Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود

كتاب البيوع
باب في التجارة يخالطها الحلف واللغو
...
أول كتاب البيوع
1- باب في التجارة يخالطها الحلف واللغو
3324 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا أبُو مُعَاوِيَةَ عن الأعْمَشِ عن أبي وَائِلٍ عن قَيْسِ بنِ أبي غَرَزَةَ قالَ: كُنّا في عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم نُسَمّى السّمَاسِرَةَ، فَمَرّ بِنَا النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَسَمّانَا بِاسْمٍ هُوَ أحْسَنُ مِنْهُ، فقالَ: "يَامَعْشَرَ التّجّارِ إنّ الْبَيْعَ يَحْضُرُهُ اللّغْوُ وَالْحَلْفُ فَشُوبُوهُ بالصّدَقَةِ" .
ـــــــ
"أول كتاب البيوع"
البيع لغة مبادلة المال بالمال، وكذا في الشرع لكن زيد فيه قيد التراضي، وإنما جمعه دلالة على اختلاف أنواعه. والحكمة في شرعية البيع أن حاجة الانسان تتعلق بما في يده صاحبه غالباً، وصاحبه قد لا يبذله، ففي شرعية البيع وسيلة إلى بلوغ الغرض من غير حرج.
"باب في التجارة الخ"
"عن قيس بن أبي غرزة" بمعجمة وراء وزاي مفتوحتين غفاري صحابي نزل الكوفة "نسمى" بصيغة المجهول "السماسرة" بالنصب على أنه مفعول ثان وهو بفتح السين الأولى وكسر الثانية جمع سمسار. قال في النهاية: السمسار القيم بالأمر بالحافظ له، وهو اسم الذي يدخل بين البائع والمشتري متوسطاً لإمضاء البيع، والسمسرة، البيع والشراء انتهى. "فسمانا باسم هو أحسن منه" أي من اسمنا الأول. قال أبو سليمان الخطابي: السمسار أعجمي، وكان كثير ممن يعالج البيع والشراء فيهم عجماً فتلقوا هذا الاسم عنهم فغيره رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى التجارة التي هي من الأسماء العربية، وذلك معنى قوله فسمانا باسم هو أحسن منه انتهى. "إن البيع يحضره اللغو" أي غالباً وهو من الكلام ما لا يعتد به، وقيل هو الذي يورد لا عن روية وفكر فيجري مجرى اللغو وهو صوت العصافير. ذكر الطيبي. قال القاري: والظاهر أن المراد منه ما لا يعنيه وما لا طائل تحته وما لا ينفعه في دينه ودنياه انتهى. "والحلف" أي إكثاره أو الكاذب منه "فشوبوه" بضم أوله أي اخلطوا ما ذكر من اللغو والحلف قاله القاري. ويحتمل أن يرجع

(9/124)


3325 - حدثنا الْحُسَيْنُ بنُ عِيسَى الْبُسْطَامِيّ وَ حَامِدُ بنُ يَحْيَى وَ عبد الله بنُ مُحَمّدٍ الزّهْرِيّ قالُوا أخبرنا سُفْيَانُ عن جَامِعِ بنِ أبي رَاشِدٍ وَ عَبْدِالمَلِكِ بنِ أَعْيَنَ وَ عَاصِمٌ عن أبي وَائِلٍ عن قَيْسِ بنِ أبي غَرَزَةَ بِمَعْنَاهُ قال: يَحْضُرُهُ الْكِذْبُ وَالْحَلْفُ، وَقالَ عبد الله الزّهْرِيّ: اللّغْوُ وَالْكَذِبُ.
ـــــــ
الضمير المنصوب إلى البيع "بالصدقة" فإنها تطفيء غضب الرب قال الخطابي: وقد احتج بهذا الحديث بعض أهل الظاهر ممن لا يرى الزكاة في أموال التجارة وقال إنه لو كان يجب فيها صدقة كما يجب في سائر الأموال لأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بها ولم يقتصر على قوله: فشوبوه بالصدقة أو شيء من الصدقة.
وليس فيما ذكروه دليل على ما ادعوه لأنه أمرهم في هذا الحديث بشيء من الصدقة غير معلوم المقدار في تضاعيف الأيام من الأوقات، ليكون كفارة عن اللغو والحلف، فأما الصدقة التي هي ربع العشر الواجب عند تمام الحول فقد وقع البيان فيها من غير هذه الجهة، وقد روى سمرة بن جندب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمرهم أن يخرجوا الصدقة عن الأموال التي يعدونها للبيع، وذكره أبو داوود في كتاب الزكاة، ثم هو عمل الأمة وإجماع أهل العلم انتهى.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي حسن صحيح، وقال ولا نعرف لقيس عن النبي صلى الله عليه وسلم غير هذا. وأخرج له أبو القاسم البغوي هذا الحديث وقال لا أعلم ابن أبي غرزة روى عن النبي صلى الله عليه وسلم غيره هذا آخر كلامه. وقد روي عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن التجار هم الفجار إلا من بر وصدق" فمنهم من يجعلها حديثين انتهى كلام المنذري.

(9/125)


2- باب في استخراج المعادن
3326 - حدثنا عبد الله بنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيّ أخبرنا عبد العزيز - يَعني ابنَ مُحَمّدٍ عنْ عَمْرٍو يَعْنِي ابنَ أبِي عَمْرٍو عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ أنّ رَجُلاً لَزِمَ غَرِيماً لَهُ بِعَشْرَةِ
ـــــــ
"باب في استخراج المعادن"
جمع معدن. قال في القاموس: كمجلس منبت الجواهر من ذهب ونحوه انتهى.

(9/125)


دَنَانِيرَ، فَقَالَ: وَالله مَا أُفَارِقُكَ حَتّى تَقْضِيَنِي أوْ تَأْتِيَنِي بِحَمِيلٍ، قال: فَتَحَمّلَ بِهَا النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فَأتَاهُ بِقَدَرِ مَا وَعَدَهُ، فَقَالَ لَهُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "مِنْ أيْنَ أصَبْتَ هَذَا الذّهَبَ"؟ قالَ: مِنْ مَعْدَنٍ، قال: "لاَ حَاجَةَ لَنَا فِيهَا، لَيْسَ فِيهَا خَيْرٌ" ، فَقَضَاهَا عَنْهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
"أو تأتيني بحميل" أي ضامن "فتحمل" أي تكفل "فأتاه" الضمير المرفوع للغريم، والمنصوب للنبي صلى الله عليه وسلم "قال لا حاجة لنا فيها ليس فيها خير"
قال الخطابي: أما رده الذهب الذي استخرجه من المعدن وقوله لا حاجة لنا الخ فيشبه أن يكون ذلك لسبب علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه خاصة لا من جهة أن الذهب المستخرج لا يباح تموله وتملكه، فإن عامة الذهب والورق مستخرجه من المعادن، وقد أقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم بلال ابن الحارث المعادن القبلية وكانوا يؤدون عنها الحق، وهو عمل المسلمين، وعليه أمر الناس إلى اليوم، وقد يحتمل أن يكون ذلك من أجل أن أصحاب المعادن يبيعون ترابها ممن يعالجه فيحصل ما فيه من ذهب أو فضة وهو غرر لا يدري هل يوجد فيه شيء منهما أو لا، وقد كره بيع تراب المعادن جماعة من العلماء منهم: عطاء والشعبي وسفيان الثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية.
وفيه وجه آخر: وهو أن معنى قوله "لا حاجة لنا فيه ليس فيها خير" أي ليس فيها رواج ولا لحاجتنا فيها نجاح، وذلك أن الدّين الذي كان تحمله عنه دنانير مضروبة والذي جاء به تبر غير مضروب وليس بحضرته من يضربه دنانير، وإنما كان تحمل إليهم الدنانير من بلاد الروم، فأول من وضع السكة في الإسلام وضرب الدنانير عبدالملك بن مروان فهي تدعي المروانية إلى هذا الزمان.
وفيه وجه آخر وهو أن يكون إنما كرهه لما يقع فيه من الشبهة ويدخله من الغرر عند استخراجهم إياه من المعدن، وذلك أنهم استخرجوا بالعشر أو الخمس أو الثلث فما يصيبونه وهو غرر لا يدري هل يصيب العامل فيه شيئاً أم لا، فكان ذلك بمنزلة العقد على رد العبد الآبق والبعير الشارد لأنه لا يدري هل يظفر بهما أم لا. وفي هذا الحديث إثبات الحمالة والضمان، وفيه إثبات ملازمة الغريم ومنعه من التصرف حتى يخرج من الحق الذي عليه انتهى. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه.

(9/126)


3- باب في اجتناب الشبهات
3327 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ أخبرنا أبُو شِهَابٍ عن ابنِ عَوْنٍ عن الشّعْبِيّ قال سَمِعْتُ النّعْمَانَ بنَ بَشِيرٍ يَقُولُ وَلاَ أسْمَعُ أحَداً بَعْدَهُ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إنّ الْحَلاَلَ بَيّنٌ، وَإنّ الْحَرَامَ بَيّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُتَشَابِهَاتٌ أحْيَاناً يَقُولُ مُشْتَبِهَةٌ، وَسَأضْرِبُ لَكُمْ في ذَلِكَ مَثَلاً، إنّ الله حَمَى حِمًى وَإنّ حِمَى الله مَحَارِمُهُ وَإنّهُ مَنْ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أنْ يُخَالِطَهُ وَإنّهُ مَنْ يُخَالِطُ الرّيبَةَ يُوشِكُ أنْ يَحْسُرَ" .
ـــــــ
"باب في اجتناب الشبهات"
"إن الحلال بيّن" أي واضح لا يخفي حله "وإن الحرام بيّن" أي لا يخفي حرمته، وفيه تقسيم للأحكام إلى ثلاثة أشياء وهو تقسيم صحيح، لأن الشيء إما أن ينص الشارع على طلبه مع الوعيد على تركه، أو ينص على تركه مع الوعيد على فعله، أو لا ينص على واحد منهما: فالأول الحلال البين، والثاني الحرام البين، والثالث المشتبه لخفائه فلا يدري أحلال هو أم حرام، وما كان هذا سبيله ينبغي اجتنابه لأنه إن كان في نفس الأمر حراماً فقد بريء من التبعة، وإن كان حلالا فقد استحق الأجر على الترك لهذا القصد، لأن الأصل مختلف فيه حظراً وإباحة. وهذا التقسيم قد وافق قول من قال إن المباح والمكروه من المشبهات كذا في النيل.
وقال النووي: الحلال بين والحرام بين معناه أن الأشياء ثلاثة أقسام، حلال بيّن واضح لا يخفي حله، كالخبز والفواكه والزيت وغير ذلك من المطعومات وكذلك الكلام والنظر والمشي من التصرفات فيها حلال بين واضح لا شك في حله، وأما الحرام البين فكالخمر والخنزير والميتة والبول، وكذلك الزنا والكذب والغيبة وأشباه ذلك "وبينهما أمور متشابهات" وفي بعض النسخ مشتبهات من باب الأفتعال، وفي بعضها مشبهات من باب التفعيل.
وقال النووي: وأما المشبهات فمعناه أنها ليست بواضحة الحل ولا الحرمة، فلهذا لا يعرفها كثير من الناس ولا يعلمون حكمها، وأما العلماء فيعرفون حكمها بنص أو قياس أو استصحاب أو غير ذلك وأطال النووي فيه الكلام "أحياناً" ظرف مقدم ليقول أي يقول في بعض الأوقات "مشتبهة" أي مكان متشابهات "وسأضرب لكم في ذلك مثلاً" أي سأبين لإيضاح حكم تلك الأمور مثالاً "إن الله حمي حِمًى" بكسر الحاء وفتح الميم هو ما يحميه الإمام لمواشيه ويمنع الغير "يوشك" بكسر الشين المعجمة أي يقرب "أن يخالطه" أي يقع في الحمى، شبه المكلف

(9/127)


3328 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى الرّازِيّ أنْبأنَا عِيسَى عن زَكَرِيّا عن عَامِرٍ الشّعْبِيّ قالَ: سَمِعْتُ النّعْمَانَ بنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ بِهَذَا الْحَدِيثِ قالَ: "وَبَيْنَهُمَا مَشَبّهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، فَمَنْ اتّقَى الشّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ دِينَهُ وَعِرْضَهُ وَمَنْ وَقَعَ في الشّبُهَاتِ وَقَعَ في الْحَرَامِ" .
3329 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ عِيسَى أخبرنا هُشَيْمٌ أخبرنا عَبّادُ بنُ رَاشِدٍ قالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بنَ أبي خَيْرَةَ يَقُولُ أخبرنا الْحَسَنُ مُنْذُ أرْبَعِينَ سَنَةً عن أبِي هُرَيْرَةَ قالَ قالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم ح. وحدثنا وَهبُ بنُ بَقِيّةَ أخبرنا خَالِدٌ عن دَاوُدَ - يَعْني ابنَ أبي هِنْدٍ وَهَذَا لَفْظُهُ عن سَعِيدِ بنِ أبي خَيْرَةَ عن الْحَسَنِ عن أبي هُرَيْرَةَ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ:
ـــــــ
بالراعي، والنفس البهيمة بالأنعام، والمشبهات بهما حول الحمى والمعاصي بالحمى، وتناوله المشبهات بالرتع حول الحمى، فهو تشبيه بالمحسوس الذي لا بخفي حاله. ووجه التشبيه حصول العقاب بعدم الاحتراز في ذلك، كما أن الراعي إذا جره رعيه حول الحمى إلى وقوعه استحق العقاب لذلك، فكذا من أكثر من الشبهات وتعرض لمقدماتها وقع في الحرام فاستحق العقاب ذكره القسطلاني "الريبة" أي الأمر المشتبه والمشكوك "أن يجسر" بالجيم من الجسارة أي على الوقوع في الحرام، وفي بعض النسخ يخسر بالخاء المعجمة.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه. "وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس" قال الخطابي: أي أنها تشتبه على بعض الناس دون بعض، وليس أنها في ذوات أنفسها مشتبهة لا بيان لها في جملة أصول الشريعة، فإن الله سبحانه لم يترك شيئاً يجب له فيه حكم إلا وقد جعل فيه له بياناً ونصب عليه دليلاً، ولكن البيان ضربان، بيان جلي يعرفه عامة الناس، وخفي لا يعرفه إلا الخاص من العلماء. قال والدليل على صحة ما قلنا قوله عليه السلام "لا يعلمها كثير" وقد عقل ببيان فحواه أن بعض الناس يعرفونها وإن كانوا قليل العدد. وإذا صار معلوماً عند بعضهم فليس بمشبه في نفسه انتهى. مختصراً "فمن اتقى الشبهات" أي اجتنب عن الأمور المشتبهة قبل ظهور حكم الشرع فيها "استبرأ دينه وعرضه" يعني بالغ في براءة دينه من أن يختل بالمحارم، وعرضه من أن يتهم بترك الورع والسين فيه للمبالغة كما قال صاحب الكشاف في قوله تعالى {وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ} استعف أبلغ من عف كأنه طالب زيادة العفة كذا قال ابن الملك في شرح المشارق "وقع في الحرام" يعني يوشك أن يقع فيه لأنه حول حريمه.

(9/128)


"لَيَأْتِيَنّ علَى النّاسِ زَمَانٌ لاَ يَبْقَى أحَدٌ إلاّ أكَلَ الرّبَا فَإنْ لَمْ يَأْكُلْهُ أصَابَهُ مِنْ بُخَارِهِ". قالَ ابنُ عِيسَى: "أصَابَهُ مِنْ غُبَارِهِ" .
3330 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ الْعَلاَءِ أنْبأنَا ابنُ إدْرِيسَ أنْبأنَا عَاصِمُ بنُ كُلَيْبٍ عن أبِيهِ عن رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ قال: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في جَنَازَةٍ فَرَأيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ عَلَى الْقَبْرِ يُوصِي الْحَافِرَ أوْسَعَ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْهِ أوْسَعَ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ، فَلَمّا رَجَعَ اسْتَقْبَلَهُ دَاعِي امْرَأةٍ، فَجَاءَ فَجِيءَ بالطّعَامِ فَوَضَعَ يَدَهُ، ثُمّ وَضَعَ الْقَوْمُ فَأكَلُوا فَنَظَرَ آبَاؤُنَا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَلُوكُ لُقْمَةً في فَمِهِ، ثُمّ قالَ: "أجِدُ لَحْمَ شَاةٍ أُخِذَتْ بِغَيْرِ إذْنِ أهْلِهَا" ، فَأَرْسَلَتْ المَرْأةُ قالَتْ: يَارَسُولَ الله إنّي أَرْسَلْتُ إلَى الْبَقِيعِ يَشْتَرِي لِي شَاةً فَلَمْ أجِدْ فَأَرْسَلْتُ إلَى
ـــــــ
"إلا أكل الربا" قال القاري بصيغة الفاعل أو الماضي، والمستثنى صفة لأحد والمستثنى منه محذوف، والتقدير ولا يبقى أحد منهم له وصف إلا وصف كونه آكل الربا فهو كناية عن انتشاره في الناس بحيث أنه يأكله كل أحد "من بخاره" أي يصل إليه أثره بأن يكون شاهداً في عقد الربا أو كاتباً أوآكلا من ضيافة أكله أو هديته والمعنى أنه لو فرض أن أحداً سلم من حقيقته لم يسلم من آثاره وإن قلت جداً. قاله القاري.
قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه، والحسن لم يسمع من أبي هريرة فهو منقطع.
"في جنازة" بكسر الجيم وفتحها "يوصي الحافر" أي الذي يحفر القبر "أوسع" أمر مخاطب للحافر "من قبل رجليه" بكسر القاف وفتح الباء أي من جانبهما "فلما رجع" أي عن المقبرة "استقبله" أي النبي صلى الله عليه وسلم "داعي امرأة" كذا في النسخ الحاضرة وفي المشكاة داعي امرأته بالإضافة إلى الضمير
قال القاري أي زوجة المتوفي "فوضع" أي النبي صلى الله عليه وسلم "يده" أي في الطعام "يلوك لقمة" أي يمضغها، واللوك إدارة الشيء في الفم "إلى البقيع" بالموحدة، وفي بعض النسخ بالنون، ولفظ المشكاة إلى النقيع، وهو موضع يباع فيه الغنم.
قال القاري: النقيع بالنون والتفسير مدرج من بعض الرواة. وفي المقدمة النقيع موضع بشرق المدينة. وقال في التهذيب: هو في صدر وادي العقيق على نحو عشرين ميلاً من

(9/129)


جَارٍ لِي قَدِ اشْتَرَى شَاةً أنْ أَرْسِلْ إلَيّ بِهَا بِثَمَنِهَا فَلَمْ يُوجَدْ فَأَرْسَلْتُ إلَى امْرَأتِهِ فَأرْسَلَتْ إلَيّ بِهَا فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أَطْعِمِيهِ الأُسَارَى" .
ـــــــ
المدينة.
قال الخطابي: أخطأ من قال بالموحدة انتهى. "أن أرسل إلي بها" أي بالشاة المشتراة لنفسه "بثمنها" أي الذي اشتراها به "فلم يوجد" أي الجار "فأرسلت" أي المرأة "إلي بها" أي بالشاة، فظهر أن شرائها غير صحيح، لأن أذن زوجته ورضاها غير صحيح، وهو يقارب بيع الفضولي المتوقف على إجازة صاحبه وعلى كل فالشبهة قوية والمباشرة غير مرضية "أطعميه" أي هذا الطعام "الأسارى" جمع أسير، والغالب أنه فقير.
وقال الطيبي: وهم كفار وذلك أنه لما لم يوجد صاحب الشاة ليستحلوا منه وكان الطعام في صدد الفساد ولم يكن بد من إطعام هؤلاء فأمر بإطعامهم انتهى. والحديث سكت عنه المنذري.

(9/130)


4- باب في آكل الربا وموكله
3331 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ أخبرنا زُهَيْرٌ أخبرنا سِمَاكٌ حَدّثني عبد الرحمن بنُ عبد الله بنِ مَسْعُودٍ عن أبِيهِ قال: لَعَنَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم آكِلَ الرّبَا وَمُوكِلَهُ وَشَاهِدَهُ وَكَاتِبَهُ .
ـــــــ
"باب في آكل الربا وموكله"
"أكل الربا" أي أخذه وإن لم يأكل، وإنما خص بالأكل لأنه أعظم أنواع الانتفاع "وموكله" بهمز ويبدل أي معطيه لمن يأخده "وشاهده وكاتبه" قال النووي: فيه تصريح بتحريم كتابة المترابيين والشهادة عليهما، وبتحريم الإعانة على الباطل.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن صحيح وأخرجه مسلم من حديث جابر بن عبد الله بتمامه، ومن حديث علقمة عن عبد الله بن مسعود في أكل الربا وموكله فقط.
وأخرج البخاري من حديث أبي جحيفة رضي الله عنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب وعن ثمن الدم، ونهى عن الواشمة والموشومة، وأكل الربا وموكله، ولعن المصور.

(9/130)


5- باب في وضع الربا
3332 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا أبُو الأحْوَصِ أخبرنا شَبِيبُ بنُ غَرْقَدَةَ عن سُلَيْمَانَ بنِ عَمْرٍو عن أبِيهِ قالَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم في حِجّةِ الْوَدَاعِ يَقُولُ: "ألاَ إنّ كُلّ رِباً مِنْ رِبَا الْجَاهِلِيّةِ مَوْضُوعٌ لَكُمْ رُؤُوسُ أمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ، ألاَ وَإنّ كُلّ دَمٍ مِنْ دَمِ الْجَاهِلِيّةِ مَوْضُوعٌ، وَأوّلُ دَمٍ أضَعُ مِنْهَا دَمُ الْحَارِثِ بنِ عَبْدِالمُطّلِبِ كَانَ مُسْتَرْضَعاً في بَنِي لَيْثٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ قالَ: اللّهُمّ هَلْ بَلّغْتُ"؟ قالُوا: نَعَمْ ثَلاَثَ مَرّاتٍ، قالَ: "اللّهُمّ اشْهَدْ ثَلاَثَ مَرّاتٍ" .
ـــــــ
"باب في وضع الربا"
"موضوع" قال النووي: المراد بالوضع الرد والإبطال "لا تظلمون ولا تظلمون" الأول معروف والثاني مجهول "دم الحارث بن عبدالمطلب الخ" قال الخطابي: هكذا روى أبو داوود، وإنما هو في سائر الروايات دم ربيعه بن الحارث بن عبدالمطلب، وحدثني عبد الله بن محمد المكي قال حدثنا علي بن عبد العزيز عن أبي عبيد قال أخبرني ابن الكلبي أن ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب لم يقتل وقد عاش بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زمن عمر وإنما قتل ابن له صغير في الجاهلية فأهدر النبي صلى الله عليه وسلم دمه فيما أهدر ونسب الدم إليه لأن ولي الدم انتهى.
وفي الحديث أن أدركه الأسلام من أحكام الجاهلية، فإنه يلقاه بالرد والتنكير، وأن الكافر إذا أربى في كفره ثم لم يقبض المال حتى أسلم فأنه يأخذ رأس ماله ويضع الربا، فأما ما كان قد مضى من أحكامهم فإن الإسلام يلقاه بالعفو فلا يعترض لهم في ذلك. قاله الخطابي.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه. وقال الترمذي حسن صحيح، وهذا مذكور في حديث جابر بن عبد الله الطويل، وقد أخرجه مسلم وأبو داوود بنحوه.

(9/131)


6- باب في كراهية اليمين في البيع
3333 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ عَمْرِو بنِ السّرْحِ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ ح. وَأخبرنا أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ أخبرنا عَنْبَسَةُ عن يُونُسَ عن ابنِ شِهَابٍ قالَ قالَ لِي ابنُ المُسَيّبِ: إنّ أبَا هُرَيْرَةَ قالَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "الْحَلْفُ مَنْفَقَةٌ لِلسّلْعَةِ مَمْحَقَةٌ لِلْبَرَكَةِ".
وَقَالَ ابنُ السّرْحِ: "لِلْكَسْبِ"، وَقالَ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
"باب في كراهية اليمين في البيع"
"الحلف" بفتح المهملة وكسر اللام اليمين الكاذبة. قاله السيوطي "منفقة" بفتح أوله وثالثه وسكون ثانيه وكذا ممحقة "للسلعة" بالكسر أي مظنة وسبب لنفاقها "النفاق ضد الفساد" أي رواجها في ظن الحالف "ممحقة للبركة" أي ظنة للمحق وهو النقص والمحو والإبطال.
وقال القاري: أي سبب ذهاب بركة المكسوب إما بتلف يلحقه في ماله أو بانفاقه في غير ما يعود نفعه إليه في العاجل أو ثوابه في الآجل أو بقي عنده وحرم نفعه أو ورثه من لا يحمده، وروى بضم الميم وكسر ثالثة انتهى. "وقال ابن السرح للكسب" أي مكان للسلعة "وقال" أي ابن السرح في حديثه سعيد بن المسيب وصرح باسم ابن المسيب. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.

(9/132)


7- باب في الرجحان في الوزن والوزن بالأجر
3334 - حدثنا عبيد الله بنُ مُعَاذٍ أخبرنا أبِي أخبرنا سُفْيَانُ عن سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ أخبرنا سُوَيْدُ [حدثني بنُ قَيْسٍ قال: جَلَبْتُ أنَا وَمَخْرَفَةُ الْعَبْدِيّ بَزّا مِنْ هَجَرَ فَأَتَيْنَا بِهِ
ـــــــ
"باب في الرجحان في الوزن والوزن بالأجر"
"ومخرفة" بالفاء، وفي بعض النسخ مخرمة بالميم مكان الفاء.
قال القاري: بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة فراء ثم فاء، ويقال بالميم، والصحيح الأول كذا في الاستيعاب انتهى "بزا" بتشديد الزاي أي ثياباً "من هجر" بفتحتين موضع قريب من المدينة وهو مصروف. وفي المغرب البز ضرب من الثياب "فأتينا به" أي بذلك البز

(9/132)


مَكّةَ فَجَاءَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَمْشِي فَسَاوَمَنَا بِسَرَاوِيلَ [سراويل] فَبِعْنَاهُ وَثَمّ رَجُلٌ يَزِنُ بالأجْرِ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "زِنْ وَأرْجِحْ".
3335 - حدثنا حَفْصُ بنُ عَمُرَ وَ مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ المَعْنَى قَرِيبٌ قالا أخبرنا شُعْبَةُ عن سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ عن أبي صَفْوَانَ بنِ عُمَيْرَةَ قالَ: أتَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم بِمَكّةَ قَبْلَ أنْ يُهَاجِرَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَلَمْ يَذْكُرْ يَزِنْ بِأَجْرٍ. [بالأجر].
ـــــــ
المجلوب "مكة" أي إليها "يمشي" حال أي جاءنا ماشياً "وثم" بفتح المثلثة أي هناك "يزن" أي الثمن "بالأجر" أي الأجرة "فقال له" أي للرجل "زن" بكسر الزاي أي تمنه "وارجح" بفتح الهمزة وكسر الجيم وفي القاموس: رجح الميزان يرجح مثلثة رجوحاً ورجحاناً مال، وأرجح له ورجح أعطاه راجحاً.
قال الخطابي: فيه دليل على جواز أخذ الأجرة على الوزن والكيل، وفي معناهما أجرة القسام والحاسب، وكان سعيد بن المسيب ينهي عن أجرة القسام وكرهها أحمد بن حنبل، فكان في مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم وأمره إياه به كالدليل على أن وزن الثمن على المشتري، وإذا كان الوزن عليه، لأن الإيفاء يلزمه فقد دلّ على أن أجرة الوزان عليه وإذا كان ذلك على المشتري فقياسه في السلعة المبيعة أن يكون على البائع انتهى.
قال السيوطي: ذكر بعضهم أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى السراويل ولم يلبسها. وفي الهدى لابن القيم الجوزي أنه لبسها فقيل إنه سبق قلم، لكن في مسند أبي يعلى والمعجم الأوسط للطبراني بسند ضعيف عن أبي هريرة قال: "دخلت يوماً السوق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلس إلى البزازين فاشترى سراويل بأربعة دراهم، قلت يارسول الله وإنك لتلبس السروايل، فقال أجل في السفر والحضر والليل والنهار فإني أمرت بالستر فلم أجد شيئاً أستر منه" كذا في فتح الودود.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن صحيح. هذا آخر كلامه ومخرفة هذا بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وبعدها راء مهملة وفاء وتاء تأنيث.
"المعنى قريب" أي روايتهما متقاربتان في المعنى "بهذا الحديث" أي السابق ولفظ النسائي أخبرنا محمد بن المثني ومحمد بن بشار عن محمد حدثنا شعبة عن سماك بن حرب قال سمعت أبا صفوان قال: "بعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم سراويل قبل الهجرة فأرجح لي" "ولم يذكر يزن بأجر" أي لم يذكر شعبة في روايته هذا اللفظ.
"والقول قول سفيان" أي القول الأصح

(9/133)


قَالَ أبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ قَيْسٌ كَمَا قالَ سُفْيَانُ وَالْقَوْلُ قَوْلُ سُفْيَانَ.
3336 - حدثنا ابنُ أبِي رِزْمَةَ قالَ سَمِعْتُ أبِي يَقُولُ قالَ رَجُلٌ لِشُعْبَةَ خَالَفَكَ سُفْيَانُ فقال دَمَغْتَنِي، وَبَلَغَنِي عن يَحْيَى بنِ مَعِينَ قالَ كُلّ مَنْ خَالَفَ سُفْيَانَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ سُفْيَانَ.
3337 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا وَكِيعٌ عن شُعْبَةَ قال: كَانَ سُفْيَانُ أُحْفَظَ مِنّي.
ـــــــ
والأوثق هو قول سفيان.
وقال البيهقي في السنن الكبرى بعد ما ذكر حديث سفيان وكذا رواه قيس بن الربيع عن سماك وخالفهما شعبة، ثم أخرجه من طريقه عن سماك سمعت أبا صفوان مالك بن عميرة الحديث، ثم ذكر البيهقي عن أبي داوود أنه قال القول قول سفيان، لكن أخرجه الحاكم في المستدرك من طريق شعبة عن سماك سمعت أبا صفوان يقول سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم الحديث، ثم قال الحاكم أبو صفوان كنيته سويد بن قيس هما واحد صحابي من الأنصار. والحديث صحيح على شرط مسلم انتهى.
قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه، ووقع في حديث النسائي وابن ماجه سمعت مالكاً أبا صفوان، وقال النسائي حديث سفيان أشبه بالصواب يعني الحديث الأول الذي فيه سويد بن قيس وقال أبو داوود والقول قول سفيان وقال الحاكم أبو أحمد الكرابيسي أبو صفوان مالك بن عميرة، ويقال سويد بن قيس باع من النبي صلى الله عليه وسلم فأرجح له. وقال أبو عمر النمري: أبو صفوان مالك بن عميرة ويقال سويد بن قيس وذكر له هذا الحديث، وهذا يدل على أنه عندهما رجل واحد كنيته أبو صفوان، واختلف في إسمه والله عزوجل أعلم.
"دمغتني" دمغه كمنعه ونصره أي شجه حتى بلغت الشجة الدماغ. كذا في القاموس.

(9/134)


8- باب في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "المكيال مكيال المدينة"
3338 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا ابنُ دُكَيْنٍ أخبرنا سُفْيَانُ عن حَنْظَلَةَ عن طَاوُوسٍ عن ابنِ عُمَرَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "الْوَزْنُ وَزْنُ أهْلِ مَكّةَ وَالمِكْيَالُ مِكْيَالُ أهْلِ المَدِينَةِ" .
ـــــــ
"باب في قول النبي صلى الله عليه وسلم الخ"
"ابن دكين" مصفر هو فضل بن دكين ثقة حافظ "أخبرنا سفيان" هو الثوري "عن حنضلة" بن أبي سفيان الجمحي "الوزن" أي المعتبر "وزن أهل مكة" لأنهم أهل تجارات، فعهدهم بالموازين وعلمهم بالأوزان أكثر. كذا قاله القاضي "والمكيال" المعتبر "مكيال أهل المدينة" لأنهم أصحاب زراعات فهم أعلم بأحوال المكاييل. وفي شرح السنة: الحديث فيما يتعلق بالكيل والوزن من حقوق الله تعالى كالزكوات والكفارات ونحوها حتى لا تجب الزكاة في الدراهم حتى تبلغ مائتي درهم بوزن مكة، والصاع في صدقة الفطر صاع أهل المدينة كل صاع خمسة أرطال وثلث رطل. كذا في المرقاة. وقال السندي في حاشية النسائي: قوله المكيال على مكيال أهل المدينة أي الصاع الذي يتعلق به وجوب الكفارات ويجب إخراج صدقة الفطر به صاع المدينة وكانت الصيعان مختلفة في البلاد، والمراد بالوزن وزن الذهب والفضة فقط أي الوزن المعتبر في باب الزكاة وزن أهل مكة وهي الدراهم التي العشرة منها بسبعة مثاقيل وكانت الدراهم مختلفة الأوزان في البلاد وكانت دراهم أهل مكة هي الدراهم المعتبرة في باب الزكاة، فأرشد صلى الله عليه وسلم إلى ذلك لهذا الكلام، كما أرشد إلى بيان الصاع المعتبر في باب الكفارات وصدقة الفطر انتهى. وفي نيل الأوطار: والحديث فيه دليل على أنه يرجع عند الاختلاف في الكيل إلى مكيال المدينة، وعند الاختلاف في الوزن إلى ميزان مكة.
أما مقدار ميزان مكة فقال ابن حزم بحثت غاية البحث عن كل من وثقت بتمييزه فوجدت كلا يقول إن دينار الذهب بمكة وزنه اثنتان وثمانون حبة وثلاثة أعشار حبة بالحب من الشعير، والدرهم سبعة أعشار المثقال، فوزن الدرهم سبع وخمسون حبة وستة أعشار حبة وعشر عشر حبة، فالرطل مائة وثمانية وعشرون درهماً بالدرهم المذكور انتهى.
قال المنذري: والحديث أخرجه النسائي. وفي رواية لأبي داوود عن ابن عباس مكان ابن عمر، وفي رواية وزن المدينة ومكيال مكة انتهى.

(9/135)


قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَكَذَا رَوَاهُ الْفِرْيَابِيّ وَأبُو أَحْمَدَ عن سُفْيَانَ وَافَقَهُمَا في المَتْنِ، وَقالَ أبُو أَحْمَدَ عن ابنِ عَبّاسٍ مَكَانَ ابنِ عُمَرَ. وَرَوَاهُ الْوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ عن حَنْظَلَةَ فقالَ: "وَزْنُ المَدِينَةِ وَمِكْيَالُ مَكّةَ".
قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَاخْتُلِفَ في المَتْنِ في حَدِيثِ مَالِكِ بنِ دِينَارٍ عن عَطَاءٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم في هَذَا.
ـــــــ
قلت: حديث طاوس عن ابن عمر سكت عنه المؤلف والمنذري وأخرجه أيضاً البزار وصححه ابن حبان والدارقطني.
"وكذا رواه الفريابي" بكسر الفاء منسوب إلى فرياب مدينة ببلاد الترك كذا في جامع الأصول، هو محمد بن يوسف ثقة فاضل عابد من أجله أصحاب الثوري "وأبو أحمد" الزبيري الكوفي ثقة "وافقهما" أي وافق فضل بن دكين في هذا المتن الفريابي وأبا أحمد الزبيري "وقال أبو أحمد عن ابن عباس" والمعنى أي رواه فضل بن دكين عن سفيان الثوري بلفظ "الوزن وزن أهل مكة والمكيال مكيال أهل المدينة" وهكذا رواه محمد بن يوسف الفريابي وأبو أحمد الزبيري عن الثوري، فهؤلاء الثلاثة اتفقوا في روايتهم عن الثوري على هذا اللفظ.
أما أبو أحمد الزبيري فجعله من مسندات ابن عباس، وأما فضل بن دكين والفريابي فجعلاه من مسندات ابن عمر. قلت: وكذا جعله أبو نعيم عن الثوري من حديث ابن عمر وروايته عند النسائي. قال المحدثون: طريق سفيان الثوري عن حنظلة عن طاوس عن ابن عمر هي أصح الروايات.
وروى الدارقطني من طريق أبي أحمد الزبيري عن سفيان عن حنظلة عن طاوس عن ابن عباس، ورواه من طريق أبي نعيم عن الثوري عن حنظلة عن سالم بدل طاوس عن ابن عباس.
قال الدارقطني: أخطأ أبو أحمد فيه "ورواه الوليد بن مسلم" الدمشقي ثقة لكنه كثير التدليس "فقال وزن المدينة ومكيال مكة" وهذا المتن مخالف لمتن سفيان، ورجع المحدثون رواية سفيان في هذا "واختلف" بصيغة المجهول "في المتن" المروى "في حديث مالك بن دينار عن عطاء" مرسلا "عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا" الباب أي اختلف الرواة على مالك بن دينار في هذا الحديث المرسل في متنه، فروى بعضهم عن مالك ابن دينار كما رواه سفيان عن حنظلة ورواه بعضهم عن مالك بن دينار كما رواه الوليد بن مسلم عن حنظلة والله أعلم.

(9/136)


9- باب في التشديد في الدين
3339 - حدثنا سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ أخبرنا أبُو الأحْوَصِ عن سَعِيدِ بنِ مَسْرُوقٍ عن الشّعْبِيّ عن سَمْعَانَ عن سَمُرَةَ قال: خَطَبَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فقالَ: "هَهُنَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي فُلاَنَ"؟ فَلمْ يُجِبْهُ أحَدٌ، ثُمّ قالَ: "هَهُنَا أحَدٌ مِنْ بَنِي فُلاَنٍ"؟ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ. ثُمّ قَالَ: "هَهُنَا أحَدٌ مِنْ بَنِي فُلاَنٍ"؟ فَقَامَ رَجُلٌ فقالَ: أنَا يَارَسُول الله، فقالَ: "مَا مَنَعَكَ أنْ تُجِيبَنِي في المَرّتَيْنِ الأُوْلَيَيْنِ أمَا إنّي لَمْ أُنَوّهْ بِكُمْ إلاّ خَيْراً إنّ صَاحِبَكُم مَأْسُورٌ بِدَيْنِهِ، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ أدّى عَنْهُ حَتّى مَا بَقِيَ أحَدٌ يَطْلُبُهُ بِشَيْءٍ".
قَالَ أبُو دَاوُدَ: سَمْعَانُ بنُ مُشَنّجٍ.
3340 - حدثنا سُلَيْمَانُ بنُ دَاوُدَ المَهْرِيّ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ حَدّثَني سَعِيدُ بنُ أبي أيّوبَ أنّهُ سَمِعَ أبَا عبد الله الْقُرَشِيّ يَقُولُ سَمِعْتُ أبَا بُرْدَةَ بنَ أبي مُوَسَى الأشْعَرِيّ يَقُولُ عن أبِيهِ عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أنّهُ قال: "إنّ أَعْظَمَ الذّنُوبِ عِنْدَ الله أنْ يَلْقَاهُ بِهَا عَبْدٌ بَعْدَ الْكَبَائِرِ الّتِي
ـــــــ
"باب في التشديد في الدين"
"ها هنا أحد" وفي رواية النسائي قال "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة فقال أها ههنا من بني فلان أحد ثلاثاً "إني لم أنوه بكم" بصيغة المضارع المتكلم من نوهته تنويهاً إذا رفعته، والمعنى لا أرفع لكم ولا أذكر لكم إلا خيراً. كذا في فتح الودود. وقال في القاموس: نوهه وبه دعاه ورفعه انتهى. "مأسور" أي محبوس وممنوع عن دخوله الجنة. قاله في فتح الودود "فلقدر أيته" أي الرجل من بني فلان وهذه مقولة سمرة "أدى" أي ذلك الرجل "عنه" أي عن المأسور بدينه. قال المنذري: وأخرجه النسائي وذكر أنه روى عن الشعبي مرسلا، وذكر البخاري في التاريخ الكبير وقال لا يعلم لسمعان سماع عن سمرة. ولا للشعبي من سمعان "قال أبو داوود سمعان بن مشنج" بمعجمة ونون ثقيلة ثم جيم على وزن معظم. قال في تهذيب التهذيب: وروى عنه عامر الشعبي ولم يرو عنه غيره. قال البخاري: ولا نعلم لسمعان سماعاً من سمرة ولا للشعبي من سمعان وثقة ابن حبان وأبو نصر بن ماكولا وقال ليس له غير حديث واحد انتهى.
"إن أعظم الذنوب عنه الله" قال العلقمي: أي من أعظمها فحذف من وهي مرادة، كما يقال أعقل الناس ويراد أنه من أعقلهم "أن يلقاه" خبر إن. قال المناوي: أي أن يلقي الله متلبساً بها مصراً عليها، وهو إما ظرف أو حال انتهى. أي في حال لقيه بها "بها" أي بأعظم الذنوب

(9/137)


نَهَى الله عَنْهَا أنْ يَمُوتَ رَجُلٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لاَ يَدَعُ لَهُ قَضَاءٌ".
3341 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ المُتَوَكّلِ الْعَسْقَلاَنِيّ أخبرنا عَبْدُالرّزّاقِ أنْبأنَا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن أبِي سَلَمَةَ عن جَابِرٍ قالَ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لاَ يُصَلّي عَلَى رَجُلٍ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَأُتِيَ بِمَيّتٍ فقالَ: "أعَلَيْهِ دَيْنٌ"؟ قالُوا: نَعَمْ دِينَارَانِ، قال: "صَلّوا عَلَى صَاحِبِكُم"، فَقالَ أبُو قَتَادَةَ الأَنْصَارِيّ: هُمَا عَلَيّ يَارَسُولَ الله، فَصَلّى عَلَيْهِ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فَلَمّا فَتَحَ الله عَلَى رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم قالَ : "أنَا أوْلَى بِكُلّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ، فَمَنْ تَرَكَ دَيْناً فَعَلَيّ قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالاً فَلِوَرَثَتِهِ" .
ـــــــ
"عبد" فاعل يلقي "بعد الكبائر التي نهى الله عنها" بمنزلة الاستثناء من أعظم الذنوب "أن يموت رجل" بدل من أن يلقاه، فإن لقاء العبد ربه إنما هو بعد الموت، ولأنك إذا قلت إن أعظم الذنوب عند الله موت الرجل "وعليه دين" استقام ورجل مظهر أقيم مقام ضمير العبد. قال الطيبي رحمه الله: فإن قلت قد سبق أن حقوق الله مبناها على المساهلة وليس كذلك حقوق الآدميين في قوله "يغفر للشهد كل ذنب إلا الدين" وها هنا جعله دون الكبائر فما وجه التوفيق قلت: قد وجهناه أنه على سبيل المبالغة تحذيراً وتوقياً عن الدين، وهذا مجرى على ظاهره انتهى "لا يدع له قضاء" صفة لدين أي لا يترك لذلك الدين مالا يقضي به.
قال المظهر: فعل الكبائر عصيان الله تعالى، وأخذ الدين ليس بعصيان بل الاقتراض والتزام الدين جائز، وإنما شدد رسول الله صلى الله عليه وسلم على من مات وعليه دين ولم يترك ما يقضي دينه كيلا تضيع حقوق الناس انتهى. كذا في المرقاة. قال العزيزي: هذا محمول على ما إذا قصر في الوفاء أو استدان لمعصية انتهى. والحديث سكت عن المنذري.
"لا يصلى على رجل مات وعليه دين" قال القاضي رحمه الله وغيره: وامتناع النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة على المديون الذي لم يدع وفاء إما للتحذير عن الدين والزجر عن المماطلة والتقصير في الأداء أو كراهة أن يوقف دعاؤه بسبب ما عليه من حقوق الناس ومظالمهم انتهى.
"أنا أولى بكل مؤمن إلخ" في كلك شيء لأني الخليفة الأكبر الممد لكل موجود، فحكمي عليهم أنفذ من حكمهم على أنفسهم، وذا قاله لما نزلت الآية "فعلى قضاؤه" مما يفيء الله به من غنيمة وصدقة، وذا ناسخ لتركه الصلاة على من مات وعليه دين وتقدم شرحه في كتاب الفرائض. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة.

(9/138)


3342 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ وَ قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ عن شَرِيكٍ عن سِمَاكٍ عن عِكْرِمَةَ رَفَعَهُ، قالَ عُثْمَانُ وَأخبرنا وَكِيعٌ عن شَرِيكٍ عن سِمَاكٍ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَهُ قالَ: اشْتَرَى مِنْ عِيرٍ بَيْعاً [تبيعاً] وَلَيْسَ عِنْدَهُ ثَمَنُهُ، فَأُرْبِحَ فِيهِ فَبَاعَهُ، فَتَصَدّقَ بالرّبْحِ عَلَى أرَامِلِ بَنِي عَبْدِالمُطّلِبِ وقالَ: لاَ أشْتَرِي بَعْدَهَا شَيْئاً إلاّ وَعِنْدِي ثَمَنُهُ .
ـــــــ
"اشترى" أي النبي صلى الله عليه وسلم "من عير" بكسر العين أي قافلة "بيعاً" وفي بعض النسخ تبيعاً "فأربح فيه" بصيغة المجهول أي أعطى النبي صلى الله عليه وسلم النفع والربح في ذلك المال الذي اشتراه من العير "فباعه" النبي صلى الله عليه وسلم ذلك المال بالربح بعد أن قبضه. وعند أحمد في مسنده حدثنا وكيع حدثنا شريك عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: "قدمت عير المدينة فاشترى النبي صلى الله عليه وسلم فربح أواقي فقسمها في أرامل بني عبدالمطلب وقال لا أشتري شيئاً ليس عندي ثمنه "على أرامل بني عبدالمطلب" قال في القاموس: رجل أرمل وامرأة أرملة محتاجة أو مسكينة جمع أرامل وأراملة انتهى. والحديث أخرجه أبو داوود من وجه مرسلا ومن وجه متصلا ولم يتكلم عليه المنذري.

(9/139)


10- باب في المطل
3343 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن أبي الزّنَادِ عن الأعْرَجِ عن أبِي هُرَيْرَةَ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَطَلُ الْغَنِيّ ظُلْمٌ، وَإذَا أُتْبِعَ أحَدُكُم عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ" .
ـــــــ
"باب في المطل"
أي التسويف والتأخير "مطل الغني" أي تأخيره أداء الدين من وقت إلى وقت "ظلم" فإن المطل منع أداء ما استحق أداؤه وهو حرام من المتمكن ولو كان غنياً ولكنه ليس متمكناً جاز له التأخير إلى الإمكان ذكره النووي "فإذا أتبع" بضم الهمزة القطعية وسكون المثناة الفوقية وكسر الموحدة أي جعل تابعاً للغير بطلب الحق، وحاصله أنه إذا أحيل "أحدكم على ملىء" بفتح الميم وكسر اللام وياء ساكنة فهمز أي غني. في النهاية: الملىء بالهمزة الثقة الغني، وقد أولع الناس فيه بترك الهمزة وتشديد الياء "فليتبع" بفتح الياء وسكون التاء وفيح والموحدة أي فليحتمل أي فليقبل الحوالة.

(9/139)


..............................
ـــــــ
قال النووي: مذهب أصحابنا والجمهور أن الأمر للندب، وقيل للاباحة، وقيل للوجوب انتهى.
قال الخطابي: في قوله مطل الغني ظلم دلالة على أنه إذا لم يكن غنياً لا يجد ما يقضيه لم يكن ظالماً، وإذا لم يكن ظالماً لم يجز حبسه لأن الحبس عقوبة ولا عقوبة على غير الظالم. وقوله أتبع بريد إذا أحيل، وأصحاب الحديث يقولون أتبع بتشديد التاء وهو غلط وصوابه أُتْبِعَ ساكنة التاء على وزن أُفْعِلَ انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.

(9/140)


11- باب في حسن القضاء
3344 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عن عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ عن أبِي رَافِعٍ قال: اسْتَسْلَفَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بَكْراً فَجَاءَتْهُ إبِلٌ مِنَ الصّدَقَةِ فَأَمَرَنِي أنْ أَقْضِيَ الرّجُلَ بَكْرَهُ، فَقُلْتُ: لَمْ أجِدْ في الإبِلِ إلاّ جَمَلاً خِيَاراً رَبَاعِيّا، فقالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "أَعْطِهِ إيّاهُ فَإنّ خِيَارَ النّاسِ أحْسَنُهُمْ قَضَاءً".
3345 - حدثنا أَحْمَدُ بنْ حَنْبَلٍ أخبرنا يَحْيَى عن مِسْعَرٍ عن مُحَارِبِ بنِ دِثَارٍ
ـــــــ
"باب في حسن القضاء"
"استسلف" أي استقرض "بكراً" بفتح موحدة وسكون كاف من الإبل بمنزلة الغلام من الإنسان "فجاءته" أي النبي صلى الله عليه وسلم "إبل من الصدقة" أي قطعة إبل من إبل الصدقة "إلا جملا خياراً" يقال جمل خيار وناقة خيارة أي مختارة "رباعياً" بفتح الراء وتخفيف الباء والياء وهو من الإبل ما أتى عليه ست سنين ودخل في السابعة حين طلعت رباعيته "أعطه" أي الجمل الخيار "إياه" أي الرجل. وفي الحديث دليل على أن من استقرض شيئاً فرد أحسن أو أكثر منه من غير شرطه كان محسناً ويحل ذلك للمقرض.
وقال النووي رحمه الله: يجوز للمقرض أخذ الزيادة سواء زاد في الصفة أو في العدد. ومذهب مالك أن الزيادة في العدد منهي عنها. وحجة أصحابنا عموم قوله صلى الله عليه وسلم "فإن خير الناس أحسنهم قضاء" وفي الحديث دليل على أن رد الأجود في القرض أو الدين من السنة ومكارم الأخلاق، وليس هو من قرض جر منفعة، لأن المنهي عنه ما كان مشروطاً في عقد القرض. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.

(9/140)


قالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بنَ عبد الله قال: كَانَ لِي عَلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم دَيْنٌ فَقَضَانِي وَزَادَنِي.
ـــــــ
"كان لي على النبي صلى الله عليه وسلم دين الخ" قال المنذري: وأخرجه النسائي.

(9/141)


12- باب في الصرف
3346 - حدثنا عبد الله بنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن ابنِ شِهَابٍ عن مَالِكِ بنِ أَوْسٍ عن عُمَرَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: " الذّهَبُ بالْفِضّةِ رِباً إلاّ هَاءَ وَهَاءَ، وَالبُرّ بالْبُرّ رِباً إلاّ هَاءَ وَهَاءَ، وَالتّمْرُ بالتّمْرِ رِباً إلاّ هَاءَ وَهَاءَ، وَالشّعِيرُ بالشّعِيرِ رِباً إلاّ هَاءَ وَهَاءَ" .
3347 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ أخبرنا بِشْرُ بنُ عُمَرَ أخبرنا هَمّامٌ عن قَتَادَةَ عن أبي الْخَلِيلِ عن مُسْلِمٍ المَكّيّ عن أبي الأَشْعَثِ الصّنْعَانِيّ عن عُبَادَةَ بنِ الصّامِتِ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "الذّهَبُ بالذّهَبِ تِبْرُهَا وَعَيْنُهَا، وَالْفِضّةُ بالْفِضّةِ تِبْرُهَا وَعَيْنُهَا، وَالْبُرّ
ـــــــ
"باب في الصرف"
هو البيع إذا كان كل واحد من عوضية من جنس الأثمان، سمي به للحاجة إلى النقل في بدليه من يد إلى يد، والصرف هو النقل والرد لغة. كذا في الهداية
"الذهب بالفضة" أي ولو متساويين هكذا في بعض النسخ، وفي بعضها الذهب بالذهب، وفي بعضها الذهب بالورق "ربا إلا هاء وهاء" أي مقبوضين ومأخوذين في المجلس قبل التفرق، بأن يقول أحدهما خذ هذا فيقول الآخر مثله. وهاء بالمد والقصر اسم فعل بمعنى خذ والمد أفصح وأشهر والهمزة مفتوحة ويقال بالكسر ذكره النووي.
قال الخطابي: وأصحاب الحديث يقولون ها وها مقصورين والصواب مدهماً ونصب الألف منهما وهو من قول الرجل لصاحبه إذا ناوله الشيء هاك أي خذ فأسقطوا الكاف منه وعوضوه المدة بدلا من الكاف انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"تبرها وعينها" التبر الذهب الخالص والفضة قبل أن يضربا دنانير ودراهم، فإذا ضربا كانا عيناً. قاله في المجمع. قال الخطابي: والمعنى كلاهما سواء، فلا يجوز بيع مثقال ذهب عيناً بمثقال وشيء من تبر غير مضروب، وكذلك لا يجوز التفاوت بين المضروب من الفضة

(9/141)


بالْبُرّ مُدْيٌ بِمُدْيٍ، وَالشّعِيرُ بالشّعِيرِ مُدْيٌ بِمُدْيٍ، وَالتّمْرُ بالتّمْرِ مُدْيٌ بِمُدْيٍ، وَالمِلْحُ بالمِلْحِ مُدْيٌ بِمُدْيٍ، فَمنْ زَادَ أوْ ازدَادَ فَقَدْ أرْبَى. وَلاَ بَأْسَ بِبَيْعِ الذّهَبِ بالْفِضّةِ - وَالْفِضّةُ أكْثَرُهُمَا - يَداً بِيَدٍ وَأمّا نَسِيئَةً فَلاَ، وَلاَ بَأْسَ بِبَيْعِ البُرّ بالشّعِيرِ، - وَالشّعِيرُ أكْثَرُهُمَا - يَداً بِيَدٍ، وَأمّا نَسِيئَةً فَلاَ" .
قَالَ أبُو دَاوُدَ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ سَعِيدُ بنُ أبي عَرُوبَةَ وَهِشَامُ الدّسْتَوَائِيّ عن قَتَادَةَ عن مُسْلِمِ بنِ يَسَارٍ بِإسْنَادِهِ.
3348 - حدثنا أبُو بَكْرِ بنِ أبي شَيْبَةَ أخبرنا وَكِيعٌ أخبرنا سُفْيَانُ عن خَالِدٍ عن أبي قِلاَبَةَ عن أبي الأَشْعَثِ الصّنْعَانِيّ عن عُبَادَةَ بنِ الصّامِتِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِهَذَا الْخَبَرِ يَزِيدُ
ـــــــ
وغير المضروب منها انتهى محصلاً "مدى بمدى" بضم الميم وسكون الدال مكيال يسع خمسة عشر مكوكا. كذا في المجمع. قال الخطابي: والمدى مكيال معروف ببلاد الشام، وبلاد مصر به يتعاملون وأحسبه خمسة عشر مكوكا والمكوك صاع ونصف انتهى، والمعنى مكيال بمكيال "فمن زاد" أي أعطى الزيادة "أو أزداد" أي طلب الزيادة "فقد أربى" أي أوقع نفسه في الربا المحرم.
قال التوربشتي: أي أتى الربا وتعاطاه. ومعنى اللفظ أخذ أكثر مما أعطاه من ربا الشيء يربو إذا زاد "والفضة أكثرهما يداً بيد وأما نسيئة فلا" نسيئة بوزن كريمة وبالإدغام محو مرية وبحذف الهمزة وكسر النون نحو جلسة.
قال الخطابي: فيه بيان أن التقابض شرط في صحة البيع في كل ما يجري فيه الربا من ذهب وفضة وغيرهما من المطعوم وإن اختلف الجنسان، ألا تراه يقول ولا بأس ببيع البر بالشعير، والشعير أكثرهما يداً بيد وأما النسيئة فلا، فنص عليه كما ترى. وجوز أهل العراق بيع البر بالشعير من غير تقابض وصاروا إلى أن القبض إنما يجب في الصرف دون ما سواه وقد اجتمعت بينهما النسيئة فلا معنى للتفريق بينهما، وجملته أن الجنس الواحد مما فيه الربا لا يجوز فيه التفاضل نسئاً ولا نقداً وأن الجنسين لا يجوز فيهما التفاضل نسئاً ويجوز نقداً انتهى "قال أبو داوود روى هذا الحديث الخ" يعني أن سعيداً وهشاماً رويا هذا الحديث عن قتادة عن مسلم بلا واسطة أبي الخليل. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه، والنسائي بنحوه وفي ألفاظه زيادة ونقص.

(9/142)


وَيَنْقُصُ، وَزَادَ قال: "فَإذَا اخْتَلَفَ هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوهُ كَيْفَ شِئْتُمْ إذَا كَانَ يَداً بِيَدٍ" .
ـــــــ
"إذا كان" أي للبيع "يداً بيد" أي حالا مقبوضاً في المجلس قبل افتراق أحدهما عن الآخر.

(9/143)


13- باب في حلية السيف تباع بالدراهم
3349 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ عِيسَى وَ أبُو بَكْرِ بنُ أبي شَيْبَةَ وَ أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ قالُوا
ـــــــ
"باب في حلية السيف تباع بالدراهم"
"بقلادة" بكسر القاف ما يعلق في العنق ونحوه "وخرز" بفتح الخاء المعجمة والراء جمع خرزة بفتحتين وهي بالفارسية مهرة "معلقة" وفي بعض النسخ مغلقة بالغين المعجمة "ابتاعها" أي اشتراها "حتى تميز بينه وبينه" أي بين الذهب والخرز "إنما أردت الحجارة" يعني الخرزة أي المقصود الأصلي هو الخرز، وليست الخرز من أموال الربا، والذهب إنما هو بالتبع "قال ابن عيسى أردت التجارة" أي قال لفظ التجارة مكان لفظ الحجارة "وكان في كتابه الحجارة" أي في كتاب ابن عيسى، ووقع في بعض النسخ فغيره فقال التجارة، ولم يوجد هذا اللفظ في عامة النسخ الحاضرة.
قال الخطابي: في هذا الحديث نهى عن بيع الذهب بالذهب مع أحدهما شيء غير الذهب، وممن قال إن هذا البيع فاسد شريح ومحمد بن سيرين والنخعي، وإليه ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وسواء عندهم كان الذهب الذي هو الثمن أكثر من الذهب الذي هو مع السلعة أو أقل.
وقال أبو حنيفة: إن كان الثمن أكثر مما فيه من الذهب جاز وإن كان مثله أو أقل منه لم يجز وذهب مالك إلى نحو من هذا في القلة والكثرة إلا أنه حد الكثرة بالثلثين والقلة بالثلث.
قلت: قال مالك في الموطأ: من اشترى مصحفاً أو سيفاً أو خاتماً وفي شيء من ذلك ذهب أو فضة بدنانير أو دراهم فإن ما اشترى من ذلك وفيه الذهب بدنانير فإنه ينظر إلى قيمته فإن كان قيمة ذلك الثلثين وقيمة ما فيه من الذهب الثلث فذلك جائز لا بأس به إذا كان يداً بيد ولا يكون فيه تأخير، وما اشترى من ذلك بالورق نظراً إلى قيمته فإن كان قيمة ذلك بالثلثين وقيمة ما فيه من الورق الثلث فذلك جائز لا بأس به إذا كان ذلك يداً بيد، ولم يزل على ذلك أمر الناس عندنا بالمدينة انتهى.

(9/143)


أخبرنا ابنُ المُبَارَكِ ح، وَأخبرنا ابنُ الْعَلاَءِ أنْبأنَا ابنُ المُبَارَكِ عن سَعِيدِ بنِ يَزِيدَ قالَ حَدّثني خَالِدُ بنُ أبي عِمْرَانَ عن حَنَشٍ عن فَضَالَةَ بنِ عُبَيْدٍ قال: أُتِيَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم عَامَ خَيْبَرَ بِقِلاَدَةٍ فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ. قال أبُو بَكْرٍ وَابنُ مَنِيعٍ: فِيهَا خَرَزٌ مُعَلّقَةٌ بِذَهَبٍ ابْتَاعَهَا رَجُلٌ بِتِسْعَةِ دَنَانِيرَ أوْ بِسَبْعَةِ دَنَانِيرَ، فقالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "لاَ حَتّى تُمَيّزَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ"، فقالَ: إنّمَا أرَدْتُ الْحِجَارَةَ، فَقالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "لاَ حَتّى تُمَيّزَ بَيْنَهُمَا" ، قال: فَرَدّهُ حَتّى مُيّزَ بَيْنَهُمَا، وَقالَ ابنُ عِيسَى: أَرَدْتُ التّجَارَةَ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَكَانَ في كِتَابِهِ الْحِجَارَةُ.
3350 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا اللّيْثُ عن أبي شُجَاعٍ سَعِيدِ بنِ يَزِيدَ عن خَالِدِ بنِ أبي عِمْرَانَ عن حَنَشِ الصّنْعَانِيّ عن فَضَالَةَ بنِ عُبَيْدٍ قال: اشْتَرَيْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ قِلاَدَةً بِاثْنَيْ عَشَرَ دِيناراً، فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ فَفَصّلْتُهَا فَوَجَدْتُ فِيهَا أكْثَرَ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ دِينَاراً فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنّبِيّ صلى الله عليه وسلم فقالَ: "لاَ تُبَاعُ حَتّى تُفَصّلَ" .
3351 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا اللّيْثُ عن ابنِ أبي جَعْفَرٍ عن الْجُلاَحِ أبي
ـــــــ
قال الخطابي: وما ذهب إليه حنيفة فإنه يخرج على القياس لأنه يجعل الذهب بالذهب سواه ويجعل ما فضل عن الثمن بإزاء السلعة، غير أن السنة قد منعت هذا القياس أن يجري" ألا تراه يقول إنما أردت الحجارة أو التجارة فقال لا حتى تميز بينهما. فنفى صحة هذا البيع مع قصده إلى أن يكون الذهب الذي هو الثمن بعضه بإزاء الذهب الذي هو الخرز مصارفة وبعضه بإزاء الحجارة التي هي الخرز بيعاً وتجارة حتى يميز بينهما فيكون حصة المصارفة متميزة عن حصة المتاجرة، فدل على أن هذا البيع على الوجهين فاسد انتهى مختصراً.
وذهب الشيخ ابن تيميه إلى جواز بيع ما يتخذ من الفضة للتحلي متفاضلاً وجعل الزائد مقابلاً للصنعة وقد أطال الكلام في أدلته شيخنا العلامة الفقيه خاتمة المحققين السيد نعمان خير الدين الشهير بابن الألوسي البغدادي في كتابه جلاء العينين في محاكمة الأحمدين. والحديث سكت عنه المنذري.
"سعيد بن يزيد" بالجر عطف بيان "ففصلها" أي ميزت ذهبها وخرزها بعد العقد "لا تباع" أي القلادة نقي بمعنى نهى. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي.
"عن الجلاح" بضم الجيم وتخفيف اللام وآخره حاء مهملة "الوقية" وفي بعض النسخ

(9/144)


كَثِيرٍ قالَ حَدّثَني حَنَشُ الصّنْعَانِيّ عن فَضَالَةَ بنِ عُبَيْدٍ قالَ: كُنّا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم يَوْمَ خَيْبَرَ نُبَايِعُ الْيَهُودَ الْوَقِيّةَ مِنَ الذّهَبِ بالدّينَارِ، قالَ غَيْرُ قُتَيْبَةَ: بالدّينَارَيْنِ وَالثّلاَثَةِ، ثُمّ اتّفَقَا، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَتَبِيعُوا الذّهَبَ بالذّهَبِ إلاّ وَزْناً بِوَزْنٍ" .
ـــــــ
الأوقية. قال النووي: الوقية هي لغة قليلة والأشهر الأوقية بالهمزة في أوله "ثم اتفقا" أي قتيبة وغيره. قال النووي: يحتمل أن مراده كانوا يتبايعون الأوقية من ذهب وخرز وغيره بدينار أو بدينارين أو ثلاثة وإلا فالأوقية وزن أربعين درهما، ومعلوم أن أحداً لا يبتاع هذا القدر من ذهب خالص بدينار أو بدينارين أو ثلاثة، وهذا سبب مبايعة الصحابة على هذا الوجه ظنوا جوازه لاختلاط الذهب لغيره، فبين النبي صلى الله عليه وسلم أنه حرام حتى يميز ويباع الذهب بوزنه ذهباً انتهى. قال المنذري وأخرجه مسلم.

(9/145)


14- باب في اقتضاء الذهب من الورق
3352 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ وَ مُحَمّدُ بنُ مَحْبُوبٍ، المَعْنَى وَاحِدٌ قالا أخبرنا حَمّادٌ عن سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عُمَرَ قال: كُنْتُ أبِيعُ الإبِلَ بالْبَقِيعِ فَأَبِيعُ بالدّنَانِيرِ وَآخُذُ الدّرَاهِمَ، وَأَبِيعُ بالدّرَاهِمِ وَآخُذُ الدّنَانِيرَ، آخُذُ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ، وَأُعْطِي هَذِهِ مِنْ هَذِهِ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ في بَيْتِ حَفْصَةَ فَقُلْتُ: يَارَسُولَ الله رُوَيْدَكَ أسْألُكَ إنّي أبِيعُ الإبِلَ بالْبَقِيعِ فَأَبِيعُ بالدّنَانِيرِ وَآخُذُ الدّرَاهِمَ وَأبِيعُ بِالدّرَاهِمِ وَآخُذُ الدّنَانِيرِ، آخُذُ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ وأُعْطِي هَذِهِ مِنْ هَذِهِ، فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ بَأْسَ أنْ تَأْخُذَهَا بِسَعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَفْتَرِقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ".
ـــــــ
"باب في اقتضاء الذهب من الورق"
أي الفضة، أي أخذ الذهب بدل الفضة يقال اقتضيت منه حقي أي أخذت.
"بالبقيع" بالموحدة قال في فتح الودود يراد به بقيع الغرقد، وقيل بالنون وهو موضع قريب من المدينة "فأبيع" أي الإبل تارة "وأخذ الدراهم" أي مكان الدنانير "وأبيع بالدراهم" أي تارة أخرى "آخذ هذه من هذه" أي الدراهم من الدنانير "لا بأس أن تأخذها" أي أن تأخذ بدل الدنانير الدراهم وبالعكس بشرط التقابض في المجلس والتقييد بسعر اليوم على طريق الاستحباب قاله في فتح الودود "وبينكما شيء" أي غير مقبوض والواو للحال.

(9/145)


3353 - حدثنا حُسَيْنُ بنُ الأَسْوَدِ أخبرنا عبيد الله أنْبأنَا إسْرَائِيلُ عن سِمَاكٍ بِإسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ وَالأوّلُ أتَمّ، لمْ يَذْكُرْ: بِسِعْرِ يَوْمِهَا.
ـــــــ
قال الخطابي: واشترط أن لا يتفرقا وبينهما شيء لأن اقتضاء الدراهم من الدنانير صرف وعقد الصرف لا يصح إلا بالتقابض. وقد اختلف الناس في اقتضاء الدراهم من الدنانير، فذهب أكثر أهل العلم إلى جوازه ومنع من ذلك أبو سلمة عبد الرحمن وابن شبرمة. وكان ابن أبي ليلى يكره ذلك إلا بسعر يومه، ولم يعتبر غيره السعر ولم يبالوا كان ذلك بأغلى أو أرخص من سعر اليوم، والصواب ما ذهب إليه وهو منصوص عليه في الحديث انتهى.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث سماك بن حرب، وذكر أنه روي عن ابن عمر موقوفاً. وأخرجه النسائي أيضاً عن ابن عمر قوله وعن سعيد بن جبير قوله وقال البيهقي. والحديث ينفرد برفعه سماك بن حرب، وقال شعبة رفعه لنا سماك بن حرب وأنا أفرقه انتهى. كلام المنذري.
"لم يذكر" أي اسرائيل "بسعر يومها" أي لم يذكر هذا اللفظ.

(9/146)


15- باب في الحيوان بالحيوان نسيئة
3354 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عن قَتَادَةَ عن الْحَسَنِ عن سَمُرَةَ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً . [نسية]
ـــــــ
"باب في الحيوان بالحيوان نسيئة"
بوزن كريمة منصوب على التمييز.
"نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئه" أي من الطرفين أو أحدهما وبه قال أبو حنيفة رضي الله عنه ترجيحاً للمحرم على ما سيجيء من المبيح، ومن لا يقول به يحمل النسيئة من
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وقال البيهقي أكثر الحفاظ لا يثبتون سماع الحسن من سمرة في غير حديث العقيقة تم كلامه
وقد روي هذا من حديث ابن عباس وابن عمر وجابر بن سمرة
أما حديث ابن عباس فرواه معمر عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن ابن عباس عن

(9/146)


.............................
ـــــــ
الطرفين كذا في فتح الودود. قال الخطابي: وجهه عندي أن يكون إنما نهى عما كان منه نسيئة في الطرفين فيكون من باب الكاليء بالكاليء بدليل حديث عبد الله بن عمر والذي يليه انتهى. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي حسن صحيح، وسماع الحسن من سمرة صحيح، هكذا قال علي بن المديني وغيره هذا آخر كلامه. وقد تقدم اختلاف الأئمة في سماع الحسن من سمرة: وقال الشافعي رضي الله عنه وأما قوله نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة فهو غير ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الخطابي: الحسن عن سمرة مختلف في اتصاله عند أهل الحديث. وحكى عن يحيى بن معين أنه قال: الحسن عن سمرة صحيفة. وقال محمد بن إسماعيل يعني البخاري: حديث النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة من طريق عكرمة عن ابن عباس رواه الثقات عن ابن عباس موقوفاً أو عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل، قال وحديث زياد بن جبير عن ابن عمر إنما هو زياد بن جبير عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل، وطرق هذا الحديث واهية ليست بالقوية.
ـــــــ
النبي صلى الله عليه وسلم ذكره البيهقي والبزار وغيرهما وقال البزار ليس في هذا الباب حديث أجل إسنادا من هذا
وأما حديث ابن عمر فرواه علي بن عبد العزيز من حديث محمد بن دينار الطاحي عن يونس بن عبيد عن زياد بن جبير عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الترمذي سألت محمدا يعني البخاري عن هذا الحديث فقال إنما يرويه عن زياد بن جبير عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا
وأما حديث جابر بن سمرة فرواه عبد الله بن أحمد في مسند أبيه
وقال الترمذي والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم.

(9/147)


16- باب في الرخصة في ذلك
3355 - حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ أخبرنا حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ عن مُحَمّدِ بنِ إسْحَاقَ عنْ يَزِيدَ بنِ أبِي حَبِيبٍ عن مُسْلِمِ بنِ جُبَيْرٍ عن أبي سُفْيَانَ عنْ عَمْرِو بنِ حَرِيشٍ عنْ عبد الله بنِ عَمْرٍو: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أَمَرَهُ أنْ يُجَهّزَ جَيْشاً فَنَفَدَتِ الإبِلُ فَأمَرَهُ أنْ يَأْخُذَ
ـــــــ
"باب في الرخصة في ذلك"
"أن يجهز جيشاً" أي يهيء ما يحتاج إليه العسكر من مركوب وسلاح وغيرهما "فنفدت الإبل" بفتح النون وكسر الفاء وبالدال المهملة أي فنيت أو نقصت والمعنى أنه أعطى كل رجل

(9/147)


فِي قِلاَصِ الصّدَقَةِ فَكَانَ يَأْخُذُ الْبَعِيرَ بالْبَعِيرَيْنِ إلَى إبِلِ الصّدَقَةِ.
ـــــــ
جملاً وبقي بعض الرجال بلا مركوب "فأمره أن يأخذ" أي لمن ليس له إبل "في قلاص الصداقة" جمع قلوص وهو الفتى من الإبل، وفي بعض النسخ على مكان في "إلى إبل الصدقة" أي مؤجلاً إلى أوان حصول قلائص الصدقة والحاصل أنه يستقرض عدداً من الإبل حتى يتم ذلك الجيش ليرد بدلها من إبل الزكاة قاله القاري.
قال في النيل: ذهب الجمهور إلى جواز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة متفاضلاً مطلقاً وشرط مالك أن يختلف الجنس، ومنع من ذلك مطلقاً مع النسيئة أحمد ابن حنبل وأبو حنيفة وغيره من الكوفيين، وتمسك الأولون بحديث ابن عمرو وما ورد في معناه من الآثار، وأجابوا عن حديث سمرة بما فيه من المقال. وقال الشافعي: المراد به النسيئة من الطرفين وهي من بيع الكالىء بالكالىء وهو لا يصح عند الجميع. واحتج المانعون بحديث سمرة وجابر بن سمرة وابن عباس وما في معناها من الآثار، وقالوا إن حديث ابن عمرو منسوخ، ولا يخفى أن النسخ لا يثبت إلا بعد تقرر تأخر الناسخ ولم ينقل ذلك. وقد أمكن الجمع بما سلف عن الشافعي ولكنه متوقف على صحة إطلاق النسيئة على بيع المعدوم بالمعدوم، فإن ثبت ذلك في اللغة أو الشرع فذاك إلا فلا شك أن أحاديث النهي أرجح من حديث ابن عمرو، ثم ذكر وجوه الترجيح، فإن شئت الوقوف فعليك بالنيل.
قال المنذري: في إسناده محمد بن إسحاق، وقد اختلف أيضاً على محمد بن إسحاق في هذا الحديث وذكر ذلك البخاري وغيره.
وحكى الخطابي أن في إسناد حديث عبد الله بن عمرو أيضاً مقالاً، وجمع بعضهم بين الحديثين بأن يكون حديث النهي محمولاً على أن يكون كلاهما نسيئة.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله
قال البيهقي واحتج أصحابنا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يجهز جيشا وأمره أن يبتاع ظهرا إلى خروج المصدق فابتاع عبد الله بن عمرو البعير بالبعيرين إلى خروج المصدق بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا غير حديث محمد بن إسحاق فإنه يرويه عن يزيد بن أبي حبيب عن مسلم بن جبير عن أبي سفيان عن عمرو بن حريث عن عبد الله بن عمرو

(9/148)


17- باب في ذلك إذا كان يداً بيد
3356 - حدثنا يَزِيدُ بنُ خَالِدٍ الْهَمَذَانِيّ وَ قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ الثّقَفِيّ أنّ اللّيْثَ حَدّثَهُمْ عنْ أبِي الزّبَيْرِ عنْ جَابِرٍ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم اشْتَرَى عَبْداً بِعَبْدَيْنِ.
ـــــــ
"باب في ذلك إذا كان يداً بيد"
"اشترى عبداً بعبدين" فيه دليل على جواز بيع الحيوان بالحيوان متفاضلاً إذا كان يداً بيد، وهذا مما لا خلاف فيه. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي أتم منه.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد روى مسلم في صحيحه عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى صفية من دحية الكلبي بسبعة أرؤس وقال الشافعي أخبرنا سفيان عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس أنه سئل عن بعير ببعيرين قد يكون البعير خيرا من البعيرين
وقال الشافعي أخبرنا مالك عن صالح بن كيسان عن الحسن بن محمد بن علي عن علي أنه باع بعيرا له يدعى عصيفيرا بعشرين بعيرا إلى أجل.
وقال الشافعي أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر أنه باع بعيرا له بأربعة أبعرة مضمومة عليه بالربذة
ثم كتب الشيخ بخطه:
باب في ذلك يدا بيد
روى الترمذي من حديث حجاج بن أرطاة عن أبي الزبير عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الحيوان اثنان بواحد لا يصلح نساء ولا بأس به يدا بيد" قال الترمذي هذا حديث حسن
وفي مسند أحمد عن ابن عمر أن رجلا قال يارسول الله أرأيت الرجل يبيع الفرس بالأفراس والبختية بالإبل قال: "لا بأس إذا كان يدا بيد". قال الإمام أحمد والبخاري حديث ابن عمر هذا المعروف مرسل
فاختلف أهل العلم في هذه المسألة على أربعة أقوال وهي أربع روايات عن أحمد
إحداها أن ما سوى المكيل والموزون من الحيوان والنبات ونحوه يجوز بيع بعضه ببعض

(9/149)


18- باب في الثمر بالتمر
3357 - حدثنا عبد الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مَالِكٍ عنْ عبد الله بنِ يَزِيدَ أنّ زَيْداً أبَا عَيّاشٍ أخْبَرَهُ أنّهُ سَألَ سَعْدَ بنَ أبِي وَقّاصٍ عنِ الْبَيْضَاءِ بِالسّلْتِ فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ أيّهُمَا
ـــــــ
"باب في الثمر بالتمر"
"عن البيضاء بالسلت" قال الخطابي: البيضاء نوع من البر أبيض اللون.
وفيه رخاوة يكون ببلاد مصر. والسلت نوع غير البر وهو أدق حباً منه وقال بعضهم: البيضاء هو الرطيب من السلت والأول أعرف إلا أن هذا القول أليق بمعنى الحديث، وعليه يتبين موضع النسيئة من الرطب بالتمر. وإذا كان الرطيب منها جنساً واليابس جنساً آخر لم يصح النسيئة انتهى.
وقال في المجمع: السلت ضرب من الشعير أبيض لا قشر له، وقيل هو نوع من الحنطة
ـــــــ
متفاضلا ومتساويا وحالا ونساء وأنه لا يجري فيه الربا بحال وهذا مذهب الشافعي وأحمد في إحدى رواياته واختارها القاضي وأصحابه وصاحب المغني
والرواية الثانية عن أحمد أنه يجوز التفاضل فيه يدا بيد ولا يجوز نسيئة وهي مذهب أبي حنيفة كما دل عليه حديثا جابر وابن عمر
والرواية الثالثة عنه أنه يجوز فيه النساء إذا كان متماثلا ويحرم مع التفاضل
وعلى هاتين الروايتين فلا يجوز الجمع بين النسيئة والتفاضل بل إن وجد أحدهما حرم الآخر
وهذا أعدل الأقوال في المسألة وهو قول مالك فيجوز عبد بعيدين حالا وعبد بعبد نساء إلا أن لمالك فيه تفصيلا
والذي عقد عليه أصل قوله أنه لا يجوز التفاضل والنساء معا في جنس من الأجناس والجنس عنده معتبر باتفاق الأغراض والمنافع فيجوز بيع البعير البختي بالبعيرين من الحمولة ومن حاشية إبله إلى أجل لاختلاق المنافع وإن أشبه بعضها بعضا اختلفت أجناسها أو لم تختلف فلا يجوز منها اثنان بواحد إلى أجل
فسر مذهبه أنه لا يجتمع التفاضل والنساء في الجنس الواحد عنده والجنس ما اتفقت منافعه وأشبه بعضه بعضا وإن اختلفت حقيقته

(9/150)


أفْضَلُ؟ قالَ الْبَيْضَاءُ قالَ فَنَهَاهُ عنْ ذَلِكَ وَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يُسْأَلُ عنْ شِرَاءِ التّمْرِ بِالرّطَبِ فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: " أَيَنْقُصُ الرّطَبُ إذَا يَبِسَ"؟ قالُوا نَعَمْ فَنَهَاهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَنْ ذَلِك .
ـــــــ
والأول أصح، لأن البيضاء هي الحنطة. انتهى. "يسأل" بصيغة المجهول "أينقص الرطب إذا يبس" قال القاضي رحمه الله: ليس المراد من الاستفهام استعلام القضية فإنها جلية مستغنية عن الاستكشاف، بل التنبيه على أن الشرط تحقق المماثلة حال اليبوسة فلا يكفي تماثل الرطب والتمر على رطوبته ولا على فرض اليبوسة لأنه تخمين وخرص لا تعين فيه، فلا يجوز بيع أحدهما بالآخر، وبه قال أكثر أهل العلم، وجوز أبو حنيفة بيع الرطب والتمر إذا تساويا كيلا، وحمل الحديث على البيع نسيئة لما روي عن هذا الراوي أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الرطب بالتمر نسيئة كذا في المرقاة.
ـــــــ
فهذا تحقيق مذاهب الأئمة في هذه المسألة المعضلة ومآخذهم
وحديث عبد الله بن عمرو صريح في جواز المفاضلة والنساء وهو حديث حسن
قال عثمان بن سعيد قلت ليحيى بن معين أبو سفيان الذي روى عنه محمد بن إسحاق يعني هذا الحديث ما حاله قال مشهور ثقة قلت عن مسلم بن كثير عن عمرو بن حريث الزبيدي قال هو حديث مشهور ولكن مالك يحمله على اختلاف المنافع والأغراض فإن الذي كان يأخذه إنما هو للجهاد والذي جعله عوضه هو من إبل الصدقة قد يكون مع بني المخاض ومن حواشي الإبل ونحوها
وأما الإمام أحمد فإنه كان يعلل أحاديث المنع كلها قال ليس فيها حديث يعتمد عليه ويعجبني أن يتوقاه وذكر له حديثا ابن عباس وابن عمر فقال هما مرسلان وحديث سمرة عن الحسن قال الأثرم قال أبو عبد الله لا يصح سماع الحسن من سمرة
وأما حديث جابر من رواية حجاج بن أرطاة عن الزبير عنه فقال الإمام أحمد هذا حجاج زاد فيه نساء والليث بن سعد سمعه من أبي الزبير لا يذكر فيه نساء
وهذه ليست بعلة في الحقيقة فإن قوله:و"ا بأس به يدا بيد"يدل على أن قوله: "صلح" يعني نساء فذكر هذه اللفظة زيادة إيضاح لوسكت عنها لكانت مفهومة من الحديث ولكنه معلل بالحجاج فقد أكثر الناس الكلام فيه وبالغ الدارقطني في السنن في تضعيفه وتوهينه
وقد قال أبو داود إذا اختلفت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم نظرنا إلى ما عمل به أصحابه من بعده

(9/151)


قَالَ أبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ إسْمَاعِيلُ بنُ أُمَيّةَ نَحْوَ مَالِكٍ.
3358 - حدثنا الرّبِيعُ بنُ نَافِعٍ أبُو تَوْبَةَ أخبرنا مُعَاوِيَةُ يَعْنِي ابنَ سَلاّمٍ عنْ يَحْيَى بنِ أبِي كَثِيرٍ أنْبأنَا عبد الله أنّ أبَا عَيّاشٍ أخْبَرَهُ أنّهُ سَمِعَ سَعْدَ بنَ أبي وَقّاصٍ
ـــــــ
قلت: هذا الحديث المروي عن هذا الراوي هو الحديث الآتي في الباب ولفظ نسيئة فيه غير محفوظ كما يظهر لك من كلام المنذري على هذا الحديث "فنهاه" أي السائل المدلول عليه بقوله يسأل "عن ذلك" أي عن شراء التمر بالرطب. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن صحيح.
وقال الخطابي: وقد تكلم بعض الناس في إسناده إلى سعد بن أبي وقاص وقال زيد أبو عياش راويه ضعيف ومثل هذا الحديث على أصل الشافعي لا يجوز أن يحتج به، وليس الأمر على ما توهمه، وأبو عياش مولى لبني زهرة معروف وقد ذكره في الموطأ وهو لا يروى عن رجل متروك الحديث بوجه، وهذا من شأن مالك وعادته معلوم هذا آخر كلامه.
وقد حكى عن بعضهم أنهقال: زيد أبو عياش مجهول، وكيف يكون مجهولاً وقد روى عنه اثنان ثقتان عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان، وعمران بن أبي أنس وهما ممن احتج به مسلم في صحيحه، وقد عرفه أئمة هذا الشأن هذا الإمام مالك رضي الله عنه قد أخرج حديثه في موطئه مع شدة تحريه في الرجال ونقده وتتبعه لأحوالهم، والترمذي قد أخرج حديثه وصححه كما ذكرناه وصحح حديثه أيضاً الحاكم أبو عبد الله النيسابوري، وقد ذكره مسلم بن الحجاج في كتاب الكنى، وذكر أنه سمع من سعد بن أبي وقاص، وذكره أيضاً الحافظ أبو أحمد الكرابيسي في كتاب الكنى، وذكر أنه سمع من سعد ابن أبي وقاص، وذكره أيضاً النسائي في كتاب الكنى، وما علمت أحداً ضعفه والله عزوجل أعلم.
ـــــــ
وقد ذكرنا الآثار عن الصحابة بجواز ذلك متفاضلا ونسيئة وهذا كله مع اتحاد الجنس
وأما إذا اختلف الجنس كالعبيد بالثياب والشاء بالإبل فإنه يجوز عند جمهور الأمة التفاضل فيه والنساء إلا ما حكي رواية عن أحمد أنه يجوز بيعه متفاضلا يدا بيد ولا يجوز نساء وحكى هذا أصحابنا عن أحمد رواية رابعة في المسألة
واحتجوا لها بظاهر حديث جابر الحيوان اثنان بواحد لا يصلح نسيئة ولا بأس به يدا بيد ولم يخص به الجنس المتحد وكما يجوز التفاضل في المكيل المختلف الجنس دون النساء فكذلك الحيوان وغيره إذا قيل إنه ربوي

(9/152)


يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عنْ بَيْعِ الرّطَبِ بالتّمْرِ نَسِيئَةً .
قَالَ أبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ عِمْرَانُ بنُ أبي أَنَسٍ عنْ مَوْلَى لِبَنِي مَخْزُومٍ عن سَعْدٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ.
ـــــــ
"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الرطب بالتمر نسيئة" قال المنذري: قال أبو الحسن الدارقطني خالفه مالك وإسماعيل بن أمية والضحاك بن عثمان وأسامة بن يزيد رووه عن عبد الله بن يزيد ولم يقولوا فيه نسيئة وإجماع هؤلاء الأربعة على خلاف ما رواه يحيى يعني ابن أبي كثير يدل على ضبطهم للحديث وفيهم إمام حافظ وهو مالك بن أنس وقال أبو بكر البيهقي، ورواه عمر بن أبي أنس عن أبي عياش نحو رواية مالك بن أنس وليس فيه هذه الزيادة انتهى كلام المنذري.
ـــــــ
وهذه الرواية في غاية الضعف لمخالفتها النصوص وقياس الحيوان على المكيل فاسد إذ في محل الحكم في الأصل أوصاف معتبرة غير موجودة في الفرع وهي مؤثرة في التحريم
وحديث جابر لو صح فإنما المراد به مع اتحاد الجنس دون اختلافه كما هو مذكور في حديث ابن عمر
فهذه نكت في هذه المسألة المعضلة لا تكاد توجد مجموعة في كتاب وبالله التوفيق
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله
وقد روى ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن بكير بن عبد الله عن عمر أن مولى لبني مخزوم حدثه أنه سأل سعدا عن الرجل يسلف الرجل الرطب بالتمر إلى أجل فقال سعد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا
والسلت نوع غير البر وهو أدق منه حبا
قال البيهقي وهذا يخالف رواية الجماعة وإن كان محفوظا فهو حديث آخر والخبر يصرح بأن المنع إنما كان لنقصان الرطب في البعض وحصول الفضل بينهما بذلك وهذا المعنى يمنع من أن يكون النهي لأجل النسيئة فلذلك لم تقبل هذه الزيادة ممن خالف الجماعة بروايتها في هذا الحديث
وقد روينا في الحديث الثابت عن ابن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تبتاعوا الثمر حتى يبدو صلاحه ولا تبتاعوا التمر بالتمر"
وفي الحديث الثابت عن سالم بن عبد الله عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تبيعوا ثمر النخل بتمر

(9/153)


19- باب في المزابنة
3359 - حدثنا أبُو بَكْرِ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا ابنُ أبي زَائِدَةَ عنْ عبيد الله عَنْ نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَمْرِ بالتّمْرِ كَيْلاً، وَعَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ بالزّبِيبِ كَيْلاً، وَعَنْ بَيْعِ الزّرْعِ بالْحِنْطَةِ كَيْلاً .
ـــــــ
"باب في المزابنة"
لم يوجه هذا الباب في بعض النسخ والمزابنة مفاعلة من الزبن بفتح الزاي وسكون الموحدة وهو الدفع الشديد. وقيل للبيع المخصوص مزابنة كأن كل واحد من المتبايعين يدفع صاحبه عن حقه أو لأن أحدهما إذا وقف على ما فيه من الغبن أراد دفع البيع لفسخه وأراد الآخر دفعه عن هذه الإرادة بإمضاء البيع.
وفي صحيح مسلم عن نافع: المزابنة بيع ثمر النخل بالتمر كيلا، وبيع العنب بالزبيب كيلا، وبيع الزرع بالحنطة كيلا، وكذا في صحيح البخاري.
"نهى عن بيع الثمر" بفتح المثلثة والميم المراد به ثمر النخل "بالثمر" بالمثناة الفوقية "كيلا" بالنصب على التمييز وليس قيداً. والعلة في النهي عن ذلك هو الربا لعدم التساوي. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.بنحوه.
ـــــــ
النخل" وفي رواية إبراهيم بن سعد عن الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم "لا تبايعوا الثمر بالتمر" هكذا روى مقيدا آخر كلامه.
وحديث أبي هريرة الذي أشار إليه رواه مسلم في صحيحه.
وحديث ابن عمر متفق على صحته.
ولفظ الصحيحين فيه نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه وعن بيع الرطب بالتمر.

(9/154)


20- باب في بيع العرايا
3360 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني يُونُسُ عن ابنِ شِهَابٍ أخبرني خَارِجَةُ بنُ زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ عن أبِيهِ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم رَخّصَ في بَيْعِ الْعَرَايَا بالتّمْرِ وَالرّطَبِ .
ـــــــ
"باب في بيع العرايا"
جمع عرية بتشديد الياء. قال النووي: العرية أن يخرص الخارص نخلات فيقول هذا الرطب الذي عليها إذا يبس يحصل منه ثلاثة أوسق من التمر مثلاً، فيبيعه لغيره بثلاثة أوسق تمر ويتقايضان في المجلس، فيسلم المشتري التمر ويسلم البائع النخل وهذا جائز في ما دون خمسة أوسق، ولا يجوز في ما زاد عليه، وفي جوازه في خمسة أوسق قولان للشافعي أصحهما لا يجوز، والأصح جوازه للأغنياء والفقراء، وأنه لا يجوز في غير الرطب والعنب من الثمار، وفيه قول ضعيف أنه مختص بالفقراء، وقول أنه لا يختص بالرطب والعنب انتهى.
"رخص في بيع العرايا بالتمر والرطب" وفي رواية للبخاري "بالرطب أو بالتمر" كذا في رواية لمسلم.
قال القسطلاني: مقتضاه جواز بيع الرطب على النخل بالرطب على الأرض، وهو وجه عند الشافعية، فتكون أو للتخيير، والجمهور على المنع فيتأولون هذه الرواية بأنها من شك الراوي أيهما قال النبي صلى الله عليه وسلم. وما في أكثر الروايات يدل على أنه إنما قال التمر فلا يعول على غيره.
وقد وقع في رواية عند النسائي والطبراني ما يؤيد أن أو للتخيير لا للشك ولفظه "بالرطب وبالتمر" انتهى. قلت: ورواية أبي داوود هذه أيضاً تؤيد أن أو في رواية الشيخين للتخير لا للشك والله تعالى أعلم.
قال الخطابي: العرايا مستثناة من جملة النهي عن المزابنة ألا تراه يقول رخص في بيع العرايا والرخصة أنما تقع بعد الحظر، وقد قال بذلك أكثر الفقهاء مالك والشافعي والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد، وامتنع من القول به أصحاب الرأي، وذهبوا إلى جملة النهي الوارد في تحريم المزابنة، وفسروا العرية تفسيراً لا يليق بمعنى الحديث انتهى.
قال المنذري: وقد أخرج مسلم في صحيحه، والنسائي وابن ماجه. في سننهما من حديث عبد الله بن عمر عن زيد بن ثابت "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص في بيع العرية بخرصها

(9/155)


3361 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا ابنُ عُيَيْنَةَ عنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عنْ بَشِيرِ بن يَسَارٍ عن سَهْلِ بنِ أبي حَثْمَةَ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهَى عنْ بَيْعِ الثّمَرِ بالتّمْرِ وَرَخّصَ فِي الْعَرَايَا أنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا يَأْكُلُهَا أهْلُهَا رُطَباً.
ـــــــ
تمراً" وأخرجه البخاري ولفظه"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص في بيع العرية بالرطب أو بالتمر ولم يرخص في غيره" وأخرجه النسائي ولفظه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص في بيع العرايا بالرطب وبالتمر ولم يرخص في غير ذلك.
"عن بشير" بضم الموحدة وفتح المعجمة "عن سهل بن أبي حثمة" بفتح الحاء المهملة وسكون المثلثة "نهى عن بيع التمر" بالمثلثة أي الرطب "بالثمر" أي اليابس "أن تباع بخرصها" بفتح الخاء المعجمة بأن يقدر ما فيها إذا صار تمراً بتمر. ولمسلم من حديث زيد بن ثابت بلفظ "رخص في العرية يأخذها أهل البيت بخرصها تمراً يأكلونها رطباً" وعند الطبراني "أن يبيعها بخرصها كيلاً" ولا يجوز بيع ذلك بقدره من الرطب لانتفاء حاجة الرخصة إليه ولا بيعه على الأرض بقدره من اليابس، لأن من جملة معاني بيع العرايا أكله طرياً على التدريج وهو منتف في ذلك. وافهم قوله "كيلا" أنه يمتنع بيعه بقدره يابساً خرصاً، وهو كذلك لئلا يعظم الغرر في البيع ""يأكلها أهلها" أي المشترون الذين صاروا ملاك الثمرة. قاله القسطلاني.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.

(9/156)


21- باب في مقدار العرية
3362 - حدثنا عبد الله بنُ مَسْلَمَةَ أخبرنا مَالِكٌ عنْ دَاوُدَ بنُ الْحُصَيْنِ عنْ مَوْلَى ابنِ أبي أَحْمَدَ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَقالَ لَنَا الْقَعْنَبِيّ فِيمَا قَرَأ عَلَى مَالِكٍ عن أبي سُفْيَانَ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَاسْمُهُ قُزْمَانُ مَوْلَى ابنُ أبِي أَحْمَدَ عن أبِي هُرَيْرَةَ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم
ـــــــ
"باب في مقدار العرية"
أي مقدارها الذي يجوز فيه العرية.
"وقال لنا القعنبي" هو عبد الله بن مسلمة "واسمه" أي اسم أبي سفيان "قزمان" بضم

(9/156)


رَخّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أوْ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ شَكّ دَاوُدُ بنُ الْحُصَيْنِ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: حَدِيثُ جَابِرٍ إلَى أرْبَعَةِ أَوْسُقٍ.
ـــــــ
القاف وسكون الزاي مولى ابن أبي أحمد "رخص" من الترخيص "فيما دون خمسة أوسق أو في خمسة أوسق" جمع وسق بفتح فسكون وهو ستون صاعاً والصاع خمسة أرطال وثلث بالبغدادي ذكره الطيبي.
وقد وقع الاتفاق بين الشافعي ومالك على صحته فيمادون الخمسة وامتناعه فيما فوقها والخلاف بينهما فيها والأقرب تحريمه فيها لحديث جابر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين أذن لأصحاب العرايا أن يبيعوها بخرصها يقول "الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة" أخرجه أحمد، وترجم له ابن حبان الاحتياط على أن لا يزيد على أربعة أوسق. كذا في السبل.
"قال أبو داوود حديث جابر إلى أربعة أوسق" ليست هذه العبارة في بعض النسخ. وحديث جابر أخرجه أحمد وتقدم لفظه قريباً.
قال ابن المنذر: الرخصة في الخمسة الأوساق مشكوك فيها والنهي عن المزاينة ثابت فالواجب أن لايباح إلا منها القدر المتيقن إباحته وقد شك الراوي، وقد رواه جابر فانتهى به إلى أربعة أوساق فهو مباح وما زاد عليه محطور، وهذا القول صحيح، وقد ألزمه المزني الشافعي وهو لازم على أصله ومعناه قاله الخطابي.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.

(9/157)


22- باب في تفسير العرايا
3363 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيّ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني عَمْرُو بنُ الْحَارِثِ عن عَبْدِرَبّهِ بنِ سَعِيدٍ الأنْصَارِيّ أنّهُ قالَ: الْعَرِيّةُ، الرّجُلُ يُعْرِي الرّجُلَ النّخْلَةَ
ـــــــ
"باب في تفسير العرايا"
جمع عرية كقضية وقضايا. قال في الفتح. وهي في الأصل عطية تمر النخل دون الرقبة كانت العرب في الجدب تتطوع بذلك على من لا ثمر له كما يتطوع صاحب الشاة أو الإبل بالمنيحة وهي عطية اللبن دون الرقبة، ويقال عريت النخلة بفتح العين وكسر الراء تعرى إذا أفردت عن حكم أخواتها بأن أعطاها المالك فقيراً. "الرجل يعري" بضم الياء من الإعراء أي

(9/157)


أوِ الرّجُلُ يَسْتَثْنِي مِنْ مَالِهِ النّخْلَةَ وَالاِثْنَتَيْنِ يَأْكُلَهُا فَيَبِيعُهَا بِتَمْرٍ.
3364 - حدثنا هَنّادُ بنُ السّرِيّ عنْ عَبْدَةَ عن ابنِ إسْحَاقَ قالَ: الْعَرَايَا أنْ يَهَبَ الرّجُلُ لِلرّجُلِ النّخَلاَتِ فَيَشُقّ عَلَيْهِ أنْ يَقُومَ عَلَيْهَا فَيَبِيعُهَا بِمِثْلِ خَرْصِهَا.
ـــــــ
يهب "أو الرجل يستثنى من ماله" أي بستانه. والحديث سكت عنه المنذري.
"فيشق عليه" أي على الواهب "أن يقوم" أي الموهوب له "بمثل خرصها" أي قدر ما عليها من التمر.
وتفسير ابن إسحاق هذا سكت عنه المنذري.
وقال مالك: العرية أن يعري الرجل الرجل النخلة أي يهبها له أو يهب له ثمرها ثم يتأذى بدخوله عليه ويرخص الموهوب له للواهب أن يشتري رطبها منه بتمر يابس، هكذا علقه البخاري عن مالك، ووصله ابن عبدالبر من رواية ابن وهب. وروى الطحاوي عن مالك أن العرية النخلة للرجال في حائط غيره فيكره صاحب النخل الكثير دخول الآخر عليه فيقول أنا أعطيك بخرص نخلتك تمراً، فيرخص له في ذلك، فشرط العرية عند مالك أن يكون لأجل التضرر من المالك بدخول غيره إلى حائطه أو لدفع الضرر عن الآخر لقيام صاحب النخل بما يحتاج إليه. وقال الشافعي في الأم وحكاه عنه البيهقي: إن العرايا أن يشتري الرجل ثمر النخلة بخرصة من الثمر بشرط التقابض في الحال، واشترط مالك أن يكون التمر مؤجلاً. كذا في النيل وفي اللمعات. ونقل عن أبي حنيفة أنه أن يهب ثمرة نخلة ويشق عليه تردد الموهوب له إلى بستانه وكره أن يرجع في هبته فيدفع إليه بدلها تمراً وهو صورة بيع انتهى. وبسط الحافظ ابن حجر في تفسير العرايا الكلام فعليك بفتح الباري فإنّ فتح الباري مَنّ من الله تعالى على العلماء.

(9/158)


- باب في بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها
3365 - حدثنا عبد الله بنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيّ عنْ مَالِكٍ عن نَافِعٍ عن عبد الله بنِ عُمَرَ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهَى عن بَيْعِ الثّمَارِ حَتّى يَبْدُوَ صَلاَحُهَا نَهَى الْبَائِعَ وَالمُشْتَرِي .
ـــــــ
"باب في بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها"
"نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها" أي يظهر حمرتها وصفرتها وفي رواية لمسلم "ما صلاحه؟ قال تذهب عاهته" كذا في النيل. وقال القسطلاني: وبدو الصلاح في كل شيء

(9/158)


3366 - حدثنا عبد الله بنُ مُحَمّدٍ النّفَيْلِيّ أخبرنا ابنُ عُلَيّةَ عن أيّوبَ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهَى عنْ بَيْعِ النّخْلِ حَتّى تَزْهُوَ وعَنْ السّنْبُلِ حَتّى يَبْيَضّ وَيَأْمَنَ الْعَاهَةَ، نَهَى الْبَائِعَ وَالمُشْتَرِيَ.
ـــــــ
هو صيرورته إلى الصفة التي يطلب فيها غالباً ومقتضاه جوازه وصحته بعد بدوه ولو بغير شرط القطع بأن يطلق أو يشترط إبقاءه أو قطعه والمعنى الفارق بينهما أمن العاهة يعده غالباً وقبله تسرع إليه لضعفه "نهى البائع" أي لئلا يأكل ماله أخيه بالباطل "والمشتري" أي لئلا يضيع ماله. وإلى الفرق بين ما قبل ظهور الصلاح وبعده ذهب الجمهور. وصحح أبو حنيفة رحمه الله البيع حالة الإطلاق قبل مذهبه خلافاً لما نقله عنه النووي في شرح مسلم. وبدو الصلاح في شجرة ولو في حبة واحدة يستتبع الكل إذا اتحد البستان والعقد والجنس، فيتبع ما لم يبد صلاحه ما بدا صلاحه إذا اتحد فيهما الثلاثة واكتفى ببدو صلاح بعضه، لأن الله تعالى امتن علينا فجعل الثمار لا تطيب دفعة واحدة إطال لزمن التفكه فلو اعتبرنا في البيع طيب الجميع لأدى إلى أن لا يباع شيء قبل كمال صلاحه أو تباع الحبة بعد الحبة وفي كل منهما حرج لا يخفى. ويجوز البيع قبل الصلاح بشرط القطع إذا كان المقطوع منتفعاً به كالحصرم إجماعاً ذكره القسطلاني في شرح البخاري.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.
"نهى عن بيع النخل" أي ما عليه من الثمر "حتى تزهو" بالتأنيث لأن النخل يؤنث ويذكر. قال تعالى {نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} و {نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ} قال الخطابي: قوله: "حتى تزهو" هكذا يروي، والصواب في العربية حتى تزهي، والإزهاء في الثمر أن يحمر أو يصفر، وذلك أمارة الصلاح فيها دليل خلاصها من الآفة انتهى.
وقال ابن الأثير: ومنهم من أنكر تزهى، ومنهم من أنكر تزهو، والصواب الروايتان على اللغتين، زها النخل يزهو إذا ظهرت ثمرته وأزهى يزهى إذا احمر أو اصفر. ذكره القسطلاني. قلت: والصواب ما قال ابن الأثير، ففي القاموس زها النخل طال كأزهى والبسر تلون كأزهى وزهىّ، وذكر النخل في هذه الطريق لكونه الغالب عندهم، وأطلق في غيرها فلا فرق بين النخل وغيره في الحكم "وعن السنبل" بضم السين وسكون النون وضم الباء الموحدة سنابل الزرع "حتى يبيض" بتشديد المعجمة.
قال النووي: معناه يشتد حبه وذلك بدو صلاحه "ويأمن العاهة" هي الآفة تصيبه فيفسد. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي.

(9/159)


3367 - حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ النّمْرِيّ أخبرنا شُعْبَةُ عن يَزِيدَ بنِ خُمَيْرٍ عن مَوْلًى لِقُرَيْشٍ عن أبي هُرَيْرَةَ قالَ: نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عنْ بَيْعِ الْغَنَائِمِ حَتّى تُقْسَمَ، وَعَنْ بَيْعِ النّخْلِ حَتّى تُحْرَزَ مِنْ كُلّ عَارِضٍ وَأنْ يُصَلّيَ الرّجُلُ بِغَيْرِ حِزَامٍ .
3368 - حدثنا أبُو بَكْرٍ مُحَمّدُ بنُ خَلاّدٍ الْبَاهِلِيّ أخبرنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عن سُلَيْمٍ بنِ حَيّانٍ قال أخبرنا سَعِيدُ بنُ مِينَاءَ قال سَمِعْتُ جَابِرَ بنِ عبد الله يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ تُبَاعَ التّمْرَةُ حَتّى تُشْقِحَ، قِيلَ: وَمَا تُشْقِحَ؟ قال: تَحْمَارّ وَتَصْفَارّ وَيُؤْكَلُ مِنْهَا .
ـــــــ
"عن يزيد بن خمير" بضم الخاء المعجمة وفتح الميم مصغراً الهمداني الزبادي الحمصي صدوق من الخامسة "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغنائم حتى تقسم" قال القاضي: المقتضى للنهي عدم الملك عند من يرى أن الملك يتوقف على القسمة وعند من يرى الملك قبل القسمة المقتضى له الجهل بعين المبيع وصفته إذا كان في المغنم أجناس مختلفة انتهى. "حتى تحرز" بتقديم الراء على الزاي على البناء للمفعول أي حتى تكون محفوظة ومصونة "من كل عارض" أي آفة. وفي بعض النسخ من كل عاهة "بغير حزام" أي من غير أن يشد عليه ثوبه. كذا في النهاية أي إذا خيف عليه كشف العورة بلا حزام. كذا في فتح الودود.
قال في المجمع: وأنما أمر به لأنهم كانوا قلما يتسرولون ومن كان عليه إزار وكان جيبه واسعاً ولم يتلبب أو لم يشد وسطه ربما انكشف عورته، ومنه نهى أن يصلي حتى يحتزم أي يتلبب ويشد وسطه انتهى.
قال المنذري: في إسناده رجل مجهول.
"أخبرنا سعيد بن ميناء" بكسر الميم ومد النون مولى أبي ذباب أبو الوليد المكي وثقه ابن معين وأبو حاتم "حتى تشقح" يقال أَشْقَحَ وَشَقّحَ بالتشديد. كذا في فتح الودود. قال في الفتح: من الرباعي يقال أشقح ثمر النخل يشقح إشقاحاً إذا احمر أو اصفر، والإسم الشقحة بضم المعجمة وسكون القاف. وقال الكرماني: التشقيح بالمعجمة والقاف وبالمهملة تغير اللون إلى الصفرة أو الحمرة فجعله في الفتح من باب الأفعال والكرماني من باب التفعيل ذكره القسطلاني "قال تحمار وتصفار الخ" من باب الافعيلال من الثلاثي الذي زيدت فيه الألف والتضعيف لأن أصلهما حمر وصفر. قال الجوهري: احْمَرّ الشيء واحمارّ بمعنى.

(9/160)


3369 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ أخبرنا أبُو الْوَلِيدِ عن حَمّادِ بنِ سَلَمَةَ عن حُمَيْدٍ عن أنَسٍ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ حَتّى يَسْوَدّ، وَعَنْ بَيْعِ الْحَبّ حَتّى يَشْتَدّ.
3370 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ أخبرنا عَنْبَسَةُ بنُ خَالِدٍ حَدّثَني يُونُسُ قالَ: سَألْتُ أبَا الزّنَادِ عنْ بَيْعِ الثّمَرِ قَبْلَ أنْ يَبْدُوَ صَلاَحُهُ وَمَا ذُكِرَ في ذَلِكَ، فَقَالَ: كَانَ عُرْوَةُ بنُ الزّبَيْرِ يُحَدّثُ عن سَهْلِ بنِ أبي حَثْمَةَ عن زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ قال: كَانَ النّاسُ يَتَبَايَعُونَ الثّمَارَ قَبْلَ أنْ يَبْدُوَ صَلاَحُهَا فَإذَا جَدّ النّاسُ وَحَضَرَ تَقَاضِيهِمْ قالَ المُبْتَاعُ قَدْ أصَابَ الثّمَرَ الدّمَانُ وَأصَابَهُ قُشَامٌ وَأصَابَهُ مُرَاضٌ عَاهَاتٌ يَحْتَجّونَ بِهَا، فَلَمّا كَثُرَتْ
ـــــــ
وقال في القاموس: إحمر احمراراً صار أحمر كاحمار، وهذا التفسير من قول سعيد بن ميناء كما بين ذلك أحمد في روايته لهذا الحديث عن بهز بن أسد عن سلم بن حيان أنه هو الذي سأل سعيد بن ميناء عن ذلك فأجابه بذلك، ولفظ مسلم قال "قلت لسعيد ما تشقح؟ قال تحمار وتصفار ويؤكل منها" وعند الإسماعيل أن السائل سعيد والمفسر جابر ولفظه "قلت لجابر ما تشقح" الحديث. قاله القسطلاني. قال المنذري: وأخرجه البخاري وأخرجه مسلم أتم منه.
"حتى يسود" بتشديد الدال أي يبدو صلاحه، وزاد مالك في الموطأ "فإنه إذا اسود ينجو من العاهة والآفة" "حتى يشتد" اشتداد الحب قوته وصلابته قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه. وقال الترمذي حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة.
"وما ذكر في ذلك" بصيغة المجهول وهو معطوف على بيع الثمر "كان الناس" أي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم "فإذا جد الناس" بالجيم والدال المهملة أي قطعوا الثمار.
قال في الصحاح: جد النخل يجده أي صرمه، وأجد النخل حان له أن يجد وهذا زمن الجد والجداد مثل الصرم والصرام.
وقال في باب الميم: صرمت الشيء صرماً إذا قطعته وصرم النخل أي جده وأصرم النخل حان أن يصرم انتهى. "وحضر تقاضيهم" بالضاد المعجمة أي طلبهم "قال المبتاع" أي المشتري "قد أصاب الثمر" بالمثلثة "الدمان" بضم الدال وتخفيف الميم وبعد الالف النون وقال بعضهم بفتح الدال.
قال ابن الأثير: وكان الضم أشبه لأن ما كان من الأدواء والعاهات فهو بالضم كالسعال

(9/161)


خُصُومَتُهُمْ عِنْدَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "كَالمَشُورَةِ يُشِيرُ بِهَا فَإِمّا لاَ فَلاَ تَبْتَاعُوا الثّمَرَةَ حَتّى يَبْدُو صَلاَحُهُ لِكَثْرَةِ خُصُومَتِهِمْ وَاخْتِلاَفِهِمْ".
3372 - حدثنا ابنُ إسْمَاعِيلَ الطّالَقَانِيّ أخبرنا سُفْيَانُ عن ابنِ جُرَيْجٍ عنْ عَطَاءٍ عن جَابِرٍ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عنْ بَيْعِ الثّمَرِ حَتّى يَبْدُوَ صَلاَحُهُ، وَلاَ يُبَاعُ إلاّ بالدّنَانِيرِ أو بالدّرَاهِمِ إلا الْعَرَايَا .
ـــــــ
والزكام. وفسره أبو عبيد بأنه فساد الطلع وتعفنه وسواده. وقال القزاز: فساد النخل قبل إدراكه وإنما يقع ذلك في الطلع يخرج قلب النخلة أسود معفوناً "وأصابه قشام" بضم القاف وتخفيف الشين المعجمة أي انتقض قبل أن يصير ما عليه بسراً قاله القسلاني.
وفي القاموس: قشام كغراب أن ينتقض النخل قبل استواء بسره "وأصابه مراض" قال في المجمع: هو بالضم داء يقع في الثمرة فتهلك، وأمرض إذا وقع في ماله العاهة "عاهات" أي هذه الأمور الثلاثة آفات تصيب الثمر "يحتجون بها" قال البرماوي كالكرماني جمع الضمير باعتبار جنس المبتاع الذي هو مفسره وقال العيني: فيه نظر لا يخفي وإنما جمعه باعتبار المبتاع ومن معه من أهل الخصومات بقرينة يبتاعون "كالمشورة" بضم معجمه وسكون واو وبسكون معجمة وفتح واو لغتان قاله في المجمع.
وقال في القاموس: المشورة مفعلة لا مفعولة. قال القسطلاني: والمراد بهذه المشورة أن لا يشتروا شيئاً حتى يتكامل صلاح جميع هذه الثمرة لئلا تقع المنازعة انتهى. "فإما لا" بكسر الهمزة وأصله فإن لا تتركوا هذه المبايعة فزيدت ما للتوكيد وأدغمت النون في الميم وحذف الفعل.
وقال الجواليقي: العوام يفتحون الألف والصواب كسرها وأصله أن لا يكون كذلك الأمر فافعل هذا وما زائدة.
وعن سيبويه افعل هذا إن كنت لاتفعل غيره لكنهم حذفوا لكثرة استعمالهم إياه.
وقال ابن الأنباري: دخلت ما صلة كقوله عزوجل {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً} فاكتفى بلا من الفعل كما تقول العرب من سلم عليك فسلم عليه ومن لا يعني ومن لا يسلم عليك فلا تسلم عليه، فاكتفى بلا من الفعل. قاله العيني في شرح البخاري.
قال المنذري: وأخرجه البخاري تعليقاً.
"ولا يباع إلا بالدنانير أو بالدراهم إلا العرايا" قال النووي: معناه لا يباع الرطب بعد بدو

(9/162)


............................
ـــــــ
صلاحه بتمر بل يباع بالدينار والدرهم وغيرهما والممتنع إنما هو بيعه بالتمر إلا العرايا فيجوز بيع الرطب فيهابالتمر بشرطه السابق في بابه انتهى.
قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه. مختصراً.
"كذا في نسخة المنذري والحديث قد أخرجه مسلم مطولا، ولا عجب إن كانت العبارة هكذا وأخرجه مسلم مطولا وابن ماجه. مختصراً، فسقط لفظ مسلم مطولا من قلم الناسخ والله أعلم وعلمه أتم منه".

(9/163)


24- باب في بيع السنين
3372 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ وَ يَحْيَى بنُ مَعِينٍ قالا أخبرنا سُفْيَانُ عن حُمَيْدٍ الأَعْرَجِ عن سُلَيْمَانَ بنِ عَتِيقٍ عن جَابِرِ بنِ عَبْدِالله: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عنْ بَيْعِ السّنِينَ وَوَضَعَ الْجَوَائِحَ.
ـــــــ
"باب في بيع السنين"
بكسر السين جمع السنة بفتحها والمراد بيع ما تحمله هذه الشجرة مثلا سنة فأكثر، ويقال له بيع المعاومة.
"نهى عن بيع السنين": قال الخطابي: هو أن يبيع الرجل ما تثمره النخلة أو النخلات بأعيانها سنين ثلاثاً أو أربعاً أو أكثر منها وهذا غرر لأنه بيع شيء غير موجود ولا مخلوق حال العقد، ولا يدري هل يكون ذلك أم لا، وهل يثمر النخل أم لا، وهذا في بيوع الأعيان، وأما في بيوع الصفات فهو جائز مثل أن يسلف في شيء إلى ثلاث سنين أو أربع أو أكثر ما دامت المدة معلومة كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم بعيد أو قريب إذا كان الشيء المسلف فيه غالباً وجوده عند وقت محل السلف انتهى. "ووضع الجوائح" بفتح الجيم جمع جائحة وهي الآفة المستأصلة تصيب الثمار ونحوها بعد الزهو فتهلكها بأن يترك البائع ثمن ما تلف قاله القاري.
وقال الخطابي: هكذا رواه أبو داوود، ورواه الشافعي عن سفيان بإسناده فقال وأمر بوضع الجزائح، والجوائح هي الآفات التي تصيب الثمار فتهلكها وأمره عليه السلام بوضع الجوائح عند أكثر الفقهاء أمر ندب واستحباب من طريق المعروف والإحسان لا على سبيل الوجوب والإلزام.
وقال أحمد بن حنبل وأبو عبيد وجماعة من أصحاب الحديث: وضع الجائحة لازم للبائع إذا باع الثمرة فأصابته الآفة فهلكت.

(9/163)


قَالَ أبُو دَاوُدَ: لَمْ يَصِحّ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم في الثُلْثِ شَيْء، وَهُوَ رَأْيُ أهْلِ المَدِينَةِ.
3373 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا حَمّادٌ عن أيّوبَ عن أبي الزّبَيْرِ وَ سَعِيدِ بنِ مِينَاءَ عن جَابِرِ بنِ عَبْدِالله: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ المُعَاوَمَةِ ، وَقالَ أحَدُهُمَا بَيْعِ السّنِينَ.
ـــــــ
وقال مالك توضع في الثلث فصاعداً ولا توضع في ما هو أقل من الثلث قال أصحابه: ومعنى هذا الكلام أن الجائحة إذا كانت دون الثلث كان من مال المشتري وما كان أكثر من الثلث فهو من مال البائع.
واستدل من تأول الحديث على معنى الندب والاستحباب دون الإيجاب بأنه أمر حدث بعد استقرار ملك المشتري عليها، ولو أراد أن يبيعها أو يهبها لصح ذلك منه فيها، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربح مالم يضمن فإذا صح بيعها ثبت أنها من ضمانة وقد نهى عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها فلو كانت الجائحة بعد بدو الصلاح من مال البائع لم يكن لهذا النهي فائدة انتهى.
"قال أبو داوود لم يصح الخ" لم توجد هذه العبارة في بعض النسخ، وحاصله أن ما ذهب إليه أهل المدينة مالك وغيره من أن الجائحة إذا كانت دون الثلث كان من مال المشتري، وما كان أكثر من الثلث فهو من مال البائع لم يصح فيه شيء من الأحاديث.
قال المنذري: وأخرجه النسائي الفصلين مفرقين، وأخرج مسلم وابن ماجه.النهي عن بيع السنين، وفي لفظ لمسلم ثمر السنين.
"وسعيد بن ميناء" بكسر الميم وسكون التحتية بعدها نون "نهي عن المعلومة" هي مفاعلة من العام، كالمسانهة من السنة، والمشاهرة من الشهر أي بيع السنين.
قال في النهاية: هي ثمر النخل أو الشجر سنتين أو ثلاثاً فصاعداً قبل أن تظهر ثماره، وهذا البيع باطل لأنه بيع ما لم يخلق فهو كبيع الولد قبل أن يخلق "وقال أحدهما" أي أبي الزبير وسعد بن ميناء.
قال المنذري: وأخرجه مسلم أتم منه، وأخرجه ابن ماجه.

(9/164)


25- باب في بيع الغرر
3374 - حدثنا أبُو بَكْرٍ وَ عُثْمَانُ ابْنَا أبِي شَيْبَةَ قالا أخبرنا ابنُ إدْرِيسَ عن عبيد الله عن أبي الزّنَادِ عن الأعْرَجِ عن أبي هُرَيْرَةَ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عن بَيْعِ الْغَرَرِ . زَادَ عُثْمَانُ: وَالْحَصَاةِ.
3375 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ وَ أَحْمَدُ بنُ عَمْرِو بنِ السّرْحِ وَهَذَا لَفْظُهُ قالا أخبرنا سُفْيَانُ عن الزّهْرِيّ عن عَطَاءِ بنِ يَزِيدَ اللّيْثِيّ عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عنْ بَيْعَتَيْنِ وَعَنْ لِبسَتَيْنِ، أمّا الْبَيْعَتَانِ فَالمُلاَمَسَةُ وَالمُنَابَذَة، وَأمّا
ـــــــ
"باب في بيع الغرر"
بفتح الغين وبراءين أي ما لا يعلم عاقبته من الخطر الذي لا يدري أيكون أم لا كبيع الآبق، والطير في الهواء، والسمك في الماء، والغائب المجهول، ومجمله أن يكون المعقود عليه مجهولا أو معجوزاً عنه مما انطوى بعينه، من غر الثوب أي طيه، أومن الغرة بالكسر، أي الغفلة، أو من الغرور قاله القاري.
"نهى عن بيع الغرر" قال الخطابي: أصل الغرر هو ما طوى عنك وخفى عليك باطنه، وهو مأخوذ من قولهم طويت الثوب على غرة أي كسره الأول، وكل بيع كان المقصود منه مجهولا غير معلوم أو معجوزاً عنه مقدور عليه فهو غرر، وإنما نهى صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر تحصيناً للأموال أن تضيع، وقطعاً للخصومة بين الناس. وأبواب الغرر كثيرة "والحصاة" قال النووي: فيه ثلاث تأويلات أحدها أن يقول بعتك من هذه الأثواب ما وقعت عليه الحصاة التي أرميها أو بعتك من هذه الأرض من هنا إلى ما انتهت إليه هذه الحصاة. والثاني أن يقول بعتك على أنك بالخيار إلى أن أرمي بهذه الحصاة. والثالث أن يجعلا نفس الرمي بالحصاة بيعاً، فيقول إذا رميت هذا الثوب بالحصاة فهو مبيع منك بكذا انتهى.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"نهى عن بيعتين" بفتح الموحدة وكسرها والفرق بيتهما أن الفعلة بالفتح للمرة وبالكسر للحالة والهيئة. قال القسطلاني: "وعن لبستين" بكسر اللام على الهيئة لا بالفتح على المرة "فالملامسة" مفاعلة من اللمس "والمنابذة" مفاعلة من النبذ ويأتي تفسيرهما في الرواية الآتية "فاشتمال الصماء" بفتح مهملة وتشديد ميم ممدودة ويأتي تفسيره "وأن يحتبي الرجل الخ"

(9/165)


اللّيسَتَانِ فاشْتِمَالُ الصّمّاءِ وَأنْ يَحْتَبِيَ الرّجُلُ في ثَوْبٍ وَاحِدٍ كَاشِفاً عنْ فَرْجِهِ أوْ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ .
3376 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ أخبرنا عَبْدُالرّزّاقِ أنْبأنَا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن عَطَاءِ بنِ يَزِيدَ اللّيْثِيّ عن أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ رَضِيَ الله عَنْهُ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِهَذَا الْحَدِيثِ، زَادَ: فَاشْتِمَالُ الصّمّاءِ أنْ يَشْتَمِلَ في ثَوْبٍ وَاحِدٍ، يَضَعُ طَرَفَيْ الثّوْبِ عَلَى عَاتِقِهِ الأيْسَرِ وَيُبْرِزُ شِقّهُ الأيْمَنَ، وَالمُنَابَذَةُ أنْ يَقُولَ إذَا نَبَذْتُ إلَيْكَ هَذَا الثّوْبَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ، وَالمُلاَمَسَةُ أنْ يَمَسّهُ بِيَدِهِ وَلاَ يَنْشُرُهُ وَلاَ يُقَلّبُهُ، فَإذَا مَسّهُ وَجَبَ الْبَيْعُ.
ـــــــ
وهي اللبسة الثانية "أو ليس على فرجه منه" أي من الثوب "شيء" أي مما يستره، والظاهر أن للشك من بعض الرواة أي قال كاشفاً عن فرجه، أو قال ليس على فرجه منه شيء وليس في بعض النسخ لفظ أو.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"ويبرز" من الإبراز أي يظهر "شقه الأيمن" أي جانبه الأيمن والمعنى يظهر جانبه الأيمن ليس عليه شيء من الثوب "إذا نبذت" أي ألقيت "والملامسة أن يمسه" أي يمس المستام الثوب، وكذا وقع تفسير الملامسة والمنابذة عند المؤلف. ووقع عند النسائي من حديث أبي هريرة "والملامسة أن يقول الرجل للرجل أبيعك ثوبي بثوبك ولا ينظر واحد منهما إلى ثوب الآخر ولكن يلمسه لمسا. والمنابذة أن يقول أنبذ ما معي وتنبذ ما معك ليشتري كل واحد منهما من الآخر ولا يدري كل واحد منهما كم مع الآخر ونحو ذلك"
ولمسلم من طريق عطاء بن ميناء عن أبي هريرة: أما الملامسة فأن يلمس كل واحد منهما ثوب صاحبه بغير تأمل، والمنابذة أن ينبذ كل واحد منهما ثوبه إلى الآخر لم ينظر كل واحد منهما إلى ثوب صاحبه"
قال الحافظ: وهذا التفسير الذي في حديث أبي هريرة أقعد بلفظ الملامسة والمنابذة لأنها مفاعلة فتستدعي وجود الفعل من الجانبين.
قال: واختلف العلماء في تفسير الملامسة على ثلاث صور، وهي أوجه للشافعية أصحها أن يأتي بثوب مطوي أو في ظلمة فيلمسه المستام، فيقول له صاحب الثوب بعتكه بكذا

(9/166)


3377 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ أخبرنا عَنْبَسَةُ بنُ خَالِدٍ أخبرنا يُونُسُ عن ابنِ شِهَابٍ قالَ أخبرَنِي عَامِرُ بنُ سَعْدِ بنِ أبي وَقّاصٍ أنّ أبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قال: نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِمَعْنَى حَدِيثِ سُفْيَانَ وَعَبْدِالرّزّاقِ جَمِيعاً.
3378 - حدثنا عبد الله بنُ مَسْلَمَةَ عن مَالِكٍ عن نَافِعٍ عن عبد الله بنِ عُمَرَ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ .
3379 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا يَحْيَى عن عبيد الله عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ قال: وَحَبَلُ الْحَبَلَةِ أنْ تُنْتَجَ النّاقَةُ بَطْنَهَا ثُمّ تَحْمِلُ الّتِي نُتِجَتْ.
ـــــــ
بشرط أن يقوم لمسك مقام نظرك ولا خيار لك إذا رأيته، وهذا موافق للتفسير الذي في الأحاديث.
الثاني: أن يجعل نفس اللمس بيعاً بغير صيغة زائدة.
الثالث: أن يجعل اللمس شرطاً في قطع خيار المجلس. والبيع على التأويلات كلها باطل. ثم قال واختلفوافي المنابذة على ثلاثة أقوال، وهي أوجه للشافعية أصحها أن يجعلا نفس النبذ بيعاً كما تقدم في الملامسة، وهو الموافق للتفسير المذكور في الأحاديث. والثاني أن يجعلا النبذ بيعاً بغير صفة.
والرابع: أن يجعلا النبذ قاطعاً للخيار، هكذا في الفتح. والعلة في النهي عن الملامسة والمنابذة الغرر والجهالة وإبطال خيار المجلس.
"عن بيع حبل الحبلة" الحبل بفتح الحاء المهملة والباء، وغلط عياض من سكن الباء، وهو مصدر حبلت تحبل، والحبلة بفتحهما أيضاً جمع حابل مثل ظلمة وظالم، والهاء فيه للمبالغة، وقيل هو مصدر سمى به الحيوان، كذا في النيل ويأتي تفسير بيع حبل الحبلة في الباب من المؤلف، والحديث أخرجه البخاري والنسائي.
"قال وحبل الحبلة" قال الزرقاني في شرح الموطأ، وهذا التفسير من قول ابن عمر كما جزم به ابن عبدالبر وغيره لما في مسلم من طريق عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال "كان أهل الجاهلية يتبايعون لحم الجزور إلى حبل الحبلة وحبل الحبلة أن تنتج الناقة ثم تحمل التي نتجت فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى. "أن تنتج" بضم أوله وفتح ثالثه مبنياً للمفعول من الأفعال

(9/167)


...........................
ـــــــ
التي لم تسمع إلا كذلك نحو جن "الناقة" بالرفع بإسناد تنتج إليها "بطنها" أي ما في بطنها والمعنى تلد ولدها "ثم تحمل التي نتجت" ووقع في رواية للبخاري بعد الحديث المرفوع "وكان بيعاً بتبايعه أهل الجاهلية كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة ثم تنتج التي في بطنها"
قال القسطلاني: وصفته كما قاله الشافعي ومالك وغيرهما أن يقول البائع بعتك هذه السلعة بثمن مؤجل إلى أن تنتج هذه الناقة ثم تنتج التي في بطنها، لأن الأجل فيه مجهول، وقيل هو بيع ولد ولد الناقة في الحال بأن يقول إذا نتجت هذه الناقة ثم نتجت التي في بطنها فقد بعتك ولدها لأنه بيع ما ليس بمملوك ولا معلوم ولا مقدور على تسليمه فيدخل في بيع الغرر، وهذا الثاني تفسير أهل اللغة وهو أقرب لفظاً وبه قال أحمد، والأول أقوى لأنه تفسير الراوي وهو ابن عمر وهو أعرف وليس مخالفاً للظاهر فإن ذلك هو الذي كان في الجاهلية والنهي وارد عليه.
قال النووي: ومذهب الشافعي ومحققي الأصوليين أن تفسير الراوي مقدم إذا لم يخالف الظاهر ومحصل الخلاف كما قاله ابن التين هل المراد البيع إلى أجل أو بيع الجنين وعلى الأول هل المراد بالأجل ولادة الأم أو ولادة ولدها، وعلى الثاني هل المراد بيع الجنين الأول أو بيع جنين الجنين فصارت أربعة أقوال انتهى. والحديث أخرجه مسلم.

(9/168)


26- باب في بيع المضطر
3380 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ عِيسَى أخبرنا هُشَيْمٌ أنْبأنَا صَالِحُ بنُ عَامِرٍ، قَالَ أبُو دَاوُدَ: كَذَا قَالَ مُحَمّدٌ، قال أخبرنا شَيْخٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ قال: خَطَبَنَا عَلِيّ بنُ أبي طَالِبٍ، أوْ قالَ قالَ عَلِيّ، قالَ ابنُ عِيسَى هَكَذَا حَدثنا هُشَيْمٌ قال: سَيَأْتِي عَلَى النّاسِ
ـــــــ
"باب في بيع المضطر"
مفتعل من الضر وأصله مضترر فأدغمت الراء وقلبت التاء طاء لأجل الضاد والمراد من المضطر المكره.
"أنبأنا صالح بن عامر" قال في التقريب: صالح بن عامر عن شيخ من بني تميم صوابه صالح أبو عامر وهو الخزاز بينه سعيد بن منصور في سننه، وهم المزي فقال صوابه صالح عن عامر أي ابن حي عن الشعبي وليس كما قال انتهى. "أو قال قال على" شك من هشيم أو صالح

(9/168)


زَمَانٌ عَضُوضٌ يَعَضّ المُوسِرُ عَلَى مَا في يَدَيْهِ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِذَلِكَ، قالَ الله تَعَالَى: {وَلاَ تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} وَيُبَايِعُ المُضْطَرّونَ، وَقَدْ نَهَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عنْ بَيْعِ المُضْطَرّ وَبَيْعِ الْغَرَرِ وَبَيْعِ الثّمَرَةِ قَبْلَ أنْ تُدْرِكَ.
ـــــــ
"قال ابن عيسى" هو محمد "هكذا" أي بالشك "قال" أي علي رضي الله عنه "زمان عضوض" قال في القاموس: عته وعليه كسمع ومنع عضاً وعضيضاً أمسكته بأسناني أو بلساني وبصاحبي عضيضاً لزمته، أو العضيض العض الشديد والقرين، وعض الزمان والحرب شدتهما أو هما بالظاء، وعض الأسنان بالضاد "يعض الموسر" أي صاحب يسار "على ما في يديه" أي بخلا "ولم يؤمر بذلك" بل أمر بالجود "ولا تنسوا الفضل بينكم" أي أن يتفضل بعضكم على بعض "ويبايع المضطرون" عطف على قوله يعض الموسر"وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع المضطر" قال في النهاية: هذا يكون من وجهين أحدهما أن يضطر إلى العقد من طريق الإكراه عليه وهذا بيع فاسد لا ينعقد، والثاني أن يضطر إلى البيع لدين ركبه أو مؤنة ترهقه فيبيع ما في يديه بالوكس للضرورة، وهذا سبيله في حق الدين والمروءة أن لا يبايع على هذا الوجه، ولكن يعار ويقرض إلى الميسرة أو يشتري إلى الميسرة أو يشتري السلعة بقيمتها، فإن عقد البيع مع الضرورة على هذا الوجه صح مع كراهة أهل العلم. ومعنى البيع ها هنا الشراء أو المبايعة أو قبول البيع "وبيع الغرر" تقدم تفسيره "قبل أن تدرك" بضم أوله وكسر الراء.
قال في القاموس: وأدرك الشيء بلغ وقته والمراد قبل أن يبدو صلاحها. قال المنذري في أسناده رجل مجهول.

(9/169)


27- باب في الشركة
3381 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ سُلَيْمَانَ الْمِصّيصِيّ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ الزّبْرِقَانَ عن أبي
ـــــــ
"باب في الشركة"
بكسر الشين وسكون الراء. وذكر صاحب الفتح فيها أربع لغات: فتح الشين وكسر الراء وكسر الشين وسكون الراء وقد تحذف الهاء وقد يفتح أوله مع ذلك وهي لغة الأختلاط، وشرعاً ثبوت الحق في شيء الأثنين فأكثر على جهة الشيوع، وقد تحدث الشركة قهراً كالإرث أو باختيار كالشراء.
"عن أبي حيان التيمي عن أبيه الخ" قال الزركشي في تخريج أحاديث الرافعي: هذا

(9/169)


حَيّانَ التّيْمِيّ عن أبِيهِ عن أبي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ قال: "إنّ الله تَعَالَى يَقُولُ: أنَا ثَالِثُ الشّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَخُنْ أحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَإذَا خَانَهُ خَرَجْتُ مِنْ بَيْنِهِمْا".
ـــــــ
الحديث صححه الحاكم وأعله ابن القطان بالجهل بحال سعيد بن حيان والد أبي حيان، فإنه لا يعرف له حال ولا يعرف روى عنه غير ابنه.
وقال الحافظ ابن حجر ذكره ابن حبان في الثقات، وذكره أنه روى عنه أيضاً الحارث بن يزيد كذا في مرقاة الصعود.
قلت اسم أبي حيان يحيى بن سعيد بن حيان. قال في التقريب: ثقة عابد وأبوه سعيد ابن حيان التيمي وثقه العجلي كما في التقريب "أنا ثالث الشريكين" أي معهما بالحفظ والبركة أحفظ أموالهما وأعطيهما الرزق والخير في معاملتهما "خرجت من بينهم" وفي بعض النسخ "من بينهما" بالتثنية وهو الظاهر، أي زالت البركة بإخراج الحفظ عنهما.
وزاد رزين "وجاء الشيطان" أي ودخل بينهما وصار ثالثهما.
قال الطيبي رحمه الله: الشركه عبارة عن اختلاط أموال بعضهم ببعض بحيث لا يتميز، وشركة الله تعالى إياهما على الاستعارة، كأنه تعالى جعل البركة والفضل والربح بمنزلة المال المخلوط، فسمى ذاته تعالى ثالثهما، وجعل خيانة الشيطان ومحقه البركة بمنزلة المخلوط وجعله ثالثهما، وقوله خرجت من بينهما ترشيح الاستعارة
وفيه استحباب الشركة فإن البركة منصبة من الله تعالى فيها بخلاف ما إذا كان منفرداً، لأن كل واحد من شريكين، يسعى في غبطة صاحبه، وأن الله تعالى في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه المسلم. والحديث سكت عنه المنذري.

(9/170)


28- باب في المضارب يخالف
ـــــــ
"باب في المضارب يخالف"
المضاربة هي قطع الرجل من أمواله دافعاً إلى الغير ليعامل فيه ويقسم الربح. قاله الطيبي وهي مأخوذة من الضرب في الأرض وهو السفر، لما كان الربح يحصل في الغالب
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله
والحديث مخرج في صحيح البخاري أخرجه في ذكر الأنبياء والمناقب في الأبواب التي فيها

(9/170)


3382 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا سُفْيَانُ عن شَبِيبِ بنِ غَرْقَدَةَ قالَ حَدّثَنِي الْحَيّ عن عُرْوَةَ يَعْني ابنَ الْجَعْدِ الْبَارِقِيّ - قال: أعْطَاهُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم دِينَاراً يَشْتَرِي بِهِ أُضْحِيَةً أوْ شَاةً فاشْتَرَى شَاتَيْنِ فَبَاعَ إحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ فَأتَاهُ بِشَاةٍ وَدِينَارٍ، فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ في بَيْعِهِ،
ـــــــ
بالسفر. أو من الضرب في المال وهو التصرف. والعامل مضارب بكسر الراء، وتسمى المضاربة في لغة أهل الحجاز قراضاً بكسر القاف.
"عن شبيب بن غرقدة" بفتح المعجمة والقاف بينهما راء ساكنة "حدثني الحي" بفتح المهملة وتشديد التحتانية أي القبيلة، وهم غير معروفين كما صرح به البيهقي والخطابي وسيجيء، وفي بعض النسخ يحيى وهو غلط "يعني ابن الجعد" بفتح جيم وسكون عين مهملة، وقيل ابن أبي الجعد "البارقي" نسبة إلى بارق بكسر الراء بطن من الأزد، وهو بارق بن عدي بن حارثه، وإنما قيل له بارق نزل عند جبل يقال له بارق فنسب إليه قاله النووي في تهذيب الأسماء "أعطاه" أي عروة "ديناراً يشتري به" فيه دليل على أنه يجوز للوكيل إذا قال له المالك اشتر بهذا الدينار شاة ووصفها أن يشتري به شاتين بالصفة المذكورة، لأن مقصود الموكل قد حصل وزاد الوكيل خيراً، ومثل هذا لو أمره يبيع شاة بدرهم فباعها بدرهمين أو بأن يشتريها بدرهم فاشتراها بنصف درهم وهو الصحيح عند الشافعية كما نقله النووي قاله الشوكاني "أو شاة" شك من الراوي "فباع إحداهما" فيه دليل على صحة بيع الفضولي، وبه قال
ـــــــ
صفة النبي صلى الله عليه وسلم في باب ترجمته باب سؤال المشركين أن يريهم النبي صلى الله عليه وسلم آية فذكره بإسناده عن شبيب بن غرقدة قال سمعت الحي يتحدثون عن عروة أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه دينارا يشتري له به شاة فاشترى له به شاتين فباع إحداهما بدينار فجاءه بدينار وشاة فدعا له بالبركة في بيعه وكان لو اشترى التراب لربح فيه قال سفيان يشتري له شاة كأنها أضحية
انفرد بإخراجه البخاري
وقد استدرك عليه روايته له عن الحي وهم غير معروفين وما كان هكذا فليس من شرط كتابه
وقد رواه ابن ماجه من رواية شبيب عن عروة نفسه والصحيح أنه لم يسمعه منه
قال البخاري حدثنا علي بن عبد الله قال حدثنا سفيان قال حدثنا شبيب بن غرقدة قالسمعت الحي يتحدثون عن عروة أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه دينارا ليشتري له به شاة فاشترى له به شاتين فباع إحداهما بدينار فجاءه بدينار وشاة فدعا له بالبركة في بيعه وكان لو اشترى التراب لربح فيه
قال سفيان كان الحسن بن عمارة جاءنا بهذا الحديث عنه قال الحي يخبرونه عنه ولكن

(9/171)


فَكَانَ لَو اشْتَرَى تُرَاباً لَرَبِحَ فِيهِ.
ـــــــ
مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه، والشافعي في القديم وقواه النووي وهو مروي عن جماعة من السلف منهم علي ابن عباس وابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهم.
وقال الشافعي في الجديد: إن البيع الموقوف والشراء الموقوف باطلان لقوله صلى الله عليه وسلم "لا تبع ما ليس عندك" وأجاب عن حديث عروة البارقي بما فيه من المقال، وعلى تقدير الصحة فيمكن أنه كان وكيلا بالبيع بقرينة فهمه منه صلى الله عليه وسلم.
وقال أبو حنيفة إنه يكون البيع الموقوف صحيحاً دون الشراء، والوجه أن الإخراج عن ملك المالك مفتقر إلى إذنه بخلاف الإدخال.
ويجاب بأن الإدخال للمبيع في الملك يستلزم الإخراج من الملك للثمن.
وروي عن مالك العكس من قول أبي حنيفة، فإن صح فهو قوي لأن فيه جمعاً بين الأحاديث. قاله الشوكاني "فكان لو اشترى" أي عروة "تراباً لربح فيه" هذا مبالغة في ربحه أو حقيقة، فإن بعض أنواع التراب يباع والحديث لا يدل صريحاً على ما ترجم به المؤلف رحمه الله، لأن القصة المذكورة فيه ليست من باب المضاربة كما لا يخفى وبوّب الشيخ ابن تيمية في المنتقى بقوله باب من وكل في شراء شيء فاشترى بالثمن أكثر منه وتصرف في الزيادة وأورد فيه هذا الحديث.
قال الخطابي: واختلف الفقهاء في المضارب إذا خالف رب المال، فروي عن ابن عمر أنه قال الربح لصاحب المال، وعن أبي قلابة ونافع أنه ضامن والربح لرب المال، وبه قال أحمد وإسحاق، وكذلك الحكم عند أحمد في من استودع مالا فاتجر فيه بغير صاحبه أن الربح لرب المال.
وقال أصحاب الرأي الربح للمضارب ويتصدق به والوضيعة عليه وهو ضامن لرأس المال في الوجهين معاً.
وقال الأوزاعي: إن خالف وربح فالربح له في القضاء وهو يتصدق به في الورع والفتيا ولا يصلح لواحد منهما.
ـــــــ
سمعته يقول سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول الخير معقود في نواصي الخيل إلى يوم القيامة قال وقد رأيت في داره سبعين فرسا قال سفيان يشتري له شاة كأنها أضحية

(9/172)


3383 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ الصّبّاحِ أخبرنا أبُو المُنْذِرِ أخبرنا سَعِيدُ بنُ زَيْدٍ - هُوَ أخُو حَمّادِ بنِ زَيْدٍ - أخبرنا الزّبَيْرُ بنُ الْحِرّيتِ عن أبي لَبِيدٍ حَدّثَنِي عُرْوَةُ الْبَارِقِيّ بِهَذَا الْخَبَرِ وَلَفْظُهُ مُخْتَلِفٌ.
3384 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ كَثِيرٍ الْعَبْدِيّ أخبرنا سُفْيَانُ حَدّثني أبُو حُصَيْنٍ عن شَيْخٍ مِنْ أهْلِ المَدِينَةِ عن حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم بَعَثَ مَعَهُ بِدِينَارٍ يَشْتَرِي لَهُ أُضْحِيَةً فَاشْتَرَاهَا بِدِينَارٍ وَبَاعَهَا بِدِينَارَيْنِ، فَرَجَعَ فَاشْتَرَى لَهُ أُضْحِيَةً بِدِينَارٍ وَجَاءَ بِدِينَارٍ إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فَتَصَدّقَ بِهِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وَدَعَا لَهُ أنْ يُبَارِكَ لَهُ في تِجَارَتِهِ.
ـــــــ
وقال الشافعي: إذا خالف المضارب نظراً فإن اشترى السلعة التي لم يؤمر بها بعين المال فالبيع باطل، وإن اشتراها بغير العين فالسلعة ملك للمشتري وهو ضامن للمال انتهى.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه انتهى.
قلت: وقد رواه "أي في صحيحه في كتاب بدء الخلق في الباب الذي قبل باب فضائل الصحابة" البخاري أيضاً من طريق ابن عينية عن شبيب بن غرقدة سمعت الحي يحدثون عن عروة، قال البيهقي: هو مرسل لأن شبيب بن غرقدة لم يسمعه من عروة وأنما سمعه من الحي، وقال الرافعي: هو مرسل. قال الحافظ: الصواب أنه متصل في أسناده مبهم والله أعلم.
"أخبرنا الزبير بن الخريت": بكسر المعجمة والراء المشددة وآخره مثناة. "فتصدق به" أي بالدينار. جعل جماعة من أهل العلم هذا أصلا فقالوا من وصل إليه مال من شبهة وهو لا يعرف له مستحقاً فإنه يتصدق به. ووجه الشبه ها هنا أنه لم يأذن لعروة ولا لحكيم بن حزام في بيع الأضحية ويحتمل أن يتصدق به لأنه قد خرج عنه للقربة لله تعالى في الأضحية فكره أكل ثمنها. قاله في النيل.
قال الخطابي: هذا الحديث مما يحتج به أصحاب الرأي لأنهم يجيزون بيع مال زيد من عمرو بغير إذن منه أو توكيل به، ويتوقف البيع على إجازة المالك، فإذا أجازه صح، إلا أنهم لم يجيزوا الشراء له بغير إذنه، وأجاز مالك بن أنس الشراء والبيع معاً. وكان الشافعي لا يجيز شيئاً من ذلك لأنه غرر ولا يدري هل يجيزه أم لا، وكذلك لا يجيز النكاح الموقوف على رضى المنكوحة أو إجازة الولي، غير أن الخبرين معاً غير متصلين لأن في أحدهما وهو خبر حكيم بن حزام رجلاً مجهولاً لا يدري من هو، وفي خبر عروة أن الحي حدثوه، وما كان هذا سبيله من

(9/173)


................................................
ـــــــ
الرواية لم تقم به الحجة. وقد ذهب بعض من لم يجز البيع الموقوف في تأويل هذا الحديث إلى أن وكالته وكالة تفويض وإطلاق، وإذا كانت الوكالة مطلقة فقد حصل البيع والشراء عن إذن انتهى.
قال المنذري: وفي إسناده مجهول، وأخرجه الترمذي من حديث حبيب ابن أبي ثابت عن حكيم بن حزام وقال ولا نعرفه إلا من هذا الوجه. وحبيب ابن أبي ثابت لم يسمع عندي من حكيم ابن حزام. هذا آخر كلامه. وحكى المزني عن الشافعي أن حديث البارقي ليس بثابت عنده. قال أبو بكر البيهقي: وإنما ضعف حديث البارقي لأن شبيب بن غرقدة رواه عن الحي وهم غير معروفين وحديث حكيم بن حزام إنما رواه شيخ غير مسمى وقال في موضع آخر: الحي الذين أخبروا شبيب بن غرقدة عن عروة البارقي لا نعرفهم، والشيخ الذي أخبر أبا حصين عن حكيم بن حزام لا نعرفه، وليس هذا من شرط أصحاب الحديث في قبول الأخبار والله أعلم.
وذكر الخطابي أن الخبرين معاً غير متصلين، لأن في أحدهما وهو خبر حكيم بن حزام رجلاً مجهولاً لا يدري من هو، وفي خبر عروة أن الحي حدثوه، وما كان هذا سبيله من الرواية لم تقم به الحجة. هذا آخر كلامه فأما تخرجه له في صدر حديث "الخير معقود بنواصي الخيل" فيحتمل أنه سمعه من علي بن المديني على التمام فحدث به كما سمعه، وذكر فيه إنكار شبيب بن غرقدة بسماعه من عروة حديث شراء الشاة، وإنما سمعه من الحي عن عروة، وإنما سمع من عروة قوله صلى الله عليه وسلم: "الخير معقود بنواصي الخيل" ويشبه أن الحديث في الشراء لو كان على شرطة لأخرجه في كتاب البيوع وكتاب الوكالة كما جرت عادته في الحديث الذي يشتمل على أحكام أن يذكره في الأبواب التي تصلح له ولم يخرجه إلا في هذا الموضع، وذكر بعده حديث الخيل من رواية عبد الله بن عمر وأنس بن مالك وأبي هريرة، فدل ذلك على أن مراده حديث الخيل فقط إذ هو على شرطه. وقد أخرج مسلم حديث شبيب بن غرقدة عن عروة مقتصراً على ذكر الخيل ولم يذكر حديث الشاة.
وقد أخرج الترمذي حديث شراء الشاة من رواية أبي لبيد لِمَازة بن زَبّار عن عروة وهو من هذه الطريق حسن والله أعلم انتهى كلام المنذري.

(9/174)


29- باب في الرجل يتجر في مال الرجل بغير إذنه
3385 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ الْعَلاَءِ أخبرنا أبُو أُسَامَةَ أخبرنا عُمَرُ بنُ حَمْزَةَ أخبرنا سَالِمُ بنُ عبد الله عن أبِيهِ قالَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أنْ يَكُونَ مِثْلَ صَاحِبِ فَرَقِ الأَرُزّ فَلْيَكُنْ مِثْلَهُ". قالُوا: وَمَنْ صَاحِبُ الأَرُزّ يَارَسُولَ الله فَذَكَرَ حَدِيثَ الْغَارِ حِينَ سَقَطَ عَلَيْهِمْ الْجَبَلُ، فَقالَ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: اذْكُرُوا أحْسَنَ عَمَلِكُمْ قالَ وَقالَ الثّالِثُ: اللّهُمّ إنّكَ تَعْلَمُ أنّي اسْتَأْجَرْتُ أجِيراً بِفَرَقِ أَرُز، فَلَمّا أمْسَيْتُ عَرَضْتُ عَلَيْهِ حَقّهُ فَأبَى أنْ يَأْخُذَهُ وَذَهَبَ فَثَمّرْتُهُ لَهُ حَتّى جَمَعْتُ لَهُ بَقَراً وَرِعَاءَهَا فَلَقِيَنِي فقالَ أعْطِنِي حَقّي، فَقُلْتُ: اذْهَبْ إلَى تِلْكَ الْبَقَرِ وَرِعَائِهَا فَخُذْهَا، فَذَهَبَ فَاسْتَاقَهَا .
ـــــــ
"باب في الرجل يتجر في مال الرجل الخ"
"مثل صاحب فرق الأرز" بفتح الفاء والراء بعدها قاف وقد تسكن الراء. قال في القاموس: مكيال بالمدينة يسع ثلاثة آصع أو يسع ستة عشر رطلا والأرز فيه ست لغات فتح الألف وضمها مع ضم الراء وتضم الألف مع سكون الرا وتخفيف الزاي وتشديدها، والرواية هنا بفتح الهمزة وضم الراء وتشديد الزاي قاله القسطلاني.
وقال في القاموس: الأرز حب معروف وقال في الصراح أرز برنج "فذكر حديث الغار" لم يدكره أبو داوود بطوله، وذكره البخاري مطولا في ذكر بني إسرائيل والمزارعة والبيوع وغيرها، وذكره مسلم في التوبة "فثمرته" من التثمير أي كَثّرت الأرز وزدته بالزراعة "له" أي للأجير "ورعائها" جمع راع واستدل أبو داوود بهذا الحديث على جواز تجارة الرجل في مال الرجل بغير إذنه، وقد تقدم اختلاف العلماء في هذه المسألة في الباب المتقدم، وترجم البخاري في صحيحه باب إذا اشترى شيئاً لغيره بغير إذنه فرضي ثم ذكر هذا الحديث.
وقال القسطلاني في شرح البخاري وموضع الترجمة من هذا الحديث قوله إني استأجرت الخ، فإن فيه تصرف الرجل في مال الأجير بغير إذنه، فاستدل به المؤلف رحمه الله على جواز بيع الفضولي وشرائه، والقول بصحة بيع الفضولي هو مذهب المالكية وهو القول القديم للشافعي رضي الله عنه فينعقد موقوفاً على إجازة المالك إن أجازه نفد وإلا لغا، والقول الجديد بطلانه. وقد أجيب عما وقع هنا بأن الظاهر أن الرجل الأجير لم يملك الفرق، لأن

(9/175)


.............................
ـــــــ
المستأجر لم يستأجره بفرق معين وإنما استأجره بفرق في الذمة، فلما عرض عليه قبضه امتنع لرداءته، فلم يدخل في ملكه بل بقي حقه متعلقاً بذمة المستأجر، لأن ما في الذمة لا يتعين إلا بقبض صحيح، فالنتاج الذي حصل على ملك المستأجر تبرع به للأجير بتراضيهما. وغاية ذلك أنه أحسن القضاء فأعطاه حقه وزيادات كثيرة، ولو كان الفرق تعين للأجير لكان تصرف المستأجر فيه تعدياً انتهى كلام القسطلاني مختصراً، وهذا الجواب مدفوع من وجوه شتى وليس هذا المختصر محل لبيانه.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ولمسلم بنحوه أتم منه.

(9/176)


30- باب في الشركة على غير رأس مال
3386 - حدثنا عبيد الله بنُ مُعَاذٍ أخبرنا يَحْيَى أخبرنا سُفْيَانُ عن أبي إسْحَاقَ عنْ أبي عُبَيْدَةَ عنْ عبد الله قالَ: اشْتَرَكْتُ أنَا وَعَمّارٌ وَسَعْدٌ فِيمَا نُصِيبُ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَ: فَجَاءَ سَعْدٌ بِأَسِيرَيْنِ وَلَمْ أجِىءْ أنَا وَعَمّارٌ بِشَيْءٍ.
ـــــــ
"باب في الشركة على غير رأس مال"
أي الشركة بين الناس على غير أصل المال على الأجرة والعمل، فما يحصل لهم بعد العمل ولأجرة فهو يشترك بينهم.
"عن عبد الله" هو ابن مسعود رضي الله عنه "اشتركت أنا وعمار وسعد إلخ" استدل بهذا الحديث على جوار شركة الأبدان وهي أن يشترك العاملان فيما يعملانه فيوكل كل واحد منهما صاحبة أن يتقبل ويعمل عنه في قدر معلوم مما استؤجر عليه ويعينان الصنعة، وقد ذهب إلى صحتها مالك بشرط اتحاد الصنعة. وإلى صحتها ذهب أبو حنيفة وأصحابه، وقال الشافعي شركة الأبدان كلها باطلة لأن كل واحد منهما متميز ببدنه ومنافعه فيختص بفوائده، وهذا كما لو اشتركا في ماشيتهما وهي متميزة ليكون الدر والنسل بينهما فلا يصح. وأجابت الشافعية عن هذا الحديث بأن غنائم بدر كانت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدفعها لمن يشاء، وهذا الحديث حجة على أبي حنيفة وغيره ممن قال إن الوكالة في المباحات لا تصح. كذا في النيل قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه وهو منقطع. وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه.

(9/176)


31- باب في المزارعة
3387 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ كَثِيرٍ أخبرنا سُفْيَانُ عنْ عَمْرِو بنِ دِينَارٍ قالَ سَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ يَقُولُ: مَا كُنّا نَرَى بِالمُزَارَعَةِ بَأْساً حَتّى سَمِعْتُ رَافِعَ بنَ خَدِيجٍ يَقُولُ: إنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْهَا، فَذَكَرْتُهُ لِطَاوُوسٍ فَقالَ قال لي ابنُ عَبّاسٍ: إنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لَمْ يَنْهَ عَنْهَا وَلَكِنْ قالَ: لَيَمْنَحْ أحَدُكُمْ أرْضَهُ خَيْرٌ مِنْ أنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا خَرَاجاً مَعْلُوماً .
ـــــــ
"باب في المزارعة"
هي المعاملة على الأرض ببعض ما يخرج منها من الزرع كالثلث والربع وغير ذلك من الأجزاء المعلومة، والبذر يكون من مالك الأرض قاله النووي.
فذكرته" أي "ما سمعته من رافع بن خديج فقال" أي طاووس "لم ينه عنها" أي عن المزارعة "ليمنح" بفتح الياء والنون أي ليجعلها منيحة أي عارية "خراجاً معلوماً" أي أجرة معلومة قال الخطابي: خبر رافع بن خديج من هذه الطريق خبر مجمل تفسره الأخبار التي رويت عن نافع بن خديج وعن غيره من طرق أخرى، وقد عقل ابن عباس المعنى من الخبر وأن ليس المراد به تحريم المزارعة بشطر ما تخرجه الأرض وإنما أراد بذلك أن يتما نحو أرضهم وأن يرفق بعضهم بعضاً. وقد ذكر رافع بن خديج في رواية أخرى عنه النوع الذي حرم منها والعلة التي من أجلها نهى عنها، وذكره أبو داوود في هذا الباب. قلت: أراد بهذه الرواية رواية رافع بن خديج الآتية في الباب من طريق ربيعه بن أبي عبد الله عن حنظلة بن قيس الأنصاري عنه. قال الخطابي: وقد ذكر زيد ابن ثابت العلة والسبب الذي خرج عليه الكلام في ذلك وبين الصفة التي وقع عليها النهي، ورواه أبو داوود في هذا الباب. قلت أراد بهذه الرواية. الرواية التالية من طريق عروة بن الزبير عن زيد بن ثابت. قال الخطابي: وضعف أحمد ابن حنبل حديث رافع وقال هو كثير الألوان يريد اضطراب هذا الحديث واختلاف الروايات عنه، فمرة يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومرة يقول حدثني عمومتي عنه، وجوز أحمد المزارعة واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى اليهود أرض خيبر مزارعة ونخلها مساقاة وأجازها ابن أبي ليلى ويعقوب ومحمد وهو قول ابن المسيب وابن سيرين والزهري وعمر بن عبد العزيز وأبطلها أبو حنيفة ومالك والشافعي. قال الخطابي: وإنما صار هؤلاء إلى ظاهر الحديث من رواية رافع بن خديج ولم يقفوا على علته كما وقف عليها أحمد، فالمزراعة على النصف والثلث والربع وعلى

(9/177)


3388 - حدثنا أبُو بَكْرٍ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا ابنُ عُلَيّةَ ح وحدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا بِشْرٌ المَعْنَى عن عبد الرحمن بنِ إسْحَاقَ عن أبي عُبَيْدَةَ بنِ مُحَمّدِ بنِ عَمّارٍ عن الْوَلِيدِ بنِ أبي الْوَلِيدِ عن عُرْوَةَ بنِ الزّبَيْرِ قال قال زَيْدُ بنُ ثَابِتٍ: يَغْفِرُ الله لِرَافِعِ بنِ خَدِيجٍ أنَا وَالله أعْلَمُ بالْحَدِيثِ مِنْهُ إنّمَا أتَاهُ رَجُلاَنِ، قال مُسَدّدٌ: مِنَ الأنْصَارِ، ثُمّ اتّفَقَا: قَدْ اقْتَتَلاَ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنْ كَانَ هَذَا شَأْنُكُمْ فَلاَ تُكْرُوا المَزَارِعَ" زَادَ مُسْلِمٌ: فَسَمِعَ قَوْلَهُ: "لاَ تُكْرُوا المَزَارِعَ".
3389 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ أنْبأنَا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنْ مُحَمّدِ بنِ عِكْرِمَةَ بنِ عبد الرحمن بنِ الْحَارِثِ بنِ هِشَامٍ عنْ مُحَمّدِ بنِ عبد الرحمن بنِ أبي لَبِيبَةَ عنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ عنْ سَعْدٍ قال: كُنّا نُكْرِي الأرْضَ بِمَا عَلَى السّوَاقِي مِنَ الزّرْعِ وَمَا سَعِدَ بِالمَاءِ مِنْهَا، فَنَهَانَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَنْ ذَلِكَ، وَأمَرَنَا أنْ نُكْرِيَهَا بِذَهَبٍ أوْ فِضّةٍ.
ـــــــ
ما تراضى به الشريكان جائزة إذا كانت الحصص معلومة والشروط الفاسدة معدومة، وهي عمل المسلمين في بلدان الإسلام وأقطار الأرض شرقها وغربها. وقد أنعم بيان هذا الباب محمد بن إسحاق بن خزيمة وجوده، وصنف في المزارعة مسألة ذكر فيها علل الأحاديث التي وردت فيها انتهى كلام الخطابي قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه.
"إنما أتاه" أي النبي صلى الله عليه وسلم "قال مسدد من الأنصار" أي زاد مسدد في روايته هذا اللفظ بعد قوله رجلان "ثم اتفقا" أي أبو بكر ومسدد "فلا تكروا" من الإكراء "فسمع" أي رافع بن خديج "قوله" أي قول النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا تكروا الخ، والمعنى أن رافع بن خديج سمع قوله لا تكروا المزارع ولم يعلم أنه معلق على الشرط السابق وهو صورة النزاع والجدال وتعميم رافع غير صحيح ولعل هذا الخبر لما بلغ رافعاً رجع عن التعميم كما روي عن حنظلة بن قيس أنه سأل عن رافع فقال لم ننه أن نكري الأرض بالورق كذا في أنجاح الحاجة.
قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه.
"بما على السواقي من الزرع" في القاموس: الساقية النهر الصغير أي بما ينبت على أطراف النهر "وما سعد" أي جرى "بالماء منها" أي من السواقي، يريد أنا نجعل ما جري عليه الماء من الزرع بلا طالب لصاحب الزرع. كذا في فتح الودود.

(9/178)


3390 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى الرّازِيّ أنْبأنَا عِيسَى أخبرنا الأَوْزَاعِيّ ح. وحدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا لَيْثٌ كِلاَهُمَا عن رَبِيعَةَ بنِ أبي عبد الرحمن وَاللّفْظُ لِلأُوْزَاعِيّ قالَ حَدّثَنِي حَنْظَلَةُ بنُ قَيْسٍ الأنْصَارِيّ قال: سَألْتُ رَافِعَ بنَ خَدِيجٍ عن كِرَاءِ الأرْضِ بالذّهَبِ وَالْوَرَقِ، فَقالَ لاَ بَأْسَ بِهَا إنّمَا كَانَ النّاسُ يُؤَاجِرُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بِمَا عَلَى المَاذِيَانَاتِ وَأقْبَالِ الْجَدَاوِلِ وَأشْيَاءَ مِنَ الزّرْعِ، فَيَهْلِكَ هَذَا
ـــــــ
وقال في المجمع: أي ما جاء نامن الماء سيحاً لا يحتاج إلى دالية، وقيل معناه ما جاءنا من غير طلب.
قال الأزهري: السعيد النهر مأخوذ من هذا وجمعه سعد انتهى.
ولفظ النسائي من هذا الوجه عن سعد بن أبي وقاص قال "كان أصحاب المزارع يكرون في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم مزارعهم بما يكون على الساقي من الزرع، فجاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختصموا في بعض ذلك فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكروا بذلك وقال اكروا بالذهب والفضة".
قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"بما على الماذيانات" قال النووي: بذال معجمة مكسورة ثم ياء مثناة تحت ثم ألف ثم نون ثم ألف ثم مثناة فوق هذا هو المشهور.
وحكى القاضي عن بعض الرواة فتح الذال في غير صحيح مسلم وهي مسائل المياه. وقيل ما ينبت على حافتي مسيل الماء، وقيل ما ينبت حول السواقي وهي لفظة معربة.
قال الخطابي: هي الأنهار وهي من كلام العجم صارت دخيلا في كلامهم انتهى "واقبال الجداول" أقبال بفتح الهمزة جمع قبل بالضم أي رؤوس الجداول وأوائلها، والجداول جمع الجدول، وهو النهر الصغير كالساقية، والقبل أيضاً رأس الجبل.
قال الخطابي: قد أعلمك رافع بن خديج في هذا الحديث أن المنهى عنه هو المجهول منه دون المعلوم وأنه كان من عادتهم أن يشترطوا فيها شروطاً فاسدة وأن يستثنوا من الزرع ما على السواقي والجداول ويكون خاصاً لرب الأرض والمزارعة شركة، وحصة الشريك لا يجوز أن تكون مجهولة، وقد يسلم ما على السواقي ويهلك سائر الزرع فيبقى المزارع لا شيء له، وهذا غرر وخطر انتهى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.

(9/179)


ويَسْلَمُ هَذَ، وَيَسْلَمُ هَذَا وَيَهْلِكُ هَذَا، وَلَمْ يَكُنْ لِلنّاسِ كِرَاءٌ إلاّ هَذا، فَلِذَلِكَ زَجَرَ عَنْهُ، فَأمّا شَيْءٌ مَضْمُون مَعْلُومٌ فَلاَ بَأْسَ بِهِ" وَحَدِيثُ إبْرَاهِيمَ أتَمّ، وَقالَ قُتَيْبَةُ عن حَنْظَلَةَ عن رَافِعٍ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: رِوَايَةُ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عن حَنْظَلَةَ نَحْوَهُ.
3391 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ عن مَالِكٍ عن رَبِيعَةَ بنِ أبِي عبد الرحمن عن حَنْظَلَةَ بنِ قَيْسٍ: أنّهُ سَألَ رَافِعَ بنَ خَدِيجٍ عن كِرَاءِ الأرْضِ فقالَ: نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عن كِرَاءِ الأرْضِ فَقُلْتُ أبَالذّهَبِ وَالْوَرِقِ؟ فقال: "أمّا بالذّهَبِ وَالْوَرِقِ فَلاَ بَأْسَ بِهِ".
ـــــــ
"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كراء الأرض الخ" قال المنذري وهو طرف من الحديث الذي قبله.

(9/180)


32- باب في التشديد في ذلك
3392 - حدثنا عَبْدُالمَلِكِ بنُ شُعَيْبِ بنِ اللّيْثِ حَدّثني أبِي عَنْ جَدّي اللّيْثُ قالَ حَدّثَنِي عَقِيلٌ عن ابنِ شِهَابٍ قالَ أخبرني سَالِمُ بنُ عَبْدِالله: أنّ ابنَ عُمَرَ كَانَ يُكْرِي أرْضَهُ حَتّى بَلَغَهُ أنّ رَافِعَ بنَ خَدِيجٍ الأنْصَارِيّ حَدّثَ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يَنْهَى عَنْ كِرَاءِ الأرْضِ، فَلَقِيَهُ عبد الله فقالَ: يَا ابْنَ خَدِيجٍ مَاذَا تُحَدّثُ عنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في كِرَاءِ الأرْضِ؟ فقالَ رَافِعٌ لِعَبْدِ الله بنِ عُمَرَ سَمِعْتُ عَمّيّ - وَكَانَا قَدْ شَهِدَا بَدْراً - يُحَدّثَانِ أهْلَ الدّارِ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهَى عنْ
ـــــــ
"باب في التشديد في ذلك"
أي في النهي عن المزارعة. قال الخطابي: ذكر أبو داوود في هذا الباب طرقاً لحديث رافع بن خديج بألفاظ مختلفة وسبيلها كلها أن يرد المجمل منها إلى المفسر من الأحاديث التي تقدم ذكرها وقد بينا عللها انتهى.
"كان يكري" بضم الياء من الإكراء "سمعت عمي" بتشديد الميم والياء المفتوحتين تثنية

(9/180)


كِرَاءِ الأرْضِ، قالَ عَبْدُالله: وَالله لَقَدْ كُنْتُ أعْلَمُ في عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أنّ الأرْضَ تُكْرَى، ثُمّ خَشِيَ عبد الله أنْ يَكُونَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أحْدَثَ في ذَلِكَ شَيْئاً لَمْ يَكُنْ عَلِمَهُ فَتَرَكَ كِرَاءَ الأرْضِ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ أيّوبُ وَعُبَيْدُالله وَكَثِيرُ بنُ فَرْقَدٍ وَمَالِكٌ عن نَافِعٍ عن رَافِعٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم. وَرَوَاهُ الأَوْزَاعِيّ عن حَفْصِ بنِ عِنَانٍ الْحَنَفِيّ عن نَافِعٍ عن رَافِعٍ قالَ
ـــــــ
العم مضافاً إلى ياء المتكلم "أن الأرض تكري" بصيغة المجهول "أحدث في ذلك شيئاً لم يكن علمه" أي حكم بما هو ناسخ لما كان يعلمه من جواز الكراء. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي. وعماه هما ظهير ومظهر ابنا رافع وذكر أبو داوود أن رواة نافع يعني مولى ابن عمر رووه عن رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وعن نافع عن رافع قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن أبي النجاشي عن رافع عن عمه ظهير بن رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهذه الطرق التي ذكرناها كلها أسانيدها جيدة.
وقال الإمام أحمد بن حنبل كثير الألوان. انتهى. كلام المنذري "رواه أيوب" وحديثه عند مسلم من طريق يزيد بن زريع عن أيوب عن نافع "أن ابن عمر كان يكري مزارعه على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفي إمارة أبي بكر وعمر وعثمان وصدراً من خلافة معاوية حتى بلغه في آخر خلافة معاوية أن رافع بن خديج يحدث فيها بنهي عن النبي صلى الله عليه وسلم فدخل عليه وأنا معه فسأله فقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن كراء المزارع فتركها ابن عمر بعد، فكان أذا سئل عنها بعد قال زعم ابن خديج أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها" وأخرجه النسائي أيضاً "وعبيد الله" بن عمر وحديثه عند النسائي من طريق خالد بن الحارث حدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع "أن رجلاً أخبر ابن عمر أن رافع بن خديج يأثر في كراء الأرض حديثاً فانطلقت معه أنا والرجل الذي أخبره حتى أتى رافعاً فأخبره رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن كراء الأرض فترك عبد الله كراء الأرض. والحديث أخرجه مسلم مختصراً
"وكثير بن فرقد" وحديثه عند النسائي من طريق الليث عن كثير بن فرقد عن نافع "أن عبد الله بن عمر كان يكري المزارع فحدث أن رافع بن خديج يأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن ذلك، قال نافع فخرج إليه على البلاط وأنا معه فسأله فقال نعم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كراء المزارع فترك الله كراءها" "ومالك" الإمام كلهم "عن نافع" مولى بن عمر "عن رافع" ابن خديج "عن النبي صلى الله عليه وسلم" من غير ذكر واسطة بين رافع وبين النبي صلى الله عليه وسلم ومن غير ذكر بيان السماع

(9/181)


سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم. وَكَذَلِكَ رَوَى زَيْدُ بنُ أبي أُنَيْسَةَ عن الْحَكَمِ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ أنّهُ أتَى رَافِعاً فَقالَ سَمِعْتَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نَعَمْ. وَكَذَا رَوَاهُ عِكْرِمَةُ بنُ عَمّارٍ عن أبي النّجَاشِيّ عن رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ قال سَمِعْتُ
ـــــــ
لرافع عن النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الحديث "عن حفص بن عنان" بكسر المهملة ونونين اليمامي وحديثه عند النسائي وفيه المذاكرة بين عبد الله بن عمر ورافع بن خديج فقال له عبد الله "أسمعت النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كراء الأرض، فقال رافع سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لا تكروا الأرض بشيء".
والحديث فيه التصريح بسماع رافع لهذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم "وكذلك" أي بذكر السماع عن النبي صلى الله عليه وسلم "زيد بن أبي أنيسة" وحديثه عند مسلم مختصراً "وكذا" أي بذكر السماع "عكرمة بن عمار" وحديثه عند مسلم مختصراً "عن أبي النجاشي" ولفظ مسلم من طريق يحيى
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله
وفي صحيح البخاري ومسلم عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن كراء الأرض
وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كانت له أرض فليزرعها فإن لم يزرعها فليزرعها أخاه" وعنه قال كان لرجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فضول أرضين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كان له فضل أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه فإن أبى فليمسك أرضه"
وعنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤخذ للأرض أجر أو حظ
وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كانت له أرض فليزرعها فإن لم يستطع أن يزرعها وعجز عنها فليمنحها أخاه المسلم ولا يؤجرها إياه"
وفي لفظ آخر "من كانت له أرض فليزرعها أو ليزرعها أخاه ولا يكرها"
وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من كان له فضل أرض فليزرعها أو ليزرعها أخاه ولا تبيعوها قال سليم بن حبان فقلت لسعيد بن ميناء ما لا تبيعوها يعني الكراء قال نعم.
وعن جابر قال كنا نخابر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنصيب من القصرى ومن كذا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من كانت له أرض فليزرعها أو ليحرثها أخاه وإلا فليدعها
وعنه قال كنا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم نأخذ الأرض بالثلث أو الربع وبالماذيانات فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك فقال "من كانت له أرض فليزرعها فإن لم يزرعها فليمنحها أخاه فإن لم يمنحها أخاه فليمسكها

(9/182)


النّبيّ صلى الله عليه وسلم. وَرَوَاهُ الأَوْزَاعِيّ عن أبي النّجَاشِيّ عن رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ عن عَمّهِ ظُهَيْرِ بنِ رَافِعٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: أبُو النّجَاشِيّ عطَاءُ بنُ صُهَيْبٍ.
ـــــــ
ابن حمزة حدثني أبو عمرو الأوزاعي عن أبي النجاشي مولى رافع بن خديج عن رافع "أن ظهير بن رافع وهو عمه قال أتاني ظهير قال لقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر كان بنا رافقاً، فقلت وما ذاك ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حق، قال سألني كيف تصنعون بمحاقلكم، فقلت نؤاجرها يارسول الله صلى الله عليه وسلم على الربيع أو الأوسق من التمر أو الشعير. قال فلا تفعلوا ازرعوها أو أزْرِعوها أو أمسكوها".
والحاصل أن سالم بن عبد الله بن عمر روى حديث رافع بن خديج فذكر فيه واسطة عمي رافع بن خديج، وأما نافع مولى ابن عمر فاختلف عليه فمنهم من رواه عن نافع عن رافع بن خديج عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم من رواه عن نافع عن ابن عمر عن رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأما أبو النجاشي فاختلف عليه أيضاً، فمنهم من رواه عنه عن رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم من رواه عنه عن رافع عن عمه ظهير عن النبي صلى الله عليه وسلم "قال أبو داوود أبو النجاشي الخ" بفتح النون وتخفيف الجيم وكسر الشين المعجمة أي اسم أبي النجاشي عطاء بن صهيب.
ـــــــ
وهذه الأحاديث متفق عليها وذهب إليها من أبطل المزارعة
وأما الذين صححوها فهم فقهاء الحديث كالإمام أحمد والبخاري وإسحاق والليث بن سعد وابن خزيمة وابن المنذر وأبي داود وهو قول أبي يوسف ومحمد وهو قول عمر بن عبدالعزيز والقاسم بن محمد وعروة وابن سيرين وسعيد بن المسيب وطاووس وعبدالرحمن بن الأسود وموسى بن طلحة والزهري وعبدالرحمن بن أبي ليلى ومحمد بن عبدالرحمن ومعاذ العنبري وهو قول الحسن وعبدالرحمن بن يزيد قال البخاري في صحيحه قال قيس بن مسلم عن أبي جعفر ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا يزدرعون على الثلث والربع قال البخاري وزارع علي وسعيد بن مالك وعبد الله بن مسعود وعمر بن عبدالعزيز والقاسم وعروة وآل أبي بكر وآل عمر وآل علي وابن سيرين وعامل عمر الناس على أنه إن جاء عمر بالبذر من عنده فله الشطر وإن جاؤوا هم بالبذر فلهم كذا وقال الحسن لا بأس أن تكون الأرض لأحدهما فيتفقان جميعا فما يخرج فهو بينهما ورأى ذلك الزهري
وحجتهم معاملة النبي صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من تمر أو زرع وهذا متفق عليه بين الأمة =

(9/183)


3393 - حدثنا عبيد الله بنُ عُمَرَ بنِ مَيْسَرَةَ أخبرنا خَالِدُ بنُ الْحَارِثِ أخبرنا سَعِيدٌ عن يَعْلَى بنِ حَكِيمٍ عن سُلَيْمَانَ بنِ يَسَارٍ أنّ رَافِعَ بنَ خَدِيجٍ قال: كُنّا نُخَابِرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ أنّ بَعْضَ عُمُومَتِهِ أتَاهُ فقالَ: نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَنْ أمْرٍ كَانَ لَنَا نَافِعاً. وَطَوَاعِيَةُ الله وَرَسُولِهِ أنْفَعُ لَنَا وَأنْفَعُ. قالَ قُلْنَا: وَمَا ذَاكَ؟ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ كَانَتْ لَهُ أرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أوْ لِيَزْرِعْهَا أخَاهُ وَلاَ يُكَارِيَهَا بِثُلُثٍ وَلاَ بِرُبُعٍ وَلاَ بِطَعَامٍ مُسَمّى" .
ـــــــ
"كنا نخابر" أي نزارع أو نقول بجواز المزارعة ونعتقد صحتها. قاله القاري "فذكر" أي رافع "أتاه" أي رافعاً "فقال" أي بعض عمومته "وطواعية الله" أي طاعته وهو مبتدأ وخبره أنفع "وأنفع" كرر للتأكيد "وما ذاك" أي الأمر الذي كان لكم نافعاً "فليزرعها" من زرع يزرع بفتح الراء أي ليزرعها بنفسه "أو ليزرعها" من باب الإفعال أي ليعطيها لغيره يزرعها بغير أجرة "ولا يكاريها" وفي بعض النسخ "ولا يكارها" بالنهي.
قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه.
ـــــــ
= قال أبو جعفر عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بشطر ما يحرج منها من تمر أو زرع ثم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ثم أهلوهم إلى اليوم يعطون الثلث والربع
وهذا أمر صحيح مشهور قد عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات ثم خلفاؤه الراشدون من بعده حتى ماتوا ثم أهلوهم من بعدهم ولم يبق بالمدينة أهل بيت حتى عملوا به وعمل به أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من بعده
ومثل هذا يستحيل أن يكون منسوخا لاستمرار العمل به من النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن قبضة الله وكذلك استمرار عمل خلفائه الراشدين به فنسخ هذا من أمحل المحال
وأما حديث رافع بن خديج فجوابه من وجوه
أحدها أنه حديث في غاية الاضطراب والتلون
قال الإمام أحمد حديث رافع بن خديج ألوان وقال أيضا حديث رافع ضروب
الثاني أن الصحابة أنكروه على رافع قال زيد بن ثابت وقد حكي له حديث رافع أنا أعلم بذلك منه وإنما سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلين قد اقتتلا فقال: "إن كان هذا شأنكم فلا تكروا المزارع" وقد تقدم =

(9/184)


...........................................
ـــــــ
= وفي البخاري عن عمرو بن دينار قال قلت لطاووس لو تركت المخابرة فإنهم يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنها قال إن أعلمهم يعني ابن عباس أخبرني أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه عنها ولكن قال أن يمنح أحدكم أخاه أرضه خير له من أن يأخذ عليها خراجا معلوما.
فإن قيل إن كان قد أنكره بعض الصحابة عليه فقد أقره ابن عمر ورجع إليه.
فالجواب أولا: أن ابن عمر رضي الله عنهما لم يحرم المزارعة ولم يذهب إلى حديث رافع وإنما كان شديد الورع فلما بلغه حديث رافع خشي أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدث في المزارعة شيئا لم يكن علمه فتركها لذلك.
الثاني: وقد جاء هذا مصرحا به في الصحيحين أن ابن عمر إنما تركها لذلك ولم يحرمها على الناس الثالث: أن في بعض ألفاظ حديث رافع ما لا يقول به أحد وهو النهي عن كراء المزارع على الإطلاق ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه عن كرائها مطلقا فدل على أنه غير محفوظ.
الرابع: أنه تارة يحدثه عن بعض عمومته وتارة عن سماعه وتارة عن رافع بن ظهير مع اضطراب ألفاظه فمرة يقول نهى عن الجعل ومرة يقول عن كراء الأرض ومرة يقول لا يكاريها بثلث ولا ربع ولا طعام مسمى كما تقدم ذكر ألفاظه.
وإذا كان شأن الحديث هكذا وجب تركه والرجوع إلى المستفيض المعلوم من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بعده الذي لم يضطرب ولم يختلف.
الخامس: أن تأمل حديث رافع وجمع طرقه واعتبر بعضها ببعض وحمل مجملها على مفسرها ومطلقها على مقيدها على أن الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك أمر بين الفساد وهو المزارعة الظالمة الجائرة فإنه قال كنا نكري الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه.
وفي لفظ له كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بما على الماذيانات وإقبال الجداول وأشياء من الزرع كما تقدم.
وقوله ولم يكن للناس كراء إلا هذا فلذلك زجر عنه وأما بشيء معلوم مضمون فلا بأس وهذا من أبين ما في حديث رافع وأصحه وما فيها من مجمل أو مطلق أو مختصر فيحمل على هذا المفسر المبين المتفق عليه لفظا وحكما.
قال الليث بن سعد الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر إذا نظر إليه ذو البصيرة بالحلال والحرام =

(9/185)


................................................
ـــــــ
= علم أنه لا يجوز.
وقال ابن المنذر قد جاءت الأخبار عن رافع بعلل تدل على أن النهي كان لتلك العلل فلا تعارض إذن بين حديث رافع وأحاديث الجواز بوجه.
السادس: أنه لو قدر معارضة حديث رافع لأحاديث الجواز وامتنع الجمع بينها لكان منسوخا قطعا بلا ريب لأنه لا بد من نسخ أحد الخبرين ويستحيل نسخ أحاديث الجواز لاستمرار العمل بها من النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن توفي وإستمرار عمل الخلفاء الراشدين بها وهذا أمر معلوم عند من له خبرة بالنقل كما تقدم ذكره فيتعين نسخ حديث رافع.
السابع: أن الأحاديث إذا اختلفت عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه ينظر إلى ما عمل به أصحابه من بعده وقد تقدم ذكر عمل الخلفاء الراشدين وأهليهم وغيرهم من الصحابة بالمزارعة.
الثامن أن الذي في حديث رافع إنما هو النهي عن كرائها بالثلث أو الربع لا عن المزارعة وليس هذا بمخالف لجواز المزارعة فإن الإجارة شيء والمزارعة شيء فالمزارعة من جنس الشركة يستويان في الغنم والغرم فهي كالمضاربة بخلاف الإجارة فإن المؤجر على يقين من المغنم وهو الأجرة وللمستأجر على رجاء ولهذا كان أحد القولين لمجوزي المزارعة أنها أحل من الإجارة وأولى بالجواز لأنهما على سواء في الغنم والغرم فهي أقرب إلى العدل فإذا استأجرها بثلث أو ربع كانت هذه إجارة لازمة وذلك لا يجوز ولكن المنصوص عن الإمام أحمد جواز ذلك.
واختلف أصحابه على ثلاثة أقوال في نصه.
فقالت طائفة: يصح ذلك بلفظ المؤاجرة ويكون مزارعة فيصح بلفظ الإجارة كما يصح بلفظ المزارعة.
قالوا: والعبرة في العقود بمعانيها وحقائقها لا بصيغها وألفاظها.
قالوا: فتصح مزارعة ولا تصبح إجارة وهذه طريقة الشيخ أبي محمد المقدسي.
الثاني: أنها لا تصح إجارة ولا مزارعة.
أما الإجارة فلأن من شرطها كون العوض فيها معلوما متميزا معروف الجنس والقدر وهذا منتف في الثلث والربع.
وأما المزارعة فلأنهما لم يعقدا عقدا مزارعة إنما عقدا عقد إجارة وهذه طريقة أبي الخطاب.
الثالث: أنها تصح مؤاجرة ومزراعة وهي طريقة القاضي وأكثر أصحابه.
فحديث رافع إما أن يكون النهي فيه عن الإجارة دون المزارعة أو عن المزارعة التي كانوا =

(9/186)


..........................................
ـــــــ
= يعتادونها وهي التي فسرها في حديثه.
وأما المزارعة التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وخلفاؤه من بعده فلم يتناولها النهي بحال.
التاسع: أن ما في المزارعة من الحاجة إليها والمصلحة وقيام أمر الناس عليها يمنع من تحريمها والنهي عنها لأن أصحاب الأرض كثيرا ما يعجزون عن زرعها ولا يقدرون عليه والعمال والأكرة يحتاجون إلى الزرع ولا أرض لهم ولا قوام لهؤلاء ولا هؤلاء إلا بالزرع فكان من حكمة الشرع ورحمته بالأمة وشفقته عليها ونظره لهم أن جوز لهذا أن يدفع أرضه لمن يعمل عليها ويشتركان في الزرع هذا بعمله وهذا بمنفعة أرضه وما رزق الله فهو بينهما وهذا في غاية العدل والحكمة والرحمة والمصلحة وما كان هكذا فإن الشارع لا يحرمه ولا ينهي عنه لعموم مصلحته وشدة الحاجة إليه كما في المضاربة والمساقاة بل الحاجة في المزارعة آكد منها في المضاربة لشدة الحاجة إلى الزرع إذ هو القوت والأرض لا ينتفع بها إلا بالعمل عليها بخلاف المال.
فإن قيل: فالشارع نهى عنها مع هذه المنفعة التي فيها ولهذا قال رافع نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر كان لنا نافعا.
فالجواب: أن الشارع لا ينهي عن المنافع والمصالح وإنما ينهي عن المفاسد والمضار وهم ظنوا أن قد كان لهم في ذلك المنهي عنه منفعة وإنما كان فيه عليهم مضرة ومفسدة مقتضية للنهي وما تخيلوه من المنفعة فهي منفعة جزئية لرب الأرض لاختصاصه بخيار الزرع وما يسعد منه بالماء وما على إقبال الجداول فهذا وإن كان فيه منفعة له فهو مضرة على المزارع فهو من جنس منفعة المرابي بما يأخذه من الزيادة وإن كان مضرة على الآخر والشارع لا يبيح منفعة هذا بمضرة أخيه فجواب رافع أن هذا وإن كان منفعة لكم فهو مضرة على إخوانكم فلهذا نهاكم عنه.
وأما المزارعة العادلة التي يستوي فيها العامل ورب الأرض فهي منفعة لهما ولا مضرة فيها على أحد فلم ينه عنها فالذي نهى عنه مشتمل على مضرة ومفسدة راجحة في ضمنها منفعة مرجوحة جزئية والذي فعله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من هذه مصلحة ومنفعة راجحة لا مضرة فيها على واحد منهما فالتسوية بين هذا وهذا تسوية بين متباينين لا يستويان عند الله ولا عند رسوله ولا عند الناس.
وكذلك الجواب عن حديث جابر سواء وقد تقدم في بعض طرقه أنهم كانوا يختصون بأشياء من الزرع من القصري ومن كذا ومن كذا فقال صلى الله عليه وسلم من كان له أرض فليزرعها أو ليحرثها أخاه فهذا مفسر مبين ذكر فيه سبب النهي وأطلق في غيره من الألفاظ فينصرف مطلقها إلى هذا المقيد المبين ويدل على أن هذا هو المراد بالنهي.
فاتفقت السنن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتآلفت وزال عنها الاضطراب والاختلاف وبان أن لكل فيها وجها وأن ما نهى عنه غير ما أباحه وفعله وهذا هو الواجب والواقع في نفس الأمر والحمد لله رب العالمين =

(9/187)


3394 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ عُبَيْدٍ أخبرنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عن أيّوبَ قالَ كَتَبَ إلَيّ يَعْلَى بنُ حَكِيمٍ أنّي سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بنَ يَسَارٍ بِمَعْنَى إسْنَادِ عبيد الله وَحَدِيثِهِ.
3395 - حدثنا أبُو بَكْرِ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا وَكِيعٌ أخبرنا عُمَرُ بنُ ذَرّ عن مُجَاهِدٍ عن ابنِ رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ عن أبِيهِ قال: جَاءَنَا أبُو رَافِعٍ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فقالَ: نَهَانَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عنْ أمْرٍ كَانَ يَرْفَقُ بِنَا. وَطَاعَةُ الله وَطَاعَةُ رَسُولِهِ أرْفَقُ بِنَا، نَهَانَا أنْ يَزْرَعَ أحَدُنَا إلاّ أرْضاً يَمْلِكُ رَقَبَتَهَا أوْ مَنِيحَةً يَمْنَحُهَا رَجُلٌ.
3396 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنبأنا سُفْيَانُ عن مَنْصُورٍ عن مُجَاهِدٍ أنّ أُسَيْدَ بنَ ظُهَيْرٍ قال: جَاءَنَا رَافِعُ بنُ خَدِيجٍ فقالَ: إنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَنْهَاكُمْ عَنْ أمْرٍ كَانَ لَكُمْ نَافِعاً. وَطَاعَةُ الله وَطَاعَةُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أنْفَعُ لَكُم، إنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَنْهَاكُمْ عن الْحَقْلِ وَقالَ: مَنْ اسْتَغْنَى عَنْ أرْضِهِ فَلْيَمْنَحْهَا أخَاهُ أوْ لِيَدَعْ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَهَكَذَا رَوَاهُ شُعْبَةُ وَمُفَضّلُ بنُ مُهَلْهِلٍ عن مَنْصُورٍ.
قالَ شُعْبَةُ: أُسَيْدُ ابنُ أخِي رَافِع بنِ خَدِيجٍ.
ـــــــ
"أو منيحة يمنحها رجل" أي عطية يعطيها رجل. والحديث سكت عنه المنذري.
"أن أسيد بن ظهير" بالتصغير فيهما "عن الحقل" أي الزرع يعني كراء المزارع كذا في فتح الودود "فليمنحها أخاه" أي بفتح النون وكسرها من باب ضرب يضرب والإسم المنحة بالكسر وهي العطية أي يجعلها منيحة أي عارية "أو ليدع" أي ليترك فارغة إن لم يزرعها بنفسه "هكذا" أي كما روى سفيان عن منصور عن مجاهد عن أسيد بن ظهير عن رافع بن خديج "رواه شعبة ومفضل بن مهلهل عن منصور" عن مجاهد عن أسيد عن رافع، فهؤلاء الثلاثة جعلوه من مسندات رافع بن خديج، وكذا رواه جرير عن منصور مثل رواية سفيان، وكذا سعيد بن عبد الرحمن عن مجاهد ورواية هؤلاء كلهم عند النسائي وأما عبد الحميد بن جرير فرواه عن أبيه عن رافع بن أسيد بن ظهير عن أبيه أسيد بن ظهير فجعله من مسندات أسيد بن ظهير، وروايته عند النسائي. وإلى هذا الاختلاف أشار المؤلف الإمام والله أعلم "قال شعبة" أي في بعض روايته "أسيد ابن أخي رافع بن خديج" ولم يذكر شعبة في بعض روايته هذا اللفظ، بل قال أسيد بن ظهير كما عند النسائي قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه.

(9/188)


3397 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ بَشّارٍ أخبرنا يَحْيَى أخبرنا أبُو جَعْفَرٍ الْخَطْمِيّ قالَ: بَعَثَنِي عَمّي أنَا وَغُلاَماً لَهُ إلَى سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ قالَ قُلْنَا لَهُ شَيْءٌ بَلَغَنَا عَنْكَ في المُزَارَعَةِ، قال: كَانَ ابنُ عُمَرَ لاَ يَرَى بِهَا بَأْساً حَتّى بَلَغَهُ عن رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ حَدِيثٌ، فَأتَاهُ فَأخبَرَهُ رَافِعٌ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أتَى بَنِي حَارِثَةَ فَرَأى زَرْعاً في أرْضِ ظُهَيْرٍ، فقالَ: مَا أحْسَنَ زَرْعَ ظُهَيْرٍ، قَالُوا: لَيْسَ لِظُهَيْرٍ، قالَ: ألَيْسَ أرْضُ ظُهَيْرٍ؟ قالُوا: بَلَى وَلَكِنّهُ زَرْعُ فُلاَنٍ، قالَ: فَخُذُوا زَرْعَكُمْ وَرُدّوا عَلَيْهِ النّفَقَةَ، قالَ رَافِعٌ: فَأخَذْنَا زَرْعَنَا وَرَدَدْنَا إلَيْهِ النّفَقَةَ ، قال سَعِيدٌ: أَفْقِرْ أخَاكَ أوْ أَكْرِهْ بالدّرَاهِمِ.
3398 - حدثنا مُسْدَدٌ أخبرنا أبُو الأحْوَصِ أخبرنا طَارِقُ بنُ عبد الرحمن عن سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ عن رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ قال: نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عنْ المُحَاقَلَةِ وَالمُزَابَنَةِ وَقالَ: "إنّمَا يَزْرَعُ ثَلاَثَةٌ: رَجُلٌ لَهُ أرْضٌ فَهُوَ يَزْرَعُهَا، وَرَجُلٌ مُنِحَ أرْضاً فَهُوَ يَزْرَعُ مَا مُنِحَ، وَرَجُلٌ اسْتَكْرَى أرْضاً بِذَهَبٍ أوْ فِضّةٍ" .
قَالَ أبُو دَاوُدَ: قَرَأْتُ عَلَى سَعِيدِ بنِ يَعْقُوبَ الطّالَقَانِيّ، قُلْتُ لَهُ: حَدّثَكُمْ ابنُ المُبَارَكِ عن سَعِيدٍ أبي شُجَاعٍ قال حَدّثَني عُثْمَانُ بنُ سَهْلِ بنِ رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ قال: إنّي لَيَتِيمٌ في حِجْرِ رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ وَحَجَجْتُ مَعَهُ فَجَاءَهُ أخِي عِمْرَانَ بنُ سَهْلٍ
ـــــــ
"أخبرنا أبو جعفر الخطي" بفتح الخاء المعجمة وسكون الطاء اسمه عمير بن يزيد "أنا وغلاماً" أنا ضمير مرفوع استعير للمنصوب "شيء" مبتدأ خبره بلغنا "بها" أي بالمزارعة "وردوا عليه" أي على الفلان "أفقر أخاك" أي أعره أرضك للزراعة، وأصل الإفقار في إعارة الظهر، يقال أفقرت الرجل بعيري إذا أعرته ظهراً للركوب. قاله الخطابي "أو أكره" أمر للمخاطب من الإكراء والضمير المنصوب لأخاك. قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"عن المحاقلة" هي اكتراء الأرض بالحنطة كذا فسر في الحديث، وقيل هي المزارعة على نصيب معلوم كالثلث والربع ونحوهما، وقيل بيع الطعام في سنبله بالبر، وقيل بيع الزرع قبل إدراكه. قاله في المجمع "والمزابنة" هي بيع الرطب في رؤوس النخل بالتمر "ورجل منح أرضاً" أي أعطى عارية قال المنذري: وأخرجه النسائي مسنداً ومرسلا، وأخرجه ابن ماجه "قال حدثني عثمان بن سهل" قال في الأطراف: والصواب عيسى بن سهل كما رواه النسائي "معه" أي مع رافع "عمران بن سهل" بدل من أخي "عن كري الأرض" وفي بعض النسخ "عن كراء الأرض" قال المنذري:

(9/189)


فقال: أَكْرَيْنَا أرْضَنَا فُلاَنَةَ بِمِائَتَي دِرْهَمٍ، فقالَ: دَعْهُ فَإنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ كِرَى الأرْضِ.
3399 - حدثنا هَارُونُ بنُ عبد الله أخبرنا الْفَضْلُ بنُ دُكَيْنٍ أخبرنا بُكَيْرٌ - يَعْني ابنَ عَامِرٍ عن ابنِ أبي نُعْمٍ قال حَدّثَنِي رَافِعُ بنُ خَدِيجٍ أنّهُ زَرَعَ أرْضاً فَمَرّ بِهِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَسْقِيهَا فَسَألَهُ "لِمَنِ الزّرْعُ وَلِمَنِ الأرْضُ"؟ فقالَ: زَرْعِي بِبَذْرِي وَعَمَلِي لِيَ الشّطْرُ وَلِبَنِي فُلاَنٍ الشّطْرُ، فقال: "أَرْبَيْتُمَا فَرُدّ الأرْضَ عَلَى أهْلِهَا وَخُذْ نَفَقَتَكَ" .
ـــــــ
وأخرجه النسائي، وقال عيسى بن سهل بن رافع وهو الصواب.
"فقال أربيتما" أي أتيتما بالربا أي بالعقد الغير الجائز وهذا الحديث يقتضي أن الزرع بالعقد الفاسد ملحق في أرض الغير بإذنه. ثم قيل إن حديث رافع مضطرب فيجب تركه والرجوع إلى حديث خيبر، وقد جاء أنه صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر شطر ما يخرج منها من تمر أو زرع وهو يدل على جواز المزارعة وبه قال أحمد وأبو يوسف ومحمد وكثير من العلماء أخذوا بالمنع مطلقاً أو إلا تبعاً للمساقاة كذا في فتح الودود. قال القاري: والفتوى على قولهما انتهى. قال النووي: وتأولوا أي القائلون بجواز المزارعة أحاديث النهي تأويلين، أحدهما حملها على إجارتها بما على الماذيانات، أو بزرع قطعة معينة أو بالثلث والربع ونحو ذلك كما فسره الرواة في هذه الأحاديث التي ذكرناها، والثاني حملها على كراهة التنزيه والإرشاد إلى إعارتها، وهذان التأويلان لا بد منهما أو من أحدهما للجمع بين الأحاديث وقد أشار إلى هذا التأويل الثاني البخاري وغيره انتهى. قال المنذري: في إسناده بكير بن عامر البجلي الكوفي وقد تكلم غيه غير واحد.

(9/190)


33- باب في زرع الأرض بغير إذن صَاحبها
3400 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا شَرِيكٌ عن أبي إسْحَاقَ عن عَطَاءٍ عن رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ زَرَعَ في أرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ فَلَيْسَ لَهُ مِنَ الزّرْعِ شَيْءٌ وَلَهُ نَفَقَتُهُ".
ـــــــ
"باب في زرع الأرض بغير إذن صَاحبها"
"من زرع في أرض قوم إلخ" فيه دليل على أن من غصب أرضاً وزرعها كان الزرع

(9/190)


..............................................
ـــــــ
للمالك للأرض وللغاصب ما غرمه في الزرع يسلمه له مالك الأرض قال الترمذي: والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم، وهو قول أحمد وإسحاق قال ابن رسلان في شرح السنن: وقد استدل به كما قال الترمذي أحمد على أن زرع بذراً في أرض غيره واسترجعها صاحبها فلا يخلو إما أن يسترجعها مالكها ويأخذها بعد حصاد الزرع، أو يسترجعها والزرع قائم قبل أن يحصد، فإن أخذها مستحقها بعد حصاد الزرع فإن الزرع لغاضب الأرض لانعلم فيها خلافاً، وذلك لأنه نماء ماله وعليه أجرة الأرض إلى وقت التسليم، وضمان نقص الأرض وتسوية حفرها. وإن أخذ الأرض صاحبها من الغاصب والزرع قائم فيها لم يملك إجبار الغاصب على قلعه وخير المالك بين أن يدفع إليه نفقته ويكون الزرع له أو يترك الزرع للغاضب، وبهذا قال أبو عبيد. وقال الشافعي وأكثر الفقهاء: إن صاحب الأرض يملك إجبار الغاصب على قلعه، واستدلو بقوله صلى الله عليه وسلم "ليس لعرق ظالم حق" ويكون الزرع لمالك البدر عندهم على كل حال وعليه كراء الأرض ومن جملة ما استدل به الأولون ما أخرجه أحمد وأبو داوود "أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى زرعاً في أرض ظهير فأعجبه" الحديث، وقد تقدم آنفاً، فدل على أن الزرع تابع للأرض.
قال الشوكاني: ولا يخفي أن حديث رافع بن خديج أخص من قوله "ليس لعرق ظالم حق مطلقاً، فيبني العام على الخاص، وهذا فرض أن قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس لعرق ظالم حق"
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وليس مع من ضعف الحديث حجة فإن رواته محتج بهم في الصحيح وهم أشهر من أن يسأل عن توثيقهم وقد حسنه إمام المحدثين أبو عبد الله البخاري والترمذي بعده وذكره أبو داود ولم يضعفه فهو حسن عنده واحتج به الإمام أحمد وأبو عبيد وقد تقدم شاهده من حديث رافع بن خديج في قصة الذي زرع في أرض ظهير بن رافع فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحاب الأرض أن يأخذوا الزرع ويردوا عليه نفقته وقال فيه لأصحاب الأرض خذوا زرعكم فجعله زرعا لهم لأنه تولد من منفعة أرضهم فتولده في الأرض كتولد الجنين في بطن أمه ولو غصب رجل فحلا فأنزاه على ناقته أو رمكته لكان الولد لصاحب الأنثى دون صاحب الفحل لأنه إنما يكون حيوانا من حرثها ومني الأب لما لم يكن له قيمة أهدره الشارع لأن عسب الفحل لا يقابل بالعوض ولما كان البذر مالا متقوما رد على صاحبه قيمته ولم يذهب عليه باطلا وجعل الزرع لمن يكون في أرضه كما يكون الولد لمن يكون في بطن أمه ورمكته وناقته فهذا محض القياس لو لم يأت فيه حديث فمثل هذا الحديث الحسن الذي له شاهد من السنة على مثله وقد تأيد بالقياس الصحيح من حجج الشريعة وبالله التوفيق

(9/191)


................................................
ـــــــ
يدل على أن الزرع لرب البذر، فيكون الراجح ما ذهب إليه أهل القول الأول من أن الزرع لصاحب الأرض إذا استرجع أرضه والزرع فيها، وأما إذا استرجعها بعد حصاد الزرع فظاهر الحديث أنه أيضاً لرب الأرض، ولكنه إذا صح الإجماع على أنه للغاضب كان مخصصاً لهذه الصورة.
وقد روي عن مالك وأكثر علماء المدينة مثل ما قاله الأولون.
قال ابن رسلان: إن حديث "ليس لعرق ظالم حق" في ورد الغرس الذي له عرق مستطيل في الأرض، وحديث رافع ورد في الزرع، فيجمع بين الحديثين ويعمل بكل واحد منهما في موضعه انتهى.
ولكن قال الشوكاني: ما ذكرناه من الجمع أرجح لأن بناء العام على الخاص أولى من المصير إلى قصر العام على السبب من غير ضرورة.
"وله نفقته" أي للغاصب ما أنفقه على الأرض من المؤنه في الحرث والسقي وقيمة البذر وغير ذلك وقيل المراد بالنفقة قيمة الزرع فتقدر قيمته ويسلمها المالك والظاهر الأول.
قال الإمام أبو سليمان الخطابي بعد ما ضعف الحديث ويشبه أن يكون معناه لو صح وثبت على العقوبة والحرمان للغاصب، والزرع في قول عامة الفقهاء لصاحب البذر لأنه تولد من عين ماله وتكون منه، وعلى الزارع كراء الأرض غير أن أحمد بن حنبل كان يقول إذا كان الزرع قائماً فهو لصاحب الأرض، فأما إذا حصد فإنما يكون له الأجرة.
وحكى ابن المنذر عن أبي داوود قال سمعت أحمد بن حنبل سئل عن حديث رافع بن خديج فقال عن رافع ألوان، ولكن أبا إسحاق زاد فيه زرع بغير إذنه وليس غيره يذكر هذا الحرف انتهى.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي حسن غريب لا نعرف من حديث أبي إسحاق إلا من هذا الوجه من حديث شريك بن عبد الله قال وسألت محمد بن إسماعيل يعني البخاري عن هذا الحديث فقال هو حديث حسن، وقال لا أعرفه من حديث أبي إسحاق إلا من رواية شريك.
وقال الخطابي: هذا الحديث لا يثبت عند أهل المعرفة بالحديث، وحدثني الحسن بن يحيى عن موسى بن هارون الحمال أنه ينكر هذا الحديث ويضعفه ويقول لم يروه عن أبي إسحاق غير شريك ولا رواه عن عطاء غير أبي إسحاق وعطاء لم يسمع من رافع بن خديج

(9/192)


...........................
ـــــــ
شيئاً، وضعفه البخاري أيضاً، وقال تفرد بذلك شريك عن أبي إسحاق، وشريك يهم كثيراً أو أحياناً.
وقال الخطابي أيضاً: وحكى ابن المنذر عن أبي داوود قال سمعت أحمد بن حنبل يسأل عن حديث رافع بن خديج فقال عن رافع ألوان، ولكن أبا إسحاق زاد فيه: "زرع بغير إذنه" وليس غيره يذكر هذا الحرف انتهى. كلام المنذري.

(9/193)


34- باب في المخابرة
3401 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا إسْمَاعِيلُ ح وأخبرنا مُسَدّدٌ أنّ حَمّاداً وَ عَبْدَالْوَارِثِ حَدّثَاهُم كُلّهُمْ عن أيّوبَ عن أبي الزّبَيْرِ قالَ عن حَمّادٍ: وَ سَعِيدِ بنِ مِينَاءَ، ثُمّ اتّفَقُوا عن جَابِرِ بنِ عبد الله قال: نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عنْ المُحَاقَلَةِ وَالمُزَابَنَةِ
ـــــــ
"باب في المخابرة"
قال النووي: المخابرة والمزارعة متقاربتان وهما المعاملة على الأرض ببعض ما يخرج منها من الزرع كالثلث والربع وغير ذلك من الأجزاء المعلومة، لكن في المزارعة يكون البذر من مالك الأرض، وفي المخابرة يكون البذر من العامل هكذا قاله جمهور أصحابنا وهو ظاهر نص الشافعي، وقال بعض أصحابنا وجماعة من أهل اللغة هما بمعنى انتهى
"أخبرنا إسماعيل" هو ابن علية كما عند مسلم "أن حماداً" هو ابن زيد "حدثاهم" ضمير التثنية يرجع إلى حماد وعبدالوارث، وضمير الجمع إلى مسدد وغيره ممن رواه عنهما كعبيد الله بن عمر القواريري ومحمد بن عبيد العنبري فإنهما روياه أيضاً عن حماد بن زيد كمسدد وروايتهما عند مسلم "كلهم" أي إسماعيل وحماد وعبدالوارث "عن أبي الزبير" عن جابر بن عبد الله "قال" أي مسدد في روايته "عن حماد" بن زيد "وسعيد بن ميناء" فقرن حماد بن زيد بأبي الزبير سعيد بن ميناء، ولفظ مسلم من طريق القواريري حدثنا حماد بن زيد قال أخبرنا أيوب عن أبي الزبير. وسعيد بن ميناء عن جابر بن عبد الله "ثم اتفقوا أي قال كلهم
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
المخابرة التي نهاهم عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم هي التي كانوا يفعلونها من المخابرة الظالمة الجائرة، وهي التي جاءت مفسرة في أحاديثهم. ومطلق النهي إنما ينصرف إليها دون ما فعله هو وخلفاؤه وأصحابه من بعده كما بيناه.

(9/193)


وَالمُخَابَرَةِ وَالمُعَاوَمَةَ ، قالَ عن حَمّادٍ وَقالَ أحَدُهُمَا وَالمُعَاوَمَةِ ، وَقالَ الآخر بَيْعُ السّنِينَ، ثُمّ اتّفَقُوا، وَعَنِ الثّنْيَا، وَرَخّصَ في الْعَرَايَا.
3402 - حدثنا عُمَرُ بنُ يَزِيدَ السّيّارِيّ أبُو حَفْصٍ أخبرنا عَبّادُ بنُ الْعَوّامِ عن سُفْيَانَ بنِ حُسَيْنٍ عن يُونُسَ بنِ عُبَيْدٍ عن عَطَاءِ عن جَابِرِ بنِ عبد الله قالَ: نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عن المُزَابَنَةِ وَعَن المُحَاقَلَةِ وَعَنْ الثّنَيّا إلاّ أنْ يُعْلَمَ.
ـــــــ
عن جابر بن عبد الله "عن المحاقلة"
قال في النهاية: محاقلة مختلف فيها قيل هي اكتراء الأرض بالحنطة، هكذا جاء مفسراً في الحديث وهو الذي يسميه الزرّاعون المحارثة، وقيل هي المزارعة على نصيب معلوم كالثلث والربع ونحوهما، وقيل هي بيع الطعام في سنبله بالبر، وقيل بيع الزرع قبل إدراكه وإنما نهى عنها لأنها من المكيل ولا يجوز فيه إذا كانا من جنس واحد إلا مثلا بمثل ويداً بيد، وهذا مجهول لا يدري أيهما أكثر انتهى.
وتقدم أيضاً معناه في الباب الذي قبله "والمعاومة" هي بيع السنين وتقدم معناه في باب بيع السنين "قال" أي مسدد "عن حماد" بن زيد "قال أحدهما" أي أبو الزبير أو سعيد بن ميناء فقال أحدهما لفظ المعاومة وقال الأخر لفظ بيع السنين "ثم اتفقوا" كلهم على هذا اللفظ أي ونهى عن الثنيا وتقدمت رواية مسدد عن حماد عن أيوب عن أبي الزبير وسعيد بن ميناء في باب السنين "وعن الثنيا" أي الاستثناء المجهول، كأن يقول بعتك هذه الصبرة إلا بعضها، وهذه الأشجار والأغنام والثياب ونحوها إلا بعضها، فلا يصح البيع لأن المستثنى مجهول، وأما إذا كان الاستثناء معلوماً فيصح البيع باتفاق العلماء. قاله النووي "ورخص في العرايا" تقدم شرحه في باب العرايا.
قال المنذري: وأخرجه مسلم وابن ماجه.
"السيّارى" بفتح السين المهملة والياء المشددة بعدها منسوب إلى سيّار هو من أجداده "وعن الثنيا إلا أن يعلم" أي إلا أن يكون الاستثناء معلوماً، كأن يقول بعتك هذه الأشجار إلا هذه الشجرة فيصح البيع
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.

(9/194)


3403 - حدثنا يَحْيَى ينُ مَعِينٍ أخبرنا ابنُ رَجَاءٍ - يَعْني المَكّيّ - قال ابنُ خُثَيْمٍ حَدّثَنِي عن أبي الزّبَيْرِ عن جَابِرِ بنِ عبد الله قال سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنْ لَمْ يَذَرْ المُخَابَرَةَ فَلْيُؤْذَنْ بِحَرْبٍ مِنَ الله وَرَسُولِهِ" .
3404 - حدثنا أبُو بَكْرِ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا عُمَرُ بنُ أيّوبَ عن جَعْفَرِ بنِ بُرْقَانَ عن ثَابِتِ بنِ الْحَجّاجِ عن زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ قال: نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَنِ المُخَابَرَةِ. قُلْتُ: وَمَا المُخَابَرَةُ؟ قالَ: أنْ تأْخُذَ الأرْضَ بِنِصْفٍ أوْ ثُلْثٍ أوْ رُبْعٍ".
ـــــــ
"قال" أي ابن رجاء "ابن خثيم حدثني" مبتدأ وخبر "من لم يذر المخابرة" أي لم يتركها وهي العمل على أرض ببعض ما يخرج منها "فليؤذن" بصيغة المجهول أي ليخبروا بالفارسية آكاه كرده شود والحديث فيه تهديد وتغليظ ووجه النهي أن منفعة الأرض ممكنة بالإجارة فلا حاجة للعمل عليها ببعض ما يخرج منها. قاله المناوي. والحديث سكت عنه المنذري.
"قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المخابرة الخ" قال الإمام بن تيمية في المنتقى: وما ورد من النهي المطلق عن المخابرة والمزارعة يحمل على ما فيه مفسدة كما بينته هذه الأحاديث أي التي ذكرها أو يحمل على اجتنابها ندباً واستحباباً، فقد جاء ما يدل على ذلك، فروى عمرو بن دينار قال "قلت لطاووس لو تركت المخابرة فإنهم يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنها، فقال إن أعلمهم يعني ابن عباس أخبرني أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه عنها وقال: لأن يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ عليها خراجاً معلوماً" رواه أحمد والبخاري. والحديث سكت عنه المنذري.

(9/195)


35- باب في المساقاة
3405 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا يَحْيَى عن عبيد الله عن نَافِعٍ عن ابنِ
ـــــــ
"باب في المساقاة"
هي أن يدفع صاحب النخل نخله إلى الرجل ليعملف بما فيه صلاحها وصلاح ثمرها ويكون له الشطر من ثمرها وللعامل الشطر فيكون من أحد الشقين رقاب الشجر ومن الاشق الآخر العمل كالمزارعة قاله الخطابي.
"بشطر ما يخرج" أي بنصفه وفيه بيان الجزء المساقى عليه من نصف أو ربع وغيرهما

(9/195)


عُمَرَ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عَامَلَ أهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْ ثَمَرٍ أوْ زَرْعٍ.
3406 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ عن اللّيْثِ عن مُحَمّدِ بنِ عبد الرحمن - يَعني ابنَ غَنَجٍ - عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم دَفَعَ إلَى يَهُودِ خَيْبَرَ نَخْلَ خَيْبَرَ وَأرْضَهَا عَلَى أنْ يَعْتَمِلُوهَا مِنْ أمْوَالِهِمْ وَأنّ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم شَطْرُ ثَمَرَتِهَا.
3407 - حدثنا أيّوبُ بنُ مُحَمّدٍ الرّقّيّ أخبرنا عُمَرُ بنُ أيّوبَ أخبرنا جَعْفَرُ بنُ بُرْقَانَ عن مَيْمُونِ بنِ مِهْرَانَ عن مِقْسَمٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: افْتَتَحَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم خَيْبَرَ وَاشْتَرَطَ أنّ لَهُ الأرْضَ وَكُلّ صَفْرَاءَ وَبَيْضَاءَ. قالَ أهْلُ خَيْبَرَ: نَحْنُ أعْلَمُ بِالأَرْضِ مِنْكُمْ فَأعْطِنَاهَا عَلَى أنّ لَكُم نِصْفَ الثّمَرَةِ وَلَنَا نِصْفٌ، فَزَعَمَ أنّهُ
ـــــــ
من الأجزاء المعلومة فلا يجوز على مجهول كقوله على أن لك بعض الثمر "من ثمر" بالمثلثة إشارة إلى المساقاة "أو زرع" إشارة إلى المزارعة.
والحديث يدل على جواز المساقاة وبه قال مالك والثوري والليث والشافعي وأحمد وجميع فقهاء المحدثين وأهل الظاهر وجماهير العلماء. وقال أبو حنيفة لا يجوز. قاله النووي.
قال الخطابي: وخالف أبا حنيفة صاحباه فقالا بقول الجماعة من أهل العلم انتهى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه.
"يعني ابن غنج" بفتح المعجمة والنون بعدها جيم مقبول من السابعة. قاله في التقريب "وأرضها" أي أرض خيبر "على أن يعتملوها" أي يسعوا فيها بما فيه عمارة أرضها وإصلاحها ويستعملوا آلات العمل كلها من الفأس والمنجل وغيرهما "شطر ثمرتها" أي نصفها، وكأن المراد من الثمر ما يعم الزرع.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي.
"أخبرنا جعفر بن برقان" بضم الموحدة وسكون الراء "أن له" أي للنبي صلى الله عليه وسلم "وكل صفراء" أي الذهب "وبيضاء" أي الفضة "يصرم النخل" أي يقطع ثمرها ويجد، والصرام قطع
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قالت الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم أقسم بيننا وبين إخراننا النخيل قال لا فقالوا تكفونا المؤنة ونشرككم في الثمرة قالوا: سمعنا وأطعنا

(9/196)


أعْطَاهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمّا كَانَ حِينَ يُصْرَمُ النّخْلُ بَعَثَ إلَيْهِمْ عبد الله بنَ رَوَاحَةَ فَحَزَرَ عَلَيْهِمْ النّخْلَ وَهُوَ الّذِي يُسَمّيهِ أهْلُ المَدِينَةِ الْخَرْصَ، فَقالَ في ذِهْ كَذَا وَكَذَا قالُوا: أَكْثَرْتَ عَلَيْنَا يَا ابْنَ رَوَاحَةَ، قالَ: فَأنَا إلِى حَزْرِ النّخْلِ وَأُعْطِيكُمْ نِصْفَ الّذِي قُلْتُ، قَالُوا: هَذَا الْحَقّ وَبِهِ تَقُومُ السّمَاءُ وَالأرْضُ قَدْ رَضِينَا أنْ نَأْخُذَهُ بالّذِي قُلْتَ.
3408 - حدثنا عَلِيّ بنُ سَهْلٍ الرّمْلِيّ حدثنا زَيْدُ بنُ أبِي الزّرْقَاء عن جَعْفَرِ بنِ بُرْقَانَ بِإسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ، قالَ فَحَزَرَ وَقالَ عِنْدَ قَوْلِهِ وَكُلّ صَفْرَاءَ وَبَيْضَاءَ - يَعني الذّهَبَ وَالْفِضّةَ لَهُ.
3408م - حدثنا مُحَمّدُ بنُ سُلَيْمَانَ الأنْبَارِيّ أخبرنا كَثِيرٌ - يَعني ابنَ هِشَامٍ عن جَعْفَرِ بنِ بُرْقَانَ أخبرنا مَيْمُونٌ عن مِقْسَمٍ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم حِينَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ زَيْدٍ قال: فَحَزَرَ النّخْلَ وَقال: فَأنَا أَلِي جِذَاذِ النّخْلِ وَأُعْطِيكُم نِصْفَ الّذِي قُلْتُ.
ـــــــ
الثمرة واجتناؤها "عبد الله بن رواحة" بفتح الراء "فحزر عليهم النخل" بتقديم الزاي على الراء، والحزر هو الخرص والتقدير "فقال" أي ابن رواحة "في ذه" أي في هذه النخلات "ألى" بصيغة المتكلم من الولاية "قالوا" أي أهل خيبر "هذا الحق وبه تقوم السماء والأرض" أي بهذا الحق والعدل قامت السماوات فوق الرؤوس بغير عمد والأرض استقرت على الماء تحت الأقدم.
وفيه الدليل على العمل بخبر الواحد، إذ لو لم يجب به الحكم ما بعث صلى الله عليه وسلم ابن رواحة وحده. وفي الموطأ "فجمعوا حُليّاً من حلى نسائهم فقالوا هذا لك وخَفّفْ عنا وتجاوز في القسمة، فقال يا معشر اليهود والله إنكم لمن أبغض خلق الله إليّ وما ذاك بحاملي أن أحيف عليكم. أما الذي عرضتم من الرشوة فإنها سحت وإنا لا نأكلها، قالوا بهذا قامت السماوات والأرض
قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه.
"قال فحزر" أي من غير ذكر النخل "يعني الذهب والفضة" أي يريد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله صفراء وبيضاء الذهب والفضة "له" أي للنبي صلى الله عليه وسلم.
"فأنا ألى" بصيغة المتكلم "جذاذ النخل" بكسر الجيم وفتحها وبذالين معجمتين أي قطع ثمرها وصرامه. قلت: وهذه الأحاديث هي

(9/197)


.................................................
ـــــــ
عمدة من أجاز المزارعة والمخابرة لتقرير النبي صلى الله عليه وسلم لذلك واستمراره على عهد أبي بكر إلى أن أجلاهم عمر، وفيها دلالة على جواز المساقاة في النخل والكرم وجميع الشجر الذي من شأنه أن يثمر بجزء معلوم يجعل للعامل من الثمرة، وبه قال الجمهور.
وقال أبو حنيفة وزفر: لا يجوز بحال لأنها إجارة بثمرة معدومة أو مجهولة. وأجاب من جوزه بأنه عقد على عمل في المال ببعض نمائه فهو كالمضاربة، لأن المضارب يعمل في المال بجزء من نمائه وهو معدوم ومجهول، وقد صح عقد الإجارة مع أن المنافع معدومة فكذلك ها هنا وأيضاً فالقياس في إبطال نص أو إجماع مردود. واستدل من أجازه في جميع الثمر بأن في بعض طرق رواية البخاري "بشطر ما يخرج منها من نخل وشجر" وفي بعض روايته على أن لهم الشطر من كل زرع ونخل وشجر.
واستدل بقوله "على شطر ما يخرج منها" لجوازه المساقاة بجزء معلوم لا مجهول.
واستدل به على جواز إخراج البذر من العامل أو المالك لعدم تقييده في الحديث بشيء من ذلك. وفيه دليل على جواز دفع النخل مساقاة والأرض مزارعة من غير ذكر سنين معلومة، فيكون للمالك أن يخرج العامل متى شاء كذا في فتح الباري.

(9/198)


36- باب في الخرص
3409 - حدثنا يَحْيَى بنُ مَعِينٍ أخبرنا حَجّاجٌ عَن ابنِ جُرَيْجٍ قال أُخْبِرْتُ عن ابنِ شِهَابٍ عن عُرْوَةَ عن عَائِشَةَ قالَتْ: كَانَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَبْعَثُ عبد الله بنَ رَوَاحَةَ فَيَخْرُصُ النّخْلَ حِينَ يَطِيبُ قَبْلَ أنْ يُؤْكَلَ مِنْهُ، ثُمّ يُخَيّرُ الْيَهُودَ يَأْخُذُونَهُ بِذَلِكَ الْخِرْصِ أمْ يَدْفَعُونَهُ إلَيْهِمْ بِذَلِكَ الْخِرْصِ لِكَيْ تُحْصَى الزّكَاةُ قَبْلَ أنْ تُؤْكَلَ الثّمَارُ وَتُفَرّقَ.
ـــــــ
"باب في الخرص"
بفتح الخاء المعجمة وقد تكسر وبصاد مهملة هو حزر ما على النخلة من الرطب تمراً.
"قال أخبرت" بصيغة المجهول "فيخرص النخل" بضم الراء أشهر من كسرها "ثم يخير اليهود إلخ" أي يخير ابن رواحة يهود خيبر "إليهم" أي إلى المسلمين. وفي الموطأ "ثم يقول إن شئتم فلكم وإن شئتم فلي. قال فكانوا يأخذونه" أي إن شئتم فلكم كله وتضمنون نصيب المسلمين، وإن شئتم فلنا كله وأضمن مقدار نصيبكم فأخذوا التمرة كلها "لكي تحصى الزكاة" بصيغة

(9/198)


................................................
ـــــــ
المجهول في الأفعال الثلاثة "وتفرق" الثمار في حوائج الناس. ومراد عائشة رضي الله عنها أن ذلك البعث للخرص من رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كان لإحصاء الزكاة لأن المساكين ليسوا شركاء معينين فلو ترك اليهود وأكلها رطباً والتصرف فيها أضر ذلك سهم المسلمين.
قال الزرقاني في شرح الموطأ قال ابن مزين: سألت عيسى عن فعل ابن رواحة أيجوز للمتساقيين أو الشريكين؟ فقال لا ولا يصلح قسمه إلا كيلا إلا أن تختلف حاجتهما إليه فيقتسمانه بالخرص، فتأول خرص ابن رواحة للقسمة خاصة.
وقال الباجي: يحتمل أنه خرصها بتمييز حق الزكاة لأن مصرفها غير مصرف أرض العنوة لأنه يعطيها الأمام للمستحق من غني وفقير فيسلم مما خافه عيسى وأنكره. وقوله في رواية مالك "إن شئتم فلكم وإن شئتم فلي" حمله عيسى على أنه إليهم جميع الثمرة بعد الخرص ليضمنوا حصة المسلمين، ولو كان هذا معناه لم يجز لأنه بيع الثمر بالخرص في غير العرية وإنما معناه خرص الزكاة، فكأنه قال إن شئتم أن تأخذوا الثمرة على أن تؤدوا زكاتها على ما خرصته وإلا فأنا أشتريها من الفيء بما يشتري به فيخرج بهذا الخرص وذلك معروف لمعرفتهم بسعر الثمر.
وإن حمل على خرص القسمة لاختلاف الحاجة فمعناه إن شئتم هذا النصيب فلكم وإن شئتم فلي يبين ذلك أن الثمرة ما دامت في رؤوس النخل ليس بوقت قسمة ثمر المساقاة، لأن على العامل جذها والقيام عليها حتى يجري فيها الكيل أو الوزن فثبت بهذا أن الخرص قبل ذلك لم يكن للقسمة إلا بمعنى اختلاف الأغراض.
وقال ابن عبد البر: الخرص في المساقاة لا يجوز عند جميع العلماء لأن المساقين شريكان لا يقتسمان إلا بما يجوز به بيع الثمار بعضها ببعض وإلا دخلته المزابنة.
قالوا: وإنما بعث صلى الله عليه وسلم من يخرص على اليهود لإحصاء الزكاة،لأن المساكين ليسوا شركاء معينين، فلو ترك اليهود وأكلها رطباً والتصرف فيها أضر ذلك سهم المسلمين.
قالت عائشة: إنما أمر صلى الله عليه وسلم بالخرص لكي تحصى الزكاة قبل أن تؤكل الثمار انتهى كلامه.
قلت: حديث عائشة فيه واسطة بين ابن جريج والزهري ولم يعرف. قال المنذري: في إسناده رجل مجهول انتهى.
وقد رواه عبد الرزاق والدارقطني بدون الواسطة المذكورة، وابن جريج مدلس، فلعله

(9/199)


...........................................
ـــــــ
تركها تدليساً. وذكر الدارقطني الاختلاف فيه فقال رواه صالح عن أبي الأخضر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، وأرسله معمر ومالك وعقيل ولم يذكروا أبا هريرة انتهى.
ويؤيده ما أخرجه الترمذي وابن ماجه. والمؤلف عن عتاب بن أسيد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث على الناس من يخرص عليهم كرومهم وثمارهم. وأخرج أيضاً أبو داوود والترمذي والنسائي والدارقطني عن عتاب قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرص العنب كما يخرص النخل فتؤخذ زكانه زبياً كما تؤخذ صدقة النخل تمراً" ومدار الحديث على سعيد بن المسيب عن عتاب وهو مرسل لأن عتاباً مات قبل مولد ابن المسيب، وانفرد به عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن سعيد وليس بالقوي. قاله ابن عبدالبر
وفي النيل قال أبو داوود: سعيد لم يسمع من عتاب، وقال ابن قانع: لم يدركه، وقال المنذري: انقطاعه ظاهر لأن مولد سعيد في خلافة عمر ومات عتاب يوم مات أبو بكر وسبقه إلى ذلك ابن عبدالبر. وقال ابن السكن: لم يرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجه غير هذا، وقد رواه الدارقطني بسند فيه الواقدي، فقال عن سعيد بن المسيب عن المسور بن مخرمة عن عتاب ابن أسيد. وقال أبو حاتم: الصحيح عن سعيد بن المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عتاباً، مرسل، وهذه رواية عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري انتهى. لكن قال الزرقاني في شرح الموطأ: ودعوى الإرسال بمعنى الإنقطاع مبني على قول الواقدي إن عتاباً مات يوم مات أبو بكر الصديق، لكن ذكر ابن جرير الطبري أنه كان عاملا لعمر على مكة سنة إحدى وعشرين، وقد ولد سعيد لسنتين مضتا من خلافة عمر على الأصح، فسماعه من عتاب ممكن فلا انقطاع.
وأما عبد الرحمن بن إسحاق فصدوق احتج به مسلم وأصحاب السنن انتهى.
وأخرج أصحاب السنن عن سهل بن أبي حثمة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا خرصتم فخذوا وادعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع" وأخرجه ابن حبان والحاكم وصححاه. قال الحاكم: وله شاهد بإسناد متفق على صحته أن عمر بن الخطاب أمر به. ومن شواهده ما رواه ابن عبدالبر عن جابر مرفوعاً خففوا في الخرص الحديث وفيه ابن لهيعة وأخرج أبو نعيم في الصحابة من طريق الصلت بن يزيد بن الصلت عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمله على الخرص فقال اثبت لنا النصف وابق لهم النصف فإنهم يسرقون ولا تصل إليهم. وهذه الأحاديث كلها تدل على مشروعية الخرص في العنب والنخل وغيرهما من الفواكه مما يمكن ضبطه بالخرص، وكذا يدل على مشروعية الخرص في الزرع لعموم قوله إذا خرصتم، ولقوله اثبت لنا النصف.

(9/200)


3410 - حدثنا ابنُ أبِي خَلَفٍ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ سَابِقٍ عن إبْرَاهِيمَ بنِ طَهْمَانَ عن أبِي الزّبَيْرِ عن جَابِرٍ أنّهُ قالَ: لَمّا أفَاءَ الله عَلَى رَسُولِهِ خَيْبَرَ فَأقَرّهُمْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم كَمَا كَانُوا وَجَعَلَهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فَبَعَثَ عبد الله بنَ رَوَاحَةَ فَخَرَصَهَا عَلَيْهِمْ.
3411 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا عَبْدُالرّزّاقِ وَ مُحَمّدُ بنُ بَكْرٍ قالا أنْبأنَا ابنُ جُرَيْجٍ قالَ أخبرني أبُو الزّبَيْرِ أنّهُ سَمِعَ جَابِرَ بنَ عبد الله يَقُولُ: خَرَصَهَا ابنُ
ـــــــ
"لما أفاء الله" أي رد والفيء ما حصل للمسلمين من أموال الكفار من غير حرب ولا جهاد، وأصله الرجوع "فأقرهم" أي أهل خيبر أي أثبتهم "وجعلها" أي خيبر "بينه وبينهم" أي على التناصف كما في الصحيحين عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع "فخرصها عليهم" قال الزرقاني: أي لتمييز حق الزكاة من غيرها لاختلاف المصرفين، أو للقسمة لاختلاف الحاجة كما مر. وفيه جواز التخريص لذلك، وبه قال الأكثر، ولم يجزه سفيان الثوري بحال. وفيه جواز المساقاة، ومنعها أبو حنيفة مستدلاً بأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر والأجرة هنا فيها غرر أذ لا يدري هل تسلم الثمرة أم لا، وعلى سلامتها لا يدري كيف تكون وما مقدارها. وأجيب بأن حديث الجواز خاص والنهي عن الغرر عام والخاص يقدم على العام وقال إن الخبر إذا ورد على خلاف القواعد رد إليها، وحديث الجواز على خلاف ثلاث قواعد، بيع الغرر، والإجارة بمجهول، وبيع الثمرة قبل بدو صلاحها، والكل حرام إجماعاً. وأجيب بأن الخبر إنما يجب رده إلى القواعد إذا لم يعمل به، أما إذا عمل به قطعنا بإرادة معناه فيعتقد، ولا يلزم الشارع إذا شرع حكما أن يشرعه مثل غيره، بل له أن يشرع ماله نظير ومالا نظير له، فدل ذلك على أنها مستثناة من تلك الأصول للضرورة، إذ لا يقدر كل أحد على القيام بشجره ولا زرعه. وقال مالك: السنة في المساقاة أنها تكون في أصل كل نخل أو كرم أو زيتون أو رمان أو ما أشبه ذلك من الأصول جائز لا بأس به، على أن لرب المال نصف الثمر أو ثلثه أو ربعه أو أكثر من ذلك أو أقل، والمساقاة أيضاً تجوز في الزرع إذا خرج من الأرض واستقل فعجز صاحبه عن سقيه وعمله وعلاجه فالمساقاة في ذلك أيضاً جائز. انتهى كلام مالك.
ومنعها الشافعي إلا في النخل والكرم لأن ثمرهما بائن من شجره يحيط النظر به قال ابن عبدالبر: وهذا ليس ببين، لأن الكمثرى والتين والرمان والأترج وشبه ذلك يحيط النظر بها وإنما العلة له أن المساقاة إنما تجوز فيما يخرص والخرص لا يجوز إلا فيما وردت به السنة

(9/201)


رَوَاحَةَ أرْبَعِينَ ألْفَ وَسْقٍ وَزَعَمَ أنّ الْيَهُودَ لَمّا خَيّرَهُمْ ابنُ رَوَاحَةَ أخَذُوا الثّمَرَ وَعَلَيْهِمْ عِشْرُونَ ألْفَ وَسْقٍ.
ـــــــ
فأخرجته عن المزابنة كما أخرجت العرايا عنها النخل والعنب خاصة انتهى كلامه. والحديث سكت عنه المنذري.
"أربعين ألف وسق" بفتح الواو وسكون السين هو ستون صاعاً. والحديث سكت عنه المنذري.

(9/202)