إلاّ خَرَجَ مَعَهُ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتّى يُصْبِحَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ في الْجَنّةِ وَمَنْ أتَاهُ مُصْبِحاً خَرَجَ مَعَهُ سَبْعُونُ ألْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتّى يُمْسِيَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ في الْجَنّةِ".
3097 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ أخبرنا أبُو مُعَاوِيَةَ قال أخبرنا الأعْمَشُ عن الْحَكَمِ عن عبد الرحمن بن أبي لَيْلَى عنْ عَلِيّ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِمَعْنَاهُ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْخَرِيفَ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ مَنْصُورٌ عن الْحَكَمِ كَمَا رَوَاهُ شُعْبَةُ.
3098 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ قالَ أخبرنا جَرِيرٌ عن مَنْصُورٍ عن الْحَكَمِ عن أبِي جَعْفَرٍ عَبْدِ الله بنِ نَافِعٍ قال وَكَانَ نَافِعٌ غُلاَمَ الْحَسَنِ بنِ عَلِيّ قال جَاءَ أبُو مُوسَى إلَى الْحَسَنِ بنِ عَلِيَ يَعُودُهُ.
ـــــــ
ضعيف الحديث، وقال مرة: حديثه صالح. وقال الإمام أحمد بن حنبل لا يحفظ، وذكر أشياء مما أخطأ فيها، وقال مرة: ليس به بأس. وقال ابن حبان: كان ممن يخطىء فلم يفحش خطؤه حتى يبطل الاحتجاج به ولا اقتفى أثر العدول فيسلك به سننهم فهو غير محتج به إذا انفرد به انتهى.
"ممسياً" أي في وقت المساء "ومن أتاه" أي المريض "مصبحاً" أي وقت الصبح "وكان له" أي للعائد "خريف في الجنة" أي بستان. قال المنذري: والحديث موقوف. وقال أبو داوود: وأسند هذا عن علي من غير وجه صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم.
"لم يذكر الخريف" أي لم يذكر الأعمش لفظ الخريف "ورواه منصور عن الحكم" أي بذكر الخريف كما رواه شعبة.
"حدثنا عثمان بن أبي شيبة" قال المزي في الأطراف: حديث عثمان عن جرير في رواية أبي الحسن العبد وغيره ولم يذكره أبو القاسم انتهى.
والحديث ليس من رواية اللؤلؤي ولذا لم يذكره المنذري في مختصره. وقال المنذري في الترغيب: وعن علي رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من مسلم يعود مسلماً غدوة إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسى وإن عاد عشية إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح وكان له خريف في الجنة" رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب. وقد

(8/251)


قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَسَاقَ مَعْنَى حَدِيثِ شُعْبَةُ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: أُسْنِدَ هَذَا عنْ عَلِيّ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ صَحِيحٍ.
ـــــــ
روى عن علي موقوفاً انتهى. ورواه أبو داوود موقوفاً عن علي ثم ساق لفظ الموقوف ثم قال ورواه بنحو هذا أحمد وابن ماجه مرفوعاً وزاد في أوله "إذا عاد المسلم أخاه مشى في خرافة الجنة حتى يجلس فإذا جلس غمرته الرحمة" الحديث وليس عندهما وكان له خريف في الجنة. ورواه ابن حبان في صحيحه مرفوعاً أيضاً ولفظه "ما من مسلم يعود مسلماً إلا يبعث الله إليه سبعين ألف ملك يصلون عليه في أي ساعات النهار حتى يمسى وفي أي ساعات الليل حتى يصبح. ورواه الحاكم مرفوعاً بنحو الترمذي وقال صحيح على شرطهما وقوله في خرافة الجنة بكسر الخاء أي في اجتناء ثمر الجنة يقال خرفت النخلة أخرفها، فشبه ما يحوزه عائد المريض من الثواب بما يحوزه المخترف من التمر هذا قول ابن الأنباري انتهى كلام المنذري.

(8/252)


8 - باب في العيادة مرارا
3099 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ نُمَيْرٍ عنْ هِشَامِ بن عُرْوَةَ عن أبِيهِ عنْ عَائِشَةَ قالَتْ: لَمّا أُصِيبَ سَعْدُ بنُ مُعَاذِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ رَمَاهُ رَجُلٌ في الأكْحَلِ، "فَضَرَبَ عَلَيْهِ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم خَيْمَةً في المَسْجِدِ لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ".
ـــــــ
باب في العيادة مرارا
"يوم الخندق" ويسمى الأحزاب "رماه رجل" بيان أصيب "في الأكحل" على وزن الأفعل بفتح العين عرق في وسط الذراع. كذا في النهاية. ويقال له في الفارسية رك- هفت اندام "فضرب عليه" أي على سعد "رسول الله صلى الله عليه وسلم خيمة في المسجد" وعند أبي نعيم الاصبهاني "ضرب له النبي صلى الله عليه وسلم خباء في المسجد" ومعنى ضرب خيمة أي نصب خيمة وأقامها على أوتاد مضروبة في الأرض. والخيمة بيت تبنيه العرب من عيدان الشجر. والخباء واحد الأخبية من وبر أو صوف ولا يكون من شعر، وهو على عمودين أو ثلاثة وما فوق ذلك فهو بيت. قاله العيني "ليعوده" أي ليعود النبي صلى الله عليه وسلم سعداً "من قريب" وفي الحديث جواز سكني المسجد للعذر، وفيه أن السلطان أو العالم إذا شق عليه النهوض إلى عيادة مريض يزوره ممن يهمه أمره بنقل المريض إلى موضع يخف عليه فيه زيارته ويقرب منه. قاله العيني. وقال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم.

(8/252)


9 - باب العيادة من الرمد
3100 - حدثنا عَبْدُ الله بن مُحَمّدِ النّفَيْلِيّ أخبرنا حَجّاجُ بنُ مُحَمّدِ عنْ يُونُسَ بنِ أبِي إسْحَاقَ عن أبِيهِ عن زَيْدِ بن أرْقَمَ قالَ: "عَادَنِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِعَيْنَيّ".
ـــــــ
باب العيادة من الرمد
أي بسبب الرمد. والرمد بفتح الراء والميم ورم حار يعرض في الطبقة الملتحمة من العين وهو بياضها الظاهر، وسببه انصباب أحد الاخلاط أو أبخرة تصعد من المعدة إلى الدماغ، فإن اندفع إلى الخياشيم أحدث الزكام، أو إلى العين أحدث الرمد، أو إلى اللهاة والمنخرين أحدث الخنان بالخاء المعجمة والنون إلى الصدر أحدث النزلة، أو إلى القلب أحدث الشوصة، وإن لم ينحدر وطلب نفاذاً فلم يجد أحدث الصداع. قاله الحافظ في الفتح.
"عادني" من العيادة يقال عدت المريض أعود عيادة إذا زرته وسألت عن حاله "من وجع كان بعيني" فيه استحباب العيادة إن لم يكن المرض مخوفاً كالصداع ووجع الضرس وأن ذلك عيادة. قال الحافظ في الفتح: قال بعضهم بعدم مشروعية العيادة من الرمد، ويرده هذا الحديث، وصححه الحاكم، وهو عند البخاري في الأدب المفرد وسياقه أتم. وأما ما أخرجه البيهقي والطبراني مرفوعاً "ثلاثة ليس لهم عيادة العين والدمل والضرس" فصحح البيهقي أنه موقوف على يحيى بن أبي كثير. انتهى ملخصاً. وفي الأزهار شرح المصابيح فيه بيان استحباب العيادة وإن لم يكن المرض مخوفاً، وأن ذلك عيادة حتى يحوز بذلك أجر العيادة.
وروى عن بعض الحنفية أن العيادة في الرمد ووجع الضرس خلاف السنة والحديث
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وفي هذا رد على من زعم أنه لا يعاد من الرمد.
وزعموا أن هذا لأن العواد يرون في بيته مالا يراه هو.
وهذا باطل من وجوه.
أحدها: هذا الحديث.
الثاني: جواز عيادة الأعمى.
الثالث: عيادة المغمى عليه وقد جلس النبي صلى الله عليه وسلم في بيت جابر في حال إغمائه حتى أفاق وهو صلى الله عليه وسلم الحجة.
وهذا القول في كراهة عيادة المريض بالرمد إنما هو مشهور بين العوام فتلقاه بعضهم عن بعض.

(8/253)


يرده، ولا أعلم من أين تيسر لهم الجزم بأنه خلاف السنة مع أن السنة خلافه، نعوذ بالله من شرور أنفسنا وقد ترجم عليه أبو داوود في سننه فقال باب العيادة من الرمد ثم أسند الحديث والله الهادي انتهى.
قال بعض الحنفية رداً عليه: إن ترجمة أبي داوود لا تكون حجة على غيره انتهى. قلت: بلى ترجمة أبي داوود حجة على غيره من حيث أنه أورد في الباب حديثاً مرفوعاً صحيحاً فلا يكون قول الحنفية المخالف للحديث الصحيح حجة على أحد. وحديث الباب سكت عنه المنذري، وأخرجه أحمد والحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط الشيخين قال وله شاهد صحيح من رواية أنس فذكره بإسناده عن أنس قال عاد النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن أرقم من رمد كان به.

(8/254)


10 - باب الخروج من الطاعون
3101 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عنْ مَالِكٍ عن ابنِ شِهَابٍ عنْ عَبْدِالْحَمِيدِ بنِ عبد الرحمن بنِ زَيْدِ بنِ الْخَطّابِ عنْ عَبْدِ الله بن عَبْدِ الله بنِ الْحَارِثِ بنِ نَوْفَلٍ عن عَبْدِ الله بنِ عَبّاسِ قالَ قالَ عبد الرحمن بنُ عَوْفٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأرْضٍ فَلاَ تُقْدِمُوا عَلَيْهِ وَإذَا وَقَعَ بِأرْضٍ وَأنْتُمْ بِهَا فَلاَ تَخْرُجُوا فِرَاراً مِنْهُ يَعْني الطّاعُونَ".
ـــــــ
باب الخروج من الطاعون
"إذا سمعتم به" أي بالطاعون كما في رواية أخرى "بأرض" أي إذا بلغكم وقوعه في بلدة أو محلة "فلا تقدموا عليه" بضم التاء من الإقدام ويجوز فتح التاء والدال من باب سمع. قال الزرقاني في شرح الموطأ لا تقدموا بفتح أوله وثالثه وروى بضم الأول وكسر الثالث انتهى.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
والصواب في ذلك: ما دل عليه النص أنه لا ينبغي القدوم على الأرض التي هو بها فان ذلك تعرض للبلاء وقد نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن تمني لقاء العدو وإذا وقع في أرض هو فيها فإنه لا ينبغي له أن يفر منه بالخروج منها وإن ظن في ذلك نجاته بل ينبغي له أن يصبر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في العدو "وإذا لقيتموه فاصبروا" لاسيما والطاعون قد جاء أنه وخز أعدائنا من الجن فالطاعون كالطعان فلا ينبغي الفرار منهما ولا تمنى لقائهما.

(8/254)


وفي رواية أخرى "فلا تدخلوا عليه" أي يحرم عليكم ذلك لأن الإقدام عليه جزاءه على خطر وإيقاع للنفس في التهلكة والشرع ناه عن ذلك، قال تعالى: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} "وإذا وقع" أي الطاعون "وأنتم" أي والحال أنتم "بها" بذلك الأرض "فراراً" أي بقصد الفرار "منه" فإن ذلك حرام لأنه فرار من القدر وهو لا ينفع، والثبات تسليم لما لم يسبق منه اختيار فيه فإن لم يقصد فراراً بل خرج لنحو حاجة لم يحرم. قاله المناوي في التيسير "يعني الطاعون": الطاعون بوزن فاعول من الطعن عدلوا به عن أصله ووضعوه دالا على الموت العام كالوباء ويقال طعن فهو مطعون وطعين إذا أصابه الطاعون، وإذا أصابه الطعن بالرمح فهو مطعون هذا كلام الجوهري. وقال الخليل: الطاعون الوباء. وقال صاحب النهاية: الطاعون المرض العام الذي يفسد له الهواء وتفسد به الأمزجة والأبدان. وقال أبو بكر بن العربي: الطاعون الوجع الغالب الذي يطفىء الروح كالذبحة سمى بذلك لعموم مصابه وسرعة قتله. وقال أبو الوليد الباجي: هو مرض يعم الكثير من الناس في جهة من الجهات بخلاف المعتاد من أمراض الناس، ويكون مرضهم واحداً بخلاف بقية الأوقات، فتكون الأمراض مختلفة. وقال عياض: أصل الطاعون القروح الخارجة في الجسد، والوباء عموم الأمراض فسميت طاعوناً لشبهها بها في الهلاك وإلا فكل طاعون وباء وليس كل وباء طاعوناً. وقال النووي: هو بثر وورم مؤلم جداً يخرج مع لهب ويسود ما حواليه أو يخضر أو يحمر حمرة شديدة بنفسجية كدرة ويحصل معه خفقان وقيء، ويخرج غالباً في المراق والآباط، وقد يخرج في الأيدي والأصابع وسائر الجسد. وقال جماعة من الأطباء منهم أبو علي بن سينا: الطاعون مادة سمية تحدث ورماً قتالاً يحدث في المواضع الرخوة والمغابن من البدن وأغلب ما تكون تحت الإبط أو خلف الأذن أو عند الأرنبة. قاله الحافظ في الفتح. والمراد بالطاعون المذكور في الحديث الذي ورد في الهرب عنه هو الوباء وكل موت عام. قال الخطابي في قوله عليه السلام: "لا تقدموا عليه" إثبات الحذر والنهي عن التعرض للتلف، وفي قوله عليه السلام لا تخرجوا فراراً منه إثبات التوكل والتسليم لأمر الله تعالى وقضائه فأحذ الأمرين تأديب وتعليم، والإخر تفويض وتسليم انتهى.
وقال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم مطولاً، واختلف السلف في ذلك فمنهم من أخذ بظاهر الحديث وهم الأكثر. وعن عائشة قالت هو كالفرار من الزحف.
ومنهم من دخل إلى بلاد الطاعون وخرج عنها، وروى هذا المذهب عن عمر بن الخطاب وأنه ندم على خروجه من سرغ.

(8/255)


وروى عن أبي موسى الأشعري ومسروق والأسود بن هلال أنهم فروا من الطاعون. وروى عن عمرو بن العاص نحوه. وقال بعض أهل العلم: لم ينه عن دخول أرض الطاعون والخروج عنها مخافة أن يصيبه غير ما كتب عليه، أو يهلك قبل أجله لكن حذار الفتنة على الحي من أن يظن أن هلاك من هلك لأجل قدومه، ونجاة من نجا لفراره، وهذا نحو نهيه عن الطيرة والقرب من المجذوم من "لا عدوى". وقد روى عن ابن مسعود أنه قال: الطاعون فتنة على المقيم وعلى الفار، أما الفار فيقول فررت فنجوت، وأما المقيم فيقول أقمت فمت انتهى كلام المنذري.
وأخرج مالك والشيخان من طريقه عن أسامة بن زيد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الطاعون رجز أرسل على طائفة من بني إسرائيل أو على من كان قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه."
وأخرج الشيخان من حديث أنس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الطاعون شهادة لكل مسلم".
وأخرج البخاري عن عائشة قالت: "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون فقال "كان عذاباً يبعثه الله على من كان قبلكم فجعله الله رحمة للمؤمنين، ما من عبد يكون في بلد فيكون فيه فيمكث لا يخرج صابراً محتسباً يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر شهيد" ويجيء بعض الروايات بعد الأبواب.

(8/256)


11 - باب الدعاء للمريض بالشفاء عند العيادة
3102 - حدثنا هَارُونُ بنُ عَبْدِ الله أخبرنا مَكّيّ بنُ إبْرَاهِيمَ أخبرنا الْجُعَيْدُ عن عَائِشَةَ بِنْتَ سَعْدٍ أنّ أبَاهَا قالَ: اشْتَكَيْتُ بِمَكّةَ فَجَاءَنِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَعُودُنِي وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِي ثُمّ مَسَحَ صَدْرِي وَبَطْنِي ثُمّ قالَ "اللّهُمّ اشْفِ سَعْداً وَأتْمِمْ لَهُ هِجْرَتَهُ".
3103 - حدثنا ابنُ كَثِيرٍ قالَ أخبرنا سُفْيَانُ عن مَنْصُورٍ عن أبِي وَائِلٍ عنْ أبِي
ـــــــ
باب الدعاء للمريض بالشفاء عند العيادة
"اشتكيت" أي مرضت "اللهم اشف سعداً" فيه الترجمة "وأتممم له هجرته" قال العيني: إنما دعا له بإتمام الهجرة لأنه كان مريضاً وخاف أن يموت في موضع هاجر منه فاستجاب الله عز وجل دعاء رسوله وشفاه ومات بعد ذلك بالمدينة انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه

(8/256)


مُوسَى الأشْعَرِيّ قالَ: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أطْعِمُوا الْجَائِعَ وَعُودُوا المَرِيضَ وَفُكّوا الْعَانِي".
قالَ سُفْيَانُ: وَالْعَانِي الأسِيرُ.
ـــــــ
البخاري أتم منه انتهى."أطعموا الجائع": أي المضطر والمسكين والفقير "وعودوا المريض" قال الحافظ: قال ابن بطال: يحتمل أن يكون الأمر على الوجوب بمعنى الكفاية كإطعام الجائع وفك الأسير، ويحتمل أن يكون للندب للحث على التواصل والألفة. وجزم الداوودي بالأول فقال هي فرض يحمله بعض الناس عن بعض. وقال الجمهور: هي في الأصل ندب وقد تصل إلى الوجوب في حق بعض دون بعض. وعن الطبري: تتأكد في حق من ترجى بركته وتسن فيمن تراعى حاله، وتباح فيما عدا ذلك انتهى "وفكوا العاني": أي الأسير، وفكه تخليصه بالفداء أي أخلصوا الأسير المسلم في أيدي الكفار أو المحبوس ظلماً. والحديث أخرجه البخاري في كتاب الأطعمة والنكاح وكتاب المرضى، وأخرجه النسائي والله أعلم.

(8/257)


12 - باب الدعاء للمريض عند العيادة
3104 - حدثنا الرّبِيعُ بنُ يَحْيَى أخبرنا شُعْبَةُ أخبرنا يَزِيدُ أبُو خَالِدٍ عن المِنْهَالِ بنِ عَمْرٍو عن سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبّاسٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ عَادَ مَرِيضاً لَمْ يَحْضُرْ أجَلُهُ فقالَ عِنْدَهُ سَبْعَ مِرَاراً: أسْألُ الله الْعَظِيمَ رَبّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أنْ يَشْفِيكَ، إلاّ عَافَاهُ الله مِنْ ذَلِكَ المَرَضِ".
ـــــــ
باب الدعاء للمريض عند العيادة
"من عاد مريضاً" أي زاره في مرضه "لم يحضر أجله" صفة المريض "فقال" أي العائد "عنده" أي المريض "أسأل الله العظيم" أي في ذاته وصفاته "أن يشفيك" بفتح أوله مفعول ثان "إلا عافاه الله" قال السندي: كأن كلمة إلا مبنى على أن التقدير فلم يقل ذلك إلا عافاه الله، أو أن كلمة من للاستفهام الإنكاري فيرجع إلى معنى النفي كقوله تعالى: {هَلْ جَزَاءُ الْأِحْسَانِ إِلَّا الْأِحْسَانُ} وقوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} انتهى. قلت: وفي بعض الروايات كما في المشكاة بلفظ "من من مسلم يعود مسلماً فيقول سبع مرات" الحديث. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث المنهال بن عمر انتهى. وفي إسناده يزيد بن عبد الرحمَن أبو خالد المعروف بالدالاني، وقد

(8/257)


3105 - حدثنا يَزِيدُ بنُ خَالِدٍ الرّمَلِيّ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ عن حُيَيّ بنِ عَبْدِ الله عن أبِي عبد الرحمن الْحُبُلِيّ عن ابنِ عَمْرٍو قال قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "إذَا جَاءَ الرّجُلُ يَعُودُ مَرِيضاً فَلْيَقُلْ: اللّهُمّ اشْفِ عَبْدَكَ، يَنْكَأُ لَكَ عَدُوّا أوْ يَمْشِي لَكَ إلَى جَنَازَةٍ".
قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَقالَ ابنُ السّرْحِ: إلَى صَلاَةٍ.
ـــــــ
وثقه أبو حاتم الرازي وتكلم فيه غير واحد انتهى كلام المنذري. وأيضاً أخرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين.
"ينكأ" بفتح الياء في أوله وبالهمزة في آخره مجزوماً أي يجرح "لك عدواً" أي الكفار أو إبليس وجنوده، ويكثر فيهم النكاية بالإيلام وإقامة الحجة والإلزام بالجزم. وروى بالرفع بتقدير فهو ينكأ من النكأ بالهمز من حد منع ومعناه الخدش، وينكى من النكاية من باب ضرب أي التأثير بالقتل والهزيمة. ذكره بعض الشراح، لكن الرسم لا يساعد الأخير. وفي الصحاح: نكأت القرحة أنكأها نكأ إذا قشرتها. وفي النهاية: نكيت في العد وأنكى نكاية فأناناك إذا أكثرت فيهم الجراح والقتل فوهموا لذلك وقد يهمز. قال الطيبي: ينكأ مجزوم على جواب الأمر ويجوز الرفع أي فإنه ينكأ. وقال ابن الملك: بالرفع في موضع الحال أي يغزو في سبيلك "أو يمشي": بالرفع أي أو هو يمشي قال ميرك: وكذا ورد بالياء وهو على تقدير ينكأ بالرفع ظاهر وعلى تقدير الجزم فهو وارد على قراءة من يتق ويصبر "لك" أي لأمرك وابتغاء وجهك "إلى جنازة": أي اتباعها للصلاة لما جاء في رواية ابن السرح "إلى صلاة" وهذا توسع شائع. قال الطيبي: ولعله جمع بين النكاية وتشييع الجنازة لأن الأول كدح في إنزال العقاب على عدو الله، والثاني سعى في إيصال الرحمة إلى ولي الله. والحديث سكت عنه المنذري. وأخرجه ابن حبان والحاكم. كذا في المرقاة "قال ابن السرح": هو أحمد بن عمرو بن عبد الله المصري الفقيه شيخ المؤلف.

(8/258)


13 - باب كراهية تمني الموت
3106 - حدثنا بِشْرُ بنُ هِلاَلٍ أخبرنا عَبْدُالْوَارِثِ عن عَبْدِالعَزِيزِ بنِ صُهَيْبٍ عن أنَسِ بنِ مَالِكٍ قالَ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَدْعُوَنّ أحَدُكُم بالمَوْتِ لِضُرّ نَزَلَ بِهِ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: اللّهُمّ أحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْراً لِي، وَتَوَفّنِي إذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْراً لِي".
3107 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ بَشّارٍ أخبرنا أبُو دَاوُدَ - يَعني الطّيَالِسِيّ - أخبرنا شُعْبَةُ عن قَتَادَةَ عن أنَسِ بنِ مَالِكٍ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "لاَ يَتَمَنّيَنّ أحَدُكُمُ المَوْتَ" فَذَكَرَ مِثْلَهُ.
ـــــــ
باب كراهية تمني الموت
"لا يدعون أحدكم بالموت" الخطاب للصحابة والمراد هم ومن بعدهم من المسلمين عموماً "لضر" بضم الضاد وتفتح قاله القاري "نزل به" أي بأحدكم "ولكن ليقل" هذا يدل على أن النهي عن تمني الموت مقيد بما إذا لم يكن على هذه الصيغة، لأن في التمني المطلق نوع اعتراض ومراغمة للقدر المحتوم، وفي هذه الصورة المأمور بها نوع تفويض وتسليم للقضاء. قاله الحافظ في الفتح "ما كانت الحياة خيراً لي" أي من الموت وهو أن تكون الطاعة غالبة على المعصية، والأزمنة خالية عن الفتنة والمحنة "وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي" أي من الحياة. قال الحافظ في الفتح: عبر في الحياة بقوله ما كانت لأنها حاصلة فحسن أن يأتي بالصيغة المقتضية للاتصاف بالحياة، ولما كانت الوفاة لم تقع بعد حسن أن يأتي بصيغة الشرط والظاهر أن هذا التفصيل يشمل ما إذا كان الضر دينياً أو دنيوياً انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه. قال بعضهم: قول النبي صلى الله عليه وسلم عند موته اللهم ألحقني بالرفيق الأعلى تمن للموت، وقد تمنى الموت عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وذلك معارض يعني لأحاديث النهي عن تمني الموت. وأجاب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك بعد أن علم أنه ميت في يومه ذلك واستشهد بقوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة لا كرب على أبيك بعد اليوم، وقول عائشة سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يقبض نبي حتى يخير"، فلما سمعته يقول الرفيق الأعلى علمت أنه ذاهب. قال: وأما حديث عمر وعلي ففيهما بيان معنى نهيه عليه السلام عن تمني الموت وأن المراد بذلك إذا نزل بالمؤمن مرض أو ضيق في دنياه فلا يتمنى الموت عند ذلك، فإذا خشي أن يصاب في دينه فمباح له أن يدعو بالموت قبل مصابه بدينه، ولا يستعمل عمر هذا المعنى إلا أنه خشي عند كبر سنه وضعف قوته أن يعجز عن القيام بما افترض الله عليه من أمر الأمة، فأجاب الله دعاءه وأماته بأن قتل انسلاخ الشهر. وكذلك خشى علي رضي الله عنه من سأمته لرعيته

(8/259)


وسأمتهم له. وقد سأل عمر بن عبد العزيز الوفاة لنفسه حرصاً على السلامة من التغيير رضي الله عنهم انتهى كلام المنذري.

(8/260)


14 - باب في موت الفجأة
3108 - حدثنا مُسْدَدٌ أخبرنا يَحْيَى عن شُعْبَةَ عن مَنْصُورٍ عن تَمِيمٍ بنِ سَلَمَةَ، أوْ سَعْدِ بنِ عُبَيْدَةَ عن عُبَيْدِ بنِ خَالِدٍ السّلَمِيّ - رَجُلٌ مِنْ أصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال مَرّةً عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم، ثُم قال مَرّةً عن عُبَيْدٍ قال: "مَوْتُ الْفُجْأةِ أخْذَةُ أسَفٍ".
ـــــــ
باب في موت الفجأة
بضم الفاء والمد أو بفتح الفاء وسكون الجيم بلا مد أي الموت بغتة قاله السندي.
"أو سعد بن عبيدة" هذا شك من شعبة أي روى منصور عن تميم أو سعد "رجل" خبر مبتدأ محذوف أي هو رجل يعني عبيد بن خالد. قال الحافظ: قال البخاري: له صحبة وأخرج له أحمد وأبو داوود والنسائي والطيالسي، وروى عنه أيضاً سعد بن عبيدة وتميم بن سلمة وشهد صفين مع علي. قاله ابن عبد البر انتهى مختصراً "قال مرة": أي مرفوعاً "ثم قال مرة": أخرى أي موقوفاً على الصحابي. قال الحافظ المنذري: وقد روى هذا الحديث من حديث عبد الله بن مسعود وأنس بن مالك وأبي هريرة وعائشة وفي كل منها مقال. وقال الأردي: ولهذا الحديث طرق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا آخر كلامه. وحديث عبيد هذا أخرجه أبو داوود ورجال إسناده ثقات والوقف فيه لا يؤثر، فإن مثله لا يؤخذ بالرأي، وكيف وقد أسنده مرة الراوي والله عز وجل أعلم انتهى كلام المنذري "موت الفجأة" بضم الفاء مداً وبفتحها وسكون الجيم قصراً قال ابن الأثير في النهاية: يقال فجئه الأمر وفجأة فجاءة بالضم والمد وفاجأه مفاجأة إذا جاءه بغتة من غير تقدم سبب، وقيده بعضهم بفتح الفاء وسكون الجيم من غير مد انتهى. ثم الموت شامل للقتل أيضاً إلا الشهادة "أخذة اسف" بفتح السين وروى بكسرها وفي مشكاة المصابيح زاد البيهقي في شعب الإيمان ورزين في كتابه "أخذة الأسف للكافر ورحمة للمؤمن" قال في النهاية: حديث موت الفجأة راحة للمؤمن وأخذة أسف للكافر أي أخذة غضب أو غضبان يقال اسف يأسف اسفا فهو أسف إذا غضب انتهى. وفي القاموس: الأسف محركة أشد الحزن أسف كفرح وعليه غضب. وسئل صلى الله عليه وسلم عن موت الفجأة فقال: "راحة المؤمن وأخذة أسف للكافر" ويروى أسف ككتف أي أخذة سخط أو ساخط. وقال علي القاري: قالوا روى في الحديث الأسف بكسر السين وفتحها، فالكسر الغضبان والفتح الغضب أي موت الفجأة أثر من آثار غضب الله فلا يتركه ليستعد لمعاده بالتوبة وإعداد زاد الآخرة ولم يمرضه ليكون كفارة لذنوبه انتهى. وقال

(8/260)


الخطابي: الأسف الغضبان آسفونا أغضبونا. ومن هذا قوله تعالى: { فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ} ومعناه والله أعلم أنهم فعلوا ما يوجب الغضب عليهم والانتقام منهم.

(8/261)


15 - باب في فضل من مات بالطاعون
3109 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن عَبْدِ الله بنِ عَبْدِ الله بنِ جَابِرٍ بنِ عَتِيكٍ عن عَتِيكٍ بنِ الْحَارِثِ بنِ عَتِيكٍ - وَهُوَ جَدّ عَبْدِ الله بنِ عَبْدِ الله أبُو أُمّهِ - أنّهُ أخْبَرَهُ أنّ عَمّهُ جَابِرَ بنَ عَتِيكٍ أخْبَرَهُ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم - جَاءَ يَعُودُ عَبْدَ الله بنَ ثَابِتٍ فَوَجَدَهُ قَدْ غُلِبَ، فَصَاحَ بِهِ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فَلَمْ يُجِبْهُ، فَاسْتَرْجَعَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَقال: "غُلِبْنَا عَلَيْكَ يَا أبَا الرّبِيعِ،" فَصَاحَ النّسْوَةُ وَبَكَيْنَ، فَجَعَلَ ابنُ عَتِيكٍ يُسْكِتُهُنّ، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "دَعْهُنّ فَإذَا وَجَبَ فَلاَ تَبْكَيَنّ بَاكِيَةٌ". قالُوا: وَمَا الْوُجُوبَ يَارَسُولَ الله؟ قالَ: "المَوْتُ". قالَتِ ابْنَتُهُ: وَ الله إنْ كُنْتُ لاَءَرْجُو أنْ تَكُونَ شَهِيداً فَإنّكَ قَدْ كُنْتُ قَضَيْتَ جِهَازَكَ، قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ الله عَزّوَجَلّ قَدْ أوْقَعَ أجْرَهُ عَلَى قَدْرِ نِيّتِهِ"، وَمَا تَعُدّونَ الشّهَادَةَ؟ قالُوا: الْقَتْلَ في سَبِيلِ الله. قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "الشّهَادَةُ سَبْعٌ سِوَى الْقَتْلِ
ـــــــ
باب في فضل من مات بالطاعون
"وهو" أي عتيك بن الحارث "أبو أمة" بدلا من الجد، والضمير المجرور لعبد الله بن عبد الله "إنه" أي عتيك بن الحارث "أخبره" الضمير المنصوب يرجع إلى عبد الله بن عبد الله "أن عمه" أي لعتيك بن الحارث "جابر بن عتيك" بدل من العم أخبر الضمير المنصوب يرجع إلى عتيك بن الحارث "فوجده قد غلب" أي وجد النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله مغلوباً غلب عليه أمر الله تعالى ودنا من الموت "فصاح به" أي صرخ به "فاسترجع" أي قال إنا لله وإنا إليه راجعون "وقال" النبي صلى الله عليه وسلم "غلبنا عليك" يعني أنا نريد حياتك لكن تقدير الله تعالى غالب "فإذا وجب" أي مات. قال الخطابي: أصل الوجوب في اللغة السقوط. قال الله تعالى: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا} وهي أن تميل فتسقط، وإنما يكون ذلك إذا زهقت نفسها. ويقال للشمس إذا غابت قد وجبت الشمس "قالت ابنته" أي عبد الله بن ثابت "والله إن" مخففة من المثقلة "فإنك قد كنت" خطاب لعبد الله "قضيت جهازك" أي أعددت أسباب الجهاد وجهزت له. قال في المصباح: جهاز السفر أهبته وما يحتاج إليه في قطع المسافة بالفتح وبه قرأ السبعة في قوله تعالى: {فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ} والكسر لغة قليلة "أجره" أي عبد الله "على قدر نيته" أي عبد الله "الشهادة سبع" أي الحكمية "سوى القتل في سبيل الله" أي غير الشهادة الحقيقية

(8/261)


في سَبِيلِ الله: المَطعُونُ شَهِيدٌ، وَالْغَرِقُ[الغريق] شَهِيدٌ وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ، وَالمَبْطُونُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ الْحَرِيقِ[الحرق] شَهِيدٌ، وَالّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ شَهِيدٌ، وَالمَرْأةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيدٌ".
ـــــــ
"المطعون" هو الذي يموت بالطاعون "والغرق شهيد" إذا كان سفره طاعة "وصاحب ذات الجنب" وهي قرحة أو قروح تصيب الإنسان داخل جنبه ثم تفتح ويسكن الوجع وذلك وقت الهلاك، ومن علاماتها الوجع تحت الأضلاع وضيق النفس مع ملازمة الحمى والسعال، وهي في النساء أكثر قاله القاري "والمبطون": من إسهال أو استسقاء أو وجع بطن "وصاحب الحريق": أي المحرق وهو الذي يموت بالحرق "تحت الهدم" أي حائط ونحوه.
قال القاري: الهدم بفتح الدال ويسكن "والمرأة تموت بجمع": بضم الجيم ويكسر وسكون الميم قاله القاري.
قال الخطابي: معناه أن تموت وفي بطنها ولد انتهى. وقال في النهاية: أي تموت وفي بطنها ولد، وقيل التي تموت بكراً، والجمع بالضم بمعنى المجموع كالذخر بمعنى المذخور، وكسر الكسائي الجيم، والمعنى أنها ماتت مع شيء مجموع فيها غير منفصل عنها من حمل أو بكارة انتهى.
قال المنذري: والحديث أخرجه النسائي وابن ماجه. وقال النمري: رواه جماعة الرواة عن مالك فيما علمت لم يختلفوا في إسناده ومتنه. وقال غيره صحيح من مسند حديث مالك.
وقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الشهداء خمسة المطعون والمبطون والغرق وصاحب الهدم والشهيد في سبيل الله" وفي رواية "من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد" انتهى كلام المنذري.
ولفظ أحمد في مسنده من حديث عبادة بن الصامت مرفوعاً "إن في القتل شهادة، وفي الطاعون شهادة، وفي البطن شهادة، وفي الغرق شهادة، وفي النفساء يقتلها ولدها جمعاً شهادة".
قال في الترغيب: رواته ثقات. وقوله جمعاً مثلثة الجيم ساكنة الميم أي ماتت وولدها في بطنها، يقال ماتت المرأة بجمع إذا ماتت وولدها في بطنها، وقيل إذا ماتت عذراء أيضاً انتهى.
وعن أبي عسيب مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتاني جبرئيل عليه

(8/262)


السلام بالحمى والطاعون فأمسكت الحمى بالمدينة وأرسلت الطاعون إلى الشام، فالطاعون شهادة لأمتي ورجز على الكافر" رواه أحمد ورواته ثقات مشهورون قاله المنذري.
وعن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تفنى أمتي إلا بالطعن والطاعون". قلت يا رسول الله هذا الطعن قد عرفناه فما الطاعون؟ قال: "غدة كعدة البعير، والمقيم كالشهيد، والفار منه كالفار من الزحف" رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني.
ولفظ البزار "قلت يا رسول الله هذا الطعن قد عرفناه فما الطاعون؟ قال "يشبه الدمل يخرج من الآباط والمراق وفيه تزكية أعمالهم وهو لكل مسلم شهادة" قال المنذري: أسانيد الكل حسان. وعن جابر بن عبد الله قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الطاعون "الفار منه كالفار من الزحف، ومن صبر فيه كان له أجر شهيد" أخرجه أحمد بإسناد حسن. قاله المنذري.

(8/263)


16 - باب المريض يؤخذ من أظفاره وعانته
3110 - حدثنا مُوسى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ أنبأنا ابنُ شِهَابٍ أخبرني عُمَرُ بنُ جَارِيَةَ الثّقَفِيّ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ، وَكَانَ مِنْ أصْحَابِ أبي هُرَيْرَةَ عن أبي هُرَيْرَةَ قال: ابْتَاعَ بَنُو الْحَارِثِ بنِ عَامِرِ بنِ نَوْفَلٍ خُبَيْباً، وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ قَتَلَ الْحَارِثَ بنَ عَامِرٍ يَوْمَ بَدْرٍ، فَلَبِثَ[فجلس] خُبَيْبٌ عِنْدَهُمْ أسِيراً حَتّى أجْمَعُوا لِقَتْلِهِ، فَاسْتَعَارَ مِنَ ابْنَةِ الْحَارِثِ مُوسَى يَسْتَحِدّ بِهَا، فَأعارَتْهُ، فَدَرَجَ بُنَيّ لَهَا وَهِيَ غَافِلَةٌ حَتّى
ـــــــ
باب المريض يؤخذ من أظفاره وعانته
"خبيب" هو ابن عدي بن مالك بن عامر الأنصاري الأوسي شهد بدراً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأورد ابن الأثير بإسناده إلى أبي هريرة قال: "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة رهط عيناً وأمر عليهم عاصم بن ثابت فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهدّة بين عسفان ومكة ذكروا لحي من هذيل يقال لهم بني لحيان، فلما أحس بهم عاصم وأصحابه لجأوا إلى الموضع المرتفع من الأرض فأحاط بهم القوم، فقالوا انزلوا وأعطونا بأيديكم ولكم العهد والميثاق أن لا نقتل منكم أحداً، فقال عاصم أما أنا فوالله لا أنزل في ذمة كافر، ونزل إليهم ثلاثة نفر على العهد والميثاق فيهم خبيب الأنصاري وزيد بن الدثنة إلى أن قال وانطلقوا بخبيب وزيد بن الدثنة حتى باعوهما بمكة بعد وقعة بدر". وفيه أيضاً فقالت ابنة الحارث والله ما رأيت أسيراً خيراً من خبيب والله لقد وجدته يأكل قطفاً من عنب في يده وإنه لموثق في الحديد وما بمكة من ثمرة وكانت تقول إنه لرزق رزقه الله خبيباً "فاستعار" أي خبيب "مُوسًى" هي آلة الحلق "يستحد بها" أي يحلق بالموس

(8/263)


أتَتْهُ فَوَجَدَتْهُ مُخْلِياً وَهُوَ عَلَى فَخِذِهِ وَالمُوسِيّ بِيَدِهِ، فَفَزِعَتْ فَزْعَةً عَرَفَهَا فِيهَا، فقال: أتَخْشِينَ أنْ أقْتُلَهُ، مَا كُنْتُ لأفْعَلَ ذَلِكَ".
قَالَ أبُو دَاوُدَ: رَوَى هَذِهِ الْقِصّةَ شُعَيْبُ بنُ أبي حَمْزَةَ عن الزّهْرِيّ قال أخبرني عُبَيْدُ الله بنُ عِيَاضٍ أنّ ابْنَةَ الْحَارِثِ أخْبَرَتْهُ أنّهُمْ حِينَ اجْتَمَعُوا - يَعني لِقَتْلِهِ - اسْتَعَارَ مِنْهَا مُوسًى يَسْتَحِدّ بِهَا، فَأعَارَتْهُ.
ـــــــ
ومطابقة الحديث للترجمة من حيث أن خبيباً حين أجمعوا على قتله أراد حلق العانة فكذلك المريض أيضاً يؤخذ من أظفاره وعانته "فأعارته" أي فأعارت ابنة الحارث خبيباً "فدرج بُنَيّ" تصغير ابن. قال في المصباح: درج الصبي دروجاً من باب قعد مشى قليلا في أول ما يمشي أي دخل الصبي عليه "لها" أي لابنة الحارث "وهي" أي ابنة الحارث "غافلة حتى أتته" أي أتت ابنة الحارث خبيباً "فوجدته" أي وجدت ابنة الحارث خبيباً "مخلياً" أي منفرداً "وهو" أي ابن ابنة الحارث "على فخذه" أي خبيب "ففزعت" أي خافت ابنة الحارث "عرفها" أي عرف خبيب الفزعة "فيها" أي في ابنة الحارث "فقال" خبيب "أن أقتله" أي الصبي "ما كنت" ما نافية. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري والنسائي مطولاً. وخبيب بضم الخاء المعجمة وبعدها باء موحدة انتهى.
قلت: عمر بن جارية الثقفي هو عمر بن أبي سفيان بن أسيد بن جارية الثقفي ويقال عمرو بن أبي سفيان.
قال المزي: حديث بعث النبي صلى الله عليه وسلم عشرة رهط سرية عيناً وأمرّ عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري الحديث بطوله، وقصة خبيب أخرجه البخاري في الجهاد وفي التوحيد عن أبي اليمان عن شعيب، وفي المغازي عن موسى ابن إسماعيل عن إبراهيم بن سعد وعن إبراهيم بن موسى عن هشام عن معمر ثلاثتهم عن الزهري عن عمرو بن أبي سفيان بن أسيد بن جارية الثقفي وأخرجه أبو داوود في الجنائز وليس فيه دعاء خبيب عليهم ولا الشعر، وأخرجه النسائي في السير انتهى مختصراً.

(8/264)


17 - باب ما يستحب من حسن الظن بالله عند الموت
3111 - حدثنا مُسْدَدٌ أخبرنا عِيسَى بنُ يُونُسَ أخبرنا الأعمَشُ عن أبي سُفْيَانَ عن جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلاَثٍ، قال: "لاَ يَمُوتُ أحَدُكُم إلاّ وَهُوَ يُحْسِنُ الظّنّ بِالله[بالله الظن]".
ـــــــ
باب ما يستحب من حسن الظن بالله عند الموت
"لا يموت أحدكم الخ" أي لا يموت أحدكم في حال من الأحوال إلا في هذه الحالة وفي حسن الظن بالله بأن يغفر له، فالنهي وإن كان في الظاهر عن الموت وليس إليه ذلك حتى ينتهى، لكن في الحقيقة عن حالة ينقطع عندها الرجاء لسوء العمل كيلا يصادفه الموت عليها قاله على القاري.
وقال في مرقاة الصعود: زاد ابن أبي الدنيا في حسن الظن فإن قوماً قد أرداهم سوء ظنهم بالله فقال الله في حقهم {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} قال الخطابي: إنما يحسن الظن بالله من حسن عمله، فكأنه قال أحسنوا أعمالكم يحسن ظنكم بالله، فمن ساء عمله ساء ظنه. وقد يكون أيضاً حسن الظن بالله من ناحية "جهة" الرجاء وتأميل العفو. وقال الرافعي في تاريخ قزوين: يجوز أن يريد به الترغيب في التوبة والخروج من المظالم، فإنه إذا فعل ذلك حسن ظنه ورجا الرحمة.
وقال النووي: في شرح المهذب: معنى تحسين الظن بالله تعالى أن يظن أن الله تعالى يرحمه ويرجو ذلك بتدبر الآيات والأحاديث الواردة في كرم الله تعالى وعفوه وما وعد به أهل التوحيد وما سيبدلهم من الرحمة يوم القيامة كما قال سبحانه وتعالى في الحديث الصحيح: "أنا عند ظن عبدي بي" هذا هو الصواب في معنى الحديث وهو الذي قاله جمهور العلماء. وشذ الخطابي فذكر تأويلاً آخر أن معناه أحسنوا أعمالكم حتى يحسن ظنكم بربكم، فمن حسن عمله حسن ظنه، ومن ساء عمله ساء ظنه، وهذا تأويل باطل نبهت عليه لئلا يغتر به انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم وابن ماجه.

(8/265)


18 - باب ما يستحب من تطهير ثياب الميت عند الموت
3112 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ أخبرنا ابنُ أبي مَرْيَمَ أنْبأنَا يَحْيَى بنُ أيّوبَ عن ابنِ الْهَادِ عن مُحَمّدِ بنِ إبْرَاهِيمَ عن أبي سَلَمَةَ عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ: أنّهُ لَمّا حَضَرَهُ المَوْتُ دَعَا بِثِيَابٍ جُدُدٍ فَلَبِسَهَا ثُمّ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إنّ المَيّتَ يُبْعَثُ في ثِيَابِهِ التي يَمُوتُ فيهَا".
ـــــــ
باب ما يستحب من تطهير ثياب الميت عند الموت
"بثياب جُدُدٍ" بضمتين جمع جديد. قاله القاري "فلبسها" أي لبس أبو سعيد الثياب "الميت يبعث" قال الخطابي: أما أبو سعيد فقد استعمل الحديث على ظاهره وقد روى في تحسين الكفن أحاديث وقد تأوله بعض العلماء على خلاف ذلك فقال معنى الثياب العمل كنى بها عنه أنه يريد أنه يبعث على ما مات من عليه عمل صالح أو عمل سيء. قال والعرب تقول فلان طاهر الثياب إذا وصفوه بطهارة النفس والبراءة من العيب، ودنس الثياب إذا كان بخلاف ذلك، واستدل في ذلك بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "يحشر الناس عراة حفاة غرلا بهما" فدل ذلك على أن معنى الحديث ليس على الثياب التي هي الكفن.
وقال بعضهم: البعث غير الحشر فقد يجوز أن يكون البعث مع الثياب والحشر مع
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
استعمل أبو سعيد الحديث على ظاهره وقد روى في تحسين الكفن أحاديث.
وقد تأوله بعضهم على أن معنى الثياب العمل كني بها عنه يريد أنه يبعث على ما مات عليه من عمل صالح أو سيىء.
قال: والعرب تقول فلان طاهر الثياب إذا وصفوه بطهارة النفس والبراءة من العيب والدنس وتقول دنس الثياب إذا كان بخلاف ذلك واستدل بقوله تعالى {ثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} وأكثر المفسرين على أن المعنى وعملك فأصلح ونفسك فزك. قال الشاعر:
ثياب بني عوف طهارى نقية
قال: وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يحشر الناس حفاة عراة".
وقالت طائفة: البعث غير الحشر فقد يجوز أن يكون البعث مع الثياب والحشر مع العري والحفا.

(8/266)


العرى والحفاة انتهى. وقال القرطبي في التذكرة: قد يكون الحشر في الأكفان خاصاً بالشهداء. وقال الهروي: ليس قول من ذهب به إلى الأكفان بشي، لأن الإنسان إنما يكفن بعد موته انتهى. والحديث سكت عنه المنذري.

(8/267)


19 - باب ما يقال عند الميت من الكلام
3113 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ كَثِير أنْبأنَا سُفْيَانُ عن الأعمَشِ عن أبِي وَائِلٍ عن أُمّ سَلَمَةَ قالَتْ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذَا حَضَرْتُمُ المَيّتَ فَقُولُوا خَيْراً فَإنّ المَلاَئِكَةَ يُؤَمّنُونَ عَلَى ما تَقُولُونَ"، فَلَمّا مَاتَ أبُو سَلَمَةَ قُلْتُ: يَارَسُولَ الله مَا أقُولُ؟ قال قُولِي: "اللّهُمّ اغْفِرْ لَهُ وَأعْقِبْنَا عُقْبَى صَالِحَةً قالَتْ: فَأعْقَبَنِي الله تعالى بِهِ مُحَمّداً صلى الله عليه وسلم".
ـــــــ
باب ما يقال عند الميت من الكلام
"عن أم سلمة" زوج النبي صلى الله عليه وسلم "فقولوا خيراً" أي ادعوا له بالمغفرة "يؤمنون" بالتشديد أي يقولون آمين "على ما تقولون" أي من الدعاء "فلما مات أبو سلمة" هو زوج أم سلمة "قال" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "اللهم اغفر له" أي لأبي سلمة "وأعقبنا" من الإعقاب أي أبدلنا وعوضنا "عقبى صالحة" كبشرى أي بدلا صالحاً "قالت" أم سلمة "فأعقبني" أي أبدلني "به" أي بأبي سلمة. قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.

(8/267)


20 - باب في التلقين
3114 - حدثنا مَالِكُ بنُ عَبْدِالْوَاحِدِ المِسْمَعِيّ أخبرنا الضّحّاكُ بنُ مَخْلَدٍ أخبرنا عَبْدُالْحَمِيدِ بنُ جَعْفَرٍ قالَ حَدّثَني صَالِحُ بنُ أبي عَرِيبٍ عنْ كَثِيرٍ بنِ مُرّةَ عنْ مُعَاذِ بنِ جَبَلَ قالَ: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ كَانَ آخِرُ كَلاَمِهِ لاَ إلَهَ الله إلاّ دَخَلَ الْجَنّةَ".
ـــــــ
باب في التلقين
"من كان آخر كلامه" برفع آخر، وقيل بنصبه "لا إله إلا الله" محله النصب أو الرفع على الخبرية أو الإسمية. قال العيني: قال الكرماني: قوله لا إله إلا الله أي هذه الكلمة والمراد هي وضميمتها محمد رسول الله انتهى.
وقال الحافظ في الفتح: والمراد بقول لا إله إلا الله في هذا الحديث وغيره كلمتا الشهادة، فلا يرد إشكال ترك ذكر الرسالة. قال الزين بن المنير: قول لا إله إلا الله لقب جرى

(8/267)


21 - باب تغميض الميت
3116 - حدثنا عَبْدُالمَلِكِ بنُ حَبِيبٍ أبُو مَرْوَانَ أخبرنا أبُو إسْحَاقَ يَعْنِي الْفَزَارِيّ عن خَالِدٍ عن أبِي قِلاَبَةَ عن قَبِيصَةَ بنِ ذُؤَيْبٍ عن أُمّ سَلَمَةَ قالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى أبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شَقّ بَصَرُهُ فَأغْمَضَهُ، فَصَيّحَ نَاسٌ مِنْ أهْلِهِ فَقالَ "لاَ تَدْعُوا عَلَى
ـــــــ
باب تغميض الميت
"وقد شق بصره" بفتح الشين وفتح الراء إذا نظر إلى شيء لا يرتد إليه طرفه، وضم الشين منه غير مختار قاله الطيبي. وقال النووي: هو بفتح الشين ورفع بصره وهو فاعل شق أي بقي بصره مفتوحاً، هكذا ضبطناه وهو المشهور وضبطه بعضهم بصره بالنصب وهو صحيح أيضاً والشين مفتوحة بلا خلاف "فأغمضه" أي غمض عينيه صلى الله عليه وسلم لئلا يقبح منظره والإغماض بمعنى التغميض والتغطية. قاله القاري "فصيح" بالياء المشددة والحاء المهملة أي رفع الصوت بالبكاء "من أهله" أي أبي سلمة "فقال" رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير" أي لا
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وقد روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله سواء وروى ضمام بن إسماعيل عن موسى بن وردان عن أبي هريرة يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أكثروا من لا إله إلا الله قبل أن يحال بينكم وبينها ولقنوها موتاكم" ذكره أبو أحمد بن عدي.
وضمام هذا صدوق صالح الحديث قاله عبدالحق الأشبيلي.

(8/268)


أنْفُسِكُمْ إلاّ بِخَيُرٍ، فَإنّ المَلاَئِكَةَ يُؤَمّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ"، ثُمّ قالَ "اللّهُمّ اغْفِرْ لاِءَبِي سَلَمَةَ وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ في المَهْدِيّينَ، وَاخْلُفْهُ في عَقِبِهِ في الْغَابِرِينَ وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ رَبّ الْعَالَمِينَ اللّهُمّ افْسَحْ لَهُ في قَبْرِهِ وَنَوّرْ لَهُ فِيهِ".
قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَتَغْمِيضُ المَيّتِ بَعْدَ خُرُوجِ الرّوحِ سَمِعْتُ مُحَمّدَ بنَ مُحَمّدِ بنِ النِعْمَانِ المُقْرِىءَ قالَ سَمِعْتُ أبَا مَيْسَرَةَ - رَجُلاً عَابِداً - يَقُولُ غَمَضْتُ جَعْفَرَ المُعَلّمَ وَكَانَ رَجُلاً عَابِداً في حَالَةِ المَوْتِ، فَرَأيْتُهُ في مَنَامِي لَيْلَةَ مَاتَ يَقُولُ أعْظَمُ مَا كَانَ عَلَيّ تَغْمِيضُكَ لِي قَبْلَ أنْ أمُوتَ.
ـــــــ
تقولوا شراً ووائلاً أو الويل لي وما أشبه ذلك "يؤمنون": أي يقولون آمين "على ما تقولون": أي في دعائكم من خير أو شر "في المهديين" بتشديد الياء الأولى أي الذين هداهم الله للاسلام سابقاً والهجرة إلى خير الأنام "وأخلفه": بهمزة الوصل وضم اللام من خلف يخلف إذا قام مقام غيره بعده في رعاية أمره وحفظ مصالحه أي كن خلفاً أو خليفة له "في عقبه" بكسر القاف أي من يعقبه ويتأخر عنه من ولد وغيره "في الغابرين": أي الباقين في الأحياء من الناس. فقوله في الغابرين حال من عقبه أي أوقع خلافتك في عقبه كائنين في جملة الباقين من الناس. قاله القاري "اللهم افسح" أي وسع "له" أي لأبي سلمة "في قبره" دعاء بعدم الضغطة "ونور له فيه" أي في قبره. قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه."سمعت أبا ميسرة" قال المزي: حديث أبي ميسرة العابد في رواية أبي سعيد ابن الأعرابي انتهى.

(8/269)


22 - باب في الاسترجاع
3117 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ أنْبأنَا ثَابِتٌ عن ابنِ عُمَرَ بنِ أبِي سَلَمَةَ عن أبِيهِ عن أُمّ سَلَمَةَ قالَتْ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذَا أصَابَتْ أحَدَكُمْ مُصِيبَةٌ فَلْيَقُلْ: "إنّا لله وَإنّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ اللّهُمّ عِنْدَكَ أحْتَسِبُ مُصِيبَتِي فَأْجُرْنِي فِيهَا وَأبْدِلْ لِي بِهَا خَيْراً مِنْهَا".
ـــــــ
باب في الاسترجاع
أي قوله "إنا لله وإنا إليه راجعون" وقت المصيبة.
"أحتسب" أي اطلب الثواب "فأجرني" أي أعطني الأجر. قال في مرقاة الصعود: قوله فآجرني بالمد والقصر يقال آجره يؤجره أي أثابه

(8/269)


وأعطاه الأجر والجزاء، وكذلك أجره يأجره والأمر منهما آجرني بهمزة قطع ممدودة وكسر الجيم بوزن أكرمني وأجرني بهمزة ساكنة وضم الجيم بوزن انصرني "فيها" أي في هذه المصيبة "بها" أي بهذه المصيبة "منها" أي من هذه المصيبة. قال المنذري: والحديث أخرجه النسائي. وعمر بن أبي سلمة هو ابن أبي سلمة عبد الله بن عبد أسد المخزومي ربيب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل مع النبي صلى الله عليه وسلم في صحفة ورآه يصلي في ثوب واحد. وقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث ابن سفينة عن أم سلمة نحوه أتم منه انتهى. قلت: حديث النسائي في كتاب عمل اليوم والليلة له كما ذكره المزي.

(8/270)


23 - باب في الميت يسجى
3118 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا عَبْدُالرّزّاقِ حدثنا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن أبِي سَلَمَةَ عن عَائِشَةَ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم سُجّيَ في ثَوْبٍ حِبَرَةٍ.
ـــــــ
باب في الميت يسجى
"سجى" بضم السين وبعدها جيم مشددة مكسورة أي غطى وستر بعد الموت قبل الغسل "في ثوب حبرة" قال في النهاية: برد حبرة بوزن عنبة على الوصف والإضافة، وهو برديمان والجمع حبر وحبرات انتهى. وفي النيل: حبرة بكسر الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة بعدها راء مهملة وهي ثوب فيه أعلام وهي ضرب من برود اليمن. وفيه استحباب تسجية الميت. قال النووي: وهو مجمع عليه وحكمته صيانته من الانكشاف وستر عورته المتغيرة عن الأعين انتهى قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم.

(8/270)


24 - باب القراءة عند الميت
3119 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ الْعَلاَءِ وَ مُحَمّدُ بنُ مَكّيّ المَرْوَزِيّ المَعْنِي قالا أخبرنا ابنُ المُبَارَكِ عن سُلَيْمَانَ التّيْمِيّ عن أبي عُثْمَانَ وَلَيْسَ بالنّهْدِيّ عنْ أبِيهِ عن مَعْقِلِ بن يَسَارٍ قالَ: قال رَسُولُ الله[النبي] صلى الله عليه وسلم: "إِقْرَأوا يَس عَلَى مَوْتَاكُمْ" وَهَذَا لَفْظُ ابنِ الْعَلاَءِ.
ـــــــ
باب القراءة عند الميت
"عن معقل بن يسار" هو بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر القاف وآخره لام قاله المنذري "على موتاكم" أي الذين حضرهم الموت. ولعل الحكمة في قراءتها أن يستأنس

(8/270)


25 - باب الجلوس عند المصيبة
3120 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ كَثِيرٍ أخبرنا سُلَيْمَانُ بنُ كَثِيرٍ عنْ يَحْيَى بن سَعِيدٍ عن عَمْرَةَ عن عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمّا قُتِلَ زَيْدُ بنُ حَارِثَةَ وَجَعْفَرٌ وَعَبْدُ الله بنُ رَوَاحَةَ جَلَسَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في المَسْجِدِ يُعْرَفُ في وَجْهِهِ الْحُزْنُ وَذَكَرَ الْقِصّةَ[قصة].
ـــــــ
باب الجلوس عند المصيبة
"يعرف في وجهه الحزن" جملة حالية. قال الطيبي: كأنه كظم الحزن كظما فظهر منه ما لا بد للجبلة البشرية منه "وذكر القصة" وتمام القصة كما في رواية البخاري "وأنا أنظر من صائر الباب، شق الباب، فأتاه رجل فقال إن نساء جعفر وذكر بكاءهن فأمره أن ينهاهن فذهب ثم أتاه الثانية لم يطعنه. الحديث" قال الحافظ: في هذا الحديث من الفوائد جواز الجلوس للعزاء بسكينة ووقار، وجواز نظر النساء المحتجبات إلى الرجال الأجانب انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والنسائي، وبوب عليه البخاري من جلس عند المصيبة يعرف فيه الحزن.

(8/271)


26 - باب التعزية
3121 - حدثنا يَزِيدُ بنُ خَالِدِ بنِ عَبْدِ الله بن مَوْهَبٍ الْهَمْدَانِيّ قال أخبرنا المُفَضّلُ عن رَبِيعَةَ بنِ سَيْفِ المَعَافِرِيّ عن أبِي عبد الرحمن الْحُبُلِي عن عَبْدِ الله بنِ عَمْرِو بنِ الْعَاصِ قالَ: قَبَرْنَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم يَعْني مَيّتاً فَلَمّا فَرَغْنَا انْصَرَفَ
ـــــــ
باب التعزية
أي هذا باب في بيان مشروعيتها.
"قبرنا" يعني دفنا "فلما فرغنا" من دفن الميت "فلما حاذي" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "وقف"

(8/271)


27 - باب الصبر عند المصيبة
3122 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ المُثَنّى أخبرنا عُثْمَانُ بنُ عُمَرَ أخبرنا شُعْبَةُ عن ثَابِتٍ عن أنَسٍ قالَ: أتَى نَبِيّ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى امْرَأةٍ تَبْكِي عَلَى صَبِيَ لَهَا، فقَالَ "لَهَا اتّقِي الله وَاصْبِرِي،" فَقَالَتْ وَمَا تُبَالِي أنْتَ بِمُصِيبَتِي فَقِيلَ لَهَا هَذَا النّبِيّ صلى الله عليه وسلم، فَأتَتْهُ، فَلَمْ تَجِدْ عَلَى بَابِهِ بَوّابِينَ، فَقَالَتْ يَارَسُولَ الله لَمْ أَعْرِفْكَ، فَقَالَ "إنّمَا الصّبْرُ عِنْدَ الصّدْمَةِ الأُولَى أوْ عِنْدَ أوّلِ صَدْمَةٍ".
ـــــــ
"فقال" النبي صلى الله عليه وسلم "لها" أي للإمرأة الباكية "واصبري" حتى تؤجري "فقالت": المرأة الباكية جاهلة بمن يخاطبها، وظانة أنه من آحاد الناس "وما تبالي" بصيغة المخاطب المعروف من باب المفاعلة يقال بالاه وبالي به مبالاة أي اهتم به واكترث له.
قال في النهاية: يقال: ما باليته وما باليت به أي لم أكترث به. انتهى. والمعنى أنت لا تبالي بمصيبتي ولا تعبأ بها ولا تعتني ولا تهتم بشأنها.
قال أصحاب اللغة: اكترث له بالي به، يقال هو لا يكترث لهذا الأمر أي لا يعبأ به ولا يباليه.
وقال بعضهم: الاكتراث الاعتناء. ولفظ المصابيح من رواية الشيخين: "فإنك لم تصب" على بناء المجهول، أي لم تبتل "بمصيبتي": أي بعينها أو بمثلها على زعمها "فقيل لها" أي بعد ما ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم "هذا النبي صلى الله عليه وسلم" فندمت "فأتته" أي النبي صلى الله عليه وسلم "بوابين": كما هو عادة الملوك الجبابرة "لم أعرفك" أي فلا تأخذ علي.
قال الطيبي: كأنها لما سمعت أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم توهمت أنه على طريقة الملوك فقالت اعتذاراً لم أعرفك قاله القاري "فقال" النبي صلى الله عليه وسلم "إنما الصبر عند الأولى": معناه الصبر الكامل الذي يترتب عليه الأجر الجزيل لكثرة المشقة فيه. وأصل الصدم الضرب في شيء صلب، ثم استعمل مجازاً في كل مكروه حصل بغتة. قاله النووي. وقال القاري: معناه عند الحملة الأولى وابتداء المصيبة وأول لحوق المشقة، وإلا فكل أحد يصبر بعدها. انتهى.
قال الحافظ: في هذا الحديث من الفوائد منها ما كان فيه عليه الصلاة والسلام من التواضع والرفق بالجاهل، ومسامحة المصاب، وقبول اعتذاره، وملازمة الأمر بالمعروف

(8/274)


والنهي عن المنكر. ومنها أن القاضي لا ينبغي له أن يتخذ من يحجبه عن حوائج الناس. ومنها أن الجزع من المنهيات لأمره لها بالتقوى مقروناً بالصبر. انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.

(8/275)


28 - باب البكاء على الميت
3123 - حدثنا أبُو الْوَلِيدِ الطّيَالِسِيّ أخبرنا شُعْبَةُ عن عَاصِمِ الأحْوَلِ قالَ سَمِعْتُ أبَا عُثْمَانَ عن أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ: "أنّ ابْنَةً لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أرْسَلَتْ إلَيْهِ - وَأنَا مَعَهُ وَسَعْدٌ وَأحْسِبُ أُبَيّا - أنّ ابْنِي أوْ ابْنَتِي قَدْ حُضِرَ فَاشْهَدْنَا فَأرْسَلَ يُقْرِىءُ السّلاَمَ فَقَالَ: "قُلْ لله مَا أخَذَ وَمَا أعْطَى وَكُلّ شَيْءٍ عِنْدَهُ إلَى أجَلٍ، فَأرْسَلَتْ تُقْسِمُ عَلَيْهِ، فَأتَاهَا، فَوُضِعَ الصّبِيّ في حِجْرِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ، فَفَاضَتْ عَيْنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم،
ـــــــ
باب البكاء على الميت
أي أذا كان من غير نوح.
"أرسلت إليه" أي إلى النبي صلى الله عليه وسلم "وأنا معه" أي النبي صلى الله عليه وسلم "وأحسب أبيّا" أنه كان أيضاً مع النبي صلى الله عليه وسلم "إن ابني أو ابنتي" شك من الراوي "قد حضر" بصيغة المجهول أي قرب حضور الموت "فاشهدنا" أي احضرنا "فأرسل" أي النبي صلى الله عليه وسلم أحداً "يقرأ" بضم أوله "السلام" عليها "فقال" النبي صلى الله عليه وسلم للرجال تسلية لها "قل لله ما أخذ وما أعطى" قدم ذكر الأخذ على الإعطاء وإن كان متأخراً في الواقع لما يقتضيه المقام، والمعنى أن الذي أراد الله أن يأخذه هو الذي كان أعطاه، فإن أخذه أخذ ما هو له، فلا ينبغي الجزع، لأن مستودع الأمانة لا ينبغي له أن يجزع إذا استعيدت منه. وما في الموضعين مصدرية، ويحتمل أن تكون موصولة والعائد محذوف، فعلى الأول التقدير لله الأخذ والإعفاء، وعلى الثاني لله الذي أخذه من الأولاد، وله ما أعطى منهم، أو ما هو أعم من ذلك. قاله الحافظ في الفتح "عنده" أي عند الله "إلى أجل" معلوم.
قال العيني: والأجل يطلق على الحد الأخير وعلى مجموع العمر. ومعنى عنده في علمه وإحاطته "فأرسلت" أي بنت النبي صلى الله عليه وسلم.
قال الحافظ: هي زينب كما وقع في رواية أبي معاوية عن عاصم في مصنف ابن أبي شيبة "تقسم عليه" أي تحلف على النبي صلى الله عليه وسلم وتقسم جملة فعلية وقعت حالاً "فأتاها" أي أتى النبي صلى الله عليه وسلم "في حجر" بتقديم الحاء المهملة "ونفسه" أي روح الصبي "تقعقع" جملة إسمية وقعت حالا أي تضطرب تتحرك ولا تثبت على حالة واحدة "ففاضت" أي سالت والنسبة

(8/275)


فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ مَا هَذَا؟ قالَ "إنّهَا رَحْمَةٌ يَضَعُهَا[وضعها] الله في قُلُوبِ مَنْ يَشَاءُ وَإنّمَا يَرْحَمُ الله مِن عِبَادِهِ الرّحَمَاءَ".
3124 - حدثنا شَيْبَانُ بنُ فَرّوخٍ حدثنا سُلَيْمَانُ بن المُغِيرَةِ عنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيّ عنْ أنَسِ بنِ مَالِكٍ قالَ: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "وُلِدَ لِيَ اللّيْلَةَ غُلاَمٌ فَسَمّيْتُهُ باسْمِ أبِي إبْرَاهِيمَ" فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
قالَ أنَسٌ: لَقَدْ رَأيْتُهُ يَكِيدُ بِنَفْسِهِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَدَمَعَتْ عَيْنَا رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: "تَدْمَعُ الْعَيْنُ وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ، وَلاَ نَقُولُ إلاّ مَا يَرْضَى رَبّنَا، إنّا بِكَ يَا إبْرَاهِيم لَمَحْزُونُونَ".
ـــــــ
مجازية، والمعنى نزل الدمع عن عيني رسول الله صلى الله عليه وسلم "سعد": هو ابن عبادة كما عند الشيخين "ما هذا البكاء" أي منك "قال" رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنها" أي الدمعة "رحمة" أي أثر من آثارها "يضعها" أي الرحمة "الرحماء" جمع رحيم بمعنى الراحم، أي وإنما يرحم الله من عباده من اتصف بأخلاقه ويرحم عباده. قاله الطيبي.
وقال العيني: وكلمة "من" بيانية، والرحماء بالنصب لأنه مفعول يرحم الله ومن عباده في محل التصب على الحال من الرحماء. وفيه جواز استحضار ذوي الفضل للمحتضر لرجاء بركتهم ودعائهم، وفيه جواز القسم عليهم لذلك، وفيه جواز المشي إلى التعزية والعيادة بغير إذنهم بخلاف الوليمة، وفيه استحباب إبرار القسم انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.
"لقد رأيته" أي إبراهيم "يكبد بنفسه" قال العيني: أي يسوق بها من كاد يكيد أي قارب الموت "فدمعت" أي سالت "فقال" رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنا بك" أي بفراقك "لمحزونون" أي طبعاً وشرعاً.
قال ابن بطال وغيره: هذا الحديث يفسر البكاء المباح والحزن الجائز وهو ما كان بدمع العين ورقة القلب من غير سخط لأمر الله. قاله الحافظ. قال المنذري: وأخرجه مسلم وأخرجه البخاري تعليقاً.

(8/276)


29 - باب في النوح
3125 - حدثنا مُسْدَدٌ أخبرنا عَبْدُالْوَارِثِ عنْ أيّوبَ عَنْ حَفْصَةَ عن أُمّ عَطِيّةَ قالَتْ: "إنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهَانَا عن النّيَاحَةِ".
3126 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى أنْبأنَا مُحَمّدُ بنُ رَبِيعَةَ عن مُحَمّدِ بنِ الْحَسَنِ بنِ عَطِيّةَ عن أبِيهِ عن جَدّهِ عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قال: "لَعَنَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم النّائِحَةَ وَالمُسْتَمِعَةَ".
3127 - حدثنا هَنّادُ بنُ السّرِيّ عن عَبْدَةَ وَ أبِي مُعَاوِيَةَ المَعنَى عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن أبِيهِ عن ابنِ عُمَرَ قالَ: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ المَيّتَ لَيُعَذّبُ بِبُكَاءِ أهْلِهِ
ـــــــ
باب في النوح
أي هذا باب في بيان عدم مشروعية النوح.
"عن النياحة" أي النوح. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"عن أبيه" وهو الحسن بن عطية "عن جده" أي جد محمد وهو عطية العوفي "النائحة" يقال ناحت المرأة على الميت إذا ندبته أي بكت عليه وعددت محاسنه. وقيل النوح بكاء مع صوت والمراد بها التي تنوح على الميت أو على ما فاتها من متاع الدنيا فإنه ممنوع منه في الحديث وأما التي تنوح على معصيتها فذلك نوع من العبادة "والمستمعة" أي التي تقصد السماع ويعجبها، كما أن المستمع والمغتاب شريكان في الوزر، والمستمع والقارىء مشتركان في الأجر. قاله القاري. قال المنذري: في إسناده محمد بن الحسين بن عطية العوفي عن أبيه عن جده وثلاثتهم ضعفاء.
"إن الميت ليعذب إلخ" قال النووي في شرح مسلم: وفي رواية "ببعض بكاء أهله عليه"
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
هذا أحد الأحاديث التي ردتها عائشة واستدركتها ووهمت فيه ابن عمر.
والصواب مع ابن عمر فإنه حفظه ولم يتهم فيه وقد رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أبوه عمر بن الخطاب وهو في الصحيحين وقد وافقه من حضره من جماعة الصحابة كما أخرجا في الصحيحين عن ابن عمر قال لما طعن عمر أغمي عليه فصيح عليه فلما أفاق قال أما علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الميت ليعذب ببكاء الحي؟".

(8/277)


عَلَيْهِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ فَقَالَتْ: وَهَلْ تَعْنِي ابنَ عُمَرَ، إنّمَا مَرّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم عَلَى قَبْرٍ فَقَالَ: "إنّ صَاحِبَ هَذَا لَيُعَذّبُ وَأهْلُهُ يَبْكُونَ عَلَيْهِ"، ثُمّ قَرَأتْ {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} قالَ عَنْ أبي مُعَاوِيَةَ عَلَى قَبْرِ يَهُودِيّ".
3128 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ أخبرنا جَرِيرٌ عن مَنْصُورٍ عن إبْرَاهِيمَ عن
ـــــــ
وفي رواية "ببكاء الحي" وفي رواية "يعذب في قبره بما نيح عليه" وفي رواية "من يبك عليه يعذب" وهذه الروايات من رواية عمر بن الخطاب وابنه عبد الله رضي الله عنهما، وأنكرت عائشة رضي الله عنها ونسبتهما إلى النسيان والاشتباه عليهما، وأنكرت أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك، واحتجت بقوله تعالى: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} قالت وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم في يهوذية إنها تعذب وهم يبكون عليها، يعني تعذب بكفرها في حال بكا أهلها لا بسبب البكاء.
واختلف العلماء في هذه الأحاديث، فتأولها الجمهور على من وصى بأن ببكى علي ويناح بعد موته فنفذت وصيته فهذا يعذب ببكاء أهله عليه ونوحهم لأنه بسببه ومنسوب إليه.
قالوا: فأما من بكى عليه أهله وناحوا من غير وصية منه فلا يعذب لقول الله تعالى: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} قالوا: وكان من عادة العرب الوصية بذلك. والمراد بالبكاء هنا البكاء بصوت ونياحة لا مجرد دمع العين انتهى.
وأخرجا أيضا عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الميت يعذب بما نيح عليه".
ـــــــ
وأخرجا في الصحيحين أيضا عن أبي موسى قال لما أصيب عمر جعل صهيب يقول واأخاه فقال له عمر ياصهيب أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الميت ليعذب ببكاء الحي؟".
وفي لفظ لهما قال عمر والله لقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من يبك عليه يعذب".
وفي الصحيحين عن أنس أن عمر لما طعن أعولت عليه حفصة فقال ياحفصة أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "المعوك عليه يعذب".
وفي الصحيحين عن المغيرة بن شعبة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من نيح عليه فإنه يعذب بما نيح عليه".
فهؤلاء عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وابنته حفصة وصهيب والمغيرة بن شعبة كلهم يروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ومحال أن يكون هؤلاء كلهم وهموا في الحديث.

(8/278)


وقال الخطابي: قد يحتمل أن يكون الأمر في هذا على ما ذهبت إليه عائشة لأنها قد روت أن ذلك إنما كان في شأن يهودي والخبر المفسر أولى من المجمل، ثم احتجب له بالآية، وقد يحتمل أن يكون ما رواه ابن عمر صحيحاً من غير أن يكون فيه خلاف للاَية، وذلك أنهم كانوا يوصون أهلهم بالبكاء والنوح عليهم، وإذا كان كذلك فالميت إنما يلزمه العقوبة في ذلك بما تقدم من أمره إياهم بذلك وقت حياته انتهى.
"فقالت" عائشة "وَهِل" بكسر الهاء أي غلط وسهى. وإنكار عائشة لعدم بلوغ الخبر لها من وجه آخر فحملت الخبر على الخبر المعلوم عندها بواسطة ما ظهر لها من استبعاد أن يعذب أحد بذنب آخر وقد قال تعالى: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} لكن الحديث ثابت بوجوه كثيرة وله معنى صحيح وهو حمله على ما إذا رضى الميت ببكائهم وأوصى به أو علم من دأبهم أنهم
ـــــــ
والمعارضة التي ظنتها أم المؤمنين رضي الله عنها بين روايتهم وبين قوله تعالى: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} غير لازمة أصلا ولو كانت لازمة لزم في روايتها أيضا أن الكافر يزيده الله ببكاء أهله عذابا فإن الله سبحانه لا يعذب أحدا بذنب غيره الذي لا تسبب له فيه فما تجيب به أم المؤمنين من قصة الكافر يجيب به أبناؤها عن الحديث الذي استدركته عليهم.
ثم سلكوا في ذلك طرقا.
أحدها: أن ذلك خاص بمن أوصى أن يناح عليه فيكون النوح بسبب فعله ويكون هذا جاريا على المتعارف من عادة الجاهلية كما قال قائلهم: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى
إذا مت فانعيني بما أنا أهله ... وشقي علي الجيب ياابنة معبد
وهو كثير في شعرهم.
وأما من لم يتسبب إلى ذلك بوصية ولا غيرها فلا يتناوله الحديث.
وهذا ضعيف من وجهين:
أحدهما أن اللفظ عام.
الثاني: أن عمر والصحابة فهموا منه حصول ذلك وإن لم يوص به.
ومن وجه آخر: وهو أن الوصية بذلك حرام يستحق بها التعذيب نيح عليه أم لا والنبي صلى الله عليه وسلم إنما علق التعذيب بالنياحة لا بالوصية.
المسلك الثاني: أن ذلك خاص بمن كان النوح من عادته وعادة قومه وأهله وهو يعلم أنهم ينوحون عليه إذا مات. فإذا لم ينههم كان ذلك رضي منه بفعلهم وذلك سبب عذابه وهذا مسلك البخاري في صحيحه فإنه ترجم عليه وقال إذا كان النوح من سننه وهو قريب من الأول.

(8/279)


يَزِيدَ بنِ أوْسٍ قال: دَخَلْتُ عَلَى أبِي مُوسَى وَهُوَ ثَقِيلٌ، فَذَهَبَتْ امْرَأتُهُ لِتَبْكِيَ أوْ تَهُمّ بِهِ، فقالَ لَهَا أبُو مُوسَى: أمَا سَمِعْتِ مَا قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، قالَتْ: بَلَى، قالَ: فَسَكَتَتْ، قال: فَلَمّا مَاتَ أبُو مُوسَى قالَ يَزِيدُ: لَقِيتُ المَرْأةَ فَقُلْتُ لَهَا قَوْلَ أبي مُوسَى لَكِ، أمَا سَمِعْتِ ما قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، ثُمّ سَكَتَ، قالَتْ: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ مِنّا
ـــــــ
يبكون عليه ولم يمنعهم من ذلك، فلا وجه للانكار ولا إشكال في الحديث. قاله في فتح الودود. قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم والنسائي.
"وهو ثقيل" أي مريض "أو تَهُمّ" بتشديد الميم أي لتقصد البكاء ونستعذ به "قال" يزيد بن أوس الراوي "فسكتت" أي امرأة أبي موسى "ليس منا" أي من أهل سنتنا وطريقتنا،
ـــــــ
المسلك الثالث: أن الباء ليست باء السببية وإنما هي باء المصاحبة والمعنى يعذب مع بكاء أهله عليه أي يجتمع بكاء أهله وعذابه كقولك خرج زيد بسلاحه قال تعالى: {وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ}.
وهذا المسلك باطل قطعا فإنه ليس كل ميت يعذب ولأن هذا اللفظ لا يدل إلا على السببية كما فهمه أعظم الناس فهما. ولهذا ردته عائشة لما فهمت منه السببية ولأن اللفظ الآخر الصحيح الذي رواه بالمغيرة يبطل هذا التأويل ولأن الإخبار بمقارنة عذاب الميت المستحق للعذاب لبكاء أهله لا فائدة فيه.
المسلك الرابع: أن المراد بالحديث ما يتألم به الميت ويتعذب به من بكاء الحي عليه وليس المراد أن الله تعالى يعاقبه ببكاء الحي عليه فإن التعذيب هو من جنس الألم الذي يناله بمن يجاوره مما يتأذى به ونحوه قال النبي صلى الله عليه وسلم: "السفر قطعة من العذاب" وليس هذا عقابا على ذنب وإنما هو تعذيب وتألم فإذا وبخ الميت على ما يناح به عليه لحقه من ذلك تألم وتعذيب.
ويدل على ذلك ما روى البخاري في صحيحه عن النعمان بن بشير قال أغمي على عبد الله بن رواحة فجعلت أخته عمرة تبكي واجبلاه واكذا واكذا تعدد عليه فقال حين أفاق ما قلت شيئا إلا قيل لي: أأنت كذلك؟.
وقد تقدم قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن ثابت "فإذا وجب فلا تبكين باكية".
وهذا أصح ما قيل في الحديث.
ولا ريب أن الميت يسمع بكاء الحي ويسمع قرع نعالهم وتعرض عليه أعمال أقاربه الأحياء فإذا رأى ما يسؤهم تألم له وهذا ونحوه مما يتعذب به الميت ويتألم ولا تعارض بين ذلك وبين قوله تعالى :{وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} بوجه ما.

(8/280)


مَنْ حَلَقَ وَمَنْ سَلَقَ وَمَنْ خَرَقَ".
3129 - حدثنا مُسْدَدٌ أخبرنا حُمَيْدُ بنُ الأسْوَدِ أخبرنا الْحَجّاجُ عَامِلُ عُمَرَ بنِ عَبْدِالْعَزِيزِ عَلَى الرّبْذَةِ قال حَدّثَنِي أسِيدُ بنُ أبِي أسِيدٍ عن امْرَأةٍ مَنَ المُبَايَعَاتِ قالَتْ: "كَانَ فِيمَا أخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في المَعْرُوفِ الّذِي أخَذَ عَلَيْنَا أنْ لاَ نَعْصِيَهُ فِيهِ أنْ لاَ نَخْمِشَ وَجْهاً وَلاَ نَدْعُوَ وَيْلاً، وَلاَ نَشُقّ جَيْباً، وَلاَ نَنْشُرَ[وأن لاننشر] شَعْراً".
ـــــــ
والمراد الوعيد والتغليظ الشديد "من حلق" شعره "ومن سلق" صوته أي رفعه، السالقة والصالقة لغتان هي التي ترفع صوتها عند المصيبة وعن ابن الأعرابي: الصلق ضرب الوجه. قاله العيني "ومن خرق": بالتخيف أي قطع ثوبه بالمصيبة وكان الجميع من صنيع الجاهلية وكان ذلك في أغلب الأحوال من صنيع النساء قاله القاري.
قال المنذري: والحديث أخرجه النسائي، وامرأة أبي موسى هي أم عبد الله وقد روي هذا الحديث عنها عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم وأخرجه النسائي أيضاً.
"أسيد بن أبي أسيد" بالفتح هو البراد. قاله في الخلاصة وفي التهذيب: أظنه غير البراد، فإن البراد ليس له شيء عن الصحابة، ويشبه أن يكون حجاج الذي روى عنه حجاج بن صفوان والله أعلم "عن امرأة من المبايعات" قال في التقريب: لم أقف على اسمها وهي صحابية لها حديث "أن لا نعصيه" أي النبي صلى الله عليه وسلم "فيه" أي في المعروف "أن لا نَخْمِش" أي لا نخدش "ولا نَدْعُوَ ويلا" والويل أن يقول عند المصيبة واويلاه "ولا نشق جيباً" الجيب هو ما يفتح من الثوب ليدخل فيه الرأس وهو الطوق في لغة العامة قاله العيني. "ولا ننشر شعراً" أي لا ننشر ولا نفرق شعراً، يقال نشر الشيء فرقه، نشر الراعي غنمه أي بثه بعد أن آواها.
والحديث سكت عنه المنذري:
وقال المزي في الأطراف: أسيد بن أبي أسيد البراد عن امرأة من المبايعات حديثه أخرجه أبو داوود في الجنائز ثم قال ورواه القعنبي عن الحجاج بن صفوان عن أسيد بن أبي أسيد البراد انتهى.

(8/281)


30 - باب صنعة الطعام لأهل الميت
3130 - حدثنا مُسْدَدٌ أخبرنا سُفْيَانُ حَدّثني جَعْفَرُ بنُ خَالِدٍ عن أبِيهِ عن عَبْدِ الله بنِ جَعْفَرٍ قالَ: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "اصْنَعُوا لاَِلِ جَعْفَرٍ طَعَاماً فَإنّهُ قَدْ أتَاهُمْ أمْر يَشْغَلُهُمْ[شغلهم]".
ـــــــ
باب صنعة الطعام لأهل الميت
"اصنعوا لاَل جعفر طعاماً" فيه مشروعية القيام بمؤنة أهل البيت مما يحتاجون إليه من الطعام لاشتغالهم عن أنفسهم بما دهمهم من المصيبة. قاله في النيل. وقال السندي: فيه أنه ينبغي للأقرباء أن يرسلوا لأهل الميت طعاماً "أمر يشغلهم" من باب منع أي عن طبخ الطعام لأنفسهم. وعند ابن ماجه "قد أتاهم ما يشغلهم أو أمر يشغلهم" وفي رواية له "إن آل جعفر قد شغلوا بشأن ميتهم فاصنعوا لهم طعاماً".
قال ابن الهمام في فتح القدير شرح الهداية: يستحب لجيران أهل الميت والأقرباء الأباعد تهيئة طعام لهم يشبعهم ليلتهم ويومهم، ويكره اتخاذ الضيافة من أهل الميت لأنه شرع في السرور لا في الشرور وهي بدعة مستقبحة انتهى.
ويؤيده حديث جرير بن عبد الله البجلي قال: "كنا نرى الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام من النياحة" أخرجه ابن ماجه وبوب باب ما جاء في النهي عن الاجتماع إلى أهل الميت وصنعه الطعام، وهذا الحديث سنده صحيح ورجاله على شرط مسلم. قاله السندي: وقال أيضاً: قوله كنا نرى هذا بمنزلة رواية إجماع الصحابة أو تقرير من النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى الثاني فحكمة الرفع وعلى التقديرين فهو حجة.
وبالجملة فهذا عكس الوارد إذ الوارد أن يصنع الناس الطعام لأهل الميت فاجتماع الناس في بيتهم حتى يتكلفوا لأجلهم الطعام قلب لذلك: وقد ذكر كثير من الفقهاء أن الضيافة لأهل الميت قلب للمعقول لأن الضيافة حقاً أن تكون للسرور لا للحزن انتهى.
قال المنذري: والحديث أخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي حسن صحيح.

(8/282)


31- باب في الشهيد يغسل
3131 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا مَعْنُ بنُ عِيسَى ح. وأخبرنا عُبَيْدُ الله بنُ عُمَرَ الْجُشَمِيّ أخبرنا عبد الرحمن بنُ مَهْدِيَ عن إبْرَاهِيمَ بنِ طَهْمَانَ عن أبي الزّبَيْرِ عن جَابِرٍ قال: "رُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْمٍ في صَدْرِهِ أوْ في حَلْقِهِ فَمَاتَ فَأُدْرِجَ في ثِيَابِهِ كَمَا هُوَ. قالَ: وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم".
3132 - حدثنا زِيَادُ بنُ أيّوبَ وَ عِيسَى بنُ يُونُسَ قالا أخبرنا عَلِيّ بنُ عَاصِمٍ عن عَطَاءِ بنِ السّائِبِ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: "أمَرَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِقَتْلَى أُحُدٍ أنْ يُنْزَعَ عَنْهُمْ الْحَدِيدُ وَالْجُلُودُ، وَأنْ يُدْفَنُوا بِدِمَائِهِمْ وَثِيَابِهِمْ".
3133 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالحٍ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ ح. وأخبرنا سُلَيْمَانُ بنُ دَاوُدَ المَهْرِيّ أنْبأنَا ابنُ وَهْبٍ وَهَذَا لَفْظُهُ، قال أخبرني أُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ أنّ ابنَ شِهَابٍ أخْبَرَهُ أنّ أنَسَ بنَ مَالِكٍ حَدّثَهُمْ: أنّ شُهَدَاءَ أُحُدٍ لَمْ يُغْسَلُوا وَدُفِنُوا بِدِمَائِهِمْ وَلَمْ يُصَلّ عَلَيْهِمْ.
ـــــــ
باب في الشهيد يغسل
أي أم لا، فثبت بالأحاديث أنه لا يغسل.
"معن بن عيسى" أي معن وابن مهدي كلاهما يرويان عن إبراهيم بن طهمان "فأدرج" أي لفّ "في ثيابه كما هو" ومفهومه أنه لم يُغْسل وهذا محل الترجمة "قال" أي جابر. والحديث سكت عنه المنذري.
"بقتلى أحد" جمع قتيل والباء بمعنى في أي أمر في حقهم "أن ينزع عنهم الحديد" أي السلاح والدروع "والجلود" مثل الفرو والكساء غير الملطخ بالدم "وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم" أي المتلطخة بالدم. قال المنذري: والحديث أخرجه ابن ماجه، وفي إسناده علي بن عاصم الواسطي وقد تكلم فيه جماعة، وعطاء بن السائب وفيه مقال.
"ولم يصل عليهم" قال الحافظ: والخلاف في الصلاة على قتيل معركة الكفار مشهور.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وهؤلاء رأوا أن الغسل لم يأت فيه شيء يعارض حديث جابر في قتلي أحد وأما الصلاة عليه فقد أخرجا في الصحيحين عن عقبة بن عامر " أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميت".

(8/283)


قال الترمذي. قال بعضهم يصلي على الشهيد وهو قول الكوفيين وإسحاق، وقال بعضهم لا يصلي عليه، وهو قول المدنيين والشافعي وأحمد. والحديث سكت عنه المنذري.
ـــــــ
وحديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على حمزة.
وحديث أبي مالك الغفاري قال كان قتلي أحد يؤتي منهم بتسعة وعاشرهم حمزة فيصلى عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يحملون ثم يؤتي بتسعة فيصلي عليهم وحمزة مكانه حتى صلى عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا مرسل صحيح ذكره البيهقي، وقال: هو أصح ما في الباب.
وروى أبو بكر بن عياش عن يزيد بن أبي زياد عن مقسم عن ابن عباس أنه صلى عليهم رواه البيهقي وقال لا يحفظ إلا من حديثهما وكانا غير حافظين يعني أبا بكر ويزيد بن أبي زياد.
وقد روى ابن إسحاق عن رجل من أصحابه عن مقسم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على حمزة فكبر سبع تكبيرات ولم يؤت بقتيل إلا صلى عليه معه حتى صلى عليه اثنتين وسبعين صلاة.
ولكن هذا الحديث له ثلاث علل.
إحداها: أن ابن إسحاق عنعنه ولم يذكر فيه سماعا.
الثانية: أنا رواه عمن لم يسمه.
الثالثة: أن هذا قد روى من حديث الحسن بن عمارة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس والحسن لا يحتج به وقد سئل الحكم أصلى النبي صلى الله عليه وسلم على قتلي أحد قال لا سأله شعبة وقد روى أبو داود عن أبي سلام عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وفيه فصلى عليه ودفنه فقالوا يارسول الله أشهيد هو؟ قال: "نعم، وأنا له شهيد" وقد تقدم.
قالوا: وهذه آثار يقوي بعضها بعضا ولم يختلف فيها وقد اختلف في شهداء أحد فكيف يؤخذ بما اختلف فيه وتترك هذه الآثار؟
والصواب في المسألة: أنه مخير بين الصلاة عليهم وتركها لمجيء الآثار بكل واحد من الأمرين وهذا إحدى الروايات عن الإمام أحمد وهي الأليق بأصوله ومذهبه.
والذي يظهر من أمر شهداء أحد: أنه لم يصل عليهم عند الدفن وقد قتل معه بأحد سبعون نفسا فلا يجوز أن تخفي الصلاة عليهم.
وحديث جابر بن عبد الله في ترك الصلاة عليهم صحيح صريح وأبوه عبد الله أحد القتلى يومئذ فله من الخبرة ما ليس لغيره.
وقد ذهب الحسن البصري وسعيد بن المسيب إلى أنهم يغسلون ويصلي عليهم.

(8/284)


3134 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا زَيْدٌ - يَعْني ابنَ الْحُبَابِ ح. وَأخبرنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا أبُو صَفْوَانَ - يَعْنِي المَرْوَانِيّ - عن أُسَامَةَ عن الزّهْرِيّ عن أنَسِ بنِ مَالِكٍ المَعنى: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم مَرّ عَلَى حَمْزَةَ وَقَدْ مُثِلَ بِهِ فَقَالَ: "لَوْلاَ أنْ تَجِدَ صَفِيّةُ في نَفْسِهَا لَتَرَكْتُهُ حَتّى تَأْكُلَهُ الْعَافِيَةُ حَتّى يُحْشَرَ مِنْ بُطُونِهَا،" وَقَلّتِ الثّيَابُ وَكَثُرَتْ الْقَتْلَى فَكَانَ الرّجُلُ وَالرّجُلاَنِ وَالثّلاَثَةُ يُكْفَنُونَ في الثّوْبِ الْوَاحِدِ.
زَادَ قُتَيْبَةُ: ثُمّ يُدْفَنُونَ في قَبْرٍ وَاحِدٍ، فَكَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَسْألُ "أيّهُمْ أكْثَرُ قُرْآناً فَيُقَدّمَهُ إلَى الْقِبْلَةِ".
ـــــــ
"مَرّ عليّ حمزة" عم النبي صلى الله عليه وسلم "وقد مُثِلَ به" أي بحمزة، وهو بضم الميم وكسر الثاء المخففة قال في المصباح مثلت بالقتيل مثلا من بابي قتل وضرب إذا جدعته وظهرت آثار فعلك عليه تنكيلاً، والتشديد مبالغة، والاسم المثلة وزان غرفة "فقال" النبي صلى الله عليه وسلم "أن تجد صفية" أخت حمزة "في نفسها" أي تحزن وتجزع "العافية" قال الخطابي: العافية السباع والطير التي تقع على الجيف فتأكلها ويجمع على العوافي "حتى يُحْشَرَ" أي يبعث حمزة يوم القيامة "من بطونها" أي العافية وكثرت القتلى جمع قتيل كالجرحى جمع جريح "يكفنون في الثوب الواحد" ظاهره تكفين الاثنين والثلاثة في ثوب واحد. وقال المظهر في شرح المصابيح: معن ثوب واحد قبر واحد، إذ لا يجوز تجريدها بحيث تتلاقى بشرتاهما انتهى.
وقال أشهب: لا يفعل ذلك إلا لضرورة، وكذا الدفن. وعن العلامة ابن تيمية معنى الحديث أنه كان يقسم الثوب الواحد بين الجماعة فيكفن كل واحد ببعضه للضرورة وإن لم يستر إلا بعض بدنه، يدل عليه تمام الحديث أنه كان يسأل عن أكثرهم قرآنا فيقدمه في اللحد، فلو أنهم في ثوب واحد جملة لسأل عن أفضلهم قبل ذلك كيلا يؤدي إلى نقض التكفين وإعادته.
وقال ابن العربي: فيه دليل على أن التكليف قد ارتفع بالموت وإلا فلا يجوز أن يلصق الرجل بالرجل إلا عند انقطاع التكليف أو للضرورة. قاله العيني.
وقال الخطابي: وفيه من الفقه أن الشهيد لا يغسل، وهو قول عامة أهل العلم، وفيه أنه لا
ـــــــ
وهذا ترده السنة المعروفة في ترك تغسيلهم.
فأصح الأقوال أنه لا يغسلون ويخير في الصلاة عليهم.
وبهذا تتفق جميع الأحاديث وبالله التوفيق.

(8/285)


3135 - حدثنا عَبّاسٌ الْعَنْبَرِيّ أخبرنا عُثْمَانُ بنُ عُمَرَ قال أخبرنا أُسَامَةُ عن الزّهْرِيّ عن أنَسٍ: "أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم مَرّ بِحَمْزَةَ وَقَدْ مُثِلَ بِهِ، وَلَمْ يُصَلّ عَلَى أحَدٍ مِنَ الشّهَدَاءِ غَيْرِهِ".
3136 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ وَ يَزِيدُ بنُ خَالِدِ بنِ مَوْهَبٍ أنّ اللّيْثَ حَدّثَهُمْ عن ابنِ شِهَابٍ عن عبد الرحمن بنِ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ أنّ جَابِرَ بنَ عَبْدِ الله أخْبَرَهُ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ وَيَقُولُ: "أيّهُمَا أكْثَرُ أخْذاً لِلْقُرْآنِ"، فَإذَا أُشِيرَ لَهُ إلَى أحَدِهِمَا قَدّمَهُ في اللّحْدِ، فَقَالَ: "أنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلاَءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ وَلَمْ يَغْسِلْهُمْ[ولم يغسلوا]".
ـــــــ
يصلي عليه، وإليه ذهب أكثر أهل العلم. وقول أبي حنيفة لا يغسل ولكن يصلي عليه. ويقال إن المعنى في ترك غسله ما جاء أن الشهيد يأتي يوم القيامة وكلمه يدمي، الريح ريح المسك واللون لون الدم. وقد يوجد الغسل في الأحياء مقروناً بالصلاة وكذلك الوضوء فلا يجب التطهير على أحد إلا من أجل صلاة يصليها، ولأن الميت لا فعل له فأمرنا أن نغسله لتصلي عليه، فإذا سقط الغسل سقطت الصلاة. وفيه جواز أن يدفن الجماعة في القبر الواحد، وأن أفضلهم يقدم في القبلة وإذا ضاقت الأكفان وكانت الضرورة جاز أن يكفن الجماعة منهم في الثوب الواحد انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه الترمذي وقال غريب لا نعرفه من حديث أنس إلا من هذا الوجه. وفي حديث الترمذي "ولم يصل عليهم".
"ولم يصل على أحد من الشهداء غيره": قال الخطابي: وقد تأول قوم ترك الصلاة على قتلى أحد على معنى اشتغاله في ذلك اليوم عنهم وليس هذا بتأويل صحيح، لأنه قد دفنهم مع قيام الشغل ولم يتركهم على وجه الأرض. وأكثر الروايات أنه لم يصل عليهم. وقد تأول بعضهم ما روى من صلاته على حمزة فحملها على الصلاة اللغوية وجعلها الدعاء له زيادة خصوصية له وتفضلا له على سائر أصحابه انتهى. وقال الحافظ: ثم إن الخلاف في ذلك في منع الصلاة عليهم على الأصح عند الشافعية وفي وجه أن الخلاف في الاستحباب وهو المنقول عن الحنابلة. الحديث سكت عنه المنذري.
"أيهما أكثر أخذا" أي حفظاً وقراءة للقرآن "فإذا أشير له" أي للنبي صلى الله عليه وسلم "قدمه" من التقديم أي ذلك الأحد "في اللحد" قال الحافظ: أصل الإلحاد الميل والعدول عن الشيء وقيل

(8/286)


3137 - حدثنا سُلَيْمَانُ بنُ دَاوُدَ المَهْرِيّ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ عن اللّيْثِ بِهَذَا الْحَدِيثِ بِمَعْنَاهُ قال: يَجْمَعُ بَيْنَ الرّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ في ثَوْبٍ وَاحِدٍ.
ـــــــ
للمائل عن الدين ملحد، وسمى اللحد لأنه شق يعمل في جانب القبر فيميل عن وسط القبر إلى جانبه بحيث يسع الميت فيوضع فيه ويطبق عليه اللبن انتهى. وقال القاري: هو بفتح اللام وبضم وسكون الحاء "أنا شهيد على هؤلاء": أي أشهد لهم بأنهم بذلوا أرواحهم لله تعالى قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه وفي حديث البخاري والترمذي "ولم يصل عليهم" وقال الترمذي حسن صحيح. وقال النسائي: ما أعلم أحدا تابع الليث ابن سعد من ثقات أصحاب الزهري على هذا الإسناد، واختلف على الزهري فيه. هذا آخر كلامه. ولم يؤثر عند البخاري والترمذي تفرد الليث بهذا الإسناد بل احتج به البخاري في صحيحه وصححه الترمذي كما ذكرناه.
"في ثوب واحد": قد مر بيانه.

(8/287)


32 - باب في ستر الميت عند غسله
3138 - حدثنا عَلِيّ بنُ سَهْلٍ الرّمْلِيّ أخبرنا حَجّاجٌ عن ابنِ جُرَيْجٍ قال أُخْبِرْتُ عنْ حَبِيبٍ بنِ أبِي ثَابِتٍ عنْ عَاصِمِ بن ضَمْرَةَ عنْ عَلِيَ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "لاَ تُبْرِزْ فَخِذَكَ وَلاَ تَنْظُرْ إلَى حَيَ وَلاَ مَيّتٍ".
3139 - حدثنا النّفَيْلِيّ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ سَلَمَةَ عن مُحَمّدِ بن إسْحَاقَ قالَ حَدّثَني يَحْيَى بنُ عَبّادٍ عن أبِيهِ عَبّادِ بنِ عَبْدِ الله بنِ الزّبَيْرِ قالَ سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: "لَمّا أرَادُوا غَسْلَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالُوا وَ الله مَا نَدْرِي أنُجَرّدُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ ثِيَابِهِ كَمَا نُجَرّدُ مَوْتَانَا أمْ نَغْسِلُهُ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ، فَلَمّا اخْتَلَفُوا ألْقَى الله عَلَيْهِمْ النّوْمَ حَتّى مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إلاّ وَذَقْنُهُ في صَدْرِهِ، ثُمّ كَلّمَهُمْ مُكَلّمٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَيْتِ لاَ يَدْرُونَ مَنْ هُوَ أنِ اغْسِلُوا
ـــــــ
باب في ستر الميت عند غسله
"أخبرت" بصيغة المتكلم المجهول "ولا ميت" دل هذا على أن الميت والحي سواء في حكم العورة. قال المنذري: والحديث أخرجه ابن ماجه وقال أبو داوود: هذا الحديث فيه نكارة. وهذا آخر كلامه. وعاصم بن ضمرة قد وثقه يحيى بن معين وغيره وتكلم فيه غير واحد.
"لا يدرون من هو" أي المكلم "وعليه" أي النبي صلى الله عليه وسلم والواو للحال "فغسلوه" أي النبي صلى الله عليه وسلم

(8/287)


النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ، فَقَامُوا إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَغَسَلُوهُ وَعَلَيْهِ قَمِيصُهُ يَصُبّونَ المَاءَ فَوْقَ الْقَمِيصِ وَيَدْلُكُونَهُ بِالْقَمِيصِ دُونَ أيْدِيهِمْ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا غَسَلَهُ إلاّ نِسَاؤُهُ".
ـــــــ
"قميصه" هو محل الترجمة "ويدلكونه" في المصباح: دلكت الشيء دلكاً من باب قتل مرسته بيدك. ولفظ أحمد في مسنده قالت "فثاروا إليه فغسلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في قميصه يفاض عليه الماء والسدر ويدلك الرجال بالقميص" انتهى. قال الشوكاني: والحديث أخرجه أيضاً ابن حبان والحاكم. وفي رواية لابن حبان "فكان الذي أجلسه في حجره علي بن أبي طالب" روى الحاكم عن عبد الله بن الحارث قال: "غسل النبي صلى الله عليه وسلم علي وعلى يده خرقة فغسله فأدخل يده تحت القميص فغسله والقميص عليه".
وفي الباب عن بريدة عند ابن ماجه والحاكم والبيهقي قال: "لما أخذوا في غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناداهم مناد من الداخل: لا تنزعوا عن النبي صلى الله عليه وسلم قميصه".
وعن ابن عباس عند أحمد: "أن علياً أسند رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صدره وعليه قميصه" وفيه ضعف.
وعند جعفر بن محمد عن أبيه عند عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي والشافعي قال: "غسل النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثاً بسدر وغسل وعليه قميص وغسل من بئر يقال لها الغرس بقبا كانت لسعد بن خيثمة وكان يشرب منها وولى سفلته علي والفضل محتضنه والعباس يصب الماء". قال الحافظ: هو مرسل جيد.
"لو استقبلت من أمري ما استدبرت": أي لو علمت أولاً ماعلمت آخراً وظهر لي أولاً ما ظهر لي آخراً "ما غسله إلا نساؤه" وكأن عائشة تفكرت في الأمر بعد أن مضى وذكرت قول النبي صلى الله عليه وسلم لها: "ما ضرك لو مت قبلي فغسلتك وكفنتك ثم صليت عليك ودفنتك" رواه ابن ماجه وأحمد. قال الشوكاني: فيه متمسك لمذهب الجمهور أي في جواز غسل أحد الزوجين للاخر ولكنه لا يدل على عدم جواز غسل الجنس لجنسه مع وجود الزوجة، ولا على أنها أولى من الرجال.
وقال السندي: حديث محمد بن إسحاق هذا إسناده صحيح ورجاله ثقات ومحمد بن إسحاق قد صرح بالتحديث انتهى.
والحديثان لعائشة أي حديث لواستقبلت من أمري، وحديث ما ضرك أخرجهما ابن

(8/288)


ماجه وبوب باب ما جاء في غسل الرجل امرأته وغسل المرأة زوجها وقال في المنتقى: باب ما جاء في غسل أحد الزوجين للاخر، وأورد الحديثين. قال المنذري: وأخرج ابن ماجه منه قول عائشة: "لو استقبلت من أمري" الحديث وأخرج البخاري في غير صحيحه من حديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه قال: "لما أخذوا في غسل النبي صلى الله عليه وسلم ناداهم مناد من الداخل لا تنزعوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصه".
قال الدارقطني: تفرد به عمرو بن يزيد عن علقمة هذا آخر كلامه. وعمرو ابن يزيد هذا هو أبو بردة التميمي لا يحتج به وفي إسناده محمد بن إسحاق بن يسار، وقد تقدم الكلام عليه.

(8/289)


33 - باب كيف غسل الميت
3140 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ ح وَحَدّثَنَا مُسْدَدٌ أخبرنا حَمّادٌ بنُ زَيْدٍ المَعْنَى عنْ أيّوبَ عن مُحَمّدِ بن سِيرِينَ عن أُمّ عَطِيّةَ قالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم حِينَ تُوُفّيَتْ ابْنَتُهُ فقالَ "اغْسِلْنَهَا ثَلاَثاً أوْ خَمْساً أوْ أكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إنْ رَأيْتُنّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ
ـــــــ
باب كيف غسل الميت
"حين توفيت ابنته" هي زينب زوج أبي العاص بن الربيع والدة أمامة كما صرح به مسلم ولفظه عن أم عطية قالت: "لما ماتت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم" "اغسلها" قال ابن بريدة: استدل به على وجوب غسل الميت. وقال ابن دقيق العيد: لكن قوله ثلاثاً إلخ ليس للوجوب على المشهور من مذاهب العلماء، فيتوقف الاستدلال به على تجويز إرادة المعنيين المختلفين بلفظ واحد، لأن قوله ثلاثاً غير مستقل بنفسه فلا بد أن يكون داخلاً تحت صيغة الأمر، فيراد بلفظ الأمر الوجوب بالنسبة إلى أصل الغسل، والندب بالنسبة إلى الإيتار انتهى.
فمن جوز ذلك الاستدلال بهذا الأمر على الوجوب ومن لم يجوزه حمل الأمر على الندب لهذه القرينة. كذا في النيل "أو خمساً": قال الحافظ: قال ابن العربي أو خمساً إشارة إلى أن المشروع هو الإيتار لأنه نقلهن من الثلاث إلى الخمس وسكت عن الأربع "أو أكثر من ذلك" بكسر الكاف لأنه خطاب للمؤنث أي أكثر من الخمس "إن رأيتن ذلك" رأيت بمعنى الرأي يعني إن احتجتن إلى أكثر من ثلاث أو خمس للانقاء لا للتشهي فلتفعلن. وفيه دليل على التفويض إلى اجتهاد الغاسل ويكون ذلك بحسب الحاجة لا التشهي.
قال ابن المنذر: إنما فوض الرأي إليهن بالشرط المذكور وهو الإيتار. قاله العيني والحافظ "بماء وسدر" قال ابن التين: هو السنة في ذلك والخطمي مثله، فإن عدم فما يقوم

(8/289)


وَاجْعَلْنَ فِي الآخرة كَافُوراً أوْ شَيْئاً مِنْ كَافُورٍ، فَإذَا فَرَغْتُنّ فَآذِنّنِي، فَلَمّا فَرَغْنَا آذَنّاهُ، فَأعْطَانَا حَقْوَة، فقالَ أشْعِرْنَهَا إيّاهُ".
قالَ عنْ مَالِكٍ:[قال أبو داود:قال مالك] تَعْنِي إزَارَهُ وَلَمْ يَقُلْ مُسْدَدٌ: دَخَلَ عَلَيْنَا.
3141 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ عَبْدَةَ وَ أبُو كَامِلٍ بِمَعْنَى الإسْنَادِ أنّ يَزِيدَ بنَ زُرَيْعٍ
ـــــــ
مقامه كالأشنان والنطرون، ولا معنى لطرح ورق السدر في الماء كما يفعل العامة. قاله العيني.
وقال زين بن المنير: ظاهره أن السدر يخلط في كل مرة من مرات الغسل لأن قوله بماء وسدر يتعلق بقوله اغسلنها، قال وهو مشعر بأن غسل الميت للتنظيف لا للتطهير، لأن الماء المضاف لا يتطهر به، وتعقبه الحافظ بمنع لزوم مصير الماء مضافاً بذلك لاحتمال أن لا يغير السدر وصف الماء بأن يمعك بالسدر ثم يغسل بالماء في كل مرة، فإن لفظ الخبر لا يأبى ذلك "واجعان في الآخرة" أي في المرة الآخرة "كافوراً" والحكمة فيه أن الجسم يتصلب به وتنفر الهوام من رائحته، وفيه إكرام الملائكة قاله العيني "أو شيئاً من كافور" هو شك من الراوي أي اللفظين قال، وظاهره جعل الكافور في الماء، وبه قال الجمهور وقال النخعي والكوفيون: إنما يجعل في الحنوط أي بعد انتهاء الغسل والتجفيف قاله الحافظ "فآذنني" أي أعلمني. قال العيني: هو بتشديد النون الأولى، هذا أمر لجماعة الإناث من آذن يؤذن إيذاناً إذا أعلم "حقوه" بفتح المهملة ويجوز كسرها وهي لغة هذيل بعدها قاف ساكنة والمراد به هنا الإزار كما وقع مفسراً في رواية. والحقو في الأصل معقد الإزار وأطلق على الإزار على الإزار مجازاً. وفي رواية للبخاري "فنزع من حقوه إزاره" والحقو على هذا حقيقة "فقال" أي النبي صلى الله عليه وسلم "أشعرنها" أي زينب ابنته "إياه" أي الحقو. قال العيني: هو أمر من الإشعار وهو إلباس الثوب الذي يلي بشرة الإنسان أي اجعلن هذا الإزار شعارها، وسمى شعاراً لأنه يلي شعر الجسد، والدثار ما فوق الجسد. والحكمة فيه التبرك بآثاره الشريفة انتهى. وفي النيل: أي الففها فيه لأن الشعار ما يلي الجسد من الثياب والمراد اجعلنه شعاراً لها انتهى "قال عن مالك" أي قال القعنبي في روايته عن مالك. قال الخطابي: والحديث فيه أن عدد الغسلات وترو أن من السنة أن يكون مع أخذ الماء شيء من الكافور وأن يغسل الميت بالسدر أو بما في معناه من أشنان ونحوه إذا كان على بدنه من الدرن والوسخ انتهى قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه. وابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه هي زينب زوج أبي العاص بن الربيع وهي أكبر بناته صلى الله عليه وسلم.

(8/290)


حَدّثَهُمْ قالَ أخْبرنا أيّوبُ عن مُحَمّدِ بنِ سِيرِينَ عنْ حَفْصَةَ أُخْتِهِ عنْ أُمّ عَطِيّةَ قالَتْ: مَشّطْنَاهَا ثَلاَثَةَ قُرُونٍ.
3142 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ المُثَنّى أخبرنا عَبْدُالأعْلَى أخبرنا هِشَامُ عن حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عنْ أُمّ عَطِيّةَ قالَتْ:وَضَفّرْنَا رَأْسَهَا ثَلاَثَةَ قُرُونٍ ثُمّ ألْقَيْنَاهَا خَلْفَهَا مُقَدّمَ رَأْسِهَا وَقَرْنَيْهَا.
ـــــــ
"قالت مشطناها" من مشطت الماشطة تمشطها مشطاً إذا أسرحت شعرها قاله العيني "ثلاثة قرون" إنتصاب ثلاثة يجوز أن يكون بنزع الخافض أي بثلاثة قرون أو على الظرفية أي في ثلاثة قرون، والقرون جمع القرن وهو الخصلة من الشعر، وحاصل المعنى جعلنا شعرها ثلاث ضفائر بعد أن حللوها بالمشط. قاله العيني. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"وضفرنا رأسها" أي شعر رأسها. قال الخطابي: والضفر أصله الفتل، وفيه دليل على أن تسريح لحية الميت مستحب انتهى. وقال الحافظ: ضفرنا بضاد ساقطة وفاء خفيفة انتهى.
وفي النيل: وفيه استحباب ضفر شعر المرأة وجعله ثلاثة قرون وهي ناصيتها وقرناها أي جانباً رأسها كما في رواية عند البخاري تعليقاً، وتسمية الناصية قرناً تغليب. وقال الأوزاعي والحنفية إنه يرسل شعر المرأة خلفها وعلى وجهها مفرقاً.
قال القرطبي: وكأن سبب الخلاف أن الذي فعلته أم عطية هل استندت فيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيكون مرفوعاً أو هو شيء رأته ففعلته استحباباً كلا الأمرين محتمل،رد ذلك مرفوعاً كذا قال.
وقال النووي: الظاهر عدم إطلاع النبي صلى الله عليه وسلم وتقريره له. وتعقب ذلك الحافظ بأن سعيد بن منصور روى عن أم عطية أنها قالت: "قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اغسلنها وتراً واجعلن شعرها ضفائر". وأخرج ابن حبان في صحيحه عن أم عطية مرفوعاً بلفظ: "واجعلن لها ثلاثة قرون" انتهى "ثم ألقيناها" أي القرون "خلفها" أي الإبنة. وفيه استحباب جعل ضفائر المرأة خلفها.
وقد زعم ابن دقيق العيد أن الوارد في ذلك حديث غريب.
قال في الفتح: وهو مما يتعجب منه مع كون الزيادة في صحيح البخاري وقد توبع رواتها عليها انتهى "مقدم رأسها وقرنيها": بيان للقرون الثلاثة، والمراد من قرنيها جانبا رأسها.
قال الحافظ المزي في الأطراف: والحديث أخرجه البخاري في الجنائز عن قبيصة عن

(8/291)


3143 - حدثنا أبُو كَامِلٍ أخبرنا إسْمَاعِيلُ أخبرنا خَالِدٌ عن حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عن أُمّ عَطِيّةَ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ لَهُنّ في غُسْلِ ابْنَتِهِ "ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعَ الْوُضُوءِ مِنْهَا".
3144 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ عُبَيْدٍ أخبرنا حَمّادٌ عنْ أيّوبَ عن مُحَمّدٍ عن أُمّ عَطِيّةَ بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ.
زَادَ في حَدِيثِ حَفْصَةَ عن أُمّ عَطِيّةَ بِنَحْوِ هَذَا. وَزَادَتْ فِيهِ: أوْ سَبْعاً أوْ أكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إنْ رَأيْتُنّ ذَلِكَ[رأيتنه].
ـــــــ
سفيان عن هشام عن أم الهذيل حفصة عن أم عطية قال وقال وكيع عن سفيان "ناصيتها وقرنيها" وأخرج أبو داوود فيه عن محمد بن المثنى عن عبد الأعلى عن هشام بن حسان عن حفصة عن أم عطية انتهى.
"ابدأن" أمر لجمع المؤنث من بدأ يبدأ "بميامنها" جمع ميمنة أي بالأيمن من كل بدنها في الغسلات التي لا وضوء فيها "ومواضع الوضوء" وليس بين الأمرين تناف لإمكان البداءة بمواضع الوضوء وبالميامن معاً.
قال الزين بن المنير: قوله: "إبدأن بميامنها" أي في الغسلات التي لا وضوء فيها ومواضع الوضوء منها أي في الغسلة المتصلة بالوضوء، وفي هذا رد على من لم يقل باستحباب البداءة بالميامن وهم الحنفية.
واستدل به على استحباب المضمضة والاستنشاق في غسل الميت خلافاً للحنفية "منها" أي الإبنة. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"أخبرنا حماد عن أيوب" حماد هو ابن زيد، فحماد ومالك كلاهما يرويان عن أيوب السختياني، وأما مالك، فروى عنه القعنبي، وأما حماد فروى عنه اثنان مسدد ومحمد بن عبيد وتقدم حديث القعنبي ومسدد فحديث القعنبي ومسدد ومحمد بن عبيد كلها متقاربة المعنى وإليه أشار بقوله: "بمعنى حديث مالك" عن أيوب "زاد" أي خالد بن مهران الحذاء "في حديث حفصة عن أم عطية" المتقدم آنفاً من طريق أبي كامل الجحدري عن إسماعيل بن علية عن خالد الحذاء عن حفصة عن أم عطية "بنحو هذا" أي بنحو حديث مالك "وزادت" حفصة "فيه" في هذا الحديث هذه الجملة "أو سبعاً أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك" والحاصل أن حديث محمد بن عبيد عن حماد مثل حديث القعنبي عن مالك من غير زيادة ولا نقصان في المعنى،

(8/292)


3145 - حدثنا هُدْبَةُ بنُ خَالِدٍ أخبرنا هَمّامٌ أخبرنا قَتَادَةُ عن مُحَمّدِ بنِ سِيرِينَ: أنّهُ كَانَ يَأْخُذُ الْغُسْلَ عنْ[من] أُمّ عَطِيّةَ يَغْسِلُ بالسّدْرِ مَرّتَيْنِ وَالثّالِثَةَ بِالْمَاءِ وَالْكَافُورِ.
ـــــــ
وأما حديث أبي كامل الجحدري عن إسماعيل بن علية عن خالد بلفظ "إبدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها" ففيه الزيادات الأخرى أيضاً، وقد صرح ببعض الزيادة قوله أو سبعاً أو أكثر من ذلك ولم يصرح ببعضها بل أحال على حديث مالك، فبعض الزيادة الأخرى نحو حديث، مالك والله أعلم بمراد المؤلف الإمام.
ثم أعلم أن الحافظ ابن حجر قال في الفتح ولم أر في شيء من الروايات بعد قوله سبعاً التعبير بأكثر من ذلك إلا في رواية لأبي داوود وأما سواها فإما أو سبعاً وإما أو أكثر من ذلك انتهى. وهو ذهول من مثل ذلك الحافظ الإمام المحقق عما أخرجه البخاري في باب يجعل الكافور في آخره حدثنا حامد بن عمر حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن محمد عن أم عطية وفيه "اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك إن رأيتن" الحديث.
وعن أيوب عن حفصة بنحوه وقالت إنه قال: "اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً أو أكثر من ذلك" انتهى لفظ البخاري أي وبالإسناد السابق عن أيوب عن حفصة عن أم عطية بنحو الحديث الأول وقالت إنه قال: "إغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً أو أكثر من ذلك".
ولفظ مسلم حدثنا قتيلة بن سعيد أخبرنا حماد عن أيوب عن حفصة عن أم عطية وفيه أنه قال: "ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً أو أكثر من ذلك وجعلنا رأسها ثلاثة قرون" انتهى.
وصرح في المنتقى بأن الجمع بين التعبير بسبع وأكثر متفق عليه ويستفاد من هذا استحباب الإيتار بالزيادة على السبعة لكن قال ابن عبد البر: لا أعلم أحداً قال بمجاوزة السبع وصرح بأنها مكروهة أحمد والماوردي وابن المنذر انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"يأخذ الغسل" أي تعتلم محمد بن سيرين طريق الغسل للميت "يغسل بالسدر مرتين" ظاهره أنه يخلط السدر بالماء في كل مرة.
قيل: وهو يشعر بأن غسل الميت للتنظيف لا للتطهير، لأن الماء المضاف لا يتطهر به. قيل: وقد يقال يحتمل أن السدر لا يغير وصف الماء فلا يصير مضافاً، وذلك بأن يمعك السدر ثم يغسل بالماء في كل مرة.
وقال القرطبي: يجعل السدر في ماء ثم يخضخض إلى أن تخرج رغوته ويدلك به جسد الميت ثم يصب عليه الماء القراح فهذه غسلة.

(8/293)


وقيل: يطرح السدر في الماء أي لئلا يمازج الماء فيغير وصف الماء المطلق. وتمسك بظاهر الحديث بعض المالكية فقال: غسل الميت إنما هو للتنظيف فيجزي الماء المضاف كماء الورد ونحوه، وقالوا إنما يكره لأجل السرف والمشهور عند الجمهور أنه غسل تعبدي يشترط فيه ما يشترط في الاغتسال الواجبة والمندوبة كذا في سبل السلام "بالماء والكافور": ظاهره أنه يجعل الكافور في الماء ولا يضر الماء تغيره، وقيل فيه قول آخر، والحديث سكت عنه المنذري.

(8/294)


34 - باب في الكفن
3146 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا عَبْدُالرّزّاقِ أنْبأنَا ابنُ جُرَيْجٍ عنْ أبي الزّبَيْرِ أنّهُ سَمِعَ جَابِرَ بنَ عَبْدِ الله يُحَدّثُ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّهُ خَطَبَ يَوْماً فَذَكَرَ رَجُلاً مِنْ أصْحَابِهِ قُبِضَ فَكُفّنَ في كَفَنٍ غَيْرِ طَائِلٍ وَقُبِرَ لَيْلاً فَزَجَرَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنْ يُقْبَرَ الرّجُلُ باللّيْلِ
ـــــــ
باب في الكفن
أي هذا باب في استحباب إحسان الكفن من غير مغالاة.
"فكفن" بصيغة المجهول التفعيل "غير طائل" أي حقير غير كامل الستر قاله النووي "أن يقبر" بصيغة المجهول من الإفعال أي يدفن "حتى يصلي عليه" بصيغة المجهول بفتح اللام. قاله النووي أي مع الجماعة العظيمة. قال النووي: وأما النهي عن القبر ليلا حتى يصلي عليه فقيل سببه أن الدفن نهاراً يحضره كثيرون من الناس ويصلون عليه ولا يحضره في الليل إلا أفراد، وقيل لأنهم كانوا يفعلون ذلك بالليل لرداءة الكفن فلا يبين في الليل، ويؤيده أول الحديث وآخره. قال القاضي: العلتان صحيحتان، قال والظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم قصدهما معاً.
وقد اختلف العلماء في الدفن في الليل، فكرهه الحسن البصري إلا لضرورة وهذا الحديث مما يستدل له به. وقال جماهير العلماء من السلف والخلف لا يكره، واستدلوا بأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه وجماعة من السلف دفنوا ليلا من غير إنكار، وبحديث المرأة السوداء أو الرجل الذي كان يقم المسجد فتوفى بالليل فدفنوه ليلا وسألهم النبي صلى الله عليه وسلم عنه قالوا توفي ليلا فدفناه في الليل، فقال "ألا آذنتموني؟" قالوا كانت ظلمة ولم ينكر عليهم وأجابوا عن هذا الحديث أن النهي كان لترك الصلاة ولم ينه عن مجرد الدفن بالليل وإنما نهى لترك الصلاة أو لقلة المصلين أو عن إساءة الكفن أو عن المجموع انتهى.
وقال الحافظ: وقوله حتى يصلي عليه مضبوط بكسر اللام أن النبي صلى الله عليه وسلم فهذا سبب آخر

(8/294)


حَتّى يُصَلّى عَلَيْهِ إلاّ أنْ يَضْطَرّ إنْسَانٌ إلَى ذَلِكَ، وَقَالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "إذَا كَفّنَ أحَدُكُمْ أخَاهُ فَلْيُحْسِنْ كَفْنَهُ".
3147 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا الْوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ أخبرنا الأوْزَاعِيّ أخبرنا الزّهْرِيّ عن الْقَاسِمِ بنِ مُحَمّدٍ عن عَائِشَةَ قالَتْ: أُدْرِجَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في ثَوْبٍ حِبَرَةٍ ثُمّ أُخّرَ عَنْهُ.
3148 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ الصّبّاحِ الْبَزّارُ أخبرنا إسْمَاعِيلُ يَعْنِي ابنَ عَبْدِالْكَرِيمِ حَدّثَنِي إبْرَاهِيمُ بنُ عُقِيلٍ بنِ مَعْقِلٍ عن أبِيهِ عن وَهْبٍ - يَعْني ابنَ مُنَبّهٍ - عن جَابِرٍ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إذَا تُوِفّيَ أحَدُكُمْ فَوَجَدَ شَيْئاً فَلْيُكَفّنْ في ثَوْبِ حِبَرَةٍ".
3149 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عن هِشَامٍ قالَ أخبرني أبِي قالَ أخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ قالَتْ: "كُفّنَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في ثَلاَثَةِ أثْوَابٍ يَمَانِيَةٍ بِيضٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلاَ عِمَامَةً".
ـــــــ
يقتضي أنه إن رجى بتأخير الميت إلى الصباح صلاة من ترجى بركته عليه استحب تأخيره وإلا فلا "إلا أن يضطر الخ" فيه دليل على أنه لا بأس به في وقت الضرورة "فليحسن كفنه" ضبطوه بوجهين فتح الفاء وإسكانها وكلاهما صحيح. قال القاضي: والفتح أصوب وليس المراد بإحسانه السرف فيه والمغالاة ونفاسته وإنما نظافته ونقاؤه وستره وتوسطه قاله النووي. وقال المنذري: والحديث أخرجه مسلم والنسائي، وأخرج الترمذي وابن ماجه من حديث أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا ولي أحدكم فليحسن كفنه".
"أدرج" أي لف "في ثوب حبرة" على الوصف والإضافة. قال الحافظ والحبرة بكسر الحاء المهملة وفتح الموحدة ما كان من البرود مخططا وسيجيء الكلام فيه "ثم أخر عنه" أي نزع عنه. والحديث سكت عنه المنذري وقال وسيأتي في حديث عائشة بعد هذا ما يوضحه.
"فوجد شيئاً" أي أهله من الوسع والطاقة على تحسين الكفن "في ثوب حبرة" فيه الأمر بتكفين الميت في ثوب حبرة. والحديث سكت عنه المنذري.
"يمانية" بتخفيف الياء منسوبة إلى اليمن، وإنما خففوا الياء وإن كان القياس تشديد ياء النسب لأنهم حذفوا ياء النسب لزيادة الألف، وكان الأصل يمنية. قاله العيني "بيض" بكسر الباء جمع أبيض "ليس فيها قميص ولا

(8/295)


3150 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا حَفْصٌ عن هِشَامِ بنِ عُرْوَة عن أبِيهِ عن
ـــــــ
عمامة قال النووي: معناه لم يكفن في قميص ولا عمامة وإنما كفن في ثلاثة أثواب غيرهما ولم يكن مع الثلاثة شيء آخر، هكذا فسره الشافعي وجمهور العلماء وهو الصواب الذي يقتضيه ظاهر الحديث، قالوا: ويستحب أن لا يكون في الكفن قميص ولا عمامة. وقال مالك وأبو حنيفة يستحب أن لا يكون في الكفن قميص ولا عمامة. وقال مالك وأبو حنيفة يستحب قميص وعمامة انتهى.
قال السندي: والجمهور على أنه لم يكن في الثياب التي كفن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم قميص ولا عمامة أصلا.
قال الحافظ العراقي في شرح الترمذي: فيه حجة على أبي حنيفة ومالك ومن تابعهما في استحبابهم القميص والعمامة في تكفين الميت وحملوا الحديث على أن المراد ليس القميص والعمامة من جملة الأثواب الثلاثة، وإنما هما زائدتان عليها وهو خلاف ظاهر الحديث، بل المراد أنه لم يكن في الثياب التي كفن فيها قميص ولا عمامة مطلقاً وهكذا فسره الجمهور انتهى.
وقال الحافظ: قولها: "ليس فيها قميص ولا عمامة" يحتمل نفي وجودهما جملة، ويحتمل أن يكون المراد نفي المعدود أي الثلاثة خارجة عن القميص والعمامة، والأول أظهر انتهى.
وقال الترمذي: وقد روى في كفن النبي صلى الله عليه وسلم رواية مختلفة حديث عائشة أصح الروايات التي رويت في كفن النبي صلى الله عليه وسلم والعمل على حديث عائشة رضي الله عنها عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وقد حمل الشافعي قولها ليس فيها قميص ولا عمامة على أن ذلك ليس في الكفن بموجود وأن عدد الكفن ثلاثة أبواب.
وحمله مالك على أنه ليس بمعدود من الكفن بل يحتمل أن يكون الثلاثة الأثواب زيادة على القميص والعمامة.
وقال ابن القصار: لا يستحب القميص ولا العمامة عند مالك في الكفن ونحوه عن أبي القاسم قال وهذا خلاف ما حكى متقدموا أصحابنا- يعني: عن مالك.

(8/296)


عَائِشَةَ مِثْلَهُ. زَادَ: مِنْ كُرْسُفٍ قال: فَذُكِرَ لِعَائِشَةَ قَوْلَهُمْ: "في ثَوْبَيْنِ وَبُرُدِ حِبَرَةٍ" فقالَتْ: قَدْ أُتِيَ بالْبُرُدِ، وَلَكِنّهُمْ رَدّوهُ وَلَمْ يُكَفّنُوهُ فِيهِ.
3151 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ وَ عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ قالا أخبرنا ابنُ إدْرِيسَ عن يَزِيدَ - يَعْنِي ابنَ أبي زِيَادٍ عن مِقْسَمٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: "كُفّنَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في ثَلاَثَةِ أثْوَابٍ نَجْرَانِيّةٍ، الْحُلّةُ ثَوْبَانِ، وَقَمِيصِهِ الّذِي مَاتَ فِيهِ".
قَالَ أبُو دَاوُدَ قال عُثْمَانُ: "في ثَلاَثَةِ أثْوَابٍ، حُلّةٍ حَمْرَاءَ، وَقَمِيصهُ الّذِي مَاتَ فِيهِ".
ـــــــ
"مثله" أي مثل حديث يحيى بن سعيد "زاد" أي حفص بن غياث، ولفظ النسائي من طريق حفص عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: "كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض يمانية كرسف ليس فيها قميص ولا عمامة" فذكره مثله سواء " من كرسف" بضم الكاف والمهملة بينهما راء ساكنة هو القطن. قاله السيوطي "قولهم" أي قول الناس، أي ذكر لها أن الناس يقولون إنه صلى الله عليه وسلم كفن في ثوبين وبرد حبرة "وبرد حبرة".
قال الحافظ العراقي: برد حبرة روى بالإضافة والقطع حكاهما صاحب النهاية والأول هو المشهور. وحبرة بكسر الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة على وزن عنية ضرب من البرود اليمانية.
قال الأزهري: وليس حبرة موضعاً أو شيئاً معلوماً إنما هو شيء كقولك قرمز والقرمز صبغة. وذكر الهروي في الغربيين أن برود حبرة هي ما كان موشى مخططاً انتهى "ولكنهم" أي الناس الحاضرين على التكفين من الصحابة.
قال المنذري: والحديث أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي صحيح.
"نجرانية" بفتح النون وسكون الجيم. قال ابن الأثير: هي منسوبة إلى نجران وهو موضع معروف بين الحجاز والشام واليمن انتهى "الحلة" بضم الحاء المهملة وتشديد اللام. قال في النهاية: الحلة واحدة الحلل وهي برود اليمن ولا تسمى حلة إلا أن تكون ثوبين من جنس واحد انتهى ولفظ أحمد في مسنده "كفن في ثلاثة أثواب قميصه الذي مات فيه وحلة نجرانية الحلة ثوبان" انتهى.
قال النووي: هذا الحديث ضعيف لا يصح الاحتجاج به، لأن يزيد بن أبي زياد أحد رواته مجمع على ضعفه لا سيما وقد خالف بروايته الثقات انتهى.

(8/297)


وقال في المنتقى: وعن عائشة عند مسلم وأما الحلة فإنما شبه على الناس فيها إنما اشتريت ليكفن فيها فتركت الحلة وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية انتهى.
قال المنذري: وفي إسناده يزيد بن زياد وقد أخرج له مسلم في المتابعات، وقد قال غير واحد من الأئمة لا يحتج بحديثه. وقال أبو عبيد الله بن أبي ضفرة:
قولها: "ليس فيها قميص ولا عمامة" يدل على أن القميص الذي غسل فيه النبي صلى الله عليه وسلم نزع عنه حين كفن لأنه إنما قيل لا تنزعوا القميص ليستر به ولا يكشف جسده فلما ستر بالكفن استغنى عن القميص، فلو لم ينزع القميص حتى كفن لخرج عن حد الوتر الذي أمر به صلى الله عليه وسلم.

(8/298)


35 - باب كراهية المغالاة في الكفن
3152 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ عُبَيْدٍ المُحَارِبِيّ أخبرنا عَمْرُو بنُ هَاشِمٍ أبُو مَالِكٍ الْجَنْبِيّ عن إسْمَاعِيلَ بنِ أبي خَالِدٍ عن عَامِرٍ عن عَلِيّ بنِ أبي طَالِبٍ رَضِيَ الله عَنْهُ[كرم الله وجهه] قال: لاَ تَغَالَى[لا يغالى-لا تغال لي] في كَفَنٍ، فَإنّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "لاَ تَغَالُوا في الْكَفَنِ فَإنّهُ يُسْلَبُهُ سَلْباً سَرِيعاً".
ـــــــ
باب كراهية المغالاة في الكفن
وجد هذا الباب في بعض النسخ والأكثر عنه خالية وحذفه أولى والله أعلم.
"لا تغالى" مصدر من التفاعل، هكذا في بعض النسخ، يقال تغال النبات تغالياً ارتفع، وتغالى الشجر تغالياً أي التف وعظم، وفي بعض النسخ لا يغالي بصيغة الغائب المجهول، وفي بعضها بصيغة الحاضر المعروف لا تغال لي والله أعلم "لا تغالوا" بحذف إحدى التاءين أي لا تبالغوا ولا تتجاوزوا الحد "في الكفن" أي في كثرة ثمنه.
قال ابن الأثير والطيبي: أصل الغلاء الارتفاع ومجاوزة القدر في كل شيء يقال غاليت الشيء وبالشيء وغلوت فيه أغلو إذا جاوزت فيه الحد انتهى. وفيه أن الحد الوسط في الكفن هو المستحب المستحسن "فإنه" أي تمزيق الأرض إياه عن قريب "يسلبه" هكذا في بعض النسخ بإثبات ضمير المفعول، وأخذ هذه النسخة السيوطى في الجامع الصغير. والمعنى أنه يأخذ ويفسد ويزيل الكفن، وفي بعض النسخ فإنه يسلب سلباً سريعاً على صيغة المجهول بحذف ضمير المفعول وأخذ هذه النسخة. صاحب المصابيح والحافظ في بلوغ المرام، ومعناه يبلي الكفن بلّى سريعاً.
قال الطيبي: استعير السلب لبلى الثوب مبالغة في السرعة انتهى.

(8/298)


3153 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنبأنا سُفْيَانُ عن الأعْمَشِ عنْ أبِي وَائِلٍ عن خَبّابِ، قال مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إلاّ نَمِرَةٌ، كُنّا إذَا غَطّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ[خرجتا] رِجْلاَهُ، وَإذَا غَطّيْنَا رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "غَطّوا بِهَا رَأْسَهُ وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ شَيْئاً مِنَ الإذْخِرِ".
ـــــــ
قال المناوي في شرح الجامع الصغير: قوله: "فإنه يسلبه سلباً سريعاً" علة للنهي كأنه قال لا تشتروا الكفن بثمن غال فإنه يبلى بسرعة انتهى.
وفي سبل السلام: حديث علي من رواية الشعبي فيه عمرو بن هاشم وهو مختلف فيه. وأيضاً فيه انقطاع بين الشعبي وعلي لأنه قال الدارقطني إنه لم يسمع منه سوى حديث واحد. وفيه دلالة على المنع من المغالاة في الكفن وهي زيادة الثمن وقوله فإنه يسلب سريعاً كأنه إشارة إلى أنه سريع البلي والذهاب كما في حديث عائشة أن أبا بكر نظر إلى ثوب عليه كان يمرض فيه به ردع من زعفران فقال اغسلوا ثوبي هذا وزيدوا عليه ثوبين وكفنوني فيها. قلت: إن هذا خلق قال إن الحي أحق بالجديد من الميت إنه للمهلة أي للصديد ذكره البخاري مختصراً انتهى.
قال المنذري: في إسناده أبو مالك عمرو بن هاشم الجنبي وفيه مقال. وذكر ابن أبي حاتم وأبو أحمد الكرابيسي أن الشعبي رأى علي بن أبي طالب، وذكر أبو علي الخطيب أنه سمع منه وقد روى عنه عدة أحاديث.
"قال" أي خباب "مصعب بن عمير" هو بضم الميم وسكون الصاد وفتح العين المهملتين، وعمير بضم العين مصغر عمرو القرشي العبدري كان من أجلة الصحابة بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة يقرئهم القرآن ويفقههم في الدين، وهو أول من جمع الجمعة بالمدينة قبل الهجرة وكان في الجاهلية من أنعم الناس عيشاً، وألينهم لباساً، وأحسنهم جمالاً، فلما أسلم زهد في الدنيا وتقشف وتحشف، وفيه نزل {رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه} قتل يوم أحد شهيداً رضي الله عنه قاله العيني "ولم يكن له" أي لمصعب "إلا نمرة" بفتح النون وكسر الميم كساء فيه خطوط بيض وسود تلبسه الأعراب قاله في المصباح.
وقال الخطابي: النمرة ضرب من الأكسية إذا "غطينا" أي سترنا "بها" أي بالنمرة "من الإذخر" قال العيني: هو بكسر الهمزة وسكون الذال المعجمة وكسر الخاء المعجمة وفي آخره راء هو نبت بمكة ويكون بأرض الحجاز طيب الرائحة. وفيه أن الثوب إذا ضاق فتغطية رأس

(8/299)


3154 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ حدّثَني ابنُ وَهْبٍ حَدّثني هِشَامُ بنُ سَعْدٍ عن حَاتِمِ بنِ أبِي نَصْرٍ عن عُبَادَةَ بنِ نُسَيَ عن أبِيهِ عن عُبَادَةَ بنِ الصّامِتِ عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قال: "خَيْرُ الْكَفَنِ الْحُلّةُ، وَخَيْرُ الأُضْحِيَةِ الْكَبْشُ الأقْرَنُ".
ـــــــ
الميت أولى من رجليه لأنه أفضل. قال الخطابي: وفيه من الفقه أن الكفن من رأس المال، وأن الميت إذا استغرق كفنه جميع تركته كان أحق به من الورثة انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.
"خير الكفن الحلة" أي الإزار والرداء فيه الفضيلة بتكفين الميت في الحلة قال القاري: اختار بعض الأئمة أن يكون الكفن من برود اليمن بدليل هذا الحديث والأصح أن الأبيض أفضل لحديث عائشة رضي الله عنها "كفن في السحولية" وحديث ابن عباس "كفنوا فيها موتاكم" رواه أصحاب السنن. وقال ابن الملك: الأكثرون على اختيار البيض وإنما قال ذلك في الحلة لأنها كانت يومئذ أيسر عليهم "وخير الأضحية الكبش الأقرن" قال الطيبي: ولعل فضيلة الكبش الأقرن على غيره لعظم جثته وسمنه في الغالب انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه ابن ماجه مقتصراً منه على ذكر الكفن.

(8/300)


36 - باب في كفن المرأة
3155 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ أخبرنا أبِي عَنْ ابنِ إسْحَاقَ حَدّثَنِي نُوحُ بنُ حَكِيمٍ الثّقَفِيّ، وَكَانَ قَارِئاً لِلْقُرْآنِ، عن رَجُلٍ مِنْ بَنِي عُرْوَةَ بنِ مَسْعُودٍ يُقَالُ لَهُ دَاوُدَ، قَدْ وَلّدَتْهُ أُمّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أبِي سُفْيَانَ زَوْجُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّ
ـــــــ
باب في كفن المرأة
"يقال له" أي للرجل "داوود" هو ابن عاصم بن عروة بن مسعود الثقفي المكي. روى عن ابن عمر وسعيد بن المسيب، وعنه قتادة وقيس بن سعد وغيرهما، وثقه البخاري كذا في الخلاصة. وفي الإصابة: وداوود بن عاصم هذا هو زوج حبيبة بنت أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم "قد ولدته" بتشديد اللام والضمير المنصوب يرجع إلى داوود أي ربت أم حبيبة داوود بن عاصم وتولت أمره، ومنه قول الله تعالى في الإنجيل مخاطباً لعيسى عليه السلام "أنت نبي وأنا ولدتك" بتشديد اللام أي ربيتك. والمولدة القابلة، ومنه قول مسافع حدثتني امرأة من بني سليم قالت أنا ولدت عامة أهل "ديارنا أي كنت لهم قابلة، كذا في اللسان. وفي بعض كتب اللغة: ولدت القابلة فلانة توليداً تولت ولادتها، وكذا إذا تولت ولادة شاة أو غيرها. قلت: ولدتها وولدت

(8/300)


لَيْلَى بِنْتَ قَانِفٍ الثّقَفِيّةَ قالَتْ: "كُنْتُ فِيمَنْ غَسّلَ أُمّ كُلْثُومٍ ابْنَةَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم عِنْدَ وَفَاتِهَا، فَكَانَ أوّلُ مَا أعْطَانَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الْحِقَاءَ ثُمّ الدّرْعَ ثُمّ الْخِمارَ ثُمّ المِلْحَفَةَ، ثُمّ أُدْرِجَتْ بَعْدُ في الثّوْبِ الآخر، قالَتْ وَرَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم جَالِسٌ عِنْدَ الْبَابِ مَعَهُ كَفَنُهَا، يُنَاوِلُنَاهَا ثَوْباً ثَوْباً".
ـــــــ
الولد ربتها انتهى. وسيجيء كلام الحافظ في هذا الباب "زوج النبي صلى الله عليه وسلم" بدل عن أم حبيبة "أن ليلى بنت قانف" بقاف ونون وفاء هي الثقفية صحابية حديثها عند أحمد وأبي داوود. قاله الحافظ في الإصابة "أم كلثوم" زوج عثمان "الحقاء" بكسر الحاء. قال السيوطي: جمع حقو. قلت: المراد هنا الجنس بناء على ما قالوا إن لام التعريف. إذا كان للجنس يبطل معنى الجمعية قاله في فتح الودود. وفي التلخيص: الحقا بكسر المهملة وتخفيف القاف مقصور قيل هو لغة في الحقو وهو الإزار "ثم الدرع": بكسر الدال وهو القميص "ثم الملحفة" بالكسر هي الملاءة التي تلتحف بها المرأة، واللحاف كل ثوب يتغطى به قاله في المصباح "يناولناها" أي هذه الأثواب. والحديث سكت عنه المنذري وأخرجه أحمد في مسنده وصرح محمد بن إسحاق بالتحديث وفي إسناده نوح بن حكيم. قال ابن القطان مجهول ووثقه ابن حبان وقال ابن إسحاق كان قارئاً للقرآن. وأما داوود فهو ابن عاصم بن عروة كما جزم بذلك ابن حبان والحافظ في الإصابة في ترجمة ليلى. وقال الحافظ في التلخيص: والحديث أعله ابن القطان بنوح وأنه مجهول وإن كان محمد بن إسحاق قد قال إنه كان قارئاً للقرآن، وداوود حصل له فيه تردد هل هو داوود بن عاصم بن عروة بن مسعود أو غيره، فإن يكن بن عاصم فثقة، فيعكر عليه بأن ابن السكن وغيره قالوا إن حبيبة كانت وزجاً لداوود، فحينئذ لا يكون داوود بن عاصم لأم حبيبة عليه ولادة أي لأنه زوج ابنتها. وما أعله به ابن القطان ليس بعلة. وقد جزم ابن حبان بأن داوود هو ابن عاصم وولادة أم حبيبة مجازية إن تعين ما قاله ابن السكن وقال بعض المتأخرين إنما هو ولدته بتشديد اللام أي قبلته انتهى. قلت: فالحديث سنده حسن صالح للاحتجاج والله أعلم.

(8/301)


37 - باب في المسك للميت
3156 - حدثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ أخبرنا المُسْتَمِرُ بنُ الرّيّانِ عن أبِي نَضْرَةَ عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قالَ: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أطْيَبُ طِيبُكُم المِسْكُ".
ـــــــ
باب في المسك للميت
"أطيب طيبكم المسك" مطابقة الحديث للترجمة من حيث أن الحديث عام فيؤخذ منه

(8/301)


استعمال المسك للميت أيضاً، وأخرج أحمد عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أجمرتم الميت فأجمروه ثلاثاً" ورجاله رجال الصحيح، والمعنى أي بخرتم الميت. وفيه استحباب تبخير الميت ثلاثا وتطييب بدنة وكفنه. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي.

(8/302)


38 - باب تعجيل الجنازة وكراهية حبسها
[باب التعجيل بالجنازة]
3157 - حدثنا عَبْدُالرّحِيمِ بنُ مُطَرّفٍ الرّوَاسِيّ أبُو سُفْيَانَ و أَحْمَدُ بنُ جَنَابٍ قالا أخبرنا عِيسَى، قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَهُوَ ابنُ يُونُسَ عن سَعِيدِ بنِ عُثْمَانَ الْبَلَوِيّ عن عَزْرَةَ، قالَ عَبْدُالرّحِيمِ: عُرْوَةُ بنُ سَعِيدٍ الأنْصَارِيّ عن أبِيهِ عن الْحُصَيْنِ بنِ وَحْوَحٍ: أنّ طَلْحَةَ بنَ الْبَرَاءِ مَرِضَ فَأتَاهُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَعُودُهُ فقالَ: "إنّي لاَ أُرَى طَلْحَةَ إلاّ قَدْ حَدَثَ فِيهِ المَوْتُ، فَآذِنُونِي بِهِ وَعَجّلُوا، فَإنّهُ لاَ يَنْبَغِي لِجِيفَةِ مُسْلِمٍ أنْ تُحْبَسَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أهْلِهِ".
ـــــــ
باب تعجيل الجنازة وكراهية حبسها
"قال عبد الرحيم عروة بن سعيد" بدل عزرة "عن الحصين" بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين "ابن وحوح" بواوين مفتوحتين وحاءين مهملتين أولاهما ساكنة هو أنصاري له صحبة. قاله المنذري. قال العيني: قيل إنه مات بالعذيب "أن طلحة بن البراء" أنصاري له صحبة. قاله المنذري "لا أرى طلحة" أي لا أظنه "فيه الموت" أي أثره "فآذنوني" أي أخبروني "به" أي بموت طلحة إذا مات "وعجلوا" في التجهيز والتكفين "لجيفة مسلم" ذكر الجيفة هنا كذكر السوأة في قوله تعالى {كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ} وليس في قوله جيفة مسلم دليل على نجاسته "بين ظهراني أهله" يقال هو بين ظهرانيهم وبين أظهرهم والمراد أنه أقام بينهم على سبيل الاستظهار والاستناد إليهم وزيدت فيه ألف ونون مفتوحة تأكيداً ومعناه أن ظهراً منهم قدامة وظهراً منهم وراءه فهو مكنوف من جانبيه ومن جوانبه إذا قيل بين أظهرهم، ثم كثر حتى استعمل في الإقامة بين القوم مطلقاً قاله في النهاية ومعناه بين أهله والظهر مقحم. قال المنذري: قال أبو القاسم البغوي ولا أعلم روى هذا الحديث غير سعيد بن عثمان البلوي وهو غريب. انتهى كلام المنذري.
وقد وثق سعيد المذكور ابن حبان ولكن في إسناد هذا الحديث عروة ابن سعيد الأنصاري ويقال عزرة عن أبيه وهو وأبوه مجهولان.

(8/302)


وفي الباب عن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاث يا علي لا يؤخرن، الصلاة إذا آنت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفوا" رواه أحمد وهذا لفظه وأخرجه الترمذي وقال حديث غريب وما أرى إسناده بمتصل.
وأخرجه أيضاً ابن ماجه والحاكم وابن حبان، وإعلال الترمذي له بعدم الاتصال لأنه من طريق عمر بن علي عن أبيه علي بن أبي طالب قيل ولم يسمع منه، وقد قال أبو حاتم إنه سمع منه، فاتصل إسناده، وقد أعله الترمذي أيضاً بجهالة سعيد بن عبد الله الجهني ولكنه عده ابن حبان في الثقات.
والحديث يدل على مشروعية التعجيل بالميت والإسراع في تجهيزه وتشهد له أحاديث الإسراع بالجنازة.

(8/303)


39 - باب في الغسل من غسل الميت
3158 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ بِشْرٍ أخبرنا زَكَرِيّا أخبرنا مُصْعَبُ بنُ شَيْبَةَ عن طَلْقِ بنِ حَبِيبٍ الْعَنْزِيّ عن عَبْدِ الله بنِ الزّبَيْرِ عن عَائِشَةَ أنّهَا حَدّثَتْهُ: "أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَغْتَسِلُ مِنْ أرْبَعٍ: مِنَ الْجَنَابَةِ، وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَمِنَ الْحِجَامَةِ، وَغُسْلِ المَيّتِ".
ـــــــ
باب في الغسل من غسل الميت
"ومن الحجامة وغسل الميت" هذا الحديث ضعيف كما قال المؤلف في آخر هذا الباب، وتقدم هذا الحديث في كتاب الطهارة في باب الغسل للجمعة. قال المنذري: قال أبو
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وقال الإمام أحمد وفي رواية أبي داود حديث مصعب هذا ضعيف يعني حديث عائشة وقال الترمذي قال البخاري حديث عائشة في هذا الباب ليس بذاك وقال ابن المنذر ليس في هذا حديث يثبت وقال الإمام أحمد وحديث أبي هريرة موقوف وسيأتي.
وقال الشافعي في رواية البويطي: إن صح الحديث قلت بوجوبه.
وقال في رواية الربيع: وأولى الغسل عندي أن يجب بعد غسل الجنابة الغسل من غسل الميت ولا أحب تركه بحال ثم ساق الكلام إلى أن قال وإنما منعني من أيجاب الغسل من غسل الميت: أن في إسناده رجلا لم أقع من معرفة تثبت حديثه إلى يومي هذا على ما يقنعني فإن وجدت

(8/303)


3159 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ أخبرنا ابنُ فُدَيْكٍ حَدّثَني ابنُ أبي ذِئْبٍ عن الْقَاسِمِ بنِ عَبّاسٍ عن عَمْرٍو بنِ عُمَيْرٍ عن أبي هُرَيْرَةَ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ غَسّلَ المَيّتَ فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضّأْ".
ـــــــ
داوود: حديث مصعب يعني هذا الحديث فيه خصال ليس العمل عليه. وقال الخطابي: في إسناد الحديث مقال انتهى كلام المنذري.
"من غسل الميت فليغتسل" قال الخطابي: لا أعلم أحداً من الفقهاء يوجب الاغتسال
من يقنعني من معرفة تثبت حديثه أوجبته وأوجبت الوضوء من مس الميت مفضيا إليه فإنهما في حديث واحد.
وقال في غير هذه الرواية وإنما لم يقو عندي أنه يروي عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ويدخل بعض الحفاظ بين أبي صالح وبين أبي هريرة إسحاق مولى زائدة.
وقيل إن أبا صالح لم يسمعه من أبي هريرة وليست معرفتي بإسحاق مولى زائدة مثل معرفتي بأبي صالح ولعله أن يكون ثقة وقد رواه صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة.
وقال الإمام أحمد في رواية أبي داود يجزئه الوضوء قال أبو داود أدخل أبو صالح بينه وبين أبي هريرة فيه إسحاق مولى زائدة قال وحديث مصعب ضعيف هذا آخر كلامه.
وهذا الحديث له عدة طرق.
أحدها: سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة.
الثاني: سهيل عن أبيه عن إسحاق مولى زائدة عن أبي هريرة.
الثالث: عن يحيى بن أبي كثير عن إسحاق عن أبي هريرة.
الرابع: عن يحيى عن أبي إسحاق عن أبي هريرة.
الخامس: عن يحيى عن رجل من بني ليث عن أبي إسحاق عن أبي هريرة.
السادس عن معمر عن أبي إسحاق عن أبيه عن حذيفة.
السابع: عن أبي صالح عن أبي سعيد.
الثامن: عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا وموقوفا قال البيهقي رحمه الله والموقوف أصح.
التاسع زهير بن محمد عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا.
العاشر: عمرو بن عمير عن أبي هريرة مرفوعا.

(8/304)


على من غسل الميت ولا الوضوء من حمله ويشبه أن يكون الأمر في ذلك على الاستحباب وقد يحتمل أن يكون المعنى فيه أن غاسل الميت لا يكاد يأمن أن يصيبه نضح من رشاش الغسل، وربما كان على بدن الميت نجاسة فإذا أصابه نضح وهو لا يعلم مكانه كان عليه غسل جميع بدنه ليكون الماء قد أتى على الموضع الذي أصابه النجس من بدنه "ومن حمله فليتوضأ": قد قيل في معناه أي ليكون على وضوء ليتهيأ له الصلاة على الميت والله أعلم، وفي إسناد الحديث مقال قاله الخطابي قال المنذري والحديث أخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من غسل ميتاً فليغتسل" ولفظ الترمذي "من غسله الغسل ومن حمله الوضوء" يعني الميت. وقال الترمذي: حديث حسن، وقد روى عن أبي هريرة موقوفاً هذا آخر كلامه، وقد روى أيضاً من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وفي أسناده من لا يحتج به.
وقد اختلف في إسناد هذا الحديث اختلافاً كثيراً. وقال أحمد بن حنبل وعلي بن المديني: لا يصح في هذا الباب شيء. وقال محمد بن يحيى: لا أعلم من غسل ميتاً فليغتسل حديثاً ثابتاً ولو ثبت لزمنا استعماله. وقال الشافعي في البويطي إن صح الحديث قلت بوجوبه.
ـــــــ
الحادي عشر: صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة مرفوعا ذكرها البيهقي وقال إنما يصح هذا الحديث عن أبي هريرة موقوفا.
وهذه الطرق تدل على أن الحديث محفوظ.
وقد روى أبو داود عن علي بن أبي طالب أنه اغتسل من تجهيزه أباه ومواراته.
قال البيهقي وروينا ترك إيجاب الغسل منه عن ابن عباس في أصح الروايتين عنه وعن ابن عمر وعائشة ورويناه أيضا عن سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود وأنس بن مالك هذا آخر كلامه.
وهذه المسألة فيها ثلاثة مذاهب.
أحدها: أن الغسل لا يجب على غاسل الميت وهذا قول الأكثرين.
الثاني: أنه يجب وهذا اختيار الجوزجاني ويروى عن ابن المسيب وابن سيرين والزهري وهو قول أبي هريرة ويروى عن علي.
الثالث وجوبه من غسل الميت الكافر دون المسلم وهو رواية عن الإمام أحمد لحديث علي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالغسل وليس فيه أنه غسل أبا طالب مع أنه من رواية ناجية بن كعب عنه وناجية لا يعرف أحد روى عنه غير أبي إسحاق قاله ابن المديني وغيره.

(8/305)


3160 - حدثنا حَامِدُ بنُ يَحْيَى عن سُفْيَانَ عن سُهَيْلِ بنِ أبي صَالِحٍ عن أبِيهِ عن إسْحَاقَ مَوْلَى زَائِدَةَ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِمَعْنَاهُ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: هَذَا مَنْسُوخٌ، وَسَمِعْتُ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ، وَسُئِلَ عنْ الْغُسْلِ مِنْ غُسْلِ المَيّتِ فقالَ: يُجْزِيهِ[يجزئه] الْوُضُوءُ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: أدْخَلَ أبُو صَالِحٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أبي هُرَيْرَةَ في هَذَا الْحَدِيثِ - يَعْني إسْحَاقَ مَوْلَى زَائِدَةَ - قال: وَحَدِيثُ مُصْعَبٍ ضَعِيفٌ فِيهِ خِصَالٌ لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَيْهِ.
ـــــــ
"بمعناه" أي بمعنى حديث عمرو بن عمير "قال أبو داوود هذا" أي الغسل من غسل الميت "منسوخ" قال الحافظ في التلخيص: ويدل له ما رواه البيهقي عن الحاكم عن أبي علي الحافظ عن أبي العباس الهمداني الحافظ حدثنا أبو شيبة حدثنا خالد بن مخلد عن سليمان بن بلال عن عمرو بن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس عليكم في غسل ميتكم غسل إذا غسلتموه إن ميتكم يموت طاهراً وليس ينجس فحسبكم أن تغسلوا أيديكم" قال البيهقي: هذا ضعيف والحمل فيه على أبي شيبة. قلت: أبو شيبة هو إبراهيم بن أبي بكر بن أبي شيبة. احتج به النسائي ووثقه الناس ومن فوقه احتج بهم البخاري. وأبو العباس الهمداني هو ابن عقدة حافظ كبير إنما تكلموا فيه بسبب المذهب ولأمور أخرى ولم يضعف بسبب المتون أصلا، فالإسناد حسن، فيجمع بينه وبين الأمر في حديث أبي هريرة بأن الأمر على الندب، أو المراد بالغسل غسل الأيدي كما صرح به في هذا. ويؤيد أن الأمر فيه للندب ما روى الخطيب بإسناد صحيح عن نافع عن ابن عمر: "كنا نغسل الميت فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل" وهو أحسن ما جمع به بين مختلف الأحاديث انتهى "قال أبو داوود أدخل أبو صالح" قال في الفتح: روى الترمذي وابن حبان من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة وهو معلول لأن أبا صالح لم يسمعه من أبي هريرة رضي الله عنه انتهى.
وقال الحافظ في التلخيص: حديث "من غسل ميتاً فليغتسل" رواه أحمد والبيهقي من رواية ابن أبي ذئب عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة بهذا وزاد: "ومن حمله فليتوضأ" وصالح ضعيف، ورواه البزار من رواية العلاء عن أبيه. ومن رواية محمد بن عبد الرحمَن بن ثوبان، ومن رواية أبي بحر البكراوي عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة كلهم عن أبي هريرة.
ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث عبد العزيز بن المختار، وابن حبان من رواية حماد بن سلمة كلاهما عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ورواه أبو داوود من رواية

(8/306)


عمرو بن عمير، وأحمد من رواية شيخ يقال له أبو إسحاق كلاهما عن أبي هريرة وذكر البيهقي له طرقاً وضعفها ثم قال: والصحيح أنه موقوف. وقال البخاري: الأشبه موقوف. وقال علي وأحمد: لا يصح في هذا الباب شيء نقله الترمذي عن البخاري عنهما.
وقال الذهلي: لا أعلم فيه حديثاً ثابتاً، ولو ثبت للزمنا استعماله.
وقال ابن المنذر: ليس في الباب حديث يثبت. وقال ابن أبي حاتم في العلل عن أبيه أو عن القاسم بن عباس عن عمرو بن عمير ثم قال: وقوله عن المقبري أصح. وقال الرافعي: لم يصحح علماء الحديث في هذا الباب شيئاً مرفوعاً. قال الحافظ: قد حسنه الترمذي وصححه ابن حبان وله طريق أخرى من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رفعه "من غسل ميتاً فليغتسل" ذكره الدارقطني وقال فيه نظر.
قال الحافظ: رواته موثقون. وقال ابن دقيق العيد في الإمام: حاصل ما يعتل به وجهان أحدهما من جهة الرجال ولا يخلو إسناد منها من متكلم فيه ثم ذكر ما معناه أن أحسنها رواية سهيل عن أبيه عن أبي هريرة وهي معلولة وإن صححها ابن حبان وابن حزم فقد رواه سفيان عن سهيل عن أبيه عن إسحاق مولى زائدة عن أبي هريرة. قال الحافظ: إسحاق مولى زائدة أخرج له مسلم، فينبغي أن يصحح الحديث.
قال ابن دقيق العيد: وأما رواية محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة فإسناد حسن إلا أن الحفاظ من أصحاب محمد بن عمرو رووه عنه موقوفاً انتهى. وفي الجملة هو بكثرة طرقه أسوأ أحواله أن يكون حسناً، فإنكار النووي على الترمذي تحسينه معترض. وقد قال الذهبي في مختصر البيهقي. طرق هذا الحديث أقوى من عدة أحاديث احتج بها الفقهاء ولم يعلوها بالوقف، بل قدموا رواية الرفع انتهى.
وفي الباب عن عائشة رواه أحمد وأبو داوود والبيهقي وفي إسناده مصعب بن شيبة وفيه مقال، وضعفه أبو زرعة وأحمد والبخاري، وصححه ابن خزيمة. وعن حذيفة ذكره ابن أبي حاتم والدارقطني في العلل وقالا إنه لا يثبت.
قال الحافظ: ونفيهما الثبوت على طريقة المحدثين. وإلا فهو على طريقة الفقهاء قوى لأن رواته ثقات. انتهى كلام الحافظ من التلخيص ملخصاً.

(8/307)


40 - باب في تقبيل الميت
3161 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنبأنا سُفْيَانُ عن عَاصِمِ بنِ عُبَيْدِ الله عن الْقَاسِمِ عن عَائِشَةَ قالَتْ: "رَأيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يُقَبّلُ عُثْمَانَ بنَ مَظْعُونٍ وَهُوَ مَيّتٌ حَتّى رَأيْتُ الدّمُوعَ تَسِيلُ".
ـــــــ
باب في تقبيل الميت
"يقبل" بالتشديد "عثمان بن مظعون" بالظاء المعجمة أخ رضاعي له عليه السلام "وهو ميت" حال من المفعول "تسيل" وفيه دليل على أن تقبيل المسلم بعد الموت والبكاء عليه جائز.
وأخرج البخاري عن عائشة وابن عباس أن أبا بكر قبّل النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته.
وفي لفظ عند أحمد والبخاري عنها "أن أبا بكر دخل فبصر برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مسجى ببرده فكشف عن وجهه وأكب عليه فقبله" وفيه جواز تقبيل الميت تعظيماً وتبركاً لأنه لم ينقل أنه أنكر أحد من الصحابة على أبي بكر فكان إجماعاً. كذا في النيل. قال المنذري: والحديث أخرجه الترمذي وابن ماجه، وفي حديث ابن ماجه "على خديه" وقال الترمذي حسن صحيح. هذا آخر كلامه. وفي إسناده عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وابن حبان يصحح لعاصم ومن طريقه صحح حديث سبق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الخيل وجعل بينهما محللا وذكره في الضعفاء.
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
هذه النار كانت للاضاءة ولهذا ترجم عليه أبو داود الدفن بالليل.

(8/308)


41 - باب في الدفن بالليل
3162 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ حَاتِمِ بنِ بَزِيعٍ أخبرنا أبُو نَعِيمٍ عن مُحَمّدِ بنِ مُسْلِمٍ عن عَمْرِو بنِ دِينَارٍ قال أخبرني جَابِرُ بنُ عَبْدِ الله، أوْ سَمِعْتُ جَابِرَ بنَ عَبْدِ الله قال: رَأى نَاسٌ نَاراً في المَقْبَرَةِ فَأتَوْهَا فَإذَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في الْقَبْرِ وَإذَا هُوَ يَقُولُ: "نَاوِلُونِي صَاحِبَكُم"، فَإذَا هُوَ الرّجُلُ الّذِي كَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بالذّكْرِ.
ـــــــ
باب في الدفن بالليل
"وإذا هو" أي النبي صلى الله عليه وسلم "فإذا هو" أي الصاحب "الرجل الذي كان يرفع صوته بالذكر"

(8/308)


وأخرج الترمذي من حديث ابن عباس ولفظه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل قبراً ليلاً فأسرج له سراج فأخذه من قبل القبلة وقال رحمك الله إن كنت لأوّاهاً تلاّءِ للقرآن" قال الترمذي: حديث ابن عباس حديث حسن انتهى.
والحديث يدل على جواز الدفن بالليل وبه قال الجمهور وكرهه الحسن البصري واستدل بحديث جابر المتقدم في باب الكفن وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم زجر أن يقبر الرجل ليلا حتى يصلي
ـــــــ
قال الإمام أحمد لا بأس بذلك وقال أبو بكر دفن ليلا وعلى دفن فاطمة ليلا وحديث عائشة سمعنا صوت المساحي من آخر الليل في دفن النبي صلى الله عليه وسلم.
وممن دفن ليلا عثمان وعائشة وابن مسعود ورخص فيه عقبة بن عامر وابن المسيب وعطاء والثوري والشافعي وإسحاق وكرهه الحسن وأحمد في إحدى الروايتين.
وقد روى مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب يوما فذكر رجلا من أصحابه قبض فكفن في كفن غير طائل ودفن ليلا فزجر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقبر الرجل بالليل إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك.
والآثار في جواز الدفن بالليل أكثر.
وفي الترمذي من حديث الحجاج بن أرطاة عن عطاء عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل قبرا ليلا فأسرج له بسراج فأخذه من قبل القبلة وقال: "رحمك الله إن كنت لأواها تلاء للقرآن وكبر عليه أربعا" قال وفي الباب عن جابر وزيد بن ثابت وهو أخو زيدا أكبر منه قال وحديث ابن عباس حديث حسن قال ورخص أكثر أهل العلم في الدفن بالليل وقد نزل النبي صلى الله عليه وسلم في قبر ذي البجادين ليلا.
وفي صحيح البخاري أن النبي سأل عن قبر رجل فقال من هذا قالوا فلان دفن البارحة فصلى عليه.
وهذه الآثار أكثر وأشهر من حديث مسلم.
وفي الصحيحين عن ابن عباس قال مات إنسان كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوده فمات بالليل فدفنوه ليلا فلما أصبح أخبروه فقال: "ما منعكم أن تعلموني" فقالوا كان الليل وكرهنا وكانت ظلمة أن نشق عليك فأتى قبره فصلى عليه.
قيل: وحديث النهي محمول على الكراهة والتأديب.
والذي ينبغي أن يقال في ذلك والله أعلم-: أنه متى كان الدفن ليلا لا يفوت به شيء من حقوق الميت والصلاة عليه فلا بأس به وعليه تدل أحاديث الجواز وإن كان يفوت بذلك حقوقه والصلاة عليه وتمام القيام عليه نهى عن ذلك وعليه يدل الزجر وبالله التوفيق.

(8/309)


عليه. وأجيب عنه أن الزجر منه صلى الله عليه وسلم إنما لترك الصلاة لا للدفن بالليل أو لأجل أنهم كانوا يدفنون بالليل لرداءة الكفن فالزجر إنما هو لما كان الدفن بالليل مظنة إساءة الكفن كما تقدم، فإذا لم يقع تقصير في الصلاة على الميت وتكفينه فلا بأس بالدفن ليلا، وقد دفن النبي صلى الله عليه وسلم ليلا كما رواه أحمد عن عائشة، وكذا دفن أبو بكر ليلا كما عند ابن أبي شيبة وحديث جابر في الباب سكت عنه المنذري.

(8/310)


42 - باب في الميت يحمل من أرض إلى أرض وكراهة ذلك
3163 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنبأنا سُفْيَانُ عن الأسْوَدِ بنِ قَيْسٍ عن نُبَيْحٍ عن جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله قال: كُنّا حَمَلْنَا الْقَتْلَى يَوْمَ أُحُدٍ لِنَدْفِنَهُمْ فَجَاءَ مُنَادِي النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالَ: "إنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُكُمْ أنْ تَدْفِنُوا الْقَتْلَى في مَضَاجِعِهِمْ، فَرَدَدْنَاهُمْ".
ـــــــ
باب في الميت يحمل من أرض إلى أرض الخ
"عن نبيح" بمهملة مصغر هو ابن عبد الله العنزي مقبول من الثالثة. قاله في التقريب "أن تدفنوا القتلى" جمع القتيل وهو المقتول أي الشهداء "في مضاجعهم" أي مقاتلهم والمعنى لا تنقلوا الشهداء من مقتلهم بل ادفنوهم حيث قتلوا، وكذا من مات في موضع لا ينقل إلى بلد آخر قاله بعض الأئمة، والظاهر أن نهي النقل مختص بالشهداء، لأنه نقل ابن أبي وقاص من قصره إلى المدينة بحضور جماعة من الصحابة ولم ينكروا، والأظهر أن يحمل النهي على نقلهم بعد دفنهم لغير عذر، ويؤيده لفظ "مضاجعهم" قاله القاري.
وقال العيني: وأما نقل الميت من موضع إلى موضع فكرهه جماعة وجوزه آخرون. وقال المازري: ظاهر مذهبنا جواز نقل الميت من بلد إلى بلد، وقد مات سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد بالعقيق ودفنا بالمدينة انتهى أي كما أخرجه مالك في الموطأ.
وقال السيوطي في تاريخ الخلفاء في خلافة علي قال شريك نقله ابنه الحسن إلى المدينة. وقال المبرد عن محمد بن حبيب: أول من حول من قبر إلى قبر علي رضي الله عنه.
وأخرج ابن عساكر عن سعيد بن عبد العزيز قال: "لما قتل علي بن أبي طالب حملوه ليدفنوه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى وفي هذه الآثار جواز نقل الميت من الموطن الذي مات فيه إلى موطن آخر يدفن فيه، والأصل الجواز فلا يمنع من ذلك إلا لدليل.

(8/310)


وأما حديث جابر بن عبد الله ففيه إرجاع الشهيد إلى الموضع الذي أصيب فيه بعد نقله وليس في هذا أنهم كانوا قد دفنوا بالمدينة ثم أخرجوا من القبور ونقلوا، فهذا النهي مختص بالشهداء وهذا هو الصواب والله أعلم.
قال المنذري والحديث أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وقال الترمذي حسن صحيح.

(8/311)


43 - باب في الصف على الجنازة
3164 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ عُبَيْدٍ أخبرنا حَمّادٌ عن مُحَمّدِ بنِ إسْحَاقَ عن يَزيدَ بنِ أبي حَبِيبٍ عن مَرْثَدٍ الْيَزَنِيّ عن مَالِكِ بنِ هُبَيْرَةَ قالَ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْ مَيّتٍ يَمُوتُ فَيُصَلّي عَلَيْهِ ثَلاَثَةُ صُفُوفٍ مِنَ المُسْلِمِينَ إلاّ أوْجَبَ". قال فَكَانَ مَالِكٌ إذَا اسْتَقَلّ أهْلَ الْجَنَازَةِ جَزّأَهُمْ ثَلاَثَةَ صُفُوفٍ لِلْحَدِيثِ.
ـــــــ
باب في الصف على الجنازة
"عن مالك بن هبيرة" بالتصغير "إلا أوجب" الله عليه الجنة "قال" مرثد "إذا استقل أهل الجنازة" أي عدهم قليلاً، وفي رواية الترمذي قال: كان مالك بن هبيرة إذا صلى على جنازة فتقال الناس عليها جزأهم ثلاثة أجزأ هو تفاعل من القلة أي رآهم قليلاً.
والحديث فيه دليل على أن من صلى عليه ثلاثة صفوف من المسلمين غفر له، وأقل ما يسمى صفا رجلان ولا حد لأكثره كذا في النيل "جزأهم" بالتشديد أي فرقهم وجعل القوم الذين يمكن أن يكونوا صفاً واحداً "ثلاثة صفوف للحديث" وفي جعله صفوفاً إشارة إلى كراهة الانفراد.
قال المنذري: والحديث أخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي حديث حسن.

(8/311)


44 - باب اتباع النساء الجنازة
3165 - حدثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ أخبرنا حَمّادٌ عن أيّوبَ عن حَفْصَةَ عن أُمّ عَطِيّةَ قالَتْ: "نُهِينَا أنْ نَتْبَعَ الْجَنَائِزَ وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا".
ـــــــ
باب اتباع النساء الجنازة
"ولم يُعْزَم علينا" أي ولم يؤكد علينا في المنع كما أكد علينا في غيره من المنهيات،

(8/311)


45 - باب فضل الصلاة على الجنازة وتشييعها
3166 - حدثنا مُسْدَدٌ أخبرنا سُفْيَانُ عن سُمَىَ عن أبِي صَالِحٍ عن أبِي هُرَيْرَةَ يَرْوِيهِ قال: "مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً فَصَلّى عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ تَبِعَهَا حَتّى يُفْرَغَ مِنْهَا فَلَهُ قِيرَاطَانِ أصْغَرَهُمَا مِثْلُ أُحُدٍ أوْ أحَدُهُمَا مِثْلُ أُحُدٍ".
3167 - حدثنا هَارُونُ بنُ عَبْدِ الله وَ عبد الرحمن بنُ حُسَيْنٍ الْهَرَوِيّ قالا أخبرنا المُقْرِىءُ حدثنا حَيْوَةُ حَدّثني أبُو صَخْرٍ - وَهُوَ حُمَيْدُ بنُ زِيَادٍ - أنّ يَزِيدَ بنَ عَبْدِ الله بنِ
ـــــــ
باب فضل الصلاة على الجنازة وتشييعها
أي اتباعها إلى الدفن.
"فله قيراط" زاد مسلم في روايته "من الأجر" والقيراط بكسر القاف. قال الجوهري أصله قراط بالتشديد لأن جمعه قراريط فأبدل من أحد حرفي تضعيفه ياء قال والقيراط نصف دانق وقال قبل ذلك الدانق سدس الدرهم فعلى هذا يكون القيراط جزءاً من اثني عشر جزءاً من الدرهم. وأما صاحب النهاية فقال القيراط جزء من أجزاء الدينار وهو نصف عشرة في أكثر البلاد، وفي الشام جزء من أربعة وعشرين جزءاً قاله الحافظ "ومن تبعها" أي الجنازة "منها" أي الجنازة "فله" أي للتابع "مثل أحد" هذا تمثيل واستعارة، ويجوز أن يكون حقيقة بأن يجعل الله علمه ذلك يوم القيامة في صورة عين يوزن كما توزن الأجسام، ويكون قدر هذا كقدر أحد. وقيل المراد بالقيراط ها هنا جزء من أجزاء معلومة عند الله تعالى، وقد قربها النبي صلى الله عليه وسلم للفهم بتمثيله القيراط بأحد. وقال الطيبي: قوله: "مثل أحد" تفسير للمقصود من الكلام لا للفظ القيراط، والمراد منه أن يرجع بنصيب من الأجر قاله العيني.
قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه نحوه.
"المقرىء" من القراءة وهو عبد الله بن يزيد المخزومي أبو عبد الرحمَن قاله الذهبي.

(8/312)


قُسَيْطٍ حَدّثَهُ أنّ دَاوُدَ بنَ عَامِرِ بنِ سَعْدِ بنِ أبِي وَقاصٍ حَدّثَهُ عن أبِيهِ: أنّهُ كَانَ عِنْدَ ابنِ عُمَرَ بنِ الْخَطّابِ إذْ طَلَعَ خَبّابُ صَاحِبُ المَقْصُورَةِ فقَالَ: يَا عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ ألاَ تَسْمَعُ مَا يَقُولُ أبُو هُرَيْرَةَ أنّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنْ خَرَجَ مَعَ جَنَازَةٍ مِنْ بَيْتِهَا وَصَلّى عَلَيْهَا" ، فَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ سُفْيَانَ، فَأرْسَلَ ابنُ عُمَرَ إلى عَائِشَةَ فَقَالَتْ: صَدَقَ أبُو هُرَيْرَةَ.
3168 - حدثنا الْوَلِيدُ بنُ شُجَاعٍ السّكُونِيّ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني أبُو صَخْرٍ عن شَرِيكِ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبِي نَمِرٍ عن كُرَيْبٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: سَمِعْتُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم
ـــــــ
وأخرج مسلم بقوله حدثني محمد بن عبد الله بن نمير قال أخبرني عبد الله بن يزيد حدثني حيوة إلى أن قال: "أن عامراً كان قاعداً عند عبد الله ابن عمر إذ طلع خباب صاحب المقصورة فقال يا عبد الله بن عمر ألا تسمع ما يقول أبو هريرة إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "من خرج مع جنازة من بيتها وصلى عليها ثم تبعها حتى تدفن. كان له قيراطان من الأجر كل قيراط مثل أحد ومن صلى عليها ثم رجع كان له من الأجر مثل أحد"، فأرسل ابن عمر خباباً إلى عائشة يسألها عن قول أبي هريرة ثم يرجع إليه فيخبره ما قالت حتى رجع إليه الرسول فقال قالت عائشة صدق أبو هريرة، ثم قال لقد فرطنا في قراريط كثيرة" "أن يزيد بن عبد الله بن قسيط حدثه" أي أبا صخر "أن داوود بن عامر بن سعد بن أبي وقاص حدثه" أي يزيد "عن أبيه" عامر بن سعد "أنه كان" أي عامر "إذ طلع خباب" قال في الاصابة خباب مولى فاطمة بنت عتبة ابن ربيعة أبو مسلم صاحب المقصورة أدرك الجاهلية واختلف في صحبته، وقد روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم "لا وضوء إلا من صوت أو ريح" "صاحب المقصورة" قال في تاج العروس: المقصورة الدار الواسعة المحصنة بالحيطان أو هي أصغر من الدار كالقصارة بالضم وهي المقصورة من الدار لا يدخلها إلا صاحبها "فقال" أي خباب "فذكر" أي عامر بن سعد. قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم بمعناه أتم منه.
"السكوني" بفتح السين وضم الكاف نسبة إلى السكون قبيلة "فيقوم" للصلاة "أربعون رجلاً" هكذا في رواية كريب عن ابن عباس. والحديث عند أحمد ومسلم أيضاً.
وأخرج مسلم عن عائشة مرفوعاً "ما من ميت تصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له" الحديث.
وتقدم حديث مالك بن هبيرة مروفوعاً بلفظ "ما من ميت يموت فيصلي عليه ثلاثة صفوف من المسلمين" الحديث.

(8/313)


يَقُولُ: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أرْبَعُونَ رَجُلاً لاَ يُشْرِكُونَ بالله شَيْئاً إلاّ شُفّعُوا فِيهِ".
ـــــــ
وهذه الأحاديث فيها دلالة على استحباب تكثير جماعة الجنازة ويطلب بلوغهم إلى العدد الذي يكون من موجبات الفوز. وقد قيد ذلك بأمرين. الأول أن يكونوا شافعين فيه أي مخلصين له الدعاء سائلين له المغفرة. الثاني أن يكونوا مسلمين ليس فيهم من يشرك بالله شيئاً كما في حديث بن عباس.
قال القاضي عياض: قيل هذا الأحاديث خرجت أجوبة للسائلين سألوا عن ذلك فأجاب كل واحد عن سؤاله.
قال النووي: ويحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبر بقبول شفاعة مائة فأخبر به ثم بقبول شفاعة أربعين فأخبر به، ثم ثلاثة صفوف وإن قل عددهم فأخبر به.
قال ويحتمل أيضاً أن يقال هذا مفهوم عدد فلا يلزم من الاخبار عن قبول شفاعة مائة منع قبول ما دون ذلك وكذا في الأربعين مع ثلاثة صفوف، وحينئذ كل الأحاديث معمول بها وتحصل الشفاعة بأقل الأمرين من ثلاثة صفوف وأربعين "إلا شفعوا" بتشديد الفاء على بناء المجهول أي قبلت شفاعتهم "فيه" أي في حق الميت. قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم أتم منه وأخرجه ابن ماجه بنحوه.

(8/314)


46 - باب في اتباع الميت بالنار
[باب في النار يتبع بها الميت]
3169 - حدثنا هَارُونُ بنُ عَبْدِ الله أخبرنا عَبْدُالصّمَدِ ح. وأخبرنا ابنُ المُثَنّى أخبرنا أبُو دَاوُدَ قالا أخبرنا حَرْبٌ - يَعني ابنَ شَدّادٍ - أخبرنا يَحْيَى حَدّثني بابُ بنُ عُمَيْرٍ حَدّثني رَجُلٌ مِنْ أهْلِ المَدِينَةِ عن أبِيهِ عن أبِي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "لاَ تُتْبَعُ الْجَنَازَةُ بِصَوْتٍ وَلاَ نَارٍ".
ـــــــ
باب في اتباع الميت بالنار
"قالا" أي عبد الصمد وأبو داوود "لا تتبع" بضم أوله وفتح ثالثه خبر بمعنى النهي "الجنازة

(8/314)


قَالَ أبُو دَاوُدَ: زَادَ هَارُونُ: وَلاَ يُمْشَي بَيْنَ يَدَيْهَا.
ـــــــ
بصوت" أي مع صوت وهو النياحة "ولا نار" فيكره اتباعها بنار في مجمرة أو غيرها لما فيه من التفاؤل "ولا يمشي" بضم أوله "بين يديها" بنار ولا صوت فيكره ذلك. وأخرج أحمد عن ابن عمر قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتبع جنازة معها رانة" وعند ابن ماجه عن أبي بردة قال أوصى أبو موسى حين حضره الموت فقال لا تتبعوني بمجمر قالوا أو سمعت فيه شيئاً قال نعم من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفيه أبو حريز مولى معاوية مجهول. وفي الموطأ عن هشام بن عروة عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت لأهلها ولا تتبعوني بنار.
وفيه عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة أنه نهى أن يتبع بعد موته بنار.
قال ابن عبد البر: جاء النهي عن ذلك عن ابن عمر مرفوعاً انتهى.
بل وعن أبي هريرة نفسه كما في الباب، لكن قال ابن القطان: حديث لا يصح وإن كان متصلاً للجهل بحال ابن عمير راوية عن رجل عن أبيه عن أبي هريرة انتهى.
قال الزرقاني: لكن حسنه بعض الحفاظ ولعله لشواهده فيكره اتباع الجنازة بنار في مجمرة أو غيرها لأنه من شعار الجاهلية. وقد هدم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وزجر عنها، ولأنه من فعل النصارى، ولما فيه من التفاؤل.
قال المنذري: في إسناده رجلان مجهولان.

(8/315)


47 - باب القيام للجنازة
3170 - حدثنا مُسْدَدٌ أخبرنا سُفْيَانُ عن الزّهْرِيّ عن سَالِمٍ عن أبِيهِ عن عَامِرِ بنِ رَبِيعَةَ يَبْلُغُ بِهِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "إذَا رَأيْتُمْ جَنَازَةً[الجنازة] فَقُومُوا لَهَا حَتّى تُخَلّفَكُمْ أوْ تُوضَعَ".
ـــــــ
باب القيام للجنازة
"فقوموا لها" أي للجنازة لهول الموت وفزع منه لا لتعظيم الميت كما هو المفهوم من
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وحديث أبي معاوية رواه ابن حبان في صحيحه ولفظه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان مع الجنازة لم يجلس حتى توضع في اللحد أو تدفن شك أبو معاوية.

(8/315)


حديث جابر الآتي أو الملائكة كما هو المفهوم من حديث أنس "إنما قمنا للملائكة" أخرجه النسائي "حتى تخلفكم" بضم التاء وتشديد اللام أي تتجاوزكم وتجعلكم خلفها وليس المراد التخصيص بكون الجنازة تتقدم بل المراد مفارقتها سواء تخلف القائم لها وراءها أو خلفها القائم وراءه وتقدم. قاله العيني. وقال الحافظ: وقد اختلف أهل العلم في أصل المسألة يعني القيام للجنازة فذهب الشافعي إلى أنه غير واجب، فقال هذا إما أن يكون منسوخاً أو يكون قام لعلة، وأيهما كان فقد ثبت أنه تركه بعد فعله والحجة في الآخر من أمره والقعود أحب إلي انتهى. وأشار بالترك إلى حديث علي أنه "صلى الله عليه وسلم قام للجنازة ثم قعد" أخرجه مسلم قال البيضاوي: يحتمل قول على ثم قعد أي بعد أن جاوزته وبعدت عنه، ويحتمل أن يريد كان يقوم في وقت ثم ترك القيام أصلاً، وعلى هذا يكون فعله الأخير قرينة في أن المراد بالأمر الوارد في ذلك الندب، ويحتمل أن يكون نسخاً للوجوب المستفاد من ظاهر الأمر، والأول أرجح لأن احتمال المجاز يعني في الأمر أولى من دعوى النسخ انتهى. والاحتمال الأول يدفعه ما رواه البيهقي من حديث علي أنه أشار إلى قوم قاموا أن يجلسوا ثم حدثهم الحديث ومن ثم قال بكراهة القيام جماعة منهم سليم الرازي وغيره من الشافعية.
وقال ابن حزم: قعوده صلى الله عليه وسلم بعد أمره بالقيام يدل على أن الأمر للندب ولا يجوز أن يكون نسخاً لأن النسخ لا يكون إلا بنهي أو بترك معه نهي انتهى.
وقد ورد معنى النهي من حديث عبادة قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم للجنازة، فمر به حبر من اليهود فقال هكذا نفعل فقال اجلسوا وخالفوهم" أخرجه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي فلو لم يكن إسناده ضعيفاً لكان حجة في النسخ.
وقال عياض: ذهب جمع من السلف إلى أن الأمر بالقيام منسوخ بحديث عليّ، وتعقبه النووي بأن النسخ لا يصار إليه إلا إذا تعذر الجمع وهو هنا ممكن قال والمختار أنه مستحب وبه قال المتولي انتهى.
وقال الحافظ ابن عبد البر في التمهيد: جاءت آثار صحاح ثابتة توجب القيام للجنازة وقال بها جماعة من السلف والخلف ورأوها غير منسوخة، وقالوا لا يجلس من اتبع الجنازة
ـــــــ
ويدل على أن المراد بالوضع: الوضع بالأرض عن الأعناق حديث البراء بن عازب خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد بعد فجلس النبي صلى الله عليه وسلم وجلسنا معه وهو حديث صحيح وسيأتي إن شاء الله تعالى.

(8/316)


3171 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ أخبرنا زُهَيْرٌ أخبرنا سُهَيْلُ بنُ أبِي صَالِحٍ عن ابنِ أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ عن أبِيهِ قالَ: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذَا تَبِعْتُمْ الْجَنَازَةَ فَلاَ تَجْلِسُوا حَتّى تُوضَعَ".
قَالَ أبُو دَاوُدَ: رَوَى الثّوْرِيّ هَذَا الْحَدِيثَ عن سُهَيْلٍ عن أبِيهِ عن أبِي هُرَيْرَةَ قالَ فِيهِ: حَتّى تُوضَعَ بالأرْضِ. وَرَوَاهُ أبُو مُعَاوِيَةَ عن سُهَيْلٍ قال: "حَتّى تُوضَعَ في اللّحْدِ".
ـــــــ
حتى توضع عن أعناق الرجال، منهم الحسن بن علي وأبو هريرة وابن عمر وابن الزبير وأبو سعيد وأبو موسى، وذهب إلى ذلك الأوزاعي وأحمد وإسحاق، وبه قال محمد بن الحسن.
وقال الطحاوي: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: ليس على من مرت به الجنازة أن يقوموا لها ولمن تبعها أن يجلس وإن لم يوضح.
وأراد بالآخرين: عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وعلقمة والأسود ونافع بن جبير وأبا حنيفة ومالكاً والشافعي وأبا يوسف، وذهبوا إلى أن الأمر بالقيام منسوخ، وتمسكوا بحديث علي عند مسلم ولفظ ابن حبان في صحيحه "كان يأمرنا بالقيام في الجنائز ثم جلس بعد ذلك وأمر بالجلوس" كذا في عمدة القاري شرح البخاري ملخصاً.
"أو توضع" الجنازة على الأعناق. والحديث سكت عنه المنذري.
"حتى توضع" أي بالأرض فيه النهي عن جلوس الماشي مع الجنازة قبل أن توضع على الأرض، فقال الأوزاعي وإسحاق وأحمد ومحمد بن الحسن إنه مستحب، حكى ذلك عنهم النووي والحافظ في الفتح ونقله ابن المنذر عن أكثر الصحابة والتابعين، قالوا والنسخ إنما هو في قيام من مرت به لا في قيام من شيعها. وحكى في الفتح عن الشعبي والنخعي أنه يكره القعود قبل أن توضع.
وأخرج النسائي عن أبي سعيد وأبي هريرة أنهما قالا: "ما رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم شهد جنازة قط فجلس حتى توضع" وعند أحمد عن أبي هريرة مرفوعاً "من صلى على جنازة ولم يمش معها فليقم حتى تغيب عنه، فإن مشى معها فلا يقعد حتى توضع" "حتى توضع بالأرض": قد رجع المؤلف الإمام رواية سفيان هذه على الرواية الأخرى أعني قوله: "حتى توضع في اللحد" وكذلك قال الأثرم أي وَهّمَ رواية أبي معاوية، وكذلك أشار البخاري إلى ترجيحها بقوله باب من شهد جنازة فلا يقعد حتى توضع عن مناكب الرجال.

(8/317)


قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَسُفْيَانُ أحْفَظُ مِنْ أبِي مُعَاوِيَةَ.
3172 - حدثنا مُؤَمّلُ بنُ الفَضْلِ الْحَرّانِيّ أخبرنا الْوَلِيدُ أخبرنا أبُو عَمْرٍو عن يَحْيَى بنِ أبي كَثِيرٍ عن عُبَيْدِ الله بنِ مِقْسَمِ قال حَدّثَني جَابِرٌ قال: كُنّا مَعَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذْ مَرّتْ بِنَا جَنَازَةٌ فَقَامَ لَهَا: فَلَمّا ذَهَبْنَا لِنَحْمِلَ إذَا هِيَ جَنَازَةُ يَهُودِيّ، فَقُلْنَا: يَارَسُولَ الله إنّمَا هِيَ جَنَازَةُ يَهُودِيّ، فَقالَ: "إنّ المَوْتَ فَزَعٌ فَإذَا رَأيْتُمْ جَنَازَةً فَقُومُوا".
3173 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عن وَاقِدِ بنِ عَمْرِو بنِ سَعْدِ بنِ مُعَاذٍ الأنْصَارِيّ عن نَافِعِ بنِ جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ عن مَسْعُودِ بنِ الْحَكَمِ عن عَلِيّ بنِ أبي طَالِبٍ: "أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قامَ في الْجَنَازَةِ[الجنائز] ثُمّ قَعَدَ بَعْدُ".
ـــــــ
وأخرج أبو نعيم عن سهيل قال رأيت أبا صالح لا يجلس حتى توضع عن مناكب الرجال، وهذا يدل على أن الرواية الأولى أرجح لأن أبا صالح راوي الحديث وهو أعرف بالمراد منه.
وقد تمسك بالرواية الثانية صاحب المحيط من الحنفية فقال الأفضل أن لا يقعد حتى يهال عليها التراب، وتؤيده الرواية الآتية عن عبادة بن الصامت والله أعلم.
قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمَن بن عوف عن أبي سعيد نحوه. وأخرج مسلم من حديث أبي صالح السمان عن أبي سعيد.
"فقام" أي النبي صلى الله عليه وسلم "لها" أي للجنازة "فقال إن الموت فزع" قال القرطبي: معناه أن الموت يفزع منه إشارة إلى استعظامه. ومقصود الحديث أن لا يستمر الإنسان على الغفلة بعد رؤية الموت لما يشعر ذلك من التساهل بأمر الموت، فمن ثم استوى فيه كون الميت مسلماً أو غير مسلم. وقال غيره: جعل نفس الموت فزعاً مبالغة كما يقال رجل عدل. قال البيضاوي: هو مصدر جرى مجرى الوصف للمبالغة أو فيه تقدير أي الموت ذو فزع. قاله الحافظ.
وقال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وليس في حديثهم فما ذهبنا لنحمل.
"ثم قعد بعد" قد مر الكلام في معنى هذا الحديث. وقد استدل به الترمذي على نسخ

(8/318)


3174 - حدثنا هِشَامُ بنُ بَهْرَامَ المَدَائِنِيّ أخبرنا حَاتِمُ بنُ إِسْمَاعِيلَ أنْبأنَا[حدثنا] أبُو الأسْبَاطِ الْحارِثِيّ عن عَبْدِ الله بنِ سُلَيْمَانَ بنِ جَنَادَةَ بنِ أبي أُمَيّةَ عن أبِيهِ عن جَدّهِ عن عُبَادَةَ بنِ الصّامِتِ قال: "كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَقُومُ في الْجَنازَةِ حَتّى تُوضَعَ في اللّحْدِ، فَمَرّ بِهِ حَبْرٌ مِنَ الْيَهُودِ فقالَ: هَكَذَا نَفْعَلُ، فَجَلَسَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَقالَ[فقال]: "اجْلِسُوا خَالِفُوهُمْ".
ـــــــ
قيام من رأى الجنازة فقال بعد إخراجه له وهذا ناسخ للأول "إذا رأيتم الجنازة فقوموا" انتهى. قلت: وإليه مال المؤلف.
قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه بنحوه.
"أبو الأسباط الحارثي" هو بشر بن رافع إمام مسجد نجران، وثقه ابن معين وابن عدي، وقال البخاري: لا يتابع، وضعفه الترمذي والنسائي وأبو حاتم وأحمد "حتى توضع في اللحد" بفتح اللام وتضم وسكون الحاء الشق في جانب القبلة من القبر "فمر به" أي بالنبي صلى الله عليه وسلم "حبر" بفتح الحاء وتكسر أي عالم "فقال" أي الحبر "فجلس النبي صلى الله عليه وسلم" أي بعد ما كان واقفاً، أو بعد ذلك. ولفظ ابن ماجه حدثنا محمد بن بشار وعقبة ابن مكرم قالا حدثنا صفوان بن عيسى حدثنا بشر بن رافع عن عبد الله بن سليمان بن جنادة بن أبي أمية عن أبيه عن جده عن عبادة بن الصامت قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اتبع جنازة لم يقعد حتى توضع في اللحد" الحديث.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وهذا هو الذي نحاه الشافعي قال وقد روى حديث عامر بن ربيعة وهذا لا يعدو أن يكون منسوخا أو يكون النبي صلى الله عليه وسلم قام لها لعلة قد رواها بعض المحدثين من أن جنازة يهودي مر بها على النبي صلى الله عليه وسلم فقام لها كراهية أن تطوله.
وأيهما كان فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم تركه بعد فعله والحجة في الآخر من أمره إن كان الأول واجبا فالآخر من أمره ناسخ وإن كان استحبابا فالآخر هو الاستحباب وإن كان مباحا فلا بأس في القيام والقعود أحب إلي لأنه الآخر من فعله.
قال الشيخ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وقد اختلف أهل العلم في القيام الجنازة وعلى القبر على أربعة أقوال:
أحدها: أن ذلك كله منسوخ: قيام تابعها وقيام من مرت عليه وقيام المشيع على القبر. قال هؤلاء: وما جاء من القعود: نسخ هذا كله وهذا المذهب ضعيف من ثلاثة أوجه.

(8/319)


قال الحافظ في التلخيص: ووقع في رواية عبادة: "حتى توضع في اللحد" ويرده ما في حديث البراء الطويلي الذي صححه أبو عوانة وغيره "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فانتهينا إلى القبر ولما يلحد فجلس وجلسنا حوله" انتهى.
ـــــــ
أحدها: أن شرط النسخ المعارضة والتأخر وكلاهما منتف في القيام على القبر بعد الدفن وفي استمرار قيام المشيعين حتى توضع وإنما يمكن دعوى النسخ في قيام القاعد الذي تمر به الجنازة على ما فيه.
الثاني: أن أحاديث القيام كثيرة صحيحة صريحة في معناها.
فمنها: حديث عامر بن ربيعة وهو في الصحيحين وفي بعض طرقه إذا رأى أحدكم الجنازة فإن لم يكن ماشيا معها فليقم حتى تخلفه أو توضع من قبل أن تخلفه وفي لفظ إذا رأى أحدكم الجنازة فليقم حين يراها حتى تخلفه.
ومنها حديث أبي سعيد وهو متفق عليه ولفظهما إذا اتبعتم جنازة فلا تجلسوا حتى توضع وفي لفظ لهما إذا رأيتم الجنازة فقوموا فمن تبعها فلا يجلس حتى توضع وهو دليل على القيام في المسألتين.
ومنها حديث جابر في قيامه لجنازة يهودي وهو في الصحيحين وتعليله بأن ذلك كراهية أن تطوله تعليل باطل فإن النبي صلى الله عليه وسلم علل بخلافه.
وعنه في ذلك ثلاث علل.
إحداها: قوله إن الموت فزع ذكره مسلم في حديث جابر وقال إن الموت فزع فإذا رأيتم الجنازة فقوموا الثانية: أنه قام للملائكة كما روى النسائي عن أنس أن جنازة مرت برسول الله صلى الله عليه وسلم فقام فقيل إنها جنازة يهودي فقال: "إنما قمنا للملائكة".
الثالثة التعليل بكونها نفسا وهذا في الصحيحين من حديث قيس بن سعد وسهل بن حنيف قالا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرت به جنازة فقام فقيل إنه يهودي فقال: "أليست نفسا" فهذه هي العلل الثابتة عنه.
وأما التعليل بأنه كراهية أن تطوله فلم يأت في شيء من طرق هذا الحديث الصحيحة ولو قدر ثبوتها فهي ظن من الراوي وتعليل النبي صلى الله عليه وسلم الذي ذكره بلفظه أولى.
فهذه الأحاديث مع كثرتها وصحتها كيف يقدم عليها حديث عبادة مع ضعفه؟ وحديث علي وإن

(8/320)


قال المنذري: والحديث أخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي حديث غريب، وبشر بن رافع ليس بالقوي في الحديث. هذا آخر كلامه.
وقال أبو بكر الهمداني: ولو صح لكان صريحاً في النسخ غير أن حديث أبي سعيد أصح وأثبت فلا يقاومه هذا الإسناد. وذكر غيره أن القيام للجنازة منسوخ بحديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

(8/321)


48 - باب الركوب في الجنازة
3175 - حدثنا يَحْيَى بنُ مُوسَى الْبَلْخِيّ أنْبأنَا عَبْدُالرّزّاقِ أنبأنا مَعْمَرٌ عن يَحْيَى بنِ كَثِيرٍ عن أبِي سَلَمَةَ بنِ عبد الرحمن بنِ عَوْفٍ عن ثَوْبَانَ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بِدَابّةٍ وَهُوَ مَعَ الْجَنَازَةِ فَأبَى أنْ يَرْكَبَ[يركبها] فَلَمّا انْصَرَفَ أُتِيَ بِدَابّةٍ فَرَكِبَ، فَقِيلَ لَهُ، فقالَ: "إنّ المَلاَئِكَةَ كَانَتْ تَمْشِي فَلَمْ أكُنْ لأرْكَبَ وَهُمْ يَمْشُونَ فَلَمّا ذَهَبُوا رَكِبْتُ".
ـــــــ
باب الركوب في الجنازة
"فأبى" أي النبي صلى الله عليه وسلم "فلما انصرف" النبي صلى الله عليه وسلم من الجنازة "فركب" فيه إباحة الركوب في الرجوع عن الجنازة وكراهة الركوب في الذهاب معها. والحديث سكت عنه المنذري.
كان في صحيح مسلم فهو حكاية فعل لا عموم له وليس فيه لفظ عام يحتج به على النسخ وإنما فيه أنه قام وقعد وهذا يدل على أحد أمرين.
إما أن يكون كل منهما جائزا والأمر بالقيام ليس على الوجوب وهذا أولى من النسخ.
قال الإمام أحمد: إن قام لم أعبه وإن قعد فلا بأس.
وقال القاضي وابن أبي موسى: القيام مستحب ولم يرياه منسوخا.
وقال بالتخيير: إسحاق وعبد الملك بن حبيب وابن الماجشون.
وبه تأتلف الأدلة. أو يدل على نسخ قيام القاعد الذي يمر عليه بالجنازة دون استمرار قيام مشيعها كما هو المعروف من مذهب أحمد عند أصحابه وهو مذهب مالك وأبي حنيفة.
الثالث: أن أحاديث القيام لفظ صريح وأحاديث الترك إنما هو فعل محتمل لما ذكرنا من الأمرين فدعوى النسخ غير بينة والله أعلم.
وقد عمل الصحابة بالأمرين بعد النبي صلى الله عليه وسلم فقعد علي وأبو هريرة ومروان وقام أبو سعيد ولكن هذا في قيام التابع والله أعلم.

(8/321)


3176 - حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُعَاذٍ أخبرنا أبِي حدثنا شُعْبَةُ عن سِمَاكٍ سَمِعَ جَابِرَ بنَ سَمُرَةَ قال: "صَلّى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عَلَى ابنِ الدّحْدَاحِ وَنَحْنُ شُهُودٌ، ثُمّ أُتِيَ بِفَرَسٍ فَعُقِلَ حَتّى رَكِبُهُ، فَجَعَلَ يَتَوَقّصُ بِهِ وَنَحْنُ نَسْعَى حَوْلَهُ صلى الله عليه وسلم".
ـــــــ
وعند ابن ماجه والترمذي من حديث ثوبان قال: "خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة فرأى ناساً ركباناً فقال ألا تستحيون إن ملائكة الله على أقدامهم وأنتم على ظهور الدواب" وحديث ثوبان الذي في الباب رجاله رجال الصحيح والله أعلم.
"علي ابن الدحداح" بفتح الدال. قال النووي: بدالين وحائين مهملات ويقال أبو الدحداح، ويقال أبو الدحداحة. قال ابن عبد البر لا يعرف اسمه "ثم أتى بفرس" أي بعد ما فرغ من الدفن وأراد الانصراف كما في حديث جابر بن سمرة عند الترمذي "أن النبي صلى الله عليه وسلم اتبع جنازة ابن الدحداح ماشياً ورجع على فرس" وفي رواية "أتى بفرس معرور فركبه حين انصرفنا من جنازة ابن الدحداح ونحن نمشي حوله" رواه أحمد ومسلم. قال الترمذي: حديث جابر حسن صحيح "فعُقِل" على صيغة المجهول أي اُمْسِكَ وَحُبِسَ الفرس للركوب "حتى ركبه" أي ركب النبي صلى الله عليه وسلم على الفرس "يتوقص به" قال في النهاية أي ينزو ويثب ويقارب الخطو انتهى قال المنذري والحديث أخرجه مسلم والترمذي والنسائي.

(8/322)


49 - باب المشي أمام الجنازة
3177 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ حدثنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن الزّهْرِيّ عن سَالِمٍ عن أبِيهِ قال: "رَأيْتُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَأبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَمْشُونَ أمَامَ الْجَنَازَةِ".
ـــــــ
باب المشي أمام الجنازة
"يمشون أمام الجنازة": قال الخطابي: أكثر أهل العلم على استحباب المشي أمام الجنازة، وكان أكثر الصحابة يفعلون ذلك.
__________
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
ومثل هذا يعني قول المنذري سفيان بن عيينة من الأثبات الحفاظ وقد أتى بزيادة على من أرسل فوجب تقديمه لا يعبأ به أئمة الحديث شيئا ولم يخف عليهم أن سفيان حجة ثقة وأنه قد وصله فلم يستدرك عليهم المتأخرون شيئا لم يعرفوه.
وقال آخرون: قد تابع ابن عيينة على روايته إياه عن الزهري عن سالم عن أبيه يحيى بن

(8/322)


وقد روى عن علي بن أبي طالب وأبي هريرة أنهما كانا يمشيان خلف الجنازة. وقال أصحاب الرأي لا بأس بالمشي أمامها والمشي خلفها أحب إلينا. وقال الأوزاعي: هو سنة وخلفها أفضل، فأما الراكب فلا أعلم أنهم اختلفوا في أنه يكون خلف الجنازة انتهى.
قال الشمني: اختلفوا في المشي أمام الجنازة، فقال أبو حنيفة والأوزاعي المشي خلفها
ـــــــ
سعيد وموسى بن عقبة وزياد بن سعد وبكر ومنصور وابن جريج وغيرهم ورواه عن الزهري مرسلا مالك ويونس ومعمر وليس هؤلاء الذين وصلوه بدون الذين أرسلوه.
فهذا كلام على طريقة أئمة الحديث وفيه استدراك وفائدة تستفاد.
قال المصححون لارساله الحديث هو لسفيان وابن جريج أخذه عن سفيان.
قال الترمذي: قال ابن المبارك: وأرى ابن جريج أخذه عن سفيان.
قالوا: وأما رواية منصور وزياد بن سعد وبكر فإنها من رواية همام وقد قال الترمذي في الجامع وروى همام بن يحيى هذا الحديث عن زياد بن سعد ومنصور وبكر وسفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه وإنما هو سفيان بن عيينة روى عنه همام يعني أن الحديث لسفيان وحده وروى عنه همام كذلك وفي هذا نظر لا يخفى.
فإن هماما قد رواه عن هؤلاء عن الزهري ويبعد أن يكونوا كلهم دلسوه عن سفيان ولم يسمعوه من الزهري وهذا يحيى بن سعيد مع تثبته وإتقانه يرويه كذلك عن الزهري وكذلك موسى بن عقبة فلأي شيء يحكم للمرسلين على الواصلين وقد كان ابن عيينة مصرا على وصله ونوظر فيه فقال الزهري حدثنيه مرارا فسمعته من فيه يعيده ويبديه عن سالم عن أبيه.
وقد روى الترمذي في جامعه من حديث يونس عن ابن شهاب عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يمشون أمام الجنازة قال الترمذي هذا غير محفوظ وسألت محمدا يعني البخاري عن هذا الحديث فقال هذا حديث خطأ أخطأ فيه محمد بن بكر وإنما يروي هذا الحديث عن يونس عن الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة قال الزهري وأخبرني سالم أن أباه كان يمشي أمام الجنازة قال محمد والحديث الصحيح هو هذا هذا آخر كلام البخاري.
وسيأتي بعد هذا حديث ابن مسعود الجنازة متبوعة ليس معها من يقدمها وأنه ضعيف وذكر ابن عبد البر من حديث أبي هريرة يرفعه امشوا خلف الجنازة وفيه كنانة مولى صفية لا يحتج به وذكر أبو أحمد بن عدي عن سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمشي خلف الجنازة وهو من حديث يحيى بن سعيد الحمصي العطار منكر الحديث.

(8/323)


3178 - حدثنا وَهْبُ بنُ بَقِيّةَ عن خَالِدٍ عن يُونُسَ عن زِيَادِ بنِ جُبَيْرٍ عن أبِيهِ عن المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ، قال: وَأحْسَبُ أنّ أهْلَ زِيَادٍ أخبرونِي أنّهُ رَفَعهُ إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "الرّاكِبُ يَسِيرُ خَلْفَ الْجَنَازَةِ وَالمَاشِي يَمْشِي خَلْفَهَا وَأمَامَهَا وَعَنْ يَمِينِهَا وَعَنْ يَسَارِهَا
ـــــــ
أحب، وقال الثوري وطائفة هما سواء، وقال مالك والشافعي وأحمد قدامها أفضل انتهى.
وقال الزيلعي ومذهب الإمام أحمد أن أمام الجنازة أفضل في حق الماشي وخلفها أفضل في حق الراكب انتهى.
قال المنذري: والحديث أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وقال الترمذي وأهل الحديث كلهم يرون الحديث المرسل في ذلك أصح.
وحكى البخاري قال: والحديث الصحيح هو هذا يعني المرسل. وقال النسائي: هذا خطأ والصواب مرسل. وقال ابن المبارك. حديث الزهري في هذا مرسل أصح من حديث ابن عيينة، وقد وافقه على رفعه ابن جريج وزياد بن سعد وغير واحد. وقال البيهقي: وممن وصله واستقر على وصله ولم يختلف عليه فيه سفيان ابن عيينة وهو حجة ثقة انتهى.
وقال في التلخيص: وعن علي بن المديني قال قلت لابن عيينة يا أبا محمد خالفك الناس في هذا الحديث فقال أستيقن الزهري حدثني مرار الست أحصيه يعيده ويبديه سمعته من فيه عن سالم عن أبيه. وجزم أيضاً بصحته ابن المنذر وابن حزم انتهى مختصراً.
"قال" أي يونس بن يزيد "وأحسب" أي أظن "أن أهل زياد أخبروني" فالمخبرون به مجهولون "إنه" أي المغيرة بن شعبة "رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم" وظاهره أن يونس لم يرو الحديث عن زياد بن جبير مرفوعاً بل أخبروه بالرفع أهل زياد بن جبير. وأخرج الطبراني موقوفاً على المغيرة وقال لم يرفعه سفيان. ورجح الدارقطني في العلل الموقوف.
وقال الزيلعي: في إسناده اضطراب. قلت الحديث أخرجه الترمذي في باب الصلاة على الأطفال من طريق سعيد بن عبيد الله عن زياد بن جبير بن حية عن أبيه عن المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال.
وكذا أخرجه ابن ماجه في باب شهود الجنائز من طريق سعيد حدثني زياد ابن جبير سمع المغيرة بن شعبة يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الراكب خلف الجنازة" الحديث، لكن لم يقل عن أبيه.
وكذا أخرجه النسائي من طريق سعيد بن عبيد الله والمغيرة بن عبيد الله جميعاً عن

(8/324)


قَرِيباً[قريب] مِنْهَا وَالسّقْطُ يُصَلّى عَلَيْهِ وَيُدْعَى لِوَالِدَيْهِ بالمَغْفِرَةِ وَالرّحْمَةِ".
ـــــــ
زياد بن جبير، لكن ذكر ابن ماجه هذا الإسناد بعينه في باب الصلاة على الطفل وقال فيه عن أبيه جبير بن حية وكذا أخرجه الحافظ ابن عبد البر في التمهيد من طريق وكيع عن سعيد بن عبيد الله عن زياد بن جبير عن أبيه عن المغيرة بن شعبة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث وقال الترمذي حديث حسن صحيح. وأخرجه أحمد وابن حبان وصححه والحاكم وقال على شرط البخاري.
والحاصل أن سعيد أو المغيرة جميعاً روياه مرفوعاً وزيادة الثقة مقبولة وليس في إسناده اضطراب لا يمكن الجمع والله أعلم.
"قريباً منها" أي من الجنازة كلما يكون أقرب منها في الجوانب الأربعة فهو أفضل للمساعدة في الحمل عند الحاجة "والسقط": بتثليث السين والكسر أشهر ما بدا بعض خلقه.
في القاموس: السقط مثلثة الولد لغير تمام. قاله القاري.
وقال الخطابي: اختلف الناس في الصلاة على السقط، فروى عن ابن عمر أنه قال: يصلي عليه وإن لم يستهل، وبه قال ابن سيرين وابن المسيب وابن المسيب وقال أحمد ابن حنبل وإسحاق بن راهويه: كل ما نفخ فيه الروح، وتمت له أربعة أشهر وعشر صلى عليه.
وقال إسحاق: إنما الميراث بالاستهلال فأما الصلاة فإنه يصلي عليه لأنه نسمة تامة قد كتب عليها الشقاوة والسعادة فلأي شيء تترك الصلاة عليه. وروى عن ابن عباس أنه قال إذا استهل ورث وصلى عليه. وعن جابر إذا استهل صلى عليه وإن لم يستهل لم يصل عليه، وبه قال أصحاب الرأي وهو قول مالك والأوزاعي والشافعي "ويدعي لوالديه" إن كانا مسلمين. "قال المنذري" والحديث أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي حسن صحيح، وحديث ابن ماجه مختصر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الطفل يصلي عليه" وليس في حديثهم وأحسب أن أهل زياد أخبروني.

(8/325)


50 - باب الإسراع بالجنازة
3179 - حدثنا مُسْدَدٌ أخبرنا سُفْيَانُ عن الزّهْرِيّ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ عن أبي
ـــــــ
باب الإسراع بالجنازة
أي بعد أن تحمل.

(8/325)


هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "أسْرِعُوا بالْجَنَازَةِ فَإنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدّمُونَهَا إلَيْهِ، وَإنْ تَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرّ تَضَعُونَهُ عنْ رِقَابِكُمْ".
3180 - حدثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ أخبرنا شُعْبَةُ عن عُيَيْنَةَ بنِ عبد الرحمن عن أبِيهِ: أنّهُ كَانَ في جَنَازَةِ عُثْمَانَ بنِ أبي الْعَاصِ وَكُنّا نَمْشِي مَشْياً خَفِيفاً فَلَحِقَنَا أبُو بَكْرَةَ فَرَفَعَ سَوْطَهُ فَقَالَ[قال]: لَقَدْ رَأيْتُنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم نَرْمُلُ رَمَلاً.
3181 - حدثنا حُمَيْدُ بنُ مَسْعَدَةَ أخبرنا خَالِدُ بنُ الْحَارِثِ ح. وأخبرنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى أخبرنا عِيسَى - يَعْنِي ابنَ يُونُسَ - عن عُيَيْنَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ قالا في جَنَازَةِ عبد الرحمن بنِ سَمُرَةَ قال: فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ بَغْلَتَهُ وَأهْوَى بالسّوْطِ.
ـــــــ
"أسرعوا بالجنازة": أي بحملها إلى قبرها. قال الحافظ: المراد بالإسراع ما فوق المشي المعتاد ويكره الإسراع الشديد "فإن تك": أصله فإن تكن حذفت النون للتخفيف، والضمير الذي فيه يرجع إلى الجنازة التي هي عبارة عن الميت "صالحة": نصب على الخبرية "فخير": مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي فهو خير تقدمونها إليه يوم القيامة أو هو مبتدأ أي فثمه خير تقدمون الجنازة إليه، يعني حاله في القبر حسن طيب فأسرعوا بها حتى تصل إلى تلك الحالة قريباً قاله العيني "تقدمونها" بالتشديد أي الجنازة "إليه" الضمير فيه يرجع إلى الخير باعتبار الثواب "فشر" إعرابه مثل إعراب فخير "تضعونه" أي أنها بعيدة من الرحمة فلا مصلحة لكم في مصاحبتها. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"نرمل رملا" من باب طلب قال العيني من رمل رملاً ورملاناً إذا أسرع في المشي وهز منكبيه، ومراده الإسراع المتوسط، ويدل عليه ما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه من حديث عبد الله بن عمرو أن أباه أوصاه قال: "إذا أنت حملتني على السرير فامش مشياً بين المشيين وكن خلف الجنازة فإن مقدمها للملائكة وخلفها لبني آدم" انتهى قال المنذري: والحديث أخرجه النسائي وقال النووي في الخلاصة سنده صحيح.
"بهذا الحديث" السابق "قالا": أي خالد بن الحارث وعيسى بن يونس "في جنازة عبد الرحمَن بن سمرة" مكان قوله في جنازة عثمان بن أبي وقاص. والحديث يدور على عيينة بن عبد الرحمَن فشعبة قال عنه عثمان بن أبي العاص، وأما خالد وعيسى فقالا عنه عبد الرحمَن بن سمرة "قال": أي عبد الرحمَن والد عيينة "فحمل" أي أبو بكرة، والحديث سكت عنه المنذري.

(8/326)


3182 - حدثنا مُسْدَدٌ أخبرنا أبُو عَوَانَةَ عن يَحْيَى المُجَبّرِ، قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَهُوَ يَحْيَى بنُ عَبْدِ الله التّيْمِيّ عن أبي مَاجِدَةَ عن ابنِ مَسْعُودٍ قال: سَألْنَا نَبِيّنَا صلى الله عليه وسلم عنْ المَشْيِ مَعَ الْجَنَازَةِ فقالَ: "مَا دُونَ الْخَبَبِ، إنْ يَكُنْ خَيْراً تَعَجّلْ إلَيْهِ، وَإنْ يَكُنْ غَيْرَ ذَلِكَ فَبُعْداً لأهْلِ النّارِ، وَالْجَنَازَةُ مَتْبُوعَةٌ وَلاَ تُتُبَعُ، لَيْسَ مَعَهَا مَنْ تَقَدّمَهَا".
قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَهُوَ ضَعِيفٌ، هُوَ يَحْيَى بنُ عَبْدِ الله، وَهُوَ يَحْيَى الْجَابِرُ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَهَذَا كُوفِيّ، وَأبُو مَاجِدَةَ بَصْرِيّ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: أبُو مَاجِدَةَ هَذَا لاَ يُعْرَفُ.
ـــــــ
"ما دون الخبب" وهو العدو وشدة المشي قاله العيني "إن يكن" أي الميت "خيراً" وكان عمله صالحاً "تعجل" أي الجنازة التي هي عبارة عن الميت "إليه" أي إلى الخير والثواب "فبعداً لأهل النار" دعا عليهم بالهلاك مثل قوله تعالى {وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} قاله في فتح الودود "والجنازة متبوعة" أي حقيقة وحكماً فيمشي خلفها ولا يتقدم عليها "ولا تتبع" بفتح التاء والباء وبرفع العين على النفي وبسكونها على النهي قاله القاري "ليس معها من تقدمها" تقرير بعد تقرير، والمعنى لا يثبت له الأجر الأكمل.
قال المنذري: والحديث أخرجه الترمذي وابن ماجه، وحديث ابن ماجه مختصر، وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث عبد الله بن مسعود إلا من هذا الوجه قال سمعت محمد بن إسماعيل يعني البخاري يضعف حديث أبي ماجدة هذا وقال محمد يعني البخاري: قال الحميدي قال ابن عيينة قيل ليحيى يعني الرازي عن أبي ماجدة من أبو ماجدة هذا؟ قال طائر طار فحدثنا هذا آخر كلامه.
وفي رواية عن يحيى الرازي عنه وهو منكر الحديث وأبو ماجدة هذا ويقال أبو ماجد حنفي ويقال عجلي قال الدارقطني مجهول، وقال أبو أحمد الكرابيسي: حديثه ليس بالقائم وقال البيهقي: هذا حديث ضعيف، يحيى ابن عبد الله الجابر ضعيف وأبو ماجدة وقيل أبو ماجد مجهول، وفيما مضى كفاية، يريد الحديث الصحيح الذي تقدم انتهى كلام المنذري.
وقال الترمذي في علله الكبرى: قال البخاري: أبو ماجد منكر الحديث وضعفه جداً.

(8/327)


51 - باب الإمام لا يصلي على من قتل نفسه
3183 - حدثنا ابنُ نُفَيْلٍ أخبرنا زُهَيْرٌ أخبرنا سِمَاكٌ حدّثني جَابِرُ بنُ سَمُرَةَ قال: مَرِضَ رَجُلٌ فَصِيحَ عَلَيْهِ فَجَاءِ جَارُهُ إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فقالَ لَهُ إنّهُ قَدْ مَاتَ، قال: "وَمَا يُدْرِيكَ؟" قال: أنَا رَأيْتُهُ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنّهُ لَمْ يَمُتْ"، قال: فَرَجَعَ فَصِيحَ عَلَيْهِ فَجَاءَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فقالَ: إنّهُ قَدْ مَاتَ، فقالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "إنّهُ لَمْ يَمُتْ"، قال: فَرَجَعَ فَصِيحَ عَلَيْهِ فقالَتِ امْرَأتُهُ انْطَلِقْ إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَأخْبِرْهُ، فقالَ الرّجُلُ: "اللّهُمّ الْعَنْهُ" قال: ثُمّ انْطَلَقَ الرّجُلُ فَرَآهُ قَدْ نَحَرَ نَفْسَهُ بِمِشْقَصٍ مَعَهُ، فَانْطَلَقَ إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَأخْبَرَهُ أنّهُ قَدْ مَاتَ، قال: "وَمَا يُدْرِيكَ؟" قال: رَأيْتُهُ يَنْحَرُ نَفْسَهُ بِمِشَاقِصَ مَعَهُ، قال: "أنْتَ رَأيْتَهُ؟" قال: نَعَمْ، قالَ: "إذاً لاَ أُصَلّي عَلَيْهِ".
ـــــــ
باب الإمام لا يصلي على من قتل نفسه
"فصيح" أي صرخ "عليه" أي على المريض "فقال": الجار "إنه" أي المريض "قال": رسول الله صلى الله عليه وسلم "قال": جابر "فرجع" أي الجار. المخبر "قال": جابر "فرجع" أي جاره "فقالت امرأته": أي زوجة المريض لجاره "فقال الرجل": المخبر "اللهم العنه" وأما اللعنة من الرجل الجار على ذلك المريض فلعله أخبر بأنه قتل نفسه وإلا لا يجترىء على ذلك "قال": جابر "ثم انطلق الرجل" المخبر "فرآه" أي المريض "يمشقص معه" قال الخطابي: المشقص نصل عريض "إذاً لا أصلي عليه" قال الخطابي: وترك الصلاة عليه معناه العقوبة له وردع لغيره عن مثل فعله. وقد اختلف الناس في هذا فكان عمر بن عبد العزيز لا يرى الصلاة على من قتل نفسه، وكذلك قال الأوزاعي وقال أكثر الفقهاء يصلي عليه انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه مختصراً بمعناه قال إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: إنه صلى الله عليه وسلم، إنما قال ذلك ليحذر الناس بترك الصلاة عليه، فلا يرتكبوا كما ارتكب.

(8/328)


52 - باب الصلاة على من قتلته الحدود
3184 - حدثنا أبُو كَامِلٍ أخبرنا أبُو عَوَانَةَ عن أبي بِشْرٍ قال حَدّثَنِي نَفَرٌ مِنْ أهْلِ
ـــــــ
52 - باب الصلاة على من قتلته الحدود
"حدثني نفر" أي جماعة "لم يصل على ماعز" هو الذي رجم بإقرار الزنا. قال المنذري:

(8/328)


الْبَصْرَةِ عن أبي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيّ: "أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لَمْ يُصَلّ عَلَى مَاعِزِ بنِ مَالِكٍ وَلَمْ يَنْهَ عن الصّلاَةِ عَلَيْهِ".
ـــــــ
في إسناده مجاهيل. وأخرج مسلم في صحيحه حديث ماعز من رواية أبي سعيد الخدري وفيه قال "فما استغفر له ولا سبه" وأخرجه من حديث بريدة بن الحصيب وفيه قال "استغفرو الماعز بن مالك، فقالوا غفر الله لماعز بن مالك" وأخرجه البخاري في صحيحه عن محمود بن غيلان عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر حديث ماعز وفيه "فقال له النبي صلى الله عليه وسلم خيراً وصلى عليه" وقال البخاري: لم يقل يونس وابن جريج عن الزهري فصلى عليه هذا آخر كلامه. وقد أخرجه أبو داوود والترمذي والنسائي من حديث معمر عن الزهري وفيه "فلم يصل عليه" وعلل بعضهم هذه الزيادة وهي قوله "فصلى عليه" بأن محمد بن يحيى لم يذكرها وهو أضبط من محمود بن غيلان. قال وتابع محمد بن يحيى نوح بن حبيب، وقال غيره كذا رواه عن عبد الرزاق والحسن بن علي ومحمد بن المتوكل، ولم يذكر الزيادة. قال وما أرى مسلماً ترك حديث محمود بن غيلان إلا لمخالفة هؤلاء. هذا آخر كلامه. وقد خالفه أيضاً إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه وحميد بن زنجويه وأحمد بن منصور الرمادي وإسحاق بن إبراهيم الديري، فهؤلاء ثمانية من أصحاب عبد الرزاق خالفوا محموداً في هذه الزيادة وفيهم هؤلاء الحفاظ إسحاق بن راهويه ومحمد بن يحيى الذهلي وحميد بن زنجويه.
وقد أخرجه مسلم في صحيحه عن إسحاق بن راهويه عن عبد الرزاق ولم يذكر لفظه غير أنه قال نحو رواية عقيل. وحديث عقيل الذي أشار إليه ليس فيه ذكر الصلاة. وقال أبو بكر البيهقي: ورواه البخاري عن محمود بن غيلان عن عبد الرزاق إلا أنه قال "فصلي عليه" وهو خطأ لإجماع أصحاب عبد الرزاق على خلافه ثم إجماع أصحاب الزهري على خلافه. هذا آخر كلامه.
وقد أخرج مسلم في صحيحه وأبو داوود والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه حديث الجهنية وفيه "فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكت عليها ثيابها فرجمت ثم صلى عليها، فقال عمر رضي الله عنه تصلي عليها يا نبي الله وقد زنت؟ فقال لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله" وهذا الحديث ظاهر جداً في الصلاة على المرجوم والله عز وجل أعلم. وإذا حملت الصلاة في حديث محمود بن غيلان على الدعاء اتفقت الأحاديث كلها والله أعلم انتهى كلام المنذري بحروفه.

(8/329)


قلت: الأولى حملها على الصلاة المعروفة ليوافق حديث عمران والزيادة من الثقة مقبولة. وقال الحافظ في الفتح: وطريق الجمع بين الأحاديث أن تحمل رواية النفي على أنه لم يصل عليه حين رجم، ورواية الإثبات على أنه صلى الله عليه وسلم في اليوم الثاني، ويؤيده ما أخرجه عبد الرزاق أيضاً وهو في السنن لأبي قرة من وجه آخر عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف في قصة ماعز قال "فقيل يا رسول الله أتصلي عليه؟ قال لا، قال لا، قال فلما كان من الغد قال صلوا على صاحبكم، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس" انتهى. قال الخطابي: كان الزهري يقول: يصلي على الذي يقاد في حد ولا يصلي على من قتل في رجم. وقد روى عن علي بن أبي طالب أنه أمر أن يصلي على شراحة وقد رجمها، وهو قول أكثر العلماء. وقال الشافعي: لا يترك الصلاة على أحد من أهل القبلة براً كان أو فاجراً. وقال أصحاب الرأي والأوزاعي يغسل المرجوم ويصلي عليه. وقال مالك من قتله الإمام في حد من الحدود فلا يصلي عليه الإمام ويصلي عليه أهله إن شاؤا أو غيرهم. وقال أحمد بن حنبل لا يصلي الإمام على قاتل نفس ولا غال. وقال أبو حنيفة: من قتل من المحاربين أو صلب لم يصل عليه، وكذلك الفئة الباغية لا يصلي على قتلاهم. وذهب بعض أصحاب الشافعي أن تارك الصلاة إذا قتل لا يصلي عليه ويصلي على من سواه ممن قتل في حد أو قصاص.

(8/330)


53 - باب في الصلاة على الطفل
3185 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ يَحْيَى بنِ فَارِسَ أخبرنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ بنَ سَعْدٍ أخبرنا أبي عن ابنِ إسْحَاقَ حدّثني عَبْدُ الله بنُ أبي بَكْرٍ عن عَمْرَةَ بِنْتِ عبد الرحمن عن عَائِشَةَ قالَتْ: "مَاتَ إبْرَاهِيمُ ابنُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ ابنُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْراً فَلَمْ يُصَلّ عَلَيْهِ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم".
ـــــــ
باب في الصلاة على الطفل
"فلم يصل عليه": قال الخطابي: كان بعض أهل العلم يتأول ذلك على أنه إنما ترك الصلاة عليه لأنه قد استغنى إبراهيم عن الصلاة عليه بنبوة أبيه كما استغني الشهداء بقربه الشهادة عن الصلاة عليهم انتهى. وقال الزيلعي في نصب الراية وكذا قال الزركشي: ذكروا في ذلك وجوهاً منها أنه لا يصلي نبي على نبي، وقد جاء أنه لو عاش لكان نبياً، ومنها أنه شغل لصلاة الكسوف، وقيل المعنى أنه لم يصل عليه بنفسه وصلى عليه غيره، وقيل إنه لم يصل عليه في جماعة، وقد ورد منه "قد صلى عليه" رواه ابن ماجه عن ابن عباس وأحمد عن البراء

(8/330)


3186 - حدثنا هَنّادُ بنُ السّرِيّ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ عُبَيْدٍ عن وَائِلِ بنِ دَاوُدَ قال سَمِعْتُ الْبَهِيّ قال: "لَمّا مَاتَ إبْرَاهِيمُ ابنُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم صَلّى عَلَيْهِ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في المَقَاعِدِ".
قَالَ أبُو دَاوُدَ: قَرَأْتُ عَلَى سَعِيدِ بنِ يَعْقُوبَ الطّالَقَانِيّ قِيلَ لَهُ حَدّثَكُم ابنُ المُبَارَكِ عن يَعْقُوبَ بنِ الْقَعْقَاعِ عن عَطَاءِ: "أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم صَلّى عَلَى ابْنِهِ إبْرَاهِيمَ وَهُوَ ابنُ سَبْعِينَ لَيْلَةً".
ـــــــ
وأبو يعلي عن أنس والبزار عن أبي سعيد وأسانيدها ضعيفة، وحديث أبي داوود أقوى، وقد صححه ابن حزم انتهى. قال المنذري: في إسناده محمد بن إسحاق وقد تقدم الكلام عليه.
"سمعت البهي" هو أبو محمد عبد الله بن يسار مولى مصعب بن الزبير تابعي يعد في الكوفيين قاله المنذري "في المقاعد" أي مواضع القعود. قال المنذري: هذا مرسل "قيل له حدثكم": إلى آخره وجوابه محذوف أي قال نعم "صلى على إبنه إبراهيم" فيه أنه صلى الله عليه وسلم صلى على إبراهيم كما في حديث البهي قال المنذري: هذا أيضاً مرسل. وقال الخطابي: وهذا أولى الأمرين وإن كان حديث عائشة أحسن اتصالاً. وقد روى أن الشمس خسفت يوم وفاه إبراهيم فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخسوف فاشتغل بها عن الصلاة عليه والله أعلم انتهى. ورواهما البيهقي وقال: هذه الآثار مرسلة وهي تشد الموصول وروايات الإثبات أولى من روايات الترك انتهى. وأخرج ابن سعد في الطبقات عن قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم ورواه أيضاً عن سعد بن محمد عن أبيه نحوه. ورواه أيضاً عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة أنه صلى الله عليه وسلم صلى عليه بالبقيع والله أعلم.

(8/331)


54 - باب الصلاة على الجنازة في المسجد
3187 - حدثنا سَعِيدُ بنُ مَنْصُورِ أخبرنا فُلَيْحُ بنُ سُلَيْمَانَ عن صَالِحِ بنِ عَجْلاَنَ وَ مُحَمّدِ بنِ عَبْدِ الله بنِ عَبّادٍ عن عَبّادِ بنِ عَبْدِ الله بنِ الزّبَيْرِ عن عَائِشَةَ قالَتْ: "وَ الله مَا صَلّى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى سُهَيْلِ بنِ الْبَيْضَاءِ إلاّ في المَسْجِدِ".
ـــــــ
باب الصلاة على الجنازة في المسجد
"علي سهيل بن البيضاء": قال النووي: قال العلماء: بنو بيضاء ثلاثة اخوة سهل وسهيل

(8/331)


3188 - حدثنا هَارُونُ بنُ عَبْدِ الله أخبرنا ابنُ أبي فُدَيْكٍ عن الضّحّاكِ - يَعْني ابنَ عُثْمَانَ عن أبِي النّضْرِ عن أبِي سَلَمَةَ عن عَائِشَةَ قالَتْ: "وَ الله لَقَدْ صَلّى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى ابْنَيْ بَيْضَاءَ في المَسْجِدِ سُهَيْلٍ وَأخِيهِ".
3189 - حدثنا مُسْدَدٌ أخبرنا يَحْيَى عن ابنِ أبِي ذِئْبٍ حدّثني صَالِحٌ مَوْلَى التّوْأمَةَ عن أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلّى علَى جَنَازَةٍ في المَسْجِدِ فَلاَ شَيْءٌ لَهُ".
ـــــــ
وصفوان، وأمهم البيضاء اسمها دعد والبيضاء وصف، وأبوهم وهب بن ربيعة القرشي الفهري، وكان سهيل قديم الإسلام انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه. وفي حديث ابن ماجه وحده ذكر القسم.
"سهيل وأخيه" عطف بيان لا بني بيضاء قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم وفيه ذكر القسم انتهى. هذان الحديثان يدلان على مشروعية الصلاة على الجنائز في المسجد. قال الحافظ في الفتح وبه قال الجمهور. وقال مالك: لا يعجبني وكرهه ابن أبي ذئب وأبو حنيفة وكل من قال بنجاسة الميت، وأما من قال بطهارته منهم فلخشية التلويث، وحملوا الصلاة على سهيل بأنه كان خارج المسجد والمصلون داخله، وذلك جائز اتفاقاً وفيه نظر لأن عائشة استدلت بذلك لما أنكروا عليها أمرها بالمرور بجنازة سعد على حجرتها لتصلي عليه، واحتج بعضهم بأن العمل استقر على ترك ذلك، لأن الذين أنكروا ذلك على عائشة كانوا من الصحابة، ورد بأن عائشة لما أنكرت ذلك الإنكار سلموا لها فدل على أنها حفظت ما نسوه، وقد روى ابن أبي شيبة وغيره أن عمر صلى على أبي بكر في المسجد، وأن صهيباً صلى على عمر في المسجد. زاد في رواية "ووضعت الجنازة في المسجد تجاه المنبر" وهذا يقتضي الإجماع على جواز ذلك.
"فلا شيء عليه": هكذا وقع في نسختين عتيقتين لفظة "عليه" ووقع في
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
هذا الحديث فيه أربعة ألفاظ.
أحدهما فلا شيء فقط وهي في بعض نسخ السنن.
اللفظ الثاني فلا شيء عليه وهي رواية الخطيب.
اللفظ الثالث فلا شيء له وهي رواية ابن ماجه.
اللفظ الرابع فليس له أجر ذكره أبو عمر بن عبد البر في التمهيد وقال هو خطأ لا إشكال فيه قال والصحيح فلا شيء عليه.

(8/332)


نسخة عتيقة لفظة "له" قال المنذري: قال الخطيب كذا في الأصل انتهى. قلت: وكذا وجدت هذه العبارة في ثلاث من النسخ الحاضرة. قال العيني قوله "فلا شيء له" رواه أبو داوود بهذا اللفظ، ورواه ابن ماجه ولفظه "فليس له شيء" وقال الخطيب: المحفوظ فلا شيء له وروى "فلا شيء عليه" وروى "فلا أجر له" وقال ابن عبد البر: رواية "فلا أجر له" خطأ فاحش انتهى. قال الخطابي: الحديث الأول أصح، وصالح مولى التوأمة ضعفوه وكان قد نسى حديثه في آخر أمره. وقد ثبت أن أبا بكر وعمر صلى عليهما في المسجد ومعلوم أن عامة المهاجرين والأنصار شهدوا الصلاة عليهما ففي تركهم إنكاره دليل على جوازه.
وقد يحتمل أن يكون معناه إن ثبت الحديث متأولاً على نقصان الأجر، وذلك أن من صلى عليها في مسجد فإن الغائب أن ينصرف إلى أهله ولا يشهد دفنه، وأن من سعى في الجنازة فصلى عليها بحضرة المقابر شهد دفنه فأحرز أجر القراطين وهو ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال "من صلى على جنازة فله قيراط من الأجر ومن شهد دفنها فله قيراطان، والقيراط مثل أحد" وقد يؤجر على كثرة خطاه، فصار الذي يصلي عليها في المسجد منقوص الأجر بالإضافة إلى من صلى عليها براً انتهى. ومعنى قوله"فلا شيء عليه" أي لا شيء على المصلى من الإثم فيها. وقيل معنى قوله "فلا شيء له" أي لا شيء للمصلي من زيادة الفضل في أداء صلاة الجنازة في المسجد بل المسجد وغيره في هذا سواء، وبهذا يندفع التعارض بين الحديثين.
قال المنذري: والحديث أخرجه ابن ماجه ولفظه "فليس له شيء" وصالح مولى التوأمة قد تكلم فيه غير واحد من الأئمة انتهى. قلت: صالح بن نبهان مولى التوأمة قال ابن معين ثقة حجة سمع منه ابن أبي ذئب قبل أن يخرف، ومن سمع منه قبل أن يختلط فهو ؟؟بلا وقال ابن عدي: لا بأس برواية القدماء عنه: كذا في الخلاصة.
ـــــــ
وهذا الذي قاله أبو عمر في حديث أبي هريرة هو الصواب لأن فيه قال صالح فرأيت الجنازة توضع في المسجد فرأيت أبا هريرة إذا لم يجد موضعا إلا في المسجد خرج وانصرف ولم يصل عليها ذكره البيهقي في حديث صالح.
وقد قال بعض أهل الحديث ما رواه ابن أبي ذئب عن صالح فهو لا بأس به لأنه روى عنه قبل الاختلاط وهذا الحديث من رواية ابن أبي ذئب عنه.
وقال ابن عدي: وممن سمع من صالح قديما: ابن أبي ذئب وابن جريج وزياد بن سعد وغيرهم ولحقه مالك والثوري وغيرهم بعد الأختلاط.

(8/333)


55 - باب الدفن عند طلوع الشمس
3190 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا وَكِيعٌ أخبرنا مُوسَى بنُ عَلِيّ بنِ رَبَاحٍ قال سَمِعْتُ أبي يُحَدّثُ أنّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بنَ عَامِرٍ قال: "ثَلاَثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَنْهَانَا أنْ نُصَلّي فِيهِنّ أوْ نَقْبُرَ فِيهِنّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشّمْسُ بَازِغَةً حَتّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظّهِيرَةِ حَتّى تَمِيلَ، وَحِينَ تَضّيّفُ[تتضيف] الشّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتّى تَغْرُبَ، أوْ كَمَا قال".
ـــــــ
باب الدفن عند طلوع الشمس وغروبها
"أن نصلي فيهن" أي في الساعات الثلاثة "أو نقبر" على زنة ننصر أي ندفن "حين تطلع" بيان للساعات الثلاث "حين يقوم قائم الظهيرة" أي قيام الشمس وقت الزوال من قولهم قامت به دابته أي وقفت، والمعنى أن الشمس إذا بلغت وسط السَماء أبطأت حركة الظل إلى أن تزول فيحسب الناظر المتأمل أنها قد وقفت وهي سائرة لكن سيراً لا يظهر له أثر سريع كما يظهر قبل الزوال وبعده فيقال لذلك الوقوف المشاهد قائم الظهيرة. قاله في النهاية "تضيف" معناه تميل وتجنح للغروب، يقال ضاف الشيء يضيف بمعنى يميل. واختلف الناس في جواز الصلاة على الجنازة والدفن في هذه الثلاث الساعات، فذهب أكثر أهل العلم إلى كراهة الصلاة على الجنازة في الأوقات التي تكره الصلاة فيها، وروى ذلك عن ابن عمر، وهو قول عطاء والنخعي والأوزاعي، وكذلك قال سفيان الثوري وأصحاب الرأي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وكان الشافعي يرى الصلاة على الجنازة أي ساعة شاء من ليل أو نهار، وكذلك الدفن أي وقت شاء من ليل أو نهار وقول الجماعة أولى لموافقة الحديث. قاله الخطابي. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه انتهى.

(8/334)


56 - باب إذا حضر جنائز رجال ونساء من يقدم
3191 - حدثنا يَزِيدُ بنُ خَالِدِ بنِ مَوْهِبٍ الرّمْلِيّ حدثنا ابنُ وَهْبٍ عن بنِ جُرَيْجٍ عن يَحْيَى بنِ صُبَيْحٍ قال حَدّثني عَمّارٌ مَوْلَى الْحَارِثِ بنِ نَوْفَلٍ أنّهُ شَهِدَ جَنَازَةَ أُمّ كُلْثُومٍ وَابْنِهَا فَجُعِلَ الْغُلاَمُ مِمّا يَلِي الإمَامَ، فَأنْكَرْتُ ذَلِكَ وَفي الْقَوْمِ: ابنُ عَبّاسٍ وَأبُو
ـــــــ
باب إذا حضر جنائز رجال ونساء من يقدم
"أم كلثوم وابنها": قال المنذري: أم كلثوم هذه هي بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنه

(8/334)


سَعِيد الْخُدْرِيّ وَأبُو قَتَادَةَ وَأبُو هُرَيْرَةَ، فقَالُوا: هَذِهِ السّنّةُ".
ـــــــ
زوج عمر بن الخطاب رضي الله عنه وابنها هو زيد الأكبر ابن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان مات هو وأمه أم كلثوم بنت علي في وقت واحد ولم يدر أيهما مات أولاً فلم يورث أحدهما من الآخر انتهى "فجعل الغلام": بصيغة المجهول "مما يلي الإمام" ولفظ النسائي قال "حضرت جنازة صبي وامرأة فقدم الصبي مما يلي القوم ووضعت المرأة وراءه فصلى عليهما" فذكره نحوه.
وعند سعيد بن منصور في سننه عن عمار "أن أم كلثوم بنت علي وابنهازيد بن عمر أخرجت جنازتاهما فصلى عليهما أمير المدينة فجعل المرأة بين يدي الرجل وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ كثير" وعند سعيد أيضاً عن الشعبي "أن أم كلثوم بنت علي وابنها زيد بن عمر توفياً جميعاً فأخرجت جنازتاهما فصلى عليهما أمير المدينة فسوى بين رؤوسهما وأرجلهما حين صلى عليهما.
وحديث عمار سكت عنه أبو داوود والمنذري ورجال إسناده ثقات.
وأخرجه أيضاً البيهقي وقال "وفي القوم الحسن والحسين وابن عمر وأبو هريرة ونحو من ثمانين نفساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم".
وللدارقطني من رواية نافع عن ابن عمر "أنه صلى على سبع جنائز رجال ونساء فجعل الرجال مما يلي الإمام وجعل النساء مما يلي القبلة وصفهم صفاً واحداً ووضعت جنارة أم كلثوم بنت علي امرأة عمر وابن لها يقال له زيد، والإمام يومئذ سعيد بن العاص، وفي الناس يومئذ ابن عباس وأبو هريرة وأبو سعيد وأبو قتادة فوضع الغلام مما يلي الإمام فقلت ما هذا "قالوا السنة" وكذلك رواه ابن الجارود في المنتقي. قال الحافظ وإسناده صحيح.
والحديث يدل على أن السنة إذا اجتمعت جنائز أن يصلي عليها صلاة واحدة.
وقد جاءت الأخبار في كيفية صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلي أحد أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على كل واحد منهم صلاة وحمزة مع كل واحد، وأنه كان يصلي على كل عشرة صلاة. وفي الموطأ أن عثمان بن عفان وعبد الله بن عمر وأبا هريرة كانوا يصلون على الجنائز بالمدينة الرجال والنساء فيجعلون الرجال مما يلي الإمام والنساء مما يلي القبلة.
قال الزرقاني: وعلى هذا أكثر العلماء، وقال به جماعة من الصحابة والتابعين وقال ابن عباس وأبو هريرة وأبو قتادة هي السنة، وقول الصحابي ذلك له حكم الرفع.

(8/335)


وقال الحسن وسالم والقاسم: النساء مما يلي الإمام والرجال مما يلي القبلة، واختلف فيه عن عطاء انتهى "هذه السنة" أي في وضع الجنائز فيوضع الرجال ثم النساء. وفيه دليل على أن الصبي إذا صلى عليه مع امرأة كان الصبي مما يلي الإمام والمرأة مما يلي القبلة، وكذلك إذا اجتمع رجل وامرأة أو أكثر من ذلك كما تقدم عن ابن عمر.
وأخرج ابن شاهين أن عبد الله بن معقل بن مقرن أتى بجنازة رجل وامرأة فصلى على الرجل ثم صلى على المرأة، وفيه انقطاع، والصحيح هو القول الأول والله أعلم قال المنذري: والحديث أخرجه النسائي.

(8/336)


57 - باب أين يقوم الإمام من الميت إذا صلى عليه
[باب أين يقف الإمام إذا صلى عليه]
3192 - حدثنا دَاوُدُ بنُ مُعاذٍ أخبرنا عَبْدُالْوَارِثِ عن نَافِعٍ أبِي غَالِبٍ قال: "كُنْتُ في سِكّةِ المِرْبَدِ فَمَرّتْ جَنَازَةٌ وَمَعَهَا نَاسٌ كَثِيرٌ قالُوا جَنَازَةُ عَبْدِ الله بنِ عُمَيْرٍ فَتَبِعْتُهَا فَإذَا أنَا بِرَجُلٍ عَلَيْهِ كِسَاءٌ رَقِيقٌ عَلَى بُرَيْذِينَتِهِ وَعَلَى رَأْسِهِ خِرْقَةٌ تَقِيهِ مِنَ الشّمْسِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا الدّهْقَانُ؟ قالُوا: هَذَا أنَسُ بنُ مَالِكٍ، فَلَمّا وُضِعَتِ الْجَنَازَةُ قامَ أنَسٌ فَصَلّى عَلَيْهَا وَأنَا خَلْفَهُ لاَ يَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ، فَقَامَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَكَبّرَ أرْبَعَ
ـــــــ
باب أين يقوم الإمام من الميت إذا صلى عليه
"عن نافع": تابعي "أبي غالب": عطف بيان. قال الطيبي: كأن الكفية كانت أعرف وأشهر فجيء بها بياناً لنافع "في سكة" هي الزقاق "المربد" بكسر الميم وفتح الموحدة موضع بالبصرة قاله في فتح الودود. وقال في النهاية المربد الموضع الذي تحبس فيه الإبل والغنم وبه سمى مربد المدينة والبصرة وهو بكسر الميم وفتح الباء "عبد الله بن عمير" بضم العين وفتح الميم مصغراً هذا هو المحفوظ، وفي بعض النسخ عبد الله بن عمر وهو تصحيف، فإن ابن عمر صلى عليه الحجاج بالمدينة، وأما عبد الله بن عمير هذا فصلى عليه أنس بن مالك "على بريذينته" تصغير برذون قال في المصباح المنير: البرذون بالذال المعجمة قال ابن الأنباري: يقع على الذكر والأنثى وقال المطرزي: البرذون التركي من الخيل وهو خلاف العراب، وجعلوا النون أصلية كأنهم لاحظوا التعريب وقالوا في الحرزون نونه زائدة لأنه عربي، فقياس البرذون عند من يجعل المعربة على العربية زيادة النون "الدهقان" بكسر الدال وضمها رئيس القرية ومقدم التناء وأصحاب الزراعة وهو معرب ونونه أصلية قاله في النهاية "وأنا خلفه" أي

(8/336)


تَكْبِيرَاتٍ لَمْ يُطِلْ وَلَمْ يُسْرِعْ ثُمّ ذَهَبَ يَقْعُدُ، فَقَالُوا: يَا أبَا حَمْزَةَ المَرْأةُ الأنْصَارِيّةُ، فَقَرّبُوهَا وَعَلَيْهَا نَعْشٌ أخْضَرُ، فَقَامَ عِنْدَ عُجَيْزَتِهَا فَصَلّى عَلَيْهَا نَحْوَ صَلاَتِهِ عَلَى الرّجُلِ
ـــــــ
أنس "وبينه" أي أنس "فكبر" أنس "لم يطل" من الإطالة "يا أبا حمزة" كنية أنس "المرأة الأنصارية" أي هذه جنازتها "وعليها" أي على المرأة الأنصارية "نعش أخضر" أي قبة وحرج. قال في لسان العرب: قال الأزهري: ومن رواه حرج على نعش فالحرج المشبك الذي يطبق على المرأة إذا وضعت على سرير الموتى، وتسمية الناس النعش، وإنما النعش السرير نفسه سمي حرجاً لأنه مشبك بعيدان كأنها حرج الهودج انتهى.
وفي النهاية يقال نعشه الله ينعشه نعشاً إذا رفعه، وانتعش العائر إذا نهض من عثرته، وبه سمي سرير الميت نعشاً لارتفاعه، وإذا لم يكن عليه ميت محمول فهو سرير انتهى. وفي المصباح: النعش سرير الميت ولا يسمى نعشاً إلا وعليه الميت، فان لم يكن فهو سرير، والنعش أيضاً شبه محفة يحمل فيها الملك إذا مرض وليس بنعش الميت انتهى.
وفي أقرب الموارد في فصح العربية والشوارد: نعش على جنازتها أي اتخذ لها نعش وهو شبه المحفة بالكسر مركب من مراكب النساء كالهودج انتهى ومثله في شرح القاموس.
والمعنى أنها كانت على جنازة الأنصارية قبة مغطاة بلون أخضر. وفيه دليل على جواز اتخاذ القبة على سرير الميت لأن ذلك أستر لها وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد.
ويؤيده ما أخرجه الحافظ بن عبد البر ونقله القسطلاني في المواهب أن فاطمة قالت لأسماء بنت عميس إني قد استقبحت ما يصنع بالنساء يطرح على المرأة الثوب فيصفها فقالت أسماء يا بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أريك شيئاً رأيته بأرض الحبشة، فدعت بجرائد رطبة فحنتها ثم طرحت عليها ثوباً فقالت فاطمة ما أحسن هذا تعرف به المرأة من الرجل فإذا أنا مت فاغسليني أنت وعلي ولا يدخل علي أحد. قال أبو عمر بن عبد البر وفاطمة أول من غطى نعشها على الصفة المذكورة ثم بعدها زينب بنت جحش صنع بها ذلك أيضاً انتهى.
قال الزرقاني في شرح المواهب: قوله يطرح على المرأة الثوب أي على نعشها فيصفها جسمها من غلظ وضده، وحنتها بنون ثم فوقية أي أمالتها، وتعرف به المرأة من الرجل أي ولا يعرف للمرأة تحته حجم، وقول من قال إن زينب أول من غطى نعشها فمراده أي من أمهات المؤمنين انتهى.
وقال ابن الأثير في أسدالغابة في معرفة الصحابة في ترجمة فاطمة رضي الله عنها: ولما

(8/337)


حضرها الموت قالت لأسماء بنت عميس، ثم ذكر مثل ما رواه ابن عبد البر نحوه سواء ثم قال فقالت فاطمة ما أحسن هذا وأجمله فإذا أنا مت فاغسليني أنت وعلي ولا تدخلي علي أحداً فلما توفيت جاءت عائشة، فمنعتها أسماء فشكتها عائشة إلى أبي بكر فوقف أبو بكر على الباب وقال يا أسماء ما حملك على أن منعت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخلن على بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ضعت لها هودجاً؟ قالت هي أمرتني أن لا يدخل عليها أحد وأمرتني أن أصنع لها ذلك، قال فاصنعي ما أمرتك وغسلها علي وأسماء وهي أول من غطى نعشها في الإسلام ثم بعدها زينب بنت جحش انتهى.
وقال النووي في المنهاج: ويندب للمرأة ما يسترها كتابوت، وقال الخطيب في مغنى المحتاج شرح المنهاج: ويندب للمرأة ما يسترها كتابوت، وهو سرير فوقه خيمة أو قبة أو مكبة لأن ذلك أستر لها وأول من فعل له ذلك زينب زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت قد رأته بالحبشة لما هاجرت وأوصت به انتهى.
وقال ابن حجر المكي في تحفة المحتاج: يعني مغطاة لإيصاء أم المؤمنين زينب رضي الله عنها، وكانت قد رأته بالحبشة لما هاجرت. قال في المجموع: قيل هي أول من حملت كذلك.
وروى البيهقي أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصت أن يتخذ لها ذلك ففعلوه، وما قيل إن ذلك أول ما اتخذ في جنازة زينب ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمره صلى الله عليه وسلم فهو باطل.
وقال ابن الأثير في ترجمة زينب أم المؤمنين: توفيت سنة عشرين وصلى عليها عمر بن الخطاب، قيل: هي أول امرأة صنع لها النعش، ودفنت بالبقيع انتهى.
وقيل في معنى الحديث كانت الجنازة داخلة وواقعة على السرير الأخضر وهو بعيد جداً لا يساعده اللفظ والله أعلم كذا في غاية المقصود.
وقال الشيخ علاء الدين في محاضرة الأوائل: أول امرأة حملت في نعش زينب أم المؤمنين بنت جحش، فلما ماتت أمر عمر منادياً فنادى أن لا يخرج على أم المؤمنين إلا ذو محرم من أهلها، فقالت ابنة عميس يا أمير المؤمنين ألا أريك شيئاً تصنعه الحبشة لنسائهم، فجعلت نعشاً وغشته بثوب، فلما نظر عمر قال ما أحسن هذا وأستره، فأمر منادياً ينادي أن اخرجوا على أمكم. قاله السيوطي في الأوائل.
وأول من عملت على ميت فوق تابوته سترة من الحبشة زينب بنت جحش وأول من جعل

(8/338)


ثُمّ جَلَسَ، فقالَ الْعُلاَءُ بنُ زِيَادٍ: يَا أبَا حَمْزَةَ هَكَذَا كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُصَلّي عَلَى الْجَنَازَةِ كَصَلاَتِكَ، يُكَبّرُ عَلَيْهَا أرْبعاً وَيَقُومُ عِنْدَ رَأْسِ الرّجُلِ وَعَجِيزَةِ المَرْأةِ؟ قال: نَعَمْ، قالَ: يَا أبَا حَمْزَةَ غَزَوْتَ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نَعَمْ غَزَوْتُ مَعَهُ حُنَيْناً فَخَرَجَ المُشْرِكُونَ فَحَمَلُوا عَلَيْنَا حَتّى رَأيْنَا خَيْلَنَا وَرَاءَ ظُهُورِنَا وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ يَحْمِلُ عَلَيْنَا فَيَدُقّنَا وَيَحْطِمُنَا، فَهَزَمَهُمْ الله وَجَعَلَ يُجَاءُ بِهِمْ فَيُبَايِعُونَهُ عَلَى الإسْلاَمِ، وَقالَ رَجُلٌ مِنْ أصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: إنّ عَلَيّ نَذْراً إنْ جَاءَ الله بالرّجُلِ الّذِي كَانَ مُنْذُ الْيَوْمِ يَحْطِمُنَا لأَضْرِبَنّ عَنُقَهُ، فَسَكَتَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَجِيءَ بالرّجُلِ، فَلَمّا رَأى رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: يَارَسُولَ الله تُبْتُ إلَى الله، فَأمْسَكَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لا يُبَايِعُهُ لِيَفِي الآخر بِنَذْرِهِ قال: فَجَعَلَ الرّجُلُ يَتَصَدّى لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم لِيَأْمُرَهُ بِقَتْلِهِ وَجَعَلَ يَهَابُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أنْ يَقْتُلَهُ، فَلَمّا رَأى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أنّهُ لا يَصْنَعُ شَيْئاً بَايَعَهُ، فقالَ الرّجُلُ: يَارَسُولَ الله نَذْرِي، قالَ: إنّي لَمْ أمْسِكْ عَنْهُ مِنْذُ الْيَوْمِ إلاّ لِتُوفِي بِنَذْرِكَ، فقالَ: يَارَسُولَ الله ألاَ
ـــــــ
لها النعش فاطمة الزهراء لما توفيت عملت أسماء بنت عميس لها كانت قد رأته بالحبشة قاله السيوطي انتهى.
"عند عجيزتها" بفتح مهملة وكسر جيم. قال في النهاية: العجيزة العجز، وهي للمرأة خاصة، والعجز مؤخر الشيء "ثم جلس" أنس "ويقوم" أي النبي صلى الله عليه وسلم "خيلنا وراء ظهورنا" كناية عن الفرار "يحمل علينا" أي يصول "فيدقنا": من باب نصر يقال دقه دقاً أي كسره ودقوا بينهم أي أظهروا العيوب والعداوات أي يكسرنا بالسيف ويظهر العداوة التامة "ويحطمنا" من باب ضرب يقال حطمه حطماً أي كسره، وهذا عطف تفسيري أي يكسرنا ويقطعنا ذلك الرجل بسيفه "فهزمهم الله" أي المشركين "وجعل" أي شرع الأمر "يجاء بهم" أي بالمشركين "فيبايعونه" أي النبي صلى الله عليه وسلم "وجيء بالرجل" الذي يحطم "فلما رأى" أي الرجل الذي يحطم "قال": أنس "فجعل الرجل" أي الصحابي "يتصدى" التصدي التعرض للشيء وقيل هو الذي يستشرف الشيء إليه ناظراً إليه. قاله في النهاية "ليأمره" أي ليأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل الصحابي "بقتله" أي الرجل الذي يحطم "وجعل" الرجل الصحابي "يهاب" من الهيبة "أن يقتله" الضمير المرفوع يرجع إلى الرجل الصحابي، والضمير المنصوب إلى الرجل الحاطم "أنه لا يصنع" أي الصحابي "بايعه" أي قبل النبي صلى الله عليه وسلم بيعة هذا الرجل التائب "فقال الرجل" الصحابي "فقال" أي الصحابي "ألا

(8/339)


أوْمَضْتَ إلَيّ، فقالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "إنّهُ لَيْسَ لِنَبِيَ أنْ يُومِضَ".
قال أبُو غَالِبٍ: فَسَألْتُ عَنْ صَنِيعِ أنَسٍ في قِيَامِهِ عَلَى المَرْأةِ عِنْدَ عَجِيزَتِهَا، فَحَدّثُونِي أنّهُ إنّمَا كَانَ لأَنّهُ لَمْ تَكُنْ النّعُوشُ فَكَانَ الإمَامُ يَقُومُ حِيَالَ عَجِيزَتِهَا يَسْتُرُهَا مِنَ الْقَوْمِ.
ـــــــ
أومضت إلى": قال الخطابي: إنما الإيماض الرمز بالعين والإيماء بها ومنه وميض البرق وهو لمعانه "ليس لنبي أن يومض": قال الخطابي: معناه أنه لا يجوز له فيما بينه وبين ربه تعالى أن يضمر شيئاً ويظهر خلافه لأن الله عز وجل إنما بعثه بإظهار الدين وإعلان الحق فلا يجوز له ستره وكتمانه لأن ذلك خداع، ولا يحل له أن يؤمن رجلاً في الظاهر ويخفره في الباطن. وفي الحديث دليل على أن الإمام بالخيار بين قتل الرجال البالغين من الأساري وبين حقن دمائهم ما لم يسلموا، فإذا أسلموا فلا سبيل عليهم.
وقد اختلف الناس في موقف الإمام من الجنارة، فقال أحمد بن حنبل: يقوم من المرأة بحذاء وسطها، ومن الرجل بحذاء صدره.
وقال أصحاب الرأي: يقوم من الرجل والمرأة بحذاء الصدر. فأما التكبير فقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم خمس وأربع، وكان آخر ما يكبر أربعاً وكان علي بن أبي طالب يكبر على أهل بدرست تكبيرات، وعلى سائر الصحابة خمساً، وعلى سائر الناس أربعاً، وكان عبد الله بن عباس يرى التكبير على الجنازة ثلاثاً انتهى.
"قال أبو غالب" وهذه مقولة عبد الوارث "فسألت" من أدركت من أهل العلم من الصحابة والتابعين "عن صنيع أنس في قيامه على" جنازة "المرأة عند عجيزتها" هل له فائدة مخصوصة أيضاً أم لمجرد اتباع النبي صلى الله عليه وسلم "فحدثوني" والمحدثون له مجهولون "أنه" أي القيام على جنازتها بهذا الوصف "إنما كان" ذلك في سالف الزمان "لأنه لم تكن النعوش" جمع نعش أي القباب المتخذة للستر على جنائز المرأة في عهدهم الماضي في المدينة وإن كان معمولاً به عندهم في الحبشة "فكان الإمام يقوم حيال عجيزتها" بكسر الحاء أي قبالته "يسترها من القوم" بقيامه بهذا الوصف، وأما الآن فاتخذت القباب على سرير جنازة المرأة فلا يراد بهذا الصنيع التستر لها، بل يكون ذلك خالصاً لاتباع فعل النبي صلى الله عليه وسلم وإن زال السبب.
وقال الحافظ في الفتح في باب أين يقوم من المرأة والرجل تحت حديث سمرة قال صليت وراء النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة ماتت في نفاسها فقام عليها وسطها. وفيه مشروعية الصلاة

(8/340)


قَالَ أبُو دَاوُدَ: قَوْلُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لاَ إلَهَ إلاّ الله" نُسِخَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ الْوَفَاءُ بالنّذْرِ في قَتْلِهِ بِقَوْلِهِ: إنّي قَدْ تُبْتُ.
3193 - حدثنا مُسْدّدٌ أخبرنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ حدثنا حُسَيْنٌ المُعَلّمُ حدثنا عَبْدُ الله بنُ بُرَيْدَةَ عن سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ قال: صَلّيْتُ وَرَاءَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم عَلَى امْرَأةٍ مَاتَتْ في نِفَاسِهَا، فَقَامَ عَلَيْهَا لِلصّلاَةِ وَسَطَهَا.
ـــــــ
على المرأة، فإن كونها نفساء وصف غير معتبر وأما كونها امرأة فيحتمل أن يكون معتبراً فإن القيام عليها وسطها لسترها، وذلك مطلوب في حقها بخلاف الرجل.
ويحتمل أن لا يكون معتبراً وأن ذلك كان قبل اتخاذ النعش للنساء، فأما بعد اتخاذه فقد حصل الستر المطلوب، ولهذا أورد البخاري الترجمة مورد السؤال وأراد عدم التفرقة بين الرجل والمرأة، وأشار إلى تضعيف ما رواه أبو داوود والترمذي من طريق أبي غالب عن أنس انتهى.
ونازعه العيني في شرح البخاري فقال حديث أبي غالب رواه أبو داوود، وسكت عنه وسكوته دليل رضاه به، ورواه الترمذي وقال حسن، فكيف يضعف هذا وقد رضي به أبو داوود وحسنه الترمذي انتهى.
قلت: وكذا سكت عنه المنذري وابن القيم ولا نعلم فيه علة.
وقال القسطلاني في شرح البخاري: وأما الرجل فعند رأسه لئلا يكون ناظراً إلى فرجه بخلاف المرأة فإنها في القبة ما هو الغالب، ووقوفه عند وسطها ليسترها عن أعين الناس، ثم ساق حديث أبي غالب المذكور ثم قال: وبذلك قال أحمد وأبو يوسف والمشهور عند الحنفية أن يقوم من الرجل والمرأة حذاء الصدر. وقال مالك يقوم من الرجل عند وسطه ومن المرأة عند منكبها، كذا في الشرح والله أعلم. قال المنذري: والحديث أخرجه الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي: حسن.
"جندب" بضم الدال وفتحها. قاله القاري "في نفاسها" أي حين ولادتها "فقام" أي وقف "وسطها" أي حذاء وسطها بسكون السين ويفتح قاله القاري وفي الحديث إثبات للصلاة على النفساء وإن كانت شهيدة. قال العيني: وكون هذه المرأة في نفاسها وصف غير معتبر اتفاقاً وإنما هو حكاية أمر وقع، وأما وصف كونها امرأة فهل هو معتبر أم لا، من الفقهاء من ألغاه وقال يقام عند وسط الجنازة مطلقاً ذكراً كان أو أنثى، ومنهم من خص ذلك بالمرأة محاولة للستر،

(8/341)


وقيل كان ذلك قبل اتخاذ الأنعشة والقباب انتهى قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.

(8/342)


باب التكبير على الجنازة
...
فَقُلْتُ لِلشّعْبِيّ: مَنْ حَدّثَكَ؟ قال: الثّقَةُ مَنْ شَهِدَهُ عَبْدُ الله بنُ عَبّاسٍ.
3195 - حدثنا أبُو الْوَلِيدِ الطّيَالِسِيّ أخبرنا شُعْبَةُ ح. وأخبرنا مُحَمّدُ بنُ المُثَنّى أخبرنا مُحَمّدُ بنُ جَعْفَرٍ عن شُعْبَةَ عن عَمْرِو بنِ مُرّةَ عن ابنِ أبِي لَيْلَى قال: كَانَ زَيْدٌ - يَعْني ابنَ أرْقَمَ - يُكَبّرُ عَلَى جَنَائِزِنَا أرْبَعاً، وَأنّهُ كَبّرَ عَلَى جَنَازَةٍ خَمْساً، فَسَألْتُهُ، فقالَ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُكَبّرُهَا.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَأنَا لِحَدِيثِ ابنِ المُثَنّى أتْقَنُ.
ـــــــ
عمر قال: "كل ذلك قد كان أربعاً وخمساً فاجتمعنا على أربع" رواه البيهقي، ورواه ابن عبد البر من وجه آخر عن شعبة. وروى البيهقي أيضاً عن أبي وائل قال كانوا يكبرون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعاً وخمساً وستاً وسبعاً فجمع عمر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبر كل رجل منهم بما رأى فجمعهم عمر على أربع تكبيرات. وروى أيضاً من طريق إبراهيم النخعي أنه قال اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت أبي مسعود فاجتمعوا على أن التكبير على الجنازة أربع. وروى أيضاً بسنده إلى الشعبي قال صلى ابن عمر على زيد بن عمر وأمه أم كلثوم بنت علي فكبر أربعاً وخلفه ابن عباس والحسين بن علي وابن الحنفية كذا في الفتح والنيل.
قلت: "من شهده عبد الله" فعبد الله بدل من قوله من شهده وهذا الحديث ليس في رواية اللؤلؤي ولذا لم يذكره المنذري. وقال الحافظ المزي في الأطراف: حديث محمد بن العلاء في رواية أبي بكر بن داسة ولم يذكره أبو القاسم.
"يكبرها" أي الخمس أحياناً، وثبوت الزيادة على الأربع لا مرد له من حيث الرواية إلا أن الجمهور على أن الأخير الأمر كان أربعاً وهو ناسخ لما تقدم قاله السندي "أتقن" أي أحفظ. قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.

(8/243)


59 - باب ما يقرأ على الجنازة
3196 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنبأنا سُفْيَانُ عن سَعْدِ بنِ إبْرَاهِيمَ عن طَلْحَةِ بنِ عَبْدِ الله عَوْفٍ: صَلّيْتُ مَعَ ابنِ عَبّاسٍ عَلَى جَنَازَةٍ فَقَرَأ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فقالَ إنّهَا مِنَ السّنّةِ.
ـــــــ
باب ما يقرأ على الجنازة
"فقرأ بفاتحة الكتاب" ليس في حديث الباب بيان محل قراءة الفاتحة، وقد وقع التصريح

(8/343)


به في حديث جابر أخرجه الشافعي بلفظ "وقرأ بأم القرآن بعد التكبيرة الأولى" أفاده الحافظ العراقي في شرح الترمذي وقال إن سنده ضعيف "فقال إنها": أي قراءة الفاتحة "من السنة" فيه دليل على مشروعية قراءة فاتحة الكتاب في صلاة الجنازة. قال الحافظ في الفتح: ونقل ابن المنذر عن ابن مسعود والحسن بن علي وابن الزبير والمسور بن مخرمة مشروعيتها وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق، ونقل عن أبي هريرة وابن عمر "ليس فيها قراءة" وهو قول مالك والكوفيين انتهى. وقال العيني: قول الصحابي "من السنة" حكمه حكم المرفوع على القول الصحيح قاله شيخنا زين الدين، وفيه خلاف مشهور. ووردت أحاديث أخر في قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة انتهى قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري والترمذي والنسائي.

(8/344)


60 - باب الدعاء للميت
3197 - حدثنا عَبْدُالعَزِيزِ بنُ يَحْيَى الْحَرّانِيّ حدّثني مُحَمّدٌ - يَعْنِي ابنَ سَلَمَةَ - عن مُحَمّدِ بنِ إسْحَاقَ عن مُحَمّدِ بنِ إبْرَاهِيمَ عن أبِي سَلَمَةَ بنِ عبد الرحمن عن أبي هُرَيْرَةَ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ "إذَا صَلّيْتُمْ عَلَى الْمَيّتِ فَأخْلِصُوا لَهُ الدّعَاءَ".
3198 - حدثنا أبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ الله بنُ عَمْرٍو أخبرنا عَبْدُالْوَارِثِ أخبرنا أبُو
ـــــــ
باب الدعاء للميت
"فأخلصوا له الدعاء": قال ابن الملك: أي ادعوا له بالاعتقاد والإخلاص انتهى. وقال المنذري: أي ادعوا له بإخلاص لأن القصد بهذه الصلاة إنما هو الشفاعة للميت، وإنما يرجى قبولها عند توفر الإخلاص والابتهال انتهى. وفي النيل: فيه دليل على أنه لا يتعين دعاء مخصوص من هذه الأدعية الواردة وأنه ينبغي للمصلى على الميت أن يخلص الدعاء له سواء كان محسناً أو مسيئاً، فلأن ملابس المعاصي أحوج الناس إلى دعاء إخوانه المسلمين وأفقرهم إلى شفاعتهم ولذلك قدموه بين أيديهم وجاءوا به إليهم، لا كما قال بعضهم أن المصلى يلعن الفاسق ويقتصر في الملتبس على قوله اللهم إن كان محسناً فزده إحساناً وإن كان مسيئاً فأنت أولى بالعفو عنه فإن الأول من إخلاص السب لا من إخلاص الدعاء، والثاني من باب التفويض باعتبار المسيء لا من باب الشفاعة والسؤال وهو تحصيل الحاصل والميت غنى عن ذلك. انتهى. وقال المنذري: والحديث أخرجه ابن ماجه، وفي إسناده محمد بن إسحاق وقد تقدم الكلام عليه انتهى. لكن أخرجه ابن حبان من طريق أخرى عنه مصرحاً بالسماع وصححه، وأيضاً أخرجه البيهقي.

(8/344)


الْجُلاَسِ عُقْبَةُ بنُ سَيّارٍ أو سِنَانٍ حدّثَني عَلِيّ بنُ شِمَاخٍ قال: شَهِدْتُ مَرْوَانَ سَألَ أبَا هُرَيْرَةَ: كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يُصَلّي عَلَى الْجِنَازَةِ؟ قال: أمَعَ الّذِي قُلْتَ؟ قال: نَعَمْ، قال: كَلاَمٌ كَانَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ ذَلِكَ، قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: "اللّهُمّ أنْتَ رَبّهَا وَأنْتَ خَلَقْتَهَا وَأنْتَ هَدَيْتَهَا لِلإِسْلاَمِ وَأنْتَ قَبَضْتَ رُوحَهَا وَأنْتَ أعْلَمُ بِسِرّهَا وَعَلاَنِيَتِهَا، جِئْنَا شُفَعَاءَ فَاغْفِرْ لَهَا".
قَالَ أبُو دَاوُدَ: أخْطَأ شُعْبَةُ في اسْمِ عَلِيّ بنَ شَمَاخٍ قال فِيهِ عُثْمَانُ بنُ شِمَاسٍ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بنَ إبْرَاهِيمَ المُوصِلِيّ يُحَدّثُ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ قالَ: مَا أعْلَمُ أنّي جَلَسْتُ مِنْ حَمّادِ بنِ زَيْدٍ مَجْلِساً إلاّ نَهَى فِيهِ عن عَبْدِالْوَارِثِ وَجَعْفَرِ بنِ سُلَيْمَانَ.
3199 - حدثنا مُوسَى بنُ مَرْوَانَ الرّقّيّ أخبرنا شُعَيْبٌ - يَعْني ابنَ إسْحَاقَ عن الأوْزَاعِيّ عن يَحْيَى بنِ أبي كَثِيرٍ عن أبي سَلَمَةَ عن أبي هُرَيْرَةَ قالَ: صَلّى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى جَنَازَةٍ فقالَ: "اللّهُمّ اغْفِرْ لِحَيّنَا وَمَيّتِنَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا
ـــــــ
"عقبة بن سيار": بمهملة ثم تحتانية ثقيلة أو ابن سنان أبو الجلاس بضم الجيم وتخفيف اللام وآخره مهملة شامي نزل البصرة ثقة من السادسة. قاله في التقريب "قال" أي أبو هريرة "أمع الذي قلت" بصيغة الخطاب أي أمع هذا الذي قلت لي كذا وكذا جرى بيني وبينك ثم تسألني وتزيد الاستفادة مني "قال" أي مروان "نعم، قال" أي علي بن شماخ في بيان كلام أبي هريرة ومروان أنه "كلام كان بينهما" أي أبي هريرة ومروان "قبل ذلك" أي قبل هذا السؤال وجرى بينهما ما جرى من المنازعة في أمر من الأمور ولأجله تعرضه أبو هريرة وقال هذه الجملة أمع الذي قلت "أنت ربها" أي سيدها ومالكها "للإسلام" المشتمل على الإيمان انتهاء "وأنت قبضت روحها" أي أمرت بقبض روحها "بسرها وعلانيتها" بتخفيف الياء أي باطنها وظاهرها "جئنا شفعاء" أي بين يديك. قال المنذري: والحديث أخرجه النسائي في اليوم والليلة "أخطأ شعبة" من ها هنا إلى قوله وجعفر بن سليمان وجد في بعض النسخ والله أعلم.
"وصغيرنا وكبيرنا": قال ابن حجر المكي الدعاء في حق الصغير لرفع الدرجات انتهى، ويدفعه ما ورد أنه صلى الله عليه وسلم صلى على طفل لم يعمل خطيئة قط فقال اللهم قه عذاب القبر وضيقه، ويمكن أن يكون المراد بالصغير والكبير الشاب والشيخ فلا إشكال.

(8/345)


وَأُنْثَانَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا. اللّهُمّ مَنْ أحْيَيْتَهُ مِنّا فَأحْيِهِ عَلَى الإيمَانِ، وَمَنْ تَوَفّيْتَهُ مِنّا فَتَوَفّهُ عَلَى الإسْلاَمِ. اللّهُمّ لاَ تَحْرِمْنَا أجْرَهُ، وَلاَ تُضْلّنَا بَعْدَهُ".
ـــــــ
وتكلف ابن الملك وغيره ونقل التوربشتي عن الطحاوي أنه سئل عن معنى الاستغفار للصبيان مع أنه لا ذنب لهم، فقال معناه السؤال من الله أن يغفر له ما كتب في اللوح المحفوظ أن يفعله بعد البلوغ من الذنوب حتى إذا كان فعله كان مغفوراً وإلا فالصغير غير مكلف لا حاجة إلى الاستغفار. قاله القاري "وذكرنا وأنثانا" قال الطيبي: المقصود من القرائن الأربع الشمول والاستيعاب فلا يحمل على التخصيص نظراً إلى مفردات التركيب، كأنه قيل اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات كلهم أجمعين، فهي من الكتابة الزبدية يدل عليه جمعه في قوله "اللهم من أحييته" الخ. قاله القاري "وشاهدنا": أي حاضرنا "فأحيه على الإيمان": المشهور الموجود في رواية الترمذي وغيره فأخيه على الإسلام وتوفه على الإيمان وهو الظاهر المناسب، لأن الإسلام هو التمسك بالأركان الظاهرية وهذا لا يتأتى إلا في حالة الحياة، وأما الإيمان فهو التصديق الباطني وهو الذي المطلوب عليه الوفاة والأول متخصص بالإحياء والثاني بالإماتة هو الوجه والله تعالى أعلم، قاله في فتح الودود.
وقال القاري: فالرواية المشهورة التي أخرجها الترمذي وغيره هي العمدة، والرواية الأخرى التي أخرجها أبو داوود إما من تصرفات الرواة نسياناً أو بناء على زعم أنه لا فرق بين التقديم والتأخير وجواز النقل بالمعنى أو يقال فأحيه على الإيمان أي وتوابعه من الأركان، وتوفه على الإسلام أي على الانقياد والتسليم لأن الموت مقدمة: {يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} انتهى.
قال الشوكاني في النيل: ولفظ فأحيه على الإسلام هذا هو الثابت عند الأكثر، وفي سنن أبي داوود "فأحيه على الإيمان وتوفه على الإيمان". واعلم أنه قد وقع في كتب الفقه ذكر أدعية غير المأثور عنه صلى الله عليه وسلم والتمسك بالثابت عنه أولى، واختلاف الأحاديث في ذلك محمول على أنه كان يدعو لميت بدعاء ولاَخر بآخر، والذي أمر به صلى الله عليه وسلم إخلاص الدعاء.
وإذا كان المصلى عليه طفلاً استحب أن يقول المصلى: "اللهم اجعله لنا سلفاً وفرطاً وأجراً" روى ذلك البيهقي من حديث أبي هريرة، وروى مثله سفيان في جامعه انتهى "اللهم لا تحرمنا أجره": من باب ضرب أو باب أفعل. قال السيوطي: بفتح التاء وضمها لغتان فصيحتان والفتح أفصح، يقال حرمه وأحرمه، والمراد أجر موته، فإن المؤمن أخو المؤمن فموته مصيبة عليه يطلب فيها الأجر قاله في فتح الودود "ولا تضلنا بعده" أي لا تجعلنا ضالين بعد

(8/346)


3200 - حدثنا عبد الرحمن بنُ إبْرَاهِيمَ الدّمَشْقِيّ أخبرنا الْوَلِيدُ ح. وأخبرنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى الرّازِيّ أنْبأنَا الْوَلِيدُ، وَحَدِيثُ عبد الرحمن أتَمّ قالَ أخبرنا مَرْوَانُ بنُ جَنَاحٍ عن يُونُسَ بنِ مَيْسَرَةَ بنِ حَلْبَسَ عن وَاثِلَةَ بنِ الأسْقَعِ قالَ: صَلّى بِنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: "اللّهُمّ إنّ فُلاَنَ بنَ فُلاَنِ في
ـــــــ
الإيمان قال المنذري: والحديث أخرجه الترمذي والنسائي، وأخرجه الترمذي من حديث يحيى بن أبي كثير فقال: حدثني أبو إبراهيم الأشهلي عن أبيه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى على الجنازة قال: اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا" وأخرجه النسائي وقال الترمذي حديث والد أبي إبراهيم حديث حسن صحيح.
وقال الترمذي أيضاً وسمعت محمداً يعني البخاري يقول أصح الروايات في هذا حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي إبراهيم الأشهلي عن أبيه، وسألته عن اسم أبي إبراهيم الأشهلي فلم يعرفه. هذا آخر كلامه.
وذكر بعضهم أن أبا إبراهيم هو عبد الله بن أبي قتادة وليس بصحيح، فإن أبا قتادة سلمى والله عز وجل أعلم.
"فسمعته يقول": وأخرج مسلم من حديث عوف بن مالك قال: "سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وصلى على جنازة يقول اللهم اغفر له" الحديث. وفي رواية له عنه: فحفظت من دعائه" وجميع ذلك يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم جهر بالدعاء.
وعند النسائي من حديث ابن عباس أنه صلى على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة وجهر فلما فرغ قال سنة وحق".
قال بعض أصحاب الشافعي إنه يجهر بالليل كالليلية. وذهب أكثر العلماء إلى أنه يستحب الإسرار في صلاة الجنازة، وتمسكوا بقول ابن عباس "لتعلموا أنه من السنة" رواه البخاري، أي لم أقرأ جهراً إلا لتعلموا أنه سنة.
ولحديث أبي أمامة عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم "أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سراً في نفسه". الحديث، وسيجيء بتمامه. وقيل: إن جهره صلى الله عليه وسلم بالدعاء لقصد تعليمهم.
وأخرج أحمد عن جابر قال ما أتاح لنا في دعاء الجنازة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر وفسر أتاح بمعنى قدر.

(8/347)


ذِمّتِكَ فَقِهِ فِتْنَةَ الْقَبْرِ". قال عَبْدُالرّحْمَنِ: في ذِمّتِكَ وَحَبْلِ جِوَارِكَ، فَقِهِ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ النّارِ، وَأنْتَ أهْلُ الْوَفَاءِ وَالْحَقّ[الحمد] اللّهُمّ فَاغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ إنّكَ أنْتَ الْغَفُورُ الرّحِيمُ.
قال عبد الرحمن عن مروانبن جناح
ـــــــ
قال الحافظ: والذي وقفت عليه باح بمعنى جهر انتهى.
قلت: والظاهر أن الجهر والإسرار بالدعاء في صلاة الجنازة جائزان وكل من الأمرين مروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا هو الحق والله أعلم "إن فلان بن فلان": فيه دليل على استحباب تسمية الميت باسمه واسم أبيه، وهذا إن كان معروفاً وإلا جعل مكان ذلك اللهم إن عبدك هذا أو نحوه، والظاهر أنه يدعو بهذه الألفاظ الواردة في هذه الأحاديث سواء كان الميت ذكراً أو أنثى ولا يحول الضمائر المذكرة إلى صيغة التأنيث إذا كانت الميت اُنثى لأن مرجعها الميت وهو يقال على الذكر والأنثى كذا في النيل "في ذمتك": أي أمانك "وحبل جوارك": بكسر الجيم قيل عطف تفسيري، وقيل الحبل العهد أي في كنف حفظك وعهد طاعتك، وقيل أي في سبيل قربك وهو الإيمان، والأظهر أن المعنى أنه متعلق ومتمسك بالقرآن كما قال تعالى {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ}.
وفسره جمهور المفسرين بكتاب الله تعالى، والمراد بالجوار الأمان والإضافة بيانية يعني الحبل الذي يورث الاعتصام به الأمن والأمان والإسلام قاله القاري "فقه": بالضمير أو بهاء السكت "من فتنة القبر وعذاب النار": أي امتحان السؤال فيه أو من أنواع عذابه من الضغطة والظلمة وغيرهما "وأنت أهل الوفاء" أي بالوعد فإنك لا تخلف الميعاد "والحق" أي أنت أهل الحق، والمضاف مقدر "أنت الغفور": أي كثير المغفرة للسيآت "الرحيم" كثير الرحمة بقبول الطاعات والتفضل بتضاعف الحسنات. "قال عبد الرحمَن عن مروان" يعني بلفظه عن، وأما إبراهيم بن موسى فإنه قال في روايته حدثنا مروان. قال المنذري: والحديث أخرجه ابن ماجه.
ثم اعلم أني قد سئلت غير مرة عن طريق أداء صلاة الجنازة وكيفية قراءة الفاتحة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والأدعية المأثورة للميت، وتعيين محل كلها من القراءة والصلاة والأدعية على الوجه الذي هو مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم عن الصحابة رضي الله عنهم.
فأقول إن في صلاة الجنازة خمسة أفعال فهي عبارة عن هذه الأفعال الخمسة.

(8/348)


الأول: التكبيرات فيها حتى قال جماعة من العلماء التكبيرات من الأركان وكل تكبيرة قائمة مقام ركعة، حتى لو ترك تكبيرة لا تجوز صلاته كما لو ترك ركعة، ولهذا قيل أربع كأربع الظهر. قاله العيني رحمه الله.
والثاني: قراءة الفاتحة بعد الثناء مع ضم السورة أو حذفها.
والثالث: الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
والرابع: الأدعية الخالصة للميت.
والخامس: التسليم.
أما التكبيرات في الجنازة فتقدم عن الحافظ ابن عبد البر أنه قال انعقد الإجماع على الأربع، لكن في دعوى الإجماع في نفسي شيء لأن زيد بن أرقم كان يكبر خمساً ويرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما عند مسلم في صحيحه وعن حذيفة أنه صلى على جنازة فكبر خمساً ورفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما في مسند أحمد.
وذكر البخاري في تاريخه عن علي أنه كبر على سهل بن حنيف ستا وقال إنه شهد بدراً. وروى سعيد بن منصور في سننه عن الحكم بن عتيبة أنه قال كانوا يكبرون على أهل بدر خمساً وستاً وسبعاً. كذا في المنتقى لابن تيمية. وروى ابن المنذر عن ابن مسعود أنه صلى على جنازة رجل من بني أسد فكبر خمساً. وروى أيضاً عن ابن مسعود عن علي أنه كان يكبر على أهل بدر ستاً وعلى الصحابة خمساً وعلى سائر الناس أربعاً. وروى ذلك أيضاً ابن أبي شيبة والطحاوي والدارقطني عن عبد خير عنه. وروى ابن المنذر أيضاً بإسناد صحيح عن ابن عباس أنه كبر على جنازة ثلاثاً. وقال القاضي عياض اختلفت الصحابة في ذلك من ثلاث تكبيرات إلى تسع انتهى. وقال ابن القيم: وكان صلى الله عليه وسلم يأمر بإخلاص الدعاء للميت وكان يكبر أربع تكبيرات، وصح عنه أنه كبر خمساً وكان الصحابة بعده يكبرون أربعاً وخمساً وستاً، ثم ذكر آثار الصحابة وقال هذه آثار صحيحة فلا موجب للمنع منها، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يمنع مما زاد على الأربع بل فعله هو وأصحابه من بعده انتهى.
نعم لا شك أن الأربع أقوى وأصح من حيث الدليل وهو ثابت من حديث ابن عباس عند الشيخين قال: "انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قبر رطب فصلى عليه وصفوا خلفه وكبر أربعاً".
ومن حديث جابر عند الشيخين أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على أصحمة النجاشي فكبر عليه أربعاً.

(8/349)


ومن حديث أبي هريرة عندهما أيضاً "أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وكبر عليه أربع تكبيرات". وأما قراءة الفاتحة فأخرج البخاري وأبو داوود والترمذي وصححه وابن حبان والحاكم عن ابن عباس "أنه صلى على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وقال لتعلموا أنه من السنة" وأخرجه النسائي وقال فيه "فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة وجهر، فلما فرغ قال سنة وحق" وروى الترمذي وابن ماجه من طريق أخرى عن ابن عباس "أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب" وإسناده ضعيف. قال الحافظ في التلخيص: ورواه أبو يعلى في مسنده من حديث ابن عباس أنه قرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب وزاد سورة. قال البيهقي: ذكر السورة غير محفوظ، وقال النووي: إسناده صحيح. وروى ابن ماجه من حديث أم شريك قالت: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب" وفي إسناده ضعف يسير انتهى.
وأخرج الشافعي في مسنده أخبرنا إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر بن عبد الله "أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر على الميت أربعاً وقرأ بأم القرآن بعد التكبيرة الأولى" ولفظ الحافظ في المستدرك من هذا الوجه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر على جنائزنا أربعاً ويقرأ بفاتحة الكتاب في التكبيرة الأولى" وفيه إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، فقد وثقه جماعة منهم الشافعي وابن الأصبهاني وابن عدي وابن عقدة وضعفه آخرون قاله ابن القيم في جلاء الأفهام.
وفي المسند أيضاً أخبرنا ابن عيينة عن محمد بن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد قال "سمعت ابن عباس يجهد بفاتحة الكتاب على الجنازة ويقول إنما فعلت لتعلموا أنها سنة" وفيه أيضاً من طريق الزهري عن أبي أمامة قال: "السنة أن يقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب" وفيه أيضاً عن عبد الله بن عمرو بن العاص "أنه كان يقرأ بأم القرآن بعد التكبيرة الأولى على الجنازة" وأخرج ابن الجارود في المنتقى من طريق زيد بن طلحة التيمي قال: "سمعت ابن عباس قرأ على جنازة فاتحة الكتاب وسورة وجهر بالقراءة وقال إنما جهرت لأعلمكم أنها سنة" وأخرجه أيضاً من طريق طلحة بن عبد الله قال: "صليت خلف ابن عباس على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة فجهر حتى سمعنا" الحديث.
وهذه الأحاديث فيها دلالة واضحة على مشروعية فاتحة الكتاب في صلاة الجنازة، وفيها دلالة أيضاً على جواز قراءة سورة مع الفاتحة في صلاة الجنازة. وقراءة الفاتحة واجبة عند الشافعي، وهو قول أحمد، ذكره العيني في شرح الهداية، وبسط الكلام في شرح البخاري.

(8/350)


ونقل ابن المنذر عن أبي هريرة وابن عمر ليس في الجنازة قراءة الفاتحة. قال ابن بطال: وبه قال عمر وعلي، ومن التابعين عطاء وطاوس وسعيد بن المسيب وغيرهم. قال ابن بطال: وروى عن ابن الزبير وعثمان بن حنيف أنهما كانا يقرآن عطيها بالفاتحة، وكذا نقل هو وابن أبي شيبة عن جماعة من الصحابة والتابعين.
وفي كتاب الجنائز للمزني: وبلغنا أن أبا بكر وغيره من الصحابة كانوا يقرؤن بأم القرآن عليها.
وفي المحلى لابن حزم: صلى المسور بن مخزمة فقرأ في التكبيرة الأولى بفاتحة الكتاب وسورة قصيرة ورفع بهما صوته انتهى.
قال الشوكاني: ذهب الشافعي وأحمد وغيرهما إلى الوجوب، واستدلوا بحديث أم شريك وبحديث "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" ونحوه وصلاة الجنازة صلاة وهو الحق انتهى.
قال ابن القيم: قال شيخنا ابن تيمية لا يجب قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة بل هي سنة انتهى.
قلت: الحق مع الشيخ ابن تيمية والله أعلم.
وأما البداءة بالثناء قبل القراءة فلأن الإتيان بالدعوات استغفار للميت، والبداءة بالثناء ثم بالصلاة سنة الدعاء. والمقصود من صلاة الجنازة طلب المغفرة للميت، ولا يقبل الله الدعاء ولا يستجيبه حتى يبدأ أولاً بالثناء ثم بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يأتي بالدعاء، لما أخرجه المؤلف والنسائي في الصلاة والترمذي في الدعوات واللفظ لأبي داوود عن فضالة بن عبيد يقول: "سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يدعو في صلاته لم يمجد الله ولم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "عجل هذا"، ثم دعاه فقال له "إذا صلى أحدكم فليبدأ بتمجيد ربه والثناء عليه ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يدعو بعد بما شاء" وقال الترمذي حسن صحيح ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط مسلم. وقال صاحب الهداية من الأئمة الحنفية: والصلاة أن يكبر تكبيرة ويحمد الله عقبيها انتهى.
وقال العيني في البناية شرح الهداية: وذكر في البدائع وغيره أن يقول سبحانك اللهم وبحمدك إلخ بعد التكبير وفي المحيط أنه رواية الحسن عن أبي حنيفة، وذكر الطحاوي أنه لا استفتاح فيه ولكن العادة أنهم يستفتحون في سائر الصلوات. وقال الكرخي وليس مما ذكر من

(8/351)


الثناء على الله تعالى ولا في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ولا في الدعاء للميت شيء موقت، يقرأ من ذلك ما حضر وتيسر عليه، وذلك لما روى عبد الله بن مسعود قال: "ما وقت لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الجنازة قولاً ولا قراءة، كبر ما كبر الإمام واختر من أطيب الكلام ما شئت" انتهى كلام العيني.
قلت: هكذا ذكر العيني قول عبد الله بن مسعود بغير سند ولم يذكر من أخرجه لكن الاقتصار على الأدعية المأثورة في صلاة الجنازة هو المتعين. وقد ثبت الأدعية عن النبي صلى الله عليه وسلم كما سيجيء والله أعلم.
وقال ابن القيم: فإذا أخذ النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة على الميت كبر وحمد الله وأثنى عليه انتهى.
وأما الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والاستغفار والدعاء للميت، فأخرج الشافعي في مسنده أخبرنا مطرف بن مازن عن معمر عن الزهري أخبرني أبو أمامة بن سهل أنه أخبره رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سراً في نفسه، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات لا يقرأ في شيء منهن، ثم يسلم سراً في نفسه" وفيه أيضاً أخبرنا مطرف بن مازن عن معمر عن الزهري حدثني محمد الفهري عن الضحاك بن قيس أنه قال مثل قول أبي أمامة انتهى.
وفي المنتقى لابن الجارود حدثنا محمد بن يحيى قال حدثنا عبد الرزاق قال أنبأنا معمر عن الزهري قال سمعت أبا أمامة بن سهل بن حنيف يحدث ابن المسيب قال: "السنة في الصلاة على الجنازة أن تكبر ثم تقرأ بأم القرآن ثم تصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم تخلص الدعاء للميت ولا تقرأ إلا في التكبيرة الأولى ثم تسلم في نفسه عن يمينه" قال الحافظ في التلخيص: ورجال هذا الإسناد مخرج لهم في الصحيحين انتهى. ورواية الشافعي ضعفت بمطرف ابن مازن، لكن قواها البيهقي بما رواه في المعرفة عن الحجاج بن أبي منيع عن جده عبيد الله بن أبي زياد الرصافي عن الزهري عن أبي أمامة عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بمعنى رواية مطرف.
وقال الحاكم في المستدرك أخبرنا إسماعيل بن أحمد التاجر حدثنا محمد بن الحسين العسقلاني حدثنا حرملة بن يحيى حدثنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب قال أخبرني أبو أمامة بن سهل بن حنيف، وكان من كبراء الأنصار وعلمائهم وأبناء الذين شهدوا بدراً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام

(8/352)


ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويخلص الدعاء في التكبيرات الثلاث، ثم يسلم تسليماً خفياً حين ينصرف، والسنة أن يفعل من وراءه مثل ما فعل أمامة.
قال الزهري حدثني بذلك أبو أمامة وابن المسيب يسمع فلم ينكر ذلك عليه قال ابن شهاب: فذكرت الذي أخبرني أبو أمامة من السنة في الصلاة على الميت لمحمد بن سويد قال وأنا سمعت الضحاك بن قيس يحدث عن حبيب بن مسلمة في صلاة صلاها على الميت مثل الذي حدثنا أبو أمامة.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه انتهى.
قلت: ليس في هذه الرواية ذكر قراءة الفاتحة.
وذكر ابن أبي حاتم في العلل من حديث محمد بن مسلمة أنه قال السنة على الجنازة أن يكبر الإمام ثم يقرأ بأم القرآن في نفسه ثم يدعو ويخلص الدعاء للميت ثم يكبر ثلاثاً، ثم يسلم وينصرف ويفعل من وراءه ذلك. قال سألت أبي عنه فقال هذا خطأ إنما هو حبيب بن مسلمة انتهى. وحديث حبيب في المستدرك كذا في التلخيص.
وقال الإمام الحافظ القاضي إسماعيل بن إسحاق في كتاب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الأعلى حدثنا معمر عن الزهري قال سمعت أبا أمامة بن سهل بن حنيف يحدث سعيد بن المسيب قال إن السنة في صلاة الجنازة أن يقرأ بفاتحة الكتاب ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يخلص الدعاء للميت حتى يفرغ ولا يقرأ إلا مرة واحدة ثم يسلم في نفسه انتهى.
وأخرج عبد الرزاق عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: "السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر ثم يقرأ بأم القرآن، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يخلص الدعاء للميت ولا يقرأ إلا في الأولى" وكذا أخرجه النسائي قال الحافظ إسناده صحيح.
قال الحافظ ابن القيم في جلاء الأفهام: وأبو أمامة هذا صحابي صغير، وقد رواه عن صحابي آخر كما ذكره الشافعي.
وقال صاحب المغنى: روى عن ابن عباس أنه صلى على جنازة بمكة فكبر ثم قرأ وجهر، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم دعا لصاحبه فأحسن ثم انصرف وقال هكذا ينبغي أن تكون الصلاة على الجنازة.

(8/353)


وفي الموطأ ليحيى بن بكير حدثنا مالك بن أنس عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه "أنه سأل أبا هريرة كيف نصلي على الجنازة؟ فقال أبو هريرة أنا لعمر الله أخبرك اتبعها من أهلها، فإذا وضعت كبرت، وحمدت الله تعالى وصليت على النبي صلى الله عليه وسلم ثم أقول اللهم إنه عبدك وابن عبدك كان يشهد أن لا إله إلا أنت وأن محمداً عبدك ورسولك وأنت أعلم به، اللهم إن كان محسناً فزد في إحسانه وإن كان مسيئاً فتجاوز عن سيئاته، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده".
وقال أبو ذر الهروي أخبرنا أبو الحسن بن أبي سهل السرخسي أخبرنا أبو علي أحمد بن محمد بن رزين حدثنا علي بن خشرم حدثنا أنس بن عياض عن إسماعيل بن رافع عن رجل قال سمعت إبراهيم النخعي يقول كان ابن مسعود إذا أتى بجنازة استقبل الناس وقال يا أيها الناس سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "لم يجتمع مائة لميت فيجتهدون له في الدعاء إلا أوهب الله لهم وإنكم جئتم شفعاء لأخيكم فاجتهدوا في الدعاء" ثم يستقبل القبلة، فإن كان رجلاً قام عند رأسه، وإن كانت امرأة قام عند منكبها، ثم قال "اللهم عبدك وابن عبدك، أنت خلقته، وأنت هديته للإسلام، وأنت قبضت روحه وأنت أعلم بسريرته وعلانيته جئنا شفعاء له، اللهم إنا نستجير بحبل جوارك له فإنك ذو وفاء وذو رحمة أعذه من فتنة القبر وعذاب جهنم، اللهم إن كان محسناً فزد في إحسانه، وإن كان مسيئاً فتجاوز عن سيئاته، اللهم نور له في قبره وألحقه بنبيه". قال يقول هذا كلما كبر، وإذا كانت التكبيرة الآخرة قال مثل ذلك ثم يقول "اللهم صل على محمد وبارك على محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم صل على أسلافنا وأفراطنا، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات". ثم ينصرف. كذا في جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام للحافظ ابن القيم.
وقال في زاد المعاد: وروى يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد المقبري عن أبي هريرة أنه سأل عبادة بن الصامت عن الصلاة على الجنازة فقال أنا والله أخبرك، تبدأ فتكبر ثم تصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وتقول: اللهم إن عبدك فلان كان لا يشرك بك وأنت أعلم به إن كان محسناً فزد في إحسانه، فذكر مثل حديث مالك.
قال في جلاء الأفهام: والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الجنازة بعد التكبيرة الثانية لا خلاف في مشروعيتها، واختلف في توقف صحة الصلاة عليها.
قال الشافعي وأحمد في المشهور من مذهبهما إنها واجبة في الصلاة لا تصح الصلاة إلا

(8/354)


بها. ورواه البيهقي عن عبادة بن الصامت وغيره من الصحابة. وقال مالك وأبو حنيفة تستحب وليست بواجبة وهو وجه لأصحاب الشافعي.
فالمستحب أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في الجنازة كما يصلي عليه في التشهد، لأن النبي صلى الله عليه وسلم علم ذلك أصحابه لما سألوه عن كيفية الصلاة عليه.
وفي مسائل عبد الله بن أحمد عن أبيه قال يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويصلي على الملائكة المقربين.
قال القاضي إسماعيل فيقول اللهم صل على ملائكتك المقربين وأنبيائك والمرسلين وأهل طاعتك أجمعين من أهل السماوات والأرضين إنك على كل شيء قدير انتهى.
وأخرج الحاكم في المستدرك أخبرنا أبو النصر الفقيه حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي حدثنا سعيد بن أبي مريم حدثنا موسى بن يعقوب الزمعي حدثني شرحبيل بن سعد قال حضرت عبد الله بن عباس صلى بنا على جنازة بالأبواء وكبر ثم قرأ بأم القرآن رافعاً صوته بها، ثم صلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال اللهم عبدك وابن عبدك وابن أمتك، يشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، ويشهد أن محمداً عبدك ورسولك أصبح فقيراً إلى رحمتك وأصبحت غنياً عن عذابه، إن كان زاكياً فزكه، وإن كان مخطئاً فاغفر له، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده، ثم كبر تكبيرات ثم انصرف. فقال يا أيها الناس إني لم أقرأ عليها إلا لتعلموا أنها السنة.
قال الحاكم: لم يحتج الشيخان بشرحبيل بن سعد وهو تابعي من أهل المدينة وإنما أخرجت هذا الحديث شاهداً للأحاديث التي قدمنا فإنها مختصرة بجملة وهذا حديث مفسر. انتهى.
وأما صيغ الأدعية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم عن الصحابة، فروى من حديث أبي هريرة وعائشة وأبي إبراهيم الأشهلي عن أبيه وعوف بن مالك وواثلة بن الأسقع وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس ويزيد بن عبد الله بن ركانة والحارث بن نوفل القرشي، فحديث أبي هريرة رواه أصحاب السنن الأربعة إلا النسائي وأحمد وابن حبان والحاكم بلفظ: "اللهم اغفر لحينا وميتنا" إلى آخره، وقد تقدم.
قال الحاكم: وهذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وروى عنه بلفظ: "اللهم أنت ربها، وأنت خلقتها" وتقدم أيضاً في ذلك الباب.

(8/355)


وحديث عائشة رضي الله عنها أخرجه الحاكم في المستدرك حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا محمد بن سنان القزاز حدثنا عمر بن يونس بن القاسم اليمامي حدثنا عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمَن قال: "سألت عائشة أم المؤمنين كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم على الميت؟ قالت كان يقول اللهم اغفر لحينا وميتنا، وذكرنا وأنثانا وغائبنا وشاهدنا، وصغيرنا وكبيرنا. اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان" قال الحاكم صحيح على شرط مسلم.
قلت: محمد بن سنان القزاز نزيل بغداد. قال الدارقطنى لا بأس به، وضعفه أبو داوود وبن خراش.
وحديث أبي إبراهيم الأشهلي عن أبيه أخرجه الترمذي والنسائي وأحمد وابن الجارود واللفظ للترمذي من طريق الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير قال حدثني أبو إبراهيم الأشهلي عن أبيه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى على الجنازة قال اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا".
قال يحيى وحدثني أبو سلمة بن عبد الرحمَن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك وزاد فيه: "اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان".
قال أبو عيسى: حديث والد أبي إبراهيم حديث حسن صحيح.
وروى هشام الدستوائي وعلي بن المبارك هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمَن عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً. وروى عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وحديث عكرمة بن عمار غير محفوظ وعكرمة ربما يهم في حديث يحيى، وروى عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال أبو عيسى: وسمعت محمداً يقول أصح الروايات في هذا حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي إبراهيم الأشهلي عن أبيه قال وسألته عن اسم أبي إبراهيم الأشهلي فلم يعرفه انتهى كلام الترمذي.
وأما حديث عوف بن مالك فأخرجه مسلم والترمذي مختصراً وابن الجارود واللفظ لمسلم من طريق حبيب بن عبيد عن جبير بن نفير سمعه يقول سمعت عوف بن مالك يقول: "صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على جنازة فحفظت من دعائه وهو يقول اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نُزُله، ووسّع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرَد، ونقّه من الخطايا كما نقّيْت الثوبّ الأبيضّ من الدنس، وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلا خيراً من أهله، وزوجاً خيراً

(8/356)


من زوجة، وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار. قال حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت".
وفي رواية لمسلم "وقه فتنة القبر وعذاب النار" قال عوف "فتمنيت أن لو كنت أنا الميت لدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك الميت" وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. وقال محمد بن إسماعيل أصح شيء في هذا الباب هذا الحديث انتهى.
وحديث واثلة بن الأسقع أخرجه المؤلف وابن ماجه قال: "صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل من المسلمين فسمعته يقول اللهم إن فلان ابن فلان في ذمتك" الحديث وتقدم في آخر الباب.
وأما حديث عبد الله بن مسعود فتقدم من رواية أبي ذر الهروي.
وحديث ابن عباس تقدم أيضاً من رواية الحاكم.
وحديث يزيد بن عبد الله أخرجه الحاكم في المستدرك بقوله حدثنا أبو محمد عبد العزيز بن عبد الرحمَن الخلال بمكة حدثنا عبد الرحمَن بن إسحاق الكاتب حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي حدثنا الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن يزيد بن عبد الله بن ركانة بن المطلب قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام للجنازة ليصلي عليها قال اللهم عبدك وابن أمتك احتاج إلى رحمتك وأنت غنى عن عذابه، إن كان محسناً فزد في إحسانه، وإن كان مسيئاً فتجاوز عنه" هذا إسناد صحيح، ويزيد بن ركانة. أبو ركانة بان عبد يزيد صحابيان من بني المطلب بن عبد مناف ولم يخرجاه انتهى.
وأما حديث الحارث بن نوفل فأخرجه الطبراني من حديث عبد الله بن الحارث عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم علمهم الصلاة على الميت "اللهم اغفر لأحيائنا وأمواتنا وأصلح ذات بيننا وألف بين قلوبنا، اللهم هذا عبدك فلان بن فلان لا نعلم إلا خيراً وأنت أعلم به فاغفر لنا وله" كذا في عمدة القاري وأسد الغابة.
فهذه صيغ الأدعية المأثورة، وقد وقع في كتب الفقه ذكر أدعية غير المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم، والتمسك بالثابت عنه صلى الله عليه وسلم ألزم وأوكد، واختلاف الأحاديث في ذلك محمول على أنه كان يدعو لميت بدعاء ولاَخر بآخر، والذي أمر به صلى الله عليه وسلم إخلاص الدعاء، فللرجل المتبع للسنة أنه يدعو بهذه الألفاظ الواردة في هذه الأحاديث سواء كان الميت ذكراً أو أنثى ولا يحول

(8/357)


الضمائر المذكرة إلى صيغة التأنيث إذا كان الميت أنثى، لأن مرجعها الميت وهو يقال على الذكر والأنثى. كذا قال الشوكاني رحمه الله وكلامه هذا حسن جداً.
فحصل من مجموع الأحاديث المذكورة في هذا الباب أن المشروع في صلاة الجنازة الثناء على الله تعالى ثم قراءة الفاتحة بعد التكبيرة الأولى، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يدعو للميت، ثم يكبر ثانياً ولا يقرأ الفاتحة بل يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويستكثر من الدعاء للميت مخلصاً له، ثم يكبر ثالثاً ويصلي ويدعو مثل ما فعل بعد التكبير الثاني، ثم يكبر رابعاً من غير قراءة شيء من الدعاء وغيره ويسلم بعد ذلك والله أعلم.
وقال العلامة الشوكاني في النيل: واعلم أنه لم يرد تعيين موضع هذه الأدعية فإن شاء المصلى جاء بما يختار منها دفعة، إما بعد فراغه من التكبير، أو بعد التكبيرة الأولى أو الثانية أو الثالثة، أو يفرقه بين كل تكبيرتين، أو يدعو بين كل تكبيرتين بواحد من هذه الأدعية ليكون مؤدياً لجميع ما روى عنه صلى الله عليه وسلم. وأما حديث عبد الله بن أبي أوفى الذي عند أحمد فليس فيه أنه لم يدع إلا بعد التكبيرة الرابعة إنما فيه أنه دعا بعدها وذلك لا يدل على أن الدعاء مختص بذلك الموضع انتهى.
قلت: والأحب أن يستكثر في الدعاء ويجمع بين هذه الدعوات المأثورة في التكبيرات، لأن هذه الصلاة دعاء للميت واستغفار له، والاستكثار والمبالغة مطلوب فيهما والله أعلم.
وقد جاء الدعاء بعد التكبيرة الرابعة وقبل السلام أيضاً لما أخرجه أحمد في مسنده عن عبد الله بن أبي أوفى "أنه ماتت ابنة له فيكبر عليها أربعاً ثم قام بعد الرابعة قدر ما بين التكبيرتين يدعو ثم قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع في الجنازة هكذا" وأخرجه ابن ماجه بمعناه كما سيجيء.
ولفظا الحاكم في المستدرك "ثم صلى عليها فكبر عليها أربعاً ثم قام بعد الرابعة قدر ما بين التكبيرتين ويستغفر لها ويدعو وقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع هكذا" قال الحاكم: حديث صحيح. وفي التلخيص: ورواه أبو بكر الشافعي في الغيلانيات وزاد "ثم سلم على يمينه وشماله ثم قال: لا أزيد على ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع" وفي رواية البيهقي في سننه الكبرى من طريق إبراهيم بن مسلم الهجري حدثنا عبد الله بن أبي أوفى "أنه صلى على جنازة ابنته فكبر أربعاً حتى ظننت أنه سيكبر خمساً ثم سلم عن يمينه وعن شماله، فلما انصرف قلنا له ما هذا؟ فقال إني لا أزيد على ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع وهكذا كان يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم"

(8/358)


وفيه دليل على استحباب الدعاء بعد التكبيرة الآخرة قبل التسليم، وفيه خلاف، والراجح الاستحباب لهذا الحديث. كذا في النيل. وأما التسليم فقد جاء أنه يسلم عن يمينه وعن شماله كما في سائر الصلوات، والدليل على ذلك حديث عبد الله بن أبي أوفى المتقدم.
وأخرج البيهقي في المعرفة عن عبد الله بن مسعود قال: "ثلاث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلهن تركهن الناس، إحداهن التسليم على الجنائز مثل التسليمتين في الصلاة" انتهى. كذا نقله العيني في شرح البخاري. ونقل ابن القيم في زاد المعاد والشوكاني في النيل بلفظ "التسليم على الجنازة مثل التسليم في الصلاة" وعند ابن أبي شيبة في المصنف بسند جيد عن جابر بن زيد والشعبي وإبراهيم النخعي أنهم كانوا يسلمون تسليمتين انتهى. وقال في زاد المعاد: وأما هديه صلى الله عليه وسلم في التسليم من صلاة الجنازة فروى أنه يسلم واحدة، وروى عنه أنه كان يسلم تسليمتين.
وروى الشافعي في كتاب حرملة عن سفيان عن إبراهيم بن مسلم الهجري وفيه "كبر عليها أربعاً ثم قام ساعة فسبح القوم فسلم ثم قال كنتم ترون أني أزيد على أربع وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر أربعاً ولم يقل عن يمينه وشماله" ورواه ابن ماجه من حديث عبد الله المحاربي حدثنا الهجري قال "صليت مع عبد الله بن أبي أوفى الأسلمى صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم على جنازة ابنة له فكبر عليها أربعاً فمكث بعد الرابعة شيئاً قال فسمعت القوم يسبحون به من نواحي الصفوف فسلم ثم قال: أكنتم ترون أني مكبر خمساً؟ قالوا تخوفنا ذلك، قال لم أكن لأفعل ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكبر أربعاً ثم يمكث ساعة فيقول ما شاء أن يقول ثم يسلم ولم يقل عن يمينه وشماله".
وذكر السلام عن يمينه وعن شماله انفرد عنها شريك عن إبراهيم الهجري والمعروف عن ابن أبي أوفى أنه كان يسلم واحدة. ذكره الإمام أحمد وأحمد ابن القاسم.
قيل لأبي عبد الله أتعرف عن أحد من أصحابه أنهم كانوا يسلمون تسليمتين على الجنازة؟ قال لا ولكن عن ستة من الصحابة أنهم كانوا يسلمون تسليمة خفيفة عن يمينه، فذكر ابن عمر وابن عباس وأبا هريرة وواثلة بن الأسقع وابن أبي أوفى وزيد بن ثابت وزاد البيهقي علي بن أبي طالب وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك وأبا أمامة، فهؤلاء عشرة من الصحابة. انتهى كلام ابن القيم بتغير.
وقال الحاكم في المستدرك تحت حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف: "ثم يسلم

(8/359)


تسليماً خفياً" إلخ. وليس في التسليمة الواحدة على الجنازة أصح منه، وشاهده حديث أبي العنبس سعيد بن كثير ثم ساق روايته بقوله حدثنا أبو بكر ابن أبي دارم الحافظ حدثنا عبد الله بن غنام بن حفص بن غياث حدثني أبي عن أبيه عن أبي العنبس عن أبيه عن أبي هريرة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على جنازة فكبر عليها أربعاً وسلم تسليماً".
التسليمة الواحدة على الجنازة قد صحت الرواية فيه عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله وعبد الله بن أبي أوفى وأبي هريرة أنهم كانوا يسلمون على الجنازة تسليمة. انتهى كلام الحاكم وزاد العيني في شرح البخاري وأنس وجماعة من التابعين وهو قول مالك وأحمد وإسحاق، ثم هل يسر بها أو يجهر، فعن جماعة من الصحابة والتابعين إخفاؤها، وعن مالك يسمع بها من يليه، وعن أبي يوسف لا يجهر كل الجهر ولا يسر كل الإسرار، كذا في عمدة القاري.
وأما وضع اليمنى على اليسرى في صلاة الجنازة ورفع اليدين فيها فأخرج الترمذي في باب رفع اليدين على الجنازة من كتاب الجنائز حدثنا القاسم بن دينار الكوفي أخبرنا إسماعيل بن أبان الوراق عن يحيى بن يعلى الأسلمي عن أبي فروة يزيد بن سنان عن زيد بن أبي أنيسة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر على جنازة فرفع يديه في أول تكبيرة ووضع اليمنى على اليسرى".
قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه واختلف أهل العلم في هذا، فرأى أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم أن أن يرفع الرجل يديه في كل تكبيرة على الجنازة، وهو قول ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق. وقال بعض أهل العلم: لا يرفع يديه إلا في أول مرة، وهو قول الثوري وأهل الكوفة. وذكر عن ابن المبارك أنه قال في الصلاة على الجنازة لا يقبض بيمينه على شماله ورأى بعض أهل العلم أن يقبض بيمينه على شماله كما يفعل في الصلاة قال أبو عيسى يقبض أحب إلى انتهى كلامه.
وقال البيهقي في سننه: باب ما جاء في وضع اليمنى على اليسرى في صلاة الجنازة وأورد فيه حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى على جنازة رفع يديه في أول تكبيرة ثم يضع يده اليمنى على يده اليسرى" قال البيهقي تفرد به يزيد بن سنان انتهى.
وقال الحافظ المزي في الأطراف بعد ذكر رواية الترمذي: ورواه الحسن بن عيسى عن

(8/360)


إسماعيل بن أبان الوراق عن يحيى بن يعلى عن يونس بن خباب عن الزهري نحوه انتهى. قلت يونس ابن خباب ضعيف.
وأعل ابن القطان رواية الترمذي بأبي فروة ونقل تضعيفه عن أحمد والنسائي وابن معين والعقيلي. قال: وفيه علة أخرى وهو أن يحيى بن يعلى الراوي عن أبي فروة وهو أبو زكريا القطواني الأسلمي هكذا صرح به الدارقطني وهو ضعيف.
وأخرج الدارقطني في سننه من طريق الفضل بن السكن حدثنا هشام بن يوسف حدثنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه على الجنازة في أول تكبيرة ثم لا يعود" انتهى وسكت عنه لكن أعله العقيلي في كتابه بالفضل بن السكن وقال إنه مجهول انتهى. قال الزيلعي: ولم أجده في ضعفاء ابن حبان.
ويعارضه ما أخرجه الدارقطني في علله عن عمر بن شبة حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا يحيى بن سعيد عن نافع عن ابن عمر "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى على الجنازة رفع يديه في كل تكبيرة وإذا انصرف سلم" قال الدارقطني: هكذا رفعه عمر بن شبة، وخالفه جماعة فرووه عن يزيد بن هارون موقوفاً وهو الصواب انتهى. ولم يرو البخاري في كتابه المفرد في رفع اليدين شيئاً في هذا الباب إلا حديثاً موقوفاً على ابن عمرو حديثاً موقوفاً على عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه انتهى كلام الزيلعي وأخرجه البيهقي عن ابن عمر قال الحافظ: سنده صحيح ورواه الطبراني في الأوسط في ترجمة موسى بن عيسى مرفوعاً وقال: لم يروه عن نافع إلا عبد الله بن محرر. تفرد به عباد بن صهيب. قال في التلخيص: وهما ضعيفان.
وروى الشافعي عمن سمع سلمة بن ورد أن يذكر عن أنس أنه كان يرفع يديه كلما كبر على الجنازة.
وروى أيضاً الشافعي عن عروة وابن المسيب مثل ذلك. قال: وعلى ذلك أدركنا أهل العلم ببلدنا انتهى.
وحكى ابن المنذر مشروعية الرفع عند كل تكبيرة عن ابن عمر وعمر بن عبد العزيز وعطاء وسالم بن عبد الله وقيس بن أبي حازم والزهري والأوزاعي وأحمد وإسحاق، واختاره بن المنذر. وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحاب الرأي إنه لا يرفع عند سائر التكبيرات بل عند الأولى فقط، وعن مالك ثلاث روايات الرفع في الجميع، وفي الأولى فقط، وعدمه في كلها والله أعلم.

(8/361)


وأما الصلاة على الطفل الذي لم يبلغ الحلم، فكالصلاة على الكبير، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بسند صحيح أنه علم أصحابه دعاء آخر للميت الصغير غير الدعاء الذي علمهم للميت الكبير بل كان يقول "اللهم اغفر لحينا وميتنا، وصغيرنا وكبيرنا" كما عرفت.
وأخرج مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد أنه قال سمعت سعيد بن المسيب يقول صليت وراء أبي هريرة على صبي لم يعمل خطيئة قط فسمعته يقول: "اللهم أعذه من عذاب القبر" انتهى. فالدعاء للطفل على معنى الزيادة كما كانت الانبياء عليهم الصلاة والسلام تدعو الله أن يرحمها وتستغفره.
لكن روى المستغفري في الدعوات من حديث علي بن أبي طالب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا علي إذا صليت على جنازة فقل اللهم عبدك وابن عبدك وابن أمتك ماض في حكمك ولم يكن شيئاً مذكوراً زارك وأنت خير مزور، اللهم لقنه حجته وألحقه بنبيه، ونور له في قبره، ووسع عليه في مدخله، وثبته بالقول الثابت فإنه افتقر إليك واستغنيت عنه وكان يشهد أن لا إله إلا أنت، فاغفر له، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده. يا علي وإذا صليت على امرأة فقل أنت خلقتها ورزقتها وأنت أحييتها وأنت أمتها وأنت أعلم بسرها وعلانيتها، جئناك شفعاء لها، اغفر لها، اللهم لا تحرمنا أجرها ولا تفتنا بعدها. يا علي وإذا صليت على طفل قل اللهم اجعل لأبويه سلفاً، واجعل لهما نوراً وسداداً أعقب والديه الجنة إنك على كل شيء قدير" كذا في عمدة القاري شرح البخاري.
والحديث ينظر في إسناده، والغالب فيه الضعف.
وقال الحافظ في التلخيص: روى البيهقي من حديث أبي هريرة أنه كان يصلي على النفوس "اللهم اجعله لنا فرطاً وسلفاً وأجراً". وفي جامع سفيان عن الحسن في الصلاة على الصبي "اللهم اجعله لنا سلفاً واجعله لنا فرطاً واجعله لنا أجراً" انتهى.
وفي سنن ابن ماجه عن أبي هريرة قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: "صلوا على أطفالكم فإنهم من أفراطكم" وقال في الفتح وعند عبد الوهاب بن عطاء في كتاب الجنائز له عن سعيد بن أبي عروبة أنه سئل عن الصلاة على الصبي فأخبرهم عن قتادة عن الحسن "أنه كان يكبر ثم يقرأ فاتحة الكتاب ثم يقول اللهم اجعله لنا سلفاً وفرطاً وأجراً" انتهى وفي الهداية ولا يستغفر للصبي ولكن يقول: اللهم اجعله لنا فرطاً واجعله لنا أجراً وذخراً واجعله لنا شافعاً ومشفعاً.

(8/362)


وقال العيني في شرح الهداية لأن الصبي مرفوع القلم عنه ولا ذنب له ولا حاجة إلى الاستغفار.
وفي البدائع إذا كان الميت صبياً يقول اللهم اجعله لنا فرطاً وذخراً وشفعه فينا. كذا روى عن أبي حنيفة، وهو مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي المحيط إذا كان الميت صبياً يقول اللهم اجعله لنا فرطاً، اللهم اجعله لنا ذخراً، اللهم اجعله لنا شافعاً ومشفعاً. وفي المفيد: ويدعو لوالديه وللمؤمنين. وقيل يقول اللهم ثقل موازينهما وأعظم به أجورهما، اللهم اجعله في كفالة إبراهيم وألحقه بصالح المؤمنين وأبدله داراً خيراً من داره وأهلاً خيراً من أهله، اللهم اغفر لسلفنا وفرطنا ومن سبقنا بالإيمان انتهى كلام العيني. وإنما أطلنا الكلام فيه لشدة الاحتياج إليه والله أعلم.

(8/363)