Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

عون المعبود شرح سنن أبي داود

بسم الله الرحمن الرحيم
أول كتاب الأشربة
1- باب تحريم الخمر
3664 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا إِسْمَاعِيلُ بنُ إِبراهِيمَ أخبرنا أبُو حَيّانَ قالَ حدّثني الشّعْبِيّ عن ابنِ عُمَرَ عن عُمَرَ قالَ: نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ يَوْمَ نَزَلَ وَهِيَ مِنْ خَمْسَةِ أشْيَاء: مِنَ الْعِنَبِ وَالتّمْرِ وَالَعَسَلِ وَالحِنْطَةِ وَالشّعِيرِ وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ،
ـــــــ
"أول كتاب الأشربة"
"باب تحريم الخمر"
"قال نزل تحريم الخمر" أي في قوله تعالى في آية المائدة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} الآية.
وفي رواية البخاري "خطب عمر على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إنه قد نزل" إلخ "وهي من خمسة أشياء" أي الخمر.
وفي القاموس: قد يذكر والجملة حالية أي نزل تحريم الخمر في حال كونها تصنع من خسمة أشياء "والخمر ما خامر العقل" أي غطاه أو خالطه فلم يتركه على حاله، وهو من مجاز التشبيه. والعقل هو آلة التمييز، فلذلك حرم ما غطاه أو غيره لأن بذلك يزول الإدراك الذي طلبه الله من عباده ليقوموا بحقوقه.
قال الكرماني: هذا تعريف بحسب اللغة، وأما بحسب العرف فهو ما يخامر العقل من عصير العنب خاصة.
قال الحافظ: وفيه نظر لأن عمر ليس في مقام تعريف اللغة بل هو في مقام تعريف الحكم الشرعي، فكأنه قال الخمر الذي وقع تحريمه على لسان الشرع هو ما خامر العقل، ولو سلم أن الخمر في اللغة يختص بالمتخذ من العنب فالاعتبار بالحقيقة الشرعية.

(10/75)


وَثَلاَثٌ وَدِدْتُ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُفَارِقْنَا حَتّى يَعْهَدَ فِيهِنّ عَهْداً أنْتَهِي إلَيْهِ: الْجَدّ، وَالْكَلاَلَةُ، وَأبْوَابٌ مِنْ أبْوَابِ الرّبَا".
3665 - حدثنا عَبّادُ بنُ مُوسَى الْخُتّلِيّ قالَ أخبرنا [أنبأنا] إِسْمَاعِيلُ - يَعني ابنَ جَعْفَرٍ - عن إسْرَائِيلَ عن أبي إسْحَاقَ عن عَمْرٍو عن عُمَرَ بنِ الْخَطّابِ قالَ: "لَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ قالَ عُمَرُ: اللّهُمّ بَيّنْ لَنَا في الْخَمْرِ بَيَانَاً شِفَاءً، فَنَزَلَتْ الآية الّتي في الْبَقَرَةِ: {يَسْأَلُونَكَ عن الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إثْمٌ كَبِيرٌ} الآية، فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، قالَ: اللّهُمّ بَيّنْ لَنَا في الْخَمْرِ بَيَاناً شِفَاءً، فَنَزَلَتْ الآية الّتي في النّسَاءِ {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} فَكَانَ مُنَادِي رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم إذَا أُقِيمَتِ الصّلاَةُ يُنَادِي: ألاَ لا يَقْرَبَنّ الصّلاَةَ سَكْرَانٌ. فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فقالَ: اللّهُمّ بَيّنْ لَنَا في الخَمْرِ بَيَاناً شِفاءً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآية {فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ} قالَ عُمَرُ: انْتَهَيْنَا".
ـــــــ
وقد تواردت الأحاديث على أن المسكر من المتخذ من غير العنب يسمى خمراً، والحقيقة الشرعية مقدمة على اللغوية "وثلاث" أي ثلاث من المسائل "وددت" بكسر المهملة الأولى وسكون الثانية أي تمنيت "لم يفارقنا" أي من الدنيا "حتى يعهد إلينا فيهن عهداً ننتهي إليه" أي يبين لنا فيهن بياناً ننتهي إليه، والضمير المجرور في فيهن لثلاث "الجد" أي هل يحجب الأخ أو يحجب به أو يقاسمه، فاختلفوا فيه اختلافاً كثيراً "والكلالة" بفتح الكاف واللام المخففة من لا ولد له ولا والد له أو بنو العم الأباعد أو غير ذلك "وأبواب من أبواب الربا" أي ربا الفضل لأن ربا النسيئة متفق عليه بين الصحابة ورفع الجد وتالييه بتقدير مبتدأ أي هي الجد.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.
"عباد بن موسى الختلي" بضم المعجمة وفتح المثناة الشديدة منسوب إلى ختل كورة خلف جيحون قاله السيوطي "بياناً شفاء" وفي بعض النسخ شافياً {يَسْأَلُونَكَ عن الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إثْمٌ كَبِيرٌ} أي القمار أي ما حكمهما {قُلْ فِيهِمَا} أي في تعاطيهما {إِثْمٌ كَبِير} أي عظيم لما يحصل بسببهما من المخاصمة والمشاتمة وقول الفحش "فدعى" على البناء للمجهول "فقرئت" أي الآية المذكورة {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ} أي لا تصلوا {وَأَنْتُمْ سُكَارَى} جملة حالية "فنزلت هذه الآية": {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} وفي رواية النسائي فنزلت الآية التي في المائدة، فدعى عمر فقرئت عليه، فلما بلغ فهل أنتم منتهون "قال عمر انتهينا" أي عن إتيانهما أو عن طلب البيان الشافي

(10/76)


3666 - حدثنا مُسَدّدٌ قالَ أخبرنا يَحْيَى عن سُفْيَانَ قالَ أخبرنا عَطَاءُ بنُ السّائِبِ عن أبي عبد الرحمن السّلَمِيّ عن عَلِيّ بنِ أبي طَالِبٍ: أنّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ دَعَاهُ وَعَبْدَ الرّحْمَنِ بنَ عَوْفٍ فَسَقَاهُمَا قَبْلَ أنْ تُحَرّمَ الْخَمْرُ، فأَمّهُمْ عَلِيّ في المَغْرِبِ وَقَرَأَ {قُلْ يَأَيّهَا الْكَافِرُونَ} فَخَلَطَ فِيهَا، فَنَزَلَتْ {لا تَقْرَبُوا الصّلاَةَ وَأنْتُمْ سُكَارَى حَتّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} .
ـــــــ
قال الطيبي: فنزلت هذه الآية يعني قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} الآيتين، وفيهما دلائل سبعة على تحريم الخمر
أحدها قوله: {رِجْسٌ} والرجس هو النجس وكل نجس حرام.
والثاني قوله: {مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} وما هو من عمله حرام.
والثالث قوله: {فَاجْتَنِبُوهُ} وما أمر الله تعالى باجتنابه فهو حرام.
والرابع قوله: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} وما علق رجاء الفلاح باجتنابه، فالإتيان به حرام.
والخامس قوله: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ } وما هو سبب وقوع العداوة والبغضاء بين المسلمين فهو حرام.
والسادس {وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ} وما يصد به الشيطان عن ذكر الله وعن الصلاة فهو حرام.
والسابع قوله {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} معناه انتهوا، وما أمر الله عباده بالانتهاء عنه فالإتيان به حرام انتهى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي، وذكر الترمذي أنه مرسل أصح.
-"دعاه وعبدالرحمَن" بالنصب أي دعا علياً وعبدالرحمَن "فسقاهما" أي الخمر "فخلط" أي قالتبس عليه، ولفظ الترمذي وحضرت الصلاة فقدموني فقرأت {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} ونحن نعبد ما تعبدون انتهى "فيها" أي في السورة {حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} بأن تصحوا. وفي الحديث أن المصلي بهم هو علي بن أبي طالب.
وأخرجه الحاكم عن علي رضي الله عنه بلفظ "دعانا رجل من الأنصار قبل تحريم الخمر فحضرت صلاة المغرب فتقدم رجل فقرأ" الحديث ثم قال صحيح. قال وفي هذا الحديث فائدة كبيرة وهي أن الخوارج تنسب هذا السكر وهذه القراءة إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب دون غيره، وقد برأه الله منها فإنه راوي الحديث. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وقال

(10/77)


3667 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ مُحمّدٍ المَرْوَزِيّ قالَ أخبرنا عَلِيّ بنُ حُسَيْنٍ عن أبِيهِ عن يَزِيدَ النّحْوِيّ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصّلاَةَ وَأنْتُمْ سُكَارَى} {وَيَسْأَلُونَكَ عن الْخَمرِ وَالمَيْسِرِ قُلْ فيهِمَا إثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنّاسِ} نَسَخَتْهُمَا [نسختْها] الّتِي في الْمَائِدَةِ {إنّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ} الآية.
ـــــــ
الترمذي حسن غريب صحيح هذا آخر كلامه، وفي إسناده عطاء بن السائب لا يعرف إلا من حديثه. وقد قال يحيى بن معين: لا يحتج بحديثه، وفرق مرة بين حديثه القديم وحديثه الحديث، ووافقه على التفرقة الإمام أحمد.
وقال أبو بكر البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروي عن علي رضي الله تعالى عنه متصل الإسناد إلا من حديث عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن يعني السلمي وإنما كان ذلك قبل أن يحرم الخمر فحرمت من أجل ذلك. هذا آخر كلامه. وقد اختلف في إسناده ومتنه، فأما الاختلاف في إسناده فرواه سفيان الثوري وأبو جعفر الرازي عن عطاء بن السائب فأرسلوه، وأما الاختلاف في متنه ففي كتاب أبي داوود والترمذي ما قدمناه، وفي كتاب النسائي وأبو جعفر النحاس أن المصلي بهم عبد الرحمن بن عوف، وفي كتاب أبي بكر البزار أمروا رجلاً فصلى بهم ولم يسمّه، وفي حديث غيره فتقدم بعض القوم. انتهى كلام المنذري.
{يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصّلاَةَ وَأنْتُمْ سُكَارَى} جمع سكران وتمام الآية {حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} وهذه الآية في النساء.
وأخرج ابن جرير الطبري عن ابن عباس أن رجالاً كانوا يأتون الصلاة وهم سكارى قبل أن تحرم الخمر فقال الله عز وجل {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا} الآية {وَيَسْأَلُونَكَ عن الْخَمرِ وَالمَيْسِرِ قُلْ فيهِمَا} أي في الخمر والميسر { إثْمٌ كَبِيرٌ} أي وزر عظيم، وقيل إن الخمر عدو للعقل فإذا غلبت على عقل الإنسان ارتكب كل قبيح ففي ذلك آثام كبيرة، منها إقدامه على شرب المحرم، ومنها فعل ما لا يحل فعله.
وأما الإثم الكبير في الميسر فهو أكل المال الحرام بالباطل، وما يجري بينهما من الشتم والمخاصمة والمعاداة، وكل ذلك فيه آثام كثيرة {وَمَنَافِعُ لِلنّاسِ} يعني أنهم كانوا يربحون في بيع الخمر قبل تحريمها.
وهذه الآية في البقرة وتمامها مع تفسيرها هكذا {وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} يعني إثمهما

(10/78)


............................
ـــــــ
بعد التحريم أكبر من نفعهما قبل التحريم، وقيل إنهما قوله تعالى {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ} الآية، فهذه ذنوب يترتب عليها آثام كبيرة بسبب الخمر والميسر "نسختهما" أي الآية الأولى، وهي {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصّلاَةَ وَأنْتُمْ سُكَارَى} والأية الثانية وهي {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} الآية "التي في المائدة" {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا} {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ} الآية" الميسر القمار، والأنصاب الأصنام وهي الحجارة التي كانوا ينصبونها للعبادة ويذبحون عندها. وتمام الآيتين مع تفسيرهما هكذا {وَالْأَزْلامُ} هي القداح التي كانوا يستقسمون بها {رِجْسٌ} نجس أو خبيث مستقدر {مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} لأنه يحمل عليه فكأنه عمله {فَاجْتَنِبُوهُ} أي الرجس لأنه اسم جامع للكل كأن ه قال إن هذه الأربعة الأشياء كلها رجس فاجتنبوه {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} يعني لكي تدركوا الفلاح إذا اجتنبتم هذه المحرمات التي هي رجس {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} يعني إنما يزين لكم الشيطان شرب الخمر والقمار وهو الميسر، ويحسن ذلك لكم إرادة أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء بسبب شرب الخمر، لأنها تزيل عقل شاربها فيتكلم بالفحش، وربما أفضى ذلك إلى المقاتلة وذلك سبب إيقاع العداوة والبغضاء بين شاربيها.
وقال قتادة: كان الرجل في الجاهلية يقامر على أهله وماله، فيقمر فيقعد حزيناً سليباً ينظر إلى ماله في يد غيره فيورثه ذلك العداوة والبغضاء، فنهى الله عن ذلك {وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ} لأن شرب الخمر يشغل عن ذكر الله وعن فعل الصلاة، وكذلك القمار يشغل صاحبه عن ذكر الله وعن الصلاة {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} لفظة استفهام ومعناه الأمر أي انتهوا وهذا من أبلغ ما ينهى به، لأنه تعالى ذم الخمر والميسر وأظهر قبحهما للمخاطب كأنه قيل قد تلي عليكم ما فيهما من أنواع الصوارف والموانع فهل أنتم منتهون مع هذه الأمور أم أنتم على ما كنتم عليه كأنكم لم توعظوا ولم تنزجروا.
وفي هذه الآية دليل على تحريم شرب الخمر لأن الله تعالى قرن الخمر والميسر بعبادة الأصنام وعدد أنواع المفاسد الحاصلة بهما، ووعد بالفلاح عند اجتنابهما وقال {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} كذا في تفسير العلامة الخازن. ووجه النسخ أن الآية التي في المائدة فيها الأمر بمطلق الاجتناب وهو يستلزم أن لا ينتفع بشيء من الخمر في حال من حالاته في وقت الصلاة وغير وقت الصلاة وفي حال السكر وحال عدم السكر وجميع المنافع في العين والثمن.
وأخرج أبو داوود الطيالسي والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر قال "نزل في الخمر ثلاث آيات" فأول شيء نزل {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} الآية فقيل حرمت الخمر، فقالوا

(10/79)


3668 - حدثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ أخبرنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عن ثَابِتٍ عن أنَسٍ قال: كُنْتُ سَاقِيَ الْقَوْمِ حَيْثُ حُرّمَتِ الْخَمْرُ في مَنْزِلِ أبي طَلْحَةَ وَمَا شَرَابُنَا يَوْمَئِذٍ إلاّ الْفَضِيخُ. فَدَخَلَ عَلَيْنَا رَجُلٌ فقال: إنّ الخَمَرَ قَدْ حُرّمَتْ، وَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَقُلْنَا: هَذَا مُنَادِي رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
يارسول الله دعنا ننتفع بها كما قال الله فسكت عنهم، ثم نزلت هذه الآية {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} فقيل حرمت الخمر فقالوا يارسول الله لا نشربها قرب الصلاة فسكت عنهم، ثم نزلت {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حرمت الخمر. وأخرج أحمد في مسنده عن أبي هريرة قال: "حرمت الخمر ثلاث مرات" قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهما، فأنزل الله {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} الآية، فقال الناس ما حرم علينا قال إثم كبير، وكانوا يشربون الخمر حتى كان يوم من الأيام صلى رجل من المهاجرين أمّ أصحابه في المغرب خلط في قراءته فأنزل الله أغلظ منها {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} وكان الناس يشربون حتى يأتي أحدهم الصلاة وهو مغتبق، ثم نزلت آية أغلظ من ذلك {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ- إلى قوله: -فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} قالوا انتهينا ربنا" الحديث.
قال المنذري: والحديث في إسناده علي بن الحسين بن واقد، وفيه مقال انتهى.
"وما شرابنا يومئذ إلا الفضيخ" بفتح فاء وكسر ضاد معجمة على وزن عظيم شراب يتخذ من البسر المفضوخ أي المكسور ومراد أنس أن الفضيخ هو محل الآية، فتناول الآية له أولى. كذا في فتح الودود. والحديث سكت عنه المنذري.

(10/80)


2- باب العصير للخمر
[باب في العنب يعصر للخمر]
3669 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ قال أخبرنا وَكِيعُ بنُ الْجَرّاحِ عن عبد العزيز بنِ عُمَرَ عن أبي عَلْقَمَةَ مَوْلاَهُمْ وَ عبد الرحمن بنِ عبد الله الْغَافِقيّ أنّهُمَا
ـــــــ
"باب العصير للخمر"
أي لاتخاذ الخمر.
"عن أبي علقمة" قال المزي في الأطراف: هكذا قال أبو علي اللؤلؤي وحده عن أبي داوود أبو علقمة. وقال أبو الحسن بن العبد وغير واحد عن أبي داوود أبو طعمة وهو الصواب.

(10/80)


سَمِعَا ابنَ عُمَرَ يَقُولُ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَعَنَ الله الْخَمْرَ وَشَارِبَهَا وَسَاقِيَهَا وَبَائِعَهَا وَمُبْتَاعَهَا وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَحَامِلَهَا وَالمَحْمُولَةَ إلَيْهِ" .
ـــــــ
وكذلك رواه أحمد بن حنبل وغيره عن وكيع انتهى. وسيجيء كلام المنذري فيه "الغافقي" منسوب إلى غافق حسن بالأندلس قاله السيوطي "لعن الله الخمر" أي ذاتها لأنها أم الخبائث مبالغة في التنفر عنها. ويحتمل أن يكون المراد أكل ثمنها "ومبتاعها" أي مشتريها "وعاصرها" وهو من يعصرها بنفسه لنفسه أو لغيره "ومعتصرها" أي من يطلب عصرها لنفسه أو لغيره "والمحمولة إليه" أي من يطلب أن يحملها أحد إليه.
قال المنذري وأخرجه ابن ماجه إلا أنه قال وأبي طعمة مولاهم وعبدالرحمَن الغافقي هذا سئل عنه يحيى بن معين فقال لا أعرفه، وذكره ابن يونس في تاريخه وقال إنه روى عن ابن عمر روى عنه عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز بن عياض وأنه كان أمير الأندلس قتلته الروم بالأندلس سنة خمس عشرة ومائة. وأبو علقمة مولى ابن عباس، ذكر ابن يونس أنه روى عن ابن عمر وغيره من الصحابة وأنه كان على قضاء إفريقية، وكان أحد فقهاء الموالي، وأبو طعمة هذا مولى عمر بن عبد العزيز سمع من عبد الله من عبد الله بن عمر، رماه مكحول الهذلي بالكذب انتهى.

(10/81)


3- باب ما جاء في الخمر تخلل
3670 - حدثنا زُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ قال أخبرنا وَكِيعٌ عن سُفْيَانَ عن السّدّيّ عن أبي هُبَيْرَةَ عن أنَسِ ابنِ مَالِكٍ: أنّ طَلْحَةَ سَأَلَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عنْ أيْتَامٍ وُرّثُوا خَمْراً، قال: "أهْرِقْهَا"، قال: أفَلاَ أجْعَلُهَا خَلاّ، قال: "لاَ" .
ـــــــ
"باب ما جاء في الخمر تخلل"
"أهرقها" بسكون القاف وكسر الراء أي صبها، والهاء بدل من الهمزة والأصل أرقها وقد تستعمل هذه الكلمة بالهمزة والهاء معاً كما وقع هنا وهو نادر. وفيه دليل على أن الخمر لاتملك ولا تحبس بل تجب إراقتها في الحال ولا يجوز لأحد الانتفاع بها إلا بالإراقة "قال لا".
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وقد أخرج البخاري ومسلم في الصحيحين عن أنس قال إن الخمر حرمت والخمر يومئذ البسر والتمر.

(10/81)


............................
ـــــــ
قال الخطابي: في هذا بيان واضح أن معالجة الخمر حتى تصير خلا غير جائز ولو كان إلى ذلك سبيل لكان مال اليتيم أولى الأموال به لما يجب من حفظه وتثميره والحيطة عليه، وقد كان نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال، فعلم بذلك أن معالجته لا تطهره ولا ترده إلى المالية بحال انتهى.
وقال في النيل: فيه دليل للجمهور على أنه لا يجوز تخليل الخمر ولا تطهر بالتخليل هذا إذا خللها بوضع شيء فيها، أما إذا كان التخليل بالنقل من الشمس إلى الظل أو نحو ذلك فأصح وجه عن الشافعية أنها تحل وتطهر. وقال الأوزاعي وأبو حنيفة: تطهر إذا خللت بإلقاء شيء فيها. وعن مالك ثلاث روايات أصحها أن التخليل حرام، فلو خللها عصى وطهرت انتهى.
وقال السندي: ظاهره أن الخل المتخذ من الخمر حرام، ويحتمل أنه قال ذلك لما فيه من إبقاء الخمر قبل أن يتخلل وذلك غير جائز للمؤمن انتهى.
وقال المحدث محمد إسحاق الدهلوي رحمه الله: ويحتمل أن اكتساب الخل من الخمر ليس بجائز، وإذا تخللت فالخل يحل والله أعلم.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي.

(10/82)


4- باب الخمر مما هي
3671 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ قال أخبرنا يَحْيَى بنُ آدَمَ قال أخبرنا إسْرَائِيلُ عن إِبراهِيمَ بنِ مُهَاجِرٍ عن الشّعْبِيّ عن النّعْمانِ بنِ بَشِيرٍ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ مِنَ الْعِنَبِ خَمْراً وإِنّ مِنَ العَسَلِ خَمْراً، وإِنّ مِنَ البُرّ خَمْراً، وَإنّ مِنَ التّمْرِ خَمْراً، وإنّ مِنَ الشّعِيرِ خَمْراً" .
ـــــــ
"باب الخمر مما هي"
"إن من العنب خمراً الحديث" قال الخطابي: في هذا تصريح من النبي صلى الله عليه وسلم بما قاله
ـــــــ
وفي صحيح مسلم عن أنس قال: لقد أنزل الله الآية التي حرم فيها الخمر وما بالمدينة شراب يشرب إلا من تمر.
وفي صحيح البخاري عن أنس قال: حرمت علينا الخمر حين حرمت وما نجد خمر الأعناب إلا قليلا وعامة خمرنا البسر والتمر.

(10/82)


3672 - حدثنا مَالِكُ بنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ أبُو غَسّانَ قال أخبرنا مُعْتَمِرٌ قال قَرَأْتُ عَلَى الْفُضَيْلِ بنِ مَيْسَرَةَ عن أبي حَرِيزٍ أنّ عَامِراً حَدّثَهُ أنّ النّعْمَانَ بنَ بِشِيرٍ قال سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إنّ الْخَمْرَ مِنَ الْعَصِيرِ وَالزّبِيبِ وَالتّمْرِ وَالْحِنْطَةِ وَالشّعِيرِ وَالذّرَةِ، وَإنّي أَنهَاكُم عنْ كُلّ مُسْكِرٍ ".
ـــــــ
عمر رضي الله عنه في الحديث الأول من كون الخمر من هذه الأشياء وليس معناه أن الخمر لا تكون إلا من هذه الخمسة بأعيانها وإنما جرى ذكرها خصوصاً لكونها معهودة في ذلك الزمان، فكل ما كان في معناها من ذرة أو سلت أو لب ثمرة وعصارة شجر فحكمها حكمها كما قلنا في الربو، ورددنا إلى الأشياء الأربعة المذكورة في الخبر كل ما كان في معناها من غير المذكور فيه انتهى.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: غريب هذا آخر كلامه، وفي إسناده إبراهيم بن مهاجر البجلي الكوفي وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة.
"إن الخمر من العصير والزبيب والتمر والحنطة والشعير والذرة" بضم المعجمة وتخفيف الراء من الحبوب معروفة.
ـــــــ
وفي صحيح البخاري أيضا عن ابن عمر قال: نزل تحريم الخمر وإن بالمدينة يومئذ لخمسة أشربة ما فيها شراب العنب وأخرجه مسلم أيضا.
وفي الصحيحين أيضا عن أنس قال: كنت أسقي أبا عبيدة وأبا طلحة وأبي بن كعب فضيخ زهو وتمر فجاءهم آت فقال إن الخمر قد حرمت فقال أبو طلحة قم ياأنس فأهرقها.
وفي لفظ قال عبد العزيز بن صهيب قلت لأنس ما هو قال بسر ورطب.
وفي لفظ في الصحيحين عن أنس وسألوه عن الفضيخ فقال ما كان لنا خمر غير فضيخكم هذا الذي تسمونه الفضيخ إني لقائم أسقي أبا طلحة وأبا أيوب ورجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في بيتنا إذ جاء رجل فقال هل بلغكم الخبر فقلنا لا فقال إن الخمر قد حرمت فقال ياأنس أرق هذه القلال قال فما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل.
فهذه النصوص الصحيحة الصريحة في دخول هذه الأشربة المتخذة من غير العنب في اسم الخمر في اللغة التي نزل بها القرآن وخوطب بها الصحابة مغنية عن التكلف في إثبات تسميتها خمرا بالقياس مع كثرة النزاع فيه.
فإذ قد ثبت تسميتها خمرا نصا فتناول لفظ النصوص لها كتناوله لشراب العنب سواء تناولا واحدا.

(10/83)


3673 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ قال أخبرنا أبَانُ قال حدّثني يَحْيَى عن أبِي كَثِيرٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشّجَرَتَيْنِ: النّخْلَةِ وَالْعِنَبَةِ" .
ـــــــ
قال المنذري: في إسناده أبو حريز عبد الله بن الحسين الأزدي الكوفي قاضي سجستان، وثقه يحيى بن معين وأبو زرعة الرازي، واستشهد به البخاري وتكلم فيه غير واحد. وقد أخرج البخاري ومسلم في الصحيحين أن عمر رضي الله عنه خطب على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "إنه قد نزل تحريم الخمر وهي من خمسة أشياء من العنب والتمر والحنطة والشعير والعسل، والخمر ما خامر العقل" الحديث.
"يحيى" هو ابن أبي كثير "الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة"
ـــــــ
فهذه طريقة قريبة منصوصة سهلة تريح من كلفة القياس في الأسم والقياس في الحكم.
ثم إن محض القياس الجلي يقتضي التسوية بينهما لأن تحريم قليل شراب العنب مجمع عليه وإن لم يسكر وهذا لأن النفوس لا تقتصر على الحد الذي لا يسكر منه وقليله يدعو إلى كثيره وهنا المعنى بعينه في سائر الأشربة المسكرة فالتفريق بينها في ذلك تفريق بين المتماثلات وهو باطل فلو لم يكن في المسألة إلا القياس لكان كافيا في التحريم فكيف وفيها ما ذكرناه من النصوص التي لا مطعن في سندها ولا اشتباه في معناها بل هي صحيحة صريحة وبالله التوفيق.
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وحديث ابن عمر رواه أحمد في مسنده وابن ماجه وصححه الدارقطني.
وحديث عبد الله بن عمرو رواه أحمد والنسائي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ولا يصح حمل هذه الأحاديث على القليل من القدر المسكر لأن صريح الحديث يرده لقوله في حديث عائشة "ما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام" فهذا صريح في أن الشراب إذا كان إنما يسكر منه بالفرق فملء الكف منه حرام مع أنه لا يحصل به سكر وهذا مراد الأحاديث فإن الأسكار إنما يحصل بالمجموع من الشراب الذي يقع به السكر ومن ظن أنه إنما يقع بالشربة الأخيرة فقد غلط فإن الشربة الأخيرة إنما أثرت السكر بانضمامها إلى ما قبلها ولو انفردت لم تؤثره فهي كاللقمة الأخيرة في الشبع والمصة الأخيرة في الري وغير ذلك من المسببات التي تحصل عند كمال سببها بالتدريج شيئا فشيئا.
فإذا كان السكر يحصل بقدر معلوم من الشراب كان أقل ما يقع عليه الاسم منه حراما لأنه قليل من الكثير المسكر مع القطع بأنه لا يسكر وحده وهذا في غاية الوضوح.

(10/84)


قالَ أَبُو دَاوُدَ: اسْمُ أبي كَثِيرٍ الْغُبَرِيّ يَزِيدُ بنُ عبد الرحمن بنِ غُفَيْلَةَ السّحْمِيّ. وقالَ بَعْضُهُمْ أُذَيْنَةُ، وَالصّوَابُ غُفَيْلَةُ.
ـــــــ
قال الخطابي: هذا غير مخالف لما تقدم ذكره من حديث النعمان بن بشير، وإنما وجهه ومعناه أن معظم الخمر وما يتخذ منه الخمر إنما هو من النخلة والعنبة، وإن كانت الخمر قد تتخذ أيضاً من غيرهما، وإنما هو من باب التوكيد لتحريم ما يتخذ من هاتين الشجرتين لضراوته وشدة سورته، وهذا كما يقال الشبع في اللحم والدفء في الوبر ونحو ذلك من الكلام، وليس فيه نفي الشبع من غير اللحم ولا نفي الدفء عن غير الوبر ولكن فيه التوكيد لأمرهما والتقديم لهما على غيرهما في نفس ذلك المعنى انتهى "الغبري" بالغين المعجمة المضمومة ثم الباء الموحدة المفتوحة ثم الراء المهملة، قال الحافظ عبدالغني المصري في مشتبه النسبة: أبو كثير الغبري يزيد بن عبد الرحمن بن غفيلة وهو ابن أذينة انتهى. وفي لب اللباب: هو منسوب إلى غير بطن من يشكر انتهى.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.

(10/85)


5- باب ما جاء في السكر
[باب النهي عن المسكر]
3674 - حدثنا سُلَيْمانُ بنُ دَاوُدَ وَ مُحمّدُ بنُ عِيسَى في آخَرِينَ قالُوا أخبرنا حَمّادٌ - يَعني ابنَ زَيْدٍ - عن أيّوبَ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "كُلّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وكُلّ مُسْكِرٍ حَرامٌ وَمَنْ مَاتَ وَهُوَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ يُدْمِنُهَا لَمْ يَشْرَبْهَا في الآخرة" .
ـــــــ
"باب ما جاء في السكر"
"كل مسكر خمر" قال الخطابي: يتأول على وجهين: أحدهما أن الخمر اسم لكل ما
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وفي صحيح مسلم عن جابر أن رجلا قدم من جيشان وجيشان من اليمن فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يقال له المزر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أو مسكر هو" قال: نعم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل مسكر حرام إن على الله عهدا لمن شرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال" قالوا يارسول الله وما طينة الخبال؟ قال: "عرق أهل النار أو عصارة أهل النار" .

(10/85)


3675 - حدثنا مُحمّدُ بنُ رَافِعٍ النّيْسَابُورِيّ قال أخبرنا [حدثنا] إِبراهِيمُ بنُ عُمَرَ الصّنْعَانيّ قال سَمِعْتُ النّعْمانَ يَقُولُ عن طَاووسٍ عن ابنِ عَبّاسٍ عن
ـــــــ
يوجد فيه السكر من الأشربة كلها. ومن ذهل إلى هذا زعم أن للشريعة أن تحدث الأسماء بعد أن لم تكن، كما لها أن تضع الأحكام بعد أن لم تكن.
والوجه الآخر: أن يكون معناه أنه يكون كالخمر في الحرمة ووجوب الحد على شاربه وإن لم يكن عين الخمر، وإنما ألحق بالخمر حكماً إذ كان في معناها، وهذا كما جعلوا النباش في حكم السارق، والمتلوط في حكم الزاني وإن كان كل واحد منهما في اللغة يخص باسم غير الزنا وغير السرقة انتهى. وفي لفظ "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام" أخرجه مسلم والدارقطني. وأخرج الشيخان وأحمد عن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "كل مسكر حرام".
وأخرج أحمد ومسلم والنسائي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل مسكر حرام" وأخرجه أحمد والترمذي وصححه النسائي وابن ماجه من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "كل مسكر حرام" وأخرجه ابن ماجه من حديث ابن مسعود "يدمنها" أي يداوم على شربها بأن لم يتب عنها حتى مات على ذلك والجملة حالية "لم يشربها في الآخرة" قال الخطابي: معناه أنه لم يدخل الجنة، لأن شراب أهل الجنة خمر إلا أنه لا غول فيها ولا نزف انتهى.
وقال النووي: معناه أنه يحرم شربها في الجنة وإن دخلها، فإنها من فاخر شراب الجنة فيمنعها هذا العاصي بشربها في الدنيا. قيل إنه ينسى شهوتها لأن الجنة فيها كل ما يشتهي، وقيل لا يشتهيها وإن ذكرها، ويكون هذا نقص نعيم في حقه تمييزاً بينه وبين تارك شاربها انتهى.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي مختصراً.
ـــــــ
وفي مسند الإمام أحمد عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل مسكر حرام" ورواه النسائي والترمذي وابن ماجه وقال الترمذي صحيح.
وفي سنن ابن ماجه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كل مسكر حرام" قال ابن ماجه: هذا حديث المصريين رواه من حديث أيوب بن هانىء عن مسروق عنه.
وفي سنن ابن ماجه أيضا عن يعلى بن شداد بن أوس قال: سمعت معاوية يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كل مسكر حرام على كل مؤمن" قال ابن ماجه: وهذا حديث العراقيين.

(10/86)


النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "كُلّ مُخْمِرٍ خَمْرٌ، وكُلّ مُسْكِرٍ حَرامٌ، وَمَنْ شَرِبَ مُسْكِراً بُجِسَتْ صَلاَتُهُ أرْبَعِينَ صَبَاحاً، فإنْ تَابَ تَابَ الله عَلَيْهِ، فإنْ عَادَ الرّابِعَةَ كَانَ حَقّا عَلَى الله أنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ". قِيلَ: وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ يَارَسُولَ الله؟ قال: "صَدِيدُ أهْلِ النّارِ، وَمَنْ سَقَاهُ صَغِيراً لا يَعْرِفُ حَلاَلَهُ مِنْ حَرَامِهِ كَانَ حَقّا عَلَى الله أنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ" .
3676 - حدثنا قُتَيْبَةُ أخبرنا إِسْمَاعِيلُ - يَعني ابنَ جَعْفَرٍ - عن دَاوُدَ بنِ بَكْرِ بنِ أبي الْفُرَاتِ عن مُحمّدِ بنِ المُنْكَدِرِ عن جَابِرِ بنِ عبد الله قَالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَا أسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ" .
ـــــــ
"كل مخمر" أي كل ما يغطي العقل من التخمير بمعنى التغطية "وكل منكر حرام" سواء كان من عنب أو غيره "بخست" بضم الباء وكسر الخاء المعجمة من البخس وهو النقص "أربعين صباحاً" ظرف. قال المناوي: خص الصلاة لأنها أفضل عبادات البدن، والأربعين لأن الخمر يبقى في جوف الشارب وعروقه تلك المدة "فإن تاب" أي رجع إليه تعالى بالطاعة "تاب الله عليه" أي أقبل عليه بالمغفرة "من طينة الخبال" بفتح الخاء المعجمة والموحدة المخففة وهو في الأصل الفساد، ويكون في الأفعال والأبدان والعقول. والخبل بالتسكين الفساد "صديد أهل النار" قال في القاموس: الصديد ماء الجرح الرقيق "ومن سقاه صغيراً" أي صبياً "لا يعرف حلاله من حرامه" الجملة صفة للصغير. والحديث سكت عنه المنذري.
"ما أسكر" أي أي شيء أسكر وإن لم يكن مشروباً "كثيره فقليله حرام" قال العلقمي: قال الدميري: قال ابن المنذر: أجمعت الأمة على أن خمر العنب إذا غلت ورمت بالزبد أنها حرام وأن الحد واجب في القليل منها والكثير، وجمهور الأمة على أن ما أسكر كثيره من غير خمر العنب أنه يحرم كثيره وقليله، والحد في ذلك واجب. وقال أبو حنيفة وسفيان وابن أبي ليلى وابن سيرين وجماعة من فقهاء الكوفة: ما أسكر كثيره من غير عصير العنب فما لا يسكر منه حلال، وإذا سكر أحد منه دون أن يتعمد الوصول إلى حد السكر فلا حد عليه انتهى. وأخرج النسائي والبزار وابن حبان والدارقطني عن سعد بن أبي وقاص "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قليل ما أسكر كثيره. وفي الباب عن علي رضي الله عنه عند الدارقطني، وعن ابن عمر غير حديثه المتقدم عند الطبراني، وعن خوات بن جبير عند الدارقطني والحاكم والطبراني، وعن زيد بن ثابت عند الطبراني، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص عن الدارقطني والله أعلم.

(10/87)


3677 - حدثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيّ عن مَالِكٍ عن ابن شِهَابٍ عن أبي سَلَمَةَ عن عَائِشَةَ قالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عن الْبِتْعِ، فقال: "كُلّ شَرَابٍ أسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ" .
ـــــــ
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه.
وقال الترمذي حسن غريب من حديث جابر. هذا آخر كلامه وفي إسناده داوود بن بكر بن أبي الفرات الأشجعي مولاهم المدني، سئل عنه يحيى بن معين فقال ثقة، وقال أبو حاتم الرازي: لابأس به ليس بالمتين. هذا آخر كلامه. وقد روى هذا الحديث من رواية علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وعائشة وخوات بن جبير، وحديث سعد بن أبي وقاص أجودهما إسناداً، فإن النسائي رواه في سننه عن محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي وهو أحد الثقات عن الوليد بن كثير، وقد احتج به البخاري ومسلم في الصحيحن عن الضحاك بن عثمان، وقد احتج به مسلم في صحيه عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن عامر بن سعد بن أبي وقاص وقد احتج البخاري ومسلم بهما في الصحيحين فقال أبو بكر البزار وهذا الحديث لا نعلمه روي عن سعد إلا من هذا الوجه ورواه عن الضحاك وأسنده جماعة عنه منهم الدراوردي والوليد بن كثير ومحمد بن جعفر بن أبي كثير المدني. هذا آخر كلامه. وتابع محمد بن عبد الله بن عمار أبو سعيد عبد الله بن سعيد الأشج، وهو ممن اتفق البخاري ومسلم على الاحتجاج به.
"عن البتع" بكسر الموحدة وسكون المثناة وقد تفتح وهي لغة يمانية وهو نبيذ العسل كما في الرواية الآتية "كل شراب أسكر فهو حرام" هذا حجة للقائلين بالتعميم من غير فرق بين خمر العنب وغيره لأنه صلى الله عليه وسلم لما سأله السائل عن البتع قال "كل شراب أسكر فهو حرام فعلمنا أن المسألة إنما وقعت على ذلك الجنس من الشراب وهو البتع ودخل فيه كل ما كان في معناه مما يسمى شراباً مسكراً من أي نوع كان. فإن قال أهل الكوفة إن قوله صلى الله عليه وسلم كل شراب أسكر يعني به الجزء الذي يحدث عقبه السكر فهو حرام فالجواب أن الشراب اسم جنس فيقتضي أن يرجع التحريم إلى الجنس كله، كما يقال هذا الطعام مشبع والماء مرو، يريد به الجنس، وكل جزء منه يفعل ذلك الفعل، فاللقمة تشبع العصفور وما هو أكبر منها يشبع ما هو أكبر من العصفور، وكذلك جنس الماء يروي الحيوان على هذا الحد فكذلك النبيذ

(10/88)


قالَ أَبُو دَاوُدَ: قَرَأْتُ عَلَى يَزِيدَ بنِ عْبْدِ رَبّهِ الْجُرْجُسِيّ حَدّثَكُم مُحمّدُ بنُ حَرْبٍ عن الزّبَيْدِيّ عن الزّهْرِيّ بِهَذَا الحَدِيثِ بإسْنَادِهِ. زَادَ: وَالْبِتْعُ نَبِيذُ الْعَسَلِ كَانَ أهْلُ الْيَمَنِ يَشْرَبُونَهُ.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ: لا إلَهَ إلاّ الله مَا كَانَ أثْبَتَهُ مَا كَانَ فيهِمْ مِثْلُهُ - يَعْني في أهْلِ حِمْصٍ - يَعْني الْجُرْجُسِيّ.
3678 - حدثنا هَنّادُ بنُ السّرِيّ أخبرنا عَبْدَةُ عن مُحمّدٍ - يَعْني ابنَ إسْحَاقَ - عن يَزِيدَ بنِ أبي حَبِيبٍ عن مَرْثَدِ بنِ عبد الله اليَزَنِيّ عن دَيْلَمٍ الْحِمَيْرِيّ قال: سَأَلْتُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ : يَارَسُولَ الله أنَا بِأَرْضٍ بَارِدَةٍ نُعَالِجُ فيهَا عَمَلاً شَدِيداً وَأنّا نَتّخِذُ شَرَاباً
ـــــــ
قال الطبري: يقال لهم أخبرونا عن الشربة التي يعقبها السكر أهي التي أسكرت صاحبها دون ما تقدمها من الشراب أم أسكرت باجتماعها مع ما تقدم، وأخذت كل شربة بحظها من الإسكار، فإن قالوا إنما أحدث له السكر الشربة الآخرة التي وجد خبل العقل عقبها قيل لهم وهل هذه التي أحدثت له ذلك إلا كبعض ما تقدم من الشربات قبلها في أنها لو انفردت دون ما قبلها كانت غير مسكرة وحدها، وأنها إنما أسكرت باجتماعها واجتماع عملها فحدث عن جميعها السكر كذا في النيل.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه "الجرجسي" بضم الجيمين بينهما راء ساكنة ثم مهملة موضع بحمص "عن الزهري" عن أبي سلمة عن عائشة "زاد" أي يزيد بن عبد ربه "سمعت أحمد بن حنبل" في توثيق يزيد بن عبد ربه "لا إله إلا الله" هذه كلمة التوحيد بمنزلة الحلف وهذا غاية توثيق من أحمد ليزيد بن عبد ربه "ما كان فيهم مثله" أي ما كان في أهل حمص مثل يزيد في التثبيت والإتقان. وكذا في وثقه ابن معين والله أعلم.
"عن مرثد بن عبد الله اليزني" بفتح التحتانية والزاي بعدها نون أبو الخير المصري ثقة فقيه من الثالثة "عن ديلم" بفتح أوله "الحميري" بكسر أوله نسبه إلى حمير كدرهم موضع غربي صنعاء اليمن وأبو قبيلة "بأرض باردة" أي ذات برد شديد "نعالج" أي نمارس نزاول "عملاً شديداً" أي قوياً يحتاج إلى نشاط عظيم "من هذا القمح" بفتح أوله أي الحنطة

(10/89)


مِنْ هَذَا الْقَمْحِ نَتَقَوّى بِهِ عَلَى أعْمَالِنَا وَعَلى بَرْدِ بِلاَدِنَا. قال: "هَلْ يُسْكِرُ"؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قال: "فاجْتَنِبُوهُ". قال فَقُلْتُ: [قلت] فإنّ النّاسَ غَيْرُ تَارِكِيهِ. قال: "فإنْ لَمْ يَتْرُكُوهُ فَقَاتِلُوهُمْ" .
3679 - حدثنا وَهْبُ بنُ بَقِيّةَ عن خَالِدٍ عن عَاصِمِ بنِ كُلَيْبٍ عن أبي بُرْدَةَ عن أبِي مُوسَى قال: سَأَلْتُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن شَرَابٍ مِنَ الْعَسَلِ، فقال: "ذَاكَ الْبِتْعُ". قُلْتُ: وَيُنْتَبَذُ مِنَ الشّعِيرِ وَالذّرَةِ. قالَ: [فقال] "ذَلِكَ المِزْرُ". ثُمّ قال: "أخْبِرْ قَوْمَكَ أنّ كُلّ مُسْكِرٌ حَرامٌ" .
3680 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ قال أخبرنا حَمّادٌ عن مُحمّدِ بنِ إسْحَاقَ عن يَزِيدَ بنِ أبي حَبِيبٍ عن الْوَلِيدِ بنِ عَبْدَةَ عن عبد الله بنِ عَمْرٍو: أنّ نَبِيّ الله صلى الله عليه وسلم نَهَى عن الْخَمْرِ وَالمَيْسِرِ وَالْكُوبَةِ وَالْغُبَيْرَاءِ وقال: "كُلّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ" .
ـــــــ
"لنقوى به على أعمالنا وعلى برد بلادنا" قال الطيبي. وإنما ذكر هذه الأمور الداعية إلى الشرب وأتى بهذا ووصفه به لمزيد البيان، وأنه من هذا الجنس، وليس من جنس ما يتخذ منه المسكر كالعنب والزبيب مبالغة في استدعاء الإجازة "فقلت فإن الناس غير تاركيه" فكأنه وقع لهم هناك نهي عن سالكيه "فإن لم يتركوه" أي ويستحلوا شربه. قال المنذري: في إسناده محمد بن إسحاق بن يسار وقد تقدم الكلام عليه.
"ذاك البتع" بكسر موحدة وسكون فوقية وقد يحرك "وينتبذ من الشعير والذرة" بضم الذال المعجمة وتخفيف الراء حب معروف وأصله ذروا وذرى والهاء عوض، ذكره الجوهري "قال ذلك المزر" بكسر فسكون نبيذ يتخذ من الذرة أو من الحنطة أو الشعير كذا في المجمع "أخبر قومك أن كل مسكر حرام" سواء كان من العسل أو الشعير أو الذرة أو غير ذلك.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم بنحوه من حديث سعيد بن أبي بردة عن أبيه.
"عن عبد الله بن عمرو" أورد المزي هذا الحديث في مسند عبد الله بن عمرو بن العاص ثم قال: هكذا رواه أبو الحسن بن العبد وأبو عمرو البصري وغير واحد عن أبي داوود وهو الصواب. ووقع في رواية اللؤلؤي عن عبد الله بن عمر وهو وهم "نهى عن الخمر والميسر" أي القمار "والكوبة" بضم أوله في النهاية قيل هي النرد، وقيل الطبل أي الصغير، وقيل البربط.

(10/90)


قالَ أَبُو دَاوُدَ: قال ابنُ سَلاّمٍ أبُو عُبَيْدٍ: الغُبَيْرَاءُ السّكْرَكَةُ تُعْمَلَ مِنَ الذّرَةِ شَرَابٌ يَعْمَلُهُ الْحَبَشَةُ.
3681 - حدثنا سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ قال أخبرنا أبُو شِهَابٍ عَبْدُ رَبّهِ بنُ نَافِعٍ عنْ الْحَسَنِ بنِ عَمْرٍو الْفُقَيْمِيّ عنْ الْحَكَمِ بنِ عُتَيْبَةَ عنْ شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ عن أُمّ سَلَمَةَ قالَتْ: نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عن كُلّ مَسْكِرٍ وَمُفْتِرٍ.
ـــــــ
وقال الخطابي في المعالم: الكوبة تفسر بالطبل، ويقال بل هو النرد، ويدخل في معناه كل وتر ومزهر ونحو ذلك من الملاهي انتهى "والغبيراء" بالتصغير ضرب من الشراب يتخذه الحبش من الذرة والمعنى أنها مثل الخمر التي يتعارفها الناس لا فضل بينهما في التحريم "سكركة" قال في النهاية هو بضم السين والكاف وسكون الراء وهو نوع من الخمور يتخذ من الذرة، وهي خمر الحبشة، وهو لفظ حبشي فعربت وقيل السقرقع.
قال المنذري: الوليد بن عبدة بالعين المهملة المفتوحة وبعدها باء بواحدة مفتوحة أيضاً. قال أبو حاتم الرازي: هو مجهول، وقال أبو يونس في تاريخ المصريين: وليد بن عبدة مولى عمرو بن العاص روى عنه يزيد بن أبي حبيب والحديث معلول، ويقال عمرو بن الوليد بن عبدة وذكر له هذا الحديث وذكر أن وفاته سنة مائة، وهكذا وقع في رواية الهاشمي عبد الله بن عمر، والذي وقع في رواية ابن العبد عن أبي داوود عبد الله بن عمرو وهو الصواب.
-"الفقيمي" بضم الفاء وفتح القاف منسوب إلى فقيم بطن من تميم، قاله السيوطي "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل منكر مسكر ومفتر" قال القاري في المرقاة: بكسر التاء المخففة.
قال في النهاية: المفتر هو الذي إذا شرب أحمى الجسد وصار فيه فتور وهو ضعف وانكسار، يقال أفتر الرجل فهو مفتر إذا ضعفت جفونه وانكسر طرفه فإما أن يكون أفتره بمعنى فتره أي جعله فاتراً وإما أن يكون أفتر الشراب إذا فتر شاربه كأقطف الرجل إذا قطفت دابته، ومقتضى هذا سكون الفاء وكسر المثناة الفوقية مع التخفيف.
قال الطيبي: لا يبعد أن يستدل به على تحريم البنج والشعثاء ونحوهما مما يفتر ويزيل العقل، لأن العلة وهي إزلة العقل مطردة فيها.
وقال في مرقاة الصعود: يحكى أن رجلاً من العجم قدم القاهرة وطلب الدليل على تحريم الحشيشة، وعقد لذلك مجلس حضره علماء العصر فاستدل الحافظ زين الدين العراقي بهذا الحديث فأعجب الحاضرين انتهى.

(10/91)


...................................
ـــــــ
وقال في السبل: قال المصنف: أي الحافظ ابن حجر من قال إنها أي الحشيشة لا تسكر وإنما تخدر فهي مكابرة فإنها تحدث ما يحدث الخمر من الطرب والنشأة قال: وإذا سلم عدم الإسكار فهي مفترة.
وقد أخرج أبو داوود: "أنه نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر" .
قال الخطابي: المفتر كل شراب يورث الفتور والرخوة في الأعضاء والخدر في الأطراف وهو مقدمة السكر، ونهى عن شربه لئلا يكون ذريعة إلى السكر. وحكى العراقي وابن تيمية الإجماع على تحريم الحشيشة، وأن من استحلها كفر.
قال ابن تيمية: إن الحشيشة أو ما ظهرت في آخر المائة السادسة من الهجرة حين ظهرت دولة التتار، وهي من أعظم المنكرات وهي شر من الخمر من بعض الوجوه، لأنها تورث نشأة ولذة وطرباً كالخمر وتصعب الطعام عليها أعظم من الخمر، وإنما لم يتكلم فيها الأئمة الأربعة لأنها لم تكن في زمنهم. وقد أخطأ القائل:
حرموها من غير عقل ونقلوحرام تحريم غير الحرام
وأما البنج فهو حرام. قال ابن تيمية: إن الحد في الحشيشة واجب.
قال ابن البيطار: إن الحشيشة وتسمى القنب يوجد في مصر مسكرة جداً إذا تناول الإنسان منها قدر درهم أو درهمين، وقبائح خصالها كثيرة وعد منها بعض العلماء مائة وعشرين مضرة دينية ودنيوية، وقبائح خصالها موجودة في الأفيون، وفيه زيادة مضار.
قال ابن دقيق العيد في الجوزة: إنها مسكرة، ونقله عنه متأخر علماء الفريقين واعتمدوه انتهى.
وقال ابن رسلان في شرح السنن: المفتر بضم الميم وفتح الفاء وتشديد المثناة فوق المكسورة ويجوز فتحها ويجوز تخفيف التاء مع الكسر هو كل شراب يورث الفتور والخدر في أطراف الأصابع وهو مقدمة السكر، وعطف المفتر على المسكر يدل على المغايرة بين السكر والتفتير، لأن العطف يقتضي التغاير بين الشيئين، فيجوز حمل المسكر على الذي فيه شدة مطربة وهو محرم يجب فيه الحد ويحمل المفتر على النبات كالحشيش الذي يتعاطاه السفلة.
قال الرافعي: إن النبات الذي يسكر، وليس فيه شدة مطربة يحرم أكله ولا حد فيه.
قال ابن رسلان: ويقال إن الزعفران يسكر إذا استعمل مفرداً بخلاف ما إذا استهلك في

(10/92)


...................................
ـــــــ
الطعام وكذا البنج شرب القليل من مائه يزيل العقل وهو حرام إذا زال العقل لكن لا حد فيه انتهى كلامه ملخصاً.
وقال العلامة الأردبيلي في الأزهار شرح المصابيح ناقلاً عن الإمام شرف الدين إن الجوز الهندي والزعفران ونحوهما يحرم الكثير منه لأضراره لا لكونه مسكراً، وكذلك القريط وهو الأفيون انتهى.
وقال العلامة أبو بكر بن قطب القسطلاني في تكريم المعيشة: إن الحشيشة ملحقة بجوز الطيب والزعفران والأفيون والبنج وهذه من المسكرات المخدرات.
قال الزركشي: إن هذه الأمور المذكورة تؤثر في متعاطيها المعنى الذي يدخله في حد السكران، فإنهم قالوا السكران هو الذي اختل كلامه المنظوم، وانكشف سره المكتوم.
وقال بعضهم: هو الذي لا يعرف السماء من الأرض.
وقيل والأولى أن يقال إن أريد بالإسكار تغطية العقل فهذه كلها صادق عليها معنى الإسكار وإن أريد بالإسكار تغطية العقل مع الطرب فهي خارجة عنه، فإن إسكار الخمر تتولى منه النشأة والنشاط والطرب والعربدة والحمية، والسكران بالحشيشة ونحوها يكون مما فيه ضد ذلك، فنقرر من هذا أنها لا تحرم إلا لمضرتها العقل، ودخولها في المفتر المنهى عنه، ولا يجب الحد على متعاطيها، لأن قياسها على الخمر مع الفارق، وهو انتفاء بعض الأوصاف لا يصح انتهى.
وفي التلويح: السكر هو حالة تعرض للانسان من امتلاء دماغه من الأبخرة المتصاعدة إليه، فيعطل معه عقله المميز بين الأمور الحسنة والقبيحة انتهى.
وفي كشف الكبير: قيل هو سرور يغلب على العقل بمباشرة بعض الأسباب الموجبة له فيمتنع الإنسان عن العمل بموجب عقله من غير أن يزيله وبهذا بقي السكران أهلاً للخطاب انتهى.
وقال السيد الشريف الجرجاني في تعريفاته: السكر غفلة تعرض بغلبة السرور على العقل بمباشرة ما يوجبها من الأكل والشرب.
والسكر من الخمر عند أبي حنيفة رحمه الله: أن لا يعلم الأرض من السماء وعند أبي يوسف ومحمد الشافعي أن يختلط كلامه، وعند بعضهم أن يختلط في مشيه بحركة انتهى.

(10/93)


...................................
ـــــــ
وفي القاموس: فتر جسمه فتوراً لانت مفاصله وضعف، الفتار كغراب ابتداء النشوة، وافتر الشراب فتر شاربه انتهى.
وفي المصباح: وخدر العضو خدراً من باب تعب استرخى فلا يطيق الحركة وقال في النهاية في حديث عمر أنه رزق الناس الطلاء فشربه رجل فتخدر أي ضعف وفتر كما يصيب الشارب قبل السكر انتهى. وسيجيء حديث عمر رضي الله عنه.
وفي رد المحتار عن الخانية في تعريف السكران أنه من يختلط كلامه ويصير غالبه الهذيان.
وقال الشيخ زكريا بن محمد القزويني في كتابه عجائب المخلوقات والحيوانات وغرائب الموجودات: الزعفران يقوي القلب ويفرح ويورث الضحك والزائد على الدرهم سم قاتل انتهى.
ونقل عن الإمام أحمد بن حنبل أنه كان يكتب على جام أبيض بزعفران للمرأة التي عسر عليها ولادتها، وكانت المرأة تشربه، كما صرح به الزرقاني في شرح المواهب، وفيه دلالة واضحة على أن الإمام أحمد لا يرى السكر في الزعفران وإلا كيف يجوز له الكتابة بزعفران لأجل شربها.
قال الحافظ ابن القيم في زاد المعاد: قال الخلال: حدثني عبد الله بن أحمد قال رأيت أبي يكتب للمرأة إذا عسر عليها ولادتها في جام أبيض أو شيء نظيف يكتب حديث ابن عباس رضي الله عنه: "لا إله إلا الله الحليم الكريم" إلى آخر الحديث.
قال الخلال: أنبأنا أبو بكر المروزي أن أبا عبد الله جاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله تكتب لامرأة قد عسر عليها ولدها منذ يومين، فقال قل له يجيء بجام واسع وزعفران ورأيته يكتب لغير واحد.
قال ابن القيم: وكل ما تقدم من الرقي فإن كتابته نافعة. ورخص جماعة من السلف في كتابة بعض القرآن وشربه، وجعل ذلك من الشفاء الذي جعل الله فيه انتهى.
والحافظ ابن القيم أيضاً لا يرى السكر في الزعفران وأنه لا يذكر في زاد المعاد شيئاً من هذه الأدوية التي فيها سكر، وقد قرن الزعفران بالعسل المصفي، فقال في بيان الفضة هي من الأدوية المفرحة النافعة من الهم والغم والحزن وضعف القلب وخفقانه، وتدخل في المعاجين الكبار، وتجتذب بخاصيتها ما يتولد في القلب من الأخلاط الفاسدة خصوصاً إذا أضيفت إلى العسل المصفي والزعفران انتهى.

(10/94)


...................................
ـــــــ
وللأئمة الحنفية فيه كلام على طريق آخر، فقال الشامي في رد المختار، وقال محمد: ما أسكر كثيره فقليله حرام وهو نجس أيضاً انتهى.
أقول الظاهر أن هذا خاص بالأشربة المائعة دون الجامد كالبنج والأفيون فلا يحرم قليلها بل كثيرها المسكر، وبه صرح ابن حجر المكي في التحفة وغيره وهو مفهوم من كلام أئمتنا لأنهم عدوها من الأدوية المباحة وإن حرم السكر منها بالاتفاق ولم نر أحداً قال بنجاستها ولا بنجاسة زعفران مع أن كثيره مسكر، ولم يحرموا أكل قليله أيضاً، ويدل عليه أنه لا يحد بالسكر منها بخلاف المائعة فأنه يحد ويدل عليه أيضاً قوله في غرر الأفكار وهذه الأشربة عند محمد وموافقيه كالخمر بلا تفاوت في الأحكام، وبهذا يفتى في زماننا فحص الخلاف بالأشربة.
والحاصل أنه لا يلزم من حرمة الكثير المسكر حرمة قليله ولا نجاسته مطلقاً إلا في المائعات لمعنى خاص بها، أما الجامدات فلا يحرم منها إلا الكثير المسكر ولا يلزم من حرمته نجاسته كالسم القاتل فإنه حرام مع أنه طاهر انتهى كلام الشامي.
وقال في الدر المختار: ويحرم أكل البنج والحشيشة هي ورق القنب والأفيون لأنه مفسد للعقل.
قال الشامي: البنج بالفتح نبات يسمى شيكران يصدع ويسبت ويخلط العقل كما في التذكرة للشيخ داوود. والمسبت الذي لا يتحرك.
وفي القهستاني: هو أحد نوعي شجر القنب حرام لأنه يزيل العقل وعليه الفتوى بخلاف نوع آخر منه فإنه مباح كالأفيون لأنه وإن اختل العقل به لا يزول وعليه يحمل ما في الهداية وغيرها من إباحة البنج كما في شرح اللباب.
أقول هذا غير ظاهر لأن ما يخل العقل لا يجوز أيضاً بلا شبهة فيكف يقال إنه مباح بل الصواب أن مراد صاحب الهداية وغيره إباحة قليله للتداوي ونحوه ومن صرح بحرمته أراد به القدر المسكر منه، يدل عليه ما في غاية البيان عن شرح شيخ الإسلام أكل قليل السقمونيا والبنج مباح للتداوي، وما زاد على ذلك إذا كان يفتر أو يذهب العقل حرام فهذا صريح فما قلناه مؤيد لما بحثناه سابقاً من تخصيص ما مر من أن ما أسكر كثيره حرم قليله بالمائعات، وهكذا يقال في غيره من الأشياء الجامدة المضرة في العقل أو غيره، يحرم تناول القدر المضر منها دون القليل النافع، لأن حرمتها ليست لعينها بل لضررها.
وفي أول طلاق البحر من غاب عقله بالبنج والأفيون يقع طلاقه إذا استعمل للهو وإدخال

(10/95)


...................................
ـــــــ
الآفات قصداً لكونه معصية، وإن كان للتداوي فلا لعدمها كذا في فتح القدير، وهو صريح في حرمة البنج والأفيون لا للدواء. وفي البزازية والتعليل ينادى بحرمته لا للدواء. انتهى كلام البحر. وجعل في النهر هذا التفصيل هو الحق.
والحاصل أن استعمال الكثير المسكر منه حرام مطلقاً كما يدل عليه كلام الغاية، وأما القليل فإن كان للهو حرم وإن سكر منه يقع طلاقه، لأن مبدأ استعماله كان محظوراً، وإن كان للتداوي وحصل منه إسكار فلا. هذا آخر كلام الشامي.
ثم قال الشامي: وكذا تحرم جوزة الطيب وكذا العنبر والزعفران كما في الزواجر لابن حجر المكي، وقال فهذه كلها مسكرة ومرادهم بالإسكار هنا تغطية العقل لا مع الشدة المطربة لأنها من خصوصيات المسكر فلا ينافى أنها تسمى مخدرة، فما جاء في الوعيد على الخمر يأتي فيها لاشتراكهما في إزالة العقل المقصود للشارع بقاؤه.
أقول: ومثله زهر القطن فإنه قوي التفريح يبلغ الإسكار كما في التذكرة، فهذا كله ونظائره يحرم استعمال القدر المسكر منه دون القليل كما قدمناه فافهم، ومثله بل أولى البرش وهو شيء مركب من البنج والأفيون وغيرهما ذكر في التذكرة أن إدمانه يفسد البدن والعقل، ويسقط الشهوتين، ويفسد اللون، وينقص القوى وينهك. وقد وقع به الآن ضرر كثير انتهى كلام الشامي.
قلت: إذا عرفت هذه الأقاويل للعلماء فاعلم أن الزعفران والعنبر والمسك ليس في هذه الثلاثة سكر أصلاً بل ولا تفتير ولا تخدير على التحقيق.
وأما الجوز الطيب والبسباسة والعود الهندي فهذه كلها ليس فيها سكر أيضاً وإنما في بعضها التفتير، وفي بعضها التخدير، ولا ريب أن كل ما أسكر كثيره فقليله حرام سواء كان مفرداً أو مختلطاً بغيره، وسواء كان يقوي على الإسكار بعد الخلط أو لا يقوي، فكل هذه الأشياء الستة ليس من جنس المسكرات قطعاً بل بعضها ليس من جنس المفترات ولا المخدرات على التحقيق، وإنما بعضها من جنس المفترات على رأي البعض ومن جنس المضار على رأي البعض، فلا يحرم قليله سواء يؤكل مفرداً أو يستهلك في الطعام أو في الأدوية. نعم أن يؤكل المقدار الزائد الذي يحصل به التفتير لا يجوز أكله لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كل مفتر ولم يقل إن كل ما أفتر كثيره فقليله حرام.
فنقول على الوجه الذي قاله صلى الله عليه وسلم ولا نحدث من قبلي شيئاً، فالتحريم للتفتير لا لنفس المفتر فيجوز قليله الذي لا يفتر.

(10/96)


...................................
ـــــــ
وهذه العلماء الذين نقلت عباراتهم لم يتفقوا على أمر واحد، بل اختلفت أقوالهم، فذهبت الأئمة الحنفية أن ما أسكر كثيره حرم قليله وهو في المائعات دون الجامدات، وهكذا في غيره من الأشياء الجامدة المضرة في العقل أو غيره يحرم تناول القدر المضر منها دون القليل النافع لأن حرمتها ليست لعينها بل لضررها فيحرم عندهم استعمال القدر المسكر من الجامدات دون القليل منها.
وأما ابن رسلان فصرح بلفظ التمريض فقال ويقال إن الزعفران يسكر. وقال الطيبي: ولا يبعد أن يستدل به على تحريم البنج.
وقال ابن دقيق العيد في الجوزة إنها مسكرة.
وقال الأردبيلي: إن الجوز الهندي والزعفران ونحوهما يحرم الكثير منه لإضراره لا لكونه مسكراً.
وقال أبو بكر بن قطب القسطلاني: الجوز الطيب والزعفران والبنج والأفيون هذه كلها من المسكرات المخدرات.
وقال الزركشي: إن هذه الأشياء لا تحرم إلا لمضرتها العقل ودخولها في المفتر المنهى عنه.
وقال القزويني: الزعفران الزائد على الدرهم سم قاتل.
قلت: والصحيح من هذه الأقاويل قول العلامة الأردبيلي والزركشي، وقد أطنب الكلام وأفرط فيه الشيخ الفقيه ابن حجر المكي في كتابه الزواجر عن اقتراف الكبائر، فقال الكبيرة السبعون بعد المائة أكل المسكر الطاهر كالحشيشة والأفيون والشيكران بفتح الشين المعجمة وهو البنج، وكالعنبر والزعفران وجوزة الطيب، فهذه كلها مسكرة كما صرح به النووي في بعضها وغيره في باقيها، ومرادهم بالإسكار هنا تغطية العقل لا مع الشدة المطربة لأنها من خصوصيات المسكر المائع، وبما قررته في معنى الإسكار في هذه المذكرات علم أنه لا ينافى أنها تسمى مخدرة، وإذا ثبت أن هذه كلها مسكرة أو مخدرة، فاستعمالها كبيرة وفسق كالخمر، فكل ما جاء في وعيد شاربها يأتي في مستعمل شيء من هذه المذكورات لاشتراكهما في إزالة العقل المقصود للشارع بقاؤه، فكان في تعاطي ما يزيله وعيد الخمر.
والأصل في تحريم كل ذلك ما رواه أحمد في مسنده وأبو داوود في سننه: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر" .

(10/97)


...................................
ـــــــ
قال العلماء: المفتر كل ما يورث الفتور والخدر في الأطراف، وهذه المذكورات كلها تسكر وتخدر وتفتر.
وحكى القرافي وابن تيمية الإجماع على تحريم الحشيشة وذكر الماوردي قولاً أن النبات الذي فيه شدة مطربة يجب فيه الحد. وصرح ابن دقيق العيد أن الجوزة مسكرة، ونقله عنه المتأخرون من الشافعية والمالكية واعتمدوه. وبالغ ابن العماد فجعل الحشيشة مقيسة على الجوزة، وذلك أنه لما حكى عن القرافي نقلاً عن بعض الفقهاء أنه فرق في إسكار الحشيشة بين كونها ورقاً أخضر فلا إسكار فيها بخلافها بعد التحميص فإنها تسكر، قال والصواب أنه لا فرق لأنها ملحقة بجوزة الطيب والزعفران والعنبر والأفيون والبنج وهو من المسكرات المخدارت ذكر ذلك ابن القسطلاني انتهى. فتأمل تعبيره بالصواب وجعله الحشيشة التي أجمع العلماء على تحريمها مقيسة على الجوزة تعلم أنه لا مرية في تحريم الجوزة لإسكارها أو تخديرها.
وقد وافق المالكية والشافعية على إسكارها الحنابلة فنص إمام متأخريهم ابن تيمية وتبعوه على أنها مسكرة وهو قضية كلام بعض أئمة الحنفية، ففي فتاوى المرغيناني المسكر من البنج ولبن الرماك، أي أناثى الخيل حرام، ولا يحد شاربه انتهى.
وقد علمت من كلام ابن دقيق العيد وغيره أن الجوزة كالبنج، فإذا قال الحنفية بإسكاره لزمهم القول بإسكار الجوزة.
فثبت بما تقرر أنها حرام عند الأئمة الأربعة الشافعية والمالكية والحنابلة بالنص، والحنفية بالاقتضاء لأنها إما مسكرة أو مخدرة. وأصل ذلك في الحشيشة المقيسة على الجوزة.
والذي ذكره الشيخ أبو إسحاق في كتابه التذكرة والنووي في شرح المهذب وابن دقيق العيد أنها مسكرة.
وقد يدخل في حدهم السكران بأنه الذي اختل كلامه المنظوم وانكشف سره المكتوم أو الذي لا يعرف السماء من الأرض ولا الطول من العرض ثم نقل عن القرافي أنه خالف في ذلك، فنفى عنها الإسكار وأثبت لها الإفساد ثم رد عليه.
وممن نص على إسكارها أيضاً العلماء بالنبات من الأطباء، وكذلك ابن تيمية والحق في ذلك خلاف الإطلاقين إطلاق الإسكار وإطلاق الإفساد، وذلك أن الإسكار يطلق ويراد به مطلق تغطية العقل، وهذا إطلاق أعم ويطلق ويراد به تغطية العقل مع نشوة وطرب، وهذا

(10/98)


...................................
ـــــــ
إطلاق أخص وهو المراد من الإسكار حيث أطلق، فعلى الإطلاق الأول بين المسكر والمخدر عموم مطلق، إذ كل مخدر مسكر وليس كل مسكر مخدراً، فإطلاق الإسكار على الحشيشة والجوزة ونحوهما المراد منه التخدير، ومن نفاه عن ذلك أراد به معناه الأخص.
وتحقيقه أن من شأن السكر بنحو الخمر أنه يتولد عنه النشوة والنشاط والطرب والعربدة والحمية، ومن شأن السكر بنحو الحشيشة والجوز أنه يتولد عنه أضداد ذلك من تخدير البدن وفتوره، ومن طول السكوت والنوم وعدم الحمية.
وفي كتاب السياسة لابن تيمية أن الحد واجب في الحشيشة كالخمر، لكن لما كانت جماداً وليست شراباً تنازع الفقهاء في نجاستها على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره، فقيل نجسة وهو الصحيح انتهى.
وقال ابن بيطار: ومن القنب الهندي نوع ثالث يقال له القنب ولم أره بغير مصر ويزرع في البساتين، ويسمى بالحشيشة أيضاً وهو يسكر جداً إذا تناول منه الإنسان يسيراً قدر درهم أو درهمين، حتى إن من أكثر منه أخرجه إلى حد الرعونة، وقد استعلمه قوم فاختلت عقولهم، وأدى بهم الحال إلى الجنون، وربما قتلت.
وقال الذهبي: الحشيشة كالخمر في النجاسة والحد وتوقف بعض العلماء عن الحد فيها ورأى فيها التعزير لأنها تغير العقل من غير طرب كالبنج وأنه لم يجد للعلماء المتقدمين فيها كلاماً وليس ذلك بل آكلوها يحصل لهم نشوة واشتهاء كشراب الخمر، ولكونها جامدة مطعومة تنازع العلماء في نجاستها على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره، فقيل هي نجسة كالخمر المشروبة وهذا هو الاعتبار الصحيح، وقيل لا لجمودها، وقيل يفرق بين جامدها ومائعها وبكل حال فهي داخلة فيما حرم الله ورسوله من الخمر المسكر لفظاً ومعنى.
قال أبو موسى الأشعري يارسول الله أفتنا في شرابين كنا نصنعهما باليمن البتع وهو من العسل ينبذ حتى يشتد، والمزر وهو من الذرة والشعير ينبذ حتى يشتد، قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعطى جوامع الكلم بخواتيمه فقال صلى الله عليه وسلم: "كل مسكر حرام" وقال صلى الله عليه وسلم: "ما أسكر كثيره فقليله حرام"، ولم يفرق صلى الله عليه وسلم بين نوع ونوع ككونه مأكولاً أو مشروباً على أن الخمر قد تؤكل بالخبز، والحشيشة قد تذاب وتشرب انتهى كلام الذهبي. هذا آخر كلام ابن حجر المكي ملخصاً.
قلت قول ابن حجر المكي هذا مبالغة عظيمة، فإنه عد العنبر والزعفران من المسكرات وجعل استعمالها من الكبائر كالخمر، وهذا كلام باطل وساقط الاعتبار، ولم يثبت

(10/99)


...................................
ـــــــ
قط عن الأئمة القدماء من العلماء بالنبات سكرهما كما سيجيء وقد عرفت معنى السكر من أقوال العلماء، وليس في تعريف السكر تغطية العقل بنوع ما كما فهمه ابن حجر المكي، بل بوجه يعطل عقله المميز بين الأمور الحسنة والقبيحة أو مع ذلك يحصل له به الطرب والنشاط والعربدة وغير ذلك. وقوله وبما قررته في معنى الإسكار في هذه المذكورات علم أنه لا ينافى أن هذه المذكورات تسمى مخدرة.
قلت: لم يثبت قط أن كل المذكورات بأجمعها فيها سكر، وثبت في محله أن السكر غير الخدر فإطلاق السكر على الخدر غير صحيح، فإن الخدر هو الضعف في البدن والفتر الذي يصيب الشارب قبل السكر كما صرح به ابن الأثير في النهاية فأنى يصح القول بأن هذه المذكورات تسمى مسكرة ومخدرة.
وقوله: والأصل في تحريم كل ذلك ما رواه أحمد وأبو داوود إلى آخره.
قلت: إنا نسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كل مسكر ومفتر، بل ونهى عن كل مخدر أيضاً، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أن ما أسكر كثيره فقليله منه حرام، وما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أن ما أفتر كثيره فقليله منه حرام أو ما خدّر كثيره فقليله منه حرام، وليس المسكر والمخدر والمفتر شيئاً واحداً، والذي يسكر فكثيره وقليله سواء في الحرمة، والذي يفتر أو يخدر فلا يحرم منهما إلا قدر التفتير أو قدر التخدير.
ويؤيده ما أخرجه أبو نعيم كما في كنز العمال عن الحكم بن عتيبة عن أنس بن حذيفة صاحب البحرين قال "كتبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الناس قد اتخذوا بعد الخمر أشربة تسكرهم كما تسكر الخمر من التمر والزبيب يصنعون ذلك في الدباء والنقير والمزفت والحنتم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كل شراب أسكر حرام، والمزفت حرام، والنقير حرام، والحنتم حرام، فاشربوا في القرب وشدوا الأوكية، فاتخذ الناس في القرب ما يسكر، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقام في الناس فقال إنه لا يفعل ذلك إلا أهل النار، ألا إن كل مسكر حرام، وكل مفتر وكل مخدر حرام، وما أسكر كثيره فقليله حرام.
وفي رواية لأبي نعيم عن أنس بن حذيفة "ألا إن كل مسكر حرام وكل مخدر حرام وما أسكر كثيره حرم قليله وما خمر العقل فهو حرام انتهى" فانظر رحمك الله تعالى وإياي بعين الإنصاف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ألا إن كل مسكر حرام، وكل مفتر وكل مخدر حرام، وما أسكر كثيره فقليله حرام" فالنبي صلى الله عليه وسلم صرح أولاً بالحرمة على كل من المسكر والمفتر والمخدر ثم عقّبَ

(10/100)


...................................
ـــــــ
بقوله: "إن ما أسكر كثيره فقليله حرام" وما قال أن ما أفتر كثيره فقليله حرام أو ما خدّر كثيره فقليله حرام، والسكوت عن البيان في وقت الحاجة لا يجوز، فذكر النبي صلى الله عليه وسلم حرمة هذه الأشياء الثلاثة في وقت واحد، ثم في ذكره لحرمة قليل من المسكر وعدم ذكره لحرمة قليل من المفتر والمخدر أبين دليل وأصرح بيان على أن حكم قليل من المفتر وحكم قليل من المخدر غير حكم قليل من المسكر، فإن قليلاً من المسكر يحرم، وقليلاً من المخدر والمفتر لا يحرم والله أعلم.
وقوله إن الإسكار يطلق ويراد به مطلق تغطية العقل وهذا إطلاق أعم.
قلت: إن أراد بتغطية العقل وفتر الأعضاء واسترخائها فهو يسمى مخدراً ولا يسمى بمسكر، وإن أراد بتغطية العقل مخامرة العقل بحيث لايستطيع الإنسان العمل بموجب عقله ولا يتميز بين الأمور الحسنة والقبيحة فهو يسمى مسكراً ولا يسمى مخدراً.
وقوله فعلى الإطلاق الأول بين المسكر والمخدر عموم مطلق.
قلت: إذا ثبت أن المسكر غير المخدر فلا يقال بينهما عموم مطلق، فإن النعاس مقدمة النوم، فمن نعس لا يقال له إنه نائمٌ فليس كل مخدر مسكراً كما ليس كل مسكر مخدراً، ويؤيده ما أخرجه ابن راهويه كما في كنز العمال عن سفيان بن وهب الخولاني، قال: كنت مع عمر بن الخطاب بالشام فقال أهل الذمة أنك كلفتنا وفرضت علينا أن نرزق المسلمين العسل ولا نجده، فقال عمر إن المسلمين إذا دخلوا أرضاً فلم يوطنوا فيها اشتد عليهم أن يشربوا الماء القراح فلا بد لهم مما يصلحهم، فقالوا إن عندنا شراباً نصلحه من العنب شيئاً يشبه العسل، قال فأتوا به فجعل يرفعه بأصبعه فيمده كهيئة العسل فقال كأن هذا طلاء الإبل، فدعا بماء فصبه عليه ثم خفض فشرب منه وشرب أصحابه وقال ما أطيب هذا فارزقوا المسلمين منه فأرزقوهم منه، فلبث ما شاء الله، ثم إن رجلاً خدر منه فقام المسلمون فضربوه بنعالهم وقالوا سكران، فقال الرجل لا تقتلوني فوالله ما شربت إلا الذي رزقنا عمر، فقام عمر بين ظهراني الناس فقال يا أيها الناس إنما أنا بشر لست أحل حراماً ولا أحرم حلالاً، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض فرفع الوحي، فأخذ عمر بثوبه فقال إني أبرأ إلى الله من هذا أن أحل لكم حراماً فاتركوه فإني أخاف أن يدخل الناس فيه مدخلاً، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كل مسكر حرام فدعوه.
فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد فرّق بين السكر والخدر، وما زجر للرجل الذي تخدّر بعد شرب الطلاء قائلاً بأنك شربت المسكر بل قال للضاربين له اتركوه، ثم قال عمر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كل مسكر حرام" . ولما كان عند عمر رضي الله عنه الفرق بين

(10/101)


...................................
ـــــــ
السكر والخدر أمر محقق قال هذا القول واحتج بهذا الحديث على التفرقة بينهما إطلاقاً، وعلى أن كل مسكر حرام، وليس كل مخدر حراماً، فهذا الأثر واستدلال عمر رضي الله عنه بهذا الحديث يدل على التفرقة بين السكر والخدر إطلاقاً، وعلى أن الحرمة ليست مشتركة بين المسكر والمخدر، وإنما عمر رضي الله عنه ذهب إلى إن المخدر ليس كالمسكر في الحرمة لعدم بلوغه الخبر، وهو نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم له عن كل مسكر ومفتر أو لعدم صحة هذا الخبر عنده، وعلى كل حال فرق عمر رضي الله عنه بين المخدر والمسكر وإن كان المخدر عنده مسكراً لما سكت عن الرجل ولما أمر بترك ضربه.
وأخرجه النسائي مختصراً من طريق سويد بن غفلة قال كتب عمر بن الخطاب إلى بعض عماله أن أرزق المسلمين من الطلاء ما ذهب ثلثاه وبقي ثلثه.
وأخرج مالك في الموطأ حديث شرب الطلاء بنحو آخر عن محمود بن لبيد الأنصاري أن عمر بن الخطاب حين قدم الشام فشكى إليه أهل الشام وباء الأرض وثقلها وقالوا لا يصلحنا إلا هذا الشراب، فقال عمر اشربوا العسل، فقالوا لا يصلحنا العسل، فقال رجل من أهل الأرض هل لك أن تجعل لنا من هذا الشراب شيئاً لا يسكر؟ قال نعم فطبخوه حتى ذهب منه الثلثان وبقي الثلث، فأتوا به عمر فأدخل فيه عمر أصبعه ثم رفع يده فتبعها يتمطط فقال هذا الطلاء هذا مثل طلاء الإبل، فأمرهم عمر أن يشربوه، فقال له عبادة بن الصامت أحللتها والله، فقال عمر كلا والله اللهم إني لا أحل لهم شيئاً حرمته عليهم، ولا أحرم عليهم شيئاً أحللته لهم انتهى.
قلت: الطلاء بكسر الطاء المهملة والمد هو ما طبخ من العصير حتى يغلظ، وشبه بطلاء الإبل وهو القطران الذي يطلى به الجرب، كذا في مقدمة الفتح. وهذا الأثر فيه دليل على الذي أحله عمر رضي الله عنه من الطلاء، والمثلث العنبي ما لم يكن يبلغ حد الإسكار والتخدير عنده ليس في حكم الإسكار، فلذا شرب عمر بنفسه الطلاء وأمر إلى عماله أن ارزق المسلمين من الطلاء، وما زجر الرجل الذي حصل له من شربه الخدر وما تعرض له عمر رضي الله عنه على هذا الفعل كما تقدم.
وأما إذا بلغ الطلاء حد الإسكار فلم يحل عند عمر رضي الله عنه كما أخرج مالك في الموطأ عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد أنه أخبره أن عمر بن الخطاب خرج عليهم فقال إني وجدت من فلان ريح شراب، فزعم أنه شراب الطلاء، وأنا سائل عما شرب، فإن كان يسكر جلدته، فجلده عمر بن الخطاب الحد تاماً انتهى أي ثمانين جلدة. وفلان هو ابنه عبيد الله بضم العين كما في البخاري.

(10/102)


...................................
ـــــــ
ورواه سعيد بن منصور عن ابن عيينة عن الزهري عن السائب وسماه عبيد الله وزاد قال ابن عيينة فأخبرني معمر عن الزهري عن السائب قال فرأيت عمر يجلده كذا في شرح الزرقاني.
وفيه دليل على أن المثلث العنبي إذا أسكر يصير حراماً قليله وكثيره فيه سواء، ولذلك لم يستفصل عمر رضي الله عنه هل شرب منه قليلاً أو كثيراً. قال الحافظ: والذي أحله عمر من الطلاء ما لم يكن يبلغ حد الإسكار فإذا بلغ لم يحل عنده انتهى.
وفي المحلى شرح الموطأ وفي رواية محمود بن لبيد عن عمر دلالة على حل المثلث العنبي لأنه في تلك الحالة غالباً لا يسكر، فإن كان يسكر حرم، وعلى ذلك يحمل الطلاء الذي حد عمر شاربه انتهى.
والحاصل أن الطلاء لا يسكر إن اشتد وأحياناً يخدر، وعمر رضي الله عنه شرب الطلاء وأمر الناس بشربه ما لم يكن يبلغ حد الإسكار، فلما بلغ حد الإسكار ضرب الحد لشاربه لكونه شارباً للمسكر، وأما من خدر بشربه فما قال له عمر رضي الله عنه شيئاً للفرق عنده بين المسكر والمخدر وإن كان عنده شيء واحد لضرب الحد على شارب المخدر كما ضرب الحد على شارب المسكر والله أعلم وعلمه أتم.
وأما الكلام على الزعفران والعنبر خصوصاً على طريق الطب فأقول إن كيفيات الأدوية وأفعالها وخواصها لا تثبت على بدن الإنسان ببرهان إنى ولا ببرهان لمى بل تثبت أفعالها وخواصها بالتجارب، وقد ثبت بالتجربة أن العنبر يقوي الحواس وأما سائر الأشياء المسكرة فينتشر في الحواس فالقول بسكر العنبر من عجب العجاب، ومن أباطيل الأقوال ومخالف لكلام القدماء الأطباء بأسرها، فإن واحداً منهم ما ذهب إلى سكره.
قال الشيخ في القانون: عنبر ينفع الدماغ والحواس وينفع القلب جداً. انتهى مختصراً.
وفي التذكرة للشيخ داوود: عنبر ينفع سائراً أمراض الدماغ الباردة طبعاً وغيرها خاصية ومن الجنون والشقيقة والنزلات وأمراض الأذن والأنف وعلل الصدر والسعال شماً وأكلاً وكيف كان فهو أجل المفردات في كل ما ذكر شديد التفريح خصوصاً بمثله بنفسج ونصفه صمغ أو في الشراب مفرداً، ويقوى الحواس ويحفظ الأرواح انتهى مختصراً.
وقد ثبت بالتجربة أن الزعفران يفرح القلب فرحاً شديداً ويقويها ولا يسكر أبداً وأن

(10/103)


...................................
ـــــــ
يستعمل على الزائد على القدر المعين، نعم استعماله على القدر الزائد ينشأ الفتر ولينة الأعضاء على رأي البعض.
وقد ثبت بالتجربة وصح عن أئمة الطب أن كل المفرحات المطيبات أن يختلط بالأشربة المسكرة فإنها تزداد قوة السكر. ومن قال إن الزعفران يسكر مفرداً فقد أخطأ وإنما صدر هذا القول منه تقليداً للعلامة علاء الدين علي القرشي من غير تجربة ولا بحث فإنه قال في موجز القانون والنفيسي في شرحه والمسكرات بسرعة كالتنقل بجوز الطيب ونقعه في الشراب وكذلك العود الهندي والشيلم وورق القنب الزعفران وكل هذه يسكر مفرده فكيف مع الشراب، وأما البنج واللفاح والشوكران والأفيون فمفرط في الإسكار انتهى.
وقال القرشي في شرح قانون الشيخ: الزعفران يقوي المعدة والكبد ويفرح القلب ولأجل لطافة أرضيته يقبل التصعد كثيراً، فلذلك يصدع ويسكر بكثرة ما يتصعد منه إلى الدماغ انتهى.
وقوله يسكر بكثرة ما يتصعد منه إلى الدماغ ظن محض من العلامة القرشي وخلاف للواقع، وأن الأطباء القدماء قاطبة قد صرحوا بأنه يسكر إذا جعل في الشراب ولم ينقل عن واحد منهم أنه ذهب إلى سكره مفرداً أو مع استهلاك الطعام.
هذا ابن بيطار الذي ينتهى إليه الرياسة في علم الطب ذكر الزعفران في جامعه، ونقل أقوال الأئمة القدماء بكثرة وأطال الكلام فيه بما لا مزيد عليه وما ذكر عن واحد منهم أن الزعفران يسكر مفرداً، فقال الزعفران تحسن اللون وتذهب الخمار إذا شرب بالميفختج، وقد يقال إنه يقتل إذا شرب منه مقدار وزن ثلاثة مثاقيل بماء، وله خاصية شديدة عظيمة في تقوية جوهر الروح وتفريحه.
وقال الرازي في الحاوي: وهو يسكر سكراً شديداً إذا جعل في الشراب، ويفرح حتى إنه يأخذ منه الجنون من شدة الفرح. انتهى كلام ابن بيطار مختصراً.
وهذا الشيخ الرئيس أبو علي إمام الفن قال في القانون: الزعفران حار يابس قابض محلل مصدع يضر الرأس ويشرب بالميفختج للخمار، وهو منوم مظلم للحواس إذا سقي في الشراب أسكر حتى يرعن مقو للقلب مفرح. قيل إن ثلاثة مثاقيل منه تقتل بالتفريح. انتهى ملخصاً مختصراً.
وهذا علي بن العباس إمام الفن بلا نزاع قال في كامل الصناعة في الباب السابع

(10/104)


...................................
ـــــــ
والثلاثين: الزعفران حار يابس لطيف مجفف تجفيفاً مع قبض يسير، ولذلك صار يدر البول وفيه منضجة وينفع أورام الأعضاء الباطنة إذا شرب وضمد به من خارج ويفتح السدد التي في الكبد أو في العروق ويقوي جميع الأعضاء الباطنة وينفذ الأدوية التي يخلط بها إلى جميع البدن انتهى.
وقال الشيخ داوود الأنطاكي في تذكرته: الزعفران يفرح القلب، ويقوي الحواس، ويهيج شهوة الباه فيمن يئس منه، ولو شماً، ويذهب الخفقان في الشراب، ويسرع بالسكر على أنه يقطعه إذا شرب بالميفختج عن تجربة انتهى.
وقال الأقصرائي: زعفران يسر مع الشراب جداً حتى يرعن أي يورث الرعونة، وهي خفة العقل، وقيل: إن ثلاثة مثاقيل من الزعفران يقتل بالتفريح انتهى.
فمن أين قال العلامة القرشي: إن الزعفران يسكر مفرداً أيضاً، هل حصلت له التجربة على أنه يسكر مفرداً، كلا بل ثبت بالتجربة أنه لا يسكر إلا مع الشراب.
وقد سألت غير مرة من أدركنا من الأطباء الحذاق أصحاب التجربة والعلم والفهم، فكلهم اتفقوا على أنه لا يسكر مفرداً، بل قالوا إن القول بالسكر غلط وحكى لي شيخنا العلامة الدهلوي في سنة أربع وتسعين بعد الألف والمائتين من الهجرة النبوية أن قبل ذلك بأربعين سنة أو أكثر من ذلك جرى الكلام في مسألة الزعفران بين الأطباء والعلماء، فتحقق الأمر على أن الزعفران ليس بمسكر وإنما فيه تفتير، واتفق عليه آراء الأطباء والعلماء كافة، على أن الفرق بين حكم المائعات والجامدات محقق بين الأئمة الأحناف انتهى.
وقد أطنب الكلام في مسألة الزعفران الفاضل السيد رحمه الله في كتابه دليل الطالب فقال إن ثبت السكر في الزعفران فهو مسكر، ون ثبت التفتير فقط فهو مفتر انتهى حاصله.
قلت: ذلك الفاضل رحمه الله تعالى تردد في أمر الزعفران ولم يترجح له سكر وقيل: إن الرجل إن دخل في الأرض التي فيها زرع الزعفران لا يملك نفسه من شدة الفرح بل يخر مغشياً عليه وهذا قول غلط باطل لا أصل له، وقد كذب قول هذا القائل وغلطه بعض الثقات من أهل الكشمير وكان صاحب أرض وزرع للزعفران والله أعلم بالصواب.
وإن شاء ربي سأفصل الكلام على الوجه التمام في هذه المسألة في رسالة مستقلة أسميها بغاية البيان في حكم استعمال العنبر والزعفران والله الموفق.

(10/105)


...................................
ـــــــ
وحديث الباب قال الإمام المنذري: فيه شهر بن حوشب وثقه الإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وتكلم فيه غير واحد، والترمذي يصحح حديثه انتهى.
وقال الشوكاني في بعض فتاواه هذا حديث صالح للاحتجاج به لأن أبا داوود سكت عنه، وقد روى عنه أنه لا يسكت إلا عما هو صالح للاحتجاج به وصرح بمثل ذلك جماعة من الحفاظ مثل ابن الصلاح، وزين الدين العراقي، والنووي وغيرهم. وإذا أردنا الكشف عن حقيقة رجال إسناده فليس منهم من هو متكلم فيه إلا شهر بن حوشب وقد اختلف في شأنه أئمة الجرح والتعديل، فوثقه الإمام أحمد ويحيى بن معين وهما إماما الجرح والتعديل ما اجتمعا على توثيق رجل إلا وكان ثقة، ولا على تضعيف رجل إلا وكان ضعيفاً، فأقل أحوال حديث شهر المذكور أن يكون حسناً والترمذي يصحح حديثه كما يعرف ذلك من له ممارسة بجامعه انتهى.
قلت: قال مسلم في مقدمة صحيحه: سئل ابن عون عن حديث الشهر وهو قائم على اسكفة الباب فقال إن شهراً تركوه إن شهراً تركوه انتهى.
قال النووي في شرحه: إن شهراً ليس متروكاً بل وثقه كثيرون من كبار أئمة السلف أو أكثرهم، فممن وثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وآخرون. وقال أحمد بن حنبل: ما أحسن حديثه ووثقه. وقال أحمد بن عبد الله العجلي: هو تابعي ثقة. وقال ابن أبي خيثمة عن يحيى بن معين هو ثقة ولم يذكر ابن أبي خيثمة غير هذا، وقال أبو زرعة لا بأس به. وقال الترمذي قال محمد يعني البخاري شهر حسن الحديث وقوي أمره وقال إنما تكلم فيه ابن عون، وقال يعقوب بن شيبة شهر ثقة. وقال صالح بن محمد: شهر روى عنه الناس من أهل الكوفة وأهل البصرة وأهل الشام ولم يوقف منه على كذب، وكان رجلاً ينسك أي يتعبد إلا أنه روى أحاديث ولم يشركه فيها أحد، فهذا كلام هؤلاء الأئمة في الثناء عليه.
وأما ما ذكر من جرحه أنه أخذ خريطة من بيت المال فقد حمله العلماء المحققون على محل صحيح. وقول أبي حاتم بن حبان إنه سرق من رفيقه في الحج عليه غير مقبول عند المحققين بل أنكروه والله أعلم انتهى.
وقال الذهبي في الميزان: شهر بن حوشب الأشعري عن أم سلمة وأبي هريرة وجماعة، وعنه قتادة وداوود بن أبي هند وعبدالحميد بن بهرام وجماعة.
قال أحمد: روى عن أسماء بنت يزيد أحاديث حساناً، وروى ابن أبي خيثمة ومعاوية بن

(10/106)


...................................
ـــــــ
أبي صالح عن ابن معين ثقة، وقال أبو حاتم: ليس هو بدون أبي الزبير ولا يحتج به وقال أبو زرعة لا بأس به. وروى النضر بن شميل عن ابن عون قال: إن شهراً تركوه. وقال النسائي وابن عدي: ليس بالقوي. وقال الدولابي: شهر لا يشبه حديثه حديث الناس. وقال الفلاس: كان يحيى بن سعيد لا يحدث عن شهر وكان عبد الرحمن يحدث عنه وقال ابن عون لمعاذ بن معاذ: إن شعبة قد ترك شهراً. وقال علي بن حفص المدايني: سألت شعبة عن عبدالحميد بن بهرام فقال صدوق إلا أنه يحدث عن شهر. وقال أبو عيسى الترمذي: قال محمد وهو البخاري: شهر حسن الحديث وقوي أمره. وقال أحمد بن عبد الله العجلي ثقة شامي. وروى عباس عن يحيى ثبت. وقال يعقوب بن شيبة شهر ثقة طعن فيه بعضهم. وقال ابن عدي: شهر ممن لا يحتج به. قال الذهبي: وقد ذهب إلى الاحتجاج به جماعة، فقال حرب الكرماني عن أحمد ما أحسن حديثه ووثقه وهو حمصي. وروى حنبل عن أحمد ليس به بأس. وقال النسوي: شهر وإن تكلم فيه ابن عون فهو ثقة.
وقال صالح جزرة قدم على الحجاز فحدث بالعراق ولم يوقف منه على كذب وكان رجلاً منسكاً، وتفرد ثابت عنه عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كل مسكر ومفتر. انتهى كلام الذهبي ملخصاً.
ثم أعلم رحمك الله تعالى أن المباشرة بالأشياء المسكرة المحرمة بأي وجه كان لم يرخصها الشارع بل نهى عند أشد النهي.
أخرج الشيخان وأصحاب السنن عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل مسكر خمر وكل مسكر حرام" .
وعن أنس بن مالك قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر عشرة: "عاصرها ومعتصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وساقيها وبائعها وآكل ثمنها والمشتري لها والمشتراة له" رواه ابن ماجه والترمذي واللفظ له، وقال حديث غريب، قال المنذري في الترغيب: ورواته ثقات.
وعن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لعن الله الخمر وشاربها وساقيها ومبتاعها وبائعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه" رواه أبو داوود واللفظ له، وابن ماجه وزاد "وآكل ثمنها".
فإن كان في العنبر والمسك والزعفران والعود سكر لزجر النبي صلى الله عليه وسلم عن استعمالها

(10/107)


...................................
ـــــــ
ومباشرتها بجميع الوجوه كلها كما فعل بالأشربة المسكرة، لكن لم يثبت قط عنه صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن استعمال الزعفران والعنبر والمسك والعود لأجل سكرها بل كان وجودها زمن النبي صلى الله عليه وسلم واستعملها النبي صلى الله عليه وسلم ثم الصحابة في حضرته وكذا بعده.
أخرج النسائي وأبو داوود عن ابن عمر "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبس النعال السبتية ويصفر لحيته بالورس والزعفران وكان ابن عمر يفعل ذلك" وأخرج النسائي أيضاً عن عبد الله بن زيد عن أبيه "أن ابن عمر كان يصبغ ثيابه بالزعفران، فقيل له فقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبغ".
وأخرج مالك عن نافع "أن عبد الله بن عمر كان يلبس الثوب المصبوغ بالمِشْق والمصبوغ بالزعفران".
وفي الموطأ أيضاً عن يحيى بن سعيد أنه قال "بلغني أن أبا بكر الصديق قال لعائشة وهو مريض في كم كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت في ثلاثة أثواب بيض سَحوليةٍ، فقال أبو بكر الصديق خذوا هذا الثوبَ لثوب عليه قد أصابه مِشْق أو زعفران فاغسلوه ثم كفنوني فيه مع ثوبين آخرين" الحديث.
وأخرج الشيخان وأصحاب السنن عن أنس قال "نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزعفر الرجل" قال الزرقاني: وفي أن النهي للونه أو لرائحته تردد لأنه للكراهة، وفعله لبيان الجواز أو النهي محمول على تزعفر الجسد لا الثوب أو على المحرم بحج أو عمرة لأنه من الطيب وقد نهى المحرم عنه انتهى.
وفي المرقاة أي نهى أن يستعمل الزعفران في ثوبه وبدنه لأنه عادة النساء انتهى ويجيء تحقيقه في كتاب اللباس.
وفي شرح الموطأ قال مالك: لا بأس بالمزعفر لغير الإحرام وكنت ألبسه انتهى.
وأخرج النسائي من طريق عبد الله بن عطاء الهاشمي عن محمد بن علي قال "سألت عائشة أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتطيّب؟ قالت نعم بذكارة الطيب والمسك والعنبر".
وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن امرأة من بني إسرائيل اتخذت خاتماً من ذهب وحَشَتْه مسكاً قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أطيب الطيب" وأخرج النسائي من طريق مخرمة عن أبيه عن نافع قال "كان ابن عمر إذا استجمر استجمر بالألُوّةِ غير مُطّرَاةٍ وبكافور يطرحه مع الألوة ثم قال هكذا كان يستجمر رسول الله صلى الله عليه وسلم" والله أعلم.

(10/108)


3682 - حدثنا مُسَدّدٌ وَ مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ قالا أخبرنا مَهْدِيّ يَعْني ابنَ مَيْمُونٍ - قال أخبرنا أبُو عُثْمانَ قال مُوسَى - وَهُوَ عَمْرُو بنُ سَلْمٍ [سالم] الأنْصَارِيّ - عن الْقَاسِمِ عن عَائِشَةَ قالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "كُلّ مُسْكِر حَرامٌ، وَمَا أسْكَرَ مِنْهُ الْفَرْقُ فَمِلءُ الكَفّ مِنْهُ حَرامٌ" .
ـــــــ
"ما أسكر منه الفرق" قال الخطابي: الفرق مكيلة تسع ستة عشر رطلاً. وقال في النهاية: الفرق بالفتح مكيال يسع ستة عشر رطلاً وهي اثنا عشر مداً وثلاثة أصوع عند أهل الحجاز، وقيل الفرق خمسة أقساط القسط نصف صاع، فأما الفرق بالسكون فمائة وعشرون رطلاً ومنه الحديث" ما أسكر منه الفرق فالحسو منه حرام "فملء الكف منه حرام" قال الطيبي: الفرق وملأ الكف عبارتان عن التكثير والتقليل لا التحديد.
قال الخطابي: وفي هذا أبين البيان أن الحرمة شاملة لجميع أجزاء الشراب المسكر.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال هذا حديث حسن، والأمر كما ذكره فإن رواية جميعهم محتج بهم في الصحيحين سوى أبي عثمان عمرو، ويقال عمرو بن سالم الأنصاري مولاهم المدني ثم الخراساني وهو مشهور ولي القضاء بمرو ورأى عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس وسمع من القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وعنه روى الحديث، روى عنه غير واحد ولم أر أحداً قال فيه كلاماً.

(10/109)


6- باب في الداذي [الباذق]
3683 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ قال أخبرنا زَيْدُ بنُ الْحُبَابِ قال أخبرنا
ـــــــ
"باب في الداذي"
بدال مهملة وبعد الألف ذال معجمة. قال الأزهري: هو حب يطرح في النبيذ فيشتد حتى يسكر.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
ولفظ حديث ابن ماجه الذي أشار إليه المنذري "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها يعزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير" .

(10/109)


مُعَاوِيَةُ بنُ صَالحٍ عن حَاتِمِ بنِ حُرَيْثٍ عن مَالِكِ بنِ أبي مَرْيَمَ قال: دَخَلَ عَلَيْنَا عبد الرحمن بنُ غَنْمٍ فَتَذَاكَرْنَا الطّلاَءَ فقال حدّثني أبُو مَالِكٍ الأشْعَرِيّ أنّهُ سَمِعَ رَسُولَ لله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "لَيَشْرَبَنّ نَاسٌ مِنْ أُمّتِي الْخَمْرَ يُسَمّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا".
ـــــــ
"فتذاكرنا الطلاء" بالكسر والمد الشراب الذي يطبخ حتى يذهب ثلثاه ويسمي البعض الخمر طلاء قاله في المجمع "ليشربن" أي والله ليشربن "يسمونها بغير اسمها" قال التوربشتي: أي يتسترون في شربها بأسماء الأنبذة. وقال ابن الملك: أي يتوصلون إلى شربها بأسماء الأنبذة المباحة كماء العسل وماء الذرة ونحو ذلك ويزعمون أنه غير محرم، لأنه ليس من العنب والتمر، وهم فيه كاذبون لأن كل مسكر حرام. قال القاري: فالمدار على حرمة المسكر فلا يضر شرب القهوة المأخوذة من قشر شجر معروف حيث لا سكر فيها مع الإكثار منها وإن كانت القهوة من أسماء الخمر، لأن الاعتبار بالمسى كما في نفس الحديث إشارة إلى ذلك، وأما التشبه بشرب الخمر فهو منهى عنه إذا تحقق ولو في شرب الماء واللبن وغيرهما انتهى.
ـــــــ
وقد أخرج ابن ماجه أيضا من حديث ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أبي أمامة يرفعه لا تذهب الليالي والأيام حتى يشرب طائفة من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها وأخرجه أيضا من حديث ابن محيريز عن ثابت بن السمط عن عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال البخاري في صحيحه: باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه وقال هشام بن عمار: حدثنا صدقة بن خالد حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر حدثنا عطية بن قيس الكلاعي قال حدثني عبد الرحمن بن غنم الأشعري قال حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري والله ما كذبني سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الخز والحرير والخمر والمعازف ولينزلن أقوام إلى جنب علم يروح عليهم بسارحة لهم تأتيهم الحاجة فيقولون: ارجع إلينا غدا فيبيتهم الله ويضع العلم ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة" .
وقد طعن ابن حزم وغيره في هذا الحديث وقالوا لا يصح لأنه منقطع لم يذكر البخاري من حدثه به وإنما قال: وقال هشام بن عمار وهذا القدح باطل من وجوه.
أحدها : أن البخاري قد لقي هشام بن عمار وسمع منه فإذا روى عنه معنعنا حمل على الاتصال اتفاقا لحصول المعاصرة والسماع فإذا قال قال هشام لم يكن فرق بينه وبين قوله عن هشام أصلا.
الثاني : أن الثقات الأثبات قد رووه عن هشام موصولا قال الإسماعيلي في صحيحه أخبرني الحسن حدثنا هشام بن عمار بإسناده ومتنه والحسن هو ابن سفيان.

(10/110)


قالَ أَبُو دَاوُدَ: حدثنا شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ وَاسِطَ قال حدثنا أبُو مَنْصُورٍ الْحَارِثُ بنُ مَنْصُورٍ قال سَمِعْتُ سُفْيَانَ الثّوْرِيّ، وَسُئِلَ عن الدّاذيّ، فقالَ قال رَسُولُ لله صلى الله عليه وسلم: "لَيَشْرَبَنّ نَاسٌ مِنْ أُمّتِي الْخَمْرَ [تستحل من أمتي الخمر] يُسَمّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقال سُفَيَانُ الثّوْرِيّ: الدّاذِيّ شَرَابُ الْفَاسِقِينَ.
ـــــــ
قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه أتم من هذا. وفي إسناده حاتم بن حريث الطائي الحمصي سئل عنه أبو حاتم الرازي فقال شيخ، وقال يحيى بن معين لا أعرفه انتهى "حدثنا شيخ من أهل واسط" الحديث ليس من رواية اللؤلؤي.
ـــــــ
الثالث : أنه قد صح من غير حديث هشام قال الإسماعيلي في الصحيح حدثنا الحسن حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم حدثنا بشر حدثنا ابن جابر عن عطية بن قيس قال قام ربيعة الجرشي في الناس فذكر حديثا فيه طول قال فإذا عبد الرحمن بن غنم فقال يمينا حلفت عليها حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري والله يمينا أخرى حدثني أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ليكونن في أمتي قوم يستحلون الخمر" وفي حديث هشام "الخمير والحرير" وفي حديث دحيم "الخز والحرير والخمر والمعازف" فذكر الحديث ورواه عثمان بن أبي شيبة حدثنا زيد بن الحباب قال أخبرني معاوية بن صالح حدثني حاتم بن حريث عن مالك بن أبي مريم قال تذاكرنا الطلاق فدخل علينا عبد الرحمن بن غنم فقال حدثني أبو مالك الأشعري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث بلفظه.
الرابع : أن البخاري لو لم يلق هشاما ولم يسمع منه فإدخاله هذا الحديث في صحيحه وجزمه به يدل على أنه ثابت عنده عن هشام فلم يذكر الواسطة بينه وبينه إما لشهرتهم وإما لكثرتهم فهو معروف مشهور عن هشام تغني شهرته به عن ذكر الواسطة.
الخامس : أن البخاري له عادة صحيحة في تعليقه وهي حرصه على إضافته الحديث إلى من عقله عنه إذا كان صحيحا عنده فيقول: "وقال فلان" وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان فيه علة قال ويذكر عن فلان أو ويذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن استقرأ كتابه علم ذلك وهنا قد جزم بإضافة الحديث إلى هشام فهو صحيح عنده.
السادس : أنه قد ذكره محتجا به مدخلا له في كتابه الصحيح أصلا لا استشهادا فالحديث صحيح بلا ريب.

(10/111)


7- باب في الأوعية
3684 - حدثنا مُسَدّدٌ قال أخبرنا عَبْدُ الْوَاحِدِ بنُ زِيَادٍ قال أخبرنا مَنْصُورُ بنُ حَيّانَ عن سَعيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عُمَرَ وَ ابنِ عَبّاسٍ قالا: نَشْهَدُ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهَى عن الدّبّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالمُزَفّتِ وَالنّقيرِ .
3685 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ وَ مُسْلِمُ بنُ إِبراهِيمَ المَعْنى قالا أخبرنا جَرِيرٌ عن يَعْلَى - يَعني ابنَ حَكِيمٍ - عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ قال سَمِعْتُ عبد الله بنَ عُمَرَ يَقُولُ: حَرّمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم نَبِيذَ الْجَرّ فَخَرَجْتُ فَزَعاً مِن قَوْلِهِ: حَرّمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم نَبِيذَ الْجَرّ فَدَخَلْتُ عَلَى ابنِ عَبّاسِ فَقُلْتُ: أمَا [ألا] تَسْمَعُ مَا يَقُولُ ابنُ عُمَرَ؟ قال وَمَا ذَاكَ؟ قُلْتُ قال: حَرّمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم نَبِيذَ الْجَرّ. قال: صَدَقَ، حَرّمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم نَبِيذَ الْجَرّ. قُلْتُ: مَا الْجَرّ؟ قال: كُلّ شَيْء يُصْنَعُ مِنْ مَدَرٍ.
ـــــــ
"باب في الأوعية"
جمع وعاء بالكسر. "نهى عن الدباء" ممدوداً ويقصر أي عن ظرف يعمل منه "والحنتم" الجرة الخضراء "والمزفت" بتشديد الفاء المفتوحة المطلي بالزفت وهو القير "والنقير" أي المنقور من الخشب.
قال الخطابي: وإنما نهى عن هذه الأوعية لأن لها ضراوة ويشتد فيها النبيذ ولا يشعر بذلك صاحبها فيكون على غرر من شربها.
وقد اختلف الناس في هذا فقال قائلون: كان هذا في صدر الإسلام ثم نسخ بحديث بريدة الأسلمي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "كنت نهيتكم عن الأوعية فاشربوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكراً" وهذا أصح الأقاويل، وقال بعضهم الحظر باق وكرهوا أن ينبذ في هذه الأوعية، وإليه ذهب مالك بن أنس وأحمد بن حنبل وإسحاق وقد روى ذلك عن ابن عمر وابن عباس انتهى قلت: حديث بريدة أخرجه مسلم. قال المنذري: وأخرجه مسلم.
"حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم نبيذ الجر" بفتح الجيم وتشديد الراء جمع جرة كتمر جمع تمرة وهو بمعنى الجرار الواحدة جرة، ويدخل فيه جميع أنواع الجرار من الحنتم وغيره "فزعا" بفتحتين. قال في القاموس: الفزع الزّعْرُ والفرَقُ "من قوله حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم" قوله حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم بدل من قوله "قال صدق" بتخفيف الدال والضمير لابن عمر "كل شيء يصنع من مدر" بفتح الميم

(10/112)


...........................
ـــــــ
والدال الطين المجتمع الصلب. كذا في النهاية. هذا تصريح أن الجر يدخل فيه جميع أنواع الجرار المتخذة من المدر الذي هو التراب والطين يقال مدرت الحوض أمدره إذا أصلحته بالمدر وهو الطين من التراب.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي.

(10/113)


8- باب حديث وفد عبد القيس1
3686 - حدثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ وَ مُحمّدُ بنُ عُبَيْدٍ قالا أخبرنا حَمّادٌ ح. وحدثنا مُسَدّدٌ قال أخبرنا عَبّادُ بنُ عَبّادٍ عن أبي جَمْرَةَ قال سَمِعْتُ ابنَ عَبّاسٍ يَقُولُ، وقال مُسَدّدٌ عن ابنِ عَبّاسٍ، وَهَذَا حَدِيثُ سُلَيْمانَ قال: قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فقالُوا: يَارَسُولَ الله إنّا هَذَا الْحَيّ مِنْ رَبِيعَةَ قَدْ حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفّارُ مُضَرَ وَلَيْسَ [لسنا] نَخْلُصُ إلَيْكَ إلاّ في شَهْرٍ حَرَامٍ، فَمُرْنَا بِشَيْءٍ نَأْخُذُ بِهِ وَنَدْعُو إلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنَا. قال: "آمُرُكُم بِأَرْبَعٍ وَأَنْهَاكُم عن أرْبَعٍ: الإيمَانُ بالله وَشَهَادَةُ أنْ لا إلَهَ إلاّ
ـــــــ
"حماد" هو ابن زيد كما في رواية البخاري في باب وجوب الزكاة "عن أبي حمزة" بالجيم والراء اسمه نصر بن عمران بن عصام، وقيل ابن عاصم الضبعي، فحماد وعباد بن عباد كلاهما يرويان عن أبي جمرة "قال مسدد" أي في روايته "عن ابن عباس" أي ذكر لفظة عن بين أبي جمرة وابن عباس حيث قال أخبرنا عباد بن عباد عن أبي جمرة عن ابن عباس، وأما سليمان بن حرب ومحمد بن عبيد فقالا في روايتهما أخبرنا حماد عن أبي جمرة قال سمعت ابن عباس، فذكرا بين أبي جمرة وابن عباس لفظ السماع "قدم وفد عبدالقيس" الوفد الجماعة المختارة للتقدم في لقي العظماء، واحدهم وافد، وعبدالقيس اسم أبي قبيلة من أسد "إنا هذا الحي من ربيعة" قال ابن الصلاح الحي منصوب على الاختصاص، والمعنى إنا هذا الحي حي من ربيعة، قال والحي هو اسم لمنزل القبيلة ثم سميت القبيلة به لأن بعضهم يحيا ببعض "قد حال بيننا وبينك كفار مضر" لأن كفار مضر كانوا بينهم وبين المدينة ولا يمكنهم الوصول إلى المدينة إلا عليهم "وليس نخلص إليك" أي لا نصل إليك "إلا في شهر حرام" جنس يشمل الأربعة الحرم، وسميت بذلك لحرمة القتال فيها أي فإنهم لا يتعرضون لنا كما كانت عادة العرب من تعظيم الأشهر الحرم وامتناعهم من القتال فيها "نأخذ به" أي بذلك الشيء وقوله نأخذ بالرفع على أنه صفة لشيء، وقوله ندعو عطف عليه "من وراءنا" في حالة النصب على
ـــــــ
1 هذا الباب لم يوجد إلا في نسخة واحدة.

(10/113)


الله" وَعَقَدَ بِيَدِهِ وَاحِدَةً، وَقال مُسَدّدٌ: الإيمَانُ بالله، ثُمّ فَسّرَهَا لَهُمْ شَهَادَةَ أنْ لا إلَهَ إلاّ الله وأنّ مُحمّداً رَسُولُ الله وَإقَامُ الصّلاَةِ وَإيتَاءُ الزّكَاةِ وأنّ تُؤَدوا الْخُمُسَ مِمّا غَنِمْتُمْ. "وَأنْهَاكُم عن الدّبّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالمُزَفّتِ وَالمُقَيّرِ" . وقال ابنُ عُبَيْدٍ النّقيرِ مَكَانَ المُقَيّرِ. وَقال مُسَدّدٌ: وَالنّقِيرُ وَالمُقَيّرُ. وَلَمْ يَذْكُر المُزَفّتِ.
ـــــــ
المفعولية أي من قومنا أو من البلاد النائية أو الأزمنة المستقبلة "قال" صلى الله عليه وسلم "آمركم" بمد الهمزة "الإيمان بالله" بالجر ويجوز الضم "وشهادة أن لا إله إلا الله" عطف تفسيري لقوله الإيمان. وقال ابن بطال: هي مقحمة كهي في فلان حسن وجميل، أي حسن جميل انتهى.
قلت: وواو العطف إنما وجدت في بعض نسخ اللؤلؤي وأكثرها خالية عنها. وأخرج البخاري في الزكاة وفي المغازي من طريق سليمان بن حرب عن حماد بن زيد الإيمان بالله شهادة أن لا إله إلا الله.
قال القسطلاني: أي بدون الواو وهو أصوب والإيمان بالجر بدل من قوله في السابق بأربع: وقوله شهادة بالجر على البدلية أيضاً، وبالرفع فيهما مبتدأ وخبر "وعقد" أي الرواي "بيده واحدة" أي كلمة واحدة أي وجعل الإيمان بالله وشهادة أن لا إله إلا الله كلمة واحدة وهذا لفظ سليمان ومحمد بن عبيد. وأما حديث مسدد فهو أصرح وأبين في المراد، وإليه أشار المؤلف بقوله وقال مسدد الإيمان بالله ثم فسرها لهم شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله انتهى فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله هي كلمة واحدة. وثانيهما: إقامة الصلاة. وثالثهما: إيتاء الزكاة وخامسها أداء الخمس من الغنيمة. ولم يذكر في هذه الرواية صيام رمضان إما لغفلة الراوي أو اختصاره، وليس ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر الحج أيضاً لشهرته عندهم أو لكونه على التراخي والتفصيل في الفتح.
"وأنهاكم عن الدباء" بضم المهملة وتشديد الموحدة والمد هو القرع، والمراد اليابس منه "والحنتم" بفتح المهملة وسكون النون وفتح المثناة من فوق هي الجرة كذا فسرها ابن عمر في صحيح مسلم. وله عن أبي هريرة الحنتم الجرار الخضر "والمزفت" بالزاي والفاء ما طلي بالزفت "والمقير" بفتح القاف والياء ما طلي بالقار ويقال له القير، وهو نبت يحرق إذا يبس تطلى به السفن وغيرها كما تطلي بالزفت، كذا في الفتح "وقال ابن عبيد" أي في روايته "النقير" بفتح النون وكسر القاف أصل النخلة ينقر فيتخذ منه وعاء "وقال مسدد" أي في روايته "والنقير والمقير" أي قال مسدد أنهاكم عن الدباء والحنتم والنقير والمقير "ولم يذكر" أي مسدد

(10/114)


قالَ أَبُو دَاوُدَ: أبُو جَمْرَةَ نَصْرُ بنُ عِمْرَانَ الضّبَعِيّ.
3687 - حدثنا وَهْبُ بنُ بَقِيّةَ عن نُوحِ بنِ قَيْسٍ قال أخبرنا عَبْدُ الله بنُ عَوْنٍ عن مُحمّدِ بنِ سِيرِينَ عن أَبي هُرَيْرَةَ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال لِوَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ: " أَنْهَاكُم عن النّقِيرِ وَالمُقَيّرِ وَالْحَنْتَمِ وَالدّبّاءِ وَالمَزَادَةِ المَجْبُوبَةِ وَلَكِنْ اشْرَبْ في سِقَائِكَ وَأَوْكِهِ".
3688 - حدثنا مُسْلِمُ بنُ إِبراهِيمَ حدثنا أبَانُ قال أخبرنا قَتَادَةُ عن عِكْرِمَةَ وَ سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ عن ابنِ عَبّاسِ في قِصّةِ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ: قالُوا فِيمَا نَشْرَبُ يَانَبِيّ الله، فقالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "عَلَيْكُم بِأَسْقِيَةِ الأَدَمِ الّتي يُلاَثُ عَلَى أفْوَاهِهَا" .
ـــــــ
"المزفت" بل ذكر مكانه النقير "أبو جمرة نصر بن عمران الضبعي" مبتدأ وخبر أي أبو جمرة اسمه نصر بن عمران، والضبعي بضم الضاد المعجمة وفتح الباء إلى ضبيعة بن قيس بطن من بكر بن وائل. وضبيعة بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، قاله السيوطي.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.
"والمزادة" هي السقاء الكبير سميت بذلك لأنه يزاد فيها على الجلد الواحد كذا قال النسائي "المجبوبة" بالجيم بعدها موحدتان بينهما واو، كذا ضبطه في النهاية، أي التي قطع رأسها فصارت كالدّنّ مشتقة من الجب وهو القطع ليكون رأسها يقطع حتى لا يكون لها رقبة توكى، وقيل هي التي قطعت رقبتها وليس لها عزلاء أي فم من أسفلها يتنفس الشراب منها فيصير شرابها مسكراً ولا يدرى به، بخلاف السقاء المتعارف فإنه يظهر فيه ما اشتد من غيره لأنها تنشق بالاشتداد القوي "ولكن اشرب في سقائك وأوكه" بفتح الهمزة أي وإذا فرغت من صب الماء واللبن الذي من الجلدة فأوكه أي شد رأسه بالوكاء يعني بالخيط لئلا يدخله حيوان أو يسقط فيه شيء، كذا قال في النيل. وقال النووي: معناه أن السقاء إذا أوكى أمنت مفسدة الإسكار لأنه متى تغير نبيذه واشتد وصار مسكراً شق الجلد الموكي، فما لم يشقه لا يكون مسكراً بخلاف الدباء والحنتم والمزادة المحبوبة والمزفت وغيرها من الأوعية الكثيفة فإنه قد يصير فيها مسكراً ولا يعلم.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي.
"بأسقية الأدم" بفتح الهمزة والدال جمع أديم وهو الجلد الذي تم دباغه، والأسقية جمع

(10/115)


3689 - حدثنا وَهْبُ بنُ بَقِيّةَ عن خَالِدٍ عن عَوْفٍ عن أبي القمُوصِ زَيْدِ بنِ عَلِيّ قال حدّثني رَجُلٌ كَانَ مِنَ الْوَفْدِ الّذِينَ وَفَدُوا إلَى رَسُولِ الله [النبي] صلى الله عليه وسلم مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ يَحْسِبُ عَوْفٌ أنّ اسْمَهُ قَيْسُ بنُ النّعْمَانِ فقالَ: "لاَ تَشْرَبُوا في نَقِيرٍ وَلا مُزَفّتٍ وَلا دُبّاءٍ وَلا حَنْتَمٍ، وَاشْرَبُوا في الْجَلَدِ الموكَى [الموكأ] عَلَيْهِ، فإنِ اشْتَدّ فاكْسَرُوهُ بالمَاءِ، فإن أعْيَاكُمْ فأَهْرِيقُوهُ" ،
3690 - حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ قال أخبرنا أبُو أحْمَدَ قال أخبرنا سُفْيَانُ قال حدّثني [عن] عَلِيّ بنُ بَذِيمَةَ قال حدّثني قَيْسُ بنُ حَبْتَرٍ النّهْشَلِيّ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: إنّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ قالُوا: يَارَسُولَ الله فِيمَا نَشْرَبُ؟ قال: "لا تَشْرَبُوا في الدّبَاءِ وَلا في المُزَفّتِ وَلا في النّقِيرِ وَانْتَبِذُوا في الأَسْقِيَةِ". قالُوا: يَارَسُولَ الله فإن اشْتَدّ في الأسْقِيَةِ؟ قال: "فَصُبّوا عَلَيْهِ المَاءَ". قالُوا يَارَسُولَ الله، فقالَ لَهُمْ في الثّالِثَةِ أو الرّابِعَةِ: "أَهْرِيقُوهُ". ثُمّ قال: "إن الله حَرّمَ عَلَيّ أوْ حُرّمَ الْخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالْكوبَةُ"، قال: "وَكُلّ مُسْكِر حَرَامٌ" .
قال سُفْيَانُ: فَسَأَلْتُ عَلِيّ بنَ بَذِيمَةَ عن الْكُوبَةِ. قال: الطّبْلُ.
3691 - حدثنا مُسَدّدٌ قال أخبرنا عَبْدُ الْوَاحِدِ قال أخبرنا إِسْمَاعِيلُ بنُ سُمَيْعٍ
ـــــــ
سقاء "التي يلاث" بضم المثناة من تحت وتخفيف اللام وآخره ثاء مثلثة أي يلف الخيط على أفواهها ويربط به.
قال المنذري: وأخرجه النسائي مسنداً ومرسلاً، وقد أخرج مسلم في الصحيح حديث أبي سعيد الخدري في وفد عبدالقيس وفيه "فقلت ففيم تشرب يارسول الله؟ قال في أسقية الأدم التي يلاث على أفواهها".
-"فإن اشتد فاكسروه بالماء فإن أعياكم فأهريقوه" أي إن اشتد النبيذ في الجلد أيضاً فأصلحوه بتخليط الماء به، وإن غلب اشتداده بحيث أعياكم فصبوه والله تعالى أعلم. والحديث سكت عنه المنذري.
"حدثني علي بن بذيمة" بفتح الموحدة وكسر المعجمة الخفيفة بعدها تحتانية ساكنة ثقة رمي بالتشيع "حدثني قيس بن حبتر" بمهملة وموحدة ومثناة على وزن جعفر ثقة "نهشلي" بفتح أوله والمعجمة إلى نهشل بطن من تميم ومن كلب "فإن اشتد" أي النبيذ "في الثالثة أو الرابعة" أي في المرة الثالثة أو الرابعة "فسألت علي بن بذيمة عن الكوبة قال الطبل" وقال الخطابي:

(10/116)


قالَ أخبرنا مَالِكُ بنُ عُمَيْرٍ عنْ عَلِيّ قالَ: نَهَانَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عن الدّبّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالنّقِيرِ وَالْجِعَةِ.
3692 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ حدثنا مُعَرّفُ بنُ وَاصِلٍ عنْ مُحَارِبِ بنِ دَثَارٍ عن ابنِ بُرَيْدَةَ عنْ أبِيهِ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "نَهَيْتُكُم عَنْ ثَلاَثٍ وَأَنَا آمُرُكُم بِهِنّ. نَهَيْتُكُم عنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا فإنّ في زِيَارَتِهَا تَذْكِرَةً، وَنَهَيْتُكُم عن الأَشْرِبَةِ أنْ تَشْرَبُوا إلاّ في ظُرُوفِ الأَدَمِ فَاشْرَبُوا فِي كُلّ وِعَاءٍ غَيْرَ أنْ لاَ تَشْرَبُوا مُسْكِراً، وَنَهَيْتُكُم عنْ لُحُومِ الأَضَاحِي أنْ تَأْكُلُوهَا [أن لا تأكلوها] بَعْدَ ثَلاَثٍ فَكُلُوا وَاسْتَمْتِعُوا بِهَا فِي أسْفَارِكُم" .
ـــــــ
الكوبة تفسر بالطبل. ويقال بل هو النرد ويدخل في معناه كل وتر ومزهر ونحو ذلك من الملاهي والحديث سكت عنه المنذري.
"والجعة" بكسر الجيم وفتح العين المهملة. قال الخطابي: قال أبو عبيد: هي نبيذ الشعير.
قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"نهيتكم" أي أولاً "عن ثلاث" أي ثلاث أمور، وهذا من الأحاديث التي تجمع الناسخ والمنسوخ "نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" قال ابن الملك: الإذن مختص للرجال لما روى أنه عليه السلام لعن زوارات القبور وقيل: إن هذا الحديث قبل الترخيص فلما رخص عمت الرخصة لهما، كذا في شرح السنة "فإن في زيارتهما تذكرة" أي للموت والقيامة "إلا في ظروف الأدم" بفتح الهمزة والدال جمع أديم، ويقال أدم بعضهما وهو القياس ككثيب وكثب وبريد وبرد، والأديم الجلد المدبوغ، والاستثناء منقطع لأن المنهى عنه هي الأشربة في الظروف المخصوصة وليست ظروف الأدم من جنس ذلك. ذكره الطيبي "فاشربوا في كل وعاء غير أن لا تشربوا مسكراً" فيه دليل على نسخ النهي عن الانتباذ في الأوعية المذكورة. قال النووي: كان الانتباذ في هذه الأوعية منهياً عنه في أول الإسلام خوفاً من أن يصير مسكراً فيها ولا نعلم به لكثافتها فيتلف ماليته، وربما شربه الإنسان ظاناً أنه لم يصر مسكراً فيصير شارباً للمسكر، وكان العهد قريباً بإباحة المسكر، فلما طال الزمان واشتهر تحريم المسكرات وتقرر ذلك في نفوسهم نسخ ذلك وأبيح لهم الانتباذ في كل وعاء بشرط أن لا يشربوا مسكراً انتهى "ونهيتكم عن لحوم الأضاحي" تقدم الكلام فيه في كتاب الأضاحي.

(10/117)


3693 - حدثنا مُسَدّدٌ قالَ أخبرنا يَحْيَى عنْ سُفْيَانَ قالَ حدّثني مَنْصُورٌ عنْ سَالِمِ بنِ أبِي الْجَعْدِ عنْ جَابِرِ بنِ عبد الله قالَ: لَمّا نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عن الأوْعِيَةِ قالَ قالَتْ الأنْصَارُ: إنّهُ لاَ بُدّ لَنَا قالَ: "فَلاَ إذاً [إِذَنْ]" .
3694 - حدثنا مُحمّدُ بنُ جَعْفَرِ بنِ زِيَادٍ قالَ أخبرنا شَرِيكٌ عنْ زِيَادِ بنِ فَيّاضٍ عن أبِي عِيَاضٍ عنْ عبد الله بنِ عَمْرٍو قالَ: ذَكَرَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم الأوْعِيَةَ الدّبّاءَ وَالْحَنْتَمَ وَالمُزَفّتَ وَالنّقِيرَ، فَقَالَ أعْرَابِيّ: إنّهُ لاَ ظُرُوفَ لَنَا، فَقالَ: "اشْرَبُوا مَا حَلّ" .
3695 - حدثنا الْحَسَنُ يَعْنِي ابنَ عَلِيّ قالَ أخبرنا [حدثني] يَحْيَى بنُ آدَمَ قالَ أخبرنا شَرِيكٌ بِإِسْنَادِهِ قالَ: "اجْتَنِبُوا مَا أسْكَرَ" .
ـــــــ
قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي بمعناه، وأخرج مسلم والترمذي فصل الظروف في جامعه من حديث سليمان بن بريدة عن أبيه، وأخرج ابن ماجه في سننه هذا الفصل أيضاً وقال فيه عن ابن بريدة عن أبيه ولم يسمعه.
"عن الأوعية" أي عن الانتباذ في الأوعية"قال" أي جابر "إنه" أي الشأن "لا بد لنا" أي من الأوعية "قال" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "فلا إذاً" أي إذا كان لا بد لكم منها، فلا ينهى عن الانتباذ فيها، فالنهي كان قد ورد على تقدير عدم الاحتياج، ويحتمل أن يكون الحكم في هذه المسألة مفوضاً لرأيه صلى الله عليه وسلم أو أوحى إليه في الحال بسرعة. وعند أبي يعلى وصححه ابن حبان من حديث الأشج العصري أنه صلى الله عليه وسلم قال لهم مالي أرى وجوهكم قد تغيرت؟ قالوا نحن بأرض وخمة وكنا نتخذ من هذه الأنبذة ما يقطع اللحمان في بطوننا فلما نهيتنا عن الظروف فذلك الذي ترى في وجوهنا، فقال صلى الله عليه وسلم "إن الظروف لا تحل ولا تحرم ولكن كل مسكر حرام" كذا في القسطلاني.
قال المنذري: وأخرجه البخاري والترمذي وابن ماجه.
"فقال أعرابي إنه" أي الشأن "فقال اشربوا ما حل" أي الذي حل من الأشربة في أي ظرف كان.
"بإسناده" أي المذكور قبلُ "اجتنبوا ما أسكر" أي احترزوا عن المسكر واشربوا ما حل في أي ظرف كان.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم بمعناه، وفيه "فأرخص لهم في الجر غير المزفت".

(10/118)


3696 - حدثنا عَبْدُ الله بِنُ مُحمّدٍ النّفَيْلِيّ قالَ أخبرنا زُهَيْرٌ قالَ أخبرنا أبُو الزّبَيْرِ عنْ جَابِرِ بنِ عبد الله قالَ: كَانَ يُنْتَبَذُ [ينبذ] لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فِي سِقَاءٍ، فَإِذَا لَمْ يَجِدُوا سِقَاءً نُبِذَ لَهُ فِي تَوْرٍ مِنْ حِجَارَةٍ.
ـــــــ
"نبذ له في تور من حجارة" التور بفوقية مفتوحة فواو ساكنة. قال بعضهم: التور إناء صغير يشرب فيه ويتوضأ منه. وقال ابن الملك: وهو ظرف يشبه القدر يشرب منه. وفي النهاية: إناء من صفر أو حجارة كالإجانة وقد يتوضأ منه. وفي القاموس: إناء يشرب منه مذكر.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه.

(10/119)


9- باب في الخليطين
3697 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعَيدٍ قالَ أخبرنا اللّيْثُ عنْ عَطَاءِ بنِ أبِي رَبَاحٍ عنْ جَابِرٍ بنِ عبد الله عنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم: أنّهُ نَهَى أنْ يُنْتَبَذَ [ينبذ] الزّبِيبُ وَالتّمْرُ جَمِيعاً وَنَهَى أنْ يُنْتَبَذَ [ينبذ] الْبُسْرُ وَالرّطَبُ جَمِيعاً.
3698 - حدثنا أبُو سَلَمَةَ مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا أبَانُ قالَ حدّثني يَحْيَى عنْ
ـــــــ
"باب في الخليطين"
هو عبارة عن نقيع الزبيب ونقيع التمر يخلطان فيطبخ بعد ذلك أدنى طبخة ويترك إلى أن يغلي ويشتد. كذا في النهاية
"نهى أن ينتبذ الزبيب والتمر جميعاً إلخ" البسر بضم الموحدة. قال في القاموس: هو التمر قبل إرطابه.
قال الخطابي: ذهب غير واحد من أهل العلم إلى تحريم الخليطين وإن لم يكن الشراب المتخذ منهما مسكراً قولاً بظاهر الحديث، ولم يجعلوه معلولاً بالإسكار، وإليه ذهب عطاء وطاووس، وبه قال مالك وأحمد بن حنبل وإسحاق وعامة أهل الحديث، وهو غالب مذهب الشافعي، وقالوا إن من شرب الخليطين قبل حدوث الشدة فيه فهو آثم من جهة واحدة، وإذا شربه بعد حدوث الشدة كان آثماً من جهتين أحدهما شرب الخليطين والآخر شرب المسكر. ورخص فيه سفيان الثوري وأصحاب الرأي. وقال الليث بن سعد: إنما جاءت الكراهة أن ينبذان جميعاً لأن أحدهما يشتد بصاحبه.

(10/119)


عَبْدِالله بنِ أبي قَتَادَةَ عنْ أبِيهِ: "أنّهُ نَهَى عَنْ خَلِيطِ الزّبِيبِ وَالتّمْرِ وَعنْ خَلِيطِ الْبُسْرِ وَالتّمْرِ وَعَنْ خَلِيطِ الزّهْوِ وَالرّطَبِ وَقالَ انتَبِذُوا كُلّ وَاحِدَةٍ [واحد] عَلَى حِدَةٍ قالَ: وَحدّثني أبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ عنْ أبِي قَتَادَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِهَذَا الْحَدِيثِ.
3699 - حدثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ وَ حَفْصُ بنُ عُمَرَ النّمَرِيّ قالا أخبرنا شُعْبَةُ عن الْحَكَمِ عنْ ابنِ أبي لَيْلَى عنْ رَجُلٍ قالَ حَفْصٌ مِنْ أصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم عنْ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: نَهَى عن الْبَلَحَ وَالتّمْرِ وَالزّبِيبِ وَالتّمْرِ .
3700 - حدثنا مُسَدّدٌ قالَ أخبرنا يَحْيَى عنْ ثَابِتِ بنِ عمَارَةَ حَدّثَتْني رَيْطَةُ عنْ
ـــــــ
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.
"وعن خليط الزهو والرطب" الزهو بفتح الزاي وضمها لغتان مشهورتان قال الجوهري: أهل الحجاز يضمون، والزهو هو البسر الملون الذي بدا فيه حمرة أو صفرة وطاب، كذا قال النووي "انتبذوا كل واحدة على حدة" بكسر المهملة وفتح الدال بعدها هاء تأنيث أي بانفرادها.
قال القاضي: إنما نهى عن الخلط وجوز انتباذ كل واحد وحده لأنه ربما أسرع التغير إلى أسرع التغير إلى أحد الجنسين فيفسد الآخر، وربما لم يظهر فيتناوله محرماً. وقال النووي: سبب الكراهة فيه أن الإسكار يسرع إليه بسبب الخلط قبل أن يتغير طعمه فيظن الشارب أنه ليس مسكراً ويكون مسكراً.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه مسنداً "قال" أي يحيى "وحدثني أبو سلمة إلخ" رواية يحيى هذه مسندة والأولى موقوفة. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي.
"قال حفص من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم" أي زاد حفص بن عمر في روايته بعد قوله عن رجل لفظة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم "عن البلح" بفتح الموحدة وفتح اللام ثم حاء مهملة كذا في القاموس وشمس العلوم بفتحهما، وهو أول ما يرطب من البسر واحده بلحة كذا في النهاية. وفي المصباح: البلح ثمر النخل ما دام أخضر قريباً إلى الاستدارة إلى أن يغلظ النوى وهو كالحصرم من العنب، وأهل البصرة يسمونه الخلال الواحدة بلحة وخلالة، فإذا أخذ في الطول والتلون إلى الحمرة أو الصفرة فهو بسر فإذا خلص لونه وتكامل إرطابه فهو الزهو انتهى.
قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"حدثتني ريطة" هي بنت حريث لا تعرف من السادسة، كذا في التقريب "كان ينهانا أن

(10/120)


كَبْشَةَ بِنْتِ أبي مَرْيَمَ قالَتْ: سَأَلْتُ أُمّ سَلَمَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا مَا كَانَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَنْهَى عَنْهُ؟ قالَتْ: كَانَ يَنْهَانَا أنْ نَعْجُمَ النّوَى طَبْخاً أوْ نَخْلِطَ الزّبِيبَ وَالتّمْرَ.
3701 - حدثنا مُسَدّدٌ قالَ حدثنا عَبْدُ الله بنُ دَاوُدَ عنْ مِسْعَرٍ عنْ مُوسَى بنِ عبد الله عن امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي أسَدٍ عنْ عَائِشَةَ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يُنْبَذُ لَهُ زَبِيبٌ فَيُلْقَى فِيه تَمْرٌ أوْ تَمْرٌ فَيُلْقَى فِيهِ زَبِيبٌ [الزبيب.
3702 - حدثنا زِيَادُ بنُ يَحْيَى الْحَسّانِيّ أخبرنا أبُو بَحْرٍ قالَ أخبرنا عَتّابُ بنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْحِمّانيّ قالَ حَدّثَتْنِي صَفِيّةُ بِنْتُ عَطِيّةَ قالَتْ: دَخَلْتُ مَعَ نِسْوَةٍ مِنْ عَبْدِالْقَيْسِ عَلَى عَائِشَةَ فَسَأَلَنَاهَا عن التّمْرِ وَالزّبِيبِ فَقالَتْ كُنْتُ آخُذُ قَبْضَةً مِنْ تَمْرٍ وَقَبْضَةً مِنْ زَبِيبٍ، فَأَلْقِيَهُ فِي إنَاءٍ، فَأَمْرُسُهُ ثُمّ أَسْقِيهِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
نعجم النوى طبخاً" أي ننضج. قال في المجمع: هو أن يبالغ في نضجه حتى تَتَفَتّتَ وتفسد قوته التي يصلح معها للغنم. والعجم بالحركة النوى من عجمت النوى إذا لُكْتَه في فيك. وقيل: المعنى أن التمر إذا طبخ لتؤخذ حلاوته وطبخ عفواً حتى لا يبلغ الطبخ النوى ولا يؤثر فيه تأثير من يعجمه أي يلوكه ويعضه لأنه يفسد طعم الحلاوة أو لأنه قوت الدواجن فلا ينضج لئلا تذهب طعمته انتهى.
قال المنذري: في إسناده ثابت بن عمارة. وقد وثقه يحيى بن معين وأثنى عليه غيره. وقال أبو حاتم الرازي: ليس عندي بالمتين.
"أو تمر" أي ينبذ له تمر فيلقى فيه زبيب. هذا يفيد أن النهي عن الجمع إنما هو بسبب الخوف من الوقوع في الإسكار، فعند الأمن منه لا نهي. كذا في فتح الودود.
قال المنذري: امرأة من بني أسد مجهولة.
"الحساني" بتشديد السين منسوب إلى حسان جد "الحماني" بالكسر والتشديد إلى حمان قبيلة من تميم. قاله السيوطي "فألقيه في إناء فأمرسه" من باب نصر أي أدلكه بالأصابع.
قال الخطابي: تريد بذلك أنها تدلكه بأصبعها في الماء. والمرس والمرث بمعنى واحد. وفيه حجة لمن رأى الانتباذ بالخليطين انتهى.
قال المنذري: في إسناده أبو بحر عبد الرحمن بن عثمان البكراوي البصري ولا يحتج بحديثه.

(10/121)


10- باب في نبيذ البسر
3703 - حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ قالَ أخبرنا مُعَاذُ بنُ هِشَامٍ قالَ حدّثني أبي عنْ قَتَادَةَ عنْ جَابِرِ بنِ زَيْدٍ وَ عِكْرِمَةَ أنّهُمَا كانَا يَكْرَهَانِ الْبُسْرَ وَحْدَهُ وَيَأْخُذَانِ ذَلِكَ عن ابنِ عَبّاسٍ وَقالَ ابنُ عَبّاسٍ أَخْشَى أنْ يَكُونَ المُزّاءَ [التي] الّذِي نُهِيَتْ عَنْهُ عَبْدُالْقَيْسِ فَقُلْتُ لِقَتَادَةَ مَا المُزّاءُ قالَ النّبِيذُ في الْحَنْتَمِ وَالمُزَفّتِ.
ـــــــ
"باب في نبيذ البسر"
بضم الموحدة نوع عن ثمر النخل معروف. قال في المجمع: لثمرة النخل مراتب أولها طلع ثم خلال ثم بلح ثم بسر ثم رطب.
"أنهما كانا يكرهان البسر" أي نبيذ البسر "وحده" بالنصب على الحالية أي منفرداً "ويأخذان ذلك" أي كراهة نبيذ البسر "وقال ابن عباس أخشى" أي أخاف "أن يكون" أي نبيذ البسر "المزاء" بالنصب خبر يكون وهو بضم الميم وتشديد الزاي والمد. قال في النهاية هي الخمر التي فيها حموضة، وقيل هي من خلط البسر والتمر "فقلت لقتادة ما المزاء؟ قال النبيذ في الحنتم والمزفت".
قال الخطابي: قد فسر قتادة المزاء وأخبر أنه النبيذ في الحنتم والمزفت، وذكره أبو عبيد قال: ومن الأشربة المسكرة شراب يقال لها المزاء ولم يفسر بأكثر من هذا، وأنشد في الأخطل:
بئس الصحاة وبئس الشرب شربهم ... إذا جرى فيهم المُزّاءُ والسّكَرُ
والحديث سكت عنه المنذري

(10/122)


11- باب في صفة النبيذ
3704 - حدثنا عِيسَى بنُ مُحمّدٍ قالَ أخبرنا ضَمْرَةُ عنِ السّيْبَانِيّ عنْ
ـــــــ
"باب في صفة النبيذ"
فعيل بمعنى مفعول، وهو الماء الذي نبذ فيه تمرات لتخرج حلاوتها إلى الماء وفي النهاية لابن الأثير: النبيذ ما يعمل من الأشربة من التمر والزبيب والعسل والحنطة والشعير وغير ذلك، يقال نبذت التمر والعنب إذا تركت عليه الماء ليصير نبيذاً، فصرف من المفعول إلى فعيل، وانتبذته اتخذته نبيذاً سواء كان مسكراً أو غير مسكر
"عن السيباني" بفتح المهملة والموحدة بينهما تحتانية. وسيبان بطن من حمير واسمه

(10/122)


عَبْدِالله بنِ الدّيْلَمِيّ عنْ أبِيهِ قالَ: أتَيْنَا النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَقُلْنَا: يَارَسُولَ الله قَدْ عَلِمْتَ مَنْ نَحْنُ وَمِنْ أيْنَ نَحْنُ فَإِلَى [وإلى] مَنْ نَحْنُ قالَ: "إلَى الله وَإلَى رَسُولِهِ"، فَقُلْنَا يَارَسُولَ الله إنّ لَنَا أعْنَاباً مَا نَصْنَعُ بِها؟ قالَ: "زَبّبُوهَا"، قُلْنَا مَا نَصْنَعُ بالزّبِيبِ؟ قالَ: "أنْبِذُوهُ عَلَى غَدَائِكُم، وَاشْرَبُوهُ عَلَى عَشَائِكُم، وَانبِذُوهُ عَلَى عَشَائِكُم وَاشْرَبُوهُ عَلَى غَدَائِكُم، وَانْبِذُوهُ فِي الشّنَانِ وَلاَ تُنْبِذُوهُ فِي الْقُلَلِ، فَإنّهُ إذَا تَأَخّرَ عَنْ عَصْرِهِ صَارَ خَلاّ" .
3705 - حدثنا مُحمّدُ بنُ المُثَنّى قالَ حدّثني عَبْدُالْوَهّابِ بنُ عَبْدِالمَجِيدِ الثّقَفِيّ عنْ يُونُسَ ابنِ عُبَيْدٍ عن الْحَسَنِ عنْ أُمّهِ عنْ عَائِشَةَ قالَتْ: كَانَ يُنْبَذُ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فِي سِقَاءٍ يُوكَأُ أعْلاَهُ وَلَهُ عُزْلاَءُ يُنْبَذُ [ينتبذه] غُدْوَةً فَيَشْرَبُهُ عِشَاءً وَيُنْتَبذُ عِشَاءً فَيْشْرَبُهُ غُدْوَةً
3706 - حدثنا مُسَدّدٌ قالَ أخبرنا المُعْتَمِرُ قالَ سَمِعْتُ شَبِيبَ بنَ عَبْدِالمَلِكِ
ـــــــ
يحيى بن أبي عمرو السيباني روى عنه ضمرة بن ربيعة كذا في الشرح "قال زببوها" من التزبيب، يقال زبب فلان عنبه تزبيباً "انبذوه" من باب ضرب أو من باب الإفعال "في الشنان" قال الخطابي: الشنان الأسقية من الأدم وغيرها واحدها شن وأكثر ما يقال ذلك في الجلد الرقيق أو البالي من الجلود "ولا تنبذوه في القلل" القلل الجرار الكبار واحدتها قلة، ومنه الحديث "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً".
قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"كان ينبذ" وفي رواية مسلم "كنا ننبذ" "في سقاء" بكسر أوله ممدوداً "يوكأ أعلاه" أي يشد رأسه بالوكاء وهو الرباط "وله" أي للسقاء "عزلاء" بمهملة مفتوحة فزاي ساكنة ممدودة أي ما يخرج منه الماء، والمراد به فم المزادة الأسفل. قال ابن الملك: أي له ثقبة في أسفله ليشرب منه الماء.
وفي القاموس: العزلاء مصب الماء من الراوية ونحوها "ينبذ غدوة" بالضم ما بين صلاة الغدوة وطلوع الشمس "فيشربه عشاء" بكسر أوله وهو ما بعد الزوال إلى المغرب على ما في النهاية.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي.

(10/123)


يُحَدّثُ عنْ مُقَاتِلِ بنِ حَيّانَ قالَ حَدّثَتْنِي عَمّتِي عَمْرَةَ عنْ عَائِشَةَ: أنّهَا كَانَتْ تُنْبِذُ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم غُدْوَةً فإذَا كانَ مِنَ الْعَشِيّ [العشاء] فَتَعَشّى شَرِبَ عَلَى عَشَائِهِ، فَإنْ فَضَلَ شَيْءُ صَبَبْتُهُ أوْ فَرَغْتُهُ ثُمّ تُنْبَذُ لَهُ باللّيْلِ فَإذَا أصْبَحَ تَغَدّى فَشَرِبَ عَلَى غَدَائِهِ، قالَتْ نَغْسِلُ [يغسل] السّقَاءَ غُدْوَةً وَعَشِيّةً، فقالَ لَهَا أبي: مَرّتَيْنِ فِي يَوْمٍ قالَتْ نَعَمْ.
3707 - حدثنا مَخْلَدُ بنُ خَالِدٍ قالَ أخبرنا أبُو مُعَاوِيَةَ عنِ الأعْمَشِ عنْ أبي عُمَرَ الْبَهْرَانِيّ عن ابنِ عَبّاسٍ قالَ: كَانَ يُنْبَذُ للنّبيّ صلى الله عليه وسلم الزّبِيبُ فَيَشْرَبُهُ الْيَوْمَ وَالْغَدَ وَبَعْدَ الْغَدِ إلَى مَسَاءِ الثّالِثَةِ ثُمّ يَأْمُرُ بِهِ فَيُسْقَى الْخَدَمُ أوْ يُهْرَاقُ.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: وَمَعْنَى يُسْقَى الْخَدَمُ يُبَادَرُ بِهِ الْفَسَادُ.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: أبُو عُمَرَ يَحْيَى بنُ عُبَيْدٍ الْبَهْرَانِيّ.
ـــــــ
"عن مقاتل بن حيان" قال المزي في الأطراف: هكذا أي بإثبات لفظة عن رواه أبو بكر ابن داسة وأبو عمرو وأحمد بن علي البصري وغير واحد عن أبي داوود وفي رواية أبي الحسن بن العبد عن أبي داوود عن مسدد عن معتمر قال سمعت شبيب بن عبدالملك يحدث مقاتل بن حيان عن عمته عمرة، وسقط من روايته عن، وذلك وهم لاشك فيه انتهى "أنها كانت تنبذ" بكسر الموحدة لا غير، ويجوز ضم التاء مع تخفيف الموحدة وتشديدها "فتعشى" أي أكل طعام العشاء "شرب على عشائه" قال في القاموس: العشاء كسحاب طعام العشي والعشي آخر النهار "تغدى" قال في القاموس تغدى أي أكل أول النهار "فشرب على غدائه" بفتح أوله وهو طعام الغدوة، والغدوة بضم المعجمة البكرة وما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس "قالت" أي عائشة "تغسل السقاء غدوة وعشية" لئلا يبقى فيه دردي النبيذ. والحديث سكت عنه المنذري.
-"فيشربه اليوم والغد وبعد الغد إلى مساء الثالثة" وفي رواية لمسلم "فيشربه اليوم والغد وبعد الغد إلى مساء الثالثة" بذكر واو العطف أيضاً "ثم يأمر به" أي بالنبيذ "فيسقى" بصيغة المجهول "أو" للتنويع لا للشك "يهراق" بضم أوله أي يصب أي تارة يسقى الخادم وتارة يصب، وذلك الاختلاف لاختلاف حال النبيذ، فإن كان لم يظهر فيه تغير ونحوه من مبادىء الإسكار يسقى الخادم ولا يراق لأنه مال يحرم إضاعته ويترك شربه تنزهاً، وإن كان قد ظهر فيه شيء من مبادىء الإسكار والتغير يراق، لأنه إذا أسكر صار حراماً ونجساً "معنى يسقى الخدم يبادر به الفساد" لأنه لا يجوز سقيه بعد فساده، وكونه مسكراً كما لا يجوز شربه.

(10/124)


...............................
ـــــــ
وأما قوله في حديث عائشة المتقدم "ينبذ غدوة فيشربه عشاء وينبذ عشاء فيشربه غدوة" فليس مخالفاً لحديث ابن عباس هذا في الشرب إلى ثلاث، لأن الشرب في يوم لا يمنع الزيادة.
وقال بعضهم: لعل حديث عائشة كان زمن الحر وحيث يخشى فساده في الزيادة على يوم وحديث ابن عباس في زمن يؤمن فيه التغير قبل الثلاث والله تعالى أعلم. وفي هذه الأحاديث دلالة على جواز الانتباذ وجواز شرب النبيذ ما دام حلواً لم يتغير ولم يغل، وهذا جائز بإجماع الأمة. كذا قال النووي.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه.

(10/125)


12- باب في شراب العسل
3708 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ مُحمّدِ بنِ حَنْبَلٍ قالَ أخبرنا حَجّاجُ بنُ مُحمّدٍ قالَ قالَ ابنُ جُرَيْجٍ عنْ عَطَاء أنّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بنَ عُمَيْرٍ قالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم تُخْبِرُ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلاً، فَتَوَاصَيْتُ أنَا وَحْفْصَةُ أيّتُنَا مَا [مما] دَخَلَ عَلَيْهَا النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَلْتَقُلْ إنّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ، فَدَخَلَ عَلَى إحْدَاهُنّ فَقَالَتْ ذَلِكَ لَهُ [له ذلك] فَقَالَ: " بَلْ شَرِبْتُ عَسَلاً عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَلَنْ أَعُودَ لَه ُ"، فَنَزَلَتْ: {لِمَ تُحَرّمُ مَا أحَلّ الله لَكَ تَبْتَغِي ... إلَى... إنْ تَتُوبَا
ـــــــ
"باب في شراب العسل"
"فتواصيت" بالصاد المهملة من المواصاة أي أوصى إحدانا الأخرى "أيتنا ما دخل عليها" لفظة ما زائدة. وفي رواية البخاري "أن أيتنا دخل عليها" "إني أجد منك ريح مغافير" بفتح الميم والغين المعجمة وبعد الألف فاء جمع مغفور بضم الميم، وليس في كلامهم مفعول بالضم إلا قليلاً، والمغفور صمغ حلو له رائحة كريهة ينضحه شجر يسمى العرفط بعين مهملة وفاء مضمومتين بينهما راء ساكنة آخره طاء مهملة "فقالت ذلك" أي القول الذي تواصيا عليه "له" أي للنبي صلى الله عليه وسلم "ولن أعود له" أي للشرب "فنزلت {لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} من شرب العسل أو مارية القبطية. قال ابن كثير: والصحيح أنه كان في تحريمه العسل.
وقال الخطابي: الأكثر على أن الآية نزلت في تحريم مارية حين حرمها على نفسه، ورجحه في فتح الباري بأحاديث عند سعيد بن منصور، والضياء في المختارة، والطبراني في عشرة النساء، وابن مردويه، والنسائي ولفظه عن ثابت عن أنس "أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له أمة يطؤها فلم تزل به حفصة وعائشة رضي الله عنهما حتى حرمها فأنزل الله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ

(10/125)


إلَى الله} لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ {وَإذْ أسَرّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً} لَقَوْلِهِ بَلْ شَرِبْتُ عَسَلاً".
ـــــــ
تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} كذا قال القسطلاني. ولكن قال الخطابي في معالم السنن: في هذا الحديث دليل على أن يمين النبي صلى الله عليه وسلم إنما وقعت في تحريم العسل لا في تحريم أم ولده مارية القبطية كما زعمه بعض الناس انتهى.
قال الخازن: قال العلماء الصحيح في سبب نزول الآية أنها في قصة العسل لا في قصة مارية المروية في غير الصحيحين، ولم تأت قصة مارية من طريق صحيح. قال النسائي: إسناد حديث عائشة في العسل جيد صحيح غاية انتهى.
"فنزلت" هذه الآيات {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ} {لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} أي من العسل أو من ملك اليمين وهي أم ولده مارية القبطية. قال النسفي: وكان هذا زلة من النبي صلى الله عليه وسلم لأنه ليس لأحد أن يحرم ما أحل الله انتهى. وفي الخازن: وهذا التحريم تحريم امتناع عن الانتفاع بها أو بالعسل لا تحريم اعتقاد بكونه حراماً بعد ما أحله الله تعالى. فالنبي صلى الله عليه وسلم امتنع عن الانتفاع بذلك مع اعتقاده أن ذلك حلال {تَبْتَغِي} إلى قوله تعالى: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ} وتمام الآية مع تفسيرها {تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ} : تفسير لتحرم أو حال أي تطلب رضاهن بترك ما أحل الله لك {وَاللَّهُ غَفُورٌ} قد غفر لك ما زللت فيه {رَحِيمٌ} قد رحمك فلم يؤاخذك بذلك التحريم {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} أي قد قدر الله لكم ما تحللون به أيمانكم وهي الكفارة، أو قد شرع لكم تحليلها بالكفارة، أو شرع لكم الاستثناء في أيمانكم من قولك حلل فلان في يمينه إذا استثنى فيها، وذلك أن يقول إن شاء الله عقيبها حتى لا يحنث، وتحريم الحلال يمين عند الحنفية. وعن مقاتل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتق رقبة في تحريم مارية. وعن الحسن أنه لم يكفر لأنه كان مغفوراً له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وإنما هو تعليم للمؤمنين {وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} فيما أحل وحرم {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ} يعني حفصة {حَدِيثاً} حديث تحريم مارية أو تحريم العسل، وقيل حديث إمامة الشيخين {فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ} أفشته إلى عائشة رضي الله عنها {وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ} وأطلع النبي صلى الله عليه وسلم إفشائها الحديث على لسان جبرئيل عليه السلام {عَرَّفَ بَعْضَهُ} بتشديد الراء في قراءة أي أعلم حفصة ببعض الحديث وأخبرها ببعض ما كان منها {وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ} أي لم يعرفها إياه ولم يخبرها به تكرماً قال سفيان: ما زال التغافل من فعل الكرام، والمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر حفصة ببعض ما أخبرت به عائشة وهو تحريم مارية أو تحريم العسل وأعرض عن بعض {فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ} أي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم حفصة بما أفشت من السر وأظهره الله عليه {قَالَتْ} حفصة للنبي صلى الله عليه وسلم {مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا} أي من أخبرك بأني أفشيت السر {قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ} بالسرائر {الْخَبِيرُ} بالضمائر {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ} خطاب لحفصة وعائشة

(10/126)


3709 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ أخبرنا أبُو أُسَامَةَ عنْ هِشَامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عَائِشَةَ قالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُحِبّ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ، فَذَكَرَ بَعْضَ هَذَا الْخَبَرِ، وَكَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَشْتَدّ عَلَيْهِ أنْ يُوجَدَ [توجد] مِنْهُ الرّيحُ.
ـــــــ
على طريقة الالتفات ليكون أبلغ في معاتبتهما وجواب الشرط محذوف، والتقدير إن تتوبا إلى الله فهو الواجب ودل على المحذوف {فَقَدْ صَغَتْ} زاغت ومالت {قُلُوبُكُمَا} عن الحق وعن الواجب في مخالصة رسول الله صلى الله عليه وسلم من حب ما يحبه وكراهة ما يكرهه {وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} فوج مظاهر له فما يبلغ تظاهر امرأتين على من هؤلاء ظهراؤه والله أعلم "لعائشة وحفصة" هذا تفسير من عائشة رضي الله عنها أو ممن دونها لقوله تعالى: {إِنْ تَتُوبَا} تعني الخطاب في قوله تعالى: {إِنْ تَتُوبَا} لعائشة وحفصة "لقوله" أي النبي صلى الله عليه وسلم وهذا أيضاً تفسير كما قبله لقوله تعالى {حَدِيثاً} والمعنى أن قول النبي صلى الله عليه وسلم لبعض أزواجه بل شربت عسلاً هو مراد الله تعالى بقوله: {حَدِيثاً} أي أسر النبي صلى الله عليه وسلم إلى بعض أزواجه بقوله إني شربت عسلاً. قال الحافظ: كان المعنى وأما المراد بقوله تعالى وإذ أسر النبي صلى الله عليه وسلم إلى بعض أزواجه حديثاً فهو لأجل قوله بل شربت عسلاً انتهى.
واعلم أن في هذا الحديث أي حديث عائشة من طريق عبيد بن عمير أن شرب العسل كان عند زينب بنت جحش، وفي الحديث الآتي أي حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن شرب العسل كان عند حفصة وأن عائشة وسودة وصفية هن اللواتي تظاهرن عليه، فقال القاضي عياض والصحيح الأول.
قال النسائي: إسناد حديث حجاج بن محمد عن ابن جريج صحيح جيد غاية. وقال الأصيلي: حديث حجاج أصح وهو أولى بظاهر كتاب الله تعالى وأكمل فائدة يريد قوله تعالى: {وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ} وهما ثنتان لا ثلاثة وأنهما عائشة رضي الله عنها وحفصة رضي الله عنها كما اعترف به عمر رضي الله عنه في حديث ابن عباس رضي الله عنه قال: وقد انقلبت الأسماء على الراوي في الرواية الأخرى الذي فيه أن الشرب كان عند حفصة.
قال القاضي: والصواب أن شرب العسل كان عند زينب ذكره القرطبي والنووي، قاله الشيخ علاء الدين في لباب التأويل.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"يحب الحلواء" بالمد ويجوز قصره. قال العلامة القسطلاني في فقه اللغة للثعالبي: إن حلوى النبي صلى الله عليه وسلم التي كان يحبها هي المجيع بالجيم بوزن عظيم وهو تمر يعجن بلبن، فإن صح هذا وإلا فلفظ الحلوى يعم كل ما فيه حلو. كذا قال القسطلاني.

(10/127)


وفي الْحَدِيثِ قالَتْ سَوْدَةُ: بَلْ أَكَلْتَ مَغَافِيرَ قالَ بَلْ شَرِبْتُ عَسَلاً سَقَتْنِي حَفْصَةُ فَقُلْتُ جَرَسَتْ نَحْلَةُ الْعُرْفُطِ نَبْتٌ مِنْ النّحْلِ .
قال أبو داود: المغافير مقلة وهي صمغة. وجرست رعت والعرفط نبت [شجر ينبت] من نيت النحل.
ـــــــ
وقال النووي: المراد بالحلوى في هذا الحديث كل شيء حلو، وذكر العسل بعدها للتنبيه على شرفه ومزيته وهو من الخاص بعد العام "جرست" بفتح الجيم والراء بعدها مهملة أي رعت، ولا يقال جرس بمعنى رعى إلا للنحل "نحله العرفط" بضم المهملة والفاء بينهما راء ساكنة وآخره طاء مهملة هو الشجر الذي صمغه المغافير "نبت من نبت النحل" هذا تفسير للعرفط من المؤلف رحمه الله، أي العرفط نبت من النبت الذي ترعيه النحل.
وقال ابن قتيبة: هو نبات مرّ له ورقة عريضة تفرش بالأرض وله شوكة وثمرة بيضاء كالقطن مثل زر القميص وهو خبيث الرائحة. والحديث هكذا أخرجه المؤلف مختصراً.
وعند الشيخين من حديث عائشة أنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء والعسل، وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه فيدنو من إحداهن فدخل على حفصة بنت عمر فاحتبس عندها أكثر مما كان يحتبس فغرت، فسألت عن ذلك فقيل لي أهدت لها امرأة من قومها عكة من عسل فسقت النبي صلى الله عليه وسلم منه شربة فقلت أما والله لنحتالن له، فذكرت ذلك لسودة وقلت إذا دخل عليك فإنه سيدنو منك فقولي له يارسول الله أكلت مغافير فإنه سيقول لا فقولي ما هذه الريح التي أجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتد عليه أن يوجد منه الريح فإنه سيقول لك سقتني حفصة شربة عسل فقولي له جرست نحلة العرفط وسأقول ذلك، وقولي أنت ياصفية ذلك، فلما دخل على سودة قالت له سودة يارسول الله أكلت مغافير؟ قال لا قالت فما هذه الريح التي أجد منك؟ قال سقتني حفصة شربة عسل قالت جرست نحله العرفط، فلما دخل علي قلت له مثل ذلك ثم دخل على صفية فقالت له مثل ذلك، فلما دخل على حفصة قالت له يارسول الله ألا أسقيك منه؟ قال لا حاجة لي فيه قالت تقول سودة سبحان الله لقد حرمناه، قلت لها اسكتي" "قال أبو داوود المغافير" هذه العبارة إلى آخرها وجدت في بعض النسخ "مقلة" كذا في الأصل بالتاء في آخر اللفظ والظاهر بحذف التاء لأن المقلة على وزن غرفة معناه شحمة العين التي تجمع سوادها وبياضها، يقال مقلته نظرته إليه.
وأما المقل بضم الميم وسكون القاف وبحذف التاء بعد اللام، فهو الظاهر في هذا المحل.

(10/128)


.................................
ـــــــ
قال شراح الموجز: مقل هو صمغ شجرة أكثر ما يكون في بلاد العرب خصوصاً بعمان والله أعلم.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه مختصراً ومطولاً.

(10/129)


13- باب في النبيذ إذا غلى
3710 - حدثنا هِشَامُ بنُ عَمّارٍ قالَ أخبرنا صَدَقَةُ بنُ خَالِدٍ قالَ أخبرنا زَيْدُ بنُ وَاقِدٍ عن خَالِدِ بنِ عبد الله بنِ حُسَيْنٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: عَلِمْتُ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يَصُومُ، فَتَحَيّنْتُ فِطْرَهُ بِنَبيذٍ صَنَعْتُهُ فِي دُبّاء ثُمّ أتَيْتُهُ بِهِ، فَإذَا هُوَ يَنِشّ، فقَالَ اضْرِبْ بِهَذَا الْحَائِطَ فإنّ هَذَا شَرَابُ مَنْ لا يُؤْمِنُ بالله وَالْيَوْمِ الآخر .
ـــــــ
"باب في النبيذ إذا غلى"
"فتحينت فطره" أي طلبت حين فطره "في دباء" أي قرع "ثم أتيته" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "به" أي بالنبيذ "فإذا هو ينش" بفتح الياء التحتية وكسر النون أي يغلي، يقال نشت الخمر تنش نشيشاً إذا غلت "اضرب بهذا الحائط" أي اصببه وأرقه في البستان وهو الحائط.
قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه.

(10/129)


14- باب في الشرب قائما
3711 - حدثنا مُسْلِمُ بنُ إِبراهِيمَ قالَ أخبرنا هِشَامٌ عنْ قَتَادَةَ عنْ أنَسٍ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نَهَى أنْ يَشْرَبَ الرّجُلُ قَائِماً.
ـــــــ
"باب في الشرب قائما"
"نهى أن يشرب الرجل قائماً" قال النووي في شرح مسلم: وفي رواية "زجر عن الشرب قائماً".
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وقد خرج مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زجر عن الشرب قائما.
وفيه أيضا: عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يشربن أحد منكم قائما فمن نسي فليستقيء".

(10/129)


15- باب الشراب من في السقاء
3713 - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ قالَ أخبرنا حَمّادٌ قالَ أنبأنا قَتَادَةُ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ قالَ: نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عنْ الشّرْبِ مِنْ فِي السّقَاءِ وَعَنْ رُكُوبِ الْجَلاَلَةِ وَالمُجَثّمَةِ .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: الْجَلاّلَةُ الّتِي تَأْكُلُ الْعَذْرَةَ.
ـــــــ
"باب الشراب من في السقاء"
أي من فم السقاء.
-"عن الشرب من في السقاء" أي من فم القربة "وعن ركوب الجلالة" بفتح الجيم وشدة اللام، وفي رواية أخرى عند المؤلف نهى عن أكل الجلالة وألبانها، وهو من الحيوان ما تأكل العذرة. والجلة بالفتح البعرة وتطلق على العذرة كذا في المصباح.
قال الطيبي: وهذا إذا كان غالب علفها منها حتى ظهر على لحمها ولبنها وعرقها، فيحرم أكلها وركوبها إلا بعد أن حبست أياماً انتهى.
قال في النهاية: أكل الجلال حلال إن لم يظهر النتن في لحمها، وأما ركوبها فلعله لما يكثر من أكلها العذرة والبعرة وتكثر النجاسة على أجسامها وأفواهها وتلحس راكبها بفمها وثوبه بعرقها وفيه أثر النجس فيتنجس انتهى "والمجثمة" بضم الميم وفتح الجيم ثم بعدها ثاء مثلثة مشددة.
وعند الترمذي في كتاب الصيد من حديث أبي الدرداء مرفوعاً "نهى عن أكل المجثمة" وهي التي تصبر بالنبل انتهى.
قال في النهاية: هي كل حيوان ينصب ويرمى ليقتل إلا أنها تكثر في نحو الطير والأرانب مما يجثم بالأرض أي يلزمها ويلتصق بها. وجثم الطائر جثوماً وهو بمنزلة البروك للإبل انتهى.
وقال الخطابي: بين الجاثم والمجثم فرق، وذلك أن الجاثم من الصيد يجوز لك أن ترميه حتى تصطاده، والمجثم هو ما ملكته فجثمته وجعلته عرضاً ترميه حتى تقتله وذلك محرم.

(10/133)


............................
ـــــــ
وقال إنما يكره الشرب من في السقاء من أجل ما يخاف من أذى عسى يكون فيه لا يراه الشارب حتى يدخل في جوفه فاستحب له أن يشربه في إناء ظاهر يبصره.
وروى أن رجلاً شرب من في سقاء فانساب جانّ فدخل جوفه.
قال المنذري: وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه. وليس في حديث البخاري وابن ماجه ذكر الجلالة والمجثمة.

(10/134)


16- باب في اختناث الأسقية
3714 - حدثنا مُسَدّدٌ قَالَ أخبرنا سُفْيَانُ عن الزّهْرِيّ أنّهُ سِمَعَ عبيد الله بنَ عبد الله عنْ أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهَى عن اخْتِنَاثِ الأسْقِيَةِ .
3715 - حدثنا نَصْرُ بنُ عَلِيّ قالَ أخبرنا عَبْدُ الأعْلَى قالَ أخبرنا عُبَيْدُ الله [عبد الله] بنُ عُمَرَ عنْ عِيسَى بنِ عَبْدِ الله رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ عنْ أبِيهِ: أنّ
ـــــــ
"باب في اختناث الأسقية"
الاختناث افتعال من الخنث بالخاء المعجمة والنون والمثلثة وهو الانطواء والتسكر والانثناء والأسقية جمع السقاء والمراد المتخذ من الأدم صغيراً كان أو كبيراً. وقيل القربة قد تكون كبيرة وقد تكون صغيرة والسقاء لا يكون إلا صغيراً.
"نهى عن اختناث الأسقية" قال الخطابي: معنى الاختناث فيها أن يثني رؤوسها ويعطفها ثم يشرب منها.
وقال في النهاية والمجمع: خنثت السقاء إذا ثنيت فمه إلى خارج وشربت، وقبعته إذا ثنيته إلى داخل، ووجه النهي أنه ينتنها بإدامة الشرب أو حذر من الهامة أو لئلا يترشش الماء على الشارب انتهى.
قال السيوطي: وإنما نهى عنه لنتنها، فإدامة الشرب هكذا مما يغير ريحها. وقيل لئلا يترشش الماء على الشارب لسعة فم السقاء انتهى.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي وابن ماجه.
"عبيد الله بن عمر" هكذا عبيد الله مصغراً في بعض النسخ وهو إمام ثقة وفي بعض النسخ عبد الله مكبراً وهو ضعيف. والمنذري رجح نسخة المكبر كما يظهر من كلامه الآتي والله أعلم.

(10/134)


النّبيّ صلى الله عليه وسلم دَعَا بِإِدَاوَةٍ يَوْمَ أُحُدٍ فقالَ اخْنَثْ فَمَ الإدَاوَةِ ثُمّ شَرِبَ [اشرب] مِنْ فِيهَا .
ـــــــ
"رجل من الأنصار" بالجر بدل بدل من عيسى "فقال اخنث فم الإداوة" في هذا دلالة على جواز الاختناث من فم الإداوة. وقد دل الحديث الأول على النهي عن ذلك.
قال الخطابي في المعالم يحتمل أن يكون النهي إنما جاء عن ذلك إذا شرب من السقاء الكبير دون الإداوة ونحوها، ويحتمل أن يكون إنما أباحه للضرورة والحاجة إليه في الوقت. وإنما النهي أن يتخذه الإنسان دربة وعادة. وقد قيل إنما أمره بذلك لسعة فم السقاء لئلا ينصب عليه الماء. انتهى.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال هذا حديث ليس إسناده بصحيح، وعبد الله بن عمر العمري يضعف من قبل حفظه ولا أدري سمع من عيسى أم لا هذا آخر كلامه وأبو عيسى هذا هو عبد الله بن أنيس الأنصاري وهو غير عبد الله ابن أنيس الجهني فرق بينهما علي بن المديني وخليفة بن خياط بن شبّاب وغيرهما.

(10/135)


17- باب في الشرب من ثلمة القدح
3716 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ قالَ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ وَهْبٍ قالَ أخبرني قُرّةُ بنُ عبد الرحمن عن ابنِ شِهَابٍ عن عبيد الله بنِ عبد الله بنِ عُتْبَةَ عنْ أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ أنّهُ قالَ: نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عن الشّرْبِ مِنْ ثُلْمَةِ الْقَدَحِ وَأنْ يُنْفَخَ فِي الشّرَابِ .
ـــــــ
"باب في الشرب من ثلمة القدح"
بضم المثلثة وسكون اللام هي موضع الكسر منه.
"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشرب من ثلمة القدح" قال الخطابي إنما نهى عن الشراب من ثلمة القدح لأنه إذا شرب منه تصبب الماء وسال قطره على وجهه وثوبه، لأن الثلمة لا يتماسك عليها شفة الشارب كما يتماسك على الموضع الصحيح من الكوز والقدح. وقد قيل إنه مقعد الشيطان فيحتمل أن يكون المعنى في ذلك أن موضع الثلمة لا يناله التنظيف التام إذا غسل الإناء، فيكون شربه على غير نظافة، وذلك من فعل الشيطان وتسويله، وكذلك إذا خرج من الثلمة وأصاب وجهه وثوبه فإنما هو من إعنات الشيطان وإيذائه إياه والله أعلم "وأن ينفخ في الشراب" بصيغة المجهول، أي وعن النفخ في الشراب لما يخاف من خروج شيء من فمه.

(10/135)


..................................................
ـــــــ
قال المنذري: وفي إسناده قرة بن عبد الرحمن بن حيويل المصري أخرج له مسلم مقروناً بعمرو بن الحرث وغيره. وقال الإمام أحمد: منكر الحديث جداً وقال ابن معين ضعيف، وتكلم فيه غيرهما.

(10/136)


18- باب في الشرب في آنية الذهب والفضة
3717 - حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ قالَ أخبرنا شُعْبَةُ عنِ الْحَكَمِ عن ابنِ أبي لَيْلَى قالَ: كَانَ حُذَيْفَةُ بِالْمَدَائِنِ فَاسْتَسْقَى فَأَتَاهُ دِهْقَانٌ بِإِنَاءٍ مِنْ فِضّةٍ فَرَمَاهُ بِهِ فقالَ [وقال] إنّي لَمْ أرْمِه بِهِ إلاّ أنّي قدْ نَهَيْتُهُ فَلَمْ يَنْتَهِ وَإنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهَى عنِ الْحَرِيرِ وَالدّيبَاجِ وَعَنِ الشّرْبِ فِي آنِيَةِ الذّهَبِ وَالْفِضّةِ وَقالَ هِيَ لَهُمْ فِي الدّنْيَا وَلَكُمْ فِي الآخرة.
ـــــــ
"باب في الشرب في آنية الذهب والفضة"
"عن الحكم" بفتحتين هو ابن عتيبة مصغراً "عن ابن أبي ليلى" هو عبد الرحمن "كان حذيفة" أي ابن اليمان رضي الله عنه "بالمدائن" اسم بلفظ جمع مدينة وهو بلد عظيم على دجلة بينها وبين بغداد سبعة فراسخ كانت مسكن ملوك الفرس وبها إيوان كسرى المشهور وكان فتحها على يد سعد ابن أبي وقاص في خلافة عمر سنة ست عشرة وقيل قبل ذلك وكان حذيفة عاملاً عليها في خلافة عمر ثم عثمان إلى أن مات بعد قبل عثمان "فاستسقى" أي طلب الماء ليشرب "فأتاه دهقان" بكسر الدال المهملة ويجوز ضمها بعدها هاء ساكنة ثم قاف هو كبير القرية بالفارسية "باناء فضة" وفي رواية البخاري بقدح فضة "فرماه به" أي فرمى حذيفة الدهقان بذلك الإناء "إلا أني قد نهيته" أي عن إتيان الماء بإناء الفضة "نهى عن الحرير والديباج" بكسر الدال المهملة وبفتح وهو نوع من الحرير فارسي معرب قال في المجمع استبرق بكسر الهمزة ما غلظ من الحرير، والديباج ما رق، والحرير أعم انتهى "عن الشرب في آنية الذهب والفضة" قال الحافظ كذا وقع في معظم الروايات عن حذيفة الاقتصار على الشرب، ووقع عنه أحمد من طريق مجاهد عن ابن أبي ليلى بلفظ "نهى أن يشرب في آني الذهب والفضة وأن يؤكل فيها" "هي" الضمير راجع إلى الثلاثة المذكورة من الحرير والديباج والآنية ووقع في رواية البخاري "هُنّ" ولمسلم "هو" أي جميع ما ذكر "لهم" أي للكفار كما يدل عليه السياق "ولكم" أي معشر المسلمين.
قال النووي: ليس في الحديث حجة لمن يقول الكفار غير مخاطبين بالفروع لأنه صلى الله عليه وسلم

(10/136)


..................................................
ـــــــ
لم يصرح فيه بإباحته لهم، وإنما اخبر عن الواقع في العادة أنهم هم الذي يستعملونه في الدنيا وإن كان حراماً عليهم كما هو حرام على المسلمين.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.

(10/137)


19- باب في الكرع
3718 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ قالَ أخبرنا يُونُسُ بنُ مُحمّدٍ قالَ حدّثني فُلَيْحٌ عنْ سَعِيدِ بنِ الْحَارِثِ عنْ جَابِرِ بنِ عبد الله قالَ: دَخَلَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَرَجُلٌ مِنْ أصْحَابِهِ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأنْصَارِ وَهُوَ يُحَوّلُ المَاءَ في حَائِطِهِ فقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنْ كَانَ عِنْدَكَ مَاءٌ بَاتَ هَذِهِ اللّيْلَةَ في شَنَ وَإِلاّ كَرَعْنَا"؟ قالَ بَلَى [بل] عِنْدِي مَاءٌ بَاتَ في شَنّ .
ـــــــ
"باب في الكرع"
الكرع بفتح الكاف وسكون الراء تناول الماء بالفم من غير إناء ولا كف كما يشرب البهائم لأنها تدحل في أكارعها
"ورجل من أصحابه" وفي رواية البخاري "معه صاحب له" قال الحافظ: هو أبو بكر الصديق "وهو" الرجل الأنصاري "يحول الماء" أي ينقل الماء من مكان إلى مكان آخر من البستان ليعم أشجاره بالسقي أو ينقله من عمق البئر إلى ظاهرها "في حائطه" أي في بستانه "إن كان عندك ماء بات هذه الليلة في شن" بفتح المعجمة وتشديد النون، وفي رواية البخاري "في شتة" وهما بمعنى واحد قال الحافظ: هي القربة الخلقة. وقال الداوودي: هي التي زال شعرها من البلاء. قال المهلب: الحكمة في طلب الماء البائت أنه يكون أبرد وأصفى انتهى. وجواب الشرط محذوف أي فأعطنا "وإلا كرعنا" بفتح الراء وتكسر أي شربنا من غير إناء ولا كف بالفم.
والحديث يدل على جواز الكرع. وقد أخرج ابن ماجه عن ابن عمر قال "مررنا على بركة فجعلنا نكرع فيها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تكرعوا ولكن اغسلوا أيديكم ثم اشربوا بها" فهذا يدل على النهي عن الكرع قال الحافظ: ولكن في سنده ضعف، فإن كان محفوظاً فالنهي فيه للتنزيه والفعل لبيان الجواز أو قصة جابر قبل النهي أو النهي في غير حال لضرورة، وهذا الفعل كان لضرورة شرب الماء الذي ليس ببارد فيشرب بالكرع لضرورة العطش لئلا تكرهه نفسه إذا تكررت الجرع، فقد لا يبلغ الغرض من الري. قال ووقع عند ابن ماجه من

(10/137)


...............................
ـــــــ
وجه آخر عن ابن عمر فقال "نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشرب على بطوننا وهو الكرع" وسنده أيضاً ضعيف فهذا إن ثبت احتمل أن يكون النهي خاصاً بهذه الصورة وهي أن يكون الشارب منبطحاً على بطنه، ويحمل حديث جابر على الشرب بالفم من مكان عال لا يحتاج إلى الانبطاح انتهى مختصراً.
قال المنذري: وأخرجه البخاري وابن ماجه.

(10/138)


20- باب في الساقي متى يشرب
3719 - حدثنا مُسْلِمُ بنُ إِبراهِيمَ قالَ أخبرنا شُعْبَةُ عنْ أبي المُخْتَارِ عنْ عبد الله بنِ أبِي أوْفَى أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "سَاقِي الْقَوْمِ آخِرُهُمْ شُرْباً" .
3720 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مَالِكٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ أنَسِ بنِ مَالِكٍ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بِلَبَنٍ قَدْ شِيبَ بِمَاءٍ وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيّ وَعَنْ يَسَارِهِ أبُو بَكْرٍ، فَشَرِبَ ثُمّ أعْطَى الأعْرَابيّ وَقالَ: "الأيْمَنَ فالأيْمَنَ" .
ـــــــ
"باب في الساقي متى يشرب"
"عن أبي المختار" اسمه سفيان بن المختار ويقال سفيان بن أبي حبيبة "ساقي القوم آخرهم شرباً" قال النووي هذا أدب من آداب ساقي القوم الماء واللبن وغيرهما، وفي معناه ما يفرق على الجماعة من المأكول كلحم وفاكهة ومشموم وغير ذلك، فيكون المفرق آخرهم تناولا منه لنفسه. قال المنذري: رجال إسناده ثقات. وقد أخرج مسلم في حديث أبي قتادة الأنصاري الطويل "فقلت لا أشرب حتى يشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن ساقي القوم آخرهم" وأخرجه الترمذي وابن ماجه مختصراً. وفي حديث الترمذي وابن ماجه "شربا" وقال الترمذي حسن صحيح.
"أتى" بصيغة المجهول "قد شيب" بكسر أوله أي خلط "فشرب" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "ثم أعطى الأعرابي" أي اللبن الذي فضل منه بعد شربه "وقال الأيمن فالأيمن" بالرفع فيهما أي يقدم فالأيمن، ويجوز النصب فيهما بتقدير قدموا أو أعطوا.
وفي الحديث دليل على أنه يقدم من على يمين الشارب في الشرب وهلم جراً، وهو مستحب عند الجمهور. وقال ابن حزم يجب، ولا فرق في هذا بين شراب اللبن وغيره.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.

(10/138)


3721 - حدثنا مُسْلِمُ بنُ إِبراهِيمَ أخبرنا هِشَامٌ عنْ أبي عِصَامٍ عنْ أنَسِ بنِ مَالِكٍ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إذَا شَرِبَ تَنَفّسَ ثَلاَثاً، وَقالَ: "هُوَ أهْنَأُ وَأَمْرَأُ وَأَبْرَأُ" .
ـــــــ
"تنفس ثلاثاً" أي في أثناء شربه. قال البغوي في شرح السنة: المراد من هذا الحديث أن يشرب ثلاثاً كل ذلك يبين الإناء عن فمه فيتنفس ثم يعود. والخبر المروي أنه نهى عن التنفس في الإناء هو أن يتنفس في الإناء من غير أن يُبِينَه عن فيه "وقال هو" أي تعدد التنفس أو التثليث "أهنأ" بالهمزة من الهنأ "وأمرأ" من المراءة. قال في النهاية: هنأني الطعام ومرأني إذا لم يثقل على المعدة وانحدر عليها طيباً "وأبرأ" من البراءة أو من البرء، أي يبرىء من الأذى والعطش والمعنى أنه يصير هنيئاً مرياً بريا أي سالماً أو مبرياً من مرض أو عطش أو أذى ويؤخذ منه أنه أقمع للعطش وأقوى على الهضم وأقل أثراً في ضعف الأعضاء وبرد المعدة. واستعمال أفعل التفضيل في هذا يدل على أن للمرتين وفي ذلك مدخلاً في الفضل المذكور. ويؤخذ منه أن النهي عن الشرب في نفس واحد للتنزيه قاله الحافظ.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي.
وأبو عصام هذا لا يعرف اسمه وانفرد به مسلم وليس له في كتابه سوى هذا الحديث.

(10/139)


21- باب في النفخ في الشراب والتنفس فيه
3722 - حدثنا عَبْدُ الله بنُ مُحمّدِ النّفَيْلِيّ قَالَ حدثنا ابنُ عُيَيْنَةَ عنْ عَبْدِالْكَرِيمِ عنْ عِكْرِمَةَ عنْ ابنِ عَبّاسٍ قالَ: نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ يُتَنَفّسَ في الإنَاءِ أوْ يُنْفَخَ فِيهِ .
ـــــــ
"باب في النفخ في الشراب"
"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتنفس" بصيغة المجهول أي لخوف بروز شيء من ريقه فيقع في الماء، وقد يكون متغير الفم فتعلق الرائحة بالماء لرقته ولطافته، فيكون الأحسن في الأدب أن يتنفس بعد إبانة الإناء عن فمه، وأن لا يتنفس فيه "أو ينفخ" بصيغة فليصبر حتى يبرد، وإن كان من أجل قذي يبصره فليمطه بأصبع أو بخلال أو نحوه ولا حاجة به إلى النفخ فيه بحال "فيه" أي في الإناء الذي يشرب منه والإناء يشمل إناء الطعام والشراب فلا ينفح في الإناء ليذهب ما في الماء من قذاة ونحوها، فإنه لا يخلو النفخ غالباً من بزاق يستقذر منه، وكذا لا ينفح في الإناء لتبريد

(10/139)


3723 - حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ قالَ أخبرنا شُعْبَةُ عنْ يَزِيدَ بنِ حُمَيْرٍ عنْ عبد الله بنِ بُسْرٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ قَالَ: جَاءَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إلَى أبِي فَنَزَلَ عَلَيْهِ فَقَدّمَ إلَيْهِ طَعَاماً فَذَكَرَ حَيْساً أتَاهُ بِهِ ثُمّ أتَاهُ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ فَنَاوَلَ مَنْ عَلَى يَمِينِهِ فَأَكَلَ [وأكل] تَمْراً فَجَعَلَ يُلْقِي النّوَى عَلَى ظَهْرِ أَصْبُعِهِ السّبّابَةِ وَالْوُسْطَى، فَلَمّا قَامَ قَامَ أبي فَأَخَذَ بِلِجَامِ دَابّتِهِ، فَقالَ ادْعُ الله لِي، فَقَالَ: "اللّهُمّ بَارِكْ لَهُمْ فِيمَا رَزَقْتَهُمْ، وَاغْفِرْ لَهُمْ وَارْحَمْهُمْ" .
ـــــــ
الطعام الحار بل يصبر إلى أن يبرد ولا يأكله حاراً، فان البركة تذهب منه، وهو شراب أهل النار، كذا في النيل. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن صحيح. هذا آخر كلامه. وقد أخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي النهي عن التنفس في الإناء من حديث أبي قتادة الأنصاري، وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتنفس في الإناء ثلاثاً من حديث أنس بن مالك رضي الله عنهم والجمع بينهما ظاهر والله أعلم.
"عن يزيد بن خمير" بضم الخاء المعجمة وفتح الميم صدوق من الخامسة "عن عبد الله بن بسر" بضم الموحدة وسكون المهملة صحابي صغير ولأبيه صحبة "فنزل" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "عليه" أي علي أبي "فقدم" بتشديد الدال "حيسا" الحيس طعام متخذ من تمر وأقط وسمن أو دقيق أو فتيت بدل أقط "فناول" أي أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم فضله "فجعل يلقى النوى على ظهر أصبعيه السبابة والوسطى" أي يحمعه على ظهر الأصبعين لقلته ثم يرمي به ولم يلقه في إناء التمر لئلا يختلط به. قال السيوطي: قلت لأنه صلى الله عليه وسلم "نهى أن يجعل الآكل النوى على الطبق" رواه البيهقي وعلله الترمذي بأنه قد يخالطه الريق ورطوبة الفم، فإذا خالطه ما في الطبق عافته النفس كذا في فتح الودود "فلما قام" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم ومطابقة الحديث بالباب أنه لما لم يلق النوى الذي خالطه الريق ورطوبة الفم في إناء التمر لئلا يختلط بالتمر فتستقذر به النفس فكيف ينفخ في الشراب والطعام لأن النفخ لا يخلو من بزاق وغيره الذي يستقذر به النفس. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي.

(10/140)


22- باب ما يقول إذا شرب اللبن
3724 - حدثنا مُسَدّدٌ قالَ أخبرنا حَمّادٌ يَعْني ابنَ زَيْدٍ ح. وَحدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ قالَ أخبرنا حَمّادٌ يَعْني ابنَ سَلَمَةَ عنْ عَلِيّ بنِ زَيْدٍ عنْ عُمَرَ بنِ حَرْمَلَةَ عنِ ابنِ عَبّاسٍ قالَ: كُنْتُ في بَيْتِ مَيْمُونَةَ، فَدَخَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَمَعَهُ خَالِدُ بنُ الْوَلِيدِ فَجَاؤُوا بِضُبّيْنِ مَشْوِيّيْنِ عَلَى ثُمَامَتَيْنِ فَتَبَزّقَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فقَالَ خَالِدٌ إخَالُكَ تَقْذُرُهُ يَارَسُولَ الله؟ فَقَالَ: "أجَلْ"، ثُمّ أُتِيَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِلَبَنٍ فَشَرِبَ، فقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذَا أكَلَ أحَدُكُمْ طَعَاماً فَلْيَقُلْ: اللّهُمّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَأطْعِمْنَا خَيْراً مِنْهُ، وَإذَا سُقِيَ لَبَنَاً فَلْيَقُلْ: اللّهُمّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَزِدْنَا مِنْهُ، فَإِنّهُ لَيْسَ شَيْءٌ يُجْزِئ مِنَ الطّعَامِ وَالشّرَابِ إلاّ اللّبَنُ" . قال أبُو دَاوُدَ: هَذَا لَفْظُ مُسَدّدٍ.
ـــــــ
"باب ما يقول إذا شرب اللبن"
"عن علي بن زيد" فحماد بن زيد وحماد بن سلمة كلاهما يرويان عن علي ابن زيد بن جدعان "كنت في بيت ميمونة" أي زوج النبي صلى الله عليه وسلم وهي خالة ابن عباس وخالد بن الوليد "فجاءوا بضبين" تثنية الضب وهو دويبة نشبه الحرذون لكنه أكبر منه قليلاً ويقال للأنثى ضبة ويأتي حكم أكله في مقامه "على ثمامتين" أي عودين واحدهما ثمامة، والثمام شجرة دقيق العود ضعيفة. كذا قال الخطابي "فقال خالد إخالك" بكسر الهمزة أي أظنك. قال في القاموس: خال الشيء ظنه وتقول في مستقبله إخال بكسر الألف ويفتح في لغية "تقذره" أي تكرهه "وإذا سقى" بصيغة المجهول "فإنه ليس شيء يجزىء" بضم الياء وكسر الزاي بعدها همزة أي يكفي في دفع الجوع والعطش معاً "من الطعام والشراب" أي من جنس المأكول والمشروب "إلا اللبن" بالرفع على أنه بدل من الضمير في يجزىء ويجوز نصبه على الاستثناء "هذا لفظ مسدد" أي لفظ الحديث المذكور لفظ حديث مسدد.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال حسن. هذا آخر كلامه. وعمر بن حرملة ويقال ابن أبي حرملة سئل عنه أبو زرعة الرازي فقال بصري لا أعرفه إلا في هذا الحديث وفي إسناده أيضاً علي بن زيد بن جدعان أبو الحسن البصري وقد ضعفه جماعة من الأئمة.

(10/141)


23- باب في إيكاء الآنية
3725 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ قالَ أخبرنا يَحْيَى عن ابنِ جُرَيْجٍ قالَ أخبرني عَطَاءٌ عنْ جَابِرٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "أغْلِقْ بَابَكَ وَاذْكُرِ اسْمَ الله فَإِنّ الشّيْطَانَ لاَ يَفْتَحُ بَاباً مُغْلقاً، وَاطْفِ مِصْبَاحَكَ وَاذْكُرِ اسْمَ الله، وَخَمّرْ إنَاءَكَ وَلَوْ بِعُودٍ تَعْرِضُهُ عَلَيْهِ وَاذْكُرِ اسْمَ الله، وَأوْكِ سِقَاءَكَ وَاذْكُرِ اسْمَ الله" .
3726 - حدثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيّ عنْ مَالِكٍ عنْ أبِي الزّبَيْرِ عنْ جَابِرِ بنِ عبد الله عنِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِهَذَا الْخَبَرِ، وَلَيْسَ بِتَمَامِهِ قالَ: " فَإنّ الشّيْطَانَ لاَ يَفْتَحُ بَاباً غَلَقاً، وَلا يَحُلّ وِكَاءً، وَلاَ يَكْشِفُ إنَاءً، وَإنّ الْفُوَيْسِقَةَ تُضْرِمُ عَلَى النّاسِ بَيْتَهُمْ أوْ بُيُوتَهُمْ" .
ـــــــ
"باب في إيكاء الآنية"
-"أغلق بابك" من الإغلاق "واذكر اسم الله" أي حين الإغلاق "فإن الشيطان لا يفتح باباً مغلقاً" أي باباً أغلق مع ذكر الله عليه "وأطف" بفتح الهمزة من الإطفاء "مصباحك" أي سراجك "وخمر" بفتح المعجمة وتشديد الميم أي غط من التخمير وهو التغطية "ولو بعود تعرضه" بفتح أوله وضم الراء. قاله الأصعمي وهو رواية الجمهور، وأجاز أبو عبيد كسر الراء وهو مأخوذ من العرض أي تجعل العود عليه بالعرض. والمعنى أنه لم يغطه فلا أقل من أن يعرض عليه شيئاً. قال الحافظ: وأظن السر في الاكتفا بعرض العود أن تعاطى التغطية أو العرض يقترن بالتسمية فيكون العرض علامة على التسمية فتمتنع الشياطين من الدنو منه "عليه" أي على الإناء "وأوك" بفتح الهمزة من الإيكاء "سقاءك" أي شد واربط رأس سقاءك بالوكاء وهو الحبل لئلا يدخله حيوان أو يسقط فيه شيء "واذكر اسم الله" أي وقت الإيكاء.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.
"عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الخبر" أي رواية أبي الزبير كرواية عطاء لكن ليست بأتم وأطول مثل رواية عطاء. وأخرج مالك في الموطأ عن أبي الزبير المكي عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "أغلقوا الباب وأوكوا السقاء وأكفؤا الإناء أو خمروا الإناء وأطفؤا المصباح فإن الشيطان لا يفتح غلقاً، ولا يحل وكاء ولا يكشف إناء، وإن الفويسقة تضرم على الناس بيوتهم" "فإن الشيطان لا يفتح باباً غلقاً" ضبطه في فتح الودود بفتحتين، وكذا ضبطه الزرقاني في شرح الموطأ، لكن قال في القاموس باب غلق بضميتين مغلق وبالتحريك المغلاق وهو ما يغلق به الباب "ولا يحل" بضم الحاء "ولا يكشف إناء" أي بشرط التسمية عند الأفعال جميعها "وإن

(10/142)


3727 - حدثنا مُسَدّدٌ وَ فُضَيْلُ بنُ عَبْدِ الْوَهّابِ السّكّرِيّ قالا أخبرنا حَمّادٌ عنْ كَثِيرِ بنِ شِنْظيرٍ عنْ عَطَاءٍ عنْ جَابِرِ بنِ عبد الله رَفَعَهُ [يرفعه] قالَ: "وَاكْفِتُوا صِبْيَانَكُم عِنْدَ الْعِشَاء" ، وَقالَ مُسَدّدٌ عِنْدَ المَسَاءِ فَإنّ لِلْجِنّ انْتِشَاراً وَخَطْفَةً.
3728 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ قالَ أخبرنا أبُو مُعَاوِيَةَ قالَ أخبرنا الأعْمَشُ عنْ أبي صَالِحٍ عنْ جَابِرٍ قالَ: كُنّا مَعَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَاسْتَسْقَى فقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ ألاَ نَسْقِيكَ نَبِيذاً؟ قالَ: "بَلَى" قالَ: فَخَرَجَ الرّجُلُ يَشْتَدّ فَجَاءَ بِقَدَحٍ فِيهِ نَبِيذٌ، فَقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ألاَ خَمّرْتَهُ، وَلَوْ أنْ تَعْرُضَ عَلَيْهِ عُوداً" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: قالَ الأصْمَعِيّ تَعْرُضَهُ [يعرض- يعرضه عَلَيْهِ.
ـــــــ
الفويسقة" تصغير الفاسقة والمراد الفأرة لخروجها من جحرها على الناس وإفسادها "تضرم" بضم التاء وكسر الراء المخففة أي توقد النار وتحرق "بيتهم أو بيوتهم" شك من الراوي.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي وابن ماجه.
"السكرى" بضم السين وبعدها كاف مشدده منسوب إلى بيع السكر والله أعلم "عن كثير بن شنظير" بكسر المعجمتين بينهما نون ساكنة صدوق يخطىء "رفعه" أي رفع الحديث "أكفتوا" بهمز وصل وكسر فاء وضم فوقية أي ضموا صبيانكم إليكم وأدخلوهم البيوت وامنعوهم عن الانتشار "عند العشاء" بكسر العين أي أول ظلام الليل "وقال مسدد" أي في روايته "عند المساء" أي مكان عند العشاء "فإن للجن انتشاراً وخطفة" بفتح فسكون أي سلباً سريعاً.
قال المنذري: وقد تقدم حديث عطاء.
"فاستسقى" أي طلب الماء "فخرج الرجل يشتد" أي يسعى "ألا" بتشديد اللام أي هلا "خَمّرته" من التخمير بمعنى التغطية أي لم لا سترته وغطيته "ولو أن تعرض عليه عوداً" يقال عرضت العود على الإناء أعرضه بكسر الراء في قول عامة الناس إلا الأصمعي فإنه قال أعرضه مضمومة الراء في هذا خاصة. والمعنى هلا غطيته بغطاء فإن لم تفعل فلا أقل من أن تعرض عليه شيئاً "قال الأصمعي تعرضه عليه" أي بضم الراء بخلاف عامة الناس فإنهم يكسرونها كما مر، ولعل المؤلف كان ضبط ضم الراء بالقلم ثم تركه النساخ والله تعالى أعلم.
قال المنذري: وأخرجه مسلم بنحوه عن أبي صالح وحده انتهى يعني أخرج مسلم

(10/143)


3729 - حدثنا سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ وَ عَبْدُ الله بنُ مُحمّدِ النّفَيْلِيّ وَ قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قالُوا أخبرنا عبد العزيز يَعْني ابنَ مُحمّدٍ عنْ هِشَامٍ عنْ أبِيهِ عن عَائِشَةَ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كانَ يُسْتَعْذَبُ لَهُ المَاءَ مِنْ بُيُوتِ السّقْيَا قالَ قُتَيْبَةُ: هِيَ عَيْنٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ المَدِينَةِ يَوْمَانِ.
آخر كتاب الأشربة
ـــــــ
الحديث من وجهين الأول من طريق أبي معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن جابر بن عبد الله، والثاني من طريق جرير عن الأعمش عن أبي سفيان وأبي صالح كليهما عن جابر فرواية أبي داوود نحو الرواية الأولى لمسلم وهي رواية أبي صالح وحده عن جابر.
-"يستعذب له الماء" بصيغة المجهول أي يجاء بالماء العذب وهو الطيب الذي لا ملوحة فيه، لأن مياه المدينة كانت مالحة "من بيوت السقيا" بضم السين المهملة وسكون القاف ومثناة مقصوراً "قال قتيبة هي" أي السقيا "عين بينها وبين المدينة يومان" وقال السيوطي: هي قرية جامعة بين مكة والمدينة. وفي القاموس: السقيا بالضم موضع بين المدينة وواد بالصفراء. والحديث سكت عنه المنذري.

(10/144)