Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود

كتاب الأيمان والنذور
باب التغليظ في اليمين [الأيمان] الفاجرة
...
بسم الله الرحمن الرحيم
أول كتاب الأيمان والنذور
1- باب التغليظ في اليمين الفاجرة
3240 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ الصّبّاحِ الْبَزّازُ أخبرنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ قالَ أخبرنا هِشَامُ بنُ حَسّانَ عن مُحَمّدِ بنِ سِيرِينَ عن عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ قالَ قالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ مَصْبُورَةٍ كَاذِباً فَلْيَتَبَوّأْ بِوَجْهِهِ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ" .
ـــــــ
"أول كتاب الأيمان والنذور"
قال الحافظ في الفتح: الأيمان بفتح الهمزة جمع يمين، وأصل اليمنى في اللغة اليد، وأطلقت على الحلف لأنهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كل بيمين صاحبه، وقيل لأن اليد اليمين من شأنها حفظ الشيء فسمي الحلف بذلك لحفظ المحلوف عليه، وسمي المحلوف عليه يميناً لتلبسه بها، ويجمع اليمين أيضاً على أيمن كرغيف وأرغف، وعرفت شرعاً بأنها توكيد الشيء بذكر اسم أو صفة الله، وهذا أخصر التعاريف وأقربها. والنذور جمع نذر وأصله الإنذار بمعنى التخويف، وعرفه الراغب بأنه إيجاب ما ليس بواجب لحدوث أمر انتهى.
"باب التغليظ في اليمين الفاجرة"
أي الكاذبة
"من حلف على يمين" أي محلوف يمين فأطلق عليه لفظ يمين للملابسة والمراد ما شأنه أن يكون محلوفاً عليه فهو من مجاز الاستعارة قاله في الفتح "مصبورة" أي ألزم بها وحبس عليها وكانت لازمة لصاحبها من جهة الحكم وقيل لها مصبورة وإن كان صاحبها في الحقيقة هو المصبور لأنه إنما صبر من أجلها أي حبس فوصفت بالصبر وأضيفت إليه مجازاً. قاله في النهاية. وقال الخطابي: اليمين المصبورة هي اللازمة

(9/48)


............................
ـــــــ
لصاحبها من جهة الحكم فيصبر لأجلها أي يحبس وهي يمين الصبر، وأصل الصبر الحبس، ومن هذا قولهم قتل فلان صبراً أي حبساً على القتل وقهراً عليها "فليتبوأ بوجهه" أي بسببه أي بسبب هذا الحلف والباء للسببية أو على وجهه أي مكباً على وجهه، فالباء للاستعلاء كما في قوله تعالى {مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ} والثاني أولى لأنه يكون هذا اللفظ أي لفظ بوجهه على الأول تأكيداً لما علم سابقاً من أن الحلف سبب لهذا التبوأ لأنه إذا حكم على المشتق بشيء كان مأخذ الاشتقاق علة له، وعلى الثاني يكون تأسيساً وهو أولى من التأكيد والله أعلم. والحديث سكت عنه المنذري.

(9/49)


2- باب فيمن حلف ليقتطع بها مالا
3241 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ عِيسَى وَ هَنّادُ بنُ السّرِيّ المَعْنى قالا أخبرنا أبُو مُعَاوِيَةَ قال أخبرنا الأَعْمَشُ عن شَقِيقٍ عن عبد الله قال قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ" . فَقَالَ الأَشْعَثُ: فِيّ وَالله كَانَ ذَلِكَ، كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ أرْضٌ فَجَحَدَنِي فَقَدّمْتُهُ إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فَقالَ لِيَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "ألَكَ بَيّنَةٌ؟ قُلْتُ: لاَ قال لِلْيَهُودِيّ: "احْلِفْ"، قُلْتُ:
ـــــــ
"باب فيمن حلف ليقتطع بها مالا"
-"عن عبد الله" هو ابن مسعود "على يمين" والمراد به المحلوف عليه. وفي روايه البخاري "على يمين صبر" قال العيني: وهي التي يلزم ويجبر عليها حالفها، ويقال هي أن يحبس السلطان رجلاً على يمين حتى يحلف بها، يقال صبرت يميني أي حلفت بالله، وأصل الصبر الحبس ومعناه ما يجبر عليها. وقال الداوودي معناه وأن يوقف حتى يحلف على رؤوس الناس انتهى "هو" أي الحالف "فيها" أي في اليمين "فاجر" أي كاذب، وقيد به ليخرج الجاهل والناسي والمكره "ليقتطع" بزيادة لام التعليل ويقتطع من يفتعل القطع كأنه يقطعه عن صاحبه أو يأخذ قطعة في ماله بالحلف المذكور "بها" بسبب اليمين "امرىء مسلم" أو ذمي ونحوه قاله القسطلاني "لقي الله" جواب من "هو" أي الله تعالى الواو للحال "عليه" أي على الحالف "غضبان" فيعامله معاملة المغضوب عليه فيعذبه، وغضبان لا ينصرف لزيادة الألف والنون. وقال الطيبي: أي ينتقم منه "في" بكسر الفاء وتشديد الياء "كان ذلك" أي هذا الحديث "إرضى" أي متنازع فيها "فجحدني" أي أنكر على "فقدمته" بالتشديد أي جئت بالرجل وارفعت أمره

(9/49)


يَارَسُولَ الله إذًا يَحْلِفُ وَيَذْهَبُ بِمَالِي، فَأنْزَلَ الله تَعَالَى: {إنّ الّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وَأيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً} إلَى آخِرِ الآية".
ـــــــ
"قال" النبي صلى الله عليه وسلم "إذاً يحلف" قال القسطلاني: والفعل هنا في الحديث إن أريد به الحال فهو مرفوع وإن أريد به الاستقبال فهو منصوب وكلاهما في الفرع كأصله والرفع رواية انتهى. وقال العيني: إذاً يحلف جواب وجزاء فينصب يحلف "فأنزل الله تعالى" تصديق ذلك "إن الذين يشترون" أي يستبدلون "بعهد الله" أي بما عهد إليهم من أداء الأمانة وترك الخيانة "وأيمانهم" أي الكاذبة {ثَمَناً قَلِيلاً} شيئاً يسيراً من حطام الدنيا مع أن متاعها كلها قليل.قال العيني: قال ابن بطال: وبهذه الآية والحديث احتج الجمهور على أن الغموس لا كفارة فيها لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم ذكر في هذه اليمين المقصود بها الحنث والعصيان والعقوبة والإثم ولم يذكر فيها كفارة ولو كانت لذكرت كما ذكرت في اليمين المعقودة، فقال "فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير" وقال ابن المنذر: لا نعلم سنة تدل على قول من أوجب فيها الكفارة بل هي دالة على قول من لم يوجبها. قلت: هذا كله على الشافعية انتهى.
وقال في النهاية: اليمين الغموس هي اليمين الكاذبة الفاجرة كالتي يقتطع بها الحالف مال غيره، سميت غموساً لأنها تغمس صاحبها في الإثم ثم في النار وفعول للمبالغة انتهى.
وقال في الفتح: وقد أخرج ابن الجوزى في التحقيق من طريق ابن شاهين بسنده إلى خالد بن معدان عن أبي المتوكل عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "ليس فيها كفارة يمين صبر يقتطع بها مالا بغير حق" وظاهر سنده الصحة لكنه معلول لأن فيه عنعنة بقية فقد أخرجه أحمد من هذا الوجه فقال في هذا السند عن المتوكل، أو أبي المتوكل فظهر أنه ليس هو الناجي الثقة بل آخر مجهول. وأيضاً فالمتن مختصر ولفظه عند أحمد "من لقي الله لايشرك به شيئاً دخل الجنة" الحديث وفيه "وخمس ليس لها كفارة الشرك بالله" وذكر في آخرها "ويمين صابرة يقتطع بها مالا بغير حق" ونقل محمد بن نصر في اختلاف العلماء ثم ابن المنذر ثم ابن عبد البر اتفاق الصحابة على أن لا كفارة في اليمين الغموس. وروى آدم بن أبي إياس في مسند شعبة وإسماعيل القاضي في الأحكام عن ابن مسعود "كنا نعد الذنب الذي لا كفارة له اليمين الغموس أن يحلف الرجل على مال أخيه كاذباً ليقتطعه" قال ولا مخالف له من الصحابة.واحتجوا بأنها أعظم من أن تكفر وقال الشافعي بالكفارة، ومن حجته قوله في الحديث في أول كتاب الأيمان "فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه" فأمر من تعمد الحدث أن يكفر فيؤخذ منه مشروعية الكفارة لمن خاف حانثاً وفي هذا الحديث من الفوائد منها

(9/50)


3242 - حدثنا مَحْمُودُ بنُ خَالِدٍ قالَ أخبرنا الْفِرْيَابِيّ قال أخبرنا الْحَارِثُ بنُ سُليْمَانَ قال حَدّثَني كُرْدُوسٌ عن الأَشْعَثِ بنِ قَيْسٍ أنّ رَجُلاً مِنْ كِنْدَةَ وَرَجُلاً مِنْ حَضْرَمُوتَ اخْتَصَمَا إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم في أرْضٍ مِنَ الْيَمَنِ، فَقَالَ الْحَضْرَمِيّ: يَارَسُولَ الله إنّ أرْضِيَ اغْتَصَبَنِيهَا أبُو هَذَا وَهِيَ في يَدِهِ، قال: "هَلْ لَكَ بَيّنَةٌ"؟ قال: لاَ وَلَكِنْ أُحَلّفُهُ وَالله مَا يَعْلَمُ أنّهَا أرْضِي اغْتَصَبَنِيهَا أبُوهُ، فَتَهَيّأَ الْكِنْدِيّ لِلْيَمِينِ فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَقْتَطِعُ أحَدٌ مَالاً بِيَمِينٍ إلاّ لقي الله وَهُوَ أجْذَمُ" ، فَقَالَ الْكِنْدِيّ: هِيَ أرْضُهُ".
3243 - حدثنا هَنّادُ بنُ السّرِيّ قالَ أخبرنا أبُو الأحْوَصِ عن سِمَاكٍ عن عَلْقَمَةَ بنِ وَائِلِ بنِ حَجَرٍ الْحَضْرَمِيّ عن أبِيهِ قال: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمُوتَ وَرَجُلٌ
ـــــــ
التشديد على من حلف باطلا ليأخذ حق مسلم ومنها البداءة بالسماع من الطالب ثم من المطلوب هل يقر أو ينكر، ثم طلب البينة من الطالب إن أنكر المطلوب، ثم توجيه اليمين على المطلوب إذا لم يجد الطالب البينة، وأن الطالب إذا ادعى أن المدعى به في يد المطلوب فاعترف استغنى عن إقامة البينة بأن يد المطلوب عليه انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"إن رجلا من كندة" بكسر فسكون أبو قبيلة من اليمن "من حضرموت" بسكون الضاد والواو بين فتحات وهو موضع من أقصى اليمن "فقال الحضرمي" أي الرجل المنسوب إلى حضرموت "اغتصبنيها أبو هذا" قال القاري: وفي نسخة من المشكاة اغتصبها أبوه "وهي" أي أرضى "في يده" أي تحت تصرفه الآن "قال" رسول الله صلى الله عليه وسلم "قال لا" أي الحضرمي "ولكن أحلفه" بتشديد اللام "والله ما يعلم" قال الطيبي: هو اللفظ المحلوف به أي أحلفه بهذا، والوجه أن تكون الجملة القسمية منصوبة المحل على المصدر أي أحلفه هذا الحلف قاله القارى "أنها أرضي" بفتح أنها "فتهيأ الكندي لليمين" أي أراد أن يحلف "أحد مالا" أي عن أحد "بيمين)أي بسبب يمين فاجرة "وهو أجذم" أي مقطوع اليد أو البركة أو الحركة أو الحجة. وقال الطيبي: أي أجذم الحجة لا لسان له يتكلم ولا حجة في يده، يعني ليكون له عذر في أخذ مال مسلم ظلماً وفي حلفه كاذباً قاله القاري. قال المنذري: وهذا قد ذكر في اثناء حديث عبد الله بن مسعود المتقدم.

(9/51)


مِنْ كِنْدَةَ إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فقالَ الْحَضْرَمِيّ: يَارَسُولَ الله إنّ هَذَا غَلَبَنِي عَلَى أرْضٍ كَانَتْ لأِبِي، فَقَالَ الْكِنْدِيّ: هِيَ أرْضِي في يَدِي أزْرَعُهَا لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقّ. قالَ فقالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم للحَضْرَمِيّ: "ألَكَ بَيّنَةٌ"؟ قالَ: لاَ، قالَ: "فَلَكَ يَمِينُهُ" قالَ: يَارَسُولَ الله إنّهُ فَاجِرٌ لاَ يُبَالِي مَا حَلَفَ عَلَيْهِ لَيْسَ يَتَوَرّعُ مِنْ شَيْءٍ، فقالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إلاّ ذَاكَ"، فَانْطَلَقَ لِيَحْلِفَ لَهُ، فَلَمّا أدْبَرَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أمَا لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالٍ لِيَأْكُلَهُ ظَالِماً لَيَلْقَيَنّ الله وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ" .
ـــــــ
"على أرض كانت لأني" إي بالغصب والتعدي "هي أرض" أي ملك لي "في يدي" أي تحت تصرفي. قال الخطابي: فيه دليل على أن اليد تثبت على الأرض بالزراعة وعلى الدار بالسكنى وبعقد الإجارة عليهما وما أشبه ذلك من وجوه التصرف والتدبير "ليس له" أي للحضرمي "حق" أي من الحقوق "قال" أي وائل بن حجر "قال لا" أي الحضرمي "قال" النبي صلى الله عليه وسلم "فلك" يا حضرمي "يمينه" أي الكندي قال الحضرمي أنه أي الكندي "فاجر" أي كاذب "لايبالي" صفة كاشفة لفاجر "ليس يتورع" أصل الورع الكف عن الحرام والمضارع بمعنى النكرة في سياق النفي فيعم, ويكون التقدير ليس له ورع عن شيء. قاله في النيل "ليس لك منه" أي من الكندي "إلا ذاك" أي ما ذكر من اليمين "فانطلق" أي فذهب الكندي "ليحلف" أي على قصد أن يحلف "له" أي للحضرمي "فلما أدبر" أي حين ولى الكندي على هذا القصد. قال الخطابي: فيه دليل على إن اليمين إنما كانت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عند المنبر ولولا ذلك لم يكن لانطلاقه عن مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وإدباره عنه معنى, ويشهد لذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "من حلف عند منبري ولو على سواك أخضر تبوأ مقعده من النار" "وهو" أي الله تعالى "عنه" أي عن الحالف الفاجر "معرض" هو مجاز عن الاستهانة به والسخط عليه والإبعاد عن رحمته. وفيه أنواع من الفوائد منها أن صاحب اليد أولى من أجنبي يدعى عليه, ومنها أن المدعى عليه, تلزمه اليمين إذا لم يقر, ومنها أن يمين الفاجر المدعى عليه تقبل كيمين العدل وتسقط عنه المطالبة بها. ومنها أن أحد الخصمين إذا قال لصاحبه إنه ظالم أو فاجر أو نحوه في حال المخاصمة يحتمل ذلك منه ومنها أن الوارث إذا ادعى شيئا لورثه وعلم الحاكم أن مورثه مات ولا وارث له سواه جاز الحكم له به ولم يكلفه حال الدعوى ببينة على ذلك, وموضع الدلالة أنه قال"غلبني على أرض لي كانت لأبي" فقد أقر بأنها كانت لأبيه فلولا أن النبي صلى الله عليه وسلم علم بأنه ورثها وحده لطالبه ببينة على كونه وارثاً وبينة أخرى على كونه محقاً في دعواه على خصمه. قاله القاري. وقال الخطابي: في

(9/52)


..............................
ـــــــ
في هذا الحديث دليل على ما يجري بين المتخاصمين من كلام تشاجر وتنازع وإن خرج بهم الأمر في ذلك إلى أن ينسب كل واحد منهم صاحبه فيما يدعيه قبله إلى خيانة وفجور واستحلال ونحو ذلك من الأمور فإنه لا حكومة بينهما في ذلك. وفيه دليل على أن الصالح المظنون به الصدق والصالح الموهوم به الكذب في ذلك الحكم سوى، وأنه لا يحكم لهما ولا عليهما ألا بالبينة العادلة أو اليمين انتهى. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي.

(9/53)


3- باب ما جاء في تعظيم اليمين عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم
3244 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ أخبرنا ابنُ نُمَيْرٍ قالَ أخبرنا هَاشِمُ بنُ هَاشِمٍ قالَ أخبرني عبد الله بنُ نِسْطَاسٍ مِنْ آلِ كَثِيرِ بنِ الصّلْتِ أنّهُ سَمِعَ جَابِرَ بنَ عبد الله قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَحْلِفُ أحَدٌ عِنْدَ مِنْبَرِي هَذَا عَلَى يَمِينٍ آثِمَةٍ وَلَوْ عَلَى سِوَاكٍ أخْضَرَ، إلاّ تَبَوّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ، أوْ وَجَبَتْ لَهُ النّارُ" .
ـــــــ
"باب ما جاء في تعظيم اليمين عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم"
-"على يمين آثمة" أي كاذبة، سميت بها كتسميتها فاجرة اتساعاً حيث وصفت بوصف صاحبها أي ذات إثم "ولو على سواك أخضر" إنما خص الرطب لأنه كثير الوجود لا يباع بالثمن، وهو لا يكون كذلك إلا في مواطن نباته بخلاف اليابس فإنه قد يحمل من بلد إلى بلد فيباع. قاله الشوكاني "أو وجبت له النار" شك من الراوي أو للتنويع بأن يكون الأول وعيداً للفاجر والثاني للكافر. والحديث دليل على عظمة إثم من حلف على منبره صلى الله عليه وآله وسلم كاذباً. قال الشوكاني: وقد استدل به على جواز التغليظ على الحالف بمكان معين كالحرم والمسجد ومنبره صلى الله عليه وآله وسلم، وبالزمان كبعد العصر ويوم الجمعة ونحو ذلك. وقد ذهب إلى ذلك الجمهور كما حكاه في الفتح وذهبت الحنفية إلى عدم جواز التغليظ بذلك وعليه دلت ترجمة البخاري فإنه قال في الصحيح: باب يحلف المدعى عليه حيثما وجبت عليه اليمين انتهى. وذهب بعض أهل العلم إلى أن ذلك موضع اجتهاد للحاكم. وقد ورد عن جماعة من الصحابة طلب التغليظ على خصومهم في الأيمان بالحلف بين الركن والمقام وعلى منبره صلى الله عليه وسلم، وورد عن بعضهم الامتناع من الإجابة إلى ذلك وروى عن بعض الصحابة التحليف على الصحف. وقد قال ابن رسلان إنهم لم يختلفوا في جواز التغليظ على الذمى قال الشوكاني: فغاية ما يجوز التغليظ به

(9/53)


.............................................
ـــــــ
هو ما ورد في حديث الباب وما يشبهه من التغليظ باللفظ، وأما التغليظ بزمان معين أو مكان معين على أهل الذمة مثل أن يطلب منه أن يحلف في الكنائس أو نحوها فلا دليل على ذلك انتهى.
قال المنذري: والحديث أخرجه النسائي وابن ماجه.

(9/54)


4- باب اليمين بغير الله
3245 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ قالَ أخبرنا عَبْدُالرّزّاقِ قالَ أنْبأنَا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن حُمَيْدِ بنِ عبد الرحمن عن أبي هُرَيْرَةَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ حَلَفَ وَقالَ في حَلْفِهِ وَالّلاتِ فَلْيَقُلْ لاَ إلَهَ إلاّ الله، وَمَنْ قالَ لِصَاحِبِهِ تَعَالَ أُقَامِرْكَ فَلْيَتَصَدّقْ بِشَيْءٍ" .
ـــــــ
"باب اليمين بغير الله"
"في حلفه" بكسر اللام قاله القسطلاني "واللات" صنم معروف في الجاهلية "فليقل لا إله إلا الله" إنما أمر بذلك لأنه تعاطى صورة تعظيم الأصنام حين حلف بها وأن كفارته هو هذا القول لاغير قاله العيني. وقال القاري: له معينان أحدهما أن يجري على لسانه سهواً جرياً على المعتاد السابق للمؤمن المتجدد فليقل لا إله إلا الله أي فليتب كفارة لتلك الكلمات فإن الحسنات يذهبن السيئات، فهذا توبة من الغفلة، وثانيهما أن يقصد تعظيم اللات والعزى فليقل لا إله إلا الله تجديداً لإيمانه، فهذا توبة من المعصية انتهى. وقال الخطابي: فيه دليل على أن الحالف باللات لا يلزمه كفارة اليمين وإنما يلزمه الإنابة والاستغفار، وفي معناه إذا قال أنا يهودي أو نصراني أو بريء من الإسلام إن فعلت كذا فإنه يتصدق بشيء، وهو قول مالك والشافعي وأبو عبيد، وقال النخعي وأصحاب الرأي: إن قال هو يهودي إن فعلت كذا فحنث فعليه كفارة يمين، وبه قال الأوزاعي وسفيان الثوري، وقول أحمد واسحاق بن راهويه نحو من ذلك "تعالى" بفتح اللام أمر من تعالى أي ائت "أقامرك" بالجزم على جواب الأمر أفعل القمار معك "فليتصدق بشيء" من ماله كفارة لمقاله.
وقال الخطابي: معناه فليتصدق بقدر جعله حظاً في القمار انتهى. وقال العيني وإنما أمر بالصدقة تكفيراً للخطيئة في كلامه بهذه المعصية، والأمر بالصدقة محمول عند الفقهاء على الندب انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه

(9/54)


..........................................
ـــــــ
وليس في حديث أحد منهم بشيء سوى مسلم وحده.

(9/55)


[5- باب كراهية الحلف بالآباء]
3246 - حدثنا عبيد الله بنُ مُعَاذٍ أخبرنا أبِي أخبرنا عَوْفٌ عن مُحَمّدِ بنِ سِيرِينَ عن أبي هُرَيْرَةَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: " لاَ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُم وَلاَ بِأُمّهَاتِكُم وَلاَ بِالأَنْدَادِ، وَلاَ تَحْلِفُوا إلاّ بالله، وَلاَ تَحْلِفُوا بِالله إلاّ وَأنْتُمْ صَادِقُونَ" .
3247 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ أخبرنا زُهَيْرٌ عن عبيد الله بنِ عُمَرَ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ عن عُمَرَ بنِ الْخَطّابِ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أدْرَكَهُ وَهُوَ في رَكْبٍ وَهُوَ يَحْلِفُ بِأبِيهِ
ـــــــ
"باب كراهية الحلف بالآباء"
"لا تحلفوا بآبائكم" أي بأصولكم فبالفروع أولى "ولا بالأنداد" أي الأصنام.
قال في النهاية: الأنداد: جمع ند بالكسر، وهو مثل الشيء الذي يضاده في أموره، وينادُه أي يخالفه، ويريد بها ما كانوا يتخذونه آلهة من دون الله انتهى.
قال في الفتح: وهل المنع للتحريم؟ قولان عند المالكية، كذا قال ابن دقيق العيد والمشهور عندهم الكراهة، والخلاف أيضاً عند الحنابلة، لكن المشهور عندهم التحريم، وبه جزم الظاهرية.
وقال ابن عبدالبر: لا يجوز الحلف بغير الله بالإجماع، ومراده بنفي الجواز الكراهة أعم من التحريم والتنزيه فإنه قال في موضع آخر أجمع العلماء على أن اليمين بغير الله مكروهة منهى عنها لا يجوز لأحد الحلف بها. والخلاف موجود عند الشافعية من أجل قول الشافعي أخشى أن يكون الحلف بغير الله معصية، فأشعر بالتردد، وجمهور أصحابه على أنه للتنزيه.
وقال إمام الحرمين: المذهب القطع بالكراهة، وجزم غيره بالتفصيل، فإن اعتقد في المحلوف فيه من التعظيم ما يعتقده في الله حرم الحلف به وكان بذلك الإعتقاد كافر انتهى. والحديث ليس من رواية اللؤلؤي ولذا لم يذكره المنذري وقال المزي في الأطراف: حديث عبيد الله بن معاذ في رواية أبي الحسن بن العبد وأبي بكر بن داسة ولم يذكره أبو القاسم.
"أدركه" أي عمر "وهو" أي عمر "في ركب" قال في السبل: الركب أي ركبان الإبل اسم جمع أو جمع وهم العشرة فصاعداً وقد يكون الخيل "وهو يحلف" أي عمر "فقال" النبي صلى الله عليه وسلم

(9/55)


فقالَ: "إنّ الله يَنْهَاكُم أنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُم، فَمَنْ كَانَ حَالِفاً فَلْيَحْلِفْ بالله أوْ لِيَسْكُتْ" .
3248 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا عَبْدُالرّزّاقِ أنْبأنَا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن سَالِمٍ عن أبِيهِ عن عَمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُ قال: سَمِعَنِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم نَحْوَ مَعْنَاهُ إلَى بِآبَائِكُم. زَادَ قال عُمَرُ: فَوَالله مَا حَلَفْتُ بِهَذَا ذَاكِراً وَلاَ آثِراً".
3249 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ الْعَلاَءِ أخبرنا ابنُ إدْرِيسَ قال سَمِعْتُ الْحَسَنَ بنَ
ـــــــ
"فمن كان حالفاً" أي مريداً للحلف "فليحلف بالله" أي بأسمائه وصفاته.
قال الحافظ: وظاهرة تخصيص الحلف بالله خاصة، لكن قد اتفق الفقهاء على أن اليمين تنعقد بالله وذاته وصفاته العلية "أو ليسكت" قال العيني: والحكمة في النهي عن الحلف بالآباء أنه يقتضي تعظيم المحلوف به، وحقيقة العظمة مختصة بالله جلت عظمته فلا يضاهى به غيره، وهكذا حكم غير الآباء من سائر الأشياء. وما ثبت أنه صلى الله عليه وسلم قال أفلح وأبيه فهي كلمة تجري على اللسان لا يقصد بها اليمين انتهى.
قلت: أو أن هذا وقع قبل ورود النهي. قال: وأما قسم الله تعالى بمخلوقاته نحو الصافات والطور والسماء والطارق والتين والزيتون والعاديات، فالله يقسم بما شاء من خلقه تنبيها على شرفه، أو التقدير ورب الطور انتهى.
وقال النووي: يكره الحلف بغير أسماء الله تعالى وصفاته سواء في ذلك النبي صلى الله عليه وسلم والكعبة والملائكة والأمانة والحياة والروح وغيرها ومن أشدها كراهة الحلف بالأمانة انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.
"نحو معناه" أي بمعنى حديث أحمد بن يونس "بهذا" أي بأبي "ذاكراً" أي قائلاً لها من قبل نفسي "ولا آثراً" بلفظ اسم الفاعل من الأثر يعني ولا حاكياً لها عن غيري ناقلاً عنه. وقال الطبري: ومنه حديث مأثور عن فلان أي يحدث به عنه، والأثر الرواية ونقل كلام الغير قاله العيني.
وقال الخطابي: معنى قوله آثراً أي موثراً وقيل يريد مخبراً به من قولك أثرت الحديث أثرة إذا رويته يقول ما حلفت ذاكراً عن نفسي ولا مخبراً به عن غيره انتهى. والحديث ليس من رواية اللؤلؤي ولذا لم يذكره المنذري. وقال المزي: حديث أحمد بن حنبل في رواية أبي الحسن بن العبد، ولم يذكره أبو القاسم انتهى.

(9/56)


عُبَيْدِ الله عن سَعْدِ بنِ عُبَيْدَةَ قال: سَمِعَ ابنُ عُمَرَ رَجُلاً يَحلِفُ لاَ وَالْكَعْبَةِ، فَقَالَ لَهُ ابنُ عُمَرَ: إنّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ الله فَقَدْ أشْرَكَ".
3250 - حدثنا سُلَيْمَانُ بنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيّ أخبرنا إسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ المَدَنِيّ عن أبي سُهَيْلٍ نَافِعِ بنِ مَالِكِ بنِ أبي عَامِرٍ عن أبِيهِ أنّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بنَ عبيد الله - يَعْني في حَدِيثِ قِصّةِ الأَعْرَابِيّ - قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "أفْلَحَ وَأبِيهِ إنْ صَدَقَ دَخَلَ الْجَنّةَ وَأبِيهِ إنْ صَدَقَ".
ـــــــ
"فقال له" أي للرجل "فقد أشرك" قال القاري: قيل معناه من أشرك به غيره في التعظيم البليغ فكأنه مشرك إشراكاً جلياً فيكون زجرا بطريق المبالغة قال ابن الهمام: من حلف بغير الله كالنبي والكعبة لم يكن حالفاً لقوله صلى الله عليه وسلم "من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت" متفق عليه انتهى.
قال الحافظ: والتعبير بقول "أشرك" للمبالغة في الزجر والتغليظ في ذلك، وقد تمسك به قال بتحريم ذلك انتهى.
قال المزي: حديث محمد بن العلاء في رواية أبي الحسن بن العبد ولم يذكره أبو القاسم انتهى. والحديث ليس من رواية اللؤلؤي ولذا لم يذكره المنذري.
"عن أبي سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر" قال المزي: أخرجه أبو داوود في الصلاة عن القعنبي عن مالك، وفي الأيمان والنذور عن أبي الربيع سليمان بن داوود عن إسماعيل بن جعفر عن أبي سهيل بن مالك عن أبيه عن طلحة بن عبيد الله بن عثمان أحد العشرة المشهود لهم انتهى. وليس هذا الحديث في نسخة المنذري والله أعلم "أفلح وأبيه" لعل هذا وقع قبل ورود النهي أو التقدير ورب أبيه أو كلمة جرت على اللسان من أن يقصد بها اليمين.

(9/57)


6- باب كراهية الحلف بالأمانة
32501 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ أخبرنا زُهَيْرٌ أخبرنا الْوَلِيدُ بنُ ثَعْلَبَةَ الطّائِيّ عن ابنِ بُرَيْدَةَ عن أبِيهِ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ حَلَفَ بالأمَانَةِ فَلَيْسَ مِنّا" .
ـــــــ
"باب كراهية الحلف بالأمانة"
أي بلفظ الأمانة.
"من حلف بالأمانة فليس منا" أي ممن اقتدى بطريقتنا. قال القاضي أي من ذوى أسوتنا

(9/57)


.................................................
ـــــــ
بل هو من المتشبهين بغيرنا فإنه من ديدن أهل الكتاب ولعله أراد به الوعيد عليه قاله القاري.
وقال في النهاية: يشبه أن تكون الكراهة فيه لأجل أنه أمر أن يحلف بأسماء الله وصفاته والأمانة أمر من أموره فنهوا عنها من أجل التسوية بينها وبين بين أسماء الله تعالى، كما نهوا أن يحلفوا بآبائهم وإذا قال الحالف: وأمانة الله كانت يميناً عند أبي حنيفة، والشافعي لا يعدها يميناً والأمانة تقع على الطاعة والعبادة والوديعة والنقد والأمان، وقد جاء في كل منها حديث. قال المنذري: وابن بريدة هو عبد الله، وروي أيضاً من حديث سليمان بن يزيد والحديث سكت عنه.

(9/58)


7- باب المعاريض في الأيمان
3252 - حدثنا عَمْرُو بنُ عَوْنٍ قال أنْبأنَا هُشَيْمٌ ح. وأخبرنا مُسَدّدٌ قالَ أخبرنا هُشَيْمٌ عن عَبّادِ بنِ أبي صَالِحٍ عن أبِيهِ عن أبي هُرَيْرَةَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدّقُكَ عَلَيْهَا صَاحِبُكَ" .
ـــــــ
"باب المعاريض في الأيمان"
قال في النهاية: المعاريض جمع من معراض التعريض وهو خلاف التصريح من القول انتهى. وقال العيني: التعريض نوع من الكناية ضد التصريح. وقال الراغب: هو كلام له ظاهر وباطن فقصد قائله الباطن ويظهر إرادة الظاهر انتهى.
"عن عبادة بن أبي صالح" هكذا هذا الإسناد كما في المتن في النسخ الصحيحة في بعض النسح خلافه وهو غلط.
وقال المزي في الأطراف: أخرجه أبو داوود في الأيمان عن عمرو بن عون ومسدد كلاهما عن هشيم، قال عمرو بن عون عن عباد بن أبي صالح، وقال مسدد عن عبد الله بن أبي صالح عن أبي صالح. قال أبو داوود هما واحد انتهى. قلت: أبو صالح هو ذكوان وعبد الله كنيته أبو الزناد "يمينك" أي حلفك وهو مبتدأ خبره قوله "على ما" ما موصولة والمراد به النية "يصدقك عليها أي على النية "صاحبك: "أي خصمك ومدعيك ومحاورك، ولفظ مسلم "يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك" والمعنى أنه واقع عليه لا يؤثر فيه التورية، فإن العبرة في اليمين بقصد المستحلف أن كان مستحقاً لها وإلا فالعبرة بقصد الحالف فله التورية قاله القاري، وفي فتح الودود: معناه يمينك واقع على نية المستحلف ولا تؤثر التورية فيه، وهذا إذا كان للمستحلف

(9/58)


قال مُسَدّدٌ قال أخبرني عَبْدُ الله بنُ أبي صَالِحٍ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: هُمَا وَاحِدٌ، عَبّادُ بنُ أبي صَالِحٍ وَعَبْدُ الله بنُ أبي صَالِحٍ.
3253 - حدثنا عَمْرُو بنُ مُحَمّدٍ النّاقِدُ أخبرنا أبُو أحْمَدَ الزّبَيْرِيّ. قال أخبرنا إسْرَائِيلُ عن إبْرَاهِيمَ بنِ عَبْدِالأَعْلَى عن جَدّتِهِ عن أبِيهَا سُوَيْدِ بنِ حَنْظَلَةَ قال: خَرَجْنَا نُرِيدُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم وَمَعَنَا وَائِلُ بنُ حُجْرٍ فَأخَذَهُ عَدُوّ لَهُ فَتَحَرّجَ الْقَوْمُ أنْ يَحْلِفُوا وَحَلَفْتُ أنّهُ أخِي فَخَلّى سَبِيلَهُ، فَأَتَيْنَا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَأخْبَرْتُهُ أنّ الْقَوْمَ تَحَرّجُوا أنْ يَحْلِفُوا وَحَلَفْتُ أنّهُ أخِي، قال: "صَدَقْتَ المُسْلِمُ أخُو المُسْلِم".
ـــــــ
حق استحلاف وإلا فالتورية نافعة قطعاً وعليه يحمل حديث إنه أخي لذلك ذكره بعد هذا الحديث تنبيهاً على المراد انتهى.
وفي رواية لمسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اليمين على نية المستحلف" قال القاري أي إذا كان مستحقاً للتحليف والمعنى أن النظر والاعتبار في اليمين على نية طالب الحنث فإن أضمر الحالف تأويلاً على غير نية المستحلف لم يستخلص من الحنث وبه قال أحمد انتهى. قال في النيل: فيه دليل على أن الأعتبار بقصد المحلف من غير مزق بين أن يكون المحلف هو الحاكم أو الغريم وبين أن يكون المحلف ظالماً أو مظلوما صادقاً أو كاذباً. وقيل هو مقيد بصدق المحلف فيما ادعاه، أما لو كان كاذباً كان الاعتبار بنية الحالف. قال النووي: والحاصل أن اليمين على نية الحالف في كل الأحوال إلا إذا استحلفه القاضي أو نائبه في دعوى توجهت عليه قال والتورية وإن كان لا يحنث بها فلا يجوز فعلها حيث يبطل بها حق المستحلف وهذا مجمع عليه. وقد حكى القاضي عياض الإجماع على أن الحالف من غير استحلاف ومن غير تعلق حق بيمينه له نيته ويقبل قوله، وأما إذا كان لغيره حق عليه فلا خلاف أنه يحكم عليه يمينه بظاهر سواء حلف متبرعاً أو باستحلاف انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم والترمذي وابن ماجه.
"عن جدته" أي لابراهيم هي مجهولة لا تعرف "عن أبيها" أي للجدة "سويد" بدل عن أبيها "فأخذه" أي وائلاً "عدوله" أي لوائل "فتحرج القوم" أي ضيقوا على أنفسهم، والحرج الإثم والضيق قاله في النهاية "أن يحلفوا" يعني كرهوا الحلف وظنوه أثماً "وحلفت أنه" أي وائل بن حجر "قال" أي النبي صلى الله عليه وسلم "المسلم أخو المسلم" ليس المراد بهذه الأخوة إلا أخوة

(9/59)


................................................
ـــــــ
الإسلام، فإن كل اتفاق بين شيئين يطلق بينهما اسم الأخوة، ويشترك في ذلك الحر والعبد ويبر الحالف إذا حلف أن هذا المسلم أخوه ولا سيما إذا كان في ذلك قربة كما في حديث الباب ولهذا استحسن ذلك صلى الله عليه وآله وسلم من الحلف وقال صدقت. قاله الشوكاني.
قال المنذري: والحديث أخرجه ابن ماجه. وسويد بن حنظلة لم ينسب ولا يعرف له غير هذا الحديث انتهى. وفي الإصابة قال الأزدي. ما روي عنه إلا ابنته قال ابن عبدالبر لا أعلم له نسباً انتهى. قال الشوكاني: وعزاه المنذري إلى مسلم فينظر في صحة ذلك انتهى.
قلت: ما وجدنا لفظ مسلم في نسخة المنذري ولعل ذلك باختلاف النسخ والله أعلم.

(9/60)


8- باب ما جاء في الحلف بالبراءة وبملة غير الإسلام
3254 - حدثنا أبُو تَوْبَةَ الرّبِيعُ بنُ نَافِعٍ أخبرنا مُعَاوِيَةُ بنُ سَلاّمٍ عن يَحْيَى بنِ أبي كَثِيرٍ قال أخبرني أبُو قِلاَبَةَ أنّ ثَابِتَ بنَ الضّحّاكِ أخبَرَهُ: أنّهُ بَايَعَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم تَحَتَ الشّجَرَةِ، أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ حَلَفَ بِمِلّةٍ غَيْرِ مِلّةِ
ـــــــ
" باب ما جاء في الحلف بالبراءة وبملة غير الإسلام "
"أن ثابت بن الضحاك" الحديث ليس من رواية اللؤلؤي ولذا لم يذكره المنذري. وقال الحافظ المزي في الأطراف: الحديث أخرجه البخاري في الجنائز والأدب والنذور، ومسلم وأبو داوود والترمذي والنسائي في الأيمان، وابن ماجه. في الكفارات، وحديث أبي داوود في رواية أبي الحسن ابن العبد ولم يذكره أبو القاسم "أخبره" أي أبا قلابة "أنه" ثابتاً "من حلف بملة" الملة بكسر الميم وتشديد اللام الدين والشريعة وهي نكرة في سياق الشرط، فتعم جميع الملل من أهل الكتاب كاليهودية والنصرانية ومن لحق بهم من المجوسية والصابئة الصائبة وأهل الأوثان والدهرية والمعطلة وعبدة الشياطين والملائكة وغيرهم. قاله في الفتح "غير ملة الإسلام" صفة فله كأن يقول إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني "كاذباً" أي في حلفه. قال القسطلاني: يستفاد منه أن الحالف إن كان مطمئن القلب بالإيمان وهو كاذب في تعظيم مالا يعتقد تعظيمه لم يكفر، وإن قاله معتقداً لليمين بتلك الملة لكونها حقاً كفر، وإن قاله لمجرد التعظيم لها باعتبار ما كان قبل النسخ فلا يكفر "فهو" أي الحالف وهو جواب الشرط "كما قال" وقوله فهو مبتدأ وكما قال في موضع الخبر أي فهو كائن كما قال، وظاهره أنه يكفر بذلك. قال الحافظ: ويحتمل أن يكون المراد بهذا الكلام التهديد والمبالغة في الوعيد لا الحكم وكأنه قال فهو مستحق مثل عذاب من اعتقد ما قال، ونظيره "من ترك الصلاة فقد كفر" أي استوجب عقوبة من

(9/60)


الإسْلاَمِ كَاذِباً فَهُوَ كَمَا قالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِيمَا لاَ يَمْلِكُهُ" .
3255 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا زَيْدُ بنُ الْحُبَابِ أخبرنا حُسَيْنٌ - يَعني ابنَ وَاقِدٍ - حَدّثَنِي عبد الله بنُ بُرَيْدَةَ عن أبِيهِ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ حَلَفَ فقالَ إنّي بَرِيءٌ مِنَ الإسْلاَمِ فَإنْ كَانَ كَاذِباً فَهُوَ كَمَا قالَ، وَإنْ كَانَ صَادِقاً فَلَنْ يَرْجِعَ إلَى الإسْلاَمِ سَالِماً" .
ـــــــ
كفر. وقال ابن المنذر: قوله "فهو كما قال" ليس على إطلاقه في نسبته إلى الكفر بل المراد أنه كاذب ككذب المعظم لتلك الجهة انتهى. "عذب به" بصيغة المجهول أي بالشيء الذي قتل نفسه به لأن جزاءه من جنس عمله. قال الحافظ: قال ابن دقيق: العيد هذا من باب مجانسة العقوبات الأخروية للجنايات الدنيوية ويؤخذ منه أن جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره في الإثم لأن نفسه ليست ملكاً له مطلقاً بل هي لله تعالى فلا يتصرف فيها إلا بما أذن له فيه "وليس على رجل" أي لا يلزمه "نذر فيما لا يملكه" كأن يقول إن شفي الله مريض ففلان حر وهو ليس في ملكه.
"حدثني عبد الله بن بريدة عن أبيه" الحديث ليس من رواية اللؤلؤي ولذا لم يذكره المنذري. وقال المزي: حديث "من قال إني بريء من الإسلام" إلى آخره أخرجه أبو داوود في الأيمان والنذور عن أحمد بن حنبل عن زيد بن الحباب عن حسين بن واقد المروزي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه وأخرجه النسائي فيه وابن ماجه. في الكفارات، وحديث أبي داوود ليس في الرواية ولم يذكره أبو القاسم "أني بريء من الإسلام" أي لو فعلت كذا أو لم أفعله "فإن كان كاذباً" أي في حلفه "فهو كما قال" فيه مبالغة تهديد وزجر مع التشديد عن ذلك القول.
قال الحافظ: قال ابن المنذر: اختلف فيمن قال أكفر بالله ونحو ذلك إن فعلت ثم فعل، فقال ابن عباس وأبو هريرة وعطاء وقتادة وجمهور فقهاء الأمصار: لا كفارة عليه ولا يكون كافراً إلا أن أضمر ذلك بقلبه.
وقال الأوزاعي والثوري والحنفية وأحمد وإسحاق: هو يمين وعليه الكفارة. قال ابن المنذر: والأول أصح لقوله "من حلف باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله" ولم يذكر كفارة زاد غيره ولذا قال "من حلف بملة غير الإسلام فهو كما قال" فأراد التغليظ في ذلك حتى لا يجترىء أحد عليه انتهى. قال الخطابي: فيه دليل على أن من حلف بالبراءة من الإسلام فإنه يأثم ولا

(9/61)


............................................
ـــــــ
تلزمه الكفارة وذلك لأنه جعل عقوبتها في دينه ولم يجعل في ماله شيئاً وقد ذكرنا اختلاف أهل العلم في الباب الأول انتهى. "وإن كان صادقاً" أي في حلفه يعني مثلا حلف إن فعلت كذا فأنا بريء من الإسلام فلم يفعل فبر في يمينه "سالماً" لأن فيه نوع استخفاف بالإسلام فيكون بنفس هذا الحلف آثماً.

(9/62)


9- باب الرجل يحلف أن لا يتأدم
3256 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ عِيسَى أَخبرنا يَحْيَى بنُ الْعَلاَءِ عن مُحَمّدِ بنِ يَحْيَى بنِ حَبّانَ عن يُوسُفَ بنِ عبد الله بنِ سَلاّمٍ قال: رَأيْتُ النّبي صلى الله عليه وسلم وَضَعَ تَمْرَةً عَلَى كِسْرَةٍ فَقالَ: "هَذِهِ إدَامُ هَذِهِ" .
3258 - حدثنا هَارُونُ بنُ عبد الله أخبرنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ قال أخبرنا أبِي عن مُحَمّدِ بنِ أبي يَحْيَى عن يَزِيدَ الأَعْوَرِ عن يُوسُفَ بنِ عبد الله بنِ سَلاّمٍ مِثْلَهُ.
ـــــــ
"باب الرجل يحلف أن لا يتأدم"
أي أن لا يأكل الإدام فأكل تمراً بخبز هل يكون مؤتدماً فيحنث أم لا
"على كسرة" من خبز "هذه" أي تمرة "إدام هذه" أي كسرة. قال العيني: وبهذا يحتج أن كل ما يوجد في البيت غير الخبز فهو إدام سواء كان رطباً أو يابساً، فعلى هذا أن من حلف أن لا يتأدم فأكل خبزاً بتمر فإنه يحنث. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف الإدام ما يصطبغ به مثل الزيت والعسل والملح والخل وأما ما لا يصطبغ به مثل اللحم المشوي والجبن والبيض فليس بإدام وقال محمد: هذه أدام، وبه قال مالك والشافعي و أحمد، وهو رواية عن أبي يوسف انتهى.
وقال الحافظ: قال ابن القصار: لا خلاف بين أهل اللسان أن من أكل خبزاً بلحم مشوي أنه ائتدم به، فلو قال أكلت خبزاً بلا إدام كذب، وإن قال أكلت خبزاً بإدام صدق وأما قول الكوفيين: الإدام اسم للجمع بين الشيئين فدل على أن المراد أن يستهلك الخبز فيه بحيث يكون تابعاً له بأن تتداخل أجزاؤه في أجزائه. وهذا لا يحصل إلا بما يصطبغ به، فقد أجاب من خالفهم بأن الكلام الأول مسلم، لكن دعوى التداخل لا دليل عليه قبل التناول وإنما المراد الجمع ثم الاستهلاك بالأكل فيتداخلان حينئذ انتهى.
قال المنذري: والحديث أخرجه الترمذي ويوسف قال البخاري وغيره إن له صحبة،

(9/62)


.............................
ـــــــ
وقال غيرهم ليس له صحبة له رواية، ومنهم من عده في من ولد في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه.

(9/63)


10- باب الاستثناء في اليمين
3258 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ قالَ أخبرنا سُفْيَانُ عن أيّوبَ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ يَبْلُغُ بِهِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فقالَ إنْ شَاءَ الله فَقَدْ اسْتَثْنَى" .
ـــــــ
"باب الاستثناء في اليمين"
قال الحافظ: الاستثناء في الإصلاح إخراج بعض ما يتناوله اللفظ، وأداتها إلا وأخواتها، وتطلق أيضاً على التعاليق ومنها التعليق على المشيئة وهو المراد في هذه الترجمة، فإذا قال لأفعلن كذا إن شاء الله تعالى استثنى، وكذا إذا قال لا أفعل كذا إن شاء الله.
"على يمين" إي على محلوف عليه من فعل شيء أو تركه "فقال إن شاء الله" إي متصلا بيمينه "فقد استثنى" أي فلا حنث عليه. قال المنذري: والحديث أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وقال الترمذي حديث حسن وذكر أنه روى عن نافع موقوفاً، وأنه روى عن سالم عن ابن عمر موقوفاً، وذكر عن أيوب السختياني أنه كان أحياناً يرفعه يعني عن نافع وأحياناً لا يرفعه وقال ولا نعلم أحداً رفعه عن أيوب السختياني.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
ولفظ النسائي "فله ثنياه" وفي لفظ له "فهو بالخيار إن شاء مضى وإن شاء ترك" ولفظ الترمذي "فلا حنث عليه" ولفظ ابن ماجه "إن شاء رجع وإن شاء ترك غير حانث".
قال الترمذي وقد رواه عبيد الله بن عمر وغيره عن نافع عن ابن عمر موقوفا
وهكذا روى مسلم عن ابن عمر موقوفا ولا نعلم أحدا رفعه غير أيوب السختياني
وقال إسماعيل بن إبراهيم كان أيوب أحيانا يرفعه وأحيانا كان لا يرفعه
وروى عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من حلف على يمين فقال إن شاء الله لم يحنث" رواه الترمذي
وهذا الإسناد متفق على الاحتجاج به إلا أن الحديث معلول
قال الترمذي سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال هذا حديث خطأ أخطأ فيه

(9/63)


3259 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ عِيسَى وَ مُسَدّدٌ وَهَذَا حَدِيثُهُ قالا أخبرنا عَبْدُالْوَارِثِ عن أيّوبَ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ قال قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ حَلَفَ فَاسْتَثْنَى فَإنْ شَاءَ رَجَعَ وَإنْ شَاءَ تَرَكَ غَيْرَ حِنْثٍ" .
ـــــــ
"وهذا حديثه" أي حديث مسدد "من حلف فاستثنى" قال الخطابي: معناه أن يستثنى بلسانه نطقاً دون أن يستثنى بقلبه لأن في هذا الحديث من غير رواية أبي داوود "من حلف فقال إن شاء الله" وقد دخل في هذا كل يمين كانت بطلاق أو عتاق أو غيرهما لأنه صلى الله عليه وسلم عم ولم يخص. ولم يختلف الناس في إذا حلف بالله ليفعلن كذا أو لأفعلن كذا واستثنى أن الحنث عنه ساقط، فأما إذا حلف بطلاق أو عتاق واستثنى فإن مالك بن أنس والأوزاعي ذهباً إلى أن الاستثناء لا يغني عنه شيئاً، فالطلاق والعتاق واقعان، وعلة أصحاب مالك في هذا أن كل يمين تدخلها الكفارة فإن الاستثناء يعمل فيها، وما لا تدخله الكفارة فالاستثناء فيه باطل قال مالك: إذا حلف بالمشي إلى بيت الله الحرام واستثنى فإن استثناءه ساقط والحنث فيه لازم انتهى. قال الحافظ: قال ابن المنذر: واختلفوا في وقت الاستثناء فالأكثر على أنه يشترط أن يتصل بالحلف. قال مالك: إذا سكت أو قطع كلامه فلا ثنيا. وقال الشافعي: يشترط وصل الاستثناء بالكلام الأول ووصله إن يكون نسقا، فإن كان بينهما سكوت انقطع إلا إن كانت سكتة تذكر أو تنفس أوعى أو انقطاع صوت، وكذا يقطعه الأخذ في كلام آخر ولخصه ابن الحاجب فقال شرطه الاتصال لفظاً أوفى ما في حكمه كقطعه لتنفس أو سعال ونحوه مما لا يمنع الاتصال عرفاً. ومن الأدلة على اشترط اتصال الاستثناء بالكلام قوله تعالى لأيوب "وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث" فإنه لو كان لاستثناء يفيد بعد قطع الكلام لقال استثن لأنه أسهل من التحيل لحل اليمين بالضرب وللزم منه بطلان الإقرارات والطلاق والعتق فيستثنى من أقر أو طلق أو عتق بعد زمان ويرتفع حكم ذلك انتهى. هذا الحديث ليس من رواية اللؤلؤي ولذا لم يذكره المنذري. قال المزي في الأطراف: أخرج أبو داوود في الأيمان والنذر عن أحمد بن حنبل عن سفيان،وعن محمد بن عيسى ومسدد كلاهما عن عبدالوارث، وحديث محمد بن عيسى ومسدد في رواية ابن العبد وابن داسة ولم يذكره أبو القاسم.
ـــــــ
عبد الرزاق اختصره من حديث معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أن سليمان بن داود قال لأطوفن الليلة على تسعين امرأة- الحديث وفيه: "لو قال إن شاء الله كان كما قال" .

(9/64)


11- باب ما جاء في يمين النبي صلى الله عليه وسلم ما كانت
3260 - حدثنا عبد الله بنُ مُحَمّدٍ النّفَيْلِيّ أخبرنا ابنُ المُبَارَكِ عن مُوسَى بنِ عُقْبَةَ عن سَالِمٍ عن ابنِ عُمَرَ قال: أكْثَرُ مَا كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَحْلِفُ بِهَذِهِ الْيَمِينِ: "لاَ وَمُقَلّبِ الْقُلُوبِ".
3261 - حدثنا أَحْمَدُ بنْ حَنْبَلٍ أخبرنا وَكِيعٌ أخبرنا عِكْرِمَةُ بنُ عَمّارٍ عن عَاصِمِ بنِ شُمَيْخٍ عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قال: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا اجْتَهَدَ في الْيَمِينِ قال: "وَالّذِي نَفْسُ أبي الْقَاسِمِ بِيَدِهِ" .
ـــــــ
"باب ما جاء في يمين النبي صلى الله عليه وسلم ما كانت"
"لا ومقلب القلوب" قال العيني: لا فيه حذف نحو لا أفعل أو لا أترك والواو فيه للقسم ومعنى مقلب القلوب تقليبه قلب عبده عن إيثار الإيمان إلى إيثار الكفر وعكسه انتهى. وقال الحافظ: ومقلب القلوب هو المقسم به، والمراد بتقليب القلوب تقليب أعراضها وأحوالها لا تقليب ذات القلب. وفي الحديث دلالة على أن أعمال القلب من الإرادات والدواعي وسائر الأعراض بخلق الله تعالى. وفيه جواز تسمية الله تعالى بما ثبت من صفاته على الوجه الذي يليق به. وفي هذا الحديث حجة لمن أوجب الكفارة على من حلف بصفة من صفات الله فحنث، ولا نزاع في أصل ذلك وإنما الخلاف في أي صفة تنعقد بها اليمين، والتحقيق أنها مختصة بالتي لا يشاركه فيها غيره كمقلب القلوب انتهى. هذا الحديث ليس من رواية اللؤلؤي ولذا لم يذكره المنذري. قال المزي في الأطراف: أخرج أبو داوود أكثر ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحلف بهذه اليمين لا ومقلب القلوب وفي الأيمان والنذور عن عبد الله بن محمد النفيلي عن ابن المبارك عنه به، وهذا الحديث في رواية بن العبد وابن داسة ولم يذكره أبو القاسم قاله المزي في ترجمة موسى بن عقبة المدني عن نافع عن ابن عمر وقال في ترجمة موسى بن عقبة المدني عن سالم عن ابن عمر حديث كثيرا ما كنت أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يحلف "لا ومقلب القلوب" أخرجه البخاري في القدر وفي التوحيد وفي الأيمان والنذور والترمذي في الأيمان والنذور والنسائي فيه وابن ماجه في الكفارات، ورواه عبد الله بن محمد النفيلي عن ابن المبارك عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر وسيأتي.
"إذا اجتهد في اليمين" أي بالغ في اليمين "والذي نفس أبي القاسم" أي روحه أو ذاته

(9/65)


3262 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ عبد العزيز بنِ أبي رِزْمَةَ أخبرَنِي زَيْدُ بنُ حُبَابٍ أخبرَني مُحَمّدُ بنُ هِلاَلٍ حَدّثَني أبِي أنّهُ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: كَانَتْ يَمِينُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم إذَا حَلَفَ يَقُولُ: "لاَ وَأسْتَغْفِرُ الله" .
3263 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ أخبرنا إبْرَاهِيمُ بنُ حَمْزَةَ أخبرنا عَبْدُالمَلِكِ بنُ عَيّاشٍ السّمَعِيّ الأنْصَارِيّ عن دَلْهَمِ بنِ الأسْوَدِ بنِ عبد الله بنِ حَاجِبِ بنِ عَامِرِ بنِ المُنْتَفِقِ الْعُقَيْلِيّ عن أبِيهِ عن عَمّهِ لَقِيطٍ بنِ عَامِرٍ، قالَ دَلْهَمٌ وَحَدّثَنِيهِ أيْضاً الأسْوَدُ بنُ عبد الله عن عَاصِمِ بنِ لَقِيطٍ: أنّ
ـــــــ
"بيده" أي يتصرف وتحت قدرته وإرادته. هذا الحديث ليس من رواية اللؤلؤي ولذا لم يذكره المنذري. قال المزي في الأطراف: حديث عاصم بن شميخ الغيلاني أخرجه أبو داوود في الأيمان ولم يذكره أبو القاسم وهو في رواية أبي الحسن وأبي بكر بن داسة.
"أبي رزمة" بكسر الراء وسكون الزاي "إذا حلف" يعني أحياناً "لا وأستغفر الله" أي أستغفر الله إن كان الأمر على خلاف ذلك، وهو وإن لم يكن يميناً لكن شابهه من حيث أنه أكد الكلام وقرره وأعرب عن مخرجه بالكذب فيه وتحرزه عنه فلذلك سماه يميناً. قال الطيبي: والوجه أن يقال إن الواو في قوله "وأستغفر الله" للعطف وهو يقتضي معطوفاً عليه محذوفاً والقرينة لفظة لا لأنها لا تخلو إما أن تكون توطئة للقسم كما في قوله تعالى جل شأنه "لا أقسم" رداً للكلام السابق أو إنشاء قسم، وعلى كلا التقديرين المعنى لا أقسم بالله واستغفر الله، ويمكن إن يكون التقدير كانت يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حلف مقرونة لا وأستغفر الله، يعني إذا حلف وبالغ بقوله لا قال وأستغفر الله مما يعلم به الله على خلاف ما وقع مني وصدر عني، فإنه ولو لم يكن فيه المؤاخذة لكن حسنات الأبرار سيآت المقربين قاله القاري. هذا الحديث ليس من رواية اللؤلؤي ولذا لم يذكره المنذري. قال المزي في الأطراف: هذا الحديث أخرجه أبو داوود في الأيمان والنذور عن محمد بن عبد العزيز عن زيد بن الحباب، وابن ماجه في الكفارات عن أبي بكر بن أبي شيبة عن حماد بن خالد، وعن يعقوب بن حميد عن معن بن عيسى ثلاثتهم عن محمد بن هلال عن أبيه هلال بن أبي هلال المدني مولى بني كعب عن أبي هريرة، وحديث أبي داوود في رواية أبي الحسن بن العبد وابن داسة ولم يذكره أبو القاسم.

(9/66)


لَقِيطَ بنَ عَامِرٍ خَرَجَ وَافِداً إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم، قالَ لَقِيطٌ: فَقَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ حَدِيثاً فِيهِ، فَقَالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "لَعَمْرُ إلَهِكَ" .
ـــــــ
"خرج وافداً" قال في النهاية: الوفد وهم القوم يجتمعون ويردون البلاد وأحدهم وافد وكذلك الذين يقصدون الأمراء لزيارة واسترفاد وانتجاع وغير ذلك "فذكر" أي لقيط "حديثاً فيه" أي في الحديث "لعمر إلهك" هو قسم ببقاء الله ودوامه وهو رفع بالابتداء والخبر محذوف وتقديره لعمر الله قسمي أو ما أقسم به واللام للتوكيد فإن لم تأت باللام نصبته نصب المصادر فقلت عمر الله وعمرك الله أي بإقرارك لله وهو تعميرك له بالبقاء. قاله في النهاية لعمر الله بفتح العين المهملة وسكون الميم هو العمر بضم العين ولا يقال في القسم إلا بالفتح. وقال الراغب: العمر بالضم وبالفتح واحد ولكن خص الحلف بالثاني. وقال أبو القاسم الزجاج: العمر الحياة فمن قال لعمر الله فكأنه قال أحلف ببقاء الله واللام للتوكيد. ومن ثم: قالت المالكية والحنفية: تنعقد بها اليمين لأن بقاء الله تعالى من صفة ذاته. وعن الإمام مالك: لا يعجبني الحالف بذلك. وقد أخرج إسحاق بن راهوية في مصنفه عن عبد الرحمن بن أبي بكرة قال كانت يمين عثمان بن أبي العاص لعمري.
وقال الشافعي وإسحاق: لا يكون يميناً إلا بالنية. وعن أحمد كالمذهبين والراجح عنه كالشافعي. وأجابوا عن الآية التي فيها القسم بالعمر بأن الله تعالى يقسم بما شاء من خلقه وليس ذلك لغيره لثبوت النهي عن الحلف بغير الله تعالى.
وقد عد الأئمة ذلك في فضائل النبي صلى الله عليه وسلم لأن الله تعالى أقسم به حيث قال {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} وأيضاً فإن اللام ليست من أدوات القسم لأنها محصورة في الواو والباء والتاء، وقد تقدم في أواخر الرقاق من حديث لقيط بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لعمر إلهك" وكررها وهو عند عبد الله بن أحمد وغيره كذا في الفتح. وهذا الحديث ليس من رواية اللؤلؤي ولذا لم يذكره المنذري. وقال المزي في الأطراف حديث "قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم فذكر حديثا فيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر إلهك" أخرجه أبو داوود في الأيمان والنذور عن الحسن بن علي عن إبراهيم بن حمزة عن عبدالملك بن عياش السمعي الأنصاري عن دلهم بن الأسود بن عبد الله بن حاجب بن عامر بن المنتفق العقيلي عن أبيه عن عمه لقيط بن عامر، قال دلهم وحدثنيه أيضا أبي الأسود بن عبد الله عن عاصم بن لقيط أن لقيط بن عامر خرج وافداً إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال لقيط فذكره قال المزي: هكذا وجدت هذا الحديث في باب لغو اليمين في نسخة ابن كردوس بخطه من رواية أبي سعيد ابن الأعرابي وفي أوله حدثنا أبو داوود حدثنا الحسن بن

(9/67)


..................................................
ـــــــ
علي وأخشى أن يكون من زيادات ابن الأعرابي فإني لم أجده في باقي الروايات ولم يذكره أبو القاسم وقد وقع فيه وهم في غير موضع رواه غير واحد عن إبراهيم بن حمزة الزبيري عن عبد الرحمن بن المغيرة بن عبد الرحمن الحرامي عن عبد الرحمن بن عياش السمعي عن دلهم عن أبيه عن جده عن عمه لقيط بن عامر، وعن دلهم عن أبيه عن عاصم بن لقيط عن لقيط وتابعه إبراهيم بن المنذر الحزامي عن عبد الرحمن بن المغيرة. انتهى. كلام المزي بحروفه. قلت: وفي النسختين من السنن وجدت هذه العبارة حدثنا الحسن بن علي أخبرنا إبراهيم بن المغيرة الحزامي أخبرنا عبد الرحمن بن عياش السمعي الأنصاري عن دلهم بن الأسود فذكر نحوه.

(9/68)


12- باب الحنث إذا كان خيرا
3264 - حدثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ أخبرنا حَمّادٌ أخبرنا غَيْلاَنُ بنُ جَرِيرٍ عن أبي بُرْدَةَ عن أبِيهِ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "إنّي وَالله إنْ شَاءَ الله لاَ أحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأرَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا إلاّ كَفّرْتُ يَمِينِي وَأتَيْتُ الّذِي هُوَ خَيْرٌ، أوْ قالَ: إلاّ أتَيْتُ الّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفّرْتُ يَمِينِي" .
ـــــــ
باب الحنث إذا كان خيرا
"غيلان" بفتح الغين المعجمة وسكون الياء "عن أبى بردة" هو بضم الباء الموحدة وسكون الراء، قيل اسمه الحارث، وقيل عامر "عن أبيه" هو أبو موسى عبد الله بن قيس الأشعري "إن والله إن شاء الله لا أحلف" اسم إن ياء الإضافة وخبرها قوله لا أحلف إلى آخره، والجملتان معترضتان بين اسم إن وخبرها. كذا في شرح البخاري للعيني "فأرى" بضم الهمزة وفتح الراء أي فأظن أو بفتح أوله أي فأعلم "غيرها" الضمير يرجع إلى اليمين باعتبار أن المقصود منها المحلوف عليه مثل الخصلة المفعولة أو المتروكة، إذ لا معنى لقوله لا أحلف على الحلف "أو قال إلا أتيت الذي" إما شك من الراوي في تقدم أتيت على تقدم كفرت والعكس، وإما تنويع من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إشارة إلى جواز تقديم الكفارة على الحنث وتأخيرها. وهذا الحديث لم يذكره المنذري في مختصره.
وقال المزي في الأطراف: غيلان بن جرير الأزدى البصري عن أبى بردة عن أبى

(9/68)


3265 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ الصّبّاحِ الْبَزّارُ أخبرنا هُشَيْمٌ قالَ أخبرنا يُونُسُ وَ مَنْصُورٌ - يَعني ابنَ زَاذَانَ - عن الْحَسَنِ عن عبد الرحمن بنِ سَمُرَةَ قالَ قالَ لِي النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "يَا عبد الرحمن بنَ سَمُرَةَ إذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأيْتَ غَيْرَهَا خَيراً مِنْهَا فَأْتِ الّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفّرْ يَمِينَكَ" .
قَالَ أبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُ أحْمَدَ يُرَخّصُ فِيهَا الْكَفّارَةَ قَبْلَ الْحِنْثِ.
ـــــــ
موسى "أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في نفر من الأشعريين فستحمله فقال: والله لا أحملكم" الحديث، وحديث سليمان بن حرب مختصراً "إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين" الحديث أخرجه البخاري في النذور وفي كفارة الأيمان، ومسلم في الأيمان والنذور وأبو داوود في الأيمان والنسائي في الأيمان والنذور، وابن ماجه في الكفارات انتهى. وصنيعه يدل أن الحديث من رواية اللؤلؤي، ولذا لم ينسبة لأحد من رواة أبى داوود كما هو دأبه والله أعلم.
"فأت الذي هو خير وكفر يمينك" فيه الحنث قبل الكفارة. هذا الحديث لم يذكره المنذري في مختصره. وقال المزي في الأطراف: حديث عبد الرحمَن ابن سمرة أخرجه البخاري في النذور وفي الأحكام وفي الكفارات، ومسلم في الأيمان والنذور، وأبو داوود في الخراج عن محمد بن الصباح عن هشيم عن يونس ومنصور بقصة الإمارة، وروى عن يحيى بن خلف عن عبد الأعلى عن سعيد ابن أبى عروبة عن قتادة عن الحسن، وأخرجه الترمذي في الأيمان والنذور، والنسائي في القضاء وفي السير انتهى.
ولفظ البخاري حدثنا أبو النعمان محمد بن الفضل حدثنا جرير بن حازم حدثنا الحسن حدثنا عبد الرحمَن بن سمرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم "يا عبد الرحمَن بن سمرة لا تسأل الإمارة فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها"، وإن أوتيتها عن غير مسألة أعنت عليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فكفر عن يمينك وائت الذي هو خير.
وقال العيني في شرح البخاري: والحديث أخرجه البخاري في الأحكام عن حجاج بن منهال وفي الكفارات عن محمد بن عبد الله وأخرجه مسلم في الأيمان عن شيبان بن فروخ وغيره، وأخرجه أبو داوود، في الخراج عن محمد بن الصباح وغيره، وأخرجه الترمذي في الأيمان عن محمد بن عبد الأعلى، وأخرج النسائي قصة الإمارة في القضاء وفي السير عن مجاهد بن موسى، وقصة اليمين في الأيمان عن جماعة آخرين انتهى.
فالذي يظهر من كلام المزي أن أبا داوود ما أخرج هذا الحديث في كتاب الأيمان، بل

(9/69)


3266 - حدثنا يَحْيَى بنُ خَلَفٍ أخبرنا عَبْدُالأَعْلَى قال أخبرنا سَعِيدٌ عن قَتَادَةَ عن الْحَسَنِ عن عبد الرحمن بنِ سَمُرَةَ نَحْوَهُ قال: "فَكَفّرْ عَنْ يَمِينِكَ ثُمّ ائْتِ الّذِي هُوَ خَيْرٌ" .
ـــــــ
أخرج قصة اليمين مع قصة الإمارة في الخراج، كما أخرجه البخاري مع القصتين في كتاب الأيمان والنذور، ولكن في نسخة أبى داوود التي بأيدينا وقعت القصتان بالسند الواحد مفرقاً، يعني وقعت قصة الإمارة في باب الخراج، ووقعت قصة اليمين في الأيمان والله أعلم.
"ثم ائت الذي هو خير" قال الخطابي: فيه دليل على جواز تقديم الكفارة على الحنث، وهو قول أكثر العلم، وروى ذلك عن ابن عمر وابن عباس وعائشة، وهو مذهب الحسن البصري وابن سيرين، وإليه ذهب مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق، إلا أن الشافعي قال: فإن كفر بالصوم قبل الحنت لم يجزه، وإن كفر بالإطعام أجزأه واحتج أصحابه في ذلك بأن الصيام مرتب على الإطعام فلا يجوز إلا مع عدم الأصل كالتيم لما كان مرتباً على الماء لم يجزه إلا مع عدم الماء.
وقال أصحاب الرأي: لا تجزه الكفارة قبل الحنث على وجه من الوجوه لأنها لا تجب عليه بنفس اليمين وإنما يكون وجوبها بالحنث، وأجازوا تقديم الزكاة قبل الحول، ولم يجز مالك تقديمها قبل الحول كما جوز تقديم الكفارة قبل الحنث، واختارهما الشافعي معاً على الوجه الذي ذكرته لك انتهى. وقال الحافظ: قال ابن المنذر: أي ربيعة والأوزاعي ومالك والليث وسائر فقهاء الأمصار غير أهل الرأي: أن الكفارة تجزىء قبل الحنث إلا أن الشافعي استثنى الصيام فقال لا يجزىء إلا بعد الحنث. وقال أصحاب الرأي لا تجزىء الكفارة قبل الحنث.
وقال المازري: للكفارة ثلاث حالات، أحدها قبل الحلف فلا تجزىء اتفاقاً، ثانيها بعد الحلف والحنث فتجزىء اتفاقاً، ثالثها بعد الحلف وقبل الحنث ففيها الخلاف. وقد اختلف لفظ الحديث فقدم الكفارة مرة وأخرها أخرى، لكن بحرف الواو الذي لا يوجب رتبة.
قال الحافظ: قد ورد في بعض الطرق بلفظ ثم التي تقتضي الترتيب عند أبى داوود والنسائي في حديث الباب. ولفظ أبى داوود من طريق سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن الحسن به "كفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير" وقد أخرجه مسلم من هذا الوجه، لكن أحال بلفظ المتن على ما قبله، وأخرجه أبو عوانة في صحيحه من طريق سعيد كأبي داوود، وأخرجه

(9/70)


قَالَ أبُو دَاوُدَ: أحَادِيثُ أبي مُوسَى الأَشْعَرِيّ وَعَدِيّ بنِ حَاتِمٍ وَأبِي هُرَيْرَةَ في هَذَا الْحَدِيثِ رُوِيَ عن كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ في بَعْضِ الرّوَايَةِ الْحِنْثُ قَبْلَ الْكَفّارَةِ، وَفي بَعْضِ الرّوَايَةِ الْكَفّارَةُ قَبْلَ الْحِنْثِ.
[قال أبو داود: أحاديث أبي موسى الأشعري وعدي بن حاتم وأبي هريرة روى حديث كل واحد منهم ما دل على الحنث قبل الكفارة وبعضها ما دل على الكفارة بعد الحنث وأكثرها قالوا: فليكفر يمينه وليأت الذي هو خير].
ـــــــ
النسائي من رواية جرير بن حازم عن الحسن مثله، لكن أخرجه البخاري ومسلم من رواية جرير بالواو، وهو في حديث عائشة عند الحاكم أيضاً بلفظ ثم، وفي حديث أم سلمة عند الطبراني نحوه ولفظة"فليكفر عن يمينه ثم ليفعل الذي هو خير"انتهى. وهذا الحديث لم يذكره المنذري في مختصرة وسلف تحقيقه من كلام الحافظ المزى وغيره "قال أبو داوود أحاديث أبى موسى الخ" قلت: حديث أبى موسى أخرجه البخاري ومسلم والمؤلف وحديث عدى عند مسلم وحديث أبى هريرة عند مسلم أيضاً والله أعلم.

(9/71)


13- باب في القسم هل يكون يمينا
3267 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا سُفْيَانُ عن الزّهْرِيّ عن عبيد الله بنِ عبد الله عن ابنِ عَبّاسٍ: أنّ أبَا بَكْرٍ أقْسَمَ عَلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالَ لَهُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "لاَ تُقْسِمْ" .
ـــــــ
"باب في القسم هل يكون يمينا"
"أن أبا بكر أقسم" وهو طرف من الحديث الذي يأتي بعد ذلك "لا تُقْسِمْ" نهى عن القسم. فإن قلت: أمر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بإبرار المقسم فلم ما أبره قلت: ذلك مندوب عند عدم المانع، فكان له صلى الله تعالى عليه وسلم مانع منه.
وقال المهلب: إبرار المقسم إنما يستحب إذا لم يكن في ذلك ضرر على المحلوف عليه أو على جماعة أهل الدين، لأن الذي سكت عنه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من بيان موضع الخطأ في تعبير الصديق هو عائد على المسلمين انتهى.
وقال الحافظ: قال ابن المنذر: اختلف فيهن قال أقسمت بالله أو أقسمت مجردة، فقال

(9/71)


3268 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ يَحْيَى بنِ فَارِسٍ أخبرنا عَبْدُالرّزّاقِ قالَ ابنُ يَحْيَى وَكَتَبْتُهُ مِنْ كِتَابِهِ قالَ أنْبأنَا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن عبيد الله عن ابنِ عَبّاسٍ قال: كَانَ أبُو هُرَيْرَةَ يُحَدّثُ أنّ رَجُلاً أتَى رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فقالَ: إنّي أرَى اللّيْلَةَ فَذَكَرَ رُؤْيَا فَعَبّرَهَا أبُو بَكْرٍ فقالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "أصَبْتَ بَعْضاً وَأخْطَأْتَ بَعْضاً"، فقالَ: أقْسَمْتُ عَلَيْكَ يَارَسُولَ الله بِأبِي أنْتَ لَتُحَدّثَنّي ما الّذِي أخْطَأْتُ، فَقَالَ لَهُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "لاَ تُقْسِمْ" .
3269 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ يَحْيَى بنِ فَارِسٍ قالَ أنْبأنَا مُحَمّدُ بنُ كَثِيرٍ أخبرنا سُلَيْمَانُ بنُ كَثِيرٍ عن الزّهْرِيّ عن عبيد الله عن ابنِ عَبّاسٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِهَذَا الْحَدِيثِ، لَمْ يَذْكُرِ الْقَسَمَ. زَادَ فِيهِ: "وَلَمْ يُخْبِرْهُ".
ـــــــ
قوم هي يمين وإن لم يقصد، وممن روى ذلك عنه ابن عمر وابن عباس، وبه قال النخعي والثوري والكوفيون. وقال الأكثرون لا تكون يميناً إلا أن ينوي.
وقال مالك: أقسمت بالله يمين وأقسمت مجردة لا تكون يميناً إلا إن نوى. وقال الإمام الشافعي: المجردة لا تكون يميناً أصلاً ولو نوى. وأقسمت بالله إن نوى تكون يميناً انتهى.
"كتبته" أي هذا الحديث "من كتابه" أي عبد الرازق "فعبرها" أي رؤياه "فقال" أبو بكر "فقال له" أي لأبى بكر "لا تقسم" قال الخطابي: فيه مستدل لمن ذهب إلى أن القسم لا يكون يميناً بمجرده حتى يقول أقسمت بالله، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بإبرار المقسم، فلو كان قوله أقسمت يميناً لأشبه أن يبره وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وقد يستدل به من يرى القسم يميناً على وجه فيقول آخر فيقول لولا أنه يمين ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول له لا تقسم، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة وأصحاب انتهى.
وقال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه، ومنهم من يذكر فيه أبا هريرة ومنهم من لا يذكره انتهى.
"ولم يخبره" أي لم يخبر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر بالذي أخطأ فيه وأصاب. والحديث سكت عنه المنذري.

(9/72)


14- باب في الحلف كاذباً متعمدا
3270 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ أنْبأنَا عَطَاءُ بنُ السّائِبِ عن أبي يَحْيَى عن ابنِ عَبّاسٍ: أنّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فَسَألَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم الطّالِبَ الْبَيّنَةَ، فَلَمْ تَكُنْ لَهُ بَيّنَةٌ، فاسْتَحْلَفَ المَطْلُوبَ، فَحَلَفَ بالله الّذِي لاَ إلَهَ إلاّ هُوَ، فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "بَلَى قَدْ فَعَلْتَ وَلَكِنْ قَدْ غُفِرَ لَكَ بِإخْلاَصِ قَوْلِ لاَ إلَهَ إلاّ الله" .
قَالَ أبُو دَاوُدَ: يُرَادُ من هَذَا الْحَدِيثِ أنّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بالْكَفّارَةِ.
ـــــــ
"باب في الحلف كاذبا متعمدا"
"الطالب" أي المدعي "فلم تكن له" أي للطالب "فاستحلف" النبي صلى الله عليه وسلم "المطلوب" أي المدعى عليه "فحلف" أي المطلوب "بالله الذي لا إله إلا هو" أي كاذباً بأن ليس للطالب عندي حق "بلى قد فعلت" أي حلفت كاذباً أو فعلت ما حلفت على عدم فعله. قال في فتح الودود: الظاهر أنه ألزمه بالدعوى وبطلان اليمين بوحي أو إلهام، وهذا دليل على أنه صلى الله عليه وسلم كان أحياناً يقضي بالوحي ونحوه أيضاً "ولكن قد غُفِرَ لك" أي إثم الحلف الكاذب، ففيه دليل على أن الكبائر تغفر بكلمة التوحيد قاله في فتح الودود "بإخلاص قول لا إله إلا هو).
وأخرج أحمد في مسنده عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل فعلت كذا قال لا والذي لا إله إلا هو ما فعلت. قال فقال له جبريل عليه السلام قد فعل ولكن الله عزوجل غفر له بقوله لا والذي لا إله إلا هو.
وأخرج عن ابن عباس قال: "اختصم إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجلان فوقعت اليمين على أحدهما فحلف بالله الذي لا إله إلا هو ماله عنده شيء. قال فنزل جبرئيل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال إنه كاذب أن له عنده حقه فأمره أن يعطيه حقه وكفارة يمينه معرفته أن لا إله إلا الله أو شهادته" "أنه" صلى الله عليه وسلم "لم يأمره" أي الحالف الكاذب "بالكفارة" وأخرج أحمد من حديث أبى هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خمس ليس لهن كفارة: الشرك بالله، وقتل النفس بغير حق، وبهت مؤمن، والفرار يوم الزحف، ويمين صابرة يقتطع بها مالا بغير حق".
ويشهد له ما أخرجه البخاري من حديث ابن عمر وقال "جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ما الكبائر" فذكر الحديث وفيه "اليمين الغموس" وفيه "قلت وما اليمين الغموس" قال "الذي يقتطع بها مال امرىء مسلم هو فيها كاذب".

(9/73)


...........................
ـــــــ
ومعنى قوله "ليس لهن كفارة" أي لا يمحو الاثم الحاصل بسببهن شي من الطاعات، فالظاهر أن هذه الأمور لا كفارة لها إلا التوبة منها ولا توبة في مثل القتل إلا بتسليم النفس للقود، فإن قلت: قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس وكفارة يمينه أن لا إله إلا الله" وهذا يعارض حديث أبى هريرة"خمس ليس لهن كفارة" لأنه قد نفى الكفارة عن الخمس التي من جملتها اليمين الفاجرة في اقتطاع حق، وهذا أثبت له كفارة وهي التكلم بكلمة الشهادة ومعرفته لها.
قلت: يجمع بينهما بأن النفي عام والإثبات خاص. ذكره الشوكاني. قال المنذري: والحديث أخرجه النسائي وفي إسناده عطاء بن السائب وقد تكلم فيه غير واحد، وأخرج له البخاري حديثاً مقروناً بأبى بشر.

(9/74)


15- باب كم الصاع في الكفارة
3271 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ قال قَرَأْتُ عَلَى أَنَسِ بنِ عِيَاضٍ قال حَدّثَني عبد الرحمن بنُ حَرْمَلَةَ عن أُمّ حَبِيبٍ بِنْتِ ذُؤَيْبِ بنِ قَيْسِ المُزَنِيّةِ. وَكَانَتْ تَحْتَ رَجُلٍ مِنْهُمْ مِنْ أسْلَمَ، ثُمّ كَانَتْ تَحْتَ ابنِ أخٍ لِصَفِيّةَ زَوْجِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم. قالَ ابنُ حَرْمَلَةَ: فَوَهَبَتْ لَنَا أُمّ حَبِيبٍ صَاعاً حَدّثَتْنَا عن ابنِ أخِي صَفِيّةَ عن صَفِيّةَ أنّهُ صَاعُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ أنَسٌ: فَجَرّبْتُهُ فَوَجَدْتُهُ مُدّيْنِ وَنِصْفاً بِمُدّ هِشَامٍ".
3272 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ مُحَمّدِ بنِ خَلاّدٍ أبُو عُمَرَ قال: كَانَ عِنْدَنَا مَكّوكٌ يُقَالُ لَهُ مَكّوكُ خَالِدٍ وَكَانَ كَيْلَجَتَيْنِ بِكَيْلَجَةِ هَارُونَ.
قالَ مُحَمّدٌ: صَاعُ خَالِدٍ صَاعُ هِشَامٍ - يَعْنِي ابنَ مَالِكٍ.
ـــــــ
باب كم الصاع في الكفارة
أي كم يكون مقدار الصاع وأي صاع يعتبر في الكفارة. "ثم كانت" أي أم حبيب "حدثتنا" أي أم حبيب "عن ابن أخي صفية" قال الحافظ: لا يعرف "أنه" أي الصاع الموهوب "قال أنس" أي ابن غياض "فجرمته" أي اختبرت الصاع الموهوب "بمد هشام" بن عبد الملك وكان عنده أيضاً صاع مثله. والحديث سكت عنه المنذري. وتقدم بحث الصاع والرطل بما لا مزيد عليه في باب مقدار الماء الذي يجزىء به الغسل فليرجع إليه.

(9/74)


3273 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ مُحَمّدِ بنِ خَلاّدٍ أبُو عُمَرَ حدثنا مُسَدّدٌ عن أُمَيّةَ بنِ خَالِدٍ قال: لَمّا وُلّيَ خَالِدٌ الْقَسْرِيّ أضْعَفَ الصّاعَ فَصَارَ الصّاعُ سِتّةَ عَشَرَ رَطْلاً.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: مُحَمّدُ بنُ مُحَمّدِ بنِ خَلاّدٍ قَتَلَهُ الزّنْجُ صَبْراً، فَقالَ بِيَدِهِ هَكَذَا وَمَدّ أبُو دَاوُدَ يَدَهُ وَجَعَلَ بُطُونَ كَفّيْهِ إلَى الأرْضِ، قالَ وَرَأيْتُهُ في النّوْمِ فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ الله بِكَ؟ فقالَ: أدْخَلَنِي الْجَنّةَ، قُلْتُ: فَلَمْ يَضُرّكَ الْوَقْفُ.
ـــــــ
"حدثنا محمد بن محمد بن خلاد أبو عمر" هو الباهلي "قال كان عندنا" وهذه الرواية ليست في مختصر السنن ولا في عامة نسخ السنن، وإنما وجدناها في بعض النسخ الصحيحة وذكرها الحافظ المزي في الأطراف في ترجمة محمد بن محمد الباهلي، لكن لم ينسبها لأحد من الرواة "مكوك" قال في النهاية المكوك المد وقيل الصاع، والأول أشبهه لأنه جاء في حديث آخر مفسراً بالمد، والمكوك اسم للمكيال ويختلف القدارة باختلاف اصطلاح الناس عليه في البلاد "وكان" أي مسكوك خالد "كيلجتين" قال في لسان العرب الكيلجة مكيال والجمع كيالج وكيالجة أيضاً والهاء للعجمة انتهى.
"عن أمية بن خالد" والحديث ليس من رواية اللؤلؤي، وذكره المزي في ترجمة خالد بن عبد الله القسري وقال هو في رواية ابن داسة وغيره "لما ولى خالد" بن عبد الله بن يزيد بن أسد أمير الحجاز ثم الكوفة "القسري" بفتح القاف وسكون المهملة كذا في التقريب "أضعف الصاع فصار الصاع ستة عشر رطلا" وهذا ليس فيه حجة، والصحيح أن الصاع خمسة أرطال وثلث رطل فقط، والدليل عليه نقل أهل المدينة خلفاً عن سلف. ولمالك مع أبى يوسف فيه قصة مشهورة، والقصة رواها البيهقي بإسناد جيد انتهى. وقال العيني في عمدة القاري: لما اجتمع أبو يوسف مع مالك في المدينة فوقعت بينهما المناظرة في قدر الصاع فزعم أبو يوسف أنه ثمانية أرطال وقام مالك ودخل بيته وأخرج صاعا وقال هذا صاع النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو يوسف فوجدته خمسة أرطال وثلثا، فرجع أبو يوسف إلى قول مالك وخالف صاحبيه انتهى "قتله الزنج" الزنج طائفة من السودان تسكن تحت خط الاستواء وجنوبيه وليس وراءهم عمارة. قال بعضهم وتمتد بلادهم من المغرب إلى قرب الحبشة وبعض بلادهم على نيل مصر، الواحد زنجي مثل روم ورومي وهو بكسر الزاء والفتح لغة كذا في المصباح "صبرا" قال في النهاية كل من قتل في غير معركة ولا حرب ولا خطأ فإنه مقتول صبراً "فقال بيده" أي أشار أبو داوود بيده "قال" أبو داوود "ورأيته" أي محمد بن خلاد "فقال" أي محمد "فلم يضرك الوقف" يشبه أن يكون

(9/75)


..................................................
ـــــــ
المعنى أي فلم يضرك الوقف بين يدي الزنج صبراً، ولم تنقص درجتك عن هذا العمل بل إنما ازداد رفعتك ومنزلتك عند الله تعالى والله أعلم.

(9/76)


16- باب في الرقبة المؤمنة
3274 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عن الْحَجّاجِ الصّوّافِ حَدّثَني يَحْيَى بنُ أبِي كَثِيرٍ عن هِلاَلِ بنِ أبي مَيْمُونَةَ عن عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ عن مُعَاوِيَةَ بنِ الْحَكَمِ السّلَمِيّ قال: قُلْتُ: يَارَسُولَ الله جَارِيَةٌ لِي صَكَكْتُهَا صَكّةً فَعَظّمَ ذَلِكَ عَلَيّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فَقُلْتُ: أفَلاَ أُعْتِقُهَا؟ قال: ائْتِنِي بِهَا. قال: فَجِئْتُ بِهَا. قال: أيْنَ الله؟ قالَتْ: في
ـــــــ
"باب في الرقبة المؤمنة"
أي هذا باب في بيان أن تعتق الرقبة المؤمنة في الكفارة دون غيرها.
"قال" أي معاوية "صككتها" أي لطمت الجارية "صكة" أي لطمة "فعظم ذلك" أي عد ذلك اللطم عظيماً "علي" بتشديد الياء "أفلا أعتقها" أي الجارية من الإعتاق "قال" رسول الله صلى الله عليه وسلم "ائتني بها" أي بالجارية "قال" معاوية "فجئت بها" أي بالجارية "قال" رسول الله صلى الله عليه وسلم "أين الله" وفي رواية مسلم قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يارسول الله إن جارية لي كانت ترعى غنماً لي فجئتها وقد فقدت شاة فسألتها فقالت أكلها الذئب، فأسفت عليها وكنت من بني آدم فلطمت وجهها وعلى رقبة أفأعتقها" الحديث "قالت" الجارية "في السماء" فيه إثبات أن الله تبارك وتعالى في السماء. قال الذهبي في كتاب العلو بإسناده إلى أبى مطيع الحكم بن عبد الله البلخي صاحب الفقه الأكبر قال: سألت أبا حنيفة عمن يقول لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض، فقال قد كفر لأن الله تعالى يقول {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} وعرشه فوق سماواته فقلت إنه يقول أقول على العرش استوى ولكن قال لا يدري العرش في السماء أو في الأرض قال إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر"انتهى. ويقول الأوزاعي "كنا والتابعون متوافرون نقول إن الله عزوجل فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته" أخرجه البيهقي في كتاب الأسماء والصفات وقال عبد الله أحمد بن حنبل في الرد على الجهمية: حدثني أبي حدثنا شريح بن النعمان عن عبد الله بن نافع قال مالك بن أنس: "الله في السماء وعلمه في كل مكان، لا يخلو منه شيء" وروى يحيى بن يحيى التميمي وجعفر بن عبد الله وطائفة قالوا: جاء رجل إلى مالك فقال يا أبا عبد الله {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} كيف استوى قال فما رأيت مالكاً وجد من شيء كموجدته من مقالته وعلاه الرحضاء يعني

(9/76)


السّمَاءِ. قال: فَمَنْ [من] أنَا؟ قالَتْ: أنْتَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم. قال: أعْتِقْهَا فَإنّهَا مُؤْمِنَةٌ" .
3275 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عن مُحَمّدِ بنِ عَمْرٍو عن أبِي سَلَمَةَ عن الشّرِيدِ: "أنّ أُمّهُ أوْصَتْهُ أنْ يُعْتِقَ عَنْهَا رَقَبَةً مُؤْمِنَةً، فَأتَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالَ: يَارَسُولَ الله إنّ أُمّي أوْصَتْ أنْ أُعْتِقَ عَنْهَا رَقَبَةً مُؤْمِنَةً وَعِنْدِي جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ نُوبِيّةٌ فَذَكَرَ نَحْوَهُ أفَأَعْتِقُهَا. فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ادْعُوهَا لِي"، فَدَعوْهَا، فَجَاءَتْ، فَقَالَ لَهَا النّبِيّ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ رَبّكِ"؟ فَقَالَتْ: الله. قالَ: "فَمَنْ أنَا"؟ قالَتْ: رَسُولُ الله. قالَ: "أعْتِقْهَا فَإنّهَا مُؤْمِنَةٌ" .
قَالَ أبُو دَاوُدَ: خَالِدُ بنُ عبد الله أرْسَلَهُ لَمْ يَذْكُر الشّرِيدَ.
ـــــــ
العرق، وأطرق القوم، فسرى عن مالك وقال الكيف غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. وإني أخاف أن تكون ضالا، وأمر به فأخرج"انتهى "قال" رسول الله صلى الله عليه وسلم "قالت" الجارية "قال" رسول الله صلى الله عليه وسلم "اعتقها" أي الجارية "فإنها" أي الجارية "مؤمنة" قال الخطابي: قوله"اعتقها فإنها مؤمنة" خرج مخرج التعليل في كوم الرقبة مجزية في الكفارات بشرط الإيمان لأن معقولا أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أمره أن يعتقها على سبيل الكفارة عن ضربها ثم اشترط أن تكون مؤمنة، فكذلك هي في كل كفارة. وقد اختلف الناس في هذا، فقال مالك والأوزاعي والشافعي وابن عبيد: لا يجزيه إلا رقبة مؤمنة في شيء من الكفارات. وقال أصحاب الرأي يجزيه غير المؤمنة إلا في كفارة القتل، وحكى ذلك أيضاً عن عطاء انتهى.
قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم والنسائي أتم منه.
"عن الشريد" هو ابن سويد الثقفي "أن أمه" أي الشريد "أوصته" أي الشريد "أن يعتق" أي الشريد "عنها" أي عن أمه "فأتى" أي الشريد "فقال" أي الشريد "نوبية" بالضم بلاد واسعة للسودان بجنوب الصعيد، كذا في القاموس. ولفظ أحمد من حديث أبى هريرة"بجارية سوداء أعجمية" "فذكر نحوه" وفي بعض النسخ الصحيحة"ساق العبارة".
قال المنذري: وأخرجه النسائي "أرسله" أي حديث أني سلمة "لم يذكر" أي خالد بن عبد الله "الشريد" الثقفي.

(9/77)


3276 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بنُ يَعْقُوبَ الْجَوْزَجَانِيّ حدثنا يَزيدُ بنُ هَارُونَ قالَ أخبرني المَسْعُودِيّ عن عَوْنِ بنِ عبد الله عن عبد الله بنِ عُتْبَةَ عن أبي هُرَيْرَةَ: أنّ رَجُلاً أتَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِجَارِيَةٍ سَوْدَاءَ فقالَ: يَارَسُولَ الله إنّ عَلَيّ رَقَبَةً مُؤمِنَةً، فَقَالَ لَهَا: "أيْنَ الله"؟ فَأشَارَتْ إلَى السّمَاءِ بِإصْبَعِهَا، فَقالَ لَهَا: "فَمَنْ أنَا"؟ فَأشَارَتْ إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَإلَى السّمَاءِ - يَعني أنْتَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: "أعْتِقْهَا فَإنّهَا مُؤْمِنَةٌ".
ـــــــ
"عن أبى هريرة أن رجلاً" وليس الحديث في مختصر المنذري، وأورده المزي في الأطراف ورمز عليه علامة أبى داوود فقط، ثم قال ولم يذكره أبو القاسم وهو في الرواية انتهى.
قال الشوكاني: والحديث فيه دليل على أنه لا يجزى في كفارة اليمين إلا رقبة مؤمنة وإن كانت الآية الواردة في كفارة اليمين لم تدل على ذلك، لأنه قال تعالى {أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} : بخلاف آية كفارة القتل فإنها قيدت بالإيمان. قال ابن بطال: حمل الجمهور ومنهم الأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق المطلق على المقيد كما حملوا المطاق في قوله تعالى {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} على المقيد في قوله تعالى {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} وخالف الكوفيون فقالوا يجوز إعتاق الكافر، ووافقهم أبو ثور وابن المنذر، واحتج له في كتابه الكبير بأن كفارة القتل مغلظة بخلاف كفارة اليمين ومما يؤيد القول الأول أن المعتق للرقبة المؤمنة آخذ بالأحوط بخلاف المكفر بغير المؤمنة فإنه في شك من براءة الذمة.

(9/78)


17- باب كراهية النذر
3277 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا جَرِيرُ بنُ عَبْدِالْحَمِيدِ ح. وَحدثنا مُسَدّدٌ حدثنا أبُو عَوَانَةَ عن مَنْصُورٍ عن عبد الله بنِ مُرّةَ، قال عُثْمَانُ الْهَمْدَانِيّ عن عبد الله بنِ عُمَرَ قال: أخَذَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَنْهَى عنْ النّذْرِ، ثُمّ اتّفَقَا وَيَقُولُ: "لاَ يَرُدّ شَيْئاً وَإنّمَا
ـــــــ
باب كراهية النذر
"ينهي عن النذر" قال الخطابي: معنى نهيه عليه السلام عن النذر إنما هو تأكيد لأمره وتحذير التهاون به بعد إيجابه، ولو كان معناه الزجر عنه حتى لا يفعل لكان في ذلك إبطال حكمه وإسقاط لزوم الوفاء به إذا كان بالنهي عنه قد صار معصية فلا يلزم الوفاء به، وإنما وجه الحديث أنه قد أعلمهم أن ذلك أمر مما لا يجلب لهم في العاجل نفعاً ولا يدفع عنهم ضرراً، فلا يرد شيئاً قضاء الله تعالى، يقول: لا تنذروا على أنكم تدركون بالنذر شيئاً لم يقدره الله لكم، أو تصرفون

(9/78)


يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ" . قالَ مُسَدّدٌ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ النّذْرَ لاَ يَرُدّ شَيْئاً" .
3278 - حدثنا أبُو دَاوُدَ قال قُرِىءَ عَلَى الْحَارِثِ بنِ مِسْكِينٍ وَأنَا شَاهِدٌ أَخْبَرَكُمْ ابنُ وَهْبٍ قال أخبرني مَالِكٌ عن أبي الزّنَادِ عن عبد الرحمن بنِ هُرْمُزَ عن أبي هُرَيْرَةَ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "لاَ يَأْتِي ابنَ آدَمَ النّذْرُ الْقَدَرَ بِشَيْءٍ لَمْ أكُنْ قَدّرْتُهُ لَهُ وَلَكِنْ يُلْقِيهِ
ـــــــ
عن أنفسكم شيئاً جرى القضاء به عليكم، فإذا فعلتم ذلك فاخرجوا عنه بالوفاء به، فإن الذي نذرتموه لازم لكم. هذا معنى الحديث ووجهه. وقوله عليه السلام إنما يستخرج به من البخيل فثبت بذلك وجوب استخراجه من ماله، ولو كان غير لازم له لم يجز أن يكره عليه والله أعلم "لا يرد شيئاً" قال الخطابي: فيه دليل على أن النذر إنما يصح إذا كان معلقاً بشيء كما يقول إن شفى الله مريضي فلله على أن أتصدق بألف درهم، وإن قدم غائبي أو سلم مالي في نحو ذلك من الأمور. فأما إذا قال على أن أتصدق بألف درهم فليس هذا بنذر، وإلى هذا ذهب الشافعي في أحد قوليه وهو غالب مذهبه. وحكى عن أبى العباس أحمد بن يحيى أنه قال: النذر وعد بشرط. وقال أبو حنيفة: النذر لازم وإن لم يعلق بشرط والله أعلم "وإنما يستخرج به" أي بسبب النذر "من البخيل" لأن غير البخيل يعطي باختياره بلا واسطة النذر.
قال العيني: يعني أن من الناس من لا يسمح بالصدقة والصوم إلا إذا نذر شيئاً لخوف أو طمع، فكأنه لو لم يكن ذلك الشيء الذي طمع فيه أو خافه لم يسمح بإخراج ما قدره الله تعالى ما لم يكن يفعله فهو بخيل انتهى.
قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه انتهى. قال المزي في الأطراف: حديث عبد الله بن مرة الهمداني الحارثي الكوفى عن ابن عمر أخرجه البخاري في القدر وفي النذر، ومسلم في النذور، والنسائي فيه، وابن ماجه في الكفارات، وأبو داوود في النذور عن عثمان ابن أبى شيبة عن جرير، وعن مسدد عن أبى عوانة عن منصور عن عبد الله بن مرة. وحديث مسدد في رواية أبى الحسن بن العبد وأبى بكر بن داسة، ولم يذكره أبو القاسم انتهى كلامه. فجرير وأبو عوانة كلاهما يرويان عن منصور والله أعلم.
"لا يأتي ابن ادم" منصوب لأنه مفعول "النذر" بالرفع فاعل لا يأتي "القدر" مفعول ثان "بشيء لم أكن قدرته" أي الشيء والجملة صفة لقوله بشيء وهو من الأحاديث القدسية ولكنه ما صرح برفعه إلى الله تعالى "له" أي لابن آدم "ولكن يلقيه" بضم الياء من الإلقاء أي ابن آدم

(9/79)


النّذْرُ الْقَدَرَ قَدّرْتُهُ يُسْتَخْرَجُ مِنَ الْبَخِيلِ يُؤْتَى عَلَيْهِ مَا لَمْ يَكُنْ يُؤْتَى مِنْ قَبْلُ" .
ـــــــ
"النذر" فاعله "القدر" أي إلى القدر "قدرته" والجملة صفة لقوله القدر "يؤتى" أي يعطي البخيل "عليه" أي على ذلك الأمر الذي بسببه نذر، كالشفاء "ما لم يكن بؤتي" أي يعطي البخيل "عليه" أي من قبل النذر.
وفي رواية لمسلم "فيخرج بذلك من البخيل ما لم يكن البخيل يريد أن يخرجه" والحديث وجد في بعض النسخ الصحيحة. وليس من رواية اللؤلؤي العبد عن أبى داوود. والعجب من الحافظ المزي فإنه لم يذكره أصلاً في الأطراف فإنا راجعنا نسختين من الإطراف فلم نجد فيهما هذا الحديث في ترجمة مالك ابن أنس عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة.
وقال الحافظ في الفتح في باب الوفاء بالنذر تحت قوله في رواية شعيب عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة لم أكن قدرته هذا من الأحاديث القدسية لكن سقط منه التصريح بنسبته إلى الله عزوجل، وقد أخرجه أبو داوود في رواية ابن العبد عنه من رواية مالك، والنسائي وابن ماجه من رواية سفيان الثوري كلاهما عن أبى الزناد، وأخرجه مسلم من رواية عمرو بن أبى عمرو عن الأعرج.
وعند البخاري في أواخر كتاب القدر من طريق همام عن أبى هريرة ولفظه"لم يكن قدرته".
وفي رواية للنسائي "لم أقدره عليه".
وفي رواية ابن ماجه "إلا ما قدر له ولكن يغلبه النذر فأقدر له".
وفي رواية مالك "بشيء لم يكن قدر له ولكن يلقيه النذر إلى القدر قدرته" وفي رواية مسلم "لم يكن الله قدره له" وكذا وقع الاختلاف في قوله"فيستخرج الله به من البخيل" ففي رواية مالك "فيستخرج به" على البناء لما لم يسم فاعله وكذا في رواية ابن ماجه والنسائي وعبدة "ولكنه شيء يستخرج به من البخيل" وفي رواية همام "ولكن يلقيه النذر وقد قدرته له أستخرج به من البخيل". وفي رواية مسلم "ولكن النذر يوافق القدر فيخرج بذلك من البخيل ما لم يكن البخيل يريد أن يخرج" انتهى كلام الحافظ.

(9/80)


18- باب النذر في المعصية
3279 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن طَلْحَةَ بنِ عَبْدِالمَلِكِ الأَيْلِيّ عن الْقَاسِمِ عن عَائِشَةَ قالَتْ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ نَذَرَ أنْ يُطِيعَ الله فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أنْ يَعْصِيَ الله فَلاَ يَعْصِهِ" .
3280 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا وُهَيْبٌ أخبرنا أيّوبُ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: بَيْنَمَا النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ إذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ في الشّمْسِ، فَسَألَ عَنْهُ، فَقَالُوا: هَذَا أبُو إسْرَائِيلَ، نَذَرَ أنْ يَقُومَ وَلاَ يَقْعُدَ وَلاَ يَسْتَظِلّ وَلاَ يَتَكَلّمَ وَيَصُومَ، قالَ: "مُرُوهُ فَلْيَتَكَلّمْ وَلْيَسْتَظِلّ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمّ صَوْمَهُ" .
ـــــــ
"باب النذر في المعصية"
"أن يطيع الله" كلمة أن مصدرية، والإطاعة أعم من أن يكون في واجب أو مستحب "فليطعه" مجزوم لأنه جواب الشرط "فلا يعصه" مجزوم أيضاً لأنه جواب الشرط.
قال الخطابي: في هذا بيان أن النذر في المعصية غير لازم وأن صاحبه منهي عن الوفاء به، وإذا كان كذلك لم يجب فيه كفارة، ولو فيه كفارة لأشبه أن يجزي ذكرها في الحديث وأن يوجد بيانها مقروناً به، وهذا على مذهب مالك والشافعي.
وقال أصحاب الرأي وسفيان الثوري: إذا نذر في معصية فكفارته كفارة يمين. قال واحتجوا في ذلك بحديث الزهري وقد رواه أبو داوود في هذا الباب انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"فسأل" النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه "عنه" عن قيامه في الشمس أو عن إسمه "هذا أبو إسرائيل" أي هو ملقب بذلك، وأبو إسرائيل هذا رجل من بني عامر بن لؤي من بطون قريش.
قال القاضي: الظاهر من اللفظ أن المسئول عنه هو اسمه ولذا أجيب بذكر اسمه وأن ما بعده زيادة في الجواب "ولا يتكلم" مطلقاً "وليتم" بسكون اللام وكسرها في الجميع "صومه" أي ليكمل صومه. وفيه دليل على أن كل شيء يتأذى به الإنسان مما لم يرد بمشروعيته كتاب ولا سنة كالمشي حافياً والجلوس في الشمس ليس من طاعة الله تعالى فلا ينعقد النذر به، فإنه صلى الله عليه وسلم أمر أبا إسرائيل في هذا الحديث بإتمام الصوم دون غيره، وهو محمول على أنه علم أنه لا يشق عليه.

(9/81)


................................................
ـــــــ
قال القرطبي في قصة أبى إسرائيل هذا أعظم حجة للجمهور في عدم وجوب الكفارة على من نذر معصية أو ما لا طاقة فيه.
قال مالك: لم أسمع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره بكفارة.
قال الخطابي: قد تضمن نذره نوعين الطاعة والمعصية، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالوفاء بما كان منها من طاعة وهو الصوم، وأن يترك ما ليس بطاعة من القيام في الشمس وترك الكلام وترك الاستظلال بالظل، وذلك أن هذه الأمور مشاق تتعب البدن وتؤذيه، وليس في شيء منها قربة إلى الله تعالى وقد وضع عن الأمة الأغلال التي كانت على من قبلهم، وتنقلب النذر فيه معصية، فلا يلزم الوفاء ولا تجب الكفارة فيه انتهى.
وقال العيني: وإنما أمره بإتمام الصوم لأن الصوم قربة بخلاف أخواته وفيه دليل على أن السكوت عن المباح أو عن ذكر الله ليس بطاعة، وكذلك الجلوس في الشمس، وفي معناه كل ما يتأذى به الإنسان مما لا طاعة فيه ولا قربة بنص كتاب أو سنة كالجفاء، وإنما الطاعة ما أمر الله به رسوله صلى الله عليه وسلم انتهى.
وفيه دليل أيضاً على إبطال ما أحدثته الجهلة المنصوفة من الأشغال الشديدة المحدثة والأعمال الشاقة المنكرة ويزعمون أنها طريقة تزكية أنفاسهم، وهذا جهل منهم عن أحكام الشريعة فإن النبي صلى الله عليه وسلم ما ترك لنا شيئاً إلا بينه، فمن أين وجدوها ومن أيم أخذوها والله أعلم. والحديث أخرجه البخاري وابن ماجه.

(9/82)


19- باب من رأى عليه كفارة إذا كان في معصية
3281 - حدثنا إسْمَاعِيلُ بنُ إبْرَاهِيمَ أبُو مَعْمَرٍ أخبرنا عبد الله بنُ المُبَارَكِ عن يُونُسَ عن الزّهْرِيّ عن أبي سَلَمَةَ عن عَائِشَةَ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "لاَ نَذْرَ في مَعْصِيَةٍ وَكَفّارَتُهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ" .
ـــــــ
"باب من رأى عليه"
أي على الناذر "كفارة إذا كان" النذر "في معصية" كما هو مذهب أبى حنيفة وسفيان الثوري، وروى ذلك عن أحمد وإسحاق ونقل الترمذي اختلاف الصحابة في ذلك.
"لا نذر في معصية" وفي رواية مسلم من حديث عمران "لا وفاء لنذر في معصية" وفي

(9/82)


.............................................
ـــــــ
رواية له "لا نذر في معصية الله تعالى".
قال النووي: في هذا دليل على أن من نذر معصية كشرب الخمر فنذره باطل لا ينعقد ولا يلزمه كفارة يمين ولا غيرها، وبهذا قال مالك والشافعي وجمهور العلماء.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله
يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة كذلك رواه محمد بن أبي عتيق وموسى بن عقبة عن الزهري وسليمان بن أرقم متروك والحديث عند غيره عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن الزبير الحنظلي عن أبيه عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك رواه علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير وبمعناه رواه الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير إلا في حديث الأوزاعي لا نذر في غضب وكفارته كفارة يمين وكذلك رواه حماد ابن ويد عن محمد بن الزبير ورواه بن أبي عروبة عن محمد بن الزبير وقال "لا نذر في معصية الله"
ورواه عبد الوارث بن سعيد عن محمد بن الزبير عن أبيه أن رجلا حدثه أنه سأل عمران بن حصين عن رجل حلف أنه لا يصلي في مسجد قومه فقال عمران سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لانذر في معصية الله وكفارته كفارة يمين".
وفي هذا دلالة على أن أباه لم يسمعه من عمران.
ورواه محمد بن إسحاق عن محمد بن الزبير عن رجل صحبه عن عمران.
ورواه الثورى عن محمد بن الزبير عن الحسن عن عمران إلا أنه قال "لا نذر في معصية أو في غضب".
قال فهذا حديث مختلف في إسناده ومتنه كما ذكرنا ولا تقوم الحجة بأمثال ذلك.
وقد روينا عن محمد بن إسماعيل البخاري أنه قال محمد بن الزبير الحنظلي منكر الحديث وفيه نظر.
قال البيهقي وإنما الحديث فيه عن الحسن عن هياج بن عمران البرجمي أن غلاما لابنه أبق فجعل لله عليه لئن قدر عليه ليقطعن يده فلما قدر عليه بعثني إلى عمران بن حصين فسألته فقال إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحث في خطبته على الصدقة وينهى عن المثلة فقل لابنك فليكفر عن يمينه وليتجاوز عن غلامه قال وبعثنى إلى سمرة فقال مثل ذلك وهذا أصح ما روى فيه عن عمران.
واختلف في اسم الذي رواه عن الحسن فقيل هكذا وقيل: حبان بن عمران البرجمي.

(9/83)


...........................................
ـــــــ
وقال أحمد تجب فيه كفارة اليمين لحديث عائشة. واحتج الجمهور بحديث عمران وأما حديث "كفارته يمين" فضعيف باتفاف المحدثين انتهى لكن قال الحافظ قلت قد صححه الطحاوي وأبو على بن السكن فأين الاتفاق انتهى. قال السندي: "لا نذر في معصية" ليس
ـــــــ
والأمر بالتكفير فيه موقوف على عمران وسمرة
والذي روي عن ابن عباس مرفوعا من نذر نذرا في معصية الله فكفارته كفارة يمين ومن نذر نذرا لم يطقه فكفارته كفارة يمين لم يثبت رفعه والله أعلم
قال الموجبون للكفارة في نذر المعصية وهم أحمد وإسحاق والثورى وأبو حنيفة وأصحابه هذه الآثار قد تعددت طرقها ورواتها ثقات وحديث عائشة احتج به الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه وإن كان الزهري لم يسمعه من أبي سلمة فإن له شواهد تقويه رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم سوى عائشة جابر وعمران بن حصين وعبد الله بن عمر قاله الترمذي وفيه حديث ابن عباس رفعه من نذر نذرا في معصية فكفارته كفارة يمين رواه أبو داود ورواه ابن الجارود في مسنده ولفظه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم "النذر نذران فما كان لله فكفارته الوفاء به وما كان للشيطان فلا وفاء فيه وعليه كفارة يمين"
وروى أبو إسحاق الجوزجاني حديث عمران بن حصين في كتابه المترجم وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "النذر نذران فما كان من نذر في طاعة الله فذلك لله وفيه الوفاء وما كان من نذر في معصية الله فلا وفاء فيه ويكفره ما يكفر اليمين"
وروى الطحاوي بإسناد صحيح عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم "من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه ويكفر عن يمينه" وهو عند البخاري إلا ذكر الكفارة
قال الاشبيلي وهذا أصح إسنادا وأحسن من حديث أبي داود يعني حديث الزهري عن أبي سلمة المتقدم وفي مصنف عبد الرزاق عن يحيى بن أبي كثير عن رجل من بني حنيفة وعن أبي سلمة كلاهما عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا "لا نذر في غضب ولا في معصية الله وكفارته كفارة يمين"
قالوا وقد روى مسلم في صحيحه من حديث عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كفارة النذر كفارة اليمين"
وهذا يتناول نذر المعصية من وجهين
أحدهما أنه عام لم يخص منه نذر دون نذر.

(9/84)


............................................
ـــــــ
معناه أنه لا ينعقد أصلاً، إذ لا يناسب ذلك قوله وكفارته الخ بل معناه ليس فيه وفاء، وهذا هو صريح في بعض الروايات الصحيحة "وكفارته كفارة يمين" قال في المنتقي: واحتج به أحمد وإسحاق انتهى. وفي المرقاة: وبه قال أبو حنيفة وهو حجة على الشافعي. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي: هذا حديث لا يصح لأن الزهري لم يسمع هذا الحديث من أبى سلمة وقال غيرة: لم يسمعه الزهري من أبي سلمة وإنما سمعه من سليمان بن أرقم، وسليمان بن أرقم متروك.
ـــــــ
الثاني أنه شبهه باليمين ومعلوم أنه لو حلف على المعصية وحنث لزمه كفارة يمين بل وجوب الكفارة في نذر المعصية أولى منها في يمين المعصية لما سنذكره
قالوا ووجوب الكفارة قول عبد الله بن مسعود وجابر بن عبد الله وعمران بن حصين وسمرة بن جندب ولا يحفظ عن صحابي خلافهم
قالوا وهب أن هذه الآثار لم تثبت فالقياس يقتضي وجوب الكفارة فيه لأن النذر يمين ولو حلف ليشربن الخمر أو ليقتلن فلانا وجبت عليه كفارة اليمين وإن كانت يمين معصية فهكذا إذا نذر المعصية
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم تسمية النذر يمينا لما قال لأخت عقبة لما نذرت المشي إلى بيت الله فعجزت تكفر يمينها وهو حديث صحيح وسيأتي
وعن عقبة مرفوعا وموقوفا "النذر حلفة"
وقال ابن عباس في امرأة نذرت ذبح ابنها "كفري يمينك"
فدل على أن النذر داخل في مسمى اليمين في لغة من نزل القرآن بلغتهم
وذلك أن حقيقته هي حقيقة اليمين فإنه عقده لله ملتزما له كما أن الحالف عقد يمينه بالله ملتزما حلف عليه بل ما عقد لله أبلغ وألزم مما عقد به فإن ما عقد به من الأيمان لا يصير باليمين واجبا فإذا حلف على قربة مستحبة ليفعلنها لم تصر واجبة عليه وتجزئه الكفارة ولو نذرها وجبت عليه ولم تجزئه الكفارة
فدل على أن الالتزام بالندر آكد من الالتزام باليمين فكيف يقال إذا التزم معصية بيمينه وجبت عليه الكفارة وإذا التزمها بنذره الذي هو أقوى من اليمين فلا كفارة فيها فلو لم يكن في المسألة إلا هذا وحده لكان كافيا

(9/85)


3282 - حدثنا ابنُ السّرْحِ قالَ أنْبأنَا ابنُ وَهْبٍ عن يُونُسَ عن ابنِ شِهَابٍ بِمَعْنَاهُ وَإسْنَادِهِ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بنَ شَبّويَةَ قالَ قال ابنُ المُبَارَكِ - يَعني في هَذَا الْحَدِيثِ - حَدّثَ أبُو سَلَمَةَ، فَدَلّ ذَلِكَ عَلَى أنّ الزّهْرِيّ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ أبي سَلَمَةَ، وَقَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمّدٍ: وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ مَا حَدّثَنا أيّوبُ يَعني ابنَ سُلَيْمَانَ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ: أَفْسِدُوا عَلَيْنَا هَذَا الحديثَ. قِيلَ
ـــــــ
"حدثنا ابن السرح" قال الحافظ المزي: حديث ابن السرح في رواية ابن العبد وابن داسة عنه ولم يذكره أبو القاسم انتهى "في هذا الحديث" أي حديث يونس عن الزهري أنه قال "حدث أبو سلمة" ولم يقل الزهري حدثني أبو سلمة بل إنما روى خبره على سبيل الحاية من غير سماع منه لهذا الحديث "فدل ذلك" القول المشعر بالتدليس "لم يسمعه من أبى سلمة" لكن في رواية النسائي من طريق هارون بن موسى الفروي حدثنا أبو ضمرة عن يونس عن ابن شهاب قال حدثنا أبو سلمة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا نذر في معصية وكفارتها كفارة اليمين " "وقال أحمد بن محمد" المروزي شيخ المؤلف "وتصديق ذلك" أي تدليس الزهري في هذا الحديث "ما حدثنا أيوب يعني ابن سليمان" وسيأتي حديثه بتمامه "أفسدوا علينا هذا الحديث"
ـــــــ
ومما يدل على أن النذر آكد من اليمين أن الناذر إذا قال لله علي أن أفعل كذا فقد عقد نذره بجزمه أيمانه بالله والتزامه تعظيمه كما عقدها الحالف بالله كذلك فهما من هذه الوجوه سواء والمعنى الذي يقصده الحالف ويقوم بقلبه هو بعينه مقصود للناذر قائم بقلبه ويزيد النذر عليه أنه التزمه لله فهو ملتزم من وجهين له وبه والحالف إنما التزم ما حلف عليه خاصة فالمعنى الذي في اليمين داخل في حقيقة النذر فقد تضمن النذر اليمين وزيادة فإذا وجبت الكفارة في يمين المعصية فهي أولى بأن تجب في نذرها
ولأجل هذه القوة والتأكيد قال بعض الموجبين للكفارة فيه إنه إذا نذر المعصية لم يبرأ بفعلها بل تجب عليه الكفارة عينا ولو فعلها لقوة النذر بخلاف ما إذا حلف عليها فإنه إنما تلزمه الكفارة إذا حنث لأن اليمين أخف من النذر
وهذا أحد الوجهين لأصحاب أحمد وتوجيهه ظاهر جدا فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهاه عن الوفاء بالمعصية وعين عليه الكفارة عينا فلا يخرج من عهدة الأمر إلا بأدائها وبالله التوفيق.

(9/86)


لَهُ: وَصَحّ إفْسَادُهُ عِنْدَكَ، وَهَلْ رَوَاهُ غَيْرُ ابنِ أبي أُوَيْسٍ قال: أيّوبُ كَانَ أمْثَلَ مِنْهُ - يَعني أيّوبَ بنَ سُلَيْمَانَ بنِ بِلاَلٍ - وَقَدْ رَوَاهُ أيّوبُ.
ـــــــ
أي حديث الزهري عن أبى سلمة من جهة إسناده "قيل له" أي لأحمد "و" هل "صح إفساده عندك" من جهة الإسناد وثبت عندك ضعفه "وهل رواه" أي حديث الزهري بزيادة سليمان بن أرقم ويحيى بن أبى كثير بين الزهري وأبى سلمة "غير ابن أبى أويس" أي غير أبى بكر بن أبى أويس عن سليمان بن بلال عن ابن أبى عتيق عن الزهري عن سليمان بن أرقم عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة وسيجيء حديثه، فإن رواه غيره أيضاً فيعتبر برواية أبى بكر بن أبى أويس ويستدل به على تدليس الزهري في هذا الحديث "قال" أحمد في جوابه "أيوب" مبتدأ وهو اسم كان "أمثل" أي أشبه وهو خبر كان "منه" أي من ابن أبى أويس في الثقة، يقال ماثله مماثلة شابهه، وماثل فلاناً بفلان شبهه به ولا تكون المماثلة إلا بين المتفقين تقول نحوه كنحوه وفقهه كفقهه وإتقانه كإتقانه، ويشبه أن يكون المعنى أن تفرد أبى بكر بن أبى أويس لا يضر لأن أبا بكر ثقة روى هذا الحديث وروى عن أبى بكر أيوب بن سليمان أشبه في الثقة عن أبى بكر فهما ثقتان "وقد رواه أيوب" بن سليمان أحد الثقات عن مثله في الثقة وهو أبو بكر بن أبى أويس.
قلت: أما أيوب بن سليمان بن بلال المدني فروى عنه البخاري ووثقه أبو داوود فيما رواه الآجرى عنه والدارقطني وابن حبان. وأما أبو بكر بن أبى أويس فقد وثقه ابن معين، وأبو داوود، وابن حبان، والدارقطني. كذا في مقدمة الفتح.
"عن" أبيه "سليمان بن بلال" المدني "عن ابن أبى عتيق" هو محمد بن أبى عتيق كما في رواية النسائي.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وفي إسناده سليمان بن أرقم قال الإمام أحمد: ليس بشيء لا يساوي فلساً. وقال البخاري: تركوه، وتكلم فيه أيضاً عمرو بن على، والسعدي، وأبو داوود، وأبو زرعة، والنسائي، وابن حبان، والدارقطني.
وذكر البيهقي حديث عمران بن حصين هذا "لا نذر في معصية الله وكفارته كفارة يمين" وقال لا تقوم الحجة بأمثال ذلك انتهى.
وقال الخطابي في المعالم: لو صح هذا الحديث لكان القول به واجباً والمصير إليه لازماً إلا أن أهل المعرفة بالحديث زعموا أنه حديث مقلوب وهم فيه سليمان بن أرقم، فرواه

(9/87)


3283 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ مُحَمّدٍ المَرْوَزِيّ أخبرنا أيّوبُ بنُ سُلَيْمَانَ عن أبِي بَكْرِ بنِ أبِي أُوَيْسٍ عنْ سُلَيْمَانَ بنِ بِلاَلٍ عنْ ابنِ أبي عَتَيقٍ وَ مُوسَى بنِ عُقْبَةَ عن ابنِ شِهَابٍ عن سُلَيْمَانَ بنِ أرْقَمَ أنّ يَحْيَى بنَ أبِي كَثِيرٍ أخْبَرَهُ عن أبِي سَلَمَةَ عن عَائِشَةَ قالَتْ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ نَذْرَ في مَعْصِيَةٍ وَكَفّارَتُهُ كَفّارَةَ يَمِينٍ" .
قالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمّدٍ المَرْوَزِيّ: إنّمَا الحَدِيثُ حَدِيثُ عَلِيّ بنِ المُبَارَكِ عن يَحْيَى بنِ أبي كَثِيرٍ عن مُحَمّدِ بنِ الزّبَيْرِ عن أبِيهِ عن عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أرَادَ أنّ سُلَيْمَانَ بنَ أرْقَمَ وَهِمَ فِيهِ وَحَمَلَهُ عَنْهُ الزّهْرِيّ وَأرْسَلَهُ عن أبي سَلَمَةَ عن عَائِشَةَ.
ـــــــ
عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة عن عائشة فحمله عنه الزهري وأرسله عن أبى سلمة ولم يذكر فيه سليمان بن أرقم ولا يحيى بن أبى كثير، وساق الشاهد على ذلك، وذكر أيضاً حديث عمران بن حصين في هذا وقال إن محمد بن الزبير هو الحنظلي وأبوه مجهول لا يعرف، فالحديث من طريق الزهري مقلوب، ومن هذه الطريق فيه رجل مجهول والاحتجاج به ساقطاً انتهى.
"قال أحمد بن محمد المروزي" إن سليمان بن أرقم غلط في إسناد هذا الحديث مع كونه ضعيفاً "إنما الحديث" المروى في هذا الباب "حديث على بن المبارك" البصري وثقة أبو داوود "عن يحيى بن أبى كثير" اليمامي ثقة "عن محمد بن الزبير" الحنظلي البصري. قال البخاري: منكر الحديث وضعفه ابن معين والنسائي "عن أبيه" الزبير الحنظلي. قال الخطابي: هو مجهول لا يعرف. وقال النسائي في سننه: سليمان بن أرقم متروك الحديث وخالفه غير واحد من أصحاب يحيى بن أبى كثير في هذا الحديث، ثم قال أخبرنا هناد بن السري عن وكيع عن ابن المبارك وهو على عن يحيى بن أبى كثير عن محمد بن الزبير الحنظلي عن أبيه عن عمران بن الحصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين" "أراد" هذه مقولة أبى داوود توضح مراد شيخه أحمد ابن محمد المروزي، أي يقول أحمد المروزي أن سليمان وهم في هذا الحديث فجعله من رواية أبى سلمة عن عائشة.
وأما الزهري فرواه حقيقة عن سليمان بن أرقم لكن ترك ذكره لضعفه وأرسله عن أبى سلمة عن عائشة.

(9/88)


قَالَ أبُو دَاوُدَ: رَوَى بَقِيّةُ عن الأَوْزَاعِيّ عن يَحْيَى عن مُحَمّدِ بنِ الزّبَيْرِ بِإسْنَادِ عَلِيّ بنِ المُبَارَكِ مِثْلَهُ.
3284 - حدثنا مُسَدّدٌ قال أخبرنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ الْقَطّانُ قال أخبرنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ الأنْصَارِيّ قال أخبرنا عبيد الله بنُ زَحْرٍ أنّ أبَا سَعِيدٍ أخْبَرَهُ أنّ عبد الله بنَ مَالِكٍ أخْبَرَهُ أنّ عُقْبَةَ بنَ عَامِرٍ أخْبَرَهُ: أنّهُ سَألَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم عنْ أُخْتٍ لَهُ نَذَرَتْ أنْ تَحُجّ حَافِيَةً غَيْرَ مُخْتَمِرَةٍ، فقال: "مُرُوهَا فَلْتَخْتَمِرْ وَلْتَرْكَبْ وَلْتَصُمْ ثَلاَثَةَ أيّامٍ" .
ـــــــ
وأجابه العلامة السندي في حاشية النسائي فقال: وحديث عائشة في بعض إسناده عن الزهري عن أبى سلمة، وفي بعضها حدثنا أبو سلمة، وهذا يثبت سماع الزهري عن أبى سلمة، وفي بعضها عن سليمان ابن أرقم أن يحيى بن أبى كثير حدثه أنه سمع أبا سلمة، وهذا الاختلاف يمكن دفعه باثبات سماع الزهري مرة عن سليمان عن يحيى عن أبى سلمة، ومرة عن أبى سلمة نفسه، وعند ذلك لا قطع لضعفه سيما حديث عقبة وعمران يؤيد الثبوت انتهى "قال أبو داوود روى بقية" وقال النسائي أخبرني عمرو بن عثمان حدثنا بقية عن أبى عمرو وهو الأوزاعي عن يحيى بن أبى كثير عن محمد بن الزبير الحنظلي عن أبيه عن عمران ابن الحصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا نذر في معصية وكفارتها كفارة يمين" انتهى.
"أن تحج حافية" أي ماشية غير لابسة في رجلها شيئاً "غير مختمرة" بضم الميم الأولى وكسر الثانية أي غير مغطية رأسها بخمارها قال في المغرب: الخمار ما تغطي به المرأة رأسها، وقد اختمرت وتخمرت إذا لبست الخمار "فلتختمر" لأن كشف رأسها عورة وهي معصية لا نذر فيها "ولتركب" لعجزها لما سيجيء في رواية عكرمة عن ابن عباس من عدم طاقتها لا سيما مع الحفاء "ولتصم" أي عند العجز عن الهدى أو عن أنواع كفارة اليمين. قاله القاري.
قال الإمام الخطابي: وقوله صلى الله عليه وسلم ولتصم ثلاثة أيام فإن الصيام بدل من الهدى خيرت فيه كما يخير قاتل الصيد أن يفدى بمثله إذا كان له مثل وإن شاء قومه وأخرجه إلى المساكين، وإن شاء صام يدل كل مد من الطعام يوما، وذلك قوله تعالى أو عدل ذلك صياماً انتهى.
قال في السبل: ولعل الأمر بصيام ثلاثة أيام لأجل النذر بعدم الاختمار، فإنه نذر بمعصية، فوجب كفارة يمين وهو من أدلة من يوجب الكفارة في النذر بمعصية إلا أنه ذكر البيهقي أن في إسناده اختلاف.
وقد ثبت في رواية أبى داوود عن ابن عباس بعد قوله "فلتركب ولتهد بدنة" قيل وهو على

(9/89)


3285 - حدثنا مَخْلَدُ بنُ خَالِدٍ أخبرنا عَبْدُالرّزّاقِ أنْبأنَا ابنُ جُرَيْجٍ قالَ: كَتَبَ إلَيّ يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ أخبرَني عبيد الله بنُ زَحْرٍ مَوْلَى لِبَنِي ضَمِيرٍ - وَكَانَ أيّمَا رَجُلٍ - أنّ أبَا سَعِيدٍ الرّعَيْنِيّ أخبرنا بِإسْنَادِ يَحْيَى وَمَعْنَاهُ.
3286 - حدثنا مَخْلَدُ بنُ خَالِدٍ قالَ أخبرنا عَبْدُالرّزّاقِ قالَ أخبرنا ابنُ جُرَيْجٍ قال أخبرني سَعِيدُ بنُ أبي أيّوبَ أنّ يَزِيدَ بنَ أبِي حَبِيبٍ أخْبَرَهُ أنّ أبَا الْخَيْرِ حَدّثَهُ عن عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيّ أنّهُ قالَ: نَذَرَتْ أُخْتِي أنْ تَمْشِيَ إلَى بَيْتِ الله فَأمَرَتْنِي أنْ
ـــــــ
شرط الشيخين، إلا أنه قال البخاري: لا يصح في حديث عقبة بن عامر الأمر بالإهداء فإن صح فكأنه أمر ندب وفي وجهه خفاء انتهى "ثلاثة أيام" أي متوالية إن كان عن كفارة اليمين، وإلا فكيف شاءت.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، قال الترمذي: حديث حسن انتهى. وفي إسناده عبيد الله بن زحر تكلم فيه غير واحد من الأئمة انتهى.
"أن أبا سعيد الرعيني" براء مضمومة وعين مهملة مصغراً وهو جعثل بن هاعان المصري فقيه صدوق. وهذه الرواية وجدت في بعض النسخ قال المزي في الاطراف: أبو سعيد الرعيني جعثل بن هاعان مصري عن عقبة بن عامر. وحديث مخلد بن خالد في رواية أبى الحسن بن العبد وابن داسة ولم يذكره أبو القاسم وذكر عبد الرحمن بن أبى حاتم وغير واحد أن عبد الله بن مالك المحصي المصري يروي عن عقبة بن عامر، وروى عنه أبو سعيد الرعيني، وأن عبد الله بن مالك أبا تميم الجيشاني الرعيني يروي عن عمر بن الخطاب وأبى ذر الغفاري وأبى نضرة الغفاري، وروى عنه عبد الله بن هبيرة الحضرمي وغيره وجعلوهما اثنين وهو أولى بالصواب انتهى.
"نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله" واستدل به على صحة النذر بإتيان البيت الحرام لغير حج ولا عمرة. وعن أبى حنيفة إذا لم ينو حجا ولا عمرة لم ينعقد. ثم إن نذره راكبا لزمه فلو مشى لزمه دم لتوفر مؤنة الركوب، وإن نذر ماشيا لزمه من حيث أحرم إلى أن ينتهي الحج أو العمرة فإن ركب لعذر أجزأه ولزم دم. وفي أحد القولين للشافعي مثله.
واختلف هل يلزمه بدنة أو شاة. وإن ركب بلا عذر الزمه الدم. وعن المالكية في العاجز يرجع من قابل فيمشي ما ركب إلا أن يعجز مطلقاً فيلزمه الهدى. وعن عبد الله بن الزبير لا يلزمه شيء مطلقاً كذا في النيل "لتمش ولتركب" فيه أن النذر بالمشي ولو إلى مكان المشي إليه

(9/90)


أَسْتَفْتِيَ لَهَا النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فَاسْتَفْتَيْتُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالَ: "لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ" .
3287 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ المُثَنّى قال أخبرنا أبُو الْوَلِيدِ قال أخبرنا هَمّامٌ قال أخبرنا قَتَادَةُ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ أنّ أُخْتَ عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ نَذَرَتْ أنْ تَمْشِيَ إلَى الْبَيْتِ، فَأَمَرَهَا النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنْ تَرْكَبَ وَتُهْدِيَ هَدْيَا.
ـــــــ
طاعة فإنه لا يجب الوفاء به بل يجوز الركوب، لأن المشي نفسه غير طاعة إنما الطاعة الوصول إلى ذلك المكان كالبيت العتيق من غير فرق بين المشي والركوب ولهذا سوغ للنبي صلى الله عليه وسلم الركوب للناذرة بالمشي، فكان ذلك دالا على عدم لزوم النذر بالمشي وإن دخل تحت الطاقة.
قال الحافظ في الفتح: وإنما أمر الناذر في حديث أنس أي الآتي أن يركب جزما وأمر أخت عقبة أن تمشي وأن تركب لأن الناذر في حديث أنس كان شيخاً ظاهر العجز وأخت عقبة لم توصف بالعجز فكأنه أمرها أن تمشي إن قدرت وتركب إن عجزت انتهى. قال النووي: حديث أنس محمول على العاجز عن المشي فله الركوب وعليه دم، وحديث أخت عقبة معناه تمشي في وقت قدرتها على المشي وتركب إذا عجزت عن المشي أو لحقتها مشقة ظاهرة فتركب وعليها دم، وهذا الذي ذكرناه من وجوب الدم في الصورتين هو أرجح القولين للشافعي، وبه قال جماعة.
والقول الثاني لا دم عليه بل يستحب الدم، وأما المشى حافياً فلا يلزمه الحفاء بل له لبس النعلين وقد جاء في سنن أبي داوود مبيناً أنها ركبت للعجز قال: "إن أختي نذرت أن تحج ماشية وإنها لا تطيق ذلك" الحديث انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والنسائي. وأخت عقبة هي أم حبان بنت عامر بكسر الحاء المهملة وبعدها باء موحدة أسلمت وبايعت انتهى كلامه.
"أن تركب" أي للعجز "وتهدى هدياً" وأقله شاة وأعلاه بدنه فالشاة كافية والأمر بالبدنة للندب قال القاضي: لما كان المشي في الحج من عداد القربات وجب بالنذر والتحق بسائر أعماله التي لا يجوز تركها إلا لمن عجز ويتعلق بتركه الفدية، واختلف في الواجب، فقال علي رضي الله عنه تجب بدنه، وقال بعضهم يجب دم شاة كما مجاوزة الميقات، وحملوا الأمر بالبدنة على الاستحباب، وهوقول مالك وأظهر قولى الشافعي، وقيل لا يجب فيه شيء وإنما أمر صلى الله عليه وسلم بالهدى على وجه الاستحباب دون الوجوب كذا في المرقاة، وتقدم بعض بيانه والحديث سكت عنه المنذري.

(9/91)


3288 - حدثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ قال أخبرنا هِشَامٌ عن قَتَادَةَ عنْ عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لَمّا بَلَغَهُ أنّ أُخْتَ عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ نَذَرَتْ أنْ تَحُجّ مَاشِيَةً قالَ: "إنّ الله لَغَنِيّ عن نَذْرِهَا مُرْهَا فَلْتَرْكَبْ" .
قَالَ أبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ سَعِيدُ بنُ أبي عَرُوبَةَ نَحْوَهُ وَخَالِدٌ عنْ عِكْرِمَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ.
3289 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ المُثَنّى حدثنا ابنُ أبي عَدِيّ عنْ سَعِيدٍ عنْ قَتَادَةَ عن عِكْرِمَةَ أنّ أُخْتَ عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ بِمَعْنَى هِشَامٍ لَمْ يَذْكُرْ الْهَدْيَ وَقالَ فِيهِ: "مُرْ أُخْتَكَ فَلْتَرْكَبْ" .
قَالَ أبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ خَالِدٌ عن عِكْرِمَةَ بِمَعْنَى هِشَامٍ.
3290 - حدثنا حَجّاجُ بنُ أبي يَعْقُوبَ قالَ أخبرنا أبُو الْنّضْرِ قال أخبرنا شَرِيكٌ عن مُحَمّدِ بنِ عبد الرحمن مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ عن كُرَيْبٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: جَاءَ رَجُلٌ إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالَ: يَارَسُولَ الله إنّ أُخْتِي نَذَرَتْ - يَعني أنْ تَحُجّ مَاشِيَةً، فَقَالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "إنّ الله لاَ يَصْنَعُ بِشَقَاءِ أُخْتِكَ شَيْئاً فَلْتَحُجّ رَاكِبَةً وَلْتُكَفّرْ عن يَمِينِهَا" .
ـــــــ
"مرها فلتركب" والحديث سكت عنه المنذري "رواه سعيد بن أبي عروبة" عن قتادة عن عكرمة "نحو" أي مقتصراً على قوله فلتركب كما رواه هشام عن قتادة ولم يذكر الهدى كما ذكره همام عن قتادة "و" رواه "خالد عن عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم" فهذه متابعة لقتادة "نحوه" أي نحو حديث قتادة من طريق هشام بغير ذكر الهدى.
"أن أخت عقبة بن عامر بمعنى هشام" قال الحافظ المزي: حديث ابن عدى في رواية أبي الحسن بن العبد ولم يذكره أبو القاسم. واعلم أن حديث خالد عن عكرمة مرسل والله أعلم.
"أن تحج" من باب نصر "بشقاء أختك" بفتح الشين والمد أي بتعبها أو مشقتها أي لا حاجة لله تعالى به ولا يكون أجر لها بهذا الفعل الشاق عليها "شيئا" أي من الصنع فإنه منزه من الضرر وجلب النفع "فلتحج" بفتح الجيم ويجوز كسرها وضمها أي إذا عجزت عن المشي فلتحج "راكبة" بالنصب على الحال "ولتكفر عن يمينها" قال في المرقاة والظاهر أن المراد بالتكفير كفارة الجناية وهي الهدى أو ما يقوم مقامه من الصوم. والحديث سكت عنه المنذري.

(9/92)


3291 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَفْصِ بنِ عبد الله السّلَمِيّ قال حدّثني أبِي قالَ حَدّثني إبْرَاهِيمُ يَعني ابنَ طَهْمَانَ - عن مَطَرٍ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ: أنّ أُخْتَ عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ نَذَرَتْ أنْ تَحُجّ مَاشِيَةً وَأنّهَا لاَ تُطِيقَ ذَلِكَ، فقالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "إنّ الله عَزّوَجَلّ لَغَنِيّ عن مَشْيِ أُخْتِكَ فَلْتَرْكَبْ وَلْتُهْدِ بَدَنَةً" .
3292 - حدثنا شُعَيْبُ بنُ أيّوبَ حدثنا مُعَاوِيَةُ بنُ هِشَامٍ عن سُفْيَانَ عن أبِيهِ عن عِكْرِمَةَ عن عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيّ أنّهُ قالَ لِلنّبِيّ صلى الله عليه وسلم: إنّ أُخْتِي نَذَرَتْ أنْ تَمْشِيَ إلَى الْبَيْتِ، فقالَ: "إنّ الله لاَ يَصْنَعُ بِمَشْيِ أُخْتِكَ إلَى الْبَيْتِ شَيْئاً" .
3293 - حدثنا مُسَدّدٌ قال أخبرنا يَحْيَى عن حُمَيْدٍ الطّوِيلِ عن ثَابِتٍ الْبُنَانِيّ عن أنَسِ بنِ مَالِكٍ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم رَأى رَجُلاً يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْهِ فَسَألَ عَنْهُ فَقَالُوا: نَذَرَ أنْ يَمْشِيَ، فَقَالَ: "إنّ الله لَغَنِيّ عنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ وَأمَرَهُ أنْ يَرْكَبَ" .
ـــــــ
"فلتركب ولتهد" بضم أوله أي لتنحر "بدنه" أي بعير أو بقرة عند أبي حنيفة، وإبلا عند الشافعي. وليس الحديث من رواية اللؤلؤي. قال المزي: هو في رواية أبي الحسن بن العبد ولم يذكره أبو القاسم انتهى. قلت: وأخرجه الدارمي.
"حدثنا شعيب بن أيوب" الحديث ليس من رواية اللؤلؤي.
وقال المزي: هو في رواية أبي الحسن بن العبد ولم يذكره أبو القاسم.
"يهادى" بصيغة المجهول "بين ابنيه" أي يمشي بين ولديه معتمداً عليهما من ضعف "فسأل عنه" ولفظ البخاري "ما بال هذا" "فقالوا نذر أن يمشي" أي إلى البيت الحرام "هذا نفسه" نصب على المفعولية "وأمره أن يركب" أي لعجزه عن المشي. وفي رواية لمسلم عن أبي هريرة "اركب أيها الشيخ فإن الله غنى عنك" قال ابن الملك عمل بظاهرة الشافعي، وقال "أبو حنيفة وهو أحد قولى الشافعي: عليه دم لأنه نقصا بعد التزامه. قال المظهر: اختلفوا فيمن نذر بأن يمشي إلى بيت الله تعالى فقال الشافعي: يمشي إن أطاق المشي، فإن عجز أراق دما وركب. وقال أصحاب أبي حنيفة: يركب ويريق دماً سواء أطاق المشي أو لم يطقه انتهى.
قال المزي في الأطراف: حديث أنس أخرجه البخاري في الحج وفي الأيمان النذور

(9/93)


قَالَ أبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ عَمْرُو بنُ أبِي عَمْرٍو عن الأَعْرَجِ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ.
3294 - حدثنا يَحْيَى بنُ مَعِينٍ حدثنا حَجّاجٌ عن ابنِ جُرَيْجٍ قال أخبرني سُلَيْمَانَ الأَحْوَلُ أنّ طَاوُوساً أخْبَرَهُ عن ابنِ عَبّاسٍ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم مَرّ وَهُوَ يَطُوفُ بالْكَعْبَةِ بِإنْسَانٍ يَقُودُهُ بِخِزَامَةٍ في أنْفِهِ فَقَطَعَهَا النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِيَدِهِ وَأمَرَهُ أنْ يَقُودَهُ بِيَدِهِ.
ـــــــ
ومسلم في النذور وأبو داوود والترمذي والنسائي في الإيمان والنذور انتهى. مختصراً "ورواه عمرو بن أبي عمرو عن الأعرج" وحديثه أخرج مسلم في النذور وابن ماجه. في الكفارات أن النبي صلى الله عليه وسلم أدرك شيخاً فذكر قصته.
"بخزامة في أنفه" بكسر الخاء المعجمة وفتح الزاي المخففة حلقة من شعر أو وبر تجعل في الحاجز الذي بين منخري البعير يشد بها الزمام ليسهل انقياده إذا كان صعبا "فقطعها" أي الخزامة "وأمره" أي القائد أن يقوده بيده.
وفي رواية النسائي عن ابن جريج التصريح بأنه نذر ذلك. والحديث أخرجه البخاري في الحج والنذور، وأخرجه النسائي. والحديث لم يذكره المنذري لأنه ليس من رواية اللؤلؤي.
وقال المزي: وهو في رواية أبي الحسن بن العبد، ولم يذكره أبو القاسم انتهى.

(9/94)


20- باب من نذر أن يصلي في بيت المقدس
3295 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قالَ أخبرنا حَمّادٌ قَالَ أنْبأنَا حَبِيبٌ المُعَلّمُ عن عَطَاءِ بنِ أبي رَبَاحٍ عن جَابِرِ بنِ عَبْدِالله: أنّ رَجُلاً قامَ يَوْمَ الْفَتْحِ فقالَ: يَارَسُولَ الله إنّي نَذَرْتُ لله إنْ فَتَحَ الله عَلَيْكَ مَكّةَ أنْ أُصَلّيَ في بَيْتِ المَقْدِسِ رَكْعَتَيْنِ، قالَ: "صَلّ هَاهُنَا"، ثُمّ أعَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ: "صَلّ هَاهُنَا"، ثُمّ أعَادَ عَلَيْهِ فقالَ: "شَأْنَكَ إذاً" . [إذن].
ـــــــ
"باب من نذر أن يصلي في بيت المقدس"
"صل ها هنا" وفيه دليل على أن من نذر بصلاة أو صدقة أو نحوهما في مكان ليس بأفضل من مكان الناذر فأنه لا يجب عليه الوفاء بإيقاع المنذور به في ذلك بل يكون الوفاء بالفعل في مكان الناذر.

(9/94)


قَالَ أبُو دَاوُدَ: رُوِيَ نَحْوُهُ عن عبد الرحمن بنِ عَوْفٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
3296 - حدثنا مَخْلَدُ بنُ خَالِدٍ قال أخبرنا أبُو عَاصِمٍ ح. وحدثنا عَبّاسٌ الْعَنْبَرِيّ المَعنى قال أخبرنا رَوْحٌ عن ابنِ جُرَيْجٍ قال أخبرني يُوسُفُ بنُ الْحَكَمِ بنِ أبي سُفْيَانَ أنّهُ سَمِعَ حَفْصَ بنَ عُمَرَ بنِ عبد الرحمن بنِ عَوْفٍ وَ عُمَرَ وَقالَ [وعمر أو قال] عَبّاسُ:
ـــــــ
وقد أخرج أحمد عن كردم بن سفيان "أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نذر نذره في الجاهلية فقال له ألوثن أو لنصب؟ قال: لا ولكن لله، فقال أوف لله ما جعلت له انحر على بوانة وأوف بنذرك" وفي لفظ له "قال يارسول الله إني نذرت أن أنحر ببوانة" وسيجيء بعد الباب، فدل ذلك على إنه يتعين مكان النذر ما لم يكن معصية. والجمع بينهما أن المكان لا يتعين حتما، بل يجوز فعل المنذور به في غيره فيكون ما هنا بياناً للجواز. ويمكن الجمع بأن يتعين مكان النذر إذا كان مساوياً للمكان الذي فيه الناذر أو أفضل منه، لا إذا كان المكان الذي فيه الناذر فوقه في الفضيلة. ويؤيد هذا الجمع ما أخرجه أحمد ومسلم من حديث ابن عباس "أن امرأة شكت شكوى فقالت: إن شفاني الله تعالى فلأخرجن فلأصلين في بيت المقدس فبرأت ثم تجهزت تريد الحروج، فجاءت ميمونة تسلم عليها فأخبرتها بذلك فقالت: اجلسي وصلي في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا مسجد الكعبة" ففي حديث ميمونة من تعليل ما أفتت به ببيان أفضلية المكان الذي فيه الناذرة في الشيء المنذور به وهو الصلاة "شأنك" بالنصب على المفعول به أي ألزم شأنك والمعنى أنت تعلم حالك "إذاً" بالتنوين جواب وجزاء أي إذا أبيت أن تصلي هاهنا فافعل ما نذرت به من صلاتك في بيت المقدس. والحديث سكت عنه المنذري. وأخرجه أيضاً الدارمي والبيهقي والحاكم وصححه أيضاً الحافظ تقي الذين بن دقيق العيد والله أعلم.
"حدثنا مخلد بن خالد" قال الحافظ المزي: الحديث أخرجه أبو داوود في النذور عن مخلد بن خالد عن أبي عاصم، وعن إبي العباس العنبري عن روح ابن عبادة كلاهما عن ابن جريج عن يوسف بن الحكم بن أبي سفيان أنه سمع حفص بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف وعمرو بن حنة أخبراه عن عمر بن عبد الرحمن عن رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم انتهى. "أنه سمع" أي أن يوسف سمع من حفص بن عمر ومن عمرو بن حنة "وعمر" بضم العين هكذا مضبوط في بعض النسخ. وأما في بعض النسخ فعمرو بفتح العين وهو معطوف على قوله حفص "وقال عباس" العنبري شيخ المؤلف في روايته ابن حنة أي عمرو بن حنة وأما مخلد بن

(9/95)


ابنُ حَنّةَ أخْبَرَاهُ عن عُمَرَ بنِ عبد الرحمن بنِ عَوْفٍ عن رِجَالٍ مِنْ أصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِهَذَا الْخَبَرِ. زَادَ فقالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "وَالّذِي بَعَثَ مُحَمّداً بالْحَقّ لَوْ صَلّيْتَ هَاهُنَا لأَجْزَأ عَنْكَ صَلاَةً في بَيْتِ المَقْدِسِ" .
قَالَ أبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ الأنْصَارِيّ عن ابنِ جُرَيْجٍ فقالَ جَعْفَرُ بنُ عَمْرٍو قالَ عَمْرُو بنُ حَيّةَ وَقالَ أخْبَرَاهُ عن عبد الرحمن بنِ عَوْفٍ وَعَن رِجَالٍ مِنْ أصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
خالد شيخه فقال عمرو بغير ذكر اسم أبيه حنة.
وقال الحافظ في التقريب: عمر بن حنة بنون صوابه عمرو انتهى.
وقال في موضع آخر: عمرو بن حنة بالنون الثقيلة ويقال بالتحتانية ويقال فيه عمر مقبول انتهى.
وقال الذهبي في كتابه المشتبه: حية بالتحتانية جماعة وبالنون عمرو بن حنة روى حديثه ابن جريج "أخبراه" الضمير المرفوع إلى حفص وعمرو بن حنة، والضمير المنصوب إلى يوسف "بهذا الخبر" أي بخبر جابر بن عبد الله "زاد" أي زاد الراوي في هذا الحديث سكت عنه المنذري.
وقال الشوكاني: وله طرق رجال بعضهاثقات، وقد تقرر أن جهالة الصحابي لا تضر "رواه الأنصاري" أي محمد بن عبد الله بن المثنى "فقال جعفر بن عمر" مكان حفص بن عمر "وقال عمرو بن حية" أي بالياء التحتانية وجعله من مسندات عبد الرحمن بن عوف ومن مسندات بعض الصحابة والله أعلم.

(9/96)


21- باب قضاء النذر عن الميت
3297 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ قال قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عن ابنِ شِهَابٍ عن عبيد الله بنِ عبد الله عنْ عبد الله عَبّاسٍ: أنّ سَعْدَ بنَ عُبَادَةَ اسْتَفْتَى رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فقالَ: إنّ أُمّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْرٌ لَمْ تَقْضِهِ، فقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "اقْضِهِ عَنْهَا" .
ـــــــ
"باب قضاء النذر عن الميت"
"وعليها نذر لم تقضه" والنذر المذكور وقيل كان صياماً، وقيل كان عتقاً وقيل صدقة وقيل

(9/96)


3298 - حدثنا عَمْرُو بنُ عَوْن قالَ أنْبأنَا هُشَيْمٌ عن أبي بِشْرٍ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرِ عن ابنِ عَبّاسٍ: أنّ امْرَأةً رَكِبَتِ الْبَحْرَ فَنَذَرَتْ إنْ نَجّاهَا الله أنْ تَصُومَ شَهْراً، فَنَجّاهَا الله فَلَمْ تَصُمْ حَتّى مَاتَتْ، فَجَاءَتْ ابْنَتُهَا أوْ أُخْتُهَا إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَأمَرَهَا أنْ تَصُومَ عَنْهَا.
ـــــــ
نذراً مطلقاً أو كان معيناً عند سعد "اقضه عنها" والحديث فيه دليل على قضاء الحقوق الواجبة عن الميت.
وقد ذهب الجمهور إلى أنه من مات وعليه نذر مالي فإنه قضاؤه من رأس ماله وإن لم يوص إلا إن وقع النذر في مرض الموت فيكون من الثلث وشرط المالكية والحنفية أن يوصي بذلك مطلقاً.
قال الخطابي: في هذا بيان أن النذور التي نذرها الميت والكفارات التي لزمته قبل الموت تقضي من ماله كالديون اللازمة، وهذا على مذهب الشافعي وأصحابه وعند أبي حنيفة لا تقضي إلا أن يوصي بها انتهى.
وقال القسطلاني والجمهور على أن من مات وعليه نذر مالى أنه يجب قضاؤه من رأس ماله وإن لم يوصي إلا إن وقع النذر في مرض الموت فيكون من الثلث ويحتمل أن يكون سعد قضى نذر أمه من تركتها إن كان مالياً أو تبرع به انتهى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه انتهى. قال في المنتقى الحديث رواه أبو داوود، والنسائي وهو على شرط الصحيح وقال شارحه: حديث ابن عباس في قصة سعد بن عبادة أصله في الصحيحين.
"أن تصوم عنها" ومن لا يرى الصوم جائزاً يأول الحديث بأن المراد الافتداء فإنها إذا افتدت فقد أدت الصوم عنها وهو تأويل بعيد جداً. وأحمد ابن حنبل جوز الصوم في النذر والقول القديم للشافعي جوازه مطلقاً، ورجحه محققو أصحابه بأن الأوفق للدليل قاله القسطلاني.
وفي النيل: والحديث فيه دليل على أنه يصوم الولى عن الميت إذا مات وعليه صوم أي صوم كان، وبه قال أصحاب الحديث وجماعة من محدثي الشافعية وأبو ثور ونقل البيهقي عن الشافعي أنه علق القول على صحة الحديث وقد صح وبه قال الأوزاعي وأحمد والشافعي في أحد قوليه.

(9/97)


3299 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ قال أخبرنا زُهَيْرٌ قال أخبرنا عبد الله بنُ عَطَاءٍ عن عبد الله بنِ بُرَيْدَةَ عن أبِيهِ بُرَيْدَةَ: أنّ امْرَأةً أتَتِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالَتْ: كُنْتُ تَصَدّقْتُ عَلَى أُمّي بِوَلِيدَةٍ وَإنّهَا مَاتَتْ وَتَرَكَتْ تِلْكَ الْوَلِيدَةَ. قال: "قَدْ وَجَبَ أَجْرُكِ وَرَجَعَتْ إلَيْكِ في المِيرَاثِ" . قالَتْ: وَإنّهَا مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ عَمْرٍو.
ـــــــ
قال البيهقي في الخلافيات: هذه السنة ثابتة لا أعلم خلافاً بين أهل الحديث في صحتها. والجمهور على أن صوم الولى عن الميت ليس بواجب، وتعقب بأن بعض أهل الظاهر يقول بوجوبه. وذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي في الجديد إلى أنه لا يصام عن الميت مطلقاً. وقال الليث وإسحاق وأبو عبيد إنه لا يصام عنه إلا النذر انتهى. قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"بوليدة" أي جارية "وتركت" أي أمي "قال" النبي صلى الله عليه وسلم "قد وجب" أي ثبت "ورجعت" الوليدة "نحو حديث عمرو" أي ابن عون المتقدم. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه، وفي بعض طرق مسلم عن سليمان بن بريدة وفي بعض طرق النسائي عن ابن بريدة ولم يسمه، وقال النسائي: والصواب حديث عبد الله بن بريدة.

(9/98)


22- باب ما جاء فيمن مات وعليه صيام صام عنه وليّه
3300 - حدثنا مُسَدّدٌ حدثنا يَحْيَى قالَ سَمِعْتُ الأعمَشَ ح. وحدثنا مُحَمّدُ بنُ الْعَلاَءِ أخبرنا أبُو مُعَاوِيَةَ عن الأعمَشِ المَعْنَى عنْ مُسْلِمِ الْبَطِينِ عن سَعِيدٍ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبّاسٍ: أنّ امْرأةً جَاءَتْ إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالَتْ: إنّهُ كَانَ عَلَى أُمّهَا صَوْمُ شَهْرٍ أفأَقْضِيهِ عَنْهَا؟ فَقَالَ: "لَوْ كَانَ عَلَى أُمّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتِهِ"؟ قالَتْ: نَعَمْ، قال: "فَدَيْنُ الله أحَقّ أنْ يُقْضَى" .
ـــــــ
"باب ما جاء فيمن مات وعليه صيام صام عنه وليّه"
"فدين الله أحق يقضى" وفيه دليل على أن الصوم يقضي عن الميت سواء كان الصوم عن فرض أو عن نذر.

(9/98)


3301 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالحٍ حدثنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني عَمْرُو بنُ الْحَارِثِ عن عبيد الله بنِ أبي جَعْفَرٍ عن مُحَمّدِ بنِ جَعْفَرِ بنِ الزّبَيْرِ عن عُرْوَةَ عن عَائِشَةَ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيّهُ" .
ـــــــ
قال المزي في الأطراف: حديث معدد في رواية أبي الحسن بن العبد ولم يذكره أبو القاسم انتهى.
وحديث ابن عباس هذا أخرجه الشيخان عنه أن امرأة قالت يارسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم نذر فأصوم عنها فقال أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته أكان يؤدي ذلك عنها: قالت نعم؟ قال فصومي عن أمك".
"عن عروة عن عائشة" والحديث تقدم في الصوم وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
وهذا الحديث في الأيمان والنذور في رواية ابن العبد كما في بعض نسخ الأطراف للمزي والله أعلم.

(9/99)


23- باب ما يؤمر به من وفاء النذر
3302 - حدثنا مُسَدّدٌ قالَ أخبرنا الْحَارِثُ بنُ عُبَيْدٍ أبُو قُدَامَةَ عن عبيد الله بنِ الأخْنَسِ عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبِيهِ عن جَدّهِ: "أنّ امْرَأةً أتَت النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: يَارَسُولَ الله إنّي نَذَرْتُ أنْ أضْرِبَ عَلَى رَأْسِكَ بالدّفّ. قال: "أَوْفِي بِنِذْرِكِ". قالَتْ:
ـــــــ
"باب ما يؤمر به الخ"
-"على رأسك" أي اقدامك أو عند قدومك "بالدف" بضم فتشديد "قال أوفي بنذرك" وأخرجه الترمذي في المناقب عن على بن الحسين بن واقد عن أبيه عن ابن بريدة عن أبيه قال "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه فلما انصرف جاءت جارية سوداء فقالت يارسول الله إني كنت نذرت إن ردك الله صالحاً أن أضرت بين يديك بالدف" الحديث وقال حديث حسن صحيح غريب.
ورواه ابن حبان في صحيحه وقال فيه "أن أضرب على رأسك بالدف فقال صلى الله عليه وسلم إن كنت نذرت فافعلي وإلا فلا قالت بل نذرت فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقامت فضربت بالدف" انتهى.

(9/99)


إنّي نَذَرْتُ أنْ أذْبَحَ بِمَكَانٍ كَذَا وَكَذَا - مَكَانٌ كَانَ يَذْبَحُ فِيهِ أهْلُ الْجَاهِلِيّةِ - قال: "لِصَنَمٍ"؟ قالَتْ: لاَ قال: "لِوَثَنٍ"؟ قالَتْ: لاَ. قالَ: "أَوْفِي بِنِذْرِكِ" .
3303 - حدثنا دَاوُدُ بنُ رُشَيْدٍ قال أخبرنا شُعَيْبُ بنُ إسْحَاقَ عن الأَوْزَاعِيّ قال حَدّثَني يَحْيَى بنِ أبِي كَثِيرٍ قال حَدّثَني أبُو قِلاَبَةَ قال حَدّثني ثَابِتُ بنُ الضّحّاكِ قال: "نَذَرَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنْ يَنْحَرَ إبِلاً بِبُوَانَةَ، فَأَتَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالَ: إنّي
ـــــــ
قال ابن القطان في كتابه: عندي أنه ضعيف لضعف علي بن حسين بن واقد قال أبو حاتم: ضعيف، وقال العقيلي: كان مرجياً. ولكن قد رواه غيره كما رواه ابن أبي شيبة حدثنا زيد بن الحباب عن حسين بن واقد به وزاد "فضربت فدخل أبو بكر وهي تضرب ثم دخل عمر وهي تضرب فألقت الدف وجلست عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لأحسب الشيطان يفرق منك ياعمر" قال وهذا حديث صحيح قاله الزيلعي قال الخطابي: ضرب الدف ليس مما يعد في باب الطاعات التي يتعلق بها النذور. وأحسن حاله أن يكون من باب المباح، غير أنه لما اتصل بإظهار الفرح لسلامة مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم من بعض غزواته وكانت فيه مساءة الكفار وإرغام المنافقين صار فعله كبعض القرب، ولهذا استحب ضرب الدف في النكاح لما فيه من إظهاره والخروج به عن معنى السفاح الذي لا يظهر ومما يشبه هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم في هجاء الكفار اهجوا قريشاً فإنه أشد عليهم من رشق النيل" "كذا وكذا" كنايات عن التعيين "مكان" بالرفع أي هو أي المكان المعين مكان "كان يذبح فيه أهل الجاهلية" وكان ذلك المكان موضع ذبحهم "قال" صلى الله عليه وسلم "لصنم" أي كان يذبح أهل الجاهلية في ذلك المكان لصنم "قال" صلى الله عليه وسلم "لوثن" بفتح الواو والثاء المثلثة المفتوحة.
قال الإمام ابن الأثير في النهاية الفرق بين الوثن والصنم أن الوثن كل ماله جثة معمولة من جواهر الأرض أو من الخشب والحجارة كصورة الآدمي تعمل وتنصب فتعبد، والصنم الصورة بلا جثة، ومنهم من لم يفرق بينهما وأطلقهما على المعنيين. وقد يطلق الوثن على غير الصورة، ومنه حديث عدى بن حاتم: "قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال لي القي هذا الوثن عنك" انتهى. قال المنذري: وقد تقدم الكلام على حديث عمرو بن شعيب.
"ثابت بن الضحاك" صحابي مشهور "ببوانة" بضم الموحدة وبعد الألف نون، وقيل

(9/100)


نَذَرْتُ أنْ أنْحَرَ إبِلاً بِبُوَانَةَ، فَقالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أوْثَانِ الْجَاهِلِيّةِ يُعْبَدُ"؟ قالُوا: لاَ. قالَ: "هَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أعْيَادِهِمْ"؟ قالُوا: لاَ. قالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "أوْفِ بِنَذْرِكَ فَإنّهُ لاَ وَفَاءَ لِنِذْرٍ في مَعْصِيَةِ الله وَلاَ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ ابنُ آدَمَ" .
3304 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ حدثنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ حدثنا عبد الله بنُ يَزِيدَ بنِ مُقْسِمٍ الثّقَفِيّ مِنْ أهْلِ الطّائِفِ قال حَدّثَتْنِي سَارّةُ بِنْتُ مُقْسِمٍ الثّقَفِيّ أنّهَا سَمِعَتْ مَيْمُونَةَ بِنْتَ كَرْدَمٍ قالَتْ: خَرَجْتُ مَعَ أبي في حَجّةِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَرَأيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، وَسَمِعْتُ النّاسَ يَقُولُونَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فَجَعَلْتُ أُبِدّهُ بَصَرِي، فَدَنَا إلَيْهِ
ـــــــ
بفتح الباء هضبة من وراء ينبع كذا في النهاية. وكذا نقله الشوكاني عن المنذري. وقال في التلخيص: موضع بين الشام وديار بكر، قاله أبو عبيدة وقال البغوي: أسفل مكة دون يلملم انتهى. "من أوثان الجاهلية يعبد" بصيغة المجهول "لا وفاء لنذر في معصية الله" استدل به على أنه يصح النذر في المباح لأنه لما نفى النذر في المعصية بقي ما عداه ثابتاً.
فإن قلت: قد أخرج أحمد وأبو داوود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ "لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله تعالى" وهذا يدل على أن النذر لا ينعقد في المباح.
قلت: أجاب البيهقي بأنه يمكن أن يقال إن من قسم المباح ما قد يصير بالقصد مندوباً كالنوم في القائلة للتقوى على قيام الليل وأكلة السحر للتقوّى على صيام النهار، فيمكن أن يقال إن إظهار الفرح بعود النبي صلى الله عليه وسلم سالما معنى مقصود يحصل به الثواب والحديث سكت عنه المنذري.
"بنت كردم" بفتح الكاف والدال "أُبِده بصري" من البدد يقال أبد يده أي مدّها إلى الأرض، وأبّد العطاء بينهم أي أعطي كلا منهم بدته، أي نصيبه.
وقال في النهاية في حديث حنين "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبدّ يده إلى الأرض فأخذ قبضة" أي مدها.
وفي حديث وفاة النبي صلى الله عليه وسلم "فأبدّ بصره إلى السواك كأنه أعطاه بُدّته من النظر أي حظه.
وفي حديث ابن عباس "دخلت على عمر وهو يبدني النظر" انتهى. وقال الخطابي: قوله أبده بصري معناه أتبعه بصري وألزمه إياه لا أقطعه عنه، يقال: أبدّ فلان فلاناً بصره وأباده بصره

(9/101)


أبِي وَهُوَ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ مَعَهُ دِرّةٌ كَدِرّةِ الْكُتّابِ، فَسَمِعْتُ الأَعْرَابَ وَالنّاسَ يَقُولُونَ: الطّبْطَبِيّةَ الطّبْطَبِيّةَ، فَدَنَا إلَيْهِ أبِي فَأخَذَ بِقَدَمِهِ. قالَتْ: فَأقَرّ لَهُ وَوَقَفَ فَاسْتَمَعَ مِنْهُ، فقالَ: يَارَسُولَ الله إنّي نَذَرْتُ إنْ وُلِدَ لِي وَلَدٌ ذَكَرٌ أنْ أَنْحَرَ عَلَى رَأْسِ بُوَانَةَ في عَقَبَةٍ مِنَ الثّنَايَا عِدّةً مِنَ الْغَنَمِ. قالَ: لاَ أعْلَمُ إلاّ أنّهَا قالَتْ خَمْسِينَ، فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "هَلْ بِهَا مِنَ الأَوْثَانِ شَيْءٌ"؟ قالَ: لاَ. قالَ: "فَأَوْفِ بِمَا نَذَرْتَ بِهِ لله" . قالَتْ: فَجَمَعَهَا فَجَعَلَ يَذْبَحْهَا فَانْفَلَتَتْ مِنْهَا شَاةٌ فَطَلَبَهَا وَهُوَ يَقُولُ: اللّهُمّ أَوْفِ عَنّي نَذْرِي فَظَفِرَهَا فَذَبَحَهَا.
3305 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ بَشّارٍ حدثنا أبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيّ حدثنا عَبْدُالْحَمِيدِ بنُ
ـــــــ
بمعنى واحد "درة" بكسر الدال وتشديد الراء السوط يضرب به "الكتاب" بضم الكاف وتشديد التاء جمع الكاتب، وموضع التعليم. كذا في كتب اللغة "الطبطبية" بفتح المهملتين وسكون الموحدة الأولى وكسر الثانية وبعدها ياء مشددة، قيل هما كناية عن الدرة فإنها إذا ضربت بها حكت صوت طبطب وهي بالنصب على التحذير.
قال الخطابي: والطبطبة حكاية عن وقع الأقدم. والحديث فيه دليل على أن من نذر طعاماً أو ذبحاً بمكة أو في غيرها من البلدان لم يجز أن بجعله لفقراء غير ذلك المكان وهذا على مذهب الشافعي، وأجازه غيره لغير أهل ذلك المكان انتهى، وتقدم ضبط هذا اللفظ وغيره الواقع في هذه الرواية في كتاب النكاح في باب تزويج من لم يولد فليرجع إليه "فأقر له" أي اعترف برسالته "في عقبة" بعين مهملة وقاف مفتوحة "من الثنايا" قال أصحاب اللغة العقبة مرقى صعب من الجبال والطريق في أعلى الجبال، والثنية طريق العقبة وجمعه ثنايا. والحديث ليس في رواية اللؤلؤي ولذا لم يذكره المنذري، وإنما هو من رواية ابن داسة ولذا أورده الخطابي في المعالم، ولم يذكره المزي في الأطراف، وأخرجه ابن ماجه. في الكفارات بمعناه. وتقدم هذا الإسناد بعينه في باب تزويج من لم يولد، وساق فيه بعض مضمون هذا الحديث لكن ليس هناك قصة النذر بل هناك قصة التزويج والله أعلم.
"حدثنا محمد بن بشار" الحديث ليس في رواية اللؤلؤي ولذا لم يذكره المنذري، وإنما وجد في بعض النسخ الصحيحة، وأيضاً لم يذكره المزي في الأطراف. وقال الذهبي في تجريد أسماء الصحابة كردم بن سفيان الثقفي روت عنه بنته ميمونة وعبد الله بن عمرو بن العاص انتهى. وفي الإصابة قال البخاري وابن السكن وابن حبان: له صحبه، وأخرج أحمد

(9/102)


جَعْفَرٍ عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن مَيْمُونَةَ بِنْتِ كَرْدَمِ بنِ سُفْيَانَ عن أبِيهَا نَحْوَهُ، مُخْتَصِرٌ شَيْءٌ مِنْهُ قال: هَلْ بِهَا وَثَنٌ أوْ عِيدٌ مِنْ أعْيَادِ الْجَاهِلِيّةِ؟ قالَ: لاَ. قُلْتُ: إنّ أُمّي هَذِهِ عَلَيْهَا نَذْرٌ وَمَشْيٌ أفأَقْضِيهِ عَنْهَا، وَرُبّمَا قال ابنُ بَشّارٍ أنَقْضِيهِ عَنْهَا؟ قال: نَعَمْ.
ـــــــ
من طريق ميمونة بنت كردم عن أبيها "أنه سأل رسول الله عن نذر نذره في الجاهلية فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أو لوثن أو لنصب؟ قال لا ولكن لله قال أوف بنذرك" وأخرجه ابن أبي شيبة من هذا الوجه فقال عن ميمونة "أن أباها لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي رديفة له فقال إني نذرت" فذكر الحديث وأخرجه أحمد والبغوي مطولاً ولفظه "قال إني كنت نذرت في الجاهلية أن أذبح على بوانة عدة من الغنم فذكر القصة" انتهى.

(9/103)


24- باب النذر فيما لا يملك
3306 - حدثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ وَ مُحَمّدُ بنُ عِيسَى قالا أخبرنا حَمّادٌ عن أيّوبَ عن أبِي قِلاَبَةَ عن أبِي المُهَلّبِ عن عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ قالَ: كَانَتْ الْعَضْبَاءُ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي عَقِيلٍ وَكَانَتْ مِنْ سَوَابِقِ الْحَاجّ، قالَ فَأُسِرَ فَأَتَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ في وَثَاقٍ وَالنّبيّ صلى الله عليه وسلم عَلَى حِمَارٍ عَلَيْهِ قَطِيفَةٌ، فقالَ: يَامُحَمّدُ عَلاَمَ تَأْخُذُنِي وَتَأْخُذُ سَابِقَةَ الْحَاجّ؟ قال: "نَأْخُذُكَ بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكَ ثَقِيفٍ" ، قال: وَكَانَ ثَقِيفٌ قَدْ أسَرُوا رَجُلَيْنِ مِنْ أصْحَابِ
ـــــــ
"باب النذر فيما لا يملك"
"قال كانت العضباء" بفتح العين وسكون الضاد اسم ناقة هو علم لها منقول من قولهم ناقة عضباء أي مشقوقة الأذن ولم تكن مشقوقة الأذن.
وقال بعضهم: إنها كانت مشقوقة الأذن، والأولى أكثر: وقال الزمخشري: هو منقول من قولهم ناقة عضباء وهي القصيرة اليد كذا في النهاية "وكانت" العضباء "من سوابق الحاج" أي من النوق التي تسبق الحاج "فأسر" بصيغة المجهول أي الرجل ولفظ مسلم كانت ثقيف حلفاء لبني عقيل فأسرت ثقيف رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من بني عقيل وأصابوا معه العضباء" الحديث "وهو" أي الرجل "علام" أي على أي ذنب وكان أصله على ما "قال" صلى الله عليه وسلم "نأخذك بجريرة" بفتح الجيم وكسر الراء المهملة معناه الذنب والجناية "حلفائك" جمع حليف. قال الإمام الخطابي: اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم هذا يدل على

(9/103)


النّبيّ صلى الله عليه وسلم، قالَ وَقَدْ قالَ فِيمَا قالَ وَأنَا مُسْلِمٌ، أوْ قالَ وَقَدْ أَسْلَمْتُ، فَلَمّا مَضَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: فَهِمْتُ هَذَا مِنْ مُحَمّدِ بنِ عِيسَى: نَادَاهُ يَامُحَمّدُ يامُحَمّدُ، قالَ: وَكَانَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم رَحِيماً رَفِيقاً فَرَجَعَ إلَيْهِ فقالَ: "مَا شَأْنُكَ"؟ قالَ: إنّي مُسْلِمٌ، قالَ: "لَوْ قُلْتَهَا وَأنْتَ تَمْلِكُ أمْرَكَ أَفْلَحْتَ كُلّ الْفَلاَحِ" .
ـــــــ
أنهم عاهدوا بني عقيل على أن لا يعرضوا للمسلين ولا لأحد من حلفائهم فنقض حلفاؤهم العهد ولم ينكره بنو عقيل فأخذوا بجريرتهم
وقال آخرون: هذا رجل كافر لا عهد له، وقد يجوز أخذه وأسره وقتله، فإن جاز أن يؤخذ بجريرة نفسه وهي كفره جاز أن يؤخذ بجريرة غيره ممن كان على مثل حاله من حليف وغيره. ويحكى معنى هذا عن الشافعي.
وفيه وجه ثالث وهو أن يكون في الكلام إضمار يريد أنك إنما إخذت ليدفع بك جريرة خلفائك فيفدى بك الأسيرين الذين أسرتهم ثقيف ألا تراه يقول ففودي الرجل بعد بالرجلين انتهى. كلام الخطابي "وأنا مسلم" قال الخطابي: ثم لم يخله النبي صلى الله عليه وسلم مع ذلك لكنه رده إلى دار الكفر، فإنه يتأول على أنه قد كان أطلعه الله على كذبه وأعلم أنه تكلم به على التقية دون الإخلاص ألا تراه يقول هذه حاجتك حين قال إني جائع فأطعمني وإني ظمآن فاسقني، وليس هذا لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا قال الكافر إني مسلم قبل إسلامه ووكلت سريرته إلى ربه تعالى، وقد انقطع الوحي وانسد باب علم الغيب انتهى.
قال صلى الله عليه وسلم: "لو قلتها" أي هذه الكلمة "وأنت تملك أمرك" قال الخطابي: يريد أنك لو تكلمت بكلمة الإسلام طائعاً راغباً فيه قبل الاسار أفلحت في الدنيا بالخلاص من الرق وأفلحت في الآخرة بالنجاة من النار انتهى.
وقال النووي: معناه لو قلت كلمة الإسلام قبل الأسر حين كنت مالك أمرك أفلحت كل الفلاح، لأنه لا يجوز أسرك لو أسلمت قبل الأسر، فكنت فزت بالإسلام وبالسلامة من الأسر ومن اغتنام مالك، وأما إذا أسلمت بعد الأسر فيسقط الخيار في قتلك ويبقى الخيار بين الاسترقاق والمن والفداء.
وفي هذا الحديث جواز المفاداة، وأن إسلام الأسير لا يسقط حق الغانمين منه بخلاف ما لو أسلم قبل الأسر وليس في هذا الحديث أنه حين أسلم وفادى به رجع إلى دار الكفر، ولو ثبت

(9/104)


قَالَ أبُو دَاوُدَ: ثُمّ رَجَعْتُ إلى حَدِيثِ سُلَيْمَانَ قالَ: يَامُحَمّدُ إنّي جَائِعٌ فَأَطْعِمْنِي، إنّي ظَمْآنٌ فَأَسْقِنِي، قالَ فقالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "هَذِهِ حَاجَتُكَ" ، أوْ قالَ "هَذِهِ حَاجَتُهُ". قال: فَفُودِيَ الرّجُلُ بَعْدُ بالرّجُلَيْنِ، قالَ وَحَبَسَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الْعَضْبَاءَ لِرَحْلِهِ، قال: فَأغَارَ المُشْرِكُونَ عَلَى سَرْحِ المَدِينَةِ. فَذَهَبُوا بالْعَضْبَاءِ، [فذهبوا فيما ذهبوا به بالعضباء] فَلَمّا ذَهَبُوا بِهَا وَأسَرُوا امْرَأةً مِنَ المُسْلِمِينَ، قالَ: فَكَانُوا إذَا كَانَ اللّيْلُ يُرِيحُونَ إبِلَهُمْ في أفْنِيَتِهِمْ، قالَ: فَنُوّمُوا لَيْلَةً وَقَامَتِ المَرْأةُ فَجَعَلَتْ لاَ تَضَعُ يَدَهَا عَلَى بَعِيرٍ إلاّ رَغَا حَتّى أتَتْ عَلَى الْعَضْبَاءِ، قالَ: فَأتَتْ عَلَى نَاقَةٍ ذَلُولٍ مُجَرّسَةٍ، قال: فَرَكِبَتْهَا ثُمّ جَعَلَتْ لله عَلَيْهَا إنْ نَجّاهَا الله لَتَنْحَرَنّهَا قال: فَلَمّا قَدِمَتِ المَدِينَةِ عُرِفَتِ النّاقَةُ نَاقَةُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فَأُخْبِرَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ، فَأرْسَلَ إلَيْهَا، فَجِيءَ بِهَا وَأُخْبِرَ بِنَذْرِهَا، فقالَ: "بِئْسَ مَا جَزَتْهَا أوْ جَزَيْتِيهَا إنِ الله أنْجَاهَا عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنّهَا لاَ وَفَاءَ لِنَذْرٍ في مَعْصِيَةِ الله وَلاَ فِيمَا لا يَمْلِكُ ابنُ آدَمَ" .
ـــــــ
رجوعه إلى دارهم وهو قادر على إظهار دينه لقوة شوكة أو نحو ذلك لم يحرم ذلك فلا إشكال في الحديث. وقد استشكله المازري وقال كيف يرد المسلم إلى دار الكفر، وهذا الإشكال باطل مردود بما ذكرته انتهى.
"على سرح المدينة" بفتح السين وسكون الراء المال السائم "امرأة من المسلمين" فكانت المرأة في الوثاق كما عند مسلم "في أفنيتهم" جمع فناء "فنوموا ليلة" بصيغة المجهول أي ألقى عليهم النوم ولفظ مسلم "وكان القوم يريحون نعمهم بين يدي بيوتهم فانفلتت ذات ليلة من الوثاق فأتت الإبل فجعلت إذا دنت من البعير رغا فتتركه حتى تنتهي إلى العضباء فلم ترغ" "إلا رغا" الرغاء صوت الإبل، وأرغى الناس للرحيل أي حملوا رواحلهم على الرغاء، وهذا دأب الإبل عند رفع الأحمال عليها: كذا في النهاية "مجرسة" بضم الميم وفتح الجيم والراء المشددة. قال النووي: المجرسة والذلول كله بمعنى واحد انتهى.
وفي النهاية ناقله مجرس أي مجربة مدربة في الركوب والسير، والمجرس من الناس الذي قد جرب الأمور وخبرها انتهى. وفي هذا الحديث جواز سفر المرأة وحدها بلا زوج ولا محرم ولا غيرهما إذا كان سفر ضرورة كالهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام، وكالهرب ممن يريد منها فاحشة ونحو ذلك، والنهي عن سفرها وحدها محمول على غير الضرورة "عرفت" بصيغة المجهول وعند مسلم "فلما قدمت المدينة رآها الناس فقالوا العضباء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم "ولا فيما لا يملك ابن آدم" قال الخطابي: وفيه دليل على أن المسلم إذا حاز الكافر ماله ثم ظفر

(9/105)


قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَالمَرْأةُ هَذِهِ امْرَأةُ أبِي ذَرَ.
ـــــــ
به المسلمون فإنه يرد إلى صاحبه المسلم ولا يغنمه أحد، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم للمرأة "لا نذر في معصية ولا فيما يملك ابن آدم" انتهى.
وقال النووي: في هذا الحديث دلالة لمذهب الشافعي وموافقيه أن الكفار إذا غنموا مالاً للمسلم لا يملكونه. وقال أبو حنيفة وآخرون يملكون إذا أجازوه إلى دار الحرب وحجة الشافعي وموافقيه هذا الحديث وموضع الدلالة منه ظاهر انتهى.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي بطوله. وأخرج الترمذي منه طرفاً. وأخرج النسائي وابن ماجه منه طرفاً انتهى.
قال الحافظ المزي: أخرج أبو داوود في النذور عن سليمان بن حرب ومحمد ابن عيسى الطباع كلاهما عن حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة عبد الله بن زيد عن عمه أبي المهلب عن عمران بن حصين.
وأخرج عن محمد بن عيسى عن إسماعيل بن علية عن أيوب نحوه وحديث محمدبن عيسى عن إسماعيل بن علية في رواية أبي الحسن بن العبد ولم يذكره أبو القاسم انتهى. قلت: حديث محمد بن عيسى عن إسماعيل بن علية عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران ليس في النسخ التي بأيدينا.

(9/106)


25- باب من نذر أن يتصدق بماله
3307 - حدثنا سُلَيْمَانُ بنُ دَاوُدَ وَ ابنُ السّرْحِ قالا أخبرنا ابنُ وَهْبٍ قالَ أخبرني يُونُسُ قالَ قالَ ابنُ شِهَابٍ فَأخبرني عبد الرحمن بنُ عبد الله بنِ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ أنّ
ـــــــ
"باب من نذر أن يتصدق بماله"
هل ينفذ ذلك إذا نجزه أو علقه ويلزمه التصدق بجميع ماله؟ واستشكل إيراد حديث كعب في النذور لأن كعباً لم يصرح بلفظ النذر ولا بمعناه.
والانخلاع الذي ذكره ليس بظاهر في صدور النذر منه، وأنما الظاهر أنه يؤكد أمر توبته بالتصدق بجميع ماله شكر الله تعالى على ما أنعم به عليه. ويمكن أن يقال بأن المناسبة للترجمة أن معنى الترجمة أن من تصدق بجميع ماله إذا تاب من ذنب أو إذا نذر هل ينفذ ذلك إذا نجزه أو علقه. وقصة كعب هذه على التنجيز، لكن كعب بن مالك لم يصدر منه تنجيز وإنما أستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشير عليه بإمساك البعض. فالأولى لمن أراد أن ينجز التصدق بجميع ماله أو يعلقه أن يمسك بعضه، ولا يلزم من ذلك أنه

(9/106)


عَبْدَالله بنَ كَعْبٍ، وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ عن كَعْبِ بنِ مَالِكٍ: "قُلْتُ: يَارَسُولَ الله إنّ مِنْ تَوْبَتِي أنْ أنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إلَى الله وَإلَى رَسُولِهِ، قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِك فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ" ، قالَ فَقُلْتُ: إنّي أُمْسِكُ سَهْمِيَ الّذِي بِخَيْبَرَ".
3308 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالحٍ حدثنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني يُونُسُ عن ابنِ شِهَابٍ أخبرني عبد الله بنُ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ عن أَبِيهِ أَنّهُ قالَ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم حِينَ تِيبَ عَلَيْهِ: إِنّي أَنْخَلِعُ مِنْ مَالِي، فَذَكَرَ نَحْوَهُ إلَى خَيْرٌ لَكَ.
3309 - حدّثني عبيد الله بنُ عُمَرَ حدثنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن الزّهْرِيّ عن ابنِ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ عن أَبِيهِ أَنّهُ قالَ لِلنّبيّ صلى الله عليه وسلم أَوْ أَبُو لُبَابَةَ أَوْ مَنْ شَاءَ الله: إنّ مِنْ تَوْبَتِي أَن
ـــــــ
لو نجزه لم ينفذ. قاله الحافظ.
"وكان" عبد الله "قائد كعب" أبيه "من" بين "بنيه حين عمي" وكان بنوه أربعة عبد الله وعبد الرحمَن ومحمد وعبيد الله "إن من" شكر"توبتي أن انخلع" أي أن أعرى "من مالي" كما يعرى الإنسان إذا خلع ثوبه "صدقة إلى الله وإلى رسوله" إلى بمعنى اللام أي صدقة خالصة لله ورسوله، أو تتعلق بصفة مقدرة أي صدقة واصلة إلى الله أي إلى ثوابه وجزائه وإلى رسوله أي إلى رضاه وحكمه وتصرفه "أمسك" بكسر المهملة "فهو خير لك" واختلف في هذه المسألة، فقيل يلزمه الثلث إذا نذر التصدق بجميع ماله، وقيل يلزمه جميع ماله، وقيل إن علقه بصفة فالقياس إخراجه كله. قاله الإمام أبو حنيفة. وقيل إن كان نذر تبرر كأن شفي الله مريض لزمه كله، وإن كان لجاجاً وغضباً فهو بالخيار بين أن يفي بذلك كله أو يكفر كفارة يمين وهو قول الشافعي. قاله القسطلاني وسيجيء كلام الزرقاني فيه قال المنذري وأخرجه النسائي أيضاً مختصراً و أخرجه البخاري ومسلم في الحديث الطويل.
"حدثنا أحمد بن صالح" قال المزي: حديث أحمد بن صالح في رواية أبي الحسن بن العبد ولم يذكره أبو القاسم انتهى. والحديث لم يذكره المنذري.
"حدثني عبيد الله بن عمر" القواريري. والحديث لم يذكره المنذري. وقال المزي: حديث القواريري في رواية أبي الحسن بن العبد ولم يذكره أبو القاسم انتهى. "أن أهجر" وعند مالك في الموطأ في باب جامع الإيمان أن أبا لبابة بن عبدالمنذر حين تاب الله عليه قال

(9/107)


أَهْجُرَ دَارَ قَوْمِي التّي أَصَبْتُ فيهَا الذّنْبَ، وَأَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي كُلّهِ صَدَقَةً. قال: يُجْزِئ عَنْكَ الثّلُثَ" .
3310 - حدثنا مُحّمدُ بنُ المُتَوَكّلِ حدثنا عَبْدُالرّزّاقِ قال أخبرني مَعْمَرٌ عَنِ الزّهْرِيّ قالَ أخْبرنِي ابنُ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ قال: كَانَ أَبُو لُبَابَةَ فَذَكَرَ مَعْنَاهُ وَالْقِصّةُ لأبِي لُبَابَةَ.
ـــــــ
يا رسول الله أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب وأجاورك أي في مسجدك أو أسكن ببيت بجوارك "صدقة" ولفظ الموطأ "وأنخلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله" أي يصرفها في وجوه البر "يجزي عنك الثلث" ولفظ الموطأ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يجزيك من ذلك الثلث" انتهى. والحديث فيه دليل على أن الناذر لا يلزمه التصدق بجميع ماله.
قال مالك في الذي يقول مالي في سبيل الله ثم يحنث قال: يجعل ثلث ماله في سبيل الله، وذلك للذي جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر أبي لبابة انتهى كلام مالك في الموطأ.
قال الزرقاني: وإليه ذهب ابن المسيب والزهري. وقال الشافعي وأحمد: عليه كفارة يمين. وقال أبو حنيفة: عليه إخراج ماله كله ولا يترك إلا ما يوارى عورته وبقومه، فإذا أفاد قيمته أخرجه. قال ابن عبدالبر أظنه جعله كالمفلس يقسم ماله بين غرمائه وبترك ما لا بد منه حتى يستفيد فيؤدي إليهم انتهى. وأطال الزرقاني الكلام في قصة توبة أبي لبابة فليرجع إليه.
"حدثنا محمد بن المتوكل" الحديث ليس في مختصر المنذري.وقال المزي: حديث أبي داوود عن ابن كعب بن مالك عن أبيه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم وأبو لبابة إني أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب وأن أنخلع من مالي كله صدقة. قال يجزي عنك الثلث، أخرجه في النذور عن عبيد الله بن عمر عن سفيان بن عيينة عن الزهري عن بن كعب بن مالك به.
وعن محمد بن المتوكل العسقلاني عن عبدالرزاق عن معمر عن الزهري عن ابن كعب بن مالك قال: كان أبو لبابة فذكره والقصة لأبي لبابة قال: رواه يونس عن ابن شهاب عن بعض بني السائب بن أبي لبابة ورواه محمد بن الوليد الزبيدي عن ابن شهاب فقال عن حسين بن السائب بن لبابة مثله. وهذا الحديث في رواية أبي الحسن بن العبد ولم يذكره أبو القاسم انتهى. بحروفه.
وحديث أبي لبابة أورده الحافظ في الفتح وعزاه إلى أبي داوود وسكت عنه.

(9/108)


قال أبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ يُونُسُ عن ابنِ شِهَابٍ عن بَعْضِ بَنِي السّائِبِ بنِ أبِي لُبَابَةَ، وَرَوَاهُ الزّبَيْدِيّ عن الزّهْرِيّ عن حُسَيْنِ بنِ السّائِبِ بنِ أبي لُبَابَةَ مِثْلَهُ.
3311 - حدثنا مُحمّدُ بنُ يَحْيَى قالَ أخبرنا حَسَنُ بنُ الرّبِيعِ قال حدثنا ابنُ إدْرِيسَ قالَ قالَ ابنُ إسْحَاقَ حدّثني الزّهْرِيّ عن عبد الرحمن بنِ عبد الله بنِ كَعْبٍ عن
ـــــــ
"عن حسين بن السائب بن أبي لبابة مثله" وحديث حسين أخرجه أحمد في مسنده عن الحسين بن السائب بن أبي لبابة "أن أبا لبابة بن عبدالمنذر لما تاب الله عليه قال يارسول الله إن من توبتي أن أهجر دار قومي وأساكنك وأن أنخلع من مالي صدقة لله عزوجل ولرسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يجزي عنك الثلث" وهذا الحديث أورده في الفتح وسكت عنه.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله
المحفوظ في هذا الحديث ماأخرجه أصحاب الصحيح من قوله أمسك عليك بعض مالك وأما ذكر الثلث فيه فإنما أتى به ابن إسحاق ولكن هو في حديث أبي لبابة بن عبد المنذر لما تاب الله عليه قال يارسول الله إن من توبتي أن أهجر دار قومي وأساكنك وأنخلع من مالي صدقة لله عزوجل ولرسوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يجزئ عنك الثلث"
ولعل بعض الرواة وهم في نقله هذا إلى حديث كعب بن مالك في قصة توبته ولكن ليس في هذا أنه نذر الصدقة بماله ولا تعلق في قوله ويجزئك الثلث على أنه كان نذرا فإن يجزىء رباعي بمعنى يكفي والمعنى يكفيك مما عزمت عليه وأردته الثلث
وليس في هذا ما يدل على أن الناذر للصدقة بماله يجزئه ثلثه
والقياس أنه إن كان حالفا بالصدقة أجزأه كفارة يمين وإن كان ناذرا متقربا تصدق به وأبقى ما يكفيه ويكفي عياله على الوجه الذي قلنا به في الحج
وقال ربيعة يتصدق منه بقدر الزكاة لأنها هي الواجب شرعا فينصرف النذر إليها
وقال الشافعي إن حلف به فكفارة يمين وإن نذره قربة تصدق به كله
وقال مالك يخرج ثلثه في الوجهين
وقال أبو حنيفة إن كان ماله زكويا تصدق به كله وعنه في غير الزكوي روايتان إحداهما يخرجه كله والثانية لا تجب الصدقة بشيء منه
وأصح هذه الأقوال ما دل عليه حديث كعب المتفق عليه أنه يتصدق به ويمسك عليه بعضه وهو ما يكفيه ويكفي عياله والله أعلم

(9/109)


أَبِيِهِ عن جَدّهِ في قِصّتِهِ قال قلتُ: يَارَسُولَ الله إنّ مِنْ تَوْبَتِي إلَى الله أن أخْرُجَ مِنْ مَالِي كُلّهِ إلَى الله وَإلَى رَسُولِهِ صَدَقَةً. قالَ: "لاَ" قُلْتُ: فَنِصْفَهُ. قالَ: "لاَ". قُلْتُ: فَثُلُثَهُ. قال: "نَعَم". قُلْتُ: فإنّي سَأُمْسِكُ سَهْمِيَ مِنْ خَيْبَرَ" .
ـــــــ
"في قصته" أي قصة كعب بن مالك "قال" صلى الله عليه وسلم "لا" أي لا تفعل هكذا "فنصفه" أي فأتصدق نصفه وفي فتح الباري ونيل الأوطار وقد اختلف السلف فيمن نذر أن يتصدق بجميع ماله على عشرة مذاهب، الأول أنه يلزمه الثلث فقط لهذا الحديث، قاله مالك.
ونوزع في أن كعباً لم يصرح بلفظ النذر ولا بمعناه بل يحتمل أنه نجز النذر، ويحتمل أن يكون أراده فاستأذن. والانخلاع الذي ذكره ليس بظاهر في صدور النذر منه وعند الكثير من العلماء وجوب الوفاء ممن التزم أن يتصدق بجميع ماله إذا كان على سبيل القربة. وقبل إن كان ملياً لزمه وإن كان فقيراً فعليه كفارة يمين، وهذا قول الليث، ووافقه ابن وهب وزاد وإن كان متوسطاً يخرج قدر زكاة ماله، والأخير عن أبي حنيفة وهو قول ربيعة وأطال الكلام في ذكر المذاهب.
وإذا تقرر ذلك فقد دل حديث كعب أنه يشرع لمن أراد التصدق بجميع ماله أن يمسك بعضه، ولا يلزم من ذلك أنه لو نجزه لم ينفذ. وقيل إن التصدق بجميع المال يختلف باختلاف الأحوال، فمن كان قوياً على ذلك يعلم من نفسه الصبر لم يمنع، وعليه يتنزل فعل أبي بكر الصديق رضي الله عنه وإيثار الأنصار على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن لم يكن كذلك فلا، وعليه يتنزل "لا صدقة إلا عن ظهر غني" وفي لفظ "أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غني" والله أعلم. قال المنذري: في إسناده محمد بن إسحاق وقد تقدم الكلام عليه انتهى. قلت: ها هنا صرح بالتحديث فيكون حديثه حجة.

(9/110)


26- باب نذر الجاهلية ثم أدرك الإسلام
3312 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ قالَ أخبرنا يَحْيَى عن عبيد الله قال حَدّثني نَافِعٌ عن ابنِ عُمَرَ عن عُمَرَ أنّهُ قال: يَارَسُولَ الله إنّي نَذَرْتُ في الْجَاهِلِيّةِ أنْ أَعْتَكِفَ في
ـــــــ
"باب نذر الجاهلية"
"إني نذرت في الجاهلية" أي الحال التي كنت عليها قبل الإسلام من الجهل بالله ورسوله وشرائع الدين وغير ذلك. ولفظ ابن ماجه. "نذرت نذراً في الجاهلية فسألت النبي صلى الله عليه وسلم

(9/110)


المَسْجِدِ الْحَرَامِ لَيْلَةً، فقالَ لَهُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "أَوْفِ بِنَذْرِكَ" .
ـــــــ
بعد ما اسلمت فأمرني أن أوفي بنذري "أن أعتكف" أي الاعتكاف "في المسجد الحرام" حول الكعبة ولم يكن إذ ذاك جدار يحوط عليها. قاله القسطلاني "ليلة" لا يعارضه رواية "يوماً" لأن اليوم يطلق على مطلق الزمان ليلاً كان إو نهاراً أو أن النذر كان ليوم وليلة ولكن يكتفي بذكر أحدهما من ذكر الآخر، فرواية يوم أي بليلته ورواية ليلة أي مع يومها. فعلى الأول يكون حجة على من شرط الصوم في الاعتكاف لأن الليل ليس محلا للصوم "أوف بنذرك" وفي رواية للبخاري "فاعتكف" وفيه دليل على أنه يجب الوفاء بالنذر من الكافر متى أسلم. وقد ذهب إلى هذا بعض أصحاب الإمام الشافعي. وعند أكثر العلماء لا ينعقد النذر من الكافر. وحديث عمر حجة عليهم. وقد أجابو عنه بأن النبي صلى الله عليه وسلم لما عرف أن عمر قد تبرع بفعل ذلك أذن له به، لأن الاعتكاف طاعة ولا يخفى ما في هذا الجواب من مخالفة الصواب. وأجاب بعضهم بأنه صلى الله عليه وسلم أمره بالوفاء استحباباً لا وجوباً. ويرد بأن هذا الجواب لا يصلح لمن ادعى عدم الانعقاد.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه، وقد وقع في الصحيح أيضاً أن اعتكف يوماً انتهى.

(9/111)


باب من نذر نذرا ولم يسمه
...
27- باب من نذر نذراً لم يسمّه
3313 - حدثنا هَارُونُ بنُ عَبّادٍ الأزْدِيّ قالَ أخبرنا أبُو بَكْرٍ - يَعْني ابنَ عَيّاشٍ - عن مُحَمّدٍ مَوْلَى المُغِيرَةِ قال حَدّثني كَعْبُ بنُ عَلْقَمَةَ عن أبي الْخَيْرِ عن عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "كَفّارَةُ النّذْرِ كَفّارَةُ الْيَمِينِ" .
قَالَ أبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ عَمْرُو بنُ الْحَارِثِ عن كَعْبِ بنِ عَلْقَمَةَ عن ابنِ شِمَاسَةَ عن عُقْبَةَ.
ـــــــ
"باب من نذر نذراً لم يسمّه"
أي لم يعينه.
"كفارة النذر كفارة اليمين" أي قال لله على نذر ولم يسم فكفارته كفارة يمين. ولفظ الترمذي من هذا الوجه "كفارة النذر إذا لم يسم كفارة يمين" انتهى. وفي حديث ابن عباس "من نذر نذراً لم يسمه" ويأتي في آخر الباب. وقال النووي: اختلف العلماء في المراد، فحمله جمهور أصحابنا على نذر اللجاج، وهو أن يقول إنسان يريد لامتناع من كلام زيد مثلاً إن كلمت

(9/111)


3314 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ عَوْفٍ أنّ سَعِيدَ بنَ الْحَكَمِ حَدّثَهُمْ قالَ أخبرنا يَحْيَى - يَعني ابنَ أيّوبَ - قال حَدّثني كَعْبُ بنُ عَلْقَمَةَ أنّهُ سَمِعَ ابنَ شِمَاسَةَ عن أبي الْخَيْرِ عن عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَهُ.
ـــــــ
زيداً مثلاً فلله على حجة أو غيرها فيكلمه فهو بالخيار بين كفارة يمين وبين ما التزمه، هذا هو الصحيح في مذهب الشافعي وحمله مالك وكثيرون على النذر المطلق كقوله على نذر، وحملة أحمد وبعض أصحاب الشافعي على نذر المعصية، كمن نذر أن يشرب الخمر، وحمله جماعة من فقهاء أصحاب الحديث على جميع أنواع النذر وقالوا هو مخير في جميع المنذورات بين الوفاء بما التزم وبين كفارة يمين انتهى. وسيجيء كلام الشوكاني معه.
قال المنذري: وأبو الخير هو مرثد بن عبد الله اليزني انتهى. والحديث أخرجه الترمذي وقال حسن صحيح غريب "رواه عمر بن الحارث" وحديثه عند النسائي من طريق أحمد بن يحيى، والحارث بن مسكين عن ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن كعب بن علقمة عن عبد الرحمن بن شماسة عن عقبة بن عن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "كفارة النذر كفارة اليمين" وأخرجه مسلم حديث عمرو بن الحارث بزيادة لفظ أبي الخير بين عبد الرحمن بن شماسة وعقبة بن عامر.
"حدثنا محمد بن عوف" والحديث أخرجه مسلم والنسائي من حديث عبد الرحمَن ابن شماسة والله أعلم.

(9/112)


28- باب لغو اليمين
3315 - حدثنا حُمَيْدُ بنُ مَسْعَدَةَ الشّامِيّ قالَ أخبرنا حَسّانُ - يَعني ابنَ إبْرَاهِيمَ
ـــــــ
"باب لغو اليمين"
اللغو الساقط الذي لا يعتد به من كلام وغيره، ولغو اليمين الساقط الذي لا يعتد به في الأيمان قال الله تعالى {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} أي لا يعاقبكم بلغو اليمين الذي
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
الصواب في هذا أنه قول عائشة كذلك رواه الناس وهو في صحيح البخاري عن عائشة قولها ورواه ابن حبان في صحيحه عن عائشة مرفوعا.

(9/112)


قالَ حدثنا إبْرَاهِيمُ - يَعني الصّائِغَ عن عَطَاءٍ في اللّغْوِ في الْيَمِينِ قال: قالَتْ عَائِشَةُ: إنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "هُوَ كَلاَمُ الرّجُلِ في بَيْتِهِ، كَلاّ وَالله وَبَلَى وَالله" .
قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَكَانَ إبْرَاهِيمُ الصّائِغُ رَجُلاً صَالِحاً قَتَلَهُ أبُو مُسْلِمٍ بِعَرَنْدَسَ، قالَ: وَكَانَ إذَا رَفَعَ المِطْرَقَةَ فَسَمِعَ النّداءَ، سَيّبَهَا.
ـــــــ
يحلفه أحدكم من غير قصد للحلف نحو لا والله بلى والله. "عن عطاء" هو ابن أبي رباح "هو" أي اللغو في اليمين "كلام الرجل في بيته" أي لم يكن صادراً عن عقد قلب وإنما جرى به اللسان على سبيل العادة "كلا والله وبلى والله" فيه دليل على أن اللغو من الأيمان ما لا يكون عن قصد الحلف وإنما جرى على اللسان من غير إرادة الحلف. وإلى تفسير اللغو بهذا ذهب الشافعي، ونقله ابن المنذر عن ابن عمر وابن عباس وغيرهما من الصحابة وجماعة من التابعين. وأخرج البخاري موقوفاً على عائشة قالت: قوله تعالى: { لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ} أنزل في قوله لا والله وبلى "والله" وتفسير عائشة هذا أقرب لأنها شهدت التنزيل فهي أعلم من غيرها وهي عارفة بلغة العرب.
وذهب الحنفية إلى إن لغو اليمين أن يحلف على الشيء يظن صدقه فينكشف خلافه، وبه قال ربيعة ومالك ومكحول والأوزاعي والليث وعن أحمد روايتان.
وذهب طاؤس إلى أنها لحلف وهو غضبان، وفي ذلك تفسير أخر لا يقوم عليها دليل. وعن عطاء والشعبي وطاوس والحسن وأبي قلابة لا والله وبلى والله لغة من لغات العرب لا يراد بها اليمين وهي من صلة الكلام. كذا في الفتح والسبل. والحديث سكت عنه المنذري وأخرجه أيضاً البيهقي وابن حبان، وصحح الدارقطني وقفه، ورواه البخاري والشافعي ومالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة موقوفاً، ورواه الشافعي من حديث عطاء موقوفاً "إبراهيم" بن ميمون المروزي "الصائغ" بالفارسية ذركر هو أحد الثقات وثقة ابن معين "قتله أبو مسلم" عبد الرحمن بن مسلم الخراساني القائم بدعوة العباسية. قال ابن خلكان: قتل في دولته ستمائة ألف صبراً، فقيل لعبد الله بن المبارك أبو مسلم خير أو الحجاج؟ قال لا أقول إن أبا مسلم كان خيراً من أحد ولكن الحجاج كان شراً منه. وقتل إبراهيم ابن ميمون سنة إحدى وثلاثين ومائة وتوفي أبو مسلم الخراساني الظالم مقتولاً في سنة سبع وثلاثين ومائة، والله أعلم "بعرندس" بالعين المهملة المفتوحة وبعدها راء مهملة مفتوحة كذا في النسخ. قال أهل اللغة العرندس الأسد العظيم والنون والسين زائدتان انتهى. وفي بعض النسخ الفرندس بالفاء قبل

(9/113)


قَالَ أبُو دَاوُدَ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ دَاوُدُ بنُ أبي الْفُرَاتِ عن إبْرَاهِيمَ الصّائِغِ مَوْقُوفاً عَلَى عَائِشَةَ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الزّهْرِيّ وَعَبْدُالمَلِكِ بنُ أبِي سُلَيْمَانَ وَمَالِكُ بنُ مَغْوَلِ كُلّهُمْ عن عَطَاءٍ عن عَائِشَةَ مَوْقُوفاً.
ـــــــ
الراء ولم يظهر لي معناه "قال" أبو داوود "وكان" أي إبراهيم الصائغ "إذا رفع المطرقة" بكسر الميم آلة من حديد ونحوه يضرب بها الحديد ونحوه "فسمع" إبراهيم "النداء" أي الأذان للصلاة "سيبها" أي ترك إبراهيم المطرقة تهيأ للصلاة، وهذا ثناء من المؤلف لإبراهيم من أن عمله كان لا يشغله عن ذكر الله تعالى، بل لما سمع الأذان ترك العمل بالمطرقة والله أعلم "عن عائشة موقوفاً" الحاصل أنه اختلف على عطاء وعلى إبراهيم في رفعه ووقفه والله أعلم.

(9/114)


29- باب فيمن حلف على طعام لا يأكله
3316 - حدثنا مُؤَمّلُ بنُ هِشَامٍ قالَ حدثنا إسْمَاعِيلُ عن الْجُرَيْرِيّ عن أبي عُثْمَانَ أوْ عنْ أبِي السّلِيلِ عَنْهُ عن عبد الرحمن بنِ أبي بَكْرٍ قال: نَزَلَ بِنَا أضْيَافٌ لَنَا وَكَانَ
ـــــــ
"باب فيمن حلف الخ"
فأكل بعد ذلك هل يكفر.
"حدثنا إسماعيل" بن علية "عن الجريري" بضم الجيم مصغراً هو سعيد بن أبي إياس "عن أبي عثمان" عبد الرحمن ابن مل النهدى "أو عن أبي السليل" هو ضريب بالتصغير آخره موحدة ابن نقير أبو السليل بفتح المهملة وكسر اللام القيسي الجريري "عنه" أي عن أبي عثمان"عن عبد الرحمَن بن أبي بكر" الصديق والشك من مؤمل أو من إسماعيل بن علية يروي إسماعيل عن الجريري عن أبي عثمان عبد الرحمن بن أبي بكر، أو يروي عن الجريري عن أبي السليل عن أبي عثمان عن عبد الرحمن بزيادة واسطة أبي السليل بين أبي عثمان وعبدالرحمَن بن أبي بكر. وأعلم أن هذا الحديث أخرجه البخاري في صحيحه في ثلاثة مواضع وليس فيه واسطة أبي السليل،الأول في كتاب الصلاة في باب السمر مع الأهل والضيف حدثنا أبو النعمان حدثنا معتمر بن سليمان حدثنا أبي حدثنا أبو عثمان عن عبد الرحمن بن أبي بكر.
والثاني في علامات النبوة حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا معتمر عن أبيه حدثنا أبو عثمان أنه حدثه عبد الرحمن بن أبي بكر.
والثالث في كتاب الأدب باب ما يكره من الغضب والجزع عند الضيف حدثنا عياش بن

(9/114)


أبُو بَكْرٍ يَتَحَدّثُ عِنْدَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم باللّيْلِ فقالَ: لاَ أَرْجِعَنّ إلَيْكَ حَتّى تَفْرَغَ مِنْ ضِيَافَةِ هَؤُلاَءِ وَمَنْ قِرَاهُمْ، فَأَتَاهُمْ بِقِرَاهُمْ فقالُوا: لاَ نَطْعَمُهُ حَتّى يَأْتِيَ أبُو بَكْرٍ، فَجَاءَ فقالَ: مَا فَعَلَ أضْيَافُكُم أفَرَغْتُمْ مِنْ قِرَاهُمْ؟ قالُوا: لاَ. قُلْتُ: قَدْ أتَيْتُهُمْ بِقِرَاهُمْ فَأبَوْا وَقَالُوا: وَالله لاَ نَطْعَمُهُ حَتّى يَجِيءَ فقالُوا: صَدَقَ قَدْ أتَانَا بِهِ فَأَبَيْنَا حَتّى تَجِيءَ، قال: فَمَا مَنَعَكُمْ؟ قالُوا: مَكَانُكَ، قال: فَوَالله لاَ أَطْعَمَهُ اللّيْلَةَ، قال فقالُوا: وَنَحْنُ وَالله لاَ نَطْعَمُهُ حَتّى تَطْعَمَهُ، قالَ: مَا رَأيْتُ في الشّرّ كَاللّيْلَةِ قَطّ، قال: قَرّبُوا طَعَامَكُم، قال: فَقُرّبَ طَعَامُهُمْ، فقالَ: بِسْمِ الله فَطَعِمَ وَطَعِمُوا، فَأُخْبِرْتُ أنّهُ أصْبَحَ، فَغَدَا عَلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَأخْبَرَهُ بالّذِي صَنَعَ وَصَنَعُوا، قال: "بَلْ أنْتَ أَبَرّهُمْ وَأَصْدَقُهُمْ" .
3317 - حدثنا ابنُ المُثَنّى قال أخبرنا سَالِمُ بنُ نُوحٍ وَ عَبْدُالأَعْلَى عن الْجُرَيْرِيّ
ـــــــ
الوليد حدثنا عبد الأعلى حدثنا سعيد الجريري عن أبي عثمان عن عبد الرحمن بن أبي بكر فذكر الحديث وكذا ليست الواسطة في رواية مسلم وحديثه في كتاب الأطعمة. وكذا ليست في السند الثاني لأبي داوود "نزل بنا أضياف" أي من أصحاب الصفة، فعند البخاري أن أصحاب الصفة كانوا أناساً فقراء، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، وإن أربع فخامس أو سادس وأن أبا بكر جاء بثلاثة" "يتحدث" أي يتكلم ويمكث للحديث معه "لا أرجعن إليك الخ" وفي رواية البخاري أني منطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأفرغ من قراهم قبل أن أجيء "ومن قراهم" بكسر القاف أي من ضيافتهم "قالوا مكانك" أي منزلتك وقربك من النبي صلى الله عليه وسلم أو كونك رئيس البيت قاله السندي رحمه الله "لا أطعمة الليلة" لأنه اشتد عليه تأخير عشائهم "ما رأيت في الشر كالليلة" أي لم أر ليلة مثل هذه الليلة في الشر "فأخبرت" بصيغة المجهول قال صلى الله عليه وسلم: "بل أنت أبرهم وأصدقهم"
وفي رواية لمسلم "فلما أصبح غداً على النبي صلى الله عليه وسلم فقال يارسول الله بروا وحنثت، قال فأخبره فقال بل أنت أبرهم وأخيرهم" انتهى. والمعنى بروا في أيمانهم وحنثت في يميني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم بل أنت أبرهم أي أكثرهم طاعة وخير منهم وأصدقهم لأنك حنثت في يمينك حنثاً مندوباً إليه محثوثاً عليه، فأنت أفضل منهم. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم بنحوه أتم منه.
"حدثنا ابن المثنى" هو محمد "وعبد الأعلى" بن عبدالأعلى السامي "نحوه"وساق مسلم بتمامه من هذا الوجه "زاد" أي محمد بن المثنى "عن سالم" ابن نوح دون عبدالأعلى

(9/115)


عن أبِي عُثْمَانَ عن عبد الرحمن بنِ أبِي بَكْرٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ نَحْوَهُ، زَادَ عن سَالِمٍ في حَدِيثِهِ قال: وَلَمْ يَبْلُغْنِي كَفّارَةُ.
ـــــــ
"ولم يبلغني كفارة" قال النووي: يعني لم يبلغني أنه كفر قبل الحنث.
فأما وجوب الكفارة فلا خلاف فيه لقوله صلى الله عليه وسلم "من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وكفر عن يمينه" وهذا نص في عين المسألة مع عموم قوله تعالى { وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ} انتهى.

(9/116)


30 - باب اليمين في قطيعة الرحم
3318 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ المِنْهَالِ قال أخبرنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ قال أخبرنا حَبِيبٌ المُعَلّمُ عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ: أنّ أَخَوَيْنِ مِنَ الأنْصَارِ كَانَ بَيْنَهُمَا مِيرَاثٌ فَسَألَ أحَدُهُمَا صَاحِبَهُ الْقِسْمَةَ، فقالَ: إنْ عُدْتَ تَسْأَلُنِي عنْ الْقِسْمَةِ فَكُلّ مَالِي في رِتَاجِ الْكَعْبَةِ فقالَ لَهُ عُمَرُ: إنّ الْكَعْبَةَ غَنِيّةٌ عنْ مَالِكَ، كَفّرْ عنْ يَمِينِكَ وَكَلّمْ أخَاكَ،
ـــــــ
"باب اليمين في قطيعة الرحم"
"أحدهما صاحبه" أي أخاه المصاحب المشارك في الميراث "القسمة" أي في النخيل والعقار أو الدرهم والدينار فقال: أي الآخر "إن عدت" بضم أوله أي رجعت "فكل مالي" بإضافة المال إلى ياء المتكلم أي فكل شيء لي من الملك "في رتاج الكعبة" بكسر أوله أي مصالحها أو زينتها.
قال في النهاية: الرتاج الباب، وفي هذا الحديث الكعبة لأنه أراد أن ماله هدى إلى الكعبة لا إلى بابها، فكني بالباب لأنه منه يدخل "وكلم أخاك): أي في عودة إلى سؤال القسمة
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله
وقال الإمام أحمد وغيره من الأئمة سعيد بن المسيب عن عمر عندنا حجة قال أحمد إذا لم نقبل سعيدا عن عمر فمن نقبل قد رآه وسمع منه ذكره ابن أبي حاتم فليس روايته عنه منقطعة على ما ذكره أحمد ولو كانت منقطعة فهذا الانقطاع غير مؤثر عند الأئمة فإن سعيدا أعلم الخلق بأقضية عمر وكان ابنه عبد الله بن عمر يسأل سعيدا عنها وسعيد بن المسيب إذا أرسل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مرسله فكيف إذا روى عن عمر

(9/116)


سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "لاَ يَمِينَ عَلَيْكَ وَلاَ نَذْرَ في مَعْصِيَةِ الرّبّ وَفي قَطِيعَةِ الرّحِمِ وَفِيمَا لاَ تَمْلِكُ" .
3319 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ عَبْدَةَ الضّبّيّ أنْبأنَا المُغِيرَةُ بنُ عبد الرحمن حَدّثني أبِي عبد الرحمن عنْ عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عنْ أبِيهِ عنْ جَدّهِ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "لاَ نَذْرَ إلاّ فِيمَا يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ الله، وَلاَ يَمِينَ في قَطِيعَةِ رَحِمٍ" .
ـــــــ
"لا يمين عليك" أي على مثلك. والمعنى لا يجب إلزام هذه اليمين عليك وأنما عليك الكفارة.
قال الطيبي: أي سمعت ما يؤدي معناه إلى قولي لك لا يمين عليك يعني لا يجب الوفاء بما نذرت، وسمي النذر يميناً لما يلزم من اليمين.
وفي شرح السنة: اختلفوا في النذر إذا خرج مخرج اليمين مثل أن قال إن كلمت فلاناً فلله على عتق رقبة وإن دخلت الدار فلله على صوم أو صلاة، فهذا نذر خرج مخرج اليمين لأنه قصد به منع نفسه عن الفعل، كالحالف يقصد بيمينه منع نفسه عن الفعل، فذهب أكثر الصحابة ومن بعدهم إلى أنه إذا فعل ذلك الفعل يجب عليه كفارة اليمين كما لو حنث في يمينه، وإليه ذهب الشافعي، ويدل عليه هذا الحديث وغيره. وقيل عليه الوفاء بما التزمه قياساً على سائر النذور انتهى. "ولا نذر في معصية الرب" أي لا وفاء في هذا النذر "وفي قطيعة الرحم" وهو تخصيص بعد تعميم. قال المنذري سعيد بن المسيب لم يصح سماعه من عمر فهو منقطع وعمرو بن شعيب قد مضى الكلام عليه انتهى.
وفي الموطأ مالك عن أيوب بن موسى عن منصور بن عبد الرحمن الحجبي عن أمه عن عائشة أم المؤمنين أنها سئلت عن رجل قال مالي في رتاج الكعبة، فقالت عائشة تكفره ما يكفر اليمين انتهى.
"لا نذر إلا فيما يبتغي به وجه الله" الحديث ليس من رواية اللؤلؤي ولذا لم يذكره المنذري وأنما وجد في بعض النسخ الصحيحة. وقال في المنتقى: وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لا نذر إلا فيما ابتغى به وجه الله تعالى" رواه أحمد وأبو داوود. وفي رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى أعرابي قائماً في الشمس وهو يخطب فقال ما شأنك؟ قال نذرت يارسول الله أن لا أزال في الشمس حتى تفرغ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس هذا نذراً إنما النذر ما ابتغى به وجه الله" رواه أحمد انتهى. وفي النيل حديث عمرو بن شعيب أخرجه أيضاً البيهقي، وأورده الحافظ في التلخيص وسكت عنه. وقد أخرجه بلفظ أحمد

(9/117)


3320 - حدثنا المُنْذِرُ بنُ الْوَلِيدِ قالَ أخبرنا عبد الله بنُ بَكْرٍ قال حدثنا عبيد الله بنُ الأَخْنَسِ عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبِيهِ عن جَدّهِ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ نَذْرَ وَلاَ يَمِينَ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ ابنُ آدَمَ وَلاَ في مَعْصِيَةِ الله وَلاَ في قَطِيعَةِ رَحِمٍ، وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا فَلْيَدَعَهَا وَلْيَأْتِ الّذِي هُوَ خَيْرٌ فَإنّ تَرْكَهَا كَفَارَتُهَا" .
قَالَ أبُو دَاوُدَ: الأحَادِيثُ كُلّهَا عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَلْيُكَفّرْ عنْ يَمِينِهِ إلاّ فِيمَا لاَ يَعْبَأْ بِهِ.
ـــــــ
الطبراني قال في مجمع الزوائد: فيه عبد الله بن نافع المدني وهو ضعيف، ولم يكن في أسناد أبي داوود لأنه أخرجه عن أحمد بن عبدة الضبي عن المغيرة بن عبد الرحمَن عن أبيه عبد الرحمن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده انتهى.
وقال المزي: حديث "لا طلاق فيما لا يملك" الحديث بطوله وفيه النذر واليمين في قطيعة الرحم أخرحه أبو داوود في الطلاق وابن ماجه فيه، وأخرجه أبو داوود في النذور عن أحمد بن عبد الضبي عن المغيرة بن عبد الرحمن عن أبيه عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو. وحديث أحمد بن عبدة في رواية ابن العبد ولم يذكره أبو القاسم انتهى.
"فإن تركها كفارتها" قال السندي: ظاهره أنه لا حاجة إلى الكفارة لكن المشهور بين العلماء الموجود في غالب الحديث هو الكفارة، فيمكن أن يقال في الكلام تقدير العبارة والتقدير فيكفر فإن تركها موجب كفارتها انتهى. وقال المحدث محمد إسحاق الدهلوي: فإن تركها كفارتها أي كفارة ارتكاب يمين على الشريعي إثم ارتكابها يرتفع عن تركها أما لزوم كفارة الحنث فهو أمر آخر لازم عليه انتهى. قال المنذري: وأخرجه النسائي وقد تقدم الكلام على اختلاف الأئمة في الاحتجاج بحديث عمرو بن شعيب. وذكر أبو بكر البيهقي أن حديث عمرو هذا لم يثبت وأن حديث أبي هريرة "فليأت الذي هو خير فهو كفارة" لم يثبت انتهى. "قال أبو داوود الأحاديث" الصحاح "كلها عن النبي صلى الله عليه وسلم" في كفارة الأيمان "وليكفر عن يمينه"
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وأخرج ابن ماجه منهمن حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليتركها فإن تركها كفارتها وترجم عليه من قال تركها كفارتها.

(9/118)


قَالَ أبُو دَاوُدَ: قُلْتُ لأَحْمَدَ: رَوَى يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عن يَحْيَى بنِ عبيد الله فقالَ: تَرَكَهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَكَانَ أهْلاً لِذَلِكَ. قالَ أَحْمَدُ: أحَادِيثُهُ مَنَاكِيرُ وَأبُوهُ لاَ يُعْرَفُ.
ـــــــ
فالكفارة بعد الحنث هي ثابتة، وإسقاط الكفارة بعده لم يثبت، وإليه أشار بقوله "إلا فيما" أي في حديث الذي "لا يعبأ به" أي لا يعتبر به من جهة الإسناد، ففيه إسقاط الكفارة ولا عبرة به ولا يحتج بمثله. وكذلك قال البيهقي إن حديث عمرو هذا لم يثبت.
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في فتح الباري: ورواته لا بأس بهم لكن اختلف في سنده على عمرو انتهى. "روى يحيى بن سعيد" القطان "عن يحيى بن عبيد الله" بن موهب التميمي عن أبيه عن أبي هريرة بلفظ "فليأت الذي هو خير فهو كفارة" "فقال" أحمد "تركه" أي ترك يحيى القطان رواية الحديث عن يحيى بن عبيد فلم يرو عنه "وكان أهلا لذلك" يشبه أن يكون المعنى أي كان يحيى القطان عارفاً بالرجال ناقداً للرواة فله أن يترك من لم يرضى به فهو أهل لذلك "قال أحمد أحاديثه" أي يحيى بن عبيد الله "مناكير وأبوه" عبيد الله بن موهب "لا يعرف" مجهول. قال الذهبي في الميزان: يحيى بن عبيد الله بن موهب التميمي عن أبيه عن أبي هريرة بأحاديث، وعنه يحيى القطان وطائفة وثقة القطان، وقال شعبة رأيته يصلي صلاة لا يقيمها فتركت حديثه. وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال ابن المثنى: حدث عنه يحيى القطان ثم تركه وقال أحمد: أحاديثه مناكير وقال مرة: ليس بثقة وقال ابن عيينة: ضعيف. وقال الجوزجاني: هو كوفي وأبوه لا يعرف وأحاديثه من أحاديث أهل الصدق انتهى.

(9/119)


31- باب الحالف يستثني بعد ما يتكلم
[باب الاستثناء في اليمين بعد السكوت]
3321 - حدثنا قُتَيْبَةُ - يَعني ابنَ سَعِيدٍ - قالَ أخبرنا شَرِيكٌ عن سِمَاكٍ عن عِكْرِمَةَ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "وَالله لأَغْزُوَنّ قُرَيْشاً وَالله لأَغْزُوَنّ قُرَيْشاً، وَالله لأَغْزُوَنّ قُرَيْشاً" ،
ـــــــ
"باب الحالف يستثني بعد ما يتكلم"
وفي بعض النسخ الاستثناء في اليمين بعد السكوت انتهى. والاستثناء في الاصطلاح إخراج بعض ما تناوله اللفظ بإلا وأخواتها. ويطلق أيضاً على التعاليق على المشيئة وهو المراد بهذه الترجمة. والفرق بين ما تقدم من باب الاستثناء في اليمين وبين هذا الباب أن الباب الأول في حكم الاستثناء في اليمين مطلقاً، وهذا في بيان استثناء اليمين بعد السكوت من

(9/119)


ثُمّ قال: "إنْ شَاءَ الله" .
قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَقَدْ أسْنَدَ هَذَا الْحَدِيثَ غَيْرُ وَاحِدٍ عن شَرِيكٍ عن سِمَاكٍ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ أسْنَدَهُ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وَقالَ الْوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ عن شَرِيكٍ: ثُمّ لَمْ يَغْزُهُمْ.
3322 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ الْعَلاَءِ قالَ أخبرنا ابنُ بِشْرٍ عن مِسْعَرٍ عن سِمَاكٍ عن عِكْرِمَةَ يَرْفَعُهُ قال: " وَالله لأَغْزُوَنّ قُرَيْشاً" ، ثُمّ قالَ: "إنْ شَاءَ الله" ، ثُمّ قالَ: "وَالله لأَغْزُوَنّ قُرَيْشاً
ـــــــ
المستثنى منه أو بعد الفصل بكلام آخر. وبوب البيهقي في السنن باب الحالف يسكت بين يمينه واستثنائه بسكتة يسيرة وانقطاع صوت أو أخذ نفس ودكر فيه هذا الحديث أي "والله لأغزون قريشاً" ثم ذكر أثر ابن عباس أنه كان يرى الاستثناء ولو بعد حين انتهى.
"ثم قال إن شاء الله" وهذا من أحاديثه الفعلية، وأما من أحاديثه القولية فمنها ما أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه. من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حلف على يميني فقال إن شاء الله فلا حنث عليه".
-وعند أصحاب السنن عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من حلف على يمين فقال إن شاء الله فلا حنث عليه" وهذه الأحاديث فيها دليل على أن التقييد بمشيئة الله تعالى مانع من انعقاد اليمين أو يحل انعقادها. وقد ذهب إلى ذلك جمهور العلماء وادعى عليه ابن العربي الإجماع، قال أجمع المسلمون على أن قوله إن شاء الله يمنع انعقاد اليمين بشرط كونه متصلاً، قال ولو جاز منفصلاً كما روى بعض السلف لم يحنث أحد قط في يمين ولم يحتج إلى كفارة.
قال واختلفوا في الاتصال، فقال مالك والأوزاعي والشافعي والجمهور وهو أن يكون قوله إن شاء الله متصلاً باليمين من غير سكوت بينهما ولا يضر سكتة النفس.
وقال طاوس والحسن وجماعة من التابعين إن له الاستثناء ما لم يقم من مجلسه. وقال قتادة ما لم يقم أو يتكلم. وقال عطاء قدر حلبة ناقة. وقال سعيد ابن جبير يصح بعد أربعة أشهر وعن ابن عباس له الاستثناء أبداً ولا فرق بين الحلف بالله أو بالطلاق أو العتاق أن التقييد بالمشيئة يمنع الانعقاد وإلى ذلك ذهب الجمهور، وبعضهم فصل، واستثنى أحمد العتاق، قال لحديث "إذا قال أنت طالق إن شاء الله لم تطلق، وإن قال لعبده أنت حر إن شاء الله فإنه حر" وهذا الحديث أخرجه البيهقي في سننه وقال تفرد به حميد بن مالك وهو مجهول. وقد بسط

(9/120)


إنْ شَاءَ الله تَعَالَى" ، ثُمّ قالَ: "وَالله لأَغْزُوَنّ قُرَيْشاً" ، ثُمّ سَكَتَ، ثُمّ قالَ: "إنْ شَاءَ الله" .
ـــــــ
الكلام الحافظ في الفتح والشوكاني في النيل آخذاً منه. والحديث سكت عنه المنذري "وقد أسند هذا الحديث غير واحد" قال الزيلعي في نصب الراية رواه ابن حبان في صحيحة. مسنداً وأخرجه أبو يعلى في مسنده عن شريك عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس، وعن مسعر بن كدام عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "والله لأغزون قريشاً والله لأغزون قريشاً والله لأغزون قريشاً، ثم سكت ساعة ثم قال إن شاء الله".
قال ابن حبان في كتاب الضعفاء: هذا حديث رواه شريك ومسعر فأسنداه مرة وأرسلاه أخرى. وأخرجه ابن عدى في الكامل عن عبدالواحد بن صفوان عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعاً بلفظ أبي يعلى سواء. وذكره ابن القطان في كتابه من جهة ابن عدي ثم قال وعبدالواحد هذا ليس حديثه بشيء والصحيح مرسل انتهى. وقد رواه البيهقي موصولاً ومرسلاً. قال ابن أبي حاتم في العلل الأشبه أرساله انتهى. ويدل على اشتراط الاتصال ما أخرجه الدارقطني في سننه عن سالم عن ابن عمر قال: كل استثناء غير موصول فصاحبه حانث وفيه عمر بن مدرك وهو ضعيف.
وفي المعرفة للبيهقي وروى سالم عن عمر ابن عمر أنه قال: كل استثناء موصول فلا حنث على صاحبه، وكل استثناء غير موصول فصاحبه حانث.
وأخرج الطبراني في معجمه عن أبي نحيح عن مجاهد عن ابن عباس في قوله تعالى {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} قال إذا شئت الاستثناء فاستثنى إذا ذكرت وهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم لنا أن نستثني إلا بصلة اليمين ومما يدل على عدم اشتراط الاتصال ما رواه ملك في الموطأ عن زيد بن أسلم عن جابر بن عبد الله الأنصاري في حديث طويل قال "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة "هي غزوة ذات الرقاع" بني أنمار قال رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً فقال ماله ضرب الله عنقه، قال فسمعه الرجل فقال يارسول الله في سبيل الله، فقال صلى الله عليه وسلم في سبيل الله، قال فقتل الرجل في سبيل الله".
قال الزيلعي: وهذا الرجل لم يسم في الحديث، فقوله صلى الله عليه وسلم قال في سبيل بعد قول الرجل إياها دليل على أن الانفصال غير قاطع انتهى.
وقال الحافظ في الدراية. وقصة العباس في قوله إلا الإذخر من هذا الوادي انتهى.
"ثم سكت" أي النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقيد هذا السكوت بالعذر بل ظاهره السكوت اختيارا

(9/121)


قَالَ أبُو دَاوُدَ: زَادَ فِيهِ الْوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ عن شَرِيكٍ: ثُمّ لَمْ يَغْزُهُمْ.
ـــــــ
اضطراراً، فيدل على جواز ذلك. كذا في النيل وتقدم من رواية ابن حبان "ثم سكت ساعة ثم قال إن شاء الله".
قال السندي: ثم قال إن شاء الله بعد سكوت، وهو مقتضى كلمة ثم أيضاً لكونها للتراخي، وبهذا يقول ابن عباس في الاستثناء المنفصل وجمهور الحنفية على اشتراط الاتصال.
وحمل هذا الحديث على أن سكوته كان لمانع وإلا فكيف يسكت وقد قال الله تعالى {وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} انتهى. قلت: وزيادة البحث في هذا الباب في المطولات لا أطيل الكلام بذكره. والحديث سكت عنه المنذري "ثم لم يغزهم" وفيه دليل واضح على أن من حلف بمشيئة الله فلم يفعله لا يحنث لأن النبي صلى الله عليه وسلم حلف وسلم حلف على غزوة قريش ثم قال إن شاء الله ولم يغزهم والله أعلم.

(9/122)


32- باب من نذر نذراً لاَ يطيقه
3323 - حدثنا جَعْفَرُ بنُ مُسَافِرٍ التّنّيسِيّ عن ابنِ أبي فُدَيْكٍ قالَ حَدّثَني طَلْحَةُ بنُ يَحْيَى الأنْصَارِيّ عن عبد الله بنِ سَعِيدِ بنِ أبي هِنْدٍ عن بُكَيْرِ بنِ عبد الله بنِ الأَشَجّ عن كُرَيْبٍ عن ابنِ عَبّاسٍ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ نَذَرَ نَذْراً لَمْ يُسَمّهِ
ـــــــ
باب من نذر نذراً لاَ يطيقه
"من نذر نذراً لم يسمه" أي الناذر، بأن قال نذرت نذراً أو على نذر ولم يعين النذر أنه أو غيره.
وفيه دليل على أن كفارة اليمين إنما تجب فيما كان من النذور غير مسمى.
قال النووي: اختلف العلماء في المراد بهذا الحديث، فجعله جمهور أصحابنا على نذر اللجاج، فهو مخير بين الوفاء بالنذر أو الكفارة، وحمله مالك وكثيرون على النذر المطلق كقوله على نذر، وحمله جماعة من فقهاء الحديث على جميع أنواع النذر، وقالوا هو مخير في جميع أنواع المنذورات بين الوفاء بما التزم وبين كفارة اليمين انتهى. قال الشوكاني: والظاهر اختصاص الحديث بالنذر الذي لم يسم لأن حمل المطلق على القيد واجب. وأما النذور المساة إن كانت طاعة فإن كانت غير مقدورة ففيها كفارة يمين وإن كانت مقدورة وجب الوفاء بها

(9/122)


فَكَفّارَتُهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ وَمَنْ نَذَرَ نَذْراً في مَعْصِيَةٍ فَكَفّارَتُهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْراً لاَ يُطِيقُهُ فَكَفّارَتُهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْراً طَاقَهُ فَلْيَفِ بِهِ" .
قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَرَوى هَذَا الْحَدِيثَ وَكِيعٌ وَغَيْرُهُ عن عبد الله بنِ سَعِيدِ بنِ أبي الْهِنْدِ أَوْقَفُوهُ عَلَى ابنِ عَبّاسٍ.
ـــــــ
سواء كانت متعلقة بالبدن أو بالمال، وإن كانت معصية لم يجز الوفاء بها ولا ينعقد ولا يلزم فيها الكفارة، وإن كانت مباحة مقدورة فالظاهر الانعقاد ولزوم الكفارة لوقوع الأمر بها في قصة الناذرة بالمشي، وإن كانت غير مقدورة ففيها الكفارة لعموم "ومن نذر نذراً لم يطقه" هذا خلاصة ما يستفاد من الأحاديث الصحيحة انتهى. وكلامه هذا حسن جداً "ومن نذر نذراً لا يطيقه" كحمل جبل أو رفع حمل أو المشي إلى بيت الله ونحوه "فليف به" أمر غائب من وفي يفي، والمعنى فليف به أو ليكفر، وإنما اقتصر على الأول لأن البر في اليمين أولى إلا إذا كانت معصية.
قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه. وفي حديث إسناد ابن ماجه. من لا يعتمد عليه، وليس فيه "ومن نذر نذراً في معصية" انتهى.
"أوقفوه" أي أوقف هذا الحديث وكيع وغيره عن عبد الله بن سعيد على عبد الله بن عباس ولم يرفعوه، وأما طلحة بن يحيى الأنصاري فرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

(9/123)