Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود

المجلد العاشر
تابع لكتاب القضاء
باب في الشهادات
...
بسم الله الرحمن الرحيم
13- باب في الشهادات
3591 - حدثنا ابنُ السّرْحِ وَ أَحْمَدُ بنُ سَعِيدٍ الْهَمَدَانِيّ قالا أخبرنا ابنُ وَهْبٍ قالَ أخبرني مَالِكُ بنُ أنَسٍ عن عبد الله بنِ أبي بَكْرٍ أنّ أبَاهُ أخْبَرَهُ أنّ عبد الله بنَ عَمْرِو بنِ عَفّانَ أخْبَرَهُ أنّ عبد الرحمن بنَ أبي عَمْرَةَ الأَنْصَارِيّ أخْبَرَهُ أنّ زَيْدَ بنَ خَالِدٍ الْجُهَنِيّ أخْبَرَهُ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "ألاَ أُخْبِرُكُم بِخَيْرِ الشّهَدَاءِ: الّذِي يأْتِي بِشَهَادَتِهِ أوْ يُخْبِرُ بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أنْ يُسَأَلَها" شَكّ عبد الله بنُ أبي بَكْرٍ أيّتهُمَا قالَ قال أبُو دَاوُدَ قالَ مَالِكٌ: "الّذي يُخْبِرُ بِشَهَادَتِهِ وَلا يَعْلَمُ بِهَا الّذِي هِيَ لَهُ" قالَ الْهَمَدَانِيّ: "وَيَرْفَعُهَا إلَى السّلْطَانِ" قال ابنُ السّرْحِ: "أوْ يَأْتِي بِهَا الإمَامَ" وَالإِخْبَارُ في حَدِيثِ الْهَمَدَانِيّ. قال ابنُ السّرْحِ بنَ أبي عَمْرَةَ وَلَمْ يَقُلْ عَبْدَالرّحْمَنِ.
ـــــــ
"باب في الشهادات"
"بخير الشهداء" جمع شهيد "أو يخبر بشهادته" شك من الراوي "قبل أن يسألها" بصيغة المجهول أي قبل أن تطلب منه الشهادة. قال النووي: فيه تأويلان أصحهما وأشهرهما تأويل مالك وأصحاب الشافعي أنه محمول على من عنده شهادة لإنسان بحق ولا يعلم ذلك الإنسان أنه شاهد ويأتي إليه فيخبره بأنه شاهد له لأنها أمانة له عنده، والثاني أنه محمول على شهادة الحسبة في غير حقوق الآدميين كالطلاق والعتق والوقف والوصايا العامة والحدود ونحو ذلك، فمن علم شيئاً من هذا النوع وجب عليه رفعه إلى القاضي وإعلامه به. قال تعالى {وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ} كذا في المرقاة "أيتهما قال" أي أبو بكر والد عبد الله، أي قال كلمة يأتي بشهادته أو قال كلمة يخبر بشهادته.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه "قال مالك" في تفسير قوله صلى الله عليه وسلم الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها "ولا يعلم بها" أي بشهادته "الذي هي له" فاعل لا

(10/3)


............................
ـــــــ
يعلم، أي لا يعلم بشهادته الرجلُ الذي الشهادة له. قال ابن عبدالبر: قال ابن وهب: قال مالك: تفسير هذا الحديث أن الرجل يكون عنده شهادة في الحق لرجل لا يعلمها فيخبره بشهادته ويرفعها إلى السلطان زاد يحيى بي سعيد إذا علم أنه ينتفع بها الذي له الشهادة، وهذا لأن الرجل ربما نسى شاهده فظل مغموماً لا يدري من هو، فإذا أخبره الشاهد بذلك فرج كربه، وفي الحديث "من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب الآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" ولا يعارض هذا حديث "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم يعطون الشهادة قبل أن يسألوها" لأن النخعي قال معنى الشهادة هنا اليمين أي يحلف قبل أن يستحلف، واليمين قد تسمى شهادة. قال تعالى {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ} انتهى كلامه.
قال المنذري: وقال غيره: هذا في الأمانة والوديعة تكون لليتيم لا يعلم بها بمكانها غيره فيخبر بما يعلم من ذلك، وقيل هذا مثل في سرعة إجابة الشاهد إذا استشهد لا يمنعها ولا يؤخرها، كما يقال الجواد يعطي قبل سؤاله، عبارة عن حسن عطائه وتعجيله. وقال الفارسي: قال العلماء إنما هي في شهادته الحسبة، وإذا كان عنده علم لو لم يظهره لضاع حكم من أحكام الدين وقاعدة من قواعد الشرع، فأما في شهادات الخصوم فقد ورد الوعيد في من يشهد ولا يستشهد لأن وقت الشهادة على الأحكام إنما يدخل إذا جرت الخصومة بين المتخاصمين وأيس من الإقرار واحتيج إلى البينة، فحينئذ يدخل وقت الشهادة بهذا الوجه وفي هذا الحديث انتهى كلام المنذري.

(10/4)


14- باب في الرجل [فيمن] يعين على خصومة من غير أن يعلم أمرها
3592 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ أخبرنا زُهَيْرٌ أخبرنا عُمَارَةُ بنُ غَزِيّةَ عن يَحْيَى بنِ رَاشِدٍ قال: جَلَسْنَا لِعَبْدِالله بنِ عُمَرَ فَخَرَجَ إلَيْنَا فَجَلَسَ فقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: " مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدَ مِنْ حُدُودِ الله فَقَدْ ضَادّ الله، وَمَنْ خَاصَمَ في
ـــــــ
"باب في الرجل يعين على خصومة الخ"
"من حالت" من الحيلولة أي حجبت "شفاعته دون حد" أي عنده، والمعنى من منع بشفاعته حداً. قال الطيبي: أي قدام حد فيحجز عن الحد بعد وجوبه عليه بأن بلغ الإمام "فقد ضاد الله" أي خالف أمره، لأن أمره إقامة الحدود، قاله القاري. وقال في فتح الودود: أي

(10/4)


بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ لَمْ يَزَلْ في سَخَطِ الله حَتّى يَنْزِعَ عَنْهُ، وَمَنْ قالَ في مُؤْمِنٍ ما لَيْسَ فِيهِ أسْكَنَهُ الله رَدْغَةَ الْخَبَالِ حَتّى يَخْرُجَ مِمّا قالَ" .
3593 - حدثنا عَلِيّ بنُ الْحُسَيْنِ بنِ إبْرَاهِيمَ حدثنا عُمَرُ بنُ يُونُس أخبرنا عَاصِمُ بنُ مُحَمّدِ بنِ زَيْدٍ الْعَمْرِيّ قالَ حدّثني المُثَنّى بنُ يَزِيدَ عن مَطَرٍ الْوَرّاقِ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِمَعْنَاهُ قالَ: "وَمَنْ أعَانَ عَلَى خُصُومَةٍ بِظُلْمٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ الله عزّوَجَلّ".
ـــــــ
حاربه وسعى في ضد ما أمر الله به "ومن خاصم" أي جادل أحداً "في باطل وهو يعلمه" أي يعلم أنه باطل، أو يعلم نفسه أنه على الباطل، أو يعلم أن خصمه على الحق، أو يعلم الباطل أي ضده الذي هو الحق ويصر عليه "حتى ينزع عنه" أي يترك وينتهي عن مخاصمته يقال نزع عن الأمر نزوعاً إذا انتهى عنه "ما ليس فيه" أي من المساوىء "ردغة الخبال" قال في النهاية" بفتح الراء وسكون الدال المهملة وفتحها هي طين ووحل كثير، وجاء تفسيرها في الحديث أنها عصارة أهل النار. وقال في حرف الخاء في الأصل الفساد، وجاء تفسيره في الحديث أن الخبال عصارة أهل النار.
قلت: فالإضافة في الحديث للبيان. وقال في فتح الودود: قلت والأقرب أن يراد بالخبال العصارة، والردغة الطين الحاصل باختلاط العصارة بالتراب انتهى "حتى يخرج مما قال" قال القاضي: وخروجه مما قال أن يتوب عنه ويستحل من المقول فيه. وقال الأشرف: ويجوز أن يكون المعنى أسكنه الله ردغة الخبال ما لم يخرج من إثم ما قال، فإذا خرج من إثمه أي إذا استوفى عقوبة إثمه لم يسكنه الله ردغة الخبال، بل ينجيه الله تعالى منه ويتركه. قال الطيبي: حتى على ما ذهب إليه القاضي غاية فعل المغتاب فيكون في الدنيا، فيجب التأويل في قوله أسكنه ردغة الخبال بسخطه وغضبه الذي هو سبب في إسكانه ردغة الخبال كذا في المرقاة. والحديث سكت عنه المنذري.
"من أعان على خصومة بظلم" في معنى ذلك ما أخرجه الطبراني في الكبير من حديث أوس بن شرحبيل أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "من مشى مع ظالم ليعينه وهو يعلم أنه ظالم فقد خرج من الإسلام "فقد باء" أي انقلب ورجع".
قال المنذري: في إسناده مطر بن طهمان الوراق قد ضعفه غير واحد، وفيه أيضاً المثنى بن يزيد الثقفي وهو مجهول.

(10/5)


15- باب في شهادة الزور
3594 - حدثنا يَحْيَى بنُ مُوسَى الْبَلْخِيّ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ عُبَيْدٍ حدّثني سُفْيَانُ - يَعني الْعَصْفُرِيّ - عن أبِيهِ عن حَبِيبِ بنِ النّعْمَانِ الأَسْدِيّ عن خُرَيْمِ بنِ فَاتِكٍ قال: صَلّى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم صَلاَةَ الصّبْحِ فَلَمّا انْصَرَفَ قَامَ قَائِمَاً فقالَ: عُدِلَتْ شَهَادَةُ الزّورِ بالإشْرَاكِ بالله ثَلاَثَ مَرّاتٍ [مرار] ثُمّ قَرَأَ: {فاجْتَنِبُوا الرّجْسَ مِنَ الأوثَانِ، وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزّوْرِ، حُنَفَاءَ لله غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ} .
ـــــــ
"باب في شهادة الزور"
بضم الزاي وسكون الواو الكذب.
"عن خريم" بضم خاء معجمة وفتح راء وسكون ياء "ابن فاتك" بفاء بعدها ألف فتاء مثناة فوقية مكسورة "فلما انصرف" أي عن الصلاة "قام قائماً" أي وقف حال كونه قائماً أو قام قياماً. قال الطيبي: هو اسم الفاعل أقيم مقام المصدر، وقد تقرر في علم المعاني أن في العدول عن الظاهر لا بد من نكتة، فإذا وضع المصدر موضع اسم الفاعل نظر إلى أن المعنى تجسم وانقلب ذاتاً وعكسه في عكسه، وكأن قيامه صلى الله عليه وسلم قائماً على الإسناد المجازي، كقولهم نهاره صائم وليله قائم، وذلك يدل على عظم الشأن ما قام له وتجلد وتشمر بسببه "عدلت" بضم أوله "شهادة الزور" أي شهادة الكذب "بالإشراك بالله" أي جعلت الشهادة الكاذبة مماثلة للاشراك بالله في الإثم لأن الشرك كذب على الله بما لا يجوز، وشهادة الزور كذب على العبد بما لا يجوز، وكلاهما غير واقع في الواقع، قاله القاري.
وقال الطيبي: وإنما ساوى قول الزور الشرك لأن الشرك من باب الزور فإن المشرك زاعم أن الوثن يحق العبادة "ثلاث مرات" أي قاله ثلاث مرات "ثم قرأ" أي استشهاداً {مِنَ الأوثَانِ} من بيانية أي النجس هو الأصنام {وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزّوْرِ} أي قول الكذب الشامل لشهادة الزور.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: وهذا عندي أصح، وخريم بن فاتك له صحبة، وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث وهو مشهور، وأخرجه الترمذي أيضاً من حديث أيمن بن خريم بن فاتك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال إنما نعرفه من حديث سفيان بن زياد يعني حديث خريم بن فاتك، ولا نعرف لأيمن بن خريم سماعاً من النبي صلى الله عليه وسلم. هذا آخر كلامه. وذكر غيره أن له صحبة، وأنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثين اختلف في أحدهما،

(10/6)


..................................................
ـــــــ
ورجح يحيى بن معين حديث خزيم بن فاتك كما ذكره الترمذي رضي الله عنهم. وخريم بضم الخاء المعجمة وبعدها راء مهملة مفتوحة وياء آخر الحروف ساكنة وميم. انتهى كلام المنذري.

(10/7)


16- باب من ترد شهادته
3595 - حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ أخبرنا مُحمّدُ بنُ رَاشِدٍ أخبرنا سُلَيْمَانُ ابنُ مُوسَى عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبِيهِ عن جَدّهِ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم رَدّ شَهَادَةَ الْخَائِنِ وَالْخَائِنَةِ وَذِي الْغِمْرِ عَلَى أخِيهِ، وَرَدّ شَهَادَةَ الْقَانِعِ لأَهْلِ الْبَيْتِ وَأَجَازَهَا لِغَيْرِهِمْ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: الْغِمْرُ: الْحِقْدُ والشّحْنَاءُ، وَالْقَانِعُ: الأَجِيرُ التّابِعُ مِثْلُ الأجِير الْخَاص.
ـــــــ
"باب من ترد شهادته"
"رد شهادة الخائن والخائنة" صرح أبو عبيد بأن الخيانة تكون في حقوق الله كما تكون في حقوق الناس من دون اختصاص "وذي الغمر" بكسر الغين المعجمة وسكون الميم أي الحقد والعداوة "على أخيه" أي المسلم فلا تقبل شهادة عدو على عدو سواء كان أخاه من النسب أو أجنبياً "ورد شهادة القانع لأهل البيت" قال المظهر: القانع السائل المقنع الصابر بأدنى قوت، والمراد به ها هنا أن من كان في نفقة أحد كالخادم والتابع لا تقبل شهادته له، لأن يجر نفعاً بشهادته إلى نفسه، لأن ما حصل من المال للمشهود له يعود إلى الشاهد، لأنه يأكل من نفقته، ولذلك لا تقبل شهادة من جر نفعاً بشهادته إلى نفسه كالوالد يشهد لولده أو الولد لوالده أو الغريم يشهد بمال للمفلس على أحد، وتقبل شهادة أحد الزوجين لاَخر خلافاً لأبي حنيفة وأحمد، وتقبل شهادة الأخر لأخيه خلافاً لمالك انتهى.
قال الخطابي: ومن رد شهادة القانع لأهل البيت بسبب جر المنفعة فقياس قوله أن ترد شهادة الزوج لزوجته لأن ما بينهما من التهمة في جر المنفعة أكبر، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة. والحديث أيضاً حجة على من أجاز شهادة الأب لأبنه انتهى "وأجازها" أي شهادة القانع "لغيرهم" أي لغير أهل البيت لانتفاء التهمة "قال أبو داوود الغمر الحقد" وفي بعض النسخ وهي بكسر الحاء المهملة وتخفيف النون المفتوحة لغة في إحنة وهي الحقد "والشحناء" بالمد العداوة "والقانع الأجير التابع مثل الأجير الخاص" هذه العبارة ليست في بعض النسخ.
قال الخطابي: القانع السائل والمستطعم، وأصل القنوع السؤال، ويقال في القانع إنه

(10/7)


3596 - حدثنا مُحمّدُ بنُ خَلَفِ بنِ طَارِقٍ الرّازِيّ [الداري] أخبرنا زَيْدُ بنُ يَحْيَى بنِ عُبَيْدٍ الْخُزَاعِيّ قالَ أخبرنا سَعِيدُ بنُ عبد العزيز عن سُلَيْمانَ بنِ مُوسَى بإِسْنَادِهِ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ تَجُوزُ شَهَادَةُ خائِنٍ وَلا خَائِنَةٍ، وَلا زَانٍ وَلا زَانِيَةٍ، وَلا ذِي غِمْرٍ عَلَى أخِيهِ" .
ـــــــ
المنقطع إلى القوم يخدمهم ويكون في حوائجهم، وذلك مثل الوكيل والأجير ونحوه انتهى.
قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه. والغمر بكسر الغين المعجمة وسكون الميم وبعدها راء مهملة.
"ولا زان ولا زانية" المانع من قبول شهادتهما الفسق الصريح "ولا ذي غمر على أخيه" فإن قيل لم قبلتم شهادة المسلمين على الكفار مع العداوة، قال ابن رسلان: قلنا العداوة ها هنا دينية والدين لا يقتضي شهادة الزور بخلاف العداوة الدنيوية، قال وهذا مذهب الشافعي ومالك وأحمد والجمهور، وقال أبو حنيفة: لا تمنع العداوة والشهادة لأنها لا تخل بالعدالة، فلا تمنع الشهادة كالصداقة انتهى. قال في النيل: والحق عدم قبول شهادة العدو على عدوه لقيام الدليل على ذلك والأدلة لا تعارض بمحض الآراء انتهى.

(10/8)


17- باب شهادة البدوي على أهل الأمصار
3597 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ سَعِيدٍ الْهَمَدَانِيّ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني يَحْيَى ابنُ أيوبَ وَ نَافِعُ بنُ يَزِيدَ عن ابنِ الْهَادِ عن مُحمّدِ بنِ عَمْرِو بنِ عَطَاءٍ عن عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ عن أبي هُرَيْرَةَ أنّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "لا تَجُوزُ شَهَادَةُ بَدَوَيّ عَلَى صَاحِبٍ قَرْيَةٍ" .
ـــــــ
"باب شهادة البدوي على أهل الأمصار"
"لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية" البدوي هو الذي يسكن البادية في المضارب والخيام، ولا يقيم في موضع خاص، بل يرتحل من مكان إلى مكان وصاحب القرية هو الذي يسكن القرى وهي المصر الجامع. قال في النهاية: إنما كره شهادة البدوي لما فيه من الجفاء في الدين والجهالة بأحكام الشرع ولأنهم في الغالب لا يضبطون الشهادة على وجهها.
قال الخطابي: يشبه أي يكون إنما كره شهادة أهل البدو لما فيهم من عدم العلم بإتيان الشهادة على وجهها، ولا يقيمونها على حقها لقصور علمهم عما يغيرها عن وجهها، وكذلك قال أحمد. وذهب إلى العمل بالحديث جماعة من أصحاب أحمد، وبه قال مالك وأبو عبيد،

(10/8)


.............................................
ـــــــ
وذهب الأكثر إلى القبول. قال ابن رسلان: وحملوا هذا الحديث على من لم تعرف عدالته من أهل البدو والغالب أنهم لا تعرف عدالتهم. كذا في النيل.
قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه ورجال إسناده احتج بهم مسلم في صحيحه. وقال البيهقي: وهذا الحديث مماتفرد به محمد بن عمرو بن عطاء عن عطاء بن يسار، فإن كان حفظه فقد قال أبو سليمان الخطابي رحمه الله يشبه أن يكون إنما كره شهادة أهل البدو لما فيهم من عدم العلم بإتيان الشهادة على وجهها، ولا يقيمونها على حقها لقصور علمهم عن ما تحملها وتغيرها عن جهتها والله أعلم.

(10/9)


18- باب الشهادة على الرضاع
3598 - حدثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ أخبرنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عن أيوبَ عن ابنِ أبي مُلَيْكَةَ قالَ حَدّثني عُقْبَةُ بنُ الْحَارِثِ وَحَدّثَنِيهِ صَاحِبٌ لِي عَنْهُ وَأنا لِحَدِيثِ صَاحِبي أحْفَظُ قالَ: تَزَوّجْتُ أُمّ يَحْيَى بِنْتَ أبي إهَابٍ فَدَخَلَتْ عَلَيْنَا امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ فَزَعَمَتْ أنّهَا أرْضَعَتْنَا جَمِيعاً، فأَتَيْتُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَأَعْرَضَ عَنّي فَقُلْتُ يَارَسُولَ الله إنّهَا لَكَاذِبَةٌ قَالَ: "وَمَا يُدْرِيكَ وَقَدْ قالَتْ مَا قالَتْ دَعْهَا عَنْكَ" .
ـــــــ
"باب الشهادة على الرضاع"
"وحدثنيه" عطف على حدثني عقبة وقائلهما ابن أبي مليكة "صاحب لي" اسمه عبيد كما في الرواية التالية "عنه" أي عن عقبة بن الحارث. والحاصل أن ابن أبي مليكة روى الحديث عن عقبة بن الحارث بلا واسطة ورواه عنه بواسطة عبيد "بنت أبي إهاب" بكسر الهمزة وآخره باء موحدة "فزعمت" أي قالت "إنها أرضعتنا جميعاً" يعني نفسه وزوجته أم يحيى "وقد قالت" أي تلك المرأة السوداء والواو للحال "ما قالت" من أنها أرضعتكما "دعها" أي اتركها.
قال في السبل: والحديث دليل على أن شهادة المرضعة وحدها تقبل، وإليه ذهب ابن عباس وجماعة من السلف وأحمد بن حنبل. وقال أبو عبيد: يجب على الرجل المفارقة ولا يجب على الحاكم الحكم بذلك. وقال مالك: إنه لا يقبل في الرضاع إلا امرأتان. وذهب الحنفية: إلى أن الرضاع كغيره لا بد من شهادة رجلين أو رجل وامرأتين ولا تكفي شهادة المرضعة لأنها تقرر فعلها. وقال الشافعي: تقبل المرضعة مع ثلاث نسوة بشرط أن لا تعرض بطلب أجرة. قالوا وهذا الحديث محمول على الاستحباب والتحرز عن مظان الاشتباه. وأجيب بأن هذا

(10/9)


3599 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ أبي شُعَيْبٍ الْحَرّانِيّ أخبرنا الْحَارِثُ بنُ عُمَيْرٍ الْبَصَرِيّ ح. وَحدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا إسْمَاعِيلُ بنُ عُلَيّةَ كِلاَهُمَا عن أيّوبَ عن ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ عن عُبَيْد بنِ أبِي مَرْيَمَ عن عُقْبَةَ بنِ الْحَارِثِ وَقَدَ سَمِعْتُهُ مِن عُقْبَةَ، وَلَكِنّي لِحَدِيثِ عُبَيْدٍ أحْفَظُ فَذَكَرَ مَعْنَاهُ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: نَظَرَ حَمّادُ بنُ زَيْدٍ إلَى الْحَارِثِ بنِ عُمَيْرٍ فقالَ هَذَا مِنْ ثِقَاتِ أصْحَابِ أيّوبَ.
ـــــــ
خلاف الظاهر سيما وقد تكرر سؤاله للنبي صلى الله عليه وسلم أربع مرات وأجابه بقوله كيف وقد قيل، وفي بعض ألفاظه دعها، وفي رواية الدارقطني: لا خير لك فيها، ولو كان من باب الاحتياط لأمره بالطلاق مع أنه في جميع الروايات لم يذكر الطلاق فيكون هذا الحكم مخصوصاً من عموم الشهادة المعتبر فيها العدد، وقد اعترتم ذلك في عورات النساء فقلتم يكفي بشهادة امرأة واحدة والعلة عندهم فيه أنه قل ما يطلع الرجال على ذلك فالضرورة داعية إلى اعتباره، فكذا هنا انتهى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي.
"قال أبو داوود نظر حماد بن زيد إلخ" لم توجد هذه العبارة في بعض النسخ.

(10/10)


19- باب شهادة أهل الذمة والوصية في السفر
[باب شهادة أهل الذمة في الوصية في السفر]
[وفي الوصية في السفر]
3600 - حدثنا زِيَادُ بنُ أيّوبَ أخبرنا هُشَيْمٌ أخبرنا زَكَرّيَا عن الشّعْبِيّ: "أنّ رَجُلاً مِنَ المُسْلِمِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ بِدَقُوقَاءَ هَذِهِ وَلَمْ يَجِدْ أحَداً مِنَ المُسْلِمِينَ يُشْهِدُهُ عَلَى
ـــــــ
"باب شهادة أهل الذمة والوصية في السفر"
"بدقوقاء" بفتح الدال المهملة وضم القاف وسكون الواو بعدها قاف مقصورة وقد مدها
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وهذا تعليل فاسد فإن البخاري رواه في صحيحه مسندا متصلا

(10/10)


وَصِيّتِهِ فَأشْهَدَ رَجُلَيْنِ مِنْ أهْلِ الْكِتَابِ فَقَدِمَا الْكُوفَةَ فَأَتَيَا أبا مُوسَى اْلأشْعَرِيّ فَأَخْبَرَاهُ وَقَدِمَا بَتَرِكَتِهِ وَوَصِيّتِهِ فَقالَ اْلأشْعَرِيّ هَذَا أَمْرٌ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الّذِي كَانَ فِي عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَأَحْلَفَهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ بالله مَا خَانَا وَلاَ كَذِبَا وَلاَ بَدّلاَ وَلاَ كَتَما وَلاَ غَيّرَا، وَإِنّهَا لَوَصِيّةُ الرّجُلِ وَتَرِكَتُهُ، فَأَمْضَى شَهَادَتَهُمَا.
ـــــــ
بعضهم، وهي بلد بين بغداد وإربل، كذا في النيل. وفي النسخ الحاضرة بالمد "من أهل الكتاب" يعني نصرانيين كما بين ذلك البيهقي وبين أن الرجل من خثعم ولفظه عن الشعبي توفي رجل من خثعم فلم يشهد موته إلا رجلان نصرانيان "وقدما بتركته" أي الرجل المسلم المتوفي "فقال الأشعري" أبو موسى "بعد" الأمر "الذي كان" ذلك الأمر "في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم" يشير أبو موسى إلى واقعة السهمي التي كانت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
ومراد أبي موسى أن بعد واقعة السهمي لم تكن واقعة مثلها إلا هذه الواقعة وهي وفاة رجل من المسلمين بدقوقا، وشهادة رجلين من أهل الكتاب على وصيته "فأحلفهما" يقال في المتعدي أحلفته إحلافاً وحلفته تحليفاً واستحلفته "بعد العصر" هذا يدل على جواز التغليظ بزمان من الأزمنة "ولا بدّلا" بصيغة الماضي المعلوم من التبديل.
ـــــــ
وقوله "قال لي" طريق من طرق الرواية ليس بموجب لتعليل الإسناد فالتعليل به تعنت. وقال علي بن المديني: هذا حديث حسن ولا أعرف ابن أبي القاسم.
وقال غيره: هو محمد بن أبي القاسم الطويل قال يحيى بن معين: ثقة كتبت عنه. وقد تأول قوم الآية تأويلات باطلة.
فمنهم من قال: كلها في المسلمين وقوله: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} يعني من غير قبيلتكم وهذا باطل فإن الله افتتح الخطاب: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} ثم قال {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} ومعلوم أن غير المؤمنين هم الكفار ولم يخاطب الله سبحانه بهذه الآية قبيلة دون قبيلة بل الخطاب بها على عادة خطاب القرآن لعموم المؤمنين.
وحديث ابن عباس صريح في المراد بها وأن الشهود من أهل الكتاب.
وقال بعضهم: "الشهادة" هنا بمعنى الحضور لا الإخبار وهذا إخراج للكلام عن الفائدة وحمل له على خلاف مراده والسياق يبطل هذا التأويل المستنكر.
وقال بعضهم: "الشهادة" هنا بمعنى اليمين وظاهر السياق بل صريحه يشهد بأنها شهادة صريحة مؤكدة باليمين فلا يجوز تعطيل وصف الشهادة.

(10/11)


3601 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ أخبرنا يَحْيَى بنُ آدَمَ أخبرنا ابنُ أبي زَائِدَةَ عن مُحمّدِ بن أبي الْقَاسِم عن عَبْدِالمَلِكِ بنِ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنْ أبِيهِ عن ابنِ عَبّاسٍ قالَ: خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَني سَهْمٍ مَعَ تَمِيمِ الدّاريّ وَعَدِيّ بنِ بَدّاءَ فَمَاتَ السّهْمِيّ بِأَرْضٍ لَيْسَ فِيهَا [بها] مُسْلِمٌ، فَلَمّا قَدِمَا بِتَرِكَتِهِ فَقَدُوا جَامَ فِضّةٍ مُخَوّصَا بِالذّهَبِ، فَأَحْلَفَهُمَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ثُمّ وُجِدَ الْجَامُ بِمَكّةَ فَقَالُوا اشْتَرَيْنَاهُ مِنْ تَمِيمٍ وَعَدِيَ فَقامَ رَجُلاَنِ مِنْ أوْلِيَاءِ السّهْمِيّ فَحَلَفَا لَشَهَادَتُنَا أَحَقّ مِنْ شَهادَتِهِمَا وَإنّ الْجَامَ لِصَاحِبنَا [لصاحبهم-
ـــــــ
قال الخطابي: في هذا دليل على أن شهادة أهل الذمة مقبولة على وصية المسلم في السفر خاصة وممن روي عنه أنه قبلها في مثل هذه الحالة شريح وإبراهيم النخعي، وهو قول الأوزاعي، وقال أحمد بن حنبل: لا تقبل شهادتهم إلا في مثل هذا الموضع للضرورة. وقال الشافعي: لا تقبل شهادة الذمي بوجه لا على مسلم ولا على كافر، وهو قول مالك. وقال أحمد بن حنبل: لا يجوز شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض. وقال أصحاب الرأي: شهادة بعضهم على بعض جائزة والكفر كلّه ملة واحدة. وقال آخرون: شهادة اليهودي على اليهودي حائزة ولا تجوز على النصراني والمجوسي لأنها ملل مختلفة، ولا تجوز شهادة أهل ملة على ملة أخرى وهذا قول الشعبي وابن أبي ليلى وإسحاق بن راهويه وحكي ذلك عن الزهري، قال وذلك للعداوة التي ذكر الله سبحانه بين هذه الفرق انتهى. والحديث سكت عنه المنذري.
"وعدي بن بداء" بفتح الموحدة وتشديد الدال المهملة مع المد "فمات السهمي" وكان لما اشتد وجعه أوصى إلى تميم وعدي وأمرهما أن يدفعا متاعه إذا رجعا إلى أهله، ذكره القسطلاني "فلما قدما" أي تميم وعدي "فقدوا" أي أهل المتوفي "جام فضة" أي كأساً من فضة "مخوصاً بالذهب" بضم الميم وفتح الخاء المعجمة والواو المشددة آخره صاد مهملة أي فيه خطوط طوال كالخوص وكانا أخذاه من متاعه "ثم وجد" بصيغة المجهول "فقالوا" أي الذين وجد الجام معهم "فقام رجلان" هما عمرو بن العاص والمطلب بن أبي وداعة "لشهادتنا أحق من شهادتهما" أي يميننا أحق من يمينهما.
ـــــــ
وقال بعضهم: الآية منسوخة وهذه دعوى باطلة فإن المائدة من آخر القرآن نزولا ولم يجىء بعدها ما ينسخها فلو قدر نص يعارض هذا من كل وجه لكان منسوخا بآية المائدة.
وقال بعضهم: هذه الآية ترك العمل بها إجماعا وهذه مجازفة وقول بلا علم فالخلاف فيها أشهر من أن يخفى وهي مذهب كثير من السلف وحكم بها أبو موسى الأشعري وذهب إليها الإمام أحمد.

(10/12)


لصاحبهما] قالَ: فَنَزَلَتْ فِيِهِمْ {يَا أيّهَا الّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إذَا حَضَرَ أحَدَكُمُ الْمَوْتُ} الآية.
ـــــــ
قال الخطابي: في هذا حجة لمن رأى رد اليمين على المدعي والآية محكمة لم ينسخ منها في قول عائشة والحسن البصري وعمرو بن شرجبيل، وقالوا المائدة آخر ما نزل من القرآن لم ينسخ منها شيء، وتأول من ذهب إلى خلاف هذا القول الآية على الوصية دون الشهادة، لأن نزول الآية إنما كان في الوصية وتميم الداري وصاحبه عدي بن بداء إنما كانا وصيين لا شاهدين والشهود لا يحلفون، وقد حلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما عبر بالشهادة عن الأمانة التي تحملانها وهو معنى قوله تعالى {وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ} أي أمانة الله وقالوا معنى قوله تعالى {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} أي من غير قبيلتكم، وذلك أن الغالب في الوصية أن الموصى شهد أقرباؤه وعشيرته دون الأجانب والأباعد. ومنهم من زعم أن الآية منسوخة، والقول الأول أصح والله أعلم انتهى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} أي ليشهد ما بينكم، لأن الشهادة إنما يحتاج إليها عند وقوع التنازع والتشاجر.
واختلف في هذه الشهادة فقيل هي هنا بمعنى الوصية وقيل بمعنى الحضور للوصية. وقال ابن جرير الطبري هي هنا بمعنى اليمين أي يمين ما بينكم أن يحلف اثنان، واختار هذا القول القفال، وضعف ذلك ابن عطية واختار أنها هنا هي الشهادة التي تؤدي من الشهود أي الإخبار بحق للغير على الغير.
قال القرطبي: ورد لفظ الشهادة في القرآن على أنواع مختلفة بمعنى الحضور، قال الله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} وبمعنى قضى، قال تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} وبمعنى أقر، قال تعالى: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا} وبمعنى حلف، قال تعالى: {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ} وبمعنى وصى، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} انتهى.
وقال الخطيب والخازن: وهذه الآية الكريمة وما بعدها من أشكل آي القرآن وأصعبها حكماً وإعراباً وتفسيراً ونظماً انتهى.
وفي حاشية الجمل على الجملالين: هذه الآية واللتان بعدها من أشكل القرآن حكماً وإعراباً وتفسيراً، ولم يزل العلماء يستشكلونها ويكفون عنها حتى قال مكي بن أبي طالب في كتابه الكشف: هذه الآيات في قراءتها وإعرابها وتفسيرها ومعانيها وأحكامها من أصعب آي

(10/13)


..................................................
ـــــــ
القرآن وأشكله. وقال السخاوي: ولم أر أحداً من العلماء تخلص كلامه فيها من أولها إلى آخرها انتهى.
وقال القرطبي: ما ذكره مكي ذكره أبو جعفر النحاس قبله أيضاً. وقال التفتازاني في حاشيته على الكشاف: واتفقوا على أنها أصعب ما في القرآن إعراباً ونظماً وحكماً والله أعلم.
"إذا حضر أحدكم الموت" ظرف للشهادة وحضوره ظهور أمارته يعني إذا قارب وقت حضور الموت "الآية" وتمام الآية مع تفسيرها هكذا "حين الوصية" بدل من الظرف، وفيه دليل أن الوصية مما لا ينبغي التساهل فيها "اثنان" خبر شهادة أي شهادة بينكم شهادة اثنين. قال الخازن: لفظه خبر ومعناه الأمر يعني ليشهد اثنان منكم عند حضور الموت وأردتم الوصية "ذوا عدل منكم" من المسلمين، وقيل من أقاربكم، وهما أي ذوا عدل ومنكم صفتان لاثنان يعني من أهل دينكم وملتكم يامعشر المؤمنين.
واختلفوا في هذين الاثنين، فقيل هما الشاهدان اللذان يشهدان على وصية الموصى، وقيل هما الوصيان لأن الآية نزلت فيهما، ولأنه قال تعالى فيقسمان بالله والشاهد لا يلزمه يمين، وجعل الوصي اثنين تأكيداً، فعلى هذا تكون الشهادة بمعنى الحضور كقولك شهدت وصية فلان بمعنى حضرت "أو آخران" عطف على اثنان "من غيركم" يعني من غير دينكم، فالضمير في منكم للمسلمين والمراد بقوله غيركم الكفار وهو الأنسب بسياق الآية، وهذا قول ابن عباس وأبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وابن جبير والنخعي والشعبي وابن سيرين ويحيى بن يعمر وأبي مجلز وعبيدة السلماني ومجاهد وقتادة، وبه قال الثوري وأبو عبيد وأحمد بن حنبل قالوا إذا لم يجد مسلمين يشهدان على وصيته وهو في أرض غربة فليشهد كافرين أو ذميين أو من أي دين كانا، لأن هذا موضع ضرورة.
قال شريح: من كان بأرض غربة لم يجد مسلماً يشهد وصيته فليشهد كافرين على أي دين كانا من أهل الكتاب أو من عبدة الأصنام فشهادتهم جائزة في هذا الموضع، ولا تجوز شهادة كافر على مسلم بحال إلا على وصيته في سفر لايجد فيه مسلماً.
وقال قوم في قوله {ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} يعني من عشيرتكم وحيكم أو آخران من غيركم من غير عشيرتكم وحيكم وأن الآية كلها في المسلمين، هذا قول الحسن والزهري وعكرمة وقالوا لا تجوز شهادة كافر في شيء من الأحكام وهذا مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة، غير أن أبا حنيفة أجاز شهادة أهل الذمة فيما بينهم بعضهم على بعض.

(10/14)


............................
ـــــــ
واحتج من قال بأن هذه الآية محكمة بأن سورة المائدة من آخر القرآن نزولاً وليس فيها منسوخ.
واحتج من أجاز شهادة غير المسلم في هذا الموضع بأن الله تعالى قال في أول الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} فعم بهذا الخطاب جميع المؤمنين ثم قال بعده: {ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} فعلم بذلك أنهما من غير المؤمنين، ولأن الآية دالة على وجوب الحلف على هذين الشاهدين وأجمع المسلمون على أن الشاهد المسلم لا يجب يمين، ولأن الميت إذا كان في أرض غربة ولم يجد مسلماً يشهده على وصيته ضاع ماله وربما كان عليه ديون أو عنده وديعة فيضيع ذلك كله وإذا كان ذلك احتاج إلى إشهاد من حضر من أهل الذمة وغيرهم من الكفار حتى لا يضيع ماله وتنفذ وصيته فهذا كالمضطر الذي أبيح له أكل الميتة في حال الاضطرار، والضرورات قد تبيح شيئاً من المحظورات.
واحتج من منع ذلك بأن الله تعالى قال: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} والكفار ليسوا مرضيين ولا عدولا، فشهادتهم غير مقبولة في حال من الأحوال قاله الخازن.
قلت الآية محكمة وهو الحق لعدم وجود دليل صحيح يدل على النسخ.
وأما قوله تعالى: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ} الآية، وقوله {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} فهما عامان في الأشخاص والأزمان والأحوال، وهذه الآية خاصة بحالة الضرب في الأرض وبالوصية وبحالة عدم الشهود المسلمين، ولا تعارض بين خاص وعام والله أعلم.
{إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ} أي سافرتم {فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ} عطف على ضربتم وجواب الشرط محذوف أي إن كنتم في سفر ولم تجدوا مسلمين فيجوز إشهاد غير المسلمين، كذا في جامع البيان. والمعنى أي فنزل بكم أسباب الموت وقاربكم الأجل وأردتم الوصية حينئذ ولم تجدوا شهوداً عليها من المسلمين فأوصيتم إليهما ودفعتم مالكم إليهما ثم ذهبا إلى ورثتكم بوصيتكم وبما تركتم فارتابوا في أمرهما وادعوا عليهما خيانة فالحكم فيه أنكم "تحبسونهما" وتوقفونهما صفة للاَخران أو استئناف {مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ} أي بعد صلاة العصر، فإن أهل الكتاب أيضاً يعظمونها، أو بعد صلاة ما، أو بعد صلاتهم {فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ} أي فيحلفان بالله. قال الشافعي: الأيمان تغلظ في الدماء والطلاق والعتاق والمال إذا بلغ مائتي درهم بالزمان والمكان، فيحلف بعد صلاة العصر إن كان بمكة بين الركن والمقام، وإن كان بالمدينة فعند المنبر، وإن كان في بيت المقدس فعند الصخرة، وفي سائر البلاد في أشرف المساجد وأعظمها بها قاله الخازن. وقال الشربيني: وعن ابن عباس أن اليمين إنما تكون إذا كانا من

(10/15)


...................................
ـــــــ
غيرنا، فإن كانا مسلمين فلا يمين. وعن غيره: إن كان الشاهدان على حقيقتهما فقد نسخ تحليفهما وإن كانا الوصيين فلا، ثم شرط لهذا الحلف شرطاً فقال اعتراضاً بين القسم والمقسم عليه "إن ارتبتم" أي شككتم أيها الورثة في قول الشاهدين وصدقهما فحلفوهما وهذا إذا كانا كافرين أما إذا كانا مسلمين، فلا يمين عليهما لأن تحليف الشاهد المسلم غير مشروع، قاله الخازن. ثم ذكر المقسم عليه بقوله: {لا نَشْتَرِي بِهِ} أي بالقسم {ثَمَناً} الجملة مقسم عليه أي لا نبيع عهد الله بشيء من الدنيا، ولا نحلف بالله كاذبين لأجل عوض نأخذه أو حق نجحده، ولا نستبدل به عرضاً من الدنيا بل قصدنا به إقامة الحق {وَلَوْ كَانَ مِنْ} المشهود له ومن نقسم له {ذَا قُرْبَى} ذا قرابة منا لا نحلف له كاذباً، وإنما خص القربى بالذكر لأن الميل إليهم أكثر من غيرهم {وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ} أي الشهادة التي أمر الله بإقامتها {إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ} أي إن كتمنا الشهادة أو خُنّا فيها. ولما نزلت هذا الآية صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر ودعا تميماً وعدياً وحلفهما على المنبر بالله الذي لا إله إلا هو أنهما لم يخونا شيئاً مما دفع إليهما، فحلفا على ذلك على ذلك فخلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبيلهما ثم ظهر الإناء بعد ذلك، قال ابن عباس وجد الإناء بمكة فقالوا اشتريناه من تميم وعدي.
{فَإِنْ عُثِرَ} اطلع بعد حلفهما، وكل من اطلع على أمر كان قد خفي عليه قيل له قد عثر عليه {عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً} يعني الوصيين والمعنى فإن حصل العثور والوقوف على أن الوصيين كانا استوجبا الإثم بسبب خيانتهما وأيمانهما الكاذبة {فَآخَرَانِ} فشاهدان آخران من أولياء الميت وأقربائه {يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا} خبر لقوله فآخران، أي مقام الوصيين في اليمين {مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ} قرىء بصيغة المجهول والمعروف {عَلَيْهِمُ} الوصية وهم الورثة. قال أبو البقاء: ومن الذين صفة أخرى لاَخران، ويجوز أن يكون حالاً من ضمير الفاعل في يقومان انتهى. ويبدل من آخران {الأَوْلَيَانِ} هو على القراءة الأولى مرفوع، كأنه قيل من هما فقيل هما الأوليان، والمعنى على الأولى من الذين استحق الإثم أي جنى عليهم وهم أهل الميت وعشيرته فإنهم أحق بالشهادة أو اليمين من غيرهم، فالأوليان تثنية أولى بمعنى الأحق والأقرب إلى الميت نسباً. وفي حاشية البيضاوي: فقوله: {مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ} قراءة الجمهور بضم التاء على بناء المجهول والمعنى من الورثة الذين جنى عليهم، فإن الأولين لما جنيا واستحقا إثماً بسبب جنايتهما على الورثة كانت الورثة مجنياً عليهم متضررين بجناية الأولين انتهى. والمعنى على القراءة الثانية من الذين استحق عليهم الأوليان من بينهم بالشهادة أن يجردوهما للقيام بالشهادة ويظهروا بهما كذب الكاذبين لكونهما الأقربين إلى الميت، فالأوليان فاعل

(10/16)


...................................
ـــــــ
استحق ومفعوله أن يجردوهما للقيام بالشهادة، وقيل المفعول محذوف والتقدير من الذين استحق عليهم الأوليان بالميت وصيته التي أوصى بها. وفي الخازن: والمعنى على قراءة المجهول أي إذا ظهرت خيانة الحالفين وبان كذبهما يقوم اثنان وفي الخازن: والمعنى على قراءة المجهول أي إذا ظهرت خيانة الحالفين وبان كذبهما يقوم اثنان آخران من الذين جنى عليهم وهم أهل الميت وعشيرته {فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ} أي فيحلفان بالله {لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا} يعني أيماننا أحق وأصدق من أيمانهما {وَمَا اعْتَدَيْنَا} يعني في أيماننا وقولنا أن شهادتنا أحق من شهادتهما {إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ} ولما نزلت هذه الآية قام عمرو بن العاص والمطلب بن أبي وداعة السهميان وهما من أهل الميت وحلفا بالله بعد العصر ودفع الإناء إليهما، وإنما ردت اليمين على أولياء الميت لأن الوصيين ادعيا أن الميت باعهم الإناء وأنكر ورثة الميت ذلك، ومثل هذا أن الوصي إذا أخذ شيئاً من مال الميت وقال إنه أوصى له به وأنكر ذلك الورثة ردت اليمين عليه ولما أسلم تميم الدارمي بعد هذه القصة كان يقول: صدق الله وصدق رسوله أن أخذت الإناء فأنا أتوب إلى الله وأستغفره.
{ذَلِكَ} أي البيان الذي قدّمه الله تعالى في هذه القصة وعرّفَنَا كيف يصنع من أراد الوصية في السفر ولم يكن عنده أحد من أهله وعشيرته وعنده كفار. وفي الخازن: يعني ذلك الذي حكمنا به من ورد اليمين على أولياء الميت بعد إيمانهم {أَدْنَى} أي أجدر وأحرى وأقرب إلى {أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ} أي يؤدي الشهود المتحملون للشهادة على الوصية بالشهادة {عَلَى وَجْهِهَا} فلا يحرفوا ولا يبدلوا ولا يخونوا فيها والضمير في يأتوا عائد إلى شهود الوصية من الكفار وقيل إنه راجع إلى المسلمين المخاطبين بهذا الحكم، والمراد تحذيرهم من الخيانة وأمرهم بأن يشهدوا بالحق {أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ} أي وأقرب أن يخاف الوصيان أن ترد الأيمان على الورثة المدعين فيحلفون على خلاف ما شهد به شهود الوصية فتفضنح حينئذ شهود الوصية، وهو معطوف على قوله {أَنْ يَأْتُوا} فيكون الفائدة في شرع الله سبحانه لهذا الحكم هي أحد الأمرين إما احتراز شهود الوصية عن الكذب والخيانة فيأتون بالشهادة على وجهها، أو يخافوا الافتضاح إذا ردت الأيمان على قرابة الميت فحلفوا بما يتضمن كذبهم أو خيانتهم، فيكون ذلك سبباً لتأدية شهادة شهود الوصية على وجهها من غير كذب ولا خيانة.
وحاصل ما تضمنه هذا المقام من الكتاب العزيز أن من حضرته علامات الموت أشهد على وصيته عدلين من عدول المسلمين، فإن لم يجد شهوداً مسلمين وكان في سفر ووجد كفاراً جاز له أن يشهد رجلين منهم على وصيته، فإن ارتاب بهما ورثه الموصي حلفاً بالله على أنهما شهدا بالحق وما كتما من الشهادة شيئاً ولا خانا مما ترك الميت شيئاً فإن تبين بعد ذلك

(10/17)


...................................
ـــــــ
خلاف ما أقسما عليه من خلل في الشهادة أو ظهور شيء من تركة الميت وزعما أنه قد صار في ملكهما بوجه من الوجوه حلف رجلان من الورثة وعمل بذلك.
وروى الترمذي عن ابن عباس عن تميم الداري في هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} .
قال تميم برىء الناس منها غيري وغير عدي بن بداء وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام بتجارتهما قبل الإسلام، فأتيا إلى الشام بتجارتهما وقدم عليهما مولى لبني سهم يقال له بديل بن أبي مريم بتجارة ومعه جام من فضة يريد به الملك وهو أعظم تجارته، فمرض فأوصى إليهما وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله.
قال تميم: ولما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم، ثم اقتسمناه أنا وعدي، فلما أتينا أهله دفعنا إليهم ما كان معنا وفقد الجام فسألونا عنه فقلنا ما ترك غير هذا ولا دفع إلينا غيره.
قال تميم: فلما أسلمت بعد قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة تأثمت من ذلك فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر وأديت إليهم خمسمائة درهم وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألهم البينة فلم يجدوا فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم على أهل دينه فحلف فأنزل الله { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إلى قوله أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ} فقام عمرو بن العاص ورجل آخر فحلفا فنزعت الخمسمائة درهم من عدي.
قال الترمذي: هذا حديث غريب وليس إسناده بصحيح.
وقد روى عن ابن عباس شيء من هذا على الاختصار من غير هذا الوجه كما أخرجه المؤلف سواء.
قال الحافظ المنذري: وأخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب، وأخرجه البخاري في صحيحه فقال وقال لي علي بن عبد الله يعني المديني فذكره وهذه عادته في ما لم يكن على شرطه، وقد تكلم علي بن المديني على هذا الحديث وقال لا أعرف ابن أبي القاسم، وقال وهو حديث حسن. هذا آخر كلامه وابن أبي القاسم هذا هو محمد بن أبي القاسم، قال يحيى بن معين ثقة قد كتبت عنه. انتهى.

(10/18)


20- باب إذا علم الحاكم صدق شهادة [الشاهد] الواحد يجوز له أن يقضي [يحكم] به
3602 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ يَحْيَى بنُ فَارِسٍ أنّ الْحَكَمَ بنَ نَافِعٍ حَدّثَهُمْ قالَ أنبأنَا شُعَيْبٌ عن الزّهْرِيّ عن عُمَارَةَ بنِ خُزَيْمَةَ أنّ عَمّهُ حَدّثَهُ وَهُوَ مِنْ أصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم ابْتَاعَ فَرَساً مِنْ أعْرَابِيّ فاسْتَتْبَعَهُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لَيَقْضِيَهُ ثَمَنَ فَرَسِهِ فَأَسْرَعَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم المَشْيَ وَأبْطَأَ اْلأعْرَابِيّ فَطِفَقَ رِجَالٌ يَعْتَرِضُونَ الأعْرَابِيّ فَيُسَاوِمُونَهُ بالْفَرَسِ وَلاَ يَشْعُرُونَ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم ابْتَاعَهُ، فَنادَى اْلأَعْرَابِيّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فقالَ إنْ كُنْتَ مُبْتَاعاً هَذَا الْفَرَسِ وَإِلاّ بِعْتُهُ فَقَامَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم حِينَ سَمِعَ نِدَاءَ الأَعْرَابِيّ فَقالَ: "أوَلَيْسَ قَدِ ابْتَعْتُهُ مِنْك"؟ قالَ الأعْرَابِيّ لاَ وَالله مَا بِعْتُكَهُ، فقالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "بَلَى قَدِ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ" ،
ـــــــ
"باب إذا علم الحاكم صدق شهادة الواحد الخ"
"إن عمه حدثه" قال ابن سعد في الطبقات: لم يسم لنا أخو خزيمة بن ثابت الذي روى هذا الحديث وكان له أخوان يقال لأحدهما وحوح والآخر عبد الله "ابتاع" أي اشترى فرساً من أعرابي اسمه سواء بن قيس المحاربي، واسم الفرس المرتجز.
قال ابن سعد أخبرنا محمد بن عمر سألت محمد بن يحيى بن سهل بن أبي حثمة عن المرتجز فقال هو الفرس الذي اشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأعرابي الذي شهد فيه خزيمة بن ثابت، وكان الأعرابي من بني مرة "فاستتبعه" أي طلب مه أن يتبعه "فطفق" أي أخذ "فيساومونه بالفرس" زاد ابن سعد في الطبقات: حتى زاد بعضهم الأعرابي في السوم على ثمن الفرس الذي ابتاعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما زاده فنادى الأعرابي كذا في مرقاة الصعود "فقال إن كنت مبتاعاً هذا الفرس" أي فاشتره "أو ليس قد ابتعته منك" بفتح الواو بعد الهمزة أي أتقول هكذا وليس إلخ، فالمعطوف عليه محذوف.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وقد احتج بحديث خزيمة من يرى أن للحاكم أن يحكم بعلمه قال وجرت شهادة خزيمة في ذلك مجرى التوكيد والاستظهار ولهذا لم يكن معها يمين وهذا القول باطل والنبي صلى الله عليه وسلم إنما أمضى البيع بشهادة خزيمة وجعلها بمنزلة شاهدين وهذا لأن شهادة خزيمة على البيع ولم يره استندت إلى أمر هو أقوى من الرؤية وهو تصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبراهين الدالة على صدقه وأن كل ما

(10/19)


فَطَفِقَ الأعْرَابِيّ يَقُولُ: هُلُمّ شَهِيداً، فقالَ خُزَيْمَةُ بنُ ثَابِتٍ: أنَا أشْهَدُ أنّكَ قَدْ بَايَعْتَهُ، فأَقْبَلَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم عَلَى خُزَيْمَةَ فقالَ: "بِمَ تَشْهَدُ"؟ فقالَ: بِتَصْدِيقِكَ يَارَسُولَ الله، فَجَعَلَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم شَهَادَةَ خُزَيْمَةَ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ .
ـــــــ
وعند ابن سعد: فقال له الأعرابي لا والله ما بعتك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل قد ابتعته منك، فطفق الناس يلوذون برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالأعرابي وهما يتراجعان ويقول: هلم شهيداً فمن جاء من المسلمين قال للأعرابي ويلك إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن ليقول إلا حقاً، فقال له خزيمة أنا أشهد أنك قد بايعته "فقال بم تشهد" زاد ابن سعد ولم تكن معنا "فقال بتصديقك يارسول الله" زاد ابن سعد: أنا أصدقك بخبر السماء ولا أصدقك بما تقول.
وفي لفظ قال: أعلم أنك لا تقول إلا حقاً قد آمناك على أفضل من ذلك على ديننا "فجعل النبي صلى الله عليه وسلم شهادة خزيمة بشهادة رجلين".
قال العلامة السيوطي: قد حصل لذلك تأثير في مهم ديني وقع بعد وفاته صلى الله عليه وسلم وذلك فيما روى ابن أبي شيبة في المصاحف عن الليث بن سعد قال أول من جمع القرآن أبو بكر وكتبه زيد بن ثابت، وكان الناس يأتون زيد بن ثابت فكان لا يكتب آية إلا بشاهدي عدل، وإن آخر سورة براءة لم توجد إلا مع خزيمة بن ثابت فقال اكتبوها فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل شهادته بشهادة رجلين فكتب، وإن عمر أتى بآية الرجم فلم يكتبها لأنه كان وحده انتهى.
وقال الخطابي: هذا حديث يضعفه كثير من الناس غير موضعه، وقد تذرع به قوم من أهل البدع إلى استحلال الشهادة لمن عرف عنده بالصدق على كل شيء ادعاه، وإنما وجه الحديث ومعناه أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما حكم على الأعرابي بعلمه إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم صادقاً باراً في قوله، وجرت شهادة خزيمة في ذلك مجرى التوكيد لقوله والاستظهار بها على خصمه، فصارت في التقدير شهادته له وتصديقه إياه على قوله كشهادة رجلين في سائر القضايا انتهى.
قلت: شهادة خزيمة قد جعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بشهادتين دون غيره ممن هو أفضل منه،
ـــــــ
يخبر به حق وصدق قطعا فلما كان من المستقر عنده أنه الصادق في خبره البار في كلامه وأنه يستحيل عليه غير ذلك البتة كان هذا من أقوى التحملات فجزم بأنه بايعه كما يجزم لو رآه وسمعه بل هذه الشهادة مستندة إلى محض الإيمان وهي من لوازمه ومقتضاه ويجب على كل مسلم أن يشهد بما شهد به خزيمة لما تميزت عن شهادة الرؤية والحس التي يشترك فيها العدل وغيره أقامها النبي صلى الله عليه وسلم مقام شهادة رجلين.

(10/20)


...............................................
ـــــــ
وهذا لمخصص اقتضاه وهو مبادرته دون من حضره من الصحابة إلى الشهادة لرسول الله صلى الله عليه وسلمن، وقد قبل الخلفاء الراشدون شهادته وحده وهي خاصة له.
قال المنذري: وأخرجه النسائي. وهذا الأعرابي هو ابن الحارث، وقيل سواء بن قيس المحاربي ذكره غير واحد في الصحابة، وقيل إنه جحد البيع بأمر بعض المنافقين، وقيل إن هذا الفرس هو المرتجز المذكور في أفراس رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى كلام المنذري.
"قال في القاموس في باب الزاي وفصل الراء المرتجز ابن الملاة فرس للنبي صلى الله عليه وسلم سمي به لحسن صهيله اشتراه من سواء بن الحارث بن ظالم".

(10/21)


21- باب القضاء باليمين والشاهد
3603 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ وَ الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ أنّ زَيْدَ بنَ الْحُبَابِ حَدّثَهُمْ قالَ أخبرنا سَيْفٌ المَكّيّ، قالَ عُثْمانُ سَيْفُ بنُ سُلَيْمانَ عن قَيْسِ بنِ سَعْدٍ عن عَمْرِو بنِ دِينَارٍ عن ابنِ عَبّاسِ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ.
ـــــــ
"باب القضاء باليمين والشاهد"
"إن زيد بن الحباب" بضم أوله وبموحدتين "حدثهم" أي عثمان بن أبي شيبة والحسن بن علي وغيرهما "قال عثمان" أي ابن أبي شيبة "سيف بن سليمان" بنسبته إلى أبيه، وأما الحسن بن علي فقال سيف ولم ينسبه إلى أبيه "قضى بيمين وشاهد" قال الخطابي: يريد أنه قضى للمدعي بيمينه مع شاهد واحد، كأنه أقام اليمين مقام شاهد آخر فصار كالشاهدين انتهى.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
قال ابن حاتم في كتاب العلل: سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه ربيعة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بشاهد ويمين فقالا هو صحيح قلت قال بعضهم يقول عن سهيل عن أبيه عن زيد بن ثابت فقالا وهذا صحيح أيضا هما جميعا صحيحان.
وقد روى ابن ماجه عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد ورواه الإمام أحمد في مسنده.
وفي المسند أيضا: عن عمارة بن حزم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد.

(10/21)


3604 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ يَحْيَى وَ سَلَمَةُ بنُ شَبِيبٍ قالا أخبرنا عَبْدُالرّزّاقِ قالَ أخبرنا [أنبأنا] مُحَمّدُ بنُ مُسْلِمٍ عن عَمْرِو بنِ دِينَارٍ بإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ. قالَ سَلَمَةُ في حَدِيثِهِ قالَ عَمْرٌو في الحُقُوقِ.
ـــــــ
والحديث دليل على جواز القضاء بشاهد ويمين قال النووي: واختلف العلماء في ذلك، فقال أبو حنيفة رحمه الله والكوفيون والشعبي والحكم والأوزاعي والليث والأندلسيون من أصحاب مالك: لا يحكم بشاهد ويمين في شيء من الأحكام، وقال جمهور علماء الإسلام من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار يقضى بشاهد ويمين المدعي في الأموال وما يقصد به الأموال وبه قال أبو بكر الصديق وعلي وعمر بن عبد العزيز ومالك والشافعي وأحمد وفقهاء المدينة وسائر علماء الحجاز ومعظم علماء الأمصار رضي الله عنهم وحجتهم أنه جاءت أحاديث كثيرة في هذه المسألة من رواية علي وابن عباس وزيد بن ثابت وجابر وأبي هريرة وعمارة بن حزم وسعد بن عبادة وعبد الله بن عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة رضي الله عنهم.
قال الحافظ أصح أحاديث الباب حديث ابن عباس، قال ابن عبدالبر: لا مطعن لأحد في إسناده، قال ولا خلاف بين أهل المعرفة في صحته، قال وحديث أبي هريرة وجابر وغيرهما حسنان والله أعلم بالصواب انتهى.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه.
"قال عمرو في الحقوق" وفي رواية لأحمد إنما كان ذلك في الأموال.
ـــــــ
وفي المسند أيضا: عن سعد بن عبادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد.
وفي المسند أيضا: عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بشهادة شاهد واحد ويمين صاحب الحق وقضى علي بن أبي طالب به بالعراق.
وروى ابن ماجه عن سرق أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز شهادة رجل ويمين الطالب.
وأعل حديث أبي هريرة وحديث ابن عباس وهما أجود ما في الباب.
أما حديث أبي هريرة فقالوا يرويه سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رواه عنه ربيعة قال الدراوردي: فذكرت ذلك لسهيل فقال أخبرني ربيعة وهو عندي ثقة أني حدثته إياه ولا أحفظه قال عبدالعزيز: وكان أصاب سهيلا علة أذهبت عقله ونسي بعض حديثه فكان سهيل يحدث عن ربيعة عنه عن أبيه.
والجواب عن هذا من وجوه:

(10/22)


3605 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ أبي بَكْرٍ أبُو مُصْعَبٍ الزّهْرِيّ قال أخبرنا الدّرَاوَرْدِيّ عن رَبِيعَةَ بنِ أبي عَبْدِ الرّحْمَنِ عن سُهَيْلِ بنِ أبي صَالحٍ عن أبِيهِ عن أبي هُرَيْرَةَ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قَضَى بالْيَمِينِ مَعَ الشّاهِدِ .
ـــــــ
قال الخطابي: القضاء بيمين وشاهد خاص في الأموال دون غيرها لأن الراوي وقفه عليها والخاص لا يتعدى به محله ولا يقاس عليه غيره، واقتضاء العموم منه غير جائز لأنه حكاية فعل والفعل لا عموم له فوجب صرفه إلى أمر خاص، قال وإنما "ولما" قال الراوي هو في الأموال كان مقصوراً عليها انتهى.
-"قضى باليمين مع الشاهد" قال الخطابي: وليس هذا بمخالف لقوله صلى الله عليه وسلم: "البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه" لأنه في اليمين إذا كانت مجردة وهذه يمين مقرونة ببينة، وكل واحدة منهما غير الأخرى، فإذا تباين محلاهما جاز أن يختلف حكماهما انتهى.
واعلم أن لمن لا يقول بالقضاء باليمين مع الشاهد أعذار عن أحاديث الباب وللقائلين به أجوبة شافية كافية فعليك بالمطولات.
ـــــــ
أحدها : أن هذا لو ثبت لكان تعليلا لبعض طرق حديث أبي هريرة ولا يلزم من تعليل هذه الطريق تعليل أصل الحديث فقد رواه أبو الزناد عن الأعرج عنه ومن هذه الطريق أخرجه النسائي.
الثاني : أن هذا يدل على صدق الحديث فإن سهيلا صدق ربيعة وكان يرويه عنه عن نفسه ولكنه نسيه وليس نسيان الراوي حجة على من حفظ.
الثالث : أن ربيعة من أوثق الناس وقد أخبر أنه سمعه من سهيل فلا وجه لرد حديثه ولو أنكره سهيل فكيف ولم ينكره وإنما نسيه للعلة التي أصابته وقد سمعه منه ربيعة قبل أن تصيبه تلك العلة.
وأما حديث ابن عباس: فيرويه عمرو بن دينار عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد روى عن عمرو بن دينار عن محمد بن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشاهد واليمين.
وهذا أيضا تعليل باطل لا يعترض بمثله على السنن الصحيحة وقد رواه الناس عن عمرو بن دينار عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم وصححه مسلم وقال النسائي: إسناد جيد وساقه من طرق عن عمرو بن دينار عن ابن عباس.
وقال الشافعي: هو حديث ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرد أحد من أهل العلم مثله لو لم يكن معه غيره من أن معه غيره مما يشده.

(10/23)


قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَزَادَنِي الرّبِيعُ بنُ سُلَيْمانَ المُؤَذّنُ في هَذَا الْحَدِيثِ، قال أنبأنا الشّافِعِيّ عن عَبْدِ الْعَزِيزِ قال فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِسُهَيْلٍ فقال أخبرني رَبِيعَةُ وَهُوَ عِنْدِي ثِقَةٌ أنّي حَدّثْتُهُ إيّاهُ وَلا أَحْفَظُهُ، قالَ عَبْدُا لْعَزِيزِ: وَقَدْ كَانَ أصَابَتْ سُهَيْلاً عِلّةٌ أذْهَبَتْ بَعْضَ عَقْلِهِ وَنَسِيَ بَعْضَ حَدِيثِهِ، فَكَانَ سُهَيْلٌ بَعْدُ يُحَدّثُهُ عن رَبِيَعَةَ عَنْهُ عن أبِيهِ.
ـــــــ
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه. وقال الترمذي حسن غريب "قال فذكرت ذلك" أي ذلك الحديث "لسهيل فقال" أي سهيل "أخبرني ربيعة وهو" أي ربيعة، وجملة وهو عندي ثقة معترضة بين فاعل أخبرني ومفعوله "أني" مرجع الضمير هو سهيل لا ربيعة "حدثته" أي ربيعة "إياه" أي هذا الحديث وجملة أني حدثته إياه مفعول أخبرني "ولا أحفظه" أي هذا الحديث "قال عبد العزيز وقد كان إلخ" هذا تعليل لعدم حفظه الحديث "فكان سهيل بعد" بضم الدال أي بعد ما ذكر عبد العزيز له ما ذكر "يحدثه" أي الحديث "عن ربيعة عنه عن أبيه" الضميران لسهيل.
قال الحافظ في شرح النخبة: وإن روى عن شيخ حديثاً وجحد الشيخ مرويه فإن كان
ـــــــ
وقال الشافعي. قال لي محمد بن الحسن: لو علمت أن سيف بن سليمان يروي حديث اليمين مع الشاهد يعني حديث ابن عباس لأفسدته عند الناس قلت ياأبا عبد الله إذا أفسدته فسد؟.
وسيف هذا ثقة اتفق الشيخان على الاحتجاج بحديثه قال علي بن المديني: سألت يحيى بن سعيد عن سيف بن سليمان فقال كان عندي ثبتا ممن يصدق ويحفظ وقال النسائي: وسيف بن سليمان ثقة.
وأعله الطحاوي وقال: إنه منكر وقال: قيس بن سعد لا نعلم يحدث عن عمرو بن دينار بشيء.
وهذه علة باطلة لأن قيسا ثقة ثبت غير معروف بتدليس وقيس وعمرو مكيان في زمان واحد وإن كان عمرو أسن وأقدم وفاة منه وقد روى قيس عن عطاء ومجاهد وهما أكبر سنا وأقدم موتا من عمرو بن دينار.
وقد روي عن عمرو من هو في قرن قيس وهو أيوب السختياني فمن اين جاء إنكار رواية قيس عن عمرو وقد روى جرير بن حازم عن قيس بن سعد عن عمرو بن دينار عن ابن جبير عن ابن عباس قصة المحرم الذي وقصته ناقته وهو من أصح الأحاديث.

(10/24)


3606 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ دَاوُدَ الإسْكَنْدَرَانيّ أخبرنا زِيَادٌ - يَعني ابنَ يُونُسَ - حَدّثني سُلَيْمانُ بنُ بِلاَلٍ عن رَبِيعَةَ بِإِسْنَادِ أبي مُصْعَبٍ وَمَعْنَاهُ قالَ سُلَيْمانُ: فَلَقِيتُ سُهَيْلاً فَسَأَلْتُهُ عنْ هَذَا الحديثِ فقالَ: ما أعْرِفُهُ، فَقُلْتُ لَهُ إنّ رَبِيَعَةَ أخبرَني بِهِ عَنْكَ، قال: فإنْ كَانَ رَبِيَعَةَ أخْبرَكَ عَنّي فَحَدّثْ بِهِ عنْ رَبِيعَةَ عَنّي.
ـــــــ
الإنكار جزماً كأن يقول الكذب علي أو ما رويت له هذا، ونحو ذلك رد ذلك الخبر لكذب واحد منهما لا بعينه ولا يكون ذلك قادحاً في واحد منهما للتعارض أو كان جحده احتمالاً كأن يقول: ما أذكر هذا الحديث أو لا أعرفه قبل ذلك الحديث في الأصح وهو مذهب جمهور أهل الحديث وأكثر الفقهاء لأن ذلك يحمل على نسيان الشيخ.
وفي هذا النوع صنّف الدارقطني كتاب "من حدث ونسي" وفيه ما يدل على تقوية المذهب الصحيح لكون كثير منهم حدثوا بأحاديث فلما عرضت عليهم لم يتذكروها لكنهم لاعتمادهم على الرواة عنهم صاروا يروونها عن الذين رووها عنهم عن أنفسهم كحديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً في قصة الشاهد واليمين.
ـــــــ
فقد تبين أن قيسا روى عن عمرو غير حديث ولم يعللها أحد من أئمة الحديث بانقطاع أصلا وقد تابع قيسا محمد بن مسلم الطائفي عن عمرو بن دينار عن ابن عباس ذكره النسائي وأبو داود والحديث مروي من وجوه عن ابن عباس فهو ثابت لا مطمع في رده بحمد الله.
وقد أعله طائفة بالارسال بأن عمرو بن دينار رواه عن محمد بن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا.
وهذا أيضا تعليل فاسد لا يؤثر في الحديث لأن راويه عن عمرو مرسلا إنسان ضعيف لا يعترض بروايته على الثقات قال النسائي: ورواه إنسان ضعيف فقال عن عمرو بن دينار عن محمد بن علي مرسل قال وهو متروك الحديث ولا يحكم بالضعفاء على الثقات تم كلامه.
وهذه العلل وأمثالها تعنت لا تترك لها الأحاديث الثابتة ولو تركت السنن بمثلها لوجد السبيل إلى ترك عامة الأحاديث الصحيحة الثابتة بمثل هذه الخيالات.
وهذه الطريق في مقابلها طريق الأصوليين وأكثر الفقهاء أنهم لا يلتفتون إلى علة للحديث إذا سلمت طريق من الطرق منها فإذا وصله ثقة أو رفعه لا يبالون بخلاف من خالفه ولو كثروا.
والصواب في ذلك: طريقة أئمة هذا الشأن العالمين به وبعلله وهو النظر والتمهر في العلل والنظر في الوقفين والرافعين والمرسلين والواصلين أنهم أكثر وأوثق وأخص بالشيخ وأعرف بحديثه إلى غير ذلك من الأمور التي يجزمون معها بالعلة المؤثرة في موضع وبانتفائها في موضع آخر لا يرتضون طريق هؤلاء ولا طريق هؤلاء.

(10/25)


3607 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ عَبْدَةَ أخبرنا عَمّارُ بنُ شُعَيْثِ بنِ عبد الله [عبيد الله] بنِ الزّبَيْبِ الْعَنْبَرِيّ حدّثني أبِي قالَ سَمِعْتُ جَدّيَ الزّبَيْبَ يَقُولُ: بَعَثَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم جَيْشاً إلَى بَنِي الْعَنْبَرِ فأَخَذُوهُمْ بِرُكْبَةٍ مِنْ ناحِيَةِ الطّائِفِ، فاسْتَاقُوهُمْ إلَى نَبيّ الله صلى الله عليه وسلم،
ـــــــ
قال عبد العزيز بن محمد الدراوردي حدثني به ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سهيل قال فلقيت سهيلاً فسألته عنه فلم يعرفه، فقلت إن ربيعة حدثني عنك هكذا، فكان سهيل بعد ذلك يقول حدثني ربيعة عني أني حدثته عن أبي به ونظائره كثيرة انتهى كلامه مع زيادات عليه من شرحه.
-"أخبرنا عمار بن شعيث" بالثاء المثلثة وهو بالتصغير. قال الحافظ عبدالغني بن سعيد في كتاب مشتبه النسبة: شعيب بالباء معجمة من تحتها بواحدة واسع وشعيث بالثاء قليل، منهم شعيث ابن عبد الله بن الزبيب بن ثعلبة روى عنه ابن وهب وغيره. وشعيث بن مطر وعمار ابن شعيث حدث عنه أحمد بن عبدة. انتهى كلامه مختصراً.
وقال للذهبي في كتاب المختلف والمشتبه: شعيب كثير وبمثلثة شعيث بن عبد الله بن الزبيب بن ثعلبة عن آبائه انتهى مختصراً "ابن عبد الله بن الزبيب" بموحدتين مصغراً ابن ثعلبة "فأخذوهم" أي بني العنبر "بركبة" بضم الراء وسكون الكاف وفتح الموحدة بلفظ ركبة الرجل واد من أودية الطائف.
ـــــــ
والمقصود أن هذا الأصل قد رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عمر وعبد الله بن عمرو وسعد بن عبادة وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عباس وأبو هريرة وسرق وعمارة بن حزم وجماعة من الصحابة وعمرو بن شعيب مرسلا ومتصلا والمنقطع أصح وأبو سعيد الخدري وسهل بن سعد.
فحديث ابن عباس. رواه مسلم.
وحديث أبي هريرة: حسن صححه أبو حاتم الرازي.
وحديث جابر: حسن وله علة وهي الإرسال قاله أبو حاتم الرازي:
وحديث زيد بن ثابت: صححه أبو زرعة وأبو حاتم رواه سهيل عن أبيه عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بشاهد ويمين.
وحديث سعد بن عبادة: رواه الترمذي والشافعي وأحمد.
وحديث سرق: رواه ابن ماجه وتفرد به وله علة هي رواية ابن البيلماني عنه.
وحديث الزبيب: حسن رواه عنه شعيب بن عبد الله بن الزبيب العنبري حدثني أبي قال سمعت جدي الزبيب وشعيب ذكره ابن حبان في الثقات.

(10/26)


فَرَكِبْتُ فَسَبَقْتُهُمْ إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ: السّلاَمُ عَلَيْكَ يَانَبِيّ الله وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ أتَانَا جُنْدُكَ فأخَذُونَا وَقَدْ كُنّا أَسْلَمْنَا وَخَضْرَمْنَا آذَانَ النّعَمِ، فَلَمّا قَدِمَ بَلْعَنْبَرُ، [بالعنبر] قالَ لِي نَبيّ الله صلى الله عليه وسلم: "هَلْ لَكُمْ بَيّنَةٌ عَلَى أَنّكُمْ أسْلَمْتُمْ قَبْلَ أنْ تُؤْخَذُوا [تأخذوا] في هَذِهِ اْلأيّامِ"؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قال: "مَنْ بَيّنَتُكَ"؟ قُلْتُ [قال] سَمُرَةُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي الْعَنْبَرِ وَرَجُلٌ آخَرُ سَمّاهُ لَهُ، فَشَهِدَ الرّجُلُ وَأبَى سَمُرَةُ أنْ يَشْهَدَ، فقالَ نَبيّ الله صلى الله عليه وسلم: "قَدْ أبَى أنْ يَشْهَدَ لَكَ فَتَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِكَ الآخر"، فَقُلْتُ [قلت] نَعَمْ فاسْتَحْلَفَنِي فَحَلَفْتُ بالله لَقَدْ أَسْلَمْنَا يَوْمَ كَذَا وكَذَا، وَخَضْرَمْنَا آذَانَ النّعَمِ، فقالَ نَبِيّ الله صلى الله عليه وسلم: "اذْهَبُوا فَقَاسِمُوهُمْ أَنْصَافَ الأَمْوَالِ وَلا تَمَسّوا ذَرَارِيهِمْ لَوْلاَ أنّ الله تَعَالَى لا يُحِبّ ضَلاَلَةَ الْعَمَلِ مَا رَزَيْنَاكُم [زريناكم] عِقَالاً" قال الرُّبَيبُ: فَدَعَتْنِي أُمّي فقالَتْ: هَذَا الرّجُلُ
ـــــــ
وقال الزمخشري: مفازة على يومين من مكة يسكنها اليوم عدوان.
وقال الواقدي: هو بين غمرة وذات عرق كذا في مراصد الاطلاع "وقد كنا أسلمنا" الواو للحال "وخضرمنا آذان النعم" قال الخطابي يقول قطعنا أطراف آذانها وكان ذلك في الأموال علامة بين من أسلم وبين من لم يسلم، والمخضرمون قوم أدركوا الجاهلية وبقوا إلى أن أسلموا. ويقال: إن أصل الخضرمة خلط الشيء بالشيء انتهى "فلا قدم بلعنبر" هو مخفف بني العنبر "فشهد الرجل" أي على إسلامهم "وأبى" أي امتنع "اذهبوا" الخطاب للجيش "فقاسموهم أنصاف الأموال" قال في فتح الودود: هذا يدل على أنه جعل اليمين مع الشاهد سبباً للصلح والأخذ بالوسط بين المدعي والمدعى عليه لا أنه قضى بالدعوى بهما انتهى "ذراريهم" جمع ذرية "لولا أن الله تعالى لا يحب ضلالة العمل" أي بطلانه وضياعه وذهاب نفعه، يقال ضل اللبن في الماء إذا بطل وتلف.
قال في فتح الودود: الظاهر أن المراد ضياع عمل الجيش "ما رزيناكم" بتقديم الراء المهملة على الزاي المعجمة أي ما نقصناكم، وهذا خطاب لبني العنبر قال الخطابي: اللغة
ـــــــ
وحديث عمرو بن شعيب: رواه مسلم بن خالد الزنجي عن ابن جريج عن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد منقطعا وهو الصحيح.
وحديث أبي سعيد: رواه الطبراني في معجمه الصغير بإسناد ضعيف.
وحديث سهل بن سعد: رواه أبو بكر بن أبي شيبة وهو ضعيف عن أبي حازم عن سهل فالعمدة على الأحاديث الثابتة وبقيتها شواهد لا تضر.

(10/27)


أخَذَ زِرْبِيّتِي فَانْصَرَفَتُ إلى نَبِيّ الله صلى الله عليه وسلم - يَعني فأَخْبَرَتُهُ فقالَ لِي: "احْبِسْهُ"، فأَخَذْتُ بِتَلْبِيبِهِ وَقُمْتُ مَعَهُ مَكَانَنا، ثُمّ نَظَرَ إلَيْنَا نَبيّ الله صلى الله عليه وسلم قَائِمَيْنِ فقالَ: "مَا تُرِيدُ بِأَسِيرِكَ"؟ فأَرْسَلْتُهُ مِنْ يَدِي، فَقَامَ نَبيّ الله صلى الله عليه وسلم فقالَ لِلرّجُلِ: "رُدّ عَلَى هَذَا زِرْبِيّةَ أُمّهِ الّتي أَخَذْتَ مِنْهَا"، قالَ يَانَبيّ الله إنّهَا خَرَجَتْ مِنْ يَدِي، قال: فاخْتَلَعَ نَبيّ الله صلى الله عليه وسلم سَيْفَ الرّجُلِ فأَعْطَانِيهِ فقالَ لِلرّجُلِ: "اذْهَبْ فَزِدْهُ آصُعاً مِنْ طعَامٍ" ، قالَ: فَزَادَنِي آصُعاً مِنْ شَعِيرٍ.
ـــــــ
الفصيحة ما رزأناكم بالهمز يقول ما أصبناكم من أموالكم عقالا انتهى. وفي بعض النسخ ما زربناكم بتقديم المعجمة على المهملة وهو غلط "زربيتي" بكسر وتفتح وتضم ثم مهملة ساكنة ثم موحدة مكسورة ثم تحتية مشددة مفتوحة ثم تاء تأنيث الطنفسة، وقيل البساط ذو الخمل وجمعها زرابي كذا في فتح الودود ومرقاة الصعود "احبسه" أي الرجل.
"فأخذت بتلبيبه" قال في النهاية: أخذت بتلبيب فلان إذا جمعت عليه ثوبه الذي هو لابسه وقبضت عليه تجره، والتلبيب مجمع ما في موضع اللبب في القاموس اللبب المنحر كاللبة وموضع القلادة من الصدر من ثياب الرجل، ويقال لَبّيْتُ الرجل إذا جعلتُ في عنقه ثوباً أو غيره وجررته به انتهى "فاختلع نبي الله صلى الله عليه وسلم سيف الرجل فأعطانيه إلخ" أي صالح بينهما على ذلك، ولعل الآصع كانت معلومة، قاله في فتح الودود.
قال الخطابي: وفي هذا الحديث استعمال اليمين مع الشاهد في غير الأموال إلا أن إسناده ليس بذاك، وقد يحتمل أيضاً أن يكون اليمين قد قصد بها ها هنا الأموال، لأن الإسلام يعصم الأموال كما يحقن الدم. وقد ذهب قوم من العلماء إلى إيجاب اليمين مع البينة العادلة. كان شريح والشعبي والنخعي يرون أن يستحلف الرجل مع بينة، وهو قول سوار بن عبد الله القاضي انتهى.
قال المنذري قال الخطابي: إسناده ليس بذاك، وقال أبو عمر النمري: إنه حديث حسن. هذا آخر كلامه وقد روى القضاء بالشهادة واليمين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من رواية عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عمر وسعد ابن عبادة والمغيرة بن شعبة وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم. زبيب بضم الزاي المعجمة وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وبعدها باء موحدة أيضاً، ثم ذكر بعضهم أنه من الأسماء المفردة، وفيما قاله نظر، ففي الرواة من اسمه زبيب على خلاف فيه، وقد قيل في زبيب بن ثعلبة أيضاً زنيب بالنون انتهى كلام المنذري.

(10/28)


22- باب الرجلين يدعيان شيئاً وليس بينهما بينة
3608 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ مِنْهَالٍ الضّرِيرُ أخبرنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ أخبرنا ابنُ أبي عَرُوبَةَ عن قَتَادَةَ عن سَعِيدِ بنِ أبي بُرْدَةَ عن أبِيهِ عن جَدّهِ أبي مُوسَى الأشْعَرِيّ: أنّ رَجُلَيْنِ ادّعَيَا بَعِيراً أوْ دَابّةً إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم لَيْسَتْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيّنَةٌ، فَجَعَلَهُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَهُمَا.
3609 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ أخبرنا يَحْيَى بنُ آدَمَ أخبرنا عَبْدُالرّحِيمِ ابنُ سُلَيْمانَ عن سَعيدٍ بإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ.
ـــــــ
"باب الرجلين يدعيان شيئاً وليس بينهما بينة"
"ليست لواحد منهما بينة" قال في فتح الودود: أي بعينه بل لهما أو لا بينة أصلاً "فجعله النبي صلى الله عليه وسلم بينهما" أي قسمه بينهما نصفين.
قال الخطابي: يشبه أن يكون هذا البعير أو الدابة كان في أيديهما معاً فجعله النبي صلى الله عليه وسلم بينهما لاستوائهما في الملك باليد ولولا ذلك لم يكونا بنفس الدعوى يستحقانه لو كان الشيء في يد غيرهما انتهى.
قال القاري: أو في يد غير منازع لهما انتهى. قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
خالفه سعيد بن أبي عروبة في إسناده ومتنه ثم ساقه من حديث سعيد عن قتادة عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم في دابة ليست لواحد منهما بينة فقضى بها بينهما نصفين ثم قال إسناد هذا الحديث جيد.
والحديث الذي أنكره النسائي: قد أخرجه أبو داود من غير طريق محمد بن كثير أخرجه بإسناد كلهم ثقات رواه من حديث همام عن قتادة عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى ورواه الضحاك بن حمزة عن قتادة عن أبي مجلز عن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى وروي عن حماد بن سلمة عن قتادة عن النضر بن أنس عن أبي بردة عن أبي موسى وقيل: عن حماد عن قتادة عن النضر عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة قال البيهقي وليس بمحفوظ.
قال: والأصل في هذا الباب: حديث سماك بن حرب عن تميم بن طرفة أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعير فأقام كل واحد منها شاهدين فقضى به بينهما نصفين وهذا منقطع.

(10/29)


3610 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ بَشّارٍ أخبرنا حَجّاجُ بنُ مِنْهَالٍ أخبرنا هَمّامٌ عن قَتَادَةَ بمَعْنَى إسْنَادِهِ: أنّ رَجُلَيْنِ ادّعَيَا بَعِيراً عَلَى عَهْدِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَبَعَثَ كل وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدَيْنِ، فَقَسَمَهُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
ـــــــ
"فبعث كل واحد منهما شاهدين" أي أقامهما "فقسمه النبي صلى الله عليه وسلم بينهما نصفين" قال ابن رسلان: يحتمل أن تكون القصة في حديث أبي موسى الأول والثاني واحدة إلا أن البينتين لما تعارضتا تساقطتا وصارتا كالعدم، ويحتمل أن يكون أحدهما في عين كانت في يديهما والآخر كانت العين في يد ثالث لا يدعيها، بدليل ما وقع في رواية للنسائي "ادعيا دابة وجداها عند رجل فأقام كل واحد منهما شاهدين نزعت من يد الثالث ودفعت إليهما" قال وهذا أظهر، لأن حمل الإسنادين على معنيين متعددين أرجح من حملهما على معنى واحد، لأن القاعدة ترجيح ما فيه زيادة علم على غيره انتهى.
وقال الخطابي: وهذا الحديث مروي بالإسناد الأول إلا أن في الحديث المتقدم أنه لم يكن لواحد منهما بينة وفي هذا أن كل واحد منهما قد جاء بشاهدين فاحتمل أن يكون القصة واحدة إلا أن الشهادات لما تعارضت تساقطت فصارا كمن لا بينة له، وحكم لهما بالشيء نصفين بينهما لاستوائهما في اليد. ويحتمل أن يكون البعير في يد غيرهما فلما أقام كل واحد منهما شاهدين على دعواه نزع الشيء من يد المدعى عليه ودفع إليهما.
واختلف العلماء في الشيء يكون في يدي الرجل فيتداعاه اثنان ويقيم كل واحد منهما بينة، فقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه: يقرع بينهما فمن خرجت له القرعة صار له، وكان الشافعي يقول به قديماً ثم قال في الجديد فيه قولان أحدهما يقضي به بينهما نصفين، وبه قال أصحاب الرأي وسفيان الثوري، والقول الآخر يقرع بينهما وأيهما خرج سهمه حلف لقد شهد شهوده بحق ثم يقضى له به. وقال مالك: لا أحكم به لواحد منهما إذا كان في يد غيرهما، وحكى عنه أنه قال هو لأعدلهما شهوداً وأشهرهما بالصلاح. وقال الأوزاعي: يؤخذ بأكثر
ـــــــ
وقال الترمذي في كتاب العلل: سألت محمد بن إسماعيل عن حديث سعيد بن أبي بردة عن أبيه في هذا الباب فقال يرجع هذا الحديث إلى حديث سماك بن حرب عن تميم بن طرفة قال محمد روى حماد بن سلمة قال قال سماك بن حرب أنا حدثت أبا بردة بهذا الحديث تم كلامه.
وقد رواه غندر عن شعبة عن قتادة عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه مرسلا قال البيهقي وإرسال شعبة له كالدلالة على صحة ما قال البخاري.

(10/30)


3611 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ مِنْهَالٍ أخبرنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ أخبرنا ابنُ أبي عَرُوبَةَ عن قَتَادَةَ عن خِلاَسٍ عن أبي رَافِعٍ عن أبي هُرَيْرَةَ: أنّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا في مَتَاعٍ إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم، لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيّنَةٌ، فقالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "اسْتَهِمَا عَلَى الْيَمِينِ مَا كَانَ [ما كانا] أحَبّا ذَلِكَ أوْ كَرِهَا" .
ـــــــ
البينتين عدداً. وحكى عن الشعبي أنه قال هو بينهما على حصص الشهود انتهى كلام الخطابي.
قال المنذري: وأخرجه النسائي وقال هذا خطأ، ومحمد بن كثير هذا هو المصيصي وهو صدوق إلا أنه كثير الخطأ، وذكر أنه خولف في إسناده ومتنه. هذا آخر كلامه ولم يخرجه أبو داوود من حديث محمد بن كثير وإنما خرجه بإسناد رجاله كلهم ثقات.
"رح" - "عن خلاس" بكسر أوله وتخفيف اللام ابن عمرو الهجري بفتحتين البصري ثقة وكان يرسل من الثانية "استهما" أي اقترعا "ما كان" وفي بعض النسخ ما كانا بصيغة التثنية. قال بعض الأعاظم في تعليقات السنن: لفظة "ما" في ما كان مصدر أي مفعول مطلق لكان، كما في قوله تعالى {مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} والتقدير أي غناء أغنى عنه ماله وكسبه. وكان هذه تامة والضمير فيها عائد إلى الاستهام الذي يتضمنه قوله صلى الله عليه وسلم "استهما" وجملة "أحبا ذلك أو كرها" كالتفسير لجملة ما كان، والغرض من زيادة المفسر والمفسر تقرير المعنى السابق وتوكيده.
والمعنى أيّ كون كان الاستهام المذكور أي سواء أحبا ذلك الاستهام أو كرهاه. والحاصل أنهما يستهمان على اليمين لا محالة وعلى كل تقدير سواء كان الاستهام المذكور محبوباً لهما أو مكروهاً لهما. وما في بعض النسخ ما كانا بصيغة التثنية فهو أيضاً صحيح، وضمير التثنية يرجع إلى الرجلين المدعيين، والتقدير أيّ كون كان المدعيان المذكوران أي سواء أحبا ذلك الاستهام أو كرهاه والله أعلم انتهى "أحبا ذلك أو كرها" أي مختارين لذلك بقلبهما أو كارهين.
قال الخطابي: معنى الاستهام ها هنا الاقتراع، يريد أنهما يقترعان فأيهما خرجت له القرعة حلف وأخذ ما ادعاه وروى ما يشبه هذا عن علي رضي الله عنه قال حنش بن المعتمر أتي علي ببغل وجد في السوق يباع فقال رجل هذا بغلي لم أبع ولم أهب ونزع علي ما قال بخمسة يشهدون، قال وجاء رجل آخر يدعيه يزعم أنه بغله وجاء بشاهدين، فقال علي رضي الله عنه إن فيه قضاء وصلحاً وسوف أبين لكم ذلك كله، أما صلحه أن يباع البغل فيقسم ثمنه على سبعة أسهم لهذا خمسة ولهذا سهمان، وإن لم يصطلحوا إلا القضاء فإنه يحلف أحد

(10/31)


...................................
ـــــــ
الخصمين أنه بغله ما باعه ولا وهبه، فإن تشاححتما فأيكما يحلف أقرعت بينكما على الحلف فأيكما قرع حلف، قال فقضى بهذا وأنا شاهد انتهى.
قال الكرماني: وإنما يفعل الاستهام والاقتراع إذا تساوت درجاتهم في أسباب الاستحقاق مثل أن يكون الشيء في يد اثنين كل واحد منهما يدعي كله فيريد أحدهما أن يحلف ويستحق، ويريد الآخر مثل ذلك، فيقرع بينهما، فمن خرجت له حلف واستحقه انتهى.
قال في شرح المشكاة: صورة المسألة أن رجلين إذا تداعيا في يد ثالث ولم يكن لهما بينة، أو لكل واحد منهما بينة وقال الثالث لا أعلم بذلك يعني أنه لكما أو لغيركما فحكمهما أن يقرع بين المتداعيين فأيهما خرجت له القرعة يحلف معها ويقضى له بذلك المتاع، وبهذا قال علي. وعند الشافعي يترك في يد الثالث. وعند أبي حنيفة يجعل بين المتداعيين نصفين.
وقال ابن الملك وبقول علي قال أحمد والشافعي في أحد أقواله، وفي قوله الآخر، وبه قال أبو حنيفة أيضاً إنه يجعل بين المتداعيين نصفين مع يمين كل منهما، وفي قول آخر يترك في يد الثالث انتهى.
وقال الشوكاني: لو تنازع رجلان في عين دابة أو غيرها فادعى كل واحد منهما أنها ملكه دون صاحبه ولم يكن بينهما بينة، وكانت العين في يديهما، فكل واحد مدع في نصف ومدعى عليه في نصف، أو أقام البينة كل واحد على دعواه تساقطتا وصارتا كالعدم وحكم به الحاكم نصفين بينهما لاستوائهما في اليد وكذا إذا لم يقيما بينة، وكذا إذا حلفا أو نكلا انتهى.
وأما قوله "أحبا أو كرها" فقال الحافظ في الفتح: قال الخطابي وغيره: الإكراه هنا لا يراد به حقيقته لأن الإنسان لا يكره على اليمين، وإنما المعنى إذا توجهت اليمين على اثنين وأرادا الحلف سواء كانا كارهين لذلك بقلبهما وهو معنى الإكراه أو مختارين لذلك بقلبهما وهو معنى الاستحباب، وتنازعا أيهما يبدأ فلا يقدم أحدهما على الآخر بالتشهي بل بالقرعة، وهو المراد بقوله فليستهما أي فليقترعا.
وقيل صورة الاشتراك في اليمين أن يتنازع اثنان عيناً ليست في يد واحد منهما ولا بينة لواحد منهما فيقرع بينهما فمن خرجت له القرعة حلف واستحقها ويؤيده حديث أبي هريرة من طريق أبي رافع.
وفي رواية البخاري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم عرض على قوم اليمين فأسرعوا فأمر أن

(10/32)


3612 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ وَ سَلَمَةُ بنُ شَبِيبٍ قالا حدثنا عَبْدُالرّزّاقِ، قالَ أحْمَدُ: قالَ أخبرنا مَعْمَرٌ عن هَمّامِ بنِ مُنَبّهٍ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "إذَا كَرِهَ الاثْنَانِ الْيَمِينَ أو اسْتَحَبّاهَا فَلْيَسْتَهِمَا عَلَيْهَا" .
قالَ سَلَمَةُ قالَ أخبرنا مَعْمَرٌ وقالَ: "إذَا أُكْرِهَ الاثْنَانِ عَلَى الْيَمِينِ".
3613 - حدثنا أبُو بَكْرٍ بنُ أَبي شَيْبَةَ أخبرنا خَالِدُ بنُ الْحَارِثِ عن سَعِيدِ بنِ أبي
ـــــــ
يسهم بينهم في اليمين أيهم يحلف فيحتمل أن تكون قصة أخرى، فيكون القوم المذكورون مدعى عليهم بعين في أيديهم مثلاً، وأنكروا ولا بينة للمدعي عليهم فتوجهت عليهم اليمين، فتسارعوا إلى الحلف والحلف لا يقع معتبراً إلا بتلقين المحلف، فقطع النزاع بينهم بالقرعة، فمن خرجت له بدأ به انتهى.
وقال البيهقي في بيان معنى الحديث إن القرعة في أيهما تقدم عند إرادة تحليف القاضي لهما وذلك أنه يحلف واحداً ثم يحلف الآخر فإن لم يحلف الثاني بعد حلف الأول قضي بالعين كلها للحالف أولاً، وإن حلف الثاني فقد استويا في اليمين فتكون العين بينهما كما كانت قبل أن يحلفا.
وقد حمل ابن الأثير في جامع الأصول الحديث على الاقتراع في المقسوم بعد القسمة. قال الشوكاني: وهو بعيد وترده الرواية بلفظ فليستهما عليها أي على اليمين.
قال المنذري: وأخرجه النسائي.
-"قال أحمد" أي ابن حنبل "قال" أي عبدالرزاق، فأحمد قال في روايته عن عبدالرزاق حدثنا معمر. وقال سلمة في روايته عن عبدالرزاق أخبرنا معمر "إذا كره الاثنان اليمين أو استحباها" قال في فتح الودود: أي نكلا اليمين أو حلفا جميعاً والمتاع في يديهما أو في يد ثالث انتهى "فليستهما عليها" أي على اليمين "قال سلمة قال" أي عبدالرزاق "إذا أكره" بصيغة المجهول "الاثنان على اليمين" أي فليستهما عليها.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ولفظه "أن النبي صلى الله عليه وسلم عرض على قوم اليمين فأسرعوا فأمر أن يسهم بينهم في اليمين أيهم يحلف.
"حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة أخبرنا خالد إلخ" هذا الحديث وقع في بعض النسخ بعد

(10/33)


عَرُوبَةَ بِإِسْنَادِ ابنِ مِنْهَالٍ مِثْلَهُ قالَ: في دَابّةٍ وَلَيْسَ لَهُمَا بَيّنَةٌ فَأَمَرَهُما رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ يَسْتَهِمَا عَلَى الْيَمِينِ.
ـــــــ
حديث محمد بن منهال وقبل حديث أحمد بن حنبل وسلمة بن شبيب وهو الظاهر كما لا يخفى "فأمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستهما على اليمين" أي اقترعا عليها.
قال القاري: ويمكن أن يكون معناه استهما نصفين على يمين كل واحد منكما انتهى.
قال الشوكاني: وجه القرعة أنه إذا تساوى الخصمان فترجيح أحدهما بدون مرجح لا يسوغ، فلم يبق إلا المصير إلى ما فيه التسوية بين الخصمين وهو القرعة وهذا نوع من التسوية المأمور بها بين الخصوم. وقد طول أئمة الفقه الكلام على قسمة الشيء المتنازع فيه بين متنازعيه إذا كان في يد كل واحد منهم أو في يد غيرهم مقربة لهم وأما إذا كان في يد أحدهما فالقول قوله واليمين عليه والبينة على خصمه، وأما القرعة في تقديم أحدهما في الحلف، فالذي في فروع الشافعية أن الحاكم يعين لليمين منهما من شاء على ما يراه. قال البرماوي: لكن الذي ينبغي العمل به هو القرعة للحديث انتهى.
قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه.

(10/34)


23- باب اليمين على المدعى عليه
3614 - حدثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيّ قالَ أخبرنا نَافِعُ بنُ عُمَرَ عن ابنِ أَبي مُلَيْكَةً قالَ: كَتَبَ إلَيّ ابنُ عَبّاسٍ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَضَى بالْيَمِينِ عَلَى المُدّعَى عَلَيْهِ .
ـــــــ
"باب اليمين على المدعى عليه"
"قضى باليمين على المدعى عليه" ولفظ مسلم من طريق ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه". وفي فتح الباري: وأخرج الطبراني من رواية سفيان عن نافع بن عمر عن ابن عمر بلفظ "البينة على المدعي واليمين على المدعي عليه".
وأخرجه الإسماعيلي من رواية ابن جريج بلفظ "ولكن البينة على الطالب واليمين على المطلوب".
وأخرجه البيهقي من طريق عبد الله بن إدريس عن ابن جريج وعثمان بن الأسود عن ابن

(10/34)


..........................................
ـــــــ
أبي مليكة قال كنت قاضياً لابن الزبير على الطائف فذكر قصة المرأتين، فكتبت إلي ابن عباس فكتب إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيه "ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر" وهذه الزيادة ليست في الصحيحين وإسنادها حسن انتهى.
قال النووي: فيه أنه لا يقبل قول الإنسان فيما يدعيه بمجرد دعواه بل يحتاج إلى بينة أو تشديق المدعي عليه فإن طلب يمين المدعي عليه فله ذلك، وقد بين صلى الله عليه وسلم الحكم في كونه لا يعطى بمجرد دعواه لأنه لو كان أعطى بمجردها لا دعى قوم دماء قوم وأموالهم ولا يمكن المدعى عليه أن يصون ماله ودمه، وأما المدعي فيمكنه صيانتها بالبينة.
وفيه دلالة لمذهب الشافعي والجمهور على أن اليمين تتوجه على كل من ادعي عليه حق سواء كان بينه وبين المدعي اختلاط أم لا.
وقال مالك وأصحابه والفقهاء السبعة وفقهاء المدينة إن اليمين لا تتوجه إلا على من بينه وبينه خلطة لئلا يبتذل السفهاء أهل الفضل بتحليفهم مراراً في اليوم الواحد، فاشترطت الخلطة دفعاً لهذه المفسدة واختلفوا في تفسير الخلطة فقيل هي معرفته بمعاملته ومداينته بشاهد أو بشاهدين، وقيل تكفي الشبهة، وقيل هي أن تليق به الدعوى بمثلها على مثله ودليل الجمهور هذا الحديث ولا أصل لذلك الشرط في كتاب ولاسنة ولا إجماع انتهى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.

(10/35)


24- باب كيف اليمين
3615 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا أبُو الأَحْوَصِ أخبرنا عَطَاءُ بنُ السّائِبِ عن أبي يَحْيَى عن ابنِ عَبّاسٍ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ - يَعني لِرَجُلٍ حَلّفَهُ: احْلِفْ بالله الّذِي لا إلَهَ إلاّ هُوَ مَا لَهُ عِنْدَكَ شَيْءٌ - يَعني المُدّعِي.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: أبُو يَحْيَى اسْمُهُ زِيَادٌ كُوفِيّ ثِقَةٌ.
ـــــــ
"باب كيف اليمين"
أي على المدعى عليه "حلفه" بتشديد اللام أي أراد تحليفه والجملة صفة رجل "احلف" بصيغة الأمر "بالله الذي لا إله إلا هو" قال في فتح الودود: تغلظ اليمين بذكر بعض الصفات "ماله" أي ليس للمدعي "يعني المدعي" أي يريد النبي صلى الله عليه وسلم بالضمير المجرور في قوله ماله المدعى، وفي بعض النسخ للمدعي.

(10/35)


...........................
ـــــــ
قال المنذري: وأخرجه النسائي وفي إسناده عطاء بن السائب وفيه مقال. وقد أخرجه البخاري حديثاً مقروناً.

(10/36)


25- باب إذا كان المدعى عليه ذمياً أَيحلف؟
3619 - حدثنا مُحمّدُ بنُ عِيسَى أخبرنا أبُو مُعَاوَيَةَ أخبرنا الأَعمَشُ عن شَقِيقٍ عن الأَشْعَثِ قال: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ أرْضٌ فَجَحَدَني فَقَدّمْتُهُ إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فقالَ لِي النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "أَلَكَ بَيّنَةٌ"؟ قُلْتُ: لاَ، قالَ لِلْيَهُودِيّ: "احْلِفْ"، قُلْتُ: يَارَسُولَ الله إذاً يَحْلِفَ وَيَذْهَبَ بِمَالِي ، فأَنْزَلَ الله: {إنّ الّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً} إلَى آخِرِ الآية.
ـــــــ
"باب إذا كان المدعي عليه ذمياً أَيحلف"
بصيغة المجهول من التحليف.
فجحدني أي أنكر علي فقدمته بالتشديد أي جئت به ورافعت أمره قال لليهودي احلف في شرح السنة في دليل على أن الكافر يحلف في الخصومات كما يحلف المسلم إذا بالتنوين هكذا بالتنوين في جميع النسخ قال في مغني اللبيب قال سيبويه معناها الجواب والجزاء فالجزاء نحو أن يقال آتيك فتقول إذن أكرمك أي إن أتيتني إذن أكرمك وقال الله تعالى ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق الآية وأما لفظ إذا ثم الوقف عليها فالصحيح أن نونها تبدل ألفا وقيل يوقف بالنون فالجمهور يكتبونها في الوقف بالألف وكذا رسمت في المصاحف والمازني والمبرد بالنون انتهى مختصرا يحلف بالنصب بمالي أي بأرضي فأنزل الله إن الذين إلخ قال الطيبي فإن قلت كيف يطابق نزول هذه الآية قوله إذا يحلف ويذهب بمالي قلت فيه وجهان أحدهما كأنه قيل للأشعث ليس لك عليه إلا الحلف فإن كذب فعليه وباله وثانيهما لعل الآية تذكار لليهودي بمثلها في التوراة من الوعيد انتهى قال المنذري وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه أتم منه وأخرجه مسلم بنحوه

(10/36)


26- باب الرجل يحلف [يحلف الرجل] على علمه فيما غاب عنه
3617 - حدثنا مَحْمُودُ بنُ خَالِدٍ الْفِرْيَابيّ أخبرنا الحَارِثُ بنُ سُلَيْمانَ حَدّثَني كُرْدُوسُ عن الأشْعَثِ بنِ قَيْسٍ: أنّ رَجُلاً مِنْ كِنْدَةَ وَرَجُلاً مِنْ حَضْرَمَوتَ اخْتَصَمَا إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم في أَرْضٍ مِنَ الْيَمَنِ، فقالَ الْحَضْرَمِيّ: يَارَسُولَ الله إنّ أرْضِي اغْتَصَبَنِيها أبُو هَذَا وَهِيَ في يَدِهِ، قالَ: "هَلْ لَكَ بَيّنَةٌ"؟ قالَ: لاَ وَلَكِنْ أُحَلّفُهُ وَالله مَا يَعْلَمُ أنّ [أنها] أَرْضِي اغْتَصَبَنِيهَا أبُوهُ؟ فَتَهَيّأَ الْكِنْدِيّ - يَعني لِلْيَمِينِ وَسَاقَ الْحَدِيثَ.
ـــــــ
"باب الرجل"
المدعى عليه "يحلف" بالبناء للمفعول من التحليف أو بصيغة المعروف من باب ضرب، والأول أولى "على علمه" أي على علم الرجل المدعى عليه أي على حسب علمه ومطابقته، فالضمير المجرور يؤول إلى الرجل المدعى عليه، وذلك أي تحليفه على علمه إنما هو "فيما غاب" أي في المعاملة التي غابت "عنه" أي عن الرجل المدعى عليه، ولم يرتكبه المدعى عليه لذلك بل ارتكبه غيره بأن عوملت تلك المعاملة في غيبته وهو لا يعلمها بحقيقتها، فحينئذ لا يحلفه المدعي على البت والقطع بل إنما يحلفه على حسب علمه بأن يقول له المدعي احلف بهذا الوجه والله إني لا أعلم أن الشيء الفلاني الذي ادعاه المدعي عليّ هو ملكه قد أخذه منه أبي أو أخي مثلاً ظلماً وعدواناً.
-"حدثني كردوس" بضم الكاف وسكون الراء قال في التقريب: واختلف في اسم أبيه وهو مقبول من الثالثة "من كندة" بكسر فسكون أبو قبيلة من اليمن "من حضرموت" بسكون الضاد والواو بين فتحات وهو موضع من أقصى اليمن "فقال الحضرمي" نسبة إلى حضرموت "أبو هذا" أي أبو هذا الرجل الكندي "وهي أي الأرض "في يده" أي الآن "ولكن أحلفه" بتشديد اللام "والله ما يعلم" قال الطيبي: هو اللفظ المحلوف به أي أحلفه بهذا، والوجه أن تكون الجملة القسمية منصوبة المحل على المصدر، أي أحلفه هذا الحلف "أن أرضي" بفتح همزة أن، وفي بعض النسخ أنها أرضي "فتهيأ الكندي" أي أراد أن يحلف "وساق الحديث" ليس هذا اللفظ في بعض النسخ. والحديث فيه دليل على أنها إذا طلبت يمين العلم وجبت. قاله في النيل. والحديث سكت عنه المنذري.

(10/37)


3618 - حدثنا هَنّادُ بنُ السّرِيّ أخبرنا أبُو الأَحْوَصِ عن سِمَاكٍ عن عَلْقَمَةَ بنِ وَائِلِ بنِ حُجْرٍ الْحَضْرَمِيّ عن أبِيهِ قالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ وَرَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقالَ الْحَضْرَمِيّ: يَارَسُولَ الله إنّ هَذَا غَلَبَنِي عَلَى أرْضٍ كَانَتْ لأَبي، فقالَ الكِنْدِيّ: هِيَ أرْضِي في يَدِي أزْرَعُهَا لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقّ، فقالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لِلْحَضْرَمِيّ: "ألَكَ بَيّنَةٌ"، قال: لاَ، قالَ: "فَلَكَ يَمِينُهُ"، قالَ: يَارَسُولَ الله إنّهُ فَاجِرٌ لَيْسَ يُبَالِي مَا حَلَفَ لَيْسَ يَتَوَرّعُ مِنْ شَيْءٍ، فقالَ: "لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إلاّ ذَلِكَ" .
ـــــــ
"إن هذا غلبني" أي بالغصب والتعدي "على أرض كانت لأبي" أي كانت ملكاً له "في يدي" أي تحت تصرفي "ليس له" أي للكندي "فلك يمينه" أي يمين الكندي "قال" أي الحضرمي "إنه" أي الكندي "فاجر" أي كاذب "ليس يبالي ما حلف" وفي بعض النسخ بما حلف عليه، والجملة صفة كاشفة لفاجر "إلا ذلك" أي ما ذكر من اليمين.
قال الخطابي: فيه من الفقه أن المدعى عليه يبرأ باليمين من دعوى صاحبه، وفيه أن يمين الفاجر كيمين البر في الحكم انتهى.
قال الشوكاني: وفي هذا دليل على أنه لا يجب للغريم على غريمه اليمين المردودة، ولا يلزمه التكفيل، ولا يحل الحكم عليه بالملازمة ولا بالحبس.
ولكنه قد ورد ما يخصص هذه الأمور من عموم هذا النفي، منها ما ورد في جواز الحبس لمن استحقه كما سيجيء بعد الأبواب والله أعلم.
واعلم أن في حديثي الباب أن الخصومة بين رجلين غير الأشعت بن قيس أحدهما حضرمي والآخر كندي. وفي حديث الباب المتقدم أن الأشعت هو أحد الخصمين والآخر رجل من اليهود، ويمكن الجمع بالحمل على تعدد الواقعة والله تعالى أعلم.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي انتهى. قلت: وأخرجه مسلم وزاد "فانطلق ليحلف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أدبر الرجل أما لئن حلف على ماله ليأكله ظلماً ليلقين الله وهو عنه معرض.

(10/38)


27- باب الذمي كيف يستحلف
3619 - حدثنا مُحمّدُ بنُ يَحْيَى بنِ فَارِسَ أخبرنا عَبْدُالرّزّاقِ أنبأَنا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ قالَ أخبرنا رَجُلٌ مِنْ مُزَيْنَةَ وَنَحْنُ عِنْدَ سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم - يَعني لِلْيَهُودِ: "أنْشُدُكُم بالله الّذِي أَنْزَلَ التّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى مَا تَجِدُونَ في التّوْرَاةِ عَلَى مَنْ زَنَا" ؟ وَسَاقَ الحديثَ في قِصّةِ الرّجْمِ.
3620 - حدثنا عبْدُ الْعَزِيزِ بنُ يَحْيَى أبُو الأَصْبَغِ حدّثني مُحمّدٌ - يَعني ابنَ سَلَمَةَ - عن مُحمّدِ بنِ إسْحَاقَ عن الزّهْرِيّ بِهَذَا الحديثِ وَبإسْنَادِهِ قال حدثني رَجُلٌ مِنْ مُزَيْنَةَ مِمّنْ كَانَ يَتّبِعُ الْعِلْمَ وَيَعِيهِ يُحدّثُ سَعيدَ بنَ المُسَيّبِ، وَسَاقَ الحديثَ بِمَعْنَاهُ.
3621 - حدثنا مُحمّدُ بنُ المُثَنّى حدثنا عَبْدُ الأعْلَى أخبرنا سَعِيدٌ عن قَتَادَةَ عن عِكْرِمَةَ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ لَهُ - يَعني لابْنِ صُورِيَا: " أُذَكّرُكُمْ بالله الّذِي نَجّاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، وَأَقْطَعَكُمُ الْبَحْرَ، وَظَلّلَ عَلَيْكُم الْغَمَامَ، وَأنْزَلَ عَلَيْكُم المَنّ وَالسّلْوَى، وَأنْزَلَ عَلَيْكُم التّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، أَتَجِدُونَ في كِتَابِكُمْ الرّجْمَ"؟ قالَ: "ذَكّرْتَنِي بِعَظِيمِ وَلاَ يَسَعُنِي أنْ أَكْذِبَكَ" وَسَاقَ الحديثَ.
ـــــــ
"باب الذمي كيف يستحلف"
"أنشدكم بالله" قال في النهاية: نشدتك بالله سألتك وأقسمت عليك، نَشَدهُ نشدة ونشداناً ومناشدة "ما تجدون" ما استفهامية أو نافية بتقدير حرف الاستفهام.
قال المنذري: وأخرجه في الحدود أتم من هذا. والرجل من مزينة مجهول.
"ويعيه" أي يحفظه.
"قال له يعني لابن صوريا" بضم الصاد المهملة وسكون الواو وكسر الراء المهملة ممدوداً. وأصل القصة أن جماعة من اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد فقالوا يا أبا القاسم ما ترى في رجل وامرأة زنيا فقال ائتوني بأعلم رجل منكم فأتوه بابن صوريا "أذكركم" من التذكير "قال" أي ابن صوريا "ذكرتني" بتشديد الكاف المفتوحة "أن أكذبك" بفتح الهمزة وكسر الذال المعجمة يعني فيما ذكرته لي.

(10/39)


.................................................
ـــــــ
والحديث فيه دليل على جواز تغليظ اليمين على أهل الذمة، فيقال لليهودي بمثل ما قال صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، ومن أراد الاختصار قال قل والله الذي أنزل التوراة على موسى كما في الحديث الذي قبله. وإن كان نصرانياً قال والله الذي أنزل الإنجيل على عيسى.
قال المنذري: هذا مرسل.

(10/40)


28- باب الرجل يحلف على حقه
3622 - حدثنا عَبْدُ الْوَهّابِ بنُ نَجْدَةَ وَ مُوسَى بنُ مَرْوَانَ الرّقّيّ قالا أخبرنا بَقِيّةُ بنُ الْوَلِيدِ عن بَحِيرِ بنِ سَعْدٍ عن خَالِدِ بنِ مَعْدَانَ عن سَيْفٍ عن عَوْفِ بنِ مَالِكٍ أنّهُ حَدّثَهُمْ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ فقالَ المَقْضِيّ عَلَيْهِ لَمّا أَدْبَرَ: حَسْبِيَ الله وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فقالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "إنّ الله تَعَالَى يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ وَلَكِنْ عَلَيْكَ بالْكَيْسِ فإذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ حَسْبِيَ الله وَنِعْمَ الْوَكِيلُ" .
ـــــــ
"باب الرجل يحلف على حقه"
أي الرجل يحلف على إثبات حقه ولا يضيع ماله بمجرد دعوى أحد، بل يقيم عليه البينة أو يحلف كما أرشده إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله "وعليك بالكيس" فيدخل فيه جميع التدابير والأسباب والله أعلم
"عن بحير" بكسر المهملة ثقة ثبت من السادسة "قضى بين رجلين" أي حكم لأحدهما على الآخر "لما أدبر" أي حين تولى ورجع من مجلسه الشريف "حسبي الله" أي هو كافي في أموري "ونعم الوكيل" أي الموكول إليه في تفويض الأمور، وقد أشار به إلى أن المدعي أخذ المال منه باطلاً "يلوم على العجز" أي على التقصير والتهاون في الأمور. قاله القاري.
وقال في فتح الودود: أي لا يرضى بالعجز، والمراد بالعجز ها هنا ضد الكيس "ولكن عليك بالكيس" بفتح فسكون أي بالاحتياط والحزم في الأسباب. وحاصله أنه تعالى لا يرضى بالتقصير ولكن يحمد على التيقظ والحزم فلا تكن عاجزاً وتقول حسبي الله، بل كن كيساً متيقظاً حازماً "فإذا غلبك أمر إلخ".
قال في فتح الودود: الكيس هو التيقظ في الأمور والابتداء إلى التدبير والمصلحة بالنظر إلى الأسباب، واستعمال الفكر في العاقبة، يعني كان ينبغي لك أن تتيقظ في معاملتك، فإذا غلبك الخصم قلت حسبي الله، وأما ذكر حسبي الله بلا تيقظ كما فعلت فهو من الضعف فلا

(10/40)


.................................................
ـــــــ
ينبغي انتهى. ولعل المقضي عليه دين فأداه بغير بينة فعاتبه النبي صلى الله عليه وسلم على التقصير في الإشهاد قاله القاري.
قال المنذري: وأخرجه النسائي. وفي إسناده بقية بن الوليد وفيه مقال انتهى. قلت: لم يخرجه النسائي في السنن بل في عمل اليوم والليلة. قال المزي: حديث سيف الشامي ولم ينسب عن عوف بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بين رجلين الحديث أخرجه أبو داوود في القضاء عن عبدالوهاب بن نجدة وموسى بن مروان الرقي والنسائي في عمل اليوم والليلة عن عمرو بن عثمان ثلاثتهم عن بقية بن الوليد عن بحير بن سعد عن خالد بن معدان.

(10/41)


29- باب في الدين هل يحبس به
[باب في الحبس في الدين وغيره]
3623 - حدثنا عَبْدُ الله بنُ مُحمّدٍ النّفَيْلِيّ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ المُبَارَكِ عن وَبْرِ بنِ أبي دُلَيْلَةَ عن مُحمّدِ بنِ مَيْمُونٍ عن عَمْرِو بنِ الشّرِيدِ عن أبِيهِ عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قال: " لَيّ الْوَاجِدِ يُحِلّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ" .
قالَ ابنُ المُبَارَكِ: يُحِلّ عِرْضَهُ يُغَلّظُ لَهُ، وَعُقُوبَتَهُ يُحْبَسُ لَهُ.
ـــــــ
"باب في الدين هل يحبس به"
"ليّ الواجد" بفتح اللام وتشديد التحتية، والواجد بالجيم أي مطل القادر على قضاء دينه يحل" بضم أوله وكسر ثانيه "عرضه وعقوبته" بالنصب فيهما على المفعولية، والمعنى إذا مطل الغني عن قضاء دينه يحل للدائن أن يغلظ القول عليه ويشدد في هتك عرضه وحرمته، وكذا للقاضي التغليظ عليه وحبسه تأديباً له لأنه ظالم والظلم حرام وإن قل والله تعالى أعلم "قال ابن المبارك يحل عرضه" أي قال في تفسير هذا اللفظ "يغلظ" بصيغة المجهول من التغليظ "له" وفي بعض النسخ عليه "وعقوبته" أي قال في تفسير هذا اللفظ "يحبس له" على البناء للمفعول.
قال الخطابي: في الحديث دليل على أن المعسر لاحبس عليه لأنه إنما أباح حبسه إذا كان واجداً، والمعدم غير واجد فلا حبس عليه. وقد اختلف الناس في هذا، فكان شريح يرى حبس الملي والمعدم، وإلى هذا ذهب أصحاب الرأي. وقال مالك: لا حبس على معسر إنما حظه الإنظار. ومذهب الشافعي أن من كان ظاهر حاله العسر فلا يحبس، ومن كان ظاهره اليسار حبس إذا امتنع من أداء الحق انتهى.

(10/41)


3624 - حدثنا مُعَاذُ بنُ أسَدٍ أخبرنا النّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ أخبرنا هِرْمَاسُ بنُ حَبِيبٍ - رَجُلٌ مِنْ أهْلِ الْبَادِيَةِ - عن أبِيهِ عن جَدّهِ قالَ: أَتَيْتُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِغَرِيمٍ لِي فقالَ لِي: "الْزَمْهُ"، ثُمّ قالَ لِي: "يَا أخَا بَنِي تَمِيمٍ مَا تُرِيدُ أنْ تَفْعَلَ بِأَسِيرِكَ" .
ـــــــ
قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه.
"أخبرنا هرماس" بكسر الهاء وسكون الراء المهملة "رجل" بالرفع بدل من هرماس "عن جده" ليس هذا اللفظ في بعض النسخ "بغريم" أي مديون "فقال لي الزمه" بفتح الزاي. فيه دليل على جواز ملازمة من له الدين لمن هو عليه بعد تقرره بحكم الشرع. قال في النيل: وعن أبي حنيفة وأحد وجهي أصحاب الشافعي فقالوا إنه يسير حيث سار ويجلس حيث جلس غير مانع له من الاكتساب ويدخل معه داره. وذهب أحمد إلى أن الغريم إذا طلب ملازمة غريمه حتى يحضر ببينته القريبة أجيب إلى ذلك، لأنه لو لم يمكن من ملازمته ذهب من مجلس الحاكم، وهذا بخلاف البينة البعيدة.
وذهب الجمهور إلى أن الملازمة غير معمول بها بل إذا قال لي بينة غائبة قال الحاكم لك يمينه أو أخره حتى تحضر بينتك، وحملوا الحديث على أن المراد إلزم غريمك بمراقبتك له بالنظر من بعد، ولعل الاعتذار عن الحديث بما فيه من المقال أولى من هذا التأويل المتعسف "ما تريد أن تفعل بأسيرك" وزاد ابن ماجه ثم مر بي آخر النهار فقال ما فعل أسيرك يا أخي بني تميم، وسماه أسيراً باعتبار ما يحصل له من المذلة بالملازمة له وكثرة تذلله عند المطالبة وكأنه يعرض بالشفاعة قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه. ووقع في كتاب ابن ماجه عن أبيه عن جده على الصواب.
وذكره البخاري في تاريخه الكبير عن أبيه عن جده. وقال ابن أبي حاتم هرماس بن حبيب العنبري روى عن أبيه عن جده ولجده صحبة، وذكر أنه سأل أحمد بن حنبل ويحيى بن معين عن الهرماس بن حبيب العنبري فقالا لا نعرفه وقال: سألت أبي عن هرماس بن حبيب فقال هو شيخ أعرابي لم يرو عنه غير النضر بن شميل ولا يعرف أبوه ولا جده. انتهى كلام المنذري.
وقال المزي في الأطراف: حبيب التميمي العنبري والد هرماس بن حبيب عن أبيه أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بغريم لي الحديث أخرجه أبو داوود في القضاء عن معاذ بن أسد عن النضر بن شميل عن هرماس بن حبيب عن أبيه عن جده، وسقط من كتاب الخطيب أي نسخة من أبي داوود عن جده ولا بد منه، وأخرجه ابن ماجه في الأحكام انتهى.

(10/42)


3625 - حدثنا إِبراهِيمُ بنُ مُوسَى الرّازِيّ أنبأنا عَبْدُ الرّزّاقِ عن مَعْمَرٍ عن بَهْزِ بنِ حَكِيمٍ عن أبِيهِ عن جَدّهِ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم حَبَسَ رَجُلاً في تُهْمَةٍ.
3626 - حدثنا مُحمّدُ بنُ قُدَامَةَ وَمُؤَمّلُ بنُ هِشَامٍ قالَ ابنُ قُدَامَةَ حدّثني إِسْمَاعِيلُ عن بَهْزِ بنِ حَكِيمٍ عن أبِيهِ عن جَدّهِ، قال ابنُ قُدَامَةَ إنّ أخَاهُ أوْ عَمّهُ، وقالَ مُؤَمّلٌ: إنّهُ قَامَ إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يخْطُبُ فقالَ: جِيرَانِي بِمَا أخَذُوا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ مَرّتَيْنِ، ثُمّ ذَكَرَ شَيْئاً، فقالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "خَلّوا لَهُ عنْ جِيرَانِهِ" - لَمْ يَذْكُرْ مُؤَمّلٌ: وَهُوَ يَخْطُبُ.
ـــــــ
"حبس رجلاً في تهمة" أي في أداء شهادة بأن كذب فيها أو بأن ادعى عليه رجل ذنباً أو ديناً فحبسه صلى الله عليه وسلم ليعلم صدق الدعوى بالبينة، ثم لما لم يقم البينة خلى عنه قاله القاري.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي حسن، وزاد في حديث الترمذي والنسائي ثم خلى عنه. وجد بهز بن حكيم هو معاوية بن حيدة القشيري وله صحبة، وقد تقدم الكلام على الاختلاف في الاحتجاج بحديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده انتهى.
وفي أسد الغابة: معاوية بن حيدة القشيري من أهل البصرة غزا خراسان ومات بها، وهو جد بهز بن حكيم بن معاوية روى عنه ابنه حكيم بن معاوية. وسئل يحيى بن معين عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده فقال إسناده صحيح إذا كان من دون بهز ثقة انتهى.
"إسماعيل" هو ابن علية "عن بهز بن حكيم" ابن معاوية بن حيدة القشيري "عن أبيه" حكيم "عن جده" معاوية "إن أخاه" أي أخا معاوية "أو عمه" شك من الراوي "وقال مؤمل إنه" أي معاوية "جيراني" جمع جار وهو مفعول مقدم لقوله أخذوا "بما أخذوا" على بناء الفاعل أي بأي وجه أخذ أصحابك جيراني وقومي وحبسوهم، أو قوله بما أخذوا بصيغة المجهول وجيراني مفعول ما لم يسم فاعله "فأعرض" النبي صلى الله عليه وسلم "ثم ذكر" أي معاوية "شيئاً" أي في شأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكره المؤلف تأدباً وهو مذكور في رواية أحمد كما سيجيء "خلوا" أمر من خلى يخلي من التفعيل، يقال خلى عنه أي تركه "له" أي لمعاوية "عن جيرانه" أي اتركوا جيرانه وأخرجوها من الحبس.
وهذا الحديث أخرجه أحمد من عدة طرق، منها عن إسماعيل بن علية أخبرنا بهز بن حكيم عن أبيه عن جده "أن أباه أو عمه قام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال جيراني بم أخذوا، فأعرض عنه ثم قال أخبرني بم أخذوا فأعرض عنه، فقال لئن قلت ذاك إنهم ليزعمون أنك تنهي عن الغي

(10/43)


..................................................
ـــــــ
وتستخلي به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما قال، فقام أخوه أو ابن أخيه فقال يارسول الله إنه قال فقال لقد قلتموها أو قائلكم ولئن كنت أفعل ذلك إنه لعلي وما هو عليكم خلوا له عن جيرانه".
وأخرج من طريق عبدالرزاق حدثنا معمر عن بهز بن حكيم بن معاوية عن أبيه عن جده قال "أخذ النبي صلى الله عليه وسلم ناساً من قومي في تهمة فحبسهم فجاء رجل من قومي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب فقال يامحمد علام تحبس جيراني، فصمت النبي صلى الله عليه وسلم عنه فقال إن ناساً ليقولون إنك تنهي عن الشر وتستخلي به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما يقول قال "فجعلت أعرض بينهما بالكلام مخافة أن يسمعها فيدعو على قومي دعوة لا يفلحون بعدها أبداً، فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم به حتى فهمها فقال قد قالوها أو قائلها منهم والله لو فعلت لكان علي وما كان عليهم، خلوا له عن جيرانه" انتهى. وقوله تستخلي به أي تنفرد به والله أعلم "لم يذكر مؤمل وهو يخطب" أي لم يذكر هذا اللفظ. والحديث سكت عنه المنذري.

(10/44)


30- باب في الوكالة
3627 - حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ سَعْدِ بنِ إِبراهِيمَ أخبرنا عَمّي أخبرنا أبِي عن ابنِ إسْحَاقَ عن أبي نُعَيْمٍ وَهْبِ بنِ كَيْسَانَ عن جَابِرٍ بنِ عبد الله أنّهُ سَمِعَهُ يُحَدّثُ قالَ: أرَدْتُ الْخُرُوجَ إلَى خَيْبَرَ فأَتَيْتُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَسَلّمْتُ عَلَيْهِ وَقُلْتُ لَهُ: إنّي أَرَدْتُ الخُرُوجَ إلَى خَيْبَرَ، فقالَ: "إذَا أتَيْتَ وَكِيلِي فَخُذْ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَسْقاً، فإنِ ابْتَغَى مِنْكَ آيَةً فَضَعْ يَدَكَ عَلَى تَرْقُوَتِهِ" .
ـــــــ
"باب في الوكالة"
بفتح الواو وقد تكسر، وهي في الشرع إقامة الشخص غيره مقام نفسه مطلقاً أو مقيدا
"فإن ابتغى" أي طلب "آية" أي علامة "فضع يدك على ترقوته" بفتح المثناة من فوق وسكون الراء وضم القاف وفتح الواو وهي العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق، وهما ترقوتان من الجانبين كذا في النهاية. وفي اللمعات: مقدم الحلق في أعلى الصدر حيثما يرقى فيه النفس.
وفي الحديث دليل على صحة الوكالة، وفيه أيضاً دليل على استحباب اتخاذ علامة بين الوكيل وموكله لا يطلع عليها غيرهما ليعتمد الوكيل عليها في الدفع، لأنها أسهل من الكتاب، فقد لا يكون أحدهما ممن يحسنها، ولأن الخط يشتبه.
قال المنذري: في إسناده محمد بن إسحاق بن يسار.

(10/44)


31- باب في القضاء
3628 - حدثنا مُسْلِمُ بنُ إِبراهِيمَ حدثنا المُثَنّى بنُ سَعيدٍ عن قَتَادَةَ عن بُشَيْرِ بنِ كَعْبٍ الْعَدَوِيّ عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "إذَا تَدَارَأْتُمْ في طَرِيقٍ فَاجْعَلُوهُ سَبْعَةَ أذْرُعٍ ".
3632 - حدثنا مُسَدّدٌ وَابنُ أبي خَلَفٍ قالا أخبرنا سُفْيَانُ عن الزّهْرِيّ عن الأَعْرَجِ عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذَا اسْتَأْذَنَ أحَدُكُمْ أخَاهُ أنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً في جِدَارِهِ فَلا يَمْنَعْهُ" ، فَنَكَسُوا، فقالَ: "مَالِي أرَاكُمْ قَدْ أَعْرَضْتُمْ لأَلْقِيَنّهَا بَيْنَ أَكْتافِكُمْ".
قالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذَا حَدِيثُ ابنُ أبي خَلَفٍ وَهُوَ أتَمّ.
ـــــــ
"باب في القضاء"
"إذا تدارأتم" أي تنازعتم "فاجعلوه سبعة أذرع" قال في الفتح الذي يظهر أن المراد بالذراع ذراع الآدمي فيعتبر ذلك بالمعتدل، وقيل المراد ذراع البنيان المتعارف انتهى.
قال النووي: وأما قدر الطريق فإن جعل الرجل بعض أرضه المملوكة طريقاً مسبلة للمارين فقدرها إلى خيرته والأفضل توسيعها، وليس هذه الصورة مرادة الحديث، وإن كان الطريق بين أرض لقوم وأرادوا إحياءها فإن اتفقوا على شيء فذاك، وإن اختلفوا في قدره جعل سبع أذرع، وهذا مراد الحديث. أما إذا وجدنا طريقاً مسلوكاً وهو أكثر من سبعة أذرع فلا يجوز لأحد أن يستولي على شيء منه وإن قل، لكن له عمارة ما حواليه من الموت ويملكه بالإحياء بحيث لا يضر المارين انتهى.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي حسن صحيح، وأخرجه الترمذي أيضاً من حديث بشير بن نهيك عن أبي هريرة وقال وهو غير محفوظ، وذكر أن الأول أصح، وأخرجه مسلم من حديث عبد الله بن الحارث ختن محمد بن سيرين انتهى كلام المنذري.
"أن يغرز" بكسر الراء أي يضع "فنكسوا" أي طأطأوا رؤوسهم، والمراد المخاطبون، وهذا قاله أبو هريرة أيام إمارته على المدينة في زمن مروان، فإنه كان يستخلفه فيها قاله في السبل "فقال" أي أبو هريرة "قد أعرضتم" أي عن هذه السنة أو هذه المقالة "لألقينها" أي هذه المقالة "بين أكتافكم" بالتاء جمع كتف.

(10/45)


3630 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعيدٍ أخبرنا اللّيْثُ عن يَحْيَى عن مُحمّدِ بنِ يَحْيَى بنِ حَبّانَ عن لُؤْلُؤَةَ عن أبي صِرْمَةَ، قال أبُو دَاوُدَ قالَ غَيْرُ قُتَيْبَةَ في هَذَا الحدِيثِ عن أبي صِرْمَةَ صَاحِبِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّهُ قالَ: "مَنْ ضَارّ أضَرّ الله بِهِ، وَمَنْ شَاقّ شَاقّ الله عَلَيْهِ" .
3631 - حدثنا سُلَيْمانُ بنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيّ أخبرنا حَمّادٌ أخبرنا وَاصِلٌ مَوْلَى أبي عُيَيْنَةَ قالَ سَمِعْتُ أبَا جَعْفَرٍ مُحمّدُ بنُ عَلِيّ يُحَدّثُ عن سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ أنّهُ كَانَتْ لَهُ عَضُدٌ مِنْ
ـــــــ
قال القسطلاني: أي لأصرخن بالمقالة فيكم ولأوجعنكم بالتقريع بها كما يضرب الإنسان بالشيء بين كتفيه ليستيقظ من غفلته، أو الضمير أي في قوله بها للخشية، والمعنى إن لم تقبلوا هذا الحكم وتعملوا به راضين لأجعلن الخشبة على رقابكم كارهين، وقصد بذلك المبالغة قاله الخطابي. وقال الطيبي: هو كناية عن إلزامهم بالحجة القاطعة على ما ادعاه، أي لا أقول الخشبة ترمى على الجدار بل بين أكتافكم لما وصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبر والإحسان في حق الجار وحمل أثقاله انتهى. قال النووي: اختلفوا في معنى هذا الحديث هل هو على الندب إلى تمكين الجار ووضع الخشب على جدار داره أم على الإيجاب، وفيه قولان للشافعي ولأصحاب مالك أصحهما الندب، وبه قال أبو حنيفة، والثاني الإيجاب وبه قال أحمد وأصحاب الحديث وهو الظاهر لقول أبي هريرة بعد روايته مالي أراكم إلخ انتهى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه.
"من ضار" أي مسلماً كما في رواية، أي من أدخل على مسلم جاراً كان أو غيره مضرة في ماله أو نفسه أو عرضه بغير حق "أضر الله به" أي جازاه من جنس فعله وأدخل عليه المضرة "ومن شاق" أي مسلماً كما في رواية. والمشاقة المنازعة، أي من نازع مسلماً ظلماً وتعدياً "شاق الله عليه" أي أنزل الله عليه المشقة جزاء وفاقاً. والحديث فيه دليل على تحريم الضرار على أي صفة كان، من غير فرق بين الجار وغيره.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي، قال الترمذي حسن غريب. وأبو صرمة هذا له صحبة شهد بدراً واسمه مالك بن قيس ويقال ابن أبي أنيس، ويقال قيس بن مالك وقيل مالك بن أسعد، وقيل لبابة بن قيس أنصاري نجّاري.
"سمعت أبا جعفر محمد بن علي" هو الإمام المعروف بالباقر "أنه كانت له عضد من نخل" بالعين المهملة المفتوحة والضاد المعجمة المضمومة.

(10/46)


نَخْلٍ في حَائِطِ رَجُلٍ مِنَ الأنْصَارِ، قالَ وَمَعَ الرّجُلِ أهْلُهُ، قالَ فَكَانَ سَمُرَةَ يَدْخلُ إلَى نَخْلِهِ فَيَتَأَذّى بِهِ وَيَشُقّ عَلَيْه، فَطَلَبَ إلَيْهِ أنْ يَبِيعَهُ، فأَبَى، فَطَلَبَ إلَيْهِ أنْ يُنَاقِلَهُ، فأَبَى، فَأَتَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ لَهُ، فَطَلَبَ إلَيْهِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَبيعَهُ، فَأَبَى، فَطَلَبَ إِلَيْهِ أنْ يُنَاقِلَهُ، فَأَبَى، قالَ فَهَبْهُ لَهُ وَلَكَ كَذَا وكَذَا أمْراً رَغّبَهُ فِيِهِ، فأَبَى، فقالَ: أنْتَ مُضَارّ، فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لِلأنْصَارَيّ: "اذْهَبْ فَاقْلَعْ نَخْلَهُ" .
3632 - حدثنا أبُو الْوَلِيدِ الطّيَالِسِيّ أخبرنا اللّيْثُ عن الزّهْرِيّ عن عُرْوَةَ: أنّ عبد الله
ـــــــ
قال الخطابي: عَضُد هكذا في رواية أبي داوود وإنما هو عَضيْد يريد نخلاً لم تسبق ولم تطل. قال الأصمعي: إذا صار للنخلة جذع يتناول منه المتناول فتلك النخلة العَضِيدة وجمعه عضيدات. وفيه من العلم أنه أمر بإزالة الضرر عنه وليس في هذا الخبر أنه قلع نخله ويشبه أن يكون أنه إنما قال ذلك ليردعه عن الإضرار انتهى كلام الخطابي.
وقال السندي: عضد من نخل أراد به طريقة من النخل، ورُدّ بأنه لو كان له نخل كثيرة لم يأمر الأنصاري بقطعها لدخول الضرر عليه أكثر مما يدخل على الأنصاري من دخوله. وأيضاً إفراد ضمير يناقله يدل على كونه واحداً، فالوجه ما قيل الصحيح عضيد وهي نخلة يتناول منها باليد انتهى. وفي النهاية: أراد طريقة من النخل، وقيل إنما هو عَضِيْد من نخل، وإذا صار للنخلة جذع يُتناول نه فهو عضيد انتهى. وقال في المجمع: قالوا للطريقة من النخل عضيد لأنها قشاطرة في جهة، وقيل إفراد الضمائر يدل على أنه فرد نخل، وأيضا لو كانت طريقة من النخل لم يأمره لكثرة الضرر، واعتذر بإن أفرادها لإفراد اللفظ انتهى.
وفي القاموس: العضد والعضيدة الطريقة من النخل، وفيه والطريقة النخلة الطويلة "فيتأذى" أي الرجل "فطلب إليه" الضمير المرفوع للرجل والمجرور لسمرة "أن يناقله" أي يبادله بنخيل من موضع آخر "ولك كذا وكذا" أي من الأجر "أمراً رغبة فيه" وفي بعض النسخ أمر بالرفع. قال في المجمع: أي قوله فهبه له أمر على سبيل الترغيب والشفاعة وهو نصب على الاختصاص أو حال أي قال آمراً مرغباً فيه انتهى "أنت مضار" أي تريد إضرار الناس، ومن يرد إضرار الناس جاز دفع ضرره، ودفع ضررك أي تقطع شجرك، كذا في فتح الودود.
قال المنذري: في سماع الباقر من سمرة بن جندب نظر، فقد نقل من مولده ووفاة سمرة ما يتعذر معه سماعاً منه، وقيل فيه ما يمكن معه السماع منه والله عز وجل أعلم.

(10/47)


ابنَ الزّبَيْرَ حَدّثَهُ أنّ رَجُلاً خَاصَمَ الزّبَيْرِ في شِرَاجِ الْحَرّةِ الّتي يَسْقُونَ بِهَا، فقالَ الأنْصَارِيّ: سَرّحِ الْماءَ يَمُرّ، فأَبَى عَلَيْهِ الزّبَيْرُ، فقالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لِلزّبَيْرِ: "اسْقِ يَازُبَيْرُ ثُمّ أرْسِلْ إلَى جَارِكَ". قالَ: فَغَضِبَ الأنْصَارِيّ فقالَ: يَارَسُولَ الله أن كَانَ ابنَ عَمّتِكَ، فَتَلَوّنَ وَجْهُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ثُمّ قال: "اسْقِ ثُمّ احْبِسِ الْمَاءَ حَتّى يَرْجِعَ إلَى الْجَدْرِ" ، فقالَ الزّبَيْرُ: فَوَالله إنّي لأحْسَبُ هَذِهِ الآية نَزَلَتْ في ذَلِكَ {فَلاَ وَرَبّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكّمُوكَ} الآية.
3633 - حدثنا مُحمّدُ بنُ الْعَلاَءِ أخبرنا أبُو أُسَامَةَ عن الْوَلِيدِ - يَعني ابنَ كَثِيرٍ - عن أبي مَالِكِ بنِ ثَعْلَبَةَ عن أبِيهِ ثَعْلَبَةَ بنِ أبي مَالِكٍ: أنّهُ سَمِعَ كُبَرَاءَهُمْ يَذْكُرُونَ أنّ رَجُلاً مِنْ قُرَيْشٍ كَانَ لَهُ سَهْمٌ في بَنِي قُرَيْظَةَ فَخَاصَمَ إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في مَهْزُورٍ يَعني
ـــــــ
"أن رجلاً" أي من الأنصار واسمه ثعلبة بن حاطب، وقيل حميد، وقيل إنه ثابت بن قيس بن شماس "في شراج" بكسر الشين المعجمة وبالجيم مسايل المياه أحدها شرجة. قاله النووي "الحرة" بفتح الحاء المهملة والراء المشددة هي أرض ذات حجارة سود. وقال القسطلاني: موضع بالمدينة "سرح الماء" أي أرسله "إلى جارك" أي الأنصاري "أن كان ابن عمتك" بفتح الهمزة أي حكمت بهذا لكون الزبير ابن عمتك، ولهذا المقال نسب الرجل إلى النفاق. وقال القرطبي: يحتمل أنه لم يكن منافقاً بل صدر منه ذلك عن غير قصد كما اتقف لحاطب بن أبي بلتعة ومسطح وحمنة وغيرهم ممن بدره لسانه بدرة شيطانية "فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي تغير من الغضب لانتهاك حرمة النبوة "إلى الجدار" بفتح الجيم وسكون الدال المهملة وهو الجدار، والمراد به أصل الحائط، وقيل أصول الشجر والصحيح الأول. وفي الفتح أن المراد به هنا المسناة وهي ما وضع بين شريات النخل كالجدار، كذا في النيل. وما أمر صلى الله عليه وسلم الزبير أولاً إلا بالمسامحة وحسن الجوار بترك بعض حقه، فلما رأى الأنصاري يجهل موضع حقه أمره باستيفاء تمام حقه. وقد بوب الإمام البخاري على هذا الحديث باب إذا أشار الإمام بالصلح فأبى حكم عليه بالحكم البين.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي حسن، وأخرجه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن الزبير عن أبيه، وأخرجه البخاري والنسائي من حديث عروة بن الزبير عن أبيه.
"في مهزور" بفتح الميم وسكون الهاء بعدها زاي مضمومة ثم واو ساكنة ثم راء وهو

(10/48)


السّيْلَ الّذِي يَقْتَسِمُونَ مَاءَهُ - فَقَضَى بَيْنَهُمْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أنّ الْمَاء إلَى الْكَعْبَيْنِ لاَ يَحْبِسَ الأعْلَى عَلَى الأسْفَلِ.
3634 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ عَبْدَةَ أخبرنا المُغِيرَةُ بنُ عبد الرحمن قال حدّثني أبي عبد الرحمن بنُ الْحَارِثِ عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبِيهِ عن جَدّهِ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَضَى في السّيْلِ المَهْزُورِ أنْ يُمْسِكَ حَتّى يَبْلغَ الْكَعْبَيْنِ ثُمّ يُرْسِلَ الأعْلَى الأَسْفَلِ.
ـــــــ
وادي بني قريظة بالحجاز. قال البكري في المعجم: هو واد من أودية المدينة وقيل موضع سوق المدينة. وقال ابن الأثير والمنذري: أما مهروز بتقديم الراء على الزاي فموضع سوق المدينة. قاله في النيل "أن الماء إلى الكعبين" أي كعبي رجل الإنسان الكائنين عند مفصل الساق والقدم "لا يحبس الأعلى على الأسفل" المراد من الأعلى من يكون مبدأ الماء من ناحيته والمعنى لا يمسك الأعلى الماء على الأسفل بل يرسله بعد ما يمسكه إلى الكعبين.
والحديث سكت عنه المنذري.
"عبدالرحمَن بن الحارث" بدل من أبي "قضى في السيل المهزور" كذا في جميع النسخ الحاضرة بلام التعريف فيهما. قال في المرقاة. قال التوربشتي رحمه الله: هذا اللفظ وجدناه مصروفاً عن وجهه، ففي بعض النسخ في السيل المهزور وهو الأكثر، وفي بعضها في سيل المهزور بالإضافة وكلاهما خطأ وصوابه بغير ألف ولام فيهما بصيغة الإضافة إلى علم. وقال القاضي: لما كان المهزور علماً منقولاً من صفة مشتقة من هزره إذا عمضه جاز إدخال اللام في تارة وتجريده أخرى انتهى. وحاصله أن ال فيه للمح الأصل وهو الصفة، ومع هذا كان الظاهر في سيل المهزور فكان مهزور بدلاً من السيل بحذف مضاف أي سيل مهزور انتهى "أن يمسك" بصيغة المجهول أي الماء في أرضه "حتى يبلغ" أي الماء. في هذا الحديث والذي قبله أن الأعلى تستحق أرضه الشرب بالسيل والغيل وماء البئر قبل الأرض التي تحتها وأن الأعلى يمسك الماء حتى يبلغ إلى الكعبين قال ابن التين: الجمهور على أن الحكم أن يمسك إلى الكعبين، وخصه ابن كنانة بالنخل والشجر، قال وأما الزرع فإلى الشراك. وقال الطبري: الأراضي مختلفة فيمسك لكل أرض ما يكفيها، كذا في النيل. وأخرج أبو نعيم عن ثعلبة بن أبي مالك عن أبيه قال "اختصم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في واد يقال له مهزور وكان الوادي فينا وكان يستأثر بعضهم على بعض، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بلغ الماء كعبين أن لا يحبس الأعلى على الأسفل".

(10/49)


3635 - حدثنا مَحْمُودُ بنُ خَالِدٍ أنّ مُحمّدَ بنَ عُثْمانَ حَدّثَهُمْ قال أخبرنا عبد العزيز بنُ مُحمّدٍ عن أبي طُوَالَةَ وَ عَمْرِو بنِ يَحْيَى عن أبِيهِ عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قالَ: اخْتَصَمَ إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم رَجُلاَنِ في حَرِيمِ نَخْلَةٍ في حَدِيثِ أحَدِهِمَا، فَأَمَرَ بِهَا فَذُرِعَتْ فَوُجِدَتْ سَبْعَةَ أذْرُعٍ، وفي حَدِيثِ الآخر: فَوُجِدَتْ خَمْسَةَ أذْرُعٍ، فَقَضَى
ـــــــ
وأخرج أيضاً عن صفوان بن سليم عن ثعلبة بن أبي مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في مشارب النخل بالسيل الأعلى على الأسفل حتى يشرب الأعلى ويروي الماء إلى الكعبين ثم يسرح الماء إلى الأسفل وكذلك حتى تنقضي الحوائط أو يفنى الماء. كذا في كنز العمال.
قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه والراوي عن عمرو بن شعيب عبد الرحمن بن الحارث المخزومي المدني تكلم فيه الإمام أحمد.
-"حدثهم" أي محمود بن خالد وغيره "أخبرنا عبد العزيز بن محمد" الدراوردي "عن أبي طوالة" بضم الطاء المهلمة وتخفيف الواو هو عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر الأنصاري المدني قاضي المدينة لعمر بن عبد العزيز "وعمرو بن يحيى" بن عمارة المازني المدني "عن أبيه" يحيى بن عمارة المازني، فأبو طوالة وعمرو بن يحيى كلاهما يرويان عن يحيى بن عمارة "في حريم نخلة" أي في أرض حول النخلة قريباً منها. قاله ابن الأثير في جامع الأصول.
قال أصحاب اللغة: الحريم هو كل موضع تلزم حمايته، وحريم البئر وغيرها ما حولها من حقوقها ومرافقها، وحريم الدار ما أضيف إليها. وكان من حقوقها "في حديث أحدهما" أي أبي طوالة أو عمرو بن يحيى "فأمر" النبي صلى الله عليه وسلم "بها" أي بالنخلة، يشبه أي يكون المعنى أن يذرع طول النخلة وقامتها بالذراع والساعد، وسيجيء تفسير عبد العزيز الراوي لهذا اللفظ "فذرعت" بصيغة المجهول أي تلك النخلة يعني قامتها "فوجدت" قامتها "سبعة أذرع" أي من ذراع الإنسان "فقضى" النبي صلى الله عليه وسلم "بذلك" أي بأن يكون حريم شجر النخلة على قدر قامتها فإن كانت النخلة سبعة أذرع يكون حريمها أي ما حواليها سبعة أذرع وإن كانت أكثر من سبعة أذرع يكون حريمها مثلها. وإن كانت أقل من سبعة أذرع يكون حريمها مثله في القلة، فلا يجوز لأحد أن يستولي على شيء من حريمها وإن قل، ولكن له عمارة أو غيرها بعد حريمها، وكذلك الحكم لكل شجر من الأشجار، فيكون حريمه بقدر قامته.
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند وأبو عوانة والطبراني في الكبير عن عبادة بن الصامت قال "قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرحبة يكون من الطريق ثم يريد أهلها البنيان فيها فقضى أن يترك للطريق منها سبعة أذرع وقضى في النخل أو النخلتين أو الثلاث يختلفون في

(10/50)


بِذَلِكَ. قال عبْدُ الْعَزِيزِ: فَأَمَرَ بِجَرِيدَةٍ مِنْ جَرِيدِهَا فَذُرِعَتْ.
آخر كتاب الأقضية
ـــــــ
حقوق ذلك، فقضى أن لكل نخلة من أولئك مبلغ جريدها حريم لها وقضى في شرب النخل من السيل أن الأعلى يشرب قبل الأسفل، ويترك الماء إلى الكعبين ثم يرسل الماء إلى الأسفل الذي يليه، فكذلك حتى تنقضي الحوائط أو يفنى الماء" الحديث بطوله. وعند ابن ماجه من حديثه بلفظ "حريم النخل مد جريدها" كذا في كنز العمال.
قلت: والجمع بينهما بتعدد الواقعة وأن حريم النخل فيه قضيتان أو حديث عبادة مفسر لحديث أبي سعيد "قال عبدالعزيز" راوي الحديث مفسراً لقوله صلى الله عليه وسلم فأمر بها فذرعت "فأمر" النبي صلى الله عليه وسلم "بجريدة" واحدة الجريد فعيلة بمعنى مفعولة وإنما تسمى جريدة إذا جرد عنها خوصها أي ورق النخل "من جريدها" أي من جريد النخلة. والجريد أغصان النخل إذا زال منها الخوص أي ورقها. والسعف أغصان النخل ما دامت بالخوص. والغصن بالضم ما تشعب عن ساق الشجر دقاقها وغلاظها وجمعه غصون وأغصان.
والمعنى أي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بغصن من أغصان النخلة أن يجعل بقدر الذراع ويذرع به النخلة "فذرعت" النخلة أي قامتها بهذا الغصن. والله أعلم. والحديث سكت عنه المنذري.

(10/51)