Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود

المجلد التاسع
تابع لكتاب الجنائز
باب الصلاة على القبر
...
بسم الله الرحمن الرحيم
61- باب الصلاة على القبر
3201 - حدثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ وَمُسَدّدٌ قالا حدثنا حَمّادٌ عن ثَابِتٍ عن أبي
ـــــــ
باب الصلاة على القبر
قال الإمام أحمد بن حنبل: رويت الصلاة على القبر عن النبي صلى الله عليه وسلم من ستة وجوه حسان كلها. قال ابن عبدالبر بل من تسعة كلها حسان وساقها كلها بأسانيده في تمهيده من حديث سهل بن حنيف وأبي هريرة وعامر ابن ربيعة وابن عباس وزيد بن ثابت والخمسة في صلاته على المسكينة، وسعد بن عبادة في صلاة المصطفى على أم سعد بعد دفنها بشهر، وحديث الحصين بن وحوح في صلاته صلى الله عليه وسلم على قبر طلحة بن البراء ثم رفع يديه وقال: "اللهم الق
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله
وقد روى البخاري عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قام على قبر منبوذ فأمهم وصلوا خلفه قال الترمذي وفي الباب عن أنس وبريدة وزيد بن ثابت وأبي هريرة وعامر بن ربيعة وأبي قتادة وسهل بن حنيف قال الترمذي وحديث ابن عباس حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق وقال بعض أهل العلم لا يصلى على القبر وهو قول مالك بن أنس وقال عبد الله بن المبارك إذا دفن الميت ولم يصل عليه صلي على القبر
وقال الإمام أحمد ومن يشك في الصلاة على القبر يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم من ستة وجوه حسان وقد روى مسلم في صحيحه عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قبر
وفي الصحيحين عن ابن عباس قال مات إنسان كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوده نذكر الحديث وفيه فأتى قبره فصلى عليه ولكن هذه الأحاديث إنما تدل على قول ابن المبارك فإنها وقائع أعيان والله أعلم

(9/3)


رَافِعٍ عن أبي هُرَيْرَةَ: أنّ امْرَأةً سَوْدَاءَ وَرَجُلاً كَانَ يَقُمّ المَسْجِدَ، فَفَقَدَهُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَسَألَ عَنْهُ، فَقِيلَ مَاتَ، فقالَ: "ألاّ آذَنْتُمُونِي بِهِ"، قال: "دُلّونِي عَلَى قَبْرِهِ"، فَدَلّوهُ، فَصَلّى عَلَيْهِ .
ـــــــ
طلحة يضحك إليك وتضحك إليه" وحديث أبي أمامة بن ثعلبة أنه صلى الله عليه وسلم رجع من بدر وقد توفيت أم أبي أمامة فصلى عليها، وحديث أنس أنه صلى الله عليه وسلم صلى على امرأة بعد ما دفنت وهو محتمل للمسكينة وغيرها، وكذا ورد من حديث بريدة عند البيهقي بإسناد حسن وهو في المسكينة في عشرة أوجه. كذا في شرح الموطأ للزرقاني. فالصلاة على قبر ذلك الميت لمن لم يصل عليه ثابت بالسنة المطهرة، سواء صُلّي على ذلك الميت قبله أم لا، وهذا هو مذهب جماعة من الصحابة والتابعين.
قال في زاد المعاد: وكان من هديه صلى الله عليه وسلم إذا فاتته الصلاة على الجنازة صلى على القبر، فصلى على قبر بعد ليلة، ومرة بعد ثلاث، ومرة بعد شهر، ولم يوقت في ذلك وقتاً. وحدّ أحمد بن حنبل الصلاة على القبر بشهر إذ هو أكثر ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن صلى بعده. وحد الشافعي بما إذا لم يبل الميت انتهى. وتأول بعضهم بأن هذا مخصوص بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا باطل، فإن في رواية البخاري من طريق عامر عن ابن عباس "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بقبر دفن ليلاً وفيه: فصففنا خلفه قال ابن عباس وأنا فيهم فصلى عليه" وفي الموطأ "فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صف بالناس على قبرها وكبر أربع تكبيرات.
"كان يقم" بضم القاف وتشديد الميم. قال الخطابي: معناه يكنس والقمامة الكناسة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا آذنتموني به" أي أخبرتموني بموته لأصلي عليه قال النبي صلى الله عليه وسلم: "دُلوني" بضم الدال أمر من الدلالة "فصلى عليه" أي على قبره.
قال الحافظ زاد ابن حبان في رواية حماد بن سلمة عن ثابت ثم قال: "إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها وإن الله ينوّرها عليهم بصلاتي" وأشار إلى أن بعض المخالفين احتج بهذه الزيادة على أن ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم ثم ساق من طريق خارجة بن زيد بن ثابت نحو هذه القصة وفيها "ثم أتى القبر فصففنا خلفه وكبر عليه أربعاً" قال ابن حبان: في ترك إنكاره صلى الله عليه وسلم على من صلى معه على القبر بيان جواز ذلك لغيره وأنه ليس من خصائصه، وتعقب بأن الذي يقع بالتبعية لا ينهض دليلاً للأصالة انتهى.
قلت: لا يليق بشأن الحافظ أن ينقل قول هذا المتعقب، فإن قوله هذا غلط باطل، ويكفي لرده قوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} وقال الخطابي: وفيه بيان جواز الصلاة على القبر لمن لم يلحق الصلاة على الميت قبل الدفن، وفي الصلاة اختلاف، فمن العلماء

(9/4)


........................................
ـــــــ
من قال يصلى على القبر ما لم يبل صاحبه، ومنهم من قال إلى شهر، ومنهم من قال أبداً انتهى.
قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم وابن ماجه.

(9/5)


62- باب الصلاة على المسلم يموت في بلاد الشرك
3202 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ قال قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ بنِ أنَسٍ عن ابنِ شِهَابٍ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ عن أبي هُرَيْرَةَ: "أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نَعَى لِلنّاسِ النّجَاشِيّ في الْيَوْمِ
ـــــــ
"باب الصلاة على المسلم يموت في بلاد الشرك"
هكذا في نسخ الكتاب، ولكن أورد المنذري والخطابي ترجمة الباب بلفظ آخر، ولفظ المنذري باب الصلاة على المسلم قتله أهل الشرك في بلد آخر ولفظ الخطابي باب الصلاة على المسلم يليه أهل الشرك، وهكذا نقل الحافظ أيضاً في الفتح ترجمة الباب عن أبي داوود.
"نعى للناس النجاشي" أي أخبر الناس بموته. وفي رواية للبخاري ومسلم عن جابر قال النبي صلى الله عليه وسلم "قد توفي اليوم رجل صالح من الحبش فهلموا فصلوا عليه، فصففنا خلفه فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه ونحن صفوف".
وفي رواية الشيخين من حديث أبي هريرة "أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وكبر أربعاً" وأخرجاه عن جابر أيضاً "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على النجاشي فكنت في الصف الثاني أو الثالث" انتهى.
وعند أحمد من حديث أبي هريرة "نعى النجاشي لأصحابه ثم قال استغفروا له ثم خرج بأصحابه إلى المصلى، ثم قام فصلى بهم كما يصلي على الجنازة" وفي رواية لأحمد عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن أخاكم النجاشي قد مات فقوموا فصلوا عليه، قال قمنا فصففنا عليه كما يصف على الميت وصلينا عليه كما يصلى على الميت" قال في الفتح النجاشي بفتح النون وتخفيف الجيم وبعد الألف شين معجمة ثم ياء ثقيلة كياء النسب، وقيل بالتخفيف ورجحه الصغاني وهو لقب من ملك الحبشة. وحكى المطرزي تشديد الجيم عن بعضهم وخطّأه انتهى. واسم النجاشي أصحمة قال النووي: هو بفتح الهمزة وإسكان الصاد وفتح الحاء المهملتين، وهذا الذي وقع في رواية مسلم هو الصواب المعروف فيه، وهكذا هو في كتب الحديث والمغازي وغيرها، ووقع في مسند ابن شيبة في هذا الحديث تسميته صحمة بفتح الصاد وإسكان الحاء وقال هكذا قال لنا يزيد وإنما هو صمحة يعني بتقديم الميم

(9/5)


الّذِي مَاتَ فِيهِ وَخَرَجَ بِهِمْ إلَى المُصَلّى فَصَفّ بِهِمْ وَكَبّرَ أرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ" .
ـــــــ
على الحاء وهذان شاذان والصواب أصحمة بالألف. قال ابن قتيبة وغيره ومعناه بالعربية عطية انتهى "إلى المصلى" بضم الميم وفتح اللام المشددة وهو الموضع الذي يتخذ للصلاة على الموتى فيه "وكبر أربع تكبيرات" قد استدل المؤلف بهذا الحديث على أنه لا يصلى على الغائب إلا إذا وقع موته بأرض ليس بها من يصلي عليه، كما يلوح من ترجمة الباب. وممن اختار هذا الشيخ الخطابي وشيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة المقبلي.
قال الحافظ في الفتح: واستدل به على مشروعية الصلاة على الميت الغائب عن البلد، وبذلك قال الشافعي وأحمد وجمهور السلف، حتى قال ابن حزم لم يأت عن أحد من الصحابة منعه.
قال الشافعي: الصلاة على الميت دعاء له وهو إذا كان ملففاً يصلى عليه فكيف لا يدعي له وهو غائب أو في القبر بذلك الوجه الذي يدعى له به وهو ملفف. وعن الحنفية والمالكية لا يشرع ذلك.
وقد اعتذر من لم يقل بالصلاة على الغائب عن قصة النجاشي بأمور منها أنه كان بأرض لم يصل عليه بها أحد فتعينت الصلاة عليخ لذلك، ومن ثم قال الخطابي لا يصلى على الغائب إلا إذا وقع موته بأرض ليس بها من يصلي عليه، واستحسنه الروياني من الشافعية وبه ترجم أبو داوود في السنن الصلاة على المسلم يليه أهل الشرك ببلد آخر، وهذا محتمل إلا أنني لم أقف في شيء من الأخبار على أنه لم يصلّ عليه في بلده انتهى وتعقبه الزرقاني في شرح الموطأ فقال وهو مشترك الإلزام، فلم يرو في شيء من الأخبار أنه صلى عليه أحد في بلده كما جزم به أبو داوود ومحله في اتساع الحفظ معلوم انتهى.
قلت نعم ما ورد فيه شيء نفياً ولا إثباتاً لكن من المعلوم أن النجاشي أسلم وشاع إسلامه، ووصل إليه جماعة من المسلمين مرة بعد مرة وكرة بعد كرة، فيبعد كل البعد أنه ما صلى عليه أحد من بلده.
وأما ما رواه أبو داوود الطيالسي وأحمد وابن ماجه وغيرهم واللفظ لابن ماجه عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد "أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج بهم فقال صلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم، قالوا من هو؟ قال النجاشي".
ولفظ غيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إن أخاكم مات بغير أرضكم فقوموا فصلوا عليه" فليس فيه

(9/6)


........................................
ـــــــ
حجة للمانعين بل فيه حجة على المانعين، فإن المراد بأرضكم هي المدينة كأن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن النحاشي إن مات في أرضكم المدينة لصليتم عليه، لكنه مات في غير أرضكم المدينة فصلوا عليه صلاة الغائب فهذا تشريع منه وسنة للأمة الصلاة على كل غائب والله أعلم.
قال الحافظ: ومن ذلك قول بعضهم كشف له صلى الله عليه وسلم عنه حتى رآه فتكون صلاته عليه كصلاة عليه كصلاة الإمام على ميت رآه ولم يره المأمومون، ولا خلاف في جوازها.
قال ابن دقيق العيد: هذا يحتاج إلى نقل ولا يثبت بالاحتمال، وتعبه بعض الحنفية بأن الاحتمال كاف في مثل هذا من جهة المانع، وكأن مستند قائل ذلك ما ذكره الواحدي في أسبابه بغير إسناد عن ابن عباس قال "كشف للنبي صلى الله عليه وسلم عن سرير النجاشي حتى رآه وصلى عليه".
ولابن حبان من حديث عمران بن حصين "فقام وصفوا خلفه وهم لا يظنون إلا أن جنازته بين يديه" أخرجه من طريق الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة عن أبي المهلب عنه.
ولأبي عوانة من طريق أبان وغيره عن يحيى "فصلينا خلفه ونحن لا نرى إلا أن الجنازة قدامنا".
ومن الاعتذارات أيضاً أن ذلك خاص بالنجاشي لأنه لم يثبت أنه صلى الله عليه وسلم صلى على ميت غائب غيره قاله المهلب، وكأنه لم يثبت عنده قصة معاوية الليثي وقد ذكرت في ترجمته في الصحابة أن خبره قوي بالنظر إلى مجموع طرقه.
واستند من قال بتخصيص النجاشي بذلك إلى ما تقدم من إرادة إشاعة أنه مات مسلماً أو استئلاف قلوب الملوك الذين أسلموا في حياته. قال النووي: لو فتح باب هذا الخصوص لانسد كثير من ظواهر الشرع، مع أنه لو كان شيء مما ذكروه لتوفرت الدواعي على نقله.
وقال ابن العربي المالكي: قال المالكية: ليس ذلك إلا لمحمد، قلنا وما عمل به محمد تعمل به أمته لأن الأصل عدم الخصوصية قالوا طويت له الأرض وأحضرت الجنازة بين يديه، قلنا إن ربنا عليه لقادر، وإن نبينا لأهل لذلك، ولكن لا تقولوا إلا ما رويتم ولا نخترعوا حديثاً من عند أنفسكم، ولا تحدثوا إلا بالثابتات، ودعوا الضعاف فإنها سبيل تلاف إلى ما ليس له تلاف.
وقال الكرماني قولهم رفع الحجاب عنه ممنوع، ولئن سلمنا فكان غائباً عن الصحابة الذين صلوا عليه مع النبي صلى الله عليه وسلم، قلت وسبق إلى ذلك الشيخ أبو حامد في تعليقه، ويؤيده

(9/7)


............................................
ـــــــ
حديث مجمع بن جارية بالجيم والتحتانية في قصة الصلاة على النجاشي قال "فصففنا خلفه صفين وما نرى شيئاً" أخرجه الطبراني وأصله في ابن ماجه لكن أجاب بعض الحنفية عن ذلك بما تقدم من أنه يصير كالميت الذي يصلي عليه الإمام وهو يراه ولا يراه المأمومون فإنه جائز اتفاقاً انتهى.
وفي زاد المعاد: ولم يكن من هديه وسنته الصلاة على كل ميت غائب فقد مات خلق كثير من المسلمين وهم غيب فلم يصل عليهم، وصح عنه أنه صلى على النجاشي صلاته على الميت، فاختلف في ذلك على ثلاث طرق أحدها أن هذا تشريع منه وسنة للأمة الصلاة على كل غائب، وهذا قول الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه.
وقال أبو حنيفة ومالك هذا خاص به وليس ذلك لغيره، وقاله أصحابهما. ومن الجائز أن يكون رفع له سريره فصلى عليه وهو يرى صلاته على الحاضر المشاهد وإن كان على مسافة من البعد والصحابة وإن لم يروه فهم تابعون للنبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة.
قالوا: ويدل على هذا أنه كان يصلي على كل الغائبين غيره وتركه سنة كما أن فعله سنة، ولا سبيل إلى أحد بعده إلى إن يعاين سرير الميت من المسافة البعيدة ويرفع له حتى يصلى عليه، فعلم أن ذلك مخصوص به.
وقد روي عنه أنه صلى على معاوية بن معاوية وهو غائب ولكن لا يصح، فإن في إسناده العلاء بن زيد قال علي بن المديني كان يضع الحديث، ورواه محبوب بن هلال عن عطاء بن أبي ميمونة عن أنس قال البخاري لا يتابع عليه.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: الصواب أن الغائب إن مات ببلد لم يصل عليه فيه صلي عليه صلاة الغائب، كما صلى النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي لأنه مات بين الكفار ولم يصلّ عليه وإن صلي حيث مات لم يصل عليه صلاة الغائب لأن الفرض قد سقط لصلاة المسلمين عليه والنبي صلى الله عليه وسلم صلى على الغائب وتركه، وفعله وتركه سنة، وهذا له موضع وهذا له موضع، والمشهور عند أصحاب أحمد الصلاة عليه مطلقاً انتهى.
وقال الزيلعي في تخريج أحاديث الهداية، ولأصحابنا عنه أجوبة أحدها أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع له سريره فرآه فيكون الصلاة عليه كميت رآه الإمام ولا يراه المأمومون.
قال الشيخ تقي الدين: وهذا يحتاج إلى نقل بينة ولا يكتفي فيه بمجرد الاحتمال. قلت: ورد ما يدل على ذلك فروى ابن حبان في صحيحه من حديث عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم

(9/8)


............................................
ـــــــ
قال: "إن أخاكم النجاشي توفى فقوموا صلوا عليه" ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفوا خلفه فكبر أربعاً وهم لا يظنون إلا أن جنازته بين يديه.
الثاني: أنه من باب الضرورة لأنه مات بأرض لم يقم فيها عليه فريضة الصلاة، فتعين فرض الصلاة عليه لعدم من يصلي عليه. ثم يدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل على غائب غيره، وقد مات من الصحابة خلق كثير وهم غائبون عنه وسمع بهم فلم يصل عليهم إلا غائبا واحداً انتهى.
وقال الزرقاني: ودلائل الخصوصية واضحة لا يجوز أن يشركه فيها غيره لأنه والله أعلم أحضر روحه بين يديه أو رفعت له جنازته حتى شاهدها كما رفع له بيت المقدس حين سألته قريش عن صفته انتهى.
قلت دعوى الخصوصية ليس عليها دليل ولا برهان، بل قوله صلى الله عليه وسلم "فهلموا فصلوا عليه" وقوله: "فقوموا فصلوا عليه" وقول جابر "فصففنا خلفه فصلى عليه ونحن صفوف" وقول أبي هريرة "ثم قال استغفروا له ثم خرج بأصحابه فصلى بهم كما يصلى على الجنازة" وقول عمران "فقمنا فصففنا عليه كما يصف على الميت وصلينا عليه كما يصلي على الميت" وتقدمت هذه الروايات ببطل دعوى الخصوصية لأن صلاة الغائب إن كانت خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم فلا معنى لأمره صلى الله عليه وسلم أصحابه بتلك الصلاة، بل نهى عنها لأن ما كان خاصاً به صلى الله عليه وسلم لا يجوز فعله لأمته، ألا ترى صوم الوصال لم يرخص لهم به مع شدة حرصهم لأدائه. والأصل في كل أمر من الأمور الشرعية عدم الخصوصية حتى يقوم الدليل عليها، وليس هنا على الخصوصية بل قام الدليل على عدمها.
وأما قولهم رفع له سريره أو أحضر روحه بين يديه، فجوابه أن الله تبارك وتعالى لقادر عليه وأن محمداً صلى الله عليه وسلم لأهل لذلك لكن لم يثبت ذلك في حديث النجاشي بسند صحيح أو حسن، وإنما ذكره الواحدي عن ابن عباس بلا سند فلا يحتج به، ولذا قال ابن العربي: ولا تحدثوا إلا بالثابتات ودعوا الضعاف. وأما ما رواه أبو عوانة وابن حبان من حديث عمران بن حصين فلا يدل على ذلك، فإن لفظه "وهم لا يظنون إلا أن جنازته بين يديه" وفي لفظ "ونحن لا نرى إلا الجنازة قدامنا" ومعنى هذا القول أنا صلينا عليه خلف النبي صلى الله عليه وسلم كما يصلى على الميت والحال أَنا لم نر الميت لكن صففنا عليه كما يصف على الميت كأن الميت قدامنا ونظن أن جنازته بين يديه صلى الله عليه وسلم لصلاته صلى الله عليه وسلم كعلى الحاضر المشاهد، فحينئذ يؤول معنى لفظ هذا الحديث إلى معنى

(9/9)


..............................................
ـــــــ
لفظ أحمد ويؤيد هذا المعنى حديث مجمع عند الطبراني "فصففنا خلفه صفين وما نرى شيئاً" ومن ها هنا اندفع قول العلامة الزرقاني حيث شنع على ابن العربي وقال قد جاء ما يؤيد رفع الحجاب بإسنادين صحيحين من حديث عمران فما حدثنا إلا بالثابتات انتهى.، فإن هذا الحديث لا يدل على رفع الحجاب ولئن سلمنا فكان الميت غائباً عن أصحابه صلى الله عليه وسلم الذين صلوا عليه مع النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما قولهم فيكون الصلاة عليه كميت رآه الإمام ولا يراه المأمومون، فليس بشيء لأن هذا رأي وتصوير صورة في مقابلة النص الصريح وهو فاسد الاعتبار فلا يعبأ به.
وقولهم وتركه سنة كما أن فعله سنة فمنظور فيه لأن العدم والترك ليس بفعل نعم إذا كان العدم مستمراً في زمان النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين ففعله يكون بدعة وها هنا ليس كذلك، وإن كان المراد أن معنى كون العدم والترك سنة مع كون الفعل سنة أنه صلى الله عليه وسلم كان يكتفي بتركه أيضاً فمسلم، لكن لا شك أن مثل هذه السنة لا يثاب فاعله، فإن مصلي الركعتين بعد الجمعة إنما يثاب على الركعتين اللتين صلاهما لا على ترك الآخرين، نعم يكفيه في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم تلك الركعتان، ومصلى الأربعة فثوابه أكمل من ثواب الأول. هذا ملخص كلام العلامة الشهيد محمد إسماعيل الدهلوي.
وأما قولهم أنه من باب الضرورة لأنه مات بأرض لم يقم فيها عليه فريضة الصلاة فتقدم جوابه في ضمن كلام الحافظ.
وقولهم ولم يصل النبي صلى الله عليه وسلم على غائب غير النجاشي وقد مات من الصحابة خلق كثير فجوابه من وجوه.
الوجه الأول لإثبات السنية أو لاستحاب فعل من الأفعال يكفي فيه ورود حديث واحد بالسند الصحيح، سواء كان قولياً أو فعلياً أو سكوتياً، ولا يلزم لإثبات السنية كون الحديث مروياً من جماعة من الصحابة في الواقعات المختلفة وإلا لا يثبت كثير من الأحكام الشرعية التي معمول بها عند جماعة من الأئمة.
والوجه الثاني أن صلاة الجنازة استغفار ودعاء وقد بين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن طريق أدائها بثلاثة أنواع النوع الأول أن يكون الميت مشهوداً حاضراً قدام المصلين فيصلون عليه، وهذا النوع هو الأصل في هذا الباب والعمدة فيه، ولا يجوز غير هذا النوع لمن قدر عليه، لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم قط أنه صلى على الميت الحاضر الشاهد ثم صلى بعده على

(9/10)


.............................................
ـــــــ
قبره أو صلى صلاة الغائب عليه. والنوع الثاني الصلاة على قبر الميت لمن كان حاضراً في تلك البلدة أو القرية لكن ما أمكن من الصلاة على ذلك الميت حتى دفن أو كان غائباً عن ذلك الموضع فلما دخل أخبر بموته فصلى على قبره كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاته على المسكينة أم سعد وأم أبي أمامة وطلحة بن البراء رضي الله عنهم، النوع الثالث أن يكون الميت في بلد آخر وجاء نعيه في بلد آخر فيصلون صلاة الغائب على ذلك الميت من المسافة البعيدة أو القصيرة كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنجاشي ومعاوية بن المزني ولا شك أن العمدة في هذا هو النوع الاول، والفرض قد يسقط لصلاة المسلمين عليه، وأما النوع الثاني والثالث فدعاء محض واستغفار خالص للميت على سبيل الاستحباب لا على سبيل الفرضية.
الوجه الثالث أن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على الميت الغائب فقد روي أنه صلى الله عليه وسلم صلى على أربعة من الصحابة: الأول النجاشي رضي الله عنه وقصته في الكتب الستة وغيرها من حديث جماعة من الصحابة بأسانيد صحيحة، والاعتماد في هذا الباب على حديث النجاشي ويضم اليه غيره من الروايات.
والغائب الثاني معاوية بن معاوية المزني.
والثالث والرابع زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب.
أما معاوية بن معاوية المزني فقد ذكره البغوي وجماعة في الصحابة وقالوا مات في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وردت قصته من حديث أبي أمامة وأنس مسندة، ومن طريق سعيد بن المسيب والحسن البصري مرسلة، فأخرج الطبراني ومحمد بن أيوب بن الضريس في فضائل القرآن، وسمويه في فوائده، وابن مندة والبيهقي في الدلائل، كلهم من طريق محبوب بن هلال عن عطاء بن أبي ميمونة عن أنس بن مالك قال "نزل جبرئيل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال يامحمد مات معاوية بن معاوية المزني أتحب أن تصلى عليه "قال نعم" فضرب بجناحيه فلم يبق أكمة ولا شجرة إلا تضعضعت، فرفع سريره حتى نظر إليه فصلى عليه وخلفه صفان من الملائكة كل صف سبعون ألف ملك، فقال يا جبرئيل بما نال معاوية هذه المنزلة؟ قال بحب {قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ} وقراءته إياها جاثياً وذاهباً وقائماً وقاعداً وعلى كل حال.
وأول حديث ابن الضريس كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالشام كذا ذكره الحافظ في الإصابة.
وأخرج ابن سعد في الطبقات أخبرنا عثمان بن الهيثم البصري حدثنا محبوب بن هلال المزني عن ابن ميمونة عن أنس فذكر نحوه، كذا في نصب الراية. قال: هذا إسناد لا بأس

(9/11)


..............................................
ـــــــ
به، عثمان بن الهيثم البصري قال أبو حاتم كان صدوقاً غير أنه كان يتلقن بآخره. وقال الدارقطني: كان صدوقاً كثير الخطأ، وروى عنه البخاري في صحيحه، كذا في مقدمة الفتح. وأما محبوب بن هلال المزني فقال الذهبي في الميزان: محبوب بن هلال المزني عن عطاء بن أبي ميمونة لا يعرف وحديثه منكر انتهى. وفي زاد المعاد قال البخاري لا يتابع عليه انتهى. وقال الحافظ في الإصابة: ومحبوب قال أبو حاتم ليس بالمشهور، وذكره ابن حبان في الثقات انتهى. وعطاء بن أبي ميمونة البصري مولى أنس وثقة يحيى بن معين والنسائي وأبو زرعة، وقال البخاري: كان يرى القدر وهو من رواة البخاري، كذا في المقدمة.
والطريق الثانية لحديث أنس هي ما ذكرها ابن مندة من رواية يحيى بن أبي محمد عن أنس قال ابن مندة ورواه نوح بن عمرو عن بقية عن محمد بن زياد عن أبي أمامة نحوه، كذا ذكره الحافظ في الإصابة ولم يتكلم عليه ويحيى بن أبي محمد هذا هو يحيى بن محمد بن قيس المحاربي أبو محمد المدني نزيل البصرة قد ضُعّف، لكن قال أبو حاتم يكتب حديثه، وقال أبو زرعة أحاديثه متقاربة سوى حديثين، وذكره ابن عدي في الكامل وذكر له أربعة أحاديث ثم قال: عامة أحاديثه مستقيمة، وروى له مسلم متابعة كذا في الميزان والخلاصة.
والطريق الثالثة هي ما رواها ابن سعد في الطبقات أخبرنا يزيد بن هارون حدثنا العلاء أبو محمد الثقفي سمعت أنس بن مالك قال "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم" فذكر نحوه. كذا في نصب الراية. وقال الحافظ في الإصابة: وأخرجه ابن الأعرابي وابن عبدالبر وغيرهما من طريق يزيد بن هارون أنبأنا العلاء أبو محمد الثقفي سمعت أنس بن مالك يقول "غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك فطلعت الشمس يوماً بنور وشعاع وضياء لم نره قبل ذلك، فتعجب النبي صلى الله عليه وسلم من شأنها إذ أتاه جبريل فقال مات معاوية بن معاوية فبعث الله سبعين ألف ملك يصلون عليه، قال بم ذاك؟ قال بكثرة تلاوته قل هو الله أحد، فذكر نحوه وفيه فهل لك أن تصلى عليه فأقبض لك الأرض؟ قال نعم فصلى عليه" والعلاء أبو محمد هو ابن زيد الثقفي هو واه انتهى.
ورواه البيهقي وضعفه. وقال النووي في الخلاصة: والعلاء هذا ابن زيد ويقال ابن زيد اتفقوا على ضعفه. قال البخاري: وابن عدى وأبو حاتم هو منكر الحديث. قال البيهقي: وروى من طرق أخرى ضعيفة. قاله الزيلعي. وقال الذهبي في الميزان: العلاء بن زيد الثقفي بصري روى عن أنس. قال ابن المديني بضع الحديث، وقال أبو حاتم والدارقطني: متروك الحديث، وقال البخاري وغيره: منكر الحديث وقال ابن حبان: روي عن أنس نسخة موضوعة

(9/12)


.............................................
ـــــــ
منها الصلاة بتبوك صلاة الغائب على معاوية بن معاوية الليثي. قال ابن حبان: وهذا منكر ولا أحفظ في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا والحديث فقد سرقة شيخ شامي فرواه عن بقية عن محمد بن زياد عن أبي أمامة انتهى.
وأما حديث أبي أمامة فأخرجه الطبراني في معجمه الوسط وكتاب مسند الشامبين حدثنا علي بن سعيد الرازي حدثنا نوح بن عمرو السكسكي حدثنا بقية ابن الوليد عن محمد بن زياد الالهاني عن أبي أمامة قال "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك فنزل عليه جبرئيل فقال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن معاوية بن معاوية المزني مات بالمدينة أتحب أن أطوي لك الأرض فتصلي عليه؟ قال نعم، فضرب بجناحه على الأرض، فرفع له سريره، فصلى عليه وخلفه صفان من الملائكة في كل صف سبعون ألف ملك ثم رجع، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل بم أدرك هذا؟ قال بحب سورة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} وقراءته إياها جائياً وقائماً وقاعداً وعلى كل حال" كذا في نصب الراية. وأخرجه أبو أحمد الحاكم قال أنبأنا أبو الحسن أحمد بدمشق حدثنا نوح بن عمرو بن حوي حدثنا بقية حدثنا محمد بن زياد عن أبي أمامة قال "أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبرئيل وهو بتبوك فقال يا محمد اشهد جنازة معاوية بن معاوية المزني، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه، ونزل جبرئيل في سبعين ألف من الملائكة فوضع جناحه الأيمن على الجبال فتواضعت، ووضع جناحه الأيسر على الأرضين فتواضعت حتى نظرنا إلى مكة والمدينة فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وجبرئيل والملائكة" فذكره.
قال الذهبي في الميزان في ترجمة نوح: هذا حديث منكر. وفي الإصابة وأخرجه أبو أحمد الحاكم في فوائده والخلال في فضائل {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } وابن عبد البر جميعاً من طريق نوح فذكر نحوه انتهى.
قال الذهبي في ترجمة نوح: قال ابن حبان يقال إنه سرق هذا الحديث انتهى، لكن قال الحافظ في الإصابة: وقال ابن حبان في ترجمة العلاء من الضعفاء بعد أن ذكر له هذا الحديث سرقه شيخ من أهل الشام فرواه عن بقية فذكره. قلت: فما أدرى عني نوحاً أو غيره فإنه لم يذكر نوحاً في الضعفاء انتهى كلام الحافظ.
وقال الحافظ ابن الأثير في أسد الغابة معاوية بن معاوية بن مقرن المزني ويقال الليثي ويقال معاوية بن مقرن المزني: قال أبو عمرو هو أولى بالصواب توفي في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم روى حديثه محبوب بن هلال المزني عن ابن أبي ميمونة عن أنس، ورواه يزيد بن هارون عن العلاء

(9/13)


................................................
ـــــــ
أبي محمد الثقفي عن أنس، فقال معاوية بن معاوية الليثي، ورواه بقية بن الوليد عن محمد بن زياد عن أبي أمامة الباهلي نحوه.
وقال معاوية بن مقرن المزني: قال أبو عمر: أسانيد هذه الأحاديث ليست بالقوية، قال ومعاوية بن مقرن المزني وإخوته النعمان وسويد ومعقل وكانوا سبعة معروفين في الصحابة مشهورين، قال وأما معاوية بن معاوية المزني فلا أعرفه بغير ما ذكرت، وفضل {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } لا ينكر انتهى.
وفي تجريد أسماء الصحابة للحافظ الذهبي: معاوية بن معاوية المزني ويقال معاوية بن مقرن المزني توفي في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم إن صح فهو الذي قيل توفي بالمدينة فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم وهو بتبوك، ورفع له جبرئيل الأرض، وله طرق كلها ضعيفة انتهى.
وفي الإصابة قال ابن عبد البر: أسانيد هذا الحديث ليست بالقوية ولو أنها في الأحكام لم يكن شيء منها حجة ومعاوية بن مقرن المزني معروف هو وإخوته وأما معاوية بن معاوية فلا أعرفه. قال ابن حجر: قد يحتج به من يجيز الصلاة على الغائب، ويدفعه ما ورد أنه رفعت الحجب حتى شهد جنازته فهذا يتعلق بالأحكام انتهى.
وأما طريق سعيد بن المسيب فقال الحافظ: رويناها في فضائل القرآن لابن الضريس من طريق علي بن زيد بن جدعان عن سعيد.
وأما طريق الحسن البصري فأخرجها البغوي وابن مندة من طريق صدقة بن أبي سهل عن يونس بن عبيد عن الحسن عن معاوية بن معاوية المزني "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان غازياً بتبوك فأتاه جبرئيل فقال يا محمد هل لك في جنازة معاوية بن معاوية المزني" فدكر الحديث، وهذا المرسل.
وليس المراد بقوله عن أداة الرواة وإنما تقدير الكلام أن الحسن أخبر عن قصة معاوية المزني انتهى.
والحاصل أن الأمر كما قال الحافظ ابن عبدالبر والبيهقي والذهبي أن أسانيد هذه الأحاديث ليست بالقوية لكن فيه التفصيل وهو أن حديث أنس روي من ثلاثة طرق: فطريق أبي محمد العلاء الثقفي عنه ضعيفة جداً لا يجوز الاحتجاج بمثل هذا السند.
وأما طريق محبوب بن هلال فلا بأس به لا ينحط درجته عن الحديث الحسن لغيره

(9/14)


..............................................
ـــــــ
ومحبوب وإن لم يعرفه الذهبي وقال حديثه منكر فقد ذكره ابن حبان في الثقات وإنما قال البخاري لا يتابع عليه، وقال أبو حاتم ليس بالمشهور.
وقد قال الذهبي في ترجمة علي بن المديني: فانظر إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبار والصغار ما فيهم أحد إلا وقد انفرد بسنة وكذلك التابعون كل واحد عنده ما ليس عند الآخر من العلم، فإن تفرد الثقة المتقن يعد صحيحاً غريباً، وإن تفرد الصدوق ومن دونه يعد منكراً انتهى مختصراً ومحبوب لا ينزل عن درجة الصدوق والله أعلم.
وأما طريق يحيى بن أبي محمد فهو أدون من طريق محبوب.
وأما سند حديث أبي أمامة أيضاً فلا بأس به وعلي بن سعيد الرازي شيخ الطبراني هو حافظ رجال. قال ابن يونس: كان يفهم ويحفظ وقال الدارقطني: ليس بذلك تفرد بأشياء انتهى، وهذا ليس بجرح، ونوح بن عمر ولم يثبت فيه جرح وروى عنه اثنان علي بن سعيد وأبو الحسن أحمد، وأما بقية فصرح بالتحديث، ومحمد بن زياد من الثقات الأثبات، ولذا قال الحافظ في الفتح وخبر معاوية قوي بالنظر إلى مجموع طرقه انتهى.
قلت: اعتمادي في هذا الباب على حديث النجاشي، وأما غيره من الروايات فينضم إلى خبر النجاشي وتحدث له به القوة.
وأما كشف السرير للنبي صلى الله عليه وسلم كما في قصة معاوية فهو إكراماً له صلى الله عليه وسلم كما كشف للنبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف الجنة والنار، فهل من قائل إن صلاة الكسوف لا تجوز إلا لمن كشف له الجنة والنار.
وأما صلاة على زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب فأخرجها الواقدي في كتاب المغازي بإسناده إلى عبد الله بن أبي بكر قال "لما التقى الناس بموتة جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وكشف له ما بينه وبين الشام فهو ينظر إلى معركتهم فقال صلى الله عليه وسلم أخذ الراية زيد بن حارثة فمضى حتى استشهد وصلى عليه ودعا له وقال استغفروا له قد دخل الجنة وهو يسعى ثم أخذ الراية جعفر بن أبي طالب فمضى حتى استشهد فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا له وقال استغفروا له وقد دخل الجنة فهو يطير فيها بجناحين حيث شاء" والحديث مرسل، والواقدي ضعيف جداً والله أعلم.
وقال الخطابي: النجاشي رجل مسلم قد آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقه على نبوته إلا أنه كان يكتم إيمانه، والمسلم إذا مات يجب على المسلمين أن يصلوا عليه، إلا أنه كان بين

(9/15)


3203 - حدثنا عَبّادُ بنُ مُوسَى أخبرنا إسْمَاعِيلُ - يَعني ابنَ جَعْفَرٍ - عن إسْرَائِيلَ عن أبِي إسْحَاقَ عن أبِي بُرْدَةَ عن أبِيهِ قالَ: أمَرَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ نَنْطَلِقَ إلَى أرْضِ النّجَاشِيّ فَذَكَرَ حَدِيثَهُ. قالَ النّجَاشِيّ: أشْهَدُ أنّهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَأنّهُ الّذِي بَشّرَ بِهِ عِيسَى ابنُ مَرْيَمَ وَلَوْلاَ مَا أنَا فِيهِ مِنَ المُلْكِ لأَتَيْتُهُ حَتّى أحْمِلَ نَعْلَيْهِ.
ـــــــ
ظهراني أهل الكفر ولم يكن بحضرته من يقوم بحقه في الصلاة عليه، فلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل ذلك إذ هو نبيه ووليه وأحق الناس به، فهذا والله أعلم هو السبب الذي دعاه إلى الصلاة عليه بظهر الغيب، فإذا صلوا عليه استقبلوا القبلة ولم يتوجهوا إلى بلد الميت إن كان في غير القبلة انتهى.
قلت: قوله إنه كان يكتم إيمانه منظور فيه.
وقال الخطابي: وقد ذهب بعض العلماء إلى كراهة الصلاة على الميت الغائب وزعمو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مخصوصاً بهذا الفعل إذ كان في حكم المشاهد للنجاشي. لما روي في بعض الأخبار أنه قد سويت له الأرض حتى يبصر مكانه، وهذا تأويل فاسد، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فعل شيئاً من أفعال الشريعة كان علينا المتابعة والإيتساء به والتخصيص لا يعلم إلا بدليل. ومما يبين ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج بالناس إلى الصلاة فصف بهم وصلوا معه، فعلم أن هذا التأويل فاسد انتهى.
وقال الشوكاني في النيل: لم يأت المانعون من الصلاة على الغائب بشيء يعتد به سوى الاعتذار بأن ذلك مخصوص بمن كان في أرض لا يصلى عليه فيها وهو أيضاً جمود على قصة النجاشي يدفعه الأثر والنظر والله أعلم. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.
"أشهد أنه رسول الله" فيه دلالة واضحة أن النجاشي ملك الحبشة قد أسلم قال ابن الأثير أسلم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأحسن إلى المسلمين الذين هاجروا إلى أرضه، وأخباره معهم ومع كفار قريش الذين طلبوا منه أن يسلم إليهم المسلمين مشهورة. توفي ببلاده قبل فتح مكة، وصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة انتهى. وفي الإصابة أسلم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يهاجر إليه، وكان رداً للمسلمين نافعاً، وقصته مشهورة في المغازي في إحسانه إلى المسلمين الذين هاجروا إليه في صدر الإسلام انتهى "ولولا ما أنا فيه من الملك" هذا محل الترجمة، لأن النجاشي ما رحل إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأجل مخافة ملكه وضياع سلطنته، وبغاوة رعاياه الذين كانوا

(9/16)


............................
ـــــــ
على كفرهم وأقام في أرضه ومات فيها والحديث سكت عنه المنذري.

(9/17)


63- باب في جمع الموتى في قبر والقبر يعلم
3204 - حدثنا عَبْدُالوَهّابِ بنُ نَجْدَةَ أخبرنا سَعِيدُ بنُ سَالِمٍ ح. وأخبرنا يَحْيَى بنُ الْفَضْلِ السّجِسْتَانِيّ أخبرنا حَاتِمٌ - يَعني ابنَ إسْمَاعِيلَ - بِمَعْنَاهُ عن كَثِيرِ بنِ زَيْدٍ المَدَنِيّ عن المُطّلِبِ قال: لَمّا مَاتَ عُثْمَانُ بنُ مَظْعُونٍ أُخْرِجَ بِجِنَازَتِهِ فَدُفِنَ، فَأمَرَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم رَجُلاً أنْ يَأْتِيَهُ بِحَجَرٍ فَلَمْ يَسْتَطِعْ حَمْلَهُ، فَقَامَ إلَيْهَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَحَسَرَ عنْ ذِرَاعَيْهِ. قالَ كَثِيرٌ قال المُطّلِبُ قال الّذِي يُخْبِرُنِي ذَلِكَ عنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قال: كَأنّي أنْظُرُ إلَى بَيَاضِ ذِرَاعَيْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم حِينَ حَسَرَ عَنْهُمَا ثُمّ حَمَلَهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَأْسِهِ وَقَالَ: "أتَعَلّمُ بِهَا قَبْرَ أخِي وَأدْفِنُ إلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أهْلِي" .
ـــــــ
"باب في جمع الموتى في قبر والقبر يعلم"
بصيغة المجهول من الإعلام أي يجعل على القبر علامة يعرف القبر بها.
قال في لسان العرب: والعلم رسم الثوب، وعلمه رقمه في أطرافه، وقد أعلمه جعل فيه علامة وجعل له علماً، وأعلم القصار الثوب فهو معلم والثوب معلم انتهى. وبوب ابن ماجه باب ما جاء في العلامة في القبر انتهى.
"عن المطلب" هو ابن أبي وداعة أبوعبد اللهالمدني "مظعون" بالظاء المعجمة "أخرج بجنازته" هو جواب لما "أن يأتيه بحجر" أي كبير لوضع العلامة "فلم يستطع" ذلك الرجل وحده "فقام إليها" وتأنيث الضمير على تأويل الصخرة "وحسر" أي كشف وأبعد كمه "عن ذراعيه" أي ساعديه "حين حسر" أي كشف الثوب "عنهما" أي عن الذراعين "فوضعها" أي الصخرة "عند رأسه" أي رأس قبر عثمان "وقال" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "أتعلم" بصيغة المتكلم من باب الفعل أي أتعرف "بها" أي بهذه الحجارة. وفي بعض النسخ "أعلم بها" مضارع متكلم من الإعلام ومعناه أعلم الناس بهذه الحجارة "قبر أخي" وأجعل الصخرة علامة لقبر أخي، وسماه أخاً تشريفاً له ولأنه كان قرشياً، أو لأنه أخوه من الرضاعة وهو الأصح قاله في المرفاة "وأدفن إليه" أي إلى قربه. وقال الطيبي: أي أضم إليه في الدفن انتهى. وبهذا المعنى يصح مطابقة الحديث للجزء الأول من الترجمة. قال المنذري: في إسناده كثير بن زيد مولى الأسلميين مدني كنيته أبو محمد وقد تكلم فيه غير واحد.

(9/17)


64 - باب في الحفار يجد العظم هل يتنكب ذلك المكان
3205 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ أخبرنا عبد العزيز بنُ مُحَمّدٍ عن سَعْدٍ - يَعْني ابنَ سَعِيدٍ عن عَمْرَةَ بِنْتِ عبد الرحمن عن عَائِشَةَ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "كَسْرُ عَظْمِ المَيّتِ كَكَسْرِهِ حَيّا".
ـــــــ
"باب في الحفار يجد العظم"
أي عظم الميت وقت الحفر.
"هل يتنكب" أي يتجنب ويعتزل "ذلك المكان" ويحفر في موضع آخر "كسر عظم الميت" قال السيوطي في بيان سبب الحديث عن جابر "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فجلس النبي صلى الله عليه وسلم على شفير القبر وجلسنا معه، فأخرج الحفار عظما ساقا أو عضداً فذهب ليكسره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تكسرها فإن كسرك إياه ميتاً ككسرك إياه حيا ولكن دسه في جانب القبر" قاله في فتح الودود "ككسره حياً" يعني في الإثم كما في رواية. قال الطيبي: إشارة إلى أنه لا يهان ميتاً كما لا يهان حياً. قال ابن الملك: وإلى أن الميت يتألم. قال ابن حجر: ومن لازمه أنه يستلذ بما يستلذ به الحي انتهى. وقد أخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال "أذى المؤمن في موته كأذاه في حياته" قاله في المرقاة وقال المنذري: والحديث أخرجه ابن ماجه.

(9/18)


65 - باب في اللحد
3206 - حدثنا إسْحَاقُ بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَكّامُ بنُ سَلمٍ عن عَلِيّ بنِ عَبْدِالأعْلَى عن أبِيهِ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا قال: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "اللّحْدُ لَنَا وَالشّقّ لِغَيْرِنَا".
ـــــــ
"باب في اللحد"
"اللحد" بفتح اللام وضمها. في النهاية: اللحد الشق الذي يعمل في جانب القبر
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وقد روى مسلم في صحيحه من حديث سعد بن أبي وقاص أنه قال في مرضه الذي هلك فيه الحدوا لي لحدا وانصبوا على اللبن نصبا كما صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم

(9/18)


........................................
ـــــــ
لموضع الميت، لأنه قد أميل عن وسط القبر إلى جانبه، يقال لحدت وألحدت انتهى. وقال النووي: يقال لحد يلحد كذهب يذهب وألحد يلحد إذا حفر القبر، واللحد بفتح اللام وضمها معروف وهو الشق تحت الجانب القبلي من القبر انتهى. زاد المناوي: قدر ما يسع الميت ويوضع فيه وينصب عليه اللبن "لنا" أي هو الذي نؤثره ونختاره أيها المسلمون قاله المناوي "والشق": بفتح الشين أن يحفر وسط أرض القبر ويبني حافتاه بلبن أو غيره ويوضع الميت بينهما ويسقف عليه "لغيرنا" من الأمم السابقة فاللحد من خصوصيات هذه الأمة.وفيه دليل على أفضلية اللحد، وليس فيه نهي عن الشق. قال القاضي: معناه أن اللحد أثر لنا والشق لهم، وهذا يدل على اختيار اللحد، فإنه أولى من الشق لا المنع منه لكن محل أفضلية اللحد في الأرض الصلبة وإلا فالشق أفضل. قال ابن تيمية، وفيه تنبيه على مخالفتنا لأهل الكتاب في كل ما هو شعارهم عن ابن شهاب قال حدثنا أبو سلمة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا نذر في معصية وكفارتها كفارة اليمين" "وقال أحمد بن محمد" المروزي شيخ المؤلف "وتصديق ذلك" أي تدليس الزهري في هذا الحديث "ما حدثنا أيوب يعني ابن سليمان" وسيأتي حديثه بتمامه ه أبو اليقظان الأعمى عثمان بن عمير البجلي وهو ضعيف ولفظ أبي نعيم في الحلية بأسناده إلى جرير بن عبد الله "الحدوا ولا تشقوا فإن اللحد لنا والشق لغيرنا". قال العلقمي: وإسناده ضعيف وأجمع العلماء على أن الدفن في اللحد والشق جائزان، لكن إن كانت الأرض صلبة لا ينهار ترابها فاللحد أفضل، وإن كانت رخوة فالشق أفضل. وقال المتولي اللحد أفضل مطلقاً لظاهر هذا الحديث وغيره انتهى.
والحاصل أن حديث ابن عباس يدل على استحباب اللحد وأنه أولى من الضرح، وإلس ذلك ذهب الأكثر كما قال النووي وحكى في شرح مسلم إجماع العلماء على جواز اللحد والشق، ويدل على ذلك ما أخرجه أحمد وابن ماجه عن أنس قال "لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم كان رجل يلحد وآخر يضرح فقالوا نستخير ربنا ونبعث إليهما فأيهما سبق تركناه، فأرسل إليهما فسبق صاحب اللحد فلحدوا له" ولابن ماجه هذا المعنى من حديث ابن عباس وفيه أن أبا عبيدة بن الجراح كان يضرح وأن أبا طلحة كان يلحد، وحديث أنس إسناده حسن وحديث ابن عباس فيه ضعف قاله الحافظ.
ومعنى قوله كان يضرح أي يشق في وسط القبر. قال الجوهري: الضرح الشق انتهى.
ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرر من كان يضرح ولم يمنعه. وقال الشيخ عبد الحق

(9/19)


..............................................
ـــــــ
الدهلوي. إن كان المراد بضمير الجمع في لنا المسلمين، وبغيرنا اليهود والنصارى مثلا فلا شك أنه يدل على أفضلية اللحد بل على كراهية غيره وإن كان المراد بغيرنا الأمم السابقة ففيه إشعار بالأفضلية وعلى كل تقدير ليس اللحد واجباً والشق منهياً عنه وإلا لما كان يفعله أبو عبيدة وهو لا يكون إلا بأمر من الرسول أو تقرير منه، ولم يتفقوا على أن أيهما جاء أولا عمل عمله انتهى كلامه.
وعند أحمد من حديث ابن عمر بلفظ: "أنهم ألحدوا للنبي صلى الله عليه وسلم لحداً"
وأخرجه ابن أبي شيبة عن ابن عمر بلفظ: "ألحدوا للنبي صلى الله عليه وسلم ولأبي بكر وعمر".
وحديث ابن عباس الذي في الباب لم يتكلم عليه المنذري وصححه ابن السكن قال الشوكاني وحسنه الترمذي كما وجدنا ذلك في بعض النسخ الصحيحة من جامعه. وفي إسناده عبد الأعلى بن عامر. قال المناوي: قال جمع لا يحتج بحديثه وقال أحمد: منكر الحديث. وقال ابن معين: ليس بالقوي. وقال ابن عدي حدث بأشياء لا يتابع عليها. وقال ابن القطان: فأرى هذا الحديث لا يصح من أجله. وقال ابن حجر: الحديث ضعيف من وجهين.انتهى كلامه.
فإن قلت: لما كان عند ابن عباس علم في ذلك لِمَ تحير أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته هل يلحدون له أو يضرحون؟ قلت: يمكن أن يكون من سمع منه صلى الله عليه وسلم ذلك لم يحضرعند موته.
وقد أغرب العيني في شرح البخاري حيث قال في معنى حديث ابن عباس: ومعنى اللحد لنا أي لأجل أموات المسلمين والشق لأجل أموات الكفار انتهى وقد قال الحافظ زين الدين العراقي: المراد بقوله لغيرنا أهل الكتاب كما ورد مصرحاً به في بعض طرق حديث جرير في مسند الإمام أحمد، والشق لأهل الكتاب انتهى.
وقال في الفتح وهو يؤيد فضيلة اللحد على الشق انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وقال الترمذي غريب، وأخرجه أيضاً من حديث جرير بن عبد الله البجلي عن النبي صلى الله عليه وسلم.

(9/20)


66 باب كم يدخل القبر
3207 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ أخبرنا زُهَيْرٌ أخبرنا إسْمَاعِيلُ بنُ أبي خَالِدٍ عن عَامِرٍ قال: غَسّلَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عَلِيّ وَالْفَضْلُ وَأُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ وَهُمْ أدْخَلُوهُ قَبْرَهُ. قالَ وَحَدّثَني مُرَحّبٌ، أوْ ابنُ أبي مُرَحّبٍ، أنّهُمْ أدْخَلُوا مَعَهُمْ عبد الرحمن بنَ عَوْفٍ، فَلَمّا فَرَغَ عَلِيّ قال: إنّمَا يَلِي الرّجُلَ أهْلُهُ.
3208 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ الصّبّاحِ بنِ سُفْيَانَ أنْبأنَا سُفْيَانُ عن ابنِ أبي خَالِدٍ عن الشّعْبِيّ عن أبي مُرَحّبٍ: أنّ عبد الرحمن بنَ عَوْفٍ نَزَلَ فِي قَبْرِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: كَأنّي أنْظُرُ إلَيْهِمْ أرْبَعَةٍ.
ـــــــ
"باب كم يدخل القبر"
"عن عامر" وهو الشعبي "والفضل" ابن عباس "أدخلوه" أي النبي صلى الله عليه وسلم "قال" أي عامر الشعبي "وحدثني مرحب" بصيغة المجهول من باب التفعيل، فالشعبي أرسل الحديث أولا ثم ذكره متصلا من رواية مرحب قال ابن الأثير: مرحب أو ابن مرحب يعد في الكوفيين من الصحابة. روى زهير عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي هكذا على الشك قال حدثني مرحب أو أبو مرحب، قال كأني أنظر إليهم في قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة علي والفضل وعبدالرحمَن بن عوف أو العباس وأسامة، ورواه الثورى وابن عيينة عن اسماعيل عن الشعبي عن أبي مرحب ولم يشك.
قال أبو عمر: واختلفوا عن الشعبي كما ترى، وليس يؤخد أن عبد الرحمَن كان معهم إلا من هذا الوجه.
وأما ابن شهاب فروى عن ابن المسيب قال إنما دفنوه الذين غسلوه وكانوا أربعة علي والفضل والعباس وصالح شقران، قال ولحدوا له ونصبوا اللبن نصباً، قال وقد نزل معهم في القبر خولي بن أوس الأنصاري انتهى "قال" أي علي "إنما يلي" أي يتولى "الرجل أهله" وهو بمعنى الاعتذار عن تولية أمره صلى الله عليه وسلم وعدم دخل سائر الصحابة فيه مع كونه أكبر منه سناً وأعلى منه درجة والله أعلم. قاله في فتح الودود.
"عن أبي مرحب" قيل اسمه سويد بن قيس قاله المنذري "قال" أي أبو مرحب "أنظر إليهم" أي إلى الذين نزلوا في قبر النبي صلى الله عليه وسلم. والحديث سكت عنه المنذري.

(9/21)


67- باب كيف يدخل الميت قبره
[باب في الميت يدخل من قبل رجليه]
3209 - حدثنا عبيد الله بنُ مُعَاذٍ أخبرنا أبي أخبرنا شُعْبَةُ عن أبِي إسْحَاقَ قال: أوْصَى الْحَارِثُ أنْ يُصَلّي عَلَيْهِ عبد الله بنُ يَزِيدَ، فَصَلّى عَلَيْهِ ثُمّ أدْخَلَهُ الْقَبْرَ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْ الْقَبْرِ وَقالَ: هَذَا مِنَ السّنّةِ.
ـــــــ
"باب كيف يدخل الميت قبره"
"فصلى" عبد الله "عليه" أي على الحارث "ثم أدخله" أي أدخل عبد اللهالحارث "وقال" عبد الله "هذا من السنة" فيه دليل على أنه يستحب أن يدخل الميت من قبل رجلى القبر أي موضع رجلي الميت منه عند وضعه فيه، وإلى ذلك ذهب الشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة: إنه يدخل القبر من جهة القبلة معرضاً إذ هو أيسر، واتباع السنة أولى من الرأي. وقد استدل لأبي حنيفة بما رواه البيهقي من حديث ابن عباس وابن مسعود وبريدة أنهم أدخلوا النبي صلى الله عليه وسلم من جهة القبلة، ويجاب بأن البيهقي ضعفها.
وقد روي عن الترمذي تحسين حديث ابن عباس منها، وأنكر ذلك عليه لأن مداره على الحجاج بن أرطاة. قال في ضوء النهار على أنه لا حاجة إلى التضعيف بذلك، لأن قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان عن يمين الداخل إلى البيت لاصقاً بالجدار والجدار الذي ألحد تحته هو القبلة فهو مانع من إدخال النبي صلى الله عليه وآله وسلم من جهة القبلة ضروري. قاله في النيل.
وقال في سبل السلام: وفي المسألة ثلاثة أقوال: الأول ما ذكر، وإليه ذهب الشافعي وأحمد، والثاني يسل من قبل رأسه لما روى الشافعي عن الثقة مرفوعاً من حديث ابن عباس أنه صلى الله عليه وآله وسلم سل ميتاً من قبل رأسه وهذا أحد قولي الشافعي، والثالث لأبي حنيفة أنه يسل من قبل القبلة معترضاً إذ هو أيسر.
قلت: بل ورد به النص فإنه أخرج الترمذي من حديث ابن عباس ما هو نص في إدخال الميت من قبل القبلة وأنه حديث حسن فيستفاد من المجموع أنه فعل مخير فيه انتهى والحديث سكت عنه المنذري.

(9/22)


68- باب كيف يجلس عند القبر
[باب الجلوس عند القبر]
3210 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ أخبرنا جَرِيرٌ عن الأعْمَشِ عن المِنْهَالِ بنِ عَمْرٍو عنْ زَاذَانَ عنْ الْبَرَاءِ بنِ عَازِبٍ قال: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في جَنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الأنْصَارِ، فَانْتَهَيْنَا إلَى الْقَبْرِ وَلَمْ يُلْحَدْ بَعْدُ، فَجَلَسَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَجَلَسْنَا مَعَهُ.
ـــــــ
"باب كيف يجلس عند القبر"
"فانتهينا إلى القبر" أي فوصلنا "ولم يلحد" بصيغة المجهول "بعدُ" أي لم يفرغ من حفر اللحد بعد مجيئنا "مستقبل القبلة" هو محل الترجمة. قال المنذري والحديث أخرجه النسائي وابن ماجه.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله
وأخرجه الإمام أحمد والحاكم في صحيحه
وقد أعله أبو حاتم بن حبان بأن قال زاذان لم يسمعه من البراء قال ولذلك لم أخرجه
وهذه العلة فاسدة فإن زاذان قال سمعت البراء بن عازب يقول فذكره ذكره أبو عوانة الإسفرائيني في صحيحه
وأعله ابن حزم أيضا بضعف المنهال بن عمرو
وهي علة فاسدة فإن المنهال ثقة صدوق وقد صححه أبو نعيم وغيره

(9/23)


69- باب في الدعاء للميت إذا وُضع في قبره
3211 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ كَثِيرٍ ح. وَحدثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ أخبرنا هَمّامٌ عن
ـــــــ
"باب في الدعاء للميت إذا وضع في قبره"
"حدثنا محمد بن كثير" وفي بعض النسخ زيادة لفظ سفيان بين محمد بن كثير وبين همام أي حدثنا محمد بن كثير أنبأنا سفيان أخبرنا همام لكن هذه الزيادة غلط. قال المزي في الأطراف حديث "كان إذا وضع الميت" أخرجه أبو داوود في الجنائز عن مسلم بن ابراهيم

(9/23)


قَتَادَةَ عن أبي الصّدّيقِ عن ابنِ عُمَرَ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إذَا وَضَعَ المَيّتَ في الْقَبْرِ قالَ: "بِسْمِ الله وَعَلَى سُنّةِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم" . هَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ.
ـــــــ
ومحمد بن كثير كلاهما عن همام عن قتادة عن أبي الصديق وأخرج النسائي في عمل اليوم والليلة عن أبي داوود سليمان بن سيف عن سعيد بن عامر عن همام به وعن سويد بن نصر عن ابن المبارك عن شعبة عن قتادة عن أبي الصديق موقوفاً قاله في غاية المقصود "وعلى سنة رسول الله" أي شريعته وطريقته. قال المنذري: والحديث أخرجه النسائي مسنداً وموقوفاً.

(9/24)


70- باب الرجل يموت له قرابة [والد] مشرك
3212 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عن سُفْيَانَ حَدّثَنِي أبُو إسْحَاقَ عن نَاجِيَةَ بنِ كَعْبٍ عن عَلِيّ قال: قُلْتُ لِلنّبيّ صلى الله عليه وسلم: إنّ عَمّكَ الشّيْخَ الضّالّ قَدْ مَاتَ. قالَ: "اذْهَبْ فَوَارِ أبَاكَ ثُمّ لاَ تُحْدِثَنّ شَيْئاً حَتّى تَأتِيَنِي، فَذَهَبْتُ فَوَارَيْتُهُ وَجِئْتُهُ فَأمَرَنِي فاغْتَسَلْتُ وَدَعَا لِي".
ـــــــ
"باب الرجل يموت له قرابة مشرك"
كسحابة، والقرابة في الرحم، والقرابة في الأصل مصدر يقال هو قرابتي، وهم قرابتي، وعد هذا الرازي من كلام العوام، وأنكره الحريري وقال الصواب هو ذو قرابتي وهما ذوا قرابتي وهم ذوو قرابتي، ورد الخفاجي كلامه في شرح الدرة.
والقريب بمعنى القرابة. قال الفراء إذا كان القريب في المسافة يذكر ويؤنث وإذا كان في معنى النسب يؤنث بلا اختلاف بينهم، تقول هذه المرأة قريبتي أي ذات قرابتي "مشرك" أي هذا باب في بيان أن الرجل يكون له قرابة مشرك فيموت المشرك فماذا يصنع الرجل المسلم بالقرابة مع المشرك.
"إن عمك" يعني أباه أبا طالب "قال" النبي صلى الله عليه وسلم "ثم لا تحدثن" من الإحداث أي لا تفعلن "فواريته" أي أبا طالب "وجئته" أي النبي صلى الله عليه وسلم "فأمرني" النبي صلى الله عليه وسلم بالاغتسال. قال في فتح الودود يحتمل أن يخص ذلك بالكافر انتهى. قال العبد الضعيف أبو الطيب عفى عنه. والحديث فيه دليل على أن أبا طالب مات على غير ملة الإسلام وفي هذا نصوص صريحة رواها مسلم في صحيحه وغيره، وهذا القول هو الحق الصواب ولا يلتفت إلى قول من ذهب إلى إثبات إسلامه فهو غلط مردود مخالف للأحاديث الصحيحة والله أعلم. قال المنذري: والحديث أخرجه النسائي.

(9/24)


71- باب في تعميق القبر
3213 - حدثنا عبد الله بنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيّ أنّ سُلَيْمَانَ بنَ المُغِيرَةِ حَدّثَهُمْ عن حُمَيْدٍ - يَعْنِي ابنَ هِلاَلٍ - عن هِشَامِ بنِ عَامِرٍ قال: جَاءَتِ الأنْصَارُ إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم يَوْمَ أُحُدٍ فَقَالُوا: أصَابَنَا قُرْحٌ وَجَهْدٌ فَكَيْفَ تَأْمُرُنَا؟ قالَ: "احْفِرُوا وَأوْسِعُوا وَاجْعَلُوا الرّجُلَيْنِ وَالثّلاَثَةَ في الْقَبْرِ"، قِيلَ: فَأيّهُمْ يُقَدّمُ؟ قال: "أكْثَرُهُمْ قُرْآناً" .
قالَ: أُصِيبَ أبِي يَوْمَئِذٍ عَامِرٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ، أوْ قالَ وَاحِدٌ.
3214 - حدثنا أبُو صَالِحٍ - يَعْنِي الأنْطَاكِيّ - أنْبأنَا أبُو إسْحَاقَ - يَعْني الْفَزَارِيّ - عن الثّوْرِيّ عن أيّوبَ عن حُمَيْدِ بنِ هِلاَلٍ بإسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ زَادَ فِيهِ: وَأعْمِقُوا.
3215 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا جَرِيرٌ أخبرنا حُمَيْدٌ - يَعني ابنَ هِلاَلٍ - عن سَعْدِ بنِ هِشَامِ بنِ عَامِرٍ بِهَذَا الْحَدِيث.
ـــــــ
"باب في تعميق القبر"
"أصابنا قرح" بالفتح الجرح، وقيل بالفتح المصدر وبالضم اسم. قاله السندي "وجهد" بفتح الجيم المشقة والتعب "فكيف تأمرنا قال احفروا" وفي رواية النسائي عن هشام بن عامر قال "شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد فقلنا يارسول الله الحفر علينا لكل إنسان شديد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم احفروا وأعمقوا وأحسنوا وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر" الحديث "واجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر" فيه جواز الجمع بين جماعة في قبر واحد ولكن إذا دعت إلى ذلك حاجة كما في مثل هذه الواقعة "فأيّهُمْ يُقَدّمُ" إلى جدار اللحد "أكثرهم قرآنا" فيه إرشاد إلى تعظيم المعظم علماً وعملا حياً وميتاً "قال" أي هشام "أصيب" ودفن "عامر" بدل من أبي "بين اثنين" ولفظ النسائي "وكان أبي ثالث ثلاثة في قبر واحد أو للشك قال واحد. أي قال هشام دفن أبي مع رجل واحد قال المنذري: والحديث أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وقال الترمذي حسن صحيح.
"زاد فيه وأعمقوا" فيه دليل على مشروعية إعماق القبر. وقد اختلف في حد الإعماق فقال الشافعي: قامة، وقال عمر بن عبدالعزيز: إلى السرة، وقال مالك: لاحد لإعماقه. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عمر بن الخطاب أنه قال "أعمقوا القبر إلى قدر قامة وبسطة" قاله في النيل.

(9/25)


72 باب في تسوية القبر أو القبور
3216 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنْبأنَا سُفْيَانُ أخبرنا حَبِيبُ بنُ أبي ثَابِتٍ عن أبي وَائِلٍ عن أبي هَيّاجٍ الأَسَدِيّ قال: بَعَثَنِي عَلِيّ قالَ لِي: أبَعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ لاَ أدَعَ قَبْراً مُشْرِفاً إلاّ سَوّيْتُهُ وَلاَ تِمْثَالاً إلاّ طَمَسْتُهُ.
ـــــــ
"باب في تسوية القبر"
"عن أبي هياج الأسدى" هو بفتح الهاء وتشديد الياء واسمه حيان بن حصين قاله النووي"على ما بعثني عليه" أي أرسلني إلى تغييره، ولذا عدى بعلي، أو أرسلك للأمر الذي أرسلني له "أن لا أدع" أن مصدرية ولا نافية خبر مبتدأ محذوف، أي هو أن لا أدع، وقيل أن تفسيرية ولا ناهية أي لا أدع "قبراً مشرفاً" هو الذي بنى عليه حتى ارتفع دون الذي أعلم عليه بالرمل والحصباء أو محسومة بالحجارة ليعرف ولا يوطأ. قاله القاري "إلا سويته" قال النووي: فيه أن السنة أن القبر لا يرفع على الأرض رفعاً كثيراً ولا يسنم بل يرفع نحو شبر ويسطح، وهذا مذهب الشافعي ومن وافقه. ونقل القاضي عياض عن أكثر العلماء أن الأفضل عندهم تسنيمها وهو مذهب مالك انتهى. قلت: وقوله لا يسنم فيه نظر. وفي النيل: والحديث فيه دلالة على أن السنة أن القبر لا يرفع رفعاً كثيراً من غير فرق بين من كان فاضلا ومن كان غير فاضل، والظاهر أن رفع القبور زيادة على القدر المأذون فيه محرم، وقد صرح بذلك أصحاب أحمد وجماعة من أصحاب الشافعي ومالك. والقول بأنه غير محظور لوقوعه من السلف والخلف بلا نكير لا يصح وهو من اتخاذ القبور مساجد، وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم فاعل ذلك، وكم قد سري عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكي لها الإسلام، منها اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفار للأصنام
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله
وهذه الآثار لا تضاد بينها والأمر بتسوية القبور إنما هو تسويتها بالأرض وأن لا ترفع مشرفة عالية وهذا لا يناقض تسنيمها شيئا يسيرا عن الأرض
ولو قدر تعارضها فحديث سفيان بن دينار التمار أصح من حديث القاسم
وقال البيهقي وحديث القاسم بن محمد في هذا الباب أصح وأولى أن يكون محفوظا
وليس الأمر كذلك فحديث سفيان رواه البخاري في صحيحه وحديث القاسم لم يروه أحد من أصحاب الصحيح

(9/26)


..............................................
ـــــــ
وعظم ذلك فظنوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضرر فجعلوها مقصداً لطلب قضاء الحوائج، وملجأ لنجاح المطالب، وسألوا منها ما يسأله العباد من ربهم، وشدوا إليها الرحال، وتمسحوا بها واستغاثوا، وبالجملة أنهم لم يدعوا شيئاً مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه، فإنا لله وإنا اليه راجعون. ومع هذا المنكر الشنيع والكفر الفظيع لا نجد من يغضب لله ويغتار حمية للدين الحنيف، لا عالماً ولا متعلماً ولا أميراً ولا وزيراً ولا ملكا، وقد توارد إلينا من الأخبار ما لا شك معه أن كثيراً من هؤلاء القبوريين أو أكثرهم إذا توجهت عليه يمين من جهة خصمه حلف بالله فاجراً، فإذا قيل له بعد ذلك أحلف بشيخك ومعتقدك الولي الفلاني تلعثم وتلكأ وأبى واعترف بالحق، وهذا من بين الأدلة الدالة على أن شركهم قد بلغ فوق شرك من قال إنه تعالى ثاني اثنين أو ثالث ثلاثة. فيا علماء الدين ويا ملوك المسلمين أي رزء للإسلام أشد من الكفر، وأي بلاء لهذا الدين أضر عليه من عبادة غير الله وأي مصيبة يصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة، وأي منكر يجب إنكاره إن لم يكن إنكار هذا الشرك البين واجبا.
لقد أسمعت لو ناديت حياً
ولكن لا حياة لمن تنادي
ولو ناراً نفخت بها أضاءت
ولكن أنت تنفخ في رماد
انتهى وكلامه. هذا حسن جداً لا مزية على حسنه جزاه الله خيراً.
وقال الحافظ بن القيم في زاد المعاد قدوم وفود العرب: وهذا حال المشاهد المبنية على القبور التي تعبد من دون الله ويشرك بأربابها مع الله لا يحل إبقاؤها في الإسلام ويجب هدمها، ولا يصح وقفها ولا الوقف عليها، وللإمام أن يقطعها وأوقافها لجند الإسلام ويستعين بها على مصالح المسلمين وكذلك ما فيها من الآلات والمتاع والنذور التي تساق إليها يضاهى بها الهدايا التي تساق إلى البيت للإمام أخذها كلها وصرفها في مصالح المسلمين كما أخذ النبي صلى الله عليه وسلم أموال بيوت هذه الطواغيت وصرفها في مصالح الإسلام، وكان يفعل عندها ما بفعل عند هذه المشاهد سواء من النذور لها والتبرك بها وتقبيلها واستلامها، هذا كان شرك القوم بها ولم يكونوا يعتقدون أنها خلقت السموات والأرض، بل كان شركهم بها كشرك أهل الشرك من أرباب المشاهد بعينه انتهى. "ولا تمثالاً" أي صورة ذي روح "إلا طمسته" أي محوته
ـــــــ
قال الشيخ أبو محمد المقدسي حديث سفيان التمار أثبت وأصح فكان العمل به أولى
قال البيهقي في حديث سفيان وصحة رواية سفيان له مسنما فكأنه غير يعني القبر عما كان عليه في القديم فقد سقط جداره في زمن الوليد بن عبد الملك ثم أصلح

(9/27)


3217- حدثنا أَحْمَدُ بنُ عَمْرِو بنِ السّرْحِ قالَ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ حَدّثني عَمْرُو بنُ الْحَارِثِ أنّ أبَا عَلِيّ الْهَمْدَانِيّ حَدّثَهُ قال: كُنّا عِنْدَ فَضَالَةَ بنِ عُبَيْدٍ بِرُوذِسَ بِأرْضِ الرّومِ فَتُوُفّيَ صَاحِبٌ لَنَا، فَأمَرَ فَضَالَةُ بِقَبْرِهِ فَسُوّيَ ثُمّ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُ بِتَسْوِيَتِهَا.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: رُوذِسُ جَزِيرَةٌ في الْبَحْرِ.
3218 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالِح حدثنا ابنُ فدَيْكٍ أخبرني عَمْرُو بنُ عُثْمَانَ بنِ هَانىءٍ عن الْقَاسِمِ قال: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْتُ: يَا أُمّهْ اكْشِفِي لِي عَنْ قَبْرِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَصَاحِبَيْهِ رَضِيَ الله عَنْهُمَا فَكَشَفَتْ لِي عَنْ ثَلاَثَةِ قُبُورٍ لاَ مُشْرِفَةٍ وَلاَ
ـــــــ
وأبطلته. فيه الأمر بتغيير صور ذوات الأرواح. قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم والترمذي والنسائي.
"أن أبا علي الهمداني" هو ثمامة بن شفى كما في رواية مسلم والنسائي وهو من تابعي أهل مصر قاله المنذري "برودس" قال النووي: هو براء مضمومة ثم واو ساكنة ثم دال مهملة مكسورة ثم سين مهملة هكذا ضبطناه في صحيح مسلم وكذا نقله القاضي عياض في المشارق عن الأكثرين، ونقل عن بعضهم بفتح الراء، وعن بعضهم بفتح الدال، وعن بعضهم بالشين المعجمة، وفي رواية أبي داوود في السنن بذال معجمة وسين مهملة، وقال هي جزيرة بأرض الروم انتهى. وقال المنذري: والمشهور أنه بضم المهملة وسكون الواو وبعدها دال مهملة مكسورة وسين مهملة وقد اختلفوا في تقييدها اختلافاً كثيراً وقد قيل إنها قريبة من الإسكندرية "فسوى" أي جعل متصلاً بالأرض أو المراد أنه لم يجعل مسنما بل جعل مسطحا وإن ارتفع عن الأرض بقليل. قاله السندي في حاشية النسائي. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي.
"عن القاسم" بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه "يا أمه" بسكون الهاء وهي عمته لكن قال يا أمة لأنها بمنزلة أمة أو لكونها أم المؤمنين "اكشفي لي" أي أظهري وارفعي الستارة "وصاحبيه" أي ضجيعيه وهما أبو بكر وعمر رضي الله عنه "فكشفت لي" أي لأجلي أو لرؤيتي "لا مشرفة" أي مرتفعة غاية الارتفاع، وقيل أي عالية أكثر من شبر "ولا لاطئة" بالهمزة والياء أي مستوية على وجه الأرض، يقل لطأ بالأرض أي لصق بها "مبطوحة" صفة القبور. قال ابن الملك: أي مسواة مبسوطة على الأرض. قال القاري: وفيه أنها تكون حينئذ بمعنى لاطئة وتقدم نفيها والصواب أن معناها ملقاة فيها البطحاء. قال في النهاية: بطح المكان تسويته وبطح

(9/28)


لاَطِئَةٍ، مَبْطُوحَةٍ بِبَطْحَاءِ الْعَرْصَةِ الْحَمْرَاءِ.
ـــــــ
المسجد ألقى فيه البطحاء وهو الحصى الصغار: العرصة جمعها عرصات وهي كل موضع واسع لا بناء فيه والبطحاء مسيل واسع فيه دقاق الحصى والمراد بها هنا الحصى لإضافتها إلى العرصة "الحمراء" صفة للبطحاء أو العرصة.
قال الطيبي أي كشفت لي عن ثلاثة قبور لا مرتفعة ولا منخفضة لاصقة بالأرض مبسوطة مسواة، والبطح أن يجعل ما ارتفع من الأرض مسطحاً حتى يسوى ويذهب التفاوت كذا في المرقاة. قال السيد جمال الدين: والأولى أن يقال معناه ألقى فيها بطحاء العرصة الحمراء انتهى. وأخرج أبو بكر النجاد من طريق جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع قبره من الأرض شبراً وطين بطين أحمر من العرصة انتهى.
وأخرج الحاكم من هذا الوجه وزاد "ورأيت قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدماً وأبو بكر رأسه بين كنفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر رأسه عند رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم"
وفي الباب عن صالح بن أبي صالح عند أبي داوود في المراسيل قال "رأيت قبر النبي صلى الله عليه وسلم شبراً أو نحو شبر وعن عيثم بن بسطام المديني عند أبي بكر الآجري في كتاب صفة قبر النبي صلى الله عليه وسلم قال "رأيت قبره صلى الله عليه وسلم في إمارة عمر بن عبد العزيز فرأيته مرتفعاً نحواً من أربع أصابع، ورأيت قبر أبي بكر وراء قبره، ورأيت قبر عمر وراء أبي بكر أسفل منه".
وأخرج البخاري في صحيحه عن سفيان التمار "أنه رأى قبر النبي صلى الله عليه وسلم مسنماً" انتهى أي مرتفعاً. قال في القاموس: التسنيم ضد التسطيح وقال سطحه كمنعه بسطة. وقد اختلف أهل العلم في الأفضل من التسنيم والتسطيح بعد الاتفاق على جواز الكل فذهب الشافعي وبعض أصحابه إلى أن التسطيح أفضل واستدلوا برواية القاسم بن محمد وما وافقها، قالوا وقول سفيان التمار لا حجة فيه كما قال البيهقي لاحتمال أن قبره صلى الله عليه وسلم لم يكن في الأول مسنماً بل كان في أول الأمر مسطحاً ثم لما بني صلى الله عليه وسلم جدار القبر في إمارة عمر بن عبد العزيز على المدينة من قبل الوليد بن عبد الملك صيروها مرتفعة وبهذا يجمع بين الروايات، ويرجح التسطيح أمره صلى الله عليه وسلم علياً أن لا يدع قبراً مشرفاً إلا سواه.
وذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد والمزني وكثير من الشافعية وادعى القاضي حسين اتفاق أصحاب الشافعي عليه ونقله القاضي عياض عن أكثر العلماء أن التسنيم أفضل وتمسكوا بقول سفيان التمار.

(9/29)


قال أبُو عَلِيّ: يُقَالُ إنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم مُقَدّمٌ وَأبُو بَكْرٍ عِنْدَ رَأْسِهِ وَعُمَرُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ رَأْسُهُ عِنْدَ رِجْلَيْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
قال الشوكاني: والأرجح أن الأفضل التسطيح والله أعلم. وحديث القاسم سكت عنه المنذري "قال أبو علي" هو اللؤلؤي راوي السنن "عند رأسه" أي النبي صلى الله عليه وسلم "عند رجليه" أي النبي صلى الله عليه وسلم "رأسه" أي عمر وهذه صفة القبور الثلاثة وجدت في بعض النسخ الصحيحة والله أعلم.

(9/30)


73- باب الاستغفار عند القبر للميت في وقت الانصراف
3219 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى الرّازِيّ حدثنا هِشَامٌ عَنْ عبد الله بنِ بُحَيْرِ عن هَانئ مَوْلَى عُثْمَانَ عن عُثْمَانَ بنِ عَفّانَ قال: كَانَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ المَيّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ فقالَ: "اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُم وَاسْألُوا لَهُ بالتّثْبِيتِ فَإنّهُ الآن يُسْأَلُ" .
قَالَ أبُو دَاوُدَ: بُحَيْرُ ابنُ رَيْسَانَ.
ـــــــ
"باب الاستغفار عند القبر للميت في وقت الانصراف"
"وقف عليه" أي على الميت "فقال" النبي صلى الله عليه وسلم "واسألوا له" أي للميت "بالتثبيت" أي أن يثبته الله في الجواب "فإنه" الميت في الحديث مشروعية الاستغفار للميت عند الفراغ من دفنه وسؤال للتثبيت له لأنه يسأل في تلك الحال. وفيه دليل على ثبوت حياة القبر، وقد وردت بذلك أيضاً أحاديث صحيحة في الصحيحين وغيرهما. والحديث سكت عنه المنذري.

(9/30)


74- باب كراهية الذبح عند القبر
3220 - حدثنا يَحْيَى بنُ مُوسَى الْبَلْخِيّ أخبرنا عَبْدُالرّزّاقِ أنْبأنَا مَعْمَرٌ عن ثَابِتٍ عن أَنَسٍ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ عَقْرَ في الإسْلاَمِ" .
ـــــــ
"باب كراهية الذبح عند القبر"
"لا عقر في الاسلام" قال الخطابي: كان أهل الجاهلية يعقرون الإبل على قبر الرجل

(9/30)


75- باب الصلاة على القبر بعد حين
3221 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا اللّيْثُ عن يَزِيدَ بنِ أبي حَبِيبٍ عن أبي الْخَيْرِ عن عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم خَرَجَ يَوْماً فَصَلّى علَى أهْلِ أُحُدٍ صَلاَتَهُ عَلَى الْمَيّتِ ثُمّ انْصَرَفَ.
3222 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ أخبرنا يَحْيَى بنُ آدَمَ أخبرنا ابنُ المُبَارَكِ عن حَيْوَةَ بنِ شُرَيْحٍ عن يَزِيدَ بنِ أبي حَبِيبٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ قال: إنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم صَلّى عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ بَعْدَ ثَمَانِي سِنِينَ كَالمُوَدّعِ لِلأَحْيَاءِ وَالأمْوَاتِ.
ـــــــ
"باب الصلاة على القبر بعد حين"
أي بعد زمان كثير
"صلى على قتلى أحد بعد ثماني سنين" وفي رواية لمسلم "صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد ثم صعد المنبر كالمودع للأحياء والأموات فقال إني فرطكم على الحوض" الحديث
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وتبويب أبي داود وذكره هذا الحديث يدل على أن لك لا يتقيد عنده بوقت: لا شهر ولا غيره، وقد روى سعيد بن المسيب "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على أم سعد بعد موتها بشهر" وهذا مرسل صحيح. و "صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين" و "صلى على غير واحد في القبر لدون الشهر"

(9/31)


................................
ـــــــ
واستدل به على مشروعية الصلاة على الشهداء، وعلى مشروعية الصلاة على القبر بعد ثمان سنين. قال في الفتح: وكانت أحد في شوال سنة ثلاث ومات صلى الله عليه وسلم في ربيع الأول سنة إحدى عشرة، فعلى هذا ففي قوله بعد ثمان سنين تجوز على طريق جبر الكسر وإلا فهي سبع سنين ودون النصف انتهى.
قال العيني: قال الخطابي: فيه أنه صلى الله عليه وسلم قد صلى على أهل أحد بعد مدة، فدل على أن الشهيد يصلى عليه كما يصلى على من مات حتف أنفه، وإليه ذهب أبو حنيفة وأول الخبر في ترك الصلاة عليهم يوم أحد على معنى اشتغاله عنهم وقلة فراغه لذلك، وكان يوماً صعباً على المسلمين فعذروا بترك الصلاة عليهم انتهى. ومن العلماء من يحمل الصلاة في هذا الحديث على الدعاء، لكن قوله صلاته على الميت في الرواية الماضية يدفعه. ومنهم من قال إنه من الخصائص لأنه عليه السلام قصد بها التوديع، والتوديع للأحياء التذكير والدعاء لهم وقت الوداع، وللأموات استغفار لهم، وقد مضى بعض بيانه في باب الصلاة على القبر. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
ـــــــ
ولم يأت في التحديد نص
وصلاته على أم سعد بعد شهر لا ينفى الصلاة بعد أزيد منه وكون الميت في الغالب لا يبقى أكثر من شهر لا معنى له فإن هذا يختلف باختلاف الأرض والعظام تبقى مدة طويلة ولا تأثير لتمزق اللحوم.

(9/32)


76- باب في البناء على القبر
3223 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا عَبْدُالرّزّاقِ أخبرنا ابنُ جُرَيْجٍ أخبرني أبُو الزّبَيْرِ أنّهُ سَمِعَ جَابِراً يَقُولُ: "سَمِعْتُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نَهَى أنْ يُقْعَدَ عَلَى الْقَبْرِ وَأنْ يُقَصّصَ وَيُبْنَى عَلَيْهِ" .
ـــــــ
"باب في البناء على القبر"
"نهى أن يقعد على القبر" بالبناء للمفعول قيل للتغوط والحدث، وقيل للإحداد وهو أن يلازم القبر ولا يرجع عنه. وقيل مطلقاً لأن فيه استخفافاً بحق أخيه المسلم.
وقال الطيبي: المراد من القعود الجلوس كما هو الظاهر، وقد نهى عنه لما فيه من الاستخفاف. قاله القاري.

(9/32)


3224 - حدثنا مُسَدّدٌ وَ عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ قالا أخبرنا حَفْصُ بنُ غِيَاثٍ عن ابنِ جُرَيْجٍ عن سُلَيْمَانَ بنِ مُوسَى وَعَنْ ابن الزّبَيْرِ عنْ جَابِرٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: قال عُثْمَانُ: أوْ يُزَادُ عَلَيْهِ وَزَادَ سُلَيْمَانُ بنُ مُوسَى: أوْ أنْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَذْكُرْ مُسَدّدٌ في حَدِيثِهِ: أوْ يُزَاد عَلَيْهِ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: خَفِيَ عَلَيّ مِنْ حَدِيثٍ مُسْدَدٌ حَرْفُ: "وَأنْ [أو أن]".
ـــــــ
وقال الخطابي: نهيه عليه السلام عن القعود على القبر يتأول على وجهين أحدهما أن يكون ذلك في القعود للحدث، والوجه الآخر كراهية أن يطأ القبر بشيء من بدنه، وقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً قد اتكأ على قبر فقال له لا تؤذ صاحب القبر "وأن يقصص" بالقاف وصادين مهملتين أي يجصص، والقصة بفتح القاف وتشديد الصاد هي الجص "ويُبنى عليه" في هذا الحديث كراهية تجصيص القبور وكراهية القعود عليها والبناء عليها. قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه، وليس في صحيح مسلم ذكر الزيادة والكتابة، وفي حديث الترمذي "وأن يكتب عليها" وقال حسن صحيح، وفي حديث النسائي "أو يزاد عليه".
"عن سليمان بن موسى" وهو الأشدق قاله المنذري "قال عثمان أو يزاد عليه" بوب على هذه الزيادة البيهقي باب لا يزاد على القبر أكثر من ترابه لئلا ترفع، وظاهره، أن المراد بالزيادة عليه الزيادة على ترابه.قاله في النيل "أو أن يكتب عليه" بالبناء للمفعول فيه كراهية الكتابة على القبور، وظاهره عدك الفرق بين كتابة اسم الميت على القبر وغيرها.
قال المنذري: والحديث أخرجه النسائي، وأخرجه ابن ماجه مختصراً قال "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب على القبر شيء" وسليمان بن موسى لم يسمع من جابر بن عبد الله فهو منقطع.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله
وفي صحيح أبي حاتم بن حبان من حديث عاصم عن أبي وائل عن عبد الله قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء ومن يتخذون القبور مساجد" .
وفي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله البجلي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن الله عز وجل قد اتخذني خليلا"

(9/33)


77- باب في كراهية القعود على القبر
3226 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا خَالِدٌ أخبرنا سُهَيْلُ بنُ أبي صَالِحٍ عن أبِيهِ عن أبي هُرَيْرَةَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لأَنْ يَجْلِسَ أحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ حَتّى تَخْلِصَ إلَى جِلْدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ" .
3227 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى الرّازِيّ أنْبأنَا عِيسَى أخبرنا عبد الرحمن - يَعني ابنَ يَزِيدَ بنِ جَابِرٍ - عن بُسْرِ بنِ عبيد الله قال سَمِعْتُ وَاثِلَةَ بنِ الأَسْقَعِ يَقُولُ سَمِعْتُ أبَا مَرْثَدٍ الْغَنَوِيّ يَقُولُ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلاَ تُصَلّوا إلَيْهَا" .
ـــــــ
"باب في كراهية القعود على القبر"
"على جمرة" أي من النار "فتحرق" بضم التاء وكسر الراء "حتى تخلص" بضم اللام أي تصل "خير له" أي أحسن له وأهون "على قبر" فيه دليل على أنه لا يجوز الجلوس على القبر. وذهب الجمهور إلى التحريم، والمراد القعود. وروى الطحاوي من حديث محمد بن كعب قال: إنما قال أبو هريرة: "من جلس على قبر يبول عليه أو يتغوط فكأنما جلس على جمرة" قال في الفتح لكن إسناده ضعيف. وقال نافع: كان ابن عمر يجلس على القبور، ومخالفة الصحابي لما روي لا تعارض المروي. قاله في النيل. قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه.
"أبا مرتد" بفتح الميم والمثلثة "الغَنَوي" بفتحتين "ولا تصلوا" أي مستقبلين "إليها" أي القبور لما فيه من التعظيم البالغ. قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم والترمذي والنسائي.
ـــــــ
القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج قال أبو حاتم أبو صالح هذا اسمه مهران ثقة وليس بصاحب الكلبي ذاك اسمه باذام وقال عبد الحق الإشبيلي هو بإذام صاحب الكلبي وهو عندهم ضعيف جدا
وكان شيخنا أبو الحجاج المزي يرجح هذا أيضا

(9/35)


78- باب المشي بين القبور في النعل
3228 - حدثنا سَهْلُ بنُ بَكّارٍ أخبرنا الأَسْوَدُ بنُ شَيْبَانَ عن خَالِدِ بنِ سُمَيْرٍ السّدُوسِيّ عن بَشِيرِ بنِ نَهِيكٍ عن بَشِيرٍ مَوْلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَكَانَ اسْمُهُ في الْجَاهِلِيّةِ زَحْمُ بنُ مَعْبَدٍ، فَهَاجَرَ إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: " مَا اسْمُكَ؟ فقالَ زَحْمٌ، قالَ: بَلْ أنْتَ بَشِيرٌ" قال: بَيْنَمَا أنَا أُمَاشِي رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم مَرّ بِقُبُورِ المُشْرِكِينَ فقالَ: "لَقَدْ سَبَقَ هَؤُلاَءِ خَيْراً كَثِيراً ثَلاَثاً"، ثُمّ مَرّ بِقُبُورِ المُسْلِمِينَ فقالَ: "لَقَدْ أدْرَكَ هَؤُلاَءِ خَيْراً كَثِيراً"، ثُمّ حَانَتْ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم نَظْرَةٌ فَإذَا رَجُلٌ يَمْشِي في الْقُبُورِ عَلَيْهِ نَعْلاَنِ، فقالَ: "يَاصَاحِبَ السّبْتِيّتَيْنِ: وَيْحَكَ ألْقِ سِبْتِيّتَيْكَ" ، فَنَظَرَ الرّجُلُ، فَلَمّا عَرَفَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم خَلَعَهُمَا فَرَمَى بِهِمَا.
ـــــــ
"باب المشي بين القبور في النعل"
"ابن سُمَير" بالتصغير "ابن نهيك" بفتح النون وكسر الهاء "عن بشير" هو ابن الخصاصية وهي أمه. قاله المنذري "بينما أنا أماشي" أي أمشي معه هو من باب المفاعلة يقال تماشَيا تماشياً أي مشيا معاً "فقال" صلى الله عليه وسلم "لقد سبق هؤلاء خيراً كثيراً" أي كانوا قبل الخير فحاد عنهم ذلك الخير وما أدركوه أو أنهم سبقوه حتى جعلوه وراء ظهورهم "ثلاثاً" أي قاله ثلاث مرات "ثم حانت" أي قربت ووقعت "يا صاحب السبتيتين الخ" وهما نعلان لا شعر عليهما. قال الخطابي: قال الأصمعي: السبتية من النعال ما كان مدبوغاً بالقرظ. قلت: السبتيتين بكسر السين نسبة إلى السبت وهو جلود البقر المدبوغة بالقرظ يتخذ منها النعال لأنه سبت شعرها أي حلق وأزيل، وقيل لأنها انسبت بالدباغ أي لانت، وأريد بهما النعلان المتخذان من السبت وأمره بالخلع احتراماً للمقابر عن المشي بينها بهما أو لقذر بهما أو لاختياله في مشيه. قيل: وفي الحديث كراهة المشي بالنعال بين القبور، ولا يتم ذلك إلا على بعض الوجوه المذكورة قاله السندي.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله
وقد اختلف الناس في هذين الحديثين فضعفت طائفة حديث بشير
قال البيهقي رواه جماعة عن الأسود بن شيبان ولا يعرف إلا بهذا الإسناد وقد ثبت عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر هذا الحديث.

(9/36)


3229 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِيّ حدثنا عَبْدُالوَهّابِ يَعْنِي ابنَ عَطَاءٍ عن سَعِيدٍ عن قَتَادَةَ عن أنَسٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّهُ قالَ: "إنّ الْعَبْدَ إذَا وُضِعَ في قَبْرِهِ وَتَوَلّى عَنْهُ أصْحَابُهُ إنّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ" .
ـــــــ
وفي النيل: وفي ذلك دليل على إنه لا يجوز المشي بين القبور بالنعلين ولا يختص عدم الجواز بكون النعلين سبتيتين لعدم الفارق بينها وبين غيرها وقال ابن حزم: يجوز وطأ القبور بالنعال التي ليست سبتية لحديث "إن الميت يسمع خفق نعالهم" وخص المنع بالسبتية وجعل هذا جمعاً بين الحديثين.
وهو وهم لأن سماع الميت لخفق النعال لا يستلزم أن يكون المشي على قبر أو بين القبور فلا معارضة.
وقال الخطابي: إن النهي عن السبتية لما فيها من الخيلاء، ورد بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبسها انتهى. قال العيني: إنما اعترض عليه بالخلع احتراما للمقابر، وقيل لاختياله في مشيه وقال الطحاوي إن أمره صلى الله عليه وسلم بالخلع لا لكون المشي بين القبور بالنعال مكروها، ولكن لما رأى صلى الله عليه وسلم قذراً فيهما يقذر القبور أمر بالخلع انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه النسائي وابن ماجه.
"وتَوَلّى" مبنياً للفاعل أي أدبر وذهب "قرع نعالهم" أي صوتها عند المشي قال
ـــــــ
وقال أحمد بن حنبل رحمة الله حديث بشير إسناده جيد أذهب إليه إلا من علة
قال المجوزون يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم رأى بنعليه قذرا فأمره أن يخلعهما ويحتمل أن يكون كره له المشي فيهما لما فيه من الخيلاء فإن النعال السبتية من زي أهل التنعم والرفاهية كما قال عنترة:
يظل كأن ثيابه في سرجه ... يحذي نعال السبت ليس بتوأم
وهذا ليس بشيء ولا ذكر في الحديث شيء من ذلك
ومن تدبر نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الجلوس على القبر والاتكاء عليه والوطء عليه علم أن النهي إنما كان احتراما لسكانها أن يوطأ بالنعال فوق رؤوسهم ولهذا ينهى عن التغوط بين القبور وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الجلوس على الجمر حتى تحرق الثياب خير من الجلوس على القبر.
ومعلوم أن هذا أخف من المشي بين القبور بالنعال

(9/37)


.......................................
ـــــــ
الخطابي: خبر أنس "هذا" يدل على جواز لبس النعل لزائر القبور وللماشي بحضرتها وبين ظهرانيها، فأما خبر السبتيتين "الذي مضى" فيشبه أن يكون إنما كره ذلك لما فيهما من الخيلاء، وذلك أن نعال السبت من لباس أهل التنعم والترفه، وأحب النبي صلى الله عليه آله وسلم أن يكون دخوله المقابر على زي أهل التواضع ولباس أهل الخشوع انتهى. قال الحافظ في الفتح: وأما قول الخطابي يشبه أن يكون النهي عنهما لما فيهما من الخيلاء فإنه متعقب بأن ابن عمر كان يلبس النعال السبتية ويقول أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبسها وهو حديث صحيح وأغرب ابن حزم فقال: يحرم المشي بين القبور بالنعال السبتية دون غيرهما وهو جمود شديد انتهى قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
ـــــــ
وبالجملة فاحترام الميت في قبرة بمنزلة احترامه في داره التي كان يسكنها في الدنيافإن القبر قد صار داره
وقد تقدم قوله صلى الله عليه وسلم: "كسر عظم الميت ككسره حيا" فدل على أن احترامه في قبره كاحترامه في داره والقبور هي ديار الموتى ومنازلهم ومحل تزاورهم وعليها تنزل الرحمة من ربهم والفضل على محسنهم فهي منازل المرحومين ومهبط الرحمة ويلقى بعضهم بعضا على أفنية قبورهم يتجالسون ويتزاورون كما تضافرت به الآثار
ومن تأمل كتاب القبور لإبن أبي الدنيا رأي فيه آثارا كثيرة في ذلك
فكيف يستبعد أن يكون من محاسن الشريعة إكرام هذه المنازل عن وطئها بالنعال وإحترامها بل هذا من تمام محاسنها وشاهده ما ذكرناه من وطئها والجلوس عليها والاتكاء عليها
وأما تضعيف حديث بشير فمما لم نعلم أحدا طعن فيه بل قد قال الإمام أحمد إسناده جيد
وقال عبد الرحمن بن مهدي كان عبد الله بن عثمان يقول فيه حديث جيد ورجل ثقة
وأما معارضته بقوله صلى الله عليه وسلم: "إنه ليسمع قرع نعالهم" فمعارضة فاسدة فإن هذا إخبار من النبي صلى الله عليه وسلم بالواقع وهو سماع الميت قرع نعال الحي وهذا لا يدل على الإذن في قرع القبور والمشي بينها بالنعال إذ الإخبار عن وقوع الشيء لايدل على جوازه ولا تحريمه ولا حكمه فكيف يعارض النهي الصريح به
قال الخطابي ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن توطأ القبور وقد روى ابن ماجه في سننه عن أبي الخير عن عقبة بن عامر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لأن أمشي على جمرة أو سيف أو أخصف نعلي برجلي أحب إلي من أن أمشي على قبر مسلم وما أبالي أوسط القبر كذا قال فضلت حاجتي

(9/38)


79- باب في تحويل الميت من موضعه للأمر يحدث
3230 - حدثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ أخبرنا حَمّادٌ بنُ زَيْدٍ عن سَعِيدِ بنِ يَزِيدَ أبي مَسْلَمَةَ عن أبي نَضْرَةَ عن جَابِرٍ قال: دُفِنَ مَعَ أبِي رَجُلٌ فَكَانَ في نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ حَاجَةٌ فَأَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتّةِ أشْهُرٍ فَمَا أنْكَرْتُ مِنْهُ شَيْئاً إلاّ شُعَيْرَاتٍ كُنّ في لِحْيَتِهِ مِمّا يَلِي الأَرْضَ.
ـــــــ
"باب في تحويل الميت من موضعه للأمر يحدث"
"فكان في نفسي من ذلك حاجة" أي إلى إخراجه. وفي رواية البخاري فلم تطب نفسي حتى أخرجته فجعلته في قبر على حدة فيه دلالة على جواز الإخراج لأمر يتعلق بالحي لأنه لا ضرر على الميت في دفن ميت آخر معه، وقد بين ذلك جابر بقوله فكان في نفسي "فما أنكرت منه شيئاً" أي ما وجدت منكراً ومتغيراً من جسده شيئا. فيه جواز نقل الميت من قبره إلى موضع آخر لسبب وفي الموطأ قال مالك أنه سمع غير واحد يقول إن سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد ماتا بالعقيق فحملا إلى المدينة ودفنا بها.
وقال السيوطي في تاريخ الخلفاء في خلافة علي: قال شريك نقله ابنه الحسن إلى المدينة. وقال المبرد عن محمد بن حبيب أول من حول من قبر إلى قبر علي.
وأخرج ابن عساكر عن سعيد بن عبد العزيز قال: لما قتل علي بن أبي طالب حملوه ليدفنوه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى وهذه الآثار فيها جواز نقل الميت من الموطن الذي مات فيه إلى موطن آخر يدفن فيه والأصل الجواز فلا يمنع من ذلك إلا لدليل: والحديث سكت عنه المنذري.
ـــــــ
أو وسط الطريق".
وعلى هذا فلا فرق بين النعل والجمجم والمداس والزربول.
وقال القاضي أبو يعلى ذلك مختص بالنعال السبتية لا يتعداها إلى غيرها قال لأن الحكم تعبدي غير معلل فلا يتعدى مورد النص.
وفيما تقدم كفاية في رد هذا وبالله التوفيق.

(9/39)


80- باب في الثناء على الميت
3231 - حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ أخبرنا شُعْبَةُ عن إبْرَاهِيمَ بنِ عَامِرٍ عن عَامِرِ بنِ سَعْدٍ عن أبِي هُرَيْرَةَ قال: مَرّوا عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْراً، فقالَ: "وَجَبَتْ"، ثُمّ مَرّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا شَرّا، فقالَ: "وَجَبَتْ"، ثُمّ قال: "إنّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ شَهِيدٌ" .
ـــــــ
"باب في الثناء على الميت"
"مروا" أي الناس "فأثنوا عليها" أي ذكروها بأوصاف حميدة "خيراً" تأكيداً ودفع لما يتوهم من علي "فقال" النبي صلى الله عليه وسلم "وجبت" أي الجنة، والمراد بالوجوب الثبوت إذ هو في صحة الوقوع كالشىء الواجب، والأصل أنه لا يجب على الله شىء بل الثواب فضله والعقاب عدله"فأثنوا شراً" قال الطيبي استعمال الثناء في الشر مشاكلة أو تهكم انتهى. ويمكن أن يكون أثنوا في الموضعين بمعنى وصفوا فيحتاج حينئذ إلى القيد. ففي القاموس: الثناء وصف بمدح أو ذم أو خاص بالمدح. قاله القاري "فقال وجبت" أي النار أو العقوبة وحاصل المعنى أن ثناءهم عليه بالخير يدل على أن أفعاله كانت خيراً وجبت له الجنة، وثناءهم عليه بالشر يدل على أفعاله كانت شراً فوجبت له النار "إن بعضكم على بعض شهيد" أي المخاطبون بذلك من الصحابة ومن كان على صفتهم من الإيمان وحكى ابن التين أن ذلك مخصوص بالصحابة لأنهم كانوا ينطقون بالحكمة بخلاف من بعدهم، ثم قال: والصواب أن ذلك يختص بالمتقيات والمتقين. قاله في الفتح. قال المنذري: والحديث أخرجه النسائي، وقد أخرجه البخاري ومسلم وابن ماجه من حديث ثابت البناني عن أنس.

(9/40)


281- باب في زيارة القبور
3232 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِيّ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ عُبَيْدٍ عن يَزِيدَ بنِ كَيْسَانَ عن أبي حَازِمٍ عن أبي هُرَيْرَةَ قال: أتَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قَبْرَ أُمّهِ فَبَكَى وَأبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "اسْتَأْذَنْتُ رَبّي تَعَالَى عَلَى أنْ أسْتَغْفِرَ لَهَا، فَلَمْ
ـــــــ
باب في زيارة القبور
"فبكى" بكاؤه صلى الله عليه وسلم على ما فاتها من إدراك أيامه والأيمان به أو على عذابها "فلم يأذن لها"

(9/40)


يَأْذَنْ لِي فَاسْتَأْذَنْتُ أنْ أزُورَ قَبْرَهَا، فَأَذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإنّهَا تُذَكّرُ بالمَوْتِ" .
3233 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ أخبرنا مُعَرّفُ بنُ وَاصِلٍ عن مُحَارِبِ بنِ دِثَارٍ عن ابنِ بُرَيْدَةَ عن أبِيهِ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "نَهَيْتُكُمْ عن زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا فَإنّ في زِيَارَتِهَا تَذْكِرَةً".
ـــــــ
لأنها كافرة والاستغفار للكافرين لا يجوز "فأذن لي" بناء على المجهول أو يكون بصيغة الفاعل "فإنها" أي القبور أو زيارتها "تذكر بالموت" وذكر الموت يزهد في الدنيا ويرغب في العقبى فيه جواز زيارة قبور المشركين، والنهي عن الاستغفار للكفار.
قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه.
"معرف" بضم أوله وفتح المهملة وتشديد الراء المكسورة. قاله في التقريب"عن ابن بريدة" هو عبد الله. قاله المنذري "نهيتكم" أي قبل هذا "فزوروها" الأمر للرخصة أو للاستحباب وظاهره الإذن في زيارة القبور للرجال. قال الحافظ في الفتح: واختلف في النساء، فقيل دخلن في عموم الإذن وهو قول الأكثر ومحله ما إذا أمنت الفتنة. وممن حمل الإذن على عمومه للرجال والنساء عائشة، وقيل الإذن خاص بالرجال ولا يجوز للنساء زيارة القبور انتهى.
قال العيني: وحاصل الكلام أن زيارة القبور مكروهة للنساء بل حرام في هذا الزمان ولا سيما نساء مصر لأن خروجهن على وجه الفساد والفتنة، وإنما رخصت الزيارة لتذكر أمر الآخرة وللاعتبار بمن مضى وللتزهد في الدنيا انتهى.
قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم والنسائي بنحوه.

(9/41)


82- باب في زيارة النساء القبور
3234 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنْبأنَا شُعْبَةُ عن مُحَمّدِ بنِ جُحَادَةَ قال سَمِعْتُ أبَا صَالِحٍ يُحَدّثُ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: لَعَنَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم زَائِرَاتِ الْقُبُورِ وَالمُتّخِذِينَ عَلَيْهَا المَسَاجِدَ وَالسّرُجَ.
ـــــــ
باب في زيارة النساء القبور
"والمتخذين عليها" أي على القبور "المساجد والسرج" فيه تحريم زيارة القبور للنساء،

(9/41)


......................................
ـــــــ
واتخاذ القبور مساجد، واتخاذ السرج على المقابر. قال الترمذي: قد رأى بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يرخص النبي صلى الله عليه وسلم في زيارة القبور فلما رخص دخل في رخصته الرجال والنساء: وقال بعضهم إنما كره زيارة القبور في النساء لقلة صبرهن وكثرة جزعهن انتهى.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله
وقد تقدم أن أبا حاتم خالفه في ذلك وقال أبو صالح هذا هو مهران ثقة
وليس بصاحب الكلبى ذاك اسمه باذام
وقد أخرج الترمذي من حديث عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن زوارت القبور وقال هذا حديث حسن صحيح وأخرجه ابن حبان في صحيحه وفي الباب عن عائشة وحسان وحديث حسان بن ثابت قد أخرجه الإمام أحمد في مسنده
وروى ابن حبان في صحيحه من حديث ربيعة بن سيف المعافري عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو قال قبرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فلما فرغنا انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وانصرفنا معه فلما حاذينا به وتوسط الطريق إذا نحن بامرأة مقبلة فلما دنت إذا هي فاطمة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أخرجك يافاطمة من بيتك؟ قالت: يا رسول الله رحمت على أهل هذا الميت ميتهم فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فلعلك بلغت معهم الكدي" قالت معاذ الله وقد سمعتك تذكر فيها ما تذكر قال: "لو بلغت معهم الكدي ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك" فسألت ربيعة عن الكدي فقال القبور
قال أبو حاتم يريد الجنة العالية التي يدخلها من لم يرتكب نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن فاطمة علمت النهي فيه قبل ذلك والجنة هي جنان كثيرة لا جنة واحدة والمشرك لا يدخل الجنة أصلا لا عالية ولا سافلة ولا ما بينهما
وقد طعن غيره في هذا الحديث وقالوا هو غير صحيح لأن ربيعة بن سيف ضعيف الحديث عنده مناكير وقد اختلف في زيارة النساء للمقابر على ثلاثة أقوال
أحدها التحريم لهذه الأحاديث
والثاني يكره من غير تحريم وهذا منصوص أحمد في إحدى الروايات عنه وحجة هذا القول حديث أم عطية المتفق عليه نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا وهذا يدل على أن النهي عنه للكراهة لا للتحريم

(9/42)


83- باب ما يقول إذا مر بالقبور
3235 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن الْعَلاَءِ بنِ عبد الرحمن عن أبِيهِ عن أبي هُرَيْرَةَ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم خَرَجَ إلَى المَقْبَرَةِ فقَالَ: "السّلاَمُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإنّا إنْ شَاءَ الله بِكُمْ لاَحِقُونَ" .
ـــــــ
"باب ما يقول إذا مر بالقبور"
"السلام عليكم" قال الخطابي: فيه من العلم أن السلام على الموتى كهو على الأحياء في تقديم الدعاء على الاسم ولا يقدم الاسم على الدعاء كما يفعله العامة وكذلك هو في كل دعاء بخير كقوله تعالى {رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ} وكقوله تعالى {سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ} وقال تعالى خلاف ذلك {وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} فقدم الاسم على الدعاء "دار قوم" أي أهل دار. قال الخطابي: فيه أنه سمى المقابر دارا فدل على أن اسم الدار قد يقع على الربع العامر المسكون وعلى الخراب غير المأهول "وإنا شاء الله بكم لاحقون" قال
ـــــــ
وأما رواية البيهقي وقولها نهى عنها ثم أمر بزيارتها فهي من رواية بسطام بن مسلم ولو صح فهي تأولت ما تأول غيرها من دخول النساء والحجة في قول المعصوم لا في تأويل الراوي وتأويله إنما يكون مقبولا حيث لا يعارضه ما هو أقوى منه وهذا قد عارضه أحاديث المنع
قالوا وأما حديث أنس فهو حجة لنا فإنه لم يقرها بل أمرها بتقوى الله التي هي فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه ومن جملتها النهي عن الزيارة وقال لها: "اصبري" ومعلوم أن مجيئها إلى القبر وبكاءها مناف للصبر فلما أبت أن تقبل منه ولم تعرفه انصرف عنها فلما علمت أنه صلى الله عليه وسلم هو الآمر لها جاءته تعتذر إليه من مخالفة أمره فأي دليل في هذا على جواز زيارة النساء؟
وبعد فلا يعلم أن هذه القضية كانت بعد لعنه صلى الله عليه وسلم زائرات القبور ونحن نقول إما أن تكون دالة على الجواز فلا دلالة على تأخرها عن أحاديث المنع أو تكون دالة على المنع بأمرها بتقوى الله فلا دلالة فيها على الجواز فعلى التقديرين لا تعارض أحاديث المنع ولا يمكن دعوى نسخها بها والله أعلم
وأما قول أم عطية نهينا عن اتباع الجنائز فهو حجة للمنع
وقولها "ولم يعزم علينا" إنما نفت فيه وصف النهي وهو النهي المؤكد بالعزيمة وليس ذلك شرطا في اقتضاء التحريم بل مجرد النهي كاف ولما نهاهن انتهين لطواعيتهن لله ولرسوله فاستغنين عن العزيمة عليهن وأم عطية لم تشهد العزيمة في ذلك النهي وقد دلت أحاديث لعنة الزائرات على العزيمة فهي مثبتة للعزيمة فيجب تقديمها وبالله التوفيق

(9/45)


...............................................
ـــــــ
الخطابي: فقد قيل إن ذلك ليس على معنى الاستثناء الذى يدخل الكلام لشك وارتياب ولكنه عادة المتكلم يحسن بذلك كلامه ويزينه به كما يقول الرجل لصاحبه أنك إن أحسنت إلي شكرتك إن شاء الله إن ائتمنتني لم أخنك إن شاء الله في نحو ذلك من الكلام وهو لا يريد الشك في كلامه، وقد قال الله تعالى {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} الآية وقد علم دخولهم إياه ووعدهم به ووعده الحق وهو أصدق القائلين. وقد قيل إنه دخل المقبرة ومعه قوم مؤمنون متحققون بالإيمان وآخرون يظن بهم النفاق فكان استثناؤه منصرفاً إليهم دون المؤمنين، ومعناه اللحوق بهم في الإيمان. وقيل إن الاستثناء إنما وقع في استصحاب الإيمان إلى الموت انتهى قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه.

(9/46)


84- باب كيف يصنع بالمحرم إذا مات
3236 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ كَثِيرٍ أَنبأنَا سُفْيَانُ حدّثني عَمْرُو بنُ دِينَارٍ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: أتَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِرَجُلٍ وَقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ فَمَاتَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَقَالَ: "كَفّنُوهُ في ثَوْبَيْهِ وَاغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَلاَ تُخَمّرُوا رَأْسَهُ فَإنّ الله يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُلَبّي" .
قَالَ أبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُ أحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ في هَذَا الْحَدِيثِ خَمْسُ سُنَنٍ: كَفّنُوهُ في ثَوْبَيْهِ أي يُكَفّنُ المَيّتُ في ثَوْبَيْنِ، وَاغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ أي أنّ في الْغُسْلاَتِ كُلّهَا سِدْراً، وَلاَ تُخَمّرُوا رَأْسَهُ، وَلاَ تُقَرّبُوهُ طِيباً، وَكَانَ الْكَفَنُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ.
3237 - حدثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ وَ مُحَمّدُ بنُ عُبَيْدٍ المَعْنَى قالا أخبرنا حَمّادٌ عن
ـــــــ
"باب كيف يصنع بالمحرم إذا مات"
"وقصته" الوقص كسر العنق أي أسقطته فاندق عنقه "راحلته" أي ناقته "فمات" أي الرجل"وهو" الرجل "فقال" النبي صلى الله عليه وسلم "كفنوه" أي الرجل "في ثوبيه" أي إزاره وردائه اللذين لبسهما في الإحرام "ولا تخمروا" بالتشديد أي لا تغطوا ولا تستروا "يلبي" أي يقول لبيك اللهم لبيك ليعلم الناس أنه مات محرماً قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.

(9/46)


عَمْرٍو وَ أيّوبَ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ قالَ: "وَكَفّنُوهُ في ثَوْبَيْنِ".
قَالَ أبُو دَاوُدَ: قال سُلَيْمَانُ قال أيّوبُ: ثَوْبَيْهِ، وَقال عَمْرٌو: ثَوْبَيْنِ، وقالَ ابنُ عُبَيْدٍ قال أيّوبُ: في ثَوْبَيْنِ، وَقَالَ عَمْرٌو: في ثَوْبَيْهِ. زَادَ سُلَيْمَانُ وَحْدَهُ: وَلاَ تُحَنّطُوهُ.
3238 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا حَمّادٌ عن أيّوبَ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ بِمَعْنَى سُلَيْمَانَ في ثَوْبَيْنِ.
3239 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا جَرِيرٌ عن مَنْصُورٍ عن الْحَكَمِ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: وَقَصَتْ بِرَجُلٍ مُحْرمٍ نَاقَتُهُ فَقَتَلَتْهُ، فَأُتِيَ بِهِ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فقالَ: "اغْسِلُوهُ وَكَفّنُوهُ وَلاَ تُغَطّوا رَأْسَهُ وَلاَ تُقَرّبُوهُ طِيباً فَإنّهُ يُبْعَثُ يُهِلّ" .
آخر كتاب الجنائز
ـــــــ
"عن ابن عباس نحوه" أي نحو حديث سفيان "ولا تحنطوه" أي لا تجعلوا الحنوط في كفنه وجسده. قال في النهاية: الحنوط والحناط واحد وهو ما يخلط من الطيب لأكفان الموتى وأجسامهم خاصة.
"بمعنى سليمان" أي بمعنى حديث سليمان.
"وقصت" قال الخطابي: يريد به أنها صرعته فدقت عنقه وأصل الوقص الدق أو الكسر "ولا تغطوا رأسه" فيه من الفقه أن حرم الرجل في رأسه "ولا تقربوه طيباً" فيه أن المحرم إذا مات سن به سنة الأحياء في اجتناب الطيب "يهل" أي حال كونه يرفع صوته بلبيك. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"آخر كتاب الجنائز"

(9/47)