Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود

كتاب الإجارة
باب في كسب المعلم
...
[بسم الله الرحمن الرحيم]
أول كتاب الإجارة
1- باب في كسب المعلم
3412 - حدثنا أبُو بَكْرِ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا وَكِيعٌ وَ حُمَيْدُ بنُ عبد الرحمن الرّؤَاسِيّ عن مُغِيرَةَ بنِ زِيَادٍ عن عُبَادَةَ بنِ نُسَيَ عن الأسْوَدِ بنِ ثَعْلَبَةَ عن عُبَادَةَ بنِ الصّامِتِ قالَ: عَلّمْتُ نَاساً مِنْ أهْلِ الصّفَةِ الْقُرْآنَ وَالْكِتَابَ فَأهْدَى إلَيّ رَجُلٌ مِنْهُمْ قَوْساً فَقُلْتُ: لَيْسَتْ بِمَالٍ وَأَرْمِي عَلَيْهَا في سَبِيلِ الله لاَتِيَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَلأَسْألَنّهُ فَأتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يَارَسُولَ الله رَجُلٌ أهْدَى إلَيّ قَوْساً مِمّنْ كُنْتُ أُعَلّمُهُ الْكِتَابَ وَالْقُرْآنَ وَلَيْسَتْ بِمَالٍ وَأرْمِي عَنْهَا في سَبِيلِ الله تَعَالَى. قالَ: "إنْ كُنْتَ تُحِبّ أنْ تُطَوّقَ طَوْقاً مِنْ نَارٍ فَاقْبَلْهَا" .
ـــــــ
"كتاب الإجارة"
بكسر الهمزة على المشهور وهي لغة اسم للأجرة وشرعاً عقد على منفعة مقصودة معلومة قابلة للبذل والإباحة بعوض معلوم. قاله القسطلاني
"باب في كسب المعلم"
"الرؤاسي" بضم الراء بعدها همزة خفيفة "عن عبادة بن نسى" بضم النون وفتح المهملة الخفيفة الكندي الشامي قاضي طبرية ثقة فاضل من الثالثة "والكتاب" أي الكتابة كذا قيل "قوساً" أي أعطانيها هدية وقد عد ابن الحاجب القوس في قصيدته مما لا بد من تأنيثه "ليست بمال" أي لم يعهد في العرف عد القوس من الأجرة فأخذها لا يضر كذا في فتح الودود "وليست بمال" أي عظيم.
قال الطيبي: الجملة حال ولا يجوز أن يكون من قوساً لأنها نكرة صرفة، فيكون حالاً من

(9/203)


................................................
ـــــــ
فاعل أهدي أو من ضمير المتكلم، يريد أن القوس لم يعهد في التعارف أن تعد من الأجرة أو ليست بمال أقتنيه للبيع بل هي عدة. كذا في المرقاة "أن تطوق" بفتح الواو المشددة.
قال الخطابي: اختلف قوم من العلماء في معنى هذا الحديث وتأويله فذهب بعضهم إلى ظاهره فرأوا أن أخذ الأجرة على تعليم القرآن غير مباح وإليه ذهب الزهري وأبو حنيفة وإسحاق بن راهويه، وقال طائفة لا بأس به ما لم يشترط، وهو قول الحسن البصري وابن سيرين والشعبي، وأباح ذلك آخرون، وهو مذهب عطاء ومالك والشافعي وأبي ثور، واحتجوا بحديث سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذي خطب المرأة فلم يجد لها مهراً "زوجتكها على ما معك من القرآن" وتأولوا حديث عبادة على أنه كان تبرع به، ونوى الاحتساب فيه ولم يكن قصده وقت التعليم إلى طلب عوض ونفع فحذره النبي صلى الله عليه وسلم إبطال أجره وتوعده عليه، وكان سبيل عبادة في هذا سبيل من رد ضاله لرجل أو استخرج له متاعاً قد غرق في بحر تبرعاً وحسبة فليس له أن يأخذ عليه عوضاً، ولو أنه طلب لذلك أجرة قبل أن يفعله حسبة كان ذلك جائزاً. وأهل الصفة قوم فقراء كانوا يعيشون بصدقة الناس، فأخذ المال منهم مكروه ودفعه إليهم مستحب.
وقال بعض العلماء: أخذ الأجرة على تعليم القرآن له حالات، فإذا كان في المسلمين غيره ممن يقوم به حل له أخذ الأجرة عليه لأن فرض ذلك لا يتعين عليه وأذا كان في حال أو في موضع لا يقوم به غيره لم تحل له الأجرة، وعلى هذا يؤول اختلاف الأخبار فيه انتهى.
وقال في فتح الودود: قال السيوطي أخذ بظاهر هذا الحديث قوم وتأوله آخرون، وقالوا هو معارض بحديث "زوجتكها على ما معك من القرآن" وحديث ابن عباس "إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله" .
وقال البيهقي رجال إسناد عبادة كلهم معروفون إلا الأسود بن ثعلبة فإنا لا نحفظ عنه إلا هذا الحديث وهو حديث مختلف فيه على عبادة، وحديث ابن عباس وأبي سعيد أصح إسناداً منه انتهى.
قلت: المشهور عند المعارضة تقديم المحرم، ولعلهم يقولون ذلك عند التساوي لكن كلام أبي داوود يشير إلى دفع المعارضة بأن حديث ابن عباس وغيره في الطب، وحديث عبادة في التعليم، فيجوز أن يكون أخذ الأجرة جائزاً في الطب دون التعليم وقيل هذا تهديد على فوت العزيمة والإخلاص، وحديث ابن عباس لبيان الرخصة انتهى. ما في فتح الودود.

(9/204)


3413 - حدثنا عَمْرُو بنُ عُثْمَانَ وَكَثِيرُ بنُ عُبَيْدٍ قالا أخبرنا بَقِيّةُ حَدّثَنِي بِشْرُ بنُ عبد الله بنِ يَسَارٍ، قالَ عَمْرُو: وَحَدّثَنِي عُبَادَةُ بنُ نُسَيَ عن جُنَادَةَ بنِ أبي أُمَيّةَ عن عُبَادَةَ بنِ الصّامِتِ نَحْوَ هَذَا الْخَبَرِ، وَالأوّلُ أتَمّ، فَقُلْتُ: مَا تَرَى فِيهَا يَارَسُولَ الله؟ فقالَ: "جَمْرَةٌ بَيْنَ كَتِفَيْكَ تَقَلّدْتَهَا أوْ تَعَلّقْتَهَا ".
ـــــــ
وأخرج البيهقي في سننه عن أبي الدرداء مرفوعاً "من أخذ على تعليم القرآن قوساً قلده الله مكانها قوساً من نار جهنم يوم القيامة" قال البيهقي: والحديث ضعيف.
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة مرفوعاً "من أخذ على القرآن أجراً فذاك حظه من القرآن" قال المناوي في إسناده كذاب.
وفي سنن ابن ماجه. من حديث أبي بن كعب وفي سنده أيضاً ضعف. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه، وفي إسناده المغيرة بن زياد أبو هاشم الموصلي وقد وثقه وكيع ويحيى بن معين وتكلم فيه جماعة.
وقال الإمام أحمد: ضعيف الحديث حدث بأحاديث مناكير، وكل حديث رفعه فهو منكر. وقال أبو زرعة الرازي لا يحتج بحديثه.
"جمرة" في القاموس: الجمرة النار المتقدة جمع جمر "تقلدتها" على بناء الفاعل أو المفعول، كذا في بعض الحواشي. قال المنذري: وفي هذه الطريق بقية بن الوليد وقد تكلم فيه غير واحد.

(9/205)


2- باب في كسب الأطباء
3414 - حدثنا مُسَدّدٌ حدثنا أبُو عَوَانَةَ عن أبي بِشْرٍ عن أبي المُتَوَكّلِ عن أبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيّ: أنّ رَهْطاً مِنْ أصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم انْطَلَقُوا في سَفْرَةٍ [سفر] سَافَرُوهَا
ـــــــ
"باب في كسب الأطباء"
جمع طبيب.
"أن رهطاً" في القاموس: الرهط قوم الرجل وقبيلته، ومن ثلاثة أو سبعة إلى عشرة أو ما دون العشرة وما فيهم امرأة ولا واحد له من لفظة "في سفرة سافروها" أي في سرية عليها أبو سعيد الخدري كما عند الدارقطني "فنزلوا" أي ليلاً كما في الترمذي "بحي" أي قبيلة

(9/205)


فَنَزَلُوا بِحَيَ مِنْ أحْيَاءِ الْعَرَبِ، فَاسْتَضَافُوهُم فَأبَوْا أنْ يُضَيّفُوهُمْ، قال: فَلُدِغَ سَيّدُ ذَلِكَ الْحَيّ، فَشَفَوْا لَهُ بِكُلّ شَيْءٍ لاَ يَنْفَعُهُ شَيْءٌ، فقالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ أتَيْتُمْ هَؤُلاَءِ الرّهْطِ الّذِينَ نَزَلُوا بِكُمْ لَعَلّ أنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ يَنْفَعُ صَاحِبَكُم، فَقَال بَعْضُهُم: إنّ سَيّدَنَا لُدِغَ فَشَفَيْنَا لَهُ بِكُلّ شَيْءٍ فَلاَ يَنْفَعُهُ شَيْءٌ فَهَلْ عِنْدَ أحَدٍ مِنْكُمْ شَيْءٌ يَشْفِي صَاحِبَنَا - يَعني رُقْيَةً، فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: إنّي لأَرْقِي وَلَكِنِ اسْتَضَفْنَاكُم فَأبَيْتُمْ أنْ تُضَيّفُونَا، مَا أنَا بِرَاقٍ حَتّى تَجْعَلُوا لِي جُعْلاً. فَجَعَلُوا لَهُ قَطِيعاً مِنَ الشّاءِ، فَأتَاهُ فَقَرَأ لَيْهِ بِأُمّ الْكِتَابِ وَيَتْفِلُ حَتّى بَرِأ كَأنّمَا أُنْشِطَ مِنْ عِقَالٍ، قال: فَأَوْفَاهُمْ جُعْلَهُ [جعلهم] الّذِي
ـــــــ
"فاستضافوهم" أي طلبوا منهم الضيافة "فأبوا" أي امتنعوا "أن يضيفوهم" بفتح الضاد المعجمة وتشديد التحتية ويروى بضيوفهم بكسر الضاد والتخفيف قاله القسطلاني "فلدغ" بضم اللام وكسر الدال المهملة وبالغين المعجمة مبيناً للمفعول أي لسع "سيد ذلك الحي" أي بعقرب كما في الترمذي، ولم يسم سيد الحي "فشفوا له" بفتح الشين المعجمة والفاء وسكون الواو، أي طلبوا له الشفاء أي عالجوه بما يشفيه قاله القسطلاني.
وقال الخطابي: معناه عالجوه بكل شيء مما يستشفى به، والعرب تضع الشفاء موضع العلاج. انتهى "رقية" الرقية كلام يستشفى به من كل عارض. قال في القاموس: والرقية بالضم العوذة والجمع رقى، ورقاه رقياً ورقية نفث في عوذته "فقال رجل من القوم" هو أبو سعيد الراوي كما في بعض روايات مسلم "إني لأرقى" بفتح الهمزة وكسر القاف "جعلا" بضم الجيم وسكون العين هو ما يعطى على العمل "قطيعاً من الشاء" قال ابن التين: القطيع هو الطائفة من الغنم، وتعقب بأن القطيع هو الشيء المنقطع من غنم كان أو غيرها.
وفي رواية للبخاري "إنا نعطيكم ثلاثين شاة" وهو مناسب لعدد الرهط المذكور سابقاً، فكأنهم جعلوا لكل رجل شاة "فقرأ عليه" أي على اللديغ "بأم الكتاب" أي الفاتحة، وفي رواية أنه قرأها سبع مرات، وفي أخرى ثلاث مرات، والزيادة أرجح "ويتفل" بضم الفاء وكسرها أي ينفخ نفخاً معه أدنى بزاق.
قال ابن أبي جمرة: محل التفل في الرقية يكون بعد القراءة لتحصل بركة القراءة في الجوارح التي يمر عليها الريق انتهى.
وفي بعض النسخ تفل بصيغة الماضي "كأنما أنشط" بصيغة المجهول من باب الإفعال "من عقال" بكسر العين المهملة وبعدها قاف حبل يشد به ذراع البهيمة.

(9/206)


صَالَحُوهُ عَلَيْهِ، فَقَالُوا: اقْتَسِمُوا فَقالَ الّذِي رَقِيَ: لاَ تَفْعَلُوا حَتّى نَأْتِيَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَنَسْتَأْمِرَهُ، فَغَدَوْا عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مِنْ أيْنَ عَلِمْتُمْ أنّهَا رُقْيَةٌ. أحْسَنْتُمْ وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ" .
3415 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ أخبرنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ أنْبأنَا هِشَامُ بنُ حَسّانَ عن مُحَمّدِ بنِ سِيرِينَ عن أخِيهِ مَعْبَدِ بنِ سِيرِينَ عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِهَذَا الْحَدِيثِ.
3416 - حدثنا عبيد الله بنُ مُعَاذٍ أخبرنا أبِي أخبرنا شُعْبَةُ عن عبد الله بنِ أبي السّفَرِ عن الشّعْبِيّ عن خَارِجَةَ بنِ الصّلْتِ عن عَمّهِ: أنّهُ مَرّ بِقَوْمٍ فَأتَوْهُ فَقَالُوا: إنّكَ
ـــــــ
قال الخطابي: أي حل من وثاق، ويقال نشطت الشيء إذا شددته وأنشطته إذا فككته والأنشوطة الحبل الذي يشد به الشيء "فأوفاهم" الضمير المرفوع لسيد ذلك الحي والمنصوب للرهط من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
قال في القاموس: وفي فلاناً حقه أعطاه وافياً كوفاه وأوفاه "لا تفعلوا" أي ما ذكرتم من القسمة "أحسنتم" أي في الرقية أو في توقفكم عن التصرف في الجعل حتى استأذنتموني أو أعم من ذلك "واضربوا" أي اجعلوا "لي معكم بسهم" أي نصيب، والأمر بالقسمة من باب مكارم الأخلاق وإلا فالجميع للراقي وإنما قال اضربوا لي تطييباً لقلوبهم ومبالغة في أنه حلال لا شبهة فيه.
قال النووي: هذا تصريح لجواز أخذ الأجرة على الرقية بالفاتحة والذكر وأنها حلال لا كراهة فيها وكذا الأجرة على تعليم القرآن، وهذا مذهب الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق وأبي ثور وآخرين من السلف ومن بعدهم، ومنعها أبو حنيفة في تعليم القرآن وأجازها في الرقية انتهى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه بنحوه.
"عن أخيه معبد بن سيرين" الأنصاري البصري أكبر إخوته ثقة "بهذا الحديث" أي المتقدم.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم بنحو حديث أبي المتوكل.
شر "عن خارجة بن الصلت" بفتح فسكون، وفي بعض النسخ خارجة بن أبي الصلت بزيادة

(9/207)


جِئْتَ مِنْ عِنْدِ هَذَا الرّجُلِ بِخَيْرٍ. فَارْقِ لَنَا هَذَا الرّجُلَ فَأَتَوْهُ بِرَجُلٍ مَعْتُوهٍ في الْقُيُودِ. فَرَقَاهُ بِأُمّ الْقُرْآنِ ثِلاِثَةِ أيّامٍ غُدْوَةً وَعَشِيّةً وَكُلّمَا خَتَمَهَا جَمَعَ بُزَاقَهُ، ثُمّ تَفَلَ، فَكَأنّمَا أُنْشِطَ مِنْ عِقَالٍ، فَأعْطُوْهُ شَيْئاً، فَأتَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فَذَكَرَهُ لَهُ، فَقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "كُلْ فَلَعَمْرِي لَمَنْ أكَلَ بِرُقْيَةِ بَاطِلٍ، لَقَدْ أكَلْتَ بِرُقْيَةِ حَقَ" .
ـــــــ
لفظ أبي وهو غلط "من عند هذا الرجل" أي الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم "بخير" أي بالقرآن وذكر الله "برجل معتوه" أي مجنون. وفي المغرب هو ناقص العقل، وقيل المدهوش من غير جنون ذكره القاري. وفي المجمع: المعتوه هو المجنون المصاب بعقله وقد عته فهو معتوه "غدوة وعشية" أي أول النهار وآخره أو نهاراً وليلاً "وكلما ختمها" أي أم القرآن "جمع بزاقه" بضم الموحدة ماء الفم "كل" أمر من الأكل "فلعمري" بفتح العين أي لحياتي واللام فيه لام الابتداء، وفي قوله "لمن أكل برقية باطل" جواب القسم أي واللام فيه لام الابتداء، وفي قوله "لمن أكل برقية باطل" جواب القسم أي من الناس من يأكل برقية باطل، كذكر الكواكب والاستعانة بها وبالجن "لقد أكلت برقية حق" أي بذكر الله تعالى وكلامه.
وإنما حلف بعمره لما أقسم الله تعالى به حيث قال: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُون} .
قال الطيبي: لعله كان مأذوناً بهذا الإقسام وأنه من خصائصه لقوله تعالى: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} .
قيل: أقسم الله تعالى بحياته وما أقسم بحياة أحد قط كرامة له. ومن في "لمن أكل" شرطية، واللام موطئة للقسم، والثانية جواب للقسم ساد مسد الجزاء أي لعمري لإن كان ناس يأكلون برقية باطل لأنت أكلت برقية حق، وإنما أتى بالماضي في قوله أكلت بعد قوله كل دلالة على استحقاقه وأنه حق ثابت وأجرته صحيحة، كذا في المرقاة للقاري.
قال المنذري: وأخرجه النسائي. وعم خارجة هو علاقة بن صحار [بضم الصاد وتخفيف الحاء المهملة] التميمي السليطي له صحبة ورواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل اسمه العلاء، وقيل عبد الله، وقيل علاثة، ويقال سحار "أي بالسين المهملة" بالتخفيف والأول أكثر انتهى كلام المنذري.

(9/208)


3- باب في كسب الحجام
3417 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا أبَانُ عن يَحْيَى عن إبْرَاهِيمَ بنِ عبد الله - يَعني ابنَ قَارِظٍ - عن السّائِبِ بنِ يَزِيدَ عن رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "كَسْبُ الْحَجّامِ خَبِيثٌ وَثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ، وَمَهْرُ الْبَغْيِ خَبِيثٌ" .
3418 - حدثنا عبد الله بنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن ابنِ شِهَابٍ عن ابنِ مُحَيّصَةَ عن أبِيهِ: أنّهُ اسْتَاْذَنَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم في إجَارَةِ الْحَجّامِ، فَنَهَاهُ عَنْهَا، فَلَمْ يَزَلْ
ـــــــ
"باب في كسب الحجام"
"كسب الحجام خبيث" أي حرام "ومهر البغي" بفتح الموحدة وكسر المعجم تشديد الياء وهو فعول في الأصل بمعنى الفاعلة من بغت المرأة بغاء بالكسر إذا زنت، ومنه قوله تعالى: {وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ} ومهر البغي هو ما تأخذه الزانية على الزنا، وسماه مهراً لكونه على صورته، وهو حرام بإجماع المسلمين.
وأما ثمن الكلب ففي حرمته اختلاف وسيجيء بيانه في بابه. وأما كسب الحجام ففيه أيضاً اختلاف، فقال بعض أصحاب الحديث على ما في النيل إنه حرام، واستدلوا بهذا الحديث وما في معناه، وذهب الجمهور إلى أنه حلال، واستدلوا بحديث ابن عباس وحديث أنس الآتيين في الباب وقالوا إن المراد بالخبيث في قوله "كسب الحجام خبيث" المكروه تنزيهاً لدناءته وخسته لا المحرم كما في قوله تعالى: {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} فسمى راذل المال خبيثاً. ومنهم من ادعى النسخ وأنه كان حراماً ثم أبيح، وهو صحيح إذا عرف التاريخ وقال الخطابي: ما محصله أن معنى الخبيث في قوله "كسب الحجام خبيث" الدني. وأما قوله: "ثمن الكلب خبيث" و"مهر البغي خبيث" فمعناه المحرم، وقد يجمع الكلام بين القرائن في اللفظ ويفرق بينهما في المعاني، وذلك على حسب الأغراض والمقاصد فيها، وقد يكون الكلام في الفصل الواحد بعضه على الوجوب، وبعضه على الندب، وبعضه على الحقيقة، وبعضه على المجاز، وإنما يعلم ذلك بدلائل الأصول وباعتبار معانيها انتهى.
ـــــــ
قال المنذري وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي عن ابن محيصة بفتح المهملة الأولى والثانية بينهما تحتانية ساكنة أو مكسورة مشددة في إجارة الحجام أي في أجرته كما في رواية الموطأ أي في أخذها أو أكلها فنهاه عنها قال النووي هذا نهي تنزيه للإرتفاع عن

(9/209)


يَسْألُهُ وَيَسْتَأْذِنُهُ حتّى أمَرَهُ أنِ اعْلِفْهُ نَاضِحَكَ وَرَقِيقَكَ" .
3419 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَزيدُ - يَعني ابنَ زُرَيْعٍ - أخبرنا خَالِدٌ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ قالَ: احْتَجَمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَأعْطَى الْحَجّامَ أجْرَهُ ، وَلَوْ عَلِمَهُ خَبِيثاً لَمْ يُعْطِهِ.
3420 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن حُمَيدٍ الطّوِيلِ عن أنَسِ بنِ مَالِكٍ أنّهُ قالَ: حَجَمَ أبُو طَيْبَةَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، فَأمَرَ لَهُ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ، وَأمَرَ أهْلَهُ أنْ يُخَفّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ.
ـــــــ
دنيء الاكتساب وللحث على مكاره الأخلاق ومعالي الأمور، ولو كان حراما لم يفرق فيه بين الحر والعبد، فإنه لايجوز للسيد أن يطعم عبده ما لا يحل "فلم يزل يسأله ويستأذنه" أي في أن يرخص له في أكلها، فإن أكثر الصحابة كانت لهم أرقاء كثيرون وأنهم كانوا يأكلون من خراجهم ويعدون ذلك من أطيب المكاسب، فلما سمع محيصة نهية ذلك وشق ذلك عليه لاحتياجه إلى أكل أجرة الحجامة تكرر في أن يرخص له ذلك كذا في المرقاة "أعلفه" أي أطعمه قال في القاموس: العلف كالضرب الشرب الكثير، وإطعام الدابة كالاعلاف "ناضحك" هو الجمل الذي يسقي به الماء "ورقيقك" أي عبدك، لأن هذين ليس لهما شرف ينافيه دناءة هذا الكسب بخلاف الحر.
والحديث دليل على أن أجرة الحجام حلال للعبد دون الحر. وإليه ذهب أحمد وجماعة فقالوا بالفرق بين الحر والعبد فكرهوا للحر الاحتراف بالحجامة وقالوا يحرم عليه الإنفاق على نفسه منها ويجوز له الإتفاق على الرقيق والدواب منها، وأباحوها للعبد مطلقاً، وعمدتهم حديث محيصة هذا.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي حديث حسن. وقال ابن ماجه: حرام بن محيصة عن أبيه. هذا آخر كلامه، وهو أبو سعيد ويقال أبو سعيد حرام بن سعد بن محيصة الأنصاري الحارثي المدني، ويقال حرام بن محيصة ينسب إلى الجد، ويقال حرام بن ساعدة وهو بالحاء والراء المهملتين انتهى كلام المنذري.
"ولو علمه" أي النبي صلى الله عليه وسلم أجر الحجام "خبيثاً" أي حراماً "لم يعطه" أي الحجام أجره، وهو نص في إباحته، وإليه ذهب الجمهور كما تقدم. قال المنذري: وأخرجه البخاري.
"حجم أبو طيبة" بفتح الطاء المهملة وسكون التحتية بعدها موحدة واسمه نافع "وأمر

(9/210)


................................................
ـــــــ
أهله" أي ساداته وكان مملوكاً لجماعة وهم بنو بياضة كما في رواية مسلم "عنه" أي عن أبي طيبة "من خراجه" بفتح الخاء المعجمة ما يقرر السيد على عبده أن يؤدي إليه كل يوم، وكان خراجه ثلاثة آصع فوضع عنه صاعاً. كذا في المجمع.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي.

(9/211)


4- باب في كسب الإماء
3421 - حدثنا عبيد الله بنُ مُعَاذٍ أخبرنا أبِي أخبرنا شُعْبَةُ عن مُحَمّدِ بنِ جُحَادَةَ قالَ سَمِعْتُ أبَا حَازِمٍ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ قال: نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَنْ كَسْبِ الإمَاءِ .
3422 - حدثنا هَارُونُ بنُ عبد الله أخبرنا هَاشِمُ بنُ الْقَاسِمِ أخبرنا عِكْرِمَةُ حَدّثَنِي طَارِقُ بنُ عبد الرحمن الْقُرَشِيّ قال: جَاءَ رَافِعُ بنُ رِفَاعَةَ إلَى مَجْلِسِ الأنْصَارِ
ـــــــ
"باب في كسب الإماء"
بكسر الهمزة جمع أمه.
"عن محمد بن جحادة" بضم الجيم قبل المهملة "عن كسب الإمام" أي بالفجور لا ما تكتسبه بالصنعة والعمل.
قال الخطابي: كانت لأهل المدينة ولأهل مكة إماء معدة يخدمن الناس عليهن ضرائب ويخبزن ويسقين الماء ويصنعن غير ذلك من الصناعات ويؤدين الضريبة إلى سادتهن. والإماء إذا دخلن تلك المداخل وتبذلن ذلك البذل وهن مجارحات وعليهن ضرائب لم يؤمن أن يكون منهن أو من بعضهن الفجور، وأن يكتسين بالسفاح، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتنزه عن كسبهن، ومتى لم يكن لعملهن وجه معلوم يكتسبنه به فهو أبلغ في النهي وأشد في الكراهة انتهى.
والحديث سكت عنه المنذري.
"جاء رافع بن رفاعة" قال المزي في الأطراف: رافع هذا غير معروف. وقال ابن عبد البر: رافع بن رفاعة بن رافع بن مالك بن عجلان لا تصح له صحبة والحديث غلط. وقال الحافظ ابن حجر في الإصابة: لم أره في الحديث منسوباً فلم يتعين كونه رافع بن رفاعة بن رافع بن مالك فإنه تابعي لا صحبة له، بل يحتمل أن يكون غيره، وأما كون الإسناد غلطاً فلم يوضحه. وقد أخرجه ابن منده من وجه آخر عن عكرمة فقال عن رفاعة بن رافع كذا في مرقاة

(9/211)


فقال: لَقَدْ نَهَانَا نَبِيّ الله صلى الله عليه وسلم الْيَوْمَ فَذَكَرَ أشْيَاءَ، وَنَهَانَا عَنْ كَسْبِ الأَمَةِ إلاّ مَا عَمِلَتْ بِيَدِهَا، وَقالَ هَكَذَا بِأصَابِعِهِ نَحْوَ الْخَبْزِ وَالْغَزْلِ وَالنّفْشِ.
3423 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ أخبرنا ابنُ أبي فُدَيْكٍ عن عبيد الله - يَعني ابنَ هُرَيْرٍ - عن أبِيهِ عن جَدّهِ رَافِعٍ - هُوَ ابنُ خَدِيجٍ - قال: " نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَنْ كَسْبِ الأَمَةِ حَتّى يُعْلَمَ مِنْ أيْنَ هُوَ" .
ـــــــ
الصعود "وقال هكذا بأصابعه" يعني الثلاث. قاله في النيل "نحو الخبز" بفتح الخاء وسكون الباء بعدها زاي يعني عجن العجين وخبزه "والغزل" أي غزل الصوف والقطن والكتان والشعر "والنفش" بفتح النون وسكون الفاء بعدها شين معجمة، والمراد نفش به الصوف والشعر وندف القطن والصوف ونحو ذلك. وفي رواية النقش بالقاف وهو التطريز قاله في النيل.
قال المنذري: قال الحافظ أبو القاسم الدمشقي في الإشراف عقيب هذا الحديث: رافع هذا غير معروف، وقال غيره: هو مجهول.
"يعني ابن هرير" مصغراً برائين "من أين هو" أي من وجه الحلال أو الحرام. والحديث سكت عنه المنذري.

(9/212)


5- باب حلوان الكاهن
3424 - حدثنا قُتَيْبَةُ عن سُفْيَانَ عن الزّهْرِيّ عن أبِي بَكْرِ بنِ عبد الرحمن عن أبي مَسْعُودٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "أنّهُ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَمَهْرِ الْبَغْيِ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ" .
ـــــــ
"باب حلوان الكاهن"
بضم الحاء المهملة وسكون اللام ما يعطاه على كهانته. قال الهروي: أصله من الحلاوة، شبه المعطى بالشيء الحلو من حيث أنه يأخذه سهلا بلا كلفة ومشقة وهذا الباب مع حديثه ليس سبله في نسخة المنذري وكذا في بعض النسخ الآخر، وسيجيء هذا الحديث بهذا الإسناد في باب أثمان الكلاب "وحلوان الكاهن" هو الذي يتعاطى الإخبار عن الكائنات في المستقبل ويدعي معرفة الأسرار، وكانت في العرب كهنة يدعون أنهم يعرفون كثيراً من الأمور الكائنة، ويزعمون أن لهم تابعة من الجن تلقى إليهم الأخبار، ومنهم من يدعي أنه يدرك الأمور بفهم أعطيه، ومنهم من زعم أنه يعرف الأمور بمقدمات وأسباب يستدل بهما على مواقعها،

(9/212)


...........................
ـــــــ
كالشيء يسرق فيعرف المظنون به للسرقة، ومتهم المرأة بالزنية فيعرف من صاحبها، ونحو ذلك. ومنهم من يسمى المنجم كاهناً حيث أنه يخبر عن الأمور كإتيان المطر ومجيء الوباء، وظهور القتال، وطالع نحس أو سعيد، وأمثال ذلك. وحديث النهي عن إتيان الكاهن يشتمل على النهي عن هؤلاء كلهم وعلى النهي عن تصديقهم والرجوع إلى قولهم. كذا في المرقاة للقاري ومعالم السننّ للخطابي.

(9/213)


6- باب في عسب الفحل
3425 - حدثنا مُسْدّدٌ بنُ مُسَرْهَدٍ أخبرنا إسْمَاعِيلُ عن عَلِيّ بنِ الْحَكَمِ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ قال: نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عنْ عَسْبِ الْفَحْلِ .
ـــــــ
"باب في عسب الفحل"
بفتح العين المهملة وسكون السين وفي آخره موحدة. والفحل الذكر من كل حيوان فرساً كان أو جملا أو تيساً أو غير ذلك، وعسبه ماؤه وضرابه أيضاً، عسب الفحل الناقة يعسبها عسباً. قال في النهاية: عسب الفحل ماؤه فرساً كان أو بعيراً أو غيرهما وعسبه أيضاً ضرابه انتهى. "عن عسب الفحل" أي عن كراء ضرابه وأجرة مائه، نهى عنه للغرر لأن الفحل قد يضرب وقد لايضرب وقد لا يلقح الأنثى، وبه ذهب الأكثرون إلى تحريمه. وأما الإعارة فمندوب ثم لو أكرمه المستعير بشيء جاز قبول كرامته. قال في النهاية: ولم ينه عن واحد منهما وإنما أراد النهي عن الكراء الذي يؤخذ عليه فإن إعارة الفحل مندوب إليها، وقد جاء في الحديث "ومن حقها إطراق فحلها" ووجه الحديث أنه نهى عن كراء عسب الفحل فحذف المضاف وهو كثير في الكلام، وقيل يقال لكراء الفحل عسبٌ و عَسَبَ الفحل يعسبه أي أكراه وعَسَبْتَ الرجل إذا أعطيته كراء ضراب فحله فلا يحتاج إلى حذف مضاف، وإنما نهى عنه للجهالة التي فيه، ولا بد في الإجارة من تعيين العمل ومعرفة مقداره.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي حسن صحيح.

(9/213)


7- باب في الصائغ
3426 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ
ـــــــ
"باب في الصائغ"
"عن أبي ماجدة" قال المنذري: وهو السهمي انتهى. وقال في التقريب: أبو ماجدة

(9/213)


8- باب في العبد يباع وله مال
3429 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا سُفْيَانُ عن الزّهْرِيّ عن سَالِمٍ عن أبِيهِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ بَاعَ عَبْداً وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إلاّ أنْ يَشْتَرِطَهُ المُبْتَاعُ، وَمَنْ بَاعَ نَخْلاً مُؤَبّراً فالثّمَرَةُ لِلْبَائِعِ إلاّ أنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ" .
ـــــــ
"باب في العبد يباع وله مال"
"من باع عبداً وله مال فماله للبائع" قال النووي: فيه دلالة لمالك رحمه الله وقول الشافعي رحمه الله القديم أن العبد إذا ملكه سيده مالا ملكه لكنه إذا باعه بعد ذلك كان ماله للبائع إلا أن يشترط المشتري لظاهر هذا الحديث.
وقال الشافعي في الجديد وأبو حنيفة: لا يملك العبد شيئاً أصلاً وتأولا الحديث على أن المراد أن يكون في يد العبد شيء من مال السيد، فأضيف ذلك المال إلى العبد للاختصاص والانتفاع لا للملك، كما يقال جل الدابة وسرج الفرس، وإلا فإذا باع سيد العبد فذلك المال للبائع لأنه ملكه إلا أن يشترطه المبتاع فيصح لأنه يكون قد باع شيئين العبد والمال الذي في يده بثمن واحد وذلك جائز. قالا ويشترط الاحتراز من الربا انتهى. "إلا أن يشترطه المبتاع" أي المشتري "ومن باع نخلا مؤبراً الخ" من التأبير وهو التشقيق والتلقيح، ومعناه شق طلع النخلة الأنثى ليذر فيها شيء من طلع النخلة الذكر. وفيه دليل على أن من باع نخلاً وعليها ثمرة مؤبرة لم تدخل الثمرة في البيع بل تستمر على ملك البائع، ويدل بمفهومه على أنها إذا كانت غير مؤبرة تدخل في البيع وتكون للمشتري، وبذلك قال جمهور العلماء، وخالفهم الأوزاعي وأبو حنيفة فقالا تكون للبائع قبل التأبير وبعده. وقال ابن أبي ليلى: تكون للمشتري مطلقاً، وكلا الإطلاقين مخالف لهذا الحديث الصحيح، وهذا إذا لم يقع شرط من المشتري بأنه اشترى الثمرة ولا من البائع بأنه استثنى لنفسه الثمرة، فإن وقع ذلك كانت الثمرة للشارط من غير فرق بين أن تكون مؤبرة أو غير مؤبرة.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.

(9/215)


3430 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ عن عُمَرَ عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بِقِصّةِ الْعَبْدِ، وَعَنْ نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِقِصّةِ النَخْلِ.
ـــــــ
"عن نافع عن ابن عمر عن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقصة العهد" في بعض النسخ عن نافع عن ابن عمر عن عمر بقصة العبد، وكذا في نسخة المنذري، وفي بعض النسخ عن نافع عن ابن عمر بقصة العبد.
قال المنذري: وأخرجه النسائي موقوفاً "وعن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم بقصة
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
اختلف سالم ونافع على ابن عمر في هذا الحديث فسالم رواه عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا في القصتين جميعا قصة العبد وقصة النخل ورواه نافع عنه ففرق بين القصتين فجعل قصة النخل عن النبي صلى الله عليه وسلم وقصة العبد عن ابن عمر عن عمر فكان مسلم والنسائي وجماعة من الحفاظ يحكمون لنافع ويقولون ميز وفرق بينهما وإن كان سالم أحفظ منه وكان البخاري والإمام أحمد وجماعة من الحفاظ يحكمون لسالم ويقولون هما جميعا صحيحان عن النبي صلى الله عليه وسلم
وقد روى جماعة أيضا عن نافع عن النبي صلى الله عليه وسلم قصة العبد كما رواه سالم منهم يحيى بن سعيد وعبدربه بن سعيد وسليمان بن موسى ورواه عبيد الله بن أبي جعفر عن بكير بن الأشج عن نافع عن ابن عمر يرفعه وزاد فيه ومن أعتق عبدا وله مال فماله له إلا أن يشترط السيد ماله فيكون له
قال البيهقي وهذا بخلاف رواية الجماعة
وليس هذا بخلاف روايتهم وإنما هي زيادة مستقلة رواها أحمد في مسنده واحتج بها أهل المدينة في أن العبد إذا أعتق فماله له إلا أن يشترطه سيده كقول مالك ولكن علة الحديث أنه ضعيف قال الإمام أحمد يرويه عبيد الله بن أبي جعفر من أهل مصر وهو ضعيف في الحديث كان صاحب فقه فأما في الحديث فليس هو فيه بالقوي وقال أبو الوليد هذا الحديث خطأ وكان ابن عمر إذا أعتق عبدا لم يعرض لماله
قيل للإمام أحمد هذا عبدك على التفصيل أي لعمري على التفصيل
قيل له فكأنه عندك للسيد فقال نعم للسيد مثل البيع سواء.

(9/216)


قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَاخْتَلَفَ الزّهْرِيّ وَنَافِعٌ في أرْبَعَةِ أحَادِيثٍ هَذَا أحَدُهَا.
3431 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عن سُفْيَانَ حدثَنِي سَلَمَةُ بنُ كُهَيْلٍ حَدّثَني مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بنَ عبد الله يَقُولُ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ بَاعَ عَبْداً وَلَهُ مَالٌ فَالْمَالُ لِلْبَائِعِ، إلاّ أنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ" .
ـــــــ
النخل" قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم وابن ماجه "قال أبو داوود واختلف الزهري ونافع الخ" هذه العبارة لم توجد في أكثر النسخ.
قال الحافظ في الفتح: واختلف على نافع وسالم في رفع ما عدا النخل، فرواه الزهري عن سالم عن أبيه مرفوعاً في قصة النخل والعبد معاً، هكذا أخرجه الحفاظ عن الزهري، وخالفهم سفيان بن حسين فزاد فيه ابن عمر عن عمر مرفوعاً لجميع الأحاديث أخرجه النسائي: وروى مالك والليث وأيوب وعبيد الله بن عمر وغيرهم عن نافع عن ابن عمر قصة النخل، وعن ابن عمر عن عمر قصة العبد موقوفة كذلك أخرجه أبو داوود من طريق مالك بالإسنادين معاً: وجزم مسلم والنسائي والدارقطني بترجيح رواية نافع المفصلة على رواية سالم. ومال علي بن المديني والبخاري وابن عبدالبر إلى ترجيح رواية سالم. وروى عن نافع رفع القصتين. أخرجه النسائي من طريق عبد ربه بن سعيد عنه وهو وهم. وقد روى عبدالرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع قال ما هو إلا عن عمر شأن العبد، وهذا لا يدفع قول من صحح الطريقين وجوز أن يكون الحديث عند نافع عن ابن عمر على الوجهين انتهى.
"حدثني من سمع جابر بن عبد الله يقول الخ" قال المنذري في إسناده مجهول.

(9/217)


9- باب في التلقي
3432 - حدثنا عبد الله بنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن نَافِعٍ عن عبد الله بنِ عُمَرَ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "لاَ يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلاَ تَلَقّوا السّلَعَ حَتّى
ـــــــ
"باب في التلقي"
"لا يبع بعضكم على بيع بعض" بأن يقول لمن اشترى سلعة في زمن خيار المجلس أو خيار الشرط إفسخ لأبيعك خيراً منه بمثل ثمنه أو مثله بأنقص فإنه حرام، وكذا الشراء على شرائه، بأنه يقول للبائع افسخ لأشتري منك بأزيد. قاله القسطلاني "ولا تلقوا السلع" بكسر

(9/217)


يُهْبَطَ بِهَا الأسْوَاقَ" .
3433 - حدثنا الرّبِيعُ بنُ نَافِعٍ أبُو تَوْبَةَ أخبرنا عبيد الله يَعْني ابنَ عَمْرٍو الرّقّيّ عن أيّوبَ عن ابنِ سِيرِينَ عن أبي هُرَيْرَةَ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عن تَلَقّي الْجَلَبَ، فَإنْ تَلَقّاهُ مُتَلَقَ مُشْتَرٍ فَاشْتَرَاهُ فَصَاحِبُ السّلْعَةِ بالخِيَارِ إذَا وَرَدَتِ السّوقَ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: قالَ سُفْيَانُ: لاَ يَبِعْ بَعْضُكُم عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ أنْ يَقُولَ إنّ عِنْدِي خَيْراً مِنْهُ بِعَشْرَةٍ.
ـــــــ
السين وفتح اللام جمع السلعة بكسر فسكون وهي المتاع وما يتجر به، والمراد ها هنا المتاع المجلوب الذي يأتي به الركبان إلى البلدة ليبيعوا فيها "حتى يهبط" بصيغة المجهول أي ينزل "بها" أي السلع والباء للتعدية، والمعنى حتى يسقطها عن ظهر الدواب في السوق.
قال الخطابي: أما النهي عن تلقي السلع قبل ورودها السوق فالمعنى في ذلك كراهية الغبن، ويشبه أن يكون قد تقدم من عادة أولئك أن يتلقوا الركبان قبل أن يقدموا البلد ويعرفوا سعر السوق فيخبروهم أن السعر ساقط والسوق كاسدة والرغبة قليلة حتى يخدعوهم عما في أيديهم، ويبتاعون منهم بالوكس من الثمن، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وجعل للبائع الخيار إذا قدم السوق فوجد الأمر بخلاف ما قالوه انتهى. قال في النيل: وقد ذهب إلى الأخذ بظاهر الحديث الجمهور فقالوا: لا يجوز تلقي الركبان، واختلفوا هل هو محرم أو مكروه فقط. وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة أنه أجاز التلقي، وتعقبه الحافظ بأن الذي في كتب الحنفية أنه يكره التلقي في حالتين: أن يضر بأهل البلد، وأن يلبس السعر على الواردين انتهى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه مطولا ومختصراً.
"نهى عن تلقي الجلب" بفتح اللام مصدر بمعنى اسم المفعول المجلوب يقال جلب الشيء جاء به من بلد إلى بلد للتجارة "مشتري" ليس في بعض النسخ هذا اللفظ "فصاحب السلعة بالخيار" هذا يدل على انعقاد البيع ولو كان فاسداً لم ينعقد. وقد قال بالفساد المرادف للبطلان بعض المالكية وبعض الحنابلة واختلفوا هل يثبت له الخيار مطلقاً أو بشرط أن يقع له في البيع غبن ذهبت الحنابلة إلى الأول وهو الأصح عند الشافعية وهو الظاهر قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي.

(9/218)


10- باب في النهي عن النجش
3434 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ عَمُرِو بنِ السّرْحِ أخبرنا سُفْيَانُ عنْ الزّهْرِيّ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ عن أبي هُرَيْرَةَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ تَنَاجَشُوا".
ـــــــ
"باب في النهي عن النجش"
بفتح النون وسكون الجيم بعدها شين معجمة.
"لا تناجشوا" بحذف إحدى التائين. قال الخطابي: النجش أن يرى الرجل السلع تباع فيزيد في ثمنها وهو لا يريد شراءها، وإنما يريد بذلك ترغيب السوام فيها ليزيدوا في الثمن، وفيه غرر للراغب فيها وترك لنصحته التي هو مأمور بها انتهى.
قال النووي: وهذا حرام بالإجماع والبيع صحيح والإثم مختص بالناجش إن لم به يعلم البائع فإن واطأه على ذلك أثما جميعاً ولا خيار للمشتري إن لم يكن من البائع مواطأة، وكذا إن كانت في الأصح لأنه قصر في الاغترار، وعن مالك رواية أن البيع باطل وجعل النهي عنه مقتضياً للفساد انتهى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه مختصراً.

(9/219)


11- باب في النهي أن يبيع حاضر لباد
3435 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ عُبَيْدٍ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ ثَوْرٍ عن مَعْمَرٍ عن ابنِ طَاوُوسٍ عن أبِيهِ عن ابنِ عَبّاسٍ قالَ: نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ ، فَقُلْتُ [قلت]
ـــــــ
"باب في النهي أن يبيع حاضر لباد"
الحاضر ساكن الحضر، والبادي ساكن البادية.
"أخبرنا محمد بن ثور" أي الصنعاني أبو عبد الله العابد ثقة. وفي بعض النسخ أبو ثور وهو غلط "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيع حاضر لباد" فيه أنه لا يجوز بيع الحاضر للبادي. قال النووي: وبه قال الشافعي والأكثرون. قال أصحابنا: والمراد به أن يقدم غريب من البادية أو من بلد آخر بمتاع تعم الحاجة إليه ليبيعه بسعر يومه فيقول له البلدي اتركه عندي لأبيعه على التدريج بأغلى. قال أصحابنا: وإنما يحرم بهذه الشروط وبشرط أن يكون عالماً بالنهى، فلو لم يعلم النهى أو كان المتاع مما لا يحتاح إليه في البلد أو لا يؤثر فيه لقلة ذلك المجلوب لم

(9/219)


مَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ قالَ لاَ يَكُونُ لَهُ سِمْسَاراً.
3436 - حدثنا زُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ أنّ مُحَمّدَ بنَ الزّبْرِقَانِ أبَا هَمّامٍ حَدّثَهُمْ قالَ زُهَيْرٌ وَكَانَ ثِقَةً عنْ يُونُسَ عن الْحَسَنِ عن أنَسِ بنِ مَالِكٍ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "لاَ يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ وَإنْ كَانَ أخَاهُ أوْ أبَاهُ" .
قَالَ أبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُ حَفْصَ بنَ عُمَرَ يَقُولُ أخبرنا أبُو هِلاَلٍ أخبرنا مُحَمّدٌ عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قالَ كَانَ يُقَالُ لاَ يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ وَهِيَ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ لاَ يَبِيعُ لَهُ شَيْئاً وَلاَ يَبْتَاعُ لَهُ شَيْئاً.
ـــــــ
يحرم، ولو خالف وباع الحاضر للبادي صح البيع مع التحريم، هذا مذهبنا، وبه قال جماعة من المالكية وغيرهم. قال بعض المالكية: يفسخ البيع ما لم يفت. وقال عطاء ومجاهد وأبو حنيفة: يجوز بيع الحاضر للبادي مطلقاً لحديث "الدين النصيحة" قالوا: وحديث النهى عن بيع حاضر لباد منسوخ. قال بعضهم: إنه على كراهة التنزية والصحيح الأول ولا يقبل النسخ ولا كراهة التنزية، بمجرد الدعوى انتهى "فقلت" أي لابن عباس وهذا مقول طاووس "ما يبيع حاضر لباد" أي ما معناه "قال" أي ابن عباس "لا يكون له سمساراً" بكسر المهملة الأولى وبينهما ميم ساكنة أي دَلاّلاً. قاله القسطلاني. وقال في الفتح: وهو في الأصل القيم بالأمر والحافظ ثم استعمل في متولى البيع والشراء لغيره انتهى.
وقد استنبط الإمام البخاري منه تخصيص النهي عن بيع الحاضر للبادي إذا كان بالأجر، وقوى ذلك بعموم حديث النصح لكل مسلم.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.
شر "أن محمد بن زبرقان" بكسر زاي وسكون موحدة وكسر راء وبقاف، كذا في المغنى "أبا همام" كنية محمد "وكان" أي محمد "وإن كان" أي البادي "أخاه أو أباه" أي أخا الحاضر وأباه. والمعنى وإن كان البادي قريباً للحاضر أي قريب كان.
قال المنذري: وأخرجه النسائي ومسلم ورجال إسناد ثقات "أخبرنا محمد" هو ابن سيرين. أورد في الأطراف في ترجمته عن أنس "وهي" أي قوله صلى الله عليه وسلم لا يبيع حاضر لباد لباد وتأنيث الضمير باعتبار الكلمة "ولا يبتاع" أي لا يشتري البلدي للبادي شيئاً بالأجر ويكون دلاّله، بل يتركه ليشتري بنفسه في السوق.

(9/220)


..............................................
ـــــــ
قال الشوكاني: واعلم أنه كما لا يجوز أن يبيع الحاضر للبادي كذلك لا يجوز أن يشتري له، وبه قال ابن سيرين والنخعي، وعن مالك روايتان، ويدل لذلك حديث أنس بن مالك هذا.
وأخرج أبو عوانة في صحيحه عن ابن سيرين قال: لقيت أنس بن مالك، فقلت لا يبيع حاضر لباد أنهبتم أن تبيعوا أو تبتاعوا لهم؟ قال نعم قال محمد صدق إنها كلمة جامعة. ويقوي ذلك العلة التي نبه عليها صلى الله عليه وسلم بقوله "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض" فإن ذلك يحصل بشراء من لا خبرة له بالأثمان كما يحصل ببيعه انتهى.
قال الخطابي: قوله "لا يبيع حاضر لباد" كلمة تشتمل على البيع والشراء يقال بعت الشيء بمعنى اشتريت.
قال طرفة:
ويأتيك بالأخبار من لم تبع له ... بتاتاً ولم تضرب له وقت موعد
أي لم تشتر له متاعاً. ويقال شريت الشيء بمعنى بعته والكلمتان من الأضداد.
قال ابن مفرع الحميري:
وشريت برداً ليتني ... من بعد برد كنت هامه
يريد بعت برداً وبرد غلامه فندم عليه انتهى.
قال في النيل: والخلاف في جواز استعمال المشترك في معنييه أو معانيه معروف في الأصول، والحق الجواز إن لم يتناقضا انتهى.
قال المنذري: في إسناده أبو هلال واسمه محمد بن سليم الراسي لم يكن راسبياً وإنما نزل فيهم وهو مولى لقريش وقد تكلم فيه غير واحد.
"بحلوبة" بالحاء المهملة، كذا في جميع النسخ الحاضرة.
قال في فتح الودود: ضبطه أبو المديني بالجيم وهي ما تجلب للبيع من كل شيء انتهى.
قال في النهاية: وفي حديث سالم قدم أعرابي بجلوبة فنزل على طلحة الحديث والجلوبة بالفتح ما يجلب للبيع من كل شيء وجمعة الجلائب، وقيل الجلائب الإبل التي تحلب إلى الرجل النازل على الماء ليس له ما يحتمل عليه فيحملونه عليها، والمراد في الحديث الأول كأنه أراد أن يبيعها له طلحة، هكذا جاء في كتاب أبى موسى في حرف الجيم،

(9/221)


3437 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عن مُحَمّدِ بنِ إسْحَاقَ عن سَالِمِ المَكّيّ أنّ أعْرَابِيّا حَدّثَهُ: أنّهُ قَدِمَ بِحَلُوبَةٍ لَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَنَزَلَ عَلَى طَلْحَةَ بنِ عبيد الله فَقَالَ إنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نَهَى أنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ وَلَكِنْ اذْهَبْ إلَى السّوقِ فَانْظُرْ مَنْ يُبَايِعُكَ فَشَاوِرْنِي حَتّى آمُرَكَ وَأَنْهَاكَ.
3438 - حدثنا عبد الله بنُ مُحَمّدِ النّفَيْلِيّ أخبرنا زُهَيْرٌ أخبرنا أبُو الزّبَيْرِ عنْ جَابِرٍ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَذَرُوا النّاسَ يَرْزُقُ الله بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ" .
ـــــــ
والذي قرأناه في سنن أبى داوود بحلوبة "أي بالحاء المهملة" وهي الناقة التي تحلب وسيجيء ذكرها في حرف الحاء انتهى "لكن اذهب إلى السوق" لبيع سلعتك ومتاعك "فانظر من يبايعك" أي من يشتري منك متاعك.
قال أبو عبيد: البيع من حروف الأضداد في كلام العرب، يقال باع فلان إذا اشترى. كذا في اللسان "فشاورني" أمر من المشورة أي في أمر البيع "حتى امرك" بإمضاء هذا البيع بهذا الثمن إن كان فيه منفعة لك "وأنهاك" عن أمضائه إن كان فيه ضرر لك، وأما أنا فلا أذهب معك بطريق الدلال.
قال المنذري: في إسناده محمد بن إسحاق، وفيه أيضاً رجل مجهول، وأخرجه أبو بكر البزار من حديث أبن إسحاق عن سالم المكي عن أبيه قال وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن طلحة إلا من هذا الوجه، ولا نعلم أحداً قال عن سالم عن أبيه عن طلحة إلا مؤملا يعني ابن إسماعيل، وغير مؤمل يرويه عن رجل انتهى كلام المنذري.
"وذروا الناس" أي اتركوهم ليبيعوا متاعهم رخيصاً "يرزق الله" بكسر القاف على أنه مجزوم في جواب الأمر وبضمها على أنه مرفوع. قاله القاري. وفي مسند أحمد من طريق عطاء بن السائب عن حكيم بن أبى يزيد عن أبيه حدثني أبى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعضهم، فإذا استنصح الرجل فلينصح له" ورواه البيهقي من حديث جابر مثله.
قال الشوكاني: وهذه الأحاديث تدل على أنه لا يجوز للحاضر أن يبيع للبادي من غير فرق بين أن يكون البادي قريباً له أو أجنبياً وسواء كان في زمن الغلاء أولا، وسواء كان يحتاج

(9/222)


..............................
ـــــــ
إليه أهل البلد أم لا، وسواء باعه له على التدريج أم دفعه واحدة. وقالت الحنيفة إنه يختص المنع من ذلك بزمن الغلاء وبما يحتاج إليه أهل المصر. وقالت الشافعية والحنابلة إن الممنوع إنما هو أن يجيء البلد بسلعة يريد بيعها بسعر الوقت في الحال فيأتيه الحاضر فيقول ضعه عندي لأبيعه لك على التدريج بأغلى من هذا السعر. قال في الفتح: فجعلوا الحكم منوطاً بالبادي ومن شاركه في معناه. قالوا وإنما ذكر البادي في الحديث لكونه الغالب فألحق به من شاركه في عدم معرفة السعر من الحاضرين وجعلت المالكية البداوة قيداً، وعن مالك لا يلتحق بالبدوى في ذلك إلا من كان يشبهه. فأما أهل القرى الذين يعرفون أثمان السلع والأسواق فليسوا داخلين في ذلك. وحكى ابن المنذر عن الجمهور أن النهي للتحريم إذا كان البائع عالماً والمبتاع مما تعم الحاجة إليه ولم يعرضه البدوى على الحضري. وقد ذكر ابن دقيق العيد فيه تفصيلا حاصله أن يجوز التخصيص به حيث يظهر المعنى لا حيث يكون خفياً، فاتباع اللفظ أولى ولكنه لا يطمئن الخاطر إلى التخصيص به مطلقاً، فالبقاء على ظواهر النصوص هو الأولى، فيكون بيع الحاضر للبادي محرماً على العموم وسواء كان بأجرة أم لا. وروى عن البخاري أنه حمل النهي على البيع بالأجرة لا بغير أجرة فإنه من باب النصيحة. وروى عن عطاء ومجاهد وأبى حنيفة أنه يجوز بيع الحاضر للبادي مطلقاً، وتمسكوا بأحاديث النصيحة انتهى مختصراً والله أعلم. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.

(9/223)


12- باب من اشترى مصراة فكرهها
3439 - حدثنا عبد الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مَالِكٍ عنْ أبي الزّنَادِ عن الأَعْرَجِ عن أبي هُرَيْرَةَ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "لاَ تَلَقّوُا الرّكْبَانَ لِلْبَيْعِ، وَلاَ يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلاَ تُصَرّوا الإبِلَ وَالْغَنَمَ، فَمَنْ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بِخَيْرِ النّظَرَيْنِ بَعْدَ أنْ
ـــــــ
"باب من اشترى مصراة فكرهها"
"لا تلقوا" بفتح التاء واللام والقاف المشددة وأصله لا تتلقوا "الركبان" بضم الراء جمع راكب "للبيع" أي لأجل البيع، وتقدم الكلام على التلقي في باب التلقي "ولا يبع بعضكم على بيع بعض" تقدم شرحه في الباب المذكور "ولا تصروا" بضم أوله وفتح الصاد المهملة وضم الراء المشددة من صريت اللبن في الضرع إذا جمعته، وظن بعضهم أنه من صررت فقيده بفتح أوله وضم ثانية. قال في الفتح والأول أصح انتهى. قال الشافعي: التصرية هي ربط أخلاف الشاة أو الناقة وترك حلبها حتى يجتمع لبنها فيكثر فيظن المشتري أن ذلك عادتها فيزيد في ثمنها لما

(9/223)


يَحْلِبَهَا فَإنْ رَضِيَهَا أمْسَكَهَا وَإنْ سَخِطَهَا رَدّهَا وَصَاعاً مِنْ تَمْرٍ" .
3440 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عن أيّوبَ وَ هِشَامٍ وَ حَبِيبٍ عن مُحَمّدِ بنِ سِيرِينَ عن أبي هُرَيْرَةَ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "مَنِ اشْتَرَى شَاةً مُصَرّاةً فَهُوَ بالْخِيَارِ ثَلاَثَةَ أيّامٍ، إنْ شَاءَ رَدّهَا وَصَاعاً مِنْ طَعَامٍ لاَ سَمْرَاءَ".
3441 - حدثنا عبد الله بنُ مَخْلَدٍ التّمِيمِيّ أخبرنا المَكّيّ - يَعني ابنَ إبْرَاهِيمَ - أخبرنا ابنُ جُرَيْجٍ حَدّثَني زِيَادٌ أنّ ثَابِتاً مَوْلَى عبد الرحمن بنِ زَيْدٍ أخْبَرَهُ أنّهُ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنِ اشْتَرَى غَنَماً مُصَرّاةً احْتَلَبَهَا، فَإنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا وَإنْ سَخِطَهَا فَفِي حَلْبَتِهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ" .
ـــــــ
يرى من كثرة لبنها. وأصل التصرية حبس الماء يقال منه صريت الماء إذا حبسته. قال أبو عبيدة وأكثر أهل اللغة: التصرية حبس اللبن في الضرع حتى يجتمع "فمن ابتاعها" أي اشترى الإبل أو الغنم المصراة "بعد ذلك" أي بعد ما ذكر من التصرية "فهو بخير النظرين" أي الرأيين من الإمساك والرد "بعد أن يحلبها" بضم اللام "أمسكها" أي على ملكه "وإن سخطها" بكسر المعجمة أي كرهها "وصاعا من تمر" أي مع صاع من تمر. وقد أخذ بظاهر الحديث الجمهور. قال في الفتح: وأفتى ابن مسعود وأبو هريرة ولا مخالف لهما في الصحابة، وقال به من التابعين ومن بعدهم من لا يحصى عدده، ولم يفرقوا بين أن يكون اللبن الذي احتلب قليلاً كان أو كثيراً ولا بين أن يكون التمر قوت تلك البلد أم لا، وخالف في أصل المسألة أكثر الحنفية وفي فروعها آخرون انتهى. وقد اعتذر الحنفية عن حديث المصراة بأعذار بسطها الحافظ في الفتح وأجاب عن كل منها. قلت: أخذ الحنفية في هذه المسألة بالقياس، وأنت تعلم أن القياس في مقابلة النص فاسد الاعتبار فلا يعتبر به والله أعلم. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم.
"وصاعاً من طعام لا سمراء" وفي رواية لمسلم وغيره "صاعا من تمر لا سمراء" قال في النيل: وينبغي أن يحمل الطعام على التمر المذكور في أكثر الروايات، ثم لما كان المتبادر من لفظ الطعام القمح نفاه بقوله لا سمراء انتهى محصلا. قال النووي: السمراء بالسين المهملة هي الحنطة انتهى. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"ففي حلبتها" بسكون اللام "صاع من تمر" ظاهره أن الصاع في مقابلة المصراة سواء كانت واحدة أو أكثر لقوله "من اشترى غنما" لأنه اسم مؤنث موضوع للجنس. ثم قال "ففي

(9/224)


3442 - حدثنا أبُو كَامِلٍ أخبرنا عَبْدُالْوَاحِدِ أخبرنا صَدَقَةُ بنُ سَعِيدٍ عن جُمَيْعِ بنِ عُمَيْرٍ التّيْميّ قال سَمِعْتُ عبد الله بنَ عُمَرَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنِ ابْتَاعَ مُحَفّلَةً فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلاَثَةَ أيّامٍ فَإنْ رَدّهَا رَدّ مَعَهَا مِثْلَ أوْ مِثْلَيْ لَبَنِهَا قَمْحاً".
ـــــــ
حلبتها صاع من تمر" ونقل ابن عبدالبر عمن استعمل الحديث وابن بطال عن أكثر العلماء وابن قدامة عن الشافعية والحنابلة وعن أكثر المالكية يرد عن كل واحدة صاعاً. قاله القسطلاني. قال المنذري: وأخرجه مسلم.
"من ابتاع محفلة" بضم الميم وفتح الحاء المهملة والفاء المشددة من التحفيل وهو التجميع. قال الخطابي: المحفلة هي المصراة، وسميت محفلة لحفول اللبن واجتماعه في ضرعها "مثل أو مثلى لبنها" شك من الراوي، أي قال مثل لبنها أو قال مثلى لبنها "قمحاً" بفتح فسكون أي حنطة. فإن قلت كيف التوفيق بين هذا الحديث وبين الحديث الأول من الباب، قلت: أجاب الحافظ بأن إسناد هذا الحديث ضعيف. قال وقال ابن قدامة إنه متروك الظاهر بالإتفاق. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه. وقال الخطابي: وليس إسناده بذلك والأمر كما قال رضي الله عنه، فإن جميع بن عمير قال ابن يمير هو من أكذب الناس وقال ابن حبان كان رافضيا يضع الحديث.

(9/225)


13- باب في النهي عن الحكرة
3443 - حدثنا وَهْبُ بنُ بَقِيّةَ أخبرنا خَالِدٌ عن عَمْرِو بنِ يَحْيَى عن مُحَمّدِ بنِ عَمْرِو بنِ عَطَاءٍ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ عن مَعْمَرِ بنِ أبي مَعْمَرٍ أَحَدِ بَنِي عَدِيّ بنِ كَعْبٍ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَحْتَكِرُ إلاّ خَاطِىءٌ" فَقُلْتُ لِسَعِيدٍ: فَإنّكَ تَحْتَكِرُ، قالَ: وَمَعْمَرٌ كَانَ يَحْتَكِرُ.
ـــــــ
"باب في النهي عن الحكرة"
بضم الحاء المهملة وسكون الكاف. قال في النهاية: احتكر الطعام اشتراه وحبسه ليقل فيغلو، والاسم الحكر والحكرة انتهى.
"إلا خاطىء" بالهمزة أي عاص واثم "فقلت لسعيد" أي ابن المسيب "فإنك تحتكر قال ومعمر كان يحتكر" قال الخطابي: هذا يدل على أن المحظور منه نوع دون نوع، ولا يجوز على سعيد بن المسيب في فضله وعلمه أن يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا ثم يخالفه كفاحا، وهو

(9/225)


قَالَ أبُو دَاوُدَ: سَألْتُ أحْمَدَ: مَا الْحُكْرَةُ؟ قال: مَا فِيهِ عَيْشُ النّاسِ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: قال الأَوْزَاعِيّ: المُحْتَكِرُ مَنْ يَعْتَرِضُ السّوقَ.
3444 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ يَحْيَى بنِ فَيّاضٍ أخبرنا أبي ح. وأخبرنا ابنُ المُثَنّى أخبرنا يَحْيَى بنُ الْفَيّاضِ أخبرنا هَمّامٌ عن قَتَادَةَ قال: لَيْسَ في التّمْرِ حُكْرَةٌ.
قال ابنُ المُثَنّى: قالَ عن الْحَسَنِ، فَقُلْنَا لَهُ لا تَقُلْ عن الْحَسَنِ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَنَا بَاطِلٌ.
ـــــــ
على الصحابي أقل جوازاً وأبعد مكاناً.
وقد اختلف الناس في الاحتكار، فكرهه مالك والثوري في الطعام وغيره من السلع، وقال مالك: يمنع من احتكار الكتان والصوف والزيت وكل شيء أضر بالسوق إلا أنه قال ليست الفواكه من الحكرة. قال أحمد بن حنبل: ليس الاحتكار إلا في الطعام خاصة لأنه قوت الناس، وقال إنما يكون الاحتكار في مثل مكة والمدينة والثغور، وفرق بينهما وبين بغداد والبصرة. وقال: إن السفن تخترقها.
قال أحمد: إذا أدخل الطعام من صنيعه فحبسه فليس بحكرة. وقال الحسن والأوزاعي. من جلب طعاماً من بلد فحبسه ينتظر زيادة السعر فليس بمحتكر وإنما المحتكر من اعترض سوق المسلمين. قال: فاحتكار معمر وابن المسيب متأول على مثل الوجه الذي ذهب إليه أحمد بن حنبل والله أعلم "ما فيه عيش الناس" أي حياتهم وقوتهم "من يعترض السوق" أي ينصب نفسه للتردد إلى الأسواق ليشتري منها الطعام الذي يحتاجون إليه ليحتكره وقال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي وابن ماجه.
"ابن المثنى" هو محمد "أخبرنا يحيى بن الفياض" الزماني لين الحديث "أخبرنا همام" بن يحيى بن دينار "قال ابن المثنى)في روايته "قال" أي يحيى بن فياض "عن الحسن" أي قال يحيى حدثنا همام عن قتادة عن الحسن أنه قال ليس في التمر حكرة "فقلنا" هذه مقولة محمد بن المثنى "له" أي ليحيى "لا تقل عن الحسن)فإن هذه المقولة ليست من الحسن البصري وما قالها "قال أبو داوود هذا الحديث)الذي من طريق يحيى بن الفياض سواء كان القول لقتادة أو الحسن "عندنا باطل" لجهة إسناده. قال الذهبي في الميزان: يحيى بن الفياض الزماني عن همام بن يحيى قال أبو داوود عقب حديثه له هذا باطل انتهى "النوى)بفتحتين من التمر والعنب أي كل ما كان في جوف مأكول كالتمر والزبيب والعنب وما أشبهه، ويقال

(9/226)


قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَكَانَ سَعِيدُ بنُ المُسَيّبِ يَحْتِكُرُ النّوَى وَالْخَبَطَ وَالْبِزْرَ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بنَ يُونُسَ قالَ سَألْتُ سُفْيَانَ عن كَبْسِ الْقَتّ قالَ كَانُوا يَكْرَهُونَ الْحُكْرَةَ، وَسَألْتُ أبَا بَكْرِ بنِ الْعَيّاشُ فقال: اكْبِسْهُ.
ـــــــ
بالفارسية خسته خرما وانكور "والخط" بالتحريك أي الورق الساقط والمراد به علف الدواب "والبزر)بالكسر واحدة بزرة كل حب يُبْذَر للنبات. كذا في بعض اللغة. وفي المصباح: البزر بزر البقل ونحوه بالكسر والفتح لغة ولا تقوله الفصحاء إلا بالكسر "عن كبس القت" الكبس بفتح الكاف وسكون الموحدة، والقت بفتح القاف وتشديد التاء الفوقية وهو اليابس من القضب أي عن إخفاء القت وإدخاله في البيت أي عن حبسه.
قلت: وأخرج أحمد في مسنده عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم كان حقاً على الله أن يقعده بعُظْم من النار يوم القيامة" وأخرج أحمد عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من احتكر حكرة يريد أن يغلي بها على المسلمين فهو خاطئ .
وعند ابن ماجه عن عمر قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول "من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالجذام والإفلاس" قال الشوكاني: وظاهر الأحاديث يدل على أن الاحتكار محرم من غير فرق بين قوت الآدمي والدواب وبين غيره. وقالت الشافعية: إن المحرم إنما هو احتكار الأقوات خاصة لا غيرها ولا مقدار الكفاية منها.
قال ابن رسلان في شرح السنن: ولا خلاق في أن ما يدخره الأنسان من قوت وما يحتاجون إليه من سمن وعسل وغير ذلك جائز لا بأس به انتهى. ويدل على ذلك ما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعطي كل واحدة من زوجاته مائة وسق من خيبر.
قال ابن رسلان: وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخر لأهله قوت سنتهم من تمر وغيره. قال ابن عبدالبر وغيره: إنما كان سعيد ومعمر يحتكران الزيت وحملا الحديث على احتكار القوت عند الحاجة إليه، وكذلك حمله الشافعي وأبو حنيفة وآخرون. ويدل على اعتبار الحاجة وقصد إغلاء السعر على لمسلمين قوله في حديث معقل "من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم" وقوله في حديث أبى هريرة "يريد أن يغلي بها على المسلمين".
وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل يسأل عن أي شيء الاحتكار؟ فقال إذا كان من قوت الناس فهو الذي يكره، وهذا قول ابن عمر.

(9/227)


ـــــــ
قال السبكي: الذي ينبغي أن يقال في ذلك إنه إن منع غيره من الشراء وحصل به ضيق حرم وإن كانت الأسعار رخيصة وكان القدر الذي يشتريه لا حاجة بالناس إليه فليس لمنعه من شرائه وادخاره إلى وقت حاجة الناس إليه معنى.
وأما إمساكه حالة استغناء أهل البلد عنه رغبة في أن يبيعه إليهم وقت حاجتهم إليه فينبغي أن لا يكره بل يستحب.
والحاصل أن العلة إذا كانت هي الإضرار بالمسلمين لم يحرم الاحتكار إلا على وجه يضربهم، ويستوى في ذلك القوت وغيره لأنهم يتضررون بالجميع والله أعلم.

(9/228)


14- باب في كسر الدراهم
3445 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا مُعْتَمِرٌ قَال سَمِعْتُ مُحَمّدَ بنَ فَضَاءٍ يُحَدّثُ عنْ أبِيهِ عنْ عَلْقَمَةَ بنِ عبد الله عنْ أبِيهِ قال: "نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ تُكْسَرَ سِكّةُ المُسْلِمِينَ الْجَائِزَةُ بَيْنَهُمْ إلاّ مِنْ بَأْسٍ" .
ـــــــ
"باب في كسر الدراهم"
"أن تكسر" بصيغة المجهول "سكة المسلمين" بكسر السين وشدة الكفاف. قال في النهاية: يعني الدراهم والدنانير المضروبة يسمى كل واحد منهما سكة لأنه طبع بسكة الحديد انتهى. وسكة الحديد هي الحديدة المقوشة التي تطبع عليها الدراهم والدنانير "الجائزة" يعني النافقة في معاملتهم "إلا من بأس" كأن تكون زيوفاً.
قال الخطابي: واختلفوا في علة النهي فقال بعضهم: إنما كره لما فيه من ذكر اسم الله سبحانه، وقال بعضهم: كره من أجل الوضيعة، وفيه تضييع المال وبلغني عن أبى العباس بن سريج أنه قال: كانوا يقرضون الدراهم ويأخذون أطرافها فنهوا عنه. وزعم بعض أهل العلم أنه إنما كره قطعها وكسرها من أجل التدنيق. قال الحسن البصري: لعن الله الدانق وأول من أحدث الداق انتهى ملخصاً.
وفي النيل: وفي معنى كسر الدراهم كسر الدنانير والفلوس التي عليها سكة الإمام، لاسيما إذا كان التعامل بذلك جارياً بين المسلمين كثيراً. والحكمة في النهي ما في الكسر من الضرر بإضاعة المال لما يحصل من النقصان في الدراهم ونحوها إذا كسرت وأبطلت المعاملة بها.

(9/228)


...........................
ـــــــ
قال ابن رسلان في شرح السنن: لو أبطل السلطان المعاملة بالدراهم التي ضربها السلطان الذي قبله وأخرج غيرها جاز كسر تلك الدراهم التي أبطلت وسبكها لإخراج الفضة التي فيها، وقد يحصل في سبكها وكسرها ربح كثير لفاعله انتهى.
قال الشوكاني: ولا يخفى أن الشارع لم يأذن في الكسر إلا إذا كان بها بأس ومجرد الإبدال لنفع البعض ربما أفضى إلى الضرر بالكثير من الناس، فالجزم بالجواز من غير تقييد بانتفاء الضرر لا ينبغي.
قال أبو العباس بن سريج: إنهم كانوا يقرضون أطراف الدراهم والدنانير بالمقراض ويخرجونهما عن السعر الذي يأخذونهما به ويجمعون من تلك القراضة شيئاً كثيراً بالسبك كما هو معهود في المملكة الشامية وغيرها، وهذه الفعلة هي التي نهى الله عنها قوم شعيب بقولة {وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} فقالوا {أَتَنْهَانَا} {أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا} يعني الدراهم والدنانير {مَا نَشَاءُ} من القرض ولم ينتهوا عن ذلك فأخذتهم الصيحة انتهى.
قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه وفي إسناده محمد بن فضاء الأزدي الحمصي البصري المعبر للرؤيا كنيته أبو بحر ولا يحتج بحديثه.

(9/229)


15- باب في التسعير
3446 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ عُثْمَانَ الدّمَشْقِيّ أنّ سُلَيْمَانَ بنَ بِلاَلٍ حَدّثَهُمْ قال حَدّثَنِي الْعَلاَءُ بنُ عبد الرحمن عن أبِيهِ عن أبي هُرَيْرَةَ: أنّ رَجُلاً جَاءَ فَقالَ: يَارَسُولَ الله سَعّرْ، فَقَالَ: بَلْ أَدْعُو، ثُمّ جَاءَ رَجُلٌ فَقالَ: يَارَسُولَ الله سَعّرْ، فَقَالَ: بَلِ الله يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ وَإني لأَرْجُو أنْ ألْقَى الله وَلَيْسَ لأَحَدٍ عِنْدِي مَظْلَمَةٌ .
ـــــــ
"باب في التسعير"
هو أن يأمر السلطان أو نوابه أو كل من ولي من أمور المسلمين أمراً أهل السوق أن لا يبيعوا أمتعتهم إلا بسعر كذا فيمنع من الزيادة عليه أو النقصان لمصلحة. قاله في النيل.
"يارسول الله سعر" أمر من التسعير، وهو وضع السعر على المتاع.
قال الطيبي رحمه الله: السعر القيمة ليشيع البيع في الأسواق بها ذكره القاري "بل ادعوا" أي الله تعالى لتوسعة الرزق "ثم جاء رجل" أي اخر "بل الله يخفض ويرفع" أي يبسط الرزق ويقدر "وليس لأحد عندي مظلمة" بكسر اللام وهي ما تطلبه من عند الظالم مما أخذه منك. والجملة حالية.

(9/229)


3447 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا عَفّانُ أخبرنا حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ أخبرنا ثَابِتٌ عن أنَسِ بنِ مَالِكٍ، وَ قَتَادَةُ وَ حُمَيْدٌ عن أنَسِ بنِ مَالِكٍ قال: قالَ النّاسُ: يَارَسُولَ الله غَلاَ السّعْرُ فَسَعّرْ لَنَا. قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ الله هُوَ المُسَعّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرّازِقُ وَإني لأَرْجُو أنْ ألَقَى الله وَلَيْسَ أحَدٌ مِنْكُمْ يُطَالِبُنِي بِمَظْلَمَةٍ في دَمٍ وَلاَ مَالٍ" .
ـــــــ
وفيه دليل على أن التسعير مظلمة. وإذا كان مظلمة فهو محرم. والحديث سكت عنه المنذري.
"غلا السعر" أي ارتفع على معتاده "إن الله هو المسعر" على وزن اسم الفاعل من التسعير "القابض الباسط" أي مضيق الرزق وغيره على من شاء ما شاء كيف شاء وموسعه.
وقد استدل بالحديث وما ورد في معناه على تحريم التسعير وأنه مظلمة. ووجهه أن الناس مسلطون على أموالهم، والتسعير حجر عليهم، والإمام مأمور برعاية مصلحة المسلمين وليس نظره في مصلحة المشتري برخص الثمن أولى من نظره في مصلحة البائع بتوفير الثمن، وإذا تقابل الأمران وجب تمكين الفريقين من الاجتهاد لأنفسهم وإلزام صاحب السلعة أن يبيع بما لا يرضى به مناف لقوله تعالى: {إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ} وإلى هذا ذهب جمهور العلماء وروي عن مالك أنه يجوز للإمام التسعير، وأحاديث الباب ترد عليه. كذا في النيل. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي حسن صحيح.

(9/230)


16- باب في النهي عن الغش
3448 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن الْعَلاَءِ عن أَبِيهِ عن أَبي هُريْرةَ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم مَرّ بِرَجُلٍ يَبِيعُ طَعَاماً فَسَأَلَهُ: "كَيْفَ تَبِيعُ"، فأَخْبَرَهُ، فأُوحِيَ إِلَيْهِ أَنْ أَدْخِلْ يَدَكَ فِيهِ، فأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ فإذَا هُوَ مَبْلُولٌ، فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ مِنّا مَنْ غَشّ".
ـــــــ
"باب في النهي عن الغش"
قال في المجمع: الغش ضد النصح من الغشش وهو المشرب الكدر.
"فأوحي" بصيغة المجهول "فيه" أي في الطعام "فإذا هو مبلول" أي أصابته بلة "ليس منا من غش".

(9/230)


3449 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ الصّبّاحِ عن عَلِيّ عن يَحْيَى قال: كَانَ سُفْيَانُ يَكْرَهُ هَذَا التّفْسِيرَ لَيْسَ مِنّا لَيْسَ مِثْلَنَا.
ـــــــ
قال الخطابي: معناه ليس على سيرتنا ومذهبنا، يريد أن من غش أخاه وترك مناصحته فإنه قد ترك اتباعي والتمسك بسنتي. وقد ذهب بعضهم إلى أنه أراد بذلك نفيه عن الإسلام، وليس هذا التأويل بصحيح، وإنما وجهه ما ذكرت لك، وهذا كما يقول الرجل لصاحبه أنا منك وإليك، يريد بذلك المتابعة والموافقة، ويشهد لذلك قوله تعالى {فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} انتهى. والحديث دليل على تحريم الغش وهو مجمع عليه. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي وابن ماجه بنحوه.
"قال كان سفيان يكره هذا التفسير الخ" قال النووي في شرح قوله صلى الله عليه وسلم ليس مني "كذا بالإفراد في رواية مسلم" معناه ليس ممن اهتدى بهديي واقتدى بعلمي وعملي وحسن طريقتي، كما يقول الرجل لولده إذا لم يرض فعله لست مني قال وكان سفيان بن عيينة يكره تفسير مثل هذا ويقول بئس هذا القول، بل يمسك عن تأويله ليكون أوقع في النفوس وأبلغ في الزجر انتهى.

(9/231)


17- باب في خيار المتبايعين
3450 - حدثنا عبد الله بنُ مَسْلَمةَ عن مَالِكٍ عن نافِعٍ عن عبد الله بنِ عُمَرَ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "المُتَبَايِعَانِ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا
ـــــــ
"باب في خيار المتبايعين"
أي البائع والمشتري. قال في النهاية: الخيار هو الاسم من الاختيار وهو طلب خير الأمرين إما إمضاء البيع أو فسخه "كل واحد منهما بالخيار" مبتدأ وخبر والجملة خبر لقوله المتبايعان "على صاحبه" أي على الأخر منهما والجار متعلق بالخيار، والمراد بالخيار خيار المجلس "ما لم يفترقا" وفي بعض النسخ يتفرقا أي ببدنهما فيثبت لهما خيار المجلس، والمعنى أن الخيار ممتد زمن عدم تفرقهما، وذلك لأن ما مصدرية ظرفية. وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص عند البيهقي والدارقطني "ما لم يتفرقا عن مكانهما" وذلك صريح في المقصود. قاله القسطلاني.
قال الخطابي: اختلف الناس في التفرق الذي يصح بوجوده البيع، فقالت طائفة هو

(9/231)


[يتفرقا] إلاّ بَيْعَ الخِيَارِ"
3451 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عن أيّوبَ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِمَعْنَاهُ قالَ: "أوْ يَقُولُ أحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ اخْتَرْ" .
ـــــــ
التفرق بالأبدان، وإليه ذهب عبد الله بن عمر وأبو برزة الأسلمي، وبه قال شريح وسعيد بن المسيب والحسن البصري وعطاء بن أبى رياح والزهري وهو قول الأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور. وقال النخعي وأصحاب الرأي الافتراق بالكلام، وإذا تعاقدا صح البيع، وإليه ذهب مالك. وظاهر الحديث يشهد لمن ذهب إلى أن التفرق هو تفرق الأبدان، وعلى هذا فسره ابن عمر وهو راوي الخبر، وكان إذا بايع رجلا فأراد أن يستحق الصفقة مشى خطوات حتى يفارقه، وكذلك تأوله أبو برزة في شأن الفرس الذي باعه الرجل من صاحبه وهما في المنزل، وعلى هذا وجدنا أمر الناس وعرف اللغة.
وظاهر الكلام إذا قيل تفرق الناس كان المفهوم منه التميز بالأبدان وإنما يعقل ما عداه من التفرق في الرأي والكلام بقيد وصلة، قال ولو كان تأويل الحديث على الوجه الذي صار إليه النخعي لخلا الحديث عن الفائدة وسقط معناه وذلك أن العلم محيط بأن المشتري ما لم يوجد منه قبول البيع فهو بالخيار، وكذلك البائع خياره ثابت في ملكه قبل أن يعقد البيع، وهذا مع العلم العام الذي قد استقر بيانه انتهى مختصراً "إلا بيع الخيار".
قال النووي: فيه ثلاثة أقوال ذكرها أصحابنا وغيرهم من العلماء أصحها أن المراد التخيير بعد تمام العقد قبل مفارقة المجلس وتقديره يثبت لهما الخيار ما لم يتفرقا إلا أن يتخايرا في المجلس ويختارا إمضاء البيع فيلزم البيع بنفس التخاير ولا يدوم إلى المفارقة.
والقول الثاني أن معناه إلا بيعاً شرط فيه خيار الشرط ثلاثة أيام أو دونها فلا ينقضي الخيار فيه بالمفارقة بل يبقى حتى تنقضي المدة المشروطة.
والثالث معناه إلا بيعاً شرط فيه أن لا خيار لهما في المجلس فيلزم البيع بنفس البيع ولا يكون فيه خيار، وهذا تأويل من يصحح البيع على هذا الوجه، والأصح عند أصحابنا بطلانه بهذا الشرط انتهى. وكذا صحح الخطابي المعنى الأول والله أعلم.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"أو يقول أحدهما لصاحبه اختر" أي أمض البيع. قال الخطابي: ليس بعد العقد تفرق إلا التمييز بالأبدان، ويشهد لصحة هذا التأويل قوله صلى الله عليه وسلم: "إلا بيع الخيار" ومعناه أن يخيره قبل

(9/232)


3452 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا اللّيْثُ عن ابن عَجْلاَنَ عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبِيهِ عن عبد الله بنِ عَمْرِو بنِ الْعَاصِ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "المُتَبَايِعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا إلاّ أنْ تَكُونَ صَفَقَةَ خِيَارٍ، وَلاَ يَحِلّ لَهُ أنْ يُفَارِقَ صَاحِبَهُ خَشْيَةَ أنْ يَسْتَقِيلَهُ" .
3453 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا حَمّادٌ عن جَمِيلِ بنِ مُرّةَ عن أبي الْوَضِيءِ قالَ غَزَوْنَا غَزْوَةً لَنَا فَنَزَلْنَا مَنْزِلاً فَبَاعَ صَاحِبٌ لَنَا فَرَساً بِغُلاَمٍ، ثُمّ أقَامَا بَقِيّةَ يَوْمِهِمَا وَلَيْلَتِهِمَا، فَلَمّا
ـــــــ
التفرق وهما بعد في المجلس فيقول له اختر، وبيان ذلك في رواية أيوب عن نافع وهو قوله عليه السلام "إلا أن يقول لصاحبه اختر" انتهى.
"إلا أن تكون صفقة خيار" بالرفع على أن كان تامة وصفقة فاعلها والتقدير إلا أن توجد أو تحدث صفقة خيار، والنصب على أن كان ناقصة واسمها مضمر وصفقة خبر، والتقدير إلا أن تكون الصفقة خيار، والمراد أن المتبايعين إذا قال أحدهما لصاحبه اختر إمضاء البيع أو فسخه فاختار أحدهما تم البيع وإن لم يتفرقا كما تقدم "خشية أن يستقيله" بالنصب على أنه مفعول له. واستدل بهذا القائلون بعدم ثبوت خيار المجلس، قالوا: لأن في هذا الحديث دليلا على أن صاحبه لا يملك الفسخ إلا من جهة الاستقالة، وأجيب بأن الحديث حجة عليهم لا لهم ومعناه لا يحل له أن يفارقه بعد البيع خشية أن يختار فسخ البيع، فالمراد بالاستقالة فسخ النادم منهما للبيع، وعلى هذا حمله الترمذي وغيره من العلماء، قالوا ولو كانت الفرقة بالكلام لم يكن له خيار بعد البيع، ولو كان المراد حقيقة الاستقالة لم تمنعه من المفارقة لأنها لا تختص بمجلس العقد. وقد أثبت في أول الحديث الخيار ومده إلى غاية التفرق، ومن المعلوم أن من له الخيار لا يحتاج إلى الاستقالة، فتعين حملها إلى الفسخ، وحملوا نفي الحل على الكراهة لأنه لا يليق بالمروءة وحسن معاشرة المسلم لا أن اختيار الفسخ حرام. كذا في الفتح والنيل.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي حسن.
"عن أبى الوضيء" بفتح الواو وكسر المعجمة المخففة مهموز اسمه عباد بن نسيب بضم النون وفتح المهملة مصغراً. ووقع في نسخة صحيحة بعد قوله عن أبى الوضيء اسمه عباد بن نسيب. وقال بعضهم: نصيف بالفاء ولكن القول عباد بن نسيب "بغلام" أي بعوض غلام، فأعطى صاحبه فرساً له وأخذ الغلام عن الرجل "ثم أقاما" أي صاحب الفرس وصاحب الغلام

(9/233)


أصْبَحْنَا [أصبحا] مِنَ الْغَدِ حَضَرَ الرّحِيلُ قامَ إلَى فَرَسِهِ يُسْرِجُهُ فَنَدِمَ فَأتَى الرّجُلَ وَأخَذَهُ بالْبَيْعِ فَأبَى الرّجُلُ أنْ يَدْفَعَهُ إلَيْهِ، فَقَالَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أبُو بَرْزَةَ صَاحِبُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَأتَيَا أبَا بَرْزَةَ في نَاحِيَةِ الْعَسْكَرِ فَقالا لَهُ هَذِهِ الْقِصّةِ، فَقَالَ أتَرْضَيَانِ أنْ أقْضِيَ بَيْنَكُمَا بِقَضَاءِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم؟ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "الْبَيّعَانِ بالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرّقَا [يفترقا]".
قالَ هِشَامُ بنُ حَسّانَ: حَدّثَ جَمِيلٌ أنّهُ قالَ مَا أُرَاكُمَا افْتَرَقْتُمَا.
ـــــــ
بعد ذلك العقد الذي كان بينهما "حضر" وآن وقت "الرحيل" للجيش "قام" أي صاحب الفرس "يسرجه" من الإفعال أي ليضع السرج على فرسه للركوب "فقدم" صاحب الفرس على فعله وهو آخذ الغلام عوض الفرس "فأتى" أي صاحب الفرس نادماً "الرجل" مفعول أتى أي صاحب الغلام "وأخذه بالبيع" الضمير المرفوع لصاحب الفرس والضمير المنصوب لصاحب الغلام، أي أخذ صاحب الفرس صاحب الغلام لفسخ البيع ولرد مبيعه "فأبى الرجل" أي أنكر صاحب الغلام "أن يدفعه" الضمير المنصوب إلى الفرس أي يدفع الرجل فرساً "إليه" أي إلى صاحب الفرس "ما أراكما" ما نافية "افترقتما" من مكان البيع وموضعه بل أنتما تقيمان فيه فكيف لا تردان المبيع. وفيه دليل على أن أبا برزة كان يرى التفرق بالأبدان.
وفيه أن أبا برزة وسع في المجلس ولا يتم التفرق بالأبدان عنده حتى يتفرقا جميعاً من ذلك الموضع ويتركاه، لأن أبا الوضيء قال ثم أقاما بقية يومهما وليلتهما ومع ذلك قال أبو برزة ما أراكما افترقتما. ومن المعلوم أن واحداً منهما أو كلاهما لا بد لهما أن يتفرقا لقضاء حاجتهما من أكل وشرب ونوم وبول وغائط وغيرها نعم لم يتفرقا من موضع قيامهما تفرق الخروج والانتشار إلا من الغد، لكن الحديث في سنن الترمذي بلفظ آخر وهذه عبارته روى عن أبى برزة الأسلمى "إن رجلين اختصما إليه في فرس بعد ما تبايعا فكانوا في سفينة فقال لا أراكما افترقتما وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" والله أعلم. قال الحافظ ابن حجر: فأبو برزة الصحابي حمل قوله صلى الله عليه وسلم ما لم يتفرقا على التفرق بالأبدان، وكذلك حمله ابن عمر عليه ولا يعلم لهما مخالف من الصحابة انتهى.
وفي صحيح البخاري: وبه قال ابن عمر وشريح والشعبي وطاووس وعطاء وابن أبى مليكة انتهى.
ونقل ابن المنذر القول به أيضاً عن سعيد بن المسيب والزهري وابن أبى ذئب من أهل

(9/234)


3454 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ حَاتِمِ الْجَرْجَرَائِيّ قالَ مَرْوَانُ الْفَزَارِيّ أخبرنا عن
ـــــــ
المدينة، وعن الحسن البصري والأوزاعي وابن جريج وغيرهم، وقال ابن حزم لا نعلم لهم مخالفاً من التابعين إلا إبراهيم النخعي وحده، كذا في الفتح.
قال الخطابي في المعالم: أكثر شيء سمعت أصحاب مالك يحتجون به في رد الحديث هو أنه قال: ليس العمل عليه عندنا وليس للتفرق حد محدود يعلم. قال الخطابي: هذا ليس بحجة، أما قوله ليس العمل عليه عندنا فإنما هو كأنه قال أنا أرد هذا الحديث فلا أعمل به، فيقال له الحديث حجة فلم رددته ولم لم تعمل به قال الشافعي: رحم الله مالكاً لست أدري من اتهم في إسناد هذا الحديث، اتهم نفسه أو نافعاً وأعظم أن يقول اتهم ابن عمر. وأما قوله ليس للتفرق حد يعلم فليس الأمر على ما توهمه، والأصل في هذا ونظائره أن يرجع إلى عادة الناس وعرفهم، ويعتبر حال المكان الذي هما فيه مجتمعان، فإذا كانا في بيت فإن التفرق إنما يقع بخروج أحدهما منه، وإن كانا في دار واسعة فانتقل أحدهما من مجلسه إلى بيت أو صفة أو نحو ذلك فإنه قد فارق صاحبه، وإن كانا في سوق أو على حانوت فهو أن يولي عن صاحبه ويخطو خطوات ونحوها وهذا كالعرف الجاري والعادة المعلومة في التقابض انتهى كلام الخطابي.
قال النووي تحت حديث ابن عمر: هذا الحديث دليل لثبوت خيار المجلس لكل واحد من المتبايعين بعد انعقاد البيع حتى يتفرقا من ذلك المجلس بأبدانهما وبهذا قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وممن قال به علي بن أبى طالب وابن عمر وابن عباس وأبو هريرة وأبو برزة الأسلمى وطاووس وسعيد بن المسيب وعطاء وشريح القاضي والحسن البصري والشعبي والزهري والأوزاعي وابن أبى ذئب وسفيان بن عيينة والشافعي وابن المبارك وعلى بن المديني وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وأبو عبيد والبخاري وسائر المحدثين وآخرون. قال أبو حنيفة ومالك: لا يثبت خيار المجلس بل يلزم البيع بنفس الإيجاب والقبول، وبه قال ربيعة، وحكى عن النخعي وهو رواية عن الثوري وهذه الأحاديث الصحيحة ترد على هؤلاء وليس لهم عنها جواب صحيح والصواب ثبوته كما قاله الجمهور انتهى.
قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه ورجال إسناده ثقات، وأخرجه الترمذي مختصراً.
"قال" أي محمد بن حاتم "مروان الفزاري أخبرنا" مروان مبتدأ وأخبرنا خبره "يحيى بن أيوب" بن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، روى عن جده أبي زرعة وثقه أبو داوود،

(9/235)


يَحْيَى بنِ أيّوبَ قالَ: كَانَ أبُو زَرْعَةَ إذَا بَايَعَ رَجُلاً خَيّرَهُ قالَ ثُمّ يَقُولُ خَيّرْنِي فَيَقُولُ [ويقول] سَمِعْتُ أبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَفْتَرِقَنّ اثْنَانِ إلاّ عَنْ تَرَاضٍ" .
3455 - حدثنا أبُو الْوَلِيدِ الطّيَالِسِيّ قالَ أخبرنا شُعْبَةُ عن قَتَادَةَ عنْ أبي الْخَلِيلِ عن عبد الله بنِ الْحَارِثِ عن حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "الْبَيّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا، فَإنْ صَدَقَا وَبَيّنَا بُورِكَ لَهُمَا في بَيْعِهِمَا، وَإنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتِ الْبَرَكَةُ مِنْ بَيْعِهِمَا" .
ـــــــ
وقال ابن معين ليس به بأس "قال كان أبو زرعة" ابن عمرو بن جرير البجلي الكوفي روى عن جده جرير وأبى هريرة من ثقات علماء التابعين "لا يفترقن اثنان" أي متبايعان "إلا عن تراض".
قال الطيبي: صفة مصدر محذوف والاستثناء متصل أي لا يتفرقن اثنان إلا تفرقاً صادراً عن تراض.
قال القاري: والمراد بالحديث والله تعالى أعلم أنهما لا يتفارقان إلا عن تراض بينهما فيما يتعلق بإعطاء الثمن وقبض المبيع وإلا فقد يحصل الضرر والضرار وهو منهي في الشرع، أو المراد منه أن يشاور مريد الفراق صاحبه ألك رغبة في المبيع، فإن أريد الإقاله أقاله وهذا نهي تنزية للإجماع على حل المفارقة من غير إذن الآخر ولا علمه. قال الأشرف: فيه دليل على أنه لا يجوز التفرق بين العاقدين لانقطاع خيار المجلس إلا برضاهما انتهى. وتقدم أنه يجوز إجماعاً والنهي للتنزيه، قال وفيه دليل على ثبوت خيار المجلس لهما وإلا فلا معنى لهذا القول حينئذ انتهى. وأنت علمت معنى القول فيما سبق وتحقق انتهى كلام القاري. قلت: لا ريب في أن الحديث يدل على ثبوت خيار المجلس كما قال الأشرف ولهذا كان أبو زرعة راوي الحديث إذا بايع رجلاً خيره ثم يقول خيرني وأما ما ذكر القاري من مراد الحديث فهو غير ظاهر كما لا يخفي على المتأمل والله تعالى أعلم وعلمه أتم.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي ولم يذكر أبا زرعة وقال هذا حديث غريب.
"البيعان" بتشديد التحتية المكسورة بعد الموحدة المفتوحة أي البائع والمشتري "بالخيار" أي في المجلس "ما لم يفترقا" أي ببدنهما عن مكان التعاقد "فإن صدقا" أي البائع في صفة المبيع والمشتري في ما يعطي في عوض المبيع "وبيّناً" أي ما بالمبيع والثمن من عيب ونقص "وإن كتما" أي ما في المبيع والثمن من العيب والنقص "وكذبا" أي في وصف المبيع والثمن "محقت" بصيغة المجهول أي أزيلت وذهبت.

(9/236)


قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ سَعِيدُ بنُ أبي عَرُوبَةَ وَحَمّادٌ، وَأمّا هَمّامٌ فَقَالَ حَتّى يَتَفَرّقَا أوْ يَخْتَارَ ثَلاَثَ مَرّاتٍ.
ـــــــ
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي "وكذلك رواه سعيد بن أبي عروبة" عن قتادة عن صالح أبى الخليل وحديثه عند النسائي "وحماد" عن قتادة "وأما همام" عن قتادة "فقال حتى يتفرقا" المتبايعان "أو يختارا" أي شرطا اختيار إمضاء البيع أو فسخه ثلاث مرات. وحديث همام عند مسلم من طريق عبد الرحمن بن مهدي قال أخبرنا همام عن أبي التياح قال سمعت عبد الله بن الحارث يحدث على حكيم بن حزام عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله، ولم يسق مسلم لفظه وإنما أحال على ما قبله.
وعند النسائي من طريق همام عن قتادة عن الحسن عن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ويأخذ أحدهما ما رضي من صاحبه أو هوى" .
وعنده من طريق هشام عن قتادة عن الحسن عن سمرة أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال " البيعان بالخيار حتى يتفرقا أو يأخذ كل واحد منهما من البيع ما هوى ويتخايران ثلاث مرات" .

(9/237)


18- باب في فضل الإقالة
3456 - حدثنا يَحْيَى بنُ مَعِينٍ أخبرنا حَفُصٌ عن الأَعْمَشِ عن أبِي صَالِحٍ عن أبي هُرَيْرَةَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أقَالَ مُسْلِمَاً أقَالَهُ الله عَثْرَتَهُ".
ـــــــ
"باب في فضل الإقالة"
هي في الشرع رفع العقد الواقع بين المتعاقدين، وهي مشروعة إجماعاً ولا بد من لفظ يدل عليها وهو أقلت أو ما يفيد معناه عرفاً.
"من أقال مسلماً" أي بيعه "أقاله الله عثرته" أي غفر زلته وخطيئته. قال في إنجاح الحاجة: صورة إقالة البيع إذا اشترى أحد شيئاً من رجل ثم ندم على اشترائه إما لظهور الغبن فيه أو لزوال حاجته إليه أو لانعدام الثمن فرد المبيع على البائع وقبل البائع رده أزال الله مشقته وعثرته يوم القيامة لأنه إحسان منه على المشتري، لأن البيع كان قد بت فلا يستطيع المشتري فسخه انتهى.
قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه.

(9/237)


19- باب فيمن باع بيعتين في بيعة
3457 - حدثنا أبُو بَكْرِ بنُ أبي شَيْبَةَ عن يَحْيَى بنِ زَكَرِيّا عنْ مُحَمّدِ بنِ عَمْرٍو عن أبِي سَلَمَةَ عن أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: " مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أوْكَسُهُمَا أوِ الرّبَا" .
ـــــــ
"باب فيمن باع بيعتين في بيعة"
"من باع بيعتين في بيعة" قال الخطابي: لا أعلم أحداً من الفقهاء قال بظاهر هذا الحديث أو صحح البيع بأوكس الثمنين إلا شيء يحكى عن الأوزاعي وهو مذهب فاسد، وذلك لما يتضمنه هذا العقد من الغرر والجهل.
قلت: قال في النيل: ولا يخفى إن ما قاله هو ظاهر الحديث لأن الحكم له بالأوكس يستلزم صحة البيع به.
قال الخطابي: وإنما المشهور من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيعتين في بيعة رواه الشافعي عن الدراوردي عن محمد بن عمرو، وأما رواية يحيى بن زكريا عن محمد بن عمرو على الوجه الذي ذكره أبو داوود فيشبه أن يكون ذلك في حكومة في شيء بعينه كأنه أسلفه ديناراً في قفيز بر إلى شهر فلما حل الأجل وطالبه بالبر قال له بعني القفيز الذي لك علي بقفيزين إلى شهرين، فهذا بيع ثان وقد دخل على البيع الأول فصار بيعتين في بيعة فُيرَدّان إلى أوكسهما أي أنقصهما وهو الأصل، فإن تبايعا البيع الثاني قبل أن يتقابضا الأول كانا مُرْبيين انتهى.
قلت: وقد نقل هذا التفسير الإمام ابن الأثير في النهاية وابن رسلان في شرح السنن ثم قال الخطابي. وتفسير ما نهى عنه من بيعتين في بيعة على وجهين أحدهما أن يقول بعتك هذا الثوب نقداً بعشرة أو نسيئة بخمسة عشر فهذا لا يجوز لأنه لا يدري أيهما الثمن الذي يختاره منهما فيقع به العقد، وإذا جهل الثمن بطل البيع انتهى.
قلت: وبمثل هذا فسر سماك رواه أحمد ولفظه قال سماك هو الرجل يبيع البيع فيقول هو بنساء بكذا وهو بنقد بكذا وكذا، وكذلك فسره الشافعي رحمه الله فقال بأن يقول بعتك بألف نقداً أو بألفين إلى سنة، فخذ أيهما شئت أنت وشئت أنا.
ونقل ابن الرفعة عن القاضي أن المسألة مفروضة على أنه قبل على الإبهام، أما لو قال قبلت

(9/238)


............................................
ـــــــ
بألف نقداً أو، بألفين بالنسيئة صح ذلك، كذا في النيل.
ثم قال الخطابي: والوجه الآخر أن يقول بعتك هذا العبد بعشرين ديناراً على أن تبيعني جاريتك بعشرة دنانير، فهذا أيضاً فاسد، لأنه جعل ثمن العبد عشرين ديناراً وشرط عليه أن يبيعه جاريته بعشرة دنانير، وذلك لا يلزمه وإذا لم يلزمه ذلك سقط بعض الثمن، فإذا سقط بعضه صار الباقي مجهولا. قال وعقد البيعتين في بيعة واحدة على الوجهين الذين ذكرناهما عند أكثر الفقهاء فاسد. وحكى عن طاووس أنه قال لا بأس أن يقول له بعتك هذا الثوب نقداً بعشرة وإلى شهرين بخمسة عشر فيذهب به إلى إحداهما انتهى كلام الخطابي.
وقال في النهاية: نهى عن بيعتين في بيعة هو أن يقول بعتك هذا الثوب نقداً بعشرة ونسيئة بخمسة عشر فلا يجوز لأنه لا يدرى أيهما الثمن الذي يختاره ليقع عليه العقد.
ومن صوره أن يقول بعتك هذا بعشرين على أن تبيعني ثوبك بعشرة، فلا يصح للشرط الذي فيه ولأنه يسقط بسقوطه بعض الثمن فيصير الباقي مجهولا وقد نهي عن بيع وشرط وعن بيع وسلف وهما هذان الوجهان انتهى. "فله أوكسهما" أي أنقصهما "أو الربا".
قال في النيل: يعني أو يكون قد دخل هو وصاحبه في الربا المحرم إذا لم يأخذ الأوكس بل أخذ الأكثر وذلك ظاهر في التفسير الذي ذكره ابن رسلان وغيره. وأما في التفسير الذي ذكره أحمد عن سماك وذكره الشافعي ففيه متمسك لمن قال يحرم بيع الشيء بأكثر من سعر يومه لأجل النساء.
وقالت الشافعية والحنفية والجمهور أنه يجوز لعموم الأدلة القاضية بجوازه وهو الظاهر، ثم بين صاحب النيل وجه الظهور إن شئت الوقوف عليه فعليك بالنيل قال المنذري: في إسناده محمد بن عمرو بن علقمة وقد تكلم فيه غير واحد [وثقه النسائي] والمشهور عن محمد بن عمرو من رواية الدراوردي ومحمد بن عبد الله الأنصاري أنه صلى الله عليه وسلم نهي عن بيعتين في بيعة انتهى كلام المنذري [وكذا أخرجه الترمذي وصححه النسائي في المجتبى].
قلت: وكذا رواه إسماعيل بن جعفر ومعاذ بن معاذ وعبدالوهاب بن عطاء عن محمد بن عمرو المذكور ذكره البيهقي في السنن، وعبدة بن سليمان في الترمذي ويحيى بن سعيد في المجتبى، وبهذا يعرف أن رواية يحيى بن زكريا فيها شذوذ كما لا يخفى.

(9/239)


20- باب في النهي عن العينة
3458 - حدثنا سُلَيْمَانُ بنُ دَاوُدَ المَهْرِيّ أنْبأنَا ابنُ وَهْبٍ أخبرني حَيْوَةُ بنُ شُرَيْحٍ ح. وَأخبرنا جَعْفَرُ بنُ مُسَافِرٍ التّنّيسِيّ أخبرنا عبد الله بنُ يَحْيَى الْبُرُلّسِيّ [البرنسي] أنْبأنَا
ـــــــ
باب في النهي عن العينة
"أخبرنا عبد الله بن يحيى البرلسي" باللام بعد الراء المهملة كذا في النسخ الصحيحة.
قال الحافظ في التقريب: بضم الموحدة والراء وتشديد اللام المضمومة بعدها مهملة انتهى. وفي بعض النسخ بالنون دون اللام أي بضم الموحدة والنون بينهما مهملة ساكنة كذا ضبطه في الخلاصة وهو غلط.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وفي الباب حديث أبي إسحاق السبيعي عن إمرأته أنها دخلت على عائشة رضي الله عنها فدخلت معها أم ولد زيد بن أرقم فقالت ياأم المؤمنين إني بعت غلاما من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم نسيئة وإني ابتعته منه بستمائة نقدا فقالت لها عائشة بئسما اشتريت وبئسما شريت أخبري زيدا أن جهاده مع رسول الله قد بطل إلى أن يتوب هذا الحديث رواه البيهقي والدارقطني وذكره الشافعي وأعله بالجهالة بحال امرأة أبي إسحاق وقال لو ثبت فإنما عابت عليها بيعا إلى العطاء لأنه أجل غير معلوم
ثم قال ولا يثبت مثل هذا عن عائشة وزيد بن أرقم لا يبيع إلا ما يراه حلالا
قال البيهقي ورواه يونس بن أبي إسحاق عن أمه العالية بنت أنفع أنها دخلت على عائشة مع أم محمد
وقال غيره هذا الحديث حسن ويحتج بمثله لأنه قد رواه عن العالية ثقتان ثبتان أبو إسحاق زوجها ويونس ابنها ولم يعلم فيها جرح والجهالة ترتفع عن الراوي بمثل ذلك ثم إن هذا مما ضبطت فيه القصة ومن دخل معها على عائشة وقد صدقها زوجها وابنها وهما من هما فالحديث محفوظ
وقوله في الحديث المتقدم: "من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا" هو منزل على العينة بعينها قاله شيخنا لأنه بيعان في بيع واحدن فأوكسهما الثمن الحال وإن أخذ بالأكثر وهو المؤجل أخذ بالربا فالمعنيان لا ينفكان من أحد الأمرين إما الأخذ بأوكس الثمنين أو الربا وهذا لا يتنزل إلا على العينة

(9/240)


حَيْوَةُ بنُ شُرَيْحٍ عن إسْحَاقَ أبِي عبد الرحمن قالَ سُلَيْمَانُ عن أبِي عبد الرحمن الْخُرَاسَانِيّ أنّ عَطَاءَ الْخَرَاسَانِيّ حَدّثَهُ أنّ نَافِعاً حَدّثَهُ عن ابنِ عُمَرَ قالَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إذَا تَبَايَعْتُمْ بالْعِينَةِ وَأخَذْتُمْ أذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بالزّرْعِ وَتَرَكْتُمْ
ـــــــ
وقال السيوطي في لب اللباب في تحرير الأنساب: البرلسي بضمات وتشديد اللام ومهملة إلى البرلس من بلاد مصر وفتح ياقوت أولها وثانيها انتهى.
وأما البرنسي بالنون فلم يذكره السيوطي فيه، وكذا لم يذكره الحافظ عبدالغني المصري وكذا الذهبي وأبو طاهر المقدسي وأبو موسى الأصبهاني في كتبهم المشتبه والمختلف. وقال الإمام الحافظ أبو علي الغساني الجباني في كتابه تقييد المهمل وتمييز المشكل: البرلسي بضم الباء المعجمة بواحدة والراء المهملة المضمومة بعدها لام مضمومة مشددة هو عبد الله بن يحيى المعافري البرلسي عن حيوة بن شريح ينسب إلى برلس قرية من سواحل مصر انتهى.
وفي مراصد الاطلاع: برلس بفتحتين وضم اللام وتشديدها بليدة على شاطىء نيل مصر قرب البحر من جهة الإسكندرية انتهى ولم يذكر بالنون.
"إذا تبايعتم بالعينة" قال الجوهري: العينة بالكسر السلف.
ـــــــ
فصل
قال المحرمون للعينة الدليل على تحريمها من وجوه
أحدها أن الله تعالى حرم الربا والعينة وسيلة إلى الربا بل هي من أقرب وسائله والوسيلة إلى الحرام حرام فهنا مقامان
أحدهما بيان كونها وسيلة
والثاني بيان أن الوسيلة إلى الحرام حرام
فأما الأول فيشهد له به النقل والعرف والنية والقصد وحال المتعاقدين
فأما النقل فبما ثبت عن ابن عباس أنه سئل عن رجل باع من رجل حريرة بمائة ثم اشتراها بخمسين فقال دراهم بدراهم متفاضلة دخلت بينها حريرة
وفي كتاب محمد بن عبد الله الحافظ المعروف بمعين عن ابن عباس أنه قال "اتقوا هذه العينة لا تبيعوا دراهم بدراهم بينهما حريرة".

(9/241)


الْجِهَادَ، سَلّطَ الله عَلَيْكُمْ ذُلاّ لاَ يَنْزِعُهُ حَتّى تَرْجِعُوا إلَى دِينِكُم" .
قَالَ أبُو دَاوُدَ: الإخْبَارُ لِجَعْفَرٍ وَهَذَا لَفْظُهُ.
ـــــــ
وقال في القاموس: وعين أخذ بالعينة بالكسر أي السلف أو أعطى بها. قال والتاجر باع سلعته بثمن إلى أجل ثم اشتراها منه بأقل من ذلك الثمن انتهى. قال الرافعي: وبيع العينة هو أن يبيع شيئاً من غيره بثمن مؤجل ويسلمه إلى المشتري ثم يشتريه قبل قبض الثمن بثمن نقد أقل من ذلك القدر انتهى.
وقد ذهب إلى عدم جواز بيع العينة مالك وأبو حنيفة وأحمد، وجوز ذلك الشافعي وأصحابه. كذا في النيل. وقد حقق الإمام ابن القيم عدم جواز العينة ونقل معنى كلامه العلامة الشوكاني في النيل.
"وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع" حمل هذا على الاشتغال بالزرع في زمن يتعين فيه الجهاد "وتركتم الجهاد" أي المتعين فعله "سلط الله عليكم ذلا" بضم الذال المعجمة وكسرها أي صغاراً ومسكنة ومن أنواع الذل الخراج الذي يسلمونه كل سنة لملاك الأرض. وسبب هذا الذل والله أعلم أنهم لما تركوا الجهاد في سبيل الله الذي فيه عزالإسلام وإظهاره على كل دين عاملهم الله بنقيضه وهو إنزال الذلة بهم فصاروا يمشون خلق أذناب البقر بعد أن كانوا يركبون على ظهور الخيل التي هي أعز مكان. قاله في النيل.
قال المنذري: وفي إسناده إسحاق بن أسيد أبو عبد الرحمن الخراساني نزيل مصر لا يحتج بحديثه. وفيه أيضاً عطاء الخراساني وفيه مقال.
ـــــــ
وفي كتاب أبي محمد النجشي الحافظ عن ابن عباس أنه سئل عن العينة يعني بيع الحريرة فقال إن الله لا يخدع هذا مما حرم الله ورسوله
وفي كتاب الحافظ مطين معين عن أنس أنه سئل عن العينة يعني بيع الحريرة فقال إن الله لا يخدع هذا مما حرم الله ورسوله
وقول الصحابي حرم رسول الله كذا أو أمر بكذا وقضي بكذا وأوجب كذا في حكم المرفوع اتفاقا عند أهل العلم إلا خلافا شاذا لا يعتد به ولا يؤبه له
وشبهة المخالف أنه لعله رواه بالمعنى فظن ما ليس بأمر ولا تحريم كذلك وهذا فاسد جدا

(9/242)


............................................
ـــــــ
فإن الصحابة أعلم بمعاني النصوص وقد تلقوها من في رسول الله فلا يظن بأحد منهم أن يقدم على قوله أمر رسول الله أو حرم أو فرض إلا بعد سماع ذلك ودلالة اللفظ عليه واحتمال خلاف هذا كاحتمال الغلط والسهو في الرواية بل دونه فإن رد قوله أمر ونحوه بهذا الإحتمال وجب رد روايته لاحتمال السهو والغلط وإن قبلت روايته وجب قبول الآخر.
وأما شهادة العرف بذلك فأظهر من أن تحتاج إلى تقرير بل قد علم الله وعباده من المتبايعين ذلك قصدهما أنهما لم يعقدا على السلعة عقدا يقصدان به تملكها ولا غرض لهما فيها بحال وإنما الغرض والمقصود بالقصد الأول مائة بمائة وعشرين وإدخال تلك السلعة في الوسط تلبيس وعبث وهي بمنزلة الحرف الذي لا معنى له في نفسه بل جيء به لمعنى في غيره حتى لو كانت تلك السلعة تساوي أضعاف ذلك الثمن أو تساوي أقل جزء من أجزائه لم يبالوا بجعلها موردا للعقد لأنهم لا غرض لهم فيها وأهل العرف لا يكابرون أنفسهم في هذا.
وأما النية والقصد فالأجنبي المشاهد لهما يقطع بأنه لا غرض لهما في السلعة وإنما القصد الأول مائة بمائة وعشرين فضلا عن علم المتعاقدين ونيتهما ولهذا يتواطأ كثير منهم على ذلك قبل العقد ثم يحضران تلك السلعة محللا لما حرم الله ورسوله.
وأما المقام الثاني وهو أن الوسيلة إلى الحرام حرام فبانت بالكتاب والسنة والفطرة والمعقول فإن الله سبحانه مسخ اليهود قردة وخنازير لما توسلوا إلى الصيد الحرام بالوسيلة التي ظنوها مباحة وسمي أصحاب رسول الله والتابعون مثل ذلك مخادعة كما تقدم.
وقال أيوب السختياني يخادعون الله كما يخادعون الصبيان لو أتوا الأمر على وجهه كان أسهل والرجوع إلى الصحابة في معاني الألفاظ متعين سواء كانت لغوية أو شرعية والخداع حرام وأيضا فإن هذا العقد يتضمن إظهار صورة مباحة وإضمار ما هو من أكبر الكبائر فلا تنقلب الكبيرة مباحة بإخراجها في صورة البيع الذي لم يقصد نقل الملك فيه أصلا وإنما قصده حقيقة الربا وأيضا فإن الطريق متى أفضت إلى الحرام فإن الشريعة لا تأتي بإباحتها أصلا لأن إباحتها وتحريم الغاية جمع بين النقيضين فلا يتصور أن يباح شيء ويحرم ما يفضي إليه بل لا بد من تحريمهما أو إباحتهما والثاني باطل قطعا فيتعين الأول.
وأيضا فإن الشارع إنما حرم الربا وجعله من الكبائر وتوعد آكله بمحاربة الله ورسوله لما فيه من أعظم الفساد والضرر فكيف يتصور مع هذا أن يبيح هذا الفساد العظيم بأيسر شيء يكون من الحيل

(9/243)


..............................
ـــــــ
فيالله العجب أترى هذه الحيلة أزالت تلك المفسدة العظيمة وقلبتها مصلحة بعد أن كانت مفسدة وأيضا فإن الله سبحانه عاقب أهل الجنة الذين أقسموا ليصرمنها مصبحين وكان مقصودهم منع حق الفقراء من التمر المتساقط وقت الحصاد فلما قصدوا منع حقهم منعهم الله الثمرة جملة ولا يقال فالعقوبة إنما كانت على رد الاستثناء وحده لوجهين.
أحدهما : أن العقوبة من جنس العمل وترك الاستثناء عقوبته أن يعوق وينسى لا إهلاك ماله بخلاف عقوبة ذنب الحرمان فإنها حرمان كالذنب.
الثاني : أن الله تعالى أخبر عنهم أنهم قالوا {أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ} .
وذنب العقوبة على ذلك فلو لم يكن لهذا الوصف مدخل في العقوبة لم يكن لذكره فائدة فإن لم يكن هو العلة التامة كان جزءا من العلة.
وعلى التقديرين يحصل المقصود.
وأيضا فإن النبي قال والمتوسل بالوسيلة التي صورتها مباحة إلى المحرم إنما نيته المحرم ونيته أولى به من ظاهر عمله.
وأيضا فقد روى ابن بطة وغيره بإسناد حسن عن أبي هريرة أن النبي قال: "لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل" وإسناده مما يصححه الترمذي وأيضا فإن النبي قال: "لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها" وجملوها يعني أذابوها وخلطوها وإنما فعلوا ذلك ليزول عنها اسم الشحم ويحدث لها اسم آخر وهو الودك وذلك لا يفيد الحل فإن التحريم تابع للحقيقة وهي لم تتبدل بتبدل الاسم وهذا الربا تحريمه تابع لمعناه وحقيقته فلا يزول بتبدل الاسم بصورة البيع كما لم يزل تحريم الشحم بتبديل الاسم بصورة الجمل والإذابة وهذا واضح بحمد الله.
وأيضا فإن اليهود لم ينتفعوا بعين الشحم إنما انتفعوا بثمنه فيلزم من وقف مع صور العقود والألفاظ دون مقاصدها وحقائقها أن لا يحرم ذلك لأن الله تعالى لم ينص على تحريم الثمن وإنما حرم عليهم نفس الشحم ولما لعنهم على استحلالهم الثمن وإن لم ينص على تحريمه دل على أن الواجب النظر إلى المقصود وإن اختلفت الوسائل إليه وأن ذلك يوجب أن لا يقصد الانتفاع بالعين ولا ببدلها.
ونظير هذا أن يقال لا تقرب مال اليتيم فتبيعه وتأكل عوضه وأن يقال لا تشرب الخمر فتغير

(9/244)


................................................
ـــــــ
اسمه وتشربه وأن يقال لا تزن بهذه المرأة فتعقد عليها عقد إجارة وتقول إنما أستوفي منافعها وأمثال ذلك.
قالوا ولهذا الأصل وهو تحريم الحيل المتضمنة إباحة ما حرم الله أو إسقاط ما أوجبه الله عليه أكثر من مائة دليل وقد ثبت أن النبي لعن المحلل والمحلل له مع أنه أتى بصورة عقد النكاح الصحيح لما كان مقصوده التحليل لا حقيقة النكاح.
وقد ثبت عن الصحابة أنهم سموه زانيا ولم ينظروا إلى صورة العقد الدليل الثاني على تحريم العينة ما رواه أحمد في مسنده حدثنا أسود بن عامر حدثنا أبو بكر عن الأعمش عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر قال سمعت رسول الله يقول إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة واتبعوا أذناب البقر وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم بلاء فلا يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم.
ورواه أبو داود بإسناد صحيح إلى حيوة بن شريح المصري عن إسحاق أبي عبدالرحمن الخراساني أن عطاء الخراساني حدثه أن نافعا حدثه عن ابن عمر قال سمعت رسول الله يقول فذكره وهذان إسنادان حسنان يشد أحدهما الآخر.
فأما رجال الأول فأئمة مشاهير وإنما يخاف أن لا يكون الأعمش سمعه من عطاء أو أن عطاء لم يسمعه من ابن عمر والإسناد الثاني يبين أن للحديث أصلا محفوظا عن ابن عمر فإن عطاء الخرساني ثقة مشهور وحيوة كذلك وأما إسحاق أبو عبدالرحمن فشيخ روى عنه أئمة المصريين مثل حيوة والليث ويحيى بن أيوب وغيرهم.
وله طريق ثالث رواه السري بن سهل حدثنا عبد الله بن رشيد حدثنا عبدالرحمن بن محمد عن ليث عن عطاء عن ابن عمر قال لقد أتى علينا زمان وما منا رجل يرى أنه أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم ولقد سمعت رسول الله يقول: "إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة وتركوا الجهاد واتبعوا أذناب البقر أدخل الله عليهم ذلا لا ينزعه حتى يتوبوا ويرجعوا إلى دينهم" وهذا يبين أن للحديث أصلا وأنه محفوظ.
الدليل الثالث ما تقدم من حديث أنس أنه سئل عن العينة فقال إن الله لا يخدع هذا مما حرم الله ورسوله وتقدم أن هذا اللفظ في حكم المرفوع.
الدليل الرابع: ما تقدم من حديث ابن عباس وقوله هذا مما حرم الله ورسوله.
الدليل الخامس: ما رواه الإمام أحمد حدثنا محمد بن جعفر حدثنا سعيد عن أبي إسحاق عن

(9/245)


................................
ـــــــ
العالية ورواه حرب من حديث إسرائيل حدثني أبو إسحاق عن جدته العالية يعني جدة إسرائيل فإنها امرأة أبي إسحاق قالت دخلت على عائشة في نسوة فقالت ما حاجتكن فكان أول من سألها أم محبة فقالت ياأم المؤمنين هل تعرفين زيد بن أرقم قالت نعم قالت فإني بعته جارية لي بثمانمائة درهم إلى العطاء وإنه أراد أن يبيعها فابتعتها بستمائة درهم نقدا فأقبلت عليها وهي غضبى فقالت بئسما شريت وبئسما اشتريت أبلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله إلا أن يتوب وأفحمت صاحبتنا فلم تتكلم طويلا ثم إنه سهل عنها فقالت ياأم المؤمنين أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مالي فتلت عليها {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ}.
فلولا أن عند أم المؤمنين علما لا تستريب فيه أن هذا محرم لم تستجز أن تقول مثل هذا بالاجتهاد ولا سيما إن كانت قد قصدت أن العمل يحبط بالردة وأن استحلال الربا أكفر وهذا منه ولكن زيدا معذور لأنه لم يعلم أن هذا محرم ولهذا قالت أبلغيه.
ويحتمل أن تكون قد قصدت أن هذا من الكبائر التي يقاوم إثمها ثواب الجهاد فيصير بمنزلة من عمل حسنة وسيئة بقدرها فكأنه لم يعمل شيئا.
وعلى التقديرين لجزم أم المؤمنين بهذا دليل على أنه لا يسوغ فيه الاجتهاد ولو كانت هذه من مسائل الاجتهاد والنزاع بين الصحابة لم تطلق عائشة ذلك على زيد فإن الحسنات لا تبطل بمسائل الاجتهاد ولا يقال فزيد من الصحابة وقد خالفها لأن زيدا لم يقل هذا حلال بل فعله وفعل المجتهد لا يدل على قوله على الصحيح لاحتمال سهو أو غفله أو تأويل أو رجوع ونحوه وكثيرا ما يفعل الرجل الشيء ولا يعلم مفسدته فإذا نبه له انتبه ولا سيما أم ولده فإنها دخلت على عائشة تستفتيها وطلبت الرجوع إلى رأس مالها وهذا يدل على الرجوع عن ذلك العقد ولم ينقل عن زيد أنه أصر على ذلك فإن قيل لا نسلم ثبوت الحديث فإن أم ولد زيد مجهولة.
قلنا أم ولده لم ترو الحديث وإنما كانت هي صاحبة القصة وأما العالية فهي امرأة أبي إسحاق السبيعي وهي من التابعيات وقد دخلت على عائشة وروى عنها أبو إسحاق وهو أعلم بها وفي الحديث قصة وسياق يدل على أنه محفوظ وأن العالية لم تختلق هذه القصة ولم تضعها بل يغلب على الظن غلبة قوية صدقها فيها وحفظها لها ولهذا رواها عنها زوجها ميمون ولم ينهها ولا سيما عند من يقول رواية العدل عن غيره تعديل له والكذب لم يكن فاشيا في التابعين فشوه فيمن بعدهم وكثير منهم كان يروي عن أمه وامرأته ما يخبرهن به أزواج رسول الله ويحتج به

(9/246)


.........................................
ـــــــ
فهذه أربعة أحاديث تبين أن رسول الله حرم العينة:
حديث ابن عمر الذي فيه تغليظ العينة.
وحديث أنس وابن عباس أنها مما حرم الله ورسوله.
وحديث عائشة هذا والمرسل منها له ما يوافقه وقد عمل به بعض الصحابة والسلف وهذا حجة باتفاق الفقهاء.
الدليل السادس: ما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة عن النبي قال "من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا".
وللعلماء في تفسيره قولان:.
أحدهما : أن يقول بعتك بعشرة نقدا أو عشرين نسيئة وهذا هو الذي رواه أحمد عن سماك ففسره في حديث ابن مسعود قال نهى رسول الله عن صفقتين في صفقة قال سماك الرجل يبيع الرجل فيقول هو علي نساء بكذا وبنقد بكذا.
وهذا التفسير ضعيف فإنه لا يدخل الربا في هذه الصورة ولا صفقتين هنا وإنما هي صفقة واحدة بأحد الثمنين.
والتفسير الثاني : أن يقول أبيعكها بمائة إلى سنة على أن أشتريها منك بثمانين حالة وهذا معنى الحديث الذي لا معنى له غيره وهو مطابق لقوله فله أوكسهما أو الربا فإنه إما أن يأخذ الثمن الزائد فيربي أو الثمن الأول فيكون هو أوكسهما وهو مطابق لصفقتين في صفقة فإنه قد جمع صفقتي النقد والنسيئة في صفقة واحدة ومبيع واحد وهو قصد بيع دراهم عاجلة بدراهم مؤجلة أكثر منها ولا يستحق إلا رأس ماله وهو أوكس الصفقتين فإنه أبي إلا الأكثر كان قد أخذ الربا فتدبر مطابقة هذا التفسير لألفاظه وانطباقه عليها.
ومما يشهد لهذا التفسير ما رواه الإمام أحمد عن ابن عمر عن النبي أنه نهى عن بيعتين في بيعة وعن سلف وبيع فجمعه بين هذين العقدين في النهي لأن كلا منهما يؤول إلى الربا لأنهما في الظاهر بيع وفي الحقيقة ربا.
ومما يدل على تحريم العينة حديث ابن مسعود يرفعه لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه والمحل والمحلل له.
ومعلوم أن الشاهدين والكاتب إنما يكتب ويشهد على عقد صورته جائزة الكتابة والشهادة لا يشهد بمجرد الربا ولا يكتبه ولهذا قرنه بالمحلل والمحلل له حيث أظهرا صورة النكاح ولا نكاح كما أظهر الكاتب والشاهدان صورة البيع ولا بيع

(9/247)


....................................
ـــــــ
وتأمل كيف لعن في الحديث الشاهدين والكاتب والآكل والموكل فلعن المعقود له والمعين له على ذلك العقد ولعن المحلل والمحلل له فالمحلل له هو الذي يعقد التحليل لأجله والمحلل هو المعين له بإظهار صورة العقد كما أن المرابي هو المعان على أكل الربا بإظهار صورة العقد المكتوب المشهود به فصلوات الله على من أوتي جوامع الكلم.
الدليل السابع ما صح عن ابن عباس أنه قال إذا استقمت بنقد فبعت بنقد فلا بأس وإذا استقمت بنقد فبعت بنسيئة فلا خير فيه تلك وروق بورق رواه سعيد وغيره.
ومعنى كلامه: أنك إذا قومت السلعة بنقد ثم بعتها بنسيئة كان مقصود المشتري شراء دراهم معجلة بدراهم مؤجلة وإذا قومتها بنقد ثم بعتها به فلا بأس فإن ذلك بيع المقصود منه السلعة لا الربا الدليل الثامن ما رواه ابن بطة عن الأوزاعي قال قال رسول الله يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع يعني العينة.
وهذا وإن كان مرسلا فهو صالح للاعتضاد به ولا سيما وقد تقدم من المرفوع ما يؤكده ويشهد له أيضا قوله "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها".
وقوله أيضا فيما رواه إبراهيم الحربي من حديث أبي ثعلبة عن النبي قال أول دينكم نبوة ورحمة ثم خلافة ورحمة ثم ملك ورحمة ثم ملك وجبرية ثم ملك عضوض يستحل فيه الحر والحرير والحر بكسر الحاء وتخفيف الراء هو الفرج.
فهذا إخبار عن استحلال المحارم ولكنه بتغيير أسمائها وإظهارها في صور تجعل وسيلة إلى استباحتها وهي الربا والخمر والزنا فيسمى كل منها بغير اسمها ويستباح الاسم الذي سمي به وقد وقعت الثلاثة وفي قول عائشة بئسما شريت وبئسما اشتريت دليل على بطلان العقدين معا وهذا هو الصحيح من المذهب لأن الثاني عقد ربا والأول وسيلة إليه.
وفيه قول آخر في المذهب أن العقد الأول صحيح لأنه تم بأركانه وشروطه فطريان الثاني عليه لا يبطله وهذا ضعيف فإنه لم يكن مقصودا لذاته وإنما جعله وسيلة إلى الربا فهو طريق إلى المحرم فكيف يحكم بصحته وهذا القول لا يليق بقواعد المذهب.
فإن قيل فما تقولون فيمن باع سلعة بنقد ثم اشتراها بأكثر منه نسيئة.
قلنا قد نص أحمد في رواية حرب على أنه لا يجوز إلا أن تتغير السلعة لأن هذا يتخذ وسيلة إلى

(9/248)


......................................
ـــــــ
الربا فهو كمسألة العينة سواء وهي عكسها صورة وفي الصورتين قد ترتب في ذمته دراهم مؤجلة بأقل منها نقدا لكن في إحدى الصورتين البائع هو الذي استغلت ذمته وفي الصورة الأخرى المشتري هو الذي استغلت ذمته فلا فرق بينهما.
وقال بعض أصحابنا يحتمل أن تجوز الصورة الثانية إذا لم يكن ذلك حيلة ولا مواطأة بل واقع اتفاقا وفرق بينهما وبين الصورة الأولى بفرقين.
أحدهما أن النص ورد فيها فييقى ما عداها على أصل الجواز.
والثاني أن التوسل إلى الربا بتلك الصورة أكثر من التوسل بهذه.
والفرقان ضعيفان أما الأول فليس في النص ما يدل على اختصاص العينة بالصورة الأولى حتى تتقيد به نصوص مطلقة على تحريم العينة.
والعينة فعلة من العين قال الشاعر
أندان أم نعتان أم ينبري لنا ... فتى مثل نصل السيف ميزت مضاربه
قال الجوزجاني: أنا أظن أن العينة إنما اشتقت من حاجة الرجل إلى العين من الذهب والورق فيشتري السلعة ويبيعها بالعين الذي احتاج إليها وليست به إلى السلعة حاجة.
وأما الفرق الثاني فكذلك لأن المعتبر في هذا الباب هو الذريعة ولو اعتبر فيه الفرق من الاتفاق والقصد لزم طرد ذلك في الصورة الأولى وأنتم لا تعتبرونه.
فإن قيل فما تقولون إذا لم تعد السلعة إليه بل رجعت إلى ثالث هل تسمون ذلك عينة قيل هذه مسألة التورق لأن المقصود منها الورق وقد نص أحمد في رواية أبي داود على أنها من العينة وأطلق عليها اسمها.
وقد اختلف السلف في كراهيتها فكان عمر بن عبدالعزيز يكرهها وكان يقول التورق آخية الربا ورخص فيها إياس بن معاوية.
وعن أحمد فيها روايتان منصوصتان وعلل الكراهة في إحداهما بأنه بيع مضطر وقد روى أبو داود عن علي أن النبي نهى عن المضطر وفي المسند عن علي قال سيأتي على الناس زمان يعض المؤمن على ما في يده ولم يؤمر بذلك قال تعالى {وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ } ويبايع المضطرون

(9/249)


.................................................
ـــــــ
وقد نهى رسول الله عن بيع المضطر وذكر الحديث.
فأحمد رحمه الله تعالى أشار إلى أن العينة إنما تقع من رجل مضطر إلى نقد لأن الموسر يضن عليه بالقرض فيضطر إلى أن يشتري منه سلعة ثم يبيعها فإن اشتراها منه بائعها كانت عينه وإن باعها من غيره فهي التورق ومقصوده في الموضعين الثمن فقد حصل في ذمته ثمن مؤجل مقابل الثمن حال أنقص منه ولا معنى للربا إلا هذا لكنه ربا بسلم لم يحصل له مقصوده إلا بمشقة ولو لم يقصده كان ربا بسهولة.
وللعينة صورة رابعة وهي أخت صورها وهي أن يكون عند الرجل المتاع فلا يبيعه إلا نسيئة ونص أحمد على كراهة ذلك فقال العينة أن يكون عنده المتاع فلا يبيعه إلا بنسيئة فإن باع بنسيئة ونقد فلا بأس.
وقال أيضا أكره للرجل أن لا يكون له تجارة غير العينة فلا يبيع بنقد.
قال ابن عقيل إنما كره ذلك لمضارعته الربا فإن البائع بنسيئة يقصد الزيادة غالبا.
وعلله شيخنا ابن تيمية رضي الله عنه بأنه يدخل في بيع المضطر فإن غالب من يشتري بنسيئة إنما يكون لتعذر النقد عليه فإذا كان الرجل لا يبيع إلا بنسيئة كان ربحه على أهل الضرورة والحاجة وإذا باع بنقد ونسيئة كان تاجرا من التجار.
وللعينة صورة خامسة وهي أقبح صورها وأشدها تحريما وهي أن المترابيين يتواطآن على الربا ثم يعمدان إلى رجل عنده متاع فيشتريه منه المحتاج ثم يبيعه للمربي بثمن حال ويقبضه منه ثم يبيعه إياط للمربي بثمن مؤجل وهو ما اتفقا عليه ثم يعيد المتاع إلى ربه ويعطيه شيئا وهذه تسمى الثلاثية لأنها بين ثلاثة وإذا كانت السلعة بينهما خاصة فهي الثنائية وفي الثلاثية قد أدخلا بينهما محللا يزعمان أنه يحلل لهما ما حرم الله من الربا وهو كمحلل النكاح فهذا محلل الربا وذلك محلل الفروج والله تعالى لا تخفى عليه خافية بل يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور

(9/250)


21- باب في السلف
3459 - حدثنا عبد الله بنُ مُحَمّدٍ النّفَيْلِيّ أخبرنا سُفْيَانُ عن ابنِ أبِي نَجِيحٍ عن عبد الله بنِ كَثِيرٍ عن أبي المِنْهَالِ عن ابنِ عَبّاسٍ قالَ: قَدِمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم المَدِينَةَ وَهُمُ يُسْلِفُونَ في التّمْرِ [الثمرة- الثمر] السّنَةَ وَالسّنَتَيْنِ وَالثّلاَثَة [والثلث] فَقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أسْلَفَ في تَمْرٍ [ثمر] فَلْيُسْلِفْ في كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إلَى أجَلٍ مَعْلُومٍ".
ـــــــ
"باب في السلف"
بفتح السين واللام على وزن السلم ومعناه. وحكي في الفتح أن السلف لغة أهل العراق، والسلم لغة أهل الحجاز. وهو في الشرع بيع موصوف في الذمة وزيد في الحد ببدل يعطى عاجلاً وفيه نظر لأنه ليس داخلاً في حقيقته. واتفق العلماء على مشروعيته إلا ما حكي عن ابن المسيب واختلفوا في بعض شروطه، واتفقوا على أنه يشترط له ما يشترط للبيع وعلى تسليم رأس المال في المجلس، واختلفوا هل هو عقد غرر جوز للحاجة أم لا. كذا في الفتح.
"وهم يسلفون" بضم أوله وسكون السين من الإسلاف أي يعطون الثمن في الحال ويأخذون السلعة في المال "في التمر" بالمثناة الفوقية، وفي بعض النسخ بالمثلثة "السنة والسنتين والثلاثة" منصوبات إما على نزع الخافض أي يشترون إلى السنة، وإما على المصدر أي إسلاف السنة "من أسلف في تمر" بالمثناة وفي بعض النسخ بالمثلثة. قال في السبل: روي بالمثناة والمثلثة فهو بها أعم "في كيل معلوم" أي إذا كان مما يكال "ووزن معلوم" أي إذا كان مما يوزن "إلى أجل معلوم" فيه دليل على اعتبار الأجل واليه ذهب الجمهور وقالوا: لا يجوز السلم حالاً. وقالت الشافعية: يجوز.قال النووي: فيه جواز السلم وأنه يشترط أن يكون قدره معلوماً بكيل أو وزن أو غيرهما مما يضبط به، فإن كان مذروعاً كالثوب اشترط ذكر ذرعات معلومة، وإن كان معدوداً كالحيوان اشترط ذكر عدد معلوم. ومعنى الحديث أنه إن أسلم في مكيل فليكن كيله معلوماً، وإن كان في موزون فليكن وزناً معلوماً، وإن كان مؤجلا فليكن أجله معلوماً، ولا يلزم من هذا اشتراط كون السلم مؤجلا بل يجوز حالا لأنه إذا جاز مؤجلا مع الغرر فجواز الحال أولى لأنه أبعد من الغرر. وليس ذكر الأجل في الحديث لاشتراط الأجل بل معناه إن كان أجل فليكن معلوماً.
وقد اختلف العلماء في جواز السلم الحال مع إجماعهم على جواز المؤجل، فجوز

(9/251)


3460 - حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ أخبرنا شُعْبَةُ ح. وأخبرنا ابنُ كَثِيرٍ أنْبأنَا شُعْبَةُ أخبرني مُحَمّدٌ أوْ عبد الله بنُ مُجَالِدٍ قال: اخْتَلَفَ عبد الله بنُ شَدّادٍ وَأبُو بُرْدَةَ في السّلَفِ، فَبَعَثُونِي إلَى ابنِ أبِي أوْفَى فَسَألْتُهُ فَقالَ: إنْ كُنّا نُسْلِفُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَأبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ في الْحِنْطَةِ وَالشّعِيرِ وَالتّمْرِ وَالزّبِيبِ. زَادَ ابنُ كَثِيرٍ: إلَى قَوْمٍ مَا هُوَ عِنْدَهُمْ، ثُمّ اتّفَقَا قالَ وَسَألْتُ ابنَ أبْزَى فَقالَ مِثْلَ ذَلِكَ.
3461 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ بَشّارٍ أخبرنا يَحْيَى وَ ابنُ مَهْدِيَ قالا أخبرنا شُعْبَةُ عن عبد الله بنِ أبي المُجَالِدِ، وَقالَ عبد الرحمن عن ابنِ أبِي المُجَالِدِ بِهَذَا الْحَدِيثِ قالَ: عَنْدَ قَوْمٍ مَا هُوَ عِنْدَهُمْ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَالصّوَابُ ابنُ أبِي المُجَالِدِ وَشُعْبَةُ أخْطَأَ فِيهِ.
ـــــــ
الحال الشافعي وآخرون، ومنعه مالك وأبو حنيفة وآخرون، وأجمعوا على اشتراط وصفه بما يضبط به انتهى.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"أخبرني محمد أو عبد الله بن مجالد" بالشك "وأبو بردة" بضم الموحدة "في السلف" أي في السلم هل يجوز السلم إلى من ليس عنده المسلم فيه في تلك الحالة أم لا "إن كنا" إن مخففة من المثقلة "إلى قوم ما هو عندهم" أي ليس عندهم أصل من أصول الحنطة والشعير والتمر والزبيب، وفي رواية عند أهل السنن غير الترمذي "كنا نسلف على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر في الحنطة والشعير والزيت والتمر وما نراه عندهم" وقد اختلف العلماء في جواز السلم فيما ليس بموجود في وقت السلم إذا أمكن وجوده في وقت حلول الأجل، فذهب إلى جوازه الجمهور، قالوا: ولا يضر انقطاعه قبل الحلول. وقال أبو حنيفة لا يصح فيما ينقطع قبله بل لا بد أن يكون موجوداً من العقد إلى المحل، ووافقه الثوري والأوزاعي، فلو أسلم في شيء فانقطع في محله لم ينفسخ عند الجمهور، وفي وجه للشافعية ينفسخ، واستدل أبو حنيفة ومن معه بحديث ابن عمر الآتي في باب السلم في ثمرة بعينها،ويأتي ما أجاب به الجمهور عنه هناك إن شاء الله تعالى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري وابن ماجه.
"وقال عبدالرحمَن" هو ابن مهدي "وشعية أخطأ فيه" أي بذكر لفظ عبد الله بن مجالد وإنما هو عبد الله بن أبي المجالد.

(9/252)


3462 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ المُصَفّى أخبرنا أبُو المُغِيرَةِ أخبرنا عَبْدُالمَلِكِ بنُ أبِي غَنِيّةَ حَدّثَنِي أبُو إسْحَاقَ عن عبد الله بنِ أبِي أوْفَى الأسْلَمِيّ قال: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم الشّامَ فَكَانَ يَأْتِينَا أنْبَاطٌ مِنْ أنْبَاطِ الشّامِ فَنُسْلِفُهُمْ في الْبُرّ وَالزّيْتِ سِعْراً مَعْلُوماً وَأجَلاً مَعْلُوماً فَقِيلَ لَهُ: مِمّنْ لَهُ ذَلِكَ؟ قالَ ما كُنّا نَسْألُهُمْ.
ـــــــ
قال الحافظ في التقريب: عبد الله بن أبي المجالد بالجيم مولى عبد الله بن أبي أوفى، ويقال اسمه محمد ثقة انتهى. ومراد المؤلف أن المحفوظ في الإسناد لفظ ابن أبي المجالد أو عبد الله بن أبي المجالد دون عبد الله بن مجالد والله أعلم.

(9/253)


22- باب في السلم في ثمرة بعينها
3463 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنْبأنَا سُفْيَانُ عن أبِي إسْحَاقَ عنْ رَجُلٍ نَجْرَانِيّ عن ابنِ عُمَرَ: أنّ رَجُلاً أسْلَفَ رَجُلاً في نَخْلٍ فَلَمْ تُخْرِجْ تِلْكَ السّنَةَ شَيْئاً فَاخْتَصَمَا إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَقالَ: "بِمَا تَسْتَحِلّ مَا لَهُ أُرْدُدْ عَلَيْهِ مَا لَهُ" ، ثُمّ قالَ: "لاَ تُسْلِفُوا في النّخْلِ حَتّى يَبْدُوَ صَلاَحُهُ".
ـــــــ
"باب في السلم في ثمرة بعينها"
السلم بوزن السلف ومعناه –
"رجل نجراني" بالفتح والسكون وراء إلى نجران ناحية بين اليمن وهجر قاله السيوطي "فلم تخرج" من باب الإفعال والضمير للنخل "شيئاً" أي من الثمر "ثم قال" النبي صلى الله عليه وسلم "لا تسلفوا" أي لا تسلموا. وقيل أي لا تبيعوا، وهذا المعنى ضعيف. واستدل الإمام أبو حنيفة بهذا الحديث على أنه لا يصح السلم فيما ينقطع قبل حلول الأجل بل لا بد أن يكون موجوداً من العقد إلى المحل. قال العلامة الشوكاني: ولو صح هذا الحديث لكان المصير إليه أولى لأنه صريح في الدلالة على المطلوب بخلاف حديث عبد الله بن أبي أوفي يعني المذكور في الباب السابق، فليس فيه إلا مظنة التقرير منه صلى الله عليه وسلم مع ملاحظة تنزيل ترك الاستفصال منزلة العموم، ولكن حديث ابن عمر هذا في إسناده رجل مجهول، ومثل هذا لا تقوم به حجة. قال القائلون بالجواز ولو صح هذا الحديث لحمل على بيع الأعيان أو على السلم الحال عند من

(9/253)


............................
ـــــــ
يقول به أو على ما قرب أجله. قالوا ومما يدل على الجواز ما تقدم من أنهم كانوا يسلفون في الثمار السنتين والثلاث، ومن المعلوم أن الثمار لا تبقى هذه المدة، ولو اشترط الوجود لم يصح السلم في الرطب إلى هذه المدة، وهذا أولى ما يتمسك به "فكان يأتينا أنباط" جمع نبيط وهم قوم معروفون كانوا ينزلون بالبطائح بين العراقين. قاله الجوهري: وأصلهم قوم من العرب دخلوا في العجم واختلطت أنسابهم وفسدت ألسنتهم، ويقال لهم النبط بفتح أوله وكسر ثانيه وزيادة تحتانية، وإنما سموا بذلك لمعرفتهم بإنباط الماء أي استخراجه لكثرة معالجتهم الفلاحة، وقيل هم نصارى الشام وهم عرب دخلوا في الروم ونزلوا بوادي الشام، ويدل على هذا قوله من أنباط الشام كذا في النيل "فقيل له ممن له ذلك" أي ممن يملك البر والزيت. ولفظ أحمد في مسنده من حديث عبد الرحمن بن أبزى وعبد الله بن أبي أوفي قالا "كنا نصيب المغانم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يأتينا أنباط من أنباط الشام فنسلفهم في الحنطة والشعير والزيت إلى أجل مسمى قيل أكان لهم زرع أو لم يكن قالا ما كنا نسألهم عن ذلك" ونحوه عند البخاري. وفيه دليل على أنه لا يشترط في المسلم فيه أن يكون عند المسلم إليه، وذلك مستفاد من تقريره صلى الله عليه وسلم لهم مع ترك الاستفصال قال ابن رسلان في شرح السنن: وأما المعدوم عند المسلم إليه وهو موجود عند غيره فلا خلاف في جوازه انتهى. والحديث سكت عنه المنذري.
في الجواز انتهى. قال المنذري: في إسناده رجل مجهول.

(9/254)


23- باب السلف يحول [لا يحول]
3464 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ عِيسَى أخبرنا أبُو بَدُرٍ عن زِيَادِ بنِ خَيْثَمَةَ عن سَعْدٍ - يَعْنِي الطّائِيّ - عن عَطِيّةَ بنِ سَعْدٍ عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: " مَنْ أسْلَفَ في شَيْءٍ فَلاَ يَصْرِفْهُ إلَى غَيْرِهِ".
ـــــــ
"باب السلف يحول"
من التحويل أي يصرف.
"من أسلف في شيء فلا يصرفه" بصيغة النهي، وقيل بالنفي والضمير البارز إلى شيء "إلى غيره" أي بالبيع والهبة قبل أن يقبضه. قال السندي رحمه الله: أي بأن يبدل المبيع قبل
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:

(9/254)


.........................................
ـــــــ
القبض بغيره. قال الطيبي: يجوز أن يرجع الضمير في غيره إلى من في قوله من أسلف يعني لا يبيعه من غيره قبل القبض أو إلى شيء أي لا يبدل المبيع قبل القبض بشيء اخر كذا في المرقاة. قال الخطابي: وإذا أسلفه ديناراً في قفيز حنطة إلى شهر فحل الأجل فأعوزه البر فإن
ـــــــ
اختلف الفقهاء في حكم هذا الحديث وهو جواز أخذ غير المسلم فيه عوضا عنه وللمسألة صورتان إحداهما أن يعاوض عن المسلم فيه مع بقاء عقد السلم فيكون قد باع دين السلم قبل قبضه والصورة الثانية أن ينفسخ العقد بإقالة أو غيرها فهل يجوز أن يصرف الثمن في عوض آخر غير المسلم فيه
فأما المسألة الأولى فمذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه أنه لا يجوز بيعه قبل قبضه لا لمن هو في ذمته ولا لغيره وحكى بعض أصحابنا ذلك إجماعا وليس بإجماعفمذهب مالك جوازه وقد نص عليه أحمد في غير موضع وجوز أن يأخذ عوضه عرضا بقدر قيمة دين المسلم وقت الاعتياض ولا يربح فيه
وطائفة من أصحابنا خصت هذه الرواية بالحنطة والشعير فقط كما قال في المستوعب ومن أسلم في شيء لم يجزأن يأخذ من غير جنسه بحال في إحدى الروايتين والأخرى يجوز أن يأخذ ما دون الحنطة من الحبوب كالشعير ونحوه بمقدار كيل الحنطة لا أكثر منها ولا بقيمتها نص عليه في رواية أبي طالب إذا أسلفت في كر حنطة فأخذت شعيرا فلا بأس وهو دون حقك ولا يأخذ مكان الشعير حنطة
وطائفة ثالثة من أصحابنا جعلت المسألة رواية واحدة وأن هذا النص بناء على قوله في الحنطة والشعير أنهما جنس واحد وهي طريقة صاحب المغني
وطائفة رابعة من أصحابنا حكوا رواية مطلقة في المكيل والموزون وغيره ونصوص أحمد تدل على صحة هذه الطريقة وهي طريقة أبي حفص الطبري وغيره
قال القاضي نقلت من خط أبي حفص في مجموعة فإن كان ما أسلم فيه مما يكال أو يوزن فأخذ من غير نوعه مثل كيله مما هو دونه في الجودة جاز وكذلك إن أخذ بثمنه مما لا يكال ولا يوزن كيف شاء
ونقل أبو القاسم عن أحمد قلت لأبي عبد الله إذا لم يجد ما أسلم فيه ووجد غيره من جنسه

(9/255)


.............................................
ـــــــ
أبا حنيفة يذهب إلى أنه يجوز له أن يبيعه عرضاً بالدينار ولكن يرجع برأس المال عليه قولا بعموم الخبر وظاهره، وعند الشافعي يجوز أن يشتري منه عرضاً بالدينار إذا تقايلا وقبضه قبل التفرق لئلا يكون ديناً بدين، فأما قبل الإقالة فلا يجوز، وهو معنى النهي عن صرف السلف إلى
ـــــــ
أيأخذه قال نعم إذا كان دون الشيء الذي له كما لو أسلم في قفير حنطة موصلي فقال آخذ مكانه شلبيا أو قفيز شعير فكيلته واحدة لا يزداد وإن كان فوقه فلا يأخذ وذكر حديث ابن عباس رواه طاووس عنه إذا أسلمت في شيء فجاء الأجل فلم تجد الذي أسلمت فيه فخذ عوضا بأنقص منه ولا تربح مرتين
ونقل أحمد بن أصرم سئل أحمد عن رجل أسلم في طعام إلى أجل فإذا حل الأجل يشتري منه عقارا أو دارا فقال نعم يشتري منه مالا يكال ولا يوزن
وقال حرب سألت أحمد فقلت رجل أسلم إلى رجل دراهم في بر فلما حل الأجل لم يكن عنده بر فقال قوم الشعير بالدراهم فخذ من الشعير فقال لا يأخذ منه الشعير إلا مثل كيل البر أو أنقص قلت إذا كان البر عشرة أجربة يأخذ الشعير عشرة أجربة قال نعم
إذا عرف هذا فاحتج المانعون بوجوه
أحدها الحديث
والثاني نهي النبي عن بيع الطعام قبل قبضه
والثالث نهيه عن ربح ما لم يضمن وهذا غير مضمون عليه لأنه في ذمة المسلم إليه
والرابع أن هذا المبيع مضمون له على المسلم إليه فلو جوزنا بيعه صار مضمونا عليه للمشتري فيتوالى في المبيع ضمانان
الخامس أن هذا إجماع كما تقدم
هذا جملة ما احتجوا به
قال المجوزون الصواب جواز هذا العقد والكلام معكم في مقامين
أحدهما في الاستدلال على جوازه والثاني في الجواب عما استدللتم به على المنع
فأما الأول فنقول قال ابن النمذر ثبث عن ابن عباس أنه قال إذا أسلفت في شيء إلى أجل فإن أخذت ما أسلفت فيه وإلا فخذ عوضا أنقص منه ولا تربح مرتين رواه شعبة
فهذا قول صحابي وهو حجة ما لم يخالف
قالوا وأيضا فلو امتنعت المعاوضة عليه لكان ذلك لأجل كونه مبيعا لم يتصل به القبض وقد ثبت

(9/256)


............................................
ـــــــ
غيره عنده انتهى. قال العلقمي: والحديث ضعيف واستدل به على أنه لا يصح أن يستبدل عن المسلم فيه من جنسه ونوعه لأنه بيع للمبيع قبل قبضه وهو ممنوع. وروى الدارقطني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أسلف في شيء فلا يأخذ إلا ما سلف فيه أو رأس ماله" وهو ضعيف أيضاً.
ـــــــ
عن ابن عمر أنه قال أتيت النبي فقلت إني أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير فقال: "لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا وبينكما شيء" فهذا بيع للثمن ممن هو في ذمته قبل قبضه
فما الفرق بينه وبين الاعتياض عن دين السلم بغيره
قالوا وقد نص أحمد على جواز بيع الدين لمن هو في ذمته ولغيره وإن كان أكثر أصحابنا لا يحكون عنه جوازه لغير من هو في ذمته فقد نص عليه في مواضع حكاه شيخنا أبو العباس ابن تيمية رحمه الله عنه
والذين منعوا جواز بيعه لمن هو في ذمته قاسوه على السلم وقالوا لأنه دين فلا يجوز بيعه كدين السلم وهذا ضعيف من وجهين
أحدهما أنه قد ثبت في حديث ابن عمر جوازه
والثاني أن دين السلم غير مجمع على منع بيعه فقد ذكرنا عن ابن عباس جوازه ومالك يجوز بيعه من غير المستسلف
والذين فرقوا بين دين السلم وغيره لم يفرقوا بفرق مؤثر والقياس التسوية بينهما
وأما المقام الثاني فقالوا أما الحديث فالجواب عنه من وجهين
أحدهما ضعفه كما تقدم
والثاني أن المراد به أن لا يصرف المسلم فيه إلى سلم آخر أو يبيعه بمعين مؤجل لأنه حينئذ يصير بيع دين بدين وهو منهى عنه وأما بيعه بعوض حاضر من غير ربح فلا محذور فيه كما أذن فيه النبي في حديث ابن عمر
فالذي نهي عنه من ذلك هو من جنس ما نهى عنه من بيع الكالىء بالكالىء والذي يجوز منه هو من جنس ما أذن فيه من بيع النقد لمن هو في ذمته بغيره من غير ربح
وأما نهي النبي عن بيع الطعام قبل قبضه فهذا إنما هو في المعين أو المتعلق به حق التوفية من كيل أو وزن فإنه لا يجوز بيعه قبل قبضه وأما ما في الذمة فالاعتياض عنه من جنس الاستيفاء وفائدته سقوط ما في ذمته عنه لا حدوث ملك له فلا يقاس بالبيع الذي يتضمن شغل الذمة فإنه إذا

(9/257)


.............................................
ـــــــ
وعلم من منع الاستبدال أنه لا يجوز بيع المسلم فيه قبل قبضه ولا التولية فيه ولا الشركة ولا المصالحة وهو كذلك، ولو جعله صداقاً لبنت المسلم إليه لم يجز، وكذا إن كان المسلم إليه امرأة فتزوجها عليه أو خالعها لم يصح انتهى. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه. وعطية بن سعد لا يحتج بحديثه.
ـــــــ
أخذ منه عن دين السلم عرضا أو غيره أسقط ما في ذمته فكان كالمستوفي دينه لأن بدله يقوم مقامه ولا يدخل هذا في بيع الكالىء بالكالىء بحال والبيع المعروف هو أن يملك المشتري ما اشتراه وهذا لم يملكه شيئا بل سقط الدين من ذمته ولهذا لو وفاه ما في ذمته لم يقل إنه باعه دراهم بدراهم بل يقال وفاه حقه بخلاف ما لو باعه دراهم معينة بمثلها فإنه بيع ففي الأعيان إذا عاوض عليها بجنسها أو بعين غير جنسها يسمى بيعا وفي الدين إذا وفاها بجنسها لم يكن بيعا فكذلك إذا وفاها بغير جنسها لم يكن بيعا بل هو إيفاء فيه معنى المعاوضة ولو حلف ليقضينه حقه غدا فأعطاه عنه عرضا يرى في أصح الوجهين
وجواب آخر أن النهي عن بيع الطعام قبل قبضه أريد بيعه من غير بائعه وأما بيعه من البائع ففيه قولان معروفان
وذلك لأن العلة في المنع إن كانت توالي الضمانين اطرد المنع في البائع وغيره وإن كانت عدم تمام الاستيلاء وأن البائع لم تقطع علقه عن المبيع بحيث ينقطع طمعه في الفسخ ولا يتمكن من الامتناع من الإقباض إذا رأى المشتري قد ربح فيه لم يطرد النهي في بيعه من بائعه قبل قبضه لإنتفاء هذه العلة في حقه وهذه العلة أظهر وتوالي الضمانين ليس بعله مؤثرة ولا تنافي بين كون العين الواحدة مضمونة له من وجه وعليه من وجه آخر فهي مضمونة له وعليه باعتبارين وأي محذور في هذا كمنافع الإجارة فإن المستأجر له أن يؤجر ما استأجره فتكون المنفعة مضمونة له وعليه وكالثمار بعد بدو صلاحها له أن يبيعها على الشجر وإن أصابتها جائحة رجع على البائع فهي مضمونة له وعليه ونظائره كثيرة
وأيضا فبيعه من بائعة شبيه بالإقاله وهي جائزة قبل القبض على الصحة
وأيضا فدين السلم تجوز الإقالة فيه بلا نزاع وبيع المبيع لبائعه قبل قبضه غير جائز في أحد القولين فعلم أن الأمر في دين السلم أسهل منه في بيع الأعيان فإذا جاز في الأعيان أن تباع لبائعها قبل القبض فدين السلم أولى بالجواز كما جازت الإقالة فيه قبل القبض اتفاقا بخلاف الإقالة في الأعيان
ومما يوضح ذلك أن ابن عباس لا يجوز بيع المبيع قبل قبضه واحتج عليه بنهي النبي صلبى الله عليه وسلم عن

(9/258)


...............................................
ـــــــ
بيع الطعام قبل قبضه وقال أحسب كل شيء بمنزلة الطعام ومع هذا فقد ثبت عنه أنه لصاحب بيع دين السلم ممن هو عليه إذا لم يربح فيه ولم يفرق بين الطعام وغيره ولا بين المكيل والموزون وغيرهما لأن البيع هنا من البائع الذي هو في ذمته فهو يقبضه من نفسه لنفسه بل في الحقيقة ليس هنا قبض بل يسقط عنه ما في ذمته فتبرأ ذمته وبراءة الذمم مطلوبة في نظر الشرع لما في شغلها من المفسدة فكيف يصح قياس هذا على بيت مقبوض لأجنبي لم يتحصل بعد ولم تنقطع علق بائعه عنه؟
ـــــــ
وأيضا فإنه لو سلم المسلم فيه ثم أعادة إليه جاز فأي فائدة في أخذه منه ثم إعادته إليه وهل ذلك إلا مجرد كلفة ومشقة لم تحصل بها فائدة
ومن هنا يعرف فضل علم الصحابة وفقههم على كل من بعدهم
قالوا وأما استدلالكم بنهي النبي عن ربح ما لم يضمن فنحن نقول بموجبه وأنه لا يربح فيه كما قال ابن عباس خذ عرضا بأنقص منه ولا تربح مرتين
فنحن إنما نجوز له أن يعاوض عنه بسعر يومه كما قال النبي لعبد الله بن عمر في بيع النقود في الذمة لا بأس إذا أخذتها بسعر يومها فالنبي إنما جوز الاعتياض عن الثمن بسعر يومه لئلا يربح فيما لم يضمن
وقد نص أحمد على هذا الأصل في بدل العوض وغيره من الديون أنه إنما يعتاض عنه بسعر يومه لئلا يربح فيما لم يضمن
وكذلك قال مالك يجوز الاعتياض عنه بسعر يومه كما قال ابن عباس لكن مالك يستثني الطعام خاصة لأن من أصله أن بيع الطعام قبل قبضة لا يجوز بخلاف غيره
وأما أحمد فإنه فرق بين أن يعتاض عنه بعرض أو حيوان أو نحوه دون أن يعتاض بمكيل أو موزون فإن كان بعرض ونحوه جوزه بسعر يومه كما قال ابن عباس ومالك وإن اغتاض عن المكيل بمكيل أو عن الموزون بموزون فإنه منعه لئلا يشبه بيع المكيل بالمكيل من غير تقابض إذ كان لم توجد حقيقة التقابض من الطرفين ولكن جوزه إذا أخذ بقدره مما هو دونه كالشعير عن الحنطة نظرا منه إلى أن هذا استيفاء لا معارضة كما يستوفى الجيد عن الرديء ففي العرض جوز المعارضة إذ لا يشترط هناك تقابض وفي المكيل والموزون منع المعارضة لأجل التقابض وجوز أخذ قدر حقه أو دونه لأنه استيفاء وهذا من دقيق فقهه رضي الله عنه
قالوا وأما قولكم إن هذا الدين مضمون له فلو جوزنا بيعه لزم توالي الضمانين فهو دليل باطل من وجهين
أحدهما أنه لا توالي ضمانين هنا أصلا فإن الدين كان مضمونا له في ذمة المسلم إليه فإذا

(9/259)


............................................
ـــــــ
باعه إياه لم يصر مضمونا عليه بحال لأنه مقبوض في ذمة المسلم إليه فمن أي وجه يكون مضمونا على البائع بل لو باعه لغيره لكان مضمونا له على المسلم إليه ومضمونا عليه للمشتري وحينئذ فيتوالى ضمانان.
الجواب الثاني: أنه لا محذور في توالي الضمانين وليس يوصف مستلزم لمفسدة يحرم العقد لأجلها وأين الشاهد من أصول الشرع لتأثير هذا الوصف وأي حكم علق الشارع فساده على توالي الضمانين وما كان من الأوصاف هكذا فهو طردي لا تأثير له.
وقد قدمنا ذكر الصور التي فيها توالي الضمانين وقد ثبت عن النبي أنه جوز المعاوضة عن ثمن المبيع في الذمة ولا فرق بينه وبين دين السلم.
قالوا وأيضا فالمبيع إذا تلف قبل التمكن من قبضه كان على البائع أداء الثمن الذي قبضه من المشتري فإذا كان هذا المشتري قد باعه فعليه أداء الثمن الذي قبضة من المشتري الثاني فالواجب بضمان هذا غير الواجب بضمان الآخر فلا محذور في ذلك.
وشاهده المنافع في الإجارة والثمرة قبل القطع فإنه قد ثبت بالسنة الصحيحة التي لا معارض لها وضع الثمن عن المشتري إذا أصابتها جائحة مع هذا يجوز التصرف فيها ولو تلقت لصارت مضمونة عليه بالثمن الذي أخذه كما هي مضمونة له بالثمن الذي دفعه.
قالوا وأما قولكم إن المنع منه إجماع فكيف يصح دعوى الإجماع مع مخالفة حبر الأمة ابن عباس وعالم المدينة مالك بن أنس.
فثبت أنه لا نص في التحريم ولا إجماع ولا قياس وأن النص والقياس يقتضيان الإباحة كما تقدم والواجب عند التنازع الرد إلى الله وإلى رسوله.
فصل
وأما المسألة الثانية: وهي إذا انفسخ العقد بإقالة أو غيرها فهل يجوز أن يأخذ عن دين السلم عوضا من غير جنسه فيه وجهان.
أحدهما : لا يجوز ذلك حتى يقبضه ثم يصرفه فيما شاء وهذا اختيار الشريف أبي جعفر وهو مذهب أبي حنيفة.
والثاني : يجوز أخذ العوض عنه وهو إختيار القاضي أبي يعلي وشيخ الإسلام ابن تيمية وهو مذهب الشافعي وهو الصحيح فإن هذا عوض مستقر في الذمة فجازت المعاوضة عليه كسائر الديون من القرض وغيره

(9/260)


................................................
ـــــــ
وأيضا فهذا مال رجع إليه بفسخ العقد فجاز أخذ العوض عنه كالثمن في المبيع.
وأيضا فحديث ابن عمر في المعاوضة عما في الذمة صريح في الجواز.
واحتج المانعون بقوله من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره.
قالوا ولأنه مضمون على المسلم إليه بعقد السلم فلم تجز المعاوضة عليه قبل قبضه وحيازته كالمسلم فيه.
قال المجوزون أما استدلالكم بالحديث فقد تقدم ضعفه ولو صح لم يتناول محل النزاع لأنه لم يصرف المسلم فيه في غيره وإنما عاوض عن دين السلم بغيره فأين المسلم فيه من رأس مال السلم.
وأما قياسكم المنع على نفس المسلم فيه فالكلام فيه أيضا وقد تقدم أنه لا نص يقتضي المنع منه ولا إجماع ولا قياس.
ثم لو قدر تسليمه لكان الفرق بين المسلم فيه ورأس مال السلم واضحا فإن المسلم فيه مضمون بنفس العقد والثمن إنما يضمن بعد فسخ العقد فكيف يلحق أحدهما بالآخر فثبت أنه لا نص في المنع ولا إجماع ولا قياس.
فإذا عرف هذا فحكم رأس المال بعد الفسخ حكم سائر الديون لا يجوز أن تجعل سلما في شيء آخر لوجهين.
أحدهما : أنه بيع دين بدين.
والثاني : أنه من ضمان المسلم إليه فإذا جعله سلما في شيء آخر ربح فيه وذلك ربح ما لم يضمن ويجوز فيه ما يجوز في دين القرض وأثمان المبيعات إذا قسمت فإذا أخذ فيه أحد النقدين عن الآخر وجب قبض العوض في المجلس لأنه صرف بسعر يومه لأنه غير مضمون عليه وإن عاوض عن المكيل بمكيل أو عن الموزون بموزون من غير جنسه كقطن بحرير أو كتان وجب قبض عوضه في مجلس التعويض وإن بيع بغير مكيل أو موزون كالعقار والحيوان فهل يشترط القبض في مجلس التعويض فيه وجهان.
أصحهما : لا يشترط وهو منصوص أحمد.
والثاني : يشترط.
وما أخذ القولين: أن تأخير قبض العوض يشبه بيع الدين بالدين فيمنع منه ومأخذ الجواز وهو الصحيح أن النساءين مالا يجمعها علة الربا كالحيوان بالموزون جائز للاتفاق على جواز سلم النقدين في ذلك والله أعلم

(9/261)


24- باب في وضع الجائحة
3465 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا اللّيْثُ عن بُكَيْرٍ عن عِيَاضِ بنِ عبد الله عن أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ أنّهُ قالَ: أُصِيبَ رَجُلٌ في عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في ثِمَارٍ
ـــــــ
"باب في وضع الجائحة"
هي الآفة التي تصيب الثمار فتهلكها. - "أصيب" أي بآفة "في ثمار" متعلق بأصيب "ابتاعها" والمعنى أنه لحقه خسران بسبب
ـــــــ
ونظير هذه المسألة إذا باعه ما يجري فيه الربا كالحنطة مثلا بثمن مؤجل فحل الأجل فاشترى بالثمن حنطة أو مكيلا آخر من غير الجنس مما يمتنع ربا النساء بينهما فهل يجوز ذلك فيه قولان
أحدهما المنع وهو المأثور عن ابن عمر وسعيد بن المسيب وطاووس وهو مذهب مالك وإسحاق
والثاني الجواز وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة وابن المنذر وبه قال جابر بن زيد وسعيد بن جبير وعلي بن الحسين وهو اختيار صاحب المغني وشيخنا
والأول اختيار عامة الأصحاب
والصحيح الجواز لما تقدم
قال عبد الله بن زيد قدمت على علي بن حسين فقلت له إني أجذ نخلي وأبيع ممن حضرني التمر إلى أجل فيقدمون بالحنطة وقد حل الأجل فيوقفونها بالسوق فأبتاع منهم وأقاصهم قال لا بأس بذلك إذا لم يكن منك على رأي يعني إذا لم يكن حيلة مقصودة
فهذا شراء للطعام بالدراهم التي في الذمة بعد لزوم العقد الأول فصح لأنه لا يتضمن ربا بنسيئة ولا تفاضل والذين يمنعون ذلك يجوزون أن يشتري منه الطعام بدراهم ويسلمها إليه ثم يأخذها منه وفاءا أو نسيئة منه بدراهم في ذمته ثم يقاصه بها ومعلوم أن شراءه الطعام منه بالدراهم التي له في ذمته أيسر من هذا وأقل كلفة والله أعلم
ـــــــ
قال الشيخ ابن القيم رحمه الله:
حديث مسلم في الجائحة من رواية ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر وهذا صحيح.

(9/262)


ابْتَاعَهَا فَكَثُرَ دَيْنُهُ فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: " تَصَدّقُوا عَلَيْهِ، فَتَصَدّقَ النّاسُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَبْلغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ، فَقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ وَلَيْسَ لَكُم إلاّ ذَلِكَ" .
ـــــــ
إصابة آفة في ثمار اشتراها ولم ينقد ثمنها "فكثر دينه" بضم المثلثة أي فطالبه البائع بثمن تلك الثمرة، وكذا طالبه بقية غرمائه وليس له مال يؤديه "فلم يبلغ ذلك" أي ما تصدقوا عليه "وفاء دينه" أي لكثرة دينه "خذوا" خطاب لغرمائه "وليس لكم إلا ذلك" أي ما وجدتم والمعنى ليس لكم إلا أخذ ما وجدتم والإمهال بمطالبة الباقي إلى الميسرة قاله القاري. قال النووي: اختلف العلماء في الثمرة إذا بيعت بعد بدو الصلاح وسلمها البائع إلى المشتري بالتخلية بينه وبينها ثم تلفت قبل أوان الجذاذ بآفة سماوية هل تكون من ضمان البائع أو المشتري، فقال الشافعي في أصح قوليه وأبو حنيفة وآخرون هي من ضمان المشتري ولا يجب وضع الجائحة لكن يستحب. وقال الشافعي في القديم وطائفة: هي من ضمان البائع ويجب وضع الجائحة. وقال مالك: إن كان دون الثلث لم يجب وضعها، وإن كانت الثلث فأكثر وجب وضعها وكانت من ضمان البائع. واحتج القائلون بوضعها بقوله صلى الله عليه وسلم "فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً" يعني في الحديث الآتي.
ـــــــ
والشافعي علل حديث سفيان عن حميد بن قيس عن سليمان بن عتيق عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع السنين وأمر بوضع الجوائح بأن قال سمعت سفيان يحدث هذا الحديث كثيرا في طول مجالستي له لا أحصي ما سمعته يحدثه من كثرته لا يذكر فيه أمر بوضع الجوائح لا يزيد على أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع السنين ثم زاد بعد ذلك وأمر بوضع الجوائح قال سفيان وكان حميد بن قيس يذكر بعد بيع السنين كلاما قبل وضع الجوائح إلا أني لا أدري كيف كان الكلام وفي الحديث أمر بوضع الجوائح
وفي الباب حديث عمرة عن عائشة ابتاع رجل ثمر حائط في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فعالجه وقام عليه حتى تبين له النقصان فسأل رب الحائط أن يضع عنه فحلف أن لا يفعل فذهبت أم المشتري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تألى أن لا يفعل خيرا" فسمع بذلك رب المال فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله هو له.
وعلله الشافعي بالإرسال وقد أسنده يحيى بن سعيد عن أبي الرجال عن عمرة عن عائشة وأسنده حارثة بن أبي الرجال عن أبيه
وليس بصريح في وضع الجائحة وقد تأوله من لا يرى وضع الجائحة بتأويلات باطلة
أحدها أنه محمول على ما يحتاج الناس إليه في الأراضي الخراجية التي خراجها للمسلمين

(9/263)


3466 - حدثنا سُلَيْمَانُ بنُ دَاوُدَ المَهْرِيّ وَ أَحْمَدُ بنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيّ قالا أنْبأنَا ابنُ وَهْبٍ قالَ أخبرني ابنُ جُرَيْجٍ ح. وَأخبرنا مُحَمّدُ بنُ مَعْمَر أخبرنا أبُو عَاصِمٍ عن ابنِ جُرَيْجٍ المَعْنَى أنّ أبَا الزّبَيْرِ المَكّيّ أخْبَرَهُ عن جَابِرِ بنِ عبد الله أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: " إنْ بِعْتَ مِنْ أخِيكَ تَمَراً فَأصَابَتْهَا جَائِحَةٌ فَلاَ يَحِلّ لَكَ أنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئاً، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أخِيكَ بِغَيْرِ حَقَ" .
ـــــــ
واحتج القائلون بأن لا يجب وضعها بحديث أبي سعيد الخدري هذا قالوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصدقة على الرجل ودفعه إلى غرمائه، فلو كانت توضع لم يفتقر إلى ذلك.
وأجاب الأولون بأنه يحتمل أنها تلفت بعد أوان الجذاذ وتفريط المشتري في تركها بعد ذلك على الشجر، فإنها حينئذ تكون من ضمان المشتري. قالوا ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث "ليس لكم إلا ذلك" ولو كانت الجوائح لا توضع لكان لهم طلب بقية الدين.
وأجاب الآخرون عن هذا بأن معناه ليس لكم الآن إلا هذا ولا تحل لكم مطالبته ما دام معسراً بل ينظر إلى ميسرة انتهى ملخصاً.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"إن بعت من أخيك تمراً" بالمثناة، وفي بعض النسخ بالمثلثة وهو الظاهر وكذلك في رواية الشيخين "فلا يحل لك إلخ" قال القاري: الحق أن ظاهر الحديث مع الإمام مالك "أي من حيث أنه يقول بوجوب وضع الجوائح من دون اعتبار خصوص مذهبه كما لا يخفي" ويمكن أن يقال معنى الحديث لو بعت من أخيك ثمراً قبل الزهو فيكون الحكم متفقاً عليه انتهى.
ـــــــ
فيوضع ذلك الخراج عنهمن فأما في الأشياء المبيعات فلا
وهذا كلام في غاية البطلان ولفظ الحديث لا يحتمله بوجه
قال البيهقي ولا يصح حمل الحديث عليه لأنه لم يكن يومئذ على أراضي المسلمين خراج
ومنها إنهم حملوه على إصابة الجائحة قبل القبض وهو تأويل باطل لأنه خص بهذا الحكم الثمار وعم به الأحوال ولم يقيده بقبض ولا عدمه
ومنها أنهم حملوه على معنى حديث أنس أرأيت إن منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه وهذا في بيعها قبل بدو صلاحها وهذا أيضا تأويل باطل وسياق الحديث يبطله فإنه علل بإصابة الجائحة لا بغير ذلك

(9/264)


.............................
ـــــــ
قلت: ويشير إلى هذا التأويل حديث أنس المتفق عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمرة حتى تزهي، قالوا وما تزهي؟ قال تحمر، وقال إذا منع الله الثمرة فبم تستحل مال أخيك. وأجاب عنه في النيل بأن التنصيص على وضع الجوائح قبل الصلاح لا ينافي الوضع مع البيع بعده ولا يصلح مثله لتخصيص ما دل على وضع الجوائح ولا لتقييده والله تعالى أعلم وعلمه أتم. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه.

(9/265)


25- باب في تفسير الجائحة
3467 - حدثنا سُلَيْمَانُ بنُ دَاوُدَ المَهْرِيّ أنْبأنَا ابنُ وَهْبٍ أخْبَرَنِي عُثْمَانُ بنُ الْحَكَمِ عن ابنِ جُرَيْجٍ عن عَطَاءٍ قال: الْجَوَائِحُ كُلّ ظَاهِرٍ مُفْسِدٍ مِنْ مَطَرٍ أوْ بَرْدٍ أوْ جَرَادٍ أوْ رِيحٍ أوْ حَرِيقٍ.
3468 - حدثنا سُلَيْمَانُ بنُ دَاوُدَ أنْبأنَا ابنُ وَهْبٍ أخبرني عُثْمَانُ بنُ الْحَكَمِ عن يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ أنّهُ قالَ: لاَ جَائِحَةَ فِيمَا أُصِيبَ دُونَ ثُلُثِ رَأْسِ المَالِ. قالَ يَحْيَى: وَذَلِكَ في سُنّةِ المُسْلِمِينَ.
ـــــــ
"باب في تفسير الجائحة"
"عن عطاء" هو ابن أبي رباح "قال الجوائح" جمع جائحة يقال جاحهم الدهر واجتاحهم بتقديم الجيم على الحاء فيهما إذا أصابهم بمكروه عظيم "كل ظاهر" أي غالب "مفسد" أي للثمار "من مطر أو برد إلخ" قال في النيل: ولا خلاف أن البرد والقحط والعطش جائحة، وكذلك كل ما كان آفة سماوية، وأما ما كان من الآدميين كالسرقة ففيه خلاف منهم من لم يره جائحة لقوله في حديث أنس "إذا منع الله الثمرة" ومنهم من قال إنه جائحة تشبيها بالآفة السماوية انتهى. وقول عطاء هذا سكت عنه المنذري.
"لا جائحة فيما أصيب دون ثلث رأس المال" أي لا يوضع بذلك شيء بدعوى الجائحة "وذلك في سنة المسلمين" أي علم ذلك بعملهم. كذا في فتح الودود، وكذلك قال: إن أذهبت الجائحة دون الثلث لم يجب وضع الجائحة وإن كانت الثلث فأكثر وجب لقوله صلى الله عليه وسلم "الثلث والثلث كثير" ولم يصح في الثلث شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو رأي أهل المدينة. وقول يحيى بن سعيد هذا سكت عنه المنذري.

(9/265)


26- باب في منع الماء
3469 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ أخبرنا جَرِيرٌ عن الأعْمَشِ عن أبِي صَالِحٍ عن أبِي هُرَيْرَةَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ يُمْنَعُ فَضْلُ المَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلاَءُ" .
3470 - حدثنا أبُو بَكْرِ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا وَكِيعٌ أخبرنا الأعْمَشُ عن أبِي صَالِحٍ عن أبِي هُرَيْرَةَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلّمُهُم الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ مَنَعَ ابنَ السّبِيلِ فَضْلَ مَاءٍ عِنْدَهُ، وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ - يَعني كَاذِباً - وَرَجُلٌ بَايَعَ إمَاماً، فَإنْ أعْطَاهُ وَفَى لَهُ، وَإنْ لَمْ يُعْطِهِ لَمْ يَفِ لَهُ" .
ـــــــ
"باب في منع الماء"
-"لا يمنع" بصيغة المجهول "فضل الماء ليمنع به الكلأ" بفتح الكاف واللام بعدها همزة مقصورة وهو النبات رطبه ويابسه. والمعنى أن يكون حول البئر كلأ ليس عنده ماء غيره ولا يمكن أصحاب المواشي رعية إلا إذا مكنوا من سقي بهائمهم من تلك البئر لئلا يتضرروا بالعطش بعد الرعي فيستلزم منعهم من الماء منعهم من الرعي، وإلى هذا التفسير ذهب الجمهور، وعلى هذا يختص البذل ممن له ماشية ويلحق به الرعاة إذا احتاجوا إلى الشرب، لأنه إذا منعهم من الشرب امتنعوا من الرعي هناك. كذا في النيل. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث الأعرج عن أبي هريرة.
"لا يكلمهم الله" أي كلام الرضا دون كلام الملازمة. قاله القاري.
"فضل ماء" أي زائداً عن حاجته. وفي رواية للبخاري "رجل كان له فضل ماء بالطريق فمنعه" "بعد العصر" إنما خص به لأن الأيمان المغلظة تقع فيه وقيل لأنه وقت الرجوع إلى أهله بغير ربح فحلف كاذباً بالربح وقيل ذكره لشرف الوقت فيكون اليمين الكاذبة في تلك الساعة أغلظ وأشنع، ولذا كان صلى الله عليه وسلم يقعد للحكومة بعد العصر. قاله القاري. وقال القسطلاني ليس بقيد بل خرج مخرج الغالب لأن الغالب أن مثله كان يقع في آخر النهار حيث يريدون الفراغ من معاملتهم. نعم يحتمل أن يكون تخصيص العصر لكونه وقت ارتفاع الأعمال "يعني كاذباً" تفسير من بعض الرواة "بايع إماماً" أي عاقد الإمام الأعظم ولا يبايعه إلا لدنيا كما في رواية البخاري "فإن أعطاه إلخ" الفاء تفسيرية. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.

(9/266)


3471 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ أخبرنا جَرِيرٌ عن الأعْمَشِ بِإسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ قال: {وَلاَ يُزَكّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ} وَقالَ في السّلْعَةِ: بالله لَقَدْ أعْطَى بِهَا كَذَا وَكَذَا فَصَدّقَهُ الآخر وَأخَذَهَا".
3472 - حدثنا عبيد الله بنُ مُعَاذٍ أخبرنا أبِي أخبرنا كَهْمَسٌ عن سَيّارِ بنِ مَنْظُورٍ - رَجُلٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ عن أبِيهِ عن امْرَأةٍ يُقَالُ لَهَا بُهَيْسَةُ عن أبِيهَا قالَتْ: اسْتَأْذَنَ أبِي النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فَدَخَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَمِيصِهِ، فَجَعَلَ يُقَبّلُ وَيَلْتَزِمُ، ثُمّ قال: يَانَبِيّ الله مَا الشّيْءُ الّذِي لاَ يَحِلّ مَنْعُهُ؟ قالَ: "المَاءُ". قال: يَانَبِيّ الله مَا الشّيْءُ الّذِي لاَ يَحِلّ مَنْعُهُ؟ قال: "المِلْحُ". قالَ: يَانَبِيّ الله مَا الشّيْءُ الّذِي لاَ يَحِلّ مَنْعُهُ؟ قال: "إِنْ تَفْعَلَ الْخَيْرَ خَيْرٌ لَكَ" .
3473 - حدثنا عَلِيّ بنُ الْجَعْدِ اللّؤْلُؤِيّ أخبرنا جَرِيْزُ بنُ عُثْمَانَ عن حِبّانَ بنِ زَيْدٍ الشّرْعَبِيّ عن رَجُلٍ مِنْ قَرْنٍ ح. وَحدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا عِيسَى بنُ يُونُسَ أخبرنا حرِيْزُ بنُ
ـــــــ
{وَلاَ يُزَكّيهِمْ} أي لا يطهرهم {وَلَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ} أي مؤلم "بالله لقد أعطي بها" أي بالسلعة. وضبط أعطي في بعض النسخ بصيغة المعلوم والظاهر أن يكون بصيغة المجهول "كذا وكذا" أي من الثمن "وأخذها" أي اشترى السلعة بالثمن الذي حلف أنه أعطيه اعتماداً على حلفه.
"أخبرنا كهمس" بوزن جعفر "عن سيار" بفتح المهملة وتشديد التحتية "يقال لها بهيسة" بالمهملة مصغرة الفزارية لا تعرف من الثالثة ويقال إن لها صحبة كذا في التقريب "قال الملح" قال الخطابي: معناه الملح إذا كان في معدنه في أرض أو جبل غير مملوك فإن أحداً لا يمنع من أخذه، وأما إذا صار في حيز مالكه فهو أولى به وله منعه وبيعه والتصرف فيه كسائر أملاكه انتهى. والحديث سكت عنه المنذري.
"أخبرنا حريز" بفتح حاء مهملة وكسر راء آخره زاي "عن حبان بن زيد" بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة "الشرعبي" بفتح المعجمة ثم راء ساكنة ثم مهملة مفتوحة ثم موحدة. قال السيوطي: الشرعبي بفتح أوله والعين المهملة وموحدة نسبة إلى شرعب قبيلة من حمير انتهى "عن رجل من قرن" القرن بفتح القاف وسكون الراء بطن من مذحج ومن الأزد وبفتحتين بطن من مراد. قاله السيوطي.
وأخرج ابن مندة من طريق أبي اليمان عن حريز بن عثمان عن حبان بن زيد الشرعبي عن

(9/267)


عُثْمَانَ أخبرنا أبُو خِدَاشٍ وَهَذَا لَفْظُ عَلِيّ: عن رَجُلٍ مِنَ المُهَاجِرِينَ مِنْ أصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: غَزَوْتُ مَعَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم ثَلاَثاً أَسْمَعُهُ يَقُولُ: "المُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ في ثَلاَثٍ: في المَاءِ وَالْكَلإِ وَالنّارِ" .
ـــــــ
شيخ من شرعب عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث "أخبرنا أبو خداش" بكسر الخاء المعجمة كنية حبان بن زيد "ثلاثاً" أي ثلاث غزوات "في الماء" بدل بإعادة الجار والمراد المياه التي لم تحدث باستنباط أحد وسعيه كماء القنى والآبار ولم يحرز في إناء أو بركة أو جدول مأخوذ من النهر "والكلأ" بفتح الكاف واللام بعدها همزة مقصورة وهو النبات رطبه ويابسه.
قال الخطابي: معناه الكلأ الذي ينبت في موات الأرض يرعاه الناس ليس لأحد أن يختص به دون أحد أو يحجره عن غيره. وأما الكلأ إذا كان في أرض مملوكة لمالك بعينه فهو مال له ليس لأحد أن يشركه فيه إلا بإذنه انتهى. "والنار" يراد من الاشتراك فيها أنه لا يمنع من الاستصباح منها والاستضاءة بضوئها، لكن للمستوقد أن يمنع أخذ جذوة منها لأنه ينقصها ويؤدي إلى إطفائها.
وقيل: المراد بالنار الحجارة التي توري النار لا يمنع أخذ شيء منها إذا كانت في موات. قال العلامة الشوكاني في النيل: اعلم أن أحاديث الباب تنتهض بمجموعها فتدل على الاشتراك في الأمور الثلاثة مطلقاً، ولا يخرج شيء من ذلك إلا بدليل يخص به عمومها لا بما هو أعم منها مطلقاً، كالأحاديث القاضية بأنه لا يحل مال امرىء مسلم إلا بطيبة من نفسه لأنها مع كونها أعم إنما تصلح للاحتجاج بها بعد ثبوت المال وثبوته في الأمور الثلاثة محل النزاع انتهى.
وقال السندي: وقد ذهب قوم إلى ظاهرة فقالوا: إن هذه الأمور الثلاثة لا تملك ولا يصح بيعها مطلقاً، والمشهور بين العلماء أن المراد بالكلأ هو الكلأ المباح الذي لا يختص بأحد، وبالماء ماء السماء والعيون والأنهار التي لا تملك، وبالنار الشجر الذي يحتطبه الناس من المباح فيوقدونه، فالماء إذا أحرزه الإنسان في إنائه وملكه يجوز بيعه وكذا غيره انتهى. والحديث سكت عنه المنذري.

(9/268)


27- باب في بيع فضل الماء
3474 - حدثنا عبد الله بنُ مُحَمّدٍ النّفَيْلِيّ أخبرنا دَاوُدُ بنُ عبد الرحمن الْعَطّارُ عن عَمْرِو بنِ دِينَارٍ عن أبِي المِنْهَالِ عن إيَاسِ بنِ عَبْدٍ: " أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ بَيْعِ فَضْلِ المَاءِ" .
ـــــــ
"باب في بيع فضل الماء"
"عن إياس بن عبد" هو أبو عوف المزني. قال البخاري: وابن حبان له صحبه روي له أصحاب السنن وأحمد حديثاً في بيع الماء. قال البغوي وابن السكن: لم يرو غيره. كذا في الإصابة.
وفي الخلاصة: روى عنه عبد الرحمن بن مطعم وهو أبو المنهال. قال ابن أبي حاتم: له صحبة سمعت أبي وأبا زرعة يقولان ذلك انتهى. "نهى عن بيع فضل الماء).
قال الخطابي: معناه ما فضل عن حاجته وحاجة عياله وماشيته وزرعه انتهى والحديث يدل على تحريم بيع فضل الماء، والظاهر أنه لا فرق بين الماء الكائن في أرض مباحة أو في أرض مملوكة، وسواء كان للشرب أو لغيره، وسواء كان لحاجة الماشية أو الزرع، وسواء كان في فلاة أو في غيرها. وقال القرطبي: ظاهر هذا اللفظ النهي عن نفي بيع الماء الفاضل الذي يشرب فإنه السابق إلى الفهم. قاله في النيل.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي حسن صحيح.

(9/269)


28- باب في ثمن السنور
3475 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى الرّازِيّ ح. وأخبرنا الرّبِيعُ ابنُ نَافِعٍ أبُو تَوْبَةَ وَ عَلِيّ بنُ بَحْرٍ قالا حدثنا عِيسَى، وَقالَ إبْرَاهِيمُ أخبرنا عن الأعمَشِ عن أبِي سُفْيَانَ
ـــــــ
"باب في ثمن السنور"
بالسين المكسورة وتشديد النون المفتوحة وسكون الواو بعدها راء، وهو الهر وهو بالفارسية كريه
"قالا حدثنا عيسى" أي عن الأعمش، والمقصود أن إبراهيم بن موسى والربيع بن نافع وعلي بن بحر كلهم يروون عن عيسى بن يونس عن الأعمش، لكن قال إبراهيم أخبرنا

(9/269)


عن جَابِرِ بنِ عبد الله أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: نَهَى عنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسّنّوْرِ .
3476 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا عَبْدُالرّزّاقِ أخبرنا عُمَرُ بنُ زَيْدٍ الصّنْعَانِيّ أنّهُ سَمِعَ أبَا الزّبَيْرِ عن جَابِرٍ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عنْ ثَمَنِ الْهِرّةِ [الهر].
ـــــــ
عيسى بن يونس، وقال الربيع بن نافع وعلي بن بحر حدثنا عيسى بن يونس، فالفرق بينه وبينهما بالإخبار والتحديث والله أعلم "نهى عن ثمن الكلب والسنور".
قال الخطابي: النهي عن ثمن السنور من أجل أحد معنيين، إما لأن كالوحش الذي لا يملك قيادة ولا يكاد يصح التسليم فيه، وذلك لأنه ينتاب الناس في دورهم ويطوف عليهم فيها فلم ينقطع عنهم، وليس كالدواب التي تربط علي الأواري ولا كالطير الذي يحبس في الأقفاص، وقد يتوحش بعد الأنوسة ويتأبد حتى لا يقرب ولا يقدر عليه، وإن صار المشتري له إلى أن يحبسه في بيته أو شده في خيط أو سلسلة لم ينتفع به. والمعنى الآخر أنه إنما نهى عن بيعه لئلا يتمانع الناس فيه وليتعاوروا ما يكون منه في دورهم فيرتفقوا به ما أقام عندهم، ولا يتنازعوه إذا انتقل عنهم إلى غيرهم تنازع الملاك في النفيس من الإغلاق وقيل إنما نهى عن بيع الوحشي منه دون الإنسي انتهى.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال في إسناده اضطراب انتهى كلامه. والحديث أخرجه الحافظ البيهقي في السنن الكبرى من طريقين عن عيسى بن يونس وعن حفص بن غياث كلاهما عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر ثم قال أخرجه أبو داوود في السنن عن جماعة عن عيسى بن يونس قال البيهقي: وهذا حديث صحيح على شرط مسلم دون البخاري إذ هو لا يحتج برواية أبي سفيان، ولعل مسلماً إنما لم يخرجه في الصحيح لأن وكيع بن الجراح رواه عن الأعمش قال: قال جابر بن عبد الله فذكره ثم قال: قال الأعمش أرى أبا سفيان ذكره، فالأعمش كان يشك في وصل الحديث فصارت رواية أبي سفيان بذلك ضعيفة انتهى.
"نهى عن ثمن الهرة" فيه وفي الحديث السابق دليل على تحريم بيع الهرة، وبه قال أبو هريرة ومجاهد وجابر بن زيد حكى ذلك عنهم ابن المنذر. وذهب الجمهور إلى جواز بيعه وأجابوا عن الحديث بأنه ضعيف وسيظهر لك من كلام المنذري أن الحديث أخرجه مسلم في صحيحه فكيف يكون ضعيفاً. وقيل: إنه يحمل النهي على كراهة التنزيه وأن بيعه ليس من مكارم الأخلاق ولا من المروءات، ولا يخفى أن هذا إخراج للنهي عن معناه الحقيقي بلا مقتض.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه. قال الترمذي: غريب، وقال

(9/270)


...............................
ـــــــ
النسائي: هذا منكر. هذا اخر كلامه. وفي إسناده عمر بن زيد الصنعاني قال ابن حبان: ينفرد بالمناكير عن المشاهير حتى خرج عن حد الاحتجاج به وقال الخطابي: وقد تكلم بعض العلماء في إسناد هذا الحديث وزعم أنه غير ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال أبو عمر بن عبدالبر: حديث بيع السنور لا يثبت رفعه. هذا آخر كلامه. وقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث معقل وهو ابن عبيد الله الجزري عن أبي الزبير قال: سألت جابراً عن ثمن الكلب والسنور قال زجر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقيل أنما نهى عن بيع الوحشي منه دون الإنسي. وقيل لعله على جهة الندب لإعارته فيرتفقوا به ما أقام عندهم ولا يتنازعوه إذا انتقل عنهم إلى غيرهم. وكره بيع السنور أبو هريرة وجابر وطاووس ومجاهد أخذوا بظاهر الحديث. وجمهور العلماء على أنه لا يمنع من بيعه انتهى كلام المنذري. ولفظ البيهقي في السنن "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل الهر وأكل ثمنه انتهى.
"

(9/271)


29- باب في أثمان الكلاب
3477 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا سُفْيَانُ عن الزّهْرِيّ عن أبِي بَكْرِ بنِ عبد الرحمن عن أبي مَسْعُودٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم: أنّهُ نَهَى عنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَمَهْرِ الْبَغِيّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ .
3478 - حدثنا الرّبِيعُ بنُ نَافِعٍ أبُو تَوْبَةَ حدثنا عبيد الله - يَعْني ابنَ عَمْرٍو عن
ـــــــ
"باب في أثمان الكلاب"
"نهى عن ثمن الكلب" فيه دليل على تحريم بيع الكلب، وظاهره عدم الفرق بين المعلم وغيره، سواء كان مما يجوز اقتناؤه أو مما لا يجوز، وإليه ذهب الجمهور.
وقال أبو حنيفة يجوز: وقال عطاء والنخعي: يجوز بيع كلب الصيد دون غيره، ويدل عليه ما أخرجه النسائي من حديث جابر قال "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب إلا كلب صيد" قال في الفتح ورجال إسناده ثقات إلا أنه طعن في صحته. وأخرج نحوه الترمذي من حديث أبي هريرة لكن من رواية أبي المهزم وهو ضعيف، فينبغي حمل المطلق على المقيد ويكون المحرم بيع ما عدا كلب الصيد إن صلح هذا المقيد للاحتجاج به قاله فيه النيل "ومهر البغي وحلوان الكاهن" تقدم الكلام عليهما في باب حلوان الكاهن.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.

(9/271)


عَبْدِالكَرِيمِ عن قَيْسِ بنِ حَبْتَرٍ عن عبد الله بنِ عَبّاس قال: نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَإنْ جَاءَ يَطْلُبُ ثَمَنَ الْكَلْبِ فَامْلأْ كَفّهُ تُرَاباً .
3479 - حدثنا أبُو الْوَلِيدِ الطّيَالِسِيّ أخبرنا شُعْبَةُ أخبرني عَوْنُ بنُ أبِي جُحَيْفَةَ أنّ أبَاهُ قال: إنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ.
3480 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ حَدّثَنِي مَعْرُوفُ بنُ سُوَيْدٍ الْجُذَامِيّ أنّ عَلِيّ بنَ رَبَاحٍ اللّخْمِيّ حَدّثَهُ أنّهُ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَحِلّ ثَمَنُ الْكَلْبِ وَلاَ حُلْوَانُ الْكَاهِنِ، وَلاَ مَهْرُ الْبَغِيّ" .
ـــــــ
"عن قيس بن حبتر" بمهملة وموحدة ومثناة يوزن جعفر ثقة من الرابعة "وإن جاء" أي أحد "فاملأ كفه تراباً" قال الخطابي: معنى التراب ها هنا الحرمان والخيبة كما يقال ليس في كفه إلا التراب، وكقوله صلى الله عليه وسلم "والعاصر الحجر" يريد الخيبة إذ لا حظ له في الولد، وكان بعض السلف يذهب إلى استعمال الحديث على ظاهره ويرى أن يوضع التراب بكفه. قال وفيه دليل على أن لا قيمة للكلب إذا تلف ولا يجب فيه عوض. وقال مالك: فيه القيمة ولا ثمن له. قال الثمن ثمنان، ثمن التراضي عند البيوع، وثمن التعديل عند الإتلاف، وقد أسقطهما النبي صلى الله عليه وسلم بقوله فاملأ كفه تراباً، فدل على أن لا عوض له بوجه من الوجوه انتهى. والحديث سكت عنه المنذري.
"نهى عن ثمن الكلب" قال الخطابي نهيه عليه السلام عن ثمن الكلب يدل على فساد بيعه لأن العقد إذا صح كان دفع الثمن واجباً مأموراً به لا منهياً عنه انتهى. قال المنذري: وأخرج البخاري أتم منه.
"لا يحل ثمن الكلب إلخ" قال الخطابي: فإذا لم يحل ثمن الكلب لم يحل بيعه، لأن البيع أنما هو عقد على ثمن ومثمن. فإذا فسد أحد الشقين فسد الشق الآخر انتهى. قال المنذري: وأخرجه النسائي.

(9/272)


30- باب في ثمن الخمر والميتة
3481 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ أخبرنا عبد الله بنُ وَهْبٍ عن مُعَاوِيَةَ بنِ صَالِحٍ عن عَبْدِالوَهّابِ بنِ بُخْتٍ عن أبِي الزّنَادِ عن الأعْرَجِ عن أبيِ هُرَيْرَةَ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "إنّ الله حَرّمَ الخْمْرَ وَثَمَنَهَا وَحَرّمَ المَيْتَةَ وَثَمَنَهَا، وَحَرّمَ الْخِنْزِيرَ وَثَمَنَهُ".
3482 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا اللّيْثُ عن يَزِيدَ بنِ أبِي حَبِيبٍ عن عَطَاءِ بنِ أبِي رَبَاحٍ عن جَابِرِ بنِ عبد الله أنّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِمَكّةَ: "إنّ الله حَرّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأصْنَامِ"، فَقِيلَ: يَارَسُولَ الله أرَأيْتَ شُحُومَ المَيْتَةِ فَإنّهُ يُطْلَى بِهَا السّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحَ بِهَا النّاسُ، فَقالَ:
ـــــــ
"باب في ثمن الخمر والميتة"
"عن عبدالوهاب بن بخت" بضم الموحدة وسكون المعجمة بعدها مثناة ثقة من الخامسة "وحرم الميتة" بفتح الميم هي ما زالت عنه الحياة لا بذكاة شرعية "وحرم الخنزير وثمنه" قال الخطابي: فيه دليل على فساد بيع السرقين وبيع كل نجس العين. وفيه دليل على أن بيع شعر الخنزير لا يجوز لأنه جزء منه. واختلفوا في جواز الانتفاع به فكرهت طائفة ذلك. وممن منع منه ابن سيرين والحكم وحماد والشافعي وأحمد وإسحاق وقال أحمد وإسحاق الليف أحب إلينا. ورخص فيه الحسن والأوزاعي ومالك وأصحاب الرأي انتهى. والحديث سكت عنه المنذري.
"إن الله حرم بيع الخمر" والعلة فيه السكر فيتعدى ذلك إلى كل مسكر "والأصنام" جمع صنم. قال الجوهري: هو الوثن، وفرق بينهما في النهاية فقال الوثن كل ماله جثة معمولة من جواهر الأرض أو من الخشب أو من الحجارة كصورة الآدمي تعمل وتنصب فتعبد، والصنم الصورة بلا جثة. قال: وقد يطلق الوثن على غير الصورة "أرأيت" أي أخبرني "فإنه" أي الشأن "يطلى" بصيغة المجهول "بها" أي بشحوم الميتة "السفن" بضمتين جمع السفينة "ويدهن" بصيغة المجهول "ويستصبح بها الناس" أي يجعلونها في سرجهم ومصابيحهم يستضيئون بها أي فيها يحل بيعها لما ذكر من المنافع فإنها مقتضية لصحة البيع "فقال لا هو حرام" أي البيع هكذا فسره بعض العلماء كالشافعي ومن اتبعه، ومنهم من حمل قوله وهو حرام على حرام على الانتفاع فقال يحرم الانتفاع بها وهو قول أكثر العلماء فلا ينتفع من الميتة أصلا عندهم إلا ما خص بالدليل وهو الجلد المدبوغ واختلفوا فيما يتنجس من الأشياء الطاهرة، فالجمهور على الجواز،

(9/273)


"لاَ هُوَ حَرَامٌ" ، ثُمّ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عِنْدَ ذَلِكَ: " قَاتَلَ الله الْيَهُودَ، إنّ الله تَعَالَى لَمّا حَرّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا أجْمَلُوهُ ثُمّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ" .
3483 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ بَشّارٍ أخبرنا أبُو عَاصِمٍ عن عَبْدِالْحَمِيدِ بنِ جَعْفَرٍ عن يَزِيدَ بنِ أبِي حَبِيبٍ قالَ: كَتَبَ إلَيّ عَطَاءٌ عن جَابِرٍ نَحْوَهُ، لَمْ يَقُلْ هُوَ حَرَامٌ.
3484 - حدثنا مُسَدّدٌ أنّ بِشْرَ بنَ المُفَضّلِ وَ خَالِدَ بنَ عبد الله حَدّثَاهُمْ الْمَعْنَى عن خَالِدٍ الْحَذّاءِ عن بَرَكَةَ قَالَ مُسَدّدٌ في حَدِيثِ خَالِدِ بنِ عبد الله عن بَرَكَةَ أبِي الْوَلِيدِ، ثُمّ اتّفَقَا عن ابنِ عَبّاسٍ قال: رَأيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم جَالِساً عِنْدَ الرّكْنِ، قالَ فَرَفَعَ بَصَرَهُ إلَى السّمَاءِ فَضَحِكَ فَقالَ: "لَعَنَ الله الْيَهُودَ ثَلاَثاً، إنّ الله تَعَالَى حَرّمَ
ـــــــ
وقال أحمد وابن الماجشون لا ينتفع بشيء من ذلك، واستدل الخطابي على جواز الانتفاع بإجماعهم على أن من ماتت له دابة ساغ له إطعامها لكلاب الصيد فكذلك يسوغ دهن السفينة بشحمم الميتة ولا فرق كذا في الفتح "عند ذلك" أي عند قوله حرام قاله القسطلاني. وقال القاري: أي ما ذكر من قول القائل أرأيت إلخ "قاتل الله اليهود" أي أهلكهم ولعنهم، ويحتمل إخبارا ودعاء هو من باب عاقبت اللص "لما حرم عليهم شحومها" أي شحوم الميتة قاله القسطلاني. وقال القاري: الضمير يعود إلى كل واحدة من البقر والغنم المذكور في قوله تعالى {وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا} : قال: والبقر والغنم اسم جنس يجوز تأنيثه باعتبار المعنى "أجملوه" بالجيم أي أذابوه، والضمير راجع إلى الشحوم بتأويل المذكور. ذكره الطيبي. قال الخطابي: أي أذابوها حتى تصير ودكا فيزول عنها اسم الشحم تقول جملت الشحم وأجملته إذا أذبته. قال وفي هذا بيان بطلان كل حيلة يحتال بها للتوصل إلى محرم فإنه لا يتغير حكمه بتغير هيئته وتبديل اسمه انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"حدثاهم" أي مسدد أو غيره "المعنى" أي معنى حديثيهما واحد وفي ألفاظهما اختلاف "عن خالد الحذاء" هو خالد بن مهران البصري الحذاء "عن بركة" بفتحات "في حديث خالد بن عبد الله" بإضافة حديث إلى خالد، وفي بعض النسخ في حديثه بالإضافة إلى الضمير، والظاهر هو الأول. وخالد بن عبد الله هذا هو الطحان "عن بركة أبي الوليد" كنية بركة فزاد خالد بن عبد الله في حديثه لفظ أبي الوليد بعد لفظ بركة، وأما بشر بن المفضل فلم يزد في حديثه هذا اللفظ "ثم اتفقا" أي بشر وخالد "إن الله تعالى إذا حرم على قوم إلخ" قال في

(9/274)


عَلَيْهِمْ الشّحُومَ فَبَاعُوهَا وَأكَلُوا أثْمَانَهَا، وَإنّ الله تَعَالَى إذَا حَرّمَ عَلَى قَوْمٍ أكْلَ شَيْءٍ حَرّمَ عَلَيْهِمْ ثَمَنَهُ" ، وَلَمْ يَقُلْ في حَدِيثِ خَالِدِ بنِ عبد الله الطّحّانِ رَأيْتُ، وَقالَ: " قَاتَلَ الله الْيَهُودَ".
3485 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ حدثنا ابنُ إدْرِيسَ وَ وَكِيعٌ عن طُعْمَةَ بنِ عَمْرٍو الْجَعْفَرِيّ عن عُمَرَ بنِ بَيَانَ التّغْلِبِيّ عن عُرْوَةَ بنِ المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ عن المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ بَاعَ الْخَمْرَ فَلْيُشَقّصِ الْخَنَازِيرَ" .
3486 - حدثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ أخبرنا شُعْبَةُ عن سُلَيْمَانَ عن أبي الضّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ عنْ عَائِشَةَ قالَتْ: لَمّا نَزَلَتِ الآيات الأوَاخِرُ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ خَرَجَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَقَرَأَهُنّ عَلَيْنَا وَقالَ: "حُرّمَتِ التّجَارَةُ في الْخَمْرِ".
3487 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا أبُو مُعَاوِيَةَ عن الأعْمَشِ بِإسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ قال: الآيات الأوَاخِرُ في الرّبَا.
ـــــــ
المنتقي: وهو حجة في تحريم بيع الدهن النجس "وقال قاتل الله" أي مكان لعن الله اليهود. والحديث سكت عنه المنذري.
"فليشقص الخنازير" قال الخطابي: معناه فليستحل أكلها والتشقيص يكون من وجهين أحدهما أن يذبحها بالمشقص وهو نصل عريض والوجه الآخر أن يجعلها أشقاصاً بعد ذبحها كما يفصل أجزاء الشاة إذا أرادوا إصلاحها للأكل. ومعنى الكلام إنما هو توكيد التحريم والتغليظ فيه يقول من استحل بيع الخمر فليستحل أكل الخنزير فإنهما في الحرمة والإثم سواء، أي إذا كنت لا تستحل أكل الخنزير فلا تستحل ثمن الخمر، فإنك تهلك وتحرق بالنار انتهى. وقال في النهاية: وهذا لفظ أمر ومعناه النهي، تقديره من باع الخمر فليكن للخنازير قصاباً انتهى. والحديث سكت عنه المنذري.
"لما نزلت الآيات الأواخر إلخ" قال القاضي وغيره: تحريم الخمر هو في سورة المائدة وهي نزلت قبل آية الربا بمدة طويلة، فإن آية الربا آخر ما نزل أو من آخر ما نزل فيحتمل أن يكون هذا النهي عن التجارة متأخراً عن تحريمها ويحتمل أنه أخبر بتحريم التجارة حين حرمت الخمر ثم أخبر به مرة أخرى بعد نزول اية الربا توكيداً ومبالغة، ولعله حضر المجلس من لم يكن بلغة تحريم التجارة فيها قبل ذلك والله أعلم ذكره النووي في شرح صحيح مسلم. قال

(9/275)


..............................
ـــــــ
المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.

(9/276)


31- باب في بيع الطعام قبل أن يستوفي
أي يقبض.
3488 - حدثنا عبد الله بنُ مَسْلَمَةَ عن مَالِكٍ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَاماً فَلاَ يَبِعْهُ حَتّى يَسْتَوْفِيَهُ ".
ـــــــ
"باب في بيع الطعام قبل أن يستوفي"
أي يقبض.
"من ابتاع" أي اشترى "حتى يستوفيه" أي يقبضه. وفي هذا الحديث والأحاديث الآتية النهي عن بيع المبيع حتى يقيضه. قال النووي: واختلف العلماء في ذلك، فقال الشافعي: لا يصح بيع المبيع قبل قبضه سواء كان طعاماً أو عقاراً أو منقولا أو نقداً أو غيره. وقال أبو حنيفة:
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وقد روى البيهقي في سننه من حديث سفيان وهمام وأبان العطار عن يحيى بن أبي كثير عن يعلى بن حكيم عن يوسف بن ماهك عن عبد الله بن عصمة عن حكيم بن حزام قال قلت يارسول الله إني أبتاع هذه البيوع فما يحل لي منها وما يحرم علي قال: "يا ابن أخي لا تبع شيئا حتى تقبضه" ولفظ حديث أبان "إذا اشتريت بيعا فلا تبعه حتى تقبضه" وهذا إسناد على شرطهما سوى عبد الله بن عصمة وقد وثقه ابن حبان واحتج به النسائي
وروى النسائي من حديث عطاء بن أبي رباح عن حزام بن حكيم قال قال حكيم بن حزام ابتعت طعاما من طعام الصدقة فربحت فيه قبل أن أقبضه فأتيت رسول الله فذكرت ذلك له فقال: "لا تبعه حتى تقبضه"
وفي صحيح مسلم عن أبي الزبير عن جابر عن النبي أنه نهى أن يبيع الرجل طعاما حتى يستوفيه
وفيه من حديث أبي هريرة يرفعه من اشترى طعاما فلا يبعه حتى يكتاله قال ابن المنذر أجع العلماء على أن من اشترى طعاما فليس له بيعه حتى يقبضه وحكى ذلك عن غير واحد من أهل العلم إجماعا
وأما ما حكي عن عثمان البتي من جوازه فإن صح فلا يعتد به
فأما غير الطعام فاختلف فيه الفقهاء على أقوال عديدة

(9/276)


..........................................
ـــــــ
لا يجوز في كل شيء إلا العقار. وقال مالك. لا يجوز في الطعام ويجوز فيما سواه ووافقه كثيرون. وقال آخرون: لا يجوز في المكيل والموزون ويجوز فيما سواه انتهى. قلت: يدل على ما ذهب إليه الشافعي حديث زيد بن ثابت الآتي في الباب وحديث حكيم بن حزام عند
ـــــــ
أحدها أنه يجوز بيعه قبل قبضه مكيلا كان أو موزونا وهذا مشهور مذهب مالك واختاره أبو ثور وابن المنذر
والثاني أنه يجوز بيع الدور والأرض قبل قبضها وما سوى العقار فلا يجوز بيعه قبل القبض وهذا مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف
والثالث ما كان مكيلا أو موزونا فلا يصح بيعه قبل القبض سواء أكان مطعوما أم لم يكن وهذا يروى عن عثمان رضي الله عنه وهو مذهب ابن المسيب والحسن والحكم وحماد والأوزاعي وإسحاق وهو المشهور من مذهب أحمد بن حنبل
والرابع أنه لا يجوز بيع شيء من المبيعات قبل قبضه بحال وهذا مذهب ابن عباس ومحمد بن الحسن وهو إحدى الروايات عن أحمد
وهذا القول هو الصحيح الذي نختاره
وقد اختلف أصحاب أحمد في المنع من بيع المكيل والموزون قبل قبضه على ثلاثة طرق
أحدها أن المراد ما تعلق به حق التوفية بالكيل أو الوزن كرطل من زبرة أو قفيز من صبرة وهذه طريقة القاضي وصاحب المحرر وغيرهما وعلى هذا فمنعوا بيع ما يتعلق به حق توفية وإن لم يكن مكيلا ولا موزونا كمن اشترى ثوبا على أنه عشرة أذرع أو قطيعا كل شاة بدرهم
والطريقة الثانية أن المراد به ما كان مكيل الجنس وموزونه وإن اشتراه جزافا كالصبر وزبرة الحديد ونحوهما
والطريقة الثالثة أن المراد به المكيل والموزون من المطعوم والمشروب نص عليه في رواية مهنا فقال كل شيء يباع قبل قبضه إلا كان يكال أو يوزن مما يؤكل ويشرب
فصار في مذهبه أربع روايات:
أحداها أن المنع مختص بما يتعلق به حق التوفية
الثانية أنه عام في كل مكيل أو موزون مطعوم
الثالثة أنه عام في كل مكيل أو موزون مطعوما كان أو غيره
الرابعة أنه عام في كل مبيع والصحيح هو هذه الرواية لوجوه

(9/277)


..........................................
ـــــــ
أحمد بلفظ "إذا اشتريت شيئاً فلا تبعه حتى تقبضه" فإنهما بعمومهما يشملان الطعام وغيره. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.
ـــــــ
أحدها : حديث حكيم بن حزام قلت يارسول الله إني أبتاع هذه البيوع فما يحل لي منها وما يحرم علي قال "يا ابن أخي لا تبع شيئا حتى تقبضه" وقد ذكرنا الكلام عليه
الثاني : ما ذكره أبو داود في الباب من حديث زيد بن ثابت نهى رسول الله أن تباع السلع حيث تبتاع وإن كان فيه محمد بن إسحاق فهو الثقة الصدوق وقد استوفينا الكلام عليه في الرد على الجهمية من هذا الكتاب
فإن قيل الأحاديث كلها مقيدة بالطعام سوى هذين الحديثن فإنهما مطلقان أو عامان وعلى التقديرين فنقيدهما بأحاديث الطعام أو نخصمها بمفهومها جمعا بين الأدلة وإلا لزم إلغاء وصف الحكم وقد علق به الحكم قيل عن هذا جوابان
أحدهما أن ثبوت المنع في الطعام بالنص وفي غيره إما بقياس النظير كما صح عن ابن عباس أنه قال ولا أحسب كل شيء إلا بمنزلة الطعام أو بقياس الأولى لأنه إذا نهى عن بيع الطعام قبل قبضه مع كثرة الحاجة إليه وعمومها فغير الطعام بطريق الأولى وهذا مسلك الشافعي ومن تبعه
الجواب الثاني أن اختصاص الطعام بالمنع إنما هو مستفاد من مفهوم اللقب وهو لو تجرد لم يكن حجة فكيف وقد عارضه عموم الأحاديث المصرحة بالمنع مطلقا والقياس المذكور حتى لو لم ترد النصوص العامة لكان قياسه على الطعام دليلا على المنع والقياس في هذا يمكن تقديره من طريقين
أحدهما قياس بإبداء الجامع ثم للمتكلمين فيه طريقان
أحدهما أنه قياس تسوية
والثاني أنه قياس أولوية
والثاني من الطريقين الأولين قياس بإلغاء الفارق فإنه لا فارق بين الطعام وغيره في ذلك إلا ما لا يقتضي الحكم وجودا ولا عدما فافتراق المجلس فيها عديم التأثير
يوضحه أن المسالك التي اقتضت المنع من بيع الطعام قبل قبضه موجودة بعينها في غيره كما سيأتي بيانه
قال المخصصون للمنع تعليق النهي عن ذلك الطعام يدل على أنه هو العلة لأن الحكم لو تعلق بالأعم لكان الأخص عديم التأثير فكيف يكون المنع عاما فيعلقه الشارع بالخاص

(9/278)


............................................
ـــــــ
قال المعممون لا تنافي بين الأمرين فإن تعليق الحكم بعموم المبيعات مستقل بإفادة التعميم وتعليقه بالخاص يحتمل أن يكون لاختصاص الحكم به فثبت التعارض ويحتمل أن يكون لغرض دعا إلى التعيين من غير اختصاص الحكم به إما لحاجة المخاطب وإما لأن غالب التجارة حينئذ كانت بالمدينة فيه فخرج ذكر الطعام مخرج الغالب فلا مفهوم له وهذا هو الأظهر فإن غالب تجارتهم بالمدينة كانت في الطعام ومن عرف ما كان عليه القوم من سيرتهم عرف ذلك فلم يكن ذكر الطعام لاختصاص الحكم به ولو لم يكن ذلك هو الأظهر لكان محتملا فقد تعارض الاحتمالان والأحاديث العامة لا معارض لها فتعين القول بموجبها
قال المخصصون لا يمكنكم القول بعموم المنع فإنه قد ثبت بالسنة جواز التصرف في غير الطعام قبل قبضه بالبيع وهو الاستبدال بالثمن قبل قبضه والمصارفة عليه
قال المعممون الجواب من وجهين
أحدهما الفرق بين الثمن في الذمة والمبيع المتعين من وجوه ثلاثة
أحدها أن الثمن مستقر في الذمة لا يتصور تلفه والبيع ليس كذلك نعم لو كان الثمن معينا لكان بمنزلة المبيع المتعين
الثاني أن بيع الثمن ها هنا إنما هو ممن في ذمته ليس تبعا لغيره فلو باع الثمن قبل القبض لغير من هو في ذمته لم يجز في أحد قولى الشافعي وهو الذي رجحه الرافعي وغيره من أصحابه
الثالث أن العلل التي لأجلها امتنع العقد على المبيع قبل قبضه منتفية في الثمن بأسرها فإن المآخذ ثلاثة
إما عدم استقرار المبيع وكونه عرضه للتلف وانفساخ العقد
وهذه العلة مأمونة بكون الثمن في الذمة
وأما إن علق البائع لم تنقطع عن المبيع وهذه العلة أيضا منتفية ها هنا
وإما أنه عرضة للربح وهو مضمون على البائع فيؤدي إلى ربح ما لم يضمن
وهذه العلة أيضا منتفية في الثمن فإنه إنما يجوز له الاستبدال به بسعر يومه كما شرطه النبي لئلا يربح فيما لم يضمن ولا يمكن إن يقال مثل هذا في السلع لأنه إنما اشتراها للربح فلو منعناه من بيعها إلا بمثل الثمن لم يكن في الشراء فائدة بخلاف الأثمان فإنها لم توضع لذلك وإنما وضعت رؤوسا للأموال لا موردا للكسب والتجارة
قال المخصصون قد سلمتم نفوذ العتق قبل القبض وهو تصرف يزيل الملك فما الفرق بينه وبين البيع الناقل للملك؟

(9/279)


............................................
ـــــــ
قال المعممون الفرق بينهما أن الشارع جعل للعتق من القوة والسراية والنفوذ ما لم يجعل لغيره حتى أدخل الشقص الذي للشريك في ملك العتق قهرا وأعتقه عليه قهرا وحتى أعتق عليه ما لم يعتقه لقوته ونفوذه فلا يصح إلحاق غيره من التصرفات به
قال المخصصون قد جوزتم بيع الملك قبل قبضه في صور
إحداها بيع الميراث قبل قبض الوارث له
الثانية إذا أخرج السلطان رزق رجل فباعه قبل أن يقبضه
الثالثة إذا عزل سهمه فباعه قبل أن يقبضه
الرابعة ما ملكه بالوصية فله أن يبيعه بعد القبول وقبل القبض
الخامسة غلة ما وقف عليه له أن يبيعها قبل أن يقبضها
السادسة الموهوب للولد إذا قبضه ثم استرجعه الوالد فله أن يبيعه قبل قبضه
السابعة إذا أثبت صيدا ثم باعه قبل القبض جاز
الثامنة الاستبدال بالدين من غير جنسه هو بيع قبل القبض نص الشافعي على الميراث والرزق يخرجه السلطان وخرج الباقي على نصه
التاسعة بيع المهر قبل قبضه جائز وقد نص أحمد على جواز هبة المرأة صداقها من زوجها قبل قبضه العاشرة إذا خالعها على عوض جاز التصرف فيه قبل قبضه حكاه صاحب المستوعب وغيره وقال أبو البركات في المحرر هو كالبيع يعني في عدم جواز التصرف فيه قبل القبض
الحادية عشرة إذا أعتقه على مال جاز التصرف فيه قبل قبضه حكاه صاحب المستوعب
الثانية عشرة إذا صالحه عن دم العمد بمال جاز التصرف فيه قبل قبضه وكذلك إذا أتلف له مالا وأخرج عوضه ومنع صاحب المحرر من ذلك كله وألحقه بالمبيع
قال المعممون الفرق بين هذه الصور وبين التصرف في المبيع قبل قبضه أن الملك فيه غير مستقر فلم يسلط على التصرف في ملك مزلزل بخلاف هذه الصور فإن الملك فيها مستقر غير معرض للزوال على أن المعاوضات فيها غير مجمع عليها بل مختلف فيها كما ذكرناه وفيها طريقتان لأصحاب أحمد
إحداهما طريقة صاحب المستوعب وهي أن كل عقد ملك به العوض فإن كان ينتقض بهلاك العوض قبل قبضه كالإجارة والصلح عن المبيع فحكمه في جواز التصرف فيه حكم العوض المتعين بعقد البيع وإن كان العقد لا ينتقض بهلاك العوض المتعين به كالمهر وعوض الخلع والعتق

(9/280)


...........................................
ـــــــ
والصلح عن دم العمد فحكمه حكم المملوك بعقد البيع وما ملك بغير عوض كالميراث والوصية والهبة فالتصرف فيه جائز قبل قبضه
قال المخصصون قد ثبت في صحيح البخاري عن عمرو بن دينار عن عبد الله بن عمر قال كنا مع رسول الله في سفر فكنت على بكر صعب لعمر فكان يغلبني فيتقدم أمام القوم فيزجره عمر ويرده ثم يتقدم فيزجره ويقول لي أمسكه لا يتقدم بين يدي النبي فقال له رسول الله "بعنيه ياعمر" فقال هو لك يارسول الله قال "بعنيه" فباعه منه فقال رسول الله "هو لك يا عبد الله فاصنع به ما شئت" فهذا تصرف في المبيع غير المكيل والموزون قبل قبضه
قال المعممون لا ريب أن هذا تصرف فيه بالهبة لا بالمعاوضة ونحن لنا في مثل هذا التصرف قبل القبض خلاف فمن أصحابنا من يجوزه ونفرق بين التصرف فيه بالبيع والتصرف بالهبة ونلحق الهبة بالعتق ونقول هي إخراج عن ملكه لا تتوالى فيه ضمانات ولا يكون التصرف بها عرضة لربح ما لم يضمن بخلاف البيع ومن أصحابنا من منعها وقال العلة المانعة من بيعه قبل قبضه عدم استقرار الملك وضعفه ولا فرق في ذلك بين تصرف وتصرف فإن صح الفرق بطل القبض وإن بطل القبض سوينا بين التصرفات وعلى هذا فالحديث لا دلالة فيه على التصرف قبل القبض إذا قبض ذلك البعير حصل بالتخلية بينه وبينه مع تميزه وتعينه وهذا كاف في القبض
فصل
وقد ذكر للمنع من بيع ما لم يقبض علتان
إحداهما ضعف الملك لأنه لو تلف انفسخ البيع
والثانية أن صحته نفضي إلى توالي الضمانين فإنا لو صححناه كان مضمونا للمشتري الأول على البائع الأول والمشتري الثاني على البائع الثاني فكيف يكون الشيء الواحد مضمونا لشخص مضمونا عليه وهذان التعليلان غير مرضيين
أما الأول فيقال ما تعندون بضعف الملك هل عنيتم به أنه لو طرأ عليه سبب يوجب فسخه ينفسخ به أو أمرا آخر فإن عنيتم الأول فلم قلتم إنه مانع من صحة البيع وأي ملازمة بين الانفساخ بسبب طارىء وبين عدم الصحة شرعا أو عقلا
وإن عنيتم بضعف الملك أمرا آخر فعليكم بيانه لننظر فيه
وأما التعليل الثاني فكذلك أيضا ولا تظهر فيه مناسبة تقتضي الحكم فإن كون الشيء مضمونا على الشخص بجهة ومضمونا له بجهة أخرى غير ممتنع شرعا ولا عقلا ويكفي في رده أنه لا دليل على امتناعه كيف وأنتم تجوزون للمستأجر إجارة ما استأجره والمنفعة مضمونة له على المؤجر وهي مضمونة عليه للمستأجر الثاني وكذلك الثمار بعد بدو صلاحها إذا بيعت على أصولها

(9/281)


..........................................
ـــــــ
فهي مضمونة على البائع إذا احتاجت إلى سقى اتفاقا وإن تلفت بجائحة فهي مضمونة عليه وله ولهذا لما رأى أبو المعالي الجويني ضعف هذين التعليلين قال لا حاجة إلى ذلك والمعتمد في بطلان البيع إنما هو الإخبار فالشافعي يمنع التصرف في المبيع قبل قبضه ويجعله من ضمان البائع مطلقا وهو رواية عن أحمد وأبي حنيفة
كذلك إلا في العقار
وأما مالك وأحمد في المشهور من مذهبه فيقولان ما يمكن المشتري من قبضه وهو المتعين بالعقد فهو من ضمان المشتري ومالك وأحمد يجوزان التصرف فيه ويقولان الممكن من القبض جار مجرى على تفصيل في ذلك فظاهر مذهب أحمد أن الناقل للضمان إلى المشتري هو التمكن من القبض لا نفسه وكذلك ظاهر مذهبه أن جواز التصرف فيه ليس ملازما للضمان ولا مبتنيا عليه ومن ظن ذلك من أصحابه فقد وهم فإنه يجوز التصرف حيث يكون من ضمان البائع كما ذكرنا في الثمن ومنافع الإجارة وبالعكس أيضا كما في الصبرة المعينة
وقد نص الخرقي على هذا وهذا فقال في المختصر وإذا وقع المبيع على مكيل أو موزون أو معدود فتلف قبل قبضه فهو من مال البائع
ثم قال ومن اشترى ما يحتاج إلى بيعه لم يجز بيعه حتى يقبضه
ثم قال ومن اشترى صبرة طعام لم يبعها حتى ينقلها
فالصبرة مضمونة على المشتري بالتمكن والتخلية اتفاقا ومع هذا لا يبيعها حتى يقبضها وهذا منصوص أحمد فالمأخذ الصحيح في المسألة أن النهي معلل بعدم تمام الاستيلاء وعدم انقطاع علاقة البائع عنه فإنه يطمع في الفسخ والامتناع من الأقباض إذا رأى المشتري قد ربح فيه ويغره الربح وتضيق عينه منه وربما أفضى إلى التحيل على الفسخ ولو ظلما وإلى الخصام والمعاداة والواقع شاهد بهذا
فمن محاسن الشريعة الكاملة الحكيمة منع المشتري من التصرف فيه حتى يتم استيلاؤه عليه وينقطع عن البائع وينفطم عنه فلا يطمع في الفسخ والامتناع من الإقباض وهذا من المصالح التي لا يهملها الشارع حتى إن من لا خبرة له من التجار بالشرع يتحرى ذلك ويقصده لما في ظنه من المصلحة وسد باب المفسدة
وهذه العلة أقوى من تينك العلتين
وعلى هذا فإذا باعه قبل قبضه من بائعه جاز على الصحيح لانتفاء هذه العلة

(9/282)


3489 - حدثنا عبد الله بنُ مَسْلَمَةَ عن مَالِكٍ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ أنّهُ قالَ: كُنّا في زَمَانِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم نَبْتَاعُ الطّعَامَ فَيَبْعَثُ عَلَيْنَا مَنْ يَأْمُرُنَا بِانْتِقَالِهِ مِنَ المَكَانِ الّذِي ابْتَعْنَاهُ فِيهِ إلَى مَكَانٍ سِوَاهُ قَبْلَ أنْ نَبِيعَهُ - يَعْني جُزَافاً.
3490 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا يَحْيَى عنْ عبيد الله قالَ أخبرني نَافِعٌ عن ابنِ عُمَرَ قالَ: كَانُوا يَبْتَاعُونَ الطّعَامَ جِزَافاً بِأَعْلَى السّوقِ، فَنَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ يَبِيعُوهُ حَتّى يَنْقُلُوهُ.
ـــــــ
"نبتاع الطعام" أي نشتريه "فيبعث" بصيغة المجهول هكذا مضبوط في بعض النسخ وهو الظاهر. وقوله من يأمرنا هو مفعول ما لم يسم فاعله لكن قال الزرقاني في شرح الموطأ فيبعث أي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله من يأمرنا محله نصب مفعول يبعث انتهى. وكذا قال الشيخ المحدث ولي الله الدهلوي في المصفى شرح الموطأ والله أعلم. "يعني جزافاً" بكسر الجيم وضعها وفتحها والكسر أفصح وأشهر، وهو البيع بلا كيل ولا وزن ولا تقدير. قاله النووي. وقاله يعني جزافاً هو تفسير لقوله نبتاع الطعام أي نبتاع جزافاً. قال الخطابي: المقبوض يختلف في الأشياء حسب اختلافها في أنفسها وحسب اختلاف عادات الناس فيه، فمنها ما يكون بأن يوضع المبيع في يد صاحبه، ومنها ما يكون بالتخلية بينه وبين المشتري، ومنها ما يكون بالنقل من موضعه، ومنها ما يكون بأن يكال وذلك فيما يبيع من الكيل كيلا، فأما ما يباع منه جزافاً صبرة مصبورة على الأرض فالقبض فيه أن ينقل ويحول من مكانه، فإن ابتاع طعاماً كيلا ثم أراد أن يبيعه بالكيل الأول لم يجز حتى يكيله عن المشتري ثانياً وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن أن يباع الطعام حتى يجري فيه الصاعان صاع البائع وصاع المشتري انتهى.
قال النووي: وجواز بيع الصبرة جزافاً هو مذهب الشافعي.
قال الشافعي وأصحابه: بيع الصبرة من الحنطة والتمر وغيرهما جزافاً صحيح انتهى قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي.
"بأعلى السوق" أي في الناصية العليا منها "حتى ينقلوه" أي عن مكانه، فإن القبض فيه
ـــــــ
ومن علل النهي بتوالي الضمانين يمنع بيعه من بائعه لوجود العلة فبيعه من بائعة يشبه الإقالة والصحيح من القولين جواز الإقالة قبل القبض وإن قلنا هي بيع
وعلى هذا خرج حديث ابن عمر في الاستبدال بثمن المبيع والمصارفة عليه قبل قبضه فإنه استبدال ومصارفة مع العاقد لا مع غيره والله أعلم

(9/283)


3491 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ أخبرنا عَمْرٌو عن المُنْذِرِ بنِ عُبَيْدٍ المَدِينِيّ أنّ الْقَاسِمَ بنَ مُحَمّدٍ حَدّثَهُ أنّ عبد الله بنَ عُمَرَ حَدّثَهُ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهَى أنْ يَبِيعَ أحَدٌ طَعَاماً اشْتَرَاهُ بِكَيْلٍ حَتّى يَسْتَوْفِيَهُ.
ـــــــ
بالنقل عن مكانه ذكره الطيبي والحديث دليل على أنه لا يجوز لمن اشترى طعاماً أن يبيعه حتى يقبضه من غير فرق بين الجزاف وغيره وإلى هذا ذهب الجمهور.
وحكي في الفتح عن مالك في المشهور عنه الفرق بين الجزاف وغيره فأجاز بيع الجزاف قبل قبضه، وبه قال الأوزاعي وإسحاق والحديث يرد عليهم وكذا حديث ابن عمر الآتي من طريق الزهري عن سالم.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه بنحوه.
"نهى أن يبيع أحد طعاماً اشتراه بكيل حتى يستوفيه" استدل به من فرق بين الجزاف وغيره.
قال الزرقاني: وفرق مالك بين الجزاف فأجاز بيعه قبل قيضه لأنه مرئي، فيكفي فيه التخلية وبين المكيل والموزون فلا بد من الاستيفاء.
وقد روى أحمد عن ابن عمر مرفوعاً "من اشترى بكيل أو وزن فلا يبعه حتى يقيضه" ففي قوله بكيل أو وزن دليل على أن ما خالفه بخلافه.
وجعل مالك رواية "حتى يستوفيه" تفسيراً لرواية "حتى يقبضه" لأن الاستيفاء لا يكون بالكيل أو الوزن على المعروف لغة.
قال تعالى: {الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} وقال: {فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ} وقال: {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ} انتهى.
وأجاب الجمهور عنه بأن التنصيص على كون الطعام المنهي عن بيعه مكيلا أو موزناً لا يستلزم عدم ثبوت الحكم في غيره.
نعم لو لم يوجد في الباب إلا الأحاديث التي فيها إطلاق لفظ الطعام لأمكن أن يقال إنه يحمل المطلق على المقيد بالكيل والوزن، وأما بعد التصريح بالنهي عن بيع الجزاف قبل قبضه كما في حديث ابن عمر، فيتحتم المصير إلى أن حكم الطعام متحد من غير فرق بين الجزاف وغيره.
قال المنذري: وأخرجه النسائي.

(9/284)


3492 - حدثنا أبُو بَكْرٍ وَ عُثْمَانُ ابْنَا أبِي شَيْبَةَ قالا أخبرنا وَكِيعٌ عن سُفْيَانَ عن ابنِ طَاوُوسٍ عن أبِيهِ عن ابنِ عَبّاسٍ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَاماً فَلاَ يَبِعْهُ حَتّى يَكْتَالَهُ" زَادَ أبُو بَكْرٍ قالَ قُلْتُ لاِبْنِ عَبّاسٍ: لِمَ؟ قالَ: ألاَ تَرَى أنّهُمْ يَبْتَاعُونَ بالذّهَبِ وَالطّعَامُ مُرَجّى.
3493 - حدثنا مُسَدّدٌ وَ سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قالا أخبرنا حَمّادٌ ح. وَأخبرنا مُسَدّدٌ أخبرنا أبُو عَوَانَةَ وَهَذَا لَفْظُ مُسَدّدٍ عن عَمْرِو بنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُوسٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قالَ قالَ رَسُولُ الله [النبي] صلى الله عليه وسلم: "إذَا اشْتَرَى أحَدُكُمْ طَعَاماً فَلاَ يَبِعْهُ حَتّى يَقْبِضَهُ" . قالَ سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ: حَتّى يَسْتَوْفِيَهُ. زَادَ مُسَدّدٌ قالَ وقَالَ ابنُ عَبّاس: وَأحْسِبُ كُلّ شَيْءٍ مِثْلَ الطّعَامِ.
ـــــــ
"يكتاله" أي يقبضه بالكيل "قلت لابن عباس" بكسر اللام وفتح الميم أي ما سبب النهي "يبتاعون بالذهب والطعام مرجى" بوزن اسم المفعول من باب الأفعال والتفعيل بهمز ولا يهمز أي مؤخر.
قال الخطابي: وكل شيء أخرته فقد أرجيته، يقال أرجيت الشيء ورجيت أي أخرته وقد يتكلم به مهموزاً وغير مهموز انتهى.
والمعنى أنه إذا اشترى طعاماً بمائة دينار ودفعها للبائع ولم يقبض منه الطعام وتأخر في يد البائع، ثم باع الطعام إلى آخر بمائة وعشرين مثلاً، فكأنه اشترى بذهبه ذهباً أكثر منه كذا في النيل.
وقال في مرقاة الصعود: معنى الحديث أن يشتري من إنسان طعاماً بدينار إلى أجل ثم يبيعه منه أو من غيره قبل أن يقبضه بدينارين مثلا فلا يجوز، لأنه في التقدير بيع ذهب بذهب والطعام غائب، فكأنه باعه ديناره فهو ربا، ولأنه بيع غائب بناجز فلا يصح انتهى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه بنحوه.
"عن عمرو بن دينار" فحماد وأبو عوانة كلاهما يرويان عن عمرو بن دينار "قال سليمان بن حرب حتى يستوفيه" أي يقبضه وافياً كاملا وزناً أو كيلا "وأحسب" بكسر السين وفتحها أي أظن "كل شيء مثل الطعام" أي في أنه لا يجوز للمشتري أن يبيعه حتى يقبضه،

(9/285)


3494 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ أخبرنا عَبْدُالرّزّاقِ أنْبأنَا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن سَالِمٍ عن ابنِ عُمَرَ قال: رَأيْتُ النّاسَ يُضْرَبُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم إذَا اشْتَرَوْا الطّعَامَ جُزَافاً أنْ يَبِيعُوهُ حَتّى يُبْلَغَهُ إلَى رِحْلِهِ.
3495 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ عَوْفٍ الطّائِيّ أخبرنا أَحْمَدُ بنُ خَالِدٍ الْوَهْبِيّ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ إسْحَاقَ عن أبِي الزّنَادِ عن عُبَيْدِ بنِ حُنَيْنٍ عن ابنِ عُمَرَ قال: ابْتَعْتُ زَيْتاً في السّوقِ فَلَمّا اسْتَوْجَبْتُهُ لِنَفْسِيَ لَقِيَنِي رَجُلٌ فَأعْطَانِي بِهِ رِبْحاً حَسَناً فَأرَدْتُ أنْ أضْرِبَ عَلَى يَدِهِ، فَأخَذَ رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي بِذِرَاعِي فَالْتَفَتّ فَإذَا زَيْدُ بنُ ثَابِتٍ فَقالَ: لاَ تَبِعْهُ حَيْثُ ابْتَعْتَهُ حَتّى تَحُوزَهُ إلَى رَحْلِكَ فَإنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهَى أنْ تُبَاعَ السّلَعُ حَيْثُ تُبْتَاعُ حَتّى يَحُوزَهَا [يحوز] التّجّارُ إلَى رِحَالِهِمْ.
ـــــــ
وهذا من تفقه ابن عباس رضي الله عنه وقال صلى الله عليه وسلم لحكيم بن حزام "لا تبيعن شيئاً حتى تقبضه" رواه البيهقي وقال إسناده حسن متصل، كذا في إرشاد الساري، ورواه أحمد أيضاً كما تقدم.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي بنحوه.
"يضربون" بصيغة المجهول. قال السيوطي: هذا أصل في ضرب المحتسب أهل السوق إذا خالفوا الحكم الشرعي في مبايعاتهم ومعاملاتهم انتهى.
قال النووي: فيه دليل على أن ولي الأمر يعزر من تعاطى بيعاً فاسداً، ويعزره بالضرب وغيره مما يراه من العقوبات في البدن انتهى. "جزافاً" أي شراء جزافاً، ويجوز أن يكون بالنصب على الحال أي حال كونهم مجازفين. قال القرطبي: في هذا الحديث دليل لمن سوى بين الجزاف والكيل من الطعام في المنع من بيع ذلك حتى يقبض ورأى نقل الجزاف قبضه، وبه قال الكوفيون والشافعي وأبو ثور وأحمد وداوود كذا في عمدة القاري شرح البخاري. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"فلما استوجبته" أي صار في ملكي بعقد التبايع. قاله في المجمع "فأردت أن أضرب على يده" أي أعقد معه البيع، لأن من عادة المتبايعين أن يضع أحدهما يده في يد الآخر عند العقد قاله في المجمع "تحوزه" أي تحرزه "نهى أن تباع السلع" بكسر السين وفتح اللام جمع السلعة بالكسر المتاع وما تجر به. كذا في القاموس "حيث تبتاع" أي في مكان اشترائها.
قال المنذري: في إسناده محمد بن إسحاق وقد تقدم الكلام عليه.

(9/286)


32- باب في الرجل يقول عند البيع لا خلابة
3496 - حدثنا عبد الله بنُ مَسْلَمَةَ عن مَالِكٍ عن عبد الله بنِ دِينَارٍ عن ابنِ عُمَرَ: "أنّ رَجُلاً ذَكَرَ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أنّهُ يُخْدَعُ في الْبَيْعِ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذَا بَايَعْتَ فَقُلْ لاَ خِلاَبَةَ فَكَانَ الرّجُلُ إذَا بَايَعَ يَقُولُ لاَ خِلاَبَةَ" .
3496م - حدثنا مُحَمّدُ بنُ عبد الله الأُرُزِيّ بالأدزي] وَ إبْرَاهِيمُ بنُ خَالِدٍ أبُو ثَوْرٍ الْكَلْبِيّ المَعْنَى قالا أخبرنا عَبْدُالْوَهّابِ، قالَ مُحَمّدٌ: عَبْدُالوَهّابِ بنُ عَطَاءٍ، قالَ أنْبأنَا سَعِيدٌ عن قَتَادَةَ عن أنَسِ بنِ مَالِكٍ: أنّ رَجُلاً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله [النبي] صلى الله عليه وسلم كَانَ
ـــــــ
"باب في الرجل يقول عند البيع لا خلابة"
بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام بعدها موحدة أي لا خديعة ولا غبن لي في هذا البيع، أي فهل يثبت له الخيار أم لا.
وقال أحمد من قال ذلك في بيعه كان له الرد إذا غبن، والجمهور على أنه لا رد له مطلقاً.
"أن رجلا" اسمه حبان بن منقد بن عمرو الأنصاري، وقيل بل هو والده منقذ بن عمرو وكان قد بلغ مائة وثلاثين سنة، وكان قد شج في بعض مغازيه مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الحصون بحجر فأصابته في رأسه مأمومة، فتغير بها لسانه وعقله لكن لم يخرج عن التمييز قاله النووي "يخدع" بصيغة المجهول "يقول لا خلاية" أي لا خديعة في الدين، لأن الدين النصيحة، فلا لنفي الجنس وخبرها محذوف.
قال التوربشتي: لقنه النبي صلى الله عليه وسلم هذا القول ليتلفظ به عند البيع ليطلع به صاحبه على أنه ليس من ذوي البصائر في معرفة السلع ومقادير القيمة فيها ليرى له كما يرى لنفسه، وكان الناس في ذلك أحقاء لا يغبنون أخاهم المسلم، وكانوا ينظرون له كما ينظرون لأنفسهم انتهى.
واستعماله في الشرع عبارة عن اشتراط خيار الثلاث، وقد زاد البيهقي في هذا الحديث بإسناد حسن ثم أنت بالخيار في كل سلعة ابتعتها ثلاث ليال. واستدل به أحمد لأنه يرد بالغبن الفاحش لمن لم يعرف قيمة السلعة، وحدّه بعض الحنابلة بثلث القيمة، وقيل بسدسها. وأجاب الشافعية والحنفية والجمهور بأنها واقعة عين وحكاية حال فلا يصح دعوى العموم فيها عند أحد. كذا في إرشاد الساري. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.

(9/287)


يَبْتَاعُ وَفي عِقْدَتِهِ ضُعْفٌ. فَأتَى أهْلُهُ نَبِيّ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: يَانَبِيّ الله احْجُرْ عَلَى فُلاَنٍ فَإنّهُ يَبْتَاعُ وَفي عِقْدَتِهِ ضُعْفٌ، فَدَعَاه النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَنَهَاهُ عَن الْبَيْعِ، فَقالَ: يَارَسُولَ الله إنّي لا أَصْبِرُ عن الْبَيْعِ فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنْ كُنْتَ غَيْرَ تَارِكٍ لِلْبَيْعِ، فَقُلْ: هَاءَ وَهَاءَ وَلا خِلاَبَةَ" . قالَ أبُو ثَوْرٍ عن سَعِيدٍ.
ـــــــ
"الأرزي" هكذا في نسخة صحيحة. قال الإمام الحافظ أبو علي الغساني في تقييد المهمل: الأرزي بهمزة مضمومة وراء مهملة مضمومة وبعدها زاي مشددة هو محمد بن عبد الله الأرزي، وبعضهم يقول الرزي يحذف الهمزة لأنه يقال أرز ورز من شيوخ مسلم حدث عنه في غير موضع من كتابه تفرد به أي ما روى عنه البخاري، وقد حدث عنه أبو داوود السجستاني سمع عبدالوهاب بن عطاء وخالد بن الحارث انتهى.
وفي التقريب: محمد بن عبد الله الرزي براء مضمومة ثم زاي ثقيلة أبو جعفر البغدادي ثقة يهم انتهى.
وقال السيوطي في لب اللباب: هو منسوب إلى الأرز طبخاً أو بيعاً انتهى. وفي الخلاصة محمد بن عبد الله الأدزي بفتح الهمزة وإسكان المهملة قبل الزاي وهو الرزي بضم المهملة وكسر الزاي أبو جعفر البصري نزيل بغداد. انتهى. والله أعلم "وفي عقدته ضعف" وقع تفسيره في بعض الروايات بلفظ يعني في عقله ضعف.
وقال في المجمع: أي في رأيه ونظره في مصالح نفسه انتهى.
وفي التلخيص: العقدة الرأي، وقيل هي العقدة في اللسان لما في بعض الروايات من أنه أصابته مأمومة فكسرت لسانه حتى كان يقول لا خذابة بالذال مكان اللام.
وفي رواية لمسلم أنه كان يقول لاخنابة بالنون والله تعالى أعلم "احجر على فلان" أي امنعه عن التصرف "فقل هاء وهاء" بالمد وفتح الهمزة، وقيل بالكسر، وقيل بالسكون.
قال في المجمع: هو أن يقول كل من البيعين ها فيعطيه ما في يده كحديث "إلا يداً بيد" وقيل معناه هاك وهات أي خذ وأعط "ولا خلابة" قال في النيل اختلف العلماء في هذا الشرط هل كان خاصاً بهذا الرجل أم يدخل فيه جميع من شرط هذا الشرط، فعند أحمد ومالك في رواية عنه أنه يثبت الرد لكل من شرط هذا الشرط، ويثبتون الرد بالغبن لمن لم يعرف قيمة السلع، وأجيب بأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما جعل لهذا الرجل الخيار للضعف الذي كان في عقله كما في حديث أنس فلا يلحق به إلا من كان مثله في ذلك بشرط أن يقول هذه المقالة، ولهذا روي أنه

(9/288)


..............................................
ـــــــ
كان إذا غبن يشهد رجل من الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم قد جعله بالخيار ثلاثاً فيرجع في ذلك، وبهذا يتبين أنه لا يصح الاستدلال بمثل هذه القصة على ثبوت الخيار لكل مغبون وإن كان صحيح العقل، ولا على ثبوت الخيار لمن كان ضعيف العقل إذا غبن، ولم يقل هذه المقالة، وهذا مذهب الجمهور وهو الحق انتهى ملخصاً "قال أبو ثور عن سعيد" أي مكان قوله أخبرنا سعيد.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: صحيح غريب.

(9/289)


33- باب في العربان
3497 - حدثنا عبد الله بنُ مَسْلَمَةَ قال قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ بنِ أنَسٍ أنّهُ بَلَغَهُ عن
ـــــــ
"باب في العربان"
بضم العين وسكون الراء، ويقال عربون بالفتح والضم وبالهمز بدل العين في الثلاث والراء ساكنة في الكل.
قال ابن الأثير: قيل سمي بذلك لأن فيه إعراباً لعقد البيع أي إصلاحاً وإزالة فساد لئلا يملكه غيره باشترائه. قاله الزرقاني.
وقال في المجمع: هو أن يشتري أي السلعة ويدفع شيئاً على أنه إن أمضى البيع حسب من الثمن، وإلا كان للبائع ولم يرتجعه أعرب في كذا وعرب وعربن وهو عربان وعربون لأن فيه إعراباً بالبيع أي إصلاحاً لئلا يملكه غيره بالشراء وهو بيع باطل لما فيه من الشرط والغرر انتهى.
"أنه بلغه" ولفظ الموطأ مالك عن الثقة عنده.
قال الحافظ الإمام ابن عبدالبر: تكلم الناس في الثقة هنا والأشبه القول بأنه الزهري عن ابن لهيعة أو ابن وهب عن ابن لهيعة لأنه سمعه من عمرو وسمعه منه ابن وهب وغيره انتهى.
وقال في الاستذكار: الأشبه أنه ابن لهيمة ثم أخرجه من طريق ابن وهب عن مالك عن عبد الله بن لهيمة عن عمرو به.
وقال رواه حبيب كاتب مالك عن مالك عن عبد الله بن عامر الأسلمي عن عمرو به، وحبيب متروك كذبوه انتهى. ورواية حبيب عند ابن ماجه.
قال الزرقاني: وأشبه من ذلك أنه عمرو بن الحارث المصري فقد رواه الخطيب من

(9/289)


عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبِيهِ عن جَدّهِ أنّهُ قال: نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَنْ بَيْعِ الْعُرْبَانِ، قالَ مَالِكٌ: وَذَلِكَ فِيمَا نُرَى - وَالله أَعْلَمُ - أنْ يَشْتَرِيَ الرّجُلُ الْعَبْدَ أوْ يَتَكَارَى الدّابّةَ ثُمّ يَقُولُ: أعْطِيكَ [أعطيتك] دِينَاراً عَلَى أنّي إنْ تَرَكْتُ السّلْعَةَ أو الْكِرَاءَ فَمَا أعْطَيْتُكَ لَكَ.
ـــــــ
طريق الهيثم بن يمان أبي بشر الرازي عن مالك عن عمرو بن الحارث انتهى. "عن عمرو بن شعيب" بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص صدوق "عن أبيه" شعيب تابعي صدوق "عن جده" أي شعيب وهو عبد الله لأنه ثبت سماع شعيب منه أو ضميره لعمرو، ويحمل على الجد الأعلى وهو الصحابي عبد الله بن عمرو، ولذا احتج الأكثر بهذه الترجمة خلافاً لمن زعم أنها منقطعة لأن جد عمرو محمداً ليس بصحابي ولا رواية له بناء على عود الضمير لعمرو وأنه الجد الأدنى كذا في شرح الموطأ للزرقاني.
قلت: وقد تقدم في أوائل الكتاب ترجمة عمرو بن شعيب أكثر من هذا "قال مالك" وتفسير "ذلك فيما نرى" بضم النون نظن "أن يشتري الرجل" أو المرأة "العبد" أو الأمة "ثم يقول" للذي اشترى منه أو تكارى منه "أعطيك ديناراً" أو درهماً أو أكثر من ذلك أو أقل "على أني إن تركت السلعة" المبتاعة "فما أعطيتك لك" ولا رجوع لي به عليك.
ولفظ الموطأ على أني إن أخذت السلعة أو ركبت ما تكاريت منك، فالذي أعطيتك هو من ثمن السلعة أو من كراء الدابة، وإن تركت ابتياع السلعة أو كراء الدابة فما أعطيتك لك باطل بغير شيء انتهى.
قال الزرقاني: هو باطل عند الفقهاء لما فيه من الشرط والغرر وأكل أموال الناس بالباطل، فإن وقع فسخ فإن فات مضى لأنه مختلف فيه فقد أجازه أحمد، وروي عن ابن عمر وجماعة من التابعين إجازته ويرد العربان على كل حال.
قال ابن عبدالبر: ولا يصح ما روى عنه صلى الله عليه وسلم من إجازته، فإن صح احتمل أنه يحسب على البائع من الثمن إن تم البيع، وهذا جائز عند الجميع انتهى.
قال في النيل: والمراد أنه إذا لم يختر السلعة أو اكتراء الدابة كان الدينار أو نحوه للمالك بغير شيء وإن اختارهما أعطاه بقية القيمة أو الكراء، وحديث الباب يدل على تحريم البيع مع العربان، وبه قال الجمهور، وخالف في ذلك أحمد فأجازه، وروى نحوه عن عمر وابنه، ويدل على ذلك حديث زيد بن أسلم أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العربان في البيع فأحله

(9/290)


.............................
ـــــــ
أخرجه عبدالرزاق في مصنفه وهو مرسل، وفي إسناده إبراهيم بن أبي يحيى وهو ضعيف، والأولى ما ذهب إليه الجمهور لأن حديث عمرو بن شعيب قد ورد من طرق يقوي بعضها بعضاً ولأنه يتضمن الحظر وهو أرجح من الإباحة، والعلة في النهي عنه اشتماله على شرطين فاسدين أحدهما شرط كون ما دفعه إليه يكون مجاناً إن اختار ترك السلعة، والثاني شرط الرد على البائع إذا لم يقع منه الرضا بالبيع انتهى.
قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه وهذا منقطع، وأخرجه ابن ماجه مسنداً وفيه حبيب كاتب الإمام مالك رحمه الله وعبد الله بن عامر الأسلمي، ولا يحتج بهما. انتهى.
قال الزرقاني: ومن قال حديث منقطع أو ضعيف لا يلتفت إليه ولا يصح كونه منقطعاً بحال إذ هو ما سقط منه الراوي قبل الصحابي أو ما لم يتصل وهذا متصل غير أن فيه راوياً مبهماً انتهى.

(9/291)


34- باب في الرجل يبيع ما ليس عنده
3598 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا أبُو عَوَانَةَ عن أبي بِشْرٍ عن يُوسُفَ بنِ مَاهَكَ عن حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ قالَ: يَارَسُولَ الله يَأْتِينِي الرّجُلُ فَيُرِيدُ مِنّي الْبَيْعَ لَيْسَ عِنْدِي، أفَأَبْتَاعُهُ لَهُ مِنَ السّوقِ؟ فقالَ: لاَ تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ .
3599 - حدثنا زُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ أخبرنا إسْمَاعِيلُ عن أيّوبَ حَدّثَنِي عَمْرُو بنُ
ـــــــ
"باب في الرجل يبيع ما ليس عنده"
"فيريد مني البيع" أي المبيع كالصيد بمعنى المصيد "ليس عندي" حال من البيع "أفأبتاعه" أي اشتريه "لا تبع ما ليس عندك" أي شيئاً ليس في ملكك حال العقد.
في شرح السنة: هذا في بيوع الأعيان دون بيوع الصفات فلذا قيل السلم في شيء موصوف عام الوجود عند المحل المشروط ويجوز وإن لم يكن في ملكه حال العقد، وفي معنى ما ليس عنده في الفساد بيع العبد الآبق وبيع المبيع قبل القبض، وفي معناه بيع مال غيره بغير إذنه لأنه لا يدري هل يجيز مالكه أم لا، وبه قال الشافعي رحمه الله. قال جماعة يكون العقد موقوفاً على إجازة المالك، وهو قول مالك وأصحاب أبي حنيفة وأحمد رحمهم الله كذا في المرقاة.
"حدثني عمرو بن شعيب" أي ابن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص "حدثني أبي"

(9/291)


شُعَيْبٍ حدّثَنِي أبِي عن أبِيهِ عن أبِيهِ حَتّى ذَكَرَ عبد الله بنَ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَحِلّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ وَلاَ شَرْطَانِ في بَيْعٍ، وَلاَ رِبْحٌ مَا لَمْ يُضْمَنْ،
ـــــــ
أي شعيب "عن أبيه أي محمد عن أبيه" أي عبد الله بن عمرو "لا يحل سلف وبيع" قال الخطابي: وذلك مثل أن يقول أبيعك هذا العبد بخمسين ديناراً على أن تسلفني ألف درهم في متاع أبيعه منك إلى أجل أو يقول أبيعكه بكذا على أن تقرضني ألف درهم ويكون معنى السلف القرض، وذلك فاسد لأنه يقرضه على أن يحابيه "المحاباة المسامحة والمساهلة ليحابيه أي ليسامحه في الثمن" في الثمن فيدخل الثمن في حد الجهالة، ولأن كل قرض جر منفعة فهو ربا انتهى. "ولا شرطان في بيع" قال البغوي: هو أن يقول بعتك هذا العبد بألف نقداً أو بألفين نسيئة، فهذا بيع واحد تضمن شرطين يختلف المقصود فيه باختلافهما، ولا فرق بين شرطين وشروط، وهذا التفسير مروي عن زيد بن علي وأبي حنيفة. وقيل معناه أن يقول بعتك ثوبي بكذا وعلى قصارته وخياطته، فهذل فاسد عند أكثر العلماء. وقال أحمد إنه صحيح. وقد أخذ بظاهر الحديث بعض أهل العلم فقال إن شرط في البيع شرطاً واحداً صح وإن شرط شرطين أو أكثر لم يصح فيصح مثلاً أن يقول بعتك ثوبي على أن أخيطه ولا يصح أن يقول على أن أقصره وأخيطه.
ومذهب الأكثر عدم الفرق بين الشرط والشرطين، واتفقوا على عدم صحة ما فيه شرطان. كذا في النيل "ولا ربح ما لم يضمن" يعني لا يجوز أن يأخذ ربح سلعة لم يضمنها،
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله
هذا الحديث أصل من أصول المعاملات وهو نص في تحريم الحيل الربوية وقد اشتمل على أربعة أحكام الحكم الأول تحريم الشرطين في البيع وقد أشكل على أكثر الفقهاء معناه من حيث إن الشرطين إن كانا فاسدين فالواحد حرام فأي فائدة لذكر الشرطين وإن كانا صحيحين لم يحرما
فقال ابن المنذر قال أحمد وإسحاق فيمن اشترى ثوبا واشترط على البائع خياطته وقصارته أو طعاما واشترط طحنه وحمله إن شرط أحد هذه الأشياء فالبيع جائز وإن شرط شرطين فالبيع باطل
وهذا فسره القاضي أبو يعلى وغيره عن أحمد في تفسيره رواية ثانية حكاها الأثرم وهو أن يشتريها على أن لا يبيعها من أحد ولا يطأها ففسره بالشرطين الفاسدين

(9/292)


[تضمن] وَلاَ بَيْعُ [لا تبع]مَا لَيْسَ عِنْدَكَ" .
ـــــــ
مثل أن يشتري متاعاً ويبيعه إلى آخر قبل قبضه من البائع، فهذا البيع باطل وربحه لا يجوز، لأن المبيع في ضمان البائع الأول وليس في ضمان المشتري منه لعدم القبض.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي حسن صحيح، ويشبه أن يكون صحيحاً لتصريحه بذكر عبد الله بن عمرو ويكون مذهبه في الامتناع بحديث عمرو بن شعيب إنما هو الشك في إسناده لجواز أن يكون الضمير عائداً على محمد بن عبد الله بن عمرو، فإذا صح بذكر عبد الله بن عمرو انتفي ذلك، والله عزوجل أعلم.
ـــــــ
وعنه رواية ثالثة حكاها إسماعيل بن سعيد الشالنجي عنه هو أن يقول إذا بعتها فأنا أحق بها بالثمن وأن تخدمني سنة ومضمون هذه الرواية أن الشرطين يتعلقان بالبائع فيبقى له فيها علقتان علقة قبل التسليم وهي الخدمة وعلقة بعد البيع وهي كونه أحق بها
فأما اشتراط الخدمة فيصح وهو استثناء منفعة المبيع مدة كاستثناء ركوب الدابة ونحوه
وأما شرط كونه أحق بها بالثمن أحق بها بالثمن فقال في رواية المروزي هو في معنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم "لا شرطان في بيع" يعني لأنه شرط أن يبيعه إياه وأن يكون البيع بالثمن الأول فهما شرطان في بيع
وروى عنه إسماعيل بن سعيد جواز هذا البيع وتأوله بعض أصحابنا على جوازه فساد الشرط وحمل رواية المروزي على فساد الشرط وحده وهو تأويل بعيد ونص أحمد يأباه
قال إسماعيل بن سعيد ذكرت لأحمد حديث ابن مسعود أنه قال ابتعت من امرأتي زينب الثقفية جارية وشرطت لها أني إن بعتها فهي لها بالثمن الذي ابتعتها به فذكرت ذلك لعمر فقال لا تقربها ولأحد فيها شرط فقال أحمد البيع جائز ولا تقربها لأنه كان فيها شرط واحد للمرأة ولم يقل عمر في ذلك البيع إنه فاسد
فهذا يدل على تصحيح أحمد للشرط من ثلاثة أوجه
أحدها أنه قال لا تقربها ولو كان الشرط فاسدا لم يمنع من قربانها
الثاني أنه علل ذلك بالشرط فدل على أن المانع من القربان هو الشرط وأن وطئها يتضمن إبطال ذلك الشرط لأنها قد تحمل فيمتنع عودها إليها
الثالث أنه قال كان فيها شرط واحد للمرأة فذكره وحدة الشرط يدل على أنه صحيح عنده لأن النهي إنما هو عن الشرطين

(9/293)


...........................
ـــــــ
وقد حكي عنه بعض أصحابنا رواية صريحة أن البيع جائز والشرط صحيح ولهذا حمل القاضي منعه من الوطء على الكراهة لأنه لا معنى لتحريمه عنده مع فساد الشرط
وحمله ابن عقيل على الشبهة للاختلاف في صحة هذا العقد
وقال القاضي في المجرد ظاهر كلام أحمد أنه متى شرط في العقد شرطين بطل سواء كانا صحيحين أو فاسدين لمصلحة العقد أو لغير مصلحته أخذا بظاهر الحديث وعملا بعمومه وأما أصحاب الشافعي وأبي حنيفة فلم يفرقوا بين الشرط والشرطين وقالوا يبطل البيع بالشرط الواحد لنهي النبي عن بيع وشرط وأما الشروط الصحيحة فلا تؤثر في العقد وإن كثرت وهؤلاء ألغوا التقييد بالشرطين ورأوا أنه لا أثر له أصلا
وكل هذه الأقوال بعيدة عن مقصود الحديث غير مرادة منه
فأما القول الأول وهو أن يشترط حمل الحطب وتكسيره وخياطة الثوب وقصارته ونحو ذلك فبعيد فإن اشتراط منفعه البائع في البيع إن كان فاسدا فسد الشرط والشرطان وإن كان صحيحا فأي فرق بين منفعة أو منفعتين أو منافع لا سيما والمصححون لهذا الشرط قالوا هو عقد قد جمع بيعا وإجارة وهما معلومان لم يتضمنا غررا فكانا صحيحين وإذا كان كذلك فما المواجب لفساد الإجارة على منفعتين وصحتها على منفعة وأي فرق بين أن يشترط على بائع الحطب حملة أو حملة ونقله أو حمله وتكسيره
وأما التفسير الثاني وهو الشرطان الفاسدان فأضعف وأضعف لأن الشرط الواحد الفاسد منهي عنه فلا فائدة في التقييد بشرطين في بيع وهو يتضمن زيادة في اللفظ وإيهاما لجواز الواحد وهذا ممتنع على الشارع مثله لأنه زيادة مخلة بالمعنى
وأما التفسير الثالث وهو أن يشترط أنه إن باعها فهو أحق بها بالثمن وأن ذلك يتضمن شرطين أن لا يبيعها لغيرها وأن تبيعه إياها بالثمن فكذلك أيضا فإن كل واحد منهما إن كان فاسدا فلا أثر للشرطين وإن كان صحيحا لم تفسد بانضمامه إلى صحيح مثله كاشتراط الرهن والضمين واشتراط التأجيل والرهن ونحو ذلك وعن أحمد في هذه المسألة ثلاث روايات
إحداهن صحة البيع والشرط والثانية فسادهما والثالثة صحة البيع وفساد الشرط
وهو رضي الله عنه إنما اعتمد في الصحة على اتفاق عمر وابن مسعود على ذلك ولو كان هذا هو السرطان في البيع لم يخالفه لقول أحد على قاعدة مذهبه فإنه إذا كان عنده في المسألة حديث صحيح لم يتركه لقول أحد ويعجب ممن يخالفه من صاحب أو غيره
وقوله في رواية المروزي هو في معنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم "لا شرطان في بيع" ليس تفسيرا منه

(9/294)


............................
ـــــــ
صريحا بل تشبيه وقياس على معنى الحديث ولو قدر أنه تفسير فليس بمطابق لمقصود الحديث كما تقدم
وأما تفسير القاضي في المجرد فمن أبعد ما قيل في الحديث وأفسده فإن شرط ما يقتضيه العقد أو ما هو من مصلحته كالرهن والتأجيل والضمين ونقد كذا جائز بلا خلاف تعددت الشروط أو أتحدت
فإذا تبين هذه الأقوال فالأولى تفسير كلام النبي صلى الله عليه وسلم بعضه ببعض فنفسر كلامه بكلامه فنقول نظير هذا نهيه صلى الله عليه وسلم عن صفقتين في صفقة وعن بيعتين في بيعة فروى سماك عن عبدالرحمن ابن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صفقتين في صفقة وفي السنن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم "من باع بيعتين في بيعه فله أوكسهما أو الربا"
وقد فسرت البيعتان في البيعة بأن يقول أبيعك بعشرة نقدا أو بعشرين ونسيئة هذا بعيد من معنى الحديث من وجهين
أحدهما أنه لا يدخل الربا في هذا العقد
الثاني أن هذا ليس بصفقتين إنما هو صفقة واحدة بأحد الثمنين وقد ردده بين الأوليين أو الربا ومعلوم أنه إذا أخذ بالثمن الأزيد في هذا العقد لم يكن ربا فليس هذا معنى الحديث.
وفسر بأن يقول خذ هذه السلعة بعشرة نقدا وآخذها منك بعشرين نسيئة وهي مسألة العينة بعينها وهذا هو المعنى المطابق للحديث فإنه إذا كان مقصوده الدراهم العاجلة بالآجلة فهو لا يستحق إلا رأس ماله وهو أوكس الثمنين فإن أخذه أخذ أوكسهما وإن أخذ الثمن الأكثر فقد أخذ الربا فلا محيد له عن أوكس الثمنين أو الربا ولا يحتمل الحديث غير هذا المعنى وهذا هو بعينه الشرطان في بيع فإن الشرط يطلق على العقد نفسه لأنهما تشارطا على الوفاء به فهو مشروط والشرط يطلق على المشروط كثيرا كالضرب يطلق على المضروب والحلق على المحلوق والنسخ على المنسوخ فالشرطان كالصفقتين سواء فشرطان في بيع كصفقتين في صفقة
وإذا أردت أن يتضح لك هذا المعنى فتأمل نهيه صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر عن بيعتين في بيعه وعن سلف وبيع رواه أحمد ونهيه في هذا الحديث عن شرطين في بيع وعن سلف في بيع فجمع السلف والبيع مع الشرطين في البيع ومع البيعتين في البيعة
وسر ذلك أن كلا الأمرين يؤول إلى الربا وهو ذريعة إليه
أما البيعتان في بيعة فظاهر فإنه إذا باعه السلعة إلى شهر ثم اشتراها منه بما شرطه له كان قد باع بما شرطه له بعشرة نسيئة ولهذا المعنى حرم الله ورسوله العينة وأما السلف والبيع فلأنه إذا

(9/295)


......................................
ـــــــ
أقرضه مائة إلى سنة ثم باعه ما يساوي خمسين بمائة فقد جعل هذا البيع ذريعة إلى الزيادة في القرض الذي موجبه رد المثل ولولا هذا البيع لما أقرضه ولولا عقد القرض لما اشترى ذلك
فظهر سر قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع" وقول ابن عمر: نهى عن بيعتين في بيعة وعن سلف وبيع واقتران إحدى الجملتين بالأخرى لما كانا سلما إلى الربا
ومن نظر في الواقع وأحاط به علما فهم مراد الرسول صلى الله عليه وسلم من كلامه ونزله عليه وعلم أنه كلام من جمعت له الحكمة وأوتي جوامع الكلم فصلوات الله وسلامه عليه وجزاه أفضل ما جزى نبيا عن أمته
وقد قال بعض السلف اطلبوا الكنوز تحت كلمات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما كان موجب عقد القرض رد المثل من غير زيادة كانت الزيادة ربا
قال ابن المنذر أجمعوا على أن السلف إذا شرط على المستسلف زيادة أو هدية فأسلف على ذلك أن أخذ الزيادة على ذلك ربآ وقد روى عن ابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس أنهم نهوا عن قرض جر منفعة وكذلك إن شرط أن يؤجره داره أو يبيعه شيئا لم يجز لأنه سلم إلى الربا ولهذا نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا منع السلف رضي الله عنهم من قبول هدية المقترض إلا أن يحتسبها المقرض من الدين
فروى الأثرم أن رجلا كان له على سماك عشرون درهما فجعل يهدي إليه السمك ويقومه حتى بلغ ثلاثة عشر درهما فسأل ابن عباس فقال أعطه سبعة دراهم
وروي عن ابن سيرين أن عمر أسلف أبي بن كعب عشرة آلاف درهم فأهدى إليه أبي من ثمرة أرضه فردها عليه ولم يقبلها فأتاه أبي فقال لقد علم أهل المدينة أني من أطيبهم ثمرة وأنه لا حاجة لنا فبم منعت هديتنا ثم أهدى إليه بعد ذلك فقبل
فكان رد عمر لما توهم أن تكون هديته بسبب القرض فلما تيقن أنها ليست بسبب القرض قبلها وهذا فصل النزاع في مسألة هدية المقترض
وقال زر بن حبيش قلت لأبي بن كعب إني أريد أن أسير إلى أرض الجهاد إلى العراق فقال إنك تأتي أرضا فاش بها الربا فإن أقرضت رجلا قرضا فأتاك بقرضك ليؤدي إليك قرضك ومعه هدية فاقبض قرضك واردد عليه هديتهذكرهن الأثرم
وفي صحيح البخاري عن أبي بردة بن أبي موسى قال قدمت المدينة فلقيت عبد الله بن سلام فذكر الحديث وفيه ثم قال لي إنك بأرض فيها الربا فاش فإذا كان لك على رجل دين فأهدى إليك حمل تبن أو حمل قت أو حمل شعير فلا تأخذه فإنه ربا

(9/296)


.........................................
ـــــــ
قال ابن أبو موسى ولو أقرضه قرضا ثم استعمله عملا لم يكن يستعمله مثله قبل القرض كان قرضا جر منفعه قال ولو استضاف غريمه ولم تكن العادة جرت بينهما بذلك حسب له ما أكله
واحتج له صاحب المغني بما روى ابن ماجه في سننه عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا اقترض أحدكم قرضا فأهدى إليه أو حمله على دابته فلا يركبها ولا يقبله إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك".
واختلفت الرواية عن أحمد فيما لو أقرضه دراهم وشرط عليه أن يوفيه إياها ببلد إخر ولا مؤنة لحملها فروى عنه أنه لا يجوز وكرهه الحسن وجماعة ومالك والأوزاعي والشافعي وروي عنه الجواز نقله ابن المنذر لأنه مصلحة لهما فلم ينفرد المقترض بالمنفعة وحكاه عن علي وابن عباس والحسن بن علي وابن الزبير وابن سيرين وعبد الرحمن بن الأسود وأيوب والثوري وإسحاق واختاره القاضي ونظير هذا ما لو أفلس غريمه فأقرضه دراهم يوفيه كل شهر شيئا معلوما من ربحها جاز لأن المقترض لم ينفرد بالمنفعة
ونظيره ما لو كان عليه حنطة فأقرضه دراهم يشتري له بها حنطة ويوفيه إياها
ونظير ذلك أيضا إذا أقرض فلاحه ما يشتري به بقرا يعمل بها في أرضه أو بذرا يبذره فيها
ومنعه ابن أبي موسى والصحيح جوازه وهو اختيار صاحب المغني وذلك لأن المستقرض إنما يقصد نفع نفسه ويحصل انتفاع المقرض ضمنا فأشبه أخذ السفتجة به وإيفاءه إياه في بلد آخر من حيث إنه مصلحة لهما جميعا
والمنفعة التي تجر إلى الربا في القرض هي التي تخص المقرض كسكنى دار المقترض وركوب دوابه واستعماله وقبول هديته فإنه لا مصلحة له في ذلك بخلاف هذه المسائل فإن المنفعة مشتركة بينهما وهما متعاونان عليها فهي من جنس التعاون والمشاركة
وأما نهيه صلى الله عليه وسلم عن ربح ما لم يضمن فهو كما ثبت عنه في حديث عبد الله بن عمر حيث قال له إني أبيع الإبل بالبقيع بالدراهم وآخذ الدنانير وأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم فقال: "لا بأس إذا أخذتها بسعر يومها وتفرقتما وليس بينكما شيء".
فجوز ذلك بشرطين
أحدهما أن يأخذ بسعر يوم الصرف لئلا يربح فيها وليستقر ضمانه
والثاني أن لا يتفرقا إلا عن تقابض لأنه شرط في صحة الصرف لئلا يدخله ربا النسيئة.

(9/297)


.............................................
ـــــــ
والنهي عن ربح ما لم يضمن قد أشكل على بعض الفقهاء علته وهو من محاسن الشريعة فإنه لم يتم عليه استيلاء ولم تنقطع علق البائع عنه فهو يطمع في الفسخ والامتناع من الإقباض إذا رأى المشتري قد ربح فيه وإن أقبضه إياه فإنما يقبضه على إغماض وتأسف على فوت الربح فنفسه متعلقة به لم ينقطع طمعها منه
وهذا معلوم بالمشاهدة فمن كمال الشريعة ومحاسنها النهي عن الربح فيه حتى يستقر عليه ويكون من ضمانه فييأس البائع من الفسخ وتنقطع علقه عنه
وقد نص أحمد على ذلك في الاعتياض عن دين القرض وغيره أنه إنما يعتاض عنه بسعر يومه لئلا يربح فيما لم يضمن
فإن قيل هذا ينتقض عليكم بمسألتين
إحداهما بيع الثمار بعد بدو صلاحها فإنكم تجوزون لمشتريها أن يبيعها على رؤوس الأشجار وأن يربح فيها ولو تلفت بجائحة لكانت من ضمان البائع فيلزمكم أحد أمرين إما أن تمنعوا بيعها وإما أن لا تقولوا بوضع الجوائح كما يقول الشافعي وأبو حنيفة بل تكون من ضمانه فكيف تجمعون بين هذا وهذا
المسألة الثانية أنكم تجوزون للمستأجر أن يؤجر العين المستأجرة بمثل الأجرة وزيادة مع أنها لو تلفت لكانت من ضمان المؤجر فهذا ربح ما لم يضمن
قيل النقض الوارد إما أن يكون بمسألة منصوص عليها أو مجمع على حكمها وهاتان المسألتان غير منصوص عليهما ولا مجمع على حكمهما فلا يردان نقضا فإن في جواز بيع المشتري ما اشتراه من الثمار على الأشجار كذلك روايتان منصوصتان عن أحمد فإن منعنا البيع يظل النقض وإن جوزنا البيع وهو الصحيح فلأن الحاجة تدعو إلى ذلك فإن الثمار قد لا يمكن بيعها إلا كذلك فلو منعناه من بيعها أضررنا به ولو جعلناها من ضمانه إذا اتلفت بجائحة أضررنا به أيضا فجوزنا له بيعها لأنها في حكم المقبوض بالتخلية بينه وبينها وجعلناها من ضمان البائع بالجائحة لأنها ليست في حكم المقبوض من جميع الوجوه ولهذا يجب عليه تمام التسليم بالوجه المحتاج إليه فلما كانت مقبوضة من وجه غير مقبوضة من وجه رتبنا على الوجهين مقتضاهما وهذا من ألطف الفقه
وأما مسألة الإجارة فاختلفت الرواية عن أحمد في جواز إجارة الرجل ما استأجره بزيادة على ثلاث روايات
إحداهن : المنع مطلقا لئلا يربح فيما لم يضمن وعلى هذا فالنقض مندفع
والثانية : أنه إن جدد فيها عمارة جازت الزيادة وإلا فلا لأن الزيادة لا تكون ربحا بل هي في

(9/298)


...............................................
ـــــــ
مقابلة ما أحدثه من العمارة وعلى هذه الرواية أيضا فالنقض مندفع
والثالثة أنه يجوز أن يؤجرها بأكثر مما استأجرها مطلقا وهذا مذهب الشافعي وهذه الرواية أصح فإن المستأجر لو عطل المكان وأتلف منافعه بعد قبضه لتلف من ضمانه لأنه قبضة القبض التام ولكن لو انهدمت الدار لتلفت من مال المؤجر لزوال محل المنفعة فالمنافع مقبوضة ولهذا له استثناؤها بنفسه وبنظيره وإيجارها والتبرع بها ولكن كونها مقبوضة مشروط ببقاء العين فإذا تلفت العين زال محل الاستيفاء فكانت من ضمان المؤجر
وسر المسألة أنه لم يربح فيما لم يضمن وإنما هو مضمون عليه بالأجرة
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تبع ما ليس عندك" فمطابق لنهيه عن بيع الغرر لأنه إذا باع ما ليس عنده فليس هو على ثقة من حصوله بل قد يحصل له وقد لا يحصل فيكون غررا كبيع الآبق والشارد والطير في الهواء وما تحمل ناقته ونحوه قال حكيم بن حزام يارسول الله الرجل يأتيني يسألني البيع ليس عندي فأبيعه منه ثم أمضي إلى السوق فأشتريه وأسلمه إياه فقال: "لا تبع ما ليس عندك"
وقد ظن طائفة أن السلم مخصوص من عموم هذا الحديث فإنه بيع ما ليس عنده
وليس كما ظنوه فإن الحديث إنما تناول بيع الأعيان وأما السلم فعقد على ما في الذمة بل شرطه أن يكون في الذمة فلو أسلم في معين عنده كان فاسدا وما في الذمة مضمون مستقر فيها وبيع ما ليس عنده إنما نهي عنه لكونه غير مضمون عليه ولا ثابت في ذمته ولا في يده فالمبيع لا بد أن يكون ثابتا في ذمة المشتري أو في يده وبيع ما ليس عنده ليس بواحد منهما فالحديث باق على عمومه
فإن قيل فأنتم تجوزون للمغصوب منه أن يبيع المغصوب لمن يقدر على انتزاعه من غاصبيه وهو بيع ما ليس عنده؟
قيل لما كان البائع قادرا على تسليمه بالبيع والمشتري قادرا على تسلمه من الغاصب فكأنه قد باعه ما هو عنده وصار كما لو باعه مالا وهو عند المشتري وتحت يده وليس عند البائع والعندية هنا ليست عندية الحس والمشاهدة فإنه يجوز أن يبيعه ما ليس تحت يده ومشاهدته وإنما هي عندية الحكم والتمكين وهذا واضح ولله الحمد

(9/299)


35- باب في شرط في بيع[البيع]
3500 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عن زَكَرِيّا أخبرنا عَامِرٌ عن جَابِرِ بنِ عبد الله قال: بِعْتُهُ - يَعني بَعِيرَهُ - مِنَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَاشْتَرَطْتُ حُمْلاَنَهُ إلَى أهْلِي، قالَ في آخِرِهِ: "تُرَانِي إنّمَا مَاكَسْتُكَ لاِءَذْهَبَ بِجَمَلِكَ؟ خُذْ جَمَلَكَ وَثَمَنَهُ فَهُمَا لَكَ" .
ـــــــ
"باب في شرط في بيع"
"واشترطت حملانه" بضم أوله أي الحمل عليه "تراني" بتقدير أداة الاستفهام الإنكاري أي أنظن "إنما ما كستك" المماكسة: انتقاص الثمن واستحطاطه، والمنابذة بين المتبايعين، وأشار بذلك إلى ما وقع بينهما من المساومة عند البيع. واختصر أبو داوود الحديث وأخرجه البخاري في صحيحه في نحو عشرين موضعاً مختصراً ومطولا، وقد وقع عند البخاري في كتاب الشروط أنه أي جابراً كان يسير على جمل له قد أعيي، فمر النبي صلى الله عليه وسلم فضربه فدعا له، فسار بسير ليس يسير مثله ثم قال بعنيه بوقية قلت لا، ثم قال بعنيه بوقية، فبعته الحديث.
قال في النيل: والحديث يدل على جواز البيع مع استثناء الركوب، وبه قال الجمهور وجوزه مالك إذا كانت مسافة السفر قريبة وحدها بثلاثة أيام. وقال الشافعي وأبو حنيفة وآخرون لا يجوز ذلك سواء قلت المسافة أو كثرت واحتجوا بحديث النهي عن بيع وشرط وحديث النهي عن الثنيا، وأجابوا عن حديث الباب بأنه قصة عين تدخلها الاحتمالات. ويجاب بأن حديث النهي عن بيع وشرط مع ما فيه من المقال هو أعم من حديث الباب مطلقاً فيبني العام على الخاص، وأما حديث النهي عن الثنيا فقد تقدم تقييده بقوله إلا أن يعلم انتهى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه مختصراً ومطولا.

(9/300)


36- باب في عهدة الرقيق
3501 - حدثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ أخبرنا أَبَانُ عن قَتَادَةَ عن الْحَسَنِ عن عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "عُهْدَةُ الرّقِيقِ ثَلاَثَةُ أيّامٍ" .
ـــــــ
"باب في عهدة الرقيق"
"عهدة الرقيق ثلاثة أيام" قال الخطابي: معناه أن يشتري العبد أو الجارية ولا يشترط

(9/300)


3502 - حدثنا هَارُونُ بنُ عبد الله حَدّثَني عَبْدُالصّمَدِ أخبرنا هَمّامٌ عن قَتَادَةَ بِإسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ. زَادَ: إنْ وَجَدَ دَاءً في الثّلاَثِ لَيَالِي رُدّ بِغَيْرِ بَيّنَةٍ، وَإنْ وَجَدَ دَاءً بَعْدَ الثّلاَثِ كُلّفَ الْبَيّنَةَ أنّهُ اشْتَرَاهُ وَبِهِ هَذَا الدّاءُ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: هَذَا التّفْسِيرُ مِنْ كَلاَمِ قَتَادَةَ.
ـــــــ
البائع البراءة من العيب، فما أصاب المشتري به من عيب في الأيام الثلاثة فهو من مال البائع ويرد بلا بينة، فإن وجد به عيباً بعد الثلاث لم يرد إلا ببينة، وهكذا فسره قتادة فيما ذكره أبو داوود عنه.
قال الخطابي: وإلى هذا ذهب مالك بن أنس وقال. وهذا إذا لم يشترط البائع البراءة من العيب قال وعهدة السنة من الجنون والجذام والبرص، فإذا مضت السنة فقد برىء البائع من العهدة كلها، قال ولا عهدة إلا في الرقيق خاصة، وهذا قول أهل المدينة ابن المسيب والزهري أعني عهدة السنة في كل داء عضال. وكان الشافعي لا يعتبر الثلاث والسنة في شيء منهما وينظر إلى العيب فإن كان مما يحدث مثله في مثل المدة التي اشتراه فيها إلى وقت الخصومة قالقول قول البائع مع يمينه، وإن كان لا يمكن حدوثه في تلك المدة التي اشتراه فيها إلى وقت الخصومة رده على البائع وضعف أحمد بن حنبل عهدة الثلاث في الرقيق وقال لا يثبت في العهدة حديث، وقالوا لم يسمع الحسن من عقبة بن عامر شيئاً فالحديث مشكوك فيه، فمرة قال عن سمرة، ومرة قال عن عقبة انتهى.
قال المنذري: والحسن لم يصح له السماع من عقبة بن عامر، ذكر ذلك ابن المديني وأبو حاتم الرازي رضي الله عنهما فهو منقطع، وقد وقع فيه أيضاً الاضطراب، وأخرجه الإمام أحمد في مسنده وفيه عهدة الرقيق أربع ليال، وأخرجه ابن ماجه في سننه وفيه لا عهدة بعد أربع، وقال فيه أيضاً عن سمرة أو عقبة على الشك، فوقع الاضطراب في متنه وإسناده.
قال البيهقي: وقيل عنه عن سمرة وليس بمحفوظ، وقال أبو بكر الأثرم: سألت أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل عن العهدة، قلت: إلى أي شيء تذهب فيها، فقال: ليس في العهدة حديث يثبت هو ذاك الحديث حديث الحسن وسعيد يعني ابن أبي عروبة أيضاً يشك فيه، يقول عن سمرة أو عقبة انتهى كلام المنذري.
"إن وجد" أي المشتري "داء" أي في الرقيق "في الثلاث ليالي" وفي بعض النسخ الثلاث الليالي وهو الظاهر "كلف" بصيغة المجهول من التكليف أي المشتري "البينة" بالنصب على

(9/301)


...........................
ـــــــ
أنه مفعول ثان لكلف والمعنى أن المشتري إن وجد داء في الرقيق بعد ثلاث ليالي يؤمر بأن يقيم البينة على أنه اشتراه وقد كان به هذا الداء ولا يرد الرقيق بغير البينة.

(9/302)


37- باب فيمن اشترى عبداً فاستعمله ثم وجد به عيبا
3503 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ أخبرنا ابنُ أبِي ذِئْبٍ عن مَخْلَدِ بنِ خُفَافٍ عن عُرْوَةَ عن عَائِشَةَ قالَتْ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "الْخَرَاجُ بالضّمَانِ" .
ـــــــ
"باب فيمن اشترى عبداً فاستعمله ثم وجد به عيبا"
وفي نسخة الخطابي فاستغلّه مكان فاستعمله.
وفي نسخة الخطابي فاستغلّه مكان فاستعمله.
"الخراج بالضمان" الخراج بفتح الخاء.
قال في النهاية: يريد بالخراج ما يحصل من غلة العين المبتاعة عبداً كان أو أمة أو ملكاً وذلك أن يشتريه فيستغلّه زماناً ثم يعثر منه على عيب قديم لم يُطْلِعْه البائع عليه أو لم يعرفه، فله رد العين المبيعة وأخذ الثمن ويكون للمشتري ما استغلّه لأن المبيع لو كان تلف في يده لكان في ضمانه ولم يكن على البائع شيء، والباء في بالضمان متعلقة بمحذوف تقديره الخراج مستحق بالضمان أي بسببه انتهى.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله
وقد قال قتيبة فيما رواه أبو داود هذا الحديث في كتابي بخطي عن جرير عن هشام بن عروة ذكره البيهقي
فهؤلاء ثلاثة عمر بن علي ومسلم بن خالد وجرير
وقال الشافعي أخبرني من لا أتهم من أهل المدينة عن ابن أبي ذئب عن مخلد بن خفاف قال ابتعت غلاما فاستغللته ثم ظهرت منه على عيب فخاصمت فيه إلى عمر بن عبد العزيز فقضي له برده وقضى علي برد غلته فأتيت عروة بن الزبير فأخبرته فقال أروح إليه العشية فأخبره أن عائشة أخبرتني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في مثل هذا أن الخراج بالضمان فعجلت إلى عمر فأخبرته ما أخبرني عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال عمر بن عبد العزيز فما أيسر علي من قضاء قضيته والله يعلم أني لم أرد فيه إلا الحق فبلغني فيه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرد قضاء عمر وأنفذ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فراح إليه عروة فقضى لي أن آخذ الخراج من الذي قضى به علي له رواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن ابن أبي ذئب

(9/302)


3504 - حدثنا مَحْمُودُ بنُ خَالِدٍ أخبرنا الْفِرْيَابِيّ عن سُفْيَانَ عن مُحَمّدِ بنِ عبد الرحمن عن مَخْلَدِ بنِ خُفَافٍ الْغِفَارِيّ قال: "كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ أُنَاسٍ شَرِكَةٌ في عَبْدٍ فَاقْتَوَيْتُهُ وَبَعْضُنَا غَائِبٌ فَأغَلّ عَلَيّ غَلّةً فَخَاصَمَنِي في نَصِيبِهِ إلَى بَعْضِ الْقُضَاةِ فَأمَرَنِي أنْ أرُدّ الْغَلُةَ، فَأتَيْتُ عُرْوَةَ بنَ الزّبَيْرِ فَحَدّثْتُهُ فَأتَاهُ عُرْوَةُ فَحَدّثَهُ عن عَائِشَةَ عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قال: "الْخَرَاجُ بالضّمَانِ" .
ـــــــ
وقال في السبل: الخراج هو الغلة والكراء، ومعناه أن المبيع إذا كان له دخل وغلة فإن مالك الرقبة الذي هو ضامن لها يملك خراجها لضمان أصلها، فإذا ابتاع رجل أرضاً فاستعملها، أو ماشية فنتجها، أو دابة فركبها، أو عبداً فاستخدمه ثم وجد به عيباً فله أن يرد الرقبة ولا شيء عليه فيما انتفع لأنها لو تلفت ما بين مدة الفسخ والعقد لكانت في ضمان المشتري فوجب أن يكون الخراج له انتهى، وكذا في معالم السنن.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي حديث حسن.
"فاقتويته" قال الخطابي: أي استخدمته، وهذا فعل جائز لأن رقبة العبد يوفي بالعمل إذا جاء التغيب انتهى. وقال في القاموس: القتو والقتا مثلثة حسن خدمة الملوك، واقتويته استخدمته شاذ، لأن افْعَلّ لازم انتهى "فأغل" أي العبد "غلة" في القاموس: الغلة الدخلة من كراء دار وأجرة غلام وفائدة أرض "فخاصمني" أي الشريك الغائب "فأمرني" أي القاضي الذي خاصم إليه "أن أرد الغلة" أي إلى ذلك الشريك "فأتاه" أي الشريك "فحدثه" أي عروة ذلك الشريك ليمتنع عن أخذ الغلة عن مخلد لكون الغلام في ضمان مخلد والله أعلم. كذا في فتح الودود.
قال المنذري: قال البخاري هذا حديث منكر ولا أعرف لمخلد بن خفاف غير هذا الحديث.
قال الترمذي: فقلت له فقد روي هذا الحديث عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، فقال إنما رواه مسلم بن خالد الزنجي وهو ذاهب الحديث.
وقال ابن أبي حاتم سئل أبي عنه يعني مخلد بن خفاف فقال لم يرو عنه غير ابن أبي ذئب وليس هذا إسناد يقوم بمثله الحجة، يعني الحديث الذي يروى عن مخلد بن خفاف عن عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الخراج بالضمان، وقال الأزدي: مخلد بن خفاف ضعيف انتهى كلام المنذري.

(9/303)


3505 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مَرْوَانَ أخبرنا أبِي أخبرنا مُسْلِمُ بنُ خَالِدٍ الزّنْجِيّ أخبرنا هِشَامُ بنُ عُرْوَةَ عن أبِيهِ عن عَائِشَةَ: أنّ رَجُلاً ابْتَاعَ غُلاَماً فَأقَامَ عِنْدَهُ مَاشَاءَ الله أنْ يُقِيمَ ثُمّ وَجَدَ بِهِ عَيْباً فَخَاصَمَهُ إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فَرَدّهُ عَلَيْهِ، فَقالَ الرّجُلُ: يَارَسُولَ الله قَدِ اسْتَغَلّ غُلاَمِي، فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "الْخَرَاجُ بالضّمَانِ" .
قَالَ أبُو دَاوُدَ: هَذَا إسْنَادٌ لَيْسَ بِذَاكَ [بذلك].
ـــــــ
"ابتاع غلاماً" أي اشتراه "فخاصمه" أي البائع "فرده عليه" أي على البائع "فقال الرجل" يعني البائع "قد استغل غلامي" أي أخذ منه غلته "قال أبو داوود هذا إسناد ليس بذاك".
قال المنذري: يشير إلى ما أشار إليه البخاري من تضعيف مسلم بن خالد الزنجي. وقد أخرج هذا الترمذي في جامعه من حديث عمر بن علي المقدمي عن هشام بن عروة مختصراً أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن الخراج بالضمان، وقال هذا حديث صحيح غريب من حديث هشام بن عروة. وقال أيضاً استغرب محمد بن إسماعيل يعني البخاري هذا الحديث من حديث عمر بن علي. قلت: تراه تدليساً؟ قال لا. وحكي البيهقي عن الترمذي أنه ذكره لمحمد بن إسماعيل البخاري وكأنه أعجبه. هذا آخر كلامه. وعمر بن علي هو أبو حفص عمر بن علي المقدمي البصري وقد اتفق البخاري ومسلم على الاحتجاج بحديثه، ورواه عن عمر بن علي أبو سلمة يحيى بن خلف الجو باري وهو ممن يروي عنه مسلم في صحيحه وهذا إسناد جيد، ولهذا صححه الترمذي وهو غريب كما أشار إليه البخاري والترمذي والله عزوجل أعلم انتهى كلام المنذري.

(9/304)


38- باب إذا اختلف البيعان والمبيع قائم
3506 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ يَحْيَى بنِ فَارِسَ أخبرنا عُمَرُ بنُ حَفْصِ بنِ غِيَاثٍ أنْبأنَا أبِي عن أبِي عُمَيْس قالَ أخبرَني عبد الرحمن بنُ قَيْسِ بنِ مُحَمّدِ بنِ الأَشْعَثِ عن أبِيهِ عن جَدّهِ قال: اشْتَرَى الأشْعَثُ رَقِيقاً مِنْ رَقِيقِ الْخُمُسِ مِنْ عبد الله بِعِشْرِينَ
ـــــــ
باب إذا اختلف البيعان والمبيع قائم
عن أبي عميس بالتصغير واسمه عتبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه."رقيقاً" أي عبيداً "من عبد الله" أي ابن مسعود، ومن متعلق باشتري فأرسل عبد الله إليه".

(9/304)


ألْفاً، فَأرْسَلَ عبد الله إلَيْهِ في ثَمَنِهِمْ، فقالَ: إنّمَا أخَذْتُهُمْ بِعَشْرَةِ آلاَفٍ، فَقالَ عَبْدُالله: فَاخْتَرْ رَجُلاً يَكُونُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ. قالَ الأَشْعَثُ: أنْتَ بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِكَ. قالَ عَبْدُالله: فَإنّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إذَا اخْتَلَفَ الْبَيّعَانِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيّنَةٌ فَهُوَ مَا يَقُولُ رَبّ السّلْعَةِ أوْ يَتَتَارَكَانِ" .
3507 - حدثنا عبد الله بنُ مُحَمّدٍ النّفَيْلِيّ أخبرنا هُشَيْمٌ أنْبأنَا ابنُ أبي لَيْلَى عن الْقَاسِمِ بنِ عبد الرحمن عن أبِيهِ: أنّ ابنَ مَسْعُودٍ بَاعَ مِنَ الأشْعَثِ بنِ قَيْسٍ رَقِيقاً فَذَكَرَ مَعْنَاهُ وَالْكَلاَمُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ.
ـــــــ
أي إلى أشعت يعني رجلا "في ثمنهم" أي في طلب ثمن العبيد "فقال" أي فجاء أشعت فقال "يكون بيني وبينك" أي حَكَماً "إذا اختلف البيعان" أي البائع والمشتري ولم يذكر الأمر الذي فيه الاختلاف، وحذف المتعلق مشعر بالتعميم في مثل هذا المقام على ما تقرر في علم المعاني، فيعم الاختلاف في المبيع والثمن وفي كل أمر يرجع إليهما وفي سائر الشروط المعتبرة والتصريح بالاختلاف في الثمن في بعض الروايات لا ينافي هذا العموم المستفاد من الحذف قاله في النيل "وليس بينهما بينة" الواو للحال "رب السلعة" أي البائع "أو يتتاركان" أي يتفاسخان العقد قاله الخطابي. وقال: واختلف أهل العلم في هذه المسألة فقال مالك والشافعي: يقال للبائع احلف بالله ما بعت سلعتك إلا بما قلت، فإن حلف البائع قيل للمشتري إما أن تأخذ السلعة بما قال البائع وإما أن تحلف ما اشتريتها إلا بما قلت، فإن حلف بريء منها وردت السلعة إلى البائع، وسواء عند الشافعي كانت السلعة قائمة أو تالفة فإنهما يتحالفان ويترادان، وكذلك قال محمد بن الحسن. ومعنى يترادان أي قيمة السلعة بعد الاستهلاك.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله
وقد روي حديث ابن مسعود من طرق عن ابن مسعود يشد بعضها بعضا وليس فيهم مجروح ولا متهم وإنما يخاف من سوء حفظ محمد بن عبد الرحمن ولم ينفرد به فقد رواه الشافعي عن ابن عيينة عن محمد بن عجلان عن عون بن عبد الله عن ابن مسعود ثم قال هذا حديث منقطع لا أعلم أحدا يصله عن ابن مسعود وقد جاء من غير وجه وقد رواه الحاكم في المستدرك من حديث ابن جريج أن إسماعيل بن أمية أخبره عن عبد الملك بن عمير قال حضرت أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود وأتاه رجلان تبايعا سلعة فقال أحدهما أخذت بكذا وكذا وقال الآخر بعت بكذا وكذا فقال أبو عبيدة أتى عبد الله بن مسعود في مثل هذا فقال حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثل هذا فأمر البائع

(9/305)


..............................................
ـــــــ
وقال النخعي والثوري والأوزاعي وأبو حنيفة وأبو يوسف: القول قول المشتري مع يمينه بعد الاستهلاك. وقال مالك قريباً من قولهم بعد الاستهلاك في أشهر الروايتين عنه، واحتج لهم بأنه قد روي في بعض الأخبار إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة فالقول ما يقول البائع أو يترادان، قالوا: فدل اشتراطه قيام السلعة على أن الحكم عند استهلاكها بخلاف ذلك، وهذه اللفظة لا تصح من طريق النقد وإنما جاء بها ابن أبي ليلى، وقيل إنها من قول بعض الرواة، وقد يحتمل أن يكون ذكر قيام السلعة بمعنى التغليب لا من أجل التفريق انتهى.
قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"فذكر معناه" أي معنى الحديث السابق. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه وأخرجه
ـــــــ
أن يحلف ثم خير المبتاع إن شاء أخذ وإن شاء ترك ورواه الإمام أحمد عن الشافعي حدثنا سعيد بن سالم القداح حدثنا ابن جريج فذكره
قال عبد الله بن أحمد قال أبي أخبرت عن هشام بن يوسف عن ابن جريج عن إسماعيل بن أمية عن عبد الملك بن عبيد قال أحمد وقال حجاج الأعور عبد الملك بن عبيدة
قال البيهقي وهذا هو الصواب
ورواه يحيى بن سليم عن إسماعيل بن أمية عن عبد الملك بن عمير كما قال سعيد بن سالم ورواية هشام بن يوسف وحجاج عن ابن جريج أصح
قال البخاري في تاريخه عبد الملك بن عبيد عن بعض ولد عبد الله بن مسعود روى عنه إسماعيل بن أمية مرسل
وذكر بعده عبد الملك بن عمير قال هو الكوفي أبو عمر القرشي مات سنة ست وثلاثين ومائة وكان أفصح الناس سمع جندبا ورأى المغيرة روى عنه الثوري وشعبه
وقال البيهقي ورواه أبو العميس ومعن بن عبد الرحمن وعبد الرحمن المسعودي وأبان بن تغلب كلهم عن القاسم عن عبد الله منقطعا وليس فيه والمبيع قائم بعينه وابن أبي ليلى كان كثير الوهم في الإسناد والمتن وأهل العلم بالحديث لا يقبلون منه ما ينفرد به لكثرة أوهامه وأصح إسناد روي في هذا الباب رواية أبي العميس عن عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث عن أبيه عن جده.
فذكر الحديث الذي في أول الباب

(9/306)


...........................
ـــــــ
الترمذي من حديث عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن مسعود وقال هذا مرسل عون بن عبد الله لم يدرك ابن مسعود. هذا آخر كلامه. وفي إسناده هذا محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ولا يحتح به، وعبدالرحمَن بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه وهو منقطع.
وقد روي هذا الحديث من طرق عن عبد الله بن مسعود كلها وقد وقع في بعضها "إذا اختلف البيعان والمبيع قائم بعينه" وفي لفظ "والسلعة قائمة" ولا يصح، وإنما جاءت من رواية ابن أبي ليلى وقد تقدم أنه لا يحتج به. وقيل إنها من قول بعض الرواة. وقال البيهقي: وأصح إسناد روي في هذا الباب رواية أبي العميس عن عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث بن قيس عن أبيه عن جده، يريد بالحديث المذكور في أول الباب. انتهى كلام المنذري.

(9/307)


39- باب في الشفعة
3508 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا إسْمَاعِيلُ بنُ إبْرَاهِيمَ عن ابنِ جُرَيْجٍ عن أبي الزّبَيْرِ عن جَابِرٍ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: " الشّفْعَةُ في كُلّ شِرْكٍ رَبْعَةٍ أوْ حَائِطٍ لا
ـــــــ
"باب في الشفعة"
قال في الفتح: الشفعة بضم المعجمة وسكون الفاء وغلط من حركها وهي مأخوذة لغة من الشفع وهو الزوج، وقيل من الزيادة، وقيل من الإعانة. وفي الشرع انتقال حصة شريك إلى شريك كانت انتقلت إلى أجنبي بمثل العوض المسمى انتهى.
"أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم" هذا هو ابن علية قال المزي في الأطراف، وفي بعض النسخ إبراهيم بن إسماعيل وهو غلط والله تعالى أعلم "الشفعة في كل شرك" بكسر الشين
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله
قيل له ومن أين قلت قال إنما رواه عن جابر بن عبد الله وقد روى أبو سلمة بن عبد الرحمن عن جابر مفسرا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة" وأبو سلمة من الحفاظ وروى أبو الزبير وهو من الحفاظ عن جابر ما يوافق قول أبي سلمة ويخالف ما روى عبد الملك بن أبي سليمان وفيه من الفرق بين الشريك وبين المقاسم فكان أولى الأحاديث أن يؤخذ به عندنا والله أعلم لأنه أثبتها إسنادا وأبينها لفظا عن النبي صلى الله عليه وسلم وأعرقها في الفرق بين المقاسم وغير المقاسم هذا آخر كلامه
قال الترمذي وإنما ترك شعبة حديث عبد الملك لحال هذا الحديث تم كلامه

(9/307)


................................................
ـــــــ
وإسكان الراء من أشركته في البيع إذا جعلته لك شريكا ثم خفف المصدر بكسر الأول وسكون الثاني فيقال شرك وشركة كما يقال كلم وكلمة. قاله في النيل "ربعة" بفتح الراء وسكون الباء تأنيث ربع وهو المنزل الذي يرتبعون فيه في الربيع ثم سمي به الدار والمسكن.
وقوله: ربعة بدل من شرك. قال الخطابي: الربع والربعة المنزل الذي يربع به الإنسان ويتوطنه، يقال هذا ربع وهذا ربعة بالهاء كما قالوا دار ودارة. قال وفي هذا الحديث إثبات الشفعة في الشركة وهو اتفاق من أهل العلم وليس فيه نفيها عن المقسوم من جهة اللفظ، ولكن دلالته من طريق المفهوم أن لا شفعة في المقسوم، وفيه دليل على أن الشفعة لا تجب إلا في الأرض والعقار دون غيرهما من العروض والأمتعة والحيوان ونحوها انتهى. "أو حائط" أي بستان ولفظ مسلم في صحيحه من هذا الوجه "الشفعة في كل شرك في أرض أو ربع أو حائط لا يصلح أن يبيع حتى يعرض على شريكه فيأخذ أو يدع فإن أبى فشريكة أحق به حتى يؤذنه" قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي.
ـــــــ
وروى الحاكم من طريق أمية بن خالد قال قلت لشعبة مالك لاتحدث عن عبد الملك بن أبي سليمان قال تركت حديثه قال قلت تحدث عن محمد بن عبد الله العرزمي وتدع عبد الملك وقد كان حسن الحديث قال من حسنها فررت
وقال أحمد بن سعيد الدارمي سمعت مسددا وغيره من أصحابنا عن يحيى بن سعيد قال قال شعبة لو أن عبد الملك جاء بمثله آخر أو اثنين لتركت حديثه يعني حديث الشفعة
وقال أبو قدامة عن يحيى القطان قوله لو روى عبد الملك بن أبي سليمان حديثا مثل حديث الشفعة لتركت حديثه
وقال بعض الناس هذا رأى لعطاء أدرجه عبد الملك في الحديث إدراجا فهذا ما رمى به الناس عبد الملك وحديثه
وقال آخرون عبد الملك أجل وأوثق من أن يتكلم فيه وكان يسمى الميزان لإتقانه وضبطه وحفظه ولم يتكلم فيه أحد قط إلا شعبة وتكلم فيه من أجل هذا الحديث وهو كلام باطل
فإنه إذا لم يضعفه إلا من أجل هذا الحديث كان ذلك دورا باطلا فإنه لا يثبت ضعف الحديث حتى يثبت ضعف عبد الملك فلا يجوز أن يستفاد ضعفه من ضعف الحديث الذي لم يعلم ضعفه إلا من جهة عبد الملك ولم يعلم ضعف عبد الملك إلا بالحديث وهذا محال من الكلام فإن الرجل من الثقات الأثبات الحفاظ الذين لا مطمح للطعن فيهم وقد احتج به مسلم في صحيحه وخرج له عدة

(9/308)


يَصْلُحُ أنْ يَبِيعَ حَتّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإنْ بَاعَ فَهُوَ أحَقّ بِهِ حَتّى يُؤْذِنَهُ" .
3509 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا عَبْدُالرّزّاقِ أخبرنا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن أبي سَلَمَةَ بنِ عبد الرحمن عن جَابِرِ بنِ عبد الله قالَ: إنّمَا جَعَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الشّفْعَةُ في كُلّ مَالٍ لَمْ يُقْسَمْ، فَإذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصُرِفَتِ الطّرُقُ فَلاَ شَفَعَةَ.
ـــــــ
"في كل مال لم يقسم" وفي بعض النسخ "في كل مالم يقسم" بلفظ ما الموصولة مكان لفظ مال "فإذا وقعت الحدود" أي حصلت قسمة الحدود في المبيع واتضحت بالقسمة
ـــــــ
أحاديث ولم يذكر لصحيح حديثه والاحتجاج به أحد من أهل العلم واستشهد به البخاري ولم يرو ما يخالف الثقات بل روايته موافقة لحديث أبي رافع الذي أخرجه البخاري ولحديث سمرة الذي صححه الترمذي فجابر ثالث ثلاثة في هذا الحديث أبي رافع وسمرة وجابر فأي مطعن على عبد الملك في رواية حديث قد رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من الصحابة
والذين ردوا حديثه ظنوا أنه معارض لحديث جابر الذي رواه أبو سلمة عنه "الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة".
وفي الحقيقة لا تعارض بينهما فإن منطوق حديث أبي سلمة انتفاء الشفعة عند تميز الحدود وتصريف الطرق واختصاص كل ذي ملك بطريق ومنطوق حديث عبد الملك إثبات الشفعة بالجوار عند الاشتراك في الطريق ومفهومه انتفاء الشفعة عند تصريف الطرق فمفهومه موافق لمنطوق حديث أبي سلمة وأبي الزبير ومنطوقه غير معارض له وهذا بين وهو أعدل الأقوال في المسألة
فإن الناس في شفعة الجوار طرفان ووسط
فأهل المدينة وأهل الحجاز وكثير من الفقهاء ينفونها مطلقا
وأهل الكوفة يثبتونها مطلقا
وأهل البصرة يثبتونها عند الاشتراك في حق من حقوق الملك كالطريق والماء ونحوه وينفونها عند تميز كل ملك بطريقه حيث لا يكون بين الملاك اشتراك
وعلى هذا القول تدل أحاديث جابر منطوقها ومفهومها ويزول عنها التضاد والاختلاف ويعلم أن عبد الملك لم يرو ما يخالف رواية غيره
والأقوال الثلاثة في مذهب أحمد وأعدلها وأحسنها هذا القول الثالث والله الموفق للصواب.

(9/309)


3510 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ يَحْيَى بنِ فَارِسَ أخبرنا الْحَسَنُ بنُ الرّبِيعِ أخبرنا ابنُ إدْرِيسَ عن ابنِ جُرَيْجٍ عن الزّهْرِيّ عن أبي سَلَمَةَ، أوْ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ، أوْ
ـــــــ
مواضعها. قال القسطلاني: والحدود جمع حد وهو هنا ما تتميز به الأملاك بعد القسمة وأصل الحد المنع ففي تحديد الشيء منع خروج شيء منهمن ومنع دخول غيره فيه انتهى. "وصرفت الصرق" بضم الصاد المهملة وكسر الراء المخففة والمشددة أي بينت مصارفها وشوارعها. قاله القسطلاني. وقال القاري: أي بينت الطرق بأن تعددت وحصل لكل نصيب طريق مخصوص "فلا شفعة" قال القاري: أي بعد القسمة، فعلى هذا تكون الشفعة للشريك دون الجار وهو مذهب الشافعي، وأما من يرى الشفعة للجوار لأحاديث وردت في ذلك وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه يقول إن قوله فإذا وقعت الحدود ليس من الحديث بل شيء زاده جابر انتهى.
قلت: رُدّ ذلك بأن الأصل أن كل ما ذكر في الحديث فهو منه حتى يثبت الإدراج بدليل، وورود ذلك في حديث غيره مشعر بعدم الإدراج كما في حديث أبي هريرة الآتية.
وقال المناوي: الحدود جمع حد وهو الفاصل بين الشيئين وهو هنا ما يتميز به الأملاك بعد القسمة فإذا وقعت الحدود أي بينت أقسام الأرض المشتركة بأن قسمت وصار كل نصيب منفرداً فلا شفعة، لأن الأرض بالقسمة صارت غير مشاعة دل على أن الشفعة تختص بالمشاع وأنه لا شفعة للجار خلافاً للحنفية انتهى.
وقال الإمام الخطابي: وهذا الحديث أبين في الدلالة على نفي الشفعة لغير الشريك من الحديث الأول، وكلمة إنما يعمل تركيبها فهي مثبتة للشيء المذكور نافية لما سواه، فثبت أنه لا شفعة في المقسوم.
وإما قوله صلى الله عليه وسلم "فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة" فقد يحتج بكل لفظة منها قوم أما اللفظة الأولى ففيها حجة لمن لم ير الشفعة في المقسوم، وأما اللفظة الأخرى فقد يحتج بها من يثبت الشفعة بالطريق وإن كان المبيع مقسوماً. قال الخطابي: ولا حجة لهم عندي في ذلك، وإنما هو الطريق إلى المشاع دون المقسوم، وذلك أن الطريق تكون في المشاع شائعاً بين الشركاء قبل القسمة، وكل واحد منهم يدخل من حيث شاء ويتوصل إلى حقه من الجهات كلها، فإذا قسم العقار بينهم منع كل واحد منهم أن يتطرق شيئاً من حق صاحبه وأن يدخل إلى ملكه إلا من حيث جعل له، فمعنى صرف الطرق هو وقوع الحدود هنا. ثم إنه قد علق الحكم فيه بمعنيين أحدهما وقوع الحدود وصرف الطرق معاً فليس لهم أن يثبتوه بأحدهما وهو نفي صرف الطرق دون نفي وقوع الحدود انتهى كلامه. قال المنذري:

(9/310)


عَنْهُمَا جَمِيعاً عن أبي هُرَيْرَةَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: " إذَا قُسِمَتِ الأرْضُ وَحُدّتْ فَلاَ شَفَعَةَ فِيهَا" .
3511 - حدثنا عبد الله بنُ مُحَمّدٍ النّفَيْلِيّ أخبرنا سُفْيَانُ عن إبْرَاهِيمَ بنِ مَيْسَرَةَ سَمِعَ عَمْرَو بنَ الشّرِيدِ سَمِعَ أبَا رَافِعٍ سَمِعَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "الْجَارُ أحَقّ بِسَقَبِهِ".
ـــــــ
وأخرجه البخاري والترمذي وابن ماجه مسنداً ومرسلا.
"إذا قسمت الأرض وحدت" بصيغة المجهول في الفعلين. قال الخطابي: في هذا بيان بأن الشفعة تبطل بنفس القسمة والتمييز بالحصص بوقوع الحدود، ويشبه أن يكون المعنى الموجب للشفعة دفع الضرر سوى المشاركة والدخول غب ملك الشريك، وهذا المعنى يرتفع بالقسمة، وأملاك الناس لا يجوز الاعتراض عليها بغير حجة انتهى. وهذا الحديث قد وجد في جميع النسخ الحاضرة، وكذا في معالم السنن للخطابي، وكذا في الأطراف للحافظ المزي، وكذا في المنتقى من رواية أبي داوود ولكن ما وجدناه في نسخة المنذري فلعله من سهو الناسخ أو من المنذري والله أعلم. وقال في النيل حديث أبي هريرة رجال إسناده ثقات.
"بسقبه" بفتح السين والقاف وبعدها موحدة، وقد يقال بالصاد بدل السين، ويجوز فتح القاف وإسكانها وهو القرب والمجاورة. وقد استدل بهذا الحديث القائلون بثبوت شفعة الجار. قال الخطابي: ليس في الحديث ذكر الشفعة فيحتمل أن يكون أراد الشفعة وقد يحتمل أن يكون أراد أنه أحق بالبر والمعونة وما في معناهما، وقد يحتمل أن يكون المراد بالجار الشريك لأن اسم الجار قد يقع على الشريك فإنه قد يجاور شريكه ويساكنه في الدار المشتركة بينهما، كالمرأة تسمي جارة لهذا المعنى. قال الأعشى:
أجارتنا بيني فإنك طالقه ... كذاك أمور الناس غاد وطارقه
قال وقد تكلم أصحاب الحديث في إسناد هذا الحديث واضطربت الرواية فيه، فقال بعضهم عن عمرو بن الشريد عن أبي رافع، وقال بعضهم عن أبيه عن أبي رافع، وأرسله بعضهم، وقال فيه قتادة عن عمرو بن شعيب عن الشريد والأحاديث التي جاءت في أن لا شفعة إلا للشريك أسانيدها جياد ليس في شيء منها اضطراب انتهى. قلت: هذا الحديث عند أحمد والنسائي بلفظ "قال قلت يارسول الله أرض ليس لأحد فيها شرك ولا قسم إلا الجوار فقال الجار أحق بسقبه ما كان" فبطل احتمال كون المراد أنه أحق بالبر والمعونة كما لا يخفى قال المنذري: وأخرجه البخاري والنسائي وابن ماجه.

(9/311)


3512 - حدثنا أبُو الْوَلِيدِ الطّيَالِسِيّ أخبرنا شُعْبَةُ عن قَتَادَةَ عن الْحَسَنِ عن سَمُرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "جَارُ الدّارِ أحَقّ بِدَارِ الْجَارِ أو الأَرْضِ" .
3513 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا هُشَيْمٌ أنْبأنَا عَبْدُالمَلِكِ عن عَطَاءٍ عن جَابِرِ بنِ عبد الله قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "الْجَارُ أحَقّ بِشُفْعَةِ جَارِهِ يُنْتَظَرُ بِهَا وَإنْ كَانَ غَائِباً إذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِداً" .
ـــــــ
"جار الدار أحق إلخ" قال الخطابي: وهذا أيضاً قد يحتمل أن يتناول على الجار المشارك دون المقاسم كما قلنا في الحديث الأول، وقد تكلموا في إسناده. قال يحيى بن معين: لم يسمع الحسن من سمرة وإنما هو صحيفة وقعت إليه أو كما قال، وقال غيره: سمع الحسن من سمرة حديث العقيقة انتهى. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي حسن صحيح هذا آخر كلامه.وقد تقدم اختلاف الأئمة في سماع الحسن عن سمرة والأكثر على أنه لم يسمع منه إلا حديث العقيقة.
"ينتظر" على البناء للمفعول "بها" أي بالشفعة. قال ابن رسلان: يحتمل انتظار الصبي بالشفعة حتى يبلغ. وقد أخرج الطبراني في الصغير والأوسط عن جابر أيضاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الصبي على شفعته حتى يدرك فإذا أدرك فإن شاء أخذ وإن شاء ترك" وفي إسناده عبد الله بن بزيع قاله في النيل وإن كان غائباً فيه دليل على أن شفعة الغائب لا تبطل وإن تراخي "إذا كان طريقهما واحداً" قال في النيل: فيه دليل على أن الجواز بمجرده لا تثبت به الشفعة بل لا بد معه من اتحاد الطريق، ويؤيد هذا الاعتبار قوله "فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة" انتهى. وقد حمل صاحب النيل حديث "الجار أحق بسبقه" وما في معناه من الأحاديث التي تدل على ثبوت الشفعة للجار مطلقاً على هذا المقيد. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي حسن غريب ولا نعلم أحداً روى هذا الحديث غير عبدالملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر، وقد تكلم شعبة في عبدالملك بن أبي سليمان من أجل هذا الحديث، وعبدالملك هو ثقة مأمون عند أهل الحديث. هذا آخر كلامه. وقال الإمام الشافعي: يخاف أن لا يكون محفوظاً، وأبو سلمة حافظ وكذلك أبو الزبير، ولا يعارض حديثهما بحديث عبدالملك وسئل الإمام أحمد بن حنبل عن هذا الحديث فقال هذا حديث منكر وقال يحيى: لم يحدث به إلا عبدالملك وقد أنكره الناس عليه. وقال الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث فقال لا أعلم أحداً رواه عن

(9/312)


..................................................
ـــــــ
عطاء غير عبدالملك تفرد به، ويروى عن جابر خلاف هذا. هذا آخر كلامه.وقد احتج مسلم في صحيحه بحديث عبدالملك بن أبي سليمان وخرج له أحاديث واستشهد به البخاري ولم يخرجا له هذا الحديث، ويشبه أن يكونا تركاه لتفرده به وإنكار الأئمة عليه والله عزوجل أعلم. وجعله بعضهم رأيا لعطاء أدرجه عبدالملك في الحديث. انتهى كلام المنذري.

(9/313)


40- باب في الرجل يفلس فيجد الرجل متاعه بعينه عنده
3514 - حدثنا عبد الله بنُ مَسْلَمَةَ عن مَالِكٍ ح. وأخبرنا النّفَيْلِيّ أخبرنا زُهَيْرٌ المَعنى عن يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عن أبي بَكْرِ بنِ مُحَمّدِ بنِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ عن عُمَرَ بنِ عبد العزيز عن أبي بَكْرِ بنِ عبد الرحمن عن أبي هُرَيْرَةَ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "أيّمَا رَجُلٍ أفْلَسَ فَأدْرَكَ الرّجُلُ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أحَقّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ" .
ـــــــ
"باب في الرجل يفلس الخ"
حاصله أن المديون إذا أفلس فيجد الدائن متاعه بعينه عند المديون المفلس فهل هو أحق به أم هو أسوة للغرماء.
"أفلس" قال في النهاية: أفلس الرجل إذا لم يبق له مال أو معناه صارت دراهمه فلوساً، وقيل صار إلى حال يقال ليس معه فلس "بعينه" أي لم يتغير بصفة من الصفات ولا بزيادة ولا نقصان "فهو أحق به" أي فالرجل أحق بمتاعه "من غيره" أي كائنا من كان وارثاً أو غريماً، وبهذا قال الجمهور، وخالفت الحنفية في ذلك فقالوا لا يكون البائع أحق بالعين المبيعة التي في يد المفلس بل هو كسائر الغرماء، ولهم أعذار عن العمل بهذا الحديث، فإن شئت الوقوف عليها فعليك بمطالعة الفتح والنيل. وقال الإمام الخطابي: وهذا سنة النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال بها كثير من أهل العلم، وقد قضى بها عثمان بن عفان وروي ذلك عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ولا نعلم لهما مخالف في الصحابة، وهو قول عروة بن الزبير وبه قال مالك والاوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق. وقال إبراهيم النخعي وأبو حنيفة وابن شبرمة هو أسوة الغرماء.
وقال بعض من يحتج لقولهم: هذا مخالف للأصول الثابتة ولمعانيها، والمبتاع قد ملك السلعة وصارت من ضمانه فلا يجوز أن ينقض عليه ملكه، وتأولوا الخبر على الودائع والبيوع الفاسدة ونحوها.
قال الخطابي: فالحديث إذا صح وثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس إلا التسليم له، وكل

(9/313)


3515 - حدثنا عبد الله بنُ مَسْلَمَةَ عن مَالِكٍ عن ابنِ شِهَابٍ عن أبي بَكْرِ بنِ عبد الرحمن بنِ الْحَارِثِ بنِ هِشَامٍ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "أيّمَا رَجُلٍ بَاعَ مَتَاعاً
ـــــــ
حديث أصل برأسه ومعتبر بحكمه في نفسه، فلا يجوز أن يعترض عليه بسائر الأصول المخالفة له أو يجترىء إلى إبطاله بعدم النظير له وقلة الإشباه في نوعه. وها هنا أحكام خاصة وردت بها أحاديث فصارت أصولا كحديث الجنين وحديث القسامة والمصراة، وروى أصحاب الرأي حديث النبيذ وحديث القهقهة في الصلاة وهما مع ضعف سندهما مخالفان للأصول فلم يمتنعوا من قبولهما لأجل هذه العلة. انتهى كلامه. وأطال بعد ذلك كلاماً.
قال الحافظ المزي في الأطراف: حديث أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أبي هريرة "من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس فهو أحق به من غيره".
وأخرجه البخاري في الاستقراض عن أحمد بن يونس عن زهير عن يحيى بن سعيد عن أبي بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم عن عمر بن عبد العزيز عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة.
وأخرجه مسلم في البيوع عن أحمد بن يونس به، وعن يحيى بن يحيى عن هشيم عن قتيبة ومحمد ابن رمح كلاهما عن الليث، وعن أبي الربيع الزهراني ويحيى بن حبيب بن عربي كلاهما عن حماد بن زيد وعن أبي بكر بن أبي شيبة عن سفيان بن عيينة، وعن محمد بن المثنى عن عبدالوهاب الثقفي ويحيى بن سعيد القطان وحفص بن غياث سبعتهم عن يحيى بن سعيد به نحوه، وعن ابن أبي عمر عن هشام بن سليمان عن ابن جريج عن ابن أبي حسين يعني عبد الله بن عبد الرحمن عن أبي بكر بن محمد ابن عمرو بن حزم بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يعدم إذا وجد عنده المتاع ولم يفرقه فإنه لصاحبه الذي باعه. وأخرجه أبو داوود في البيوع عن النفيلي عن زهير به، وعن القعنبي عن مالك عن يحيى بن سعيد نحوه بن عوف وعن محمد عن عبد الله بن عبدالجبار عن إسماعيل بن عياش عن الزبيدي عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن نحوه وهو أتم، وعن القعنبي عن مالك، وعن سليمان بن داوود عن ابن وهب عن يونس كلاهما عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه مرسلا.
قال أبو داوود: حديث مالك أصح يعني حديث مالك عن الزهري أصح من حديث الزبيدي عن الزهري. وأخرجه الترمذي فيه عن قتيبة به وقال حسن. وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة به، وعن عبد الرحمن بن خالد وإبراهيم بن الحسن كلاهما عن حجاج بن محمد عن

(9/314)


فَأفْلَسَ الّذِي ابْتَاعَهُ وَلَمْ يَقْبِضِ الّذِي بَاعَهُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئاً فَوَجَدَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أحَقّ بِهِ، وَإنْ مَاتَ المُشْتَرِي فَصَاحِبُ المَتَاعِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ" .
3516 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ عَوْفٍ الطّائِيّ أخبرنا عبد الله بنُ عَبْدِالْجَبّارِ - يَعني الْخَبَايِريّ أخبرنا إسْمَاعِيلُ - يَعني ابنَ عَيّاشٍ - عن الزّبَيْدِيّ، قالَ أبُو
ـــــــ
ابن جريج به.
وأخرجه ابن ماجه في الأحكام عن أبي بكر بن أبي شيبة به، وعن محمد بن رمح به، وعن هشام ابن عمار عن إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة نحوه انتهى كلامه.
"الذي ابتاعه" أي اشتراه "فوجد" أي البائع "فصاحب المتاع أسوة الغرماء" بضم الهمزة وكسرها أي مثلهم.
وفيه دليل على أن المشتري إذا مات والسلعة التي لم يسلم المشتري ثمنها باقية لا يكون البائع أولى بها بل يكون أسوة الغرماء، وإلى ذلك ذهب مالك وأحمد وقال الشافعي: البائع أولى بها واحتج بقوله في حديث أبي هريرة الآتي في الباب "من أفلس أو مات" إلخ، ورجحه على هذا الحديث المرسل. قال المنذري: وهذا مرسل أبو بكر بن عبد الرحمن تابعي.
"يعني الخبايري" بمعجمة وموحدة وبعد الألف تحتانية. كذا في التقريب وقال السيوطي
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله
وقد أعله الشافعي بأنه كالمدرج في حديث أبي هريرة يعني قوله: "فإن كان قضى من ثمنها" إلى آخره قال الشافعي في جواب من سأله لم لا تأخذ بحديث أبي بكر بن عبد الرحمن هذا يعني المرسل فقال الذي أخذت به أولى من قبل أن ما أخذت به موصول يجمع فيه النبي صلى الله عليه وسلم بين الموت والإفلاس وحديث ابن شهاب منقطع ولو لم يخالفه غيره لم يكن مما يثبته أهل الحديث ولو لم يكن في تركه حجة إلا هذا انتفى لمن عرف الحديث تركه من الوجهين مع أن أبا بكر بن عبد الرحمن يروي عن أبي هريرة حديثه ليس فيما روى ابن شهاب عنه مرسلا إن كان رواه كله ولا أدري عمن رواه ولعله روى أول الحديث وقال برأيه آخره وموجود في حديث أبي بكر عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه انتهى فيه إلى قوله فهو أحق به وأشبه أن يكون ما زاد على هذا قولا من أبي بكر لا رواية تم كلامه

(9/315)


دَاوُدَ: وَهُوَ مُحَمّدُ بنُ الْوَلِيدِ أبُو الْهُذَيْلِ الْحِمْصِيّ، عنْ الزّهْرِيّ عنْ أبي بَكْرِ بنِ عبد الرحمن عن أبي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ، قالَ: فَإنْ كَانَ قَضَاهُ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئاً فَمَا بَقِيَ فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ، وَأيّمَا امْرِئ هَلَكَ وَعِنْدَهُ مَتَاعُ امْرِىءٍ بِعَيْنِهِ اقْتَضَى مِنْهُ شَيْئاً أوْ لَمْ يَقْتَضِ فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ.
3517 - حدثنا سُلَيْمَانُ بنُ دَاوُدَ أخبرنا عبد الله - يَعني ابنَ وَهْبٍ – أخبرَني
ـــــــ
في لب اللباب: الخبايري بالفتح والتخفيف وتحتية وراء منسوب إلى الخبائر بطن من الكلاع انتهى. "فإن كان قضاه من ثمنها شيئاً" فيه دليل لما ذهب إليه الجمهور من أن المشتري إذا كان قد قضى بعض الثمن لم يكن البائع أولى بما لم يسلم المشتري ثمنه من المبيع بل يكون أسوة الغرماء، وقال الشافعي إن البائع أولى به قاله في النيل.
ـــــــ
وقد روى الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد عن أبي بكر بن محمد بن حزم عن عمر بن عبد العزيز عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة يرفعه أيما رجل أفلس ثم وجد رجل سلعته عنده بعينها فهو أولى بها من غيره قال الليث بلغنا أن ابن شهاب قال أما من مات ممن أفلس ثم وجد رجل سلعته بعينها فإنه أسوة الغرماء يحدث بذلك عن أبي بكر بن عبد الرحمن
قال البيهقي هكذا وجدته غير مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم في آخره وفي ذلك كالدلالة على صحة ما قال الشافعي
وقال غيره هذا الحديث قد رواه عبدالرزاق عن مالك عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبدالرحمن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قاله ابن عبدالبر
وقد رواه إسماعيل بن عياش عن الزبيدي عن الزهري عن أبي بكر بن عبدالرحمن عن أبي هريرة ومن هذه الطريق أخرجه أبو داود والزبيدي هو محمد بن الوليد شامي حمصي
وقد قال الإمام أحمد ويحيى بن معين وغيرهما حديث إسماعيل بن عياش عن الشاميين صحيح
فهذا الحديث على هذا صحيح وقد رواه موسى بن عقبة عن الزهري عن أبي بكر بن عبدالرحمن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ذكره ابن عبدالبر
فهؤلاء ثلاثة وصلوه عن الزهري مالك في رواية عبد الرازق وموسى بن عقبة ومحمد بن الوليد وكونه مدرجا لا يثبت إلا بحجة فإن الراوي لم يقل قال فلان بعد ذكره المرفوع وإنما هو ظن

(9/316)


يُونُسُ عن ابنِ شِهَابٍ قال أخبرني أبُو بَكْرِ بنِ عبد الرحمن بنِ الْحَارِثِ بنِ هِشَامٍ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ. زَادَ: وَإنْ كَانَ قَدْ قَضَى مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئاً فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ فِيهَا.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: حَدِيثُ مَالِكٍ أصَحّ.
3518 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ بَشّارٍ أخبرنا أبُو دَاوُدَ - هُوَ الطّيَالِسِيّ - أخبرنا ابنُ أبي ذِئْبٍ عن أبي المُعْتَمِرِ عن عُمَرَ بنِ خَلْدَةَ قالَ: أتَيْنَا أبَا هُرَيْرَةَ في صَاحِبٍ لَنَا أفْلَسَ، فَقَالَ: لأَقْضِيَنّ فِيكُمْ بِقَضَاءِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، مَنْ أفْلَسَ أوْ مَاتَ فَوَجَدَ رَجُلٌ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أحَقّ بِهِ.
ـــــــ
"حديث مالك أصح" يعني حديث مالك عن الزهري أصح من حديث الزبيدي عن الزهري كذا في الأطراف.
قال المنذري: يريد المرسل الذي تقدم وفي إسناده إسماعيل بن عياش وقد تكلم فيه غير واحد، وقال الدارقطني: ولا يثبت هذا عن الزهري مسنداً، وإنما هو مرسل.
"عن عمر بن خلدة" بفتح الخاء المعجمة وسكون اللام "في صاحب لنا أفلس" أي وبيده متاع لغيره ولم يعطه ثمنه، وقد وقع في آخر هذا الحديث. قال أبو داوود: من يأخذ بهذا أبو المعتمر من هو أي لا نعرفه، ولم توجد هذه العبارة في أكثر النسخ.
قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه، وحكي عن أبي داوود أنه قال من يأخذ بهذا، أو أبو المعتمر من هو لا يعرف هذا آخر كلامه.
وقد قال ابن أبي حاتم في كتابة: أبو المعتمر بن عمرو بن رافع روى عن أبي خلدة، وعن عبيد الله بن علي بن أبي رافع روى عنه ابن أبي ذئب سمعت أبي يقول ذلك، وذكر أيضاً أنه روى عنه الصلت بن بهرام.
ـــــــ
وأما قول الليث بلغنا أن ابن شهاب قال أما من مات إلى آخره فهو مع انقطاعه ليس بصريح في الإدراج فإنه فسر قوله بأنه رواية عن أبي بكر لا رأي منه ولم يقل إن أبا بكر قاله من عنده وإنما قال يحدث بذلك عن أبي بكر والحديث صالح للرأي والرواية ولعله في الرواية أظهر
بالجملة فالإدراج بمثل هذا لا يثبت ولا يعلل به الحديث والله أعلم

(9/317)


..................................................
ـــــــ
وقال أبو أحمد الكرابيسي في كتاب الكنى: أبو المعتمر بن عمرو بن رافع عن عمر بن خلدة الزرقي الأنصاري قاضي المدينة، وعبيد الله بن علس بن أبي رافع روى عنه أبو الحارث محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب القرشي، وذكر له البيهقي أنه يقال فيه عمرو بن نافع وعمرو بن رافع وأنه بالنون أصح. انتهى كلام المنذري.

(9/318)


41- باب فيمن أحيى حسيرا
3519 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ ح. وحدثنا مُوسَى أخبرنا أَبَانُ عنْ عبيد الله بنِ حُمَيْدِ بنِ عبد الرحمن الْحِمْيَرِيّ عن الشّعْبِيّ وَقالَ عنْ أبَانَ أنّ عَامِرَ الشّعْبِيّ حَدّثَهُ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ وَجَدَ دَابّةً قَدْ عَجَزَ عَنْهَا أهْلُهَا أنْ يَعْلِفُوهَا فَسَيّبُوهَا فَأخَذَهَا فَأحْيَاهَا فَهِيَ لَهُ" .
قالَ في حَدِيثِ أبَانَ قالَ عبيد الله فَقُلْتُ عَمّنْ؟ قالَ: عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
"باب فيمن أحيى حسيرا"
الحسور مانده شدن، والمراد من الحسير الدابة العاجزة عن المشيء، والمراد من إحيائها سقيها وعلفها وخدمتها. "فسيبوها" أي تركوها تذهب حيث شاءت "فأخذها" الضمير المرفوع لمن وجد "فأحياها" أي بالعلف والسقي والقيام بها "فهي له" أي لمن وجد.
قال الخطابي: هذا الحديث مرسل، وذهب أكثر الفقهاء إلى أن ملكها لم يزل عن صاحبها بالعحز عنها وسبيلها سبيل اللقطة، فإذا جاء ربها وجب على آخذها رد ذلك عليه. وقال أحمد وإسحاق: هي لمن أحياها إذا كان صاحبها تركها بمهلكة واحتج إسحاق بحديث الشعبي هذا. وقال عبيد الله بن الحسن قاضي البصرة فيها وفي النواة التي يلقيها من يأكل التمرات قال صاحبها لم أبحها للناس فالقول قوله ويستحلف أنه لم يكن أباحه للناس انتهى.
قلت: في قول الخطابي أن هذا الحديث مرسل نظر، لأن الشعبي قد رواه عن غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كما هو مصرح في آخر الحديث، وأما جهالة الصحابة الذين أبهمهم الشعبي فغير قادحة في الحديث، لأن مجهولهم مقبول على ما هو الحق كما كما تقرر في مقره، والشعبي قد لقي جماعة من الصحابة.
وفي الحديث دليل على أنه يجوز لمالك الدابة التسييب في الصحراء إذا عجز عن القيام

(9/318)


قَالَ أبُو دَاوُدَ: هَذَا حَدِيثُ حَمّادٍ، وَهُوَ أبْيَنُ وَأتَمّ.
3520 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ عُبَيْدٍ عن حَمّادٍ - يَعني ابنَ زَيْدٍ - عن خَالِدٍ الْحَذّاءِ عن عبيد الله بنِ حُمَيْدِ بنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ عنِ الشّعْبِيّ يَرْفَعُ الْحَدِيثَ إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّهُ قالَ: "مَنْ تَرَكَ دَابّةً بِمُهْلَكٍ فَأَحْيَاهَا رَجُلٌ فَهِيَ لِمَنْ أَحْيَاهَا" .
ـــــــ
بها، وقد ذهب الشافعي وأصحابه إلى أنه يجب على مالك الدابة أن يعلفها أو يبيعها أو يسيبها في مرتع فإن تمرد أجبر. وقال أبو حنيفة وأصحابه: بل يؤمر استصلاحاً لا حتما كالشجر، وأجيب بأن ذات الروح تفارق الشجر، والأولى إذا كانت الدابة مما يؤكل لحمه أن يذبحها مالكها ويطعمها المحتاجين. قال ابن رسلان: وأما الدابة التي عجزت عن الاستعمال لزمن ونحوه فلا يجوز لصاحبها تسييبها بل يجب عليه نفقتها "فقلت عمن" أي عمن تروي الحديث.
"قال" أي الشعبي "من ترك دابة بمهلك" أي في موضع الهلاك. والحديث قد أورده في منتقى الأخبار برواية أبى داوود وفيه "بمهلكة" بزيادة التاء. قال في النيل بضم الميم وفتح اللام اسم لمكان الإهلاك، وهي قراءة الجمهور في قوله تعالى "ما شهدنا مهلك أهله" وقرأ حفص بفتح الميم وكسر اللام انتهى.
قال المنذري: الأول فيه عبيد الله بن حميد، والثاني مرسل وفيه عبيد الله بن حميد، وقد سئل عنه يحيى بن معين فقال لا أعرفه يعني لا أعرف تحقيق أسره، حكاه ابن أبى حاتم انتهى. وفي الخلاصة وثقة ابن حبان.

(9/319)


42- باب في الرهن
3521 - حدثنا هَنّادٌ عن ابنِ المُبَارَكِ عن زَكَرِيّا عن الشّعْبِيّ عن أبِي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "لَبَنُ الدّرّ يُحْلَبُ بِنَفَقَتِهِ إذَا كَانَ
ـــــــ
"باب في الرهن"
بفتح الراء وسكون الهاء في اللغة الاحتباس من قولهم رهن الشيء إذا دام وثبت، وفي الشرع جعل مال وثيقة على دين ويطلق أيضاً على العين المرهونة تسمية للمفعول بها باسم المصدر، وأما الرهن بضمتين فالجمع ويجمع أيضاً على رهان بكسر الراء.
لبن الدر" بفتح الدال المهملة وتشديد الراء مصدر بمعنى الدارة أي ذات الضرع

(9/319)


مَرْهُوناً، وَالظّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إذَا كَانَ مَرْهُوناً، وَعَلَى الّذِي يَحْلِبُ وَيَرْكَبُ[يركب ويحلب] النّفَقَةُ" .
ـــــــ
"يحلب" بصيفة المجهول "والظهر" أي ظهر الدابة، وقيل الظهر الإبل القوي يستوي فيه الواحد والجمع. ولعله سمي بذلك لأنه يقصد لركوب الظهر "يركب" بصيغة المجهول. وقوله يحلب ويركب هو خبر في معنى الأمر كقوله تعالى {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ} "وعلى الذي يحلب ويركب النفقة" وقد قيل إن فاعل الركوب والحلب لم يتعين فيكون الحديث مجملا.
وأجيب بأنه لا إجمال بل المراد المرتهن بقرينة أن انتفاع الراهن بالعين المرهونة لأجل كونه ملكا، والمراد هنا الانتفاع في مقابلة النفقة، وذلك يختص بالمرتهن كما وقع التصريح به في بعض الروايات.
وفيه دليل على أنه يجوز للمرتهن الانتفاع بالرهن إذا قام بما يحتاج إليه ولو لم يأذن المالك، وبه قال أحمد وإسحاق والليث والحسن وغيرهم. وقال الشافعي وأبو حنيفة ومالك وجمهور العلماء لا ينتفع المرتهن من الرهن بشيء، بل الفوائد للراهن والمؤن عليه. كذا في النيل.
وقال الحافظ في الفتح: وعلى الذي يحلب ويركب النفقة أي كائناً من كان، هذا ظاهر الحديث، وفيه حجة لمن قال يجوز للمرتهن الانتقاع بالرهن اذا قام بمصلحته ولو يأذن له المالك، وهو قول أحمد وإسحاق، وطائفة قالوا: ينتفع المرتهن من الرهن بالركوب والحلب بقدر النفقة ولا ينتفع بغيرها لمفهوم الحديث. وأما دعوى الإجمال فيه فقد دل بمنطوقه على إباحة الانتفاع في مقابلة الإنفاق، وهذا يختص بالمرتهن لأن الحديث وإن كان مجملا لكنه يختص بالمرتهن لأن انتفاع الراهن بالمرهون لكونه مالك رقبته لا لكونه منفقاً عليه بخلاف المرتهن.
وذهب الجمهور إلى أن المرتهن لا ينتفع من المرهون بشيء، وتأولوا الحديث لكونه ورد على خلاف القياس من وجهين أحدهما التجويز لغير المالك أن يركب ويشرب بغير إذنه، والثاني تضمينه ذلك بالنفقة لا بالقيمة.
قال ابن عبدالبر: هذا الحديث عند جمهور الفقهاء يرده أصول مجمع عليها وآثار ثابتة لا يختلف في صحتها، ويدل على نسخه حديث ابن عمر "لا تحلب ماشية امرىء بغير إذنه" انتهى. وتعقب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، والتاريخ في هذا متعذر، والجمع بين الأحاديث ممكن. وذهب الأوزاعي والليث وأبو ثور إلى حمله على ما إذا امتنع الراهن من الإنفاق على

(9/320)


قَالَ أبُو دَاوُدَ: هُوَ عِنْدَنَا صَحِيحٌ.
ـــــــ
المرهون فيباح حينئذ للمرتهن الإنفاق على الحيوان حفظاً لحياته ولإبقاء المالية فيه وجعل له في مقابلة نفقته الانتفاع بالركوب أو بشرب اللبن بشرط اللبن أن لا يزيد قدر ذلك أو قيمته على قدر علفه وهي من جملة مسائل الظفر. انتهى ما في فتح الباري.
ويجاب عن دعوى مخالفة هذا الحديث الصحيح للأصول بأن السنة الصحيحة من جملة الأصول فلا ترد إلا بمعارض أرجح منها بعد تعذر الجمع. وعن حديث ابن عمر الذي عند البخاري في أبواب المظالم بأنه عام وحديث الباب خاص فيبنى العام على الخاص. قال في النيل: وأجود ما يحتج به للجمهور حديث أبى هريرة "لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه" لأن الشارع قد جعل الغنم والغرم للراهن، ولكنه قد اختلف في وصله وإرساله ورفعه ووقفه، وذلك مما يوجب عدم انتهاضه لمعارضة ما في صحيح البخاري وغيره انتهى.
قلت: أخرج الشافعي والدارقطني وقال: هذا إسناد حسن متصل عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه" وأخرجه أيضاً الحاكم والبيهقي وابن حبان في صحيحه وأخرجه أيضاً ابن ماجه من طريق أخرى. وصحح أبو داوود والبزار والدارقطني وابن القطان إرساله عن سعيد بن المسيب بدون ذكر أبى هريرة.
قال الحافظ في التلخيص: وله طرق في الدارقطني والبيهقي كلها ضعيفة. وقال في بلوغ المرام إن رجاله ثقات إلا أن المحفوظ عند أبى داوود وغيره إرساله انتهى. وساقه ابن حزم بإسناده إلى الزهري عن سعيد بن المسيب وأبى سلمة بن عبد الرحمن عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا يغلق الرهن الرهن لمن رهنه له غنمه وعليه غرمه" قال ابن حزم: هذا إسناد حسن. وتعقبه الحافظ بأن قوله في السند نصر بن عاصم تصحيف وإنما هو عبد الله بن نصر الأصم الأنطاكي وله أحاديث منكرة. وقد رواه الدارقطني من طريق عبد الله بن نصر المذكور وصحح هذه الطريق عبدالحق وصحح أيضاً وصله ابن عبدالبر وقال هذه اللفظة يعني له غنمه وعليه غرمه اختلفت الرواة في رفعها ووقفها فرفعها ابن أبى ذئب ومعمر وغيرهما. ووقفها غيرهم. وقد روى ابن وهب هذا الحديث فجوده وبين أن هذه اللفظة من قول سعيد بن المسيب.
وقال أبو داوود في المراسيل: قوله "له غنمة وعليه غرمه" من كلام سعيد بن المسيب نقله عنه الزهري. وقال الأزهري: الغلق في الرهن ضد الفك فإذا فك الراهن الرهن فقد أطلقه

(9/321)


3522 - حدثنا زُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ وَعُثْمَانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ قالا أخبرنا جَرِيرٌ عن عُمَارَةَ بنِ الْقَعْقَاعِ عن أبي زُرْعَةَ بنِ عَمْرِو بنِ جَرِيرٍ أنّ عُمَرَ بنَ الْخَطّابِ قالَ قالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "إنّ مِنْ عِبَادِ الله لأُنَاساً مَا هُمْ بِأنْبِيَاءَ وَلاَ شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُم الأَنْبِيَاءُ وَالشّهَدَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَكَانِهِمْ مِنَ الله". قالُوا: يَارَسُولَ الله تُخْبِرُنَا مَنْ هُمْ؟ قالَ: "هُمْ قَوْمٌ تَحَابّوا
ـــــــ
من وثاقه عند مرتهنه. وروى عبدالرازق عن معمر أنه فسر غلاق الرهن بما إذا قال الرجل إن لم آتك بمالك فالرهن لك. قال ثم بلغني عنه أنه قال إن هلك لم يذهب حق هذا إنما هلك من رب الرهن له غنمة وعليه غرمة.
وقد روى أن المرتهن في الجاهلية كان يتملك الرهن إذا لم يؤد الراهن إليه ما يستحقه في الوقت المضروب فأبطله الشارع. كذا في النيل.
قال المنذري: وأخرجه البخاري والترمذي وابن ماجه، وقال أبو داوود هو عندنا صحيح.
"حدثنا زهير بن حرب وعثمان بن أبى شيبة الخ" هذا الحديث وقع في بعض النسخ وأكثرها خالية عنه، وليس في نسخة المنذري أيضاً، ولكنه قد كُتِبَ في هامشها وقال الكاتب في آخره قال في الأم المنقول منها ما لفظه صح من نسخة السماع انتهى. قلت: الحديث ليس من رواية اللؤلؤي إنما هو من رواية ابن داسة. قال المزي في الأطراف: أبو زرعة بن عمرو بن جرير بن عبد الله الجبلي عن عمرو لم يدركه حديث "إن من عباد الله لأناساً ما هم بأنبياء ولا شهداء" أخرجه أبو داوود في البيوع عن زهير بن حرب وعثمان بن أبى شيبة كلاهما عن جرير عن عمارة بن القعقاع عنه به، لم يذكره أبو القاسم وهو في رواية أبى بكر بن داسة. انتهى كلام المزي.
وأورد هذا الحديث الإمام الخطابي في معالم السنن لأنه شرح على رواية ابن داسة. وذكره المنذري في كتاب الترغيب في باب الحب في الله تعالى واقتصر بعد إيراد الحديث على قوله أخرجه أبو داوود انتهى، لكن الحديث ليس له مناسبة بباب الرهن، ولذا قال الخطابي في معالم السنن. ذكر أبو داوود في هذا الباب حديثاً لا يدخل في أبواب الرهن ثم ذكر الخطابي الحديث "تخبرنا" بصيغة الخطاب وفي معالم السنن والترغيب "فخبّرنا" بصيغة الأمر "هم قوم تحابوا بروح الله" قال الخطابي: فسروه القرآن وعلى هذا يتأول قوله عزوجل {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا} سماه روحاً والله أعلم لأن القلوب تحيى به كما يكون حياة النفوس والأبدان بالأرواح انتهى. وقال في المجمع: بضم الراء أي بالقرآن ومتابعته، وقيل أراد به المحبة أي

(9/322)


بِرُوحِ الله عَلَى غَيْرِ أرْحَامٍ بَيْنَهُمْ وَلاَ أمْوَالٍ يَتَعَاطُونَهَا فَوَالله إنّ وُجُوهَهُمْ لَنُورٌ وَإنّهُمْ لَعَلَى نُورٍ، لاَ يَخَافُونَ إذَا خَافَ النّاسُ، وَلاَ يَحْزَنُونَ إذَا حَزِنَ النّاسُ، وَقَرَأَ هَذِهِ الآية: {ألاَ إنّ أوْلِيَاءَ الله لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} " .
ـــــــ
يتحابون بما أوقع الله في قلوبهم من المحبة الخالصة لله تعالى "إن وجوههم لنور" أي منورة أو ذات نور "لعلى نور" أي على منابر نور.

(9/323)


43- باب الرجل يأكل من مال ولده
3523 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ كَثِيرٍ أَنْبأَنَا سُفْيَانُ عن مَنْصُورٍ عن إبْرَاهِيمَ عن عُمَارَةَ بنِ عُمَيْرٍ عن عَمّتِهِ: أنّهَا سَألَتْ عَائِشَةَ: في حِجْرِي يَتِيمٌ أفآكُلُ مِنْ مَالِهِ؟ فَقالَتْ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ مِنْ أطْيَبِ مَا أكَلَ الرّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَوَلَدُهُ مِنْ كَسْبِهِ" .
3524 - حدثنا عبيد الله بنُ عُمَرَ بنِ مَيْسَرَةَ وَ عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ المَعْنَى قالا أخبرنا مُحَمّدُ بنُ جَعْفَرٍ عن شُعْبَةَ عن الْحَكَمِ عن عُمَارَةَ بنِ عُمَيْرٍ عن أُمّهِ عن عَائِشَةَ
ـــــــ
"باب الرجل يأكل من مال ولده"
"في حجري" بفتح الحاء المهملة وسكون الجيم أي حضني "يتيم" مبتدأ مؤخر وخبره في حجري "من أطيب ما أكل الرجل" أي من أحله، وما موصولة أو موصوفة "من كسبه" أي الحاصل من وجهه صناعة أو تجارة أو زراعة "وولده من كسبه" أي من جملته، لأنه حصل بواسطة تزوجه فيجوز له أن يأكل من كسب ولده.
قال الخطابي: فيه من الفقه أن نفقة الوالدين واجبة على الولد إذا كان واجداً لها، واختلفوا في صفة من يجب لهم النفقة من الآباء والأمهات، فقال الشافعي إنما يجب ذلك للأب الفقير الزمن، فإن كان له مال أو كان صحيح البدن غير زمن فلا نفقة له عليه. وقال سائر الفقهاء: نفقة الوالدين واجبه على الولد ولا أعلم أن أحداً منهم اشترط فيها الزمانة كما اشترط الشافعي انتهى.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي حسن، قال وقد روى بعضهم هذا عن عمارة بن عمير عن أمه.

(9/323)


عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّهُ قالَ: "وَلَدُ الرّجُلِ مِنْ كَسْبِهِ مِنْ أطْيَبِ كَسْبِهِ فَكُلُوا مِنْ أمْوَالِهِمْ" .
قَالَ أبُو دَاوُدَ: حَمّادُ بنُ أبي سُلَيْمَانَ زَادَ فِيهِ: "إذَا احْتَجْتُمْ" وَهُوَ مُنْكَرٌ.
3525 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ المِنْهَالِ أخبرنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ حدثنا حَبِيبٌ المُعَلّمُ عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبِيهِ عن جَدّهِ: أنّ رَجُلاً أتَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَارَسُولَ الله إنّ لِيَ مَالاً وَوَلَداً، وَإنّ وَالِدِي يَجْتَاحُ مَالِي. قالَ: "أنْتَ وَمَالُكَ لِوَالِدِكَ، إنّ أوْلاَدَكُمْ مِنْ أطْيَبِ كَسْبِكُم فَكُلُوا مِنْ كَسْبِ أوْلاَدِكُم" .
ـــــــ
"ولد الرجل من كسبه" قال الطيبي: تسمية الولد بالكسب مجاز "حماد بن أبى سليمان" في روايته عن الحكم بن عتيبة عن عمارة بن عمير "زاد فيه" أي بعد قوله فكلوا من أموالهم "إذا احتجتم" أي إلى أموالهم. قال الطيبي: نفقة الوالدين على الولد واجبة إذا كانا محتاجين عاجزين عن السعي عند الشافعي وغيره لا يشترط ذلك.
قال المنذري: وقد أخرجه النسائي وابن ماجه من حديث إبراهيم النخعي عن الأسود بن زيد عن عائشة وهو حديث حسن.
"إن والدي يجتاح مالي" بتقديم جيم وآخره حاء مهملة من الاجتياح وهو الاستئصال، وفي بعض النسخ يحتاج بتقديم حاء مهملة وآخره جيم من الاحتياج. قال الخطابي: معناه يستأصله فيأتي عليه. ويشبه أن يكون ما ذكره السائل من اجتياح والده ماله إنما هو بسبب النفقة عليه وأن مقدار ما يحتاج إليه للنفقة عليه شيء كثير لا يسعه عفو ماله والفضل منه إلا أن يجتاح أصله ويأتي عليه، فلم يعذره النبي صلى الله عليه وسلم ولم يرخص له في ترك النفقة وقال له أنت ومالك لوالدك على معنى أنه إذا احتاج إلى مالك أخذ منك قدر الحاجة كما يأخذ من مال نفسه، وإذا لم يكن لك مال وكان لك كسب لزمك أن تكتسب وتنفق عليه، فأما أن يكون أراد به إباحة ماله واعتراضه حتى يجتاحه ويأتي عليه لا على هذا الوجه فلا أعلم أحداً من الفقهاء ذهب إليه والله أعلم انتهى.
قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه، وقد تقدم الكلام على الإختلاف في الاحتجاج بحديث عمرو بن شعيب، وأخرج ابن ماجه من حديث محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله "أن رجلاً قال يارسول الله صلى الله عليه وسلم إن لي مالا وولداً وإن أبى يحتاج مالي فقال أنت ومالك لأبيك" ورجال إسناده ثقات.

(9/324)


44- باب في الرجل يجد عين ماله عند رجل
3526 - حدثنا عَمْرُو بنُ عَوْنٍ أَنْبأَنَا هُشَيْمٌ عن مُوسَى بنِ السّائِبِ عن قَتَادَةَ عن الْحَسَنِ عن سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ عِنْدَ رَجُلٍ فَهُوَ أحَقّ وَيَتّبِعُ الْبَيّعُ مَنْ بَاعَهُ ".
ـــــــ
"باب في الرجل يجد عين ماله عند رجل"
"من وجد عين ماله" قال التوربشتي المراد منه ما غصب أو سرق أو ضاع من الأموال "فهو أحق" أي بماله "ويتبع" بتشديد التاء وكسر الموحدة "البيع" بكسر الياء المشددة أي المشتري لذلك المال "من باعه" أي وأخذ منه الثمن.
قال الخطابي: هذا في المغصوب ونحوه إذا وجد ماله المغصوب أو المسروق عند رجل كان له أن يخاصمه فيه ويأخذ عين ماله منه ويرجع المنتزع الشيء من يده على من باعه إياه انتهى.
قال المنذري: وأخرجه النسائي، وقد تقدم الكلام على الاختلاف في سماع الحسن من سمرة.

(9/325)


45- باب في الرجل يأخذ حقه من تحت يده
3527 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ أخبرنا زُهَيْرٌ أخبرنا هِشَامُ بنُ عُرْوَةَ عن عُرْوَةَ عن عَائِشَةَ أنّ هِنْداً أُمّ مُعَاوِيَةَ جَاءَتْ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: إنّ أبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ وَإنّهُ لاَ يُعْطِينِي مَا يُكْفِينِي وَبَنِيّ، فَهَلْ عَلَيّ جُنَاحٌ أنْ آخُذَ مِنْ مَالِهِ شَيْئاً. قالَ: "خُذِي مَا
ـــــــ
"باب في الرجل يأخذ حقه من تحت يده"
أي من مال في يده سواء علم بذلك صاحب المال أم لا إذا كان له حق في مال ذلك الغير.
"أن هنداً" هي بنت عتبة بن ربيعة زوج أبى سفيان أسلمت عام الفتح بعد إسلام زوجها فأقرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن أبا سفيان" تعني زوجها واسمه صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف "رجل شحيح" أي بخيل حريص وهو أعم من البخل لأن البخل مختص بمنع المال والشح يعم منع كل شيء في جميع الأحوال. كذا في الفتح "ما يكفيني" أي مقدار ما يكفيني من النفقة "وبني" بالنصب عطفاً على الضمير المنصوب "أن آخذ من ماله

(9/325)


يَكْفِيكِ وَبَنِيكِ بالمَعْرُوفِ" .
3528 - حدثنا خُشَيْشُ بنُ أَصْرَمَ أخبرنا عُبْدُالرّزّاقِ أنْبأنَا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن عُرْوَةَ عن عَائِشَةَ قالَتْ: "جَاءَتْ هِنْدٌ إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: يَارَسُولَ الله إنّ أبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مُمْسِكٌ فَهَلْ عَلَيّ مِنْ حَرَجٍ أنْ أُنْفِقَ عَلَى عِيَالِهِ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَقالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "لاَ حَرَجَ عَلَيْكِ أنْ تُنْفِقِي بالْمَعْرُوفِ" .
3529 - حدثنا أبُو كَامِلٍ أنّ يَزِيدَ بنَ زُرَيْعٍ حَدّثَهُمْ أخبرنا حُمَيْدٌ - يَعْني الطّوِيلَ - عن يُوسُفَ بنِ مَاهَكَ المَكّيّ قالَ: كُنْتُ أكْتُبُ لِفُلاَنٍ نَفَقَةَ أيْتَامٍ كَانَ وَلِيّهُمْ
ـــــــ
شيئاً" أي بغير علمه وإذنه "بالمعروف" أي ما يعرفه الشرع ويأمر به وهو الوسط العدل قاله القاري. وقال في الفتح: المراد بالمعروف القدر الذي عرف بالعادة أنه الكفاية انتهى.
قال الخطابي: وفيه جواز أن يقتضي الرجل من مال عنده لرجل له عليه حق يمنعه منه، وسواء كان ذلك من جنس حقه أو من غير جنسه، وذلك لأن معلوماً أن منزل الرجل الشحيح لا يجمع كل ما يحتاج إليه من النفقة والكسوة وسائر المرافق التي تلزمه لهم، ثم أطلق إذنها في أخذ كفايتها وكفاية أولادها من ماله، ويدل على ذلك وصحته قولها في غير هذه الرواية "إن أبا سفيان رجل شحيح وإنه لا يدخل على بيتي ما يكفيني وولدي" انتهى. وللحديث فوائد استوفاها الحافظ في الفتح.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.
"رجل ممسك" أي بخيل "لا حرج عليك أن تنفقي بالمعروف" ضبط في بعض النسخ بفتح الهمزة وكسرها. قال في الفتح: واستدل به على أن من له عند غيره حق وهو عاجز عن استيفائه جاز له أن يأخذ من ماله قدر حقه بغير إذنه، وهو قول الشافعي وجماعة، وتسمى مسألة الظفر، والراجح عندهم أنه لا يأخذ غير جنس حقه إلا إذا تعذر جنس حقه. وعن أبى حنيفة المنع، وعنه يأخذ جنس حقه ولا يأخذ من غير جنس حقه إلا أحد النقدين بدل الآخر. وعن مالك ثلاث روايات كهذه الآراء. وعن أحمد المنع مطلقاً انتهى.
"كنت أكتب" في الحساب والدفتر "لفلان" مجهول لم يعرف اسمه "نفقة أيتام" جمع يتيم، ونفقة مفعول أكتب "كان وليهم" أي كان الفلان ولي الأيتام "فغالطوه" من المغالطة أي الأيتام إذا بلغوا الحلم وأخذوا أموالهم من وليهم الفلان غالطوه في الحساب بألف درهم

(9/326)


فَغَالَطُوهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فأدّاهَا إلَيْهِمْ فَأَدْرَكْتُ لَهُمْ مِنْ مَالِهِمْ مِثْلَيْهَا [مثلها]. قالَ قُلْتُ: اقْبِضْ الأَلْفَ الّذِي ذَهَبُوا بِهِ مِنْكَ. قالَ: لاَ. حَدّثَني أبِي أنّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "أدّ الأمَانَةَ إلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلاَ تَخُنْ مَنْ خَانَكَ" .
3530 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ الْعَلاَءِ: وَ أَحْمَدُ بنُ إبْرَاهِيمَ قالا أخبرنا طَلْقُ بنُ غَنّامٍ عن شَرِيكٍ قالَ ابنُ الْعَلاَءِ وَقَيْسٍ عن أبي حُصَيْنٍ عن أبي صَالِحٍ عن أبي هُرَيْرَةَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: " أدّ الأمَانَةَ إلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلاَ تَخُنْ مَنْ خَانَكَ" .
ـــــــ
وأخذوها من غير حق "فأداها" أي الألف ذلك الفلان "إليهم" أي إلى الأيتام "فأدركت لهم" أي للأيتام، والقائل يوسف بن ماهك "قال قلت" أي لذلك الفلان "قال لا" أي لا أقبض "أد الأمانة الخ" حاصله أن الأمانة لا تخان أبداً لأن صاحبها إما أمين أو خائن، وعلى التقديرين لا تخان، وبه قال قوم، وجوز آخرون فيما هو من جنس ماله أن يأخذ منه حقه بأن كان له على آخر دراهم فوقع عنده له دراهم يجوز له أن يأخذ حقه لا إذا وقع عندهن دنانير. ونقل عن الشافعي أنه قال: قد أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لزوجة أبى سفيان حين اشتكت إليه أن تأخذ من ماله ما يكفيها بالمعروف، فكذا الرجل يكون له على آخر حق فيمنع إياه فله أن يأخذ من ماله حيث وجده بوزنه أو كيله أو بالقيمة، حتى يجوز أن يبيع ويستوفي حقه من ثمنه. وحديث أد الأمانة إن ثبت لم يكن الخيانة ما أذن بأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما الخيانة إذا أخذ بعد استيفاء دراهمه، كذا في فتح الودود ومرقاة الصعود.
قال المنذري: فيه رواية مجهول.
"أخبرنا طلق" بفتح فسكون "ابن غنام" بفتح المعجمة والنون. قال المزي في الأطراف: شريك بن عبد الله عن أبى حصين عن أبى صالح عن أبى هريرة حديث "أد الأمانة" أخرجه أبو داوود في البيوع عن أبى كريب محمد بن العلاء وأحمد بن إبراهيم كلاهما عن طلق بن غنام عن شريك وقيس بن الربيع كلاهما عن أبى حصين به، ولم يذكر أحمد قيس بن الربيع انتهى.
"ولا تخن من خانك" قال في النيل ما محصله: فيه دليل على أنه لا يجوز مكافأة الخائن بمثل فعله، فيكون مخصصاً لعموم قوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} وقوله: { فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} الآية، ولكن الخيانة إنما تكون في الأمانة كما يشعر بذلك كلام القاموس، فلا يصح الاستدلال بهذا الحديث على أنه لا يجوز لمن تعذر عليه استيفاء حقه

(9/327)


...........................
ـــــــ
حبس حق خصمه على العموم، إنما يصح الاستدلال به على أنه لا يجوز للإنسان إذا تعذر عليه استيفاء حقه الخديعة أن يحبس عنده وديعة لخصمه أو عارية، مع أن الخيانة إنما تكون على جهة والخفية وليس محل النزاع من ذلك انتهى.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال حسن غريب.

(9/328)


46- باب في قبول الهدايا
3531 - حدثنا عَلِيّ بنُ بَحْرٍ وَ عَبْدُالْرّحِيمِ بنُ مُطَرّفٍ الرّؤَاسِيّ قالا أخبرنا عِيسَى - هُوَ ابنُ يُونُسَ بنِ أبي إسْحَاقَ السّبِيعِيّ - عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن أبِيهِ عن عَائِشَةَ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقْبَلُ الْهَدِيّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا.
3532 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ عَمْرٍو الرّازِيّ أخبرنا سَلَمَةُ - يَعني ابنَ الْفَضْلِ - حَدّثَنِي مُحَمّدُ بنُ إسْحَاقَ عن سَعِيدِ بنِ أبي سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ عن أبِيهِ عن أبي هُرَيْرَةَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "وَأيْمُ الله لاَ أَقْبَلُ بَعْدَ يَوْمِي هَذَا مِنْ أحَدٍ هَدِيّةً إلاّ أنْ يَكُونَ مُهَاجِرِيّا قُرَشِيّا أوْ أَنْصَارِيّا أوْ دُوسِيّا أوْ ثَقَفِيّا".
ـــــــ
"باب في قبول الهدايا"
جمع هدية أي يعطي الذي يهدي له بدلها، والمراد بالثواب المجازاة وأقله ما يساوي قيمة الهدية. ولفظ ابن أبي شيبة "ويثيب ما هو خير منها" وقد استدل بعض المالكية بهذا الحديث على وجوب المكافأة على الهدية إذا أطلق المهدي وكان ممن مثله يطلب الثواب كالفقير للغني بخلاف ما يهبه الأعلى للأدنى، ووجه الدلالة منه مواظبته صلى الله عليه وسلم وبه قال الشافعي في القديم، ويجاب بأن مجرد الفعل لا يدل على الوجوب ولو وقعت المواظبة كما تقرر في الأصول. وذهبت الحنفية والشافعي في الجديد أن الهبة للثواب باطلة لا تنعقد لأنها بيع مجهول، ولأن موضع الهبة التبرع. كذا في النيل. قال المنذري: وأخرجه البخاري والترمذي، وذكر البخاري أن وكيعاً ومحاضراً أرسلاه، وقال الترمذي: لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث عيسى بن يونس.
"وأيم الله" لفظ قسم ذو لغات وهمزتها وصل وقد تقطع تفتح وتكسر كذا في المجتمع "إلا أن يكون" أي المهدي "مهاجريا" أي منسوبا إلى قوم مسمى بالمهاجرين، والأظهر أن المراد به واحد منهم "قرشياً" نسبة إلى قريش بحذف الزائد "أو أنصارياً" أي واحداً من الأنصار "أو

(9/328)


..............................
ـــــــ
دوسياً" بفتح الدال المهملة وسكون الواو نسبة إلى دوس بطن من الأزد "أو ثقفياً" بفتح المثلثة والقاف نسبة إلى ثقيف قبيلة مشهورة. وسبب همه صلى الله عليه وسلم بذلك على ما أخرجه الترمذي في آخر كتاب المناقب من حديث أيوب عن سعيد المقبري عن أبى هريرة "أن أعرابياً أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم بكرة فعوضه منها ست بكرات فتسخطها، فبلغ ذلك صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثن عليه ثم قال أن فلاناً أهدى إلي ناقة فعوضته منها ست بكرات فظل ساخطاً لقد هممت أن لا أقبل هدية إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي أو دوسي "وعند الترمذي أيضاً من حديث محمد بن إسحاق عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة قال "أهدي رجل من بنى فزارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ناقة من إبله الذي كانوا أصابوا بالغابة فعوضه منها بعض العوض فتسخط، فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر يقول إن رجالا من العرب يهدي أحدهم الهدية فأعوضه منها بقدر ما عندي ثم يتسخطه فيظل يتسخط فيه علي. وأيم الله لا أقبل بعد مقامي هذا من رجل من العرب هدية إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي أو دوسي".
قال التوربشتي رحمه الله: كره قبول الهدية ممن كان الباعث له عليها طلب الاستكثار، وإنما خص المذكورين فيه بهذه الفضيلة لما عرف فيهم من سخاوة النفس وعلو المهمة وقطع النظر عن الأعواض انتهى. قال في شرح السنة: اختلفوا في الهبة المطلقة التي لا يشترط فيها الثواب، فذهب قوم من الفقهاء أنها تقتضي الثواب لهذا الحديث، ومنهم من جعل الناس في الهبات على ثلاث طبقات هبة الرجل ممن هو دونه فهو إكرام إلطاف لا يقتضي الثواب، وكذلك هبة النظير من النظير، وأما هبة الأدنى من الأعلى فتقتضي الثواب، لأن المعطي يقصد به الرفد والثواب، ثم قدر الثواب على العرف والعادة، وقيل قدر قيمة الموهوب، وقيل حتى يرضي الواهب انتهى. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي، وفي إسناده محمد بن إسحاق بن يسار وقد أخرجه الترمذي والنسائي بمعناه من حديث سعيد بن أبى سعيد عن أبى هريرة. وذكر الترمذي أن حديث سعيد عن أبيه عن أبى هريرة حديث حسن وأنه أصح من حديث سعيد عن أبى هريرة انتهى كلام المنذري.

(9/329)


47- باب الرجوع في الهبة
3533 - حدثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ أخبرنا أبَانُ وَ هَمّامٌ وَ شُعْبَةُ قالُوا أخبرنا قَتَادَةُ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ عن ابنِ عَبّاسٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "الْعَائِدُ في هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ في
ـــــــ
"باب الرجوع في الهبة"
-"العائد في هبته إلخ" قال النووي: هذا ظاهر في تحريم الرجوع في الهبة والصدقة بعد

(9/329)


قَيْئِهِ" . قالَ هَمّامٌ وَقالَ قَتَادَةُ: وَلاَ نَعْلَمُ الْقَيْءَ إلاّ حَرَاماً.
3534 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَزِيدُ - يَعني ابنَ زُرَيْعٍ أخبرنا حُسَيْنُ المُعَلّمُ عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن طَاوُوسٍ عن ابنِ عُمَرَ وَ ابنِ عَبّاسٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "لاَ يَحِلّ الرّجُلُ أنْ يُعْطِيَ الْعَطِيّةَ أوْ يَهَبَ هِبَةً فَيَرْجِعَ فِيهَا إلاّ الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ، وَمَثَلُ الّذِي يُعْطِي الْعَطِيّةَ ثُمّ يَرْجِعُ فِيهَا كَمَثَلِ الْكَلْبِ يَأْكُلُ فَإذَا شَبِعَ قَاءَ ثُمّ عَادَ في قَيْئِهِ" .
3535 - حدثنا سُلَيْمَانُ بنُ دَاوُدَ المَهْرِيّ أنْبأنَا أُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ أنّ عَمْرَو بنَ شُعَيْبٍ حَدّثَهُ عن أبِيهِ عن عبد الله بنِ عَمْرٍو عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَثَلُ الّذِي يَسْتَرِدّ مَا وَهَبَ كَمَثَلِ الْكَلْبِ يَقِيءُ فَيَأْكُلُ قَيْئَهُ، فَإذَا اسْتَرَدّ الْوَاهِبُ فَلْيُوَقّفْ
ـــــــ
إقباضهما، وهو محمول على هبة الأجنبي، أما إذا وهب لولده وإن سفل فله الرجوع فيه، كما صرح في حديث النعمان بن بشير، ولا رجوع في هبة الإخوة والأعمام وغيرهم من ذوي الأرحام. هذا مذهب الشافعي، وبه قال مالك والإوزاعي. وقال أبو حنيفة وآخرون: يرجع كل واهب إلا الولد وكل ذي رحم محرم انتهى. وقال في السبل قال الطحاوي: قوله "كالعائد في قيئه" وإن اقتضى التحريم لكن الزيادة في الرواية الأخرى وهي قوله "كالكلب" يدل على عدم التحريم، لأن الكلب غير متعبد فالقيء ليس حراماً عليه، والمراد التنزه عن فعل يشبه فعل الكلب. وتعقب باستبعاد التأويل ومنافرة سياق الحديث له، وعرف الشرع في مثل هذه العبارة الزجر الشديد كما ورد النهي في الصلاة عن إقعاء الكلب، ونقر الغراب، والتفات الثعلب ونحوه، ولا يفهم من المقام إلا التحريم، والتأويل البعيد لا يلتفت إليه. ويدل التحريم حديث ابن عباس يعني الحديث الآتي انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه، وأخرجه الترمذي من حديث ابن عمر وليس في حديثهم كلام قتادة.
"إلا الوالد" بالنصب على الاستثناء "فإذا شبع" بكسر الموحدة، والشبع ضد الجوع. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي حسن صحيح. هذا آخر كلامه. وفي إسناده عمرو بن شعيب ثقة.
"فإذا استرد الواهب" أي يطلب رد هبته من الموهوب له "فليوقف" بصيغة الأمر المجهول من باب التفعيل، كذا ضبط في بعض النسخ، وضبط في نسخة بصيغة المعلوم "فليعرف" من باب التفعيل، وفيه كلا الوجهين "بما استرد" أي فليعلم لأي سبب طلب رد الهبة "ثم ليدفع إليه" أي إلى الواهب. قال في فتح الودود أي إذا رجع في هبته فليسأل عن سببه ثم

(9/330)


فَلْيُعَرّفْ بِمَا اسْتَرَدّ ثُمّ لِيَدْفَعْ إلَيْهِ مَا وَهَبَ" .
ـــــــ
يرد عليه هبته لعله وهب ليثاب عليه فلم يثب عليه فيرجع لذلك، فيمكن حينئذ أن يثاب حتى لا يرجع والله تعالى أعلم. وهذا الحديث ظاهر في أنه إذا رجع يرد عليه هبته كما هو مذهب أبي حنيفة رحمة الله عليه انتهى. وقال بعض الأعاظم في تعليقات السنن: قوله فليوقف هو على البناء للمفعول من الوقف كقوله تعالى {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ} أو من التوقيف أو الإيقاف، فإن ثلاثتها بمعنى. قال في القاموس وشرحه: وقف بالمكان وقفاً ووقوفاً فهو واقف دام قائماً، وكذا وقفت الدابة والوقوف خلاف الجلوس، ووقفته أنا وكذا وقفتها وقفاً فعلت به ما وقف يتعدى ولا يتعدى كوقفته توقيفاً وأوقفته إيقافاً. قال في العين: وإذا وقفت الرجل على كلمة قلت وقفته توقيفاً انتهى. وهو أيضاً على البناء للمفعول، والتعريف الإعلام كما في القاموس أيضاً، والمراد به ها هنا إعلامه مسألة الهبة كيلا يبقى جاهلا. والمعنى من وهب هبة ثم أراد أن يرتجع فليفعل به ما يقف ويقوم ثم ينبه على مسألة الهبة ليزول جهالته بأن يقال له الواهب أحق بهبته ما لم يثب منها ولكنه كالكلب يعود في فيئه، فإن شئت فارتجع وكن كالكلب يعود في قيئه، وإن شئت فدع ذلك كيلا تتشبه بالكلب المذكور، فإن اختار الارتجاع بعد ذلك أيضاً فليدفع إليه ما وهب والله أعلم انتهى. قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه بنحوه.

(9/331)


48- باب في الهدية لقضاء الحاجة
3536 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ عَمْرِو بنِ السّرْحِ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ عن عُمَرَ بنِ مَالِكٍ عن عبيد الله بنِ أبي جَعْفَرٍ عن خَالِدِ بنِ أبي عِمْرَانَ عن الْقَاسِمِ عن أبي أُمَامَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ شَفَعَ لأَخِيهِ [لأحد] شَفَاعَةً [بشفاعة] فَأهْدَى لَهُ هَدِيّةً عَلَيْهَا فَقَبِلَهَا فَقَدْ أتَى بَاباً عَظِيماً مِنْ أبْوَابِ الرّبَا" .
ـــــــ
"باب في الهدية لقضاء الحاجة"
"فأهدى" أي أخوه والمراد من الأخوة أخوة الإسلام "له" أي لمن شفع "عليها" أي على الشفاعة "فقبلها" أي الهدية "فقد أتى باباً عظيماً إلخ" قال في فتح الودود: وذلك لأن الشفاعة الحسنة مندوب إليها، وقد تكون واجبة، فأخذ الهدية عليها يضيع أجرها كما أن الربا يضيع الحلال والله تعالى أعلم انتهى. قال المنذري: القاسم هو ابن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن الأموي مولاهم الشامي وفيه مقال.

(9/331)


49- باب في الرجل يفضل بعض ولده في النحل
3537 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا هُشَيْمٌ أخبرنا سَيّارٌ وَأَنْبأَنَا مُغِيرَةُ وَأخبرنا دَاوُدُ عن الشّعْبِيّ وَأنْبأنَا مُجَالِدٌ وَ إسْمَاعِيلُ بنُ سَالِمٍ عن الشّعْبِيّ عن النّعْمَانِ بنِ بَشِيرٍ قال: "أَنْحَلَنِي أبِي نُحْلاً قالَ فَقالَ إسْمَاعِيلُ بنُ سَالِمٍ مِنْ بَيْنِ الْقَوْمِ نَحَلَهُ [نحلة] غُلاَماً لَهُ. قالَ فَقالَتْ لَهُ أُمّي عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ إيتِ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَأَشْهِدْهُ، فَأتَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ. قالَ فَقالَ لَهُ: إنّي نَحَلْتُ ابْنِي النعْمَانَ نُحْلاً وَإنّ عَمْرَةَ سَألَتْنِي أنْ أُشْهِدَكَ عَلَى ذَلِكَ. قالَ فقالَ: ألَكَ وَلَدٌ سِوَاهُ؟ قالَ قُلْتُ: نَعَمْ، قال: فَكُلّهُمْ أعْطَيْتَ مِثْلَ مَا أعْطَيْتَ النعْمَانَ؟ قالَ: لاَ. قالَ فَقَالَ بَعْضُ هَؤُلاَءِ المُحَدّثِينَ : هَذَا
ـــــــ
"باب في الرجل يفضل بعض ولده في النحل"
بضم فسكون مصدر نحلته، والنحلة بكسر النون العطية.
"أخبرنا سيار" أي أبو الحكم الواسطي عن أبي وائل وزر بن جيش والشعبي، وعنهن شعبة وقرة بن خالد وهشيم وثقه أحمد وابن معين كذا في الخلاصة "وأخبرنا مغيرة وأخبرنا داوود عن الشعبي وأخبرنا مجالد وإسماعيل بن سالم عن الشعبي" كذا وقع في بعض النسخ، ووقع في بعضها ح وأخبرنا مغيرة ح وأخبرنا داوود عن الشعبي بزيادة حاء التحويل قبل قوله وأخبرنا مغيرة وبعده، والظاهر أنه غلط، لأن هشيماً روى هذا الحديث عن سيار ومغيرة وداوود ومجالد وإسماعيل فهؤلاء المحدثون الخمسة شيوخ هشيم وهم رووا الحديث عن الشعبي، وعلى تقدير زيادة حاء التحويل يختل المراد فقوله وأخبرنا مغيرة عطف على قوله أخبرنا سيار. قال المزي في الأطراف: والحديث أخرجه أبو داوود في البيوع عن ابن حنبل عن هشيم عن سيار أبي الحكم، ومغيرة وداوود بن أبي هند، ومجالد بن سعيد وإسماعيل بن سالم خمستهم عن الشعبي انتهى.
"عن الشعبي" هو عامر "أنحلني أبي" أي أعطاني. قال في القاموس: أنحله مالاً أعطاه ماله وخصه بشيء منه كنحله فيهما. والنحل والنحلان بضمهما اسم ذلك المعطي "نحلا" بضم النون أي عطية "من بين القوم" يعني المحدثين المذكورين "عمرة" بفتح العين وسكون الميم "بنت رواحة" بفتح الراء "فأشهده" أي اجعله شاهداً "ألك ولد سواه" أي سوى النعمان "فكلهم" بالنصب "هذا جور" أي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا جور أي ظلم أو مثل، فمن لا يجوز

(9/332)


جَوْرٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : هَذَا تَلْجِئَةٌ فَأشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي ، قالَ مُغِيرَةُ في حَدِيثِهِ: "ألَيْسَ يَسُرّكَ أنْ يَكُونُوا لَكَ في الْبِرّ وَاللّطْفِ سَوَاءٌ"؟ قالَ: نَعَمْ، قال: "فَأشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي" ، وَذَكَرَ مُجَالِدٌ في حَدِيثِهِ: إنّ لَهُمْ عَلَيْكَ مِنَ الْحَقّ أنْ تَعْدِلَ بَيْنَهُمْ كَمَا أنّ لَكَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْحَقّ أنْ يَبَرّوكَ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: في حَدِيثِ الزّهْرِيّ قالَ بَعْضُهُمْ: أَكُلّ بَنِيكَ؟ وَقالَ بَعْضُهُمْ: وَلَدَكَ، وقالَ ابنُ أبي خَالِدٍ عن الشّعْبِيّ فِيهِ: ألَكَ بَنُونَ سِوَاهُ، وَقالَ أبُو الضّحَى عن النّعْمَانِ بنِ بَشِيرٍ: ألَكَ وَلَدٌ غَيْرُهُ.
ـــــــ
التفضيل بين الأولاد يفسره بالأول، ومن يجوزه على الكراهة يفسره بالثاني "هذا تلجئة" قال في القاموس: التلجئة الإكراه وقال في النهاية: هو تفعلة من الإلجاء كأنه قد ألجأك إلى أن تأتي بأمر باطنه خلاف ظاهره وأحوجك إلى أن تفعل فعلا تكرهه انتهى. "قال أبو داوود في حديث الزهري" وحديثه عند الشيخين "قال بعضهم أكل بنيك وقال بعضهم ولدك" لا منافاة بينهما لأن لفظ الولد يشمل الذكور والإناث، وأما لفظ البنين فإن كانوا ذكوراً فظاهر وإن كانوا إناثاً وذكوراً فعلى سبيل التغليب قاله الحافظ "وقال ابن أبي خالد" هو إسماعيل وحديثه عند مسلم في الفرائض "وقال أبو الضحى" وحديثه عند النسائي.
قال النووي: فيه استحباب التسوية بين الأولاد في الهبة، فلا يفضل بعضهم على بعض سواء كانوا ذكوراً أو إناثاً. قال بعض أصحابنا: ينبغي أن يكون للذكر مثل حظ الأنثيين، والصحيح الأول لظاهر الحديث، فلو وهب بعضهم دون بعض فمذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة رحمهم الله أنه مكروه وليس بحرام والهبة صحيحة. وقال أحمد والثوري وإسحاق وحمهم الله وغيرهم هو حرام واحتجوا بقوله "لا أشهد على جور" وبقوله "واعدلوا بين أولادكم" واحتج الأولون بما جاء في رواية "فأشهد على هذا غيري" ولو كان حراماً أو باطلا لما قال هذا، وبقوله "فأرجعه" ولو لم يكن نافذاً لما احتاج إلى الرجوع. فإن قيل قاله تهديداً، قلنا الأصل خلافه ويحمل عند الإطلاق صيغة أفعل على الوجوب أو الندب، وإن تعذر ذلك فعلى الإباحة. وأما معنى الجور فليس فيه أنه حرام لأنه هو الميل عن الاستواء والاعتدال وكل ما خرج عن الاعتدال فهو جور سواء كان حراماً أو مكروهاً ذكره في المرقاة.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم، وقال الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث حميد بن عبد الرحمن بن عوف ومحمد بن النعمان بن بشير عن النعمان بن بشير.

(9/333)


3538 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا جَرِيرٌ عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن أبِيهِ قالَ حَدّثَنِي النّعْمَانُ بنُ بَشِيرٍ قالَ: أعْطَاهُ أبُوهُ غُلاَماً، فَقالَ لَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَا هَذَا الْغُلاَمُ"؟ قال: غُلاَمِي أَعْطَانِيهِ أبِي، قالَ: "فَكُلّ إخْوَتِكَ أعْطَى كَمَا أعْطَاكَ"؟ قالَ: لاَ، قالَ: "فَارْدُدْهُ" .
3539 - حدثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ أخبرنا حَمّادٌ عن حَاجِبِ بنِ المُفَضّلِ بنِ المُهَلّبِ عن أبِيهِ قالَ: سَمِعْتُ النّعْمَانَ بنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "اعْدِلُوا بَيْنَ أبْنَائِكُم، اعْدِلُوا بَيْنَ أبْنَائِكُم".
ـــــــ
"فكل إخوتك أعطى" بتقدير حرف الاستفهام. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي.
"اعدلوا بين أبنائكم الخ" قال المنذري: وأخرجه النسائي.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله
وفي لفظ في الصحيح أكل ولدك نحلته مثل هذا قال لا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فأرجعه" وفي لفظ قال: "فرده".
وفي لفظ آخر قال فيه: "فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم" فرجع أبي في تلك الصدقة
وفي لفظ لهما: "فلا تشهدني إذن فإني لا أشهد على جور".
وفي آخر: "فلا تشهدني على جور".
وفي آخر: "فأشهد على هذا غيري".
وفي أخر: "أيسرك أن يكون بنوك في البر سواء" قال بلى قال: "فلا إذن".
وفي لفظ آخر: "أفكلهم أعطيت مثل ما أعطيته"؟ قال لا قال: "فليس يصلح هذا وإني لا أشهد إلا على حق".
وكل هذه الألفاظ في الصحيح وغالبها في صحيح مسلم وعند البخاري منها "لا تشهدني على جور" وقوله: "لا أشهد على جور" والأمر برده وفي لفظ: "سوي بينهم" وفي لفظ: "هذا جور أشهد على هذا غيري".
وهذا صريح في أن قوله" "أشهد على هذا غيري" ليس إذنا بل هو تهديد لتسميته إياه جورا.
وهذه كلها ألفاظ صحيحة صريحة في التحريم والبطلان من عشرة أوجه تؤخذ من الحديث

(9/334)


3540 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ رَافِعٍ أخبرنا يَحْيَى بنُ آدَمَ أخبرنا زُهَيْرٌ عن أبي الزّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قالَ: "قَالَتِ امْرَأةُ بَشِيرٍ: انْحَلْ ابْنِي غُلاَمَكَ وَأشْهِدْ لِي رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، فَأَتَى رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَقالَ: إنّ ابْنَةَ فُلاَنٍ سَألَتْنِي أنْ أَنْحَلَ ابْنَهَا غُلاَماً، فَقَالَتْ لِي: أشْهِدْ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: "لَهُ إخْوَةٌ"؟ فَقَالَ: نَعَمْ، قال: "فَكُلّهُمْ أعْطَيْتَ مِثْلَ مَا أعْطَيْتَهُ"؟ قالَ: لاَ، قال: "فَلَيْسَ يَصْلُحُ هَذَا وَإنّي لاَ أَ شْهَدُ إلاّ عَلَى الْحَقّ" .
ـــــــ
"فقال إن ابنة فلان" بعني زوجته عمرة بنت رواحة "فقال" النبي صلى الله عليه وسلم "له" بحذف أداة الاستفهام "فليس يصلح هذا" أي هذا النحل. قال المنذري: وأخرجه مسلم.
ـــــــ
ومنها قوله: "أشهد على هذا غيري" فإن هذا ليس بإذن قطعا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأذن في الجور وفيما لا يصلح وفي الباطل فإنه قال: "إني لا أشهد إلا على حق" فدل ذلك على أن الذي فعله أبو النعمان لم يكن حقا فهو باطل قطعا فقوله: "إذن اشهد على هذا غيري" حجة على التحريم كقوله تعالى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} وقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا لم تستحي فاصنع ما شئت" أي الشهادة على هذا ليست من شأني ولا تنبغي لي وإنما هي من شأن من يشهد على الجور والباطل وما لا يصلح وهذا في غاية الوضوح
وقد كتبت في هذه المسألة مصنفا مفردا استوفيت فيه أدلتها وبينت من خالف هذا الحديث ونقضها عليهم وبالله التوفيق

(9/335)


50- باب في عطية المرأة بغير إذن زوجها
3541 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيْلَ أخبرنا حَمّادٌ عَنْ دَاوُدَ بنِ أبِي هِنْدٍ وَ حَبِيبٍ المُعَلّمِ عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبِيهِ عن جَدّهِ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ : "لاَ يَجُوزُ لامْرَأَةٍ
ـــــــ
"باب في عطية المرأة بغير إذن زوجها"
"لا يجوز لامرأة أمر" أي عطية من العطايا "في مالها" أي في مال في يدها لزوجها أضيف إليها مجازاً لكونه في تصرفها فيكون النهي للتحريم، أو المراد مال نفسها لكونهن ناقصات العقل فلا ينبغي لها أن تتصرف في مالها إلا بمشورة زوجها أدباً واستحباباً، فالنهي للتنزية، كذا قاله بعض العلماء.
وفي النيل: وقد استدل بهذا الحديث على أنه لا يجوز للمرأة أن تعطي عطية من مالها بغير إذن زوجها ولو كانت رشيدة، وقد اختلف في ذلك، فقال الليث: لا يجوز لها ذلك مطلقاً

(9/335)


أمْرٌ فِي مَالِهَا إذَا مَلَكَ زَوْجُهَا عِصْمَتِهَا" .
3542 - حدثنا أبُو كَامِلٍ أخبرنا خَالِدٌ - يَعني ابنَ الحَارِثِ - أخبرنا حُسَيْنٌ عن عَمْروِ بنِ شُعَيْبٍ أنّ أبَاهُ أخْبَرَهُ عن عبد الله بنِ عَمْروٍ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "لاَ تَجُوزُ لاِمْرَأَةٍ عَطِيّةٌ إلاّ بِإِذْنِ زَوْجِهَا" .
ـــــــ
لا في الثلث ولا فيما دونه إلا في الشيء التافه. وقال طاووس ومالك: إنه يجوز لها أن تعطي مالها بغير إذنه في الثلث لا فيما فوقه فلا يجوز إلا بإذنه. وذهب الجمهور إلى أنه يجوز لها مطلقاً من غير إذن من الزوج إذا لم تكن سفيهة، فإن كانت سفيهة لم يجز. قال في فتح: وأدلة الجمهور من الكتاب والسنة كثيرة. انتهى ما في النيل "إذا ملك زوجها عصمتها" أي عقد نكاحها، ومنه قوله تعالى {لا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِر} جمع عصمة أي عقد نكاح النساء الكفرة والعصمة هي ما يعتصم به من عقد، وسبب أي لا يكن بينكم وبينهن عصمة ولا علقة زوجية. كذا في المجمع. والحديث سكت عنه المنذري.
"لا تجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها" أي صراحة أو دلالة. قال الخطابي: عند أكثر الفقهاء هذا على معنى حسن العشرة واستطابة نفس الزوج بذلك، إلا أن يكون ذلك في غير الرشيدة. وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للنساء تصدقن، فجعلت المرأة تلقي القرط والخاتم وبلال يتلقاها بكسائه، وهذه عطية بغير إذن أزواجهن انتهى.
قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه.

(9/336)


51- باب في العمرى
3543 - حدثنا أبُو الْوَلِيدِ الطّيَالِسِيّ أخبرنا هَمّامٌ عن قَتَادَةَ عن النّضْرِ بنِ أنَسٍ
ـــــــ
"باب في العمرى"
بضم العين المهملة وسكون الميم مع القصر على وزن حبلى وهي مأخوذة من العمر وهو الحياة سميت بذلك لأنهم كانوا في الجاهلية يعطي الرجل الرجل الدار ويقول له أعمرتك إياها أي أبحتها لك مدة عمرك وحياتك، فقيل لها عمرى لذلك هذا أصلها لغة، وأما شرعاً فالجمهور على أن العمرى إذا وقعت كانت ملكاً للاَخذ ولا ترجع إلى الأول إلا إن صرح باشتراط ذلك.

(9/336)


عن بَشِيرِ بنِ نَهِيكٍ عن أبِي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "الْعُمْرَى جَائِزَةٌ" .
3544 - حدثنا أبُو الْوَلِيدِ أخبرنا هَمّامٌ عن قَتَادَةَ عن الْحَسَنِ عن سَمُرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَهُ.
3545 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا أبَانُ عن يَحْيَى عن أبِي سَلَمَةَ عن جَابِرٍ أنّ نَبِيّ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ: "الْعُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ".
3546 - حدثنا مُؤَمّلُ بنُ الْفَضْلِ الْحَرّانِيّ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ شُعَيْبٍ أخبرني الأَوْزَاعِيّ عن الزّهْرِيّ عن عُرْوَةَ عن جَابِرٍ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ أُعْمِرَ عُمْرَى فَهِيَ لَهُ وَلِعَقِبِهِ، يَرِثُهَا مَنْ يَرِثُهُ مِنْ عَقِبِهِ".
ـــــــ
"عن بشير بن نهيك" كلاهما على وزن عظيم "العمرى" اسم من أعمرتك الشيء أي جعلته لك مدة عمرك "جائزة" أي صحيحة ماضية لمن أعمر له ولورثته من بعده. وفي بعض الروايات جائزة لأهلها، والمعني يملكها الآخذ ملكا تاماً بالقبض ولا ترجع إلى الأول. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"عن الحسن" أي البصري "عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله" أي مثل الحديث السابق. ولفظ الترمذي من هذا الوجه عن سمرة أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال "العمرى جائزة لأهلها أو ميراث لأهلها" انتهى. قال المنذري: وأخرجه الترمذي.
"العمرى لمن وهبت له" بضم الواو مبنياً للمفعول.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"من أعمر" بصيغة المجهول "عمرى" مفعول مطلق "ولعقبه" بكسر القاف وسكونها، والعقب أولاد الإنسان ما تناسلوا "من يرثه" الضمير المنصوب لمن أُعْمِرَ "من عقبه" بيان لمن يرثه. والمعنى أنها صارت ملكا للمدفوع إليه فيكون بعد موته لوارثه كسائر أملاكه ولا ترجع إلى الدافع، كما لا يجوز الرجوع في الموهوب، وإليه ذهب أبو حنيفة والشافعي، سواء ذكر العقب أو لم يذكره. وقال مالك: يرجع إلى المعطي إن كان حياً وإلى ورثته إن كان ميتاً إذا لم يذكر عقبه. قال في المرقاة. وسيأتي كلام الترمذي في هذا الباب والله أعلم.
قال المنذري: وأخرجه النسائي.

(9/337)


3547 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ أبِي الْحَوَارِيّ أخبرنا الْوَلِيدُ عن الأَوْزَاعِيّ عن الزّهْرِيّ عن أبِي سَلَمَةَ وَ عُرْوَةَ عن جَابِرٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِمَعْنَاهُ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَهَكَذَا رَوَاهُ اللّيْثُ بنُ سَعِيدٍ عنْ الزّهْرِيّ عنْ أبِي سَلَمَةَ عن جَابِرٍ.
ـــــــ
"حدثنا أحمد بن أبي الحواري" بفتح المهملة والواو الخفيفة وكسر الراء وهو أحمد بن عبد الله بن ميمون بن العباس بن الحارث التغلبي يكني أبا الحسن بن أبي الحواري ثقة زاهد من العاشرة. كذا في التقريب "بمعناه" أي بمعنى الحديث المتقدم. ولفظ النسائي من هذا الوجه عن عروة وأبي سلمة عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "العمرى لمن أعمرها هي له ولعقبه يرثها من يرثه من عقبه" انتهى. "وهكذا" أي بذكر أبي سلمة في السند "رواه الليث ابن سعد عن الزهري عن أبي سلمة" بن عبد الرحمن "عن جابر" وحديثه عند مسلم والنسائي وهذا لفظه أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "من أعمر رجلا عمرى له ولعقبه فقد قطع قوله حقه وهي لمن أعمر ولعقبه".
والحاصل أن الزهري اختلف عليه فقال محمد بن شعيب وعمر وبقية بن الوليد كلهم عن الأوزاعي عن الزهري عن عروة عن جابر.
وقال الوليد مرة عن الأوزاعي عن الزهري عن عروة وأبي سلمة عن جابر.
وقالن مرة عن الأوزاعي عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر. وقال الليث بن سعد ومالك بن أنس عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر. وقد أشبع الكلام فيه النسائي في سننه والله أعلم. قال المنذري: وأخرجه النسائي.

(9/338)


52- باب من قال فيه ولعقبه
3548 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ يَحْيَى بنِ فَارِسٍ و مُحَمّدُ بنُ المُثَنّى قالا أخبرنا بِشْرُ بنُ عُمَرَ أخبرنا مَالِكٌ - يَعني ابنَ أَنَسٍ - عن ابنِ شِهَابٍ عن أبي سَلَمَةَ عن
ـــــــ
"باب من قال فيه ولعقبه"
أي في العمرى، ولعقبه أي هذا اللفظ بأن قال مثلا أعمرت هذه الدار لك ولعقبك.
واعلم أنه يحصل من مجموع الروايات ثلاثة أحوال:

(9/338)


جَابِرِ بنِ عبد الله أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "أيّمَا رَجُلٍ أُعْمِرَ عَمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ فَإنّهَا لِلّذِي يُعْطَاهَا لاَ تَرْجِعُ إلَى الّذِي أعْطَاهَا لأَنّهُ أعْطَى عَطَاءَ وَقَعَتْ فِيهِ المَوَارِيثُ" .
3549 - حدثنا حَجّاجُ بنُ أبِي يَعْقُوبَ حَدثنا أبِي عَنْ صَالحٍ عنْ ابنِ شِهَابٍ بِإسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَقِيلٌ عن ابنِ شِهَابٍ وَيَزِيدُ بنُ أبِي حَبِيبٍ عن ابنِ
ـــــــ
أحدها : أن يقول هي لك ولعقبك فهذا صريح في أنها للموهوب له ولعقبه.
ثانيها : أن يقول هي لك ما عشت فإذا مت رجعت إليّ، فهذه عارية مؤقتة وهي صحيحة، فإذا مات رجعت إلى الذي أعطى، وبه قال أكثر العلماء، ورجحه جماعة من الشافعية، والأصح عند أكثرهم لا ترجع إلى الواهب، واحتجوا بأنه شرط فاسد فيلغى.
ثالثها : أن يقول أعمرتكها ويطلق، فحكمها حكم الأول وأنها لا ترجع إلى الواهب عند الجمهور، وهو قول الشافعي في الجديد، وسيجيء كلام النووي فيه.
"أيما رجل أعمر" بصيغة المجهول "له" متعلق بأعمر والضمير للرجل "فإنها" أي العمرى "الذي يعطاها الخ" المعنى تكون للمعمر له مملوكة يجري فيها الميراث ولا ترجع إلى الواهب.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه بنحوه انتهى. وقال الترمذي بعد إخراج حديث مالك هذا حديث حسن صحيح، وهكذا روى معمر وغير واحد عن الزهري مثل رواية مالك، وروى بعضهم عن الزهري ولم يذكر فيه ولعقبه، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم قالوا إذا قال هي لك حياتك ولعقبك فإنها لمن أعمرها لا ترجع إلى الأول، وإذا لم يقل لعقبك فهي راجعة إلى الأول إذا مات المعمر وهو قول مالك بن أنس والشافعي.
وروي من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "العمرى جائزة لأهلها" والعمل على هذا عند بعض أهل العلم قالوا إذا مات المعمر فهي لورثته وإن لم يجعل لعقبه، وهو قول سفيان الثوري وأحمد وإسحاق انتهى.
"عن صالح عن ابن شهاب بإسناده ومعناه" وهو عند النسائي من هذا الوجه عن ابن شهاب أن أبا سلمة أخبره عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "أيما رجل أعمر رجلاً عمرى له ولعقبه قال قد أعطيتكها وعقبك ما بقي منكم أحد فإنها لمن أعطيها وإنها لا ترجع إلى صاحبها

(9/339)


شِهَابٍ، وَاخْتُلِفَ عَلَى الأَوْزَاعِيّ عن ابنِ شِهَابٍ في لَفْظِهِ وَرَوَاهُ فُلَيْحُ بنُ سُلَيْمَانَ مِثْلَ ذَلِكَ.
3550 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا عَبْدُالرّزّاقِ أخبرنا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن أبِي سَلَمَةَ عن جَابِرِ بنِ عبد الله قال: إنّمَا الْعُمْرَى الّتِي أَجَازَهَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ يَقُولَ: هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ، فَأمّا إذَا قالَ: هِيَ لَكَ مَا عِشْتَ فَإنّهَا تَرْجِعُ إلَى صَاحبِهَا.
3551 - حدثنا إسْحَاقُ بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا سُفْيَانُ عن ابنِ جُرَيْجٍ عن عَطَاءِ عن جَابِرٍ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: " لاَ تُرْقِبُوا وَلاَ تُعْمِرُوا فَمَنْ أُرْقِبَ شَيْئاً أوْ أُعْمِرَهُ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ" .
ـــــــ
من أجل أنه أعطاها عطاء وقعت فيه المواريث" "وكذلك" أي بذكر لفظ لعقبه "ويزيد بن أبي حبيب عن ابن شهاب" وحديثه عند النسائي "عن ابن شهاب في لفظه" فمرة قال الأوزاعي عنه لفظ ولعقبه ومرة لم يذكره "مثل ذلك" أي مثل حديث مالك بذكر لفظ "ولعقبه" والله أعلم.
"إنما العمرى التي أجازها الخ" قال في فتح الودود: هذا اجتهاد من جابر بن عبد الله، ولعله أخذ من مفهوم حديث "أيما رجل أعمر عمري له ولعقبه" والمفهوم لا يعارض المنطوق، ولا حجة في الاجتهاد، فلا يخص به الأحاديث المطلقة انتهى.
قال المنذري: وأخرجه مسلم.
"لا ترقبوا" بضم التاء وسكون الراء وكسر القاف من الرقبى على وزن العمرى وصورتها أن يقول جعلت لك هذه الدار سكنى فإن مت قبلك فهي لك وإن متّ قبلي عادت إليّ من المراقبة لأن كلا منهما يراقب موت صاحبه، فهذا الحديث نهى عن الرقبى والعمرى، وعلله بأن من أرقب على بناء المفعول في الفعلين أي فلا تضيعوا أموالكم ولا تخرجوها من أملاككم بالرقبى والعمرى فالنهي بمعنى لا يليق بالمصلحة وإن فعلتم يكون صحيحاً. وقيل النهي قبل التجويز فهو منسوخ بأدلة الجواز والله تعالى أعلم. كذا في فتح الودود.
وعند مسلم من طريق أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها فإنه من أعمر عمري فهي للذي أعمرها حياً وميتاً ولعقبه" فهذه الرواية تؤيد المعنى الأول "ولا تعمروا من الإعمار"فمن أرقب شيئاً أو أعمره" بصيغة المجهول فيهما "فهوأي" فذلك الشيء لورثته قال الطيبي وحمه الله: الضمير للمعمر له والفاء في فمن أرقب تسبب للنهي وتعليل له، يعني لا ترقبوا ولا تعمروا ظناً منكم واغتراراً أن كلا منهما ليس بتمليك للمعمر له فيرجع إليكم بعد موته، وليس كذلك فإن من أرقب شيئاً أو أعمر فهو لورثة

(9/340)


3552 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا مُعَاوِيَةُ بنُ هِشَامٍ أخبرنا سُفْيَانُ عن حَبِيبٍ - يَعني ابنَ أبِي ثَابِتٍ - عن حُمَيْدٍ الأَعْرَجِ عن طَارِقٍ المَكّيّ عن جَابِرِ بنِ عبد الله قال: قَضَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في امْرَأةٍ مِنَ الأنْصَارِ أعْطَاهَا ابْنُهَا حَدِيقَةً مِنْ نَخْلٍ
ـــــــ
المعمر له، فعلى هذا يتحقق إصابة ما ذهب إليه الجمهور في أن العمرى للمعمر له وأنه يملكها ملكاً تاماً يتصرف فيها بالبيع وغيره من التصرفات وتكون لورثته بعده انتهى.
قال النووي: قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: العمرى قوله أعمرتك هذه الدار مثلا أو جعلتها لك عمرك أو حياتك أو ما عشت أو حييت أو بقيت أو ما يفيد هذا المعنى.
وأما عقب الرجل فبكسر القاف هم أولاد الإنسان ما تناسلوا.
قال أصحابنا: العمرى ثلاثة أحوال أحدها أن يقول أعمرتك هذه الدار فإذا مت فهي لورثتك أو لعقبك فتصح بلا خلاف، ويملك بهذا اللفظ رقبة الدار وهي هبة، فإذا مات فالدار لورثته، فإن لم يكن له وارث فلبيت المال ولا تعود إلى الواهب بحال خلافاً لمالك.
الحال الثاني أن يقتصر على قوله جعلتها لك عمرك ولا يتعرض لما سواه ففي صحة هذا العقد قولان للشافعي أصححهما وهو الجديد صحته وله حكم الحال الأول.
الثالث أن يقول جعلتها لك عمرك فإذا مت عادت إلي أو إلى ورثتي إن كنت مت، ففي صحته خلاف عند أصحابنا والأصح عندهم صحته ويكون له حكم الحال الأول واعتمدوا على الأحاديث الصحيحة المطلقة العمرى جائزة وعدلوا به عن قياس الشروط الفاسدة والأصح الصحة في جميع الأحوال وأن الموهوب له يملكها ملكاً تاماً يتصرف فيها بالبيع وغيره من التصرفات.
وقال أحمد: تصح العمرى المطلقة دون المؤقتة.
وقال مالك رحمه الله: العمرى في جميع الأحوال تمليك لمنافع الدار مثلا ولا يملك فيها رقبة الدار بحال.
وقال أبو حنيفة رحمه الله بالصحة كنحو مذهب الشافعي، وبه قال الثوري والحسن بن صالح وأبو عبيدة وحجة الشافعي وموافقية هذه الأحاديث الصحيحة انتهى. قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"حديقة" هي البستان يكون عليه الحائط فعيلة بمعنى مفعولة، لأن الحائط أحدق بها أي

(9/341)


فَمَاتَتْ فَقَالَ ابْنُهَا: إنّمَا أعْطَيْتُهَا حَيَاتَهَا وَلَهُ إخْوَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "هِيَ لَهَا حَيَاتَهَا وَمَوْتَهَا". قالَ: كُنْتُ تَصَدّقْتُ بِهَا عَلَيْهَا. قالَ: "ذَلِكَ أَبْعَدُ لَكَ" .
ـــــــ
أحاط ثم توسعوا حتى أطلقوا الحديقة على البستان وإن كان بغير حائط "إنما أعطيتها حياتها" أي مدة حياتها "وله إخوة".
وفي رواية أحمد: "فجاء إخوته فقالوا نحن فيه شرع سواء، قال فأبى فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقسمها بينهم ميراثاً" "قال ذلك أبعد لك" أي الرجوع في الصدقة أبعد من الرجوع في الهبة قاله في فتح الودود. والحديث دليل على أن العمرى تكون للمعمر له ولعقبه وإن كانت مقيدة بمدة الحياة. والحديث سكت عنه المنذري.
وقال ابن رسلان في شرح السنن ما لفظه: هذا الحديث رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.

(9/342)


53- باب في الرقبى
3553 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا هُشَيْمٌ أخبرنا دَاوُدُ عن أبي الزّبَيْرِ عن جَابِرٍ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "الْعُمْرَى جَائِزَةٌ لأَهْلِهَا وَالرّقْبَى جَائِزَةٌ لأَهْلِهَا" .
ـــــــ
"باب في الرقبى"
على وزن العمرى، وهي أن يقول وهبت لك داري، فإن مت قبلي رجعت إلى وإن مت قبلك فهي لك، فعلى من المراقبة لأن كلا منهما يرقب موت صاحبه. كذا في تلخيص النهاية للسيوطي.
وفي النهاية: هو أن يقول الرجل للرجل قد وهبت لك هذه الدار، فإن مت قبلي رجعت إلي وإن مت قبلك فهي لك، وهي فعلى من المراقبة لأن كل واحد منهما يرقب موت صاحبه والفقهاء مختلفون فيها منهم من يجعلها تمليكا ومنهم من يجعلها كالعارية انتهى.
العمرى جائزة لأهلها فيه دليل على أن العمرى والرقبى سواء في الحكم، وهو قول الجمهور، ومنع الرقبى مالك وأبو حنيفة ومحمد ووافق أبو يوسف الجمهور، وقد روى النسائي بإسناد صحيح عن ابن عباس موقوفاً "العمرى والرقبى سواء كذا في الفتح".

(9/342)


3554 - حدثنا عبد الله بنُ مُحَمّدٍ النّفَيْلِيّ قالَ قَرَأْتُ عَلَى مَعْقِلٍ عن عَمْرِو بنِ دِينَارٍ عن طَاوُوسٍ عن حُجْرٍ عن زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ قال قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أعْمَرَ شَيْئاً فَهُوَ لِمُعْمَرِهِ مَحْيَاهُ وَمَمَاتَهُ، وَلاَ تُرْقِبُوا فَمَنْ أَرْقَبَ شَيْئاً فَهُوَ سَبِيلُهُ" .
3555 - حدثنا عبد الله بنُ الْجَرّاحِ عن عبيد الله بنِ مُوسَى عن عُثْمَانَ بنِ
ـــــــ
وقال الخطابي قال أبو حنيفة: العمرى موروثة والرقبى عارية. وعند الشافعي: الرقبى موروثة كالعمرى وهو حكم ظاهر الحديث انتهى.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن وذكر أن بعضهم رواه موقوفاً.
"عن حجر" بضم الحاء المهملة وسكون الجيم وبالراء هو ابن القيس الهمداني المدري اليماني "من أعمر" بصيغة المعلوم "فهو" أي فذلك الشيء "لمعمره" بفتح الميم الثاني اسم مفعول من أعمر "محياه ومماته" بفتح الميمين أي مدة حياته وبعد موته "ولا ترقبوا" بضم التاء وسكون الراء وكسر القاف أي لا تجعلوا أموالكم رقبى ولا تضيعوها ولا تخرجوها من أملاككم بالرقبى، فالنهي بمعنى أنه لا ينبغي للإنسان أن يفعل نظراً إلى المصلحة، وإن فعلتم يكون صحيحاً "فمن أرقب شيئاً" بصيغة المعروف أي من أمواله "فهو" مبتدأ أي الشيء الذي أرقب "سبيله" خبره أي هو على سبيله، وسبيله سبيل الميراث: وفي رواية النسائي من حديث النسائي من حديث ابن عباس "لا رقبى فمن أرقب شيئاً فهو سبيل الميراث".
وفي لفظ له "لا ترقبوا أموالكم فمن أرقب شيئاً فهو لمن أرقبه" انتهى.
قال المنذري: وأخرجه النسائي انتهى.
قال الترمذي في سننه: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم أن الرقبى جائزة مثل العمرى، وهو قول أحمد وإسحاق.
وفرق بعض أهل العلم من أهل الكوفة وغيرهم بين العمرى والرقبى، فأجازوا العمرى ولم يجيزوا الرقبى، وتفسير الرقبى أن يقول هذا الشيء لك ما عشت، فإن متّ قبلي فهي راجعة إلي.
وقال أحمد وإسحاق: الرقبى مثل العمرى، وهي لمن أعطيها ولا ترجع إلى الأول.

(9/343)


الأَسْوَدِ عن مُجَاهِدٍ قال: الْعُمْرَى أنْ يَقُولَ الرّجُلُ لِلرّجُلِ هُوَ لَكَ مَا عِشْتَ، فَإذَا قالَ ذَلِكَ فَهُوَ لَهُ وَلِوَرَثَتِهِ، وَالرّقْبَى هُوَ أنْ يَقُولَ الإنْسَانُ: هُوَ لِلاَخِرِ مِنّي وَمِنْكَ.
ـــــــ
"هو لك ما عشت" أي مدة عيشك وحياتك "فهو له" أي للرجل المعمر له "للاَخر مني ومنك" أي للمتأخر منا موتاً. والحديث سكت عنه المنذري.

(9/344)


54- باب في تضمين العارية
3556 - حدثنا مُسَدّدٌ بنُ مُسَرْهَدٍ أخبرنا يَحْيَى عن ابنِ أبي عَرُوبَةَ عن قَتَادَةَ عن الْحَسَنِ عن سَمُرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "عَلَى الْيَدِ مَا أخَذَتْ حَتّى تُؤَدّيَ" ، ثُمّ إنّ الْحَسَنَ نَسِيَ فَقَالَ [قالَ] هُوَ أَمِينُكَ لاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ.
3557 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ مُحَمّدٍ وَ سَلَمَةُ بنُ شَبِيبٍ قالا أخبرنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ
ـــــــ
باب في تضمين العارية
"عن الحسن" هو البصري "على اليد ما أخذت" أي يجب على اليد رد ما أخذته.
قال الطيبي: ما موصوله مبتدأ وعلى اليد خبره، والراجع محذوف أي ما أخذته اليد ضمان على صاحبها، والإسناد إلى اليد على المبالغة لأنها هي المتصرفة "حتى تؤدي" بصيغة الفاعل المؤنث والضمير إلى اليد أي حتى تؤديه إلى مالكه.
والحديث دليل على أنه يجب على الإنسان رد ما أخذته يده من مال غيره بإعارة أو إجازة أو غيرهما حتى يرده إلى مالكه وبه استدل من قال بأن المستعير ضامن وسيجيء الخلاف في ذلك.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله
اختلف أهل الحديث في سماع الحسن من سمرة على ثلاثة أقوال
أحدها صحة سماعه منه مطلقا وهذا قول يحيى بن سعيد وعلي بن المديني وغيرهما
والثاني أنه لا يصح سماعه منه وإنما روايته عنه من كتاب
والثالث صحة سماعه منه حديث العقيقة وحده قال البخاري في صحيحه حدثني عبد الله بن أبي الأسود حدثنا قريش بن أنس عن حبيب بن الشهيد قال أمرني ابن سيرين أن أسأل الحسن ممن

(9/344)


أخبرنا شَرِيكٌ عن عبد العزيز بنِ رُفَيْعٍ عن أُمَيّةَ بنِ صَفْوَانَ بنِ أُمَيّةَ عن أبِيهِ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم اسْتَعَارَ مِنْهُ أَدْرُعاً يَوْمَ حُنَيْنٍ فقالَ: أَغَصْبٌ يَامُحَمّدُ؟ فقالَ: "لاَ بَلْ عَارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ" .
ـــــــ
قال في السبل: وكثيراً ما يستدلون بقوله على اليد ما أخذت حق تؤديه على التضمين ولا دلالة فيه صريحاً فإن اليد الأمينة أيضاً عليها ما أخذت حتى تؤدي انتهى.
قلت: فعلى هذا لم ينس الحسن كما زعم قتادة حين قال هو أمينك الخ والله تعالى أعلم وعلمه أتم.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي حسن وهذا يدل على أن الترمذي يصحح سماع الحسن من سمرة وفيه خلاف تقدم، وليس في حديث ابن ماجه قصة الحسن.
"عن أبيه" أي صفوان وهو قرشي من أشراف قريش هرب يوم الفتح، فاستأمن له معاذ وحضر مع النبي صلى الله عليه وسلم حنين والطائف كافراً ثم أسلم وحسن إسلامه كذا في السبل "منه" أي من صفوان "أدرعاً" جمع درع "أغصب" أي أهو غصب "بل عارية مضمونة" من استدل به على أن العارية مضمونة جعل لفظ مضمونة صفة كاشفة لحقيقة العارية أي أن شأن العارية الضمان ومن قال إن العارية غير مضمونة جعل لفظ مضمونة صفة مخصصة أي أستعيرها منك عارية متصفة بأنها مضمونة لا عارية مطلقة عن الضمان، كذا في النيل.
ـــــــ
سمع حديث العقيقة فسألته فقال من سمرة بن جندب
وفي المسند من حديث المبارك بن فضالة عن الحسن قال حدثنا سمرة بن جندب قال ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة إلا أمرنا بالصدقة ونهانا عن المثلة
وحديث الحسن هذا عن سمرة في العارية أخرجه الحاكم في صحيحه وقال هو على شرط البخاري وفيما قاله نظر فإن البخاري لم يخرج حديث العقيقة في كتابه من طريق الحسن عن سمرة وأنما أخرجه من حديث أيوب السختياني عن ابن سيرين حدثنا سليمان بن عامر الضبي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مع الغلام عقيقة" الحديث ثم أتبعه قول حبيب بن الشهيد أمرني ابن سيرين إن أسأل الحسن ممن سمع حديث العقيقة فسألته فقال من سمرة
وهذا لا يدل على أن الحسن عن سمرة من شرط كتابه ولا أنه احتج به

(9/345)


قَالَ أبُو دَاوُدَ: هَذِهِ رِوَايَةُ يَزِيدَ بِبَغْدَادَ، وَفِي رِوَايَتِهِ بِوَاسِط تَغَيّرٌ عَلَى غَيْرِ هَذَا.
3558 - حدثنا أبُو بَكْرِ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا جَرِيرٌ عن عبد العزيز بنِ رُفَيْعٍ عن أُنَاسٍ مِنْ آلِ عبد الله بنِ صَفْوَانَ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "يَاصَفْوَانُ هَلْ عِنْدَكَ مِنْ سِلاَحٍ"؟ قال: عَارِيَةٌ أمْ غَصْباً؟ قال: "لاَ بَلْ عَارِيَةٌ" ، فَأَعَارَهُ مَا بَيْنَ الثّلاَثِينَ إلَى الأرْبَعِينَ دِرْعاً، وَغَزَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم حُنَيْناً، فَلَمّا هُزِمَ المُشْرِكُونَ جُمِعَتْ دُرُوعُ صَفْوَانَ فَفَقَدَ مِنْهَا أَدْرَاعاً، فَقالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لِصَفْوَانَ: "إنّا قَدْ فَقَدْنَا مِنْ أدْرَاعِكَ أدْرَاعاً فَهَلْ نَغْرِمُ لَكَ"؟ قالَ: لاَ يَارَسُولَ الله لأَنّ في قَلْبِي الْيَوْمَ مَا لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ" .
قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَكَانَ أعَارَهُ قَبْلَ أنْ يُسْلِمَ ثُمّ أَسْلَمَ.
3559 - حدثنا مُسَدّدٌ حدثنا أبُو الأَحْوَصِ أخبرنا عبد العزيز بنُ رُفَيْعٍ عن عَطَاءٍ عن نَاسٍ مِنْ آلِ صَفْوَانَ قالَ: اسْتَعَارَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ مَعْنَاهُ.
3560 - حدثنا عَبْدُالوَهّابِ بنُ نَجْدَةَ الْحَوْطِيّ أخبرنا ابنُ عَيّاشٍ عن شُرَحْبِيلَ بنِ مُسْلِمٍ قالَ سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ قالَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إنّ الله قد
ـــــــ
قال القاضي: هذا الحديث دليل على أن العارية مضمونة على المستعير، فلو تلفت في يده لزمه الضمان، وبه قال ابن عباس وأبو هريرة رضي الله عنهما، وإليه ذهب عطاء والشافعي وأحمد، وذهب شريح والحسن والنخعي وأبو حنيفة والثوري رضي الله عنهم إلى أنها أمانة في يده لا تضمن إلا بالتعدي، وروي ذلك عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما انتهى. كذا في المرقاة.
قال المنذري: وأخرجه النسائي "في روايته" أي يزيد بن هارون "بواسط" مدينة بالعراق مشهورة.
"عارية أم غصباً" أي أتأخذ السلاح عارية أم تأخذه غصباً لا ترده علي "فهل نغرم" من باب سمع.
"قال أبو داوود إلخ" قد وجدت هذه العبارة في بعض النسخ، ولم توجد في أكثرها.
قال المنذري: هذا مرسل وأناس مجهولون.
"فذكر معناه" قال المنذري: وفيه أيضاً الإرسال والجهالة. "الحوطي" بالطاء المهملة

(9/346)


أعْطَى كُلّ ذِي حَقَ حَقّهُ فَلاَ وَصِيّةَ لِوَارِثٍ وَلاَ تُنْفِقُ المَرْأةُ شَيْئاً مِنْ بَيْتِهَا إلاّ بِإذْنِ زَوْجِهَا" . قِيلَ يَارَسُولَ الله وَلا الطّعَامَ؟ قال: "ذَلِكَ أفْضَلُ أمْوَالِنَا"، ثُمّ قالَ: "الْعَارِيَةُ مُؤَدّاةٌ، وَالمِنْحَةُ مَرْدُودَةٌ، وَالدّيْنُ مَقْضِيّ. وَالزّعِيمُ غَارِمٌ" .
3561 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بنُ المُسْتَمِرّ الْعُصْفُرِيّ أخبرنا حَبّانُ بنُ هِلاَلٍ أخبرنا هَمّامٌ عن قَتَادَةَ عن عَطَاءِ بنِ أبي رَبَاحٍ عن صَفْوَانَ بنِ يَعْلَى عن أبِيهِ قالَ قالَ لِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذَا أَتَتْكَ رُسُلِي فَأَعْطِهِمْ ثَلاَثِينَ دِرْعاً وَثَلاَثِينَ بَعِيراً". قالَ قُلْتُ يَارَسُولَ الله أعَارِيَةً مَضْمُونَةً أوْ عَارِيَةً مُؤَدّاةً. قالَ: "بَلْ مُؤَدّاةً" .
قَالَ أبُو دَاوُدَ: حَبّانُ خَالُ هِلاَلٍ الرّائِي.
ـــــــ
منسوب إلى الحوط قرية بحمص قاله السيوطي "قد أعطى كل ذي حق حقه" أي بين حظه ونصيبه الذي فرض له "ولا تنفق المرأة شيئاً الخ" سبق الكلام عليه في باب عطية المرأة بغير إذن زوجها "ذلك" أي الطعام "ثم قال" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "العارية موداة" قال التوربشتي: أي تؤدي إلى صاحبها، واختلفوا في تأويله على حسب اختلافهم في الضمان، فالقائل بالضمان يقول تؤدى عيناً حال القيام وقيمة عند التلف.
وفائدة التأدية عند من يرى خلاف إلزام المستعير مؤنة ردها إلى مالكها "والمنحة" بكسر فسكون ما يمنحه الرجل صاحبه أي يعطيه من ذات در ليشرب لبنها أو شجرة ليأكل ثمرها أو أرضاً ليزرعها "مردودة" إعلام بأنها تتضمن تمليك المنفعة لا تمليك الرقبة "والدين مقضي" أي يجب قضاؤه "والزعيم" أي الكفيل والزعامة الكفالة "غارم" أي يلزم نفسه ما ضمنه. والغرم أداء شيء يلزمه. والمعنى أنه ضامن، ومن ضمن ديناً لزمه أداؤه.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه. مختصراً، وقال الترمذي حسن صحيح، وذكر الاختلاف في رواية إسماعيل بن عياش.
"العصفري" منسوب إلى العصفر وهو نبت معروف "أعارية مضمونة أو عارية مؤداة" قال في السبل: المضمونة التي تضمن إن تلفت بالقيمة والمؤداة تجب تأديتها مع بقاء عينها، فإن تلفت لم تضمن بالقيمة.
والحديث دليل لمن ذهب أنها لا تضمن العارية إلا بالتضمين، وقد تقدم أنه أوضح الأقوال انتهى. قال المنذري: وأخرجه النسائي.

(9/347)


55- باب فيمن أفسد شيئاً يغرم [يضمن] مثله
3562 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى ح. وحدثنا مُحَمّدُ بنُ المُثَنّى أخبرنا خَالِدٌ عن حُمَيْدٍ عن أَنَسٍ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ فَأَرْسَلَتْ إحْدَى أُمّهَاتِ المُؤْمِنِينَ مَعَ خَادِمٍ بِقَصْعَةٍ فِيهَا طَعَامٌ. قالَ: فَضَرَبَتْ بِيَدِهَا فَكَسَرَتِ الْقَصْعَةَ. قالَ ابنُ المُثَنّى: فَأخَذَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم الْكِسْرَتَيْنِ فَضَمّ إحْدَاهُمَا إلَى الأُخْرَى فَجَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطّعَامَ وَيَقُولُ: "غَارَتْ أُمّكُم" . زَادَ ابنُ المُثَنّى: "كُلُوا"، فَأكَلُوا حَتّى جَاءَتْ قَصْعَتُهَا الّتِي في بَيْتِهَا ثُمّ رَجِعْنَا إلَى لَفْظِ حَدِيثِ مُسَدّدٍ قال: كُلُوا، وَحَبَسَ الرّسُولَ والْقَصْعَةَ حَتّى فَرَغُوا فَدَفَعَ الْقَصْعَةَ الصّحِيحَةَ إلَى الرّسُولِ وَحَبَسَ المَكْسُورَةَ في بَيْتِهِ" .
3563 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْيَى عن سُفْيَانَ حَدّثَني فُلَيْتٌ الْعَامِرِيّ عن جَسْرَةَ
ـــــــ
"باب فيمن أفسد شيئاً يغرم مثله"
"كان عند بعض نسائه" هي عائشة "فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين" هي صفية كما في الرواية الآتية.
قال القسطلاني أو حفصة رواه الدارقطني وابن ماجه. أو أم سلمة رواه الطبراني في الأوسط وإسناده أصح من إسناد الدراقطني وساقه بسند صحيح وهو أصح ما ورد في ذلك ويحتمل "بقصعة" بفتح القاف إناء معروف "فضربت" أي بعض نسائه أي عائشة "بيدها" أي يد الخادم والخادم يطلق على الذكر والأنثى "فجعل يجمع فيها" أي في القصعة المكسورة المضمونة إحدى الكسرتين إلى الأخرى "الطعام" أي الذي انتشر منها "غارت أمكم" قال الطيبي: الخطاب عام لكل من يسمع بهذه القصة من المؤمنين اعتذاراً منه صلى الله عليه وسلم لئلا يحملوا صنيعها على ما يذم، بل يجري على عادة الضرائر من الغريزة فإنها مركبة في نفس البشر بحيث لا تقدر أن تدفعها عن نفسها وقيل خطاب لمن حضر من المؤمنين "حتى جاءت قصعتها" أي قصعة بعض نسائه التي كان صلى الله عليه وسلم في بيتها "ثم رجعنا إلى لفظ حديث مسدد" هذا من كلام أبي داوود "وحبس الرسول" أي الخادم أي منعه أن يرجع "والقصعة" بالنصب عطف على الرسول.
قال في السبل: والحديث دليل على أن من استهلك على غيره شيئاً كان مضموناً بمثله،

(9/348)


بِنْتِ دَجَاجَةَ قالَتْ قالَتْ عَائِشَةُ: مَا رَأيْتُ صَانِعاً طَعَاماً مِثْلَ صَفِيّةَ صَنَعَتْ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم طَعَاماً، فَبَعَثَتْ بِهِ فَأَخَذَنِي أفْكَلٌ فَكَسَرْتُ الإنَاءَ فَقُلْتُ: يَارَسُولَ الله ما كَفّارَةُ مَا صَنَعْتُ؟ قالَ: "إنَاءٌ مِثْلُ إنَاءٍ، وَطَعَامٌ مِثْلُ طَعَامٍ" .
ـــــــ
وهو متفق عليه في المثلى من الحبوب وغيرها، وأما في القيمي ففيه ثلاثة أقوال الأولى للشافعي والكوفيين أنه يجب فيه المثل حيواناً كان أو غيره ولا تجزي القيمة إلا عند عدمه. والثاني أن القيمي يضمن بقيمته.
وقال مالك والحنفية: أما ما يكال أو يوزن فمثله، وما عدا ذلك من العروض في الحيوانات فالقيمة انتهى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه. والتي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتها عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها. والتي أرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم الصحفة هي زينب بنت جحش، وقيل أم سلمة، وقيل صفية بنت حيي رضوان الله عليهن. انتهى. كلام المنذري.
"مثل صفية" أي بنت حيي زوج النبي صلى الله عليه وسلم "فبعثت" أي صفية "به" أي بالطعام "أفكل" بفتح الهمزة وإسكان الفاء وفتح الكاف ثم لام وزنه أفعل، والمعنى أخذتني رعدة الأفكل، وهي الرعدة من برد أو خوف.
والمراد هنا أنها لما رأت حسن الطعام غارت وأخذتها مثل الرعدة. قاله في النيل "فكسرت" بصيغة المتكلم "إناء مثل إناء الخ" فيه دليل على أن القيمي يضمن بمثله ولا يضمن بالقيمة إلا عند عدم المثل، وبه احتج الشافعي والكوفيون.
وقال القسطلاني: استشكل هذا بأنه إنما يحكم في الشيء بمثله إذا كان متشابه الأجزاء كالدراهم وسائر المثليات، والقصعة إنما هي من المتقومات. والجواب ما حكاه البيهقي بأن القصعتين كانتا للنبي صلى الله عليه وسلم في بيت زوجتيه، فعاقب الكاسرة بجعل القصعة المكسورة في بيتها وجعل الصحيحة في بيت صاحبتها، ولم يكن ذلك على سبيل الحكم على الخصم انتهى. وتعقب بما وقع في رواية لابن أبي حاتم بلفظ "من كسر شيئاً فهو له وعليه مثله"
قال المنذري: وأخرجه النسائي وفي إسناده أفلت بن خليفة أبو حسان ويقال فليت العامري. قال الإمام أحمد: ما أرى به بأساً. وقال أبو حاتم الرازي: شيخ. وقال الخطابي: وفي إسناده الحديث مقال.

(9/349)


56- باب المواشي تفسد زرع قوم
3564 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ مُحَمّدِ بنِ ثَابِتٍ المَرْوَزِيّ أخبرنا عَبْدُالرّزّاقِ أنْبأنَا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن حَرَامِ بنِ مُحَيّصَةَ عن أبِيهِ: أنّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ بنِ عَازِبٍ دَخَلَتْ حَائِطَ رَجُلٍ فَأفْسَدَتْهُ عَلَيْهِمْ، فَقَضَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى أهْلِ الأمْوَالِ حِفْظَهَا بالنّهَارِ وَعَلَى أهْلِ المَوَاشِي حِفْظَهَا باللّيْلِ.
3565 - حدثنا مَحْمُودُ بنُ خَالِدٍ أخبرنا الْفِرْيَابِيّ عن الأوْزَاعِيّ عن الزّهْرِيّ عن حَرَامِ بنِ مُحَيّصَةَ الأَنْصَارِيّ عن الْبَرَاءِ بنِ عَازِبٍ قال: كَانَتْ لَهُ نَاقَةٌ ضَارِيَةٌ فَدَخَلَتْ حَائِطاً فَأَفْسَدَتْ فِيهِ، فَكُلّمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فِيهَا فَقَضَى أنّ حِفْظَ الْحَوَائِطِ بالنّهَارِ عَلَى أهْلِهَا، وَأنّ حِفْظَ المَاشِيَةِ باللّيْلِ عَلَى أهْلِهَا، وَأنّ عَلَى أهْلِ الْمَاشِيَةِ مَا أصَابَتْ مَاشِيَتُهُمْ باللّيْلِ.
آخر كتاب البيوع
ـــــــ
"باب المواشي تفسد زرع قوم"
"حائط رجل" أي بستانه. في النهاية: الحائط البستان إذا كان عليه حائط وهو الجدار "على أهل الأموال حفظها" أي حفظ الأموال. قال في شرح السنة: ذهب أهل العلم إلى أن ما أفسدت الماشية بالنهار من مال الغير فلا ضمان على أهلها وما أفسدت بالليل ضمنه مالكها، لأن في العرف أن أصحاب الحوائط والبساتين يحفظونها بالنهار، وأصحاب المواشي بالليل، فمن خالف هذه العادة كان خارجاً عن رسوم الحفظ، هذا إذا لم يكن مالك الدابة معها، فإن كان معها فعليه ضمان ما أتلفته سواء كان راكبها أو سائقها أو قائدها أو كانت واقفة، وسواء أتلفت بيدها أو رجلها أو فمها، وإلى هذا ذهب مالك والشافعي، وذهب أصحاب أبي حنيفة رحمه الله إلى أن المالك إن لم يكن معها فلا ضمان عليه، ليلا كان أو نهاراً انتهى. قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"عن حرام بن محيصة" بتشديد الياء المكسورة وقيل بإسكانها "ضارية" بالتحتية أي معتادة لرعي زرع الناس فكلم بصيغة المجهول من باب التفعيل "وأن على أهل الماشية الخ" أي وإن ما أفسدت المواشي بالليل مضمون على أهلها.
قال المنذري: وأخرجه النسائي.
هذا آخر كتاب البيوع.

(9/350)